######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009270 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي #META# 010.AuthorNAME :: برهان الدين أبي الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 855 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التفاسير :: كتب التفاسير وعلوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: نظم الدرر #META# 030.LibURI :: JK_009270 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الرزاق غالب المهدي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1415هـ- 1995م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # < # > سورة الفاتحة < # > < < # | الفاتحة : ( 1 - 7 ) بسم الله الرحمن . . . . . # > > ^ ( بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم ~~* ملك يوم الدين * إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم * صراط ~~الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين ) ^ } ) | بسم الله ~~القيوم الشهيد الذي لا يعزب شيء عن علمه ، ولا يكون شيء إلا بإذنه ، الرحمن ~~الرحيم الذي عمت رحمته الموجودات ، وطبع في مرائي القلوب عظمته فتعالت تلك ~~السبحات ، وأجري على الألسنة ذكره في العبادات والعادات ، الرحيم الذي تمت ~~معمته بتخصيص أهل ولايته بأرضى العبادات . | قال شيخنا الإمام المحقق أبو ~~الفضل محمد بن العلامة القدوة أبي عبد الله | محمد ابن العلامة القدوة أبي ~~القاسم محمد المشدالي المغربي البجائي المالكي علامة | الزمان سقى الله ~~عهده سحائب الرضوان وأسكنه أعلى الجنان : الأمر الكلي المفيد | لعرفان ~~مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذي سبقت له السورة ، ~~وتنظر ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات ~~في القرب والبعد | من المطلوب ، وتنظر عند انجرار الكلام في المقدمات إلى ~~ما يستتبعه من | استشراف نفس السامع إلى الأحكام واللوازم التابعة له اللتي ~~له التي تقتضي البلاغة شفاء العليل يدفع عناء الاستشراف إلى الوقوف عليها ، ~~فهذا هو الأمر الكلي المهيمن على حكم الربك بين جميع أجزاء القرآن ، وإذا ~~فعلته تبين لك إن شاء الله وجه النظم مفصلا بين كل آية وآية في كل سورة ~~سورة والله الهادي . انتهى . وقد ظهر لي باستعمالي لهذه القاعدة | ~~PageV01P011 بعد وصولي إلى سورة سبأ في السنة العاشرة من ابتدائي في عمل ~~هذا الكتاب أن اسم | كل سورة مترجم عن مقصودها هلأن أسم كل شيء تظهر ~~المناسبة بينه وبين مسماه عنوانه الدال إجمالا على تفصيل ما فيه ، وذلك هو ~~الذي أنبأ به آدم عليه الصلاة والسلام عند العرض على المالئكة عليهم الصلاة ~~والسلام ، ومقضود كل سورة هاد إلى تناسبها ، مقثصود السورة ، ولا أخرج عن ~~معاني كلماتها ، فالفاتحة أسمها ' أم الكتاب ' ' والأساسا ' ' والمثاني ' ' ~~والكنز ' و ' الشافية ' و ' الكافية ' و ' الوزافية ms0001 ' و ' الواقية ' و ' ~~الرقية ' و ' الحمد ' و ' الشكر ' و ' الدعاء ' و ' الصلاة ' فمدار هذه ~~الأسماء كما ترى على أمر خفي كاف لكل مراد وهو المراقبة التي سأقول إنها ~~مقصودها فكل شيء لا يفتتح بها لا اعتداد به ، وهي كنز لكل شيء شافية لكل ~~داء ، كافية لكل هم ، وافية بكل مرام ، واقية من كل سوء رقية لكل ملم ، وهي ~~إثبات للحمد الذي هو الإحاطة بصفات الكمال ، وللشكر الذي هوز تعظيم المنعم ~~، وهي عين الدعاء فإنه التوجه إلى المدعو ، وأعظم مجامعها الصلاة . | إذا ~~تقررت ذلك فالغرض الذي سبقت له الفاتحة وه إثبات استحقاق الله تعالى لجميع ~~المحامد وصفا الكمال ، واختصاصه بملك الدنيا والآخرة ، وباستحقاق العبادة ~~والاستعانة ، بالسؤال في المن بإلزام صراط الفائزين والإنقاذ من طريق ~~الهالكين مختصا بذلك كله ، ومدار ذلك كله مراقبة العباد لربهم ، لإفراده ~~بالعبادة ، نفهو مقصود الفاتحة بالذات وغيره وسائل إليه ، فإنه لا بد في ~~ذلك من إثبات إحاطته تعالى بكل شيء ولن يثبت حتى يعلم أنه المختص بأنه ~~الخالق اللملك المالك ، لأن المقصود منت إرسال الرسل وإنزال الكتب نصب ~~الشرائع ، والمقصود من نصب الشرائع جمع الخلق على الحق والمقصود من جمعهم ~~تعريفهم الملك وبما يرضيه ، وهو مقصود القرآن الذي انتظمته الفاتحة بالقصد ~~الأول ، ولن يكون ذلك إلا بما ذكر علما وعملا ، ولما كان المقصود من جمعهم ~~على الله تعالى معرفته لأجل عباداته وكان اتزام اسمه تعالى في كل حركة ~~وسكون قائدا إلى مراقبته وداعيا إلى مخافته واعتقاد أن مصادر الأمور ~~ومواردها منه وإليه شرعت التسمية أول كل شيء فصدرت بها الفاتحة . وقد ~~التعود الذي هو من درء المفاسد تعظيما للقرآن بالإشارة إلى أن يتعين لتاليه ~~أن يجتهد في تصفية سره وجمع متفرق أمره ، لينال سؤله ومراده مما أودعه من ~~خزائن السعادة بإعراضه عن العدو الحسود وإقباله على الولي الودود ، ومن هنا ~~تعرف مناسبة المعوذتين بالفاتحة . ولما افتتح التعوذ بالهمزة أشارة إلى ~~ابتداء الخلق وختم بالميم إيماء إلى المعاد جعلت البسملة كلها للمعاد ~~لأبتدائها بحرف شفوي ، وختام أول كلماتها ms0002 ومآخرها بآخر إشارة إلى أن ~~PageV01P012 الرجوع إليه في الدنيا معنى بتدبير الأمور وإن كان أكثر الخلق ~~غافلا عنه ، وفي البرزخ حسا بالاموت ، وفي الآخرة كذلك بالبعث ، كما أشار ~~إلى ذلك تكرير الميم المختتم بها في اسمها بذكرها فيه مرتين إشارة إلى ~~المعادين الحسيين والله أعلم . والمراد بالاسم الصفات العليا . وقال ~~الأستاذ أبو الحسن الحرالي في تفسيره في غريب ألفاظ البسملة : الباء معناها ~~أظهره الله سبحانه من حكمة التسبيب ، ' الاسم ' ظهور ما غاب أو غمض للقلوب ~~بواسطة اآذان على صورة الأفراد ، ' الله ' اسم ما تعنو إليه القلوب عند ~~موقف العقول فتأله فيه أي تتحير فتتألهه وتلهو به أي تغني به عن كل شيء ' ~~الرحمن ' شامل الرحمة لكافة ما تناولته الربوبية ، ' الرحيم ' خاص بالرحمة ~~بما ترضاه اإلهية . وقال في غريب معناها : لما أظهر الله سبحانه حكمة ~~التسبيب وأرى الخلق استفادة بعض الأشياء من أشياء أخر متقدمة عليها كأنها ~~أسبابها ، وقف بعض الناس عند أول سبب فلم ير ما قبله ، ومنهم من وقف عند ~~سبب السبب إلى ما عساه ينتهي إليه عقله ، فطوى الحق تعالى تلك الأسباب ~~وأظهر بالبسملة أي بتقديم الجار أن كل شيء باسمه لا بسبب سواه ، وقال ~~استفتح أم القرآن بالبسملة لما كانت نسبتها من متلو الصحف والكتب الماضية ~~نسبة أم القرآن الكتاب الجامع للصحف والكتب لموضع طيها الأسباب ، كما تضمنت ~~أم القرآن سر ظهور الأفعلال بالعناية من الحميد المجيد ويفي آية ' إياك ~~نعبد وإياك نستعين ' هذا في ظاهر الخطاب إل مكا وراء ذلك من باطنه فإن لكل ~~آية ظهرا وبطنا وليلتزمها الخلق يفي ابتداء أقوالهم وأفعالهم ، هكذا قال . ~~وأشد منه أنه لما كانت نسبة البسملة من الفاتحة نسبة الفاتحة من القرآن ~~صدرت بها الفاتحة كما صدر القرآن بالفاتحة ، لأنها لما أفادت نسبة الأمور ~~كلها إليه سبحانه وحده أفادت أنه الإله وحده وذلك هو إجما لتفصيل الفاتحة ~~كما أن الفاتحة إجمال تفصيل القرآن من الأصول والفروع والمعارف واللطائف . ~~ولما كان اسم الجلالة علما وكان جامعا لجميع معاني الأسماء الحسنى أولية ms0003 ~~الرحمن من حيث أنه كالعلم في أنه لا يوصف به غيره ومن حيث أنه أبلغ من ~~الرحيم فأولى الأبلغ الأبلغ ، وذلك موافق لترتيب الوجود ، الإيجاد ثم النعم ~~العامة ثم الخاصة بالعبادة ، وذكر الوصفان ترغيبا ، وطويت النقمة في إفهام ~~اختصاص الثاني لتمام الترغيب بالإشارة إلأى الترهيب . والمراد بهما هنا أنه ~~سبحانه يستحق لااتصاف بهما لذاته ، وكررهما بعهد تنبيها عل وجوب ذلك ~~للربوبية والملك وللدلالة على أن الرحمة غلبت الغضب ، وفيهمات إلى ما ذك ~~رمن الترغيب الدلالة على سائر الصفات الحسنى ، لأن من عمت رحمته امتنع أن ~~يكون فيه شوب نقص وفي آخر سبحان لهذا المكان مزيد بيان ، وكونها تسعة عشر ~~حرفا خطية وثمانية عشر لفظية إشارة إلى أنها دوافع النقمة من النار التي ~~أصحابها تسعة عشر ، وجوالب للرحمة بركعات PageV01P013 الصلوات الخمس وركعة ~~الوتر اللاتي من أعظم العبادات الكبرى . ولما كانت البسملة نوعا من الحمد ~~ناسب كل المناسبة تعقيبها باسم الحمد ةالكلي الجامع لجميع أفراده فكأنه قبل ~~: احمدوه لأنه المستحق لجميع المحامد ، وخصوا هذا النوع من الحمد في افتتاح ~~أموركم لما ذكر من استشعار الرغبة إليع والرهبة منه المؤدي إلى لزوم طريق ~~الهدى ، والله الموفق . ولما أثبت بقوله : { الحمد لله } أنه المستحق لجميع ~~المحامد لا لشىء غير ذاته الحائز لجميع الكمالات أشار إلى أنه يستحقه ~~أيضامن حيث كونه ربامالكامنعمافقال : { رب } وأشار بقوله : { العالمين } ~~إلى ابتداء الخلق تنبيهاعلى الاستدلالات نالموضوع على الصانع وبالبداءة غلى ~~الإعادة كما ابندأالتوراة بذلك لذلك قال الحرالي : و { الحمد } المدح ~~الكامل الذي يحيط بجميع الأفعال والأوصاف , على أن جميعها إنما هو من الله ~~سبحانه ةتعالى وأنه كله مدح لا يتطرق إلى ذم , فإذا اضمحل ازدواج المدح ~~بالذم وعلم سريان المدح في الكل استحق عند ذلك ظهور اسم الحمد مكملامعرفا ~~بكلمة ( أل ) وهي كلمة دالة فيما اتصلت به على انتهائه وكماله . انتهى . | ~~ولما كانت مرتبة الربوبية لا تستجمع الصلاح إل بالرحمة اتبع ذلك بصفتي { ~~الرحمن الرحيم } ترغبيافي لزوم حمده , وهي تتضمن تثنية تفصيل ما شمله الحمد ~~أصلا ؛ وسيأتي سر لتكرير ms0004 هاتين الصفتين في الأنعام عند < # > 77 ( { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } ) 77 < # > [ الأنعام : 118 ] عن الإمام حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى أنه ~~لا مكرر في القرآن . | ولما كان الرب المنعوت بالرمحة قد لايكون مالكاوكانت ~~الربوبية لاتتم إلا بالملك المفيد للعزة المقرون بابلهيبة المثمرة للبطش ~~والقهر المنتج لنفذ الأمر اتبع ذلك بقوله : { مالك يوم الدين } ترهبيامن ~~سطوات مجده . قال الحرالي : ولايوم مقدار ما يتم فيه أمر ظاهر , ثم قال : و ~~{ يوم الدين } في الظاهر هو يوم الحشر إلى خلود فالأبد , وهوفي الحقيقة ~~تسقط دعوى المدعين , وهو من أول يوم الحشر إلى الخلود فا لأبد , وهو في ~~الحقيقة من أول يوم نفوذ الجزاء عند مقارنة الذنب في باطن العامل أثر العمل ~~إلى أشد انهائه في ظاهره , لأن الجزاء لا يتاخر عن الذنب وإنما يخفى لوقوعه ~~في الباطن وتأخره عن معرفة ظهور في الظاهر , ولذلك يؤثر عنه عليه الصلاة ~~والسلام : ( إن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء ) وأيضا فكل عقاب ~~يقع في الدنيا على أيدي الخلق فإنما هو PageV01P014 جزاء من الله وإن كان ~~أصحاب الغفلة ينسبونه للعوائد , كما قالوا : < # > 77 ( { مس آباءنا الضراء والسراء } ) 77 < # > [ الأعراف : 95 ] ويضفونه للمعتدين عليهم بزعمهم , وإنما هو كمال قال ~~تعالى : < # > 77 ( { وما اصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } ) 77 < # > [ الشورى : 30 ] كما وردعنه عليه الصلاة والسلام : ( الحمى من قيح جهنم ~~, وإن شدة الحر والقر من نفسها ) وهي سوط الجزاء الذي أهل الدنيا بأجمعهم ~~مضربون به , ومنهل االتجهم الذي أجمعهم واردوه من حيث لايشعر به أكثرهم , ~~قال عليه الصلاة والسلام : ( المرض سوط الله في الأرض يؤدب به عبادة ) ~~وكذلك ما يصيبهم من عذاب النفس بنوعالغم والهم والقلق والحرص وغير ذلك , ~~وهو تعالى بمقتضى ذلك كله ملك يوم الدين ومالكه يوم الدين ومالكه مطلقافي ~~الدنيا والآخرة وإلى الملك أنهى الحق تعالى تنزل أمره العلي لأن به رجع ~~الأمر عوداعلى بدء بالجزاء العائد على آثار ما جبلوا عليه من الأوصاف تظهر ~~عليهم من الأفعال كما قال ms0005 تعالى : < # > 77 ( { وسيجزيهم وصفهم } ) 77 < # > [ الأنعام : 193 ] و < # > 77 ( { جزاء بما كانوا يعملون } ) 77 < # > [ السجدة : 17 ] . [ الأحقاف : 4 ] , [ الواقعة : 24 ] وبه تم انتهاء ~~الشرف العلي وهو المجد الذي عبر عنه قوله تعالى : ( مجدني عبدي ) انتهى , ~~ولنا لم يكن فرق هما في الدلالة على الملك PageV01P015 بين قراءة ( ملك ) ~~وقراءة ( مالك ) جاءت الرواية بهما , وذلك لأن المالك إذا أضيف إلى اليوم ~~أفاد اختصاصه بجميع ما فيه من جوهرة وعرض , فلا يكون لأحد معه أمر ولامعنى ~~للملك سوى هذا , ولما لم تفد إضافة إلى الناس هذا المعنى لم يكن خلاف في < # > 77 ( { ملك الناس } ) 77 < # > [ الناس : 2 ] فلما استجمع الأمر استحقاقا وتحبيبا وترغيبا وترهيبا كان ~~من شأن كل ذي لب الإقبال إليه وقصر الهمم عليه فقال عادلاعن أسلوب الغيبة ~~إلى الخطاب لهذا مقدمامقدما للوسيلة على طلب الحاجة لأنه أجد بالإجابة { ~~إياك } أي يا من هذه الصفات صفاته { نعبد } كما قال الحالي : تبلغ الغاية ~~في أنحاء التذلل , وأعقبه بقوله مكرراللضمير حثاعلى المبالغة في طلب العون ~~{ وإياك نستعين } إشارة إلى أن عبادته لا تتهيأ إلا بمعونته وإلى أن ملاك ~~الهداية بيدة : فانظر كيف ابتدأسبحانه بالذات , ثم دل عليه بالأفعال , ثم ~~رقي إلى الصفات , ثم رجع إلى الذات إيماء إلى أنه أول وآخر المحيط , فلما ~~حصل الوصول إلى شعبة من علم الفعال والصفات علم الاستحقاق للأفراد بالعبادة ~~فعلم العجز عن الوفاء بالحق فطلب الإعانة , والنسائى وهذا لفظة في التعود ~~عن عائشة رضى الله عنها : ( أعوذ بعوفك من عقوبتك , وبرضاك من سخطك , وبك ~~منك ) ثم أتبعه فيما زاد عن النسائي الاعتراف بالعجز في قوله : ( لا أحصي ~~ثناء عليك أنت أثنيت على نفسك ) وفي آخر سورة اقرأ شرح بديع لهذا الحديث . ~~| PageV01P016 قال الحرالي : وهذه الآيات أى هذه وما بهدها مما جاء كلام ~~الله فيه جارياعلى لسان خلقه فإن القرآن كله كلام الله لكن ما هو كلام الله ~~عن نفسه ومنه ما هو كلام الله عما كان يجب أن ينطبق على اختلاف ألسنتهم ~~وأحوالهم وترقي درجاتهم ورتب تفاضلهم مما ms0006 لايمكن البلوغ إلى كنهه لقصورهم ~~وعجزهم فتولى الله الوكيل على كل شىء الإنباء عنهم بما كان يجب عليهم مما ~~لا يبلغ إليه وخلقه وجعل تلاوتهم لما أنبأ به على ألسنتهم نازلالهم منزلة ~~أن لو كان ذلك إلى أنفسهم لم يأتوا بشىء تصلح به أحوالهم في دينهم ودنياهم ~~, ولذلك لا يستطيعوا شكر هذه النمعة إلا أن يتولى هو تعالى بما يلقنهم من ~~كلامه مما يكون أداء لحق فضله عليهم بذلك , وإذا كانوا لا يستطعون الإنباء ~~عن أنفسهم بما يجب عليهم من حق ربهم فكيف بما يكون نبأ عن تحميد الله ~~وتمجيده , فإذا ليس لهم وصلة إلا تلاوة كلامه العلي بفهم كان أوبغير فهم , ~~وتلك هي صلاتهم المقسمة التى عبر عنها فيما صح عنه علية الصلاة والسلام من ~~قوله تعالى : ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ) ثم تلا هذه السورة ؛ ~~فجاءت الآيات الثلاث الأول بحمد الله تعالى نفسه , فإذا تلاها العبد قبل ~~الله منه تلاوة عبده كلامه وجعاها منه حمدا وثناء وتمجيدا , وجاءت هذه ~~الآيات على لست خلقه فكان ظاهرهاغ التزام عهد العبادة وهو ما يرجع إلى ~~العبد وعمادها طلب المعونة من الله سبحانه وهوما يرجع الحق , فكانت بينه ~~وبين عبده وتقدمت بينيته تعالى , لأن المعونة متقدمة على العبادة وواقعة ~~بها وهو مجاب فيما طلب من المعونة , فمن كانت عليه مؤنة شىء فاستعان الله ~~فيهالا على مقتضى هذه الآية جاءته المعونة على قدر مؤنته , فلا يقع لمن ~~اعتمد مقتضى هذه الاية عجز عن مرام أبداوإنما يقع العجز ببخس الحظ من الله ~~تعالى والجهل بمقتضى ما أحكمته هذه الآية والغفلة عن النعمة بها , وفي قوله ~~: { نعبد } بنون الاستتباع إشعار بأن الصلاة بنيت على الاجتماع . انتهى . ~~وفي الآية ندب إلى اعتقاد العجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته , ~~فا قتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال فقال : { اهدنا الصراط المستقيم } ~~تلقينا لأهل لطفه وتنبيهاعلى محل السلوك الذي لا وصول بدونه , والهدى قال : ~~الحراني : مرجع الضال إلى ما ضل عنه , والصراط الطريق الخطر السلوك , ~~والاية من كلام ms0007 الله تعالى على لسان العلية من خلقه , وجاء مكملابكلمة ( أل ~~) لأنه الصراط الذي لايضل بمهتدية لإحاطته واشمول سريانه وفقالشمول معنى ~~الحمد في الوجود كله وهو PageV01P017 الذي تشتت الآراء وتفرقت باميل إلى ~~واحد من جا نبيه وهوالذي ينصب مثاله . | وعلى حذو معناه بين ظهراني جهنم ~~يوم الجزاء للعيان وتحفه مثل تلك الآراء خطاطيف وكلاليب , تجري أحوال الناس ~~معها في المعاد على حسب مجراهم مع حقائقها التي ابتداء في يوم العمل , وهذا ~~الصراط الأكمل وهوالحيط المترتب على الضلال الذى يعبر به عن حال من لاوجه ~~له , وهو ضلال ممدوح لأنه يكون عن سلامة الفطرة لأن من لا علم له بوجهة ~~فحقه الوقوف عن كل وجهة وهوضلال يستلزم هدى محيطا منه < # > 77 ( { ووجدك ضالا فهدى } ) 77 < # > [ الضحى : 6 ] وأما من هدى وجهة ما فضل عن مرجععها فهو ضلال مذموم لأنه ~~ضالال بعد هدى وهو يكون عن اعوجاج في الجبلة . | انتهى . | ثم أكد سبحانه ~~وتعالى الإخبار بأن ذلك لن يكون إلا بإنعامه منبهابهذا التأكيد الذي أفاده ~~الإبدال على عظمة هذا الطريق فقال : { صراط الذين أنعمت عليهم } فأشار إلى ~~أن الاعتصام به في اتباع رسله , ولما كان سبحانه عام النعمة لكل موجود ~~عدواكان أو وليا , وان حذف المنعم به لإرادة التعميم من باب تقليل اللفظ ~~لتكثير المعنى فكان من المعلوم أن محط السؤال بعض أهل دمشق , علم أن المنفى ~~غير داخل في الأول لأن شرطه أن يتبعاه متعاطفه كما صرحوا به , بخلاف ما لو ~~قيل : اتبع طريق أهل مصر غير الظلمة , فإن يعلم أن الظلوة منهم , فأريد هنا ~~التعريف بأن النعمة عامة ولو لم تكن إلا با لإيجاد ومن العلوم أن السلوك لا ~~بد وان يصادف طريق بعضهم وهم منعم عليهم فلا يفيد السؤال حينئذ , فعرف أن ~~المسؤول إنما هو طريق أهل النعمة بصفة الرحيمية تشوقت النفوس إلى معرفتهم ~~فميزهم ببيان أضدادهم تحذيرامنهم , فعرف أنهم قسمان : قسم أريد للشقاوة ~~فعاند في إخلاله بالعمل فاستوجب الغضب , وقسم لم يرد للسعادة فضل من جهة ~~إخلاله بالعلم فصار ms0008 إلى العطب فقال مخوفابعد الترجية ليكمل الإيمان بالرجاء ~~والخوف معرفا بأن النعمة عامة والمراد منها ما يخص أهل الكرامة : { غير ~~الغضوب عليهم } أى الذين تعاملهم معاملة الضبان لمن وقع عليه غضبه , وتعرفت ~~( غير ) لتكون صفة للذين بإضافتها إلى الضد فكان مثل : الحركة غير السكون , ~~ولما كان المقصود من ( غير ) النفي لأن السياق له ةأنما عبر بها دون أداة ~~اشتثناء دلالة على بناء الكلام بادءى بدء على إخراج المتلبس بالصفة وصونا ~~للكلام عن إفهام أن ما يعد أقل ودون لا { ولا الضالين } فعلم مقدار النعمة ~~على القسم الأول وأنه لا نجاة إل باتباعهم وأن من حاد عن سبيلهم عامداأو ~~مخطئاشقي ليشمر أولو الجد عن ساق العزم وساعد الجهد في اقتفاء آثارهم للفوز ~~بحسن جوارهم في سيرهم وقرارهم . | < # > PageV01P018 قال الحرالي : { المغضوب عليهم } الذين ظهر منهم المراغمة ~~وتعمد الخالفة فيوجب ذلك الغضب من الأعلى والبغض من الأدنى . | { الضالين } ~~الذين وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها من غير تعمد لذلك . | ( أمين كلمة عزم من ~~الأمن , مدلولها أن المدعو مأمون منه أن يرد من دعاه لأنه لايعجز شىء ولا ~~ينعمه وهي لا تصلح إلا لله لأن ما دونه لاينفك عن عجز أو منع انتهى وهو صوت ~~سمي به الفعل الذي هو استجب وقد انعطف المنتهى على المبتدأبمراقبة القسم ~~الأول اسم الله فحازوا ثمرة الرحمة وخالف هذان القسمان فكانوا من حزب ~~الشيطان فأخذتهم النقمة , وعلم أن نظم القرآن على ما هو عليه معجز , ومن ثم ~~اشتراط في الفاتحة في الصلاة لكونها واجبة في الترتيب , فلو قدم فيها أو ~~أخر لم تصح الصلاة وكذا لو أدرج فيها ما ليس منها للاخلال بالنظم . | قال ~~الأصبهاني : فإن القرآن معجز والركن الأبين الإعجاز يتعلق بالنظم والترتيب ~~. انتهى . والحاصل أنه لما رفعت نلك الصفات العلية لمخاطبها الحجب وكشفت له ~~بسمو مجهدها وعلو جدها وشرف حمدها جلائل الستر وأشرقت به رياض الكرم ونشرت ~~له لطائف عواطفها بسط البر والنعم ثم اخترقت به مهامه العظمة والكبرياء ~~وطوت في تيسيرها له مفاوز الجبروت والعز وأومضت ms0009 له بوارق النقم من ذلك ~~الجناب الشم وصل إلى مقام الفناء عنالفني وتمكن في رتبة شهود البقاء للباقي ~~فبادر الخضوع له عن السوى حاكماعلى الأغيار بما لها منة ذواتها من العدم ~~والتوى فقال : { إياك نعبد } وفي تلك الحال تحقق العجز عن توفية ذلك المقام ~~ما له من الحق فقال : { وإياك نستعين } فكشف له الشهود في حضرات العبود عن ~~طرق عديدة ومنازل سامية بعيدة ورأى أحولا جمة وأودية مدلهمة وبحارامغرقة ~~وأنوالراهادية وأخرى محرقة , ورأى لكل أهلاقد أسلكوا فجاء تارة وأخرى ~~سهلاوعلم أن إلا بهدايته ولا ععمة بغير عنايته ولا سعادة إلا برحمته ولا ~~سلامة لغيرأهل نعمته ؛ فلما أشرف وستنار وعرف مواقع الأسرار بالأقدار كأنه ~~قيل له : ماذا تطلب وفي أي مذهب تذهب ؟ فقال : { اهدنا الصراط المستقيم } ~~PageV01P019 ولما طلب اشرف طريق سأل أحسن رفيق فقال { صراط الذين أنعمت ~~عليهم } ولما كانت النعمة قد تخص الدنيوية عينها واستعلذ من أولئك الذين ~~شاهدهم في التيه سائرين وعن قصد عائرين جائرين أو حائرين فقال : { غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين } وقد أشير في أم الكتاب . كما قال العلامة سعد ~~الدين مسعود ابن عمرو التفتازاني الشافعي . إلى جميع النعم فغنها ترجع إلى ~~إيجاد وإبقاء ثانيافي دار الفناء والبقاء , أماالإيجاد الأول فبقوله { ~~الحمد لله رب العالمين } فإن الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية , ~~وأما الإبقاء الأول فبقوله : { الرحمن الرحيم } أى االمنعم بجلائل النعم ~~ودقائقها التى بها البقاء , وأما الإيجاد الثاني فبقوله : { مالك يوم الدين ~~} وهو ظاهر , واما البقاء الثاني فبقوله : { إياك نعبد } إلى آخرها , فإن ~~منافع ذلك تعود إلى الآخرة . | ثم جاء التصدير بالحمد بعد الفاتحة في أربع ~~سور أشير في كل سورة منه إلى نعمة من النعم ترتيبها . انتهى . وسيأتي في كل ~~أول من السور الأربع ما يتعلق بها من بقية كلامةه إن شاء الله تعالى , وهذا ~~يرجع إلى أصل مدلول الحمد فإن مادته بكل ترتيب تدور على بلغوغ الغاية ويلزم ~~منه الاتساع والإحاطه والاستدارة فيلزمها مطأطأة الراس وقد يلزم الغاية ~~الرضا فيلزمه الشكر وسيبن وينزل ms0010 على الجزئيات في سورة النحل إن شاء الله ~~تعلى , ثم في أول سبأ تحقيق ما قاله الناس فيه وفي النسبة بينه وبين الشكر ~~فقد بان سر الافتتاح من حيث تصديرها بالحمد جزئيافكلياالذي كل أمر ذي بال ~~لا يبدأفيه فهو أجذم ؛ وتعقيبه بمدح المخمود بما ذكر من أسماء الحسنى مع ~~اشتمالها على جملة امعاني القرآن من الحكم النظرية والأحكام العملية فهي أم ~~القرآن لأنها له غنوان وهو كله لما تضمنته على قصرها بسط وتبيان قال ~~الأستاذ أبو الحسن الحرالي في مفتاح الباب القفل لفهم القرآن المنزل في أخر ~~الباب التاسع منه : ولننه هذه الأبواب بذكر القرآن ومحتواه على المتب وجمعه ~~وقراءته وبيانه وتنزيله وإنزاله وحكيمه ومبينه وجيدة وكريمة وعظيمه ومرجعه ~~إلى السبع المثاني والقرآن العظيم ومحتواها عليه , فنذكر جميع ذلك في الباب ~~العاشر , PageV01P020 الباب العاشر في محل أم اقرآن من القرآن ووجه محتوى ~~القرآن على جميع الكتب والصخف المضمنة لجميع الأديان اعلم أن الله سبحانه ~~جمع نبأه العظيم كله عن شأنه العظيم في السبع المثاني أم القرآن وأم القرأن ~~وكنزها تحت عرشه لظهرها في الختم عند تمام أمر الخلق وظهور بادىء الحمد ~~بحمد , لأنه تعلى يختم بما به بدأ ولم يظهرها من قبل ذلك , لأن ظهورها يذهب ~~وهل الخلق ويمحو كفرهم ولا يتم بناء القرآن إلا مع قائم بمشهود بيان الفعل ~~ليتم الأمر المكنون وخاتم الخلق الكامل تدرج تنشؤ الخلق وبدو الأمر , ثم ~~فيما بين بدء الأمر صحفا وكتابا , فالصحف لما يتبدل سريعا والكتاب لما يثبت ~~ويدومدا , والألواح لما يقيم وقتا . | ققي التوراة أحكام الله وما يظهره ~~الفقه من الحدود , ومعارف الصوفية من مؤخذة المصائب ؛ وفي الإنجيل أصول تلك ~~الأحكام والأعلام بأن المقصود بها ليست هي بل ما شاء الله مما تظهره ~~الموعطة الحسنة , ثم أنهى الأمر والخلق من جميع وجوهه , فصار قرآنا جامعا ~~للكل متمما للنعمة مكملاللدين < # > 77 ( { اليوم أكملت لكم دينكم } ) 77 < # > [ المائدة : 3 ] آية , بعثت لأتمم مكارم الأخلاق . أن إلى ربك المنتهى ~~. | ووجه فوت أم القرآن مقصود تنزيله ms0011 التفصيل والجوامع , فيه نجوم مبثوثة ~~غير منتظمة , وحداة إثر واحدة , والجوامع في أم القرآن منتطمة واحدة بعد ~~واحدة إلى تمام السبع على وفاء لامزيد فيه ولا نقص عنه ؛ أظهرتعالى بما له ~~سورة صورة تجلية من بدءالملك إلى ختم الحمد , وبما لعبده مصورة تادية من ~~براءتة من الضلال إلى هدى الصراط المستقيم , < # > 77 ( { ووجدك ضالا فهدى } ) 77 < # > [ الضحى : 7 ] وبما بينه وبينه قيام ذات الأمر والخلق فكان ذلك هو ~~القرآن العظيم الجامع لما حواه القرآن المطلق الذكرى بما فيه من ذلك ~~تصيلامن مبينة وهو ما عيونت آية مسموعة , ومن مجيده وهو ما حربت أحكامه من ~~بين عاجل ما شهد وآجل ما علم , يعلم ما شهد فكان معلوما بالتجربة المتيقنة ~~بما تواتر من القصص الماضي وما علم , يعلم ما شهد فكان معلوما مع الأوقات ~~من أمثاله وأشباهه , ومن كريمه وهوما ظهرت فيه أفانين إنعامه فيما دق ~~PageV01P021 وجل وخفى وبدا , ومن حكيمه وهو ما ظهر في الحكمة المشهورة ~~تقاضيه وانتظام مكتوب خلقه على حسب تنزيل أمره ؛ وما كان منه بتدريج وتقريب ~~للأفهام ففاءت من حال إلى حال وحكم إلى حكم كان تنزيلا , وما أهوى به من ~~علو إلى سفل كان إنزالا , د وهو إنزال حيث لا وسائط وتنزيل حيث الوسائط ؛ ~~وبيانه حيث الإمام العامل به مظهره في أفعال وأخلاقه كان خلقه القرآن , ~~وقرآنه تلفيق تلاوته على حسب ما تتقاضاه النوازل . | آخر أية أنزلت < # > 77 ( { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } ) 77 < # > [ البقرة : 281 ] قال صالى الله عليه وسلم في مضمون قوله تعالى < # > 77 ( { إن علينا جمعه وقرآنه } ) 77 < # > [ القيامة : 17 ] ( وجعلوها بين آية الدين والآية قبلها ) لأنه ربما ~~تقدم كيان الآية وتأخر في الظم قرآنها على ما تقدم عليها , آية < # > 77 ( { يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك } ) 77 < # > [ الأحزاب : 50 ] الآية متأخرة الكيان متقدمة القرآن على آية { لا يحل ~~لك النساء من بعد } فقد يتطابق قرآن الأمر وتطور الخلق وقد لا يتابق والله ~~يتولى إقامتها ؛ وأما الجمع ففي قلبه نسبة جوامعه السبع ms0012 في أم القرآن إلى ~~القرآن بمنزلة نسبة جمعه في قلبه لمحا واحدا إلى أم القرآن < # > 77 ( { وما أمرنا إل واحدة كلمح بالبصر } ) 77 < # > [ القمر : 50 ] فهو جمع في قلبه , وقرآن على لسانه , وبيان في أخلاقه ~~وأفعاله , وجملة في صدره , وتنزيل في تلاوته , < # > 77 ( { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } ) 77 < # > [ القرقان : 32 ] قال الله تعالى : كذلك أي كذلك أنزلناه , إلا ما هو ~~منك بمنزلة سماء الدنيا من الكون < # > 77 ( { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } ) 77 < # > [ الدخان : 3 ] أي إلى سماء الدنيا < # > 77 ( { ونزلناه تنزيلا } ) 77 < # > [ الإسراء : 106 ] وعلى لسانه في أمد أيام النبوة , وقال في تفسيره : ~~القرآن باطن وظاهره محمد صلى الله عليه وسلم , قالت عائشة رضى الله عنها : ~~كان خلقه القرآن , فمحمد صلى الله عليه وسلم صورة باطن سورة القرآن , ~~فالقرآن باطنه وهوظاهره < # > 77 ( { نزل به الروح المين على قلبك } ) 77 < # > [ الشعراء : 194 ] وقال في تفسير الفاتحة : وكانت سورة الفاتحة ~~أماللقرآن , لأن القرآن جميعه مفصل من مجملها , فالآيات الثلاث الول قال ~~شاملة لكل معنى تضمنته الأسماء الحسنى والصفات العلى , فكل ما في القرآن من ~~ذلك فهو مفصل من جوامعها , والآيات الثلاث الخر من قوله : { اهدنا } شاملة ~~لكل ما يحيط بأمر الخلق في الوصول إلى الله والتحيز غلى رحمة الله والنقطاع ~~دون ذلك , فكل ما في القرآن منه فمن تفصيل جوامع هذه , PageV01P022 وكل ما ~~يكون وصلة بين مما ظاهرهن من الخلق ومبدؤه وقيامه من الحق فمفصل من آية { ~~إياك نعبد وإياك نستعين } انتهى . | ومن أنفع الأمور في ذوفق هذا الشرب ~~استجلاء الحديث القدسي الذي رواه مسلم فسي صحيحه وأصحاب السنن الأربعة عن ~~أبي هريرة رضى الله عنه قال : سمعت زسول الله صلى اله عليه وسلم يقول : ( ~~قال الله عز وجل : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولبعدي ما سأل فإذاقال ~~العبد ) الحمد لله رب العالمين ( قال الله تعالى : حمدني عبدي , إذا قال ) ~~الحمن الرحيم ( قال الله : فوض عبدي , وإذا قال : ) مالك يوم الدين ( قال ~~الله : مجدني عبدي ms0013 . وقال مرة : فوض إلي عبدي , وإذا قال ) إياك نعبد وإياك ~~نستعين ( قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل , وإذا قال : اهدنا ~~الصراط الستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) ~~قال : ( هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ) والله أعلم | . . . . . . . . . . . . . ~~. . . . . . . . . . . | . . . . . . . . . . . . . . | . . . . . . . . . ~~. . . . . . | . . . | PageV01P023 < # > 70 ( سورة البقرة ) 70 < # > | مقصودها إقامة الدليل على أن الكتاب هدى ليتبع يفي كل ما قال ، وأعظم ~~ما يهدي إليه الإيمالن بالغيب ، ومجمعه الإيمان بالآخرة ، فمداره الإيمان ~~بالبعث الذي أعربت عنه قصة البقرة التي مجارها الإيمان بالغيب فلذلك سميت ~~بها السورة وكانت بذلك أحق من قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنها في ~~نوع البشر ومما تقدمها في قصة بني إسرائيل من الأحياء بعد الإماتة بالصعق ~~وكذلك ما شاكلها ، لأن الأحياء في في قصة البقرة عن سبب ضعيف في الظاهر ~~بمباشرة من كان من آحاد الناس فهي أدل على القدرة ولا سيما وقد اتبعت بوصف ~~القلوب والحجارة بما عم اللمهتدين بالكتاب والضالين فوصفها بالقسوة الموجبة ~~للشقوة ووصفت الحجارة بالخشية الناشئة في الجملة عن التقوى المانحة للمدد ~~المتعدي نفعه إلى عباد الله ، وفيها إشارة إلى أن هذا الكتاب فينا كما لو ~~كان فينا خليفة من أولي العزم من الرسل يرشدنا في كل أمر إلى صواب المخرج ~~منه فمن أعرض خاب ، ومن تردد كاد ، ومن أجاب اتقى وأجاد . | وسميت الزهراء ~~لإنارتها طريق الهداية والكفاية في الدنيا والآخرة ، ولأيجابها إسفار ~~الوجوه يفي يوم الجزاء لمن آمن بالغيب ولم يكن في شك مريب فيحال بينه وبين ~~ما يشتهي ، بالسنام لأنه ليس في الإيمان بالغيب بعد التوحيد الذي هو الأساس ~~الذي يتبني عليه كل خير والمنتهى الذي هو غاية السير والعالي على كل غير ~~بأعلى ولا أجمع من الإيمان بالآخرة ، ولأن السنام أعلى ما في بطن المطية ~~الحاملة والكتاب الذي هي سورته هو أعلى ما في الحامل للأمر وهو اللشرع الذي ~~أتاهم به رسولهم صلى الله عليه وسلم . | بسم الله الذي نصب مع كونه باطنا ~~دلائل الهدى حتى كان ظاهرا ، ' الرحمن ' الذي أفاض رحمته على ms0014 سائر خلقه بعد ~~الإيجاد ببيان الطريق ، ' الرحيم ' الذي خص أهل وده بالتوفيق . قال العلامة ~~أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة لمفتاح الباب المقفل في معنى ما رواه عن ~~ابن وهب من حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~' كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرغف واحد ونزل القرآن من سبعة ~~أبواب على سبعة أحرف : زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه ، وأمثال ~~فأحلوا حلاله PageV01P024 وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما ~~نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه آمنوا بمتشابهه وقولوا : آمنا ~~به ، كل من عند ربنا ' وهذا الحديث رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده وأبو ~~يعلى الموصلي ومن طريقة ابن حبان في صحيحه ، كلهم من طريق ابن وهب عن حيوة ~~عن عقيل بن خالد عن سلمة بن أبي سلمة بت عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه . فذكره من غير ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال ~~العلامة الحافظ أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل الدمشقي الشافعي في كتابه ' ~~المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز ' بعد أن ساق هذا الحديث من ~~رواية سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن مسعود رضي الله عنه . ~~قال أبو عمر بن عبد البر : هذا الحديث عند أهل الحديث لم يثبت ، وأبو سلمة ~~لم يلق ابن مسعود ، وابنه سلمة ليس مم يحتج به ، نوهذا الحديث مجمع على ~~ضعفه من جهة إسناده وقد رده قوم من أهل النظر منهم أحمد بن أبي عمران فيما ~~سمعه الطحاتوي منه ويرويه PageV01P025 الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن أم ~~سلمة عن أبي سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا ، قال أبو شامة : ~~وهكذا رواه البيهقي في كتاب المدخل وقال : هذا مرسل جيد ، أبو سلمة لم يدرك ~~ابن مسعود ، ثم رواه موصولا وقال : فإن صح فمعنى قوله : سبعة أحرف ، أي ~~سبعة أوجه ، وليس المراد به اللغات التي أبيحت القراءة ms0015 عليها وهذا المراد ~~به الأنواع التي نزل القرآن عليها والله أعلم . | قلت : عزاه شيخنا العلامة ~~مقرئ زمانه شمس الدين محمد بن محمد بن محمد ابن الجزري الدمشقي الشافعي في ~~أوائل كتابه ' النشر في القراءات العشر ' إلى الطبراني من حديث عمر بن أبي ~~سلمة المخزومي رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود ~~رضي الله عنه : ' إن الكتب كانت تنزل من السماء من باب واحد وإن القرآن ~~أنزل من سبعة أبواب على سبعة أحرف : حلال وحرام ومحكم ومتشابه وضرب أمثال و ~~[ آمر و ] زاجر ، فأحل حلاله وحرم حرامه واعم لبمحكمه وقف عند ةمتشابهه ~~واعتبر أمثاله ، فإن كلا من عند الله وما يذكر إلا أولو الألباب ورواه ~~الحافظ أبو بكر بن أبي داود في متالب المصاحف ' من وجه آخر عن عبد الله قال ~~: ' إن القرآن أنزل على نبيكم صلى الله عليه وسلم من سبعة أبواب على سبعة ~~أحرف أو حروف . وإن الكتاب قبلكم كان ينزل أو نزل . من باب واحد على حرف ~~واحد ورواه البيهقي في فضل القرآن من الشعب عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ ~~: ' نزل القرآن على خمسة أوجه : حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال ' . | قال ~~الحرالي : زفي حديث آخر من طريق ابن عمر رضي الله عنهما : إن الكتب كانت ~~تنزل من باب واحد وإن هذا القلرآن أنزل منت سسبعة أبواب على سبعة أحرف ~~وققال في معنى ذلك : اعلم أن القرآن منزل عند انتهاء الخلق وكمال كل الأمر ~~بدءا فكان PageV01P026 المتخلق به جامعا لانتهاء كل خلق وكمال أمر فلذلك ~~صلى الله عليه وسلم قثم الكون وهو الجامع الكامل . ولذلك كان خاتما ، وكان ~~كتابه ختما ، وبدأ المعاد من حد ظهوره ، إنه هو يبدئ ، ويعيد ، فاستوفى ~~صلاح هذه الجوامع الثلاث التي قد خلت في الأولين بداياتها وتمت عنده ~~نهاياتها ' بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ' رواه أحمد عن معاذ رضي الله عنه ~~رفعه ، وهي صلاح الدنيا والدين والمعاد التي جمعها في قوله صلى الله عليه ~~وسلم فيما رواه مسلم عن ms0016 أبي هريرة رضي الله عنه : ' اللهم أصلح لي ديني ~~الذي هو عصمة أمري ، أصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، وأصلح لي آخرتي التي ~~إليها معادي ' وفي كل صلاح إقدام وأحجام فتصير الثلاثة الجوامع ستة مفصلات ~~هي حروف القرآن الستة التي لم يبرح يستزيدها من ربه حرفا حرفا ، فلما ~~استوفى الستة وهبه ربه حرفا جامعا سابعا فردا لا زوج له ن فتم إنزاله على ~~سبعة أحرف . | فأدنى تلك الحروف هو حرف إصلاح الدنيا ، فلها حرفان ، أحدهما ~~: حرف الحرام الذي لا تصلح النفس والبدن إلا بالتطهير منه لبعدهع عن ~~تقويمها ، والثاني حرف الحلال الذي تصلح النفس والبدن عليه لموافقته ~~لتقويمها ، وأصل هذين الحرفين في التوراة ، وتمامهما في القرآن . | ثم يلي ~~هذين حرفا صلاح المعاد : أحدهما حرف الزجر والنهي التي لا تصلح الآخرة إلا ~~بالتطهير منه لبعده عن حسناها ، والثاني حرف الأمر الذي تصلح الآخرة عليه ~~لتقاضيه بحسناها ، وقد يتضرر على ذلك حال الدنيا ، لأنه يأتي على كثير من ~~حلالها لوجوب إيثار الآخرة لبقائها ىوكليتها على الدنيا لفنائها وجزئيتها ، ~~لكون خير الدنيا جزءا PageV01P027 من ماله وشر الدنيا جزءا من سبعين جزءا ~~ولا يءثر هذا الجزء الأدنى لحضوره على ذلك الكل الأنهى لغيابه إلا من سفه ~~نفسه وضعف إيمانه ، فتخلص المرء من حرف الحرام طهره وتخلصه من النهي طيبه ، ~~وأصل هذين الحرفين في الإنجيل وتمامهما في القرآن . | ثم يلي هذين حرفا ~~صلاح الدين : أحدهما حرف المحكم الذي بان للعبد فيه خطاب ربه من جهة أحوال ~~قلبه وأخلاق نفسه وأعمال بدنه فيما بينه وبين ربه من غير التفات لغرض النفس ~~في عاجل الدنيا ولا آجلها ، والثاني حرف المتشابه الذي لا يبين للعبد فيه ~~خطاب ربه من جهة قصور عقله من إدراكه ووجوب تسبيح ربه عن تمثل عبده إلى أن ~~يؤيده الله بتأييده . والحروف الخمسة للاستعمال وهذا الحرف السادس للوقوف ~~ليكون العبد قد وقف لله بقلبه عن حرف كما قد كان أقدم لله على تلك الحروف ~~ولينسخ بعجزه وإيمانه عند هذا الحرف السادس انتهاء ما تقدم ms0017 من طوقه وعلمه ~~في تلك الحروف ابتداء ، وأصل هذين الحرفين في الكتب المتقدمة كلها وتمامها ~~في القرآن . | فهذه الحروف الستة يشترك فيها القرآن مع سائر الكتب ويزيد ~~عليها تمامها وبركة جمعها ، ويختص القرآن بالحرف السابع الجامع مبين المثل ~~الأعلى ومظهر اللمثول الأعظم حرف الحمد الخاص بمحمد صلى الله عليه وسلم وهو ~~حرف المثل . وعن جمعه وكمال جمعه لمحمد صلى الله عليه وسلم في قلبه وقراءته ~~على لسانه وبيانه في ذاته ظهرت عليه خواص خلقه الكريم وخلقه العظيم ، ولا ~~ينال إلا موهبة من الله تعالى لعبده بال واسطة والستة تتنزل بتوسطات من ~~استواء الطبع وصفاء العقل بمثابة وحي النبي وإلهام الولي . | ولما كان حرف ~~الحمد هو سابعها الجامع افتتح الله به سبحانه وتعالى الفاتحة أم القرآن وأم ~~الكتاب وجمع فيها جوامع الحروف السبعة التي بثها في القرآن كما جمع في ~~القرآن ما بث في جميع الكتب المتقدمة ، كفضة ثقلت على مريد السفر فابتاع ~~بها ذهبا فذلك مثل القرآن ثم ثقل عليه الذهب فابتاع به جواهرا ، فذلك مثل ~~أم القرآن فأذن كمال الحروف التي أنزل عليها القرآن موجودة في جوامع أم ~~القرآن ، فالآية الأولى تشتمل على حرف الحمد السابع ، والثانية تشتمل على ~~حرفي الحلال والحرام الذين أقامت الرحمانية بهما الدنيا يريد - والله ~~سلحانه وتعالى أعلم - أن الرحمانية وسعت على العباد الاستمتاع بالمخلوق من ~~النعم والخيرات الموافقة لطباعهم وأمزجتهم زقبول نفوسهم في جميع جهات ~~الاستمتاع ، فكان في ذلك رحمتان : رحم بالإباحة وهي إزالة حرج الحظر ورحمة ~~يمنع لحاق حرج الإثم أو يجعل المباح شهيا للطبع ، وأما الرحيمية فطهرتهم من ~~مضار أبدانهم ورجاسة نفوسهم ومجهلة قلوبهم ، ففي ذلك رحمة واحدة وهي حمية ~~المحبوب عن المضار من المحبوب ، أو يريد - وهو والله تعالى أعلم أقرب - أن ~~الرحمانية PageV01P028 أقامت بعمومها كل ما شملته الربوبية من إفاضة النعم ~~وإزاحة النقم على وجه مسعد أو مشق ، والرحيمية أقامت بخصوصها كما تقدم بما ~~ترضاه الإلهية إدرار النعم ودفع النقم على الوجه المسعد خاصة . انتهى . | ~~والآية الثالثة تشتمل على أمر ms0018 المللك القيم على حرفي الأمر والنهي اللذين ~~ييبدو أمرهما في الدين ، والرابعة تشتمل على حرفي المحكم في قوله ^ ( إياك ~~نعبد ) ^ [ الفاتحة : 5 ] والمتشابه في قوله ^ ( وإياك نستعين ) ^ [ ~~الفاتحة : 5 ] ولما كانت بناء خطاب محاضرة لم تردد مسألتها في السورةى ~~فانفرد هذان الحرفان عن الدعاء فيهما / وعادتت مسألة الآيةى الخاتمسة على ~~حرف الحمد ومسألة الآية السادسة على آية النعمة من حرفي الحلال والحرام ~~ومسألأة الآية السابعة على آية الملك من حرفي الأمر والنهي فجمعت الفاتحة ~~جوامع الحروف السبعة . | ولما ابتئت الفاتحة أم القرآن بالسابع الجامع ~~الموهوب ابتدئ القرآن بالحرف السادس المعجوز عنه وهو حرف المتشابه ، لأنه ~~عن إظهار العجز ومحض الإيمان كانت الهبة والتأييد ، وليكون العبد يفتتح ~~القرآن بالإيمان يغيب متشابه في قوله ' الم ' فيكون أتم انقيادا لما دونه ~~وبريئا عن الدعنوى في مستطاعه في سائر الحروف ، ثم ولى السادس المفتتح به ~~القرآن الخامس المحكم كم وجه في قوله سبحانه وتعالى ^ ( ويقيمون الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون ) ^ لأن من عمل بها من قلبه شعبة إيمان وعلم كانت له ~~من المحكم ، ومن عمل بها ائتمارا وإلجاء ولم يدخل الإيمان في قلبه كانت له ~~حرف أمر ^ ( وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا ) ^ [ ~~الحجرات : 14 ] . | وهذا إنما وقع ترتيبه هكذا في القرآن المتلو ، وأما ~~تنزيله يفي ترتيب البيان فإن أ , ل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~حرف المحكم وهو قوله سبحانه وتعالى ^ ( اقرأ باسم ربك الي خلق * خلق ~~الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم 8 ) ^ [ العلق : 1 - 5 ] الآياتن الخمس ~~، وأونل ما أنزل إلى الأمة يفي ترتيب البيان هو من حرف الزجر والنهي وهو ~~قوله سبحانه وتعالى ^ ( يا أيها المدثر * قم فأنذر * ) ^ [ المدثر : 1 - 2 ~~] أي ^ ( نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) ^ [ سبأ : 46 ] أعلمهم بما تخاف ~~عاقبته في الآخرة وإن كانوا قد اتخذوا في الدنيا مودة بأوثانهم وقال تعالى ~~^ ( إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم ~~القيامة يكفر بعضكم ببعض ) ^ [ العنكبوت ms0019 : 25 ] الآية ، فابتدأ سبحانه ~~وتعالى ترتيل الأمة بإصلاح المعاد الأهم لأن عليه يصلح أمر الدنيا ، من ~~استقل بآخرته كفاه الله أمر دنياه ، وبدأ منها بحرف الزجر والنهي وهو ~~المبدوء به في الحديث ورده النبي صلى الله عليه وسلم لفظ الزجر بلفظ النهي ~~لأن المقصود بهما واحد وهو الردع عما يضر في PageV01P029 المعاد إلا أن ~~الردع عل وجهين : خطاب لمعرض ويسمى زجرا كما يسمى في حق البهائم ، وخطاب ~~لمقبل على التفهم ويسمى نهيا ، قكأن الزجر يزيع الطبع والنهي يزيع العقل , ~~انتهى . وقد بان من هذا سر افتتاح البقرة بالمعروف المقطعة . | ولما كان ~~الذي ابتدئت به السور من ذلك شطر حروف المعجم كان كأنه قيل من زعم أن ~~القرآن ليس كلام الله فليأخذ الشطر الآخر ويركب عليه كلاما يعارضه به ، نقل ~~ذلك الزركشي في البرهان عن القاضي أبي بكر قال : وقد علم ذلك بعض أرباب ~~الحقائق ، وجمعها الزركشي في قوله : نص حكيم قاطع له سر ، وعن أبي بكر رضي ~~الله تعالى عنه : في كل كتا بسر وسر الله في القرآن أوائل السوروعن علي رضي ~~الله تعالى عنه و كرم الله وجهه : أن لكل كتاب صفوة ، وصفوة هذا الكتاب ~~حروف التهجي . | ولما كانت حروف المعجم تسعة وعشرين حرفا بالهمزة وكان أحد ~~شطرها على PageV01P030 التحرير متعذرا فقسمت خمسة عشر وأربعة عشر ، وأخذ ~~الأقل من باب الأنصاف وفرق في تسع وعشرين سورة على عدد الحروف ، وتحدي به ~~على هذا الوجه ، وأبدى الإمام شمس الدين ابن فقيم الجوزيه الدمشقي الحنبلي ~~يفي كتاب به كالتذكرة سماه ' بدائع الفرائد ' سرا غريبا في ابتداء القرآن ~~بقوله ^ ( الم ) ^ حاصله أن حروفه الثلاثة جمعت المخارج الثلاثية : الحلق ~~واللسان والشفتان . على ترتيبها وذلك إشارة إلى البداية التي هي بدء الخلق ~~والنهاية التي هي المعاد والوسط الذي هو المعاش من التشريع بالأوامر ~~والنواهي ، وفي ذلك تنبيه على أن هذا الكتاب الذي ركب من هذه الحروف التي ~~لا تعدو المخارج الثلاثة التي بها يخاطب جميع الأمم جامع لما يصلحكم من ~~أحوال بدء الخلق وإعادته ms0020 وما بين ذلك ، وكل سورة افتتحت بهذه الحروف ذكرت ~~فيها الأحوال الثلاثة . | وقال الحرالي في تفسيره : ' الف ' اسم للقائم ~~الأعلى المحيط ثم لكل مستخلف في القيام كآدم والكعبة ، ' ميم ' اسم للظاهر ~~الأعلى الذي من أظهرة ملك يوم الدين ، واسم للظاهر الكامل المؤتى جوامع ~~الكلم محمد صلى الله عليه وسلم . ثم لكل ظاهر دون ذلك كالسماء والفلك ~~والأرض ' لام ' اسم لما بين باطن الإلهية التي هي محار العقول التي هي وصل ~~تنزل ما بينهما كاللطيف ونحوه ، ثم للوصل الذي كالملائكة وما تتولاه من أمر ~~الملكوت ، وهذه الألفاظ عند انعجام معناها تسمى حروفا ، والحرف طرف الشيء ~~الذي لا يؤخذ منفردا وطرف القول الذي لا يفهم وحده ، وأحق ما تسمى حروفا ~~إذا نظر إلى صورها ووقوعها أجزاء من الكلم ولم تفهم لها دلالة فتضاف إلى ~~مثلها جزء من كلمة مفهومة تسمى عند ذلك حروفا وعند النطق بها هكذا ألف لا ~~ميم فينبغي أن يقال فيها أسماء وإن كانمت غير معلومة الدلالة كحروف ألف باء ~~تاء فإنها كلها أسماء على ما فهمه الخليل وإنها إنما تسمى حروفا عند ما ~~تكون أجزاء كلمة محركة للإبتداء أو مسكنة للوقف والانتهاء . # وأما حقيقتها فهي جوامع أصلها في ذمر أول من كلام الله تعالى فنزلت إلى ~~الكلم العربية وترجمت بها ونظم منها هذا القرآن العربي المبين ، فهي في ~~الكنب العلوية الملكوتية المترتبة في الجمع والتفصيل آية وكلم وذات كتاب ، ~~فلما نزلت إلى غاية PageV01P031 مفصل القرآن أبقيت في افتتاحه لتكون علما ~~على نقله للتفصيل من ذلك الكتاب ، ولأنها أتم وأوجز فغيء الدلالة على الجمع ~~من المفصل منها ودلالتها جامعة للوجود كله من أبطن قيمه إلى أظهره وأظهر ~~مقامه وما بينهما من الوصلة والواصلة وهي جامعة الدلالة على الكون المرئي ~~للعين بالعين والوحي المسموع ، ولأجل ما اقتضته من الجمع لم تنزل يفي كتاب ~~متقدم لأن كتا بكل وقت مطابق بحال الكون فيه والكون كان بعد لم يكمل فكانت ~~كتبه وصحفه بحسبه ن ولما كمل الكون في وقت سيدنا محمد صلى ms0021 الله عليه وسلم ~~كان كتابه كاملا جامعا فوجب ظهور هذه الجوامع فيه ليطابق الختم البدئ ، ~~لأنهما طرفا كمال وما بينهما تدرج إليه ، وقد كان وعد بإنزالهما في بعض تلك ~~الكتب فكان نزولها نجازا لذلك . أنتهى . | وأما منسبة ما بعد ذلك للفاتحة ~~فهو أنه لما أخبلا سبحانه وتعالى أن عباده المخلصين سألوا في الفاتحة هداية ~~الصراط المستقيم الذي همو غير طرلايق الهالكين أرشدهك في أول التي تليها ~~إلى أن الهدى المؤول إنما هو في هذا الكتاب ، وبين لهم صفات الفريقين ~~الممنوحين بالهداية حتى على التخلق بها والممنوعين منها زجرا عن قربها . ~~فكاتن ذلك أعظم المناسبات لعقيب الفاتحة بالبقرة ، لأنها سيقت لنفي الريب ~~عن هذا الكتاب ولأنه هدى للمتقين ، ولوصف المتقين وما يجازون به بما في ~~الآيات الثلاث ولوصف الكافرين الذين لا يؤمنون لما وقع من الختم على جواسهم ~~والحتم لعقابهم ليعلم أن ما اتصف به المتقون هو الصراط المستقيم فيلزم وما ~~اتصف به من عداهم هو طريق الهالكين فيترك ، وفي الوصف بالتقوى بعد ذكر ~~المغضوب عليهم والضالين إشارة إلى أن المقام مقام الخوف . | وإن شئت قلت : ~~مقصود هذه السورة وصف الكتاب فقط وما عدا ذلك فتوابع ولوازم ولن يثبت أنه ~~هدى إلا بإثبات أ ، ه حق معنى ونظما ، ولما كان المعنى أهم قدم الاستدلال ~~عليه فأخبر من تماديهم على الكفر بما يكون تكذيبهم به تصديقا له ، واتبع ~~ذلك بذكر المنافقين إعلاما بأن المنفي الإيمان بالقلب وأنه لا عبرة باللسان ~~إذا تجرد عنه ، وساق ذلك على وجه يعلمون به أنه الحق بما هتك من سرائرهم ~~وكشف من ضمائرهم ، فلما تم ذلك وكان المقصود منه الدعاء إلى الله انتهزت ~~تلك الفلبرصة بقوله تعالةى ^ ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) ^ [ البقرة : ~~21 ] لما أسس لها من الترغيب بالترهيب ، ثم أقيم الدليل على حقية نظمه ~~بتقصيرهم عن مدى سهمه ، فرجع حاصل ذلك إلى إثباته بعجزهم عن معارضته في ~~معناه بإيجاد من أخبر بنفيه وفي نظمه بالإتيان بمثله ، فلما ثبت ذلك ثبت ~~أنه من عند الله فثبت ms0022 تأهله لتعليم الشرائع فجعلها ضمن مجادلة أهل الكتاب ~~بما PageV01P032 يعلمون حقيته بلا ارتياب من الدعاء إلى ما أخفوه من ~~الدعائم الخمس التي بني عليها الإسلام < < # | البقرة : ( 1 - 16 ) الم # > > ^ ( الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين * الذين يؤمنون بالغيب ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ ~~أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون * إن الذين كفروا سوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ~~ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم * ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين * يخادعون الله ~~والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في قلوبهم مرض فزادهم ~~الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون * وإذا قيل لهم لا تفسدوا في ~~الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون * وإذا ~~قيل لهم آمنوا كمآ آمن الناس قالوا أنؤمن كمآ آمن السفهآء ألا إنهم هم ~~السفهآء ولكن لا يعلمون * وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى ~~شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون * الله يستهزىء بهم ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون * أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما ~~كانوا مهتدين ) ^ } ) | ولما كان المعنى { آلم } هذا كتاب من جنس حروفكم ~~التي قدو فقتم في التكلم بها سلئر الخلق فما عجزتم عن الإتيان بسورة من ~~مثله إلانه كلام الله انتج ذلك كماله , فأشير إليه بأداة البعد ولام الكمال ~~في قوله { ذلك الكتب } لعلو مقدار بجلالة آثاره وبعد رتبته عن نيل ~~المطرودين . | ولما علم كماله أشار إلى تعظيمه بالتصريح بما ينتجه ويسلتزمه ~~ذلك التعظيم فقال { لاريب فيه } أي في شيء من معناه ولانظمه في نفس الأمر ~~عند من تحقق بالنظر فالمنفي كونه متعاقاللريب ومظنة له , ولم يقد الظرف ~~لأنه كان يفيد الاختصاص فيهم أن غيره من الكتب محل الريب قال الحرالي : ( ~~ذا ) اسم مدلوله المشار إليه والام مدلوله معها بعدما { الكتاب ms0023 } من الكتب ~~وهو وصل الشىء المنفصل بوصلة خفية من أصله كالخرز في الجلد بقد منه ~~والخياطة في الثوب بشىء من جنسه ليكون أقرب لصورة اتصاله الول , فسمي به ما ~~أزمه الناس من الأحكام وما أثبت بالقوم من الكلام { لا } لنفي ما هو ممتع ~~مطلقا PageV01P033 أو في وقت ( الريب ) التردد بين موقعي تهمة بيحث يمنع من ~~الطمأنينة على كل واحد منها . اتهى . وأصله قلق النفس واضراربه , ومنه ريب ~~الزمان لنوائبه المقلقة , ولما كان ذلك يستلزم الهدى قال : { هدى } وخص ~~المنتفعين لن الألد لادواء له والتعنت لايرده شىء فقال : { للمتقين } أي ~~الذين جلبوا في أصل الخلقة على التقوى ؛ فافهم ذلك أن غيرهم لايهتدي بهبل ~~يرتاب وإن كان ليس موضعاللريب أصلا قال الحرالي : جمع المتقى وهو المتوقف ~~عن الإقدام على كل أمر لشعوره بتقصير عن الاستباد وعلمه بأنه غير مستغن ~~بنفسه فهو متق لوصفه وحسن فطرته والمتقى كذا متوقف لأجل ذلك , والتقوى أصل ~~يتقد الهدى وكل عبادة , لأنها فطرة توقف تستحق الهدى وكل خير وهي وصية الله ~~لأهل الكتاب . انتهى . | ثم وصفهم بمجامع الأعمال تعريفا لهم فقال { الذين ~~يؤمنون بالغيب } أي الأمر الغائب الذي لانافع في الإيمان غيره , وعبر ~~بالمصدر للمبالغة . | { ويقيمون الصلاة } أي التي هى حضرة المراقبة وأفضل ~~أعمال البدن بالمحافظة عليها وبحفظها في ذاتها وجميع أحوالها . ولما ذكر ~~وصلة الخلق بالخالق وكانت النفقة مع أنها من أعظم دعائم الدين صلة بين ~~الخلائق أتبعها بها فقال مقدما للجار ناهيا عن الإسراف ومنبها بالتبغيض على ~~طيب النفقة لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وآمرا بالورع وزاجرا عما فيه ~~شبهة [ لأن الرزق يشمل الحلال والحرام والمشتبه { مما رزقناهم } أي مكناهم ~~من الانتفاع به على عظمة خزائننا وهو لنا دونهم { ينفقون } أي في مرضاتنا ~~مما يلزمهم من الزكاة والحج والغزو وغيرها ومما يتطوعون به من الصدقات ~~وغيرها , والمراد بهذه الأفعال هنا إيجاد حقائقها على الدوام . | قال أبو ~~حيان وغيره في قوله تعالى في سورة الحج < # > 77 ( { إن الذين كفروا ويصدون } ) 77 < # > [ الحج : 25 ] المضارع ms0024 قد لا يلحظ فيه زمان معين من حال أو استقبال ~~فيدل إذ ذاك على الاستمرا . | انتهى . | وهذا مما لا محيد عنه وإلا لم يشمل ~~هذا في هذه السورة المدنية من تخلق به قبل الهجرة وقوله تعالى < # > 77 ( { فلم تقتلون أنبياء الله من قبل } ) 77 < # > [ البقرة : 91 ] قاطع في ذلك . | وقال الحرالي : { يؤمنون } , من ~~الإيمان وهو مصدر آمنه يؤمنه إيمانا إذا آمن من PageV01P034 ينبهه على أمر ~~ليس عنده أن يكذبه أو يرتاب فيه , و ( الغيب ) ما غاب عن الحس ولم يكن عليه ~~علم يهتدي به العقل فيحصل به العلم ؛ وصيغة { يؤمنون } و { يقيمون } تقتضي ~~الوام على الختم , وإدامة العمل إلى الختم تفتضي ظهوره عن فطرة أو جبلة ~~وأنه ليس عن تعمل ومراءاة , فتكون من الأعلى عطفاشاملا , ومن الأدنى وفاء ~~بانحاء التذلل والإقبال بالكلية على التلقي , وإيمانهم بالغيب قبولهم من ~~الني صالى اله علية وسلم ما تلقاه بالوحي من أمر غائب الدنيا الذي هو ~~الآخرة وما فيها وأمر غائب الملكوت وما فيه إلى غيب الجبروت وما به بحيث ~~يكون عملهم على الغائب الذي تلقته قلوبهم على سبيل آذانهم كعملهم على ما ~~تلقته أنفسهم على سبيل أعينهم وسائر حواسهم وداموا على عملهم ذلك حكم ~~إيمانهم إلى الخاتمة ولما كانت الصلاة التزام عهد العبادة مبنياعلى تقدم ~~الشهادة متممة بجماع الذكر وأنواع التحيات لله من القيام له تعالى والركوع ~~له والسجود الذي هو أعلاه والسلام بالقول الذي هو أدنى التحيات كانت لذلك ~~تعهداوتكرار , ولذلك من لم يدم الصلاة ضعف إيمانه وران عليه كفر فلا إيمان ~~لمن لا صلاة له , والتقوى وحدة أصل والإيمان فالصلاة ثمرته , والغنفاق ~~خلافة ولذلك البخل عزل عن خلافة الله < # > 77 ( { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه } ) 77 < # > [ الحديد : 7 ] وهذا الأمر بتمامه هوالذي جعلت الخلافة لآدم به إلىا ما ~~وراء ذلك من كمال أمر الله الذي أكمله بمحمد صلى الله غليه وسلم , فالتقوى ~~قلب باطن , والإنفاق وجه ظاهر , والإيمان فالصلاة وصلة بينهما . ووجه ترتب ~~الإيمان بالغيب على التقوى أن المتقى لما لما ms0025 اكن متوقفاغير متمسك بأمر كان ~~إذا ارشد إلى غيب لا يعلمه لم يدفعه بمقتضى ما تقدم عمله , ووجه ترتب ~~الانفاق على الإيمان بالغيب أن المدد غيب , لأن الإنسان لما كان لا يطاع ~~على جميع رزقه كان رزقه غبيا , فاذاأيقن بالخلف جاد بالعطية , فمتى أمد ~~بالأرزق تمت خلافته رزقه كان رزقاغيبا , فإذا أيقن بالخلف جاد بالعطية , ~~فمتى أمد بالرزق تمت خلافته وعظم فيها سلطانه وانفتح له باب إمداد برزق ~~أعلى إلى ينتهى إلى حيث ليس وراءه مرأى وذلك هو الكما المحمدي , وإن بخل ~~فلم ينفق واستغنى بما عنده فلم يتق فكدب تضاءل أمر خلافته وانقطع عنه المدد ~~من الأعلى ؛ فبحق سمي الإنفاق زكاة ؛ وفي أول الشورى كلام في الإيمان عن ~~علي رضي الله عنه نفيس . | انهى . | ولما وصفهم بالغيمان جملة أشار إلى ~~تفصيله على وجه يدخل فيه أهل الكتاب دخولا أوليافقال { والذين يؤمنون } أي ~~يوجدون هذا الوصف بعد سماعهم PageV01P035 للدعوة إيجاد مستمرا { بما أنزل ~~اليك } أي القرآن والسنة كان قد وجد أو سيوجد ؛ { وما أنزل من قلبك } أي ~~على الأنبياء الماضين , ولما كان الإيمان بالبعث من الدين بمكان عظيم ~~جدابينه بالتقدم إظهارالامزيد الاهتمام فقال : { وبالآخرة } اي التي هي دار ~~الجزاء ومحل التجلي وكشف الغطاء ونتيجة الأمر . قال الحرلي : ىلآجرة معاد ~~تمامه على أوليته . انتهى . ولما تقدم من الاهتمام عبر الإيقان وأتى بضمير ~~الفصل فقال { هم يوقنون } لأن ذلك قائد إلى كل خير وذائد عن كل ضير , ~~والإيقان كما قال الحرالي صفاء العلم وسلامته من شوائب الريب ونحوه , من ~~يقن الماء وهو ما نزل من السماء فانحدر إلى كهف جبل فلم يتغير من قرار ولا ~~وارد . انتهى . | فهو يكون بعد شك ولذا لا يوصف به الله . والوصف بهده ~~الأوصاف كما ترى إشارة إلى أمهات الأعمال البدنية والماليه من الأفعال ~~والتروك , فالإيمان اساس المر والصلاة مشار بها من التحلي بكل خير والتخلي ~~عن كل شر < # > 77 ( { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } ) 77 < # > [ العنكبوت : 45 ] وكلاهما من أعمال البدن , والنفقه عمل مالي , فحصل ms0026 ~~بذلك حصر الفعل والترك الضابطين لجميع الأعمال كيف ما تشعب , وصرح بالفعل ~~وأومى إلى الترك إيماء لا يفهمه الغالبصراء تسهيلاعلى السالكين , وفي وصفهم ~~أيضابالإيمان بما أنزل إليه وإلى من قلبه من الفريغ والتبكيت لمن سواهم ما ~~ستراه في اآيات الآتيه . | ولما أخبر عن أفعالهم الظاهرة والباطنة أخبرة ~~بثمرتها فقال : { أولئك } أي الموصفون بتلك الصفات الظاهرات , ولما تضمن ما ~~مضى أن إيمانهم كان من أعظم معناه التمكن فقال : { على هدى } أي عظيم , ~~وزاد في تعظيمه في بقوله : { من ربهم } أي المحسن إليهم بتمكينهم منه ~~ولزومهم له تمكين من علا على الشء , ولما لم يلازم الهدى الفلاح عطف عليه ~~قوله مشيرابالعاطف إلى مزيد تمكنهم في كل الوصفين { ألئك } أي العالو ~~الرتبه { هم } أي خاصة { المفلحون } أي الكاملن في هذا الوصف الذي انفتحت ~~لهم وحوه الظفر , والتركيب دال على معنى الشق والفتح وكذا أخواته من الفاء ~~والعين نحو فلج بالجيم وفلق وفلذوفلى . | قالالحرالي : وخرج الخطاب في هذه ~~الآية مخرج الخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم وخرج إحضار المؤمنين بموضع ~~الإشارة وهي مكانة حضرة مكانة حضرة الخاطب . | انهى . وكونها للبعد إعلام ~~بعلو مقامهم . والفلاجح الفوز والظفر بكل مراد ونوال البقاء الدائم في ~~الخير PageV01P036 ولما أردف البيان لأوصاف المؤمنين التعريف بأحوال ~~الكافرين وكانوا قد انقسموا على مصارحين ومنافقين وكان المنافقين قسمين ~~جهالا من مشركي العرب وعلماء من كفار بني إسرائيل كان الأنسب ليفرغ من قسم ~~برأسة على عجل الداءة أولابالمصارحين فذكر ما أراد من أمرهم في ايتين , لأن ~~أمرهم أهون وشأنهم أيسر لقصدهم بما يوهنهم بالكلام أو بالسيف على ان ذكرهم ~~على وجه يعم جميع الأقسام فقال خخاطبالأعظم المنعم عليهم على وجه التسلية ~~والإعجاز عل في معرض الجواب لسؤال من كأنه قال : هذا خال الكتاب للمؤنين ~~فما حاله للكافرين ؟ { إن الذين كفروا } أي حكم , بكفرهم دائما حكمانفذ ~~ومضى فستروا ما أقيم من الدلة على الوحدانية عن العقول التى هيئت لإدراكه ~~والفطر الأولى التي خلصت عن مانع يعوقها عن الانقياد له وداموا على ذلك بما ~~دل ms0027 عليه السابق بالتغير عن أضدادهم بما يدل على تجديد الإيمان على الدوام ~~واللحاق بالختم والعذاب , ولعله عبر بالماضي والموضع للوصف تنفيرامن مجرد ~~إيقاع الكفر ولو للنعمة وليشمل المنافقين وغيرهم ولما دل هذا الحال على ~~أنهم عملوا ضد المؤمنون من الانقياد المعنى { سواء عليهم أأنذرتهم } أي ~~إنذار في هذا الوقت بهذا الكتاب { أم لم تنذرهم } أي وعدم إنذار فيه وبعده ~~وقد انسلخ عن أم والهمزة معنى الاستفهام , قال سيبوية : جرى هذا على حرف ~~الاستفهام كما جرى على حرف النداء في قولك : اللهم اغفر لنا أيتها العصابة ~~. انتهى ولعله عبر بصورة الاستفهام وقد سلخت عن معناه إفهاما لأنهم توغلوا ~~في الكفر توغل من وصل في الحمق إلى أنه لو شاهد الملك يستفهمك عنه ما آمن . ~~| ولما كان كأنه قيل في أي شيء استوت حالتهم قبل في أنهم { لا يؤمنون } وهي ~~دليل على خصوص كونه هدى للمتقين وعلى وقوع التكليف بالممتنع لغيره فإنه ~~سبحانه كلفهم الإيمان وأراد منهم الكفران , فصار ممتنعالغرادته عدم وقوعه , ~~والتكليف به جار على سنن الحكمة فإن إرادة عدم إيمانهم لم تخرج إيمانهم عن ~~حيز الممكن فيما يظهر , لعدم العلم بما أراد الله من كل شخص بعينه , فهو ~~على سنن الابتلاء ليظهر في عالم الشهادة المطيع من غيره لإقامة الحجة ؛ ~~ويأتي عند < # > 77 ( { افعل ما تؤمر } ) 77 < # > [ الصافات : 102 ] تتمة لهذا قال الحرالي : فحصل بمجموع قوله : { سواء ~~عليهم } إلى آخر وبقوله : { لا يؤمنون } خبر تام عن سابقة أمرهم ولا حقة ~~كونهم , فتم بالكلامين الخبر عنهم خبرا واحدا ملتئما كتبا سابقالا حقا . ~~انتهى . | وكل موضع ذكر فيه الكفر فإنما عبر به PageV01P037 إشارة إلى أن ~~الدلة الصلية في الوضوح بحيث لاتخفى على أحد ولا يخالفها إلامن ستر مرآة ~~عقله إما هناداوإما بغهمال النظر لاسديد والركون ألى نوع تقليد . | ولما ~~كان من أعجب العجب كون شيء واحد يكون هدى لناس دون ناس علل ذلك بقوله : { ~~ختم الله } اي { على قلوبهم } أي ختمامستعلياعليها فهي لاتعي حق الوعي , ~~لأن الختم على الشيء يمنع الدخول إليه ms0028 والخروج منه , وأكد المعنى بإعادة ~~الجار فقال : { وعلى سمعهم } فهم لا يسمعنون حق السمع , وأفراده لأن ~~التفاوت فيه نادر , قال الرالي : وشركة في الختم مع القلب لأن أحدالايسمع ~~إلا ما عقل . انتهى . | { وعلى أبصارهم غشاوة } فهم لا ينظرون باليامل . | ~~ولما سوى هنا بين الإنذار وعدمه كانت البداءة بالقلوب أنسب تسوية لهم ~~بالبهائم , ولما كان الغبي قد يسمع أو يبصر فيهتدي وكان إلى السمع أضر ~~لعمومه وخصوص البصر باحوال الضياء نفي السمع ثم البصر تسفيلالهم عن حال ~~الهائم , بخلاف ما في الجاثية فإنه لما أخبر فيها بالإضلا وكان الضال أحوج ~~شيء إلى سماع الهادي نفاه , ولما كان الأصم ‘ ذا كان افهم أو بصر أمكنت ~~هدايته واكن الفهم أشرف نفاهما على ذلك الترتيب . | ولما وصفهم بذلك أخبر ~~بمآلهم فقال : { ولهم عذاب عظيم } قال الحرالي : وفي وقوله : { ولهم } ~~إعلام بقوة تداعي حالهم لذلك العذاب واستحقاقهم له وتنشؤ ذواتهم إليه حتى ~~يشهد عيان المعرفة به أي العذاب وبهم أنه لهم وكان عذابهم عظيماآخذا في ~~عموع ذواتهم لكونهم لم تلتبس أبدانهم ولا نفوسهم ولا أرواحهم بما يصد عنهم ~~شيئنامن عذابها كما يكون للمعاقبين من مذنبي مؤمني المم حيث يتنكب العذاب ~~PageV01P038 عن وجوههم ومواضع وضوئهم ونحو ذلك . انتهى . وسيأتى عند قوله ~~تعالى < # > 77 ( { ومن الناس من يتخذ من دون لله أندادا } ) 77 < # > [ البقرة : 165 ] ما يلتفت إلى هنا . | قال الحرالي : ( الكفر ) تغطية ~~ما حقه الإظهار , و ( الإنذار ) الإعلام بما يحذر , و ( الختم ) إخفاء خبر ~~الشيء بجمع أطرافه عليه على وجه يتحفظ به و ( القلب ) مبدأكيان الشيء من ~~غيب قوامه , فيكون تغير كونه بحسب تقلب قلبه في الانتهاء ويكون تطوره ~~وتكامله بحسب تقلبه يتصرف سائره وبوضعه للتقلب والتقليب سمي قلبا , وللطيف ~~معناه في ذلك كان أكثر قسمة صلى الله عليه وسلم بقلب القلوب , ( والغشاوة ) ~~غطاء مجلل لا يبدو معه من المغطى شيء و ( العذاب ) إيلام لا إجهاز فيه , و ~~( العظم ) ىلآخذ في الجهات كلها انتهى . | وفي تعقيب ذكر المؤمنين بذكر ~~المختوم على مداركهم المختوم بمهالكهم تعظيم للنعمة ms0029 على من استجاب له . ~~إذقال ( اهدنا ) فهداه , وإعلام بأن الهدى ليس إلا بيده ليلحلوفي الطلب ~~ويبرؤوا حول أو قوة . | ولما افتتح سبحانه بالذين واطأت قلوبهم ألسنتهم في ~~الإيمان وثنى بالمجاهرين من الكافرين الذين طابق غعلامهم إسرارهم في ~~الكفران اتبعه ذكر المساترين الذين خالفت السنتهم قلوبهم في الغدغان وهم ~~المنافقون , وأمرهم أشد لإشكال أحوالهم والتباس أقوالهم وافعالهم , فأضر ~~الأعداء من يريك الصداقة فيأخذك من المأمن ؛ وما ينسب إلى الإمام أبي ~~سليمان الخطابي في المعبى : | تحرز من الجهال جهدك أنهم وإن أظهروا فيك ~~المودة أعداء وإناكن فيهم من يسرك فعله فكل لذيذ الطعم أوجله داء | فقبح ~~ثنى سبحانه بإظهار أسرارهم وهتك أستارهم في سياق شامل لقسميهم , فقبحأمورهم ~~ووهى مقاصدهم وضرب لهم الأمثال بعض البسط المقال فقال تعالى : { ومن الناس ~~من يقول } أي لما أرسلنا رسولنا انقسم الناس إلى قسمين : مؤمن وكافر وانقسم ~~الكافر قسمين : فمنهم من جاهر وقال : لا نؤمن أبدا , ومنهم من يقول , ولعله ~~أظهر ولم يضمر لا نفرادهم عن المجاهرين ببعض الأحكام , أو لأنه سبحانه لما ~~. | PageV01P039 . ذكر طرفي الغيمان والكفر وأحوال المؤمنين وأحوال الذين ~~كفروا ذكر المنافقين المترددين بين الاتصاف بالطرفين بلفظ الناس لظهور معنى ~~النوس فيهم لا ضطراربهم بين الحالين , لأن النوس هو حركة الشيء اللطيف ~~المعلق في الهواء كالخيط المعلق الذي ليس في طرفه الأسفل ما يثقله فلا يزال ~~مضطربابين جهتين , ولم يظهر هذا المعنى في الفرقين لتحيزهم إلى جهة واحده . ~~قال الحرالي , وعرف للجنس أو للعهد في اللذين كفروا لأنهم نوع منهم , وسر ~~الإظهار موضع الإضمار على هذا ما تقدم , { آمنا بمؤمنين } أي بعرقين في ~~الإيمان كما ادعوه بذكر الاسم الأعظم وإعادة الجار , ولعله نفي العراقة فقط ~~لأن منهم من كان مزلزلاحين هذا القول غير جازم بالكفر وآمن بعد ذلك , وحذف ~~متعلق الإيمان نعميمافي السلب عنهم لما ذكروا وغيرهم , وجمع هنا وأفرد في [ ~~يقول ] تنبيهاعلى عموم الكفر لهم كالولين وقلة من يسمح منهم بهذا القول ~~إشارة إلى غلطتهم وشدة عثاوتهم في الكفر وقوتهم . | وفي ذكر قصتهم وتقبيح ms0030 ~~أحوالهم تنبيه على وجوب الإخلاص وحث على الاجتهاد في الطهارة من الأدناس في ~~سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم وتصنيف الناس آخر الفاتحه ثلاثة أصناف : ~~مهتدين ومعاندين وضالين , مثل تصنيفهم أول مرة البقرة ثلاثة متقين وكافرين ~~مصارحين وهم العاندين وضالين وهم النافقون , وإجمالهم في الفاتحة وتفصيلهم ~~هنا من بديع الأساليب وهو دأب القرآن العظيم الإجمال ثم التفصيل . | وقد ~~سمى ابن إسحاق كثيرامن المنافقين في السيرة الشريفة في أوائل أخبار ما بعد ~~الهجرة , قال ابن هشام في تلخيص ذلك : وكان ممن انصاف إلى يهود ممن سمي لنا ~~من المنافقين من الأوس والخزرج , من الأوس زوي بن الحارث وبجاد بن عثمان ~~ابن عامر ونبتل بن الحارث وهوالذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم . | ~~( من أحب أن ينظر إلى الشيطان فليبظر إلى نبتل ! وكان ياتي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يتحدث إليه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين , وهو الذي قال : ~~إنما محمد أذن ) وعباد بن حنيف أخو سهل وعمروبن خذام وعبد الله بن نبتل ~~وبحزج وهو ممن كان بنى مسجد الضرارةكذا جارية بن عامر PageV01P040 ابن ~~العطاف وابنه زيد وخذام بن خالد وهو الذي أخرج مسجد الضرار من داره ومربع ~~بن قيظي وهو الذي قال لرسول الله هلى الله عليه وسلم وهوعامد إلى أحد : لا ~~أحل لك يا محمد إن كنت نبياأن تمر في حائطي ! فابتدره المسلمون ليقتلوه ~~فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم وقال ( هذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر ~~) وأخوه أوس بن قيظي وهو الذي قال يوم الخندق ( إن بيوتنا عروة ) وحاطب بن ~~أمية بن رافع وكان شيخا جسيما قد عسى في الجاهلية وكان ابنه يزيد من خيار ~~السلمين , قتل رضى الله عنه يوم أحد فقال أبوه لمن بشره بالجنة : عررتم ~~والله هذا المسكين من نفسه ! وبشير بن أبيرق أبو طعيمة . وفي نسخة : طعمة , ~~وهوسارق الدرعين الذي أنزل الله فيه < # > 77 ( { ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم } ) 77 < # > [ النساء : 107 ] وقزمان حليف لهم أجاد يوم أحد القتال ومان رسول الله ms0031 ~~صلى الله عليه وسلم : ( إنه من أهل النار , فجرح فبشر بالجنة فقال : ~~واللهما قاتلت إلاحمية لقومي ! فلمااشتدتبه الجراحة قطع رواهش يده فمات ) ~~ومن الخزرج رافع بن وديعه وزيد بن عمرو وعمرو بن قيس وقيس بن عمرو بن ~~PageV01P041 سهل والجد بن قيس وهو الذي قال : ( ائذن لي ولاتفتني ) وعبد ~~الله بن أبي رأس المنافقين وإليه كانوا يجتمعون وهو القائل < # > 77 ( { ليخرجن الأعجز منها الأذل } ) 77 < # > [ المنافقون : 8 ] وفيه وفي وديعة العوفي ومالك بن أبي فوقل وسويد ~~وداعس وهم من رهطة نزل < # > 77 ( { ألم إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل ~~الكتاب } ) 77 < # > [ الحشر : 11 ] ىلاية حكاية لما كانوا يدسونه إلى بني الضير إذ حاصرهم ~~رسول الله صالى الله عليه وسلم فصدق الله وكذبوا . | PageV01P042 وكان ممن ~~تعوذ بالإسلام وأظهره وهومنافق من أحبار يهود من نبي قينقاع سعد ابن حنيف ~~وزيد بن اللصيت وهوالذي قال في عزوة تبوك : يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء ~~وهولا يدري أين ناقته ! فأعلمه الله بقوله وبمكان الناقة , ونعيمان بن أوفى ~~بن عمرو وعثمان بن اوفى ورافع بن حريملة وهوالذي قال له رسول اله صلى الله ~~عليه وسلم حين مات ( قد مات اليوم عظيم من عظماء المنافقين ) , وسلسلة بن ~~برهام وكنانه بن صوريا . | فكان هؤلاء من المافقين ومن نحا نحوهم ~~يحضرونالمسجد فيسمعون أحاديث المسلمين ويسخرون منهم ويستهزؤن بدينهم . ~~انتهى . وفيه اختصار فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآيات وابتدائت قصتهم ~~بالتنبيه على قلة عقولهم وخفة حلومهم من حيث أن محط حالهم أنهم يخادعون من ~~لا يجوز عليه الخداع وان الذي حملهم على ذلك أنهم ليس لهم نوع شعور ولا شيء ~~من إدراك بقوله تعالى جوابالسؤال من كأنه قال : فما قصدهم بإظهار الإيمان ~~والإخبار عن أنفسهم بغير ما هي متصفة به مع معرفتهم بقبح الكذب وشناعته ~~وفظاعته وبشاعته ؟ { يخادعونا الله } أي يبالغون في معاملته هذه المعاملة ~~بإبطان غير ما يظهرون مع ما له من الإحاطة بكل شيء , والخداع أصله الإخفاء ~~والمفاعلة في أصلها للمبالغة لن الفعل متى غولب ms0032 فيه فاعله جاء أبلغ وأحكم ~~منه إذا زاوله وحده { والذين آمنوا } أي يعاملونهم تلك المعاملة , وأمر ~~تعالى بإجراء أحكام الإسلام عليهم في الدنيا صورته صورة الخدع وكذا امتثال ~~المؤمنين أمره تعالى فيهم . قال الحرالي : جاء بصيغة المفاعلة لمكان إحاطة ~~علم الله بخداعهم ولم يقرأغيره ولا ينبغي , والخداع إظهار خير يتوسل به إلى ~~إبطان شر يؤول إليه أمر ذلك الخير المظهر . انتهى . | { وما يخدعون } أي ~~بما يغرون به المؤمنين { إلا أنفسهم } يعني أن عقولهم لخباثتها تسمى نفوسا ~~, والنفس قال الحرالي ما به ينفس المرء غلى غيره استبداد منه PageV01P043 ~~واكتفاء بموجود نفاسته على من سواه . انتهى . وقراءة الحذف هذه لاتنافي ~~قراءة يخادعون لن المطلق لا يخالف المقيد بالمبا لغة , وعبر هنا بصيغة ~~المفاعلة لشعورهم اكما قال الحرالي بفساداحولهم فيبعض الأوقات ومن بعض ~~الأشخاص وبصيغة المجرد لعمههم عن فساد أحوالهم في أكثر أوقاتهم وعمه ~~عاملتهم ولا يكون من الله سبحانه إلابلفظ الخدع لأنهم لا يعلمون ما يخفي ~~عنهم من أمره ولذلك جاء في آية النساء < # > 77 ( { يخادعون الله وهوخادعهم } ) 77 < # > [ النساء : 142 ] . انتهى . | { وما يشعرون } أي نوع شعور لإفراط جهلهم ~~بأنهم لايضرون غير أنفسهم لأن الله يعلم سرهم كما يعلم جهرهم . وحذف متعلق ~~للتعميم والشعور كما قال الحرالي أول الغحساس بالعلم كأنه مبدأ إنباته قبل ~~أن تكمل صورته تتميز . وانتهى . | ثم بين سبحان أن سبب الغفلة عن هذا ~~الظاهر كون آلة إدراكهم مريضة , شغلها المرض عن إدراك ما ينفعها فهي لاتجنح ~~الإإلى ما يؤذيها , كالمريض لاتميل نفسهإلى غير مضارها فقال جوابالمن كأنه ~~قال : ما سبب فعلهم هذا من الخداع وعدم الشعور ؟ { في قلوبهم مرض } أي من ~~اصل الخلقة يوهن قوى الإيمان فيها ويوجب ضعف أفعالهم الإسلامية وخللها , ~~لأن المرض كما قال الحرالي : ضعف في القوى يترتب عليه خلل في الأفعال { ~~فزادهم الله } أي بما له من صفات الجلال والإكرام لمخادعتهم بما يون من عدم ~~تأثيرها { مرضا } أي سوء اعتقاد بما يزيد من خداعهم وألما في قلوبهم بما ~~يرون من خيبة مطلوبهم , فانسدعليهم باب ms0033 الفهم والسداد جملة , والزيادة قال ~~الحرالي : استحداث أمر لم يكن في في موجود الشيء . | انتهى . | { ولهم } أي ~~مع ضرر الغباوة في الدنيا المحلقة بالبهائم { عذاب أليم } في الآخرة اي ~~شديد الألم وهو الوجع اللازم . قاله الحرالي { وبما كانوا } قال الحرالي : ~~من كان الشيء وكان الشيء كذا إذا ظهر وجوده وتمت صورته أو ظهر ذلك الكذا من ~~ذات نفسه . انتهى . | { يكذبون } أي يوقعون الكذب وهو الإخبار عن أنفسهم ~~بالإيمان مع تلبسهم بلكفران , والمعنى على قراءة التشديد يبالغون في الكذب ~~, أو ينسون الصادق إلى الكذب , وذلك أشنع الكذب ولما أخبر تعلى عن بواطنهم ~~أتبعه من الظاهر ما يدل عليه فبين أنهم إذا نهوا عن الفساد العام ادعوا ~~الصلاح العام بقوله : { وذا قيل لهم } وبناؤه للمجهول إشارة إلى عصيانهم ~~لكل قائل كائنامن كان { ولاتفسدوا في الأرض } أي بما نرى لكم من الأعمال ~~الخبيثة والفساد انتقاض صثورة الشيء . قال الحرالي { قالوا } قاصرين فعلهم ~~PageV01P044 على الصلاح نافين عنه كل فساد مباهتين غير مكترثين { إنما نحن ~~مصلحون } والإصلاح تلاقي خلل الشيء . قال الحرالي . | ولما كان حالهم ~~مبيناعلى الخداع بإظهار الخير وإبطان الشر وكانوا يرون لإسادهم لما لهم من ~~عكس الإدراك إصلاحافكانوا يناظرون عليه بأنواع الشبه كان قولهم ربما عر من ~~سمعه من المؤمنين لأن المؤمن غركريم والكافر خبلئيم فقال تعالى محذرامن ~~حالهم مثبتالهم ما نفوه عن أنفسهم من الفساد وقاصراله عليهم { ألانهم هم } ~~أي خاصة { المفسدون } أيالكاملون الإفساد البالغون من العراقة فيه ما يجعل ~~إفساد غيرهم بالنسبة إلى إفساد عدمالما في ذلك من خراب ذات البين وأخذ ~~المؤمن منة المأمن وقال الحرالي : ولما كان حال الطمأنينة بالإيمان إصلاحا ~~وجب أن يكون اضرارهم فيه إفسادالا سيما مع ظنهم أن كونهم مع هؤلاء تارة ومع ~~هؤلاء تارة من الحكمة والإصلاح وهو عين الإفساد لا سيما مع ظنهم أن كونهم ~~مع هؤلاء تارة من الحكمة والإصلاح ولذلك قيل : ما يصلح المنافق , لأنه لا ~~حبيب مصاف ولا عدو مبائن , فلا يعتقد منه على شيء . انتهى . | وبما كان هذا ~~الوصف موجبالعظيم ms0034 الرهبة اتبعه ما يخففه بقوله : { ولكن لا يشعرون } أي هم ~~في غاية الجلافة حتى لا شعور لهم يحسون به الصرف فيما يحاولونه من الفساد ~~الآن بما دلت عليه ما فب الآية السابقة الدالة على أن المضارع للحال ولا ~~فيما يستقبل من الزمان لأن لالا تقارنه إلا وهو بمعنى الاستقبال , فلأجل ~~ذلك لا يؤثر إفساد إلا في أذى أنفسهم , فلا تخافوهم فإني كافيكموهم . | ~~ولما بين حالهم إذا أمروا بالصلاح العام بين أنهم إذا دعوا إلى الصلاح ~~الخاص الذي هو أس كل صلاح سموه سفهافقال : { وإذا قيل } أي من أي قائل كان ~~{ لهم آمنوا } أي ظاهراوباطنا { كما آمن الناس } أي الذين هم الناس ليظهر ~~عليكم ثمرة ذلك من الزوم الصلاح واجتناب الفساد والإيمان المضاف إلى الناس ~~أدنى مراتب الإيمان قاله الحرالي , وهومفهم لما صرح به قوله : وما هم ~~بمؤمنين { قالوا أنؤمن } أي ذلك الإيمان { كما آمن السفهاء } أي الذين ~~استدرجتهم إلى استدراجهم ما دخلوا فيه بعد ترك ما كان عليه PageV01P045 ~~آباؤهم خفة نشأت عن ضعف العقل , ثم رد سبحانه قولهم بحصر السفه فيهم فقال : ~~{ ألانهم هم السفهاء } لا غير لجمودهم على رأيهم مع أن بطلانه أظهر من ~~الشمس ليس فيه لبس { ولكن لا يعلمون } أي ليس لهم علم أصلالا بذلك ولا ~~بغيره , ولا يتصور لهم علم لأن جهلهم مركب وهو أسوأالجهل والعلم , قال ~~الحرالي : ما أخذ بعلامة وأمارة نصبت آية عليه . | انتهى ز ولما كان الفساد ~~يكفي في معرفته والسد غنه أدنى تأمل والسفه لايكفي في إدراكه والنهي عنه ~~إلا رزانت العلم ختمت كل آية بما يناسب ذلك من الشعور والعلم ولما كان ~~العام جزء الخاص قدم عليه ولما نفاقهم وعلته وسيرتهم عند دعاء الداعي إلي ~~الحق بهذة الآيات بين سيرتهم في أقوالهم في أقوالهم في خداعهم دليلاعلى ~~إفسادهم بقوله : { وإذا لقوا } وللقاء اجتماع بإقبال { الذين آمنوا } أي ~~حقا ظاهراوباطنا , ولكن إيمانهم كما قال الحرالي فعل من أفعالهم لم ينته ~~إلى أن يصير صفة لهم , وأما المؤمنون الذين صار إيمانهم صفة لهم ms0035 فلا يكادون ~~يلقونهم بمقتضاه , لأنهم لا يجدزن معهم مدخلار في قول ولا مؤانسة , لأن ~~اللقاء لا بد فيه من إقبال ما من الملتقيين . انتهى . | { قالوا } خداعا { ~~آمنا } معبرين بالجملة الفعلية الماضية التي يكفي في إفادتها لما سقيت له ~~أدنى الحدوث . | { وإذا خلوا } منتهين { إلى شياطينهم } الذين هم رؤوسهم من ~~غير أن يكون معهم مؤمن , والشيطان هو الذي الشديد البعد عن محل الخير . قال ~~الحرالي , { قالوا إنا معكم } معبرين بالأسمة الدالة على الثبات مؤكدين لها ~~دالالة على نشاطهم لهذا الإخبار لمزيد حبهم لما أفاده ودفعالما قد يتوهم من ~~تبدلهم من رأى نفاقهم للمؤمنين ثم استأنفوا في موضع الجواب لمن قال : ما ~~بالكم تلينون للمؤمننين قولهم ؟ { إنما نحن مسهزئون } أي طالبون للهزء ~~ثابتون عليه فيما نظهر من الإيمان والهزء إظهار الجد وإخفاء الهزل فيه قاله ~~الحرالي . | فأجيب من كأنه قال : بماذا جوزوا ؟ بقوله : { الله يستهزىءبهم ~~} أي يجازهم على فعلهم بالاستداج بأن يظهر لهم من أمره المرذي لهم ما لا ~~يدركون وجهة فهو يجري عليهم في الدنيا في الدنيا أحكام أهل الإيمان ويذيقهم ~~في الدارين أعلى هوان مجددالهم ذلك بحسب استهزائهم , وذلك أنكمأ من شيء ~~دائم توطن النفس فلذلك عبر بالفعليه دون الاسمية . | مع أنها تفيد صجحة ~~التوبة لمن تاب دون الاسمية { ويمدهم } من المد بما يلبس عليهم . وقال ~~الحرالي : من المدد وهو مزيد PageV01P046 متصل في الشيء من جنسه , { في ~~طغيانهم } أي تجاوزهم الحد في الفساد . وقال الحرالي : إفراط اعتدائهم حدود ~~الأشياء وقاديرها انتهى . وهذا المد بالإملاء لهم حال كونهم { يعمهون } أي ~~يخبطون خبط الذي لا بصيرة له أصلا . قال الحرالي : من العمه عن طغيانه , ~~فلا يتعدون حداإلا عمهوا فلم يرجعوا عنه فهم أبدامتزايدو الطغيان انتهى . | ~~فلما تقرر ذلك كله كانت فذلكته من غير توقف { أولئك } أي الشديدو البعد من ~~الصواب { الذين اشتروا } أي لجوا في هواهم فكلفوا أنفسهم ضد ما فطرها الله ~~عليه مع ما نصب من الأدلة ختى اخذوا { الضلالة } أي التي هي أقبح الأشياء { ~~بالهدى } الذي هو حيز الأشياء ومدار ms0036 كل ذي شعور عليه , وسيأتي في سورة يوسف ~~عليه السلام بيان أن مادة شرى بتركيبها الاثنى عشر تدور على اللحاجة { فما ~~} أي فتسبب عن فعلهم هذا أنه ما { ربحت تجارتهم } مع ادعئهم أنهم أبصر ~~الناس بها { وما كانوا } في نفس جبلاتهم { مهتدين } لأنهم مع أنهم لم ~~يربحوا أضاعوا رأس المال , لأنه لم يبق في أيدهم غير الضلال الذي صاحبة في ~~دون رتبة البهائم مع زعمائم أنه لا ميل لهم في الهداية . | < < # | البقرة : ( 17 - 22 ) مثلهم كمثل الذي . . . . . # > > ^ ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلمآ أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ~~وتركهم في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون * أو كصيب من السمآء ~~فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله ~~محيط بالكافرين * يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضآء لهم مشوا فيه وإذآ ~~أظلم عليهم قاموا ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء ~~قدير * ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون * ~~الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بنآء وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) ^ } ) | ~~PageV01P047 فلما علم ذلك كله وكانت الأمثال ألصق بالبال وأكشف للأحوال مثل ~~حالهم في هداهم الذي باعوه با لضلاة بالأمور المحسوسة , لأن للتمثيل بها ~~شأناعظيمافي إيصال المعاني حتى إلى الأذهان الجامدة وتقريرها فيها بقوله ~~تعالى { مثلهم } اي في حالهم هذه التي طلبوا أن يعيشوا بها { كمثل الذي ~~استوقد نارا } أي طلب أن توقد له وهي هداه ليسير في نولرها , وأصلها من نار ~~إذا نفر لتحركها واضطرابها , فوقدت وأنارت . | { فلما أضاءت } أي النار , ~~وأفراد الضمير باعتبار لفظ ( الذي ) فقال : { وما حوله } وأراد أن ينتفع ~~بها في إبصار ما يريد , وهوكناية عما حصل لهم من الأمنةبما قالوه من كلمة ~~الإسلام من غير اعتقاد { ذهب الله } الذي له كمال العلم والقدرة , وجمع ~~الضمير نظراإلى المعنى لئلا يتوهم أن بعضهم انتفع دون بعض بعد ان أفراد ~~تقليلا ms0037 للنور وإن كان قويافي أوله لانطففائه في آخر فقال : { بنورهم } أي ~~الذي نشأمن تلك النار بإطفائه لها ولانور لهم سواه ؛ ولم يقل : بضوئهم , ~~لئلا يتوهم أن المذهوب به الزيادة فقط , لأن الضوء أعظم من مطلق النور < # > 77 ( { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا } ) 77 < # > [ يونس : 5 ] فذهب نورهم وبقيت نارهم ليجتمع عليهم حرها مع حر الفقد ~~لما ينفعهم من النور , وعبر بالإضاءة أو لاإشارة إلى قوة أولهم وانحماق ~~آخرهم لأن محط حالهم الباطل والباطل له صولة ثم تضمحل عند من ثبت لها ~~ليتبين الصادق من الكاذب نوعبر بالذهاب به دون إذهابه ليدل نصفاعلى أنه ~~سبحانه ليس معهم وحقق ذلك بالتعبير عن صيربترك فقال : { وتركهم في ظلمات } ~~أي بالضلاة من قلوبهم وإبصارهم وليهم أي ظلمات لاينفذ فيها بصر , فلذا كانت ~~نتيجة { لايبصرون } أي لاإبصار لهم أصلا ببصره ولا بصيرة . | ولما فرغ من ~~المثل كشف المراد بظلماتهم بأنها ما في آذانهم من الثقل المانع من الانتفاع ~~بالسماع , وما في ألسنتهم من الخرس عن كلام الخير الناشىء عن عدم الإدراك ~~الناشىء عن عمى البصائر وفساد الضمائر والسرائر , وما على أبصارهم من ~~الغشاوة المانعة من الاعتبار وعلى بصارئهم من الأغطية المنافية للادكار ~~فقال : { صم } أي عن السماع النافع { بكم } عن النطق المفيد لأن قلوبهم ~~مختوم عليها فلاينبعث منها خير تقذفة إلى الألسنة { عمي } في البصر ~~والبصيرة عن الإبصارالمرشد لما تقدم من الختم على مشاعرهم , ولما مان في ~~اكن في مقام إجابة الداعي إلي إلى الإيمان قدم السمع لأنه العمدة في ~~PageV01P048 ذلك وثنى بالقول لأنه يمكن الأصم الإفصاح عن المراد , وختم ~~بالبصر لإمكان الاهتداء به بالإشارة ؛ وكذا ما يأتي في هذه السورة سواء ~~بخلاف ما في الإسراء { فهم } أي فتسبب عن ذلك أنهم { لا } ولما كان المراد ~~التعميم في كل رجوع لم يذكر المرجوع عنه فقال : { يرجعون } أي عن طغيانهم ~~وضلالهم إلى الهدى الذي باعوه ولا إلى حالهم الذي كانوا عليه ولا ينتقلون ~~عن حالهم الذي عليه ولا ينتقلون عن حالهم هذا أصلا , لأنهم ms0038 كمن هذا حاله ~~ومن هذا حاله لا يقدر على مفارقة موضعه بتقدم ولاتأخر . | { أو } مثلهم في ~~سماع القرىن الذي فيه التشابه والوعيد والوعد { كصيب } أي أصحاب صيب اي مطر ~~عظيم , وقال الحرالي : سحاب ممطر دارثم اتبعه تحقيقالأن المراد الحقيقة ~~قوله : { من السماء } وهو كما قال الحرالي ما علا فوق الرأس , يعني هذا ~~أصلة والمراد هنا معروف , ومثل القرآن بهذا لمواترة نزوله وعلوه وإحيائه ~~القلوب كما أن الصيب يحي الأرض , ثم أخبر عن حاله بقوله : { فيه ظلمات } أي ~~لكثافة السحاب واسوداده { ورعد } أي صوت مرعب يرعد سماعه { وبرق } أي ~~نورمبهت للمعانه وسرعته قال الحرالي , والظلمات مثل مالم يفهموه , والرعد ~~ما ما ينادي عليهم بالفضيحة والتهديد والبرق ما لم يلوح لهم معناه ويداخلهم ~~رأي في استحسانه . | ولما تم مثل القرآن استأنف الخبر عن حال اممثل لهم ~~والممثل بهم حقيقة ومجازا فقال : { يجعلون أصابعهم } أي بعضها ولو قدروا ~~لحشوا الكل لشدة خوفهم { في أذانهم من الصواعق } أي من أجل قوتها , لأن ~~هولها يكاد أن يصم , وقال الحرالي : جمع صاعقة وهو الصوت الذي يميت سامعه ~~أو يكاد , ثم علل هذا بقوله : { حذر الموت والله } أي والحال أن المحيط بكل ~~شيء قدرة وعلما { محيط بالكافرين } فلا يغنيهم من قدره حذر , وأظهر موضع ~~الإضمار لإعراضهم عن القرآن وسترهم لأنواره . | ثم استأنف الحديث عن بقية ~~حالهم فقال : { يكاد البرق } أي من قوة لمعه وشعاعه وشدة حركته وإسراعه { ~~يخطف أبصارهم } فهم يغضونها عند لمعه وخفضه في ترائبه ورفعه , ولما كان من ~~المعلوم أن البرق ينقضي لمعانه بسرعة كان كأنه قيل : ماذا يصنعون عند ذلك ؟ ~~فقال : { كلما } وعبر بها دون إذا دلالة على شدة حرصهم على PageV01P049 ~~إيجاد المشي عند الإضاءة { أضاء لهم مشوا فيه } مبادرين إلى ذلك حراصاعليه ~~لا يقترون عنه في وقت من أوقات الإضاءة مع أنهم يغضون أبصارهم ولا يمدونها ~~غاية المد خوفاعليهم ووقوفامع الأسباب ووثوقابها واعتماداعليها وغفلة عن رب ~~الأرباب , وهو مثل لما وجدوامن القرآن موافقالآرائهم , وعطف بإذن لتحقق ~~خفوته بعد خفوته قوله : { وإذا أظلم عليهم ms0039 قاموا } أي أول حين الإظلام ~~لايقدرون على التقدم خطوة واحده إشارة إلى أنه ليست لهم بصائر بها فيما كشف ~~البرق لأبصارهم من الأرض قبل الإظلام بل حال انقطاع اللمعان يقفون لعمى ~~بصائرهم ووحشتهم وجنبهم وغربتهم وشدة جزعهم وحيرتهم , وهكذا حال هؤلاء لا ~~يقسمون ما أشكل عليهم من القرآن على ما فهموه . | { ولو شاء الله } الذي له ~~العظمة الباهة مع شدة حرصهم وتناهي جزعهم , ودل على مفعول شاء بقوله : { ~~لذهب بسمعهم } اي بقاصف الرعد ولم يغنهم سدآذانهم { وأبصارهم } بخاطف البرق ~~ولم يمنعه غضهم لها , ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي الذي له جميع صفات ~~الكمال { على كل شىء } أي مشيء أي يصح أن تقع عليه المشيئة هذا المراد وإن ~~كان الشيء كما قال سيبوية يقع على كل ما أخبر عنه , وهوأعلم العام كما ~~أناالله أخص الخاص , يجري على الجسم والعرض والقديم والمعدوم والمحال , ~~وقولالأشاعرة : إن المعدوم ليس بشيء , بمعنى أنه ليس بثابت في الأعيان ~~متميزفيها { قدير } إعلامابأن قدرته لاتتقيد بالأسباب , قال الحرالي : ~~القدرة إظهار الشيء من غير سبب ظاهر انتهى . | ولعله سبحانه قدم المثل ~~الأول لأنه مالجزء من الثاني , أولأنه مثل النافقين , جعلت مدة صباهم ~~بنموهم وازدياد عقولهم استيقاد مع جعل الله إياهم على الفطرة القويمة وزمان ~~بلوغهم بتمام العقل الغزيزي إضاءة ؛ والثاني مثل النافقين وهوأبلغ . لأن ~~الضلال فيه أشنع وأفظع . فالصيب القرآن الذي انقادوا له ظاهرا , والضلمات ~~متشابهه , والصواعق وعيده , والبرق وعده , كلما أنذروا بوعيد انقطعت قلوبهم ~~خوفا < # > 77 ( { يحسبون كل صيحة عليهم } ) 77 < # > [ المنافقون : 4 ] وكلما بشروا انقادوا رجاء , وإذا عرض المتشابه وقفوا ~~تحيراوجفاء وكل ذلك وقوفامع الدنيا وانقطاعاإليها , لانفوذلهم إلى ما ~~وراءها أصلا , بل هم الأنعام , لانظر لهم ألى ما سوى الجزيئات والأمور ~~المشاهدات , < # > 77 ( { فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم } ) 77 < # > [ النساء : 141 ] < # > 77 ( { يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاعظيما } ) 77 < # > [ النساء : 73 ] والكلام الجامع النافع في ذلك أن يقال إنه سبحانه ~~شبهفي الأول مثلهم بمثل المستوقد لابالستوقد , وفي الثاني شبه مثلهم ms0040 ~~فيخوفهم اللازم PageV01P050 ورجائهم النقطع بأصحاب الصيب لابمثلهم ؛ فتقدير ~~الأولمثلهم في انهم سمعواأولا الدعاء ورأوا الآيات فأخابوا الداعي إما ~~بالفعل كالنافقين وإما بالقوة في أيام الصبا لما عندهم من سلامةالفطر وصحة ~~النظر , ثم تلذذوا فرجعوا بقلوبهم من نور ما قالوه بألسنتهم من كلمة التقوى ~~نطقاأو تقديراإلى ظلمات الكفر , فلم ينفعهم سمع ولا بصر وعقل , فصاروا مثل ~~البهائم التي لاتطيع الراعي إلا بلجزر البليغ , مثلهم في هذا يشبه مثل ~~المستوقد في أنه لما اضاءت ناره رأى ما حوله , فلما ذهبت لم يقدر على تقدم ~~ولا تأخر , لأنه لا ينفع في ذلك سمع ولا كلام فإذن استوى وجودهما وعدمهما , ~~فصار عادماللثلاثة , فكان من هذه الجهة مساويا للأصم الأبكم الأعمى , فهو ~~مثله لكونه لا يقدر على مراده إلا أن قادة قائد حسي , فهو حينئذ مثل الهائم ~~التي لا تقاد للمراد إلا بقائد , فاستوىالمثلان وسيتضح ذلك قوله تعالى < # > 77 ( { كمثل الذي ينعق } ) 77 < # > [ البقرة : 171 ] ولذلك كانت النتيجة في كل منها صم إلى آخره و ( أو ) ~~بمعنى الواو , ولعله عبر بها دونها لأنه وإن كان كل من المثلين صالحا لكل ~~من القسمين فإن احتمال التفصيل غير بعيد , لأن الأول أطهر في الأول والثاني ~~في الثاني وجعل الحرالي المثلين للمنافقين فقال : ضرب لهم مثلين لما كان ~~لهم حالان وللقرآن عليهم تنزلان , منه ما يرغبون فيه لما فييه من مصلحة ~~دنياهم , فضرب لهم المثل الأول , وقدمه لأنه سبب دخولهم مع الذين آمنوا لما ~~رظاوا من معالجة عقاب الذين كفروا في الدنيا ؛ ومنه ما يرهبونه ولا ~~يستطيعون سماعه لما يتضمنه من أمور شاقة عليهم لا يحملها إلا مؤمن حقاولا ~~يتحملها إلا من أمن , ولما يلزم منه من فضيحة خداعهم فضرب له المثل الثاني ~~؛ فلن يخرج حالهم عند نزول نجوم القرآن عن مقتضى هذين المثلين اتهى . | ~~وضرب الأمثال المنهى إلى الحمد المنتهى إلى الإحاطة بكل حد لا سيما في أصول ~~الدين الكاشف لحقيقة التوحيد الموصل إلى اليقين في الإيمان بالغيب المحقق ~~لما لله تعالى من صفات الكمال الدافع للشكول ms0041 الحافظ في طريق السلوك مما ~~اختص به القرآن من حيث كان منهياإلى الحمد ومفصحابه فكان حرف الحمد , وذلك ~~أنه حرف عام محيط شامل لجميع الأمور كافل بكل الشرائع في سائر الأزمان ؛ ~~فكان أحق السل به من كانت رسالته عامة لجميع الخلق وكتابة شاملالجميع ~~وهوأحمد ومحمد صلى الله عليه وسلم . | قال الإمام أبو الحسن الحرالي في ~~كتابه ( عروة المفتاح ) : هذا الحرف الإحاطته أنزل وتراوسائر الحروف اشفاع ~~لا ختصاصها , ووجه إنزاله تفهيم ما غمض من المغيبات بضرب مثل من المشهودات ~~, ولما كان للأمر تنزلات وللخلق تطورات كان الأظهر منها PageV01P051 مثلا ~~لما هو دونه في الظهور , وكلما ظهر ممثول صار مثلالما هو أخفى منه , فكان ~~لذلك أمثالاعددامنها مثل ليس بممثول لظهوره وممثولات تصير أمثالا لما هو ~~أخفى منها إاى أن تنتهي الأمثال إلى غاية محسوس أو معلوم , فتكون تلك ~~الغاية مثلا أعلى كالسماوات والأرض فيما يحس والعرش والكرسي فيما يعلم < # > 77 ( { وله المثل الأعلى في السموات والأرض } ) 77 < # > [ الروم : 27 ] < # > 77 ( { الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم } ) 77 < # > [ غافر : 7 ] وذلك المثل الأعلى لإحاطته اسمه الحمد { وله الحمد في ~~السموات والأرض } [ الروم : 18 ] وأحمده أنها وأدناه غلى الله تعالى بحيث ~~لا يكونبينه وبين الله تعالى واسطة , فلذلك ما استحق أكمل الخلق وأجمعه ~~وأكمل الأمر وأجمعهوأكمل الأمر وأجمعه الاختصاص تعالى واسطة , فلذلك ما ~~استحق أكمل الخلق وأجمعه وأكمل الخلق الأمر وأجمعه الاختصاص بالحمد , فكان ~~أكمل الأمور سورة الحمد وكان أكمل الخلق صورة محمد صلى الله عليه وسلم , ~~كان خلقه القرآن < # > 77 ( { لقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم } ) 77 < # > [ الحجر : 87 ] ودون المثل الأعلى الجامع الأمثال العلية المفصلة منه < # > 77 ( { ضرب لكم مثلا من أنفسكم } ) 77 < # > [ الروم : 28 ] ولإحاطة أمر الله وكماله في كل شيء يصح أن يضربه مثلا < # > 77 ( { إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها } ) 77 < # > [ البقرة : 26 ] < # > 77 ( { مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ~~} ) 77 < # > [ العنكبوت : 41 ] وللمثل حكم من ms0042 ممثوله , إن كان حسنا حسن مثله , وإن ~~كان سيئا ساء مثله ؛ ولما كان أعلى الأمثال الحمد كان أول الفاتحة الحمد , ~~ولما كان أخفى أمر الخلق النفاق كان أول مثل في الترتيب مثل النفاق , وهو ~~أدنى مثل أمثال حسنة وسيئة < # > 77 ( { مثل الجنة التي وعد المتقون } ) 77 < # > [ الرعد : 35 ] الآيتين , < # > 77 ( { مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها } ) 77 < # > [ الجمعة : 5 ] < # > 77 ( { فمثله كمثل الكلب } ) 77 < # > [ الأعراف : 176 ] الآيتين . | وبقدر علو المثل أو دنوه أو توسطه ~~يتزايد للمؤمن الإيمان وللعالم العلم وللفاهم الفهم , وبضد ذلك لمن اتصف ~~بأضداد تلك الأوصاف , { فأما الذين آمنوا فيعملون أنه الحق من ربهم وأما ~~الذين كفروا فيقولون ماذا اراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ~~} ومعرفة أمثال القرآ , المعرفة إحاطة ممثولاتها وعلم آياته المعلمة اختصاص ~~معلوماتها هو حظ العقل واللب وحرفه من القرآن , ولكل حرف اختصاص بحظ من ~~تدرك الإنسان وأعمال القلوب والأنفس والأبدان , فمن يسر له القراءة والعمل ~~بحرف منه اكتفى , ومن جمع له قراءة جميع أحرفه علما وعملا فقد أتم ووفى , ~~وبذل يكون القارىء من القراء الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: ( إنهم أعز من الكبريت الأحمر ) < # > 77 ( { يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم } ) 77 < # > [ آل عمران : 74 ] PageV01P052 ثم قال فيما به يحصل قراءة هذا الحرف : ~~اعلم أن قراءة الأحرف الستة تماماوفاء بتفصيل العبادة , لأنها أشفاع ثلاثة ~~للتخلص والتخلي وثلاثة للعمل والتحلي , لن ترك الحرامك طهرة البدن طهرة ~~النفس وترك الترض للمتشابه طهرة القلب , ولأن تناول الحلال زكاء البدن ~~وطاعة الأمر زكاء النفس وتحقق العبودية بمقتضى حرف المحكم نور القلب ؛ وأما ~~قراءة حرف الأمثال فهو وفاء العبادة بالقلب جمعاودواما < # > 77 ( { وله الدين واصبا } ) 77 < # > [ النحل : 52 ] و < # > 77 ( { الذين هم على صلاتهم دائمون } ) 77 < # > [ المعارج : 23 ] فالذي يحصل قراءة هذا هو خاص بالقلب , لأن أعمال ~~الجوارح وأحوال النفس قد استوفتها الأحرف السته التفصيلية , والذي يخص ~~القلب بقراءة هذا الحرف هو المعرفةالتامه الميطه بأن كل الخلق دقيقة ms0043 وجليلة ~~خلق الله وحده لاشريك له في شيء منه , وأنه جميعه مثل لكلية أمر الله ~~القائم بكلية ذلك الخلق نوإن كلية ذلك الأمر الذي هو ممثول لمثل الخلق هو ~~مثل لله تعلى : < # > 77 ( { وله المثل الأعلى } ) 77 < # > [ الروم : 27 ] وان تفاصل الأمر المحيطات أمثل لقيامها من تفاصيل ذلك ~~الأمر المحيطات بها , وأن تفاصيل الأمر الميطات أمثال لأسماء الله تعالى ~~الحسنى بما هي محيطة ؛ ولجمع هذا الحرف لم يصح . إنزاله إلاعلى الخلق ~~الجامع الآدمي الذي هو صفوة الله وفطرته , وعلى سيد الآدميين محمد خاتم ~~النبين وهوخاصة وخاصة آلة , وعنه كمل الدين باالإحسان , وصفا العلم ~~بالإيقان , وشوهد في الوقت الحاضر , ما بين حدي الأزل الماضي والأبد الغابر ~~, وعن تمام اليقين والإحسان تحقق الفناء لكل فان وبقي وجه رب محمد ذي ~~الجلال والإكرام , وكان هذا الحرف بما اسمه الحمد هولكل شيء وختام انتهى . ~~| ولما بهذا البيان عما للكافرين بقسميهم من الشقاوة مع تمام القرة شمول ~~العلم المستلزم مان للواحدانية أنتج قطعا إفراده بالعباده الموجبه للساعده ~~المضمنه لإياك نعبد , فوصل بذلك قوله مقبلاعليهم بعد الإعراض عنهم عند ~~التقسيم إيذاك بأنهم صاروا بما تقدم من ضرب الأمثال وغيرها من حيز المتأهل ~~للخطاب من غير واسطة تنشيطالهم في عبادته وترغيباوتحريكاإلى رفع أنفسهم ~~بإقبال الملك الأعظم عن الخضوع لمن هو دونه بل دونهم وبشارة لمن أقبل عليه ~~بعد أن كان معرضاعنه بدوام الترقيه , فيزال ما أشار إليه حرف النداء ~~والتعبير . عن المنادى من بقية البعد بالسهو الغفلة والإعراض بالتقصير في ~~العبادة ولاضطراب والذبذبة { ياأيها الناس } قال الحرالي في تفسيره { يا } ~~تنبيه من يكون بمسمع من المنبه ليقبل على الخطاب , وهو تنبيه في ذات نفس ~~المخاطب ويفهم توسط البعد بين آيا الممدودة وأي المقصورة ( أي ) اسم مبهم , ~~مدلوله اختصاص ما وقع عليه من مقتضى اسم شامل , ( ها ) PageV01P053 كلمة ~~مدلولها تنبيه على أمر يستفيده المنبه - انتهى . | وأكد سبحانه الكلام ~~بالإبهام والتنبيه والتوضيح بتعيين المقصود بالنداء تنبيها على أن ما يأتي ~~بعده أمور مهمة يحق لها تشمير الذيول والقيام على ms0044 ساق الجد . | وقال ~~الحرالي : اعلم أنه كما اشتمل على القرآن كله فاتحة الكتاب فكذلك أيضا جعل ~~لكل سورة ترجمة جامعة تحتوي على جميع مثاني آيها , وخاتمة تلتئم وتنتظم ~~بترجمتها , ولذلك تترجم السورة عدة سور , وسيقع التنبيه على ذلك في موضعه ~~إن شاء الله تعالى . | واعلم مع ذلك أن كل نبئ منبأ - يقرأ بالهمز - من ~~النبأ وهو الخبر , فإنه شرع في دعوته وهو غير عالم بطية أمره وخبر قومه , ~~وأن الله عز وجل جعل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم نبيا منبيا من النبوة - ~~يقرأ بغير همز . | ومعناه رفعة القدر والعلو , فمما أعلاه الله به أن قدم ~~له بين يدي دعوته علم طية أمره ومكنون علمه تعالى في سر التقدير الذي لم ~~يزل خبأ في كل كتاب , فأعلمه بأنه تعالى جبل المدعوين الذين هم بصفة النوس ~~مترددين بين الاستغراق في أحوال أنفسهم وبين مرجع إلى ذكر ربهم على ثلاثة ~~أضرب : منهم من فطر على الإيمان ولم يطبع عليه أي على قلبه فهو مجيب ولا بد ~~, ومنهم من طبع على الكفر فهو آب ولا بد , ومنهم من ردد بين طرفي الإيمان ~~ظاهرا والكفر باطنا , وإن كلا ميسر لما خلق له ؛ فكان بذلك انشراح صدره في ~~حال دعوته وزال به ضيق صدره الذي شارك به الأنبياء - بالهمز , ثم علا بعد ~~ذلك إلى مستحق رتبته العلية , فكان أول ما افتتح له كتابه أن عرفه معنى ما ~~تضمنته { الم } ثم فصل من ذلك ثلاثة أحوال المدعوين بهذا الكتاب , وحينئذ ~~شرع في تلقينه الدعوة العامة للناس , فافتتح بعد ذلك الدعوة والنداء ~~والدعوة إلى العبادة يعني بهذه الآية , وتولى الله سبحانه دعوة الخلق في ~~هذه الدعوة العامة التي هي جامعة لكل دعوة في القرآن . | ولما ضمن صدرها من ~~الوعيد في حق رسوله فلم يجر خطاب ذلك على لسانه , ولما فيها من السطوة ~~وخطاب الملك والجزاء ومحمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين فلم ينبغ ~~إجراؤها على لسانه لذلك , وغيره من الرسل فعامة دعوة من خص الله سبحانه ms0045 خبر ~~دعوته فهي مجراة على ألسنتهم ولذلك كثرت مقاواة قومهم ومدعويهم لهم , ولما ~~أجرى الحق تعالى هذه الدعوة من قبله كان فيها بشرى بالغلبة وإظهار دينه , ~~لأن الله سبحانه وتعالى لا يقاويه خلقه , ولما انتهى إلى البشرى التي هي ~~رحمة أجرى الكلام على مخاطبته عليه السلام بقوله : < # > 77 ( { وبشر } ) 77 < # > [ البقرة : 25 ] ومع إجراء دعوة المرسلين على ألسنتهم علقت باسم الله ~~بلفظ < # > 77 ( { أن اعبدوا الله } ) 77 < # > [ المائدة : 117 ] ونحو فعز على أكثر النفوس الإجابة لفوات اسم الله عن ~~إدراك العقول , ومع تولي الله سبحانه لهذه الدعوة PageV01P054 بسلطانه ~~العلي أجراها باسم الربوبية وهو اسم أقرب مثالا على النفوس , لأنها تشاهد ~~آياته بمعنى التربية والربابة , ومع ذلك أيضا فذكر اسم الله في دعوة ~~المرسلين غير متبع ولا موصوف بآيات الإلهية , ولو ذكر لما قرب مثالا علمها ~~فهي كالشمس والقمر ونحو ذلك , وذكر تعالى الربوبية في هذه الدعوة متبعة ~~بآياتها الظاهرة التي لا تفوت العقل والحس ولا يمكن إنكارها , ووجه بعد ~~النفوس عن الانقياد عند الدعوة باسم الله أن آيات الربوبية التي يسهل عليها ~~الانقياد من جهتها التي بيسير منها تنقاد للملوك وأولي الإحسان , لأنها ~~جبلت على حب من أحسن إليها تبقى عند الدعوة باسم الله بمعزل عن الشعور ~~بإضافتها لاسم الله ويحار العقل في المتوجه له بالعبادة , وتضيف النفوس ~~الغافلة آيات الربوبية إلى ما تشاهده من أقرب الأسباب في العوائد , كالفصول ~~التي نيطت الموالد والأقوات بها في مقتضى حكمة الله سبحانه أو إلى أسباب ~~هذه الأسباب كالنجوم ونحو ذلك , فلا يلتئم للمدعو حال قوامه بعبادته فيكثر ~~التوقف والإباء , واقتضى اليسر الذي أراد الله بهذه الأمة ذكر الربوبية ~~منوطا بآياتها - انتهى . | ولما كانت العبادة المختلة بشرك أو غيره ساقطة ~~والازدياد من الصحيحة والاستمرار عليها عبادة جديدة يحسن الأمر بها خاطب ~~الفريقين فقال : { اعبدوا ربكم } أي الذي لا رب لكم غيره عبادة هي بحيث ~~يقبلها الغني . | ثم وصفه بما أشارت إليه صفة الرب من الإحسان تنبيها على ~~وجوده ووجوب العبادة له بوجوب شكر ms0046 المنعم فقال : { الذي خلقكم } , قا ~~لالحرالي : { الذي } اسم مبهم مدلوله ذات موصوف بوصف يعقب به وهي الصلة ~~اللازمة له , والخلق تقدير أمشاج ما يراد إظهاره بعد الامتزاج والتركيب ~~صورة { والذين من قبلكم } القبل ما إذا عاد المتوجه إلى مبدأ وجهته أقبل ~~عليه - انتهى . | ثم بين نتيجتها بقوله : { لعلكم تتقون } أي لتكون حالكم ~~بعبادته لأنها كلها محاسن ولا حسن في غيرها حال من ترجى له التقوى , وهي ~~اجتناب القبيح من خوف الله , وسيأتي في قوله : { لعلكم تشكرون } ما ينفع ~~هنا . | وقال الحرالي : لعل كلمة ترج لما تقدم سببه , وبدأ من آيات ~~الربوبية بذكر الخلق لأنه في ذواتهم , ووصل ذلك بخلق من قبلهم حتى لا ~~يستندوا بخلقهم إلى من قبلهم وترجى لهم التقوى لعبادتهم ربهم من حيث نظرهم ~~إلى خلقهم وتقدير أمشاجهم , لأنهم إذا أسندوا خلقهم لربهم كان أحق أن ~~يسندوا إليه ثمرة ذلك من صفاتهم وافعالهم فيتوقفون عن الاستغناء بأنفسهم ~~فينشأ لهم . | بذلك تقوى - انتهى . | وما أحسن الأمر بالعبادة حال ~~الاستدلال على استحقاقها بخلق الأولين والآخرين PageV01P055 وما بعده عقب ~~إثبات قدرة الداعي المشيرة إلى الترهيب من سطواته ! ولقد بدع هذا الاستدلال ~~على التفرد بالاستحقاق عقب أحوال من قرب أنهم في غاية الجمود بأمور مشاهدة ~~يصل إليها كل عاقل بأول وهلة من دحو الأرض وما بعده مما به قوام بقائهم من ~~السكن والرزق في سياق منبه على النعمة محذر من سلبها دال على الإله بعد ~~الدلالة بالأنفس من حيث إن كل أحد يعرف ضرورة أنه وجد بعد أن لم يكن , فلا ~~بد له من موجد غير الناس , لما يشاهد من أن حال الكل كحاله بالدلالة ~~بالآفاق من حيث إنها متغيرة , فهي مفتقرة إلى مغير هو الذي أحدثها ليس ~~بمتغير , لأنه ليس بجسم ولا جسماني في سياق مذكر بالنعم الجسام الموجبة ~~لمحبة المنعم وترك المنازعة وحصول الانقياد فقال : { الذي جعل } قال ~~الحرالي : من الجعل وهو إظهار أمر عن سبب وتصيير { لكم الأرض } أي المحل ~~الجامع لنبات كل نابت ظاهر أو باطن , فالظاهر كالموالد ms0047 وكل ما الماء أصله , ~~والباطن كالأعمال والأخلاق وكل ما أصله ما الماء آيته كالهدى والعلم ونحو ~~ذلك ؛ ولتحقق دلالة اسمها على هذا المعنى جاء وصفها بذلك من لفظ اسمها فقيل ~~: أرض أريضة , للكريمة ا لمنبتة , وأصل معناها ما سفل في مقابلة معنى ~~السماء الذي هو ما علا على سفل الأرض كأنها لوح قلمه الذي يظهر فيها كتابه ~~- انتهى . | { فراشا } وهي بساط سقفه السماء وهي مستقر الحيوان من الأحياء ~~والأموات , وأصله كما قال الحرالي : بساط يضطجع عليه للراحة ونحو ذلك , { ~~والسماء بناء } أي خيمة تحيط بصلاح موضع السكن وهو لعمري بناء جليل القدر , ~~محكم الأمر , بهي المنظر , عظيم المخبر . | ورتبت هذه النعم الدالة على ~~الخالق الداعية إلى شكره أحكم ترتيب , قدم الإنسان لأنه أعرف بنفسه والنعمة ~~عليه أدعى إلى الشكر , وثنى بمن قبله لأنه أعرف بنوعه , وثلث بالأرض لأنها ~~مسكنه الذي لا بد له منه , وربع بالسماء لأنها سقفه , وخمس بالماء لأنه ~~كالأثر والمنفعة الخارجة منها وما يخرج بسببه من الرزق كالنسل المتولد ~~بينهما فقال : { وأنزل } قال الحرالي : من الإنزال وهو الإهواء بالأمر من ~~علو إلى سفل - انتهى . | { من السماء } أي بإثارتها الرياح المثيرة للسحاب ~~الحامل للماء { ماء } أي جسما لطيفا يبرد غلة العطش , به حياة كل نام . | ~~قال الحرالي : وهو أول ظاهر للعين من أشباح الخلق { فاخرج } من الإخراج وهو ~~إظهار من حجاب , وفي سوقه بالفاء تحقيق للتسبيب في الماء - انتهى . | ~~PageV01P056 وأتي بجمع القلة في الثمر ونكر الرزق مع المشاهدة لأنهما ~~بالغان في الكثرة إلى حد لا يحصى تحقيرا لهما في جنب قدرته إجلالا له فقال ~~: { به من الثمرات رزقا } وإخراج الأشياء في حجاب الأسباب أوفق بالتكليف ~~بالإيمان بالغيب , لأنه كما قيل : لولا الأسباب لما ارتاب المرتاب , والثمر ~~كما قال الحرالي : مطعومات النجم والشجر وهي عليها , وعبر بمن لأن ليس كل ~~الثمرات رزقا لما يكون عليه وفيه من العصف والقشر والنوى , وليس أيضا من كل ~~الثمرات رزق فمنه ما هو للمداواة ومنه سموم وغير ذلك . | وفي قوله : { لكم ~~} إشعار بأن ms0048 في الرزق تكملة لذواتهم ومصيرا إلى أن يعود بالجزاء منهم . | ~~وقد وصف الرب في هذه الآية بموصولين ذكر صلة الثاني بلفظ الجعل , لأن حال ~~القوام مرتب على حال الخلق ومصير منه , فلا يشك ذو عقل في استحقاق الانقياد ~~لمن تولى خلقه وأقام تركيبه ؛ ولا يشك ذو حس إذا تيقظ من نوم أو غفلة فوجد ~~بساطا قد فرش له وخيمة قد ضربت عليه وعولج له طعام وشراب قدم له أن نفسه ~~تنبعث بذاتها لتعظيم من فعل ذلك بها ولتقلد نعمته وإكباره ؛ فلتنزيل هذه ~~الدعوة إلى هذا البيان الذي يضطر النفس إلى الإذعان ويدخل العلم بمقتضاها ~~في رتبة الضرورة والوجدان كانت هذه الدعوة دعوة عربية جارية على مقتضى ~~أحوال العرب , لأن العرب لا تعدو بأنفسها العلم الضروري وليس من شأنها تكلف ~~الأفكار والتسبب إلى تواني العلوم النظرية المأخوذة من مقتضى الإمارات ~~والأدلة , فعوملت بما جبلت عليه فتنزل لها لتكون نقلتها من فطرة إلى فطرة ~~ومن علم وجداني إلى علم وجداني علي لتحفظ عليها رتبة الإعراب والبيان بأن ~~لا يتسبب لها إلى دخول ريب في علومها , لأن كل علم مكتسب يتكلف التسبب له ~~بآيات وعلامات ودلائل تبعد من الحس وأوائل هجوم العقل تتعارض عليه الأدلة ~~ويعتاده الريب , فحفظت هذه الدعوة العربية عن التكلف وأجريت على ما أحكمه ~~صدر السورة في قوله تعالى : { لا ريب فيه } . | واعلم أن حال المخلوق في ~~رزقه محاذي به حاله في كونه , فيعلم بالاعتبار والتناسب الذي شأنه أن تتعلم ~~من جهته المجهولات أن الماء بزر كون الإنسان كما أن الماء أصل رزقه , ولذلك ~~قال عليه السلام لمن سأله ممن هو فلم يرد أن يعين له نفسه : ( نحن من ماء ) ~~ويعلم كذلك ايضا أن للأرض والسماء مدخلا في أمشاج الإنسان رتب عليه مدخلها ~~في كون رزقه , وفي ذكر الأرض معرفة أخذ للأرض إلى نهايتها وكمالها . | ~~PageV01P057 ولذلك قال عليه السلام : ( من اغتصب شبرا من أرض طوقه من سبع ~~أرضين ) وكذلك ذكر السماء أخذ لها إلى نهايتها وكمالها ؛ وقدم الأرض لأن ~~نظر ms0049 النفوس إلى ما تحتها أسبق لها من نظرها إلى ما علا عليها . | ثم قال : ~~ولوضوح آية الربوبية تقلدها الأكثر وإنما توقفوا في الرسالة ولذلك وصل ذكر ~~الرسالة بالتهديد - انتهى . | ولما أمر بعبادته وذكرهم سبحانه بما يعلمون ~~أنه فاعله وحده حسن النهي عن أن يشرك به ما لا أثر له في شيء من ذلك بفاء ~~التسبب عن الأمرين كليهما قال معبرا بالجلالة على ما هو الأليق بالتوبيخ ~~على تأله الغير { فلا تجعلوا لله } أي ما إحاطته بصفات الكمال . | ويجوز أن ~~يكون مسببا عن التقوى المرتجاة فتكون لا نافية والفعل منصوب { أندادا } أي ~~على حسب زعمكم أنها تفعل ما تريدون . | قال الحرالي : جمع ند وهو المقاوم ~~في صفة القيام والدوام , وعبر بالجعل لأن بالجعل والمصير من حال إلى حال ~~أدنى منها ترين الغفلة على القلوب , حتى لا تشهد في النعم والنقم إلا الخلق ~~من ملك أو ذي إمرة أو من أي ذي يد عليا كان , ولما شهدوا ذلك منهم تعلق بهم ~~رجاؤهم وخوفهم وعاقبهم ربهم على ذلك بأيديهم فاشتد داعي رجائهم لهم وسائق ~~خوفهم منهم فتذللوا لهم وخضعوا , فصاروا بذلك عبدة الطاغوت وجعلوهم لله ~~أندادا - انتهى . | وما أحسن قوله في تأنيبهم وتنبيههم على ما أزروا ~~بأنفسهم { وأنتم تعلمون } أي والحال أنكم ذوو علم على ما تزعمون فإنه يلوح ~~إلى أن من أشرك به مع قيام هذه الأدلة لم يكن ممن يصح منه العلم فكان في ~~عداد البهائم . | وفيه كما قال الحرالي : إعلام بظهور آيات ما يمنع جعل ~~الند لما يشاهد أن جميع الخلق أدناهم وأعلاهم مقامون من السماء وفي الأرض ~~ومن الماء , فمن جعل لله ندا مما حوته السماء والأرض واستمد من الماء فقد ~~خالف العلم الضروري الذي به تقلد التذلل للربوبية في نفسه فإن يحكم بذلك ~~على غيره مما حاله كحاله أحق في العلم - انتهى . | وفي تعقيبها لما قبلها ~~غاية التبكيت على من ترك هذا القادر على كل شيء وعبد ما لا يقدر على شيء . ~~| PageV01P058 وهذه الآية من المحكم الذي اتفقت ms0050 عليه الشرائع واجتمعت عليه ~~الكتب , وهو عمود الخشوع , وعليه مدار الذل والخضوع . | قال الإمام أبو ~~الحسن الحرالي في العروة : وجه إنزال هذا الحرف تحقيق ا تصاف العبد بما هو ~~اللائق به في صدق وجهته إلى الحق بانقطاعه عن نفسه وبراءته منها والتجائه ~~إلى ربه استسلاما , وجهده في خدمته إكبارا واستناده إليه اتكالا , وسكونه ~~له طمأنينة < # > 77 ( { يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية } ) 77 < # > [ الفجر : 27 , 28 ] , ويتأكد تحلي العبد بمستحق أوصافه لقراءة هذا ~~الحرف والعمل به بحسب براءته من التعرض لنظيره المتشابه , لأن اتباع ~~المتشابه زيغ لقصور العقل والفهم عن نيله , ووجوب الاقتصار على الإيمان به ~~من غير موازنة بين ما خاطب الله به عباده للتعرف وبين ما جعله للعبد ~~للاعتبار , سبحانه من لم يجعل سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته . | ~~وجامع منزل المحكم ما افتتح به التنزيل في قوله تعالى : < # > 77 ( { اقرأ باسم ربك } ) 77 < # > [ العلق : 1 ] الآيات , وما قدم في الترتيب في قوله تعالى : { يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم } إلى ما ينتظم بذلك من ذكر عبادة القلب التي هي المعرفة ~~< # > 77 ( { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ) 77 < # > [ الذاريات : 56 ] فليكن أول ما تدعوهم إليهم عبادة الله فإذا عرفوا ~~الله , ومن ذكر عبادة النفس التي هي الإجمال في الصبر وحسن الجزاء < # > 77 ( { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم } ) 77 < # > [ الكهف : 28 ] < # > 77 ( { ويدرؤون بالحسنة السيئة } ) 77 < # > [ الرعد : 22 ] < # > 77 ( { الذين هم في صلاتهم خاشعون } ) 77 < # > [ المؤمنون : 2 ] لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه إلى سائر أحوال العبد ~~التي يتحقق بها في حال الوجهة إلى الرب , وما تقدم من حرفي الحلال والحرام ~~لإصلاح الدنيا , وحرفي الأمر والنهي لإصلاح العقبى معاملة كتابه , والعمل ~~بهذا الحرف اغتباط بالرق وعياذ من العتق , فلذلك هو أول الاختصاص ومبدأ ~~الاصطفاء وإفراد موالاة الله وحده من غير شرك في نفس ولا غير , ولذلك بدئ ~~بتنزيله النبي العبد , وهو ثمرة ما قبله وأساس ما بعده , وهو للعبد أحوال ~~محققة لا يشركه فيها ms0051 ذو رثاء ولا نفاق , ويشركه في الأربعة المتقدمة - يعني ~~النهي والأمر والحلال والحرام , لأنها أعمال ظاهرة فيتحلى بها المنافق , ~~وليس يمكنه مع نفاقه التحلي بالمعرفة , ولا بالخشوع ولا بالخضوع , ولا ~~بالشوق للقاء ولا بالحزن في الإبطاء , ولا بالرضا بالقضاء , ولا بالحب ~~الجاذب للبقاء في طريق الفناء , ولا بشيء مما شمله آيات المحكم المنزلة في ~~القرآن وأحاديثه الواردة للبيان , وإنما يتصف بهذا الحرف عباد الرحمن < # > 77 ( { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما } ) 77 < # > [ الفرقان : 63 ] الذين ليس للشيطان عليهم سلطان < # > 77 ( { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ) 77 < # > [ الحجر : 42 , والإسراء : 65 ] . | PageV01P059 ولما كان حرف المحكم ~~مستحق العبد في حق الرب في فطرته التي فطر عليها كان ثابتا في كل ملة وفي ~~كل شرعة فكانت آياته لذلك هن أم الكتاب المشتمل على الأحرف الأربعة , ~~لتبدلها وتناسخها وتناسبها في الشرع والملل واختلافها على مذاهب الأئمة في ~~الملة الجامعة , مع اتفاق الملل في الحرف المحكم فهو أمها وقيامها الثابت ~~حال تبدلها وهو حرف الهدى الذي يهدي به الله من يشاء , وقرأته العملة به هم ~~المهتدون أهل السنة والجماعة , كما أن المتبعين لحرف المتشابه هم المتفرقون ~~في الملل وهم أهل البدع والأهواء المشتغلون بما لا يعنيهم , وبهذا الحرف ~~المتشابه يضل الله من يشاء ؛ فحرف المحكم للاجتماع والهدى , وحرف المتشابه ~~للافتراق والضلال < # > 77 ( { والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } ) 77 < # > [ الأحزاب : 4 ] . | ثم قال : اعلم أن قراءة الأحرف الماضية الأربعة هو ~~حظ العامة من الأمة العاملين لربهم على الجزاء المقارضين له على المضاعفة , ~~وقراءة هذا الحرف تماما هو حظ المتحققين بالعبودية المتعبدين بالأحوال ~~الصادقة المشفقين من وهم المعاملة , لشعورهم أن العبد لسيده مصرف فيما شاء ~~وكيف شاء , ليس له في نفسه حق ولا حكم , ولا حجة له على سيده فيما اقامه ~~فيه من صورة سعادة أو شقاوة < # > 77 ( { في أي صورة ما شاء ركبك } ) 77 < # > [ الانفطار : 8 ] < # > 77 ( { على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون } ) 77 < # > [ الواقعة ms0052 : 63 ] . | والذي تحصل به قراءة هذا الحرف إما من جهة القلب ~~فالمعرفة بعبودية الخلق للحق رق خلق ورزق وتصريف فيما شاء مما بينه وبين ~~ربه ومما بينه وبين نفسه ومما بينه وبين أمثاله من سائر العباد , لا يملك ~~لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا , ولا يأخذ إلا ما أعطاه ~~سيده , ولا يتقي إلا ما وقاه سيده , ولا يكشف السوء عنه إلا هو , فيسلم له ~~مقاليد أمره في ظاهره وباطنه , وذلك هو الدين عند الله الذي لا يقبل سواه < # > 77 ( { إن الدين عند الله الإسلام } ) 77 < # > [ آل عمران : 19 ] و < # > 77 ( { من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } ) 77 < # > [ آل عمران : 85 ] وهو دين النبي العبد , وما يتحقق للعبد من ذلك عن ~~اعتبار العقل وخلوص اللب هي الملة الحنيفية ملة النبي الخليل - هذا من جهة ~~القلب ؛ وإما من جهة حال النفس فجميع أحوال العبد القن المعرق في الملك : ~~إنما أنا عبد آكل مثل ما يأكل العبد ؛ وجماع ذلك وأصله الذل وانكسارا والذل ~~عطفا والبراءة من الترفع والفخر على سائر الخلق والتحقق بالضعة دونهم على ~~وصف النفس , بذلك ينتهي حسن PageV01P060 التخلق مع الخلق وصدق التعبد للحق ~~؛ وإما من جهة العمل فتصرف الجوارح وإسلامها لله قولا وفعلا وبذلا , ~~ومسالمة الخلق لسانا ويدا , وهو تمام الإسلام وثبته , لا يكتب أحدكم في ~~المسلمين حتى يسلم الناس من لسانه ويده , ويخص الهيئة من ذلك ما هو أولى ~~بهيئات العبيد كالذي بنيت عليه هيئة الصلاة من الإطراق في القيام ووضع ~~اليمنى على اليسرى بحذاء الصدر هيئة العبد المتأدب المنتظر لما لا يدري ~~خبره من أمر سيده وكهيئة الجلوس فيها الذي هو جلوس العبيد , كذلك كان صلى ~~الله عليه وسلم يجلس لطعامه ليستوي حال تعبده في أمر دنياه وأخراه ويقول : ~~( إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد ) ويؤثر جميع ما هو هيئة العبيد في ~~تعبده ومطعمه ومشربه وملبسه ومركبه وظعنه وإقامته ^ ( { قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله } ) ^ [ آل عمران : 31 ] فبهذه ms0053 الأمور من تحقق ~~العبودية للقلب وذل النفس وانكسار الجوارح تحصل قراءة حرف المحكم والله ~~الولي الحميد - انتهى . | < < # | البقرة : ( 23 - 25 ) وإن كنتم في . . . . . # > > ^ ( وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا ~~شهدآءكم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا ~~النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين * وبشر الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا ~~قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيهآ أزواج مطهرة وهم ~~فيها خالدون ) ^ } ) | ولما ثبتت هذه الأدلة فوجب امتثال ما دعت إليه ولم ~~يبق لمتعنت شبهة إلا أن PageV01P061 يقول : لا أفعل حتى أعلم أن هذا الكتاب ~~الذي تقدم أنه الهدى كلام الله , قال مبينا إنه من عنده نظما كما كان من ~~عنده معنى محققا ما ختم به التي قبلها من أن من توقف عما دعا إليه من ~~التوحيد وغيره لا علم له بوجه , وأتى بأداة الشك سبحانه مع علمه بحالهم ~~تنبيها على أنه من البعيد جدا أن يجزم بشكهم بعد هذا البيان { وإن } أي فإن ~~كنتم من ذوي البصائر الصافية والضمائر النيرة علمتم بحقية هذه المعاني ~~وجلالة هذه الأساليب وجزالة تلك التراكيب أن هذا كلامي , فبادرتم إلى ~~امتثال ما أمر والانتهاء عما عنه زجر . | وجزالة تلك التراكيب أن هذا كلامي ~~, فبادرتم إلى امتثال ما أمر والانتهاء عما عنه زجر . | { وإن كنتم في ريب ~~} أي شك محيط بكم من الكتاب الذي قلت - ومن أصدق مني قيلا - إنه { لا ريب ~~فيه } . | وأشار هنا أيضا إلى عظمته وعظمة المنزل عليه بالنون التفاتا من ~~الغيبة إلى التكلم فقال : { مما نزلنا } قال الحرالي : من التنزيل وهو ~~التقريب للفهم بتفصيل وترجمة ونحو ذلك - انتهى . | { وعلى عبدنا } أي ~~الخالص لنا الذي لم يتعبد لغيرنا قط , فلذلك استحق الاختصاص دون عظماء ~~القريتين وغيرهم , فارتبتم في أنه كلامنا نزل بأمرنا وزعمتم أن عبدنا محمدا ~~أتى به من عنده لتوهمكم أن فيما سمعتم ms0054 من الكلام شيئا مثله لأجل الإتيان به ~~منجما أو غير ذلك من أحواله . | { فأتوا } أي على سبيل التنجيم أو غيره , ~~قال الحرالي : الآتي بالأمر يكون عن مكنة وقوة { بسورة } أي نجم واحد . | ~~قال الحرالي : السورة تمام جملة من المسموع يحيط بمعنى تام بمنزلة إحاطة ~~السور بالمدينة - انتهى . | وتفصيل القرآن إلى سور وآيات , لأن الشيء إذا ~~كان جنسا وجعلت له أنواع واشتملت أنواعه على أصناف كان أحسن وأفخم لشأنه ~~وأنبل ولا سيما إذا تلاحقت الأشكال بغرابة الانتظام , وتجاوبت النظائر بحسن ~~الالتيام , وتعانقت الأمثال بالتشابه في تمام الأحكام وجمال الأحكام , وذلك ~~أيضا أنشط للقارش وأعظم عنده لما يأخذه منه مسمى بآيات معدودة أو سورة ~~معلومة وغير ذلك { من مثله } أي من الكلام الذي يمكنكم أن تدعوا أنه مثل ما ~~نزلنا كما قال : < # > 77 ( { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله } ) 77 < # > [ الإسراء : 88 ] فإن عبدنا منكم ونشأ بين أظهركم , فهو لا يقدر على أن ~~يأتي بما لا تقدرون على مثله إلا بتأييد منا . | ولما كانوا يستقبحون الكذب ~~قال : { وادعوا شهداءكم } أي من تقدرون على دعائه من الموجودين بحضرتكم في ~~بلدتكم أو ما قاربها , والشهيد كما قال الحرالي من يكثر الحضور لديه ~~واستبصاره فيما حضره - انتهى . | { من دون الله } أي لينظروا بين الكلامين ~~فيشهدوا بما تؤديهم إليه معرفتهم من PageV01P062 المماثلة أو المباينة ~~فيزول الريب ويظهر إلى الشهادة الغيب أو ليعينوكم على الإتيان بمثل القطعة ~~المحيطة التي تريدون معارضتها . | قال الحالي : والدون منزلة القريب ~~فالقريب من جهة سفل , وقد عقلت العرب أن اسم الله لا يطلق على ما ناله ~~إدراك العقل فكيف بالحس ! فقد تحققوا أن كل ما أدركته حواسهم ونالته عقولهم ~~فإنه من دون الله - انتهى . | ففي التعبير به توبيخ لهم بأنهم لم يرضوا ~~بشهادته سبحانه . | وحكمة الإتيان بمن التبعيضية في هذه السورة دون بقية ~~القرآن أنه سبحانه لما فرض لهم فيها الريب الذي يلزم منه زعمهم أن يكونوا ~~اطلعوا له على مثيل أو سمعوا أن ms0055 أحدا عثر له على شبيه اقتضى الحال الإتيان ~~بها ليفيد أن المطلوب منهم في التحدي قطعة من ذلك المثل الذي ادعوه حكيمة ~~المعاني متلائمة المباني منتظم أولها بآخرها كسور المدينة في صحة الانتظام ~~وحسن الالتيام والإحاطة بالمباني التي هي كالمعاني والتقاء الطرفين حتى صار ~~بحيث لا يدرى أوله من آخره سواء كانت القطعة المأتي بها تباري ىية أو ما ~~فوقها لأن آيات القرآن كسورة يعرف من ابتدائها ختامها ويهدي إلى افتتاحها ~~تمامها , فالتحدي هنا منصرف إلى الآية بالنظر الأول وإلى ما فوقها بالنظر ~~الثاني . | والمراد بالسورة هنا مفهومها اللغوي , لأنها من المثل المفروض ~~وهو لا وجود له في الخارج حتى يكون لقطعة اصطلاح في الأسماء معروف , ولأن ~~معرفة المعنى الاصطلاحي كانت مخصوصا بالمصدقين ولو أريد التحدي بسورة من ~~القرآن لقيل : فائتوا بمثل سورة منه , ولما كان هذا هو المراد قصرهم في ~~الدعاء على من بحضرتهم من الشهداء وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة يونس ~~عليه السلام وبقية السور المذكورة فيها هذا المعنى ما يتم به هذا الكلام . ~~| وفي قوله : { إن كنتم صادقين } إيماء إلى كذبهم في دعوى الشك فيه , قال ~~الحرالي : والصادق الذي يكون قول لسانه وعمل جوارحه مطابقا لما احتوى عليه ~~قلبه مما له حقيقة ثابتة بحسبه , وقال : اتسقت آية تنزيل الوحي بآية إنزال ~~الرزق لما كان نزول ما نزل على الرسول المخصص بذلك ينبغي اعتباره بمقابلة ~~نزول الرزق , لأنهما رزقان : أحدهما ظاهر يعم الكافر في نزوله , والآخر وهو ~~الوحي رزق باطن يخص الخاصة بنزوله ويتعين له أيهم أتمهم فطرة وأكملهم ذاتا ~~؛ ولم يصلح ن يعم بنزول هذا الرزق الباطن كعموم الظاهر , فتبطل حكمة ~~الاختصاص في الرزقين , فإن نازعهم ريب في الاختصاص فيفرضون أنه عام ~~فيحاولون معارضته , وكما أنهم يشهدون بتمكنهم من الحس عند محاولته عمومه ~~فكذلك يجب أن يشهدوا بعجزهم عن سورة من مثله تحقق اختصاص من نزل عليه به ~~وأجرى ذكره باسم العبودية إعلاما PageV01P063 بوفائه بأنحاء التذلل وإظهارا ~~لمزية انفراده بذلك دونهم ليظهر به سبب الاختصاص ms0056 . | وانتظم النون في { ~~نزلنا } من يتنزل بالوحي من روح القدس والروح الأمين ونحو ذلك , لأنهاتقتضي ~~الاستتباع , واقتضت النون في لفظ { عبدنا } ما يظهره النبي صلى الله عليه ~~وسلم لهم من الانقياد والاتباع وما اقتضاه خلقه العظيم من خفض الجناح , حتى ~~أنه يوافق من وقع على وجه من الصواب من أمته صلى الله عليه وسلم , وحتى أنه ~~يتصف بأوصاف العبد في أكله كما قال : ( آكل كما يأكل العبد ) انتهى . | ~~والتحدي بسورة يشمل أقصر سورة كالكوثر ومثلها في التحدي آية مستقلة توازيها ~~وآيات , كما قاله الإمام جلال الدين محمد بن أحمد المحلي في شرح جمع ~~الجوامع , وسبقه الإمام شمس الدين محمد بن عبد الدائم البرماوي فنظمه في ~~القنية في الأصول ونقله في شرحها عن ظاهر كلام إمام الحرمين في الشامل وعن ~~كلام الفقهاء في الصداق فيما لو أصدقها تعليم سورة فلقنها بعض آية , ~~وسبقهما العلامة سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني فقال في تلويحه على ~~توضيح صدر الشريعة : المعجز هو السورة أو مقدارها هكذا ذكر الذين تكلموا في ~~الإعجاز من الأصوليين وغيرهم أن التحدي وقع بسورة من القرآن , والصواب أنه ~~إنما وقع بقطعة آية فما فوقها , لأن المراد بالسورة مفهومها اللغوي لا ~~الاصطلاحي كما تقدم بيانه . | والحاصل أنه لما كان في آيات المنافقين ذكر ~~الأمثال وكانوا قد استغربوا بعض أمثال القرآن وجعلوها موضعا للشك من حيث ~~كانت موضعا لليقين فقالوا : لو كان هذا من عند الله لما ذكر فيه أمثال هذه ~~الأمثال , لأنه أعظم من أن يذكر ما دعاهم إلى المعارضة في هذه السورة ~~المدنية بكل طريق يمكنهم , وأخبرهم بأنهم عاجزون عنها وأن عجزهم دائم ~~تحقيقا لأنهم في ذلك الحال معاندون لا شاكون . | ولما كان سبحانه عالما بأن ~~الأنفس الأبية والأنوف الشامخة الحمية التي قد لزمت PageV01P064 شيئا فمرنت ~~عليه حتى صار لها خلقا يصعب عليها انفكاكها عنه ويعسر خلاصها منه عبر عن ~~هذا الإخبار بالعجز مهددا في سياق ملجئ إلى الإنصاف بالاعتراف أو تفطر ~~القلوب بالعجز عن المطلوب بقوله تعالى : { فإن لم ms0057 تفعلوا } فأتى بأداة الشك ~~تنفيسا لهم وتهكما في نفس الأمر بهم واستجهالا لهم , ثم لم يتمم ذلك ~~التنفيس حتى ضربهم ضربة فضمت ظهورهم وقطعت قلوبهم فقال لتكون الآية كافلة ~~لصحة نسبة النظم والمعنى آيد وآكد لادعائهم المقدرة بقوله تعالى : { ولن ~~تفعلوا } فألزمهم الخزي بما حكم عليهم به من العجز , فلم يكن لهم فعل إلا ~~المبادرة إلى تصديقه بالكف , فكانوا كمن ألقم الحجر فلم يسعه إلا السكوت , ~~واستمر ذلك التصديق لهم ولأمثالهم على وجه الدهر في كل عصر ينادي مناديه ~~فتخضع له الرقاب ويصدح مؤذنه فتنكسر الرؤوس , والتعبير بالفعل الأعم من ~~الإتيان أبلغ لأن نفيه نفي الأخص وزيادة . | والفعل قال الحرالي ما ظهر عن ~~داعية من الموقع كان عن علم أو غير علم لتدين كان أو لغيره كما تقدم مرارا ~~- انتهى . | فقد ثبت أن هذا الكتاب الذي بين أنه الهادي إلى الصراط ~~المستقيم أعظم دليل على إفراده بالعبادة واختصاصه بالمراقبة التي أرشدنا ~~إليها بقوله : < # > 77 ( { إياك نعبد وإياك نستعين } ) 77 < # > [ الفاتحة : 4 ] الآية بما ثبت فيه من أدلة التفرد بالإلهية بما ثبت من ~~عجزهم عن معارضته وعجز جميع العرب الذين كانوا أفصح الخلق وكذا جميع من ولد ~~في بلادهم وانطبع بلسانهم من اليهود والنصارى الذين لهم من الفصاحة والعلم ~~ما هو مشهور فقد كان لليهود من بني إسرائيل الذين كانوا في المدينة الشريفة ~~وخيبر واليمن وغيرها , ومن دخل في دينهم من العرب من الفصاحة والبلاغة ~~والعلم ما لا يحتاج من طالع السيرة فيه إلى توقف , وكان النصارى من بني ~~إسرائيل ومن دان دينهم من العرب وهم كثير كثرة قوم المنذرين ماء السماء , ~~وما قارب الشيء من عبد القيس وتنوخ وعامله وغسان كلهم فصحاء بلغاء , وزاد ~~كثير منهم على ذلك العلم وكان منهم الشعراء المبرزون ؛ ومع ذلك فلم يقدر ~~أحد منهم على طعن في هذا القرآن ولا عارضه منهم إنسن إلا ما قاله مسيلمة ~~والأسود العنسي فيما افتضحوا به وأكذبهم الله تعالى فيه وسارت بفضائحهم ~~الركبان فكانوا بها مثلا في سائر البلدان ms0058 . | قال عمرو بن بحر الجاحظ ( في ~~كتاب الحجة في تثبيت خبر الواحد ) إن الله تبارك وتعالى بعث محمدا صلى الله ~~عليه وسلم أكثر ما كانت العرب شاعرا وخطيبا وأحكم ما كانت لغة وأشد ما ~~PageV01P065 كانت عدة فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته ~~فدعاهم إلى حظهم بالحجة , فلما قطع العذر وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من ~~الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة حملهم على حظهم بالسيف , فنصب لهم ~~الحرب ونصبوا له وقتل من عليتهم وأعلامهم وأمامهم وبني أعمامهم وقتلوا ~~أعمامه وبني أعمامه وعلية أصحابه وأعلام أهله , وهو في ذلك يحتج عليهم ~~بالقرآن وغيره ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا بسورة ~~واحدة أو بآيات يسيرة , فكلما ازداد تحديا لهم بها وتقريعا بعجزهم عنها ~~تكشف من نقصهم ما كان مستورا وظهر منه ما كان خفيا , فحين لم يجدوا حيلة ~~ولا حجة قالوا له : أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف فلذلك يمكنك ما لا ~~يمكننا ؛ قال : فهاتوها مفتريات , فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر ولا ~~طبع فيه لتكلفه , ولو تكلفه لظهر ذلك , ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي ~~عليه ويكابر فيه ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض , فدل ذلك العاقل على عجز ~~القوم مع كثرة كلامهم واتساع لغتهم وسهولة ذلك عليهم وكثرة شعرائهم وكثرة ~~من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته , لأن سورة واحدة وآيات يسيرة ~~كانت أنقض لقوله وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه وأسرع في تفريق أتباعه من بذل ~~النفوس والخروج من الأوطان وإنفاق الحرائب ؛ وهذا من جليل التدبير الذي لا ~~يخفى على من هو دون قريش والعرب في العقل والرأي بطبقات , ولهم القصيد ~~العجيب والرجز الفاخر والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة , ولهم ~~الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور , ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن ظهر عجز ~~أدناهم ؛ فمحال أكرمك الله أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر ~~والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص والتوقيف على العجز وهم أشد الخلق ~~أنفة وأكثرهم مفاخرة ms0059 والكلام سيد علمهم وقد احتاجوا إليه والحاجة تبعث على ~~الحيلة في الأمر الغامض فكيف بالظاهر ! وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثا ~~وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة فكذلك أيضا محال أن يتركوه ~~وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه - انتهى . | فثبت بهذا ~~عجزهم وخرس قطعا إفصاحهم ورمزهم وطأطأ ذلا كبرهم وعزهم , وكيف يمكن المخلوق ~~مع تمكنه في سمات النقص ودركات الافتقار والضعف معارضة من اختص بصفات ~~الكمال وتعالى عن الأنداد والأشباه والأشكال . | وقد اختلف الناس في سبب ~~الإعجاز وأحسن ما وقفت عليه من ذلك ما نقله الإمام بدر الدين الزركشي ~~الشافعي في كتابه البرهان عن الإمام أبي سليمان الخاطبي PageV01P066 وقال : ~~وإليه ذهب الأكثرون من علماء النظر - أن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة ~~لكن صعب عليهم تفصيلها ووضعوا فيه إلى حكم الذوق , قال : والتحقيق أن أجناس ~~الكلام مختلفة ومراتبها في درجات البيان متفاوتة , فمنها البليغ الرصين ~~الجزل , ومنها الفصيح القريب السهل , ومنها الجائز الطلق الرسل ؛ وهذه ~~الأقسام هي الكلام الفاضل المحمود , فالقسم الأول أعلاه والقسم الثاني ~~أوسطه والقسم الثالث أدناه وأقربه ؛ فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه ~~الأقسام حصة وأخذت من كل نوع شعبة , فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من ~~الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة , وهما على الانفراد في نعوتهما ~~كالمتضادين لأن العذوبة نتاج السهولة والجزالة والمتانة يعالجان نوعا من ~~الزعورة , فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبو كل واحد منهما عن الآخر ~~فضيلة خص بها القرآن لتكون آية بينة لنبيه صلى الله عليه وسلم , وإنما تعذر ~~على البشر جميعا الإتيان بمثله لأمور , منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء ~~اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني , ولا تدرك أفهامهم جميع ~~معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ , ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع ~~وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض , فيتوصلوا باختيار ~~الأفضل من الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله , وإنما يقوم الكلام ~~بهذه الأشياء الثلاثة لفظ حامل ومعنى به ms0060 قائم ورباط لهما ناظم ؛ وإذا تأملت ~~القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئا من ~~الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه , ولا ترى نظما أحسن تأليفا وأشد ~~تلاؤما وتشاكلا من نظمه ؛ وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه ~~والترقي إلى أعلى درجاته , وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في ~~أنواع الكلام , فأما أن يوجد مجموعه في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام ~~العليم القدير , فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح ~~الألفاظ في أحسن نظوم التأليف , مضمنا أصح المعاني من توحيد الله تعالى ~~وتنزيه له في صفاته , ودعاء إلى طاعته وبيان لطريق عبادته , في تحليل ~~وتحريم وحظر وإباحة , ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر , وإرشاد ~~إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها , واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى ~~شيء أولى منه ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه , مودعا PageV01P067 ~~أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن مضى وعاند منهم , منبئا عن ~~الكوائن المستقبلة في الأعصار الآتية من الزمان , جامعا في ذلك بين الحجة ~~والمحتج له والدليل والمدلول عليه , ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه , ~~وأنبأ عن وجوب ما أمر به ونهى عنه , ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور ~~والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه ~~قدرتهم ؛ فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله , ~~ثم صار المعاندون له يقولون مرة : إنه شعر - لما رأوه منظوما - ومرة : إنه ~~سحر - لما رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه , وقد كانوا يجدون له وقعا في ~~القلوب وفزعا في النفوس يريبهم ويحيرهم , فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا ~~من الاعتراف , ولذلك قالوا : إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة , وكانوا مرة ~~بجهلهم يقولون : إنه < # > 77 ( { أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا } ) 77 < # > [ الفرقان : 5 ] مع علمهم أن صاحبه أمي وليس ms0061 بحضرته من يملي أو يكتب في ~~نحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل والعجز - انتهى . | وأول ~~كلامه يميل إلى أن الإعجاز بمجرد النظم من غير نظر إلى المعنى , وآخره يميل ~~إلى أنه بالنظر إلى النظم والمعنى معا من الحيثية التي ذكرها , وهو الذي ~~ينبغي أن يعتقد لكن في التحدي بسورة واحدة وأما بالعشر فبالنظر إلى البلاغة ~~في النظم فقط - نقله البغوي في تفسير سورة هود عن المبرد وقد مر آنفا مثله ~~في كلام الجاحظ . | وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في مفتاح الباب المقفل ~~الباب الأول في علو بيان القرآن على بيان الإنسان : اعلم أن بلاغة البيان ~~تعلو على قدر علو المبين , فعلو بيان الله على بيان خلقه بقدر علو الله على ~~خلقه , فبيان كل مبين على قدر إحاطة علمه , فإذا أبان الإنسان عن الكائن ~~أبان بقدر ما يدرك منه وهو لا يحيط به علمه فلا يصل إلى غاية البلاغة فيه ~~بيانه , وإذا أنبأ عن الماضي فبقدر ما بقي من ناقص علمه به كائنا في ذكره ~~لما لزم الإنسان من نسيانه , وإذا أراد أن ينبئ عن الآتي أعوزه البيان كله ~~إلا ما يقدره أو يزوره ؛ فبيانه في الكائن ناقص وبيانه في الماضي أنقص ~~وبيانه في الآتي ساقط < # > 77 ( { بل يريد الإنسان ليفجر أمامه } ) 77 < # > [ القيامة : 5 ] وبيان الله سبحانه عن الكائن بالغ إلى غاية ~~PageV01P068 ما أحاط به علمه < # > 77 ( { قل إنما العلم عند الله } ) 77 < # > [ الملك : 26 ] وعن المنقطع كونه بحسب إحاطته بالكائن وسبحانه من ~~النسيان < # > 77 ( { لا يضل ربي ولا ينسى } ) 77 < # > [ طه : 52 ] وعن الأتي بما هو الحق الواقع < # > 77 ( { فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين * والوزن يومئذ الحق } ) 77 < # > [ الأعراف : 7 , 8 ] والمبين الحق الذي لا يوهن بيانه إيهام نسبة النقص ~~إلى بيانه , والإنسان يتهم نفسه في البيان ويخاف أن ينسب إلى العي فيقصد ~~استقراء البيان ويضعف مفهوم بيانه ضعفا من منته ومفهوم بيان القرآن أضعاف ~~أضعاف أنبائه وقل ما ينقص ع ن نظيره - انتهى . | وقال الإمام ms0062 محمد بن عبد ~~الرحمن المراكشي الأكمه في شرح نظمه لمصباح ابن مالك في المعاني والبيان ما ~~يصلح أن يكون متنا وجملة وما تقدم شرحا له وتفصيلا قال : الجهة المعجزة في ~~القرآن تعرف بالتفكر في علم البيان وهو كما اختاره جماعة في تعريفه ما ~~يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى وعن تعقيده , وتعرف به وجوه تحسين ~~الكلام بعد رعاية تطبيقه لمقتضى الحال , لأن جهة إعجازه ليست مفردات ألفاظه ~~وإلا لكانت قبل نزوله معجزة , ولا مجرد تأليفها وإلا لكان كل تأليف معجزا , ~~لا إعرابها وإلا لكان كل كلام معرب معجزا , ولا مجرد أسلوبه وإلا لكان ~~الابتداء بأسلوب الشعر معجزا - والأسلوب الطريق - ولكان هذيان مسيلمة معجزا ~~, ولأن الإعجاز يوجد دونه أي الأسلوب في نحو < # > 77 ( { فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا } ) 77 < # > [ يوسف : 80 ] < # > 77 ( { فاصدع بما تؤمر } ) 77 < # > [ الحجر : 94 ] ولا بالصرف عن معارضته , لأن تعجبهم كان من فصاحته , ~~ولأن مسيلمة وابن المقفع والمعري وغيرهم قد تعاطوها فلم يأتوا إلا بما تمجه ~~الأسماع وتنفر منه الطباع ويضحك منه في أحوال تركيبه ويهان بتلك الأحوال , ~~أعجز البلغاء وأخرس الفصحاء ؛ فعلى إعجازه دليل إجمالي وهو أن العرب عجزت ~~عنه وهو بلسانها فغيرها أحرى , ودليل تفصيلي مقدمته التفكر في خواص تركيبه ~~, ونتيجته العلم بأنه تنزيل من المحيط بكل شيء علما - انتهى . | وسيأتي إن ~~شاء الله تعالى في أواخر العنكبوت ما ينفع ها هنا وأشار سبحانه في تهديدهم ~~بقوله : { فاتقوا النار } كذا قال الحرالي , وهي جوهر لطيف يفرط لشدة ~~لطافته في تفريط المتجمد بالحر المفرط وفي تجميد المتمتع بالبرد المفرط . | ~~وقال غيره : جسم لطيف مضيء حار من شأنه الإحراق { التي وقودها } أي الشيء ~~الذي يتوقد ويتأجج به { الناس والحجارة } التي هي أعم من أصنامهم التي ~~قرنوا PageV01P069 بها أنفسهم في الدنيا إلى أنهم لم يقدروا على المعارضة ~~واستمروا على التكذيب , كانوا معاندين ومن عاند استحق النار , وإلى أنهم ~~إذا أحرقوا فيها أوقد عليهم بأصنامهم تعريضا بأنها وإن كانت في الدنيا لا ~~ضرر فيها ولا نفع باعتبار ذواتها ms0063 فهي في الآخرة ضرر لهم بلا نفع بشفاعة ولا ~~غيرها ؛ وتعريف النار وصلة الموصول لأن أخبار القرآن بعد ثبوت أنه من عند ~~الله معلومة مقطوع بها فهو من باب تنزيل الجاهل منزلة العالم تنبيها على أن ~~ما جهله لم يجهله أحد . | وقال الحرالي : الحجارة ما تحجر أي اشتد تصام ~~أجزائه من الماء والتراب , { واتقوا } أي توقفوا عن هذه التفرقة بين الله ~~ورسوله حيث تذعنون لربوبيته وترتابون في رسوله , فالنار معدة للعذاب بأشد ~~التفريق لألطف الأجزاء الذي هو معنى الحرق لمن فرق وقطع ما يجب وصله , أي ~~لما فاتتكم التقوى بداعي العلم فلا تفتكم التقوى بسائق الموجع المخصوص ~~المناسب عذابه لفعلكم , فإنها نار غذاؤها واشتعالها بالكون كله أنهاه ~~تركيبا وهم الناس الملائمون لمارجها بالنوس وأطرفه وأجمده وهي الحجارة فهي ~~تسع ما بين ذلك من باب الأولى , وفيه إشعار بمنتها وقوتها وأنها بحكم هذا ~~الوسع للالتصاق بخلق يعني وليست كنار الدنيا التي غذاؤها من ضعيف الموالد ~~وهو النبات ولا تفعل في الطرفين إلا بواسطة وكان غذاؤها ووقودها النبات إذ ~~كانت متقدحة منه كما قال : < # > 77 ( { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا } ) 77 < # > [ يس : 80 ] وتقول العرب : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار , وذلك ~~على حكم ما تحقق أن الغذاء للشيء مما منه أصل كونه وقال : { وقودها } لأن ~~النار أشد فعلها في وقودها لأن بتوسطه تفعل فيما سواه , فإذا كان وقودها ~~محرقها كانت فيه أشد عملا لتقويها به عليه , ويفهم اعتبارها بنار الدنيا ~~انقداحها من أعمال المجزيين بها ومن كونهم , فهم منها مخلوقون وبها مغتذون ~~إلا أنها منطفية الظاهر في الدنيا متأججة في يوم الجزاء ومثال كل مجزي منها ~~بمقدار ما في كونه من جوهرها . | قلت : ويؤيده < # > 77 ( { إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين } ) 77 < # > [ الإسراء : 27 ] أي في أن الغالب عليهم العنصر الناري المفسد لما قاله ~~: < # > 77 ( { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا } ) 77 < # > [ مريم : 27 ] قال : وفي ذكر الحجارة إفهام عموم البعث والجزاء لما ~~حوته PageV01P070 السماء والأرض ms0064 وأن كل شيء ليس الثقلين فقط يعمه القسم بين ~~الجنة والنار كما عمه القسم بين الخبيث والطيب ؛ وإنما اقتصر في مبدأ عقيدة ~~الإيمان على الإيمان ببعث الثقلين وجزائهم تيسيرا واستفتاحا , وما سوى ذلك ~~فمن زيادة الإيمان وتكامله كما قال : < # > 77 ( { ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم } ) 77 < # > [ الفتح : 4 ] ومن العلماء من وقف بإيمانه على بعث الثقلين وجزائهما , ~~حتى أن منهم من ينكر جزاء ما سواهما ويتكلف تأويل مثل قوله عليه السلام : ( ~~يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء ) انتهى . | ولما تم ذلك وكان { الناس ~~} عاما للكافر وغيره كان كأنه قيل : هذه النار لمن ؟ فقيل : { أعدت } أي ~~هيئت وأكملت قبل زمن استعمالها وتقاد للمجهول لأن المشتكي إذا جهل فاعله ~~كان أنكأ { للكافرين } فبين أنها موجودة مهيأة لهم ولكل من اتصف بوصفهم وهو ~~ستر ما ظهر من آيات الله . | قال الحرالي : وهي عدة الملك الديان لهم ~~بمنزلة سيف الملك من ملوك الدنيا - انتهى . | ولما ذكر ما لهم ترهيبا اتبعه ~~ما للمؤمنين ترغيبا فقال صارفا وجه الخطاب بالرحمة إلى نبي الرحمة صلى الله ~~عليه وسلم عاطفا على ما تقديره : فأنذرهم بذلك , ولكنه طواه لأن السياق ~~للاستعطاف { وبشر } والبشرى قال الحرالي إظهار غيب المسرة بالقول : { الذين ~~آمنوا } أي صدقوا الرسل { وعملوا } قال الحرالي : من العمل وهو فعل بني على ~~علم أو زعمه { الصالحات } من الأقوال والأفعال , قال الحرالي : جمع صالحة , ~~وهو العمل المتحفظ به من مداخل الخلل فيه , وإذا كانت البشرى لهؤلاء ~~فالمؤمنون أحق بما فوق البشرى , وإنما يبشر من يكون على خطر , والمؤمن ~~مطمئن فكيف بما فوق ذلك من رتبة الإحسان إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت , ~~وما لا يناله علم نفس ولا خطر على قلب بشر . | ولما ذكر المبشر اتبعه ~~المبشر به فقال : { أن لهم جنات } أي متعددة , قال الحرالي : لتعدد رتب ~~أفعالهم التي يطابق الجزاء ترتبها وتعددها كما قال عليه الصلاة والسلام ~~للتي سألت عن ابنها : ( إنها جنان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى ) وفي ~~التعبير بلهم إشعار بأن ذلك الذي لهم ms0065 ينبغي لحاقه بذواتهم ليحصل به من كمال ~~أمرهم PageV01P071 وصلاح حالهم نحو مما يحصل بكمال خلقهم وتسويتهم . | ~~والجنات مبتهجات للنفوس تجمع ملاذ جميع حواسها , تجن المتصرف فيها أي تخفيه ~~وتجن وراء نعيمها مزيدا دائما - انتهى . | ثم وصفها بأنها { تجري } قال ~~الحرالي : من الجري وهو إسراع حركة الشيء ودوامها , { ومن تحتها } أي من ~~تحت غرفها , والتحت ما دون المستوى , { الأنهار } جمع نهر , وهو المجرى ~~الواسع للماء - انتهى . | فإسناد الجري إليها مجاز , والتعريف لما عهده ~~السامع من الجنس ويحتمل أن يكون المعنى أن أرضها منبع الأنهار , فتحت كل ~~شجرة وغرفة منبع نهر , فهي لا تزال غضة يانعة متصلة الزهر والثمر لا كما ~~يجلب إليه الماء وربما انقطع في وقت فاختل بعض أمره . | قال الحرالي : وإذا ~~تعرف حال العامل من وصف جزائه علم أن أعمالهم كانت مبنية على الإخلاص الذي ~~هو حظ العاملين من التوليد الذي الماء آيته - انتهى . | فلما كانت الجنان ~~معروفة بالثمار ساق وصفها بذلك مساق ما لا شك فيه بخلاف جري الأنهار فقال : ~~{ كلما } وهي كلمة تفهم تكرر الأمر في عموم الأوقات { رزقوا منها من ثمرة } ~~أي ثمرة كانت رزقا { قالوا } لكونه على صورة ما في الدنيا { هذا } أي الجنس ~~لاستحكام الشبه { الذي رزقنا من قبل } أي في الدنيا , ولما كان الرزق ~~معلوما ولم يتعلق غرض بمعرفة الآتي بالرزق بنيا للمجهول فقال تعالى عاطفا ~~على ما تقديره لأنا خلقناه على شكل ما كان ليكونوا به أغبط ولمزيته أعرف ~~وله أقبل وإليه أميل موحدا للضمير إشارة إلى أنه لاستحكام الشبه كأنه واحد ~~{ وأتوا به } أي جيء لهم بهذا الجنس المرزوق لهم في الدارين في الجنة من ~~غير تطلب وتشوق { متشابها } في مطلق اللون والجنس ليظن أنه متشابه في الطعم ~~, فيصير فضله في ذلك لاذوق نعمة أخرى والتشابه المراد هنا اشتراك في ظاهر ~~الصورة , والإتيان بأداة التكرار يدل على أن الشبه يزداد عظمة في كل مرة ~~فيزداد العجب وجعل الحرالي هذا خاصا بثمار الجنة فقال : من قبل إعلام بأن ~~أشخاص ثمر الجنة وآحادها ms0066 لا تتمايز لأنها على أعلى صورتها لا تتفاوت بأعلى ~~وأدنى ولا يتراخى زمان عودها , فهي تتخلف لآن قطفها ولا تتمايز صور المقطوف ~~من الخالف حتى يظن القاطف أن المتخلف عين الأول ؛ فحال ثمر الجنة كحال ~~الماء الذي هو أصله , وبسرعة الخلف من ثمر الجنة وأنه متصل جرية الوجود قال ~~عليه السلام في عنقود من ثمرها : ( لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ) ~~ويشعر ذلك PageV01P072 عند اعتبار العمل به بأن نياتهم في الأعمال صالحة ~~ثابتة مرابطة حتى جروا بها هذا الاتصال وكمال الصورة في الرزق ومنه حديث ~~مرفوع أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد : ( نية المؤمن خير من عمله ) { وأتوا ~~به متشابها } أظهر عذرهم في توهم اتحاد الثمر وعرف بأمنتهم من العنا , لأنه ~~لو تفاوت تبعه الكراهة للأدنى وتكلف للانتقاء للأعلى وذلك إنما هو لائق ~~بكيد الدنيا لا بنعيم الجنة , وقد ذكر بعض العلماء اطراد هذا التشابه في ~~ثمر الجنة وإن اختلفت أصنافه , ويضعفه ما يلزم منه كمال الدلالة في المعنى ~~والصورة في نحو قوله تعالى : < # > 77 ( { فيهما فاكهة ونخل ورمان } ) 77 < # > [ الرحمن : 68 ] وما يجري مجراه - انتهى . | ولما ذكر المسكين الذي هو ~~محل اللذة وأتبعه المطعم المقصود بالذات وكانت لذة PageV01P073 الدار لا ~~تكمل إلا بأنس الجار لا سيما المستمتع به قال : { ولهم فيها } أي مع ذلك { ~~أزواج } ولما كن على خلق واحد لا نقص فيه أشار إليه بتوحيد الصفة , وأكد ~~ذلك بالتعبير بالتفعيل إلماما بأنه عمل فيه عمل ما يبالغ فيه بحيث لا مطمع ~~في الزيادة فقال : { مطهرة } . | قال الحرالي : والزوج ما لا يكمل المقصود ~~من الشيء إلا معه على نحو من الاشتراك والتعاون , والتطهير تكرار إذهاب ~~مجتنب بعد مجتنب عن الشيء ؛ ولما ذكر تعالى الرزق المستثمر من أعمال الذين ~~ىمنوا وصل به ذكر الأزواج المستثمرة من حال نفوسهم من حسن أخلاقها وجمال ~~صورتها الباطنة في الدنيا , وكانت المرأة زوج الرجل لما كان لا يستقل أمره ~~في النسل والسكن إلا بها - انتهى . | ولما كان خوف الزوال أو الانتقال إلى ~~أدنى ms0067 منغصا فلا تروق اللذة إلا مع الاستقرار وكان هذا الوصف عاما في جميع ~~الجنان العلى وغيرها قال مقدما للجار إشارة إلى أنهم لا يكونون في جنة إلا ~~وهذه صفتها وأن نعيمهم لا آخر له { وهم فيها } ولما أفاد تقديم الظرف تخصيص ~~الكون بها وعدم الكون في غيرها وكان ذلك معنى الخلود وكان قد يطلق على ~~الإقامة بلا نهاية على طول الإقامة وإن كان له آخر صرح به بيانا بأن المراد ~~ما لا آخر له وإلا لم يفد شيئا جديدا فقال : { خالدون } والخلود طول ~~الإقامة بالقرار , وسياق الامتنان أغنى عن تقييده بالتأبيد والدوام . | < < # | البقرة : ( 26 - 30 ) إن الله لا . . . . . # > > ^ ( إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين ~~آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله ~~بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين * الذين ~~ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض أولئك هم الخاسرون * كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم ~~يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون * هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم ~~استوى إلى السمآء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم * وإذ قال ~~PageV01P074 ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما ثبت بعجزهم عن المعارضة أن هذا الكلام كلامه سبحانه ثبت أن ما ~~فيه من الأمثال أقواله فهددهم في هذه السورة المدنية على العناد وتلاه ~~بالآية التي أخبر فيها بأن ثمار الدنيا وأزواجها وإن شابهت ما في الجنة ~~بالاسم وبعض الشكل فقد باينته بالطعوم والطهارة وما لا يعلمه حق علمه إلا ~~الله تعالى فاضمحلت نسبتها إليها , وكان في ختم الآية بخالدون إشارة إلى أن ~~الأمثال التي هي أحسن كلام الناس وإن شابهت أمثاله سبحانه في الاسم ودوام ~~الذكر فلا نسبة لها ms0068 إليها لجهات لا تخفى على المنصف فلم يبق إلا طعنهم ~~بأنها لكونها بالأشياء الحقيرة لا تليق بكبريائه فبين حسنها ووجوب الاعتداد ~~بها وإنعام النظر فيها بالإشارة بعدم الاستحياء من ضربها لكونها حقا إلى أن ~~الأشياء كلها وإن عظمت حقيرة بالنسبة إلى جلاله وعظمته وكماله , فلو ترك ~~التمثيل بها لذلك لانسد ذلك الباب الذي هو من أعجب العجاب فقال تعالى على ~~طريق الاستنتاج من المقدمات المسلمات وأكد سبحانه دفعا لظن أنه يترك لما ~~لبسوا به الأمثال التي هي أكشف شيء للأشكال وأجلى في جميع الأحوال . | وقال ~~الحرالي : لما كانت الدعوة تحوج مع المتوقف فيها والآبي لها إلى تقريب ~~للفهم بضرب الأمثال وكانت هذه الدعوة جامعة الدعوات وصل بها هذه الآية ~~الجامعة لإقامة الحجة في ضرب الأمثال وأن ذلك من الحق سبحانه < # > 77 ( { والله لا يستحيي من الحق } ) 77 < # > [ الأحزاب : 53 ] وليختم ذكر ما تضمنه صدر السورة من الحروف التي أنزل ~~عليها القرآن بسابعها الذي هو حرف المثل , وبين تعالى أن مقدار الحكمة ~~الشاهد للممثل في ابعوضة وفيما هو أظهر للحس وآخذ في العلم . | وإنما يجب ~~الالتفات للقدر لا للمقدار ولوقع المثل على ممثله قل أو جل دنا أو علا ~~فتنزه تعالى عما يجده الخلق عندما ينشأ من بواطنهم وهمهم أن يظهروا أمرا ~~فيتوهمون فيه نقصا فيرجعهم ذلك عن إظهاره قولا أو فعلا - انتهى . | فقال ~~تعالى : { إن الله } أي المحيط بكل شيء جلالا وعظمة وكمالا { لا يستحيي } ~~أي لا يفعل ما يفعله المستحي من ترك ما يستحي منه . | والحياء قال الحرالي ~~انقباض النفس عن عادة انبساطها في ظاهر البدن لمواجهة ما PageV01P075 تراه ~~نقصا حيث يتعذر عليها الفرار بالبدن { أن } كلمة مدلولها ممن أجريت عليه ~~حقيقة باطن من ذاته وعلمه يتصل بها ما يظهرها , وسيبويه رحمه الله يراها ~~اسما , وعامة النحاة لانعجام معناها عليهم يرونها حرفا { يضرب } من ضرب ~~المثل وهو وقع المثل على الممثل , لأن أصل الضرب وقع شيء على شيء , والمعنى ~~أن يوجد الضرب متجددا مستمرا وهذا لا يساويه أن يقال ms0069 من ضربه مثلا , فإنه ~~يصدق لمثل واحد سابق أو لاحق , وتحقيقه أن المصدر لا يقع إلا على كمال ~~الحقيقة من غير نظر إلى زمان ولا غيره وأما بفعل فإنه يفهم إيقاع الحقيقة ~~من غير نظر أيضا إلى زمان , وبفهمها مع النظر إلى الزمان مع التجدد ~~والاستمرار ومع كمال الحقيقة وقبل كمالها عند الشروع فيها وإلى هذا القيد ~~الأخير ينظر قول الحرالي : إن الحياء من أن يضرب المثل استحياء من وقعه في ~~الباطن , والحياء من ضربه المثل استحياء من إظهاره بالقول , فنفى الأصل ~~الأبلغ الذي بنفيه يكون نفي الضرب أحق , فليراجع هذا المعنى مع تكرار كلمة ~~( إن ) فإنها كثيرة الدور في القرآن جليلة قدر المعنى في مواقعها , وإنما ~~يجري على ترك الالتفات إلى موقع معناها ما يقوله النحاة في معنى التقريب إن ~~أن والفعل في معنى المصدر , والواجب في الإعراب والبيان الإفصاح عن ترتب ~~معانيهما , وعند هذا يجب أن تكون أن اسما والفعل صلتها نحو من وما { مثلا ~~ما } مثل أمر ظاهر للحس ونحوه , يعتبر به أمر خفي يطابقه فينفهم معناه ~~باعتباره و ( ما ) في نحو هذا الموقع لمعنى الاستغراق , فهي هنا لشمول ~~الأدنى والأعلى من الأمثال - انتهى . | ثم بين ذلك بقوله : { بعوضة } . | ~~وقال الحرالي : ولما كان ضرب المثل متعلقا بمثل وممثل كان الضرب واقعا ~~عليهما , فكان لذلك متعديا إلى مفعولين : مثلا ما وبعوضة , والبعوض جنس ~~معروف من أدنى الحيوان الطائر مقدارا وفيه استقلال وتمام خلقة , يشعر به ~~معنى البعض الذي منه لفظه , لأن البعض يوجد فيه جميع أجزاء الكل فهو بذلك ~~كل , { فما فوقها } أي من معنى يكون أظهر منها , والفاء تدل على ارتباط ما ~~إما تعقيب واتصال أو تسبيب , ففيه هنا إعلام بأقرب ما يليه على الاتصال ~~والتدريج إلى أنهى ما يكون - انتهى . | والمعنى أن ذلك إن اعتبر بالنسبة ~~غليه سبحانه كان هو وأنتم وغيركم بمنزلة واحدة في الحقارة , وإن اعتبر ~~بالنسبة إليكم كان الفريقان بمنزلة واحدة في أنه خلق حقير ضعيف صغير من ~~تراب , وأما شرف بعضه على ms0070 بعض فإنما كان بتشريف الله له ولو شاء لعكس الحال ~~. | ثم ذكر شأن قسمي المؤمنين والكافرين بقسمي كل منهم في قبول أمثاله فقال ~~مؤكدا بالتقسيم لأن حال كل من القسمين حال المنكر لما وقع للآخر : { فأما } ~~, قال الحرالي : كأنها مركبة من ( إن ) دالة على باطن ذات و ( ما ) دالة ~~على ظاهر مبهم , يؤتى به PageV01P076 للتقسيم - انتهى . | { الذين آمنوا } ~~أي بما ذكرنا أول السورة , ولما تضمن أما معنى الشرط كما فسره سيبويه بمهما ~~يكن من شيء أجيب بالفاء في قوله : { فيعلمون أنه } أي ضرب المثل { الحق } ~~كائنا { من ربهم } أي المحسن إليهم بجميع أنواع الإحسان , وأنه ما أراد بهم ~~إلا تربيتهم بالإحسان بضربه على عوائد فضله , وأما أمثال غيره فإن لم يكن ~~فيها نوع من الباطل فلا بد فيها من ضرب من التسمح تكون به غير جديرة باسم ~~الحق ولا عريقة فيه . | قال الحرالي : لما كان الذين آمنوا ممن بادر فأجاب ~~وكان ضرب المثل تأكيد دعوة وموعظة لمن حصل منه توقف حصل للذين آمنوا ~~استبصار بنور الإيمان في ضرب المثل , فصاروا عالمين بموقع الحق فيه , وكما ~~استبصر فيه الذين آمنوا استغلق معناه على الذين كفروا وجهلوه فاستفهموا عنه ~~استفهام إنكار لموقعه - انتهى . | فلذا قال { وأما الذين كفروا } أي ~~المجاهرون منهم والمساترون { فيقولون } أي قولا مستمرا { ماذا } أي الذي { ~~أراد الله } الذي هو أجل جليل { بهذا } الحقير أي بضربه له { مثلا } أي على ~~جهة المثلية استهزاء وجهلا وعنادا وجفاء ؛ ثم وصل بذلك ذكر ثمرته عند ~~الفريقين جوابا لسؤال من سأل منهم فقال : { يضل به كثيرا } أي منهم بأن لا ~~يفهمهم المراد منه فيظنون بذلك الظنون . | وقال الحرالي : و كان إضلالا لهم ~~, لأن في ضرب المثل بما يسبق لهم استزراؤه بنحو الذباب والعنكبوت الذي ~~استمروا ضرب المثل به تطريق لهم إلى الجهالة فكان ذلك إضلالا , وقدم الجواب ~~بالإضلال لأنه مستحق المستفهم , والإضلال التطريق للخروج عن الطريق الجادة ~~المنجية - انتهى . | { ويهدي به كثيرا } أي ببركة اعتقا \ هم الخير ~~وتسليمهم له الأمر يهديهم ربهم بإيمانهم ms0071 فيفهمهم المراد منه ويشرح صدورهم ~~لما فيه من المعارف فيزيدهم به إيمانا وطمأنينة وإيقانا , والمهديون كثير ~~في الواقع قليل بالنسبة إلى الضالين . | ولما كان المقام للترهيب كما مضى ~~في قوله : { فاتقوا النار } اكتفى في المهتدين بما سبق من بشارتهم وقال في ~~ذم القسم الآخر وتحذيره : { وما يضل به إلا } , قال الحرالي : كأنها مركبة ~~من ( إن ) و ( لا ) مدلولها نفي حقيقة ذات عن حكم ما قبلها - انتهى . | { ~~الفاسقين } أي الخارجين عن العدل والخير . | وقال الحرالي : الذين خرجوا عن ~~إحاطة الاستبصار و PageV01P077 جهات تلقي الفطرة والعهد الموثق وحسن ~~الرعاية , لأن الفسق خروج عن محيط كالكمام للثمرة والجحر للفأرة - انتهى . ~~| ثم بينهم بقوله : { الذين ينقضون } من النقض وهو حل أجزاء الشيء بعضها عن ~~بعض { عهد الله } أي الذي أخذه عليهم على ما له من العظمة بما ركز فيهم من ~~العقول ونصب لهم من الدلائل والعهد التقدم في الأمر - قاله الحرالي . | ~~ولما كان المراد عهدا خاصا وهو إرسال الرسل عليهم السلام أثبت الخبر فقال : ~~{ من بعد ميثاقه } أي بدلالة الكتب على ألسنة الرسل مع تقريبه من الفطر ~~وتسهيله للنظر , والوثاق شدة الربط وقوة ما به يربط - قاله الحرالي { ~~ويقطعون ما أمر الله } أي الملك الأعظم , ولما كان البيان بعد الإجمال أروع ~~للنفس قال : { به } ثم فسره بقوله : { أن يوصل } أي من الخيرات , قال ~~الحرالي : والقطع الإبانة في الشيء الواحد والوصل مصيرا لتكملة مع المكمل ~~شيئا واحدا كالذي يشاهد في إيصال الماء ونحوه وهو إعلام بأنهم يقطعون متصل ~~الفطرة ونحوها فيسقطون عن مستواها وقد أمر الله أن يوصل بمزيد علم يتصل بها ~~حتى يصل نشؤها إلى أتم ما تنتهي إليه , وكذلك حالهم في كل أمر يجب أن يوصل ~~فيأتون فيما يطلب فيه الأمر الأكمل بضده الأنقص - انتهى . | { ويفسدون } ~~ولما قصر الفعل ليكون أعم قال : { في الأرض } أي بالنكوب عن طريق الحق . | ~~قال الحرالي : ولما كانت الأرض موضوعة للنشئ منها وفيها وموضع ظهور عامة ~~الصور الرابية اللازمة الجسمية ومحل تنشؤ صورة النفس بالأعمال والأخلاق ~~وكان الإفساد ms0072 نقض الصور كما قال تعالى : < # > 77 ( { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا ~~يحب الفساد } ) 77 < # > [ البقرة : 205 ] كان فعلهم فيها من نحو فعلهم في وضع الضد السيء موضع ~~ضده الأكمل والتقصير بما شأنه التكملة فكان إفسادا لذلك - انتهى . | ولما ~~كان كأنه قيل : إن فعل هؤلاء لقبيح جدا فما حالهم ؟ قال : { أولئك } أي ~~الأباعد من الصواب { هم الخاسرون } أي الذين قصروا الخسران عليهم , ~~والخسارة النقص فيما شأنه النماء - قاله الحرالي , ومن المعلوم أن هذا ~~نتيجة ما مضى من PageV01P078 أوصافهم . | قال الحرالي : ولما كان الخاسر من ~~كان عنده رأس مال مهيأ للنماء والزيادة فنقصه عن سوء تدبير , وكان أمرهم في ~~الأحوال الثلاث المنسوقة حال من نقص ما شأنه النماء كانوا بذلك خاسرين ~~فلذلك انختمت الآية بهذا ؛ وأشير إليهم بأداة البعد لوضعهم في أبعد المواضع ~~عن محل الخير - انتهى . | ولما دعا سبحانه إلى التوحيد ودل عليه وأنذر من ~~أعرض وبشر من أقبل وذكر حال الفريقين في قبول الأدلة التي زبدتها الأمثال ~~وإبائها التفت إلى تبكيت المدبر لعله يستبصر , واستمر سبحانه في دلائل ~~التوحيد حتى قامت قيام الأعلام ونفذت نفوذ السهام حتى تخللت صميم العظام ~~لقد ظهرت فلا تخفى على أحد إلا على أكمه لا يبصر القمر في أسلوب مشيرا إلى ~~البعث منبه على التخلص من الخسارة , وما أبدع افتتاح ذلك عقب ( الخاسرين ) ~~بقوله على طريق التفاتالمغضب المستعطف المعجب ! { كيف } وقال الحرالي : لما ~~تقدمت الدعوة للناس فأجاب مبادر وتوقف متوقف فضربت الأمثال فاستدرك وآمن ~~وتمادى متماد على كفره صرف وجه الخطاب عن المواجهة من الحق تعالى وأجري على ~~لسان لؤم وإنكار , فجاء هذا الاستفهام لإيضاح انقطاع العذر في التمادي على ~~الكفر , وجاء بلفظ كيف لقصور نظرهم على الكيفيات المحسوسة فإن كيف كلمة ~~مدلولها استفهام عن عموم الأحوال التي شأنها أن تدرك بالحواس , فكأنه يقال ~~لهم بمدرك : أي حاسة تماديتم على الكفر بالله ؟ على ما تقتضيه صيغة الفعل ~~الدائم في { تكفرون } انتهى . | وقال : { بالله } أي مع ظهور عظمته وعلوه ms0073 , ~~والإنكار الموجب لنفي المنكر , كما في قولك : أتطير بغير جناح , يفيد أنه ~~كان ينبغي أن يكون الكفر في حيز الممتنع لما على بطلانه وصحة التوحيد من ~~الأدلة التي تفوت الحصر , وإنكار حاله إنكار لوجوده على طريق البرهان , ~~لأنه إذا امتنع أن يوجد في حال من الأحوال امتنع وجوده مطلقا . | قال ~~الحرالي : وأعلى هذا الخطاب فأبعدوا عن تيسيره بذكر اسم ( الله ) لما لم ~~يكونوا من أهل قبول التنزل بدعوى اسم الربوبية حيث لم يكونوا ممن أجاب ~~مبادرا ولا تاليا حسبما تشعر به آية تحقيق ضرب الأمثال . | ولما جرى هذا ~~الخطاب بذكر اسم الله PageV01P079 أعقب بذكر الأفعال الإلهية التي هي غايات ~~من الموت والإحياء المعروف اللذين لا ينكر الكفار أمرهما - انتهى . | { ~~وكنتم } أي والحال أنكم تعلمون أنكم كنتم { أمواتا } بل مواتا ترابا ثم ~~نطفا . | قال الحرالي : من الموت وهو حال خفاء وغيب يضاف إلى ظاهر عالم ~~يتأخر عنه أو يتقدمه تفقد فيه خواص ذلك الظهور الظاهرة - انتهى . | وإطلاق ~~الموت على ما لم تحله حياة مجاز , وسر التعبير به التنبيه على أنه أكثر ما ~~تكون الإعادة التي ينكرونها مثل الابتداء , فلا وجه أصلا لإنكارها مع ~~الاعتراف بالابتداء . | فكيف والإعادة دونه { فأحياكم } فصرتم ذوي حس وبطش ~~وعقل . | قال الحرالي : وجاء بالفاء المشعرة بالتعقيب لما لم يكن لهم معرفة ~~بمهل الموت الذي قبل حياة الولادة , والحياء تكامل في ذات ما أدناه حياة ~~النبات بالنمو والاهتزاز مع انغراسه إلى حياة ما يدب بحركته وحسه إلى غاية ~~حياة الإنسان في تصرفه وتصريفه إلى ما وراء ذلك من التكامل - انتهى . | { ~~ثم يميتكم } بعد مد الأعمار والتقليب في الأطوار فإذا أنتم أجساد كالفخار ~~كأنه لم تحل بها حياة ساعة قط , وبدلتم بعد الأنس بكم الوحشة , وإثر محبة ~~القرب منكم النفرة ؛ وتمثيل الموت بخا نعهده أن طلب الملك كما أنه يحصل به ~~من الروع ما يكاد يتلف وربما أتلف كان طلب ملك الملوك موجبا للموت . | قال ~~الحرالي : وهذه الأحوال الثلاثة أي الموت المعبر به عن العدم ثم الحياة ثم ~~الموت ms0074 معروفة لهم لا يمكنهم إنكارها , وإذا صح منهم الإقرار بحياة موت ~~لزمهم الإقرار بحياة موت آخر لوجوب الحكم بصحة وجود ما قد سبق مثله , كما ~~قال تعالى : < # > 77 ( { أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم } ) ~~77 < # > [ يس : 81 ] ولدن ذلك من العلم أن الموت والحياة مزدوجان متضايفان , ~~وإذا استوفى الموت الأول إحياؤه فلا بد من استيفاء الموت الثاني إحياؤه ~~أيضا , لأنه لولا استقبال الحياة لما كان موتا بل بطلا وفقدا واضمحلالا , ~~لأن حقيقة الموت حال غيب بين يديه ظهور , والحياة نهاية ثابتة , والموت ~~مبدأ غيب زائل , فجنس الموت كله متقض ونهاية , والحياة ثابتة دائمة ؛ ولذلك ~~ورد ما صح عنه عليه الصلاة والسلام في أن الموت يذبح , إعلام بانقضاء جنسه ~~وثبات الحياة , ولذلك قدم في PageV01P080 الذكر وأعقب بالحياة حيث ~~استغرقتهما كلمة ( أل ) في قوله : < # > 77 ( { خلق الموت والحياة } ) 77 < # > [ الملك : 2 ] وثبت الخطاب على إقرار الحياة والكمال , كما ورد عنه صلى ~~الله عليه وسلم في قوله : ( نعيم الجنة لا آخر له ) فوجب بظاهر ما أحسه ~~الكفار وباطن ما اقتضاه هذا النحو من العلم دونه انتشار حياة ثانية بعد ~~ميتة الدنيا - انتهى . | ولما كان على البعث والحشر من الأدلة ما جعلهما ~~كالمحسوسين عدهما في حيز المعلوم لهم كالإحياء الأول والموت فقال : { ثم ~~يحييكم } فينشركم بعد طيكم ويبعثكم بعد حبسكم في البرزخ , فتكونون كما كنتم ~~أول مرة ذوي قدرة على الانتشار بتلك القدرة التي ابتدأكم بها وأماتكم , ~~وهذا لا ينفي أن يكون لهم في البرزخ إحساس بدون هذه الهيئة الكاملة , { ثم ~~إليه ترجعون } فيحشركم بعد طول الوقوف للجزاء من الثواب والعقاب ؛ وفي هذا ~~كما قال الحرالي : إعلام بأنهم إن لم يرجعوا إلى الله سبحانه بداعي العلم ~~في الدنيا فبعد مهل من الإحياء الثاني يرجعون إليه قهرا حيث يشاهدون انقطاع ~~أسبابهم ممن تعلقوا به ويتبرأ منهم ما عبدوه من دون الله , وإنما جاء هذا ~~المهل بعد البعث لما يبقى لهم من الطمع في شركائهم حيث يدعونهم فلم ~~يستجيبوا لهم , فحينئذ ms0075 يضطرهم انقطاع أسبابهم إلى الرجوع إلى الله فيرجعون ~~قسرا وسوقا فحينئذ يجزيهم بما كسبوا في دنياهم , كما قال تعالى في خطاب يعم ~~كافة أهل الجزاء < # > 77 ( { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا ~~يظلمون } ) 77 < # > [ البقرة : 281 ] وهذا آخر خطاب الإقبال عليهم من دعوة الله لهم ولسان ~~النكير عليهم , ولذلك كانت آية : < # > 77 ( { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } ) 77 < # > [ البقرة : 281 ] آخر آية أنزلت في القرآن , لأنها نهاية ليس وراءه قول ~~يعم أهل الجزاء ؛ والرجع عود الشيء عند انتهاء غايته إلى مبدئها - انتهى . ~~| ولما أجمل سبحانه في أول هذه الآية أول أمرهم وأوسطه وآخره على الوجه ~~الذي تقدم أنه منبه على أن الكفر ينبغي أن يكون من قبيل الممتنع لما عليه ~~من باهر الأدلة شرع يفصله على وجه داع لهم إلى جنابه بالامتنان بأنواع ~~الإحسان بأمر أعلى في إفادة PageV01P081 المقصود مما قبله على عادة القرآن ~~في الترقي من العالي إلى الأعلى فساق سبحانه ابتداء الخلق الذي هو من أعظم ~~الأدلة على وحدانيته مساق الإنعام على عباده بما فيه من منافعهم ليكون ~~داعيا إلى توحيده من وجهين : كونه دالا على عظمة مؤثرة وكمال قدرته , وكونه ~~إحسانا إلى عباده ولطفا بهم , وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها فقال : ~~{ هو } , قال الحرالي : وهي كلمة مدلولها العلي غيب الإلهية القائم بكل شيء ~~الذي لا يظهر لشيء , فذاته أبدا غيب , وظاهره الأسماء المظهرة من علو إحاطة ~~اسم الله إلى تنزل اسم الملك , فما بينهما من الأسماء المظهرة , ثم قال : ~~لما انتهى الخطاب بذكر إرجاعهم إلى الله وكان هذا خطابا خاصا مع المتمادي ~~على كفره اتبع عند إعراضه وإدباره بهذا الحتم تهديدا رمى به بين أكتافهم ~~وتسبيبا نيط بهم ومد لهم كالمرخى له في السبب الذي يراد أن يجذب به , إما ~~بأن يتداركه لطف فيرجع عليه طوعا , أو يراد به قسرا عند انتهاء مدى إدباره ~~, وانتظم به ختم آية الدعوة بنحو من ابتدائها , إلا أن هذه ms0076 على نهاية ~~الاقتطاع بين طرفيها وتلك على أظهر الاتساق ؛ فابعدوا في هذه كل البعد ~~بإسناد الأمر إلى اسم هو الذي هو غيب اسم الله وأسند إليه خلق ما خلق لهم ~~في الأرض الذي هو أظهر شيء للحس - انتهى . | { الذي خلق لكم } دينا ودنيا ~~لطفا بكم { ما في الأرض } أي بعد أن سواهن سبعا , قال الحرالي : وقوله : { ~~جميعا } إعلان بأن حاجة الإنسان لا تقوم بشيء دون شيء وإنما تقوم بكلية ما ~~في الأرض حتى لو بطل منها شيء تداعى سائرها - انتهى . | والآية دليل على أن ~~الأصل في الأشياء الإباحة , فلا يمنع شيء إلا بدليل . | ولما كانت السماء ~~أشرف من جهة العلو الذي لا يرام , والجوهر البالغ في الأحكام , والزينة ~~البديعة النظام , المبنية على المصالح الجسام , وكثرة المنافع والأعلام , ~~عبر في أمرها بثم فقال : { ثم استوى إلى السماء } أي وشرف على ذلك جهة ~~العلو بنفس الجهة والحسن والطهارة وكثرة المنافع , ثم علق إرادته ومشيئته ~~بتسويتها من غير أدنى عدول ونظر إلى غيرها , وفخم أمرها بالإبهام ثم ~~التفسير , والإفراد الصالح لجهة العلو تنبيها على الشرف , وللجنس الصالح ~~للكثرة , ولذلك أعاد الضمير جمعا , فكان PageV01P082 خلق الأرض وتهيئتها ~~لما يراد منها قبل خلق السماء , ودحوها بعد خلق السماء ؛ على أن ثم للتعظيم ~~لا للترتيب فلا إشكال , وتقديم الأرض هنا لأنها أدل لشدة الملابسة ~~والمباشرة . | وقال الحرالي : أعلى الخطاب بذكر الاستواء إلى السماء الذي ~~هو موضع التخوف لهم لنزول المخوفات منه عليهم فقيل لهم : هذا المحل الذي ~~تخافون منه هو استوى إليه , ومجرى لفظ الاستواء في الرتبة والمكانة أحق ~~بمعناه من موقعه في المكان والشهادة ؛ وبالجملة فالأحق بمجرى الكلم وقوعها ~~نبأ عن الأول الحق , ثم وقوعها نبأ عما في أمره وملكوته , ثم وقوعها نبأ ~~عما في ملكه وإشهاده ؛ فلذلك حقيقة اللفظ لا تصلح أن تختص بالمحسوسات ~~البادية في الملك دون الحقائق التي من ورائها من عالم الملكوت , وما به ظهر ~~الملك والملكوت من نبأ الله عن نفسه من الاستواء ونحوه في نبأ الله عن نفسه ~~أحق ms0077 حقيقة , ثم النبأ به عن الروح مثلا واستوائها على الجسن ثم على الرأس ~~مثلا واستوائه على الجثة فليس تستحق الظواهر حقائق الألفاظ على بواطنها بل ~~كانت البواطن أحق باستحقاق الألفاظ ؛ وبذلك يندفع كثير من لبس الخطاب على ~~المقتصرين بحقائق الألفاظ على محسوساتهم { فسواهن } التسوية إعطاء أجزاء ~~الشيء حظه لكمال صورة ذلك الشيء { سبع سماوات } أعطى لكل واحدة منهن حظها < # > 77 ( { وأوحى في كل سماء أمرها } ) 77 < # > [ فصلت : 12 ] انتهى . | وخلق جميع ما فيها لكم , فالآية من الاحتباك ؛ ~~حذف أولا كون الأراضي سبعا لدلالة الثاني عليه , وثانيا كون ما في السماء ~~لنا لدلالة الأول عليه ؛ وهو فن عزيز نفيس وقد جمعت فيه كتابا حسنا ذكرت ~~فيه تعريفه ومأخذه من اللغة وما حضرني من أمثلته من الكتاب العزيز وكلام ~~الفقهاء وسميته ( الإدراك لفن الاحتباك ) . | ولما كان الخلق على هذه ~~الكيفية دالا بالبديهة على أتم قدرة لصانعه وكان العلم بأن مبنى ذلك على ~~العلم محتاجا إلى تأمل اغتنى في مقطع الآية بقوله : { وهو بكل شيء عليم } ~~أي فهو على كل شيء قدير . | ولما ذكر الحياة والموت المشاهدين تنبيها على ~~القدرة على ما اتبعهما به من البعث ثم دل على ذلك أيضا بخلق هذا الكون كله ~~على هذا النظام البديع وختم ذلك بصفة العلم ذكر ابتداء خلق هذا النوع ~~البشري المودع من صفة العلم ما ظهر به فضله بقوله تعالى عطفا على قوله : { ~~اعبدوا ربكم } وبيانا لقوله : < # > 77 ( { رب العالمين } ) 77 < # > [ الفاتحة : 2 ] إذ من البدءة تعلم العودة لمن تدبر , أو يكن عطفا على ~~ما تقديره : اذكر هذا لهم , وذلك أنه سبحانه لما خاطبهم بهذا الاستفهام ~~الذي من PageV01P083 معانيه الإنكار ذاكرا الاسم الأعظم الذي هو أعلى ~~الأسماء وأبطنها غيبا والضمير الذي ( هو ) أبطن منه , وأتبعه بعض ما هم له ~~منكرون أو به جاهلون , وأشار بقوله : ( لكم ) مثبتة فيما هو ظاهر عندهم ~~ومحذوفة مما هو خفي عنهم , كما نبه عليه في الاحتباك إلى أنه لم يخلق هذا ~~النوع البشري للفناء بل للبقاء بما أبان عن ms0078 أنه إنما خلق جميع ما في هذه ~~الأكوان لأجلهم , فالبعض رزق لهم والبعض أسباب له , والبعض أسجدهم لأبيهم ~~وهم في صلبه ووكلهم بهم في حفظ أعمالهم وقسم أرزاقهم ونفخ أرواحهم وغير ذلك ~~من تربيتهم وإصلاحهم ؛ لم يكونوا أهلا لفهم هذا الخطاب حق فهمه تلقيا عن ~~الله لعلوه سبحانه وعلو هذا الخطاب بالأسماء الباطنة وما نظم بها من ~~المعاني اللائقة بها علوا وغيبا فأعلم سبحانه بعطف ( إذ ) على غير ظاهر أنه ~~معطوف على نحو : اذكر لهم أيها الرسول هذا , لأنه لا يفهمه حق فهمه عنا ~~سواك , وهم إلى الفهم عنك أقرب ( وإذ ) أي واذكر ما اتفق إذ , وحذف هذا ~~المعطوف عليه لاحتمال المأمور بذكره الإنكار والسياق لإيراد الرفق والبشارة ~~على لسانه صلى الله عليه وسلم استعطافا لهم إليه وتحبيبا فيه وفي حذفه أيضا ~~والدلالة عليها بالعاطف حث على تدبر ما قبله تنبيها على جلالة مقداره ودقة ~~أسراره , ولما علمت الإشارة لكن لأهل البصارة أتبعها قصة آدم عليه السلام ~~دليلا ظاهرا ومثالا بينا لخلاصة ما أريد بهذه الجمل مما نبه عليه بالعاطف ~~من أن النوع الآدمي هو المقصود بالذات من هذا الوجود , وأنه لا يجوز في ~~الحكمة أن يترك بعد موته من غير إحياء يرد به إلى دار لا يكون في شيء من ~~أمورها من أحد نوع من الخلل وتكون الحكمة فيها ظاهرة جدا لا خفاء بها أصلا ~~. | فيظهر الحمد أتم ظهور ؛ ولذلك ذكر تفضيل آدم عليه السلام بالعلم , ثم ~~بإسجاد الملائكة له , ثم بإسكانه الجنة , ثم بتلقي أسباب التوبة عند صدور ~~الهفوة ؛ وقد روى البيهقي في أواخر الدلائل والحارث بن أبي أسامة والحاكم ~~في المستدرك عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : ( إن ~~أكرم خليقة الله على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم , قلت : رحمك الله ~~! فأين الملائكة ؟ فنظر ألي وضحك فقال : يا ابن أخي ! وهل تدري ما الملائكة ~~؟ إنما الملائكة خلق كخلق الأرض وخلق السماء وخلق السحاب وخلق الجبال وخلق ~~الرياح وسائر الخلائق ms0079 التي لا تعصي الله شيئا , وإن أكرم الخلائق على الله ~~أبو القاسم صلى الله عليه وسلم ) وقال البيهقي : إنه ليس بموقوف بل ~~PageV01P084 حكمه الرفع . | وقال الحرالي : لما جعل الله تعالى نور العقل ~~هاديا لآيات ما ظهر في الكون وكان من الخلق مهتد به ومعرض عنه بعث الله ~~النبيين مبشرين لمن اهتدى بنور العقل بمقتضى الآيات المحسوسة وتلك هي ~~الحنيفية والملة الإبراهيمية , ومنذرين لمن أعرض عن ذلك وشغلته شهوات دنياه ~~, فترتب لذلك خطاب الكتاب بين ما يخاطب به الأعلين المهتدين وبين ما يخاطب ~~به الأدنين المعرضين , وكذلك تفاوت الخطاب بين ما يخاطب به الأئمة المهتدين ~~والمؤتمون بهم , فكان أعلى الخطاب ما يقبل على إمام الأئمة وسيد السادات ~~وأحظى خلق الله عند الله محمد صلى الله عليه وسلم . | فكان أول الخطاب ب ~~الم ذلك الكتاب إقبالا عليه وإيتاء له من الذكر الأول كما قال عليه السلام ~~: ( أوتيت البقرة وآل عمران من الذكر الأول ) وهو أول مكتوب حين كان الله ~~ولا شيء معه , وكتب في الذكر الأول كل شيء , فخاطبه الله عز وجل بما في ~~الذكر الأول وأنزله قرآنا ليكون آخر المنزل الخاتم هو أول الذكر السابق ~~ليكون الآخر الأول في كتابه كما هو في ذاته , فمن حيث كان الخطاب الأول من ~~أعلى خطاب الله لمحمد صلى الله عليه وسلم انتظم به ما هو أدنى خطاب من آيات ~~الدعوة تنبيها لمن أعرض عن الاستضاءة بنور العقل لما بين الطرفين من تناسب ~~التقابل ؛ ثم عاد وجه الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم بما هو إعلام بغائب ~~الماضي عن كائن الوقت من أمر ابتداء مفاوضة الحق ملائكته في خلق آدم ليكون ~~ذلك ترغيبا للمبشرين في علو الرتب إلى التكامل كما كانت آية الدعوة تنبيها ~~للمعرضين ليعودوا إلى الإقبال , وخصوص الإنزال إنما هو في الإنباء بغيب ~~الكون من ملكوته وغائب أيام الله الماضية ومنتظر أيام الله الآتية , فذلك ~~الذي يخص المهتدين بنور العقل ليترقوا من حد الإيمان إلى رتبة اليقين , ~~وإنما يرد التنبيه والتنزيل بما في ms0080 نور العقل هدايته من أجل المعرضين ؛ ~~فكان ما شمله التنزيل بذلك أربعة أمور : أحدها التنبيه على الآيات بمقتضى ~~أسماء الله من اسمه الملك إلى اسمه الرحمن الرحيم إلى اسمه رب العالمين إلى ~~اسمه العظيم الذي هو الله , والثاني التنبيه على غائب المنتظر الذي الخلق ~~صائرون إليه ترغيبا وترهيبا , PageV01P085 والثالث الإعلام بماضي أمر الله ~~جمعا للهمم للجد والانكماش في عبادة الله , والرابع التبصير ببواطن كائن ~~الوقت الذي في ظاهره إعلامه ؛ فكان أول التنزيل في هذه السورة أمر أول يوم ~~من ذكر الله وهو كتب مقتضى العلم والقدرة في قسمه تعالى عباده بين مؤمن ~~وكافر ومنافق , ثم أنزل الخطاب إلى آية الدعوة من وراء حجاب الستر بسابق ~~التقدير فعم به الناس ونبههم على آيات ربوبيته وحيا أوحاه الله منه إليه , ~~ثم عطف على ذلك إعلاما لابتداء المفاوضة في خلق آدم عطفا على ذلك الذي ~~يعطيه إفهام هذا الإفصاح , فلذلك قال تعالى { وإذ } فإن الواو حرف يجمع ما ~~بعده مع شيء قبله إفصاحا في اللفظ أو إفهاما في المعنى , وإنما يقع ذلك لمن ~~يعلو خطابه ولا يرتاب في إبلاغه , وإذ اسم مبهم لما مضى من الأمر والوقت , ~~{ قال } من القول وهو إبداء صور الكلم نظما بمنزلة ائتلاف الصور المحسوسة ~~جمعا , فالقول مشهود القلب بواسطة الأذن , كما أن المحسوس مشهود القلب ~~بواسطة العين وغيره . | ثم قال : لما أنبأ الله عز وجل نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بما في الذكر من التقدير الذي هو خبء الشرعة ونظم به ما أنزل من دعوة ~~الخلق غلى حكمه فانتظم ذلك رتبتي أمر نظم تعالى بذلك إنزال ذكر خلق معطوفا ~~على ذكر خلق أعلى رتبة منه , نسبته منه كنسبة الدعوة من خبئها , فذكر خلق ~~آدم ظاهر خبء ما عطف عليه وهو والله أعلم ذكر خلق محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذي هو خبء خلق آدم , فكأنه تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بأمر خلقه ~~له بدء وحي سر ثم أعلن بما عطف عليه من ذكر خلق آدم وحي ms0081 علن ليكون أمر خلق ~~محمد صلى الله عليه وسلم عند الخاصة فهما كما كان أمر خلق آدم عند العامة ~~إفصاحا ؛ وكان المفهوم : اذكر يا محمد إذ كان في خلقك كذا وإذ قال : { ربك ~~} أي المحسن إليك برحمة العباد بك الذي خبأك في إظهار خلق آدم { للملائكة } ~~ما أنزل , وتأويل الملائكة عند أهل العربية أنه جمع ملاك مقلوب من مألك من ~~الألك وهي الرسالة , فتكون الميم زائدة ويكون وزنه معافلة , ويكون الملك من ~~الملك وهو إحكام ما منه التصوير , من ملكت العجين , وجمعه أملاك , تكون فيه ~~الميم أصلية , فليكن اسم ملائكة جامعا للمعنيين منحوتا من الأصلين , فكثيرا ~~ما يوجد ذلك في أسماء الذوات الجامعة كلفظ إنسان بما ظهر فيه من أنه من ~~الأنس والنسيان معا , وهو وضع للكلم على مقصد أفصح وأعلى مما يخص به اللفظ ~~معنى واحدا , فللكلام رتبتان : رتبة عامة ورتبة خاصة أفصح وأعلى كلما ~~وكلاما . | قال : وفيه أي هذا الخطاب مع ذلك استخلاص لبواطن أهل الفطانة من ~~أن تعلق بواطنهم بأحد من دونه حين أبدى لهم انفراده بإظهارهم خلقا دون ~~ملائكته الأكرمين , حتى لا تعلق قلوبهم بغيره من أهل الاصطفاء فكيف بمن ~~يكون في محل البعد PageV01P086 والإقصاء ! توطئة لقبيح ما يقع من بعضهم من ~~اتباع خطوات الشيطان ؛ وذلك لأن في كل آية معنى تنتظم به بما قبلها ومعنى ~~تتهيأ به للانتظام بما بعدها ؛ وبذلك كان انتظام الآي داخلا في معنى ~~الإعجاز الذي لا يأتي الخلق بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا . | { إني } إن ~~حرف يفهم توكيدا من ذات نفس المؤكد وعلمه . | والياء اسم علي يخص المضيف ~~إلى نفسه الذي يضيف الأشياء إليه , { جاعل في الأرض } ولما كانت خلافة آدم ~~عليه السلام كاملة في جميع الأرض بنفسه وبذريته وحد لذلك مع أنه يصح أن ~~يراد به الجنس فقال : { خليفة } الخليفة ذات قائم بما يقوم به المستخلف على ~~حسب رتبة ذلك الخليفة منه , فهو خليقة الله في كونه ملكه وملكوته , وهم ~~أيضا بعضهم خلفاء بعض ؛ فهو خليفة بالمعنيين - انتهى . | وجعل ms0082 سبحانه هذا ~~التذكير في سياق داع غلى ع بادته وقائد إلى محبته حيث مت إلى هذا النوع ~~الآدمي بنعمه عليهم وإحسانه إليهم قبل إيجادهم , فذكر لهم ما حاج به ~~ملائكته عنهم , وما شرف به أباهم آدم من العلم وأمر الملائكة المقربين ~~بالسجود له , ثم ما وقع لإبليس معه وهماعبدان من عبيده فتاب عليه ولم يتب ~~على إبليس مع سبقه له بالعبادة بل أوجب طرده وأبد بعده فقال تعالى حكاية عن ~~الملائكة جوابا لسؤال من كأنه قال ما قالوا حين أخبرهم سبحانه بذلك : { ~~قالوا } طالبين الإيقان على الحكمة في إيجاد من يقع منه شر { أتجعل فيها } ~~أي في الأرض { من يفسد فيها } أي بأنواع المعاصي بالقوة الشهوانية , { ~~ويسفك } من السفك , قال الحرالي : وهو سكب بسطوة { الدماء } أي بغير حقها ~~بالقوة الغضبية , لعدم عصمتهم , وخلقهم جوفا لا يتمالكون , وأصحاب شهوات ~~عليها يتهالكون ؛ وكأنهم لما رأوا صورة آدم تفرسوا فيها ذلك لو سألوا عن ~~منافع أعضائه وما أودع فيها من القوى والمعاني أخبرهم تعالى بما تفرسوا منه ~~ذلك والدم . | قال الحرالي : رزق البدن الأقرب إليه المحوط فيه { ونحن } أي ~~والحال إنا نحن , وهذا الضمير كما قال الحرالي : اسم القائل المستتبع لمن ~~هو في طوع أمره لا يخالفه { نسبح } أي نوقع التسبيح أي التنزيه لك والإبعاد ~~عما لا يليق بك ملتبسين في PageV01P087 التسبيح { بحمدك } والحاصل إنا ~~نبرئك عن صفات النقص حال إثباتنا لك صفات الكمال , وحذف المفعول للتعميم ؛ ~~وقال الحرالي : التسبيح تنزيه الحق تعالى عن بادية نقص في خلق أو رتبة , ~~وحمد الله استواء أمره علوا وسفلا ومحو الذم عنه والنقص منه , وذلك تسبيح ~~أيضا في علو أمر الله , فما سبح بالحمد إلا أهل الحمد من آدم ومحمد صلى ~~الله عليه وسلم , فغاية المسبح الحمد , والحمد تسبيح لمن غايته وراء ذلك ~~الاستواء - انتهى . | { ونقدس } أي نطهر كل شيء نقدر عليه من نفوسنا وغيرها ~~, { لك } أي لا لغيرك لعصمتنا بك , أو المعنى نوقع التقديس أي التطهير لك ~~بمعنى أنك في الغاية من الطهارة والعلو في ms0083 كل صفة . | قال الحرالي : القدس ~~طهارة دائمة لا يلحقها نجس ظاهر ولا رجس باطن , واللام تعلة للشيء لأجله ~~كان ما أضيف به - انتهى . | ولما تضمن تفرسهم هذا نسبتهم أنفسهم إلى العلم ~~المثمر للإحسان , ونسبة الخليفة إلى الجهل المنتج للإساءة أعلمنا سبحانه ~~لنشكره أنه حاج ملائكته عنا , فبين لهم أن الأمر على خلاف ما ظنوا بقوله ~~استئنافا : { قال إني أعلم } أي من ذلك وغيره { ما لا تعلمون } . | وقال ~~الحرالي : وأعلم تعالى بما أجرى عليه خلقه من القضاء بما ظهر والحكم على ~~الآتي بما مضى حيث أنبأ عن ملائكته بأنهم قضوا على الخليفة في الأرض بحال ~~من تقدمهم في الأرض من الجبلة الأولين من الجن الذين أبقى منهم عزازيل ~~وغيرهم ليتحقق أن أمر الله جديد وأنه كل يوم هو في شأن لا يقضي على آتي وقت ~~بحكم ما فيه ولا بما مضى قبله - انتهى . | والأظهر ما ذكرته أنهم إنما ~~قالوا ذلك تفرسا بحكم ما ظهر لهم من صورته ونحو ذلك من إعلامهم بأنه يجمع ~~فيه بين الشهوة والعقل , ومن المعلوم أن الشهوة حاملة على الفساد ؛ وعلم ~~سبحانه ما خفي عنه من أنه يوفق من أراد منهم للعمل بمقتضى العقل مع قيام ~~منازع الشهوة والهوى , فيأتي غاية الكمال التي هي فوق درجة العامل بمقتضى ~~العقل من غير منازع له فيظهر تمام القدرة والله أعلم . | < < # | البقرة : ( 31 - 35 ) وعلم آدم الأسماء . . . . . # > > ^ ( وعلم آدم الأسمآء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني ~~بأسمآء هؤلاء إن كنتم صادقين * قالوا سبحانك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ إنك ~~أنت العليم الحكيم * قال ياآدم أنبئهم بأسمآئهم فلمآ أنبأهم بأسمآئهم قال ~~ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض PageV01P088 وأعلم ما تبدون وما ~~كنتم تكتمون * وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ~~وكان من الكافرين * وقلنا ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث ~~شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما أعلم سبحانه الملائكة أن الأمر على خلاف ما ظنوا شرع ms0084 في إقامة ~~الدليل عليه فقال عاطفا على قوله : ( قال ) : { وعلم } أي لإقامة الدليل ~~على ذلك , والتعليم تكرار العلم ليثبت لما في جبلة المعلم من النسيان , { ~~آدم } من الأدم من الأديم وهو جلدة الأرض التي منها جسمه , وحظ ما فيه من ~~أديم الأرض هو اسمه الذي أنبأ عنه لفظ آدم , { الأسماء } أي التي للأشياء { ~~كلها } وهو جمع اسم وهو ما يجمع اشتقاقين من السمة والسمو ؛ فهو بالنظر إلى ~~اللفظ وسم وبالنظر إلى الحظ من ذات الشيء سمو , وذلك السمو هو مدلول الاسم ~~الذي هو الوسم الذي ترادفه التسمية - قاله الحرالي , وقال في كتاب له في ~~أصول الفقه : الاسم يقال على لفظ التسمية ويقال على حظ ونصيب من ذوات ~~الأشياء , وتلك هي المعروضة على الملائكة , واسم التسمية يحاذي به المسمى ~~معلومه من الشيء المسمى الذي هو الاسم المعروض , وهو عند آدم علم وعند ~~الملائكة ومن لا يعلم حقيقة الاسم المعروض توقيف ونبأ - انتهى . | ولما كان ~~العرض على الملائكة بالغا في المراد أشار إلى تعظيمه بحرف التراخي فقال : ~~ثم { عرضهم } أي الأشياء . | قال الحرالي : أظهرهم عن جانب وهو العرض ~~والناحية { على الملائكة } القائلين لذلك . | وقال الحرالي : لما ذكر تعالى ~~مراجعة الملائكة في خلق هذا الخليفة ذكر إبداءه لهم وجه حكمة علية بما أعلى ~~هذا الخليفة من تعليمه إياه حقائق جميع الذوات المشهودة لهم على إحاطتهم ~~بملكوت الله و ملكه شهودا فأراهم إحاطة علم آدم بما شهدوا صورة ولم يشهدوا ~~حقيقة مدلول تسميتها , وعلمه حكمة ما PageV01P089 بين تلك الأسماء التي هي ~~حظ من الذوات وبين تسمياتها من النطق ليجتمع في علمه خلق كل شيء صورة وأمره ~~كلمة فيكمل علمه في قبله على سبيل سمعه وبصره , واستخلفه في علم ما له من ~~الخلق والأمر , وذلك في بدء كونه فكيف يحكم حكمة الله فيما يتناهى إليه ~~كمال خلقه إلى خاتمة أمره فيما انتهى إليه أمر محمد صلى الله عليه وسلم مما ~~هو مبهم في قوله تعالى : < # > 77 ( { وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ms0085 عظيما } ) 77 < # > [ النساء : 113 ] فأبدى الله عز وجل لهم بذلك وجه خلافة علمية وعملية ~~في التسمية إعلاء له عندهم , وقد جعلهم الله عز وجل مذعنين مطيعين فانقادوا ~~للوقت بفضل آدم على جميع الخلق وبدا لهم علم أن الله يعلي من يشاء بما يشاء ~~من خلافة أمره وخلقه , وتلك الأسماء التي هي حظوظ من صور الموجودات هي ~~المعروضة التي شملها اسم الضمير في قوله تعالى { ثم عرضهم } وأشار إليه ( ~~هؤلاء ) عند كمال عرضهم , وأجرى على الجميع ضمير ( هم ) لاشتمال تلك ~~الكائنات على العاقلين وغيرهم ؛ وبالتحقيق فكل خلق ناطق حين يستنطقه الحق , ~~كما قال تعالى < # > 77 ( { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم } ) 77 < # > [ يس : 65 ] وإنما العجمة والجمادية بالإضافة إلى ما بين بعض الخلق ~~وبعضهم - انتهى . | وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة : ~~ويقال إن الاسم مأخوذ من السمو وهو العلو والرفعة , وإنما جعل الاسم تنويها ~~بالدلالة على معنى الاسم لأن المعنى تحت الاسم - هذا قول النحويين ؛ واسمة ~~تدل على صاحبها , لأنهما حرفان سين وميم , فالسين من السناء والميم من ~~المجد وهو لب الشيء , فكأنه سمى اسما لأنه يضيء لك عن لب الشيء ويترجم عن ~~مكنونه , وليس شيء إلا وقد وسمه الله بسمة تدل على ما فيه من الجوهر ؛ ~~فاحتوت الأسماء على جميع العلم بالأشياء , فعلمها الله آدم وأبرز فضيلته ~~على الملائكة عليهم السلام - انتهى . | { فقال } معجزا لهم { أنبئوني } أي ~~أخبروني إخبارا عظيما قاطعا { بأسماء هؤلاء } أي الموجودات بتفرسكم فيها { ~~إن كنتم صادقين } أي فيما تفرستموه في الأول هي الحظوظ من الذوات التي ~~المتسم بها هو المسمى , ومع ذلك فبين التسمية والاسم مناسبة مجعول الحكمة ~~بينهما بمقتضى أمر العليم الحكيم - انتهى . | { قالوا } متبرئين من العلم { ~~سبحانك } أي ننزهك تنزيها يجل عن الوصف عن أن ننسب إليك نقصا في علم أو صنع ~~, ونتبرأ إليك مما يلزم قولنا من ادعاء العلم لسواك . | قال الحرالي : وفي ~~هذا المعنى إظهار لفضلهم وانقيادهم وإذعانهم توطئة لما PageV01P090 يتصل به ~~من إباء أبليس - انتهى ms0086 . | والحاصل أنه تصريح بتنزيه الله تعالى عن النقص ~~وتلويح بنسبته إليهم اعتذارا منهم عما وقعوا فيه , ولذا قالوا : { لا علم ~~لنا } أي أصلا { إلا ما علمتنا } فهو دليل على أنه لا سبيل إلى علم شيء من ~~الأشياء إلا بتعليم الله . | قال الحرالي : ردا لبدء الأمر لمن له البدء , ~~ولذلك ورد في أثارة من علم : من لم يختم علمه بالجهل لم يعلم , وذلك الجهل ~~هو البراءة من العلم إلا ما علم الله - انتهى . | ثم خصوه بما نفوه عن ~~أنفسهم فقالوا : { إنك أنت } أي وحدك { العليم } أي العالم بكل المعلومات { ~~الحكيم } أي فلا يتطرق إلى صنعك فساد بوجه فلا اعتراض أصلا . | قال الحرالي ~~: توكيد وتخليص وإخلاص للعلم والحكمة لله وحده , وذلك من أرفع الإسلام , ~~لأنه إسلام القلوب ما حلاها الحق سبحانه به ! فإن العلم والحكمة نور القلوب ~~الذي تحيا به كما أن الماء رزق الأبدان الذي تحيا به ! فإن العلم والحكمة ~~نور القلوب الذي تحيا به كما أن الماء رزق الأبدان الذي تحيا به ؛ والحكمة ~~جعل تسبيب بين أمرين يبدو بينهما تقاض من السابق واستناد من اللاحق - انتهى ~~. | وأصلها في اللغة المنع من الفساد ولا يكون ذلك إلا عن تمام العلم . | ~~فلما قالوا ذلك وأراد إشهادهم فضل آدم عليه السلام استأنف في جواب من كأنه ~~قال : ما قال لهم عند ذلك ؟ قوله : { قال } مظهرا لفضيلة العلم الموجبة ~~لشرف العالم { يا آدم أنبئهم } أي ليزدادوا بصيرة في أن العالم من علمته ~~والسعيد من أسعدته في أي صورة ركبته { بأسمائهم } فأنبأهم بها . | قال ~~الحرالي : ولم يقل : علمهم , فكان آدم عليما بالأسماء وكانوا هم مخبرين بها ~~لا معلميها , لأنه لا يتعلمها من آدم إلا من خلقه محيط كخلق آدم , ليكون من ~~كل شيء ومنه كل شيء , فإذا عرض عليه شيء مما منه آنس علمه عنده ؛ لفذلك ~~اختصوا بالإنباء دون التعليم , فلكل شيء عند آدم عليه السلام بما علمه الله ~~وأظهر له علاماته في استبصاره والشيء اسمان جامعان : اسم بيصره من موجود ~~الشيء واسم يذكره لإبداء ms0087 معنى ذلك الشيء إلى غاية حقيقته , ولكل اسم جامع ~~عنده وجوه متعددة يحاذي كل وجه منها بتسمية تخصه , وبحسب تلك الوجوه تكثرت ~~عنده الألسنة وتكثرت الألسن الأعجمية , فأفصحها وأعربها الاسم الجامع وذلك ~~الاسم هو العربي الذي به أنزل خاتم الكتب على خاتم المرسلين وأبقى دائما في ~~مخاطبة أهل الجنة لمطابقة الخاتمة إحاطة البادئة < # > 77 ( { حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * ~~وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم } ) 77 < # > [ الزخرف : 1 , 4 ] وطابق الختم البدء إحاطة لإحاطة - انتهى . | وهذا ~~كما كان ولده محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم يكلم كل إنسان بلغته من ~~قبائل العرب ومن العجم بل ومن البهائم العجم لكان علمه لبعض اللغات من غير ~~مخالطة لأهها ولا إلمام بلسانهم دليلا على علم سائر اللغات , لأنه لا معلم ~~له إلا PageV01P091 العالم بكل شيء . | { فلما أنبأهم } أي أخبرهم إخبارا ~~عظيما يأخذ بالألباب , و { لما } كلمة تفهم وجوب أمر لأمر في حين فتجمع ~~معنى الشرط والظرف - قاله الحرالي { بأسمائهم } عل ما هي عليه . | قال ~~الحرالي في التفسير وكتاب له في أصول الفقه : هذه التسميات ليس الأسماء ~~التي هي موجودة من الذوات , لأن تلك لا ينالها إلا العلم وشهود البصيرة وقد ~~جرى ذلك في وراثة في ولد ىدم حتى كان رؤبة وأبوه العجاج يرتجلان اللغة ~~ارتجالا ويتعلمها منهم من سواهم من العرب , لأن التسمية التي ينالها ~~الإنباء للاسم الذي يناله العلم كالمثل له المبدي لصورة معناه للأذن ~~لمناسبة ومواصلة بين خصوص التسمية واسمها من الذات , فيعلم ما يحاذي الشيء ~~المفرد من منتظم الحروف كما يعلم الواصف ما يحاذي الشيء ويحاكيه من منتظم ~~الكلم , فيحاذيه ويحاكيه الواصف بكلام , ويحاذيه ويسميه المسمى له بكلمة ~~واحدة , وكما أنه ليس لكل أحد منة أن يصف فكذلك ليس لكل أحد منة أن يسمى , ~~ومنه ما يجري من ألسنة العامة من النبز والألقاب وقد كان يجب الاكتفاء بما ~~في هذه الآية من العلم ببدء أمر المسميات عما وقع فيها من الاختلاف بينا ~~لتوقيف والاصطلاح ms0088 , فقد تبين أنها عن علم علمه الله آدم لا عن توقيف كما هو ~~عند الملائكة من آدم ولا عن اصطلاح كما قيل - انتهى . | { قال } أي الله ~~تعالى مثبتا مدخول النفي كما هو شأن همزة التقرير { ألم أقل لكم } يا ~~ملائكتي ! ولما كان هذا خبرا جسيما نبه على بلوغه النهاية في العظمة وأنه ~~مما يستغربه بعض الخلق بالتأكيد فقال : { إني أعلم } علما مستمرا لا انقضاء ~~له { غيب السماوات والأرض } فمن أردت تعليمه شيئا من ذلك كان عالما به , ~~وأما غيري فلا طريق له إلى معرفة المستقبل إلا الفراسة وقد تحظى . | قال ~~الحرالي : قررهم حتى لا يكون لهم ثانية وأعلم بذلك عباده من ولد آدم حتى ~~يستنوا بحكم التسليم لله في ما يبديه من غير تعرض ولا اعتراض , فمنهم من ~~آمن ومنهم من كفر - انتهى . | { وأعلم ما تبدون } في كل حين { وما كنتم ~~تكتمون } فيما مضى وفيما يأتي . | قال الحرالي : وفي صيغة تكتمون من ~~الدلالة على تمادي ذلك في كيانهم ما في صيغة تبدون من تمادي بادى ذلك منهم ~~- انتهى . | ولما أخبرنا سبحانه بهذه النعمة على أبينا ضم إ ليها الإنعام ~~بإسجاد الملائكة له PageV01P092 ونحن في ظهره فقال عاطفا على ( إذ ) الأولى ~~وعدل عن الغيبة إلى التكلم ثم إلى كونه في مظهر العظمة إعلاما بأنه أمر فصل ~~لا فسحة في المراجعة فيه . | وقال الحرالي : لما أنبأ تعالى بأمر مفاوضة ~~الملائكة وما كان من ادعائهم وتسليمهم الأمر لله ولمن علمه الله وهو آدم ~~عليه السلام نظم بذلك نبأ انقيادهم لآدم فعلا كما انقادوا له علما تماما ~~لكمال حالهم في التسليم علما وعملا فقال تعالى - انتهى . | { وإذ قلنا } أي ~~على عظمتنا { للملائكة } أي الذين أكرمناهم بقربنا { اسجدوا لآدم } عبدنا ~~اعترافا بفضله لتفضيلنا له . | قال الحرالي : فجعله بابا إليه وكعبة يجلونه ~~بجلاله تعالى ومحرابا وقبلة , يكون سجودهم له سجودا لله تجاه آدم كسجود آدم ~~تجاه الكعبة , وظهر بذلك سوء إباء إبليس عن السجود حين خالفهم في طينة ~~الكيان , لأن الملائكة خلقت من نور والنور طوع ms0089 لا يحوزه أين ولا يختصه جهة ~~, ولأن الجان خلقت من نار وهي مما يحوزه أين وتختصه جهة لا يرجع عنها إلا ~~بقهر وقسر , فلم ينزل عن رتبة قيامه في جبلته لمخلوق الطين حيث لم يشعر ~~بإحاطة خلق آدم كما تلقته الملائكة - انتهى . | فبادروا الامتثال { فسجدوا ~~} أي كلهم له كما أمرهم الله تعالى { إلا إبليس } قال الحرالي : من الإبلاس ~~وهو انقطاع سبب الرجاء الذي يكون عنه اليأس من حيث قطع ذلك السبب - انتهى . ~~| فكأنه قيل : ما فعل ؟ فقيل : { أبى } , من الإباء وهو امتناع عما حقه ~~الإجابة فيه - قاله الحرالي . | { واستكبر } عن السجود له , من الاستكبار ~~وهو استجلاب الكبر , والكبر بطر الحق وغمض الناس وغمطهم , وموجب ذلك ~~استحقار الغير من وجه واستكمال النفس من ذلك الوجه - قاله الحرالي . | { ~~وكان } أي في اصل جبلته بما أفهمه الاستكبار من نسبتنا إلى ترك الحكمة إما ~~جهلا أو جورا في أمرنا بسجوده لآدم وهو على زعمه خير منه { من } وهي كلمة ~~تفهم اقتباس الشيء مما جعل منه - قاله الحرالي . | { الكافرين } أي الذين ~~سبق علمنا بشقاوتهم لم يتجدد لنا بذلك علم ما لم نكن نعلمه . | وفي الآيات ~~الثلاث { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } و { كيف تكفرون بالله } و { إذ ~~PageV01P093 قال ربك للملائكة } ايضا إشارة إلى اختلاف الحال في الخطاب ~~بوصف الربوبية مع الخلص ومع من دونهم وفي الخطاب بأوصاف الذات , وذلك أنه ~~تعالى لما بين أن الضالين في حسن أمثاله هم الخاسرون عجب ممن يكفر به إشارة ~~إلى شدة ظهوره وانتشار نوره في أمثاله وجميع أقواله وأفعاله وأن شهوده في ~~كل اعتبار أوضح من ضياء النهار , لأنه ما ثم إلا ذاته وافعاله وصفاته : وفي ~~كل شيء له آية تدل على أنه واحد متجليا عليهم باسم الإلهية في أفعاله التي ~~هم لها ناظرون وبها عارفون , فقال : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا ~~فأحياكم } إلى أن قال : { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } الآية , ~~وأدرج في ذلك أمر البعث بقوله { ثم إليه ترجعون } تنبيها على مشاركته لبقية ~~ما ms0090 في الآية من الظهور , لما قدم من الاستدلال عليه بإخراج الثمرات حين ~~تعرف إليهم بوصف الربوبية الناظر إلى العطف والامتنان والتربية والإحسان في ~~مثل ما هنا من أفعاله الظاهرة وآثاره الباهرة فقال : { يا أيها الناس ~~اعبدوا ربكم الذي خلقكم } إلى آخرها ؛ وختم هذه الآية بوصف العلم الشامل ~~لما قام عليه من الدليل ضمن هذا التعجيب إشارة إلى الاستدلال على كمال ~~الأمثال وتحديدا لمن يستمر على الكفران بعد هذا البيان بأنه بمرأى منه ~~ومسمع في كل حال , فلما فرغ من خطابهم بالأمور الظاهرة على قدر فهومهم ~~ومبلغ علومهم رقي الخطاب إلى رتبة نبيه عليه الصلاة والسلام لترقية البيان ~~إلى غيب مقاولته لملائكته فقال : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل } الآية ~~فلكل مقام مقال , ولكل مخاطب حد في الفهم وحال . | قال الأستاذ أبو الحسن ~~الحرالي في المفتاح الباب السابع في غضافة الربوبية ونعت الإلهية في القرآن ~~: اعلم أن الربوبية إقامة المربوب بما خلق له وأريد له , فرب كل شيء مقيمه ~~بحسب ما أبداه وجوده , فرب المؤمن ربه ورباه للإيمان , ورب الكافر ربه ~~ورباه للكفران , ورب محمد ربه ورباه للحمد - ( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) , ~~ورب العالمين PageV01P094 ربى كل عالم لما خلق له < # > 77 ( { أعطى كل شيء خلقه ثم هدى } ) 77 < # > [ طه : 50 ] ؛ فللربوبية بيان في كل رتبة بحسب ما أظهرته آية مربوبه - ~~من عرف نفسه عرف ربه < # > 77 ( { سبح اسم ربك الأعلى } ) 77 < # > [ الأعلى : 1 ] < # > 77 ( { فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك } ) 77 ~~< # > [ الكهف : 18 ] { اعبدوا ربكم الذي خلقكم } < # > 77 ( { لهم أجرهم عند ربهم } ) 77 < # > [ البقرة : 262 ] . | وقال في الباب الذي بعده : فخطاب الإقبال على ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعظم إفهام في القرآن < # > 77 ( { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } ) 77 < # > [ الفرقان : 4 ] الآية < # > 77 ( { وهو الذي جعل لكم الليل لباسا } ) 77 < # > [ الفرقان : 47 ] الآية , تفاوت الخطابين بحسب تفاوت المخاطبين وكما ~~يتضح لأهل التعرف رتب البيان بحسب إضافة اسم الرب فكذلك يتحقق لأهل الفهم ~~وجوه إحاطات البيان ms0091 بحسب النعوت والتبيان في اسم الله غيبا في متجلى الآيات ~~للمؤمن , وعينا للكامل الموقن , وجمعا وإحاطة عن بادئ الدوام للمحقق الواحد ~~الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد < # > 77 ( { وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم ~~بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم } ) 77 < # > [ آل عمران : 101 ] < # > 77 ( { قل هو الله أحد } ) 77 < # > [ الإخلاص : 1 ] ؛ والتفطن في رتب البيان في موارد هذا النحو من الخطاب ~~في القرآن من مفاتيح الفهم وبوادئ مزيد العلم - انتهى . | وقد أوقع سبحانه ~~ذكر ابتداء الخلق على ترتيب إيجاده له فقد روى مسلم في صحيحه والنسائي في ~~التفسير من سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بيدي فقال : ( خلق الله التربة يوم السبت , وخلق فيها الجبال يوم ~~الأحد , وخلق الشجر يوم الاثنين , وخلق المكروه يوم الثلاثاء , وخلق النور ~~يوم الأربعاء , وبث فيها الدواب يوم الخميس , وخلق آدم عليه السلام بعد ~~العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين ~~العصر إلى الليل ) وقال المزي في PageV01P095 الأطراف قال البخاري في ~~التاريخ : وقال بعضهم : أبو هريرة عن كعب وهو أصح . | انتهى . | وما يقال ~~من أنه كان قبل آدم عليه السلام في الأرض خلق يعصون قاس عليهم الملائكة ~~عليهم السلام حال آدم عليه السلام , كلام لا أصل له , والذي يدل عليه حديث ~~مسلم هذا كما ترى أنه أول ساكني الأرض ؛ والذي يلوح من اسمه في بدئه ~~بالهمزة التي هي أول الحروف وختمه بالميم التي هي آخرها وختامها أنه أول ~~ساكنيها بنفسه , كما أنه خاتمهم بأولاده , عليهم تقوم الساعة . | ورأيت في ~~ترجمة للتوراة وهو أولها : خلق الله ذات السماء وذات الأرض وكانت الظلمة ~~فقال الله : ليكن النور , فكان النور , فأراد أن يفرق بين النور والحندس ~~فسمى النور نهارا والحندس مساء ؛ ثم قال : ليكن جلد وسط الماء ويميز بين ~~الماء الأعلى والماء الأسفل . | وفي نسخة : ليكن سقف بين المياه ليفصل ms0092 بين ~~الماء والماء , فكان كذلك فخلق الله سقفا وفصل به بين الماء الذي تحت الجلد ~~والماء الذي فوق الجلد وسمى الله الجلد سماء ؛ وقال الله : لتجتمع المياه ~~التي تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة , فكان كذلك فسمى الله ~~اليابسة أرضا وسمى مجامع المياه بحورا ؛ وقال : لتخرج الأرض نبت عشب يزرع ~~منه زرع لجنسه وشجر ذات ثمار تثمر لجنسها يغرس منه غرس على الأرض , فأينعت ~~الأرض نبتا عشبا يزرع منه زرع لجوهره وشجر ذات ثمار لجوهرها ؛ فقال الله : ~~ليكن نجمان في جلد السماء ليضيئا على الأرض وليميزا بين النهار والليل ~~وليكونا للآيات والأزمان والعدد والأيام والسنين , فخلق الله نورين عظيمين ~~: المصباح الأكبر لسلطان النهار والمصباح الأصغر لسلطان الليل وخلق النجوم ~~, وكان المساء والصباح من اليوم الرابع ؛ فقال الله : ليحت الماء حيتانا ~~ذات أنفس حية , وليطر الطير فوق الأرض في جو السماء , فكان كذلك ؛ وخلق ~~تنانين عظيمة وكل نفس حية تدب في الماء لأجناسها وكل طيور ذات أجنحة ~~لأصنافها وباركها وقال : انموا واكثروا واملؤوا مياه البحور وليكثر الطير ~~على وجه الأرض ؛ وقال الله : لتخرج الأرض أنفسا حية لجنسها دواب وسباع ~~الأرض لأجناسها , فكان كذلك ؛ وخلق الله سباع الأرض لأجناسها والدواب ~~لأصنافها وجميع هوام الأرض لجواهرها . | PageV01P096 فأراد الله أن يخلق ~~خلقا يتسلط على حيتان البحر وطير السماء وعلى الدواب وجميع السباع وعلى ~~الحشرة التي تدب على الأرض فخلق آدم بصورته ذكرا وأنثى وبارك عليهما وقال ~~لهما : انميا وأكثرا وتسلطا على حيتان البحر وطير السماء والدواب وجميع ~~السباع ؛ وقال : ها أنا ذا قد أعطيتكما جميع العشب الذي يزرع على وجه الأرض ~~كلها وكل شجر ذات ثمار تغرس فيها ليكون لكما مأكلا ولجميع سباع البر وطيور ~~السماء ولكل ما يدب على الأرض فيه نفس حية , فكان كذلك ؛ وكملت السماء ~~والأرض وجميع ما فيهما في اليوم السادس , ولم يكن ظهر على الأرض شيء من عشب ~~الأرض , لأن الله لم يكن أهبط المطر على وجه الأرض بعد , وذلك لأن آدم لم ~~يكن خلق بعد ليعمل في ms0093 الأرض , وكان ينبوع يظهر في قعر عدن فيسقي جميع وجه ~~الأرض . | فجبل الله الرب آدم من تربة الأرض ونفخ في وجهه نسمة الحياة فصار ~~آدم ذا نفس حية وغرس الله الرب فردوسا بعدن من قبل وأسكنه آدم , وأنبت الله ~~كل شجرة حسنة المنظر شهية المأكل وشجرة الحياة وسط الفردوس وشجرة علم الخير ~~والشر , وكان نهر يخرج من عدن فيسقي الفردوس وكان ينفصل من هناك وينفرق على ~~أربعة أطراف : اسم أحدها سيحون الذي يحيط بجميع أرض الهند وتلك البلاد ~~الكثيرة , وذهب تلك الأرض جيد جدا , هنالك المها وحجر البلور , واسم النهر ~~الثاني جيحون الذي يحيط بجميع أرض الحبشة , واسم النهر الثالث دجلة الذي ~~يخرج قبالة الموصل , والنهر الرابع الفرات ؛ فتقدم الرب إلى آدم وقال له : ~~كل من جميع أشجار الفردوس , فأما شجرة علم الخير والشر فلا تأكل منها , ~~لأنك في اليوم الذي تأكل منها تموت موتا . | وقال الله : لا يحسن أن يكون ~~آدم وحده فلنخلق له عونا مثله , فجمع الرب من الأرض جميع سباع البر وطير ~~السماء وأقبل بها إلى آدم ليرى ما يسميها وكل نفس حية سماها آدم فذلك اسمها ~~فسمى الجميع , فألقى الله على آدم سباتا فرقد , فنزع ضلعا من أضلاعه وأخلف ~~له بدله لحما , فخلق الله من الضلع الذي أخذ من آدم امرأة , فأقبل بها إلى ~~آدم فقال : هذه الآن التي فرنت إلي ! وفي هذه عظم من عظامي ولحم من لحمي ! ~~فلتدع امرأة لأنها أخذت من الرجل , ولذلك يدع الرجل أباه وأمه ويلحق ~~بامرأته ويكونان كلاهما جسدا واحدا ؛ وكانا كلاهما عريانين آدم وامرأته ولا ~~يستحييان . | وكانت الحية أعز دواب البر كلها فقالت الحية للمرأة : أحق أن ~~الله قال لكما : لا تأكلا من جميع شجر الجنة ؟ فقالت المرأة : إنا لنأكل من ~~كل ثمر الجنة , فأما من ثمرة PageV01P097 الشجرة التي في وسط الجنة فإن ~~الله قال لنا : لا تأكلا منها ولا تقرباها لكيلا تموتا ؛ قالت الحية : ~~لستما تموتان , ولكن الله علم أنكما إن تأكلا منها تنفتح أعينكما وتكونا ~~كالإله تعلمان ms0094 الخير والشر . | فرأت المرأة الشجرة طيبة المأكل شهية في ~~العين فأخذت من ثمرتها فأكلت وأعطت بعلها فأكل , فانفتحت أبصارهما وعلما ~~أنهما عريانان , فوصلا من ورق التين وصنعا مآزر . | ثم ذكر أن الله تعالى ~~سأله عن ذلك فقال آدم : المرأة التي قرنتها معي هي أطعمتني من الشجرة فأكلت ~~, فقال الله الرب للمرأة : ما هذا الذي فعلت ؟ فقالت المرأة : إن الحية ~~أعطتني فأكلت , فقال للحية : ملعونة تكونين من جميع الدواب ومن كل ماشية ~~البر , وعلى بطنك تمشين , والتراب تأكلين كل أيام حياتك , وأغرى العداوة ~~بينك وبين المرأة وبين ولدها , وولدها يطأ رأسك وأنت تلدغينهم بأعقابهم ! ~~وقال للمرأة : أكثر أوجاعك وإحبالك وبالوجع تلدين البنين , وإلى بعلك تردين ~~وهو مسلط عليك ! وقال لآدم : من أجل طاعتك امرأتك وأكلك الشجرة التي نهيتك ~~عنها ملعونة الأرض من أجلك بالشقاء تأكل منها كل أيام حياتك أجاجا وشوكا ~~تنبت لك , وتأكل عشب الأرض , وبرشح جبينك تأكل طعامك حتى تعود في الأرض ~~التي منها أخذت من أجل أنك تراب وإلى التراب تعود . | فدعا آدم اسم امرأته ~~حواء من أجل أنها كانت أم كل حي , وصنع الله الرب لآدم وامرأته سرابيل من ~~الجلود وألبسها , فأرسله من جنة عدن ليحرث الأرض التي منها أخذ , فأخرجه ~~الله ربنا وأحاط من مشرق عدن ملكا من الكروبيين بيده حربة يطوف بها ليحرس ~~طريق شجرة الحياة . | ثم قال بعد ذلك : فكان جميع حياة آدم تسعمائة وثلاثين ~~سنة ثم توفي عليه السلام - هذا نص التوراة . | والكروب بوزن زبور بلغة ~~العبرانيين الشخص الصغير , فكان الكروبيون الملائكة المنسوبين إلى مخالطة ~~الناس بالوحي أخذا من الكروبين تثنية كروب وهما شخصان في قبة الزمان كان ~~يسمع كلام الله من بينهما , كما يأتي قريبا . | فإن أنكر منكر الاستشهاد ~~بالتوراة أو بالإنجيل وعمي عن أن الأحسن في باب النظر أن يرد على الإنسان ~~بما يعتقد تلوت عليه قول الله تعالى استشهادا على كذب اليهود : < # > 77 ( { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } ) 77 < # > [ آل عمران : 93 ] وقوله تعالى : < # > 77 ( { وأنزلنا إليك الكتاب ms0095 بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ~~ومهيمنا عليه } ) 77 < # > [ المائدة : 48 ] - في آيات من أمثال ذلك كثيرة ؛ وذكرته باستشهاد ~~النبي صلى الله عليه وسلم التوراة في قصة PageV01P098 الزاني كما سيأتي إن ~~شاء الله تعالى في سورة المائدة مستوفى . | وروى الشيخان عن أبي سعيد رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تكون الأرض يوم القيامة خبزة ~~نزلا لأهل الجنة , فأتى رجل من اليهود فقال : بارك الرحمن عليك يا أبا ~~القاسم ! ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة ؟ قال : بلى . | قال : تكون ~~الأرض خبزة واحدة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم , فنظر النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه ) وقريب من ذلك حديث الجساسة في ~~أشباهه . | هذا فيما يصدقه كتابنا . | وأما ما لا يصدقه ولا يكذبه فقد روى ~~البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) ورواه مسلم والترمذي والنسائي عن ~~أبي سعيد رضي الله عنه , وهو معنى ما في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال : كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل ~~الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تصدقوا أهل الكتاب ولا ~~تكذبوهم وقولوا : { آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم } ) الآية , فإن ~~دلالة هذا على سنية ذكر مثل ذلك أقرب من الدلالة PageV01P099 على غيرها , ~~ولذا أخذ كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن أهل الكتاب . | فإن فهم أحد من ~~الشافعية منع أئمتهم من قراءة شيء من الكتب القديمة مستندا إلى قول الإمام ~~أبي القاسم الرافعي في شرحه : وكتب التوراة والإنجيل مما لا يحل الانتفاع ~~به , لأنهم بدلوا وغيروا , وكذا قال غيره من الأصحاب ؛ قيل له : هذا مخصوص ~~بما علم تبديله , بدليل أن كل من قال ذلك علل بالتبديل فدار الحكم معه , ~~ونص الشافعي ظاهر في ذلك , قال المزني في مختصره في باب جامع السير : وما ~~كان من كتبهم أي الكفار فيه ms0096 طب وما لا مكروه فيه بيع وما كان فيه شرك أبطل ~~وانتفع بأوعيته . | وقال في الأم في سير الواقدي في باب ترجمته كتب الأعاجم ~~قال الشافعي : وما وجد من كتبهم فهو مغنم كله , وينبغي للإمام أن يدعو من ~~يترجمه , فإن كان علما من طب أو غيره لا مكروه فيه باعه كما يبيع ما سواه ~~من المغانم , وإن كان كتاب شرك شقوا الكتاب فانتفعوا بأوعيته وأداته فباعها ~~, ولا وجه لتحريقه ولا دفته قبل أن يعلم ما هو - انتهى . | فقوله في الأم : ~~كتاب شرك , مفهم لأنه كله شرك , ولهذا عبر المزني عن ذلك بقوله : وما كان ~~فيه شرك , أي في أبواب الكتاب وفصوله , وأدل من ذلك قولهم في باب الأحداث : ~~إن حكمها في مس المحدث حكم ما نسخت تلاوته من القرآن في أصح الوجهين , ~~والتعبير بالأصح على ما صاطلحوا عليه يدل على أن الوجه القائل بحرمة مس ~~المحدث وحمله لها قوى , وأدل من ذلك ما ذكره محرر المذهب الشيخ محيي الدين ~~النواوي رحمه الله في مسائل ألحقها في آخر باب الأحداث من شرح المهذب وأقره ~~أن المتولي قال : فإن ظن أن فيها شيئا غير مبدل كره مسه - انتهى . | فكراهة ~~المس للاحترام , والاحترام فرع جواز الإبقاء والانتفاع بالقراءة , وأصرح من ~~ذلك كله قول PageV01P100 الشافعي رحمه الله : إن ما لا مكروه فيه يباع , ~~وكذا قول البغوي في تهذيبه في آخر باب الوضوء : وكذلك لو تكلم - أي الجنب - ~~بكلمة توافق نظم القرآن أو قرأ آية نسخت قراءتها أو قرأ التوراة والإنجيل ~~أو ذكر الله سبحانه أو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فجائز , قالت ~~عائشة رضي الله عنها : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل ~~أحيانه ) فإنه لا يتخيل أنه يجوز للجنب ما لا يجوز للمحدث , بل كل ما جاز ~~للجنب قراءته من غير أمر ملجئ جاز للمحدث ولا عكس , وتعليله لذلك بحديث ~~عائشة رضي الله عنها دال على أن ذلك ذكر الله تعالى , ولا يجوز الحمل على ~~العموم لا سيما ms0097 إذا لوحظ قول القاضي الحسين : إنه يجوز الاستنجاء بهما , ~~لأنه مبني على الوجه القائل بأن الكل مبدل ؛ وهو ضعيف أو محمول على المبدل ~~منهما , لأنه لا يخفى على أحد أن مسلما فضلا عن عالم لا يقول : إنه يستنجي ~~بنحو قوله في العشر الكلمات التي صدرت بها الألواح قال الله جميع هذه ~~الآيات كلها : أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق , ~~لا تكونن لك آلهة غيري , لا تعلمن شيئا من الأصنام والتماثيل التي مما في ~~السماء فوق وفي الأرض من تحت ومما في الماء أسفل الأرض , لا تسجدن لها ولا ~~تعبدنها , لأني أنا الرب إلهك إله غيور , لا تقسم بالرب إلهك كذبا , لأن ~~الرب لا يزكي من حلف باسمه كذبا , أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي ~~يعطيكها الرب إلهك , لا تقتل , لا تزن , لا تسرق , لا تشهد على صاحبك شهادة ~~زور . | وقد أشبع الكلام في المسألة شيخنا حافظ عصره أبو الفضل بن حجر في ~~آخر شرحه للبخاري , وآخر ما حط عليه التفرقة بين من رسخ قدمه في العلوم ~~الشرعية - فيجوز له النظر في ذلك فإنه يستخرج منه ما ينتفع به المهتدون - ~~وبين غيره فلا يجوز له ذلك , وأيده بنظر الأئمة فيهما قديما وحديثا والرد ~~على أهل الكتابين بما يستخرجونه منهما ؛ فلولا جواز ذلك ما أقدموا عليه - ~~والله الموفق وقد حررت المسألة في فن المرفوع من حاشيتي على شرح ألفية ~~الشيخ زين الدين العراقي فراجعه إن شئت - والله الهادي ؛ ثم صنفت في ~~PageV01P101 ذلك تصنيفا حسنا سميته ( الأقوال القويمة في حكم النقل من ~~الكتب القديمة ) . | تنبيه : اعلم أن التوراة ثلاث نسخ مختلفة اللفظ ~~متقاربة المعنى إلا يسيرا : إحداها تسمى توراة السبعين , وهي التي اتفق ~~عليها اثنان وسبعون حبرا من أحبارهم ؛ وذلك أن بعض اليونان من ملوك مصر سأل ~~بعض ملوك اليهود ببيت المقدس أن يرسل إليه عددا من حفاظ التوراة , فأرسل ~~إليه اثنين وسبعين حبرا , فأخلى كل اثنين منهم في بيت ووكل بهم كتابا ~~وتراجمة , فكتبوا التوراة ms0098 بلسان اليونان , ثم قابل بين نسخهم الستة ~~والثلاثين فكانت مختلفة اللفظ متحدة المعنى , فعلم أنهم صدقوا ونصحوا , ~~وهذه النسخة ترجمت بعد بالسرياني ثم بالعربي وهي في أيدي النصارى ؛ والنسخة ~~الثانية نسخة اليهود من الربانيين والقائين , والنسخة الثالثة نسخة السامرة ~~؛ وقد نبه على مثل ذلك الإمام السمرقندي في الصحائف واستشهد بكثير من نصوص ~~التوراة على كثير من مسائل أصول الدين , وكذا الشيخ سعد الدين التفتازاني ~~في شرح المقاصد والقاضي عياض في كتاب الشفاء وغيرهم . | ثم اعلم أن أكثر ما ~~ذكرته في كتابي هذا من نسخة وقعت لي لم أدر اسم مترجمها . | على حواشي ~~فصولها الأوقات التي تقرأ فيها , فالظاهر أنها نسخة اليهود وهي قديمة جدا , ~~فكان في الورقة الأولى منها محو في أطراف الأسطر فكملته من نسخة السبعين , ~~ثم قابلت نسختي كلها مع بعض اليهود الربانيين على ترجمة سعيد الفيومي وهي ~~عندهم أحسن التراجم لو كان هو القارئ , فوجدت نسختي أقرب إلى حقائق لفظ ~~العبراني ومترجمها أقعد من سعيد في لغة العرب , هذا وظاهر القرآن في قوله ~~تعالى : < # > 77 ( { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } ) 77 < # > [ الحجر : 29 ] أن الأمر بالسجود له كان قبل إتمام خلقه وأن السجود كان ~~عقب النفخ , وبه صرح البغوي في تفسيره , وأجاب عن قوله تعالى في سورة ~~الأعراف < # > 77 ( { ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم } ) 77 < # > [ الأعراف : 11 ] بأجوبة , منها أن الخلق والتصوير لآدم وحده , وذكره ~~بضمير الجمع لأنه أبو البشر فخلقه خلقهم وتصويره تصويرهم ؛ ومنها أن ( ثم ) ~~بمعنى الواو ليست للترتيب - انتهى . | والتصوير شق السمع والبصر والأصابع - ~~قاله يمان , والتسوية تعديل الخلق وإتمامه وتهيئته لنفخ الروح , ويمكن أن ~~يكون { خلقناكم } وما PageV01P102 بعده بمعنى قدرنا ذلك تقديرا قريبا من ~~الإخراج من العدم ؛ وبذلك يتضح قوله في التوراة : فخلق آدم بصورته ذكرا ~~وأنثى , ثم قال بعد ذلك : لأن آدم لم يكن خلق بعد , ثم حكى خلقه وخلق زوجه ~~منه ؛ فهذا خلق بمعنى الإيجاد , وذلك بمعنى التقدير القريب منه - والتهيئة ~~لقبول الغايات ms0099 - والله أعلم . | ومشى البيضاوي على أن الأمر بالسجود كان ~~بعد الإنباء بالأسماء ولم يذكر دليلا يصرف عن هذا الظاهر على أن المشي عليه ~~أولى من جهة المعنى , لأن سجود الملائكة عليهم السلام قبل يكون إيمانا ~~بالغيب على قاعدة التكاليف , وأما بعد إظهار فضيلة العلم فقد كشف الغطاء ~~وصار وجه الفضل من باب عين اليقين ؛ وأما الترتيب في الذكر هنا على هذا ~~الوجه وهو جعل السجود بعد الإنباء فهو لنكتة بديعة وهي أنه تعالى لما كان ~~في بيان النعم التي أوجبت شكره باختصاصه بالعبادة لكونه منعما فبين أولا ~~نعمته على كل نفس في خاصتها بخلقها وإفاضة الرزق عليها . | ثم ذكر الكل ~~بنعمة تشملهم وهي محاجته لأقرب خلقه إذ ذاك إليه عن أبينا آدم قبل إيجاده ~~اقتضى الأسلوب الحكيم أن يوضح لهم الحجة في فضيلة هذا الخليفة فذكر ما آتاه ~~من العلم , فلما فرغ من محاجتهم بما أوجب إذعانهم ذكر بنيه بنعمة السجود له ~~, فما كان تقديم إظهار فضيلة العلم إلا محافظة على حسن السياق في ترتيب ~~الدليل على أقوم منهاج وأوضح سبيل . | ولما فرغ من نعمة التفضيل في الصفات ~~الذاتية بين النعمة بشرف المسكن مع تسخير زوج من الجنس لكمال الأنس وما ~~يتبع ذلك فقال تعالى . | وقال الحرالي : لما أظهر الله سبحانه فضيلة آدم ~~فيما أشاد به عند الملائكة من علمه وخلافته والإسجاد له وإباء إبليس عنه ~~أظهر تعالى إثر ذلك ما يقابل من أحوال آدم حال ما ظهر للملائكة بما فيه من ~~حظ مخالفة يشارك بها إفراط ما في الشيطان من الإباء لإحاطة خلق آدم بالكون ~~كله علوا وسفلا , وليظهر فضل آدم في حال مخالفته على إبليس في حال إبائه ~~مما يبدو على آدم من الرجوع بالتوبة كحال رجوع الملائكة بالتسليم , فيظهر ~~فيه الجمع بين الطرفين والفضل في الحالين : حال علمه وحال توبته في مخالفته ~~, فجعل تعالى إسكان الجنة توطئة لإظهار ذلك من أمره فقال تعالى : { { وقلنا ~~يا آدم اسكن } , من السكن وهو الهدوء في الشيء الذي في طيه إقلاق ms0100 , أن في ~~قوله : { أنت } اسم باطن الذات علما هي المشتركة في أنا وأنت وأنت وأن تفعل ~~كذا , والألف في أنا إشارة ذات المتكلم , وفي مقابلتها التاء إشارة لذات ~~المخاطب ذكرا أو أنثى { وزوجك الجنة } فأجنت لآدم ما فيها من خبء استخراج ~~أمر معصيته ليكون ذلك توطئة لكمال باطنه بإطلاعه على سر من أسرار ربه في ~~علم التقدير إيمانا والكمال ظاهره يكون ذلك توطئة لفضيلة توبته إسلاما ليس ~~لبنيه التوبة إثر المعصية مخالفة لإصرار إبليس PageV01P103 بعد إبائه ~~وشهادة عليه بجهله في ادعائه , وجعل له ذلك فيما هو متنزل عن رتبة علمه فلم ~~تلحقه فيه فتنة حفيظة على خلافته وأنزلت معصيته إلى محل مطعمه الذي هو خصوص ~~حال المرء من جهة أجوفية خلقه ليبدو نقص الأجوف ويبدي ذلك إكبار الصمد الذي ~~يطعم ولا يطعم , فكان ذلك من فعله تسبيحا بحمد ربه ؛ لا يقضي الله لمؤمن ~~قضاء إلا كان خيرا له انتهى . | ولما كان السياق هنا لمجرد بيان النعم ~~استعطافا إلى المؤالفة كان عطف الأكل بالواو في قوله : { وكلا منها } كافيا ~~في ذلك , وكان التصريح بالرغد الذي هو من أجل النعم عظيم الموقع فقال تعالى ~~: { رغدا } أي واسعا رافها طيبا هنيئا { حيث } أي أي مكان { شئتما } بخلاف ~~سياق الأعراف فإنه أريد منه مع التذكير بالنعم التعريف بزيادة التمكين ~~وأنها لم تمنع من الإخراج تحذيرا للمتمكنين في الأرض المتوسعين في المعايش ~~من إحلال السطوات وإنزال المثلاث , كما سيأتي إن شاء الله تعالى . | ثم ~~المقصود من حكاية القصص في القرآن إنما هو المعاني فلا يضر اختلاف اللفظ ~~إذا أدى جميع المعنى أو بعضه ولم يكن هناك مناقضة فإن القصة كانت حين ~~وقوعها بأوفى المعاني الواردة ثم إن الله تعالى يعبر لنا في كل سورة تذكر ~~القصة فيها بما يناسب ذلك المقام في الألفاظ عما يليق من المعاني ويترك ما ~~لا يقتضيه ذلك المقام , وسأبين ما يطلعني الله عليه من ذلك في مواضعه إن ~~شاء الله تعالى . | ولما أباح لهما سبحانه ذلك كله أتبعه بالنهي عن ms0101 شجرة ~~واحدة . | قال الحرالي : وأطلق له الرغد إطلاقا وجعل النهي عطفا ولم يجعله ~~استثناء ليكون آدم أعذر في النسيان لأن الاستثناء أهم في الخطاب من التخصيص ~~وقال : { ولا تقربا } ولم يقل : ولا تأكلا , نهيا عن حماها ليكون ذلك أشد ~~في النهي - انتهى . | { هذه } ولما كان اسم الإشارة لا دلالة له على حقيقة ~~الذات افتقر إلى بيان ذات المشار إليه فقال : { الشجرة } أي فإنكما إن ~~قربتماها تأكلا منها { فتكونا } أي بذلك { من الظالمين } أي الواضعين الشيء ~~PageV01P104 في غير موضعه كمن يمشي في الظلام ؛ وفي هذا النهي دليل على أن ~~هذه السكنى لا تدوم , لأن المخلد لا يناسب أن يعرض للحظر بأن يحظر عليه شيء ~~ولا أن يؤمر ولا ينهى , ولذلك دخل عليه الشيطان من جهة الخلد , ولا داعي ~~لبيان نوع الشجرة لأن السياق لبيان شؤم المخالفة وبركة التوبة لا لتعيين ~~المنهي عنه فليس بيانه حينئذ من الحكمة . | < < # | البقرة : ( 36 - 39 ) فأزلهما الشيطان عنها . . . . . # > > ^ ( فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم ~~لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين * فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب ~~عليه إنه هو التواب الرحيم * قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى ~~فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ^ } ) | ثم بين أنهما أسرعا المواقعة ~~بقضية خلقهما على طبائع الشهوة لما نهيا عنه فقال : { فأزلهما } , قال ~~الحرالي : من الزلل وهو تزلق الشيء الذي لا يستمسك على الشيء الذي لا ~~مستمسك فيه كتزلل الزلال عن الورق وهو ما يجتمع من الطل فيصير ما على ~~الأوراق والأزهار , وأزالهما من الزوال وهو التنحية عن المكان أو المكانة ~~وهو المصير بناحية منه ؛ { الشيطان } هو مما أخذ من أصلين : من الشطن وهو ~~البعد الذي منه سمي الحبل الطويل , ومن الشيط الذي هو الإسراع في الاحتراق ~~والسمن , فهو من المعنيين مشتق كلفظ إنسان وملائكة { عنها } أي عن مواقعة ~~الشجرة وعن كلمة تقتضي المجاوزة عن سبب ثابت كقولهم ms0102 : رميت عن القوس - ~~انتهى . | PageV01P105 وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما أو زوالهما عنها { ~~فأخرجهما } أي فتسبب عن إيقاعهما في الزلل الناشئ عن تلك المواقعة أنه ~~أخرجهما { مما كانا فيه } من النعمة العظيمة التي تجل عن الوصف . | قال ~~الحرالي : ( في ) كلمة تقتضي وعاء مكان أو مكانة , ثم قال : أنبأ الله عز ~~وجل بما في خبء أمره مما هو من وراء علم الملائكة بما أظهر من أمر آدم عليه ~~السلام وبما وراء علم آدم بما أبدى من حال الشيطان باستزلاله لآدم حسن ظن ~~من آدم بعباد الله مطلقا حين قاسمهما على النصيحة , وفيه انتظام بوجه ما ~~بتوقف الملائكة في أمر خلق آدم فحذرت الملائكة إلى الغاية , فجاء من وراء ~~حذرهما حمد أظهره الله من آدم , وجاء من وراء حسن ظن آدم ذنب أظهره الله من ~~الشيطان على سبيل سكن الجنة فرمى بهما عن سكنها بما أظهر له بما فيها من حب ~~الشجرة التي اطلع عليها . | ثم قال : وحكمة ذلك أي نسبة هذا الذنب إلى ~~الشيطان بتسببه , إن الله عز وجل يعطي عباده الخير بواسطة وبلا واسطة ولا ~~ينالهم شر إلا بواسطة نفس , كما وقع من الإباء للشيطان , فكانت خطيئته في ~~ذات نفسه أو بواسطة شيطان كما كانت مخالفة آدم , فكانت خطيئته ليست من ذات ~~نفسه وعارضة عليه من قبل عدو تسبب له بأدنى مأمنه من زوجه التي هي من أدنى ~~خلقه فمحت التوبة الذنب العارض لآدم وأثبت الإصرار الإباء النفساني للشيطان ~~؛ وذكر الحق تعالى الإزلال منه باسمه الشيطان لا باسمه إبليس لما في معنى ~~الشيطنة من البعد والسرعة التي تقبل التلافي ولما في معنى الإبلاس من قطع ~~الرجاء , فكان في ذلك بشرى استدراك آدم بالتوبة - انتهى . | ولما بين أنه ~~غرهما فضرهما بين إهباط الغار والمغرور وبين أنه أنعم على المغرور دون ~~الغار مع ما سبق له من لزوم العبادة وطول التردد في الخدمة , وفي ذلك تفخيم ~~للنعمة استعطافا إلى الإخلاص في العبادة فقال عاطفا على ما يرشد إليه ~~السياق من نحو أن يقال فتداركناهما ms0103 بالرحمة وتلافينا خطأهما بالعفو لكونه ~~عارضا منهما بسبب خارج , وأبدنا تلافي الغار بشقائه لعصيانه بالضلال ~~والإضلال عن عمد فكان مغضوبا عليه { وقلنا } أي له وللمغرور : { اهبطوا } ~~وفي ذلك لطف لذريته بالتنفير من الخطأ والترهيب الشديد من جريرته والترغيب ~~العظيم على تقدير الوقوع فيه في التوبة والهبوط . | قال الحرالي : سعى في ~~درك والدرك ما يكون نازلا عن مستوى , فكأنه أمسك حقيقته - أي آدم - في ~~حياطته تعالى وحفظه وتوفيقه لضراعته وبكائه وسر ما أودعه من أمر توبته ؛ ~~وأهبط صورته ليظهر في ذلك فرق ما بين هبوط آدم وهبوط إبليس على ما أظهر من ~~ذلك سرعة عود آدم توبة وموتا إلى محله من أنسه المعهود وقربه المألوف له . ~~| من ربه , وإنظار إبليس في الأرض مصرا منقطعا عن مثل معاد آدم لما نال ~~إبليس من PageV01P106 اللعنة التي هي مقابل التوبة { بعضكم لبعض } البعض ما ~~اقتطع من جملة وفيه ما في تلك الجملة , { عدو } من العداء أي المجاوزة عن ~~حكم المسالمة التي هي أدنى ما بين المستقلين من حق المعاونة - انتهى . | ~~فالمعنى فليحذر كل واحد منكم عدوه باتباع الأوامر واجتناب النواهي . | قال ~~الحرالي : وفيه إشعار بما تمادى من عدواء الشيطان على ذرء من ولد آدم حتى ~~صاروا من حزبه , وفيه أيضا بشرى لصالحي ولد آدم بما يسبونه من ذرء إبليس ~~فيلحقون بهم بالإيمان والإسلام والتوبة فيهتدون بهداه من حيث عم بالعداوة , ~~فاعتدى ذو الخير فصارت عدواه على أهل الشر خيرا , واعتدى ذو الشيطنة فصارت ~~عدواه على أهل الخير شرا . | { ولكم في الأرض مستقر } تكونون فيه , وهو من ~~القرار وهو كون الشيء فيما له فيه تنام وظهور وعيش موافق ؛ { ومتاع } ~~تتمتعون به , والمتاع هو الانتفاع بالمنتفع به وقتا منقطعا يعرف نقصه بما ~~هو أفضل منه , يعني ففيه إشعار بانقطاع الإمتاع بما في هذه الدنيا ونقص ما ~~به الانتفاع عن محل ما كانا فيه , من حيث إن لفظ المتابع أطلق في لسان ~~العرب على الجيفة التي هي متاع المضطر وأرزاق سباع الحيوان وكلابها , فكذلك ~~الدنيا هي جيفة ms0104 متع بها أهل الاضطرار بالهبوط من الجنة وجعلها حظ من لا ~~خلاق له في الآخرة ؛ { إلى حين } أي لا يتقدم ولا يتأخر , وفي إبهام الحين ~~إشعار باختلاف الآجال في ذرء الفريقين , فمنهم الذي يناله الأجل صغيرا , ~~ومنهم الذي يناله كبيرا - انتهى . | ولما تسبب عن جزاء آدم عليه السلام ~~بالإهباط الذي هو كفارة له أنه ألهم الدعاء بما رحم به عبر عن ذلك بقوله : ~~{ فتلقى } أي فهبطوا فتلقى { آدم } بعد الهبوط , والتلقي ما يتقبله القلب ~~باطنا وحيا , أو كالوحي أبطن من التلقن الذي يتلقنه لفظا وعلما ظاهرا أو ~~كالظاهر - قاله الحرالي : { من ربه } أي المحسن إليه في كل حال { كلمات } ~~أي ترضيه سبحانه بما أفهمه التعبير بالتلقي , وهي جمع كلمة ؛ وهي دعاء ~~PageV01P107 دعا به ربه أو ثناء أثنى به عليه ؛ وتطلق الكلمة أيضا على ~~إمضاء أمر الله من غير تسبيب حكمة ولا ترتيب حكم - قاله الحرالي ثم قال : ~~في عطف الفاء في هذه الآية إشعار بما استند إليه التلقي من تنبيه قلب آدم ~~وتوفيقه مما أثبته له إمساك حقيقته عند ربه , ويعاضد معناه رفع الكلمات ~~وتلقيها آدم في إحدى القراءتين , فكأنه تلقى الكلمات بما في باطنه فتلقته ~~الكلمات بما أقبل بها عليه فكان مستحقا لها , فكانت متلقية له بما جمعت ~~القراءتان من المعنى { فتاب } من التوب وهو رجوع بظاهر باطنه الإنابة وهو ~~رجوع بعلم باطنه الأوبة وهو رجوع بتقوى قلب - انتهى . | { عليه } لذكره ~~إياه بالكلمات مخلصا في نيته , ثم علل بقوله { إنه هو } أي خاصة { التواب } ~~أي البليغ التوبة المكرر لها , ولما كان قد جعل على نفسه المقدس أن يتفضل ~~على المحسن قال : { الرحيم } أي لمن أحسن الرجوع إليه وأهله لقربه . | قال ~~الحرالي : وكان إقراره بلفظه أدبا وإذعانا لقيام حجة الله على عباده بما ~~أنبأ عنه من قوله : < # > 77 ( { ربنا ظلمنا أنفسنا } ) 77 < # > [ الأعراف : 23 ] الآية , وهذه توبة قلب وعمل لا ينقص مخصوص حال القلب ~~منها ناقض وهي التوبة النصوح التي تبرئ من الذنب بتحقيق توحيد القلب وتوجب ~~تكفير الخطايا الظاهرة ms0105 التي لا أصل لها في القلب من حجاب دعوى في الأفعال ~~وشرك في امر الله , فبمقتضى ما في باطنه ظهر فيه اسمه الرحيم الذي هو من ~~الرحمة وهو اختصاص فضله بالمؤمن , وبمقتضى ما ظهر عليه من الضراعة والإقرار ~~ظهر فيه مقتضى اسمه التواب ؛ فجمعت توبته الأمرين - انتهى . | ولما أعلموا ~~بالعداوة اللازمة كان كأنه قيل : فما وجه الخلاص منها ؟ فقيل : اتباع شرعنا ~~المشروع للتوبة والرحمة فإنا { قلنا } كما تقدم { اهبطوا } ولما كان الهبوط ~~الماضي يحتمل أن يكون من مكان من الجنة إلى أدنى منه ولم يخرجوا منها فكرره ~~هنا للتأكيد تصويرا لشؤم المعصية وتبشيعا لها قال : { منها } أي الجنة { ~~جميعا } أي لا يتخلف منكم أحد سواء كان ذلك قران واحد أو على التعاقب , ~~وعهدنا إليهم عند الهبوط إلى دار التكليف أنا نأتيهم بالهدى ليؤديهم إلى ~~الجنة مرة أخرى واعدين من اتبع متوعدين من امتنع فقلنا : { فإما يأتينكم } ~~, وقال الحرالي : مورد هذه الآية بغير عطف إشعار بأن ظاهرها افتتاح لم ~~يتقدمه إيجاء بباطن كما تقدم في السابقة , وتكرر الإهباطان PageV01P108 من ~~حيث إن الأول إهباط لمعنى القرار في الدنيا والاغتذاء فيها وذرء الذرية ~~وأعمال أمر العداوة التي استحكمت بين الخلقين من آدم وإبليس , وهذا الإهباط ~~الثاني إهباط عن مكانة الرتبة الآمرية الدينية التي كانت خفية في أمر آدم ~~ظاهرة في أمر إبليس , وفي قوله : { جميعا } إشعار بكثرة ذرء الخلقين وكثرة ~~الأحداث في أمر الديانة من النقلين - انتهى . | وخص في إبراز الضمير بمحض ~~الإفراد من غير إيراد بمظهر العظمة إبعادا عن الوهم فقال : { مني هدى } أي ~~بالكتب والرسل , ولما كان الهدى الذي هو البيان لا يستلزم الاهتداء قال : { ~~فمن تبع } أي أدنى اتباع يعتد به , ولذلك اكتفى في جزائه بنفي الخوف الذي ~~قد يكون عن توبة من صلال بخلاف ما في طه كما يأتي إن شاء الله تعالى . | ~~والتبع السعي أثر علم الهدى - قاله الحرالي . | { هداي } أي المنقول أو ~~المعقول , فالثاني أعم من الأول . | لأنه أعم من أن يكون منقولا عن الرسل ~~أو معقولا ms0106 بالقياس على المنقول عنهم , أو بمحض العقل كما وقع لورقة بن نوفل ~~وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهما المشار إليهم بالقليل في قوله تعالى : < # > 77 ( { ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا } ) 77 ~~< # > [ النساء : 83 ] قال العارف شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي في كتابه ~~رشف النصائح الإيمانية : فالعفل حجة ا لله الباطنة والقرآن حجة الله ~~الظاهرة . | قال الحرالي : وجاء { هداي } شائعا ليعم رفع الخوف والحزن من ~~تمسك بحق ما من الحق الجامع , وأدناه من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا ~~فيما بينه وبين الحق وفيما بينه وبين الخلق - انتهى . | ولما كان الخوف أشد ~~لأنه يزداد بمر الزمان , والحزن يحف , قدمه فقال : { فلا خوف عليهم } أي من ~~شيء آت فإن الخوف اضطراب النفس من توقع فعل ضار - قاله الحرالي . | { ولا ~~هم يحزنون } أي على شيء فات , لأنهم ينجون من النار ويدخلون الجنة والحزن ~~كما قال الحرالي : توجع القلب لأجل نازح قد كان في الوصلة به روح , والقرب ~~منه راحة , وجاء في الحزن بلفظ { هم } لاستبطانه , وبالفعل لأنه باد من ~~باطن PageV01P109 تفكرهم في فائتهم , وجاء نفي الخوف منعزلا عن فعلهم لأنه ~~من خوف باد عليهم من غيرهم - انتهى . | ولما بشر المؤمنين الذين اتبعوا ~~الهدى أتبعه إنذار الكافرين الذين نابذوه بقوله : { والذين كفروا } قال ~~الحرالي : هذا من أسوأ الكفر لأنه كفر بالآيات التي جعلها الله عز وجل علما ~~على غيب عهده وهي ما تدركه جميع الحواس من السماء والأرض وما بينهما كما ~~قال تعالى : < # > 77 ( { ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة } ) 77 < # > [ الشورى : 29 ] لأن الحق تعالى أظهر الكون كتابة دالة على أمره وجعل ~~في العقل نورا يقرأ به كتابه , فمن لا نور له فهو من أصحاب النار , فهو إما ~~تابع هدى بنور العقل وتنبيه الإيمان , وإما صاحب نار , فقال : { وكذبوا ~~بآياتنا } لأنه لما كان من الذين كفرهم بالآيات المرئية بتكذيبهم بالآيات ~~المنزلة , فكفروا بما رأوا فكانوا عميا , وكذبوا بما سمعوا فكانوا صما - ~~انتهى . | والمعنى أنهم ms0107 جمعوا بالكفر والتكذيب بين إنكار القلوب والألسنة { ~~أولئك } أي البعداء البغضاء { أصحاب النار } وبين اختصاصهم بالخلود بقوله : ~~{ هم فيها خالدون } فعليهم الخوف الدائم لما يأتي من أنكالها والحزن الدائم ~~على فوات الجنة , فالآية من الاحتباك , انتفاء الخوف والحزن من الأول دال ~~على وجودهما في الثاني , ووجود النار في الثاني دال على انتفائها ووجود ~~الجنة في الأول , وقد علم من ذلك مع قوله { مستقر ومتاع إلى حين } أنه لا ~~بد من رجوعهم إلى تلك الدار وكيف تكون منازلهم فيها ! فكأنه جواب سائل قال ~~: هل بعد هذا الهبوط من صعود ؟ قال الحرالي : وقوله : { هم } فيه إشعار ~~بإشراب العذاب بواطنهم وبلاغه إلى أنفسهم بعذاب الغم والحزن واليأس وغير ~~ذلك من إحراق النار بواطنهم , وفيه إشعار بكونهم فيها في الوقت الحاضر من ~~حيث لا يشعرون ( الذي يشرب في آنية الذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم ) ~~والنار أقرب إلى أحدهم من شراك نعله . | فهم فيها خالدون وإن لم يحسوا في ~~الدنيا بحقيقتها , كما أن المهتدين في جنة في الدنيا وإن لم يشهدوا عيانها ~~, فكل خالد فيما هو فيه في الدنيا غيبا وفي الآخرة عيانا وفي القبر عرضا < # > 77 ( { لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين } ) 77 < # > [ التكاثر : 6 , 7 ] < # > 77 ( { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا } ) 77 < # > [ غافر : 46 ] PageV01P110 وهنا انتهى خطاب الفرقان المخصوص بدعوة ~~العرب الذين هم رأس أهل الدعوة المحمدية صلى الله عليه وسلم : ( الناس كلهم ~~تبع لقريش , مؤمنهم لمؤمنهم , وكافرهم لكافرهم ) انتهى . | يعني فهم ~~المرادون بهذا بالقصد الأول , وهو شامل لغيرهم , ومراد به ذلك الغير بالقصد ~~الثاني , وهنا آخر الآيات الخاصة بالنعم العامة لجميع بني آدم دالة على ~~التوحيد من حيث إنها حادثة فلها محدث , وعلى النبوة من حيث إنه صلى الله ~~عليه وسلم أخبر عنها موافقا لما في التوراة والإنجيل من غير تعلم , وعلى ~~المعاد من حيث إن من قدر على خلقها ابتداء قدر على إعادتها - ذكره ~~الأصفهاني عن الإمام . | وفي الآية إشارة إلى الكتاب الذي هو هدى للمتقين ~~المشتمل على الأحرف ms0108 السبعة التي من أقبل على حرف منها حق الإقبال كفاه , ~~ومن اشتغل عنها بالمتاع الأدنى خسر دنياه وأخراه . | قال الأستاذ أبو الحسن ~~الحرالي في التمهيد لشرط مثال القراءة لحروفه السبعة وعلمها والعمل بها : ~~اعلم أن الله سبحانه خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه ورزقه نورا من نوره , ~~فلأنه خلقه بيده كان في أحسن تقويم خلقا , ولأنه نفخ فيه من روحه كان أكمل ~~حياة قبضا وبسطا , ولأنه رزقه نورا من نوره كان أصفى عقلا وأخلص لبا وأفصح ~~نطقا وأعرب بيانا جمعا وفصلا , وأطلعه على ما كتب من حروف مخلوقاته إدراكا ~~وحسا , وعقله ما أقام من أمره فهما وعلما , ونبهه على ما أودعه في ذاته ~~عرفانا ووجدا ؛ وحسا , وعقله ما أقام من أمره فهما وعلما , ونبهه على ما ~~أودعه في ذاته عرفانا ووجدا ؛ ثم جعل له فيما سخر له من خلقه متاعا وأنسا ~~فأناسه وردده من بين إقبال وإدبار وقبول وإعراض , فمن شغل بالاستمتاع ~~الأدنى عن الاطلاع الأعلى كان سفيها , ومن شغله الاطلاع الأعلى عن ~~الاستمتاع الأدنى كان حنيفا < # > 77 ( { الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري } ) 77 < # > [ الكهف : 101 ] < # > 77 ( { ومن يرغب عن ملة إبراهيم غلا من سفه نفسه } ) 77 < # > [ البقرة : 130 ] < # > 77 ( { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا } ) 77 < # > [ النحل : 120 ] . | ولما كان متاع الخلق في الأرض إلى حين وشغل أكثرهم ~~أكلهم وتمتعهم وألهاهم أملهم عن حظهم من الحنيفية بما أوتي العقل من ~~التبليغ عن الله نظرا واعتبارا اصطفى الله سبحانه من الحنفاء منبهين ~~PageV01P111 على النظر الذي اشتغل عنه المعرضون وأنف منه واستكبر عنه ~~المدبرون , وأكدوا تنبيههم بما أسمعوهم من نبأ ما وراء يوم الدنيا من أمر ~~الله في اليوم الآخر وما تتمادى إليه أيام الله , وذكروهم بما مضى من أيام ~~الله , وأنزل الله سبحانه معهم كتبا يتلونها عليهم ويبينونها لهم علما ~~وعملا وحالا , فقبل ما جاؤوا به وصدقه واستبشر به الحنيفيون وأنذر به ~~المدبرون والمعرضون , فمنهم من آمن ومنهم من كفر , آمن من تنبه للنظر ~~والاعتبار وألقى ms0109 السمع وهو شهيد , وكفر من آثر متاعه بالعاجلة التي تراها ~~الأعين على وعد الله ووعيده في الآجلة التي إنما يعيها القلب وتسمعها الأذن ~~, وكما شغل المدعوين إلى الإسلام كفرهم ودنياهم كذلك شغل المولدين في ~~الإسلام غفلتهم ودنياهم ولعبهم في صباهم ولهوهم في شبابهم وتكاثرهم في ~~الأموال في اكتهالهم وتكاثرهم في الأولاد في شياخهم , فاشترك المدعو إلى ~~الإسلام والمولد فيه الغافل في عدم الإقبال والقبول في ترك الاهتمام في ~~الآجلة واختصارهما على الاهتمام بالعاجلة , وكلاهما جعل القرآن وراء ظهره ~~المدعو لفظا وعلما والمولد الغافل علما وعملا , فلم يسمعه المدعو ولم يفهمه ~~الغافل فجعله بالحقيقة وراء ظهره , ومن جعل القرآن خلفه ساقه إلى النار , ~~وإنما جعله أمامه من قرأه علما وحالا وعملا , ومن جعل القرآن أمامه قاده ~~إلى الجنة ؛ ولما قامت الحجة عليهم بقراءته إذا لم يجاوز حناجرهم كانوا أشد ~~من الكفار عذابا في النار - أكثر منافقي أمتي قراؤها , < # > 77 ( { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } ) 77 < # > [ النساء : 145 ] فإذا لا بد في قراءة القرآن من تجديد إقبال وتهيؤ ~~لقبول وتحقيق تقوى لأنه إنما هو هدى للمتقين , وإجماع على الاهتمام , وكما ~~أن أمور الدنيا لا تحصل لأهلها إلا على قدر عزائمهم واهتمامهم فأحرى أن لا ~~يحصل أمر الأخرى إلا بأشد عزيمة وأجمع اهتمام , فلا يقرأ القرآن من لم يقبل ~~عليه بكلية ظاهره ويجمع اهتمامه له بكلية باطنه < # > 77 ( { وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء } ) 77 < # > [ الأعراف : 145 ] فخذها بقوة < # > 77 ( { يا يحيى خذ الكتاب بقوة } ) 77 < # > [ مريم : 13 ] < # > 77 ( { فاستقم كما أمرت ومن تاب معك } ) 77 < # > [ هود : 112 ] فشرط منال قراءته اهتمام القلب بتفهمه وإقبال الحس على ~~استماعه وتدبره ؛ ولكل حرف شرط يخصه - انتهى . | ولما أقام سبحانه دلائل ~~التوحيد والنبوة والمعاد أولا وعقبها بذكر الإنعامات العامة داعيا للناس ~~عامة لا سيما بني إسماعيل العرب الذين هم قوم الداعي صلى الله عليه وسلم ~~وكان أحق من دعي بعد الأقارب وأولاه بالتقدم أهل العلم الذين كانوا على حق ms0110 ~~فزاغوا عنه ولا سيما إن كانت لهم قرابة لأنهم جديرون بالمبادرة إلى الإجابة ~~بأدنى بيان وأيسر تذكير , فإن رجعوا اقتدى بهم الجاهل فسهل أمره وانحسم شره ~~, وإن لم يرجعوا طال جدالهم فبان للجاهل PageV01P112 ضلالهم فكان جديرا ~~بالرجوع والكف عن غيه والنزوع , وعرفت من تمادي الكلام معهم الأحكام وبان ~~الحلال والحرام ؛ فلذلك لما فرغ من دعوة العرب الجامعة لغيرهم باختصار وختم ~~بأن وعد في اتباع الهدى وتوعد شرع سبحانه يخص العلماء من المنافقين بالذكر ~~وهم من كان أظهر الإسلام من أهل الكتاب على وجه استلزم عموم المصارحين منهم ~~بالكفر , إذ كانوا من أعظم من خص بإتيان ما أشار إليه من الهدى والبيان بما ~~فيه الشفاء , وكان كتابهم المشتمل على الهدى من أعظم الكتب وأشهرها وأجمعها ~~فقص عليهم ما مثله يلين الحديد ويخشع الجلاميد فقال تعالى مذكرا لهم بنعمه ~~الخاصة بهم : { يا بني إسرائيل } ويجوز أن تقرر المناسبات من أول السورة ~~على وجه آخر فيقال : لما كان الكفار قسمين : قسم محض كفره , وقسم شابه ~~بنفاق وخداع , وكان الماحض قسمين : قسم لا علم له من جهة كتاب سبق وهم ~~مشركو العرب , وقسم له كتاب يعلم الحق منه , ذكر تعالى قسم الماحض بما يعم ~~قسميه العالم والجاهل فقال : { إن الذين كفروا سواء عليهم } إلى آخره . | ~~ثم أتبعه قسم المنافق , لأنه أهم بسبب شدة الاختلاط بالمؤمنين وإظهارهم ~~أنهم منهم ليكونوا من خداعهم على حذر , فقال : { ومن الناس من يقول آمنا } ~~إلى آخره ؛ ولما فرغ من ذلك ومما استتبعه من الأمر بالوحدانية وإقامة ~~دلائلها وإفاضة فضائلها , ومن التعجيب ممن كفر مع قيام الدلائل , والتخويف ~~من تلك الغوائل , والاستعطاف بذكر النعم , شرع في ذكر قسم من الماحض هو ~~كالمنافق في أنه يعرف الحق ويخفيه فالمنافق ألف الكفر ثم أ قلع عنه وأظهر ~~التلبس بالإسلام واستمر على الكفر باطنا , وهذا القسم كان على الإيمان بهذا ~~النبي قبل دعوته , فلما دعاهم محوا الإيمان الذي كانوا متلبسين به وأظهروا ~~الكفر واستمرت حالتهم على إظهار الكفر وإخفاء المعرفة التي هي مبدأ ms0111 الإيمان ~~, فحالهم كما ترى أشبه شيء بحال المنافقين , ولهذا تراهم مقرونين بهم في ~~كثير من القرآن , وأخرهم لطول قصتهم وما فيها من دلائل النبوة وأعلام ~~الرسالة بما أبدى مما أخفوه من دقائق علومهم , فإن مجادلة العالم ترسل في ~~ميادين العلم أفراس الأفكار فتسرع في أقطار الأوطار حتى تصير كالأطيار ~~وتأتي ببدائع الأسرار , ولقد نشر سبحانه في غضون مجادلتهم وغضون محاورتهم ~~ومقاولتهم من الجمل الجامعة في شرائع الدين التي فيها بغية المهتدين ما ~~أقام البرهان على أنه هدى للعالمين ؛ هذا إجمال الأمر , وفي تفاصيله كما ~~سترى من بدائع الوصف أمور تجل عن ا لوصف , تذاق بحسن التعليم ويشفى عي ~~جاهلها بلطيف التكليم - والله ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق . | ~~PageV01P113 وقال الحرالي : ثم أقبل الخطاب على بني إسرائيل منتظما بابتداء ~~خطاب العرب من قوله : { يا أيها الناس } وكذلك انتظام القرآن إنما ينتظم ~~رأس الخطاب فيه برأس خطاب آخر يناسبه في جملة معناه وينتظم تفصيله بتفصيله ~~, فكان أول وأولى من خوطب بعد العرب الذين هم ختام بنو إسرائيل الذين هم ~~ابتداء بما هم أول من أنزل عليهم الكتاب الأول من التوراة التي افتتح الله ~~بها كتبه تلو صحفه وألواحه . | ثم قال : لما انتظم إقبال الخطاب على العرب ~~التي لم يتقدم لها هدى بما تقدمه من الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم انتظم ~~بخطاب العرب خطاب بني إسرائيل بما تقدم لها من هدى في وقتها ^ ( { إنا ~~أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ) ^ [ المائدة : 44 ] وبما عهد إليها من ~~تضاعف الهدى بما تقدم لها في ارتقائه من كمال الهدى بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وبهذا القرآن , فكان لذلك الأولى مبادرتهم إليه حتى يهتدي بهم العرب ~~ليكونوا أول مؤمن بما عندهم من علمه السابق - انتهى . | < < # | البقرة : ( 40 - 42 ) يا بني إسرائيل . . . . . # > > ^ ( يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف ~~بعهدكم وإياي فارهبون * وآمنوا بمآ أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول ~~كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون * ولا تلبسوا الحق ~~بالباطل وتكتموا ms0112 الحق وأنتم تعلمون ) ^ } ) | وابتدأ سبحانه بتذكيرهم بما ~~خصهم به عن النوع الآدمي من النعم التي كانوا يقابلونها بالكفران وما ~~عاملهم به من إمهالهم على مرتكباتهم ومعاملتهم بالعفو والإقالة مما يبين ~~سعة رحمته وعظيم حلمه , وابتدأ من أوامرهم بالإيفاء بالعهود التي من أعظمها ~~متابعة هذا النبي الكريم والإيمان بكتابه الذي نفى عنه الريب فقال : { يا ~~بني إسرائيل } أي الذي شرفته وشرفت بنيه من أجله { اذكروا } من الذكر ~~بالكسر والضم بمعنى واحد يكونان باللسان وبالجنان , وقال الكسائي : هو ~~بالكسر باللسان وبالضم بالقلب , والذي بالقلب ضده النسيان , والذي باللسان ~~ضده الصمت - نقله الأصفهاني . | وقال الحرالي : من الذكر وهو استحضار ما ~~سبقه النسيان . | { نعمتي } وهي إنالة الشخص ما يوافق نفسه وبدنه وعند ~~المتفطن ما يوافق باطنه وظاهره مما بين قلبه وشعوبه من أهله وحشمه { التي } ~~تي منها إشارة لباطن نازل متخيل مبهم تفسره صلته بمنزلة ذي وال منها إشارة ~~لذلك المعنى بالإشارة المتخيلة - انتهى { أنعمت } أي بها وجللت على شرفها ~~بإضافتها إلى { عليكم } وتلك النعمة الشريفة هي الإتيان بالهدى من الكتب ~~والرسل الذي استنقذتكم به من هوان الدنيا والآخرة { وأوفوا } من الوفاء وهو ~~عمل لاحق بمقتضى تقدم علم سابق - قاله الحرالي . | { بعهدي } أي الذي أخذته ~~عليكم في لزوم ما أنزل إليكم من متابعة نبيكم و من آمركم باتباعه من بعده , ~~والعهد التقدم في الشيء خفية PageV01P114 اختصاصا لمن يتقدم له فيه - قاله ~~الحرالي , وقال الأصفهاني : حفظ الشيء ومراعاته حالا فحالا , قال الخليل : ~~أصله الاحتفاظ بالشيء وإجداد العهد به , { أوف بعهدكم } أي في جعلكم ممن لا ~~خوف عليهم و لا حزن بسعة العيش والنصر على الأعداء كما يأتي عن نص التوراة ~~في مظانه من هذا الكتاب { وإياي } أي خاصة { فارهبون } أي ولا تزلوا اجعلكم ~~في مصير الكافرين بعد الضرب بأنواع الهوان في الدنيا , والرهب حذر النفس ~~مما شأنها منه الهرب لأذى تتوقعه , وخوطبوا بالرهبة لاستبطانها فيما يختص ~~لمخالفة العلم , قال الحرالي : وأطال سبحانه في حجاجهم جريا على قانون ~~النظر في جدال العالم الجاحد وخطاب المنكر المعانج ms0113 , وفي قوله تعالى : { ~~وآمنوا بما أنزلت } أي أوجدت إنزاله { مصدقا لما معكم } تقرير لذلك الكتاب ~~لا ريب فيه , وأمروا كما قال الحرالي تجديد الإيمان بالقرآن لما فيه من ~~إنباء بأمور من المغيبات التي لم تكن في كتابهم كتفاصيل أمور الآخرة التي ~~استوفاها القرآن , لأنه خاتم ليس وراءه كتاب ينتظر فيه بيان , وقد أبقى لكل ~~كتاب قبله بقية أحيل فيها على ما بعده - ليتناءى البيان إلى غاية ما أنزل ~~به القرآن حين لم يعهد إليهم إلا في اصله على الجملة - انتهى . | وفي قوله ~~: { ولا تكونوا أول كافر به } معنى دقيق في تبكيتهم وأمر جليل من تعنيفهم ~~وذلك أنه ليس المراد من { أول } ظاهر معناه المتبادر إلى الذهن فإن العرب ~~كثيرا ما تطلق الأول ولا تريد حقيقته بل المبالغة في السبق , كما قال مقيس ~~بن صبابة وقد قتل شخصا من الصحابة رضوان الله عليهم كان قتل أخاه خطأ ورجع ~~إلى مكة مرتدا . | حللت به وتري وأدركت ثؤرتي وكنت إلى الأوثان أول راجع | ~~هذا في جانب الإثبات , فإذا نفيت ناهيا فقلت : لا تكن أول فاعل لكذا , ~~فمعناه إنك إن فعلت ذلك لم تكن صفتك إلا كذلك , فهو خارج مخرج المبالغة في ~~الذم بما هو صفة المنهي فلا مفهوم له , وعبر به تنبيها على أنهم لما تركوا ~~اتباع هذا الكتاب كانوا لما عندهم من العلم بصحته في غاية اللجاجة فكان ~~عملهم في كفرهم وإن تأخر عمل من يسابق شخصا إلى شيء , أو يكون المعنى أنهم ~~لم يمنعهم من الإيمان به جهل بالنظر ولا عدم إطلاع على ما أتى به أنبياؤهم ~~من البشر بل مجرد الحسد للعرب أن يكون منهم نبي المستلزم لحسد هذا النبي ~~بعينه , لأن الحكم على الأعم يستلزم الحكم على الأخص بما هو من أفراد الأعم ~~. | فصارت رتبة كفرهم قبل رتبة كفر العرب الجاهلين به أو PageV01P115 ~~الحاسدين له صلى الله عليه وسلم بخصوصه لا لعموم العرب , فكان أهل الكتاب ~~أول كافر به لا يمكن أن يقع كفرهم إلا على هذا الوجه الذي ms0114 هو أقبح الوجوه , ~~فالمعنى لا تكفروا به , فإنه إن وقع منكم كفر به كان أول كفر , لأن رتبته ~~أول رتب الكفر الواقع ممن سواكم فكنتم أول كافر فوقعتم في أقبح وجوه الكفر ~~, ولذا أفرد ولم يقل : كافرين - والله أعلم . | ولما نهاهم عن الكفر ~~بالآيات نهاهم عن الحامل عليه لقوله : { ولا تشتروا } أي تتكلفوا وتلحوا في ~~أن تستبدلوا { بآياتي } أي التي تعلمونها في الأمر باتباع هذا النبي الكريم ~~{ ثمنا قليلا } وهو رياسة قومكم وما تأخذونه من الملوك وغيرهم على حمل ~~الشريعة , والقلة ما قصر عن الكفاية - قاله الحرالي . | { الحق } أي ما ~~تقرون به على ما هو عليه من التوراة والإنجيل مما لا غرض لكم في تبديله { ~~بالباطل } مما تحرفونه منهما , والحق قال الحرالي ما يقر ويثبت حتى يضمحل ~~مقابله , فكل زوجين فأثبتهما حق وأذهبهما باطل , وذلك الحق فالباطل هو ما ~~أمد إدالته قصير بالإضافة إلى طول أمد زوجه القار - انتهى . | ولما كان ~~اللبس قد يفارق الكتمان بأن يسأل شخص عن شيء فيبديه ملتبسا بغيره أو يكتمه ~~وهو عالم به قال : { وتكتموا الحق } أي عمن لا يعلمه { وأنتم تعلمون } أي ~~مكلفون , وجعله الحرالي على ظاهره فقال : لما طلبهم تعالى بالوفاء بالعهد ~~نهاهم عن سوء العمل وما لبسوا به الأمر عند اتباعهم من ملتهم وعند من ~~استرشدهم من العرب , فلبسوا باتباعهم حق الإيمان بموسى عليه الصلاة والسلام ~~والتوراة بباطل ما اختذلوه من كتابهم من إثبات الإيمان لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وبالقرآن , فكتموا الحق التام الجامع ولبسوا الحق الماضي المعهود ~~بالباطل الأعرق الأفرط , لأن باطل الحق الكامل باطل مفرط معرق بحسب مقابله ~~, وعرفهم بأن ذلك منهم كتمان شهادة عليهم بعلمهم بذلك إفهاما , ثم أعقبه ~~بالشهادة عليهم بالعلم تصريحا - انتهى . | وفي هذه الآية أعظم زاجر لأهل ~~الكتاب عما أظهروا فيه من العناد , ومن لطف الله تعالى زجر القاسي البعيد ~~ونهي العاصي القلق إلى ما دون ذلك من تنبيه الغافل وزيادة الكامل . | قال ~~الإمام أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة : وجه إنزال هذا الحرف - يعني ms0115 حرف ~~النهي - كف الخلق عما يهلكهم في أخراهم وعما يخرجهم عن السلامة في ~~PageV01P116 موتهم وبعثهم مما رضوا به و اطمأنوا إليه وآثروه من دنياهم , ~~فمتوجهه للمطمئن بدنيا المعرض عن داعيه إلى اجتناب ما هو عليه يسمى زجرا , ~~ومتوجهه للمتلفت المستشعر ببعض الخلل فيما هو عليه يسمى نهيا , وهما ~~يجتمعان في معنى واحد ومقصود واحد إلا أنه متفاوت , ولذلك رددهما النبي صلى ~~الله عليه وسلم على المعنى الجامع في هذا الحديث يعني المذكور أول البقرة , ~~وأولاهما بالبدئية في الإنزال الزجر لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ~~بعثه اللح حين انتهى الضلال المبين في الخلق ونظر الله سبحانه إلى جميع أهل ~~الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب , كما ورد في الحديث ~~الصحيح إسنادا ومتنا , ولذلك كان أول منزل الرسالة سورة < # > 77 ( { يا أيها المدثر * قم فانذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والزجر ~~فاهجر * } ) 77 < # > [ المدثر : 1 - 5 ] وهي أول قوارع الأمر كما أن فجاءة الساعة أول قوارع ~~الخلق , ولذلك انتظم فكرهما في قوله تعالى : < # > 77 ( { فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير ~~يسير * } ) 77 < # > [ المدثر : 8 - 10 ] وللمزجور حالان إما أن ينفر عند الزجرة توحشا كما ~~قال تعالى : < # > 77 ( { كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة * } ) 77 < # > [ المدثر : 50 - 51 ] وإما أن يدبر بعد فكره تكبرا كما قال تعالى : < # > 77 ( { ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر } ) 77 < # > [ المدثر : 21 - 23 ] وربما شارف أن يبصر فصرف , قال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه : لكنها عقول كادها باريها < # > 77 ( { سأصرف آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية ~~لا يؤمنوا بها } ) 77 < # > [ الأعراف : 146 ] صرفوا عن آيات الحق السماوية على ظهورها عقوبة على ~~ذنب تكبرهم على الخلق مع الإحساس بظهور آية انضمام الأرحام في وضوحها وكل ~~قارعة لنوعي الكافرين النافرين والمدبرين من هذا الحرف وتمام هذا المعنى ~~ينهى المتأنس المحاصر عن الفواحش الظاهرة والباطنة الضارة في العقبى وإن ~~تضرروا بتركها في الدنيا نحو ms0116 قوله تعالى : { ولا تقربوا } في أكل مال ~~اليتيم والزنا وإتيان الحائض - إلى ما دون ذلك من النهي عما يعدونه في ~~دنياهم كيسا , نحو قوله : < # > 77 ( { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ) 77 < # > [ البقرة : 188 ] < # > 77 ( { ولا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } ) 77 < # > [ آل عمران : 13 ] < # > 77 ( { ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا } ) 77 < # > [ الحجرات : 12 ] و < # > 77 ( { لا يسخر قوم من قوم } ) 77 < # > [ الحجرات : 11 ] وما لحق بهذا النمط - إلى ما دون ذلك على اتصال ~~التفاوت من النهي عن سوء التأويل لطية غرض النفس نحو قوله تعالى : < # > 77 ( { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة ~~الدنيا } ) 77 < # > [ النساء : 94 ] إلى ما دون ذلك من النهي عما يقدح في الفضل وإن كان من ~~حكم العدل نحو قوله تعالى : < # > 77 ( { ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة PageV01P117 أن يؤتوا أولي ~~القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله } ) 77 < # > [ النور : 22 ] إلى تمام ما لا تحصل السلامة إلا به من النهي عما زاد ~~على الكفاف والبلغة في الدنيا الذي به يصح العمل بالحكمة نحو قوله تعالى : ~~< # > 77 ( { ولا تمش في الأرض مرحا } ) 77 < # > [ الإسراء : 37 ] إلى قوله : < # > 77 ( { ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة } ) 77 < # > [ الإسراء : 39 ] , ونحو قوله تعالى : < # > 77 ( { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا ~~لنفتنهم فيه } ) 77 < # > [ طه : 131 ] , لأن كل زائد على الكفاف فتنة , وهذا هو أساس ما به ~~تتفاوت درجات العلم في الدنيا ودرحات الجنة في الآخرة , ولا تصح الوجوه ~~والحروف التي بعده أي وهي سائر الحروف علما وعملا وثباتا وقبولا عند ~~التمحيص إلا بحسب الإحكام في قراءة هذا الحرف وجمعه وبيانه لأنه ظهور لما ~~بعده من صلات حرف الأمر وما قصر بعشرات فرق الأمة إلى التقصير في حرف النهي ~~, لأن الملة الحنيفية مبنية على الاكتفاء باليسير من المأمورات والمبالغة ~~في الحمية من عموم ما لا يتناهى من المنهيات لكثرة مداخل الآفات منها على ~~الخلق فميا بعد الموت ويصعب هذا الحرف ms0117 على الخلق بما استقر في أوهامهم أن ~~دنياهم لا تصلح إلا بالمثابرة على صنوف المنهيات لنظرهم لجدواها في الدنيا ~~وعماهم عن وبالها في الأخرى وما حوفظ على الرياضات والتأديبات والتهذيبات ~~إلا بوفاء الحمية منها , والحمية أصل الدواء , فمن لم يحتم عن المنهيات لم ~~ينفعه تداويه بالمأمورات , كالذي يتداوى ولا يحتمي يخسر الدواء ويتضاعف ~~الداء < # > 77 ( { هل أنبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا ~~وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * } ) 77 < # > [ الكهف : 103 , 104 ] وجاؤوا بحسنات كالجبال وكانوا يصومون ويصلون ~~ويأخذون وهنا من الليل لكن ذلك تداو بغير حمية لما لم يحتموا من الدنيا ~~التي نهوا عن زهرتها , فكانوا إذا لاحت لهم وثبوا عليها فيصيبون منها ~~الشهوات ويعملون المعصيات فلم ينفعهم المداواة , فمن ا حتمى فقد قرأ هذا ~~الحرف وهو حسبه فاقرؤوا ما تيسر منه , أحب العبادات إلى الله ترك الدنيا ~~وحمية النفس من هوى جاهها ومالها ( بل نبيا عبدا ) PageV01P118 ( أجوع يوما ~~وأشبع يوما ) ( ومن رغب عن سنتي فليس مني ) , والقرآن حجة لمن عمل به فصار ~~إمامه يقوده إلى الجنة . | وحجة على من لم يعمل به يصير خلفه فيسوقه إلى ~~نار الجبة التي في جب وادي جهنم التي تستعيذ جهنم منها والوادي والجب في كل ~~يوم سبع مرات < # > 77 ( { ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } ) 77 < # > [ الشورى : 52 ] < # > 77 ( { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ) 77 < # > [ البقرة : 26 ] { ولا يزيد الظالمين إلا خسارا * ] [ الإسراء : 82 ] ( ~~أعوذ بعفوك من عقوبتك , وبرضاك من سخطك , وبك منك , لا أحصي ثناء عليك أنت ~~كما أثنيت على نفسك ) . | ثم قال فيما تحصل به قراءة حرف النهي : اعلم أن ~~الموفي بقراءة حرفي الحلال والحرام المنزلين لإصلاح أمر الدنيا وتحسين حال ~~الجسم والنفس تحصل له عادة بالخير PageV01P119 تيسر عليه قراءة حرفي صلاح ~~الآخرة من الأمر والنهي , ولما اقتضت الحكمة والعلم إقامة أمر الدنيا ~~بقراءة حرفي صلاحها تماما اقتضى الإيمان بالغيب وتصديق الوعد والوعيد تجارة ~~اشتراء الغيب الموعود من عظيم خلاق الأخرى بما ملك العبد ms0118 من منقود متاع ~~الدنيا , فكل الحلال ما عدا الكفاف بالسنة متجر للعبد , إن أنفقه ربحه ~~وأبقاه فقدم عليه , وإن استمتع به أفناه فندم عليه < # > 77 ( { فاستمعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم ~~بخلاقهم } ) 77 < # > [ التوبة : 69 ] < # > 77 ( { لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * } ) 77 < # > [ المنافقون : 10 ] < # > 77 ( { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ) 77 < # > [ آل عمران : 92 ] ذلك مال رابح ذلك مال رابح , وكما أن حرف الحلال ~~موسع ليحصل به الشكر فحرف النهي مضيق لمتسع حرف الحلال ليحصل به الصبر ~~ليكون به العبد شاكرا صابرا , فالذي يحصل به قراءة حرفي النهي أما من جهة ~~القلب ورؤيا الفؤاد فمشاهدة البصيرة لموعود الجزاء حتى كأنه ينظر إليه ~~لترتاح النفس بخيره وترتاع من شره , كما قال حارثة : ( كأني أنظر إلى أهل ~~الجنة في الجنة ينعمون وإلى أهل النار في النار يعذبون ) فأثمر له ذلك ما ~~أحبر به عن نفسه في قوله : ( وعزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها ~~وخزفها ) وخصوصا من أيد بالمبشرات من الرؤيا الصالحة والكشف الصادق ليدع ~~الفاني للباقي على يقين ومشاهدة , وأما من جهة حال النفس فالصبر بحبسها عما ~~تشتهيه طبعا مما هو محلل لها شرعا , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر ~~رضي الله عنه لما رثى لحاله : ( أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ ~~) < # > 77 ( { واستعينوا بالصبر } ) 77 < # > , PageV01P120 [ البقرة : 45 ] وصبر النفس عن شهواتها وإن كانت حلالا ~~هو حقيقة تزكيتها , وقتلها بإضنائها منها هو حياتها , وإطلاقها ترتع في ~~شهواتها هو تدسيتها , < # > 77 ( { قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها * } ) 77 < # > [ الشمس : 9 - 10 ] والنفس مطية يقويها إنضاؤها , ويضعفها استمتاعها , ~~وحبسها عن ذلك شائع في جهات وجوه الحلال كلها إلا في شيئين : في النساء ~~بكلمة الله , لأنهم من ذات نفس الرجال ولسن غيرا لهم < # > 77 ( { هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها } ) 77 ~~< # > [ الأعراف : 189 ] و < # > 77 ( { أتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا } ) 77 < # > [ النساء ms0119 : 20 ] والثاني في الطيب , لأنه غذاء للروح وتقوية للحواس ~~ونسمة من باطن الملكوت إلى ظاهر الملك , وما عداهما فالاستمتاع به واتباع ~~النفس هواها فيه علامة تكذيب وعد الرحمن وتصديق وعد الشيطان < # > 77 ( { وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون } ) 77 ~~< # > [ النحل : 26 ] < # > 77 ( { يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا } ) 77 < # > [ النساء : 120 ] هذا من جهة النفس , وأما من جهة العمل وتناول اليد ~~فرفعها عما زاد على الكفاف وتخليته لذوي الحاجة ليتخذوه معاشا , وأن يكون ~~التمول من غير القوام تجارة نقل وضرب في الأرض وإرصاد لوقت حاجة لا حكرة ~~وتضييقا , اتخاذ أكثر من لبستين للمهنة والجمعة علامة لضعف الإيمان وخلاف ~~السنة وانقطاع عن آثار النبوة وعدول عن سنة الخلفاء وترك لشعار الصالحين , ~~وكذلك تصفية لباب الطعام وقصد المستحسن في الصورة دون المستحسن في العلم ~~وإيثار الطيب في المطعم على الطيب في الورع وتكثير الأدم وتلوين الأطعمة , ~~وكذلك اتخاذ أكثر من مسكن واحد وأكثر من مزدرع كاف ورفع البناء والاستشراف ~~بالمباني , امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من رد السلام على رجل اتخذ قبة ~~في المدينة حتى هدمها وسواها مع بيوت أهل PageV01P121 المدينة , وإنما ~~الدنيا للمؤمن سجن إن شعر به وضيق فيه على نفسه طلبت السراح منه إلى الآخرة ~~فيسعد , وإن لم يشعر بأنها سجن فوسع فيها على نفسه طلب البقاء فيها وليست ~~بباقية , والخيل ثلاثة : أجر للمجاهد , ووزر على المباهي , وعفو للمستكفي ~~بها فيما يعنيه من شأنه , والزيادة على الكفاف من النعم السائمة ا نقطعا عن ~~آثار النبوة وتضييق على ذوي الحاجة وتمول لما وضع لإقامة المعاش وأن يتخذ ~~منه الكفاف , قال صلى الله عليه وسلم : ( لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد , ~~فإذا ولد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة ) والطعام لا يتمول وكذلك ما اتخذ ~~للقوام لا يحتكره إلا خاطئ ( من احتكر طعاما أربعين يوما فقد برئ من الله ~~وبرئ الله منه ) فالأمتعة تجلب وتختزن ويستنمى فيه الدينار والدراهم , ~~والطعام PageV01P122 والقوام يجلب ولا يختزن فيستنمى فيه ms0120 الدينار والدرهم , ~~ومن اختزنه يستنمي فيه الدينار والدرهم فقد احتكره , وما منع فيه من مد ~~العين فأحرى أن يمنع فيه مد اليد ^ ( { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا } ) ^ [ الحجر : 88 ] الآيتين , فبهذه الأمور من إيمان القلب ورؤية ~~الفؤاد وصبر النفس وكف اليد عن الانبساط في التمول فيما به القوام تحصل ~~قراءة حرف النهي , والله ولي التأييد - انتهى . | < < # | البقرة : ( 43 - 50 ) وأقيموا الصلاة وآتوا . . . . . # > > ^ ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين * أتأمرون ~~الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون * واستعينوا ~~بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين * الذين يظنون أنهم ملاقو ~~ربهم وأنهم إليه راجعون * يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ~~وأني فضلتكم على العالمين * واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل ~~منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون * وإذ نجيناكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم ~~عظيم * وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ) ^ } ~~) | ولما فرغ سبحانه من أمر أهل الكتاب بالإيمان بالله والنبي والكتاب الذي ~~هو من الهدى الآتي إليهم المشار إلى ذلك كله بالإيفاء بالعهد عطف بقوله : { ~~وأقيموا الصلاة } أي حافظوا على العبادة المعهود بها في كل يوم بجميع ~~شرائطها وأركانها { وآتوا الزكاة } أي المفروضة في كل حول لتجمعوا أوصاف ~~المتقين المهديين بهذا الكتاب ^ ( { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون } ) ^ [ البقرة : 3 ] المحسنين بذلك فيما بينهم وبين ~~الحق وفيما بينهم وبين الخلق , وهاتان العبادتان إما العبادات البدنية ~~والمالية PageV01P123 فخصا بالذكر , لأن من شأنهما استجرار سائر العبادات ~~واستتباعها , والزكاة قال الحرالي نماء في ظاهر حس وفي باطن ذات نفس , { ~~واركعوا } من الركوع وهو توسط بين قيام وسجود يقع في ظاهر من القامة وفي ~~حال من القلب , تخص به الأمة المتوسطة الجامعة للطرفين { مع } معناه الصحبة ~~من الأعلى بالحياطة , ومن الأدنى بحسن التبع , ومن المماثل بحسن النصفة - ~~انتهى . | وقوله : الراكعين * مع مصحوبه تأكيد لأمر الصلاة وأمر ms0121 بالكون في ~~هذا الدين مع الذين اتبعوا محمدا صلى الله عليه وسلم , فإن صلاة اليهود لا ~~ركوع فيها , كما سيأتي بيانه في سورة آل عمران إن شاء الله تعالى . | وقال ~~الحرالي : والمتسق بذلك أي بما مضى خطاب إفهام يفهمه عطف إقامة الصلاة التي ~~هي تلو الإيمان , فكأن خطاب الإفهام : فارجعوا واستدركوا وأعلنوا بما كتمتم ~~وبينوا ما لبستم وانصحوا من استنصحكم وأقيموا وجهتكم لله بالصلاة وتعطفوا ~~على الأتباع بعد تعليمهم بالزكاة وكملوا صلاتكم بما به كمال الصلاة من ~~الركوع العدل في الفعل بين حال قيام الصلاة وسجودها المظهر آية عظمة الله ~~مع الراكعين الذين هم العرب الذين وضعت أول صلاتهم على كمال - انتهى . | ~~ويجوز أن يكون المراد بالركوع الصلاة , عبر عنها به لما ذكر من خصوص هذه ~~الأمة به , فكأنه قيل : وصلوا مع المصلين جماعة , لمزيد التوصية بالجماعة . ~~| ولما أمر علماءهم بما تركوا من معالي الأخلاق من الإيمان والشرائع بعد ~~أمرهم بذكر ما خصهم به من النعم , ونهاهم عما ارتكبوا من سفسافها من كفر ~~النعم ونقض العهود وما تبع ذلك وكانوا يأمرون غيرهم بما يزعمون أنه تزكية ~~وينهونه عما يدعون أنه تردية , أنكر عليهم ترغيبا فيما ندبهم إليه وحثهم ~~عليه وتوبيخا على تركه بقوله : { أتأمرون } من الأمر وهو الإلزام بالحكم - ~~قاله الحرالي { الناس بالبر } وهو التوسع في أفعال الخير { وتنسون } ~~والنسيان السهو الحادث بعد حصول العلم , { أنفسكم } أي تتركون حملها على ~~ذلك ترك الناسي , ولعله عبر به زيادة في التنفير عن هذا الأمر الفظيع الذي ~~دل العقل دلالة بينة على فحشه , لأن المقصود من أمر الغير بالبر النصيحة أو ~~الشفقة الذي دل العقل دلالة بينة على فحشه , لأن المقصود من أمر الغير ~~بالبر النصيحة أو الشفقة , وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو ينصح ~~غيره وينسى نفسه , والظاهر أن المراد به حكم التوراة , كانوا يحملون عوامهم ~~عليه وهم يعلمون دون العوام أن من حكم التوراة اتباع محمد صلى الله عليه ~~وسلم , فقد نسوا أنفسهم من الأمر بأساس البر الذي ms0122 لا يصح منه شيء إلا به . ~~| وقال الحرالي : ولما كان فيهم من أشار على من استهداه بالهداية لاتباع ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولم يهدوا أنفسهم لما أرشدوا إليه غيرهم أعلن ~~تعالى عليهم بذلك نظما لما تقدم من PageV01P124 نقض عهدهم ولبسهم وكتمهم ~~بما ظهر من نقص عقولهم في أن يظهر طريق الهدى لغيره ولا يتبعه فأخرجهم بذلك ~~عن حد العقل الذي هو أدنى أحوال المخاطبين , وزاد في تبكيتهم بجملة حالية ~~حاكية تلبسهم بالعلم والحكمة الناهية عما هم عليه فقال : { وأنتم تتلون ~~الكتاب } من التلاوة , وهو تتبع قول قائل أول من جهة أوليته - قاله الحرالي ~~. | وهذه الجملة الحالية أعظم منبه على أن من حكم التوراة اتباعه صلى الله ~~عليه وسلم , ومشير إلى أن المعصية من العالم أقبح . | قال الحرالي : فيه ~~إشعار بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم في منطوق تلاوته ليس في خفي إفهامه ~~, فكان في ذلك خروج عن حكم نور العقل - انتهى . | ولما كان هذا في كتابهم ~~وهم به يأمرون وعنه معرضون سبب سبحانه عنه الإنكار في قوله : { أفلا } أي ~~أتتلونه فلا { تعقلون } إشارة إلى أن ما هم عليه من هذا لا يفعله ذو مسكة , ~~والعقل إدراك حقائق ما نال الحس ظاهره - قاله الحرالي . | سمي عقلا لأنه ~~يعقل عن التورط في الهلكة . | ولما أنكر عليهم اتباع الهوى أرشدهم إلى ~~دوائه بأعظم أخلاق النفس وأجل أعمال البدن فقال عاطفا على ما مضى من ~~الأوامر . | وقال الحرالي : فكأنهم إنما حملهم على مخالفة حكم العقل ما ~~تعودت به أنفسهم من الرياسة والتقدم فلما في ذلك عليهم من المشقة أن يصيروا ~~أتباعا للعرب بعد ما كانوا يرون أن جميع الأرض تبع لهم نسق بخطابهم في ذلك ~~الأمر بالاستعانة بالصبر الذي يكره أنفسهم على أن تصير تابعة بعد أن كانت ~~متبوعة فقال تعالى - انتهى . | { واستعينوا } أي على إظهار الحق والانقياد ~~له وهو معنى ما مضى من الأوامر والنواهي { بالصبر } أي على مخالفة الهوى , ~~والصبر حبس النفس عن حاجتها وعادتها وعلى إصلاحها وتزكيتها , هو ضياء ms0123 ~~للقلوب تبصر به ما يخفيه عنها الجزع من الخروج عن العادة فيما تنزع إليه ~~الأنفس - قاله الحرالي . | وهو عام في كل صبر الصوم وغيره , { والصلاة } أي ~~الموصلة إلى المقام الأعلى , وفيه التفات إلى < # > 77 ( { وإياك نستعين } ) 77 < # > [ الفاتحة : 5 ] وإشارة إلى أن من لم تنهه صلاته عن ركوب الباطل ~~والتمادي فيه وتأمره بلزوم الحق والرجوع إليه فليس بمصل , فكأن المراد ~~بالصبر تخليص النفس من أشراك الهوى وقسرها على الإخلاص , فمن صلى على هذه ~~الصفة كان لا محالة من الناجين ؛ وثنى بالصلاة لأنها استرزاق يغنيهم عن ~~اشتراء ثمن كانوا يأخذونه من أتباعهم في اللبس والكتمان < # > 77 ( { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك } ) 77 ~~< # > [ طه : 132 ] قال الحرالي . | ويصح أن يراد بها الدعاء , فمن صبر عن ~~PageV01P125 الدنايا وعلى المكاره وأنهى صبره إلى الصوم فأزال عنه كدورات ~~حب الدنيا وأضاف إلى ذلك الصلاة استنار قلبه بأنواع المعارف , فإذا ضم إلى ~~ذلك الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى بلغ نهاية البر . | ولما أمر ونهى بما ~~ختمه بالصلاة حث على التفاؤل لعظمته سبحانه بتخصيصها بالضمير فقال : { ~~وإنها لكبيرة } أي ثقيلة جدا , والكبير ما جل قدره أو مقداره في حس ظاهر أو ~~في معنى باطن - قاله الحرالي . | { إلا على الخاشعين } أي المخبتين الذين ~~هم في غاية السهولة واللين والتواضع لربهم بحيث لا يكون عندهم شيء من كبر ~~وينظرون عواقب الأمر وما أعد عليها من الأجر , ولذا قال صلى الله عليه وسلم ~~: ( وجعلت قرة عيني في الصلاة ) وغيرهم يمنعهم ثقلها من فعلها , وإن فعلها ~~فعلى غير رغبة . | قال الحرالي : وهو أي الخشوع هدو الجوارح والخواطر فيما ~~هو الأهم في الوقت , وأنبأ تعالى بكبر قدر الصلاة عن أن يتناول عملها إلا ~~خاشع خرج عن حظ نفسه وألزم نفسه ذل العبودية التي ختمت بها النبوة , وفي ~~إشارة كمال الصلاة إشعار بصلاة العصر التي هي صلاة النبي الخاتم الذي زمنه ~~وقت العصر وحالة العبودية , وذلك مما يكبر على من قرن بنبوته وبملته الملك ~~إلا أن يخشع لما ms0124 يكبر على النفس , وخصت الصلاة بالكبر دون الصبر لأن الصب ~~صغار للنفس والصلاة وجهة للحق والله هو العلي الكبير - انتهى . | { الذين ~~يظنون } من الظن وهو رجحان في اعتقاد مع بقاء منازع من مقابله - قال ~~الحرالي . | { أنهم ملاقوا ربهم } أي المحسن إليهم , وعبر بالظن عن العلم ~~تهويلا للأمر وتنبيها على أنه يكفي العاقل في الحث على ملازمة الطاعة في ظن ~~لقاء الملك المطاع المرجو المخوف فكيف والأمر متيقن لا مراء فيه ولا تطرق ~~للريب إليه ! ويجوز أن يراد ظن الموت في كل لحظة , فإنه إذا كان على ذكر من ~~الإنسان أوجب له السعادة . | ولما كانت هذه الجملة مشيرة مع الترهيب لذوي ~~الهمم العلية والأنفة والحمية من الوقوع فيما يلم بعيب أو يوقع في عتب إلى ~~الاستحياء من المحسن الذي ما قطع إحسانه PageV01P126 ساعة من الدهر زاد في ~~الترهيب بقوله : { وأنهم إليه } أي وحده { راجعون } , والرجوع معاد الذاهب ~~على مدارج مذهبه وترفيه على معارج مهبطه - قاله الحرالي . | وعبر بذلك وإن ~~كانوا لم يزالوا في قبضته , لأن اسمه الظاهر سبحانه يكون في تلك الدار ~~لانقطاع الأسباب في غاية الظهور لا يكون لأحد معه نوع ظهور أصلا , لا كهذه ~~الدار التي الغالب فهيا معنى اسمه الباطن إلا عند أولي البصائر ؛ وفي الآية ~~تبكيت لأهل الكتاب بأنهم مع تحققهم للبعث يملون عمل من لا يظنه فضلا عن انه ~~يعلمه . | وقال الحرالي : ولما كان في الصلاة مناجاة لله على الغيب كانت ~~إنما تتيسر على من يظن القبول الذي يشعر به اللقاء لربه بعد موته وذلك حال ~~من رجحت الآخرة على الدنيا في عمله وحاله , فكان حاله وعمله حال الظان ~~إبقاء على أحوال من دون رتبة اليقين , ومقصود اللقاء ليس البعث لأنهم هم من ~~المؤمنين بالبعث ولكنه من معنى القبول بعد البعث , وفيه إشارة غلى حال ~~الموت ويوم البرزخ وهو الجزاء الأول فعطف على المرجع الآخر بعد البعث - ~~انتهى . | ولما كان الغالب على أكثر الناس الجمود كرر النداء لهم مبالغة في ~~اللطف بهم إثر الترجية والتخويف فقال ms0125 : { يا بني إسرائيل } أي الذي أكرمته ~~وأكرمت ذريته من بعده بأنواع الكرامة { اذكروا نعمتي } وفخم أمرها بقوله : ~~{ التي أنعمت عليكم } أي بإنزال الكتب وإرسال الرسل وغير ذلك { وإني فضلتكم ~~} والتفضيل الزيادة من خطوة جانب القرب والرفعة فيما يقبل الزيادة والنقصان ~~منه - قاله الحرالي . | { على العالمين } وهم من كان قد برز الوجود في ذلك ~~الزمان بالتخصيص بذلك دونهم , ولا يدخل في هذا من لم يكن برز إلى الوجود في ~~ذلك الزمان كما يأتي تحقيقه عن الحرالي قريبا ومما يوجب القطع به قوله ~~تعالى لنا : < # > 77 ( { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ) 77 < # > [ آل عمران : 110 ] . | ولما ذكرهم بتخصيصهم بالكرامة ونهاهم عن ~~المخالفة وكانت المخالفة مع عظيم النعمة أقبح وأشد وأفحش حذرهم يوما لا ~~ينجي أحدا فيه إلا تقواه فقال . | وقال الحرالي : لما دعاهم إلى الوفاء ~~بالعهد تنبيها لهمة من له فضل باطن يرجع إلى فضائل النفس فأجاب من وفق ~~وتمادى على حاله من خذل ثنى الخطاب لهم بالتنبيه على النعمة الظاهرة ليتنبه ~~لذلك من يخاف تغيير النعمة الظاهرة حين لم يخف السقوط عن رتبة الفضيلة في ~~الخطاب فذكرهم بالنعمة والتفضيل الذي فضلهم به على العالمين وهم من ظهرت ~~أعلام وجودهم في زمانهم , وكذلك كل تفضيل يقع في القرآن والسنة , وإنما ~~العالم من شمله الوجود لا ما أحاط به العلم بعد , لأن ذلك لم يرفع في ~~الشهود علم وجوده ؛ وفيه إشعار بأنهم كما فضلوهم على عالمي زمانهم فليس ذلك ~~بمقصور عليهم PageV01P127 بل كذلك يفضل الله العرب في زمان نبوتها على بني ~~إسرائيل وعلى جميع الموجودين في زمانهم , وحيث انتهى الخطاب إلى تذكر ظاهر ~~النعمة بعد التذكير بباطن الفضيلة لم يبق وراء ذلك إلا التهديد بوعيد ~~الآخرة عطفا على تهديد تقتضيه الأفهام بتغيير ما بقي عليهم من النعمة في ~~الدنيا ؛ فكان مفهوم الخطاب : فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصاب المؤاخذين في ~~الدنيا - انتهى { واتقوا } . | ولما كان المتقى إنما هو الجزاء الواقع في ~~يوم القيامة حذفه وأقام اليوم مقامه تفخيما له وتنبيها على أن عقابه ms0126 لا ~~يدفع كما يدفع ما في غيره بأنواع الحيل فقال : { يوما } هو من العظمة بحيث ~~{ لا تجزي } أي تفضي وتغني فيه { نفس } أي نفس كانت { عن نفس } كذلك { شيئا ~~} من الجزاء . | قال الحرالي : والنفس لكل امرئ لزمته نفاسة على غيره , ~~فهؤلاء الذين لا يغني بعضهم عن بعض بخلاف من آثر غيره وذهبت نفاسة نفسه , ~~فإنه يغني عمن دونه بالشفاعة والإحسان في الدنيا والآخرة , وفيه إعلام بأن ~~ضعة النفس مبدأ التوفيق ونفاستها مبدأ الخذلان < # > 77 ( { أذلة على المؤمنين } ) 77 < # > [ المائدة : 54 ] فذل العبد - بالضم - لله , وذله - بالكسر - لعباد ~~الله بشرى فوزه , وإعراضه عن ذكر الله وصعر خده للناس نذارة هلاكه - انتهى ~~. | ولما كان الإجزاء قد يكون بنفس كون المجزئ موجودا وهو بحيث يخشى أن ~~يسعى في الفكاك بنوع حيلة فتحرك القلوب لإجابته وفك أسيره فيحمل ذلك من ~~أسره على إطلاقه , وقد يحتال بالفعل في التوصف إلى فكه في خفية بسرقته أو ~~فتح سجنه أو نحو ذلك , وكانت وجوه الإجزاء المشهورة ثلاثة عطفها على ~~الإجزاء الأعم منها فقال : { ولا يقبل منها } أي النفس الأولى أو الثانية { ~~شفاعة } أي لم يؤذن فيها وهي من الشفع وهو إرفاد الطالب بتثنية الرغبة له ~~فيما رغب فيه ليصير كالإمام له في وجهة حاجته - قاله الحرالي { ولا يؤخذ ~~منها عدل } تبذله غير الأعمال الصالحة , وهو ما يعدل الشيء ويكون معه ~~كالعدلين المتكافئي القدر على الحمولة , فكأن العدل - بالكسر - في الشيء ~~المحسوس , والعدل - بالفتح - في الشيء المعقول , وكذلك عادة العرب تفرق بين ~~ما في الحس وما في المعنى بعلامة إعراب في ذات نفس الكلمة لا في آخرها - ~~قاله الحرالي . # ولما كان عدم النصرة للجمع بستلزم عدمها للمفرد بطريق الأولى جمع فقال : ~~{ ولا هم ينصرون * } أي يتجدد لهم نصر يوما ما بمن ينقذهم قهرا كائنا من ~~كان , والنصر تأييد المقاوم في الأمر بما هو أقوى من مقاومة وهما طرفان ~~ليصير كالمتقدم له بحكم استقلاله فيما يتوقع عجز المنصور فيه - قاله ~~الحرالي . | فانتفى بذلك جميع وجوه الخلاص التي يطمع فيها ms0127 الظالم في الدنيا ~~. | PageV01P128 قال الحرالي : ولما كانت أسباب النجاة للمرء بأحد ثلاث : ~~إما شفاعة من فوقه في العلم والفضل , وإما نصرة من فوقه في الأيد والقوة , ~~وإما فكاك من يده لنفسه إذ من هو مثله لا يغني وأحرى من هو دونه , استوفى ~~الخطاب جميع الوجوه الثلاثة ليسد على ذي النفس المستمسك بنفاسته جميع ~~الوجوه الثلاثة من الشفاعة والفدية والنصرة - انتهى . | ولما تقدم أنه ~~فضلهم وعاهدهم وأن وفاءه بعهدهم مشروط بوفائهم بعهده ناسب تقديم الشفاعة ~~ويأتي إن شاء الله تعالى في الآية الثانية ما يتم به البيان , ولما وصف ذلك ~~اليوم بأنه لا ينفع فيه حيلة لذي ملكة المتردي بالكبرياء المتجلل بالعظمة ~~ذكرهم بما أنعم عليهم من إنجائه لهم بموسى وهارون عليهما السلام حيث شفعا ~~عند الملك الذي كان استبعدهم وسامهم سوء العذاب , فلما لم يشفعهما فيهم ~~قاهراه فانتصرا عليه بأيد مليكهم واستنقذاهم منه بسطوة معبودهم . | وقال ~~الحرالي : ولما استوفى خطاب النداء لهم وجهي التذكير بأصل فضيلة النفس ~~الباطنة بالوفاء وغرض النفس الظاهر في النعمة والرئاسة جاء ما بعد ذلك من ~~تفاصيل النعم عطفا من غير تجديد نداء إلى منتهى خاتمة الخطاب معهم حيث ثنى ~~لهم الخطاب الأدنى بالتذكير بالنعمة ختما لمتسق خطابه بما تضمنه تذكيرهم ~~بتكرار قوله : وإذ وإذ , واحدة بعد أخرى إلى جملة منها , ولما ذكرهم ~~بالنعمة الظاهرة فانتبه من تداركته الهداية وتمادى من استحق العقوبة ذكر ~~أهل الاستحقاق بما عوقبوا به بما يستلزمه معنى النجاة وبما فسره مما أخذوا ~~به على ذنوب تشاكل ما هم عليه في معاندتهم القرآن , فحين لم ينفع فيهم ~~التذكيران بالعهد والنعمة هددوا بتقريرهم على مواقع ما أصيبوا به من البلاء ~~من عدوهم لما اقترفوه من ذنوبهم < # > 77 ( { ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به ~~حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا } ) 77 < # > [ غافر : 34 ] فكان في تكذيبهم بالرسالة الأولى وشكهم ما أصابهم من ~~العقوبة من آل فرعون حتى أنقذهم الله بموسى عليه السلام فقال ms0128 تعالى : { وإذ ~~} أي واذكروا إذ { نجيناكم } وهو من التنجية وهي تكرار النجاة , والنجاة ~~معناه رفع على النجوة وهو المرتفع من الأرض الذي هو مخلص مما ينال من ~~الوهاد وخبث الأرض من هلاك بسيل ماء ونحوه { من آل } آل الرجل من تبدو فيهم ~~أحواله وأعماله وأفعاله حتى كأنهم هو في غيبه من معنى الآل الذي هو السراب ~~الذي يظهر فيه ما بعد ويتراءى ما لم يكن يرى لولاه , { فرعون } اسم ملك مصر ~~في الجاهلية , علم جنس لملوكها بمنزلة أسماء الأجناس في الحيوان وغيره - ~~انتهى . | والمراد بالآل فرعون وأتباعه فإن الآل يطلق على الشخص نفسه وعلى ~~أهله وأتباعه وأوليائه - قاله في القاموس , قال : ولا يستعمل إلا فيما فيه ~~شرف غالبا ثم بين ما أنجاهم منه بقوله : { يسومونكم سوء العذاب } سماه ~~PageV01P129 بذلك لأنه أشد البلاء على النفس لما فيه من استحقارها , من ~~السوم وهو تعذي ببتهاون بالمعذب , والسوم ما يشتد , تنكر النفس له وتكرهها ~~, ثم فسر هذا بقوله { يذبحون } من التذبيح وهو تكرار الذبح , والذبح قطع ~~بالغ في العنق - قاله الحرالي . | ولما كان كل من ذبح الابن وحياة المرأة ~~بغير رجل أفحش وكانت البنت إذا بقيت صارت امرأة عبر بالأبناء والنساء فقال ~~{ أبناءكم } أي سوقا لكم مساق البهائم { ويستحيون } قال الحرالي : من ~~الاستحياء وهو استبقاء الحياة { نساءكم } من معنى الاتخاذ للتأهل الملابس ~~في معنى ما جرى منه اشتقاق الإنس والإنسان والنسوة باشتراكها في أحد الحروف ~~الثلاثة من الهمزة أو الواو أو الياء مع اجتماعها في النون والسين - انتهى ~~. | ثم نببهم على ما فيه من العظم بقوله { وفي ذلكم } فأشار بأداة البعد ~~مقرونة بالميم { بلاء } أي اختبار { من ربكم } أي المحسن إليكم في حالي ~~الشدة والرخاء { عظيم * } قال الحرالي : البلاء الاختبار هو إبداء خبرة ~~الشيء بشدة ومحنة , وفيه إشعار باستحقاقهم ذلك واستصلاحهم بشدته دون ما هو ~~أيسر منه , وذكره بالعظم لشياعه في الأجسام والأنفس والأرواح , وذكر معنى ~~النجاة ثم فصله تفصيلا لكيفيته بعد ذلك تعدادا لنعمة النجاة التي هي تلو ~~رحمة الإنعام التي هي ms0129 تلو رفعة التقدم بالعهد , فانتهى الخطاب نهايته في ~~المعنى يعني فلما قررهم تعالى على ما اقترفوه قبل موسى عليه السلام حين ~~أصابهم من آل فرعون ما أصابهم استجد لهم تذكيرا بنعمة نجاة من عقوبة متقدم ~~أعمالهم - انتهى . | ولما كان ما فعل بهم في البحر إهلاكا للرجال وإبقاء ~~للنساء طبق ما فعلوا ببني إسرائيل عقبه به فقال { وإذ } أي واذكروا إذ { ~~فرقنا } من الفرق وهو إفراج الواحد لحكمة إظهار التقابل - قاله الحرالي . | ~~فصارت لكم مسالك على عدد أسباطكم { بكم } أي بسببكم عقب إخراجنا لكم من أ ~~سر القبط { البحر } قال الحرالي : هو المتسع الرحب البراح مما هو ظاهر ~~كالماء , ومما هو باطن كالعلم الذي منه الحبر , تشاركا بحروف الاشتقاق في ~~المعنى . | { فأنجيناكم } من الإنجاء وهو الإسراع في الرفعة عن الهلاك إلى ~~نجوة الفوز - انتهى . | ومن عجائب ذلك أنه كما كان الإنجاء منه كان به . | ~~قال الحرالي : وجعل البحر مفروقا بهم كأنهم سبب فرقة , فكأن نجاتهم هي ~~السبب وضرب موسى عليه السلام بالعصاة هي الأمارة والعلامة التي انفلق البحر ~~عندها بسببهم , وجعل النجاة من بلاء فرعون تنجية لما كان على تدريج , وجعل ~~النجاة من البحر إنجاء لما كان وحيا في سرعة وقت - انتهى . | { وأغرقنا آل ~~فرعون } فيه وبه { وأنتم تنظرون } إسراعه إليهم في انطباقه عليهم , وهذا ~~مثل ما خاض العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه البحر PageV01P130 الملح في ~~ناحية البحرين أو انحسر له على اختلاف الروايتين , ومثل ما قطع سعد بن أبي ~~وقاص رضي الله عنه الدجلة في وقائع الفرس عوما بالخيول بجميع عساكره وكانوا ~~زيادة على ثلاثين ألفا لم يفقد منهم أحد , وكان الفرس إذا تعب وثب فصار ~~واقفا على ظهر الماء كأنه على صخر , فإذا استراح عام . | قال الحرالي : { ~~وأغرقنا } من الغرق وهو البلاغ في الشيء إلى غايته بحسبه , فإن كان في ~~الهلاك فهو غاية وظهر معناه في الماء والبحر لبعد قعره , وهو في الماء ~~بمنزلة الخسف في الأرض , والنظر التحديق للصورة من غير تحقق ولا بصر - ~~انتهى . | فذكرهم سبحانه ms0130 بنعمة الإنجاء منه بالرحيل عنه أولا , ثم بإغراقه ~~الذي هو أكبر من ذلك ثانيا بما كان بعينه سبب سلامتهم واستمر يذكرهم بما ~~تابع لهم من النعم حيث كانوا يستحقون النقم . | قال الحرالي : وقررهم على ~~نظرهم إليهم , وفيه إشعار بفقد بصرهم لضعف بصائرهم من حيث لم يقل : وأنتم ~~تبصرون , ولذلك عادوا بعدها إلى أمثال ما كانوا فيه من الشك والإباء على ~~أنبيائهم بعد ذلك - انتهى . | < < # | البقرة : ( 51 - 56 ) وإذ واعدنا موسى . . . . . # > > ^ ( وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ~~ظالمون * ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون * وإذ آتينا موسى الكتاب ~~والفرقان لعلكم تهتدون * وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم ~~باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ~~فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم * وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى ~~الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم ~~تشكرون ) ^ } ) | ولما كان فرق البحر للإبقاء البدني وكان إنزال الكتاب ~~للإبقاء الديني عقبه به وكان الطبع السليم والمزاج المستقيم يقتضي إحسان ~~العمل زمن المواعدة واستعطاف المواعد والترفق له والتملق بما تحقق الرجاء ~~في إنجاز وعده لا سيما بعد بليغ إحسانه بالإنجاء من العدو وإهلاكه نعى ~~عليهم عملهم بخلاف ذلك بقوله : { وإذ } . | وقال الحرالي : لما ذكرهم تعالى ~~بأمر الوفاء بالعهد الذي هو خاتمة أمرهم وبالتفصيل الذي كان بادية أمرهم ~~نظم ذلك بالأمر المتوسط بين الطرفين الذي أعلاه مواعدة موسى عليه السلام ~~ربه الذي النعمة عليه نعمة عليهم فقال : وإذ { واعدنا } من الوعد وهو ~~الترجية بالخير , ووعدنا من PageV01P131 المواعدة وهي التقدم في اللقاء ~~والاجتماع والمفاوضة ونحوه { موسى } كلمة معربة من لفظ العبراني بما تفسيره ~~فيما يقال ماء وشجر , سمي به لما أودع فيه من التابوت المقذوف في اليم { ~~أربعين ليلة } هي كمال وقت الليل والليل وقت انطماس المدركات الظاهرة - ~~انتهى . | وخص الليل بالذكر إشارة إلى أن ألذ المناجاة فيه وإلى أنه لا نوم ~~في تلك المدة بل المناجاة عامة ms0131 لليلها ونهارها , وانتصب أربعين بوقوعه موقع ~~المفعول الثاني لوعدنا أي انقضاء أربعين أي الكلام أو إنزال التوراة عند ~~انقضاء الأربعين وهي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة وقيل ذو الحجة وعشر من ~~المحرم . | قال الحرالي : وفيه إشعار بأن المناجاة إنما يتهيأ لها لميقات ~~حبس النفس عما به قوامها وكمال ذلك إنما هو الصوم وكمال العدد الذي هو طور ~~مصير من حال إلى حال هو الأربعون , وذكر الميقات بالليالي يشعر أن مناجاته ~~صباح من ظلمة الكون في حال خصوص الخلقة من حيث إن الظلمة آية على فوت مرام ~~نور الحق والنهار آية على ظهور نور الحق وأول باد بدأ من الحق للخلق كلامه ~~لمصطفى من خلقه بغير واسطة وهو بعد في دنياه وفي أرضه التي كانت سجنا , ~~فلما جاءها الحق لعبد من عبيده مناجيا له كما يأتيها يوم الجزاء بعد البعث ~~صارت موطن رحمة وهدى ونور وهو مجيء الله سبحانه من سيناء المذكور في الكتاب ~~الأول - انتهى . | وهذا دون قصة المعراج التي كانت لنبينا صلى الله عليه ~~وسلم في اختراق السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى ما لا يعلمه إلا الله ~~تعالى وسمع الكلام من غير واسطة ورجع إلى بيته في ليلته وقد قطع من ~~المسافات ما مسيرته خمسون ألف سنة كما سأبينه إن شاء الله تعالى في سورة ~~السجدة . | ولما كانت الأنفس الأبية والهمم العلية تقتضي النفرة من الظالم ~~والأنفة من كل ما ينسب إليه ويذكر به وكانوا قد اتخذوا من آثار آل فرعون من ~~حليهم ما دخلوا في رقه وعبوديته وكانت مشاهدتهم لما رأوا من الآيات مقتضية ~~لغاية البعد من الكفر عبر عن مواقعتهم له بثم فقال : { ثم اتخذتم } قال ~~الحرالي : من الاتخاذ وهو افتعال مما منه المواخذة كأنه الوخذ , وهو تصيير ~~في المعنى نحو الأخذ في الحس , وفيه تكلف , { العجل } وذكر في هذا التقرير ~~أصل المواعدة وذكر الميقات وتجاوز الخطاب ما بعد ذلك من مهل حسب ما تفهمه ~~كلمة ثم , فاقتضى إفهام ذلك ما نالوه من الخير ثم ms0132 تعقبوا ذلك لالتزام ~~عادتهم في معاودة ما اعتادوه من أعمالهم إلى أدنى عمل من لا عقل له ولا ~~بقية نظر له من اتخاذ جسد عجل إلها بعد معرفة آثار الإلهية على الغيب , ~~ففيه تعجيب من أن موسى عليه السلام إنما واعده الله بالمناجاة بعد ميقات ~~أربعين صوما ونسكا وتحنثا وانقطاعا إلى ربه ثم يرونهم أنهم شهدوا الإله ~~مصورا محسوسا على أن موسى PageV01P132 الذي ناجاه ربه منع الرؤية فكيف بهم ~~وذلك هو ظلمهم , فوضعوا الإله محل الشيء المحسوس وهو تعالى قد تعالى عن أن ~~يراه صفيه الذي ناجاه في دنياه وإنما ناجاه بعد ميقاته , وهم يهمون في تأله ~~مرثي من غير مواعدة ولا اختصاص ! وفي قوله تعالى { من بعده } أي من بعد ~~إتيانه لميعادنا إضمار لذكر موسى عليه السلام تقريرا لما كان ينبغي أن ~~يكونوا عليه من الارتقاب لما يأتيهم به موسى من فوائد المناجاة , كما يكون ~~من تعلق قلبه بمن هو قدوته , والبعد بعد عن حد يتخذ مبدأ ليكون سابقه قبل ~~ولاحقه بعد - انتهى . | وإثبات الجار لأن اتخاذهم ذلك لم يستغرق زمان البعد ~~{ وأنتم ظالمون } فاعلون فعل من هو في أظلم الظلام بعد أنجاءكم موسى بالنور ~~المبين . | ولما كان ذلك مقتضيا لأعظم السخط المقتضي من القادر للمعاجلة ~~بالأخذ ذكرهم نعمة الإمهال بعده فقال مشيرا غلى عظم الذنب والنعمة بأداة ~~التراخي : { ثم عفونا } . | وقال الحرالي : ثم تجاوز الخطاب ما أصابهم من ~~العقوبة على اتخاذهم إلى ذكر العفو تقريرا على تكرر تلافيهم حالا بعد حال ~~وقتا بعد وقت , كلما أحدثوا خطيئة تداركهم منه عفو , وخصه باسم العفو لما ~~ذكر ذنوبهم , لأن المغفور له لا يذكر ذنبه , فإن العفو رفع العقوبة دون رفع ~~ذكرها , والغفر إماتة ذكر الذنب مع رفع العقوبة - انتهى . | { عنكم } ولم ~~نعاجلكم بالأخذ , وفي قوله تعالى من بعد ذلك أي الذنب العظيم إشعار بما ~~أصابهم من العقوبة وخطاب لبقية المعفو عنهم , لينتهي الأمر فيهم إلى غاية ~~يترجى معها لبقيتهم الشكر - قاله الحرالي . | وكان الإشعار من جهة أدخال من ~~, على الظرفية ms0133 , فاقتضى مهلة بين العفو والذنب لم يشملها العفو بل كان فيها ~~عقوبة , كما اقتضى قوله : من بعده , مهلة بين اتخاذهم العجل وأول ذهاب موسى ~~عليه السلام للمناجاة ؛ ويجوز أن يكون أفرد حرف الخطاب إشارة غلى أنه لا ~~يعلم جميع ما في دينهم من الشناعة إلا إمام أهل التوحيد النبي صلى الله ~~عليه وسلم { لعلكم تشكرون * } أي ليكون حالكم حال من يتوقع منه الشكر . | ~~قال الحرالي : وهو ظهور بركة الباطن على الظاهر , يقال : دابة شكور , إذا ~~أنجح مأكلها بظهور سمنها ؛ وفيه إشعار بأن منهم من يشكر وفيهم من يتمادى ~~بما في ترجى كلمة لعل , من الإبهام المشعر بالقسمين والمهيئ لإمكان ظهور ~~الفريقين حتى يظهر ذلك لميقاته , لأن كل ما كان في حق الخلق ترددا فهو من ~~الله سبحانه إبهام لمعلومه فيهم ؛ على ذلك تجري كلمة لعل وعسى ونحوها - ~~انتهى . | ولما كان في ذلك دليل على سوء طباعهم وعكس مزاجهم وأنهم لا ~~يحفظون عهدا ولا يستقيمون على نهج ذكرهم بنعمة الكتاب الذي من شأنه الضبط ~~في جميع الأحوال بالرجوع إليه عند الضلال فقال : وقال الحرالي : لما ذكر ~~تعالى أمر موسى عليه السلام وهو خاص أمرهم فصل لهم أمر ما جاء به موسى وما ~~كان منهم فميا جاء به - PageV01P133 انتهى . | فقال { وإذ اتينا } أي بما ~~لنا من العظمة { موسى الكتاب } أي الكامل في نفسه الجامع لكم على طريق الحق ~~. | ولما كان الكتاب مع كونه جامعا لما أريد منه فارقا بين الملبسات وصفه ~~بقوله { والفرقان } أي المبين للأشياء على ما هي عليه من غير أن يدع في شيء ~~لبسا . | قال الحرالي : فقررهم على أمرين من الكتاب الذي فيه أحكام الأعمال ~~والفرقان الذي فيه أمر العلم وهما ملاك حال إقامة الدين بالعلم والعمل ؛ ~~والفرقان , فعلان فلظ مبالغة يفهم استغراقا وامتلاء وعظما فيما استعمل فيه ~~وهو في هذا اللفظ من الفرق وهو إظهار ما ألبسته الحكمة الظاهرة للأعين ~~بالتبيان لفرقان لبسه بما تسمعه الأذن , وجاء فيه بكلمة لعل , إشعارا ~~بالإبهام في أمرهم وتفرقتهم بين مثبت لحكم ms0134 الكتاب عامل به عالم بطية ~~الفرقان خبير به وبين تارك لحكم الكتاب غافل عن علم الفرقان - انتهى . | ~~فقال تعالى { لعلكم تهتدون * } أي ليكون حالكم حال من ترجى هدايته فيغلب ~~حلمه جهله وعقله شهوته , ولهذا الختم تلاه بما هداهم به بما ألزمهم من ~~النقمة الزاجرة عن مثل ذلك من قتل الأنفس فقال : { وإذ } . | قال الحرالي : ~~لما تكمل إقبال الخطاب عليهم مرات بما تقدم من ندائهم والعطف على ما في ~~صلته صرف الحق وجه الخطاب عنهم إلى ذكر خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم لهم , ~~فإن الله يخاطب العباد بإسقاط الواسطة بينه وبينهم ترفيعا لأقدارهم لديه , ~~فيرفع من شاء فيجيبه بما شاء , ويوقف من شاء فيجعل بينه وبينه في الخطاب ~~واسطة من نبيه , فلما قررهم بما مضى من التذكير على ما واجههم به الحق ~~تعالى ذكر في هذه الآية تقريرهم على ما خاطبهم به نبيهم حين أعرض الحق عن ~~خطابهم بما أصابوه من قبيح خطيئتهم - انتهى . | فقال { وإذ قال موسى لقومه ~~} العابد للعجل والساكت عنه , والقوم قال الحرالي اسم من لهم منة في القيام ~~بما هم مذكورون به , ولذلك يقابل بلفظ النساء لضعفهن فيما يحاولنه ؛ وفيه ~~تخويف لهذه الأمة أن يصيبهم مثل ما أصابهم في خطاب ربهم فيعرض عنهم - انتهى ~~. | { يا قوم } وأكد لعراقتهم في الجهل بعظيم ما ارتكبوه وتهاونهم به لما ~~أشربوا في قلوبهم من الهوى فقال { إنكم ظلمتم أنفسكم } ظلما تستحقون به ~~العقوبة { باتخاذكم العجل } أي الها من دون الله , فجعلتم أنفسكم متذللة ~~لمن لا يملك لها شيئا ولمن هي أشرف منه , فأنزلتموها من رتبة عزها بخضوعها ~~لمولاها الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه إلى ذلها بخضوعها لمن هو ~~دونكم أنتم , هذا هو أسوأ الظلم , فإن المرء لا يصلح أن يتذلل ويتعبد لمثله ~~فكيف لمن دونه من حيوان ! فكيف بما يشبه بالحيوان من جماد الذهب الذي هو من ~~المعادن وهو أ خفض المواليد رتبة حين لم تبلغها حياتها أن تبدو فوق الأرض ~~كالنبات من النجم والشجر ولما ms0135 فيه من الانتفاع بما يكون من الحب والثمر ~~الذي ينتفع به غذاء ودواء والمعادن لا ينتفع بها إلا آلات ونقودا ~~PageV01P134 منفعتها إخراجها لا إثباتها - قاله الحرالي : { فتوبوا إلى ~~بارئكم } الذي فطركم من قبل أن تتخذوا العجل بريئين من العيب مع إحكام ~~الخلق على الأشكال المختلفة . | وقال الحرالي : البارئ اسم قائم بمعنى ~~البرء وهو إصلاح المواد للتصوير , كالذي يقطع الجلد والثوب ليجعله خفا ~~وقميصا , وكالذي يطحن القمح ويعجن الطين ليجعله خبزا وفخارا و - نحو ذلك , ~~ومعناه التدقيق للشيء بحسب التهيؤ لصورته - انتهى . | ولما كانت توبتهم ~~بقتل أقاربهم وإن كانوا آباء أو أبناء عبر عنهم بالنفس لذلك وإشارة إلى خبث ~~ما ارتكبوا فقال { فاقتلوا أنفسكم } أي التي أوجدها فقادتكم إلى غيره . | ~~قال الحرالي : والقتل قصل الحيوان قبل انتهاء قوته بمنزلة قصل الزرع قبل ~~استحصاده - انتهى . | ولما كان ما أمرهم به أمرا لا يكاد يسمح به عظم ~~الرغبة فيه بقوله { ذلكم } أي الأمر العظيم وهو القتل { خير لكم } والخير ~~قال الحرالي ما يصلح في الاختيار من محسوس الأشياء وما هو الأصلح وما هو ~~الأخير , وربما استعملت منه خير محذوفة فيقال : هو خير في نفسه , أي مما ~~يختار , ويقال : هذا خير من هذا , أي أخير منه أي أصلح في الاختيار , وكذلك ~~لفظ شر في مقابله وهما مشعران بمتوسط من الأشياء لا يختار لأجل زيادة صلاح ~~ولا يطرح لأجل أذى ولا مضرة { عند } كلمة تفهم اختصاص ما أضيفت إليه بوجه ~~ما عام وأخص منه لدن , فلدن خاصتها وعند عامتها , كالذي يملك الشيء فهو ~~عنده وإن لم يكن في حضرته - انتهى . | { بارئكم } أي القادر على إعدامكم ~~كما قدر على إيجادكم , وفي التعبير بالبارئ ترغيب لهم في طاعته بالتذكير ~~بالإحسان وترهيب بإيقاع الهوان . | ولما كان التقدير ففعلتم التوبة المأمور ~~بها بأن قتل بعضكم بعضا بتوفيقه لكم سبحانه مع ما فيه من عظم المشقة عطف ~~عليه قوله { فتاب عليكم } أي مع عظم جرمكم , ولولا توبته عليكم ما تبتم ؛ ~~ثم علل ذلك بقوله { إنه } أي لأنه { هو التواب الرحيم ms0136 } أي ما زال هذا صفة ~~له لا لاستحقاق منكم عليه قال الحرالي : وفي إظهار هو مفصولة من ضمير وصلها ~~إثبات معنى الرحمة لله ثبتا لا يتبدل ولا يتغير إلا أنه من وراء غيب ما شاء ~~الله من أدب وامتحان وعقاب , فلذلك ختمه باسمه الرحيم , لأن الختم أبدى ~~إظهار للمعنى الأخفى من مضمون ما فيه الختم - انتهى . | ولما استتيبوا عن ~~عبادة العجل التي تقيدوا فيها بالمحسوس الذي هو مثل في الغباوة طلبوا رؤية ~~بارئهم بالحس على ما له من صفات الكمال التي تأبى الابتذال ناسين لجميع ~~النعم والنقم مسرعين في الكفر الذي هو من شأن الحائر والحال أن الفرقان ~~الذي لا يدع شبهة ولا يبقى حيرة قائم بين أيديهم , لأنهم من الجمود والوقوف ~~مع الوهم PageV01P135 والحس بمكان عظيم , فذكرهم سبحانه ذلك مسليا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم في إبائهم للإيمان به بما فعلوا مع موسى عليه السلام ~~وهو أحدهم فقال { وإذ قلتم } أي بعد ما رأيتم من الآيات وشاهدتم من الأمور ~~البينات { يا موسى } فدعوتموه باسمه جفاء وغلظة كما يدعو بعضكم بعضا ولم ~~تخصوه بما يدل على تعظيمه لما رأيتم من إكرام الله له وإكرامكم على يده { ~~لن } وهي كلمة تفهم نفي معنى باطن كأنها لا أن , يسر بالتخفيف لفظها - قاله ~~الحرالي . | { نؤمن لك } أي لأجل قولك . | قال الحرالي : وجاء باللام لأنهم ~~قد كانوا آمنوا به فتوقفوا عن الإيمان له الذي يتعلق بأمور من تفاصيل ما ~~يأتيهم به , فمن آمن لأحد فقد آمن بأمور لأجله , ومن آمن به فقد قبل أصل ~~رسالته < # > 77 ( { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } ) 77 < # > [ التوبة : 61 ] { حتى } كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما ~~قبلها مقابل معنى لكي { نرى } من الرؤية وهي اطلاع على باطن الشيء الذي ~~أظهر منه مبصره الذي أظهره منه منظره , ومنه يقال في مطلع المنام : رؤيا , ~~لأن ذوات المرئي في المنام هي أمثال باطنه في صورة المنظور إليه في اليقظة ~~- انتهى . | { الله } أي مع ما له من العظمة { جهرة } أي ms0137 عيانا من غير خفاء ~~ولا نوع لبس . | قال الحرالي : من الجهر وهو الإعلان بالشيء إلى حد الشهرة ~~وبلاغه لمن لا يقصد في مقابلة السر المختص بمن يقصد به , وهذا المطلوب مما ~~لا يليق بالجهر لتحقيق اختصاصه بمن يكشف له الحجاب من خاصة من يجوزه القرب ~~من خاصة من يقبل عليه النداء من خاصة من يقع عنه الإعراض , فكيف أن يطلب ~~ذلك جهرا حتى يناله من هو في محل البعد والطرد ! وفيه شهادة بتبلدهم عن ~~موقع الرؤية , فإن موسى عليه السلام قال < # > 77 ( { رب أرني } ) 77 < # > [ الأعراف : 143 ] وقال تعالى < # > 77 ( { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * } ) 77 < # > [ القيامة : 22 - 23 ] وقال عليه الصلاة والسلام : ( إنكم ترون ربكم ) ~~فالاسم المذكور لمعنى الرؤية إنما هو الرب لما في اسم الله تعالى من الغيب ~~الذي لا يذكر لأجله إلا مع ما هو فوت لا مع ما هو PageV01P136 في المعنى ~~نيل , وذلك لسر من أسرار العلم بمواقع معاني الأسماء الحسنى فيما يناسبها ~~من ضروب الخطاب والأحوال والأعمال , وهو من أشرف العلم الذي يفهم به خطاب ~~القرآن حتى يضاف لكل اسم ما هو أعلق في معناه وأولى به وإن كانت الأسماء ~~كلها ترجع معاني بعضها لبعض , { فأخذتكم } من الأخذ وهو تناول الشيء بجملته ~~بنوع بطش وقوة - انتهى . | أي لقولكم هذا لما فيه من الفظاعة وانتهاك ~~الحرمة , { الصاعقة } قيل : هي صيحة , وقيل : نار نزلت من السماء فأحرقتهم ~~, ويؤيده قوله { وأنتم تنظرون * } أي تلك الصاعقة فأماتتكم , لأنكم كنتم في ~~طلبكم رؤيته على ضرب من حال عبدة العجل , فأماتكم كما أماتهم بالقتل . | ~~ولما كان إحياؤهم من ذلك في الدار في غاية البعد و خرق العادة عبر عنه ~~بأداة التراخي ومظهر العظمة فقال { ثم بعثناكم } أي بما لنا من العظمة ~~بالإحياء . | قال الحرالي : من البعث وهو الاستثارة من غيب وخفاء , أشده ~~البعث من القبور , ودونه البعث من النوم ؛ قال : وتجاوز الخطاب ما كان من ~~سبب بعثهم , وكذلك كل موضع يقع فيه ثم , ففيه خطاب متجاوز مديد الأمد كثير ~~رتب ms0138 العدد مفهوم لمن استوفى مقاصد ما وقعت كلمة ثم , بينه من الكلامين ~~المتعاطفين ؛ ففي معنى التجاوز من الخطاب سؤال موسى عليه السلام ربه في ~~بعثهم حتى لا يكون ذلك فتنة على سائرهم - انتهى . | ولما كان ربما ظن أن ~~البعث من غشى ونحوه حقق معناه مبينا أنه لم يستغرق زمن البعد بقوله : { من ~~بعد موتكم } أي هذا بتلك الصاعقة , وقال دالا على أن البعث إلى هذه الدار ~~لا يقطع ما بنيت عليه من التكليف لأنها دار الأكدار فلا بد من تصفية ~~الأسرار فيها بالأعمال والأذكار { لعلكم تشكرون } أي لتصير حالكم حال من ~~يصح ترجي شكره لهذه النعمة العظيمة , وكل ما جاء من لعل , المعلل بها أفعال ~~الرب تبارك وتعالى ينبغي أن تؤول بنحو هذا , فإن لعل , تقتضي الشك لأنها ~~للطمع والإشفاق فيطمع في كون مدخولها ويشفق من أن لا يكون , وتارة يكون ~~الشك للمخاطب وتارة يكون للمتكلم , ولو قيل : لتشكروا , لم يكن هناك شك - ~~قاله الرماني في سورة يوسف عليه السلام . | وقال الحرالي : وفي لعل , إبهام ~~معلومه فيهم بأن منهم من يشكر ومنهم من لا يشكر - ا نتهى . | وسيأتي في ~~سورة طه إن شاء الله تعالى عن نص سيبويه في كتابه ما يؤيد ما ذكرته . | ~~PageV01P137 وفي هذه الآية وما تقدمها من آية { واتقوا يوما لا تجزي نفس } ~~تنبيه للعرب من غفلتهم في إنكار البعث وإرشاد إلى سؤال ممن يغرهم من أهل ~~الكتاب بأنهم أولى بالحق من المسلمين عن هذه القصة التي وقعت لأسلافهم من ~~إحيائهم بعد موتهم , وكذا ما أتى في محاوراتهم من قصة البقرة ونحوها مما ~~فيه ذكر الإحياء في هذه الدار أو في القيامة . | قال الحرالي : وفيه أي هذا ~~الخطاب آية على البعث الآخر الذي وعد به جنس بني آدم كلهم فجأة صعق وسرعة ~~بعث , فإن ما صح لأحدهم ولطائفة منهم أمكن عمومه في كافتهم - انتهى . | ~~ولما ذكرت الصاعقة الناشئة غالبا من الغمام كان أنسب الأشياء إيلاءها ذكر ~~تظليل الغمام وناسب التحذير من نقمة الإحراق بالصاعقة والتذكير بنعمة ~~الإيجاد ms0139 من الموت الإتباع بذكر التنعيم في الإبقاء بالصيانة عن حر الظاهر ~~بالشمس والباطن بالجوع . | < < # | البقرة : ( 57 - 59 ) وظللنا عليكم الغمام . . . . . # > > ^ ( وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون * وإذ قلنا ادخلوا هذه ~~القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم ~~خطاياكم وسنزيد المحسنين * فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا ~~على الذين ظلموا رجزا من السمآء بما كانوا يفسقون ) ^ } ) | وقال الحرالي ~~وعطف تعالى على ذكر البعث ذكر حال من مثل أحوال أهل الجنة الذي ينالونه بعد ~~البعث , فكأن عامتهم الذين لم يموتوا إنما شركوا هؤلاء المبعوثين لكونهم ~~كأنهم ماتوا بموتهم وبعثوا ببعثهم , فذكر ظل الغمام وهو من أمر ما بعد ~~البعث والأرزاق بغير كلفة وهو من حال ما بعد البعث وأفهم ذلك أمورا أخر في ~~أحوالهم كما يقال إن ملابسهم كانت تطول معهم كلما طالوا فكأنهم أخرجو من ~~أحوال أهل الدنيا بالجملة إلى شبه أحوال أهل الجنة في محل تيههم ومستحق ~~منال العقوبة لهم كل ذلك إنعاما عليهم , ثم لم يزيدوا مع ذلك إلا بعد عن ~~التبصرة في كل ما أبدي لهم من العجائب - حدث عن بني إسرائيل ولا حرج فقال : ~~{ وظللنا } من الظلة وهو وقاية مما ينزل من سماء الموقي و { عليكم الغمام } ~~من الغم وهو ما يغم النور أي يغطيه - انتهى . | أي فعلنا ذلك لترفيه ~~أجسامكم وترويح أرواحكم , وعن مجاهد أن الغمام أبرد من السحاب وأرق وأصفى { ~~وأنزلنا عليكم المن } قال الحرالي : هو ما جاء بغير كلفة , الكمأة من المن ~~- انتهى . | { والسلوى } أي لطعامكم على أن المن من الغمام , وحشر ~~PageV01P138 السلوى إليهم بالريح المثيرة له فنظمها به على غاية التناسب . ~~| قال الحرالي : والسلوى اسم صنف من الطير يقال هو السماني أو غيره - انتهى ~~. | وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأعراف أنه غير السماني وأنهم خصوا به ~~غيذانا بقساوة قلوبهم . | وهذه الخارقة قد كان صحابة نبينا صلى الله عليه ~~وسلم غنيين عنها ms0140 بما كان النبي صلى الله عليه وسلم كلما احتاجوا دعا بما ~~عندهم من فضلات الزاد فيدعو , فيكثره الله حتى يكتفوا من عند آخرهم , وأعطى ~~أبا هريرة رضي الله عنه تمرات وأمره أن يجعلها في مزو \ وقال له : أنفق ولا ~~تنثرها , فأكل منه سنين وأنفق منه أكثر من خمسين وسقا . | وبارك لآخر في ~~قليل شعير وأمره أن لا يكيله , فلم يزل ينفق منه على نفسه وامرأته وضيفه ~~حتى كاله فنفي , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو لم تكله لأكلتم منه ~~ولقام لكم ) وكان نحو ذلك لعائشة رضي الله عنها بعد موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم . | وكذا لأم مالك رضي الله عنها في عكة سمن لم تزل تقيم لها ~~أدمها حتى عصرتها . | ومثل ذلك كثير في دلائل النبوة للبيهقي وغيره . | ~~وقيل لكم { وكلوا } ودل على أنه أكثر من كفايتهم بقوله { من طيبات } جمع ~~طيبة . | قال الحرالي : والطيب ما خلص من منازع يشارك فيه وطيبه من سوى ~~الأكل له أي لم ينازعه وليس فيه حق لغيره , ومنه الطيب في المذاق وهو الذي ~~لا ينازعه تكره في طعمه , وهذا زاد على PageV01P139 ذلك بكونه لم يكن عن ~~عمل حرث ولا معاملة مع خلق - انتهى . | { ما رزقناكم } أي على عظمتنا التي ~~لا تضاهى . | ولما لم يرعوا هذه النعم أعرض عنهم للإيذان باستحقاق الغضب . ~~| وقال الحرالي : ثم أعرض بالخطاب عنهم وأقبل به على محمد صلى الله عليه ~~وسلم ومن معه - انتهى . | فقال { وما } أي فظلموا بأن كفروا هذه النعم كلها ~~وما { ظلمونا } بشيء من ذلك { ولكن كانوا } أي جبلة وطبعا { أنفسهم } أي ~~خاصة { يظلمون * } لأن ضرر ذلك مقصور عليهم . | قال الحرالي : وفيه إشعار ~~بتحذير هؤلاء أن يروا نحوا مما رأوا فينالهم نحو مما نالوه , لأن قصص ~~القرآن ليس مقصوده مقصورا على ذكر الأولين فقط بل كل قصة منه إنما ذكرت لما ~~يلحق هذه الأمة في أمد يومها من شبه أحوال من قص عليهم قصصه - انتهى . | ~~ولما كان كل من ظل الغمام ولزوم طعام واحد غير ms0141 مألوف لهم مع كونه نعمة ~~دنيوية وكان المألوف أحب إلى النفوس تلاه بالتذكير بنعمة مألوفة من ~~الاستظلال بالأبنية والأكل مما يشتهى مقرونة بنعمة دينية . | وقال الحرالي ~~: لما ذكر تعالى عظيم فضله عليهم في حال استحقاق عقوبتهم في تظليل الغمام ~~وإنزال المن والسلوى وهو مبتدأ أمر تيههم حين أبوا أن يقاتلوا الجبارين نظم ~~به آخر أمر تيههم بعد وفاة موسى وهارون عليهما السلام حين دخولهم مع يوشع ~~عليه السلام وما أمروا به من دخول البلد المقدس متذللين بالسجود الذي هو ~~أخص رتب العبادة وكمال عمل العامل ودنو من الحق - انتهى . | فقال تعالى { ~~وإذ قلنا } أي لكم { ادخلوا هذه القرية } إشارة إلى نعمة النصر . | قال ~~الحرالي : الدخول الولوج في الشيء بالكلية حسا بالجسم ومعنى بالنظر والرأي ~~, والقرية من القرى وهو الجمع للمصالح التي بها يحصل قوام الدنيا لقرى أهل ~~الدنيا والتي تجمع مصالح أهل الآخرة , لقرى أهل الآخرة , قال عليه السلام : ~~( أمرت بقرية تأكل القرى ) باستيطانها كأنها تستقري القرى تجمعها إليها , ~~وقد تناوبت الياء والهمزة PageV01P140 والواو مع القاف والراء على عام هذا ~~المعنى - انتهى . | وناسب سياق النعم الدلالة على تعقيب نعمة الدخول بالفاء ~~في قوله : { فكلوا منها حيث شئتم } وأتم النعمة بقوله { رغدا } موسعا عليكم ~~طيبا . | قال الحرالي : وفيه أي هذا الخطاب تثنية في ذكر الأرض لما تقدم من ~~نحوه لآدم في السماء , فكان تبديلهم لذلك عن فسق لا عن نسيان كما كان أمر ~~آدم عليه السلام , فكأنهم اقتطعوا عن سنته إلى حال الشيطان الذي كان من ~~الجن ففسق عن أمر ربه , فتحقق ظلمهم حين لم يشبهوا آباءهم وأشبهوا عدو ~~أبيهم - انتهى . | وأمرهم بالشكر على نعم النصر والإيواء وإدرار الرزق بأمر ~~يسير من القول والفعل , وقدم الدخول السار للنفوس والسجود الذي هو أقرب ~~مقرب للحضرة الشريفة لأنه في سياق عد النعم على القول المشعر بالذنب فقال { ~~وادخلوا الباب } وهو كما قال الحرالي أول مستفتح الأشياء والأمور المستغلقة ~~حسا أو معنى حال كونكم { سجدا وقولوا } جامعين إلى ندم القلب وخضوع الجوارح ~~الاستغفار باللسان ms0142 , ولما كان القول تحكى به الجمل فتكون مفعولا بها ويعمل ~~في المفرد إذا كان مصدرا أو صفة لمصدر كقلت حقا أو معبرا به عن جملة كقلت ~~شعرا وما كان على غير هذا كان إسنادا لفظيا لا فائدة فيه غير مجرد الامتثال ~~رفع قوله { حطة } أي عظيمة لذنوبنا . | قال الكشاف : والأصل النصب أي حط ~~عنا ذنوبنا إلا أنه رفع ليعطي معنى الثبات . | قال الحرالي : من الحط وهو ~~وضع الحمل الثقيل بمنة وجمام قوة يكون في الجسم , والمعنى أمروا بقول ما ~~يحط عنهم ذنوبهم التي عوقتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع من معه من ~~المهاجرين والأنصار بشعب من الشعاب مترددا بين الحرمين الشريفين - يعني في ~~عمرة الحديبية - فقال قولوا : ( لا إله إلا الله ) وعند ذلك دخول الشعب ~~الذي هو باب المدخل من نجد الأرض إلى سهلها ( فقالوها , فقال : والذي نفسي ~~بيده ! إنها للحطة التي عرضت على بني إسرائيل أن يقولوها فبدلوها ) انتهى . ~~| وعبر بنون العظمة في قوله { نغفر لكم } إشارة إلى أنه لا يتعاظمه ذنب وإن ~~عظم كاتخاذ العجل إذا جب بالتوبة , وفي قراءة من قرأ بالتحتانية والفوقانية ~~مبنيا للمجهول إشارة إلى تحقير الذنوب إذا أراد غفرانها بحيث إنه بأدنى أمر ~~PageV01P141 وأدق إشارة بمحوها وهي أقل من أن يباشرها بنفسه المقدسة , كل ~~ذلك استعطاف إلى التوبة . . | والغفر قال الحرالي : ستر الذنب أن يظهر منه ~~أثر على المذنب لا ع قوبة ولا ذكر - ثم قال : ففي قراءة { نغفر } تول من ~~الحق ومن هو من حزبه من الملائكة والرسل , وفي قراءة : تغفر , إبلاغ أمر ~~خطابهم بما يفهمه التأنيث من نزول القدر , وفي قراءة الياء توسط بين طرفي ~~ما يفهمه علو قراءة النون ونزول قراءة التاء , ففي ذلك بجملته إشعار بأن ~~خطاياهم كانت في كل رتبة مما يرجع إلى عبادة ربهم وأحوال أنفسهم ومعاملتهم ~~مع غيرهم من أنبيائهم وأمثالهم حتى جمعت خطاياهم جميع جهات الخطايا الثلاث ~~, فكأنهم ثلاثة اصناف : صنف بدلوا , وصنف اقتصدوا , وصنف أحسنوا فيزيدهم ~~الله ما لا يسعه القول و ms0143 < # > 77 ( { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } ) 77 < # > [ الرحمن : 60 ] انتهى . | ولما كان السياق هنا لتعداد النعم حسن أن ~~يعبر عن ذنوبهم بجمع الكثرة فقال { خطاياكم } إشارة إلى أنهم أصروا عليها ~~بحيث كادوا أن يجعلوا بإزاء كل نعمة ذنبا , والخطايا جمع خطيئة من الخطأ ~~وهو الزلل عن الحد عن غير تعمد بل مع عزم الإصابة أو ود أن لا يخطئ - هكذا ~~قال الحرالي , والظاهر أن المراد هنا ما كان عن عمد كائنا ما كان , لأن ذلك ~~أولى بسياق الامتنان والعقوبة بالعصيان . | قال في القاموس : والخطيئة ~~الذنب أو ما تعمد منه والخطأ ما لم يتعمد , جمعه خطايا , وقرئ شاذا : ~~خطيئاتكم , بالجمع السالم الدال على القلة إشارة إلى أنها وإن تكاثرت فهي ~~في جنب عفوه قليل , وهذا بخلاف الأعراف فإن السياق هناك لبيان إسراعهم في ~~الكفر كما سيأتي إن شاء الله تعالى , وناسب عد النعم العطف على ما تقدم ~~منها بقوله : { وسنزيد المحسنين * } أي بعد غفران ذنوبهم . | قال الحرالي : ~~جمع محسن من الإحسان وهو البلوغ إلى الغاية في حسن العمل , فيكون مع الخلق ~~رؤية المرء نفسه في غيره فيوصل له من البر ما يجب أن يفعل معه , ورؤية ~~العبد ربه في عبادته , فالإحسان فيما بين العبد وربه أن يغيب عن نفسه ويرى ~~ربه , والإحسان فيما بين العبد وغيره أن يغيب عن غيره ويرى نفسه , فمن رأى ~~نفسه في حاجة الغير ولم ير نفسه في عبادة الرب فهو محسن , وذلك بلوغ في ~~الطرفين إلى غاية الحسن في العمل بمنزلة الحسن في الصورة - انتهى . | ولما ~~كان هذا التصريح بالترغيب المتضمن للتلويح بالترهيب مقتضيا للعاقل المبادرة ~~غلى الطاعة بين أنه تسبب عنه أن بعضهم عصوا وكفروا هذه النعمة ا لعظيمة ولم ~~يقتصروا على ترك هذا الأمر بل بدلوه بدخولهم كما في الحديث ( يزحفون على ~~أستاههم قائلين : حبة في شعرة ) أي جنس الحب في جنس الشعرة أي في الغرائر ~~مطلوبنا لا PageV01P142 الحطة وهي غفران الذنوب . | قال الحرالي : أمروا ~~بالإخلاص لله نظرا إلى حياة قلوبهم فطلبوا الحنطة نظرا ms0144 إلى حياة جسومهم ~~فقال تعالى { فبدل } من التبديل وهو تعويض شيء مكان شيء - انتهى . | { ~~الذين ظلموا } وأسقط : منهم , لما يأتي في الأعراف { قولا } أي مكان القول ~~الذي أمروا به . | ولما كان التبديل وإن كان يفهم التغيير لكنه يصدق بأدنى ~~تغيير ولو أنه في اللفظ وإن اتحد المعنى بين أنه مضاد له بحيث لا يمكن ~~اجتماعهما بقوله : { غير الذي قيل لهم } فإن غيرا كما قال الحرالي كلمة ~~تفهم انتفاء وإثبات ضد ما انتفى , وقال : ذكر تعالى عدولهم عن كل ذلك ~~واشتغالهم ببطونهم وعاجل دنياهم فطلبوا طعام بطونهم التي قد فرغ منها ~~التقدير وأظهر لهم الغناء عنها في حال التيه بإنزال المن والسلوى إظهارا ~~لبلادة طباعهم وغلبة حب العاجلة عليهم فبدلوا كلمة التوحيد وهي لا إله إلا ~~الله وهي الحطة بطلب الحنطة < # > 77 ( { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } ) 77 < # > [ المائدة : 66 ] < # > 77 ( { ولو أن أهل القرى أمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء ~~والأرض } ) 77 < # > [ الأعراف : 96 ] ( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي ~~السائلين ) انتهى . | وبين أنه خص المبدلين بالعتاب نعمة منه مع أن له أن ~~يعم فقال { فأنزلنا } أي بعظمتنا بسبب ذلك { على الذين ظلموا } أي خاصة { ~~رجزا } قال الحرالي : هو أشد العذاب , وما جره أيضا يسمى رجزا مما يجب أن ~~يزجر عنه والزجر كف البهائم عن عدواها - انتهى . | ولما كان الإنزال مفهما ~~للسماء حققه تعظيما له بقوله : { من السماء بما } أي بسبب ما { كانوا ~~يفسقون * } أي يجددون PageV01P143 الخروج من الطاعة إلى المعصية في كل وقت ~~. | ففي إفهامه أنهم يعودون إلى الطاعة بعد الخروج منها وذلك مقتض لأن يكون ~~يظلمون أشد منه كما يأتي . | قال الحرالي : فبحق يجب على من دخل من باب جبل ~~أو قرية أن يقول في وصيدها : لا إله إلا الله , ليحط عنه ماضي ذنوبه , فكأن ~~ذكر الله في باب المدينة والشعب ذكاة لذلك المدخل , فمن لم يدخله مذكيا ~~دخله فاسقا ^ ( { لا تأكلوا مما ms0145 لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } ) ^ [ ~~الأنعام : 121 ] فلذلك ما انختم ذكرهم في الآية بالفسق - انتهى . | < < # | البقرة : ( 60 - 63 ) وإذ استسقى موسى . . . . . # > > ^ ( وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا ~~عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في ~~الأرض مفسدين * وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج ~~لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون ~~الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة ~~والمسكنة وبآءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * إن الذين آمنوا والذين ~~هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم ~~عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون * وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم ~~الطور خذوا مآ آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) ^ } ) | ولما بين ~~سبحانه نعمته عليهم بالإمكان من القرية بالنصر على أهلها والتمتع بمنافعها ~~وختمه بتعذيبهم بما يميت أو يحرق وتبين من ذلك كله أن قلوبهم أشد قسوة من ~~الحجارة كما سيأتي التصريح به من قول الله تعالى في قصة البقرة وأنها لا ~~منفعة فيها اتبعه التذكير بنعمته عليهم في البرية بما يبرد الأكباد ويحيي ~~الأجساد فذكر انفجار الماء من الحجر الذي عمهم نفعه وأنقذهم من الموت تبعة ~~ودلهم على التوحيد والرسالة أصله وفرعه بقدرة الصانع وعلمه جمعا لهم بذلك ~~بين نعمتي الدين والدنيا فقال تعالى { وإذ استسقى } أي طلب السقيا . | قال ~~الحرالي : والسقيا فعلى صيغة مبالغة فيما يحصل به الري من السقي والسقي ~~إحياء موات شأنه أن يطلب الإحياء حالا أو مقالا ؛ قال صلى الله عليه وسلم : ~~( اللهم اسق عبادك ! ثم قال : وأحي بلدك الميت ) انتهى . | { موسى لقومه } ~~أي لما PageV01P144 خافوا الموت من العطش فقلنا } أي بما لنا من العظمة حين ~~خفيت عنهم { اضرب } قال الحرالي : من الضرب وهو وقع الشيء ms0146 على الشيء بقوة { ~~بعصاك } والعصا كأنها ما يكف به العاصي , وهو من ذوات الواو , والواو فيه ~~إشعار بعلو كأنها آلة تعلو من قارف ما تشعر فيه الياء بنزول عمله بالمعصية ~~, كأن العصو أدب العصي , يقال عصا يعصو أي ضرب بالعصا اشتقاق ثان , وعصى ~~يعصي إذا خالف الأمر - انتهى . | { الحجر } أي جنسه فضرب حجرا { فانفجرت } ~~وما أنسب ذكر الانفجار هنا بعد ختم ما قبل بالفسق لاجتماعهما في الخروج عن ~~محيط , هذا خروج يحيي وذاك خروج يميت . | قال الحرالي : الانفجار انبعاث ~~وحي من شيء موعى أو كأنه موعى انشق وانفلق عنه وعاؤه ومنه الفجر وانشقاق ~~الليل عنه - انتهى . | ولأن هذا سياق الامتنان عبر بالانفجار الذي يدور ~~معناه على انشقاق فيه سيلان وانبعاث مع انتشار واتساع وكثرة , ولما لم يكن ~~{ منه } أي الحجر الذي ضربه { اثنتا عشرة عينا } لكل سبط عين , والعين قال ~~الحرالي هو باد نام قيم يبدو به غيره , فما أجزأ من الماء في ري أو زرع فهو ~~عين , وما مطر من السماء فأغنى فهو عين , يقال إن العين مطر أيام لا يقلع ~~وإنما هو مطر يغني وينجع , وما تبدو به الموزونات عين , وما تبدو به ~~المرئيات من الشمس عين , وما تنال به الأعيان من الحواس عين , والركية وهي ~~بئر السقيا عين , وهي التي يصحفها بعضهم فيقول : الركبة - بالباء يعني ~~الموحدة - وإنما هي الركية - بالياء المشددة - كذا قال , وقد ذكر اهل اللغة ~~عين الركبة ؛ وعد في القاموس المعاني التي لهذا اللفظ نحو أربعين , منها ~~نقرة الركبة اي بالموحدة , ومنها مفجر ماء الركية بالتحتانية مشددة . | ~~ولما توقع السامع إخبار المتكلم هل كانت الأعين موزعة بينهم معروفة أو ~~ملبسة قال { قد علم كل أناس } أي منهم . | قال الحرالي : وهو اسم جمع من ~~الأنس - بالضم , كالناس اسم جمع من النوس , قال : فلم يسمهم باسم من أسماء ~~الدين لأن الأسماء تجري على حسب الغالب على المسمين بها من أحوال تدين أو ~~حال طبع أو تطبع { مشربهم } مكتفاهم من الشرب المردد مع الأيام ومع الحاجات ~~في ms0147 كل وقت بما يفهمه PageV01P145 المفعل اسم مصدر ثان مشتق من مطلق الشرب ~~أو اسم محل يلزمه التكرار عليه والتردد , فجعل سبحانه سقياهم آية من آياته ~~في عصاه , كما كانت آيته في عصاه على عدوه الكافر , فكان فيها نقمة ورحمة ؛ ~~وظهر بذلك كمال تمليكه تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم حين كان ينبع من بين ~~أصابعه الماء غنيا في نبوعه عن آلة ضرب أو حجر , وتمليك الماء من أعظم ~~التمكين , لأنه تمكين فيما هو بزر كل شيء ومنه كل حي وفيه كل مجعول ومصور - ~~انتهى . | يعني أن هذه الخارقة دون ما نبع للنبي صلى الله عليه وسلم من ~~الماء من بين أصابعه , ودون ما نبع بوضع أصحابه سهما من سهامه في بئر ~~الحديبية وقد كانت لا ماء فيها , ونحو ذلك كثير . | ولما كان السياق ~~للامتنان وكان الإيجاد لا تستلزم التحليل للتناول قال زيادة على ما في ~~الأعراف ممتنا عليهم بنعمة الإحلال بعد الإيجاد على تقدير القول لأنه معلوم ~~تقديره { كلوا واشربوا من رزق الله } أي الذي رزقكموه من له الكمال كله من ~~غير كد ولا نصب . | قال الحرالي : لما لم يكن في مأكلهم ومشربهم جرى العادة ~~حكمته في الأرض فكان من غيب فأضيف ذكره لاسم الله الذي هو غيب { ولا تعثوا ~~} من العثو وهو أشد الفساد وكذلك العثي إلا أنه يشعر هذا التقابل بين الواو ~~والياء , إن العثو إفساد أهل القوى بالسطوة والعثى إفساد أهل المكر بالحيلة ~~- انتهى . | { في الأرض } أي عامة , لأن من أفسد في شيء منها بالفعل فقد ~~أفسد فيها كلها بالقوة . | واتباع ما معناه الفساد قوله { مفسدين } دليل ~~على أن المعنى ولا تسرعوا إلى فعل ما يكون فسادا قاصدين به PageV01P146 ~~الفساد , فإن العثي والعيث الإسراع في الفساد , لكن قد يقصد بصورة الفساد ~~الخير فيكون صلاحا في المعنى , كما فعل الخضر عليه السلام في السفينة ~~والغلام , وليس المراد بالإسراع التقييد بل الإشارة غلى أنه لملاءمته للهوى ~~لا يكون إلا كذلك , سيأتي له في سورة هود عليه السلام إن شاء ms0148 الله تعالى ~~مزيد بيان . | قال الحرالي : وفيه إشعار بوقوع ذلك منهم , لأن في كل نهي ~~إشعارا بمخالفته , إلا ما شاء الله , وفي كل أمر غشعارا بموافقته إلا ما ~~شاء الله , لأن ما جبل عليه المرء لا يؤمر به لاكتفاء إجباره فيه طبعا عن ~~أمره , وما منع منه لا ينهى عنه لاكتفاء إجباره عن أمره , وإنما مجرى الأمر ~~والنهي توطئة لإظهار الكيان في التفرقة بين مطيع وعاص , فكان منهم لذلك من ~~العثي ما أوجب ما أخبر به الحق عنهم من الهوان , وأشد الإفساد إفساد بنيان ~~الحق الذي خلقه بيده وهي مباني أجساد بني آدم فكيف بالمؤمنين منهم فكيف ~~بالأنبياء منهم - انتهى . | ولما امتن عليهم بهذه النعمة العظمة من أكل ~~المن والسلوى وشرب هذا الماء الرباني بين أنهم كفروها بالتضجر منها وطلب ~~غيرها وبالتيه كان قريبا منها بل كما أن هذه في غاية العلو كان مطلوبهم في ~~غاية الدناءة والسفول فقال تعالى { وإذ قلتم } أي بعد هذه النعم كلها { يا ~~موسى } منادين له باسمه من غير تعظيم { لن نصبر } أي طويلا { على طعام } ~~قال الحرالي : الطعام ما يقوت المتطعم ويصير جزاء منه { فلينظر الإنسان إلى ~~طعامه * } [ عبس : 24 ] الآية - انتهى . | { واحد } أي لا يتبدل وإن كان ~~متعددا وإن كان شريفا لا تعب فيه { فادع لنا } قال الحرالي : من الدعاء وهو ~~نداء لاقتضاء غلبة لما تدعو الحاجة إليه من القائم على الداعي بتذلل ~~وافتقار وهو في مقابلة الأمر من الأعلى , لأنه اقتضاء لما لا تدعو إليه ~~حاجة من الآمر لأن الآمر بالحقيقة إنما هو الغني لا المفتقر لما يقضيه - ~~انتهى . | { ربك } مضيفين لهذا الاسم إليه دون أنفسكم مع كثرة تجليه لكم ~~بهذا الوصف الناظر إلى الإحسان { يخرج لنا } أي وإن كنت أنت غير ملتفت إلى ~~ذلك { مما تنبت } من الإنبات وهو التغذية والتنمية - قاله الحرالي . | { ~~الأرض } ثم بينوا ما أرادوا بقولهم { من بقلها } أي خضرها . | قال الحرالي ~~: البقل ما يكثر به الأدم , والأدم الأشياء الدسمة فما يصلح معها من نجم ~~الأرض فهو بقل ms0149 - انتهى . | { وقثائها وفومها } أي الحنطة . | وقال الحرالي ~~: يقال هو الحب الذي يخبز - انتهى . | { وعدسها وبصلها } فكأنه قيل إن هذا ~~العجب منهم فما قال ؟ فقيل قال { قال } منكرا عليهم { أتستبدلون } أي ~~أتأخذون { الذي هو أدنى } أي منزلة { بالذي هو خير } أي بدله . | فالباء ~~داخلة هنا على المتروك وهذه المادة أعني الباء والدال المهملة واللام بهذا ~~الترتيب لها استعمالات كثيرة يختلف معناها معها فيشكل فهمها بسبب ذلك , ~~فإنه قد يذكر معها المتقابلان فقط , وقد PageV01P147 يذكر معها غيرها , وقد ~~لا يكون كذلك , وقد يكون ذلك مع التبدل والاستبدال مصحوبا أحدهما بالباء , ~~وقد لا يكون كذلك , وقد يذكران مع التبديل والإبدال , وتارة تكون الباء \ ~~اخلة على المتروك , وتارة على المأخوذ , وقد يعدي الفعل بنفسه إلى ~~المفعولين , وتارة يقتصر به على مفعول واحد ؛ ولبعض الاستعمالات معنى غير ~~معنى الآخر وسيأتي تحريره إن شاء الله تعالى في سورة سبأ فكأنه قيل : فهل ~~أجابهم إلى سؤالهم ؟ فقيل : نعم , قال { اهبطوا مصرا } أي من الأمصار , قال ~~الحرالي : المصر هو البلد الجامع لما يتعاون عليه من أمور الدنيا الذي يجمع ~~هذه المطالب التي طلبوها لأن ما دون الأمصار لا يكون فيها إلا بعضها , ومنه ~~سميت مصر لجماع أمر ما في الدنيا فيها وغرابة سقياها , وإن وافق ذلك ما ~~يقال إنها سميت مصر باسم رجل فالوفاق في حكمه الله , لأن كل دقيق وجليل ~~فيها جار بعلم الله وحكمته حيث كانت من وراء حجاب يخفيها أو ظاهرة بادية ~~لأهل النظر والاستبصار - انتهى . | { فإن لكم } أي فيه { ما سألتم } وينقطع ~~عنكم المن والسلوى , والسؤال قال الحرالي طلب ما تدعو إليه الحاجة وتقع به ~~الكفاية , قال : وذكر تعالى أن مطلبهم إنما يجدونه في الأمصار التي أقر ~~فيها حكمته لا في المفاوز وقل ما تنخرق في الأمصار والقرى , لما في هذه ~~الآية مضمونة , ولذلك حرص السالكون على السياحة والانقطاع عن العمائر , لما ~~يجدون في ذلك من روح رزق الله عن كلمته دون كلفة حكمته . | ولما نظم سبحانه ~~بنبأ موسى عليه السلام ما كان من ms0150 نبأهم مع يوشع عليه السلام بعده نظم في ~~هذه الآية بخطاب موسى عليه السلام ما كان منهم بعد يوشع عليه السلام إلى ~~آخر اختلال أمرهم وانقلاب أحوالهم من حسن المظاهرة لنبيهم إلى حال الاعتداء ~~والقتل لأنبيائهم عليهم السلام , وفي جملته إشعار بأن ذلك لم يكن منهم إلا ~~لأجل إيثار الدنيا ورئاستها ومالها على الآخرة إيثارا للعاجلة على الآجلة , ~~وفي طيه أشد التحذير لهذه الأمة في اتباعهم لسنن أهل الكتاب في مثل أحوالهم ~~؛ ولذلك انتظم بها الآية الجامعة وابتدأ بذكر الذين آمنوا من هذه الأمة ثم ~~استوفى الملل التي لها صحة على ما يذكر آنفا إن شاء الله تعالى - انتهى . | ~~ولما كان التقدير ففعلوا ما أمروا به من هبوط المصر فكان ما وعدوا به عطف ~~عليه قوله { وضربت عليهم الذلة } ملازمة لهم محيطة بهم من جميع الجوانب كما ~~يحيط البيت المضروب على الإنسان به , وهي اسم من الذل وهو صغار في النفس عن ~~قهر وغلبة . | قال الحرالي : وفي عطفه إفهام لمجاوزة أنباء عديدة ~~PageV01P148 غايتها في الظهور ما عطف عليها كأن الخطاب يفهم فأنزلناهم حيث ~~أنزلوا أنفسهم ومنعناهم ما لا يليق عن حاله مثل حالهم فظهر منهم وجوه من ~~الفساد , فسلط عليهم العدو فاستأصل منهم من شاء الله ومن بقي منهم أخذوا ~~بأنواع من الهوان - انتهى . | { والمسكنة } أي كذلك مناسبة لخساسة ما سألوه ~~. | قال الحرالي : وهي ظهور معنى الذل أو التذلل على ظاهر الهيئة والصورة ~~سكونا وانكفاف حراك - انتهى . | { وباؤوا } أي رجعوا وكانوا أحقاء { بغضب } ~~من باء فلان بفلان إذا كان حقيقا بأن يقتل به لمساواته له . | قال الحرالي ~~: معناه إجماع القاهر على الانتقام في حق مراغمة - انتهى . | ] { من الله } ~~الملك الأعظم لجرأتهم على هذا المقام الأعظم مرة بعد مرة وكرة إثر كرة . | ~~قال الحرالي : وفيه تهديد لهذه الأمة بما غلب على أهل الدنيا منهم من مثل ~~أحوالهم باستبدال الأدنى في المعنى من الحرام والمتشابه بالأعلى من الطيب ~~والأطيب المأخوذ عفوا واقتناعا - انتهى . | ثم ذكر سبب هذا وقال الحرالي : ~~ولما كان الغضب ms0151 إنما يكون على من راغم الجليل في معصيته ووقعت منهم ~~المراغمة في معصيتهم واعتدائهم ذكر فعلهم - انتهى . | فقال { ذلك } أي ~~الأمر العظيم الذي حل بهم من الغضب وما معه , ويجوز أن يرجع إلى اهتمامهم ~~بأمر معاشهم وعنايتهم بأحوال شهواتهم على هذا النحو الأخس الأدنى { بأنهم } ~~أي بسبب أنهم { كانوا } أي جبلة وطبعا { يكفرون } أي مجددين مستمرين { ~~بآيات الله } أي يسترون إذعانهم وتصديقهم بسبب آيات الله الذي له جميع ~~العظمة كتمانا عمن لا يعلم الآيات وتلبيسا , وكان تجديد ذلك والإصرار عليه ~~ديدنا لهم وخلقا قائما بهم . | قال الحرالي : والكفر بالآيات أبعد الرتب من ~~الإيمان , لأنه أدنى من الكفر بالله , لأن الكفر بالله كفر بغيب والكفر ~~بآيات الله كفر بشهادة < # > 77 ( { والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشئمة * } ) 77 < # > [ البلد : 19 ] انتهى . | { ويقتلون النبيين } أي كان ذلك جبلة لهم ~~وطبعا . | قال الحرالي : وهذا جمع نبيء وهو من النبأ وهو الإخبار عن غيب ~~عجز عنه المخبر به من حيث أخبر - انتهى . | ولما كان النبي معصوما دينا ~~ودنيا قال { بغير الحق } أي الكامل تنبيها على أن قتله لا يقع إلا كذلك , ~~لكن هذا لا ينفي أن يكون ثم شبهة كظن التنبؤ فالذم على الإقدام على إراقة ~~الدم بدون الوضوح التام وفاقا لنهي . | < # > 77 ( { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } ) 77 < # > [ الإسراء : 33 ] فهو أخف مما في آل عمران . | ثم علل هذه الجرأة فقال ~~{ ذلك } أي الأمر الكبير من الكفر والقتل الذي هو من أعظم الكفر { بما عصوا ~~} وهو من العصيان . | قال الحرالي : وهو مخالفة الأمر - انتهى . | { وكانوا ~~} أي جبلة وغريزة PageV01P149 { يعتدون } أي يتجاوزون الحدود على سبيل ~~التجدد والاستمرار , فإن من فعل ذلك مرد عليه ومرن فاجترأ على العظائم . | ~~قال الحرالي : وهو أي الاعتداء تكلف العداء , والعداء مجاوزة الحد , فيما ~~يفسح فيه إلى حد لا عذر لمجاوزه من حيث فسح له سعة ما فسح وحد له ما حد - ~~انتهى . | وقد جاء نظم هذه الآيات من قصصهم على غير ترتيبها في الوجود , ~~وفي التوراة لما ms0152 ذكرت من هذه المناسبات العظيمة والله أعلم شرح أمرها من ~~التوراة قال في آخر السفر الرابع منها في النسخ الموجودة بين أظهر اليهود ~~الآن في هذا القرن التاسع فيما قرأته في نسخة مترجمة بالعربية وخطها كذلك ~~وعليها آثار قراءتهم لها وبيان الأوقات التي يقرأ فيها كل فصل منها ثم ~~قابلتها بالمعنى كما مضى مع شخص منهم وكان هو القارئ ما نصه : وهذه مظاعن ~~بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض مصر بأجنادهم على يدي موسى وهارون عليهما ~~السلام وكتب موسى مخارجهم ومراحلهم عن قول العرب ظعنوا من رعمسيس - وفي ~~نسخة : من عين شمس - في خمسة عشر يوما من الشهر الأول من غد الفصح - وفي ~~نسخة : بعد الفصح بيوم - والمراد بالشهر الأول عندهم نيسان وهو شهر الفريك ~~, وخرج بنو إسرائيل بقوة عظيمة تجاه جميع أهل مصر كانوا مشاغيل بدفن ~~الأبكار الذين قتلهم الرب , وبما انتقم الرب من آلهتهم , فظعن بنو إسرائيل ~~من رعمسيس - وفي ن سخة : عين شمس - ونزلوا ساحوت وارتحلوا من ساحوت ونزلوا ~~آثم - وفي نسخة : آثام - التي في أقاصى المفازة وظعنوا من آثام ونزلوا في ~~فوهة الخندق الذي في جبال بعلصفون ونزلوا بإزاء مغدول - وفي نسخة : مجدول - ~~وارتحلوا من فوهة الخندق وجازوا في وسط البحر إلى القفر - وفي نسخة : بين ~~البحر والقفر - وساروا مسيرة ثلاثة أيام في برية اثام ونزلوا مررا - وفي ~~نسخة : المريرة - وأتوا اليم وفي نسخة : ونزلوا في المراير وارتحلوا من ~~المراير وصاروا إلى اليم - وكان في اليم اثنتا عشرة عينا من ماء وسبعون ~~نخلة ونزلوا هناك على الماء , وارتحلوا من اليم ونزلوا ساحل بحر سوف - و في ~~نسخة : على البحر الأحمر - وظعنوا من شاطئ بحر سوف - وفي نسخة : من البحر ~~الأحمر - وفي أخرى : بحر القلزم - ونزلوا برية سينين وارتحلوا من قفر سينين ~~ونزلوا ذفقا وظعنوا من ذقفا ونزلوا آلوش وارتحلوا من آلوش ونزلوا رفيدين - ~~وفي نسخة : رفيديم - ولم يكن هناك ماء يشرب الشعب وظعنوا من رفيدين - وفي ~~نسخة : رفيديم - فنزلوا برية - وفي نسخة : قفر سيناء - وظعنوا من ms0153 قفر سيناء ~~ونزلوا الموضع المعروف بقبور الشهوة وارتحلوا من مقبرة الشهوة - وفي نسخة : ~~قفر قبور الشهوة - فنزلوا حصروث وظعنوا من حصروث فنزلوا رثما - وفي نسخة : ~~الرامة - وارتحلوا من رثما - وفي نسخة : الرامة - فنزلوا رمون فيرص . | ~~PageV01P150 وقال في السفر الثاني عند ذكر الإنعام عليهم باستنقاذهم من ~~أيدي القبط بتلك الآيات العظيمة التي ستشرح إن شاء الله تعالى في سورة ~~الأعراف فقال موسى للشعب : اذكروا هذا اليوم الذي خرجتم فيه من مصر من ~~العبودية والرق , لأن الرب أخرجكم من ههنا بيد منيعة فلا يؤكل الخمير في ~~هذا اليوم وهو ذا أنتم خارجون في شهر الفقاخ - وفي نسخة : الفريك - فإذا ~~أدخلكم الرب إلى أرض الكنعانيين والحيثانيين والأمورانيين والجاوانيين ~~واليابسانيين والفرزانيين كالذي أقسم لآبائكم أن يعطيكم الأرض التي تغل ~~السمن والعسل , تعملون هذا العمل في هذا الشهر , كلوا الفطير سبعة أيام ولا ~~يوجدن الخمير عندكم ؛ وتعلمون أبناءكم في ذلك اليوم وتقولون لهم إن الله ~~فعل بنا هذا الفعل إذ أخرجنا من أرض مصر , وليكن ذلك آية على يدك وعلامة ~~بين عينيك لتكون سنة الرب وشريعته على لسانك لأن الرب أخرجك من مصر بيد ~~عزيزة منيعة واحتفظ بهذا وهذه الوصية من سنة إلى سنة في وقته , وإذا أدخلك ~~الرب إلى أرض الكنعانيين التي أقسم لك ولآبائك أن يعطيكها فميز كل ذكر بفتح ~~الرحم للرب وكل ذكر من البهائم التي تكون لك يفتح الرحم يكون خاصة للرب ~~تفتديه بحمل , فإن لم تفتده فاذبحه , وتفتدي كل بكر ذكر من أولادك , فإذا ~~سألك ابنك غدا وقال لك : ما هذا العمل ؟ فقل : إن الرب أخرجنا من أرض مصر ~~من العبودية والرق بيد منيعة عزيزة , لأن فرعون قسا وفظ وأبى أن يرسلنا , ~~فقتل الرب جميع أبكار أرض مصر من بكر البشر إلى بكر البهائم , فمن أجل ذلك ~~أذبح للرب كل ذكر بفتح الرحم وأفتدي جميع أبكار ولدي , فيكون ذلك علامة على ~~يدك وذكرا بين عينيك , لأن الرب أخرجك من مصر بيد منيعة عزيزة . | فلما ~~أرسل فرعون الشعب وانطلقوا لم يرسلهم ms0154 الله تعالى في طريق أرض فلسطين , لأنه ~~كان قريبا ولأن الله قال : لعل الشعب إذا ما عاينوا القتال أن يخافوا ~~ويرهبوا فيرجعوا إلى مصر , فساس الله الشعب في طريق برية بحر سوف , وخرج ~~بنو إسرائيل من أرض مصر وهم متسلحون , وحمل موسى عليه السلام عظام يوسف ~~عليه السلام معه , لأنه أقسم على بني إسرائيل بأيمان وقال : إن الله ~~سيذكركم فأصعدوا عظامي معكم من ههنا , فظعنوا من ساحوت ونزلوا آثام التي في ~~أقطار البرية , وكان الرب يسير أمامهم بالنهار في عمود السحاب ليسكنهم في ~~الطريق وبالليل في عمود نار ليضيء لهم وكان يسير أمامهم بالليل والنهار , ~~ولم يكن عمود الغمام يزول بالنهار وعمود النار بالليل من بين يدي الشعب , ~~وكلم الرب موسى وقال له : قل لآل إسرائيل أن يرجعوا فينزلوا على شاطئ ~~الخندق وما بين مغرول والبحر أمام بعلصفون , انزلوا هناك إزاء البحر حتى ~~يقول فرعون إن بني إسرائيل غرباء في الأرض , فيظن أنهم قد تاهوا في القفر ~~وأن البر قد انغلق عليهم ؛ وقال PageV01P151 الرب لموسى : أنا أقسي قلب ~~فرعون فيسير في طلبكم فأمجد بفرعون وجميع جنوده , فيعلم أهل مصر أني أنا ~~الرب , ففعلوا كذلك ؛ فأسف فرعون وعبيده لإرسال الشعب وندموا , فألجم خيله ~~وسار في جميع شعبه وظعن في ستمائة ألف راكب مختارة وجميع مواكب المصريين ~~أيضا والرجال - وفي نسخة : والقواد - على جميعها , فسار المصريون في طلبهم ~~فرهقوهم وهم حلول على المهرقان , فقرب فرعون ورفع بنو إسرائيل أبصارهم ~~فرأوا المصريين وهم في طلبهم فخافوا خوفا شديدا , فصلى بنو إسرائيل بين يدي ~~الرب وقالوا لموسى : ألقلة القبور بمصر أخرجتنا لنموت في البرية ؟ لم فعلت ~~بنا هذا الفعل وأخرجتنا من مصر ؟ أليس هكذا كنا نقول لك ونحن بمصر : دعنا ~~نتعبد للمصريين كان خيرا لنا أن نتعبد للمصريين من الموت في هذا القفر ؟ ~~فقال موسى للشعب : لا خوف عليكم ! انتظروا فأبصروا خلاص الرب إياكم في هذا ~~اليوم , لأنكم عاينتم المصريين يومنا هذا , لا تعودون أن تعاينوهم أيضا غلى ~~الأبد , و الرب يجاهد عنكم إذ ms0155 أنتم في هدوء وطمأنينة ؛ فصلى موسى بين يدي ~~الرب فقال : مر بني إسرائيل أن يظعنوا وأنت فارفع عصاك واضرب ماء البحر , ~~فيسير آل إسرائيل في البحر في اليبس , وها أنا ذا أقسي قلوب المصريين ~~وأغلظها ليتبعوهم , فأمجد بفرعون وبجميع جنوده وبمواكبه وفرسانه , فيعلم ~~أهل مصر أني أنا الرب إذا مجدت بفرعون وبجميع جنوده , فظعن ملك الله الذي ~~كان يسير أمام عسكر بني إسرائيل فصار على ساقتهم , فاحتمل السحاب الذي كان ~~أمامهم فوقف خلفهم ودخل بين عسكر المصريين ومحلة بني إسرائيل , وكان السحاب ~~والحندس تلك الليلة بأسرها وكان الضياء والنور لبني إسرائيل تلك الليلة ~~كلها , فلم يقدروا على الدنو إليهم تلك الليلة . | فرفع موسى يده على البحر ~~فزجر الرب البحر بريح سموم - وفي نسخة : قبول عاصف - أليل أجمع , فصير ماء ~~البحر في اليبس , وانقسم الماء , فدخل بنو إسرائيل في وسط البحر في اليبس , ~~فصارت المياه كالسور بين ميامنهم ومياسرهم , فسار المصريون فدخلوا في طلبهم ~~فصار خيل فرعون وجميع مواكبه في البحر , فلما كان عند حريم الغداة تراءى ~~الرب لعسكر المصريين في عمود نار ومزنة غمامة , فأرجف عسكر المصريين وأفتنه ~~وربط مواكبهم وحبسها وجعلوهم يعنقون بالسير عليها , فقال المصريون : سيروا ~~بنا لنهرب بين يدي آل إسرائيل , لأن الرب حارب عنهم بمصر , فقال الرب لموسى ~~: ابسط يدك على المهرقان فتؤول المياه على المصريين فتطفح على مواكبهم ~~وفرسانهم , فرفع يده على البحر , فرجع البحر عند وقت الغداة إلى موضعه ~~والمصريون جعلوا يهربون إزاءه , فعذب الرب المصريين في البحر وأكذبهم , ~~فجرت المياه وطفت على المواكب والفرسان وعلى جميع PageV01P152 جنود فرعون ~~الذين دخلوا في البحر في طلبهم , ولم ينج منهم واحد , فخلص آل إسرائيل في ~~ذلك اليوم من أيدي المصريين , فنظر بنو إسرائيل إلى المصريين موتى على شاطئ ~~المهرقان , وعاين آل إسرائيل النقمة العظيمة التي أنزلها الله بالمصريين , ~~وخاف الشعب الرب وآمنوا به وصدقوا قول موسى عبده , حينئذ سبح موسى وبنو ~~إسرائيل بهذا التسبيح وقالوا : نسبح الرب ذا الجلال الذي تعالى على المواكب ~~وغرق فرسانها في ms0156 البحر المنيع , والمحمود الرب الأزلي , فكان لي منجيا , ~~هذا إلهنا فلنحمده ولنمجده , إله آبائنا فلنعظمه ولنجله , الرب ذو الملاحم ~~, جبار اسمه , لأنه قذف بمواكب فرعون وجنوده في البحر وغرق جبابرة في بحر ~~سوف وغطتهم الأمواج وهبطوا في القعر فرسبوا مثل الجنادل , يمينك يا رب بهية ~~بالقوة , يمينك يا رب أهلكت أعداءك بعظم عزك , كبت شانئك أرسلت غضبك ~~فأحرقهم كالسهم بريح وجهك , وأمرك جمدت المياه ووقف جريها كأنه الأطواد , ~~ورسب الأغمار في قعر البحر كالرصاص في الماء المنيع ؛ فمن مثلك ومن يفعل ~~كأفعالك أيها البهي في قدسه المرهوب المحمود مظهر العجائب , سست بنعمتك هذا ~~الشعب الذي خلصت , فبلغ ذلك الشعوب فارتجفوا وقلقوا وغشي الخوف والرعب سكان ~~فلسطين , عند ذلك ذعر أشراف ادوم وغشى الرعدة والارتعاش رجال مؤاب وانكسر ~~جميع سكان كنعان فانهزموا فلينزل بهم الخوف والقلق والرجفة بعظمة ذراعك , ~~يغرقون كالجنادل حتى يجوز شعبك الذي خلصت , تقبل بهم فتقدسهم في جبل ميرانك ~~, الرب يملك إلى أبد الآبدين ؛ وظعن موسى ببني إسرائيل من بحر سوف , فخرجوا ~~حتى انتهوا إلى برية أسود , ثم ساروا في البرية مسيرة ثلاثة أيام فلم يجدوا ~~هناك ماء , ثم انتهوا إلى مورث فلم يقدروا على أن يشربوا ماء مورث , لأنه ~~كان مرا فتذمر الشعب على موسى وقالوا له : ما الذي نشرب الآن ؟ فصلى موسى ~~بين يدي الرب , فأظهر الرب له عودا فألقاه في الماء , فعذب الماء هناك , ~~علمه السنن والأحكام , فأتوا حتى انتهوا إلى آليم وكان هناك اثنتا عشرة ~~عينا من ماء وسبعون نخلة فنزلوا هناك على الماء , ثم ظعنوا من آليم فأتوا ~~برية سينين التي بين آليم وسينين في خمسة عشر من الشهر الثاني من الزمان ~~الذي خرجوا من مصر , فتذمر جميع جماعة بني إسرائيل على موسى وهارون وقالوا ~~لهما : قد كنا نحب أن نتوفى في أرض مصر إذ كنا جلوسا بين أيدينا مراجل ~~اللحم وكبار الخبز ونفضل فأخرجتمانا إلى هذه البرية لتقتلا جماعة بني ~~إسرائيل بالجوع ! فقال الرب لموسى : ها أنا ذا مهبط لكم الخبز من ms0157 السماء ~~فليخرج الشعب فليلتقطوا طعام يوم بيوم لكي أمتحنهم هل يسيرون بوصاياي وسنني ~~ويحفظونها أم لا , فإذا كان اليوم السادس فليعدوا فضلا على ما يأتون به ~~وليكن ذلك ضعف ما PageV01P153 يلتقطون في كل يوم , فقال موسى وهارون لجميع ~~بني إسرائيل عند الأصيل : تعلمون أن الرب أخرجكم من أرض مصر وبالغداة ~~تعاينون مجد الرب , لأن تذمركم بلغ الرب , ونحن فمن نحن إذ تتذمرون علينا , ~~وقال لهم موسى : إن الرب قد أعطاكم لحما عند الأصيل لتأكلوا ورزقكم خبزا ~~بالغداة لتشبعوا , لأنه قد بلغ الرب تذمركم الذي تراطنون عليه , ونحن فمن ~~نحن وليس إنما تتذمرون علينا بل على الرب , وقال لهارون : مر جميع جماعة ~~بني إسرائيل أن يدنوا فيقفوا بين يدي الرب , فلما قال هارون ذلك لجميع ~~جماعة بني إسرائيل التفتوا فإذا مجد الرب قد اعتلن في السحاب وقال الرب ~~لموسى : قد بلغني تذمر بني إسرائيل فقل : عند مغارب الشمس تأكلون اللحم ~~وبالغداة شرقا تشبعون من الخبز فتعلمون أني أنا الرب إلهكم , فلما كان عند ~~الأصيل صعدت السماني فتغشت العسكر , وكان بالغداة ضبابة تقطر المن فأحاطت ~~بالعسكر , فارتفعت الضبابة فإذا على وجه الأرض دقيق يتقشر وكان شبه صفائح ~~الجليد على الأرض , فقال موسى : هذا الخبز الذي أعطاكم الرب لتأكلوا , وهذا ~~قول الرب الذي أمر به ليلتقط المرء منه على قدر قوته مكيالا لكل نفس على ~~عدد رؤوسكم ليأخذ المرء لكل من كان في خيمته , فصنع بنو إسرائيل كما أمرهم ~~موسى والتقطوا , فمنهم من أخذ كثيرا ومنهم من تناول قليلا وكالوا ذلك , فلم ~~يفضل الذي أخذ الكثير والذي أخذ القليل لم يعدمه , فقال لهم موسى : لا ~~تبقين منه للغد شيئا , فلم يطيعوا موسى فأفضل رهط منهم للغد , فدب فيه ~~الدود وأنتن , فغضب موسى , فجعلوا يلتقطونه في كل غداة كل امرئ على قدر ~~قوته , وكان إذا حميت عليه الشمس يميع , فلما كان اليوم السادس التقطوا من ~~الخبز ضعفي ما كانوا يتناولون كل رجل مكيالين , فأتى جميع أشياخ الجماعة ~~فأخبروا موسى , فقال لهم : هكذا قال الرب ms0158 , إن السبت راحة ودعة وغدا يوم ~~قدس الرب ؛ وقال في موضع آخر : لا تعملوا فيه عملا بل يكون سبتا للرب في ~~جميع مساكنكم , وكل ما أردتم أن تختبزوه فاخبزوه واطبخوا ما أردتم طبخه ~~واحتفظوا بما تفضلون باردا للغد , فأبقوا منه للغد كما أمر موسى , فلم ينتن ~~ولم يدب فيه الدود فقال لهم موسى : كلوه يومكم هذا , لأن اليوم يوم سبت ~~للرب ولستم تقدرون عليه اليوم في الحقل , كونوا تلتقطونه ستة أيام واليوم ~~السابع هو سبت لا يؤخذ فيه , فلما كان اليوم السابع خرج رهط من الشعب ~~ليلتقطوا فلم يجدوا فقال الرب لموسى : حتى متى يأبوا أن يقبلوا وصاياي ~~وسنني , فاستراح الشعب في اليوم السابع , فسماه بنو إسرائيل المن وهو كحبة ~~الكزبرة وطعمه كشهد العسل . | وقال في السفر الرابع : والمن كان يشبه حبة ~~الكزبرة وكان منظره أبيض كالمها , وكان الشعب يترددون ويلتقطونه ويطحنونه ~~في الرحى ويهرسونه في المهراس ويطبخونه في القدور PageV01P154 ويصيرون منه ~~مليلا ويصير طعمه مثل طعم الخبز الذي يعجن دقيقه بالزيت . | رجع إلى الثاني ~~قال : فأكل بنو إسرائيل المن أربعين سنة ولم يزالوا يأكلون المن حتى انتهوا ~~إلى أقطار الأرض ذات السكنى وحتى انتهوا إلى أقطار أرض كنعان , وكان ذلك ~~المكيال عشر جريب أي عشر ويبة , وإن جماعة بني إسرائيلظعنوا من برية سينين ~~في مظاعنهم كما أمر الرب فوردوا رفيدين ولم يكن للشعب ماء يشربون , فضج ~~الشعب على موسى وقالوا له : أعطنا ماء لنشرب , فقال : ما بالكم تضجون وكم ~~تجربون الرب ؟ واشتد عطش الشعب هناك فتذمروا على موسى وقالوا له : لم ~~أصعدتنا من أرض مصر لتقتلنا وأبناءنا ومواشينا بالعطش ؟ فصلى موسى أمام ~~الرب وقال : ما أصنع بهذا الشعب ؟ إنهم كادوا أن يرجموني , فقال الرب لموسى ~~: جز قدام الشعب وانطلق ببعض أشياخ بني إسرائيل والعصا التي ضربت بها البحر ~~ففلقته , خذها بيدك وانطلق وها أنا ذا واقفا بين يديك على حجر الظران ~~بحوريب فاضرب عند ذلك الظران فيخرج الماء ويشرب الشعب , فصنع موسى هذا ~~الصنيع بين أشياخ بني إسرائيل , فسمى ms0159 ذلك الموضع التجري والتذمر , لأن بني ~~إسرائيل تنازعوا واصطخبوا ولأنهم جربوا الله وقالوا : هل الله بيننا أم لا ~~؟ ولما كان في الشهر الثالث بعد خروج بني إسرائيل من مصر انتهوا إلى برية ~~سيناء إذ ظعنوا من رفيدين فأتوا برية سيناء وحل هناك إسرائيل قبالة الجبل , ~~فصعد موسى إلى الجبل فدعاه الله من الجبل وقال : هكذا قل لآل يعقوب : قد ~~رأيتم ما صنعت بالمصريين وحملتكم كأنكم على أجنحة النسور وأقبلت بكم إلي , ~~فإن أنتم الآن أطعتم قولي وحفظتم عهدي فأنتم أحب إلي من جميع شعوب الأرض , ~~فأتى موسى فدعا بأشياخ الشعب فقص عليهم جميع هذه الآيات التي أمره بها الرب ~~, فأجاب الشعب كلهم جميعا وقالوا : نحن فاعلون جميع ما أمرنا به الرب , فرد ~~موسى جواب الشعب على الرب فقال الرب لموسى : ها أنا ذا مناجيك في سحابة ~~مظلمة لكي يسمع الشعب كلامي إذا كلمتك فيقبلوا كلامك ويصدقوك إلى الأبد , ~~فقال الرب لموسى : انطلق إلى الشعب وطهرهم اليوم وغدا وليبيضوا ثيابهم ~~ويرحضوها وليستعدوا في اليوم الثالث فناشد الشعب وتقدم إليهم وقل لهم : ~~احذروا أن تصعدوا إلى الجبل ولا تقربوا إلى حافاته , ومن دنا من الجبل ~~فليقتل ولا تصيبه أيدي الناس بل يرجم رجما ويقذف به غلى أسفل به بهيمة كان ~~أو إنسانا , فإذا صمتت أصوات القرون فأنتم في حل من الصعود إلى الجبل , ~~فهبط موسى من الجبل إلى الشعب فطهر الشعب وبيضوا ثيابهم , وقال موسى للشعب ~~: كونوا مستعدين في اليوم الثالث , لا تقتربن إلى امرأة , فلما كان في ~~اليوم الثالث باكروا غلسا , فإذا هم بأصوات قرون وبروق وإذا هم أيضا بسحابة ~~عظيمة قد حلت على PageV01P155 الجبل , فاشتد صوت القرن جدا واشتد فزع من ~~كان في العسكر , وأخرج موسى الشعب إلى لقاء الرب من العسكر فقاموا في حافات ~~الجبل وكان جبل سيناء يخرج منه القتار والدخان , لأن الرب هبط عليه بالنار ~~وارتفع غباره كغبار الأتون وتزلزل الجبل زلزلة شديدة واشتد صوت القرن , ~~ودعا الرب موسى إلى رأس الجبل , فصعد موسى وقال له الرب ms0160 : انزل فأنشد بني ~~غسرائيل وإنذرهم أن لا يتزحزحوا عند النظر بين يدي الرب فيهلك منهم كثير , ~~وكان جميع الشعب يسمعون الأصوات ويرون المصابيح ويسمعون أصوات القرون ويرون ~~الدخان يخرج من الجبل . | فرأى ذلك الشعب ففزعوا ووقفوا من بعيد وقالوا ~~لموسى : كلمنا أنت حتى نسمع ولا يكلمنا الله لكيلا نموت , فقال موسى : لا ~~خوف عليكم , لأن الله إنما كلمكم ليمتحنكم ويجربكم لكي تخافوه وترهبوه ولا ~~تخطئوا ولا تأثموا , فوقف الشعب من بعيد ودنا موسى من الضباب التي اعتلن ~~الله فيها , وقال الرب لموسى : هكذا قل لآل إسرائيل : قد رايتم وعلمتم أني ~~كلمتكم من السماء , لا تتخذوا معي آلهة من ذهب ولا تعملوا لكم آلهة من فضة ~~, ثم قال : ها أنا ذا مرسل إليك الملك بين يديك ليحفظك في سفرك ويوردك ~~البلد الذي أتقنت - وفي نسخة : الذي ثيأته - فاحذره واسمع منه , لأن اسمي ~~حال عليه , فإن أنت قبلت قوله وأطعت أمره وعملت بكل ما يأمرك به أبغض ~~مبغضيك ويسير ملكي أمامك فيدخلك على الأمورانيين - وذكر بعدهم خمس فرق - ~~فأقتلهم وأبيدهم وأرسل الرعب والخوف والجزع بين يديك وأبيد جميع الشعوب ~~الذين تسير إليهم ولا أبيدهم في سنة واحدة لكي لا تخرب الأرض بل رويدا ~~رويدا حتى تعتز - وفي نسخة : تكثر - فتصير ذا بطش فترث الأرض واجعل تخومك ~~من بحر سوف إلى فلسطين ومن البرية حتى النهر - وفسره في موضع آخر بالفرات - ~~وقال الرب لموسى : اصعد غلى الجبل انت وهارون وناذاب وآبيهوا وسبعون رجلا ~~من أشياخ بني إسرائيل ويسجدون من بعيد , ويقترب موسى وحده إلى الرب وهم لا ~~يقتربون ولا يصعد الشعب معه . | فجاء موسى وقص على الشعب جميع عهود الرب ~~وجميع أحكامه , فنادى الشعب كلهم بصوت عال وقالوا : نحن نفعل ما أمرنا الرب ~~, وكتب موسى جميع كلام الرب , وغدا باكرا فبنى مذبحا في حافة الجبل ونصب ~~اثنتي عشرة نصبة لأسباط بني إسرائيل - ثم ذكر ذبائح وقرابين وغير ذلك ثم ~~قال : ثم أخذ سفر العهد فتلاه على الشعب , فقالوا : نحن سامعون فاعلون ما ~~أمرنا ms0161 به الرب , فتناول موسى ذلك الدم - يعني دم القربان - فرشه على الشعب ~~وقال : هذا دم العهد الذي عاهدكم في جميع هذه الأقاويل , وصعد موسى ومن ذكر ~~معه ثم تركهم في مكان من الجبل ثم قال لهم امكثوا ههنا , فصعد موسى إلى ~~الجبل وتغشاه السحاب وحل مجد الله على جبل PageV01P156 سيناء وستره السحاب ~~ستة أيام , ودعا الرب موسى في اليوم السابع من جوف السحاب ونظر غلى مجد ~~الرب مثل نار تتوقد في رأس الجبل أمام جميع بني إسرائيل , فدخل موسى في جوف ~~السحاب وصعد إلى الجبل فمكث موسى في الجبل أربعين يوما نهارا وأربعين ليلة ~~, وكلم الرب موسى وقال له : قل لبني إسرائيل : فليخصوا لي تزكية أموالهم , ~~وخذ ذلك من كل رجل بلغ أشده - ثم ذكر الأموال التي تزكى إلى أن قال : ~~ويتخذون لي مظهرا حتى أحل بينهم كل شيء أريكه شبه القبة وجميع متاعها كذلك ~~فليصنعوه - ثم قال : واعمل على المثال الذي أريكه في الجبل وليتخذوا تابوتا ~~من خشب الشمشاد طوله ذراعان ونصف وسمكه ذراع ونصف , وصفحه بصفائح الذهب ~~الإبريز من داخله ومن خارجه , واتخذ له طوقا من ذهب يحيط به , وضع له أربع ~~حلقات من ذهب وسمرها في أربع زوايا التابوت حلقتين في شق واحد وحلقتين في ~~الجانب الآخر , واتخذ أصطارا من خشب الشمشاد وصفحها بالذهب , وصير الأصطار ~~في الحلق في جانبي التابوت ليحل بها , وليكن الأصطار في حلق التابوت ولا ~~ينزع منها , وتضع الشهادة التي أعطيتك في التابوت , وسمي هذا تابوت الشهادة ~~, واتخذ كروبين أي شخصين من ذهب اتخذهما مفرعين مصبوبين فيكونا على جانبي ~~التطهير وتكون أجنحة الكروبين مبسوطة تظل من فوق فتظل بأكنافها على التطهير ~~, وليكن وجه كل واحد منهما إزاء صاحبه وليكن وجها الكروبين من فوق التطهير ~~؛ وقال : واتخذ دارا للقبة من مهب الجنوب واستمر يصف له عمل هذه القبة ~~وأعمدتها وستورها وآلاتها وخدمها وما يقرب فيها ومحل ضربها من العسكر وعلى ~~أي كيفية في نحو خمس عشرة ورقة وسماها قبة الزمان , ثم أمره تعالى في ms0162 آخر ~~هذا السفر الثاني بأشياء مما يتصل بأمتعها وسرادقاتها وغير ذلك في أزيد من ~~عشر ورقات كما سيأتي ؛ وقال في تضاعيف ذلك : وتصير الشهادة التي أعطيك في ~~التابوت وأواعدك إلى هنالك وأكلمك فوق التطهير من بين الكروبين الذين فوق ~~تابوت الشهادة بجميع ما آمرك في بني غسرائيل وقال : ويتخذوا هذا القربان ~~دائما في كل حين في أحقابكم على باب قبة الزمان قدام ارب . | وأواعدكم إلى ~~هناك لأكلمكم وأواعد بني إسرائيل غلى هناك فأتقدس بكرامتي وأحل بين بني ~~إسرائيل فيعلمون أني أنا الرب إلههم الذي أخرجهم من أرض مصر , ثم قال : ~~فليؤد المرء منهم الزكاة عن نفسه إذا عددتهم لكيلا ينزل بهم الوباء , ثم ~~ذكر له تفاصيل ما يؤدى وأن الزكاة على الغني والمسكين , وكلم الرب موسى ~~وقال له : اعلم أني قد انتخبت بصليال بن أوري بن حور من سبط يهودا وأسبغت ~~عليه روح الله وملأته من الحكمة والعلم في كل علم ليعلم الصناعات في عمل ~~آنية الذهب والفضة والنحاس وفي رندجة الحجارة ونظمها PageV01P157 وكمالها ~~وفي تجارة الخشب ليعمل كل عمل وقد ضممت إليه آليهب بن اخسمخ من سبط دان ~~وأحللت الحكمة والفهم في قلوب ذوي الحكمة والعقل ليعملوا جميع ما أمرتك به ~~من عمل قبة الأمد وتابوت الشهادة والتطهير الذي فوقها وجميع متاع قبة ~~المائدة وجميع متاعها والمنارة وجميع آنيتها ومذبح البخور ومذبح القرابين ~~وجميع آنيتهما والسطل وأسفله ولباس النضائد ولباس القدس لهارون الكاهن يعني ~~الإمام وكسوة بنيه ليكهنوا ودهن المسح وبخور الطيب للقدس فليعملوا جميع ما ~~أمرتك به - إلى أن قال : ودفع إلى موسى : لما فرغ من كلامه له في طور سيناء ~~لوحي الشهادة لوحي حجارة مكتوب عليهما بيد الله , فؤأى الشعب أن موسى قد ~~أبطأ عن النزول من الجبل فاجتمع الشعب يعني وقالوا : نتخذ لنا آلهة تسير ~~أمامنا , لأن الرجل موسى الذي أخرجنا من أرض مصر لا علم لنا ما صار من أمره ~~- فذكر اتخاذهم العجل وأنهم ذبحوا له الذبائح وجلسوا يأكلون ويشربون وقاموا ~~يلعبون ويتسافهون وأن هارون ms0163 عليه السلام ذعر من ذلك وفزع . | وإنما لم أسق ~~نص التوراة عن هذا بلفظه لأن في أول عبارته ما رأيته غضا بالنسبة إلى مقام ~~هارون عليه السلام وحاشاه مما يوهم نقصا فجوزت أن يكون مما بدلوه ثم تأملت ~~ما رواه النسائي وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما في حديث الفتون فوجدته ليس بعيدا من تأويله وقد ذكرت محل الحاجة منه ~~في سورة طه والله الموفق ؛ ثم قال فقال الرب لموسى : اهبط من ههنا لأن شعبك ~~الذين أخرجتهم من أرض مصر أفسدوا سيرتهم وصدوا وشيكا عن الطريق الذي أمرتهم ~~أن يسلكوه فاتخذوا لهم عجلا مفترغا وسجدوا له بين يديه وذبحوا له الذبائح ~~وقالوا : هذا إلهك يا إسرائيل الذي أخرجك من أرض مصر , وقال الرب لموسى : ~~إني قد رأيت هذا الشعب قاسية قلوبهم فدعني الآن فيشتد غضبي عليهم فأقتلهم ~~وأبيدهم وأصيرك إلى PageV01P158 شعب عظيم , فصلى موسى بين يدي الإله وقال : ~~كلا يا رب ! لا يشتد غضبك على شعبك الذين أخرجتم من مصر بقوتك المنيعة ~~وبذراعك العلية الرفيعة ولا يقول أهل مصر : إنك إنما أخرجتهم لهلاكهم ~~لتقتلهم بين الجبال وتستأصل شأفتهم وتبيد خضراءهم عن جديد الأرض يا رب ~~ليسكن غضبك ورجزك واغفر ذنب شعبك اذكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب عبيدك ~~والأيمان التي أقسمت بها لهم وقلت : إني مكثر نسلكم مثل نجوم السماء وجميع ~~الأرض التي وعدت بها نسلهم أن تعطيهموها فيرثوها إلى الأبد ؛ فعفا الرب عن ~~شعبه ولم ينزل بهم الشر , فنزل موسى وهبط من الجبل ولوحا الشهادة في يده ~~لوحان كتب عليهما في الوجهين جميعا واللوحان من عمل الله جل ثناؤه وخط الله ~~مكتوب عليهما , فلما دنا من العسكر نظر العجل والصنوج فاشتد غضب موسى فرمى ~~باللوحين من يده فكسرهما في سفح الجبل , ثم أخذ العجل الذي اتخذوه فأحرقه ~~بالنار وسحله بالمبرد حتى صيره مثل التراب ونثر سحالته على وجه الماء , ~~فوقف موسى على الباب قبة الزمان وقال : من كان من حزب الله فليقل إلي , ~~فانحاز ms0164 إليه بنو لاوى بأجمعهم فقال لهم موسى : هكذا يقول الرب إله إسرائيل ~~ليتقلد المرء منكم سيفه وجوزوا من باب إلى باب وجولوا العسكر وليقتل المرء ~~منكم أخاه وصاحبه وقرابته , فصنع بنو لاوى كما أمرهم موسى , فقتل من الشعب ~~في ذلك اليوم نحو من ثلاثة آلاف رجل فقال لهم موسى : كفوا أيديكم يومكم هذا ~~من الحمية للرب لتحل عليكم البركة يومنا هذا , فلما كان الغد من ذلك اليوم ~~قال موسى للشعب : أنتم خطئتم وارتكبتم هذه الخطيئة العظيمة ! فأما الآن ~~فإني أصعد إلى الرب لعله أن يغفر لكم ذنوبكم وإثمكم , فرجع موسى إلى الرب ~~وقال : أطلب إليك بالتضرع اللهم ربي حقا لقد أخطأ هذا الشعب وارتكب إثما ~~عظيما واتخذوا آلهة من ذهب , فالآن إن أنت غفرت خطاياهم وإلا فامحني من ~~سفرك الذي كتبت , فقال الرب : أنا أمحو من سفري من أخطأ وأذنب , فأما الآن ~~فانطلق بهذا الشعب إلى الموضع الذي أقول لك وهذا ملاكي ينطلق أمامك إلى ~~الأرض التي تغل السمن والعسل , لأني لا اصعد معكم ؛ لأنهم شعب قاسية رقابهم ~~ولعل غضبي أن يشتد عليهم فأقتلهم في الطريق , فسمع الشعب هذا القول الفظيع ~~فحزنوا , فلم يتسلح المرء منهم بسلاحه , فأخذ موسى خيمته فنصبها خارجا من ~~العسكر وأبعدها من المحلة وسماها قبة الزمان , وكان من سأل الرب أمرا يخرج ~~إلى قبة الزمان , وكان إذا خرج موسى إلى قبة الزمان كان جميع الشعب يقفون ~~ويستعد كل امرئ منهم على باب خيمته ينظرون إلى موسى من خلفه حتى يدخل إلى ~~القبة , وإذا دخل موسى إلى القبة كان ينزل عمود السحاب فيقف على باب القبة ~~ويكلم موسى , وكان جميع الشعب ينظرون إلى PageV01P159 عمود السحاب واقفا ~~على باب القبة وكان يقف جميع الشعب ويصلي كل امرئ منهم على باب خيمته , ~~وكلم الرب موسى مواجهة كما يكلم المرء أخاه وصاحبه , وكان يرجع إلى العسكر ~~وكان خادمه يشوع بن نون الغلام لم يكن يفارق القبة , وقال موسى للرب : أنت ~~يا رب أمرتني أن أصعد بهذا الشعب ولم تطلعني على ms0165 من ترسل معي وقلت : إني قد ~~أطلعتك على جميع خلائقي ومجدي وظفرت أيضاص مني برحمة ورأفة , فالآن إن كنت ~~قد ظفرت منك برحمة ورأفة فأرني طريقك حتى أعرفك , فقال الرب لموسى : سر ~~أمامي فأواعدك وأريحك , فقال له : إن أنت لم تصعد بيننا فلا تصعدنا من ههنا ~~, فبماذا يعرف أني قد ظفرت منك برحمة ورأقة أنا وشعبك إلا إذا سرت بيننا ~~فنكون أنا وشعبك منفصلين معروفين من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض , ~~فقال الرب لموسى : إني فاعل ما سألت , لأنك ظفرت مني برحمة ورأقة , وأصير ~~اسمك معروفا شهيرا إلى الأبد , فقال له : أرني مجدك , فقال : أنا أجيز جميع ~~مجدي وكرامتي بين يديك ويذكر اسم الرب أمامك وأتحنن على من أردت التحنن ~~عليه وأرحم من أردت أرحم , وقال : إنك لا تقدر على النظر إلى وجهي , لأنه ~~لا يراني بشري فيحيا , وقال الرب لموسى : انقر لوحي حجارة مثل اللوحين ~~الأولين اللذين كمستعدا بالغداة واصعد باكرا إلى الجبل جبل سيناء وقف هنالك ~~على راس الجبل , ولا يصعدن أحد معك , ولا يرى أحد في جميع الجبل , ولا ~~ترتعي الغنم والبقر قبالة ذلك الجبل , فنقر موسى لوحين آخرين من حجارة مثل ~~الأولين وغدا باكرا فصعد إلى طور سيناء كما أمره الرب وأخذ اللوحين في يده ~~فنزل استعلان الرب أمامه , فقال موسى : يا رب ! اللهم ربي الرؤوف الرحيم ~~الطويل الأناة والمهل الكبير نعمته وقسطه حافظ النعمة والعدل إلى ألف حقب ~~وتغفر الذنوب والإثم والخطايا , فاستعجل موسى فخر على وجهه على الأرض ساجدا ~~وقال : إن ظفرت يا رب منك برحمة ورأفة فليسلك الرب الآن بيننا . | لأن هذا ~~الشعب هو شعب قاسية رقابهم , واغفر ذنوبنا وخطايانا وخبث نياتنا ؛ فقال له ~~: ها أنا ذا أعهد عهدا أمام جميع الشعب وأظهر عجائب لم أظهر مثلها في الأرض ~~كلها وفي جميع الشعوب فيرى ذلك جميع هذا الشعب الذي أنت فيه فعل الرب الذي ~~امرك به أنه مخوف مرهوب , احتفظ بما آمرك به في هذا اليوم , ها أنا ذا أقبل ~~وأبيد من ms0166 بين يديك من الكنعانيين - وسمى من تقدم , وكرر النهي عن السجود ~~لغيره سبحانه , وأوصى باشياء منها الفطير فقال : واحتفظ بعيد الفطير سبعة ~~أيام كما أمرتك في أوان شهر الفقاج - وفي نسخة : الفريك - لأنك إنما خرجت ~~من مصر في شهر الفقاج , ثم قال : فمكث هناك عند الرب أربعين يوما ولياليها ~~لم يأكل طعاما ولم يشرب شرابا , وكتب الله على لوحي PageV01P160 الحجارة ~~كلام العهد وهو العشر الآيات , فلما هبط موسى من جبل سيناء كان لوحا ~~الشهادة في يده ولم يعلم موسى أن بشرة وجهه قد جللت بالبهاء إذ كلمه الله ~~فنظر هارون وجميع بني إسرائيل إلى وجه موسى ففزعوا أن يقتربوا إليه , ~~فدعاهم فأتاه هارون وجميع عظماء الجماعة وكلمهم موسى , فلما فرغ من كلامه ~~لهم بسط على وجهه جلبابا وكان إذا دخل إلى الرب ليكلمه يسفر عن وجهه حتى ~~يخرج , وكان يخرج فيأمر بني إسرائيل بما يؤمر به , وقال لهم : إن الرب أمر ~~أن تعمل عملك ستة ايام واليوم السابع يكون مخصوصا مقدسا , السبت يوم راحة ~~قدس الرب , ومن عمل فيه عملا فليقتل , ولا تشعلوا النار في جميع مساكنكم ~~يوم السبت , ثم أمرهم تعالى بالزكاة من الذهب والفضة والنحاس والقز والجلود ~~وغير ذلك وبأشياء يزيدونها في قبة الزمان في أكثر من عشر ورقات , وقال في ~~آخر ذلك : وقال الرب لموسى : أنصب قبة الزمان في أول يوم من الشهر الأول ؛ ~~وصير تابوت الشهادة هنالك , وأسبل الجلال على التابوت - إلى أن قال : وادن ~~بهارون وبنيه إلى باب قبة الأمد واغسلهم بالماء , والبس هارون لباس القدس ~~وامسحه فليكهن لي , وادن بنيه وألبسهم السراويل وامسحهم كما مسحت هارون ~~أخاك فليكهنوا لي , وليكن لهم مسحهم للكهنوت إلى الأبد لأحقابهم , فصنع ~~موسى كما أمره الله , فلما كان أول يوم من الشهر الأول من السنة الثانية ~~نصب القبة يوم الأحد وضرب أوتادها وركب ألواحها وزرفن عوابرها وركز أعمدتها ~~وستر الستر على القبة وجللها من فوقها كما أمر الرب , وتناول الشهادة ~~فوضعها في التابوت , وصير الدهوق في التابوت , ووضع التطهير ms0167 على التابوت من ~~فوق , وأدخل التابوت إلى القبة , وأخذ حجاب وجه الباب فجلل تابوت الشهادة ~~كما أمر الرب , ونصب المنارة عند حافات القبة مما يلي مهب الشمال خارجا من ~~الحجاب , ونضد عليها صفوف الخبز بين يدي الرب كما أمر الرب موسى , ونصب ~~المنارة إزاء المائدة في حافات القبة مما يلي مهب الجنوب , ودلوا مصابيحها ~~قدام الرب كما أمر الرب موسى , ونصب مذبح الذهب في قبة الزمان خارجا من ~~الحجاب , وبخر عليه بخور الطيب كما أمر الرب , وأسبل الستر على باب القبة , ~~ونصب مذبح القرابين على الباب , وقرب عليه القرابين كما أمر الرب , ووضع ~~السطل بين قبة الزمان والمذبح وسكب عليه ماء الغسل , وكان هارون وبنوه ~~يغسلون أيديهم وأقدامهم إذا أرادوا الدخول إلى قبة الزمان , وكانوا إذا ~~دنوا من المذبح يغسلون أيضا كما أمر البرب موسى , ونصب دارا تحيط بالقبة ~~والمذبح , وأسبل الستر على باب الدار , وكمل موسى عملها ؛ وتغشت السحابة ~~قبة الزمان وامتلأت القبة مجد الرب وكرامته , ولم يقدر موسى على الدخول إلى ~~قبة الزمان , لأن السحاب حلت عليها . # PageV01P161 وامتلأت القبة مجد الرب وكرامته . | فكان إذا ارتفع السحاب ~~عن القبة كان بنو إسرائيل يظعنون في جميع مظاعنهم , وإن لم ترتفع الغمامة ~~لم يظعنوا إلي اليوم الذي ترتفع فيه , لأن سحاب الرب كان يغشى القبة ~~بالنهار وكانت النار تضيء عليها بالليل وتزهر وتنير أمام جميع بني إسرائيل ~~في جميع مظاعنهم . | وقال في أول السفر الرابع : أمر الله بإحصاء بني ~~إسرائيل فكانوا من أبناء عشرين سنة إلى ما فوقها , من خرج منهم للحرب في ~~الأجناد ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسين دون سبط لاوى , فإنهم لحفظ ~~قبة الزمان وخدمتها , وتكون منازلهم حولها محدقة بها , وهم من ابن شهر إلى ~~ما فوقه اثنان وعشرون ألفا , ثم قال : وكلم الرب موسى وقال له : إذا أتى ~~على الرجل من اللاويين خمسة وعشرون سنة يتقوى على أن يعمل العمل في قبة ~~الزمان , فإذا أتت عليه خمسون سنة يخرج من العمل ولا يعمل عملا في قبة ~~الآمد ms0168 , وكان ينزل بنو إسرائيل حول بني لاوى بإنزال الله تعالى لهم , كل له ~~محل من القبة على الاستدارة , وكان ينزل من مشارقها موسى وهارون وبنوه ~~ليحفظوا حفاظ القدس والقرابين على بني إسرائيل ومن دنا من قبة الزمان ~~وأعمالها من الغرباء يؤمر بقتله , فقد علم من هذا ومما قبله من أن كلا يصلي ~~على باب خيمته أن قبلتهم وهم في التيه قبة الزمان , وفي اليوم الذي نصب فيه ~~الخباء أي في قبة الزمان تغشت سحابة من عند الرب قبة الزمان وحجاب باب ~~الشهادة وكانوا يرون في الخباء عند المساء نارا تتوقد إلى الصباح , كذلك ~~كان يكون في الخباء دائما وكانت تغشاه سحابة بالنهار وترى فيه نار بالليل , ~~فإذا ارتفعت السحابة عن القبة ارتحل بنو إسرائيل من مواضعهم وحيث ما نزلت ~~السحابة هناك كان ينزل بنو إسرائيل , وإنما كان ارتحال بني إسرائيل عن قول ~~الرب وبأمره , فربما مكثت السحابة على القبة من المساء حتى الصباح وترتفع ~~بعد الصبح فيرتحلون , وربما مكثت الليل والنهار وربما مكثت أياما وأشهرا ~~وربما مكثت سنة , وكلم الرب موسى وقال له : اتخذ قرنين من قضة يكونان عند ~~حضور الجماعة وارتحال العسكر يهتف بهما الكهنة , فتحشد إليك جماعة بني ~~إسرائيل أجمعون إلى باب قبة الزمان , وإن نفخ في واحد اجتمع إليك القواد ~~ورؤساء الألوف , ولما كان في السنة الثانية في عشر خلون من الشهر الثاني ~~ارتفعت السحابة عن قبة الشهادة , وارتحل بنو إسرائيل من برية سيناء . | ~~ونزلت السحابة في قفر فاران , ثم قال : وارتحلوا من عند جبل الرب مسيرة ~~ثلاثة أيام , فأما تابوت عهد الرب فظعن قبلهم مسيرة يوم ليهيء منزلا , ~~وكانت تظلهم سحابة من قبل الرب إذا ارتحلوا لئلا تؤذيهم حرارة الشمس , فلما ~~ارتحل حاملوا التابوت قال موسى : انهض إلينا يا رب لينكسر شانئك ويبيد ~~أعداؤك من بين يديك , وإذا نزل حملة التابوت قال : أقبل يا PageV01P162 رب ~~إلي ألوف بني إسرائيل , فتذمر الشعب وساء الرب ذلك وغضب وسمع توشوشهم فاشتد ~~غضبه عليهم واشتعلت فيهم نار من قبل الرب ms0169 , فأحرقت الذي في أطراف العسكر ~~وحوله , وضج الشعب على موسى فصلى موسى أمام الرب وخمدت النار , ودعا اسم ~~ذلك الموضع الاحتراق , لأن نار الرب اشتعلت فيهم وأحرقتهم هناك , واشتهى ~~الخلط الذين كانوا فيهم من الشعوب شهوة وأقبلوا على بني إسرائيل وقالوا : ~~ليت أنا وجدنا من يطعمنا لحما ! ذكرنا السمك الذي كنا نأكله بمصر وأكلنا ~~القثاء والبطيخ والكراث والبصل والثوم والآن أنفسنا قرمة - أي يابسة - لا ~~تقدر على شيء نأكله ما خلا هذا المن الذي قدام أعيننا , وسمع موسى الشعب ~~يبكون في قبائلهم , كل إنسان على باب خيمته , واشتد غضب الرب , وشق ذلك على ~~موسى أيضا , ثم قال من أين أقدر أعطي هذه الأمة كلها لحما ؟ إنها تبكي علي ~~وتقول : أعطنا لحما , لست أقدر أحتمل هذه الأمة كلها وحدي , لأنها أقوى مني ~~, إن كان فعلك هذا بي فاقتلني قتلا إن وافيت منك رحمة ولا أعاين شرا ولا ~~أرى سوء . | فقال الرب لموسى : اجمع سبعين شيخا من أشياخ بني إسرائيل الذين ~~تعلم أنهم رؤساء الشعب وكتابه وانطلق بهم إلى قبة الزمان فإني أنزل إليك ~~وأكلمك هناك وأنقص من عطية الروح التي عليك وأصيره عليهم ليحملوا أثقل هذا ~~الشعب ولا يتركوك وحدك , ثم قال موسى للشعب : تهيؤوا غدا لتأكلوا لحما , ~~لأنكم بكيتم أمام الرب وقلتم : ليت من يطعمنا لحما ! وإن الموت بأرض مصر ~~خير لنا , فسيعطيكم الرب لحما وليس إنما تأكلون منه يوما أو يومين بل ~~تأكلون منه شهرا حتى يخرج من أنوفكم وتصيبكم منه تخمة , وجمع سبعين شيخا من ~~مشايخ الشعب وأقامهم حول الخباء , ونزل الرب سبحانه وكلمه وأخذ من الروح ~~الذي عليه وصيره على السبعين , ودخل موسى العسكر هو وأشياخ بني إسرائيل , ~~وهبت ريح من قبل الرب وأصعدت السلوى من البحور وألقته على العسكر ومسيرة ~~يوم يمنة ويسرة حول العسكر وكان مرتفعا من الأرض نحو ذراعين , وجمعوا ~~ونشروا حول العسكر ليكون لهم قديدا , فبينا اللحم بين أسنانهم قبل أن ينقلع ~~اشتد غضب الرب عليهم وضرب الشعب ضربة عظيمة جدا ودعا اسم ms0170 ذلك الموضع قبور ~~الشهوة , وارتحل الشعب من قبور الشهوة فأتوا حصروث ونزلوها , وذكر أنهم ~~مكثوا هنالك سبعة أيام ثم قال : ثم ارتحل الشعب من حصروث ونزلوا مفازة ~~فاران وكلم الرب موسى وقال له : أرسل قوما يحسبون الأرض التي أعطى بني ~~إسرائيل - فذكر إرسال النقباء الاثني عشر كما سيأتي إن شاء الله تعالى في ~~سورة المائدة ثم قال : ورجعوا إلى موسى بعد أربعين يوما , فأتوا موسى ~~وهارون وجماعة بني إسرائيل إلى برية فاران إلى رقيم - انتهى شرح ما أشير ~~إليه في هذه السورة من قصص بني إسرائيل من التوراة . | PageV01P163 ولما ~~بين سبحانه أنهم لما تعنتوا على موسى عليه السلام كما مر ويأتي عن نصوص ~~التوراة مرة بعد مرة أورثهم كفرا في قلوبهم فمردوا على العصيان والتجرؤ على ~~مجاوزة الحدود فضرب عليهم الذلة والمسكنة وأحلهم الغضب , وكان في ذلك تحذير ~~لمن طلب سلوك ذلك الصراط المستقيم من حالهم , وإعلام بأن المتقين المستجاب ~~لهم في الدعاء بالهداية ليسوا في شيء من ذلك بل قالوا : اهدنا , عن يقين ~~وإخلاص متبرئين من الدعاوى والاعتراض على الرسل نبه على أن من عمل ضد عملهم ~~فآمن منهم أو من غيرهم من جميع الملل كان على ضد حالهم عند ربهم فلا يغضب ~~عليهم بل يوفيهم أجورهم ويورثهم الأمن والسرور المتضمنين لضد الذلة ~~والمسكنة فقال تعالى { إن الذين آمنوا } أو يقال إنه سبحانه لما علل إهانة ~~بني إسرائيل بعصيانهم واعتدائهم كان كأنه قيل : فما لمن أطاع ؟ فأجيب بجواب ~~عام لهم ولغيرهم , أو يقال إنه لما أخبر تعالى بأنهم ألزموا الخزي طوق ~~الحمامة وكان ذلك ربما أوهم أنه لا خلاص لهم منه وإن تابوا وكانت عادته ~~سبحانه جارية بأنه إذا ذكر وعدا أو عيدا عقبه حكم ضده ليكون الكلام تاما , ~~اعلموا أن باب التوبة مفتوح والرب كريم على وجه عام . | وقال الحرالي : لما ~~أنهى الحق تعالى نبأ أحوال بني إسرائيل نهايته مما بين أعلى تكرمتهم ~~بالخطاب الأول إلى أدنى الغضب عليهم بهذا النبأ الآخر عنهم إعراضا في ~~مقابلة ذلك الإقبال ms0171 الأول وكانوا هم أول أهل كتاب أشعر تعالى بهذا الختم أن ~~جميع من بعدهم يكون لهم تبعا لنحو مما أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة - ~~انتهى . | فقيل { إن الذين آمنوا } أي ادعوا الإيمان بما دعا إليهم محمد ~~صلى الله عليه وسلم { والذين هادوا } أي ادعوا أنهم على دين موسى عليه ~~السلام . | قال الحرالي : وهو من الهود وهو رجوع بالباطن وثبات فيه - انتهى ~~. | وقال أبو عمر وابن العلاء لأنهم يتهودون أي يتحركون عند قراءة التوراة ~~ويقولون : إن السماوات والأرض تحركتا حين آتى الله عز وجل التوراة لموسى ~~عليه السلام { والنصارى } المدعين أنهم تبعوا المسيح عليه السلام . | قال ~~الحرالي : جمع نصران فإن كان من النصرة فهو فعلان . | ولما كانت هذه السورة ~~في استعطاف بني إسرائيل ترغيبا وترهيبا قرن هنا بين فؤبقيهم , ولما كانت ~~ملة الصابئة جامعة لما تفرق من أصول أديان أهل الشرك تلاهم بهم PageV01P164 ~~مريدا كل مشرك فقال { والصابئين } المنكرين للرسالة في الصورة البشرية ~~القائلين بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية متوسطين إلى رب الأرباب , قال ~~الحرالي : بالهمز من صبأ يصبأ صبأ وبغير همز من صبا يصبوا صبوا , تعاقبت ~~الهمزة والياء مع الصاد على الإيمان إن كان آمن قبل ذلك , ودخوله في ~~الإيمان إن كان كافرا فيكون من الاستعمال في الحقيقة والمجاز { بالله } أي ~~لذاته { واليوم الآخر } الذي الإيمان به متضمن للإيمان بجميع الصفات من ~~العلم والقدرة وغيرهما وحاث على كل خير وصاد عن كل ضير { وعمل صالحا } أي ~~وصدق ما ادعاه من الإيمان باتباع شرع الرسول الذي في زمانه في الأعمال ~~الظاهرة ولم يفرق بين أحد من الرسل ولا أخل بشيء من اعتقاد ما جاءت به ~~الكتب من الصلاح . | قال الحرالي : وهو العمل المراعى من الخلل , وأصله ~~الإخلاص في النية وبلوغ الوسع في المحاولة بحسب علم العامل وإحكامه , وقال ~~: والعمل ما دبر بالعلم - انتهى . | ولما كان الإفراد أدل على تخصيص كل ~~واحد بما له والجمع أدل على إرادة العموم وأقطع للتعنت أفرد أولا وجمع هنا ~~فقال { فلهم أجرهم } الذي وعدوه على تلك ms0172 الأعمال المشروطة بالإيمان , وهو ~~في الأصل جعل العامل على عمله , كائنا ( عند ربهم ) فهو محفوظ لا يخشى عليه ~~نسيان ولا يتوجه إليه تلف { ولا خوف عليهم } من آت يستعلي عليهم من جميع ~~الجهات { ولا هم يحزنون * } على شيء فات بل هم في أعظم السرور بما لهم من ~~العز والجدة ضد ما للمعتدين من الذل والمسكنة , وحسن وضع هذه الآية في ~~أثناء قصصهم أنهم كانوا مأمورين بقتل كل ذكر ممن عداهم , وربما أمروا بقتل ~~النساء أيضا , فربما ظن من ذلك أن من آمن من غيرهم لا يقبل . | قال في ~~التوراة في قصة مدين : وقتلوا كل ذكر فيها , ثم قال : وغضب موسى فقال لهم : ~~لماذا أبقيتم على الإناث ؟ وهن كن عشرة لبني غسرائيل عن قول بلعام ومشورته ~~- يعني بما أفضى إلى الزنا , ثم قال : وقال الرب لموسى : كلم بني إسرائيل ~~وقل لهم : أنتم جائزون الأردن لتهلكوا جميع سكان الأرض ونحو هذا مما لعل ~~بعضه أصرح منه وقد ذكر منه في سورة المائدة , وفي وضعها أيضا في أثناء ~~قصصهم إشارة إلى تكذيبهم في قولهم : < # > 77 ( { ليس علينا في الأميين سبيل } ) 77 < # > [ آل عمران : 75 ] وأن المدار في عصمة الدم والمال إنما هو الإيمان ~~والاستقامة وذلك موجود في نص التوراة في غير موضع , وفيها تهديدهم على ~~المخالفة في ذلك بالذلة والمسكنة , وسيأتي بعض ذلك عند قوله : < # > 77 ( { لا تعبدون إلا PageV01P165 الله } ) 77 < # > [ البقرة : 83 ] الآية , بل وفيها ما يقتضي المنع من مال المخالف في ~~الدين فإنه قال في وسط السفر الثاني : وإذا لقيت ثور عدوك أو حماره وعليه ~~حمولة فارددها إليه , وإذا رأيت حمار عدوك جاثما تحت حمله فهممت أن لا ~~توازره فوازره وساعده , ثم رجع إلى قصصهم على أحسن وجه فإنه لما ذكر تعالى ~~للمؤمنين هذا الجزاء الذي فخم أمره ترغيبا بإبهامه ونسبته إلى حضرة الرب ~~المحسن بأنواع التربية وأنه لا خوف معه ولا حزن تلاه بأنهم لم يؤمنوا بعد ~~رؤية ما رأوا من باهر الآيات حتى رفع فوقهم الطور وعلموا أنه دافنهم ms0173 إن ~~عصوا , فكان قبوله من أعظم النعم عليهم , لأن حقه الرد , لأنه كالإيمان عند ~~رؤية البأس لا غيمان بالغيب , ثم ذكر أنه لما أقلع عنهم تولوا عن الحضرة ~~الشريفة غلى حضرات الشيطان فأكرموا المعاصي إشارة إلى أنهم أغلظ الناس ~~أكبادا وأكثرهم جرأة وعنادا لا يرعوون لرهبة ولا يثبتون لرغبة فقال تعالى { ~~وإذ } وأخصر من هذا أن يقال إنه لما قرر سبحانه قوله للعالم العامل المذعن ~~كائنا من كان تلاه بما لليهود من الجلافة الداعية إلى النفور عن خلال ~~السعادة التي هي ثمرة للعلم وما له سبحانه من التطول عليهم بإكراههم على ~~ردهم إليه فقال وإذ أي اذكروا يا بني إسرائيل إذ { أخذنا } بما لنا من ~~العظمة { ميثاقكم } بالسمع والطاعة من الوثيقة وهي تثنية العهد تأكيدا ~~كإثباته بالكتاب - قاله الحرالي . | { ورفعنا } ولما كان الجبل قد صار ~~فوقهم كالظلة عاما لهم بحيث إنه إذا وقع عليهم لم يفلت منهم إنسان نزع ~~الجار فقال { وفوقكم الطور } ترهيبا لكم لتقبلوا الميثاق الذي هو سبب ~~سعادتكم , وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كل جبل ينبت , وكل جبل لا ينبت ~~فليس بطور , وقلنا لكم وهو مظل فوقكم { وخذوا ما آتيناكم } من الكتاب ~~للسعادة بطاعتي والتزام أحكامي الموجبة للكون في حضرتي ( بقوة ) أي بجد ~~واجتهاد , والقوة باطن القدرة , من القوى وهي طاقات الحبل التي يمتن بها ~~ويؤمن انقطاعه - قاله الحرالي . | { واذكروا ما فيه } نم التمسك به ~~وللانتقال عنه عند مجيء الناسخ المنعوت فيه ذكرا يكون بالقلب فكرا وباللسان ~~ذكرا { لعلكم تتقون * } أي لتكونوا على رجاء من أن تتقوا موجبات السخط . | ~~ولما كان التقدير : فأخذتم ذلك وأوثقتم العهد به خوفا من أن يدفنكم بالجبل ~~عطف عليه وأشار إلى أنه من حقه البعد عن تركه بأداة البعد . | PageV01P166 ~~< < # | البقرة : ( 64 - 73 ) ثم توليتم من . . . . . # > > ^ ( ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من ~~الخاسرين * ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة ~~خاسئين * فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين * وإذ ms0174 قال ~~موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ ~~بالله أن أكون من الجاهلين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه ~~يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون * قالوا ~~ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفرآء فاقع لونها ~~تسر الناظرين * قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا ~~وإنآ إن شآء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا ~~تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا ~~يفعلون * وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون * فقلنا ~~اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ) ^ } ) | ~~قوله : { ثم توليتم } والتولي قال الأصفهاني : أصله الإعراض عن الشيء ~~بالجسم , ثم استعمل في الإعراض عن الأمر والدين - انتهى . | وهو هنا ~~الإعراض المتكلف بما يفهمه التفعل - قاله الحرالي . | وذلك لأن النفوس إذا ~~توطنت على أمر الله فرأت محاسنه فرجعت بذلك إلى نحو من الفطر الأولى لم ~~ترجع عنه إلا بمنازعة من الهوى شديدة . | ولما كان توليهم لم يستغرق زمن ~~البعد أدخل الجار فقال : { من بعد ذلك } أي التأكيد العظيم عن الوفاء به { ~~فلولا } أي فتسبب عن توليكم أنه لولا { فضل الله } أي الذي له الجلال ~~والإكرام مستعل { عليكم ورحمته } بالعفو والتوبة والإكرام بالهداية والنصر ~~على الأعداء { ولكنتم من الخاسرين * } بالعقوبة وتأبد الغضب , وأيضا فلما ~~كان يمكنهم أن يدعوا الإيمان والعمل الصالح عقبت تلك بآية الميثاق إشارة ~~إلى أنه ليس المنجي الإيمان في الجملة بل الإيمان بجميع ما أخذ عليهم به ~~الميثاق إشارة إلى أنه ليس المنجي الإيمان في الجملة بل الإيمان بجميع ما ~~أخذ عليهم به الميثاق , وهو جميع ما آتاهم في التوراة إيمانا مصحوبا بالقوة ~~, ومما آتاهم صفة عيسى ومحمد عليهما السلام والأمر باتباعهما , فهو مما أخذ ~~عليهم به العهد وقد كفروا به فلم يصح لهم إيمان ms0175 ولا عمل , لأن التفرقة بين ~~ما أتى منه سبحانه زنذقة . | ثم جاءت قصة المعتدين في السبت مؤكدة لذلك إذ ~~كان حاصلها أنهم لما ضيعوا PageV01P167 أمرا واحدا من أوامره واستخفوا به ~~وهو تحريم السبت عذبهم بعذاب لم يعذب به أحدا من العالمين فقال : ولقد ~~وأقرب من ذلك أن يقال إنه سبحانه لما ذكرهم بنعمة العفو الحافظ لهم من ~~الخسران قرعهم بحلافة أخرى لهم خذل بها فريقا منهم حتى غلبهم الخسران فما ~~ضروا إلا أنفسهم مقسما على أنهم بها عالمون ولها مستحضرون فقال تعالى عاطفا ~~على ما تقديره : لقد علمتم جميع ذلك من عهودنا وما ذكرنا من الإيقاع بمن ~~نقض من شديد وعيدنا ومن التهديد على ذلك بضرب الذلة وما تبعها من أنواع ~~النكال و { لقد } أي وعزتي لقد { علمتم الذين اعتدوا } أي تعمدوا العدوان { ~~منكم في السبت } بأن استحلوه وأصل السبت القطع للعمل ونحوه { فقلنا } أي ~~فتسبب عن اعتدائهم أن قلنا بما لنا من العظمة . | ( لهم كونوا ) بإرادتنا { ~~قردة خاسئين * } أي صاغرين مطرودين جمع خاسئ من الخسئ وهو طرد بكره ~~واستخباث , وسبب ذلك أن الله تعالى أمرهم بيوم الجمعة فأبوا إلا السبت , ~~فألزمهم الله إياه وجعله لهم محنة وحرم عليهم فيه العمل , فاصطادوا على ~~تهيب وخوف من العقوبة , فلما طال زمن عفوه عنهم وحمله سبحانه فتجاهروا ~~بالمعصية مسخ منهم من عصى بالمباشرة ومن سكت عن النهي عن المنكر { فجعلناها ~~} أي فتسبب عن قولنا إنهم كانوا قردة كما قلنا , فجعلنا هذه العقوبة { ~~نكالا } أي قيدا مانعا { لما بين يديها } من المعاصي من أهل عالمها ~~الشاهدين لها { وما خلفها } ممن جاء بعدهم , روي معناه عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما , والنكال إبداء العقوبة لمن يتعظ بها , واليد ما به تظهر أعيان ~~الأشياء وصورها أعلاها وأدناها , فلذلك ثنيت لأنها يد عليا هي اليمنى ويد ~~دنيا هي اليسرى , والخلف ما يخلفه المتوجه في توجهه فينطمس عن حواس إقباله ~~شهوده - قاله الحرالي . | وقال { وموعظة } من الوعظ وهو دعوة الأشياء بما ~~فيها من العبرة للانقياد للإله الحق ms0176 بما يخوفها في مقابلة التذكير بما ~~يرجيها ويبسطها { للمتقين * } وقد أشعر هذا أن التقوى عصمة من كل محذور وأن ~~النقم تقع في غيرهم وعظا لهم . | ولما بين تعالى قساوتهم في حقوقه عامة ثم ~~خاصة اتبعه بيان جساوتهم في مصالح أنفسهم لينتج أنهم أسفه الناس فقال { وإذ ~~قال موسى لقومه } بني إسرائيل { إن الله } أي الذي له الأمر كله { يأمركم ~~أن تذبحوا بقرة } لتعرفوا بها أمر القتيل الذي أعياكم أمره , وتاؤها ليست ~~للتأنيث الحقيقي بل لأنها واحدة من الجنس فتقع على الذكر والأنثى . | ولما ~~كان من حقهم المبادرة إلى الامتثال والشكر فلم يفعلوا بين فظاظتهم على طريق ~~PageV01P168 الاستئناف معظما لها بقوله حكاية عنهم { قالوا أتتخذنا هزوا } ~~أي مكان هزء ومهزوءا بنا حين نسألك عن قتيل فتأمرنا بذبح بقرة , فجمعوا إلى ~~ما أشير إليه من إساءتهم سوء الأدب على من ثبتت رسالته بالمعجزة فرد كلامه ~~كفر , فذكرهم بما رأوا منه من العلم بالله المنافي للهزء بأن قال { أعوذ ~~بالله } أي أعتصم بمن لا كفوء له من { أن أكون من الجاهلين * } فإنه لا ~~يستهزئ إلا جاهل , والعوذ اللجاء من متخوف لكاف يكفيه , والجهل التقدم في ~~الأمور المنبهمة بغير علم - قاله الحرالي . | { قالوا } تماديا في الغلظة { ~~ادع لنا ربك } أي المحسن إليك فكان تخصيصهم له بالإضافة غاية في الجفاء ( ~~يبين ) من التبيين وهو اقتطاع الشيء , والمعنى مما يلابسه ويداخله - قاله ~~الحرالي . | والمراد المبالغة في البيان بما يفهمه صيغة التفعيل ( لنا ما ~~هي ) تلك البقرة ( قال إنه يقول ) . | ولما كانوا يتعنتون أكد فقال { إنها ~~بقرة لا فارض } أي مسنة فرضت سنها أي قطعتها { ولا بكر } أي فتية صغيرة { ~~عوان } أي نصف وهو خبر مبتدأ محذوف , وبين هذا الخبر بقوله { بين ذلك } أي ~~سني الفارض والبكر { فافعلوا ما تؤمرون * } فإن الاعتراض على من يجب ~~التسليم له كفر فلم يفعلوا بل سألوا بيان اللون بعد بيان السن بأن { قالوا ~~ادع لنا ربك } تماديا في الجفاء بعدم الاعتراف بالإحسان { يبين لنا ما ~~لونها } بعد بيان سنها , واللون تكيف ms0177 ظاهر الأشياء في العين - قاله الحرالي ~~. | { قال } وأكد لما مضى من تلددهم فقال { إنه يقول } وأكد إشارة إلى مزيد ~~تعنتهم فقال { إنها بقرة صفراء } وأكد شدة صفرتها بالعدول عن فاقعة إلى ~~قوله معبرا باللون { فاقع لونها } أي خالص في صفرته . | قال الحرالي : نعت ~~تخليص للون الأصفر بمنزلة قانئ في الأحمر فهي إذن متوسطة اللون بين الأسود ~~والأبيض كما كانت متوسطة السن , { تسر الناظرين * } أي تبهج نفوسهم بأنك ~~إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها - قاله وهب { قالوا ~~ادع لنا ربك } المحسن إليك بالإجابة في كل ما سألته { يبين لنا ما هي } ثم ~~عللوا تكريرهم لذلك بقولهم { إن البقر } أي الموصوف بما قدمته { تشابه } أي ~~وقع تشابهه { علينا } وذكر الفعل لأن كل جمع حروفه أقل من حروف واحدة فإن ~~العرب تذكره نقل عن سيبويه ؛ ثم أدركتهم العناية فقالوا { وإنا إن شاء الله ~~} أي الذي له صفات الكمال وأكدوا لما أوجب توقفهم من ظن عنادهم وقدموا ~~التبرك بالمشية لذلك على خبر إن { لمهتدون } أي إلى المراد فتبركوا بما لا ~~تكون بركة إلا به قال إنه يقول إنها } أي هذه البقرة التي أطلتم التعنت في ~~أمرها { بقرة لا ذلول } من الذل وهو حسن الانقياد - PageV01P169 قاله ~~الحرالي ثم وصف الذلول بقوله { تثير الأرض } أي يتجدد منها إثارتها بالحرث ~~كل وقت من الإثارة قال الحرالي : وهي إظهار الشيء من الثرى , كأنها تخرج ~~الثرى من محتوى اليبس ؛ ولما كان الذل وصفا لازما عبر في وصفها بانتفائه ~~بالاسم المبالغ فيه , أي ليس الذل وصفا لازما لها لا أنها بحيث لا يوجد ~~منها ذل أصلا , فإنها لو كانت كذلك كانت وحشية لا يقدر عليها أصلا . | ولما ~~كان لا يتم وصفها بانتفاء الذل إلا بنفي السقي عنها وكان أمرا يتجدد ليس هو ~~صفة لازمة كالذل عبر فيه بالفعل وأصحبه لا عطفا على الوصف لا على تثير لئلا ~~يفسد المعنى فقال واصفا للبقرة { ولا تسقي الحرث } أي لا يتجدد منها سقيه ~~بالسانية كل وقت , ويجوز أن ms0178 يكون إثبات لا فيه تنبيها على حذفها قبل تثير , ~~فيكون الفعلان المنفيان تفسيرا على سبيل الاستئناف للاذلول , وحذف لا قبل ~~تثير لئلا يظن أنه معها وصف لذلول فيفسد المعنى , والمراد أنها لم تذلل ~~بحرث ولا سقي ومعلوم من القدرة على ابتياعها وتسلمها للذبح أنها ليست في ~~غاية الإباء كما آذن به الوصف بذلول , كل ذلك لما في التوسط من الجمع ~~لأشتات الخير { مسلمة } أي من العيوب { لا شية } أي علامة { فيها } تخالف ~~لونها بل هي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها { قالوا الآن } أي في هذا الحد من ~~الزمان الكائن الفاصل بين الماضي والآتي { جئت بالحق } أي الأمر الثابت ~~المستقر البين من بيان وصف البقرة فحصلوها { فذبحوها } أي فتسبب عما تقدم ~~كله PageV01P170 أنهم ذبحوها { وما كادوا } أي قاربوا قبل هذه المراجعة ~~الأخيرة { يفعلون } قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو ذبحوا بقرة ما ~~لأجزأتهم لكنهم شددوا في السؤال فشدد الله عليهم - يعني أنهم كلفوا بالأسهل ~~فشددوا فنسخ بالأشق , وهو دليل جواز النسخ قبل الفعل , أو يقال إنه لما كان ~~السبت إنما وجب عليهم وابتلوا بالتشديد فيه باقتراحهم له وسؤالهم إياه بعد ~~إبائهم للجمعة كما يأتى إن شاء الله تعالى بيانه عند قوله تعالى < # > 77 ( { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } ) 77 < # > [ النحل : 124 ] كان أنسب الأشياء تعقيبه بقصة البقرة التي ما شدد ~~عليهم في أمرها إلا لتعنتهم فيه وإبائهم لذبح أي بقرة تيسرت , ويجوز أن ~~يقال إنه لما كان من جملة ما استخفوا به السبت المسارعة إلى إزهاق ما لا ~~يحصى من الأرواح الممنوعين منها من الحيتان وكان في قصة البقرة التعنت ~~والتباطؤ عن إزهاق نفس واحدة أمروا بها تلاه بها , ومن أحاسن المناسبات أن ~~في كل من آيتي القردة والبقرة تبديل حال الإنسان بمخالطة لحم بعض الحيوانات ~~العجم , ففي الأولى إخراسه بعد نطقه بلحم السمك , وفي الثانية إنطاقه بعد ~~خرسه بالموت بلحم البقر , ولعل تخصيص لحم البقر بهذا الأمر لإيقاظهم من ~~رقدتهم وتنبيههم من غفلتهم عن عظيم قدرة الله ms0179 تعالى لينزع من قلوبهم التعجب ~~من خوار العجل الذي عبدوه . | وقال الإمام أبو الحسن الحرالي : وفي ذلك ~~تشام بين أحوالهم في اتخاذهم العجل وفي طلبهم ذلك , وفي كل ذلك مناسبة بين ~~طباعهم وطباع البقرة المخلوقة للكد وعمل الأرض التي معها التعب والذل ~~والتصرف فيما هو من الدنيا توغلا فيها وفيه نسمة مطلبهم ما تنبت الأرض الذي ~~هو أثر الحرث - يعني الذي أبدلوا الحطة به وهو حبة في شعرة , فكأنهم بذلك ~~أرضيون ترابيون لا تسمو طباع أكثرهم إلى الأمور الروحانية العلوية , فإن ~~جبلة كل نفس تناسب ما تنزع إليه وتلهج به من أنواع الحيوان < # > 77 ( { جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا } ) 77 < # > [ الشورى : 11 ] - انتهى . | ولما قسمت القصة شطرين تنبيها على ~~النعمتين : نعمة العفو عن التوقف عن الأمر ونعمة البيان للقاتل بالأمر ~~الخارق , وتنبيها على أن لهم بذلك تقريعين : أحدهما بإساءة الأدب في الرمي ~~بالاستهزاء والتوقف عن الامتثال والثاني على قتل النفس وما تبعه , ولو رتبت ~~ترتيبها في الوجود لم يحصل ذلك , وقدم الشطر الأنسب لقصة السبت اتبعه ~~PageV01P171 الآخر . | وقال الحرالي : قدم نبأ قول موسى عليه السلام على ~~ذكر تدارئهم في القتيل ابتداء بأشرف القصدين من معنى التشريع الذي هو ~~القائم على أفعال الاعتداء وأقوال الخصومة - انتهى . | فقال تعالى { وإذ } ~~أي واذكروا إذ , وأسند القتل إلى الكل والقاتل واحد لأن ذلك عادة العرب , ~~لأن عادة القبيلة المدافعة عن أحدهم فقال { قتلهم نفسا } فأقبل عليهم ~~بالخطاب توبيخا لهم وإشارة إلى أن الموجودين منهم راضون بما مضى من أسلافهم ~~وأن من ود شيئا كان من عملته . | ولما كانوا قد أنكروا القتل سبب عنه قوله ~~مشيرا إلى إخفائه بالإدغام { فادارأتم فيها } أي تدافعتم فكان كل فريق منكم ~~يرد القتل إلى الآخر فكان لكم بذلك ثلاثة آثام : إثم الكبيرة وإثم الإصرار ~~وإثم الافتراء بالدفع ؛ قال الكلبي : وذلك قبل نزول القسامة في التوراة , ~~كأنه يشير إلى ما أذكره عنها قريبا . | ولما كان فعلهم في المدارة فعل غافل ~~عن إحاطة علم الخالق سبحانه قال يحكي ms0180 حالهم إذ ذاك { والله } أي والحال أن ~~الذي له الأمر كله { مخرج } بلطيف صنعه وعظيم شأنه { وما كنتم تكتمون * } ~~وفي تقديمه أيضا زيادة تبكيت لهم بتوقفهم في ذبح بقرة أمروا بذبحها لمصلحة ~~لهم عظيمة بعد مبادرة بعضهم إلى قتل إنسان مثله بعد النهي الشديد عنه وقال ~~منبها بالالتفات إلى أسلوب العظمة على ما في الفعل المأمور به منها { فقلنا ~~} أي بما لنا من العظمة { اضربوه } وأضمر ذكر البقرة ولم يظهر دلالة على ~~اتحاد هذا الشق الأول من القصة الذي جعل ثانيا بالشق الذي قبله في أنهما ~~قصة واحدة فقال { ببعضها } قال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة : ~~قلنا اضربوا المقتول ببعض البقرة فضربوه به فحيي , يعني والدليل على على ~~هذا المحذوف قوله { كذلك } أي مثل هذا الإحياء العظيم علىهذه الهيئة ~~الغريبة { يحيي الله } أي الذي له صفات الكمال { الموتى } مثل هذا الإحياء ~~الذي عوين وشوهد - انتهى . | روي أنهم لما ضربوه قام وقال : قتلني فلان ~~وفلان لابني عمه ثم سقط ميتا فأخدا وقتلا ولم يورث قاتل بعد ذلك ؛ وهذه ~~الخارقة كما أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم ذراع الشاة المسمومة بأنه مسموم ~~لما سمته اليهودية التي كانت في قومها هذه الآية , وجعل هذا التنبيه على ~~البعث في قصصهم , لأنه من أعظم الأدلة عليه , وقد وقع منهم ما ساغ معه عدهم ~~منكرين وهو قولهم للمشركين : دينكم خير من دين محمد , أو أن هذا تنبيه ~~مقصود به حث العرب على سؤال من استنصحوهم في السؤال عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لكونهم أهل العلم الأول , فهو ملزم PageV01P172 لهم باعتقاد البعث أو ~~اعتقاد كذب اليهود , وعبر بالاسم العلم لأن الإحياء من أخص الآيات بصفة ~~الإلهية كما أن الإرزاق أخص الآيات بالربوبية { ويريكم آياته } فيما يشهد ~~بصحته { لعلكم تعقلون * } أي لتكونوا برؤية تلك الآيات الشاهدة له على رجاء ~~من أن يحصل لكم عقل فيرشدكم إلى اعتقاد البعث وغيره مما تخبر به الرسل عن ~~الله تعالى . | < < # | البقرة : ( 74 - 82 ) ثم قست قلوبكم . . . . . # > > ^ ( ثم قست قلوبكم ms0181 من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من ~~الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء وإن منها ~~لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون * أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ~~وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ~~* وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا ~~أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون * أولا ~~يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون * ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب ~~إلا أماني وإن هم إلا يظنون * فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون ~~هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم ~~مما يكسبون * وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله ~~عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون * بلى من كسب ~~سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) ^ } ) | ولما كان حصول ~~المعصية منهم بعد رؤية هذه الخارقة مستبعد التصور فضلا عن الوقوع أشار إليه ~~بقوله { ثم قست } من القسوة وهي اشتداد التصلب والتحجر { قلوبكم } ولما ~~كانت لهم حالات يطيعون فيها أتى بالجار فقال { من بعد ذلك } أي من بعدما ~~تقدم وصفه من الخوارق في المراجعات وغيرها تذكيرا لهم بطول إمهاله لهم ~~سبحانه مع توالي كفرهم وعنادهم , وتحذيرا من مثل ما أحل بأهل السبت { فهي } ~~أي فتسبب عن قسوتها أن كانت { كالحجارة } التي هي أبعد الأشياء عن حالها , ~~فإن القلب أحيى حي والحجر أجمد جامد , ولم يشبهها بالحديد لما فيه من ~~المنافع , ولأنه قد يلين . | ولما كانت القلوب بالنظر إلى حياتها ألين لين ~~وبالنظر إلى ثباتها على حالة أصلب PageV01P173 شيء كانت بحيث تحير الناظر ~~في أمرها فقال { أو } قال الحرالي : هي كلمة تدل على بهم الأمر وخفيته فيقع ~~الإبهام والإيهام - انتهى . | وهذا الإبهام ms0182 بالنسبة إلى الرائين لهم من ~~الآدميين , وأما الله تعالى فهو العالم بكل شيء قبل خلقه كعلمه به بعد خلقه ~~وزاد أشد مع صحة بناء أفعل من قسى للدلالة على فرط القسوة فقال { أشد قسوة ~~} لأنها لا تلين لما حقه أن يلينها والحجر يلين لما حقه أن يلينه وكل وصف ~~للحي يشابه به ما دونه أقبح فيه مما دونه من حيث إن الحي مهيأ لضد تلك ~~المشابهة بالإدراك . | ولما كان التقدير فإن الحجارة تنفعل بالمزاولة عطف ~~عليه مشيرا إلى مزيد قسوتهم وجلافتهم بالتأكيد قوله : { وأن من الحجارة } ~~وزاد في التأكيد تأكيدا لذلك قوله { ولما ينفجر } أي يتفتح بالسعة والكثرة ~~{ منه الأنهار } ذكر الكثير من ذلك وتذكيرا بالحجر المتفجر لهم منه الأنهار ~~بضرب العصا ثم عطف على ذلك ما هو دونه فقال : { وإن منها لما يشقق } أي ~~يسيرا بتكلف بما يشير إليه الإدغام والتفعل من التشقق وهو تفعل صيغة التكلف ~~من الشق وهو مصير الشيء في الشقين أي ناحيتين متقابلتين - قاله الحرالي . | ~~{ فيخرج منه الماء } الذي هو دون النهر , ثم عطف على هذا ما هو أنزل من ذلك ~~فقال : { وإن منها لما يهبط من خشية الله } أي ينتقل من مكانه من أعلى ~~الجبل إلى أسفله لأمر الملك الأعلى له بذلك وقلوبكم لانتقاد لشيء من ~~الأوامر فجعل الأمر في حق القلوب لما فيها من العقل كالإرادة في حق الحجارة ~~لما لها من الجمادية وفي ذلك تذكير لهم بالحجارة المتهافتة من الطور عند ~~تجلي الرب . | قال الحرالي : والخشية وجل نفس العالم مما يستعظمه . | ولما ~~كان التقدير : فما أعمالكم - أو : فما أعمالهم , على قراءة الغيب - مما ~~يرضي الله ؟ عطف عليه { وما } ويجوز أن يكون حالا من قلوبكم أي قست والحال ~~أنه ما { الله } أي الذي له الكمال كله { بغافل } والغفلة فقد الشعور بما ~~حقه أن يشعر به { عما تعلمون } فانتظروا عذابا مثل عذاب أصحاب السبت إما في ~~الدنيا وإما في الآخرة , ولم أر ذكر قصة البقرة في التوراة فلعله مما أخفوه ~~لبعض نجاساتهم كما أشير ms0183 إليه بقوله تعالى : < # > 77 ( { تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا } ) 77 < # > [ الأنعام : 91 ] والذي رأيت فيها مما يشبه ذلك ويمكن أن يكون مسببا ~~عنه أنه قال في السفر الخامس منها ما نصه : فإذا وجدتم قتيلا في الأرض التي ~~يعطيكم الله ربكم مطروحا لا يعرف قاتله يخرج أشياخكم وقضاتكم ويذرعون ما ~~بين القتيل والقرية , فأية قرية كانت قريبة من القتيل يأخذ أشياخ تلك ~~القرية عجلا لم يعمل به وعمل ولم يحرث به حرث , فينزل أشياخ تلك القرية ~~العجل إلى الوادي الذي لم يزرع ولم يحرث فيه حرث يذبحون العجل في ذلك ~~الوادي PageV01P174 ويتقدم الأحبار بنو لاوى الذين اختارهم الله ربكم أن ~~يخدموا ويباركوا اسم الرب وعن قولهم يقضي كل قضاء ويضرب كل مضروب , وجميع ~~أشياخ تلك القرية القريبة من القتيل يغسلون أيديهم فوق العجل المذبوح في ~~الوادي ويحلفون ويقولون : ما سفكت أيدينا هذا الدم وما رأينا من قتله فاغفر ~~يا رب لآل إسرائيل شعبك الذين خلصت , ولا تؤاخذ شعبك بالدم الزكي , ويغفر ~~لهم على الدم وأنتم فافحصوا عن الدم واقضوا بالحق وأبعدوا عنكم الإثم ~~واعملوا الحسنات بين يدي الله ربكم - انتهى . | وهو كما ترى يشبه أن يكون ~~فرع هذا الأصل المذكور في القرآن العظيم والله أعلم . | ولما بين سبحانه أن ~~قلوبهم صارت من كثرة المعاصي وتوالي التجرؤ على بارئها محجوبة بالرين كثيفة ~~الطبع بحيث إنها أشد قسوة من الحجارة تسبب عن ذلك بعدهم عن الإيمان فالتفت ~~إلى المؤمنين يؤيسهم من فلاحهم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عما كان ~~يشتد حرصه عليه من طلب إيمانهم في معرض التنكيت عليهم والتبكيت لهم منكرا ~~للطمع في إيمانهم بعد ما قرر أنه تكرر من كفرانهم فقال : { أفتطمعون } ~~والطمع تعلق البال بالشيء من غير تقدم سبب له { أن يؤمنوا } أي هؤلاء الذين ~~بين أظهركم وقد سمعتم ما اتفق لأسلافهم من الكثافة وهم راضون بذلك وإلا ~~لآمنوا بمجرد هذا الإخبار عن هذه القصص من هذا النبي الأمي الذي يحصل ~~التحقيق بأنه لا معلم له بها إلا الله ms0184 معترفين ( لكم وقد ) أي والحال أنه ~~قد { كان فريق } أي ناس يقصدون الفرقة والشتات { منهم } قال الحرالي : من ~~الفرق وهو اختصاص برأي وجهة عمن حقه أن يتصل به ويكون معه - انتهى . | { ~~ويسمعون كلام الله } المستحق لجميع صفات الكمال والكلام قال الحرالي : هو ~~إظهار ما في الباطن على الظاهر لمن يشهد ذلك الظاهر بكل نحو من أنحاء ~~الإظهار - انتهى . | { ثم يحرفونه } أي يزيلونه عن وجهه برده على حرفه , ~~وفي ذكر الفريق مع المعطوفات عليه تأكيد لعظيم تهمكهم في العصيان بأنهم ~~كانوا بعد ما وصف من أحوالهم الخبيثة فرقا في الكفر والعدوان والتبرء من ~~جلباب الحياء , وقوله : { من بعد ما عقلوه } مع كونه توطية لما يأتي من أمر ~~الفسخ مشيرا إلى أن تحريفهم لم يكن في محل إشكال لكونه مدركا بالبديهة , ~~وأثبت الجار لاختلاف أحوالهم . | ولما كان هذا مع أنه إشارة إلى أنهم على ~~جبلات إبائهم وإلى أن من اجترأ على الله لم ينبغ لعباد الله أن يطمعوا في ~~صلاحه لهم , لأنه إذا اجترأ على العالم بالخفيات PageV01P175 كان على غيره ~~أجرأ مشيرا إلى أنه لا يفعله عاقل ختمه بقوله : { وهم يعلمون * } أي والحال ~~أنهم مع العقل حاملون للعلم فاهمون له غير غافلين بل متعمدون . | ولما كان ~~الكلام مرشدا إلى أن التقدير فهم لجرأتهم على الله إذا سمعوا كتابكم حرفوه ~~وإذا حدثوا عباد الله لا يكادون يصدقون عطف عليه قوله { وإذا لقوا الذين ~~آمنوا } بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم { قالوا } نفاقا منهم { آمنا وإذا ~~خلا بعضهم } أي المنافقين { إلى بعض قالوا } لائمين لهم ظنا منهم جهلا ~~بالله لما وجدوا كثيرا من أسرارهم وخفي أخبارهم مما هو في كتابهم من ~~الدقائق وغير ذلك عند المؤمنين مع اجتهاده في إخفائها أن بعضهم أفشاها ~~فعلمت من قبله { أتحدثونهم } من التحديث وهو تكرار حدث القول أي واقعه { ~~بما فتح الله } ذو الجلال والجمال { عليكم } من العلم القديم الذي أتاكم ~~على ألسنة رسلكم أو بما عذب به بعضكم . | والفتح قال الحرالي توسعة الضيق ~~حسا ومعنى { ليحاجوكم } أي ms0185 المؤمنون { به عند ربكم } والمحاجة تثبيت القصد ~~والرأي بما يصححه . | ولما كان عندهم أن إفشاءهم لمثل هذا من فعل من لا ~~يفعل قالوا إنكارا من بعضهم على بعض { أفلا تعقلون * } ويمكن أن يكون خطابا ~~للمؤمنين المخاطبين يتطمعون , أي أفلا يكون لكم عقل ليردكم ذلك عن تعليق ~~الأمل بإيمانهم . | ولما كان ظنهم هذا أقبح الفساد لأنه لو لم يكن علمه من ~~قبل الله لم يقدر غيره أن يعبر عنه بعبارة تعجز الخلائق عن مماثلتها وصل به ~~قوله موبخا لهم { أولا } أي ألا يعلمون أن علم المؤمنين لذلك لم يكن إلا عن ~~الله لما قام عليه من دليل الإعجاز أو لا { يعلمون أن الله } الذي له ~~الإحاطة بكل شيء { يعلم ما يسرون } أي يخفون من قولهم لأصحابهم ومن غيره { ~~وما يعلنون } أي يظهرون من ذلك فيخبر به أولياءه . | ولما ذكر سبحانه هذا ~~الفريق الذي هو من أعلاهم كفرا وأعتاهم أمرا عطف عليه قسما أعتى منه وأفظ ~~لأن العالم يرجى لفته عن رأيه أو تخجيله بالحجاج بخلاف المقلد العاتي ~~الكثيف الجافي فقال { ومنهم أميون } ويجوز أن يراد بهم من لا يحسن الكتابة ~~ومن يحسنها وهو غليظ الطبع بعيد عن الفهم , لأن الأمي في اللغة من لا يكتب ~~أو من على خلقة الأمة لم يتعلم الكتابة وهو باق على جبلته وحال ولادته ~~والغبي الجلف الجافي القليل الكلام , فالمعنى أنهم قسمان : كتبة وغير كتبة ~~, وهم المراد بالأميين , وهؤلاء مع كونهم لا يحسنون الكتاب يجوز أن يتعلموا ~~القراءة تلقينا ولا يفهمون المعاني , ويجوز أن يكون المعنى أنهم قسمان : ~~علماء نحارير عارفون بالمعاني وجهلة غبيون لا حظ لهم من التوراة إلا ~~القراءة الخالية عن التدبر المقرونة بالتمني ولذلك قال : { لا يعلمون ~~الكتاب } أي بخلاف القسم الذي أكد فيه كونهم من أهل العلم . | PageV01P176 ~~ولما كان المراد سلب العلم عنهم رأسا أبرز الاستثناء مع كونه منقطعا في ~~صورة المتصل فقال : { إلا أماني } جمع أمنية , وهي تقدير الوقوع فيما ~~يترامى إليه الأمل , ويقال إن معناه يجري في التلاوة للفظ كأنها ms0186 تقدير ~~بالإضافة لمن يتحقق له المعنى - قاله الحرالي . | أي إن كانت الأماني مما ~~يصح وصفه بالعلم فهي لهم لا غيرها من جميع أنواعه . | ولما أفهم ذلك أن ~~التقدير ما هم ألا يقدرون تقديرات لا علم لهم بها عطف عليه قوله : { وإن هم ~~إلا يظنون } تأكيدا لنفي العلم عنهم . | ولما أثبت لهذا الفريق القطع على ~~الله بما لا علم لهم به وكان هذا معلوم الذم محتوم الإثم سبب عنه الذم ~~والإثم بطريق الأولى لفريق هو أردؤهم وأضرهم لعباد الله وأعداهم فقال : { ~~فويل } والويل جماع الشر كله - قاله الحرالي . | { للذين يكتبون } أي منهم ~~ومن غيرهم { الكتاب } أي الذي يعلمون أنه من عندهم لا من عند الله { ~~بأيديهم } وأشار إلى قبح هذا الكذب وبعد رتبته في الخبث بأداة التراخي فقال ~~{ ثم يقولون } لما كتبوه كذبا وبهتانا { وهذا من عند الله } الملك الأعظم ~~ثم بين بالعلة الحاملة لهم على ذلك خساستهم وتراميهم إلى النجاسة ودناءتهم ~~فقال : { ليشتروا به } أي بهذا الكذب الذي صنعوه { ثمنا قليلا } ثم سبب عنه ~~قوله : { فويل لهم مما كتبت أيديهم } من ذلك الكذب على الله { وويل لهم مما ~~يكسبون * } أي يجدون كسبه مما اشتروه به , وجرد الفعل لوضوح دلالته على ~~الخبث بقرينة ما تقدم وإذا كان المجرد كذلك كان غيره أولى قال الحرالي : ~~والكسب ما يجري من الفعل والقول والعمل والآثار على إحساس بمنة فيه وقوة ~~عليه - انتهى . | وفي هذه الآية بيان لما شرف به كتابنا من أنه لإعجازه لا ~~يقدر أحد أن يأتي من عنده بما يدسه فيه فيلبس به - فلله المنة علينا والفضل ~~. | ولما أرشد الكلام إلى أن التقدير : فحرفوا كثيرا في كتاب الله وزادوا ~~ونقصوا , عطف عليه ما بين به جرأتهم وجفاهم وعدم اكتراثهم بما يرتكبونه من ~~الجرائم التي هم أعلم الناس بأن بعضها موجب للخلود في النار فقال تعالى : { ~~وقالوا لن تمسنا } من المس وهو ملاقاة ظاهر الشيء ظاهر غيره { النار } أي ~~المعدة في الآخرة { إلا أياما } ولما كان مرادهم بذلك أنهم لا يخلدون فيها ~~وكان ms0187 جمع القلة وإن كان يدل على ذلك لكنه ربما استعير للكثرة فدل على ما لا ~~آخر له أو ما يعسر عده زادوا المعنى تأكيدا وتصريحا بقولهم : { معدودة } أي ~~منقضية , لأن كل معدود منقض . | قال الحرالي : والعد اعتبار الكثرة بعضها ~~ببعض , واقتصر على الوصف بالمفرد لكفايته في هذا المعنى بخلاف ما في آل ~~عمران . | ولما ادعوا ذلك ادعوا أن المسلمين يخلفونهم بعد ذلك فيها , روى ~~البخاري في الجزية والمغازي والطب والدارمي في أول المسند عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال : PageV01P177 لما فتحت خيبر أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم ~~شاة فيها سم , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اجمعوا لي من كان ههنا من ~~يهود , فجمعوا له فقال : إن سائلكم عن شيء فهل أنتم صادقي عنه ؟ فقالوا : ~~نعم , فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : من أبوكم ؟ قالوا فلان , فقال : ~~كذبتم , بل أبوكم فلان , قالوا : صدقت وبررت , قال : فهل أنتم صادقي عن شيء ~~إن سألتكم عنه ؟ قالوا : نعم يا أبا القاسم , وإن كذبنا عرفت كذبنا كما ~~عرفته في أبينا , فقال لهم : من أهل النار ؟ قالوا : نكون فيها يسيرا ثم ~~تخلفونا فيها , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اخسؤوا فيها ! والله لا ~~نخلفكم فيها أبدا , ثم قال : هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه ؟ فقالوا ~~: نعم يا أبا القاسم , قال : هل جعلتم في هذه الشاة سما ؟ قالوا : نعم , ~~قال : ما حملكم على ذلك ؟ قالوا : أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك , وإن ~~كنت نبيا لم يضرك ) ولما ادعوا ذلك كان كأنه قيل : فيما ذا نرد عليهم ؟ ~~فقال { قل } منكرا لقولهم { اتخذتم } في ذلك { عند الله } أي الذي له الأمر ~~كله { عهدا فلن } أي فيتسبب عن ذلك أنه يوفي بعهده , لأنه { يخلف الله } ~~الذي له صفات الكمال { عهده أم } لم يكن ذلك فأنتم { تقولون على الله } ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما { ما لا تعلمون } ومعنى الإنكار في الاستفهام ~~أنه ليس واحد من الأمرين واقعا , لا اتخذتم عهدا ولا قلتم ذلك جهلا ms0188 , بل ~~قلتموه وأنتم تعلمون خلافه , ولما انتفى الأمران علم أن الكائن غير ما ~~ادعوه فصرح به في قوله : { بلى } أي لتمسنكم على خلاف ما زعمتموه , فإن بلى ~~كلمة تدل على تقرير يفهم من إضراب عن نفي كأنها بل وصلت بها الألف إثباتا ~~لما أضرب عن نفيه - قاله الحرالي . | ونعم جواب لكلام لا جحد فيه . | ولما ~~أضرب سبحانه عما قالوه من القضاء في الأعيان قاضيا عليهم بالخسران علل ذلك ~~بوصف هم به متلبسون معلما بأن من حق الجاهل بالغيب الحكم على الأوصاف التي ~~ناط علام الغيوب بها الأحكام فقال : { من كسب سيئة } أي عملا من حقه أن ~~يسوء { وأحاطت به خطيئة } بحيث لم يكن شيء من أحواله خارجا عن الخطيئة بل ~~كانت غامرة لكل ما سواها من أعماله , ولا يكون ذلك إلا للكفر الهادم لأساس ~~الأعمال الذي لا يتأتى بقاء الأعمال بدونه . | ولما كان إفراد الضمير أنص ~~على جزاء كل فرد والحكم بالنكال على الكل أنكأ وأروع وأقبح وأفظع وأدل على ~~القدرة أفرد ثم جمع PageV01P178 فقال آتيا بالفاء دليلا أن أعمالهم سبب ~~دخولهم النار : { فأولئك } أي البعداء البغضاء { أصحاب النار هم } خاصة { ~~فيها خالدون * } . | ولما بان بهذا مالهم ولكل من شاركهم في هذا الوصف عطف ~~عليه ما لمن ادعوا أنهم يخلفونهم في النار ولكل من شاركهم في وصفهم الذي ~~استحقوا به ذلك فقال : { والذين آمنوا } أي أقروا بالوحدانية بألسنتهم { ~~وعملوا الصالحات } بيانا لأن قلوبهم مطمئنة بذلك { أولئك } العالو المراتب ~~الشريفو المناقب , ولم يأت بالفاء دلالة على أن سبب سعادتهم إنما هو الرحمة ~~{ أصحاب الجنة } لا غيرهم { وهم } أي خاصة { فيها خالدون * } . | < < # | البقرة : ( 83 - 87 ) وإذ أخذنا ميثاق . . . . . # > > ^ ( وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين ~~إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون * وإذ أخذنا ميثاقكم ~~لا تسفكون دمآءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون * ثم ~~أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم ms0189 تظاهرون عليهم ~~بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ~~ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة ~~الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون * ~~أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينصرون * ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن ~~مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جآءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم ~~استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) ^ } ) | ثم شرع سبحانه يقيم الدليل ~~على أنهم ممن أحاطت به خطيئته فقال : { وإذ } أي اذكروا ما تعلمون في ~~كتابكم من حال من كسب سيئة محيطة واذكروا إذ { أخذنا } بما لنا من تلك ~~العظمة التي أشهدناكم كثيرا منها ميثاقكم ولكنه أظهر لطول الفصل بذكر وصف ~~يعمهم وغيرهم فقال : { ميثاق بني إسرائيل } ويجوز أن يكون معطوفا على { ~~نعمتي } في قوله تعالى : { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } ~~لأن الكل في مخاطبتهم وبيان أمورهم . | ولما كان الدين إنما هو الأدب مع ~~الخالق والخلق ذكر المعاهد عليه من ذلك مرتبا له على الأحق فالأحق فقال ~~ذاكرا له في صيغة الخبر مريدا به النهي والأمر وهو أبلغ من PageV01P179 حيث ~~إنه كأنه وقع امتثاله ومضى ودل على إرادة ذلك بعطف { وقولوا } عليه : { لا ~~تعبدون إلا الله } المنعم الأول الذي له الأمر كله لتكونوا محسنين بذلك ~~إحسانا هو الإحسان كله { و } أحسنوا أو تحسنون { بالوالدين } ولو كانا ~~كافرين . | قال الحرالي : تثنية والد من الولادة لاستبقاء ما يتوقع ذهابه ~~بظهور صورة منه تخلف صورة نوعه - انتهى { إحسانا } عظيما لا يبلغ كنهه , ~~لكونهما في الرتبة الثانية لجعلهما سبحانه السبب في نعمة الإيجاد الأول ~~والمباشرين للتربية , وغير السياق فلم يقل : ولا تحسنون إلا إلى الوالدين , ~~إفهاما لأن الإحسان إليهما يشركهما فيه من بعدهما , لو جبر فوات هذا الحصر ~~بتقديمهما إيذانا بالاهتمام { وذي القربى } وهم المتوسلون بالوالدين لما ~~لهم من أكيد الوصلة { واليتامى } لضعفهم , واليتم قال الحرالي : فقد الأب ms0190 ~~حين الحاجة , ولذلك أثبته مثبت في الذكر إلى البلوغ , وفي البنت إلى ~~الثيوبة لبقاء حاجتها بعد البلوغ , والقربى فعلى من القرابة وهو قرب في ~~النسب الظاهر أو الباطن - انتهى { المساكين } لكسرهم . | ولما لم يكن وسع ~~الناس عامة بالإحسان بالفعل ممكنا أمر بجعل ذلك بالقول فقال عطفا على الخبر ~~الذي معناه الإنشاء : { وقولوا للناس } عامة { حسنا } أي حسنا بالتحريك وهو ~~لغة فيه كالبخل والبخل , وذلك بأن يأمروهم بما أمر الله به وينهوهم عما نهى ~~عنه . | ولما أمرهم بما إن امتثلوه اجتمعت كلمتهم ذكر أعظم جامع على الله ~~من الأعمال فقال : { وأقيموا الصلاة } ثم ذكر ما به تمام الجمع ودوامه فقال ~~: { وآتوا الزكاة } ولما كان الإعراض عن هذه المحاسن في غاية البعد فكيف ~~إذا كانت بعهد فكيف إذا كان من الله أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال : { ~~ثم توليتم } أي عن ذلك أو عن كثير منه , وأشار بصيغة التفعل إلى أن الأمور ~~الدينية لحسنها لا يعرض عنها إلا بعلاج بين الفطرة الأولى والأمارة { إلا ~~قليلا منكم وأنتم } أي والحال أنكم { معرضون } عادتكم ذلك , لم يكن ذلك ~~منكم عن غير علم , والإعراض صرف الشيء إلى العرض التي هي الناحية . | قال ~~السمين : وروى عن أبي عمرو وغيره : إلا قليل - بالرفع , وفيه أقوال , أصحها ~~رفعه على الصفة بتأويل إلا وما بعدها بمعنى غير - انتهى . | ويأتي إن شاء ~~الله تعالى بسط هذا الإعراب عند قوله : < # > 77 ( { فشربوا منه إلا قليلا منهم } ) 77 < # > [ البقرة : 249 ] ذكر ما يشهد لذلك من التوراة , قال في السفر الثاني ~~منها لما ذكر أمر المناجاة وحضورهم عند الجبل وقال الله جميع هذه الآيات ~~كلها : أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق , لا تكون ~~لك آلهة غيري , لا تعملن شيئا من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق ~~وفي الأرض من تحت ومما في الماء أسفل الأرض , لا تسجدن لها ولا تعبدنها , ~~لأني أنا الرب , إلهك إله غيور , أجازي الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة ~~أحقاب وأربعة من أعدائي , وأثبت ms0191 النعمة إلى ألف حقب لأحبائي وحافظي ~~PageV01P180 وصاياي , لا تقسم بالرب إلهك كذبا , لأن الرب لا يزكي من حلف ~~باسمه كذبا . | أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيكها الرب إلهك ~~, لا تقتل , لا تزن , لا تسرق , لا تشهد على صاحبك شهادة زور , لا تتمن بنت ~~صاحبك , ولا تشتهين امرأة صاحبك ولا كل شيء لصاحبك - وكان جميع الشعب ~~يسمعون الأصوات ويرون المصابيح . | وقال في موضع آخر من السفر الثالث : لا ~~تسرقوا , ولا تغدروا , ولا تحلفوا باسمي كذبا , ولا تنجسوا اسم الرب إلهكم ~~, أنا الرب وليس غيري , لا تظلمن صاحبك , ولا تشتمن الأخرس , ولا تضع عثرة ~~بين يدي الضرير , اتق الله ربك , لا تحيفوا في القضاء , ولا تأثموا , ولا ~~تحابين المسكين ولا تحاب الكبير أيضا بل أقض بالبر والعدل , لا تبغض أخاك ~~في قلبك بل بكت صاحبك ووبخه بالحق لكيلا يلزمك خطيئة في سببه , ولا تحقدن ~~على أحد بل أحبب صاحبك كما تحب نفسك , ولا تتطيروا بسنح الطير , ولا يكونن ~~فيكم عراف , ولا تطولن شعر رؤوسكم , ولا تحلقوا عنافق لحاكم , ولا تخدشوا ~~وجوهكم على الميت , ولا تكتبوا على لحومكم بالإبر , أنا الله ربكم , لا ~~تتبعوا العرافين والقافة ولا تنطلقوا إليهم ولا تسألوهم عن شيء لئلا ~~تتنجسوا بهم , أكرم الشيخ وقم إليه إذا رأيته , وأكرم من هو أكبر منك , ~~واتق الله ربك , أنا الله ربكم , وإذا سكن بينكم الذي يقبل إلي فلا تظلموه ~~بل أنزلوه منزلة أحدكم وصيروه منكم , الذين يقبلون إلي ويسكنون معكم أحبوهم ~~كما تحبون أنفسكم لأنكم كنتم سكانا بأرض مصر , أنا الله ربكم , لا تأثموا ~~في القضاء ولا تأثموا في الأوزان والمكاييل بل اتخذوا ميزان الحق واتخذوا ~~مكاييل الحق , أنا الله ربكم الذي أخرجكم من أرض مصر احفظوا جميع وصاياي ~~وأحكامي بها , أنا الرب وليس غيري . | وقال في الثاني : ومن تبع العرافين ~~والقافة وضل بهم أنزل به غضبي الشديد وأهلكه من شعبي , وأي رجل شتم والديه ~~يقتل قتلا ودمه في عنقه ؛ ثم قال بعده : وأي رجل أو امرأة صار ms0192 عرافا أو ~~منجما يقتلان قتلا , ويكون قتلهما الرجم بالحجارة , وجمهما في أعناقهما ؛ ~~وقال قبل ذلك : وكل من ضرب رجلا فمات فليقتل قتلا , ومن ضرب أباه وأمه ~~فليقتل قتلا , ومن سرق إنسانا فوجد معه يريد بيعه فليقتل قتلا , ومن شتم ~~أباه وأمه فليقتل قتلا , ثم قال : لا يؤذن الساكن بينكم ولا تعقوهم تحوجوهم ~~, لأنكم كنتم سكانا بأرض مصر , PageV01P181 ولا تؤذوا الأرامل والأيتام , ~~فإن آذبتموهم فصلوا بين يدي أسمع صلاتهم وأستجيب لهم فيشتد غضبي وأقتلكم في ~~الحرب وتكون نساؤكم أرامل وبنوكم يصيرون يتامى , وإن أسلفت رزقك للمسكين ~~الذي معك من شعبي فلا تكونن له كالغريم , ولا تأخذن منه ربا ؛ ثم قال : ولا ~~تقبلن الرشوة , فإن الرشوة تعمي أبصار الحكماء في القضاء وترد فلج الصالحين ~~. | ولما كان أكبر الكبائر بعد الشرك القتل تلاه بالتذكير بما أخذ عليهم ~~فيه من العهد , وقرن به الإخراج من الديار لأن المال عديل الروح والمنزل ~~أعظم المال وهو للجسد كالجسد للروح فقال : { وإذ أخذنا ميثاقكم } يا بني ~~إسرائيل { لا تسفكون دماءكم } أي لا يسفك بعضكم دماء بعض { ولا تخرجون ~~أنفسكم } , قال الحرالي : وأصلها ما أدارته العرب من البيوت كالحلقة ~~استحفاظا لما تحويه من أموالها - انتهى . | ولما كانوا قد نكصوا عند حقوق ~~الأمر فلم يقبلوا ما أتاهم من الخير حتى خافوا الدمار بسقوط الطور عليهم ~~أشار إلى ذلك بقوله : { ثم أقررتم } أي بذلك كله بعد لي وتوقف , والإقرار ~~إظهار الالتزام بما خفي أمره - قاله الحرالي : { وأنتم تشهدون } بلزومه ~~وتعاينون تلك الآيات الكبار الملجئة لكم إلى ذلك , وقد مضى مما يصدق هذا عن ~~التوراة آنفا ما فيه كفاية للموفق , وسيأتي في المائدة بقيته , إن شاء الله ~~تعالى . | ولما كان هذا بما أكد به من ذكر الميثاق في مظهر العظمة وإضافة ~~الجناية إلى نفس الجاني جديرا بالبعد منه أشار إلى ذلك بقوله : { ثم أنتم ~~هؤلاء } الحقيرون المقدور عليهم المجهولون الذين لا يعرف لهم اسم ينادون به ~~, أو الموجودون الآن ؛ ثم استأنف البيان عن هذه الجملة فقال : { تقتلون ~~أنفسكم } من غير التفات ms0193 إلى هذا العهد الوثيق { وتخرجون فريقا منكم } أي ~~ناسا هم أشقاء لكم فهم جديرون منكم بالإحسان لا بالإخراج { من ديارهم } . | ~~ولما كان من المستبعد جدا بعد الاستبعاد الأول أن يقعوا في ذلك على طريق ~~العدوان استأنف البيان لذلك بقوله : { تظاهرون } أي تتعاونون , من التظاهر ~~, وهو تكلف المظاهرة وهي تساند القوة كأنه استناد ظهر إلى ظهر - قاله ~~الحرالي : { عليهم بالإثم } أي مصاحبين للإثم وهو أسوأ الاعتداء في قول أو ~~فعل أو حال , ويقال لكذوب : أثوم , لاعتدائه بالقول على غيره , والإثم ~~الخمر لما يقع بها من العدواة والعدوى - قاله الحرالي : { والعدوان } أي ~~والامتلاء في مجاوزة الحدود { وإن يأتوكم } أي هؤلاء الذين تعاونتم أو ~~عاونتم عليهم { أسارى } جمع أسرى جمع أسير , وأصله المشدود بالأسر , ~~PageV01P182 وهو القد وهو ما يقد أي يقطع من السير { تفادوهم } أ يتخلصوهم ~~بالمال , من الغداة وهو الفكاك بعوض , و { تفادوهم } من المفاداة وهي ~~الاستواء في العوضين . | قاله الحرالي . | ثم أكد تحريم الإخراج بزيادة ~~الضمير والجملة الاسمية في قوله : { وهو محرم } من التحريم وهو تكرار ~~الحرمة بالكسر وهي المنع من الشيء لدنايته , والحرمة بالضم المنع من الشيء ~~لعلوه - قاله الحرالي : { عليكم } ولما كان يظن أن الضمير للفداء عينه فقال ~~: { إخراجهم } ثم أنكر عليهم التفرقة بين الأحكام فقال : { أفتؤمنون ببعض ~~الكتاب } أي التوراة وهو الموجب للمفاداة { وتكفرون ببعض } وهو المحرم ~~للقتل والإخراج , ثم سبب عن ذلك قوله : { فما جزاء من يفعل ذلك } الأمر ~~العظيم الشناعة { منكم إلا خزي } ضد ما قصدتم بفعلكم من العز , والخزي ~~إظهار القبائح التي يستحي من إظهارها عقوبة - قاله الحرالي : { في الحياة ~~الدنيا } تعجيلا للعقوبة له في الدار التي جعلها محط قصده . | وقد فعل ~~سبحانه ذلك بأنواع الذل والقتل فما دونه , { ويوم القيامة } هي فعالة تفهم ~~فيها التاء المبالغة والغلبة , وهو قيام أمر مستعظم , والقيام هو الاستقلال ~~بأعباء ثقيلة { يردون } أي بالبعث , والرد هو الرجوع إلى ما كان منه بدء ~~المذهب - قاله الحرالي : { إلى أشد العذاب } لأنه الخزي الأعظم . | ولما ~~كانت المواجهة بالتهديد أدل على الغضب التفت ms0194 إليهم في قراءة الجماعة فعطف ~~على ما تقديره ذلك بأن الله عالم بما قصدتموه في ذلك فهو يجازيكم بما ~~تستحقون قوله : { وما الله } أي المحيط علما وقدرة { بغافل عما } أي عن شيء ~~بما { تعملون } من ذلك ومن غيره , وقراءة نافع وابن كثير بالغيب على ~~الأسلوب الماضي . | ولما كانت هذه الآيات كلها كالدليل على قوله تعالى : < # > 77 ( { وضربت عليهم الذلة والمسكنة - ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات ~~الله } ) 77 < # > [ البقرة : 61 ] فذلكة ذلك قوله تعالى : { أولئك } أي البعداء البغضاء ~~{ الذين اشتروا } أي لجوا فأخذوا { الحياة الدنيا } على خساستها { بالآخرة ~~} مع نفاستها , والدنيا فعلى من الدنو وهو الأنزل رتبة , في مقابلة عليا , ~~ولأنه لزمتها العاجلة صارت في مقابلة الأخرى اللازمة للعلو , ففي الدنيا ~~نزول قدر وتعجل وفي ا لأخرى علو قدر وتأخر , فتقابلتا على ما يفهم تقابلين ~~من معنى كل واحدة منهما - قاله الحرالي : فالآية من الاحتكاك , ذكر الدنيا ~~أولا يدل على حذف العليا ثانيا , وذكر الآخرة ثانيا يدل على حذف العاجلة ~~أولا . | { فلا } أي فتسبب عن ذلك أنه لا { يخفف } من التخفيف وهو مصير ~~الثقيل والمستفل إلى حال الطافي المستعلي كحال ما بين الحجر والهواء - قاله ~~الحرالي : PageV01P183 { عنهم العذاب } في واحدة من الدارين { ولا هم ~~ينصرون } وهو أيضا من أعظم الأدلة على خذلان من غزا لأجل المغنم أو غل , ~~وقد ورد في كثير من الأحاديث والآثار التصريح بذلك , منها ما رواه مالك عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما ظهر ~~الغلول في قوم إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب ) وهو أيضا شرع قديم ففي سفر ~~يوشع بن نون عليه الصلاة والسلام أنه لما فتح مدينة أريحا بعد موت موسى ~~عليه السلام بعث غلى مدينة عاي ثلاث آلاف مقاتل ليفتحوها , فقتل منهم أهل ~~عاي جماعة وهزموهم , فاضطربت قلوبهم وصارت كالماء , فسجد يشوع على الأرض ~~أمام تابوت الرب هو ومشيخة بني إسرائيل , فقال له الرب : انهض قائما , ~~وأخبره أن قومه قد غلوا فلا يقدرون الآن أن يثبتوا ms0195 لأعدائهم حتى ينحوا ~~الحرام عنهم , وقال الله له : وإذا كان غد فقدموا أسباطكم ليقترعوا , ~~والسبط الذي تصيبه قرعة الرب تتقدم عشائره , والعشيرة التي تصيبها القرعة ~~تتقدم بيوتاتها , والبيت الذي يصيبه قرعة الرب ويصاب الحرام عنده يحرق ~~بالنار هو وكل شيء له , لأنه تعدى على أمر الرب ولأنه أثم بإسرائيل ؛ ففعل ~~ما أمره الرب فأصابت القرعة عاجار بن كرمى من سبط يهودا , فأحضره وبنيه ~~وبناته ومواشيه وخيمته وكل من كان له , فأصعدهم إلى غور عاجار , ورجمهم ~~جميع بني إسرائيل بالحجارة , وأحرقوهم بالنار , وجعلوا فوقه تلا من الحجارة ~~الكبار إلى اليوم , ولذلك دعي اسم ذلك الموضع غور عاجار إلى اليوم , ثم ~~أتوا من الغد إلى عاي فقتلوا جميع من فيها من بني آدم الذكور والإناث ~~وأحرقوها . | ولما بين لهم أنهم نقضوا العهود فأحاطت بهم الخطايا فاستحقوا ~~الخلود في النار توقع السائل الإخبار عن سبب وقوعهم في ذلك هل هو جهل أو ~~عناد فبشع سبحانه ذلك عليهم بما افتتحه بحرف التوقع فقال : { ولقد } باللام ~~التي هي توكيد لمضمون الكلام , و ( قد ) هي لوقوع مرتقب مما كان خبرا أو ~~مما سيكون علما - قاله الحرالي . | { آتينا } أي بعظمتنا { موسى الكتاب } ~~أي نقضتم تلك العهود مع أن عندكم فيها كتاب الله التوراة تدرسونه كل حين , ~~فلم ندعكم هملا بعد موسى عليه السلام بل ضبطنا أمركم بالكتاب { وقفينا } من ~~التقفية وهي متابعة شيء شيئا كأنه يتلو فقاه , وفقاء الصورة منها خلفها ~~المقابل الموجه - قاله الحرالي : { من بعده } أي بعد موسى { بالرسل } أي ثم ~~لم نقتصر على الضبط بالكتاب الذي تركه فيكم موسى بل واترنا من بعده إرسال ~~الرسل مواترة , PageV01P184 وجعلنا بعضهم في قفاء بعض ليجددوا لكم أمر ~~الدين ويؤكدوا عليكم العهود والرسالة انبعاث أمر من المرسل إلى المرسل إليه ~~{ وآتينا } بما لنا من العظمة { عيسى } اسم معرب . | أصله يسوع { ابن مريم ~~} الذي أرسلناه لنسخ بعض التوراة تجديد ما درس من بقيتها { البينات } من ~~الآيات العظيمة التي لا مرية فيها لذي عقل , والبينة من القول والكون ما لا ms0196 ~~ينازعه منازع لوضوحه - قاله الحرالي : { وأيدناه } أي قويناه على ذلك كله , ~~من التأييد وهو من الأيد وهو القوة , كأنه يأخذ معه بيده في الشيء الذي ~~يقويه فيه , كأخذ قوة المظاهرة من الظهر , لأن الظهر موضع قوة الشيء في ~~ذاته , واليد موضع قوة تناوله لغيره - قاله الحرالي : { بروح القدس } أي ~~الروح الطاهر وهو جبريل عليه السلام كما أيدنا به غيره من أولي العزم . | ~~قال الحرالي : والروح لمحة من لمحات أمر الله , وأمر الله قيوميته في كلية ~~خلقه ملكا وملكوتا , فما هو قوام الخلق كله ملكا وملكونا هو الأمر < # > 77 ( { ألا له الخلق والأمر } ) 77 < # > , [ الأعراف : 54 ] , وما هو قوام صورة من جملة الخلق هو الروح الذي هو ~~لمحة من ذلك الأمر ؛ ولقيام عالم الملكوت وخصوصا جملة العرش بعالم الملك ~~وخصوصا أمر الدين الباقي سماهم الله روحا , ومن أخصهم روح القدس , والقدس ~~الطهارة العلية التي لا يلحقها تنجس على ما تقدم , ومن أخص الروح به جبريل ~~عليه السلام بما له من روح الأمر الديني , وإسرافيل عليه السلام بما له من ~~روح النفخ الصوري - انتهى . | وقد كان لعيسى عليه السلام بالروح مزيد ~~اختصاص لكثرة ما أحيى من الموتى ؛ والمعنى فعلنا بكم يا بني إسرائيل ذلك ~~ولم تزالوا في عهد جميع من ذكر ناقضين للعهود , فلا أحد أحق منكم بالخلود ~~في النار , ثم جاء محمد صلى الله عليه وسلم فلم تصدقوه . | ذكر شيء من ~~الإنجيل يدل على أنه عليه السلام أتى بالبينات مع تأييده بروح القدس ~~مستخلصا من الأناجيل الأربعة وقد جمعت بين ألفاظها , قال متى - ومعظم ~~السياق له : فلما سمع يسوع أن يوحنا - يعني يحيى بن زكريا عليهما السلام - ~~قد أسلم - يعني خذله أصحابه مضى إلى الجليل وترك الناصرة وجاء وسكن ~~كفرناحوم التي على ساحل البحر في تخوم زابلون وبغتاليم ليكمل ما قيل في ~~أشعيا النبي إذ يقول : أرض زابلون أرض بغتاليم طريق البحر عبر الأردن جليل ~~الأمم الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورا عظيما الجلوس في الكورة وظلال ~~الموت نورا أشرق عليهم ms0197 , ومن ذلك بعد حبس يوحنا وافى يسوع إلى الجليل يكرز ~~بإنجيل ملكوت الله قائلا : قد كمل الزمان وقربت ملكوت الله ! فتوبوا وآمنوا ~~بالإنجيل . | قال متى : وكان يمشي على بحر الجليل فأبصر أخوين سمعان الذي ~~يدعى بطرس واندراوس أخاه يلقيان شباكهما في البحر PageV01P185 لأنهما كانا ~~صيادين , فقال لهما : اتبعاني أجعلكما تكونان صيادي الناس وللوقت تركا ~~شباكهما وتبعاه ؛ وجاز من هناك فرأى أخوين آخرين يعقوب بن زبدي ويوحنا أخاه ~~في سفينة مع أبيهما زبدي يصلحون شباكهم فدعاهما , فللوقت تركا السفينة ~~وأباهما زبدي وتبعاه وفي إنجيل يوحنا بعد قصة يحيى بن زكريا الآتية في آل ~~عمران : هذا كان في بيت عينا في عبر الأردن حيث كان يوحنا يعمد , ومن الغد ~~نظر يسوع مقبلا إليه فقال : هذا حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم ! هذا ذلك ~~الذي قلت من أجله : إنه يأتي وهو كان قبلي لأنه أقدم مني وأنا لم أكن أعرفه ~~لكن ليظهر لإسرائيل , من أجل هذا جئت أنا لأعمد بالماء ؛ وشهد يوحنا وقال : ~~إني رأيت الروح نزل من السماء مثل حمامة وحل عليه ولم أعرفه , لكن من ~~أرسلني لأعمد بالماء هو الذي قال : الذي ترى الروح ينزل ويثبت عليه هو يعمد ~~بروح القدس . | وأنا عاينت وشهدت : وفي الغد كان يوحنا واقفا واثنان من ~~تلاميذه فنظر يسوع فقال : هذا حمل الله ! فسمع تلميذاه كلامه فتبعا يسوع , ~~فالتفت يسوع فرآهما يتبعانه فقال لهما : ماذا تريدان ؟ قالا له : ربي - ~~الذي تأويله يا معلم - أين تكون ؟ فقال لهما : تعاليا لتنظرا , فأتيا ~~وأبصرا موضعه أين يكون , وأقاما عنده يومهما ذلك وكان نحو عشر ساعات , وإن ~~واحدا من اللذين سمعا من يوحنا وتبعا يسوع كان اندراوس أخا سمعان وإنه أبصر ~~أولا سمعان أخاه وقال له : قد وجدنا مسيا - الذي تأويله المسيح - فجاء به ~~إلى يسوع ؛ فلما نظر إليه يسوع قال له : أنت سمعان بن يونان الذي يدعى ~~الصفا - الذي تأويله بطرس ومن الغد أراد الخروج إلى الجليل فلقي فيليس ~~ناتاناييل وقاله له : الذي كتب موسى من أجله في الناموس ms0198 والأنبياء وجدناه ~~وهو يسوع الذي من الناصرة , فقال له : ناتاناييل هل يمكن أن يخرج من ~~الناصرة شيء فيه صلاح ؟ فقال له فيليس : تعال وانظر , فلما رأى يسوع ~~ناتاناييل مقبلا إليه قال : من أجله هذا حقا إسرائيلي لا غش فيه , فقال له ~~ناتاناييل : من أين تعرفني ؟ فقال له يسوع : قبل أن يدعوك فيليس وأنت تحت ~~التينة رأيتك فقال له : يا معلم ! أنت هو ملك إسرائيل , قال له يسوع : لأني ~~قلت لك إني رأيتك تحت التينة آمنت سوف تعاين ما هو أعظم من هذا , وقال له : ~~الحق الحق أقول لكم , إنكم من الآن ترون السماء مفتحة وملائكة الله ينزلون ~~ويصعدون على ابن البشر . | وفي اليوم الثالث كان عرش في قانا الجليل وكانت ~~أم يسوع هناك ودعي يسوع وتلاميذه إلى العرش وكان الخمر قد فرغ , فقالت أم ~~يسوع له : ليس لهم خمر , فقال لها يسوع : ما لي ولك أيتها المرأة لم تأت ~~ساعتي بعد ؟ فقالت أمه للخدام : افعلوا ما يأمركم به , وكان هناك ستة ~~أجاجين من حجارة موضوعة لتطهير اليهود تسع كل واحدة مطرين أو ثلاثة , فقال ~~لهم يسوع : املؤوا الأجاجين ماء , PageV01P186 فملؤوها إلى فوق , وقال لهم ~~: اغرفوا الآن وناولوا رئيس السقاة , فلما ذاق رئيس السقاة ذلك الماء ~~المتحول خمرا لم يعلم من أين هو , فدعا رئيس السقاة العريس وقال له : كل ~~إنسان إنما يأتي بالشراب الجيد أولا فإذا سكروا عند ذلك يأتي بالدون وأنت ~~أبقيت الجيد إلى الآن ! هذه الآية الأولى التي فعلها يسوع في قانا الجليل ~~وأظهر مجده وآمن به تلاميذه . | وبعد هذا انحدر إلى كفرناحوم هو وأمه ~~وإخوته وتلاميذه فأقاموا هناك أياما يسيرة ؛ ثم قال : وعلم السيد يسوع أن ~~الفريسيين سمعوا أنه قد اتخذ تلاميذ كثيرة وأنه يعمد أكثر من يوحنا إذ ليس ~~هو يعمد بل تلاميذه فترك اليهودية ومضى إلى الجليل وكان قد أزمع أن يعبر ~~على موضع السامرة , فأقبل إلى مدينة السامرة التي تسمى بسوخار إلى جانب ~~القرية التي كان يعقوب وهبها ليوسف ابنه وكان هناك بئر يعقوب ms0199 وكان يسوع قد ~~عيى من تعب الطريق , فجلس على البئر في ست ساعات , فجاءت امرأة من السامرة ~~تستقي ماء , فقال لها يسوع أعطيني أشرب - وكان تلاميذه قد دخلوا إلى ~~المدينة ليبتاعوا لهم طعاما - فقالت له تلك المرأة : كيف وأنت يهودي تستقي ~~الماء وأنا امرأة سامرية واليهود لا يختلطون بالسامرة ! أجاب يسوع وقال لها ~~: لو كنت تعرفين عطية الله ومن هذا الذي قال لك : ناوليني أشرب , لكنت أنت ~~تسألينه أن يعطيك ماء الحياة ! قالت المرأة : يا سيد ! إنه لا دلو لك ~~والبئر عميقة فمن أين لك ماء الحياة ؛ لعلك أعظم من أبينا يعقوب الذي ~~أعطانا هذه البئر ومنها شرب هو وبنوه وماشيته ! فقال لها : كل من يشرب من ~~هذا الماء يعطش أيضا , فأما من يشرب من الماء الذي أعطيه لا يعطش إلى الأبد ~~, قالت المرأة : يا سيد ! أعطني من هذا الماء لئلا أعطش ولا أجيء ولا أستقي ~~من ههنا , فقال : انطلقي وادعي زوجك وتعالي إلى ههنا , قالت : ليس لي زوج , ~~قال لها : حسنا قلت : إنه لا بعل لي , لأنه قد كان لك خمسة بعولة والذي هو ~~لك الآن ليس هو زوجك , أما هذا فحقا قلت , قالت : يا سيد ! إني أرى أنك نبي ~~, آباؤنا سجدوا في هذا الجبل وأنتم تقولون : إنه ياروشليم المكان الذي ~~ينبغي أن يسجد فيه , قال : أيتها المرأة ! آمني به , إنه ستأتي ساعة لا في ~~هذا الجبل ولا في يروشليم يسجدون للأب , أنتم تسجدون لما لا تعلمون ونحن ~~نسجد لما نعلم , لكن ستأتي ساعة وهي الآن لكيما الساجدون المحقون يسجدون ~~بالروح والحق , والرب إنما يريد مثل هؤلاء الساجدين , والذين يسجدون له ~~بالروح والحق ينبغي أن يسجدوا , قالت المرأة : قد علمت أن مسيا الذي هو ~~المسيح يأتي , فإذا جاء ذاك فهو يعلمنا كل شيء , فقال : أنا هو الذي أكلمك ~~وفي هذا جاء تلاميذه وتعجبوا من كلامه مع امرأة ولم يقل أحد : ماذا تريد ~~ولم تكملها فتركت المرأة جرتها ومضت إلى المدينة وقالت للناس : تعالوا ~~انظروا رجلا أعلمني كل PageV01P187 ما فعلت ms0200 , لعل هذا هو المسيح , فخرجوا ~~من المدينة وأقبلوا نحوه ؛ وفي هذا سأله تلاميذه قائلين : يا معلم ! كل , ~~فقال : إن لي طعاما لا تعرفونه أنتم , فقالوا فيما بينهم : لعل إنسانا ~~وافاه بشيء فطعمه , فقال : طعامي أنا أن أعمل مسرة من أرسلني وأتم عمله ~~أليس أنتم تقولون : إن الحصاد يأتي بعد أربعة أشهر , وأنا قائل لكم : ~~ارفعوا أعينكم وانظروا إلى الكور قد ابيضت وبلغت الحصاد , والذي يحصد يأخذ ~~الأجرة ويجمع ثمار الحياة الدائمة , والزارع والحاصد يفرحان معا , لأنه في ~~هذا توجد كلمة الحق , إن واحدا يزرع وآخر يحصد , أنا أسألكم تحصدون شيئا ~~ليس أنتم تعبتم فيه بل آخرون تعبوا فيه وأنتم دخلتم على تعب أولئك ؛ فآمن ~~به في تلك المدينة سامريون كثيرون من أجل كلمة تلك المرأة , ولما صار إليه ~~السامريون طلبوا إليه أن يقيم عندهم , فمكث عندهم يومين فآمن به كثير , ~~وكانوا يقولون للمرأة : لسنا من أجل قولك نؤمن به لكنا قد سمعنا وعلمنا أن ~~هذا هو المسيح بالحقيقة مخلص العالم . | وبعد يومين خرج يسوع إلى الجليل ~~ومضى من هناك , لأنه شهد أن النبي لا يكرم في مدينته , ولما صار إلى الجليل ~~قبله الجليليون , لأنهم عاينوا كل ما عمل بايروشليم في العيد ؛ ثم جاء يسوع ~~حيث صنع الماء خمرا وكان في كفرناحوم عند الملك ابن مريض فسمع أن يسوع قد ~~جاء من يهودا إلى الجليل , فمضى إليه وسأله أن ينزل ويبرئ ولده , لأنه قد ~~كان قارب الموت , فقال له يسوع : إن لم تعاينوا الآيات الأعاجيب لا تؤمنون ~~, فقال له الملك : انزل يا سيد قبل أن يموت فتاي , قال له يسوع : امض فابنك ~~حي , فآمن الرجل بالكلمة التي قالها يسوع ومضى , وفيما هو ماض استقبله ~~علمانه وبشروه بأن ا بنه قد عاش , فسألهم : في أي وقت ؟ فقالوا له : أمس في ~~الساعة السابعة تركته الحمى , فعلم أبوه أنه في تلك الساعة التي قال له ~~يسوع فيها : إن ابنك قد حيي , فآمن هو وبيته بأسره ؛ وهذه أيضا آية ثانية ~~عملها يسوع لما جاء من ms0201 يهودا إلى الجليل . | قال مرقس : فأقبل غلى كفرناحوم ~~وبقي يعلم في مجامعهم يوم السبت , فتعجبوا من تعليمه لأنه كان كالمسلط . | ~~قال متى : وكان يسوع يطوف في كل الجليل ويعلم في مجامعهم ويكرز ببشارة ~~الملكوت ويبرئ كل برص ووجع في الشعب , فخرج خبره في جميع الشام فقدم إليه ~~كل من به أصناف الأمراض والأوجاع المختلفة والذين بهم الشياطين والمعترين ~~في رؤوس الأهلة والمخلعين فأبرأهم , وتبعه جموع كثيرة من الجليل والعشرة ~~المدن ويروشليم واليهودية وعبر الأردن , فلما أبصر الجميع صعد إلى الجبل ~~وجلس , وجاء إليه تلاميذه وفتح فاه يعلمهم قائلا : طوبى للمساكين بالروح ! ~~فإن لهم ملكوت السماوات , طوبى للحزانى ! فإنهم يعزون , طوبى للمتواضعين ! ~~فإنهم يرثون الأرض , طوبى للجياع والعطاش من أجل PageV01P188 البر ! فإنهم ~~يشبعون , طوبى للرحماء ! فإنهم يرحمون , طوبى للنقية قلوبهم ! فإنهم ~~يعاينون الله , طوبى لفاعلي السلامة ! فإنهم بني الله يدعون , طوبى ~~للمطرودين من أجل البر ! فإن لهم ملكوت السماوات طوبى لكم إذا طردوكم ~~وعيروكم وقالوا فيكم كل كلمة شر من أجلي ؛ افرحوا وتهللوا , فإن أجركم عظيم ~~في السماوات , لأن هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم . | وقال لوقا : هكذا ~~كان آباؤكم يصنعون بالأنبياء الويل لكم أيها الأغنياء ! لأنكم قد أخذتم ~~عزاكم , الويل لكم أيها الشباعى الآن ! فإنكم ستجوعون ؛ الويل لكم أيها ~~الضاحكون الآن ! فإنكم ستبكون وتحزنون , الويل لكم إذا قال الناس فيكم قولا ~~حسنا ! لأن آباءهم كذلك فعلوا بالأنبياء الكذبة - يعني المتنبئين - وفيه من ~~الألفاظ التي لا يجوز إطلاقها في شرعنا حمل الله والأب , وقوله : بني الله ~~, وسيأتي إن شاء الله تعالى في آل عمران تأويل مثل هذا على تقدير صحته عنه ~~وأنه يرد إلى المحكم على أوضح وجه مثل الألفاظ التي وردت في شرعنا ورددناها ~~إلى المحكم , وضل بها من حملها على ظاهرها ممن يدعي الإسلام والله الموفق . ~~| ولما كان هذا حالهم مع الرسل مع أنسهم بهم ومعرفتهم بأحوالهم واتصالهم ~~بالله وكمالهم علم أنهم في منابذتهم لهم عبيد الهوى وأسرى الشهوات , فتسبب ~~عن ذلك الإنكار عليهم فقال : { أفكلما } أي أفعلتم ما فعلتم ms0202 من نقض العهود ~~مع مواترة الرسل ووجود الكتاب فكلما { جاءكم رسول } أي من عند الله ربكم { ~~بما لا تهوى أنفسكم } من الهوى وهو نزوع النفس لسفل شهوتها في مقابلة معتلى ~~الروح لمنبعث انبساطه , كأن النفس ثقيل الباطن بمنزلة الماء والتراب , ~~والروح خفيف الباطن بمنزلة الهواء والنار , وكأن العقل متسع الباطن بمنزلة ~~اتساع النور في كلية الكون علوا وسفلا - قاله الحرالي : وقد دل على أن ~~المراد الباطل بالتعبير بالهوى والنفس { استكبرتم } أي طلبتم الكبر ~~وأوجدتموه بما لكم من الرئاسة على قومكم عن قبول الحق ميلا إلى سنة إبليس ~~مع إعطائكم العهد قبل ذلك علىالدوام على اتباعه { ففريقا } أي فتسبب عن ~~طلبكم الكبر أنكم فريقا { كذبتم } كعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام { ~~وفريقا تقتلون } أي قتلتم ولم تندموا على قتلهم بل عزمتم على مثل ذلك الفعل ~~كلما جاءكم أحد منهم بما يخالف الهوى وهم لم يبعثوا إلا لصرف الأنفس عن ~~الهوى لأن دعوة الرسول إلى الأعلى الذي هو ضد هوى النفس ؛ والظاهر أنه ~~سبحانه أشار بهذه الصيغة المستقبلة إلى قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالسم في خيبر كما أشار إليه الحديث الماضي آنفا . | PageV01P189 < < # | البقرة : ( 88 - 92 ) وقالوا قلوبنا غلف . . . . . # > > ^ ( وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون * ولما ~~جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين * بئسما ~~اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بمآ أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على ~~من يشآء من عباده فبآءو بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين * وإذا قيل لهم ~~آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بمآ أنزل علينا ويكفرون بما ورآءه وهو الحق ~~مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبيآء الله من قبل إن كنتم مؤمنين * ولقد ~~جآءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون ) ^ } ) | ولما ~~بين سبحانه مخازيهم حتى ختمها بعظيم ما ارتكبوا من الرسل من القتل المعنوي ~~بالتكذيب والحسي بإزهاق الروح مع ms0203 العلم بأنهم أتوا بالبينات والآيات ~~المعجزات فأرشد المقام إلى أن التقدير فقالوا للأنبياء لما أتوهم أمورا ~~كثيرة يعجب من صدورها عن عاقل وأتوا في الجواب عن تكذيبهم وقتلهم من ~~التناقضات بما لا يرضاه عالم ولا جاهل عطف عليه أو على ^ ( { وقالوا لن ~~تمسنا النار } ) ^ [ البقرة : 80 ] قوله - بيانا لشدة بهتهم وقوة عنادهم : ~~{ وقالوا } في جواب ما كانوا يلقون إليهم من جواهر العلم التي هي أوضح من ~~الشمس { قلوبنا غلف } جمع أغلف وهو المغشى الذكر بالقلفة التي هي جلدته , ~~كأن الغلفة في طرفي المرء : ذكره وقلبه , حتى يتم الله كلمته في طرفيه ~~بالختان والإيمان - قاله الحرالي . | فالمعنى : علهيا أغطية فهي لا تفهم ما ~~تقولون . | فكان المراد بذلك مع أنهم أعلم الناس أن ما يقولونه ليس بأهل ~~لأن يوجه إليه الفهم , ولذلك أضرب الله سبحانه عنه بقوله : { بل } أي ليس ~~الأمر كما قالوا من أن هناك غلفا حقيقة بل { لعنهم الله } أي طردهم الملك ~~الأعظم عن قبول ذلك لأنهم ليسوا بأهل للسعادة بعد أن خلقهم على الفطرة ~~الأولى القويمة لا غلف على قلوبهم , لأن اللعن إبعاد في المعنى والمكانة ~~إلى أن يصير الملعون بمنزلة النعل في أسفل القامة يلاقي به ضرر الموطي - ~~قاله الحرالي . | ثم بين علة ذلك بقوله : { بكفرهم } . | قال الحرالي : ~~أعظم الذنوب ما تكون عقوبة الله تعالى عليها الإلزام بذنوب اشد منها , ~~فأعقب استكبارهم اللعن كما كان في حق إبليس مع آدم عليه السلام , فانتظم ~~صدر هذه السورة إظهار الشيطنتين من الجن والإنس الذي انختم به القرآن في ~~قوله : ^ ( { من الجنة والناس } ) ^ [ الناس : 6 ] ليتصل طرفاه , فيكون ~~PageV01P190 ختما لا أول له ولا آخر , والفاتحة محيطة به لا يقال : هي أوله ~~ولا آخره , ولذلك ختم بعض القراء بوصله حتى لا يتبين له طرف , كما قالت ~~العربية لما سئلت عن بنيها : هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها . | ~~ولما أخبر بلعنهم سبب عنه قوله : { فقليلا ما يؤمنون } , فوصفه بالقلة ~~وأكده بما إيذانا بأنه مغمور بالكفر لا غناء له . | ولما ذكر سبحانه من ms0204 ~~جلافتهم ما ختمه بلعنهم وكان قد قدم ذكر كتابهم مرارا وأشار إلى الإنجيل ~~بإيتاء عيسى عليه السلام البينات ذكر سبحانه كفرهم بهذا الكتاب الذي مقصود ~~السورة وصفه بالهدى وبهذا الرسول الآتي به دليلا على إغراقهم في الكفر , ~~لأنهم مع استفتاحهم به صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه على من يعاديهم ~~واستبشارهم به وإشهادهم أنفسهم بالسرور بمجيئه كانوا أبعد الناس من دعوته ~~تماديا في الكفر وتقيدا بالضلال , فكان هذا الدليل أبين من الأول عند أهل ~~ذلك العصر وذلك قوله تعالى : { ولما جاءهم كتاب } أي جامع لجميع الهدى ~~لعظمته لكونه { من عند الله } الجامع لجميع صفات الكمال , ثم ذكر من ~~المحببات لهم في اتباعه قوله { مصدقا لما معهم } على لسان نبي يعرفون صحة ~~أمره بأمور يشهد بها كتابهم , وبتصديق هذا الكتاب له بإعجاز نظمه وتصديق ~~معناه لكتابهم , والجواب محذوف ودل ما بعد على أنه كفروا به , وفي ذلك ~~قاصمة لهم لأن كتابهم يكون شاهدا على كفرهم , ولما بين شهادة كتابهم أتبعه ~~شهادتهم لئلا يحرفوا معنى ذلك فقال { وكانوا } أي والحال أنهم كانوا , ولما ~~كان استفتاحهم في بعض الزمان أثبت الجار فقال : { من قبل } أي قبل مجيئه { ~~يستفتحون } أي يسألون الله الفتح بالاسم الآتي به تيمنا بذكره ! ! { على ~~الذين كفروا } يعني أنهم لم يكونوا في غفله عنه بل كانوا أعلم الناس به وقد ~~وطنوا أنفسهم علىتصديقه ومع ذلك كله { فلما جاءهم } برسالة محمد صلى الله ~~عليه وسلم علم { ما عرفوا } أي ما صدقه بما ذكر من نعوته في كتابهم { كفروا ~~به } اعتلالا بأنواع من العلل البينة الكذب , منها زعمهم أن جبريل عليه ~~السلام عدوهم وهو الآتي به ؛ قال الثعلبي والواحدي : ( روى ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن عبد الله بن صوريا حاج رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~أشياء , فلما اتجهت الحجة عليه قال : أي ملك يأتيك من السماء ؟ قال : جبريل ~~, ولم يبعث الله نبيا إلا وهو وليه - وفي رواية : وسأله عمن يهبط عليه ~~بالوحي , فقال : جبريل - فقال : PageV01P191 ذاك عدونا , ولو كان ms0205 غيره ~~لآمنا بك ) وقال ابن إسحاق في السيرة : حدثني عبد الله ابن عبد الرحمن بن ~~أبي حسين المكي عن شهر بن حوشب الأشعري ( أن نفرا من أحبار يهود جاؤوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : خبرنا عن أربع نسألك عنهن , فإن فعلت ~~اتبعناك وصدقناك وآمنا بك , فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : عليكم ~~بذلك عهد الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدقني , قالوا : نعم , قال : ~~فاسألوا عما بدا لكم ! قالوا : فأخبرنا : كيف يشبه الولد أمه وإنما النطفة ~~من الرجل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنشدكم بالله وبأيامه عند ~~بني إسرائيل هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة ونطفة المرأة صفراء رقيقة ~~فأيتهما علت صاحبتها كان الشبه لها ؟ قالوا : اللهم نعم , قالوا : فأخبرنا ~~عن كيف نومك ؟ قال : أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون أن ~~نوم الذي تزعمون أني لست به تنام عينه وقلبه يقظان ؟ قالوا : اللهم نعم , ~~قال : فكذلك نومي , تنام عيني وقلبي يقظان , قالوا : فأخبرنا عما حرم ~~إسرائيل على نفسه , قال : أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون ~~أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحومها وأنه اشتكى شكوى ~~فعافاه الله منها فحرم على نفسه أحب الطعام والشراب إليه شكرا لله فحرم على ~~نفسه لحوم الإبل وألبانها ؟ قالوا : اللهم نعم ؛ قالوا : فأخبرنا عن الروح ~~, قال : أنشدكم بالله وبأيامه هل تعلمون جبريل وهو الذي يأتيني ؟ قالوا : ~~اللهم نعم ولكنه يا محمد لنا عدو , وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء , ~~ولولا ذلك لا تبعناك . | فأنزل الله فيهم < # > 77 ( { من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين ~~يديه وهدى وبشرى للمؤمنين } ) 77 < # > [ البقرة : 97 ] إلى قوله : < # > 77 ( { أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون } ) 77 ~~< # > [ البقرة : 100 ] , وأصل ذلك في البخاري في خلق آدم والهجرة والتفسير ~~عن أنس بن مالك رضي الله عنه - من روايات جمعت بين ألفاظها - قال : ( أقبل ~~نبي الله صلى PageV01P192 الله ms0206 عليه وسلم إلى المدينة أي في الهجرة - إلى ~~أن قال : فأقبل يسير حتى نزل إلى جانب دار أبي أيوب رضي الله عنه , فإنه ~~ليحدث أهله إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف لهم , فعجل ~~أن يضع التي يخترف لهم فيها فجاء وهي معه , فسمع من نبي الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم رجع إلى أهله , فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : ) أي بيوت ~~أهلنا أقرب ( - فذكر نزوله على أبي أيوب رضي الله عنه ثم قال : ) فلما جاء ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم جاء عبد الله بن سلام رضي الله عنه فقال : ~~أشهد أنك رسول الله وأنك جئت بحق ! وقد علمت يهود أني سيدهم وابن سيدهم ~~وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم عني قبل أن يعلموا أني قد أسلمت , فإنهم ~~إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ما ليس في ( وفي رواية : ) بلغ عبد الله ~~بن سلام مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف فأتاه فقال : إني ~~سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ( ) ما أول اشراط الساعة ؟ وما أول طعام ~~يأكله أهل الجنة ؟ ومن أي شيء ينزع الولد إلى أبيه ومن أي شيء ينزع إلى ~~أخواله ( وفي رواية : ) وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه - فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : أخبرني بهن جبريل آنفا , فقال عبد الله : ذاك ~~عدو اليهود من الملائكة , فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : < # > 77 ( { من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله } ) 77 < # > [ البقرة : 97 ] ( أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى ~~المغرب , وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت ) وفي رواية ( ~~الحوت ) ( وأما الشبه في الولد فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان ~~الشبه له , وإذا سبقت كان الشبه لها ) وفي رواية : ( وإذا سبق ماء الرجل ~~ماء المرأة نزع الولد , وإذا سبق ماء المرأة نزعت ) ( قال : اشهد أنك رسول ~~الله ! ثم ms0207 قال : يا رسول الله ! إن اليهود قوم بهت , إن علموا بإسلامي قبل ~~أن تسألهم بهتوني عندك , فأرسل نبي الله صلى الله عليه وسلم فدخلوا عليه ) ~~وفي رواية : ( فجاءت اليهود ودخل عبد الله البيت - فقال لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : يا معشر اليهود ! ويلكم اتقوا الله , فوالله الذي لا إله ~~إلا هو ! إنكم لتعلمون أني رسول الله PageV01P193 وأني جئتكم بحق فأسلموا , ~~قالوا : ما نعلمه - قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم وقالها ثلاث مرار , قال ~~: فأي رجل فيكم عبد الله بن سلام ؟ قالوا : ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا ~~وابن أعلمنا وأخيرنا وابن أخيرنا , قال : أفرأيتم إن أسلم ! قالوا : حاشا ~~لله ! ما كان ليسلم ) وفي رواية : ( أعاذه الله من ذلك ) قال : ( يا ابن ~~سلام ! اخرج عليهم ) , فخرج فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله , يا معشر اليهود ! اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم ~~لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بحق , قالوا : كذبت , وقالوا : شرنا وابن ~~شرنا , ووقعوا فيه فانتقصوه , قال : فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله ! ~~فأخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وللواحدي في أسباب النزول عن عمر ~~رضي الله عنه قال : ) كنت آتي اليهود عند دراستهم التوراة فأعجب من موافقة ~~القرآن التوراة وموافقة التوراة القرآن , فقالوا : يا عمر ! ما أحد أحب ~~إلينا منك , قلت : ولم ؟ قالوا : لأنك تأتينا وتغشانا , قلت : إنما أجيء ~~لأعجب من تصديق كتاب الله بعضه بعضا وموافقة التوراة القرآن وموافقة القرآن ~~التوراة , فبينا أنا عندهم ذات يوم إذ مر رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف ~~ظهري فقالوا : إن هذا صاحبك فقم إليه , فالتفت فإذا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد دخل خوخة من المدينة , فأقبلت عليهم فقلت : أنشدكم الله وما ~~أنزل عليكم من كتاب أتعلمون أنه رسول الله ؟ قال سيدهم : قد نشدكم بالله ~~فأخبروه , فقالوا : أنت سيدنا فأخيره , فقال سيدهم : نعلم أنه رسول الله , ~~قلت : فأني أهلككم إن كنتم تعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه ms0208 وسلم ثم لم ~~تتبعوه , فقالوا : إن لنا عدوا من الملائكة وسلما من الملائكة , فقلت : من ~~عدوكم ومن سلمكم ؟ قالوا : عدونا جبريل , قلت : ومن سلمكم ؟ قالوا : ~~ميكائيل , قلت : فإني اشهد ما يحل لجبريل أن يعادي سلم ميكائيل , وما يحل ~~لميكائيل , قلت : فإني أشهد ما يحل لجبريل أن يعادي سلم ميكائيل , وما يحل ~~لميكائيل , أن يسالم عدو جبريل , وإنهما جميعا ومن معهما أعداء لمن عادوا ~~وسلم لمن سالموا , ثم قمت فاستقبلني - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - ~~فقالوا : يا ابن الخطاب ! ألا أقرئك آيات ؟ فقرأ < # > 77 ( { من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك } حتى بلغ { وما يكفر ~~بها إلا الفاسقون } ) 77 < # > [ البقرة : 99 ] قلت والذي بعثك بالحق ما جئتك إلا أخبرك بقول اليهود ~~فإذا اللطيف الخبير قد سبقني بالخبر ! قال عمر : ( فلقد رأيتني في دين الله ~~أشد من حجر ) انتهى . | وقد سألت بعض فضلاء اليهود الموجودين PageV01P194 ~~في زماننا عن عداوتهم لجبريل عليه السلام فلم يسمح بالتصريح وقال : ما يعطى ~~ذلك . | وقد روى هذا الحديث أيضا إسحاق بن راهويه في مسنده عن الشعبي عن ~~عمر رضي الله عنه , قال شيخنا البوصيري : وهو مرسل صحيح الإسناد وفيه : أنه ~~قال لهم : ( وكيف منزلتهما من ربهما ؟ قالوا : أحدهما عن يمينه والآخر من ~~الجانب الآخر , وإني أشهد أنهما وربهما سلم لمن سالموا وحرب لمن حاربوا ) . ~~| ولما بين سبحانه بهذا أنهم أعتى الناس وأشدهم تدليسا وبهتا بل كذبا وفسقا ~~كانوا أحق الناس بوصف الكفر فسبب عن ذلك قوله : { فلعنة الله } أي الذي له ~~الأمر كله { على الكافرين } فأظهر موضع الإضمار تعليقا للحكم بالوصف ليعم ~~وإشعارا بصلاح من شاء الله منهم . | ولما استحقوا بهذا وجوه المذام كلها ~~وصل به قوله { بئسما } فأتى بالكلمة الجامعة للمذام المقابلة لنعم الجامعة ~~لوجوه المدائح كلها أي بئس شيء { اشتروا به أنفسهم } أي حظوظهم , فقدموها ~~وآقروها فكان ذلك عين فأخبرها عكس ما فعل المؤمنون من بيعهم لأنفسهم ~~وخروجهم عنها بتعبدهم لله بإيثار ما يرضيه ع لى هوى أنفسهم , فكان ذلك عين ~~تحصيلها ms0209 وتقديمها , ثم فسر الضمير العائد على المبهم المأخوذ في إحراز ~~النفس فقال : { أن يكفروا } أي يستروا على التجدد والاستمرار علمهم { بما ~~أنزل الله } الذي لا كفؤ له , أي اشتروا أنفسهم فأبقوها لهم على زعمهم ~~بالكفر ولم يجعلوها تابعة ؛ ويجوز أن يكون { اشتروا } بمعنى باعوا , لأنهم ~~بذلوها للشيطان بالكفر كما بذل المؤمنون أنفسهم لله بالإيمان . | ثم علل ~~كفرهم بقوله : { بغيا } أي حسدا وظلما لأن تكون النبوة في بني إسماعيل عليه ~~السلام . | وقال الحرالي : هو اشتداد في طلب شيء ما - انتهى . | وأصله مطلق ~~الطلب والإرادة , كأن الإنسان لما كان مجبولا علىا لنقصان ومطبوعا على الشر ~~والعصيان إلا من عصم الله وأعان كان مذموما على مطلق الإرادة , لأن من حقه ~~أن لا تكون له خيرة ولا إرادة بل تكون إرادته تابعة لإرادة مولاه كما هو ~~شأن العبد - والله الموفق . | ثم علل بغيهم بقوله : { أن ينزل الله } ذو ~~الجلال والإكرام { من فضله } وفي صيغة { ينزل } إشعار بتمادي ما يغيظهم ~~فيما يستقبل , وبشرى للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين PageV01P195 { على ~~من يشاء من عباده } من العرب الذين حسدوهم . | ثم سبب عن ذلك قوله { فباؤوا ~~} أي رجعوا لأجل ذلك { بغضب } في حسدهم لهذا النبي صلى الله عليه وسلم ~~لكونه من العرب { على غضب } كانوا استحقوه بكفرهم بأنبيائهم عنادا . | ثم ~~علق الحكم الذي استحقوه بوصفهم تعميما وإشارة غلى أنه سيؤمن بعضهم فقال : { ~~وللكافرين } أي الذين هم راسخون في هذا الوصف منهم ومن غيرهم { عذاب مهين } ~~من الإهانة وهي الإطراح إذلالا واحتقارا . | ولما أقام سبحانه الدليل على ~~استحقاقهم للخلود في النار بكفرهم بالكتاب الذي كانوا يستفتحون بالآتي به ~~أقام دليلا آخر على ذلك أبين منه وذلك بكفرهم بكتابهم نفسه فقال : { وإذا ~~قيل لهم } أي هؤلاء الذين نقضوا عهود كتابهم { آمنوا بما أنزل الله } أي ~~الملك الذي له الأمر كله مطلقا . | وعلى جهة العموم من الكتب والصحف . | ~~ولما رفع مقدارهم بالدعاء إلى الإيمان بما أسند إلى هذا الاسم الأعظم { ~~قالوا } تسفيلا لأنفسهم { نؤمن بما أنزل علينا } فأسقطوا اسم من ms0210 يتشرف ~~بذكره ويتبرك باسمه وخصوا بعض ما أنزله . | ثم عجب من دعواهم هذه بقوله : { ~~ويكفرون } أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون { بما وراءه } أي وراء ما أنزل ~~عليهم مما أنزل الله على رسله , وهو يشمل ما قبل التوراة وما بعدها , لأن ~~وراء يراد بها تارة خلف وتارة قدام , فإذا قلت : زيد ورائي , صح أن يراد في ~~المكان الذي أورايه أنا بالنسبة غلى من خلفي فيكون أمامي , وأن يراد في ~~المكان الذي هو متوار عني فيكون خلفي . | وقال الحرالي : وراء ما لا يناله ~~الحس ولا العلم حيث ما كان من المكان , فربما اجتمع أن يكون الشيء وراء من ~~حيث إنه لا يعلم ويكون أماما في المكان - انتهى . | { وهو } أي والحال أن ~~ذلك الذي وراءه هو { الحق } الواصل إلى أقصى غاياته بما دلت عليه ( أل ) ~~قال الحرالي : فأنهاه لغاية الحق بكلمة ( أل ) لأن ما ثبت ولا زوال له ~~لانتهائه هو { الحق } وما ثبت وقتا ما ثم يتعقبه تكملة أو يقبل زيادة فإنما ~~هو ( حق ) منكر اللفظ , فإن بين المعروف بكلمة ( أل ) وبين المنكر أشد ~~التفاوت في المعنى - انتهى . | { مصدقا لما معهم } فصح أنهم كافرون بما ~~عندهم , لأن المكذب بالمصدق لشيء مكذب بذلك الشيء . | ثم كشف ستر مقالتهم ~~هذه بأبين نقض فقال { قل فلم } أي تسبب عن دعواكم هذه أن يقال لكم : لم { ~~تقتلون أنبياء الله } الملك الأعظم مع أن كتابكم محرم لمطلق القتل فكيف ~~بقتل الأنبياء ! ثم بين أن كفرهم بهذا القتل إنما هو بطريق الرضى بقتل ~~PageV01P196 أسلافهم بقوله مثبتا الجار لأن ذلك كان منهم في بعض الأزمان ~~الماضية { من قبل } وفي صيغة المضارع تصوير لشناعة هذا القتل بتلك الحال ~~الفظيعة ورمز إلى أنهم لو قدروا الآن فعلوا فعلهم , لأن التقدير : وتصرون ~~على قتلهم من بعد ؛ وفيه إيماء إلى حرصهم على قتل النبي صلى الله عليه وسلم ~~تحذيرا منهم , ولقد صدق هذا الإيماء الواقع , فقد عزم بنو النضير على أن ~~يلقوا عليه صخرة , وسمه أهل خيبر . | ثم أورد مضمون دعواهم بأداة الشك ms0211 فقال ~~{ إن كنتم مؤمنين } إشعارا بأن مثل ذلك لا يصدر من متلبس بالإيمان . | ولما ~~دل على كذبهم في دعوى الإيمان بما فعلوا بعد موسى مما استحقوا به الخلود في ~~النار أقام دليلا آخر أقوى من كل ما تقدمه , فإنه لم يعهد إليهم في التوراة ~~ما عهد إليهم في التوحيد والبعد عن الإشراك وهو في النسخ الموجودة بين ~~أظهرهم الآن , وقد نقضوا جميع ذلك باتخاذ العجل في أيام موسى وبحضرة هارون ~~عليهما السلام كما هو منصوص الآن فيما بين أيديهم منها فقال تعالى : { ولقد ~~جاءكم موسى بالبينات } من الآيات . | ولما كان كفرهم مع ذلك في غاية ~~الاستبعاد عبر عنه بأداته مصورا لزيادة قبحه بترتبه على أظهر البيان وموبخا ~~لهم فقال : { ثم اتخذتم } أي مع العلاج لفطركم الأولى وعقولكم السليمة { ~~العجل } ونبه بالجار على أن الاتخاذ في بعض زمن البعد فقال : من بعده أي ~~بعد مفارقة موسى لكم إلى الطور كما في الآية الأخرى < # > 77 ( { فتنا قومك من بعدك } ) 77 < # > [ طه : 85 ] { وأنتم } أي والحال أنكم { ظالمون * } أي لم تزعموا أنه ~~إلهكم على جهل منكم بل بعد مجيء البينات إليكم أن إلهكم إنما هو الله الذي ~~أنقذكم من PageV01P197 العبودية وأراكم من العجائب الخوارق ما لا يقبل شكا ~~وسمعتم كلامه فعلمتم أنه ليس بجسم ولا يشبه الجسم , فلم تفعلوا ذلك غلا لأن ~~الظلم وهو المشي على غير نظام خبط عشواء وصف لكم لازم . | < < # | البقرة : ( 93 - 100 ) وإذ أخذنا ميثاقكم . . . . . # > > ^ ( وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا مآ آتيناكم بقوة ~~واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما ~~يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين * قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله ~~خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين * ولن يتمنوه أبدا بما ~~قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين * ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن ~~الذين أشركوا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر ~~والله بصير بما يعملون * قل من كان عدوا لجبريل فإنه ms0212 نزله على قلبك بإذن ~~الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين * من كان عدوا لله وملائكته ~~ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين * ولقد أنزلنآ إليك آيات بينات ~~وما يكفر بهآ إلا الفاسقون * أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم ~~لا يؤمنون ) ^ } ) | ثم ذكر أمرا آخر هو أبين في عنادهم وأنهم إنما هم مع ~~الهوى فقال مقبلا على خطابهم لأنه أشد في التقريع { وإذ أخذنا } وأظهره في ~~مظهر العظمة تصويرا لمزيد جرأتهم { ميثاقكم } على الإيمان والطاعة { ورفعنا ~~فوقكم الطور } الجبل العظيم الذي جعلناه زاجرا لكم عن الرضى بالإقامة في ~~حضيض الجهل ورافعا إلى أوج العلم وقلنا لكم وهو فوقكم { خذوا ما آتيناكم } ~~من الأصول والفروع في هذا الكتاب العظيم { بقوة } . | ولما كانت فائدة ~~السماع القبول ومن سمع فلم يقبل كان كمن لم يسمع قال { واسمعوا } وإلا ~~دفناكم به , وذلك حيث يكفي غيركم في التأديب رفع الدرة والسوط عليه فينبعث ~~للتعلم الذي أكثر النفوس الفاضلة تتحمل فيه المشاق الشديدة لما له من الشرف ~~ولها به من الفخار ؛ ولما ضلوا بعد هذه الآية الكبرى وشيكا مع كونها مقتضية ~~للثبات على الإيمان بعد أخذ الميثاق الذي لا ينقضه ذو مروءة فكان ضلالهم ~~بعده منبئا PageV01P198 عن أن العناد لهم طبع لازم فكانوا كأنهم عند إعطاء ~~العهد عاصون قال مترجما عن أغلب أحوال أكثرهم في مجموع أزمانهم وهو ما عبر ~~عنه في الآية السالفة بقوله : < # > 77 ( { ثم توليتم } ) 77 < # > [ البقرة : 83 ] مؤذنا بالغضب عليهم بالإعراض عن خطابهم بعد إفحامهم ~~بالمواجهة في تقريعهم حيث ناقضوا ما قال لهم من السماع النافع لهم فأخبروا ~~أنهم جعلوه ضارا { قالوا سمعنا } أي بآذاننا { وعصينا } أي وعملنا بضد ما ~~سمعنا ؛ وساقه لغرابته مساق جواب سائل كأنه قال : رفع الطور فوقهم أمر هائل ~~جدا مقتض للمبادرة إلى إعطاء العهد ظاهرا وباطنا والثبات عليه فما فعلوا ؟ ~~فقيل : بادروا إلى خلاف ذلك { واشربوا } فأعظم الأمر بإسناد الفعل إليهم ثم ~~إلى قلوبهم , وهو من الإشراب وهو مداخلة نافذة سائغة كالشراب وهو الماء ms0213 ~~المداخل كلية الجسم للطافته ونفوذه - قاله الحرالي : وقال الكشاف : و خلط ~~لون بلون { في قلوبهم العجل } أي حبه وحذفه للإيذان بشدة التمكن بحيث صار ~~المضاف هو المضاف إليه { بكفرهم } وفيه إشارة إلى أن من أعرض عن امتثال ~~الأمر استحق الإبعاد عن مقام الأنس . | قال الإمام أبو الحسن الحرالي في ~~المفتاح الباب الثامن في وجوه بيان الإقبال والإعراض في القرآن : اعلم أن ~~كل مربوب يخاطب بحسب ما في وسعه لقنه وينفى عنه ما ليس في وسعه لقنه فلكل ~~سن من أسنان القلوب خطاب إقبال بحسب لقنه , وربما كان له إباء عن بعض ذلك ~~فيقع عنه الإعراض بحسب بادي ذلك الإباء , وربما تلافته النعمة فعاد الإقبال ~~إليه بوجه ما دون صفاء الإقبال الأول , وربما تناسقت الإقبالات مترتبة ~~فيعلو البيان والإفهام بحسب رتبة من توجه إليه الإقبال , ويشتد الإدبار ~~بحسب بادي الإدبار , وربما تراجع لفف البيان فيها بعضها على بعض , فخطاب ~~الإقبال على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم إفهام في القرآن < # > 77 ( { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل } ) 77 < # > [ الفرقان : 45 ] الآية < # > 77 ( { وهو الذي جعل لكم الليل لباسا } ) 77 < # > [ الفرقان : 47 ] الآية : تفاوت الخطابين بحسب تفاوت المخاطبين , < # > 77 ( { أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ~~} ) 77 < # > [ الأنبياء : 30 ] أعرض عنهما الخطاب ونفى عنهم ما ليس في حالهم رؤيته ~~. | { خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم ~~العدل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم } خاطبهم وأمرهم , فلما عصوا أعرض ~~وجه الخطاب عنهم ثم تلافاهم بخطاب لسان نبي الرحمة لهم , واستمر إعراضه هو ~~تعالى عنهم في تمادي الخطاب < # > 77 ( { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } ) 77 < # > [ الطلاق : 1 ] تنزل الخطاب في الرتبتين ليبين PageV01P199 للأعلى ما ~~يبينه للأدنى < # > 77 ( { ذلك خير لكم وأظهر } ) 77 < # > [ المجادلة : 12 ] وهذا الباب عظيم النفع في الفهم لمن استوضح بيانه ~~والتفاف موارده في القرآن - انتهى . | والدليل الوجودي على إشرابهم حب ~~العجل مسارعتهم إلى عبادة ما يشبهه في عدم الضر والنفع والصورة ms0214 , ففي السفر ~~الرابع من التوراة في قصة بالاق ملك الأمورانيين الذي استنجد بلعام بن بعور ~~ما نصه : وسكن بنو إسرائيل ساطيم وبدأ الشعب أن يسفح ببنات مواب ودعين ~~الشعب إلى ذبائح آلهتهم وأكل الشعب من ذبائحهم وسجدوا لآلهتهم وكمل بنو ~~إسرائيل العبادة بعليون الصنم واشتد غضب الله على بني إسرائيل - انتهى . | ~~ولما بين سبحانه عظيم كفرهم وعنادهم مع وقاحتهم بادعاء الإيمان والاختصاص ~~بالجنان أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم على وجه التهكم بهم مؤكدا ~~لذمهم بالتعبير بما وضع لمجامع الذم فقال { قل بئسما } أي بئس شيئا الشيء ~~الذي { يأمركم به } من الكفر { إيمانكم } هذا الذي ادعيتموه ؛ وأوضح هذا ~~التهكم بقوله على سبيل الفرض والتشكيك { إن كنتم مؤمنين } على ما زعمتم , ~~فحصل من هذا أنهم إما كاذبون في دعواهم , وإما أنهم أجهل الجهلة حيث عملوا ~~ما لا يجامعه الإيمان وهم لا يعلمون . | ولما نهضت الأدلة على أنه لا حظ ~~لهم في الآخرة غير النار وذلك نقيض دعواهم أنها لهم فقط في قولهم < # > 77 ( { لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ) 77 < # > [ البقرة : 80 ] تفسيرهم ذلك بأنها سبعة أيام وأنا نخلفهم فيها ختم ~~سبحانه ذلك بدليل قطعي بديهي فقال { قل إن كانت } وقدم الجار إشعارا ~~بالاختصاص فقال : { لكم الدار الآخرة } أي كما زعمتم , وميزها بقوله : { ~~عند الله } الذي له الكمال كله وبين المراد بقوله { خالصة } ولما ذكر ~~الخلوص تأكيدا للمعنى زاده تأكيدا بقوله { من دون الناس } أي سائرهم لا ~~يشرككم فيها أحد منهم من الخلوص وهو تصفية الشيء مما يمازجه في خلقته مما ~~هو دونه - قاله الحرالي . | { فتمنوا الموت } لأن ذلك علم على صلاح حال ~~العبد مع ربه وعمارة ما بينه وبينه ورجائه للقائه . | قال الحرالي : فعلى ~~قدر نفرة النفس من الموت يكون ضعف منال النفس مع المعرفة التي بها تأنس ~~بربها فتتمنى لقاءه وتحبه , ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه , ومن كره ~~لقاء الله كره الله لقاءه , يقع ذلك لعامة المؤمنين عند الكشف حال الغرغرة ~~, ولخاصة المؤمنين في ms0215 مهل الحياة لأنهم لو كشف لهم الغطاء لم يزدادوا يقينا ~~, فما هو للمؤمن بعد الكشف من محبة لقاء الله فهو للموقن في حياته ويقظته , ~~لكمال الكشف له مع وجود حجاب الملك الظاهر ؛ ولذلك ما مات نبي حتى يخير ~~فيختار لقاء الله , لتكون وفادته على الله وفادة محب مبادر , ولتقاصر ~~المؤمن عن يقين النبي يتولى الله PageV01P200 الخيرة في لقائه , لأنه وليه ~~, ومنه ما ورد : ( ما ترددت في شيء ترددي في قبض روح عبدي المؤمن يكره ~~الموت , وأنا أكره مساءته ولا بد له منه ) ففي ضمن ذلك اختيار الله للمؤمن ~~لقاءه , لأنه وليه يختار له فيما لا يصل إليه إدراكه - انتهى . | ثم سجل ~~عليهم بالكذب فقال : { إن كنتم صادقين } أي معتقدين للصدق في دعواكم خلوصها ~~لكم , ولما كان التقدير : فقال لهم فما تمنوه ؟ عطف عليه قوله - إخبارا ~~بالغيب قطعا للعناد مؤكدا لأن ادعاءهم الخلوص أعظم من ادعائهم الولاية كما ~~في سورة الجمعة : { ولن يتمنوه أبدا } , ثم ذكر السبب في عدم التمني فقال : ~~{ بما قدمت } وهو من التقدمة وهي وضع الشيء قداما وهو جهة القدم الذي هو ~~الأمم والتجاه أي قبالة الوجه - قاله الحرالي : وعبر باليد التي بها أكثر ~~الأفعال إشارة غلى أن أفعالهم لقباحتها كأنها خالية عن القصد فقال : { ~~أيديهم } أي من الظلم وإلى ذلك أشار قوله : عاطفا على ما تقديره : فالله ~~عليم بذلك ؟ والله } الذي لا كفؤ له عليم بالظالمين } أي كلهم حيث أظهر ~~تنبيها على الوصف الموجب للحكم وتعميما وتهديدا . | ولما بين أنهم لا ~~يتمنونه أثبت لهم ما هو فوق ذلك لا يتمنونه أثبت لهم ما هو فوق ذلك من تمني ~~الضد الدال على علمهم بسوء منقلبهم فقال : { ولتجدنهم } أي بما تعلم من ~~أحوالهم مما منه الوجدان . | وهو إحساس الباطن بما هو فيه والإصابة أيضا ~~لما له علقة الباطن , كأنه فيه { أحرص } صيغة مبالغة من الحرص , وهو طلب ~~الاستغراق فيما يختص فيه الحظ - قاله الحرالي : { الناس على حياة } على أي ~~حالة كانت وهم قاطعون بأنه لا يخلو يوم منها عن ms0216 كدر فإنهم يعلمون أنها وإن ~~كانت في غاية الكدر خير لهم مما بعد الموت { ومن } أي وأحرص من { الذين ~~أشركوا } الذين لا بعث عندهم على الحياة علما منهم بأنهم صائرون إلى العذاب ~~الدائم بالسيئات المحيطة والشرك . | قال الحرالي : إسناد الأمر المختص ~~بواحد إلى من ليس له معه أمر - انتهى . | ثم بين مقدار ما يتمنونه فقال : { ~~يود } من الود وهو صحة نزوع النفس للشيء المستحق نزوعها له - قاله الحرالي ~~. | { أحدهم } أي أحد من تقدم من اليهود والمشركين بجميع أصنافهم , أو من ~~اليهود خاصة , أو من المشركين فتكون ودادة اليهود من باب الأولى . | قال ~~الحرالي : وهو نحو من خطاب القرآن لا يصل إليه إبلاغ الخلق { لو يعمر } من ~~التعمير وهو تمادي العمر كأنه تكرار , والعمر أمد ما بين بدو الشيء ~~وانقطاعه PageV01P201 - قاله الحرالي . | { ألف سنة } خوفا من الموت أو ما ~~بعده , والألف كمال العدد بكمال ثالثة رتبة ؛ والسنة أمد تمام دورة الشمس ~~وتمام ثنتي عشرة دورة القمر - قاله الحرالي . | وهذا المعنى وإن كان موجودا ~~في الحول والعام والحجة غير أن مأخذ الاشتقاق ملاحظ في الجملة , فلبلاغة ~~القرآن لا يطلق واحد من هذه الألفاظ إلا فيما يناسب السياق من أصل اشتقاق ~~هذه الألفاظ , فهذا السياق لما كان المراد به ذمهم بتهالكهم على بقائهم في ~~الدنيا على أي حالة كانت علما منهم بأنها ولو كانت أسوأ الأحوال خير لهم ~~مما بعد الموت لتحقق شقائهم عبر بما منه الإسنات وهو القحط وسوء الزمان . | ~~أو ما منه الدوران الذي فيه كد وتعب إن كان إصلها من سنا يسنو إذا دار حول ~~البئر قال السهيلي في الروض : وقد تسمى السنة دارا في الخبر : إن بين آدم و ~~نوح ألف دار - أي سنة , ثم قال : فتأمل هذا فإن العلم بتنزيل الكلام ووضع ~~الألفاظ في مواضعه اللائقة بها يفتح بابا من العلم بإعجاز القرآن والله ~~المستعان . | { وما هو } أي تعميره { بمزحزحه } والزحزحة إبعاد الشيء ~~المستثقل المترامي لما يبعد عنه - قاله الحرالي : { من العذاب } أي زحزحة ~~مبتدأة من العذاب , وعبر ms0217 بمن دو عن إعلاما بأنهم لم يفارقوا العذاب دنيا ~~ولا آخرة وإن لم يحسوا به في الدنيا , ثم فسر الضمير بقوله : { أن يعمر } ~~إنما تزحزحه الطاعة المقرونة بالإيمان الصحيح الذي ليس فيه تفرقة . | ولما ~~كان التقدير : لأنهم يعملون في أعمارهم الأعمال السيئة المحيطة , عطف عليه ~~قوله : { والله } الذي له الأمر كله { بصير بما يعملون } . | ولما ذكر ~~عداوتهم لأخص البشر واجتراءهم عليه بالتكذيب والقتل , وختم ذلك بعداوتهم ~~لأكمل الخلق وأخصهم حسدا لنزول هذا الذكر عليه عبارة ثم إشارة بما رمزه إلى ~~نصبهم لقتله وأنهى ذلك بأنه لا محيص لهم من العذاب , لأنه بصير بأعمالهم ~~الموجبة له ذكر ما هو من دقيق أعمالهم في عراقتهم في الكفر بعداوتهم لخواص ~~الملائكة الذين هم خير محض لا حامل أصلا على بغضهم إلا الكفر , وبدئ بذكر ~~المنزل للقرآن , لأن عداوتهم للمنزل عليه لأجل ما نزل عليه عداوة لمنزله , ~~لأنه سبب ما كانت العداوة لأجله , فقال آمرا له صلى الله عليه وسلم إعلاما ~~بما أبصره من خفي مكرهم القاضي بضرهم : { قل } أو يقال - وهو أحسن وأبين ~~وأمتن : و لما أمره صلى الله عليه وسلم بما دل على كذبهم في ادعائهم خلوص ~~الآخرة لهم وأخبر بأنه لا بد من عذابهم أمره بدليل آخر على كلا الأمرين , ~~فعلى تقدير كونه دليلا على ألأول يكون منسوقا على { قل } الأولى بغير عاطف ~~إشعار بأن كلا من الدليلين كاف فيما سيق له : على تقدير كونه دليلا على ~~الثاني الذي خصه يكون جوابا لمن PageV01P202 كأنه قال : لم لا يزحزحهم عن ~~التعمير عن العذاب ؟ { قل } أي لهؤلاء الذين ادعوا أن دار الملك خالصة لهم ~~وهم يعادون خواص جنده { من } وهي اسم مبهم يشمل الذوات العاقلة آحادا ~~وجموعا واستغراقا - قاله الحرالي : { كان عدوا لجبريل } أي فإنه لا يضر غلا ~~نفسه , لأنه لا يبلغ ضره بوجه من الوجوه ولعداوته بعداوته له لله الذي خصه ~~بقربه واختياره لرسالته , فكفر حينئذ هذا المعادي له بجميع كتب الله ورسله ~~؛ وجبريل قال الحرالي : يقال هو اسم عبودية , لأن إيل ms0218 اسم من أسماء الله عز ~~وجل في الملأ الأعلى وهو يد بسط لروح الله في القلوب بما يحييها الله به من ~~روح أمره إرجاعا إليه في هذه الدار قبل إرجاع روح الحياة بيد القبض من ~~عزرائيل عليه السلام - انتهى . | ثم علل هذا الخبر المحذوف بما أرشد إليه ~~فقال : { فإنه } أي جبريل { نزله } أي القرآن الذي كفروا به , لحسدهم للذي ~~أنزل عليه بعد ما كانوا يستفتحون به . | الآتي بما ينفعهم , الداعي إلى ما ~~يصلحهم فيرفعهم , ولما كان المراد تحقيق أنه كلام الله وأنه أمر بإبلاغه ~~جمع بين { قل } وبين { على قلبك } أي وهو أكمل القلوب , دون أن يقال : على ~~قلبي - المطابق لقل ؛ وأداة الاستعلاء دالة على أن المنزل تمكن في القلب ~~فصارت مجامعه مغمورة به , فكان مظهرا له { بإذن الله } الملك الأعظم الذي ~~له الأمر كله . | فليس لأحد إنكار ما أذن فيه . | والنازل به لم يتعد شيئا ~~مما أمر به ؛ والإذن رفع المنع وإيتاء المكنة كونا وخلقا ما لم يمنعه حكم ~~تصريف - قاله الحرالي : { مصدقا لما بين يديه } من كتب الله التي أعظمها ~~كتابهم . | فكانوا أحق الناس بالإيمان به وكان جبريل عليه السلام أحق ~~الملائكة لمحبتهم له لإنزاله , وكان كفرهم به كفرا بما عندهم , فلا وجه ~~لعداوتهم له ؛ والبين حد فاصل في حس أو معنى - قاله الحرالي : { وهدى } إلى ~~كل خير , لأنه بيان ما وقع التكليف به من أفعال القلوب والجوارح { وبشرى } ~~أي ببيان الثواب { للمؤمنين } أي الذين لهم الإيمان وصف لازم , فلا يفرقون ~~بين كتب الله ولا بين رسله , بل حيثما قادهم الحق انقادوا ؛ فلا يدخل في ~~ذلك الذين آمنوا بألسنتهم < # > 77 ( { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } ) 77 < # > [ البقرة : 89 ] ولا من علم الله منه ذلك ولو كان قبل مبعثه صلى الله ~~عليه وسلم - الله أعلم بما كانوا عاملين ؛ فلو أنهم مؤمنون لماعادوا من نزل ~~به بشرى لهم ولكنهم كفرة فهم في العذاب , والآخرة ليست لهم بل عليهم . | ~~ولما كانت عداوة واحد من الحزب لكونه من ذلك الحزب عداوة ms0219 لجميع ذلك الحزب ~~تلاه بقوله : { من كان عدوا لله } ذي الجلال والإكرام لعداوته واحدا من أ ~~وليائه لكونه من أوليائه { وملائكته } النازلين بأمره { ورسله } من البشر ~~وغيرهم , وخص من بينهم بالذكر من حباه بالفضل فقال : { وجبريل وميكال } , ~~فإنه قد كفر فأهلك نفسه بكفره , وعلى ذلك دل قوله : { فإن الله } الملك ~~الأعلى : { عدو للكافرين } حيث أظهر PageV01P203 ولم يضمر , وعبر بالوصف ~~اللازم صرفا للخطاب عمن يتعظ منهم فيرجع فلا تلحقه المعاداة لذلك ؛ وميكال ~~يقال هو اسمعبودية أيضا وهو يد بسط للأرزاق المقيمة للأجسام كما أن إسرافيل ~~يد بسط للأرواح التي بها الحياة - قاله الحرالي . | ولما فرغ من ترغيبهم في ~~القرآن بأنه من عند الله وأنه مصدق لكتابهم وفي جبريل بأنه الآتي به بإذن ~~الله ومن ترهيبهم من عداوته أتبعه مدح هذا القرآن وأنه واضح الأمر لمريد ~~الحق وإن كفر به منهم أو من غيرهم فاسق أي خارج عما يعرف من الحق فإنه بحيث ~~لا يخفى على أحد فقال تعالى - عطفا على قوله : ^ ( { فإنه نزله على قلبك ~~بإذن الله } ) ^ [ البقرة : 97 ] , أو قوله : ^ ( { ولقد جاءكم موسى ~~بالبينات } ) ^ [ البقرة : 92 ] , أو على ما تقديره : فلقد بان بهذا الذي ~~نزله جبريل عليه السلام أن الآخرة ليست خالصة لهم وأنهم ممن أحاطت به ~~خطيئته لكفره - : { ولقد أنزلنا } بعظمتنا في ذلك وغيره { إليك } وأنت أعظم ~~الخلق { آيات بينات } في الدلالة على صدقك وصحة أمرك , والبينة الدلالة ~~الفاصلة بين القصة الصادقة والكاذبة , ففسقوا بكفرهم بها { وما يكفر بها } ~~منهم ومن غيرهم { إلا الفاسقون } الذين الفسق لهم صفة لازمة , وعن الحسن أن ~~الفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي وقع على أعظمه من كفر وغيره وفي ذلك ~~رجوع غلى وصف الكتاب الذي هو مقصود السورة . | ولما أنكر عليهم أولا ردهم ~~للرسل لأمرهم بمخالفة الهوى في قوله : ^ ( { أفكلما جاءكم رسول } ) ^ [ ~~البقرة : 87 ] وأتبعه بما يلائمه إلى أن ختم بأن آيات هذا الرسول من الأمر ~~البين الذي يشهد به كتابهم وقد أخذ عليهم العهد باتباعه كما أرشد إلى قوله ~~تعالى : ^ ( { فإما ms0220 يأتينكم مني هدى } ) ^ [ البقرة : 38 ] الآية , أنكر ~~عليهم ثانيا كفرهم بما أتى به الرسل بقوله : { أو كلما عاهدوا عهدا نبذه } ~~أي طرحه محتقرا له { فريق منهم } أي ناس شأنهم السعي في الفرقة . | ولما ~~كان هذا مترددا بين التقليل والتكثير لتردد التنوين بين التعظيم والتحقير ~~رد احتمال التقليل بقوله : { بل } أي وليس الفريق الكافر بالنبذ أقلهم بل { ~~أكثرهم لا يؤمنون } حالا ولا مالا . | < < # | البقرة : ( 101 - 105 ) ولما جاءهم رسول . . . . . # > > ^ ( ولمآ جآءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين ~~أوتوا الكتاب كتاب الله ورآء ظهورهم كأنهم لا يعلمون * واتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ~~السحر ومآ أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى ~~يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ~~وما هم بضآرين به من PageV01P204 أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ~~ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به ~~أنفسهم لو كانوا يعلمون * ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو ~~كانوا يعلمون * ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ~~وللكافرين عذاب أليم * ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ~~ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشآء والله ذو الفضل ~~العظيم ) 73 < # > } ) 71 < # > | ثم أتبع هذا الإنكار ذكر الكاب والرسول كما فعل في الإنكار الأول غير ~~أنه صرح هنا بما طواه هناك فقال : { ولما جاءهم رسول } أي عظيم محيطة دعوته ~~بما أشعر به الاسم الأعظم في قوله { من عند الله } أي الملك الذي له جميع ~~الملك والأمر { مصدق لما معهم } لكونه أتى بكتاب محقق أنه من عند الله ~~لإعجاز نظمه وتصديق معناه لكتابهم { نبذ } أي رمى رمي استخفاف { فريق من ~~الذين أوتوا الكتاب } الأول { كتاب الله } الملك الأعلى الذي أخذ عليهم فيه ~~الميثاق على لسان نبيهم باتباع النبي ms0221 الأمي أسوأ النبذ بجعله لاستخفافهم به ~~{ وراء ظهورهم } بتركهم العمل به وإن حلوه بالذهب ووضعوه على الكراسي بين ~~أيديهم . | وأشعر بعنادهم بقوله : { كأنهم لا يعلمون } ولما كانت سنة الله ~~جارية بأنه ما أمات أحد سنة إلا زاد في خذلانه بأن أحيى على يده بدعة ~~أعقبهم نبذهم لكلام الله أولى الأولياء إقبالهم على كلام الشياطين الذين هم ~~أعدى الأعداء فقال تعالى : { واتبعوا ما تتلوا } أي تقرأ أو تتبع , وعبر ~~بالمضارع إشارة إلى كثرته وفشوه واستمراره { الشياطين على ملك } أي زمن ملك ~~{ سليمان } من السحر الذي هو كفر . | قال الحرالي : من حيث إن حقيقته أمر ~~يبطل بذكر اسم الله ويظهر أثره فيما قصر عليه من التخييل والتمريض ونحوه ~~بالاقتصار به من دون اسم الله الذي هو كفر - انتهى . | وكأن السحر كان في ~~تلك الأيام ظاهرا عاليا على ما يفهمه التعبير بعلى , وأحسن من هذا أن يضمن ~~{ تتلوا } تكذب , فيكون التقدير : تتلو كذبا على ملكه , كما أشار إليه ما ~~رواه البغوي وغيره عن الكلبي وكذا ما روي عن السدي , وقال أبو حاتم أحمد بن ~~حمدان الرازي في كتاب الزينة : وروى في الحديث : ( أنه لما مات سليمان عليه ~~السلام عمدت الشياطين فكتبت أصناف السحر : من كان يحب أن يبلغ كذا فليفعل ~~كذا , وجعلوه في PageV01P205 كتاب ثم ختموه بخاتم سليمان وكتبوا في عنوانه ~~: هذا كتاب آصف بن برخيا الصديق لسليمان بن داود عليهما السلام من ذخائر ~~كنوز العلم , ثم دفنوه تحت كرسيه ؛ فاستخرجه بعد ذلك بقايا بني إسرائيل حين ~~أحدثوا ما أحدثوا , فلما عثروا عليه قالوا : ما كان ملك سليمان إلا بهذا , ~~فأفشوا السحر في الناس , فليس هو في أحد أكثر منه في يهود ) انتهى . | ~~وسليمان - على ما ذكر في أول إنجيل متى أثناء إنجيل لوقا - هو ابن داود بن ~~لسى ابن عونيد بن باعاز بن سلمون بن يصون بن عميناداب بن أرام بن يورام بن ~~حصرون بن فارض بن يهودا بن يعقوب بن غسحاق بن إبراهيم عليهم السلام والحاصل ~~أنهم مع تركهم للكتب المصدقة ms0222 لما معهم , الكفيلة بكل هدى وبركة , الآتية من ~~عند الله المتحبب إلى عباده بكل جميل , على ألسنة رسله الذين هم أصدق الناس ~~وأنصحهم وأهداهم , لا سيما هذا الكتاب المعجز الذين كانوا يتباشرون بقرب ~~زمن صاحبه , اتبعوا السحر الذي هو أضر الأشياء وأبشعها , الآتي به الشياطين ~~الذين هم أعدى الأعداء وأفظعها , وأعجب ما في ذلك أنهم نسبوا السحر إلى ~~سليمان عليه السلام كذبا وفجورا وكفروه به ثم كانوا هم أشد الناس تطلبا له ~~ومصاحبة علما وعملا وأكثر ما يوجد فيهم , فكانوا بذلك شاهدين على أنفسهم ~~بالكفر ؛ ومن المحاسن أيضا أنه لما كان قوله : < # > 77 ( { ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل } ) 77 < # > [ البقرة : 87 ] وما بعده في الكتب والأنبياء والرسل من البشر ~~والملائكة كتنت فذلكته أن الكفرة من أهل الكتاب نبذوا ذلك كله ونابذوه ~~وأقبلوا على السحر الذي كان إبطاله من أول معجزات نبيهم وأعظمها ؛ فهو أشد ~~شيء منافاة لشرعهم مع علمهم بأن ذلك يضرهم في الدارين ولا ينفعهم . | ولما ~~اعتقد أهل الكتاب بعد موت سليمان عليه السلام أن السحر منه , وأن انتظام ~~ملكه على الإنس والجن والطير والوحش والريح إنما كان به , نفى الله تعالى ~~ذلك عنه بقوله : { وما كفر سليمان } , قال الحرالي : يقال هو من السلامة , ~~فإنه من سلامة صدره من تعلقه بما خوله الله تعالى من ملكه < # > 77 ( { هذا من فضل ربي ليبلوني ءأشكر أم أكفر } ) 77 < # > [ النمل : 40 ] وهو واحد كمال في ملك العالم المشهود من الأركان ~~الأربعة وما منها من PageV01P206 المخلوقات - انتهى . | أي ما وقع منه كفر ~~ما فضلا عن أن يكون بالسحر الذي هو أبعد الأشياء عن آيات الأنبياء { ولكن ~~الشياطين كفروا } . | ثم بين كفرهم بقوله : { يعلمون الناس } أي المضطرين ~~الذين لم يصلوا غلى سن الذين آمنوا { السحر } أي الذي ولدوه هم بما يزينونه ~~من حاله ليعتقد أنه مؤثر بنفسه ونحو ذلك , كما أن الأنبياء وأتباعهم يعلمون ~~الناس الحق بما يبينونه من أمره . | والسحر قال الحرالي : هو قلب الحواس في ~~مدركاتها عن الوجه المعتاد ms0223 لها في صحتها عن سبب باطل لا يثبت مع ذكر الله ~~عليه . | وقال الكرماني : أمر خارق للعادة صادر عن نفس شريرة لا تتعذر ~~معارضته . | وقال الأصفهاني : اختلفوا في تعلمه على ثلاثة أوجه : أحدها أنه ~~حرام , الثاني أنه مكروه , الثالث أنه مباح , والحق أنه إن كان تعلمه للعمل ~~فهو حرام , وإن كان لتوقيه وعدم الاغترار به فهو مباح , وقال : والمراد ~~بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان , ~~وذلك لا يستتب غلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس , فإن التناسب شرط في ~~التضام والتعاون وبهذا يميز الساحر عن الولي والنبي ؛ وأما ما يتعجب منه ~~كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير ~~حرام , وتسميته سحرا على التجوز لما فيه من الدقة , لأنه في الأصل لما خفي ~~سببه . | وقوله : { وما } , أي واتبعوا أو ويعلمون { ما أنزل على الملكين } ~~قال الحرالي : فيه إ نباء بأن هذا التخييل ضربان : مودع في الكون هو أمر ~~الشياطين , ومنزل من غيب هو المتعلم من الملكين ؛ وقال : { ببابل } تحقيقا ~~لنزولهما إلى الأرض { هاروت وماروت } بدل من الملكين , كأنهما لما كانا مع ~~الحاجة إليهما لا يحتاجان إلى أحد وصفا أيضا بكونهما ملكين - بكسر اللام , ~~وعبارة الحرالي : ملكان جعلا ملكين في الأرض , والآية من إظهار الله ~~للملائكة أفضل الخليفة . | ثم بين نصيحة الملكين بقوله : { وما } فأنبأ أن ~~التقدير : وما كفر الملكان كما كفر الشياطين فإنهما ما { يعلمان } , وزيادة ~~من في قوله : { من أحد } لتأكيد الاستغراق { حتى يقولا إنما نحن فتنة } أي ~~على صورة الاختبار من الله لعباده , فإنه يعلم نبأ نم يختار السحر لما فيه ~~من النفع العاجل على أمر النبوة فيكفر , ومن يعلم حقيقته لئلا يقع فيه وهو ~~لا يشعر ثم يتركه إقبالا على دين الله ؛ ووحد والمخبر عنه اثنان لأنها مصدر ~~وهو لا يثنى ولا يجمع . | قال الحرالي : PageV01P207 وأصل معناها من فتن ~~الذهب وهو تسخيره ليظهر جوهره ويتخلص طيبه من خبيثه - انتهى . | { فلا تكفر ~~} بالعمل بما نعلمكه , فإن ms0224 العمل به كفر , أو باعتقاد أنه حق مغن عما جاء ~~عن الله , أو مؤثر بنفسه { فيتعلمون منهما ما يفرقون به } مخالفة للملكين ~~في النهي عن ذلك , وذكر الفرقة في أشد الاتصال ليفهم منه ما دونه فقال : { ~~بين المرء وزوجه } , والمرء اسم سن من أسنان الطبع يشارك الرجل به المرأة ~~ويكون له فيه فضل ما ويسمى معناه المروة - قاله الحرالي . | ولما ذكر السبب ~~القريب للضرر رده إليه ترقية للذهن الثاقب إلى أعلى المراتب وصونا له عن ~~اعتقاده ما لا يناسب فقال : { وما هم بضارين } وهو من الضر - بالفتح والضم ~~- وهو ما يؤلم الظاهر من الجسم وما يتصل بمحسوسه , في مقابلة الأذى وهو ~~إيلام النفس وما يتصل بأحوالها , وتشعر الضمة في الضر بأنه عن علو وقهر , ~~والفتحة بأنه ما يكون عن مماثل ونحوه , وقل ما يكون عن الأدنى إلا أذى ومنه ~~< # > 77 ( { لن يضروكم إلا أذى } ) 77 < # > [ آل عمران : 111 ] قاله الحرالي : { به من أحد } . | ولما أكد ~~استغراقه بضروب من التأكيد تلاه بمعيار العموم فقال : { إلا بإذن الله } ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما ولا كفؤ له , وفيه إعلام لهم بأن ضرره لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذلك الضرر الضعيف حيث سحره لبيد بن الأعصم إنما هو ~~كضرر غيره من الأسباب التي قد تخفى فيضاف الأمر في ضررها إلى الله تعالى , ~~وقد تعرف فيضاف الضرر إليها كما كان يحصل لغيره من إخوانه من الأنبياء منهم ~~ومن غيرهم , والعلم حاصل بأن المؤثر في الجميع في الحقيقة هو الله تعالى , ~~وسيأتي عند قوله تعالى : < # > 77 ( { وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها } ) 77 < # > [ الأنعام : 97 ] في سورة الأنعام ما ينفع استحضاره هنا . | ~~PageV01P208 ولما كان هذا الذي تقدم وإن كان للعامل به نفع على زعمه فضره ~~أكبر من نفعه اتبعه قسما آخر ليس للعامل به شيء غير الضر ؛ فليس الحامل على ~~تعلمه إلا إيثارا للحاق بإبليس وحزبه فقال : { ويتعلمون } , أي من السحر ~~الذي ولده الشياطين لا من الملكين { ما يضرهم } لأن مجرد العمل به كفر ms0225 أو ~~معصية ثم حقق أنه ضرر كله لا شائبة للنفع فيه بقوله : { ولا ينفعهم } لأنه ~~لا تأثير له أصلا , والنفع وصول موافق الجسم الظاهر وما يتصل به في مقابلة ~~الضر , ولذلك يخاطب به الكفار كثيرا لوقوع معنيهما في الظاهر الذي هو ~~مقصدهم من ظاهر الحياة الدنيا - قاله الحرالي . | ثم أتبعه ما يعرف أنهم ~~ارتكبوه على علم فقال محققا مؤكدا : ولقد علموا } , بيانا لأنهم أسفه الناس ~~{ لمن اشتراه } أي آثره على ما يعلم نفعه من الإيمان { ما له في الآخرة } ~~الباقية الباقي نفعها { من خلاق } أي نصيب موافق أصلا , والخلاق الحظ ~~اللائق لمن يقسم له النصيب من الشيء كأنه موازن به خلق نفسه وخلق جسمه - ~~قاله الحرالي . | ثم جمع لهم المذام على وجه التأكيد فقال : { ولبئس ما ~~شروا } , أي باعوا على وجه اللجاجة { به أنفسهم } إشارة إلى أنه مما أحاط ~~بهم فاجتثت نفوسهم من أصلها فأوجب لهم الخلود في النار , ثم قال بعد إثبات ~~العلم لهم : { لو كانوا يعلمون } , أي لو ك ان لهم قابلية لتلقي واردات ~~الحق , إشارة إلى أن هذا لا يقدم عليه من له أدنى علم , فعلمهم الذي أوجب ~~لهم الجرأة على هذا عدم بل العدم خير منه . | ولما بين ما عليهم فيما ~~ارتكبوه من المضار اتبعه ما في الإعراض عنه من المنافع فقال : { ولو أنهم ~~آمنوا } أي بما دعوا إليه من هذا القرآن , ومن اعتقاد أن الفاعل في كل شيء ~~إنما هو الله لا السحر { واتقوا } ما يقدح في الإيمان من الوقوف مع ما كان ~~حقا فنسخ من التوراة فصار باطلا , ومن الإقدام على ما لم يكن حقا أصلا من ~~السحر لأثيبوا خيرا مما تركوا , لأن من ترك شيئا عوضه الله خيرا منه ؛ هكذا ~~الجواب ولكنه عبر عنه بما يقتضي الثبوت والدوام والشرف إلى غير ذلك مما ~~يقصر عنه الأذهان من بلاغات القرآن فقال : { لمثوبة } صيغة مفعلة من الثواب ~~وهو الجزاء بالخير , وفي الصيغة إشعار بعلو وثبات - قاله الحرالي , وشرفها ~~بقوله : { من عند الله } الذي له جميع ms0226 صفات الكمال , وزادها شرفا بقوله : { ~~خير } , مع حذف المفضل عليه . | قاله الحرالي : وسوى بين هذه المثوبة ~~ومضمون الرسالة في كونهما من عند الله تشريفا لهذه المثوبة وإلحاقا لها ~~بالنمط العلي من علمه وحكمته ومضاء كلمته - انتهى . | وهذه المثوبة عامة ~~لما يحصل في الدنيا والأخرى من الخيرات التي منها ما يعطيه الله لصالحي ~~عباده من التصرف بأسماء الله الحسنى على حسب ما تعطيه مفهوماتها من المنافع ~~, ومن ذلك واردات الآثار ككون الفاتحة PageV01P209 شفاء وآية الكرسي حرز من ~~الشيطان ونحو ذلك من منافع القرآن والأذكار والتبرك بآثار الصالحين ونحوه . ~~| ثم أكد الخبر بأن علمهم جهل بقوله : { لو كانوا يعلمون } وقال الحرالي : ~~فيه إشعار برتبة من العلم أعلى وأشرف من الرتبة التي كانت تصرفهم عن أخذ ~~السحر , لأن تلك الرتبة تزهد في علم ما هو شر وهذه ترغب في منال ما هو خير ~~؛ وفيه بشرى لهذه الأمة بما في كيانها من قبول هذا العلم الذي هو علم ~~الأسماء ومنافع القرآن يكون لهم عوضا من علم السيميا الذي هو باب من السحر ~~, وعساه أن يكون من نحو المنزل على الملكين , قال صلى الله عليه وسلم : ( ~~من اقتبس علما من النجوم اقتبس بابا من السحر , زاد ما زاد ) وحقيقة ~~السيميا أمر من أمر الله أظهر آثاره في العالم الأرضي على سبيل أسماء ~~وأرواح خبيثة من مواطن الفتن في العلويات من النيرات والكواكب والصور , وما ~~أبداه منه في علوم وأعمال لا يثبت شيء منه مع اسمه تعالى , بل يشترط في ~~صحته إخلاؤه عن اسم الله وذكره والقيام بحقه وصرف التحنثات والوجهة إلى ما ~~دونه , فهو لذلك كفر موضوع فتنة من الله تعالى لمن شاء أن يفتنه به , حتى ~~كانت فتنة اسم السيميا من هدى الاسم بمنزلة اسم اللات والعزى من هداية اسم ~~الله العزيز , ولله كلية الخلق والأمر هدى وإضلالا إظهارا لكلمته الجامعة ~~الشاملة لمتقابلات الأزواج التي منتهاها قسمة غلى دارين : دار نور رحماني ~~من اسمه العزيز الرحيم , ودار نار انتقامي من اسمه الجبار المنتقم < # > 77 ms0227 ( { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون } ) 77 < # > [ الروم : 14 ] . | ولما جعل سبحانه من المضمرة في السحر ونحوه كان من ~~المثوبة لمن آمن واتقى PageV01P210 من هذه الأمة سورة الفلق والناس ~~والمعوذتان حرزا وإبطالا وتلقفا لما يأفك سحر الساحرات عوضا دائما باقيا ~~لهذه الأمة من عصا موسى , فهما عصا هذه الأمة التي تلقف ما يأفك سحر ~~الساحرات عوضا دائما بما فيهما من التعويذ الجامع للعوذة من شر الفلق الذي ~~من لمحة منه كان السحر مفرقا , فهما عوذتان من وراء ما وراء السحر ونحوه , ~~وذلك من مثوبة الدفع مع ما أوتوا من مثوبة النفع , ويكاد أن لا يقف من جاءه ~~هذه الآية لهذه الأمة عند غاية من منال الخيرات ووجوه الكرامات - انتهى . | ~~ولما كان من الحق كما قال الحرالي إجراء الأمور على حكم ما أثبتها الحق ~~لأنها بذلك حق هو مثال للحق المبين وصرفها غلى من لم يثبتها الحق في حيزه ~~إفك وقلب عن وجهه فهو خيال باطل هو في باب الرأي بمنزلة السحر في الحس فهو ~~خيال لما صحة النسبة فيه مثال اتبع الآيات الذامة للسحر الحقيقي التنبيه ~~على السحر المجازي الذي حيلوا به الخير وقصدوا به الشر ليكون النهي عنه ~~نهيا عن الأول بطريق الأولى فقال ملتفتا عن ذكرهم إلى خطاب المؤمنين الذي ~~هو أخص من { يا بني إسرائيل } الأخص من < # > 77 ( { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } ) 77 < # > [ البقرة : 21 ] { يا أيها الذين آمنوا } , أي أقروا بالإيمان صدقوا ~~إقراركم به بأن { لا تقولوا } للنبي صلى الله عليه وسلم : { راعنا } التي ~~تقصدون بها الرعاية والمراقبة لمقصد الخير وخفض الجانب , فاغتنمها اليهود ~~لموافقة كلمة سيئة عندهم فصاروا يلوون بها ألسنتهم ويقصدون بها ارعونة وهي ~~إفراط الجهالة فنهاهم عن موافقتهم في القول منعا للصحيح الموافق في الصورة ~~لشبهه من القبيح وعوضهم منها ما لا يتطرق إليه فساد فقال : { وقولوا انظرنا ~~} فأبقى المعنى وصرف اللفظ . | قال الحرالي : ففيه إلزام تصحيح الصور ~~لتطابق تصحيح المقاصد وليقع الفرق بين الصورتين كما وقع الفرق بين المعنيين ~~فهي آية فرقان ms0228 خاصة بالعرب . | قال الأصفهاني : وهذا النهي اختص بهذا الوقت ~~, قال الواحدي لإجماع الأمة على جواز المخاطبة بهذا اللفظ الآن وقال : { ~~واسمعوا } أي قولوا ما أمرتكم به وامتثلوا جميع أوامري ولا تكونوا كاليهود ~~في حملهم السماع علىحقيقته وقولهم { سمعنا وعصينا } وعطف { وللكافرين } على ~~غير معطوف عليه مذكور مرشد إلى أن التقدير : فإن السماع أي القبول إيمان ~~وللسامعين نعيم كريم والإعراض كفر وللكافرين من اليهود وغيرهم { عذاب أليم ~~} . | ولما أرشد ختم الآية إلى العلة الحاملة على الامتثال علل بعلة أخرى ~~فقال : { ما يود الذين كفروا } مطلقا { من أهل الكتاب } اليهود والنصارى { ~~ولا } من المشركين بأي نوع كان من أنواع الشرك بغضا فيكم حسدا لكم { أن ~~ينزل عليكم } وأكد الاستغراق بقوله : { من خير من ربكم } أي المحسن إليكم , ~~فكأنه قيل : للسماع علتان حاملتان PageV01P211 عليه داعيتان إليه : إحداهما ~~أخروية وهي النعيم للمطيع والعذاب للعاصي , والأخرى دنيوية وهي مخالفة ~~الأعداء , فإنهم ما يودون أن ينزل عليكم شيء لكم فيه خير فضلا عن أن ~~تمتثلوه , ومخالفة الأعداء من الأغراض العظيمة للمتمكنين في الأخلاق ~~الفاضلة من ذوي الأدوات الكاملة , ولم يعطف { ما يود } لأنه مع ذلك علة ~~للعلة , فكأنه قيل : لهم عذاب أليم لأنهم يودون لكم خيرا ؛ فسماعكم من جملة ~~عذابهم , لأنه واقع على خلاف ودادتهم مع ما يدخر لهم في الآخرة بكفرهم ~~وتمنيهم كفركم , ولا يخفى ما فيها وفي التي بعدها من التحريض على الكتاب ~~الذي لا ريب فيه . | ولما بين سبحانه ما يودون أتبعه التعريف بأن له التصرف ~~التام , رضي من رضي وسخط من سخط فقال معلقا الأمر بالاسم الأعظم الجامع : { ~~والله } أي ما يودون والحال أن ذا الأسماء الحسنى { يختص } ولما كان المنزل ~~أتم الرحمة عبر عنه بقوله : { برحمته } التي وسعت كل شيء من الهداية والعلم ~~وغير ذلك { من يشاء } أي يجعله مختصا أي منفردا بها من بين الناس , ولو كان ~~عند غيره بمحل الاحتقار كما كان العرب عند بني إسرائيل لما كانوا يرون من ~~جهلهم وضلالهم وجفائهم واختلال أحوالهم ؛ و ( الاختصاص ) عناية تعين ms0229 المختص ~~لمرتبة ينفرد بها دون غيره , و ( الرحمة ) نحلة ما يوافي المرحوم في ظاهره ~~وباطنه , أدناه كشف الضر وكف الأذى , وأعلاه الاختصاص برفع الحجاب - قاله ~~الحرالي . | ولما كان ذلك ربما أوهم أنه إذا فعله لم يبق من رحمته ما يسع ~~غير المختص نفاه بقوله مصدرا له بالاسم الأعظم أيضا عاطفا على ما أفهمه ~~الاختصاص من نحو أن يقال تعريضا باليهود : فالله بمن يزوي عنه الرحمة عليهم ~~{ والله } أي الملك الأعلى الذي له جميع العظمة والرحمة فلا كفؤ له { ذو ~~الفضل العظيم } أي الذي لا يحصر بحد ولا يدخل تحت عد . | < < # | البقرة : ( 106 - 109 ) ما ننسخ من . . . . . # > > ^ ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن ~~الله على كل شيء قدير * ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم ~~من دون الله من ولي ولا نصير * أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من ~~قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سوآء السبيل * ود كثير من أهل الكتاب ~~لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم ~~الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير ) ^ } ) ~~| PageV01P212 ولما حرم سبحانه قوله { راعنا } بعد حله وكان ذلك من باب ~~النسخ وأنهى ما يتعلق به بالوصف بالفضل العظيم بعد التخصيص الذي من مقتضاه ~~نقل ما يكون من المنافع من ملك أو دين أو قوة أو علم من ناس إلى ناس , وكان ~~اليهود يرون أن دينهم لا ينسخ , فكان النسخ لذلك من مطاعنهم في هذا الدين ~~وفي كون هذا الكتاب هدى للمتقين , لأنه على زعمهم لا يجوز على الله , قالوا ~~: لأنه يلزم منه البدا - أي بفتح الموحدة مقصورا - وهو أن يبدو الشيء أي ~~يظهر بعد أن لم يكن , وذلك لا يجوز على الله تعالى , هذا مع أن النسخ في ~~كتابهم الذي بين أظهرهم , فإن فيه أنه تعالى أمرهم بالدخول إلى بيت المقدس ~~بعد مقاتلة الجبارين , فلما أبوا ms0230 حرم عليهم دخولها ومنعهم منه ومن القتال ~~بالقدرة والأمر , كما ستراه عن نص التوراة في سورة المائدة إن شاء الله ~~تعالى , وأمرهم بالجمعة فاختلفوا فيه , كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويأتي في قوله تعالى : < # > 77 ( { إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه } ) 77 < # > [ النحل : 124 ] واختاروا السبت , ففرض عليهم وشدد عليهم فيه وأحل لهم ~~جميع اللحوم والشحوم , لما اتخذوا العجل حرم عليهم الشحوم ؛ وأعظم من ذلك ~~تعاطيهم من النسخ ما لم يأذن به الله في تحريفهم الكلم عن مواضعه , وتحريم ~~الأحبار والرهبان وتحليلهم لهم ما شاؤوا من الأحكام التي تقدم عد جملة منها ~~أصولا وفروعا , كما قال تعالى : < # > 77 ( { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } ) 77 < # > [ التوبة : 31 ] , ولما قال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم : ( ~~يا رسول الله ! إنهم لم يكونوا يعبدونهم , قال : أليسوا يحلون لهم ويحرمون ~~؟ قال : بلى , قال : فتلك عبادتهم لهم ) كما هو مبين في السيرة في وفادة ~~عدي ؛ وكما فعلوا في إبدال الرجم PageV01P213 في الزنا بالتحميم والجلد ؛ ~~وفي اتباع ما تتلو الشياطين مع أن فيه إبطال كثير من شرعهم ؛ وفي نبذ فريق ~~منهم كتاب الله ؛ وفي قولهم : < # > 77 ( { سمعنا وعصينا } ) 77 < # > [ البقرة : 93 ] , وفي اتخاذهم العدل مع النهي عن ذلك - وكل ما شاكله ~~في كثير من فصول التوراة وفيما أشير إليه بقوله : < # > 77 ( { أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض } ) 77 < # > [ البقرة : 85 ] إلى غير ذلك , لما كان ذلك قال تعالى جوابا عن طعنهم ~~سابقا له في مظهر العظمة معلما أنه قد ألبس العرب المحسودين ما كان قد زين ~~به أهل الكتاب دهورا فابتذلوه ودنسوا محياه ورذلوه وغيروه وبدلوه إشارة إلى ~~أن الحسد لكونه اعتراضا على المنعم يكون سببا لإلباس المحسود ثوب الحاسد : ~~{ ما ننسخ } والنسخ قال الحرالي : نقل باد من أثر أو كتاب ونحوه من محله ~~بمعاقب يذهبه . | أو باقتباس يغني عن غيبته وهو وارد الظهور في المعنيين في ~~موارد الخطاب ؛ والمعاقبة في هذا أظهر - انتهى . | وساقها بغير عطف لشدة ~~التباسها بما ms0231 قبلها لاختصاصنا لأجل التمشية على حسب المصالح بالفضل والرحمة ~~, لأنه إن كان المراد نسخ جميع الشرائع الماضية بكتابنا فلما فيه من ~~التشريف بالانفراد بالذكر وعدم التبعية والتخفيف للأحمال التي كانت , وإن ~~كان المراد نسخ ما شرع لنا فللنظر في المصالح الدنيوية والأخروية بحسب ما ~~حدث من الأسباب { من آية } أي فنرفع حكمها , أو تلاوتها بعد إنزالها , أو ~~نأمر بذلك على أنها من النسخ على قراءة ابن عامر , سواء كانت في شرع من قبل ~~كاستقبال بيت المقدس أو لم تكن ؛ وفي صيغة نفعل إشعار بأن من تقدم ربما نسخ ~~عنهم ما لم يعوضوا به مثلا ولا خيرا , ففي طيه ترغيب للذين آمنوا في كتابهم ~~الخاص بهم وأن يكون لهم عند النسخ حسن قبول فرحا بجديد أو اغتباطا بما هو ~~خير من المنسوخ , ليكون حالهم عند تناسخ الآيات مقابل حال الآبين من قبوله ~~المستمسكين بالسابق المتقاصرين عن خير لاحق وجدته - قاله الحرالي : { أو ~~ننسأها } أي نؤخرها , أي نترك إنزالها عليكم أصلا , وكذا معنى { أو ننسها } ~~من أنسى في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو , أي نأمر بترك إنزالها { نأت ~~بخير منها أو مثلها } كما فعلنا في { راعنا } وغيرها . | أو يكون المعنى { ~~ما ننسخ من آية } فنزيل حكمها أو لفظها عاجلا كما فعلنا في { راعنا } أو { ~~ننسأها } بأن نؤخر نسخها أو نتركه - على قراءة { ننسها } زمنا ثم ننسخها ~~كالقبلة { نأت } عند نسخها { بخير منها أو مثلها } , صلى الله عليه وسلم # 1548 ; وقال الحرالي : وهو الحق إن شاء الله تعالى . | والنسء تأخير عن ~~وقت إلى وقت , ففيه مدار بين السابق واللاحق بخلاف النسخ , لأن النسخ معقب ~~للسابق والنسء مداول للمؤخر , PageV01P214 وهو نمط من الخطاب علي خفي ~~المنحى , لم يكد يتضح معناه لأكثر العلماء إلا للأئمة من آل محمد صلى الله ~~عليه وسلم لخفاء الفرقان بين ما شأنه المعاقبة وما شأنه المداولة . | ومن ~~أمثاله ما وقع في النسء من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الأضاحي ~~فتقبله الذين آمنوا نسخا , وإنما كان إنساء ms0232 وتأخيرا لحكم الاستمتاع بها بعد ~~ثلاث إلى وقت زوال الدافة التي كانت دفت عليهم من البوادي , فلم يلقن ذلك ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى فسره فقال : ( إنما نهيتكم من أجل الدافة ~~) , ففي متسع فقهه أن أحكاما تؤخر فتشابه النسخ من وجه ثم تعاد فتخالفه من ~~هذا الوجه من حيث إن حكمة المنسوخ منقطعة وحكمة المنسء متراجعة . | ومنه ~~المقاتلة للعدو عند وجدان المنة والقوة والمهادنة عند الضعف عن المقاومة هو ~~من أحكام المنسء , وكل ما شأنه أن يمتنع في وقت لمعنى ما ثم يعود في وقت ~~لزوال ذلك المعنى فهو من المنسء الذي أهمل علمه أكثر الناظرين وربما أضافوا ~~أكثره إلى نمط النسخ لخفاء الفرقان بينهما ؛ فبحق أن هذه الآية من جوامع آي ~~الفرقان , فهذا حكم النسء والإنساء وهو في العلم بمنزلة تعاقب الفصول بما ~~اشتملت عليه من الأشياء المتعاقبة في وجه المتداولة في الجملة . | قلت : ~~وحاصله تأخير الحل كما ذكر أو الحرمة كما في المتعة ونحو ذلك إلى وقت آخر ~~وذلك هو مدلول النسء على ما كانت العرب تتعارفه كما سيأتي تحريره في سورة ~~براءة عند < # > 77 ( { إنما النسيء زيادة في الكفر } ) 77 < # > [ التوبة : 37 ] قال : وأما النسيان والتنسية فمعناه أخفى من النسيء ~~وهو ما يظهره الله من البيانات على سبيل إدخال النسيان على من ليس شأنه أن ~~ينسء كالسنن التي أبداها النبي صلى الله عليه وسلم عن تنسيته PageV01P215 ~~كما ورد من قوله : إني لأنسى لأسن . | وقال عليه الصلاة والسلام في إفصاح ~~القول فيه : ( بئسما لأحدكم أن يقول : نسيت , بل هو نسي ) ومنه قيامه من ~~اثنتين وسلامه من اثنتين حتى أظهر الله سنة ذلك لأمته , وكانت تلك الصلاة ~~بسهوها ليست بدونها من غير سهو بل هي مثلها أو خير ؛ ومن نحوه منامه عن ~~الصلاة حتى أظهر الله توقيت الصلاة بالذكر كما كان قد أظهرها بالوقت ~~الزماني , فصار لها وقتان : وقت نور عياني من مداره مع الشمس , ووقت نور ~~وجداني من مدارها مع الذكر , ولصحة وقوعها للوقتين كانت الموقتة ms0233 بالذكر ~~أداء بحسبه , قضاء بحسب فوت الوقت الزماني ؛ فلله تعالى على هذه الأمة فضل ~~عظيم فيما يكمل لها على طريق النسخ وعلى سبيل النسء وعلى جهة النسيان الذي ~~ليس عن تراخ ولا إهمال وإنما يوقعه إجبارا مع إجماع العزم , وفي كل ذلك ~~إنباء بأن ما وقع من الأمر بعد هذا النسيان خير من موقع ذلك الأمر الذي كان ~~يقع على إجماع ورعاية لتستوي أحوال هذه الأمة في جميع تقلبات أنفسها , كل ~~ذلك من اختصاص رحمته وفضله العظيم - انتهى . | واستدل سبحانه على إتيانه ~~بذلك بقدرته , والقدرة الشاملة التامة مستلزمة للعلم أي وليس هو كغيره من ~~الملوك إذا أمر بشيء خاف غائلة أتباعه ورعاياه في نقضه , واستدل على القدرة ~~بأن له جميع الملك وأنه ليس لأحد معه أمر , وحاصل ذلك أنه لما ذكر سبحانه ~~هذا الكتاب وأكد أمره مرارا وكان ناسخا لفروع شريعتهم ولا سيما ما فيها من ~~الآصار والأغلال أشار سبحانه إلى أن من أعظم ضلالهم وغيهم ومحالهم , ~~ادعاؤهم أن النسخ لا يجوز على الله , فمنعوا من < # > 77 ( { لا يسأل عما يفعل } ) 77 < # > [ الأنبياء : 23 ] مما هو موجود في كتابهم كما أمر آنفا , ومما سوغوه ~~لأنفسهم بالتحريف والتبديل , ولزم من ذلك تكذيب كل رسول أتاهم بما لا تهوى ~~أنفسهم , وفعلوا خلاف حال المؤمنين المصدقين بما أنزل إلى نبيهم وما أنزل ~~إلى غيره , وضمن ذلك عيبهم بالقدح في الدين بالأمر بالشيء اليوم والنهي عنه ~~غدا , وأنه لو كان من عند الله لما تغير لأنه عالم بالعواقب , ولا يخلو إما ~~أن يعلم أن الأمر بذلك الشيء مصلحة فلا ينهى عنه بعد , أو مفسدة فلا يأمر ~~به اليوم , جوابهم عن ذلك معرضا عن خطابهم تعريضا بغباوتهم إلى خطاب أعلم ~~الخلق بقوله : { ألم تعلم أن الله } أي الحائز PageV01P216 لجميع أوصاف ~~الكمال { على كل شيء قدير } على وجه الاستفهام المتضمن للإنكار والتقرير ~~المشار فيه للتوعد والتهديد , فيخلق بقدرته من الأسباب ما يصير الشيء في ~~وقت مصلحة وفي وقت آخر مفسدة لحكم ومصالح دبرها لتصرم هذا العالم ms0234 . | ويقضي ~~هذا الكون بشمول علمه بكل ما تقدم وما تأخر . | ولو أراد لجعل الأمر على ~~سنن واحد والناس على قلب رجل واحد < # > 77 ( { ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا } ) 77 < # > [ يونس : 99 ] < # > 77 ( { لجعل الناس أمة واحدة } ) 77 < # > [ هود : 118 ] ولكنه مالك الملك وملك السماوات والأرض , يتصرف على حسب ~~ما يريد , لا راد لأمره ولا معقب لحكمه , ولا يسوغ الاعتراض عليه بوجه , ~~وهل يجوز أن يعترض العبد الذي لا ينفك أصلا من الرق على السيد الثابت ~~السودد على أنه لا يلزمه شيء أصلا فلا يلزمه الأمر على حسب المصالح ؛ ثم ~~أتبع ذلك بما هو كالدليل على شمول القدرة فقال : { ألم تعلم أن الله } ~~الجامع لأنواع العظمة { له ملك السماوات والأرض } يفعل في ذواتهما ~~وأحوالهما ما يشاء . | قال الحرالي : فهو بما هو على كل شيء قدير يفصل ~~الآيات , وهو بما له ملك السماوات والأرض يدبر الأمر - انتهى . | ولما أتم ~~سبحانه ما أراد من إظهار قدرته وسعة ملكه وعظمته بالاسم العلم الذي هو أعظم ~~من مظهر العظمة في ننسخ وننسا بالإقبال على خطاب من لا يعلم ذلك حق علمه ~~غيره فتهيأت قلوب السامعين وصغت لفت الخطاب إليهم ترهيبا في إشارة إلى ~~ترغيب فقال : { وما لكم من دون الله } المتصف بجمع صفات العظمة { من ولي } ~~يتولى أموركم , وهو من الولاية , قال الحرالي : وهي القيام بالأمر عن وصلة ~~واصلة { ولا نصير } فأقبلوا بجميع قلوبكم إليه ولا تلفتوها عنه , وفي ذلك ~~تعريض بالتحذير للذين آمنوا ولم يبلغوا درجة المؤمنين من مخالفة أمره إذا ~~حكم عليهم بما أراد كائنا ما كان لئلا تلقن بواطنهم عن اليهود نحوا مما ~~لقنت ظواهر ألسنتهم , بأن تستمسك بسابق فرقانها فتتثاقل عن قبول لاحقه ~~ومكمله , فيكون ذلك تبعا لكثرة أهل الكتاب في إبائها نسخ ما لحقه التغيير ~~من أحكام كتابها - أفاده الحرالي وقال : وهو في الحقيقة خطاب جامع لتفصيل ~~ما يرد من النسخ في تفاصيل الأحكام والأحوال بمنزلة الخطاب المتقدم في صدر ~~السورة المشتمل على جامع ضرب الأمثال ms0235 في قوله تعالى : < # > 77 ( { إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما } ) 77 < # > [ البقرة : 26 ] الآية , وذلك لأن هذه السورة هي فسطاط القرآن الجامعة ~~لجميع ما تفصل فيه ؛ وهي سنام القرآن , وسنام الشيء أعلاه ؛ وهي سيدة سور ~~القرآن ؛ PageV01P217 ففيها لذلك جوامع ينتظم بعضها ببعض أثر تفاصيله ~~خلالها في سنامية معانيها وسيادة خطابها نحوا من انتظام آي سورة الفاتحة ~~المنتظمة من غير تفصيل وقع أثناءها ليكون بين المحيط الجامع والابتداء ~~الجامع مشاكلة ما - انتهى . | ولما كان رسخ ما ذكره سبحانه من تمام قدرته ~~وعظيم مملكته وما أظهر لذاته المقدس من العظم بتكرير اسمه العلم وإثبات أن ~~ما سواه عدم فتأهلت القلوب للوعظ صدعها بالتأديب بالإنكار الشديد فقال : { ~~أم } أي أتريدون أن تردوا أمر خالقكم في النسخ أم { تريدون أن } تتخذوا من ~~دونه إلها لا يقدر على شيء بأن { تسألوا رسولكم } أن يجعل لكم إلها غيره { ~~كما سئل موسى } ذلك . | ولما كان سؤالهم ذلك في زمن يسير أثبت الجار فقال : ~~{ من قبل } أي قبل هذا الزمان إذ قال قومه بعد ما رأوا من الآيات وقد مروا ~~بقوم يعكفون على أصنام لهم : < # > 77 ( { اجعل لنا إلها كما لهم آلهة } ) 77 < # > [ الأعراف : 138 ] وقالوا : < # > 77 ( { أرنا الله جهرة } ) 77 < # > [ النساء : 153 ] . | وقالوا : < # > 77 ( { لن نصبر على طعام واحد } ) 77 < # > [ البقرة : 61 ] وكانوا يتعنتون عليه في أحكام الله بأنواع التعنتات ~~كما تقدم . | و ( الإرادة ) في الخلق نزوع النفس لباد تستقبله - قاله ~~الحرالي . | وأدل دليل على ما قدرته قوله عطفا على ما تقديره : فيكفروا ~~فإنه من سأل ذلك فقد تبدل الكفر بالإيمان { ومن يتبدل الكفر بالإيمان } أي ~~يأخذ الكفر بدلا من الإيمان بالإعراض عن الآيات وسؤال غيرها أو التمسك بما ~~نسخ منه , وعبر بالمضارع استجلابا لمن زل بسؤال شيء من ذلك إلى الرجوع ~~بالتوبة ليزول عنه الاستمرار فيزول الضلال { فقد ضل سواء السبيل } أي عدله ~~ووسطه فلم يهتد إليه وإن كان في بينات منه , فإن من حاد عن السواء أوشك أن ~~يبعد بعدا لا سلامة معه ms0236 < # > 77 ( { وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله } ) 77 < # > [ الأنعام : 153 ] وكثيرا ما كان يتزلزل طوائف من الناس عند تبدل ~~الآيات وتناسي الأحكام وبحسب ما يقع في النفس من تثاقل عنه أو تحامل على ~~قبوله يلحقه من هذا الضلال عن سواء هذا السبيل ؛ وفيه إشعار بأن الخطاب ~~للذين ىمنوا , لأن المؤمنين المعرفين بالوصف لا يتبدل أحوالهم من إيمان ~~الكفر , لأن أحدا لا يرتد عن دينه بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه < # > 77 ( { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا ~~انفصام لها } ) 77 < # > [ البقرة : 256 ] < # > 77 ( { ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى } ) ~~77 < # > ؛ [ لقمان : 22 ] وقال عليه الصلاة والسلام : ( إن الله لا ينتزع العلم ~~ا نتزاعا بعد أن أعطاكموه ) فبذلك PageV01P218 يتضح مواقع خطاب القرآن مع ~~المترتبين في أسنان القلوب بحسب الحظ من الإيمان والإسلام والإحسان - قاله ~~الحرالي . | وعرف { السبيل } بأنه المشتمل على قوام السائر فيه والسالك له ~~من نحو الرعي والسقي وشبهه , والسواء بأنه من الشيء أسمحه بالأمر الذي قصد ~~له , قال : ويقال هو وسطه وخياره . | ولما كان أكثر المثيرين لهذه الشكوك ~~في صور أهل الإسلام قال تعالى مخاطبا للمؤمنين وهم في غمارهم تنفيرا لهم عن ~~الضلال الذي هو في نفسه أهل لأن ينفر عنه فكيف وهو شماتة العدو وبتخييله ~~وودادته تحذيرا لهم من مخالطتهم : { ود كثير } وهو تعليل لمعنى الكلام وهو ~~: فلا تتبدلوا الكفر بالإيمان , بعد تعليله بالضلال ؛ وذلك كما مضى في < # > 77 ( { ما يود الذين كفروا } ) 77 < # > [ البقرة : 105 ] سواء . | ولما كان المشركون عربا عالمين بأن طبع ~~العرب الثبات لم يدخلهم معهم في هذا الود وقال : { من أهل الكتاب } فأنبأ ~~أن المصافي منهم قليل وبشر سبحانه بأن ما يودونه من قسم المحال بسوقه سوق ~~المتمني فقال : { لو يردونكم } أي بأجمعكم ؛ ثم حقق أمر التمني في كونه ~~محالا مشيرا بإثبات الجار إلى قناعتهم به و لو في زمن يسير فقال : { من بعد ~~إيمانكم } أي الراسخ { كفارا } أي ms0237 لتكونوا مثلهم فتخلدوا معهم في النار { ~~حسدا } على ما آتاكم الله من الخير الهادي إلى الجنة , والحسد قلق النفس من ~~رؤية النعمة على الغير , وعبر عن بلوغ الحسد إلى غاية لا حيلة معها في تركه ~~بقوله : { من عند أنفسهم } أي إنه راسخ في طبائعهم فلا تطمعوا في صرفه بشيء ~~, فإن أنفسهم غالبة على عقولهم , ثم زاده تأكيدا بقوله مشيرا بإثبات الجار ~~إلى ذمهم بأنهم استمروا على الضلال بعد الدعوة , لا يطلبون الحق مع القدرة ~~على تعرفه , حتى هجم عليهم بيانه وقهرهم عرفانه , ثم لم يرجعوا إليه ؛ وما ~~كفاهم ضلالهم في أنفسهم حتى تمنوا إضلال غيرهم بالرجوع عنه { من بعد ما ~~تبين } أي بيانا عظيما بوضوحه في نفسه { لهم الحق } أي من صحة رسالة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم النبيين المرسل إلى الناس كافة بشهادة ما ~~طابقه من التوراة , ومن أنهم خالدون في النار , لأنهم ممن أحاطت به خطيئته ~~بما دل عليه سبحانه في جميع هذه الآيات إبطالا لدعواهم في مس النار لهم ~~أياما معدودة . | ثم أرشد إلى الدواء بقوله مسببا عن الإخبار بأن ودهم محال ~~وبعدم رجوعهم : PageV01P219 { فاعفوا } أي عاملوهم معاملة العافي بأن لا ~~تذكروا لهم شيئا مما تظهره تلك الودادة الناشئة عن هذا الحسد من الأقوال ~~والأفعال ولا تأخذوا في مؤاخذتهم به , فإنهم لا يضرونكم ولا يرجعون إليكم , ~~{ واصفحوا } أي أظهروا لهم أنكم لم تطلعوا على شيء من ذلك , وأصل معناه من ~~الإعراض بصفحة العنق عن الشيء كأنه لم يره , وأمرهم بمطلق الصفح ولم يفيده ~~بالجميل الذي اختص به خطاب نبيهم صلى الله عليه وسلم في قوله : { فاصفح ~~الصفح الجميل } [ الحجر : 85 ] لتنزل الخطاب على مراتبه ومستحق مواقعه . | ~~وحثهم على أن يكون فعلهم ذلك اعتمادا على تفريجه سبحانه بقوله : { حتى يأتي ~~الله } الذي لا أمر لأحد معه { بأمره } فبشرهم بذلك بظهورهم على من أمروا ~~بالصفح والعفو عنهم , وقد كان مبدأ ذلك ويتم في زمن عيسى عليه السلام . | < ~~< # | البقرة : ( 110 - 117 ) وأقيموا الصلاة وآتوا . . . . . # > > ^ ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ms0238 وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه ~~عند الله إن الله بما تعملون بصير * وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا ~~أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين * بلى من أسلم وجهه ~~لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون * وقالت اليهود ~~ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب ~~كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون * ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى ~~في خرابهآ أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين لهم في الدنيا خزي ولهم ~~في الآخرة عذاب عظيم * ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن ~~الله واسع عليم * وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات ~~والأرض كل له قانتون * بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له ~~كن فيكون ) ^ } ) | ولما كان النصر وهم في القلة والضعف بحال عظيم وقوة ~~عدوهم وكثرتهم أعظم مستبعدا قال : { إن الله } وأظهر موضع الإضمار تحقيقا ~~للبشرى بالإيماء إلى استحضار ما يدل عليه هذا الاسم الأعظم من صفات الجلال ~~والإكرام { على كل شيء قدير } ففي هذا الختم بشرى للمؤمنين بتقديرهم كما أن ~~في الختم بالعلم بشرى بتعليمهم . | وفي إفهامه نذارة للكافرين بمقابل ذلك . ~~| ولما أمرهم بالثقة بهذا الكتاب ما نسخ منه وما لم ينسخ وأن لا يعوقهم عنه ~~طعن PageV01P220 الطاعنين ولا حسد الحاسدين وأمرهم بالإعراض عن الغير أمرهم ~~بالإقبال على إصلاح النفس والإحسان إلى الغير مما اتصف به المهتدون في قوله ~~تعالى : < # > 77 ( { ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } ) 77 < # > [ البقرة : 2 ] ولما كان المقصود من الصلاة قصر الهمة والنية على ~~الحضرة الإلهية وتفريغ البال من جميع الشواغل علم أن التقدير بعد الختم ~~بشمول القدرة فاعلموا ذلك وثقوا به { وأقيموا الصلاة } التي هي مع كونها ~~سنبتليكم في قبلتها بالنسخ قوام الدين والمعينة على جميع النوائب بإعانة ~~الخالق الذي قصد بها ms0239 الإقبال عليه والتقرب إليه { وآتوا الزكاة } التي هي ~~قرينة الصلاة , فمن فرق بينهما فقد نسخ ما أثبت الله فاستحق القتال ليرجع ~~عما ارتكب من الضلال , وهي من أعظم نفقات المؤمنين إحسانا إلى الخلائق إن ~~كنتم مصلين بالحقيقة , فإن المال بعض ما صرفت عنه الصلاة من أعراض الدنيا . ~~| ولما كان قوله : < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } ) 77 < # > [ البقرة : 104 ] وما بعده خطابا للمؤمنين تحذيرا من كيد أعدائهم ~~بالنهي عما يرديهم والأمر بما ينجيهم وختمه بهذه الآية فذلكة لذلك كله ~~جميعا لمعانيه وفتحها برأس العبادات البدنية والمالية وكانت ( أل ) مشيرة ~~إلى الواجب من ذلك ختم الآية نفسها بالأمر العام الجامع فقال : { وما ~~تقدموا لأنفسكم من خير } أي من الصلاة والزكاة وغيرهما فرضا ونفلا { تجدوه ~~} وزاد ترغيبا فيه بقوله : { عند الله } أي الجامع لصفات الكمال . | فهو ~~يحفظه بما له من العلم والقدرة ويربيه بما له من الكرم والرحمة - إلى غير ~~ذلك من أمور الفضل . | ولما كان الشيء قد يهمل لكونه صغيرا وقد لا يطلع ~~عليه لكونه خفيا حقيرا قال مرغبا مرهبا : { إن الله } المحيط قدرة وعلما { ~~بما تعملون بصير } وأظهر الاسم في موضع الإضمار إشعارا بالاستئناف للخير ~~ليكون ختما جامعا . | لأنه لو عاد على خصوص هذا الخطاب لكان ( إنه ) , وذلك ~~لأن تجديد الإظهار يقع بمعنى رد ختم الخطاب على إحاطة جملته - قاله الحرالي ~~. | والمعنى أنه لو أضمر لكان ربما أفهم تقيد علمه بحيثية ما تقدم من عمل ~~الخير ؛ وعلى مثل هذا دل قول العلامة شمس الدين الغزي في أول شرحه ~~لإيساغوجي : الغالب في المضمر إرادة المعنى الأول , وأما حديث : إعادة ~~الشيء معرفة . | فأصل يعدل عنه كثيرا للقرائن . | ولما ذكر دعواهم في مس ~~النار وأبطلها من وجوه كثيرة أحاطت بهم فيها الخطايا إحاطة اقتضت خلودهم ~~فيها من جهة ضلالهم إلى آية النسخ مرقيا الخطاب من سيئة إلى أسوأ منها ثم ~~من جهة إضلالهم لغيرهم من آية النسخ عطف على تلك الدعوى الإخبار بدعواهم في ~~دخول الجنة تصريحا بما أفهمته الدعوى الأولى ms0240 تلويحا وقرن بذلك مثل ما ~~PageV01P221 ختم به ما قبلها من أن من فعل خيرا وجد علىوجه بين فيه أن ذلك ~~الخير الإسلام والإحسان فقال تعالى : { وقالوا } أي أهل الكتاب من اليهود ~~والنصارى حسدا منهم على المسبب الذي هو الجنة كما حسدوا على السبب وهو ~~إنزال ما اقتضى الإيمان الموصل إلى الرضوان الذي به تستباح الجنان { لن ~~يدخل الجنة } المعدة لأولياء الله { إلا من كان هودا } هذا قول اليهود منهم ~~{ أو نصارى } وهذا قول النصارى نشرا لما لفته الواو في { وقالوا } . | ولما ~~كانوا أبعد الناس عن هذه الأماني التي تمنوها لأنفسهم لمنابذتهم لما عندهم ~~من العلم والتي حسدوا فيها المؤمنين لأن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء قال ~~مشيرا إلى بعدهم عن ذلك على وجه الاستئناف معترضا بين الدعوى وطلب الدليل ~~عليها تعجيلا لتوهيتها : { تلك } بأداة البعد { أمانيهم } تهكما بهم , أي ~~أمثال هذه الشهوة من ودهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم , وأن ~~يردوهم كفارا , وأن لا يدخل الجنة غيرهم - وأمثال ذلك من شهواتهم . | ولما ~~كان كل مدع لغيب مفتقرا في تصحيح دعواه إلى دليل وكان مثل هذا لا يقنع فيه ~~إلا بقاطع أمر أعلم الخلق لأنه لا ينهض بأخراسهم في علمهم ولددهم غيره ~~بمطالبتهم بذلك ناقضا لدعواهم فقال : { قل هاتوا برهانكم } بلفظ البرهان . ~~| قال الحرالي : وهو علم قاطع الدلالة غالب القوة بما تشعر به صيغة الفعلان ~~ضم أولها وزيادتا آخرها , وهذا كما افتتح تلك بالنقض بقوله : { قل اتخذتم } ~~وفي ذلك إعلام بأنه تعالى ما غيب شيئا إلا وأبدى عليه علما ليكون في العالم ~~المشهود شفاف عن العالم الغائب - قاله الحرالي . | قالوا : وهذا أهدم شيء ~~لمذهب المقلدين ودليل على أن كل قول لا برهان عليه باطل . | ولما نادى ~~عليهم بالكذب في قوله : { إن كنتم صادقين } أثبت لغيرهم بقوله : { بلى } ما ~~ادعوا الاختصاص به , ثم بين أهل الجنة بقوله : { من أسلم وجهه } أي كليته , ~~لأن الوجه أشرف ما ظهر من الإنسان , فمن أسلمه أسلم كله , كما أن ( الإيمان ~~) إذعان القلب ms0241 الذي هو أشرف ما بطن وإذعانه إذعان جميع الأعضاء ؛ و ( ~~الإسلام ) قال الحرالي : الإلقاء بما يكون من منة في باطن أو ظاهر ؛ و ( ~~الوجه ) مجتمع حواس الحيوان , وأحسن ما في الموتان - وهو ما عد الحيوان , ~~وموقع الفتنة من الشيء الفتان ؛ وهو أول ما يحاول إبداؤه من الأشياء لذلك { ~~لله } من أجل أنه الله الجامع للكمال . | ولما كان ذكر الأجر لكل واحد ~~بعينه أنص على المقصود وأنفى للتعنت , أفرد الضمير فقال : { وهو محسن } في ~~جانب الحق بإذعان القلب , وفي جانب الخلق بما PageV01P222 يرضي الرب , فصار ~~يعبد الله كأنه يراه , فطابق سره علنه . | ولما نفوا الأجر عن غيرهم وأثبته ~~سبحانه للمتصف بالإسلام منهم وممن سواهم وكان ربما قيل إنه أعطى غيرهم ~~لكونه الملك المطلق بغير سبب ربط الأجر بالفاء دليلا على أن إسلامهم هو ~~السبب فقال : { فله } خاصة { أجره عند ربه } إحسانا إليه بإثبات نفعه على ~~حسب ما ربه به في كل شريعة . | ولما كان ربما ادعى أنه ما أفرد الضمير إلا ~~لأن المراد واحد بعينه فلا يقدح ذلك في دعوى أنه لن يدخل الجنة إلا اليهود ~~أو النصارى جمع فقال : { ولا خوف عليهم } من آت { ولا هم يحزنون } على شيء ~~فات دفعا لضرهم , وهذا كما أثبت سبحانه خلاف دعواهم في مس النار بقوله : < # > 77 ( { بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته } ) 77 < # > [ البقرة : 81 ] الآية , فالتحم الكلام بذلك أشد التحام وانتظم أي ~~انتظام . | ولما أبطل دعوى اختصاصهم بالرحمة قدحا منهم في غيرهم وأثبتها ~~للمحسنين أتبع ذلك قدح كل فريق منهم في الآخر وبيان انتفائها عنهم بإساءتهم ~~بإبطال كل فرقة منهم دعوى الأخرى مع ما يشهد به كتاب كل من بطلان قوله فقال ~~: { وقالت اليهود ليست } أنث فعلهم لضعف قولهم وجمع أمرهم { النصارى على ~~شيء } أي يعتد به لكونه صحيحا , وليس مخففة من وزن فرح , ومعناها مطلق ~~النفي لمتقدم إثبات أو مقدره - قاله الحرالي . | { وقالت النصارى } كذلك { ~~ليست اليهود على شيء } فعجب منهم في هذه الدعوى العامة لما قبل التبديل ~~والنسخ وما ms0242 بعده بقوله : { وهم } أي والحال أنهم { يتلون الكتاب } أي مع أن ~~في كتاب كل منهم حقية أصل دين الآخر . | ثم شبه بهم في نحو هذا القول ~~الجهلة الذين ليس لهم كتاب الذين هم عندهم ضلال , وفي ذلك غاية العيب لهم ~~لتسوية حالهم مع علمهم بحال الجهلة في القطع في الدين بالباطل كما سوى ~~حالهم بهم في الحرص على الحياة في الدنيا ومنهم عبدة الأصنام الذين منهم ~~العرب الذين أخرجوا الرسول صلى الله عليه وسلم من بلده ومنعوه من مسجد أبيه ~~إبراهيم عليهما الصلاة والسلام الذي هو الحقيق به دونهم , وساق ذلك جواب ~~سائل كأنه قال : هذا قول العلماء بالكتاب فما حال من لا علم له ؟ فقال : { ~~كذلك } أي مثل هذا القول البعيد عن القصد { قال الذين لا يعلمون } ولما كان ~~صدور هذا من أهل العلم في غاية الغرابة وصدوره من الجهلة أغرب نبه تعالى ~~على أن سامعه جدير بأن يقول لعده له عداد ما لا يصدق : كيف قال الجهلة ؟ ~~فقال أو يقال : ولما كان قولهم هذا لا يكاد يصدق من شدة غرابته كان كأنه ~~قيل : أحق كان هذا منهم حقيقة أم كنى به عن شيء آخر ؟ فأجيب بقوله : { كذلك ~~} أي الأمر كما ذكرنا عنهم حقيقة لا كناية عن شيء غيره , PageV01P223 فلما ~~استقر في النفس كان كأنه قيل : هل وقع هذا لأحد غيرهم ؟ فقيل : نعم , وقع ~~أعجب منه وهو أنه قال الجهلة ( كعبدة الأصنام والمعطلة ) { مثل قولهم } ~~فعاندوا وضللوا المؤمنين أهل العلم بالكتاب الخاتم الذي لا كتاب مثله ~~وضللوا أهل كل دين . | ولما وقع الخلاف بين هذه الفرق تسبب عنه حكم الملك ~~الذي لم يخلقهم سدى بينهم فقال : { فالله } ( الملك الأعظم ) { يحكم بينهم ~~} والحكم قصر المصرف على بعض ما يتصرف فيه وعن بعض ما تشوف إليه - قاله ~~الحرالي . | وحقق أمر البعث بقوله : { يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ~~} والآختلاف افتعال من الخلاف وهو تقابل بين رأيين فيما ينبغي انفراد الرأي ~~فيه - قاله الحرالي . | ولما اشتركت جميع هذه الفرق في الظلم وزاد ms0243 الجهلة ~~منع حزب الله من عمارة المسجد الحرام بما يرضيه من القول والفعل فازدادوا ~~بذلك ظلما آخر وكان من منع مسجدا واحدا لكونه مسجدا مانعا لجميع المساجد ~~قال : { ومن أظلم } أي منهم , وإنما أبدل الضمير بقوله : { ممن منع مساجد ~~الله } أي ( الجامع لصفات الكمال التي هي جنان الدنيا لكونها أسباب الجنة ~~التي قصروها عليهم , ثم أبدل من ذلك تفخيما له تذكرة مرة بعد أخرى ) قوله : ~~{ أن يذكر فيها اسمه } وعطف بقوله : { وسعى في خرابها } أي بتعطيلها عن ذكر ~~الله لبعد وجوه ظلمهم زيادة في تبكيتهم . | والمنع الكف عما يترامى إليه . ~~| والمسجد مفعل لموضع السجود وهو أخفض محط القائم . | والسعي الإسراع في ~~الأمر حسا أو معنى . | والخراب ذهاب العمارة , والعمارة إحياء المكان ~~وإشغاله بما وضع له - قاله الحرالي . | ثم ذكر سبحانه ما رتبه على فعلهم من ~~الخوف في المسجد الذي أخافوا فيه أولياءه وفي جميع جنسه والخزي في الدنيا ~~والآخرة ضد ما رتبه لمن أحسن فقال : { أولئك } أي البعداء البغضاء { ما كان ~~لهم } أي ما صح وما انبغى { أن يدخلوها } أي المساجد الموصوفة { إلا خائفين ~~} وما كان أمنهم فيها إلا بسبب كثرة المساعد على ما ارتكبوه من الظلم ~~والتمالؤ على الباطل وسنزيل ذلك , ثم عمم الحكم بما يندرج فيه هذا الخوف ~~فقال : { لهم في الدنيا خزي } أي عظيم بذلك وبغيره , ثم زاده بأن عطف عليه ~~قوله : { ولهم في الآخرة } التي هم لها منكرون بالاعتقاد أو الأفعال { عذاب ~~عظيم } فدل بوصف العذاب على وصف الخزي الذي اشار إليه بالتنوين . | قال ~~الحرالي : وفيه إنباء بإحباط ما يصرف عنهم وجها من وجوه العذاب , فنالهم من ~~العذاب العظيم ما نال الكافرين حتى كان ما كان لهم من ملة وكتاب لم يكن , ~~وذلك أسوأ الخسار ؛ قال : ومن PageV01P224 الموعود أن من أعلام قيام الساعة ~~تضييع المساجد لذلك كل أمة وكل طائفة وكل شخص معين تطرق بجرم في مسجد يكون ~~فعله سببا لخلائه فإن الله عز وجل يعاقبه بروعة ومخافة تناله في الدنيا , ~~حتى ينتظم بذلك من خرب ms0244 مدينة من مدن الإسلام أو كانت أعماله سبب خرابها , ~~وفي ضمن ذلك ما كان من أحداث المسلطين على البيت المقدس بما جرت إليه أعمال ~~يهود فيه ؛ قال : كذلك أجرى الله سنته أن من لم يقم حرمة مساجده شرده منها ~~وأحوجه لدخولها تحت رقبة وذمة من أعدائه , كما قد شهدت مشاهدة بصائر أهل ~~التبصرة وخصوصا في الأرض المقدسة المتناوب فيها دول الغلب بين هذه الأمة ~~وأهل الكتاب < # > 77 ( { الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * ~~في بضع سنين } ) 77 < # > [ الروم : 1 - 3 ] فكل طائفة في بضعها إذا ساء عملها في مسجدها شردت ~~منه ودخلته في بضع الأخرى خائفة كذلك حتى تكون العاقبة للمتقين حين يفرح ~~المؤمنون بنصر الله , قال : وفي إشعاره تحذير من غلق المساجد وإيصادها ~~وحجرها على القاصدين للتحنث فيها والخلوة بذكر الله , وليس رفع المساجد ~~منعها بل رفعها أن لا يذكر فيها غير اسم الله , قال تعالى : < # > 77 ( { في بيوت أذن الله أن ترفع } ) 77 < # > [ النور : 36 ] قال عمر رضي الله عنه لما بنى الرحبة : من أراد أن يلغط ~~أو يتحدث أو ينشد شعرا فليخرج غلى هذه الرحبة , وقال صلى الله عليه وسلم : ~~( جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسل سيوفكم وبيعكم وشراءكم , وابنوا على ~~أبوابها المطاهر ) ففي حل ذلك إنباء بأن من عمل في مساجد الله بغير ما وضعت ~~له من ذكر الله كان ساعيا في خرابها وناله الخوف في محل الأمن - انتهى . | ~~PageV01P225 ولما أفهمت الآية أنه حصل لأولياء الله منع من عمارة بيت الله ~~بذكره وكان الله تعالى قد من على هذه الأمة بأن جعل الأرض كلها لها مسجدا ~~سلى المؤمنين بأنهم أينما صلوا بقصد عبادته لقيهم ثوابه , لأنه لا يختص به ~~جهة دون جهة , لأن ملكه للكل على حد سواء ؛ فكان كأنه قيل : فأقيموا الصلاة ~~التي هي أعظم ذكر الله حيثما كنتم فإنه لله , كما أن المسجد الذي منعتموه ~~لله ؛ وعطف عليه قوله : { ولله } أي الذي له الكمال كله { المشرق } أي موضع ~~الشروق وهو ms0245 مطلع الأنوار { والمغرب } وهو موضع أفولها , فأنبأ تعالى كما ~~قال الحرالي بإضافة جوامع الآفاق إليه إعلاما بأن الوجهة لوجهه لا للجهة , ~~من حيث إن الجهة له - انتهى . | ولما كان هذان الأفقان مدارا للكواكب من ~~الشمس وغيرها عبر بهما عن جميع الجهات , لتحول الأفلاك حال الدوران إلى كل ~~منهما . | فلذلك تسبب عن ذكرهما قوله : { فأينما تولوا } أي فأي مكان ~~أوقعتم فيه التولية للصلاة إلى القبلة التي أمرتم بالتولية إليها من بيت ~~المقدس أو الكعبة أو غيرهما في النافلة { فثم } أي فذلك الموضع , لأن ( ثم ~~) إشارة لظرف مكان { وجه الله } أي جهته التي وجهكم إليها أو مكان استقباله ~~والتوجه إليه وما يستقبلكم من جلاله وجماله ويتوجه إليكم من بره وإفضاله . ~~| فإن نسبة جميع الأماكن والجهات في الإبداع والقرب والبعد وغير ذلك إليه ~~واحدة . | قال الحرالي : وأبهم المولى ليقع تولي القلب لوجه الله حين تقع ~~محاذاة وجه الموجه الظاهر للجهة المضافة لله - انتهى . | ولما أخبر من سعة ~~فضله مبثوثا في واسع ملكه بما وقفت العقول عن منتهى علمه علله بما صغر ذلك ~~في جنبه فقال : { إن الله } فذكره بالاسم الأعظم الجامع لجميع الأسماء { ~~واسع } أي محيط بما لا تدركه الأوهام , فلا يقع شيء إلا في ملكه ؛ وأصل ~~الوسع تباعد الأطراف والحدود { عليم } فلا يخفى عليه فعل فاعل أي ما كان ~~وكيف ما كان , فهو يعطي المتوجه إليه على قدر نيته بحسب بلوغ إحاطته وشمول ~~علمه وقدرته . | قال الحرالي في شرح الأسماء : والسعة المزيد علىا لكفاية ~~من نحوها إلى أن ينبسط إلى ما وراء امتدادا ورحمة وعلما < # > 77 ( { ورحمتي وسعت كل شيء } ) 77 < # > [ الأعراف : 156 ] < # > 77 ( { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } ) 77 < # > [ يونس : 26 ] < # > 77 ( { لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد } ) 77 < # > [ المائدة : 35 ] ولا تقع السعة إلا مع إحاطة العلم والقدرة وكمال ~~الحلم وإفاضة الخير والنعمة لمقتضى كمال الرحمة , ولمسرى النعمة في وجوه ~~الكفايات ظاهرا وباطنا خصوصا وعموما لم يكد يصل الخلق إلى حظ من السعة , ~~أما ظاهرا فلا تقع منهم ولا تكاد ( إنكم ms0246 PageV01P226 لن تسعوا الناس ~~بمعروفكم ) , وأما باطنا بخصوص حسن الخلق فعساه يكاد . | وقال في تفسيره : ~~قدم تعالى : { المشرق } لأنه موطن بدو الأنوار التي منها رؤية الأبصار , ~~وأعقبه بالمغرب الذي هو مغرب الأنوار الظاهرة وهو مشرق الأنوار الباطنة , ~~فيعود التعادل إلى أن مشرق الأنوار الظاهرة هو مغرب الأنوار الباطنة ( ~~الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان - وأشار بيده نحو المشرق ) ( لا يزال ~~أهل المغرب ظاهرين على الحق ) انتهى . | قلت : ومن ذلك حديث صفوان بن عسال ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن لله بالمغرب بابا ) ~~وفي رواية : ( باب التوبة مفتوح من قبل المغرب - مسيرة عرضه سبعون عاما , ~~لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله ) أخرجه الطبراني والبغوي في تفسيره , ~~وقد ظهر أن المغرب في الحديث المتقدم هو في الصحيح ما عدا المشرق الذي أشار ~~إليه بالفتنة PageV01P227 في الحديث الآخر , فالمغرب حينئذ المدينة وما ~~ينسب إليها من جهة المشرق وما وراء ذلك من جهة الجنوب والشمال وما وراء ذلك ~~من جهة الغرب إلى منتهى الأرض , فلا يعارض حينئذ حديث ( وهم بالشام ) فإنها ~~من جملة المغرب على هذا التقدير , فدونك جمعا طال ما دارت فيه الرؤوس وحارت ~~فيه الأفكار في المحافل والدروس - والله الموفق . | ولما أفاد ما تقدم وصفه ~~تعالى بتمام القدرة واتساع الملك والفضل وشمول العلم كان من المحال افتقاره ~~إلى شيء ولد أو غيره قدم أهل الأديان الباطلة كلهم بافترائهم في الولد ~~اليهود في عزير والنصارى في المسيح وعبدة الأوثان في الملائكة فقال معجبا ~~ممن اجترأ على نسبة ذلك إليه مع معرفة ما تقدم عاطفا على ما سبق من دعاويهم ~~: { وقالوا اتخذ الله } الذي له الكمال كله وعبر بقوله : { ولدا } الصالح ~~للذكر والأنثى لينظم بذلك مقالات الجميع . | ولما كان العطف على مقالات أهل ~~الكتاب ربما أوهم اختصاص الذم بهم حذفت واو العطف في قراءة ابن عامر على ~~طريق الاستئناف في جواب من كأنه قال : هل انقطع حبل افترائهم ؟ إشارة إلى ~~ذم كل من قال بذلك , وذلك إشارة ms0247 إلى شدة التباسها بما قبلها كما قال الإمام ~~أبو علي الفارسي في كتاب الحجة , لأن جميع المتحزبين على أهل الإسلام ~~مانعون لهم من إحياء المساجد بالذكر لشغلهم لهم بالعداوة عن لزومها , ~~والحاصل أنه إن عطف كان انصباب الكلام إلى أهل الكتاب وأما غيرهم فتبع لهم ~~للمساواة في المقالة , وإذا حذفت الواو انصب إلى الكل انصبابا واحدا . | ~~ونزه نفسه الشريفة استئنافا بقوله : { سبحانه } فذكر علم التسبيح الجامع ~~لإحاطة المعنى في جوامع التنزيه كله , ثم جاء بكلمة الإضراب المفهمة الرد ~~بالنفي فكأن PageV01P228 الخطاب يفهم : ما اتخذ الله ولدا ولا له ولد { بل ~~له ما } فعبر بالأداة التي هي لغير العاقل تصلح له تعميما وتحقيرا لهم { في ~~السماوات والأرض } مما ادعت كل فرقة منهم فيه الولدية وغير ذلك . | ثم علله ~~بقوله معرا بما يفهم غاية الإذعان : { كل له قانتون } أي مخلصون خاشعون ~~متواضعون , لاستسلامهم لقضائه من غير قدرة على دفاع , ولا تطلع إلى نوع ~~امتناع العاقل , غيره , حتى كأنهم يسعون في ذلك ويبادرون إليه مبادرة ~~اللبيب الحازم . | قال الحرالي : فجاء بالجمع المشعر كما يقال بالعقل ~~والعلم لما تقدم من أنه لا عجمة ولا جمادية بين الكون والمكون , إنما يقع ~~جمادية وعجمة بين آحاد من المقصرين في الكون عن الإدراك التام ؛ والقنوت ~~ثبات القائم بالأمر على قيامه تحققا بتمكنه فيه . | انتهى . | ثم علل ذلك ~~بما هو أعظم منه فقال : { بديع السماوات والأرض } أي خالقهما على غير مثال ~~سبق , وما أبدع كلية أمر كان أحرى أن يكون ما في طيه وإحاطته وإقامته من ~~الأشياء المقامة به من مبدعه فكيف يجعل له شبيه منه ؟ لأن الولد مستخرج ~~شبيه بما استخرج من عينه - ذكره الحرالي . | { وإذا قضى } أي أراد { أمرا } ~~منهما أو من غيرهما , والقضاء إنفاذ المقدر . | والمقدر ما حد من مطلق ~~المعلوم - قاله الحرالي . | { فإنما يقول له كن } من الكون وهو كمال البادي ~~في ظاهره وباطنه { فيكون } فهو منزه عن حاجة التوالد وكل حاجة , وسر ~~التعبير بالمضارع يذكر إن شاء الله تعالى في آل عمران . | قال ms0248 الحرالي : ~~وصيغته تمادي الكائن في أطوار وأوقات وأسنان يمتد توالها في المكون إلى ~~غاية الكمال - انتهى . | قالوا : ورفع ( يكون ) للاستئناف أي فهو يكون , أو ~~العطف على { يقول } إيذانا بسرعة التكوين على جهة التمثيل , ومن قال بالأول ~~منع العطف على { يقول } لاقتضاء الفاء أن القول مع التكوين فيلزم قدم ~~التكوين , وقال الإمام أبو علي الفارسي في كتاب الحجة : إن ذلك لا يطرد في ~~مثل ثاني حرفي آل عمران وهو قوله : < # > 77 ( { ثم قال له كن فيكون } ) 77 < # > [ آل عمران : 59 ] لأنه لا يحسن تخالف الفعلين المتعاطفين بالمضي وغيره ~~, وأول قوله : بأن معناه : مررت ماضيا , وطعن فيه أبو شامة بأن يكون في ~~الآية ماض مثله وقد صرح أبو علي والحق معه بأنه على بابه يعني ؛ وفائدة ~~التعبير به مضارعا , تصوير الحال والإرشاد إلى أن التقدير : كن فكان , لأنه ~~متى قضى شيئا قال له : كن , فيكون , وجعل الأحسن عطفه على { كن } لأنه وإن ~~كان يلفظ الأمر فمعناه الخبر أي يكون ؛ وقال : إن PageV01P229 ذلك أكثر ~~اطرادا لانتظامه لمثل قوله : < # > 77 ( { ثم قال له كن فيكون } ) 77 < # > [ آل عمران : 59 ] . | وهذا الموضع مجمع على رفعه , وكذا قوله تعالى في ~~الأنعام : < # > 77 ( { ويوم يقول كن فيكون } ) 77 < # > [ الأنعام : 73 ] . | وإنما الخلاف في ستة مواضع اختص ابن عامر منها ~~بأربعة : وهي هذا الموضع , وقوله تعالى في آل عمران : < # > 77 ( { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ) 77 < # > [ آل عمران : 47 ] , وفي مريم مثله سواء , وفي غافر : < # > 77 ( { فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ) 77 < # > [ غافر : 68 ] ؛ ووافقه الكسائي في حرفين في النحل : < # > 77 ( { إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ) 77 < # > [ النحل : 40 ] وفي يس : < # > 77 ( { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ) 77 < # > [ يس : 82 ] فجعلوا النصب في هذين عطفا على { يقول } وفي الأربعة ~~الأولى جوابا للأمر في قوله : { كن } اعتبارا بصورة اللفظ وإن لم يكن ~~المعنى على الأمر فالتقدير : يقول له يكون فيكون , أي فيطاوع , فطاح ms0249 قول من ~~ضعفه بأن المعنى على الخبر وأنه لا يصح النصب إلا إذا تخالف الأمر وجوابه , ~~وهذا ليس كذلك بل يلزم فيه أن يكون الشيء شرطا لنفسه , لأن التقدير : إن ~~يكن يكن ؛ وصرح ابن مجاهد بوهم ابن عامر وأن هذا غير جائز في العربية , كما ~~نقله عنه الإمام أبو شامة في شرح الشاطبية ؛ فأمعنت النظر في ذلك لوقوع ~~القطع بصحة قراءة ابن عامر لتواترها نقلا عمن أنزل عليه القرآن , فلما ~~رأيته لم ينصب إلا ما في حيز { إذا } علمت أن ذلك لأجلها لما فيها من معنى ~~الشرط , فيكون مثل قوله تعالى في الشورى : < # > 77 ( { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا } ) 77 < # > [ الشورى : 35 ] بنصب ( يعلم ) في قراءة غير نافع وابن عامر على بعض ~~التوجيهات , وذلك ماش على نهج السداد من غير كلفة ولا استبعاد إذا تؤمل ~~الكلام على ( إذا ) قال الرضي وهو العلامة نجم الدين محمد بن حسن ~~الإستراباذي في الظرف من شرحه لقول العلامة أبي عمرو عثمان بن الحاجب في ~~كافيته : ومنها ( إذا ) وهي للمستقبل وفيها معنى الشرط , فلذلك اختير بعدها ~~الفعل , والأصل في استعمال ( إذا ) أن تكون لزمان من أزمنة المستقبل مختص ~~من بينها بوقوع حدث فيه مقطوع به , PageV01P230 ثم قال : وكلمة الشرط ما ~~يطلب جملتين يلزم من وجود مضمون أولاهما فرضا حصول مضمون الثانية , ~~فالمضمون الأول مفروض ملزوم , والثاني لازمه ؛ ثم قال : و ( إن ) موضوعة ~~لشرط مفروض وجوده في المستقبل مع عدم قطع المتكلم لا بوقوعه ولا بعدم وقوعه ~~, وذلك لعدم القطع في الجزاء لا بالوجود ولا بالعدم , سواء شك في وقوعه كما ~~في حقنا , أو لم يشك كان الواقعة في كلامه تعالى ؛ وقال : ولا يكون الشرط ~~في اسم إلا بتضمن معناها ؛ ثم قال : فنقول : لما كان ( إذا ) للأمر المقطوع ~~بوجوده في اعتقاد المتكلم في المستقبل لم يكن لمفروض وجوده , لتنافي القطع ~~والفرض في الظاهر , فلم يكن فيه معنى ( إن ) الشرطية , لأن الشرط كما بينا ~~هو المفروض وجوده , لكنه لما كان ينكشف لنا الحال كثيرا في الأمور التي ms0250 ~~نتوقعها قاطعين بوقوعها عن خلاف ما نتوقعه جوزوا تضمين ( إذا ) معنى ( إن ) ~~كما في ( متى ) وسائر الأسماء الجوازم , فيقول القائل : إذا جئتني فأنت ~~مكرم - شاكا في مجيء المخاطب غير مرجح وجوده على عدمه بمعنى متى جئتني سواء ~~؛ ثم قال : ولما كثر دخول معنى الشرط في ( إذا ) وخروجه عن أصله من الوقت ~~المعين جاز استعماله وإن لم يكن فيه معنى ( إن ) الشرطية , وذلك في الأمور ~~القطعية استعمال ( إذا ) المتضمنة لمعنى ( إن ) , وذلك لمجيء جملتين بعده ~~على طرز الشرط والجزاء وإن لم يكونا شرطا وجزاء , ثم قال في الكلام على ~~الفاء في نواصب الفعل , وقد تضمر ( أن ) بعد الفاء والواو الواقعتين بعد ~~الشرط قبل الجزاء , نحو إن تأتيني فتكرمني - أو لو . | تكرمني - آتك , أو ~~بعد الشرط والجزاء , نحو إن تأتني آتك فأكرمك - أو : وأكرمك - وذلك لمشابهة ~~الشرط في الأول والجزاء في الثاني المنفي , إذ الجزاء مشروط وجوده بوجود ~~الشرط , ووجود الشرط مفروض , فكلاهما غير موصوفين بالوجود حقيقة , وعليه ~~حمل قوله تعالى : { إن يشأ يسكن الريح فيظللن } - إلى قوله : < # > 77 ( { ويعلم الذين يجادلون } ) 77 < # > [ الشورى : 35 ] على قراءة النصب ؛ ثم قال : وإنما صرفوا ما بعد فاء ~~السببية من الرفع إلى النصب لأنهم قصدوا التنصيص على كونها سببية والمضارع ~~المرتفع بلا قرينة مخلصة للحال والاستقبال ظاهر في معنى الحال , كما تقدم ~~في باب المضارع , فلو أبقوه مرفوعا لسبق إلى الذهن أن الفاء لعطف جملة ~~حالية الفعل على الجملة التي قبل الفاء , يعني فكان يلزم أن يكون الكون ~~قديما كالقول , فصرفه إلى النصب منبه في الظاهر على أنه ليس معطوفا , إذ ~~المضارع المنصوب بأن مفرد , وقبل الفاء المذكورة جملة , ويتخلص المضارع ~~للاستقبال اللائق بالجزائية كما ذكرنا في المنصوب بعد إذن , فكان فيه شيئان ~~: رفع جانب كون الفاء للعطف . | وتقوية كونه للجزاء ؛ فيكون إذن ما بعد ~~الفاء مبتدأ محذوف الخبر وجوبا PageV01P231 - انتهى . | فالتقدير هنا والله ~~أعلم : فكونه واقع حق ليس بخيال كالسحر والتمويهات , فعلى هذا قراءة النصب ~~أبلغ لظهورها في الصرف عن الحال إلى الاستقبال مع ms0251 ما دلت عليه من سرعة ~~الكون وأنه حق , ثم رأيت البرهان بن إبراهيم بن محمد السفاقسي حكة في ~~إعرابه ما خرجته عن ابن الضائع - يعني بالضاد المعجمة والعين المهملة - وهو ~~الأستاذ أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الكتامي شيخ أبي حيان فقال ما نصه : ~~زاد ابن الضائع في نصب { فيكون } وجها حسنا وهو نصبه في جواب الشرط وهو إذا ~~, وكان مراده التسبيب عن الجواب كما ذكرت , قال السفاقسي : ويصح فيه وجه ~~ثالث على مذهب الكوفيين وهو نصبه في جواب الحصر بإنما , لأنهم أجازوا : ~~إنما هي ضربة أسد فيتحطم ظهره . | < < # | البقرة : ( 118 - 125 ) وقال الذين لا . . . . . # > > ^ ( وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينآ آية كذلك قال ~~الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون * إنا ~~أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم * ولن ترضى عنك ~~اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت ~~أهوآءهم بعد الذي جآءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير * الذين ~~آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم ~~الخاسرون * يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على ~~العالمين * واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا ~~تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون * وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني ~~جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين * وإذ جعلنا ~~البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنآ إلى إبراهيم ~~وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ) ^ } ) | ولما ~~تقرر بما أنبأ من بديع آياته في منبث مصنوعاته أن عظمته تقصر عنها الأوهام ~~وتنكص خاسئة دونها نوافذ الأفهام عجب من الجرأة عليه بما استوى فيه حال ~~PageV01P232 الجهلة من العرب بالعلماء من أهل الكتاب تبكيتا لهم وتنفيرا ~~منهم بأنه لا حامل لهم على الرضى لأنفسهم بالنزول من أوج العلم إلى حضيض ~~أهل الجهل ms0252 إلا اتباع الهوى فقال : { وقال الذين لا يعلمون } أي ليس لهم علم ~~من العرب { لولا } أي هلا { يكلمنا الله } أي يوجد كلامه لنا على ما له من ~~جميع الصفات { أو تأتينا آية } أي على حسب اقتراحنا عادين ما آتاهم من ~~الآيات - على ما فيها من آية القرآن التي لا يوازيها آية أصلا - عدما . | ~~ولما كان قولهم هذا جديرا بأن لا يصدق نبه عليه بقوله : { كذلك } أي الأمر ~~كما ذكرنا عنهم . | ولما كان كأنه قيل : هل وقع مثل هذا قط ؟ قيل : نعم , ~~وقع ما هو أعجب منه , وهو أنه { قال الذين } ولما كان المراد بعض من تقدم ~~أدخل الجار فقال : { من قبلهم } ممن ينسب إلى العلم من أهل الكتاب { مثل ~~قولهم } , ثم علله بقوله : { تشابهت قلوبهم } في هذا وإن كانت مختلفة ~~باعتبار العلم , وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كما تعنت ~~عليه تعنت على من قبله . | ولما كان ذلك توقع السامع الإخبار عن البيان ~~فكان كأنه قيل : هل قالوا ذلك جهلا أو عنادا ؟ فقيل : بل عنادا لأنا { قد ~~بينا الآيات } في كل آية في الكتاب المبين المسموع والكتاب الحكيم المرثي . ~~| ولما كان يقع البيان خاصا بأهل الإيقان قال : { لقوم يوقنون } وفيه بعث ~~للشاك على تعاطي أسباب الإيقان , وهو صفاء العلم عن كدر بطرق الريب لاجتماع ~~شاهدي السمع والعين . | قال الحرالي : وفيه إشارة لما حصل للعرب من اليقين ~~, كما قال سيد العرب علي رضي الله عنه : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . | ~~استظهارا لما بطن من عالم الملكوت على ظاهر عالم الملك إكمالا للفهم عن ~~واضح هذا البيان الذي تولاه الله ومن اصطفاه الذي اشتمل عليه استتباع ضمير ~~{ بينا } ؛ وفي استواء العالم وغيره في الجهل بعد البيان دليل على مضمون ~~التي قبلها في أن ما أراد كان . | ولما تضمن هذا السياق الشهادة بصحة ~~رسالته صلى الله عليه وسلم وأنه ليس عليه إلا البيان صرح بالأمرين في قوله ~~مؤكدا لكثرة المنكرين { إنا أرسلناك } هذا على أن يكون المراد بذلك جميع ms0253 ~~الأمم , أما إذا أريد هذه الأمة فقط فيكون المعنى : قد بينا الآيات الدالات ~~على طريق الحق بأعظم برهان وبالإخبار عن دقائق لا يعلمها إلا حذاق أهل ~~الكتاب لقوم يحق عليهم الإيقان لما وضح لهم من الأدلة , ثم علل ذلك لقوله : ~~{ إنا أرسلناك } إرسالا ملتبسا { بالحق } أي بالأمر الكامل الذي يطابقه ~~الواقع في كل جزئية يخبر بها . | قال الحرالي : والحق التام المكمل بكلمة ( ~~أل ) هو استنطاق الخلق عن أمر الله فيهم على وجه أعلى لرسالته العلية ~~الخاصة به عن عموم ما وقعت به رسالة PageV01P233 المرسلين من دون هذا ~~الخصوص , وذلك ( حق ) منكر , كما تقدم أي عند قوله : < # > 77 ( { وهو الحق مصدقا لما معهم } ) 77 < # > [ البقرة : 91 ] لأن ما أحق غيبا مما أنزله الله فهو ( حق ) حتى السحر ~~, وما أظهر غيب القضاء والتقدير وأعلن بإبداء حكمة الله على ما أبداها من ~~نفوذ مشيئته في متقابل ما ابداه من خلقه فهو ( الحق ) الذي خلقت به ~~السماوات والأرض ابتداء وبه ختمت الرسالة انتهاء لتطابق الأول والآخر كمالا ~~, حال كونك { بشيرا ونذيرا } وقال الحرالي : لما أجرى الله سبحانه من ~~الخطاب عن أهل الكتاب والعرب نبأ ردهم لما أنزل أولا وآخرا ونبأ ما افتروه ~~مما لا شبهة فيه دعواه أعرض بالخطاب عن الجميع وأقبل به على النبي صلى الله ~~عليه وسلم تسلية له وتأكيدا لما أعلمه به في أول السورة من أن الأمر مجرى ~~على تقديره وقسمته الخلق بين مؤمن وكافر ومنافق , فأنبأه تعالى أنه ليس ~~مضمون رسالته أن يدعو الخلق إلى غير ما جبلوا عليه , وأن مضمون رسالته أن ~~يستظهر خبايا الأفئدة والقلوب على الألسنة والأعمال , فيبشر المهتدي ~~والثابت على هدى سابق , وينذر الأبي والمنكر لما سبق إقراره به قبل , فعم ~~بذلك الأولين والآخرين من المبشرين والمنذرين - انتهى - أي فليس عليك إلا ~~ذلك فبشر وأنذر فإنما عليك البلاغ وليس عليك خلق الهداية في قلوب أهل ~~النعيم { ولا تسأل } ويجوز أن يكون حالا من { أرسلناك } أو من { بشيرا } { ~~عن أصحاب الجحيم } والمراد بهم من ذكر في ms0254 الآية السابقة من الجهلة ومن ~~قبلهم , أي عن أعمالهم لتذهب نفسك عليهم حسرات لعدم إيمانهم , كما قال ~~تعالى < # > 77 ( { ولا تسأل عما كانوا يعملون } ) 77 < # > [ البقرة : 141 ] أي فحالك مستو بالنسبة إلينا وإليهم . | لأنك إن ~~بلغتهم جميع ما أرسلت به إليهم لم نحاسبك بأعمالهم , وإن تركت بعض ذلك ~~محاسنة لهم لم يحبوك ما دمت على دينك فأقبل على أمرك ولا تبال بهم , وهو ~~معنى قراءة نافع { ولا تسأل } على النهي , أي احتقرهم فإنهم أقل من أن ~~يلتفت إليهم , فبلغهم جميع الأمر فإنهم لا يحبونك إلا إذا انسخلت مما أنت ~~عليه ؛ وفي الحكم بكونهم أصحابها إثبات لما نفوه عن أنفسهم بقوله : < # > 77 ( { لن تمسنا النار } ) 77 < # > [ البقرة : 80 ] ونفى لما خصصوا به أنفسهم في قولهم : < # > 77 ( { لن يدخل الجنة } ) 77 < # > [ البقرة : 111 ] الآية , والجحم قال الحرالي : انضمام الشيء وعظم فيه ~~, ومن معنى حروفه الحجم وهو التضام وظهور المقدار إلا أن الحجم فيما ظهر ~~كالأجسام والجحم - بتقديم الجيم - فيما يلطف كالصوت والنار . | ولما جرت ~~العادة بأن المبشر يسر بالبشير أخبر تعالى أن أهل الكتاب في قسم المنذرين ~~فهم لا يزالون عليه غضابا فقال عطفا على ما اقتضاه ما قبله : { ولن ترضى } ~~PageV01P234 من الرضى وهو إقرار ما ظهر عن إرادة - قاله الحرالي : { عنك ~~اليهود ولا النصارى } لشيء من الأشياء { حتى تتبع ملتهم } أي حتى تكون ~~بشيرا لهم , ولن تكون بشيرا لهم حتى توافقهم فيما أحدثوه من أهوائهم بأن ~~تتبع كتابهم على ما بدلوا فيه وحرفوا وأخفوا على ما أفهمته إضافة الملة ~~إليهم لا إلى صاحبها المعصوم وهو إبراهيم عليه السلام , ويكون ذلك برغبة ~~منك تامة على ما أفهمته صيغة الافتعال وتترك كتابك الناسخ لفروع كتابهم , ~~والملة قال الحرالي : الأخذ والعمل بما في العقل هدايته من إعلام المحسوسات ~~. | ولما قيل ذلك اقتضى الحال سؤالا وهو : فما أقول ؟ فقال : { قل } ولم ~~يقيده بلهم إعراضا عنهم { إن هدى الله } الذي هو جميع ما أنزل الجامع لصفات ~~الكمال على رسله من كتابي وكتابكم { هو } أي خاصة { الهدى ms0255 } أي كله مشيرا ~~بأداة التعريف إلى كمال معناه , وبالحصر إلى أن غيره هو الهوى ؛ وأضافه إلى ~~الاسم الأعظم وأكده بأن وأعاده بلفظه وعبر عنه بالمصدر واستعمل فيه ضمير ~~الفصل ردا لإنكارهم له , فإن اتبعوه كله فآمنوا بأن كتابهم داع إلى كتابك ~~فبشرهم , وإن لم يتبعوه فالزم إنذارهم , وفي الآية إشارة إلى ذلك الكتاب لا ~~ريب فيه . | ثم عطف على ما أفهمه السياق من نحو : فلئن زغت عنه لتتركن ~~الهدى كله باتباع الهوى , قوله : { ولئن اتبعت أهواءهم } الداعية لهم إلى ~~تغيير كتابهم . | قال الحرالي : فأظهر إفصاحا ما أفهمته إضافة الملة إليهم ~~من حيث كانت وضعا بالهوى لا هداية نور عقل كما هي في حق الحنيفيين - انتهى ~~. | ولما كان الكلام هنا في أمر الملة التي هي ظاهرة للعقل أسقط من وأتى ~~بالذي بخلاف ما يأتي في القبلة فقال : { بعد الذي } قال الحرالي : أشارت ~~كلمة { الذي } إلى معنى قريب من الظاهر المحسوس كأنه علم ظاهر , ففيه إنباء ~~بأن أدنى ما جاءه من العلم مظهر لإبطال ما هم عليه في وجوه تلبيسهم ~~وأهوائهم { جاءك من العلم } بأنهم على ضلال وأنك على جميع الهدى . | ~~وخاطبهم بذلك صلى الله عليه وسلم والمراد والله أعلم من اتبع أهواءهم بعد ~~الإسلام من المنافقين تمسكا بولايتهم طمعا في نصرتهم ولذا ختم بقوله : { ما ~~لك من الله } الذي له الأمر كله ولا كفؤ له , وأكد النفي بالجار فقال : { ~~من ولي ولا نصير } . | ولما أفصح بمن يستحق النذارة منهم بتغيير الدين ~~بأهوائهم فأفهم من يستحق البشارة تلاه بالإفصاح بالقسمين : من يستحق ~~البشارة منهم , ومن يستحق النذارة , فقال : { الذين آتيناهم الكتاب } أي ~~التوراة والإنجيل { يتلونه حق تلاوته } قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~يتبعونه حق اتباعه , من تلا فلان فلانا إذا تبعه - رواه عنه أبو عبيد . | ~~وهي ناظرة إلى قوله قريبا : { وهم يتلون الكتاب } أي لا حق تلاوته بل تلاوة ~~ليس فيها تدبر PageV01P235 لمعانيه ولا عمل بما فيه ؛ هذا إذا جعلناه حالا ~~, وإن جعلناه خبرا وقوله : { أولئك } أي العظيمو الرتبة خاصة { يؤمنون ms0256 به } ~~خبرا ثانيا فالمعنى أن من لم يؤمن بالكتاب حق الإيمان من غير تحريف له , لا ~~إخفاء لشيء فيه لما انتفى عنهم المقصود بالذات وهو الانتفاع بالكتاب المؤتى ~~انتفى عنهم أصل الإيتاء لأنه تجرد عن الفائدة ؛ والضمير في { به } يصح أن ~~يكون للهدى . | قال الحرالي : وحقية الأمر هي وفاؤه إلى غايته , والإحاطة ~~به إلى جماع حدوده حتى لا يسقط منه شيء ولا يقصر فيه غاية إشعارا باشتمال ~~الكتاب على أمر محمد صلى الله عليه وسلم . | ولما وصف المؤمنين به ولم يبين ~~ما لهم أتبعه بالكافرين فقال : { ومن يكفر به } أي بالكتاب , ثم حصر الخسر ~~فيهم بقوله : { فأولئك } أي البعداء البغضاء { هم } خاصة { الخاسرون } ~~فافهم أن المؤمنين به هم الرابحون ؛ ومن الوصف بالخسار يعلم أنهم كانوا على ~~حق وشيء يمكن الربح فيه بتكملة الإيمان بكتابهم بالإيمان بالكتاب الخاتم ~~فضيعوه فخسروا , فإنه لا يخسر إلا من له أصل مال متهيئ للنماء والربح - ~~والله أعلم . | ولما طال المدى في استقصاء تذكيرهم بالنعم ثم في بيان ~~عوارهم وهتك أستارهم وختم ذلك بالترهيب بخسارهم لتضييع اديانهم بأعمالهم ~~وأحوالهم وأقوالهم أعاد ما صدر به قصتهم من التذكير بالنعم والتحذير من ~~حلول النقم يوم يجمع الأمم ويدوم فيه الندم لمن زلت به القدم , ليعلم أن ~~ذلك فذلكة القصة والمقصود بالذات في الحث على انتهاز الفرصة في التفصي عن ~~حرمة النقص إلى لذة الربح بدوام الشكر . | قال الحرالي : فلبعده بالتقدم ~~كرره تعالى إظهارا لمقصد التئام آخر الخطاب بأوله وليتخذ هذا الإفصاح ~~والتعليم أصلا لما يمكن أن يرد من نحوه في سائر القرآن حتى كأن الخطاب إذا ~~انتهى إلى غاية خاتمة يجب أن يلحظ القلب بداية تلك الغاية فيتلوها ليكون في ~~تلاوته جامعا لطرفي البناء وفي تفهمه جامعا لمعاني طرفي المعنى ؛ انتهى - ~~فقال تعالى : { يا بني إسرائيل } أي ولد الأنبياء الأصفياء ووالد الأنبياء ~~السعداء { اذكروا نعمتي } أي الشريفة بالنسبة إلي { التي أنعمت عليكم } بها ~~في الدنيا { وأني فضلتكم } واقتصر هنا على نعمة التفضيل ولم يذكر الوفاء ~~الذي هو فضيلة ms0257 النفس الباطنة إشارة إلى جمودهم باقتصارهم على النظر في ~~الظاهر على { العالمين } في تلك الأزمان كلها بإتمام نعمة الدنيا بشرع ~~الدين المقتضى للنعمة في الأخرى , فإنكم إذا ذكرتم النعمة شكرتموها ~~فقيدتموها واستوجبتم من الله الزيادة في الدنيا والرضى في العقبى { واتقوا ~~يوما لا تجزي } أي تقضى , أي يصنع فيه { نفس عن نفس شيئا } أي من الجزاء . ~~| PageV01P236 ولما ختمت الآية الماضية بحصر الخسارة فيهم ناسب تقديم نفي ~~القبول فقال : { ولا يقبل منها عدل } يبذل في فكاكها من غير الأعمال ~~الصالحة { ولا تنفعها شفاعة } غير مأذون فيها { ولا هم ينصرون } وإن كثرت ~~جموعهم . | قال الحرالي : أجراها تعالى في هذا التكرار على حدها في الأول ~~إلا ما خالف بين الإيرادين في قوله { واتقوا يوما } إلى آخره ليجمع النبأ ~~في كل واحد من الشفاعة والعدل بين مجموع الردين من الأخذ والقبول فيكون ~~شفاعتها لا مقبولة ولا نافعة , ويكون عدلها لا مأخوذا ولا مقبولا , ذلك لأن ~~المعروض للقبول أول ما يؤخذ أخذا بحسبه من أخذ سمع أو عين , ثم ينظر إليه ~~نظر تحقيق في المسموع وتبصر في المنظور , فإذا صححه التحقيق والتبصير قبل , ~~وإذا لم يصححه رد , وإنما يكون ذلك لمن في حاله حظ صحة ظاهرة لا يثبت مع ~~الخبرة , فأنبأ تعالى بمضمون الآيتين الفاتحة والخاتمة أن هؤلاء ليس في ~~حالهم حظ صحة البتة لا في شفاعة ولا في عدل فلا يقبل ولا يؤخذ إنباء بغرائه ~~عن لبسه ظاهر صحة يقتضي أخذه بوجه ما , ففيه تبرئة ممن حاله حال ما نبئ به ~~عنهم على ما تقدم معناه في مضمون الآية , وبهذه الغاية انصرف الخطاب عنهم ~~على خصوص ما أوتوا من الكتاب الذي كان يوجب لهم أن يتدينوا بقبول ما جاء ~~مصدقا لما معهم فاتخذوا لهم بأهوائهم ملة افتعلتها أهواؤهم , فنظم تعالى ~~بذلك ذكر صاحب الملة التي يرضاها وافتتح بابتداء أمره في ابتلائه ليجتمع ~~عليهم الحجتان السابقة بحسب الملة الحنيفية الإبراهيمية واللاحقة بحسب ~~الدين المحمدي , كان صلى الله عليه وسلم يقول في الصباح : ( أصبحنا على ~~فطرة ms0258 الإسلام وكلمة الإخلاص وعلى دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى ~~ملة أبينا إبراهيم صلى الله عليه وسلم ) فخص المحمدية بالدين والإبراهيمية ~~بالملة لينتظم ابتداء الأبوة الإبراهيمية بطوائف أهل الكتاب سابقهم ولاحقهم ~~بنبأ ابتداء الأبوة الآدمية في متقدم قوله تعالى : { وإذ قال ربك للملائكة ~~إني جاعل في الأرض خليفة } - الآيات لينتظم رؤوس الخطابات بعضها ببعض ~~وتفاصيلها بتفاصيلها , وليكون إظهار ذلك في سورة سنام القرآن أصلا لما في ~~سائره من ذلك , وذكر قبل ذلك أن الملة ما يدعو إليه هدى العقل المبلغ عن ~~الله توحيده من ذوات الحنيفيين , وأن الدين الإسلام , والإسلام إلقاء ما ~~باليد ظاهرا وباطنا , وذلك إنما يكون عن بادي غيب التوحيد - انتهى . | ولما ~~عاب سبحانه أهل الضلال وكان جلهم من ذرية إبراهيم عليه السلام وجميع طوائف ~~الملل تعظمه ومنهم العرب وبيته الذي بناه أكبر مفاخرهم وأعظم مآثرهم ذكر ~~PageV01P237 الجميع ما أنعم به عليه تذكيرا يؤدي إلى ثبوت هذا الدين باطلاع ~~هذا النبي الأمي الذي لم يخالط عالما قط على ما لا يعلمه إلا خواص العلماء ~~, وذكر البيت الذي بناه فجعله الله عماد صلاحهم , وأمر بأن يتخذ بعض ما ~~هناك مصلى تعظيما لأمره وتفخيما لعلي قدره ؛ وفي التذكير بوفائه بعد ذكر ~~الذين وفوا بحق التلاوة وبعد دعوة بني إسرائيل عامة إلى الوفاء بالشكر حث ~~على الاقتداء به , وكذا في ذكر الإسلام والتوحيد هز لجميع من يعظمه إلى ~~اتباعه في ذلك . | وقال الحرالي : لما وصل الحق تعالى بالدعوة العامة ~~الأولى في قوله تعالى : { يا أيها الناس } ذكر أمر آدم وافتتاح استخلافه ~~ليقع بذلك جمع الناس كافة في طرفين في اجتماعهم في اب واحد ولدين واحد نظم ~~تعالى بذلك وصل خطاب أهل الكتاب بذكر إبراهيم , ليقع بذلك اجتماعهم أيضا في ~~أب واحد وملة واحدة اختصاصا بتبعية الإمامة الإبراهيمية من عموم تبعية ~~الخلافة الآدمية تنزيلا للكتاب وترفيعا للخلق إلى علو اختصاص الحق , فكما ~~ذكر تعالى في الابتداء تذكيرا معطوفا على أمور تجاوزها الإفصاح من أمر آدم ~~عطف أيضا التذكير بابتداء أمر ms0259 إبراهيم عليه السلام على أمور تجاوزها ~~الإفصاح هي أخص من متجاوز الأول كما أن إفصاحها أخص من إفصاحها وأعلى رتبة ~~من حيث إن الخلق والأمر مبدوء من حد لم يزل ولا يزال يتكامل إلى غاية ليس ~~وراءها مرمى فقال تعالى : { وإذ ابتلى إبراهيم } انتهى . | والمعنى أنه ~~عامله بالأمر بأمور شاقة معاملة المختبر الممتحن , وقال : { ربه } أي ~~المحسن إليه إشعارا بأن تكليف العباد هو غاية الإحسان إليهم وفي ابتداء ~~قصته بقوله : { بكلمات فأتمهن } بيان لأن أسنى أحوال العباد الإذعان ~~والتسليم لمن قامت الأدلة على صدقه والمبادرة لأمره دون اعتراض ولا توقف ~~ولا بحث عم علة , وفي ذلك إشارة إلى تبكيت المدعين لاتباعه من بني إسرائيل ~~حيث اعترضوا في ذبح البقرة وارتكبوا غاية التعنت مع ما في ذبحها من وجوه ~~الحكم بعد أن أساؤوا الأدب على نبيهم في ذلك وفي غيره في أول أمرهم وأثنائه ~~وآخره فأورثهم ذلك نكالا وبعدا , فظهر أن الصراط المستقيم حال إبراهيم ومن ~~ذكر معه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام , وأنهم المنعم عليهم ؛ ~~والظاهر عطف { إذ } على { نعمتي } في قوله < # > 77 ( { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } ) 77 < # > [ البقرة : 122 ] أي واذكروا إذ ابتلى أباكم إبراهيم فأتم ما ابتلاه به ~~فما لكم أنتم لا تقتدون به فتفعلوا عند الابتلاء فعله في إيفاء العهد ~~والثبات على الوعد لأجازيكم على ذلك جزائي للمحسنين , والإتمام التوفية لما ~~له صورة تلتئم من أجزاء وآحاد - قاله الحرالي . | فكأنه قيل : فما جوزي على ~~شكره بالإتمام قبل ؟ { قال } له ربه , ويجوز أن يكون ( قال ) بيانا لابتلى ~~{ إني جاعلك للناس } أي كافة { إماما } كما كانت خلافة أبيه PageV01P238 ~~آدم لبنيه كافة , والإمام ما يتبع هداية إلى سداد - قاله الحرالي . | ~~واستأنف قوله : { قال } أي إبراهيم { ومن } أي واجعل من { ذريتي } أئمة { ~~قال لا ينال } أي قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك لكن لا ينال { عهدي ~~} الذي عهدته إليك بالإمامة { الظالمين } منهم , لأنهم نفوا أنفسهم عنك في ~~أبوة الدين ؛ وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق ms0260 بوفائه لا سيما للذين دعوا قبلها ~~إلى الوفاء بالعهد , وإشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم كما أدام رفعته ~~, وإن ظلموا لم تنلهم دعوته فضربت عليهم الذلة وما معها ولا يجزي أحد عنهم ~~شيئا ولا هم ينصرون ؛ والذرية مما يجمع معنى الذر والدرء , والذري مختلف ~~كونه على وجوه اشتقاقه , فيكون فعلولة كأنه ذرورة ثم خفف بقلب الراء ياء ~~استثقالا للتضعيف ثم كسر ما قبل الياءين تحقيقا لهما . | لأنه اجتمع بعد ~~القلب واو وياء سبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء , أو تكون فعلية من ~~الذر منسوبا , ومن الذر مخفف فعولة بقلب الهمزة ياء ثم الواو ياء لاجتماعها ~~معها سابقة إحداهما بالسكون ثم الإدغام , أو فعيلة إن يكن في الكلام لما ~~فيه من ثقل اجتماع الضم والكسر - قاله الحرالي , وفيه تصرف . | ولما كان من ~~إمامته اتباع الناس له في حج البيت الذي شرفه الله ببنائه قال إثر ذلك ~~ناعيا على أهل الكتاب مخالفته وترك دينه وموطئا لأمر القبلة : { وإذ جعلنا ~~البيت } أي الذي بناه إبراهيم بأم القرى { مثابة للناس } أي مرجعا يرجعون ~~إليه بكلياتهم . | كلما تفرقوا عنه اشتاقوا إليه هم أو غيرهم آية على ~~رجوعهم من الدنيا إلى ربهم . | قال الحرالي : وهو مفعلة من الثوب وهو ~~الرجوع تراميا إليه بالكلية . | وفي صيغة المفعلة دوام المعاودة مثابرة { ~~وأمنا } لكونه بيت الملك . | من حرب الدنيا ومن عذاب الآخرة إلا في حق من ~~استثناه الله من الكافرين فعلا بالشرك وقوة بالإلحاد , والأمن براءة عيب من ~~تطرق أذى إليه - قاله الحرالي . | وقد كانوا في الجاهلية يرى الرجل قاتل ~~أبيه في الحرم فلا يتعرض له . | قال الأصبهاني : وهذا شيء توارثوه من زمن ~~إسماعيل عليه السلام فقرأ عليه إلى أيام النبي صلى الله عليه وسلم , فاليوم ~~من أصاب في الحرم جريرة أقيم عليه الحد بالإجماع . | ولما كان التقدير : ~~فتاب الناس عليه ائتماما ببانيه وآمنوا بدعوته فيه عطف عليه قوله : { ~~واتخذوا } , وعلى قراءة الأمر يكون التقدير : فتوبوا إليه أيها الناس ~~ائتماما به واتخذوا { من مقام إبراهيم } خليلنا { مصلى } وهو ms0261 مفعل لما ~~تداوم فيه الصلاة , ومقام إبراهيم هو الحجر الذي قام عليه حين جاء لزيارة ~~ولده إسماعيل عليهما الصلاة والسلام فلم يجده , فغسلت امرأة إسماعيل رأسه ~~وهو معتمد برجله عليه وهو راكب , غسلت PageV01P239 شق رأسه الأيمن وهو ~~معتمد علىالحجر برجله اليمنى , ثم أدارت الحجر إلى الجانب الأيسر وغسلت شقه ~~الأيسر , فغاصت رجلاه فيه ؛ ولهذا أثر قدميه مختلف , أصابع هذه عند عقب هذه ~~, وهو قبل أن يبني البيت - والله أعلم بمراده . | { وعهدنا } عطف على قوله ~~{ جعلنا } { إلى إبراهيم } الوفي { وإسماعيل } ابنه الصادق الوعد , وفي ~~ذكره إفصاح بإجابة دعوته فيه في قوله : ^ ( { ومن ذريتي } ) ^ [ البقرة : ~~124 ] و [ إبراهيم : 37 ] وإشارة إلى أن في ذريته من يختم الأمم بأمته ~~ويكون استقباله بيته في أجل العبادات من شرعته وأتم الإشارة بقوله : { أن ~~طهرا بيتي } أي عن كل رجس حسي ومعنوي , فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في ~~الشرع ؛ والبيت موضع المبيت المخصوص من الدار المخصوصة من المنزل المختص من ~~البلد - قاله الحرالي . | { للطائفين } به الذين فعلهم فعل العارف بأنه ليس ~~وراء الله مرمى ولا مهرب منه إلا إليه { والعاكفين } فيه , والعكوف الإقبال ~~على الشيء وملازمته والاقتصار عليه , والطواف التحليق بالشيء في غيب أو ~~لمعنى غيب - قاله الحرالي . | { والركع السجود } قال الحرالي : وفي ذكر ~~الركوع تخصيص للعرب الذين إنما شرع الركوع في دينهم , وفي ذلك تبكيت لمن ~~أخرج المؤمنين ومنعهم من البيت , وفي تكرير تفصيل هذه الآيات بإذ تنبيه على ~~توبيخهم بترك دينه وهو الخليل واتباع من لا يعلم وهو العدو . | < < # | البقرة : ( 126 - 133 ) وإذ قال إبراهيم . . . . . # > > ^ ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من ~~آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب ~~النار وبئس المصير * وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل ~~منآ إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنآ أمة مسلمة ~~لك وأرنا مناسكنا وتب علينآ إنك أنت التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولا ~~منهم يتلوا عليهم ms0262 آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز ~~الحكيم * ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا ~~وإنه في الآخرة لمن الصالحين * إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ~~* ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون * أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما ~~تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها ~~واحدا ونحن له مسلمون ) ^ } ) | ولما ذكر أمر البيت الشريف فيما تكفل به ~~سبحانه وفيما أمر به الخليل وولده PageV01P240 عليهما السلام من تطهيره ذكر ~~باهامامه بأهله ودعائه لهم مبكتا لمن عقه من ذريته بالتصريح بكفرهم بيوم ~~الجزاء الأمر بكل خير الزاجر عن كل ضير فقال : وإذ قال إبراهيم رب } فأسقط ~~أداة البعد إنباء بقربه كما هو حال أهل الصفوة { اجعل هذا } أي الموضع الذي ~~جعلت فيه بيتك وأمرتني بأن أسكنته من ذريتي . | ولما كان السياق للمنع من ~~المسجد وللسعي في خرابه وكان ذلك شاملا بعمومه للبادي ولذلك قرر أنه مثابة ~~للناس عامة وأمن كان الأنسب تنكير البلد فقال : { بلدا } يأنس من يحل به { ~~آمنا } إفصاحا بما أفهمه < # > 77 ( { وإذ جعلنا البيت } ) 77 < # > [ البقرة : 125 ] الآية , والمعنى أنكم عققتم أعظم آبائكم في دعوتيه ~~كلتيهما : في كونه بلدا فإنه إذا انقطع الناس عن أهله خرب , وفي كونه آمنا ~~, وهذا بخلاف ما يأتي في سورة إبراهيم عليه السلام . | ولما ذكر القرار ~~والأمن أتبعه الرزق وقال : { وارزق أهله } وقال : { من الثمرات } , ولم يقل ~~: من الحبوب , لما في تعاطيها من الذل المنافي للأمن , لما روى أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم رأى سكة حرث فقال : ( ما دخلت هذه بيتا إلا ذل ) وقال : ~~{ من آمن منهم بالله } ا لجامع لصفات الكمال { واليوم الآخر } تقييدا لدعوة ~~الرزق بما قيدت به دعوة الإمامة تأدبا معه حيث قال : < # > 77 ( { لا ينال عهدي الظالمين } ) 77 < # > [ البقرة : 124 ] { قال } الله تعالى معلما أن شمول الرحمانية بأمن ~~الدنيا ms0263 ورزقها لجميع عمرة الأرض { ومن كفر } أي أنيله أيضا ما ألهمتك من ~~الدعاء بالأمن والرزق , وعبر عن ذلك بقوله : { فأمتعه } تخسيسا له بما ~~أفهمه لفظ ا لمتاع بكونه كما مضى من اسماء الجيفة التي إنما هي منال المضطر ~~على شعور يرفضه على قرب من مترجي الغناء عنها , وأكد ذلك بقوله : { قليلا } ~~لكن فيه غيماء إلى أنه يكون أطيب حالا في الدنيا وأوسع رزقا من المؤمن , ~~وكذا في قوله : { ثم أضطره } بما لي من العظمة الباهرة { إلى عذاب النار } ~~أي بما أستدرجه به من النعم الحاملة له على المعاصي التي هي أسباب النقم , ~~وفي التعبير بلفظ الاضطرار إلى ما لا يقدم عليه أحد باختيار إشعار بإجبار ~~الله خلقه على ما يشاء منهم من إظهار حكمته وأن أحدا لا يقدر على حركة ولا ~~سكون إلا بمشيئته ؛ والاضطرار الإلجاء إلى ما فيه ضرر بشدة وقسر . | ولما ~~كان التقدير : فبئس المتاع ما ذكر له في الدنيا , عطف عليه قوله : { وبئس ~~المصير } أي العذاب له في الآخرة , وهو مفعل PageV01P241 مما منه التصيير ~~وهو التنقيل في أطوار وأحوال ينتهي إلى غاية تجب أن تكون غير حالة الشيء ~~الأولى بخلاف المرجع . | ولما ذكر بما مهده من أمر البيت دينا ودنيا أتبعه ~~ببنائه مشيرا إلى ما حباهم به من النعمة وما قابلوه به من كفرها باختيارهم ~~لأن يكونوا من غير الأمة المسلمة التي دعا لها لما دعا للرسول فقال عاطفا ~~على { إذ ابتلى } تعديدا لوجوه النعم على العرب بأبيهم الأعظم استعطافا إلى ~~التوحيد { وإذ يرفع إبراهيم } أي اذكر الوقت الذي يباشر بالرفع { القواعد ~~من البيت } قال الحرالي : عدد تعالى وجوه عنايته بسابقة العرب في هذه ~~الآيات كما عدد وجوه نعمته على بني إسرائيل في سابقة الخطاب , فكانت هذه في ~~أمر إقامة دين الله , وكانت تلك في محاولة مدافعته , ليظهر بذلك تفاوت ما ~~بين الاصطفاء والعناية , والقاعدة ما يقعد عليه الشيء أي يستقر ويثبت ويجوز ~~أن يراد بها سافات البناء , لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه - قاله ~~الأصبهاني ms0264 . | ولما أفرد الخليل عليه السلام بهذا الرفع إظهارا لشرفه بكونه ~~هو السبب الأعظم في ذلك عطف عليه ولده فقال : { وإسماعيل } أي يرفع القواعد ~~أيضا , ووصل بهذا العمل الشريف قوله : { ربنا } مرادا فيه القول محذوفا منه ~~أداة البعد : أي يقولان : { ربنا تقبل منا } أي عملنا بفضلك ولا ترده علينا ~~, إشعارا بالاعتراف بالتقصير لحقارة العبد وإن اجتهد في جنب عظمة مولاه . | ~~ولما تضمن سؤال القبول المشعر بخوف الرد علم الناقد البصير بالتقصير علله ~~بقوله : { إنك } وأكده بقوله : { أنت السميع العليم } أي فإن كنت سمعت أو ~~علمت منا حسنا فرده حسنا , وإن كنت سمعت أو علمت غير ذلك من نحو قول ناشئ ~~عن اختلاج في النفس بما سببه كلال أو إعياء فاغفره . | ولما سأل القبول سأل ~~الزيادة عليه بقوله : { ربنا } على ما مضى من طرز دعاء المقربين بإسقاط ~~أداة البعد { واجعلنا } أي أنا وابني هذا الذي أعانني { مسلمين لك ومن ~~ذريتنا } قال الحرالي : لما تحقق مرجو الإيمان في ذريته في قوله : < # > 77 ( { من آمن منهم } ) 77 < # > [ البقرة : 126 ] طلب التكملة بإسلام الوجه والمسألة له ولابنه ولمن ~~رزق الإيمان من ذريته وذرية ابنه , فإن الإسلام لما كان ظاهر الدين كان ~~سريع الانثلام لأجل مضايقة أمر الدنيا , وإنما يتم الإسلام بسلامة الخلق من ~~يد العبد ولسانه والإلقاء بكل ما بيده لربه مما ينازع فيه وجود النفس ~~ومتضايق الدنيا , ولذلك هو مطلب لأهل الصفوة في خاتمة العمر ليكون الخروج ~~من الدنيا عن إلقاء للحق وسلام للخلق كما قال يوسف عليه السلام < # > 77 ( { توفني مسلما } ) 77 < # > [ يوسف : 101 ] وطلب بقوله : { أمة مسلمة لك } أن يكونوا بحيث يؤم ~~بعضهم بعضا . | PageV01P242 ولما كان المسلم مضطرا إلى العلم قال : { وأرنا ~~مناسكنا } وفي ذلك ظهور لشرف عمل الحج حيث كان متلقي عن الله بلا واسطة ~~لكونه علما على آتي يوم الدين حيث لا واسطة هناك بين الرب والعباد . | ~~والمنسك مفعل من النسك وهو ما يفعل قربة وتدينا . | تشارك حروفه حرف السكون ~~- قاله الحرالي . | ولما كان الإنسان محل العجز فهو أضر شيء ms0265 إلى التوفيق ~~قال : { وتب علينا } إنباء بمطلب التوبة أثر الحسنة كما هو مطلب العارفين ~~بالله المتصلين بالحسنات رجعا بها إلى من له الخلق والأمر , ثم علل طمعه في ~~ذلك بأن عادته تعالى التطول والفضل فقال : { إنك أنت التواب } أي الرجاع ~~بعباده إلى موطن النجاة من حضرته بعد ما سلط عليهم عدوهم بغوايته ليعرفوا ~~فضله عليهم وعظيم قدرته ثم أتبعه وصفا هو كالتعليل له فقال : { الرحيم } . ~~| ولما طلب ما هو له في منصب النبوة من تعليم الله له المناسك بغير واسطة ~~طلب لذريته مثل ذلك بواسطة من جرت العادة به لأمثالهم فقال : { ربنا وابعث ~~فيهم } أي الأمة المسلمة التي من ذريتي وذرية ابني إسماعيل { رسولا منهم } ~~ليكون أرفق بهم وأشفق عليهم ويكونوا هم أجدر باتباعه والترامي في نصره , ~~وذلك الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم , فإنه لم يبعث من ذريتهما بالكتاب ~~غيره , فهو دعوة إبراهيم عليه السلام أبي العرب وأكرم ذريته ؛ ففي ذلك أعظم ~~ذم لهم بعداوته مع كونه مرسلا لتطهيرهم بالكتاب الذي هو الهدى لا ريب فيه , ~~وإليه الإشارة بقوله : { يتلوا } أي يقرأ متابعا مواصلا { عليهم آياتك } أي ~~علاماتك الدالات عليك أعم من أن يكون نزل بها الكتاب أو استنبطت منه { ~~ويعلمهم الكتاب } الكامل الشامل لكل كتاب ( أوتيت جوامع الكلم ) { والحكمة ~~} وهي كل أمر يشرعه لهم فيحفظهم في صراطي معاشهم ومعادهم من الزيغ المؤدي ~~إلى الضلال الموجب للهلاك . | PageV01P243 ولما كان ظاهر دعوته عليه السلام ~~أن البعث في الأمة المسلمة كانوا إلى تعليم ما ذكر أحوج منهم إلى التزكية ~~فإن أصلها موجود بالإسلام فأخر قوله : { ويزكيهم } أي يطهر قلوبهم بما أوتي ~~من دقائق الحكمة , فترتقي بصفائها , ولطفها من ذروة الدين إلى محل يؤمن ~~عليها فيه أن ترتد على أدبارها وتحرف كتابها كما فعل من تقدمها , والتزكية ~~إكساب الزكاة , وهي نماء النفس بما هو لها بمنزلة الغذاء للجسم - قاله ~~الحرالي . | ولما ذكر سبحانه في سورة الجمعة بعثه في الأميين عامة اقتضى ~~المقام تقديم التزكية التي رأسها البراءة من الشرك الأكبر ليقبلوا ms0266 ما جاءهم ~~من العلم , وأما تقديمها في آل عمران مع ذكر البعث للمؤمنين فلاقتضاء الحال ~~بالمعاتبة على الإقبال على الغنائم الذي كان سبب الهزيمة لكونها إقبالا على ~~الدنيا التي هي أم الأدناس ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنك أنت العزيز } أي ~~الذي يغلب كل شيء ولا يغالبه شيء , لأن العزة كما قال الحرالي : الغلبة ~~الآتية على كلية الظاهر والباطن , { الحكيم } أي الذي يتيقن ما أراد فلا ~~يتأتى نقضه , ولا متصف بشيء من ذلك غيرك ؛ وفي ذلك إظهار عظيم لشرف العلم ~~وطهارة الأخلاق , وأن ذلك لا ينال غلا بمجاهدات لا يطيقها البشر ولا تدرك ~~أصلا إلا بجد تطهره العزة وترتيب أبرمته الحكمة ؛ هذا لمطلق ذلك فكيف بما ~~يصلح منه للرسالة ؟ وفيه إشارة إلى أنه يكبت أعداء الرسل وإن زاد عدهم وعظم ~~جدهم . | ويحكم أمورهم فلا يستطيع أحد نقض شيء منها . | ولما كان التقدير : ~~فمن يرغب في مخالفة من يرسله من هو بهذه الصفة عطف عليه قوله : { ومن يرغب ~~عن ملة إبراهيم } المستقيم الطريقة , الطاهر الخليقة , الشفيق على ذريته , ~~الباني لهم أعظم المفاخر , المجتهد لهم في جليل المناقب والمآثر { إلا من ~~سفه نفسه } أي امتهنها واحتقرها واستخف بها , أي فعل بها ما أدى إلى ذلك ؛ ~~وفي ذلك تعريض بمعاندي أهل الكتاب . | قال الحرالي : والسفاهة خفة الرأي في ~~مقابلة ما يراد منه من المتانة والقوة , وفي نصب النفس إنباء بلحاق السفاهة ~~بكلية ذي النفس , لأن من سفهت نفسه اختص السفه بها , ومن سفه نفسه - بالنصب ~~- استغرقت السفاهة ذاته وكليته وكان بدء ذلك وعاديته من جهة نفسه , يفهم ~~ذلك نصبها , وذلك لأن الله عز وجل جعل النفس مبدأ كل شر أبداه في ذات ذي ~~النفس , فإنه تعالى يعطي الخير بواسطة وبغير واسطة , ولا يحذى الشر إلا ~~بواسطة نفس ليكون في ذلك حجة الله على خلقه ؛ وإنما استحق السفاهة من يرغب ~~عن ملة إبراهيم لظهور شاهدها في العقل وعظيم بركتها في التجربة , لأن من ~~ألقى بيده لم يؤاخذ في كل مرتبة من رتب الدنيا والآخرة , فلا ms0267 عذر لمن رغب ~~عن ذلك , لظهوره في شاهدي العقل والحس اللذين هما أظهر حجج الله على خلقه < # > 77 ( { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } ) 77 < # > [ الأنعام : 83 ] . | PageV01P244 ولما كان التقدير : فلقد آتيناه من ~~المزايا ما قدمنا لكم مما لا يعدل عنه ذو مسكة عطف عليه قوله : { ولقد ~~اصطفيناه } فذكره بمظهر العظمة تعظيما له , فإن العبد يشرف بشرف سيده , ~~وتشريفا لاصطفائه فإن الصنعة تجل بجلالة مبدعها { في الدنيا } بما ذكرناه ~~من كريم المآثر التي يجمعها إسلامه ؛ وهو افتعال من الصفوة وهي ما خلص من ~~اللطيف عن كثيفه ومكدره , وفي صيغة الافتعال من الدلالة على التعمد والقصد ~~ما يزيد فيما اشير إليه من الشرف { وإنه في الآخرة لمن الصالحين } وفي هذا ~~أكبر تفخيم لرتبة الصلاح حيث جعله من المتصفين بها , فهو حقيق بالإمامة ~~لعلو رتبته عند الله في الدارين , ففي ذلك أعظم ترغيب في اتباع دينه ~~والاهتداء بهديه , وأشد ذم لمن خالفه ؛ وكل ذلك تذكير لأهل الكتاب بما ~~عندهم من العلم بأمر هذا النبي الكريم وما هو سبب له , وإقامة للحجة عليهم ~~, لأن أكثر ذلك معطوف على { اذكروا } قوله : < # > 77 ( { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي } ) 77 < # > [ البقرة : 122 ] . | ولما ذكر إمامته ذكر ما يؤتم به فيه وهو سبب ~~اصطفائه وصلاحه وذلك دينه , وما أوصى به عليه السلام بنيه , وما أوصى به ~~بنوه بنيهم سلفا لخلف ولا سيما يعقوب عليه السلام المنوه بنسبة أهل الكتاب ~~إليه فقال : { إذ } أي اصطفيناه بعظمتنا لأنه قال له ربه أسلم } أي لإحسان ~~ربك إليك , وحذف المفعول ليتناول كل ما يصح إسلامه إلى المسلم إليه وقصره ~~عليه وتخلى المسلم عنه { قال أسلمت لرب العالمين } أي المحسن إلي وإلى جميع ~~الخلائق { ووصى بها } أي بهذه المقالة أو الوصية أو الخصلة التي اصطفاه ~~الله بها , ولعله لم يذكر الضمير لئلا يوهم الرجوع إلى ربه ؛ وقرئ ( وأوصى ~~) فهو من إيصاء والوصية وهي التقدم في الشيء النافع المحمود عاقبته , ~~وقراءة التشديد أبلغ لدلالتها على التكرر والتكثر { إبراهيم بنيه ويعقوب } ~~وصى بها أيضا ms0268 بنيه فقال كل منهم : { يا بني إن الله } بعظمته وكماله { ~~اصطفى لكم الدين } وهو الإسلام , فأغناكم عن تطلبه وإجالة الفكر فيه رحمة ~~منه لكم { فلا } أي فتسبب عن ذلك أني أقول لكم : لا { تموتن } على حالة من ~~الحالات { إلا وأنتم } أي والحال أنكم { مسلمون } أي ملقون بأيديكم وجميع ~~ما ينسب إليكم لله لا حظ لكم في شيء أصلا ولا التفات إلى غير مولاكم , فإن ~~من كمل افتقاره إلى الغني الحكيم أغناه بحسب ذلك . | وقرر سبحانه بالآيات ~~الآتية بطلان ما عليه المتعنتون من اليهودية والنصرانية , وبرأ خليله ~~والأنبياء من ذلك على وجه أوجب القطع بأنهم عالمون ببطلانه . | ذكر قصة ~~إبراهيم عليه السلام من التوراة : ذكر في السفر الأول منها أنه إبراهيم بن ~~تارح بن ناحور بن شارغ بن آرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام ~~بن PageV01P245 نوح ؛ لأنه قال في التوراة : لما أتت على سام مائة سنة ولد ~~له أرفخشد فأتت عليه خمس وثلاثون سنة فولد له شالاح وسماه في موضع آخر شالح ~~, فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له عابر فأتت عليه أربع وثلاثون سنة فولد له ~~فالغ , فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له آرغو , فأتت عليه اثنتان وثلاثون سنة ~~فولد له شارغ فأتت عليه ثلاثون سنة فولد له ناحور , فأتت عليه تسع وعشرون ~~سنة فولد له تارح فأتت عليه خمس وسبعون سنة فولد له إبرم وناحور وهاران . | ~~وخالفه في الإنجيل بعض المخالفة فقال في إنجيل لوقا : ناحور بن شارغ بن ~~أرغو بن فالغ بن عابر بن صالا بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح ؛ ونوح على ~~ما قال في التوراة ابن لمك بن متوشلح بن خنوخ بن يارذ بن هليل بن قينان بن ~~أنوش بن شيش بن آدم عليه السلام . | وهكذا قال في أثناء إنجيل لوقا إلا أنه ~~قال في لمك : لامك , وفي بارذ : يرذ بن مهلالاييل . | ثم قال في التوراة : ~~وولد هاران لوطا , ومات هاران في حياة أبيه تارح في الأرض التي ولد فيها ms0269 ~~وهي أور الكلدانيين - وفي نسخة : الكزدانيين - ( فتزوج إبرم سرى وكانت ~~عاقرا فلم يولد لها ولد , فانطلق تارح بابنه إبرم وبلوط ابن ابنه هاران ~~وبكنته سرى من أور الكلدانيين متيمما أرض كنعان , فانتهوا إلى حران فسكنوها ~~, فتوفي تارح بحران عن مائتي سنة وخمس سنين ؛ وقال الرب لإبرم : اخرج من ~~أرضك من حيث ولدت ومن آل أبيك إلى الأرض التي أريك فأجعلك لشعب عظيم ~~وأباركك وأعظم اسمك وكن مباركا وأبارك بنيك وألعن لاعنيك ويتبارك بك جميع ~~قبائل الأرض وبزرعك , فصنع إبرم كما أمره الرب وانطلق معه لوط ابن أخيه ~~وسرى زوجته وكان إذ ذاك ابن خمس وسبعين سنة ومعهم جميع مواشيهم وما اتخذوا ~~بحران من ولدان وخدم , فخرجوا يريدون أرض كنعان فأتوها , فجاء إبرم حتى أتى ~~بلاد سحام وإلى بلوط ممرى وكان الكنعانيون بعد سكانا في الأرض فاعتلن الرب ~~لإبرم وقال له : إني معط ذريتك هذه الأرض , وبنى إبرم هنالك مذبحا للرب إذ ~~ظهر له وانتقل من هنالك إلى الجبل من المشرق إلى بيت إيل , فنصب خيمته في ~~بيت إيل من غربها قبالة الحرب وعاي من شرقها , وبنى ثم لرب مذبحا ودعا باسم ~~الرب , ثم ظعن منطلقا وكان مظعنه إلى مهب الجنوب وكان جوع في الأرض , فهبط ~~إبرم إلى مصر ليسكنها لأن الجوع اشتد في الأرض , فلما دنا من مصر قال لسرى ~~امرأته : إني عالم أنك امرأة حسناء , فإن رآك المصريون يقولون : امرأته , ~~فيقتلونني ؛ قولي : إني أخته - فذكر قصة أخذ فرعون مصر لها والقوارع التي ~~اصابته فحالت بينه وبينها فخلى سبيلها وأحسن إليها وإلى إبراهيم - إلى أن ~~قال : فخرج إبرم من مصر هو وامرأته ولوط معه إلى أرض التيمن - وفي نسخة : ~~إلى القبلة - وهي جهة الجنوب فاستغنى إبرم جدا , فظعن لمظعنه من ~~PageV01P246 الجنوب حتى أتى بيت إيل إلى الموضع الذي كان نصب فيه خيمته من ~~قبل ولوط معه كان له غنم وبقر وخير كثير جدا وأخبية , ولم تكن تلك الأرض ~~تسعهما كليهما لأن مواشيهما كثرت جدا ؛ فذكر أن لوطا رفع بصره فنظر ms0270 غلى أرض ~~الأردن فإذا هي كلها أرض سقي وشرب مثل فردوس الله ومثل أرض مصر التي في ~~مدخل صاغار - وفي نسخة : زغر فاختار لوط أرض الأردن ؛ فسكن إبرم أرض كنعان ~~, وسكن لوط قرى عاجار وورث - وفي نسخة : قرى المرج - وخيم إلى سدوم وكان ~~أهل سدوم أشرارا خطأة جدا , فقال الرب لإبرم بعدما اعتزله لوط : مد بصرك ~~فانظر من المكان الذي أنت فيه إلى الجرنيا والتيمن - وفي نسخة : إلى الشمال ~~والجنوب والمشرق والمغرب - لأن جميع الأرض التي ترى إياك أعطيها وذريتك من ~~بعدك غلى الأبد , واجعل ذريتك مثل ثرى الأرض , فإن قدرت أن تحصي تراب الأرض ~~فإن زرعك يحصى , فأتى إبرم فسكن بين بلوط - وفي نسخة : في مرج ممرى ~~الأموراني التي بحبرون - وبنى هنالك مذبحا للرب , وكان على عهد أمر قال ملك ~~شنعار - وفي نسخة : شنوار - وأرنوخ ملك ذي اللاشار - وفي نسخة : الخزر - ~~وكدر لعمر , ملك عيلم - وفي نسخة : خوزستان وترغيل ملك جيلان - وفي نسخة : ~~الأمم - اجتمع هؤلاء في قاع السدوميين وهو البحر المالح فقتلوا الجبابرة ~~الذين في العشرة القرى والأبطال الذين بها والحورانيين الذين في جبال ساعير ~~- وفي نسخة : شراة - إلى بطمة فاران التي في البرية , ورجعوا وأتوا عين ~~الدنيا - وفي نسخة : الحكم - وهي رقيم وقتلوا كل رؤساء العمالقة ~~والأمورانيين سكان عين جاد , وخرج بارع ملك سدوم وبرشع ملك عامرا وشنآب ملك ~~أدوما وشاليم ملك صبويم وملك بالاع التي هي صاغر - وفي نسخة : زغر - خمسة ~~ملوك , قاتلوا الأربعة بقاع السدوميين , فهرب ملك سدوم وملك عامرا فوقعوا ~~هناك , وهرب البقية إلى الجبل فاستباحوا جميع مواشي سدوم وعامرا وجميع ~~طعامهم واستاقوا لوطا ابن أخي إبرم وماشيته وانطلقوا , فأتى من نجا منهم ~~وأخبر إبرم العبراني , فعبى فتيانه ومولديه ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا وسار ~~في طلبهم إلى داريا - وفي نسخة : بانياس - فأحاط بهم ليلا , فقاتلهم وهزمهم ~~إلى الجوف - وفي نسخة : المزة - التي عن شمال دمشق وهي قرية يقال لها حلبون ~~ورد لوطا ابن أخيه وماشيته وجميع المواشي والنساء والشعب , فخرج ملك سدوم ~~فتلقاه فرد ms0271 إليه جميع ما سلب منه ؛ ومن بعد هذا حل وحي الله على إبرم في ~~الرؤيا وقال له : يا إبرم ! أنا أكانفك وأساعدك , لأن ثوابك قد جزل جدا , ~~فقال إبرم : اللهم ! رب ما الذي تنحلني وأنا خارج من الدنيا بلا نسب ويرثني ~~اليعازر غلامي الدمشقي ؟ فقال له الرب : لا يرثك هذا بل ابنك الذي يخرج من ~~صلبك فهو يرثك , PageV01P247 وقال له : انظر إلى السماء واحص النجوم إن كنت ~~تقدر أن تحصيها , ثم قال له : كذلك تكون ذريتك , فآمن إبرم بالله , وقال له ~~الرب : أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أور الكلدانيين - وفي نسخة : أتون ~~الكزدانيين - لأعطينك هذه الأرض لترثها , فلما كان غروب الشمس وقع الصمت ~~على إبرم وغشيه خوف وظلمة عظيمة فقال الرب لإبرم : اعلم علما يقينا أن نسلك ~~سيسكنون في أرض ليست لهم , فيتعبدونهم ويكدونهم أربعمائة سنة , والشعب ~~الذين يتعبدونهم فإني أدينهم ويخرجون من هناك بعد ذلك بمال عظيم , وأنت ~~تنتقل إلى آبائك بسلام وتدفن بشيخوخة خير وصلاح , والحقب الرابع يرجعون إلى ~~ههنا , لأن إثم الأمورانيين لم يكمل بعد , فلما غربت الشمس صار دجى حندسة ~~وإذا بتنور يدخن ومصباح نار يلتهب ويتردد بين تلك الأنصبة , وفي ذلك اليوم ~~عاهد الرب إبرم عهدا وقال : إني معط ذريتك هذه الأرض من نهر مصر وإلى ~~الفرات النهر الأعظم , وإن سرى امرأة إبر لم تكن تلد وكانت لها أمة مصرية ~~اسمها هاجر فقالت سرى لإبرم وهما بأرض كنعان : إن الرب قد حرمني الولد ~~فإدخل على أمتي وابن بها لعلي أتعزى بولد منها , تسمع إبرم قول سرى وأطاعها ~~, وذلك بعدما سكن أرض كنعان عشر سنين , فحبلت فقالت سرى لإبرم : أنت صاحب ~~ظلامتي , أنا وضعت أمتي في حضنك , فلما حبلت هنت عليها بحكم الرب بيني ~~وبينك , فقال : هذه أمتك مسلمة إليك . | اصنعي بها ما أحببت , فأهانتها سرى ~~سيدتها فهربت منها , فلقيها ملاك الرب على عين ماء في البرية في طريق سور - ~~وفي رواية : في طريق حذر , وفي نسخة : على العين التي بطريق الجفار - فقال ~~لها : يا ms0272 هاجر أمة سرى ! ارجعي إلى سيدتك واستكدي تحت يدها , ثم قال لها ~~ملاك الله : لأكثرن نسلك حتى لا يحصى , ثم قال لها : ها أنت حامل - وفي ~~نسخة : إنك حبلى - وستلدين ابنا وتدعين اسمه إسماعيل , لأن الرب قد عرف لك ~~خضوعك , ويكون ابنك هذا رجلا يأوي البرية ويده في جميع الناس - وفي نسخة : ~~وحشى الناس - يده على كل ويد كل به , وسيحل على جميع حدود إخوته , فدعت اسم ~~الرب الذي كلمها فقالت : أنت الله ذو الوحي والرؤيا , وذلك لأنها قالت : ~~إني رأيت رؤيا , ولذلك دعت تلك الطوى بئر الحي وهي بئر رقيم وحذر - وفي ~~نسخة : فيما بين قادس وبارد - ثم ولدت هاجر لإبرم ابنا فدعا إبرم اسمه ~~إسماعيل , وكان إبرم ابن ست وثمانين سنة إذ ولدت هاجر له إسماعيل , فلما ~~أتى على إبرم تسع وتسعون سنة اعتلن له الرب وقال له : أنا الله إله ~~المواعيد , أرضني تكن غير ذي عيب وأثبت ع هدي بيني وبينك - وفي رواية : ~~فأحسن أمامي ولا تكن ملوما فإني جاعل بيني وبينك ميثاقا , وأكثرك جدا جدا , ~~فخر إبراهيم على وجهه فكلمه الله وقال له : أنا أثبت لك عهدي - PageV01P248 ~~وفي نسخة : فأوحى الله إليه قائلا له : إني قد جعلت ميثاقي معك - وتكون أبا ~~لشعوب كثيرة , ولا يدعى اسمك فيما بعد إبرم بل يكون اسمك إبراهيم , لأني ~~جعلتك أبا لشعوب كثيرة , وأنميك وأثريك جدا جدا , وأجعلك للشعوب رئيسا , ~~والملوك من صلبك يخرجون , وأثبت العهد - وفي نسخة : وأفي بميثاقي - بيني ~~وبينك وبين نسلك من بعدك عهدا دائما , وأكون لك إلها ولزرعك من بعدك , ~~وأعطيك وذيتك من بعدك أرض سكناك وجميع أرض كنعان ميراثا إلى الأبد وأكون ~~لهم إلها , وقال الله لإبراهيم : احفظ عهدي أنت وزرعك من بعدك لأحقابهم , ~~هذا عهدي الذي آمركم به لتحفظوه ليكون بيني وبين نسلك من بعدك أن تختنوا كل ~~ذكر وتختنوا لحم غرلكم ويكون علامة العهد بيني وبينكم , وليختن كل ذكر منكم ~~ابن ثمانية أيام لأحقابكم ولاد البيت والمبتاع بالمال . | وكل من كان من ~~أبناء الغرباء ms0273 الذين ليسوا من زرعك فليختتن اختتان المولود في بيتك ~~والمبتاع بمالك , ويكون عهدي ميسما في أجسادكم عهدا دائما إلى الأبد ؛ وكل ~~ذكر ذي غرلة لا تختن غرلته في اليوم الثامن فلتهلك تلك النفس من شعبها , ~~لأنها أبطلت عهدي . | وقال الله لإبراهيم : سرى صاحبتك , لا تدع اسمها سرى ~~لأن اسمها سارة وأبارك فيها , وأعطيك منها ابنا وأباركه , ويكون رئيسا ~~لشعوب كثيرة وملوك الشعوب من نسله يخرجون ؛ فخر إبراهيم على وجهه ضاحكا ~~وقال في قلبه - وفي رواية متعجبا يقول في نفسه - وهل يولد لابن مائة سنة ~~ابن وسارة تلد وقد أتى عليها تسعون سنة ! وقال إبراهيم لله : يا ليت ~~إسماعيل يحيى بين يديك ! وقال الله لإبراهيم : حقا - وفي نسخة : نعم - إن ~~سارة صاحبتك ستلد ابنا وتسميه إسحاق , وأثبت العهد بيني وبينه إلى الأبد ~~ولذريته من بعده , وقد استجبت لك في إسماعيل فباركته وكثرته وأنميته جدا ~~جدا , ويولد له اثنا عشر عظيما , وأجعله رئيسا لشعب عظيم ؛ وأثبت عهدي ~~لإسحاق الذي تلد لك سارة في هذا الحين من قابل . | فلما فرغ من كلامه ارتفع ~~استعلان الرب عن إبراهيم , فانطلق إبراهيم بإسماعيل ابنه وجميع أولاد بيته ~~والمبتاعين بما له كل ذكر من بيت إبراهيم فختن غرلهم في ذلك اليوم كما أمره ~~الله , وكان قد أتى على إبراهيم تسع وتسعون سنة إذ ختن غرلته وكان قد أتى ~~إسماعيل ابنه إذ اختتن ثلاث عشرة سنة , وختن أيضا معه أبناء الغرباء ~~المشايعين ثم أكمل البشارة بإسحاق , كما سيأتي في سورة هود إن شاء الله ~~تعالى - إلى أن قال : وذكر الرب سارة كما قال : وصنع الله تبارك وتعالى ~~بسارة كما وعد , فحبلت وولدت لإبراهيم ابنا على كبره في الوقت الذي وعد ~~الله , فسمى إبراهيم ابنه من سارة إسحاق , فختن إبراهيم غسحاق ابنه في ~~اليوم الثامن كما أمره الرب , وكان إبراهيم ابن مائة سنة , فقالت سارة : ~~لقد أنعم الله علي وفرحني فرحا عظيما , فمن سمع فليفرح لي , PageV01P249 ~~وقالت : من كان يقول لإبراهيم : إن سارة ترضع غلاما وتلد ابنا بعد الكبر ms0274 ؛ ~~فشب الغلام وفطم وصنع إبراهيم يوم فطم مأدبة عظيمة - ثم أعاد ذكر أمر سارة ~~بإخراج هاجر وإبعادها وأن هذا شق على إبراهيم جدا وقال : فقال الله ~~لإبراهيم : لا يشقن عليك حال الصبي وأمتك , فغدا إبراهيم باكرا وأخذ خبزا ~~وإداوة من ماء فأعطاها هاجر وحملها والصبي والطعام فانطلقت وتاهت في برية ~~بئر سبع - وفي نسخة بئر الحلف , لأن إبراهيم حالف صاحب تلك الأرض عندها - ~~ونفد الماء من الإداوة فألقت الصبي تحت شجرة من الشيح وانطلقت وجلست قبالته ~~وتباعدت عنه كرمية بسهم كيلا تعاين موته , فلما صرخ الغلام وبكى سمع الرب ~~صوته فدعا ملاك الرب هاجر من السماء وقال لها : ما لك يا هاجر ؟ لا تخافي , ~~لأن الرب قد سمع صوت الصبي حيث هو , قومي فاحملي الصبي وشدي به يديك , لأني ~~أجعله رئيسا لشعب عظيم , فجلى الله عن بصرها فرأت بئر ماء , فانطلقت فملأت ~~الإدوات وسقت الغلام , وكان الله مع الغلام فشب وسكن برية فاران وكان يتعلم ~~الرمي في تلك البرية وزوجته أمه امرأة - انتهى . | وفيه إن هذا الكلام في ~~إخراج هاجر وولدها ظاهره مناقض لما تقدم في ختان إسماعيل عليه السلام , فإن ~~فيه أنه كان ابن ثلاث عشرة سنة , وهذا ظاهره أنه كان رضيعا , وفي الحديث ~~الصحيح ( أنه وضعه عند البيت وهو يرضع ) ويمكن حمل هذا عليه بهذا الكلام ~~الأخير . | وأما الأول فلم يقل فيه إنه كان عند الختان ببيت المقدس , فيمكن ~~أن إبراهيم عليه السلام طوى له الله الأرض بالبراق أو غيره فذهب إلى مكة ~~المشرفة فختنه ثم رجع . | وفيه بشارة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أصرح ~~مما ذكروه وهي قوله : ويتبارك بك جميع قبائل الأرض , لأن ذلك لم يحصل بأحد ~~من أولاد إبراهيم عليه السلام إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم , فقد أثبت ~~البركة به صلى الله عليه وسلم والخير في غالب قبائل الأرض , ويكون الباقي ~~بعد نزول عيسى عليه السلام . | وكذا قوله : ويده في جميع الناس - إلى آخره ~~, لأن إسماعيل عليه السلام لم ينقل أحد أن يده ms0275 كانت على جميع الناس , ولا ~~حل على جميع حدود إخوته , ولا اتصف من أولاده أحد بهذا الوصف غلا النبي صلى ~~الله عليه وسلم ؛ ثم رأيت في شرح المقاصد للشيخ سعد الدين التفتازاني وشرح ~~الصحائف للإمام السمرقندي التنبيه على هذا النص . | PageV01P250 ولما قرر ~~سبحانه لبني إسرائيل أن أباهم يعقوب ممن أوصى بنيه بالإسلام قال مبكتا لهم ~~: { أم } فعلم قطعا من ذكر حرف العطف أن المعطوف عليه محذوف كما قالوا في ~~أحد التقادير في هذه الآية وفي < # > 77 ( { أمن هو قانت آناء الليل } ) 77 < # > [ الزمر : 9 ] في سورة الزمر فكان التقدير هنا لتوبيخهم وتقريعهم بأن ~~أي شق اختاروه لزمهم به ما يكرهون : أكنتم غائبين عن هذه الوصية من إبراهيم ~~ويعقوب عليهما السلام أم حاضرين وكنتم غائبين في أمر يعقوب عليه السلام ~~خاصة أم { كنتم شهداء } الآية , أي أكنتم غائبين عن علم ذلك أم لا حين ~~حكمتم بتخصيص أنفسكم بالجنة ليمنعكم ذلك عن مثل هذا الحكم ؛ وعلى كل تقدير ~~لا يضركم جهله , لأن عندكم في كتاب الله المنزل على بيتكم من الأمر بمثله ~~عن الله ما يغنيكم عنه , وهو مانع لكم أيضا من هذا الحكم على وجه قطعي ؛ ~~وفي ذلك غشارة إلى عدم وجوب التقيد بالآباء , وإرشاد إلى توسيع الفكر إلى ~~المنعم الأول وهو رب الآباء للتقيد بأوامره والوقوف عند زواجره سواء كان ~~ذلك موافقا لشرع الآباء أو مخالفا ؛ ولما كان هذا لازما لمضمون قوله تعالى ~~: < # > 77 ( { تلك أمة قد خلت } ) 77 < # > [ البقرة : 134 ] أتبعه بها , أي فما لكم وللسؤال عنها في ادعائكم أنهم ~~كانوا هودا أو نصارى ؟ كما سيأتي النص بالتوبيخ على ذلك وإتباعه مثل هذه ~~الآية , لأنه إما أن يكون السؤال عن النسب أو عن العمل ولا ينفعكم شيء ~~منهما , لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى , فليس السؤال عنهم حينئذ لمن عنده ~~علم ما يأتي وما يذر إلا فضولا , وفيه تنبيه على أنهم قطعوا أنفسهم عنهم , ~~لأنهم لما لم يتبعوهم في الإسلام فصلوا ما بينهم وبينهم من الوصلة بالنسب ~~وحصلت براءتهم ms0276 منهم , لأن نسب الدين أعظم من نسب الماء والطين , أو يقال ~~وهو أحسن : لما ادعى أهل الكتاب أن الجنة خاصة بهم ورد ذلك سبحانه عليهم ~~بأنها لمن أسلم محسنا وذكرهم بأحوال الخليل عليه السلام حتى ختم بأنه من ~~رؤوس المتصفين بهذا الوصف وأنه أوصى بنيه به فكان كأنه قيل إنكارا عليهم في ~~دعواهم الاختصاص بالجنة وتقريرا لهم : أكنتم شهداء لذلك منه حتى تكونوا ممن ~~ائتمر بأمره في وصيته فتكونوا أهلا للجنة أم كنتم شهداء يا بني يعقوب { إذ ~~حضر يعقوب } صاحب نسبكم الأشهر { الموت } وهو على ما أوصى به إبراهيم بنيه ~~{ إذ قال } أي يعقوب { لبنيه } . | ولما كان مراده صلى الله عليه وسلم ~~التعميم في كل شيء ليقع التخصيص موقعه فلا يحتاج إلى سؤال آخر عبر بما ~~العامة للعاقل وغيره فقال : { ما تعبدون } ولو عبر بمن لم يفد جوابهم هذا ~~التصريح ينفي عبادة شيء مما لا يعقل , وقيده بقوله : { من بعدي } لأن ~~PageV01P251 الخليفة كثيرا ما يخلف الغائب بسوء وإن كان مصلحا في حضوره , ~~وأدخل الجار لأن أعمارهم لا تستغرق الزمان { قالوا نعبد إلهك } الذي خلقك { ~~وإله آبائك } الذي خلقهم وبقي بعدهم ويبقى بعد كل شيء ولا بعد له , كما كان ~~قبل كل شيء ولا قبل له ؛ ثم بينوا الآباء بقولهم : { إبراهيم } أي جدك { ~~وإسماعيل } لأنه عم والعم صنو الأب فهو أب مجازا { وإسحاق } . | ولما تقدم ~~ذكر الإله في إضافتين بينوا أن المراد به فيهما واحد تحقيقا للبراءة من ~~الشرك وتسجيلا على أهل الكتاب بتحتم بطلان قولهم فقالوا : { إلها واحدا } ~~ثم أخبروا بعد توحيدهم الذي تقدم أنه معنى الإحسان في قوله : ^ ( { وهو ~~محسن } ) ^ [ البقرة : 112 ] بإخلاصهم في عبادتهم بقولهم { ونحن له } أي ~~وحده لا للأب ولا غيره { مسلمون } أي لا اختيار لنا معه بل نحن له كالجمل ~~الآنف حيثما قادنا انقدنا , أي أم كنتم شهداء له في هذه الوصية لنشهد لكم ~~بما شهدنا لبنيه الموجودين إذ ذاك من الإسلام فتكونوا من أهل الجنة . | < < # | البقرة : ( 134 - 141 ) تلك أمة قد . . . . . # > > ^ ( تلك أمة ms0277 قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون * وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما ~~كان من المشركين * قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل إلى إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ومآ أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * فإن آمنوا بمثل مآ آمنتم به ~~فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم * ~~صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون * قل أتحآجوننا في الله ~~وهو ربنا وربكم ولنآ أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون * أم تقولون إن ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم ~~أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما ~~تعملون * تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون ) ^ } ) | ولما كان في ذلك أعظم تسجيل عليهم بأنهم نابذوا وصية ~~الأصفياء من أسلافهم ومرقوا من دينهم وتعبدوا بخلافهم وكان من المعلوم قطعا ~~أن الجواب أنهم ما شهدوا ذلك ولا هم مسلمون عبر عنه بقوله : { تلك أمة قد ~~خلت } أي قبلكم بدهور لم تشهدوها , ونبه على أنهم عملوا بغير أعمالهم بقوله ~~: { لها } أي الأمة { ما كسبت } أي PageV01P252 من دين الإسلام خاص بها لا ~~شركة لكم فيه { ولكم ما كسبتم } أي مما أنتم عليه من الهوى خاص بكم لا ~~يسألون هم عن أعمالكم { ولا تسألون } أي أنتم { عما كانوا يعملون } ولما ~~أخبر تعالى أنهم تركوا السنة في تهذيب أنفسهم بالاقتداء في الاهتداء ~~بالأصفياء من أسلافهم وبين بطلان ما هم عليه الآن من كل وجه وأوضح أنه محض ~~الضلال بين أنه عاقبهم على ذلك بأن صيرهم دعاة إلى الكفر , لأن سنته ~~الماضية سبقت ولن تجد لسنته تحويلا أن من أمات سنة أحيى على يديه بدعة ~~عقوبة له . | قال الحرالي : لأنهما متناوبان في الأديان تناوب المتقابلات ~~في ms0278 الأجسام فقال تعالى معجبا منهم عاطفا على قوله : < # > 77 ( { وقالوا لن يدخل } ) 77 < # > [ البقرة : 111 ] { وقالوا } أي الفريقان من أهل الكتاب لأتباع الهدى { ~~كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } أي لم يكفهم ارتكابهم للباطل وسلوكهم طرق ~~الضلال حتى دعوا إلى ما هم عليه ووعدوا بالهداية الصائرة إليه فأمره تعالى ~~بأن يجيبهم أنه مستن بسنة أبيهم لا يحول عنها كما حالوا فقال موجها الخطاب ~~إلى أشرف خلقه لعلو مقام ما يخبر به وصعوبة التقيد به على النفس : { قل بل ~~} مضربا عن مقالهم , أي لا يكون شيئا مما ذكرتم بل نكون أو نلابس أنا ومن ~~لحق بي من كمل أهل الإسلام { ملة إبراهيم } ملابسة نصير بها إياها كأننا ~~تجسدنا منها , وهو كناية عن عدم الانفكاك عنها , فهو أبلغ مما لو قيل : بل ~~أهل ملة إبراهيم . | قال الحرالي : ففيه كمال تسنن محمد صلى الله عليه وسلم ~~في ملته بملة إبراهيم عليه السلام الذي هو الأول لمناسبة ما بين الأول ~~والآخر , وقد ذكر أن الملة ما أظهره نور العقل من الهدى في ظلم ما التزمه ~~الناس من عوائد أمر الدنيا , فكان أتم ما أبداه نور العقل ملة إبراهيم { ~~حنيفا } أي لينا هشا سهلا قابلا للاستقامة مائلا مع داعي الحق منقادا له ~~مسلما أمره إليه , لا يتوجه إليه شيء من العشاوة والكثافة والغلظة والجمود ~~التي يلزم منها العصيان والشماخة والطغيان , وذلك لأن مادة حنف بكل ترتيب ~~تدور على الخفة واللطافة , ويشبه أن تكون الحقيقة الأولى منها النحافة , ~~ويلزم هذا المعنى الانتشار والضمور والميل , فيلزمه سهولة الانقياد ~~والاستقامة , ويكشفه آية آل عمران < # > 77 ( { ولكن كان حنيفا مسلما } ) 77 < # > [ آل عمران : 67 ] فبذلك حاد عن بنيات طرق الخلق في انحرافهم عن جادة ~~طريق الإسلام . | وقال الحرالي : الحنيف المائل عن متغير ما عليه الناس ~~عادة إلى ما تقتضيه الفطرة حنان قلب إلى صدق حسه الباطن . | ولما أثبت له ~~الإسلام بالحنيفية نفى عنه غيره بقوله : { وما كان من المشركين } قال ~~الحرالي : فيه إنباء بتبرئة كيانه من أمر الشرك في ثبت ms0279 الأمور والأفعال ~~والأحوال وفي إفهامه أنه من أمر محمد صلى الله عليه وسلم في الكمال الخاتم ~~كما أن محمدا صلى الله عليه وسلم منه في الابتداء الفاتح , قال تعالى لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم : < # > 77 ( { قل إن صلاتي } ) 77 < # > [ الأنعام : 162 ] إلى قوله : < # > 77 ( { وأنا أول المسلمين } ) 77 < # > PageV01P253 [ الأنعام : 163 ] فهذه أولية رتبة الكمال التي هي خاصة به ~~ومن سواه فهو منه فيها , لأن نفي الشيء يفهم البراءة واللحاق بالمتأصل في ~~مقابله , فمن لم يكن مثلا من الكافرين فهو من المؤمنين , لأنه لو كان هو ~~المؤمن لذكر بالصفة المقابلة لما نفى عنه , لما في ذلك من معنيي إثبات ~~الوصف ونفي مقابله , ومثل هذا كثير الدور في خطاب القرآن , وبين من له ~~الوصف ومن هو منه تفاوت ما بين السابق واللاحق في جميع ما يرد من نحوه يعني ~~ومثل هذا التفاوت ظاهر للفهم خفي عن مشاهد العلم , لأن العلم من العقل ~~بمنزلة النفس ؛ والفهم من العقل بمنزلة الروح , فللفهم مدرك لا يناله العلم ~~, كما أن للروح معتلى لا تصل إليه النفس , لتوجه النفس إلى ظاهر الشهود ~~ووجهة الروح إلى على الوجود - انتهى . | ولما قيل ذلك توجهت النفس إلى ما ~~به يوصل إلى ملة إبراهيم . | فصرف الخطاب الذي كان عند الحجاج للأكل على ~~وجه يشمل من قاربه إلى من دونه بما يشمله , لأن المراد العموم , وساقه ~~تعالى في جواب من كأنهم قالوا : ما نقول : حتى نكون إياها فقال : { قولوا } ~~أي يا أيها الذين آمنوا { آمنا بالله } الذي له جميع صفات الكمال . | ولما ~~كان المأمور المؤمنين وكانت تعدية الإنزال بإلى تقتضي الانتهاء وكان ذلك ~~يقتضي واسطة قبل الانتهاء وكان الانتهاء إلى الاتباع إنما هو بالقصد الثاني ~~كان الأنسب في هذه الآية لتوجيه الأمر إليهم التعبير بغلى بخلاف آية ىل ~~عمران كما سيأتي إن شاء الله تعالى فقال : { وما أنزل إلينا } أي من الكتاب ~~الذي تقدم أنه الهدى على أي وجه كان من الأحكام والنسخ والنسيء وغير ذلك ~~وقيل { وما أنزل إلى إبراهيم } ليكون ms0280 المهيع واحدا { وإسماعيل وإسحاق } ~~ابنيه . | قال الحرالي : فلقن العرب الأميين المحسودين على ما آتاهم الله ~~من فضله نسق ما أجرى من لفظ بني إسرائيل في عهده لهم , فكان فيه وصل العرب ~~الذين هم أبناء غسماعيل بإبراهيم وبنيه وقطع بني إسرائيل عنهم , وفيه إظهار ~~لمزية فضل الله على العرب حين يلقنهم ولا يستنطقهم فيقصروا في مقالهم ~~فأغناهم بما لقنهم فتلوه عما كانوا يقولونه لو وكلوا إلى أنفسهم فسكنهم ~~ربهم فأقرأهم ما يصلح من القول لهم وقال : { ويعقوب والأسباط } تكملة لما ~~تقدم في العهد السابق - انتهى . | { وما أوتي موسى وعيسى } أي من ربهم من ~~المنزل من التوراة والإنجيل وغير المنزل , وغير الأسلوب تفضيلا لما لهما من ~~الكتابين والمعجزات وغير ذلك من المكنة ؛ ثم أسند الإيتاء إلى الجميع لكون ~~أهل الكتب العظيمة فيهم على سبيل التغليب فقال مؤكدا الكلام لأنه على لسان ~~الأتباع وهم بالتأكيد أحق : { وما أوتي النبيون } أي قاطبة من تقدم وغيرهم ~~من المنزل من كتاب وغيره { من ربهم } المحسن إليهم بذلك PageV01P254 { لا ~~نفرق بين أحد منهم } في أمر الإيمان باصطفائهم مع توجيه الأوامر إليهم { ~~ونحن له } أي لربهم المحسن إلينا بإحسانه إليهم وحده { مسلمون } أي منقادون ~~في الظاهر لعد انقياد الباطن , لا آمر لنا معه أصلا , قال الحرالي : فأجرى ~~على ألسنة الذين آمنوا من هذه الأمة تلقينا لهم ما أجراه على ألسنة الأسباط ~~قولا منهم , فكانت العرب أحق بهم من أبناء إسرائيل بما استووا في الدين وإن ~~افترقوا في نسب الإسرائيلية - انتهى . | والأسباط جمع سبط , قال في القاموس ~~: والسبط - بالكسر - ولد الولد والقبيلة من اليهود وجمعه أسباط . | وقال ~~البيضاوي : والأسباط جمع سبط وهو الحافد , يريد به حفدة يعقوب وأبناءه ~~وذراريهم فإنهم حفدة لإبراهيم وإسحاق . | وقال الأصبهاني : قيل أصل السبط ~~في اللغة شجرة ملتفة كثير الأغصان من شجرة واحدة , وقال البغوي : والأسباط ~~يعني أولاد يعقوب , واحدهم سبط , وهم اثنا عشر سبطا , وسبط الرجل حافده , ~~ومنه قيل للحسن والحسين : سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم . | والأسباط ~~من بني إسرائيل كالقبائل من ms0281 العرب من بني إسماعيل , والشعوب من العجم , ~~وكان في الأسباط أنبياء فلذلك قال : < # > 77 ( { وما أنزل إليهم } ) 77 < # > [ آل عمران : 199 ] وقيل : هم بنو يعقوب من صلبه صاروا كلهم أنبياء - ~~انتهى . | قلت : وهذا هو الذي يظهر إذا تأملت هذه الآية مع التي بعدها وآية ~~النساء , فإن الأسباط - أعني القبائل - كانت منهم الضلال , وقد أنكر الله ~~على من قال : إنهم كانوا هودا أو نصارى , وأخبر في آية النساء أنه أوحى ~~إليهم , وقد عد الأسباط - أعني أولاد يعقوب - جماعة , فاختلفت عباراتهم ~~عنهم , والذي حررته أنا من التوراة من عدة نسخ أصح , عدهم في آخر السفر ~~الأول منها ثم قال في أول السفر ثاني : وهذه أسماء بني إسرائيل الذين دخلوا ~~مصر مع يعقوب أبيهم , دخل كل أمرئ منهم وأهل بيته , روبيل وشمعون ولاوى ~~ويهودا وايساخار وزبلون وبنيامين ودان ونفتالي وجاد وأشير , ويوسف كان بمصر ~~- انتهى . | قلت : وبنيامين شقيق يوسف عليهما السلام وربما قيل فيه : بنمن ~~, وفي روبيل : روبال , وفي شمعون : شمعان , وفي ايساخار : ايساخر , وفي ~~زبلون : زبلون وزبولون - والله أعلم . | ولما قدم تعالى ما أمرهم به وكان ~~عين الهدى تسبب عنه قوله معبرا بأداة الشك إشارة إلى أن إيمانهم لما لهم من ~~الكثافة والغلظة والجلافة في غاية البعد : { فإن آمنوا } أي أهل الكتاب ~~الذين أرادوا أن يستتبعوكم { بمثل } أي بنفس وحقيقة { ما آمنتم به } كما ~~يأتي بيانه في < # > 77 ( { ليس كمثله شيء } ) 77 < # > [ الشورى : 11 ] من الشورى , فكانوا تبعا لكم PageV01P255 { فقد اهتدوا ~~} عكس ما قالوا مثلنا تهتدوا , وعبر بفعل المطاوعة لكون الإيمان مع ظهوره ~~بظهور دلائله موافقا للفطرة الأولى , وأما الكفر فإنه لما كان لأجل ظهور ~~الإيمان وانطباعه في الجنان بعيدا عن المزاج لا يكون إلا بنوع من العلاج ~~بين الهوى والعقل وكان لا يكون إلا بعد الإعراض عن الإيمان وغيبته عن ~~العيان عبر عن ارتكابه بما يشعر بذلك بصيغة التفعل فقال : { وإن تولوا } ~~قال الحرالي : فيه إشعار بإيمان مؤمن منهم وتولي متول منهم , لأن الله ~~تعالى إذا صنف الخطاب كان نبأ عن ms0282 تصنيف الكيان , فهو تعالى لا يخرج نبأه ~~على غير كائن فيكون نبأ لا كون له , إنما ذلك أدنى اوصاف بعض الخلق { فإنما ~~هم في شقاق } أي يريدون أن يكونوا في شق غير شقكم , لأنهم يعلمون أن الهدى ~~ليس في شيء غيره كما اقتضته ( إنما ) . | ولما كان اللازم لمشاقتهم على هذا ~~الحال المكايدة والمحاربة واكن ذلك على وجه العناد لم يكل سبحانه كفاية ~~أوليائه إلى غيره فسبب ذلك قوله : { فسيكفيكهم الله } ؛ أي بوعد لا خلف فيه ~~أصلا وإن تأخر شيئا من تأخر بما له من قدرة وغيرها من صفات الكمال التي ~~أفهمها الاسم الشريف , والكفاية إغناء المقاوم عن مقاومة عدوه بما لا يحوجه ~~إلى دفع له - قاله الحرالي . | ولما كان المناوئ لشخص إما أن يكيده بقوله ~~أو بفعله وكان الفعل مسبوقا بالارتسام في الضمير وكان الكافي لشخص إنما ~~يتوقف كفايته على العلم بما يصلحه قال : { وهو السميع } أي لما يقول ~~أعداؤكم { العليم } بما يضمرون فهو يسبب لكل قول وضمير منهم ما يرد ضرره ~~عليه , فحظكم منهم مقصور على أذى في القول وسوء في ود في الضمير , وحظهم ~~منكم قهرهم وسبيهم و الاستيلاء على ديارهم وأموالهم . | وجعل الحرالي { ~~صبغة الله } أي هيئة صبغ الملك الأعلى التي هي حلية المسلم وفطرته كما أن ~~الصبغة حلية المصبوغ حالا تقاضاها معنى الكلام , وعاب على النحاة كونهم لا ~~يعرفون الحال إلا من الكلم المفردة ولا يكادون يتفهمون الأحوال من جملة ~~الكلام , وقال : الصيغة تطوير معاجل بسرعة وحيه , وقال : فلما كان هذا ~~التلقين تلقينا وحيا سريع التصيير من حال الصلال المبين الذي كانت فيه ~~العرب في جاهليتها إلى حال الهدى المبين الذي كانت فيه الأنبياء في هدايتها ~~من غير مدة جعله تعالى صبغة كما يصبغ الثوب في الوقت فيستحيل من لون إلى ~~لون في مقابلة ما يصبغه أهل الكتاب بأتباعهم المتبعين لهم في أهوائهم في ~~نحو الذي يسمونه الغطاس { ومن PageV01P256 أحسن من الله } أي الذي له ~~الكمال كله { صبغة } لأنها صبغة قلب لا تزول لثباتها بما تولاها ms0283 الحفيظ ~~العليم , وتلك صبغة جسم لا تنفع , وفيه إفهام بما يختص به الذين آمنوا من ~~انقلاب جوهرهم نورا , كما قال عليه الصلاة والسلام : اللهم اجعلني نورا ! ~~فكان ما انقلب إليه جوهر الأئمة انصبغت به قلوب الأمة { ونحن له } أي خاصة ~~{ عابدون } تكملة لرد الخطاب على خطاب عهد إسرائيل حيث قال : < # > 77 ( { ما تعبدون من بعدي } ) 77 < # > [ البقرة : 133 ] إلا أن العبادة في عهد إسرائيل سابقة والإسلام حتم , ~~والإسلام في هذا التلقين بدء لتقع العبادة شكرا - يختص برحمته من يشاء , ~~وجاء به بالوصف الثابت الدائم ففيه إشعار بأن أحدا منهم لا يرتد عن دينه ~~سخطة له بعد أن خالط الإيمان بشاشة قلبه , وهو حظ عام من العصمة الثابت ~~خاصها للنبي صلى الله عليه وسلم في علي أمره - انتهى . | ولما أمر تعالى ~~بقوله : < # > 77 ( { قل بل ملة إبراهيم } ) 77 < # > [ البقرة : 135 ] وما بعده بإعلام الخصم بالمخالفة وأن لا موافقة إلا ~~بترك الهوى واتباع الهدى أمر بمجادلتهم بما يوهي أقوالهم ويزيح شبههم فقال ~~معرضا بالخطاب عن الجمع موجها له إلى رسوله صلى الله عليه وسلم رفعا لمقامه ~~وتعريفا بعلي منصبه إعلاما بأنه لا ينهض بذلك غيره لما لهم من العلم مع ما ~~عندهم من الجدل واللدد : { قل } منكرا لمحاجتهم وموبخا لهم عليها { ~~أتحاجوننا } ولما كان الأنسب في المقارعة إعلام الخصم بالمخالفة لأنه أقطع ~~لطمعه وأمكن لغيظه مع أنه هنا أقرب إلى رضى الخالق قدم علىالمجادلة , ومعنى ~~قوله : { في الله } في اختصاصكم بالملك الذي لا ملك سواه , لأن له الكمال ~~كله المشار إلى إبطاله فيما سبق بقوله : < # > 77 ( { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة } ) 77 < # > [ البقرة : 94 ] أي أتحاجوننا في ذلك ولا وجه لاختصاصكم به { وهو } أي ~~والحال أنه { ربنا وربكم } نحن وأنتم في العبودية له سواء { ولنا أعمالنا } ~~نختص به دونكم { ولكم أعمالكم } تختصون بها دوننا , لا نخاف منه أن يخصكم ~~بأعمالنا ولا بشيء منها لتختصوا بها عنده ولا أن يخصنا بأعمالكم ولا بشيء ~~منها لنبعد بها عنه ظلما ولا ms0284 غلطا , لأنه السميع العليم الغني الحميد { ~~ونحن } أحسن أعمالا منكم لأنا دونكم { له } وحده { مخلصون } لا نشرك به ~~شيئا وأنتم تشركون به عزيرا والمسيح والأحبار والرهبان , وأنتم تعلمون ذلك ~~في باطن الأمر وإن أظهرتم خلافه , فلزم قطعا أنا أخص به منكم ؛ والإخلاص ~~عزل النفس جملة , فلا يبلغ عبد حقيقته حتى لا يحب أن يحمد على عمل . | ولما ~~كان قد بقي من مباهتاتهم أنهم يدعون أن أسلافهم كانوا على دينهم فيكون ~~دعواهم الاختصاص بالجنة صحيحة أبطلها سبحانه بقوله : { أم } أي أرجعوا عن ~~قولهم : < # > 77 ( { كونوا هودا أو نصارى تهتدوا } ) 77 < # > [ البقرة : 135 ] لما ثبت من مخالفة ذلك لملة إبراهيم وآله أم { تقولون ~~} ولا يخفى أن PageV01P257 التقدير على قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف ~~وحفص ورويس بالخطاب : أرجعتم عن قولكم : { إن إبراهيم } خليل الله { ~~وإسماعيل وإسحاق } ابنيه { ويعقوب } ابن إسحاق { والأسباط } أولاد يعقوب { ~~كانوا هودا أو نصارى } لتصح دعواهم في أن الجنة خالصة لأهل ملتهم , فكأنه ~~قيل : فما يقال لهم إن قالوا ذلك ؟ فقيل : { قل أنتم أعلم } بذلك وبغيره { ~~أم الله } الذي له الإحاطة كلها أعلم , فلا يمكنهم أن يقولوا : نحن , وإن ~~قالوا : الله , فقد برأ إبراهيم من ذلك فبطل ما ادعوا . | ولما كان العلم ~~عندهم عن الله بأن الخليل ومن ذكر معه عليهم السلام على دين الإسلام وكانوا ~~يكتمون ما عندهم من ذلك مع تقرير الله لهم واستخبارهم عنه ونهيه لهم عن ~~كتمانه وما يقاربه بقوله : < # > 77 ( { ولا تلبسوا الحق بالباطل } ) 77 < # > [ البقرة : 42 ] وكان التقدير : فمن أظلم ممن ادعى أنه أعلم من الله ~~بدعواه ذلك صريحا أو لزومه له بإخباره بخلاف ما ثبت في القرآن المعلوم صدقه ~~بإعجازه ! قال تعالى عطفا على هذا المقدور : { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده ~~} أي موجودة ومودعة عنده { من الله } أي كتمها من الملك الأعظم , أو هي ~~عنده منه وهو يستخبره عنها مع علمه بأنه فاضحه لأنه العالم بالسرائر . | ~~ولما كان التقدير : فإنه يعلم ما عمله من كتمانه عطف عليه ما هو أعم منه ms0285 ~~فقال : { وما الله } المحيط بكل شيء قدرة وعلما { بغافل عما تعلمون } ~~إشعارا بصيغة المضارع بتماديهم بعد هذا كله على سوء أعمالهم وتحذيرا من مثل ~~ذلك . | ولما لم يدع لهم متمسكا من جهة إبراهيم عليه السلام أتبع ذلك ~~الإشارة على تقدير صحة دعواهم إلى أن الدين دائر مع أمره في كل زمان لا مع ~~ما قرره لأحد من خلقه فإنه لا حجر عليه ولا اعتراض بل له أن يأمر اليوم ~~بأمر وغدا مثلا بضده وأن يفعل ما يشاء من إحكام ونسخ ونسيء وإنساء فقال : { ~~تلك أمة } أي إبراهيم وآله { قد خلت } أي فهب أنهم على ما زعمتم فقد مضوا ~~وقدم زمانهم فلا ينفعكم إلا ما تستجدونه في وقتكم هذا بحكم ما تجدد من ~~المنزل المعجز لكافة أهل الأرض أحمرهم وأسودهم , ويجوز أن يقال : لما كان ~~مضمون ما سبق من إثبات الأعلمية لله وكتمانهم الشهادة بما عندهم ثبوت ما ~~أخبر به سبحانه على لسان هذا النبي الكريم من كون أصفيائه على دينه الإسلام ~~فهم برآء منهم كان المعنى : إن ادعيتم بهتا أن العلم جاءكم عن الله بما ~~ادعيتموه قيل : إن من تدعون عليه ذلك من الأنبياء قد انقضت معجزته بموته , ~~وكتابكم غير مأمون عليه التحريف والتبديل لكونه غير معجز , وهذا النبي ~~الآتي بالقرآن قائم بين أظهركم وهو يخبركم عن الله بكذب دعواكم , ويؤيد ~~قوله بالمعجزات التي منها هذا القرآن الذي عجزت العرب كلها عن الإتيان ~~بسورة من مثله وأنتم كذلك مع مشاركتكم لهم في الفصاحة نظما ونثرا واختصاصكم ~~عنهم بالعلم فلزمكم قبوله , لأنكم لا تستندون في ترويج كذبكم بعد ~~PageV01P258 الجهد إلا إلى من ثبت صدقه بثبوت رسالته , وثبتت رسالته بظهور ~~معجزته , فوجب عليكم قبول أمره , وذلك ينتج قطعا أنه يجب عليكم قبول هذا ~~الداعي بهذا القرآن لمثل ذلك سواء , وإلا كان قبول بعض من ثبت له هذا الوصف ~~دون البعض تحكما واتباعا للهوى المذموم في كل شرعة المنعي عليكم بقوله ~~تعالى : ^ ( { أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم } ) ^ [ البقرة : 87 ] ~~هذا مع ms0286 أن رد قولكم هذا فيهم أظهر ظاهر من حيث إنه لا يعقل أن يكون السابق ~~على نسبة اللاحق ما حدثت به إلا بعده بمدد متطاولة , وسيأتي النص الصريح ~~بإبطال ذلك في ىل عمران إن شاء الله تعالى والإشارة إلى منابذته للعقل ~~بقوله : ^ ( { أفلا تعقلون } ) ^ [ آل عمران : 65 ] ليتطابق على إبطاله ~~صادق النقل وحاكم العقل , وإلى هذا كله الإشارة بقوله : { تلك أمة قد خلت } ~~أي من قبلكم بدهور ولا يقبل الإخبار عنهم بعدها إلا بقاطع , ولا سبيل لكم ~~إليه وقد قام القاطع على مخالفتكم لهم بهذا القرآن المقطوع بصدقه بإعجازه ~~بما تقدم وبما أشار إليه قوله تعالى : { لها ما كسبت } أي من أعمالها { ~~ولكم ما كسبتم } أي من أعمالكم , فلا يسألون هم عن أعمالكم ولا تسألون } أي ~~أنتم { عما كانوا يعملون } . | < < # | البقرة : ( 142 - 144 ) سيقول السفهاء من . . . . . # > > ^ ( سيقول السفهآء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل ~~لله المشرق والمغرب يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم * وكذلك جعلناكم أمة وسطا ~~لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي ~~كنت عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة ~~إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف ~~رحيم * قد نرى تقلب وجهك في السمآء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ~~ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون ) ^ } ) | ولما كان ~~ادعاؤهم أن أسلافهم على دينهم لئلا تنتقض دعواهم أن الجنة خاصة بهم مع كونه ~~فضولا لا سند له يثبت به شيء محاولة لعدم جواز النسخ وكان إبطال الله تعالى ~~لقولهم وعيبهم بما أحدثوا في دينهم وتقريعهم به ملزوما لأن يكونوا أباحوا ~~أنفسهم منه ما منعوا منه خالقهم وهو لا يسأل عما يفعل كانوا أسفه الناس ~~فعقبه بالتصريح بعيبهم والتعجيب منهم في إنكارهم لنسخ القبلة وخفتهم ~~بالاعتراض على ربهم فقال واصلا له بما ms0287 قبله على وجه أعم . | { سيقول } إلى ~~آخره , لأنهم إذا لم يكونوا يعلمون حقية ذلك فلم يتبعوهم فلا أقل من أن ~~يكفوا عن عبيهم فكيف وهم عالمون بأنه PageV01P259 الحق ! وقال : { السفهاء ~~} ولم يقل : سيقولون , إظهارا للوصف الذي استخفهم إلى هذا القول الظاهر ~~عواره لأهل كل دين والسفيه الذي يعمل بغير دليل , إما بأن لا يلتفت إلى ~~دليل فلا يتوقف إلى أن يلوح له بل يتبع هواه , أو يرى غير الدليل دليلا , ~~وأكد الوصف بالطيش بقوله : { من الناس } المأخوذ من النوس وهو التحرك , دون ~~أن يقول : من أهل الكتاب , أو بني إسرائيل - ونحو ذلك تصريحا بذمهم وتعميما ~~لكل من مالأهم على ذلك { ما ولاهم } ولم يقولوا : من , زيادة في الأذى ~~بالاحتقار { عن قبلتهم } . | قال الحرالي : القبلة ما تجعل قبالة الوجه , ~~والقبل ما أقبل من الجسد في مقابلة الدبر لما أدبر منه { التي كانوا عليها ~~} أي بيت المقدس , ولعله ترك الإفصاح ليصلح ذلك لإرادة الكعبة أيضا ليصير ~~المعنى : إن كانوا انتقلوا عن الكعبة بأمر الله فهم مبطلون في رجوعهم وإلا ~~فهم في كل حال أتباع الهوى ؛ وفي ذلك إشارة إلى أنه لما انقطعت حججهم ألقوا ~~هذه الشبهة إلى من اختدعوه من المنافقين ولم يقدروا أن يواجهوا بها أحدا من ~~الثابتي الإيمان , كما قالوا فيما تقدم : < # > 77 ( { كونوا هودا أو نصارى } ) 77 < # > [ البقرة : 135 ] ونحوه علما منهم بأن المحاج لهم عن المؤمنين من له ~~الحجة البالغة ؛ ولذا جاء جوابهم بقوله : { قل } خاليا عن خطاب لا كما مضى ~~في قوله : < # > 77 ( { قل أتخذتم عند الله عهدا } ) 77 < # > [ البقرة : 80 ] < # > 77 ( { قل هاتوا برهانكم } ) 77 < # > [ البقرة : 111 ] ونحوه ؛ وساق سبحانه الإخبار عنهم بذلك على طريق هو ~~من أعلام النبوة وجلائل الرسالة ؛ فإنه إخبار عما سيكون من الأعداء , فكان ~~منهم على وفق الخبر ؛ ولم يقدروا مع شدة عداوتهم واجتهادهم في القدح بأدنى ~~شبهة في التكذيب على تكذيبه بالكف عن ذلك ؛ هذا مع توطئة لذلك فيما سلف في ~~خمسة مواضع : تحريفهم لكلام الله , وإيقاعه النسخ واستدلاله على حسن ms0288 فعله , ~~وإخباره بظلم مانع المسجد , وإخباره بأنه لا يختص به جهة دون أخرى , وذكره ~~بناء البيت وما أمر به من تعظيمه واتخاذه مصلى ؛ مع ما في ذلك من توطين ~~نفوس أهل الإسلام وإكرامهم بتعليم الجواب قبل الحاجة , ليكون أقطع للخصم ~~وأكسر لشوكته وأرد لشغبه . | وتسميتهم سفهاء ناظر غلى قوله فيما مضى عمن ~~نافق منهم ومن غيرهم < # > 77 ( { ألا إنهم هم السفهاء } ) 77 < # > [ البقرة : 13 ] , لأنهم وإن كانوا مصارحين بالكفر فاسم النفاق منطبق ~~عليه من جهة أخرى وهو أنهم أظهروا الكفر وأبطنوا معرفة الإيمان , أظهروا ~~التكذيب وأبطنوا ما هم عارفون به من صدقه , وأيضا فإذا كان المنافقون الذين ~~أظهروا حسنا سفهاء لما أبطنوه من القبيح فالذين عمهم القبح ظاهرا وباطنا ~~أسفه : وإلى قوله قريبا < # > 77 ( { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } ) 77 < # > [ البقرة : 130 ] لما تقرر من مخالفتهم له وإن ادعوا الموافقة . | وقال ~~: { لله } أي الملك المحيط بكل شيء عظمة وعلما PageV01P260 { المشرق ~~والمغرب } مخصصا لهما لكونهما مجمعي الآفاق كما مضى فلا تختص بالوجهة إليه ~~جهة دون أخرى فما أمر به فهو الحق . | ولما قرر أن الجهات كلها بالنسبة ~~إليه سواء لأنها ملكه , على أن من توجه إلى شيء منها بأمره أصاب رضاه وذلك ~~هو الوصول إليه فعبر عن ذلك مستأنفا بقوله معظما لأهل الإسلام ومعرفا ~~بعنايته بهم : { يهدي إليه من يشاء } أي من عباده , وعظم الكعبة بقوله : { ~~إلى صراط المستقيم } في أي جهة كانت , فمتى سلكه وصل إلى المقصود من غير ~~ضلال , ونكره لأن المراد به جزئيات من الشريعة ؛ وأما الصراط المعرف في ~~الفاتحة فالمراد به الشريعة كلها بما دلت عليه ( أل ) من الكمال . | ولما ~~بين استقامة القبلة التي وجههم إليها عرف أنها وسط لا جور فيها فاتبع ذلك ~~قوله : { وكذلك } أي ومثل ما جعلنا قبلتكم وسطا لأنها إلى البيت العتيق ~~الذي هو وسط الأرض وهو بناء إبراهيم عليه السلام هو أوسط الأنبياء وهو مع ~~ذلك خيار البيوت فهو وسط بكل معنى { جعلناكم } بالهداية إليه في الاستقبال ~~وإلى ms0289 غيره مما نأمركم به { أمة } . | قال الحرالي : من الأم وهو تتبع ~~الجملة والعدد بعضها لبعض إلى أن ينتهي لإمام أول , فالإمام والأمة ~~كالمتقابلين , الإمام قاصد أمما , والأمة قاصدة إمامها الذي هو أممها , ~~والإمام ما بين اليدين بمشهد الحس وسبيل القصد - انتهى . | { وسطا } أي ~~شريفة خيارا , لأن الوسط العدل الذي نسبة الجوانب كلها إليه سواء , فهو ~~خيار الشيء . | قال أبو تمام الطائي . | كانت هي الوسط المحمي فاكتنفت بها ~~الحوادث حتى أصبحت طرفا | وسالك الوسط من الطريق محفوظ من الغلط , ومتى زاغ ~~عن الوسط حصل الجور الموقع في الضلال عن القصد ؛ ففي هذا أنهم لما ادعوا ~~الخصوصية كذبوا وردت حججهم ثم أثبتت الخصوصية لهذه الأمة ؛ والوسط بالتحريك ~~اسم لعين ما بين طرفي الشيء كمركز الدائرة , وبالسكون اسم مبهم لداخل ~~الدائرة مثلا , وكذا كان ظرفا , فالأول يجعل مبتدأ وفاعلا ومفعولا به , ولا ~~يصح شيء من هذا في الساكن - قاله الأصبهاني . | ومادة وسط مهموزة وغير ~~مهموزة واوية ويائية بتراكيبها الأحد عشر : وسط , وطس , سوط , سطو , طوس , ~~طسو , طيس , طسى , سيط سطأ طسأ , تدور على العدل السواء الذي نسبته إلى كل ~~جانب على التساوي , ويلزم أن يكون أعلى من غيره , لأن أكثر المخلوقات كري ؛ ~~وكل ما كان في وسط الكرة كان أعلى , ولأن كل PageV01P261 جزء بعد الوسط إذا ~~نسبته إلى الطرف الذي يليه كان ما بينه وبينه أقل مما بينه وبين الوسط ؛ ~~ويلزم العدل الجودة ويلزم العلو الغلبة والسطوة والكثرة والشدة , وقد يلزم ~~العلو الاضطراب فيأتي الاختلاط والاقتطاع والضعف ؛ فمن الأصل الوسط من كل ~~شيء أعدله , ووسط الشيء ما بين طرفيه , فإذا سكنت السين كان ظرفا أو هو ~~فيما هو مصمت فإذا كانت أجزاؤه متخلصة متباينة فبالإسكان ؛ ووسطه قطعه ~~نصفين , وتوسط بينهم عمل الوساطة وأخذ الوسط بين الرديء والجيد , ووسط ~~القوم وتوسطهم هو وسط فيهم أوسطهم نسبا وأرفعهم محلا وهو المتوسط بين القوم ~~, وواسطة الرحل ما بين قادمته وآخرته , و أوطاس واد بديار هوازن لما وصفه ~~به دريد بن الصمة من أنه لا حزن ضرس ms0290 ولا سهل دهس , أي يثقل المشي فيه بكونه ~~شبه الرمل وما هو برمل ولا تراب . | ومن الجودة وهي ملزومة لحسن الوسط ~~الباب , والصلاة الوسطى أفضل الصلوات , والطاووس طائر حسن , والجميل من ~~الرجال والفضة , والأرض المخضرة فيها كل ضرب من النبت , والمطوس كمعظم ~~الشيء الحسن , والطوس بالفتح القمر وحسن الوجه ونضارته بعد علة , وتطوست ~~المرأة تزينت , وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق كأنه من باب الإزالة و ~~بالنظر إلى أن النجوم في شدة الظلام أحسن . | ومن العلو : سطا الفرس أبعد ~~الخطو , والساطئ الفرس البعيد الخطوة والذي يرفع ذنبه في حضره , والطويل ~~وواسط الكور مقدمه , ومن الشدة والغلبة : صار الماء وسيطه غلب على الطين , ~~وسطا عليه وبه صال أو قهر بالبطش , والراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ~~ليخرج ما فيها من ماء الفحل , والفرس ركب رأسه , وساطاه شدد عليه ؛ والساطي ~~الفحل المغتلم يخرج من إبل إلى إبل , وسطأها مهموزا كمنع جامعها ؛ والوطس ~~كالوعد الضرب الشديد والكسر , والوطيس التنور وحر الحرب , والوطيس شدة ~~الأمر , وككتاب الراعي , وتواطسوا علي أي تواطحوا أي تداولوا الشر بينهم , ~~والموج تلاطم , وأوطاس واد بديار هوازن لأنه أشد مما هو رمل صرف , والسوط ~~الذي يضرب به والشدة والضرب , والمسواط فرس لا يعطى حضره إلا بالسوط , ~~والسياط قضبان الكرابب الذي عليه دماليقه أي عراجيينه والكرابب أصول السعف ~~الغلاظ العراض , وسوط أخرج ذلك , والطوس بالفتح الوطء وبالضم دوام الشيء ~~ودواء يشرب للحفظ , وطواس كسحاب ليلة من ليالي المحاق , وما أدري أين طوس ~~به أي ذهب به وطسى PageV01P262 كرضى طسا غلب الدسم على قلبه فاتخم كطسا أي ~~واويا ؛ وطسيء مهموزا أيضا كفرح وجمع طسأ وطساء فهو طسيء اتخم أو تغير من ~~أكل الدسم , وأطسأه الشبع ونفسي طاسئة ويدخل هذا في الاضطراب والاختلاط ~~والضعف . | ومن الكثرة الوسط وهي الناقة تملأ ا لإناء ويدخل في الجيد , ~~الطيس العدد الكثير , وكل ما في وجه الأرض من تراب وقمام أو خلق كثير النسل ~~كالذباب والنمل والهوام أو دقاق التراب كالطيسل في الكل وكثرة كل شيء ms0291 من ~~الرمل والماء وغيرهما ؛ وسطا الماء كثر ؛ والسويطاء مرقة كثيرة الماء , ومن ~~الاختلاط سياط ككتاب مغن مشهور ؛ وسطا الطعام ذاقه ؛ والساطئ الفحل المغتلم ~~يخرج من إبل إلى إبل , وسطا الراعي على الناقة أدخل يده في رحمها ليخرج ما ~~فيها من ماء الفحل ؛ والسوط الذي يضرب به والخلط والضرب , والسياط قضبان ~~الكراب الذي عليه دماليقه , وسوط باطل ضوء يخرج من الكوة , وسطت الشيء ~~بالسوط ضربته به , والسوط أيضا ما يخلط به كالمسواط وولد لإبليس , والمسواط ~~فرس لا يعطى حضره إلا بالسوط , واستوط أمره اضطرب واختلط , وأموالهم سويطة ~~بينهم مختلطة , والطوس بالضم دواء يشرب للحفظ , والطاووس طائر والأرض ~~المخضرة فيها كل ضرب من النبت , ومن الاقتطاع الطاس أي الإناء يشرب فيه , ~~والسوط النصيب والفضلة من الغدير . | ومن الضعف الوسط من بيوت الشعراء وهو ~~أصغرها , وطسأ كمنع مهموزا استحيى . | ولما أثبت لهم الوسط الذي من حله كان ~~جديرا بأن لا يخفى عليه شيء من الجوانب واستلزم ذلك كونه خيارا قال : { ~~لتكونوا } أي أنتم لا غيركم { شهداء } كما أفاده التعبير بهذا دون أن يقال ~~: لتشهدوا , وقال : { على الناس } أي كافة . | ولما كان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم أوسطهم قال : { ويكون الرسول } أي لا غيره بما اقتضاه اختصاصه ~~بكونه وسط الوسط { عليكم } خاصة { شهيدا } بأنكم تابعتموه وصدقتموه فكنتم ~~خير أمة أخرجت للناس , وبأنه قد بلغكم مدة حياته , فلما مات خلف فيكم كتابا ~~معجزا متواترا لا يغسله الماء ولا تحرقه النار , لأنه محفوظ في الصدور متلو ~~بالألسن إلى أن يأتي أمر الله , ولذلك عبر بأداة الاستعلاء فافهم صوغ ~~الكلام هكذا : إنهم حازوا شرفين أنه لا يشهد عليهم إلا الرسول , وأنه لا ~~يحتاج في الشهادة على سائر الأمم إلى غير شهادتهم دفعا لتوهم أن غيرهم يشهد ~~عليهم كما شهدوا عليهم , ولتوهم أن غيرهم لا يكتفى في الشهادة عليه إلا ~~بشهادة الرسول كما لم يكتف فيهم إلا بذلك . | ولما أعلم بما < # > 77 ( { سيقول السفهاء } ) 77 < # > [ البقرة : 142 ] وعلم جوابهم وبين سر التحويل بين علة التوجيه إلى ~~قبلتين بقوله ms0292 : { وما جعلنا } أي بعظمتنا التي لا يقاويها أحد . | ~~PageV01P263 { القبلة } قال الحرالي : في جملته إنباء بأن القبلة مجعولة أي ~~مصيرة عن حقيقة وراءها ابتلاء بتقليب الأحكام ليكون تعلق القلب بالله ~~الحكيم لا بالعمل المحكم , فالوجهة الظاهرة ليكون ذلك علما على المتبع عن ~~صدق فيثبت عند تقلب الأحكام بما في قلبه من صدق التعلق بالله والتوجه له ~~أيان ما وجهه , وعلى المجيب عن غرض ظاهر ليس يسنده صدق باطن فيتعلق من ~~الظاهر بما لا يثبت عند تغيره - انتهى . | وبين أنها الأولى بقوله : { التي ~~كنت عليها } وبين أن العلة ا لتمييز بين الناس بقوله : { إلا لنعلم } أي ~~بما لنا من العظمة بالجنود والرسل وغيرهم حين وجود الأمر بالتحول عنها { من ~~يتبع الرسول } في كل ما يأمر به اتباعا دالا على تمكن إيمانه { ممن ينقلب } ~~أي يرتد فيدبر بعد إقباله متنكسا { على عقبيه } علما متعلقا بموجود تقوم به ~~الحجة في مجاري عاداتكم , والعقب مؤخر القدم . | وقال الحرالي : لنجعل علما ~~ظاهرا على لاصادق وغيره يشتمل العلم به من علم الغيب قبل كونه وبعد كونه , ~~ومن لم يعلم الغيب إلا عن علم بما ينبئني عنه نون الاستتباع فهذا وجهه ووجه ~~ما يرد من نحوه في القرآن والسنة - انتهى . | ثم بين شدتها على من أخلد إلى ~~العادة لغلبة القوة الجيوانية البهيمية ولم يتمرن في الانقياد للأوامر ~~الإلهية على خلع الإلف وذل النفس فقال : { وإن كانت } أي الجعلة { لكبيرة } ~~أي ثقيلة شاقة جدا لأن مفارقة الألف بعد كمأنينة النفس إليه أمر شاق جدا , ~~ثم استثنى من أيده سبحانه بروح منه وسكينة فقال : { إلا على الذين هدى الله ~~} أي خلق الذي له الأمر كله الهداية في قلوبهم فانقادوا لما هداهم إليه ~~بنصيب الأدلة . | ولما كان قبولهم لهذا الأمر وثباتهم عند تغير الأحكام ~~إنما كان عن إيمان وعلم محيط جعل الله عز وجل أعمالهم وتوجههم للقبلة ~~الأولى من الإيمان فقال : { وما كان الله } الذي له الكمال المطلق { ليضيع ~~} قال الحرالي : مما منه الضياع والضيعة وهو التفريط فيما له غناء وثمرة ms0293 ~~إلى أن لا يكون له غناء ولا ثمرة { إيمانكم } أي المصرح به في قولكم : < # > 77 ( { آمنا بالله } ) 77 < # > [ البقرة : 8 ] المشار إلى صدق الدعوى فيه بقولكم : < # > 77 ( { ونحن له مخلصون } ) 77 < # > [ البقرة : 139 ] في شيء من الأشياء لا في صلاتكم إلى القبلة الأولى , ~~ولا في تمييز الصادق منكم من المنافق بالامتحان بتغيير الأحكام من القبلة ~~وغيرها ولا في اختصاصكم به سبحانه دون أهل الكتاب الجاحدين لآياته الناكبين ~~عن مرضاته الناكثين لعهوده . | ولما نزه نفسه المقدسة عن جميع هذه الإضاعة ~~علل ذلك بما هو أعم فقال : { إن الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { ~~بالناس } أي الذين هم أعم من المؤمنين PageV01P264 وغيرهم ممن ينوسون بين ~~حال الهدى والفتنة { لرؤوف } أي فيرحم من يشاء ممن توصل إليه بعمل صالح ~~رأفة منه به , فإن الرأفة كما قال الحرالي في التفسير عطف العاطف على من لم ~~يجد عنده منه وصلة , فهي رحمة ذي الصلة بالراحم , قال : والرحمة تعم من لا ~~صلة له بالراحم , وقال في شرح الأسماء : إن المرؤوف به تقيمه عناية الرأفة ~~حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما يستدعى العفو لأجله على علنه - انتهى . # وذلك مقتضى لكونها أشد الرحمة وأبلغها وألطفها كما قالوه { رحيم } لمن ~~يشاء ولولم يكن منه سعي في الوصلة فتقتلعه من ذنوبه اقتلاعا أشد ما كان بها ~~اعتلاقا فتقيمه فيما ترضاه الإلهية وذلك مع موافقته لما قاله العلماء ترق ~~من العالي إلى الأعلى , فإن رحمة من لا سبب منه تقتضي العطف عليه أبلغ في ~~نوعها من حيث كونها ابتداء والأولى أبلغ في نفسها لما اقتضاها من السبب , ~~فإن كان المراد بالناس العرب فهو بشارة له صلى الله عليه وسلم بأنه يقر ~~عينه بجعلهم من حزبه بالتثبيت لمن كان إذ ذاك مقبلا والإقبال لمن كان مدبرا ~~. | وإن كان المراد أعم منهم فهو بشارة باتباع أكثر الخلائق له صلى الله ~~عليه وسلم , فإذا نزل عيسى عليه السلام وقع العموم الحقيقي في الطريق ~~المحمدي باتباع الكل له صلى الله عليه وسلم والله أعلم ms0294 ؛ ويجوز أن يكون ~~تعليلا للكلام من أوله فيكون المعنى أن صفتي رأفته ورحمته مقتضيتان للتمييز ~~بين المؤمنين وغيرهم للعدل بين الناس , لأن تسوية المصلح بالمفسد يؤلم ~~المصلح وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر براءة ما ينفع استحضاره هنا . | ~~ولما أشعر الكلام السابق أهل البلاغة بإحداث أمر في القبلة فتوقعوا الخبر ~~عن ذلك وبين رأفته ورحمته بالناس عموما بين ذلك برسوله خصوصا بأن تحويله ~~إلى الكعبة رأفة منه به ورحمة له مع ما تقدم من فوائده فقال تعالى : { قد ~~نرى تقلب وجهك } قال الحرالي : فيه نبأ إسماع لمن يرتقب أمرا أو خبرا يفيد ~~مع المستقبل ندرة الوقوع , ففيه إعلام بأن النبي صلى الله عليه وسلملما ~~انطوى ضميره على إرادة التوجه للكعبة التي هي قيام للناس حين كان هو رسولا ~~لكافة الناس وكان صلى الله عليه وسلم على ملة أبيه إبراهيم عليه السلام ~~يكتفي بعلم الله به عن مسألته , لأن الدعاء للطالبين قضاء حاجة وللمكتفين ~~بعلم الله عبادة أجاب الله تقلب وجهه على قلة وقوع ذلك منه على ما تشعر به ~~{ قد } بالتقليل للتقلب وللرؤية { في السماء } فيه إعلام بما جعله من ~~اختصاص السماء بوجه الداعي , كما اختص غيب القلوب بوجهه المصلي , فالمصلي ~~يرجع إلى غيب قلبه , ولا يرفع طرفه إلى السماء ( ولينتهين أقوام عن رفع ~~أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم ) PageV01P265 والداعي ~~يتوجه إلى السماء ويمد يديه كما قال : ( حتى رأينا عفرة إبطيه ) - انتهى ~~ملخصا . | { فلنولينك } أي فتسبب عن تلك الرؤية أنا نوليك من غير شك { قبلة ~~} قال الحرالي : نكرها لما كان من ورائها قبلة التوجه العام في تنقله , ~~فتلك هي القبلة التي هي توجه لوجه الله لا توجه لمنظر باد من خلق الله , ~~فكان متسع القبلة ما بين اختصاص القبلة الشامية إلى قيام القبلة الحجازية ~~إلى إحاطة القبلة العامة الآفاقية ؛ وفي قوله : { ترضاها } إنباء بإقراره ~~للتوجه لهذه القبلة , لأن الرضى وصف المقر لما يريد , فكل واقع بإرادة لا ~~يكون رضى إلى أن يستدركه الإقرار , فإن تعقبه الرفع ms0295 والتغيير فهو مراد غير ~~مرضي - انتهى . | ودل على أن مرضيه الكعبة بفاء السبب في قوله : { فول وجهك ~~} , وأما قلبك فإنما توجهه إلى الله , الغيب للغيب والظاهر للظاهر , { شطر ~~} أي عين { المسجد } كما استدل الشافعي رحمه الله في الرسالة على ذلك بجملة ~~من أشعار العرب وقال : وهذا كله من أشعارهم يبين أن شطر الشيء قصد عين ~~الشيء , إذا كان معاينا فبالصواب وإن كان مغيبا فبالاجتهاد { الحرام } ~~وتعبيره بهذا دون الكعبة فيه توسعة . | قال الحرالي : سماه الله حراما على ~~من يدخله دخول متكبر أو متحير - انتهى . | وعن الإمام الماوردي أن كل موضع ~~ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا هذا فالمراد به الكعبة - ~~انتهى . | وعبر عنه بذلك لأن السياق للصلاة التي أعظم مقصودها السجود , ~~وسيأتي عند < # > 77 ( { يسألونك عن الشهر الحرام } ) 77 < # > [ البقرة : 217 ] زيادة على هذا , وفي الموطأ عن سعيد بن المسيب أنه ~~قال : ( صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قدم المدينة ستة عشر شهرا ~~PageV01P266 نحو بيت المقدس , ثم حولت القبلة قبل بدر بشهرين ) ولما بشره ~~سبحانه بالتحويل أولا وأوقع المبشر به ثانيا أشار إلى بشارة ثالثة بتكثير ~~أمته ونشرهم في أقطار الأرض فجمعهم إليه في قوله : { وحيث ما كنتم } أي من ~~جهات الأرض التي أورثكم إياها { فولوا وجوهكم شطره } بتوجيه قبولكم إلي . | ~~ولما حرر ذلك وقرره بين أن العائبين لدينه بذلك من أهل الكتاب عالمون بحقية ~~هذا التحويل وأنه من أعلام نبوته فقال : { وإن الذين أوتوا الكتاب } أي من ~~اليهود والنصارى , ولم يصفهم هنا بالسفه لإثبات العلم في قوله : { ليعلمون ~~أنه } أي هذا التحويل { الحق } أي ليس بعده في أمر القبلة حق آخر يرفعه ~~أصلا { من ربهم } أي المحسن إليهم بإرسال هذا الرسول الذي يرفع عنهم إصرهم ~~وكانوا ينتظرون رسالته , فعندما أتاهم ردوا رحمته , وجعل ذلك سبحانه في ~~سياق مهدد له مرج له ولأتباعه تسلية لهم وتثبيتا وتقوية لعزائمهم وتمكينا ~~حيث ختم الآية بقوله : { وما الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { بغافل ~~عما يعملون ms0296 } قال الحرالي : بالياء أي التحتانية إعراضا عنهم , وبالتاء ~~إقبالا عليهم , ففيه إنباء بتماديهم على سوء أحوالهم في رتبتين : في متماد ~~على سوء هدد فيه لما أقبل عليه , وفي متماد على أسوأ منه أوجب في تهديده ~~الإعراض عنه والإقبال على غيره ممن لم يصل في السوء والمكائدة إلى ما وصل ~~إليه المعرض عنه . | < < # | البقرة : ( 145 - 151 ) ولئن أتيت الذين . . . . . # > > ^ ( ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ومآ أنت ~~بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جآءك ~~من العلم إنك إذا لمن الظالمين * الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون * الحق من ربك فلا تكونن ~~من الممترين * ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم ~~الله جميعا إن الله على كل شيء قدير * ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون * ومن حيث خرجت فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس ~~عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم PageV01P267 واخشوني ولأتم ~~نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون * كمآ أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم ~~آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما أطمع أول الآية في أهل الكتاب وقطع عنهم آخرها صرح بما لوح إليه ~~هذا الأخير وأعلمه صلى الله عليه وسلم بعاقبة أمرهم وأنه لا اتفاق بينه ~~وبينهم أصلا ولا اتفاق بين فريقيهم مع كون الكل من بني إسرائيل ليريحه صلى ~~الله عليه وسلم من التطلع إلى هدى بعضهم فقال تعالى : { ولئن أتيت الذين ~~أوتوا } بناه للمجهول تنبيها على هوانهم { الكتاب } أي من اليهود والنصارى ~~{ بكل آية } أي من الآيات المسموعة مرغبة ومرهبة ومن الآيات المرئية مغربة ~~ومقربة { ما تبعوا قبلتك } أي هذه التي حولت إليها وكنت الحقيق بها لكونها ~~قياما للناس كما أنت رسول إلى جميع الناس , لأن إعراضهم ليس عن شبهة ms0297 إذا ~~زالت زال بل عن عناد . | ثم أومأ إلى أنهم ينصبون له الحبائل ليعود ولو ~~ساعة من نهار إلى قبلتهم ليقدحوا بذلك فيه فقال : { وما أنت بتابع قبلتهم } ~~ثم أشار إلى عيبهم باختلافهم وتفرقهم مع نهيهم عنه فقال : { وما بعضهم } أي ~~أهل الكتاب { بتابع قبلة بعض } مع تقاربهم في النسب , وذلك حثا للعرب على ~~الثبات على مباعدتهم والحذر من مخادعتهم . | ولما كان دينهم قد نسخ أعلم ~~سبحانه بأن ثباتهم على قبلتهم مع ذلك مجرد هوى فقال منفرا للأمة عنهم ~~ومحذرا لهم منهم بخطاب الرأس ليكون ذلك أدعى لقبول الاتباع { ولئن اتبعت ~~أهواءهم } . | ولما كان هذا السياق لأمر القبلة فقط قال : { من بعد ما جاءك ~~من العلم } قال الحرالي : فأبهمه ولم يكن نحو الأول الذي قال فيه ( بعد ~~الذي ) لظهور ما ذكر في الأول وخفاء ما وقعت إليه الإشارة في هذا وجاءت فيه ~~( من ) التي هي لابتداء من أولية لخفاء مبدأ أمر ما جاء من العلم هنا وظهور ~~ذلك الأول , لأن ذلك كان في أمر الملة التي مأخذها العقل , وهذه في أمر ~~التوجيه الذي مأخذه الدين والغيب , قال الحرالي : قال تعالى : { إنك إذا ~~لمن الظالمين } على حد ما ذكر من أنه من لمح لمحا من وصف كان من الموصوف به ~~بألطف لطف ووصف كل رتبة بحسبها , فما يرفع عنه النبي صلى الله عليه وسلم من ~~باب إظهار رغبته وحرصه على هداية الخلق الذي جبل على الرحمة فيه وطلب ~~المسامحة في التقاصر عنه نظرا منه إلى حق الله تعالى ومضمون وصية الله ~~تعالى له حين أوصاه بغير ترجمان ولا واسطة أن يصفح عمن ظلمه ويصل من قطعه , ~~فكان صلى الله عليه وسلم يطلب وصل المنقطع عنه حتى يعلن عليه بالإكراه في ~~ترك ذلك وودعه فيجيبه حكما وإن كان معه علما , ومنه قوله : ( اللهم اغفر ~~لقومي فإنهم لا يعلمون ) ففي طي كل PageV01P268 خطاب له يظهر الله عز وجل ~~فيه إكراهه على أخذ حكم الحق وإمضاء العدل أعظم مدحة له والتزام لوصيته ~~إياه , فهو ms0298 ممدوح بما هو مخاطب بخطاب الإكراه على إمضاء العدل والاختصار في ~~أمر رحمته للعالمين , فرفعه الله أن يكون ممن يضع رحمة في موضع استحقاق وضع ~~النقمة , فذلك الذي بجمع معناه بين متقابل الظالمين فيمن يضع النقمة موضع ~~الرحمة فيكون أدنى الظلم , أو من يضع الرحمة في موضع النقمة فيكون منه ~~بتغيير الوضع بوضع الفضل موضع العدل ؛ وعلى ذلك جميع ما ورد في القرآن من ~~نحو قوله : { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرءون الكتاب من ~~قبلك لقد جاءك الحق من ربك } أي في إمضاء العدل < # > 77 ( { فلا تكونن من الممترين } ) 77 < # > [ يونس : 94 ] في طلب الفضل لأهل العدل فإن الله يمضي عدله كما يفيض ~~فضله , وكذلك قوله : < # > 77 ( { عبس وتولى أن جاءه الأعمى } ) 77 < # > [ عبس : 1 - 2 ] فيه إظهار لمدحته بحرصه على تألف الأبعدين ووصل ~~القاطعين حتى ينصرف عنهم بالحكم وإشادة الإكراه عليه في ذلك , فلا ينصرف عن ~~حكم الوصية إلى حكم الكتاب بالحق إلا عن إشادة بإكراهه عليه , فهو محمود ~~بما هو منهي عنه , لأن خطابه أبدا في ذلك في القرآن فيما بين الفضل والعدل ~~, وخطاب سائر الخلق جار فيما بين العدل والجور , فبين الخطابين ما بين درج ~~العلو , ودرك السفل في مقتضى الخطابين المتشابهين في القول المتباينين في ~~العلم - انتهى . | وسيأتي في قوله تعالى : < # > 77 ( { عفا الله عنك لم أذنت لهم } ) 77 < # > [ التوبة : 43 ] في سورة التوبة ما يوضحه . | ولما ختم الخطاب بالإشارة ~~بقوله : { أهواءهم } إلى علمهم بحقية هذا التحويل تلويحا كما فتحه بالإعلام ~~به تصريحا كر على تأكيد الإعلام بما هم عليه في أمرها من التحقق إشارة إلى ~~ما تبطنوه من العناد الموجب للتمادي في الفساد فقال مضمرا له على وجه يصلح ~~أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم معظما لهذه المعرفة بإسناد الإيتاء إليه ~~سبحانه : { الذين آتيناهم } أي بما لنا من العظمة التي هم بها عارفون { ~~الكتاب يعرفونه } أي التحويل المتضمن لزيادة تحققهم لصدق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وكمال علمهم به { كما ms0299 يعرفون أبناءهم } لا يشكون في حقية ذلك ~~بوجه لظهور دلائله عندهم , لأنهم يعرفون الرسول صلى الله عليه وسلم بجميع ~~PageV01P269 نعوته معرفة لا يكون فيها لكونها عن الله الذي لا خلف في قوله ~~, فبذلك صاروا يعرفون صحة هذا التحويل هذه المعرفة , وذلك كما أنهم لا ~~يشكون في شيء مما تقع به المعرفة لأبنائهم لشدة ملابستهم لهم ؛ والحاصل أن ~~معرفتهم بنبوته تزيدهم في المعرفة بحقية التحويل بصيرة لأنه من نعته , ~~ومعرفتهم بأمر التحويل يثبتهم في حقية نبوته لكونه مما ثبت منها , ولذلك ~~قال الحرالي : في إنبائه تحققهم بعيان ما ذكر لهم من أمره , لأن العارف ~~بالشيء هو الذي كان له به إدراك ظاهر بأدلة ثم أنكره لاشتباهه عليه ثم عرفه ~~لتحقق ذكره لما تقدم من ظهوره في إدراكه , فلذلك معنى المعرفة لتعلقها ~~بالحس وعيان القلب أتم من العلم المأخوذ عن علم بالفكر ؛ وإنما لم تجز في ~~أوصاف الحق لما في معناها من شرط النكرة , ولذلك يقال المعرفة حد بين علمين ~~: علم على تشهد الأشياء ببواديها , وعلم دون يستدل على الأشياء بأعلامها ؛ ~~وفيه أي التشبيه بالأبناء إنباء باتصال معرفتهم به كيانا كيانا إلى ظهوره , ~~ولو لم يكن شاهده عليهم إلا ارتحالهم من بلادهم من الشام إلى محل الشدائد ~~من أرض الحجاز لارتقابه وانتظاره < # > 77 ( { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } ) 77 < # > [ البقرة : 89 ] وأجرى المثل بذكر الأبناء لاشتداد عناية الوالد بابنه ~~لاعتلاقه بفؤاده , ففيه إنباء بشدة اعتلاقهم به قبل كونه { وإن فريقا منهم ~~} أي أهل الكتاب { ليكتمون الحق } أي يخفونه ولا يعلنونه . | ولما كان لا ~~يلزم من ذلك علمهم به ولا يلزم من علمهم به استحضاره عند الكتمان قال : { ~~وهم يعلمون } أي إنه حق وأنهم آثمون بكتمانه , فجعلهم أصنافا : صنفا عرفوه ~~فاتبعوه , وصنفا عرفوه فأنكروه كما في إفهامه وفريقا علموه فكتموه ؛ وفي ~~تخصيص هذا الفريق بالعلم إشعار بفرقان ما بين حال من يعرف وحال من يعلم , ~~فلذلك كانوا ثلاثة أصناف : عارف ثابت , وعارف منكر هو أردؤهم , وعالم كاتم ~~لاحق به ؛ وفي مثال يكتمون ms0300 ويعلمون إشعار بتماديهم في العالم وتماديهم في ~~الكتمان . | ولأن هذا المجموع يفيد قهر الحق للخقل بما شاء منهم من هدى ~~وفتنة لتظهر فيها رحمته ونقمته وهو الحق الذي هو ماضي الحكم الذي جبلة محمد ~~صلى الله عليه وسلم تتقاضى التوقف فيه لما هو عليه من طلب الرحمة ولزوم حكم ~~الوصية خاطبه الحق بقوله : { الحق } أي هذا التفريق والتصنيف الموجب ~~لعمارات درجات الجنة وعمارات دركات النار هو الحق , أو يكون المعنى : الحق ~~الذي أخبرت به في هذه السورة أو الآيات , أو جنس الحق كائن { من ربك } أي ~~المحسن إليك بطرد من يضر اتباعه كما هو محسن إليك بالإقبال بمن ينفع اتباعه ~~{ فلا تكونن من الممترين } فيما فسر نحوه من اشتباه المرتبتين الواقعة منه ~~فيما بين الفضل والعدل والواقعة من غيره فيما بين الجور والعدل انتهى . | ~~وفيه PageV01P270 زيادة وتغيير , وفي تأكيد الأمر تارة بالعلم وتارة ~~بالمعرفة وتارة بغيرهما تأكيد لوجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم وإزاحة لما ~~يلقيه السفهاء العالمون به من الشبه . | قال الحرالي : والممتري من ~~الامتراء وهو تكلف المرية وهي مجادلة تستخرج السوء من خبيئة المجادل , من ~~امتراء ما في الضرع وهو استيصاله حلبا , ولأنه حال الشاك ربما أطلق عليه . ~~| ولما بين أن أحدا من هؤلاء الفرق لا يتبع قبلة الآخر وتضمن ذلك أن لكل ~~منهم قبلة وقرر أن ذلك من أهل الكتاب علىوجه العناد أثبت ما تضمنه الكلام ~~السابق على وجه أعم منه وسبب عنه النتيجة فقال تعالى : { ولكل } أي لكل ~~فريق من المذكورين وغيرهم { وجهة } أي مقصد يقصده ويوجه وجهه إليه ويقبل ~~بقلبه عليه من القبلة للصلاة وغيرها من جميع المقاصد { هو موليها } إن كسر ~~اللام كان المعنى هو متوليها أي فاعل التولي أي مائل إليها بوجهه لأن ~~المادة تدور بكل ترتيب على الميل كما يأتي إن شاء الله تعالى في آخر ~~الأنفال , فيكون ولي بمعنى تولى كقدم بمعنى تقدم , ومن المعلوم الفرق بين ~~تولاه وتولى عنه , وإن فتح فالمعنى : هو ممال إليها . | قال الحرالي : وفي ~~قراءة موليها ms0301 - بالكسر - إشعار باختلاف جبلات أهل الملل وإقامةكل طائفة ~~منهم بما جبلت عليه , وفي قراءة ( مولاها ) إظهار حقيقة ذلك وأنه ليس ذلك ~~منهم بل بما أقامهم فيه المولى لهم حيث شاء , وأبهم فيه المولى لما كان في ~~طوائف منهم حظ هوى , وهو من التولية وهو ما يجعل مما يلي الجسد , أو القصد ~~أي يكون ميالا بين يديه ملاصقا له - انتهى . | ولما كان فعلهم هذا إنما هو ~~لأجل تزكية النفس وخلاصها وكان ذلك لا يحصل إلا بفعل الخير واجتناب الشر ~~سبب عنه قوله : { فاستبقوا الخيرات } أي فاجعلوا أنتم مقصدكم أنواع الخير ~~من القبلة وغيرها وتسابقوا في قصدكم إليها , أي كانوا في المبادرة إلى ~~أفعال الخير كمن يسابق خصما فهو يجتهد فس سبقه , فإن الاستباق تكلف السبق ~~والسبق بروز أحد المتحاربين , ثم حثهم على ذلك وحذرهم من تركه بقوله على ~~وجه التعليل : { أين ما تكونوا } أي من الجهات التي استبقتم إليها الحسية ~~والمعنوية { يأت بكم الله } أي الملك الأعظم { جميعا } منها إليه في يوم ~~البعث , ثم علل هذه العلة بقوله : { إن الله } أي الذي له الأمر كله { على ~~كل شيء قدير } وفي ذكر البعث هنا معادلة بين القبلتين : قبلة أهل الفضل ~~الأمة الوسط التي جعلت محل الأمن , والقبلة الأولى , قال الحرالي : من حيث ~~يرد الخلق في البعث إلى موطن القبلة السابقة من أرض الشام , فيكون موطن ~~الحق والعدل أولى القبلتين بذلك , لأن أعلى القبلتين موطن أمنة من حيث إن ~~من دخله كان آمنا , فكان المحشر إلى قبلتهم الأولى التي هي بداية الأمر ~~PageV01P271 ليطابق الآخر من القبلتين الأولى من حيث كان الآخر في الدنيا ~~للفضل والأول في الآخر للعدل ومن الدعوتين من حيث كانت الدعوة الأولى في ~~الأول حكما وعلما والإتيان الآخر في العقبى قهرا وملكا . | ولما عظم في شأن ~~القبلة انتشار أقوالهم في تنويع شغبهم وجدالهم وكانوا أهل علم وكتاب , وقد ~~مرت لهم دهور وهو موسومون بأنهم على صواب , فاشرأب لذلك النفاق , ودارت رحى ~~الباطل والشقاق , وقامت سوق الفسوق فيما هنالك على ساق ms0302 , كان الحال مقتضيا ~~لمزيد تأكيد لأمرها تعظيما لشأنها وتوهية لشبه السفهاء فقال تعالى ثانيا ~~معبرا بعبارة مشعرة بإمامته صلى الله عليه وسلم وانتظار المصلين له , { ومن ~~حيث خرجت } أي للصلاة المفروضة باتباعك من هذه الجهة التي أنت بها الآن ~~بالمدينة الشريفة التي هي شمال الكعبة المشرفة أو من غيرها من الجهات من ~~الشرق والغرب والجنوب { فول وجهك شطر } أي عين { المسجد الحرام } وأما قلبك ~~فهو إلى الله ولما كان التقدير فإنك مأمور بذلك لئلا يظن أن ذلك إنما عمل ~~لتطلعه صلى الله عليه وسلم إليه وهو فيه بالخيار فيظن أن الرجوع إلى القبلة ~~الأولى مصلحة لما انتشر في ذلك من الكلام الذي نفذ في القلوب نفوذ السهام ~~عطف عليه قوله : { وإنه للحق من ربك } مؤكدا له بأنواع التأكيد مضيفا له ~~إلى صفة الإحسان بإحسان التربية والنظر في أدبار الأمور وأحكامها . | ولما ~~كان التقدير : وإن ربك عالم بما قالوا من الشبه التي دارت بين الناس وخيفت ~~عاقبتها عطف عليه ما هو أعم منه فقال : { وما الله } أي الذي له الإحاطة ~~الكاملة { بغافل عما } أي عن شيء مما { يعملون } أي السفهاء من اليهود ~~وغيرهم في مستقبل الزمان فيوهيه ويبطل أذاه ويرميه ويبعده ويقصيه , وعلى ~~قراءة الخطاب أنتم في هذا الوقف وبعده فيغلبه ويثبته ويبقيه إن كان خالصا ~~لوجهه وإلا جعله هباء منثورا . | قال الحرالي : ومن التفت بقلبه في صلاته ~~إلى غير ربه لم تنفعه وجهة وجه بدنه إلى الكعبة , لأن ذلك حكم حق حقيقته ~~توجه القلب ومن التفت بقلبه إلى شيء من الخلق في صلاته فهو مثل الذي استدبر ~~بوجهه عن شطر قبلته , فكما يتداعى الإجزاء الفقهي باستدبار الكعبة حسا ~~فكذلك يتداعى القبول باستدبار وجه القلب عن الرب غيبا , فلذلك أقبل هذا ~~الخطاب على الذين آمنوا والذين أسلموا , لأنه هو صلى الله عليه وسلم مبرأ ~~عن مثله - انتهى . | { ومن حيث خرجت } أي من بقاع الأرض للصلاة بأمتك { فول ~~وجهك } أي اجعله يلي { شطر } أي عين { المسجد الحرام } . ولما تقرر بما ~~تكرر أن ms0303 هذا التحويل فرض في حقه صلى الله عليه وسلم حتم لا فتور عنه ولا | ~~PageV01P272 رخصة فيه إلا ما استثنى في النفل أدخل معه أمته ليعمهم الحكم ~~وربأ بمنصبه المنيف وقدره الشريف عن أن يكون لأحد عليه ما يسمى حجة بحق أو ~~باطل فقال : { وحيث ما كنتم } أي أيتها الأمة من جميع جهات الكعبة في جميع ~~أقطار الأرض الدانية والقاصية . | قال الحرالي : وذكر في أمته بالكون لا ~~بالخروج إشعارا يتقاصر الأمة عن علو أحوال الأئمة وأن حال الأمة في خلوتهم ~~كحالهم في جولتهم - انتهى . | { فولوا وجوهكم } أي اجعلوها والية { شطره } ~~للصلاة . | قال الحرالي : وفيه إشعار يلحظ صحة صلواتكم فرادى وفي بيوتكم , ~~كما قال : إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت في أهلك , قخلافه هو صلى ~~الله عليه وسلم فإن صلاته لا تقع إلا جمعا من حيث إنه يصلي لهم وأنه إمام ~~لا تقع صلاته فذا - انتهى . | ولما كان ربما ظن أن الرجوع إلى القبلة ~~الأولى يزيل الكلام بين سبحانه وتعالى أن الأمر بخلاف ذلك فقال : { لئلا ~~يكون للناس } أي لأحد منهم { عليكم حجة } بأن يقولوا : النبي المبشر به ~~يستقبل بيت إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم لا يتحول عنه وهذا لم يفعل , أو ~~يقولوا : ما جاء بشيء جديد وإنما هو تبع لنا في قبلتنا . | ولما كانت الحجة ~~كلاما ينشأ عن مقدمات يقينية مركبة تركيبا صحيحا وقع الاستثناء باعتبار ~~تلبس المستثنى بجزء المعنى الذي نفى عن المستثنى منه بدلالة التضمن فهو ~~قريب من الاستخدام فقال : { إلا الذين } أي الناس الذين { ظلموا منهم } ~~فإنهم لعنادهم ولددهم لا يرجعون إلى الحق الذي يعرفونه بل يكون لهم عليكم ~~مجرد كلام هو مادة الحجة لا حجة بما دل عليه وصفهم بالظلم الذي هو وضع ~~الشيء في غير محله كما هو شأن كل ماش في مأخذ الاشتقاق الذي هو الظلام , ~~ويكون الاستثناء على هذا منقطعا بمعنى : لئلا يحتج أحد عليكم لكن الذين ~~ظلموا يقولون أو يظهرون فجورا ولددا في ذلك كلاما يسمونه حجة , ولعل السر ~~في ms0304 تصويره على تقدير الانقطاع بصورة الاستثناء الحث على الثبات على أمر ~~الله سبحانه وتعالى والإعراض عمن خالفه نظرا إلى ما تأصل من إبطاله ~~واستحضارا لما ظهر من فاسد أحواله وإن أبدى من الشبه ما يخفى أمره ويصعب ~~على بعض المحقين حله حتى يظن حجة ؛ ويجوز أن يراد بالحجة أعم من القطعي ~~والظني فيكون الاستثناء متصلا , قال السفاقسي : ومثار الخلاف هل الحجة ~~PageV01P273 الدليل الصحيح والاستثناء منقطع أو الاحتجاج والخصومة فهو متصل ~~- انتهى . | ووصفها بالاستعلاء عليهم لما يحصل بها من الأذى بدلالتها على ~~العداوة والشقاق لا بتغييرها في وجه شيء من الأدلة , و { الذين ظلموا } إن ~~أريد بهم اليهود فهم يقولون : ما رجع إلى الكعبة إلا محبة لبلده , ولو كان ~~في قبلتنا على أمر من الله سبحانه ما تحول عنه , وإن كان المشركين فهم ~~يقولون : قد استقبل بلدكم ومسجدكم فيوشك أن يدين دينكم . | ولما نفى عن أهل ~~هذه القبلة بالثبات عليها كل سبيل تسبب عنه قوله : { فلا تخشوهم } أي في ~~هذا الأمر ولا غيره , فإني أريد عنكم كيدهم وأوهن أمرهم . | ولما تبين ~~أحكام فعله ومضى ما يريد من ربطه وحله حثهم على لزوم هذه القبلة محذرا من ~~مخالفته في شيء من الأشياء فقال : { واخشوني } ثم عطف على علة الاستقبال ~~قوله : { ولأتم } أي بهذا الدين المفيد لعز الدارين ونعيمها الذي من جملته ~~هذا الاستقبال { نعمتي عليكم } بالتمكين من الحجج وغيره من أمور الدين حين ~~أنزل عليكم آية < # > 77 ( { اليوم أكملت لكم دينكم } ) 77 < # > [ المائدة : 3 ] كما أتممتها على إبراهيم خليلي صاحب هذا البيت الذي ~~وجهتكم إليه . | قال الحرالي : وفي طيه بشرى بفتح مكة واستيلائه على جزيرة ~~العرب كلها وتمكنه بذلك من سائر أهل الأرض لاستغراق الإسلام لكافة العرب ~~الذين فتح الله بهم له مشارق الأرض ومغاربها التي انتهى إليها ملك أمته - ~~انتهى . | { ولعلكم تهتدون } أي ولتكونوا على رجاء عند أنفسكم ومن يراكم ~~ممن لا يعلم العواقب من أن تهتدوا إلى الثبات على هذه القبلة وغيرها من أمر ~~هذا الدين سبب خشيتي فإنها جالبة ms0305 لكل خير ودافعة لكل ضير . | قال الحرالي : ~~وفي كلمة { لعل } على ما تقدم إبهام يشعر بتصنيفهم صنفين : مهتد للثبات على ~~السنة , ومتغير فيه بوجه من وجوه البدعة , لما ذكر من أن ما هو للخلق تردد ~~فهو من الحق تقسيم وإبهام في تعيين ذلك التقسيم والتصنيف , ففيه إعلام لقوم ~~بالاهتداء الدائم بما تفهمه صيغة الدوام وإشعار بانقطاع قوم عن ذلك التمادي ~~بما يفهمه ما هو للخلق بموضع الترجي , وفي طيه إشعار باستبدادهم بالأمر بعد ~~وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وانقسامهم فيه بين ثابت عليه دائم الاهتداء ~~فيه ومتغير عنه كما ظهر فيما كان من ثبات من ثبت بعده وردة من ارتد - انتهى ~~. | { كما } أي وجهناكم إلى الكعبة لهذه العلل { أرسلنا } أي بعظمتنا { ~~فيكم } لأجل ذلك بعينه ولئلا تقولوا ما كانوا يقولون من أنكم لا حرمة لكم ~~لإشراككم ولا إثم على من آذاكم فيتم عليكم النعمة بإرسال من يستنقذكم ~~اتباعه من الجهل والذل في الدنيا ومن العذاب في الأخرى { رسولا } متصفا ~~بأنه { منكم } تعرفون من صفته العلية وهممه الشم الحاملة على اتباعه ~~والتيمن برأيه ما لا يعرفه غيركم { يتلوا عليكم آياتنا } الحافظة لمن رعاها ~~حق رعايتها على الصراط المستقيم PageV01P274 عوضا من تناشدكم الأشعار . | ~~قال الحرالي : وفيه أخذهم بما هو في طباعهم من إيثار أمر السمع على أمر ~~العين الذي عليه جبلت العرب , لأنها أمة تؤثر مسموع المدح والثناء من الخلق ~~على ما تناله من الراحة فتجهد في طلب الثناء من الخلق ما لم تجهد أمة غيرها ~~, فكيف بها إذا كان ما دعيت إليه ثناء الحق عليها وتخليد ذلك لها في كلام ~~هو كلام ربها . | فتنال بذلك ما هو فوق مقصودها مما جبلت عليه من إيثار ~~السماع علىا لعين بخلاف ما عليه سائر الأمم ؛ ثم قال : وفيه إغناء العرب عن ~~إعمال أفكارها في تكسب العلم والحكمة لتستخرج منه أحكاما , فكان في تلاوة ~~الآيات عليهم إغناؤهم عن الاستدلال بالدلائل وأخذ الأمور بالشواهد وتولي ~~الله ورسوله تعليمهم ليكون شرف المتعلم بحسب علاء من علمه ms0306 , ففضل علماء ~~العرب على سائر العلماء كفضل النبي صلى الله عليه وسلم على معلمهم ممن سواه ~~صلى الله عليه وسلم . | انتهى . | ولما كان السياق لفعل من الأفعال وهو ~~التوجه إلى البيت للصلاة وكانت الصلاة أعظم مطهر للقبول من أوضار الأدناس ~~قدم قوله : { ويزكيكم } أي يطهركم في أقوالكم وأفعالكم وينميكم بإنعاش ~~قلوبكم لتشرف بالمعاني الصالحة والأخلاق الطاهرة الموجبة للفوز الدائم ~~والنجاة عما دنس اليهود وأوجب لهم الضلال من مرض القلب بإنكار النسخ وكتم ~~الحق وإفشاء الباطل المثمر مع الضلال للإضلال . | قال الحرالي : أنبأهم بأن ~~هذا التنزيل لأنفسهم بمنزلة الغذاء للأبدان , فكما تتنامى أجسادهم بماء ~~المزن وما منه فكذلك تتنامى أنفسهم بأحكام الكتاب وتلاوة الآيات , وذلك ~~زكاؤها ونماؤها , لتتأكد فيه رغبتهم , لأن للمغتذي رغبة في الغذاء إذا ~~تحققه , فمن علم أن التزام الأحكام غذاء لنفسه حرص عليها , ومتى نمت النفس ~~وزكت قويت على ما شأنها أن تناله قواها , كما أن البدن إذا قوي بالغذاء ~~تمكن مما شأنه عمله - انتهى . | { ويعلمكم الكتاب } المقيم للدين والدنيا . ~~| قال الحرالي : أي الفقه فيه { والحكمة } دقائق الإشارات الشافية لأمراض ~~القلوب المانعة من اتباع الهوى . | قال الحرالي : فخص تعليم الحكمة من عموم ~~تعليم الكتاب , لأن التوسل بالأحكام جهد عمل والتوسل بعلم الحكمة يسر منال ~~عقل , لأن الحكمة منال الأمر الذي فيه عسر بسبب فيه يسر فينال الحكيم ~~بحكمته لاطلاعه على إفضاء مجعول الأسباب بعضها لبعض مما بين أسباب عاجل ~~الدنيا ومسببات آجل الآخرة ما لا يصل إليه جهد العامل الكادح وفي تكملة ~~الكتاب والحكمة بكلمة ( أل ) إنهاء إلى الغاية الجامعة لكل كتاب وحكمة بما ~~يعلمه الأولون والآخرون . | ثم قال : وبذلك كان صلى الله عليه وسلم يتكلم ~~في علوم الأولين بكلمات يعجز عنها إدراك الخلق نحو قوله صلى الله عليه وسلم ~~: ( استاكوا PageV01P275 بكل عود ما خلا الآس والرمان فإنهما يهيجان عرق ~~الجذام ) لأن الخلق لا يستطيعون حصر كليات المحسوسات , غاية إدراكهم حصر ~~كليات المعقولات , ومن استجلى أحواله صلى الله عليه وسلم علم اطلاع حسه على ~~إحاطة المحسوسات وإحاطة حكمها ms0307 وألسنتها ناطقها وأعجمها حيها وجمادها جمعا , ~~لما في العادة حكمة ولما في خرق العادة آية ؛ ثم قال : فعلى قدر ما وهب ~~الله سبحانه وتعالى العبد من العقل يعلمه من الكتاب والحكمة , يؤثر عن عمر ~~رضي الله تعالى عنه أنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم أبا ~~بكر رضي الله عنه فكأنما يتكلمان بلسان أعجمي لا أفهم مما يقولان شيئا ) ~~ولما كان انتهاء ما في الكتاب عند هذه الغاية أنبأ تعالى أن رسوله صلى الله ~~عليه وسلم يعلمهم ما لم يكن في كتابهم علمه - انتهى . | وذلك لأن استعمال ~~الحكمة موجب للترقي فقال تعالى : { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } أي من ~~الاستنباط من الكتاب من المعارف بما يدريكم به من الأقوال والأفعال ويسلككم ~~فيه من طرق الخير الكاشفة لظلام الظلم الجالية لمرأى الأفكار المنورة ~~لبصائر الاعتبار . | < < # | البقرة : ( 152 - 159 ) فاذكروني أذكركم واشكروا . . . . . # > > ^ ( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون * يآأيها الذين آمنوا ~~استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين * ولا تقولوا لمن يقتل في ~~سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون * ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ~~ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين * الذين إذآ أصابتهم مصيبة ~~قالوا إنا لله وإنآ إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك ~~هم المهتدون * إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم * إن الذين ~~يكتمون مآ أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك ~~يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) ^ } ) | ولما كان من المعلوم أن هذا الخير ~~الذي يفتر عنه ذو بصيرة ولا يقصر دونه من له أدنى همة إنما كان يذكر الله ~~سبحانه وتعالى لعرب تفضلا منه عليهم بعد طول الشقا وتمادي الجهل والجهد ~~والعناء رغبهم فيما يديم ذلك مسببا له عما تقدم فقال : { فاذكروني } أي ~~لأجل إنعامي عليكم بهذا وبغيره { أذكركم } فأفتح لكم من المعارف ~~PageV01P276 وأدفع عنكم من المخاوف ما لا ms0308 يدخل تحت حد { واشكروا لي } وحدي ~~من غير شريك تشركون معي أزدكم , وأكد هذه الإشارة بقوله { ولا تكفرون } أي ~~أسلبكم . | قال الحرالي : ولما كان للعرب ولع بالذكر لآبائهم ولوقائعهم ~~ولأيامهم جعل سبحانه وتعالى ذكره لهم عوض ما كانوا يذكرون , كما جعل كتابه ~~عوضا من إشعارهم وهز عزائهم لذلك بما يسرهم به من ذكره لهم - انتهى . | ~~ولما ختم الآيات الآمرة باستقبال البيت في الصلاة بالأمر بالشكر ومجانبة ~~الكفر وكان ذلك رأس العبادة وفاعله شديد الافتقار إلى المعونة التفت إلى ~~قوله تعالى في أم الكتاب : < # > 77 ( { إياك نعبد وإياك نستعين } ) 77 < # > [ الفاتحة : 5 ] فأمرهم بما تضمن ذلك من الصبر والصلاة < # > 77 ( { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } ) 77 < # > [ العنكبوت : 45 ] عالما بأنهم سيمتثلون حيث عصى بنو إسرائيل حين أمرهم ~~بمثل ذلك في أول قصصهم بقوله : < # > 77 ( { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين } ) 77 < # > [ البقرة : 43 ] إلى أن قال : < # > 77 ( { واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } ) 77 ~~< # > [ البقرة : 45 ] فكان في ذلك غشارة إلى أنهم هم الخاشعون وحسن موقع هذه ~~الآية كونها بعد أذى أهل الكتاب بنسبهم لهم إلى بطلان الدين بتغيير الأحكام ~~ونحو ذلك من مر الكلام كما في الآية الأخرى < # > 77 ( { ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى ~~كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور } ) 77 < # > [ آل عمران : 186 ] وكونها عقب الأمر بالذكر والشكر إيماء إلى أن ملاك ~~كل منهما الصبر والصلاة فكأنه قيل : لا تلتفتوا إلى طعن الطاعنين في أمر ~~القبلة فيشغلكم ذلك عن ذكري وشكري بل اصبروا وصلوا إلي متوجهين إلى القبلة ~~التي أمرتكم بها عالمين أن الصبر والصلاة نعم العون على كل ما ينوب من دين ~~ودنيا , وأرشق من هذا أن يقال : ولما علم من هذه الآيات إعضال ما بينهم ~~وبين السفهاء وأمرهم بالدواء المنجح من الإعراض عنهم و الإقبال على ذكره ~~وشكره أتبع ذلك للإشارة إلى أن الأمر يصل إلى أشد مما توهموه فقال : يا ~~أيها الذين آمنوا ms0309 } مخاطبا لهم على وجه يشمل الكامل صلى الله عليه وسلم ~~ولعله صرف الخطاب عنه لما في السياق مما يحمي عنه صلى الله عليه وسلم مقامه ~~العالي { استعينوا بالصبر } أي على ما تلقون منهم وعلى الإقبال إلي لأكفيكم ~~كل مهم { والصلاة } فإنها أكبر معين لأنها أجمع العبادات , فمن أقبل بها ~~على مولاه حاطه وكفاه لإعراضه عن كل ما سواه , لأن ذلك شأن كل كبير فيمن ~~أقبل بكليته عليه . | PageV01P277 ولما كانت الصلاة لا تقوم إلا بالصبر ~~اقتصر على التعليل به فقال : { إن الله } أي الذي له الكمال كله { مع ~~الصابرين } أي ومعلوم أن من كان الله سبحانه وتعالى معه فاز . | قال ~~الحرالي : وأيسر الصبر صبر النفس عن كسلها بأخذها بالنشاط فيما كلفت به < # > 77 ( { لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } ) 77 < # > [ الطلاق : 7 ] و < # > 77 ( { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ) 77 < # > [ البقرة : 286 ] فمتى يسر الله سبحانه وتعالى عليها الجد والعزيمة جعل ~~لها فيما كانت تصبر عليه في الابتداء الاستحلاء فيه وخفت عنها وظيفة الصبر ~~, ومتى لم تصبر عن كسلها وعلى جدها تدنست فنالها عقوبات يكون الصبر عليها ~~أشد من الصبر الأول , كما أن من صبر عن حلو الطعام لم يحتج أن يصبر على مر ~~الدواء , فإن تحملت الصبر على عقوبات ضياع الصبر الأول تداركها نجاة من ~~اشتداد العقوبة عليها , وإن لم تتصبر على تلك العقوبات وقعت في مهالك شدائد ~~العذاب فقيل لأهلها < # > 77 ( { فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم } ) 77 < # > [ الطور : 16 ] ثم قال : فبداية الدين صبر وخاتمته يسر , فإن من كان ~~الله سبحانه وتعالى معه رفع عنه مرارة الصبر بوضع حلاوة الصحبة التي تشعر ~~بها كلمة مع - انتهى . | ولما أشار لهم إلى ما يستقبلونه من حال الطاعنين ~~في دينهم ورقاهم في ذلك درجة بعد درجة أتبعه ما دل على أن الأمر يصل إلى ~~القتل وما داناه ليأخذوا لذلك اهبته ويعتدوا له عدته . | وقال الحرالي : ~~ولما كان الصبر لله إنما هو حمل النفس على ما تعهد فيه كرهها أنبأهم ms0310 الحق ~~تعالى أن الصبر له ليس على المعهود وأنه يوجد فيه عند تجشمه حلاوة لذة ~~الحياة وإن كان ذلك مما لا يناله شعور الذين آمنوا لخفائه عن إدراك المعقول ~~فأنبأهم بما يحملهم على تجشم الصبر في الجهاد في سبيل الله فقال : { ولا ~~تقولوا } عطفا على متجاوز أمور تقتضيها بركة الجهاد - انتهى . | أي ~~وجاهدوهم لتقتلوهم ويقتلوكم وتسلبوهم ويسلبوكم ولا تقولوا , أو يقال : ولما ~~كان الصبر واقعا على أمور أشقها الجهاد ثم الحج ثم الصوم وكان بعض الصحابة ~~رضي الله تعالى عنهم قد سألوا عمن مات منهم على قبلة بيت المقدس فبين لهم ~~ما صاروا إليه بقوله تعالى : < # > 77 ( { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ) 77 < # > [ البقرة : 143 ] تلو آية الصبر بتبيين حال الشهداء المقتولين في ~~الجهاد من المؤمنين دفعا لظن أنهم أموات والتفاتا إلى ما أشار به إلى ~~صيرورة الأمر إلى الحرب حيث عاب المانعين للمسجد وأخبر بأنه سيحصل لهم خزي ~~في الدنيا بالقتل والأسر وعذاب عظيم في الآخرة بالنار والسخط , وإيماء إلى ~~أنه سيأذن لهم في مقارعة من أمرهم بالصبر على أذاهم من أهل الكتاب حتى ~~يمحقهم السيف ويسكنهم الذل والخوف , فالمعنى : اصبروا على كل ما يقوله أهل ~~الكتاب وغيرهم في أمر القبلة وغيره وعلى كل ما يغير به الشيطان في وجه ~~الإيمان وصلوا إلى البيت الذي وجهتكم إليه وجاهدوا كل من خالفكم حتى يكون ~~الدين لله صابرين على كل ما ينوب في ذفك من القتل والنهب وغيره ولا تقولوا ~~PageV01P278 إذا قاتلتم الكفار المناصبين لكم من العرب وغيرهم من أهل ~~الكتاب وغيرهم { لمن يقتل } منكم { في سبيل الله } أي الذي له جميع صفات ~~الكمال بأن يقاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا لا لشيء غير ذلك من دنيا أو ~~عصبية , فإنا سنكتب عليكم الجهاد , ونستشهد منكم شهداء : إنهم { أموات } بل ~~قولوا : إنهم شهداء , فإنهم ليسوا بأموات { بل } هم { أحياء } وسيأتي في آل ~~عمران أن ذلك معنى الشهيد . | قال الحرالي : فكأنه تعالى ينفي عن المجاهد ~~مثال المكروه من كل وجه حتى في أن ms0311 يقال عنه إنه ميت , فحماه من القول الذي ~~هو عندهم من أشد غرض أنفسهم لاعتلاق أنفسهم بجميل الذكر , ثم قال وأبهم ~~أمرهم في هذه السورة ونفى عنهم القول , لأن هذه سورة الكتاب المدعو به ~~الخلق وصرح بتفضيله في آل عمران لأنها سورة قيام الله الذي به تجلى الحق ~~فأظهر غيب أمره في سورة إظهار أمره وأخفاه في سورة ظاهر دعوتهم - انتهى . | ~~ولما كان الحس قاصرا عما أخبر به سبحانه وتعالى قال منبها على ذلك { ولكن ~~لا تشعرون } أنهم أحياء كما ترون النيام همودا لا يتحركون ولا شعور لكم بمن ~~فيهم ينظر , أحلاما من غيره , فلا فخر أعظم من ذلك في الدنيا ولا عيش أرغد ~~منه في الآخرة , وأما المقتول من أعدائكم فليس له في الدنيا إلا الخزي ~~والفضيحة بالقهر والذل والهوان والعذاب الذي لا آخر له في الآخرة . | قال ~~الحرالي : قال ذلك نفيا بكلمة لا ومثال الدوام ففيه إعلام بأن الذين آمنوا ~~ليس في رتبتهم الشعور به أصلا إلا أن يرقيهم الله بنماء سن القلوب وصفاء ~~الأنفس إلى ما فوق ذلك من سن المؤمنين إلى سن المحسنين الذين يشهدون من ~~الغيب ما لا يشهده من في رتبة الذين آمنوا - انتهى . | وفي هذا إشارة إلى ~~أن كون الله معهم لا يمنع أن يستشهد منهم شهداء , بل ذلك من ثمرات كون الله ~~معهم حيث يظفر من استشهد منهم بسعادة الأخرى ومن بقي بسعادة الدارين , ~~وتلخيص ذلك أن يقال إنه لما كان حاصل ما تقدم في هذه السورة أن أهل الأرض ~~كلهم قريبهم وبعيدهم وثنيهم وكتابيهم مطبقون على عداوة أهل هذا الدين وكان ~~كثيرا ما يأمرهم بالصبر على أذاهم اشتد تشوف النفوس إلى أنه هل بعد هذا ~~الكف من فعل , فأشار إلى أنه سيأمر بعد الصبر على أذى اللسان بالصبر على ~~جلاد السيف والسنان أمرا عاما فقال عاطفا هذا النهي على الأمر بالصبر , أي ~~اصبروا الآن على هذا الأذى ثم اصبروا إذا أمرتكم بالجهاد على وقع السيوف ~~واقتحام الحتوف وفقد من يقتل منكم ms0312 ولا تصفوهم بالموت , ولعله فاجأهم بما ~~تضمنته هذه الآية توطينا لهم على القتل في سبيله وكان استشرافهم إلى الحرب ~~قد كثر وبشرهم بأن القتيل فيه حي وإن رئي ميتا تسلية لهم عن هذا الحادث ~~العظيم والخطب الجسيم . | PageV01P279 ولما كان من شأن الطين الذي منه ~~البشر وما تولد منه أن لا يخلص عن الشوائب إلا بعد معاناة شديدة , ألا ترى ~~أن الذهب أصفاه وهو لا يخلو عن الغش ولا يعرى عما خالطه من الدنس إلا ~~بالامتحان بشديد النيران ! قال تعالى معلما لهم بالتربية بما تحصل به ~~التصفية بما تؤدي إليه مناصبة الكفار ومقارعة أهل دار البوار : { ولنبلونكم ~~} عطفا على ما أرشد إليه التقدير من نحو قوله : فلنأمركم بمقارعة كل من ~~أمرناكم من قبل بمجاملته وليتمالأن عليكم أهل الأرض ولنبلونكم أي يصيبكم ~~بأشياء إصابة تشبه فعن المختبر لأحوالكم ليظهر الصابر من الجزع . | قال ~~الحرالي : فالصبر الأول أي في { أن الله مع الصابرين عن الكسل وعلى العمل , ~~والصبر الثاني أي في { وبشر الصابرين } على مصائب الدنيا , فلذلك انتظم ~~بهذه الآيات آية { ولنبونكم } عطفا وتجاوزا لأمور يؤخذ بها من لم يجاهد في ~~سبيل الله ضعفا عن صبر النفس عن كره القتال < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القتال وهو كره لكم } ) 77 < # > [ البقرة : 216 ] فمن لم يحمل الصبر الأول على الجهاد أخذ بأمور هي ~~بلايا في باطنه تجاوزها الخطاب فانعطف عليها { ولنبلونكم بشيء من الخوف } ~~وهو حذر النفس من أمور ظاهرة تضرها { والجوع } وهو غلبة الحاجة إلى الغذاء ~~على النفس حتى تترامى لأجله فيما لا تتأمل عاقبته , فإذا كان على غير غلبة ~~مع حاجة فهو الغرث , فلذلك في الجوع بلاء ما والغرث عادة جارية . | وقال ~~أيضا : الجوع فراغ الجسم عما به قوامه كفراغ النفس عن الأمنة التي لها قوام ~~ما , فأفقدها القوامين في ذات نفسها بالخوف وفي بدنها بالجوع لما لم تصبر ~~على كره الجهاد , وقد كان ذلك لأهل الصبر عليه أهون من الصبر على الخوف ~~والجوع , وأيما كان أول نائلهم من هذا ms0313 الابتلاء الخوف حيث خافوا الأعداء ~~على أنفسهم فجاءهم إلى مواطنهم , من لم يمش إلى طبيبه ليستريح جاء الطبيب ~~لهلاكه , وشتان بين خوف الغازي للعدو في عقره وبين خوف المحصر في أهله , ~~وكذلك شتان بين أرزاق المجاهد وتزويده وخير الزاد التقوى في سبيله لجهاده ~~وبين جوع المتخلف في عيلته - انتهى . | ونكر الشيء وما بعده حثا على الشكر ~~بالإشارة إلى أن كل ما أصاب منها ففي قدرة الله ما هو أعظم منه , فعدم ~~الإصابة به نعمة . | ولما كان الجوع قد يكون عن رياضة بين أنه عن حاجة ~~بقوله : { ونقص } وهو التقاصر عن الكفاف { من الأموال } أي النعم التي كانت ~~منها أغذيتهم . | قال الحرالي : لأن ذلك عرف استعمالهم فل لفظ المال . | ~~وقال أيضا : والمال ما هو للمتمول بمنزلة الجزء منه عنده لماله لذلك منه , ~~فضاعف تعالى مثال البلاء في ذوات أنفسهم وأبدانهم ليقطع عنهم راحة تطلع ~~الكفاية من الأموال في مقابلة ما ينال المجاهد من الغناء PageV01P280 ~~والرزق , فالمجاهد آمن في جيشه متزود في رحله غانم من عدوه , والمتخلف خائف ~~في أهله جائع في عيلته ناقص المال من ذات يده - انتهى . | ولما كان ذلك قد ~~يكون عن إفراط في الكثرة قال : { والأنفس } قال الحرالي : فيه إشعار بأن من ~~جاهد كثر عدده ونما ولده , وأن من تكاسل قل عدده ودرج خلفه , وفي ضمنه ~~إشعار بمنال المتكاسل حواصد من جوارف الآجال من الوباء والطاعون وغيره - ~~انتهى . | وقال : { والثمرات } التي هي نفس الأشجار التي بها قوام أنفس ~~الأبدان تخصيصا لها بالذكر , لأنها أعظم أموال الأنصار الذين هم من أخص ~~الناس بهذا الذكر لا سيما في وقت نزول هذه الآيات وهو أول زمان الهجرة . | ~~ولما كان السياق مرشدا إلى أن التقدير : فأنذر من لم يصبر , ولكنه طوى ~~إشارة إلى إجلال الذين آمنوا عن أن يكون فيهم من لم يصبر عطف عليه إرشادا ~~إليه وحثا على الصبر ثم ذكر الموجبين للنصر قوله : { وبشر الصابرين } وقال ~~الحرالي : ولما كان هذا البلاء عن تكاسل من الصبر الأول كما قال تعالى : < # > 77 ms0314 ( { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } ) 77 < # > [ الرعد : 11 ] وكان مما يتداركه صبر عليه تدارك تعالى هذه الرتبة ~~ببشرى الصابرين من هلكه ما ينال من لم يصبر على هذه المصيبة وضجر منها ~~وتسخط فيها , فكان للصابر الأول الصحبة بقوله : { إن الله مع الصابرين } . ~~| ولما كان للصابر الثاني البشرى بالسلامة من عقوبة الآخرة ومنالهم لما ~~نولهم وشتان بين من كان الله معه و بين من قيل لنبيه بشره بصبره على بلاء ~~التخلف , وما اكن للأنفس مدخل في تحمل الصبر شرفا وحفيظة على الأحساب ~~والرتب الدنيوية خلص تعالى الصابرين له من الصابرين تطبعا وتحاملا فقال : { ~~الذين إذا أصابتهم } من الإصابة وهو وقوع المسدد على حد ما سدد له من موافق ~~لغرض النفس أو مخالف لها { مصيبة } خصيصة عرف الاستعمال بما لا يوافق نكرها ~~لخصوص ذكره - انتهى . | والمراد أي مصيبة كانت ولو قلت وضعفت بما أفهمه ~~تأنيثه الفعل { قالوا إنا لله } أي الملك المحيط بكل شيء إسلاما بأنفسهم ~~لربهم فهو يفعل بنا من هذه المصيبة وغيرها ما يريد فهو المسؤول في أن يكون ~~ذلك أصلح لنا . | ولما كان التقدير بيانا لكونهم لله تقريرا للاستسلام به : ~~نحن مبتدئون , عطف عليه { وإنا إليه } أي لا إلى غيره { راجعون } معنى في ~~أن جميع أمورنا لا يكون شيء منها إلا به وحسابا لبعث وظهور ذلك بعده ظهورا ~~تاما . | قال الحرالي : لتكون ذلك غاية في إسلام ثمراتهم وأموالهم وما ~~نقصوا من أنفسهم , فحين لم يجاهدوا في سبيل الله فأصابتهم المصائب كان ~~تلافيهم أن يسلموا أمرهم لله ويذكروا مرجعهم إليه ويشعروا أن PageV01P281 ~~ما أخذ من أنفسهم وما معها ذخيرة عنده , فيكون ذلك شاهد إيمانهم ورجائهم ~~للقائهم فتقع مجاهدتهم لأنفسهم في ذلك بموقع جهادهم في سبيل الله الذي ~~فاتهم وجعلها جامعة مطلقة لكل من أصابته مصيبة فاسترجع بها ثبت أجره بما ~~أصيب وتلاقاه الله بالاهتداء إلى ما تقاصر عنه ذلك قال : { أولئك } خطابا ~~لنبيه واستحضارا لهم بمحل بعد عن قربه وغيبة عن إقباله عليهم . | قال : { ~~عليهم ms0315 صلوات } صلاة الله على عباده هي إقباله عليهم بعطفه إخراجا لهم من ~~حال ظلمة إلى رفعة نور , قال : < # > 77 ( { هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور } ) ~~77 < # > [ الأحزاب : 43 ] فبصلاتهم عليهم إخراجهم من جهات ما أوقعهم في وجوه ~~تلك الابتلاءات , فلذلك كان ذلك صلوات بالجمع ولم يكن صلاة ليعدد ما أصابهم ~~منه عدد تلك الابتلاءات , وفي قوله تعالى : { من ربهم } إشعار بتدريجهم في ~~ذلك بحكم تربية وتدارك الأحوال ما أصابهم , قال تعالى : { ورحمة } إفراد ~~لمنالها لهم بعد متقدم الصلوات عليهم , فنالتهم الرحمة جمعا حين أخرجتهم ~~الصلوات أفرادا . | قال تعالى : { وأولئك } إشارة إلى الذين نالتهم الصلوات ~~والرحمة فأبقاهم مع ذلك في محل بعد في الحضرة وغيبة في الخطاب { هم ~~المهتدون } فجاء بلفظ { هم } إشعارا بصلاح بواطنهم عما جره الابتلاء من ~~أنفسهم - انتهى . | والذي يلوح لي أن أداة البعد في { أولئك } إشارة إلى ~~علو مقامهم وعز مرامهم , ولذا عبر عن هدايتهم بالجملة الاسمية على وجه يفهم ~~الحصر ؛ والصلاة الإنعام بما يقتضي التشريف , والرحمة الإنعام بما يقتضي ~~العطف والتحنن - والله سبحانه وتعالى الموفق ؛ وفي ذلك إشارة إلى الأمر ~~بالإعراض عن أهل الكتاب فيما يطعنون عليهم به بألسنتهم والإملاء لهم إلى ~~حين الإذن في مطاعنتهم بالرماح ومصالتتهم ببيض الصفاح , كما في الآية ~~الأخرى < # > 77 ( { لتبلون في أموالكم وأنفسكم } ) 77 < # > [ الأعراف : 186 ] إلى آخرها ويمكن أن يراد ( بالخوف الجهاد ) . | ~~وبالجوع الصوم , وبنقص الأموال زكاة الصامت من المال , وبالأنفس زكاة ~~الحيوان , وبالثمرات زكاتها ؛ لكن الأنسب لافتتاح الآية واختتامها وما ~~تقدمها وتلاها أن تكون مقصورة على الجهاد . | ولما فرغ مما أراد من أحوال ~~الطاعنين في القبلة التي هي قيام للناس وما استتبع ذلك مما يضطره إليه في ~~إقامة الدين من جدالهم وجلادهم وختم ذلك بالهدى شرع في ذكر ما كان البيت به ~~قياما للناس من المشاعر القائدة إلى كل خير الحامية عن كل ضير التي جعلت ~~مواقفها أعلاما على الساعة لا سيما والحج أخو الجهاد في المشقة والنزوح عن ~~الوطن وقد سماه النبي صلى ms0316 الله عليه وسلم أحد الجهادين مع أنه من أعظم ~~مقاصد البيت PageV01P282 المذكورة في هذه الآيات مناقبه المتلوة مآثره ~~المنصوبة شعائره التي هي في الحقيقة دعائمه من الاعتكاف والصلاة والطواف ~~المشار إلى حجه واعتماره بقوله : < # > 77 ( { مثابة للناس وأمنا } ) 77 < # > [ البقرة : 125 ] فأفصح به بعد تلك الإشارة بعض الإفصاح إ كان لم يبق ~~من مفاخره العظمة غيره وضم إليه العمرة الحج الأصغر لمشاركتها له في إظهار ~~فخاره وإعلاء مناره فقال : { إن الصفا والمروة } فهو كالتعليل لاستحقاق ~~البيت لأن يكون قبلة , وعرفهما لأنهما جبلان مخصومان معهودان تجاه الكعبة , ~~اسم الصفا من الصفوة وهو ما يخلص من الكدر , واسم المروة من المرو وهو ما ~~تحدد من الحجارة - قاله الحرالي . | وخصهما هنا بالذكر إشارة إلى أن بركة ~~الإقبال عليهما على ما شرع الله سبحانه وتعالى مفيدة لحياة القلوب بما أنزل ~~على هذا الرسول صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة الباقيين إلى آخر ~~الدهر شفاء للقلوب وزكاة للنفوس زيادة للنعمة بصفة الشكر وتعليما بصفة ~~العلم كما كان الإقبال على السعي بينهما تسليما لأمر الله مفيدا لحياة أبيه ~~إسماعيل عليه الصلاة والسلام ونفع من بعده بما أنبع له من ماء زمزم الباقي ~~إلى قيام الساعة طعام طعم وشفاء سقم , وفي ذلك مع تقديم الصفا إشارة ~~للبصراء من أرباب القلوب إلى أن الصابرلله المبشر فيما قبلها ينبغي أن يكون ~~قلبه جامعا بين الصلابة والصفا , فيكون بصلابته الحجرية مانعا من القواطع ~~الشيطانية , وبرقته الزجاجية جامعا للوامع الرحمانية , بعيدا عن القلب ~~المائي بصلابته , وعن الحجري بصفائه واستنارته . | ومن أعظم المناسبات أيضا ~~كون سبيل الحج إذ ذاك كان ممنوعا بأهل الحرب , فكأنها علة لما قبلها وكأنه ~~قيل : ولنبلونكم بما ذكر لأن الحج من أعظم شعائر هذا البيت الذي أمرتم ~~باستقباله وهو مما يفرض عليكم وسبيله ممنوع بمن تعلمون , فلنبلونكم بقتالهم ~~لزوال مانع الحج وقتال غيرهم من أهل الكتاب وغيرهم لإتمام النعمة بتمام ~~الدين وظهوره على كل دين . | ومن أحسنها أيضا أنه تعالى لما ذكر البلايا ~~بنقص الأموال بسبب الذنوب ms0317 < # > 77 ( { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } ) 77 < # > [ الشورى : 30 ] أتبعها الدواء الجابر لذلك النقص دينا ودنيا , ( فإن ~~الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الذهب والفضة ) ~~PageV01P283 رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في ~~صحيحهما عن عبد الله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وروي أيضا عن عدة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما بينته في كتابي ~~الاطلاع على حجة الوداع . | وقال الحرالي : لما تقدم ذكر جامعة من أمر الحج ~~في قوله سبحانه وتعالى < # > 77 ( { ولأتم نعمتي عليكم } ) 77 < # > [ البقرة : 150 ] من حيث أن النعمة المضافة إليه أحق بنعمة الدين وفي ~~ضمنها نعمة الدنيا التي لم يتهيأ الحج إلا بها من الفتح والنصر والاستيلاء ~~على كافة العرب كما قال تعالى فيما أنزل يوم تمام الحج الذي هو يوم عرفة < # > 77 ( { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } ) 77 < # > [ المائدة : 3 ] وذلك بما أتم الله سبحانه وتعالى عليهم من نعمة تمام ~~معالم الدين وتأسيس الفتح بفتح أم القرى التي في فتحها فتح جميع الأرض ~~لأنها قيام الناس نظم تعالى بما تلاه من الخطاب تفصيلا من تفاصيل أمر الحد ~~انتظم بأمر الذين آمنوا من حيث ما في سبب إنزاله من التحرج للذين أعلموا ~~برفع الجناح عنهم وهم طائفة من الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو ~~قديد فتحرجوا من التطوف بين الصفا والمروة . | وطائفة أيضا خافوا أن يلحقهم ~~في الإسلام بعملهم نحو ما كانوا يعملونه في الجاهلية نقص في عمل الإسلام , ~~فأعلمهم الله سبحانه وتعالى أن ذلك موضوع عنهم لخمتلف نياتهم فإن الأعمال ~~بالنيات , فما نوي لله كان لله ولم يبل فيه بموافقة ما كان من عاداتهم في ~~الجاهلية , وفي فقهه صحة السجود لله سبحانه وتعالى لمن أكره على السجود ~~للصنم , وفي طي ذلك صحة التعبد لله بكلمة الكفر لمن أكره عليها , أذن صلى ~~الله عليه وسلم غير مرة في أن يقول فيه قائل ما يوافق الكفار بحسن نية ms0318 ~~للقائل فيه ذلك ولقضاء حاجة له من حوائح دنياه عند الكفار , فظهر بذلك كونه ~~صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين , يقبل الضمائر ولا PageV01P284 يبالي ~~بالظواهر في أحوال الضرائر , فرفع الله سبحانه وتعالى عنهم الجناح بحسن ~~نياتهم وإخلاصهم لله سبحانه وتعالى عملهم , فبهذا النحو من التقاصر في هذه ~~الرتبة انتظم افتتاح هذا الخطاب بما قبله من أحوال الذين آمنوا من المبتلين ~~بما ذكر - انتهى . | { من شعائر الله } أي أعلام دين الملك الأعلى الذي دان ~~كل شيء لجلاله . | وقال الحرالي : وهي أي الشعائر ما أحست به القلوب من حقه ~~, وقال : والشعيرة ما شعرت به القلوب من أمور باطنة < # > 77 ( { ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } ) 77 < # > [ الحج : 32 ] وإنما ذكرها تعالى بالشعائر وعملها معلم من معالم ~~الإسلام وحرمة من حرم الله لما كان حكم في أمر القلوب التي كان في ضمائرها ~~تحرجهم فمن حيث ذكرها بالشعيرة صححها الإخلاص والنية { فمن حج } من الحج ~~وهو ترداد القصد إلى ما يراد خيره وبره . | وقال الأصفهاني : أصلخ زيادة ~~شيء تعظمه - انتهى . | { البيت } ذكر البيت في الحج والمسجد الحرام في ~~التوجه لانتهاء الطواف إلى البيت واتساع المصلى من حد المقام إلى ما وراءه ~~لكون الطائف منتهيا إلى البيت وكون المصلي قائما بمحل أدب يؤخره عن منتهى ~~الطائف مداناة البيت , وذكره تعالى بكلمة ( من ) المطلقة المستغرقة لأولي ~~العقل تنكبا بالخطاب عن خصوص المتحرجين , ففي إطلاقه إشعار بأن الحج لا ~~يمنعه شيء مما يعرض في مواطنه من مكروه الدين لاشتغال الحاج بما هو فيه عما ~~سواه , ففي خفي فقهه إعراض الحاج عن مناكر تلك المواطن التي تعرض فيها بحسب ~~الأزمان و الأعصار , ويؤكد ذلك أن الحج آية الحشر وأهل الحشر < # > 77 ( { لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه } ) 77 < # > [ عبس : 37 ] فكذلك حكم ما هو آيته ؛ وحج البيت إتيانه في خاتمة السنة ~~من الشهور الذي هو شهر ذي الحجة أنه ختم العمر , كما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم حيث ختم الله سبحانه وتعالى عمره بعمل ms0319 الحج ؛ قال سبحانه وتعالى ~~{ أو اعتمر } فذكر العمرة مع الحج لما كان الطواف بين الصفا والمروة من ~~شعائر العملين { فلا جناح } وهو المؤاخذة على الجنوح , والجنوح الميل عن ~~جادة القصد - انتهى { عليه أن يطوف } أي يدور بهمة وتعمد ونشاط { بهما } ~~باديا بما بدأ الله . | قال الحرالي : رفع الجناح عن لفعل حكم يشترك فيه ~~الجائز والواجب والفرض والمباح حتى يصح أن يقال : لا جناح عليك أن تصلي ~~الظهر , كما يقال : لا جناح عليك أن تطعم إذا جعت ؛ وإنما يشعر بالجواز ~~والتخيير نفي الجناح عن الترك لا عن الفعل , كما قال عليه الصلاة والسلام ~~للذين سألوه عن العزل : ( لا جناح عليكم أن لا تفعلوا ) أي أن لا تنزلوا , ~~لأن الفعل كناية عن الثبوت لا عن الترك الذي هو معنى PageV01P285 العزل ( ~~وهو الذي قررته عائشة رضي الله تعالى عنها لما قال عروة : ما أرى على أحد ~~شيئا أن لا يطوف بهما , فقالت : لو كان كما تقول كان : فلا جناح عليه أن لا ~~يطوف بهما الحديث . | قلت : ولعل التعبير بالنفي إنما اختير ليدل على نفي ~~ما توهموه بالمطابقة , وتقع الدلالة على الوجوب بإفهام الجزاء لأن من حج أو ~~اعتمر ولم يتطوف بهما كان عليه حرج , وبالسنة التي بينته من قوله صلى الله ~~عليه وسلم : ( اسعوا فإن الله قد كتب عليكم السعي ) ومن فعله صلى الله عليه ~~وسلم مع قوله . ( خذوا عني مناسككم ) ومن عدهما من الشعائر ونحو ذلك . | ~~قال الحرالي : وما روي من قراءة من قرأ { أن لا يطوف بهما } فليست { لا } ~~نافية على حد ما نفت معناه عائشة رضي الله تعالى عنها وإنما هي مؤكدة ~~للإثبات بمنزلة < # > 77 ( { ما منعك ألا PageV01P286 تسجد } ) 77 < # > [ الأعراف : 12 ] و < # > 77 ( { لئلا يعلم أهل الكتاب } ) 77 < # > [ الحديد : 29 ] لأن من تمام المبهم استعماله في المتقابلين من النفي ~~والإثبات كاستعماله في وجوه من التقابل كما تستعمل { ما } في النفي ~~والإثبات , وكذلك جاءت ( لا ) في لسان العرب بمنزلتها في الاستعمال وإن كان ~~دون ذلك في الشهرة , فوارد القرآن معتبر ms0320 بأعلى رتبة لغة العرب وأفصحها , لا ~~يصل إلى تصحيح عربيته من اقتصر من النحو والأدب على ما دون الغاية لعلوه في ~~رتبة العربية < # > 77 ( { إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون } ) 77 < # > [ الزخرف : 2 ] انتهى . | والذين قرؤوا بزيادة ( لا ) علي وابن عباس - ~~بخلاف عنه - وأبي بن كعب وابن مسعود وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم ~~وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين ومسمون بن مهران , كما نقل ذلك الإمام أبو ~~الفتح ثمان بن جني في كتابه المحتسب في توجيه القراءات - الشواذ ؛ ومعنى ~~قول عائشة رضي الله تعالى عنها لكان أن لا يطوف خاصة , ولم ترد قراءة ~~بالإثبات ؛ وأما مع قراءة الإثبات فإن المعنى يرشد إلى أن قراءة النفي ~~مثلها , لأن كونهما من الشعائر يقتضي التطوف بهما لا غهمالهما - والله ~~سبحانه وتعالى أعلم . | قال الحرالي : وذكره تعالى بالتطوف الذي هو تفعل أي ~~تشبه بالطواف , ومع البيت بالطواف في قوله تعالى : < # > 77 ( { أن طهرا بيتي للطائفين } ) 77 < # > [ البقرة : 125 ] لما كان السعي ترددا في طول , والمراد الإحاطة بهما , ~~فكان في المعنى كالطواف لا في الصورة , فجعله لذلك تطوفا أي تشبها بالطواف ~~- انتهى . | ولما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يقصدوا بترك الطواف ~~بينهما إلا الطاعة فأعلموا أن الطواف بينهما طاعة , عبر بما يفيد مدحهم ~~فقال تعالى : { ومن تطوع } قال الحرالي : أي كلف نفسه معاهدة البر والخير ~~من غير استدعاء له { خيرا } فيه إعلام بفضيلة النفقة في الحج والعمرة ~~بالهدي ووجوه المرافق للرفقاء بما يفهمه لفظ PageV01P287 الخير , لأن عرف ~~استعماله في خير الرزق والنفقة , كما قال تعالى : < # > 77 ( { وإنه لحب الخير لشديد * } ) 77 < # > [ العاديات : 8 ] و < # > 77 ( { إن ترك خيرا } ) 77 < # > [ البقرة : 180 ] ؛ ولما كان رفع الجناح تركا عادلها في الخطاب بإثبات ~~عمل خير ليقع في الخطاب إثبات يفيد عملا حين لم يفد الأول إلا تركا , فمن ~~تحقق بالإيمان أجزل نفقاته في الوفادة على ربه واختصر في أغراض نفسه , ومن ~~حرم النصف من دنياه اقتصر في نفقاته في وفادته على ربه وأجزل نفقاته ms0321 في ~~أغراض نفسه وشهوات عياله , فذلك من أعلام المؤمنين وأعلام الجاهلين , من ~~وفد على الملك أجزل ما يقدم بين يديه , وإنما قدمه بالحقيقة لنفسه لا لربه ~~, فمن شكر نعمة الله بإظهارها حين الوفادة , عليه في آية بعثة إليه ولقائه ~~له شكرا لله له ذلك يوم يلقاه , فكانت هدايا الله له يوم القيامة أعظم من ~~هديه إليه يوم الوفادة عليه في حجه وعمرته { فإن الله } أي المحيط بجميع ~~صفات الكمال { شاكر } أي مجاز بالأعمال مع المضاعفة لثوابها ؛ قال الحرالي ~~: وقوله : { عليم * } فيه تحذير من مداخل الرياء والسمعة في إجزال النفقات ~~لما يغلب على النفس من التباهي في إظهار الخير - انتهى . | ولما تقدم أن ~~بعض أهل الكتاب يكتمون ما يعلمون من هذا لحق وختم ما اتبعه له بصفتي الشكر ~~والعلم ترغيبا وترهيبا بأنه يشكر من فعل ما شرعه له ويعلم من أخفاه وإن دق ~~فعله وبالغ في كتمانه انعطف الكلام إلى تبكيت المنافقين منهم والمصارحين في ~~لعنهم على كتمانهم ما يعلمون من الحق إذ كانت هذه كلها في الحقيقة قصصهم ~~والخروج إلى غيرها إنما هو استطراد على الأسلوب الحكيم المبين لأن هذا ~~الكتاب هدى وكان السياق مرشدا إلى أن التقدير بعد { شاكر عليم } ومن أحدث ~~شرا فإن الله عليم قدير , فوصل به استئنافا قوله على وجه يعمهم وغيرهم : { ~~إن الذين يكتمون } بيانا لجزائهم { ما أنزلنا } أي بعظمتنا . | قال الحرالي ~~: فانتظمت هذه الآية أي في ختمها لهذا الخطاب بما مضى في أوله من قوله : < # > 77 ( { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } ) 77 < # > [ البقرة : 42 ] فكانت البداية خاصة وكان الختم عاما , ليكون ما في ~~كتاب الله أمرا على نحو ما كان أمر محمد صلى الله عليه وسلم ومن تقدمه من ~~الرسل خلقا لينطبق الأمر على الخلق بدءا وختما انطباقا واحدا , فعم كل كاتم ~~من الأولين والآخرين - انتهى { من البينات } أي التي لا يحتاج سامعها ~~المجرد عن الهوى في فهمها إلى شيء معها . | قال الحرالي : ففي إفهامه إذن ~~في كتم ما يخفى من ms0322 العلم عن عقول لم تصل إليه - انتهى . | { والهدى } أي ~~الذي من شأنه أن يقود من أحبه إلى صراط مستقيم . | ولما كان المراد الترهيب ~~من الكتمان في وقت ما ولو قلت أثبت الجار فقال { من بعد ما بيناه } أي بما ~~لنا من العظمة { للناس } أي الذين هم في أدنى طبقات المخاطبين , ~~PageV01P288 وفيه تبكيت عظيم لبني إسرائيل فإنهم من أعظم المقصودين بذلك ~~لكتمانهم ما عندهم . | قال الحرالي : لأن المسمين بالناس من أصاغر سن ~~القلوب لما ذكر من نوسهم وأكثر ما يخص به كما تقدم الملوك ورؤساء القبائل ~~وأتباعهم الذين زين لهم حب الشهوات - انتهى . | { في الكتاب } أي الجامع ~~لكل خير قال الحرالي : فما بينه الله سبحانه وتعالى في الكتاب لا يحل كتمه ~~, لما ذكر من أن الكتاب هو ما احتوى على الأحكام والحدود بخلاف ما يختص ~~بالفرقان أو يعلو إلى رتبة القرآن انتهى . | ولما كان المضارع دالا على ~~التجديد المستمر وكان الإصرار المتصل بالموت دالا على سوء الجبلة أسقط فاء ~~السبب إشارة إلى استحقاقهم للخزي في نفس الأمر من غير نظر إلى سبب فقال : { ~~أولئك } أي البعداء البغضاء { يلعنهم الله } أي يطردهم الملك الأعظم طرد ~~خزب وذل { ويلعنهم اللاعنون * } أي كل من يصح منه لعن ؛ أي هم متهيؤن لذلك ~~ثم يقع لهم ذلك بالفعل عند كشف الغطاء , واللعن إسقاط الشيء إلى أردى محاله ~~حتى يكون في الرتبة لمنزلة الفعل من العامة - قاله الحرالي : وأخص من ذلك ~~وأسهل تناولا أن يقال : لما كان أشق الصبر ما على فقد المحبوب من الألف ~~والأمن والسعة وكان العلم واقعا بأن عداوة الكفار لهم ستؤول إلى ابتلائهم ~~بذلك اتبع آية الصبر بقوله : { ولا تقولوا } الآيتين فكأنه قيل : ولا ~~تقولوا كذا فليكتبن عليكم الجهاد عموما { ولنبلونكم } فيه { بشيء من الخوف ~~} الآية لأن الصفا والمروة من شعائر الله ووصولكم إليهما ممنوع بالكفار فلا ~~بد في الفتح من قتالهم وقد جرت العادة في القتال بمثل ذلك البلاء . | < < # | البقرة : ( 160 - 164 ) إلا الذين تابوا . . . . . # > > ^ ( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب ms0323 عليهم وأنا التواب ~~الرحيم * إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون * وإلهكم ~~إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم * إن في خلق السماوات والأرض واختلاف ~~الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ومآ أنزل الله من ~~السمآء من مآء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح ~~والسحاب المسخر بين السمآء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) ^ } ) | ولما تم أمر ~~القبلة وما استتبعه وختم بشريعة الحج المكتوبة على الناس عامة الأمر لهم ~~بها باني البيت إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن أمر الله سبحانه وتعالى ~~بقوله إذ قام المقام : يا ايها الناس ! كتب عليكم الحج فحجوا , فأجابه من ~~علم الله سبحانه وتعالى أنه PageV01P289 يحج ثم حجت الأنبياء من بني ~~إسرائيل بن إبراهيم عليهما السلام ثم أخفاها أهل الكتاب فيما أخفوه من ~~كتابهم حسدا للعرب وختمت آية الحج بعليم رجع إلى أمر الكاتمين الذين يكتمون ~~الحق وهم يعلمون , وأعظم ما كتموه أمر هذا الكتاب الذي هو الهدى المفتتح به ~~السورة , ولما بين جزاءهم استثنى منهم التائبين مبينا لشرائط التوبة ~~الثلاثة فقال { إلا الذين تابوا } بالندم على ارتكاب الذنب { وأصلحوا } ~~بالعزم على عدم العود { وبينوا } ما كانوا كتموه فظهرت توبتهم بالإقلاع . | ~~ولما كان الإنسان يحب ما كان بسبب منه رغبهم في المتاب بعد توبتهم سببا ~~لتوبته ورحمته وإن كان ذلك كله منا منه في نفس الأمر فقال معبرا بالفاء : { ~~فأولئك } العالو الرتبة { أتوب عليهم } أي أقبل توبتهم فأحفظهم بما يشعر به ~~مثال الفعل الدائم فيما وفقتهم لابتدائه , وفي الربط بالفاء إشارة إلى ~~إسراع التنقاذ توبة الله عليهم من نار الخوف والندم رحمة منه لهم برفعهم ~~إلى موطن الإنس , لأن نار الخوف في الدنيا للمقترف رحمة من عذاب النار ~~تفديه من نار السطوة في الآخرة , من لم يحترق بنار المجاهدة أحرقته نار ~~الخوف , فمن لم يحترق بنار الخوف أحرقته نار السطوة - أفاده الحرالي ms0324 . | ~~ولما كان من شأن الإنسان معاودة الذنوب لصفة النسيان ختم الآية بما دل على ~~أن التقدير : فإني أحب التوابين فقال : { وأنا التواب } أي مرة بعد مرة لمن ~~كر على الذنب ثم راجع التوبة كرة إثر كرة { الرحيم * } لمن فعل ما يرضيني . ~~| ولما لعن الكاتمين واستثنى منهم التائبين ذكر المصرين معبرا عن كتمانهم ~~بالكفر لتعم العبارة كل كفر فقال : { إن الذين كفروا } أي بهذا الكتمان ~~وغيره { وماتوا وهم كفار } قال الحرالي : ففي إشعاره يسر توبة الكافرين ~~وعسر توبة المنافقين من حيث صرح بذكر توبة الكاتم وتجاوز في الذكر توبة ~~الكافر , فكان الذين كفروا يتوبون إلا الأقل والذين يكتمون يتمادون إلا ~~الأقل , فلذلك وقع الاستثناء في الكاتم والتخصيص من الكافر - انتهى . | ~~ولما كان الموت على شيء دالا على أصل الجبلة فالميت كافرا مجبول جبلة شر ~~بين سبحانه وتعالى أنه مستحق في نفس الأمر لكل خزي لذلك لا لسبب جدده , فمن ~~وجد خيرا فليحمد الله , ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه , لأنه سبحانه ~~وتعالى لا يسأل عما يفعل , فأسقط فاء السبب وعبر عنهم بأداة البعد إشارة ~~إلى طردهم فقال : { أولئك } الذين هم في غاية السفول { عليهم لعنة الله } ~~أي طرد الملك الذي لا ملك سواه وإبعاده , ثم بين اللاعنين في التي قبلها ~~فقال { والملائكة والناس أجمعين * } أي هم أهل لذلك وكل أحد يلعن الظالم ~~وأظلم الظالمين الكافر { خالدين فيها } أي اللعنة . | PageV01P290 ولما كان ~~اللعن دالا على العذاب صرح به فقال : { لا يخفف عنهم العذاب } لاستعلاء ~~اللعن عليهم وإحاطته بهم . | وقال الحرالي : ذكر وصف العذاب بذكر ما لزمهم ~~من اللعنة ليجمع لهم بين العقابين : عقابا من الوصف وعقابا من الفعل , كما ~~يكون لمن يقابله نعيم ورضى - انتهى . | { ولا هم ينظرون * } قال الحرالي : ~~من النظرة وهو التأخير المرتقب نجازه فالمعنى أنهم لا يمهلون من ممهل ما ~~أصلا كما يمهلون في الدنيا - بل يقع عليهم العذاب حال فراقهم للحياة ثم لا ~~يخفف عنهم . | قال الحرالي : ففيه إشعار بطائفة أي من عصاة المؤمنين يؤخر ~~عذابهم ms0325 , وفي مقابلة علم الجزاء بأحوال أهل الدنيا تصنيفهم بأصناف في ~~اقتراف السوء , فمن داومه داومه العذاب ومن أخره وقتا ما في دنياه أخر عنه ~~العذاب , ومن تزايد فيه تزايد عذابه , وذلك لكون الدنيا مزرعة الآخرة وأن ~~الجزاء بحسب الوصف < # > 77 ( { سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم * } ) 77 < # > [ الأنعام : 136 ] انتهى . | ولما أفاض عليهم سبحانه وتعالى ما أفاض من ~~بحار الحجاج المفرقة بالأمواج وقرر ما اراد من شرائع الإسلام على وجه ~~الإتقان والإحكام وأرشد هذا السياق المذكور فيه ثواب المطيع وعقاب العاصي ~~إلى أن التقدير : فإلهكم إله واحد لا شريك له يدافعه عما يريد لا إله غلا ~~هو المنتقم من أعدائه العظيم في كبريائه , عطف عليه مكررا الزاجر لكل منافق ~~وكافر ومذكرا بالعاطف لكل موافق مؤالف قوله تعالى : { وإلهكم } ولما كان ~~المراد أن الوحدة معتبرة في نفس الأمر في الإله الحق , فلا يصح أصلا أن ~~يكون الإله الحق منقسما بالنوع ولا بالشخص ولا بالوصف ولا بالفعل ولا بغير ~~ذلك بوجه من الوجوه أعاد لفظ الإله فقال : { إله واحد } أي لا ينقسم بوجه ~~من الوجوه لا بمجانسة ولا بغيرها وهو مع ذلك { لا إله إلا هو } فهذا تقرير ~~للوحدانية بنفي غيره وإثباته فلا يصح بوجه ولا يمكن في عقل أن يصلح للإلهية ~~غيره أصلا فلا يستحق العبادة إلا هو لأنه { الرحمن } أي العام الرحمة ~~بالنعم الزائلة لأوليائه وأعدائه { الرحيم * } أي المخصص بالنعم الباقية ~~لأوليائه , فثبت بالتفرد بالألوهية أنه حائز بجميع العظمة وبيده مجامع ~~الكبرياء والقهر , وبوصفي الرحمة أنه مفيض لجلائل النعم ودقائقها فكل ما ~~سواه إما نعمة أو منعم عليه , فهو المخشي سطوته المرجو رحمته يغفر لمن يشاء ~~ويلعن من كفر ويخلده في العذاب من غير أن يقدر غيره أن يعترض عليه في شيء ~~من ذلك ؛ ولا يبعد عندي وإن بعد المدى أن تكون الواو في قوله { وإلهكم } ~~عاطفة على قوله في أوائل السورة < # > 77 ( { وهو بكل شيء عليم } ) 77 < # > [ البقرة : 29 ] قبل قوله < # > 77 ( { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ms0326 خليفة } ) 77 < # > [ البقرة : 30 ] فإن التوحيد هو المقصود بالذات وعنه تنشأ جميع ~~العبادات , فلما قال أولا < # > 77 ( { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } ) 77 < # > [ البقرة : 21 ] أتبعه في قوله < # > 77 ( { الذي خلقكم } ) 77 < # > [ البقرة : 21 ] إلى آخره بوصف هو دليل استحقاقه للعبادة , فلما قام ~~PageV01P291 الدليل قال : < # > 77 ( { فلا تجعلوا لله أندادا } ) 77 < # > [ البقرة : 22 ] إعلاما بأنه لا شريك له في العبادة كما أنه قد تبين ~~أنه لا شريك له في الخلق , ثم أتبعه بما يليق لذلك المقام مما تقدم التنبيه ~~عليه , ثم رجع إليه قائلا ثانيا < # > 77 ( { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ) 77 < # > [ البقرة : 28 ] إلى آخرها فأعاد الدليل على وجه أبين من الأول وأبسط , ~~فلما تقرر على وجه لا مطعن فيه أمر الوحدانية والإعادة كان الأنسب ما أولاه ~~من الآيات السابقة لما ذكر فيها من غير ذلك من المهمات إلى أن صار إلى ذكر ~~الكاتمين والتائبين والمصرين وذكر ما أعد لكل من الجزاء فأتبع ذلك هذه ~~الآية عاطفا لها على ما ذكرته على وجه أصرح مما تقدم في إثبات التوحيد ~~بيانا لما هو الحق وإشارة إلى أنه تعالى ليس كملوك الدنيا الذين قد يحول ~~بينهم وبين إثابة بعض الطائعين وعقوبة بعض العاصين بعض أتباعهم , فإنه واحد ~~لا كفؤ له بل ولا مداني فلا مانع لنفوذ أمره ؛ ولا يستنكر تجويز هذا العطف ~~لأنه جرت عادة البلغاء أن أحدهم إذا أراد إقامة الحج على شيء لأمر يرتبه ~~عليه أن يبدأ بدليل كاف ثم يتبعه تقريب الثمرات المجتناة منه ثم يعود إلى ~~تأكيده على وجه آخر لتأنس به النفوس وتسر به القلوب , وربما كان الدليل ~~طويل الذيول كثير الشعب , فيشرح كل ما يحتاج إليه من ذيوله وما يستتبعه من ~~شعبه , فإذا استوفى ذلك ورأى أن الخصم لم يصل غلى غاية الإذعان أعاد له ~~الدليل على وجه آخر عاطفا له على الوجوه الأول تذكيرا بما ليس بمستنكر ذلك ~~في مجاري عاداتهم ومباني خطاباتهم ؛ ومن تأمل مناظرات الباقلاني وأضرابه من ~~أولي الحفظ الواسع والتبحر ms0327 في العلم علم ذلك وقال الحرالي : ولما كان مضمون ~~الكتاب دعوة الخلق إلى الحق , والتعريف بحق الحق على الخلق , وإظهار مزايا ~~من اصطفاه الله تعالى ممن شملهم أصل الإيمان من ملائكته وأنبيائه ورسله ومن ~~يلحق بهم من أهل ولايتهم , وإظهار شواهد ذلك منهم و إقامة الحجة بذلك على ~~من دونهم في إلزامهم أتباعهم , وكان الضار للخلق إنما هو الشتات كان النافع ~~لهم إنما هو الوحدة , فلما أظهر لهم تعالى مرجعهم إلى وحدة أبوة آدم عليه ~~الصلاة والسلام في جمع الذرية ووحدة أبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في ~~جمع الإسلام ووحدة أحمدية محمد صلى الله عليه وسلم في جمع الدين فاتضح لهم ~~عيب الشتات والتفرق وتحقق لهم شاهد النفع في الجمع إلى وحدات كان ذلك آية ~~على أعظم الانتفاع بالرجوع إلى وحدة الإلهية في أمر الحق وفي إفهام ذلك ~~وحدات ما يظن في ظاهر الوحدات الظاهرة من وحدة الروح ووحدة النفس والعقل ~~فقال تعالى عطفا على ما ظهر بناؤه من الوحدات الظاهرة وما أفاده إفهامها من ~~الوحدات الباطنة : { وإلهكم إله واحد } فإذا قبح الشتات مع وحدة الأب ~~الوالد فكيف به مع وحدة الأب المدين ! فكيف به مع وحدة النبي المكمل ! فكيف ~~PageV01P292 به مع وحدة الإله الذي هو الرحمن الذي شمل خلقه رحمانية ! ~~الرحيم الذي اختص أولياءه وأصفياءه عناية فجمعهم بوحدته التي هي قائم كل ~~وحدة دونه ! فجميع أسمائه لها وحدة تنتهي وحدتها إلى وحدة الإله الذي انتهى ~~إليه الإله وهو تعبد الظاهر لإلجاء المتعبد إليه في كل حاجاته وإقاماته ~~الظاهرة والباطنة , ولا أتم من وحدة ما لا يتصوره العقل ولا يدركه الحس في ~~علو وحدة الغيب الذي لا يبدو فيه ذات فيكون لها أو فيها كميات ولا كيفيات ؛ ~~ثم قال : وقد صح بالتجربة أن الراحة في حصبة الواحد وأن التعب في اتباع ~~العدد لاختصاص كل واحد بقصد في التابع يتشاكس عليه لذلك حال اتباعهم , فكان ~~أعظم دعوة إلى جمع الخلق دعوتهم إلى جمع توحيد الإلهية انتظاما بما دعوا ~~إليه من الاجتماع ms0328 في اسم الربوبية في قوله تعالى متقدما < # > 77 ( { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } ) 77 < # > [ البقرة : 21 ] فإعلاء الخطاب من رتبة الربوبية إلى رتبة هذه الدعوة ~~بالإلهية لتعلو من هذا الحد إلى الدعوة إلى الله الأحد الذي أحديته مركوزة ~~في كافة فطر الخلق وجبلاتهم حين لم يقع الشرك فيه بوجه وإنما وقع في رتبة ~~الإلهية , فكان هذا أوسط الدعوة بالاجتماع في وحدة الإلهية وفي إضافة اسم ~~الإله إليهم أتم تنزل بمقدار معقولهم من تعبدهم الذي هو تألههم ؛ ولما كان ~~في الإلهية دعوى كثرة توهم الضلال المبين أتبع ذلك بكلمة التوحيد بناء على ~~اسمه المضمر في باطن ظاهر الإلهية فقال تعالى : { لا إله إلا هو } ردا على ~~إضمار ما في الأول ولم يذكر اسمه المظهر ليكون للدعوة إليه رتبة عالية تكون ~~هذه متوقلا إليها , ولما كان هذا التوحيد الإلهي أمر غيب من الإله أظهره ~~سبحانه وتعالى بمظهر الرحمانية المحيطة الشاملة والرحيمية الاختصاصية لما ~~عند الخلق من شاهد ذلك فيما يجدونه من أثر الرحمانية في دنياهم وآثارهم وما ~~يجدون نم آثار الرحيمية في اختصاصهم المزية في تضاعف رحمته , فكان في مجموع ~~هذه الآية أعظمية من غيب الإلهية إلى تمام اختصاص الرحيمية , فلذلك كانت ~~هذه الآية مع آية الإحاطة في أول آل عمران الجامعة لمقابلة ما في هذه الآية ~~من خصوص الرحيمية مع خصوص مقابلها من وصف الانتقام الظاهر عن وصف العزة ~~الذي أبداه قوله سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { والله عزيز ذو انتقام } ) 77 < # > [ آل عمران : 4 ] فكانت هذه الآية لذلك مع < # > 77 ( { الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * } ) 77 < # > [ آل عمران : 1 - 2 ] اسم الله الأعظم المحيط بالغيب والشهادة جمعا ~~للرحمة والنقمة في الظاهر وإحاطة عظمة في الباطن , فكان هذا الحد من علو ~~الخطاب ابتداء رفع الخلق إلى التعلق باسم الله الأعظم الذي يرفعهم عن سفل ~~تقيدهم بأنفسهم المحقرة إظهارا لمبدأ العناية بهذه الأمة الخاتمة - انتهى . ~~| PageV01P293 ولما كان هذا المقام لا يصح إلا بتمام العلم وكمال القدرة ~~نصب الأدلة على ذلك في ms0329 هذه الآية الثالثة بأبسط مما في الآية الثانية كما ~~كانت الثانية أبسط من الأولى وأجلى تبصيرا للجهال وتذكيرا للعلماء ؛ فكانت ~~هذه الآية تفصيلا لتينك الآيتين السابقتين ولم تدع حاجة إلى مثل هذه ~~التفصيل في آية آل عمران , لأن معظم المراد بها الدلالة على شمول القدرة ~~وأما هذه فدليل على التفرد , فكان لا بد من ذكر ما ربما أضيف إلى أسبابه ~~القريبة تنبيها على أنه لا شريك له في شيء من ذلك وأن الكل بخلقه وإن أقام ~~لذلك أسبابا ظاهرية فقال تعالى { إن في خلق السماوات والأرض } أي ~~واختلافهما فإن خلق ما ذكر في الآية من نعمته على عباده كما ذكر في أول ~~السورة , ثم ذكر ما ينشأ عنهما فقال : { واختلاف } وهو افتعال من الخلف , ~~وهو ما يقع من افتراق بعد اجتماع في أمر من الأمور { الليل } قدمه لأنه ~~الأصل والأقدم < # > 77 ( { وآية لهم الليل } ) 77 < # > [ يس : 37 ] { والنهار } وخلقهما , فالآية من الاحتباك , ذكر الخلق ~~أولا دليلا على حذفه ثانيا والاختلاف ثانيا على حذفه أولا . | وقال الحرالي ~~: ولما كان من سنة الله أن من دعاه إليه وإلى رسله بشاهد خرق عادة في خلق ~~أو أمر عاجله بالعقوبة في الدنيا وجدد بعده أمة أخرى كما قال سبحانه وتعالى ~~: < # > 77 ( { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون } ) 77 < # > [ الإسراء : 59 ] وكانت هذه الأمة خاتمة ليس بعدها أمة غيرها أعفاها ~~ربها من احتياجها إلى خرق العوائد , قال عليه الصلاة والسلام ( ما من نبي ~~إلا وقد أوتي من الآيات ما مثله أمن عليه البشر , وإنما كان الذي آتاني ~~الله وحيا أوحاه الله سبحانه وتعالى إلي , فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا ) ~~فكان أمر الاعتبار أعم إجابة وأسمح مخالفة وكفاها بما قد أظهره لها في خلقه ~~بالإبداء والتسخير من الشواهد , ليكونوا علماء منقادين لروح العلم لا ~~لسلطان القهر , فيكون ذلك من مزاياهم على غيرهم , ولم يجبها إلى ما سألته ~~من ذلك , فلما وصل تعالى بدعوة الربوبية ذكر الخلق والرزق وذكر الأرض بأنها ~~فراش والسماء ms0330 بأنها بناء على عادة العرب في رتبة حس ظاهر أعلاهم في هذا ~~الخطاب بإيراد آياته وشواهده على علو رتبة معنى مقعول فوق رتبة الأمر ~~المحسوس السابق فقال : { إن في خلق السماوات والأرض } خطابا مع من له نظر ~~عقلي يزيد على نظر الحس باعتبار السماوات أفلاكها وعددها بشواهد نجومها حتى ~~يتعرف أنها سماوات معدودة , وذلك مما يظهر موقعه عند من له اعتبار في مخلوق ~~السماوات ؛ ولما لم يكن للأرضين شواهد محسوسة بعددها كما في السماوات لم ~~يجر ذكرها في القرآن إلا مفردة وجاء ذكر السماوات معددة PageV01P294 لأهل ~~النظر العقلي ومفردة لأهل النظر الحسي , وأيسر معتبر ما بين السماوات ~~والأرض في مقابلة حظيهما في كون السماوات في حد من العلو والصفاء ~~والنورانية والحركة والأرض في مقابل ذلك من السفل والكثافة والظلمانية و ~~السكون , فيقع الاعتبار بحصول مشهود التعاون من مشهود التقابل , وذلك مما ~~يعجز الخلق فيعلمون أنه من أمر الحق , لأن الخلق إنما يقع لهم التعاون ~~بالمتناسب لا بالمتقابل , فمن آلته الماء مثلا تفسد عليه النار , ومن آلته ~~النار يفسد عليه الماء , والحق سبحانه وتعالى أقام للخلق والموجودات ~~والموالد آحادا مجتمعة قد قهر فيها متنافرات موجودات الأركان وموجود خلق ~~السماء والأرض المشهود تقابلهما , فما وقع اجتماع النار بالماء علىتقابل ما ~~بين الحار والبارد , واجتماع الهواء بالأرض على تقابل ما بين الكثيف ~~واللطيف , واجتماع الكل في شيء واحد من جسم واحد وعضو واحد حتى في جزء واحد ~~من أدق أجزائه إلا بأمر يعجز عنه الخلق ولا يقدر عليه إلا الحق الذي يحار ~~فيه الخلق , فهو إذن إلههم الذي هو إله واحد , آثاره موجودة في أنفسهم , ~~وشواهده مبصرة بأعينهم وحقائق تلك الشواهد بادية لعقولهم , فكأنه سبحانه ~~وتعالى أقرأهم ذكره الحكيم المرئي لأعينهم كشفا لغطاء أعينهم ليتميزوا عن ~~الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكره . | ولما ذكر سبحانه وتعالى خلق متقابل ~~العلو والسفل في ذكر السماوات والأرض نظم بها اختلاف الأفقين اللذين فيهما ~~ظهور مختلفي الليل والنهار ليتريع اعتبارهم بين اعتبار الأعلى والأسفل ~~والمشرق والمغرب ms0331 فيقع شواهد الإحاطة بهم عليهم في توحيد ربهم وإرجاع ذلك ~~غليه دون أن يعزي ذلك غلى شيء من دونه مما هو داخل في حصر موجود هذه ~~الإحاطة من المحيط الأعلى والمحيط الأسفل والمحيط بالجوانب كلها من ملبس ~~الآفاق من الليل والنهار خطاب إجمال يناسب مورد السورة التي موضوعها ~~إجمالات ما يتفسر فيها وفي سائر القرآن من حيث إنها فسطاطه وسنامه - انتهى ~~. | ولما ذكر تعالى ما أنشأه سير الكواكب في ساحة الفلك أتبعه سير الفلك في ~~باحة البحر فقال : { والفلك } وهو ما عظم من السفن في مقابلة القارب وهو ~~المستخف منها . | قال الحرالي : استوى واحده وجمعه , حركات الواحد أولى في ~~الضمير وحركات الجمع ثوان في الضمير من حيث إن الواحد أول والجمع ثان مكسر ~~انتهى . | ولما أراد هنا الجمع لأنه أدل على القدرة وصف بأداة التأنيث فقال ~~{ التي تجري } بتقدير الله , وحقق الأمر بقوله : { في البحر } أسند الجري ~~إليها ومن المعلوم أنه لا جري لها حقيقة ولا فعل بوجه ترقية إلى اعتقاد مثل ~~ذلك في النجوم إشارة إلى أنه لا فعل لها ولا تدبير كما يعتقد بعض الفلاسفة ~~. | وقال الحرالي : ولما ذكر سبحانه وتعالى جملة الخلق وجملة PageV01P295 ~~الاختلاف في الوجهين وصل بذلك إحاطة البحر بالأرض وتخلل البحار فيها لتوصل ~~المنافع المحمولة في الفلك مما يوصل من منافع المشرق للمغرب ومنافع المغرب ~~للمشرق ومنافع الشمال للجنوب وبالعكس , فما حملت جارية شيئا ينتفع به إلا ~~قد تضمن ذكره مبهم كلمة { ما } في قوله تعالى : { بما ينفع الناس } وذكرهم ~~باسم الناس الذي هو أول من يقع فيه الاجتماع والتعاون والتبصر بوجه ما أدنى ~~ذلك في منافع الدنيا الذي هو شاهد هذا القول - انتهى . | ولما ذكر نفع ~~البحر بالسفن ذكر من نفعه ما هو أعم من ذلك فقال : { وما أنزل الله } الذي ~~له العظمة التامة { من السماء } أي جهتها باجتذاب السحاب له . | ولما كان ~~النازل منها على أنواع وكان السياق للاستعطاف إلى رفع الخلاف ذكر ما هو سبب ~~الحياة فقال : { من ماء فأحيا به الأرض ms0332 } بما ينبت منها ولما كان الإحياء ~~يستغرق الزمن المتعقب للموت نفى الجار فقال : { بعد موتها } بعدمه . | ولما ~~ذكر حياة الأرض بالماء أشار إلى أن حياة كل ذي روح به فقال { وبث } من البث ~~وهو تفرقة أحاد مستكثرة في جهات مختلفة { فيها } بالخضب { من كل دابة } من ~~الدبيب وهو الحركة بالنفس قال الحرالي : أبهم تعالى أمر الخلق والاختلاف ~~والإجراء فلم يسنده إلى اسم من أسمائه يظهره , وأسند إنزال الماء من السماء ~~إلى اسمه العظيم الذي هو الله لموقع ظهور القهر على الخلق في استدرار أرزاق ~~الماء واستجداده وقتا بعد وقت بخلاف مستمر ما أبهم من خلق السماوات والأرض ~~الدائم على حالة واختلاف الليل والنهار المستمر على وجهه واحتيال إجراء ~~الفلك الماضي على حكم عادته , فأظهر اسمه فيما يشهد به عليهم ضرورتهم إليه ~~في كل حول ليتوجهوا في العبادة إلى علو المحل الذي منه ينزل الماء فينقلهم ~~بذلك من عبادة ما في الأرض إلى عبادة من في السماء < # > 77 ( { ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض } ) 77 < # > [ الملك : 16 ] وقال عليه الصلاة والسلام للأمة : ( أين الله ؟ قالت : ~~في السماء , قال : أعتقها فإنها مؤمنة ) فأذن أدنى الإيمان التوجه إلى ~~عبادة من في السماء ترقيا إلى علو المستوى على العرش إلى غيب الموجود في ~~أسرار القلوب , فكان في هذه التوطئة توجيه الخلق إلى الإله الذي ينزل الماء ~~من السماء وهو الله الذي لم يشرك به أحد سواه ليكون ذلك توطئة لتوحيد ~~PageV01P296 الإله , ولذلك ذكر تعالى آية الإلهية التي هي الإحياء , ~~والحياة كل خروج عن الجمادية من حيث إن معنى الحياة في الحقيقة إنما هو ~~تكامل في الناقص , فالمهتز حي بالإضافة إلى الجماد ترقيا إلى ما فوق ذلك من ~~رتب الحياة من نحو حياة الحيوان ودواب الأرض , فلذلك ذكر تعالى الإحياءين ~~بالمعنى , وأظهر الاسم مع الأرض لظهوره في الحيوان , فأظهر حيث خفي عن ~~الخلق , ولم يذكره حيث هو ظاهر للخلق , فنبههم على الاعتبارين إنزال الماء ~~الذي لهم منه شراب ومنه شجر وبه حياة الحيوان ms0333 ومنه مرعاهم . | ولما ذكر ~~سبحانه وتعالى بث ما هو السبب للنبات المسبب عن الماء ذكر بث ما هو سبب ~~للسحاب السبب للمطر السبب للحياة فقال تعالى : { وتصريف الرياح } أي تارة ~~صبا وأخرى دبورا ومرة شمالا وكرة جنوبا , والتصريف إجراء المصرف بمقتضى ~~الحكم عليه , ولاريح متحرك الهوى في الأقطار { والسحاب } وهو المتراكم في ~~جهة العلو من جوهر ما بين الماء والهواء المنسحب في الجو { المسخر } أي بها ~~, من التسخير وهو إجراء الشيء على مقتضى غرض ما سخر له { بين السماء والأرض ~~} لا يهوى إلى جهة السفل مع ثقله بحمله بخار الماء , كما تهوى بقية الأجرام ~~العالية حيث لم يكن لها ممسك محسوس ولا ينقشع مع أن الطبع يقتضي أحد ~~الثلاثة : فالكثيف يقتضي النزول واللطيف يقتضي الصعود , والمتوسط يقتضي ~~الانقشاع { لآيات } وقال الحرالي : لما ذكر تعالى الأعلى والأسفل ومطلع ~~الليل والنهار من الجانبين وإنزال الماء أهواء ذكر ما يملأ ما بين ذلك من ~~الرياح والسحب الذي هو ما بين حركة هوائية إلى استنارة مائية غلى ما يلزم ~~ذلك من بوادي نيراته من نحو صواعقه وجملة أحداثه , فكان في هذا الخطاب ~~اكتفاء بأصول من مبادئ الاعتبار , فذكر السماء والأرض والآفاق وما بينهما ~~من الرياح والسحب والماء المنزل الذي جملته قوام الخلق في عاجل دنياهم , ~~ليجعل لهم ذلك آية على علو أمر وراءه ويكون كل وجه منه آية على أمر من أمر ~~الله فيكون آيات , لتكون السماء آية على علو أمر الله فيكون أعلى من الأعلى ~~, وتكون الأرض آية على باطن أمر الله فيكون أبطن من الأبطن , ويكون اختلاف ~~الليل والنهار آية على نور بدوه وظلمة غيبته مما وراء أمر الليل والنار , ~~ويكون ما أنزل من الماء لإحياء الأرض وخلق الحيوان آية ما ينزل من نور علمه ~~على القلوب فتحيا بها حياة تكون حياة الظاهر آية عليه , ويكون تصريف الرياح ~~والسحاب المسخر بين السماء والأرض آيات على تصريف ما بين أرض العبد الذي هو ~~ظاهره وسمائه الذي هو باطنه , وتسخير بعضه لبعض ليكون ذلك ms0334 آية على ~~PageV01P297 علو الله على سمائه العلى في الحس وعلى سماء القلوب العلية في ~~الوجدان ؛ فلجملة ذلك جعل تعالى صنوف هذه الاعتبارات { لآيات لقوم } وهم ~~الذين يقومون في الأمر حق القيام , ففيه إشعار بأن ذلك لا يناله من هو في ~~سن الناس حتى يتنامى طبعه وفضيلة عقله إلى أن يكون من قوم يقومون في ~~الاعتبار قيام المنتهضين في أمور الدنيا , لأن العرب عرفت استعمالها في ~~القوم إنما هو لأجل النجدة والقوة حتى يقولون : قوم أو نساء . | تقابلا بين ~~المعنيين ؛ وذكر تعالى العقل الذي هو نور من نوره هدى لمن أقامه من حد تردد ~~حال الناس إلى الاستضاءة بنوره في قراءة حروف كتابه الحكيم التي كتبها بيده ~~وأغنى الأميين بقراءة ما كتب لهم عن قراءة كتاب ما كتبه الخلق - انتهى ؛ ~~فقال : { يعقلون * } أي فيعلمون أن مصرف هذه الأمور على هذه الكيفيات ~~المختلفة والوجوه المحكمة فاعل مختار وهو قادر بما يشاهد من إحياء الأرض ~~وغيرها مما هو أكبر منه على بعث الموتى وغيره مما يريده وأنه مع ذلك كله ~~واحد لا شريك له يمانعه العقلاء من الناس , يعلمون ذلك بذلك فلا يتخذون ~~أندادا من دونه ولا يميلون عن جنابه الأعلى إلى سواه , وقد اشتملت هذه ~~الآية على جميع ما نقل البيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن الحليمي أنه مما ~~يجب اعتقاده في الله سبحانه وتعالى وهو خمسة أشياء : الأول إثباته سبحانه ~~وتعالى لتقع به مفارقة التعطيل , والثاني وحدانيته لتقع به البراءة عن ~~الشرك - وهذان من قوله < # > 77 ( { وإلهكم إله واحد } ) 77 < # > [ البقرة : 163 ] والثالث إثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض لتقع به البراءة ~~من التشبيه وهذا من قوله < # > 77 ( { لا إله إلا هو } ) 77 < # > [ البقرة : 163 ] لأن من لا يسد غيره مسده لا شبيه له , والرابع إثبات ~~أن وجود كل ما سواه كان بإبداعه له واختراعه إياه لتقع به البراءة من قول ~~من يقول بالعلة والمعلول وهذا من قوله < # > 77 ( { الرحمن الرحيم } ) 77 < # > [ البقرة : 163 ] < # > 77 ( { إن في خلق السماوات والأرض } ) 77 ms0335 < # > [ البقرة : 164 ] , والخامس أنه مدبر ما أبدع ومصرفه على ما يشاء لتقع ~~به البراءة من قوله القائلين بالطبائع أو تدبير الكواكب أو تدبير الملائكة ~~وهذا من قوله < # > 77 ( { وما أنزل الله من السماء من ماء } ) 77 < # > [ البقرة : 164 ] إلى آخرها قال البيهقي : كان أسماء الله سبحانه ~~وتعالى جده التي ورد بها الكتاب والسنة وأجمع العلماء على تسميته بها ~~منقسمة بين العقائد الخمس , فليلحق بكل واحدة منهن بعضها , وقد يكون منها ~~ما يلتحق بمعنيين ويدخل في بابين أو أكثر - انتهى . | وسبب تكثير الأدلة أن ~~عقول الناس متفاوتة , فجعل سبحانه وتعالى العالم وهو الممكنات الموجودة وهي ~~جملة ما سواه الدالة على وجوده وفعله بالاختيار على قسمين : قسم من شأنه أن ~~يدرك بالحواس الظاهرة ويسمى في عرف أهل الشرع الشهادة والخلق والملك , وقسم ~~لا يدرك بالحواس الظاهرة ويسمى الغيب والأمر PageV01P298 والملكوت , والأول ~~يدركه عامة الناس والثاني يدركه أولو الألباب الذين عقولهم خالصة عن الوهم ~~والوساوس , فالله سبحانه وتعالى بكمال عنايته ورأفته ورحمته جعل العالم ~~بقسميه محتويا على جمل وتفاصيل من وجوه متعددة وطرق متكثرة تعجز القوى ~~البشرية عن ضبطها يستدل بها على وحدانيته بعضها أوضح من بعض ليشترك الكل في ~~المعرفة , فيحصل لكل بقدر ما هيئ له , اللهم إلا أن يكون من طبع على قلبه , ~~فذلك والعياذ بالله سبحانه وتعالى هو الشقي . | < < # | البقرة : ( 165 - 169 ) ومن الناس من . . . . . # > > ^ ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا ~~وأن الله شديد العذاب * إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب ~~وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما ~~تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار * ~~يأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين * إنما يأمركم بالسوء والفحشآء وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون ) ^ } ) | ولما نهضت ms0336 الأدلة وسطعت البراهين وزاحت العلل والشكوك عاب ~~من عبد سواه وفزع غلى غيره كما نهى عن الأنداد عقب الآية الأولى الداعية ~~إلى العبادة مشيرا بختم التي قبل بيعقلون , إلى أن هؤلاء ناس ضلت عقولهم ~~وفالت آراؤهم وبين أنهم يتبرأ بعضهم من بعض يوم ينكشف حجاب الغفلة عن سرادق ~~العظمة و يتجلى الجبار في صفة النقمة فقال سبحانه وتعالى عاطفا على ما ~~قدرته مما أرشد إليه المعنى : ومن , أو يكون التقدير فمن الناس من عقل تلك ~~الآيات فآمن بربه وفنى في حبه { ومن الناس من يتخذ } وهم من لا يعقل { من ~~دون الله } الذي لا كفؤ له مع وضوح الأدلة { أندادا } مما خلقه , ادعوا ~~أنهم شركاؤه , أعم من أن يكونوا أصناما أو رؤساء يقلدونهم في الكفر بالله ~~والتحريم والتحليل من غير أمر الله { يحبونهم } من الحب وهو إحساس بوصلة لا ~~يدرى كنهها { كحب الله } الذي له الجلال والإكرام بأن يفعلوا معهم من ~~الطاعة والتعظيم فعل المحب كما يفعل من ذلك مع الله الذي لا عظيم غيره , ~~هذا على أنه من المبني للمفعول ويجوز أن يكون للفاعل فيكون المعنى كحبهم ~~لله لأنهم مشركون { والذين آمنوا أشد حبا لله } الذي له الكمال كله من حب ~~المشركين لأندادهم فأفاض عليهم من كماله , لأنهم لا يعدلون به شيئا في حالة ~~من الحالات من ضراء أو سراء في بر أو بحر , بخلاف المشركين فإنهم يعدلون في ~~الشدائد إليه سبحانه وتعالى , وإذا رأوا في PageV01P299 الرخاء حجرا أحسن ~~تركوا الأول وعبدوه , وحبهم هوائي وحب المؤمنين عقلي . | وقال الحرالي : ~~ولما استحق القوم القائمون في أمر الله سبحانه وتعالى هذا الاعتبار بما ~~آتاهم الله من العقل لم يكن من اتخذ من دون الله أندادا مما يقال فيهم : ~~قوم , بل يقصرون إلى اسم النوس الذي هو تردد وتلدد فكأنه سبحانه وتعالى عجب ~~ممن لم يلحق بهؤلاء القوم في هذا الاعتبار الظاهرة شواهده البينة آثاره , ~~فأنبأ أن طائفة من الناس على المقابلة من ذلك الاعتبار الظاهر لنور العقل ~~في أخذهم لمقابل العقل ms0337 من الحزق الذي يقدم في موضع الإحجام ويحجم في موضع ~~الإقدام , ثم غلب ذلك عليهم حتى وصل إلى بواطنهم فصار حبا كأنه وصلة بين ~~بواطنهم وقلوبهم وما اتخذوه من دون الله أندادا , ففيه إشعار بنحو مما أفصح ~~به لبني إسرائيل في كون قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة , ففي كرم هذا الخطاب ~~في حق العرب ستر عليهم رعاية لنبيهم في أن يصرح عليهم بما صرح على بني ~~غسرائيل , ففي لحنه إشعار بأن من اتخذ ندا من دون الله فتلك لوصلة بين حال ~~قلبه وحال ما اتخذ من دون الله , فمن عبد حجرا فقلبه في القلوب حجر ومن عبد ~~نباتا فقلبه في القلوب نبات , وكذا من عبد دابة < # > 77 ( { وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم } ) 77 < # > [ البقرة : 93 ] كذلك إلى ما يقع معبودا من دون الله ما بين أعلى ~~النيرين الذي هو الشمس إلى أدنى الأوثان إلى ما يقع في الخلق من عبادة ~~بعضهم بعضا من نحو عبادة الفراعنة والنماردة إلى ما يلحق بذلك من نحو رتبة ~~العبادة باتباع الهوى الشائع موقعه في الأمم وفي هذه الأمة , لأن من غلب ~~عليه هوى شيء فقد عبده , فكأن عابد الشمس قلبه سعير وعابد النار قلبه نار ~~وعابد القمر قلبه زمهرير , ومن عبد مثله من الخلق فقد عبد هواه < # > 77 ( { أرأيت من اتخذ إلهه هواه } ) 77 < # > [ الفرقان : 43 ] فمن عبد الله فهو الذي علا عن سواه من المخلوقات ~~فعادل سبحانه وتعالى خطاب الأولين المعتبرين العقلاء بهذا الصنف الذي انتهى ~~أمرهم في الكفر إلى الحب من حيث اعتقلت بواطنهم بهم فيما شأنه أن يختص ~~بالله من الخوف والرجاء والنصرة على الأعداء والإعانة للأولياء , فلما ~~توهموا فيهم مرجى الإلهية , ومخافتها أحبوهم لذلك كحب الله لأن المتعبد ~~مؤتمر ومبادر فالمبادر قبل الأمر محب , والمجيب للأمر مطيع , فالمحب أعلى ~~في الطرفين - انتهى . | ولما عجب من حالهم حذر من سوء منقلبهم ومآلهم فقال ~~: { ولو يرى الذين ظلموا } أي ولو يرون أي المتخذون للأنداد ولكنه أظهر ~~لأجل التعميم الوصف الذي استحقوا به ms0338 ما يذكر , وهو وضعهم الشيء في غير محله ~~كفعل من يمشي في مأخذ الاشتقاق وهو الظلمة , وذلك هنا تسويتهم ممن لا يملك ~~شيئا أصلا بمن يملك كل شيء { إذ يرون العذاب } أي يتخذون أندادا والحال ~~أنهم لو يعلمون حين PageV01P300 إهانتهم ولين ما غلظ من أكبادهم ورؤية ما ~~لا يستحق غيره بالنسبة إليه يسمى عذابا { أن القوة لله } الذي له مجامع ~~الكمال { جميعا } حين يشاهدون العذاب قد أحاط بهم { وأن الله } الذي لا ملك ~~سواه { شديد العذاب } لم يتخذوا أندادا ولم يعدلوا بالله أحدا , أو يكون ~~التقدير : ولو ترى بالتاء والياء , أي لو أبصرت أو أبصر الذين ظلموا أنفسهم ~~باتخاذهم الأنداد - إلى آخره . | وقال الحرالي : قال تعالى : { ولو يرى } ~~عطفا على متجاوز أمور من أمور جزائهم مما نالهم من عقوبات أثر كفرهم في ~~الدنيا , قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة ~~سوداء ) إلى متمادي غاية رؤيتهم العذاب , وفي قوله ( ترى ) بالتاء إقبالا ~~على النبي صلى الله عليه وسلم تعجي له بما ينالهم مما أصابوه , وفيه إشعار ~~بأن ذلك من أمر يعلو أمره إلى محل رؤيته التي هي أتم الرؤية , وفي قوله { ~~يرى } بالياء تحسر عليهم يشعر بأن منالهم من رؤية العذاب مما كان يزجرهم ~~عما هم عليه لو رأوه - انتهى . | { إذ يرون } أي الوقت الذي يبصرون فيه ~~العذاب , أي الأكبر الذي لا عذاب مثله ؛ كما أفهمه تعريفه بأل , ثم بينه ~~بقوله { إن القوة } وهي منة الباطن التي يجدها المقتدر منشأ لما يبديه ~~ظاهره وما يبديه ظاهره قدرة القوى جمعها وأصلها والقدرة ظاهرها وتفصيل ~~إنشائها لله جميعا , فإنه لا شيء أشق على الإنسان من أن يرى خصمه نافذ ~~الأمر منفردا بالعز في كل معنى لا سيما إذا كان جبارا متكبرا شديد البطش ~~ممن عصاه , كما يشير إليه قوله : { وإن الله شديد العقاب } ولا سيما إذا ~~كان العاصي له قد أساء إليه بالإساءة إلى أوليائه وبالغ حتى لم يدع للصلح ~~موضعا . | وقال الحرالي : موضع الرؤية في الحقيقة هو أن ms0339 القوى لله جميعا ~~سلبا عن جميع أندادهم الذين أحبوهم وعن أنفسهم , كما قال قائلهم < # > 77 ( { نحن أولو قوة وأولو بأس شديد } ) 77 < # > [ النمل : 33 ] لكن لما كان رؤيتهم لذلك عن رؤية مشهود العذاب الذي هو ~~أتم العذاب ذكر العذاب الذي هو ظاهر مرأى أن القوة لله جميعا , وفي { إن ~~القوة } إعلام باطلاعهم يوم هذه الرؤية على بواطن أندادهم وسلبها ما شأن ~~البواطن أن تتحلى به من القوة من حيث وصفهم لهم بالحب الباطن أطلعهم على ~~سلب قواهم الباطنة بالرؤية التي هي باطن البصر الذي PageV01P301 هو باطن ~~النظر , ولما ذكر أمر القوة عطف عليه ما هو أمر القدرة فقال { وإن الله ~~شديد العذاب } إكمالا للخطاب بظاهره , واستأنف معه الاسم العظيم لإظهار ما ~~بين غايتي الباطن والظاهر في أمر القدرة والقوة , ليكون مع المنظر الظاهر ~~بالقدرة اسم أظهره واستأنفه وقدم ذكره كما كان مع المرأى الباطن بالقوة ~~اسما أضاف إليه وأنهى له ليقع ماولى أول الخطاب مقابل ما ختم به الخطاب , ~~فينعطف أوله على آخره وآخره على أوله باطنا لظاهر وظاهرا لباطن في ~~المتعاطفين جميعا في قوله { إن القوة لله جميعا وإن الله شديد العذاب } ~~انتهى أو يقال : إذ يرون العذاب الذي يتوعدون به الآن لأن القوة لله جميعا ~~فلا مانع له من إتيانهم به , كما تبين في الآيتين قبلها أنه لا كفؤ له وأنه ~~كامل القدرة شامل العلم , والجواب محذوف لتهويله لذهاب وهم المتوعد إلى كل ~~ضرب من أنواع التوعد , ولو ذكر ضرب منه لأمكن أن يوطن نفسه عليه , فالتقدير ~~: لو رأيت أو رأوا ذلك الوقت الذي يشاهدون فيه تلك العظمة لرأيت أو لرأوا ~~أمرا فظيعا هائلا شاغلا لهم عن اتخاذ الأنداد ومحبتها وغير ذلك من الظلم , ~~وحذف الجواب للعلم به كما حذف من أمثاله ؛ ثم أبدل من { إذ يرون } قوله : { ~~إذ تبرأ } وهو من التبرؤ الذي هو طلب البراءة وإيقاعها بجد واجتهاد , وهي ~~إظهار التخلص من وصلة أو اشتباك { الذين اتبعوا } أي مع اتباع غيرهم لهم , ~~وهم الرؤساء { من الذين ms0340 اتبعوا } مع نفعهم لهم في الدنيا بالاتباع لهم ~~والذب عنهم . | وقال الحرالي : قال ذلك إظهارا لإفصاح ما أفهمه مضمون ~~الخطاب الأول لتتسق الآيات بعضها ببعض , فتظهر الآية ما في ضمن سابقتها , ~~وتجمع الآية ما في تفصيل لاحقتها وإعلاء للخطاب بما هو المعقول علمه ~~المتقدم إلى ما في الإيمان نبأه ليتم نور العقل الذي وقع به الاعتبار بنور ~~الإيمان الذي يقع به القبول لما في الآخرة عيانه , فمن عقل عبرة الكون ~~الظاهر استحق إسماع نبأ الغيب الآتي ؛ ثم قال : بذا يتبرأ المتبوع في الذكر ~~لأنه الآخر في الكون , فكأنه في المعنى : إنما تعلق التابع بالمتبوع ليعيذه ~~في الآخرة كما كان عهد منه أن يعيذه في الدنيا فيتبرأ منه لما ذكر تعالى من ~~{ أن القوة لله جميعا } ولذلك اتصل ذكر التبرؤ بذكر قبض القوة والقدرة عنهم ~~- انتهى . | قال تعالى { ورأوا } أي الكل { العذاب } أي الذي لا محيص لهم ~~عنه . | وقال الحرالي : قاله ردا للإضمار على الجميع , وفيه إشعار بأن ذلك ~~قبل غلبة العذاب عليهم وفي حال الرؤية , ففيه إنباء بأن بين رؤيتهم العذاب ~~وبين أخذهم به مهل يقع فيه خصومتهم وتبرؤهم وإدراكهم للحق الذي كان متغيبا ~~عنهم في الدنيا بما فتن بعضهم بعضا - انتهى . | { وتقطعت } أي تكلفت وتعمدت ~~القطع وهو بين المتصل , أشار إليه PageV01P302 الحرالي , ومعناه أنه قطع ~~بقوة عظيمة , ويجوز أن تكون صيغة التفعل إشارة إلى تكرر القطع في مهلة بأن ~~يظهر لهم انقطاع الأسباب شيئا فشيئا زيادة في إيهانهم وإيلامهم وهو أنهم { ~~بهم } أي كلهم جميع { الأسباب * } أي كلها , وهي الوصل التي كانت بينهم في ~~الدنيا , والسبب ما يتوصل به غلى حصول , في الأصل الحبل , ثم قيل لكل مقصد ~~. | قال الحرالي : وفيه إشعار بخلو بواطنهم من التقوى ومن استنادهم إلى ~~الله سبحانه وتعالى في دنياهم , وأنهم لم يكونوا عقلوا إلا تسبب بعضهم ببعض ~~فتقطعت بهم الأسباب ولم يكن لهم , لأن ذلك واقع بهم في أنفسهم لا واقع لهم ~~في غيرهم , فكأنهم كانوا نظام أسباب تقطعت بهم فانتثروا منها , وأسبابهم ~~وصل ms0341 ما بينهم في الدنيا التي لم تثبت في الآخرة , لأنها من الوصل الفانية ~~لا من الوصل الباقية لأن متقاضى ما في الدنيا ما كان منه بحق فهو من ~~الباقيات الصالحات وما كان منه عن هوى فهو من الفاني الفاسد - انتهى . | { ~~وقال الذين اتبعوا } وهم الأذناب متمنين للمحال ندما على اتباع من لا ينفع ~~حيث لا ينفع الندم { لو أن لنا كرة } أي رجعة إلى الدنيا . | وقال الحرالي ~~: هي رجع وعودة عند غاية فرة - انتهى . | ولما كانت ( لو ) بمعنى التمني ~~نصب جوابها فقال { فتبرأ منهم } أي الرؤساء هناك ونذلهم { كما تبرؤوا منا } ~~وأذلونا هنا . | وقال الحرالي : فيه إنباء عن تأسفهم على اتباع من دون ربهم ~~ممن اتبعوا وإجراء لتأسفهم علىوجه متوهم غير محقق على حد ما كان تمسكهم بهم ~~متوهم انتفاع غير محقق , ففيه إثبات لحالهم في الآخرة على ما كان ينالهم في ~~الدنيا من الأخذ بالموهوم والغيبة عن المعلوم - انتهى . | ولما كانت هذه ~~الأشياء بعضها ثمرة اعمالهم وبعضها حكاية أقوالهم قال تعالى : على طريق ~~الاستئناف جوابا لمن يقول : لقد رأوا جزاء عقائدهم فهل يرون جزاء أعمال ~~الجوارح { كذلك } أي الأمر الفظيع المهول { يريهم الله } الذي له القدرة ~~التامة والعظمة الكاملة { أعمالهم } الخبيثة وغيرها { حسرات عليهم } أي ~~تلهفا على ما فات , إطلاقا للمسبب على السبب وأشار بأداة الاستعلاء إلى ~~غلبتهم وشدة هوانهم فقال : { عليهم } وقال الحرالي : لما كانت عقائدهم فيهم ~~حسرات أراهم أعمالهم التي عملوها لابتغاء الخير في الدنيا حسرات < # > 77 ( { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا * } ) 77 < # > [ الفرقان : 23 ] كما كان عمل من قلبه محب ومتأله لما دون الله , وفيه ~~إشعار بأن عمل كل عامل مردود إنى ما اطمأن به قلبه وسكنت إليه نفسه وتعلق ~~به خوفه ورجاؤه , فمن غلب على سره شيء فهو ربه الذي يصرف عمله إليه , فلا ~~يجد عنده جزاء لتبرؤه منه فيصير حسرة عليه , فأنبأ سبحانه وتعالى بأنهم لا ~~ينصرونهم في الآخرة ولا يجزونهم PageV01P303 على أعمالهم , فلم ينفعهم ~~تألههم إياهم , والمتبوع منهم متأله ms0342 لنفسه فلم يجد عندها جزاء عمله , فتحسر ~~كل منهم على ما عمل من عمل الخير لإحباطه < # > 77 ( { ولقد أوحي إليك وإلى الذين نم قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك } ) ~~77 < # > [ الزمر : 65 ] والحسرة اشد الأسف على الفائت الذي يحسر المتلهف أي ~~يقطعه عما تحسر عليه - انتهى . | ويدخلون بأعمالهم النار { وما هم } أي ~~بفائت خروجهم بل هم وإن خرجوا من السعير إلى الزمهرير يعودون إليه { ~~بخارجين من النار * } يوما من الأيام ولا ساعة من الساعات بل هم خالدون ~~فيها على طول الآباد ومر الأحقاب , بخلاف عصاة المؤمنين فإنهم إذا خرجوا ~~منها لم يعودوا إليها . | قال الحرالي : وفيه إشعار بقصدهم الفرار منها ~~والخروج كما قال سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها } ) 77 < # > [ السجدة : 20 ] فأنبأ تعالى أن وجهتهم للخروج لا تنفعهم , فلم تبق لهم ~~منة تنهضهم منها حتى ينتظم قطع رجائهم من منة أنفسهم بقطع رجائهم ممن ~~اعتلقوا به من شركائهم ولم يكن < # > 77 ( { وما هم منها بمخرجين } ) 77 < # > [ الحجر : 48 ] كما قال في أهل الجنة للإشعار بأن اليأس والانقطاع واقع ~~منهم على أنفسهم , فكما كان بوادي أعمالهم في الدنيا من أنفسهم عندهم جرى ~~نبأ جزائها على حد ذلك في المعنى كما قال : أعمال أهل الجنة عندهم من توفيق ~~ربهم جرى ذكر جزائهم على حد ذلك من المعنى بحسب ما يقتضيه اختلاف الصيغتين ~~- انتهى . | ولعل الآية ناظرة غلى قوله أول السورة < # > 77 ( { ومن الناس من يقول آمنا بالله واليوم الآخرة وما هم بمؤمنين } ) ~~77 < # > [ البقرة : 8 ] يعني كما أن في أهل الكتاب منافقين ومصارحين فكذلك في ~~العرب , فصار قوله : < # > 77 ( { إن الذين كفروا سواء عليهم } ) 77 < # > [ البقرة : 6 ] شاملا للأقسام الأربعة , ثم أتبع ذلك المنافقين من ~~العرب ثم المنافقين والمشاققين من أهل الكتاب ثم المجاهرين من العرب فصار ~~قسما العرب مكتنفين لقسمي أهل الكتاب إشارة إلى أنهم المقصودون بالذات وأنه ~~سيؤمن أكثرهم ويغلبون أهل الكتاب ويقتلونهم قتل الكلاب ؛ ولما عجب سبحانه ~~وتعالى من الضالين وبين من مآلهم ما يزجر ms0343 مثله من له أدنى عقل فكانوا بذلك ~~في عداد المقبل بعد الإدبار والمذعن بعد الاستكبار أقبل على الكل كما فعل ~~في آية التوحيد الأولى فقال { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } إقبال متلطف ~~بعموم الإذن في تناول ما أبدعه لهم ورحمهم به في هذا الملكوت المذكور في ~~ضمن ما نصب من الأدلة تذكيرا لهم بالنعمة وتوددا إليهم بجميع ما يوجب ~~المحبة وإشارة إلى أنه هو الذي خلق لهم ما تقربوا به إلى غيره مما ادعوه ~~ندا من البحيرة والسائبة والوصيلة وما PageV01P304 شاكلها فقال { يا أيها ~~الناس } وإن اختصرت فقل : لما أقام سبحانه وتعالى الدليل على الوحدانية بما ~~خلق من المنافع وصنف الناس صنفين ضال معطوف دال بعطفه على غير مذكور على ~~مهتد معطوف عليه وختم بتأبيد عذاب الضال أقبل على الصنفين إقبال متلطف ~~مترفق مستعطف مناديا لهم إلى تابيد نفعهم قائلا : { يا أيها الناس } أي ~~كافة . | وقال الحرالي : لما استوفى سبحانه وتعالى ذكر أمر الدين إلى أنهاه ~~من رتبة دين الإسلام الذي رضيه وكان الدين هو غذاء القلوب وزكاة الأنفس نظم ~~به ذكر غذاء الأبدان من الأقوات ليتم بذكر النماءين نماء الذوات ظاهرها ~~البدني وباطنها الديني , لما بين تغذي الأبدان وقوام الأديان من التعاون ~~على جمع أمري صلاح العمل ظاهرا وقبوله باطنا , قال عليه الصلاة والسلام : ( ~~لا يقبل الله عملا إلا بالورع الشافي ) ؛ وكما قيل : ملاك الدين الورع , ~~وهلاكه الترف , ونقصه السرف ؛ فكما انتظم الكتاب قصر الخلق على أفضل ~~متصرفاتهم في التدين اتصل به قصرهم على أفضل مأكلهم في التقوت , ولما ذكر ~~الدين في رتبتي صنفين من الناس والذين آمنوا انتظم به ذكر المأكل في ~~صنفيهما فقال { يا أيها الناس } فانتظم بخطاب قوله تعالى { يا أيها الناس ~~اعبدوا ربكم } لما بين العبادة والمأكل من الالتزام - انتهى . | ولما كانت ~~رتبة الناس من أدنى المراتب في خطابهم أطلق لهم الإذن تلطفا بهم ولم يفجأهم ~~بالتقييد فقال مبيحا لهم ما أنعم به عليهم { كلوا } ولما كان في الأرض ما ~~لا يؤكل قال : { مما في ms0344 الأرض } أي مما بينا لكم أنه من أدلة الوحدانية . | ~~ولما كان في هذا الإذن تنبيه على أن الكل له والانتفاع به يتوقف على إذن ~~منه دلهم على أن فيه ما أباحه وفيه ما حظره فقال : { حلالا } قال الحرالي : ~~وهو ما انتفى عنه حكم التحريم فينتظم بذلك ما يكره وما لا يكره , والتحريم ~~المنع مما يلحق الأكل منه ضرر في جسمه كالميتة , أو في نفسه كلحم الخنزير , ~~أو رين على قلبه كما أهل لغير الله به ؛ ثم أشار إلى أن ما حرم خبيث بقوله ~~: { طيبا } أي غير خبيث مستقذر , والأصل فيه ما يستلذ ؛ ويوصف به على جهة ~~التشبيه الطاهر لأن النجس تكرهه النفس لقذره , والحلال لأن الحرام يقذره ~~العقل لزجر الشرع عنه . | وقال الحرالي : الحلال مطلوب ليكتسب لا ليؤكل حتى ~~يطيب , و الطيب ما لا منازغ فيه - انتهى . | PageV01P305 ولما كان هذا ~~الصنف أدنى المتدينين قرن سبحانه وتعالى بإطعامهم مما في الأرض لكونهم ~~أرضيين نهاهم عن اتباع العدو المبني أمره على المنافرة فقال : { ولا تتبعوا ~~} وأشار بصيغة الافتعال إلى انهماك هذا الصنف على اللحاق به وأنهم غير ~~واصلين ما داموا في هذا الحيز إلى تمام منابذته وإنما عليهم الجهد لأن ~~مخالفته لا تكون إلا بمجاهدة كثيرة لا يقدرون عليها ما داموا في هذه الرتبة ~~{ خطوات } جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي { الشيطان } أي طرقه في ~~وساوسه في اتخاذ الأنداد وتحريم الحلال كالسوائب وتحليل الحرام كالميتات , ~~فإن ذلك كله من أمره كما يأتي في قوله : < # > 77 ( { ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام } ) 77 < # > [ النساء : 119 ] الآية وهو من شطن إذا بعد , وشاط إذا احترق , فهو ~~يبعدهم - كما قال الحرالي - عن وطن ما هم عليه من الائتمار في مآكلهم إلى ~~التناول بشهواتهم ليستدرجهم لذلك من خطوة الأكل بالشهوة إلى الأكل بالهوى ~~فيتداعى منها إلى المحرمات - انتهى . | ثم علل ذلك بقوله : { إنه لكم عدو } ~~بتكبره على أبيكم ومكره به وسؤاله الإنظار لإضلالكم { مبين * } أي ظاهر ~~العداوة فلا تتبعوا العدو في منابذة الولي . | ثم علل إبانة ms0345 عداوته والنهي ~~عن اتباعه بقوله : { إنما } فحصر لينتفي عنه الأمر بشيء فيه رشد ؛ وفي قوله ~~: { يأمركم } كما قال الحرالي إنباء بما مكنه الله سبحانه وتعالى حتى صار ~~أمرا { بالسوء } وهو خبائث الأنفس الباطنة التي يورث فعلها مساءة { ~~والفحشاء } قال الحرالي : وهو ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة كما ~~ينكره العقل ويستخبثه الشرع , فيتفق في حكمه آيات الله الثلاث من الشرع ~~والعقل والطبع , بذلك يفحش الفعل { وأن تقولوا على الله } الحائز أقصى ~~مراتب العظمة { ما لا تعلمون * } مما تستفتحون قوله في أقل الموجودات من ~~إشراك أو ادعاء ولد أو تحليل وتحريم أو غير ذلك , ولقد أبلغ سبحانه وتعالى ~~في هذه الآية في حسن الدعاء لعباده إليه لطفا منه بهم ورحمة لهم بتذكيرهم ~~في سياق الاستدلال على وحدانيته بما أنعم عليهم بخلقه لهم أولا وبجعله لهم ~~ملائما ثانيا وإباحته لهم ثالثا وتحذيره لهم من العدو رابعا - إلى غير ذلك ~~من دقائق الألطاف وجلائل المنن في سياق مشير إلى جميع أصناف الحلال وسبب ~~تحليله . | قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة في حرف الحلال : ~~وجه إنزال هذا الحرف توسيع الاستمتاع بما خلق الله في الأرض من نعمة وخيره ~~الموافقة لطباعهم وأمزجتهم وقبول نفوسهم في جميع جهات الاستمتاع من طعام ~~وشراب ولباس ومركب ومأوى وسائر ما ينتفع به مما أخرج الله سبحانه وتعالى ~~ومما بثه في الأرض وما عملت أيديهم في ذلك من صنعة وتركيب ومزج ليشهدوا ~~دوام لبس الخلق الجديد في كل خلق على حسب ما منه فطر خلقه ؛ ولما كان ~~الإنسان PageV01P306 مخلوقا من صفاوة كل شيء توسع له بجهات الانتفاع بكل ~~شيء إلا ا استثنى منه بحرف الحرام ووجهه كما استثنى لآدم أكل الشجرة من ~~متسع رغد الجنة فكان له المتاع بجميعه إلا ما أضر ببدنه أو خبث نفسه أو ران ~~على علم قلبه وذلك بأن يسوغ له طبعا وتحسن مغبته في أخلاق نفسه ويسنده قلبه ~~لمنعمه الذي يشهد منه بداياته وتكملاته تجربة ثم كمل القرآن ذلك بإخلاصه ~~للمنعم من ms0346 غير أثر لما سواه فيه وجامع منزله بحسب ترتيب القرآن قوله تعالى ~~< # > 77 ( { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ) 77 < # > [ البقرة : 29 ] ومن أوائله بحسب ترتيب - البيان والله سبحانه وتعالى ~~أعلم < # > 77 ( { هو الذي أنزل لكم من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه ~~تسيمون } ) 77 < # > [ النحل : 10 ] الآية وسائر الآيات الواردة في سورة النحل وفي سورة يس ~~إذ هي القلب الذي منه مداد القرآن كله في قوله تعالى : < # > 77 ( { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون } ~~) 77 < # > [ يس : 23 ] الآيات إلى سائر ما في القرآن من نحوه , ومن متسع خلال هذا ~~الحرف وقعت الفتنة على الخلق بما زين لهم منه < # > 77 ( { زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين } ) 77 < # > [ آل عمران : 14 ] الآية ووجه فتنته أن على قدر التبسط فيه يحرم من طيب ~~الآخرة < # > 77 ( { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها } ) 77 < # > [ الأحقاف : 20 ] ( إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة ) < # > 77 ( { فاستمتعوا بخلاقهم } ) 77 < # > [ التوبة : 69 ] ومن ومن رؤية سوء هذا المخبر نشأ زهد الزاهدين , ومن ~~رؤية حسن المتجر وربحه وتضاعفه إلى ما لا يدرك مداه وتعيمه في بيع خلا ~~الدنيا بخلاق الآخرة نشأ ورع المتورعين ؛ فاستراحت قلوبهم بالزهد , ~~وانكفؤوا بالورع عن الكد , وتفرغت قلوبهم وأعمالهم لبذل الجد في سبيل الحمد ~~, وتميز الشقي من السعيد بالرغبة فيه أو عنه , فمن رغب في الحلال شقي ومن ~~رغب عنه سعد ؛ وهو الحرف الذي قبض بسطه حرف النهي حتى لم يبق لابن آدم حظ ~~فيما زاد على جلف الطعام وهي كسرة وثوب يستره وبيت يكنه , وما زاد عليه ~~متجر إن أنفقه ربحه وقدم عليه وإن ادخره خسره وندم عليه ؛ ولذلك لم يأذن ~~الله سبحانه وتعالى لأحد في أكله حتى يتصف بالطيب للناس الذين هم أدنى ~~المخاطبين بانسلاخ أكثرهم من العقل والشكر والإيمان < # > 77 ( { يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } ) 77 < # > [ البقرة : 168 ] ومحا اسمه عن الذين آمنوا وهم الذين ms0347 لا يثبتون ولا ~~يدومون على خير أحوالهم بل يخلصون وذلك في قوله تعالى < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا كلوا نم طيبات ما رزقناكم } ) 77 < # > [ البقرة : 172 ] وهو ما طيبه PageV01P307 حرف النهي علما , وبرئ من ~~حواد القلوب طمأنينة , وتمم وأنهى صفوة للمرسلين فقال < # > 77 ( { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات } ) 77 < # > [ المؤمنون : 51 ] وورد جوابا لسؤالهم في قوله تعالى < # > 77 ( { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات } ) 77 < # > [ المائدة : 4 ] ؛ فمن آثر حرف النهي على حرف الحلال فقد تزكى واتبع ~~الأحسن وصح هداه وصفا لبه ومن آثر حرف الحلال على حرف النهي فقد تدسى وحرم ~~هدى الكتب وعلم الحكمة ومزيد التأبيد بما فاته من التزكية وتورط فيه من ~~التدسية والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . | ثم قال فيما به تحصل قراءته : ~~اعلم أن الإنسان لما كان جامعا كان بكل شيء منتفعا أما في حال السعة فمع ~~استثناء أشياء يسيرة مما يضره من جهة نفسه أو غيره أو ربه على ما ذكر في ~~الفصل الأول اي حرف الحرام < # > 77 ( { هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا } ) 77 < # > [ البقرة : 29 ] < # > 77 ( { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } ) 77 < # > [ الأنعام : 145 ] الآية : وأما في حال الضرورة فبغير استثناء البتة < # > 77 ( { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } ) 77 < # > [ البقرة : 173 ] ؛ والذي تحصل به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب ~~فمعرفة حكمة الله في المتناول من مخلوقاته ومعرفة أخص منافعها مما خلقه , ~~ليكون غذاء في سعة أو ضرورة وإداما أو فاكهة أو دواء كذلك ؛ ومعرفة موازنة ~~ما بين الانتفاع بالشيء ومضرته واستعماله على حكم الأغلب من منفعته , أو ~~اجتنابه على حكم الأغلب من مضرته < # > 77 ( { قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر نم نفعهما } ) 77 ~~< # > [ البقرة : 219 ] وذلك مدرك عن الله سبحانه وتعالى باعتبار العقل ~~وإدراك الحس في مخلوقاته كما أدركه الحنيفيون , كان الصديق رضي الله تعالى ~~عنه قد حرم الخمر على نفسه في الجاهلية , وكان إذا أخذ ms0348 عليه في ذلك يقول : ~~والله لو أصبت شيئا أشتريه بمالي كله يزيد في عقلي لفعلت فكيف أشتري بمالي ~~شيئا ينقص من عقلي ! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما ينبه على ~~حكمة الله سبحانه وتعالى في الأشياء التي بها تتناول أو تجتنب عملا بقوله ~~تعالى < # > 77 ( { يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } ) 77 < # > [ آل عمران : 164 ] فقال لطلحة رضي الله تعالى عنه وقد ناوله سفرجلة ( ~~تذهب بطخاء الفؤاد ) وقال لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه وهو رمد في خبز ~~الشعير والسلق : ( كل PageV01P308 من هذا فإنه أوفق لك ) وقال في التمر ~~والقثاء : ( حر هذا يكسر برد هذا ) وقال لرمد : ( أتأكل التمر وأنت رمد ) ~~وقال لعائشة رضي الله تعالى عنها في الماء المشمس : ( لا تفعلي يا حميراء ! ~~فإنه يولد البرص ) وقال : ( استاكوا بكل عود ما خلا الآس والرمان فإنهما ~~يهيجان عرق الجذام ) وقال لامرأة استطلقت بالشبرم : ( حار جار , ألا ~~استطلقت بالسنا ؟ فإنه لو كان شيء يذهب الداء لأذهبه السنا ) إلى غير ذلك ~~مما إذا أباحه أو حظره نبه على حكمته . | وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها ~~تقول للمريض : اصنعوا له خزيرة فإنها مجمة لفؤاد المريض وتذهب بعض الحزن . ~~| ومثل ذلك كثير من كلام العلماء رضي الله تعالى عنهم ومجربات الحكماء ~~ومعارف الحكماء الحنفاء , قال الشافعي رحمه الله تعالى في قوله سبحانه ~~وتعالى < # > 77 ( { يحل لهم الطيبات PageV01P309 ويحرم عليهم الخبائث } ) 77 < # > [ الأعراف : 157 ] الطيبات ما استطابته نفوس العرب , والخبائث ما ~~استخبثته نفوس العرب ؛ هذا من جهة القلب وأما من جهة النفس فسخاؤها بما يقع ~~فيه الاشتراك من المنتفعات المحللات , لأن الشح بالحلال عن مستحقه محظر له ~~على المختص به الضيافة على أهل الوبر < # > 77 ( { وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمسكين فارزقوهم منه } ~~) 77 < # > [ النساء : 8 ] < # > 77 ( { وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل } ) 77 < # > [ الروم : 38 ] < # > 77 ( { فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر } ) 77 < # > [ الحق : 36 ] وكذلك صبرها عما تشتهيه من المضرات من الوجوه المذكورة < # > 77 ( { إنما الخمر والميسر } ) 77 < # > [ المائدة : 90 ] إلى ms0349 قوله < # > 77 ( { لعلكم تفلحون } ) 77 < # > < # > 77 ( { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } ) 77 < # > [ النساء : 2 ] < # > 77 ( { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } ) 77 < # > [ الحشر : 9 والتغابن : 16 ] وكذلك التراضي وطيب النفس فيما يقع فيه ~~الاشتراك < # > 77 ( { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } ) 77 < # > [ النساء : 29 ] < # > 77 ( { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا } ) 77 < # > [ النساء : 4 ] هذه الشروط الثلاثة من السخاء والصبر والتراضي في النفس ~~, وأما في العمل وتناول اليد فأول ذلك ذكر الله والتسمية عند كل متناول , ~~لأن كل شيء لله فما تنوول باسمه أخذ بإذنه وما تنوول بغير اسمه أخذ تلصصا ~~على غير وجهه وشارك الشيطان في تناوله فتبعه المتناول معه في خطواته ~~وشاركهم في الأموال والأولاد ؛ جاء أعرابي وصبي ليأكلا طعاما بين أيدي ~~النبي صلى الله عليه وسلم بغير تسمية فأخذ بأيديهما وقال ( إن الشيطان جاء ~~ليستحل بهما هذا الطعام , والذي نفسي بيده ! إن يده في يدي مع أيديهما ) ~~فسمى النبي صلى الله عليه وسلم وأكل ثم أطلقها وقال : ( كلا باسم الله ) ~~وقال لغلام آكل : ( يا غلام ! سم الله ) والثاني التناول باليمين , لأن ~~الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله , واليمين خادم ما علا من الجسد والشمال ~~خادم ما سفل منه . | والثالث أن يتناول تناول تقنع وترفع عن تناول النهبة ( ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل بثلاثة أصابع ) PageV01P310 ( ويشرب ~~مصا في ثلاث ) وقال : ( هو أبرأ وأمرأ وأهنأ ) وقال : ( الكباد من العب ) ~~والرابع الاكتفاء بما دون الشبع لما في ذلك من حسن اغتذاء البدن وحفظ ~~الحواس الظاهرة والباطنة ؛ ومن علامات الساعة ظهور السمن عن الأكل في ~~الرجال ؛ و ( ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن ) و ( ما دخلت الحكمة معدة ~~ملئت طعاما ) و ( المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء ) ~~لتوكل المؤمن في قوامه ولا تكال الكافر على الغذاء في قوته : ( وحسب المؤمن ~~لقيمات يقمن صلبه , فإن كان ولا بد فاعلا فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث ~~للنفس ) انتهى . | قلت : ولعل ms0350 المراد أن الكافر يأكل شبعا PageV01P311 ~~فيأكل ملأ بطنه لأن الأمعاء كما قالوا سبعة , والمؤمن يأكل تقوتا فيأكل في ~~معى واحد وهو سبع بطنه , فإن لم يكن ففي معاءين وشيء وهو الثلث - والله ~~سبحانه وتعالى أعلم . | قال الحرالي : والخامس حمد الله تعالى في الختام , ~~لأن من لم يحمد الله في الختام كفر بنعمته . | ومن حمد غير الله آمن ~~بطاغوته ؛ فبهذه الأمور معرفة في القلب وحالا في النفس وآدابا في العمل تصح ~~قراءة حرف الحلال ويحصل خير الدنيا ويتمدد الأساس لبناء خير الآخرة , والله ~~سبحانه وتعالى ولي التوفيق - انتهى . | < < # | البقرة : ( 170 - 176 ) وإذا قيل لهم . . . . . # > > ^ ( وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه ~~آبآءنآ أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون * ومثل الذين كفروا كمثل ~~الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعآء وندآء صم بكم عمي فهم لا يعقلون * يأيها ~~الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون * ~~إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل به لغير الله فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم * إن الذين يكتمون مآ أنزل ~~الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ~~ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم * أولئك الذين ~~اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فمآ أصبرهم على النار * ذلك بأن ~~الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ) ^ } ) ~~| ولما نهاهم سبحانه وتعالى عن متابعة العدو ذمهم بمتابعته مع أنه عدو من ~~غير حجة بل بمجرد التقليد للجهلة فقال عاطفا على { ومن الناس } معجبا منهم ~~: { وإذا قيل } أي من أي قائل كان . | ولما كان الخطاب للناس عامة وكان ~~أكثرهم مقلدا ولا سيما للآباء أعاد الضمير والمراد أكثرهم فقال : { لهم ~~اتبعوا } أي اجتهدوا في تكليف أنفسكم الرد عن الهوى الذي نفخه فيها الشيطان ~~, وفي قوله له { ما أنزل الله } أي الذي له العلم الشامل ms0351 والقدرة التامة ا ~~نعطاف على ذلك الكتاب لا ريب فيه وما شاكله { قالوا بل } أي لا نتبع ما ~~أنزل الله بل { نتبع } أي نجتهد في تبع { ما ألفينا } أي وجدنا , قال ~~الحرالي : من الإلفاء وهووجدان الأمر على ما ألفه المتبصر فيه أو الناظر ~~إليه { عليه آباءنا } أي على ما هم عليه من الجهل والعجز , قال : ففيه ~~إشعار بأن عوائد الآباء منهية حتى يشهد لها شاهد أبوة الدين ففيه التحذير ~~في رتب ما بين حال الكفر إلى أدنى الفتنة التي شأن الناس أن يتبعوا فيها ~~عوائد آبائهم - انتهى . | PageV01P312 ولما أبوا إلا إلف وهاد التقليد ~~فدنوا عن السمو إلى عداد أولي العلم بالنظر السديد أنكر عليهم سبحانه ~~وتعالى ذلك فقال مبكتا لهم : { أولو } أي أيتبعون أباءهم و الحال أنه { كان ~~آباؤهم لا يعقلون } ببصائر قلوبهم { شيئا } من الأشياء المعقولة { ولا ~~يهتدون * } بأبصار عيونهم إلى شيء من الأشياء المحسوسة . | ولما كان ~~التقدير : فمثلهم حينئذ كمن تبع أعمى في طريق وعر خفي في فلوات شاسعة كثيرة ~~الخطر عطف عليه ما يرشد إلى تقديره من قوله منبها على أنهم صاروا بهذا ~~كالبهائم بل أضل لأنها وإن كانت لا تعقل فهي تسمع وتبصر فتهتدي إلى منافعها ~~{ ومثل } وبين الوصف الذي حملهم على هذا الجهل بقوله : { الذين كفروا } اي ~~ستروا ما يعلمون من عظمة الله سبحانه وتعالى وقدرته وعلمه وحكمته بما عندهم ~~من الهوى في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت من غر ~~إلقاء أذهان ولا استبصار { كمثل } قال الحرالي : المثل ما يتحصل في باطن ~~الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة فيكون ألطف من الشيء المحسوس فيقع لذلك ~~جاليا لمعنى مثل المعنى المعقول ويكون الأظهر منهما مثلا للأخفى , فلذلك ~~يأتي استجلاء المثل بالمثل , ليكون فيه تلطيف للظاهر المحسوس وتنزيل للغائب ~~المعلوم ؛ ففي هذه الآية يقع الاستجلاء بين المثلين لا بين الممثولين ~~لتقارب المثلين يعني وهو وجه الشبه وتباعد الممثولين , وفي ذكر هذين ~~المثلين تقابل يفهم مثلين آخرين , فاقتضى ذلك تمثيلين في مثل واحد كأن ms0352 وفاء ~~اللفظ الذي أفهمه هذا الإيجاز مثل الذين كفروا ومثل راعيهم كمثل الراعي ~~ومثل ما يرعى من البهائم وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب , ومن لا يصل فهمه ~~إلى جمع المثلين يقتصر علىتأويله بمثل واحد فيقدر في الكلام : ومثل داعي ~~الذين كفروا { كمثل الذي ينعق } أي يصيح , وذلك لأن التأويل يحمل على ~~الإضمار والتقدير , والفهم يمنع منه ويوجب فهم إيراد القرآن على حده ووجهه ~~؛ وقال : { بما } أي بسبب شيء من البهائم التي { لا } عقل لها فهو { يسمع ~~إلا دعاء } أي من الناطق فيما يدعي إليه من قوام غذائه ونسله { ونداء } ~~فيما ساق إليه بمحل دعائه من حيث إن النداء يشعر بالبعد والدعاء يشعر ~~بالشروع في القصد - انتهى . | فالكافرون في كونهم لا يرجعون عن غيهم لما ~~يسمعون من الأدلة وهم أولو عقل وسمع وبصر كالبهم التي تسمع وتبصر ولكنها ~~لكونها لا تعقل لا ترجع بالكلام لأنها لا تسمع إلا ظاهر الصوت ولا تفهم ما ~~تحته بل بالحجر والعصا , فإن الراعي إذا أراد رجوعها عن ناحية صاح بها ورمى ~~بحجر إلى ما أمامها فترجع , فهي محل مثلهم الذي هو عدم الإدراك , والبهم في ~~كونها لا ترجع بالنداء بل بقارع كالأصم الأبكم الأعمى الذي لا يرجع إلا ~~بقارع يصكه في وجهه فينكص على عقبه فهو محل مثلها , وداعيهم في كونه يتكلم ~~فلا يؤثر كلامه مع المبالغة PageV01P313 فيه كراعي البهم فهو موضع مثله , ~~وراعي البهم من حيث غن بهمه لا ترجع إلا بضربة بالحجر أو غيره كالسوط الذي ~~يقمع به الأصم أو كضارب الأصم المذكور فهو محل مثله ؛ فلذلك كانت نتيجة ~~التمثيل قوله : { صم } أي لا يسمعون { بكم } أي لا ينطقون { عمي } أي لا ~~يبصرون , وقد علم بهذا أن الآية من الاحتباك حذف من الأول مثل الداعي ~~لدلالة الناعق عليه ومن الثاني المنعوق به لدلالة المدعوين عليه . | ولما ~~كان موجود إدراك العقل هو حقائق المحسوسات وقد نفى عنهم الحس المدرك ~~للمحسوسات ترتب عليه قوله { فهم } بالفاء ربطا وتعقيبا وتسبيبا { لا يعقلون ~~* } لأنهم لا ينتفعون ms0353 بعقولهم كما أن هذا الأصم كذلك , ونفاه بلا النافية ~~للممتنع وصيغة المضارع المنبئة عن الدوام - قاله الحرالي . | ولما أخبر ~~سبحانه وتعالى أن الدعاء لا يزيدهم إلا نفورا رقي الخطاب من الناس إلى أعلى ~~منهم رتبة فقال آمرا لهم أمر إباحة أيضا وهو إيجاب في تناول ما يقيم البينة ~~ويحفظها : { يا أيها الذين آمنوا كلوا } . | وقال الحرالي : لما كان تقدم ~~الخطاب في أمر الدين في رتبتين أولاهما < # > 77 ( { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } ) 77 < # > [ البقرة : 21 ] وثانيتهما < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } ) 77 < # > [ البقرة : 104 ] فأمر الناس فيه بالعبادة وأمر الذين آمنوا بحسن ~~الرعاية مع النبي صلى الله عليه وسلم , كذلك هنا أمر الناس بالأكل مما في ~~الأرض ونهى عن اتباع خطوات الشيطان , وأشعر الخطاب بأنهم ممن يتوجه الشيطان ~~نحوهم للأمر بالسوء والفحشاء والقول بالهوى , وأمر الذين آمنوا بالأكل { من ~~طيبات } فأعرض في خطابهم عن ذكر الأرض لتناولهم الرزق من السماء , فإن أدنى ~~الإيمان عبادة من في السماء واسترزاق من في السماء كما قال للسوداء : ( أين ~~الله ؟ قالت : في السماء , قال : أعتقها فإنها مؤمنة ) قال سبحانه وتعالى : ~~< # > 77 ( { وفي السماء رزقكم } ) 77 < # > [ الذاريات : 22 ] , فأطعم الأرضيين وهم الناس مما في الأرض وأطعم ~~السماويين وهم الذين آمنوا من رزق السماء كذلك , وخص هذا الخطاب بلفظ ~~الحلال لما كان آخذا رزقه من السماء متناولا طيبة لبراءته من حال مما في ~~الأرض مما شأنه ضر في ظاهر أو أذى في باطن , ولذلك ( ولو كانت الدنيا دما ~~عبيطا لكان قوت المؤمن منها حلالا ) , فالمسترزق من السماء يصير ~~PageV01P314 المحرم له حلالا لأخذه منه عند الضرورة تقوتا لا تشهيا , ويصير ~~الحلال له طيبا لاقتناعه منه بالكفاف دون التشهي < # > 77 ( { يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات } ) 77 < # > [ المائدة : 4 ] وفي مورد هذين الخطابين بيان أن كلمة { للناس } واقعة ~~على سن من أسنان القلوب وكلمة { الذين آمنوا } واقعة على سن فوقه وليس يقع ~~على عموم يشمل جميع الأسنان القلبية , فتوهم ذلك من أقفال القلوب ms0354 التي تمنع ~~تدبر القرآن , لأن خطاب القرآن يتوجه لكل أولي سن على حسب سن قلوبهم , لا ~~يصلح خطاب كل سن إلا له يتقاصر عنه من دونه ولا يحتاج إليه من فوقه , وهي ~~أسنان متعددة : سن الإنسان ثم سن الناس , ثم سن الذين آمنوا , ثم سن الذين ~~يؤمنون , ثم سن المؤمنين , ثم سن المؤمنين حقا , ثم سن المحسنين ؛ هذه ~~أسنان سبعة خطاباتها مترتبة بعضها فوق بعض , ومن وراء ذلك أسنان فوقها من ~~سن الموقنين وما وراء ذلك من خصوص خطاب النبي صلى الله عليه وسلم فيه بما ~~لا يليق إلا به وبمن هو منه من إله , وفي انتظام تفصيل هذه الرتب جامعة لما ~~يقع من معناه في سائر القرآن - انتهى . | ولما كانت هذه الرتبة كما تقدم ~~أرفع من رتبة الناس خص في خطابهم بعد بيان أن ما لم يحل خبيث فقال : { من ~~طيبات } ولم يأت بذلك العموم الذي تألف به { الناس } . | ولما كانوا في أول ~~طبقات الإيمان نبههم على الشكر بقوله في مظهر العظمة : { ما رزقناكم } ~~وأخلصناه لكم من الشبه , ولا تعرضوا لما فيه دنس كما أحله المشركون من ~~المحرمات , ولا تحرموا ما أحلوا منها من السائبة وما معها ثم صرح به في ~~قوله آمرا أمر إيجاب : { واشكروا لله } أي وخصوا شكركم بالمنعم الذي لا ~~نعمة إلا منه , وهذا بخلاف ما يأتي في سورة المؤمنين خطابا لأعلى طبقات ~~الخلص وهم الرسل . | ولما كان الشكر لا يصح إلا بالتوحيد علقه باختصاصهم ~~إياه بالعبادة فقال : { إن كنتم إياه } أي وحده { تعبدون * } فإن اختصاصه ~~بذلك سبب للشكر , فإذا انتفى الاختصاص الذي هو السبب انتفى الشكر , وأيضا ~~إذا انتفى المسبب الذي هو الشكر انتفى الاختصاص لأن السبب واحد , فهما ~~متساويان يرتفع كل واحد منهما بارتفاع الآخر . | وقال الحرالي : ولما كان ~~هذا الخطاب متنظما لتناول الطيب والشكر وحقيقته البذل من الطيب فشكر كل ~~نعمة إظهارها على حدها من مال أو جاه أو علم أو طعام أو شراب أو غيره ~~وإنفاق فضلها والاقتناع منها بالأدنى والتجارة بفضلها ms0355 لمبتغى الأجر ~~PageV01P315 وإبلاغها إلى أهلها لمؤدي الأمانة لأن أيدي العباد خزائن الملك ~~الجواد ( دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض ) . | فلما كان ذلك لا يتم إلا ~~بمعرفة الله سبحانه وتعالى المخلف على من أنفق كما قال { وما أنفقتم من شيء ~~فهو يخلفه } نبهوا على عهدهم الذي لقنوه في سورة الفاتحة في قوله { إياك ~~نعبد وإياك نستعين } فقيل لهم : كلوا واشكروا إن كنتم إياه تعبدون ؛ فمن ~~عرف الله بالكرم هان عليه أن يتكرم ومن عرف الله بالإنعام والإحسان هان ~~عليه أن يحسن وهو شكره لله , من أيقن بالخلف جاد بالعطية - انتهى . | ولما ~~قيد الإذن لهم بالطيب من الرزق افتقر الأمر إلى بيان الخبيث منه ليجتنب ~~فبين صريحا ما حرم عليهم مما كان المشركون يستحلونه ويحرمون غيره وأفهم حل ~~ما عداه و أنه كثير جدا ليزداد المخاطب شكرا فقال : { إنما حرم عليكم } . | ~~وقال الحرالي : ولما كان إدراك المؤمنين لمقتضى الخطاب فوق إدراك الناس ~~خاطبهم تعالى بذكر ما حرم عليهم فناظر ذلك ما نهى عنه الناس من اتباع خطوات ~~الشيطان فقال : < # > 77 ( { إنما حرم } ) 77 < # > [ البقرة : 173 ] وأجرى إضماره على الاسم العظيم الأول إعلاما بأن الذي ~~أذن لهم إنما حرم عليهم ما لا يصلح لهم بكل وجه لشدة مضرته عليهم في إحاطة ~~ذواتهم ظاهرها وباطنها , لما ذكر أن المحرم إما لحرمته علوا كالبلد الحرام ~~وتحريم الأمر , أو لحرمته دناءة كتحريم هذه المحرمات , ففي كلمة ( إنما ) ~~نفي لمتوهمات ما يلحقه التحريم بما دون المذكور هنا كأن قائلا يقول : حرم ~~كذا وحرم كذا من نحو ما حرمته الكتب الماضية أو حرمته الأهواء المختلفة أو ~~حرمه نظر علمي كالذي حرمه إسرائيل على نفسه , فكان الإفهام لرد تلك ~~المحرمات كلها - انتهى . | فالمعنى والله سبحانه وتعالى أعلم أنكم حرمتم ~~الوصيلة والسائبة وغيرهما مما أحله الله وأحللتم الميتة والدم وغيرهما حرمه ~~الله سبحانه وتعالى ولم يحرم الله عليكم من السائبة وما معها مما حرمتموه ~~ولا غيره مما استحللتموه إلا ما ذكرته هذه الآية ؛ وإذا راجعت ما في قوله ~~سبحانه ms0356 وتعالى في الأنعام < # > 77 ( { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } ) 77 < # > [ الأنعام : 118 ] وقوله < # > 77 ( { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } ) 77 < # > [ الأنعام : 121 ] وقوله < # > 77 ( { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } ) 77 < # > [ الأنعام : 145 ] من كتابي هذا عرفت المراد من هذه الآية . | وقال { ~~الميتة } أي التي سماها بذلك أهل العرف , وهي ما فارقه الروح من غير ذكاة ~~شرعية وهو مما يذكى . | قال الحرالي : وهي ما أدركه الموت من الحيوان عن ~~ذبول القوة وفناء الحياة , وهي أشد مفسد للجسم لفساد تركيبها بالموت وذهاب ~~تلذذ أجزائها وعتقها وذهاب روح الحياة والطهارة منها . | { والدم } أي ~~الجاري لأنه جوهر مرتكس عن حال الطعام ولم يبلغ بعد إلى حال الأعضاء , فهو ~~ميتة من خاص حياته مرتكس في جوهره إلا من طيب الله كليته كما في محمد صلى ~~الله عليه وسلم وفيمن PageV01P316 نزع عنه خبث الظاهر والباطن طبعا ونفسا . ~~| { ولحم الخنزير } لأذاه للنفس كما حرم ما قبله لمضرتهما في الجسم , لأن ~~من حكمة الله في خلقه أن من اغتذى جسمه بجسمانية شيء اغتذت نفسه بنفسانية ~~ذلك الشيء ( الكبر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر , والسكينة في أهل الغنم ~~) فلما جعل في الخنزير من الأوصاف الذميمة حرم على من حوفظ على نفسه من ~~ذميم الأخلاق ؛ واللحم ما لحم بين أخفى ما في الحيوان من وسط عظمه وما ~~انتهى إليه ظاهره من سطح جلد , وعرف غلبة استعماله على رطبة الأحمر , وهو ~~هنا على أصله في اللغة يجمع اللحم الأحمر والشحم والأعصاب والعروق إلى حد ~~الجلد وما اشتمل عليه ما بين الطرفين من أجزاء الرطوبت , وإذا حرم لحمه ~~الذي هو المقصود بالأكل وهو أطيب ما فيه كان غيره من أجزائه أولى بالتحريم ~~. | ولما حرم ما يضر الجسم ويؤذي النفس حرم ما يرين ع لى القلب فقال : { ~~وما أهل } والإهلال رفع الصوت لرؤية أمر مستعظم { به } أي رفع رافع الصوت ~~بسببه ذابحا { لغير الله } أي الذي لا كفؤ له بوجه . | قال الحرالي : لأن ~~ما لم يذكر عليه ms0357 اسم الله أخذ من يد من ذكر عليه اسمه وليس ذلك خالقه ~~ومالكه , إنما خالقه ومالكه الله الذي جعل ذكر اسمه عليه إذنا في الانتفاع ~~به وذكر على إزهاق الروح من هي من نفخته لا من لا يجد للدعوى فيها سبيلا من ~~الخلق . | وذكر الإهلال إعلام بأن ما أعلن عليه بغير اسم الله هو أشد ~~المحرم , ففي إفهامه تخفيف الخطاب عما لا يعلم من خفي الذكر ( قالوا : يا ~~رسول الله ! إن ناسا يأتوننا بلحام لا ندري أسموا الله عليها أم لا . | ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) سموا الله أنتم وكلوا ( فكان المحرم ~~ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه بل الذي علم أن غير اسم الله قد أعلن ~~به عليه , وفي تقدم إضمار المحرم في قوله { به } تأكيد لمعناه لأنهم يقدمون ~~ما هم به أهم وهم ببيانه أعنى , قال صلى الله عليه وسلم : ) ابدؤوا بما بدأ ~~الله به ( , فلما كانت هذه الآية جامعة أي التحريم أظهر فيها تقديم العناية ~~بالمحرم وهي في الإبلاغ أنهى معنى من الذي أخر فيها هذا الضمير . | ~~PageV01P317 ولما كان هذا الدين يسرا لا عسر فيه ولا حرج ولا جناح رفع حكم ~~هذا التحريم عن المضطر , ولما كان شأن الاضطرار أن يشمل جمعا من الخلق ~~أنبأهم تعالى بأن هذا الذي رفع عنهم من التحريم لا يبرأ من كلية الأحكام بل ~~يبقى مع هذه الرخصة موقع الأحكام في البغي والعدوان فقال : { فمن اضطر } أي ~~أحوجه محوج وألجأه ملجئ بأي ضرورة كانت إلى أكل شيء مما حرم بأن أشرف على ~~التلف فأكل من شيء منه حال كونه { غير باغ } أي قاصد فسادا بمكيدة يكيد بها ~~لضعفه آخذا من تلك الميتة هو أقوى منه كأن يحيله على غيرها خداعا منه ~~ليستأثر عليه بالأحسن منها { ولا عاد } على غيره بأن يكون أقوى منه فيدفعه ~~عنها , ولا مجاوز لسد الرمق وإزالة الضرورة ؛ ويدخل في الآية أن من بغى على ~~إمام أو قصد بضربه في الأرض فسادا أو عدا ms0358 على أحد ظلما فحصل له بسبب ذلك ~~مخمصة لا يحل له ما كان حراما لأن في ذلك إعانة له على معصيته , فإن تاب ~~استباح { فلا إثم عليه } لا من التحريم الأول ولا من الحكم الآخر , ولو كان ~~رفع الإثم دون هذين الاشتراطين لوقع بين المضطرين من البغي والتسلط ما مثله ~~لا يحل لغير المضطرين , فانتفى الإثم على صحة من الأمرين وارتفاع الحكمين , ~~ففي السعة يجتنب ما يضر وفي الضرورة يؤثر ضرورة الجسم لقوامه على حكم ~~الكتاب في إقامته ؛ وفي إفهامه أن من اضطر لشيء مما حرم عليه فأكله لم تنله ~~مضرة , لأن الله سبحانه وتعالى إذا أباح شيئا أذهب ضره ) إن الله لم يجعل ~~شفاء أمتي فيما حرم عليها ( ففيه تنبيه لتغيير هذه الأعيان للمضطر عما كانت ~~عليه حتى تكون رخصة في الظاهر وتطييبا في الباطن , فكما رفع عنه حكمها ~~الكتابي يتم فضله فيرفع عنه ضرها الطبيعي . | PageV01P318 إلى عموم هذا ~~الحكم للمضطر والموسع , وفي قوله : { غفور } إشعار بأنه لا يصل إلى حال ~~الاضطرار إلى ما حرم عليه أحد إلا عن ذنب أصابه , فلولا المغفرة لتممت عليه ~~عقوبته , لأن المؤمن أو الموقن لا تلحقه ضرورة , لأن الله سبحانه وتعالى لا ~~يعجزه شيء وعبد الله لا يعجزه ما لا يعجز ربه < # > 77 ( { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين } ) 77 < # > [ الروم : 49 ] فاليأس الذي يحوج إلى ضرورة إنما يقع لمن هو دون رتبة ~~اليقين ودون رتبة الإيمان ) جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا ففنيت ~~أزوادهم فأقاموا أياما يتقوتون بيسير حتى تقوتوا بتمرة تمرة فأخرج الله لهم ~~العنبر دابة من البحر ( فلم يحوجهم في ضرورتهم إلى ما حرم عليهم بل جاءهم ~~في ضرورتهم بما هو أطيب ماكلهم في حال السعة من صيد البحر الذي ) هو الطهور ~~ماؤه الحل ميتته ( وفي قوله : { رحيم } إنباء بأن من اضطر فأصاب مما اضطر ~~إليه شيئا لم يبغ فيه ولم يعد تناله من الله رحمة توسعه من أن يضطر بعدهاه ~~إلى مثله فيغفر ms0359 له الذنب السابق الذي أوجب الضرورة ويناله بالرحمة الموسعة ~~التي ينال بها من لم يقع منه ما وقع ممن اضطر إلى مثله - انتهى ؛ وتصرفت ~~فيه . | ولما كان في بيان هذه المحرمات الإشارة إلى عيب من استحلها من ~~العرب وترك ما أمر به من الطيبات جهلا وتقليدا تلاها بتكرير عيب الكاتمين ~~لما عندهم من الحق مما أنزل في كتابهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأمر الحج وأمر القبلة وغيرها مما يصدق هذا الكتاب الذي لا ريب فيه خوفا ~~على انقطاع ما كان يهدي إليهم لرئاستهم من دينهم على وجه عائب لهم ~~لاستحلالهم أكل السحت على علم مبين أنهم استحقوا الذم من وجهين : أحدهما ~~نفس الأكل على هذا الوجه المؤدي إلى الإعراض عن الطيبات والموافقة ~~PageV01P319 للعرب , الثاني كونه على كتمان ما يعلمون من الحق فقال : { إن ~~الذين يكتمون } مؤكدا لذمهم بأنواع التأكيد , ولقد بدع إيلاؤه لصفتي ~~المغفرة والرحمة كما ختم آية الكتمان الأولى بوصفي التوبة والرحمة , فكان ~~مع ما فيه من الترغيب من قبيل الاحتراس أي إنه إعانة لا يغفر لمثل هؤلاء ~~إلا أن اتصفوا بما اشارت إليه الآية الأولى من التوبة . | قوله : { ما أنزل ~~الله } بإسناد الإنزال إلى اسمه الأعظم لإحاطة الكتاب بمخلفات الأحكام { من ~~الكتاب } أي من حدوده وأحكامه وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الأولى ~~بالبينات والهدى من الحكم والأحكام . | ولما كان من الكتم ما يكون لقصد خير ~~, فكم من كلمة حق أريد بها باطل ! قيده بقوله : { ويشترون به ثمنا } قال ~~الحرالي : والثمن ما لا ينتفع بعينه حتى يصرف إلى غيره من الأعواض , ~~فالإيعاد على ما يتضمن جهل الكاتم وحرصه باستكسابه بالعلم وإجرائه في غير ~~ما أجراه الله تعالى على ألسنة أنبيائه < # > 77 ( { وما أسألكم عليه من أجر } ) 77 < # > [ الشعراء : 109 ] ولما كان كل ما لم يثبت من خير الدنيا في الآخرة وإن ~~جل حقيرا قال : { قليلا } هذا المراد لا تقييده بالقليل . | ولما كانوا قد ~~بعدوا عن مواطن الرحمة ببخلهم بما لا ينقصه الإنفاق أشار إليهم بأداة ms0360 البعد ~~فقال : { أولئك } وفي خطاب النبي صلى الله عليه وسلم به إشعار بوقوع ذلك من ~~طائفة من أمته حرصا على الدنيا { ما يأكلون } أي في هذه الحال على ما دلت ~~عليه ما . | ولما كان الأكل يطلق على مجرد الإفساد حقق معناه بقوله : { في ~~بطونهم } جمع بطن وهو فضاء جوف الشيء الأجوف لغيبته عن ظاهره الذي هو ظهر ~~ذلك البطن { إلا النار } كما أحاط علمه سبحانه وتعالى بالغيب إن ذلك على ~~الحقيقة وبصره لعيون أهل الكشف الذين يرون العواقب في الأوائل والغيب في ~~الشهادة , وفي ذكره بصيغة الحصر نفي لتأويل المتأول بكونه سببا وصرف له إلى ~~وجه التحقيق الذي يناله الكشف ويقصر عنه الحس , فكانوا في ذلك كالحذر الذي ~~يجعل يده في الماء الحار ولا يحس به فيشعر ذلك بموت حواس هؤلاء عن حال ما ~~تناولوه . | ولما قدم الوعيد في الصمن لكونه الحامل على الكتم أتبعه وعيد ~~نفس الكتم فقال : { ولا يكلمهم الله } أي الملك الأعظم الذي من كلمه أقبل ~~كل شيء عليه كلاما يدل على مرضى لكونهم لم يكلموا الناس بما كتب عليهم وقال ~~: { يوم القيامة } تأكيدا لما أشارت إليه ما من أن المراد بالذي قبله الحال ~~{ ولا يزكيهم } أي يطهرهم من دنس الذنوب أو يثنى عليهم أو ينمي أعمالهم بما ~~يحصل لهم من الميثاق في يوم التلاق كما يزكي بذلك من يشاء من عبادة لأنهم ~~كتموا عن العباد ما يزكيهم وفي هذا تعظيم لذنب PageV01P320 كتموا العلم { ~~ولهم } مع هذا العذاب { عذاب أليم } لما أوقعوا فيه الناس من التعب بكتمهم ~~عنهم ما يقيمهم على المحجة السهلة . | ولما ذكر جزاءهم أتبعه ترجمة حالهم ~~مؤكدا لبعدهم فقال : { أولئك الذين اشتروا } اي لجاجا وتماديا في الغي { ~~الضلالة } عن طريق الخير { بالهدى } ولما ذكر حالهم في الدنيا أتبعه أمر ~~الآخرة فقال : { والعذاب } بارتكابهم هذه الموبقة { بالمغفرة } التي كانت ~~تنجيهم إذا محت صغائرهم لو سلموا من هذه العضلة التي كانت سببا لضلال خلق ~~كثير فكان عليهم وزرهم . | ولما جعل سبحانه وتعالى أول مأكلهم نارا وآخر ms0361 ~~أمرهم عذابا وترجمة حالهم عدم المغفرة فكان بذلك أيضا أوسط حالهم نارا سبب ~~عنه التعجيب من أمرهم بحبسهم أنفسهم في ذلك الذي هو معنى الصبر لالتباسهم ~~بالنار حقيقة أو بموجباتها من غير مبالاة فقال : { فما أصبرهم } أي ما أشد ~~حبسهم أنفسهم أو ما أجرأهم { على النار } التي أكلوها في الدنيا فأحسوا بها ~~في الأخرى - ذكر كثيرا من ذلك الحرالي غير أني تصرفت فيه ؛ وإذا جعلته ~~مجازا كان مثل قولك لمن عاند السلطان : ما أصبرك على السجن الطويل والقيد ~~الثقيل ! تهديدا له . | ولما ذكر جزاءهم وشرح حالهم والتعجيب من أمرهم ذكر ~~السبب الموجب لهذا الإبعاد العظيم والتهديد الكبير فقال : { ذلك } مشيرا ~~بأداة البعد { بأن الله } فذكر الاسم الأعظم أيضا الذي معناه أن له جميع ~~صفات الكمال تعظيما للمقام { نزل الكتاب } أي الجامع لأنواع الهدى { بالحق ~~} منجما تقريبا للأفهام وتدريبا للخاص والعام , وهو صالح لإرادة القرآن ~~والتوراة أي الثابت الكامل في الثبات , فمن كتمه فقد حاول نفي ما أثبته ~~الله تعالى فقد ضاد الله في ملكه , ومن خالف فيه وهو الذي لا شبهة تلحقه ~~فقد عد الواضح ملبسا فقد أبعد المرمى . | ولما كان التقدير : فاختلفوا , ~~أتبعه قوله : { وإن الذين اختلفوا } أي خالف بعضهم بعضا { في الكتاب } نفسه ~~أي لا في فهمه , وهذه العبارة تدل على أن الاختلاف قول بعض في الكتاب كله ~~أو في شيء منه هو باطل والإقرار ببعض أحكامه والإنكار لبعضها وتحريف الكلم ~~عن مواضعه ونحو هذا { لفي شقاق } لكون كل واحد منهم في شق { بعيد } جدا عن ~~شق أهل الحق , ولذلك خاف الصحابة رضوان الله تعالى عليهم من اختلاف أهل هذا ~~الدين في القرآن كما اختلف اليهود والنصارى فجمعوهم على مصحف واحد , فليس ~~الاختلاف في وجوه الروايات وأنحاء الفهم من ذلك ؛ وقد وقع كما ترى تنبيه ~~المشركين من العرب بدون ما تضمنه تنبيه بني إسرائيل من التقريع والتوبيخ ~~لفرقان ما بينهم , لأن كفر المشركين عن جهل وكفر أولئك عن تعنت بعد تكرر ~~مشاهدة PageV01P321 الآيات , ومن تدبر القرآن وطالع التوراة ms0362 علم طول مكث ~~موسى عليه الصلاة والسلام فيهم يتلو عليه التوراة على حسب تنزيلها شيئا ~~فشيئا وأنهم كانوا مع ذلك كلما شاهدوا آية أحدثوا كفرا وخلعوا شكرا وسألوا ~~غيرها عنادا ومكرا ^ ( { وجعلنا قلوبهم قاسية } ) ^ [ المائدة : 13 ] وقد ~~مر من أول السورة عن التوراة كثير من ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى بقيته ~~في المواضع اللائقة به من آيات القرآن . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير ~~: ومتى بين شيء في الكتاب العزيز من أحوال النصارى فليس على ما ورد من مثله ~~في اليهود لما ذكر أي من أن كفرهم تعنت , وخطاب مشركي العرب فيما أشير إليه ~~دون خطاب الفريقين إذ قد تقدم لهم ما لم يتقدم للعرب وبشروا في كتبهم وليس ~~لمشركي العرب مثل ذلك ؛ والزيغ عن الهدى شامل للكل وليسوا في شيء من الصراط ~~المستقيم مع أن أسوأ الأحوال حال من أضله الله على علم ؛ وهنا انتهى ذكر ما ~~حذر منه ونهى عنه من أراد سلوك الصراط المستقيم وبيان حال من حاد عنه ~~وتنكبه وظن أنه على شيء وضم مفترق أصناف الزائغين في أصناف ثلاثة وهم ~~اليهود والنصارى وأهل الشرك , ويهم يلحق سائر من تنكب فيلحق باليهود منافقو ~~أمتنا ممن ارتاب عبد إظهار إيمانه وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة ~~والاستهزاء , ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم , وبالمشركين من جعل لله ~~سبحانه وتعالى ندا واعتقد فعلا لغيره على غير طريقة الكسب . | < < # | البقرة : ( 177 - 178 ) ليس البر أن . . . . . # > > ^ ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن ~~بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأسآء والضراء وحين ~~البأس أولئك الذين صدقوآ وأولئك هم المتقون * يأيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من ~~أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأدآء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن ~~اعتدى بعد ذلك ms0363 فله عذاب أليم ) ^ } ) | ولما بين سبحانه وتعالى كفر أهل ~~الكتاب الطاعنين في نسخ القبلة بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وكتمان ~~الحق وغير ذلك إلى أن ختم بكفرهم بالاختلاف في الكتاب وكتمان ما فيه من ~~مؤيدات الإسلام اتبعه الإشارة إلى أن أمر الفروع أحق من أمر الأصول لأن ~~الفروع ليست مقصودة لذاتها , والاستقبال الذي جعلوا من جملة شقاقهم أن ~~كتموا ما عندهم من الدلالة على حقيته وأكثروا الإفاضة في عيب المتقين به ~~ليس مقصودا لذاته , وإنما المقصود بالذات الإيمان فإذا وقع تبعته جميع ~~الطاعات من الصلاة المشترط فيها PageV01P322 الاستقبال وغيرها فقال تعالى : ~~{ ليس البر } أي الفعل المرضي الذي هو في تزكية النفس كالبر في تغذية البدن ~~{ أن تولوا وجوهكم } أي في الصلاة { قبل المشرق } الذي هو جهة مطالع ~~الأنوار { والمغرب } الذي هو جهة أفوالها أي وغيرهما من الجهات المكانية , ~~فإن ذلك كله لله سبحانه وتعالى كما مضى عند أول اعتراضهم التصريح بنسبة ~~الكل إليه < # > 77 ( { فأينما تولوا فثم وجه الله } ) 77 < # > [ البقرة : 115 ] ولما كان قد تبين للمتقين كما ذكر قبل ما يخرج عن ~~الصراط المستقيم وحذروا منه ليجتنبوه عقبه بما يلزمهم ليعملوه فابتدأ من ~~هنا بذكر الأحكام إلى قوله < # > 77 ( { آمن الرسول } ) 77 < # > [ البقرة : 258 ] وبدأ ذلك بما بدأ به السورة وفصل لهم كثيرا مما كلفوه ~~مما أجمله قبل ذلك ففصل الإيمان تفصيلا لم يتقدم فقال : { ولكن البر من } ~~أي إيمان من , ولعله عبر بذلك إفهاما لأن فاعل ذلك نفسه بر أي أنه زكى حتى ~~صار نفس الزكاة { آمن بالله } الذي دعت إليه آية الوحدانية فأثبت له صفات ~~الكمال ونزهه عن كل شائبة نقص مما على ذلك من دلائل أفعاله . | ولما كان من ~~أهم خلال الإيمان القدرة على البعث والتصديق به لأنه يوجب لزوم الخير ~~والبعد عن الشر قل : { واليوم الآخر } الذي كذب به كثير من الناس فاختل ~~نظامهم ببغي بعضهم على بعض , فالأول مبرأ عن الأنداد وهذا مبعد عن أذى ~~العباد . | ولما كان هذا إيمان الكمل وكان أكثر ms0364 الناس نيام العقول لا ~~يعرفون شيئا إلا بالتنبيه وضلال البصائر يفترقون إلى الهداية ذكر سبحانه ~~وتعالى الهداة الذين جعلهم وسائط بينه وبين عباده بادئا بالأول فالأول فقال ~~: { والملائكة } أي الذين أقامهم فيما بينه و بين الناس وهم غيب محض { ~~والكتاب } الذي ينزلون به على وجه لا يكون فيه ريب أعم من القرآن وغيره { ~~والنبيين } الذين تنزل به عليهم الملائكة , لكونهم خلاصة الخلق , فلهم جهة ~~ملكية يقدرون بها على التلقي من الملائكة لمجانستهم إياهم بها , وجهة بشرية ~~يتمكن الناس بها من التلقي منهم , ولهم من المعاني الجليلة الجميلة التي ~~صرفهم الله فيها بتكميل أبدانهم وأرواحهم ما لا يعلمه إلا هو فعليهم الصلاة ~~والسلام والتحية والإكرام . | قال الحرالي : ففيه أي الإيمان بهم وبما ~~قبلهم قهر النفس للإذعان لمن هو من جنسها والإيمان بغيب من ليس من جنسها ~~ليكون في ذلك ما يزع النفس عن هواها - انتهى . | وكذا فضل سبحانه وتعالى ~~الصدقة , وفي تعقيب الإيمان بها إشعار بأنها المصدقة له فمن بخل بها كان ~~مدعيا للإيمان بلا بينة , وإرشاد إلى أن في بذلها سلامة من فتنة المال < # > 77 ( { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } ) 77 < # > [ التغابن : 15 ] لأن من آمن وتصدق كان قد أسلم لله روحه وماله الذي هو ~~عديل روحه فصار عبد الله حقا , وفي ذلك إشارة إلى الحث على مفارقة كل محبوب ~~سوى PageV01P323 الله سبحانه وتعالى في الله . | قال الحرالي : فمن ظن أن ~~حاجته يسدها المال فليس برا , إنما البر الذي أيقن أن حاجته إنما يسدها ربه ~~ببره الخفي - ا نتهى . | فلذلك قال : { وآتى المال } أي الذي أباحه بعد ~~جعله دليلا عليه كرم نفس وتصديق إيمان بالاعتماد في الخلف على من ضمن الرزق ~~وهو على كل شيء قدير ؛ وأشار إلى أن شرط الإيمان به إيثاره سبحانه ~~وتعالىعلى كل شيء بقوله : { على حبه } أي إيتاء عاليا فيه حب الله على حبه ~~المال إشارة إلى التصدق في حال الصحة والشح بتأميل الغنى وخشية الفقر ؛ ~~وأشار إلى أنه لوجهه لا لما كانوا يفعلونه في الجاهلية من ms0365 التفاخر فقال : { ~~ذوي القربى } أي لأنهم أولى الناس بالمعروف لأن إيتاءهم صدقة وصلة { ~~واليتامى } من ذوي القربى وغيرهم لأنهم أعجز الناس { والمساكين } لأنهم ~~بعدهم في العجز ويدخل فيهم الفقراء بالموافقة { وابن السبيل } لعجزهم ~~بالغربة , وإذا جعلنا ذلك أعم من الحال والمآل دخل فيه الغازي { والسائلين ~~} لأن الأغلب أن يكون سؤالهم عن حاجة ويدخل الغارم { وفي الرقاب } قال ~~الحرالي : جمع رقبة وهو ما ناله الرق من بني آدم فالمراد الرقاب المسترقة ~~التي يرام فكها بالكتابة وفك الأسرى منه , وقدم عليهم أولئك لأن حاجتهم ~~لإقامة البينة . | ولما ذكرسبحانه وتعالى مواساة الخلق وقدمها حثا على مزيد ~~الاهتمام بها لتسمح النفس بما زين لها حبه من المال اتبعها حق الحق فقال : ~~{ وأقام الصلاة } التي هي أفضل العبادات البدنية ولا تكون إلا بعد سد أود ~~الجسد ولا تكون إقامتها إلا بجميع حدودها والمحافظة عليها . | ولما ذكر ما ~~يزكي الروح بالمثول بين يدي الله سبحانه وتعالى والتقرب بنوافل الصدقات ذكر ~~ما يطهر المال وينميه وهو حق الخلق فقال : { وآتى الزكاة } وفي الاقتصار ~~فيها على الإيتاء إشعار بأن إخراج المال على هذا الوجه لا يكون إلا من ~~الإخلاص . | ولما أتم الإيمان وما يصدق دعواه في الجملة شرع في كمال ذلك ~~فعطف على أول الكلام ما دل بعطفه كذلك على أنه مقصود لذاته فإنه جامع ~~لدخوله في جميع ما تقدمه فقال : { والموفون بعهدهم } قال الحرالي : من ~~الإيفاء وهو الأخذ بالوفاء نجاز الموعود في أمر المعهود - انتهى . | وبين ~~قوله : { إذا عاهدوا } أن المطلوب ما ألزموا أنفسهم به للحق أو الخلق ~~تصريحا بما أفهمه ما قبله . | ولما قطع الوفاء تعظيما له لدخوله فيما قبل ~~فعل كذلك في الصبر لذلك بعينه فقال : { والصابرين } وفيه رمز إلى معاملته ~~بما كان من حقه لو عطف على { من آمن } لو سيق على الأصل . | قال الحرالي : ~~وفيه إشعار بأن من تحقق بالصبر على الإيثار فكان شاكرا تحقق منه الصبر في ~~الابتلاء والجهاد تأييدا من الله سبحانه وتعالى لمن شكره ابتداء بإعانته ~~على الصبر والمصابرة انتهاء ms0366 , كأنه لما PageV01P324 جاد بخير الدنيا على ~~حبه أصابه الله ببلائها تكرمة له ليوفيه حظه من مقدوره في دنياه فيكون ممن ~~يستريح عند موته وبأنه إن جاهد ثبت بما يحصل في نفس الشاكر الصابر من الشوق ~~إلى لقاء الله سبحانه وتعالى تبرؤا من الدنيا وتحققا بمنال الخير من الله - ~~انتهى . | وعين أشد ما يكون الصبر فيه فقال : { في البأساء } أي عند حلول ~~الشدة بهم في أنفسهم من الله سبحانه وتعالى بلا واسطة أو منه بواسطة العباد ~~{ والضراء } بحصول الضر في أموالهم وبقية أحوالهم من احتقار الناس لهم ~~ونحوه , وفسرها في القاموس بالشدة والنقص في الأموال والأنفس فهو حينئذ أعم ~~ليكون الأخص مذكورا مرتين . | وقال الحرالي : البأساء فعلاء من البؤس وهو ~~سوء الحال والفاقة وفقد المنة عن إصلاحه , والضراء مرض البدن وآفاته , فكان ~~البأساء في الحال والضراء في البدن - انتهى . | { وحين البأس } أي الحرب ~~الجامع للأنفس والأموال . | وقال الحرالي : البأس الشدة في الحرب . | ولما ~~كانت هذه الخلال أشرف خلال أشار إلى شرفها بشرف أهلها فقال مستأنفا بيانا ~~لأنه لا يستحق اسم البر إلا من اجتمعت فيه هذه الخلال : { أولئك } أي خاصة ~~الذين علت هممهم وعظمت أخلاقهم وشيمهم { الذين صدقوا } أي فيما ادعوه من ~~الإيمان , ففيه إشعار بأن من لم يفعل أفعالهم لم يصدق في دعواه { وأولئك هم ~~} خاصة { المتقون * } ليوم الجزاء , وفي جعله نعتا لهم إشعار بأنهم تكلفوا ~~هذه الأفعال لعظيم الخوف . | وقال ابن الزبير في برهانه : ثم ذكر الزكاة ~~والصيام و الحج والجهاد إلى غير ذلك من الأحكام كالنكاح والطلاق والعدد ~~والحيض والرضاع والحدود والربا والبيوع إلى ما تخلل هذه الآيات من تفاصيل ~~الأحكام ومجملها وقدم منها الوفاء بالعهد والصبر , لأن ذلك يحتاج إليه في ~~كل الأعمال , وما تخلل هذه الآيات من لدن قوله { ليس البر } إلى قوله : { ~~آمن الرسول } مما ليس من قبيل الإلزام والتكليف فلتسبب أوجب ذكره ولتعلق ~~استدعاه - انتهى . | والحاصل أنه سبحانه وتعالى لما طهرهم من أوصار المحارم ~~بقوارع الزواجر شرع في تزكيتهم بالإقحام في غمرات الأوامر ليكمل ms0367 تعبدهم ~~بتحليهم بأمره بعد تخليهم من سخطه بصادع زجره فذكر في هذه السورة جميع ~~أركان هذا الحرف وحظيرته . | قال الإمام أبو الحسن الحرالي في العروة : وجه ~~إنزال هذا الحرف حمل الخلق على صدق التذلل لله سبحانه وتعالى إثر التطهير ~~من رجزهم ليعود بذلك وصل ما انقطع وكشف ما انحجب وهو حرف العبادة المتلقاة ~~بالإيمان المثابر عليها بسابق الخوف المبادر لها تشوقا بصدق المحبة , ~~فالعابد من ساقه الخوف إليها والعارف من قاده الحب لها وهو بناء ذو عمود ~~وأركان وله حظيرة تحوطه , فأما عموده فافراد التذلل لله سبحانه وتعالى ~~توحيدا وطليعته آية ما كان نحو قوله سبحانه وتعالى PageV01P325 < # > 77 ( { اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا } ) 77 < # > [ النساء : 36 ] طهرهم حرف الزجر من رجز عبادة إله آخر فأثبت لهم حرف ~~الأمر التفريد حتى لا يشركوا معه في التذلل شيئا أي شيء كان آخر , وهو أول ~~ما أقام الله من بناء الدين ولم يفرض غيره نحو العشر من السنين في إنزال ما ~~أنزل بمكة وسن مع فرضه الركن الأول وهو الصلاة , وبدئت بالوضوء عملا من حذو ~~تطهير القلب والنفس بحرف النهي وأعقب بالصلاة عملا من حذو طهور القلب ~~بالتوحيد بين يدي الرب سبحانه وتعالى , فالوضوء وجه عمل حرف الزجر والصلاة ~~وجه عمل حرف الأمر , وسن على تأسيس بدار الحب لتبدو قوة الإيمان في مشهود ~~ملازمة خدمة الأبدان . | فكان أقواهم إيمانا أكثرهم وأطولهم صلاة وقنوتا , ~~من أحب ملكا خدمه ولازمه , ولا تخدم الملوك بالكسل والتهاون وإنما تخدم ~~بالجهد والتذلل , فكانت الصلاة علم الإيمان تكثر بقوته وتقل بضعفه , لأنها ~~لو فرضت لم يظهر فيها تفاوت قوة الإيمان وصدق الحق كما لا يظهر بعد فرضها ~~إلا في النوافل , ولإجهاد النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وبدنه في ذلك أنزل ~~عليه < # > 77 ( { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * تنزيلا ممن ~~خلق الأرض والسماوات العلى * الرحمن على العرش استوى } ) 77 < # > [ طه : 2 - 5 ] - إلى قوله < # > 77 ( { الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى * } ) 77 ms0368 < # > [ طه : 8 ] هذا التوحيد وإظهاره هو كان يومئذ المقصود الأول وذلك قبل ~~إسلام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعمر موفي أربعين من عدد المؤمنين ~~, فلما دخل الإسلام من لا يبعثه الحب والاستراحة على الصلاة بعد عشر أو ~~نحوها فرضت الصلاة فاستوى في فرضها المحب والخائف , وسن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم التطوع على ما كان أصلها , وذلك صبيحة ليلة الإسراء , وأول منزل ~~هذا الحرف والله سبحانه وتعالى أعلم في فرض هذا الركن أو من أول منزله قوله ~~تعالى : < # > 77 ( { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر } ) 77 < # > [ الإسراء : 78 ] اختص لهم بها أوقات الرحمة وجنبهم به اأوقات الفتنة ~~ومنه جميع آي إقامة الصلاة وإتمامها . | الركن الآخر الصوم وهو إذلال النفس ~~لله سبحانه وتعالى بإمساكها عن كل ما تشوف إليه من خاص أمرها نهارا للمقتصر ~~ودواما للمعتكف , وهو صلة بين العبد وبين نفسه ووصل لشتاته في ذاته , وأول ~~ما أنزل هذا الركن من هذا الحرف بالمدينة بعد مدة من الهجرة وأول منزله < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم } ) 77 < # > [ البقرة : 183 ] وإنما فرض والله سبحانه وتعالى أعلم بالمدينة لأنهم ~~لما آمنوا من عداوة الأمثال والأغيار وعام الفتنة بالمدينة عادت الفتنة ~~خاصة في الأنفس بالتبسط PageV01P326 في الشهوات وذلك لا يليق بالمؤمنين ~~المؤثرين للدين على الدنيا , ثم أنزل الله سبحانه وتعالى إتمامه بقوله ~~تعالى : < # > 77 ( { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } ) 77 < # > [ البقرة : 185 ] إلى ما يختص من الآي بأحكام الصيام . | الركن الآخر ~~الزكاة وهو كسر نفس الغني بما يؤخذ بأخذه منه من حق أصنافها إظهارا لأن ~~المشتغلين بالدين آثر عند الله سبحانه وتعالى من المقيمين على الأموال ~~وليميز بها الذين آمنوا من المنافقين لتمكنهم من الرياء في العمود والركنين ~~, ولم يشهد الله سبحانه وتعالى بانفاق جهرا أعظم من شهادته على مانع الزكاة ~~, ومن منع زكاة المال عن الخلق كان كمن امتنع عن زكاة قواه بالصلاة من الحق ~~, فلذلك لا ms0369 صلاة لمن لا زكاة له , وكما كانت الزكاة حبا قبل فرضها كذلك كان ~~الإنفاق لما زاد على الفضل عزما مشهورا عندهم لا يعرفون غيره ولا يشعرون في ~~الإسلام بسواه , فلما شمل الإسلام أخلاط وشحت النفوس فرضت الزكاة وعين ~~أصنافها , وذلك بالمدينة حين اتسعت أموالهم وكثر خير الله عندهم وحي عم ~~نفاق قوم بها أنفة من حط رئاستهم بتذلل الإسلام لله والنصفة بخلق الله ~~وتبين فيها الخطاب مرة لأرباب الأموال بقوله تعالى : < # > 77 ( { وآتوا الزكاة } ) 77 < # > [ البقرة : 43 ] لتكون لهم قربة إذا آتوها سماحا ومرة للقائم بالأمر ~~بقوله تعالى : < # > 77 ( { خذ من أموالهم صدقة } ) 77 < # > [ التوبة : 103 ] حين يؤنس من نفوسهم شح وشدد الله سبحانه وتعالى فيها ~~الوعيد في القرآن جبرا لضعف اصنافها ونسق لذلك جميع ما أنزل في بيان ~~النفقات والصدقات بدارا عن حب أو ائتمارا عن خوف . | الركن الآخر الحج وهو ~~حشر الخلق من أقطار الأرض للوقوف بين يدي ربهم في خاتم منيتهم ومشارفة ~~وفاتهم ليكون لهم أمنة من حشر ما بعد مماتهم , فكمل به بناء الدين وذلك في ~~أواخر سني الهجرة ومن آخر المنزل بالمدينة , وأول خطابه < # > 77 ( { ولله على الناس حج البيت } ) 77 < # > [ آل عمران : 97 ] بتنبيهه على أذان إبراهيم عليه الصلاة والسلام < # > 77 ( { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا } ) 77 < # > [ الحج : 27 ] إلى ما أنزل في أمر الحج وأحكامه الحظيرة الحائط وهي ~~الجهاد , ولم تزل مصاحبة الأركان كلها إما مع ضعف كما بمكة أو مع قوة كما ~~في المدينة , ومن أول تصريح منزله < # > 77 ( { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } ) 77 < # > [ الحج : 39 ] إلى قوله < # > 77 ( { وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة } ) 77 < # > [ التوبة : 36 ] < # > 77 ( { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } ) 77 < # > [ التوبة : 123 ] إلى قوله : < # > 77 ( { جاهد الكفار والمنافقين } ) 77 < # > [ التوبة : 73 ] إلى انتهاء قتال أهل الكتاب في قوله تعالى < # > 77 ( { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر } ) 77 < # > [ التوبة : 29 ] الآية إلى تمام المنزل في شأنه في قوله تعالى < # > 77 ( { وقاتلوهم حتى لا تكون ms0370 فتنة ويكون الدين كله لله } ) 77 < # > [ الأنفال : 39 ] وهذا تمام حرف الأمر ؛ ولكل في ذلك الظاهر في الإسلام ~~موقع حدوده في الإيمان وموقع في الإحسان لدى ثلاثتها الذي هو كمال الدين ~~PageV01P327 كله , ذلك من تنزل القرآن من بين إفصاح وإفهام في هذا الحرف , ~~وهو وفاء الدين والتعبد لله رب العالمين . | ثم قال فيما به تحصل قراءة حرف ~~الأمر : اعلم أن الوفاء بقراءة حرف النهي تماما يفرغ لقراءة حرف الأمر , ~~لأن المقتنع في معاش الدنيا يتيسر له التوسع في عمل الأخرى , والمتوسع في ~~متاع الدنيا لا يمكنه التوسع في عمل الأخرى لما بينهما من التضار والتضاد , ~~والذي تحصل به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب فالتوحيد والإخلاص , وأعم ~~ذلك البراءة من الشرك العظيم لئلا يتخذ مع الله إلها آخر , لأن المشرك في ~~الإلهية لا تصح منه المعاملة بالعبادة < # > 77 ( { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم ~~عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء } ) 77 < # > [ إبراهيم : 18 ] وأخص منه الإخلاص بالبراءة من الشرك الجلي بأن لا يرى ~~لله سبحانه وتعالى شريكا في شيء من أسمائه الظاهرة , لأن المشرك في سائر ~~أسمائه الظاهرة لا يصح له القبول , والذي يحلف به عبد الله بن عمر رضي الله ~~تعالى عنه : لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن ~~بالقدر , ولكل عمل من المأمورات خصوص اسم في الإخلاص كإخلاص المنفق بأن ~~الإنعام من الله سبحانه وتعالى لا من العبد المنفق , وكإخلاص المجاهد بأن ~~النصر من الله سبحانه وتعالى لا من العبد المجاهد < # > 77 ( { وما النصر إلا من عند الله } ) 77 < # > [ آل عمران : 126 والأنفال : 10 ] وكذلك سائر الأعمال يخصها الإخلاص في ~~اسم من الأسماء يكون أملك بذلك العمل , وأما من جهة أحوال النفس فأولها ~~وأساسها طمأنينة النفس بربها في قوامها من غير طمأنينة لشيء سواه , فمتى ~~اطمأنت النفس بما تقدر عليه وما لها من منة أو بما تملكه من مملوك أو بما ~~تستند إليه من غير ms0371 ردت جميع عباداتها لما اطمأنت إليه وكتب اسمها على وجهه ~~وكانت أمته لا أمة ربها وكان المرء عبده لا عبد ربه ( تعس عبد الدينار وعبد ~~الدرهم وعبد الخميصة ) وهذا هو الذي أحبط عمل العاملين من حيث لا يشعرون , ~~وأما من جهة ما يخص كل واحد من الأوامر في أحوال النفس فما يناسبه من ~~أحوالها وأخلاقها كاجتماعها في الصلاة بأن لا تصغي لوسواس الشيطان وأن لا ~~تتحدث في تسويلها , وكسماحها وسخائها في الإنفاق وإيتاء الزكاة , وكصبرها ~~في الصوم والصوم الصبر كله , ويصحبها كل ذلك في الحج مع زيادة اليقين , ~~ويصحبها الجميع في الجهاد مع غريزة الشجاعة , هذا من جهة حال النفس وأما من ~~جهة العمل وأحوال الجوارح فإن أدب الناطق بكلمة PageV01P328 الشهادة أن ~~يجمع حواسه إلى قلبه ويحضر في قلبه كل جارحة فيه وينطق بلسانه عن جميع ذاته ~~أحوال نفس وجوارح بدن حتى يأخذ كل عضو منه وكل جارحة فيه وكل حال لنفسه ~~قسطه منها كما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم واعلم أن بذلك ( ~~تتحات عنه الذنوب كما يتحات الورق عن الشجر ) فلم يقرأ تهليل القرآن من لم ~~يكن ذلك حاله فيه وكذلك في تشهد الأذان , وبذلك يهدم التهليل سيئاته في ~~الإسلام كما هدم من المخلص به جرائم الكفران , ( سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجلا يؤذن فلما قال : الله أكبر الله أكبر , قال : على الفطرة , فلما ~~قال : لا إله إلا الله , قال : خرجت من النار ) وأما أدب الصلاة فخشوع ~~الجوارح والهدو في الأركان وإتمام كل ركن بأذكاره المخصوصة به وجمع الحواس ~~إلى القلب كحاله في الشهادة حتى لا يحقق مدرك حاسة غفلة , وأما أدب الإنفاق ~~فحسن المناولة , كان النبي صلى الله عليه وسلم يناول السائل بيده ولا يكله ~~إلى غيره الإسرار أتم < # > 77 ( { وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم } ) 77 < # > [ البقرة : 271 ] وينفق من كل شيء بحسب ما رزقه مياومة أو مشاهرة أو ~~مسانهة < # > 77 ( { ومما رزقناهم ينفقون } ) 77 < # > [ البقرة : 3 ] وأما أدب الصوم فالسحور مؤخرا ms0372 والفطر معجلا , وصوم ~~الأعضاء كلها عن العدل فأحرى عن الجور وترك العناية بما يفطر عليه إلى ما ~~بعد الزوال والأخذ فيه لشهوة العيال ؛ وأما أدب الحج فاستطابة الزاد ~~والاعتماد على ما بيد الله لا على حاصل ما بيد العبد , وهو تزود التقوى ~~والرفع مع الرفيق والرفق بالظهر وتحسين الأخلاق والإنفاق في الهدي وهو الثج ~~والإعلان بالتلبية وهو العج , وتتبع أركانه على ما تقتضيه أحكامه وإقامة ~~شعائره على معلوم السنة لا على معهود العادة , وأما أدب الجهاد فاستطابة ~~الزاد وإصلاح العدة ومياسرة الخلطاء وحسن القيام على الخيل وتطييب علفها ~~تصفية وورعا وتناوله بيده ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناول علف ~~فرسه بيده ويمسحه بردائه ) والتزام ما يجد معه المنة من PageV01P329 أن ~~يكون فارسا أو راجلا أو رامحا أو نابلا , من تكلف غير ما يجد منته فقد ضيع ~~الحق وعمل بالتكليف , والصمت عند اللقاء وغض البصر عن النظر إلى الأعداء , ~~وقال صلى الله عليه وسلم ( إذا أكثبوكم فارموهم ولا تسلوا السيوف حتى ~~يغشوكم ) , وكف اليد عما للغير فيه حق وهو الغلول , وأن لا يدعوا للبراز ~~وأن يجيب إذا دعي وقال صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله عز وجل : عبدي كل ~~عبدي الذي يذكر الله وهو ملاق قرنه ) ولكل أمر وتلبس بمأمور أدب يخصه على ~~ما يستقرأ من السنن النبوية وآثار الخلفاء وصالحي الأمراء فبهذه الأمور من ~~إخلاص القلب وطيب النفس وأدب الجوارح , فيصح قراءة حرف الأمر ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم - انتهى . | ولما تقدم أن شرط رفع الإثم عن ~~المضطر ترك العدوان وكان العدوان في ذلك وفي غيره ربما أدى إلى القتل وتلا ~~ذلك بما استتبعه كما تقدم إلى أن ختم بهذه الآية وختمها بمدح الصبر والصدق ~~في دعوى الإيمان والوفاء بالعهد وكل شيء وكان من جملة ما خاف فيه أهل ~~الكتاب العهد أمر سفك الدماء فغيروه كله أو بعضه على ما أشار إليه تعالى ~~بقوله < # > 77 ( { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم } ) 77 < # > [ البقرة : 84 ] الآيات ms0373 وكان الصبر على بذل الروح أعظم الصبر وفعله ~~أعظم مصدق في الإيمان والاستسلام للقصاص أشد وفاء بالعهد أخبر المؤمنين بما ~~أوجب عليهم من ذلك وما يتبعه فقال تعالى ملذذا لهم بالإقبال عليهم بالخطاب ~~{ يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا الإيمان بألسنتهم , ولما حصل التعديل بها ~~وقع سابقا من التأديب فعلم المخاطبون أن الحكم PageV01P330 إنما هو لله بني ~~للمجهول قوله : { كتب عليكم } أي فرض في الكتاب وقد سمعتم إنذاري للذين ~~اختلفوا في الكتاب , والذي عين إرادة الفرض أن الكتب استفاض في الشرع في ~~معناه وأشعر به التعبير بعلى { القصاص } أي المساواة في القتل والجراحات ~~لأنه من القص وهو تتبع الأثر . | قال الحرالي : كأنه ينبع بالجاني إثر ما ~~جنى فيتبع إثر عقوبته إثر جنايته - انتهى . | { في القتلى } أي في سائر ~~أمور القتل فمن قتل بشيء قتل به , ومن قتل على كيفية قتل بمثلها , كان قطع ~~يدا فسرى إلى النفس فتقطعه , فإن سرى وإلا جززنا رقبته لتكون الآية عامة ~~مخصوصة في بعض الصور , ومتى لم يقل بالعموم كانت مجملة والتخصيص أولى من ~~الإجمال , فصدقوا دعواكم الإيمان مما يعمل الأئمة الاستيفاء وغيرهم ~~بالانقياد فيه ولا تكونوا كأهل الكتاب الذين اختلفوا في كتابهم فآمنوا ~~ببعضه وكفروا ببعضه , وأيضا لما ذكر إيتاء المال على حبه وكان قد ذكر أن ~~البار هو المؤمن بالكتاب وكان من الكتاب بذل الروح المعلوم حبها عقبه به ~~إشارة إلى أن المال عديلها لا يؤتى لأجل الله إلا بمحض الإيمان كما أن ~~الروح لا تبذل إلا بذلك . | ولما كان أهل الكتاب قد بدلوا حكم التوراة في ~~القصاص الذي أشير بآية المائدة إلى أنه كتب عليهم العدل فيه فكان من كان ~~منهم أقوى جعل لقومه في ذلك فضلا فكان بنو النضير كما نقله ابن هشام في ~~السيرة يأخذون في قتلاهم الدية كاملة وبنو قريظة نصف الدية وكان بعضهم كما ~~نقله البغوي في سورة المائدة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقتل النفس ~~بالنفس أشار سبحانه وتعالى إلى مخالفتهم في هذا الجور مبينا ms0374 للمساواة : { ~~الحر بالحر } ولا يقتل بالعبد لأن ذلك ليس بأولى من الحكم المذكور ولا ~~مساويا بقتل العبد به لأنه أولى ولا بالحكم فهو مفهوم موافقة . | ولما قدم ~~هذا لشرفه تلاه بقوله : { والعبد بالعبد } تعظيما للذكورية , وكذا يقتل ~~بالحر لأنه أولى , ولا يقتل الحر بالعبد لأنه ليس مساويا للحكم { والأنثى ~~بالأنثى } وتقتل الأنثى بالذكر والذكر بها , لأن كل منهما مساو للآخر وفاقا ~~للأصل المؤيد بقوله صلى الله عليه وسلم ( النساء شقاشق الرجال ) احتياطا ~~للدماء التي انتهاكها أكبر الكبائر بعد الشرك , PageV01P331 ونقصت الدية ~~النصف إن كانت بدل الدم وفاقا لقوله تعالى < # > 77 ( { وللرجال عليهن درجة } ) 77 < # > [ البقرة : 228 ] وتنبيها على انحطاط حرمة الأموال عن حرمة الدماء على ~~أن تصيب مفهوم الآية أنه لا يقتل بالمقتول إلا قاتله , وإذا تأملت قوله { ~~القتلى } دون أن يقول : القتل . | علمت ذلك . | قال الحرالي : لأن أخذ غير ~~الجاني ليس قصاصا بل اعتداء ثانيا ولا ترفع العدوى بالعدوى إنما ترفع ~~العدوى بالقصاص على نحوه وحده - انتهى . | وكذا أخذ غير المساوي اعتداء فلا ~~يقتل مسلم بكافر بما أفهمه القصاص , وتقييد الحكم بأهل الإيمان مع قوله ~~سبحانه وتعالى < # > 77 ( { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة } ) 77 < # > [ الحشر : 20 ] في أمثالها من الآيات . | ولما فتح سبحانه وتعالى لنا ~~باب الرحمة بالقصاص منبها على تبكيت أهل الكتاب وكان ذلك من حكم التوراة ~~لكن على سبيل الحتم وكان العفو على النصارى كذلك أظهر في الفرقان زيادة ~~توسعة بوضع هذا الإصر عنا بالتخيير بينهما . | قال الحرالي : نقلا من عقاب ~~الآخرة إلى ابتلاء الدنيا ونقلا من ابتلاء الدنيا في الدم إلى الكفارة بأخذ ~~حظ من المال كما كان في الفداء الأول لذبح إبراهيم عليه الصلاة والسلام من ~~ولده فقال : { فمن عفي له } عن جنايته من العفو وهو ما جاء بغير تكلف ولا ~~كره - انتهى . | وعبر بالبناء للمفعول إشارة إلى أن الحكم يتبع العفو من أي ~~عاف كان له العفو في شيء من الحق ولو كان يسيرا وهو معنى قوله : { من أخيه ~~شيء } أي أي شيء ms0375 كان من العفو بالنزول عن طلب الدم إلى الدية , وفي التعبير ~~بلفظ الأخ كما قال الحرالي تأليف بين الجاني والمجني عليه وأوليائه من حيث ~~< # > 77 ( { ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } ) 77 < # > [ النساء : 92 ] وإن لم يكن خطأ الطبع فهو خطأ القصد من حيث لم يقصد أن ~~يقتل مؤمنا إنما قصد أن يقتل عدوا وشاتما أو عاديا على أهله وماله أو ولده ~~. | فإذا انكشف حجاب الطبع عاد إلى أخوة الإيمان { فاتباع } أي فالأمر في ~~ذلك اتباع من ولي الدم { بالمعروف } فيه توطين النفس على كسرها عن حدة ما ~~تجره إليها أحقاد الجنايات , والمعروف ما شهد عيانة لموافقته وبقبول موقعه ~~بين الأنفس فلا يلحقها منه تنكر . | ولما أمر المتبع أمر المؤدي فقال { ~~وأداء إليه بإحسان } لئلا يجمع بين جنايته أو جناية وليه وسوء قضائه , وفي ~~إعلامه إلزام لأولياء الجاين بالتذلل والخضوع والإنصاف لأولياء المقتول بما ~~لهم من السلطان < # > 77 ( { فقد جعلنا لوليه سلطانا } ) 77 < # > [ الإسراء : 22 ] فيراقبون فيهم رحمة الله التي رحمهم بها فلم يأخذ ~~الجاني بجنايته - انتهى . | PageV01P332 ولما وسع لنا سبحانه وتعالى بهذا ~~الحكم نبه على علته تعظيما للمنة فقال : { ذلك } أي الأمر العظيم الرفق وهو ~~التخيير بين القصاص والعفو مجانا وعلى الدية { تخفيف } أي عن القتال ~~وأوليائه { من ربكم } المحسن إليكم بهذه الحنيفية السمحة وهذا الحكم الجميل ~~, وجمع الضمير مراعاة كما قال الحرالي للجانبين لأن كل طائفة معرضة لأن ~~تصيب منها الأخرى - انتهى . | { ورحمة } لأولياء القتيل بالدية وللآخرين ~~بالعفو عن الدم , روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~قال : ( كان في بني إسرائيل القصاص ولم تكن فيهم الدية , فمن عفي له من ~~أخيه شيء أي يقبل الدية في العمد ذلك تخفيف من ربكم ورحمة مما كتب على من ~~كان قبلكم فمن اعتدى بعد ذلك قتل بعد قبول الدية ) انتهى . | وقال أهل ~~التفسير : كتب على اليهود القصاص وحرم عليهم الدية والعفو وعلى النصارى ~~العفو وحرم عليهم الدية ولما كانت هذه منة عظيمة تسبب عنها ms0376 تهديد من أباها ~~فقال تعالى : { فمن اعتدى } أي بالقتل { بعد ذلك } أي التخيير والعفو ولو ~~كان العافي غيره { فله عذاب أليم * } بقتله أو أخذ الدية منه جزاء على ~~عداوته بقدره وتعديه بما أشعر بإبائه لهذه الرخصة التي حكم بها المالك في ~~عبيده الملك الذي لا تسوغ مخالفته , وفي تسمية جزائه بالعذاب وعدم تخصيصه ~~بإحدى الدارين إعلام بشياعه في كليهما تغليظا عليه . | قال الحرالي : وفي ~~الآية دليل على أن القاتل عمدا لا يصير بذلك كافرا , قال الأصبهاني : قال ~~ابن عباس : سمي القاتل في أول الآية مؤمنا وفي وسطها أخا ولم يؤيسه آخرها ~~من التخفيف والرحمة . | < < # | البقرة : ( 179 - 184 ) ولكم في القصاص . . . . . # > > ^ ( ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب لعلكم تتقون * كتب عليكم إذا ~~حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على ~~المتقين * فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع ~~عليم * فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور ~~رحيم * يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ~~لعلكم تتقون * أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن ~~تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ) ^ } ) | ولما أخبر سبحانه وتعالى بفائدة ~~العفو أخبر بفائدة مقابله تتميما لتأنيب PageV01P333 أهل الكتاب على عدولهم ~~عن النص وعماهم عن الحكمة فقال : { ولكم } أي يا أيها الذين آمنوا { في ~~القصاص } أي هذا الجنس وهو قتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة من غير ~~مجاوزة ولا عدوان { حياة } أي عظيمة بديعة لأن من علم أنه يقتل لا يقتل . | ~~وقال الحرالي : فالحياة لمن سوى الجاني من عشيرته ممن كان يعتدى عليه ~~بجناية غيره في الدنيا , والحياة للجاني بما اقتص منه في الأخرى , لأن من ~~يكفر ذنبه حيي في الآخرة , ومن بقي عليه جناية فأخذ بها فهو في حال ذلك ممن ~~لا يموت فيها ولا يحيى , لأن ms0377 المعاقب في حال عقوبته لا يجد طعم الحياة ~~لغلبة ألمه ولا هو في الموت لإحساسه بعقوبته - انتهى . | وأما مطلق القتل ~~كما كان أهل الجاهلية يقولون : القتل أنفى للقتل وليس كذلك , لأن من علموا ~~أنهم إذا قتلوا اثنين لا يقتل بهما إلا واحد ربما كان ذلك مجريا لهم على ~~القتل ويدخل فيه القتل ابتداء وهو أجلب للقتل لا أنفى له , وقد كانوا ~~مطبقين على استجادة معنى كلمتهم واسترشاق لفظها , ومن المعلوم لكل ذي لب أن ~~بينها وبين ما في القرآن كما بين الله وخلقه فإنها زائدة على عبارة القرآن ~~في الحروف وناقصة في المعنى , فإذا أريد تصحيحها قبل القتل قصاصا أنفى ~~للقتل ظلما فكثرت الزيادة ولم تصل إلى رشاقة ما في القرآن وعذوبته - والله ~~سبحانه وتعالى الموفق . | ولما كانت هذه العبارة كما ترى معجزة في صحة ~~معناها ودقة إشارته وغزير مفهوماته قال سبحانه وتعالى مرغبا في علو الهمم { ~~يا أولي الألباب } أي العقول التي تنفع أصحابها بخلوصها مما هو كالقشر لأنه ~~جمع لب . | قال الحرالي : وهو باطن العقل الذي شأنه أن يلحظ أمر الله في ~~المشهودات كما شأن ظاهر العقل أن يلحظ الحقائق من المخلوقات , فهم الناظرون ~~إلى ربهم في ىياته - انتهى . | ثم علل ذلك بقوله : { لعلكم تتقون * } أي ~~الله بالانقياد لما شرع فتتحامون القتل . | قال الحرالي : وفي إبهام لعل ~~التي هي من الخلق كما تقدم تردد إعلام بتصنيفهم صنفين بين من يثمر ذلك له ~~تقوى وبين من يحمله ذلك ويزيده في الاعتداء - انتهى . | ولما حث سبحانه ~~وتعالى على بذل المال ندبا وإيجابا في حال الصحة والشح وتأميل الغنى وخشية ~~الفقر تصديقا للإيمان وأتبعه بذل الروح التي هو عديلها بالقتل الذي هو أحد ~~أسباب الموت أتبع ذلك بذله في حال الإشراف على النقلة والأمن من فقر الدنيا ~~والرجاء لغنى الآخرة استدراكا لما فات من PageV01P334 بذله على حبه فقال - ~~وقال الحرالي : لما أظهر سبحانه وتعالى وجوه التزكية في هذه المخاطبات وما ~~ألزمه من الكتاب وعلمه من الحكمة وأظهر استناد ذلك كله إلى ms0378 تقوى تكون وصفا ~~ثابتا أو استجدادا معالجا حسب ما ختم به آية { ليس البر } من قوله { هم ~~المتقون } وما ختم به آية القصاص في قوله : { لعلكم تتقون } رفع رتبة ~~الخطاب إلى ما هو حق على المتقين حين كان الأول مكتوبا على المترجين لأن ~~يتقوا تربية وتزكية بخطاب يتوسل به إلى خطاب أعلى في التزكية لينتهي في ~~الخطاب من رتبة إلى رتبة إلى أن يستوفي نهايات رتب أسنان القلوب وأحوالها ~~كما تقدمت الإشارة إليه , ولما كان في الخطاب السابق ذكر القتل والقصاص ~~الذي هو حال حضرة الموت انتظم به ذكر الوصية لأنه حال من حضره الموت , ~~انتهى - فقال : { كتب عليكم } أي فرض كما استفاض في الشرع وأكد هنا بعلى , ~~ثم نسخ بآية المواريث وجوبه فبقي جوازه , وبينت السنة أن الإرث والوصية لا ~~يجتمعان , فالنسخ إنما هو في حق القريب الوارث لا مطلقا فقال صلى الله عليه ~~وسلم : ( إن الله سبحانه وتعالى أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ) رواه ~~أحمد والأربعة وغيرهم عن عمرو بن خارجة وأبي أمامة رضي الله تعالى عنهما { ~~إذا حضر أحدكم الموت } أي بحضور أسبابه وعلاماته { إن ترك خيرا } أي ما لا ~~ينبغي أن يوصى فيه قليلا كان أو كثيرا , أما إطلاقه على الكثير فكثير , ~~وأطلق على القليل في < # > 77 ( { إني لما أنزلت إلي من خير فقير } ) 77 < # > [ القصص : 24 ] ثم ذكر القائم مقام فاعل كتب بعد أن اشتد التشوف إليه ~~فقال : { الوصية } وذكر الفعل الرافع لها لوجود الفاصل إفهاما لقوة طلبه { ~~للوالدين } بدأ بهما لشرفهما وعظم حقهما { والأقربين بالمعروف } أي العدل ~~الذي يتعارفه الناس في التسوية والتفضيل . | قال الحرالي : وكل ذلك في ~~المحتضر , والمعروف ما تقبله الأنفس ولا تجد منه تكرها - انتهى . | وأكد ~~الوجوب بقوله : { حقا } وكذا قوله : { على المتقين * } فهو إلهاب وتهييج ~~وتذكير بما أمامه من القدوم على من يسأله على النقير والقطمير . | ولما ~~تسبب عن كونه فعل ما دعت إليه التقوى من العدل وجوب العمل به قال : ~~PageV01P335 { فمن بدله } أي الإيصاء الواقع على ms0379 الوجه المشروع أو الموصى ~~به بأن غير عينه إن كان عينيا أو نقصه إن كان مثليا . | وقال الحرالي : لما ~~ولي المتقين إيصال متروكهم إلى والديهم وقراباتهم فأمضوه بالمعروف تولى ~~عنهم التهديد لمن بدل عليهم , وفي إفهامه أن الفرائض إنما أنزلت عن تقصير ~~وقع في حق الوصية فكأنه لو بقي على ذلك لكان كل المال حظا للمتوفى , فلما ~~فرضت الفرائض اختزل من يديه الثلثان وبقي الثلث على الحكم الأول , وبين أن ~~الفرض عين الوصية فلا وصية لوارث لأن الفرض بدلها - انتهى . | { بعد ما ~~سمعه } أي علمه علما لا شك فيه , أما إذا لم يتحقق فاجتهد فلا إثم , وأكد ~~التحذير من تغيير المغير وسكوت الباقين عليه بقوله : { فإنما إثمه } أي ~~التبديل { على الذين يبدلونه } بالفعل أو التقدير لا يلحق الموصى منه شيء . ~~| ولما كان للموصي والمبدل أقوال وأفعال ونيات حذر بقوله : { إن الله } أي ~~المحيط بجميع صفات الكمال { سميع } أي لما يقوله كل منهما { عليم * } بسره ~~وعلنه في ذلك , فليحذر من عمل السوء وإن أظهر غيره ومن دعاء المظلوم فإن ~~الله يجيبه . | ولما كان التحذير من التبديل إنما هو في عمل العدل وكان ~~الموصي ربما جار في وصيته لجهل أو غرض تسبب عنه قوله : { فمن خاف } أي علم ~~وتوقع وظن , أطلقه عليه لأنه من أسبابه , ولعله عبر بذلك إشارة إلى أنه ~~يقنع فيه بالظن { من موص جنفا } أي ميلا في الوصية خطأ { أو إثما } أي ميلا ~~فيها عمدا . | قال الحرالي : وكان حقيقة معنى الجنف إخفاء حيف في صورة بر - ~~انتهى . | { فأصلح بينهم } أي بين الموصي والموصي لهم إن كان ذلك قبل موته ~~بأن أشار عليه بما طابت به الخواطر , أو بين الموصي لهم والورثة بعد موته ~~إن خيف من وقوع شر فوفق بينهم على أمر يرضونه . | وقال الحرالي : وفي ~~إشعاره بذكر الخوف من الموصي ما يشعر أن ذلك في حال حياة الموصي ليس بعد ~~قرار الوصية على جنف بعد الموت , فإن ذلك لا يعرض له مضمون هذا الخطاب , ~~وفي إيقاع الإصلاح على ms0380 لفظة ( بين ) إشعار بأن الإصلاح نائل البين الذي هو ~~وصل ما بينهم فيكون من معنى ما يقوله النحاة مفعول على السعة حيث لم يكن ~~فأصلح بينه وبينهم - انتهى . | { فلا إثم عليه } أي بهذا التبديل . | ولما ~~كان المجتهد قد يخطئ فلو أوخذ بخطئه أحجم عن الاجتهاد جزاه الله سبحانه ~~عليه بتعليل رفع الإثم بقوله إعلاما بتعميم الحكم في كل مجتهد : { إن الله ~~} أي المختص بإحاطة العلم { غفور } أي لمن قصد خيرا فأخطأ { رحيم * } أي ~~يفعل به من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم . | ولما أباح سبحانه الأكل مما ~~خلقه دليلا على الوحدانية والرحمة العامة والخاصة PageV01P336 وكان من طبع ~~الإنسان الاستئثار وكان الاستئثار جارا إلى الفتن , وأتبعه حكم المضطر ~~وأشار إلى زجره عن العدوان بتقييده عنه في حال التلف فكان في ذلك زجر لغيره ~~بطريق الأولى , وأولاه الندب إلى التخلي عما دخل في اليد من متاع الدنيا ~~للأصناف الستة ومن لافهم , ثم الإيجاب بالزكاة تزهيدا في زهرة الحياة ~~الدنيا ليجتث العدوان من أصله , وقفي ذلك بحكم من قد يعدو , ثم بما تبعه من ~~التخلي عن المال في حضرة الموت فتدربت النفس في الزهد بما هو معقول المعنى ~~بادئ بدء من التخلي عنه لمن ينتفع به أتبعه الأمر بالتخلي عنه لا لمحتاج ~~إليه بل لله الذي أوجده لمجرد تزكية النفس وتطهيرها لتهيئها لما يقتضيه ~~عليها صفة الصمدية من الحكمة , هذا مع ما للقصاص والوصية من المناسبة للصوم ~~من حيث إن في القصاص قتل النفس حسا وفي الصوم قتل الشهوة السبب للوطء السبب ~~لإيجاد النفس حسا وفيه حياة الأجساد معنى وفي الصوم حياة الأرواح بطهارة ~~القلوب وفراغها للتفكر وتهيئها لإفاضة الحكمة والخشية الداعية إلى التقوى ~~وإماتة الشهوة وشهره شهر الصبر المستعان به على الشكر , وفيه تذكير بالضر ~~الحاث على الإحسان إلى المضرور وهو مدعاة إلى التخلي من الدنيا والتحلي ~~بأوصاف الملائكة ولذلك نزل فيه القرآن المتلقى من الملك , فهو أنسب شيء ~~لآية الوصية المأمور بها المتقون بالتخلي من الدنيا عند مقاربة الاجتماع ~~بالملائكة , وختمها بالمغفرة والرحمة ms0381 إشارة إلى الصائم من أقرب الناس ~~إليهما فقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا } فخاطب بما يتوجه بادئ بدء إلى ~~أدنى الطبقات التي التزمت أمر الدين لأنه لم يكن لهم باعث حب وشوق يبعثهم ~~على فعله من غير فرض بخلاف ما فوقهم من رتبة المؤمنين والمحسنين فإنهم ~~كانوا يفعلون معالم الإسلام من غير إلزام فكانوا يصومون على قدر ما يجدون ~~من الروح فيه - قاله الحرالي , وقال : فلذلك لم ينادوا في القرآن نداء بعد ~~ولا ذكروا إلا ممدوحين , والذين ينادون في القرآن هم الناس الذين انتبهوا ~~لما اشار به بعضهم على بعض والذين آمنوا بما هم في محل الائتمار متقاصرين ~~عن البدار , فلذلك كل نداء في القرآن متوجه إلى هذين الصنفين إلا ما توجه ~~للإنسان بوصف ذم في قليل من الآي - انتهى . | { كتب } أي فرض بما استفاض في ~~لسان الشرع وتأيد بأداة الاستعلاء { عليكم الصيام } وهو الإمساك عن المفطر ~~من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بالنية وقال الحرالي : فرض لما فيه من التهيؤ ~~لعلم الحكمة وعلم ما لم ت كونوا تعلمون وهو الثبات على تماسك عما من شأن ~~الشيء أن يتصرف فيه ويكون شأنه كالشمس في وسط السماء , يقال : صامت - إذا ~~لم يظهر لها حركة لصعود ولا لنزول التي هي من شأنها , وصامت الخيل - إذا لم ~~تكن مركوضة ولا مركوبة , فتماسك المرء عما شأنه فعله من PageV01P337 حفظ ~~بدنه بالتغذي وحفظ نسله بالنكاح وخوضه في زور القول وسوء الفعل هو صومه , ~~وفي الصوم خلاء من الطعام وانصراف عن حال الأنعام وانقطاع شهوات الفرج , ~~وتمامه الإعراض عن أشغال الدنيا والتوجه إلى الله والعكوف في بيته ليحصل ~~بذلك نبوع الحكمة من القلب , وجعل كتبا حتى لا يتقاصر عنه من كتب عليه إلا ~~انشرم دينه كما ينشرم خرم القربة المكتوب فيها - انتهى . | { كما كتب } أي ~~فرض , فالتشبيه في مطلق الفرض { على الذين } وكأنه أريد أهل الكتابيبن فقط ~~وأثبت الحال فقال : { من قبلكم } فيه إشعار بأنه مما نقضوا فيه العهد ~~فكتموه حرصا على ضلال العرب , ولما كان ms0382 في التأسي إعلاء للهمة القاصرة ~~وإسعار وإغلاء للقلوب الفاترة لأن الشيء الشاق إذا عم سهل تحمله قال : { ~~لعلكم تتقون * } أي تجعلون بينكم وبين إسخاط الله وقاية بالمسارعة إليه ~~والمواظبة عليه رجاء لرضى ربكم وخوفا ممن سبق من قبلكم , لتكون التقوى لكم ~~صفة راسخة فتكونوا ممن جعلت الكتاب هدى لهم , فإن الصوم يكسر الشهوة فيقمع ~~الهوى فيروع عن موافقة السوء . | قال الحرالي : وفي إشعاره تصنيف المأخوذين ~~بذلك صنفين : من يثمر له صومه على وجه الشدة تقوى , ومن لا يثمر له ذلك . | ~~ولما كان لهذه الأمة جمع لما في الكتب والصحف كانت مبادئ أحكامها على حكم ~~الأحكام المتقدمة فكما وجهوا وجهة أهل الكتاب ابتداء ثم لهم بالوجهة إلى ~~الكعبة انتهاء كذلك صوموا صوم أهل الكتاب { أياما معدودات } أي قلائل مقدرة ~~بعدد معلوم ابتداء ثم رقوا إلى صوم دائرة الشهر وحدة قدر انتهاء , وذلك أنه ~~لما كان من قبلهم أهل حساب لما فيه حصول أمر الدنيا فكانت أعوامهم شمسية ~~كان صومهم عدد أيام لا وحدة شهر , وفي إعلامه إلزام بتجديد النية لكل يوم ~~حيث هي أيام معدودة , وفي إفهامه منع من تمادي الصوم في زمن الليل الذي هو ~~معنى الوصال الذي يشعر صحته رفع رتبة الصوم إلى صوم الشهر الذي هو دورة ~~القمر يقنع الفطر في ليلة رخصة للضعيف لا عزما على الصائم , وكان فيه من ~~الكلفة ما في صوم أهل الكتاب من حيث لم يكن فيه أكل ولا نكاح بعد نوم , ~~فكان فيه كلفة ما في الكتب لينال رأس هذه الأمة وأوائلها حظا من منال أوائل ~~الأمم ثم يرقيها الله إلى حكم ما يخصها فتكون مرباة تجد طعم اليسر بعد ~~العسر - انتهى وفيه تصرف . | ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه تحريم ~~الوصال , قالوا : يا رسول الله ! إنك تواصل ! قال : ( إني لست كهيئتكم ) ~~وقال : ( من كان PageV01P338 مواصلا فليواصل إلى السحر ) قال الحرالي : ~~فأنبأ بتمادي الصوم إلى السحر لتنتقل وجبة الفطر التي توافق حال أهل الكتاب ~~إلى وجبة السحر التي هي خصوص أهل الفرقان ms0383 - انتهى . | وفي مواصلة النبي صلى ~~الله عليه وسلم بهم لما أبوا إلا الوصال أياما ما يشهد لمن أباح ذلك والله ~~سبحانه وتعالى أعلم . | قال الحرالي : وفي تاسيسه على العدد ملجأ يرجع إليه ~~عند إغماء الشهر الذي هو الهلال كما سيأتي التصريح به , فصار لهم العدد في ~~الصوم بمنزلة التيمم في الطهور يرجعون إليه عند ضرورة فقد إهلال الرؤية كما ~~يرجعون إلى الصعيد عند فقد الماء . | ولما كان للمريض حاجة للدواء والغذاء ~~بحسب تداعي جسمه رفع عنه الكتب فتسبب عما مضى قوله سبحانه وتعالى : { فمن ~~كان منكم مريضا } أي مرضا يضره عاجلا أو يزيد في علته آجلا . | قال الحرالي ~~: فبقي على حكم التحمل بيقين مما يغذو المؤمن ويسقيه من غيب بركة الله ~~سبحانه وتعالى , كما قال عليه الصلاة والسلام : ( أبيت عند ربي يطعمني ~~ويسقيني ) فللمؤمن غذاء في صومه من بركة ربه بحكم يقينه فيما لا يصل إليه ~~من لم يصل إلى محله , فعلى قدر ما تستمد بواطن الناس من ظواهرهم يستمد ظاهر ~~الموقن من باطنه حتى يقوى في أعضائه بمدد نور باطنه كما ظهر ذلك في أهل ~~الولاية والديانة , فكان فطر المريض رخصة لموضع تداويه واغتذائه . | ولما ~~كان المرض وصفا جاء بلفظ الوصف ولما كان السفر وهو إزالة الكن عن الرأس ~~تمام دورة يوم وليلة بالمسير عنه بحيث لا يتمكن من عوده لمأواه في مدار ~~يومه وليلته نسبة بين جسمانيين جاء بحرف الإضافة مفصولا فقال : { أو على ~~سفر } لما يحتاج إليه المسافر من اغتذاء لوفور نهضته في عمله في سفره وأن ~~وقت اغتذائه بحسب البقاع لا بحسب الاختيار إذ المسافر ومتاعه على قلب إلا ~~ما وقى الله ( السفر قطعة من PageV01P339 العذاب ) وذلك لئلا يجتمع على ~~العبد كلفتان فيتضاعف عليه المشقة دينا ودنيا فإذا خف عنه الأمر من وجه ~~طبيعي أخذ بالحكم من وجه آخر ديني { فعدة } نظمه يشعر أن المكتوب عدة { من ~~أيام } أي متتابعة أو متفرقة { أخر } لانتظام مقاطع الكلام بعضها ببعض ~~رؤوسا وأطرافا , ففي إفهامه أن مكتوب المريض والمسافر ms0384 غير مكتوب الصحيح ~~والمقيم , فبذلك لا يحتاج إلى تقدير : فأفطر , لأن المقصد معنى الكتب ويبقى ~~ما دون الكتب على حكم تحمله , فكأنه يقال للمريض والمسافر : مكتوبك أياما ~~أخر لا هذه الأيام , فتبقى هذه الأيام خلية عن حكم الكتب لا خلية عن تشريع ~~الصوم . | ولما كانوا قوما لم يتعودوا الصوم وكانت عناية الله محيطة بهم ~~تشريفا لرسولهم صلى الله عليه وسلم قال مخيرا في أول الأمر : { وعلى الذين ~~يطيقونه } أي الصوم , من الطوق وهو ما يوضع في العنق حلية , فيكون ما ~~يستطيعه من الأفعال طوقا له في المعنى { فدية طعام } بالإضافة أو الفصل { ~~مسكين } بالإفراد إرجاعا إلى اليوم الواحد , وبالجمع إرجاعا إلى مجموع ~~الأيام لكل يوم طعام واحد , وهو مد وحفنتان بالكفين هما قوت الحافن غداء ~~وعشاء كفافا لا إقتارا ولا إسرافا , في جملته توسعة أمر الصوم على من لا ~~يستطيعه ممن هو لغلبة حاجة طبعه إلى الغذاء بمنزلة المريض والمسافر فهو ~~ممراض بالنهمة كأنها حال مرض جبل عليه الطبع , فكان في النظر إليه توفية ~~رحمة النظر إلى المريض والمسافر إلا ما بين رتبتي الصنفين من كون هذا مطيقا ~~وذينك غير مطيق أو غير متمكن , و في إعلامه بيان أن من لم يقدر على التماسك ~~عن غذائه فحقه أن يغذو غيره ليقوم بذل الطعام عوضا عن التماسك عن الطعام ~~لمناسبة ما بين المعنيين لذلك ؛ ولم يذكر هنا مع الطعام عتق ولا صوم { فمن ~~تطوع خيرا } أي فزاد في الفدية { فهو خير له } لأنه فعل ما يدل على حبه ~~لربه . | ولما ساق سبحانه وتعالى الإفطار عند الإطاقة والفدية واجبها ~~ومندوبها مساق الغيبة وترك ذكر الفطر وإن دل السياق عليه إشارة إلى خساسته ~~تنفيرا عنه جعل أهل الصوم محل حضرة الخطاب إيذانا بما له من الشرف على ذلك ~~كله ترغيبا فيه وحضا عليه فقال : { وأن تصوموا } أيها المطيقون { خير لكم } ~~من الفدية وإن زادت , قال الحرالي : ففيه إشعار بأن الصائم يناله من الخير ~~في جسمه وصحته ورزقه حظ وافر مع عظم الأجر في ms0385 الآخرة , كما أشار إليه ~~الحديث القدسي : ( وكل عمل ابن آدم له إلا PageV01P340 الصوم فإنه لي ) ~~وذلك لأنه لما كانت الأعمال أفعالا وسيرا وأحوالا مما شأن العبد أن يعمله ~~لنفسه ولأهله في دنياه وكان من شأنه كانت له , ولما كان الصوم ليس من شأنه ~~لم يكن له , فالصلاة مثلا أفعال وأقوال وذلك من شأن المرء والزكاة إنفاق ~~وذلك من شأنه , والحج ضرب في الأرض وذلك من شأنه وليس من شأنه أن لا يأكل ~~ولا يشرب ولا ينكح ولا ينتصف ممن يعتدي عليه فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل ~~: إني صائم , فليس جملة مقاصد الصوم من شأنه وحقيقته إذبال جسمه وإضعاف ~~نفسه وإماتته , ولذلك كان الصوم كفارة للقتل خطأ لينال بالصوم من قتل نفسه ~~بوجه ما ما جرى على يده خطأ من القتل , فكان في الصوم تنقص ذات الصائم ~~فلذلك قال تعالى : ( فإنه لي ) حين لم يكن من جنس عمل الآدمي , قال سبحانه ~~وتعالى : ( وأنا أجزي به ) ففي إشارته أن جزاءه من غيب الله مما لا عين رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر , كل ذلك في مضمون قوله { إن كنتم تعلمون ~~* } انتهى . | وجوابه والله سبحانه وتعالى أعلم : صمتم وتطوعتم , فإنهم إن ~~لم يعلموا أنه خير لهم لم يفعلوا فلم يكن خيرا لهم . | قال الحرالي : كان ~~خيرا حيث لم يكن بين جمع الصوم والإطعام تعاند بل تعاضد لما يشعر به لفظ ~~الخير - انتهى . | روى البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير ومسلم وأبو ~~داود والترمذي والنسائي عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال : لما ~~نزلت { وعلى الذين يطيقونه } الآية كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت ~~الآية التي بعدها فنسختها وفي رواية : حتى نزلت هذه الآية < # > 77 ( { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } ) 77 < # > [ البقرة : 185 ] وللبخاري عن ابن عمر عن أصحاب محمد رضي الله تعالى ~~عنهم قالوا : أنزل { شهر رمضان } فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك ~~الصوم من يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها ms0386 { وأن تصوموا خير لكم } فأمورا ~~بالصوم . | PageV01P341 < < # | البقرة : ( 185 - 186 ) شهر رمضان الذي . . . . . # > > ^ ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله ~~على ما هداكم ولعلكم تشكرون * وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة ~~الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) ^ } ) | ولما ~~أبهم الأمر أولا في الأيام وجعله واجبا مخيرا على المطيق عين هنا وبت الأمر ~~فيه بقوله تعالى : { شهر رمضان } لأن ذلك أضخم وآكد من تعيينه من أول الأمر ~~. | قال الحرالي : والشهر هو الهلال الذي شأنه أن يدور دورة من حي أن يهل ~~إلى أن يهل ثانيا سواء كانت عدة أيامه تسعا وعشرين أو ثلاثين , كلا العددين ~~في صحة التسمية بالشهر واحد , فهو شائع في فردين متزايدي العدد بكمال العدة ~~كما يأتي أحد الفردين لمسماه رمضان , يقال : هو اسم من أسماء الله سبحانه ~~وتعالى , واشتقاقه من الرمضاء وهو اشتداد حر الحجارة من الهاجرة , كأن هذا ~~الشهر سمي بوقوعه زمن اشتداد الحر بترتيب أن يحسب المحرم من أول فصل الشتاء ~~أي ليكون ابتداء العام أول ابتداء خلق بإحياء الأرض بعد موتها , قال : ~~وبذلك يقع الربيعان في الربيع الأرضي السابق حين تنزل الشمس الحوت والسماوي ~~اللاحق حين تنزل الشمس الحمل , وقال : إنه لما وقع لسابقة هذه الأمة صوم ~~كصوم أهل الكتاب كما وجهوا إلى القبلة أولا بوجه أهل الكتاب تداركه الإرفاع ~~إلى حكم الفرقان المختص بهم , فجعل صومهم القار لهم بالشهر لأنهم أهل شهور ~~ناظرون إلى الأهلة ليسوا بالمستغرقين في حساب الشمس , فجعل صومهم لرؤية ~~الشهر وجعل لهم الشهر يوما واحدا فكأنهم نقلوا من صوم أيام معدودات إلى صوم ~~يوم واحد غير معدود لوحدته , لأنهم أمة أمية ^ ( { وواعدنا موسى ثلاثين ~~ليلة } ) ^ [ الأعراف : 142 ] هي ميقات أمة محمد صلى الله عليه وسلم ^ ( { ~~وأتممناها بعشر } ) ^ [ الأعراف : 142 ] هي ميقات موسى عليه ms0387 الصلاة والسلام ~~وأمته ومن بعده من الأمم إلى هذه الأمة - انتهى . | ولما كان هذا خطاب ~~إرقاء مدحه سبحانه وتعالى بإنزال الذكر فيه جملة إلى بيت العزة وابتدئ من ~~إنزاله إلى الأرض . | قال الحرالي : وأظهر فيه وجه القصد في الصوم وحكمته ~~الغيبية التي لم تجر في الكتب الأول الكتابي فقال : { الذي أنزل فيه القرآن ~~} فأشعر أن في الصوم حسن تلق لمعناه ويسرا لتلاوته , ولذلك جمع فيه بين صوم ~~النهار وتهجد الليل , وهو صيغة مبالغة من القرء وهو ما جمع الكتب والصحف ~~والألواح - PageV01P342 انتهى . | وفي مدحه بإنزاله فيه مدح للقرآن به من ~~حيث أشعر أن من أعظم المقاصد بمشروعيته تصفية الفكر لأجل فهم القرآن ليوقف ~~على حقيقة ما أتبع هذا به من أوصافه التي قررت ما افتتحت به السورة من أنه ~~< # > 77 ( { لا ريب فيه } ) 77 < # > [ البقرة : 2 ] وأنه < # > 77 ( { هدى } ) 77 < # > البقرة : 2 ] على وجه أعم من ذلك الأول فقال سبحانه وتعالى : { هدى ~~للناس } قال الحرالي : فيه إشعار بأن طائفة الناس يعليهم الصوم أي بالتهيئة ~~للتدبر والفهم وانكسار النفس إلى رتبة الذين آمنوا والمؤمنين ويرقيهم إلى ~~رتبة المحسنين , فهو هدى يغذو فيه فقد الغذاء القلب كما يغذو وجوده الجسم ~~ولذلك أجمع مجربة أعمال الديانة من الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه أن مفتاح الهدى إنما هو الجوع وأن المعدة والأعضاء متى أوهنت لله نور ~~الله سبحانه وتعالى القلب وصفى النفس وقوى الجسم ليظهر من أمر الإيمان بقلب ~~العادة جديد عادة هي لأوليائه أجل في القوة والمنة من عادته في الدنيا ~~لعامة خلقه ؛ وفي إشارته لمح لما يعان به الصائم من سد أبواب النار وفتح ~~أبواب الجنة وتصفيد الشياطين , كل ذلك بما يضيق من مجاري الشيطان من الدم ~~الذي ينقصه الصوم , فكان فيه مفتاح الخير كله ؛ وإذا هدى الناس كان للذين ~~آمنوا أهدى وكان نورا لهم وللمؤمنين أنور , كذلك إلى أعلى رتب الصائمين ~~العاكفين الذاكرين الله كثيرا الذين تماسكوا بالصوم عن كل ما سوى مجالسة ~~الحق بذكره . | وفي قوله : { وبينات } إعلان ms0388 بذكر ما يجده الصائم من نور ~~قلبه وانكسار نفسه وتهيئة فكره لفهمه ليشهد تلك البينات في نفسه وكونها { ~~من الهدى } الأعم الأتم الأكمل الشامل لكافة الخلق { والفرقان } الأكمل , ~~وفي حصول الفرقان عن بركة الصوم والذي هو بيان رتب ما أظهر الحق رتبه على ~~وجهه إشعار بما يؤتاه الصائم من الجمع الذي هو من اسمه الجامع الذي لا يحصل ~~إلا بعد تحقق الفرقان , فإن المبني على التقوى المنولة للصائم في قوله في ~~الكتب الأول لعلكم تتقون } فهو صوم ينبني عليه تقوى ينبني عليها فرقان كما ~~قال تعالى < # > 77 ( { إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا } ) 77 < # > [ الأنفال : 29 ] ينتهي إلى جمع يشعر به نقل الصوم من عدد الأيام إلى ~~وحدة الشهر - انتهى . | فعلى ما قلته المراد بالهدى الحقيقة , وعلى ما قاله ~~الحرالي هو مجاز علاقته السببية لأن الصوم مهيئ للفهم وموجب للنور , { ~~الهدى } المعرف الوحي أعم من الكتاب والسنة أو أم الكتاب أو غير ذلك , وعلى ~~ما قال الحرالي يصح أن يراد به القرآن الجامع للكتب كلها فيعم الكتب الأول ~~للأيام , والفرقان هو الخاص بالعرب الذي أعرب عن وحدة الشهر . | ولما أتم ~~ما في ذكر الشهر من الترغيب إثر التعيين ذكر ما فيه من عزيمة ورخصة فقال : ~~{ فمن شهد } أي حضر حضورا تاما برؤية بينة لوجود الصحو من غير غمام أو ~~بإكمال عدة PageV01P343 شعبان إن كان غيم ولم يكن مريضا ولا مسافرا . | قال ~~الحرالي : وفي شياعه إلزام لمن رأى الهلال وحده بالصوم . | وقوله : { منكم ~~} خطاب الناس ومن فوقهم حين كان الصيام معليا لهم { الشهر } هو المشهود على ~~حد ما تقول النحاة مفعول على السعة , لما فيه من حسن الإنباء وإبلاغ المعنى ~~, ويظهر معناه قوله تعالى : { فليصمه } فجعله واقعا على الشهر لا واقعا على ~~معنى : فيه , حيث لم يكن : فليصم فيه ؛ وفي إعلامه صحة صوم ليلة ليصير ما ~~كان في الصوم الأول من السعة بين الصوم والفطر للمطيق واقعا هنا بين صوم ~~الليل وفطره لمن رزق القوة بروح من الله تعالى - انتهى . | ولما ms0389 نسخ بهذا ~~ما مر من التخيير أعاد ما للمريض والمسافر لئلا يظن نسخه فقال : { ومن كان ~~مريضا } أي سواء شهده أولا { أو على سفر } أي سواء كان مريضا أو صحيحا وهو ~~بين بأن المراد شهوده في بلد الإقامة { فعدة } قال الحرالي : فمرد هذا ~~الخطاب من مضمون أوله فمعناه : فصومه عدة , من حيث لم يذكر في هذا الخطاب ~~الكتب , ليجري مرد كل خطاب على حد مبدئه . | وفي قوله : { من أيام أخر } ~~إعلام بأن القضاء لم يجر على وحدة شهر لاختصاص الوحدة بشهر رمضان ونزول ~~قضائه منزلة الصوم الأول , وفي عده وفي إطلاقه إشعار بصحة وقوعه متتابعا ~~وغير متتابع - انتهى . | ولما رخص ذلك علل بقوله : { يريد الله } أي الذي ~~لا يستطيع أحد أن يقدره حق قدره { بكم اليسر } أي شرع السهولة بالترخيص ~~للمريض والمسافر وبقصر الصوم على شهر { ولا يريد بكم العسر } في جعله عزيمة ~~على الكل وزيادته على شهر . | قال الحرالي : اليسر عمل لا يجهد النفس ولا ~~يثقل الجسم , والعسر ما يجهد النفس ويضر الجسم . | وقال : فيه إعلام برفق ~~الله بالأجسام التي يسر عليها بالفطر , وفي باطن هذا الظاهر إشعار لأهل ~~القوة بأن اليسر في صومهم وأن العسر في فطر المفطر , ليجري الظاهر على ~~حكمته في الظهور ويجري الباطن على حكمته في البطون , إذ لكل آية منه ظهر ~~وبطن , فلذلك والله سبحانه وتعالى أعلم ( كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يصوم في رمضان في السفر ويأمر بالفطر ) وكان أهل القوة من العلماء يصومون ~~ولا ينكرون الفطر - انتهى . | قال الشعبي : إذا اختلف عليك أمران فإن ~~أيسرهما أقربهما إلى الحق لهذه الآية . | PageV01P344 ولما كانت علة ~~التيسير المؤكد بنفي التعسير الإطاقة فكان التقدير : لتطيقوا ما أمركم به ~~ويخف عليكم أمره , عطف عليه قوله : { ولتكملوا } من الإكمال وهو بلوغ الشيء ~~إلى غاية حدوده في قدر أو عد حسا و معنى { العدة } أي عدة أيام رمضان إلى ~~رؤية الهلال إن رأيتموه وإلى انتهاء ثلاثين التي لا يمكن زيادة الشهر عليها ~~إن غم عليكم بوجود الغمام فلم ms0390 تشهدوه , فإنه لو كلفكم أكثر منه أو كان ~~إيجابه على كل حال كان جديرا بأن تنقصوا من أيامه إما بالذات بأن تنقصوا من ~~عدتها أو بالوصف بأن تأكلوا في أثنائها كما تفعل النصارى , فيؤدي ذلك إلى ~~إعدامها أصلا ورأسا . | وقال الحرالي : التقدير : لتوفوا الصوم بالرؤية ~~ولتكملوا إن أغمي عليكم , ففي هذا الخطاب تعادل ذكر الصحو في الابتداء ~~بقوله : { شهد } وذكر الغيم في الانتهاء بالإكمال - انتهى . | وفيه إشارة ~~إلى احتباك , فإن ذكر الشهود أولا يدل على عدمه ثانيا وذكر الإكمال لأجل ~~الغمام ثانيا يدل على الصحو أولا . | ولما كان العظيم إذا يسر أمره كان ذلك ~~أجدر بتعظيمه قال : { ولتكبروا } والتكبير إشراف القدر أو المقدار حسا أو ~~معنى - قاله الحرالي . | وقرن به الاسم الأكبر لاقتضاء المقام له فقال : { ~~الله } أي الذي تقف الأفهام خاسئة دون جلاله وتخضع الأعناق لسبوغ جماله ~~لتعتقدوا عظمته بقلوبكم وتذكروها بألسنتكم في العيد وغيره ليكون ذلك أحرى ~~بدوام الخضوع من القلوب . | قال الحرالي : وفيه إشارة إلى ما يحصل للصائم ~~بصفاء باطنه من شهود ما يليح له أثر صومه من هلال نوره العلي , فكما كبر في ~~ابتداء الشهر لرؤية الهلال يكبر في انتهائه لرؤية باطنه مرأى من هلال نور ~~ربه , فكان عمل ذلك هو صلاة ضحوة يوم العيد , وأعلن فيها بالتكبير وكرر ~~لذلك , وجعل في براح من متسع الأرض لمقصد التكبير لأن تكبير الله سبحانه ~~وتعالى إنما هو بما جل من مخلوقاته , فكان في لفظه إشعار لما أظهرته السنة ~~من صلاة العيد على اختصاصها بتكبير الركعتين والجهر لمقصد موافقة معنى ~~التكبير الذي إنما يكون علنا - انتهى . | ومن أعظم أسراره أنه لما كان ~~العيد محل فرح وسرور وكان من طبع النفس تجاوز الحدود لما جبلت عليه من ~~الشره تارة غفلة وتارة بغيا أمر فيه به ليذهب من غفلتها ويكسر من سورتها , ~~ولما كان للوترية أثر عظيم في التذكير بالوتر الصمد الواحد الأحد وكان ~~للسبعة منها مدخل عظيم في الشرع جعل تكبير صلاته وترا وجعل سبعا في الأولى ~~لذلك وتذكيرا بأعمال ms0391 الحج السبعة من الطواف والسعي والجمار تشويقا إليها ~~لأن النظر إلى العيد الأكبر أكثر وتذكيرا بخالق هذا الوجود بالتفكر في ~~أفعاله المعروفة من خلق المساوات السبع والأرضين السبع وما فيهما في الأيام ~~السبع لأنه خلقهما في ستة وخلق آدم في اليوم السابع يوم PageV01P345 الجمعة ~~, ولما جرت عادة الشارع بالرفق بهذه الأمة ومنه تخفيف الثانية على الأولى ~~وكانت الخمسة أقرب وترا إلى السبعة من دونها جعل تكبير الثانية خمسا لذلك , ~~ولأنه لما استحضرت عظمة الخالق بإشارة الأولى للعلم بأنه المتفرد بالعظمة ~~والقهر والملك بجميع الأمر فأقبلت القلوب إليه وقصرت الهمم عليه أشير ~~بتكبير الثانية إلى عبادته بالإسلام المبني على الدعائم الخمس وخصوصا بأعظم ~~دعائمه الصلوات الخمس - والله سبحانه وتعالى الموفق . | ولما كانت الهداية ~~تطلق تارة على مجرد البيان وتارة عليه مع الحمل على لزوم المبين وكان تخفيف ~~المأمور به وتسهيله أعون على لزومه قال : { على } أي حامدين له على { ما ~~هداكم } أي يسر لكم من شرائع هذا الدين فهيأكم للزومها ودوام التمسك بعراها ~~, ولعل هذا سر الاهتمام بالصيام من الخاص والعام حتى لا يكاد أحد من ~~المسلمين يخل به إلا نادرا - والله سبحانه وتعالى الموفق . | وقال الحرالي ~~: إن الهداية إشارة إلى تلك الموجدة التي يجدها الصائم وما يشهده الله من ~~بركاته من رؤية ليلة القدر بكشف خاص لأهل الخلوة أو آيات بينة لأهل التبصرة ~~أو بآية بادية لأهل المراقبة كلا على حكم وجده من استغراق تماسكه وخلوته ~~واستغراق ذكره في ضومه , فأعظم الهدى هدى المرء لأن يذبل جسمه ونفسه وتفنى ~~ذاته في حق ربه , كما يقول : ( يدع طعامه وشرابه من أجلي ) فكل عمل فعل ~~وثبت إلا الصوم فإنه محو وفقد , فناسب تحقيق ما هو الإسلام والتقوى من ~~إلقاء منة الظاهر وقوة الباطن - انتهى . | PageV01P346 ولما كان الشكر صرف ~~ما أنعمه المنعم في طاعته وكان العمل إذا خف أقرب إلى لزوم الطاعة بلزومه ~~ولول ثقل لأوشك أن يعصي بتركه قال : { ولعلكم تشكرون * } أي ولتكونوا في ~~حالة يرجى معها لزوم الطاعة واجتناب المعصية . | وقال ms0392 الحرالي : فيه تصنيف ~~في الشكر نهاية كما كان فيه تصنيف للتقوى بداية , كما قال : { ولعلكم تتقون ~~} فمن صح له التقوى ابتداء صح منه الشكر انتهاء ؛ وفي إشعاره إعلام بإظهار ~~نعمة الله وشكر الإحسان الذي هو مضمون فرض زكاة الفطر عن كل صائم وعمن ~~يطعمه الصائم , فكان في الشكر إخراجه فطره بختم صومه واستقبال فطره بأمر ~~ربه وإظهار شكره بما خوله من إطعام عيلته , فلذلك جرت فيمن يصوم وفيمن ~~يعوله الصائم - انتهى . | ولما كان دعاء الصائم مجانا وكان هذا الشهر ~~بالخصوص مظنة الإجابة للصيام ولمكان ليلة القدر وكان ذكر كبريائه سبحانه ~~وتعالى مهيئا لعباده للإحساس بالبعد فكان ربما أوقع في وهم أنه على عادة ~~المتكبرين في بعد المسافة عن محال العبيد وأنه إن كان بحيث يسمع لم يكن ~~لأحد منهم أن يسأله إلا بواسطة رفع هذا الوهم بقوله : { وإذا } دالا بالعطف ~~على غير مذكور أن التقدير : فإذا سألك عبادي عني فإني مع علو شأني رقيب على ~~من أطاعني ومن عصاني ( وإذا ) . | وقال الحرالي : لما أثبت الحق سبحانه ~~وتعالى كتاب الصيام لعباده لما أرادهم له نم إعلائهم إلى خبء جزائه وأطلعهم ~~على ما شاء في صومهم من ملكوته بحضور ليلة القدر فأنهاهم إلى التكبير على ~~عظيم ما هداهم إليه واستخلفهم في فضله وشكر نعمته بما خولهم من عظيم فضله ~~وأظهر عليهم من رواء بركاته ما يدعو الناظرين لهم إلى سؤالهم عما نالوه من ~~ربهم فيليحون لمن دونهم ما به يليق بهم رتبة رتبة ؛ يؤثر عن عمر رضي الله ~~تعالى عنه أنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم أبا بكر رضي ~~الله تعالى عنه فكأنما يتكلمان بلسان أعجم لا أفهم مما يقولان شيئا ) إلى ~~أن ينتهي الأمر إلى أدنى السائلين الذين هم في رتبة حضرة بعد فيبشرون ~~بمطالعة القرب فقال : و { إذا } عطفا على أمور متجاوزة كأنه يقول : إذا ~~خرجت من معتكفك فصليت وظهرت زينة الله التي باهى بها ملائكته ليست زينة ~~الدنيا التي يتمقتها أهل حضرته من ملائكته فإذا ms0393 سألك من حاله كذا فأنبئه ~~بكذا وإذا سألك من حاله كذا فأنبئه بكذا وإذا { سألك عبادي عني } أي هل أنا ~~على حال المتكبرين من ملوك الدنيا في البعد عمن دونهم فأخبرهم أني لست كذلك ~~. | PageV01P347 ولما كان لا يسأل عن الشيء إلا إن كان معظما له متشوقا إلى ~~تعجيل الإخبار به كان الأنسب للمقام والأقر لعيون العباد والأزجر لأهل ~~العناد تقريب الجواب وإخراره سبحانه وتعالى بنفسه الشريفة دون واسطة إشعارا ~~بفرط قربه وحضوره مع كل سائل فقال : { فإني } دون فقل إني , فإنه لو أثبت ~~قل , لأوهم بعدا وليس المقام كذلك , ولكان قوله إني , موهما فيحتاج إلى أن ~~يقال إن الله أو نحوه , ومع ذلك فلا ينفك عن إشكال ؛ وإذا كان هذا التلطف ~~بالسائلين فما ظنك بالسالكين السائرين ! وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري ~~ما معناه : الذين يسألون عن الجبال وعن اليتامى وعن المحيض وعن الأهلة ~~ونحوها يجابون بالواسطة , وأما الذين يسألون عني فإني أرفع الوسائط بيني ~~وبينهم . | وقال الإمام قاضي القضاة ناصر الدين بن ميلق ما معناه : إنه ~~سبحانه وتعالى لما كان قد تعرف إلى عباده بأفعاله وآياته وما ركز في العقول ~~من معرفته كان حذف الواسطة في الإخبار عنه أنسب بخلاف الأهلة ونحوها فإن ~~العقول لا تستقل بمعرفتها , فكان الإخبار عنها بواسطة الرسول الذي لا تعرف ~~إلا من جهته أنسب . | { قريب } فعيل من القرب وهو مطالعة الشيء حسا أو معنى ~~أي من طلبني بعقله وجدني وعرفني وإنما أرسلت الرسل زيادة في التعرف ورفعا ~~للحرج بسر التلطف , وإسقاط قل , أسرع في التعرف فهو أجدر بتعظيم الواسطة ~~لأن الإسراع في الإجابة أقرب دلالة على صدقه في الرسالة . | قال الحرالي : ~~بشر أهل حضرة البعد بالقرب لما رقي أهل القرب إلى الوصول بالقرب فكان ~~المبشر واصلا وكان المتقاصر عن القرب مبشرا به , ومعلوم أن قرب الله وبعد ~~المخلوق منه ليس بعد مسافة ولا قرب مسافة , فالذي يمكن إلاحته من معنى ~~القرب أن من سمع فيما يخاطب به خطاب ربه فهو قريب ممن كان ذلكك الخطاب ms0394 منه ~~, ومن كان إنما يسمع الخطاب ممن واجهه بالخطاب في حسه ومحسوسه فسمعه ممن ~~دون ربه كان بعيدا بحسب تلك الواسطة من بعد دون بعد إلى أبعد البعد , ولذلك ~~يعلن للنبي صلى الله عليه وسلم < # > 77 ( { إنما عليك البلاغ } ) 77 < # > [ الرعد : 40 ] وكان أن ما يتلوه لأمته إنما هو كلام ربه يتلو لهم كلام ~~ربهم ليسمعوه من ربهم لأمته حتى لا يكون صلى الله عليه وسلم واسطة بين ~~العبد وربه بل يكون يوصل العبد إلى ربه , وللإشارة بهذا المعنى يتلى كلمة ~~قل , في القرآن ليكون إفصاحا لسماع كلام الله سبحانه وتعالى ممن سمع كائنا ~~من كان , وفي إشعاره إهزاز القلوب والأسماع إلى نداء الحج إثر الصوم , لأنه ~~جعل تعالى أول يوم من شهور الحج إثر يوم من أيام الصوم , فكأن منادي الله ~~ينادي يوم الفطر بالحج , ففي خفي إشارته PageV01P348 إعلاء نداء إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام الذي تقدم أساس أمر الإسلام على حنيفيته وملته , ~~وليكون في هذه الآية الجامعة توطئة لذكر الحج لما تقدم من أن هذه السورة ~~تنتظم جوامعها خلال تفاصيلها انتظاما عجيبا يليح المعنى لأهل الفهم ويفصله ~~لأهل العلم ثم يحكم به على أهل الحكم قال : { أجيب } من الإجابة وهي اللقاء ~~بالقول ابتداء شروع لتمام اللقاء بالمواجهة { دعوة الداع } ففيه إشعار ~~بإجابة الداعي أي للحج عند خاتمة الصوم يعني لما بين العبادتين من تمام ~~المناسبة , فإن حال الصوم التابع لآية الموت في كونه محوا لحال البرزخ وحال ~~الحج في كونه سفرا إلى مكان مخصوص على حال التجرد كحال الحشر ؛ قال : وجاء ~~الفطر يعني بعد إكمال الصوم بما يعين على إجابة دعوة الوفادة على الله ~~سبحانه وتعالى إثر الخلوة في بيت الله ليكون انتقالهم من بيت خلوته بالعكوف ~~إلى موقف تجليه في الحج , وفيه تحقيق للداعي من حاله ليس الداعي من أغراضه ~~وشهواته , فإن الله سبحانه وتعالى يجيب دعوة العبد إذا كان فيه رشد وإلا ~~ادخرها له أو كفر بها عنه كما بينه صلى الله عليه وسلم . | ولما كان كل ms0395 خلق ~~داعيا لحاجته وإن لم ينطق بها أشار تعالى إلى مقصد إظهار الدعاء مقالا ~~وابتهالا فقال : { إذا دعان } ليكون حاله صدقا بمطابقة حاله مقالا , وفي ~~قراءة الاكتفاء بكسرة { الداع } و { دعان } عن ياءيهما وقراءة تمكينهما ~~توسعة القراءة بما تيسر على قبائل العرب بحسب ما في ألسنة بعضها من التمكين ~~وما في ألسنة بعضها من الحذف < # > 77 ( { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } ) 77 < # > [ القمر : 17 ] وفي إجابته حجة عليهم بأن السيد إذا التزم إجابة عبده ~~كان إجابة العبد لسيده أوجب التزاما لاستغناء السيد وحاجة العبد , فحين كان ~~الغني مجيبا كان أولى بأن يكون المحتاج مستجيبا يعني فلذلك سبب عنه قوله ~~إشارة إلى شرط الإجابة { فليستجيبوا لي } إنباء عما قد دعاهم إليه من قربه ~~وقصد بيته بما جبلهم عليه من حاجتهم إليه , وجاء بصيغة الاستفعال المشعر ~~باستخراج الإجابة مما شأنه الإباء لما في الأنفس من كره فيما تحمل عليه من ~~الوصول إلى بيت لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس - انتهى وفيه تصرف . | ~~ولما أوجب استجابته سبحانه في كل ما دعا إليه وكانت الاستجابةبالإيمان أول ~~المراتب وأولاها وكانت مراتب الإيمان في قوته وضعفه لا تكاد تتناهى قال ~~مخاطبا لمن آمن وغيره : { وليؤمنوا بي } أي مطلق الإيمان أو حق الإيمان , ~~ثم علل ذلك بقوله : { لعلهم يرشدون * } أي ليكونوا على رجاء من الدوام على ~~إصابة المقاصد والاهتداء إلى طريق الحق . | قال الحرالي : والرشد حسن ~~التصرف في الأمر حسا أو معنى في دين أو دنيا , ومن مقتضى هذه الآية تتفضل ~~جميع أحوال السالكين إلى الله سبحانه وتعالى من توبة التائب من حد بعده إلى ~~سلوك سبيل قربه إلى ما يؤتيه الله من وصول العبد إلى ربه - انتهى . | ~~PageV01P349 < < # | البقرة : ( 187 - 188 ) أحل لكم ليلة . . . . . # > > ^ ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم هن لباس لكم وأنتم لباس ~~لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن ~~وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من ~~الخيط الأسود من ms0396 الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس ~~لعلهم يتقون * ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ~~لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ) ^ } ) | ولما تصوروا ~~لهذه الآية الشريفة قربه وحبه على عظمته وعلوه فتذكروا لذيذ مخاطبته فيما ~~قبل فاشتاقوا إليها وكان قد يسر لهم أمر الصوم كما على جميعهم وكيفا على ~~أهل الضرورة منهم كانوا كأنهم سألوه التيسير على أهل الرفاهية فيما حرم ~~عليهم كما حرم على أهل الكتاب والوطء في شهر الصوم والأكل بعد النوم فقال ~~تحقيقا للإجابة والقرب : { أحل لكم } فأشعر ذلك بأنه كان حراما { ليلة } أي ~~في جميع ليلة { الصيام الرفث } وهو ما يواجه به النساء في أمر النكاح , ~~فإذا غير فلا رفث عند العلماء من أهل اللغة , ويدل عليه وصله بحرف الانتهاء ~~بيانا لتضمين الإفضاء أي مفضين { إلى نسائكم } بالجماع قولا وفعلا , وخرج ~~بالإضافة نساء الغير . | ولما كان الرفث والوقاع متلازمين غالبا قال مؤكدا ~~لإرادة حقيقة الرفث وبيان السبب في إحلاله : { هن } أي نساؤكم { لباس لكم } ~~تلبسونهن , والمعنى : أبيح ذلك في حالة الملابسة أو صلاحيتها , وهو يفهم ~~أنه لا يباح نهارا - والله سبحانه وتعالى أعلم ؛ ويجوز أن يكون تعليلا لأن ~~اللباس لا غنى عنه والصبر يضعف عنهن حال الملابسة والمخالطة . | ولما كان ~~الصيام عاما للصنفين قال : { وأنتم لباس لهن } يلبسنكم , ثم علل ذلك بقوله ~~مظهرا لعظمة هذه الأمة عنده في إرادته الرفق بها { علم الله } أي المحيط ~~علمه ورحمته وله الإحاطة الكاملة كما قدم من كونه قريبا اللازم منه كونه ~~رقيبا { أنكم كنتم تختانون } أي تفعلون في الخيانة في ذلك من المبادرة إليه ~~فعل الحامل نفسه عليه , والخيانة التفريط في الأمانة , والأمانة ما وضع ~~ليحفظ , روى البخاري في التفسير عن البراء رضي الله تعالى عنه قال : ( لما ~~نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم ~~فأنزل الله عز وجل { علم الله أنكم كنتم ms0397 تختانون PageV01P350 أنفسكم } ) , ~~روى البخاري والترمذي والنسائي عن البراء أيضا رضي الله تعالى عنه قال : ( ~~كان الرجل إذا صام فنام لم يأكل إلى مثلها ) وإن صرمة بن قيس الأنصاري رضي ~~الله تعالى عنه - فذكر حديثه في نومه قبل الأكل وأنه غشي عليه قبل انتصاف ~~النهار فنزلت الآية . | ولما كان ضرر ذلك لا يتعداهم قال : { أنفسكم } , ثم ~~سبب عنه قوله : { فتاب عليكم } . | قال الحرالي : ففيه يسر نم حيث لم ~~يؤاخذوا بذنب حكم خالف شرعة جبلاتهم فعذرهم بعلمه فيهم ولم يؤاخذهم بكتابه ~~عليهم , وفي التوب رجوع إلى مثل الحال قبل الذنب ( التائب من الذنب كمن لا ~~ذنب له ) وكانت هذه الواقعة لرجل من المهاجرين ورجل من الأنصار ليجتمع ~~اليمن في الطائفتين , فإن أيمن الناس على الناس من وقع في مخالفة فيسر الله ~~حكمها بوسيلة مخالفته , كما في هذه الآية التي أظهر الله سبحانه وتعالى ~~الرفق فيها بهذه الأمة من حيث شرع لها ما يوافق كيانها وصرف عنها ما علم ~~أنها تختان فيه لما جبلت عليه من خلافه , وكذلك حال الآمر إذا شاء أن يطيعه ~~مأموره يأمره بالأمور التي لو ترك ودواعيه لفعلها وينهاه عن الأشياء التي ~~لو ترك ودواعيه لاجتنبها , فبذلك يكون حظ حفظ المأمور من المخالفة , وإذا ~~شاء الله تعالى أن يشدد على أمة أمرها بما جبلها على تركه ونهاها عما جبلها ~~على فعله , فتفشوا فيها المخالفة لذلك , وهومن أشد الآصار التي كانت على ~~الأمم فخفف عن هذه الأمة بإجراء شرعتها على ما يوافق خلقتها , فسارع سبحانه ~~وتعالى لهم إلى حظ من هواهم , كما قالت عائشة PageV01P351 رضي الله تعالى ~~عنها للنبي صلى الله عليه وسلم : ( إن ربك يسارع إلى هواك ) ليكون لهم حظ ~~مما لنبيهم كليته , وكما قال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله تعالى عنه ~~: ( اللهم ! أدر الحق معه حيث دار ) كان صلى الله عليه وسلم يأمر الشجاع ~~بالحرب ويكف الجبان عنه , حتى لا تظهر فيمن معه مخالفة إلا عن سوء طبع لا ~~يزعه وازع الرفق , وذلك قصد العلماء الربانيين الذين ms0398 يجرون المجرب والمدرب ~~على ما هو أليق بحاله وجبلة نفسه وأوفق لخلقه وخلقه , ففيه أعظم اللطف لهذه ~~الأمة من ربها ومن نبيها ومن أئمة زمانها , ومنه قوله عليه الصلاة والسلام ~~: ( لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى سمعت أن فارس والروم يصنعون ذلك فلا ~~يضر ذلك أولادهم شيئا ) لتجري الأحكام على ما يوافق الجبلات وطباع الأمم ~~لكونه رسولا إلى الناس كافة على اختلاف طباعهم , وما في السنة والفقه من ~~ذلك فمن مقتبسات هذا الأصل العلي الذي أجرى الله سبحانه وتعالى الحكم فيه ~~لأمة محمد صلى الله عليه وسلم على وفق ما تستقر فيه أمانتهم وتندفع عنهم ~~خيانتهم . | وفي قوله { وعفا عنكم } أي بمحو أثر الذنب إشعار بما كان يستحق ~~ذلك من تطهر منه من نحو كفارة وشبهها , ولما كان ما أعلى إليه خطاب الصوم ~~صوم الشهر على حكم وحدته الآتية على ليلة ونهاره إعلاء عن رتبة الكتب الأول ~~التي هي أيام معدودات مفصول ما بين أيامها بلياليها ليجري النهار على حكم ~~العبادة والليل على حكم الطبع والحاجة فكان في هذا الإعلاء إطعام الضعيف ~~مما يطعمه الله ويسقيه لا لأنه منه أخذ بطبع بل بأنه حكم عليه حكم بشرع حين ~~جعل الشرعة على حكم طباعهم , كما قال في الساهي : ( إنما أطعمه الله وسقاه ~~) , وفيه إغناء القوي عن الطعام والشراب كما قال عليه الصلاة والسلام : ~~PageV01P352 ( إني لست كهيئتكم ) , فكان يواصل , وأذن في الوصال إلى السحر ~~, فكما أطعموا وسقوا شرعة مع تمادي حكم الصوم فكذلك أنكحوا شرعة مع تمادي ~~حكمه , فصار نكاحهم ائتمارا بحكم الله لا إجابة طبع ولا غرض نفس فقال : { ~~فالآن } أي حين أظهر لكم إظهار الشرعة على العلم فيكم وما جبلت عليه طباعكم ~~فسدت عنكم أبواب المخالفة التي فتحت على غيركم { باشروهن } حكما , حتى ~~استحب طائفة من العلماء النكاح للصائم ليلا حيث صار طاعة , وهو من المباشرة ~~وهي التقاء البشرتين عمدا { وابتغوا } أي اطلبوا بجد ورغبة { ما كتب الله } ~~أي الذي له القدرة الكاملة فلا يخرج شيء عن أمره { لكم ms0399 } أي من الولد أو ~~المحل الحل , وفيه إشعار بأن ما قضي من الولد في ليالي رمضان نائل بركة ~~ذرئه على نكاح أمر به حتى كان بعض علماء الصحابة يفطر على النكاح . | { ~~وكلوا واشربوا } كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات , ( فإن ~~لم يجد فعلى تمرات , فإن لم يجد حسا حسوات من ماء ) وقال : ( إن الماء طهور ~~) , وفي تقديم الأكل إجراء لحكم هذا الشرع على وفق الطبع - انتهى . | ولأنه ~~سبب العطش , ودل على وجوب تبييت النية وجواز تأخير الغسل إلى النهار , ~~بقوله { حتى } فإن في جعل تبين الفجر غاية لحل المفطرات إيجابا لمراقبته ~~للكف عنها , وذلك هو حقيقة النية , ومن استمر مباشرا إلى الفجر لم يمكنه ~~الاغتسال ليلا وقال : { يتبين } قال الحرالي : بصيغة يتفعل وهو حيث يتكلف ~~الناظر نظره , وكأن الطالع , يتكلف الطلوع , ولم يقل : يبين , لأن ذلك يكون ~~بعد الوضوح - انتهى . | وفي قوله : { لكم } بيان لأن الأحكام بحسب ~~PageV01P353 الظاهر وأن التكليف بما في الوسع { الخيط الأبيض } قال ~~الأصبهاني : وهو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود . | ~~وقال الحرالي : فمد إلى غاية انتهاء الليل وتبين حد النهار بأرق ما يكون من ~~مثل الخيط { من الخيط الأسود } قال الأصبهاني : وهو ما يمتد معه من غبش ~~الليل أي البقية من الليل , وقيل : ظلمة آخر الليل , شبها بخطين أبيض وأسود ~~. | وقال الحرالي : ففيه إنهاض لحسن الاستبصار في ملتقى الليل والنهار حتى ~~يؤتى العبد نور حسن بتبين ذلك على دقته ورقته وقد كان أنزل هذا المثل دون ~~بيان ممثوله حتى أخذ أعرابي ينظر إلى خيطين محسوسين فأنزل { من الفجر } ~~يعني فبين الأبيض , فأخرجه بذكر المشبه من الاستعارة إلى التشبيه لأن من ~~شرائطها أن يدل عليها الحالة أو الكلام , وهذه الاستعارة وإن كانت متعارفة ~~عندهم قد نطقت بها شعراؤهم وتفاوضت بها فصحاؤهم وكبراؤهم لم يقتصر عليها , ~~وزيد في البيان لأنها خفيت على بعض الناس منهم عدي بن حاتم رضي الله تعال ~~عنه , فلم تكن الآية مجملة ولا تأخر البيان عن ms0400 وقت الحاجة , ولو كان المر ~~كذلك ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم على عدي رضي الله تعالى عنه عدم ~~فهمها . | وقال الحرالي في كتاب له في أصول الفقه بناء على أنها مجملة : ~~والخطاب بالإجمال ممكن الوقوع وليس يلزم العمل به فالإلزام تكليف ما لا ~~يطاق وإلزام العمل يستلزم البيان وإلا عاد ذلك الممتنع , وتأخير بيان ~~المجمل إلى وقت الإلزام ممكن , لأن في ذلك تناسب حكمة الوحي المنزل بحكمة ~~العالم المكون , فإن الإجمال في القرآن بمنزلة نطق الأكوان والبيان فيه ~~بمنزلة تخطيط الصور وذلك ظاهر ع ند من زاوله , وحينئذ فلا يقال : خطاب ~~الإجمال عديم الفائدة لأنه PageV01P354 يفيد تدريج حكمة التنزيل وتحصيل ~~بركة التلاوة , وفي الاقتصار على بيانه نمط من فصاحة الخطاب العربي حيث لم ~~يكن فيه ذكر الممثولين اكتفاء بأحدهما عن الآخر , ففيه تأصيل لأصل البيان ~~من الإفهام حيث لم يقل : من الليل , كما قال : من الفجر , اكتفاء بما في ~~الفهم من الذكر , وفي وقوع المبين إثر غير مثله نمط آخر من فصاحة الخطاب ~~العربي لأن العرب يردون الثالث إلى الأول لا إلى الثاني ليتعلق بالأول في ~~المعنى وينتظم بالثاني في اللفظ فيكون محرز المحل المفهوم راجعا إلى الأول ~~بالمعنى - انتهى . | وأوضح دليل على إيجاب التبييت أمره بالإتمام , فإنه ~~لما وقع الشروع فيه فالتقدير : فإذا تبين الفجر الذي أمرتم بمراقبته لكونه ~~غاية لما أحل لكم فصوموا أي أمسكوا عن المفطر { ثم أتموا } ذلك { الصيام ~~إلى الليل } والتعبير بثم إشارة إلى بعد ما بين طرفي الزمان الذي أحل فيه ~~المفطر . | وقال الحرالي : فكان صوم النهار إتماما لبدء من صوم ليلة فكأنه ~~في الليل صوم ليس بتام لانثلامه للحس وإن كان في المعنى صوما , ومن معناه ~~رأى بعض العلماء الشروع في الاعتكاف قبل الغروب لوجه مدخل الليل في الصوم ~~التام بالعكوف وإضافة الليل للنهار في حكم صوم ما وهو في النهار تمام ~~بالمعنى والحس , وإنما ألزم بإتمام الصوم نهارا واعتد به ليلا وجرى فيه ~~الأكل والنكاح بالأمر لأن النهار معاش فكان ms0401 الأكل فيه أكلا في وقت انتشار ~~الخلق وتعاطي بعضهم من بعض فيأنف عنه المرتقب , ولأن الليل سبات ووقت توف ~~وانطماس , فبدأ فيه من أمر الله ما انحجب ظهوره في النهار , كأن المطعم ~~بالليل طاعم من ربه الذي هو وقت تجليه ( ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا ~~) فكأن الطاعم في الليل إنما أطعمه الله وسقاه , فلم يقدح ذلك في معنى صومه ~~وإن ظهر صورة وقوعه في حسه كالناسي بل المأذون له أشرف رتبة من الناسي - ~~انتهى . | ولما كان الصوم شديد الملابسة للمساجد والاعتكاف وكانت المساجد ~~مظنة للاعتكاف وكان سبحانه قد أطلق في صدر الآية الإذن في الوطء في جميع ~~الأماكن PageV01P355 والأحوال غير حال الصوم خص من سائر الأحوال الاعتكاف ~~ومن الأماكن المساجد فعقب ذلك بأن قال : { ولا تباشروهن } أي في أي مكان ~~كان { وأنتم عاكفون } أي بايتون مقيمون أو معتكفون , ومدار مادة عكف على ~~الحبس أي وأنتم حابسون أنفسكم لله { في المساجد } عن شهواتها بنية العبادة ~~و { في المساجد } ظرف لعاكفون , فتحرم المباشرة في الاعتكاف ولو في غير ~~المسجد , وتقييد الاعتكاف بها لا يفهم صحته في غير مسجد , فإنه إنما ذكر ~~لبيان الواقع ليفهم حرمة الجماع في المساجد , لأنه إذا حرم تعظيما لما هي ~~سبب لحرمته ومصححة له كانت حرمته تعظيما لها لنفسها أولى , أو يقال وهو ~~أحسن : لما كان معنى العكوف مطلق الحبس قيده بالمسجد ليفهم خصوص الاعتكاف ~~الذي هو الحبس عبادة , فصار كأنه قال : وأنتم معتكفون , هذا معنى المبتدأ ~~والخبر وما تعلق به , وكأنه جرد الفعل ليشمل ما إذا كان اللبث في المسجد ~~بغير نية , والحاصل أنه سبحانه وتعالى سوى بين حال الصوم حال الاعتكاف في ~~المنع من الجماع , فإن اجتمعا كان آكد , فإن الاعتكاف من كمال الصوم وذلك ~~علىوجه منع من المباشرة في المسجد مطلقا . | قال الحرالي : وإنما كان ~~العاكف في المسجد مكملا لصومه لأن حقيقة الصوم التماسك عن كل ما شأن المرء ~~أن يتصرف فيه من بيعه وشرائه وجميع أغراضه فإذا المعتكف المتماسك عن التصرف ~~كله ms0402 إلا ما لا بد له من ضرورته والصائم المكمل صيامه والمتصرف الحافظ ~~للسانه الذي لا ينتصف بالحق ممن اعتدى عليه هو المتمم للصيام , ومن نقص عن ~~ذلك فانتصف بالحق ممن اعتدى عليه فليس بمتمم للصيام , فمن أطلق لسانه ~~وأفعاله فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه , فإذا حقيقة الصوم هو الصوم ~~لا صورته حتى ثبت معناه للأكل ليلا ونهارا , قال صلى الله عليه وسلم : ( من ~~صام رمضان وأبعه بسبت من شوال فكأنما صام الدهر ) وقال صلى الله عليه وسلم ~~: ( ثلاثة أيام من كل شهر فذلك صوم الدهر ) وكان بعض أهل الوجهة من الصحابة ~~يقول قائلهم : أنا PageV01P356 صائم , ثم يرى يأكل من وقته فيقال له في ذلك ~~فيقول : قد صمت ثلاثة أيام من هذا الشهر , فأنا صائم في فضل الله مفطر في ~~ضيافة الله , كل ذلك اعتداد من أهل الأحلام والنهى بحقيقة الصوم أكثر من ~~الاعتداد بصورة ظاهرة - انتهى بمعناه . | ولما قدم سبحانه وتعالى ذكر هذه ~~الحرمات ضمن ما قدم في الأحكام أما في المناهي فصريحا وأما في الأوامر ~~فلزوما وتقدم فيها لأن حمله سبحانه وتعالى في الأرض محارمه نبه على تعظيمها ~~وتأكيد تحريمها باستئناف قوله مشيرا بأداة البعد : { تلك } أي الأحكام ~~البديعة النظام العالية المرام { حدود الله } وذكر الاسم الأعظم تأكيدا ~~للتعظيم , وحقيقة الحد الحاجز بين الشيئين المتقابلين ليمنع من دخول أحدهما ~~في الآخر , فأطلق هنا على الحكم تسمية للشيء باسم جزئه بدلالة التضمن وأعاد ~~الضمير على مفهومه المطابق استخداما فقال : { فلا تقربوها } معبرا بالقربان ~~, لأنه في سياق الصوم والورع به أليق , لأن موضوعه فطام النفس عن الشهوات ~~فهو نهي عن الشبهات من باب ( من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ) فيدخل فيه ~~مقدمات الجماع فالورع تركها . | ولما علا هذا البيان إلى حد لا يدركه حق ~~إدراكه الإنسان كان كأنه قال دهشا : هل يحصل بيان مثله لشيء غير هذا ؟ فقيل ~~بيانا للواقع وتشويقا إلى التلاوة وحثا على تدبر الكتاب الذي هو الهدى لا ~~ريب فيه : { كذلك } أي مثل هذا ms0403 البيان العلي الشأن { يبين الله } لما له من ~~العظمة التي لا تحصر بحد ولا تبلغ بعد { آياته } التي يحق لعظمتها أن تضاف ~~إليه وقال : { للناس } إشارة إلى العموم دلالة على تمام قدرته بشمول علمه ~~إلى أن يصل البيان إلى حد لا يحصل فيه تفاوت في أصل الفهم بين غبي وذكي , ~~وعلل ذلك بقوله : { لعلهم يتقون * } أي ليكون حالهم حال من يرجى منه خوف ~~الله تعالى لما علموا من هذا البيان من عظمته , وأشعر هذا الإبهام أن فيهم ~~من لا يتقي . | ولما أذن سبحانه وتعالى فيما كان قد منع منه من المطعم ~~والمنكح للصائم وقدم المنكح لأنه أشهى إذ الطبع إليه أدعى ولأن المنع منه ~~كان في جميع الشهر فالضرر فيه أقوى , وأتبعه الإذن في الأكل لأنه قوام ~~الجسم وأولاه المنع من النكاح في بعض الأحوال , فعل كذلك في المال الذي منه ~~الأكل لأنه قد كان مما خان فيه أهل الكتاب عهد كتابهم واشتروا به ثمنا ~~قليلا كثيرا من أمره لا سيما تحريم الرشوة فإنهم أخفوه PageV01P357 ~~واستباحوها حتى صارت بينهم شرعا متعارفا وكان طيب المطعم محثوثا عليه لا ~~سيما في الصوم فنهى عن بعض أسباب تحصيل المال أعم من أن تكون رشوة أو غيرها ~~فقال : { ولا تأكلوا } أي يتناول بعضكم مال بعض , ولكنه عبر بالأكل لأنه ~~المقصد الأعظم من المال . | ولما كان المال ميالا يكون في يد هذا اليوم وفي ~~يد غيره غدا فمن صبر وصل إليه ما كتب له مما في يد غيره بالحق ومن استعجل ~~وصل إليه بالباطل فحاز السخط ولم ينل أكثر مما قدر له قال : { أموالكم } ~~وقال : { بينكم } تقبيحا لهذه المعصية وتهييجا على الأمر بالمعروف { ~~بالباطل } وهو ما لم يأذن به الله بأي وجه كان سواء كان بأصله أو بوصفه . | ~~ولما كان من وجوه أكله بالباطل التوصل بالحاكم بحجة باطلة يعجز الخصم عن ~~دفعها كما قال صلى الله عليه وسلم : ( ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من ~~بعض فأقضي له على حسب ما أسمع منه , فمن قضيت ms0404 له بشيء من حق أخيه فإنما ~~أقطع له قطعة من النار ) فيكون الإثم خاصا بالأكل دون الحاكم عطف عليه ما ~~يشاركه فيه الحاكم فقال عاطفا على { تأكلوا } { وتدلوا } أي ولا تتواصلوا ~~في خفائها { بها إلى الحكام } بالرشوة العمية للبصائر , من الإدلاء . | قال ~~الحرالي وهو من معنى إنزال الدلو خفية في البئر ليستخرج منه ماء فكأن ~~الراشي يدلي دلو رشوته للحاكم خفية ليستخرج جوره ليأكل به مالا - انتهى . | ~~{ لتأكلوا فريقا } أي شيئا يفرق بينه وبين صاحبه { من أموال الناس } من أي ~~طائفة كانوا { بالإثم } أي الجور العمد , ومن مدلولاته الذنب وأن يعمل ما ~~لا يحل { وأنتم } أي والحال أنكم { تعلمون * } أي من أهل العلم مطلقا فإن ~~الباطل منهم أشنع ويلزم منه العلم بأن ذلك التوصل لا يفيد الحل , ولعله ~~إيماء إلى جواز التوصل إلى ماله عند جاحد لم يجد طريقا إلى خلاصه إلا ذلك . ~~| وقال الحرالي في مناسبة هذه الآية لما قبلها : لما كان منزل القرآن ~~لإقامة الأمور الثلاثة التي بها قيام المخاطبين به وهو صلاح دينهم وهو ما ~~بين العبد وربه من عمل أو إلقاء بالسلم إليه وإصلاح دنياهم وهو ما فيه معاش ~~المرء وإصلاح آخرتهم وهو ما إليه معاده كان لذلك منزل القرآن مفصلا بأحكام ~~تلك الأمور الثلاثة فكان شذرة للدين وشذرة للدنيا وشذرة للآخرة , فلما كان ~~في صدر هذا الخطاب < # > 77 ( { يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } ) 77 < # > [ البقرة : 168 ] وهو خطاب للملوك ومن تبعهم من رؤساء القبائل ومن ~~تبعهم انتظم به بعد ذلك حكم من أحكام أهل العلم و من تبعهم في قوله تعالى : ~~< # > 77 ( { إن الذين يكتمون } ) 77 < # > [ البقرة : 159 ] , ثم انتظم به ذكر الوصية من أهل الجدة , ثم انتظم به ~~ذكر أحوال الرشى من الراشي PageV01P358 والمرتشي , ليقع نظم التنزيل ما بين ~~أمر في الدين ونهي في الدنيا ليكون ذلك أجمع للقلب في قبول حكم الدنيا عقب ~~حكم الدين ويفهم حال المعاد من عبرة أمر الدنيا , فلذلك تعتور الآيات هذه ~~المعاني ويعتقب بعضها ms0405 لبعض ويتفصل بعضها ببعض , كما هو حال المرء في يومه ~~وفي مدة عمره حيث تعتور عليه أحوال دينه ودنياه ومعاده , يطابق الأمر الخلق ~~في التنزيل والتطور - انتهى . | < < # | البقرة : ( 189 - 192 ) يسألونك عن الأهلة . . . . . # > > ^ ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون * وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله ~~لا يحب المعتدين * واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة ~~أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم كذلك جزآء الكافرين * فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ) ^ } ) | ~~ولما أتم سبحانه وتعالى البيان لما أراه مما شرعه في شهر الصوم ليلا ونهارا ~~وبعض ما تبع ذلك وكان كثير من الحكام يدور على الهلال لا سيما أحد قواعد ~~الإسلام الحج الذي هو أخو الصوم وكانت الأهلة كالحكام توجب أشياء وتنفي ~~غيرها كالصيام والديون والزكوات وتؤكل بها الأموال حقا أو باطلا وكان ذكر ~~الشهر وإكمال العدة قد حرك العزم للسؤال عنه بين ذلك بقوله تعالى : { ~~يسئلونك } وجعل ذلك على طريق الاستئناف جوابا لمن كأنه قال : هل سألوا عن ~~الأهلة ؟ فقيل : نعم , وذلك لتقدم ما يثير العزم إلى السؤال عنها صريحا ~~فكان سببا للسؤال عن السؤال عنها , وكذا ما يأتي من قوله ^ ( { يسئلونك ~~ماذا ينفقون } ) ^ [ البقرة : 215 ] ^ ( { يسئلونك عن الشهر الحرام } ) ^ [ ~~البقرة : 217 ] ^ ( { يسئلونك عن الخمر والميسر } ) ^ [ البقرة : 219 ] ~~بخلاف ما عطف على ما قبله بالواو كما يأتي , وسيأتي إن شاء الله تعالى في ~~سورة الأنعام ما ينبغي من علم النجوم وما لا ينبغي { عن الأهلة } أي التي ~~تقدم أنه ليس البر تولية الوجه قبل مشارقها ومغاربها : ما سبب زيادتها بعد ~~كونها كالحظ أو الخيط حتى تتكامل وتستوي ونقصها بعد ذلك حتى تدق وتنمحق ؟ ~~قال الحرالي : وهي جمع هلال وهو ما يرفع الصوت عند رؤيته فغلب على رؤية ~~الشهر الذي هو الهلال - انتهى . | ولما كان كأنه قيل ms0406 : ما جوابهم ؟ قيل : { ~~قل } معرضا عنه لما لهم فيه من الفتنة لأنه ينبني على النظر في حركات الفلك ~~وذلك يجر إلى علم تسيير النجوم وما يتبعه من الآثار التي تقود إلى الكلام ~~في الأحكام المنسوبة إليها فتستدرج إلى الإلحاد وقد ضل PageV01P359 بذلك ~~كثير من الأمم السالفة والقرون الماضية فاعتقدوا تأثيرها بذواتها وقد قال ~~عليه الصلاة والسلام ناهيا عن ذلك لذلك : ( من اقتبس علما من النجوم اقتبس ~~بابا من السحر زاد ما زاد ) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما ؛ وقال علي رضي الله تعالى عنه : ( من طلب علم النجوم ~~تكهن ) مرشدا سبحانه وتعالى إلى ما فيه صلاحهم : { هي مواقيت } جمع ميقات ~~من الوقت وهو الحد الواقع بين أمرين أحدهما معلوم سابق والآخر معلوم به ~~لاحق . | وقال الأصبهاني : والفرق بين الوقت والمدة والزمان أن المدة ~~المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى الزمان , والزمان مدة مقسومة , ~~والوقت الزمان المفروض لأمر ما . | { للناس } في صومهم كما تقدم ومعاملاتهم ~~ليعلموا عدد السنين والحساب { والحج } صرح به لأنه من أعظم مداخلها . | قال ~~الحرالي : وهو حشر العباد إلى الموقف في شهور آخر السنة , فهو أمر ديني ~~مشعر بختم الزمان وذهابه لما فيه من آية المعاد - انتهى . | ولما كانوا قد ~~اعتادوا في الحج فعلا منكرا وكان ترك المألوفات أشق شيء على النفوس , ولذلك ~~قال أهل الطريق وسادات أهل التحقيق : ملاك القصد إلى الله تعالى خلع ~~العادات واستجداد قبول الأمور المنزلات من قيوم السماوات والأرض , وبذلك ~~كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم سادات أهل الإسلام , قال تعالى عاطفا على ~~{ ليس البر } مقبحا لذلك الفعل عليهم منبها على أنهم عكسوا في سؤالهم كما ~~عكسوا في فعالهم , ويجوز أن يكون معطوفا على حال دل عليها السياق تقديرها : ~~والحال أنه ليس البر سؤالكم هذا عنها { وليس البر } وأكد النفي بزيادة ~~الباء في قوله : { بأن تأتوا البيوت } أي لا الحسية ولا المعنوية { من ~~ظهورها } عند القدوم من الحج أو غيره كما أنه ليس البر بأن ms0407 تعكسوا في ~~مقالكم بترك السؤال عما يعنيكم والسؤال عما لا يعنيكم بل يعنيكم . | ولما ~~نفي البر عن ذلك كما نفي في الأول استدرك على نهج الأول فقال : ولكن البر } ~~قال الحرالي : بالرفع والتخفيف استدراكا لما هو البر وإعراضا عن الأول , ~~وبالنصب والتشديد مع الالتفات إلى الأول لمقصد طرحه - انتهى . | { من اتقى ~~} فجعل المتقي نفس البر إلهابا له إلى الإقبال على التقوى لما كانت التقوى ~~حاملة على جميع ما مضى من خلال الإيمان الماضية اكتفى بها . | ولما كان ~~التقدير : فاتقوا فلا تسألوا عما لا PageV01P360 يهمكم في دينكم عطف عليه : ~~{ وأتوا البيوت من أبوابها } حسا في العمل ومعنى في التلقي , والباب المدخل ~~للشيء المحاط بحائط يحجزه ويحوطه - قاله الحرالي . | وتقدم تعريفه له بغير ~~هذا . | ولما كان الأمر بالتقوى قد تقدم ضمنا وتلويحا أتى به دالا على عظيم ~~جدواها ذكرا وتصريحا دلالة على التأكيد في تركهم تلك العادة لاقتضاء الحال ~~ذلك لأن من اعتاد شيئا قل ما يتركه وإن تركه طرقه خاطره وقتا ما فقال : { ~~واتقوا الله } أي الملك الأعظم في كل ما تأتون وما تذرون ووطنوا النفوس ~~واربطوا القلوب على أن جميع أفعاله تعالى حكة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا ~~اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه لما في السؤال من الإيهام بمفارقة الشك , ~~ثم علله بقوله : { لعلكم تفلحون * } أي لتكون حالكم حال من يرجى دوام ~~التجدد لفلاحه وهو ظفره بجميع مطالبه من البر وغيره , فقد دل سياق لآية على ~~كراهة هذا السؤال ؛ وذكر الحرالي أن أكثر ما يقع فيه سؤال يكون مما ألبس ~~فتنة أو شرب محنة أو أعقب بعقوبة ولذلك قال تعالى : < # > 77 ( { لا تسألوا عن أشياء } ) 77 < # > [ المائدة : 101 ] وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها ~~وقال : ( دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم ) الحديث ~~ومنه كره الرأي وتكلف توليد المسائل لأنه شغل عن علم التأصيل وتعرض لوقوعه ~~كالذي سأل عن الرجل يبتلي في أهله فابتلى به , ويقال : كثرة توليد مسائل ~~السهو ms0408 أوقع فيه . | وقال : وهذه الآية كالجامعة الموطئة لما ذكر بعدها من ~~أمر توقيت القتال الذي كانوا عليه كما كان من أمر الجاهلية حكما لتحرج من ~~القتال في الأشهر الحرم والتساهل فيه في أشهر الحل مع كونه عدوى بغير حكم ~~حق فكان فيه عمل بالفساد وسفك الدماء - انتهى وفيه تصرف . | فمحا سبحانه ما ~~أصلوه من ذلك بما شرعه من أمر القتال لكونه جهادا فيه لحظ من حظوظ الدنيا . ~~| ولما ذكر سبحانه الحج في هذه السورة المدنية وكان سبيله إذ ذاك ممنوعا عن ~~أهل الإسلام بأهل الحرب الذين أخرجوهم من بلدهم ومنعوهم من المسجد الذي هم ~~أحق به من غيرهم وكان الحج من الجهاد وكان كل من الصوم والجهاد تخليا من ~~الدنيا PageV01P361 ( سياحة أمتي الصوم , ورهبانية أمتي الجهاد ) وكانت ~~أمهات العبادات موقتة وهي الصلاة والزكاة والصوم والحج وغير موقتة وهي ~~الذكر والجهاد وهو قتال أهل الحرب خلافا لما كان عند أهل الجاهلية من ~~توقيته مكانا بغير الحرم وزمانا بغير الأشهر الحرم وكان القتال في الأشهر ~~الحرم وفي الحرم في غاية المنع فكيف عند المسجد وكان سبحانه قد ذكر ~~العبادات الموقتة أتبعها بغير الموقتة وهي الجهاد الذي هو حظيرة الموقتة ~~الذي لا سلامة لها بدونه التفاتا إلى الظالمين بالمنع عن المسجد الحرام ~~والإخراج منه فأمر بأن يفعل معهم مثل ما فعلوا من القتال والإخراج فعل ~~الحكيم الذي يوصي بالشيء العظيم فهو يلقيه بالتدريج في أساليب البلاغة ~~وأفانين البيان تشويقا إليه وتحريضا عليه بعد أن أشار لأهل هذا الدين أولا ~~بأنه يخزي ظالميهم وثانيا بأن المقتول منهم حي يرزق وثالثا بمدحهم على ~~الصبر في بواطن البأس بأنهم الذين صدقوا وأنهم المتقون فلما شوقهم إلى جهاد ~~أهل البغي والعناد ألزمهم القتال بصيغة الأمر لتيسير باب الحج الذي افترضه ~~وسبيله ممنوع بأهل الحرب فقال تعالى وقيل : إنها أول آية نزلت في القتال , ~~قاله الأصبهاني : { وقاتلوا في سبيل الله } أي الذي لا كفوء له إشعارا ~~بذكره على سبيل الإطلاق بعد الموقت بالهلال إلى أنه غير موقت به ms0409 . | قال ~~الحرالي : من حيث إنه حظيرة على دين الإسلام المقيد بالمواقيت من حيث إن ~~الإسلام عمل يقيده الوقت , والدفع عنه أمر لا يقيده وقت بل أيان طرق الضر ~~لبناء الإسلام دفع عنه كما هو حكم الدفع في الأمور الدينية , فكانت الصلاة ~~لمواقيت اليوم والليلة , والصوم والحج لمواقيت الأهلة , والزكاة لميقات ~~الشمس , والجهاد لمطلق الميقات حيث ما وقع من مكان وزمان ناظرا بوجه ما لما ~~يقابله من عمود الإسلام الذي هو ذكر كلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله على ~~الدوام < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا } ) 77 < # > [ الأحزاب : 41 ] < # > 77 ( { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } ) 77 < # > [ التوبة : 5 ] انتهى . | وقال { الذين يقاتلونكم } أي من PageV01P362 ~~شأنهم قتالكم لا من ليس شأنه ذلك كالصبيان ؛ وفيه إشعار بأن القتال عن سبب ~~المقاتلة فهو مما يفعل عن سبب لا مما يفعل لوقت , وصيغة المضارع لم يقصد ~~بها إلا صدور الفعل من غير نظر إلى زمان مخصوص كما قالوه في أمثاله . | ~~ولما كان الله سبحانه وتعالى قد أوجب العدل في كل شيء حتى في حق أعدائه قال ~~: { ولا تعتدوا } فنظم ذلك ابتداء القتال لمن لم يبح له ابتداءه به إما ~~بعهد أو بغير دعوة لمن لم يبلغه أمر الدين أو بغير ذلك من أنواع الخيانة ~~والغدر وقتل النساء والصبيان والشيوخ الفانين الذين لا منعة فيهم ولا رأي ~~لهم , ودوام القتال لمن ألقى السلم بعد الابتداء به , فحذف المتعلق اختصارا ~~فأفاد زيادة المعنى وهو من غريب أفانين البلاغة وكأنه أفهم بصيغة الافتعال ~~التقييد بالتعمد , ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي لما له من صفات ~~الكمال { لا يحب المعتدين * } مطلقا في هذا وغيره , أي لا يفعل بهم من ~~الخير فعل المحب . | ولما حرم الاعتداء صرح بإباحة أصل القتال فقال : { ~~واقتلوهم } أي الذين يقاتلونكم { حيث ثقفتموهم } أي وجدتموهم وأنتم تطمعون ~~في أن تغلبوا أو حيث تمكنتم من قتلهم - قاله الأصبهاني , لأنه من ثقف بالضم ~~ثقافة إذا صلب وثقف أي بالكسر كذلك , وايضا صار حاذقا فطنا ms0410 , وثقفت الشيء ~~ثقفا إذا أخذته والشيء صادفته - قاله ابن القطاع . | وقال الأصبهاني : ~~والثقف وجوده على وجه الأخذ والغلبة , وأطلق الوجدان فشمل الحل والحرم من ~~الزمان والمكان لأنهم كذلك يفعلون بالمسلمين , كانوا يؤذونهم ويفتنونهم عند ~~البيت في كل وقت ؛ وفي التعبير بالفعل ما يشعر بالنصر بحزب الله وبشرى بضعف ~~العدو عن مداومة المقاومة للمجاهدين وقد ظهرت التجربة مثل ذلك وأقله أنهم ~~إذا فروا لم يكروا . | ولما كانت الآية ناظرة إلى قصاص قال : { وأخرجوهم } ~~أي فإن لم يقاتلوكم { من حيث اخرجوكم } أي مكة التي هي موطن الحج والعمرة ~~ومحل الشعائر المقصودة لأهل الإسلام . | ولما كان هذا مشعرا بأنهم لم يكن ~~منهم إليهم قتال في مكة لغير الأذى المحوج إلى الخروج من الديار على أن ~~التقدير : فإن الإخراج من السكن أشد فتنة وقد فتنوكم به , فعطف عليه قوله : ~~{ والفتنة } أي العذاب بالإخراج أو غيره من أنواع الإخافة { أشد } تليينهم ~~للإسلام { من القتل } أعم من أن يكون المراد من قتلكم إياهم في الحرم أو ~~غيره أو قتلهم إياكم أو غير ذلك لما فيه من مواصلة الغم القابض للنفس عن ~~مراداتها , فلذلك سوغنا لكم قتلهم قصاصا بسبب إخراجكم , فكان المراد بالذات ~~إخراجهم لتمكن الحج والاعتمار ولكنه لما لم يمكن إلا بقتالهم وقتلهم أذن ~~فيهما وقد PageV01P363 كشف الواقع في أمر : عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن ~~أمية وعبد الله بن أبي ربيعة أن الإخراج من مكة لينهم للإسلام أكثر من ~~تليين القتل فإنهم أسلموا لما أشرفوا على فراق مكة بظهور الإسلام فيها ولم ~~يسلم أحد من قريش خوفا من القتل , فلكون السياق لإخراجهم عبر هنا أشد . | ~~ولما كان الإذن في الإخراج مستلزما في العادة للقتال وكان قد أذن في ~~الابتداء به حيث ثقفوا خصص ذلك فقال ناظرا إلى المقاصة أيضا ومشيرا إلى ما ~~سيقع في غزوة الفتح المشار إليها بقوله بعد ^ ( { وكفر به والمسجد الحرام } ~~) ^ [ البقرة : 217 ] { ولا تقاتلوهم } أي هؤلاء الذين أذن لكم في إخراجهم ~~{ عند المسجد الحرام } أي الحرم إذا أردتم إخراجهم فمانعوكم { حتى ms0411 يقاتلوكم ~~فيه } أي في ذلك الموضع الذي هو عند المسجد , وكأنه عبر بفيه في الثاني ~~وعند في الأول والمراد الحرم في كل منهما كفا , عن القتال فيه مهما وجد إلى ~~الكف سبيل تعظيما له وإجلالا لمحله لأنه موضع للصلاة التي أعظم مقاصدها ~~السجود لا لغيره فضلا ع ن القتال . | { فإن قاتلوكم } أي في ذلك المكان { ~~فاقتلوهم } أي لا تقصروا على مدافعتهم بل اصدقوهم في الضرب المجهز ولا حرج ~~عليكم من جهة المسجد فإن الانتهاك لحرمته منسوب إلى البادئ , وفي التعبير ~~بالفعل في جواب المفاعلة في قراءة الجمهور أو الفعل في قراءة حمزة والكسائي ~~بشارة بنصرة المبغي عليه وقوة إدالته , ولما كان هذا مفهما أنه خاص بهم عمم ~~بقوله : { كذلك } أي مثل هذا الفعل العظيم الجدوى { جزاء الكافرين * } كلهم ~~. | ولما كان النزوع بعد الشروع لا سيما حالة الإشراف على الظفر عسرا على ~~الأنفس الأبية والهمم العلية قال : { فإن انتهوا } أي عن القتال ومقدماته , ~~وفيه إشعار بأن طائفة منهم تنتهيفإن العالم بكل شيء لا يعبر بأداة الشك إلا ~~كذلك . | ولما كان التقدير : فكفوا عنهم ولا تعرضوا لهم فإن الله قد غفر ~~لهم علله بأمر عام فقال : { فإن الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { غفور ~~رحيم * } أي له هاتان الصفتان أزلا وأبدا فكل من تاب فهذا شأنه معه . | < < # | البقرة : ( 193 - 196 ) وقاتلوهم حتى لا . . . . . # > > ^ ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان ~~إلا على الظالمين * الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع ~~المتقين * وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة PageV01P364 ~~وأحسنوا إن الله يحب المحسنين * وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما ~~استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا ~~أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذآ أمنتم فمن تمتع ~~بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ms0412 ثلاثة أيام في الحج ~~وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ~~واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان المراد بما مضى من قتالهم كف أذاهم بأي فعل كان حققه بقوله ~~: { وقاتلوهم } أي هؤلاء الذين نسبناهم إلى قتالكم وإخراجكم وفتنتكم أعم من ~~أن يكونوا كفارا أو لا { حتى لا تكون فتنة } أي توجد فتنة بأن لا يقدروا أن ~~يؤذوا أحدا من أهل الإسلام ليردوه عن دينه أو يخرجوه من داره أو يخلعوه من ~~ماله أو يغلبوه على حقه , فقتال كل من وقع منه ذلك كفرا أو بغيا في سبيل ~~الله حتى يفيء إلى أمر الله { ويكون الدين } أي الطاعة والعبادة . | ولما ~~كان هذا في أوائل ما بعد الهجرة قبل أن يروا من نصر الله لهم ما يقوي ~~عزائمهم أعراه من التأكيد فقال : { الله } أي الذي لا كفؤ له خاصا به بأن ~~يكون أمر المسلمين ظاهرا , ليس للشيطان فيه نصيب , لا يقدر أحد من أهل ~~الكفر ولا أهل البغي على التظاهر بأذى أحد منهم , وذلك بأن لا يبقى مشرك ~~أصلا ولا يبقى كتابي إلا ألزم الصغار بالجزية , والحكمة في إبقائهم دون ~~المشركين أن لهم كتبا أمهلوا لحرمتها ولينظروا فيها فيقفوا على الحق منها ~~فإنها وإن كانت قد وقع فيها التحريف قد بقي فيها ما يهدي الموفق لأنها لم ~~يعمها التحريف , وأما أهل الأوثان فليس لهم ما يرشدهم إلى الحق فكان ~~إمهالهم زيادة في شركهم مقطوعا بها من غير فائدة تنتظر . | قال الحرالي : ~~ففي طيه إشعار بما وقع وهو واقع وسيقع من قتال طائفة الحق لطائفة البغي ~~سائر اليوم المحمدي بما تخلص من الفتنة ويخلص الدين لله توحيدا ورضى وثباتا ~~على حال السلف الصالح وزمان الخلافة والنبوة - انتهى . | { فإن انتهوا } أي ~~كلفوا أنفسهم الرجوع عما استوجبوا به القتال فقد تركوا الظلم , والنهي قال ~~الحرالي الحكم المانع من الفعل المترامي إليه بمنزلة أثر العقل المسمى نهى ~~لمنعه عما تهوي إليه النفس مما يستبصر ms0413 فيه النهى , قال عليه الصلاة والسلام ~~: ( ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ) PageV01P365 فمن لم يكن من أهل ~~النهى كان نهاه النهى وهو الحكم المذكور - انتهى . | { فلا عدوان } أي فلا ~~سبيل يقع فيه العدو الشديد للقتال عليهم , فإنه لا عدوان { إلا على ~~الظالمين * } قال الحرالي : فذكر الظلم الشامل لوجوه إيقاع الأمر في غير ~~موضعه من أعلى الدين إلى أدناه - انتهى . | ويجوز أن يكون التقدير : فإن ~~انتهوا عن الشرك فقد انتفى عنهم اسم الظلم فلا تعتدوا عليهم , فإن اعتديتم ~~عليهم سلطانا عليكم لظلمكم لهم من يعتدي عليكم , فإنه لا عدوان إلا على ~~الظالمين الذين دخلتم في مسماهم وخرجوا من مسماهم بالانتهاء , فلا عدوان ~~إلا عليكم لا عليهم , ومعنى العدوان القتال بغاية العدو والشدة والعزم . | ~~ولما أباح تعالى القتال في كل مكان حتى في الحرم وكان فعله في الأشهر الحرم ~~عندهم شديدا جدا ثار - العزم للسؤال عنه فقال معلما لهم ما يفعلون في عمرة ~~القضاء إن احتاجوا على وجه عام : { الشهر الحرام } وهو ذو القعدة من سنة ~~سبع إن قاتلتموهم فيه لكونهم قاتلوكم في شهر حرام { بالشهر الحرام } الذي ~~قاتلوكم فيه وهو ذو القعدة سنة ست حيث صدوكم فيه عن عمرة الحديبية . | ولما ~~أشعر ما مضى بالقصاص أفصح به على وجه أعم فقال : { والحرمات } أي كلها وهي ~~جمع حرمة وهي ما يحفظ ويرعى ولا ينتهك { قصاص } أي تتبع للمساواة والمماثلة ~~{ فمن } أي فتسبب عن هذا أنه من { اعتدى عليكم } أي تعمد أذاكم في شيء من ~~الأشياء في أي زمان أو مكان كان { فاعتدوا عليه } أي فجاوزوه , سمي اعتداء ~~مشاكلة تقوية لعزائمهم وتوطينا لهممهم أي افعلوا وإن سماه المتعنت بغير ما ~~يحق له { بمثل ما اعتدى } أي عدوانه { عليكم } أي بمثل الذي اعتدى عليكم به ~~, ولعله أعاد الظرف وإن أفهمه الأول لدفع تعنت من لعله يقول : الكلام شامل ~~لاعتدائه علي وعلى غيري فلي أن أقابله بأعلى ما وقع له من ذلك , لأن المراد ~~ردعه ولو لم يرد الحكم هذا لقيد بما ينفيه . | ولما جعل المماثلة ms0414 حدا وكان ~~أمرها خفيا والوقوف عنده بعد استرسال النفس بإرسالها صعبا حذر من تعديه بعد ~~الإذن في القصاص الذي جر أغلبه بتسميته اعتداء على وجه نادب إلى العفو ~~للمستبصر فقال : { واتقوا الله } أي المحيط علما بكل شيء بالتحري في القصاص ~~حتى لا تتجاوزوا { واعلموا } وأظهر ولم يضمر لئلا يقيد بالتقوى في باب ~~الاعتداء مثلا فقال : { أن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال معكم إن ~~اتقيتم بالتحري فيه أو بالعفو فإن الله { مع المتقين * } ومن كان الله معه ~~أفلح كل الفلاح ( وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا ) . | قال PageV01P366 ~~الحرالي : ففي ضمنه إشعار وتطريق لمقصد السماح الذي هو خير الفضائل من وصل ~~القاطع والفعو عن الظالم , ولما كان في هذه التقوى خروج عن حظ النفس أعلمهم ~~أنه تعالى يكون عوضا لهم من أنفسهم بما اتقوا وداوموا على التقوى حتى كانت ~~وصفا لهم فأعلمهم بصحبته لهم - انتهى . | ولما كانت النفقة من أعظم دعائم ~~الجهاد وكان العيش في أول الإسلام ضيقا والمال قليلا فكان ذلك موجبا لكل ~~أحد أن يتمسك بما في يده ظنا أن في التمسك به النجاة وفي إنفاقه الهلاك ~~أخبرهم أن الأمر على غير ما يسول به الشيطان من ذلك < # > 77 ( { الشيطان يعدكم الفقر } ) 77 < # > [ البقرة : 268 ] وقال الحرالي : ولمكان ما لزم العفو من العز الذي جاء ~~على خلاف غرض النفس نظم به تعالى ما يجيء على خلاف مدرك الحس في الإنفاق ~~الذي يحصل به الزكاء والنماء , وأيضا لما أسس تعالى حكم الجهاد الذي هو أشق ~~الأعمال على النفس نظم به أمر الجود والإنفاق الذي هو أشق منه على الأنفس , ~~ومن حيث إن القتال مدافعة يشتمل على عدة وزاد لم يكن أمره يتم إلا بأعمال ~~الغريزتين : الشجاعة والجود , ولذلك كان أشد الآفات في الدين البخل والجبن ~~, انتهى - فقال تعالى : { وأنفقوا } وأظهر ولم يضمر إظهارا للاعتناء بأمر ~~النفقة ولئلا يقيد بحيثية من الحيثيات فقال : { في سبيل الله } أي الملك ~~الذي كل شيء تحت قهره كما قال : < # > 77 ( { وقاتلوا في سبيل ms0415 الله } ) 77 < # > [ البقرة : 190 ] وهو كل ما أمر به الله وإن كان استعماله في الجهاد ~~أكثر , أي ولا تخافوا العيلة والضيعة فإن الله ربكم هو الذي أمركم بذلك < # > 77 ( { والله يعدكم مغفرة منه وفضلا } ) 77 < # > [ البقرة : 265 ] قال الحرالي : فالنظر للأموال بإنفاقها لا بإصلاحها ~~وإثباتها فانتظم الخطابان ما في العفو من العز وما في الإنفاق من النماء , ~~وأكد ذلك بالإعلام بما لا تصل إليه مدارك الأنفس من أن إصلاح الأموال ~~وإمساكها تهلكة - انتهى . | فقال تعالى : { ولا تلقوا بأيديكم } أي تسرعوا ~~بوضعها إسراع من يلقي الشيء بعدم الإنفاق { إلى التهلكة } من الهلاك وهو ~~تداعي الشيء إلى أن يبطل ويفنى فإن في ذلك الإخلاد إلى الدعة والتواكل ~~فيجترئ عليكم العدو فلا يقوم لكم قائمة فإن البخل أسرع شيء إلى الهلاك , ~~وهي تفعلة بضم العين مصدر هلك , وقيل : إنه لا ثاني له في كلامهم , وحقيقة ~~أوقع الإلقاء لما ينفعه من نفسه وغيرها بيده أي بنفسه فجعل التهلكة آخذة ~~بها مالكة لصاحبها . | وقال الحرالي : إحاطة الخطاب تقتضي أن التهلكة تضييع ~~القتال والإنفاق اللذين بتركهما تقع الاستطالة على مبنى الإسلام فيتطرق إلى ~~هدمه , ولما كان أمر الإنفاق أخص بالأنصار الذين كانوا أهل الأموال لتجرد ~~المهاجرين عنها كان في ضمنه أن أكثر فصل الخطاب فيه للأنصار - انتهى . | ~~وقد روى أبو داود والترمذي - وهذا لفظه وقال : حسن صحيح - والنسائي عن أبي ~~أيوب رضي الله تعالى عنه : ( إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما ~~أعز الله الإسلام وكثر ناصروه وقال PageV01P367 بعضنا لبعض سرا دون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت , فلو أقمنا في أموالنا ! ~~فأنزل الله هذه الآية , فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا ~~الغزو ) وروى البخاري في التفسير عن حذيفة رضي الله تعالى عنه { وأنفقوا في ~~سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } قال : نزلت في النفقة ( . | ~~ولما كانت التوسعة في أمر القتال قد تجر إلى الاعتداء فختمه بالنهي عنه ~~وبأن الله لا يحب المعتدين وكانت التوسعة في الإنفاق في سبيل ms0416 الله من أعلى ~~خلال الإيمان قال تعالى : { وأحسنوا } أي أوقعوا الإحسان على العموم بما ~~أفهمه قصر الفعل وترك المتعلق بالإكثار من الإنفاق وظنوا بالله الحسن ~~الجميل , وأظهر من غير إضمار لطول الفصل ولنحو ما تقدم { إن الله } الملك ~~العظيم { لا يحب المحسنين } أي يفعل معهم كل ما يفعله المحب مع من يحبه من ~~الإكرام والإعلاء والنصر والإغناء وغير ذلك من جميع ما يحتاجه كما أنه لا ~~يحب المعتدين . | قال الحرالي : فانتظم ختم الخطابين بأن لا يقع الاعتداء ~~في القتل وأن يقع الإحسان في المال , وفي إشعاره حض الأنصار على إنفاق ~~أموالهم يتلون به حال المهاجرين في التجرد عنها , فكما كان أمر المهاجرين ~~أن لا ينقضوا الهجرة كان أمر الأنصار أن لا يلتفتوا إلى الدنيا , فما خرج ~~المهاجرون عن أصله خرج الأنصار عند التمسك به عن وصفه , فكان إعراضهم تابعا ~~لترك المهاجرين أموالهم . | ولما ختم آيات القتال بالنفقة في سبيل الله ~~لشدة حاجة الجهاد إليها وكان سبيل الله اسما يقع على الحج كما يقع على ~~الجهاد كما ورد في الحديث ( الحج من سبيل الله ) رجع إلى الحج والعمرة ~~المشير إليهما < # > 77 ( { مثابة للناس } ) 77 < # > [ البقرة : 125 ] و < # > 77 ( { إن الصفا والمروة } ) 77 < # > PageV01P368 [ البقرة : 158 ] الآية , و { مواقيت للناس والحج } ولا ~~سيما وآيات القتال هذه إنما نظمت ههنا بسببهما توصيلا إليهما وبعضها سببه ~~عمرة الحديبية التي صد المشركون عنها , فكان كأنه قيل : مواقيت للناس والحد ~~فحجوا واعتمروا أي تلبسوا بذلك وإن صددتم عنه وقاتلوا في سبيل الله من ~~قاتلكم في وجهكم ذلك لينفتح لكم السبيل , ولما كان ذلك بعد الفتح ممكنا لا ~~صاد عنه عبر بالإتمام فقال : { وأتموا * } أي بعد فتح السبيل بالفتح { الحج ~~والعمرة } بمناسكهما وحدودهما وشرائطهما وسننهما . | ولما تقدم الإنفاق في ~~سبيل الله والقتال في سبيل الله نبه هنا على أن ذلك كله إنما هو لتقام ~~العبادات التي هي مبنى الإسلام له سبحانه وتعالى فقال : { لله } الملك الذي ~~لا كفوء له أي لذاته , ولم يضمر لئلا يتقيد بقيد . | ولما كان ms0417 سبحانه ~~وتعالى قد أعز هذه الأمة إكراما لنبيها صلى الله عليه وسلم فلا يهلكها ~~بعامة ولا يسلط عليها عدوا من غيرها بل جعل كفارة ذنوبها في إلقاء بأسها ~~بينها أومأ إلى أنه ربما يقطعها عن الإتمام قاطع من ذلك بقوله بانيا ~~للمفعول لأن الحكم دائر مع وجود الفعل من غير نظر إلى فاعل معين معبرا ~~بأداة الشك إشارة إلى أن هذا مما يقل وقوعه : { فإن أحصرتم } أي منعتم ~~وحبستم عن إتمامها , من الإحصار وهو منع العدو المحصر عن متصرفه كالمرض ~~يحصره عن التصرف في شأنه - قاله الحرالي { فما } أي فالواجب على المحصر ~~الذي منع عن إكماله تلافيا لما وقع له من الخلل في عملهما { استيسر } أي ~~وجد يسرة على غاية السهولة حتى كأنه طالب يسر نفسه , واليسر حصول الشيء ~~عفوا بلا كلفة { من الهدي } إذا أراد التحلل من الحج والعمرة من الإبل ~~والبقر والغنم يذبحه حيث أحصر ويتصدق به وقد رجع حلالا ولما كان الحاج هو ~~العشث التفل أشار غلى حرمة التعرض لشعره بقوله : { ولا تحلقوا رؤوسكم } أي ~~شعرها إذا كنتم محرمين بحج أو عمرة , من الحلق . | قال الحرالي : وهو إزالة ~~ما يتأتى للزوال بالقطع من الآلة الماضية في عمله , والرأس مجتمع الخلقة ~~ومجتمع كل شيء رأسه - انتهى . | { حتى يبلغ } من البلاغ وهو الانتهاء إلى ~~الغاية { الهدي } أي إن كان معكم هدي { محله } أي الموضع الذي يحل ذبحه فيه ~~, إن كنتم محصرين فحيث أحصرتم وإلا فعند المروة أو في منى ونحوهما . | قال ~~الحرالي : والهدي ما تقرب به الأدنى للأعلى وهو اسم ما يتخذ فداء من ~~الأنعام بتقديمه إلى الله سبحانه وتعالى وتوجيهه إلى البيت العتيق , وفي ~~تعقيب الحلق بالهدي إشعار باشتراكهما في معنى واحد وهو الفداء , والهدي في ~~الأصل فداء لذبح الناسك نفسه لله سنة إبراهيم في ولده عليهما الصلاة ~~والسلام , وإزالة الشعر فداء من PageV01P369 جزاء لرأس لله , ولذلك لما سئل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن تقديم أحدهما على الآخر قال : ( افعل ولا حرج ~~) , لأن الجميع غاية بالمعنى الشامل ms0418 للفداء - انتهى . | ولما كان الإنسان ~~محلا لعوارض المشقة وكان الله سبحانه وتعالى قد وضع عنا الآصار ببركة النبي ~~المختار صلى الله عليه وسلم فجعل دينه يسرا قال : { فمن كان } وقيده بقوله ~~: { منكم } أيها المحرمون { مريضا } يرجى له بالحلق خير { أو به أذى } ولو ~~قل , والأذى ما تعلق النفس أثره { من رأسه } بقمل أو غيره { ففدية } أي ~~فعلية بحلق رأسه أو المداواة بما نهى المحرم عنه فدية { من صيام } لثلاثة ~~أيام { أو صدقة } لثلاثة آصع من طعام على ستة مساكين , لأن الصدقة كما قال ~~الحرالي عدل الصيام عند فقده كما تقدم . | ولليوم وجبتا فطر وسحور , لكل ~~وجبة مدان فلكل يوم صاع { أو نسك } أي تقرب بذبح شيء من الأنعام وهذه فدية ~~مخيرة . | ولما كان الله سبحانه وتعالى بسعة حمله وعظيم قدرته وشمول علمه ~~قد أقام أسبابا تمنع المفسدين على كثرتهم من التمكن من الفساد أشار إلى ذلك ~~بأداة التحقيق بعد تعبيره عن الإحصار بأداة الشك فقال : { فإذا أمنتم } أي ~~حصلتم في الأمن فزال الإحصار والمرض , و بني الفعل هنا للفاعل إشارة إلى ~~أنه كأنه آت بنفسه تنبيها على أنه الأصل بخلاف الإحصار حثا على الشكر { فمن ~~تمتع } أي تلذذ باستباحة دخوله إلى الحرم بإحرامه في أشهر الحج على مسافة ~~القصر من الحرم { بالعمرة } ليستفيد الحل حين وصوله إلى البيت ويستمر حلالا ~~في سفره ذلك { إلى الحج } أي إحرامه به من عامة ذلك من مكة المشرفة من غير ~~رجوع إلى الميقات { فما } أي فعليه ما { استيسر } وجد اليسر به { من الهدي ~~} من النعم يكون هذا الهدي لأجل ما تمتع به بين النسكين من الحل وهو مسافر ~~, هذا لمتمتع وأما القارن فلجمعه بين النسكين في سفر واحد وشأنهما أن يكونا ~~في وقتين وقت حل ووقت حرم , وفي العبارة إشعار بصحة إرداف الحج على العمرة ~~لأنه ترق من إحرام أدنى إلى إحرام أعلى . | PageV01P370 ولما أفهم التقييد ~~باليسر حالة عسر بينها بقوله : { فمن لم يجد } أي هديا , من الوجد وهو ~~الطول والقدرة { فصيام } أي فعليه ms0419 بدل الهدي صيام { ثلاثة أيام في الحج } ~~أي في أيام تلبسه به فلا يصح قبله ويجب أن يكون قبل يوم عرفة بحيث يكون فيه ~~مفطرا , { و } صيام { سبعة } أي من الأيام { إذا رجعتم } إلى بلادكم فلا ~~تصح قبل الوصول , ولم يفرد ليفهم أن العبرة إمكان الرجوع لا حقيقة رجوعه , ~~فلو أقام بمكة مثلا صام بها , ولو فاتته الثلاثة في الحج فرق بينها وبين ~~السبعة في الوطن بقدر مدة إمكان العود وزيادة أربعة أيام التشريق والعيد ~~ليكحي القضاء الأداء . | قال الحرالي : فيكون الصوم عدلا للهدي الذي يطعمه ~~المهدي كما كان الإطعام عدلا للصوم في آية { وعلى الذين يطيقونه } انتهى . ~~| ولما كان للتصريح مزية ليست لغيره قال : { تلك } أي العدة النفسية ~~المأمور بصومها { عشرة } دفعا لاحتمال أن تكون الواو بمعنى ( أو ) أو أن ~~يكون المراد بالسبع المبالغة دون الحقيقة وليحضر العدد في الذهن جملة كما ~~أحضره تفصيلا ؛ والعشرة : قال الحرالي : معاد عد الآحاد إلى أوله . | ولما ~~كان زمن الصومين مختلفا قال : { كاملة } نفيا لتوهم أن الصوم بعد الإحلال ~~دون ما في الإحرام , والكمال : قال الحرالي : الانتهاء إلى الغاية التي ليس ~~وراءها مزيد من ك وجه , وقال : فكما استوى حال الهدي في انتهائه إلى الحرم ~~أو الحل كذلك استوى حال الصوم في البلد الحرام والبلد الحلال ليكون في ~~إشارته إشعار بأن الأرض لله مسجد كما أن البيت الحرام لله مسجد فأظهر معنى ~~استوائهما في الكمال في حكم الأجر لأهل الأجور والقبول لأهل القبول والرضاء ~~لأهل الرضاء والوصول لأهل الوجهة كل عامل على رتبة عمله - انتهى . | ولو ~~قال : تامة , لم يفد هذا لأن التمام قد يكون في العدد مع خلل بعض الأوصاف . ~~| ولما كان ربما وقع في الفكر السؤال عن هذا الحكم هل هو خاص أو عام استأنف ~~تخصيصه بمن هو غائب عن حرم مكة على مسافة القصر فقال : { ذلك } أي الحكم ~~المذكور العلي في نفعه الحكيم في وضعه { لمن لم يكن أهله } من زوجته أو ~~أقاربه أو سكان وطنه . | وقال الحرالي : والأهل سكن ms0420 المرء من زوج ومستوطن { ~~حاضري } على مسافة الحضر بأن يكون ساكنا في الحرم أو من الحرم على دون ~~مسافة القصر وكل من كان هكذا فهو حاضر من الحضور وهو ملازمة الوطن لا على ~~مسافة السفر من { المسجد الحرام } أي الحرم بل كان أهله على مسافة الغيبة ~~منه وهي مسافة القصر . | قال الحرالي إفصاحا بما أفهمه معنى المتعة : وذلك ~~لأن الله عز وجل إذا تولى PageV01P371 إبانة عمل أنهاه إلى الغاية في ~~الإفصاح - انتهى . | وعبر عن الحرم بالمسجد إجلالا وتعظيما لما قرب من ~~الحرم , كما عظم الحرم بقربه من المسجد , وعظم المسجد بمجاورة الكعبة ؛ ~~لأنه جرت عادة الأكابر أن يكون لبيوتهم دور , ولدورهم أفنية , وحول تلك ~~الأفنية بيوت خواصهم ؛ وأما حاضروه فلا دم عليهم في تمتع ولا قران فرقا بين ~~خاصة الملك وغيرهم . | ولما كثرت الأوامر في هذه الآيات وكان لا يحمل على ~~امتثالها إلا التقوى أكثر تعالى فيها من الأمر بها . | قال الحرالي : لما ~~تجره النفوس من مداخل نقص في النيات والأعمال والتنقلات من الأحكام إلى ~~أبدالها فما انبنى على التقوى خلص ولو قصر - انتهى . | ولما كان من الأوامر ~~ما هو معقول المعنى ومنها ما هو تعبدي وكان عقل المعنى يساعد على النفس في ~~الحمل على امتثال الأمر ناسب اقتران الأمر به بالترغيب كما قال : < # > 77 ( { واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب } ) 77 < # > [ البقرة : 196 ] ولما كان امتثال ما ليس بمعقول المعنى من عند قوله : ~~< # > 77 ( { وأتموا الحج والعمرة لله } ) 77 < # > [ البقرة : 196 ] شديدا على النفس مع جماحها عن جميع الأوامر ناسب ~~اقترانه بالتهديد فكان ختامه بقوله : { واتقوا } أي فافعلوا جميع ذلك ~~واحملوا أنفسكم على التحري فيه والوقوف عند حدوده ظاهرا وباطنا واتقوا { ~~الله } أي اجعلوا بينكم وبين غضب هذا الملك الأعظم وقاية , وأكد تعظيم ~~المقام بالأمر بالعلم وتكرير الاسم الأعظم ولئلا يفهم الإضمار تقييد شديد ~~عقابه بخشية مما مضى فقال : { واعلموا } تنبيها على أن الباعث على المخافة ~~إنما هو العلم , { أن الله } أي الذي لا يداني عظمته شيء { شديد ms0421 العقاب } ~~وهو الإيلام الذي يتعقب به جرم سابق ؛ هذا مع مناسبة هذا الختام لما بعده ~~من النهي عن الرفث وما في حيزه , ومن تدبر الابتداء عرف الختم ومن تأمل ~~الختم لاح له الابتداء . | قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب المفتاح ~~في الباب الخامس في تنزلات القرآن بحسب الأسماء : اعلم أن خطاب الله يرد ~~بيانه بحسب أسمائه ويجمعها جوامع أظهرها ما ترى آياته وهو اسمه الملك وما ~~يتفصل إليه من الأسماء القيمة لأمر الحكم والقضاء والجزاء نحو العزيز ~~الحكيم الذي يختم به آيات الأحكام < # > 77 ( { نكالا من الله والله عزيز حكيم } ) 77 < # > [ المائدة : 38 ] ثم ما تسمع آياته من اسمه الرحمن الرحيم وما يتفصل من ~~الأسماء من معنى الرحمة المنبئة عن الصفح والمغفرة الذي تختم به آيات ~~الرحمة < # > 77 ( { ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما } ) ~~77 < # > [ الأحزاب : 73 ] فلكل تفصيل في مورد وجهي العدل والفضل أسماء يختص به ~~بناؤها ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ما لم يختم آية رحمة بعذاب أو آية ~~عذاب برحمة , ثم ما توجد آياته وجدانا في النفس وهي PageV01P372 الربوبية ~~وما ينتهي إليه معنى سواء أمرها من ^ ( { الحمد لله رب العالمين } ) ^ [ ~~الفاتحة : 2 ] وما يتفصل إليه من الأسماء الواردة في ختم الإحاطات نحو { ~~الواسع العليم } , فمن تفطن لذلك استوضح من التفصيل الختم واستشرح من الختم ~~التفصيل . | وقد كان ذلك واضحا عند العرب فاستعجم عند المتعربين إلا ما كان ~~ظاهر الوضوح منه ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان متين الإفهام في ~~القرآن - انتهى . | < < # | البقرة : ( 197 - 202 ) الحج أشهر معلومات . . . . . # > > ^ ( الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ~~في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون ~~يأولي الألباب * ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذآ أفضتم من ~~عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله ~~لمن الضآلين * ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور ~~رحيم ms0422 * فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا فمن ~~الناس من يقول ربنآ آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق * ومنهم من ~~يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار * أولئك ~~لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب ) ^ } ) | ولما ذكر سبحانه وتعالى أن ~~الحج موقت بالأهلة ولم يعين له وقتا من شهور السنة وختم ذلك بالتفرقة في ~~بعض أحكام الحج بسبب الأماكن تشوفت النفس إلى تعيين وقته وأنه هل هو ~~كالمكان أو عام الحكم فقال { الحج } أي وقته { أشهر } فذكره بصيغة من جموع ~~القلة الذي أدناه ثلاث وهي ثلاث بجر المنكسر : شوال وذو القعدة وتس من ذي ~~الحجة وليلة العيد بدليل أنه يفوت بطلوع الفجر يوم النحر ؛ ولما أبهم عين ~~فقال : { معلومات } أي قبل نزول الشرع فأذن هذا أن الأمر بعد الشرع على ما ~~كان عليه ولا شك أن في الإبهام ثم التعيين إجلالا وإعظاما للمحدث عنه . | ~~ولما ختم الآية التي قبلها بالتحذير من سطواته أمر بإخلاص الحج عن الشوائب ~~ناهيا بصيغة النفي تفخيما له وتأكيدا للنهي ولما كان الحج لا يقع إلا فرضا ~~قال : { فمن فرض } أي أوجب بالإحرام , وهو من الفرض وهو الحز في الشيء ~~لينزل فيه ما يسد فرضته حسا أو معنى فمن تعظيمه سبحانه وتعالى له أنه جعله ~~دون سائر العبادات لا نفل فيه بعد التلبس به . | قال الحرالي : لأن الفرائض ~~من لم يقمها تساقط عضوا عضوا قائم PageV01P373 دينه كما أن النوافل من لم ~~يأت بها عري نم زينتها فكانت الفروض صحة والنوافل زينة . | وفي قوله : { ~~فيهن } إشعار بصحة وقوع الحج في بعضهن وأن الحج ليس كالصوم طبق زمانه , ~~فكان من العبادات ما هو طبق زمانه كالصوم , وما يتسع فيه كالصلاة , وما لا ~~بد أن ينتهي إلى خاتمته كالحج وتقع التوسعة في الشروع - انتهى { الحج } أي ~~تلبس به كيف كان . | ولما كان في الإنسان قوى أربع : شهوانية بهيمية , ~~وغضبية سبعية ووهمية شيطانية تبعث مع مساعدة القوتين الأخريين على ms0423 المنازعة ~~والمغالبة في كل شيء , وعقلية ملكية ؛ وكان المقصود من جميع العبادات قهر ~~القوى الثلاث لأن منشأ الشرور كلها محصور فيها بالعقلية قال دالا عليها ~~محذرا منها مرتبة : { فلا رفث } أي مواجهة للنساء بشيء من أمور النكاح . | ~~ولما كان الرفث هو داعيا إلى الوقاع الذي هو فسق بالخروج عن الإحرام الصحيح ~~قال ضاما إليه كل ما دخل في هذا الاسم : { ولا فسوق } قال الحرالي : هو ~~الخروج عن إحاطة العلم والعقل والطبع - انتهى . | ولما كان المراء قد يجر ~~إلى الفسق بما يثير من الإحن وتوعير الصدور فكان فسقا خاصا عظيما ضرره قال ~~: { ولا جدال } أي مدافعة بالقول بفتل عن القصد كمدافعة الجلاد باليد أو ~~السيف ولعله عبر بهذا المصدر الذي شأنه أن يكون مزيدا دون الجدل الذي معناه ~~الدرء في الخصومة لأن ينصب النفي على المبالغة فيفهم العفو عن أصله لأنه لا ~~يكاد يسلم منه أحد , وكذا الحال في الفسوق { في الحج } فصار الفسق واسطة ~~بين أمرين جارين إليه والجدال لكونه قد يفسد ذات البين أعظمها خطرا ويجمع ~~ما في الرفث من الشهوة وقد يكون فسقا فقد اشتمل على قبائح الكل ؛ فلذلك ~~أجمع القراء السبعة على بنائه مع لا على الفتح دون ما قبله لأن البناء دال ~~على نفي الماهية ونفيها موجب لنفي جميع أفرادها , وأما الرفع فإنما يدل على ~~يبنون الحج على النسيء ويتخالفون فيه في الموقف , فزال الجدال فيه بعد ~~البيان بكل اعتبار من جهة الخدم والعيال وغيرهم والنسيء والموقف وغيرهما من ~~حيث إنه قد علمت مشاعره وتقررت شرائعه وأحكمت شعائره وأوضحت جميع معالمه ~~فارتفع النزاع أصلا في أمره . | قال الحرالي : فمنع في الحج من الإقبال على ~~الخلق بما فيه كره من رفث ومسابة وجدال حتى لا يقبل الخلق على الخلق في ~~الحج إلا بما الإقبال فيه إقبال على الحق بالحقيقة فما ينزه الحق تعالى عن ~~مواجهته بما يتحامى مع الخلق في زمن الحج كما تحومي ما يختص بالنفس من ~~الأحداث في عمل الصلاة ؛ وفي وروده نفيا لا نهيا ms0424 إعلام بأنه مناقض لحال ~~الحج حين نفى لأن شأن ما يناقض أن ينفى وشأن ما لا PageV01P374 يناقض ~~ويخالف أن ينهى عنه , كما قال فيما هو قابل للجدال < # > 77 ( { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن } ) 77 < # > [ العنكبوت : 46 ] وبين خطاب النهي والنفي فوت في الأحكام الشرعية ~~ينبني الفقه في الأحكام على تحقيقه في تأصيلها والتفريع عليها - انتهى . | ~~ولما كانت هذه المنفيات شرا وكان التقدير : فما فعلتم من هذه المنهيات على ~~هذا الوجه الأبلغ عوقبتم عليه عطف عليه : { وما } وقال الحرالي : ولما حمي ~~من سوء معاملة الخلق مع الخلق عرض بأن يوضع موضع ذلك الإحسان فيقع في محل ~~إخراج الأنفس أن يتودد إليها بإسداء الخير وهو الإحسان من خير الدنيا , ففي ~~إعلامه تحريض على إحسان الحج بعضهم لبعض لما يجمع وفده من الضعيف والمنقطع ~~فقال : وما { تفعلوا } انتهى . | أي يوجد لكم فعله في وقت من الأوقات { من ~~خير } في الحج أو غيره بتوكل في تجرد أو تزود في تزهد أو غير ذلك من القول ~~الحسن عوض الرفث , والبر والتقوى مكان الفسق , والأخلاق الجميلة واليسر ~~والوفاق مكان الجدال { يعلمه الله } الذي له جميع صفات الكمال فيجازيكم ~~عليه فهو أشد ترغيب وترهيب . | ولما عمم في الحث على الخير على وجه شامل ~~للتزود وتركه بعد التخصيص أشار غلى أن الخير هو الزاد على وجه يعم الحسي ~~والمعنوي زيادة في الحث عليه إذ لا أضر من إعواز الزاد لأكثر - العباد فقال ~~: { وتزودوا } أي التقوى لمعادكم الحاملة على التزود الحسي لمعاشكم الحامل ~~على الزهد فيما في أيدي الناس , و المواساة لمحتاجهم الواقية للعبد من عذاب ~~الله ( اتقوا النار ولو بشق تمرة ) وذلك هو ثمرة التقوى ؛ والزاد هو متعة ~~المسافر . | ثم علل ذلك بما أنتجه بقوله { فإن خير } , ويجوز أن يكون ~~التقدير : وتزودوا واتقوا الله في تزودكم { فإن خير الزاد التقوى } وفي ~~التجرد مداخل خلل في بعض نيات الملتبسين بالمتوكلين من الاتكال على الخلق , ~~فأمر الكل بالتزود سترا للصنفين , إذ كل جمع لا بد فيه من ms0425 كلا الطرفين - ~~قاله الحرالي وقال : وفي ضمنه تصنيفهم ثلاثة اصناف : متكل لا زاد معه فمعه ~~خير الزادين , ومتمتع لم يتحقق تقواه فلا زاد له في الحقيقة , وجامع بين ~~التقوى والمتعة فذلك على كمال السنة ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام : ( ~~قيدها وتوكل ) لأن ذلك أسر للطرفين ؛ وحقيقة التقوى في أمر PageV01P375 ~~التزود النظر إلى الله تعالى في إقامة خلقه وأمره , قال بعض أهل المعرفة : ~~من عوده الله سبحانه وتعالى دوام النظر إليه بالغيبة عما سواه فقد ملك ~~الزاد فليذهب حيث شاء فقد استطاع سبيلا - انتهى . | ولما علم من ذلك أن ~~التقدير : فأكثروا من الزاد مصحوبا بالتقوى وكان الإنسان محل النقصان فكان ~~الإكثار حاملا له في العادة على الطغيان إلا من عصم الله وقليل ما هم قال ~~سبحانه وتعالى مؤكدا لأمر التقوى مشرفا لها بالإضافة إلى نفسه الشريفة ~~تنبيها على الإخلاص لأجل ذاته السنية لا بالنظر إلى شيء من رجاء أو خوف أو ~~اتصاف بحج أو غيره عاطفا على ما أرشد إلى تقديره السياق : { واتقون } أي في ~~تقواكم بالتزود , وزاد الترغيب فيها بقوله : { يا أولي الألباب * } أي ~~العقول الصافية والأفهام النيرة الخالصة التي تجردت عن جميع العلائق ~~الجسمانية فأبصرت جلالة التقوى فلزمتها . | ولما فهم من هذا الحث على ~~الإكثار من الزاد تحركت نفوس أولي الهمم الزاكية القابلة للتجرد عن الأعراض ~~الفانية إلى السؤال عن المتجر لإنفاقه في وجوه الخير هل يكره في زمان أو ~~مكان لا سيما عند تذكر أن أناسا كانوا في الجاهلية يكرهون التجارة للحاج ~~فأجيب بقوله معلما أن قطع العلائق لمن صدق عزمه وشرفت همته أولى : { ليس ~~عليكم جناح } أي إثم في { أن تبتغوا } أي تطلبوا بجد واجتهاد { فضلا } أي ~~إفادة بالمتجر في مواسم الحج وغيرها { من ربكم } المحسن إليكم في كل حال ~~فلا تعتمدوا في الفضل غلا عليه , وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما قال : ( كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية ~~فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت { ليس عليكم جناح أن تبتغوا ms0426 فضلا من ~~ربكم } في مواسم الحج ) . | ولما كان الاستكثار من المال إنما يكره للشغل ~~عن ذكر الله سبب عنه الآمر بالذكر في قوله { فإذا } أي فاطلبوا الفضل من ~~ربكم بالمتجر { أفضتم } أي أوقعتم الإفاضة , ترك مفعوله للعلم به أي دفعتم ~~ركابكم عند غروب الشمس ففاضت في تلك الوهاد كما يفيض الماء المنساب في ~~منحدر الشعاب , وأصل الإفاضة الدفع بكثرة { من عرفات } الجبل الذي وقفتم ~~فيه بباب ربكم الموقف الأعظم الذي لا يدرك الحج إلا به من معنى التعرف لما ~~تقدمته نكرة , وليست تاؤه للتأنيث فتمنعه الصرف بل هي علامة جمع ~~PageV01P376 المؤنث , قاصدي المبيت بالمزدلفة , وهو علم على الموقف سمي ~~بجمع { فاذكروا الله } ذا الجلال لذاته بأنواع الذكر { عند } أي قريبا من { ~~المشعر } أي المعلم ولما كان بالحرم , قال : { الحرام } وهو الجبل المسمى ~~قزح , وهو من الشعور وهو خفي الإدراك الباطن فالموقف الأول آية على نغوض ~~الدنيا ومحوها وزوالها , والثاني دال بفجره وشمسه على البعث لمجازاة ~~الخلائق بأعمالها ؛ والتعبير بعند للإعلام بأن مزدلفة كلها موقف غير محسر ~~فإنها كلها تقاربه , ويفهم ذلك صحة الوقوف عليه بطريق الأولى . | قال ~~الحرالي : وذلك حظ من الوقوف هنيهة وقت في البلد الحرام عند إقبال النهار ~~معادلة للوقوف بعرفة من الحل إلى إقبال الليل ليتثنى الوقوف في الحل والحرم ~~. | فكان فيه موقف نهار ينتهي إلى الليل في عرفة وموقف ليل ينتهي إلى ~~النهار في المشعر ؛ فوقف فيه صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الفجر وقبل طلوع ~~الشمس , وهو ذكره عنده , لأن الذكر بحسب الذاكر , فذكر اللسان القول , وذكر ~~البدن العمل , وذكر النفس الحال والانفعال , وذكر القلب المعرفة والعلم ~~واليقين ونحو ذلك , ولكل شيء ذكر بحسبه ؛ وفي جمع الموقفين في الحل والحرم ~~في معلم الحج الذي هو آية الحشر إيذان وبشرى بأن أهل الموقف صنفان : صنف ~~يقفون في موطن روع ومخافة وقوفا طويلا اعتبارا بوقوف الواقفين بعرفة من حين ~~زوال الشمس إلى غروبها ست ساعات , وصنف حظهم من الوقوف قرار في أمنة ظل ~~العرش الذي هو حرم ms0427 يوم القيامة وكعبته فتشعر خفة الوقوف بالمشعر الحرام ن ~~أمد طول ذلك اليوم يمر على المستظلين بظل العرش فيه كأيسر مدة كما قال عليه ~~الصلاة والسلام بمقدار صلاة مكتوبة , فكان في ذلك فضل ما بين موقف الحرم ~~على موقف الحل - انتهى . | ولما - علم من ذكر الاسم الأعظم أن التقدير : ~~كما هو مستحق للذكر لذاته , عطف عليه قوله { واذكروه } أي عند المشعر وغيره ~~{ كما } أي على ما ولأجل ما { هداكم } أيها الناس كافة للإسلام وأيها الخمس ~~خاصة لترك الوقوف به والوقوف مع الناس في موقف أبيكم إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام . | ولما كان التقدير : فإنه بين لكم PageV01P377 بيانا لم يبينه ~~لأحد كان قبلكم ووفقكم للعمل عطف عليه قوله : { وإن } أي فإنكم { كنتم } ~~ولما كانوا قبل عمرو بن لحي على هدى فكان منهم بعد ذلك المهتدي كزيد ابن ~~عمرو و ورقة بن نوفل فلم يستغرق زمانهم بالضلال أثبت الجار فقال : { من ~~قبله } أي الهدى الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم { لمن الضالين * } ~~عن سنن الهدى ومواقف الأنبياء علما وعملا حيث كنتم تفيضون من المشعر الحرام ~~. | ولما قبح عليهم ما كانوا عليه من المخالفة في الوقوف بالنسبة إلى ~~الضلال بالجملة الاسمية مؤكدة بأنواع التأكيد وكان ما مضى من ذكر الإفاضة ~~ليس بقاطع في الوجوب أشار لهم إلى تعظيم ما هداهم له من الموافقة بأداة ~~التراخي فقال عاطفا على ما تقديره : فلا تفيضوا من المشعر الحرام الإفاضة ~~التي كنتم تخالفون فيها الناس دالا على تفاوت الإفاضتين وبعد ما بينهما على ~~وجه معلم بالوجوب : { ثم } أي بعد طول تلبسكم بالضلال أنزلت عليكم في هذا ~~الذكر الحكيم الذي أبيتموه وهو عزكم وشرفكم لا ما ظننتم أنه شرف لكم ~~بالتعظم على الناس بمخالفة الهدى في الوقوف بالمزدلفة والإفاضة منها { ~~أفيضوا } أي إذا قضيتم الوقوف . | وقال الحرالي : لما كان للخطاب ترتيب ~~للأهم فالأهم كما كان للكيان ترتيب للأسبق فالأسبق كان حرف المهلة الذي هو ~~ثم , يقع تارة لترتيب الكيان وتارة لترتيب الإخبار فيقول القائل مثلا : امش ~~إلى ms0428 حاجة كذا - تقديما في الخبر الأهم - ثم ليكن خروجك من موضع كذا , فيكون ~~السابق في الكيان متأخرا بالمهلة في الإخبار , فمن معنى ذلك قوله - انتهى . ~~| ثم أفيضوا أيها الحمس ! { من حيث أفاض الناس } أي معظمهم وهو عرفات , إلى ~~المشعر الحرام لتبيتوا به , وروى البخاري في التفسير عن عائشة رضي الله ~~تعالى عنها قالت : ( كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا ~~يسمعون الحمس وكان سائر العرب يقفون بعرفات فلما جاء الإسلام أمر الله ~~تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات ثم يقف بها ثم يفيض منها فذلك ~~قوله سبحانه وتعالى { ثم أفيضوا } ) الآية , { واستغفروا الله } أي اطلبوا ~~من ذي الجلال والإكرام أن يغفر لكم ما كنتم تفعلونه أيام جاهليتكم من ~~مخالفة الهدى في الوقوف وما يبقى في الأنفس من آثار تلك العادة ومن غير ذلك ~~من النقائص التي يعلمها الله منكم . | PageV01P378 قال الحرالي : والعادات ~~أشد ما على المتعبدين والطريق إلى الله تعالى بخلعها , وقد كان جدالهم أي ~~في وقوفهم في الحرم بغير علم لأن العلم يقتضي أن الواقف خائف والخائف لا ~~يخاف في الحرم لأن الله سبحانه وتعالى جعل الحرم آمنا , فمن حق الوقوف أن ~~يكون في الحل فإذا أمن دخل الحرم وإذا دخل الحرم أمن - انتهى . | وأظهر ~~الاسم الشريف تعريفا للمقام وإعلاما بأنه موصوف بما يصفه به على وجه العموم ~~من غير نظر إلى قيد ولا حيثية فقال : { إن الله } ذا الكمال { غفور } أي ~~ستور ذنب من استغفره { رحيم * } أي بليغ الرحمة يدخل المستغفر في جملة ~~المرحومين الذين لم يبد منهم ذنب فهو يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم ~~بالمرحوم ليكون التائب من الذنب كمن لا ذنب له . | ولما أمرهم بالذكر في ~~المناسك وكان الإنسان فيها بصدد الذكر أمرهم بالذكر بعد قضائها لأن من فرغ ~~من العبادة كان بصدد أن يستريح فيفتر عن الذكر إلى غيره وكانت عادتهم أن ~~يذكروا بعد فراغهم مفاخر آبائهم فقال : { فإذا قضيتم } أي أنهيتم إنهاء ~~بينا لا شبهة فيه { مناسككم } أي أركان ms0429 الحج , وأعاد الاسم الأعظم بمثل ما ~~مضى من التعظيم وتعميم الذكر في جميع الوجوه فقال : { فاذكروا الله } الذي ~~لا نعمة عليكم إلا منه وهو الذي هداكم , ذكرا { كذكركم آباءكم } لكونهم ~~أحسنوا إليكم بالتربية التي هي في الحقيقة من فضل الله تعالى , على أنهم ~~فعلوا بكم كل محنة لا توازيها نعمة فإنهم أضلوكم , فسبحان من رضي وهو ~~المنعم المطلق الهادي بأن يذكر مثل ذكر من كان سببا لنعمة خاصة هو سبحان ~~الذي أفاضها عليه مع أنه كان سببا في الضلال ! قال الحرالي : فانتظم ذكر ~~إخراجهم عن قولهم المعهود بإخراجهم عن موقفهم المعهود إخراجا لهم عن ~~معتادهم في أعمالهم وأحوالهم , وفي إعلامه أخذ للخلق بأن يعاملوا الحق ~~معاملة من يجلونه من الخلق وذلك عن بلية ما غلب عليهم من التقيد بما يرون ~~وضعف الإيمان بما سمعوا أو علموا . | ولما كان في هذه التربية بخس جرى عليه ~~هذا الخطاب كما ورد ( استحي من الله كما تستحيي رجلا جليلا من قومك ) قال ~~تعالى : { أو أشد ذكرا } انتهى . | أي اذكروا الله ذكرا أعلى من ذلك بأن ~~تذكروه ذكرا أشد من ذكركم لآبائكم لما له من الفضل العام , ومما يدخل تحت ~~هذا الذكر أن يأنف من أن يكون لله في عبادته أو شيء من أموره شريك كما ~~يستنكف ابن أن يكون لأبيه فيه شريك بل يكون في أمر الشرك أشد PageV01P379 ~~أنفة . | قال الحرالي : فرفع الخطاب إلى ما هو أ ليق بالحق من إيثار ما ~~يرجع إليه على ما يرجع إلى الخلق انتهى . | ولما أمر تعالى بما أمر من ذكره ~~لذاته ثم لإحسانه على الإطلاق ثم قيد بإفراده بذلك وترك ذكر الغير سبب عنه ~~تقسيم الناس في قبول الأمر فقال صارفا من القول عن الخطاب دلالة على العموم ~~: { فمن الناس من } تكون الدنيا أكبر همه فلا التفات له إلى غيرها فهو { ~~يقول } أفرد الضمير رعاية للفظ من بشارة بأن الهالك في هذه الأمة إن شاء ~~الله قليل { ربنا } أيها المحسن إلينا { آتنا في الدنيا } ومفعوله محذوف ~~تقديره ms0430 : ما نريد - { و } الحال أنه { ما له } ويجوز أن يكون عطفا على ما ~~تقديره : فيعطيه ما شاء سبحانه منها لا ما طلب هو , وليس له { في الآخرة من ~~خلاق * } أي نصيب لأنه لا رغبة له فيها فهو لا يطلبها ولا يسعى لها سعيها . ~~| قال الحرالي : والخلاق الحظ اللائق بالخلق والخلق . | { ومنهم من } يجعل ~~عبادته وحجه وسيلة إلى الرغبة إلى ربه ويذكر الله تعالى كما أمر فهو { يقول ~~ربنا } بإحسانك { آتنا في الدنيا } حالة وعيشة { حسنة } لا توصل بها إلى ~~الآخرة على ما يرضيك . | قال الحرالي : وهي الكفاف من المطعم والمشرب ~~والملبس والمأوى والزوجة على ما كانت لا شرف فيها - انتهى . | { وفي الآخرة ~~حسنة } أي من رحمتك التي تدخلنا بها الجنة . | ولما كان الرجاء لا يصلح إلا ~~بالخوف وإعطاء الحسنة لا ينفي المس بالسيئة قال : { وقنا عذاب النار * } أي ~~بعفوك ومغفرتك . | ولما كان هؤلاء على منهاج الرسل لأنهم عبدوا الله أولا ~~كما أشار إليه السياق فانكسرت نفوسهم ثم ذكروه على تلك المراتب الثلاث ~~فنارت قلوبهم بتجلي نور جلاله سبحانه وتعالى فتأهلوا بذلك للدعاء فكان ~~دعاؤهم كاملا , كما فعل الخليل عليه الصلاة والسلام حيث قال : < # > 77 ( { الذي خلقني فهو يهدين } ) 77 < # > [ الشعراء : 78 ] الآيات حتى قال < # > 77 ( { رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين } ) 77 < # > [ الشعراء : 83 ] فقدم الذكر على الدعاء وكما هدى إليه آخر آلعمران في ~~قوله : < # > 77 ( { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ~~ربنا فاغفر لنا } ) 77 < # > [ آل عمران : 193 ] الآيات , فقدموا الطاعة عظم شأنهم بقوله على سبيل ~~الاستئناف جامعا على معنى من بشارة بكثرة الناجي في هذه الأمة أو يكون ~~الجمع لعظم صفاتهم : { أولئك } أي العالو المراتب العظيمو المطالب { لهم } ~~أي هذا القسم فقط لأن الأول قد أخبر أن الأمر عليه لا له . | ولما كان غالب ~~أفعال العباد على غير السداد وأقل ما فيها أن تكون خالية عن نية حسنة قال ~~مشيرا إلى ذلك : { نصيب } وهو اسم للحظ الذي أتت عليه القسمة بين جماعة , ~~كائن { مما ms0431 } لو قال : طلبوا - مثلا , لم يعم جميع أفعالهم ؛ ولو قال : ~~فعلوا , PageV01P380 لظن خروج القول فعدل إلى قوله : { كسبوا } أي طلبوا ~~وأصابوا وتصرفوا واجتهدوا فيه وجمعوا من خلاصة أعمالهم القولية والفعلية ~~ومنها الاعتقادية وهو ما أخلصوا فيه فهو الذي يثابون عليه وهو قليل بالنسبة ~~إلى باقي أعمالهم . | ولما كان أسرع الناس حسابا أعلمهم بفنونه خطأ وصوابا ~~وكان التقدير : فالله عالم بخفي أعمالهم وجليها وتمييز جيدها من رديئها فهو ~~يجازيهم على حسب ذلك عطف عليه قوله : { والله } أي المحيط علما وقدرة { ~~سريع الحساب * } وهو أحصى الأعمال وبيان ما يجب لكل منها الجزاء واتصاله ~~إلى العامل لما له من سعة العلم وشمول القدرة , قيل لبعضهم : كيف يحاسب ~~الله الخلق في وقت واحد ؟ قال : كما يرزقهم في وقت واحد , وفيه ترغيب بأنه ~~لا ينسى عملا , وترهيب بأنه لا يمشي عليه باطل ولا يقدر على مدافعته مطاول ~~. | < < # | البقرة : ( 203 - 210 ) واذكروا الله في . . . . . # > > ^ ( واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ~~ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموآ أنكم إليه تحشرون * ~~ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ~~ألد الخصام * وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله ~~لا يحب الفساد * وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس ~~المهاد * ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله والله رؤوف بالعباد * ~~يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم ~~عدو مبين * فإن زللتم من بعد ما جآءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم ~~* هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر ~~وإلى الله ترجع الامور ) ^ } ) | ولما كان قد أمرهم بذكره عند قضاء الأركان ~~وكان ربما فهم اقتصارهم عليه في الوقت الذي كانوا يذكرون فيه أباءهم قال ~~معمما وليكون الحث عليه آكد لتكرير الندب إليه بصيغة الأمر فيكون أضخم ~~لشأنه : { واذكروا } بالرمي , أمر بالرمي وعبر ms0432 عنه بالذكر ليشمل كل ذكر ~~لسانيا كان أو غيره { الله } أي لما يستحقه في ذاته من الكمال { في أيام } ~~ولما كانت لا تحتاج إلى غير العد لكونها قليلة وبعد الأيام التي يحتاط في ~~أمرها بالرأي وغيره حتى تكون معلومات قال جامعا صفة ما لا يعقل بما اطرد ~~فيها من الألف والتاء إذا كان موصوفها جمع قلة : { معدودات } وهي أيام ~~إقامتكم بمنى في ضيافته PageV01P381 سبحانه لفعل بقية ماعليكم من تتمات ~~العبادات الحجية أولها يوم القر , وهو الحادي عشر ليستقر الناس فيه بمنى , ~~ثانيها يوم النفر الأول , ثالثها يوم النفر الأعظم , والثلاثة تسمى أيام ~~التشريق , وهى مع يوم العيد تسمى أيام النحر . | والأربعة مع يوم عرفة أيام ~~التكبير والذكر , ولما فهم من هذا أنه لا بد من الإقامة بها - في مدة ~~الثلاثة الأيام نفى ذلك ميسرا لأن الحج يجمع القوي والضعيف والخادم ~~والمخدوم , والضعيف في هذا الدين أمير على القوي فقال مشيرا إلى أن الإنسان ~~في ذلك الجمع الأعظم له نازعان نازع ينزع إلى الإقامة في تلك الأماكن ~~المرضية والجماعات المغفورة ونازع ينزعه إلى أهله وأوطانه وعشائره وإخوانه ~~: { فمن تعجل } منكم النفر للرجوع إلى أوطانه { في يومين } منها { فلا إثم ~~عليه } والعجلة فعل الشيء قبل وقته الأليق به , وقيد باليومين إعلاما بأن ~~من أدركه غروب اليوم الثاني بمنى وهو مقيم لزمه مبيت الليلة الثالثة ورمى ~~اليوم الثالث , فإن نفر قبل غروبه سقط عنه المبيت والرمي , قال في شرح ~~المهذب : بلا خلاف , وكذا إن أدركه الغروب وهو راحل قبل أن ينفصل منها , ~~ولم يقيد التأخر لأن نهايته باليوم الثالث معروفة نم أن الأيام ثلاثة . | ~~ولما كان ذلك ربما أفهم أن المتأخر يلحقه إثم كما كان أهل الجاهلية يقولون ~~وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم قوما يسابقون إلى المعالي وكان سبحانه ~~وتعالى يريد الرفق بأهل هذا الدين ستر التصريح بالترغيب في التأخر فعبر عنه ~~أيضا بنفي الإثم كالأول بعد أن أشار إلى الترغيب فيه بالتعبير عن النفر ~~الأول بالتعجل فقال : { ومن تأخر } أي فأقام ms0433 في منى إلى تمام الثلاثة فرمى ~~اليوم الثالث { فلا إثم عليه } والتأخر إبعاد الفعل من الآن الكائن . | قال ~~الشيخ محيي الدين في شرح المهذب : قال الشافعي رضي الله تعالى عنه والأصحاب ~~: يجوز النفر في اليوم الثاني من التشريق ويجوز في الثالث , وهذا مجمع عليه ~~لقوله تعالى : { فمن تعجل } - الآية , قالوا : والتأخر إلى اليوم الثالث ~~أفضل للأحاديث الصحيحة ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر في اليوم ~~الثالث ) . | ولما كان مدار الأعمال البدنيات على النيات قيد ذلك بقوله : { ~~لمن } أي هذا PageV01P382 النفي للإثم عن القسمين لمن { اتقى } من أهلهما ~~فأدار أفعاله على ما يرضي الله . | ولما كان التقدير : فافعلوا ما شئتم من ~~التعجل والتأخر عطف عليه ما علم أنه روحه فقال : { واتقوا الله } أي الذي ~~له الإحاطة الشاملة . | ولما كان الحج حشرا في الدنيا والانصراف منه يشبه ~~انصراف أهل الموقف بعد الحشر عن الدنيا فريقا إلى الجنة وفريقا إلى السعير ~~ذكرهم بذلك بقوله : { واعلموا أنكم } جميعا { إليه } لا إلى غيره { تحشرون ~~* } بعد البعث , والحشر الجمع بكره , وهو واقع على أول خروجهم من الأجداث ~~إلى انتهاء الموقف , فاعلموا لما يكون سببا في انصرافكم منه إلى دار كرامته ~~لا إلى دار إهانته . | قال الحرالي : وكلية الحج ومناسكه مطابق في الاعتبار ~~لأمر يوم الحشر ومواقفه من خروج الحاج من وطنه متزودا كخروج الميت من ~~الدنيا متزودا بزاد العمل , ووصوله إلى الميقات وإهلاله متجردا كانبعاثه من ~~القبر متعريا , وتلبيته في حجه كتلبيته في حشره < # > 77 ( { مهطعين إلى الداع } ) 77 < # > [ القمر : 80 ] كذلك اعتباره موطنا إلى غاية الإفاضة والحلول بحرم الله ~~في الآخرة التي هي الجنة , وا لشرب من ماء زمزم التي هي آية نزل الله لأهل ~~الجنة على وجوه من الاعتبارات يطالعها أهل الفهم واليقين , فلأجل ذلك كان ~~أتم ختم لأحكام الحج ذكر الحشر - انتهى . | وهنا تم ما أراد سبحانه وتعالى ~~من بيان قواعد الإسلام الخمس : الإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج , ~~المشار إلى الثلاث الأول منها بقوله تعالى أول السورة : < # > 77 ( { يؤمنون بالغيب ويقيمون ms0434 الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } ) 77 < # > [ البقرة : 3 ] وذكر الحج لمزيد الاعتناء به لاحقا للصوم بعد ذكره ~~سابقا عليه , ولعل ذلك هو السبب في تقديم الصوم على الحج تارة وتأخيره أخرى ~~في روايات حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيح ( بني الإسلام على ~~خمس ) . | ولما كان قد ذكر سبحانه وتعالى الراغب في الدنيا وحدها والراغب ~~في الدارين وكان قد بقي من الأقسام العقلية المعرض عنهما وهو مفقود فلم ~~يذكره والراغب في الآخرة فقط , وكل من الأقسام تارة يكون مسرا وتارة يكون ~~معلنا وكان المحذور منها - إنما هو المسر لإرادة الدنيا بإظهاره لإرادة ~~الآخرة وكان هذا هو المنافق بدأ به بعد ذكر التقوى والحشر ليكون مصدوعا ~~بادئ بدء بذلك الأمر مقصودا بالتهديد بالحشر وساقه PageV01P383 بصيغة ما في ~~أول السورة من ذكر المنافقين ليتذكر السامع تلك القصص ويستحضرها بتلك ~~الأحوال وحسن ذلك طول الفصل وبعد العهد فقال : { ومن الناس من } أي شخص أو ~~الذي { يعجبك } أي يروقك ويأخذ بمجامع قلبك أيها المخاطب { قوله } كما ~~ذكرنا أول السورة أنه يخادع , ويعجب من الإعجاب وهو من العجب وهو كون الشيء ~~خارجا عن نظائره من جنسه حتى يكون ندرة في صنعه - قاله الحرالي . | وقال ~~الأصبهاني : حالة تغشى الإنسان عند إدراك كمال مجهول السبب , وعن الراغب ~~أنه قال : وليس هو شيئا له في ذاته حالة بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف ~~السبب ومن لا يعرفه , وحقيقة أعجبني كذا : ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه . | ~~ولما كان ذكر هذا بعد ذكر الحشر ربما أوهم أن يكون القول أو الإعجاب واقعا ~~في تلك الحالة قيده بقوله : { في } أي الكائن في { الحياة الدنيا } لا ~~يزداد في طول مدت فيها إلا تحسينا لقوله وتقبيحا لما يخفى من فعله و أما في ~~الآخرة فكلامه غير حسن ولا معجب { ويشهد الله } المستجمع لصفات الكمال { ~~على ما في قلبه } أنه مطابق لما أظهره بلسانه { وهو } أي والحال أنه { ألد ~~الخصام * } أي يتمادى في الخصام بالباطل لا ينقطع جداله كل ذلك وهو ms0435 يظهر ~~أنه على الحسن الجميل ويوجه لكل شيء من خصامه وجها يصرفه عما أراد به من ~~القباحة إلى الملاحة , واللدد ذدة الخصومة , والخصام القول الذي يسمع ~~المصيح ويولج في صماخه ما يكفه عن مزعمه ودعواه - قاله الحرالي . | وقال ~~الأصبهاني : هو التعمق في البحث عن الشيء والمضايقة فيه ويجوز أن يجعل ~~الخصام ألد على المبالغة - انتهى . | ولما ذكر أنه ألد شرع يذكر وجه لدده ~~فقال عاطفا على ما تقديره : فإذا واجهك اجتهد في إظهار أنه مصلح أو تكون ~~جملة حالية { وإذا تولى } أي أعرض بقلبه أو قاله عمن خدعه بكلامه , وكنى ~~بالتعبير بالسعي عن الإسراع في إيقاع الفتنة بغاية الجهد فقال : { سعى } ~~ونبه على كثرة فساده بقوله : { في الأرض } أي كلها بفعله وقوله عند من ~~يوافقه { ليفسد } أي ليوقع الفساد وهو اسم لجميع المعاصي { فيها } أي في ~~الأرض في ذات البين لأجل الإهلاك والناس أسرع شيء إليه فيصير له مشاركون في ~~أفعال الفساد , فإذا فعل منه ما يريد كان معروفا عندهم فكان له عليه أعوان ~~وبين أنه يصل بإفساده إلى الغاية بقوله مسميا المحروث حرثا مبالغة : { ~~ويهلك الحرث } أي المحروث الذي يعيش به الحيوان , قال الحرالي سماه حرثا ~~لأنه الذي نسبه إلى الخلق , ولم يسمه زرعا لأن ذلك منسوب إلى الحق - انتهى ~~. | ولأنه إذا هلك السبب هلك المسبب من غير عكس { والنسل } أي المنسول الذي ~~به بقاء نوع الحيوان . | قال الحرالي : وهو استخراج PageV01P384 لطيف الشيء ~~من جملته - انتهى . | وفعله ذلك للإفساد ونظمت الآية هكذا إفهاما لأن ~~المعنى أن غرضه أولا بإفساد ذات البين التوصل إلى الإهلاك وثانيا بالإهلاك ~~التوصل إلى الإفساد { والله } أي والحال أن الملك الأعظم { لا يحب الفساد * ~~} أي لا يفعل فيه فعل المحب فلا يأمر به بل ينهى عنه ولا يقر عليه بل يغيره ~~وإن طال المدى ويعاقب عليه , ولم يقل : الهلاك , لأنه قد يكون صورة فقط ~~فيكون صلاحا كما إذا كان قصاصا ولا قال : الإفساد يشمل ما إذا كان الفساد ~~عن غير قصد , والآية من الاحتباك , ذكر ms0436 أولا الإفساد ليدل على حذفه ثانيا ~~وثانيا الإهلاك ليدل على حذفه أولا , وذكر الحرث الذي هو السبب دلالة على ~~الناسل والنسل الذي هو المسبب دلالة على الزرع فهو احتباك ثان . | ولما كان ~~من الناس من يفعل الفساد فإذا نهى عنه انتهى بين أن هذا على غير ذلك تحقيقا ~~لألديته فقال مبشرا بأداة التحقيق بأنه لا يزال في الناس من يقوم بالأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر : { وإذا قيل له } من أي قائل كان { اتق الله } ~~أي الملك الأعظم الذي كل شيء تحت قهره واترك ما أنت عليه من الفساد { أخذته ~~} أي قهرته لما له من ملكة الكبر { العزة } في نفسه لما فيها من الكبرياء ~~والاستهانة بأمر الله , وليس من شأن الخلق الاتصاف بذلك فإن العزة لله ~~جميعا { بالإثم } أي مصاحبا للذنب , وهو العمل الرذل السافل وما - لا يحل ~~ويوجب العقوبة باحتقار الغير والستكبار عليه . | ولما كان هذا الشأن الخبيث ~~شأنه دائما يمهد به لنفسه التمكين مما يريد سبب عنه قوله : { فحسبه } أي ~~كفايته { جهنم } تكون مهادا له كما مهد للفساد , وتخصيص هذا الاسم المنبئ ~~عن الجهامة في المواجهة أي الاستقبال بوجه كريه لما وقع منه من المواجهة ~~لمن أمره من مثله . | قال الحرالي : فلمعنى ما يختص بالحكم يسمي تعالى ~~النار باسم من أسمائها - انتهى . | { ولبئس المهاد * } هي والمهاد موطن ~~الهدوء والمستطاب مما يستفرش ويوطأ - قاله الحرالي , وقال : فيه إشعار ~~بإمهال الله عز وجل لهذه الأمة رعاية لنبيها فأحسب فاجرها وكافرها بعذاب ~~الآخرة , ولو عاجل مؤمنها بعقوبة الدينا فخلص لكافرها الدنيا ولمؤمنها ~~الآخرة وأنبأ بطول المقام والخلود فيها . | ولما أتم الخبر عن هذا القسم ~~الذي هو شر الأقسام أتبعه خيرها ليكون ختاما وبينهما تباين فإن الأول من ~~يهلك الناس لاستبقاء نفسه وهذا يهلك نفسه لاستصلاح الناس فقال : { ومن ~~الناس من } أي شخص أو الذي { يشري } أي يفعل هذا الفعل كلما لاح له وهو أنه ~~يبيع بغاية الرغبة والانبعاث { نفسه } فيقدم على إهلاكها أو يشتريها بما ~~يكون سبب إعتاقها وإحيائها بالاجتهاد في أوامر ms0437 الله بالنهي لمثل هذا الألد ~~عن فعله PageV01P385 الخبيث والأمر له بالتقوى والتذكير بالله , وروي أنها ~~نزلت في صهيب رضي الله تعالى عنه لأنه لما هاجر أرادت قريش رده فجعل لهم ~~ماله حتى خلوا سبيله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( ربح البيع ) ~~فعلى هذا يكون شرى بمعنى اشترى , ثم علل ذلك بقوله : { ابتغاء } أي تطلب ~~وتسهل وتيسر بغاية ما يمكن أن يكون كل من ذلك { مرضات الله } أي رضى المحيط ~~بجميع صفات الكمال وزمان الرضى ومكانه بما دل عليه كون المصدر ميميا ويكون ~~ذلك غاية في بابه بما دل عليه من وقفه بالتاء الممدودة لما يعلم من شدة ~~رحمة الله تعالى به { والله رؤوف } أي بالغ الرحمة , وأظهر موضع الإضمار ~~دلالة على العموم وعلى الوصف المقتضي للرحمة والشرف فقال : { بالعباد * } ~~كلهم حيث أسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة مع كفرهم به أو تقصيرهم في أمره , ~~وبين لهم الطريق غاية البيان بالعقل أولا والرسل ثانيا والشرائع ثالثا ~~والكتب الحافظة لها رابعا , ولعل الفصل بين الأقسام الأربعة بالأيام ~~المعدودات اهتماما بأمرها لكونها من فعل الحج وتأخيرها عن أخواتها إشارة ~~غلى أنها ليست من دعائم المناسك بل تجبر بدم . | ولما ختم هذين القسمين ~~بالساعي في رضى الله عنه مشاكلة للأولين حسن جدا تعقيبه بقوله : { يا أيها ~~الذين آمنوا } ليكون هذا النداء واقعا بادئ بدء في أذن هذا الواعي كما كان ~~المنافق مصدوعا بما سبقه من التقوى والحشرمع كونه دليلا على صفة الرأفة , ~~وتكرير الأمر بالإيمان بين طوائف الأعمال من أعظم دليل علىحكمة الآمر به ~~فإنه مع كونه آكد لأمره وأمكن لمجده وفخره يفهم أنه العماد في الرشاد ~~الموجب للإسعاد يوم التناد فقال : { ادخلوا في السلم } أي الإيمان الذي هو ~~ملزم لسهولة الانقياد إلى كل خير , وهو في الأصل بالفتح والكسرالموادعة في ~~الظاهر بالقول والفعل أي يا من آمن بلسانه كهذا الألد ليكن الإيمان أو ~~الاستلام بكلية الباطن والظاهر ظرفا محيطا بكم من جميع الجوانب فيحيط ~~بالقلب والقالب كما أحاط باللسان ولا يكون لغرامة ms0438 الجهل وجلافة الكفر إليكم ~~سبيل { كافة } أي وليكن جميعكم في ذلك شرعا واحدا كهذا الذي يشري نفسه , ~~ولا تنقسموا فيكون بعضكم هكذا وبعضكم كذلك الألد , فإن ذلك دليل الكذب في ~~دعوى الإيمان . | PageV01P386 ولما كان الإباء والعناد الذي يحمل عليه ~~الأنفة والكبر فعل الشيطان وثمرة كونه من نار قال : { ولا تتبعوا } أي ~~تكلفوا أنفسكم من أمر الضلال ضد ما فطرها الله تعالى عليه وسهله لها من ~~الهدى { خطوات الشيطان } أي طرق المبعد المحترق في الكبر عن الحق . | قال ~~الحرالي : ففي إفهامه أن التسليط في هذا اليوم له , وفيه إشعار وإنذار بما ~~وقع في هذه الأمة وهو واقع وسيقع من خروجهم من السلم إلى الاحتراب بوقوع ~~الفتنة في الألسنة والأسنة على أمر الدنيا وعودهم إلى أمور جاهليتهم , لأن ~~الدنيا أقطاع الشيطان كما أن الآخرة خلاصة الرحمن , فكان ابتداء الفتنة منذ ~~كسر الباب الموصد على السلم وهو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فلم يزل ~~الهرج ولا يزال إلى أن تضع الحرب أوزارها . | ثم علل ذلك سبحانه وتعالى ~~بقوله : { إنه لكم عدو مبين * } أي بما أخبرناكم به في أمر أبيكم آدم عليه ~~الصلاة والسلام وغير ذلك مما شواهده ظاهرة , وما أحسن هذا الختم المضاد ~~لختم التي قبلها ! فإن تذكر الرأفة منه سبحانه على عظمته والعبودية منا ~~الذي هو معنى الولاية التي روحها الانقياد لكل ما يحبه الولي وتذكر عداوة ~~المضل أعظم منفر منه وداع إلى الله سبحانه وتعالى . | ولما أقام سبحانه ~~وتعالى الأدلة على عظمته التي منها الوحدانية وأزال الشبه ومحا الشكوك وذكر ~~بأنواع اللطف والبر إلى أن ختم الآيتين بما ذكر من ولايته وعداوة المضل عن ~~طريقه سبب عن ذلك قوله { فإن زللتم } مشيرا بأداة الشك إلى أنهم صاروا إلى ~~حالة من وضوح الطريق الواسع الأمكن الأمين المستقيم الأسلم يبعد معها كل ~~البعد أن يزلوا عنه ولذلك قال : { من بعد ما جاءتكم البينات } أي بهذا ~~الكتاب الذي لا ريب فيه . | قال PageV01P387 الحرالي : بينات التجربة شهودا ~~ونبأ عما مضى وتحققا بما وقع ms0439 , وقال : إن التعبير بأن يشعر بأنهم يستزلون , ~~والتعبير بالماضي إشعار بالرجوع عنه رحمة من الله لهم كرحمته قبل لأبويهم ~~حين أزلهما الشيطان فكما أزل أبويهم في الجنة عن محرم الشجرة أزلهم في ~~الدنيا عن شجرة المحرمات من الدماء والأموال والأعراض - انتهى . | ولما كان ~~الخوف حاملا على لزوم طريق السلامة قال : { فاعلموا } فإن العلم أعون شيء ~~على المقاصد { أن الله } الحاوي لصفات الكمال { عزيز } لا يعجزه من زل ولا ~~يفوته من ضل { حكيم } يبرم ما لا يقدر أحد على نقض شيء منه . | ولما كان ~~هذا الختم مؤذنا بالعذاب وكان إتيان العذاب من محل تتوقع منه الرحمة أفظع ~~وكان أنفع الأشياء السحاب لحمله الغيث والملائكة الذين هم خير محض وكان ~~الذين شاهدوا العذاب من السحاب الذي هو مظنة الرحمة ليكون أهول عادا وبني ~~إسرائيل وكان عاد قد مضوا فلا يمكن عادة سؤالهم وكان من زل بعد هذا البيان ~~قد أشبه بني إسرائيل في هذا الحال فكان جديرا بأن يشبههم في المآل فيما ~~صاروا إليه من ضرب الذلة والمسكنة وحلول الغضب والوقوع في العطب قال تعالى ~~: { هل ينظرون } أي ينتظرون إذا زلوا . | سائقا له في أسلوب الإنكار , ~~وصيغة الغيبة مجردة عن الافتعال تنبيها على أنا لزالين في غاية البعد عن ~~مواطن الرأفة والاستحقاق بمظهر الكبر والنقمة بإعراض السيد عن خطابهم ~~وإقباله من عذابهم على ما لم يكن في حسابهم { إلا أن يأتيهم الله } أي مجد ~~الذي لا يحتمل شيء تجلى عظمته وظهور جلاله , كائنا مجده { في ظلل من الغمام ~~} ظلة في داخل ظلة , وهي ما يستر من الشمس فهي في غاية الإظلام والهول ~~والمهابة لما لها من الكثافة التي تغم على الرائي ما فيها وتدمر ما أتت ~~عليه - إلى غير ذلك من أنواع المجد الذي لا يقدره حق قدره إلا الله { ~~والملائكة } أي ويأتي جنده الذين لا يعصون الله ما أمرهم , هذا على قراءة ~~الجماعة , وعلى قراءة أبي جعفر بالخفض , المعنى وظلل من الملائكة أي جماعات ~~يملؤون الأقطار ليتبادروا إلى امتثال أوامره ؛ وهل ms0440 ينتظرون من القوي المحكم ~~لما يفعل العزيز الذي يعلو أمره كل أمر إلا إتيانه بالبأس إذا غضب بعد طول ~~الحلم وتمادي الأناة فلا يرد بأسه ولا يعارض أمره وهو المراد من قوله : { ~~وقضي } أي والحال أنه قد قضي { الأمر } أي نفذ بإهلاكهم سريعا فرجعوا إلى ~~الله سبحانه وتعالى بأسرهم لا يملكون لأنفسهم شيئا { وإلى الله } الذي له ~~الإحاطة الكاملة وحده { ترجع الأمور } كلها دنيا وأخرى , فإن حكمه لا يرد ~~وقدرته لا تحد . | قال الحرالي : وإتيان الله في محل الإيمان أمر مبهم لا ~~يناله علم العالمين ويقف دونه إيمان المؤمنين , لا يأخذونه بكيف ولا ~~يتوهمونه بوهم , وإتيان الله PageV01P388 في أوائل فهم الفاهمين بدو أمره ~~وخطابه في محل ما من السماء والأرض أو العرش أو الكرسي أو ما شاء من خلقه ؛ ~~فهو تعالى يجل أن يحجبه كون , فحيث ما بدأ خطابه كفاحا لا بواسطة فهناك هو ~~^ ( { وناديناه من جانب الطور الأيمن } ) ^ [ مريم : 52 ] إلى : ^ ( { إني ~~أنا الله } ) ^ [ طه : 14 ] وفي الكتاب الأول : جاء الله من سيناء - انتهى ~~. | وتمامه : و شرق من جبل ساعير وظهر لنا من جبال فاران ؛ والمراد بالأول ~~نبوة موسى عليه الصلاة والسلام وهو واضح , وبالثاني نبوة عيسى عليه الصلاة ~~والسلام , فإن جبل ساعير هو جبل الجليل وهو الذي بين طبرية ومرج بني عامر , ~~وبالثالث نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإن فاران هي مكة المشرفة . | < < # | البقرة : ( 211 - 214 ) سل بني إسرائيل . . . . . # > > ^ ( سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من ~~بعد ما جآءته فإن الله شديد العقاب * زين للذين كفروا الحياة الدنيا ~~ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشآء ~~بغير حساب * كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا ~~الذين أوتوه من بعد ما جآءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا ~~لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشآء إلى صراط ms0441 مستقيم * أم ~~حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء ~~والضرآء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر ~~الله قريب ) ^ } ) | ولما كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور مجد الله في ~~الغمام لما رأى أسلافهم منه عند خروجهم من مصر وفي جبل الطور وقبة الزمان ~~وما في ذلك على ما نقل إليهم من وفور الهيبة وتعاظم الجلال قال تعالى : ~~جوابا لمن كأنه قال : كيف يكون هذا ؟ { سل } بنقل حركة العين إلى الفاء ~~فاستغنى عن همزة الوصل { بني إسرائيل } أي الذين هم أحسد الناس للعرب ثم ~~استفهم أو استأنف الإخبار { كم آتيناهم } من ذلك ومن غيره { من آية بينة } ~~بواسطة أنبيائهم فإنهم لا يقدرون على إنكار ذلك , وسكوتهم على سماعه منك ~~إقرار منهم . | وقال الحرالي : ولما كان هذا الذي أنذروا به أمرا مجملا ~~أحيلوا في تفاصيل الوقائع وتخصيص الملاحم ووقوع الأشباه والنظائر على ما ~~تقدم ووقع مثاله في بني إسرائيل لتكرار ما وقع فيهم من هذه الأمة حذو النعل ~~بالنعل والقذة بالقذة فقال : PageV01P389 { سل } , استنطاقا لحالهم لا ~~لإنبائهم وإخبارهم , فالتفات النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يشهده الله ~~من أحوال بني إسرائيل وأحوال ملوكهم وأحبارهم وأيامهم وتفرقهم واختلافهم ~~وصنوف بلاياهم هو سؤاله واستبصاره لا أن يسأل واحدا فيخبره ؛ انتهى - كذا ~~قال , والظاهر أنه إباحة لسؤالهم فإنه صلى الله عليه وسلم ما سألهم عن شيء ~~وكذبوا في جوابه فبين كذبهم إلا عرفوا بالكذب , كقصة حد الزنا وقضية سؤالهم ~~عن أبيهم وقضية سم الشاة ونحو هذا , وفي ذلك زيادة لإيمان من يشاهده وإقامة ~~للحجة عليهم وغير هذا من الفوائد . | ولما كان التقدير : فكانوا إذا بدلوا ~~شيئا من آياتنا واستهانوا به عاقبناهم فشددنا عقابهم , كما دل عليه ما سقته ~~من التوراة في هذا الديوان لمن تدبر عطف عليه قوله : { ومن يبدل } من ~~التبديل وهو تصيير الشيء على غير ما كان { نعمة الله } أي الذي لا نعمة إلا ~~منه التي هي سبب الهدى فيجعلها ms0442 سببا لضلال أو سببا لشكر فيجعلها سبب الكفر ~~كائنا من كان . | قال الحرالي : وأصل هذا التبديل رد علم العالم عليه ورد ~~صلاح الصالح إليه وعدم الاقتداء بعلم العالم والاهتداء بصلاح الصالح وذلك ~~المشاركة التي تقع بين العامة وبين العلماء والصلحاء وهو كفر نعمة الله ~~وتبديلها - انتهى . | ولما كان الفطن من الناس يستجلب النعم قبل إتيانها ~~إليه والجامد الغبي يغتبط بها بعد سبوغها عليه وكان المحذور تبديلها في وقت ~~ما لا في كل وقت قال تعالى : { من بعد ما جاءته } أي وتمكن من الرسوخ في ~~علمها تنبيها على أن من بدلها في تلك الحال فقد سفل عن أدنى الإنسان والتحق ~~بما لا يعقل من الحيوان . | ولما كان التقدير : يهلكه الله , علله بقوله : ~~{ فإن الله } أي العظيم الشأن { شديد العقاب * } وهو عذاب يعقب الجرم , ~~وذكر بعض ما يدل على صدق الدعوى في معرفة بني إسرائيل بما في ظهور المجد في ~~الغمام من الرعب وما آتاهم من الآيات البينات , قال في أوائل السفر الخامس ~~من التوراة : فاسمعوا الآن يا بني إسرائيل السنن والأحكام التي أعلمكم ~~لتعملوا بها وتعيشوا وتدخلوا وترثوا الأرض التي يعطيكم الله رب آبائكم , لا ~~تزيدوا على الوصية التي أوصيكم بها , قد رأيتم ما صنع الله ببعلصفون من أجل ~~أن كل رجل اتبع بعلصفون أهلكه الله ربكم من بينكم وأنتم الذين تبعتم الله ~~ربكم أنتم أحياء - سالمون إلى اليوم , PageV01P390 انظروا أني قد علمتكم ~~السنن والأحكام كما أمرني الله لتعملوا بها الأرض التي تدخلونها وتحفظوها ~~وتعملوا بها , لأنها حكمتكم وفهمكم تجاه الشعوب التي تسمع منكم هذه السنن ~~كلها ويقولون إذا سمعوها : ما أحكم هذا الشعب العظيم ! وما أحسن فهمه ! أي ~~شعب عظيم إلهه قريب منه مثل الله ربنا فيما دعوناه ! وأي شعب عظيم له سنن ~~وأحكام معتدلة مثل هذه السنة التي أتلوعليكم اليوم ! ولكن احتفظوا واحترسوا ~~بأنفسكم ولا تنسوا جميع الآيات التي رأيتم ولا تزل عن قلوبكم كل أيام ~~حياتكم بل علموها بنيكم وبني بنيكم وأخبروهم بما رأيتم يوم وقفتم أمام الله ms0443 ~~ربكم في حوريب يوم قال الرب : اجمع هذا الشعب أمامي لأسمعهم آياتي ويتعلموا ~~أن يتقوني كل أيام حياتهم على الأرض ويعلموا بنيهم أيضا وتقدمتم وقمتم في ~~سفح الجبل والجبل يشتعل نارا يرتفع لهيبها إلى جو السماء ورأيتم الظلة ~~والضباب والسحاب فكلمكم الرب في الجبل من النار , كنتم تسمعون صوت الكلام ~~ولم تكونوا ترون شبها , فأظهر لكم عهده وأمركم أن تعلموا العشر آيات . | ~~وكتبها على لوحين من حجارة , احترسوا واحتفظوا بأنفسكم جدا لأنكم لم تروا ~~شبها في اليوم الذي كلمكم الله ربكم من الجبل من النار , احتفظوا , لا ~~تفسدوا ولا تتخذوا أصناما وأشباهها من كل جنس شبه ذكر أو أنثى أو شبه بهيمة ~~في الأرض أو شبه كل طير في الهواء أو شبه كل هوام الأرض , ولا ترفعوا ~~أعينكم إلى السماء وتنظروا إلى الشمس والقمر والكواكب وإلى كل أجناد السماء ~~وتضلوا بها وتسجدوا لها وتعبدوها , التي اتخذها جميع الشعوب الذين تحت ~~السماء ؛ فأما أنتم فقربكم الله وأخرجكم من كور الحديد من أرض مصر لتصيروا ~~له ميراثا كاليوم - هذا نصه وقد تقدم ذلك مستوفى من السفر الثاني من ~~التوراة عند قوله تعالى : < # > 77 ( { وإذ استسقى موسى لقومه } ) 77 < # > [ البقرة : 60 ] فكان الرجوع إلى قص ما يريد الله سبحانه وتعالى من ~~أحوال بني إسرائيل للأغراض الماضية على غاية ما يكون من الأحكام وفي الذروة ~~العليا من حسن الانتظام وتجلي الملائكة في ظلل الغمام أمر مألوف منه ما في ~~الصحيح عن البراء رضي الله تعالى عنه قال : ( كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى ~~جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر ؛ ~~فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له , فقال : تلك السكينة ~~تنزلت بالقرآن ) . | وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه ( أنه بينما هو ~~يقرأ سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس , فسكت وسكنت , ثم قرأ ~~فجالت , فانصرف ؛ فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم وقال : فرفعت ~~رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال ms0444 المصابيح فرفعت حتى لا أراها , ~~قال : وتدري ما PageV01P391 ذاك ؟ قال : لا , قال : تلك الملائكة دنت لصوتك ~~, ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم ) . | ولما تقدم من ~~المر بالسلم والتهديد على الزلل عنه ما يقتضي لزومه حتما كان كأنه قيل : ما ~~فعل من خوطب بهذه الأوامر وقمع بتلك الزواجر ؟ فقيل : أبى أكثرهم , فقيل : ~~إن هذا لعجب ! ما الذي صدهم ؟ فقيل : تقدير العزيز الذي لا يخالف مراده ~~الحكيم الذي يدق عن الأفكار استدراجه , فقيل : كيف يتصور من العاقل كفر ~~النعمة ؟ فبين أن سبب ذلك غالبا الترفع والتعظم والكبر والبطر فرحا بما في ~~اليد وركونا إليه وإعراضا عما خبئ في خزائن الله في حجب القدرة فقال ~~مستأنفا بانيا للمفعول دلالة على ضعف عقولهم بأنهم يغترون بكل مزين { زين } ~~قال الحرالي : من التزيين بما منه الزينة . | وهي بهجة العين التي لا تخلص ~~إلى باطن المزين - انتهى . | { للذين كفروا } حتى بدلوا النعمة { الحياة ~~الدنيا } لحضورها فألهتهم عن غائب الآخرة . | قال الحرالي : ففي ضمنه إشعار ~~بأن استحسان بهجة الدنيا كفر ما من حيث إن نظر العقل والإيمان يبصر طيتها ~~ويشهد جيفتها فلا يغتر بزينتها وهي آفة الخلق في انقطاعهم عن الحق , وأبهم ~~تعالى المزين في هذه الآية ليشمل أدنى التزيين الواقع على لسان الشيطان ~~وأخفى التزيين الذي يكون من استدراج الله كما في قوله تعالى : < # > 77 ( { كذلك زينا لكل أمة عملهم } ) 77 < # > [ الأنعام : 108 ] . | ولما ذكر ذلك بين حالهم عنده فقال : { ويسخرون } ~~أي والحال أنهم لا يزالون يسخرون أي يوقعون السخرية , وهي استزراء العقل ~~هزؤا . | وقال الحرالي : هي استزراء العقل معنى بمنزلة الاستسخار في الفعل ~~حسا { من الذين آمنوا } لما هم فيه من الضعف والحاجة لإعراضهم عن الدنيا ~~رغبة فيما عند الله لما وهبهم الله سبحانه وتعالى من العلم الخارق لتلك ~~الحجب الكاشف لأستار المغي ولأن الله يزوي عنهم الدنيا ويحميهم منها رغبة ~~بهم عنها لكرامتهم عليه كما يحمي الإنسان حبيبه الطعام والشراب إن كان ~~مريضا لكرامته عليه فصار الكفار بهذا التزيين مع ما ms0445 بوأناهم من الهوان ~~بأنواع التهديد التي لا PageV01P392 مرية في قدرتنا عليها مشغولين بلعاعة ~~من العيش فهم راضون بأحوالهم مسرورون بها بحيث إنهم لا ينظرون في عاقبة بل ~~مع الحالة الراهنة فيهزؤون بأهل الحق متعامين عن البينات معرضين عن التهديد ~~تاركين الاستبصار بأحوال بني إسرائيل . | ولما كان الاستسخار بذوي الأقدار ~~مرا وللنفوس مضرا قال تعالى مبشرا بانقلاب الأمر في دار الخلد مرغبا في ~~التقوى بعد الإيمان : { والذين اتقوا } أي آمنوا خوفا من الله تعالى , ~~فأخرج المنافقين والذين يمكن دخولهم في الجملة الماضية { فوقهم } في الرزق ~~والرتبة والمكان بدليل < # > 77 ( { أفيضوا } ) 77 < # > [ الأعراف : 50 ] وآية < # > 77 ( { إني كان لي قرين } ) 77 < # > [ الصافات : 51 ] وكل أمر سار { يوم القيامة } فهم يضحكون منهم جزاء ~~بما كانوا يفعلون . | ولما كان تبدل الأحوال قريبا عندهم من المحال كان ~~كأنه قيل في تقريب ذلك : برزق من عند الله يرزقهموه { والله } بعز سلطانه ~~وجلال عظمته وباهر كرمه { يرزق من يشاء } أي في الدنيا وفي الآخرة ولو كان ~~أفقر الناس وأعجزهم . | ولما كان الإعطاء جزافا لا يكون إلا عن كثرة وبكثرة ~~قال : { بغير حساب * } اي رزقا لا يحد ولا يعد , لأن كل ما دخله الحد فهو ~~محصور متناه يعد , وفي هذه الأمة من لا يحاسبه الله على ما آتاه فهي في حقه ~~على حقيقتها من هذه الحيثية . | ولما كان كأنه قيل : هل كان هذا الكفر ~~والتزيين من بدء الأمر أم هو شيء حدث فيكون حدوثه أعجب ؟ فقيل : لا فرق عند ~~الحكيم بين هذا وذاك , فإن قدرته على الكبير والصغير والجاهل والعليم ~~والطائش والحليم على حد سواء على أن الواقع أن ذلك شيء حدث بعد البيان ~~والواضح { كان الناس } أي كلهم { أمة } أي مجتمعين على شيء واحد يؤم بعضهم ~~بعضا ويقتدي بعضهم بعضا ثم أكد اجتماعهم فقال : { واحدة } أي على الصراط ~~المستقيم فزل بعضهم فاختلفوا وتفرقت بهم السبل كما في آية يونس < # > 77 ( { وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا } ) 77 < # > [ يونس : 19 ] وعلى هذا أكثر المحققين كما قاله الأصفهاني ms0446 وقد رواه أبو ~~يعلى الموصلي في مسنده بسند متصل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال ~~: على الإسلام كلهم { فبعث الله } أي الذي لا حكم لغيره { النبيين } الذين ~~رفعهم الله تعالى على بقية خلقه فأنبأهم بما يريد من أمره وأرسلهم إلى خلقه ~~{ مبشرين } لمن أطاع , وهو جار مجرى حفظ الصحة , ولأنه مقصود بالذات قدم { ~~ومنذرين } لمن عصى , وذلك جار مجرى إزالة المرض بالدواء . | قال الحرالي : ~~فيه إعلام بأنه ليس للأنبياء من الهداية شيء وإنما هم مستجلون لأمر جبلات ~~الخلق وفطرهم فيبشرون من فطر على خير وينذرون من جبل على شر , لا يستأنفون ~~أمرا لم يكن بل PageV01P393 يظهرون أمرا كان مغيبا , وكذلك حال كل إمام ~~وعالم في زمانه يميز الله الخبيث من الطيب - انتهى . | { وأنزل معهم الكتاب ~~} أي كلامه الجامع للهداية . | قال الحرالي : إبراما لثني الأمر المضاعف ~~ليكون الأمر بشاهدين أقوى منه بشاهد واحد فقد كان في الرسول كفاية وفي ~~الكتاب وحده كفاية لكن الله تعالى ثنى الأمر وجمع الكتاب والرسول لتكون له ~~الحجة البالغة - انتهى . | { بالحق } أي الثابت كل ثبات { ليحكم } أي الله ~~بواسطة الكتاب { بين الناس فيما اختلفوا فيه } من الدين الحق الذي كانوا ~~عليه قبل ذلك أمة واحدة فسلكوا بهم بعد جهد السبيل الأقوم ثم ضلوا على علم ~~بعد موت الرسل فاختلفوا في الدين لاختلافهم في الكتاب { وما اختلف فيه } أي ~~الكتاب الهادي لحق الذي لا لبس فيه المنزل لإزالة الاختلاف { إلا الذين } ~~ولما كان العالم يقبح منه مخالفة العلم مطلقا لا بقيد كونه من معلم مخصوص ~~بني للمفعول { أوتوه } أي فبدلوا نعمة الله بأن أوقعوا الخلاف فيما أنزل ~~لرفع الخلاف , ففي هذا غاية التعجيب وإظهار القدرة الباهرة التي حملتهم على ~~ذلك . | ولما كان الخلاف ربما كان عن أمر غامض بين أن الأمر على غير ذلك ~~فقال مشيرا بإثبات الجار إلى أنه لم يستغرق الزمان { من بعد ما جاءتهم ~~البينات } أي الدلائل العقلية والنقلية التي ثبتت بها النبوة التي ثبت بها ~~الكتاب . | قال الحرالي : الجامعة لآيات ms0447 ما في المحسوس وآيات ما في المسموع ~~, فلذلك كانت البينات مكملة لاجتماع شاهديها - انتهى . | ولما كان هذا محل ~~السؤال عن السبب بين أنه الحسد والاستطالة عدولا عن الحق محبة لما زين من ~~الدنيا وتنافسا فيها فقال : { بغيا } قال الحرالي : والبغي أعمال الحسد ~~بالقول والفعل قال عليه الصلاة والسلام : ( ثلاث لا يسلم منهن أحد ) ومنهن ~~متحلي الحسد والطيرة والظن , فإذا حسدت فلا تبغ لأن الحسد واقع في النفس ~~كأنها مجبولة عليه فلذلك عذرت فيه ؛ فإذا استعملت بحسبه مقالها وفعالها ~~كانت باغية - انتهى . | وزاده عجبا بقوله { بينهم } أي لا بغيا على غيرهم ~~فبدلوا من كل جهة . | ولما ذكر إنزال الكتاب وسببه ذكر ما تسبب عنه فقال ~~عاطفا على ما تقديره : فعموا عن البينات : { فهدى الله } في إسناده إلى ~~الاسم الأعظم كما قال الحرالي إعلام بأنه ليس من طوق الخلق إلا بعون وتوفيق ~~من الحق - انتهى . | { الذين آمنوا } أي بالنبيين ببركة إيمانهم { لما ~~اختلفوا } أي أهل الضلالة { فيه } ثم بينه بقوله : { من الحق } ويجوز أن ~~تكون تبعيضية لما عموا عنه من الحق الذي نزل به الكتاب الذي جاء به النبيون ~~{ بإذنه } أي بما ارتضاه لهم من علمه وإرادته وتمكنيه . | قال الحرالي : ~~فيه إشعار PageV01P394 بما فطرهم عليه من التمكين لقبوله لأن الإذن أدناه ~~التمكين وإزالة المنع - انتهى . | { والله } أي المحيط علما وقدرة { يهدي ~~من يشاء } أي بما له من أوصاف الكمال { إلى صراط مستقيم * } قال الحرالي : ~~هذا هدى أعلى من الأول كأن الأول هدى إلى إحاطة علم الله وقدرته وهذا هدى ~~إليه , وفي صيغة المضارع بشرى لهذه الأمة بدوام هداهم إلى ختم اليوم ~~المحمدي ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله ) ~~انتهى . | ولما أفهم ما صرح به الكلام السابق من الاختلاف وقوع العداوات ~~وكان في العداوات خطر الأموال والأنفس وكان ذلك أشق ما يكون وكانت العادة ~~قاضية بأن المدعوين إلى ذلك إن لم يصممواعلى الآيات كانوا بين مستثقلين ~~لأمر الرسل يرون أنهم يفرقون ما اتفق من الكلمة ورضي به ms0448 الناس لأنفسهم ~~ويشتتون أمرهم مستثقلين لطول انتظار الانتصار كان حالهم حال من يطلب ~~الراحات في ذرى الجنات بلا مشقات وذلك محال ومحض ضلال , فإن الثبات على ~~الصراط المستقيم لا يكون إلا باحتمال شدائد التكاليف فكان كأنه قيل في جواب ~~ذلك عدولا عن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم المقول له < # > 77 ( { سل بني إسرائيل } ) 77 < # > [ البقرة : 212 ] إلى خطاب الأتباع تشريفا له عن ذلك ورفعا لهممهم ~~بالمواجهة بالخطاب والتأسية بمن مضى من أولي الألباب تنشيطا لهم وتقوية ~~لعزائمهم : أحسبتم أنا لا نرسل الرسل لتمييز الخبيث من الطيب { أم حسبتم } ~~بعد إرسالهم أن الأمر هين بأن تنالوا السعادة بلا اجتهاد في العبادة . | ~~قال الحرالي : هو مما منه الحسبان وهو ما تقع غلبته فيما هو من نوع المفطور ~~عليه المستقر عادته , والظن الغلبة فيما هو من المعلوم المأخوذ بالدليل ~~والعلم ؛ فكأن ضعف علم العالم ظن وضعف عقل العاقل حسبان - انتهى . | وهذا ~~الذي قدرته هو معنى { أن تدخلوا الجنة } أي PageV01P395 التي هي نعيم دائم ~~{ و } الحال أنه { لما يأتكم مثل } أي وصف { الذين خلوا } ولما كان القرب ~~في الزمان أشد في التأسية أثبت الجار فقال : { من قبلكم } أي يقص عليكم ~~لتعلموا به أو يصيبكم ما أصابهم من الأحوال الغريبة والقضايا العجيبة التي ~~هي في غرابتها كالأمثال . | وقال الحرالي : وأم عطف على أمور يفهمها مبدأ ~~الخطاب كأنه يقول : أحسبتم أن تفارق أحوالكم أحوال الأمم الماضية في حكمة ~~الله وسنته ولن تجد لسنة الله تبديلا إلى ما يستجره معنى الخطاب إجمالا ~~وتفصيلا في واقع الدنيا من شدائدها وحرها وبردها وضيق عيشها وأنواع أذاها ~~وحال البرزخ وحال النشر والحشر إلى ما وراء ذلك إلىغاية دخول الجنة فكان ~~عند انتهاء ذلك بادئة خطاب { أم حسبتم } تجاوزا لما بين أول البعث وغاية ~~دخول الجنة - انتهى . | ونبهت لما التي فيها معنى التوقع لأنها في النفي ~~نظيرة قد في الإثبات على أنه كان ينبغي لهم أن يكون دخولهم في الدين على ~~بصيرة من حصول الشدائد لكثرة المخالف والمعاند فيكونوا متوقعين ms0449 في كل وقت ~~مكابدة القوارع وحلول الصوادع والصوارع ليكون ذلك أجد في أمرهم وأجدر لهم ~~بالثبات والارتقاء إلى أعلى الدرجات . | ولما كان كأنه قيل : ما ذلك المثل ~~؟ أجيب بيانا بقوله : { مستهم البأساء } أي المصائب في الأموال { والضراء } ~~أي في الأنفس - نقله أبو عبيد الهروي عن الأزهري , والأحسن عندي عكسه , لأن ~~البأس كثير الاستعمار في الحرب والضر كثير الاستعمال في الفقر ؛ أي جزاء ~~لهم كما قال الحرالي على ما غيروا مما يجلب كلا منهما ولكل عمل جزاء { ~~وزلزلوا } لأمور باطنة من خفايا القلوب انتهى . | والمعنى أنهم أزعجوا ~~بأنواع البلايا والرزايا والأهوال والأفزاع إزعاا شديدا شبيها بالزلزلة ~~التي تكاد تهد الأرض وتدك الجبال { حتى يقول } رفعه نافع على حكاية الحال ~~في وقتها بمعنى أن الغاية والمغيا قد وجدا ومضيا فهما ماضيان وكأنك تحكي ~~ذلك حين وقوعه مثل من يقول عن مريض يشاهده : مرض حتى لا يرجونه , فإ , ~~النصب بتقدير أن وهي علم الاستقبال فهي لا تنصب غلا مضارعا بمعناه ؛ ونصبه ~~الجماعة على حكاية الحال أيضا لكن بتقدير أن الزلزال مشاهد والقول منتظر ~~حقق ذلك المتبين حتى يقول : { الرسول } وهو أثبت الناس { والذين آمنوا معه ~~} وهم الأثبت بعده لطول تمادي الزمان فيما مسهم وعبر بالمضارع تصويرا ~~لحالهم وإشارة إلى تكرير ذلك من مقالهم . | وقال الحرالي : فذكر قول الرسول ~~الواقع في رتبة الذين آمنوا معه لا قوله فيما يخصه في ذاته وحده ومن ~~PageV01P396 هو منه أو متبعه , لأن للنبي ترتبا فيما يظهر من قول وفعل مع ~~رتب أمته , فكان قول الرسول المنبئ عن حالهم { متى نصر الله } فكأنهم في ~~مثل ترقب المتلدد الحائر الذي كأنه وإن وعد بما هو الحق يوقع له التأخير ~~صورة الذي انبهم عليه الأمر لما يرى من اجتثاث أسباب الفرج , ففي إشعاره ~~إعلام بأن الله سبحانه و تعالى إنما يفرج عن أنبيائه ومن معهم بعد انقطاع ~~أسبابهم ممن سواه ليمتحن قلوبهم للتقوى فتتقدس سرائرهم من الركون لشيء من ~~الخلق وتتعلق ضمائرهم بالله تعالى وحده حتى يقول صلى الله عليه وسلم ms0450 : ( لا ~~إله إلا الله وحده , أنجز وعده , ونصر عبده , وهزم الأحزاب وحده ) إعلاما ~~بأن الله سبحانه وتعالى ناصره دون حجاب ولا وسيلة شيء من خلقه , كذلك سنته ~~مع رسله { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا } [ غافر : 51 ] ~~وعلى ذلك جرت خوارق العادات للأولياء وأهل الكرامات لا يكاد يقع لهم إلا عن ~~ضرورة قطع الأسباب , وفي قراءة النصب إعراب بأن غاية الزلزال القول , وفي ~~الرفع إعراب عن غاية الزلزال وأنه أمر مبهم , له وقع في البواطن والظواهر , ~~أحد تلك الظواهر وقوع هذا القول , ففي الرفع إنباء باشتداد الأمر بتأثيره ~~في ظاهر القول وما وراءه - انتهى . | وهو في النصب واضح فإن حتى مسلطة على ~~الفعل , وأما في الرفع فهي مقطوعة عن الفعل لأنها لم تعمل فيه لمضيه لتذهب ~~النفس في الغاية كل مذهب ثم استؤنف شيء من بيانها بالفعل . | ولما كان معنى ~~الكلام طلب النصر واستبطاء الأمر أجابهم تعالى إجابة المنادي في حال اشتداد ~~الضر بقوله : { ألا } قال الحرالي : استفتاحا وتنبيها وجمعا للقلوب للسماع ~~{ إن } تأكيدا وتثبيتا { نصر الله } الذي لا سبب له إلا العناية من ملك ~~الملوك بعد قطع كل سبب من دونه { قريب * } لاستغنائه عن عدة ومدة , ففي ~~جملته بشرى بإسقاط كلفة النصر بالأسباب والعدد والآلات المتعية , ~~والاتسغناء بتعلق القلوب بالله , ولذلك إنما ينصر الله هذه الأمة بضعفائها ~~, لأن نصرتها بتقوى القلوب لا بمدافعة الأجسام , فلذلك تفتح خاتمة هذه ~~الأمة ( قسطنطينية الروم بالتسبيح والتكبير ) قال صلى الله عليه وسلم : ( ~~إنا إذا PageV01P397 نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ) فانعطف ذلك على ~~ما أراده الله تبارك وتعالى بأنبيائه وأصفيائه من اليسر الذي كماله لهذه ~~الأمة فأراد بهم اليسر في كل حال - انتهى . | وفي بعض الآثار : إنما ~~تقاتلون الناس بأعمالكم , والحاصل أنه لا يكفي مجرد ادعائهم الدخول في ~~السلم بل لا بد من إقامة البينة بالصبر على ما يمتحنهم كما امتحن الأمم ~~الخالية والقرون الماضية , فانظر هذا التدريب في مصاعد التأديب , وتأمل كيف ~~ألقي إلى العرب وإن كان الخطاب لمن آمن ms0451 ذكر القيامة في قوله : ^ ( { والذين ~~اتقوا فوقهم يوم القيامة } ) ^ [ البقرة : 212 ] والجنة في قوله : ^ ( { أن ~~تدخلوا الجنة } ) ^ [ البقرة : 214 ] وهم ينكرونهما إلقاء ما كأنه محقق لا ~~نزاع فيه تأنيسا لهم بذكرهما , وانظر ما في ذلك من بدائع الحكم . | < < # | البقرة : ( 215 - 217 ) يسألونك ماذا ينفقون . . . . . # > > ^ ( يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ~~واليتامى PageV01P398 والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به ~~عليم * كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى ~~أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون * يسألونك عن الشهر ~~الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام ~~وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم ~~حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كانت النفقة من أصول ما بنيت عليه السورة من صفات المؤمنين < # > 77 ( { ومما رزقناهم ينفقون } ) 77 < # > [ البقرة : 3 ] ثم كرر الترغيب فيها في تضاعيف الآي إلى أن أمر بها في ~~أول آيات الحج الماضية آنفا مع أنها من دعائم بدايات الجهاد إلى أن تضمنتها ~~الآية السالفة مع القتل الذي هو نهاية الجهاد كان هذا موضع السؤال عنهما ~~فأخبر تعالى عن ذلك على طريق النشر المشوش وذلك مؤيد لما فهمته في البأساء ~~والضراء فإن استعماله في القرآن أكثر من المرتب فقال معلما لمن سأل : هل ~~سأل المخاطبون بذلك عنهما ؟ { يسئلونك ماذا } أي أي شيء { ينفقون } من ~~الأموال . | وقال الحرالي : لما كان منزل القرآن على نحو متصرف المرء في ~~الأزمان كان انتظام خطابه متراجعا بين خطاب دين يتلقى عن الله وبين إقامة ~~بحكم يكون العبد فيه خليفة الله في نفاذ أمره وبين إنفاق يكون فيه خليفة في ~~أيصال فضله , لأن الشجاعة والجود - خلافة والجبن والبخل عزل عنها , فكان في ~~طي ما ms0452 تقدم من الخطاب الإحسان والإنفاق , وكان حق ذلك أن لا يسأل عماذا ~~ينفق , لأن المنفق هو الفضل كله , قال صلى الله عليه وسلم : ( يا ابن آدم ! ~~إن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك ) ففي هذا السؤال ممن سأله له نوع ~~تلدد من نحو ما تقدم لبني إسرائيل في أمر البقرة من مرادة المسألة , لم ~~يستأذن الصديق رضي الله تعالى عنه حين أتى بماله كله ولا استأذن عمر رضي ~~الله عنه حين أتى بشطر ماله ولا استأذن سعد بن الربيع حين خرج لعبد الرحمن ~~بن عوف رضي الله تعالى عنهما عن شطر ماله وإحدى زوجتيه ؛ فكان في هذا ~~السؤال إظهار مثل الذين خلوا من قبلهم ولولا أن الله رحيم لكان جوابهم : ~~تنفقون الفضل , فكان يقع واجبا ولكن الله لطف بالضعيف لضعفه وأثبت الإنفاق ~~وأبهم PageV01P399 قدره في نكس الإنفاق بأن يتصدق على الأجانب مع حاجة من ~~الأقارب فقال تعالى خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم وإعراضا منه عن ~~السائلين لما في السؤال من التبلد الإسرائيلي - انتهى . | فقال : { قل ما ~~أنفقتم من خير } أي من مال وعدل عن بيان المنفق ما هو إلى بيان المصرف لأنه ~~أنفع على وجه عرف منه سؤالهم وهو كل مال عدوه خيرا فقال معبرا بالماضي ~~ليكون أشمل : { ما أنفقتم من خير } فعمم المنفق منه وهو كل ماله تعدونه ~~خيرا وخص المصرف مبينا أهمه لأن النفقة لا يعتد بها إلا أن تقع موقعها فقال ~~: فللوالدين } لأنهما أخرجاه إلى الوجود في عالم الأسباب { والأقربين } لما ~~لهم من الحق المؤكد بأنهم كالجزء لما لهم من قرب القرابة { واليتامى } ~~لتعرضهم للضياع لضعفهم . | وقال الحرالي : لأنهم أقارب بعد الأقارب باليتم ~~الذي أوجب خلافة الغير عليهم - انتهى { والمساكين } لمشاركتهم الأيتام في ~~الضعف وقدرتهم في الجملة على نوع كسب . | قال الحرالي : وهم المتعرضون لغة ~~والمستترون الذين لا يفطن لهم ولا يجدون ما يغنيهم شرعا ولغة نبوية - انتهى ~~. | { وابن السبيل } لضعفه بالغربة والآية محكمة فحمل ما فيها على ما يعارض ~~غيرها . | ولما خص من ms0453 ذكر عمم وبشر بقوله : { وما تفعلوا من خير } أي مما ~~يعد خيرا من عين أو معنى من هذا أو غيره مع هؤلاء أو غيرهم { فإن الله } ~~المحيط علما وقدرة بكل شيء . | ولما كان على طريق الاستئناف في مقام ~~الترغيب والترهيب لكونه وكل الأمر إلى المنفقين وكان سبحانه عظيم الرفق ~~بهذه الأمة أكد علمه بذلك فقدم بذلك فقدم الظرف غشارة إلى أن له غاية النظر ~~إلى أعمالهم الحسنة فقال : { به عليم * } أي بالغ العلم وهو أولى من جازى ~~على الخير . | وقال الحرالي : ختم بالعلم لأجل دخول الخلل على النيات في ~~الإنفاق لأنه من أشد شيء تتباهى به النفس فيكاد لا يسلم لها منه إلا ما لا ~~تعلمه شمالها التي هي التفاتها وتباهيها ويختص بيمينها التي هي صدقها ~~وإخلاصها - انتهى . | ولما أخبروا بما سألوا عنه من إحدى الخصلتين ~~المضمنتين لآية الزلزال كان ذلك موضع السؤال عن الأخرى فأجيبوا على طريق ~~الاستئناف بقوله : { كتب } . | وقال الحرالي : لما التف حكم الحج بالحرب ~~تداخلت آيات اشتراكهما وكما تقدم تأسيس فرض الحج في آية < # > 77 ( { فمن فرض فيهن الحج } ) 77 < # > [ البقرة : 197 ] انتظم به كتب القتال , والفرض من الشيء ما ينزل ~~بمنزلة الجزء منه , والكتب ما خرز بالشيء فصار كالوصلة فيه , كما جعل الصوم ~~لأن في الصوم جهاد النفس كما أن في القتال جهاد العدو , فجرى ما شأنه ~~المدافعة بمعنى الكتب وما شأنه العمل والإقبال بمعنى الفرض , وهما معنيان ~~مقصودان في الكتاب والسنة تحق العناية بتفهمهما لينزل كل من القلب في محله ~~PageV01P400 ويختص النية في كل واحد على وجهه وقد كان من أول منزلة آي ~~القتال < # > 77 ( { أذن للذين يقاتلون } ) 77 < # > [ الحج : 39 ] فكان الأول إذنا لمن شأنه المدافعة عن الدين بداعية من ~~نفسه من نحو ما كانت الصلاة قبل الفرض واقعة من الأولين بداعية من حبهم ~~لربهم ورغبتهم إليه في الخلوة به والأنس بمناجاته فالذين كانت صلاتهم حبا ~~كان الخطاب لهم بالقتال إذنا لتلفتهم إليه في بذل أنفسهم لله الذين كان ذلك ~~حبا لهم يطلبون ms0454 الوفاء به حبا للقاء ربهم بالموت كما أحبوا لقاء ربهم ~~بالصلاة ( حين عقلوا ) وأيقنوا أنه لا راحة لمؤمن إلا في لقاء ربه , فكان ~~من عملهم لقاء ربهم بالصلاة في السلم , وطلب لقائه بالشهادة ( في الحرب ) , ~~فلما اتسع أمر الدين ودخلت الأعراب والأتباع الذين لا يحملهم صدق المحبة ~~للقاء الله على البدار للجهاد نزل كتبه كما نزل فرض الصلاة استدراكا فقال : ~~{ كتب عليكم القتال } أي أيتها الأمة ! وكان في المعنى راجعا لهذا الصنف ~~الذين يسألون عن النفقة , وبمعنى ذلك انتظمت الآية بما قبلها فكأنهم ~~يتبلدون في الإنفاق تبلدا إسرائيليا ويتقاعدون عن الجهاد تقاعد أهل التيه ~~منهم الذين قالوا : < # > 77 ( { اذهب أنت وربك فقاتلا } ) 77 < # > [ المائدة : 24 ] انتهى . | { وهو كره } وهو ما يخالف غرض النفس وهواها ~~, ولعله لكونه لما كان خيرا عبر باللام في { لكم } وهذا باعتبار الأغلب وهو ~~كما قال الحرالي عند المحبين للقاء الله من أحلى ما تناله أنفسهم حتى كان ~~ينازع الرجل منهم في أن يقف فيقسم على الذي يمسكه أن يدعه والشهادة , قال ~~بعض التابعين : لقد أدركنا قوما كان الموت لهم أشهى من الحياة عندكم اليوم ~~وإنما كان ذلك لما خربوه من دنياهم وعمروه من أخراهم فكانوا يحبون النقلة ~~من الخراب إلى العمارة - انتهى . | ولما كان هذا مكروها لما فيه على المال ~~من المؤونة وعلى النفس من المشقة وعلى الروح من الخطر من حيث الطبع شهيا ~~لما فيه من الوعد بإحدى الحسنيين من حيث الشرع أشار غلى ذلك بجملة حالية ~~فقال : { وعسى أن } وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة براءة من شرح معاني { ~~عسى } ما يوضح أن المعنى : وحالكم جدير وخليق لتغطية علم العواقب عنكم بأن ~~{ تكرهوا شيئا } أي كالغزو فتعرضوا عنه لظنكم أنه شر لكم { وهو } أي والحال ~~أنه { خير لكم } لما فيه من الظفر والغنيمة أو الشهادة والجنة فإنكم لا ~~تعلمون والذي كلفكم ذلك عالم بكل شيء غير محتاج إلى شيء وما كلفكم ذلك إلا ~~لنفعكم . | قال الحرالي : فشهد - لهم لما لم يشهدوا مشهد الموقنين ms0455 الذين ~~يشاهدون غيب الإيمان كما يشهدون عن الحس , كما قال ثعلبة : ( كأني أنظر إلى ~~أهل الجنة في الجنة ينعمون وأنظر إلى أهل النار في النار يعذبون ) ولم يبرم ~~لهم الشهادة ولكن ناطها بكلمة { عسى } لما علمه من ضعف قبول من خاطبه بذلك ~~, وفي إعلامه PageV01P401 إلزام بتنزل العلي الأدنى رتبة لما أظهر هذا ~~الخطاب من تنزل الحق في مخاطبة الخلق إلى حد مجاوزة المترفق في الخطاب - ~~انتهى . | ولما رغبهم سبحانه وتعالى في الجهاد بما رجالهم فيه من الخير ~~رهبهم من القعود عنه بما يخشى فيه من الشر . | قال الحرالي : فأشعر أن ~~المتقاعد له في تقاعده آفات وشر في الدنيا والآخرة ليس أن لا ينال خير ~~الجهاد فقط بل وينال شر التقاعد والتخلف - انتهى . | فقال تعالى : { وعسى ~~أن تحبوا شيئا } أي كالقعود فتقبلوا عليه لظنكم أنه خير لكم { وهو } أي ~~والحال أنه { شر لكم } لما فيه من الذل والفقر وحرمان الغنيمة والأجر وليس ~~أحد منكم إلا قد جرب مثل ذلك مرارا في أمور دنياه , فإذا صح ذلك في فرد صار ~~كل شيء كذلك في إمكان خيريته وشريته فوجب ترك الهوى والرجوع إلى العالم ~~المنزه عن الغرض ولذلك قال عاطفا على ما تقديره : فالله قد حجب عنكم سر ~~التقدير { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { يعلم } أي له علم كل شيء ~~وقد أخبركم في صدر هذا الأمر أنه رؤوف بالعباد فهو لا يأمركم إلا بخير . | ~~وقال الحرالي : شهادة بحق العلم يرجع إليها عند الأغبياء في تنزل الخطاب - ~~انتهى . | والآية من الاحتباك ذكر الخير أولا دال على حذفه ثانيا وذكر الشر ~~ثانيا دال على حذفه مثله أولا . | ولما أثبت سبحانه وتعالى شأنه العلم ~~لنفسه نفاه عنهم فقال : { وأنتم لا تعلمون * ] أي ليس لكم من أنفسكم علم ~~وإنما عرض لكم ذلك من قبل ما علمكم فثقوا به وبادروا إلى كل ما يأمركم به ~~وإن شق . | وقال الحرالي : فنفى العلم عنهم لكلمة ( لا ) أي التي هي ~~للاستقبال حتى تفيد دوام الاستصحاب < # > 77 ( { وما أوتيتم من العلم ms0456 إلا قليلا } ) 77 < # > [ الإسراء : 85 ] قال من حيث رتبة هذا الصنف من الناس من الأعراب ~~وغيرهم , وأما المؤمنون أي الراسخون فقد علمهم الله من علمه ما علموا أن ~~القتال خير لهم وأن التخلف شر لهم - انتهى . | حتى أن علمهم ذلك أفاض على ~~ألسنتهم ما يفيض الدموع وينير القلوب , ( حتى شاورهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في التوجه إلى غزوة بدر ) فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن ~~, ثم قام عمر رضي الله تعالى عنه فقال وأحسن , ثم قام المقداد رضي الله ~~تعالى عنه فقال : يا رسول الله ! امض لما أراك الله فنحن معك , والله لا ~~نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى : < # > 77 ( { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون } ) 77 < # > [ المائدة : 24 ] ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون , ~~فوالذي بعثك بالحق ! لو سرت إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ~~؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له , ثم قال PageV01P402 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أشيروا علي أيها الناس ! فقال سعد بن ~~معاذ الأنصاري رضي الله تعالى عنه : والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال ~~: أجل , قال : فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك ~~على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة , فامض يا رسول الله لما أردت ~~فنحن معك . | فوالذي بعثك بالحق ! لو استعرضت بنا هذا البحر قخضته لخضناه ~~معك ! ما تخلف منا رجل واحد , وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ! إنا لصبر ~~في الحرب صدق في اللقاء , لعل الله يريك منا ما تقر به عينك , فسر بنا على ~~بركة الله تعالى ( . | ولما كان مطلق القتال فيه في زعمهم لا يجوز حتى ولا ~~لمستحق القتل وكان في الواقع القتال عدوانا فيه أكبر منه في غيره قال : { ~~كبير } أي في الجملة . | ولما كان من المعلوم أن المؤمنين في غاية السعي في ~~تسهيل سبيل الله فليسوا من الصد عنه ولا من الكفر في شيء لم ms0457 يشكل أن ما ~~بعده كلام مبتدأ هو للكفار وهو قوله : { وصد } أي صد كان { عن سبيل الله } ~~الملك الذي له الأمر كله أي الذي هو دينه الموصل إليه أي إلى ضوانه , أو ~~البيت الحرام فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الحج سبيل الله . | قال ~~الحرالي : والصد صرف إلى ناحية بإعراض وتكره , والسبيل طريق الجادة السابلة ~~عليه الظاهر لكل سالك منهجه { وكفر به } أي كفر كان , أي بالدين , أو بذلك ~~الصد أي بسببه فإنه كفر إلى كفرهم , وحذف الخبر لدلالة ما بعده عليه دلالة ~~بينة لمن أمعن النظر PageV01P403 وهو أكبر أي من القتال في الشهر الحرام , ~~والتقييد فيما يأتي بقوله : { عند الله } يدل على ما فهمته من أن المراد ~~بقوله : { كبير } في زعمهم وفي الجملة لا أنه من الكبائر . | ولما كان في ~~تقدم الإذن بالقتال في الشهر الحرام وفي المسجد الحرام بشرط كما مضى كان ~~مما يوجب السؤال عن القتال فيه في الجملة بدون ذلك الشرط أو بغيره توقعا ~~للإطلاق لا سيما والسرية التي كانت سببا لنزول هذه الآية وهي سرية عبد الله ~~بن جحش كان الكلام فيها كما رواه ابن إسحاق عن الأمرين كليهما فإنه قال : ~~إنهم لقوا الكفار الذين قتلوا منهم وأسروا وأخذوا عيرهم في آخر يوم من رجب ~~فهابوهم فلطفوا لهم حتى سكنوا فتشاوروا في أمرهم وقالوا : لئن تركتموهم هذه ~~الليلة ليدخلن الحرم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام , فترددوا ثم ~~شجعوا أنفسهم ففعلوا ما فعلوا فعيرهم المشركون بذلك فاشتد تعييرهم لهم ~~واشتد قلق الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لا سيما أهل السرية من ذلك ولا ~~شك أنهم أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم بكل ذلك فإخبارهم له على هذه ~~الصورة كاف في عدة سؤالاتهم فضلا عن دلالة ما مضى على التشوف إلى السؤال ~~عنه لما كان ذلك قال تعالى : { والمسجد } أي ويسألونك عن المسجد { الحرام } ~~أي الحرم الذي هو للصلاة والعبادة بالخضوع لا لغير ذلك ) قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير ( عندكم على نحو ما مضى ms0458 ثم ابتدأ قائلا : { وإخراج } كما ابتدأ ~~قوله : { وصد عن سبيل الله } وقال : { أهله } أي المسجد الذي كتبه الله لهم ~~في القدم وهم أولى الناس به { منه أكبر } أي من القتال في الشهر الحرام خطأ ~~وبناء على الظن والقتل فيه { عند الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما فقد ~~حذف من كل جملة ما دل عليه ما ثبت في الأخرى فهو من وادي الاحتباك , وسر ما ~~صنع في هذا الموضع من الاحتباك أنه لما كان القتال في الشهر الحرام قد وقع ~~من المسلمين حين هذا السؤال في سرية عبد الله بن جحش أبرز السؤال عنه ~~والجواب , ولما كان القتال في المسجد الحرام لم يقع بعد وسيقع من المسلمين ~~أيضا عام الفتح طواه وأضمره , ولما كان الصد عن سبيل الله الذي هو البيت ~~والكفر الواقع بسببه لم يقع وسيقع من الكفار عام الحديبية أخفى خبره وقدره ~~, ولما كان الإخراج قد وقع منهم ذكر خبره وأظهره ؛ فأظهر سبحانه وتعالى ما ~~أبرزه على يد الحدثان , وأضمر ما أضمره في صدر الزمان , وصرح بما صرح به ~~لسان الواقع , ولوح إلى ما لوح إليه صارم الفتح القاطع - والله الهادي . | ~~والمراد بالمسجد الحرام الحرم كله , PageV01P404 قال الماوردي من أصحابنا : ~~كل موضع ذكر الله فيه المسجد الحرام فالمراد به الحرم إلا قوله تعالى : < # > 77 ( { فول وجهك شطر المسجد الحرام } ) 77 < # > [ البقرة : 149 ] فإن المراد به الكعبة - نقله عن ابن الملقن . | وقال ~~غيره : إنه يطلق أيضا على نفس مكة مثل < # > 77 ( { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام } ) 77 < # > [ الإسراء : 1 ] فإن في بعض طرق البخاري : ( فرج سقف بيتي وأنا بمكة ~~فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست - إلى أن قال : ثم أخذ ~~بيدي فعرج بي إلى السماء ) ويطلق أيضا على نفس المسجد نحو قوله تعالى : < # > 77 ( { ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء ~~العاكف فيه والباد } ) 77 < # > [ الحج : 25 ] . | ولما كان كل ما تقدم من أمر الكفار فتنة كان كأنه ms0459 ~~قيل : أكبر , لأن ذلك فتنة { والفتنة } أي بالكفر والتكفير بالصد والإخراج ~~وسائر أنواع الأذى التي ترتكبونها بأهل الله في الحرم والأشهر الحرم { أكبر ~~من القتل } ولو كان في الشهر الحرام لأن همه يزول وغمها يطول . | ولما كان ~~التقدير : وقد فتنوكم وقاتلوكم وكان الله سبحانه وتعالى عالما بأنهم إن ~~تراخوا في قتالهم ليتركوا الكفر لم يتراخوا هم في قتالهم ليتركوا الإسلام ~~وكان أشد الأعداء من إذا تركته لم يتركك قال تعالى عاطفا على ما قدرته : { ~~ولا يزالون } أي الكفار { يقاتلونكم } أي يجددون قتالكم كلما لاحت لهم فرصة ~~. | ولما كان قتالهم إنما هو لتبديل الدين الحق بالباطل علله تعالى بقوله : ~~{ حتى } ولكنهم لما كانوا يقدرون أنه هين عليهم لقلة المسلمين وضعفهم ~~تصوروه غاية لا بد من انتهائهم إليها , فدل على ذلك بالتعبير بأداة الغاية ~~, { يردوكم } أي كافة ما بقي منكم واحد { عن دينكم } الحق , ونبه على أن ( ~~حتى ) تعليلية بقوله مخوفا من التواني عنهم فيستحكم كيدهم ملهبا للأخذ في ~~الجد في حربهم وإن كان يشعر بأنهم لا يستطيعون : PageV01P405 { إن استطاعوا ~~} أي إلى ذلك سبيلا , فأنتم أحق بأن لا تزالوا كذلك , لأنكم قاطعون بأنكم ~~على الحق وأنكم منصورون وأنهم على الباطل وهم مخذولون ؛ ولا بد وإن طال ~~المدى لاعتمادكم على الله واعتمادهم على قوتهم , ومن وكل إلى نفسه ضاع ؛ ~~فالأمر الذي بينكم وبينهم أشد من الكلام فينبغي الاستعداد له بعدته والتأهب ~~له بأهبته فضلا عن أن يلتفت إلى التأثر بكلامهم الذي توحيه إليهم الشياطين ~~طعنا في الدين وصدا عن السبيل وشبههم التي أضلوا عليهم دينهم ولا أصل لها , ~~وفي الآية إشارة إلى ما وقع من الردة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فإن ~~القتال على الدين لم ينقض إلا بعد الفروغ من أمرهم . | قال الحرالي : ~~الاستطاعة مطاوعة النفس في العمل وإعطاؤها الانقياد فيه , ثم قال : فيه ~~إشعار بأن طائفة ترتد عن دينها وطائفة تثبت , لأن كلام الله لا بخرج في بته ~~واشتراطه إلا لمعنى واقع لنحو ما ويوضحه تصريح الخطاب في قوله ms0460 : { ومن ~~يرتدد } إلى آخره ؛ وهو من الردة ومنه الردة وهو كف بكره لما شأنه الإقبال ~~بوفق - انتهى . | وكان صيغة الافتعال المؤذنة بالتكلف والعلاج إشارة إلى أن ~~الدين لا يرجع عنه إلا بإكراه النفس لما في مفارقة الإلف من الألم ؛ وإجماع ~~القراء على الفك هنا للإشارة غلى أن الحبوط مشروط بالكفر ظاهرا باللسان ~~وباطنا بالقلب فهو مليح بالعفو عن نطق اللسان مع طمأنينة القلب , وأشارت ~~قراءة الإدغام في المائدة إلى أن الصبر أرفع درجة من الإجابة باللسان وإن ~~كان القلب مطمئنا . | ولما حماهم سبحانه وتعالى بإضافة الدين إليهم بأنهم ~~يريدون سلبهم ما اختاروه لأنفسهم لحقيته وردهم قهرا إلى ما رغبوا عنه ~~لبطلانه خوفهم من التراخي عنهم حتى يصلوا إلى ذلك فقال : { ومن يرتدد منكم ~~} أي يفعل ما يقصدونه من الردة { عن دينه } وعطف على الشرط قوله : { فيمت } ~~أي فيتعقب ردته أنه يموت { وهو } أي والحال أنه { كافر } . | ولما أفرد ~~الضمير على اللفظ نصا على كل فرد فرد جمع لأن إخزاء الجمع إخزاء لكل فرد ~~منهم ولا عكس , وقرنه بفاء السبب إعلاما بأن سوء أعمالهم هو السبب في ~~وبالهم فقال : { فأولئك } البعداء البغضاء { حبطت أعمالهم } أي بطلت ~~معانيها وبقيت صورها ؛ من حبط الجرح إذا برأ ونفي أثره . | وقال الحرالي : ~~من الحبط وهو فساد في الشيء الصالح يأتي عليه من وجه يظن به صلاحه وهو في ~~الأعمال بمنزلة البطح في الشيء القائم الذي يقعده عن قيامه كذلك الحبط في ~~الشيء الصالح يفسده عن وهم صلاحه { في الدنيا } بزوال ما فيها من روح الأنس ~~بالله سبحانه وتعالى ولطيف الوصلة به وسقوط إضافتها إليهم إلا مقرونة ببيان ~~حبوطها فقط بطل ما كان لها من الإقبال من PageV01P406 الحق والتعظيم من ~~الخلق { والآخرة } بإبطال ما كان يستحق عليها من الثواب بصادق الوعد . | ~~ولما كانت الردة أقبح أنواع الكفر كرر المناداة بالبعد على أهلها فقال : { ~~وأولئك أصحاب النار } فدل بالصحبة على أنهم أحق الناس بها فهم غير منفكين ~~منها . | ولما كانوا كذلك كانوا كأنهم المختصون بها دون غيرهم ms0461 لبلوغ ما لهم ~~فيها من السفول إلى حد لا يوازيه غيره فتكون لذلك اللحظ لهم بالأيام من ~~غيرهم فقال تقريرا للجملة التي قبلها : { هم فيها خالدون * } اي مقيمون ~~إقامة لا آخر لها , وهذا الشرط ملوح إلى ما وقع بعد موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم من الردة لأن الله سبحانه وتعالى إذا ساق شيئا مساق الشرط اقتضى ~~أنه سيقع شيء منه فيكون المعنى : ومن يرتد فيتب عن ردته يتب الله عليه كما ~~وقع لأكثرهم , وكان التعبير بما قد يفيد الاختصاص إشارة إلى أن عذاب غيرهم ~~عدم بالنسبة إلى عذابهم لأن كفرهم أفحش أنواع الكفر . | < < # | البقرة : ( 218 - 219 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > ^ ( إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون ~~رحمة الله والله غفور رحيم * يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهمآ إثم كبير ~~ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك ~~يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ) ^ } ) | ولما بين سبحانه وتعالى ~~المقطوع لهم بالنار بين الذين هم أهل لرجاء الجنة لئلا يزال العبد هاربا من ~~موجبات النار مقبلا على مرجئات الجنة خوفا من أن يقع فيما يسقط رجاءه - ~~وقال الحرالي : لما ذكر أمر المتزلزلين ذكر أمر الثابتين ؛ انتهى - فقال : ~~{ إن الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان . | ولما كانت الهجرة التي هي فراق ~~المألوف والجهاد الذي هو المخاطرة بالنفس في مفارقة وطن البدن ولمال في ~~مفارقة وطن النعمة أعظم الأشياء على النفس بعد مفارقة وطن الدين كرر لهما ~~الموصول إشعارا باستحقاقهما للاصالة في أنفسهما فقال مؤكدا للمعنى بالإخراج ~~في صيغة المفاعلة : { والذين هاجروا } أي أوقعوا المهاجرة بأن فارقوا بغضا ~~ونفرة تصديقا لإقرارهم بذلك ديارهم ومن خالفهم فيه من أهلهم وأحبابهم . | ~~قال الحرالي : من المهاجرة وهو مفاعلة من الهجرة وهو التخلي عما شأنه ~~الاغتباط به لمكان ضرر منه { وجاهدوا } أي أوقعوا المجاهدة , مفاعلة من ~~الجهد - فتحا وضما , وهو الإبلاغ في الطاقة والمشقة في العمل { في سبيل ~~الله } أي دين الملك الأعظم كل من خالفهم { أولئك } العالو الرتبة العظيمو ms0462 ~~الزلفى والقربة ولما كان أجرهم إنما هو من فضل الله قال : { يرجون } من ~~الرجاء وهو ترقب الانتفاء بما تقدم له سبب ما - قاله PageV01P407 الحرالي { ~~رحمت الله } أي إكرامه لهم غير قاطعين بذلك علما منهم أن له أن يفعل ما ~~يشاء لأنه الملك الأعظم فلا كفوء له وهم غير قاطعين بموتهم محسنين , قاطعون ~~بأنه سبحانه وتعالى لو أخذهم بما يعلم من ذنوبهم عذبهم . | ولما كان ~~الإنسان محل النقصان فهو لا يزال في فعل ما إن أوخذ به هلك قال مشيرا إلى ~~ذلك مبشرا بسعة الحلم في جملة حالية من واو { يرجون } ويجوز أن يكون عطفا ~~على ما تقديره : ويخافون عذابه فالله منتقم عظيم : { والله } أي الذي له ~~صفات الكمال { غفور } أي ستور لما فرط منهم من الصغائر أو تابوا عنه من ~~الكبائر { رحيم * } فاعل بهم فعل الراحم من الإحسان والإكرام والاستقبال ~~بالرضى . | قال الحرالي : وفي الختم بالرحمة أبدا في خواتم الآي إشعار بأن ~~فضل الله في الدنيا والآخرة ابتداء فضل ليس في الحقيقة جزاء العمل فكما ~~يرحم العبد طفلا ابتداء يرحمه كهلا انتهاء ويبتدئه برحمته في معاده كما ~~ابتدأه رحمته في ابتدائه - انتهى بالمعنى . | ولما كان الشراب مما أذن فيه ~~في ليل الصيام وكان غالب شرابهم النبيذ من التمر والزبيب وكانت بلادهم حارة ~~فكان ربما اشتد فكان عائقا عن العبادة لا سيما الجهاد لأن السكران لا ينتفع ~~به في رأي ولا بطش ولم يكن ضروريا في إقامة البدن كالطعام آخر بيانه إلى أن ~~فرغ مما هو أولى منه بالإعلام وختم الآيات المتخللة بينه وبين آيات الإذن ~~بما بدأها به من الجهاد ونص فيها على أن فاعل أجد الجد وأمهات الأطايب من ~~الجهاد وما ذكر معه في محل الرجاء للرحمة فاقتضى الحال السؤال : هل سالوا ~~عن أهزل الهزل وأمهات الخبائث ؟ فقال معلما بسؤالهم عنه مبينا لما اقتضاه ~~الحال من حلمه فيبقى ما عداه على الإباحة المحضة : { يسئلونك عن الخمر } ~~الذي هو أحد ما غنمه عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه ms0463 في سريته التي ~~أنزلت الآيات السالفة بسببها . | قال الحرالي : وهو مما منه الخمر - بفتح ~~الميم - وهو ما وارى من شجر ونحوه , فالخمر - بالسكون - فيما يستبطن بمنزلة ~~الخمر - بالفتح - فيما يستظهر , كأن الخمر يواري ما بين العقل المستبصر من ~~الإنسان وبهيميته العجماء , وهي ما أسكر من اي شراب كان سواء فيه القليل ~~والكثير { والميسر } قال الحرالي : اسم مقامرة كانت الجاهلية تعمل بها لقصد ~~انتفاع الضعفاء وتحصيل ظفر المغالبة - انتهى . | وقرنهما سبحانه وتعالى ~~لتآخيهما في الضرر بالجهاد وغيره بإذهاب المال مجانا عن غير طيب نفس ما بين ~~سبحانه وتعالى من المؤاخاة بينهما هنا وفي المائدة وإن كان سبحانه وتعالى ~~اقتصر هنا على ضرر الدين وهو الإثم لأنه أس يتبعه كل ضرر فقال في الجواب : ~~{ قل فيهما } أي في استعمالهما { إثم كبير } لما فيهما من المساوي المنابذة ~~لمحاسن الشرع من الكذب والشتم وزوال العقل PageV01P408 واستحلال مال الغير ~~فهذا مثبت للتحريم بإثبات الإثم ولأنهما من الكبائر . | قال الحرالي : في ~~قراءتي الباء الموحدة والمثلثة إنباء عن مجموع الأمرين من كبر المقدار ~~وكثرة العدد وواحد من هذين مما يصد ذا الطبع الكريم والعقل الرصين عن ~~الإقدام عليه بل يتوقف عن الإثم الصغير القليل فكيف عن الكبير الكثير - ~~انتهى . | { ومنافع للناس } يرتكبونهما لأجلها من التجارة في الخمر واللذة ~~بشربها , ومن أخذ المال الكثير في الميسر وانتفاع الفقراء وسلب الأموال ~~والافتخار على الأبرام والتوصل بهما إلى مصادقات الفتيان ومعاشراتهم والنيل ~~من مطاعمهم ومشاربهم وأعطياتهم ودرء المفاسد مقدم فكيف { وإثمهما أكبر من ~~نفعهما } وفي هذا كما قال الحرالي تنبيه على النظر في تفاوت الخيرين وتفاوت ~~الشرين - انتهى . | قال أبو حاتم أحمد بن أحمد الرازي في كتاب الزينة : ~~وقال بعض أهل المعرفة : والنفع الذي ذكر الله في الميسر أن العرب في الشتاء ~~والجدب كانوا يتقامرون بالقداح على الإبل ثم يجعلون لحومها لذوي الفقر ~~والحاجة فانتفعوا واعتدلت أحوالهم ؛ قال الأعشى في ذلك : | المطعمو الضيف ~~إذا ما شتوا والجاعلو القوت على الياسر | انتهى . | وقال غيره : وكانوا ~~يدفعونها للفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون ms0464 بذلك ويذمون من لم يدخل فيه ~~ويسمونه البرم , وبيان المراد من الميسر عزيز الوجود مجتما وقد استقصيت ما ~~قدرت عليه منه إتماما للفائدة قال المجد الفيروز آبادي في قاموسه : والميسر ~~اللعب بالقداح , يسر ييسر , أو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها , أو ~~النرد أو كل قمار - انتهى . | وقال صاحب كتاب الزينة : وجمع الياسر يسر ~~وجمع اليسر أيسار فهو جمع الجمع مثل حارس وحرس وأحراس - انتهى . | والقمار ~~كل مراهنة على غرر محض وكأنه مأخوذ من القمر آية الليل , لأنه يزيد مال ~~المقامر تارة وينقصه أخرى كما يزيد القمر وينقص ؛ وقال أبو عبيد الهروي في ~~الغريبين وعبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي : قال مجاهد : كل شيء فيه ~~قمار فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز , وفي تفسير الأصبهاني عن الشافعي ~~: إن الميسر ما يوجب دفع مال أو أخذ مال , فإذا خلا الشطرنج عن الرهان ~~واللسان عن الطغيان والصلاة عن النسيان لم يكن ميسرا . | وقال الأزهري : ~~الميسر الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه , سمي ميسرا لأنه يجزأ أجزاء فكأنه ~~موضع PageV01P409 التجزئة , وكل شيء جزأته فقد يسرته , والياسر الجازر لأنه ~~يجزئ لحم الجزور , قال وهذا الأصل في الياسر ثم يقال للضاربين بالقداح ~~والمتقامرين على الجزور : ياسرون , لأنهم جازرون إذ كانوا سببا لذلك , ~~ويقال : يسر القوم - إذا قامروا , ورجل يسر وياسر والجمع أيسار ؛ القزاز : ~~فأنت ياسر وهو ميسور برجع والمفعول ميسور - يعني الجزور , وأيساء جمع يسر ~~ويسر جمع ياسر , وقال القزاز : واليسر القوم الذين يتقامرون على الجزور , ~~واحدهم ياسر كما تقول : غائب وغيب , ثم يجمع أيسر فيقال : أيسار , فيكون ~~الأيسار جمع الجمع , ويقال للضارب بالقداح : يسر , والجمع أيسار , ويقال ~~للنرد : ميسر , لأنه يضرب عليها كما يضرب على الجزور , ولا يقال ذلك في ~~الشطرنج لمفارقتها ذلك المعنى ؛ وقال عبد الحق في الواعي : والميسر موضع ~~التجزئة ؛ أبو عبد الله : كان أمر الميسر أنهم كانوا يشترون جزورا ~~فينحرونها ثم يجزئونها أجزاء , قال أبو عمرو : على عشرة أجزاء , وقال ~~الأصمعي : على ثمانية وعشرين جزءا , ثم يسهمون عليها بعشرة قداح , لسبعة ~~منها أنصباء ms0465 وهي الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافس والمسبل والمعلي , ~~وثلاثة منها ليس لها أنصباء وهي المنيح والسفيح والوغد , ثم يجعلونها على ~~يد رجل عدل عندهم يجيلها لهم باسم رجل رجل , ثم يقسمونها على قدر ما يخرج ~~لهم السهام , فمن خرج سهمه من هذه السبعة أخذ من الأجزاء بحصة ذلك , ومن ~~خرج له واحد من الثلاثة فقد اختلف الناس في هذا الموضع فقال بعضهم : من ~~خرجت باسمه لم يأخذ شيئا ولم يغرم ولكن تعاد الثانية ولا يكون له نصيب ~~ويكون لغوا ؛ وقال بعضهم : بل يصير ثمن الجزور كله على أصحاب هؤلاء الثلاثة ~~فيكونون مقمورين ويأخذ أصحاب السبعة أنصباء على ما خرج لهم فهؤلاء الياسرون ~~. | قال أبو عبيد : ولم أجد علماءنا يستقصون علم معرفة هذا ولا يدعونه , ~~ورأيت أبا عبيدة أقلهم ادعاء له , قال أبو عبيدة : وقد سألت عنه الأعراب ~~فقالوا : لا علم لنا بهذا , هذا شيء قد قطعه الإسلام منذ جاء فلسنا ندري ~~كيف كانوا ييسرون . | قال أبو عبيد : وإنما كان هذا منهم في أهل الشرف ~~والثروة والجدة - انتهى . | ولعل هذا سب بتسميته ميسرا . | وقال صاحب ~~الزينة : فالتي لها الغنم وعليها الغرم أي من السهام يقال لها : موسومة , ~~لأجل الفروض فإنها بمنزلة السمة , ويكون عدد الأيسار سبعة أنفس يأخذ كل رجل ~~قدحا , وربما نقص عدد الرجال عن السبعة فيأخذ الرجل منهم قدحين , فإذا فعل ~~ذلك مدح به وسمي مثنى الأيادي , قال النابغة : | PageV01P410 إني أتمم ~~إيثاري وأمنحهم مثنى الأيادي وأكسو الحفنة الأدما | وقال : ويقال للذي يضرب ~~بالقداح : حرضة , وإنما سمي بذلك لأنه رجل يجيل لا يدخل مع الأيسار ولا ~~يأخذ نصيبا ولذلك يختارونه لأنه لا غنم له ولا غرم عليه , والذي لا يضرب ~~القداح ولا يدخل مع الأيسار في شيء من أمورهم يقال له : البرم , وتجمع ~~القداح في جلدة , وقال بعضهم : في خرقة , وتسمى تلك الجلدة الربابة , أي ~~بكسر الراء المهملة وموحدتين , ثم تجمع أطرافها ويعدل بينها وتكسى يده ~~أديما لكي لا يجد مس قدح له فيه رأي وتشد عيناه , فيجمع أصابعه عليها ms0466 ~~ويضمها كهيئة الضغث ثم يضرب رؤوسها بحاق راحته فأيها طلع من الربابة كان ~~فائزا ؛ قال : وقال غيره : تكون الربابة فلا يخرج ومنها ما لا يعترض فيطلع ~~, فذاك يكون فائزا , ويقعد رجل أمين على الحرضة يقال له : الرقيب , ويقال ~~للذي يضرب بالقداح : مفيض , والإفاضة الدفع وهو أن يدفعها دفعة واحدة إلى ~~قدام ويجيلها ليخرج منها قدح ؛ وكذلك الإفاضة من عرفة هو الدفع منها إلى ~~جمع - انتهى . | وقال في القاموس : كانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا ~~جزورا نسيئة ونحروه قبل أن ييسروا وقسموه ثمانية وعشرين سهما أو عشرة أقسام ~~, فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز من خرج لهم ذوات الأنصباء وغرم ~~من خرج له الغفل - انتهى . | وقال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب : ~~الياسر هو الضارب في القداح , وهو من الميسر وهو القمار الذي كان أهل ~~الجاهلية يفعلونه , وكانوا يتقامرون على الجزور أو غيره ويجزئونه أجزاء ~~ويسهمون عليها مثلا بعشرة لسبعة منها أنصباء وهي الفذ - إلى آخره , ثم ~~يخرجون ذلك , فمن خرج سهمه من السبعة أخذ بحصته , ومن خرج له واحد من ~~الثلاثة لم يأخذ شيئا ؛ ولهم في ذلك مذاهب ما عرفها أهل الإسلام ولم يكن ~~أحد من أهل اللغة على ثبت في كيفية ذلك - انتهى . | هذا ما قالوه في مادة ~~يسر وقد نظمت أسماء القداح تسهيلا لحفظها في قولي : | الفذ والتوأم والرقيب ~~والحلس والنافس يا ضريب ومسبل مع المعلى عدوا ثم منيح وسفيح وغد | وأما ما ~~قالوه في مادة كل اسم منها فقال في القاموس : الفذ أي بفتح الفاء وتشديد ~~PageV01P411 الذال المعجمة : أول سهام الميسر , والتوأم أي بفتح الفوقانية ~~المبدلة من الواو وإسكان الواو وفتح الهمزة - وزن كوكب : سهم من سهام ~~الميسر أو ثانيها , والرقيب أمين أصحاب الميسر أو الأمين على الضريب ~~والثالث من قداح الميسر , وقال في مادة ضرب : والضريب الموكل بالقداح أو ~~الذي يضرب بها كالضارب والقدح الثالث ؛ وقال في الجمع بين العباب والمحكم : ~~والرقيب الحافظ ورقيب القداح الأمين على الضريب , وقيل : هو أمين أصحاب ~~الميسر ms0467 , وقيل : هو الرجل الذي يقوم خلف الحرضة في الميسر ومعناه كله سواء ~~, وإنما قيل للعيوق : رقيب الثريا , تشبيها برقيب الميسر , والرقيب الثالث ~~من قداح الميسر , وفيه ثلاثة فروض , وله غنم ثلاثة انصباء إن فاز , وعليه ~~غرم ثلاثة إن لم يفز ؛ وقال في مادة ضرب : وضرب بالقداح والضريب الموكل ~~بالقداح , وقيل : الذي يضرب بها , قال سيبويه : فعيل بمعنى فاعل , والضريب ~~القدح الثالث من قداح الميسر , قال اللحياني : وهو الذي يسمى الرقيب , قال ~~: وفيه ثلاثة فروض إلى آخر ما في الرقيب ؛ وقال في القاموس : والحرضة أي ~~بضم المهملة وإسكان المهملة ثم معجمة أمين المقامرين , والحلس بكسر المهملة ~~وإسكان اللام ثم مهملة وككتف الرابع من سهام الميسر , والنافس بنون وفاء ~~مكسورة ومهملة اسم فاعل خامس سهام الميسر , ومسبل أي بسين مهملة وموحدة قال ~~: بوزن محسن , السادس أو الخامس من قداح الميسر ؛ وقال في مجمع البحرين : ~~وهو المصفح أيضا يعني بفتح الفاء , والمعلى كمعظم سابع سهام الميسر , ~~والمنيح كأمير أي بنون وآخره مهملة قدح بلا نصيب , والسفيح أي بوزنه ~~وبمهملة ثم فاء وآخره مهملة قدح من الميسر لا نصيب له , والوغد أي بفتح ثم ~~سكون المعجمة ثم مهملة الأحمق ا لضعيف الرذل الدنيء وقدح لا نصيب له ؛ وقال ~~صاحب الزينة : وكانوا يبتاعون الجزور ويتضمنون ثمنه ثم يضربون بالقداح عليه ~~ثم ينحرونه ويقسمونه عشرة أجزاء على ما حكاه أكثر علماء اللغة , ثم يجيلون ~~عليها القداح فإن خرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أنصباء ونجا من الغرم , ثم ~~يجيلون عليها ثانيا فإن خرج الرقيب أخذ صاحبه ثلاثة أنصباء ونجا من الغرم ~~ونفدت أجزاء الجزور , وغرم الباقون على عدد أنصبائهم فغرم صاحب الفذ نصيبا ~~واحدا وصاحب التوأم نصيبين فعلى ذلك يقسمون الغرم بينهم . | وذكر عن ~~الأصمعي أنه قال : كانوا يقسمون الجزور على ثمانية وعشرين جزءا : للفظ جزء ~~, وللتوأم جزءان , وللرقيب ثلاثة أجزاء - فعلى هذا حتى تبلغ ثمانية وعشرين ~~جزءا ؛ وخالفه في ذلك أكثر العلماء PageV01P412 وخطؤوه وقالوا : إذا كان ~~ذلك كذلك وأخذ كل قدح نصيبه لم يبق هنالك غرم ms0468 فلا يكون إذا قامر ولا مقمور ~~, ومن أجل ذلك قالوا لأجزاء الجزور : أعشار , لأنها عشرة أجزاء , قال امرؤ ~~القيس . | وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتل | جعل القلب ~~بدلا لأعشار الجزور وجعل العينين مثلا للقدحين أي سبت قلبه ففازت به كما ~~يفوز صاحب المعلى والرقيب ؛ وقال القزاز في التاء الفوقانية من ديوانه : ~~والتوأم أحد أقداح الميسر وهو الثاني منها , وإنما سمي توأما بما عليه من ~~الحظوظ , وعليه حظان وله من أنصباء الجزور نصيبان , وإن قمرت أنصباء الجزور ~~غرم من خرج له التوأم نصيبين , وذلك أنها عشرة قداح أولها الفذ وعليه فرض ~~وله نصيب , والثاني التوأم وعليه فرضان وله نصيبان , والثالث الرقيب وعليه ~~ثلاثة فروض وله ثلاثة أنصباء , والرابع الحلس وعليه أربعة فروض وله أربعة ~~أنصباء , والخامس النافس وعليه خمسة فروض وله خمسة أنصباء , والسادس المسبل ~~وعليه سنة فروض وله ستة أنصباء , والسابع المعلى وعليه سبعة فروض وله سبعة ~~أنصباء , ومنها ثلاثة لا حظوظ لها وهي السفيح والمنيح والوغد , وربما سموها ~~بأسماء غير هذه لكن ذكرنا المستعمل منها ههنا ونذكرها بأسمائها في مواضعها ~~من الكتاب إن شاء الله تعالى ؛ وهذه التي لا حظوظ لها ليس عليها فرض , ~~ولذلك تدعى أغفالا لأن الغفل من الدواب الذي لا سمة له . | وهيئة ما يفعلون ~~في القمار هو أن تنحر الناقة وتقسم عشرة أجزاء فتعجل إحدى الوركين جزءا , ~~والورك الأخرى جزء وعجزها جزء , والكاهل جزء , والزور وهو الصدر جزء , ~~والملحا أي ما بين الكاهل والعجز من الصلب جزء , والكتفان وفيهما العضدان ~~جزءان , والفخذان جزءان , وتقسم الرقبة والطفاطف بالسواء على تلك الأجزاء , ~~وما بقي من عظم أو بضعة فهو الريم وأصله من الزيادة على الحمل وهي التي ~~تسمى علاوة فيأخذ الجازر ؛ وربما استثنى بائع الناقة منها شيئا لنفسه وأكثر ~~ما يستثنى الأطراف والرأس , فإذا صارت الجزور على هذه الهيئة أحضروا رجلا ~~يضرب بها بينهم يقال له الحرضة فتشد عيناه ويجعل على يديه ثوب لئلا يحس ~~القداح ثم يؤتى بخريطة فيها القداح واسعة الأسفل ms0469 ضيقة الفم قدر ما يخرج ~~منها سهم أو سهمان والقداح فيها كفصوص النرد الطوال غير أنها مستديرة فتجعل ~~الخريطة على يدي الحرضة , ويؤتى برجل يجعل أمينا عليه يقال له الرقيب فيقال ~~له : جلجل القداح , فيجلجلها في الخريطة مرتين أو ثلاثا , فإذا فعل ذلك ~~أفاض بها وهو أن يدفعها دفعة واحدة فتندر من مخرجها ذلك الضيق , فإذا خرج ~~قدح أخذه الرقيب , فإن كان من الثلاثة التي لا فروض عليها رده إلى ~~PageV01P413 الخريطة وقال : أعد , وإن كان من السبعة ذوات الحظوظ دفعه إلى ~~صاحبه وقال له : اعتزل القوم , وذاك أن الذين يتقامرون قد أخذ كل واحد منهم ~~قدحا على ما يحب , فإن كان الذي خرج الفذ أخذ صاحبه جزءا وسلم من الغرم ~~وأعاد الحرضة الإفاضة , وإن كانا لذي خرج التوأم أخذ صاحبه نصيبين واعتزل ~~القوم وسلم من الغرم أيضا , وكذا كل واحد منهم يأخذ ما خرج له ويعتزل القوم ~~ويسلم من الغرم , فإذا خرج في الثانية قدح أخذ صاحبه ما خرج له وكذا الثالث ~~يأخذ ما خرج له ويعتزل القوم ما لم يستغرق الأول والثاني أنصباء الجزور , ~~مثل أن يخرج للأول الرقيب فيأخذ ثلاثة أنصباء , ثم يخرج للثاني المعلى ~~فيأخذ سبعة أنصباء ويغرم الباقون ثمن الجزور . | أو يخرج في الأول الفذ وفي ~~الثاني التوأم وفي الثالث المعلى فيذهب أيضا سائر الأنصباء ويغرم باقي ~~القوم ثمن الجزور , وكذا ما كان مثل هذا ؛ فإن زادت سهام من خرج له قدح على ~~ما بقي من الجزور غرم له من بقي ما زاد سهمه ؛ وذلك مثل أن يخرج للأول ~~المعلى فيأخذ سبعة أنصباء ثم يخرج للثاني النافس وحظه خمسة وإنما بقي من ~~الجزور ثلاثة فيأخذها ويغرم له الباقون خمسي الجمزور , وكذا لو خرج للأول ~~النافس وأخذ خمسة أنصباء ثم خرج للثاني الحلس فأخذ أربعة أنصباء وخرج ~~للثالث المعلى أخذ النصيب الذي بقي وغرم له الباقون ثلاثة أخماس الجزور , ~~وعلى هذا سائر قمارهم , إذا تدبرته علمت كيف يجري جميعه ويغرم القوم ما ~~يلزمهم على قدر سهامهم الباقية ms0470 يفرضون ما لزمهم على عدد ما في أنصبائهم من ~~الفرض , وقد ذكر أن الجزور تجزأ على عدد ما في القداح من الفروض وهي ثمانية ~~وعشرون جزءا , ولا معنى لهذا القول لأنه يلزم أن لا يكون في هذا قمار ولا ~~فوز ولا خيبة إذ كل واحد يختار لنفسه ما أحب من السهام ثم يأخذ ما خرج له ~~ثم لا تفرغ أجزاء الجزور إلا بفراغ القداح , فلا معنى للتقامر عليها , ~~والأول أصح ويدل عليه شعر العرب , وذلك لأن الرجل ربما أخذ في الميسر قدحين ~~فيفوز بأجزاء الجزور , مثل أن يأخذ المعلى والرقيب فإذا ضرب له الحرضة خرج ~~له أحدهما ففاز بحظه ثم إذا ضرب الثانية خرج له الآخر فيفوز بسائر الجزور , ~~ولو كان السهام والأنصباء على ما ذكروا لم يفز صاحب سهمين بسائر الأنصباء ~~إذ لا تذهب الأنصباء إلا بفراغ القداح , ومما يدل على فوز صاحب السهمين ~~بالكل قول امرئ القيس : | وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب ~~مقتل | PageV01P414 يقول : تضرب بسهميها المعلى والرقيب فتحوز القلب كله , ~~ومن هذا قول كثير ووصف ناقة هزلها السير حتى أذهب لحمها : | وتؤبن من نص ~~الهواجر والسرى بقدحين فازا من قداح المقعقع | يقول : هذه الناقة هزلها ~~السير حتى لم يبق من لحمها شيء فكأنه ضرب عليها بالقداح ففاز منها قدحان ~~فاستوليا على أعشارها وهو الرقيب والمعلى - انتهى . | هكذا ذكر شرح قول ~~كثير ورأيت على حاشية نسخة من كتابه ما لعله أليق , وذلك لأنه قال أي يظن ~~بها فضل على الإبل في سيرها بعد نص الهواجر والسرى لصبرها وكرمها وشدتها ~~كفضل رجل فاز قدحه مرتين على قداح أصحابه ؛ والمقعقع هو الذي يجيل القداح - ~~انتهى . | وهو أقرب مما قاله لأن قوله : تؤبن بقدحين فازا , ظاهر في ان ~~القدحين لها وأنها هي الفائزة ؛ والله سبحانه وتعالى الموفق - هذا . | ~~وقوله : لا معنى للتقامر عليها , على تقدير التجزئة بثمانية وعشرين ليس ~~كذلك بل تظهر ثمرته في التفاوت في الأنصباء , وذلك بأن تكون السهام وهي ~~القداح عشرة , فإنه لما قال ms0471 : إن الأجزاء تكون ثمانية وعشرين , لم يقل : ~~إنها على عدد السهام , حتى تكون السهام ثمانية وعشرين , بل قال : إنها على ~~عدد الفروض التي في السهام , وقد علم أنها عشرة ؛ وقد صرح صاحب الزينة ~~وغيره عن الأصمعي كما مضى وهو ممن قال بهذا القول , فحينئذ من خرج له ~~المعلى مثلا أخذ سبعة أنصباء من ثمانية وعشرين فيكون أكثر حظا ممن خرج له ~~ما عليه ستة فروض فما دونها للضربات ؛ وقوله : إن الرجل ربما أخذ قدحين - ~~إلى آخره , يبين وجها آخر من التفاوت , وهو أن الرجل ربما خرج له سهم واحد ~~لاعتراض السهام وتحرفها عن سنن الاستقامة حال الخروج , وربما خرج له سهمان ~~أو ثلاثة في إفاضة واحدة لاستقامة السهام واعتدالها للخروج ففاز بمعظم ~~الجزور , وذلك بأن يكون الرجال أقل من السهام , وربما خرج له أكثر من ذلك ~~مع الوفاء للثمن بينهم على السواء , وهذا الوجه يتأتى أيضا بتقدير أن تكون ~~السهام والرجال على عدد الأجزاء , لانحصار العد فيمن خرج له سهام سواء كان ~~على عددهم أو أكثر وانحصار الغرم فيمن لم يخرج له سهم على تقدير أن يخرج ~~لغيره عدد من السهام ؛ وبتقدير أن لا يخرج لكل واحد واحد يكون قمارا أيضا , ~~لأن كل واحد منهم غير واثق بالفوز ويكون فائدة ذلك حينئذ للفقراء , ومن قال ~~: إن من خرج له شيء من السهام الثلاثة الأغفال يغرم , كان القمار عنده ~~لازما في كل صورة بكل تقدير . | وقال في الكشاف : إنهم كانوا يعطون ~~الأنصباء للفقراء ولا يأخذون منها شيئا , وقد تقدم نقل ذلك عن صاحب الزينة ~~والله سبحانه وتعالى أعلم . | ولما ذكر ما يذهب ضياء الروح وقوام البدن وذم ~~النفقة فيهما اقتضى الحال السؤال PageV01P415 عما يمدح الإنفاق فيه فقال ~~عاطفا على السؤال عن المقتضي لتبذير المال { ويسئلونك ماذا ينفقون } وأشعر ~~تكرير السؤال عنها بتكرير الواردات المقتضية لذلك , فأنبأ ذلك بعظم شأنها ~~لأنها أعظم دعائم الجهاد وساق ذلك سبحانه وتعالى على طريق العطف لأنه لما ~~تقدم السؤال عنه والجواب في قوله : < # > 77 ( { قل ما ms0472 أنفقتم من خير فللوالدين } ) 77 < # > [ البقرة : 215 ] , منع من توقع سؤال آخر , وأما اليتامى والمحيض فلم ~~يتقدم ما يوجب توقع السؤال عن السؤال عنهما أصلا , وادعاء أن سبب العطف ~~النزول جملة وسبب القطع النزول مفرقا مع كونه غير شاف للغلة بعدم بيان ~~الحكمة يرده ما ورد أن آخر آية نزلت < # > 77 ( { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } ) 77 < # > [ البقرة : 281 ] وهي بالواو أخرجه البيهقي في الدلائل والواحدي من ~~وجهين في مقدمة أسباب النزول وترجم لها البخاري في الصحيح ومن تتبع أسباب ~~النزول وجد كثيرا من ذلك . | وقال الحرالي : في العطف إنباء بتأكد التلدد ~~مرتين كما في قصة بني إسرائيل , لكن ربما تخوفت هذه الأمة من ثالثتها فوقع ~~ضمهم عن السؤال في الثالثة لتقاصر ما يقع في هذه الأمة عما وقع في بني ~~إسرائيل بوجه ما , وقال سبحانه وتعالى في الجواب : { قل العفو } وهو ما ~~سمحت به النفس من غير كلفة قال : فكأنه ألزم النفس نفقة العفو وحرضها على ~~نفقة ما تنازع فيه ولم يلزمها ذلك لئلا يشق عليها لما يريده بهذه الأمة من ~~اليسر , فصار المنفق على ثلاث رتب : رتبة حق مفروض لا بد منه وهي الصدقة ~~المفروضة التي إمساكها هلكة في الدنيا والآخرة , وفي مقابلته عفو لا ينبغي ~~الاستمساك به لسماح النفس بفساده فمن أمسكه تكلف إمساكه , وفيما بينهما ما ~~تنازع النفس إمساكه فيقع لها المجاهدة في إنفاقه وهو متجرها الذي تشتري به ~~الآخرة من دنياها ( قالت امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم : ما يحل لنا من ~~أموال أزواجنا - تسأل عن الإنفاق منها , قال : الرطب - بضم الراء وسكون ~~الطاء - تأكلينه وتهدينه ) لأنه من العفو الذي يضر إمساكه بفساده ؛ لأن ~~الرطب هو ما إذا أبقي ين يوم إلى يوم تغير كالعنب والبطيخ وفي معناه ~~الطبائخ وسائر الأشياء التي تتغير بمبيتها - انتهى . | وفي تخصيص المنفق ~~بالعفو منع لمتعاطي الخمر قبل حرمتها من التصرف , إذ كان الأغلب أن تكون ~~تصرفاته لا على هذا الوجه , لأن حالة السكر غير معتد بها PageV01P416 ~~والتصرف فيها ms0473 يعقب في الأغلب عند الإفاقة أسفا وكذا الميسر بل هو أغلظ . | ~~ولعل تأخير بيان أن المحثوث عليه من النفقة إنما هو الفضل إلى هذا المحل ~~ليحمل أهل الدين الرغبة فيه مع ما كانوا فيه من الضيق على الإيثار على ~~النفس من غير أمر به رحمة لهم , ومن أعظم الملوحات إلى ذلك أن في بعض ~~الآيات الذاكرة له فيما سلف ^ ( { وآتى المال على حبه } ) ^ [ البقرة : 177 ~~] . | قال الأصبهاني : قال أهل التفسير : كان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا ~~كان له ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع ينظر ما يكفيه وعياله لنفقة سنة أمسكه ~~وتصدق بسائره , فإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يومه ذلك وتصدق ~~بالباقي حتى نزلت آية الزكاة فنسختها هذه الآية . | لما بين الأحكام ~~الماضية في هذه السورة أحسن بيان وفصل ما قص من جميع ما أراد أبدع تفصيل لا ~~سيما أمر النفقة فإنها بينها مع أول السورة إلى هنا في أنواع من البيان على ~~غاية الحكمة والإتقان كان موضع سؤال : هي يبين لنا ربنا غير هذا من الآيات ~~كهذا البيان ؟ فقال : { كذلك } أي مثل ما مضى من هذا البيان العلي الرتبة ~~البعيد المنال عن منازل الأرذال { يبين الله } الذي له جميع صفات الكمال { ~~لكم } جميع { الآيات } قال الحرالي : فجمعها لأنها آيات من جهات مختلفات ~~لما يرجع لأمر القلب وللنفس وللجسم ولحال المرء مع غيره - انتهى . | وأفرد ~~الخطاب أولا وجمع ثانيا إعلاما بعظمة هذا القول للإقبال به على الرأس , ~~وإيماء إلى أنه صلى الله عليه وسلم قد امتلأ علما من قبل هذا بحيث لا يحتاج ~~إلى زيادة وأن هذا البيان إنما هو للأتباع يتفهمونه على مقادير أفهامهم ~~وهممهم , ويجوز أن يكون الكلام تم بكذلك أي البيان ثم استأنف ما بعده فيكون ~~البيان مذكورا مرتين : مرة في خطابه تلويحا , وأخرى في خطابهم تصريحا ؛ أو ~~يقال : أشار إلى علو الخطاب بالإفراد وإلى عمومه بالجمع انتهى { لعلكم ~~تتفكرون * } أي لتكونوا على حالة يرجى لكم معها التفكر , وهو طلب الفكر ms0474 وهو ~~يد النفس التي تنال بها المعلومات كما تنال بيد الجسم المحسوسات - قاله ~~الحرالي . | < < # | البقرة : ( 220 - 224 ) في الدنيا والآخرة . . . . . # > > ^ ( في الدنيا والآخرة ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شآء الله لأعنتكم إن ~~الله عزيز حكيم * ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ~~ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو ~~أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين ~~آياته للناس لعلهم يتذكرون * ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النسآء ~~في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن PageV01P417 فإذا تطهرن فأتوهن من حيث ~~أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين * نسآؤكم حرث لكم فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر ~~المؤمنين * ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين ~~الناس والله سميع عليم ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان البيان من أول السؤال إلى هنا قد شفي في أمور الدارين وكفى ~~وأوضح ثمرات كل منهما وكان العرب ينكرون الآخرة ساق ذكرها مساق ما لا نزاع ~~فيه لكثرة ما دل عليها فقال : { في الدنيا والآخرة } أي في أمورها فتعلموا ~~بما فتح الله لكم سبحانه وتعالى من الأبواب وما أصل لكم من الأصول ما هو ~~صالح وما هو أصلح وما هو شر وما هو أشر لتفعلوا الخير وتتقوا الشر فيؤول ~~بكم ذلك إلى فوز الدارين . | ولما كان العفو غير مقصور على المال بل يعم ~~القوى البدنية والعقلية وكان النفع لليتيم من أجل ما يرشد إليه التفكر في ~~أمور الآخرة وكان الجهاد من أسباب القتل الموجب لليتم وكانوا يلون يتاماهم ~~فنزل التحريج الشديد في أكل أموالهم فجانبوهم واشتد ذلك عليهم سالوا عنهم ~~فأفتاهم سبحانه وتعالى فيهم وندبهم إلى مخالطتهم على وجه الإصلاح الذي لا ~~يكون لمن يتعاطى الخمر والميسر فقال : { ويسئلونك عن اليتامى } أي في ~~ولايتهم لهم وعملهم في أموالهم وأكلهم منها ونحو ذلك مما يعسر ms0475 حصره ؛ وأمره ~~بالجواب بقوله : { قل إصلاح لهم خير } أي من تركه , ولا يخفى الإصلاح على ~~ذي لب فجمع بهذا الكلام اليسير المضبوط بضابط العقل الذي أقامه تعالى حجة ~~على خلقه ما لا يكاد يعد , وفي قوله : { لهم } ما يشعر بالحث على تخصيصهم ~~بالنظر في أحوالهم ولو أدى ذلك إلى مشقة على الولي . | ولما كان ذلك قد ~~يكون مع مجانبتهم وكانوا قد يرغبون في نكاح يتيماتهم قال : { وأن تخالطوهم ~~} أي بنكاح أو غيره ليصير النظر في الصلاح مشتركا بينكم وبينهم , مفاعلة من ~~الخلطة وهي إرسال الأشياء التي شأنها الانكفاف بعضها في بعض كأنه رفع ~~التحاجز بين ما شأنه ذلك { فإخوانكم } جمع أخ وهو الناشئ مع أخيه من منشأ ~~واحد على السواء بوجه ما - انتهى . | أي فعليكم من مناصحتهم ما يقودكم ~~الطبع إليه من مناصحة الإخوان ويحل لكم من الأكل من أموالهم بالمعروف وما ~~يحل من أموال إخوانكم ؛ قالت عائشة رضي الله عنها : إني لأكره أن يكون مال ~~اليتيم عندي كالغدة حتى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي . | قالوا : وإذا ~~كان هذا في أموال اليتامى واسعا PageV01P418 كان في غيرهم أوسع , وهو أصل ~~شاهد لما يفعله الرفاق في الأسفار , يخرجون النفقات بالسوية ويتباينون في ~~قلة المطعم وكثرته - نقله الأصبهاني . | ولما كان ذلك مما قد يدخل فيه الشر ~~الذي يظهر فاعله أنه لم يرد به إلا الخير وعكسه قال مرغبا مرهبا : { والله ~~} أي الذي له الإحاطة بكل شيء { يعلم } أي في كل حركة وسكون . | ولما كان ~~الورع مندوبا إليه محثوثا عليه لا سيما في أمر اليتامى فكان التحذير بهذا ~~المقام أولى قال : { المفسد } أي الذي الفساد صفة له { من المصلح } فاتقوا ~~الله في جميع الأمور ولا تجعلوا خلطتكم إياهم ذريعة غلى أكل أموالهم . | ~~ولما كان هذا أمرا لا يكون في بابه أمر أصلح منه ولا أيسر من عليهم بشرعه ~~في قوله : { ولو شاء الله } أي بعظمة كماله { لأعنتكم } أي كلفكم في أمرهم ~~وغيره ما يشق عليكم مشقة لا تطاق فحد لكم حدودا وعينها يصعب لوقوف ms0476 عندها ~~وألزمكم لوازم يعسر تعاطيها , من الإعنات وهو إيقاع العنت وهو أسوأ الهلاك ~~الذي يفحش نعته - قاله الحرالي . | ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي ~~الملك الأعظم { عزيز } يقدر على ما يريد { حكيم * } يحكمه بحيث لا يقدر أحد ~~على نقض شيء منه . | ولما ذكر تعالى فيما مر حل الجماع في ليل الصيام وأتبع ~~ذلك من أمره ما أراد إلى أن ذكر المخالطة على وجه يشمل النكاح في سياق مانع ~~مع الفساد داع إلى الصلاح وختم بوصف الحكمة ولما كان النكاح من معظم ~~المخالطة في النفقة وغيرها وكان الإنسان جهولا تولى سبحانه وتعالى بحكمته ~~تعريفه ما يصلح له وما لا يصلح من ذلك , وأخر أمر النكاح عن بيان ما ذكر ~~معه من الأكل والشرب في ليل الصيام لأن الضرورة إليهما أعظم , وقدمه في آية ~~الصيام لأن النفس إليه أميل فقال عاطفا على ما دل العطف على غير مذكور على ~~أن تقديره : فخالطوهم وأنكحوا من تلونه من اليتيمات على وجه الإصلاح إن ~~أردتم { ولا تنكحوا } قال الحرالي : مما منه النكاح وهو إيلاج نهد في فرج ~~ليصيرا بذلك كالشيء الواحد - انتهى . | وهذا أصله لغة , والمراد هنا العقد ~~لأنه استعمل في العقد في الشرع وكثر استعماله فيه وغلب حتى صار حقيقة شرعية ~~فهو في الشرع حقيقة في العقد مجاز في الجماع وفي اللغة بالعكس وسيأتي عند < # > 77 ( { حتى تنكح زوجا غيره } ) 77 < # > [ البقرة : 230 ] عن الفارسي قرينة يعرف بها مراد أهل اللغة { المشركات ~~} أي الوثنيات , والأكثر على أن الكتابيات مما شملته الآية ثم خصت بآية < # > 77 ( { والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } ) 77 < # > [ المائدة : 5 ] { حتى يؤمن } فإن المشركات شر محض { ولأمة } رقيقة { ~~مؤمنة } لأن نفع الإيمان أمر ديني يرجع إلى الآخرة الباقية { خير } على ~~سبيل التنزيل { من مشركة } حرة { ولو أعجبتكم } أي المشركة لأن نفع نسبها ~~ومالها وجمالها يرجع PageV01P419 إلى الدنيا الدنية الفانية . | قال ~~الحرالي : فانتظمت هذه الآيات في تبيين خير الخيرين وترجيح أمر الغيب في ~~أمر الدين والعقبى في أدنى الإماء ms0477 من المؤمنات خلقا وكونا وظاهر صورة على ~~حال العين في أمر العاجلة من الدنيا في أعلى الحرائر من المشركات خلقا ~~وظاهر صورة وشرف بيت - انتهى { ولا تنكحوا } أيها الأولياء { المشركين } أي ~~الكفار بأي كفر كان شيئا من المسلمات { حتى يؤمنوا } فإن الكفار شر محض { ~~ولعبد } أي مملوك { مؤمن خير } على سبيل التنزيل { من مشرك } حر { ولو ~~أعجبكم } أي المشرك وأفهم هذا خيرية الحرة والحر المؤمنين من باب الأولى مع ~~التشريف العظيم لهما بترك ذكرهما إعلاما بأن خيريتهما أمر مقطوع به لا كلام ~~فيه وأن المفاضلة إنما هي بين من كانوا يعدونه دنيا فشرفه الإيمان ومن ~~يعدونه شريفا فحقره الكفران , وكذلك ذكر الموصوف بالإيمان في الموضعين ليدل ~~على أنه وإن كان دنيا موضع التفضيل لعلو وصفه , وأثبت الوصف بالشرك في ~~الموضعين مقتصرا عليه لأنه موضع التحقير وإن علا في العرف موصوفه . | ولما ~~كانت مخالطة أهل الشرك مظنة الفساد الذي ربما أدى إلى التهاون بالدين فربما ~~دعا الزوج زوجته إلى الكفر فقاده الميل إلى اتباعه قال منبها على ذلك ~~ومعللا لهذا الحكم : { أولئك } أي الذين هم أهل للبعد من كل خير { يدعون ~~إلى النار } أي الأفعال المؤدية إليها ولا بد فربما أدى الحب الزوج المسلم ~~إلى الكفر ولا عبرة باحتمال ترك الكافر للكفر وإسلامه موافقة للزوج المسلم ~~لأن درء المفاسد مقدم ؛ وسيأتي في المائدة عند قوله تعالى : < # > 77 ( { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } ) 77 < # > [ المائدة : 5 ] لذلك مزيد بيان . | ولما رهب من أهل الشرك حثا على ~~البغض فيه رغب في الإقبال إليه سبحانه وتعالى بالإقبال على أوليائه بالحق ~~فيه وبغير ذلك فقال : { والله } أي بعز جلاله وعظمة كماله { يدعوا } أي بما ~~يأمر به { إلى الجنة } أي الأفعال المؤدية إليها . | ولما كان ربما لا يغفر ~~لهم ويهذب نفوسهم بحيث يصيرون إلى حالة سنية يغفرون فيها للناس ما أتوا ~~إليهم . | ولما كان الدعاء قد يكون بالحمل على الشيء وقد يكون بالبيان بحيث ~~يصير المدعو إليه متهيئا للوصول إليه قال : { بإذنه } أي بتمكينه من ms0478 ذلك ~~لمن يريد سعادته { ويبين آياته } في ذلك وفي غيره { للناس } كافة من أراد ~~سعادته وغيره { لعلهم يتذكرون * } أي ليكونوا على حالة يظهر لهم بها بما ~~خلق لهم ربهم من الفهم وما طبع في أنفسهم من الغرائز حسن ما دعاهم إليه ~~وقبح ما نهاهم عنه غاية الظهور بما أفهمه الإظهار . | PageV01P420 ولما كان ~~في ذكر هذه الآية رجوع إلى تتميم ما أحل من الرفث في ليل الصيام على أحسن ~~وجه تلاها بالسؤال عن غشيان الحائض ولما كان في النكاح شائبة للجماع تثير ~~للسؤال عن أحواله وشائبة للانس والانتفاع تفتر عن ذلك كان نظم آية الحرث ~~بآية العقد بطريق العطف أنسب منه بطريق الاستئناف فقال : { ويسئلونك عن ~~المحيض } أي عن نكاح النساء فيه مخالفة لليهود . | قال الحرالي : وهو مفعل ~~من الحيض وهو معاهدة اندفاع الدم العفن الذي هو في الدم بمنزلة البول ~~والعذرة في فضلتي الطعام والشراب من الفرج { قل هو أذى } أي مؤذ للجسم ~~والنفس لأن فيه اختلاط النطفة بركس الدم الفاسد العفن - قاله الحرالي , ~~وقال : حتى أنه يقال إن التي توطأ وهي حائض يقع في ولدها من الآفات أنواع - ~~انتهى . | ولهذا سبب سبحانه وتعالى عنه قوله : { فاعتزلوا النساء } أي ~~كلفوا أنفسكم ترك وقاعهن , من الاعتزال وهو طلب العزل وهو الانفراد عما ~~شأنه الاشتراك - قاله الحرالي . | { في المحيض } أي زمنه , وأظهره لئلا ~~يلبس لو أضمر بأن الضمير لمطلق المراد بالأذى من الدم فيشمل الاستحاضة وهي ~~دم صالح يسيل من عرق ينفجر من عنق الرحم فلا يكون أذى كالحيض الذي هو دم ~~فاسد يتولد من طبيعة المرأة من طريق الرحم ولو احتبس لمرضت المرأة , فهو ~~كالبول والغائط فيحل الوطء معه دون الحيض لإسقاط العسر - قاله الإمام . | { ~~ولا تقربوهن } أي في محل الإتيان بجماع ولا مباشرة في ما دون الإزار وإنما ~~تكون المباشرة في ما علا عن الإزار { حتى } ولما كان فيه ما أشير إليه من ~~الركس قال : { يطهرن } أي بانقطاعه وذهاب إبانه والغسل منه , والذي يدل على ~~إرادة ذلك مع قراءة التشديد ms0479 قوله تعالى : { فإذا تطهرن } أي اغتسلن , ~~فالوطء له شرطان : الانقطاع والاغتسال وربما دلت قراءة التخفيف على جواز ~~القربان لا الإتيان وذلك بالمباشرة فيما سفل عن الإزار { فأتوهن } أي جماعا ~~وخلطة مبتدئين { من حيث أمركم الله } أي الذي له صفات الكمال , وهو القبل ~~على أي حالة كان ذلك ؛ ولما دل ما في السياق من تأكيد على أن بعضهم عزم أو ~~أحب أن يفعل بعض ما تقدم النهي عنه علل بقوله : { إن الله } مكررا الاسم ~~الأعظم تعظيما للمقام ولم يضمره إعلاما بأن هذا حكم عام لما يقع من هفوة ~~بسبب الحيض أو غيره { يحب } أي بما له من الاختصاص بالإحاطة بالإكرام وإن ~~كان مختصا بالإحاطة بالجلال { التوابين } أي الرجاعين عما كانوا عزموا عليه ~~من ذلك ومن كل ذنب أوجب لهم نقص الإنسانية ولا سيما شهوة الفرج الإلمام به ~~, كلما وقعت منهم زلة أحدثوا لها توبة لأن ذلك من أسباب إظهاره سبحانه صفة ~~الحلم والفعو والجود والرحمة والكرم ( لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم ~~PageV01P421 يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) أخرجه مسلم والترمذي عن أبي أيوب ~~رضي الله تعالى عنه . | وإذا أحب من يتكرر منه التوبة بتكرار المعاصي فهو ~~في التائب الذي لم يقع منه بعد توبته زلة إن كان ذلك يوجد أحب وفيه أرغب ~~وبه أرحم , ولما كان ذلك مما يعز التخلص من إشراكه إما في تجاوز ما في ~~المباشرة أو في الجماع أولا أو آخرا أتى بصيغة المبالغة . | قال الحرالي : ~~تأنيسا لقلوب المتحرجين من معاودة الذنب بعد توبة منه , أي ومن معاودة ~~التوبة بعد الوقوع في ذنب ثان لما يخشى العاصي من أن يكتب عليه كذبه كلما ~~أحدث توبة وزل بعدها فيعد مستهزئا فيسقط من عين الله ثم لا يبالي به فيوقفه ~~ذلك عن التوبة . | ولما كانت المخالطة على الوجه الذي نهى الله عنه قذره ~~جدا أشار إلى ذلك بقوله : { ويحب } ولما كانت شهوة النكاح وشدة الشبق جديرة ~~بأن تغلب الإنسان إلا بمزيد مجاهدة منه أظهر تاء التفعل فقال : { المتطهرين ~~* } أي الحاملين أنفسهم ms0480 على ما يشق من أمر الطهارة من هذا وغيره , وهم ~~الذين يبالغون ورعا في البعد عن كل مشتبه فلا يواقعون حائضا إلا بعد كمال ~~التطهر ؛ أي يفعل معهم من الإكرام فعل المحب وكذا كل ما يحتاج إلى طهارة ~~حسية أو معنوية . | ولما بين سبحانه وتعالى المأتي في الآية السابقة نوع ~~بيان أوضحه مشيرا إلى ثمرة النكاح الناهية لكل ذي لب عن السفاح فقال : { ~~نساؤكم } أي اللاتي هن حل لكم بعقد أو ملك يمين ولما كان إلقاء النطفة التي ~~يكون منها النسل كإلقاء البذر الذي يكون منه الزرع شبههن بالمحارث دلالة ~~على أن الغرض الأصيل طلب النسل فقال مسميا موضع الحرث باسمه موقعا اسم ~~الجزء على الكل موحدا لأنه جنس { حرث لكم } فأوضح ذلك . | قال الحرالي : ~~ليقع الخطاب بالإشارة أي في الآية الأولى لأولي الفهم وبالتصريح أي في هذه ~~لأولي العلم لأن الحرث كما قال بعض العلماء إنما يكون في موضع الزرع - ~~انتهى . | وفي تخصيص الحرث بالذكر وتعميم جميع الكيفيات الموصلة إليه بقوله ~~: PageV01P422 { فأتوا حرثكم } أي الموضع الصالح للحراثة { أنى شئتم } أي ~~من أين وكيف إشارة غلى تحريم ما سواه لما فيه من العبث بعدم المنفعة . | ~~قال الثعلبي : الأدبار موضع الفرث لا موضع الحرث . | ولما كانت هذه أمورا ~~خفية لا يحمل على صالحها وتحجر عن فاسدها إلا محض الورع قال : { وقدموا } ~~أي أوقعوا التقديم . | ولما كان السياق للجمع وهو من شهوات النفس قال مشيرا ~~غلى الزجر عن اتباعها كل ما تهوي : { لأنفسكم } أي من هذا العمل وغيره من ~~كل ما يتعلق بالشهوات ما إذا عرض على من تهابونه وتعتقدون خيره افتخرتم به ~~عنده و ذلك بأن تصرفوا مثلا هذا العمل عن محض الشهوة إلى قصد الإعفاف وطلب ~~الولد الذي يدوم به صالح العمل فيتصل الثواب , ومن التقديم التسمية عند ~~الجماع على ما وردت به السنة وصرح به الحبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~على ما نقل عنه . | ولما كانت أفعال الإنسان في الشهوات تقرب من فعل من ~~عنده شك احتيج ms0481 إلى مزيد وعظ فقال : { واتقوا الله } أي اجعلوا بينكم وبين ~~ما يكرهه الملك الأعظم من ذلك وغيره وقاية من الحلال أو المشتبه . | وزاد ~~سبحانه وتعالى في الوعظ والتحذير بالتنبيه بطلب العلم وتصوير العرض فقال : ~~{ واعلموا أنكم ملاقوه } وهو سائلكم عن جميع ما فعلتموه من دقيق وجليل ~~وصالح وغيره فلا تقعوا فيما تستحيون منه إذا سألكم فهو أجل من كل جليل . | ~~قال الحرالي : وفيه إشعار بما يجري في أثناء ذلك من الأحكام التي لا يصل ~~إليها أحكام حكام الدنيا مما لا يقع الفصل فيه إلا في الآخرة من حيث إن أمر ~~ما بين الزوجين سر لا يفشى , قال عليه الصلاة والسلام : ( لا يسأل الرجل ~~فيم ضرب امرأته ) وقال : ( لا أحب للمرأة أن تشكو زوجها ) فأنبأ تعالى أن ~~أمر ما بين الزوجين PageV01P423 مؤخر حكمه إلى لقاء الله عز وجل حفيظة على ~~ما بين الزوجين ليبقى سرا لا يظهر أمره إلا الله تعالى , وفي إشعاره إبقاء ~~للمروة في أن لا يحتكم الزوجان عند حاكم في الدنيا وأن يرجع كل واحد منهما ~~إلى تقوى الله وعلمه بلقاء الله - انتهى . | ولما كان هذا لا يعقله حق عقله ~~كل أحد أشار إلى ذلك بالالتفات إلى أكمل الخلق فقال عاطفا على ما تقديره : ~~فأنذر المكذبين فعلا أو قولا , قوله تعالى : { وبشر المؤمنين * } أي الذين ~~صار لهم الإيمان وصفا راسخا تهيؤوا به للمراقبة , وهو إشارة إلى أن مثل هذا ~~من باب الأمانات لا يحجز عنه إلا الإخلاص في الإيمان والتمكن فيه . | ولما ~~أذن في إتيان النساء في محل الحرث كيف ما اتفق ومنع مما سوى ذلك ومنع من ~~محل الحرث في حال الحيض بين حكم ما إذا منع الإنسان نفسه من ذلك بالإيلاء ~~أو بمطلق اليمين ولو على غير سبيل ا لإيلاء لأنه نقل عن كثير منهم شدة ا ~~لميل إلى النكاح فكان يخشى المواقعة في حال المنع فتحمله شدة الورع على أن ~~يمنع نفسه بمانع مظاهرة كما بين في سورة المجادلة أو غيرها من الأيمان ~~فمنعهم من ms0482 ذلك بقوله تعالى عادلا عن خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم تعظيما ~~لمقامه : { ولا تجعلوا الله } أي الذي لا شيء يداني جلاله وعظمته وكماله { ~~عرضة } أي معرضا { لأيمانكم } فيكون في موضع ما يمتهن ويبتذل فإن ذلك إذا ~~طال حمل على الاجتراء على الكذب فجر إلى أقبح الأشياء . | قال الحرالي : ~~والعرضة ذكر الشيء وأخذه على غير قصد له ولا صمد نحوه بل له صمد غيره { أن ~~} أي لأجل أن { تبروا } في أموال اليتامى وغيرها مما تقدم الأمر به أو ~~النهي عنه { وتتقوا } أي تحملكم أيمانكم على البر وهو الاتساع في كل خلق ~~جميل والتقوى وهي التوغل في خوف الله سبحانه وتعالى { وتصلحوا بين الناس } ~~فتجعلوا الأيمان لكم ديدنا فتحلفون تارة أن تفعلوا وتارة أن لا تفعلوا ~~لإلزام أنفسكم بتلك الأشياء فإن من لا ينقاد إلى الخير إلا بقائد من يمين ~~أو غيرها ليس بصادق العزيمة , وفي الأمثال : فرس لا تجري إلا بمهماز بئس ~~الفرس . | ولما أرشد السياق والعطف على غير مذكور إلى أن التقدير : فالله ~~جليل عظيم عطف عليه قوله : { والله } أي بما له من العز والعظمة { سميع } ~~لجميع ما يكون من ذلك وغيره { عليم * } بما أسر منه وما أعلن , فاحذروه في ~~جميع ما يأمركم به وينهاكم PageV01P424 عنه , ويجوز أن يكون الجملة حالا من ~~واو { تجعلوا } فلا يكون هناك مقدر ويكون الإظهار موضع الإضمار لتعظيم ~~المقام . | < < # | البقرة : ( 225 - 229 ) لا يؤاخذكم الله . . . . . # > > ^ ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ~~والله غفور حليم * للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر فإن فآءوا فإن ~~الله غفور رحيم * وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم * والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن ~~يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن ~~مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم * الطلاق ~~مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ آتيتموهن ~~شيئا ms0483 إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا ~~جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله ~~فأولئك هم الظالمون ) ^ } ) | ولما تقدم إليهم سبحانه وتعالى في هذا وكانت ~~ألسنتهم قد مرنت على الأيمان من غير قصد بحيث صاروا لا يقدرون على ترك ذلك ~~غلا برياضة كبيرة ومعالجة طويلة وكان مما رحم الله به هذه الأمة العفو عما ~~أخطأت به ولم تتعمده قال في جواب من كأنه سأل عن ذلك : { لا يؤاخذكم } أي ~~لا يعاقبكم , وحقيقته يعاملكم معاملة من يناظر شخصا في أن كلا منهما يريد ~~أخذ الآخر بذنب أسلفه إليه { الله } فكرر في الإطلاق والعفو الاسم الأعظم ~~الذي ذكره في التقييد والمنع إيذانا بأن عظمته لا تمنع من المغفرة { باللغو ~~} وهو ما تسبق إليه الألسنة من القول على غير عزم قصد إليه - قاله الحرالي ~~. | { في أيمانكم } فإن ذلك لا يدل على الامتهان بل ربما دل على المحبة ~~والتعظيم . | ولما بين ما أطلقه بين ما منعه فقال : { ولكن يؤاخذكم } ~~والعبارة صالحة للإثم والكفارة . | ولما كان الحامل على اليمين في الأغلب ~~المنافع الدنيوية التي هي الرزق وكان الكسب يطلق على طلب الرزق وعلى القصد ~~والإصابة عبر به فقال : { بما كسبت } أي تعمدت { قلوبكم } فاجتمع فيه مع ~~اللفظ النية . | قال الحرالي : فيكون ذلك عزما باطنا وقولا ظاهرا فيؤاخذ ~~باجتماعهما , ففي جملته ترفيع لمن لا يحلف بالله في عزم ولا لغو , وذلك هو ~~الذي حفظ حرمة الحلف بالله , وفي مقابلته من يحلف على الخير أن لا يفعله - ~~انتهى . | ولم يبين هنا الكفارة صريحا إشارة إلى أنهم ينبغي أن يكونوا أتقى ~~من أن يمنعوا من شيء فيقارفوه , وأشار إليها في الإيلاء كما يأتي . | ولما ~~كان ذكر المؤاخذة قطعا لقلوب الخائفين سكنها بقوله مظهرا موضع الإضمار ~~إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه : { والله } أي مع ما له من العظمة { غفور } ~~أي ستور PageV01P425 لذنوب عباده إذا تابوا . | ولما كان السياق للمؤاخذة ~~التي هي معالجة كل من ms0484 المتناظرين لصاحبه بالأخذ كان الحلم أنسب الأشياء ~~لذلك فقال { حليم * } لا يعاجلهم بالأخذ , والحلم احتمال الأعلى للأذى من ~~الأدنى , وهو أيضا رفع المؤاخذة عن مستحقها بجناية في حق مستعظم - قاله ~~الحرالي . | ولما كان الإيلاء حلفا مقيدا وبين حكم مطلق اليمين قبله لتقدم ~~المطلق على المقيد بانفكاكه عنه بينه دليلا على حلمه حيث لم يؤاخذهم به فقد ~~كانوا يضارون به النساء في الجاهلية بأن يحلفوا على عدم الوطء أبدا فتكون ~~المرأة لا أيما ولا ذات بعل وجعل لهم فيه مرجعا يرجعون إليه فقال في جواب ~~من كأنه سأل عنه لما أشعر به ما تقدم : { للذين يؤلون } أي يحلفون حلفا ~~مبتدئا { من نسائهم } في صلب النكاح أو علقة الرجعة بما أفادته الإضافة بأن ~~لا يجامعوهن أبدا أو فوق أربعة أشهر فالتعدية بمن تدل على أخذ في البعد ~~عنهن . | قال الحرالي : والإيلاء تأكيد الحلف وتشديده سواء كانوا أحرارا أو ~~عبيدا أو بعضا وبعضا في حال الرضى أو الغضب محبوبا كان أو لا لأن المضارة ~~حاصلة بيمينه { تربص } أي إمهال وتمكث يتحمل فيه الصبر الذي هو مقلوب لفظه ~~- انتهى . | { أربعة أشهر } ينتظر فيها رجوعهم إليهن حلما من الله سبحانه ~~وتعالى حيث لم يجعل الأمر بتاحين الحلف بفراق أو وفاق . | قال الحرالي : ~~ولما كان لتخلص المرأة من الزوج أجل عدة كان أجلها مع أمد هذا التربص كأنه ~~- والله سبحانه وتعالى أعلم - هو القدر الذي تصبر المرأة عن زوجها , يذكر ~~أن عمر رضي الله تعالى عنه سأل النساء عن قدر ما تصبر المرأة عن الزوج , ~~فأخبرنه أنها تصبر ستة أشهر , فجعل ذلك أمد البعوث فكان التربص والعدة قدر ~~ما تصبره المرأة عن زوجها , وقطع سبحانه وتعالى بذلك ضرار الجاهلية في ~~الإيلاء إلى غير حد - انتهى وفيه تصرف . | ولما كان حالهم بعد ذلك مرددا ~~بين تعالى قسميه فقال مفصلا له { فإن فاؤوا } أي رجعوا في الأشهر , وأعقبها ~~عن المفاصلة إلى المواصلة , من الفيء وهو الرجوع إلى ما كان منه الانبعاث { ~~فإن الله } يغفر لهم ما قارفوه في ms0485 ذلك من إثم ويرحمهم بإنجاح مقاصدهم لأنه ~~{ غفور رحيم * } له هاتان الصفتان ينظر بهما إلى من يستحقهما فيغفر ما في ~~ذلك من جناية منهما أو من أحدهما إن شاء ويعامل بعد ذلك بالإكرام . | قال ~~الحرالي : وفي مورد هذا الخطاب بإسناده للأزواج ما يظافر معنى إجراء أمور ~~النكاح على سترة وإعراض عن حكم الحكام من حيث جعل التربص له والفيء منه , ~~فكأن الحكم من الحاكم إنما يقع على من هتك حرمة ستر أحكام الأزواج التي يجب ~~أن تجري بين الزوجين من وراء ستر كما هو سر النكاح الذي هو سبب جمعهما ~~ليكون حكم السر سرا وحكم الجهر جهرا - انتهى . | PageV01P426 ولما كان ~~الحال في مدة الإيلاء شبيها بحال الطلاق وليس به قال مبينا أن الطلاق لا ~~يقع بمجرد مضي الأربعة الأشهر بل إما أن يفيء أو يطلق فإن أبى طلق عليه ~~الحاكم : { وإن عزموا الطلاق } فأوقع عليه العزم من غير حرف جر بمعنى أنهم ~~تركوا ما كانوا فيه من الذبذبة وجعلوا الطلاق عزيمة واقعا من غير مجمجة ولا ~~ستر , والعزم الإجماع على إنفاذ الفعل , والطلاق هو في المعنى بمنزلة إطلاق ~~الشيء من اليد الذي يمكن أخذه بعد إطلاقه - قاله الحرالي . | ولما كان ~~المطلق ربما ندم فحمله العشق على إنكار الطلاق رهبه بقوله : { فإن الله } ~~أي الملك الذي له الجلال والإكرام { سميع } أي لعبارتهم عنه . | قال ~~الحرالي : في إشارته إعلام بأن الطلاق لا بد له من ظاهر لفظ يقع مسموعا - ~~انتهى . | { عليم } أي به وبنيتهم فيه . | قال الحرالي : وفيه تهديد بما ~~يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمور لا ~~تأخذها الأحكام ولا يمكن أن يصل إلى علمها الحكام فجعلهم أمناء على أنفسهم ~~فيما بطن وظهر , ولذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانة في أيدي الرجال كما أن ~~العدد والاستبراء أمانة في أيدي النساء , فلذلك انتظمت آية تربص المرأة في ~~عدتها بآية تربص الزوج في إيلائه - انتهى . | وبقي من أحكام الإيلاء سم ~~ثالث ترك التصريح به إشارة إلى أنهم ينبغي أن ms0486 يكونوا في غاية النزاهة عنه ~~وهو الإصرار على الإضرار , وأشار بصفتي المغفرة والرحمة لفاعل ضده إلى أن ~~مرتكبه يعامل بضدهما مما حكمه معروف في الفقه والله الموفق . | ولما ختم ~~آيتي الإيلاء بالطلاق بين عدته فقال : - وقال الحرالي : لما ذكر تربص الزوج ~~- سبحانه وتعالى في أمر الطلاق الذي هو أمانته ذكر تربص المرأة في أمر ~~العدة التي هي أمانتها ؛ انتهى - فقال : { والمطلقات } أي المدخول بهن بما ~~أفهمه الإيلاء من أن الكلام فيهن غير الحوامل لأن عدتهن بالولادة وغير ذوات ~~الأشهر لصغر أن كبر . | ولما أريد التأكيد لأمرهن بالعدة سبق بعد تأكيده ~~ببنائه علىالمبتدأ في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وانقضى إيماء ~~إلى المسارعة إلى امتثاله فقيل : { يتربصن } أي ينتظرن اعتدادا . | ولما ~~كانت النفس داعية إلى الشهوات لا سيما أنفس النساء إلى الرجال وكان التربص ~~عاما في النفس بالعقد لزوج آخر وفي التعرض له باكتحال وتزين وتعريض بكلام ~~مع البينونة وبغير ذلك خص الأول معبرا لها بالنفس هزا إلى الاحتياط في كمال ~~التربص والاستحياء مما يوهم الاستعجال فقال : { بأنفسهن } فلا يطمعنها في ~~مواصلة رجل قبل انقضاء العدة . | PageV01P427 ولما كان القرء مشتركا بين ~~الطهر والحيض وكان الأقراء مشتركا بين جمع كل منهما وكان الطهر مختصا عند ~~جمع من أهل اللغة بأن يجمع على قروء كان مذكرا يؤنث عدده وكانت الحيضة ~~مؤنثة يذكر عددها دل على أن المراد الإظهار بما يخصه من الجمع وبتأنيث عدده ~~فقال ذاكرا ظرف التربص : { ثلاثة قروء } أي جموع من الدم وسيأتي في أول ~~سورة الحجر أن هذه المادة بأي ترتيب كان تدور على الجمع وأن المراد بالقروء ~~الأطهار لأنها زمن جمع الدم حقيقة , وأما زمن الحيض فإنما يسمى بذلك لأنه ~~سبب تحقق الجمع , والمشهور من كلام أهل اللغة أن جمع القرء بمعنى الطهر ~~أقراء وقروء , وأن جمعه إذا أطلق على الحيض أقراء فقط ؛ وذلك لأن المادة ~~لما كانت للجمع كانت أيام الطهر هي المتحققة بذلك وكان جمع الكثرة أعرف في ~~الجمع كان بالطهر أولى . | وقال ms0487 الحرالي : قروء جمع قرء وهو الحد الفاصل ~~بين الطهر والحيض الذي يقبل الإضافة إلى كل واحد منهما , ولذلك ما تعارضت ~~في تفسير لغته تفاسير اللغويين واختلف في معناه أقوال العلماء لخفاء معناه ~~بما هو حد بين الحالين كالحد الفاصل بين الظل والشمس فالقروء الحدود , وذلك ~~حين تطلق المرأة لقبل عدتها في طهر لم تمس فيه ليطلقها على ظهور براءة من ~~علقتهما لئلا يطلق ما لم تنطلق عنه , فإذا انتهى الطهر وابتدأ الحيض كان ما ~~بينهما قرءا لأن القرء استكمال جمع الحيض حين يتعفن فما لم ينته إلى الخروج ~~لم يتم قرءا , فإذا طهرت الطهر الثاني وانتهى إلى الحيض كانا قرءين , فإذا ~~طهرت الطهر الثالث وانتهى إلى الحيض شاهد كمال القرء كان ثلاثة أقراء , ~~فلذلك يعرب معناه عن حل المرأة عند رؤيتها الدم من الحيضة الثالثة لتمام ~~عدة الأقراء الثلاثة , فيوافق معنى من يفسر القرء بالطهر ويكون أقرب من ~~تفسيره بالحيض فأمد الطهر ظاهرا هو أمد الاستقراء للدم باطنا فيبعد تفسيره ~~بالحيض عما هو تحقيقه من معنى الحد بعدا ما - انتهى . | ولما كان النكاح ~~أشهى ما إلى الحيوان وكان حبك للشيء يعمي ويصم وكان النساء أرغب في ذلك مع ~~ما بهن من النقص في العقل والدين فكان ذلك ربما حملهن على كتم ولد لإرادة ~~زوج آخر تقصيرا للعدة وإلحاقا للولد به , أو حيض لرغبة في رجعة المطلق قال ~~سبحانه وتعالى : { ولا يحل لهن } أي المطلقات { أن يكتمن ما خلق الله } أي ~~الذي له الأمر كله من ولد أو دم { في أرحامهن } جمع رحم . | قال الحرالي : ~~وهو ما يشتمل على الولد من أعضاء التناسل يكون فيه تخلقه من كونه نطفة إلى ~~كونه خلقا آخر - انتهى . | وليس فيه دليل على أن الحمل يعلم , إنما تعلم ~~أماراته . | ولما كان معنى هذا الإخبار النهي ليكون نافيا للحل بلفظه مثبتا ~~للحرمة بمعناه PageV01P428 تأكيدا له فكان التقدير : ولا يكتمن , قال مرغبا ~~في الامتثال مرهبا من ضده : { إن كن يؤمن بالله } أي الذي له جميع العظمة { ~~واليوم الآخر ms0488 } الذي تظهر فيه عظمته أتم ظهور ويدين فيه العباد بما فعلوا , ~~أي فإن كتمن شيئا من ذلك دل على عدم الإيمان . | وقال الحرالي : ففي إشعاره ~~إثبات نوع نفاق على الكاتمة ما في رحمها ؛ انتهى - وفيه تصرف . | ولما كان ~~الرجعي أخف الطلاق بين الرجعة تنبيها على أنه إن كان ولا بد من الطلاق ~~فليكن رجعيا فقال تعالى : { وبعولتهن } أي أزواجهن , جمع بعل . | قال ~~الحرالي : وهو الرجل المتهيئ لنكاح الأنثى المتأتي له ذلك , يقال على الزوج ~~والسيد - انتهى . | ولما كان للمطلقة حق في نفسها قال : { أحق بردهن } أي ~~إلى ما كان لهم عليهن من العصمة لإبطال التربص فله حرمة الاستمتاع من ~~المطلقات بإرادة السراح { في ذلك } أي في أيام الأقراء فإذا انقضت صارت أحق ~~بنفسها منه بها لانقضاء حقه والكلام في الرجعية بدليل الآية التي بعدها . | ~~ولما أثبت الحق لهم وكان منهم من يقصد الضرر قيده بقوله : { إن أرادوا } أي ~~بالرجعة { إصلاحا } وهذا تنبيه على أنه إن لم يرد الإصلاح وأرادت هي السراح ~~كان في باطن الأمر زانيا . | قال الحرالي : الإصلاح لخلل ما بينهما أحق في ~~علم الله وحكمته من افتتاح وصلة ثانية لأن تذكر الماضي يخل بالحاضر , مما ~~حذر النبي صلى الله عليه وسلم نكاح اللفوت وهي التي لها ولد من زوج سابق , ~~فلذلك كان الأحق إصلاح الأول دون استفتاح وصلة لثان - انتهى . | لما اخرج ~~أمر الجعة عنهن جبرهن بقوله : { ولهن } أي من الحقوق { مثل الذي عليهن } أي ~~في كونه حسنة في نفسه على ما يليق بملك منهما لا في النوع , فكما للرجال ~~الرجعة قهرا فلهن العشرة بالجميل , وكما لهم حبسهن فلهن ما يزيل الوحشة بمن ~~يؤنس ونحو ذلك . | ولما كان كل مهما قد يجور على صاحبه قال : { بالمعروف } ~~أي من حال كل منهما . | قال الحرالي : والمعروف ما أقره الشرع وقبله العقل ~~ووافقه كرم الطبع - انتهى . | ولما ذكر الرجعة له بصيغة الأحق وبين الحق من ~~الجانبين بين فضل الرجال بقوله : { وللرجال } أعم من أن يكونوا بعولة { ~~عليهن } أي أزواجهم { درجة } أي ms0489 فضل من جهات لا يخفى كالإنفاق والمهر لأن ~~الدرجة المرقى إلى العلو . | وقال الحرالي : لما أوثروا به من رصانة العقل ~~وتمام الدين - انتهى . | فالرجل يزيد على المرأة بدرجة من ثلاث لأن كل ~~امرأتين بمنزلة رجل . | PageV01P429 ولما أعز سبحانه وتعالى الرجل وصف نفسه ~~بالعزة مبتدئا بالاسم الأعظم الدال على كل كمال فقال عطفا على ما تقديره : ~~لأن الله أعزهم عليهن بحكمته : { والله } أي الذي له كمال العظمة { عزيز } ~~إشارة إلى أنه أعز بل لا عزيز إلا هو ليخشى كل من أعاره ثوب عزة سطوته ؛ ~~وقال : { حكيم } تنبيها على أنه ما فعل ذلك إلا لحكمة بالغة تسلية للنساء ~~وإن ما أوجده بعزته وأتقنه بحكمته لا يمكن نقضه . | ولما ذكر الرجعة ولم ~~يبين لها غاية تنتهي بها فكانت الآية كالمجمل عرض سؤال : هل هي ممتدة كما ~~كانوا يفعلون في الجاهلية متى راجعها في العدة له أن يطلقها ما دام يفعل ~~ذلك ولو ألف مرة أو منقطعة ؟ فقال : { الطلاق } أي المحدث عنه وهو الذي ~~تملك فيه الرجعة . | قال الحرالي : لما كان الطلاق لما يتهيأ رده قصره الحق ~~تعالى على المرتين اللتين يمكن فيهما تلافي النكاح بالرجعة - انتهى . | ~~وقال تعالى : { مرتان } دون طلقتان تنبيها - على أنه ينبغي أن تكون مرة بعد ~~مرة كل طلقة في مرة لا أن يجمعهما في مرة . | ولما كان له بعد الثانية في ~~العدة حالان إعمال وإهمال وكان الإعمال إما بالرجعة وإما بالطلاق بدأ ~~بالإعمال لأنه الأولى بالبيان لأنه أقرب إلى أن يؤذي به وأخر الإهمال إلى ~~أن تنقضي العدة لأنه مع فهمه من آية الأقراء سيصرح به في قوله في الآية ~~الآتية < # > 77 ( { أو سرحوهن بمعروف } ) 77 < # > [ البقرة : 231 ] فقال معقبا بالفاء { فإمساك } أي إن راجعها في عدة ~~الثانية . | قال الحرالي : هو من المسك وهو إحاطة تحبس الشيء , ومنه المسك ~~- بالفتح - للجلد { بمعروف } قال الحرالي فصرفهم بذلك عن ضرار الجاهلية ~~الذي كانوا عليه بتكرير الطلاق إلى غير حد فجعل له حدا يقطع قصد الضرار - ~~انتهى { أو تسريح } أي إن طلقها ms0490 الثالثة , ولا يملك بعد هذا التسريح عليها ~~الرجعة لما كان عليه حال أهل الجاهلية . | قال الحرالي : سمى الثالثة ~~تسريحا لأنه إرسال لغير معنى الأخذ كتسريح الشيء الذي لا يراد إرجاعه . | ~~وقال أيضا : هو إطلاق الشيء على وجه لا يتهيأ للعود , فمن أرسل البازي مثلا ~~ليسترده فهو مطلق , ومن أرسله لا ليسترجعه فهو مسرح انتهى . | ويجوز أن ~~يراد بالتسريح عدم المراجعة من الثانية لا أنه طلقة ثالثة , ولما كان مقصود ~~النكاح حسن الصحبة وكانت من الرجل الإمتاع بالنفس والمال وكان الطلاق منعا ~~للإمتاع بالنفس قال : { بإحسان } تعريضا بالجبر بالملل لئلا يجتمع منعان : ~~منع النفس وذات اليد - أفاده الحرالي وقال : ففيه بوجه ما تعريض بما صرحت ~~به آية المتعة الآتية - انتهى . | ومن ذلك بذل الصداق كاملا وأن لا يشاححها ~~في شيء لها فيه حق مع طيب المقال وكرم الفعال . | ولما كان سبحانه وتعالى ~~قد خيره بين شيئين : الرجعة والتسريح الموصوفين PageV01P430 وكانت الرجعة ~~أقرب إلى الخير بدأ بها ولكنها لما كانت قد تكون لأجل الافتداء بما أعطيته ~~المرأة وكان أخذه أو شيئا منه مشاركا للسراح في أنه يقطع عليه ما كان له من ~~ملك الرجعة ولا يملك بعد هذا التسريح عليها الرجعة كما كان عليه حال أهل ~~الجاهلية وكان الافتداء قد يكون في الأولى لم يفرعها بالقابل قال مشيرا غلى ~~أن من غحسان التسريح سماح الزوج بما أعطاها عاطفا على ما تقديره : فلا يحل ~~لكم مضارتهن : { ولا يحل لكم } أي أيها المطلقون أو المتوسطون من الحكام ~~وغيرهم لأنهم لما كانوا آمرين عدوا آخذين { أن تأخذوا } إحسانا في السراح { ~~مما آتيتموهن } من صداق وغيره { شيئا } أي بدون مخالفة . | قال الحرالي : ~~لأن إيتاء الرجل للمرأة إيتاء نحلة لإظهار مزية الدرجة لا في مقابلة ~~الانتفاع فلذلك أمضاه ولم يرجع منه شيئا ولذلك لزم في النكاح الصداق لتظهر ~~مزية الرجل بذات اليد كما ظهرت في ذات النفس - انتهى . | ولما كان إسناد ~~الخوف إلى ضمير الجمع ربما ألبس قال : { إلا أن يخافا } نصا علىا لمراد ~~بالإسناد إلى الزوجين ms0491 , وعبر عن الظن بالخوف تحذيرا من عذاب الله , وعبر في ~~هذا الاستثناء إن قلنا إنه منقطع بأداة المتصل تنفيرا من الأخذ ومعنى ~~البناء للمفعول في قراءة حمزة وأبي جعفر ويعقوب إلا أن يحصل لهما أمر من حظ ~~أو شهوة يضطرهما إلى الخوف من التقصير في الحدود , ولا مفهوم للتقييد ~~بالخوف لأنه لا يتصور من عاقل أن يفتدي بمال من غير أمر محوج ومتى حصل ~~المحوج كان الخوف ومتى خاف أحدهما خافا لأنه متى خالفه الآخر حصل التشاجر ~~المثير للحظوظ المقتضية للإقدام على ما لا يسوغ والله سبحانه وتعالى أعلم { ~~ألا يقيما } أي في الاجتماع { حدود الله } العظيم فيفعل كل منهما ما وجب ~~عليه من الحق . | قال الحرالي : وفي غشعاره أن الفداء في حكم الكتاب مما ~~أخذت الزموجة من زوجها لا من غير ذلك من مالها , والحدود جمع حد وهو ~~النهاية في المتصرف المانع من الزيادة عليه - انتهى . | ثم زاد الأمر بيانا ~~لأنه في مقام التحديد فقال مسندا إلى ضمير الجمع حثا على التحقق ليحل ~~الفداء حلا نافيا لجميع الحرج : { فإن خفتم } أي أيها المتوسطون بينهما من ~~الحكام وغيرهم من الأئمة بما ترون منهما وما يخبرانكم به عن أنفسهما { ألا ~~يقيما حدود الله } وتكرير الاسم الأعظم يدل على رفعة زائدة لهذا المقام , ~~وتعظيم كبير لهذه لأحكام , وحث عظيم على التقيد في هذه الرسوم بالمراعاة ~~والالتزام , وذلك لأن كل إنسان مجبول على تقديم نفسه على غيره , والشرع كله ~~مبني على العدل الذي هو الإنصاف ومحبة المرء لغيره ما يحب لنفسه { فلا جناح ~~} أي ميل بإثم { عليهما } وسوغ ذلك أن الظن شبهة فإنك لا تخاف ما لا تظنه { ~~فيما افتدت به } أي لا على الزوج بالأخذ ولا عليها PageV01P431 بالإعطاء ~~سواء كان ذلك مما آتاها أو من غيره أكثر منه أو لا لأن الخلع عقد معاوضة ~~فكما جاز لها أن تمتنع من أول العقد حتى ترضى ولو بأكثر من مهر المثل فكذا ~~في الخلع يجوز له أن لا يرضى إلا بما في نفسه كائنا ms0492 ما كان ويكون ذلك عما ~~كان يملكه عليها من الرجعة , فإذا أخذه بانت المرأة فصارت أحق بنفسها فلا ~~سبيل عليها إلا بإذنها . | ولما كانت أحكام النساء تارة بالمرافقة وتارة ~~بالمفارقة وكانت مبنية على الشهوات تارة على البهيمية وتارة على السبعية ~~وكان سبحانه وتعالى قد حد فيها حدودا تكون بها المصالح وتزول المفاسد منع ~~سبحانه وتعالى من تعدى تلك الحدود أي الأحكام التي بينها في ذلك ولم يذكر ~~قربانها كما مضى في آية الصوم فقال : { تلك } أي الأحكام العظيمة التي تولى ~~الله بيانها من أحكام الطلاق والرجعة والخلع وغيرها { حدود الله } أي شرائع ~~الملك الأعظم الذي له جميع العزة من الأوامر والنواهي التي بينها فصارت ~~كالحدود المعروفة في الأراضي . | ولما كانت شرائع الله ملائمة للفطرة ~~الأولى السليمة عن نوازع النقائص وجواذب الرذائل أشار إلى ذلك سبحانه بصيغة ~~الافتعال في قوله : { فلا تعتدوها } أي لا تتكلفوا مجاوزتها , وفيه أيضا ~~إشارة إلى العفو عن المجاوزة من غير تعمد . | ولما أكد الأمر تارة بالبيان ~~وتارة بالنهي زاد في التأكيد بالتهديد فقال عاطفا على ما تقديره : فمن تعدى ~~شيئا منها فقد ظلم : { ومن يتعد } أي يتجاوز { حدود الله } أي المحيط بصفات ~~الكمال التي بينها وأكد أمرها وزاد تعظيمها بتكرير اسمه الأعظم . | قال ~~الحرالي : ففيه ترجية فيما يقع من تعدي الحدود من دون ذلك من حدود أهل ~~العلم ووجوه السنن وفي إعلامه إيذان بأن وقوع الحساب يوم الجزاء على حدود ~~القرآن التي لا مندوحة لأحد بوجه من وجوه السعة في مخالفتها ولذلك تتحقق ~~التقوى والولاية مع الأخذ بمختلفات السنن ومختلفات أقوال العلماء - انتهى . ~~| وإليه يرشد الحصر في قوله : { فأولئك } أي المستحقون للابعاد { هم ~~الظالمون * } أي العريقون في الظلم بوضع الأشياء في غير PageV01P432 ~~مواضعها فكأنهم يمشون في الظلام . | قال الحرالي : وفي إشعاره تصنيف الحدود ~~ثلاثة أصناف : حد الله سبحانه وتعالى , وحد النبي صلى الله عليه وسلم , وحد ~~العالم ؛ قال صلى الله عليه وسلم : ( ما جاء من الله فهو الحق , وما جاء ~~مني فهو السنة , وما جاء من ms0493 أصحابي فهو السعة ) فأبرأ العباد من الظلم من ~~حافظ على أن لا يخرج عن حدود العلماء ليكون أبعد أن يخرج من حدود السنة ~~ليكون أبعد أن يخرج من حدود الكتاب , فالظالم المنتهي ظلمه الخارج عن ~~الحدود الثلاثة : حد العالم , وحد السنة , وحد الله - انتهى . | ولما بين ~~قسمي الطلاق البائن - وكان نظر الطلاق إلى العدد أشد من نظره إلى العوض قدم ~~قسمه في قوله { أو تسريح بإحسان } ثم فرع عليه فقال موحدا لئلا يفهم الحكم ~~على الجمع أن الجمع قيد في الحكم وأفهم التكرير للجمع شدة الذم لما كانوا ~~يفعلون في الجاهلية من غير هذه الأحكام : | < < # | البقرة : ( 230 - 233 ) فإن طلقها فلا . . . . . # > > ^ ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا ~~جناح عليهمآ أن يتراجعآ إن ظنآ أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها ~~لقوم يعلمون * وإذا طلقتم النسآء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا ~~آيات الله هزوا واذكروا نعمة الله عليكم ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة ~~يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم * وإذا طلقتم النسآء ~~فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك ~~يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون * والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن ~~يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها ~~لا تضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا ~~فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم ~~فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله ~~بما تعملون بصير ) ^ } ) | { فإن طلقها } أي الثالثة التي تقدم التخيير ~~فيها بلفظ التسريح فكأنه قال : فإن اختار الطلاق البات بعد المرتين إما في ~~العدة من الطلاق الرجعي أو بعد الرجعة ms0494 بعوض أو غيره ولا فرق في جعلها ثالثة ~~بين أن تكون بعد تزوج المرأة بزوج آخر أو لا . | قال PageV01P433 الحرالي : ~~فردد معنى التسريح الذي بينه في موضعه بلفظ الطلاق لما هيأها بوجه إلى ~~المعاد , وذلك فيما يقال من خصوص هذه الأمة وإن حكم الكتاب الأول أن ~~المطلقة ثلاثا لا تعود أبدا فلهذا العود بعد زوج صار السارح طلاقا - انتهى ~~. | { فلا تحل له } ولما كان إسقاط الحرف والظرف يوهم أن الحرمة تختص بما ~~استغرق زمن البعد فيفهم أن نكاحه لها في بعض ذلك الزمن يحل قال : { من بعد ~~} أي في زمن ولو قل من أزمان ما بعد استيفاء الدور الذي هو الثلاث بما ~~أفاده إثبات الجار , وتمتد الحرمة { حتى } أي إلى أن { تنكح } أي تجامع ~~بذوق العسيلة التي صرح بها النبي صلى الله عليه وسلم , قال الفارسي : إذا ~~قال العرب : نكح فلان فلانة , أرادوا عقد عليها ؛ وإذا قالوا : نكح امرأته ~~أو زوجته , أرادوا جامعها ؛ وقال الإمام : إن هذا الذي قاله أبو علي جار ~~على قوانين الأصول وإنه لا يصح إرادة غيره ودل على ذلك بقياس رتبة , فالآية ~~دالة على أنه لا يكتفى في التحليل بدون الجماع كما بينته السنة وإلا كانت ~~السنة ناسخة , لأن غاية الحرمة في الآية العقد وفي الخبر الوطء وخبر الواحد ~~لا ينسخ القرآن , وأشار بقوله : { زوجا } إلى أن شرط هذا الجماع أن يكون ~~حلالا في عقد صحيح { غيره } أي المطلق , وفي جعل هذا غاية للحل زجر لمن له ~~غرض ما في امرأته عن طلاقها ثلاثا لأن كل ذي مروة يكره أن يفترش امرأته آخر ~~ومجرد العقد لا يفيد هذه الحكمة وذلك بعد أن أثبت له سبحانه وتعالى من كمال ~~رأفته بعباده الرجعة في الطلاق الرجعي مرتين لأن الإنسان في حال الوصال لا ~~يدري ما يكون حاله بعده ولا تفيده الأولى كمال التجربة فقد يحصل له نوع شك ~~بعدها وفي الثانية يضعف ذلك جدا ويقرب الحال من التحقق فلا يحمل على الفراق ~~بعدها إلا قلة التأمل ومحض الخرق ms0495 بالعجلة المنهي عنها { فإن طلقها } أي ~~الثاني وتعبيره بإن التي للشك للتنبيه على أنه متى شرط الطلاق على المحلل ~~بطل العقد بخروجه عن دائرة الحدود المذكورة . | لأن النكاح كما قال الحرالي ~~عقد حرمة مؤبدة لا PageV01P434 حد متعة مؤقتة فلذلك لم يكن الاستمتاع إلى ~~أمد محللا في السنة وعند الأئمة لما يفرق بين النكاح والمتعة من التأييد ~~والتحديد - انتهى . | { فلا جناح عليهما } أي على المرأة ومطلقها الأول { ~~أن يتراجعا } بعقد جديد بعد عدة طلاق الثاني المعلومة مما تقدم من قوله : { ~~والمطلقات يتربصن } وهذه مطلقة إلى ما كانا فيه من النكاح { إن ظنا } أي ~~وقع في ظن كل منهما { أن يقيما حدود الله } أي الذي له الكمال كله التي ~~حدها لهما في العشرة . | قال الحرالي : لما جعل الطلاق سراحا جعل تجديد ~~النكاح مراجعة كل ذلك إيذانا بأن الرجعة للزوج أولى من تجديد الغير - انتهى ~~. | ولما كان الدين مع سهولته ويسره شديدا لن يشاده أحد إلا غلبه وكانت ~~الأحكام مع وضوحها قد تخفى لما في تنزيل الكليات على الجزئيات من الدقة لأن ~~الجزئي الواحد قد بتجاذبه كليان فأكثر فلا تجردها من مواقع الشبه إلا من ~~نور الله بصيرته عطف على تلك الماضية تعظيما للحدود قوله : { وتلك } أي ~~الأحكام المتناهية في مدارج العظم ومراتب الحكم { حدود الله } أي العظيمة ~~بإضافتها إليه سبحانه وتعالى وبتعليقها بالاسم الأعظم { يبينها } أي يكشف ~~اللبس عنها بتنوير القلب { لقوم } فيهم نهضة وجد في الاجتهاد وقيام وكفاية ~~{ يعلمون * } أي يجددون النظر والتأمل بغاية الاجتهاد في كل وقت فبذلك ~~يعطيهم الله ملكة يميزون بها ما يلبس على غيرهم < # > 77 ( { أن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا } ) 77 < # > [ الأنفال : 29 ] < # > 77 ( { واتقوا الله ويعلمكم الله } ) 77 < # > [ البقرة : 282 ] . | ولما ذكر الطلاق رجعية وبائنة عقبه ببيان وصف ~~الرجعة من الحل والحرمة وبيان وقتها وتحديده والإشارة إلى تصوير بعض صور ~~المضارة ترهيبا منها فليست الآية مكررة فقال : { وإذا طلقتم النساء } أي ~~طلاقا رجعيا والمراد من يملك نكاحها من هذا النوع الشامل للقليل والكثير ~~ولم يقل ms0496 : نساءكم , لئلا تفهم الإضافة أن لطلاقهم غير نسائهم حكما مغائرا ~~لهذا في بلوغ الأجل مثلا ونحوه . | ولما كانت إباحة الرجعة في آخر العدة ~~دالة على إباحتها فيما قبل ذلك بطريق الأولى وكان من المقطوع به عقلا أن ~~لما بعد الأجل حكما غير الحكم الذي كان له قبله لم يكن التعبير بالبلوغ ~~ملبسا وكان التعبير به مفيدا أقصى ما يمكن به المضارة فقال : { فبلغن أجلهن ~~} أي شارفن انقضاء العدة , بدليل الأمر بالإمساك لأنه لا يتأتى بعد الأجل . ~~| وقال الحرالي : ولما كان للحد المحدود الفاصل بين أمرين متقابلين بلوغ ~~وهو الانتهاء إلى أول حده وقرار وهو الثبات عليه ومجاوزة لحده ذكر سبحانه ~~وتعالى البلوغ الذي هو الانتهاء إلى أول الحد دون المجاوزة والمحل , والأجل ~~مشارفة انقضاء أمد الأمر حيث يكون منه ملجأ الذي هو مقلوبه كأنه مشارفة ~~فراغ المدة - انتهى { فأمسكوهن } أي PageV01P435 بالمراجعة إن أردتم ولو في ~~أخر لحظة من العدة { بمعروف } أي بحال حسنة تحمد عاقبتها , ونكره إشعارا ~~بأنه لا يشترط فيه رضى المرأة { أو سرحوهن بمعروف } بأن تتركوهن حتى تنقضي ~~العدة فيملكن أنفسهن من غير تلبيس بدعوى ولا تضييق في شيء من الأشياء . | ~~وقال الحرالي : هذا معروف الإمتاع والإحسان وهو غير معروف الإمساك , ولذلك ~~فرقه الخطاب ولم يكن : فأمسكوهن أو سرحوهن بمعروف - انتهى . | ولما كان ~~المعروف يعم كل خير وكان الأمر به لا يفيد التكرار خص ترك الشر اهتماما به ~~معبرا بما يتناول جميع الأوقات فقال : { ولا تمسكوهن } أي بالمراجعة في آخر ~~العدة { ضرارا } كما كان في الجاهلية { لتعتدوا } أي قاصدين بذلك التوصل ~~إلى شيء من مجاوزة الحدود التي بينت لكم مثل أن يريد تطويل العدة عليها ~~فإنه قد يفضي إلى اعتدادها تسعة أشهر . | ولما كان التقدير : فمن يفعل ذلك ~~فقد ظلم زوجه عطف عليه زيادة في التنفير عنه قوله : { ومن يفعل ذلك } أي ~~الفعل البعيد عن الخير , وفي التعبير بالمضارع إشعار بأن في الأمة من ~~يتمادى على فعله { فقد ظلم نفسه } أي بتعريضها لسخط الله عليه ونفرة الناس ~~منه ms0497 . | ولما كان قد لا يقصد شيئا من انتهاء الحرمات ولا من المصالح فكان ~~مقدما على ما لا يعلم أو يظن له عاقبة حميدة تهاونا بالنظر وكان فاعل ذلك ~~شبيها بالهازئ كما يقال لمن لا يجد فى أمر : هو لاعب , قال : { ولا تتخذوا ~~آيات الله } أي مع ما تعلمون من عظمتها بعظمة ناصبها { هزوا } بإهمالها عن ~~قصد المصالح الذي هو زوجها . | ولما كان على العبد أن يقتفي أثر السيد في ~~جميع أفعاله قال : { واذكروا نعمة الله } أي الذي له الكمال كله ثم عبر ~~بأداة الاستعلاء إشارة إلى عموم النعم وغلبتها فقال : { عليكم } هل ترون ~~فيها شيئا من وادي العبث بخلوه عن حكمة ظاهرة { وما } أي وخصوا بالذكر الذي ~~{ أنزل عليكم من الكتاب } الذي فاق جميع الكتب وعلا عن المعارضة فغلب جميع ~~الخلق بما أفادته أداة الاستعلاء إشارة إلى عموم النعم وغلبتها فقال : { ~~عليكم } هل ترون فيها شيئا من وادي العبث بخلوه عن حكمة ظاهرة { وما } أي ~~وخصوا بالذكر الذي { أنزل عليكم من الكتاب } الذي فاق جميع الكتب وعلا عن ~~المعارضة فغلب جميع الخلق بما أفادته أداة الاستعلاء { والحكمة } التي بثها ~~فيه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم حال كونه { يعظكم } أي يذكر بما يرقق ~~قلوبكم { به } أي بذلك كله { واتقوا الله } أي بالغوا في الخوف ممن له ~~الإحاطة بجميع صفات الكمال باستحضار ما له من العظمة التي لا تتناهى ونبه ~~على عظيم أمره بقوله : { واعلموا } وبتكرير الاسم الأعظم في قوله : { أن ~~الله } فلم يبق وراء ذلك مرمى { بكل شيء } أي من أمور النكاح وغيرها { عليم ~~* } أي بالغ العلم فاحذروه حذر من يعلم أنه بحضرته وكل ما يعمله من سر وعلن ~~فبعينه . | قال الحرالي : والتهديد بالعلم منتهى التحديد - انتهى . | ~~PageV01P436 ولما نهى عن الضرار في العصمة وفي أثرها الذي هو العدة أتبعه ~~اغلنهي عما كان منه بعد انقضائها بالعضل من كل من يتصور منه عضل لكن لما ~~كان نهي الأولياء إذا كانوا أزواجا نهيا لغيرهم بطريق الأولى أسنده إلى ~~الأزواج وهم في ms0498 غمارهم فقال : { وإذا طلقتم } أي أيها الأزواج , وأظهر ولم ~~يضمر لأن المذكور هنا أعم من الأول فقال : { النساء } أي طلاق كان { فبلغن ~~أجلهن } أي انقضت عدتهن فقد دل سياق الكلامين على اختلاف البلوغين - نقله ~~الأصبهاني عن الشافعي يعني أن الأول دل على المشارفة للأمر بالإمساك وهذا ~~على الحقيقة للنهي عن العضل { فلا تعضلوهن } أي تمنعوهن أيها الأولياء ~~أزواجا كنتم أو غير أزواج , والعضل قال الحرالي هو أسوأ المنع , من عضلت ~~الدجاجة إذا نشبت بيضتها فيها حتى تهلك - انتهى . | { أن ينكحن أزواجهن } ~~أي الذين طلقوهن وغيرهم , وسموا أزواجا لمآل أمرهم غلى ذلك كما أن المطلقين ~~سموا أزواجا بما كان ؛ واستدل الشافعي رضي الله تعالى عنه ورحمه بها على ~~أنه لا نكاح إلا بولي , لأن التعبير بالعضل دال على المنع الشديد المعبر من ~~الداء العضال , وإن عضل من غير كفوء جاز ولم تزوج منه ولو كانت المرأة تزوج ~~نفسها لما كان إعياء ولا يثبت عضله الممنوع ليحصل عزله إلا إذا منع عند ~~الحاكم وقد بينت ذلك السنة . | وهذه الآية من عجائب أمر الاحتباك { طلقتم } ~~يفهم الأزواج من { تعضلوهن } و { تعضلوهن } يفهم الأولياء من { طلقتم } وقد ~~بينت ذلك في كتابي الإدراك { إذا تراضوا } أي النساء والأزواج الأكفاء بما ~~أفهمته الإضافة دون أن يقال : أزواجا لهن مثلا . | ولما كان الرضى ينبغي أن ~~يكون على العدل أشار إليه بقوله : { بينهم } ولما كانا قد يتراضيان على ما ~~لا ينبغي قيده بقوله : { بالمعروف } فإن تراضوا على غيره كما لو كان الزوج ~~غير كفوء فاعضلوهن , وعرفه كما قال الحرالي لاجتماع معروفين منهما فكان ~~مجموعهما المعروف التام وأما المنكر فوصف أحدهما - انتهى . | ولما ذكر ~~الأحكام مبينا لحكمها فكان { ذلك } وعظا وكان أكثر الناس يظن أن الوعظ ~~مغائر للأحكام أقبل على المختار للكمال فقال : ذلك الأمر العظيم يا أيها ~~الرسول { يوعظ } أي يرقق { به } قلوب { من كان } والوعظ قال الحرالي إهزاز ~~النفس بموعود الجزاء ووعيده - انتهى . | فهو تهديد لمن تشق عليه الأحكام ~~وهم الأكثر . | ولما كان من أتباعه صلى الله ms0499 عليه وسلم من جاهد نفسه حتى ~~صار أهلا لفهم الدقائق وإدراك الإشارات والرقائق فألقى كليته للسماع لحظه ~~بقوله : { منكم } معلما أن الخطاب في الحقيقة لكل فاهم , وإنما قيد بهم ~~لأنهم المنتفعون به الفاهمون له لما لهم من رقة القلوب الناشئة عن الإذعان ~~لأن الخطاب وإن كان بالأحكام فهو وعظ يتضمن الترهيب PageV01P437 كما يتضمن ~~الترغيب ولما كان من الحكمة أن من لا ينتفع بشيء لا يقصد به أشار إلى ذلك ~~بقوله : { يؤمن بالله } أي لما له من العظمة { واليوم الآخر } خوفا من ~~الفضيحة فيه , وفي تسميته وعظا إفهام بأن من تجاوز حدا في غيره سلط عليه من ~~يتجاوز فيه حدا . | قال الحرالي : لأن من فعل شيئا فعل به نحوه كأنه من عضل ~~عن زوج عضل ولي آخر عنه حين يكون هو زوجا , ومن زنى زنى به < # > 77 ( { سيجزيهم وصفهم } ) 77 < # > [ الأنعام : 139 ] . | فلما وقع ما هيجوا إليه من كمال الإصغاء قال ~~مقبلا عليهم : { ذلكم } أي الأمر العظيم الشأن { أزكى لكم } أي أشد تنمية ~~وتكثيرا وتنقية وتطهيرا بما يحصل منه بينكم من المودة والبركة من الله ~~سبحانه وتعالى { وأطهر } للقلوب . | ولما كان وصف المتكلم بالعلم أدعى ~~لقبول من دونه منه قال مظهرا ومعيدا للاسم الأعظم تعظيما للأمر : { والله } ~~أي أشير إليكم بهذا والحال أن الملك الأعظم { يعلم } أي له هذا الوصف { ~~وأنتم لا تعلمون * } أي ليس لكم هذا الوصف بالذات لا في الحال ولا في ~~الاستقبال لما أفهمه النفي بكلمة لا وصيغة الدوام . | ولما كان النكاح قد ~~يكون عنه ولادة فيكون عنها رضاع وقد تكون المرضعة زوجة وقد تكون أجنبية ~~والزوجة قد تكون متصلة وقد تكون منفصلة وكان الفراق بالطلاق أكثر منه ~~بالموت وسطه بين عدتي الطلاق والوفاة لإدلائه إلى كل بسبب واهتماما بشأنه ~~وحثا على الشفقة على الصغير وشدة العناية بأمره لأن الأم ربما كانت مطلقة ~~فاستهانت بالولد إيذاء للزوج إن كان الطلاق عن شقاق أو رغبة في زوج آخر , ~~وكذا الأب فقال تعالى عاطفا على ما تقديره مثلا : فالنساء لهن ms0500 أحكام كثيرة ~~وقد علمتم منها هنا أصولا تفهم من بصره الله كثيرا من الفروع , والمطلقات ~~إن لم يكن بينكم وبينهن علقة بولادة أو نحوها فلا سبيل لكم عليهن . | وقال ~~الحرالي : لما ذكر سبحانه وتعالى أحكام الاشتجار بين الأزواج التي عظم ~~متنزل الكتاب لأجلها وكان من حكم تواشج الأزواج وقوع الولد وأحكام الرضاع ~~نظم به عطفا أيضا على معاني ما يتجاوزه الإفصاح ويتضمنه الإفهام لما قد علم ~~من أن إفهام القرآن أضعاف إفصاحه بما لا يكاد ينتهي عده فلذلك يكثر فيه ~~الخطاب عطفا أي على غير مذكور ليكون الإفصاح أبدا مشعرا بإفهام يناله من ~~وهب روح العقل من الفهم كما ينال فقه الإفصاح من وهبه الله نفس العقل ~~PageV01P438 الذي هو العلم ؛ انتهى - فقال تعالى : { والوالدات } أي من ~~المطلقات وغيرهن , وأمرهن بالإرضاع في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد ~~فعل وتم تنبيها على تأكيده وإن كان الندب بما أفهمه إيجاب الأجرة لهن هنا ~~وفي سورة الطلاق وما يأتي من الاسترضاع فقال : { يرضعن أولادهن } قال ~~الحرالي : جعل تعالى الأم أرض النسل الذي يغتذي من غذائها في البطن دما كما ~~يغتذي أعضاؤها من دمها فكان لذلك لبنها أولى بولدها من غيرها ليكون مغذاه ~~وليدا من مغذاه جنينا فكان الأحق أن يرضعن أولادهن , وذكره بالأولاد ليعم ~~الذكور والإناث ؛ وقال : الرضاعة التغذية بما يذهب الضراعة وهو الضعف ~~والنحول بالرزق الجامع الذي هو طعام وشراب وهو اللبن الذي مكانه الثدي من ~~المرأة والضرع من ذات الظلف - انتهى . | ولما ذكر الرضاع ذكر مدته ولما كان ~~المقصود مجرد تحول الزمان بفصوله الأربعة ورجوع الشمس بعد قطع الروج الاثني ~~عشر إلى البرج الذي كانت فيه عند الولادة وليس المراد الإشعار بمدح الزمان ~~ولا ذمه ولا وصفه بضيق ولا سعة عبر بما يدل على مطلق التحول فقال : { حولين ~~} والحول تمام القوة في الشيء الذي ينتهي لدورة الشمس وهو العام الذي يجمع ~~كمال النبات الذي يتم فيه قواه - قاله الحرالي . | وكأنه مأخوذ مما له قوة ~~التحويل . | ولما كان الشيء قد ms0501 يطلق على معظمه مجازا فيصح أن يراد حول وبعض ~~الثاني بين أن المراد الحقيقة قطعا لتنازع الزوجين في مدة الرضاع وإعلاما ~~بالوقت المقيد للتحريم كما قال صلى الله عليه وسلم ( إنما الرضاعة من ~~المجاعة ) بقوله : { كاملين } ولما كان ذلك ربما أفهم وجوب الكمال نفاه ~~بقوله : { لمن } أي هذا الحكم لمن { أراد أن يتم الرضاعة } فأفهم أنه يجوز ~~الفطام للمصلحة قبل ذلك وأنه لا رضاع بعد التمام . | وقال الحرالي : وهو أي ~~الذي يكتفى به دون التمام هو ما جمعه قوله تعالى : < # > 77 ( { وحمله وفصاله ثلاثون شهرا } ) 77 < # > [ الأحقاف : 15 ] فإذا كان الحمل تسعا كان الرضاع أحدا وعشرين شهرا , ~~وإذا كان حولين كان المجموع ثلاثا وثلاثين شهرا فيكون ثلاثة آحاد وثلاثة ~~عقود فيكون ذلك تمام الحمل والرضاع ليجتمع في الثلاثين تمام الرضاع وكفاية ~~الحمل - انتهى . | ولما أوهم أن ذلك يكون مجانا نفاه بقوله : { وعلى } ولما ~~كانت الوالدية لا تتحقق في الرجل كما تتحقق في المرأة وكان النسب يكتفى فيه ~~بالفراش وكان للرجل دون المرأة فقال : { المولود له أي على فراشه { رزقهن } ~~أي المرضعات لأجل الرضاع سواء كن متصلات أو منفصلات فلو نشزت المتصلة لم ~~يسقط وإن سقط ما يخص الزوجية . | فلما كان اشتغالها بالرضاع عن كل ما يريده ~~الزوج من الاستمتاع ربما أوهم سقوط الكسوة ذكرها فقال : { وكسوتهن } أجرة ~~لهن . | قال الحرالي : الكسوة PageV01P439 رياش الآدمي الذي يستر ما ينبغي ~~ستره من الذكر والأنثى وقال : فأشعرت إضافة الرزق والكسوة إليهن باعتبار ~~حال المرأة فيه وعادتها بالسنة لا بالبدعة - انتهى . | ولما كان الحال ~~مختلفا في النفقة والكسوة باختلاف أحوال الرجال والنساء قال : { بالمعروف ~~أي - من حال كل منهما . | قال الحرالي : فأكد ما أفهمته الإضافة وصرح ~~الخطاب بإجماله - ا نتهى . | ثم علله أو فسره بالحنيفية التي من علينا ~~سبحانه وتعالى بها فقال : { لا تكلف } قال الحرالي : من التكليف وهو أن ~~يحمل المرء على أن يكلف بالأمر كلفة بالأشياء التي يدعوه إليها طبعه { نفس ~~} أي لا يقع تكليفها وإن كان له سبحانه وتعالى أن يفعل ما ms0502 يشاء { إلا وسعها ~~} أي ما تسعه وتطيقه لا كما فعل سبحانه بمن قبل , كان أحدهم يقرض ما أصاب ~~البول من جلده بالمقراض والوسع قال الحرالي ما يتأتى بمنة وكمال قوة . | ~~ولما كانت نتيجة ذلك حصول النفع ودفع الضر قال : { لا تضار والدة بولدها } ~~أي لا تضر المنفق به ولا يضرها , وضم الراء ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب على ~~الخير وهو آكد , وفتح الباقون على النهي , ويحتمل فيها البناء للفاعل ~~والمفعول { ولا مولود له بولده } أي المولود على فراشه ليس له أن يضر ~~الوالدة به وليس لها أن تضره به ولا أن تضر الولد بتفريط ونحوه حملا ~~للمفاعلة على الفعل المجرد , وكل من أسند سبحانه وتعالى المضارة إليه أضاف ~~إليه الولد استعطافا له عليه وتحريكا لطبعه إلى مزيد نفعه . | قال الحرالي ~~: ففيه إيذان بأن لا يمنع الوالد الأم أن ترضع ولدها فيضرها في فقدها له ~~ولا يسيء معاملتها في رزقها وكسوتها بسبب ولدها , فكما لم يصلح أن يمسكها ~~زوجة إلا بمعروف لم يصلح أن يسترضعها إلا بالمعروف ولا يتم المعروف إلا ~~بالبراءة من المضارة . | وفي إشعاره تحذير الوالدات من ترك أولادهن لقصد ~~الإضرار مع ميل الطبع إلى القيام بهم وكذلك في إشعاره أن لا تضره في سرف ~~رزق ولا كسوة - انتهى . | ولما تم الأمر بالمعروف وما تبعه من تفسيره وكان ~~ذلك على تقدير وجود الوالد إذ ذك بين الحال بعده فقال : { وعلى الوارث } أي ~~وارث الوالد وهو الرضيع { مثل ذلك } أي المأمور به من المعروف على ما فسره ~~به في ماله إن مات والده والوارث . | قال الحرالي : المتلقى من الأحياء عن ~~الموتى ما كان لهم من حق أو مال - انتهى . | وقيل في الوارث غير ذلك لأنه ~~تقدم ذكر الوالدات والولد والمولود له فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم . ~~| ولما بين أمد الرضاع وأمر النفقة صرح بما أفهمه الكلام من جواز الفطام ~~قبل التمام فقال مسببا عما أفهمته العبارة : { فإن أرادا } أي الوالدان { ~~فصالا } أي فطاما قبل تمام الحولين للصغير عن ms0503 الرضاع . | قال الحرالي : وهو ~~من الفصل وهو عود المتواصلين PageV01P440 إلى بين سابق - انتهى . | وهو أعم ~~من الفطم فلذا عبر به . | ولما بين ذلك نبه على أنه لا يجوز إلا مع المصلحة ~~فقال : { عن تراض منهما } ثم بين أن الأمر خطر يحتاج إلى تمام النظر بقوله ~~: { وتشاور } أي إدارة للكلام في ذلك ليستخرج الرأي الذي ينبغي أن يعمل به ~~. | قال الحرالي : فأفصح بإشعار ما في قوله : { أن يتم } وأن الكفاية قد ~~تقع بدون الحولين فجعل ذلك لا يكون بريا من المضارة إلا باجتماع إرادتهما ~~وتراضيهما وتشاورهما لمن له تبصرة لئلا تجتمعا على نقص الرأي , قال عليه ~~الصلاة والسلام ( ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ) والمشورة أن تستخلص ~~حلاوة الرأي وخالصه من خلايا الصدور كما يشور العسل جانيه - انتهى . | { ~~فلا جناح عليهما } فيما نقصاه عن الحولين لأنهما غير متهمين في أمره ~~واجتماع رأيهما فيه ورأي من يستشيرانه قل ما يخطئ . | قال الحرالي : فيه ~~إشعار بأنها ثلاث رتب : رتبة تمام فيها الخير والبركة , ورتبة كفاية فيها ~~رفع الجناح , وحالة مضارة فيها الجناح - انتهى . | وقد أفهم تمام هذه ~~العناية أن الإنسان كلما كان أضعف كانت رحمة الله له أكثر وعنايته به أشد . ~~| ولما بين رضاع الوالدات وقدمه دليلا على أولويته أتبعه ما يدل على جواز ~~غيره فقال : { وإن أردتم } أي أيها الرجال { أن تسترضعوا } أي أن تطلبوا من ~~يرضع { أولادكم } من غير الأمهات { فلا جناح } أي ميل بإثم { عليكم إذا ~~سلمتم } أي غلى المراضع { ما آتيتم } أي ما جعلتم لهن من العطاء { بالمعروف ~~} موفرا طيبة به أنفسكم من غير تشاحح ولا تعاسر لأن ذلك أقطع لمعاذير ~~لمراضع فهو أجدر بالاجتهاد في النصيحة وعدم التفريط في حق الصغير . | ولما ~~كان التقدير : فافعلوا جميع ما أمرتكم به وانتهوا عن جميع ما نهيتكم عنه ~~فقد جمعت لكم مصالح الدارين في هذا الكتاب الذي هو هدى للمتقين , عطف عليه ~~قوله : { واتقوا الله } أي الذي له القدرة الشاملة والعلم الكامل ثم خوفهم ~~سطواته بقوله منبها على عظم ms0504 هذه الأحكام { واعلموا } وعلق الأمر بالاسم ~~الأعظم الجامع لجميع الأسماء الحسنى فقال : { أن الله } أي المحيط بصفات ~~الكمال تعظيما للمقام ولذلك أكد علمه سبحانه وتعالى هنا على نحو ما مضى في ~~< # > 77 ( { وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم } ) 77 < # > PageV01P441 [ البقرة : 215 ] بتقديم قوله للإعلام بمزيد الاهتمام { ~~بما تعملون } أي من سر وعلن . | ولما كانت هذه الأحكام أدق مما في الآية ~~التي بعدها وكثير منها منوط بأفعال القلوب ختمها بما يدل على البصر والعلم ~~فقال : { بصير * } أي بالغ العلم به فاعملوا بحسب ذلك . | < < # | البقرة : ( 234 - 237 ) والذين يتوفون منكم . . . . . # > > ^ ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله ~~بما تعملون خبير * ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النسآء أو أكننتم ~~في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا ~~قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله ~~يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم * لا جناح عليكم إن ~~طلقتم النسآء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره ~~وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين * وإن طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي ~~بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما ~~تعملون بصير ) ^ } ) | ولما ذكر الرضاع وكان من تقاديره ما إذا مات الأب ~~ذكر عدة الوفاة لذلك وتتميما لأنواع العدد فقال . | وقال الحرالي : لما ذكر ~~عدة الطلاق الذي هو فرقة الحياة انتظم برأس آيته ذكر عدة الوفاة الذي هو ~~فراق الموت واتصل بالآية السابقة لما انجر في ذكر الرضاع من موت الوالد ~~وأمر الوارث وكذلك كل آية تكون رأسا لها متصلان متصل بالرأس النظير لها ~~المنتظمة به ومتصل بالآية السابقة قبلها بوجه ما - انتهى . | فقال : { ~~والذين } أي وأزواج الذين { يتوفون منكم ms0505 } أي يحصل وفاتهم بأن يستوفي ~~أنفسهم التي كانت عارية في أبدانهم الذي أعارهم إياها . | قال الحرالي : من ~~الوفاة وهو استخلاص الحق من حيث وضع , إن الله عز وجل نفخ الروح وأودع ~~النفس ليستوفيها بعد أجل من حيث أودعها فكان ذلك توفيا تفعلا من الوفاء وهو ~~أداء الحق { ويذرون } من الوذر وهو أن يؤخذ المرء عما شأنه إمساكه { أزواجا ~~} بعدهم . | ولما أريد تأكيد التربص مراعاة لحق الأزواج وحفظا لقلوب ~~الأقارب واحتياطا للنكاح أتى به في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد ~~وتم فقال : { يتربصن } أي ينتظرن أزواجهن لانقضاء العدة . | ولما كان ~~الممنوع إنما هو العقد والتعرض له بالأفعال دون طلبه PageV01P442 بالتعريض ~~قال معبرا بالنفس لذلك وللتنبيه على أن العجلة عن ذلك إنما تكون شهوة ~~نفسانية بهيمية ليكون ذلك حاويا على البعد عنها : { بأنفسهن } فلا يبذلنها ~~لزوج ولا يخرجن من منزل الوفاة ويتركن الزينة وكل ما للنفس فيه شهوة تدعو ~~إلى النكاح كما بينت ذلك السنة { أربعة أشهر وعشرا } إن كن حرائر ولم يكن ~~حمل سواء كانت صغيرة أو كبيرة تحيض أو لا , ابتداؤها من حين الوفاة لأنها ~~السبب وغلب الليالي فأسقط التاء لأن أول الشهر الليل { فإذا بلغن أجلهن } ~~ولما كان الله سبحانه وتعالى قد جعل المسلمين كالجسد الواحد وكان الكلام في ~~أزواج الموتى أعلم سبحانه وتعالى بأنه يجب على إخوانهم المسلمين من حفظ ~~حقوقهم ما كانوا يحفظونه لو كانوا أحياء بقوله : { فلا جناح عليكم } أي يا ~~أهل الدين { فيما } ولما كان لا بد من إذن المرأة وقد تأذن للقاضي على رغم ~~الولي عند عضله مثلا أسند الفعل إليهن فقال : { فعلن في أنفسهن } أي من ~~النكاح ومقدماته التي كانت ممنوعة منها بالإحداد , ولا يحمل هذا على ~~المباشرة ليكون دليلا على - إنكاح المرأة نفسها لمعارضة آية { ولا تعضلوهن ~~} المتأيدة بالسنة . | ولما كان ذلك قد لا يكون على وجه شرعي قال : { ~~بالمعروف } لينصرف إلى الكامل فلا يكون في ذلك شوب نكارة , فإن فعلن ما ~~ينكر كان على الناس الجناح بترك ms0506 الأمر كما عليهن بالفعل ؛ وأجمع الفقهاء ~~غير أبي مسلم الأصفهاني على أن هذه الآية ناسخة لآية العدة بالحول , ~~والتقدم في التلاوة لا يمنع التأخر في النزول لأن الترتيب ليس على ترتيب ~~النزول - نقل ذلك الشمس الأصفهاني , ويرد عليه ما سيأتي نقله له عن مجاهد . ~~| ولما كان التقدير : فالله حد لكم هذه الحدود فاحفظوها عطف عليه قوله ~~محذرا من التهاون في شيء منها في أنفسهم أو من الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر في حق غيرهم : { والله } أي الذي له صفات الكمال { بما تعملون } من ~~سر وعلانية . | ولما كان هنا من أمر العدة ما لم تعرفه العرب قبل فربما ~~أنكرته القلوب لكونها لم تفهم سره وكان أمر النكاح إن قيد بالمعروف باطنا ~~ختم بقوله { خبير * } أي يعلم خفايا البواطن كما يعلم ظواهرها فاحذروا ~~مخالفته وأطيعوا أمره . | ولما حد سبحانه وتعالى هذه المدة لمنعهن عن ~~الرجال بين أن التعريض بالخطبة ليس داخلا في المنع فقال : { ولا جناح عليكم ~~} أي إثم يميل { فيما عرضتم به } أي قلتموه وأنتم تقصدون ما هو بعيد عنه ~~كأنه في جانب وهو في جانب آخر لا يتأدى إليه إلا بدورة كأنت جميلة أو نافعة ~~, وأنا عازم على أن أتزوج , وعسى أن ييسر الله لي قرينة صالحة وقال الحرالي ~~: من التعريض وهو تفعيل من العرض والعرض وهو إلقاء القول عرضا أي ناحية على ~~غير قصد إليه وصمد نحوه - انتهى . | والفرق بينه وبين الكناية أنه ~~PageV01P443 كلام ظاهر في معنى يقصد به غير معناه الظاهر فلا يفهم المراد ~~إلا بالقرائن , كقول المحتاج : جئت لأسلم عليك وأنظر وجهك الكريم , ويسمى ~~التلويح أيضا , والكناية ذكر اللازم وإرادة الملزوم , وقد أفهم نوط الحل ~~بالتعريض تحريم التصريح المقابل له وللكناية , والصريح اسم لما هو ظاهر ~~المراد عند السامع بحيث يسبق إلى فهمه المراد ولا يسبق غيره عند الإطلاق { ~~من خطبة } وهي الخطاب في قصد التزوج . | وقال الحرالي : هي هيئة الحال فيما ~~بين الخاطب والمخطوبة التي النطق عنها هو الخطبة بالضم { النساء } المتوفى ~~عنهن أزواجهن ومن أشبههن ms0507 في طلاق بائن بالثلاث أو غيرها . | ولما أحل له ~~التعريض وكان قد يعزم على التصريح إذا حل له ذلك نفى عنه الحرج فيه بقوله { ~~أو أكننتم } أي أضمرتم { في أنفسكم } من تصريح وغيره سواء كان من شهوات ~~النفس أو لا . | قال الحرالي : من الكن - بالفتح - وهو الذي من معناه الكن ~~- بالكسر - وهو ما وارى بحيث لا يوصل به إلى شيء . | ولما كان لله سبحانه ~~وتعالى بهذه الأمة عناية عظيمة في التخفيف عنها أعلمها بذلك بقوله على سبيل ~~التعليل : { علم الله } أي بما له من صفات الكمال { أنكم ستذكرونهن } أي في ~~العدة فأذن لكم في ذلك على ما حد لكم . | قال الحرالي : ففيه إجراء الشرعة ~~على الحيلة الخاص بهذه الأمة انتهى . | ولما كان التقدير : فاذكروهن , ~~استثنى منه قوله : { ولكن لا تواعدوهن } أي في ذكركم إياهن { سرا } ولما ~~كان السر يطلق على ما أسر بالفعل وما هو أهل أن يسر به وإن جهر بين أن ~~المراد الثاني وهو السر بالقوة فقال : { إلا أن تقولوا } أي في الذكر لهن { ~~قولا معروفا } لا يستحيي منه عند أحد من الناس , فآل الأمر إلى أن المعنى ~~لا تواعدوهن إلا ما لا يستحيي من ذكره فيسر وهو التعريض ؛ فنصت هذه الآية ~~على تحريم التصريح بعد إفهام الآية الأولى لذلك اهتماما به لما للنفس من ~~الداعية إليه . | ولما كانت عدة الوفاة طويلة فكان حبس النفس فيها عن ~~النكاح شديدا وكانت إباحة التعريض قريبة من الرتع حول الحمى وكان من يرتع ~~حول الحمى يوشك أن يواقعه خصها باتباعها النهي عن العقد قبل الانقضاء حملا ~~على التحري ومنعا من التجري فقال : { ولا تعزموا } أي تبتوا أي تفعلوا فعلا ~~بتا مقطوعا به غير متردد فيه { عقدة النكاح } أي النكاح الذي يصير معقودا ~~للمعتدة عدة هي فيها بائن فضمن العزم البتة ولذلك أسقط ( على ) وأوقعه على ~~العقدة التي هي من آثاره ولا تتحقق بدونه فكأنه قال : ولا تعزموا على ~~النكاح باقين عقدته , وهو أبلغ مما لو قيل : ولا تعقدوا النكاح , فإن النهي ms0508 ~~عن العزم الذي هو سبب العقد نهي عن العقد بطريق الأولى . | قال الحرالي : ~~PageV01P444 والعقدة توثيق جمع الطرفين المفترقين بحيث يشق حلها وهو معنى ~~دون الكتب الذي هو وصلة وخرز { حتى يبلغ الكتاب } أي الذي تقدم فيما أنزلت ~~عليكم منه بيان عدة من زالت عصمتها من رجل بوفاه أو طلاق , أو ما كتب وفرض ~~من العدة { أجله } أي أخر مدته التي ضربها للعدة . | ولما أباح سبحانه ~~وتعالى التعريض وحظر عزم العقدة وغلظ الأمر بتعليقه بالكتاب وبقي بين ~~الطرفين أمور كانت الشهوة في مثلها غالبة والهوى مميلا غلظ سبحانه وتعالى ~~الزواجر لتقاوم تلك الدواعي فتولى تلك الأمور تهديد قوله تعالى : { واعلموا ~~} أي أيها الراغبون في شيء من ذلك { أن الله } وله جميع الكمال { يعلم ما ~~في أنفسكم } كله { فاحذروه } ولا تعزموا على شر فإنه يلزم من إحاطة العلم ~~إحاطة القدرة . | ولما هددهم بعلمه وكان ذلك النهاية في التهديد وكان كل ~~أحد يعلم من نفسه في النقائص ما يجل عن الوصف أخبرهم بما أوجب الإمهال على ~~ذلك من منه بغفرانه وحلمه حثا على التوبة وإقامة بين الرجاء والهيبة فقال : ~~{ واعلموا أن الله } أي كما اقتضى جلاله العقوبة اقتضى جماله العفو فهو ~~لذلك { غفور } أي ستور لذنوب الخطائين إن تابوا { حليم * } لا يعاجل أحد ~~العقوبة فبادروا بالتوبة رجاء غفرانه ولا تغتروا بإمهاله فإن غضب الحليم ~~لكونه بعد طول الأناة لا يطاق , ويجوز أن يكون التقدير : ولا تصرحوا للنساء ~~المعتدات بعقدة النكاح في عدة من العدد ؛ والسر في تفاوتها أن عدة الوفاة ~~طولت مراعاة للورثة إلى حد هو أقصى دال على براءة الرحم , لأن الماء يكون ~~فيه أربعين يوما نطفة ومثلها علقة ومثلها مضغة ثم ينفخ فيه الروح فتلك ~~أربعة أشهر , وقد تنقص الأشهر أربعة أيام فزيدت عليها وجبرت بما أتم أقرب ~~العقود إليها ؛ وفي صحيح مسلم رضي الله تعالى عنه تقدير المدة الأولى ( ~~باثنين وأربعين يوما ) وفي رواية : ( خمس PageV01P445 وأربعين ) وفي رواية ~~: ( بضع وأربعين ) فإذا حمل البضع على ست وزيد ما قد تنقصه الأشهر ms0509 صارت ~~أربعة أشهر وعشرا ؛ ولم تزد على ذلك مراعاة للمرأة لما قيل : إنه يقل صبر ~~النساء بعد ذلك , واقتصر في الاستبراء على قرء وهو أقل دال على براءة الرحم ~~لأن السيد يكون مخالطا للأمة غالبا فيشق الصبر , وثلثت عدة الحرة جريا على ~~سنة الشارع في الاستظهار بالتثليث مع زوال علة الإسراع من المخالطة , ولأن ~~أكثر الطلاق رجعي فربما كان عن غيظ فمدت ليزول فيتروى , وكانت عدة الأمة من ~~الطلاق بين الاستبراء وعدة الحرة لما تنازعها من حق السيد المقتضي للقصر ~~وحق الزوج المقتضي للطول مع عدم إمكان التصنيف - والله سبحانه وتعالى أعلم ~~. | ولما تمت أحكام العدد وما يتبعها مما حق الرجال فيه أغلب أتبعها أحكام ~~الأصدقة , ولما كان الكلام قد طال في أحكام الطلاق والموت ولم يذكر الصداق ~~وكان قد ختم تلك الأحكام بصفتي الغفر والحلم وكان الصداق معلوما عندهم قبل ~~الإسلام اقتضى ذلك السؤال : هل يجب للمفارقة صداق أو هو مما دخل تحت ~~المغفرة والحلم فلا يجب ؟ فقيل : { لا جناح عليكم } أي لا تبعة من مهر ولا ~~غيره إلا ما يأتي من المتعة , وأصل الجناح الميل من الثقل { إن طلقتم ~~النساء } أي إن طلق أحد منكم ما يملك عصمته منهن { ما لم تمسوهن } أي ~~تجامعوهن . | من المس ومن المماسة في القراءة الأخرى وهو ملاقاة الجرمين ~~بغير حائل بينهما - قاله الحرالي { أو تفرضوا لهن فريضة } أي تسموا لهن ~~مهرا معلوما . | أي لا جناح عليكم ما لم يقع أحد الأمرين أي مدة انتفائه ~~ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بانتفاء الأمرين معا فإذا انتفيا انتفى الجناح ~~وإن وجدا أو أحدهما وجد , فإن وجد المسيس وجب المسمى أو مهر المثل . | وإن ~~وجد الفرض وجب نصفه إن خلا عن مسيس . | قال الحرالي : ففي إنبائه صحة عقد ~~النكاح مع إهمال ذكر الصداق لا مع إبطاله , ففيه صحة نكاح التفويض ونكاح ~~التأخير لذكر الصداق , فبان به أن الصداق ليس ركنا فيه وأن إبطاله مانع من ~~بنائه , فيكون له ثلاثة PageV01P446 أحوال من رفع الجناح فيه عن المهمل ms0510 ~~الذي لم يمس فيه كأنه كان يستحق فرضا ما فرفع عنه جناحه من حيث إن على ~~الماس كلية النحلة وعلى الفارض شطر النحلة فرفع عنه جناح الفرض وجبر موضع ~~الفرض بالإمتاع , ولذلك ألزمت المتعة طائفة من العلماء - انتهى . | ولما ~~كان التقدير : وطلقوهن إن أردتم وراعوا فيهن ما أوجبت من الحقوق لكم وعليكم ~~عطف عليه قوله : { ومتعوهن } أي جبرا لما وقع من الكسر بالطلاق على ~~الأصبهاني . | و { على الموسع } منهم أي الذي له في حاله سعة . | وقال ~~الحرالي : هو من الإيساع وهو المكنة في السعة التي هي أكثر من الكفاية { ~~قدره } من القدر وهو الحد المحدود في الشيء حسا أو معنى { وعلى المقتر } أي ~~الذي في حاله ضيق . | قال الحرالي : هو من الإقتار وهو النقص من القدر ~~الكافي - انتهى { قدره } أي ما يقدر عليه ويطيقه , وقراءة فتح الدال كقراءة ~~إسكانها فإنهما لغتان أو أن الفتح مشير إلى التفضل بتحمل شيء ما فوق القدرة ~~{ متاعا } أي تمتيعا { بالمعروف } وهو ما ليس فيه في الشرع نكارة { حقا على ~~المحسنين * } أي الذين صار الإحسان لهم وصفا لازما , والإحسان غاية رتب ~~الدين كأنه كما قال الحرالي إسلام ظاهر يقيمه إيمان باطن يكمله إحسان شهودي ~~- انتهى . | فالكلام على هذا النظام إلهاب وتهييج لا قيد , وإنما كانت ~~إحسانا لأن ملاك القصد فيها كما قال الحرالي ما تطيب به نفس المرأة ويبقى ~~باطنها وباطن أهلها سلما أو ذا مودة < # > 77 ( { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ) 77 < # > [ الطلاق : 1 ] انتهى . | ولا شك في أن هذا إحسان . | ولما نفي الجناح ~~بانتفاء المسيس والفرض فأفهم أنهما إذا وجدا وجد الجناح بوجوب المفروض كله ~~أتبعه ما إذا انتفى أحدهما فقط فذكر الحكم عند انتفاء المسيس وحده صريحا في ~~ضد المفوضة السابقة وأفهم بذلك ما إذا انتفى الفرض وحده تلويحا فقال : { ~~وإن طلقتموهن } أي الزوجات { من قبل أن تمسوهن } أي تجامعوهن سواء كانت ~~هناك خلوة أو لا { وقد } أي والحال أنكم { فرضتم } أي سميتم { لهن فريضة } ~~أي مهرا مقدرا { فنصف } أي فالمأخوذ ms0511 نصف { ما فرضتم } أي سميتم لهن من ~~الصداق لا غير . | ولما أوجب لها ذلك بعثها على تركه لأن الزوج لم ينتفع ~~منها بشيء بالتعبير بالعفو فقال : { إلا أن يعفون } أي النساء فإن النون ~~ضميرهن والواو لام الفعل فلا يؤخذ منكم شيء { أو يعفوا الذي بيده } أي إليه ~~ولكن لما كان أغلب الأعمال باليد أسندت كلها PageV01P447 إليها فصارت كناية ~~عن القدرة { عقدة النكاح } وهو الزوج الذي إن شاء أبقاها وإن شاء حلها ~~فيسمح لها بالجميع كان التعبير بهذا هزا للزوج إلى العفو في نظير ما جعل ~~إليه من هذا دونها . | قال الحرالي : إذا قرن هذا الإيراد بقوله : { ولا ~~تعزموا عقدة النكاح } خطابا للأزواج قوي فسر من جعل الذي بيده عقدة النكاح ~~هو الزوج معادلة للزوجات , ومن خص عفوهن بالمالكات أي الراشدات خص هذا ~~بالأولياء فكان هذا النمط من التهديف للاختلاف ليس عن سعة إيهام وكأنه عن ~~تبقية بوجه ما من نهاية الإفصاح فمنشأ الخلاف فيه دون منشأ الخلاف من ~~خطابات السعة بالإيهام - انتهى . | وجعل الإمام هذا مفهوما من التعبير ~~بالعقدة لأنها تدل على المفعول كالأكلة واللقمة والذي بيده ذلك الزوج والذي ~~بيد الولي العقد وهو المصدر كالأكل واللقم لا العقدة الحاصلة بعد العقد { ~~وأن تعفوا } أيها الرجال والنساء { أقرب } أي من الحكم بالعدل الذي هو ~~السواء . | ولما كان المقام للترغيب عبر باللام الدالة على مزيد القرب دون ~~إلى فقال : { للتقوى } أما من المرأة فلأجل أن الزوج لم ينل منها شيئا ولا ~~حظي بطائل فهو أقرب إلى رضاه , وأما من الرجل فلما أشار إليه بجعل العقدة ~~بيده فإنه كما ربطها باختياره حلها باختياره فدفعه الكل أقرب إلى جبر ~~المرأة ورضاها , ومن فعل الفضل كان بفعله ذلك أقرب غلى أن يفعل الواجب بمن ~~لم يفضل . | ولما كان العفو فضلا من العافي وإحسانا لها منه وكانوا إنما ~~يتفاخرون بالفضائل أكده بقوله : { ولا تنسوا } أي تتركوا ترك المنسي , ~~والتعبير بالنسيان آكد في النهي { الفضل } أي أن تكونوا مفضلين في جميع ما ~~مضى لا مفضلا عليكم ms0512 , فإن اليد العليا خير من اليد السفلى , وزاده تأكيدا ~~بقوله : { بينكم } أي حال كونه واقعا فيكم من بعضكم لبعض ليس شيء منه خارجا ~~عنكم , ولن ينال الله منه شيء لأنه غني عن كل شيء , فما أمركم به إلا ~~لنفعكم خاصة , لئلا يتأذى الزوج ببذل لم ينتفع في مقابله من المرأة بشيء , ~~ولا المرأة بطلاق لم يحصل لها في نظير ما يلحقها من الكسر بسببه شيء , وهو ~~يصح أن يكون بالتغليب خطابا للقبيلين . | وخصه الحرالي بالرجال فقال : فمن ~~حق الزوج الذي له فضل الرجولة أن يكون هو العافي وأن لا يؤاخذ النساء ~~بالعفو , ولذلك لم يأت في الخطاب أمر لهن ولا تحريض , فمن أقبح ما يكون حمل ~~الرجل على المرأة في استرجاع ما آتاها بما يصرح به قوله : < # > 77 ( { أو آتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا } ) 77 < # > [ آل عمران : 20 ] فينبغي أن لا تنسوا ذلك الفضل فتجرون عليه حيث لم ~~تلزموا به - انتهى . | ثم علل ذلك مرغبا مرهبا بقوله : { إن الله } أي الذي ~~له الكمال كله { بما PageV01P448 تعملون } أي وإن دق { بصير * } وأفهم ذلك ~~: وإن طلقتموهن بعد المسيس وقبل الفرض فجميع مهر المثل . | < < # | البقرة : ( 238 - 240 ) حافظوا على الصلوات . . . . . # > > ^ ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين * فإن خفتم ~~فرجالا أو ركبانا فإذآ أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون * ~~والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج ~~فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم ) ~~^ } ) | ولما ذكرت أحكام النساء وشعبت حتى ضاق فسيح العقل بانتشارها وكاد ~~أن يضيع في متسع مضمارها مع ما هناك من مظنة الميل بالعشق والنفرة بالبغض ~~الحامل على الإحن والشغل بالأولاد وغير ذلك من فتن وبلايا ومحن يضيق عنها ~~نطاق الحصر ويكون بعضها مظنة للتهاون بالصلاة بل وبكل عبادة اقتضى الحال أن ~~يقال : يا رب ! إن الإنسان ضعيف وفي بعض ذلك له شاغل عن كل مهم فهل بقي له ~~سمعة لعبادتك ؟ فقيل ms0513 : { حافظوا } بصيغة المفاعلة الدالة على غاية العزيمة ~~أي ليسابق بعضكم بعضا في ذلك ويجوز أن يكون ذلك بالنسبة إلى العبد وربه ~~فيكون المعنى : احفظوا صلاتكم له ليحفظ صلاته عليكم فلا يفعل فيها فعل ~~الناسي فيترك تشريفكم بها , وأخصر منه أن يقال : لما ذكر سبحانه وتعالى ما ~~بين العباد خاصة ذكر ما بينه وبينهم فقال : - وقال الحرالي : لما كان ما ~~أنزل له الكتاب إقامة ثلاثة أمور : إقامة أمر الدين الذي هو ما بين العبد ~~وربه , وتمشية حال الدنيا التي هي دار محنة العبد , وإصلاح حال الآخرة ~~والمعاد الذي هو موضع قرار العبد , صار ما يجري ذكره من أحكام تمشية الدنيا ~~غلسا نجوم إنارته أحكام أمر الدين فلذلك مطلع نجوم خطابات الدين أثناء ~~خطابات أمر الدنيا فيكون خطاب الأمر نجما خلال خطابات الحرام والحلال في ~~أمر الدنيا ؛ وإنما كان نجم هذا الخطاب للمحافظة على الصلاة لأن هذا ~~الاشتجار المذكور بين الأزواج فيما يقع من تكره في الأنفس وتشاح في الأموال ~~إنما وقع من تضييع المحافظة على الصلوات لأن الصلاة بركة في الرزق وسلاح ~~على الأعداء وكراهة الشيطان ؛ فهي دافعة للأمور التي منها تتضايق الأنفس ~~وتقبل الوسواس ويطرقها الشح , فكان في إفهام نجم هذا الخطاب أثناء هذه ~~الأحكام الأمر بالمحافظة على الصلوات لتجري أمورهم على سداد يغنيهم عن ~~الارتباك في جملة هذه الأحكام - انتهى . | فقال تعالى : { حافظوا } قال ~~الحرالي : من PageV01P449 المحافظة مفاعلة من الحفظ وهو رعاية العمل علما ~~وهيئة ووقتا وإقامة بجميع ما يحصل به أصله ويتم به عمله وينتهي إليه كماله ~~, وأشار إلى كمال الاستعداد لذلك بأداة الاستعلاء فقال : { على الصلوات } ~~فجمع وعرف حتى يعم جميع أنواعها , أي افعلوا في حفظها فعل من يناظر آخر فيه ~~فإنه لا مندوحة عنها في حال من الأحوال حتى ولا في حال خوف التلف , فإن في ~~المحافظة عليها كمال صلاح أمور الدنيا والآخرة لا سيما إدرار الأرزاق ~~وإذلال الأعداء < # > 77 ( { وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها } ) 77 < # > [ طه : 132 ] و < # > 77 ( { استعينوا بالصبر والصلاة } ) 77 < # > [ البقرة : 193 ms0514 ] ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى ~~الصلاة ) ولا شك أن اللفظ صالح لدخول صلاة الجنازة فيه , ويزيده وضوحا ~~اكتناف آيتي الوفاة لهذه الآية سابقا ولاحقا . | وقال الحرالي : إن الله ~~سبحانه وتعالى يعطي الدنيا على نية الآخرة وأبى أن يعطي الآخرة على نية ~~الدنيا , خلل حال المرء في دنياه ومعاده إنما هو عن خلل حال دينه , وملاك ~~دينه وأساسه إيمانه وصلاته , فمن حافظ على الصلوات أصلح الله حال دنياه ~~وأخراه , وفي المحافظة عليها تجري مقتضيات عملها عملا إسلاميا وخشوعا ~~وإخباتا إيمانيا ورؤية وشهودا إحسانيا فبذلك تتم المحافظة عليها , وأول ذلك ~~الطهارة لها باستعمال الطهور على حكم السنة وتتبع معاني الحكمة , كما في ~~مسح الأذنين مع الراس , لأن من فرق بينهما لم يكد يتم له طهور نفسه بما ~~أبدته الحكمة وأقامته السنة وعمل العلماء فصد عنه عامة الخلق الغفلة ؛ ثم ~~التزام التوبة عندها لأن طهور القلب التوبة كما أن طهور البدن والنفس الماء ~~والتراب , فمن صلى على غير تجديد توبة صلى محدثا بغير طهارة ؛ ثم حضور ~~القلب في التوحيد عند الأذان والإقامة , فإن من غفل قلبه عند الأذان ~~والإقامة عن التوحيد نقص من صلاته روحها فلم يكن لها عمود قيام , من حضر ~~قلبه عند الأذان والإقامة حضر قلبه في صلاته , ومن غفل قلبه عندهما غفل ~~قلبه في صلاته ؛ ثم هيئتها في تمام ركوعها وسجودها ؛ وإنطاق كل ركن عملي ~~بذكر الله يختص به أدنى ما يكون ثلاثا فليس في الصلاة عمل لا نطق له ؛ ولا ~~يقبل الله صلاة من لم يقم صلبه في ركوعه وسجوده وقيامه وجلوسه ؛ فبالنقص من ~~تمامها تنقص المحافظة عليها وبتضييع المحافظة عليها يتملك الأعداء النفس ~~ويلحقها الشح فتنتقل عليها الأحكام وتتضاعف عليها مشاق الدنيا , وما من ~~عامل يعمل عملا في PageV01P450 وقت صلاة أو حال أذان إلا كان وبالا عليه ~~وعلى من ينتفع به من عمله , وكان ما يأخذه من أجر فيه شقى خبث لا يثمر له ~~عمل بر ولا راحة نفس في عاجلته ولا ms0515 آجلته , وخصوصا بعد أن أمهل الله الخلق ~~من طلوع شمس يومهم إلى زوالها ست ساعات فلم يكن لدنياهم حق في الست الباقية ~~فكيف إذا طولبوا منها بأويقات الأذان والصلاة وما نقص عمل من صلاة , فبذلك ~~كانت المحافظة على الصلوات ملاكا لصلاح أحوال الخلق مع أزواجهم في جميع ~~أحوالهم - انتهى . | { والصلاة الوسطى } أي خصوصا فإنها أفضل الصلوات لأنها ~~أخصها بهذا النبي الخاتم كما مضى بيانه في أول السورة في قوله : < # > 77 ( { استعينوا بالصبر والصلاة } ) 77 < # > [ البقرة : 193 ] فخصها سبحانه وتعالى بمزيد تأكيد وأخفاها لأداء ذلك ~~إلى المحافظة على الكل ولهذا السبب أخفى ليلة القدر في رمضان , وساعة ~~الإجابة في يوم الجمعة , والاسم الأعظم في جميع الأسماء , ووقت الموت حملا ~~على التوبة في كل لحظة . | وقال الحرالي : وما من جملة إلا ولها زهرة فكان ~~في الصلوات ما هو منها بمنزلة الخيار من الجملة وخيارها وسطاها فلذلك خصص ~~تعالى خيار الصلوات بالذكر , وذكرها بالوصف إبهاما ليشمل الوسطى الخاصة ~~بهذه الأمة وهي العصر التي لم تصح لغيرها من الأمم , ولينتظم الوسطى العامة ~~لجميع الأمم ولهذه الأمة التي هي الصبح , ولذلك اتسع لموضع أخذها بالوصف ~~مجال العلماء فيها ثم تعدت أنظارهم إلى جميعها لموقع الإبهام في ذكرها حتى ~~تتأكد المحافكة في الجميع بوجه ما , وفي قراءة عائشة رضي الله تعالى عنها : ~~وصلاة العصر - عطفا ما يشعر بظاهر العطف باختصاص الوسطى بالصبح على ما رآه ~~بعض العلماء , وفيه مساغ لمرجعه على { الصلاة الوسطى } بنفسها ليكون عطف ~~أوصاف , وتكون تسميتها بالعصر مدحة ووصفا من حيث إن العصر خلاصة الزمان كما ~~أن عصارات الأشياء خلاصاتها < # > 77 ( { ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث PageV01P451 الناس وفيه يعصرون ~~} ) 77 < # > [ يوسف : 49 ] فعصر اليوم هو خلاصة لسلامته من وهج الهاجرة وغسق الليل ~~, ولتوسط الأحوال والأبدان والأنفس بين حاجتي الغداء والعشاء التي هي ~~مشغلتهم بحاجة الغذاء ؛ ومن إفصاح العرب عطف الأوصاف المتكاملة فيقال : ~~فلان كريم وشجاع - إذا تم فيه الوصفان , فإذا نقصا عن التمام قيل : كريك ~~شجاع - بالاتباع , فبذلك يقبل معنى ms0516 هذه القراءة أن تكون الوسطى هي العصر ~~عطفا لوصفين ثابتين لأمر واحد - انتهى . | ويوضح ما قاله رحمه الله تعالى ~~قولهم في الرمان المز : حلو حامض - من غير عطف , وبرهانه أنهم قالوا : إن ~~الجمل إذا تتابعت من غير عطف كان ذلك مؤذنا بتمام الاتصال بينها فتكون ~~الثانية إما علة للأولى وإما مستأنفة على تقدير سؤال سائل ونحو ذلك مما ~~قاله البيانيون في باب الفصل والوصل , ولولا إشعار الكلام الأول بالجملة ~~الثانية لاحتياجه إليها لم يوجد محرك للسؤال بخلاف ما إذا تعاطفت كان ذلك ~~يؤذن بأن كل واحدة منها غنية عما بعدها وذلك مؤذن بالتمام : وأما أسماء ~~الله تعالى فتتابعها دون عطف , لأن شيئا منها لا يؤدي جميع مفهوم اسم الذات ~~العلم ولذلك ختم سبحانه وتعالى آيات سورة الحشر بقوله : < # > 77 ( { له الأسماء الحسنى } ) 77 < # > [ الحشر : 24 ] أي أن هذه الأسماء التي ذكرت هي مما أفهمه مدلول الاسم ~~العلم المبتدأ به سواء قلنا إنه مشتق أو لا , ومهما اطلعت على وصف حسن يليق ~~به سبحانه وتعالى فهو مما دل عليه الاسم الأعظم , لأن من يستحق العبادة لا ~~يكون إلا كذلك جامعا لأوصاف الكمال , أو لأنه لما جبلت النفوس وطبعت القلوب ~~على المعرفة بأنه سبحانه وتعالى منزه عن شوائب النقص ومتصف بأوصاف الكمال ~~كان الإعراء من العطف فيها للإيذان بذلك وما عطف منها فلمعنى دعا إليه كما ~~يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مواضعه , وأنا لا أشك أن المعطل إذا وقع ~~في ضيق أخرجه ودهمه من البلاء ما أعجزه وأحرق قلبه وأجرى دمعه التفت قلبه ~~ضرورة إلى الله سبحانه وتعالى في كشفه وضرع إليه في إزالته لما ركز في ~~جبلته من كماله وعظمته وجلاله ذاهلا عما تكسبه من قرناه السوء من سوء ~~الإعتقاد وجر نفسه إليه من العناد - والله سبحانه وتعالى أعلم ؛ فدونك ~~قاعدة نفيسة طال ما تطلبتها وسألت عنها الفضلاء فما وجدتها وضربت بفكري في ~~رياض الفنون ومهامه العلوم حتى تصورتها ثم بعد فراغي من تفسيري رأيت الكشاف ~~أشار إليها في ms0517 آية ( والمستغفرين بالأسحار ) في آل عمران - والله سبحانه ~~وتعالى الموفق . | ولما أمر بالمحافظة عليها أتبعه جامع ذلك فقال : { ~~وقوموا لله } أي الذي له الجلال والإكرام { قانتين * } أي مطيعين - قاله ~~الحسن وسعيد بن جبير والشعبي وعطاء وقتادة وطاوس . | وروى الطبراني في ~~الأوسط والإمام أحمد وأبو يعلى الموصلي في PageV01P452 مسنديهما وابن حبان ~~في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ( كل حرف ذكر من القنوت في القرآن فهو الطاعة ) وقيل : القنوت ~~السكوت , ففي الصحيحين عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال : ( كنا ~~نتكلم في الصلاة , يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في حاجته حتى نزلت { ~~وقوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام ) وقال مجاهد : ~~خاشعين , وقيل غير ذلك ؛ وإذا علم أصل معنى هذه الكلمة لغة علم أن المراد : ~~مخلصين , وإليه يرجع جميع ما قالوه , وذلك أن مادة قنت بأي ترتيب كان تدور ~~على الضمور من القتين للقليل اللحم والطعم , وقتن المسك إذا يبس , فيلزمه ~~الاجتذاب والخلوص , فإنه لولا تجاذب الأجزاء لزوال ما بينها من المانع لم ~~يضمر , ومنه امرأة ناتق إذا كانت ولودا كأنها تجتذب المني كله فتظفر بما ~~يكون منه الولد , أو أنه لما كان المقصود الأعظم من الجماع الولد كانت ~~كأنها المختصة بجذب المني وكأن اجتذاب غيرها عدم , أو كأنها تجتذب الولد من ~~رحمها فتخرجه , وذلك من نتق السقاء وهو نفضه , حتى يقتلع ما فيه فيخلص , ~~ومن ذلك : البيت المعمور نتاق الكعبة , أي مطل عليها من فوق فلو أنه جاذب ~~شيئا من الأرض لكان إياها لأنه تجاهها , ومن الضمور : التقن - لرسابة الماء ~~؛ وهو الكدر الذي يبقى في الحوض فإنه متهيئ لاجتذاب العكولة ؛ ويلزم الضمور ~~الإحكام لجودة التراص في الأجزاء لخلوصها عن مانع , ومنه : أمر متقن , أي ~~محكم , و : رجل تقن - إذا كان حاذقا بالأشياء , فهو خالص الرأي ؛ ويلزمه ~~الإخلاص والخشوع والتواضع فتأتي الطاعة بالدعاء وغيره فإنها جمع الهم على ~~المطاع < # > 77 ( { أمن هو قانت آناء الليل } ) 77 < # > [ الزمر ms0518 : 9 ] ونحو ذلك , والتقن أيضا الطبيعة فإنها سر الشيء وخالصه , ~~ومنه الفصاحة من : تقن فلان , أي طبعه ؛ ويلزم الضمور القيام فإنه ضمور ~~بالنسبة إلى بقية الهيئات ؛ ومنه : أفضل الصلاة طول PageV01P453 القنوت . | ~~والسكوت ضمور بالنسبة إلى الكلام ؛ ويلزم الضمور اليبس والذبول ومنه التقن ~~للطين الذي يذهب عنه الماء فييبس ويتشقق ؛ والقلة ومنه : قراد قتين , أي ~~قليل الدم , فيأتي أيضا السكوت والإحكام ؛ وإذا راجعت معاني هذه المادة وهي ~~قنت وقتن وتقن ونتق من كتب اللغة ازددت بصيرة في هذا , وإذا علم ذلك علم أن ~~الآية منطبقة على الحديث محتملة لجميع أقوال العلماء رضي الله تعالى عنهم , ~~وذلك أن الصلاة إذا أخلصت لم يكن فيها قول ولا فعل ليس منها وذلك محض ~~الطاعة والخشوع . | وقال الحرالي : القنوت الثبات على أمر الخير وفعله , ~~وذلك أن فعل الخير والبر يسير على الأكثر ولكن الثبات والدوام عسير عليهم , ~~وكان من القنوت مداومة الحق فيما جاء به في الصلاة حتى لا يقع التفات للخلق ~~, فلذلك لزم الصمت عن الخلق من معناه , لأن كلام الناس قطع لدوام المناجاة ~~, ففي إشعاره أن من قام لله سبحانه وتعالى قانتا في صلاته أقام الله سبحانه ~~وتعالى في دنياه حاله في إقامته ومع أهله , كما يشير إليه معنى آية < # > 77 ( { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك } ) 77 ~~< # > [ طه : 32 ] ففيه إيذان بأن الصلاة تصلح الحال مع الأهل وتستدر البركة ~~في الرزق - انتهى . | وحديث زيد هذا صريح في أن الصلاة في أول الأمر لم تكن ~~على الحدود التي صارت إليها آخرا ؛ فيحتمل أن الفعل كان مباحا فيها كما كان ~~الكلام , ويؤيده أن الأصل في الأشياء الإباحة حتى يأتي نص بالمنع , وبهذا ~~يزول ما في حديث ذي اليدين من الإشكال من أنه يقتضي إباحة القول والفعل ~~للمصلي إذا ظن أنه أكمل الصلاة أو نسي أنه فيها , ( لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلى إحدى صلاتي العشي فسلم من ركعتين ثم قام إلى خشبة في ناحية ~~المسجد فاتكأ عليها وخرج سرعان ms0519 الناس , فلما أعلمه ذو اليدين بالحال سأل ~~الناس فصدقوه , فرجع فأكمل الصلاة ) فإن الحديث غير مؤرخ فيحتمل أنه كان ~~قبل تحريم الأفعال والأقوال بهذه الآية . | ويؤيد احتمال إباحة الأفعال ~~أولا اتباع الآية بقوله تعالى : { فإن خفتم } أي بحال من أحوال الجهاد الذي ~~تقدم أنه { كتب عليكم } أو نحو ذلك من عدو أو سبع أو PageV01P454 غريم يجوز ~~الهرب منه أو غير ذلك { فرجالا } أي قائمين على الأرجل , وهو جمع راجل من ~~حيث إنه أقرب غلى صورة الصلاة . # قال البغوي : أي إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين للصلاة حقها لخوف ~~فصلوا مشاة على أرجلكم { أو ركبانا } أي كائنين على ظهور الدواب على هيئة ~~التمكن . | وقال الحرالي : ما من حكم شرعه الله في السعة إلا وأثبته في ~~الضيق والضرورة بحيث لا يفوت في ضيقه بركة من حال سعته ليعلم أن فضل الله ~~لا ينقصه وقت ولا يفقده حال , وفيه إشعار بأن المحافظة على الصلاة في ~~التحقيق ليس إلا في إقبال القلب بالكلية على الرب , فما اتسع له الحال ما ~~وراء ذلك فعل وإلا اكتفى بحقيقتها , ولذلك انتهت الصلاة عند العلماء في شدة ~~الخوف إلى تكبيرة واحدة يجتمع إليها وحدها بركة أربع الركعات التي تقع في ~~السعة , وفيها على حالها من البركة في اتساع الرزق وصلاح الأهل ما في ~~الواقعة في السعة مع معالجة النصرة لعزيمة إقامتها على الإمكان في المخافة ~~, وقد وضح باختلاف أحوال صلاة الخوف أن حقيقتها أنها لا صورة لها , فقد صح ~~فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم أربع عشرة صورة وزيادة صور في الأحاديث ~~الحسان - انتهى . | وروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن عمر رضي الله ~~تعالى عنهما كيفية في صلاة الخوف ثم قال : فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا ~~رجالا قياما على أقدامهم أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها . | ~~قال مالك : قال نافع : لا أرى عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ذكر ~~ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني ms0520 لأن مثل ذلك لا يقال من ~~قبل الرأي { فإذا أمنتم } أي حصل لكم الأمن مما كان أخافكم . | ولما كان ~~المراد الأعظم من الصلاة الذكر وهو دوام حضور القلب قال مشيرا إلى أن صلاة ~~الخوف يصعب فيها ذلك منبها بالاسم الأعظم على ما يؤكد الحضور في الصلاة ~~وغيرها من كل ما يسمى ذكرا { فاذكروا الله } أي الذي له الأمر كله . | قال ~~PageV01P455 البغوي : أي فصلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها . | وقال ~~الحرالي : أظهر المقصد في عمل الصلاة وأنه إنما هو الذكر الذي هو قيام ~~الأمن والخوف - انتهى : فكأنه سبحانه وتعالى لما منع مما ليس من الصلاة من ~~الأقوال والأفعال استثنى الأفعال حال الخوف فأبقيت على الأصل لكن قد روى ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه وصرحه في كتاب اختلاف الحديث من الأم وأبو داود ~~والنسائي من طريق عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله ~~تعالى عنه قال : كنا نسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة ~~- الحديث في أنه لما رجع من الحبشة قال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن ~~الله يحدث من أمره ما شاء وإن مما أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة ) وحكم ~~بأنه قيل حديث ذي اليدين لما في بعض طرقه مما يقتضي أن رجوعه كان قبل هجرة ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو كذلك , لكن عاصم له أوهام في ~~الحديث وإن كان حجة في القراءة فلا يقوى حديثه لمعارضة ما في الصحيحين من ~~حديث زيد الماضي المغيا بنزول الآية . | والبقرة مدنية كما في الصحيح في ~~فضائل القرآن عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : ما نزلت سورة ~~البقرة والنساء إلا وأنا عند النبي صلى الله عليه وسلم , وفيه في النكاح ~~وغيره أنه صلى الله عليه وسلم بنى بها وهي بنت تسع سنين وأقامت عنده تسعا , ~~فيكون ذلك في السنة الثانية من PageV01P456 الهجرة . | وقال الشافعي رضي ~~الله تعالى عنه في الرسالة في باب وجه آخر من الناسخ والمنسوخ : أخبرنا ms0521 ~~محمد بن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ~~الخدري عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : ( حبسنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب يهوي من الليل ~~حتى كفينا وذلك قول الله سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { وكفى الله المؤمنين القتال وكانا لله قويا عزيزا } ) 77 < # > [ الأحزاب : 25 ] قال : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأمره ~~فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها , ثم أقام العصر ~~كذلك , ثم أقام المغرب فصلاها كذلك , ثم أقام العشاء فصلاها كذلك أيضا ؛ ~~وذلك قبل أن ينزل الله تعالى في صلاة الخوف < # > 77 ( { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } ) 77 < # > [ البقرة : 338 ] ) وقد روى الشيخان أيضا حديث ابن مسعود رضي الله ~~تعالى عنه بلفظ : كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة ~~فيرد علينا , فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا وقال : ( ~~إن في الصلاة شغلا ) لكنه ليس صريحا في تحريم الكلام فيعود الاحتمال السابق ~~, فإن كان الواقع أن حديث زيد متأخر كان ما قلت وإلا كان الذي ينبغي القول ~~به أنه لا فرق بين القول والفعل لأن اشتمال حديث ذي اليدين عليهما على حد ~~سواء , كما صححه صاحب التتمة من أصحاب الشافعي ونقل عن اختيار الشيخ محيي ~~الدين النواوي في كتابه التحقيق وتبعه عليه السبكي وغيره من المتأخرين , ~~وكلام الشافعي ظاهر فيه فإنه قال في الرد على من نسبه إلى أنه خالف في ~~التفريع على الحديث المذكور : فأنت خالفت أصله وفرعه ولم نخالف نحن من أصله ~~ولا من فرعه حرفا واحدا - هذا نصه في كتاب الرسالة . | ولما أمر سبحانه ~~وتعالى بالذكر عند الأمن علله بقوله : { كما علمكم } أي لأجل إنعامه عليكم ~~بأن خلق فيكم العلم المنقذ من الجهل , فتكون الكاف للتعليل وقد جوزه أبو ~~حيان في النهر ونقله في موضع آخر منه عن النحاة - والله سبحانه وتعالى أعلم ms0522 ~~PageV01P457 { ما لم تكونوا تعلمون * } بما آتاكم على لسان هذا النبي ~~الكريم من الأحكام التي تقدمت في هذه السورة المفصلة ببدائع الأسرار من ~~الأصول ودقائق العلوم كلها . | وقال الحرالي : من أحكام هيئة الصلاة في ~~الأعضاء والبدن وحالها في النفس من الخشوع والإخبات والتخلي من الوسواس ~~وحالها في القلب من التعظيم والحرمة , وفي إشارته ما وراء ظاهر العلم من ~~أسرار القلوب التي اختصت بها أئمة هذه الأمة - انتهى . | ولما كان ذكر ~~أحكام عشرة النساء على هذا الوجه مظنة سؤال سائل كما تقدم يقول : قد استغرق ~~الاشتغال بهن الزمان وأضر بالفراغ للعبادة وكان هذا السؤال إيماء إلى ~~الاستئذان في الرهبانية والاختصاء الذي سأل فيه من سأل كما سيبين إن شاء ~~الله سبحانه وتعالى في المائدة في قوله : < # > 77 ( { ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } ) 77 < # > [ المائدة : 87 ] وكان الإعراض عن جواب السائل بالأمر بالمحافظة على ~~الصلاة ربما أشعر بالإقرار على مضمون السؤال والإذن في الترهب بقرينة ~~الإعراض عن السؤال وربما كان مشيرا إلى النهي عن الترهب بقرينة السكوت على ~~ما تقدم من الأمر بعشرتهن من غير نهي عنه عقب الأمر بذلك ببعض آيات النساء ~~تأكيدا لما أفهمته تلك الإشارة أي اتركوا الترهب وكونوا رجالا في الاقتداء ~~بنبيكم صلى الله عليه وسلم في القيام بحقوق الله وحقوق نفسه وغيره من سائر ~~العباد وجعل ما تعقب آية الصلاة من تعلق النكاح آيتين فقط أولاهما في حكم ~~من أحكام الموت وهي منسوخة كما قال الأكثر ليست من دعائم أحكام هذا الباب ~~إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الإقبال على العبادة أكثر وأن يكون الاشتغال ~~بأمر النساء والأولاد إنما هو على وجه التزود للموت وما بعده فقال تعالى : ~~{ والذين } وقال الحرالي : لما ذكر سبحانه وتعالى أحكام الأزواج في الطلاق ~~والوفاة وحكم الفرض والمتعة في المطلقات قبل الدخول ختم هذه الأحكام ~~المؤكدة بالفرض والأمر بما هو من نحوها فنظم بالمتعة من النفقة والكسوة ~~والإخدام وما في معناه المتعة بالسكنى للمتوفى عنها زوجها إلى حد ما كانت ~~العدة ms0523 في الجاهلية ليكون للخير والمعروف بقاء في الإسلام بوجه ما أيما عقد ~~وعهد كان في الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدة - انتهى . | فقال تعالى : ~~{ يتوفون منكم } أي يقاربون أن يستوفي أرواحهم من أعارها أبدانهم فيخلصها ~~منها كاملة لا يغادر منها شيئا ولا يأخذ شيئا من الجسم معها مع ما بينهما ~~من كمال الامتزاج الذي لا يقدر معه على تمييز أحدهما عن الآخر إلا هو ~~سبحانه وتعالى { ويذرون أزواجا } بعد موتهم , فليوصوا { وصية } ومن رفع ~~فالتقدير عندهم : فعليهم وصية , ويجوز أن تحمل الوفاة على حقيقتها ويكون ~~التقدير : وصية من الله لأزواجهم , أو يوصيكم الله وصية { لأزواجهم } ~~بالسكنى في بيوتهم { متاعا } لهن { إلى } رأس { الحول } من حين الوفاة . | ~~قال الحرالي : وهو غاية العمر وجامع لجملة الفصول التي بوفائها تظهر أحوال ~~PageV01P458 الصبر عن الشيء والحرص عليه وإنما الحول الثاني استدراك - ~~انتهى . | { غير إخراج } أي غير مصاحب ذلك المتاع بنوع إخراج أو غير ذوي ~~إخراج . | قال الحرالي : لتكون الأربعة الأشهر والعشر فرضا وباقي الحول ~~متاعا لتلحق أنواع المتعة بأنواع اللازم في الزوجية من نفقة وكسوة وإخدام ~~وسكنى , ولما كان هذا المتاع الزائد إنما هو تقرير للزوجة في حال ما كانت ~~عليه مع زوجها إشعارا ببقاء العصمة وإلاحة من الله تعالى بحسن صبر المرأة ~~المتوفى عنها زوجها على زوجها , لا تتزوج عليه غيره حتى تلقاه فتكون معه ~~على النكاح السابق ليكون للأمة في أزواجهم لمحة حظ من تحريم أزواج نبيهم ~~بعده اللاتي يقمن بعده إلى أن يلقينه أزواجا بحالهن , فيكون ذلك لمن يستشرف ~~من خواص أمته إلى اتباعه في أحكامه وأحكام أزواجه لأن الرجال مما يستحسنون ~~ذلك لأزواجهم , فمن أشد ما يلحق الرجل بعد وفاته تزوج زوجه من بعده لأنها ~~بذلك كأنها هي المطلقة له , ولذلك ورد أن المرأة إنما تكون لآخر زوج . | ~~لأنها تركت الزوج ولم يتركها هو , قال صلى الله عليه وسلم : ( أنا وسفعاء ~~الخدين حبست نفسها على يتاماها حتى ماتوا - أو : بانوا - كهاتين في الجنة ) ~~كأنه صلى الله عليه وسلم أكد ذلك ms0524 المعنى على من ترك لها المتوفى ذرية لأنه ~~أثبت عهد معه - انتهى . | روى البخاري في التفسير عن مجاهد { والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا } [ البقرة : 234 ] قال : كانت هذه العدة تعتد عند أهل ~~زوجها واجب فأنزل الله عز وجل : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج } [ البقرة : 240 ] قال : جعل الله ~~سبحانه وتعالى لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية , إن شاءت سكنت ~~في وصيتها وإن شاءت خرجت وهو قول الله سبحانه وتعالى : { غير إخراج } ~~فالعدة كما هي واجب عليها . | ولما كان هذا المتاع الواجب من جهة الزوج ~~جائزا من جهة المرأة نبه عليه بقوله { فإذا خرجن } أي من أنفسهن من غير ~~مزعج ولا مخرج { فلا جناح عليكم } يا أهل الدين الذين يجب عليهم الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر { فيما فعلن في أنفسهن } من النكاح ومقدماته . | ~~ولما كانت لهن في الجاهلية أحوال منكرة في الشرع قيده بقوله : { من معروف } ~~أي عندكم يا أهل الإسلام . | PageV01P459 ولما كان في هذا حكمان حكم من جهة ~~الرجال فضل وآخر من جهة النساء عفو فكان التقدير : فالله غفور حليم , عطف ~~عليه قوله : { والله } أي الذي لا كفوء له { عزيز حكيم * } وفي ضمنه كما ~~قال الحرالي تهديد شديد للأولياء إن لم ينفذوا ويمضوا هذه الوصية بما ألزم ~~الله , ففي إلاحته أن من اضاع ذلك ناله من عزة الله عقوبات في ذات نفسه ~~وزوجه ومخلفيه من بعده ويجري مأخذ ما تقتضيه العزة على وزن الحكمة جزاء ~~وفاقا وحكما قصاصا , وهذه الآية مما ذكر فيها بعض الناس النسخ وإنما هي مما ~~لحقها نسيان أوقعه الله تعالى على الخلق حتى لا يكاد أن يكون عمل بها أحد ~~إلا أحدا لم يذكر به ولم يشتهر منه فهي مما أنسى فران عليه النسيان لأمر ~~شاءه الله سبحانه وتعالى والله يقول الحق وهو يهدي السبيل , وقد ورد ( أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنفذ لامرأة من تركة زوجها نفقة سنة ) وذلك والله ~~سبحانه وتعالى أعلم قبل نزول ms0525 ىية الفرائض حين كانت الوصية للوالدين ~~والأقربين بالمعروف - انتهى . | وبما قال الحرالي من أنها غير منسوخة قال ~~مجاهد كما تقدم في رواية البخاري عنه أن الزوجة إن اختارت هذا فعدتها الحول ~~وإلا فعدتها الآية الأولى , ونقله الشمس الأصفهاني عنه في تفسيره , ونقل عن ~~بلدية أبي مسلم قريبا منه فإنه قال بعد أن نقل عنه أنها غير منسوخة : ليس ~~التقدير ما يفيد الوجوب على الزوج مثل : فليوصوا بل التقدير : وقد وصوا , ~~أو : ولهم وصية . | وحسن تعقيب آية المحافظة على الصلاة بعدة الوفاة كون ~~الخوف المذكور فيها من أسباب القتل , ولعل إثباتها في التلاوة مع كونها ~~منسوخة الحكم على ما قال الجمهور تذكيرا للنساء بما كان عدة لهن في أول ~~الأمر لئلا يستطلن العدة الثابتة بأربعة أشهر وعشر فينتهكن شيئا من حرماتها ~~, كما أشار إليه ما في الصحيحين وغيرهما عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها ( ~~أن امرأة استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم أن تكحل ابنتها لوجع أصابها , ~~فأبى وقال : ) قد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول ( . ~~| PageV01P460 < < # | البقرة : ( 241 - 247 ) وللمطلقات متاع بالمعروف . . . . . # > > ^ ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين * كذلك يبين الله لكم ~~آياته لعلكم تعقلون * ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت ~~فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس ~~لا يشكرون * وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم * من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ~~ترجعون * ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ~~ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا ~~تقاتلوا قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا ~~وأبنآئنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ~~* وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك ms0526 ~~علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم ~~وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشآء والله واسع عليم ) ^ } ~~) | ولما ذكر سبحانه وتعالى متاع المتوفى عنهن عقبه متاع المطلقات تأكيدا ~~للحكم بالتكرير وتعميما بعد تخصيص بعض أفراده فقال تعالى : { وللمطلقات } ~~أي أي المدخول بهن بأي طلاق كان { متاع } أي من جهة الزوج يجبر ما حصل لها ~~من الكسر { بالمعروف } أي من حالهما { حقا على المتقين * } قال الحرالي : ~~حيث كان الذي قبل الدخول حقا على المحسنين كان المحسن يمتع بأيسر وصلة في ~~القول دون الإفضاء والمتقي يحق عليه الإمتاع بمقدار ما وقع له من حرمة ~~الإفضاء ولما وقع بينهم من الإرهاق والضجر فيكون في المتعة إزالة لبعض ذلك ~~وإبقاء بسلام أو مودة - انتهى . | وفيه إشارة إلى أن الطلاق كالموت لانقطاع ~~حبل الوصلة الذي هو كالحياة وأن المتاع كالإرث . | ولما بين سبحانه وتعالى ~~هذه الأحكام هذا البيان الشافي كان كأن سائلا قال : هل يبين غيرها مثلها ؟ ~~فقال : { كذلك } أي مثل هذا البيان { يبين الله } أي الذي له الحكمة ~~PageV01P461 البالغة لأنه المحيط بكل شيء { لكم آياته } أي المرثية بما ~~يفصل لكم في آياته المسموعة { لعلكم تعقلون * } أي لتكونوا على حال يرجى ~~لكم معها التفكر في الآيات المسموعات والآيات المرئيات كما يفعل العقلاء ~~فيهديكم ذلك إلى سواء السبيل ؛ وقد كرر مثل هذا القول كثيرا وفصلت به ~~الآيات تفصيلا وكان لعمري يكفي الفطن السالم من مرض القلب وآفة الهوى ~~إيراده مرة واحدة في الوثوق بمضمونه والركون إلى مجلوله , وإنما كرر تنبيها ~~على بلاغة الآيات المختومة به وخروجها عن طوق البشر وقدرة المخلوق , وذلك ~~أنهم كلما سمعوا شيئا من ذلك وهم أهل السبق في البلاغة والظفر على جميع ~~أرباب الفصاحة والبراعة فرأوه فائتا لقواهم وبعيدا من قدرهم خطر لهم السؤال ~~عن مثل ذلك البيان ناسين لما تقدم من صادق الوعد وثابت القول بأن الكل على ~~هذا المنوال البديع المثال البعيد المنال , لما اعتراهم من دهش العقول ~~وانبهار ms0527 الألباب والفهوم . | ولما انقضى ما لا بد منه مما سيق بعد الإعلام ~~بفرض القتال المكروه للأنفس من تفصيل ما أحمل في ليل الصيام من المشارب ~~والمناكح وما تبعها وكان الطلاق كما سلف كالموت وكانت المراجعة كالإحياء ~~وختم ذلك بالصلاة حال الخوف الذي أغلب صورة الجهاد ثم بتبيين الآيات أعم من ~~أن تكون في الجهاد أو غيره عقب ذلك بقوله دليلا على آية كتب القتال المحثوث ~~فيها على الإقدام على المكاره لجهل المخلوق بالغايات : { ألم تر } وقال ~~الحرالي : لما كان أمر الدين مقاما بمعالمه الخمس التي إقامة ظاهرها تمام ~~في الأمة وإنما تتم إقامتها بتقوى القلوب وإخلاص النيات كان القليل من ~~المواعظ والقصص في شأنه كافيا , ولما كان حظيرة الدين إنما هو الجهاد الذي ~~فيه بذل الأنفس وإنفاق لأموال كثرت فيه مواعظ القرآن وترددت وعرض لهذه ~~الأمة بإعلام بما يقع فيه فذكر ما وقع من الأقاصيص في الأمم السالفة وخصوصا ~~أهل الكتابين بني إسرائيل ومن لحق بهم من أبناء العيص فكانت وقائعهم مثلا ~~لوقائع هذه الأمة فلذلك أحيل النبي صلى الله عليه وسلم على استنطاق أحوالهم ~~بما يكشفه الله سبحانه وتعالى له من أمرهم عيانا وبما ينزله من خبرهم بيانا ~~وكان من جامعة معنى ذلك ما تقدم من قوله سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة } ) 77 < # > [ البقرة : 211 ] وكان من جملة الآيات التي يحق الإقبال بها على النبي ~~صلى الله عليه وسلم لعلو معناها فأشرف المعاني ما قيل فيه { ألم تر } ~~إقبالا على النبي صلى الله عليه وسلم وعموم المعاني ما قيل فيه < # > 77 ( { ألم تروا } ) 77 < # > [ لقمان : 20 ] إقبالا على الأمة ليخاطب كل على قدر ما قدم لهم من ~~تمهيد موهبة العقل لتترتب المكسبة من العلم على مقدار الموهبة من العقل ~~فكان من القصص العلي العلم اللطيف الاعتبار ما تضمنته هذه PageV01P462 ~~الآيات من قوله : { ألم تر } ليكون ذلك عبرة لهذه الأمة حتى لا يفروا من ~~الموت فرار من قبلهم , قال عليه الصلاة والسلام : ( إذا نزل ms0528 الوباء بأرض ~~وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ) وذلك لتظهر مزيتهم على من قبلهم بما يكون ~~من عزمهم كما أظهر الله تعالى مزيتهم على من قبلهم بما آتاهم من فضله ~~ورحمته التي لم ينولها لمن قبلهم - انتهى . | ولما كانت مفارقة الأوطان مما ~~لا يسمح به نبه بذكره على عظيم ما دهمهم فقال : { إلى الذين خرجوا } أي ممن ~~تقدمكم من الأمم { من ديارهم } التي ألفوها وطال ما تعبوا حتى توطنوها لما ~~وقع فيها مما لا طاقة لهم به على الموت { وهم ألوف } أي كثيرة جدا تزيد على ~~العشرة بما أفهمه جمع التكثير . | قال الحرالي : فيه إشعار بأن تخوفهم لم ~~يكن من نقص عدد وإنما كان من جزع أنفس فأعلم سبحانه وتعالى أن الحذر لا ~~ينجي من القدر وإنما ينجى منه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء ( ~~إن الدعاء ليلقي القدر فيعتلجان إلى يوم القيامة ) انتهى . | { حذر الموت } ~~فرارا من طاعون وقع في مدينتهم أو فرارا من عدو دعاهم نبيهم إلى قتاله - ~~على اختلاف الرواية - ظنا منهم أن الفرار ينجيهم . | ودل سبحانه وتعالى على ~~أن موتهم كان كنفس واحدة بأن جعلهم كالمأمور الذي لم يمكنه التخلف عن ~~الامتثال بقوله مسببا عن خروجهم على هذا الوجه : { فقال لهم الله } أي الذي ~~لا يفوته هارب ولا يعجزه طالب لأن له الكمال كله { موتوا } أي فماتوا ~~أجمعون موت نفس واحدة لم ينفعهم حذرهم ولا صد القدر عنهم علمهم بالأمور ~~وبصرهم إعلاما بأن من هاب القتال حذر الموت لم يغنه حذره مع ما جناه من ~~إغضاب PageV01P463 ربه ومن أقدم عليه لم يضره إقدامه مع ما فاز به من مرضاة ~~مولاه . | قال الحرالي : في غشعاره إنباء بأن هذه الإماتة إماتة تكون ~~بالقول حيث لم يقل : فأماتهم الله , فتكون إماتة حاقة لا مرجع منها , ففيه ~~إبداء لمعنى تدريج ذات الموت في أسنان متراقية من حد ضعف الأعضاء والقوى ~~بالكسل إلى حد السنة إلى حد النوم إلى حد الغشي إلى حد الصعق إلى حد هذه ~~الإماتة بالقول ms0529 إلى حد الإماتة الآتية على جملة الحياة التي لا ترجع إلا ~~بعد البعث وكذلك الإماتة التي يكون عنها تبدد الجسم مع بقائه على صورة ~~أشلائه أشد إتيانا على الميت من التي لا تأتي على أعضائه ( إن الله حرم على ~~الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء والشهداء والعلماء والمؤذنين ) فكما للحياة ~~أسنان من حد ربو الأرض إلى حد حياة المؤمن إلى ما فوق ذلك من الحياة كذلك ~~للموت أسنان بعدد أسنان الحياة مع كل سن حياة موت إلى أن ينتهي الأمر إلى ~~الحي الذي لا يموت < # > 77 ( { وإن إلى ربك المنتهى } ) 77 < # > [ النجم : 42 ] , فبذلك يعلم ذو الفهم أن ذلك توطئة لقوله : { ثم ~~أحياهم } وفي كلمة { ثم } إمهال إلى ما شاء الله - انتهى . | وجعل سبحانه ~~وتعالى ذلك تقريرا له صلى الله عليه وسلم بالرؤية إما لأنه كشف له عنهم في ~~الحالتين وإما تنبيها على أنه في القطع بإخبار الله تعالى له على حالة هي ~~كالرؤية لغيره تدريبا لأمته ؛ ولعل في الآية حضا على التفضل بالمراجعة من ~~الطلاق كما تفضل الله على هؤلاء بالإحياء بعد أن أدبهم بالإماتة وختم ما ~~قبلها بالإقامة في مقام الترجي للعقل فيه إشارة غلى أن الخارجين من ديارهم ~~لهذا الغرض سفهاء فكأنه قيل : لتعقلوا فلا تكونوا كهؤلاء الذين ظنوا أن ~~فرارهم ينجيهم من الله بل تكونون عالمين بأنكم أينما كنتم ففي قبضته وطوع ~~مشيئته وقدرته فيفيدكم ذلك الإقدام على ما كتب عليكم مما تكرهونه من القتال ~~, أو يقال : ولما كان المتوفى قد يطلق زوجه في مرض موته فرارا من إرثها وقد ~~يخص بعض وارثيه مما يضار به غيره وقد يحتال على المطلقة ضرارا بما يمنع ~~حقها ختم آية الوفاة عن الأزواج والمطلقات بترجية العقل بمعنى أنكم إذا ~~عقلتم لم تمنعوا أحدا من فضل الله الذي آتاكم علما منكم بأنه تعالى قادر ~~على أن يمنع المراد إعطاؤه ويمنح المراد منعه بأسباب يقيمها ودواعي يخلقها ~~أو PageV01P464 يشفي فاعل ذلك من مرضه ثم يسلبه فضله فيفقره بعد غناه ~~ويضعفه بعد قواه ms0530 , فإنه لا ينفع من قدره حذر , ولا يدفع مراده كيد ولا حيل ~~وإن كثر العدد وجل المدد , { ألم تر } إلى أن قال : { إن الله } أي الذي له ~~الإحاطة بالجلال والإكرام { لذو فضل } { على الناس أي عامة فليذكر كل واحد ~~ما له عليه من الفضل , وليرغبوا في العفو عمن يرون أن منعه عدل لأن ذلك ~~أقرب إلى الشكر وأبعد عن الكفر , فطلاق الفار إخراج الزوجة عن دائرة عصمته ~~حذرا من إماتة ماله بأخذ ما يخصها منه وخروج الزوج عن دائرة النكاح حذرا من ~~موت مقيد بكونها في عصمته وخروج الألوف من دار الإقامة حذرا من موت مطلق , ~~ومن المناسبات البديعة أنه لما كانت حقيقة حال العرب أنهم انتقلوا بعد ~~أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام والتابعين له بإحسان من ضيق دار العلم ~~والإيمان حذرا من هلاك الأبدان بتكاليف الأديان إلى قضاء الشهوات والعصيان ~~فوقعوا في موت الجهل والكفران فلما نزل عليهم القرآن وكان أكثر هذه السورة ~~في الرد على أهل الكتاب وكرر فيها هداية العرب من الكفر والجهل بكلمة ~~الإطماع في غير موضع نحو < # > 77 ( { ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون } ) 77 < # > [ البقرة : 150 ] < # > 77 ( { لعلكم تتقون } ) 77 < # > [ البقرة : 21 ] < # > 77 ( { لعلهم يرشدون } ) 77 < # > [ البقرة : 186 ] < # > 77 ( { لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة } ) 77 < # > [ البقرة : 219 , 220 ] وغير ذلك إلى أن ختم هذه الآيات بترجي العقل ~~وكان أهل الكتاب قد اشتد حسدهم لهم بجعل النبي الذي كانوا ينتظرونه منهم ~~وكان الحاسد يتعلق في استبعاد الخير عن محسوده بأدنى شيء كانوا كأنهم قالوا ~~: أيحيي هؤلاء العرب على كثرتهم وانتشارهم في أقطار هذه الجزيرة من موت ~~الكفر والجهل بالإيمان والعلم بعد أن تمادت بهم فيهما الأزمان وتوالت عليهم ~~الليالي والأيام حتى عتوا فيهما وعسوا ومردوا عليهما وقسوا ؟ فأجيبوا بنعم ~~وما استبعدتموه غير بعيد , فقالوا : فإن كان لله بهم عناية فلم تركهم ~~يجهلون ويكفرون بعد ما شرع لهم أبوهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام دين أبيه ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام ؟ فأجيبوا بأنه فعل بهم ذلك لذنب استحقوه ~~لحكمة ms0531 اقتضاها سابق علمه ثم ذكرهم قدرته في مثل ذلك من العقوبة واللطف بما ~~هم به عالمون فقال تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم والمراد هم - كما ~~يقال : الكلام لك واسمعي يا جارة - { ألم تر } ويجوز أن يكون الخطاب لكل ~~فاهم أي تعلم بقلبك أيها السامع علما هو كالرؤية ببصرك لما تقدم من الأدلة ~~التي هي أضوأ من الشمس على القدرة على البعث ويؤيد أنه لمح فيه الإبصار ~~تعديته بإلى في قوله : { إلى الذين خرجوا } وقال : { فقال لهم الله } أي ~~الذي له العظمة كلها عقوبة لهم بفرارهم من أمره { موتوا ثم أحياهم } بعد أن ~~تطاول عليهم الأمد وتقادم بهم الزمن كما أفهمه العطف بحرف التراخي تفضلا ~~منه , فكما تفضل على أولئك بحياة PageV01P465 أشباههم بعد عقوبتهم بالموت ~~فهو يتفضل على هؤلاء بحياة أرواحهم من موت الكفر والجهل إظهارا لشرف نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم , ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي الذي له العظمة ~~كلها بما له من الجلال والعظمة والكمال { لذو فضل } أي عظيم { على الناس } ~~أي كافة مطيعهم وعاصيهم . | قال الحرالي : بما ينسبهم تارة إلى أحوال مهوية ~~ثم ينجيهم منها إلى أحوال منجية بحيث لو أبقى هؤلاء على هذه الإماتة ومن ~~لحق بسنتهم من بعدهم لهلكت آخرتهم كما هلكت دنياهم ولكن الله سبحانه وتعالى ~~أحياهم لتجدد فضله عليهم - انتهى . | كما تفضل عليكم يا بني إسرائيل بأن ~~أحياكم من موت العبودية وذلك الذل بعد أن كان ألزمكموه بذنوبكم دهورا طويلة ~~وكما تفضل عليكم أيها العرب بقص مثل هذه الأخبار عليكم لتعتبروا { ولكن ~~أكثر الناس } كرر الإظهار ولم يضمر ليكون أنص على العموم لئلا يدعي مدع أن ~~المراد بالناس الأول أهل زمان ما فيخص الثاني أكثرهم { لا يشكرون * } وذلك ~~تعريض ببني إسرائيل في أنهم لم يشكروه سبحانه وتعالى في الوفاء بمعاهدته ~~لهم في اتباع هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام , وفي هذا الأسلوب ~~بعد هذه المناسبات إثبات قدرته سبحانه وتعالى على الإعادة وجر لمنكر ذلك ~~إلى الحق من حيث لا ms0532 يشعر . | قال الحرالي : والشكر ظهور باطن الأمر على ~~ظاهر الخلق بما هو باطن فمن حيث إن الأمر كله لله قسرا فالشكر أن يبدو ~~الخلق كله بالله شكرا , لأن أصل الشكور الدابة التي يظهر عليها ما تأكله ~~سمنا وصلاحا , فمن أودع خلق أمر لم يبد على خلقه فهو كفور . | فلما أودعه ~~سبحانه وتعالى في ذوات الأشياء من معرفته وعلمه وتكبيره كان من لم يبد ذلك ~~على ظاهر خلقه كفورا , ومن بدا ما استسر فيه من ذلك شكورا , وليس من وصف ~~الناس ذلك لترددهم بين أن يكون البادي عليهم عندهم تارة من الله سبحانه ~~وتعالى وتارة من أنفسهم وممن دون الله ممن اتخذوه أولياء على حد كفر أو هوى ~~أو بدعة أو خطيئة وعلى حد رين كسبهم على قلوبهم , ففي اعتبار هذه الآية ~~تحذير لهذه الأمة من أن يحذروا الموت . | قال بعض التابعين رضي الله تعالى ~~عنهم : لقد رأينا أقواما يعنون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الموت إلى أحدهم أشهى من الحياة عندكم اليوم ؛ وإنما ذلك لما تحققوا من ~~موعود الآخرة حتى كأنهم يشاهدونه فهان عليهم الخروج من خراب الدنيا إلى ~~عمارة آخرتهم - انتهى . | وما أحسن الرجوع إلى قصص الأقدمين والالتفات إلى ~~قوله : < # > 77 ( { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } ) 77 < # > [ البقرة : 216 ] على هذا الوجه وهؤلاء الذين أماتهم الله ثم أحياهم ؛ ~~قال أهل التفسير : إن إحياءهم كان على يد حزقيل أحد أنبياء بني إسرائيل ~~عليهم الصلاة والسلام ؛ وقال البغوي : إنه ثالث خلفائهم , والذي رأيته في ~~سفر الأنبياء المبعوثين منهم بعد موسى عليه الصلاة والسلام PageV01P466 ~~لتجديد أمر التوراة وإقامة ما درس من أحكامها وهم ستة عشر نبيا أولهم يوشع ~~بن نون وآخرهم دانيال على جميعهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام أن حزقيل ~~خامس عشرهم عليه الصلاة والسلام . | قال في الإصحاح الحادي والعشرين من ~~نبوته : وكانت على يد الرب وأخرجني روح الرب إلى صحراء مملوءة عظام موتى ~~وأمرني أجوز عليها وأدور حولها , فرأيتها كثيرة في الصحراء يابسة وقال لي : ~~يا ابن ms0533 الإنسان ! هل تعيش هذه العظام ؟ فقلت : أنت تعلم يا رب الأرباب ! ~~قال لي : تنبأ على هذه العظام وقل لها : أيتها العظام البالية ! اسمعوا ~~كلام الله أن هكذا يقول رب الأرباب لهذه العظام : إني أرد فيكم الروح ~~فتحيون وتعلمون أني أنا الرب , آتي بالعصب والجلد واللحم أنبته , وأرد فيكم ~~الأرواح فتحيون , فلما تنبأت بهذا صار صوت عظيم وزلزلة , واقتربت العظام كل ~~عظم إلى مفصله , ورأيت قد صعد عليها العصب ونبت اللحم ورد عليها الجلد من ~~فوق ذلك ولم يكن فيهم روح , وقال الرب : يا ابن الإنسان ! هذه العظام كلها ~~من بني إسرائيل ومن الأنبياء الذين كانوا يقتلون وقد بليت عظامهم وكل رجل ~~بطل , تنبأ أيها الإنسان وقل للروح : هكذا يقول رب الأرباب : تعالوا أيها ~~الأرواح , وأنفخ في هؤلاء القتلى فيعيشوا , فتنبأت كالذي أمرني الرب , ~~فدخلت فيهم الروح وعاشوا وقاموا على أرجلهم جيش عظيم جدا , وقال لي الرب : ~~يا ابن الإنسان ! هذه العظام كلها من بني إسرائيل ومن الأنبياء الذين كانوا ~~يقتلون وقد بليت عظامهم وكل رجل بطل , فمن أجل هذا تنبأ وقل : هكذا يقول رب ~~الأرباب : هو ذا أفتح قبوركم وأصعدكم من قبوركم وآتي بكم إلى أرض إسرائيل ~~وتعلمون أني أنا الرب أنفخ فيكم روحي فتعيشون وأترككم تعملون ؛ قد قلت هذا ~~وأنا أفعله - انتهى . | ولما بين سبحانه وتعالى أن الموت لا يصون منه فرار ~~أمر بالجهاد الذي هو المقصود الأعظم بهذه السياقات ولفت القول إلى من يحتاج ~~إلى الأمر به وصدره بالواو فأفهم العطف على غير معطوف عليه مذكور أن ~~التقدير : فلا تفروا من أسباب الموت بل اثبتوا في مواطن البأساء { وقاتلوا ~~} وعبر بفي الظرفية إشارة إلى وجوب كونهم في القتال وإن اشتدت الأحوال ~~مظروفين للدين مراعين له لا بخرجون عنه بوجه ما فيصدقون في الإقدام على من ~~لج في الكفران ويسارعون إلى الإحجام عمن بدا منه الإذعان ونحو ذلك من ~~مراعاة شرائع الإيمان , وعبر بالسبيل إشارة إلى يسر الدين ووضوحه فر عذر في ~~الخروج عن شيء منه بحال فقال : { في ms0534 سبيل الله } أي الذي لا كفوء له كما ~~كتبه عليكم وإن كنتم تكرهون القتال . | PageV01P467 ولما أمرهم بعد ما ~~حذرهم رغبهم ورهبهم بقوله : { واعلموا } منبها لهم لأن يلقوا أسماعهم ~~ويحضروا أفهامهم لما يلقى عليهم { أن الله } أي الذي له القدرة الكاملة ~~والعلم المحيط { سميع } لما تقولون إذا أمرتم بما يكره من القتال { عليم * ~~} بما تضمرون من الإعراض عنه والإقبال فهو يجازيكم على الخير قولا وعملا ~~ونية , الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعين ضعفا إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف ~~كثيرة وعلى السيئة بمثلها إن شاء < # > 77 ( { ولا يظلم ربك أحدا } ) 77 < # > [ الكهف : 49 ] . | ولما كانت النفقة التي هي من أعظم مقاصد السورة ~~أوثق دعائم الجهاد وأقوى مصدق للإيمان ومحقق لمبايعة الملك الديان كرر الحث ~~عليها على وجه أبلغ تشويقا مما مضى فقال على هيئه الممتحن للصادق ممن أمره ~~وحذره وأنذره : { من ذا الذي } منك يا من كتب عليهم القتال والخروج عن ~~الأنفس والأموال { يقرض الله } الذي تفرد بالعظمة , وهو من الإقراض أي ~~إيقاع القرض ولذا قال : { قرضا } وشبه سبحانه وتعالى العمل به لما يرجى ~~عليه من الثواب فهو كالقرض الذي هو بذل المال للرجوع بمثله , وعبر به ~~لدلالته على المحبة لأنه لا يقرضك إلا محب , ولأن أجره أكثر من أجر الصدقة ~~{ حسنا } أي جامعا لطيب النفس وإخلاص النية وزكاء المال . | وقال الحرالي : ~~القرض الجز من الشيء والقطع منه , كأنه يقطع له من ماله قطعة ليقطع له من ~~ثوابه أقطاعا مضاعفة , والقرض بين الناس قرضا بقرض مثلا بمثل فمن ازداد فقد ~~أربى ومن زاد من غير عقد ولا عهد فقد وفى , فالقرض مساواة والربا ازدياد , ~~ووصف سبحانه وتعالى القرض الذي حرض عليه بالحسن لتكون المعاملة بذلة على ~~وجه الإحسان الذي هو روح الدين وهو أن يعامل الله به كأنه يراه - انتهى . | ~~ولما كانت الأنفس مجبولة على الشح بما لديها إلا لفائدة رغبها بقوله مسببا ~~عن ذلك : { فيضاعفه } قال الحرالي : من المضاعفة مفاعلة من الضعف - بالكسر ~~- وهي ثني الشيء بمثله مرة أو مرات , وأزال عنه ms0535 ريب الاحتمال بقوله : { له ~~} أي في الدنيا والآخرة . | قال الحرالي : هذه المضاعفة أول إنبائها أن ~~الزائد ضعف ليس كسرا من واحد المقرض ليخرج ذلك عن معنى وفاء القضاء فإن ~~المقترض تارة يوفي على الواحد كسرا من وزنه , ( كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يقترض قرضا إلا وفى عليه زيادة , وقال : خير الناس أحسنهم ~~قضاء ) فأنبأ الله تعالى أن اقتراضه ليس بهذه المثابة بل بما هو فوق ذلك ~~لأنه يضعف القرض بمثله وأمثاله غلى ما يقال فيه الكثرة ؛ وفي قوله : { ~~أضعافا } ما يفيد أن PageV01P468 الحسنة بعشر , وفي قوله : { كثيرة } ما ~~يفيد البلاغ إلى فوق العشر وإلى المائة كأنه المفسر في قوله بعد هذا < # > 77 ( { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } ) 77 < # > [ البقرة : 261 ] , فأوصل تخصيص هذه الكثرة غلى المئين ثم فتح باب ~~التضعيف إلى ما لا يناله علم العالمين في قوله : < # > 77 ( { والله يضاعف لمن يشاء } ) 77 < # > [ البقرة : 261 ] - انتهى . | ولما رغب سبحانه وتعالى في إقراضه أتبعه ~~جملة حالية من ضمير يضاعف مرهبة مرغبة فقال : { والله } أي المحيط علما ~~وقدرة { يقبض } أي له هذه الصفة وهي إيقاع القبض والإقتار بمن يشاء وإن جلت ~~أمواله . | قال الحرالي : والقبض إكمال الأخذ , أصله القبض باليد كله , ~~والقبض - بالمهملة - أخذ بأطراف الأصابع وهو جمع عن بسط فلذلك قوبل به { ~~ويبصط } أي لمن يشاء وإن ضاقت حاله , والبسط توسعة المجتمع إلى حد غاية { ~~وإليه ترجعون * } حسا بالبعث ومعنى في جميع أموركم , فهو يجازيكم في ~~الدارين على حسب ما يعلم من نياتكم . | ولما كان الصحابة رضوان الله تعالى ~~عليهم يتمنون في مكة المشرفة الإذن في مقارعة الكفار ليردوهم عما هم عليه ~~من الأذى والغي والعمى عجب من حال بني إسرائيل حيث سألوا الأمر بالقتال ثم ~~لم ينصفوا إذ أمروا تحذيرا من مثل حالهم , وتصويرا لعجيب قدرته على نقض ~~العزائم وتقليب القلوب , وإعلاما بعظيم مقادير الأنبياء وتمكنهم في المعارف ~~الإلهية , ودليلا على ختام الآية التي قبلها فقال مقبلا على أعلى الخلق ~~إشارة إلى أن للنفوس ms0536 من دقائق الوساوس ما لا يفهمه إلا البصراء : { ألم تر ~~} قال الحرالي : أراه في الأولى حال أهل الحذر من الموت بما في الأنفس من ~~الهلع الذي حذرت منه هذه الأمة ثم أراه في هذه مقابل ذلك من الترامي إلى ~~طلب الحرب وهما طرفا انحراف في الأنفس , قال صلى الله عليه وسلم : ( لا ~~تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية , فإذا لقيتموه فاصبروا واعلموا أن ~~الجنة تحت ظلال السيوف ) ففيه إشعار لهذه الأمة بأن لا تطلب الحرب ابتداء ~~وإنما تدافع عن منعها من إقامة دينها كما قال سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا } ) 77 < # > [ الحج : 39 ] وقال عليه الصلاة والسلام : | PageV01P469 والمشركون قد ~~بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا | فحق المؤمن أن يأبى الحرب ولا يطلبه ~~فإنه إن طلبه فأوتيه عجز كما عجز هؤلاء حين تولوا إلا قليلا فهذه الأقاصيص ~~ليس المراد منها حديثا عن الماضين وإنما هو إعلام بما يستقبله الآتون , ~~إياك أعني واسمعي يا جارة ! فلذلك لا يسمع القرآن من لم يأخذه بجملته خطابا ~~لهذه الأمة بكل ما قص له من أقاصيص الأولين - انتهى . | ويجوز أن يكون ~~الخطاب لكل من ألقى السم وهو شهيد . | ولما كان الإخلال من الشريف أقبح قال ~~{ إلى الملإ } أي الأشراف , قال الحرالي : الذين يملؤون العيون بهجة ~~والقلوب هيبة - انتهى . | ولما كان ذلك من أولاد الصلحاء أشنع قال : { من ~~بني إسراءيل } ولما كان ممن تقرر له الدين واتضحت له المعجزات واشتهرت عنده ~~الأمور الإلهيات أفحش قال { من بعد موسى } أي الذي أتاهم من الآيات بما طبق ~~الأرض كثرة وملأ الصدور عظمة وأبقى فيهم كتابا عجبا ما بعد القرآن من الكتب ~~السماوية مثله . | قال الحرالي : وفيه إيذان بأن الأمة تختل بعد نبيها بما ~~يصحبها من نوره زمن وجوده معهم , قالوا : ما نفضنا أيدينا من تراب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى أنكرنا قلوبنا - انتهى . | { إذ قالوا } ولما ~~كان الإخلاف مع الأكابر لا سيما مع الأنبياء أفظع قال : { لنبي لهم } ونكره ~~لعدم مقتض لتعريفه . | قال الحرالي ms0537 : لأن نبيهم المعهود الآمر لهم إنما هو ~~موسى عليه الصلاة والسلام , ومن بعده إلى عيسى عليهم الصلاة والسلام إنما ~~هم أنبياء بمنزلة الساسة والقادة لهم كالعلماء في هذه الأمة منفذون وعالمون ~~بما أنزل على موسى عليه الصلاة والسلام كذلك كانوا إلى حين تنزيل الإنجيل ~~فكما قص في صدر السورة حالهم مع موسى عليه الصلاة والسلام قص في خواتيمها ~~حالهم من بعد موسى بتعتبر هذه الأمة من ذلك حالها مع نبيها صلى الله عليه ~~وسلم وبعده انتهى . | PageV01P470 ولما كان عندهم من الغلظة ما لا ينقادون ~~به إلا لإنالة الملك وكان القتال لا يقوم إلا برأس جامع تكون الكلمة به ~~واحدة قالوا : { ابعث لنا } أي خاصة { ملكا } أي يقيم لنا أمر الحرب { ~~نقاتل } أي عن أمره { في سبيل الله } أي الملك الأعلى . | قال الحرالي في ~~إعلامه أخذهم الأمر بمنة الأنفس حيث لم يظهر في قولهم إسناد إلى الله ~~سبحانه وتعالى الذي لا تصح الأعمال إلا بغسنادها إليه فما كان بناء على ~~تقوى تم , وما كان على دعوى نفس انهد { قال } أي ذلك النبي { هل } كلمة ~~تنبئ عن تحقيق الاستفهام اكتفي بمعناها عن الهمزة - انتهى . | { عسيتم } أي ~~قاربتم ولما كانت العناية بتأديب السائلين في هذا المهم أكثر قدم قوله : { ~~إن كتب } أي فرض - كذا قالوا , والأحسن عندي كما يأتي إن شاء الله تعالى ~~تحقيقه في سورة براءة أن يكون المعنى : هل تخافون من أنفسكم , ولما كان ~~القصد التنبيه على سؤال العافية والبعد عن التعرض للبلاء لخطر المقام بأن ~~الأمر إذا وجب لم تبق فيه رخصة فمن قصر فيه هلك وسط بين عسى وصلتها قوله : ~~{ عليكم القتال } فرضا لازما , وبناه للمفعول صيانة لاسم الفاعل عن مخالفة ~~يتوقع تقصيرهم بها { ألا تقاتلوا } فيوقعكم ذلك في العصيان , قال الحرالي : ~~بكسر سين عسى وفتحها لغتان , عادة النحاة أن لا يلتمسوا اختلاف المعاني من ~~أوساط الصيغ وأوائلها , وفي فهم اللغة وتحقيقها إعراب في الأوساط والأوائل ~~كما اشتهر إعراب الأواخر عند عامة النحاة , فالكسر حيث كان مبنى عن باد ms0538 عن ~~ضعف وانكسار , والفتح معرب عن باد عن قوة واستواء - انتهى . | فكأنه صلى ~~الله عليه وسلم فهم أن بعضهم يترك القتال عن ضعف عنه وبعضهم يتركه عن قوة ~~ولذلك نفى الفعل ولم يقل : أن تعجزوا . | قال الحرالي : فأنبأهم بما آل ~~إليه أمرهم فلم يلتفوا عنه وحاجوه وردوا عليه بمثل سابقة قولهم , ففي ~~إشعاره إنباء بما كانوا عليه من غلظ الطباع وعدم سرعة التنبه - انتهى . | ~~ولما كان مضمون هذا الاستفهام : إني أخشى عليكم القعود عن القتال أعلمنا ~~الله عن جوابهم بقوله : { قالوا } أي لموسى في المخالفة ولما أرشد العطف ~~على غير مذكور أن التقدير : ما يوجب لنا القعود وإنا لا نخاف ذلك على ~~أنفسنا بل نحن جازمون بأنا نقاتل أشد القتال ! عطف عليهم قولهم : { وما } ~~أي وأي شيء { لنا } في { ألا نقاتل } ولما كانت النفس فيما لله أجد وإليه ~~أنهض قالوا : { في سبيل الله } أي الذي لا كفوء له إلهابا وتهييجا { وقد } ~~أي والحال أنا قد { أخرجنا } أعم من أن يكون مع لإخراج إبعاد أو لا , وبناه ~~للمجهول لأن موجب الإحفاظ والإخراج نفس الإخراج لا نسبة إلى حد بعينه { من ~~ديارنا } التي هي لأبداننا كأبداننا لأرواحنا . | ولما كان في { أخرجنا } ~~معنى أبعدنا عطف عليه { وأبنائنا } فخلطوا بذلك ما لله بما لغيره وهو أغنى ~~PageV01P471 الشركاء لا يقبل إلا خالصا . | قال الحرالي : فأنبأ سبحانه ~~وتعالى أنهم أسندوا ذلك إلى غضب الأنفس على الإخراج وإنما يقاتل في سبيل ~~الله من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا - انتهى . | ولما كان إخلاف الوعد ~~مع قرب العهد أشنع قال : { فلما } بالفاء المؤذنة بالتعقيب { كتب عليهم } ~~أي خاصة { القتال } أي الذي سألوه كما كتب عليكم بعد أن كنتم تمنونه إذ ~~كنتم بمكة كما سيبين إن شاء الله تعالى في النساء عند قوله تعالى : < # > 77 ( { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم } ) 77 < # > [ النساء : 77 ] , { تولوا } فبادروا الإدبار بعد شدة ذلك الإقبال { ~~إلا قليلا منهم } أي فقاتلوا والله عليم بهم { والله } أي الذي له الإحاطة ~~بكل كمال { عليم ms0539 } بالمتولين , هكذا كان الأصل ولكنه قال : { بالظالمين * } ~~معلما بأنهم سألوا البلاء وكان من حقهم سؤال العافية , ثم لما أجيبوا إلى ~~ما سألوا أعرضوا عنه فكفوا حيث ينبغي المضاء ومضوا حيث كان ينبغي الكف ~~فعصوا الله الذي أوجبه عليهم , فجمعوا بين عار الإخلاف وفضيحة العصيان وخزي ~~النكوص عن الأقران وقباحة الخذلان للإخوان . | ولما أرشد العطف على غير ~~مذكور إلى أن التقدير : فقال لهم نبيهم : ألم أقل لكم : لا تسألوا البلاء ~~ولا تدانوا أمر القضاء فإن أكثر قول النفس كذب وجل أمانيها زور وأما أمر ~~الله فمتى برز يجب , عطف عليه قوله : { وقال لهم } أي خاصة لم يكن معهم أحد ~~غيرهم يحال عليهم جوابهم الذي لا يليق وصرح بالمقصود لئلا يظن أن القائل ~~الله وأنهم واجهوه بالاعتراض فقال : { نبيهم } أي الذي تقدم أنهم سالوه ذلك ~~مؤكدا معظما محققا بأداة التوقع لأن سؤالهم على لسان نبي يقتضي توقع ~~الإجابة { إن الله } أي بجلاله وعز كماله { قد } ولما كان إلباس الشخص عز ~~الملك مثل إعزاز الجماد بنفخ الروح كان التعبير عن ذلك بالبعث أليق فقال : ~~{ بعث لكم } أي خاصة لأجل سؤالكم { طالوت } اسم ملك من بني إسرائيل من سبط ~~لم يكن الملك فيهم { ملكا } تنتهون في تدبير الحرب إلى أمره . | قال ~~الحرالي : فكان أول ما ابتلوا به أن ملك عليهم من لم يكن من أهل بيت الملك ~~عندهم فكان أول فتنتهم بما طلبوا ملكا فأجيبوا فلم يرضوا بما بعث لهم - ~~انتهى . | ولما أجابهم إلى ما سألوا كان من أول جلافتهم اعتراضهم على أمر ~~الملك الديان الذي أورده لهم باسم الأعظم الدال على جميع الكمال من الجلال ~~والجمال ليكون أجدر لهم بقبول أمره والوقوف عند زجره وأورد اعتراضهم في ~~جواب من كأنه قال : ما فعلوا إذ أجابهم إلى ما سألوا ؟ فقال : { قالوا } أي ~~هم لا غيرهم { أنى } أي من أين وكيف { يكون له } أي خاصة { الملك علينا ~~ونحن } أي والحال أنا نحن { أحق بالملك منه } لأن فينا من هو من سبط الملوك ~~دونه . | قال الحرالي ms0540 : فثنوا اعتراضهم بما PageV01P472 هو أشد وهو الفخر ~~بما ادعوه من استحقاق الملك على من ملكه الله عليهم فكان فيه حظ من فخر ~~إبليس حيث قال حبن أمر بالسجود لآدم : ^ ( { أنا خير منه } ) ^ [ ص : 76 ] ~~انتهى . | { ولم } أي والحال أنه لم { يؤت سعة من المال } أي فصار له ~~مانعان : أحدهما أنه ليس من بيت المملكة , والثاني أنه مملق والملك لا بد ~~له من مال يعتضد به . | قال الحرالي : فكان في هذه الثالثة فتنة استصنام ~~المال وأنه مما يقام به ملك وإنما الملك بايتاء الله فكان في هذه الفتنة ~~الثالثة جهل وشرك , فتزايدت صنوف فتنتهم فيما انبعثوا إلى طلبه من أنفسهم - ~~انتهى . | ولما كان الخلق كلهم متساوين في أصل الجسمية وإنما جاء تفضيل ~~بعضهم على بعض من الله فكان هو المدار علق الأمر به في قوله : { قال } أي ~~النبي لا غيره مؤكدا لأجل إنكارهم معظما عليهم الحق بإعادة الاسم الأعظم { ~~إن الله } أي الذي له جميع الأمر فلا اعتراض عليه وهو أعلم بالمصالح { ~~اصطفاه } قال الحرالي : والاصطفاء أخذ الصفوة - انتهى . | ولما كان ذلك ~~مضمنا معنى ملكه قال في تعديته { عليكم } ثم أتبع ذلك ما أودعه سبحانه مما ~~اقتضى ذلك فقال : { وزاده } أي عليكم { بسطة في العلم } الذي به تحصل ~~المكنة في التدبير والنفاذ في كل أمر , وهو يدل على اشتراط العلم في الملك ~~, وفي تقديمه أن الفضائل النفسانية أشرف من الجسمانية وغيرها , وأن الملك ~~ليس بالإرث { والجسم } الذي به يتمكن من الظفر بمن بارزه من الشجعان وقصده ~~من سائر الأقران . | ولما كان من إليه شيء كان له الخيار في إسناده إلى ~~غيره قال : والله } أي اصطفاه والحال أن الملك الذي لا أمر لغيره { يؤتي ~~ملكه } أي الذي هو له وليس لغيره فيه شيء { من يشاء } كما آتاكموه بعد أن ~~كنتم مستبعدين عند آل فرعون { والله } الذي له الإحاطة الكاملة فر يجوز ~~الاعتراض عليه { واسع } أي في إحاطة قدرته وشمول عظمته وكثرة جنوده ورزقه { ~~عليم * } أي بالغ العلم , فما اختاره فهو المختار وليس ms0541 لأحد معه خيرة فهو ~~يفعل بما له من السعة في القدرة والعلم ما قد لا تدركه العقول ولا تحتمل ~~وصفه الألباب والفهوم ويؤتي من ليس له مال من خزائن رزقه ما يشاء . | < < # | البقرة : ( 248 - 252 ) وقال لهم نبيهم . . . . . # > > ^ ( وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ~~وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن ~~كنتم مؤمنين * فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب ~~منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف PageV01P473 غرفة بيده ~~فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة ~~لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة ~~غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين * ولما برزوا لجالوت وجنوده ~~قالوا ربنآ أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين * ~~فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما ~~يشآء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على ~~العالمين * تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان أغلبهم واقفا مع المشاهدات غير ثابت القدم في الإيمان ~~بالغيب قال : { وقال لهم نبيهم } مثبتا لأمر طالوت { إن آية } أي علامة { ~~ملكه } قال الحرالي : وقل ما احتاج أحد في إيمانه إلى آية خارقة إلا ك ان ~~إيمانه إن آمن غلبة يخرج عنه بأيسر فتنة , ومن كان إيمانه باستبصار ثبت ~~عليه ولم يحتج إلى آية , فإن كانت الآية كانت له نعمة ولم تكن عليه فتنة < # > 77 ( { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون - وما نرسل ~~بالآيات إلا تخويفا } ) 77 < # > [ الإسراء : 59 ] فإن الآيات طليعة المؤاخذة والاقتناع بالاعتبار طليعة ~~القبول والثبات - انتهى . | { أن يأتيكم } أي من غير آت به ترونه { التابوت ~~} قال الحرالي : ويعز قدره - انتهى . | وهو والله سبحانه وتعالى أعلم ~~الصندوق الذي وضع فيه اللوحان ms0542 اللذان كتب فيهما العشر الآيات التي نسبتها ~~من التوراة نسبة فاتحة الكتاب من القرآن وهو يسمى تابوت الشهادة كما تقدم ~~ذكره في وصف قبة الزمان فيما مضى أول قصة بني غسرائيل وكانوا إذا حاربوا ~~حمله جماعة منهم موظفون لحمله ويتقدمون به أمام الجيش فيكون ذلك سبب نصرهم ~~وكان العمالقة أصحاب جالوت لما ظهروا عليهم أخذوه في جملة ما أخذوا من ~~نفائسهم وكأن عهدهم به كأن قد طال فذكرهم بماثره ترغيبا فيه وحملا على ~~الانقياد لطالوت فقال : { فيه سكينة } أي شيء يوجب السكون والثبات في مواطن ~~الخوف . | وقال الحرالي : معناه ثبات في القلوب يكون له في عالم الملكوت ~~صورة بحسب حال المثبت , ويقال : كانت سكينة بني إسرائيل صورة هر من ياقوت ~~ولؤلؤ وزبرجد ملفق منه أعضاء تلك الصورة تخرج منه ريح هفافة تكون علم النصر ~~لهم - انتهى . | وزاده مدحا بقوله : { من ربكم } أي الذي طال إحسانه إليكم ~~وتربيته باللطف لكم . | وقال الحرالي وغيره : إنه كان في التابوت صورة يأتي ~~منها عند النصر PageV01P474 ريح تسمع . | قال الحرالي : كما كانت الصبا تهب ~~لهذه الأمة بالنصر , قال صلى الله عليه وسلم : < # > 77 ( { نصرت بالصبا } ) 77 < # > فكانت سكينتها كلية آفاقها وتابوتها كلية سمائها حتى لا تحتج إلى محمل ~~يحملها ولا عدة تعدها لأنها أمة أمية تولى الله لها إقامة علمها وأعمالها - ~~انتهى . | ولما كان الكليم وأخوه عليهما الصلاة والسلام أعظم أنبيائه قال : ~~{ وبقية } قال الحرالي : فضلة جملة ذهب جلها { مما ترك } من الترك وهو أن ~~لا يعرض للأمر حسا أو معنى { آل موسى وهارون } أي وهي لوحا العهد . | قال ~~الحرالي : وفي إشعار تثنية ذكر الآل ما يعلم باختصاص موسى عليه الصلاة ~~والسلام بوصف دون هارون عليه السلام بما كان فيه من الشدة في أمر الله ~~وباختصاص هارون عليه الصلاة والسلام بما اكن فيه من اللين والاحتمال حيث لم ~~يكن آل موسى وهارون , لأن الآل حقيقة من يبدو فيه وصف من هو آله . | وقال : ~~الآل أصل معناه السراب الذي تبدو فيه الأشياء البعيدة كأنه مرآة تجلو ms0543 ~~الأشياء فآل الرجل من إذا حضروا فكأنه لم يغب - انتهى . | ثم صرح بما أفهمه ~~إسناد الإتيان إليه فقال : { تحمله } من الحمل وهو ما استقل به الناقل { ~~الملائكة } وما هذا بأغرب من قصة سفينة رضي الله تعالى عنه قال : ( خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه رضي الله تعالى عنهم فثقل عليهم ~~متاعهم فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ابسط كساءك , فبسطته فجعلوا ~~فيه متاعهم فحملوه علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : احمل فإنما أنت ~~سفينة ! قال : فلو حملت من يومئذ وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو ~~خمسة أو ستة أو سبعة ما ثقل علي ) . | وأما مقاتلة الملائكة صلوات الله ~~وسلامه عليهم في غزوة بدر فأمر شهير , كان الصحابي يكون قاصدا الكافر ~~ليقاتله فإذا رأسه قد سقط من قبل أن يصل إليه , ولما كان هذا أمرا باهرا ~~قال منبها على عظمته : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم PageV01P475 الشأن { ~~ية } أي باهرة { لكم إن كنتم مؤمنين * } فإن المواعظ لا تنفع غيرهم . | قال ~~الحرالي : ولما ضعف قبولهم عن النظر والاستبصار صار حالهم في صورة الضعف ~~الذي يقال فيه : إن كان كذا , فكان في إشعاره خللهم وفتنتهم إلا قليلا - ~~انتهى . | وفي هذه القصة توطئة لغزوة بدر وتدريب لمن كتب عليهم القتال وهو ~~كره لهم وتأديب لهم وتهذيب وإشارة عظيمة واضحة إلى خلافة الصديق رضي الله ~~تعالى عنه بما دل عليه من أمر استخلافه في الإمامة في الصلاة التي هي خلاصة ~~هذا الدين كما أن ما في تابوت الشهادة كان خلاصة ذلك الدين , وتحذير لمن ~~لعله يخالف فيها أو يقول إنه ليس من بني هاشم ولا عبد مناف الذين هم بيت ~~الإمامة والرئاسة ونحو ذلك مما حمى الله المؤمنين منه , كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : < # > 77 ( { يأبى الله ذلك والمؤمنون } ) 77 < # > وفي توجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم إعلام بأن أول مقصود به ~~الأقرب منه صلى الله عليه وسلم فالأقرب , وفيها تشجيع ms0544 للصحابة رضوان الله ~~تعالى عليهم فيما يندبهم إليه الصديق رضي الله عنه من قتال أهل الردة وما ~~بعده إلى غير ذلك من الإشارات التي تقصر عنها العبارات - والله سبحانه ~~وتعالى الموفق . | ولما كان التقدير : فأتاهم التابوت على الصفة المذكورة ~~فأطاعوا نبيهم فيه فملكوه وانتدبوا معه فخرج بهم إلى العدو وفصل بالجنود من ~~محل السكن , عطف عليه قوله : { فلما فصل } من الفصل وهو انقطاع بعض من كل , ~~وأصله : فصل نفسه أو جنده - أو نحو ذلك , ولكنه كثر حذف المفعول للعلم به ~~فصار يستعمل استعمال اللازم { طالوت } أي الذي ملكوه { بالجنود } أي التي ~~اختارها وخرجوا للقاء من سألوا لقاءه لكفره بالله مع ما قد أحرقهم به من ~~أنواع القهر . | قال الحرالي : وهو جمع جند وهم أتباع يكونون نجدة للمستتبع ~~{ قال } أي ملكهم { إن الله } أي الذي لا أعظم منه وأنتم خارجون في مرضاته ~~{ مبتليكم بنهر } من الماء الذي جعله سبحانه وتعالى حياة لكل شيء , فضربه ~~مثلا للدنيا التي من ركن إليها ذل ومن صدف عنها عز . | قال الحرالي : فأظهر ~~الله على لسانه ما أنبأ به نبيهم في قوله < # > 77 ( { وزاده بسطة في العلم } ) 77 < # > [ البقرة : 247 ] - انتهى . | { فمن شرب منه } أي ملأ بطنه { فليس مني ~~} أي كمن انغمس في الدنيا فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون { ومن لم ~~يطعمه فإنه مني } كمن عزف عنها بكليته ثم تلا هذه الدرجة العلية التي قد ~~قدمت للعناية بها بما يليها من الاقتصاد فقال مستثنيا من { فمن شرب } : { ~~إلا من اغترف } أي تكلف الغرف { غرفة بيده } ففي قراءة فتح الغين إعراب ~~PageV01P476 عن معنى إفرادها أخذة ما أخذت من قليل أو كثير , وفي الضم ~~إعلام بملئها , والغرف بالفتح الأخذ بكلية اليد , والغرفة الفعلة الواحدة ~~منه , وبالضم اسم ما حوته الغرفة , فكان في المغترفين من استوفى الغرفة ~~ومنهم من لم يستوف - قاله الحرالي وقال : فكان فيه إيذان بتصنيفهم ثلاثة ~~أصناف : من لم يطعمه البتة وأولئك الذين ثبتوا وظنوا أنهم ملاقو الله , ومن ~~شرب منهم وأولئك الذين افتتنوا ms0545 وانقطعوا عن الجهاد في سبيل الله ومن اغترف ~~غرفة وهم الذين ثبتوا وتزلزلوا حتى ثبتهم الذين لم يطعموا . | ولما كان قصص ~~بني إسرائيل مثالا لهذه الأمة كان مبتلى هذه الأمة بالنهر ابتلاهم بنهر ~~الدنيا الجاري خلالها , فكانت جيوشهم بحكم هذا الإيحاء الاعتباري إذا مروا ~~بنهر أموال الناس وبلادهم وزروعهم وأقطارهم في سبيلهم إلى غزوهم , فمن أصاب ~~من أموال الناس ما لم ينله الإذن من الله انقطع عن ذلك الجيش ولو حضره . | ~~فما كان في بني إسرائيل عيانا يكون وقوعه في هذه الأمة استبصارا سترة لها ~~وفضيحة لأولئك , ومن لم يصب منها شيئا بتا كان أهل ثبت ذلك الجيش الثابت ~~المثبت , قيل لعلي رضي الله تعالى عنه : يا أمير المؤمنين ! ما بال فرسك لم ~~يكب بك قط ؟ قال : ما وطئت به زرع مسلم قط . | ومن أصاب ما له فيه ضرورة من ~~منزل ينزله أو غلبة عادة تقع منه ويوده أن لا يقع فهؤلاء يقبلون التثبيت من ~~الذين تورعوا كل الورع , فملاك هذا الدين الزهد في القلب والورع في التناول ~~باليد , قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما تنصرون بضعفائكم ) وفي إلاحة هذا ~~التمثيل والاعتبار أن أعظم الجيوش جيش يكون فيه من أهل الورع بعدد الثابتين ~~من أصحاب طالوت الذين بعددهم كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد المرسلين من كثرة عدد النبيين , قال : وفي ~~إفراد اليد إيذان بأنها غرفة اليد اليمنى لأنها اليد الخاصة للتعريف , ففي ~~اعتباره أن الأخذ من الدنيا إتنما يكون بيد لا بيدين PageV01P477 لاشتمال ~~اليدين على جانبي الخير والشر - انتهى . | فعرض لهم النهر كما أخبرهم به { ~~فشربوا منه } مجاوزين حد الاقتصاد { إلا قليلا منهم } فأطاعوا فأرواهم الله ~~وقوى قلوبهم , ومن عصى في شربه غلبه العطش وضعف عن اللقاء فبقي على شاطئ ~~النهر . | قال الحرالي : وفيما يذكر أنه قرئ بالرفع وهو إخراج لهم من ~~الشاربين بالاتباع كأن الكلام مبني عليه حيث صار تابعا وإعرابه مما أهمله ~~النحاة فلم يحكموه وحكمه أن ما ms0546 بني على إخراج اتبع وما لم يبن على إخراجه ~~وكأنه إنما انثنى إليه بعد مضار الكلام الأول قطع ونصب - انتهى . | وكان ~~المعنى في النصب أنه لما استقر الفعل للكل رجع الاستثناء إلى البعض , وفي ~~الاتباع نوى الاستثناء من الأول فصار كالمفرغ وهذه القراءة عزاها الأهوازي ~~في كتاب الشواذ إلى الأعمش وعزاها السمين في إعرابه إلى عبد الله وأبي رضي ~~الله تعالى عنهما , وعقد سيبويه رحمه الله تعالى في نحو نصف كتابه لاتباع ~~مثل هذا بابا ترجمة بقوله : باب ما يكون فيه إلا وما بعده وصفا بمنزلة غير ~~ومثل , ودل عليه بأبيات كثيرة منها : وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا ~~الفرقدا قال كأنه قال : وكل أخ غر الفرقدين , وسوى بين هذا وبين آية < # > 77 ( { لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر } ) 77 < # > [ النساء : 95 ] بالرفع < # > 77 ( { وغير المغضوب عليهم } ) 77 < # > [ الفاتحة : 7 ] , وجوز في ما قام القوم إلا زبد , - بالرفع البدل ~~والصفة , قال الرضي تمسكا بقوله : وكل أخ - البيت , وقوله صلى الله عليه ~~وسلم : ( الناس كلهم هلكى إلا العالمون , والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون ~~والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون , والمخلصون على خطر عظيم ) وقال السمين ~~: والفرق بين الوصف بإلا والوصف بغيرها أن لا يوصف بها المعارف والنكرات ~~والظاهر والمضمر , وقال بعضهم : لا يوصف بها إلا النكرة والمعرفة بلام ~~الجنس فإنه في قوة النكرة . | ولما ذكر فتنتهم بالنهر أتبعه فتنة اللقاء ~~ببحر الجيش وما فيه من عظيم الخطر المزلزل للقلوب حثا على سؤال العافية ~~وتعريفا بعظيم رتبتها كما قال صلى الله عليه وسلم يوم عرض نفسه الشريفة على ~~أهل الطائف ومسه منهم من عظيم الأذى ما مسه : إن لم يكن بك علي غضب فلا ~~أبالي ولكن هي أوسع لي ! فقال سبحانه وتعالى : { فلما PageV01P478 جاوزه } ~~أي النهر من غير شرب , من المجاوزة مفاعلة من الجواز وهو العبور من عدوة ~~دنيا إلى عدوة قصوى { هو والذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان وجاوزوا { معه } ~~وتراءت الفئتان { قالوا } أي معظمهم . | قال الحرالي : رد الضمير مردا ms0547 عاما ~~إيذانا بكثرة الذين اغترفوا وقلة الذين لم يطعموا كما آذن ضمير شربوا بكثرة ~~الذين شربوا منه - انتهى . | { لا طاقة } مما منه الطوق وهو ما استقل به ~~الفاعل ولم يعجزه { لنا اليوم } أي على ما نحن فيه من الحال { بجالوت ~~وجنوده } لما هم فيه من القوة والكثرة . | قال الحرالي : ففيه من نحو قولهم ~~{ ولم يؤت سعة من المال } اعتمادا على أن النصر بعدة مال أو قوة , وليس غلا ~~بنصر الله , ثم قال : فإذا نوظر هذا الإنباء منهم والطلب أي كما يأتي في { ~~ربنا أفرغ } بما تولى الله من أمر هذه الأمة في جيشهم الممثول لهذا الجيش ~~في سورة الأنفال من نحو قوله < # > 77 ( { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } ) 77 < # > [ الأنفال : 11 ] - الآيات , علم عظيم فضل الله على هذه الأمة واستشعر ~~بما يكون لها في خاتمتها مما هو أعظم نبأ وأكمل عيانا فلله الحمد على ما ~~أعظم من فضله ولطفه - انتهى . | ولما أخبر عنهم بهذا القول نبه على أنه لا ~~ينبغي أن يصدر ممن يظن أن أجله مقدر لا يزيد بالجبن والإحجام ولا ينقص ~~بالجرأة والإقدام وأنه يلقى الله فيجازيه على عمله وأن النصر من الله لا ~~بالقوة والعدد فقال : { قال الذين يظنون } أي يعلمون ولكنه عبر بالظن لما ~~ذكر { أنهم ملاقوا الله } أي الذي له الجلال والإكرام إشارة إلى أنه يكفي ~~في الخوف من الله والرجاء له الظن لأنه يوجب فرار العقل مما يظن أنه يكرهه ~~سبحانه وتعالى إنقاذا لنفسه من الهلاك بذلك كما أسرف هؤلاء في الشرب لظن ~~الهلاك بعدمه ورجعوا لظن الهلاك باللقاء ؛ ويجوز أن يكون الظن على بابه ~~ويأول اللقاء بالحالة الحسنة { كم من فئة قليلة } كما كان في هذه الأمة في ~~يوم بدر { غلبت فئة كثيرة } ثم نبه على أن سبب النصر الطاعة والذكر لله ~~بقوله : { بإذن الله } أي بتمكين الذي لا كفوء له , فلا ينبغي لمن علم ذلك ~~أن يفتر عن ذكره ويرضى بقضائه . | ثم بين أن ملاك ذلك كله الصبر بقوله : { ~~والله } أي الملك ms0548 الأعظم { مع الصابرين * } ولا يخذل من كان معه . | ثم بين ~~أنهم صدقوا قولهم قبل المباشرة بالفعل عندها فقال عاطفا على ما تقديره : ~~فلما قالوا لهم ذلك جمع الله كلمتهم فاعتمدوا عليه وبرزوا للقتال بين يديه ~~: { ولما برزوا } وهم على ما هم عليه من الضعف والقلة , والبروز هو الخروج ~~عن كل شيء يوارى في براز من الأرض وهو الذي لا يكون فيه ما يتوارى فيه عن ~~عين الناظر { لجالوت } اسم ملك من ملوك الكنعانيين كان بالشام في زمن بني ~~إسرائيل { وجنوده } على ما هم عليه من القوة والكثرة والجرأة بالتعود ~~بالنصر { قالوا ربنا أفرغ } من الإفراغ PageV01P479 وهو السكب المفيض على ~~كلية المسكوب عليه { علينا صبرا } حتى نبلغ من الضرب ما نحب في مثل هذا ~~الموطن { وثبت } من التثبيت تفعيل من الثبات وهو التمكن في الموضع الذي ~~شأنه الاستزلال { أقدامنا } جمع قدم وهو ما يقوم عليه الشيء ويعتمده , أي ~~بتقوية قلوبنا حتى لا نفر وتكون ضرباتنا منكبة موجعة وأشاروا بقولهم { ~~وانصرنا على القوم الكافرين * } موضع قولهم : عليهم , إلى أنهم إنما ~~يقاتلونهم لتضييعهم حقه سبحانه وتعالى لا لحظ من حظوظ النفس كما كان من ~~معظمهم أول ما سألوا وإلى أنهم أقوياء فلا بد لهم من معونته عليهم سبحانه ~~وتعالى , ثم رتب على ذلك النتيجة حثا على الاقتداء بهم لنيل ما نالوا فقال ~~عاطفا على ما تقديره : فأجاب الله سبحانه وتعالى دعاءهم : { فهزموهم } مما ~~منه الهزيمة وهو فرار من شأنه الثبات - قاله الحرالي , وقال : ولم يكن ~~فهزمهم الله , كما لهذه الأمة في < # > 77 ( { ولكن الله قتلهم } ) 77 < # > [ الأنفال : 17 ] انتهى . | { بإذن الله } أي الذي له الأمر كله . | ثم ~~بين ما خص به المتولي لعظم الأمر بتعريض نفسه للتلف في ذات الله سبحانه ~~وتعالى من الخلال الشريفة الموجبة لكمال الحياة الموصلة إلى البقاء السرمدي ~~فقال : { وقتل داود } وكان في جيش طالوت { جالوت } قال الحرالي : مناظرة ~~قوله < # > 77 ( { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } ) 77 < # > [ الأنفال : 17 ] وكان فضل الله عليك عظيما - انتهى . | وفي الزبور ms0549 في ~~المزمور الحادي والخمسين بعد المائة وهو آخره : صغيرا كنت في إخوتي , حدثا ~~في بيت أبي , راعيا غنمه , يداي صنعتا الأرغن , وأصابعي عملت القيثار , من ~~الآن اختارني الرب إلهي واستجاب لي وأرسل ملاكه وأخذني من غنم أبي ومسحني ~~بدهن مسحته إخوتي حسان وأكرمني ولم يسر بهم الرب , خرجت ملتقيا الفلسطيني ~~الجبار الغريب فدعا علي بأوثانه فرميته بثلاثة أحجار في جبهته بقوة الرب ~~فصرعته واستللت سيفه وقطعت به رأسه ونزعت العار عن بني إسرائيل . | { وآتاه ~~الله } بجلاله وعظمته { الملك } قال الحرالي : كان داود عليه الصلاة ~~والسلام عندهم من سبط الملك فاجتمعت له المزيتان من استحقاق البيت وظهور ~~الآية على يديه بقتل جالوت , قال تعالى : { والحكمة } تخليصا للملك مما ~~يلحقه بفقد الحكمة من اعتداء الحدود انتهى . | فكان داود عليه الصلاة ~~والسلام أول من جمع له بين الملك والنبوة { وعلمه } أي زيادة مما يحتاجان ~~إليه { مما يشاء } من صنعة الدروع وكلام الطير وغير ذلك . | PageV01P480 ~~ولما بين سبحانه وتعالى هذه الواقعة على طولها هذا البيان الذي يعجز عنه ~~الإنس والجان بين حكمة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بل ما هو ~~أعم من ذلك من تسليط بعض الناس على بعض بسبب أنه جبل البشر على خلائق موجبة ~~للتجبر وطلب التفرد بالعلو المفضي إلى الاختلاف فقال - بانيا له على ما ~~تقديره : فدفع الله بذلك عن بني إسرائيل ما كان ابتلاهم به - : { ولولا دفع ~~الله } المحيط بالحكمة والقدرة بقوته وقدرته { الناس } وقرئ : دفاع . | قال ~~الحرالي : فعال من اثنين وما يقع من أحدهما دفع وهو رد الشيء بغلبة وقهر عن ~~وجهته التي هو منبعث إليها بأشد منته , وهو أبلغ من الأول إشارة إلى أنه ~~سبحانه وتعالى يفعل في ذلك فعل المبالغ . | ولما أثبت سبحانه وتعالى أن ~~الفعل له خلقا وإيجادا بين أنه لعباده كسبا ومباشرة فقال : { بعضهم ببعض } ~~فتارة ينصر قويهم على ضعيفهم كما هو مقتضى القياس , وتارة ينصر ضعيفهم - ~~كما فعل في قصة طالوت - على قويهم حتى لا يزال ما أقام بينهم من سبب الحفظ ~~بهيبة ms0550 بعضهم لبعض قائما { لفسدت الأرض } بأكل القوي الضعيف حتى لا يبقى أحد ~~{ ولكن الله } تعالى بعظمته وجلاله وعزته وكماله يكف بعض الناس ببعض ويولي ~~بعض الظالمين بعضا وقد يؤيد الدين بالرجل الفاجر على نظام دبره وقانون ~~أحكمه في الأزل يكون سببا لكف القوي عن الضعيف إبقاء لهذا الوجود على هذا ~~النظام إلى الحد الذي حده ثم يزيل الشحناء على زمن عيسى عليه الصلاة ~~والسلام ليتم العلم بكمال قدرته واختياره وذلك من فضله على عباده وهو { ذو ~~فضل } عظيم جدا { على العالمين * } أي كلهم أولا بالإيجاد وثانيا بالدفاع ~~فهو يكف من ظلم الظلمة إما بعضهم ببعض أو بالصالحين وقليل ما هم ويسبغ ~~عليهم غير ذلك من أثواب نعمه ظاهرة وباطنة , ومما يشتد اتصاله بهذه القصة ~~ما أسنده الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الكنى من تاريخ دمشق في ترجمة أبي ~~عمرو بن العلاء عن الأصمعي قال : أنشدنا أبو عمرو بن العلاء قال : سمعت ~~أعرابيا ينشد وقد كنت خرجت إلى ظاهر البصرة متفرجا مما نالني من طلب الحجاج ~~واستخفائي منه : | صبر النفس عند كل ملم إن في الصبر حيلة المحتال لا تضيقن ~~في الأمور فقد يكشف لأواؤها بغير احتيال ربما تجزع النمفوس من الأمر له ~~فرجة كحل العقال قد يصاب الجبان في آخر الصف وينجو مقارع الأبطال | فقلت ما ~~وراءك يا أعربي ؟ فقال : مات الحجاج , فلم أدر بأيهما أفرح بموت الحجاج أو ~~بقوله : له فرجة ! لأني كنت أطلب شاهدا لاختياري القراءة في سورة البقرة ~~PageV01P481 < # > 77 ( { إلا من اغترف غرفة } ) 77 < # > [ البقرة : 249 ] - انتهى . | ولعل ختام قصص بني إسرائيل بهذه القصة ~~لما فيها للنبي صلى الله عليه وسلم من واضح الدلالة على صحة دعواه الرسالة ~~لأنها مما لا يعلمه إلا القليل من حذاق علماء بني إسرائيل ثم عقبها بآية ~~الكرسي التي هي العلم الأعظم من دلائل التوحيد فكان ذلك في غاية المناسبة ~~لما في أوائل السورة في قوله تعالى < # > 77 ( { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } ) 77 < # > [ البقرة : 21 ] إلى آخر تلك الآيات من ms0551 دلائل التوحيد المتضمنة لدلائل ~~النبوة المفتتح بها قصص بني إسرائيل فكانت دلائل التوحيد مكتنفة قصتهم ~~أولها وآخرها مع ما في أثنائها جريا على الآسلوب الحكيم في مناضلة العلماء ~~ومجادلة الفضلاء , فكان خلاصة ذلك كأنه قيل : { ألم } تنبيها للنفوس بما ~~استأثر العليم سبحانه وتعالى بعلمه فلما ألقت الأسماع وأحضرت الأفهام قيل ~~يا أيها الناس فلما عظم التشوف قال < # > 77 ( { اعبدوا ربكم } ) 77 < # > [ البقرة : 21 ] ثم عينه بعد وصفه بما بينه بقوله < # > 77 ( { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ) 77 < # > [ البقرة : 255 ] كما سيجمع ذلك من غير فاصل أول سورة التوحيد آل عمران ~~المنزلة في مجادلة أهل الكتاب من النصارى وغيرهم , وتختم قصصهم بقوله : < # > 77 ( { ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم } ) 77 < # > [ آل عمران : 193 ] يعني بالمنادي والله سبحانه وتعالى أعلم القائل < # > 77 ( { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } ) 77 < # > [ البقرة : 21 ] - إلى آخرها , ومما يجب التنبه له من قصتهم هذه ما ~~فيها لأنها تدريب لمن كتب عليهم القتال وتأديب في ملاقاة الرجال من الإرشاد ~~إلى أن أكثر حديث النفس وأمانيها الكذب لا سيما بالثبات في مزال الأقدام ~~فتشجع الإنسان , فإذا تورط أقبلت به على الهلع حتى لا يتمنوا لقاء العدو ~~كما أدبهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم , وذلك أن بني إسرائيل مع كونهم لا ~~يحصون كثرة سألوا نبيهم صلى الله عليه وسلم بعث ملك للجهاد , فلما بعث ~~فخالف أغراضهم لم يفاجئوه إلا بالاعتراض , ثم لما استقر الحال بعد نصب ~~الأدلة وإظهار الآيات ندبهم , فانتدب جيش لا يحصى كثرة , فشرط عليهم الشاب ~~الفارغ بناء دار وبناء بامرأة , فلم يكن الموجود بالشرط إلا ثمانين ألفا ؛ ~~ثم امتحنوا بالنهر فلم يثبت منهم إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر وهم دون الثلث من ~~ثمن العشر من المتصفين بالشرط من الذين هم دون الدون من المنتدبين الذين هم ~~دون الدون من السائلين في بعث الملك , فكان الخالصون معه , كما قال بعض ~~الأولياء المتأخرين لآخر قصده بالزيارة : | ألم تعلم بأني صيرفي أحك ~~الأصدقاء على محك ms0552 فمنهم يهرج لا خير فيه ومنهم من أجوزه بشك وأنت الخالص ~~الذهب المصفى بتزكيتي ومثلي من يزكي | وهذا سر قول الصادق عليه الصلاة ~~والسلام ( أمتي كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها PageV01P482 راحلة ) وقوله ~~صلى الله عليه وسلم ( لا تمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية , فإذا ~~لقيتموهم فاصبروا ) فالحاصل أنه على العاقل المعتقد جهله بالعواقب وشمول ~~قدرة ربه أن لا يثق بنفسه في شيء من الأشياء , ولا يزال يصفها بالعجز وإن ~~ادعت خلاف ذلك , ويتبرأ من حوله وقوته إلى حول مولاه وقوته ولا ينفك يساله ~~العفو والعافية . | ولما علت هذه الآيات عن أقصى ما يعرفه البصراء البلغاء ~~من الغايات , وتجاوزت إلى حد تعجز العقول عن مناله , وتضاءل نوافذ الأفهام ~~عن الإتيان بشيء من مثاله , نبه سبحانه وتعالى على ذلك بقوله : { تلك } أي ~~الآيات المعجزات لمن شمخت أنوفهم , وتعالت في مراتب الكبر هممهم ونفوسهم ؛ ~~والإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة ولا سيما هذه القصة من أخبار بني ~~إسرائيل والعبارة عن ذلك في هذه الأساليب الباهرة والأفانين المعجزة ~~القاهرة { آيات الله } أي الذي علت عظمته وتمت قدرته وقوته , ولما كانت ~~الجلالة من حيث إنها اسم للذات جامعة لصفات الكمال والجمال ونعوت الجلال ~~لفت القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى إعجازهم عن هذا النظم بنعوت الكبر ~~والتعالي فقال : { نتلوها } أي ننزلها شيئا في إثر شيء بما لنا من العظمة { ~~عليك } تثبيتا لدعائم الكتاب الذي هو الهدى , وتشييدا لقواعده { بالحق } ~~قال الإمام سعد الدين التفتازاني في شرح العقائد : الحق الحكم المطابق ~~للواقع , يطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتمالها ~~على ذلك ويقابله الباطل , وأما الصدق فقد شاع في الأقوال خاصة ويقابله ~~الكذب , وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع . | ~~وفي الصدق من جانب الحكم ؛ فمعنى صدق الحكم مطابقته الواقع . | ومعنى حقيته ~~مطابقة الواقع إياه - انتهى . | فمعنى الآية على هذا : إنا عالمون بالواقع ~~من هذه الآيات فأتينا بعبارة يطابقها ذلك الواقع لا يزيد عنها ولا ينقص , ~~فتلك العبارة ثابتة ثبات ms0553 الواقع لا يتمكن منصف ع الم من إنكارها ولا إنكار ~~شيء منها , كما لا يتمكن من إنكار الواقع المعلوم وقوعه , ويكون الخبر عنها ~~صدقا لأنه مطابق لذلك الواقع بغير زيادة ولا نقص ؛ والحاصل أن الحق يعتبر ~~من جانب المخبر , فإنه يأتى بعبارة يساويها الواقع فتكون حقا , وأن الصدق ~~يعتبر من جانب السامع , فإنه ينظر إلى الخبر , فإن وجده مطابقا للواقع ~~PageV01P483 قال : هذا صدق , وليس ببعيد أن يكون من الشواهد على ذلك هذه ~~الآية وقوله سبحانه وتعالى < # > 77 ( { والذي جاء بالصدق وصدق به } ) 77 < # > [ الزمر : 33 ] وقوله < # > 77 ( { قال فالحق والحق أقول } ) 77 < # > [ ص : 84 ] < # > 77 ( { بل جاء بالحق وصدق المرسلين } ) 77 < # > [ الصافات : 37 ] و < # > 77 ( { هو الحق مصدقا لما بين يديه } ) 77 < # > [ فاطر : 31 ] , وكذا < # > 77 ( { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } ) 77 < # > [ الحجر : 85 ] أي أن هذا الفعل وهو خلقنا لها لسنا متعدين فيه , وهذ ~~الواقع يطابق خلقها لا يزيد عليه بمعنى أنه كان علينا أن نزيد فيها شيئا ~~وليس لنا الاقتصار على ما وجد ولا ننقص عنه بمعنى أنه كان علينا أن نجعلها ~~ناقصة عما هي عليه ولم يكن لنا إتمامها هكذا ؛ أو بالحق الذي هو قدرتنا ~~واختيارنا لا كما يدعيه الفلاسفة من الفعل بالذات من غير اختيار : أو بسبب ~~الحق أي إقامته وإثباته وإبطال الباطل ونفيه , وقوله < # > 77 ( { وآتيناك بالحق وإنا لصادقون } ) 77 < # > [ الحجر : 64 ] أي أتيناك بالخبر بعذابهم وهو ثابت , لأن مضمونه إذا ~~وقع فنسبته إلى الخبر علمت مطابقته له أي مطابقة الواقع إياه وإخبارنا عنه ~~على ما هو به فنحن صادقون فيه , أي نسبنا وقوع العذاب إليهم نسبة تطابق ~~الواقع فإذا وقع نظرت إلى إخبارنا فرأيته مطابقا له فعلمت صدقنا فيه ؛ ~~والذي لا يدع في ذلك لبسا قوله سبحانه وتعالى حكاية عن يوسف عليه الصلاة ~~والسلام < # > 77 ( { قد جعلها ربي حقا } ) 77 < # > [ يوسف : 100 ] أتى بمطابقة الواقع لتأويلها , وأما صدقه صلى الله عليه ~~وسلم فهو بنسبة الخبر إلى الواقع وهو أنه رأى ما ms0554 أخبر به وذلك موجود من حين ~~إخباره صلى الله عليه وسلم فإن خبره كان حين إخباره به مطابقا للواقع , ~~وأما صدق الرؤيا فباعتبار أنه كان لها واقع طابقه تأويلها ؛ فإن قيل : ~~تأسيس المفاعلة أن تكون بين اثنين فصاعدا يفعل أحدهما بالآخر ما يفعل الآخر ~~به , فهب أنا اعتبرنا المطابقة من جانب واحد فذلك لا ينفي اعتبارها من ~~الجانب الآخر فماذا يغني ما ادعيته , قيل إنها وإن كان لا بد فيها من ~~مراعاة الجانبين لكنها تفهم أن الذي أسند إليه الفعل هو الطالب , بخلاف باب ~~التفاعل فإنه لا دلالة لفعله على ذلك , وجملة الأمر أن الواقع أحق باسم ~~الحق لأنه الثابت والخبر أحق باسم الصدق , والواقع طالب لخبر يطابقه ليعرف ~~على ما هو عليه والخبر طالب لمطابقة الواقع له فيكتسب الشرف بتسميته صدقا . ~~| وأول ثابت في نفس الأمر هو الواقع فإنه قبل الخبر عنه بأنه وقع , فإذا ~~كان مبدأ الطلب من الواقع سمي الخبر باسمه , إذا كان مبدأ الطلب من الخبر ~~سمي باسمه الحقيق به , ولعلك إذا اعتبرت آيات الكتاب الناطق بالصواب وجدتها ~~كلها على هذا الأسلوب - والله سبحانه وتعالى الموفق . | ولما ثبت أن ~~التلاوة عليه صلى الله عليه وسلم حق قال تعالى : { وإنك } أي والحال أنك { ~~لمن المرسلين * } بما دلت هذه الآيات عليه من علمك بها من غير معلم من ~~البشر ثم بإعجازها الباقي على مدى الدهر . | PageV01P484 < < # | البقرة : ( 253 - 254 ) تلك الرسل فضلنا . . . . . # > > ^ ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم ~~درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شآء الله ما ~~اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر ولو شآء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد * يأيها ~~الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا ~~شفاعة والكافرون هم الظالمون ) ^ } ) | ولما تقدم في هذه السورة ذكر رسل ~~كثيرة وختم هذه الآيات بأنه صلى الله ms0555 عليه وسلم منهم تشوفت النفس إلى معرفة ~~أحوالهم في الفضل هل هم فيه سواء أو هم متفاضلون , فأشار إلى علو مقادير ~~الكل في قوله : { تلك الرسل } بأداة البعد إعلاما ببعد مراتبهم و علو ~~منازلهم وأنها بالمحل الذي لا ينال والمقام الذي لا يرام , وجعل الحرالي ~~التعبير بتلك التي هي أداة التأنيث دون أولئك التي هي إشارة المذكر توطئة ~~وإشارة لما يذكر بعد من اختلاف الأمم بعد أنبيائها وقال : يقول فيه النحاة ~~إشارة لجماعة المؤنث وإنما هو في العربية لجماعة ثانية في الرتبة , لأن ~~التأنيث أخذ الثواني عن أولية تناسبه في المعنى وتقابله في التطرق , قال : ~~ومن لسن العرب وإشارة تأسيس كلمها أن المعنى متى أريد إرفاعه أطلق عن علامة ~~الثاني في الرتبة وإشارته , ومتى أريد إنزاله قيد بعلامة الثاني وإشارته , ~~ثم قال : ففي ضمن هذه الإشارة لأولي التنبه إشعار بما تتضمنه الآية من ~~الإخبار النازل عن رتبة الثبات والدوام إلى رتبة الاختلاف والانقطاع كما ~~أنه لما كان الذكر واقعا في محل إعلاء في آية الأنعام قيل : ^ ( { أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده } ) ^ [ الأنعام : 90 ] ولما كان شأن ~~الاختلاف والانقطاع غير مستغرب في محل النقص والإشكال وطأ لهذا الواقع بعد ~~الرسل بأنه ليس من ذلك وأنه من الواقع بعد إظهار التفضيل وإبلاغ البينات ~~لما يشاؤه من أمره - انتهى . | ثم أتبع هذه الإشارة حالا منها أو استئنافا ~~قوله : { فضلنا بعضهم على بعض } أي بالتخصيص بمآثر لم تجتمع لغيره بعد أن ~~فضلنا الجميع بالرسالة . | ولما كان أكثر السورة في بني إسرائيل وأكثر ذلك ~~في اتباع موسى عليه الصلاة والسلام بدأ بوصفه وثنى بعيسى عليه الصلاة ~~والسلام لأنه الناسخ لشريعته وهو آخر أنبيائهم فقال مبينا لما أجمل من ذلك ~~التفضيل بادئا بدرجة الكلام لأنها من أعظم الدرجات لافتا القول إلى مظهر ~~الذات بما لها من جميع الصفات لأنه أوفق للكلام المستجمع للتمام { منهم من ~~كلم الله } أي بلا واسطة بما له من الجلال كموسى ومحمد وآدم عليهم الصلاة ~~والسلام { ورفع بعضهم } وهو محمد صلى ms0556 الله عليه وسلم على غيره , ومن فوائد ~~الإبهام الاستنباط بالدليل ليكون مع أنه أجلى أجدر بالحفظ وذلك الاستنباط ~~أن يقال إنه PageV01P485 سبحانه وتعالى قد عمهم بالتفضيل بالرسالة أولا , ~~ثم بين أنه فضل بعضهم على غيره , وذلك كله رفعة فلو كانت هذه مجرد رفعة ~~لكان تكريرا فوجب أن يفهم أنها رفعة على أعلاهم , وأسقط الفوقية هنا إكراما ~~للرسل بخلاف ما في الزخرف فقال معينا بعض ما اقتضاه التفضيل : { درجات } أي ~~عظيمة بالدعوة العامة والمعجزات الباقية ؛ والأتباع الكثيرة في الأزمان ~~الطويلة , من غير تبديل ولا تحريف , وبنسخ شرعه لجميع الشرائع , وبكونه ~~رحمة العالمين , وأمته خير أمة أخرجت للناس , وكونه خاتما للنبيين الذين ~~أرسلهم سبحانه وتعالى عند الاختلاف مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب , فلا ~~نبي بعده ينسخ شريعته , وإنما يأتي النبي الناسخ لشريعة موسى عليه الصلاة ~~والسلام مقررا لشريعته مجددا لما درس منها كما كان من أنبياء بني إسرائيل ~~الذين بينه وبين موسى عليهم الصلاة والسلام , ولما كان الشخص لا يبين فضله ~~إلا بآثاره وكانت آيات موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام أكثر من آيات من ~~سبقهما خصهما بالذكر إشارة إلى ذلك , فكان فيه إظهار الفضل لنبينا صلى الله ~~عليه وسلم , لأنه لا نسبة لما أوتي أحد من الأنبياء إلى ما أوتي , وإبهامه ~~يدل على ذلك من حيث إنه إشارة إلى أن إبهامه في الظهور والجلاء كذكره , لأن ~~ما وصف به لا ينصرف إلا إليه . | ولما كان الناس واقفين مع الحس إلا الفرد ~~النادر وكان لعيسى صلى الله عليه وسلم من تكرر الآيات المحسوسات كالإحياء ~~والإبراء ما ليس لغيره ومع ذلك ارتد أكثرهم بعد رفعه عليه الصلاة والسلام ~~قال صارفا القول إلى مظهر العظمة تهديدا لمن كفر بعد ما رأى أو سمع من تلك ~~الآيات الكبر : { وآتينا } بما لنا من العظمة بالقدرة على كل شيء من الخلق ~~والتصوير كيف نشاء وعلى غير ذلك { عيسى } ونسبه إلى أمه إشارة إلى أنه لا ~~أب له فقال : { ابن مريم } أي الذي خلقناه منها بغير واسطة ذكر أصلا ms0557 { ~~البينات } من إحياء الموتى وغيره . | قال الحرالي : والبينة ما ظهر برهانه ~~في الطبع والعلم والعقل بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده , وذلك فيما أظهر ~~الله سبحانه وتعلى على يديه من الإحياء والإماتة الذي هو من أعلى آيات الله ~~, فإن كل باد في الخلق ومتنزل في الأمر فهو من آيات الله , فما كان أقرب ~~إلى ما اختص الله تعالى به كان أعلى وأبهر , وما كان مما يجري نحوه على ~~أيدي خلقه كان أخفى وألبس إلا على من نبه الله قلبه لاستبصاره فيه { ~~وأيدناه } أي بعظمتنا البالغة { بروح القدس } في إعلامه ذكر ما جعل تعالى ~~بينه وبين عيسى عليه الصلاة والسلام في كيانه فجرى نحوه في عمله من واسطة ~~الروح كما قال سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { فأرسلنا إليها روحنا } ) 77 < # > [ مريم : 17 ] كذلك كان فعله مع تأييده ؛ وفي ذلك بينه وبين موسى ~~عليهما الصلاة والسلام موازنة ابتدائية , حيث كان أمر موسى من PageV01P486 ~~ابتداء أمر التكليم الذي هو غاية سقوط الواسطة , وكان أمر عيسى عليه الصلاة ~~والسلاز من ابتداء أمر الإحياء الذي هو غاية تصرف المتصرفين - انتهى . | ~~ذكر شيء مما في الإنجيل من بيناته وحكمه وآياته قال متى : أنتم ملح الأرض , ~~فإذا فسد الملح فبماذا فبماذا يملح ! لا يصلح لشيء لكن يطرح خارجا وتدوسه ~~الناس . | وقال لوقا : جيد هو الملح فإن فسد بماذا يملح ! لا يصلح للأرض ~~ولا المزبلة لكن خارجا , من كان له أذنان سامعتان فليسمع . | وقال متى : ~~أنتم نور العالم , لا تستطيع مدينة تخفي وهي موضوعة على رأس جبل , ولا يوقد ~~سراج فيوضع تحت مكيال لكن يوضع على منارة ويضيء لكل من في البيت , هكذا ~~فليضيء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في ~~السماوات , لا تظنوا أني جئت لأخل الناموس أو الأنبياء , لم آت لأخل بل ~~لأكمل الحق , أقول لكم إن السماء والأرض تزولان , وخطة واحدة لا تزول من ~~الناموس حتى يكون هذا كله ؛ فمن أخل إحدى هذه الوصايا الصغار وعلم الناس ~~هكذا يدعى في ملكوت السماوات صغيرا , والذي ms0558 يعمل ويعلم هذا يدعى عظيما في ~~ملكوت السماء ؛ ثم قال : وإذا صليتم فلا تكونوا كالمرائين , لأنهم يحبون ~~القيام في المجامع وزوايا الأزقة يصلون ليظهروا للناس الحق , أقول لكم : ~~لقد أخذوا أجرهم , وإذا صليت فادخل إلى مخدعك وأغلق بابك عليك , وصل لأبيك ~~سرا وأبوك يرى السر فيعطيك علانية , وإذا صليتم فلا تكثروا الكلام مثل ~~الوثنيين , لأنهم يظنون أنهم سيسمع لهم لكثرة كلامهم , فلا تتشبهوا بهم , ~~لأن أباكم عالم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه , وهكذا تصلون أنتم : أبانا ~~الذي في السماوات ! قدوس اسمك , يأتي ملكوتك , تكون مشيئتك كما في السماء ~~على الأرض , خبزنا كفافنا أعطنا في اليوم , واغفر لنا ما يجب علينا كما ~~غفرنا لمن أخطأ إلينا , ولا تدخلنا التجارب لكن نجنا من الشرير , لأن لك ~~المجد والقوة إلى الأبد - آمين . | وقال مرقس : وإذا قمتم تصلون اغفروا لكل ~~من لكم عليه لكيما أبوكم الذي في السماوات يترك لكم هفواتكم . | وقال متى : ~~فإن غفرتم للناس خطاياهم غفر لكم أبوكم السمائي خطاياكم , وإن لم تغفروا ~~للناس سيئاتهم لم يغفر لكم خطاياكم . | وقال لوقا وكان يصلي في قفر فلما ~~فرغ قال واحد من تلاميذه : يا رب ! علمنا نصلي كما علم يوحنا تلاميذه , ~~فقال لهم : إذا صليتم فقولوا : أبانا الذي في السماوات ! يتقدس اسمك , يأتي ~~ملكوتك , تكون إرادتك كما في السماء كذلك على الأرض , خبزنا كفافنا أعطنا ~~كل يوم , اغفر لنا خطايانا لأنا نغفر لمن لنا عليه , ولا تدخلنا التجارب ~~لكن نجنا من الشرير ؛ ثم قال لهم : من منكم له صديق يمضي إليه نصف الليل ~~فيقول له : يا صديقي ! هبني ثلاث خبزات PageV01P487 فإن صديقا لي جاء إلي ~~من طريق وليس لي ما أقدم إليه , فيجيبه ذلك من داخل ويقول : لا تتعبني قد ~~أغلقت بابي , وأولادي معي على مرقدي ولا أقدر اقوم فأعطيك , أقول لكم : إن ~~لم يقم ويعطيه من أجل الصداقة فيقوم ويعطيه من أجل الحاجة ما يحتاج إليه , ~~وأنا أيضا أقول لكم : سلوا تعطوا , اطلبوا تجدوا , اقرعوا يفتح لكم , كل من ~~سأل أعطي , ومن ms0559 طلب وجد , ومن يقرع يفتح له . | وقال متى : وإذا صمتم فلا ~~تكونوا كالمرائين لأنهم يعبسون وجوههم ويغيرونها ليظهروا للناس صيامهم , ~~الحق أقول لكم , لقد أخذوا أجرهم , وأنت إذا صمت ادهن رأسك واغسل وجهك لئلا ~~يظهر للناس صيامك . | وقال لوقا : من منكم له عبد يحرث أو يرعى فإذا جاء من ~~الحقل يقوله له للوقت : اصعد واجلس , أو ليس يقول له : أعد لي ما آكله وشد ~~حقويك , واخدمني حتى آكل وأشرب , ومن بعد ذلك تأكل وتشرب أنت , هل لذلك ~~العبد فضل عند ما فعل ما أمر به ! كذلك أنتم إذا فعلتم كل شيء أمرتم به ~~قولوا : إنا عبيد بطالون , إنما عملنا ما يجب علينا ؛ وقال أيضا : فقال له ~~واحد من الجمع : يا معلم ! قل لأخي : يقاسمني الميراث , فقال له : يا إنسان ~~! منن أقامني عليكم حاكما أو مقسما ! وقال لهم : انظروا وتحفظوا من كل ~~الشره لأن الحياة ليست للإنسان بكثرة ماله , وقال لهم مثلا : إنسان غني ~~أخصبت له كورة ففكر وقال : ماذا أصنع إذ ليس لي حيث أضع غلاتي , أهدم ~~أهرائي وأبنيها وأوسعها وأخزن هناك وأقول لنفسي : يا نفس ! لك خيرات كثيرة ~~موضوعة لسنين كثيرة , استريحي وكلي واشربي وافرحي , فقال له الله سبحانه ~~وتعالى : يا جاهل ! في هذه الليلة تنزع نفسك وهذا الذي أعددته لمن يكون ~~هكذا , من يدخر ذخائر وليس هو غنيا بالله . | وقال متى : لا تكنزوا لكم ~~كنوزا في الأرض حيث الآكلة والسوس يفسد ولا ينقب السارقون بتحيلون فيسرقون ~~, اكنزوا لكم كنوزا في السماء حيث لا آكلة ولا سوس يفسد ولا ينقب السارقون ~~فيسرقون . | وقال لوقا : بيعوا أمتعتكم وأعطوا رحمة فاجعلوا لكم أكياسا لا ~~تبلى وكنوزا في السماوات لا تفنى حيث لا يصل إليه سارق ولا يفسده سوس . | ~~وقال متى : لأنه حيث تكون كنوزكم هناك تكون قلوبكم , سراج الجسد العين , ~~فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرا , وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله ~~يكون مظلما , فإذا كان النور الذي فيك ظلاما فالظلام ما هو ! ليس يستطيع ~~إنسان يعبد ربين إلا ms0560 أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يجل الواحد ويحتقر الآخر ~~, لا تقدرون أن تعبدوا الله والمال , فلهذا أقول لكم : لا تهتموا لنفوسكم ~~بما تأكلون أو بما تشربون ولا لأجسادكم بما تلبسون , ألبس النفس ؛ وقال ~~قوقا : لأن النفس أفضل من المآكل , والجسد من اللباس , انظروا إلى طيور ~~السماء التي لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن في PageV01P488 الأهراء وأبوكم ~~السمائي يقوتها , أليس أنتم بالحريين أن تكونوا أفضل منها ؛ وقال لوقا فيكم ~~: أنتم أفضل من الطيور , من منكم يهتم فيقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحدا ~~! فلماذا تهتمون باللباس ! اعتبروا بزهر الحقل كيف يتربى ولا يتعب ؛ وقال ~~لوقا : تأملوا الزهر كيف ينمو بغير تعب ولا عمل - انتهى . | أقول لكم إن ~~سليمان في كل مجده لم يلبس كواحدة منها , فإذا كان زهر الحقل يكون اليوم ~~وفي غد يطرح في التنور يلبسه الله هكذا فيكم أنتم أحرى يا قليلي الإيمان ~~فلا تهتموا وتقولوا : ماذا نأكل ونشرب وماذا نلبس ؟ هذا كله يطلبه الأمم ~~البرانية وأبوكم يعلم أنكم تحتاجون إلى هذا جميعه , اطلبوا أولا ملكوت الله ~~وبره وهذا كله تزادونه , لا تهتموا بالغد , فالغد يهتم بشأنه , ويكفي كل ~~يوم شره ؛ وقال لوقا : تكون أوساطكم مشدودة وسرجكم موقودة , كونوا متشبهين ~~بأناس ينتظرون سيدهم متى يأتيهم من العرش لكي إذا جاء وقرع يفتحون له , ~~طوبى لأولئك العبيد الذين يأتي سيدهم فيجدهم مستيقظين ! الحق أقول لكم إنه ~~يشد وسطه ويتكئون هم ويقف يخدمهم لذلك , فطوبى لأولئك العبيد ! ثم قال : ~~فقال له بطرس : يا رب ! من أجلنا تقول هذا المثل أم للجميع ؟ فقال : من ترى ~~الوكيل الأمين الحكيم الذي يقيمه سيده على حشمه يعطيهم طعامهم في حينه ؟ ~~فطوبى لذلك العبد الذي يأتي سيده فيجده فعل هكذا ! الحق أقول لكم إنه يقيمه ~~على جميع ماله , فإن قال ذلك العبد الشرير في قلبه : إن سيدي يبطئ قدومه ~~ويأخذ في ضرب عبيد سيده وإمائه ويأكل ويشرب ويسكر فيأتي سيده في يوم لا يظن ~~وساعة لا يعلم فيشقه من وسطه ويجعل نصيبه مع الغير مؤمنين ms0561 , فأما العبد ~~الذي يعلم إرادة سيده ولا يستعد ويعمل إرادة سيده فيضرب كثيرا , والذي لا ~~يعلم ويعمل ما يستوجب به الضرب يضرب يسيرا , لأن من أعطى كثيرا يطلب كثيرا ~~والذي استودع كثيرا يطلب بكثير ؛ وقال في موضع آخر : الأمين في القليل يكون ~~أمينا في الكثير , والظالم في القليل ظالم في لكثير , فإن كنتم غير أمناء ~~في مال الظلم فمن يأتمنكم في الحق ! وإن كنتم غير أمناء فيما ليس لكم فمن ~~يعطيكم مالكم ! جئت لألقي نارا في الأرض وما أريد إلا اضطرامها , ولي صبغة ~~أصطبغها , وأنا مجد لتكمل , هل تظنون أني جئت لألقي سلامة في الأرض ! أقول ~~لكم : يكون افتراق من الآن , يكون خمسة في بيت , واحد يخالف اثنين واثنان ~~ثلاثة , يخالف الأب ابنه , والابن أباه , والأم ابنتها , والابنة أمها , ~~والحمأة كنتها , والكنة حمأتها . | وقال متى : لا تدينوا لئلا تدانوا , ~~وبالكيل الذي تكيلون يكال لكم . | وقال لوقا : لا تحبوا الحكم على أحد لئلا ~~يحكم عليكم , اغفروا يغفر لكم , أعطوا تعطوا بمكيال صالح مملوء فائض ملقى ~~في حضونكم , لأنه بالكيل الذي تكيلون يكال لكم , هل يستطيع أعمى أن يقود ~~أعمى ! PageV01P489 أليس يقعان كلاهما في حفرة ! وقال متى : لماذا تنظر ~~القذى الذي في عين أخيك ولا تفطن بالخشبة التي في عينك , وكيف تقول لأخيك : ~~دعني أخرج القذى من عينك . | وفي عينك خشبة يا مرائي ! أخرج أولا الخشبة من ~~عينك وحينئذ تنظر أن تخرج القذى من عين أخيك , لا تعطوا القدس للكلاب , ولا ~~تلقوا جواهركم أمام الخنازير لئلا تدوسها بأرجلها وترجع فتزمنكم , سلوا ~~تعطوا , اطلبوا تجدوا , اقرعوا يفتح لكم . | لأن كل من يطلب يجد , ومن سأل ~~يعط ومن يقرع يفتح له , أي إنسان منكم يسأله ابنه خبزا فيعطيه حجرا ! أو ~~يسأله سمكة فيعطيه حية ! فإذا كنتم أنتم الأشرار تعرفون تمنحون العطايا ~~الصالحة لأبنائكم فكم بالحري أبوكم الذي في السماوات يعطي الخيرات لمن ~~يسأله ! وكل ما تريدون أن يفعل الناس افعلوه أنتم بهم ؛ فهذا هو الناموس ~~والأنبياء . | قال لوقا : وزوال السماء والأرض أسهل من أن ms0562 يبطل من الناموس ~~حرف واحد ؛ وقال أيضا وقال لهم مثلا : لكي يصلوا كل حين ولا يملوا ؛ قال : ~~كان قاض في مدينة لا يخاف الله تعالى ولا يستحيي من الناس وكان في تلك ~~المدينة أرملة وكانت تأتي إليه وتقول : أنصفني من خصمي , ولم يكن يشاء إلى ~~زمان , وبعد ذلك قال في نفسه : إن كنت لا أخاف الله سبحانه وتعالى ولا ~~أستحيي من الناس لكن من أجل هذه المرأة أحكم لها ولا تعود تفنفني وتأتي إلي ~~في كل حين لتتعبني ! قال الرب سبحانه وتعالى : اسمعوا ما قال قاضي الظلم , ~~أفليس الله أحرى أن ينتقم لمختاريه الذين يدعونه النهار والليل ! نعم أقول ~~لكم إنه ينتقم لهم سريعا . | وقال متى : ادخلوا من الباب الضيق , فإن ~~المسلك واسع , والطريق المؤدية إلى الهلاك رحبة , والداخلين فيها كثيرهم , ~~ما أضيق الباب وأكرب الطريق التي تؤدي إلى الحياة ! وقليل هم الذين يجدونها ~~احذروا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بلباس الحملان وداخلهم ذئاب خطفة ~~, ومن ثمارهم فاعرفوهم , هل يجمع من الشوك عنب ومن العوسج تين ! هكذا كل ~~شجرة صالحة تخرج ثمرة جيدة , والشجرة الرديئة تخرج ثمرة شريرة , لا تقدر ~~شجرة صالحة تخرج ثمرة شريرة , ولا شجرة رديئة تخرج ثمرة جيدة . | وقال لوقا ~~: وكل شجرة تعرف من ثمرتها ليس يجمع من الشوك تين , ولا يقطف من العليق عنب ~~, الرجل الصالح من الذخائر التي في قلبه يخرج الصالحات , والشرير من ذخائره ~~الشريرة يخرج الشر , لأن من فضل ما في القلب ينطق الفم . | وقال متى : وكل ~~شجرة لا تثمر ثمرة جيدة تقطع وتلقى في النار , فمن ثمارهم تعرفونهم , ليس ~~كل من يقول : يا رب ! يا رب ! يدخل ملكوت السماوات , لكن الذي PageV01P490 ~~يعمل إرادة الذي في السماوات أي أمره , كثيرون يقولون لي في ذلك اليوم : يا ~~رب ! يا رب ! أليس باسمك تنبأنا وباسمك أخرجنا الشياطين وباسمك صنعنا آيات ~~كثيرة ! فحينئذ أعترف لهم أني ما أعرفكم قط , اذهبوا عني يا فاعلي الإثم . ~~| وقال لوقا : فقال له واحد : يا رب ! قليل هم الذين ينجون ! فقال ms0563 : احرصوا ~~على الدخول من الباب الضيق , فإني أقول لكم إن كثيرا يريدون الدخول منه فلا ~~يستطيعون , فإذا قام رب البيت يغلق الباب فعند ذلك يقفون خارجا ويقرعون ~~الباب ويقولون : يا رب ! يا رب ! افتح لنا , فيجيب : لا أعرفكم , من أين ~~أنتم ؟ فيقولون : أكلنا قدامك وشربنا , فيقول : ما أعرفكم , من أين أنتم ؟ ~~تباعدوا عني بأعمال الظلم , هناك يكون البكاء وصرير الأسنان . | قال متى : ~~كل من يسمع كلماتي هذه ويعمل بها يشبه رجلا عاقلا بنى بيته على الصخرة . | ~~وقال لوقا : بنى بيتا وحفر وعمق ووضع الأساس على صخرة , فنزل المطر وجرت ~~الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فلم يسقط , لأن أساسه ثابت على الصخرة ~~, وكل من يسمع كلماتي هذه ولا يعمل بها يشبه رجلا جاهلا بنى بيته على الرمل ~~, فنزل المطر وجرت الأنهار وهبت الرياح وضربت ذلك البيت فسقط وكان سقوطه ~~عظيما . | وكان لما أكمل يشوع هذه الكلمات بهت الجميع من تعليمه , لأنه كان ~~يعلمهم كمن له سلطان وليس كمثل كتابهم . | وفيه مما يمتنع إطلاقه في شرعنا ~~لفظ الأب والرب وسيأتي في آل عمران ما يشفي العليل في تأويل مثل ذلك على ~~تقرير صحته . | وكل ما ورد من وصف الأنبياء بالكذبة فالمراد به المدعي ~~للنبوة كذبا . | ولما تقدم أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسلا وأنزل معهم ~~كتبا , وأنهم تعبوا ومستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى جمعوا الناس على ~~الحق , وأن أتباعهم اختلفوا بعد ما جاءتهم البينات كان مما يتوجه النفس ~~للسؤال عنه سبب اختلافهم , فبين أنه مشيئته سبحانه وتعالى لا غير إعلاما ~~بأنه الفاعل المختار فكان التقدير : ولو شاء الله سبحانه وتعالى لساوى بين ~~الرسل في الفضيلة , ولو شاء لساوى بين أتباعهم في قبول ما أتوا به فلم ~~يختلف عليهم اثنان , ولكنه لم يشأ ذلك فاختلفوا عليهم وهم يشاهدون البينات ~~, وعطف عليه قوله تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم لافتا القول إلى التعبير ~~بالجلالة إشارة إلى أن الاختلاف مع دلالة العقل على أنه لا خير فيه شاهد ~~للخالق بجميع صفات الجلال PageV01P491 والجمال { ولو ms0564 شاء الله } أي الذي له ~~جميع الأمر . | قال الحرالي : وهي كلمة جامعة قرآنية محمدية تشهد الله وحده ~~وتمحو عن الإقامة ما سواه - انتهى . | { ما اقتتل } أي ما تكلف القتال مع ~~أنه مكروه للنفوس { الذين من بعدهم } لاتفاقهم على ما فارقوا عليه نبيهم من ~~الهدى . | قال الحرالي : فذكر الاقتتال الذي إنما يقع بعد فتنة المقال بعد ~~فتنة الأحوال بالضغائن والأحقاد بعد فقد السلامة بعد فقد الوداد بعد فقد ~~المحبة الجامعة للأمة مع نبيها - انتهى { من بعد ما جاءتهم البينات } أي ~~على أيدي رسلهم . | قال الحرالي : فيه إيذان بأن الوسائل والأسباب لا تقتضي ~~آثارها إلا بإمضاء كلمة الله فيها - انتهى . | { ولكن اختلفوا } لأنه ~~سبحانه وتعالى لم يشأ اتفاقهم على الهدى { فمنهم } أي فتسبب عن اختلافهم أن ~~كان منهم { من آمن } أي ثبت على ما فارق عليه نبيه حسبما دعت إليه البينات ~~فكان إيمانه هذا هو الإيمان في الحقيقة لأنه أعرق في أمر الغيب { ومنهم من ~~كفر } ضلالا عنها أو عنادا . | ولما كان من الناس من أعمى الله قلبه فنسب ~~أفعال المختارين من الخلق إليهم استقلالا قال تعالى معلما أن الكل بخلقه ~~تأكيدا لما مضى من ذلك معيدا ذكر الاسم الأعظم إشارة إلى عظم الحال في أمر ~~القتال الكاشف لمن باشره في ضلال عن أقبح الخلال : { ولو شاء الله } الذي ~~لا كفوء له { ما اقتتلوا } بعد اختلافهم بالإيمان والكفر , وكرر الاسم ~~الأعظم زيادة في الإعلام بعظم المقام { ولكن الله } أي بجلاله وعز كماله ~~شاء اقتتالهم فإنه { يفعل ما يريد * } فاختلفوا واقتتلوا طوع مشيئته على ~~خلاف طباعهم وما يناقض ما عندهم من العلم والحكمة . | ولما كان الاختلاف ~~على الأنبياء سببا للجهاد الذي هو حظيرة الدين وكان عماد الجهاد النفقة ~~أتبع ذلك قوله رجوعا إلى أول السورة من هنا إلى آخرها وإلى التأكيد بلفظ ~~الأمر لما تقدم الحث عليه من أمر النفقة : { يا أيها الذين آمنوا } أي ~~أقروا بألسنتهم بالإيمان { أنفقوا } تصديقا لدعواكم في جميع أبواب الجهاد ~~الأصغر والأكبر ولا تبخلوا فأي داء أدوأ من ms0565 البخل < # > 77 ( { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } ) 77 < # > [ الحشر : 9 ] ولما أمر بذلك هونه عليهم بالإعلام بأنه له لا لهم فقال ~~: { مما } أي الشيء الذي ورد القول إلى مظهر العظمة حثا على المبادرة إلى ~~امتثال الأمر وتقبيحا بحال من أبطأ عنه فقال : { رزقناكم } بما لنا من ~~العظمة , وجزم هنا بالأمر لأنه لما رغب في النفقة من أول السورة إلى هنا ~~مرة بعد أخرى في اساليب متعددة صارت دواعي العقلاء في درجة القبول لما تندب ~~إليه من أمرها وإن كان الخروج عما في اليد في غاية الكراهة إلى النفس , ~~وصرف الأمر بالتبعيض إلى الحلال الطيب , فمنع احتجاج المعتزلة بها في أن ~~PageV01P492 الرزق لا يكون إلا حلالا لكونه مأمورا به , وأتبعه بما يرغب ~~ويرهب من حال يوم التناد الذي تنقطع فيه الأسباب التي أقامها سبحانه وتعالى ~~في هذه الدار فقال : { من قبل أن يأتي يوم } موصوف بأنه { لا بيع فيه } ~~موجود { ولا خلة } قال الحرالي : هي مما منه المخاللة وهي المداخلة فيما ~~يقبل التداخل حتى يكون كل واحد خلال الآخر , وموقع معناها الموافقة في وصف ~~الرضى والسخط , فالخليل من رضاه رضى خليله وفعاله من فعاله - انتهى . | { ~~ولا شفاعة } والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير بمال , ولا يراعى لصداقة من مساو ~~ولا شفاعة من كبير , لعدم إرادة الله سبحانه وتعالى لشيء من ذلك ولا يكون ~~إلا ما يريد , وفي الآية التفات شديد إلى أول السورة حيث وصف المؤمنين ~~بالإنفاق مما رزقهم والإيقان بالآخرة , وبيان لأن المراد بالإنفاق أعم من ~~الزكاة وأن ذلك يحتمل جميع وجوه الإنفاق من جميع المعادن والحظوظ التي تكسب ~~المعالي وتنجي من المهالك , وسيأتي في الآيات الحاثة على النفقة ما يرشد ~~إلى ذلك كقوله تعالى < # > 77 ( { إن تبدوا الصدقات } ) 77 < # > [ البقرة : 271 ] وغيرها وقال الحرالي : فانتظم هذا الانتهاء في الخطاب ~~بما في ابتداء السورة من < # > 77 ( { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة } ) 77 < # > [ البقرة : 3 ] إلى قوله < # > 77 ( { المفلحون } ) 77 < # > [ البقرة : 5 ] فلذلك وقع بعد هذا الانتهاء افتتاح آية ms0566 هي سيدة آي هذه ~~السورة المنتظمة بأولها انتظاما معنويا برأس < # > 77 ( { الم ذلك الكتاب } ) 77 < # > [ البقرة : 1 2 ] فكان في إشارة هذا الانتظام توطئة لما أفصح به الخطاب ~~في فاتحة سورة آل عمران , لما ذكر من أن القرآن مثاني إفهام وحمد . | فكان ~~أوله حمدا وآخره حمدا ينثني ما بين الحمدين على أوله , كما قال ( حمدني ~~عبدي , أثنى علي عبدي ) فجملته حمد وتفاصيله ثناء - انتهى . | ولما حث ~~سبحانه وتعالى على الإنفاق ختم الآية بذم الكافرين لكونهم لم يتحلوا بهذه ~~الصفة لتخليهم من الإيمان وبعدهم عنه وتكذيبهم بذلك اليوم فهم لا ينفقون ~~لخوفه ولا رجائه فقال بدل - ولا نصرة لكافر : { والكافرون } أي المعلوم ~~كفرهم في ذلك اليوم , وهذا العطف يرشد إلى أن التقدير : فالذين آمنوا ~~يفعلون ما أمرناهم به لأنهم المحقون , والكافرون { هم } المختصون بأنهم { ~~الظالمون * } أي الكاملون في الظلم لا غيرهم , ومن المعلوم أن الظالم خاسر ~~وأنه مخذول غير منصور , لأنه يضع الأمور في غير مواضعها , ومن كان كذلك لا ~~يثبت له أمر ولا يرتفع له شأن بل هو دائما على شفا جرف هار , ولأجل ذلك ~~يختم سبحانه وتعالى كثيرا من آياته بقوله < # > 77 ( { وما للظالمين من PageV01P493 أنصار } ) ^ [ البقرة : 270 ] فقد ~~انتفى بذلك جميع أنواع الخلاص المعهودة في الدنيا في ذلك اليوم من الافتداء ~~بالمال والمراعاة لصداقة أو عظمة ذي شفاعة أو نصرة بقوة . | < < # | البقرة : ( 255 - 258 ) الله لا إله . . . . . # > > ^ ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في ~~السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم ~~وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شآء وسع كرسيه السماوات والأرض ~~ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم * لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من ~~الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام ~~لها والله سميع عليم * الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ~~والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى ms0567 الظلمات أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون * ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم في ربه أن آتاه الله ~~الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم ~~فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا ~~يهدي القوم الظالمين ) ^ } ) | ولما ابتدأ سبحانه وتعالى الفاتحة كما مضى ~~بذكر الذات , ثم تعرف بالأفعال لأنها مشاهدات , ثم رقي الخطاب إلى التعريف ~~بالصفات , ثم أعلاه رجوعا إلى الذات للتأهل للمعرفة ابتدأ هذه السورة بصفة ~~الكلام لأنها أعظم المعجزات وأبينها وأدلها على غيب الذات وأوقعها في ~~النفوس لا سيما عند العرب , ثم تعرف بالأفعال فأكثر منها . | فلما لم يبق ~~لبس أثبت الوحدانية بآيتها السابقة مخللا ذلك بأفانين الحكم ومحاسن الأحكام ~~وأنواع الترغيب والترهيب في محكم الوصف والترتيب فلما تمت الأوامر وهالت ~~تلك الزواجر وتشوقت الأنفس وتشوفت الخواطر إلى معرفة سبب انقطاع الوصل ~~بانبتار الأسباب وانتفاء الشفاعة في ذلك اليوم , إذ كان المألوف من ملوك ~~الدنيا أنهم لا يكادون يتمكنون من أمر من الأمور حق التمكن من كثرة الشفعاء ~~والراغبين من الأصدقاء , إذ كان الملك منهم لا يخلو مجلسه قط عن جمع كل ~~منهم صالح للقيام مقامه ولو خذله أو وجه إليه مكره ضعضع أمره وفت في عضده ~~فهو محتاج إلى مراعاتهم واسترضائهم ومجاراتهم , بين سبحانه وتعالى صفة ~~الآمر بما هو عليه من الجلال والعظمة ونفوذ الأمر والعلو عن الصد والتنزه ~~عن الكفر والند والتفرد بجميع الكمالات والهيبة المانعة بعد انكشافها هناك ~~أتم انكشاف لأن تتوجه الهمم لغيره وأن تنطق بغير إذنه وأن يكون غير ما يريد ~~ليكون ذلك أدعى إلى قبول أمره والوقوف عند نهيه وزجره , ولأجل هذه الأغراض ~~ساق الكلام مساق جواب السؤال فكأنه قيل : هذا ما لا يعرف من أحوال الملوك ~~فمن PageV01P494 الملك في ذلك اليوم ؟ فذكر آية الكرسي سيدة آي القرآن التي ~~ما اشتمل كتاب على مثلها مفتتحا لها بالاسم العلم الفرد الجامع الذي لم ~~يتسم به غيره , وذلك لما تأهل ms0568 السامع بعد التعرف بالكلام والتودد بالأفعال ~~لمقام المعرفة فترقى إلى أوج المراقبة وحضرة المشاهدة فقال عائدا إلى مظهر ~~الجلال الجامع لصفات الجلال والإكرام لأنه من أعظم مقاماته : { الله } أي ~~هو الملك في ذلك اليوم ثم أثبت له صفات الكمال منزها عن شوائب النقص مفتتحا ~~لها بالتفرد فقال : { لا إله إلا هو } مقررا لكمال التوحيد , فإنه المقصود ~~الأعظم من جميع الشرائع ولكن الإنسان لما جبل عليه من النقصان لا بد له من ~~ترغيب يشده وترهيب يرده ومواعظ ترفقه وأعمال تصدقه وأخلاق تحققه , فخلل ~~سبحانه وتعالى أي التوحيد بالأحكام والقصص , والأحكام تفيد الأعمال الصالحة ~~فترفع أستار الغفلة عن عيون القلوب وتكسب الأخلاق الفاضلة لتصقل الصدأ عن ~~مرائي النفوس فتتجلى فيها حقائق التوحيد , والقصص تلزم بمواعظها ~~واعتباراتها بالأحكام وتقرر دلائل المعارف فيرسخ التوحيد , وكان هذا ~~التفصيل لأنه أنشط للنفس بالانتقال من نوع إلى آخر مع الهز بحسن النظم ~~وبلاغة التناسب والإلهاب ببداعة الربط وبراعة التلاحم . | وقال الحرالي : ~~لما أتى بالخطاب على بيان جوامع من معالم الدين وجهات الاعتبار وبيان أحكام ~~الجهاد والإنفاق فيه فتم الدين بحظيرته معالم إسلام وشعائر إيمان ولمحة ~~إحسان أعلى تعالى الخطاب إلى بيان أمر الإحسان كما استوفى البيان في أمر ~~الإيمان والإسلام فاستفتح هذا الخطاب العلي الذي يسود كل خطاب ليعلي به ~~الذين آمنوا فيخرجهم به من ظلمة الإيمان بالغيب الذي نوره يذهب ظلمة الشك ~~والكفر إلى صفاء ضياء الإيقان الذي يصير نور الإيمان بالإضافة إليه ظلمة ~~كما يصير نور القمر عند ضياء الشمس ظلمة , فكانت نسبة هذه الآية من آية ~~الإلهية في قوله سبحانه وتعالى < # > 77 ( { وإلهكم إله واحد } ) 77 < # > [ البقرة : 255 ] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض نسبة ~~ما بين علو اسمه الله الذي لم يقع فيه شرك بحق ولا بباطل إلى اسمه الإله ~~الذي وقع فيه الشرك بالباطل فينقل تعالى المؤمنين الذين استقر لهم إيمان ~~الاعتبار بآية < # > 77 ( { وإلهكم إله واحد } ) 77 < # > [ البقرة : 255 ] وما بعدها من الاعتبار في خلق السماوات والأرض إلى ~~يقين ms0569 العيان باسمه { الله } وما يلتئم بمعناه من أوصافه العظيمة - انتهى . ~~| ولما وحد سبحانه وتعالى نفسه الشريفة أثبت استحقاقه لذلك بحياته وبين أن ~~المراد بالحياة الأبدية بوصف القيومية فقال : { الحي } أي الذي له الحياة ~~وهي صفة توجب صحة العلم والقدرة أي الذي يصح أن يعلم ويقدر { القيوم } أي ~~القائم بنفسه المقيم لغيره على الدوام على أعلى ما يكون من القيام والإقامة ~~. | قال الحرالي : فيعول PageV01P495 زيدت في أصوله الياء ليجتمع فيه لفظ ~~ما هو من معناه الذي هو القيام بالأمر مع واوه التي هي من قام يقوم فأفادت ~~صيغته من المبالغة ما في القيام والقوام على حد ما تفهمه معاني الحروف عند ~~المخاطبة بها من أئمة العلماء الوالجين في مدينة العلم المحمدي من بابه ~~العلوي - انتهى . | ثم بين قيوميته وكمال حياته بقوله : { لا تأخذه سنة } ~~قال الحرالي : هي مجال النعاس في العينين قبل أن يستغرق الحواس ويخامر ~~القلب { ولا نوم } وهو ما وصل من النعاس إلى القلب فغشيه في حق من ينام ~~قلبه وما استغرق الحواس في حق من لا ينام قلبه - انتهى , ولما عبر بالأخذ ~~الذي هو بمعنى القهر والغلبة وجب تقديم السنة , كما لو قيل : فلان لا يغلبه ~~أمير ولا سلطان , ثم بين هذه الجملة بقوله : { له } أي بيده وفي تصرفه ~~واختصاصه { ما في السماوات } الذي من جملته الأرض { وما في الأرض } أي من ~~السنة والنوم وغيرهما إبداعا ودواما وما هو في قبضته وتصرفه لا يغلبه . | ~~قال الحرالي : وسلب بالجملة الأولى أمر الملكوت من أيدي الملائكة إلى قهر ~~جبروته والآثار من نجوم الأفلاك إلى جبره , وسلب بالجملة الثانية الآثار ~~والصنائع من أيدي خليفته وخليقته إلى قضائه وقدره وظهور قدرته , فكان هذا ~~الخطاب بما أبدى للفهم إقامة قيامه على مجعول الحكمة الأرضية والسمائية ~~التي هي حجاب قيوميته سلبا لقيام ما سواه - انتهى . | ثم بين ما تضمنته هذه ~~الجملة بقوله منكرا على من ربما توهم أن شيئا يخرج عن أمره فلا يكون مختصا ~~به { من ذا الذي يشفع } أي مما ادعى الكفار ms0570 شفاعته وغيره شيء في قبضته , ~~وكل ذلك دليل على تفرده بالإلهية . | قال الحرالي : وحقيقة الشفاعة وصلة ~~بين الشفيع والمشفوع له لمزية وصلة بين الشفيع والمشفوع عنده , فكان الإذن ~~في باطن الشفاعة حظا من سلب ما للشفعاء ليصير بالحقيقة إنما الشفاعة لله ~~سبحانه وتعالى عند الله سبحانه وتعالى , فهو سبحانه وتعالى بالحقيقة الذي ~~شفع عند نفسه بنفسه , فبإخفائه تعالى شفاعته في شفاعة الشفعاء كان هو ~~الشفيع في الابتداء من وراء حجاب لأن إبداءه كله في حجاب وإعادته من غير ~~حجاب , فلذلك هو سبحانه وتعالى خاتم الضفعاء حيث يقول كما ورد في الخير ( ~~شفع الأنبياء والمرسلون ولم يبق إلا الحي PageV01P496 القيوم ) انتهى . | ~~ثم بين جميع ما مضى بقوله : { يعلم ما بين أيديهم } أي ما في الخافقين ممن ~~ادعت شفاعته وغيرهم . | قال الحرالي : أي ما أتاهم علمه من أمر أنفسهم ~~وغيرهم , لأن ما بين يدي المرء يحيط به حسه , وما علمه أيضا فكأنه بين يدي ~~قلبه يحيط به علمه { وما خلفهم } وهو ما لم ينله علمهم , لأن الخلف هو ما ~~لا يناله الحس , فأنبأ أن علمه من وراء علمهم محيط بعلمهم فيما علموا وما ~~لم يعلموا - انتهى . | ولما بين قهره لهم بعلمه بين عجزهم عن كل شيء من ~~علمه إلا ما أفاض عليهم بحلمه فقال : { ولا يحيطون بشيء } أي قليل ولا كثير ~~{ من علمه إلا بما شاء } فبان بذلك ما سبقه , لأن من كان شامل العلم ولا ~~يعلم غيره إلا ما علمه كان كامل القدرة , فكان كل شيء في قبضته , فكان ~~منزها عنا لكفوء متعاليا عن كل عجز وجهل , فكان بحيث لا يقدر غيره أن ينطق ~~إلا بإذنه لأنه يسبب له ما يمنعه مما لا يريده . | ثم بين ما في هذه الجملة ~~من إحاطة علمه وتمام قدرته بقوله مصورا لعظمته وتمام علمه وكبريائه وقدرته ~~بما اعتاده الناس في ملوكهم : { وسع كرسيه } ومادة كرس تدور على القوة ~~والاجتماع والعظمة والكرس الذي هو البول والبعر الملبد مأخوذ من ذلك . | ~~وقال الأصفهاني : الكرسي ما يجلس عليه ms0571 ولا يفضل عن مقعد القاعد . | وقال ~~الحرالي : معنى الكرس هو الجمع , فكل ما كان أتم جمعا فهو أحق بمعناه , ~~ويقال على المرقى للسرير الذي يسمى العرش الذي يضع الصاعد عليه قدمه إذا ~~صعد وإذا نزل وحين يستوي إن شاء : كرسي , ثم قال : والكرسي فيه صور الأشياء ~~كلها كما بدت آيته في الأرض التي فيها موجودات الأشياء كلها , فما في الأرض ~~صورة إلا ولها في الكرسي مثل , فما في العرش إقامته ففي الكرسي أمثلته , ~~وما في السماوات إقامته ففي الأرض صورته , فكان الوجود مثنيا كما كان ~~القرآن مثاني إجمالا وتفصيلا في القرآن ومدادا وصورا في الكون , فجمعت هذه ~~الآية العلية تفصيل المفصلات وانبهام صورة المداديات بنسبة ما بين السماء ~~وما منه , وجعل وسع الكرسي وسعا واحدا حيث قال : { السماوات والأرض } ولم ~~يكن وسعان لأن الأرض في السماوات والسماوات في الكرسي PageV01P497 والكرسي ~~في العرش والعرش في الهواء - انتهى . | فبان بذلك ما قبله لأن من كان بهذه ~~العظمة في هذا التدبير المحكم والصنع المتقن كان بهذا العلم وهذه القدرة ~~التي لا يثقلها شيء ولذا قال : { ولا يؤده } أي يثقله . | قال الحرالي : من ~~الأود أي بلوغ المجهود ذودا , ويقابله ياء من لفظ لايد أي وهو القوة , وأصل ~~معناه والله سبحانه وتعالى أعلم أنه لا يعجزه علو أيده ولذلك يفسره ~~اللغويون بلفظة يثقله { حفظهما } في قيوميته كما يثقل غيره أو يعجزه حفظ ما ~~ينشئه بل هو عليه يسير لأنه لو أثقله لاختل أمرهما ولو يسيرا ولقدر غيره ~~ولو يوما ما على غير ما يريده . | و الحفظ قال الحرالي : الرعاية لما هو ~~متداع في نفسه فيكون تماسكه بالرعاية له عما يوهنه أو يبطله - انتهى . | ~~ولما لم يكن علوه وعظمته بالقهر والسلطان والإحاطة بالكمال منحصرا فيما ~~تقدم عطف عليه قوله : { وهو } أي مع ذلك كله المتفرد بأنه { العلي } أي ~~الذي لا رتبة إلا وهي منحطة عن رتبته { العظيم * } كما أنبأ عن ذلك افتتاح ~~الآية بالاسم العلم الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى علوا وعظمة ~~تتقاصر عنهما الأفهام ms0572 لما غلب عليها من الأوهام , ونظم الاسمين هكذا دال ~~على أنه أريد بالعظم علو الرتبة وبعد المنال عن إدراك العقول , وقد ختمت ~~الآية بما بدئت به غير أن بدأها بالعظمة كما قال الحرالي كان باسم { الله } ~~إلاحة وختمها كان بذلك إفصاحا لما ذكر من أن الإبداء من وراء حجاب والإعادة ~~بغير حجاب , كذلك تنزل القرآن , مبدأ الخطاب إلاحة وخاتمته إفصاح ليتطابق ~~الوحي والكون تطابق قائم ومقام < # > 77 ( { ألا له الخلق والأمر } ) 77 < # > [ الأعراف : 54 ] ولما في العلو من الظهور وفي العظمة من الخفاء لموضع ~~الإحاطة لأن العظيم هو ما يستغرق كما يستغرق الجسم العظيم جميع الأقطار < # > 77 ( { وله المثل الأعلى } ) 77 < # > [ الروم : 27 ] وذلك حين كان ظاهر العلو هو كبرياؤه الذي شهد به كبير ~~خلقه , قال سبحانه وتعالى فيما أنبأ عنه نبيه صلى الله عليه وسلم ( ~~الكبرياء ردائي ) لأن الرداء هو ما على الظاهر { والعظمة إزاري } والإزار ~~ما ستر الباطن والأسفل , فإذا في السماء كبرياؤه وفي الأرض عظمته , وفي ~~العرش علوه وفي الكرسي عظمته , فعظمته أخفى ما يكون حيث التفصيل , وكبرياؤه ~~وعلوه أجلى ما يكون حيث الإبهام والانبهام , فتبين بهذا المعنى علو رتبة ~~هذه الآية بما علت على الإيمان علو الإيمان على الكفران , ولما ألاحته ~~للأفهام من قيوميته تعالى وعلوه وعظمته وإبادة ما PageV01P498 سواه في أن ~~ينسب إليهم شيء لأنه سبحانه وتعالى إذا بدا باد ما سواه كان في إلاحة هذه ~~الآية العلية العظيمة تقرير دين الإسلام الذي هو دين الإلقاء كما كان فيما ~~تقدم من إيراد السورة تقرير دين القيمة الذي ما أمروا إلا ليعبدوا به ~~مخلصين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة , ولذلك كان ذكر دين الإسلام في ~~سورة الإفصاح بمعاني هذه السورة آل عمران إثر قوله < # > 77 ( { شهد الله أنه لا إله إلا هو } ) 77 < # > [ آل عمران : 18 ] - انتهى . | وقد علم من هذا التقرير أن كل جملة ~~استؤنفت فهي علة لما قبلها وأن الأخيرة شارحة للازم العلم المحيط وهو ~~القدرة التامة التي أقمت دليل لزومها في طه , فمن ms0573 ادعى شركة فليحفظ هذا ~~الكون ولو في عام من الأعوام وليعلم بما هو فاعل في ذلك العام ليصح قوله : ~~وأنى له ذلك وأنى ! واتضح بما تقرر له سبحانه وتعالى من العلو والعظمة أن ~~الكافر به هو الظالم , وأن يوم تجليه للفصل لا تكون فيه شفاعة ولا خلة , ~~وأما البيع فهم عنه في أشغل الشغل , وإن كان المراد به الفداء فقد علم أنه ~~لا سبيل إليه ولا تعريج عليه , وبهذه الأسرار اتضح قول السيد المختار صلى ~~الله عليه وسلم : ( إن هذه الآية سيدة آي القرآن ) وذلك لما اشتملت عليه من ~~أسماء الذات والصفات والأفعال , ونفي النقص وإثبات الكمال , ووفت به من ~~أدلة التوحيد على أتم وجه في أحكم نظام وأبدع أسلوب متمحضة لذلك , فإن فضل ~~الذكر والعلم يتبع المذكور والمعلوم , وقد احتوت على الصفات السبع : الحياة ~~والعلم والقدرة والإرادة والكلام صريحا , فإن الإذن لا يكون إلا بالكلام ~~والإرادة , وعلى السمع والبصر من لازم { له ما في السماوات وما في الأرض } ~~ومن لازم { الحي } لأن المراد الحياة الكاملة ؛ وكررت فيها الأسماء الشريفة ~~ظاهرة ومضمرة سبع عشرة مرة بل إحدى وعشرين , ولم يتضمن هذا المجموع آية ~~غيرها في كتاب الله , وهي PageV01P499 خمسون كلمة على عدد الصلوات المأمور ~~بها أولا في تلك الحضرة السماء حضرة العرش والكرسي فوق سدرة المنتهى , ~~وبعدد ما استقرت عليه من رتبة الأجر آخرا , فكأنها مراقي لروح قارئها إلى ~~ذلك المحل الأسمى الذي هو آتيه الذي تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة , ولعل هذا سر ما ثبت من أنه لا يقرب من يقرؤها عند ~~النوم شيطان , لأن من كان في حضرة الرحمن عال عن وساوس الشيطان - والله ~~سبحانه وتعالى الموفق . | ولما اتضحت الدلائل لكل عالم وجاهل صار الدين إلى ~~حد لا يحتاج فيه منصف لنفسه إلى إكراه فيه فقال : { لا إكراه في الدين } ~~وقال الحرالي : لما نقل سبحانه وتعالى رتبة الخطاب من حد خطاب الأمر والنهي ~~والحدود وما ينبني عليه المقام به دين القيمة الذي ms0574 أخفى لهم أمر العظمة ~~والجبروت الجابر لأهل الملكوت والملك فيما هم فيه مصرفون إلى علو رتبة دين ~~الله المرضي الذي لا لبس فيه ولا حجاب عليه ولا عوج له , وهو اطلاعه سبحانه ~~وتعالى عبده على قيوميته الظاهرة بكل باد وفي كل باد وعلى كل باد وأظهر من ~~كل باد وعظمته الخفية التي لا يشير إليها اسم ولا يجوزها رسم وهي مداد كل ~~مداد بين سبحانه وتعالى وأعلن بوضع الإكراه المفي موقعه في دين القيمة من ~~حيث ما فيه من حمل الأنفس على كرهها فيما كتب عليها مما هو علم عقابها وآية ~~عذابها , فذهب بالاطلاع على أمر الله في قيوميته وعظمته كره النفس بشهودها ~~جميع ما تجري فيه لها ما عليها . | فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات بما ~~استشعرته قلوبهم من ماء التوحيد الجاري تحت مختلفات أثمار أعمالهم فعاد ~~حلوه ومره بذلك التوحيد حلوا , كما يقال في الكبريت الأحمر الذي يقلب أعيان ~~الأشياء الدنية إلى حال أرفعها - انتهى . | ثم علل سبحانه وتعالى انتفاء ~~الإكراه عنه بقوله : { قد تبين الرشد } قال الحرالي : وهو حسن التصرف في ~~الأمر والإقامة عليه بحسب ما يثبت ويدوم { من الغي } وهو سوء التصرف في ~~الشيء وإجراؤه على ما تسوء عاقبته - انتهى . | أي فصار كل ذي لب يعرف أن ~~الإسلام خير كله وغيره شر كله , لما تبين من الدلائل وصار بحيث يبادر كل من ~~أراد نفع نفسه إليه وسخضع أجبر الجبابرة لديه فكأنه لقوة ظهوره وغلبة نوره ~~قد انتفى عنه الإكراه بحذافيره , لأن الإكراه الحمل على ما لم يظهر فيه وجه ~~المصلحة فلم يبق منه مانع إلا حظ النفس الخبيث في شهواتها البهيمية ~~والشيطانية { فمن } أي فكان ذلك سببا لأنه من { يكفر بالطاغوت } وهو نفسه ~~وما دعت إليه ومالت بطبعها الرديء إليه . | وقال الحرالي : وهو ما أفحش في ~~الإخراج عن الحد الموقف عن الهلكة صيغة مبالغة وزيادة انتهاء مما منه ~~الطغيان - انتهى . | { ويؤمن بالله } أي الملك الأعلى ميلا مع العقل الذي ~~هو خير كله PageV01P500 لما رأى بنوره من الأدلة ms0575 القاطعة والبراهين الساطعة ~~وداوم على ذلك بما أفادته صيغة المضارع من يكفر ويؤمن { فقد استمسك } على ~~بصيرة منه { بالعروة الوثقى } أي التي لا يقع شك في أنها أوثق الأسباب في ~~نجاته بما ألقى بيده واستسلم لربه < # > 77 ( { ومن يسلم وجهه إلى الله } ) 77 < # > [ الحج : 31 ] , والعروة ما تشد به العياب ونحوها بتداخلها بعضها في ~~بعض دخولا لا ينفصم بعضه من بعض إلا بفصم طرفه فإذا انفصمت منه عروة انفصم ~~جميعه , والوثقى صيغة فعلى للمبالغة من الثقة بشدة ما شأنه أن يخاف وهنه , ~~ثم بين وثاقتها بقوله : { لا انفصام لها } أي لا مطاوعة في حل ولا صدع ولا ~~ذهاب . | قال ابن القطاع : فصمت الشيء صدعته , والعقدة حللتها , والشيء عنه ~~ذهب . | وقال الحرالي : من الفصم وهو خروج العرى بعضها من بعض , أي فهذه ~~العروة لا انحلال لها اصلا , وهو تمثيل لمعلوم بالنظر والاحتجاج بالمشاهد ~~المحسوس ليتصوره السامع كأنه ينظر إليه بعينه فيحكم اعتقاده فيه ويجل ~~اغتباطه به , فعلم من هذا أنه لم يبق عائق عن الدخول في هذا الدين غلا ~~القضاء والقدر , فمن سبقت له السعادة قيض الله سبحانه وتعالى له من الأسباب ~~ما يخرجه به من الظلمات إلى النور , ومن غلبت عليه الشقاوة سلط عليه ~~الشياطين فأخرجته من نور الفطرة إلى ظلمات الكفر والحيرة . | ولما كان كل ~~من الإيمان والكفر المتقدمين قولا وفعلا واعتقادا قال مرغبا فيهما ومرهبا ~~من تركهما : { والله } الذي له صفات الكمال { سميع } أي لما يقال مما يدل ~~على الإيمان { عليم * } أي بما يفعل أو يضمر من الكفر والطغيان ومجاز عليه ~~, ولعل في الآية التفاتا إلى ما ذكر أول السورة في الكفار من أنه سواء ~~عليهم الإنذار وتركه وإلى المنافقين وتقبيح ما هم عليه مما هو في غاية ~~المخالفة لما صارت أدلته أوضح من الشمس وهي مشعرة بالإذن في الإعراض عن ~~المنافقين , ولما قرر ذلك وأرشد السياق إلى شيء اقتضت البلاغة طيه إرشادا ~~إلى البعد منه والهرب عنه لبشاعته وسوء مغبته وهو ومن يؤمن بالطاغوت ويكفر ~~بالله فلا ms0576 يتمسك له والله يهويه إلى الجحيم , كأنه قيل : فمن يخلص النفس من ~~ظلمات الهوى والشهوة ووساوس الشيطان ؟ فقال مستأنفا : { الله } أي بما له ~~من العظمة والأسماء الحسنى { ولي الذين آمنوا } أي يتولى مصالحهم , ولذلك ~~PageV01P501 بين ولايته بقوله : { يخرجهم من الظلمات } أي المعنوية جمع ~~ظلمة وهو ما يطمس الباديات حسا أو معنى , وجمعها لأن طرق الضلال كثيرة فإن ~~الكفر أنواع { إلى النور } أي المعنوي وهو ما يظهر الباديات حسا أو معنى - ~~قاله الحرالي , ووحده لأن الصراط المستقيم واحد < # > 77 ( { ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } ) 77 < # > [ الأنعام : 153 ] ومن المحامل الحسنة أن يشار بالجمع إلى ما ينشأ من ~~الجهل عن المشاعر التي أخبر بالختم عليها , فصار البصر عريا عن الاعتبار , ~~والسمع خاليا عن الفهم والاستبصار , والقلب معرضا عن التدبر والافتكار , ~~وبالوحدة في النور إلى صلاح القلب فإنه كفيل بجلب كل سار ودفع كل ضار , ~~والنور الذي هو العقل والفطرة الأولى ذو جهة واحدة وهي القوم , والظلمة ~~الناشئة عن النفس ذات جهات هي في غاية الاختلاف . | ولما ذكر عباده الخلص ~~ذكر عباد الشهوات فقال : { والذين كفروا } أي ستروا ما دلت عليه أدلة ~~العقول أولا والنقول ثانيا بشهوات النفوس { أولياؤهم الطاغوت } من شهواتهم ~~وما أدت إليه من اتباع كل ما أطغى من الشياطين والعكوف على الأصنام وغير ~~ذلك , ثم بين استيلاءهم عليهم بقوله : { يخرجونهم } وإسناده إلى ضمير الجمع ~~يؤيد أن جمع الظلمات لكثرة أنواع الكفر { من النور } أي الفطرى { إلى ~~الظلمات } قال الحرالي : وفيه بيان استواء جميع الخلق في حقيقة النور الأول ~~إلى الروح المجندة إلى الفطرة المستوية ( كل مولود يولد على الفطرة ) انتهى ~~. | ولما ذكر استيلاء الشهوات عليهم الداعي إليها الطيش والخفة الناشئ عن ~~عنصر النار التي هي شعبة من الشيطان بين أن أجزاءهم من جنس مرتكبهم فقال : ~~{ أولئك } أي الحالون في محل البعد والبغض { أصحاب النار } قال الحرالي : ~~الذين اتبعوها من حيث لم يشعروا من حيث إن الصاحب من اتبع مصحوبه - انتهى . ~~| ولما علم من ذكر الصحبة دوامهم فيها صرح ms0577 به تأكيدا بقوله مبينا اختصاصهم ~~بها : { هم } أي خاصة { فيها خالدون * } إلى ما لا آخر له . | قال الحرالي ~~: وجعل الخلود وصفا لهم إشعارا بأنهم فيها وهم في دنياهم - انتهى . | ~~PageV01P502 ولما ذكر ما له سبحانه وتعالى من الإحاطة والعظمة وأتبعه أمر ~~الإيمان وتوليه حزبه وأمر الكفران وخذلانه أهله أخذ يدل على ذلك بقصة ~~المحاج للخليل والمار على القرية مذكرا بقصة الذين قال لهم موتوا ثم أحياهم ~~في سياق التعجيب من تلك الجرأة - قال الحرالي : ولما كان ما أظهره الحق في ~~آية عظمته وما اتصل بها في خاصة عباده اختص هذا الخطاب بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم لعلو مفهوم مغزاه عمن دونه , انتهى - فقال تعالى : { ألم تر } أي ~~تعلم بما نخبرك به علما هو عندك كالمشاهدة لما لك من كمال البصيرة وبما ~~أودعناه فيك من المعاني المنيرة . | ولما كان هذا المحاج بعيدا من الصواب ~~كثيف الحجاب أشار إلى بعده بحرف الغاية فقال : { إلى الذي حاج إبراهيم } أي ~~الذي هو أبو العرب وهم أحق الناس بالاقتداء به { في ربه } الضمير يصح أن ~~يعود على كل منهما أي فيما يختص به خالقه المربي له المحسن إليه بعد وضوح ~~هذه الأدلة وقيام هذه البراهين إشارة غلى أنه سبحانه أوضح على لسان كل نبي ~~أمره وبين عظمته وقدره مع أنه ركز ذلك في جميع الفطر وقادها إلى بحور جلاله ~~بأدنى نظر فكأن نمرود المحاج للخليل ممن أخرجته الشياطين من النور إلى ~~الظلمات , ولما كان ذلك أمرا باهرا معجبا بين أن علته الكبر الذي أشقى ~~إبليس فقال : { أن } أي لأجل أن { آتاه الله } أي الملك الأعلى بفيض فضله { ~~الملك } الفاني في الدنيا الدنيئة , فجعل موضع ما يجب عليه من شكر من ملكه ~~ذلك محاجته فيه وكبره رغم عليه , وعرفه إشارة إلى كماله بالنسبة إلى ~~الآدميين بالحكم على جميع الأرض . | قال الحرالي : وفي إشعاره أن الملك ~~فتنة وبلاء على من أوتيه - انتهى . | فتكبر بما خوله الله فيه على عباد ~~الله وهم يطيعونه لما مكن الله له من الأسباب ms0578 إلى أن رسخت قدمه في الكبر ~~المختص بالملك الأعظم مالك الملك ومبيد الملوك فظن جهلا أنه أهل له . | ~~ولما أخبر سبحانه وتعالى بمحاجته بين ما هي تقريرا لآية < # > 77 ( { فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم } ) 77 < # > [ البقرة : 243 ] دلالة على البعث ليوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ~~فقال : { إذ } أي حاجه حين { قال إبراهيم ربي } أي الذي أحسن إلي بخلقي ~~وإدامة الهداية لي { الذي يحيي ويميت } أي وحده , وهذه العبارة تدل على ~~تقدم كلام في هذا وادعاء أحد لمشاركة في هذه الصفة . | ولما كان كأنه قيل : ~~هذا أمر ظاهر مجمع عليه فما ذا الذي يحاج المحاج فيه ؟ أجيب بقوله : { قال ~~} أي ذلك المحاج بجرأة وعدم تأمل لما ألفه من ذل الناس له وطواعيتهم ~~لجبروته { أنا } أي أيضا { أحيي وأميت } بأن أمن على من استحق القتل وأقتل ~~من لا يستحق القتل . | فلما رأى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قد اجترأ ~~على عظيم وأن محاجته في PageV01P503 نفس الإحياء ربما خفيت أو طالت رأى أن ~~يعجل إبهاته مع بيان حقارته بما هو أجلى من ذلك , وفيه أنه دون ما ادعاه ~~بمراتب لأن الإحياء إفاضة الروح على صورة بعد أيجادها من العدم بأن { قال ~~إبراهيم } وقال الحرالي : ولما كان من حسن الاحتجاج ترك المراء بمتابعة ~~الحجة الملبسة كما قال تعالى < # > 77 ( { فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا } ) 77 < # > [ الكهف : 53 ] نقل المحاج من الحجة الواقعة في الأنفس إلى الحجة ~~الواقعة في الآفاق بأعظم كواكبها الشمس < # > 77 ( { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } ) 77 < # > [ فصلت : 53 ] ففي ظاهر الاحتجاج انتقال وفي طيه تقرير الأول لأن الروح ~~شمس البدن فكأنه ضرب مثل من حيث إن الإحياء إنما هو أن يؤتى بشمس الروح من ~~حيث غربت فكان في ظاهر واستقبال حجة قاطعة باطنه تتميم للحجة الأولى قال ~~تعالى : { فإن } بالفاء الرابطة بين الكلامين إشعارا لتتمة الحجة الأولى ~~بالحجة الثانية - انتهى . | أي تسبب عن دعواك هذه أو أقول لك : إن { الله } ~~بما له من العظمة والجلال ms0579 باستجماع صفات الكمال { يأتي بالشمس } أي وهو ~~الذي أوجدها { من المشرق } أي في كل يوم من قبل أن توجد أنت بدهور { فأت ~~بها } أنت { من المغرب } ولو يوما واحدا . | قال الحرالي : إظهارا لمرجع ~~العالم بكليته إلى واحد , وأن قيوم الإنسان في الإحياء والإماتة هو قيوم ~~الآفاق في طلوع الشمس وغروبها , وفي لحنه إشعار بأن الله سبحانه وتعالى لا ~~بد وأن يأتي بالشمس من المغرب ليكون في ذلك إظهار تصريفه لها حيث شاء حتى ~~يطلعها من حيث غربت كما يطلع الروح من حيث قبضت ليكون طلوع الشمس من مغربها ~~آية مقاربة قيام الساعة وطلوع الأرواح من أبدانها - انتهى . | { فبهت } قال ~~الحرالي : من البهت وهو بقاء الشيء على حاله وصورته لا يتغير عنها لأمر ~~يبهره وقعه أي فتسبب عن ذلك أنه بهت { الذي كفر } أي حصل له الكفر لتلك ~~الدعوى التي لزمه بها إنكاره لاختصاصه سبحانه وتعالى بالقدرة على ذلك ~~وادعاؤه لنفسه الشركة , فبين له الخليل عليه الصلاة والسلام بهذا المثال ~~أنه عاجز عن تحويل صورة صورها الله سبحانه وتعالى ووضعها في دهة إلى غير ~~تلك الجهة فكيف له بأن يوجد صورة من العدم فكيف ثم كيف بإفاضة الروح عليها ~~فكيف بالروح الحساسة فكيف بالروح الناطقة ! وسيأتي لهذا الشأن في سورة ~~الشعراء مزيد بيان , فيالله ما أعلى مقامات الأنبياء ! وما أصفى بصائرهم ! ~~وما أسمى درجاتهم وأزكى عناصرهم ! عليهم أجمعين مني أعظم الصلاة والسلام ~~وأعلى التحية والإكرام . | وقال الحرالي : فعرفه أ في قوله : { كفر } بوصفه ~~من حيث دخل عليه البهت منه - انتهى . | أي لأنه ستر ما سعلمه من عجز نفسه ~~وقدرة خالقه , فكشف سبحانه وتعالى بلسان خليله صلى الله عليه وسلم الستر ~~الذي أرخاه كشفا واضحا وهتكه بعظيم البيان هتكا فاضحا . | PageV01P504 ولما ~~كان التقدير : لأنه ظلم في ادعائه ذلك وفي الوجه الذي ادعى ذلك بسبه من قتل ~~البريء وترك المجترئ , قال سبحانه وتعالى : { والله } أي الذي لا أمر لأحد ~~معه { لا يهدي القوم } أي الذين أعطاهم قوة المقاومة للأمور { الظالمين * } ~~عامة لوضعهم الأشياء ms0580 بإرادته وتقديره في غير مواضعها , لأنه أظلم قلوبهم ~~فجعلها أحلك من الليل الحالك فلم يبق لهم ذلك وجها ثابتا يستمسكون به , ~~فأين منهم الهداية وقد صاروا بمراحل عن مواطن أهل العناية ! وقصر فعل ~~الهداية لإفادة العموم , قال الإمام : فاختصر اللفظ إفادة لزيادة المعنى ~~وهو من اللطائف القرآنية . # < < # | البقرة : ( 259 - 260 ) أو كالذي مر . . . . . # > > ^ ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه ~~الله بعد موتها فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو ~~بعض يوم قال بل لبثت مئة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى ~~حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما ~~تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير * وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف ~~تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من ~~الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم ~~أن الله عزيز حكيم ) ^ } ) | ولما كان الإحياء والإماتة من أظهر آيات ~~الربانية وأخصها بها أظهر سبحانه وتعالى الغيرة عليها تارة بإبهات المدعي ~~للمشاركة , وتارة بإشهاد المستبعد في نفسه وغيره بفعل ربه , وتارة بإشهاد ~~المسترشد في غيره بنفسه معبرا في كل منها بما اقتضاه حاله وأشعر به سؤاله , ~~فعبر في الكافر بإلى إشارة إلى أنه في محل البعد عن المخاطب صلى الله عليه ~~وسلم , وفي المتعجب بإسقاطها إسقاطا لذلك البعد , وفي المسترشد المستطلع ~~بإذ كما هي العادة المستمرة في أهل الصفاء والمحبة والوفاء فأتبع التعجيب ~~من حال المحاجج التعجيب أيضا من حال من استعظم إحياءه تعالى لتلك القرية . ~~| ولما كان معنى { ألم تر } هل رأيت لأن هل كما ذكر الرضي وغيره تختص مع ~~كونها للاستفهام بأن تفيد فائدة النافي حتى جاز أن يجيء بعدها { إلا } قصدا ~~للايجاب كقوله سبحانه تعالى ^ ( { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } ) ^ [ ~~الرحمن : 60 ] وقوله سبحانه وتعالى ^ ( { هل هذا إلا بشر مثلكم } ) ^ [ ~~الأنبياء ms0581 : 3 ] كان كأنه قيل : هل رأيت الذي حاج إبراهيم { أو } هل رأيت { ~~كالذي } ويجوز أن يكون التقدير لأن أخبار الأولين إنما هي مواعظ لنا : ~~أقومك كهذا المحاج لأعظم إبائهم فهم يقولون : إن الإحياء ليس على حقيقته ~~بالبعث بعد الموت , أو PageV01P505 هم كالذي { مر } قال الحرالي : من ~~المرور وهو جعل الشيء على مسلك إلى غيره مع التفات إليه في سبيله { على ~~قرية } وهي التي خرج منها الألوف أو بيت المقدس { وهي خاوية } أي متهدمة ~~ساقطة جدرانها { على عروشها } أي سقوفها , أو خالية على بقاء سقوفها . | ~~قال الحرالي : من الخوا وهو خلو الشيء عما شأنه أن يعينه حسا أو معنى , ~~والعروش جمع عرش من نحو معنى العريش وهو ما أقيم من البناء علىحالة عجالة ~~يدفع سورة الحر والبرد ولا يدفع جملتها كالكن المشيد , فكان المشيد في ~~الحقيقة عريشا لوهاء الدنيا بجملتها في عين الاستبصار - انتهى . | ولما كان ~~كأنه قيل : ما الذي في حاله ذلك مما يعجب منه ؟ قيل : { قال أنى يحيي هذه } ~~أي القرية { الله } أي الذي له الأمر كله { بعد موتها } أي بما صارت إليه ~~من الخراب وذهاب الأهل فيعيدها إلى ما كانت عليه عامرة آهلة . | قال ~~الحرالي : وفي لفظة ( أنى ) لشمول معناها لمعنى كيف وحيث ومتى استبعاده ~~الإحياء في الكيف والمكان والزمان , ومنشأ هذا الاستبعاد إنما يطوق النفس ~~من طلبها لمعرفة تكييف ما لا يصل غليه علمها - انتهى . | ولما كان هذا ~~المستبعد قاصرا عن رتبة الخليل عليه الصلاة والسلام في التهيؤ للطمأنينة بل ~~كان إيقانه على الكيفية متوقفا في الحكمة على تركه في عالم الغيب المدة ~~التي ضربت لبقائه ميتا ليكون ذلك كالتخمير في الطين لتتهيأ نفسه لعلم ذلك ~~والإيقان به قال : فأماته } أي فتسبب عن ذلك أن أماته { الله } أي الذي لا ~~كفوء له فمهما أراد كان لإيقانه على علم ذلك عناية من الله به { مائة } ~~ولما كان المراد أن مدة موته كانت طويلة ليكون قد بلي فيها فتكون إعادته ~~أمكن في القدرة على ما تستبعده العرب وأن ذلك ms0582 الزمان كان حسنا طيبا لقبوله ~~الإحياء والعمارة عبر ع نه بما يدل على السعة فقال : { عام } حتى بلي حماره ~~وحفظ طعامه وشرابه من التغير ليتحقق كمال القدرة بحفظ ما شأنه التغير وتغير ~~ما شأنه البقاء وإعادة ما فني . | قال الحرالي : وخص المائة لكمالها في ~~العد المثلث من الآحاد والعشرات وعشرها وتر الشفع لأن ما تم في الثالث كان ~~ما زاد عليه تكرارا يجزئ عنه الثلاث { ثم بعثه } في بيانه إشعار بأن بدنه ~~لم يتغير ولا فني فناء حماره حيث لم يكن ثم نشره والله سبحانه وتعالى أعلم ~~كما قال < # > 77 ( { ثم إذا شاء أنشره } ) 77 < # > [ عبس : 22 ] - انتهى . | ولما أحاط العلم بأن هذا العمل لأجل إيقانه ~~على القدرة تشوفت النفس إلى ما حصل له بعد البعث فأجيبت بقوله تنبيها له ~~ولكل سامع على ما في قصته من الخوارق : { قال } أي له الله سبحانه وتعالى ~~أو من شاء ممن خطابه ناشئ عنه { كم لبثت } أي في PageV01P506 رقدتك هذه { ~~قال } لنظره إلى سلامة طعامه وشرابه { لبثت يوما } ثم تغير ظنه بحسب الشمس ~~أو غيرها فقال : أو بعض يوم } وكأنه استعجل بهذا الجواب - كما هي عادة ~~الإنسان - قبل النظر إلى حماره { قال } أي الذي خاطبه مضربا عن جوابه بيانا ~~لأنه غلط ظاهر { بل لبثت مائة عام } معبرا عن الحول بلفظ يدور على معنى ~~السعة والامتداد والطول ودله على ذلك وعلى كمال القدرة بقوله : { فانظر إلى ~~طعامك وشرابك } أي الذي كان معك لما رقدت وهو أسرع الأشياء فسادا تين وعصير ~~{ لم يتسنه } من السنة أي يتغير بمر السنين على طول مرورها وقوة تقلباتها ~~وتأثيرها , ومعنى القراءة بهاء السكت أن الخبر بذلك أمر جازم مقنع لا مرية ~~فيه ولا تردد أصلا { وانظر إلى } { حمارك } باليا رميما , فجمع الله له ~~سبحانه وتعالى بين آيتي الرطب في حفظه واليابس في نقضه . | ولما كان ~~التقدير : فعلنا ذلك لنجعله آية لك على كمال القدرة أو لتعلم أنت قدرتنا , ~~عطف عليه قوله : { ولنجعلك } أي في مجموع خبرك { آية للناس } أي ms0583 كافة فكان ~~أمره إبقاء وتثبيتا آية في موجود الدنيا على ما سيكون في أمر الآخرة قيام ~~ساعة وبعثا ونشورا - قاله الحرالي . | ولما أمره بالنظر إلى ما جعله له آية ~~على لبثه ذلك الزمن الطويل أمره بالنظر إلى ما جعله له آية على اقتداره على ~~الإحياء كيف ما أراد فقال : { وانظر إلى العظام } أي من حمارك وهي جمع عظم ~~وهو عماد البدن الذي عليه مقوم صورته { كيف ننشزها } قال الحرالي : بالراء ~~من النشر وهو عود الفاني إلى صورته الأولى وبالضم جعل وتصيير إليه , ~~وبالزاي من النشز وهو إظهار الشيء وإعلاؤه , من نشز الأرض وهو ما ارتفع ~~منها وظهر - انتهى . | وضم بعضها إلى بعض على ما كانت عليه ينظم ذلك كله { ~~ثم نكسوها لحما } قال الحرالي : جعل حياته بعثا وحياة حماره نشورا وأراه ~~النشر , واللحم الذي لحم بين العظام حتى صارت صورة واحدة ليتبين أمر الساعة ~~عيانا فيكون حجة على الكافر والمستبعد { فلما تبين له } أي هذا الأمر ~~الخارق الباهر الدال على ما وصف سبحانه وتعالى به نفسه المقدسة في ىية ~~الكرسي . | قال الحرالي : وفي صيغة تفعل إشعار بتردده في النظر بين الآيتين ~~حتى استقر عنده أمر ما أعلم به واضمحل عنده ما قدره { قال أعلم } بصيغة ~~الفعل بناء على نفسه وبصيغة الأمر إفادة لغيره ما علم لتدل القراءتان على ~~أنه علم وعلم لأن العلم إنما يتم حين يصل إلى غير العالم فيجمع فضل العلم ~~والتعليم - انتهى . | ويجوز أن يدل التعبير بالمضارع في أعلم على أنه لم ~~يزل متصفا بهذا العلم من غير نظر إلى حال ولا استقبال ويكون ذلك اعتذارا عن ~~تعبيره في التعجيب بما PageV01P507 دل على الاستبعاد بأنه إنما قاله ~~استبعادا لتعليق القدرة بذلك لا للقدرة عليه { أن الله } أي لما أعلم من ~~عظمته { على كل شيء } أي من هذا وغيره { قدير * } قال الحرالي : في إشعاره ~~إلزام البصائر شهود قدرة الله سبحانه وتعالى في تعينها في الأسباب الحكمية ~~التي تتقيد بها الأبصار إلحاقا لما دون آية الإحياء والإماتة بأمرها ليستوي ms0584 ~~في العلم أن محييك هو مصرفك , فكما أن حياتك بقدرته فكذلك عملك بقدرته ~~فلاءم تفصيل افراد القدرة لله بما تقدم من إبداء الحفظ بالله والعظمة لله , ~~فكأنها جوامع وتفاصيل كلها تقتضي إحاطة أمر الله سبحانه وتعالى بكلية ما ~~أجمل وبدقائق تفاصيل ما فصل - انتهى . | وفي الآية بيان لوجه مغالطة الكافر ~~لمن استخفه من قومه في المحاجة مع الخليل صلوات الله وسلامه عليه بأن ~~الإحياء الذي يستحق به الملك الألوهية هو هذا الإحياء الحقيقي لا التخلية ~~عمن استحق القتل . | ولما كان الإيمان بالبعث بل الإيقان من المقاصد العظمة ~~في هذه السورة وانتهى إلى هذا السياق الذي هو لتثبيت دعائم القدرة على ~~الإحياء مع تباين المناهج واختلاف الطرق فبين أولا بالرد على الكافر ما ~~يوجب الإيمان وبإشهاد المتعجب ما ختم الإيقان علا عن ذلك البيان في قصة ~~الخيل صلوات الله وسلامه عليه إلى ما يثبت الطمأنينة , وقد قرر سبحانه ~~وتعالى أمر البعث في هذه السورة بعد ما أشارت إليه الفاتحة بيوم الدين أحسن ~~تقرير , فبث نجومه فيها خلال سماوات آياتها وفرق رسومه في أرجائها بين ~~دلائلها وبيناتها فعل الحكيم الذي يلقي ما يريد بالتدريج غير عجل ولا مقصر ~~, فكرر سبحانه وتعالى ذكره بالآخرة تارة والإحياء أخرى تارة في الدنيا ~~وتارة في الآخرة في مثل قوله < # > 77 ( { وبالآخرة هم يوقنون } ) 77 < # > [ البقرة : 4 ] < # > 77 ( { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } ) 77 < # > [ البقرة : 28 ] < # > 77 ( { ثم بعثناكم من بعد موتكم } ) 77 < # > [ البقرة : 56 ] < # > 77 ( { كذلك يحيي الله الموتى } ) 77 < # > [ البقرة : 73 ] < # > 77 ( { فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم } ) 77 < # > [ البقرة : 243 ] وما كان من أمثاله ونظائره وأشكاله في تلك الأساليب ~~المرادة غالبا بالذات لغيره فاستأنست أنفس المنكرين له به , فصار لها ~~استعداد لسماع الاستدلال عليه حتى ساق لهم أمر خليله عليه الصلاة والسلام ~~والتحية والإكرام , فكان كأنه قيل : يا منكري البعث ومظهري العجب منه ~~ومقلدي الآباء في أمره بالأخبار التي أكثرها كاذب ! اسمعوا قصة أبيكم ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم التي لقاكم بها الاستدلال ms0585 على البعث وجمع ~~المتفرق وإعادة ا لروح باخبار من لا يتهم بشهادة القرآن الذي أعجزكم عن ~~الإتيان بمثل شيء منه فشهادته شهادة الله لتصيروا من ذلك على علم اليقين بل ~~عين اليقين فقال تعالى : { وإذ } عطفا على نحو اذكروا ما تلي عليكم من أمر ~~البعث واذكروا قصة أبيكم إبراهيم فيما يدل عليه إذ . | وقال الحرالي : ولما ~~PageV01P508 كان أمر منزل القرآن إقامة الدين بمكتوبه وحدوده فأنهاه تعالى ~~منتهى منه ثم نظم به ما نظم من علنه في آية الكرسي ورتب على ذلك دين ~~الإسلام الذي هو إلقاء كغلقاء اليد عند الموت انتظم به أمر المعاد الذي لا ~~مدخل للعباد في أمره فرتب سبحانه وتعالى ذكر المعاد في ثلاثة أحوال : حال ~~الجاحد الذي انتهت غايته إلى بهت , ثم حال المستبعد الذي انتهت غايته إلى ~~علم وإيمان , وأنهى الخطاب إلى حال المؤمن الذي انتهى حاله إلى يقين ~~وطمأنينة ورؤية ملكوت في ملكوت الأرض - انتهى , فقال سبحانه وتعالى : واذ { ~~قال إبراهيم } ولقد استولى الترتيب والتعبير في هذه الآيات الثلاث على ~~الأمد الأقصى من الحسن , فإنها بدئت بمن أراد أن يخفي ما أوضحته البراهين ~~من أمر الإله في الإحياء بأن ادعى لنفسه المشاركة بإحياء مجازي تلبيسا بلفظ ~~غلى الدال على بعده ولعنه وطرده , ثم بمن استبعد إحياء القرية فأراه الله ~~سبحانه وتعالى كيفية الإحياء الحقيقي آية له وتتميما للرد على ذلك مع ~~الإقبال عليه بالمخاطبة ولذة الملاطفة ثم بمن سأل إكرام الله تعالى له بأن ~~يريه كيف يحيي فيثبت ثم أثبتت ثم أكدت , ومناسبة الثلاث بكونها في إحياء ~~الأشباح بالأرواح لما قبلها وهو في إحياء الأرواح بأسرار الصلاح أجل مناسبة ~~, فالمراد التحذير عن حال الأول والندب إلى الارتقاء عن درجة الثاني إلى ~~مقام الثالث الذي حقيقته الصدق في الإيمان لرجاء الحيازة مما أكرم به , ~~ولذلك عبر في قصته بقوله واذ ولم يسقها مساق التعطيب كالأول { رب } أي أيها ~~المحسن إلي { أرني كيف تحيي الموتى } قال الحرالي : طلب ما هو أهله بما قال ~~تعالى < # > 77 ( { وكذلك ms0586 نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } ) 77 < # > [ الأنعام : 75 ] فمن ملكوت الأرض الإحياء , فقرره سبحانه وتعالى على ~~تحقيق ابتداء حاله من تقرر الإيمان فقال مستأنفا : { قال } ولما كان ~~التقدير : ألم تعلم أني قادر على الإحياء لأني قادر على كل شيء عطف عليه ~~قوله : { أو لم تؤمن } فإن افيمان يجمع ذلك كله { قال بلى } فتحقق أن طلبه ~~كيفية الإحياء ليس عن بقية تثبت في الإيمان , فكان في إشعاره أن أكثر طالبي ~~الكيف في الأمور إنما يطلبونه عن وهن في إيمانهم , ومن طلب لتثبت الإيمان ~~مع أن فيما دون الكيف من الآيات كفايته لم ينتفع بالآية في إيمانه , لأن ~~كفايتها فيما دونه ولم يعل لليقين لنقص إيمانه عن تمام حده , فإذا تم ~~الإيمان بحكم آياته التي في موجود حكمة الله في الدنيا بيناته ترتب عليه ~~برؤية ملكوت شهود الدنيا رتبة اليقين , كما وجد تجربته أهل الكشف من ~~الصادقين في أمر الله حيث أورث لهم اليقين , ومتى شاركهم في أمر من رؤية ~~الكشف أو الكرامات ضعيف الإيمان طلب فيه تأويلا , وربما كان عليه فتنة ~~تنقصه مما كان عنده من حظ من إيمانه حتى ربما داخله نفاق لا ينفك منه إلا ~~أن يستنقذه الله , فلذلك أبدى تعالى خطاب تقريره PageV01P509 لخليله صلى ~~الله عليه وسلم على تحقيق الإيمان ليصح الترقي منه إلى رتبة الإيقان , وهو ~~مثل نحو ما تقدم في مطلق قوله سبحانه وتعالى < # > 77 ( { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور } ) 77 < # > [ البقرة : 257 ] وذكر عن الخليل عليه الصلاة والسلام أنه نظر إلى بدن ~~دابة توزعها دواب البحر ودواب البر وطير الهواء , فتعجب منها وقال : يا رب ~~! قد علمت لتجمعنها فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك , فإنما ينبني يقين العيان ~~على تحقيق الإيمان { ولكن } أريد المعاينة { ليطمئن } من الطمأنينة وهي ~~الهدو والسكون على سواء الخلقة واعتدال الخلق { قلبي } من فطر على نيل شيء ~~جبل على السوق له , فلما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام متهيئا لقبول ~~الطمأنينة قذف في قلبه طلبها , فأجابه الله بما قد ms0587 هيأه له , فضرب سبحانه ~~وتعالى له مثلا أراه إياه , جعله جري العيان جلي الإيقان , وذلك أن الله ~~تعالى سبحانه هو الأحد الذي لا يعد ولا يحد وكان من تنزل تجليه لعباده أنه ~~الإله الواحد , والواحد بريء من العد , فكان أول ظهور الخلق هو أول ظهور ~~العد , فأول العد الاثنان < # > 77 ( { ومن كل شيء خلقنا زوجين } ) 77 < # > [ الذاريات : 49 ] فالاثنان عد هو خلق كل واحد منهما واحد , فجعل تعالى ~~اثنين كل واحد منهما اثنان لتكون الاثنينية فيه كلا وجزءا فيكون زوجا من ~~زوج , فكان ذلك العد هو الأربع , فجعله الله سبحانه وتعالى أصلا لمخلوقاته ~~فكانت جملتها وتره , فجعل الأقوات من أربع < # > 77 ( { وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام } ) 77 < # > [ فصلت : 10 ] وجعل الأركان التي خلق منها صور المخلوقات أربعا , وجعل ~~الأقطار أربعا , وجعل الأعمار أربعا , وقال عليه الصلاة والسلام : ( خير ~~الرفقاء أربعة , وخير البعوث أربعون , وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش ~~أربعة آلاف ) والمربعات في أصول الخلق كثيرة تتبعها العلماء واطلع عليها ~~الحكماء < # > 77 ( { هو الذي بعث في الأميين رسولا } ) 77 < # > [ الجمعة : 2 ] ولما كان خلق آدم وسائر المخلوقات من مداد الأركان التي ~~هي الماء والتراب والهواء والنار فأظهر منها الصور < # > 77 ( { وصوركم فأحسن PageV01P510 صوركم } ) 77 < # > [ غافر : 64 ] ثم أظهر سبحانه وتعالى قهره بإماتته وإفناء صوره , ( كل ~~ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب , منه خلق وفيه يركب ) فكان بددها في ~~أربعة أقطار شرقا وغربا وشمالا وجنوبا , أرى خليله عليه الصلاة والسلام كيف ~~يدعو خلقه من أقطار آفاقه الأربعة بعد بددها واختلاطها والتئام أجزائها على ~~غير حدها , يقال إن عليا رضي الله تعالى عنه ضرب بيده على قدح من فخار فقال ~~: كم فيه من خد أسيل وعين كحيل @QB@ # > 77 ( { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم } ) 77 < # > [ ق : 4 ] فأرى تعالى خليله عليه الصلاة والسلام مثلا من جملة ذلك { ~~قال فخذ } بالفاء تحقيقا لمقاله وتصديقا فيما تحقق من إيمانه وإبداء ~~لاستحقاقه اليقين والطمأنينة بتقرر إيمانه { أربعة من الطير } هو اسم جمع ~~من معنى ms0588 ما منه الطيران وهو الخفة من ثقل ما ليس من شأنه أن يعلو في الهواء ~~, جعل تعالى المثل من الطير لأن الأركان المجتمعة في الأبدان طوائر تطير ~~إلى أوكارها ومراكزها التي حددها الله تعالى لها جعلا فيها لا طبعا واجبا ~~منها , فإن الله عز وجل هو الحكيم الذي جعل الحكمة , فمن أشهده الحكمة ~~وأشهده أنه جاعلها فهو حكيمها , ومن أشهده الحكمة الدنياوية ولم يشهده أنه ~~جاعلها فهو جاهلها , فالحكمة شهود الحكمة مجعولة من الله كل ماهية ممهاة , ~~وكل معنوية ممعناة , وكل حقيقة محققة , فالطبع وما فيه جعل من الله , من ~~جهله ألحد ومن تحققه وحد . | كذلك المعقول وما فيه إقباس من الله وإراءة من ~~أمر الله , من تقيد به واعتقده لا ينفك نسبة الحد في الطبع واحتاج إلى ملجأ ~~فتن التأويل في غيب الشرع , وكل ما سوى الحق موضوع معطي حظا وحدا ينال ما ~~أعطى ويعجز عما فوقه , للعقول حد تقف عنده لا تتعداه , فلذلك جعلها تعالى ~~طوائر يقهرها قفص الصورة وتمام التسوية , ويظهر تماسكها نفخ الروح انتهى . ~~| وقوله سبحانه وتعالى , { فصرهن } أي اضممهن { إليك } أي لتعرف أشكالها ~~فيكون ذلك أثبت في أمرها . | قال الحرالي : من الصور وهو استمالة القلوب ~~بالإحسان حتى يشتد إلى المستميل صغوها وميلها , وإشعاره ينبئ والله سبحانه ~~وتعالى أعلم أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام رباهن وغذاهن حتى عرفنه ليكون ~~ذلك مثلا لما لله سبحانه وتعالى في خلقه من تربيتهم بخلقهم ورزقهم حتى ~~عرفوه بما احتاجوا إليه , فوجدوه معرفة عجز عنه لا معرفة نيل له , فمتى ~~دعاهم من أقطار الآفاق أجابوه إجابة هذه الطوائر لخليله بحظ PageV01P511 ~~يسير من تربيته لهن , وإذا كانت هذه الأربع مجيبة للخليل عليه السلام بهذا ~~الحظ اليسير من الصور والصغو فكيف تكون إجابة الجملة للجليل العزيز الحكيم ~~! قال تعالى : { ثم اجعل } عطفا بكلمة المهلة تجاوزا بعد تربيتهن عن ذبحهن ~~ودرسهن وخلطهن حتى صرن لحمة واحدة لا يبين في جملتها شيء من الصور الذاهبة ~~, كما تصير المواليد ترابا عند موتها وتبددها صورة واحدة ترابية ms0589 ليتطابق ~~المثل والممثول مطابقة تامة إلى ما وراء ذلك من مجاوزة عبرة وروية { على كل ~~جبل } من الجبال القريبة إليك { منهن جزءا } والجزء بعض من كل يشابهه ~~كالقطعة من الذهب ونحوه , فجعل الجبال مثل الأقطار وهي لارتفاعها أمكن في ~~الرؤية وأبعد من الاشتباه < # > 77 ( { إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون } ) 77 < # > [ يس : 53 ] < # > 77 ( { فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة } ) 77 < # > [ النازعات : 13 ] فما كان بالصيحة والزجرة من الممثول كان بالدعاء في ~~المثل , كما أن ما كان بالخلق والرزق في الممثول كان بالصور في المثل وجعله ~~جزءا حيث كان يشبه بعضه بعضا { ثم ادعهن يأتينك سعيا } والسعي هو العدو ~~والقصد المسرع يكون في الحس , والمعنى في إتيان الطائر طائرا حظ من منته ~~وفي إتيانه سعيا حظ من ذلته , فلذلك جلبهن عليه سعيا بحال المتذلل الطالب ~~للرزق والأمنة من اليد التي عهد منها الرزق والجنبة التي ألف منها الأمن ~~فبدأ المثل مطابقا للمثول وغايته مرأى عين , فصار موقنا مطمئنا وليس ذلك ~~بأعجب من مشي الأحجار تارة والأشجار كرة وأغصانها أخرى إلى خدمة ولده ~~المصطفى صلى الله عليه وسلم , ( وكذا إلحام يد معوذ بن عفراء بعد ما قطعت ~~وجاء يحملها كما ذكر في السير في غزوة بدر , فصارت مثل أختها ) في أشياء من ~~أمثال ذلك , على أنه قد كان له من إحياء الموتى ما أذكره في آل عمران , ~~وكان لآحاد أمته من ذلك ما ذكره البيهقي في الدلائل منه عددا كثيرا , وإنما ~~لم يكثر ذلك على يده صلى الله عليه وسلم لأنه مرسل إلى قوم لا يقرون بالبعث ~~, ومحط الإيمان التصديق بالغيب , فلو كثر وقوع ذلك له صلى الله عليه وسلم ~~لكشف الغطاء , وإذا كشف الغطاء عوجل من تخلف عن الإيمان بالعذاب وهو نبي ~~الرحمة صلى الله عليه وسلم , وأما عيسى عليه الصلاة والسلام فكان في قوم ~~يؤمنون بالآخرة ففعله ذلك لإظهار المعجزة بنوع أعلى مما كانوا يصلون إليه ~~بالطب , على أنه لا فرق في إظهار الخارق ms0590 بين واحد وأكثر - والله سبحانه ~~وتعالى الموفق . | PageV01P512 ولما أراه سبحانه وتعالى ملكوت الأرض صارت ~~تلك الرؤية علما علىعزة الله من وراء الملكوت في محل الجبروت فقال : { ~~واعلم أن الله } أي المحيط علما وقدرة { عزيز } ولما كان للعزة صولة لا ~~تقوى لها فطر المخترعين نزل تعالى الخطاب إلى محل حكمته فقال : { حكيم * } ~~فكان فيه إشعار بأنه سبحانه وتعالى جعل الأشياء بعضها من بعض كائنة وبعضها ~~إلى بعض عامدة وبعضها من ذلك البعض معادة < # > 77 ( { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } ) 77 < # > [ طه : 55 ] وهذه الحكمة التي أشار إليها اسمه الحكيم حكمة ملكوتية ~~جامعة لوصلة ما بين حكمة الدنيا وحكمة الآخرة , لأن الحكيم بالحقيقة ليس من ~~علمه الله حكمة الدنيا وألبس عليه جعله لها بل ذلك جاهلها كما تقدم , إنما ~~الحكيم الذي أشهده الله حكمة الدنيا أرضا وأفلاكا ونجوما وآفاقا وموالد ~~وتوالدا , وأشهده أنه حكيمها , ومزج له علم حكمة موجود الدنيا بعلم حكمة ~~موجود الآخرة , وأراه كيفية توالج الحكمتين بعضها في بعض ومآل بعضها إلى ~~بعض حتى يشهد دوران الأشياء في حكمة أمر الآخرة التي هي غيب الدنيا إلى ~~مشهود حكمة موجود الآخرة , وأراه كيفية توالج الحكمتين بعضها في بعض ومآل ~~بعضها إلى بعض حتى يشهد دوران الأشياء في حكمة أمر الآخرة التي هي غيب ~~الدنيا إلى مشهود حكمة الدنيا ثم إلى مشهود حكمة الآخرة كذلك عودا على بدء ~~وبدءا علىعود في ظهور غيب الإبداء إلى مشهوده وفي عود مشهوده إلى غيبه < # > 77 ( { قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } ) 77 < # > [ غافر : 11 ] كذلك إلى المعاد الأعظم الإنساني < # > 77 ( { يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن } ) 77 < # > [ التغابن : 9 ] فهذا هو الحكيم المتوسط الحكمة , ثم وراء ذلك أمر آخر ~~من على أمر الله متعالي تجلياته بأسماء وأوصاف يتعالى ويتعاظم للمؤمنين ~~ويتبارك ويستعلن للموقنين الموحدين , فله سبحانه وتعالى العزة في خلقه ~~وأمره وله الحكمة في خلقه وأمره ومن ورائها كلمته التي لا ينفد تفصيل حكمها ~~< # > 77 ( { قل لو كان البحر مدادا } ) 77 ms0591 < # > [ الكهف : 109 ] وكلماته لا تحد ولا تعد < # > 77 ( { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام } ) 77 < # > [ لقمان : 27 ] , فهو العزيز الحكيم العلي العظيم - انتهى . | وهو أعلى ~~من الجوهر الثمين وقد لاح بهذا أن قصد الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام ~~الانتقال من علم اليقين إلى عين اليقين بل إلى حق اليقين , وكأنه عد ~~المرتبة الدنيا من الطمأنينة بالنسبة غلى العليا عدما , وقيل : بل كان قصده ~~بالسؤال رؤية المحيي ولكنه طلبها تلويحا فأجيب بالمنع منها بوصف العزة ~~تلويحا , وموسى عليه الصلاة والسلام لما سأل تصريحا أجيب تصريحا , وسؤال ~~الخليل عليه الصلاة والسلام ليس على وجه الشك , وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( نحن أحق بالشك من إبراهيم ) يرشد إلى ذلك , لأنه صلى الله عليه وسلم ~~لم يشك , وإذا انتفى الشك PageV01P513 عن الأحق انتفى الشك عن غيره من باب ~~الأولى , ولئن سلمنا فالمراد أنه فعل مثل ما يفعل الشاك إطلاقا لاسم ~~الملزوم على اللازم في الجملة , وأما نفس الشك فقد نفاه القرآن عنه صلى ~~الله عليه وسلم تصريحا بقوله ( بلى ) وتلويحا بكون هذه الآية عقب آية ~~محاجته لذلك الذي بهت , نقل أن الشيخ أحمد أخا حجة الإسلام الغزالي سئل ~~أيما أعلى المقام الإبراهيمي في سؤال الطمأنينة أو المقام العلوي القائل : ~~لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا ؟ فقال : الإبراهيمي لقوله تعالى ^ ( { ~~وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم } ) ^ [ النمل : 14 ] . | < < # | البقرة : ( 261 - 268 ) مثل الذين ينفقون . . . . . # > > ^ ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل ~~في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشآء والله واسع عليم * الذين ينفقون ~~أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ~~ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون * قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعهآ ~~أذى والله غني حليم * يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ~~كالذي ينفق ماله رئآء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان ~~عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء ms0592 مما كسبوا والله لا ~~يهدي القوم الكافرين * ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات الله ~~وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم ~~يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير * أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل ~~وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ~~ضعفآء فأصابهآ إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم ~~تتفكرون * يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ أخرجنا لكم من ~~الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ~~واعلموا أن الله غني حميد * الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشآء والله ~~يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم ) ^ } ) | ولما انقضى جواب السؤال ~~عن الملك الذي لا تنفع عنده شفاعة بغير إذنه ولا خلة ولا غيرهما وما تبع ~~ذلك إلى أن ختم بقصة الأطيار التي صغت إلى الخليل بالإنفاق عليها والإحسان ~~إليها ثنى الكلام إلى الأمر بالنفقة قبل ذلك اليوم الذي لا تنفع فيه ~~الوسائل إلا بالوجه الذي شرعه بعد قوله : ^ ( { من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا فيضاعفه PageV01P514 له } ) 77 < # > [ الحديد : 11 ] نظرا إلى أول السورة تذكيرا بوصف ا لمتقين حثا عليه , ~~فضرب لذلك مثلا صريحة لمضاعفتها فاندرج فيه مطلق الأمر بها اندراج المطلق ~~في المقيد وتلويحه الذي هو من جملة المشار إليه بحكيم للاحياء , فصرح بأن ~~النفقة المأمور بها من ذخائر ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه إلا ما شرعه وهو ~~من جليل العزة , وساقه على وجه يتضمن إحياء الموات الذي هو أنسب الأشياء ~~لما قبله من نشر الأموات , فهو إيماء إلى الاستدلال على البعث بأمر محسوس , ~~وذلك من دقيق الحكمة , فكأنه سبحانه وتعالى يقول : إن خليلي عليه الصلاة ~~والسلام لما كان من الراسخين في رتبة الإيمان أهلته لامتطاء درجة أعلى من ~~درجة الإيقان بخرق العادة في رفع الأستار على يده عن إحياء الأطيار وأقمت ~~نمطا من ذلك لعامة الخلق مطويا في إحياء النبات على وجه ms0593 معتاد فمن اعتبر به ~~أبصر ومن عمي عنه انعكس حاله وأدبر فقال سبحانه وتعالى : { مثل } فكان كأنه ~~قيل : < # > 77 ( { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } ) 77 < # > [ الحديد : 11 ] < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا } ) 77 < # > [ البقرة : 254 ] فإنه مثل { الذين ينفقون } أي يبذلون { أموالهم } ~~بطيب نفس { في سبيل الله } أي الذي له الكمال كله كمثل زارع مثل ما ينفقون ~~{ كمثل حبة } مما زرعه . | قال الحرالي : من الحب وهو تمام النبات المنتهي ~~إلى صلاحية كونه طعاما للآدمي الذي هو أتم الخلق , فالحب أكمل من الثمرة ~~طعامية والثمرة إدامية { أنبتت } أي بما جعل الله سبحانه وتعالى لها من قوة ~~الإنبات بطيب أرضها واعتدال ريها { سبع سنابل } بأن تشعب منها سبع شعب في ~~كل شعبة سنبلة وهو من السنبل . | قال الحرالي : وهو مجتمع الحب في أكمامه , ~~كأنه آية استحقاق اجتماع أهل ذلك الرزق في تعاونهم في أمرهم , وتعريف بأن ~~الحب يجمعه لا بوحدته { في كل سنبلة مائة حبة } فصارت الحبة سبعمائة حبة ~~بمضاعفة الله لها . | قال الحرالي : فضرب المثل للإنفاق في سبيل الله وذكر ~~السبع لما فيه من التمام بالحرث الذي هو كيميا عباده يشهدون من تثميره حيث ~~تصير الحبة اصلا ويثمر الأصل سنابل ويكون في كل سنبلة أعداد من الحب , فكان ~~ما ذكر تعالى هو أول الإنفاق في سبيل الله وذكر السبع لما فيه من التمام ~~وما يقبله من التكثير , فإن ما أنبت أكثر من سبع إذا قصد بالتكثير أنبأ عنه ~~بالسبع , لأن العرب تكثر به ما هو أقل منه أو أكثر , فجعل أدنى النفقة في ~~سبيل الله سبعمائة ضعف , ثم فتح تعالى باب التضعيف إلى ما لا يصل إليه عد - ~~انتهى . | فالآية من الاحتباك وتقديرها : مثل الذين ينفقون ونفقتهم كمثل ~~حبة وزارعها , فذكر المنفق أولا دليل على حذف الزارع ثانيا , وذكر الحبة ~~ثانيا دليل على حذف النفقة أولا . | ولما كان التقدير : فكما ضاعف سبحانه ~~وتعالى للزارع حبته فهو يضاعف للمنفق PageV01P515 نفقته , عطف عليه قوله : ~~{ والله يضاعف لمن يشاء } بما له ms0594 من السعة في القدرة وكل صفة حسنى { والله ~~} أي بما له من الكمال في كل صفة { واسع } لا يحد في صفة من صفاته التي ~~تنشأ عنها أفعاله { عليم * } فهو يضاعف لأهل النفقة على قدر ما علمه من ~~نياتهم ؛ ولما ختم أول آيات هذه الأمثال بهاتين الصفتين ختم آخرها بذلك ~~إشارة إلى أن سعته قد أحاطت بجميع الكائنات فهو جدير بالإثابة في الدارين , ~~وأن علمه قد شمل كل معلوم فلا يخشى أن يترك عملا . | ولما كان الإنسان قد ~~يزرع ما يكون لغيره بين أن هذا لهم بشرط فقال : - وقال الحرالي : ولما كان ~~للخلافة وخصوصا بالإنفاق موقع من النفس بوجوه مما ينقص التضعيف أو يبطله ~~كالذي يطرأ على الحرث الذي ضرب به المثل مما ينقص نباته أو يستأصله نبه ~~تعالى على ما يبطل ؛ انتهى . # فقال سبحانه وتعالى : { الذين ينفقون } ورغبهم في إصلاحها ورهبهم من ~~إفسادها بإضافتها إليهم فقال : { أموالهم } وحث على الإخلاص في قوله : { في ~~سبيل الله } أي الذي له الأسماء الحسنى . | ولما كانت النفس مطبوعة على ذكر ~~فضلها وكان من المستبعد جدا تركها له نبه عليه بأداة البعد إعلاما بعظيم ~~فضله فقال : { ثم لا يتبعون ما أنفقوا } بما يجاهدون به أنفسهم { منا } قال ~~الحرالي : وهو ذكره لمن أنفق عليه فيكون قطعا لوصله بالإغضاء عنه لأن أصل ~~معنى المن القطع { ولا أذى } وهو ذكره لغيره فيؤذيه بذلك لما يتعالى عليه ~~بإنفاقه - انتهى . | وكذا أن يقول لمن شاركه في فعل خير : لو لم أحضر ما تم ~~, وتكرير { لا } تنبيه على أن انتفاء كل منهما شرط لحصول الأجر { لهم } ولم ~~يقرنه بالفاء إعلاما بأنه ابتداء عطاء من الله تفخيما لمقداره وتعظيما ~~لشأنه حيث لم يجعله مسببا عن إنفاقهم { أجرهم } أي الذي ذكره في التضعيف ~~فأشعر ذلك أنه إن اقترن بما نهي عنه لم يكن لهم , ثم زادهم رغبة بقوله : { ~~عند ربهم } أي المحسن إليهم بتربيتهم القائم على ما يقبل من النفقات بالحفظ ~~والتنمية حتى يصير في العظم إلى حد يفوت الوصف { ولا خوف عليهم ms0595 } من هضيمة ~~تلحقهم { ولا هم يحزنون * } على فائت , لأن ربهم سبحانه وتعالى لم يترك ~~شيئا من الفضل اللائق بهم إلا أوصله إليهم . | ولما أفهم هذا وهي ما لا ~~يقترن بالشرط من الإنفاق فتشوقت النفس إلى الوقوف على الحقيقة من أمره صرح ~~به في قوله : { قول معروف } قال الحرالي : وهو ما لا يوجع قلب المتعرض بحسب ~~حاله وحال القائل . | ولما كان السائل قد يلح ويغضب من الرد وإن كان ~~بالمعروف من القول فيغضب المسؤول قال : { ومغفرة } للسائل إذا أغضب من رده ~~{ خير من صدقة } وهي الفعلة التي يبدو بها صدق الإيمان بالغيب من حيث إن ~~PageV01P516 الرزق غيب فالواثق منفق تصديقا بالخلف إعلاما بعظم فضله { ~~يتبعها أذى } بمن أو غيره , لأنه حينئذ يكون جامعا بين نفع وضر وربما لم يف ~~ثواب النفع بعقاب الضر { والله } أي والحال أن الملك الذي لا أعظم منه { ~~غني } فهو لا يقبل ما لم يأذن فيه . | ولما رهب المتصدق بصفة الغني رغبة في ~~الحلم عمن أغضبه بكفران الإحسان أو الإساءة في القول عند الرد بالجميل فقال ~~: { حليم * } أي لا يعاجل من عصاه بل يرزقه وينصره وهو يعصيه ويكفره . | ~~ولما شرط لقبولها شرطا ووهى ما عري منها عنه أتبعه التصريح بالنهي عن ~~إهماله والنص على محقه لها وإبطاله وضرب لذلك مثلا وضرب للمثل مثلا مبالغة ~~في الزجر عن ذلك فقال : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بذلك صدقوا ~~إقراركم بأن { لا تبطلوا } قال الحرالي : فبين أن ما اشترطه في الأجر ~~المطلق مبطل للإنفاق - انتهى { صدقاتكم بالمن والأذى } فربما وازى عقابهما ~~ثواب الصدقة أو زاد فكان كالإبطال لأوله إلى أن لا ثواب . | قال الحرالي : ~~فألحق عمل الإخلاص بآفة ما تعقبه بما بني على أصل الرياء - انتهى . | فقال ~~: { كالذي ينفق ماله } لغر الله , إنما ينفقه { رئاء الناس } أي لقصد أ ن ~~يروه . | قال الحرالي : هو الفعل المقصود به رؤية الخلق غفلة عن رؤية الحق ~~وعماية عنه . | ولما شبه المان والمؤذي بالمرائي لأنه أسقط الناس وأدناهم ~~همة وأسوؤهم نظرا وأعماهم قلبا ms0596 فأولو الهمم العلية لا سيما العرب أشد شيء ~~نفرة منه وأبعده عنه وكان لمن يرائي حالان ألحقه بأشدهما فقال : { ولا يؤمن ~~بالله } أي الذي له صفة الكمال { واليوم الآخر } الذي يقع فيه الجزاء بعد ~~نقد الأعمال جيدها من رديئها . | قال الحرالي : ولما ضرب مثلا لنماء النفقة ~~بالحرث ضرب مثلا لإبطالها بخطأ الحارث في الحرث فقال : { فمثله } في إنفاقه ~~مقارنا لما يفسده , ومثل نفقته { كمثل صفوان } وما زرع عليه , وهو صيغة ~~مبالغة من الصفا وهي الحجارة الملس الصلبة التي لا تقبل انصداعها بالنبات - ~~انتهى . | { عليه تراب } فاغتر به بعض الجهلة فزرع عليه . | ولما كانت ~~إزالة التراب عما وقع عليه عقب وقوعه أجدر ما زالت بحذافيره ولا سيما إن ~~كان حجرا أملس قال إبلاغا في إبطال الرياء للعمل : { فأصابه } أي عقب كون ~~التراب عليه من غر مهمة بخلاف ما يأتس من الربوة فإنها صفة لازمة فلو ~~تعقبها المطر لدام بدوامها فأفسدها { وابل } أي مطر كثير فأزال التراب عنه ~~{ فتركه صلدا } أي صخرا لا يقبل النبات بوجه بل يخيب من يأمله كما يقال ~~أصله الزند إذا لم يور , فجعل قلب المؤذي المان بمنزلة الصفوان الذي أصابه ~~وابل المطر , فأذهب عائد نفقته كما أذهب بذر الحارث على الصفوان وابل المطر ~~الذي شأنه أن يصلح البذر - قاله الحرالي وفيه PageV01P517 تصرف . | ولما ~~بان بهذا بطلان العمل في المثل والممثول ترجمة بقوله : { لا يقدرون } أي ~~الممثل لهم والممثل بهم { على شيء مما كسبوا } فالآية من الاحتباك ولما كان ~~الزارع على مثل هذا عجبا في الضلال والغباوة وكان التقدير : فإن الله لا ~~يقبل عمل المؤذين كما لا يقبل عمل المرائين , عطف عليه معلما أنه يعمي ~~البصراء عن أبين الأمور إذا أراد ومهما شاء فعل قوله : { والله } الذي له ~~الحكمة كلها { لا يهدي } أي لوجه مصلحة . | ولما كان كل من المؤذي والمرائي ~~قد غطى محاسن عمله بما جره من السوء قال : { القوم الكافرين } وفي ذكره ~~ولهذه الجملة وحدها أشد ترهيب للمتصدق على هذا الوجه . | ولما فرغ من مثل ~~العاري ms0597 عن الشرط ضرب للمقترن بالشرط من الإنفاق مثلا منبها فيه على أن غيره ~~ليس مبتغى به وجه الله فقال : { ومثل } قال الحرالي : عطفا على { الذي ينفق ~~ماله رئاء الناس } { ولا يؤمن بالله واليوم الآخر } عطف مقابلة وعلى < # > 77 ( { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } ) 77 < # > [ البقرة : 261 ] عطف مناسبة - انتهى . | { الذين ينفقون أموالهم } أي ~~مثل نفقاتهم لغير علة دنياوية ولا شائبة نفسانية بل { ابتغاء مرضات الله } ~~أي الذي له الجلال والإكرام فلذلك صلح كل الصلاح فعري عن المن والأذى ~~وعيرهما من الشوائب الموجبة للخلل قال الحرالي : والمرضاة مفعلة لتكرر ~~الرضى ودوامه - انتهى . | { وتثبيتا من أنفسهم } بالنظر في إصلاح العمل ~~وإخلاصه بالحمل على الحلم والصفح والصبر على جميع مشاق التكاليف فإن من راض ~~نفسه بحملها على بذل المال الذي هو شقيق الروح وذلت له خاضعة وقل طمعها في ~~اتباعه لشهواتها فسهل عليه حملها على سائر العبادات , ومتى تركها وهي ~~مطبوعة على النقائص زاد طمعا في اتباع الشهوات ولزوم الدناءات , فمن ~~للتبعيض مفعول به مثلها في قولهم : لين من عطفه وحركك من نشاطه { كمثل جنة ~~} أي بستان ومثل صاحبها . | قال الحرالي : ولما كان حرث الدنيا حبا وثمرا ~~جعل نفقات الأخرى كذلك حبا وتمرا . | فمن أنفق في السبيل جعل مثله كالحب , ~~ومن أنفق ابتغاء لمرضاة الله جعل مثله كالجنة التي لها أصل ثابت تدور عليها ~~الثمرات وهي ثابتة وتستغني من الماء بما لا يستغني به الحرث لأن الحرث ~~مستجد ي كل وقت , كما أن الجهاد واقع عند الحاجة إليه والمنفق ابتغاء مرضاة ~~الله ينفق في كل وجه دائم الإنفاق , فكان مثله مثل الجنة الدائمة ليتطابق ~~المثلان بالممثولين , فعمت هذه النفقة جهات الإنفاق كلها في جميع سبل الخير ~~- انتهى . | { بربوة } أي مكان عال ليس بجبل . | قال الحرالي : في إعلامه ~~أن خير الجنات ما كان في الربوة لتنالها الشمس وتخترقها الرياح PageV01P518 ~~اللواقح , فأما ما كان من الجنان في الوهاد تجاوزتها الرياح اللواقح من ~~فوقها فضعفت حياتها , لأن الرياح هي حياة النبات ( الريح من نفس ms0598 الرحمن ) ~~انتهى . | ثم وصفها بقوله : { أصابها وابل } أي مطر كثير { فأتت أكلها } أي ~~أخرجته بإذن الله سبحانه وتعالى حتى صار في قوة المعطي { ضعفين } أي مثل ما ~~كانت تخرجه لو أصابها دون الوابل - كذا قالوا : مثلين , والظاهر أن المراد ~~أربعة أمثاله , لأن المراد بالضعف قدر الشيء ومثله معه فيكون الضعفان أربعة ~~- والله سبحانه وتعالى أعلم ؛ والآية من الاحتباك , ذكر المنفق أولا دال ~~على حذف صاحب الجنة ثانيا , وذكر الجنة ثانيا دال على حذف النفقة أولا . | ~~ولما كان الوابل قد لا يوجد قال : { فإن لم يصبها وابل فطل } اي فيصيبها ~~لعلوها طل , وهو الندى الذي ينزل في الضباب . | وقال الحرالي : الطل سن من ~~أسنان المطر خفي لا يدركه الحس حتى يجتمع , فإن المطر ينزل خفيا عن الحس ~~وهو الطل , ثم يبدو بلطافة وهو الطش , ثم يقوى وهو الرش , ثم يتزايد ويتصل ~~وهو الهطل , ثم يكثر ويتقارب وهو الوابل , ثم يعظم سكبه وهو الجود ؛ فله ~~أسنان مما لا يناله الحس للطافته إلى ما لا يحمله الحس كثرة - انتهى . | ~~والمعنى أن أهل هذا الصنف لا يتطرق غلى أعمالهم فساد , غايتها أن يطرقها ~~النقص باعتبار ضعف النيات , ولذلك كان التقدير تسبيبا عن ذلك : فالله بما ~~تستحقون على نياتكم عليم , فعطف عليه قوله : { والله } أي المحيط علما ~~وقدرة { بما تعملون } أي بما ظهر منه { بصير * } كما هو كذلك بما بطن , ~~فاجتهدوا في إحسان الظاهر والباطن . | وقدم مثل العاري عن الشرط عليه لأن ~~درء المفاسد أولى من جلب المصالح . | ولما قدم سبحانه وتعالى أن المن مبطل ~~للصدقة ومثله بالرياء وضرب لهما مثلا ورغب في الخالص وختم ذلك بما يصلح ~~للترهيب من المن والرياء رجع إليهما دلالة على الاهتمام بهما فضرب لهما ~~مثلا أوضح من السالف وأشد في التنفير عنهما والبعد منهما فقال - وقال ~~الحرالي : ولما تراجع خبر الإنفاقين ومقابلهما تراجعت أمثالها فضرب لمن ~~ينفق مقابلا لمن يبتغي مرضاة الله تعالى مثلا بالجنة المخلفة , انتهى . | ~~فقال - منكرا على من يبطل عمله كأهل مثل الصفوان بعد كشف الحال ms0599 بضرب هذه ~~الأمثال : { أيود أحدكم } أي يحب حبا شديدا { أن تكون له جنة } أي حديقة ~~تستر داخلها وعين هنا ما أبهمه في المثل الأول فقال : { من نخيل } جمع نخلة ~~وهي الشجرة القائمة على ساق الحية من أعلاها أشبه الشجر بالآدمي , ثابت ~~ورقها , مغذ مؤدم ثمرها , في كليتها نفعها حتى في خشبها طعام للآدمي بخلاف ~~سائر الشجر , مثلها كمثل المؤمن الذي ينتفع به كله { وأعناب } جمع عنب وهو ~~شجر متكرم لا يختص ذهابة بجهة العلو اختصاص PageV01P519 النخلة بل يتفرع ~~علوا وسفلا ويمنة ويسرة , مثله مثل المؤمن المتقي الذي يكرم بتقواه في كل ~~جهة - قاله الحرالي . | ولما كانت الجنان لا تقوم وتدومها إلا بالماء قال : ~~{ تجري من تحتها الأنهار } أي لكرم أرضها . | وقال الحرالي : وفي إشعاره ~~تكلف ذلك فيها بخلاف الأولى التي هي بعل فإن الجائحة في السقي أشد على ~~المالك منها في البعل لقلة الكلفة في البعل ولشدة الكلف في السقي - انتهى . ~~| ولما وصفها بكثرة الماء ذكر نتيجة ذلك فقال : { له فيها من كل الثمرات } ~~أي مع النخل والعنب . | ولما ذكر كرمها ذكر شدة الحاجة إليها فقال : { ~~وأصابه } أي والحال أنه أصابه { الكبر } فصار لا يقدر على اكتساب { وله ~~ذرية ضعفاء } بالصغر كما ضعف هو بالكبر { فأصابها } أي الجنة مرة من المرات ~~{ إعصار } أي ريح شديدة جدا . | قال الحرالي : صيغة اشتداد بزيادة الهمزة ~~والألف فيه من العصر وهو الشدة المخرجة لخبء الأشياء , والإعصار ريح شديدة ~~في غيم يكون فيها حدة من برد الزمهرير , وهو أحد قسمي النار , نظيره من ~~السعير السموم . | وقال الأصفهاني : ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو ~~السماء كالعمود { فيه نار , فاحترقت } تلك الجنة وبقي صاحبها بمضيعة مع ~~ضعفه وثقل ظهره بالعيال وقلة المال . | قال الحرالي : من الاحتراق وهو ذهاب ~~روح الشيء وصورته ذهابا وحيا بإصابة قاصف لطيف يشيع في كليته فيذهبه ويفنيه ~~؛ فجعل المثل الول في الحب أي الذي على الصفوان لآفة من تحته . | وجعل ~~المثل في الجنة يجائحة من فوقه كأنهما جهتا طرو العلل والآفات من ms0600 جهة أصل ~~أو فرع - انتهى . | فحال من رأى في أعماله أو آذى في صدقة ماله في يوم ~~القيامة وأهواله كحال هذا في نفسه وعياله عند خيبة آماله , وروى البخاري ~~رضي الله تعالى عنه في التفسير عن عبيد بن عمير قال قال عمر رضي الله تعالى ~~عنه لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : ( فيم ترون هذه الآية نزلت { أيود ~~أحدكم } إلى أن قال : قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه : ضربت مثلا لعمل , ~~قال عمر رضي الله تعالى عنه : أي عمل ؟ قال ابن عباس : لعمل , قال عمر رضي ~~الله تعالى عنه : لرجل غني يعمل بطاعة الله سبحانه وتعالى ثم بعث الله له ~~الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله ) . | ولما بين لهم هذا البيان الذي ~~أبهت بلغاء الإنس والجان نبههم على تعظيمه لتبجيله PageV01P520 وتكريمه ~~بقوله مستأنفا : { كذلك } أي مثل هذا البيان { يبين الله } أي الذي له ~~الكمال كله { لكم الآيات } أي كلها { لعلكم تتفكرون * } أي ليكون حالكم حال ~~من يرجى أن يحمل نفسه على الفكر , ومن يكون كذلك ينتفع بفكره . | وقال ~~الحرالي : فتبنون الأمور على تثبيت , لا خير في عبادة إلا بتفكر , كما أن ~~الباني لا بد أن يفكر في بنائه , كما قال الحكيم : أول الفكرة آخر العمل ~~وأول العمل آخر الفكرة , كذلك من حق أعمال الدين أن لا تقع إلا بفكرة في ~~إصلاح أوائلها السابقة وأواخرها اللاحقة , فكانوا في ذلك صنفين بما يشعر به ~~{ لعلكم } مطابقين للمثل متفكر مضاعف حرثه وجنته وعامل بغير فكرة تستهويه ~~أهواء نفسه فتلحقه الآفة في عمله في حرثه وجنته من سابقه أو لاحقه - انتهى ~~. | ولما رغب في الفعل وتخليصه عن الشوائب أتبعه المال المنفق منه فأمر ~~بطيبه فقال : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان { أنفقوا } أي ~~تصديقا لإيمانكم { من طيبات ما كسبتم } وإنما قدم الفعل لأنه ألصق بالإنسان ~~وتطييبه أعم نفعا , ولما ذكر ما أباحه سبحانه وتعالى من أرباح التجارات ~~ونحوها أتبعه ما أباحه من منافع النباتات ونحوها منبها بذلك على أن كل ما ~~يتقلب ms0601 العباد فيه من أنفسهم وغيرها نعمة منه أنشأها من الأرض التي أبدعها ~~من العدم ترغيبا في الجود به وفي جعله خيارا حلالا وترهيبا من الشح به ~~وجعله دينا أو حراما فقال : { ومما أخرجنا } أي بعظمتنا { لكم } نعمة منا ~~عليكم { من الأرض } قال الحرالي : قدم خطاب المكتسبين بأعمالهم كأنهم ~~المهاجرون وعطف عليهم المنفقين من الحرث والزرع كأنهم الأنصار - انتهى . | ~~ولما أمر بذلك أكد الأمر به بالنهي عن ضده فقال : { ولا تيمموا } أي لا ~~تتكلفوا أن تقصدوا { الخبيث منه } أي خاصة { تنفقون } قال الحرالي : الخبيث ~~صيغة مبالغة بزيادة الياء من الخبث وهو ما ينافر حس النفس : ظاهره وباطنه , ~~في مقابله ما يرتاح إليه من الطيب الذي ينبسط إليه ظاهرا وباطنا , وقال : ~~ففي إلاحته معنى حصر كأنهم لا ينفقون إلا منه ليتجاوز النهي من ينفق من ~~طيبه وخبيثه على غير قصد اختصاص النفقة من الخبيث - انتهى . | ثم أوضح ~~قباحة ذلك بقوله : { ولستم بآخذيه } أي إذا كان لكم على أحد حق فأعطاكموه { ~~إلا أن تغمضوا } أي تسامحوا { فيه } بالحياء مع الكراهة . | قال الحرالي : ~~من الإغماض وهو الإغضاء عن العيب فيما يستعمل , أصله من الغمض وهي نومة ~~تغشي الحس ثم تنقشع , وقال : ولما كان الآخذ هو الله سبحانه وتعالى ختم ~~بقوله : { واعلموا } انتهى . | وعبر بالاسم الأعظم فقال : { أن الله } ~~المستكمل لجميع صفات الكمال من الجلال والجمال { غني } يفضل على من أسلف ~~خيرا رغبة فيما عنده PageV01P521 وليست به حاجة تدعوه إلى أخذ الرديء ولا ~~رغبكم في أصل الإنفاق لحاجة منه إلى شيء مما عندكم وإنما ذلك لطف منه بكم ~~ليجري عليه الثواب والعقاب { حميد * } يجازي المحسن أفضل الجزاء على أنه لم ~~يزل محمودا ولا يزال عذب أو اثاب . | قال الحرالي : وهي صيغة مبالغة بزيادة ~~ياء من الحمد الذي هو سواء أمر الله الذي لا تفاوت فيه من جهة إبدائه وافق ~~الأنفس أو خالفها . | ولما رغب سبحانه وتعالى في الإنفاق وختم آياته بما ~~يقتضي الوعد من أصدق القائلين بالغنى والإثابة في الدارين أتبعه بما للعدو ~~الكاذب من ms0602 ضد ذلك فقال محذرا من البخل - في جواب من كأنه قال : هذا ما لا ~~يشك فيه فما للنفوس لا توجد غالبا إلا شحيحة بالإنفاق - : { الشيطان } أي ~~الذي اسمه أسوأ الأسماء , فإنه يقتضي الهلاك والبعد , وأحد الوصفين كاف في ~~مجانبته فكيف إذا اجتمعا ! { يعدكم الفقر } المانع من الإنفاق . | قال ~~الحرالي : الذي لخوفه تقاطع أهل الدنيا وتدابروا وحرصوا وادخروا . | وكل ~~ذلك لا يزيل الفقر , كل حريص فقير ولو ملك الدنيا , وكل مقتنع غني , ومن حق ~~من كان عبدا لغني أن يتحقق أنه غني يغني سيده , ففي خوف الفقر إباق العبد ~~عن ربه ؛ والفقر فقد ما إليه الحاجة في وقت من قيام المرء في ظاهره وباطنه ~~- انتهى . | { ويأمركم بالفحشاء } المبطلة له من المن والأذى وغيرهما من ~~مستلذات الأنفس وربما كان فيها إتلاف الأموال وإذهاب الأرواح . | وقال ~~الحرالي : وكل ما اجتمعت عليه استقباحات العقل والشرع والطبع فهو فحشاء , ~~وأعظم مراد بها هنا البخل الذي هو أدوأ داء , لمناسبة ذكر الفقر , وعليه ~~ينبني شر الدنيا والآخرة ويلازمه الحرص ويتابعه الحسد ويتلاحق به الشر كله ~~انتهى وفيه تصرف . | ولما ذكر ما للعدو من الشر أتبعه سبحانه وتعالى بما له ~~من الخير فقال مصرحا بما تقدم التلويح به : { والله } أي الذي له الأسماء ~~الحسنى و الصفات العلى الرحيم الودود { يعدكم مغفرة منه } لما وقع منكم من ~~تقصير , وفيه إشعار بأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره لما له من ~~الإحاطة بصفات الكمال ولما جبل عليه الإنسان من النقص { وفضلا } بالزيادة ~~في الدارين , وكل نعمة من فضل ؛ ثم أكد ذلك بقوله : { والله } أي المحيط ~~بكل كمال { واسع } لتضمنه معنى حليم غني , وأتبعه بقوله : { عليم * } إشارة ~~إلى أنه لا يضيع شيئا وإن دق . | قال الحرالي : وفي إشعاره توهين لكيد ~~الشيطان ووعد كريم للمفتون بخوف الفقر وعمل الفحشاء لما علمه من ضعف الأنفس ~~وسرعة قبولها من الوسواس - انتهى . | فختم آخر آيات الأمثال بما ختم به ~~أولها ترغيبا وترهيبا . | PageV01P522 < < # | البقرة : ( 269 - 274 ) يؤتي الحكمة من . . . . . # > > ^ ( يؤتي الحكمة من يشآء ms0603 ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب * ومآ أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله ~~يعلمه وما للظالمين من أنصار * إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها ~~وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير ~~* ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشآء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما ~~تنفقون إلا ابتغآء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون * ~~للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم ~~الجاهل أغنيآء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا ~~من خير فإن الله به عليم * الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا ~~وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ^ } ) | ولما ~~انقضى الكلام في الإنفاق والمال المنفق على هذا الأسلوب الحكيم تصريحا ~~وتلويحا وختم ذلك بهاتين الصفتين وتضمن ذلك مع التصريح بأنه عليم أنه حكيم ~~أتبع ذلك الوصف بأن من سعته وعلمه وحكمته أنه يهب من صفاته ما يشاء لمن ~~يشاء بأن يؤتيه الحكمة فيوقفه على علم ما خفي من هذه الأمثال المتقنة ~~والأقوال الحسنة تصريحا وتلويحا ويوفقه للعمل بذلك إنشاء وتصحيحا فقال ~~تعالى منبها على ترجيح العمل بأمر الرحمن وقبول وعده بأنه على مقتضى العقل ~~والحكمة وأن أمر الشيطان ووعده على وفق الهوى والشهوة : - وقال الحرالي : ~~ولما أبدى سبحانه وتعالى أمر الآخرة وأظهر ما فيها وبين أمر الدنيا من ~~الترتيب والتسبيب ورجع بعضها على بعض عودا على بدء أنبأ تعالى أن ذلك من ~~حكمته وأنهى الحكمة لما فيها من استيفاء حكمة الدارين فليس الحكيم من علم ~~أمر الدنيا بل من علم أمر ما بين الدنيا والآخرة فداوى أدواء الدنيا بدواء ~~الآخرة وداوى النفس بدواء الدارين وضم جوامعها في تيسير الكلم كما ضمها لمن ~~اصطفاه ^ ( { ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة } ) ^ [ النحل : 39 ] فقال ~~سبحانه وتعالى : { يؤتي الحكمة } انتهى . | وفي ترتيبها على واسع عليم بعد ~~غني حميد ms0604 بعد عزيز حكيم التحذير من التعريض لإنفاق ما يرده لعزته وغناه ~~وسعته ويذم عليه لعلمه لرداءته أو فساد في نيته وإن خفي فإن ذلك خارج عن ~~منهاج الحكمة منا ومقتضى الحكمة منه سبحانه وتعالى كما وقع لقابيل إذ قرب ~~رديئا كما هوم شهور في قصته , ولعله لوح إليه بالتذكر في ختام هذه الآية ثم ~~بقوله : { وما للظالمين من أنصار } فصار كأنه قال سبحانه وتعالى : ~~PageV01P523 واعلم أن الله عزيز حكيم يؤتي الحكمة وهي العلم بالأشياء على ~~ما هي عليه المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم { من يشاء } من عباده , ثم ~~مدح من حلاه بها فقال مشيرا ببناء الفعل للمفعول إلى أنها مقصودة في نفسها ~~: { ومن يؤت الحكمة } أي التي هي صفة من صفاته , وأشار بالتعريف إلى كمالها ~~بحسب ما تحتمله قوى العبيد , والحكمة قوة تجمع أمرين : العلم المطابق وفعل ~~العدل وهو العمل على وفق العلم . | قال الأصبهاني : والقرآن مملوء من ~~الآيات الدالة على أن كمال الإنسان ليس إلا هاتين القوتين { فقد أوتي خيرا ~~كثيرا } قال الحرالي ما معناه : إنه نكرة لما في الحكمة من التسبب الذي فيه ~~كلفة ولو يسرت فكان الخير الكثير المعرف في الكلمة لما فيها من اليسر ~~والحياطة والإنالة الذي لا ينال منه منال بسبب وإنما هو فضله يؤتيه من يشاء ~~فيصير سبحانه وتعالى سمعه وبصره - إلى آخره . | ولما كان التقدير : فإن ذلك ~~الذي أوتي الحكمة يصير ذا لب فيتأهل لأن يتذكر بما يلقيه الله سبحانه ~~وتعالى من كلمته ما بث في الأنفس والآفاق من حكمته وصل به قوله : { وما ~~يذكر } أي بكلام الله سبحانه وتعالى حكمه { إلا أولوا الألباب * } أي أصحاب ~~العقول الصافية عن دواعي الهوى المنبعثة من التوهمات الحاصلة عن الوسوسة ~~فهم يترقون بالتذكر بأنهم لا حول لهم عن المسببات إلى أسبابها إلى أن يصلوا ~~إلى مسببها فيعرفوه حق معرفته . | وقال الحرالي : الذين لهم لب العقل الذي ~~ينال لب الحس كأن الدنيا قشر تنال بظاهر العقل , والآخرة لب تنال بلب العقل ~~ظاهرا لظاهر وباطنا لباطن , من تذكر ms0605 ابتداء من الابتداءات السابقة ورد عليه ~~فضل الله منه , من رجع من حسه إلى نفسه تنشأت له أوصاف الفضائل النفسانية ~~وترقى عما في محسوسه من المهاوي الشهوانية , ومن تخلص من نفسه إلى روحه ~~تحسس بالوصلة الرحمانية والمحبة الربانية , كذلك من ترقى من روحه إلى أمره ~~تحقق بالإحاطة الوحدانية , ومن استبطن من أمره إلى سره اجتمع إلى الأولية ~~الفردانية ؛ فهذا الترتيب من كمالات هذه الحكمة المؤتاة المنزلة بالوحي في ~~هذا الكتاب الجامع لنبأ ما سبق وخبر ما لحق وباطن ما ظهر أنهى تعالى إلى ~~ذكرها أعمال الخلق وخصوصا في الجود بالموجود كما أنهى إقامة مبنى الدين ~~بظهور وجوده , فأنهى تنزيل أمره بظهور وجوده وأنهى استخلاف عباده بالانتهاء ~~إلى مدد جوده , فكان أعلى الحكمة الجود بالموجود فبذلك - والله سبحانه ~~وتعالى أعلم - اتصل ذكر آية الحكمة بالإنفاق نظما وبآية الكرسي مناظرة - ~~انتهى . | ولما كان السياق سابقا ولاحقا للإنفاق علم أن التقدير : فما ~~جمعتم من شيء فإن الله مطالبكم في وضعه وجمعه بوجه الحكمة ومحاسبكم على ذلك ~~, فعطف عليه حثا PageV01P524 على الإسرار بالنفقة في الخير والوفاء بالنذر ~~وتحذيرا من الإنفاق في المعصية ولو على أدق الوجوه بأنه يعلم ذلك كله ~~ويجازي عليه قوله : { وما أنفقتم من نفقة } أي في وجه من الوجوه , فدخل فيه ~~جميع التوسعات المشروعات عند النكاح والختان والولادة واتخاذ المسكن وفي ~~الدعوات للإخوان وغير ذلك . | ولما كان الإنسان كثيرا ما يخشى فوات أمر ~~فينذر إن حصل بنفقة في وجه خير ونحو ذلك ولكن ربما ظن أن الترغيب في ~~الإنفاق خاص بما ندب الله إليه ابتداء لا بما ألزمه الإنسان نفسه قال { أو ~~نذرتم من نذر } وإدخال من لتأكيد الاستغراق . | قال الحرالي : والنذر إبرام ~~العدة بخير يستقبل فعله أو يرتقب له ما يلتزم به وهو أدنى الإنفاق لا سيما ~~إذا كان علىوجه الاشتراط , قال صلى الله عليه وسلم : ( إنما يستخرج به من ~~البخيل ) انتهى . | { فإن الله } عظم الأمر بهذا الاسم الأعظم { يعلمه } ~~ذكر الضمير لأنه مع وضوح عوده إلى المتقدم أشد تعظيما ms0606 للنذر لما قد يتوهم ~~فيه من النقص عن مندوب الشرع فتحروا في طيب ذلك والوفاء به وجميع ما يدخل ~~فيه من الأوامر والنواهي تحري من يطلب إرضاء ملك عظيم بما يهدي إليه ويعرضه ~~عليه , فما تصرفتم فيه بالحكمة من إنفاق أو غيره فالله سبحانه وتعالى ~~يجازيكم عليه على حسب ما ذكر لكم من التضعيف , ومن فعل منكم شيئا منه على ~~غير وجه الحكمة فهو ظالم واضع للشيء في غير موضعه فهو مردود عليه ومعاقب به ~~وما له من ناصر , هكذا كان الأصل ولكنه سبحانه وتعالى عم وعلق الحكم بالوصف ~~فقال : { وما للظالمين } أي الواضعين للشيء في غير موضعه { من أنصار * } ~~قال الحرالي : ففي إفهامه أن الله آخذ بيد السخي وبيد الكريم كلما عثر فيجد ~~له نصيرا ولا يجد الظالم بوضع القهر موضع البر ناصرا , وفيه اسغراق نفي بما ~~تعرب عنه كلمة من - انتهى . | PageV01P525 ولما كان حال الإنفاق المحثوث ~~عليه يختلف بالسر والجهر فكان مما يسأل عنه قال سبحانه وتعالى حاثا على ~~الصدقة في كلتا الحالتين مع ترجيح الإسرار لما فيه من البعد عن الرياء : { ~~إن تبدوا الصدقات } أي المتطوع بها , قال الحرالي : وهي من أدنى النفقة ~~ولذلك لا تحل لمحمد ولا لآل محمد لأنها طهرة وغسول يعافها أهل الرتبة ~~العلية والاصطفاء , وقال : والهدية أجل حق المال لأنها لمن فوق رتبة المهدي ~~والهبة لأنها للمثل { فنعما هي } فجمع لها الأمداح المبهمة لأن نعم كلمة ~~مبالغة تجمع المدح كله وما كلمة مبهمة تجمع الممدوح فتطابقتا في الإبهام ؛ ~~وقال أبو طالب العبدي في شرح الإيضاح : إن نغم , وبئس للمبالغة فالمراد ~~بهما التناهي في المدح والذم ولاختصاصهما بهذا المعنى منعتا التصرف , ~~واقتصر بهما على المعنى لأن المدح والذم إنما يكونان متعلقين بما ثبت ~~واستقر , لا يمدح الإنسان بما لم يقع منه - انتهى . | { وإن تخفوها } حتى ~~لا يعلم بها إلا من فعلتموها له . | ولما كان المقصود بها سد الخلة قال : { ~~وتؤتوها الفقراء فهو } أي فذلك الإخفاء والقصد للمحتاج { خير لكم } لأنه ~~أبعد عن الرياء وأقرب ms0607 إلى الإخلاص الذي هو روح العبادات , وفي تعريفها ~~وجمعها ما ربما أشعر بعموم الفرض والنفل لما في إظهار المال الخفي من ~~التعرض للظلم والحسد وفي إفهام السياق أن الصدقة تجوز على الغني . | ولما ~~كان التقدير : فإنا نرفع بها درجاتكم , عطف عليه قوله : { ويكفر عنكم من ~~سيئاتكم } أي التي بيننا وبينكم . | ولما كان التقدير : فلا تخافوا من ~~إخفائها أن يضيع عليكم شيء منها فإن الله بكل ما فعلتموه منها عليم , عطف ~~عليه تعميما وترغيبا وترهيبا : { والله } أي الذي له كل كمال { بما تعملون ~~} أي من ذلك وغيره { خبير * } فلم يدع حاجة أصلا إلى الإعلان فعليكم ~~بالإخفاء فإنه أقرب إلى صلاح الدين والدنيا فأخلصوا فيه وقروا عينا بالجزاء ~~عليه . | ولما حث سبحانه وتعالى على وجوه الخير ورغب في لزوم الهدى وكان ~~أكثرهم معرضين , لأن ما دعا إليه هادم لما جبلوا عليه من الحب لتوفير المال ~~والحفيظة على النفس , وكان صلى الله عليه وسلم شديد الأسف عليهم دائم القلق ~~من أجلهم لعظيم رحمته لهم وشفقته عليهم , فكان يجد من تقاعدهم عما يدعوهم ~~إليه من هذه الحالة العلية التي هي حكمة الله التي رأسها الإيمان بالله ~~واشتراء الآخرة بكلية الدنيا وجدا شديدا , خفض سبحانه PageV01P526 وتعالى ~~عليه الأمر وخفف عليه الحال فقال : { ليس عليك } أي عندك { هداهم } حتى ~~تكون قادرا عليه , فما عليك إلا البلاغ , وأما خلق الهداية لهم فليس عليك ~~ولا تقدر عليه { ولكن الله } الذي لا كفوء له هو القادر على ذلك وحده فهو { ~~يهدي من يشاء } فظهر من هذا أنه يتعين أن يكون عليك بمعنى عندك ومعك ونحو ~~ذلك , لأن لكن للاستدراك وهو أن يكون حكم ما بعدها مخالفا لما قبلها وكلام ~~أهل اللغة يساعد على ذلك , قال الإمام عبد الحق في كتابه الواعي : في حديث ~~عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما : كنت أضحي بالجذع وعلينا ألف شاة , ~~معناه : وعندنا ألف شاة , تقول العرب : علينا كذا وكذا , أي مننا - فسره ~~قاسم ؛ انتهى . | وهو يرجع إلى القدرة كما تقول : علي رضى فلان ms0608 , أي أنا ~~مطيق لذلك قادر على حمله , فالمعنى : لست تقدر على إيجاد الاهتداء فيهم ~~أصلا وإنما ذلك إلى الله سبحانه وتعالى فهو يهدي من يشاء فيفعل ما يقدره ~~سبحانه له من وجوه الهدى من نفقة وغيرها . | قال الحرالي ما معناه : إن ~~الأنصار رضي الله تعالى عنهم من أول مراد بهذه الجملة لأنه سبحانه وتعالى ~~جعل فيهم نصرة دينه . | ولما كان المقصود الأعظم في هذه الحكمة وهذا الهدى ~~إنما هو الهدى للتوسل إلى الجواد بالجود بالنفس والمال النائل عموما القريب ~~والبعيد والمؤمن والكافر بمنزلة المطر الجود الذي يأخذ السهل والجبل حتى ~~كان هذا الخطاب صارفا لقوم تحرجوا من الصدقة على فقراء الكفار وصلة ~~قراباتهم منهم فحملوا على عموم الإنفاق - انتهى . | فقال سبحانه وتعالى : { ~~وما تنفقوا من خير } أي مال ومعروف على مؤمن أو كافر يحل فعل ذلك معه ولو ~~قل ( لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة ) { فلأنفسكم } كما قيل له صلى ~~الله عليه وسلم عن شاة ذبحت : ذهبت أي بالهدية والصدقة إلا رقبتها ! فقال : ~~بقيت إلا رقبتها ! فهو يفهم أنكم إن بخلتم أو مننتم فإنما تفعلون ذلك ~~بأنفسكم . | ولما كان الكلام في النفقة مع المؤمنين المنفقين وفي سبيل الله ~~وعبر عنها بالخير وكل ذلك إشارة إلى الإخلاص الحري بحال المؤمن فقال : { ~~وما } أي والحال أنكم ما { تنفقون إلا ابتغاء } أي إرادة . | ولما كان تذكر ~~الوجه لما له من الشرف أدعى إلى PageV01P527 الاجتهاد في تشريف العمل ~~بإحسانه وإخلاصه قال : { وجه الله } أي الملك الأعظم من سد خلة فقير أو صلة ~~رحم مسلم أو كافر تجوز الصدقة علهي لا لأنفسكم ولا غيرها بل تخلصا من إمساك ~~المال بأداء الأمانة فيه إلى عباد الله لأنهم عباده , هذا هو الذي يدعو ~~إليه الإيمان فلا يظن لمؤمن أن يفعل غيره وذلك يقتضي البعد جدا عن الأذى ~~والرياء وكل نقيصة والملابسة لكل ما يوجب القبول من الكمال الحسي والمعنوي ~~. | ولما كان الإيقان بالوفا مرغبا في الإحسان ومبعدا من الإساءة والامتنان ~~خوفا من جزاء الملك الديان قال ms0609 { وما تنفقوا من خير } أي على أي وجه كان ~~وبأي وصف كان التصدق والمتصدق عليه { يوف } أي يبالغ في وفائه بالتضعيف ~~واصلا { إليكم وأنتم لا تظلمون * } أي لا يقع عليكم ظلم في ترك شيء مما ~~أنفقتموه ولا في نقص مما وعدتموه من التضعيف إن أحسنتم والمماثلة إن أسأتم ~~. | ولما كان غالب هذه الأحكام التي ذكرت في الإنفاق من أجل المحاويج وكان ~~ما مضى شاملا للمؤمن وغيره بين أن محط القصد في الحث عليها المؤمن قال ~~سبحانه وتعالى : { للفقراء } أي هذه الأحكام لهم { الذين أحصروا } أي منعوا ~~عن التكسب , وأشار بقوله : { في سبيل الله } أي الذي له الجلال والإكرام ~~إلى أن المقعد لهم عن ذلك الاشتغال بإقامة الدين بالجهاد وغيره { لا ~~يستطيعون ضربا في الأرض } بالتجارة لأجل ذلك وأشار إلى شدة رضاهم عن الله ~~سبحانه وتعالى بعدم شكايتهم فقال : { يحسبهم الجاهل } أي الذي ليس عنده ~~فطنة الخلص { أغنياء من } أجل { التعفف } عن المسألة والتلويح بها قناعة ~~بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى مولاهم ورضي عنه وشرف نفس , والتعفف تكلف ~~العفة وهي كف ما ينبسط للشهوة من الآدمي إلا بحقه ووجهه - قاله الحرالي . | ~~ولما ذكر خفاءهم على الغبي ذكر جلاءهم عند المتوسم فقال : { تعرفهم } أي يا ~~أبصر الموقنين وأفطنهم أنت ومن رسخت قدمه في متابعتك { بسيماهم } قال ~~الحرالي : وهي صيغة مبالغة من السمة والوسم وهي العلامة الخفية التي تتراءى ~~للمستبصر - انتهى . | وتلك العلامة والله سبحانه وتعالى أعلم هي السكينة ~~والوقار وضعف الصوت ورثاثة الحال مع علو الهمة والبراءة من الشماخة والكبر ~~والبطر والخيلاء ونحو ذلك { لا يسئلون } لطموح أبصار بصائرهم عن الخلق إلى ~~الخالق { الناس } من ملك ولا غيره { إلحافا } سؤال إلزام , أخذا من اللحاف ~~الذي يتغطى به للزومه لما يغطيه , ومنه PageV01P528 لاحقه أي لازمه . | ~~وقال الحرالي : هو لزوم ومداومة في الشيء من حروف الحلف الذي هو إنهاء ~~الخبر إلى الغاية كذلك اللحف إنهاء السؤال إلى الغاية - انتهى . | وإنما ~~يسألون إن سألوا على وجه العرض والتلويح الخفي , كما كا ن أبو هريرة رضي ms0610 ~~الله تعالى عنه يستقرئ غيره الآية ليضيفه وهو أعرف بها ممن يستقرئه فلا ~~يفهم مراده إلا النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فالتعبير بالتعفف يفيد الاجتها ~~في العفة والمبالغة فيها , والتقيد بالإلحاف يدل على وقوع السؤال قليلا جدا ~~أو على وجه التلويح لا التصريح كما يؤيده ويؤكده المعرفة بالسيما . | ولما ~~ذكر سبحانه وتعالى أخفى مواضع النفقة أشار إلى إخفائها لا سيما في ذلك ~~الموضع فقال : { وما تنفقوا من خير } أي في أي وقت أنفقتموه { فإن الله } ~~أي المستجمع لصفات الكمال { به عليم * } وإن اجتهدتم في إخفائه بإعطائه لمن ~~لا يسأل بأن لا يعرف أو بغير ذلك , وذكر العلم في موضع الجزاء أعظ مرغب ~~وأخوف مرهب كما يتحقق ذلك بإمعان التأمل لذلك . | ولما حض على النفقة فأكثر ~~وضرب فيها الأمثال وأطنب في المقال ولم يعين لها وقتا كان كأن سائلا قال : ~~في أي وقت تفعل ؟ فبين في ىية جامعة لأصناف الأموال والأزمان والأحوال أنها ~~حسنة في كل وقت وعلى كل حال فقال : { الذين ينفقون أموالهم } أي في الوجوه ~~الصالحة التي تقدم التنبيه عليها وقدم من المتقابلين ما كان أقرب إلى ~~الإخلاص اهتماما به دلالة على فضله فقال : { بالليل } إن اقتضى ذلك الحال { ~~والنهار } إن دعتهم إلى ذلك خطة رشد { سرا وعلانية } كذلك . | ولما كان ~~الانتهاء عن المن والأذى في بعض الأحوال أشد ما يكون على النفس لما يرى من ~~المنفق عليه من الغض ونحو ذلك فلا يكاد يسلم منه أحد . | ابتدأ الجزاء في ~~آيته من غير ربط بالفاء إشارة إلى العفو عما يغلب النفس منه تنزيلا له ~~منزلة العدم , وإيماء إلى تعظيمه بكونه ابتداء عطية من الملك , ترغيبا في ~~الكف عنه , لأنه منظور إليه في الجملة , وربط الجزاء في هذه إعلاما بأنه ~~مسبب عن هذه الأحوال , لأن الأفعال أيسر من التروك فحصوله متوقف على حصولها ~~, حثا على الإتيان بها كلها للسهولة في ذلك , لأن من سمح بالإنفاق لله ~~سبحانه وتعالى استوت عنده فيه الأوقات فقال : { فلهم أجرهم } وسببيته كونه ~~علامة لحصول الأجر ms0611 , لا أنه سبب حقيقي , إنما السبب الحقيقي رحمة الله ~~بالتوفيق للعمل والاعتداد به , وأعلم بأنه محفوظ مضاعف مربي لا يضيع أصلا ~~بقوله : { عند ربهم } أي فهو يربي نفقاتهم ويزكيها كما PageV01P529 رباهم , ~~ثم ختم آي النفقات بما بدأها به من الأمن والسرور فقال : { ولا خوف عليهم } ~~كما فرحوا بها عن غيرهم { ولا هم يحزنون * } لأنه لا ثواب أعظم من ذلك , إذ ~~لا عيشة لحزين ولا خائف ؛ ولشدة مشاق الإنفاق على الأنفس لا سيما في أول ~~الإسلام لما كانوا فيه خفية وجه إلا أظهرها وحذر منها وقررها - أشار إلى ~~ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي فقال : فأفضلهم المنفق ليلا سرا . | وأنزلهم ~~المنفق نهارا علانية ؛ فهم بذلك أربعة أصناف - انتهى . | < < # | البقرة : ( 275 - 276 ) الذين يأكلون الربا . . . . . # > > ^ ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا ~~فمن جآءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون * يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب ~~كل كفار أثيم ) ^ } ) | ولما كان سبحانه وتعالى قد ذكر النفقة مما أفاض ~~عليهم من الرزق من أول السورة إلى هنا في غير آية , ورغب فيها بأنواع من ~~الترغيب في فنون من الأساليب , وكان الرزق يشمل الحلال والحرام , وكان مما ~~يسترزقون به قبل الإسلام الربا , وهو أخذ مجانا , وهو في الصورة زيادة وفي ~~الحقيقة نقص وعيب , ضد ما تقدم الحث عليه من الإعطاء مجانا , وهو في الظاهر ~~نقص وفي الباطن زيادة وخير ؛ نهاهم عن تعاطيه ونفرهم منه , وبين لهم حكمه ~~وأنه خبيث لا يصلح لأكل ولا صدقة , وجعل ذلك في أسلوب الجواب لمن قال هل ~~يكون النفقة المحبوبة المحثوث عليها من كل مال ؟ فأجاب بقوله : - وقال ~~الحرالي : ولما كان حال المنفق لا سيما المبتغي وجه الله سبحانه وتعالى ~~أفضل الأحوال , وهو الحال الذي دعوا إليه ؛ نظم به أدنى الأحوال , وهو الذي ~~يتوسل به إلى الأموال بالربا ms0612 , فأفضل الناس المنفق , وشر الناس المربي ؛ ~~فنظم به خطاب الربا فقال : - { الذين } ولما كان من الصحابة من أكل الربا ~~عبر بالمضارع إشارة إلى أن هذا الجزاء يخص المصر فقال : { يأكلون الربا وهو ~~الزيادة من جنس المزيد عليه المحدود بوجه ما - انتهى . | فجرى على عادة هذا ~~الذكر الحكيم في ذكر أحد الضدين بعد الآخر , وعبر بالأكل عن التناول , لأنه ~~أكبر المقاصد وأضرها ويجري من الإنسان مجرى الدم كالشيطان { لا يقومون } أي ~~عند البعث يظهر ثقله في بطونهم فيمنعهم النشاط ويكون ذلك سيماهم يعرفون به ~~بين أهل الموقف هتكا لهم وفضيحة . | وقال الحرالي : في إطلاقه إشعار بحالهم ~~في الدنيا والبرزخ والآخرة , ففي إعلامه إيذان بأن آكله يسلب عقله ويكون ~~PageV01P530 بقاؤه في الدنيا بخرق لا بعقل , يقبل في محل الإدبار ويدبر في ~~محل الإقبال انتهى . | وهو مؤيد بالمشاهدة فإنا لم نر ولم نسمع قط بآكل ربا ~~ينطق بالحكمة ولا يشهر بفضيلة بل هم أدنى الناس وأدنسهم { إلا كما يقوم } ~~المصروع { الذي يتخبطه } أي يتكلف خبطه ويكلفه إياه ويشق به عليه { الشيطان ~~} ولما كان ذلك قد يظن أنه يخبط الفكر بالوسوسة مثلا قال : { من } أي تخبطا ~~مبتدئا من { المس } أي الجنون , فأشار سبحانه وتعالى بذلك إلى المنع من أن ~~تكون النفقة من حرام ولا سيما الربا , وإلى أن الخبيث المنهي عن تيمم ~~إنفاقه قسمان : حسي ومعنوي , والنهي في المعنوي أشد . | وقال البيضاوي تبعا ~~للزمخشري : وهو أي التخبط والمس وارد على ما يزعمون أي العرب أن الشيطان ~~يخبط الإنسان فيصرع وأن الجني يمسه فيختلط عقله - انتهى . | وظاهره إنكار ~~ذلك وليس بمنكر بل هو الحق الذي لا مرية فيه , قال المهدوي في تفسيره : ~~وهذا دليل على من أنكر أن الصرع من جهة الجن وزعم أنه فعل الطبائع . | وقال ~~الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد : وبالجملة فالقول بوجود ~~الملائكة والجن والشياطين مما انعقد عليه إجماع الآراء ونطق به كلام الله ~~سبحانه وتعالى وكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , وحكي مشاهدة الجن عن ~~كثير من العقلاء وأرباب المكاشفات ms0613 من الأولياء , فلا وجه لنفيها ؛ وقال : ~~الجن أجسام لطيفة هوائية تتشكل بأشكال مختلفة ويظهر منها أحوال عجيبة , ~~والشياطين أجسام نارية شأنها إلقاء الناس في الفساد والغواية ؛ ولكون ~~الهواء والنار في غاية اللطافة والتشفيف كانت الملائكة والجن والشياطين ~~يدخلون المنافذ الضيقة حتى أجواف الناس ولا يرون بحس البصر إلا إذا اكتسبوا ~~من الممتزجات - انتهى . | وقد ورد في كثير من الأحاديث عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن ( الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) وورد ( أنه صلى الله ~~عليه وسلم أخرج الصارع من الجن من جوف المصروع في صورة كلب ) ونحو ذلك ؛ ~~وفي كتب الله سبحانه وتعالى المتقدمة ما لا يحصى من مثل PageV01P531 ذلك , ~~فأما مشاهدة المصروع يخبر بالمغيبات وهو مصروع غائب الحس , وربما كان يلقى ~~في النار وهو لا يحترق , وربما ارتفع في الهواء من غير رافع , فكثير جدا لا ~~يحصى مشاهدوه - إلى غير ذلك من الأمور الموجبة للقطع أن ذلك من الجن أو ~~الشياطين ؛ وها أنا أذكر لك من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ثم من كتب ~~الله القديمة ما فيه مقنع لمن تدبره - والله سبحانه وتعالى الموفق : روى ~~الدارمي في أوائل مسنده بسند حسن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ( أن ~~امرأة جاءت بابن لها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ! ~~إن ابني به جنون وإنه يأخذه عند أغدائنا وعشائنا فيخبث علينا , فمسح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صدره ودعا فثع ثعة وخرج من صدره مثل الجرو الأسود ~~) فثع ثعة بمثلثة ومهملة أي قاء وللدارمي أيضا وعبد بن حميد بسند صحيح حسن ~~أيضا عن جابر رضي الله تعالى عنه قال : ( خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في سفر فركبنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بيننا كأنما على رؤوسنا الطير تظلنا , فعرضت له امرأة معها صبي لها ~~فقالت : يا رسول الله ! إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرار , ~~فتناول الصبي فجعله ms0614 بينه وبين مقدم الرحل ثم قال : ) اخسأ عدو الله أنا ~~رسول الله ثلاثا ! ثم دفعه إليها ( وأخرجه الطبراني من وجه آخر وبين أن ~~السفر غزوة ذات الرقاع وأن ذلك في حرة واقم , قال جابر : ) فلما قضينا ~~سفرنا مررنا بذلك المكان بذلك المكان فعرضت لنا المرأة ومعها صبيها ومعها ~~كبشان تسوقهما فقالت : يا رسول الله ! اقبل مني هديتي , فوالذي بعثك بالحق ~~ما عاد إليه بعد ذلك ! فقال : خذوا منها واحدا وردوا عليها الآخر ( وروى ~~البغوي في شرح السنة عن يعلى بن مرة رضي الله تعالى عنه . | وفي الإنجيل من ~~ذلك كثير جدا , قال في إنجيل متى ولوقا ومرقس يزيد أحدهم على الآخر وقد ~~جمعت بين ألفاظهم : وجاء يعني عيسى عليه الصلاة والسلام إلى عبر البحر إلى ~~كورة الجرجسيين , وقال في إنجيل لوقا : التي هي مقابل عبر الجليل , فلما ~~خرج من السفينة استقبله مجنون , قال لوقا : من المدينة معه شياطين , وقال ~~متى مجنونان جائيان من المقابر رديئان جدا حتى أنه لم يقدر PageV01P532 أحد ~~أن يجتاز من تلك الطريق فصاحا قائلين : ما لنا ولك يا يسوع ! جئت لتعذبنا ~~قبل الزمان ؛ قال لوقا : وكان يربط بالسلاسل والقيود ويحبس , وكان يقطع ~~الرباط ويقوده الشيطان إلى البراري , فسأله يسوع : ما اسمك ؟ فقال : لاجاون ~~, لأنه دخل فيه شياطين كثيرة ؛ وقال مرقس : فقال له : اخرج أيها الروح ~~النجس ! اخرج من الإنسان , ثم قال له : ما اسمك ؟ فقال : لاجاون اسمي لأنا ~~كثير , وطلب إليه أن يرسلهم خارجا من الكورة ؛ وكان هناك نحو الجبل قطيع ~~خنازير كثيرة يرعى بعيدا منهم , فطلب إليه الشياطين قائلين : إن كنت تخرجنا ~~فأرسلنا إلى قطيع الخنازير فقال لهم : اذهبوا , وقال مرقس : فأذن لهم يسوع ~~, فللوقت خرجت الأرواح النجسة ودخلت في الخنازير وقال : متى : فلما خرجوا ~~ومضوا في الخنازير وإذا بقطيع خنازير قد وثب على جرف وتواقع في البحر ومات ~~جميعه في المياه , وأن الرعاة هربوا ومضوا إلى المدينة وأخبروهم بكل شيء ~~وبالمجنونين , فخرج كل من في المدينة للقاء يسوع ؛ قال مرقس : وأبصروا ذلك ~~المجنون جالسا ms0615 لابسا عفيفا فخافوا , فلما أبصروه - يعني عيسى عليه الصلاة ~~والسلام - طلبوا إليه أن يتحول عن تخومهم ؛ قال لوقا : لأنهم خافوا عظيما , ~~وقال مرقس : فلما صعد السفينة طلب إليه المجنون أن يكون معه فلم يدعه يسوع ~~لكن قال له امض إلى بيتك وعرفهم صنع الرب بك ورحمته إياك , فذهب وكرز في ~~العشرة مدن , وقال كل ما صنع به يسوع فتعجب جميعهم ؛ وفي إنجيل لوقا معناه ~~, وفي آخره : فذهب وكان ينادي في المدينة كلها بكل ما صنعه معه يسوع ؛ وفي ~~إنجيل متى : فلما خرج يسوع من هناك قدموا إليه أخرس به شيطان , فلما خرج ~~الشيطان تكلم الأخرس , فتعجب الجميع قائلين : لم يظهر قط هكذا في بني ~~إسرائيل , فقال الفريسيون : إنه باركون الشياطين يخرج الشياطين . | ثم قال ~~: حينئذ أتى إليه بأعمى به شيطان أخرس , فأبرأه حتى أن الأخرس تكلم وأبصر , ~~فبهت الجمع كلهم وقالوا : لعل هذا هو ابن داود , فتسمع الفريسيون فقالوا : ~~هذا لا يخرج الشياطين إلا بباعل زبول رئيس الشياطين . | وفيه بعد ذلك : ~~فلما جاء إلى الجمع جاء إليه إنسان ساجدا له قائلا : يا رب ! وفي إنجيل ~~لوقا : يا معلم ! ارحم ابني , فإنه يعذب في رؤوس الأهلة , ومرارا كثيرة ~~يريد أن ينطلق في النار , ومرارا كثيرة في الماء ؛ وفي إنجيل مرقس : قد ~~أتيتك يا بني ! وبه روح نجس وحيث ما أدركه صرعه وأزبده وضرر أسنانه فتركه ~~يابسا , وفي إنجيل لوقا : أضرع إليك أن تنظر إلى ابني , لأنه وحيدي , وروح ~~يأخذه فيصرخ بغتة و يلبطه بجهل , ويزيد عند انفصاله عنه ويرضضه , وضرعت ~~لتلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا ؛ وفي إنجيل متى : وقدمته إلى تلاميذك فلم ~~PageV01P533 يقدروا أن يبرئوه , أجاب يسوع : أيها الجيل الأعوج الغير مؤمن ~~! إلى متى أكون معكم ! وحتى متى أحتملكم ! قدمه إلى هنا ؛ وفي إنجيل لوقا : ~~وفيما هو جاء به طرحه الشيطان ولبطه ؛ وفي إنجيل مرقس : فلما رأته الروح ~~النجسة من ساعته صرعته وسقط على الأرض مضطربا مزبدا ؛ ثم قال لأبيه : من كم ~~أصابه هذا ؟ فقال : منذ صباه , ثم قال ما معناه ms0616 : افعل معه ما استطعت وتحنن ~~علينا , فقال له يسوع : كل شيء مستطاع للمؤمن , فصاح أبو الصبي وقال : أنا ~~أومن فأعن ضعف إيماني , فلما رأى يسوع تكاثر الجمع انتهر الروح النجس وقال ~~: يا أيها الروح الأصم الغير ناطق ! أنا آمرك أن تخرج منه ولا تدخل فيه , ~~فصرخ ولبطه كثيرا وخرج منه وصار كالميت , وقال كثير : إنه مات , فأمسك ~~يسوعبيده وأقامه فوقف ؛ وفي إنجيل متى : فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان ~~وبرئ الفتى في تلك الساعة , حينئذ أتى التلامذة إلى يسوع منفردين وقالوا له ~~: لماذا لم نقدر نحن نخرجه ؟ فقال لهم يسوع : من أجل قلة إيمانكم , الحق ~~أقول لكم أن لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لقلتم لهذا الجبل : انتقل من ~~هاهنا إلى هناك , فينتقل ولا يعسر عليكم شيء , وهذا الجنس لا يخرج إلا ~~بالصوم والصلاة ؛ وقال مرقس : لا يستطاع أن يخرج بشيء إلا بصلاة وصوم ؛ ~~وقال في إنجيل مرقس : إنه كان يعلم في كفرناحوم مدينة في الجليل , قال : ~~وكان في مطجمعهم رجل فيه روح شيطان نجس فصاح بصوت عظيم قائلا : ما لنا ولك ~~يا يسوع الناصري ! أتيت لتهلكنا ! قد عرفنا من أنت يا قدوس الله ! فنهره ~~يسوع قائلا : اسدد فاك واخرج منه ! فأقلقته الروح النجسة وصاح بصوت عظيم ~~وخرج منه ؛ وفي إنجيل لوقا : فطرحه الشيطان في وسطهم وخرج منه ولم يؤلمه ~~وخاف الجمع مخاطبين بعضهم بعضا قائلين : ما هو هذا العلم الجديد الذي ~~سلطانه يأمر الأرواح النجسة فتطيعه ! وخرج خبره في كل كورة الجليل ؛ وفيه : ~~ثم قام من هناك وذهب إلى تخوم صور وصيدا ودخل إلى بيت فأراد أن لا يعلم أحد ~~به , فلم يقدر أن يختفي , فلما سمعت امرأة كانت بابنة لها روح نجس جاءت ~~إليه وسجدت قدام قدميه , وكانت يونانية صورية , وسألته أن يخرج الشيطان من ~~ابنتها , فقال لها : دعي البنين حتى يشبعوا أولا , لا تحسبن أن يؤخذ خبز ~~البنين يدفع للكلاب , وأجابت بنعم يا رب ! والكلاب أيضا تأخذ مما يسقط من ~~المائدة من فتات الأطفال , فقال لها من ms0617 أجل هذه الكلمة : اذهبي قد خرج ~~الشيطان من ابنتك , فذهبت إلى بنتها فوجدت الصبية على السرير والشيطان قد ~~خرج منها ؛ وفي آخر إنجيل مرقس : إنه أخرج من مريم المجدلانية سبعة شياطين ~~؛ وفي إنجيل لوقا : وكان بعد ذلك يسير إلى كل مدينة وقرية ويكرز ويكبر ~~بملكوت الله ومعه الاثنا عشر ونسوة كن أبرأهن من الأمراض والأرواح الخبيثة ~~: مريم PageV01P534 التي تدعى المجدلانية التي أخرج منها سبعة شياطين ومرثا ~~امراة خوزي خازن هين ودس وسوسنة وأخوات كثيرات ؛ وفي إنجيل لوقا : وفيما هو ~~يعلم في أحد المجامع في السبت فإذا امرأة معها روح مزمن منذ ثمان عشرة سنة ~~وكانت منحنية لا تقدر أن تستوي البتة , فنظر إليها يسوع وقال : يا امرأة ! ~~أنت محلولة من مرضك ووضع يده عليها , فاستقامت للوقت ومجدت الله , فأجاب ~~رئيس الجماعة وهومغضب وقال للجميع : لكم ستة أيام ينبغي العمل فيها وفيها ~~تأتون وتستشفعون إلا في السبت ! فقال : يا مراؤون ! واحد منكم يحل ثوره أو ~~حماره من المدود في السبت ويذهب فيسقيه وهذه ابنة إبراهيم كان الشيطان قد ~~ربطها منذ ثمان عشرة سنة ! أما كان يحل أن تطلق من هذا الرباط في يوم السبت ~~؟ فلما قال هذا الكلام أخزى كل من كان يقاومه . | وكل الشعب كانوا يفرحون ~~بالأعمال الحسنة التي كانت منه - انتهى . | وإنما كتبت هذا مع كون ما نقل ~~عن نبينا صلى الله عليه وسلم كافيا لأنه لا يدفع أن يكون فيه إيناس له ~~ومصادقة تزيد في الإيمان مع أن فيه دلائل رادة على النصارى في ادعائهم ~~التثليث والاتحاد وأحسن ما رد على الإنسان من كلامه وبما يعتقده , وسيأتي ~~إن شاء الله سبحانه وتعالى في المائدة عند قوله سبحانه وتعالى : { وما من ~~إله إلا الله } ما يلتفت إلى بعض هذا ويشرحه شرحا جيدا نافعا وكذا في جميع ~~ما أنقله من الإنجيل كما ستراه إن شاء الله تعالى في مواضعه , وكل ما فيه ~~من متشابه لم تألفه مما يوهم اتحادا أو تثليثا فلا تزدد نفرتك منه وراجع ما ~~سيقرر في آل ms0618 عمران وغيرها يرجع معك إلى المحكم رجوعا جليا , على أن أكثره ~~إذا تؤملت أطرافه وجدته لا شبهة فيه أصلا , وإن لم تكن أهلا للجري في مضمار ~~ما ينسب إلى أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه : كن ممن يعرف الرجال ~~بالحق ولا تكن ممن يعرف الحق بالرجال , فانظر كتاب الرد الجميل لإلهية عيسى ~~بصريح الإنجيل لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى تجده أول ~~كثيرا مما ذكرته بمثل تأويلي أو قريب منه , ولم أر كتابه إلا بعد كتابتي ~~لذلك - والله سبحانه وتعالى الموفق . | وفي الآية إشارة إلى أنه سبحانه ~~وتعالى قضى بنزع نور العقل من المربي ودل على ذلك بقوله : { ذلك } أي الأمر ~~البعيد من الصواب { بأنهم } أي المربون { قالوا } جدالا لأهل الله { إنما ~~البيع } أي الذي تحصرون الحل فيه يا أهل الإسلام { مثل الربا } في أن كلا ~~منهما معاوضة , فنحن نتعاطى الربا كما تتعاطون أنتم البيع , فما لكم ~~تنكرونه علينا ؟ فجعلهم الربا أصلا انسلاخ مما أودعه الله في نور العقل ~~وحكم الشرع وسلامة الطبع من الحكمة ؛ والبيع كما عرفه الفقهاء نقل ملك بثمن ~~. | وقال الحرالي : هو رغبة PageV01P535 المالك عما في يده إلى ما في يد ~~غيره , والشراء رغبة المستملك فيما في يد غيره بمعاوضة بما في يده مما رغب ~~عنه , فلذلك كل شار بائع { وأحل } أي والحال أنه أحل { الله } الذي له تمام ~~العظمة المقتضية للعدل { البيع } أي لما فيه من عدل الانتفاع , لأنه معاوضة ~~على سبيل النصفة للتراضي من الجانبين , لأن الغبن فيه غير محقق على واحد ~~منهما , لأن من اشترى ما يساوي درهما بدرهمين يمكن أن يبيعه بعد ذلك لرواجه ~~أو وجود راغب فيه لأمر دعاه إليه بثلاثة { وحرم الربا } لما فيه من اختصاص ~~أحد المتعاملين بالضرر والغبن والآخر بالاستئثار على وجه التحقيق , فإن من ~~أخذ درهما بدرهمين لا يرجى خير ما فاته من ذلك الوجه أصلا , وكذلك ربا ~~المضاعفة وهو ما إذا طلب دينه فكان الغريم معسرا فألزمه بالدفع أو الزيادة ~~في الدين فإنه ليس ms0619 في مقابلة هذا الزائد شيء ينتفع به المدين . | قال ~~الحرالي : فيقع الإيثار قهرا وذلك الجور الذي يقابله العدل الذي غايته ~~الفضل , فأجور الجور في الأموال الربا , وأجور الجور في الربا الربا كالذي ~~يقتل بقتيل قتيلين , وكل من طفف في ميزان فتطفيفه ربا بوجه ما ؛ ولذلك ~~تعددت أبواب الربا وتكثرت ؛ قال قال صلى الله عليه وسلم : ( الربا بضع ~~وسبعون بابا , والشرك مثل ذلك وهذا رأسه ) وهو ما كانت تتعامل به أهل ~~الجاهلية , من قولهم : إما أن تربي وإما أن تقضي , ثم لحق به سائر أبوابه , ~~فهو انتفاع للمربي وتضرر للذي يعطي الربا , وهذا أشد الجور بين العبيد ~~الذين حظهم التساوي في أمر بلغة الدنيا ؛ فكما أعلمهم سبحانه وتعالى أثر ~~حكمة الخير في الإنفاق أعلمهم أثر حكمة الشر في الربا في دار الآخرة وفي ~~غيب أمر الدنيا وكما أنه يعجل للمنفق خلفا في الدنيا كذلك يعجل للمربي محقا ~~في الدنيا حسب ما صرح به الخطاب بعد هذا الإشعار - انتهى . | ومادة بيع ~~بجميع تقاليبها التسعة يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة : بيع وعيب وعبي ~~وبوع وبعو ووبع ووعب وعبو وعبا - تدور على الاتساع , فالبيع يدور على ~~التصرف التام بالقوة تارة وبالفعل أخرى , والذي بالفعل يكون بالملك تارة ~~وبغيره أخرى , والذي بالملك يكون بالتحصيل تارة وبالإزالة أخرى , ولا يخفى ~~أن كل ذلك من الاتساع فمن الذي بالقوة : باعه من السلطان سعى به إليه , ~~وامرأة بائع إذا كانت نافقة لجمالها , والبياعة السلعة , والبيع كسيد : ~~المساوم , وأبعته بمعنى عرضته للبيع ؛ ومن الذي بالفعل من غير ملك : باع ~~على بيعه أي قام مقامه في المنزلة والرفعة وظفر به , وكذا أبعت الرجل فرسا ~~أي أعرته إياه ليغزو عليه ؛ ومن PageV01P536 الذي بالملك إزالة : بعته ~~وأبعته أي أزلت ملكي عنه بثمن , واستباعه سأله أن يبيعه منه , وانباع نفق , ~~وانباع لي في سلعته سامح في بيعها وامتد إلى الإجابة إليه ؛ ومن الذي ~~بالملك تحصيلا : باع الشيء بمعنى اشتراه . | قال الفارابي في ديوان الأدب : ~~قال أبو ثروان : بع لي تمرا بدرهم - يريد اشتر ms0620 , وهذا الحرف من الأضداد , ~~وابتاعه : اشتراه . | والعيب بمعنى الوصمة توسع الكلام في العرض وسببه توسع ~~الإنسان في قول أو فعل على غير منهاج العقل , والعيبة وعاء من أدم يوضع فيه ~~المتاع وهي أيضا الصدر والقلب وموضع السر , والعائب من اللبن الخادر أي ~~الآخذ طعم حموضة إما من العيب وإما لأنه انتشر عن طعمه الأول ؛ والعباية ~~ضرب من الأكسية لاتساعه عن الأزر ونحوها طولا وعرضا والرجل الجافي الثقيل ~~تشبيها بها في الخشونة والثقالة , وتعبئة الجيش تهيئته من موضعه كأن مراكزه ~~عياب له وضعت كل فرقة منه في عيبتها , وعيبك من الجزور نصيبك , والتعابي أن ~~يميل رجل مع قوم وآخر مع آخرين لأن ذلك اتساع بالفريقين وانتشار من الرجلين ~~؛ ومن المهموز العبء - بالكسر وهو الحمل الثقيل من أي شيء كان لأنه بقدر ~~وسع الحامل أو فوق وسعه وهو أوسع مما ونه من الأحمال , وهو أيضا العدل لأنه ~~يسع ما يوضع فيه والمثل , ويفتح لأن الاثنين أوسع من الواحد , والعبء ~~بالفتح ضياء الشمس وهو واضح في السعة , وعبأ المتاع والأمر كمنع هيأ كعبأه ~~تعبئة لأنه أعطاه ما يسعه ووضعه في مواضع تسعه , والطيب صنعه وخلطه فاتسع ~~بالخلط وانتشرت رائحته بالصنعة ؛ والعباء كساء معروف وهو يسع ما يلف به ~~كالعباية , والأحمق الثقيل الوخم وتقدم تخريجه ويمكن جعله من العبء بمعنى ~~الحمل وبمعنى الثقيل والمعبأة كمكنسة خرقة الحائض لأنها بقدر ما يسعه الفرج ~~, والمعبأ كمقعد المذهب لاتساعه للذاهب فيه , وما أعبأ به ما أصنع , وبفلان ~~: ما أبالي أي ما أوسع الفكر فيه - انتهى المهموز ؛ والباع قدر مد اليدين ~~والشرف والكرم , والبوع أبعاد خطو الفرس في جريه , وبسط اليد بالمال , ~~والمكان المنهضم أي المطمئن في لصب الجبل - واللصب بالكسر الشعب الصغير من ~~الجبل أضيق من اللهب وأوسع من الشقب , واللهب مهواة ما بين كل جبلين أو ~~الصدع في الجبل أو الشعب الصغير , والشعب بالعين الطريق في الجبل ومسيل ~~الماء في بطن أرض أو ما انفرج بين الجبلين , والشقب بالقاف صدع يكون في ~~لهوب الجبال ولصوب الأودية ms0621 دون الكهف توكر فيه الطير - وباعة الدار ساحتها ~~, والبائع ولد الظبي إذا باع في مشيه , وانباع العرق سال , والحية بسطت ~~نفسها بعد تحويها لتساور ؛ والوباعة الاست لاتساعها بخروج الخارج منها , ~~وكذبت وباعته أي حبق يعني ضرط , والوباعة من الصبي ما يتحرك من يافوخه ~~لامتداده إلى الحركة , ووعبه كوعده PageV01P537 أخذه أجمع , كأوعبه ~~واستوعبه , وأوعب جمع , والشيء في الشيء أدخله كله أي وسعه حتى دخل فيه , ~~والوعب من الطرق : الواسعة , وبيت وعيب واسع ؛ والبعو الجناية والجرم لأن ~~ذلك يوسع الكلام في العرض , وهو أيضا العارية , وبعاه قمره وأصاب منه , ~~وبعاه بالعين أصابه بها كأنه وسع لعينه فيه حظا . | ولما كان الوعظ كما قال ~~الحرالي دعوة الأشياء بما فيها من العبرة للانقياد للإله الحق بما يخوفها ~~ويقبضها في مقابلة التذكير بما يرجيها ويبسطها , وكان فيما أخبر به سبحانه ~~وتعالى عن حال المربي أتم زاجر لأن أجل ما للإنسان بعد روحه عقله سبب عن ~~ذلك قوله : { فمن جاءه } قال الحرالي : أطلق الكلمة من علامة التأنيث ~~النازل الرتبة ترفيعاص لقدر هذه الموعظة الخفية المدرك العظيمة الموقع { ~~موعظة } بناء مبالغة وإعلاء لما أشعرت المفعلة الزائدة الحروف على أصل لفظ ~~الوعظ بما يشعر به الميم من التمام والهاء من الانتهاء , فوضع الأحكام حكمة ~~, والإعلام بثمراتها في الآخرة موعظة تشوق النفس إلى رغبتها ورهبتها - ~~انتهى . | ولما كان التخويف من المحسن أردع لأن النفس منه أقبل قال : { من ~~ربه } أي المربي له المحسن إليه بكل ما هو فيه من الخير . | قال الحرالي : ~~في إشعاره أن من أصل التربية الحمية من هذا الربا - انتهى . | { فانتهى } ~~أي عما كان سببا للوعظ . | قال الحرالي : أتى بالفاء المعقبة فلم يجعل فيه ~~فسحة ولا قرارا عليه لما فيه من خبل العقل الذي هو أصل مزية الإنسانية وإن ~~لم يشعر به حكماء الدنيا ولا أطباؤها - انتهى . | ولما كان السياق بما أرشد ~~إليه التعليل بقوله : { ذلك بأنهم قالوا } دالا على أن الآية في الكفرة وأن ~~المراد بالأكل الاستحلال أكد ذلك بقوله : { فله ما سلف } أي من ms0622 قبيح ما ~~ارتكبه بعد أن كان عليه ولا يتبعه شيء من جريرته لأن الإسلام يجب ما قبله ~~وتوبة المؤمن لا تجب المظالم . | قال الحرالي : والسلف هو الأمر الماضي ~~بكليته الباقي بخلفه , وقال : في إعلامه إيذان بتحليل ما استقر في أيديهم ~~من ربا الجاهلية ببركة توبتهم من استئناف العمل به في الإسلام لما كان ~~الإسلام يجب ما قبله , وفي طي إشعاره تعريض برده لمن يأخذ لنفسه بالأفضل ~~ويقوي إشعاره قوله { وأمره إلى الله } انتهى , أي فهو يعامله بما له من ~~الجلال والإكرام بما يعلمه من نيته من خلوص وغيره . | ولما كان المربون بعد ~~هذه الزواجر بعيدين من رحمة الله عبر عنهم سبحانه وتعالى بأداة البعد في ~~قوله : { ومن عاد } أي إلى تحليل الربا بعد انتهائه عنه نكوبا عن حكمة ربه ~~{ فأولئك } أي البعداء من الله { أصحاب النار } ولما كانت نتيجة الصحبة ~~الملازمة قال : { هم فيها خالدون } . | PageV01P538 ولما كان المرغب في ~~الربا ما فيه من الربح الناجز المشاهد , والمفتر عن الصدقة كونها نقصا ~~محققا بالحس بين أن الربا وإن كان بصورة الزيادة فهو نقص وأن الصدقة وإن ~~كانت بصورة النقص فهي زيادة لأن ذلك إنما هو بيده سبحانه وتعالى فما شاء ~~محقه وإن كان كثيرا أو ما أراد نماه وإن كان يسيرا فقال كالتعليل للأمر ~~بالصدقة والنهي عن الربا ولكون فاعله من أهل النار : { يمحق الله } أي بما ~~له من الجلال والقدرة { الربا } بما يفتح له من أبواب المصارف . | قال ~~الحرالي : والمحق الإذهاب بالكلية بقوة وسطوة { ويربي الصدقات } أي يزيد ~~الصدقات بما يسد عنها مثل ذلك ويربح في تقلباتها ؛ ويجوز كونه استئنافا ~~وذلك أنه لما تقرر أن فاعليه من أصحاب النار ساقه مساق الجواب لمن كأنه قال ~~: وإن تصدقوا من أموال الربا وأنفقوا في سبيل الخير ! إعلاما بأن الربا ~~مناف للخير فهو مما يكون هباء منثورا . | ولما آذن جعلهم من أصحاب النار أن ~~من لم ينته عن الربا أصلا أو انتهى وعاد إلى فعله مرتبك في شرك الشرك قاطع ~~نحوه عقبات : ثنتان ms0623 منها في انتهاك حرمة الله : ستر آياته في عدم الانتهاء ~~, والاستهانة بها في العود إليه , الثالثة انتهاك حرمة عباد الله فكان إثمه ~~متكررا مبالغا فيه لا يقع إلا كذلك عبر سبحانه وتعالى بصيغة المبالغة في ~~قوله عطفا على ما تقديره تعليلا لما قبله : فالمتصدق مؤمن كريم والمربي ~~كفار أثيم : { والله } المتصف بجميع صفات الكمال { لا يحب كل كفار } أي في ~~واجب الحق بجحد ما شرع من آياته وسترها والاستهانة بها , أو كفار لنعمته ~~سبحانه وتعالى بالاستطالة بما أعطاه على سلب ما أعطى عباده { أثيم * } في ~~واجب الخلق , أي منهمك في تعاطي ما حرم من اختصاصاتهم بالربا وغيره , فلذا ~~لا يفعل معهم سبحانه وتعالى فعل المحب لا بالبركة في أموالهم ولا باليمن في ~~أحوالهم , وهذا النفي من عموم السلب , وطريقه أنك تعتبر النفي أولا ثم ~~تنسبه إلى الكل , فيكون المعنى : انتفى عن كل كفار أثيم حبه , وكذا كل ما ~~ورد عليك من أشباهه إن اعتبرت النسبة إلى الكل أولا ثم نفيت فهو لسلب ~~العموم , وإن اعتبرت النفي أولا ثم نسبته إلى الكل فلعموم السلب , وكذلك ~~جميع القيود ؛ فالكلام المشتمل على نفي وقيد قد يكون لنفي التقييد وقد يكون ~~لتقييد النفي , فمثل : ما ضربته تأديبا , أي بل إهانة , سلب للتعليل والعمل ~~للفعل , وما ضربته إكراما له , أي تركت ضربه للإكرام , تعليل للسلب والعمل ~~للنفي , وما جاءني راكبا , أي بل ماشيا , نفي للكيفية , وما حج مستطيعا , ~~أي ترك الحج مع الاستطاعة , تكييف للنفي ؛ وقد أشبع الشيخ سعد الدين ~~التفتازاني رحمه الله تعالى الكلام في ذلك في شرحه للمقاصد في بحث الرؤية ~~عند استدلال المعتزلة بقوله تعالى : < # > 77 ( { لا تدركه الأبصار } ) 77 < # > [ الأنعام : 104 ] . | PageV01P539 < < # | البقرة : ( 277 - 282 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > ^ ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يأيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من ~~الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس ms0624 أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون * وإن كان ذو ~~عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون * واتقوا يوما ~~ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون * يأيها الذين ~~آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا ~~يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ~~ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع ~~أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهدآء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما ~~الأخرى ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا ~~إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون ~~تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا ~~تبايعتم ولا يضآر كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ~~ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم ) ^ } ) | ولما بين تعالى ما سلبه عن ~~الكافرين من محبته أتبعه ما أثبته ما أثبته للمؤمنين المصدقين من رحمة ~~الملوح إليهم فيما قبل بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر كما تقدم آنفا على ~~وجه لم يخله من ذكر النفقة فقال تعالى مشيرا إلى قسيم { ومن عاد } { إن ~~الذين آمنوا } أي صدقوا بجميع ما أتتهم به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ~~عن الله سبحانه وتعالى { وعملوا } تصديقا لإيمانهم { الصالحات } ائتمارا ~~وانتهاء لا سيما ترك الربا . | ولما كانت الصلاة زبدة الدين فيما بين الحق ~~والخلق خصها بالذكر فقال : { وأقاموا الصلاة } بجميع حدودها ^ ( { إن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } ) ^ [ العنكبوت : 45 ] . | ولما كان ~~الإيثار أجل ما بين الحق والخلق وزبدته إخراج الواجب من المال عن طيب نفس ~~قال : { وآتوا الزكاة } فضلا عن أن يبخلوا فضلا عن أن يربوا ودل على أن ~~جزاءهم بحسب النيات لثباتهم في فتنة الردة بقوله : { لهم أجرهم } وأعلم ms0625 ~~بحفظه وتنميمته بقوله : { عند ربهم } وآذن بتمام الانتفاع بقوله : { ولا ~~خوف عليهم } PageV01P540 أي من طارق يطرقهم بغير ما يلائمهم لأنهم في كنف ~~العزيز العليم { ولا هم يحزنون } على شيء فاتهم فهم في غاية الرضى بما هم ~~فيه , ولعظيم الجدوى في ذلك كرره في هذه الآيات غير مرة ونوه به كرة في أثر ~~كرة . | ولما كانت نتيجة الآية الماضية في الاعتماد على ما عند الله سبحانه ~~وتعالى من الأجر وعدم الحزن على ما فات من ربا وغيره والخوف من شيء آت من ~~فقر أو غيره ترك كل شيء ينسب إلى الربا وكان بين أهل الإسلام وأهل الجاهلية ~~وبين بعضهم و بعض معاملات في الجاهلية ربوية لم تتم بعد بين أمرها نفيا لما ~~قد يتوهم من قوله سابقا { فله ما سلف } من تحليل بقايا الربا وأن النهي خاص ~~بما تجدد منه فقال مخاطبا لأقرب من ذكره ممن تلبس بالإيمان ولم يلتفت إلى ~~غيرهم تشريفا لهم : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالتصديق بألسنتهم . ~~| ولما كان الربا قد يكون مؤجلا فيكون صاحبه قد مضت عليه مدد وهو موطن نفسه ~~على أخذه فيصير الكف عنه يعدل الموت عنده أبلغ سبحانه وتعالى في التشديد في ~~هذه المواعظ فقال : { اتقوا الله } أي الذي له جميع العظمة تصديقا لإقراركم ~~{ وذروا } أي اتركوا أي ترك كان { ما بقي من الربا } أي الذي كنتم تتعاملون ~~به فلا تستحلوه ولا تأكلوه . | ولما لوح في أول الآية إلى أن من أصر فهو ~~غير صادق في دعوى الإيمان صرح بذلك في آخرها فقال : { إن كنتم مؤمنين } أي ~~متصفين بما ذكرتموه بألسنتكم . | قال الحرالي : فبين أن الربا والإيمان لا ~~يجتمعان وأكثر بلايا هذه الأمة حتى أصابها ما أصاب بني إسرائيل من البأس ~~الشنيع والانتقام بالسنين إنما هو من عمل من عمل بالربا , وهذه الآية أصل ~~عظيم في أحكام الكفار إذا أسلموا فما مضى منها لم ينقص وما لم يمض لم يفعل ~~- نبه عليه الأصبهاني . | ولما كان من حق من عاند السيد الأخذ سبب ms0626 عن ذلك ~~قوله : { فإن لم تفعلوا } أي ترك الربا . | قال الحرالي : في غشعاره أن ~~طائقة منهم لا يذرونه بعد تحريمه بما أنهم ليسوا من الذين كانوا مؤمنين - ~~انتهى . | { فأذنوا بحرب } أي عظيمة . | قال الحرالي : والحرب مدافعة بشدة ~~عن اتساع , المدافع بما يطلب منه الخروج عنه فلا يسمح به ويدافع عنه بأشد ~~مستطاع ؛ ثم عظم أمرها بإيراد الاسم الأعظم فقال : { من الله } العظيم ~~الجليل { ورسوله } صلى الله عليه وسلم الذي هو أعظم الخلائق بتشريفه ~~بالإضافة إليه . | وقال الحرالي : الذي هيأه للرحمة , فكان نبي الرحمة ~~محاربا له , فانقطعت وصلته من الرحيم والشفيع - انتهى . | { وإن تبتم } أي ~~فعلتم بعد الإذن بالقتال أو قبله ما أمركم الله به من ترك ما بقي منه { ~~فلكم رؤوس أموالكم } أي كما هو حال البيع . | ولما كان ذلك هو العدل لأنه ~~الحق PageV01P541 قال : { لا تظلمون } أي بأخذ شيء مما بقي من الربا { ولا ~~تظلمون } بنقص من رأس المال أو دفع بمطال لأنه الحق . | ولما كان الناس ~~منقسمين إلى موسر ومعسر أي غني وفقير كان كأنه قيل : هذا حكم الموسر { وإن ~~كان } أي وجد من المدينين { ذو عسرة } لا يقدر على الأداء في هذا الوقت { ~~فنظرة } أي فعليكم نظرة له . | قال الحرالي : وهو التأخير المرتقب نجازه { ~~إلى ميسرة } إن لم ترضوا إلا بأخذ أموالكم ؛ وقرأ نافع وحمزة بضم السين ؛ ~~قال الحرالي : إنباء عن استيلاء اليسر وهي أوسع النظرتين , والباقون بالفتح ~~إنباء عن توسطها ليكون اليسر في مرتبتين , فمن انتظر إلى أوسع اليسرين كان ~~أفضل توبة - انتهى . | { وأن تصدقوا } أي وصدقتكم على المعسر بتركه له , ~~ذلكم { خير } في الدنيا بما يبارك الله سبحانه وتعالى { لكم } ويعوضكم وفي ~~الآخرة بما يجزل لكم من الأجر . | ولما كان كل أحد يدعي العلم ويأنف أشد ~~أنفة من النسبة إلى الجهل قال : { إن كنتم تعلمون } أي إن كنتم من ذوي ~~العلم فأنتم تعرفون صحة ما دعوتكم إليه مما يقتضي الإدبار عنه أو الإقبال ~~عليه , فإذا تحققتم ذلك فامتثلوه فإنه يقبح على العلم بقبح الشيء الإصرار ms0627 ~~عليه وإلا فبينوا أنه ليس بخير وإلا فأنتم من أهل الاعوجاج بالجهل تقومون ~~بالحرب والضرب والطعن كالسباع الضارية والذئاب العاوية . | وقال الحرالي : ~~فأعلم سبحانه وتعالى أن من وضع كيانه للعلم فكان ممن يدوم علمه ؟ تنبه لأن ~~خير الترك خير من خير الأخذ فأحسن بترك جميعه - انتهى . | وروى البخاري في ~~التفسير عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ( لما أنزلت الآيات الأواخر - ~~وفي رواية : من آخر سورة البقرة في الربا - قرأهن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وفي رواية : على الناس في المسجد - ثم حرم التجارة في الخمر ) وله عن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما قال : ( آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه ~~وسلم آية الربا ) ولأبي عبيد عن ابن شهاب قال : آخر القرآن عهدا بالعرش آية ~~الربا وآية الدين . | وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : آخر آية ~~نزلت من PageV01P542 القرآن < # > 77 ( { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } ) 77 < # > [ البقرة : 281 ] قال : زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث ~~بعدها تسع ليال وبدئ به يوم السبت ومات يوم الاثنين - انتهى . | ولا مخالفة ~~لأنها من آية الربا والدين . | وروى الحديث أبو عمرو الداني في كتاب ( ~~البيان في عدد آي القرآن ) وقال فيه : ( قال الملك : اجعلها على رأس ثمانين ~~ومائتين من البقرة ) . | ولما كان من المعلوم أنه لا يدفعه حجة كان التقدير ~~: فامتثلوا ما أمرتم به واجتنبوا ما نهيتم عنه , فعطف عليه تخويفا من يوم ~~العرض عليه والمجازاة بين يديه فقال - وقال الحرالي : لما أنهي الخطاب بأمر ~~الدين وعلنه وأمر الآخرة على وجوهها وإظهار حكمتها المرتبطة بأمر الدنيا ~~وبين أمر الإنفاق والربا الذي هو غاية أمر الدين والدنيا في صلاحهما وأنهى ~~ذلك إلى الموعظة بموعود جزائه في الدنيا والآخرة أجمل الموعظة بتقوى يوم ~~الرجعة إلى إحاطة أمره ليقع الختم بأجمل موعظة وأشملها ليكون انتهاء الخطاب ~~على ترهيب الأنفس لتجتمع عزائمها على ما هو ملاك أمرها من قبول صلاح دينها ~~ودنياها ومعادها من خطاب الله سبحانه وتعالى لها ms0628 فختم ذلك بكمال معناه بهذه ~~الآية كما أنها هي الآية التي ختم بها التنزيل أنزلت على النبي صلى الله ~~عليه وسلم هو في الشكاية وهي آخر آية أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ~~في مقابلة < # > 77 ( { اقرأ باسم ربك } ) 77 < # > [ العلق : 1 ] الذي هو أول منزل النبوة و < # > 77 ( { يا أيها المدثر } ) 77 < # > [ المدثر : 1 ] الذي هو أول منزل الرسالة فكان أول الأمر نذارة وآخره ~~موعظة تبعث النفس على الخوف وتبعث القلب على الشوق من معنى ما انختم به أمر ~~خطاب الله سبحانه وتعالى في آية < # > 77 ( { مالك يوم الدين } ) 77 < # > [ الفاتحة : 4 ] انتهى - فقال تعالى : { واتقوا يوما } أي في غاية ~~العظم { ترجعون فيه } حسا بذواتكم كما أنتم في الدنيا ومعنى بجميع أموركم ~~رجوعا ظاهرا لا يحجبه شيء من الأسباب ولا يحول دونه عارض ارتياب { إلى الله ~~} الذي لا يحصر عظمته وصف ولا يحيط بها حد , فيكون حالكم بعد النقلة من ~~الدنيا كحالكم قبل البروز إليها من البطن لا تصرف لكم أصلا ولا متصرف فيكم ~~إلا الله ويكون حالكم في ذلك اليوم الإعسار , لأنه لا يمكن أحد أن يكافئ ما ~~لله سبحانه وتعالى عليه من نعمه , فمن نوقش الحساب عذب ؛ فإن كنتم تحبون ~~المجاوزة عنكم هنالك فتجاوزوا أنتم عن إخوانكم اليوم , وتصدقوا ما دمتم ~~PageV01P543 قادرين على الصدقة , واتقوا النار في ذلك اليوم ولو بشق تمرة ؛ ~~وأشار سبحانه وتعالى إلى طول وقوفهم ذلك الموقف في مقام الهيبة وتمادي ~~حبسهم في مشهد الجلال والعظمة بأداة التراخي في قوله { ثم } قال الحرالي ~~وقيل : ( يا رسول الله ! أين يكون الناس < # > 77 ( { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات } ) 77 < # > [ إبراهيم : 48 ] ؟ قال : في الظلمة دون الجسر ) وقال صلى الله عليه ~~وسلم : يقيمون في الظلمة ألف سنة . | وورد عن علي رضي الله تعالى عنه في ~~تفصيل مواقف يوم الجزاء أن الخلق يوقفون على قبورهم ألف سنة ويساقون إلى ~~المحشر ألف سنة , ويوقفون في الظلمة ألف سنة ؛ ثم يكون انشقاق السماوات ~~السبع وتبديل الأرض وما شاء ms0629 الله سبحانه وتعالى من أمره انتظارا لمجيئه ؛ ~~ففي عبرة مقاله والله سبحانه وتعالى أعلم أن ذلك يكون ستة آلاف سنة وأنها ~~كما بنيت في ستة أيام تهدم في ستة أيام < # > 77 ( { كما بدأنا أول خلق نعيده } ) 77 < # > [ الأنبياء : 104 ] , فيكون ذلك تسعة أيام ؛ ويكون مجيئه في اليوم ~~العاشر الذي هو يوم عاشوراء ذلك اليوم الذي تكرر مجيء أمره فيه في يوم ~~الدنيا - ثم وصف صلى الله عليه وسلم المواقف إلى منتهاها - انتهى . | ولما ~~كان إيقاف الإنسان على كل ما عمل من سر وعلن في غاية الكراهة إليه فضلا عن ~~جزائه على كل شيء منه لا بالنسبة إلى موقف معين بني للمفعول قوله : { توفى ~~} أي تعطى على سبيل الوفاء { كل نفس ما كسبت } من خير وشر . | قال الحرالي ~~: جاء بصيغة فعل المشعر بجري العمل على غير تكلف وتحمل , ففي إشعاره أنها ~~توفى ما كسبت من الخير وما كونت له من الشر وأن ما تكلفته من الشر وفي ~~دخلتها كراهية ربما غفر لها حيث لم تكن توفى ما كسبت وما اكتسبت كما قال في ~~الآية التي بعدها < # > 77 ( { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ) 77 < # > [ البقرة : 286 ] فكان مكتسبها عليها وربما غفر لها فإنها وفيت ما ~~كسبته من الشر واشتمل عليه ظاهرها وباطنها حتى يسرت له - انتهى . | ولما ~~كانت عادة الناس أنه إذا بقي شيء يسير وقع في محل المسامحة وكان اليسير ~~يختلف باختلاف الأصل فالألف مثلا يتسامح فيه بمائة مثلا بين أن الأمر عنده ~~على غير ذلك فقال : { وهم لا يظلمون * } شيئا يتسامح فيه بمائة مثلا بين أن ~~الأمر عنده على غير عباده قال الحرالي : وهذه الآية ختم للتنزيل وختم لتمام ~~المعنى في هذه السورة التي هي سنام القرآن وفسطاطه وختم لكل موعظة وكل ختم ~~, فهو من خواص المحمدية الجامعة PageV01P544 المفصلة من سورة الحمد المشيرة ~~إلى تفاصيل عظيم أمر الله في حقه وفي خلقه وفيما بينه وبين خلقه - انتهى . ~~| ولما نهى سبحانه وتعالى عن الربا وكان أحد مدايناتهم وكان غيره من ms0630 الدين ~~مأذونا فيه وهو من أنواع الإنفاق مع دخوله في المطالبة برؤوس الأموال عقب ~~ذلك بآية الدين . | وأيضا فإنه سبحانه وتعالى لما ذكر في المال أمرين ~~ينقصانه ظاهرا ويزكيانه باطنا : الصدقة وترك الربا , وأذن في رؤوس الأموال ~~وأمر بالإنظار في الإعسار وختم بالتهديد فكان ذلك ربما أطمع المدين في شيء ~~من الدين ولو بدعوى الإعسار اقتضى حال الإنسان لما له من النقصان الإرشاد ~~إلى حفظ المال الحلال وصونه عن الفساد والتنبيه على كيفية التوثق فقال : { ~~يا أيها الذين آمنوا } كالذي تقدمه { إذا تداينتم } من التداين تفاعل بين ~~اثنين من الدين , والدين في الأمر الظاهر معاملة على تأخير - قاله الحرالي ~~. | أي أوقعتم بينكم ذلك . | والدين مال مرسل في الذمة سواء كان مؤجلا أو ~~لا , وهو خلاف الحاضر والعين , وقال : { بدين } مع دلالة الفعل عليه ليخرج ~~بيع الدين بالدين , لأنه مداينة بدينين . | قال الحرالي : فكان في إعلامه ~~أي بالإتيان بصيغة إذا أنهم لا بد أن يتداينوا لأنها حين منتظر في أغلب ~~معناها - انتهى . | وأرشد إلى ضبطه بالوقت إشارة إلى أنه يجوز كونه حالا ~~وإلى أن الأجل وهو الوقت المحدود وأصله التأخير إن كان مجهولا كان باطلا ~~بقوله : { إلى أجل مسمى } قال الحرالي : من التسمية وهي إبداء الشيء باسمه ~~للسمع في معنى المصور - وهو إبداء الشيء بصورته في العين . | ولما كان الله ~~سبحانه وتعالى وهو العليم الخبير قد أجرى سنته في دينه بالكتابة فأمر ~~ملائكته وهم الأمناء العدول بإثبات أعمال الخلق لحكم ومصالح لا تخفى وأنزل ~~كتابه الشريف شهادة لهم وعليهم بما يوفونه في يوم الدين من ثواب وعقاب قطعا ~~لحججهم أمرهم أن يكون عملهم في الدين كما كان فعله في الدين فأرشدهم إلى ~~إثبات ما يكون دينهم من المعاملات لئلا يجر ذلك إلى المخاصمات فقال سبحانه ~~وتعالى أمرا للإرشاد لا للإيجاب { فاكتبوه } وفي ذكر الأجل إشارة إلى البعث ~~الذي وقع الوعد بالوفاء فيه < # > 77 ( { أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وإنكم إلينا لا ترجعون * } ) 77 < # > [ المؤمنون : 115 ] < # > 77 ( { ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ms0631 } ) 77 < # > [ الأنعام : 2 ] ولما أمر بالكتابة وكان المراد تحصيلها في الجملة لا ~~من أحد بعينه لأن أغلب الناس لا يحسنها أتبعها الإرشاد إلى تخير الكاتب ~~بقوله : { وليكتب بينكم } أي الدين المذكور { كاتب } وإن كان صبيا أو عبدا ~~كتابة مصحوبة { بالعدل } استنانا به سبحانه وتعالى في ملائكته < # > 77 ( { وإن عليكم PageV01P545 لحافظين * كراما كاتبين * } ) 77 < # > [ الانفطار : 10 ] < # > 77 ( { بأيدي سفرة * كرام بررة * } ) 77 < # > [ عبس : 15 ] . | ولما أرشد إلى تخير الكاتب تقدم إليه بالنهي تقديما ~~لدرء المفاسد ثم الأمر فقال : { ولا يأب كاتب أن يكتب } أي ما ندب إليه من ~~ذلك { كما علمه الله } أي لأجل الذي هو غني عنه وعن غيره من خلقه شكرا له ~~على تلك النعمة وكتابة مثل الكتابة التي علمها الله سبحانه وتعالى لا ينقص ~~عنها شيئا { فليكتب } وفي ذلك تنبيه على ما في بذل الجهد في النصيحة من ~~المشقة . | ولما كان ذلك وكان لا بد فيه من ممل بين من يصح إملاؤه للمكتوب ~~فقال : { وليملل } من الإملال وهو إلقاء ما تشتمل عليه الضمائر على اللسان ~~قولا وعلى الكتاب رسما - قاله الحرالي { الذي عليه الحق } ليشهد عليه ~~المستملي ومن يحضره . | ولما كانت الأنفس مجبولة على محبة الاستئثار على ~~الغير حذرها مما لا يحل من ذلك فقال : { وليتق الله } فعبر بالاسم الأعظم ~~ليكون أزجر للمأمور ثم قال : { ربه } تذكيرا بأنه لإحسانه لا يأمر إلا بخير ~~, وترجية للعوض في ذلك إذا أدى فيه الأمانة في الكم والكيف من الأجل وغيره ~~؛ وأكد ذلك بقوله : { ولا يبخس } من البخس وهو أسوأ النقص الذي لا تسمح به ~~الأنفس لبعده عن محل السماح إلى وقوعه في حد الضيم { منه شيئا } ولما كان ~~هذا المملي قد يكون لاغي العبارة وكان الإملاء لا يقدر عليه كل أحد قال ~~سبحانه وتعالى : { فإن كان الذي عليه الحق سفيها } فلا يعتبر إقراره لضعف ~~رأيه ونظره ونقص حظه من حكمة الدنيا { أو ضعيفا } عن الإملاء في ذلك الوقت ~~لمرض أو غيره من صبا أو جنون أو هرم من الضعف وهو وهن ms0632 القوى حسا أو معنى { ~~أو لا يستطيع أن يمل هو } كعي أو حياء أو عجمة ونحوه { فليملل وليه } ~~القائم لمصالحه من أب أو وصي أو حاكم أو ترجمان أو وكيل { بالعدل } فلا ~~يحيف عليه ولا على ذي الحق . | قال الحرالي : فجعل لسان الولي لسان المولى ~~عليه , فكان فيه مثل لما نزل به الكتاب من إجراء كلام الله سبحانه وتعالى ~~على ألسنة خلقه في نحو ما تقدم من قوله : < # > 77 ( { إياك نعبد وإياك نستعين } ) 77 < # > [ الفاتحة : 5 ] وما تفصل منها < # > 77 ( { الله ولي الذين آمنوا } ) 77 < # > [ البقرة : 257 ] أمل ما عليهم من الحقوق له فجعل كلاما من كلامه ~~يتلونه , فكان الإملال منه لهم لتقاصرهم عن واجب حقه تقاصر السفيه ومن معه ~~عن إملال وليه عنه لرشده وقوته وتمكن استطاعته - انتهى . | PageV01P546 ~~ولما لم يكن بين الكتابة والشهادة ملازمة نص عليها وبين أهلها فقال : { ~~واستشهدوا } أي اطلبوا الشهادة وأوجدوها مع الكتابة ودونها { شهيدين } قال ~~الحرالي فجعل شهادة الدين باثنين كما جعل الشاهد في الدين اثنين : شاهد ~~التفكر في الآيات المرئية وشاهد التدبر للآيات المسموعة , وفي صيغة فعيل ~~مبالغة في المعنى في تحقق الوصف بالاستبصار والخبرة - انتهى . | ولما بين ~~عدد الشاهد بين نوعه فقال : { من رجالكم } وأعلم بالإضافة اشتراط كونه ~~مسلما وإطلاق هذا الذي ينصرف إلى الكامل مع ما يؤيده في الآية يفهم الحرية ~~كقوله { ولا يأب الشهداء } والإتيان بصيغة المبالغة في الشاهد وتقييده مع ~~ذلك بالرضى وتعريف الشهداء ونحوه . | قال الحرالي : ولكثرة المداينة ~~وعمومها وسع فيها الشهادة فقال : { فإن لم يكونا } أي الشاهدان { رجلين } ~~أي على صفة الرجولية كلاهما { فرجل وامرأتان } وفي عموم معنى الكون إشعار ~~بتطرق شهادة المرأتين مع إمكان طلب الرجل بوجه ما من حيث لم يكن , فإن لم ~~تجدوا ففيه تهدف للخلاف بوجه ما من حيث إن شمول الكتاب توسعة في العلم سواء ~~كان على تساو أو على ترتب ؛ ولما كن ناقصات عقل ودين جعل ثنتان منهن مكان ~~رجل - انتهى . | ولما بين العدد بين الوصف فقال : { ممن ترضون } أي في ms0633 ~~العدالة { من الشهداء } هذا في الديون ونحوها . | قال الحرالي : وفي مفهوم ~~الشهادة استبصار نظر الشاهد لما في الشهود من إدراك معنى خفي في صورة ظاه ~~ريهدي إليها النظر النافذ - انتهى . | ولما شرط في القيام مقام الواحد من ~~الرجال العدد من النساء علله بما يشير إلى نقص الضبط فيهن فقال : { أن تضل ~~إحداهما } أي تغيب عنها الشهادة فتنساها أو شيئا منها { فتذكر إحداهما ~~الأخرى } فتهتدي إلى ما ضلت عنه بواسطة الذاكرة . | قال الحرالي : بما هي ~~أعرف بمداخل الضلال عليها , لأن المتقاربين أقرب في التعاون , وفي قراءتي ~~التخفيف والتثقيل إشعار بتصنيف النساء صنفين في رتبة هذه الشهادة من يلحقها ~~الضلال عن بعض ما شهدت فيه حتى تذكر بالتخفيف ولا يتكرر عليها ذلك ومن ~~شأنها أن يتكرر عليها ذلك , وفي إبهامه بلفظ إحدى أي من غير اقتصار على ~~الضمير الذي يعين ما يرجع إليه إشعار أن ذلك يقع بينهما متناوبا حتى ربما ~~ضلت هذه عن وجه وضلت تلك عن وجه آخر فأذكرت كل واحدة منهما صاحبتها فلذلك ~~يقوم بهما معا شاهد واحد حافظ - انتهى . | وفي ذكر الإذكار منع من الشهادة ~~بدون الذكر , والآية من الاحتباك . | ولما أفهم ذلك الحث على الشهادة صرح ~~به في قوله : { ولا يأب الشهداء } أي تحمل الشهادة وأدائها بعد التحمل { ~~إذا ما دعوا } دعاء جازما بما أفهمته زيادة ما . | ولما تم ذلك وكان صغير ~~الحق وكبيره ربما تركت تهاونا بالصغير ومللا PageV01P547 للكبير حذر من ذلك ~~ولم يجعله في صلب الأمر قبل الإشهاد بل أفرده بالذكر تعظيما لشأنه فقال : { ~~ولا تسئموا } من السآمة . | قال الحرالي : بناء مبالغة وهو أشد الملالة { ~~أن تكتبوه } أي لا تفعلوا فعل السئيم فتتركوا كتابته { صغيرا } كان الدين { ~~أو كبيرا } طالت الكتابة أو قصرت . | قال الحرالي : ولم يكن قليلا أو كثيرا ~~, لأن الكثرة والقلة واقعة بالنسبة إلى الشيء المعدود في ذاته , والصغير ~~والكبير يقع بالنسبة إلى المداين , فربما كان الكثير في العدد صغير القدر ~~عند الرجل الجليل المقدار , وربما كان القليل العدد كثيرا بالنسبة إلى ~~الرجل ms0634 المشاحح فيه , فكان الصغر والكبر أشمل وأرجع إلى حال المداين الذي هو ~~المخاطب بأن يكتب انتهى . | { إلى أجله } أي الذي توافقتم وتواثقتم عليه . ~~| ولما كان كأنه قيل : ما فائدة ذلك ؟ فقيل : { ذلكم } إشارة بأداة البعد ~~وميم الجمع إلى عظم جدواه . | قال الحرالي : ولبيانه ووضوحه عندهم لم يكن ~~إقبالا على النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقبل عليه في الأمور الخفية - ~~انتهى . | { أقسط } أي أعدل فقد نقل عن ابن السيد أنه قال في كتابه ~~الاقتضاب : إن قسط بمعنى جار وبمعنى عدل . | وقال الحرالي : { أقسط } من ~~الإقساط وهو وضع القسط وهو حفظ الموازنة حتى لا تخرج إلى تطفيف . | ثم زاد ~~تعظيمه بقوله : { عند الله } أي الذي هو محيط بصفات الكمال بالنسبة إلى كل ~~صفة من صفاته , لأنه يحمل على العدل بمنع المغالطة والتلون في شيء من أحوال ~~ذلك الدين { وأقوم للشهادة } أي وأعدل في قيام الشهادة إذا طلب من الشاهد ~~أن يقيمها بما هو مضبوط له وعليه { وأدنى } أي أقرب في { ألا ترتابوا } أي ~~تشكوا في شيء من الأمر الذي وقع . | قال الحرالي : ففي إشعاره أنه ربما ~~داخل الرجل والرجلين نحو ما داخل المرأتين فيكون الكتاب مقيما لشهادتهما , ~~فنفى عن الرجال الريبة بالكتاب كما نفى عن النساء الضلال بالذكر - انتهى . ~~| ولما كان الدين المؤجل أعم من أن يكون قرضا أو تجارة ينمي بها المال ~~المأمور بالإنفاق منه في وجوه الخير النافعة يوم الدين وكان قد أكد في أمر ~~الكتابة تأكيدا ربما ظن معه الحث عليها ولو لم يكن أجل نبه على أن العلة ~~فيها الأجل الذي هو مظنة النسيان المستولي على الإنسان بقوله : { إلا أن ~~تكون } أي المداينة { تجارة حاضرة } هذا على قراءة عاصم , وكان في قراءة ~~غيره تامة { تديرونها بينكم } أي يدا بيد , من الإدارة . | قال الحرالي : ~~من أصل الدور وهو رجوع الشيء عودا على بدئه { فليس عليكم } حينئذ { جناح } ~~أي اعتراض في { ألا تكتبوها } أي لأنها مناجزة وهي عرض زائل لا يكاد يستقر ~~في يد أحد لأن القصد به المتجر ms0635 لا الاستيقاء فبعد ما يخشى من التجاحد . | ~~PageV01P548 ولما كان البيع أعم من أن يقصد به المتجر أو غير ذلك من وجوه ~~الانتفاع قال : { وأشهدوا } سواء كانت كتابة أو لا { إذا تبايعتم } أي على ~~وجه المتجر عاجلا أو آجلا أو لا للمتجر , لأن الإشهاد أبعد من الخلاف وأقرب ~~إلى التصادق بما فيه من الإنصاف , والأمر للإرشاد فلا يجب . # ولما ألزم في صدر الخطاب الكاتب أن يكتب والشهيد أن يجيب ولا يأبى وأكد ~~ذلك بصيغة تشمل المستكتب والمستشهد فقال ناهيا : { ولا يضار } يصح أن يكون ~~للفاعل والمفعول وهو صحيح المعنى على كل منهما { كاتب ولا شهيد } أي لا ~~يحصل ضرر منهم ولا عليهم . | قال الحرالي : ففي إلاحته تعريض بالإحسان منه ~~للشهيد والكاتب ليجيبه لمراده ويعينه على الائتمار لأمر ربه بما يدفع عنه ~~من ضرر عطلته واستعماله في أمر من أمور دنياه , ففي تعريضه إجازة لما يأخذه ~~الكاتب ومن يدعي لإقامة معونة في نحوه ممن يعرض له فيما يضره التخلي عنه - ~~انتهى . | { وإن تفعلوا } أي ما نهيتم عنه من الضرار وغيره { فإنه فسوق } ~~أي خروج { بكم } عن الشرع الذي نهجه الله لكم . | قال الحرالي : وفي صيغة ~~فعول تأكيد فيه وتشديد في النذارة - انتهى . | وختم آيات هذه المعاملات ~~بصفة العلم بعد الأمر بالتقوى في غاية المناسبة لما يفعله المتعاملون من ~~الحيل التي يجتلب كل منهم بها الحظ لنفسه , والترغيب في امتثال ما أمرهم به ~~في هذه الجمل بأنه من علمه وتعليمه فقال تعالى - عاطفا على ما تقدم من أمر ~~ونهي , أو على ما تقديره : فافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه - : ~~{ واتقوا الله } أي خافوا الذي له العظمة كلها فيما أمركم به ونهاكم من هذا ~~وغيره . | ولما كان التقدير استئنافا لبيان فخامة هذه التنبيهات يرشدكم ~~الله إلى مثل هذه المراشد لإصلاح ذات بينكم , عطف عليه قوله : { ويعلمكم ~~الله } أي يدريكم الذي له الكمال كله بذلك على العلم . | وقال الحرالي : ~~وفي قوله : { يعلم } بصيغة الدوام إيذان بما يستمر به التعليم من دون هذا ~~المنال ms0636 انتهى . | وأظهر الاسم الشريف هنا وفي الذي بعده تعظيما للمقام ~~وتعميما للتعليم فقال : { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { بكل شيء ~~عليم * } وهذا الختم جامع لبشرى التعليم ونذارة التهديد . | < < # | البقرة : ( 283 - 286 ) وإن كنتم على . . . . . # > > ^ ( وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم ~~بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن ~~يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم * لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وإن تبدوا ما في PageV01P549 أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر ~~لمن يشآء ويعذب من يشآء والله على كل شيء قدير * آمن الرسول بمآ أنزل إليه ~~من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من ~~رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير * لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو ~~أخطأنا ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا ~~تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ أنت مولانا فانصرنا ~~على القوم الكافرين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان التقدير : هذا إذا كنتم حضورا يسهل عليكم إحضار الكاتب ~~والشاهد , عطف عليه قوله : { وإن كنتم } ولما كان الإنسان في السفر يكون ~~مستجمع القوى كامل الآلات تام الأهبة عبر بأداةالاستعلاء فقال : { على سفر ~~} يعوز مثله إحضار كاتب { ولم تجدوا كاتبا فرهان } أي فيغنيكم عن الكتب رهن ~~يكون بدلا عنه , وقرئ : فرهان , وكلاهما جمع رهن - بالفتح والإسكان , وهو ~~التوثقة بالشيء مما يعادله بوجه ما . | وأشار بأن بدليتها لا تفيد إلا بما ~~وصفها من قوله : { مقبوضة } أي بيد رب الدين وثيقة لدينه . | ولما كان ~~التقدير : هذا إن تخوفتم من المداين , عطف عليه قوله : { فإن أمن } ولما ~~كان الائتمان تارة يكون من الدائن وتارة يكون من الراهن قال : { بعضكم بعضا ~~} أي فلم تفعلوا شيئا من ذلك { فليؤد } أي يعط , من الأداء وهو الإتيان ~~بالشيء لميقاته . | ولما كان المراد التذكير ms0637 بالإحسان بالائتمان ليشكر ولم ~~يتعلق غرض بكونه من محسن معين بني للمفعول قوله : { الذي اؤتمن } من ~~الائتمان وهو طلب الأمانة وهو إيداع الشيء لحفيظته حتى يعاد إلى المؤتمن - ~~قاله الحرالي : { أمانته } وهو الدين الذي ترك المؤتمن التوثق به من المدين ~~إحسانا إليه وحسن ظن به , وكذا إن كان الائتمان من جهة الراهن { وليتق الله ~~} المستجمع لصفات العظمة { ربه } أي الذي رباه في نعمه وصانه من بأسه ونقمه ~~وعطف عليه قلب من أعطاه وائتمنه ليؤدي الحق على الصفة التي أخذه بها فلا ~~يخن في شيء مما اؤتمن عليه . | ولما كانت الكتابة لأجل إقامة الشهادة وكانت ~~الأنفس مجبولة على الشح مؤسسة على حب الاستئثار فيحصل بسبب ذلك مخاصمات ~~ويشتد عنها المشاحنات وربما كان بعض المخاصمين ممن يخشى أمره ويرجى بره ~~فيحمل ذلك الشهود على السكوت قال سبحانه وتعالى : { ولا تكتموا الشهادة } ~~أي سواء كان صاحب الحق يعلمها أو لا . | ولما نهى أتبع النهي التهديد فقال ~~: { ولا تكتموا الشهادة } أي سواء كان صاحب الحق يعلمها أو لا . | ولما نهى ~~أتبع النهي التهديد فقال : { ومن يكتمها فإنه آثم } ولما كان محلها القلب ~~الذي هو PageV01P550 عمدة البدن قال : { قلبه } ومن أثم قلبه فسد , ومن فسد ~~قلبه فسد كله , لأن القلب قوام البدن , إذا فسد فسد سائر الجسد . | ولما ~~كان التقدير : فإن الله سبحانه وتعالى عالم بأنه كتم وكان للشهداء جهات ~~تنصرف بها الشهادة عن وجه الإقامة عطف عليه قوله - ليشمل التهديد تلك ~~الأعمال بإحاطة العلم : { والله } أي المحيط بجميع صفات الكمال . | ولما ~~كان الإنسان هو المقصود الأعظم من سائر الأكوان فكانت أحواله مضبوطة بأنواع ~~من الضبط كأن العلم البليغ مقصور عليه فلذلك قدم قوله : { بما تعملون } أي ~~كله وإن دق سواء كان فعل القلب وحده أو لا { عليم * } قال الحرالي : فأنهى ~~أمر ما بين الحق والخلق ممثولا وأمر ما بين الخلق والخلق مثلا - انتهى . | ~~ولما أخبر عن سعة علمه دل عليه بسعة ملكه المستلزم لسعة قدرته ليدل ذلك على ~~جميع الكمال لأنه قد ثبت كما ms0638 قال الأصبهاني إن الصفات التي هي كمالات حقيقة ~~ليست إلا القدرة والعلم المحيط فقال واعدا للمطيع متوعدا للعاصي مصرحا بأن ~~أفعال العباد وغيرها مخلوق له : - وقال الحرالي : ولما كان أول السورة ~~إظهار كتاب التقدير في الذكر الأول كان ختمها إبداء أثر ذلك الكتاب الأول ~~في الأعمال والجزاء التي هي الغاية في ابتداء أمر التقدير فوقع الختم بأنه ~~سلب الخلق ما في أيديهم مما أبدوه وما أخفوه من أهل السماوات و الأرض ؛ ~~انتهى - فقال : { لله } أي الملك الأعظم . | ولما كانت ما ترد لمن يغفل ~~وكان أغلب الموجودات والجمادات عبر بها فقال : { ما في السماوات } أي كله ~~على علوها واتساعها من ملك وغيره { وما في الأرض } مما تنفقونه وغيره من ~~عاقل وغيره , يأمر فيهما ومنهما بما يشاء وينهى عما يشاء ويعطي من يشاء ~~ويمنع من يشاء ويضاعف لمن يشاء . | ولما كان التقدير : فهو يعلم جميع ما ~~فيهما من كتمانكم وغيره ويتصرف فيه بما يريد , عطف عليه محذرا من يكتم ~~الشهادة أو يضمر سوءا غيرها أو يظهره قوله تعالى : { وإن تبدوا } أي تظهروا ~~{ ما في أنفسكم } من شهادة أو غيرها { أو تخفوه } مما وطنتموه في النفس ~~وعزمتم عليه وليس هو من الخواطر التي كرهتموها ولم تعزموا عليها . | قال ~~الحرالي : من الإخفاء وهو تغييب الشيء وأن لا يجعل عليه علم يهتدي إليه من ~~جهته { يحاسبكم } من المحاسبة مفاعلة من الحساب والحسب , وهو استيفاء ~~الأعداد فيما للمرء وعليه من الأعمال الظاهرة والباطنة يعني ليجازي بها { ~~به الله } أي بذكره لكم وأنتم تعلمون ما له من صفات الكمال . | قال الحرالي ~~: وفي ضمن هذا الخطاب لأولي الفهم إنباء بأن الله سبحانه وتعالى إذا عاجل ~~العبد بالحساب بحكم ما PageV01P551 يفهمه ترتيب الحساب على وقوع العمل حيث ~~لم يكن فيحاسبكم مثلا فقد أعظم اللطف به , لأن من حوسب بعمله عاجلا في ~~الدنيا خف جزاؤه عليه حيث يكفر عنه بالشوكة يشاكها حتى بالقلم يسقط من يد ~~الكاتب , فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه حتى يموت على طهارة من ms0639 ~~ذنوبه وفراغ من حسابه كالذي يتعاهد بدنه وثوبه بالتنظيف فلا يتسخ ولا يدرن ~~ولا يزال نظيفا - انتهى وفيه تصرف . | ولما كان حقيقة المحاسبة ذكر الشيء ~~والجزاء عليه وكان المراد بها هنا العرض وهو الذكر فقط بدلالة التضمن دل ~~عليه بقوله مقدما الترجئة معادلة لما أفهمه صدر الآية من التخويف : { فيغفر ~~لمن يشاء } أي فلا يجازيه على ذلك كبيرة كان أو لا { ويعذب من يشاء } ~~بتكفير أو جزاء . # ولما أخبر سبحانه وتعالى بهذا أنه مطلق التصرف ختم الكلام دلالة على ذلك ~~بقوله مصرحا بما لزم تمام علمه من كمال قدرته : { والله } أي الذي لا أمر ~~لأحد معه { على كل شيء قدير * } أي ليس هو كملوك الدنيا يحال بينهم وبين ~~بعض ما يريدون بالشفاعة وغيرها . | قال الحرالي : فسلب بهذه الآية القدرة ~~عن جميع الخلق - انتهى . | وقد ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية خاصة بأمر ~~الشهادة , وقال الأكثرون : هي عامة كما فهمها الصحابة رضوان الله سبحانه ~~وتعالى عليهم في الوسوسة وحديث النفس المعزوم عليه وغيره ثم خففت بما بعدها ~~, روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : ( لما نزلت على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم { لله ما في السماوات } الآية إلى { قدير } ~~اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب ~~فقالوا : يا رسول الله ! كلفنا من الأعمال ما نطيق : الصلاة والصيام ~~والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها , فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : أترون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : < # > 77 ( { سمعنا وعصينا } ) 77 < # > [ البقرة : 93 ] , قولوا : { سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } ~~قالوا : { سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير } . | فلما اقترأها القوم ~~وذلت بها السنتهم أنزل الله في إثرها { آمن الرسول بما أنزل إليه إلى { ~~المصير } فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى وأنزل { لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها } إلى { أو أخطأنا } قال : نعم ( قال البغوي : وفي رواية عن ابن عباس ~~رضي PageV01P552 الله عنهما ms0640 : قد فعلت , واستمر إلى آخر السورة كلما قرؤوا ~~جملة قال : نعم . | فقد تبين من هذا تناسب هذه الآيات , وأما مناسبتها لأول ~~السورة ردا للمقطع على المطلع فهو أنه لما ابتدأ السورة بوصف المؤمنين ~~بالكتاب الذي لا ريب فيه على الوجه الذي تقدم ختمها بذلك بعد تفصيل الإنفاق ~~الذي وصفهم به أولها على وجه يتصل بما قبله من الأوامر والنواهي والاتصاف ~~بأوصاف الكمال أشد اتصال , وجعل رأسهم الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى ~~السلام تعظيما للمدح وترغيبا في ذلك الوصف فأخبر بغيمانهم بما أنزل إليه ~~بخصوصه وبجميع الكتب وجميع الرسل وبقولهم الدال على كمال الرغبة وغاية ~~الضراعة والخضوع فقال استئنافا لجواب من كأنه قال : ما فعل من أنزلت عليه ~~هذه الأوامر والنواهي وغيرها ؟ { آمن الرسول } أي بما ظهر له من المعجزة ~~القائمة على أن الآتي إليه بهذا الوحي ملك من عند الله سبحانه وتعالى كما ~~آمن الملك به بما ظهر له من المعجزة الدالة على أن الذي أتى به كلام الله ~~أمره الله سبحانه وتعالى بإنزاله فعرفه إشارة إلى أنه أكل الرسل في هذا ~~الوصف باعتبار إرساله إلى جميع الخلائق الذين هم لله سبحانه وتعالى , وأنه ~~الجامع لما تفرق فيهم من الكمال , وأنه المخصوص بما لم يعطه أحد منهم من ~~المزايا والأفضال { بما أنزل إليه } أي من أن الله سبحانه وتعالى يحاسب بما ~~ذكر وغير ذلك مما أمر بتبليغه ومما اختص هو به ورغب في الإيمان بما آمن به ~~بقوله : { من ربه } أي المحسن إليه بجليل التربية المزكي له بجميل التزكية ~~فهو لا ينزل إليه إلا ما هو غاية في الخير ومنه ما حصل له في دنياه من ~~المشقة . | قال الحرالي : فقبل الرسول هذا الحساب الأول العاجل الميسر ~~ليستوفي أمره منه وحظه في دنياه , قال صلى الله عليه وسلم لما قالت له ~~فاطمة رضي الله تعالى عنها عند موته : واكرباه ! : ) لا كرب على أبيك بعد ~~اليوم ( وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو نعيم في الحلية عن أنس رضي ~~الله تعالى ms0641 عنه ) ما أوذي أحد في الله ما أوذيت ( فنال حظه من حكمة ربه في ~~دنياه حتى كان يوعك كما يوعك PageV01P553 عشرة رجال , وما شبع من خبز بر ~~ثلاثا تباعا عاجلا حتى لقي الله ؛ وكذلك المؤمن لا راحة له دون لقاء ربه ~~ولا سجن عليه بعد خروجه من دنياه , ) الحمى حظ كل مؤمن من النار ( انتهى . ~~| ولما أخبر عن الرأس أخبر عمن يليه فقال : { والمؤمنون } معبرا بالوصف ~~الدال على الرسوخ أي آمنوا بما ظهر لهم من المعجزة التي أثبتت أنه كلام ~~الله سبحانه وتعالى بما دلت على أن الآتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~. | ولما أجمل فصل فقال مبتدئا : { كل } أي منهم . | قال الحرالي : فجمعهم ~~في كلية كأن قلوبهم قلب واحد لم يختلفوا , لأن القبول واحد والرد يقع ~~مختلفا - انتهى . | ثم أخبر عن ذلك المبتدأ بقوله : { آمن بالله } أي لما ~~يستحقه من ذلك لذاته لما له من الإحاطة بالكمال { وملائكته } الذين منهم ~~النازلون بالكتب , لأن الإيمان بالمنزل يستلزم ذلك { وكتبه } أي كلها { ~~ورسله } كلهم , من البشر كانوا أو من الملائكة , فإن فيما أنزل إليه صلى ~~الله عليه وسلم الإخبار بذلك . | قال الحرالي : انقيادا لامتثال من البشر . ~~| ولما كان في الناس من يؤمن ببعض الأنبياء ويكفر ببعض قال مؤكدا لما ~~أفهمته صيغة الجمع المضاف من الاستغراق أي قالوا : { لا نفرق } كما فعل أهل ~~الكتاب وعبر بما يشمل الاثنين فما فوقهما فقال : { بين أحد } أي واحد وغيره ~~{ من رسله } أي لا نجعل أحدا منهم على صفة الفرقة البليغة من صاحبه في ذلك ~~بل نؤمن بكل واحد منهم , والذي دل على تقدير ( قالوا ) دون غيره أنه لما ~~أكمل قولهم في القوة النظرية الكفيلة باعتقاد المبدأ أتبعه قولهم في القوة ~~العملية الكائنة في الوسط عطفا عليها : { وقالوا سمعنا } أي بآذان عقولنا ~~كل ما يمكن أن يسمع عنك وعلمناه وأذعنا له { وأطعنا } أي لكل ما فيه من ~~أمرك . | قال الحرالي : فشاركوا أهل الكتاب في طليعة الإباء وخالفوهم في ~~معاجلة التوبة والإقرار بالسمع والطاعة فكان ms0642 لهؤلاء ما للتائب وعلى أولئك ~~ما على المصر - انتهى . | PageV01P554 ولما كان الإنسان محل الزلل والنقصان ~~أشاروا إلى ذلك تواضعا منهم كما هو الأولى بهم لمقام الألوهية فقالوا مع ~~طاعتهم معترفين بالمعاد : { غفرانك } أي اغفر لنا أو نسألك غفرانك الذي ~~يليق إضافته إليك لما له من الكمال والشرف والجلال ما قصرنا فيه ولا ~~تؤاخذنا به فإنك إن فعلت ذلك هلكنا , والحاصل أنهم طلبوا أن يعاملهم بما هو ~~أهله لا بما هم أهله فجرى بما جراهم عليه في قوله : { فيغفر لمن يشاء } . | ~~قال الحرالي : فهذا القول من الرسول صلى الله عليه وسلم كشف عيان , ومن ~~المؤمنين نشء إيمان , ومن القائلين للسمع والطاعة قول إذعان , فهو شامل ~~للجميع كل على رتبته - انتهى . | وزادوا تملقا بقولهم : { ربنا } ذاكرين ~~وصف الإحسان في مقام طلب الغفران . | قال الحرالي : وهو خطاب قرب من حيث لم ~~يظهر فيه أداة نداء , ولم يجر الله سبحانه وتعالى على ألسنة المؤمنين في ~~كتابه العزيز نداء بعد قط ؛ والغفران فعلان صيغة مبالغة تعطي الملء ليكون ~~غفرا للظاهر والباطن وهو مصدر محيط المعنى نازل منزلة الاستغفار الجامع لما ~~أحاط به الظاهر والباطن مما أودعته الأنفس التي هي مظهر حكمة الله سبحانه ~~وتعالى التي وقع فيها مجموع الغفران والعذاب { فيغفر لمن يشاء ويعذب من ~~يشاء } ففي ضمنه بشرى بتعيين القائلين المذعنين ومن تبعهم بالقول لحال ~~المغفرة , لأن هذه الخواتيم مقبولة من العبد بمنزلة الفاتحة لاجتماعهما في ~~كونهما من الكنز الذي تحت العرش , وعلى ما ورد من قوله : ( حمدني عبدي - ~~إلى أن قال : ولعبدي ما سأل ) وعلى ما ورد في دعاء هذا الختم في قوله : ( ~~قد فعلت قد فعلت ) وبما ابتدأ تعالى به آية هذا الحساب وختمها به من سلب ~~الأمر أولا وسلب القدرة عما سواه آخرا , وكان في الابتداء والختم إقامة عذر ~~القائلين , فوجب لهم تحقق الغفران كما كان لأبيهم آدم حيث تلقى الكلمات من ~~ربه - انتهى . | PageV01P555 ولما كان التقدير بما أرشد إليه { ربنا } : ~~فإنه منك مبدأنا , عطف عليه قوله حثا على الاجتهاد في ms0643 كل ما أمر به ونهى ~~عنه على وجه الإخلاص : { وإليك } أي لا إلى الكتاب هو الصراط المستقيم ذكر ~~افتراق الأمم كما يشاء وأحوال الزائغين والمتنكبين تحذيرا من حالهم ونهيا ~~عن مرتكبهم وحصل قبيل النزول بجملته وانحصار التاركين وأعقب بذكر ملتزمات ~~المتقين وما ينبغي لهم امتثاله والأخذ به من الأوامر والأحكام والحدود ~~وأعقب ذلك بأن المرء يجب أن ينطوي على ذلك ويسلم الأمر لمالكه فقال سبحانه ~~وتعالى : { آمن الرسول بما أنزل } فأعلم أن هذا إيمان الرسول ومن كان معه ~~على إيمانه وأنهم قالوا : { سمعنا وأطعنا } لا كقول بني إسرائيل . | < # > 77 ( { سمعنا وعصينا } ) 77 < # > [ البقرة : 93 ] وأنه أثابهم على إيمانهم رفع الإصر والمشقة والمؤاخذة ~~بالخطأ والنسيان فقال : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } , فحصل من هذه ~~السورة بأسرها بيان الصراط المستقيم على الاستيفاء والكمال أخذا وتركا ~~وبيان شرف من أخذ به وسوء حال من تنكب عنه . | وكان العباد لما علموا < # > 77 ( { اهدنا الصراط المستقيم } ) 77 < # > [ الفاتحة : 6 ] - إلى آخر السورة قيل لهم : عليكم بالكتاب - إجابة ~~لسؤالهم ؛ ثم بين لهم حال من سلك ما طلبوا فكان قيل لهم : أهل الصراط ~~المستقيم وسالكوه هم الذين بين شأنهم وأمرهم , والمغضوب عليهم من المتنكبين ~~هم اليهود الذين بين أمرهم وشأنهم , والضالون هم النصارى الذين بين أمرهم ~~وشأنهم ؛ فيجب على من رغب في سلوك الصراط المستقيم أن يحذر ما أصاب هؤلاء ~~مما نبه عليه وأن يأخذ نفسه بكذا وكذا وأن ينسحب إيمانه على كل ذلك , وأن ~~يسلم الأمر لله الذي تطلب منه الهداية , ويتضرع إليه بأن لا يؤاخذه بما ~~يثمره الخطأ والنسيان , وأن لا يحمله ما ليس في وسعه , وأن يعفو عنه - إلى ~~آخر السورة ؛ انتهى . | ولما منوا بالإيمان في سؤال الغفران عللوا السؤال ~~بقولهم : { لا يكلف الله } أي الملك الأعظم الرحيم الأكرم الذي له جميع ~~صفات الكمال { نفسا إلا وسعها } أي ما تسعه وتطيقه ولا تعجز عنه , وذلك هو ~~الممكن لذاته الذي يتعلق اختيار العبد بفعله , ولم يخبر الله تعالى بأنه لا ~~يقع لا المحال لذاته ms0644 ولا الممكن لذاته سواء كان مما لا مدخل للإنسان في ~~اختياره كالنوم أو كان له مدخل فيه وقد تعلق العلم الأزلي بعدم وقوعه وأخبر ~~سبحانه وتعالى بعدم وقوعه معينا لصاحبه , فهذا لا يقع التكليف به ويجوز ~~التكليف به ؛ وهذا الكلام من جملة دعائهم على وجه الثناء طلبا للوفاء بما ~~أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم عنه سبحانه وتعالى خوفا من أن يكلفوا ~~بما لله سبحانه وتعالى كما دلت عليه الآية وقول PageV01P556 المؤمنين عند ~~نزولها وجواب النبي صلى الله عليه وسلم لهم أن يكلف به من المؤاخذة ~~بالوساوس التي لا يقع العزم عليها لأنه مما تخفيه النفوس ولا طاقة على دفعه ~~فهو من باب : | إذا أثنى عليك المرء يوما كفاه من تعرضه الثناء | ولعل ~~العدول عن الخطاب إلى الغيبة بذكر الاسم الأعظم من باب التملق بأن له من ~~صفات العظمة ما يقتضي العفو عن ضعفهم ومن صفات الحلم والرحمة والرأفة ما ~~يرفه عنهم ويحتمل أن يكون ذلك من قول الله سبحانه وتعالى جزاء لهم على ~~قولهم { سمعنا وأطعنا } - الآية , فأفادهم بذلك أنه لا يحاسبهم بحديث النفس ~~الذي لا عزم فيه ؛ فانتفى ما شق عليهم من قوله { وإن تبدوا ما في أنفسكم } ~~- الآية , بخلاف ما أفاد بني إسرائيل قولهم < # > 77 ( { سمعنا وعصينا } ) 77 < # > [ البقرة : 93 ] من الآصار في الدنيا والآخرة , فيكون حينئذ استئنافا ~~جوابا لمن كأنه قال : هل أجاب دعاءهم ؟ ويكون شرح قوله أول السورة : < # > 77 ( { أولئك على هدى من ربهم } ) 77 < # > [ البقرة : 5 ] ويؤيد هذا الاحتمال اتباعه لحكم ما في الوسع على طريق ~~الاستئناف أو الاستفتاح بقوله : { لها } أي خاصا بها { ما كسبت } وذكر ~~الفعل مجردا في الخير إيماء إلى أنه يكفي في الاعتداد به مجرد وقوعه ولو مع ~~الكسل بل ومجرد نيته . | قال الحرالي : وصيغة فعل مجردة تعرب عن أدنى الكسب ~~فلذلك من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة - انتهى . | { وعليها } أي ~~بخصوصها { ما اكتسبت } فشرط في الشر صيغة الافتعال الدالة على الاعتمال ~~إشارة إلى أن من طبع ms0645 النفس الميل إلى الهوى بكليتها وإلى أن الإثم لا يكتب ~~إلا مع التصميم والعزم القوي الذي إن كان عنه عمل ظاهر كان بجد ونشاط ورغبة ~~وانبساط , فلذلك من هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه , وربما جاءت العبارة ~~بخلاف ذلك لمعنى في ذلك السياق اقتضاه المقام . | ولما بشرهم بذلك عرفهم ~~مواقع نعمه في دعاء رتبه على الأخف فالأخف على سبيل التعلي إعلاما بأنه لم ~~يؤاخذهم بما اجترحوه نسيانا ولا بما قارفوه خطأ ولا حمل عليهم ثقلا بل جعل ~~شريعتهم حنيفية سمحا ولا حملهم فوق طاقتهم مع أن له جميع ذلك , وأنه عفا عن ~~عقابهم ثم سترهم فلم يخجلهم بذكر سيئاتهم , ثم رحمهم بأن أحلهم محل القرب ~~فجعلهم أهلا للخلافة ؛ فلاح بذلك أنه يعلي أمرهم على كل أمر ويظهر دينهم ~~على كل دين , إذ كان سبحانه وتعالى هو الداعي عنهم , وليكون الدعاء كله ~~محمولا على الإصابة ومشمولا بالإجابة فقال سبحانه وتعالى : { ربنا لا ~~تؤاخذنا } أي لا تفعل معنا فعل من يناظر خصما فهو يناقشه على كل صغير وكبير ~~{ إن نسينا } أي ففعلنا ما نهيتنا عنه { أو أخطأنا } أي فعلناه ذاكرين له ~~لكنا لم نتعمد سوءا . | قال PageV01P557 الحرالي : والخطأ هو الزلل عن الحد ~~عن غير تعمد بل مع عزم الإصابة أو ود أن لا يخطئ , وفي إجرائه من كلام الله ~~سبحانه وتعالى على لسان عباده قبوله - انتهى . | وإعادة ربنا في صدر كل ~~جملة من هذا الطراز كما تقدمت الإشارة إليه في التذكير بعظم المقام في حسن ~~التربية ولطف الإحسان والرأفة . | ولما كان ذلك قد يكون فإن له أن يكلف بما ~~يشاء مع تحميل ما تعظم مشقته من التكاليف فإنه لا يسأل عما يفعل قال : { ~~ربنا ولا تحمل علينا إصرا } أي ثقلا . | قال الحرالي : هو العهد الثقيل أي ~~الذي في تحمله أشد المشقة - انتهى . | ثم عظم المنة بقوله : { كما حملته ~~على الذين من قبلنا } إشارة إلى أنه كان حمل على من سبق من الأحكام ما يهد ~~الأركان تأكيدا لما يحمل على الشكر على ms0646 تخفيف ذلك عنا , وأصل الإصر العاطف ~~, أصره الشيء يأصره : عطفه , ويلزمه الثقل لأن الغصن إذا ثقل مال وانعطف ~~وهو المقصود هنا ؛ وتلك الآصار المشار إليها كثيرة جدا , منها ما في السفر ~~الثاني من التوراة في القربان أنه ينضح من دك الذبيحة على زوايا المذبح , ~~ثم قال : ومن تقرب بذبح ثور أو غيره في مكان غير باب قبة الزمان بيت الرب ~~يعاقب ذلك الرجل عقوبة من قتل قتيلا لأنه سفك دما ويهلك ذلك الرجل من شعبه ~~, ومن أكل دما نزل به الغضب وهلك لأن أنفس البهائم هي الدم , وإنما أمروا ~~أن يقربوه على المذبح لغفران خطاياهم وتطهير أنفسهم لأنه إنما يغفر للنفس ~~بالدم , ومن قرب قربانا أكل منه يوم ذبحه وثانيه , وما بقي في الثالث احرق ~~بالنار , ومن أكل منه هلك من شعبه ؛ ومن ذلك في ذوي العاهات أن من برص من ~~الآدميين يجلس وحده ولا يختلط مع الناس ويكون سكنه خارجا من محلة بني ~~إسرائيل - حتى ذكر البرص في الثياب والبيوت وغيرها , فما برص من الجلود ~~والثياب يقطع موضع البرص منه , فإن ظهر فيه بعد القطع أحرق كله بالنار , ~~وإن ظهر في بيت برص يهدم وتجمع حجارته وخشبه وترابه خارجا من القرية ويحرق ~~بالنار ؛ وكذا مرض السلس فيه تشديدات كثيرة , منها أن من جلس على ثوب عليه ~~مسلوس يغسل ثيابه ويستحم بالماء ويكون نجسا إلى الليل - ونحو هذا ؛ ثم قال ~~: وكلم الرب موسى وقال له : هذه سنة الأبرص الذي يتطهر : يقدم إلى الكاهن ~~ويخرجه خارجا من العسكر وينظر الحبر إن كانت ضربة البرص قد برأت وتطهر منها ~~يأمر الحبر فيقدم , ويؤتى بعصفورين حيين زكيين , وعود من خشب الأرز , وعهنة ~~حمراء - وعد أشياء أخرى ؛ وقربانا على كيفية مخصوصة صعبة على عين ماء , ~~ويغسل ثيابه وبدنه , ويحلق شعر رأسه ولحيته وحاجبيه وكل شعر جسده , وأنه ~~يمكث خارجا من بيته سبعة أيام , وفي اليوم الثامن يأتي بقربان آخر فيقرب ~~على كيفية مخصوصة , وينضح الكاهن PageV01P558 من دمه على ثياب وبدن هذا ~~الذي تطهر من ms0647 البرص , وكذا من زيت قربانه , ويصب بقيته على رأسه . | وكذا ~~في مرض السلس إذا برأ المسلوس بمكث سبعة أيام , ثم يتطهر ويغسل ثيابه , ~~ويقرب قربانا في باب قبة الزمان . | وقال : وأي رجل أمذى أو خرج منه منيه ~~يغسل جسده كله بالماء , ويكون نجسا إلى الليل ؛ ومن دنا من الحائض يكون ~~نجسا إلى الليل وأي ثوب أو فراش وقعت عليه جنابة يغسل بالماء ويكون نجسا ~~إلى الليل وأي ثوب رقدت عليه وهي حائض كان نجسا , ومن دنا من فراشها يغسل ~~ثيابه ويستحم بالماء ويكون نجسا إلى الليل , وكذا المستحاضة . | وفيه أيضا ~~: وكلم الرب موسى وقال له : كلم بني إسرائيل وقل لهم : المرأة إذا حبلت ~~وولدت ذكرا تكون نجسة سبعة أيام كما تكون في أيام حيضها , وفي اليوم الثامن ~~يختن الصبي , وتكون نجسة وتجلس مكانها ثلاثة وثلاثين يوما , لا تدنو من شيء ~~مقدس , ولا تدخل بيت الله سبحانه وتعالى لأن الصلاة محرمة عليها حتى تتم ~~أيام تطهيرها ؛ فإن ولدت جارية تكون مثل نجاستها في أيام حيضها أربعة عشر ~~يوما وتجلس مكانها على الدم الزكي ستة وستين يوما , فإذا كملت أيام تطهيرها ~~ابنا ولدت أو بنتا تجيء بحمل حول - فذكر قربانا في قبة الزمان على يد ~~الكاهن لتطهر مما كان يجري منها من الدم . | ومن الآصار ما في السفر الثاني ~~أيضا من أنهم إذا حصدوا أرضا أو قطفوا كرما حرم عليهم الاستقصاء وأمروا أن ~~يتركوا للمساكين , ثم قال : ولا تلتقطوا ما ينتثر من زيتونكم بل دعوه ~~للمساكين والذين يقبلون إلي لأني أنا الله ربكم , ثم قال : فإذا دخلتم ~~الأرض وغرستم فيها كل شجر يثمر ثمارا تؤكل فدعوها ثلاث سنين ولا تأكلوا من ~~ثمارها , فإذا كان في السنة الرابعة صيروا جميع ثمار شجركم حرمة للرب ومجدا ~~لإكرامه , وفي السنة الخامسة كلوا ثمارها فإنها تنمو وتزداد لكم غلاتها , ~~أنا الله ربكم ! وقال في أواخر السفر الخامس وهو آخر أسفارها : لا تحيفوا ~~على المسكين واليتيم والساكن بينكم في القضاء , ولا تأخذوا ثوب الأرملة ~~رهنا , واذكروا أنكم ms0648 كنتم عبيدا بأرض مصر وأنقذكم الرب من هناك , لذلك ~~آمركم وأقول لكم إنه واجب عليكم أن تفعلوا مثل هذا الفعل , وإذا حصدتم حقل ~~أرضكم ونسيتم حزمة لا ترجعوا في طلب أخذها بل تكون للساكن ولليتيم والأرملة ~~, ليبارك الله ربكم في جميع أعمال أيديكم ؛ وإذا نثرتم زيتونكم فلا تطلبوا ~~ما نسيتم في حقلكم بل يكون لليتيم والساكن والأرملة ؛ واذكروا أنكم كنتم ~~عبيدا بأرض مصر , لذلك آمركم أن تفعلوا هذا الفعل - وأما ما على النصارى من ~~ذلك فسيأتي كثير منه إن شاء الله تعالى في المائدة عند قوله تعالى < # > 77 ( { وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه } ) 77 < # > [ المائدة : 47 ] . | PageV01P559 ولما دعوا بما تضمن الإيمان بما نزل ~~إليهم مما حمل من كان قبلهم من الثقل اتبعوه ما يدل على اعتقادهم أن ذلك ~~عدل منه في القضاء , وأنه له أن يفعل فوق ذلك فيكلف بما ليس في الوسع , ~~لأنه المالك التام الملك والملك المنفرد بالملك , وسألوا التخفيف برفع ذلك ~~فقالوا : { ربنا ولا } وعبر بالتفعيل لما فيه مبا يفهم من العلاج من مناسبة ~~التكليف بما لا يطاق فقال : { تحملنا ما لا طاقة } أي قدرة { لنا به } . | ~~ولما كان الإنسان قد يتعمد الذنب لشهوة تدعوه إليه وغرض يحمله عليه أتبعوا ~~ذلك دعاء عاما فقالوا : { واعف عنا } أي ارفع عنا عقاب الذنوب كلها { واغفر ~~لنا } أي ولا تذكرها لنا أصلا , فالأول العفو عن عقاب الجسم , والثاني ~~العفو عن عذاب الروح . | وقال الحرالي : ولما كان قد يلحق من يعفى عنه ~~ويغفر له قصور في الرتبة عن منال الحظ من الرحمة ألحق تعالى المعفو عنه ~~المغفور له بالمرحوم ابتداء بقوله : { وارحمنا } أي حتى يستوي المذنب ~~التائب والذي لم يذنب قط في منال الرحمة . | ولما ضاعف لهم تعالى عفوه ~~ومغفرته ورحمته أنهاهم بذلك إلى محل الخلافة العاصمة < # > 77 ( { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } ) 77 < # > [ هود : 43 ] فلما صاروا خلفاء تحقق منهم الجهاد لأعداء الله والقيام ~~بأمر الله ومنابذة من تولى غير الله , فتحقق أنه لا ms0649 بد أن يشاققهم أعداء ~~وينابذوهم , فعلمهم الذي رحمهم سبحانه إسناد أمرهم بالولاية إليه قائلا ~~عنهم : { أنت مولانا } والمولى هو الولي اللازم الولاية القائم بها الدائم ~~عليها لمن تولاه بإسناد أمره إليه فيما ليس هو بمستطيع لها - انتهى بالمعنى ~~. | وكان حقيقته الفاعل لثمرة الولاية وهي القرب والإقبال , وذلك أنهم لما ~~سألوا العفو عن عذاب الجسم والروح سألوا ثوابهما , فثواب الجسم الجنة وثواب ~~الروح لذة الشهود وذلك ثمرة الولاية وهي الإقبال على الولي بالكلية , ثم ~~جعل ختام توجه المؤمنين إلى ربهم الدعاء بثمرة الولاية فقال : { فانصرنا } ~~باللسان والسنان , وأشار إلى قوة المخالفين حثا على تصحيح الالتجاء والصدق ~~في الرغبة بقوله : { على القوم } وأشار إلى أن الأدلة عليه سبحانه في غاية ~~الظهور لكل عاقل بقوله : { الكافرين } أي الساترين للأدلة الدالة لهم على ~~ربهم المذكورين أول السورة , فتضمن ذلك وجوب قتالهم وأنهم أعدى الأعداء , ~~وأن قوله تعالى < # > 77 ( { لا إكراه في الدين } ) 77 < # > [ البقرة : 256 ] ليس ناهيا عن ذلك وإنما هو إشارة إلى أن الدين صار في ~~الوضوح إلى حد لا يتصور فيه إكراه بل ينبغي لكل عاقل أن يدخل فيه بغاية ~~الرغبة فضلا عن الإحواج إلى إرهاب , فمن نصح نفسه دخل فيه بما دله عليه ~~عقله , ومن أبى أدخل فيه قهرا بنصيحة الله التي هي الضرب بالحسام ونافذ ~~السهام . | ولما كان الختم بذلك مشيرا إلى أنه تعالى لما ضاعف لهم عفوه عن ~~الذنب فلا يعاقب عليه PageV01P560 ومغفرته له بحيث يجعله كأن لم يكن فلا ~~يذكره أصلا ولا يعاقب عليه ورحمته في إيصال المذنب المعفو عنه المغفور له ~~إلى المنازل العالية أنهاهم إلى رتبة الخلافة في القيام بأمره والجهاد ~~لأعدائه وإن جل أمرهم وأعنى حصرهم كان مبنها على أن بداية هذه الصورة هداية ~~وخاتمتها خلافة , فاستوفت تبين أمر النبوة إلى حد ظهور الخلافة فكانت سناما ~~للقرآن , وكان جماع ما في القرآن منضما إلى معانيها إما لما صرحت به أو لما ~~ألاحته وأفهمه إفصاح من إفصاحها كما تنضم هي مع سائر القرآن إلى سورة ~~الفاتحة ms0650 فتكون أما للجميع - أفاد ذلك الأستاذ أبو الحسن الحرالي . | وقد ~~بان بذكر المنزل والإيمان به والنصرة على الكفار بعد تفصيل أمر النفقة ~~والمال الذي ينفق منه رد مقطعها على مطلعها وآخرها على أولها , ومن الجوامع ~~العظيمة في أمرها وشمول معناها المبين لعلو قدرها ما قال الحرالي إنه لما ~~كان منزل هذا القرآن المختص بخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم ~~أجمعين منزلا حروفا محيطة المعاني مخاطبا بها النبي والأئمة وتفصيل آيات ~~مخاطبا به عامة الأمة انتظمت هذه السورة صنفي الخطابين فافتتحت بالم حروفا ~~منبئة عن إحاطة بما تضمنته معانيها من إحاطة القائم من معنى الألف وإحاطة ~~المقام من معنى الميم وإحاطة الوصلة من معنى اللام ؛ ولما كانت الإحاطة في ~~ثلاث رتب إحاطة إلهية قيومية وإحاطة كتابية وإحاطة تفصيلية كانت الإحاطة ~~الخاصة بهذه الأحرف التي افتتحت بها هذه السورة إحاطة كتابية متوسطة , فوقع ~~الافتتاح فيما وقع عليه أمر القرآن في تلاوته في الأرض بالرتبة المتوسطة من ~~حيث هي أقرب للطرفين وأيسر للاطلاع على الأعلى والقيام بالأدنى , فكان ما ~~كان في القرآن من < # > 77 ( { الم تلك آيات الكتاب الحكيم } ) 77 < # > [ لقمان : 26 ] ونحوه تفصيل إحاطة من إحاطة الكتاب التي أنزلت فيها ~~سورة البقرة , فكانت مشتملة على إحاطات الكتب الأربعة : كتاب التقدير الذي ~~كتبه الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق الخلائق بما شاء الله من أمد و عدد , ~~ورد ( أن الله كتب الكتاب وقضى القضية وعرشه على الماء ) , و ( أن الله ~~سبحانه وتعالى قدر مقادير PageV01P561 الخلائق قبل أن يخلقهم بخمسين ألف ~~عام ) وأنه قدر الأرزاق قبل أن يخلق الصور بألفي عام - وكثير من ذلك مما ~~ورد في الخبار ؛ وفي مقابلة هذا الكتاب السابق بالتقدير الكتاب اللاحق ~~بالجزاء الذي كتبه الله سبحانه وتعالى ويكتبه أثر تمام الإبداء باستبقاء ~~الأعمال البادية على أيدي الخلق الذين ينالهم النعيم والجحيم والأمن والروع ~~والكشف والحجاب ؛ وهذا الكتاب الآخر مطابق للكيان الأول , ويبين بتطرقهما ~~كتاب الأحكام المتضمن لأمر الدين والدعوة الذي وقعت فيه الهداية والفتنة , ~~ثم كتاب الأعمال الذي ms0651 كتبه الله سبحانه وتعالى في ذوات المكلفين من أفعالهم ~~وأحوال أنفسهم وما كتب في قلوبهم من إيمان أو طبع علهيا أو ختم عليها بفجور ~~أو طغيان ؛ فتطابقت الأوائل والأواخر واختلف كتاب الأحكام وكتاب الأعمال ~~بما أبداه الله سبحانه وتعالى من وراء حجاب من معنى الهدى والفتنة والإقدام ~~والإحجام , فتضمنت سورة البقرة إحاطات جميع هذه الكتب واستوفت كتاب الأقدار ~~مبا في صدرها من تبيين أمر المؤمنين والكافرين والمنافقين , وكتاب الأفعال ~~كما ذكر سبحانه وتعالى أمر الختم على الكافرين والمرض في قلوب المنافقين , ~~وما يفصل في جميع السورة من أحكام الدين وما يذكر معها مما يناسبها من ~~الجزاء من ابتداء الإيمان إلى غاية الإيقان الذي انتهى إليه معنى السورة ~~فيما بين الحق والخلق من أمر الدين , وفيما بين الخلق والخلق من المعاملات ~~والمقاومات , وفميا بين المرء ونفسه من الأيمان والعهود , إلى حد ختمها بما ~~يكون من الحق للخلق في استخلاف الخلفاء الذين ختم بذكرهم هذه السورة الذين ~~قالوا : { غفرانك ربنا } إلى انتهائها ؛ ولما كان مقصود هذه السورة الإحاطة ~~الكتابية كان ذلك إفصاحها ومعظم آياتها وكانت الإحاطة الإلهية القيومية ~~إلاحتها ونور آياتها , فكان ذلك في آية الكرسي تصريحا وفي سائر آيها الإحة ~~بحسب قرب الإحاطة الكتابية من الإحاطة الإلهية , وفي بدء سابق أو ختم لاحق ~~أو حكمة جامعة , فلذلك انتظم بالسورة التي ذكرت فيه البقرة السورة التي ~~يذكر فيها آل عمران , لما نزل في سورة آل عمران من الإحاطة الإلهية حتى كان ~~في مفتتحها اسم الله الأعظم , فكان ما في البقرة إفصاحا في سورة آل عمران ~~إلاحة , وكان ما في البقرة إلاحة في سورة آل عمران إفصاحا , إلا ما اطلع في ~~كل واحدة منهما من تصريح الأخرى ؛ فلذلك هما سورتان مرتبطتان وغيايتان ~~PageV01P562 وغمامتان تظلان صاحبهما يوم القيامة , وبما هما من الذكر الأول ~~وبينهما من ظاهر التفاوت ما بين الإحاطة الكتابية وبين الإحاطة الإلهية ~~فلذلك كانت سورة البقرة سناما له والسنام أعلى ما في الحيوان المنكب وأجمله ~~جملة وهو البعير , وكانت سورة آل عمران ms0652 تاج القرآن والتاج هو أعلى ما في ~~المخلوقات من الخلق القائم المستخلف في الأرض ظاهره وفي جميع المكون إحاطته ~~؛ فوقع انتظام هاتين السورتين على نحو من انتظام الآي يتصل الإفصاح في ~~الآية بإلاحة سابقتها كما تقدم التنبيه عليه في مواضع - انتهى . | وسر ~~ترتيب سورة السنام على هذا النظام أنه ملا افتتحها سبحانه وتعالى بتصنيف ~~الناس الذين هم للدين كالقوائم الحاملة لذي السنام فاستوى وقام ابتداء ~~المقصود بذكر أقرب السنام إلى أفهام أهل القيام فقال مخاطبا لجميع الأصناف ~~التي قدمها < # > 77 ( { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } ) 77 < # > [ البقرة : 21 ] واستمر إلى أن بان الأمر غاية البيان فأخذ يذكر مننه ~~سبحانه على الناس المأمورين بالعبادة بما أنعم عليهم من خلق جميع ما في ~~الوجود لهم بما أكرم به أباهم آدم عليه الصلاة والسلام , ثم خص العرب ومن ~~تبعهم ببيان المنة عليهم في مجادلة بني إسرائيل وتبكيتهم , وهو سبحانه ~~وتعالى يؤكد كل قليل أمر الربوبية والتوحيد بالعبادة من غير ذكر شيء من ~~الأحكام إلا ما انسلخ منه بنو إسرائيل بتركه لا على أنه مقصود بالذات , ~~فلما تزكوا فترقوا فتأهلوا لأنواع المعارف قال معليا لهم من مصاعد الربوبية ~~إلى معارج الإلهية < # > 77 ( { وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو } ) 77 < # > [ البقرة : 163 ] فلما تسنموا هذا الشرف لقنهم العبادات المزكية ونقاهم ~~أرواحها المصفية فذكر أمهات الأعمال أصولا وفروعا الدعائم الخمس والحظيرة ~~وما تبع ذلك من الحدود في المآكل والمشارب والمناكح وغير ذلك من المصالح ~~فتهيؤوا بها وأنها المواردات الغر من ذي الجلال فقال مرقيا لهم إلى غيب ~~حضرته الشماء ذاكرا مسمى جميع الأسماء < # > 77 ( { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ) 77 < # > [ البقرة : 255 ] ولما كان الواصل إلى أعلى مقام الحرية لا بد عند ~~القوم من رجوعه إلى ربقة العبودية ذكر لهم بعض الأعمال اللائقة بهم , فحث ~~على أشياء أكثرها من وادي الإحسان الذي هو مقام أولي العرفان , فذكر مثل ~~النفقة التي هي أحد مباني السورة عقب ما ذكر مقام الطمأنينة إيذانا بأن ذلك ~~شأن ms0653 المطمئن , ورغب فيها إشارة إلى أنه لا مطمع في الوصول إلا بالانسلاخ من ~~الدنيا كلها , وأكثر من الحث على طيب المطعم الذي لا بقاء بحال من الأحوال ~~بدونه , ونهى عن الربا أشد نهي إشارة إلى التقنع بأقل الكفاف ونهيا عن مطلق ~~الزيادة للخواص وعن كل حرام للعوام , وأرشد إلى آداب PageV01P563 الدين ~~الموجب للثقة بما عند الله المقتضي بصدق التوكل المثمر للعون من الله ~~سبحانه وتعالى والإرشاد إلى ذلك , توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو متلبس ~~به ؛ وبنى سبحانه وتعالى كل ثلث من هذا الأثلاث على مقدمة في تثبيت أمره ~~وتوجه بخاتمة في التحذير من التهاون به , وزاد الثالث لكونه الختام وبه ~~بركة التمام أن أكد عليهم بعد خاتمته في الإيمان بجميع ما في السورة , وختم ~~بالإشارة إلى أن عمدة ذلك الجهاد الذي لذوي الغي والعناد , والاعتماد فيه ~~على مالك الملك وملك العباد , وذلك هو طريق أهل الرشاد , والهداية والسداد ~~والله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب . | . . . الجزء الثاني من نظم الدرر ~~| بداية الجزء الثاني PageV01P564 < # > سورة آل عمران < # > < < # | آل عمران : ( 1 - 5 ) الم # > > ^ ( الم * الله لا إله إلا هو الحي القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق ~~مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل * من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام * ~~إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء ) ^ } ) | { بسم الله } ~~الواحد المتفرد بالإحاطة بالكمال { الرحمن } الذي وسعت رحمة ايجاد كل مخلوق ~~وأوضح للمكلفين طريق النجاة { الرحيم } الذي اختار أهل التوحيد لمحل أنسه ~~وموطن جمعه وقدسه { الم } المقاصد التي سيقت لها هذه السورة إثبات ~~الوحدانية لله سبحانه وتعالى , والإخبار بأن رئاسة الدنيا بالأموال ~~والأولاد وغيرهما مما آثره الكفار على الإسلام غير مغنية عنهم شيئا في ~~الدنيا ولا في الآخرة , وأن ما أعد للمتقين من الجنة والرضوان هو الذي ~~ينبغي الأقبال عليه والمسارعة اليه وفي وصف المتقين بالإيمان والدعاء ~~والصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار ما يتعطف عليه كثير من أفانين ms0654 ~~أساليب هذه السورة هذا ما كان ظهر لي أولا , وأحسن منه أن نخص القصد الأول ~~وهو التوحيد بالقصد فيها فإن الأمرين الآخرين يرجعان إليه , وذلك لأن الوصف ~~بالقيومية يقتضي القيام بالاستقامة , فالقيام يكون على كل نفس , والاستقامه ~~العدل كما قال : ^ ( { قائما بالقسط } ) ^ [ آل عمران : 18 ] أي بعقاب ~~العاصي وثواب الطائع بما يقتضي للموقف ترك العصيان ولزوم الطاعة ؛ وهذا ~~الوجه أوفق الترتيب , لأن الفاتحة لما كانت جامعة للدين إجمالا جاء به ~~التفصيل محاذيا لذلك , فابتدىء بسورة الكتاب المحيط بأمر الدين , ثم بسورة ~~التوحيد الذي هو سر حرف الحمد وأول حروف الفاتحة , لأن التوحيد هو الأمر ~~الذي لا يقوم بناء إلا عليه , ولما صح الطريق وثبت الأساس جاءت التي بعدها ~~داعية إلىالاجتماع على ذلك ؛ وأيضا فلما ثبت بالبقرة أمر PageV02P003 ~~الكتاب في أنه هدى وقامت به دعائم الإسلام الخمس جاءت هذه لإثبات الدعوة ~~الجامعة في قوله سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { يأيها الناس اعبدوا ربكم } ) 77 < # > [ البقرة : 21 ] فأثبت الوحدانيه له بأبطال إلهيه غيره بإثبات أن عيسى ~~عليه السلام الذي كان يحيي الموتى عبده فغيره بطريق الأولى , فلما ثبت أن ~~الكل عبيده دعت سورة النساء إلى إقبالهم أليه واجتماعهم عليه ؛ ومما يدل ~~على أن القصد بها هو التوحيد تسميتها بآل عمران , فإن لم يعرب عنه في هذه ~~السورة ما أعرب عنه ما ساقه سبحانه وتعالى فيها من لإخبارهم بما فيها من ~~الأدلة على القدرة التامة الموجبة للتوحيد الذي ليس في درج الإيمان أعلى ~~منه , فهو التاج الذي هو خاصة الملك المحسوسة , كما أن التوحيد خاصته ~~المعقولة , والتوحيد موجب لزهرة المتحلي به فلذلك سميت الزهراء . | < # > القصد الأول التوحيد < # > ومناسبه هذا الأول بالإبتدائيه لآخر ما قبلها أنه لما كان آخر البقرة ~~في لاحقيقة آية الكرسي وما بعدها إنما هو بيان , لأنها أوضحت أمر الدين ~~بحيث لم يبقى وراءها مرمى لمتنعت , أو تعجب من حال من جادل في الإلهية أو ~~استبعد شيئا من القدرة ولم ينظر فيما تضمنته هذه الآية من الأدله مع وضوحه ~~, أو إشارة إلى الاستدلال ms0655 على البعث بأمر السنابل في قالب الإرشاد إلى ما ~~ينفع في اليوم الذي نفى فيه نفع البيع والخلة والشفاعة من النفقات , وبيان ~~بعض ما يتعلق بذلك , وتقرير أمر ملكه لما منه الإنفاق من السماوات و الأرض ~~, والإخبار بإيمان الرسول وأتباعه بذلك , وبأنهم لا يفرقون بين أحد من ~~الرسل المشار اليهم في السورة , وبقصدهم في التضرع برفع الأثقال التي كانت ~~على من قبلهم من بني إسرائيل وغيرهم , وبالنصرة على عامة الكافرين ؛ لما ~~كان ذلك على هذا الوجه ناسب هذا الاختتام غايه المناسبة ابتداء هذه السورة ~~بالذي وقع الإيمان به سبحانه وتعالى ووجهت الرغبات آخر تلك اليه ؛ وأحسن ~~منه أنه لما نزل إلينا كتابه فجمع مقاصده في الفاتحه على وجه أرشد فيه إلى ~~سؤال الهدية ثم شرع في تفصيل ما جمعه في الفاتحة , فأرشد في أول البقرة إلى ~~أن الهديه في هذا الكتاب , وبين ذلك بحقيه المعنى والنظم كما تقدم إلى أن ~~ختم البقرة بالإخبار عن خلص عباده بالإيمان بالمنزل بالسمع والطاعة , وأفهم ~~ذلك مع التوجه بالدعاء إلى المنزل له أن له سبحانه وتعالى كل شيء وبيده ~~النصر , علم أنه واحدلا شريك له حي لا يموت قيوم لا يغفل وأن ما أنزل هو ~~الحق , فصرح أول هذه بما أفهمه آخر تلك , كما يصرح بالنتيجة بعد المقدمات ~~المنتجة لها فقال : { الله } أي الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه لأن ~~له الإحاطة بجميع أوصاف الكمال والنزاهة الكاملة من كل شائبة نقص . | ~~PageV02P004 وقال الحرالي مشيرا إلى القول الصحيح في ترتيب السور من أنه ~~باجتهاد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إقرارا لله سبحانه وتعالى لهذا ~~الانتظام والترتيب السوري في مقرر هذا الكتاب : هو ما رضيه الله سبحانه ~~وتعالى فأقره ؛ فلما كانت سورة الفاتحة جامعة لكلية أمر الله سبحانه وتعالى ~~فيما يرجع إليه , وفيما يرجع إلى عبده , وفيما بينه وبين عبده , فكانت أم ~~القرآن وأم الكتاب ؛ جعل مثنى تفصيل ما يرجع منها إلى الكتاب المنبأ عن ~~موقعه في الفاتحة مضمنا سورة البقرة إلى ما ms0656 أعلن به , لألأنور آية الكرسي ~~فيها , وكان منزل هذه السورة من مثنى تفصيل ما يرجع إلى خاص علن الله ~~سبحانه وتعالى في الفاتحة , فكان منزلة سورة آل عمران منزله تاج الراكب ~~وكان منزله سورة البقرة منزلة سنام المطية ؛ قال ( ص ) : { لكل شيء سنام ~~وسنام القرآن سورة البقرة , لكل شيء تاج وتاج القرآن سورة آل عمران } وإنما ~~بدىء هذا الترتيب لسورة الكتاب لأن علم الكتاب أقرب إلى المخاطبين من تلقي ~~علن أمر الله , فكان في تعلم سورة البقرة والعمل بها تهيؤ لتلقي ما تضمنته ~~سورة آل عمران ليقع التدرج والتدرب بتلقي الكتاب حفظا وبتلقيه على اللقن ~~منزل الكتاب بما ابداه علنه في هذه السورة ؛ وبذلك يتضح أن إحاطة { الم } ~~المنزلة في أول سورة البقرة إحاطة كتابية بما هو قيامه وتمامه , ووصلة ما ~~بين قيامه وتمامه , وأن إحاطة { الم } المنزلة في أو هذه السورة إحاطة ~~إلهية حيايية قومية ممل بين غيبة عظمة اسمه { الله } إلى تمام قيومته ~~البادية في تبارك ما أنبأ عنه اسمه { الحي القيوم } وما أوصله لطفه من ~~مضمون توحيده المنبىء عنه كلمه الإخلاص في قوله : { لا إله الا هو } فلذلك ~~كان هذا المجموع في منزله قرآنا حرفيا وقرآنا كلميا اسميا وقرآنا كلاميا ~~تفصيليا مما هو اسمه الأعظم كما تقدم من قوله : ( اسم الله الأعظم في هاتين ~~الآيتين : < # > 77 ( { وإلهكم أله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم } ) 77 < # > [ البقرة : 163 ] , { الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم } وكما وقعت ~~الإحة في سورة البقرة لما وقع بها الإفصاح في سورة آل عمران كذلك وقع في آل ~~عمران من نحو ما وقع تفصيبه في سورة البقرة ليصير منزلا واحدا بما أفصح ~~مضمون كل سورة بالإحة الأخرى , فلذلك هما غمامتان وغيايتان على قارئهما يوم ~~القيامة كما تقدم لا تفترقان , فأعظم { الم } هو مضمون { الم } الذي ~~PageV02P005 افتتحت به هذه السورة ويليه في الرتبة ما افتتحت به سورة ~~البقرة , ويليه في الرتبة ما افتتحت به سور الآيات نحو قوله سبحانه وتعالى ~~< # > 77 ( { الم ms0657 تلك آيات الكتاب الحكيم } ) 77 < # > [ لقمان : 2 ] فللكتاب الحكيم إحاطة قواما وتماما ووصلة , ولمطلق ~~الكتاب إحاطة كذلك , وإحاطه الإحاطات وأعظم العظمة إحاطة افتتاح هذه السورة ~~؛ وكذلك أيضا اللواميم محيطة بإحاطة الطواسيم لما تتخصص به معاني حروفها من ~~دون إحاطات حروف اللواميم , وإحاطة الحواميم من دون إحاطة الطواسيم لما ~~تتخصص به معاني حروفها من دون إحاطات حروف الطواسيم على ما يتضح تراتبه ~~وعلمه لمن آتاه الله فهما بمنزله قرآن الحروف المخصوص بإنزاله هذه الأمة ~~دون سائر الأمم , الذي هو من العلم الأزلي العلوي ؛ ثم قال : ولما كانت ~~أعظم الإحاطات إحاطة عظمة اسمه ( الله ) الذي هو مسمى التسعة والتسعين ~~أسماء التي أولها { إله } كان ما أفهمه أول الفهم هنا اسم ألف بناء في معنى ~~إحاطات الحروف على نحو إحاطة اسمه ( الله ) في الأسماء , فكانت هذه الألف ~~مسمى كل ألف كما كان اسمه { الله } سبحانه وتعالى مسمى كل اسم سواه حتى أنه ~~مسمى سائر الأسماء الأعجمية التي هي أسماؤه سبحانه وتعالى في جميع الألسن ~~كلها مع أسماء العربية أسماء لمسمى هو هذا الاسم العظيم الذي هو { الله } ~~الأحد الذي لم يتطرق اليه شرك , كما تطرق إلى أسمائه من اسمه { إله } إلى ~~غايه اسمه ( الصبور ) وكما كان إحاطة هذا الألف أعظم إحاطة حرفية وسائر ~~الألفات أسماء لعظيم إحاطتة ؛ وكذلك هذه الميم أعظم إحاطة ميم تفصلت فيه ~~وكانت له أسماء بمنزلة ما هي سائر الألفات أسماء لمسمى هذا الألف كذلك سائر ~~الميمات اسم لمسمى هذا الميم , كما أن اسمه { الحي القيوم } أعظم تمام كل ~~عظيم من أسماء عظمته ؛ وكذلك هذه اللام بمنزلة ألفه وميمه , وهي لام ~~الإلهية الذي أسراره لطيف التنزل إلى تمام ميم قيوميته ؛ فمن لم ينته إلى ~~فهم معاني الحروف في هذه الفاتحة نزل له الخطاب إلى ما هو إفصاح إحاطتها في ~~الكلم والكلام المنتظم في قوله : { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } , فهو ~~قرآن حرفي يفصله قرآن كلمي يفصله قرآن كلامي انتهى . | فقوله : { الله } أي ~~الذي آمن به الرسول وأتباعه بما ms0658 له من الإحاطة بصفات الكمال { لا إله إلا ~~هو } أي متوحد لا كفوء له فقد فاز قصدكم إليه بالرغبة وتعويلكم عليه في ~~المسألة . | قال الحرالي : فما أعلن به هذا الاسم العظيم أي الله في هذه ~~الفاتحة هو ما استعلن به في قوله تعالى : < # > 77 ( { قل هو الله أحد } ) 77 < # > [ الإخلاص : 1 ] , ولما كان إحاطة العظمة أمرا خاصا لأن العظمة إزاء ~~الله الذي لا يطلع عليه إلا صاحب سر كان البادي لمن دون أهل الفهم من رتبة ~~أهل العلم اسمه ( الله الصمد ) الذي يعنى اليه بالحاجات والرغبات المختص ~~بالفوقية والعلو الذي يقال للمؤمن PageV02P006 عنه : أين الله ؟ فيقول : في ~~السماء , إلى حد أن يقول : فوق العرش , فذلك الصمد الذي أنبأ عنه اسمه { ~~إله } الذي أنزل فيه إلزام الإخلاص والتوحيد منذ عبدت في الأرض الأصنام , ~~فلذلك نضم توحيد اسمه الإله بأحدية مسمى هو من اسمه العظيم ( الله ) , ورجع ~~عليه باسم المضمر الذي هو في جبلات الأنفس وغرائز القلوب الذي تجده غيبا في ~~بواطنها فتقول فيه : هو , فكان هذا الخطاب مبدوءا بالاسم العظيم المظهر ~~منتهيا إلى الاسم المضمر , كما كان خطاب < # > 77 ( { قل هو الله أحد } ) 77 < # > [ الإخلاص : 1 ] مبدوؤا بالاسم المضمر منتهيا إلى الاسم العظيم المظهر ~~, وكذلك أيضا اسم الله الأعظم في سورة < # > 77 ( { قل هو الله أحد } ) 77 < # > [ الإخلاص : 1 ] كما هو في هذه الفاتحة . | ولما كان لبادي الخلق ~~افتقار إلى قوام لا يثبت طرفة عين دون قوامه كان القوام البادي آيته هي ~~الحياة فما حيي ثبت وما مات فني وهلك ؛ انتهى ولما كان المتفرد بالملك من ~~أهل الدنيا يموت قال : { الحي } أي الحياة الحقيقية التي لا موت معها . | ~~ولما كان الحي قد يحتاج في التدبير إلى وزير لعجزه عن الكفاية بنفسه في ~~جميع الأعمال قال : { القيوم } إعلاما بأن به قيام كل شيء وهو قلئم على كل ~~شيء . | قال الحرالي : فكما أن الحياة بنفخة من روح أمره فكل متماسك على ~~صورته حي بقيوميته انتهى . | وفي وصفه بذلك إعلام بأنه قادر على نصر ms0659 جنده ~~وإعزاز دينه وعون وليه , وحث على مراقبته بجهاد أعدائه ودوام الخضوع لديه ~~والضراعة اليه . | ولما كان من معنى القيوم أنه المدبر للمصالح اتصل به ~~الأعلام بتنزيل ما يتضمن ذلك , وهو الكتاب المذكور في قوله : < # > 77 ( { بما أنزل أليه من ربه } ) 77 < # > [ البقرة : 285 ] والكتب المذكورة في أول البقرة في قوله : < # > 77 ( { بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك } ) 77 < # > [ البقرة : 4 ] وفي آخرها بقوله < # > 77 ( { وكتبه ورسله } ) 77 < # > [ لبقرة : 285 ] التي من جملتها التوراة والإنجيل اللذان فيهما الآصار ~~المرفوعة عنا , ثم شرح بعده أمر التصوير في الأحشاء , وذلك لأن المصالح ~~قسمان : روحانية وجسمانية , وأشرف المصالح الروحانية العلم الذي هو الروح ~~كالروح للبدن فإنها تصير به مرآة مجلوة ينجلي فيها صور الحقائق , وأشرف ~~المصالح الجسمانية تعديل المزاج وتسوية البنية في أحسن هيئة , وقدم ~~الروحانية المتكفل بها الكتاب لأنها أشرف . | ولما كانت مادة ( كتب ) دائرة ~~على معنى الجمع عبر بالتنزيل الذي معناه التفريق لتشمل هذه الجملة على ~~وجازتها من أمره على إجمال وتفصيل فقال : وقال الحرالي : ولما كانت إحاطة ~~الكتاب أي في البقرة ابتداء وأعقبها أي في أول السورة إحاطة الإلهية جاء ~~هذا الخطاب ردا عليه , فتنزل من الإحاطة الإلهية إلى الأحاطة الكتابية ~~بالتنزيل الذي هو تدرج من رتبة إلى رتبة دونها ؛ انتهى فقال : { نزل } أي ~~شيئا فشيئا PageV02P007 في هذا العصر { عليك } أي خاصة بما اقتضاه تقديم ~~الجار من الحصر , وكأن موجب ذلك ادعاء بعضهم أنه يوحى إليه وأنه يقدر على ~~الإيتان بمثل الوحي { الكتاب } أي القرآن الجامع للهدى بحسب الوقائع , لم ~~يغفل عن واحد منها ولا قدم جوابها ولا أخره عن محل الحاجة , لأنه قيوم لا ~~يشغله شأن عن شأن . | قال الحرالي : وهذا الكتاب هو الكتاب المحيط الجالمع ~~الأول الذي لا ينزل إلا على الخاتم الآخر المعقب لما أقام به حكمته من أن ~~صور الأواخر مقامة بحقائق الأوائل , فأول الأنوار الذي هو نور محمد هو قثم ~~خاتم الصور التي هي صورة محمد انتهى . | تنزيلا ملتيسا { بالحق } أي الأمر ~~الثابت , فهو ms0660 ثابت في نفسه , وكل ما ينشأ عنه من قول وفعل كذلك . | قال ~~الحرالي : وكما أن هذا الكتاب هو الكتاب الجامع الأول المحيط بكل كتاب كذلك ~~هو الحق المنزل به هذا الكتاب هو الحق الجامع المحيط الذي كل حق منه , وهو ~~الحق الذي أقام به حكمته فيما رفع ووضع انتهى . | حال كونه { مصدقا } ولما ~~كان العامل مرفوعا لأنه أمر فاعل قواه في اللام فقال : { لما بين يديه } أي ~~من الكتب السماوية التي أتت بها الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم عن ~~الحضرة الإلهية . | قال الحرالي : لما كان هذا الكتاب أولا وجامعا ومحيطا ~~كان كل كتاب بين يديه ولم يكن من ورائه كتاب انتهى . | ولما كان النزاع وفد ~~ونجران في الإله أو النبي أو فيها كان هذا الكلام كفيلا على وجازتة بالرد ~~عليهم في ذلك ببيان الحق في الإله بالقيومية , وفي المعنى بالكتاب المعجز , ~~ولما كانوا مقرين بالكتب القديمة أشار إلى ليس لهم إنكار هذا الكتاب وهو ~~أعلى منها في كل أمر أوجب أوجب تصديقها وإلى أن من أنكره بعد ذلك كان من ~~الأمر الظاهر أنه معاند لا شك في عناده فقال : { وأنزل التوراة } وهو ( ~~فاعلة ) لو صرفت من الورى وهو قدح النار من الزند , استثقل اجتماع الواوين ~~فقلب أولهما تاء كما في اتحاد و اتلاج واتزار واتزان ونحوه قال الحرالي : ~~فهي توراة بما هي نور أعقبت ظلام ما وردت عليه من كفر دعي إليها من ~~الفراعنة , فكان فيها هدى ونور { والإنجيل } من النجل , وضع على زيادة ( ~~إفعيل ) لمزيد معنى ما وضعت له هذة الصيغة , وزيادتاها مبالغه في المعنى , ~~وأصل النجل استخراج خلاصه الشيء , ومنه يقال للولد : نجل أبيه . | كان ~~الإنجيل استخلص خلاصه نور التوراة فأظهر باطن ما شرع في التوراة ظاهرة , ~~فإن التوراة كتاب إحاطة لأمر الظاهر الذي يحيط بالأعمال وإصلاح أمر الدنيا ~~وحصول الفوز من عاقبة يوم الأخرى فهو جامع إحاطة الظواهر , وكل آية ظاهرة ~~فمن كتاب التوراة والإنجيل كتاب إحاطة لأمر البواطن يحيط بالأمور النفسانية ~~التي بها يقع لمحموجود الآخرة ms0661 مع PageV02P008 الإعراض عن إصلاح الدنيا بل ~~مع هدمها , فكان الإنجيل مقيما لأمر الآخرة هادما لأمر الدنيا مع حصوله ~~أدنى بلغة , وكانت التوراة مقيمة لإصلاح الدنيا مع تحصيل الفوز في الآخرة , ~~فجمع هذان الكتابان إحاطتي الظاهروالباطن , فكان منزل التوراة من مقتضى ~~اسمه الظاهر , وكان منزل الإنجيل من مقتضى اسمه الباطن , كما كان منزل ~~الكتاب الجامع من مقتضى ما في أولهذه السورة من أسمائه العظيمة مع لحظ ~~التوحيد ليعتبر الكتاب والسورة بما نبه بتنزيله من اسمه الله وسائر أسمائه ~~على وجوه إحاطتها انتهى وفيه تصرف ؛ فأحاط هذا الكتاب إحاطة ظاهرة بأمري ~~الظاهر والباطن بما أذن منه تصديقه للكتابين , وخصهما سبحانه وتعالى ~~بالتنويه بذكرهما إعلاما بعلي قدرهما . | ولما لم يكن إنزالهما مستغرقا ~~للماضي لأنه لم يكن في أول الزمان أدخل الجار معريا من التقيد بمن نزلا ~~عليه لسهرته وعدم النزاع بخلاف القرآن { من قبل } أي من قبل هذا الوقت ~~إنزالا انقضى أمره ومضى زمانه حال كون الكل { هدى } أي بيانا , ولذا عم ~~فقال : { للناس } وأما في أول البقرة فبمعنى خلق الهداية في القلب , فلذا ~~خص المتقين ؛ والحاصل أن هذه الآية كالتعليل لآخر البقرة فكأنه قيل : كل ~~آمن بالله لأنه متفرد بالألوهية , لأنه متفرد بالحياة , لأنه متفرد ~~بالقيومية ؛ وآمن برسله الذين جاؤوا بكتبه المنزلة بالحق من عنده بواسطة ~~ملائكته . | ولما كانت مادة ( فرق ) للفصل عبر بالإنزال الذي لا يدل على ~~التدريج لما تقدم من إرادة الترجمة بالإجمال والتفصيل على غاية الإيجاز ~~لاقتضاء الإعجاز , وجمع الكتابين في إنزال واحد واستجد لكتابنا إنزالا ~~تنبيها على علو رتبته عنهما بمقدار علو رتبه المتقين الذين هو هدى لهم , ~~وبتقواهم يكون لهم فرقان على رتبة الناس الذين هما هدى لهم فقال تعالى : { ~~وأنزل الفرقان } أي الكتاب المصاحب للعز الذي يكسب صاحبه قوة التصرف فيما ~~يريد من الفصل والوصل الذي هو وظيفه السادة المرجوع إليهم عند الملمات , ~~المقترن بالمعجزات الفارقة بين الحق والباطل , وسترى هذا المعنى إن شاء ~~الله سبحانه وتعالى في سورة الأنفال بأوضح من هذا ؛ فعل ذبك لينفذ ms0662 قائله ~~أمر الكتاب المقرر فيه الشرع الحق المباين لجميع الملل الباطلة والأهواء ~~المضلة والنحل الفاسدة , وذلك هو روح النصر على أعداء الله المرشد إلى ~~الدعاء به ختام البقرة . | قال الحرالي : فكان الفرقان جامعا لمنزل ظاهر ~~التوراة ومنزل باطن الإنجيل جمعا يبدي ما وراء منزلهما بحكم استناده للتقوى ~~التي هي تهيؤ لتنزل الكتاب < # > 77 ( { أن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا } ) 77 < # > [ الانفال : 29 ] فكان الفرقان أقرب الكتب للكتاب الجامع , فصار ~~التنزيل في ثلاث رتب : رتبة الكتاب المنزل بالحق الجامع , ثم رتبة الفرقان ~~المظهر لمحل الجمع PageV02P009 بين الظاهر والباطن , ثم منزل التوراة ~~والإنجيل المختفي فيه موضع ظاهر التوراة بباطن الإنجيل انتهى . | ومناسبة ~~ابتدائها بالتوحيد لما في أثنائها أنه لما خلق عيسى عليه الصلاة والسلام من ~~أنثى فقط وهي أدنى أسباب النماء كان وجوده إشارة إلى أن الزيادة قد انتهت , ~~وأن الخلق أخذ في النقصان , وهذا العالم أشرف على الزوال , فلم يأت بعده من ~~قومه نبي بل كان خاتم أنبياء بنى إسرائيل , وكان هذا النبي الذي أتى بعده ~~من غير قومه خاتم الأنبياء مطلقا , وكان مبعوثا مع نفس الساعة , وكان نزوله ~~هو آخر الزمان علما على الساعة , وصدرت هذه السورة التي نزل كثير منها ~~بسببه بالوحدانية إشارة إلى أن الوارث قد دنا زمان إرثه , وأن يكون ولا شيء ~~معه كما كان , وأن الحين الذي يتمخص فيه تفرد الواحد قد حان , والآن الذي ~~يقول فيه سبحانه له الملك اليوم قد آن ؛ ويوضح ذلك أنه لما كان آدم عليه ~~الصلاه والسلام مخلوقا من التراب الذي هو أمتن أسباب النماء , وهوغالب على ~~كل ما جاوره , وكانت الأنثى مخلوقة من آدم الذي هو الذكر وهو أقوى سببي ~~التناسل كان ذلك إشارة إلى كثرة الخلائق ونمائهم وازديادهم , فصدر أول سورة ~~ذكر فيها خلقه وابتداء أمره بالكتاب إشارة إلى أن ما يشير إليه ذكره من ~~تكثر الخلائق وانتشار الأمم والطوائف داع إلى إنزال الشرائع وإرسال الرسل ~~بالأحكام والدلائل , فلمعنى أن آدم عليه الصلاة والسلام لما كان منه ~~الابتداء وعيسى ms0663 عليه الصلاة والسلام لما كان دليلا على الانتهاء اقتضت ~~الحكمة أن يكون كل منهما مما كان منه , وأن تصدر سورة كل بما صدرت به والله ~~سبحانه وتعالى الموفق . | وقال ابن الزبير ما حاصله : إن اتصالها بسورة ~~البقرة والله سبحانه وتعالى أعلم من جهات : إحداها ما تبين في صدر السورة ~~مما هو إحالة على ما ضمن في سورة البقرة بأسرها , ثانيها الإشارة في صدر ~~السورة أيضا إلى أن الصراط المستقيم قد تبين شأنه لمن تقدم في كتبهم , فإن ~~هذا الكتاب جاء مصدقا لما نزل نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه , ~~فهو بيان لحال الكتاب الذي هو هدى للمتقين , ولما بين افتراق الأمم بحسب ~~السابقة إلى أصناف ثلاثة , وذكر من تعنت بني إسرائيل وتوقفهم ما تقدم أخبر ~~سبحانه وتعالى هنا أنه أنزل عليهم التوراة , وأنزل بعدها الإنجيل , وأن كل ~~ذلك هدى لمن وفق , إعلاما منه سبحانه وتعالى لأمه محمد أن من تقدمهم قد بين ~~لهم < # > 77 ( { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ) 77 < # > [ الإسراء : 15 ] ؛ والثالثة قصة عيسى عليه الصلاة والسلام وابتداء ~~أمره من غير أب والاعتبار به نظير الاعتبار بآدم عليه الصلاة والسلام ولهذا ~~أشار قوله سبحانه وتعالى < # > 77 ( { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم } ) 77 < # > [ آل عمران 59 ] انتهى . | PageV02P010 ولما علم بذلك أمر القيوم ~~سبحانه وتعالى بالحق وهو الإيمان علم أن لمخالفي أمره من أضداد المؤمنين ~~الموصوفين وهم الكفرة المدعو بخذلانهم المنزل الفرقان لمحو أديانهم الويل ~~والثبور , فاتصل بذلك بقوله : { إن الذين كفروا } أي غطوا ما دلتهم عليه ~~الفطرة الأولى التي فطرهم الله سبحانه وتعالى عليها , ثم ما بينت لهم الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام عنه سبحانه وتعالى من البيان الذي لا لبس معه { بآيت ~~الله } المستجمع لصفات الكمال إقبالا منهم على ما ليس له أصلا صفة كمال , ~~وهذا الكفر كما قال الحرالي دون الكفر بأسماء الله الذي هو دون الكفر بالله ~~, قال : فكما بدأ خطاب التنزيل من أعلاه نظم به ابتداء الكفر من أدناه ~~انتهى . | { لهم عذاب ms0664 شديد } كما تقتضيه صفتا العزة والنقمة , وفي وصفه ~~بالشدة إيذان بأن من كفر دون هذا الكفر كان له مطلق العذاب . | قال الحرالي ~~: ففي إشعاره أن لمن داخله كفر ما حط بحسب خفاء ذلك الكفر , فأفصح الخطاب ~~بالأشد وألاح بالأضعف انتهى . | والآية على تقدير سؤال ممن كأنه قال : ماذا ~~يفعل بمن أعرض عن الكتب الموصوفة ؟ أو يقال : إنه لما قال : < # > 77 ( { وأنزل الفرقان } ) 77 < # > [ آل عمران : 4 ] أي الفارق بين الحق والباطل من الآيات والأحكام عليك ~~وعلى غيرك من الأنبياء لم يبق لأحد شبهة فقال : وأحسن من ذلك كله أنه ~~سبحانه وتعالى ولما أنزل سورة البقرة على طولها في بيان أن الكتاب هدى ~~للمتقين , وبين أن أول هذه وحدانيته وحياته وقيوميته الدالة على تمام العلم ~~وشمول القدرة , فأنتج ذلك صدق ما أخبر به سبحانه وتعالى , أيد ذلك بالإعلام ~~بأن ذلك الكتاب مع أنه هاد اليه حق , ودل على ذلك لمصادقته لما قبله من ~~الكتب . | ولما ختم أوصافه بأنه فرقان لا يدع لبسا ولا شبهة أنتج ذلك قطعا ~~أن الذين قدم أول تلك أنهم أصروا على الكفر به خاسرون , فأخبر سبحانه ~~وتعالى بما أعد لهم من العذاب فقال : { إن الذين } مؤكدا مظهرا لما كان من ~~حقه الإضمار , لولا إرادة تعليق الحكم بالوصف وهو الكفر أي الستر لما تفضل ~~عليهم به من الآيات ؛ ثم قرر قدرته على ما هدد به وعبر به فقال : عاطفاعلى ~~ما أرشد السياق مع العطف على غير مذكور إلى أنه : فالله سبحانه وتعالى عالم ~~بما له من القيومية بجميع أحوالهم : { والله } أي الملك العظيم مع كونه ~~رقيبا { عزيز } لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء { ذو انتقام } أي تسلط وبطش ~~شديد بسطوة . | قال الحرالي : فأظهر وصف العزة موصولا بما أدام من انتقامه ~~بما يعرب عنه كلمة ذو المفصحة بمعنى صحبة ودوام , فكأن في إشعاره دواما ~~لهذا الانتقام بدوام أمر الكتاب الجامع المقابل علوه لدنو هذا الكفر , وكان ~~في طي إشعار الانتقام أحد قسمي إقامة اليومية في طرفي النقمة والرحمة ms0665 , ~~فتقابل هذان PageV02P011 الخطابان إفصاحا وإفهاما من حيث ذكر تفصيل الكتب ~~إفصاحا فافهم متنزل الفتنة في الابتداء إلاحة , فإنه كما أنزل الكتب هدى ~~أنزل متشابهها فتنة , فتعادل الإفصاحان والإلاحتان , وتم بذلك أمر الدين في ~~هذه السورة انتهى . | وما أحسن إطلاق العذاب بعد ذكر الفرقان ليشمل الكون ~~في الدنيا نصرة للمؤمنين استجابة لدعائهم , وفي الآخرة تصديقا لقولهم ~~وزيادة في سرورهم ونعيمهم , وتهديدا لمن ترك كثير من هذه السورة بسببهم وهم ~~وفد نصارى نجران . | يجادلون النبي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام , ~~فتارة يقولون : هو الله , وتارة يقولون : هو ابن الله , وتارة يقولون , هو ~~ثالث ثلاثة , وكان بعضهم عالما بالحق في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام وبأن ~~أحمد الذي بشر به هو هذا النبي العربي فقال له بعض أقاربه : فلم لا تتبعه ~~وأنتتعلم أن عيسى أمر باتباعه ؟ فقال له : لو اتبهناه لسلبنا ملك الروم ~~جميع ما ترى من النعمة , وكان ملوك الروم قد أحبوهم لاجتهادهم في دينهم ~~وعظموهم وسودوهم وخولوهم في النعم حتى عظمت رئاستهم وكثرت أموالهم على ما ~~بين في السيرة الهشامية وغيرها , واستمر سبحانه وتعالى يؤكد استجابته لدعاء ~~أوليائه بالنصرة آخر البقرة في النحو قوله : < # > 77 ( { إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم } ) 77 < # > [ آل عمران : 10 ] < # > 77 ( { قل للذين كفروا ستغلبون } ) 77 < # > [ آل عمران : 12 ] إلى أن ختم السورة بشرط الاستجابة فقال : < # > 77 ( { اصبروا وصابروا } ) 77 < # > [ آل عمران : 200 ] , ثم قال توضيحا لما قدم في آية الكرسي من إثبات ~~العلم , واستدلالا على وصفه سبحانه وتعالى بالقيومية التي فارق بها كل من ~~يدعي فيه الإلهية مشيرا بذلك إلى الرد على من جادل في عيسى عليه الصلاة ~~والسلام فأطراه أنه إله , وموضحا لأن كتبه هدى وأنه عالم بالمطيع والعاصي ~~بما تقدم أنه أرشد العطف في { والله العزيز } لى تقديره , ومعللا لوصفه ~~بالعزة والقدرة لما يأتي في سورة طه من أن تمام العلم يستلزم شمول القدرة : ~~{ إن الله } بما له من صفات الكمال التي منها القيومية { لا يخفي عليه شيء ~~} وإن دق , ولما ms0666 كان تقريب المعلومات بالمحسوسات أقيد في التعليم والبعد عن ~~الخفاء قال وإن كان علمه سبحانه وتعالى لا يتقيد بشيء : { في الأرض ولا في ~~السماء } أي ولا هم يقدرون على أن يدعوا في عيسى عليه الصلاة والسلام مثل ~~هذا العلم , بل في إنجيلهم الذي بين أظهرهم الآن في حدود السبعين ~~والثمانمائة التصريح بأنه يخفي عليه بعض الأمور , قال في ترجمة إنجيل مقس ~~في قصة التي كانت بها نزف الدم : إنها أتت من ورائه فأمسكت ثوبه فبرأت فعلم ~~القوة التي خرجت منه , فالتفت إلى الجمع وقال : من مس ثوبي ؟ فقال له ~~تلاميذه : ما ندري , الجمع يزحمك , ويقول : من اقترب ؟ فجاءت وقالت له الحق ~~, فقال : يا ابنه ! إيمانك خلصك ؛ وهو في إنجيل لوقا PageV02P012 بمعناه ~~ولفظه : فجاءت من ورائه وأمسكت طرف ثوبه , فوقف جري دمها الذي كان يسيل ~~منها , فقال يسوع من لمسني ؟ فأنكر جميعهم , فقال بطرس والذي معه : يا معلم ~~الخير ! الجميع يزحمك ويضيق عليك ويقول : من الذي لمسني من قرب مني ؟ قد ~~علمت أن قوة خرجت مني إلى آخره . | وقال ابن زبير : ثم أشار قوله تعالى : { ~~إن الله لا يخفي عليه شيء } إلى ما تقدم أي في البقرة من تفصيل أخبارهم . | ~~فكان الكلام في قوة أن لو قيل : أيخفي عليه مرتكبات العباد ! وهو مصورهم في ~~الأرحام والمطلع عليهم حيث لا يطلع عليهم غيره انتهى . | < < # | آل عمران : ( 6 - 7 ) هو الذي يصوركم . . . . . # > > ^ ( هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشآء لا إله إلا هو العزيز الحكيم ~~* هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ~~فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ) ^ } ) | ولما قرر سبحانه وتعالى ~~شمول علمه أتبعه دليله من تمام قدرته فقال : وقال الحرالي : ولما كان كل ~~تفصيل يتقدمه بالرتبة مجمل جامع , وكانت تراجم السورة موضع الإجمال ليكون ~~تفصيلها موضع التفاصيل , وكان ms0667 من المذكور في سورة الكتاب ما وقع من اللبس ~~كذلك كان في هذه السورة التي ترجمها جوامع إلهية ما وقع من اللبس في أمر ~~الإلهية في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام , فكان في هذه الآيه الجامعة ~~توطئة لبيان الأمر في شأنه عليه لسلام من حيث إنه مما صور في الرحم وحملته ~~الأنثى ووضعته , وأن جميع ما حوته السماء والأرض لا ينبغي أن يقع فيه لبس ~~في أمر الإلهية ؛ انتهى فقال مبينا أمر قدرته بما لا يقدر عليه عيسى عليه ~~الصلاة والسلام ولا غيره : { هو } أي وحده { الذي } وقرعهم بصرف القول من ~~الغيبه إلى الخطاب ليعظم تنبههم على ما هم فيه من قهر المصور لهم على ما ~~أوجدهم عليه مما يشتهونه ولا يفقهونه فقال : { يصوركم } أي أن كنتم نطفا من ~~التصوير وهو إقامه الصورة . | وهي تمام البادي التي يقع عليها حس الناظر ~~لظهورها , فصورة كل شيء تمام بدوه قال الحرالي : { في الأرحام } أي التي لا ~~اطلاع لكم عليها بوجه , ولما كان التصوير في نفسه أمرا معجبا وشينا للعقل ~~إذا تأمله وإن كان قد هان لكثرة الإلف باهرا فكيف بأحواله المتباينه ~~وأشكاله المتخالفة المتباينة أشار إلى التعجب من أمره وجليل سره بآله ~~الاستفهام وإن قالوا : إنها في هذا الوطن شرط , فقال : { كيف } أي كما { ~~يشاء } أي على أي حالة أراد , سواء عنده كونكم من نطفتي ذكر وأنثى أو نطفة ~~أنثى وحدها دليلا على كمال العلم والقيومية , وإيماء إلى أن من صور في ~~الأرحام كغيره من العبيد لا يكون إلا عبدا , PageV02P013 إذ الإله متعال عن ~~ذلك لما فيه من أنواع الاحتياج والنقص . | وقال الحرالي : فكان في إلاحة ~~هذه الآية توزيع أمر الإظهار على ثلاثة وجوه تناظر وجوه التقدير الثلاثة ~~التي في فاتة سورة البقرة , فينتج هدى وإضلالا وإلباسا أكمل الله به وحيه , ~~كما أقام بتقدير الإيمان والكفر والنفاقخلقه فطابق الأمر الخلق فأقام الله ~~سبحانه وتعالى بذلك قائم خلقه وأمره , فكان في انتظام هذه الإفهامات أن ~~بادي الأحوال الظاهرة عند انتهاء الخلق إنما ظهرت ms0668 لأنها مودعة في أصل ~~التصوير فصورة نورانية يهتدي بها وصورة ظلمانية يكفر لأجلها , وصورة ملتبسة ~~عيشة علمية يفتتن ويقع الإلباس والالتباس من جهتها , مما لا يفي ببيانها ~~إلا الفرقان المنزل على هذه الأمه , ولا تتم إحاطة جميعها إلا في القرآن ~~المخصوصة به أئمة هذه الأمه انتهى . | فقد علم أن التصوير في الرحم أدق شيء ~~علما وقدرة , فعلم فاعله بغيره والقدرة عليه من باب الأولى فثبت أنه لا كفؤ ~~له ؛ فلذلك وصل به كلمه الإخلاص وقال الحرالي : ولما تضمنت إلاحة هذه الآية ~~ما تضمنته من الإلباس والتفكير أظهر سبحانه وتعالى كلمه الإخلاص ليظهر ~~نورها أرجاس تلك الإلباسات وتلك التكفيرات فقال : { لا إله إلا هو } إيذانا ~~بما هي له الإلباس والتكفير من وقوع الإشراك بالإلهية والكفر فيها والتلبس ~~والإلتباس في أمرها ؛ فكان في طي هذا التهليل بشرى بنصرة أهل الفرقان وأهل ~~القرآن على أهل الالتباس والكفران وخصوصا على أهل الإنجيل الذين ذكرت كتبهم ~~صريحا في هذا التنزيل بل يؤيد إلاحته في التهليل إظهار الختم في هذه الآية ~~بصفتي العزة المقتضية للانتقام من أهل عداوته والحكمته المقتضية لإكرام أهل ~~ولايته ؛ انتهى فقال : { العزيز } أي الغالب غلبة لا يجد معها المغلوب وجه ~~مدافعة ولا انفلات , ولا معجز له في إنفاذ شيء من أحكامه { الحكيم } أي ~~الحاكم بالحكمة , فالحكم المنع عما يترامى إليه المحكوم عليه وحمله على ما ~~يمتنع منه من جميع أنواع الصبر ظاهرا بالسياسة العالية نظرا له , والحكمة ~~العلم بالامر الذي لأجله وجب الحكم منقوام أمر العاجله وحسن العقبى في ~~الآجلة ؛ ففي ظاهر ذلك الجهد , وفي باطنه الرفق , وفي عاجله الكره , وفي ~~آجله الرضى والروح ؛ ولايتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب سعة العلم , ~~فبذلك يكون تنزيل أمر العزة على وزن الحكمة قاله الحرالي بالمعنى . | ولما ~~ختم سبحانه وتعالى بوصف العزة الدالة على الغلبة الدالة على كمال القدرة ~~والحكمة المقتضى لوضع كل شيء في أحسن محاله وأكملها المستلزم لكمال العلم , ~~تقديرا لما مر من التصوير وغيره , وكان هذا الكتاب أكمل مسموعات العباد ~~لنزوله على ms0669 وجه هو أعلى الوجوه , ونظمه على أسلوب أعجز الفصحاء وأبكم ~~البلغاء إلى غير ذلك PageV02P014 من الأمور الباهرة والأسرار الظاهرة , ~~وعلى عبد هو أكمل الخلق ؛ أعقب الوصفين بقوله بيانا لتمام علمه وشمول قدرته ~~: { هو } أي وحده { الذي } ولما فصل أمر المنزل إلى المحكم والتشابه نظر ~~اليه جملة كما اقتضاه التعبير بالكتاب فعبر بالإنزال دون التنزيل فقال : { ~~أنزل عليك } أي خاصة { الكتاب } أي القرآن , وقصر الخطاب على النبي لأن هذا ~~موضع الراسخين وهو رأسهم دلالة على أنه لا يفهم هذا حق فهمه من الخلق غيره ~~. | قال الحرالي : ولما كانت هذه السورة فيما اختصت به من علن أمر الله ~~سبحانه وتعالى مناظرة بسورة البقرة فيما أنزلت من إظهار كتاب الله سبحانه ~~وتعالى كان المنتظم بمنزل فاتحتها ما يناظر المنتظم بفاتحة سورة البقرة , ~~فلما كانت سورة البقرة منزل كتاب هو الوحي انتظم بترجمتها الإعلام بأمر ~~كتاب الخلق الذي هو القدر , فكما بين في أول سورة البقرة كتاب تقدير الذي ~~قدره وكتبه في ذوات من مؤمن وكافر ومردد بينهما هو المنافق فتنزلت سورة ~~كتاب للوحي إلى بيان قدر الكتاب الخلقي لذلك كان متنزل هذا الافتتاح الإلهي ~~إلى أصل منزل الكتاب الوحي ؛ ولما بين أمر الخلق أن منهم من فطره على ~~الإيمان ومنهم من جبله على الكفر ومنهم من أناسه بين الخلقين , بين في ~~الكتاب أن منه ما أنزله على الإحكام ومنه ما أنزله على الاشتباه ؛ وفي ~~إفهامه ما أنزله على الافتنان والإضلال بمنزله ختم الكفار ؛ انتهى فقال : { ~~منه آيات محكمات } أي لا خفاء بها . | قال الحرالي : وهي التي أبرم حكمها ~~فلم ينبتر كما يبرم الحبل الذي يتخيذ حكمة أي زماما يزم به الشيء الذي يخاف ~~خروجه على الانضباط , كأن الآيه المحكمة تحكم النفس عن جولانها وتمنعها من ~~جماحها وتضبطها إلى محال مصالحها , ثم قال : فهي آي التعبد من الخلق للخلق ~~اللائي لم يتغير حكمهن في كتاب من هذه الكتب الثلاث المذكورة , فهن لذلك أم ~~انتهى . | ولما كان الإحكام في غاية البيان فكان في تكامله ورد ms0670 بعض معانيه ~~إلى بعض كالشيء الواحد , وكان رد المتشابه إليه في غايه السهولة لمن رسخ ~~إيمانه وصح قصده واتسع علمه ليصير الكل شيئا واحدا أخبر عن الجمع بالمفرد ~~فقال : { هن أم الكتاب } والأم الأمر الجامع الذي يؤم أي يقصد , وقال ~~الحرالي : هي الأصل المقتبس منه الشيء في الروحانيات والنابت منه أوفيه في ~~الجسمانيات { وأخر } أي منه { متشبهات } قال الحرالي : والتشابه تراد ~~التشبه في ظاهر أمرين لشبه كل واحد منهما بالآخر بحيث يخفي خصوص كل واحد ~~منهما ؛ ثم قال : وهن الآي التي أخبر الحق سبحانه وتعالى فيهن عن نفسه ~~وتنزيلات تجلياته ووجوه إعانته لخلقه وتوفيقه وإجرائه ما أجرى من اقتداره ~~وقدرته في بادئ ما أجراه عليهم , فهن لذلك متشبهات من حيث إن نبأ الحق عن ~~نفسه لا تناله PageV02P015 عقول الخلق , ولا تدركه أبصارهم , وتعرف لهم ~~فيما تعرف بمثل أنفسهم , فكأن المحكم للعمل والمتشابه لظهور العجز , فكان ~~لذلك حرف المحكم أثبت الحروف عملا , وحرف المتشابه أثبت الحروف إيمانا , ~~واجتمعت على إقامته الكتب الثلاث , واختلفت في الأربع اختلافا كثيرا فاختلف ~~حلالها وحرامها وأمرها ونهيها , واتفق على محكمها ومتشابهها انتهى . | فبين ~~سبحانه وتعالى بهذا أنه كما يفعل الأفعال المتشابهه مثل تصوير عيسى عليه ~~الصلاة والسلام من غير نطفة ذكر , مع إظهار الخوارق على يديه لتبين الراسخ ~~في الدين من غيره كذلك يقول الأقوال المتشابهه , وأنه فعل في هذا الكتاب ما ~~فعل في غيره من كتبه من تقسيم آياته إلى محكم ومتشابه ابتلاء لعباده ليبين ~~فضل العلماء الراسخين الموقنين بأنه من عنده , وأن كل ما كان من عند الله ~~سبحانه وتعالى فلا فيه في نفس الامر , لأن سبب الاختلاف والجهل أو العجز , ~~وهو سبحانه وتعالى متعال جده ومنزه قدره عن شيء من ذلك , فبين فضلهم بأنهم ~~يؤمنون به , ولا يزالون يستنصرون منه سبكانه وتعالى فتح المنغلق وبيان ~~المشكل حتى يفتحه عليهم بما يرده إلى المحكم , وهذا على وجه يشير إلى الذي ~~تاه فيه النصارى , والتيه الذي ضلوا فيه عن المنهج , واللج الذي أغرق ~~جماعاتهم , وهو ms0671 المتشابه الذي منه أنهم زعموا أن عيسى عليه الصلاة والسلام ~~كان يقول له القائل : يا رب ! افعل لي كذا ويسجد له , فيقره على ذلك ويجيب ~~سؤاله , فدل ذلك على أنه إله , ومنه إطلاقه على الله سبحانه وتعالى أبا ~~وعلى نفسه أنه ابنه , فابتغوا الفتنه فيه واعتقدوا الأبوة والنبوة على ~~حقيقتهما ولم يردوا ذلك إلى المحكم الذي قاله لهم فأكثر منه , كما أخبر عنه ~~أصدق القائلين سبحانه وتعالى في الكتاب المتواتر الذي حفظه من التحريف ~~والتبديل : < # > 77 ( { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه } ) 77 < # > [ فصلت : 42 ] , وهو < # > 77 ( { إني عبد الله آتني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا } ) 77 < # > [ مريم : 30 , 31 ] < # > 77 ( { ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم } ) 77 < # > [ المائدة : 117 ] < # > 77 ( { إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم } ) 77 < # > [ مريم : 51 ] , هذا مما ورد في كتابنا الذي لم يغيروا ما عندهم فإن ~~كانوا قد بدلوه فقد ولله الحمد منه في الأناجيل الأربعة التي بين أظهرهم ~~الآن في أواخر هذا القرن التاسع من المحكم ما يكفي في رد المتشابه إليه , ~~ففي إنجيل لوقا أن جبريل عليه الصلاة والسلام ملاك الرب لما تبدى لمريم ~~مبشرا بالمسيح عليه الصلاة والسلام وخافت منه قال لها : لا تخافي يا مريم ~~ظفرت بنعمة من عند الله سبحانه وتعالى , وأنت تقبلين حبلا وتلدين ابنا يدعى ~~يسوع , يكون عظيما , وابن العذراء يدعى ؛ ويعطيه الرب كرسي داود أبيه ؛ وفي ~~إنجيله أيضا وإنجيل متى أن عيسى عليه PageV02P016 الصلاة والسلام قال وقد ~~أمره إبليس أن يجرب قدره عند الله بأن يطرح نفسه من شاهق : مكتوب : لا تجرب ~~الرب إلهك , وقال وقد أمره أن يسجد له : مكتوب : للرب إلهك اسجد , وإياه ~~وحده اعبد , وصرح أن الله سبحانه وتعالى واحد في غير موضع ؛ وفي إنجيل لوقا ~~أنه دفع إلى المسيح سفر أشيعا النبي فلما فتحه وجد الموضع الذي فيه مكتوب : ~~روح الرب علي , من ms0672 أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين وأبشر بالسنة ~~المقبولة للرب , والأيام التي أعطانا إلهنا , ثم طوى السفر ودفعه إلى ~~الخادم ؛ وفيه وفي غيره من أناجيلهم : من قبل هذا فقد قبلني , ومن قبلني ~~فقد قبل الذي أرسلني , ومن سمع منكم فقد ممع مني , ومن جحدكم فقد جحدني , ~~ومن جحدني فقد شتم الذي أرسلني ومن أنكرني قدام الناس أنكرته قدام الناس , ~~أنكرته قدام ملائكة الله , وفي إنجيل يوحنا أنه قال عن نفسه عليه الصلاة ~~والسلام : الذي أرسله الله إنما ينطق بكلام الله لأنه ليس بالكيس , أعطاه ~~الله الروح , وقال : قد سأله تلاميذه أن بأكل فقال لهم : طعامي أن أعمل ~~مسرة من أرسلني وأتم عمله ؛ وفيه في موضع آخر : الحق الحق أقول لكم ! أن من ~~يسمع كلامي وآمن بمن أرسلني وجبت له الحياة المؤبده , لست أقدر أعمل شيئا ~~من ذات نفسي , وإنما أحكم بما أسمع , وديني عدل لأني لست أطلب مسرتي بل ~~مسرة من أرسلني ؛ وفي إنجيل مرقس أنه قال لناس : تعلمتم وصايا الناس وتركتم ~~وصايا الله , وزجر بعض من اتبعه فقال : اذهب يا شيطان ! فإنك لم تفكر في ~~ذات الله , وتفكر في ذات الناس ؛ فقد جعل الله إلهه وربه ومعبوده , واعترف ~~له بالوحدانيه وجعل ذاته مباينا لذات الناس الذي هو منهم ؛ وفي جميع ~~أناجيلهم نحو هذا , وأنه كان يصوم ويصلي لله ويأمر تلاميذه بذلك , ففي ~~إنجيل لوقا أنهم قالوا له : يا رب ! علمنا نصلي كما علم يوحنا تلاميذه , ~~فقال لهم : إذا صليتم فقولوا : أبانا الذي في السموات يتقدس اسمك ! كفافنا ~~أعطنا في كل يوم , واغفر لنا خطايانا لأنانغفر لما لنا عليه , ولا تدخلنا ~~في التجارب , لكن نجنا من الشرير ؛ ولما دخل الهيكل بدأ يخرج الذين يبيعون ~~ويشترون فيه , فقال لهم : مكتوب أن بيتي هو بيت الصلاة وأنتم جعلتموه مفازة ~~اللصوص ! فعلم من هذا كله أن إطلاق اسم الرب عليه لأن الله سبحانه وتعالى ~~أذن له أن يفعل بعض أفعاله التي ليست في قدرة البشر , والرب يطلق على السيد ~~أيضا , كما قال يوسف ms0673 عليه الصلاة والسلام : < # > 77 ( { اذكرني عند ربك } ) 77 < # > [ يوسف : 42 ] . | ثم وجدت في أوائل إنجيل يوحنا أن الرب تأويله العلم ~~, ولو ردوا أيضا الأب والابن إلى هذا المحكم وأمثاله وهي كثيرة في جميع ~~أناجيلهم لعلموا بلا شبهة أن معناه أن الله سبحانه وتعالى يفعل معه ما يفعل ~~الوالد مع ولده من الترية والحياطة والنصرة والتعظيم والإجلال , كما لزمهم ~~حتما أن يأولوا قوله PageV02P017 فيما قدمته : أبانا الذي في السماوات , ~~وقوله في إنجيل متى لتلاميذه : هكذا فليضىء نوركم قدام الناس ليروا أعمالكم ~~الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السماوات , وقال : وأحسنوا إلى من أبغضكم , ~~وصلوا على من يطردكم ويخزيكم لكيما تكونوا بني أبيكم الذي في السماوات , ~~لأنه المشرق شمسه على الأخبار والأشرار , والممطر على الصديقين والظالمين , ~~انظروا ! لا تصنعوا أمرا حكم قدام الناس لكي يروكم , فليس لكم أجر عند ~~أبيكم الذي في السماوات , وإذا صنعت رحمة فلا تضرب قدامك بالبوق , ولا تصنع ~~كما يصنع المراؤون في المجامع وفي الأسواق لكي يمجدوا من الناس , الحق أقول ~~لكم ! لقد أخذوا أجرهم ؛ وأنت إذا صنعت رحمة لا تعلم شمالك ما صنعته يمينك ~~, لتكون صدقة في خفية , وأبوك الذي يرى الخفية يعطيك على نية ؛ وقل في ~~الفصل العاشر منه : وصل لأبيك سرا , وأبوك يرى السر فيعطيك علانية . | ~~وهكذا في جميع آيات الأحكام من الإنجيل كرر لهم هذه اللفظة تكريرا كثيرا , ~~فكما تأول لها النصارى بأن المراد منها تعظيمهم له أشد من تعظيمهم لآبائهم ~~ليعتني بهم أكثر من اعتناء الوالد بالولد فكذلك يأولون ما في إنجيل لوقا ~~وغيره أن عيسى وإخواته أتوا اليه فلم يقدروا لكثره الجمع على الوصول إليه ~~فقالوا له أملك وإخواتك خارجا يريدون أن ينظروا إليك , فأجاب : أمي وأخواتي ~~الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها ؛ فكذلك يلزمهم تأويلها في حق عيسى ~~عليه الصلاة والسلام لذلك ليرد المتشابه إلى المحكم . | وإن لم يأولوا ذلك ~~في حق أنفسهم وحملوه على الظاهر كما هو ظاهر قوله سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه } ) 77 < # > [ المائدة ms0674 : 18 ] كانوا مكابرين في المحسوس بلا شبهة , فإن كل أحد منهم ~~مساو لجميع الناس وللبهائم في أن له أبوين , وكانت دعواهم هذة ساقطة لا ~~يردها عليهم إلا من تبرع بإلزامهم بمحسوس آخر هم به يعترفون , وقد أقام هو ~~نفسه عليه الصلاة والسلام أدلة على صرفها عن ظاهرها , منها غير ما تقدم أنه ~~كثيرا ما كان يخبر عن نفسه فيقول : ابن الإنسان يفعل كذا , ابن البشر قال ~~كذا يعني نفسه الكريمة , فحيث نسب نفسه فيقول لإلى البشر كان مريدا للحقيقة ~~, لأنه اين امرأة منهم , وهو مثلهم في الجسد , والمعاني حيث نسبها إلى الله ~~سبحانه وتعالى كان على المجاز كما تقدم . | وأما السجود فقد ورد في التوراة ~~كثيرا لأحاد الناس من غير نكير , فكأنه كان جائزا في شرائعهم فعله لغير ~~الله سبحانه وتعالى على وجه التعظيم والله سبحانه وتعالى أعلم , وأما نحن ~~فلا يجوز فعله لغير الله , ولا يجوز في شريعتنا أصلا إطلاق الأب ولا الابن ~~بالنسبة إليه سبحانه وتعالى , وكذا كل لفظ وأهم نقصا سواء صح أن ذلك كان ~~جائزا في شرعهم أم لا , وإذا راجعت تفسير PageV02P018 البيضاوي لقوله ~~سبحانه وتعالى في البقرة < # > 77 ( { إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون } ) 77 < # > [ البقرة : 117 ] زادك بصيرة فيما هنا ؛ والحاصل أنهم لم يصرفوا ذلك في ~~حق عيسى عليه الصلاة والسلام عن ظاهره وحقيقته وتحكموا بأن المراد منه ~~المجاز وهو هنا إطلاق اسم الملزوم على اللازم , وكذا غيره من متشابه ~~الإنجيل , كما فعلنا نحن بمعونة الله سبحانه وتعالى في وصف الله سبحانه ~~وتعالى بالرضى والغضب والرحمة والضحك وغير ذلك مما يستلزم حمله على الظاهر ~~وصفات المحدثين , وكذا ذكر اليد والكف والعين ونحو ذلك فحملنا ذلك كله على ~~أن المراد منه لوازمه وغاياته مما يليق بجلاله سبحانه وتعالى مع تنزيهنا له ~~سبحانه وتعالى عن كل نقص وإثباتنا له كل كمال , فإن الله سبحانه وتعالى عزه ~~وجده وجل قدره ومجده أنزل حرف المتشابه ابتلاء لعباده لتبين الثابت من ~~الطائش والموقن من الشاك . | قال الحرالي ms0675 في كتابه عروة المفتاح : وجه ~~إنزال هذا الحرف تعرف الحق للخلق بمعتبر ما خلقهم عليه ليفتوا عنه وليفهموا ~~خطابه , وليتضح لهم نزول رتبهم عن علو ما تعرف به لهم , وليختم بعجزهم عن ~~إدراك هذا الحرف علمهم بالأربعة يعني الأمر و النهي والحلال والحرام , ~~وحبسهم بالخامس وتوقفهم عنه والاكتفاء بالإيمان منه ما تقدم من عملهم ~~بالأربعة , واتصافهم بالخامس ليتم لهم العبادة بالوجهين من العمل والوقوف ~~والإدراك والعجز < # > 77 ( { فارجع البصر هل ترى من فطور } ) 77 < # > [ الملك : 3 ] علما وحسا < # > 77 ( { ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } ) 77 < # > [ الملك : 4 ] عجزا , أعلمهم بحظ من علم أنفسهم وغيرهم بعد أن أخرجهم ~~من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا ثم أعجزهم عن علم أمره وأيامه الماضية ~~والآتية وغائب الحاضرة ليسلموا له اختيار فيرزقهم اليقين بأمره وغائب أيامه ~~, كما أسلموا له في الصغر اضطرارا , فرزقهم حظا من علم خلقه , فمن لم يوقفه ~~في حد الإيمان اشتباه خطابه سبحانه وتعالى عن نفسه وما بين خلقه وحاول ~~تدركه بدليل أو فكر أو تأويل حرم اليقين بعلي الأمر والتحقيق في علم الخلق ~~, وأوخذ بما أضاع من محكم ذلك المتشابه حين اشتغل لما يعنيه من حال نفسه ~~بما لا يعنيه من أمر ربه , فكان كالمتشاغل بالنظر في ذي الملك , وتنظره ~~يرمي نفسه عن مراقبة ما يلزمه من تفهم حدوده وتذلله لحرمته ؛ وجوامع منزل ~~هذا الحرف في رتبتين : مبهمة ومفصلة , أما انبهامه فلوقوف العلم به على ~~تعريف الله سبحانه وتعالى من غير واسطة من وسائط النفس من فكر ولا استدلال ~~, وليتدرب المخاطب بتوقفه على المبهم على توقفه عن مفصله ومبهمه , وهو جامع ~~الحروف المنزلة في أوائل السور التسع والعشرين من سوره وبه افتتح الترتيب ~~في القرآن , ليتلقى بادي الخلق أمر الله بالعجز والوقوف والاستسلام إلى أن ~~يمن الله سبحانه وتعالى PageV02P019 بعلمه بفتح من لدنه , ولذلك لم يكن في ~~تنزيله في هذه الرتبة ريب لمن علمه الله سبحانه وتعالى كهنه من حيث لم يكن ~~للنفس مدخل في علمه ms0676 , وذلك قوله سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه } ) 77 < # > [ البقرة : 1 , 2 ] لمن علمه الله إياه < # > 77 ( { هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب } ) 77 < # > [ البقرة : 2 , 3 ] وقوفا عن محاولة علم ما ليس في وسع الخلق علمه , ~~حتى تلحقه العنايه من ربه فعلمه ما لم يكن في علمه ؛ وأما الرتبة الثانية ~~فمتشابه الخطاب المفصل المشتمل على إخبار الله عن نفسه وتنزيلات أمره , ~~ورتب إقامات خلقه بإبداع كلمته وتصيير حكمته وباطن ملكوته وعزيز جبروته ~~وأحوال أيامه ؛ وأول ذلك في ترتيب القرآن إخباره عن استوائه في قوله : < # > 77 ( { ثم استوى إلى السماء } ) 77 < # > [ البقرة : 29 ] إلى قوله سبحانه وتعالى < # > 77 ( { فأينما تولوا فثم وجه الله } ) 77 < # > [ لبقرة : 115 ] إلى سائر ما أخبر عنه من عظم شأنه في جملة آيات ~~متعددات لقوله سبحانه وتعالى < # > 77 ( { إلا لنعلم من يتبع الرسول } ) 77 < # > [ البقرة : 143 ] , < # > 77 ( { فإني قريب } ) 77 < # > [ البقرة : 186 ] < # > 77 ( { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة } ) 77 ~~< # > [ البقرة : 210 ] , < # > 77 ( { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ) 77 < # > [ البقرة : 255 ] < # > 77 ( { فأذنوا بحرب من الله ورسوله } ) 77 < # > [ البقرة : 279 ] , < # > 77 ( { هو الذي يصوركم في الأرحام } ) 77 < # > [ آل عمران : 6 ] , < # > 77 ( { ويحذركم الله نفسه } ) 77 < # > [ آل عمران : 128 ] , < # > 77 ( { ولله ملك السماوات والأرض } ) 77 < # > [ آل عمران : 189 ] , < # > 77 ( { والله على كل شيء قدير } ) 77 < # > [ البقرة : 284 ] , < # > 77 ( { وكان الله سميعا بصيرا } ) 77 < # > [ النساء : 85 ] , < # > 77 ( { بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء } ) 77 < # > [ المائده : 64 ] , < # > 77 ( { وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم } ) 77 < # > [ الأنعام : 3 ] , < # > 77 ( { خلق السماوات والأرض } ) 77 < # > [ الأعراف : 54 ] , < # > 77 ( { ثم استوى على العرش } ) 77 < # > [ الأعراف : 54 ] , < # > 77 ( { ولتصنع على عيني } ) 77 < # > [ طه : 39 ] , < # > 77 ( { قل من بيده ملكوت كل شيء } ) 77 < # > [ المؤمنين : 88 ] , < # > 77 ( { فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من ~~الشجرة أن موسى إني أنا الله } ) 77 < # > [ القصص : 30 ] , < # > 77 ( { كل شيء هالك إلا وجهه } ) 77 ms0677 < # > [ القصص : 88 ] , < # > 77 ( { هو الذي يصلي عليكم وملائكته } ) 77 < # > [ الأحزاب : 43 ] , < # > 77 ( { إن الله وملائكته يصلون علىالنبي } ) 77 < # > [ الأحزاب : 56 ] , < # > 77 ( { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } ) 77 < # > [ الأعراف : 12 ] , < # > 77 ( { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } ) 77 < # > [ الزخرف : 84 ] , < # > 77 ( { وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه } ) 77 < # > [ الجاثيه : 13 ] , < # > 77 ( { وله الكبرياء في السماوات والأرض } ) 77 < # > [ الجاثيه : 37 ] , < # > 77 ( { كل من عليها فان ويبقى وجه ربك } ) 77 < # > [ الرحمن : 26 , 27 ] , < # > 77 ( { هو الأول والآخر والظاهر والباطن } ) 77 < # > [ الحديد : 3 ] , < # > 77 ( { وهو معكم أين ما كنتم } ) 77 < # > [ الحديد : 4 ] , < # > 77 ( { وما يكون من نجوى ثلاثه إلا رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا ~~أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا } ) 77 < # > [ المجادلة : 7 ] , PageV02P020 < # > 77 ( { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا } ) 77 < # > [ الحشر : 2 ] , < # > 77 ( { تبارك الذي بيده الملك } ) 77 < # > [ الملك : 1 ] , < # > 77 ( { تعرج الملائكة والروح اليه } ) 77 < # > [ المعارج : 4 ] , < # > 77 ( { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } ) 77 < # > [ القيامة : 22 , 23 ] , < # > 77 ( { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله } ) 77 < # > [ الإنسان : 30 ] , < # > 77 ( { وجاء ربك والملك صفا صفا } ) 77 < # > [ الفجر : 22 ] إلى سائر ما أخبر فيه عن تنزيلات أمره وتسوية خلقه وما ~~أخبرعنه حبيبه من محفوظ الأحاديث التي عرف بها أمته ما يحملهم في عبادتهم ~~على الانكماش والجد والخشية والوجل والإشفاق وسائر الأحوال المشار اليها في ~~حرف المحكم من نحو حديث النزول والقدمين والصورة والضحك والكف والأنامل , ~~وحديث عناية لزوم التقرب بالنوافل وغير ذلك من الأحاديث التي ورد بعضها في ~~الصحيحين , واعتنى بجمعهما الحافظ المتقن أبو الحسن الدارقطني رحمه الله ~~تعالى , ودون بعض المتكلمين جملة منها لقصد التأويل , وشدد النكير في ذلك ~~أئمة المحدثين , يؤثر عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه ورحمة أنه ~~قال : آيات الصفات وأحاديث الصفات صناديق مقفلة مفاتيحها بيد الله سبحانه ~~وتعالى , تأويلها تلاوتها , ولذلك أئمة الفقهاء وفتياهم لعامة المؤمنين ~~والذي اجتمعت عليه الصحابة رضوان ms0678 الله تعالى عليهم ولقنته العرب كلها أن ~~ورود ذلك عن الله ومن رسوله ومن الأئمة إنما هو لمقصد الإفهام , لا لمقصد ~~الإعلام , فلذلك لم يستشكل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم شيئا قط , بل ~~كلما كان وارده عليهم أكثر كانوا به أفرح , وللخطاب به أفهم , حتى قال ~~بعضهم لما ذكر النبي : { إن الله تعالى يضحك من عبده : لا نعدم الخير من رب ~~يضحك } وهم وسائر العلماء بعدهم صنفان : إما متوقف عنه في حد الإيمان , ~~قانع بما أفاد من الإفهام , وإما مفتوح عليه بما هو في صفاء الإيقان , وذلك ~~أن الله سبحانه وتعالى تعرف لعباده في الأفعال والآثار في الآفاق وفي ~~أنفسهم تعليما , وتعرف للخاصة منهم بالأوصاف العليا والأسماء الحسنى مما ~~يمكنهم اعتباره تعجيزا , فجاوزوا حدود التعلم بالإعلام إلى عجز الإدراك ~~فعرفوا أن لا معرفة لهم , وذلك هو حد العرفان وإحكام قراءة هذا الحرف ~~المتشابه في منزل القرآن , وتحققوا أن < # > 77 ( { ليس كمثله شيء } ) 77 < # > [ الشورى : 11 ] و < # > 77 ( { لم يكن له كفوا أحد } ) 77 < # > [ الإخلاص : 4 ] فتهدفوا بذلك لما يفتحه الله على من يحبه من صفاء ~~الإيقان , والله يحب المحسنين . | ثم قال فيما به تحصل قراءة هذا ~~PageV02P021 الحرف : اعلم أن تحقيق الإسلام بقراءة حرف المحكم لا يتم إلا ~~بكمال الإيمان بقراءة حرف المتشابه تماما لأن حرف المحكم حال يتحقق للعبد . ~~| ولما كان حرف المتشابه إخبارا عن نفسه سمحانه وتعالى بما يتعرف به لخلقه ~~من أسماء وأوصاف كانت قراءته بتحقق العبد أن تلك الأسماء والأوصاف ليست مما ~~تدركه حواس الخلق ولا ما تناله عقولهم , وإن أجرى على تلك الاسماء والأوصاف ~~على الخلق فيوجه , لا يلحق أسماء الحق ولا أوصافه منها تشبيه في وهم ولا ~~تمثيل في عقل < # > 77 ( { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ) 77 < # > [ الشورى : 11 ] , < # > 77 ( { ولم يكن له كفوا } ) 77 < # > [ الإخلاص : 4 ] , فلاذي يصح به قراءة هذا الحرف أما من جهة القلب ~~فالمعرفة بأن جميع أسماء الحق وأوصافه تعجز عن معرفتها إدراكات الخلق وتوقف ~~عن تأويلها إجلالا وإعظاما معلوماتهم ms0679 , وأن حسبها معرفتها بأنها لا تعرفها ~~, وأما من جهة حال النفس والاستكانة لما يوجبه تعرف الحق بتلك الأسماء ~~والأوصاف من التحقق بما يقابلها والبراءة من الاتصاف بها لأن ما صلح للسيد ~~حرم على العبد لتحقق فقر الخلق من تسمي الحق بالغنى , ولا يتسمى بالغنى ~~فيقدح في هداه , فيهلك باسمه ودعواه , ولتحقق ذلهم من تسميته تعالى بالعزة ~~وعجزهم عن تسميته بالقدرة , واستحقاق تخليهم من جميع ما تعرف به من أوصاف ~~الملك والسلطان والغضب والرضى والوعد والوعيد والترغيب والترهيب إلى سائر ~~ما تسمى به في جميع تصرفاته مما ذكر في المتشابه من الآي , وأشير اليه من ~~الأحاديث , وما عليه اشتملت ( واردات الأخبار ) في جميع الصحف والكتب , ~~ومرائي الصالحين ومواقف المحدثين ومواجد المروعين ؛ وأما من جهة العمل فحفظ ~~اللسان عن إطلاق ألفاظ التمثيل والتشبيه تحقيقا لما في مضمون قوله سبحانه ~~وتعالى < # > 77 ( { ولم يكن له كفوا أحد } ) 77 < # > [ الإخلاص : 4 ] لأن مقتضاها الرد على المشبه من هذه الأمة , وليس لعمل ~~الجوارح في هذا الحرف مظهر سوى ما ذكر من لفظ اللسان , فقراءئة كالمتوطئة ~~لتخليص العبادة بالقلب في قراءة مفرد حرف الأمثال ؛ والله العلي الكبير ~~انتهى . | وقد تقدم حرف الأمثال عند قوله تعالى < # > 77 ( { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا } ) 77 < # > [ البقرة : 7 ] وقد بين سبحانه وتعالى أنه لا يضل بحرف المتشابه إلا ~~ذوو الطبع العوج الذين لم ترسخ أقدامهم في الدين ولا استنارت معارفهم في ~~العلم فقال : { فأما الذين في قلوبهم زيغ } أي اعوجاج عدلوا به عن الحق . | ~~وقال الحرالي : هو ميل المائل إلى ما يزين لنفسه الميل إليه , والمراد هنا ~~أشد الميل الذي هو ميل القلب عن جادة الاستواء وفي ‘ شعاره ما يلحق بزيغ ~~القلوب من سيء الأحوال فب الأنفس وزلل الأفعال في PageV02P022 الأعمال , ~~فأنبأ تعالى عما هو الأشد وأبهم ما هو الأضعف : { فيتبعون } في إشعار هذه ~~الصيغة بما تنبئ عنه من تكلف المتابعه بأن من وقع له الميل فلفته لم تلحقه ~~مذمه هذا الخطاب , فإذا وقع الزلل ولم يتتابع حتى يكون اتباعا ms0680 سلم من حد ~~الفتنة بمعالجة التوبة { ما تشابه منه } فأبهمه إبهاما يشعر بما جرت به ~~الكليات فيما يقع نبأ عن الحق وعن الخلق من نحو أوصاف النفس كالتعليم ~~والحكيم وسائر أزواج الأوصاف كالغضب والرضى بناء على الخلق في بادئ الصورة ~~من نحو العين واليد والرجل والوجه وسائر بوادي الصورة , كل ذلك مما أنه ~~متشابهات أنزلها الله تعالى ليتعرف للخلق بما جبلهم عليه مما لو لم يتعرف ~~لهم به لم يعرفوه , ففقائدة إنزالها التعرف بما يقع به الامتحان بإحجام ~~الفكر عنه والإقدام على التعبد له , ففائدة إنزاله عملا في المحكم وفائدة ~~إنزاله فيه توقفا عنه ليقع الابتلاء بالوجهين : عملا بالمحكم ووقوفا عن ~~المتشابه , قال عليه الصلاة والسلام : ( لا تتفكروا في الله ) وقال علي رضي ~~الله عنه : من تفكر في ذات الله تزندق ووافق العلماء إنكار الخلق عن التصرف ~~في تكييف شيء منه , كما ذكر عن مالك رحمه الله تعالى في قوله : الكيف ~~المجهول والسؤال عنه بدعة , فالخوض في المتشابه بدعة , والوقوف عنه سنة ؛ ~~وأفهم عنه الإمام أحمد يعني فيما تقدم في آيات الصفات من أن تأويلها ~~تلاوتها , هذا هو حد الإيمان وموقفه , وإليه أذعن الراسخون في العلم , وهم ~~الذين تحققوا في أعلام العلم , ولم يصغوا إلى وهم التخييل والتمثل به في ~~شيء مما أنبأ الله سبحانه وتعالى به نفسه ولا في شيء مما بينه وبينخلقه ~~وكان في توقفهم عن الخوض في المتشابه تفرغهم للعمل في المحكم , لأن المحكم ~~واضح وجداني , متفقه عليه مدارك الفطن وإذعان الجبلات ومنزلات الكتب , لم ~~يقع فيه اختلاف بوجه حتى كان لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من ~~كبر , للزوم الواجب من العمل بالمحكم في إذعان النفس , فكما لا يصلح العراء ~~عن الاتصاف PageV02P023 بالمحكم لا يصلح الترامي إلى شيء من الخوض في ~~المتشابه لأحد من أهل العلم والإيمان أهل الدرجات , لأن الله سبحانه وتعالى ~~جبل الخلق وفطرهم على إدراك حظ من أنفسهم من أحوالهم , وأوقفهم عن إدراك ما ~~هو راجع إليه , فأمر الله وتجلياته ms0681 لا تنال إلا بعنايه منه , يزج العبد زجه ~~يقطع به الحجب الظلمانية والنورانية التي فيها مواقف العلماء ؛ فليس في هذا ~~الحرف المتشابه إلا أخذ لسانين : لسان وقفة عن حد الإيمان للراسخين في ~~العلم المشتغلين بالاتصاف بالتذلل والتواضع والتقوى والبر الذي أمر أن يتبع ~~فيه حتى ينتهي العبد إلى أن يحبه الله , فيرفع عنه عجز الوقفه عن المتشابه ~~, وينقذه من حجاب النورانية , فلا يشكل عليه دقيق ولا يعييه خفي بما أحبه ~~الله , وما بين ذلك من خوض دون إنقاذ هذه العناية فنقص عن حد رتبة الإيمان ~~والرسوخ في العلم , فكل خائض فيه ناقص من حيث يحب أن يزيد , فهو إما عجو ~~إيماني من حيث الفطر الخلقي , وإما تحقق إيقاني توجبه العناية والمحبة ~~انتهى . | ولما ذكر سبحانه وتعالى اتباعهم له ذكر علته فقال : { ابتغاء ~~الفتنة } أي تمييل الناس عن عقائدهم بالشكوك { وابتغاء تأويله } أي ترجيعه ~~إلى ما يشتهونه وتدعوا إليه نفوسهم المائلة وأهويتهم الباطلة بادعاء أنه ~~مآله . | قال الحرالي : والابتغاء افتعال : تكلف البغي , وهو شدة الطلب , ~~وجعله تعالى ابتغاءين لاختلاف وجهيه , فجعل الأول فتنة لتعلقه بالغير وجعل ~~الثاني تأويلا أي طلبا للمآل عنده , لاقتصاره على نفسه , فكان أهون الزيغين ~~انتهى . | ولما بين زيغهم بين أن نسبة خوضهم فيما لا يمكنهم علمه فقال : { ~~وما } أي والحال أنه ما { يعلم } في الحال وعلى القطع { تأويله } قال ~~الحرالي : هو ما يؤول إليه أمر الشيء في مآله إلى معاده { إلا الله } أي ~~المحيط قدرة وعلما , قال : ولكل باد من الخلق مآل كما أن الآخرة مآل الدنيا ~~< # > 77 ( { يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق ~~} ) 77 < # > [ الأعراف : 53 ] لذلك كل يوم من أيام الآخرة مآل للذي قبله , فيوم ~~الخلود مآل يوم الجزاء , ومآل الأبد مآل يوم الخلود ؛ وأبد الأبد مآل الأبد ~~, وكذلك كل الخلق له مآل يوم الجزاء , فأمر الله مآل خلقه وكذلك الأمر , كل ~~تنزيل أعلى منه مآل التنزيل الأدنى إلى كمال الأمر , وكل أمر الله مآل من ~~أسمائه وتجلياته ms0682 , وكل تجل أجلى مآل لما دونه من تجل أخفى , قال عيه الصلاة ~~والسلام : { فيأتيهم ربهم في غير الصورة التي يعرفونها الحديث إلى قوله : ~~أنت ربنا } فكان تجليه الأظهر لهم مآل PageV02P024 تجليه الأخفى عنهم ؛ ~~فكان كل أقرب للخلق من غيب خلق وقائم أمر وعلى تجل إبلاغا إلى ما وراءه ~~فكان تأويله , فلم تكن الإحاطة بالتأويل المحيط إلا لله سبحانه وتعالى . | ~~ولما ذكر الزائغين ذكر الثابتين فقال : { والراسخون في العلم } قال الحرالي ~~: وهم المتحققون في إعلام العلم من حيث إن الرسوخ النزول بالثقل في الشيء ~~الرخو ليس الظهورعلى الشيء , فلرسوخهم كانوا أهل إيمان , ولو أنهم كانوا ~~ظاهرين على العلم كانوا أهل إيقان , لكنهم راسخون في العلم لم يظهروا بصفاء ~~الإيقان على نور العلم , فثبتهم الله سبحانه وتعالى عند حد التوقف فكانوا ~~دائمين على الإيمان بقوله : { يقولون آمنا به } بصيغة الدوام انتهى أي ~~حالهم في رسوخهم . | ولما كان هذا قسيما لقوله : { وأما الذين في قلوبهم ~~زيغ } كان ذلك واضحا في كونه ابتداء وأن الوقوف على ما قبله , ولما كان هذا ~~الضمير محتملا للمحكم فقط قال : { كل } أي من المحكم والمتشتبه . | قال ~~الحرالي : وهذه الكلمة معرفة بتعريف الإحاطة التي أهل النحاة ذكرها في وجوه ~~التعريف إلا من ألاح معناها منهم فلم يلقن ولم ينقل جماعتهم ذلك ؛ وهو من ~~أكمل وجوه التعريف , لأن حقيقة التعريف التعين بعيان أو عقل , وهي إشارة ~~إلى إحاطة ما أنزله على إبهامه , فكان مرجع المتشابه والمحكم عندهم مرجعا ~~واحدا , آمنوا بمحمل اجتماعه الذي منه نشأ فرقانه , لأن كل مفترق بالحقيقة ~~إنما هو معروج من حد اجتماع , فما رجع إليه الإيمان في قلوبهم : آمنا به , ~~هو محل اجتماع المحكم والمتشابه في إحاطة الكتاب قبل تفصيله انتهى . | { من ~~عند ربنا } أي المحسن إلينا بكل اعتبار , ولعله عبر بعند وهي بالأمر الظاهر ~~بخلاف لدن إشارة إلى ظهور ذلك عند التأمل , وعبروه عن الاشتباه . | ولما ~~كان مع كل مشتبه أمر إذا دقق النظر فيه رجع إلى مثال حاضر للعقل إما محسوس ~~وإما في حد ms0683 ظهور المحسوس قال معمما لمدح المتأملين على دقة الأمر وشدة ~~عموضه بإدغام تاء التفعل مشيرا إلى أنهم تأهلوا بالرسوخ إلى الارتقاء هن ~~رتبته , ملوحا إلى أنه لا فهم لغيرهم عاطفا على ما تقديره : فذكرهم الله من ~~معاني المتشابه ببركه إيمانهم وتسليمهم بما نصبه من الآيات في الآفاق وفي ~~أنفسهم ما يمكن أن يكون إرادة منه سبحانه وتعالى وإن لم يكن على القطع بأنه ~~إرادة : { وما يذكر } أي من الراسخين بما سمع من المتشابه ما في وعقله من ~~أمثال ذلك { إلا أولوا الألباب * } PageV02P025 قال الحرالي : الذين لهم لب ~~العقل الذي للراسخين في العلم ظاهره , فكان بين أهل الزيغ وأهل التذكر ~~مقابلة بعيدة , فمنهم متذكر ينتهي إلى إيقان , وراسخ في العلم يقف عند حد ~~إيمان , ومتأول يركن إلى لبس بدعة , وفاتن يتبع هوى ؛ فأنبأ جملة هذا ~~البيان عن أحوال الخلق بالنظر إلى تلقي الكتاب كما أنبأ سورة البقرة عن ~~جهات تلقيهم للأحكام انتهى . | < < # | آل عمران : ( 8 - 12 ) ربنا لا تزغ . . . . . # > > ^ ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت ~~الوهاب * ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد * ~~إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم ~~وقود النار * كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله ~~بذنوبهم والله شديد العقاب * قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس ~~المهاد ) ^ } ) | ولما علم بذلك أن الراسخين أيقنوا أنه من عند الله ~~المستلزم لأنه لاعوج فيه أخبر أنهم أقبلوا على التضرع إليه في أن يثبتهم ~~بعد هدايته ثم أن يرحمهم ببيان ما أشكل عليهم بقوله حاكيا عنهم وهو في ~~الحقيقة تلقين منه لهم لطفا بهم مقدما ما ينبغي تقديمه من السؤال في تطهير ~~القلب عما لا ينبغي على طلب تنويره بما ينبغي لأن إزالة المانع قبل إيجاد ~~المقتضى عين الحكمة : { ربنا } أي المحسن إلينا { لا تزغ قلوبنا } أي عن ~~الحق . | ولما كان صلاح القلب صلاح الجملة وفساده ms0684 فسادها وكان ثبات الإنسان ~~على سنن الاستقامة من غير عوج أصلا مما لم يجربه سبحانه وتعالى عادته لغير ~~المعصومين قال نازعا الجار مسندا الفعل غلى ضمير الجملة : { بعد إذ هديتنا ~~} إليه . | وقال الحرالي : ففي إلاحة معناه أن هذا الابتهال واقع من أولي ~~الألباب ليترقوا من محلهم من التذكر إلى ما هو أعلى وأبطن انتهى . | فلذلك ~~قالوا : { وهب لنا من لدنك } أي أمرك الخاص بحضرتك القدسية , الباطن عن غير ~~خواصك { رحمة } أي فضلا ومنحة منك ابتداء من غير سبب منا , ونكرها تعظيما ~~بأن أيسر شيء منها يكفي الموهوب . | ولما لم يكن لغيره شيء أصلا فكان كل ~~عطاء كم فضله قالوا وقال الحرالي : ولما كان الأمر اللداني ليس مما في فطر ~~الخلق وجبلاتهم وإقامة حكمتهم , وإنما هو موهبة من الله سبحانه وتعالى بحسب ~~العناية ختم بقوله : { إنك أنت الوهاب } وهي صيغة مبالغة من الوهب والهبة , ~~وهي العطية سماحا من غير قصد من الموهوب انتهى . | ولما كان من المعلوم من ~~أول ما فرغ السمع من الكتاب في الفاتحة وأول البقرة PageV02P026 وأثنائها ~~أن للناس يوما يدانون فيه وصلوا بقولهم السابق قوله : { ربنا إنك جامع } ~~قال الحرالي : من الجمع , وهو ضك ما شأنه الافتراق والتنافر لطفاأو قهرا ~~انتهى . | { الناس } أي كلهم { ليوم } أي يدانون فيه { لا ريب فيه } ثم ~~عللوا نفي الريب بقولهم عادلين عن الخطاب آتين بالاسم الأعظم لأن المقام ~~للجلال : { إن الله } أي المحيط بصفات الكمال { لا يخلف } ولما كان نفي ~~الخلف في زمن الوعد ومكانه أبلغ من نفي خلافه نفسه عبر بالمفعال فقال : { ~~الميعاد } وقال الحرالي : هو مفعال من الوعد , وصيغ لمعنى تكرره ودوامه , ~~والوعد العهد في الخير أ انتهى . | وكل ذلك تنبيها على أنه يجب التثبت في ~~فهم الكتاب والإحجام عن مشكله خوفا من الفضيحة يوم الجمع يوم يساقون إليه ~~ويقفون بين يديه , فكأنه تعالى يقول للنصارى : هب أنه أشكل عليكم بعض ~~أفعالي وأقوالي في الإنجيل فهلا فعلتم فعل الراسخين فنزهتموني عما لا يليق ~~بجلالي من التناقض وغيره , ووكلتم أمر ذلك ms0685 إلي , وعولتم في فتح مغلقه علي ~~خوفا من يوم الدين ؟ قال ابن الزبير : ثم لما بلغ الكلام إلى هنا أي إلى ~~آيه التصوير كان كأنه قد قيل : فكيف طرأ عليهم ما طرأ مع وجود الكتب ؟ أخبر ~~تعالى بشأن الكتاب وأنه محكم ومتشابه , وكذا عيره من الكتب والله سبحانه ~~وتعالى أعلم , فحال أهل التوفيق تحكيم المحكم , وحال أهل الزيغ اتباع ~~المتشابه والتعلق به , وهذا بيان لقوله : < # > 77 ( { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ) 77 < # > [ البقرة : 26 ] وكل هذا بيان لكون الكتاب العزيز أعظم فرقان وأوضح ~~بيان إذ قد أوضح أحوال المختلفين ومن أين أتى عليهم مع وجود الكتب , وفي ~~أثناء ذلك تنبيه العباد على عجزهم وعدم استبدادهم لئلا يغتر الغافل فيقول ~~مع هذا البيان ووضوح الأمر : لا طريق إلى تنكب الصراط , فنبهوا حين علموا ~~الدعاء من قوله : < # > 77 ( { وإياك نستعين } ) 77 < # > [ الفاتحة : 4 ] ثم كرر تنبيههم لشدة الحاجة ليذكر هذا أبدا , ففيه ~~معظم البيلن , ومن اعتقادا الاستبداد ينشأ الشرك الأكبر إذ اعتقاد ~~الاستبداد بالأفعال إخراج لنصف الموجودات عن يد بارئها < # > 77 ( { والله خلقكم وما تعلمون } ) 77 < # > [ الصافات : 96 ] فمن التنبيه < # > 77 ( { إن الذين كفروا } ) 77 < # > [ البقرة : 6 ] ومنه : < # > 77 ( { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ) 77 < # > [ البقرة : 26 ] ومنه < # > 77 ( { آمن الرسول } ) 77 < # > [ البقرة : 285 ] إلى خاتمتها , هذا من جلي التنبيه ومحكمه , ومما يرجع ~~إليه ويجوز معناه بعد اعتباره : < # > 77 ( { وإلهكم إله واحد } ) 77 < # > [ البقرة : 163 ] وقوله : < # > 77 ( { الله لا إله إلا هوالحي القيوم } ) 77 < # > [ البقرة : 255 ] , فمن رأى الفعل أو بعضه لغيره تعالى حقيقة فقد قال ~~بإلهية غيره , ثم حذروا أشد التحذير لما بين لهم فقال تعالى : < # > 77 ( { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد } ) 77 < # > [ آل عمران : 4 ] ثم ارتبطت الآيات إلى آخرها - انتهى PageV02P027 ولما ~~تحقق أن يوم الجمع كائن لا محالة تحقق أن من نتائجه تحقيقا لعزته سبحانه ~~وتعالى وانتقامه من الكفرة قوله تعالى : { إن الذين كفروا } أي الذين يظنون ~~لسترهم ما دلت عليه مرأى عقولهم أنهم ms0686 يمتنعون من أمرالله لأنهم يفعلون في ~~عصيانه وعداوة أوليائه فعل من يريد المغالبه { لن تغني عنهم أموالهم } أي ~~وإن كثرت , وقدمها لأن بها قوام ما بعدها وتمام لذاته , وأكد بإعادة النافي ~~ليفيد النفي عن كل حالة وعن المجموع فيكون أصرح في المرام { ولا أولادهم } ~~وإن جلت وعظمت { من الله } أي الملك الأعظم { شيئا } أي من إغناء مبتدئا من ~~جهة الله , وإذا كانت تلك الجهة عارية عما يغني كان كل ما يأتيهم من قبله ~~سبحانه وتعالى من بأس واقعا بهم لا مانع له , فمهما أراد بهم كان من خذلان ~~في الدنيا وبعث بعد الموت وحشر بعد البعث وعذاب في الآخرة , فأولئك ~~المعرضون منه لكل بلاء { وأولئك هم وقود النار } وفي ذلك أعظم تنبيه على أن ~~الزائغين الذين خالفوا الراسخين فوقفت بهم نعمه المقتضيه لتصديقه عن تصديقه ~~ليست مغنية عنهم تلك النعم شيئا , وأنهم مغلوبون لا محالة في الدنيا ~~ومحشورون في الآخرة إلى جهنم . | ولما كانت هذه السورة سورة التوحيد كان ~~الأليق بخطابها أن يكون الدعاء فيه إلى الزهد أتم من الدعاء في غيرها , ~~والإشارة فيه إلى ذلك من الإشارة في غيره , فكانت هذه الآية قاطعة للقلوب ~~النيرة بما أشارت إليه من فتنة الأموال والأولاد الموجبة للهلاك . | قال ~~الحرالي : ولما كان من مضمون ترجمة سورة البقرة إطلاع النبي على سر التقدير ~~الذي صرف عن الجواب فيه وإظهار سره موسى كليم الله وعيسى كلمة الله عليهما ~~الصلاة والسلام كان مما أظهره الله سبحانه وتعالى لعامة أمة محمد إعلاء لها ~~على كل أمة , واختصاصا لها بما علا اختصاص نبيها حتى قال قائلهم : أخبرهم ~~أني بريء منهم وأنهم براء مني لقوم لم يظهروا على سر القدر , وقال : والذي ~~يحلف به عبد الله بن عمر : لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل منه ~~حتى يؤمن بالقدر , فأفهم الله سبحانه وتعالى علماء هذه الأمة أن أعمالها لا ~~تقبل إلا على معرفة سر التقدير لتكون قلوبها بريئة من أعمال ظواهرها , كما ~~قيل في أثارة من العلم ms0687 : من لم يختم عمله بالعلم لم يعمل , ومن لم يختم ~~علمه بالجهل لم يعلم فختم العامل عمله بالعلم أن يعلم أنه لا عمل له , وأن ~~المجرى على يديه أمر مقدر قدره الله سبحانه وتعالى عليه وأقامه فيه لما ~~خلقه له من حكمته من وصفه من خير أو شر ومن تمام كلمته في رحمته أو عقوبته ~~ليظهر بذلك حكمة الحكيم , ولا حجة للعبد على ربه ولا حجة للصنعة على صانعها ~~ولله سبحانه وتعالى الحجة البالغة ؛ وكذلك العالم متى لم ينطو سره على أنه ~~لا يعلم PageV02P028 وإنما العلم عند الله سبحانه وتعالى لم يثبت له علم , ~~فذلك ختم العمل بالعمل وختم العلم بالجهل , فكما أطلعه سبحانه وتعالى في ~~فاتحة سورة البقرة على سر تقديره في خلقه أظهرهفي فاتحة سورة آل عمران على ~~علن قيوميته الذي هو شاهده في وحي ربه , كما هو بصير بسر القدر في تفرق ~~أفعال خلقه , فكان منزل سورة البقرة قوام التنزيل للكتاب الجامع الأول , ~~والتنزيل قوام إنزال الكتب , وإنزال الكتاب الجامع لتفسير الكتب قوام تفصيل ~~الآيات المحكمات والمتشابهات , والإحكام والتشابه إقامة الهدى والفتنة , ~~والهدى والفتنة إقامة متصرف الحواس الظاهرة والباطنة , والأحوال وما دونها ~~من الأفعال على وجه جمع يكون قواما لما تفصل من مجمله وتكثر من وحدته وتفرق ~~من اجتماعه , ولعلو مضمون هذه السورة لم يقع فيها توجه الخطاب بها لصنف ~~الناس , واختص خطابها بالذين آمنوا في علو من معاني الإيمان لما ذكر من شرف ~~سن الإيمان على سن الناس في تنامي أسنان القلوب , وكان خطاب سورة البقرة ~~بمقتضى رتبة العقل الذي به يقع أول الإصغاء والاستماع , كما ظهر في آيات ~~الاعتبار فيها في قوله سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { إن في خلق السماوات والأرض إلى قوله : لقوم يعقلون } ) 77 < # > [ البقرة : 164 ] فكان خطاب سورة آل عمران إقبالا على أولي الألباب ~~الذين لهم لب العقل , بما ظهر في أولها وخاتمتها في قوله : < # > 77 ( { وما يذكر إلا أولوا الألباب } ) 77 < # > [ آل عمران : 7 ] وفي خاتمتها في آيات اعتبارها في قوله سبحانه ms0688 وتعالى ~~: < # > 77 ( { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب } ) 77 < # > [ آل عمران : 190 ] فبالعقل يقع الاعتبار لمنزل الكتاب وباللب يكون ~~التذكر , إيلاء إلى الذي نزل الكتاب , وبالجملة فمثاني هذه السورة من ~~تفاصيل آياتها وجمل جوامعها مما هو أعلق بطيب الإيمان واعتبار اللب , كما ~~أن منزل سورة البقرة أعلق بما هو من أمر الأعمال وإقامة معالم الإسلام بما ~~ظهر في هذه السورة من علن أمر الله , وبما افتتحت به من اسم الأعظم الذي ~~جميع الأسماء أسماء له لإحاطته واختصاصها بوجه ما , فكان فيها علن التوحيد ~~وكماله وقوام تنزيل الأمر وتطورالخلق في جميع متنزلها ومثانيها , وظهر فيها ~~تفصيل وجوه الحكم العلية التي تضمن جملة ذكرها الآية الجامعة في سورة ~~البقرة في قوله سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { يؤتي الحكمة من يشاء } ) 77 < # > [ البقرة : 269 ] فكان من جملة بناء الحكمة ما هو السبب في ظهور الكفر ~~من الذين كفروا بما غلب عليهم من الفتنة بأموالهم وأولادهم حتى ألهتهم عن ~~ذكر الله , فانتهوا فيه إلى حد الكفر الذي نبه عليه : { الذين آمنوا } في ~~قوله سبحانه وتعالى < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ~~} ) 77 < # > [ المنافقون : 9 ] انتهى . | PageV02P029 ولما كان السبب المقتضى ~~لاستمرارالكفر من النصارى المجادلين في أمرعيسى عليه الصلاة والسلام الخوف ~~ممن فوقهم من ملوك النصرانية نبههم سبحانه وتعالى على أول قصة أسلافهم من ~~بني إسرائيل , وما كانوا فيه من الذل مع آل فرعون , وما كان فيه فرعون من ~~العظمة التي تقسر بها ملوك زمانهم , ثم لما أراد الله سبحانه وتعالى قهر ~~أسلافهم له لم تضرهم ذلتهم ولا قلتهم , ولا نفعته عزته ولا كثرة آله , ~~فلذلك صرح بهم سبحانه وتعالى وطوى ذكر من قبلهم فقال : { كدأب } أي لم يغن ~~عنهم ذلك شيئا مثل عادة { آل فرعون } أي الذين اشتهرلديكم استكبارهموعظمتهم ~~وفخارهم , قال الحرالي : الدأب العادة الدائمة التي تتأبد بالتزامها , وآل ~~الرجل من إذ أحصر تراءى فيهم فكأنه لم يغب ؛ وفرعون اسم ملك مصر في الكفر , ~~ومصر ms0689 أرض جامعة كليتها وجملة , إقليمها نازل منزلة الأرض كلها , فلها إحاطة ~~بوجه ما , فلذلك أعظم شأنها في القرآن وشأن العالي فيها من الفراعنة , وكان ~~الرسول المبعوث إليه أول المؤمنين بما وراء أول الخلق من طليعة ظهور الحق ~~لسماع كلامه بلا واسطة ملك , فكان أول من طوى في رتبة بنوتة رتبة البنوة ~~ذات الواسطة , فلذلك بدىء به في هذا الخطاب لعلو رتبة بنوته بما هو كليم ~~الله ومصطفاه على الناس , ولحق به من تقدمهم بما وقعت في بنوته من واسطة ~~زوج أو ملك , وخص آله لأنه هو كان عارفا بأمر الله سبحانه وتعالى فكان ~~جاحدا لا مكذبا انتهى . | : { والذين } ولما كان المكذبون إنما هم بعض ~~المتقدمين أدخل الجار فقال : : { من قبلهم } وقد نقلت إليكم أخبارهم وقوتهم ~~واستظهارهم فكأنه قيل : ماذا كانت عادتهم ؟ فقيل : { كذبوا } ولما كان ~~التكذيب موجبا للعقوبة كان مظهر العظمة به أليق , فصرف القول إليه فقال : { ~~بآيتنا } السورية والصورية مع ما لها من العظمة بما لها من إضافتها إلينا { ~~فأخذهم } ولما أفحشوا في التكذيب عدل إلى أعظم من مظهر العظمة تهويلا ~~لأخذهم فقال : { الله } فاظهر الاسم الشريف تنبيها على باهر العظمة : { ~~بذنوبهم } أي من التكذيب وغيره . | قال الحرالي : فيه إشعار بأن صريح ~~المؤاخذة مناط بالذنوب , وأن المؤاخذة الدنيوية لا تصل إلى حد الانتقام على ~~التكذيب , فكان ما ظهر من أمر الدنيا يقع عقابا على ما ظهر من الأعمال , ~~وما بطن من أمر الآخرة يستوفي العقاب على ما أصرت عليه الضمائر من التكذيب ~~, ولذلك يكون عقاب الدنيا طهرة للمؤمن لصفاء باطنه من التكذيب , ويكون واقع ~~يوم الدنيا كفاف ما جرى على ظاهره من المخالفة فكأن الذنب من المؤمن يقع في ~~دنياه خاصة , والذنب من الكافر يقع في دنياه وأخراه من استغراقه لظاهره ~~وباطنه , وأظهر الاسم الشريف ولم يضمر للتنبيه على زيادة العظمه في عذابهم ~~لمزيد اجترائهم فقال : { والله } أي الحال أن الملك الذي لا كفوء له في ~~جبروته ولا شيء من نعوته { شديد العقاب } لا يعجزه شيء . | PageV02P030 ~~ولما تم ذلك ms0690 على هذه الوجوه الظاهره التي أوجبت اليقين لكل منصف بأنهم ~~مغلوبون وصل بها أمره وهو الحبيب العزيز بأن يصرح لهم بمضمون ذلك فقال : { ~~قل للذين كفروا } أي من أهل زمانك جريا على منهاج أولئك الذين أخذناهم { ~~ستغلبون } كما غلبوا وإن كنتم ملأ الأرض لأنكم إنما تغالبون خالقكم وهو ~~الغالب لكل شيء : ( وليغلبن مغالب الغلاب ) واللام على قراءة الجمهور ~~بالخطاب معدية , وعلى قراءة الغيب معللة , أي قل لأجلهم , أو هي بمعنى عن , ~~أي قل عنهم , وقد أفهم الإخبار بمجرد الغلبة دون ذكر العذاب كما كان يذكرفي ~~تهديد من قبلهم أن أخذهم بيد المغالبة والمدافعة والنصرة تشريفا لنبيهم ~~لأنه عرض عليه عذابهم فأبى إلا المدافعة على سنة المصابرة , فكان أول ذلك ~~غلبته على مكة المشرفة , وكان فتحها فتحا لجميع الأرض لأنها أم القرى نبه ~~على ذلك الحرالي . | { وتحشرون } أي تجمعون بعد موتكم أحياء كما كنتم قبل ~~الموت { إلى جهنم } قال الحرالي : وهي من الجهامة , وهي كراهه المنظر انتهى ~~؛ فتكون مهادكم , لا مهاد لكم غيرها { وبئس } أي الحال أنها بئس { المهاد } ~~. | < < # | آل عمران : ( 13 - 15 ) قد كان لكم . . . . . # > > ^ ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى ~~كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشآء إن في ذلك لعبرة ~~لأولي الأبصار * زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير ~~المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة ~~الدنيا والله عنده حسن المآب * قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ~~ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله ~~والله بصير بالعباد ) ^ } ) | ولما كان الكفرة من أهل الكتاب وغيرهم من ~~العرب بمعرض أن يقولوا حين قيل لهم ذلك : كيف نغلب وما هم فينا إلا كالشعرة ~~البيضاء في جلد الثور الأسود ؟ قيل لهم : إن كانت قصة آل فرعون لم تنفعكم ~~لجهل أو طول عهد فإنه { قد كان لكم آية } أي عظيمة بدلالة تذكير كان { في ~~فئتين } تثنية فئة للطائفة التي يفيء ms0691 إليها أي يرجع من يستعظم شيئا , ~~استنادا إليها حماية بها لقوتها ومنعتها { التقتا } أي في بدر { فئة } أي ~~منهما مؤمنة , لما يرشد إليه قوله : { تقابل في سبيل الله } أي الملك ~~الأعلى لتكون كلمة الله هي العليا , ومن كان كذلك لم يكن قطعا إلا مؤمنا { ~~وأخرى } أي منهما { كافرة } أي تقاتل في سبيل الشيطان , فالآية كما ترى ~~منوادي الاحتباك , وهو أن يؤتى بكلامين PageV02P031 يحذف من كل منهما شيء ~~إيجازا , يدل ما ذكر من كل على ما حذف من الآخر , وبعبارة أخرى : هو أن ~~يحذف من كل جملة شيء إيجازا ويذكر في الجملة الأخرى ما يدل عليه . | ولما ~~نبه سبحانه وتعالى على الاعتبار بذكر الآية نبه على موضعها بقوله : { ~~يرونهم } وضمن يرى البصيرية القاصرة على مفعول واحد فعل الظن , وانتزع منه ~~حالا ودل عليها بنصب مفعول ثان فصار التقدير : ظانيهم { مثليهم } فعلى ~~قراءة نافع بالتاء الفوقانية يكون المعنى : ترون أيها المخاطبون الكفار ~~المقاتلين للمؤمنين , وعلى قراءة غيره بالغيب المعنى , يرى المسلمون الكفار ~~مثلي المسلمين { رأي العين } أي بالحزر والتخمين , لا بحقيقة العدد , هذا ~~أقل ما يجوزونه فيهم , وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ومع ذلك فجزاهم الله على ~~مصادمتهم ونصرهم عليهم , أو يرى الكفار المسلمين مثلي الكفار مع كونهم على ~~الثلث من عدتهم , كما هو المشهور في الآثار تأييدا من الله سبحانه وتعالى ~~لأوليائه ليرعب الأعداء فينهزموا , أو يرى الكفار المسلمين ضعفي عدد ~~المسلمين قال الحرالي : لتقع الإراءة على صدقهم في موجود الإسلام الظاهر ~~والإيمان الباطن , فكان كل واحد منهم بما هو مسلم ذاتا , وبما هو مؤمن ذاتا ~~, فالمؤمن المسلم ضعفان أبدا < # > 77 ( { فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ~~ألفين } ) 77 < # > [ الأنفال : 66 ] وذلك بما أن الكافر ظاهر لا باطن له فكان ذات عين , ~~لا ذات قلب له , فكان المؤمن ضعفه , فوقعت الإراء للفئة المؤمنة على ما هي ~~عليه شهادة من الله سبحانه وتعالى بثبات إسلامهم وإيمانهم , وكان ذلك أدنى ~~الإراءة لمزيد موجود الفئة المقاتلة في سبيل الله ms0692 بمقدار الضعف الذي هو أقل ~~الزيادة الصحيحة , وأما بالحقيقة فإن التام الدين بما هو مسلم مؤمن صاحب ~~يقين إنما هو بالحقيقة عشر تام نظير موجود الوجود الكامل , فهو عشر ذوات ~~بما هو صاحب يقين ودين < # > 77 ( { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } ) 77 < # > [ الأنفال : 65 ] انتهى . | وهذا التقليل والتكثير واقع بحسب أول ~~القتال وآخره , وقبل اللقاء وبعده , لما أراد الله سبحانه وتعالى من الحكم ~~كما في آية الأنفال , والمعنى : إنا فاعلون بكم أيها الكفارعلى أيديهم ما ~~فعلناه بأولئك , وقد كانوا قائلين أعظم من مقالاتكم , فلم تغن عنهم كثرتهم ~~شيئا , ولا شدة شكيمتهم ونخوتهم فإن الله سبحانه وتعالى ولي المؤمنين ~~لطيبهم < # > 77 ( { قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث } ) 77 < # > [ المائدة : 100 ] . | ولما كان التقدير : فنصر الله سبحانه وتعالى ~~الفئة القليلة , عطف عليه قوله : { والله } أي الذي له الأمر كله { يؤيد } ~~والأيد تضعيف القوة الباطنة { بنصره } قال PageV02P032 الحرالي : والنصر لا ~~يكون إلا لمحق , وإنما يكون لغير المحق الظفر والانتقام انتهى . | { من ~~يشاء } أي فلا عجب فيه في التحقق , فلذلك اتصل به قوله : { إن في ذلك } أي ~~الأمر الباهر , وفي أداة البعد كما قال الحرالي إشارة بعد إلى محل علو ~~الآية { لعبرة } قال : هي المجاوزة من عدوة دنيا إلى عدوة قصوى , ومن علم ~~أدنى إلى علم أعلى , ففي لفظها بشرى بما ينالون من ورائها مما هو أعظم منها ~~إلى غاية العبرة العظمى من بدر ثلاثمائة ثلاثة عشر , فهو غاية العبرة لمن ~~له بصر نافذ ونظر جامع بين البداية والخاتمة < # > 77 ( { كما بدأنا أول خلق نعيده } ) 77 < # > [ الأعراف : 104 ] - انتهى . | { لأولي الأبصار * } أي يصيرون بها من ~~حال إلى أشرف منها في قدرة الله وعظمته وفعله بالاختيار . | قال الحرالي : ~~أول موقع العين على الصورة نظر , ومعرفة خبرتها الحسية بصر , ونفوذه إلى ~~حقيقتها رؤية , فالبصر متوسط بين النظر والرؤية كما قال سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون } ) 77 < # > [ الأعراف : 198 ] فالعبرة هي المرتبة الأولى لأولي الأبصار الذين ~~يبصرون الأواخر ms0693 بالأوائل , فأعظم غلبة بطشه في الابتداء غلبة بدر , وأعظمها ~~في الانتهاء الغلبة الخاتمة التي لا حرب وراءها , التي تكون بالشام في آخر ~~الزمان - انتهى . | ولما علم بهذا أن الذي وقف بهم عن الإيمان من الأموال ~~والأولاد وسائر المتاع إنما هو شهوات وعرض زائل , لا يؤثره على اتباع ما ~~شرعه الملك إلا من انسلخ من صفات البشر إلى طور البهائم التي لا تعرف إلا ~~الشهوات , وختمت بذكر آية الفئتين كان كأنه قيل : الآية العلامة , ومن ~~شأنها الظهور , فما حجبها عنهم ؟ فقيل : تزيين الشهوات لمن دنت همته . | ~~وقال الحرالي : لما أظهر سبحانه وتعالى في هذه السورة ما أظهره بقاء لعلن ~~قيوميته من تنزيل الكتاب الجامع الأول , وإنزال الكتب الثلاثة : إنزال ~~التوراة بما أنشاء عليه قومها من وضع رغبتهم ورهبتهم في أمر الدنيا , فكان ~~وعيدهم فيها ووعدهم على إقامة ما فيها إنما هو برغبة في الدنيا ورهبتها , ~~لأن كل أمة تدعى لنحو ما جبلت عليه من رغبة ورهبة , فمن مجبول على رغبة ~~ورهبة في أمر الدنيا , ومن مجبول على ما هو من نحو ذلك في مر الآخرةن ومن ~~مفطور على ما هو من غير ذلك من أمر الله , فيرد خطاب كل أمة وينزل عليها ~~كتابها من نحو ما جبلت عليه , فكان كتاب التوراة كتاب رجاء ورغبة وخوف ~~ورهبة في موجود الدنيا , وكان كتاب الإنجيل كتاب دعوة إلى مكلوت الآخرة , ~~وكانا متقابلين , بينهما ملابسة , لم يفصل أمرهما فرقان واضح , فكثر فيهما ~~الاشتباه , فأنزل الله تعالى الفرقان لرفع لبس ما فيهما فأبان فيه المحكم ~~والمتشابه PageV02P033 من منزل الوحي , وكما أبان فيه فرقان الوحي أبان فيه ~~أيضا فرقان الخلق وما اشتبه من أمر الدنيا والآخرة ووام التبس على أهل ~~الدنيا من أمر الخلق بلوائح آيات الحق عليهم , فتبين في الفرقان محكم الوحي ~~من متشابهه , ومحكم الخلق من متشابهه وكان متشابه الخلق هو المزين من متاع ~~الدنيا , ومحكم الخلق هو المحقق من دوام خلق الآخرة , فاطلع نجم هذه الآية ~~لإنارة غلس ما بنى عليه أمر التوراة من ms0694 إثبات أمر الدنيا لهم وعدا ووعيدا , ~~لتكون هذه الآية تطئة لتحقيق صرف النهي عن مد اليد والبصر إلى ما متع به ~~أهلها , فأنبأ تعلاى أن متاع الدنيا أمر مزين , لا حقيقة لزينته ولا حسن ~~لما وراء زخرفة فقال : { زين للناس } فأبهم المزين لترجع إليه ألسنة ~~التزيين مما كانت في رتبة علو أو دنو , وفي إناطة التزيين بالناس دون الذين ~~آمنوا ومن فوقهم إيضاح لنزول سنهم في أسنان القولب وأهم ملوك الدنيا ~~وأتباعهم ورؤساء القبائل وأتباعهم الذين هم أهل الدنياد { حب الشهوات } جمع ~~شهوة , وهي نزوع النفس إلى محسوس لا تتمالك عنه - انتهى . | وفي هذا الكلام ~~إعلام بأن الذي وقع لعيه التزين الحب , لا الشيء المحبوب , فصار اللازم ~~لأهل الدنيا إنما هو محبة الأمر الكلي من هذه المسميات وربما إذا تشخص في ~~الجزئيات لم تكن تلك الجزئيات محبوبة لهم , وفيه تحريك لهمم أهل الفرقان ~~إلى العلو عن رتبة الناس الذين أكثرهم لا يعلمون ولا يشكرون ولا يعقلون , ~~ثم بين ذلك بما هو محط القصد كله , وآخر العمل من حيث إن الأعلق بالنفس حب ~~أنثاها التي هي منها < # > 77 ( { خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها } ) 77 < # > [ النساء : 1 ] فقال : { من النساء } أي المبتدئة منهن , وأتبعه ما هو ~~منه أيضا وهو بينه وبين الأنثى فقال : { والبنين } قال الحرالي : وأخفى ~~فتنة النساء بالرجال سترا لهن , كما أخفى أمر حواء في ذكر المعصية لآدم حيث ~~قال : < # > 77 ( { وعصى آدم ربه } ) 77 < # > [ طه : 121 ] فأخفاهن لما في ستر الحرم من الكرم , والله سبحانه وتعالى ~~حي كريم - انتهى . | ثم أتبع ذلك ما يكمل به أمره فقال : { والقناطير } قال ~~الحرالي : جمع قنطار , يقال : هو مائة رطل ويقال : إن الرطل اثنتا عشرة ~~أوقية , والأوقية أربعون درهما , والدرهم خمسون حبة وخمسا من حب الشعير , ~~وأحقه أن يكون من شعير المدينة { المقطنرة } أي المضاعفة مرات - انتهى . | ~~ثم بينها بقوله : { من الذهب والفضة } ثم أتبعها الزينة الظاهرة التي هي ~~أكبر الأسباب في تحصيل الأموال فقال : { والخيل } قال الحرالي : اسم جمع ~~لهذا ms0695 الجنس المجبول على هذا الاختيال لما خلق له من الاعتزاز به وقوة المنة ~~في الافتراس عليه الذي منه سمي واحدة فرسا { المسومة } أي المعلمة بأعلام ~~هي سمتها وسيماها التي تشتهر بها جودتها , من السومة - بضم السين , وهي ~~العلامة التي تجعل على الشاة لتعرف بها , وأصل السوم PageV02P034 بالفتح ~~الإرسال للرعي مكتفي في المرسل بعلامات تعرف بها نسبتها لمن تتوفر الدواعي ~~للحفيظة عليها من أجله من الواقع عليها منالخاص والعام , فهي مسومة بسيمة ~~تعرف بها جودتها ونسبتها { والأنعام } وهي جمع نعم , وهي الماشية فيها إبل ~~, والإبل واحدها , فإذا خلت مناه الإبل لم يجر على الماشية اسم نعم - انتهى ~~. | وقال في القاموس : النعم - وقد تسكن عينه - الإبل والشياء جمع أنعام , ~~وجمع جمعه أناعيم . | وقال القزاز في جامعه : النعم اسم يلزم الإبل خاصة , ~~وربما دخل في النعم سائر المال , وجمع النعم أنعام , وقد ذكر بعض اللغويين ~~أن النعم في الإبل خاصة , فإذا قلت : الأنعام - دخل فيها البقر والغنم , ~~قال : وإن أفردت الإبل والغنم لم يقل فيها نعم ولا أنعام . | وقال قوم : ~~النعم والأنعم بمعنى , وقال في المجمل : والأنعام البهائم , وقال الفارابي ~~في ديوان الأدب : والنعم واحد الأنعام , وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل ~~. | ولما ذكر هذه الأعيان التي زين حبها في نفسها أتبعها ما يطلب لأجل ~~تحصيلها أو تنيتها وتكثيرها فقال : { والحرث } . | ولما فصلها وختمها بما ~~هو مثل الدنيا في البداية والنهاية والإعادة أجمل الخبر عن ثمرتها وبيان ~~حقيقتها فقال : { ذلك } أي ما ذكر من الشهوات المفسر بهذه الأعيان تأكيدا ~~لتخسيسه البعيد من إخلاد ذوي الهمم إليه ليقطعهم عن الدار الباقية . | وقال ~~الحرالي : الإشارة إلى بعده عن حد التقريب إلى حضرة الجنة انتهى . | { متاع ~~الحياة الدنيا } أي التي هي مع دناءتها إلى فناء . | قال الحرالي : جعل ~~سبحانه وتعالى ما أحاط به حس النظر العاجل من موجود العادل أدنى , فافهم أن ~~ما أنبأ به على سبل السمع أعلى , فجعل تعالى من أمر اشتباه كتاب الكون ~~المرئي به وذكر المشهود أن عجل محسوس العين وحمل ms0696 على تركه وقبض اليد بالورع ~~والقلب بالحب عنه , وأخر مشهود مسموع الأذن من الآخرة وأنبأ بالصدق عنه ~~ونبه بالآيات عليه ليؤثر المؤمن مسمعه على منظره , كما آثر الناس منظرهم ~~على مسمعهم , حرض لسان الشرع على ترك الدنيا والرغبة في الأخرى , فأبت ~~الأنفس وقبلت قلوب وهيم لسان الشعر في زينة الدنيا فقبلته الأنفس ولم تسلم ~~القلوب منه إلا بالعصمة , فلسان الحق يصرف إلى حق الآخرة ولسان الخلق يصرفه ~~إلى زينة الدنيا , فأنبا سبحانه وتعالى أن ما في الدنيا متاع , والمتاع ما ~~ليس له بقاء , وهو يف نفسه خسيس خساسة الجيفة انتهى . | ثم أتبع ذلك سبحانه ~~وتعالى حالا من فاعل معنى الإشارة لقال : { والله } الذي بيده كل شيء , ~~ويجوز أن يكون عطفا على ما تقديره : وهو سوء المبدأ في هذا الذهاب إلى غاية ~~الحياة , والله { عنده حسن المآب * } قال الحرالي : مفعل من الأوب وهو ~~الرجوع إلى ما منه كان الذهاب انتهى . | PageV02P035 فأرشد هذا الخطاب ~~اللطيف كل من ينصح نفسه إلى منافرة هذا العرض الخسيس بأنه إن حصل له يعرض ~~عنه بأن يكون في يده , لا في قلبه فلا يفرح به بحيث يشغله عن الخير , بل ~~يجعل عونا على الطاعة وأنه منع منه لا يتأسف عليه لتحقق زواله ولرجاء الأول ~~إلى ا عند خالقه الذي ترك ذلك لأجله . | ولما ذكر سبحانه وتعالى ما أوجب ~~الإعراض عن هذا العرض فكان السامع جديرا بأن يقول فعلا أقبل ؟ أمر سبحانه ~~وتعالى أقرب الخلق إليه وأعزهم لديه بجوابه لتكون البشارة داعية إلى حبه ~~فقال : { قل } أي لمن فيه قابلية الإقبال إلينا , ولما أجرى سبحانه وتعالى ~~هذه البشارة على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لتقوم الحجة على العباد ~~بحاله كما تقوم بمقاله من حيث إنه لا يدعو إلى شيء إلا كان أول فاعل له , ~~ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له , لإيثاره الغائب المسموع من بناء ~~الآخرة على العاجل المشهود من أثر الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم لعمر ~~رضي الله عنه حين أشفق ms0697 عليه من تأثير رمال السرير في جنبه فذكر ما فيه فارس ~~والروم من النعيم : ( أو في شك أنت يا ابن الخطاب ؟ أما ترضى أن تكون لهم ~~الدنيا ولنا الآخرة ؟ ) شوق إليها بالاستفهام في قوله : { أؤنبئكم بخير من ~~ذلكم } أي الذي ذكر من الشهوات , وعظمه بأداة البعد وميم الجمع لعظمته ~~عندهم والزيادة في التعظيم ما يرشد إليه , ثم استأنف بيان هذا الخير بقوله ~~: { للذين اتقوا } أي اتصفوا بالتقوى فكان مما أثمر لهم اتصافهم بها أن ~~أعرضوا عن هذه الشهوات من حيث إنها شهوات وجعلوها عبادات واقية لهم من عذاب ~~ربهم , فتلذذوا بالنساء لا لمجرد الشهوة بل لغض البصر من الجانبين واتبغاء ~~ما كتب لهم من الولد إنفاذا لمراد ربهم من تكثير خلائفهم في الأرض للإصلاح ~~, ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( تناكحوا تناسلوا فإني مكاثر بكم الأمم يوم ~~القيامة ) ونحو ذلكن وفرحوا بالبنين لا لمجرد المكاثرة بل لتعليمهم العلم ~~وحملهم PageV02P036 على الذكر والجهاد والشكر وأنواع السعي في رضى السيد , ~~وحازوا النقدين لا للكنز , بل للإنفاق في سبيل الخيرات , وربطوا للجهاد , ~~لا للفخر والرئاسة على العباد بل لقمع أولياء الشيطان ورفع أولياء الرحمن ~~المسلتزم لظهور الإيمان , كما بين النبي صلى الله عليه وسلم متشابه ~~اقتنائها فقال : ( وهي لرجل أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر ) ثم عظم سبحانه ~~وتعالى ما لهم بقوله مرغبا بلفت القول إلى وصف الإحسان إليهم بلباس التقوى ~~الموجب لإيثارهم الآخرة على الدنيا , وقوله : { جنات } مرفوع بالابتداء , ~~ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف إذا كان وللذين , متعلقا بخير , ثم وصفها ~~بقوله : { تجري من تحتها الأنهار } أي أن ماؤها غير مجلوب , بل كل مكان مها ~~متهيىء لأن ينبع منه ماء يجري لتثبت بهجتها وتدوم زهرتها ونضرتها , ثم أشار ~~بقوله : { خالدين فيها } إلى أنها هي المشتملة على جميع الإحسان المغنية عن ~~الحرث والأنعام , وأن ذلك على وجه لا انقطاع له . | قال الحرالي : ولعله ~~إنما خص من بين ما تقدم من الشهوات ذكر النسوان في قوله : { وأزواج } لأنها ~~أعظم المشتهيات , ولا يكمل التلذذ بها ms0698 إلا بحصول جميع ما يتوقف ذلك عليه , ~~فصار ذكرهن على سبيل الامتنان من القادر كناية عن جميع ما تشتهي الأنفس ~~وتلذ الأعين . | ولما كانت التقوى حاملة على تطهير الأنفس من أوضار الأدناس ~~من الأوصاف السيئة وكان الوصف بالمفرد أدل على أنهن في أصل الطهارة كأنهن ~~نفس واحدة قال عادلا عما هو الأولى من الوصف بالجمع لجمع من يعقل : { مطهرة ~~} لأنهن مقتبسات من أنفسهم < # > 77 ( { خلق لكم من أنفسكم أزواجا } ) 77 < # > [ الروم : 31 ] . | ولما ذكر حظ البدن قرر لذة هذا النعيم بما للروح , ~~وزاده من الأضعاف المضاعفة PageV02P037 ما لا حد بقوله : { ورضوان } قال ~~الحرالي : بكسر الراء وضمها , اسم مبالغة في معنى الرضى , وهو على عبرة ~~امتلاء بما تعرب عنه الألف والنون وتشعر ضمة رائه بظاهر إشباعه , وكسرتها ~~بباطن إحاطته - انتهى . | ولما جرى وعد الجنات على اسم الربوبية الناظر إلى ~~الإحسان بالتربية فخم أمر هذا الجزاء وأعلاه على ذلك بنوطه بالاسم الأعظم ~~فقال : { من الله } أي المحيط بصفات الكمال . | ولما كان شاملا لجميعهم ~~وكان ربما ظن أنهم فيه مساوون أشار إلى التفاوت بقوله مظهرا في موضع ~~الإضمار إشارة إلى الإطلاق عن التقييد بحيثية ما : { والله } أي الذي له ~~الحكمة البالغة { بصير بالعباد } أي بنياتهم ومقادير ما يستحقونه بها على ~~حسب إخلاصها , وبغير ذلك من أعمالهم وأقوالهم وسائر أحوالهم . | < < # | آل عمران : ( 16 - 19 ) الذين يقولون ربنا . . . . . # > > ^ ( الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار * ~~الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار * شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم * إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ~~إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع ~~الحساب ) ^ } ) | ولما أخبر سبحانه وتعالى بأنه بصير بمن يستحق ما أعد من ~~الفوز أتبعه ما استحقوا ذلك به من الأوصاف تفضلا منه عليهم بها وبإيجاب ذلك ~~على نفسه حثا لهم على التخلق بتلك الأوصفاف فقال : - وقال الحرالي ms0699 : لما ~~وصف تعالى قلوبهم بالتقوى وبرهم من الاستغناء بشيء من دونه وصف أدبهم في ~~المقال فقال ؛ انتهى - { الذين يقولون ربنا } أي يا من ربانا بإحسانه وعاد ~~علينا بفضله , وأسقط أداة النداء إشعارا بما لهم من القرب لأنهم في حضرة ~~المراقبة ؛ ولما كانت أحوالهم في تقصيرها عن أن يقدر الله حق قدره كأنها ~~أحوال من لم يؤمن اقتضى بالمقام التأكيد فقالوا : { إننا } فأثبتوا النون ~~إبلاغا فيه { آمنا } أي بما دعوتنا إليه , وأظهروا هذا المعنى بقولهم : { ~~فاغفر لنا ذنوبنا } أي فإننا عاجزون عن دفعها ورفع الهمم عن مواقعتها وإن ~~احتهدنا لما جبلنا عليه من الضعف والنقص , تنبيها منه تعالىعلى أن مثل ذلك ~~لا يقدح في التقوى إذا هدم بالتوبة لأنه ما أصر من استغفر , والتوبة تجب ما ~~قبلها . | قال الحرالي : وبين المغفرة على مجرد الإيمان إشارة إلى أنه لا ~~تغيرها الأفعال , من ترتب إيمانه على تقوى غفرت ذنوبه , فكانت مغفرة الذنوب ~~لأهل هذا الأدب في مقابلة الذين آخذهم الله بذنوبهم من الذين PageV02P038 ~~كذبوا , ففي شمول ذكر الذنوب في الصنفين بإجراء قدر الذنوب على الجميع , ~~فما كان منها مع التكذيب أخذ به , وما كان منها مع التقوى والإيمان غفر له ~~- انتهى . | ولما رتب سبحانه وتعالى الغفران على التقوى ابتداء رتب عليها ~~الوقاية انتهاء فقال : { وقنا عذاب النار } أي الذي استحققناه بسوء أعمالنا ~~. | قال الحرالي : ولما وصف تقوى قلوبهم باطنا وأدب مقالهم ظاهرا وصف لهم ~~أحوال أنفسهم ليتطابق ظاهر أمرهم بمتوسطه وباطنه فقال : { الصابرين } ~~فوصفهم بالصبر إشعارا بما ينالهم من سجن الدنيا وشدائدها , والصبر أمدح ~~أوصفاف النفس , به تنجس عن هواها وعما زين من الشهوات المذكورة بما تحقق من ~~الإيمان بالغيب الموجب لترك الدنيا للآخرة فصبروا عن الشهوات ؛ أما النساء ~~فبالاقتصار على ما ملكوه وأما البنون فبمراعاة أن ما تقدم خير مما تأخر , ~~قال صلى الله عليه وسلم - يعني فيما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه ( لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه خلفي ) وأما الذهب والفضة ~~فبالنظر إليها ms0700 أصناما يضر موجودها , وبالحري أن ينال منها السلامة بنفقة لا ~~يكاد يصل إنفاقها إل أن يكون كفارة كسبها وجمعها , فكان الصبر عنها أهون من ~~التخلص منها ؛ وأما الخيل فلما يصحبها من التعزز الممد لخيلاء النفس الذي ~~هو أشد ما على النفس أن تخرج عن زهوها وخيلائها إلى احتمال الضيم والسكون ~~بحب الذل , يقال : إنه آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة ؛ وأما ~~الأنعام فبالاقتصار منها على قدر الكفاف , لأن كل مستزيد تمولا من الدنيا ~~زائدا على كفاف منه من مسكن أو ملبس أو مركب أو مال فهو محجر على من سواه ~~من عباد الله ذلك الفضل الذي هم أحق به منه , قال صلى الله عليه وسلم : ( ~~لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد ) الحديث < # > 77 ( { وإن شيء إلا عندنا خزائنة وما ننزله إلا بقدر معلوم } ) 77 < # > [ الحجر : 21 ] ؛ وأما الحرث فبالاقتصار منه على قدر PageV02P039 ~~الكفاية لما يكون راتبا للإلزام ومرصدا للنوائب ومخرجا للبذر , فإن أعطاه ~~الله فضلا أخرجه بوجه من وجوه الإخراج ولو بالبيع , ولا يمسكه متمولا لقلبه ~~إلى غيره من الأعيان فيكون محتكرا , قال عليه الصلاة والسلام كما أخرجه ~~أحمد وأبو يعلى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ( من احتكر أربعين يوما ~~فقد برىء من الله وبرىء الله منه ) . | فبذلك يتحقق الصبر بحبس النفس عما ~~زين للناس من التمولات من الدنيا الزائدة على الكفاف التي هي حظ من خلاق له ~~في الآخرة , ولذلك يحق أن تكون هذه الكلمات معربة بالنصب مدحا , لأن الصفات ~~المتبعة للمدح حليتها النصب في لسان العرب , وإنما يتبع في الإعراب ما كان ~~لرفع لبس أو تخصيص - انتهى . | ولما كان سن التقوى فوق سن الإيمان عطف ~~أمداحهم كلها بالواو إيذانا بكمالهم في كل وصف منها وتمكنهم فيءه بخلاف ما ~~في آية براءة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى فقال : { الصادقين } قال ~~الحرالي : في عطف الصفات ما يؤذن بكمال الوصف لأن العرب تعطفها إذا كملت ~~وتتبع بعضها بعضا إذا تركبت والتأمت , يعني مثل : الرمان ms0701 حلو حامض - إذا ~~كان غير صادق الحلاوة ولا الحموضة , ففي العطف إشعار بكمال صبرهم عن ~~العاجلة على ما عيه حكم النظم , في الآية السابقة , ومن شأن الصابر عن ~~الدنيا الصدق , لأن أكثر المداهنة والمراءاة إنما ألجأ إليها التسبب إلى ~~كسب الدنيا , فإذا رغب عنها لم يحمله على ما عينه حكم النظم , في الآية ~~السابقة , ومن شأن الصابر عن الدنيا مطابقة أقواله وأفعاله لباطن حاله في ~~نفسه وعرفان قلبه - انتهى { والقانتين } أي المخليصين لله في جميع أمورهم ~~الدئمين عليه . | ولما ذكر سبحانه وتعالى العمل الحامل عليه خوف الحق ~~ورجاؤه أتبعه ما الحامل عليه ذلك مع الشفقة على الخلق , لأن من أكرم ~~المنتمي إليك فقد بالغ في إكرامك فقال : { المنفقين } أي ما رزقهم الله ~~سبحانه وتعالى في كل ما يرضيه , فإنه لا قوام لشيء من الطاعات إلا بالنفقة ~~. | قال الحرالي : فيه إشعار بأن من صبر نول , ومن صدق أعلى , ومن قنت جل ~~وعظم قدره , فنوله الله ما يكون له منفقا , والمنفق أعلى حالا من ~~PageV02P040 المزكي , لأن المزكي يخرج ما وجب عليه فرضا , والمنفق يجود بما ~~في يده فضلا - انتهى . | ولما ذكر هذه الأعمال الزاكية الجامعة العالية ~~أتبعها الإشارة إلى أن الاعتراف بالعجز عن الوفاء بالواجب هو العمدة في ~~الخلاص : { والمستغفرين } أي من نقائصحهم مع هذه الأفعال والأحوال التي هي ~~نهاية ما يصل إليه الخلق من الكمال { بالأسحار * } التي هي أشق الأوقات ~~استيقاظا عليهم , وأحبها راحة لديهم , وأولاها بصفات القلوب , وأقربها إلى ~~الإجابة المعبر عنها في الأحاديث بالنزول ما يأتي بيانه في آية التهجد في ~~سورة الإسراء . | قال الحرالي : وهو جمع سحر , وأصل معناه التعلل عن الشيء ~~بما يقاربه ويدانيه ويكون منه بوجه ما , فالوقت من الليل الذي يتعلل فيه ~~بدنو الصباح هو السحر , ومنه السحور , تعلل عن العداء ؛ ثم قال : وفي ~~إفهامه تهجدهم في الليل كما قال سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { كانوا قليلا من اليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون } ) 77 < # > [ الذاريات : 17 , 18 ] فهم يستغفرون من حسناتهم كما يستغفر أهل ~~السيئات من ms0702 سيئاتهم تبرؤا من دعوى الأفعال ورؤية الأعمال التئاما بصدق ~~قولهم في الابتداء : { ربنا إننا آمنا } وكمال الإيمان بالقدر خيره وشره , ~~فباجتماع هذه الأوصاف السبعة من التقوى والإيمان والصبر والصدق والقنوت ~~والإنفاق والاستغفار كانت الآخرة خيرا لهم من الدنيا وما فيها , وقد بان ~~بهذا محكم آيات الخلق من متشابهها بعد الإعلام بمحكم آيات الأمر ومتشابهها ~~, فبتم بذلك منزل الفرقان في آيات الوحي المسموع والكون المشهود - انتهى . ~~| ولعله سبحانه وتعالى أشار بهذه الصفات الخمس المتعاطفة إلى دعائم الإسلام ~~الخمس , فأشار بالصبر إلى الإيمان , وبالصدق إلى الزكاة المصدقة لدعواه , ~~وبالقنوت الذي مدار مادته على الإخلاص إلى الصلاة التي هي محل المراقبة , ~~وبالإنفاق إل الحج الذي أعظم مقوماته المال , وبالاستغفار إلى الصيام الذي ~~مبناه التخلي من أحوال البشر والتحلي بحلية الملك لا سيما في القيام ولا ~~سيما في السحر ؛ وسر ترتبيها أنه لما ذكر ما بين العبد والخالق في التوحيد ~~الذي هو العدول أتبعه ما بينه وبين الخلائق في الإحسان , ولما ذكر عبادة ~~القلب والمال ذكر عبادة البدن الدالة على الإخلاص في الإيمان , ولما ذكر ~~عبادة البدن مجردا بعد عبادة المال مجردا ذكر عبادة ظاهرة مركبة منهما , ~~شعارها تعرية الظاهر , ثم أتبعه عبادة بدنية خفية , عمادها تعرية الباطن , ~~فختم بمثل ما بدأ به , وهو ما لا يطلع عليه حق الاطلاع إلا الله سبحانه ~~وتعالى . | ولما أخبر سبحانه وتعال بوحدانيته في أول السورة واستدل عليها ~~وأخبر عما أعد PageV02P041 للكافرين واستدل عليه بما دل على الوحدانية وختم ~~بالإخبار بما أعد للمتقين مما جر إلى ذكره تعالى بما يقتضي الوحدانية أيضا ~~من الأوصاف المبنية على الإيمان أنتج ذلك ثوبتها ثبوتا لا مرية فيه , فكرر ~~تعالى هذه النتيجة على وجه أضخم من الماضي كما اقتضته الأدلة فقال - وقال ~~الحرالي : لما أنهى تعالى الفرقان نهايته ببيان المحكمين والمتشابهين في ~~الوحي والكون انتظمت هذه الشهادة التي هي أعظم شهادة في كتاب الله بآية ~~القيومية التي هي أعظم آية الوجود لينتظم آية الشهود بآية الوجود , انتهى . ~~| فقال سبحانه وتعالى : { شهد الله ms0703 } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له { ~~أنه } قال الحرالي : فأعاد بالإضمار ليكون الشاهد والمشهود له { لا إله هو ~~} فأعاد بالهوية لمعنى الوحدانية في الشهادة ولم يقل : إلا الله , لما يشعر ~~به تكرار الاسم في محل الإضمار من التنزل العلي - انتهى . | والمعنى أنه ~~سبحانه وتعالى فعل فعل الشاهد في إخباره عما يعلم حقيقته بلفظ الشهادة جريا ~~على عادة الكبراء إذا رأوا تقاعس أتباعهم عما يأمرون به من المهمات في ~~تعاغطيهم له بأنفسهم تنبيها على أن الخطب قد فدح والأمر قد تفاقم , فيتساقط ~~حينئذ إليه الأتباع ولو أن فيه الهلاك تساقط الذباب في أحلى الشراب , وإلى ~~ذلك ينظر قول وفد ثقيف : ما لمحمد يأمرنا بأن نشهد له بالرسالة ولا يشهد هو ~~لنفسه ! فكان صلى الله عليه وسلم بعد لا يخطب خطبة إلا شهد لنفسه الشريفة ~~صلى الله عليه وسلم الشهادة لله فيها بالرسالة , فكأنه قيل : إن ربكم الذي ~~أسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة قد نصب لكم الأدلة بخلق ما خلق على تفرده ~~بحيث انتفى كل ريب فكان ذلك أعظم شهادة منه سبحانه لنفسه , وإليه أومأ من ~~قال : | ولله في كل تحريكة وتسكينة أبدا شاهد وفي كل شيء له آية تدل على ~~أنه واحد | ثم شهد بذلك لنفسه بكلامه جمعا بين آيتي السمع والبصر فلم يبق ~~لكم عذرا . | قال الحرالي : وهذه الشهادة التي هي من الله لله هي الشهادة ~~التي إليها قصد القاصدون وسلك السالكون وإليه انتهت الإشارة , وعندها وقفت ~~العبارة , وهي أنهى المقامات وأعظم الشهادات , فمن شهد بها فقد شهد شهادة ~~ليس وراءها مرمى , ومن شهد بما دونها كانت شهادته مشهودا عليها لا شهادة , ~~يؤثر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يوم الجمعة وهو قائم بعرفة منذ ~~كان وقت العصر إلى أن غربت الشمس في حجته التي كمل بها الدين وتمت بها ~~النعمة يقول هذه الآية لا يزيد عليها , فأي عبد شهد لله بهذه الشهادة التي ~~هي شهادة الله لله سبحانه وتعالى بالوحدانية فقد كملت شهادته , وأتم الله ~~سبحانه ms0704 وتعالى النعمة عليه , وهي سر كل شهادة من دونها , وهي آية علن ~~التوحيد الذي هو منتهى PageV02P042 المقامات وغاية الدرجات في الوصول إلى ~~محل الشهود الذي منه النفوذ إلى الموجودين بمقتضى الأعظمية التي في الآية ~~الفاتحة - انتهى . | ولما أخبر سبحانه وتعالى عن نفسه المقدسة أخبر عمن ~~يعتد به من خلقه فقال مقدما لأن المقام للعلم لمن هم أعلم به سبحانه وتعالى ~~ممن أطلعهم من الملك والملكوت على ما لم يطلع عليه الإنسان ولا شاغل لهم من ~~شهوة ولا حظ ولا فتور : { والملائكة } أي العبادة المقربون المصفون من ~~أدناس البشر , الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . | ولما خص ~~أهل السماوات عم فقال : { وأولوا العلم } وهم الذين عرفوه بالأدلة القاطعة ~~ففعلوا ما فعل العظيم من الشهادات لكيون ذلك ادعى لغيرهم إليه وأحث عليه , ~~ولما كانت الشهادة قد تكون على غير وجه العدل نفى ذلك بقوله : { قائما } ~~وأفرد ليفهم أنه حال كل من المذكورين لا المجموع بقيد الجمع , ويجوز - وهو ~~الأقرب - أن يكون حالا من الاسم الشريف إشارة إلى أنه ما وحد الله سبحانه ~~وتعالى حق توحيده غيره , لأنه لا يحيط به أحد علما . | وقال الحرالي : أفرد ~~القيام فاندرج من ذكر من الملائكة وأولي العلم في هذا القيام إفهاما , كما ~~اندرجوا في الشهادة إفصاحا , فكان في إشعاره أن الملائكة وأولي العلم لا ~~يقاد منهم فيما يجريه الله سبحانه وتعالى على أيديهم , لأن أمرهم قائم ~~باقسط من الله , يذكر أن عظيم عاد لما كشف له عن الملائكة في قوم النقمة ~~قال لهود عليه الصلاة والسلام : يا هود ! ما هذا الذي أراهم في السحاب ~~كأنهم البخاتي ؟ فقال : ملائكة ربي , فقال له : أرأيت إن آمنت بالهك ~~أيقيدني منهم بمن قتلوا من قومي ؟ قال : ويحك ! وهل رأيت ملكا يقيد من جنده ~~- انتهى . | { بالقسط } أي العدل السواء الذي لا حيف فيه أصلا بوجه من ~~الوجوه , وقد ثبت بهذه الشهادة على هذا الوجه أن التوحيد في نفس الأمر على ~~ما وقعت به الشهادة , ويجوز أن يراد مع ms0705 ذلك أن قيامه بالعدل فعله في خلقه ~~فإنه عدل وإن كان من بعضهم إلى بعض ظلما , فإنه تصرف منه سبحانه في ملكه ~~الذي لا شائبة لأحد فيه , فهو إذا نسب إليه كان عدلا , لأنه فعله بالحكمة , ~~وإذا نسب إلى الظالم كان ظلما , لأنه فعله لحظكه لا للحكمة فلذلك قال على ~~طريق الاستنتاج والتعليل للقيام بالقسط والتلقين للعباد لأن يقولوها بعد ~~ثبوتها بما تقدم وأن يكرروها دائما أبدا : { لا إله إلا هو } وقال الحرالي ~~: كرر هذا التهليل لأنه في مرتبة القسط الفعلي , لأن التهليل الأول في ~~مرتبة الشهادة العلمية فاستوفى التهليلان جميع البادي علما وفعلا - انتهى . ~~| وأتبعه سبحانه وتعالى بقوله : { العزيز الحكيم * } دليلا على قسطه , لأنه ~~لا يصح أبدا لذي العزة PageV02P043 الكاملة والحكمة الشاملة أني تصرف بجور ~~, وعلى وحدانيته , لأنه لا يصح التفرد بدون الوصفين وليسا على الإطلاق لأحد ~~غيره أصلا , ولما كانت الآيات كلها في الإيقاع بالكافرين قدم الوصف الملائم ~~لذلكز قال الحرالي : وقسط الله هو إخفاء عدله في دار لادنيا من حيث إنه خفض ~~ورفع , يعادل خفضه رفعه ورفعه خفضه , فيؤول إلى عدل , ويراه بذلك في حال ~~تفاوته كل ذي لب بما أنه عزيز يظهر عزته فيما يرفع , حكيم يخفي معنى حكمه ~~فيما يخفض , فكل ما هو باد من الخلق جود فهو من الله سبحانه وتعالى قسط , ~~طيته عدل , سره سواء , فيظهر عزته فيما حكم انتقاما وحكمته في الموازنة بين ~~الأعمال والجزاء عدلا - انتهى . | ولما كان ذلك علم أنه يجب أن تخضع له ~~الرقاب ويخلص له التوحيد جميع الألباب وذلك هو الإسلام فقال معللا للشهادة ~~منهم بالعدل - وقراءة الكسائي بالفتحد أظهر في التعليل : { إن الدين } ~~واصله الجزاء , أطلق هنا على الشريعة لأنها مسببة { عند الله } أي الملك ~~الذي له الأمر كله { الإسلام } فاللام للعهد في هذه الشهادة فإنها أس لكل ~~طاعة , فلأجل أن الدين عنده هذا شهدوا له هذه الشهادة المقتضية لنهاية ~~الإذعان ولما كان ذلك مصرحا بأنه لا دين عنده غيره كان كأن قائلا قال : ~~فكان يجب أن ms0706 يعلم بذلك الأنيباء الماضون والأمم السالفون ليلزموه ويلزموه ~~أتباعهم ! فقيل : قد فعل ذلك , فقيل : فما لهم يلزموه ؟ فقيل : قد لزموه ~~مدة مديدة { وما } ويجوز وهو أحسن أن يكون التقدير : بين الله سبحانه ~~وتعالى بشهادته ما يرضيه بآياته المرئية ثم أوضحة غاية الإيضاح بآياته ~~المسموعة بكتبه وما { اختلف الذين أوتوا الكتاب } هذا الاختلاف الذي ترونه ~~{ إلا من بعد ما جاءهم العلم } بذلك كله , وما كان اختلافهم لجهلهم بذلك بل ~~{ بغيا } واقعا { بينهم } لا بينهم وبين غيرهم , بل من بعضهم على بعض للحسد ~~والتنافس في الدنيا لشبه أبدوها ودعاو ادعوها , طال بينهم فيها النزاع وعظم ~~الدفاع , والله سبحانه وتعال عالم يكشفها , قادر على صرفها . | قال الحرالي ~~: والبغي السعي بالقول والفعل في إزالة نعم أنعم الله تعالى بها على خلق ~~بما اشتملت عليه ضمائر الباغي من الحسد له - انتهى . | ولما كان التقدير : ~~فمن استمر على الإيمان فإن الله عظيم الثواب , عطف عليه قوله : { ومن يكفر ~~} أي يستمر على كفره ولم يقل حلما منه : ومن كفر { بآيات الله } أي ~~المرئيات والمسموعات الدالة على إحاطته بالكمال وقوفا مع تلك الشبه وعمى عن ~~الدليل فالله مهلكه عاجلا { فإن الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما ولا ~~كفوء له { سريع } قال الحرالي : من السرعة وهي وحاء النجاز فيما شأنه ~~الإبطاء - انتهى . | PageV02P044 ويحتمل أن يكون كنى بالسرعة عن القرب ~~فالمعنى : قريب { الحساب * } أي عن قريب يجازيهم على كفرهم في هذه الحياة ~~الدنيا بأيدي بعضهم وبأيدي المؤمنين , ثم ينقلون إلى حسابه سبحانه وتعالى ~~في الدار الآخرة المقتضي لعذاب الكفرة , ويحتمل أن تكون السرعة على بابها , ~~ولامراد أنه لا يتهيأ في حسابه ما يتهيأ في حساب غيره من المغالطة المقتضية ~~للنجاة أو المطاولة في مدة الحساب المقتضية لتأخر الجزاء في مدة المرواغة ~~والله تعالى . | ومن الكفر بالآيات الكفر بعيسى عليه الصلاة والسلام حين ~~انتحلوا فيه الإلهية . | قال الحرالي : كان آية من الله سبحانه وتعالى ~~للهداية , فوقع عندهم بحال من كفروا به , فكان سبب كفرهم ما كان مستحقا أن ~~يكون سبب ms0707 هداية المهتدي , وكان ذلك فيه لمحل اشتباهه لأنه اشتبه عليهم خلقه ~~بما ظهر على يديه من آيات الله سبحانه وتعالى , وفي التعريض به إلاحة لما ~~يقع له لهذه الأمة في نحوه ممن هو مقام الهداية فوقع في طائفة موقع آية ~~كفروا بها , كما قال عليه الصلاة والسلام في علي رضي الله تعالى عنه ( مثلك ~~يا على كمثل عيسى ابن مريم أبغضه يهود فبهتوا أمه وأحبه النصارى فأنزلوه ~~بالمحل الذي ليس به ) كذلك تفرقت فرق في علي رضي الله تعالى عنه من بين ~~خارجيهم ورافضيهم انتهى . | < < # | آل عمران : ( 20 - 26 ) فإن حاجوك فقل . . . . . # > > ^ ( فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب ~~والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله ~~بصير بالعباد * إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ~~ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم * أولئك الذين ~~حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين * ألم تر إلى الذين ~~أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم ~~وهم معرضون * PageV02P045 ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون * فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب ~~فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون * قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك ~~من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء بيدك الخير إنك ~~على كل شيء قدير ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما تم ذلك كان كأنه قيل : قد جئناك بالأمر الواضح الذي لا يشكون ~~فيه { فإن حاجوك } بعده في شيء مما تضمنه وهدى إليه ودل صريحا أو تلويحا ~~عليه فاعلم أن جدالهم عن عناد مع العلم بحقيقة الحال { فقل } أي فأعرض عنهم ~~إلى أن آمرك بالقتال , لأن من الواجبات - كما تقرر في آداب البحث - الإعراض ~~عمن كابر في المحسوس , وقل أنت عملا بالآية السالفة : { أسلمت وجهي } أي ~~أخلصت قصدي وتوجهي , وانقدت غاية الانقياد { لله } الملك الأعظم الذي ms0708 له ~~الأمر كله , فلا كفوء له . | قال الحرالي : ولما أدرح تعالى شهادة الملائكة ~~وأولي العلم في شهادته لقن نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدرج من ابتعه في ~~إسلامه وجهه لله ليكون إسلامهم بإسلام نبيهم صلى الله عليه وسلم لا بإسلام ~~أنفسهم , لتلحق التابعة من الأمة بالأئمة , وذلك حال الفرقة الناجية مؤثرة ~~الفرق الاثنين والسبعين التي قال النبي صلى الله عليه وسلم ( وما أنا عليه ~~) فيما أوتي من اليقين ( وأصحابي ) فيما أوتوه من الانقياد وبراءتهم من ~~الرجوع إلى أنفسهم في أمر , كما كانوا يقولون عند كل ناشئة علم أو أمر : ~~الله ورسوله أعلم , فمن دخل برأيه في أمر نقص حظه من الاتباع بحسب استبداده ~~- انتهى . | فقال تعالى عاطفا على الضمير المرفوع المتصل لأجل الفعل : { ~~ومن } أي وأسلم من { اتبعن } وجوههم له سبحانه وتعالى . | ولما كان المكمل ~~لنفسه يجب عليه السعي في إكمال غيره أعلمه بذلك في قوله : { وقل } تهديدا ~~وتعجيزا وتبكيتا وتقريعا { للذين أوتوا الكتاب } أي عامة من هؤلاء النصارى ~~الذين يجادلونك ومن اليهود أيضا { والأمين } الذين لا كتاب لهم , مشيرا ~~بالاستفهام إلى عنادهم منكرا عليهم موبخا لهم : { ءأسلمتم فإن أسلموا } عند ~~ذلك { فقد PageV02P046 اهتدوا } فنفعوا أنفسهم في الدنيا والآخرة , وفي ~~صيغة ( افتعلوا ) ما يليح إلى أن الأنفس مائلة إلى الضلال زائغة عن طريق ~~الكمال { وإن تولوا } أي عن الإسلام فهم معاندون فلا يهمنك أمرهم { فإنما ~~عليك البلاغ } أي وعليهم وبال توليهم , وفي بنية التفعل ما يومىء إلى أن ~~طرق الهدى بعد البيان آخذ محاسنها بمجامع القلوب , وأن الصادف عنها بعد ذلك ~~قاهر لظاهر عقله وقويم فطرته الأولى برجاسة نفسه واعوجاج طبعه . | ولما كان ~~التقدير : فالله يوفق لقبول البلاغ عنك من علم فيه الخير , وينكب عنه من ~~علم فيه الشر , عطف عليه قوله : { والله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { ~~بصير بالعباد } أي فهو يوفق من خلقه للخير منهم ويخذل غيره . | لا يقدر على ~~فعل ذلك غيره , ولا يقدر أحد غيره أني فعل غير ذلك . | ولما أشرك اليهود في ~~هذا ms0709 الخطاب وأفهم شرط التولي بأداة الشك وقوعه , فتشوفت النفس إلى معرفة ~~جزائهم أشار إليه واصفا لهم ببعض ما اشتد فحشه من أفعالهم فقال : - وقال ~~الحرالي : ولما كانت هذه السورة منزلة لتبيين ما اشتبه على أهل الإنجيل جرى ~~ذكر أهل التوراة فيها مجملا بجوامع من ذكرهم , لأن تفاصيل أمرهم قد ~~استقرأته سورة البقرة , فكان أمر أهل التوراة في سورة البقرة بيانا وأهل ~~الإنجيل إجمالا , وكان أمر أهل الإنجيل في سورة آل عمران بيانا وذكر أهل ~~التوراة إجمالا , لما كان لبس أهل التوراة في الكتاب فوقع تفصيل ذكرهم في ~~سورة < # > 77 ( { الم ذلك الكتاب } ) 77 < # > [ البقرة : 1 , 2 ] , ولما كان اشتباه أمر أهل الإنجيل في شأن الإلهية ~~كان بيان ما تشابه عليهم في سورة < # > 77 ( { الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ) 77 < # > [ آل عمران : 1 , 2 ] فجاء هذا الذكر لأهل التوراة معادلة بينهم وبين ~~أهل الإنجيل بما كفروا بالآيات من المعنى الذي اشتركوا يه في أمر الإلهية ~~في عزير واختصوا بقتل الأنبياء وقتل أهل الخير الآمرين بالقسط ؛ انتهى . | ~~فقال تعالى : { إن الذين يكفرون } وهم الذين خذلهم الله { بآيات الله } في ~~إبراز الاسم الأعظم إشارة إلى عظيم كفرهم بكونه مما أضيف إليه سبحانه ~~وتعالى . | قال الحرالي : وفي ذكره بصيغة لادوام ما يقع منهم من الكفر ~~بآيات لاله في ختم اليوم المحمدي مع الدجال فإنهم أتباعه { ويقتلون النبيين ~~} في إشعاره ما تمادوا عليه من البغي على الأنيباء حتى كان لهم مدخل في ~~شهادة النبي صلى الله عليه وسلم التي رزقه الله فيما كان يدعو به حيث كان ~~يقول صلى الله عليه وسلم : ( اللهم ارزقني شهادة في يسر منك وعافية ) ولما ~~كان قتلهم إياهم بدون شبهة أصلا بل لمحض والكفر والعناد , لأن الأنبياء ~~PageV02P047 مبرؤون من أن يكون لأحد قبهلم حق دنيوي أو أخروي قال : { بغير ~~حق } أي لا صغير ولا كبير فلي نفس الأمر ولا في اعتقادهم , فهو مما في ~~البقرة على عادة أفعال الحكماء في الابتداء بالأخف فالأخف . | ولما خص ذكر ~~أكمل ms0710 الخلق عبر بما يعم أتباعهم فقال معيدا للفعل زيادة في لومهم وتقريعهم ~~: { ويقتلون الذين يأمرون بالقسط } أي العدل , ولما كان ذلك شاملا لمن لا ~~قدرة لهم على قتله من الملائكة قال : { من الناس } أي كلهم , سواء كانوا ~~أنبياء أو لا , ويجوز أن يكون المراد بهذا القيد زيادة توبيخهم بأنهم ~~يقتلون جنسهم الذي من حقهم أن يألفوه ويسعوا في بقائه , وهذا تحقيق لأن ~~قتلهم لمجرد العدوان قال الحرالي : فيه إعلام بتمادي تسلطهم على أهل الخير ~~من الملوك والرؤساء , فكان في طيه إلاحة لما استعملوا فيه من علم التطبب ~~ومخالطتهم رؤساء الناس بالطب الذي توسل كثير منهم إلى قتلهم به عمدا وخطأ , ~~ليجري ذلك على أيديهم خفية في هذه الأمة نظير ما جرى على أيدي أسلافهم في ~~قتل الأنبياء جهرة - انتهى . | ويجوز أن يكون الخبر عنهم محذوفا والتقدير : ~~أنهم مطبوع على قلوبهم , أو : لا يؤمنون , أو : لا يزالون يجادلونك ~~وينازعونك ويبغون لك الغوائل { فبشرهم بعذاب أليم * } أي اجعل إخبارهم بأنه ~~لهم موضع البشارة , فهو من وادي : تحيتهم ببينهم ضرب وجيع . | ولما كان ~~الحال ربما اقتضى أن يقال من بعض أهل الضلال : إن لهؤلاء أعمالا حسانا ~~واجتهادات في الطاعة عظيمة , بين تعالى أن تلك الأفعال مجرد صور لا معاني ~~لها لتضييع القواعد , كما أنهم هم أيضا ذوات بغير قلوب , لتقع المناسبة بين ~~الأعمال ولاعاملين فقال : { أولئك } أي البعداء البغضاء { الذين حبطت } أي ~~فسدت فسقطت , وأشار بتأنيث الفعل إلى ضعفها من أصلها { أعمالهم } أي كلها ~~الدنياوية والدينية , وأنبأ تعالى بقوله : { في الدنيا } كما قال الحرالي - ~~أنهم يتعقبون أعمال خيرهم ببغير يمحوها فلا يطمعون بجزائها في عاجل ولا آجل ~~, وبذلك تمادي عليهم الذل وقل منهم المهتدي - انتهى { والآخرة } فلا يقيم ~~لهم الله في يوم الدين وزنا , وأسقط ذكر الحياة إشارة إلى أنه لا يحاة لهم ~~في واحدة من الدارين . | ولما كان التقدير : فلا ينتصرون بأنفسهم أصلا , ~~فإنهم لا يدبرون تدبيرا إلا كان فيه تدميرهم , عطف عليه قوله : { وما لهم ~~من ناصرين * } قال الحرالي : فيه إعلام ms0711 بوقوع الغلبة عليهم غلبة لا نصرة ~~لهم فيها في يوم النصر الموعود في سورة الروم التي هي تفصيل من معنى هذه ~~السورة في قوله تعالى : < # > 77 ( { ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء } ) 77 < # > [ الروم : 4 , 5 ] فهم غير داخلين فيمن ينصر بما قد ورد أنهم ( يقتلون ~~PageV02P048 في آخر الزمان حتى يقول الحجر : يا مسلم ! خلفي يهودي فاقتله , ~~حتى لا يبقى منهم إلا من يستره شجر الفرقد ) كما قال صلى الله عليه وسلم : ~~( إنه من شجرهم ) وفي إفهامه أن طائفة من أهل الإنجيل يقومون بحقه , ~~فيكونون ممن تشملهم نصرة الله سبحانه وتعالى مع المسلمين , فتنتسق الملة ~~واحدة مما يقع من الاجتماع حين تضع الحرب أوزارها - انتهى . | ولما كان من ~~المعلوم أن ثبات الأعمال وزكاءها إنما هو باتباع أمر الله سبحانه وتعالى ~~وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وأمر الذين ورثوا العلم عنه دل على ما أخبر ~~به من الحبوط وعدم النصر بما يشاهد من أحوالهم في منابذة الدين فقال : { ~~الم تر } وكان الموضع لأن يقال : إليهم , ولكنه قال : { إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب } ليدل على أن ضلالهم على علم , وأن الذي أوتوه منه ~~قراءتهم له بألسنتهم وادعاء الإيمان به . | وقال الحرالي : كتابهم الخاص ~~بهم نصيب من الكتاب الجامع , وما أخذوا من كتابهم نصيب من اختصاصه , فإنهم ~~لو استوفوا حظهم منه لما عدلوا في الحكم عنه ولرضوا به , وكان في هذا ~~التعجيب أن يكون غيرهم يرضى بحكم كتابهم ثم لا يرضون هم به - انتهى . | { ~~يدعون إلى كتاب الله } أظهر الاسم الشريف ولم يقل : إلى كتابهم , احترازا ~~عما غيروا وبدلوا ولأنهم إنما دعوا إلى كتاب الله الذي أنزل على موسى عليه ~~الصلاة والسلام , لا إلى ما عساه أن يكون بأيديهم مما غيروا - نبه عليه ~~الحرالي : وفيه أيضا إشارة إلى عظيم اجترائهم بتوليهم عمن له الإحاطة ~~الكاملة { ليحكم بينهم } قال الحرالي : في إشعاره أن طائفة منهم على حق منه ~~, أي وهم المذعنون لذلك الحكم الذي دعي إليه - انتهى . | ولما كان اتباعه ms0712 ~~واجبا واضحا نفعه لمن جرد نفسه عن الهوى عبر عن مخالفته بأداة البعد فقال : ~~{ ثم } وقال الحرالي : في إمهاله ما يدل على تلددهم وتبلدهم في ذلك بما ~~يوقعه الله من المقت والتحير على من دعي إلى حق فأباه , وفي صيغة يتفعل في ~~قوله : { يتولى } ما يناسب معنى ذلك في تكلف التولي على انجذاب من بواطنهم ~~لما عرفوه وكتموه , وصرح قوله : { فريق منهم } بما أفهمه ما تقدم من قوله : ~~{ ليحكم بينهم } فأفهم أن طائفة منهم ثابتون قائلون لحكم كتاب الله تعالى , ~~وأنبا قوله المشير إلى PageV02P049 كثرة أفراد هذا الفريق { وهم معرضون * } ~~بما سلبوه من ذلك التردد والتكلف , فصار وصفا لهم بعد أن كان تعملا , ما ~~أنكر منكر حقا وهو يعلمه إلا سلبه الله تعالى علمه حتى يصير إنكاره له ~~بصورة وبوصف من لم يكن قط علمه - انتهى . | وفي هذا تحذير لهذه الأمة من ~~الوقوع في مثل ذلك ولو بأن يدعى أحدهم من حسن إلى أحسن منه - نبه عليه ~~الحرالي وقال : إذ ليس المقصود حكاية ما مضى فقط ولا ما هو كائن فحسب , بل ~~خطاب القرآن قائم دائم ماض كلية خطابه في غابر اليوم المحمدي مع من يناسب ~~أحوال من تقدم منهم , وفي حق المرء مع نفسه في أوقات مختلفة - انتهى . | ثم ~~علل اجتراءهم على الله تعالى فقال : { ذلك } أي الإعراض البعيد عن أفعال ~~أهل الكرم المبعد من الله { بانهم قالوا } كذبا على الله - كما تقدم بيانه ~~في سورة البقرة { لن تمسنا النار إلا أياما } ولما كان المقام هنا لتناهي ~~اجترائهم على العظائم لاستهانتهم بالعذاب لاستقصارهم لمدته والتصريح بقتل ~~الآمرين بالقسط عامة وبحبوط الأعمال , وكان جمع القلة قد يستعار للكثرة ~~أكدت إرادتهم حقيقة القلة بجمع آخر للقلة , فقيل على ما هو الأولى من وصف ~~جمع القلة لما لا يعقل بجمع جبرا له : { معدودات } وتطاول الزمان وهم على ~~هذا الباطل حتى آنسوا به واطمأنوا إليه لأنه ما كذب أحد بحق إلا عوقب ~~بتصديقه بباطل , وما ترك قوم سنة إلا أحيوا بدعة , على أن ms0713 كذبهم أيضا جرهم ~~إلى الاستهانة بعذاب الله الذي لا يستهان بشيء منه ولو قل . | ولما نسبوا ~~ذلك إلى الكتاب فجعلوه دينا قال : { وغرهم } قال الحرالي : من الغرور وهو ~~إخفاء الخدعة في صورة النصيحة - انتهى { في دينهم ما كانوا } أي بما هيؤوا ~~له وجبلوا عليه { يفترون * } أي يتعمدون كذبة , قال الحرالي : فتقابل ~~التعجبيبات في ردهم حق الله سبحانه وتعالى وسكونهم إلى باطلهم - انتهى . | ~~ولما تسبب عن اجترائهم بالكذب على الله أن يسأل عن حالهم معه قال صارفا ~~القولإلى مظهر العظمة المقتضي للمجازاة والمناقشة : { فكيف } أي يكون حالهم ~~{ إذا جمعناهم } أي وقد رفعنا حجاب العظمة وشهرنا سيف العزة والسطوة . | ~~ولما كان المقصود بالجمع الجزاء قال : { ليوم } ووصفه بقوله : { لا ريب فيه ~~} مشعر - كما قال الحرالي - بأنهم ليسوا على طمأنينة في باطلهم بمنزلة الذي ~~لم يكن له أصل كتاب , فهم في ريبهم يترددون إلى أن يأتي ذلك اليوم . ولما ~~كان الجزاء أمرا متحققا لا بد منه أشار إليه بصيغة الماضي في قوله ك { ~~ووفيت } والبناء للمفعول للإفهام بسهولة ذلك عليه وإن كان يفوت الحصر ، ~~وتأنيث الفعل للإشارة إلى دناءة النفوس وضعفها ، وقوله { كل نفس } قال ~~الحرالي : الفصل PageV02P050 | الموقع للجزاء مخصوص بوجود النفس التي دأبها ~~أن تنفس فتريد وتختار وتحب وتكره , فهي التي توفي , فمن سلب الاختيار ~~والإرادة والكراهة بتحقق الإسلام الذي تقدم ارتفع عنه التوفية , إذ لا وجود ~~نفس له بما أسلم وجهه لله , فلذلك اختص وعيد القرآن كله بالنفس في نفاستها ~~بإرادتها وما تنشأ لها عليه من أحوالها وأفعالها ودعواها في ملكها وملكها , ~~فمتى نفست فتملكت ملكا أو أو تشرفت ملكا خرجت عن إسلامها حتى ينالها سلب ~~القهر منه وإلزام الذل عنه , وبلمح من هذا المعنى اتصلت الآية التي بعدها ~~بختم هذه الآية وناظرت رأس آية ذكر الإسلام , فإنما هو مسلم لله وذو نفس ~~متملك على الله حتى يسلبه الله في العقبى أو يذله في الدنيا , فشمل هذا ~~الوفاء لكل نفس أهل الكتاب وغيرهم , وعم الوفاء لكل من يعممه الجمع , كذلك ~~خطاب ms0714 القرآن يبدأ بخصوص فيختم بعموم , ويبدأ بعموم فيثنيه تفصيل - انتهى . ~~| ولما كان هذا الجزاء شاملا للخير والشر قال : { ما } أي جزاء ما { كسبت } ~~فأتى به مخففا ليشمل المباشرة بكسب أو اكتساب , وأنث الفعل مع جواز التذكير ~~مراعاة للفظ كل إشارة إلى الإحاطة بالأفعال ولو كانت في غاية الحقارة , ~~وراعى معنى ( كل ) للوفاء بالمعنى مع موافقة الفواصل { وهم لا يظلمون * } ~~أي لا يقع عليهم ظلم بزيادة ولا نقص , ولا يتقعونه . | ولما أخبر تعالى أن ~~الكفار سيغلبون وأنه ليس لهم من ناصرين كان حالهم مقتضيا لأن يقولوا : كيف ~~ونحن أكثر من الحصى وأشد شكائم من ليوث الشرى , فيكف نغلب ؟ أم كيف لا ينصر ~~بعضنا بعضا وفينا الملوك والأمراء والأكابر والرؤساء ومناوونا القليل ~~الضعفاء , أهل الأرض الغبراء , وأولو البأساء والضراء , فقال تعالى لينتبه ~~الراقدون من فرش الغفلان لامتقلبون في للوات البلادات من تلهيهم بما رأوا ~~وسمعوا من نزع الملك من أقوى الناس وإعطائه لأضعفهم فيعلموا أن الذي من ~~شأنه أن يفعل ذلك مع بعض أعدائه ددير بأن يفعل أضعافه لأوليائه : { قل ~~اللهم } قال الحرالي : ولما كان هذا الأمر نبوة ثم خلافة ثم ملكا فانتظم ~~بما تقدم من أول السورة أمر النبوة في التنزيل والإنزال , وأمر الخلافة في ~~ذكر الراسخين في العلم الذين يقولون : < # > 77 ( { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا } ) 77 < # > [ آل عمران : 8 ] , وكانت من هجيري أبي بكر رضي الله تعالى عنه , يقنت ~~بها في وتر صلاة النهار في آخر ركعة م المغرب - انتظم برؤوس تلك المعاني ~~ذكر الملك الذي آتى الله هذه الأمة , وخص به من لاق به الملك , كما خص ~~بالخلافة من صلحت له الخلافة , كما تعين للنبوة الخاتمة من لا يحملها سواه ~~- انتهى ؛ فقال : { قل } أي يا PageV02P051 محمد أو يا من آمن بنا مخاطبا ~~لإلهك مسمعا لهم ومعرضا عنهم ومنبها لهم من سكرات غفلاتهم في إقبالهم على ~~ملوك لا شيء في أيديهم , وإعراضهم عن هذا الملك الأعظم الذي بيده كل شيء . ~~| قال الحرالي : لعلو منزل هذه السورة كثر ms0715 الإقبال فيها بالخطاب على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وجعل القائل لما كانت المجاورة معه , لأن منزل القرآن ~~ما كان منه لإصلاح ما بين الخلق وربهم يجيء الخطاب فيه من الله سبحانه ~~وتعالى إليهم مواجة حتى ينتهي إلى الإعراض عند إباء من يأبى منهم , وما كان ~~لإصلاح ما بين الأمة ونيها يجرى الله الخطاب فيه على لسانه من حيث توجههم ~~بالمجاورة إليه , فإذا قالوا قولا يقصدونه به قال الله عز وجل : قل لهم , ~~ولكون القرآن متلوا ثبتت فيه كلمة قل - انتهى . | { اللهم مالك الملك } أي ~~لا يملك شيئا منه غيرك . | قال الحرالي : فأقنعه صلى الله عليه وسلم ملك ~~ربه , فمن كان منه ومن آله وخلفائه وصحابته يكون من إسلامه وجهه لربه إسلام ~~الملك كله الذي منه شرف الدنيا لله , فلذلك لم يكن صلى الله عليه وسلم ~~يتظاهر بالملك ولا يأخذه مآخذه , لأنه كان نبيا عبدا , لا نبيا ملكا , ~~فأسلم الملك لله , كذلك خلفاؤه اسلموا الملك لله فلبسوا الخلقان والمرقعات ~~واقتصروا على شظف العيش , ولانوا في الحق , وحملوا جفاء الغريب , واتبعوا ~~اثره في العبودية , فأسلموا الملك لله سبحانه وتعالى , ولم ينازعوه شيئاد ~~منه , حمل عمر رضي الله عنه قربة على ظهره في زمن خلافته حتى سكبها في دار ~~امرآة من الأنصار في أقصى المدينة , فلما جاء الله بزمن الملك واستوفيت ~~أيام الخلافة عقب وفاء زمان النبوة أظهر الله سبحانه وتعالى الملك في أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم , وكما خصص بالنبوة والإمامة بيت محمد وآل محمد ~~صلى الله عليه وسلم وخصص بالخلافة فقراء المهاجرين خصص بالملك الطلقاء ~~الذين كانوا اعتقاء الله ورسوله , لينال كل من رحمة الله وفضله , التي ولى ~~جميعها نبيه صلى الله عليه وسلم كل طائفة على قدر قربهم منه , حتى اختص ~~بالتقدم قريشا ما كانت , ثم العرب , ففيه إشعار بأن الله ينول ملك فارس ~~والروم العرب كما وقع منه ما وقع , دجل , كل ذلك مخول لمن يخوله بحسب لاقرب ~~والبعد منه { تؤتي الملك من تشاء } في الإيتاء إشعار ms0716 بأنه تنويل من الله من ~~غيره قوة وغلبة , ولا مطاولة فيه , وفي التعبير بمن العامة للعقلاء إشعار ~~بمنال الملك من لم يكن من أهله , وأخص الناس بالبعد منه العرب , ففيه إشعار ~~بأن الله ينول ملك فارس والروم العرب كما وقع منه ما وقع , وينتهي منه ما ~~بقي إلى من نال الملك بسببها وعن الاستناد إليها من سائر الأمم الذين دخلوا ~~في هذه الأمة من قبائل الأعاجم وصنوف أهل الأقطار حتى ينتهي الأمر إلى أن ~~يسلب الله الملك جيمع أهل الأرض , فيعيده إلى إمام العرب الخاتم للهداية من ~~ذريته ختمه صلى الله عليه وسلم للنبوة من ذرية آدمخ , ويؤتيهم من المكنة , ~~كما قال صلى الله عليه وسلم : ( لو شاء أحدهم أن PageV02P052 يسير من ~~المشرق إلى المغرب في خطوة لفعل ) ومع ذلك فليسوا من الدنيا وليست الدنيا ~~منهم , فيؤتيهم الله ملكا من ملكه - ظاهر هداية من هداه , شأفة عن سره الذي ~~يستعلن به في خاتمة يوم الدنيا ليتصل بظهوره ملك يوم الدين , والملك التلبس ~~بشرف الدنيا والاستئثار بخيرها ؛ قال أبو بكر لعمر رضي الله تعالى عنهما في ~~وصيته : إذا جنيت فلتهجر يدلك فاك حتى يشبع من جنيت له , فإن نازعتك نفسك ~~في مشاركتهم فشاركهم غير مستأثر عليهم , وإياك والذخيرة ! فإن الذخيرة تهلك ~~دين الإمام وتسفك دمه , فالملك التباس بشرف الدنيا واستئثار بخيرها واتخاذ ~~ذخيرة منها . | لما أرادوا أن يغيروا عل عمر رضي الله تعالى عنه عند إقباله ~~على بيت المقدس نبذ زيهم وقال : إنا قوم أعزنا الله بالإسلام ! فلن نلتمس ~~العزة بغيره . | فمن التمس الشرف بجاه الدنيا فهو ملك بقدر ما يلتمس من ~~شرفها قل ذلك الحظ أو جل , وهو به نم أتباع ملوك الدنيا , وكذلك من التمس ~~الاستئثار بخيرها واتخذ الذخيرة منها , كل ينال من الملك ويكون من شيعة ~~الملوك بحسب ما ينال ويجحب من ذلك حتى ينتهي إلى حشرة مع الصنف الذي يميل ~~إليه , فمن تذلل وتقلل وتوكل بعث مع الأنبياء والمرسلين ولاخلفاء , كما أن ~~من تشرف بالدنيا واستأثر وادخر ms0717 منها حشر مع الملوك والسلاطين ؛ جلس عمر رضي ~~الله تعالى عنه يوما وسلمان وكعب وجماعة رضي الله تعالى عنهم فقال : ~~أخبروني أخليفة أنا أم ملك ؟ فقال له سلمان رضي الله عنه : يا أمير ~~المؤمنين ! إن جبيت درهما من هذا المال فوضعته في غيره حقه فأنت ملك , وإن ~~لم تضعه إلا في حقه فأنت خليفة , فقال كعب : رحم الله تعالى ! ما ظننت أن ~~أحدا يعرف الفرق بين الخليفة والملك غيري , فالتزام مرارة العدل وإيثار ~~الغير خلافة وتشيع في سبيلها , ومنال حلاوة الاستئثار بالعاجلة شرفها ~~ومالها ملك وتحيز لتباعه - انتهى . | وفي تقديم الإيتاء عل النزع إشارة إلى ~~أن الداعي ينبغي أن يبدأ بالترغيب { وتنزع } قال الحرالي : من النزع , وهو ~~الأخذ بشدة وبطش - انتهى . | { الملك ممن تشآء } وفيه إشارة إلى إن الدعاء ~~باللين إن لم يجد ثني بالترهيب , وعلى هذا المنوال أبرز قوله : { وتعز من ~~تشآء } أي إعزازه { وتذل من تشآء } أي إذلاله , وهو كما قال : ( إن رحمتي ~~سبقت غضبي ) قال الحرالي : وفي كلمة النزع بما ينبىء عنه من البطش والقوة ~~ما يناسب PageV02P053 معنى الإيتاء , فهو إيتاء للعرب ونزع من العجم , كما ~~ورد أن كسرى رأى في منامه أنه يقال له : سلم ما بيدك لصاحب الهراوة , فنزع ~~ملك المولك من الأكاسرة والقياصرة وخوله قريشا ومن قام بأمرها وانتحل الملك ~~باسمها من صنوف الأمم غربا وشرقا وجنوبا وشمالا , إلى ما يتم به الأمر في ~~الختم , والعز - والله سبحانه وتعالى أعلم - عزة الله سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } ) 77 < # > [ المنافقون : 8 ] ليكون في الخطاب إنباء بشرى لهم أنه أتاهم من العز ~~بالدين ما هو خير من الشرف بملك الدنيا < # > 77 ( { من كان يريد العزة فلله العزة جميعا } ) 77 < # > [ فاطر : 10 ] فالملوك , غن تشرفوا بملك الدنيا فليس لهم من عزة الدين ~~شيء , أعزهم الله سبحانه وتعالى بالدين , تخدمهم الأحرار وتتوطد لهم ~~الأمصار , لا يجدون وحشة , ولا يحصرون في محل , ولا تشقط لهم حرمة حيث ما ~~حلوا وحيث ما كانوان استتروا أو اشتهروا , والمتلبسونبالملك لا ms0718 يخدمهم إلا ~~من استرقوه قهرا , يملكون تصنع الخلق ولا يملكون محاب قلوبهم , محصورون في ~~أقطار ممالكهم , لا يخرجون عنها ولا ينتقلون منها حتى يمنعهم من كمال الدين ~~, فلا ينصرفون في الأرض ولا يضربون فيها , حتى يمتنع ملوك من الحج مخافة ~~نيل الذل في يغر موطن الملك , والله عز وجل يقول : ( إن عبدا أصححت له جسمه ~~, وأوسعت عليه في رزقه , يقيم خمسة أعوام لا يفد على المحروم ) فالملوك ~~مملوكون بما ملكوا , وأعزاء الله ممكنون فيما إليه وجهوا , لا يصدهم عن ~~تكملة أمر الدين وإصلاح أمر الآخرة صاد , ولا يردهم عنه راد لخروجهم من سجن ~~الملك إلى سعة العز بعزة الله سبحان وتعالى , فقارض الله أهل بيت نبيه صلى ~~الله عليه وسلم ورضي عنهم , ولم يرضه للملك بعز الإمامة ورفعة الولاية ~~والاستيلاء على محاب القلوب فاسترعاهم الله قلوب العالمين بما استرعى ~~الملوك بعض حواس المستخدمين والمستتبعين , والذل مقابل ذلك العزة , فإذا ~~كان ذلك العز عزا دينيا ربانيا عوضا عن سلب الملك كان هذا الذل - والله ~~تعالى أعلم - PageV02P054 ذل أهل الدنيا في دنياهم الذي ألزمهم سبحانه ~~وتعالى إياه بما أذلتهم أنفسهم , فاستعملتهم في شواتها وأذلهم أتباعهم ~~فتوسلوا بهم إلى قضاء أغراضهم في أهوائهم , ويستذلهم من يظلمونه بما ~~ينتصفون منهم , وينالهم من ذل تضييع الدين , ويبدو على وجوههم من ظلمة ~~الظلم ما يشهد ذلهم فيه أبصار العارفين - انتهى . | ولعل نصارى نجران أشد ~~قصدا بهذا الخطاب , فإنهم خافوا أن ينزع منه ملوك الروم ما خولوهم فيه من ~~الدنيا إن أخبروا بما يعلمون من أمر هذا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم . ~~| ولما تقرر أنه مالك لما تقدم أنتج أن له التصرف المطلق فعبر عنه بقوله : ~~{ بيدك } أي وحدك { الخير } ولم يذكر الشر تعليما لعباده الأدب في خطابه , ~~وترغيبا لهم في الإقبال عليه والإعراض عما سواه , لان العادة جارية بأن ~~الناس أسرع شيء إلى معطي النوال وباذل الأموال , وتنبيها على أن الشر أهل ~~للإعراض عن كل شيء من أمره حتى عن مجرد ذكره وإخطاؤه بالبال , مع ms0719 أن ~~الاقتصار على لاخير يملك الخير كله مستلزم لمثل ذلك في الشر , لأنهما ضدان ~~, كل منهما مساو لنقيض الآخر , فإثبات أحدهما نفي للآخر ونفيه إثبات للآخر ~~, فلا يعطى الخير إلا وقد نفي الشر , ولا ينزع الخير إلا وقد وضع الشر - ~~والله سبحانه وتعالى أعلم . | ولما أفهم أن الشر بيده كما أعلم أن الخير ~~بيده وخاص به قرر ذلك على وجه أعم بقوله معللا : { إنك على كل شيء قدير * } ~~| < < # | آل عمران : ( 27 - 32 ) تولج الليل في . . . . . # > > ^ ( تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت ~~وتخرج الميت من الحي وترزق من تشآء بغير حساب * لا يتخذ المؤمنون الكافرين ~~أوليآء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا ~~منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير * قل إن تخفوا ما في صدوركم ~~أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء ~~قدير * يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن ~~بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد * قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم * قل ~~أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ) ^ } ) | فلما ~~ثبتت خصوصيته سبحانه وتعالى بصفة القدرة على الوجه الأعم ذكر بعض ما تحت ~~ذلك مما لم يدخل شيء منه تحت قدرة غيره فقال : - وقال الحرالي : ولما كانت ~~هذه الآية متضمنة تقلبتات نفسانية في العالم القائم الآدمي اتصل بها ذكر ~~تقلبات في العالم الدائر ليؤخذ لكل منها اعتبار من الآخر . | ولما ظهر في ~~هذه الآية افتراق النزع والإيتاء والإعزاز والإذلال أبدى في الآية التالية ~~توالج بعهضا في بعض ليؤذن بولوج العز PageV02P055 في الذل والذل في العز , ~~والإيتاء في النزع والنزع في الإيتاء , وتوالج المفترقات المتقابلات بعضها ~~في بعض , ولما كانت هذه السورة متضمنة لبيان الإحكام ولاتشابه في منزل ~~الكتاب بحكم الفرقان أظهر تعالى في ms0720 آياتها ما أحكم وبين في خلقه وأمره وما ~~التبس وأولج في خلقه وأمره , فكان من محكم آية في الكائن القائم الآدمي ما ~~تضمنه إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال , وكان من الاشتباه إيلاج العز ~~في الذل وإيلاج الذل في العز , فلما صرح بالإحكام ببيان الطرفين في الكائن ~~لاقائم الآدمي , وضمن الخطاب اشتباهه في ذكر العز والذل صرح به في آية ~~الكون الدائر , فذكر آية الآفاق وهو الليل والنهار بما يعاين فيها من ~~التوالج حيث ظهر ذلك فهيا وخفي في توالج أحوال الكائن القائم , لأن الإحكام ~~والاشتباه متراد بين الآيتين : آية الكائن القائم الآدمي وآية الكون الدائر ~~العرشي , فما وقع اشتباهه في أحدهما ظهر إحكامه في الآخر فقال سبحانه ~~وتعالى : { تولج } من الولوج , وهو الدخول في الشيء الساتر لجملة الاخل { ~~اليل في النهار } فيه تفصيل من مضاء قدرته , فهو سبحانه وتعالى يجعل كل ~~واحد من المتقابلين بطانة للآخر والجا فيه على وجه لا يصل إليه منال العقول ~~لما في المعقول من افتراق المتقابلات , فكان في القدرة إيلاج المتقابلات ~~بعضها في بعض وإيداع بعضها في بعض على وجه لا يتكيف بمعقول ولا ينال بفكر - ~~انتهى . | { وتولج النهار في اليل } أي تدخل كلا منهما في الآخر بعد ظهوره ~~حتى يذهب فيه فيخفى ولا يبقى له أثر . | قال الحرالي : ولما جعل المتعاقبين ~~من الليل والنهار متوالجين جعل المتباطنين من الحي والميت مخرجين , فما ظهر ~~فيه الموت بطنت فيه الحياة , وما ظهرت فيه الحياة بطن فيه الموت ؛ انتهى . ~~| فقال سبحانه وتعالى : { وتخرج الحي } أي من النبات والحيوان { من الميت } ~~منهما { وتخرج الميت } منهما { من الحي } منهما كذلك . | قال الحرالي : ~~فهذه سنة الله وتعالى وحكمته في الكائن القائم وفي الكون الدائر , فأما في ~~الكون الدائر فبإخراج حي الشجر والنجم من موات البذر والعجم , وبظهوره في ~~العيان كان أحكم فبي لابيان مما يقع في الكائن القائم , كذلك الكائن القائم ~~يخرج الحي المؤمن الموقن من الميت الكافر الجاهل < # > 77 ( { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعده وعدها إياه ms0721 فلما ~~تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } ) 77 < # > [ التوبة : 14 ] ويخرج الكافر الآبي من المؤمن الراحم < # > 77 ( { يا نوح إنه ليس من أهلك } ) 77 < # > [ هود : 46 ] أظهر سبحانه وتعالى بذلك وجوه الإحكام والاشتباه في آيتي ~~خلقه ليكون ذلك آية على ما في أمره , وليشف ذلك عما يظهر من أمر علمه ~~وقدرته على من شاء من عباده كما أظهر في ملائكته وأنيبائه , وكما خصص بما ~~شاء من إظهار عظيم أمره في المثلين الأعظمين : مثل آدم PageV02P056 وعيسى ~~عليهما الصلاة والسلام , فأنزلت هذه السورة لبيان الأمر فيما اشتبه على من ~~التبس عليه أمر عيسى عليه الصلاة والسلام , فهو تعالى أظهر من موات ~~الإنسانية ما شاء من الإحياء بإذنه , وأظهر في آدم عليه الصلاة والسلام ما ~~شاء من قدرته كما أظهر في الخلق ما شاء من ملكه , فملك من شاء ونزع الملك ~~ممن شاء , وأعز من شاء وأذل من شاء , وأظهر بالنهار ما شاء وطمس بالليل ما ~~شاء , وأولج المتقابلين بعضهما في بعض وأخرج المتباطنين بعضهما من بعض - ~~انتهى . | ولما بدأ الآية سبحانه وتعالى مما يقتضي الترغيب بما هو محط ~~أحوال الأنفس من الملك وأنواع الخير ختمها بمثل ذلك مما لا يقوم الملك ولا ~~يطيب العيش إلا به فقال : { وترزق من تشاء } قويا كان أو ضعيفا { بغير حساب ~~* } أي تعطيه عطاء واسعا جدا متصلا من غير تضييق ولا عسر , كما فعل بأول ~~هذه الأمة على ما كانوا فيه من القلة والضعف حيث أباد بهم الأكاسرة ~~والقياصرة وآتاهم كنوزهم وأخدمهم أبناءهم وأحلهم ديارهم . | وقال الحرالي : ~~ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا الإحكام والاشتباه في أمر العلية من الخلق وفيه ~~من الإحكام والاشتباه نحو ما في الإيتاء والنزع ولما فيه من الوزن والإيتاء ~~بقدر ختم بأعزيه وهو الإرزاق الذي لا يقع على وزن ولا يكون بحساب , وفيه ~~إشعار بالإرزاق الختمي الذي يكون في آخر اليوم المحمدي للذين يؤتيهم الله ~~سبحانه وتعالى ما شاء من ملكه وعزه وسعة رزقه بغير حساب , فكما ختم الملك ~~لبني إسرائيل بملك ms0722 سليمان عليه الصلاة والسلام في قوله سبحانه وتعالى < # > 77 ( { هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب } ) 77 < # > [ ص : 39 ] كذلك يختم لهذه الأمة بأن يرزقهم بغير حساب حين تلقي الأرض ~~بركاتها وتتطهر من فتنتها , فتقع المكنة في ختم اليوم المحمدي بالهداية ~~والهدنة كما انقضت لبني إسرائيل بالملك والقوة - انتهى . | ولما بان بهذه ~~الآية أن لا شيء في يد غيره , واقتضى ذلك قصر الهمم عليه , وكان نصارى ~~نجران إنما داموا على موالاة ملوك الروم لمحض الدنيا مع العلم يبطلان ما هم ~~عليه حذر المؤمنين من مداناة مثل ذلك مع كونهم مؤمنين كما وقع لحاطب بن أبي ~~بلتعة رضي الله تعالى عنه مما قص في سورة الممتحنة إشارة إلى أنه لا تجتمع ~~موالاة المؤمنين وموالاة الكافرين في قلب إلا أوشكت إحداهما أن تغلب على ~~الأخرى فتنزعها , فقال تعالى منبها على ذلك كله سائقا مساق النتيجة لما ~~قبله - وقال الحرالي : ولما كان مضمون هاتين الآيتين بشرى لخصوص هذه الأمة ~~وعمومها بالعز والملك PageV02P057 وختم الرزق الذي لا حساب فيه كان من الحق ~~أن تظهر على المبشرين عزة البشرى فلا يتولوا غيره , ولما قبض ما بأيدي ~~الخلق إليه في إيتاء الملك ونزعه والإعزاز والإذلال , وأظهر إحاطة قدرته ~~على كل شيء وإقامة امتحانه بام أولج وأخرج , وأنبأ عن إطلاق حد العد عن ~~أرزاقه فسد على النفس الأبواب التي منه تتوهم الحاجة إلى الخلق ؛ نهي ~~المؤمنين الذين كانت لهم عادة بمباطنة بعض كفرة أهل الكتاب وغيرهم من ~~المشركين ومن شمله وصف الكفر أن يجروا على عادتهم في موالاتهم ومصافاتهم ~~والحديث معهم , لأن المؤمنين يفاوضونهم بصفاء , والكافرون يتسمعون ويأخذون ~~منهم بدغل ونفاق عليهم كما قال تعالى < # > 77 ( { هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم } ) 77 < # > [ آل عمران : 119 ] فنهاهم الله سبحانه وتعالى عما غاب عنهم خبرته ~~وطيبته فقال تعالى : { لا يتخذ المؤمنون } على أن ولاية أوليائه من ولايته ~~, وأن المنهي عنه إنما هو الولاية التي قد توهن الركون إلى المؤمنين لأن في ~~ذلك - كما قال الحرالي - تبعيد القريب وتقريب البعيد ms0723 , والبمؤمن أولى ~~بالمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه ~~بعضا ) فأقواهم له ركن , وضعيفهم مستند لذلك الركن القوي , فإذا والاه قوى ~~به مما يباطنه ويصافيه , وإذا اتخذ الكافر وليا من دون مؤمنه القوي ربما ~~تداعى ضعفه في إيمانهم إلى ما ينازعه فيه من ملابسة أحوال الكافرين , كما ~~أنهم لما أصاخوا إليهم إصاخة أوقعوا بينهم سباب الجاهلية كما في قوله تعالى ~~< # > 77 ( { يايها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب ~~يردوكم بعد إيمانكم كافرين } ) 77 < # > [ آل عمران : 100 ] وكما قال سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { يأيها الذين آمنوا إن تطعيوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم ~~فتنقلبوا خاسرين } ) 77 < # > [ آل عمران : 149 ] , ولم يمنع سبحانه وتعالى من صلة أرحام من لهم من ~~الكافرين , ولا من خلطتهم في أمر الدنيا فيما يجري مجرى المعاملة من البيع ~~والشرى والأخذ والعطاء وغير ذلك ليوالوا في الدين أهل الدين , ولا يضرهم أن ~~يباروا من لم يحاربهم من الكافرين - انتهى . | ولما كان التقدير : فمن ~~تولاهم وكل إليهم وكان في عدادهم , لأنه ليس من الراسخين في صفة الإيمان ~~عطف عليه ترهيبا لمن قد تتقاصر همته فيرضى بمنزلة ما دون PageV02P058 ~~الرسوخ قوله : { ومن يفعل ذلك } أي هذا الأمر البعيد من أفعال ذوي الهمم ~~الذي يكون به في عداد الأعداء بعد هذا البيان ومع رفع هذا الحجاب الذي كان ~~مسدولا على أكثر الخلق { فليس من الله } أي الذي بيده كل شيء فلا كفوء له { ~~في شيء } قال الحرالي : ففي إفهامه أن من تمسك بولاية المؤمنين فهو من الله ~~في شيء بما هو متمسك بعنان من هو له وسيلة إلى الله سبحانه وتعالى من الذين ~~إذا رؤوا ذكر الله - انتهى . | ولما كان من الناس القوي والضعيف والشديد ~~واللين نظر إلى أهل الضعف سبحانه وتعالى فوسع لهم بقوله : { إلا أن تتقوا ~~منهم تقاة } أي إلا أن تخافوا منهم أمرا خطرا مجزوما به , لا كما خافه ~~نصارى نجران وتوهمه حاطب , فحينئذ يباح إظهار الموالاة وإن كانت درجة من ~~تصلب ms0724 في مكاشرتهم وتعزز لمكابرتهم ومكاثرتهم , وإن قطع أعظم فإياكم أن ~~تركنوا إليهم ! فإن الله سبحانه وتعالى يحذركم إقبالكم على عدوه , فإن ذلك ~~موجب لإعراضه عنكم { ويحذركم الله } أي الملك الأعظم { نفسه } فإنه عالم ~~بما تفعلونه . | وهو الحكم في الدنيا كما ترون من إذلاله العزيز وإعزازه ~~الذليل , وهذا المحذر منه وهو نفسه سبحانه وتعالى - كما قال الحرالي - ~~مجموع أسماء تعاليه المقابلة بأسماء أوصافهم التي مجموعها أنفسهم . | ~~وموجود النفس ما تنفس , وإن كانت أنفس الخلق تنفس على ما دونها إلى حد ~~مستطاعها , فكان ما حذره الله من نفسه أولى وأحق بالنفاسة في تعالي أوصافه ~~وأسمائه أن تنفس على من يغنيه فلا يستغني , ويكفيه فلا يكتفي ويريه مصارف ~~سد خلاته وحاجاته فلا ينصرف إليها ولا يتوجه نحوها , فهو سبحانه وتعالى ~~يعذب من تعرف له بنفسه فلم يعرفه أشد من عذاب من يتعرف له بآياته فلا يعتبر ~~بها , بما أن كل ما أبداه من نفسه بلا واسطة فهو أعظم مما أبداه بالواسطة ~~من نعيم وعذاب , فلا أعظم من نعيم من تعرف له بنفسه فرعفه , ولا أشد من ~~عذاب من تعرف له بنفسه فأنكره - انتهى . | ولما كانت مصائب الدنيا قد ~~تستهان قال سبحانه وتعالى عاطفا على نحو ما تقديره : فمن الله المبدأ : - ~~وقال الحرالي : ولما كان الزائل أبدا مؤذنا بترك الاعتماد عليه أقام تعالى ~~على المتمسك بما دونه حجة بزواله , فلا يستطيع الثبات عليه عند ما تناله ~~الإزالة والإذهاب , ويصير الأمر كله لله , فأعلم أن المصير المطلق إلى الله ~~سبحانه وتعالى , فنم تعرف إليه فعرفه نال أعظم النعيم , ومن تعرف إليه ~~فأنكره نال أشد الجحيم - انتهى ؛ فقال - : { وإلى الله } أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة { المصير * } أي وإن طال إملاؤه لمن أغرض عنه فيوشك أن ~~ينتقم منه . | ولما كانت الموالاة بالباطن المنهي عنها مطلقا ودائما قد ~~تفعل ويدعى نفيها PageV02P059 لخفائها أمره صلى الله عليه وسلم بتحذيرهم من ~~موالاة أعدائه على وجه النفاق أو غيره فقال : - وقال الحرالي : ولما كان ~~حقيقة ما نهى عنه في الولاية والتقاه ms0725 أمرا باطنا يترتب عليه فعل ظاهر فوقع ~~التحذير فيه على الفعل كرر فيه التحذير على ما وراء الفعل مما في الصدور ~~ونبه فيه على منال العلم خفية , فإنه قد يترك الشيء فعلا ولا تترك النفس ~~الغية صغوا ونزوعا إليه في أوقات , وكرر في ختمه التحذير ليتثنى التحذيران ~~ترقيا من الظاهر في الفعل إلى باطن الحماية في العلم خفية , فإنه قد يترك ~~الشيء فعلا ولا تترك النفس الغية صغوا ونزوعا إليه في أوقات , وكرر في ختمه ~~التحذير ليتثنى التحذيران ترقيا من الظاهر في الفعل إلى باطن الحماية في ~~العلم كما تثنى الأمران في الظاهر والباطن , وكان في إجراء هذا الخطاب على ~~لسان النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليهم بما أنه بشر مثلهم يلزمهم ~~الاقتداء به فيما لم يبادروا إلى أخذه من الله في خطابه الذي عرض به نحوهم ~~؛ انتهى . | فقال تعالى - : { قل إن تخفوا } أي يا أيها المؤمنون { ما في ~~صدوركم أو تبدوه يعلمه الله } ي المحيط قدرة وعلما , ثم قال عاطفا على جملة ~~الشرط التي هي مقول القول إرادة التعميم : { ويعلم ما } أي جميع ما { في ~~السموات } ولما كان الإنسان مطبوعا على ظن أنه إذا أخفي شيئا في نفسه لا ~~يعلمه غيره أكد بإعادة الموصول فقال : { وما } أي وجميع ما { في الأرض } ~~ظاهرا كان أو باطنا . | ولما كان ذو العلم لا يكمل إلا بالقدرة , وكان يلزم ~~من تمام العلم شمول القدرة - كما سيأتي إن شاء الله تعالى برهانه في سورة ~~طه - كان التقدير : فالله بكل شيء عليم , فعطف عليه قوله : { والله } أي ~~بما له من صفات الكمال { على كل شيء قدير * } ومن نمط ذلك قوله سبحانه ~~وتعالى : < # > 77 ( { إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء } ) 77 < # > [ آل عمران : 5 ] مع ذكر التوصير كيف يشاء والختم بوصفي العزة والحكمة ~~, وقد دل سبحانه وتعالى بالتفرد بصفتي العلم والقدرة على التفرد بالألوهية ~~. | ولما تم الوصف بالعلم والقدرة بعد التحذير من سطواته ذكر يوم المصير ~~المحذر منه , لامحصى فيه ms0726 كل كبير وصغير , المعامل فيه كل عامل بما يليق به ~~, الذي يتم فيه انكشاف الأوصاف لكل ذكي وغبي فقال تعالى : { يوم } وهو ~~معمول لعامل من معنى ( يحذر ) { تجد كل نفس } والذي يرشد إلى تعيين تقدير ~~هذا العامل - إذا جعل العامل مقدرا - قوله سبحانه وتعالى < # > 77 ( { ويحذركم الله نفسه } ) 77 < # > [ آل عمران : 28 ] سابقا لها ولاحقا , ويجوز أن يكون بدلا من يوم في ~~قوله < # > 77 ( { ليوم لا ريب فيه } ) 77 < # > [ آل عمران : 9 ] وتكون فتحته للبناء لإضافته إلى الجملة - والله ~~سبحانه وتعالى أعلم , والمراد بالنفس - والله سبحانه وتعالى أعلم - المكلفة ~~{ ما عملت من خير محضرا } أي لا نقص فيه ولا زيادة , بأمر القاهر القادر ~~على كل شيء { وما عملت من سوء } حاضرا ملازما , فما عملت من خير تود أنها ~~لا تفارقه ولا ينقص منه شيء وما عملت من سوء { تود } أي تحب حبا ~~PageV02P060 شديدا { ولو أن بينها وبينه } أي ذلك العمل السوء { أمدا } أي ~~زمانا . | قال الحرالي : وأصله مقدار ما يستوفي جهد الفرس من الجري , فهو ~~مقدار ما يستوفي ظهور ما في التقدير إلى وفاء كيانه { بعيدا } من البعد , ~~وهو منقطع الوصلة في حس أو معنى - انتهى . | فالآية من الاحتباك : ذكر ~~إحضار الخير دلالة على حضور السوء , وود بعد السوء دلالة على ود لزوم الخير ~~. | ولما ذكر هول ذلك اليوم كان كأنه قال : فاتقوه فإن الله يحذركموه { ~~ويحذركم الله } أي الذي له العظمة التي لا يحاط بها { نفسه } فالله سبحانه ~~وتعالى منتقم ممن تعدى طوره ونسي أنه عبد , قال الحرالي : أن تكون لكم أنفس ~~فتجد ما عملت , ويلزمها وطأة هذه المؤاخذة , بل الذي ينبغي أن يبرىء العبد ~~من نفسه تبرئبته من أن يكون له إرادة , وأن يلاحظ علم الله وقدرته في كلية ~~ظاهره وباطنه وظاهر الكون وباطنه - انتهى . | ولما كان تكرير التحذير قد ~~ينفر بين أن تحذيره للاستعطاف , فإنه بنصب الأدلة وبعث الدعاة والترغيب في ~~الطاعة والترهيب من المعصية المسبب عنه سعادة الدارين , فهو من رأفته ~~بالمحذرين فقال بانيا على ما ms0727 تقديره : ويعدكم الله سبحانه وتعالى فضله ~~ويبشركم به لرافته بكم : { والله } أي والحال أن الذي له وحده الجلال ~~والإكرام { رؤوف بالعباد * } قال الحرالي : فكان هذا التحذير الخاتم ~~ابتدائيا , والتحذير السابق انتهائيا , فكان هذا رأفة سابقة , وكان الأول ~~الذي ترتب على الفعل تحذيرا لاحقا متقصلا بالمصير إلى الله , وهذا الخاتم ~~مبتدأ بالرأفة من الله . | والرأفة - يقول أهل المعاني - هي أرق الرحمة , ~~والذي يفصح عن المعنى - والله سبحانه وتعالى أعلم - أنها عطف العاطف على من ~~يدجد عنده منه وصلة , فهي رحمة ذي الصلة بالراحم , فنم تحقق أن الأمر لله ~~سبحانه وتعالى وجد رلفقه وفضله ورحمته عليه لما برىء من دعوى شيء من نسبة ~~الخير إلى نسفه , فأحبه لذلك , قيل لأعرابي : إنك تموت وتبعث وترجع إلى ~~الله ؟ فقال : أتهددونني بمن لم أر الخير قط إلا منه فلذلك إذا تحقق العبد ~~ذلك من ربه أحبه بما وحده وبما وجده في العاجلة فحماه أن يجد عمل نفسه في ~~الآجلة - انتهى . | وقد علم أن الآية من الاحتباك : التحذير أولا دال على ~~الوعد بالخير ثانيا , والرأفة ثانيا دالة على الانتقام أولا - والله سبحانه ~~وتعالى الموفق . | ولما فطمهم سبحانه وتعالى عن موالاة الكفار ظاهرا وباطنا ~~بما اقتضى القصر على موالاة أهل الله لنفيه من تولي الكفر عن أن يكون في ~~شيء من الله , وكان الإنسان ربما وإلى الكافر وهو يدعي محبة الله سبحانه ~~وتعالى , وختم برأفته سبحانه و تعالى بعباده , وكانت الرأفة قد تكون عن ~~المحبة الموجبة للقرب , فكان الإخبار بهما ربما دعا إلى PageV02P061 ~~الاتكال , ووقع لأجله الاشتباه في الحزبين , جعل لذلك سبحانه وتعالى علامه ~~فقال : - وقال الحرالي : لما كان أعظم ما يترامى إليه مقامات السالكين إلى ~~الله سبحانه وتعالى القاصدين إليه من مبدإ حال الذكر الذي هو منتهى ~~المقامات العشر المترتبة في قوله سبحانه وتعالى { إن المسلمين } محبة الله ~~سبحانه وتعالى بما أن المحبة وصلة خفية يعرف الحاس بها كنهها , أقام سبحانه ~~وتعالى الحجة على المترامين لدعوى القرب من الله والادعاء في أصل ما يصل ~~إليه القول ms0728 من محبته بما أنبأنهم أن من انتهى إلى أن يحب الله سبحانه ~~وتعالى فليتبع هذا النبي الذي أحبه الله سبحانه وتعالى فمن اتبعه أحبه الله ~~, فقامت بذلك الحجة على كل قاصد وسالك ومتقرب , فإن نهاية الخلق أن يحبوا ~~الله , وعناية الحق أن يحب العبد , فرد سبحانه وتعالى جميع من أحاط به ~~الاصطفاء والاجتباء والاختصاص , ووجههم إلى وجهة الاتباع لحبيبه الذي أحبه ~~, كما قال صلى الله عليه وسلم ( لو أن موسى بين أظهركم ما وسعه إلا اتباعي ~~) وإذا كان ذلك في موسى عليه الصلاة والسلام كان في المنتحلين لملته ألزم ~~بما هم متبعون لمتبعه عندهم , وأصل ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما كان في ~~في الأبد وجب أن يكون النهاية في المعاد , فألزم الله سبحانه وتعالى على ~~الخليقة ممن أحب الله سبحانه وتعالى أن يتبعوه , وأجرى ذلك على لسان إشعارا ~~بما في الخير والوصول إلى الله سبحانه وتعالى من حيث إنه نبي البشرى , ~~وليكون ذلك أكظم لمن أبى اتباعه - انتهى , فقال سبحانه وتعالى - : { قل إن ~~كنتم تحبون الله } أي المحيط بصفات الكمال مخلصين في حبه لاعتقاد أنه على ~~غاية الكمال , فإن الكمال محبوب لذاته { فاتبعوني } قال الحرالي : قد فسر ~~صلى الله عليه وسلم ظاهر اتباعه فقال ( في البر ) وأصل حقيقة الإيمان بالله ~~والإيثار لعباده , والتقوى وهي ملاك الأمر واصل الخير , وهي إطراح استغناء ~~العبد بشيء من شأنه , لا من ملك ولا من ملك ولا من فعل ولا من وصف ولا من ~~ذات حتى يكون عنده كما هو عند ربه في أزله قبل أن يكون موجودا لنفسه ليكون ~~أمره كله بربه في وجوده كما كان أمره بربه قبل وجوده لنفسه , وقد فسر حق ~~التقاة التي هي غاية التقوى بأن يكون العبد يشكر فلا يكفر , ويذكر فلا ينسى ~~, ويطيع فلا يعصى - انتهى PageV02P062 قال الإمام : المحبة توجب اإقبال ~~بالكلية على المحبوب والإعراض عن غيره - انتهى . | فمن ادعى محبته وخالف ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كذاب , وكتاب الله سبحانه وتعالى ~~يكذبه ms0729 { يحببكم الله } أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى حبا ظهرت ~~أماراته بما أعلم به الفك , فإن الأمر المنجي غاية النجاة إنما هو محبة ~~الله سبحانه وتعالة للعبد , لا محبة العبد لله , فإنه ربما كانت له حالة ~~يظن بها أنه يحب الله والواقع أنه ليس كما ظن لكونه يعمل بما يسخطه سبحانه ~~وتعالى , والأمارة الصحيحة لذلك رد الأمر كله إلى الله , وحينئذ يفعل الله ~~مع العبد فعل المحب من حسن الثناء والإإكرام بالثواب . | قال الحرالي : فإن ~~من رد الأمانة إلى الله سبحانه وتعالى أحبه الله فكان سمعه وبصره ويده ~~ورجله , وإذا أحب الله عبدا أراحه وأنقذه من مناله في أن يكون هو يحب الله ~~, فمن أحب الله وله , ومن أحبه الله سكن ي ابتداء عنايته وثبته الله سبحانه ~~وتعالى - انتهى . | فقد أشار سبحانه وتعالى إلى أن الدلالة الناشئة عن ~~الرافة من الإكرام بالنعم من الهداية بالبيان والإبلاغ في الإحسان عامة ~~للمحبوب وغيره , وأن الدليل على المحبة الإلهية هو الاتباع الداعي ( اعملوا ~~فكل ميسر لما خلق له فأما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة , ~~وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة ) ( ما تقرب المتقربون ~~إلي بمثل أداء ما افترضته عليهم , ولا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى ~~أحبه ) . | ولما كان الدين شديدا لن يشاده أحد إلا غلبه , لما عليه العبد ~~من العجز والمعبود من عظيم الأمر أتبع ذلك الإعلام بأنه مع إيصال الثواب ~~يرفع العقاب فقال - وقال الحرالي : ولما كان من آية حب الله له صلى الله ~~عليه وسلم ما أنزله عليه من قوله : < # > 77 ( { إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر } ) 77 < # > [ الفتح : 2 , 1 ] أجرى لمن أحبه الله PageV02P063 باتباعه حظ منه في ~~قوله - : { ويغفر لكم ذنوبكم } أي مطلقا , وذنب كل عبد بحسبه , لأن أصل ~~معنى الذنب أدنى مقام العبد , فكل ذي مقام أعلاه حسنته وأدناه ذنبه , ولذلك ~~في كل مقام توبة , حتى تقع التوبة من التوبة ms0730 فيكمل الوجود والشهود . | ولما ~~كان هذا الأمر من أخص ما يقع , وكان مما دونه مقامات خواص الخلق فيما بين ~~إسلامهم إلى محبتهم لله سبحانه وتعالى ختم تعالى بما يفهم أحوال ما يرجع ~~إلى من دون هذا الكمال فقال : { والله } أي الذي له الكمال كله { غفور رحيم ~~* } أي لمن لم ينته لرتبة حب الله له بما يقع في أثناء أحواله من موجب ~~المغفرة واستدعاء الرحمة حيث لم يصل إلى المحبة , فمرحوم بعد مغفرة وهو ~~القاصد , ومغفور بعد محبة وهو الواصل - انتهى . | ولما كان الاتباع قد يكون ~~عن غلبة لا عن طاعة بين أنه لا ينفع إلا مع الإذعان فقال - أو يقال : لما ~~كان صلى الله عليه وسلم في غاية الرأفة بالعبادة وكان يعلم أن آحاد الأمة ~~لا يقدرون على كمال اتباعه لما له مع العصمة من الطبع على خصال الكمال كان ~~كأنه قال له سبحانه وتعالى : فإن لم يقدروا على كمال اتباعي ؟ فقال : { قل ~~} وقال الحرالي : ولما ذكر تعالى ما تقدم من التحذيرين , في رتبتين أولاهما ~~في الذكر بحاتين من موجب التحذيرين , فكان الاتباع موجب النجاة من التحذر ~~الثاني الباطن الذي مبدؤه الرأفة , وكان الطاعة موجب النجاة من التحذير ~~الأول السابق , فمن أطاع الله روسوله فيما نهى عنه من اتخاذ ولاية الكافرين ~~من دون ولاية المؤمنين سلم من التحذيرالظاهر , ومن اتبع الرسول فأحبه الله ~~سلم من التحذير الباطن , فختم الخطاب بما به بدأ , أو لما كانت رتبة ~~الاتباع عليا وليتها رتبة الأئتمار , فهو إما متبع على حب وإما مؤتمر على ~~طاعة , فمن لم يكن من أهل الاتباع فليكن من أهل الطاعة , فكأن الخطاب يفهم ~~: < # > 77 ( { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني } ) 77 < # > [ آل عمران : 31 ] , فإن لم تستطيعوا أن تتبعوني فأطيعوني , انتهى فقال ~~سبحانه وتعالى : { قل أطيعوا الله } أي لما له من صفات الكمال . | ولما قدم ~~أن رضاه في اتباعه صلى الله عليه وسلم فدل على أن الطاعتين واحدة قال موحدا ~~للعامل : { والرسول } أي الكامل في الرسلية لما له به سبحانه ms0731 وتعالى من ~~مزايا الاتصال , وهو وإن كان اسما كليا لكنه كان حين إنزال هذا الخطاب ~~مختصا بأكمل الخلق محمد بن عبد الله بن عبد المطلب المرسل إلى الخلق كافة ~~على أن طاعته طاعة لجميع الرسل الذين بينوا للناس أمره صلى الله عليه وسلم ~~وعليهم أجمعين وسلم . | قال الحرالي : فكان إشارة ذلك إلى ما نهوا عنه من ~~التولي إلى ما ينتظم في معنى ذلك , وفيه إشعار بأن الأمر يكون فيه محوطا ~~بالرحمة من حيث ذكر الرسول فيه بما هو رحمة للعالمين { فإن تولوا } أي عن ~~طاعة خطاب الله والرسول PageV02P064 المحفوف باللطف من الله سبحانه وتعالة ~~والرحمة من رسول الله - انتهى . | و { تولوا } يحتمل المضارع والمضي , فكان ~~الأصل في الكلام : { فإن الله } الذي له الغنى المطلق لا يحبكم , أو : لا ~~يحبهم , ولكنه أظهر الوصف المعلم بأن التولي كفر فقال : { لا يحب الكافرين ~~* } قال الحرالي : أفرد لله لما كان وعيدا , إبقاء لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم في حيز الرحمة . | ولما نفي عمن تولى أن يحبه كان في إشعارة أن هذا ~~الكفر عموم كفر يداخل رتبا من الإيمان من حيث نفي عنه الحب فنفي منه ما ~~يناله العفو أو المغفرة والرحمة ونحو ذلك بحسب رتب تناقص الكفر , لأنه كفر ~~دون كفر , ومن فيه كفر فهو غير مستوفي اتباع الرسول بما أنه الماحي الذي ~~يمحو الله به الكفر , وإنما يحب الله من اتبع رسوله , فعاد الختم في الخطاب ~~إلى إشعار م معنى أوله وفي إلاحته أن حب الله للعبد بحسب توحيده , فكلما ~~كان أكمل توحيدا كان أحب , وما سقط عن رتبة أدنى التوحيد الذي هو محل الأمر ~~بطاعة الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم كان كفرا بحسب ما يغطى ~~على تلك الرتبة من التوحيد , لأن هذه السورة سورة إلهية إيمانية حبية ~~توحيدية , فخطابها مخصوص بما يجري في حكم ذلك من الإيمان والكفر والمحكم ~~والمتشابه وكشف غطاء الأعين ورفع حجب القلوب - انتهى . | وقد وضح أن الآية ~~من الاحتباك - فأصل نظمها : فإن تولوا فإن الله ms0732 لا يحبهم لكفرانهم , وإن ~~أقبلوا فإن الله يحبهم لإيمانهم , فإن الله لا يحب الكافرين والله يحب ~~المؤمنين - إثبات التولية في الأول يدل على حذف الإقبال من الثاني , إثبات ~~الكراهة في الثاني يدل على حذف مثلها في الأول . | ولما كان الأصفياء أخص ~~من مطلق الأحباب بين بعض الأصفياء وما أكرمهم به تصديقا لقوله سبحانه ~~وتعالى في الحديث القدسي الشريف ( فإذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به , ~~وبصره الذي يبصر به , ويده التي يبطش بها , ورجلهالتي يمشي بها ) تنبيها ~~لوفد نصارى نجران وغيرهم على أنه مثل ما اصطفى لنفسه دينا اصطفى للتخلق به ~~ناسا يحبونه ويطيعونه ويوالون أولياءه ويعادون أعداءه , وليسوا من صفات ~~الكافرين في شيء فقال - أو يقال : إنه سبحانه وتعهالى لما شبه أفعاله في ~~التشابه وغيره بأقواله وعرف أن الطريق القوم رد المشتابه منها إلى الواضح ~~المحكم والالتجاء في كشف المشكل إليه PageV02P065 مع الإعتقاد الجازم ~~المستقيم , وبين أن الموقف عن هذا الطريق الأقوم الوقوف مع العرض الدنيوي ~~مع الرئاسة وغيرها وألف الدين مع التعلل فيه بالتمني الفارغ , وأنهى ذلك ~~وتوابعه إلى أن ختم بتهديد من تولى عن الحق أخذ في تصوير تصويره في الأرحام ~~كيف شاء بما شوهد من ذلك ولم يشك فيه من أحوال أناس هم من خلص عباده ~~المقبلين على ما يرضيه فقال : أو يقال ولعله أحسن : ولما أخبر سبحانه ~~وتعالى أن أهل الكتاب ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم فكفروا بذلك , ~~وألحق به ما تبعه إلى أن ختم بالأمر باتباع الرسول وبأنه لا يحب الكافرين ~~بالتولي عن رسله اشتد تشوف النفس إلى معرفة الرسل الآتين بالعلم الذين توجب ~~مخالفتهم الكفر فبينهم بقوله : وقال الحرالي : لما كان منزل هذه السورة ~~لإظهار المحكم والمتشابه في الخلق والأمر قدم سبحانه وتعالى بين يدي إبانة ~~متشابه خلق عيسى عليه الصلاة والسلام وجه الاصطفاء المتقدم للآدمية ومن ~~منها من الذرية لتظهر معادلة خلق عيسى عليه الصلاة والسلام آخرا لمتقدم خلق ~~آدم عليه الصلاة والسلام أولا , حتى يكونا مثلين محيطين بطرفي ms0733 الكون في علو ~~ورحه ودنو أديم تربته وأنه سبحانه وتعالى نزل الروح إلى الخلق الآدمي كما ~~قال ^ ( { ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون } ) ^ [ ~~الأنعام : 9 ] وظهر أثر ذلك اللبس بما وقع لأهل الزيغ في عيسى كما أنه رقى ~~الخلق الطيني رتبة رتبة إلى كمال التسوية إلى أن نفخ فيه من روحه , فكان ~~ترقي الآدمي إلى النفخة لتنزل الروح إلى الطينة الإنسانية التي تم بها وجود ~~عيسى عليه الصلاة والسلام كما كمل وجود آدم عليه الصلاة والسلام بالنفخة . ~~| < < # | آل عمران : ( 33 - 38 ) إن الله اصطفى . . . . . # > > ^ ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ~~ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم * إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ~~ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم * فلما وضعتها قالت رب ~~إني وضعتهآ أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم ~~وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم * فتقبلها ربها بقبول حسن ~~وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها ~~رزقا قال يمريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير ~~حساب * هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع ~~الدعآء ) ^ } ) | ولما كان أصل الإبداء نورا عليا نزله الحق سبحانه وتعالى ~~في رتب التطوير والتصيير والجعل إلى أن بدأ عالما دنياويا محتويا على ~~الأركان الأربعة والمواليد الثلاثة , PageV02P066 وخفيت نورانيته في موجود ~~صفي الله سبحانه وتعالى من وجود كلية ذلك هذا الخلق الآدمي فكان صفي الله , ~~فأنبأ الخطاب عن تصييره إلى الصفاء بالافتعال ؛ انتهى - فقال سبحانه وتعالى ~~: { إن الله } أي بجلال وعظمته وكماله في إحاطته وقدرته { اصطفى } أي للعلم ~~والرسالة عنه سبحانه وتعالى إلى خلقه والخلافة له في ملكه { آدم } أباكم ~~الأول الذي لا تشكون في أنه خلقه من تراب , وهو تنبيه لمن غلط في أمر عيسى ~~عليه الصلاة والسلام على أن أعظم ما اسغربوا من ms0734 عيسى كونه من غير ذكر , ~~وآدم أغرب حالا منه بأنه ليس من ذكر ولا أنثى ولا من جنس الأحياء - كما ~~سيأتي ذلك صريحا بعد هذا التلويح لذي الفهم الصحيح . | قال الحرالي : ~~فاصفطاه من كلية مخلوقه الذي أبداه ملكا وملكوتا خلقا وأمرا , وأجرى اسمه ~~من أظهر ظاهره الأرضي وأدنى أدناه , فسماه آدم من أديم الأرض , على صيغة ~~أفعل , التي هي نهاية كمال الآدمية والأديمية . | فكان ما أظهر تعالى في ~~اصطفاه آدم ما ذكر جوامعه علي رضي الله عنه في قوله : لما خلق الله سبحانه ~~وتعالى أبان فضله للملائكة وأراهم ما اختصه به من سابق العلم من حيث علمه ~~عند استنبائه إياه أسماء الأشياء فجعل الله سبحانه وتعالى آدم محرابا وكعبة ~~وبابا وقبلة , أسجد له الأبرار والروحانيين الأنوار , ثم نبه آدم على ~~مستودعه وكشف له خطر ما ائتمنه عليه بعد أن سماه عند الملائكة إماما , فكان ~~تنبيهه على خطر أمانته ثمرة اصطفائه - انتهى { ونوحا } أباكم الثاني الذي ~~أخرجه من بين أبوين شابين على عادتكم المستمرة فيكم . | وقال الحرالي : ~~أنبأ تعالى أنه عطف لنوح عليه الصلاة والسلام اصطفاه على اصطفاء آدم ترقيا ~~إلى كمال الوجود الآدمي وتعاليا إلى الوجود الروحي العيسوي , فاصطفى نوحا ~~عليه الصلاة والسلام بما جعله أول رسول بتوحيده من حيث دحض الشرك وأقام ~~كلمة الإيمان بقول ( لا إله إلا الله ) , لما تقدم بين آدم ونوح من عبادة ~~الأصنام والأوثان , فكان هذا الاصطفاء اصطفاء باطنا لذلك الاصطفاء الظاهر ~~فتأكد الاصطفاء وجرى من أهلكته طامة الطوفان مع نوح عليه الصلاة والسلام من ~~الذر الآدمي مجرى تخليص الصفاوات من خثارتها , وكما صفي آدم من الكون كله ~~صفي نوحا عليه السلام وولده الناجين معه من مطرح الخلق الآدمي الكافرين ~~الذين لا يلدون إلا فاجرا كفارا , فلم يكن فيهم ولا في مستودع ذراريهم ~~صفاوة تصلح لمزية الإخلاص الذي اختص بصفوته نوح عليه الصلاة والسلام < # > 77 ( { وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح } ) 77 < # > [ الأحزاب : 7 ] فكان ميثاق نوح عليه السلام ما قام به من ms0735 كلمة التوحيد ~~ورفض الأصنام والطاغوت التي اتخذها الظلمانيون من ذر آدم , فتصفى بكلمة ~~التوحيد النوارانيون منه , فكان نوح عليه الصلاة والسلام ومن نجا معه صفوة ~~زمانه , كما كان آدم صفوة حينه - انتهى . | PageV02P067 ولما كان أكثر ~~الأنبياء من نسل إبراهيم عليه الصلاة والسلام زاد في تعظيمه بقوله : { وآل ~~إبراهيم } أي الذين أود فيهم الخوارق ولا سيما في إخراج الولد من بين شيخين ~~كبيرين لا يولد لمثلهما , وفي ذلك إشارة إلى أن عيسى عليه الصلاة والسلام ~~مثلهم لأنه أحدهم , وكذا قوله : { وآل عمران } في قوله : { على العالمين * ~~} إشارة إلى أنه كسائر أقاربه منهم , وأفصح بذلك إفصاحا جليا في قوله : { ~~ذرية بعضها من بعض } أي فهم كلهم من بني آدم , لا مزية لبعضهم على بعض في ~~ذلك , لا مزية في شيء من ذلك , وأنتم لا تشكون فيه من شيء من الخصائص مما ~~دون أمد عيسى عليه الصلاة والسلام , فما لكم لما خص سبحانه وتعالى آل عمران ~~من بين العالمين بخرق العادة فيهم بإخراج ولد من أنثى فقط من غير ذكر لم ~~تردوا ما لم تعرفوا منه إلى ما تعرفون من الخوارق حتى انجلى لكم واتضح ~~لديكم ؟ بل أشكل لعيكم وقامت فيهكم قيامتكم بما يفضي إلى الشك في قدرة ~~الإله الذي لا تشكون أن من شك في تمام قدرته كفر . | وقال الحرالي : فإثبات ~~هذه الجملة بتشابه وتماثل تتعالى عن نحوه الإلهية , فأبان هذا الخطاب في ~~عيسى عليه الصلاة والسلام اصطفاء من جملة هذا الاصطفاء , فكما لم يقع فيمن ~~سواه لبس من أمر ألإلهية فكذلك ينبغي أن لايقع فيه هو أيضا لبس لما يتلقن ~~بيان الإحكام والتشابه من الذي أنزل الكتاب محكما ومتشابها وأظهر الخلق ~~باديا وملتبسا الصلاة والسلام الذي نزلت هذه الآيات كلها في المجادلة ف ~~يأمره والإخبار عن حمله وولادته وغير ذلك من صفاته التي يتنزه الإله عنها , ~~وكراماته التي لا تكون إلا للقرب , فأخبر أولا عن حال أمه وأمها وأختها وما ~~اتفق لهن من الخوارق التي تمسك بوقوع مثلها من عيسى عليه ms0736 السلام من كفر ~~برفعه فوق طوره , ثم شرع في قص أمره حتى لم يدع فيه لبسا بوجه . | وقال ~~الحرالي : في التعبير عن اصطفاء إبراهيم ومن بعده عليهم الصلاة والسلام في ~~إشعار الخطاب اختصاص إبراهيم عليه الصلاة والسلام بما هو أخص من هذا ~~الاصطفاء من حيث انتظم في سلكه آله لاختصاصه هو بالخلة التي لم يشركه فيها ~~أهل هذا الاصطفاء , فاختص نمط هذا الاصطفاء بآله , وهم - والله سبحانه ~~وتعالى أعلم - إسماعيل عليه السلام اختص بالوصلةبين إبراهيم الخليل ومحمد ~~الحبيب صلوات الله وسلامه عليهم , فكان مترقى ما هو لهم من وراء هذا ~~الاصطفاء , ولأن إنزال هذا الخطاب لخلق عيسى عليه الصلاة والسلام , وهو من ~~ولد داود عليه الصلاة والسلام فيما PageV02P068 يذكر , وداود من سبط لاوي ~~بن إسرائيل عليهم الصلاة والسلام فيما ينسب , فلذلك - والله سبحانه وتعالى ~~أعلم - جرى هذا الاصطفاء على آله , فظهر من مزية هذا الاصطفاء لآله ما كان ~~من اصطفاء موسى عليه السلام بالتكليم وإنزال الكتاب السابق < # > 77 ( { يا موسى إني اصطفيتك على الناس } ) 77 < # > [ الأعراف : 144 ] فكان هذا الاصطفاء استخلاص صفاوة من صفاوة نوح عليه ~~الصلاة والسلام المستخلصين من صفاوة آدم عليه الصلاة والسلام , وآل عمران - ~~والله سبحانه وتعالى أعلم - مريم وعيسى عليهما الصلاة والسلام ليقع ~~الاصطفاء في نمط يتصل من آدم إلى عيسى عليهما الصلاة والسلام ليحوزوا طرفي ~~الكون روحا وسلالة , والعالمون علم الله الذي له الملك , فكما أن الملك لا ~~بد له من علم يعلم به بدوه وظهوره جعل الله ما أبداه من خلقه علما على ظهور ~~ملكه بين يدي ظهور خلقه في غاية يوم الدين عاما , وفي يوم الدنيا لمن شاء ~~من أهل اليقين والعيان خاصا , وأعلى معناه بما ظهر في لفظه من الألف ~~الزائدة على لفظ العلم , فاصطفى سبحانه وتعالى آدم عليه الصلاة والسلام على ~~الموجودين في وقته , وكذلك نوحا وآل إبراهيم وآل عمران كلا على عالم زمانه ~~, ومن بعد في غيب لم تبد صورته في العالم العياني الذرء الذي هو مخصوص ~~بالخلق ليظهر انتظام ms0737 عيسى عليه الصلاة والسلام في سلك الجميع ذرءا , وأنه ~~لا يكون مع الذرء لبس الإلهية , لأن الله سبحانه وتعالى لم يلد ولم يولد ~~ولم يكن له كفوا أحد , فكان نصب لفظ الذرية تكييفا لهذا الاصطفاء المستخلص ~~على وجه الذر , وهو الذي يسميه النحاة حالا - انتهى . | ولما ذكر سبحانه ~~وتعالى هؤلاء الذين اصطفاهم , وكان مدار أمر الاصطفاء على العلم , ومدار ما ~~يقال لهم وفيهم مما يكون كفرا أو إيمانا على السمع ختم سبحانه وتعالى الآية ~~بقوله عاطفا على ما تقديره : فالله سبحانه وتعالى يفعل بإحاطته ما يريد : { ~~والله } أي المحيط قدرة وعلما { سميع عليم * } إشارة إلى أنه اصطفاهم على ~~تمام العلم بهم ترغيبا في أحوالهم والاقتداء بأفعالهم وأقوالهم . | ولما ~~كان جل المقصود هنا بيان الكرامات في آل عمران لا سيما في الولادة , وكان ~~آدم الممثل به عليه الصلاة والسلام قد تقدم بيان أمره في سورة البقرة سورة ~~الكتاب المثمر للعلم , وكذا بيان كثير مما اصطفى به إبراهيم وآله عليهم ~~الصلاة والسلام إذ كان معظم القصد بالكلام لذريته , وكان معظم المقصود من ~~ذكر نوح عليه الصلاة والسلام كونه في عمود النسب , وليس في أمر ولادته ما ~~هو خارج عن العادة قال طاويا لمن قبل : { إذ } أي اذكر جوابا لمن يجادلك في ~~أمرهم ويسألك عن حالهم حين { قالت امرأة عمران } وهي حامل . | PageV02P069 ~~وقال الحرالي : لما اكن من ذكر في الاصطفاء إنما ذكر توطئة لأمر عيسى عليه ~~الصلاة والسلام اختص التفصيل بأمر عيسى عليه الصلاة والسلام دون سائر من ~~ذكر معه , وكان في هذه المناظرة بين الصورتين حظ من التكافؤ من حيث ذكر أمر ~~خلق آدم عليه الصلاة والسلام في سورة البقرة , فذكر خلق المثل المناظر له ~~في السورة المناظرة لسورة البقرة وهي هذه السورة , فعاد توقيت هذا القول ~~إلى غاية هذا الاصطفاء , فأنبأ عن ابتداء ما اختص منه بعيسى عليه الصلاة ~~والسلام من قول أم مريم امرأة عمران حين أجرى على لسانها وأخطر بقلبها أن ~~تجعل ما في بطنها نذرا , ففصل ما به ms0738 ختم من اصفطاء آل عمران , ولذلك عرفت ~~أم مريم في هذا الخطاب بأنها امرأة عمران ليلتئم التفصيل بجملته السابقة { ~~رب إني نذرت لك ما في بطني } وكان نذر الولد شائعا في بني إسرائيل إلا أنه ~~كان عندهم معهودا في الذكور لصلاحهم لسدانة بيت الله والقيام به , فأكمل ~~الله سبحانه وتعالى مريم لما كمل له الرجال - كما قال عليه أفضل الصلاة ~~وأزكى السلام ( كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع ) فذكر ~~مريم بنت عمران عليهما السلام , فكان من كمالها خروج والدتها عنها , وكان ~~أصله من الأم التي لها الإشفاق , فكان الولد أباه فحينئذ يترقى إلى حزب ~~أبيه , ولذلك - والله سبحانه وتعالى أعلم - أري إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلاح ذبح ولده عند تمييزه , وخرجت امرأة عمران عن حملها وهو في بطنها ~~حين ما هو أعلق بها - انتهى . | ونذرته لله تعالى حال كونه { محررا } أي لا ~~اعتراض ولا حكم لأحد من الخلق عليه , قال الحرالي : والتحرير طلب الحرية , ~~والحرية رفع اليد عن الشيء من كل وجه , وفي الإتيان بصيغة التكثير والتكرير ~~إشعار بمضي العزيمة في قطع الولاية عنه بالكلية لتسلم ولايته لله تعالى - ~~انتهى . | { فتقبل مني } ولما كان حسن إجابة المهتوف به الملتجأ إليه على ~~حسب إحاطة سمعه وعلمه عللت سؤالها في التقبل بأن قصرت السمع والعلم عليه ~~سبحانه فقالت : { إنك أنت } أي وحدك { السميع العليم * } فقالت كما قال ~~سلفها إبراهيم وإسماعيل عليهام الصلاة والسلام < # > 77 ( { ربنا تقبل منا } ) 77 < # > [ البقرة : 127 ] , أي فلا يسمع أحد قولي مثل سمعك , ولا يعلم أحد نيتي ~~مثل علمك ولا أنا , فإن كان فيهما شيء لا يصلح فتجاوز عنه . | PageV02P070 ~~ولما أخبر بما اقتضى مضى عزمها قبل الوضع أخبر بتحقيقه بعده فقال : { فلما ~~وضعتها قالت } أي تحسرا ذاكرة وصف الإحسان استمطارا للامتنان { رب إني ~~وضعتها } قال الحرالي : من الوضع وهو إلقاء الشيء المستثقل { أنثى } هي ~~أدنى زوجي الحيوان المتناكح - انتهى . | ولما كان الإخبار عادة إنما هو لمن ~~لا يعلم الخبر بينت أن أمر الله سبحانه وتعالى ms0739 ليس كذلك , لأن المقصود ~~بإخباره ليس مضمون الخبر وإنام هو شيء من لوازمه وهنا التحسر فقالت : { ~~والله } أي الذي له صفات الكمال . | ولما كان المراد التعجيب من هذه ~~المولودة بأنها من خوارق العادات عبرت عنها بما فقالت : { أعلم بما وضعت } ~~وعبرت بالاسم الأعظم موضع ضمير الخطاب إشارة إلى السؤال في أن يهبها من ~~كماله ويرزقها من هيبته وجلاله , وفي قراءة إسكان التاء الذي هو إخبار من ~~الله سبحانه وتعالى عنها - كما قال الحرالي - إلاحة معنى أن مريم عليها ~~الصلاة والسلام وإن كان ظاهرها الأنوثة ففيها حقيقة المعنى الذي ألحقها ~~بالرجال في الكمال , حتى كانت ممن كانت ممن كمل من النساء لما لا يصل إليه ~~كثير من رجال عالمها , فكان في إشعاره أن الموضوع كان ظاهره ذكرا وحقيقته ~~أنثى . | ولما كان مقصودها مع إمضاء نذرها بعد تحقق كوناه أنثى التحسر على ~~ما فاتها من الأجر في خدمة البيت المقدس بما يقابل فضل قوة الذكر على ~~الأنثى وصلاحيته للخدمة في كل أ ؛ واله قالت : { وليس الذكر } أي الذي هو ~~معتاد للنذر وكنت أحب أن تهبه لي لأفوز بمثل أجره في هذا الفرض في قوته ~~وسلامته من العوارض المانعة من المكث في المسجد ومخالطة القومة { كالأنثى } ~~التي وضعتها , وهي داخلة في عموم النذر بحكم الإطلاق في الضعف وعارض الحيض ~~ونحوه فلا ينقص يا رب أجري بسبب ذلك , ولو قالت : وليست الأنثى كالذكر , ~~لفهم أن مرادها أن نذرها لم يشملها فلا حق للمسجد فيها من جهة الخدمة . | ~~قال الحرالي : وفي إشعار هذا القول تفصل مما تتخوفه أن لا يكون ما وضعته ~~كفافا لنذرها , لما شهدت من ظاهر أنوثة ما وضعت , فجعلها الله سبحانه ~~وتعالى لها أكمل مما اشتملت عليه عزيمتها من رتبة الذكورة التي كانت تعهدها ~~, فكانت مريم عليها السلام أتم من معهود نذرها مزيد فضل من ربها عليها بعد ~~وفاء حقيقة مقصودها في نذرها - انتهى . | ويجوز أن يكون هذا من كلام الله ~~سبحانه وتعالى كالحالية التي قبله إذا أسكنت التاء , ولاتقدير : قالت كذا ms0740 ~~والحال أن الله أعلم منها بما وضعت , والحال أيضا أنه ليس الذكر الذي ~~أرادته بحكم معتاد النذر كالأنثى التي وهبت لها فدخلت فيه بحكم إطلاقه , بل ~~هي أعلى , لأن غاية ما تعرفه من المنذورين أن يكون كأنبيائهم المقررين ~~PageV02P071 لحكم التوراة , وهذه الأنثى مع ما لها من العلو في نفسها ستكون ~~سببا في السؤال في نبي هو أعظم أنبيائهم , وتلد صاحب شريعة مستقلة , ثم ~~يكون مقررا لأعظم الشرائع . | ولما تم ما قالته عند الوضع أو قاله الله في ~~تلك الحالة أتم سبحانه وتعالى الخبر عن بقية كلامها وأنها عدلت عن مظهر ~~الجلالة إلى الخطاب على طريق أهل الحضرة , وأكدت إعلاما بشدة رغبتها في ~~مضمون كلامها فقال حاكيا : { وإني سميتها مريم } ومعنى هذا الاسم بلسانهم : ~~العابدة . | قال الحرالي : فيه إشعار بأن من جاء بشيء أو قربه فحقه أن يجعل ~~له اسما , ورد أن السقط إذا لم يسم يطالب من حقه أن يسميه فيقول : يا رب ! ~~أضاعوني , فكان من تمام أن وضعتها أن تسميها , فيكون إبداؤها لها وضع عين ~~وإظهار اسم , لما في وجود الاسم من كمال الوجود في السمع كما هو في العين , ~~ليقع التقرب والنذر بما هو كامل الوجود عينا واسما . | ولما كانت محررة لله ~~سبحانه وتعالى كان حقا أن يجري الله سبحانه وتعالى إعاذتها قولا كما هو ~~جاعلها معاذة كونا من حيث هي له , وما كان في حمى الملك لا يتطرق إليه ~~طريدة فقالت : { وإني أعيذها بك } وفي قوله : { وذريتها } إشعار بما أوتيته ~~من علم بأنها ذات ذرية , فكأنها نطقت عن غيب من أمر الله سبحانه وتعالى مما ~~لا يعلمه إلا الله , فهو معلمه لمن شاء . | ولما كان من في حصن الملك وحرزه ~~بجواره بعيدا ممن أحرقه بنار البعد وأهانه بالرجم حققت الإعاذة بقولها : { ~~من الشيطان الرجيم * } وفي هذا التخليص لمريم عليها السلام بالإعاذة ~~ولذريتها حظ من التخليص المحمدي لما شق صدره ونبذ حظ الشيطان منه وغسل قلبه ~~بالماء والثلج في البداية الكونية , وبماء زمزم في البداية النبوية . | عند ~~الانتهاء ms0741 الكوني , فلذلك كان لمريم ولذريتها بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~اتصال واصل ؛ قال صلى الله عليه وسلم : ( أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم , ~~من أجل أنه ليس بيني وبينه نبي , وبما هو حكم أمامه في خاتمة يومه وقائم من ~~قومه دينه ) ولما أخبر بدعائها أخبر بإجابتها فيه فقال : { فتقبلها } فجاء ~~بصيغة التفعل مطابقة لقولها { فتقبل } , ففيه إشعار بتدريج وتطور وتكثر , ~~كأنه يشعر بأنها مزيد لها في كل طور PageV02P072 تتطور إليه , من حيث لم ~~يكن فاقبل مني فلم تكن إجابته { فقبلها } , فيكون إعطاء واحدا منقطعا عن ~~التواصل والتتابع , فلا تزال بركة تحريرها متجددا لها في نفسها وعائدا ~~بركته على أمها حتى تترقى لى العلو المحمدي فيتكون في أزواجه ومن يتصل به - ~~انتهى . | وجاء بالوصف المشعر بالإحسان مضافا إليها إبلاغا في المعنى فقال ~~: { ربها } قال الحرالي : وظهر سر الإجابة في قوله سبحانه وتعالى : { بقبول ~~حسن } حيث لم يكن ( يتقبل ) - جريا على الأول . | ولما أنبأ القبول عن معنى ~~ما أوليته باطنا أنبأ الإنبات عما أوليته ظاهرا في جسمانيتها , وفي ذكر ~~الفعل من ( أفعل ) في قوله : { وأنبتها } والاسم من ( فعل ) في قوله : { ~~نباتا حسنا } إعلام بكمال الأمرين من إمدادها في النمو الذي هو غيب عن ~~العيون وكمالها فيذاتية النبات الذي هو ظاهر للعين , فكمل في الإنباء ~~والوقوع حسن التأثير وحسن الأثر , فأعرب عن إنباتها ونباتها معنى حسنا - ~~انتهى . | فوقع لجواب لأنها عناية من الله سبحانه وتعالى بها على ما وقع ~~سؤالها فيه , فلقد ضل وافترى من قذفها وبهتها , وكفر وغلا من ادعى في ولدها ~~من الإطراء ما ادعى . | وقال الحرالي : وقد أنبأ سبحانه وتعالى في هذه ~~السورة الخاصة بقصة مريم عليها الصلاة والسلام من تقبلها وإنباتها وحسن ~~سيرتها بما نفي اللبس في أمرها وأمر ولدها , لأن المخصوص بمنزل هذه السورة ~~ما هو في بيان رفع اللبس الذي ضل به النصارى , فيذكر في كل سورة ما هو ~~الأليق والأولى بمخصوص منزلها , فلذلك ينقص الخطاب في القصة الواحدة في ~~سورة ما يستوفيه في سورة أخرى لاختلاف ms0742 مخصوص منزلها , كذلك الحال في القصص ~~المتكررة في القرآن من قص الأنبياء وما ذكر فيه لمقصد الترغيب والتثبيت ~~والتحذير وغير ذلك من وجوه التنبيه - انتهى , وفيه تصرف . | ولما كان ~~الصغير لا بد له فيما جرت به العادة من كبير يتولى أمره قال : { وكفلها } ~~قال الحرالي : من الكفل وهو حياطة الشيء من جميع جهاته حتى يصير عليه ~~كالفلك الدائر { زكريا } وفي قراءة التشديد إنباء بأن الله سبحانه وتعالى ~~هو في الحقيقة كفيلها بما هو تقبلها , وفي استخلاص لزكريا من حيث جعله يد ~~وكالة له فيها - انتهى . | ولما كان من شأن الكفيل القيام بما يعجز عنه ~~المكفول بين سبحانه وتعالى أن تلك الكفالة إنما كانت جريا على العوائد وأنه ~~تبين أن تقبل الله لها أغناها عن سواه فقال في جواب من لعله يقول : ما فعل ~~في كفالتها ؟ : { كلما } أي كان كلما { دخل عليها زكريا المحراب } أي موضع ~~العبادة . | وقال الحرالي : هو صدر لابيت ومقدمه الذي لا يكاد يوصل إليه ~~إلا بفضل منه وقوة وجهد حرب { وجد عندها رزقا } وذلك كما وجد PageV02P073 ~~عند خبيب بن عدي الأنصاري رضي الله تعالى عنه قطف العنب - كما سيأتي في آخر ~~المائدة , ومثل لك كثير في ههذ الأمة , وفي هذه العبارة أي من أولها إلاحة ~~لمعنى حسن كفالته وأنه كان يتفقدها عند تقدير حاجتها إلى الطعام بما تفيده ~~كلمة { كلما } من التكرار , فيجد الكفيل الحق قد عاجلها برزق من غيب بما هو ~~سبحانه وتعالى المتولي لإنباتها ليكون نباتها من غيب رزقه فتصلح لنفخ روحه ~~ومستودع كلمته , ولا يلحقها بعد الإعاذة ما فيه مس من الشيطان الرجيم الذي ~~أعاذها الله سبحانه وتعالى منه بكثرة الاختلاط في موجودات الأرزاق , فكان ~~من حفظها أن تولى الله سبحانه وتعالى أرزاقها من غيب إلا ما يطيبه من باد , ~~وليكون حسن نباتها من أحسن رزق الله سبحانه وتعالى كما يقال : من غذي بطعام ~~قوم غذي بقلوبهم ومن غذي بقلوبهم آل إلى منقلبهم , وكانت هي مثل ما كفلها ~~كافلها ظاهرا كفلته باطنا حين أبدى ms0743 الله سبحانه وتعالى له من أمره ما لم ~~يكن قبل بدا له , فكان لمريم عليها الصلاة والسلام توطئة في رزقها لما يكون ~~كماله في حملها فيكون رزقها بالكلمة ابتداء ليكون حملها بالكلمة , فعند ذلك ~~طلب زكريا عليه السلام نحو ما عاين لها من أن يرزقه الولد في غير إبانه كما ~~رزق مريم الرزق في غير أوانه , وفي تعيين محلها بالمحراب ما يليح معنى ما ~~ذكر من رجوليتها باطنا من حيث إن محل النساء أن يتأخرن فأبدى الله سبحانه ~~وتعالى في محلها ذكر المحراب إشارة بكمالها , والمحراب صدر البيت المتخذ ~~للعبادة , ويف لزومها لمحرابها في وقت تناول الرزق إعلام بأن الحبيس ~~والمعتكف بيته محرابه ومحرابه بيته , بخلاف من له متسع في الأرض ومحل من ~~غير بيت الله , إنما المساجد بيوت أهل الله المنقطعين إليه , فهو محلهم في ~~صلاتهم ومحلهم في تناول أرزاقهم , ففيه إشعار بحضورها , وحضور أهل العكوف ~~حضور سواء في صلاتهم وطعامهم , ولذلك أنمى حال العبد عند ربه بما هو عليه ~~في حال تناوله طعامه وشرابه , فأهل الله سبواء محياهم ومماتهم وأكلهم ~~وصلاتهم , من غفل عند طعامه قلبه لم يستطع أن يحضر في صلاته قلبه , ومن حضر ~~عند طعامه قلبه لم يغب في صلاته قلبه , وفي ذكر الرزق شائعا إشعار بأنها ~~أنواع من أرزاق من حيث إنه لو اختص يخص به ما هو أخص من هذا الاسم - انتهى ~~. | ولما كان كأنه قيل : فام كان يقول لاه إذا رأى ذلك ؟ قيل : كان كلما ~~وجد ذلك , أو : لما تكرر وجدانه لذلك { قال يا مريم أنى } أي من أين { لك ~~هذا } قال الحرالي : كلمة أنى تشعر باستغرابه وجود ذلك الرزق من وجوه ~~مختلفة : من جهة الزمان أنه ليس زمانه , ومن جهة المكان أنه ليس مكانه , ~~ومن جهة الكيف ووصوله إليها أنه ليس حاله , وفي ذكر الضمير في قوله : { ~~قالت هو من عند اله } إيذان بنظرها إلى مجموع حقيقة PageV02P074 ذلك الرزق ~~لا إلى أعيانه , فهو إنباء عن رؤية قلب , لا عن نظر عين لأن ms0744 هو كلمة إضمار ~~جامعة لكل ما تفصلت صورة مما اتحد مضمره , ولما لم يكن من معهود ما أظهرته ~~حكمته سبحانه مما يجريه على معالجات أيدي الخلق قالت { من عند الله } ذي ~~الجلال والإكرام , لأن ما خرج من معهود معالجة الحكمة فهو من عنده , وما ~~كان مستغربا فيما هو من عنده فهو من لدنه , فهي ثلاث رتب : رتبة لدنية , ~~ورتبة عندية , ورتبة حكمية عادية ؛ فكان هذا وسط الثلاث - كما قال تعالى : ~~< # > 77 ( { آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنه علما } ) 77 < # > [ الكهف : 65 ] حيث كان مستغربا عند أهل الخصوص كما قال : < # > 77 ( { أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا } ) 77 < # > [ الكهف : 71 ] والإمر العجب , ولعلو رتبته عن الرتبة العادية جرى ~~النبأ عنه مضافا إلى الاسم العظيم الذي هو مسمى الأسماء كلها من حيث لم يكن ~~{ من عند ربي } لما في ذكر اسم الربوبية من إشعار بمادة أو قريب منها أو ما ~~كان من نحوها كما قال < # > 77 ( { هذا من فضل ربي } ) 77 < # > [ النمل : 40 ] لما كان من عادته المكنة على الملوك , وكان ممكنا فيما ~~أحاط به موجود الأركان الأربعة - انتهى . | ولما أخبرت بخرقه سبحانه وتعالى ~~لها العادة عللت ذلك بقولها مؤكدة تنبيها على أن ذلك ليس في قدرة ملوك ~~الدنيا : { إن الله } أي الذي له الإحاطة الكلية . قال الحرالي : في تجديد ~~الاسم العظيم في النبأ إشعار باتساع النبأ وإيذان وإلاحة بأن ذلك يكون لك ~~ولمن شاء الله كما هو لي بما شاء الله , من حيث لم يكن أنه فيكون مليحا ~~لاختصاص ما بها , ويؤيده عموم قولها : { يرزق من يشاء } وقولها : { بغير ~~حساب * } يشعر بأنه عطاء متصل , فلا يتحدد ولا يتعدد , فهو رزق لا متعقب ~~لعيه , لأن كل محسوب في الإبداء محاسب عليه في الإعادة , فكان في الرزق ~~بغير حساب من علاج الحكمة بشرى برفع الحساب عنهم في المعاد وكفالة بالشكرة ~~عنه , لأن أعظم الشكر لرزق الله سبحانه وتعالى معرفة العبد بأنه من الله ~~تعالى , إنما يشكر رزق الله من أخذه من ms0745 الله سبحانه وتعالى - انتهى . | ~~ولما كان كأنه قيل : فما قال زكريا حينئذ ؟ قيل : { هنالك } أي في ذلك ~~الوقت وذلك المكان العظيمي المقدار { دعا زكريا ربه } تذكرا لام عودهم الله ~~سبحانه وتعالى به من الإكرام , فظهرت عليه كرامات هذه الكفالة , قال ~~الحرالي : لما أشهده الله سبحانه وتعالى أنه يخرق عادئته لمن شاء بكلمته في ~~حق كفيلته في الظاهر , الكافلة له في هذا المعنى , دعا ربه الذي عوده ~~بالإحسان أن يرزقه ولدا في غير إبانه كما رزق مريم رزقا في غير زمانه فوجب ~~دعاؤه - انتهى . | { قال رب } أي الذي عودني بإحسانه { هب لي من ~~PageV02P075 لدنك } قال الحرالي : طلب عليه من باطن الأمر كما قال سبحانه ~~وتعالى : ^ ( { وعلمناه من لدنا علما } ) ^ [ الكهف : 65 ] , وكما قال فيه ~~^ ( { وحنانا من لدنا } ) ^ [ مريم : 13 ] , لأن كل ما كان من لدن فهو أبطن ~~من عند { ذرية } فيه إشعار بكثرة ونسل باق , فأجيب بولد فرد لما كان زمان ~~انتهاء في ظهور كلمة الروح وبأنه لا ينسل فكان يحيي حصورا لغلبة الروحانية ~~على إنسانيته - انتهى . | { طيبة } أي مطيعة لك لأن ذلك طلبة أهل الخصوص , ~~ثم علل إدلاله على المقام الأعظم بالسؤال بقوله : { إنك سميع الدعاء } أي ~~مريده ومجيبه لأن من شأن من يسمع - ولم يمنع - أن يجب إذا كان قادرا كاملا ~~, وقد ثبتت القدرة بالربوبية الكاملة التي لا تحصل إلا من الحي القيوم , ~~بخلاف الأصنام ونحوها مما عبد فإنها لا تسمع , ولو سمعت لم تقدر على ~~الإجابة إلى ما تسأل فيه لأنها مربوبة . | قال الحرالي : أعلم الداعي بما ~~لله سبحانه وتعالى من الإجاة , والقرب ( وسيلة في قبول ) دعائه - انتهى . | ~~< < # | آل عمران : ( 39 - 43 ) فنادته الملائكة وهو . . . . . # > > ^ ( فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى ~~مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين * قال رب أنى يكون لي ~~غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشآء * قال رب ~~اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك ms0746 كثيرا ~~وسبح بالعشي والإبكار * وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفاك وطهرك ~~واصطفاك على نسآء العالمين * يمريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين ) ~~^ } ) | ولما كان الله سبحانه وتعالى عند ظن عبده به سمع دعاءه كما قال { ~~فنادته } أي فتسبب عن دعائه وحسن رجائه أن نادته { الملائكة } يعني هذا ~~النوع , لا كلهم بل ناداه البعض , وكان متهيئا بما آتاه الله سبحانه وتعالى ~~من المفضل لمناداة الكل , كما هو شأن أهل الكمال من الرسل { وهو قائم يصلي ~~في المحراب } وهو موضع محاربة العابد للشيطان , وهو أشرف الأماكن لذلك . | ~~قال الحرالي : فيه إشعار بسرعة إجابته ولزومه معتكفه وقنوته في قيامه وأن ~~الغالب على صلاته القيام لأن الصلاة قيام , وسجود يقابله , وركوع متوسط , ~~فذكرت صلاته بالقيام إشعارا بأن حكم القيام غالب عليها - انتهى . | ثم ~~استأنف في قراءة حمزة وابن عامر بالكسر لجواب من كأنه قال : بأي شيء نادته ~~الملائكة ؟ قوله : { أن الله يبشرك } قال الحرالي : فذكر الاسم الأعظم ~~المحيط معناه بجميع معاني الأسماء , ولم يقل إن ربك لما كان أمر إجابته من ~~وراء الحكمة العادية ؛ وفي قوله : { بيحيى } مسمى بصيغة الدوام - مع أنه ~~كما قيل : قتل - إشعار بوفاء حقيقة PageV02P076 الروحانية الحياتية فيه ~~دائما , لا يطرقه طارق موت الظاهر حيث قتل شهيدا - انتهى . | { مصدقا بكلمة ~~} أي نبي خلق بالكلمة لا بالمعالجة العادية , يرسله الله سبحانه وتعالى إلى ~~عباده فيكذبه أكثرهم ويصدقه هو , وإطلاق الكلمة عليه من إطلاق السبب على ~~المسبب قال الحرالي : فكان عيسى عليه الصلاة والسلام كلمة الله سبحانه ~~وتعالى , ويحيى مصدقه بما هو منه كمال كلمته حتى أنهما في سماء واحدة , ففي ~~قوله : { من الله } إشعار بإحاطته في ذات الكلمة - انتهى { وسيدا وحصورا } ~~أي فلا يتزين بزينة لأنه بالغ الحبس لنفسه والتضييق لعيها في المنع من ~~النكاح . | قال في القاموس : والحصور من لا يأتي النساء وهو قادر على ذلك , ~~أو الممنوع منهن , أو من لا يشتهيهن ولا يقربهن , والمجبوب - والهيوب ~~المحجم عن الشيء . | وقال الحرالي : وهو من الحصر وهو المنع عما شأن الشيء ms0747 ~~أن يكون مستعملا فيه - انتهى { ونبيا } ولما كان النبي لا يكون إلا صالحا ~~لم يعطف بل قال : { من الصالحين * } إعلاما بمزية رتبة الصلاح واحتراز من ~~المتنبيين , فكأنه قيل : فما قال حين أجابه ربه سبحانه وتعالى ؟ فقيل : { ~~قال } يستثبت بذلك ما يزيده طمأنينة ويقينا وسكينة { رب } أي أيها المحسن ~~إلي . | ولما كان مطلوبه ولدا يقوم مقامه فيما هو فيه نم النبوة التي لا ~~يطيقها إلا الذكور الأقويا الكلمة , وكانت العادة قاضية بأن ولد الشيخ يكون ~~ضعيفا لا سيما إن كان حرثه مع الطعن في السن في أصله غير قابل للزرع أحب أن ~~يصرح له بمطلوبه فقال : { أنى } أي كيف ومن أين { يكون لي } وعبر بما تدور ~~مادته على الغلبة والقوة زيادة في الكشف فقال : { غلام } وفي تعبيره به في ~~سياق الحصور دليل على أنه في غاية ما يكون من صحة الجسم وقوته اللازم من ~~شدة الداعية إلى النكاح , وهو مع ذلك يمنع نفسه منه منعا زائدا على الحد , ~~لما عنده من غلبة لاشهود اللازم منه الإقبال على العبادة بكليته والإعراض ~~عن كل ما يشغل عنها جملة لا سيما النكاح , بحيث يظن أنه لا إرب له فيه , ~~وهذا الموافق للتعبير الأول للحصور في القاموس , وهو الذي ينبغي ألا يعرج ~~على غيره لأنه بناء مبالغة من متعد , ولأنه أمدح له صلى الله عليه وسلم , ~~ومهما دار الشيء على صفة الكمال في الأنبياء عليهم السلام وجب أن لا يعدل ~~عنه , وما ورد - كا يأتي إن شاء الله تعالى في سورة مريم عليها السلام - أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ذكره مثل هذه القذاة ) فقد ضعفوه , وعلى ~~تقدير صحته فيكون ذلك إخبارا عن أنه لما أعرض عنه رأسا ضعف ما معه ~~PageV02P077 لذلك , فهو إخبار عن آخر أمره الذي أدت إليه عزيمته , والآية ~~مشيرة إلى ما اقتضته خلقته وغريزته وإن كان الجمع لكمال الوجود الإنساني ~~بالنكاح أكمل كما وقع لنبينا صلى الله عليه وسلم ويقع لعيسى عليه السلام ~~بعد نزوله { وقد } أي والحال أنه قد ms0748 { بلغني الكبر } إلى حد لا يولد فيه ~~عادة { وامرأتى عاقر } قال الحرالي : من العقر وهو البلوغ إلى حد انقطاع ~~النسل هرما - انتهى ؛ كذا قال , وآية سورة مريم تدل على أن المعنى أنها لم ~~تزل عقيما , وعليه يدل كلام أهل اللغة , قال في القاموس في الراء : العقرة ~~وتضم : العقم , وقد عقرت كعنى فهي عاقر , ورجل عاقر وعقير : لا يولد له ولد ~~, والعقرة كهمزة : خرزة تحملها المرأة لئلا تلد , وقال في الملم : العقم ~~بالضم : هزمة تقع في الرحم فلا تقبل الولد , عقمت كفرح ونصر وكرم وعنى , ~~ورحم عقيم وامرأة عقيم ورجل عقيم : لا يولد له , وقال الإمامان أبو عبد ~~الله القزاز في ديوانه وعبد الحق في واعيه : والعقر بضم العين وسكون القاف ~~مصدر العاقر من النساء وهي التي لا تحمل من غير داء ولا كبر , يقال : ~~الإمام أبو غالب ( ابن التياني ) في كتابه الموعب صاحب [ تلقيح ] العين : ~~العقر مصدر العاقر من النساء وهي التي لا تحمل من غير داء ولا كبر , لكن ~~خلقة , ثم قال وتعقرت : إذا ولدت ثم أمسكت - والله الموفق . | ثم وصل به ~~قوله : { قال كذلك } أي مثل هذا الفعل الجليل البعيد الرتبة . | ولما كان ~~استنباؤه عن القوة والكمال لا عن الخلق عبر سبحانه في تعليل ذلك بالفعل ~~بخلاف ما يأتي في قصة مريم عليها السلام فقال : { الله يفعل ما يشاء * } ~~لأنه المحيط بكل شيء قدرة وعلما فكأنه قيل : قد قرت عينه فا قال ؟ قيل { ~~قال } إرادة تعجيل البشرى وتحقيق السراء : { رب اجعل لي آية } أي علامة ~~أعلم بها ذلك { قال آيتك ألا تكلم الناس } أي لا تقدر على أن تكلمهم بكلام ~~دنيوي { ثلاثة أيام } ولما كان الكلام يطلق على الفعل مجازا استثنى منه ~~قوله : { إلا رمزا } لتخلص هذه المدة للذكر شكرا على النعمة فاحمد ربك على ~~ذلك . | قال الحرالي : والرمز تلطف في الإفهام بإشارة تحرك طرف كاليد ~~واللحظ والشفتين ونحوها , والغمز أشد منه باليد ونحوها - انتهى . | فعدم ~~الكلام مع صحة آلته دليل إيجاد المتكلم مع ضعف آلته إلى حد ms0749 لا يتكون عنها ~~عادة , ولما كان الأتم في القدرة أن يحبس عن كلام دون آخر قال : ~~PageV02P078 { واذكر ربك } أي بالحمد وهو أن تثبت له الإحلاطة بكل كمال { ~~كثيرا } في الأيام التي منعت فيها من كلام الناس خصوصا , وفي سائر أوقاتك ~~عموما { وسبح } أي أوقع التسبيح لمطلق الخيليل ربك بأن تنفي عنه كل نقص { ~~بالعشي } وقال الحرالي : من العشو وأصل معناه : إيقاد نار على علم لمقصد ~~هدى أو قرى ومأوى على حال وهن , فسمي به عشي النهار لأنه وقت فعل ذلك , ~~ويتأكد معناه في العشاء , ومنه سمي الطعام : العشاء { والإبكار * } وأصله ~~المبادرة لأول الشيء , ومنه التبكير وهو السرعة , والباكورة وهو أول ما ~~يبدو من الثمر , فالإبكار اقتطاف زهرة النهار وهو أوله - انتهى . | ولما ~~فرغ مما للكافل بعد ما نوه بأمر المكفولة بيانا لاستجابة الدعاء من أمها ~~لها أعاد الإشارة بذكرها والإعلام بعلي قدرها فقال عاطفا على ما تقديره : ~~هذا ما للكافل فاذكره لهم فإنهم لا يشكون معه في نبوتك : { و } اذكر { إذ ~~قالت الملائكة } وعبر بالجمع والمراد جبريل وحده عليه الصلاة والسلام كما ~~في سورة مريم عليها السلام لتهيئها لخطاب كل منهم كما مضى { يا مريم إن ~~الله } أي الذي له الأمر كله { اصفطاك } أي اختارك في نفسك , لا بالنظر إلى ~~شيء آخر عما يشين بعض من هو ي نفسه خيار { وطهرك } أي عن كل دنس { واصطفاك ~~} أي اصطفاء خاصا { على نساء العالمين * } الاصطفاء الأول العبراني إلى ~~اصطفاء على عربي حتى أنكحت من محمد صلى الله عليه وسلم النبي العربي ؛ قال ~~صلى الله عليه وسلم لخديجة رضي الله عنها : ( أما شعرت أن الله سبحانه ~~وتعالى زوجني معك مريم بنت عمران ) - انتهى . | ولما أخبرها سبحانه وتعالى ~~بما اختصها به أمرها بالشكر فقال : { يا مريم اقنتي } أي أخلصي أفعالك ~~للعبادة { لربك } الذي عودك الإحسان بأن رباك هذه التربية . | ولما قدم ~~الإخلاص الذي هو روح العبادة أتبعه أشرفها فقال : { واسجدي } فإن أقرب ما ~~يكون العبد من ربه وهو ساجد . | قال الحرالي : وكان من اختصاص ms0750 هذا الاصطفاء ~~العلي - أي الثاني - ما اختصها من الخطاب بالركوع الذي لحقت به بهذه الأمة ~~الراكعة التي أطلعها الله سبحانه وتعالى من سر عظمته التي هي إزاره على ما ~~لم يطلع عليه أحدا ممن سواها في قوله : { واركعي مع الراكعين * } كما قال ~~لبني إسرائيل عند الأمر بالملة المحمدية < # > 77 ( { واركعوا مع الراكعين } ) 77 < # > [ البقرة : 43 ] - إلى ما يقع من كمال ما بشرت به حيث يكلم الناس كهلا ~~في خاتمة اليوم المحمدي , ويكمل له الوجود الإنساني حيث PageV02P079 يتزوج ~~ويولد له - كما ذكر , ولك كله فيما يشعر به ميم التمام في ابتداء الاسم ~~وانتهائه , وفيما بين لاتمامين من كريم التربية لها ما يشعر به الراء من ~~تولي الحق لها في تربيتها ورزقها , وما تشعر به الياء من كمالها الذي اختصت ~~على عالمها - انتهى . | والمراد باتباع قصتها لما مضى التنبيه على انخراطها ~~في سلك ما مضى من أمر آدم ويحيى إفصاحا , وإبراهيم في ابنية إلاحة في خرق ~~العادة فيهم , وأن تخصيصها بالإنكار أو التعجب والتنازع مع الإقرار بأمرهم ~~ليس من أفعال العقلاء ؛ والظاهر أن المراد بالسجود في هذا المقام ظاهره ~~وبالركوع الصلاة نفسها , فكأنه قيل : واسجدي مصلية ولتكن صلاتك مع المصلين ~~أي في جماعة , فإنك في عداد الرجال لما خصصت به من الكمال , ولم يقل : مع ~~الراكعات , لأن الاقتداء بالرجال أفضل وأشرف وأكمل , وإنما قلت هذا لأني ~~تتبعت التوراة فلم أره ذكر فهيا الركوع في صلاة إبراهيم عليه السلام ولا من ~~بعده من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا أتباعهم إلا في موضع واحد لا ~~يحسن جعله فيه على ظاهره , ورأيته ذكر الصلاة فهيا على ثلاثة أنحاء : الأول ~~إطلاق لفظها من غير بيان كيفية , والثاني إطلاق لفظ السجود مجردا , والثالث ~~إطلاقه مقرونا بركوع أو جثو أو خرور على الوجه ونحو ذلك ؛ ففي السفر الأول ~~منها في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ماتت زوجته سارة رضي الله ~~تعالى وسأل بني حاث أهل تلك الأرض أن يعطوه مكانا يدفنها فيه فأجابوه : ~~فقام إبراهيم فسجد لشعب ms0751 الأرض بني حاث وكلمهم ؛ وفيه في قصة ربانية قال : ~~وسجد على الأرض وقال : يا رب - فذكر دعاء ثم قال : وصلى إبراهيم بين يدي ~~الرب ؛ وفيه في قصة عبد لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه ذهب إلى بلاد ~~حران يخطب لإسحاق عليه السلام امرأة فظفر بقصده : فجثا الرجل - أي عبد ~~إبراهيم - على الأرض فسجد للرب وقال : تبارك الله رب سيدي إبراهيم ؛ وفيه ~~لما أجابه أهل المرأة : فلما سمع غلام إبراهيم كلامهم سجد على الأرض قدام ~~المرأة , فسجدوا - أي لعيصوا , ودنت لنا وولدها فسجدوا ؛ فلما كان أخيرا ~~دنت راحيل ويوسف فسجدوا ؛ وفيه في قصة يوسف عليه السلام : ودنا إخوته فخروا ~~له سجدا وقالوا ل : ها نحن لك عبيد ؛ وفي السفر الثاني عند قدوم موسى عليه ~~الصلاة والسلام إلى بني إسرائيل وإخباره لهم بإرسال الله سبحانه وتعالى له ~~وإظهاره لهم الآيات : فآمن الشعب وسمعوا في خروجهم من مصر : فركع الشعب كله ~~ساجدا لله سبحانه وتعالى ؛ وفيه : فاستعجل موسى فخر على وجهه على الأرض ~~ساجدا ؛ وفيه في تلقي موسى عليه السلام لخنته PageV02P080 شعيب عليهما ~~السلام إذ جاءه يهنئه بما أنعم الله عليه بعد غرق فرعون : فخرج موسى يتلقى ~~خنته وسجد له وقبله وسأل كل منهما عن سلامة صاحبه ؛ وفيه : وقال الله ~~سبحانه وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام عند ما بشره بقتل الكنعانيين ~~وغيرهم من سكان بلاد والقدس : لا تسجدوا لآلهتهم ولا تعبدوها ولا تفعلوا ~~كأفعالهم - بل كبهم كبا على وجوههم وكسر أصنامهم - واعبدوا الرب إلهكم , ~~وفي أوائل السفر الثالث في ذكر ظهور مجد الرب لهم في قبة الزمان التي كانوا ~~يصلون إليها على حياة موسى عليه الصلاة والسلام : وعاين ذلك جميع الشعب ~~وحمدوا الله سبحانه وتعالى وخر الشعب كله على وجهه , وفي الرابع عندما هم ~~بنو إسرائيل بالرجوع إلى مصر تضجرا من حالهم : فخر موسى وهارون عليهما ~~السلام على وجوههما ساجدين بين يدي جماعة بني إسرائيل كلها ؛ وفيه : وكلم ~~الرب موسى وهارون وقال لهما : تنحيا عن هذه الجماعة لأني مهلكها , فخرا ~~ساجدين على وجوههما ؛ وفيه ms0752 عندما تذمروا عليه من أجل العطش : فجاء موسى ~~وهارون من عند الجماعة إلى باب قبة الزمان فخرا على وجوههما فظهر لهما مجد ~~الرب - فذكر قصة ضرب الحجر بالعصا وانفجار الماء ؛ وفيه في قصة بلعام بن ~~باعور حين رأى ملكا في طريقه فجثا على وجهه ساجدا . | وأما إطلاق لفظ ~~الصلاة فقال في آخر لاسفر الثاني : وكان إذا خرج موسى عليه الصلاة والسلام ~~إلى قبة الزمان كان جميع الشعب يقفون ويستعد كل امرىء منهم على باب خيمته , ~~وينظرون إلى موسى عليه الصلاة والسلام من خلفه حتى يدخل إلى القبة , وإذا ~~دخل موسى القبة كان ينزل عمود السحاب فيقف على باب القبة , ويكلم موسى وكان ~~جميع الشعب ينظرون إلى عمود السحاب واقفا على باب القبة وكان يقف جميع ~~الشعب ويصلي كل امرىء منهم على باب خيمته ؛ وفيه : وعمل سطلا من نحاس فنصبه ~~عند منظر النسوة اللاتي يأتين فيصلين على باب قبة الأمد . | وكل ما فيها من ~~ذكر الصلاة فهكذا يطلق لفظه غير مقرون بما يرشد إلى كيفية , فلا فائدة في ~~سرده ؛ وهذا القبة أمر الله سبحانه وتعالى موسى عليه الصلاة والسلام ~~باتخاذها مظهر المجد وأن يجعلها كهيئة الغمام الذي ظهر له مجده تعالى فيه ~~في جبل طور سيناء , وهي من غرائب الدهر في الارتفاع والسعة والهيئة , ففيها ~~من الخشب والبيوت والتوابيت والأعمدة والجواهر وصفائح الذهب والفضة والنحاس ~~والسرداقات والستور من الحرير والأرجوان والكتاب والأطناب وغير ذلك مما يكل ~~عنه الوصف , وكله بنص نم الله سبحانه وتعالى على الطول والعرض والوزن ~~والمحل بحيث إنه كان فيها من صفائح الذهب ومساميره ونحوها تسعة وعشرون ~~قنطارا وأربعمائة وثلاثون مثقالا PageV02P081 بمثقال القدس , ومن الفضة ~~مائة قنطار وألف وسبعمائة وسبعون مثقالا , ومن النحاس سبعون قنطارا وألفان ~~وأربعمائة مثقال ؛ وكانت هذه القبة تنصب في مكان من الأرض وينزل بنو لاوي ~~سبط موسى عليه الصلاة والسلام وهارون حولها يخدمونها بين يدي هارون عليه ~~الصلاة والسلام وبنيه , ومن دنا منها من غيرهم احترق , وينزل أسباط بني ~~إسرائيل حولي بني لاوي , لكل ms0753 سيط منزلة لا يتعداها من شرقها وغربها وجنوبها ~~وشمالها , كل ذلك بأم رمن الله سبحانه وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام ؛ ~~وكان السحاب يغشاها بالنهار , وكان النار تضيء عليها بالليل وتزهر , فما ~~دام السحاب مجللا لها فهم مقيمون , فإذا ارتفع عنها كان إذنا في سفرهم . | ~~فالذي فهمته من هذه الأماكن وغيرها أن الصلاة عندهم تطلق على الدعاء وعلى ~~فعل هو مجرد السجود , فإن ذكر معه ما يدل على وضع الوجه على الأرض فذاك ~~حينئذ يسمى صلاة , وإلا كان المراد به مطلق الانحناء للتعظيم , وذلك موافق ~~للغة , قال في القاموس : سجد : خضع ؛ والخضوع التطأمن , وأما المكان الذي ~~فيه ذكر الركوع فالظاهر أن معناه : فصلى الشعب كله ساجدا لله سبحانه وتعالى ~~, لأن الركوع في اللغة يطلق على معان مناه الصلاة , يقال : ركع - أي صلى , ~~وركع - إذا انحنى كبوا , والراكع من يكبو على وجهه , ولا يصح حمل الركوع ~~على ظاهره , لأنه لا يمكن في حال السجود , وإن ارتكب فيه تأيول لم يكن ~~بأولى مما ذكرته في الركوع - والله سبحانه وتعالى أعلم , واحتججت باللغة ~~لأن مترجم النسخة التي وقعت لي في عداد البلغاء , يعرف ذلك من تأمل مواقع ~~ترجمته لها , على أني سألت عن صلاة اليهود الآن فأخبرت أنه ليس فيها ركوع , ~~ثم رأيت البغوي صرح في تفسير قوله سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { واركعوا مع الراكعين } ) 77 < # > [ البقرة : 43 ] بأن صلاتهم لا ركوع فيها , وكذا بان عطية وغيرهما ولما ~~كان المقصود من ذكر هذه الآيات بيان الخوارق التي كانت لآل عمران من زكريا ~~ويحيى وعيسى وأمه عليهم الصلاة والسلام للمجادلة بالحق في أمر عيسى عليه ~~الصلاة والسلام , وبيان أن ما أشكل عليهم من أمره ليس خارجا عن إشكال ~~الخوارق في آله , وكان الرد على كل طائفة بما تعتقد أولى وجب ذك رذلك من ~~الأناجيل الأربعة الموجودة الآن بين أظهر النصارى : ذكر قصة يحيى عليه ~~الصلاة والسلام في حمله فجعلتها شيئا واحدا على وجه ألم بعضه بأول أمر ~~المسيح عليه الصلاة والسلام , قال مترجمها في أول إنجيل ms0754 لوقا : كان في أيام ~~هيرودس ملك اليهودية كاهن , أي حبر إمام , اسمه زكريا من خدمة آل أبيا , ~~وامرأته من بنات هارون واسمها اليصابات , وكانا كلاهما PageV02P082 تقيين ~~قدام الله سائرين ي جميع وصاياه وحقوق الرب بغير عيب , ولم يكن لهما ولد ~~لأن اليصابات كانت عاقرا , وكانا كلاهما قد طعنا في أيامهما , فبينما هو ~~يكهن في أيام ترتيب خدمته أما الله كعادة الكهنوت إذ بلغته نوبة وضع البخور ~~فجاء ليبخر , فدخل إلأى هيكل الله وجميع الشعب يصلون خارجا في وقت البخور , ~~فتراءى له ملاك الرب قائما عن يمين مذبح البخور , فلام رآه زكريا اضطرب ~~ووقع عليه خوف فقال له الملاك : لا تخف يا زكريا ! قد مسعت طلبتك , وأمرأتك ~~اليصابات تلد ابنا , ويدعي اسمه يوحنا , ويكون لك فرح وتهلل , وكثير يفرحون ~~بمولده , يوكون عظيما قدام الرب , لا يشرب خمرا ولا سكرا , ويمتلىء من روح ~~القدس وهو في بطن أمه , ويعيد كثيرا من بني إسرائيل إلى إلههم , وهو يتقدم ~~أمامه بالروح وبقوة الياء , ويقبل بقلوب الآباء على الأبناء والعصاة إلى ~~علم الأبرار , ويعد للرب شعبا مستقيما , فقال زكريا للملاك : كيف أعلم هذا ~~وأنا شيخ وامرأتي قد طعنت في أيامها ؟ فأجاب الملاك وقال : أنا جبريل ~~الواقف قدام الله , أرسلت أكلمك بهذا وأبشرك , ومن الآن تكون صامتا , لا ~~تستطيع أن تتكلم إلى اليوم الذي يكون هذا . | وكان الشعب منتظرين زكريا ~~متعجبين من إبطائه في الهيكل , فلما خرج لم يقدر يكلمهم , فعلموا أنه قد ~~رأى رؤيا في الهيكل , فكان يشير إليهم , وأقام صامتا , فلما كملت أيام ~~خدمته مضى إلى بيته , ومن بعد تلك الأيام حملت الياصابات امرأته , وكتمت ~~حملها خمسة أشهر قائلة : هذا ما صنع بي الرب في الأيام التي نظر إلي فياه ~~لينزع عني العار بين الناس , ولما كانت في الشهر السادس أرسل جبريل عليه ~~الصلاة والسلام الملاك من عند الله سبحانه وتعالى إلى مدينة في الجليل تسمى ~~ناصرة إلى عذراء خطيبة لرجل اسمه يوسف من بيت داود , واسم العذراء مريم , ~~فلما دخل إليها الملاك قال ms0755 لها : افرحي يا ممتلئة نعمة الرب معك ! مباركة ~~أنت في النساء , فلما رأته اضطربت من كلامه وفكرت قائلة ما هذا السلام ؟ ~~فقال لها الملاك : لا تخافي يا مريم ! فقد ظفرت بنعمة من عند الله سبحانه ~~وتعالى وأنت تقبلين حبلا وتلدين ابنا , ويدعى اسمه يسوع , هذا يكون عظيما , ~~وابن العذراء يدعى , ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه , ويملك على بيت ~~يعقوب إلأى الأبد , وللا يكون لملكه انقضاء , فقالت مريم للملاك : كيف يكون ~~هذا ولا أعرف رجلا ؟ فأجاب الملاك وقال لها : روح القدس يحل عليك وقوة ~~العلي تقبلك , فإنه ليس عند الله سبحانه وتعالى أمر عسير , فقالت مريم : ~~هانذا عبدة الرب فيكون في كقولك , وانصرف عنها الملاك , فقامت مريم في تلك ~~الأيام ومضت مسرعة إلى عين كرم إلى مدينة يهودا , ودخلت إلى بيت زكريا ~~فسلمت على اليصابات , فلما سمعت PageV02P083 اليصابات صوت سلام مريم تحرك ~~الطفل في بطنها , فامتلأت اليصابات من روح القدس وصرخت بصوت عظيم وقالت : ~~مباركة أنت في النساء ! ومباركة ثمرة بطنك ! من أين لي هذا أن يأتي أمر ربي ~~إلي , منذ وقع صوت سلامك في أذني تحرك الطفل بتهليل في بطني , فطوبى للتي ~~آمنت أن يتم لها ما قيل من الرب ! فقالت مريم : تعظم نفسي بالرب ويتهلل ~~روحي بالله مخلصي لأنه نظر إلى تواضع عبدته , وقدوس اسمه , ورحمته لخائفيه ~~, صنع القوة بذراعه وفرق المستكبرين بفكر قلوبهم , أنزل القادرين عن ~~الكراسي ورفع المتواضعين , أشبع الجياع من الخيرات , فأقامت مريم عليها ~~السلام عندها نحوا من ثلاثة أشهر وعادت إلى بيتها . | ولما تم زمان ~~اليصابات لتلد ولدت ابنا , فسمع جيرانها وأقاربها أن الرب قد أعظم رحمته ~~معها , ففرحوا لها , فلما كانت في اليوم الثامن جاؤوا ليختنوا الصبي ودعوه ~~باسم أبيه زكريا فأجاب أمه قائلة : لا ولكن ادعوه يوحنا , فقالوا لها : ليس ~~أحد في جنسك يدعى بهذا الاسم , فأشاروا إلى أبيه : ما تريد أن تسميه ؟ ~~فاستدعى لوحا وكتب قائلا : يوحنا , فتعجب جميعهم , وانفتح فوه قائلا من ~~ساعته ولسانه , وتكلم وبارك , ووقع خوف عظيم على ms0756 جميع جيرانهم , وتحدث بهذا ~~الكلام في جميع تخوم يهودا , وفكر جميع السامعين في قلوبهم قائلين : ماذا ~~ترى يكون من هذا الصبي ! ويد الرب كانت معه , فامتلأ زكريا أبوه من روح ~~القدس وبدأ قائلا : تبارك الرب إله إسرائيل الذي اطلع وصنع نجاة لشعبه ~~وأقام لنا قرن خلاص من بيت داود فتاه كالذي تكلم على أفواه أنبيائه ~~القديسين من الأبد , خلاص من أعدائنا ومن يدي كل مبغضا , صنع رحمة مع ~~آبائنا , وذكر عهدة القديس : القسم الذي عهد به لإبراهيم أبينا ليعطينا ~~الخلاص بلا خوف من يدي أعدائنا لنخدمه بالبر والعدل قدامه في كل أيام ~~حياتنا , وأنت ايها الصبي نبي العلاء تدعى , واتنطلق قدام وجه الرب لتصلح ~~طريقة ليعطي علم الخلاص لشعبه لمغفرة الخطايا بتحنن ورحمة , إلهنا الذي ~~افتقدنا شرق من العلو ليضيء للجالس في الظلمة وظلال الموت لتستقيم سبل ~~أرجلنا للسلامة . | فأما الصبي فكان يشب ويتقوى بالروح وأقام في البرية إلى ~~يوم ظهوره لإسرائيل , وفي سنة خمس عشرة من ولاية طيباريوس قيصر وفيلاطوس ~~النبطي على اليهودية وهيرودس رئيس الجليل , وفيلوس أخوه على ربع الصورية ~~وكورة أبطر حيون وأوساسوس رئيس على ربع الإيليا , وحنان وقيافا رؤساء ~~الكهنة , حلت كلمة الله سبحانه وتعالى على يوحنا بن زكريا في البرية فجاء ~~إلى كل البلاد المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا - كا ~~هو مكتوب فس سفر كلام أشعيا النبي - قائلا : صورت صارخ في PageV02P084 ~~البرية : أعدوا طريق الرب فاصنعوا سبله مستقيمة , جميع اأودية تمتلىء وجميع ~~الجبال والآكام تتضع , ويصير الوعر سهلا والخشنة إلى طريق سهلة , ويعاين كل ~~ذي جسد خلاص الله سبحانه وتعالى ؛ وفي إنجيل متى : وفي تلك الأيام جاء ~~يوحنا المعمدان يكرز في برية يهودا ويقول : توبوا فقد اقترب ملكوت السماوات ~~- هذا هو الذي في أشعيا النبي : إذ يقول صوت صارخ , وقال مرقس : مكتوب في ~~أشعيا النبي : هوذا أنا مرسل ملاكي أمام وجهك ليسهل طريقك قدامك , ثم ~~استغنى صوت صارخ في البرية : أعدوا طريق الرب وسهلوا سبله , وكان لباس ~~يوحنا وبر الإبل , ومنطقته جلدا على ms0757 حقويه , وكان طعامه الجراد وعسل البر , ~~حينئذ خرجوا إليه من يروشليم , وكل اليهودية وجميع كور الأردن , وكان ~~يعمدهم في نهر الأردن معترفين بخطاياهم ؛ وفي مرقس : كان يوحنا يعمد في ~~القفر ويكرز بمعمودية التوبة لغفران الخطايا , صلى الله عليه وسلم # 1548 ; وكان يخرج إليه جميع كور يهودا وكل يروشليم فيعمدهم في نهر الأردن ~~معترفين بخطاياهم فقال للجمع الذين يأتون غليه ويعتمدون منه : يا ثمرة ~~الأفاعي ! وفي متى : فلما رأى كثيرا من الفريسيين والزنادقة يأتون إلى ~~معموديته قال لهم : يا أولاد الأفاعي - ثم اتفق هو ولوقا - من دلكم على ~~الهرب من الغضب الآتي ؟ اعملوا الآن ثمارا تليق بالتوبة ولا تقولوا في ~~نفوسكم : إن أبانا إبراهيم , أقول لكم : إن الله سبحانه وتعالى قادر أن ~~يقيم من هذه الحجارة أولادا لإبراهيم ها هوذا الفأس موضوع على أصول الشجر , ~~وكل شجرة لا تثمر ثمرة طيبة تقطع وتلقى في النار , فسأله الجموع , ماذا ~~نصنع ؟ أجاب وقال لهم : من له ثوبان فليعط من ليس له , ومن له طعام فليصنع ~~مثل ذلك , فأتى العشارون ليعتمدوا منه فقالوا : ماذا نصنع يا معلم ؟ فقال ~~لهم : لا تفعلوا أكثر مما أمرتم به , وسأله أيضا الجند قائلين : ماذان نصنع ~~نحن أيضا ؟ فقال لهم : لا عيبوا أحدا ولا تظلموا أحدا , واكتفوا بأرزاقكم . ~~| وإن جميع الشعب فكروا في قلوبهم وظنوا أن يوحنا المسيح , أجابهم يوحنا ~~أجمعين وقال لهم : أما أنا فأعمدكم بالماء للتوبة , وسيأتي الذي هو أقوى من ~~الذي لا أستحق أن أحل سيور حذائه ؛ وقال متى : لا أستحق أن أحمل حذاءه ؛ ~~وقال مرقس : وكان يبشر قائلا : الذي يأتي بعدي أوقى مني , لست أهلا - أعني ~~لحل سيور حذائه , أنا أعمدكم بالماء وهو يعمدكم بروح القدس والنار , الذي ~~بيده المرفش , ينقي به الذرة , ويجمع القمح إلى أهرائه , يوحرق التبن بناء ~~لا تطفأ , ولا يخبز الشعب , ويبشرهم بأشياء كثيرة ؛ وفي إنجيل يوحنا : كان ~~إنسان أرسل من الله , اسمه يوحنا , جاء للشهادة للنور الذي هو نور الحق ~~الذي يضيء لكل إنسان , الآتي إلى العالم , إلى خاصته , جاء ms0758 وخاصته لم تقبله ~~, فأما الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا , والكلمة صارت جسدا , وحل PageV02P085 ~~فينا , ورأينا مجده مجدا مثل الوحيد الممتلىء نعمة , وحقا يوحنا شهد من ~~أجله وصرخ وقال : هذا الذي قلت إنه يأتي بعدي كان قبلي , لأنه أقدم مني , ~~ومن امتلائه نحن بأجمعنا أخذنا نعمة من أجل الناموس بموسى أعطى , والنعمة ~~والحق أوحيا بيسوع المسيح الذي لم يره أحد قط , الابن الوحيد . | هذه شهادة ~~يوحنا إذا أرسل إليه اليهود من يروشليم كهنة ولاويين - أي ناسا من أولاد ~~لاوي - ليسألوه : من أنت , فاعترف وأقر أني لست المسيح , فسألوه : فمن ~~الياء ؟ فقال : لست أنا النبي , قال : كلا ! فقالوا له : فمن أنت لنرد ~~الجواب إلى الذين أرسلونا , ماذا تقول عن نفسك ؟ قال : أنا لاصوت الصارخ في ~~البرية : سهلوا طريق الرب - كما قال أشعيا النبي . | فأما أولئك الذين ~~أرسلوا فكانوا من الفريسيين فقالوا : ما بالك تعمد إن كنت لست المسيح ولا ~~ألياء ولا النبي ؟ أجابهم يوحنا : أنا أعمدكم بالماء , وفي وسطكم قائم ذاك ~~الذي ليستم تعرفونه , الذي يأتي بعدي وهو أقوى مني , وهو قبلى كان , ذاك ~~الذي لست مستحقا أن أحل سيور حذائه . | هذا كان في بيت عنيا في عبر الأردن ~~حيث كان يوحنا يعمد . | قال لوقا : فأما هيرودس رئيس الربع فكان يوحنا ~~يبكته من أجل هيروديا امرأة أخيه فيلفوس ولأجل الشر الذي كان هيرودس يفعله ~~, وزاد على ذلك أنه طرح يوحنا في السجن ؛ وقال مرقس وقد ذكر آيات أظهرها ~~المسيح : وسمع هيرودس الملك وقال : إن يوحنا المعمدان قام من الأموات , ومن ~~أجل تلك القوات يعمل , وقال آخرون : إنه ألياء , وآخرون : إنه نبي كواحد من ~~الأنيباء , فلما سمع هيرودس قال : أنا قطعت راس يوحنا ؛ وفي متى : وفي ذلك ~~الزمان سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع فقال لغلمانه : هذا هو يوحنا ~~المعمدان , وهو قام من الأموات , من أجل هذه القوات يعمل , وكان هيرودس قد ~~أمسك يوحنا وشده وجعله في السجن , وقال مرقس : وحبسه من أجل هيروديا امرأة ~~فيلفوس , لأنه كان قد تزوجاه وقال له يوحنا : ما ms0759 يحل لك أن تأخذ امرأة أخيك ~~, وكانت هيروديا حنقة عليه تريد قتله , ولم تقتله لأن هيرودس كان يخاف من ~~يوحنا , لأ , ه يعلم أنه رجل صديق قديس ويحفظه ويسمع منه كثيرا بشهوة , ~~وكان في يوم من الزمان وافى هيرودس مولود , فصنع وليمة لعظمائه ورؤسائه ~~ومقدمي الجليل , ودخلت ابنة هيروديا فرقصت , فوافق ذلك هيرودس وجلساءه , ~~فقال الملك للصبية : سلي ما أردت فأعطيك ! وحلف لها أني أعطيك ما سألت ولو ~~كان نصف ملكي , فخرجت وقال لأمها : أي شيء أسأله ؟ فقالت : رأس يوحنا ~~المعمدان , فرجعت للوقت بسرعة إلى الملك وسألت يوحنا على طبق , فحزن الملك ~~, ومن أجل اليمين ولامنكبين لم ير منعها , فأنفذ سيافا من ساعته وأمر أن ~~يؤتى برأسه في طبق , PageV02P086 فمضى وقطع رأسه في الحبس وجاء به في طبق ~~وأعطاه للصبية , فأخذته الصبية ودفعته لأمها ؛ وسمع تلاميذه فجاؤوا ورفعوا ~~جثته وجعلوها في قبر ؛ قال متى : وجاء تلاميذه إلى البرية مفردا , فسمع ~~الجمع فتبعوه ماشين من المدن , فلما خرج أبصر جمعا كثيرا فتحنن عليهم وأبرأ ~~اعلاءهم ومرضاهم انتهى . | < < # | آل عمران : ( 44 - 50 ) ذلك من أنباء . . . . . # > > ^ ( ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم ~~أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون * إذ قالت الملائكة يمريم إن الله ~~يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين * ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين * قالت رب أنى يكون لي ~~ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا فإنما يقول له ~~كن فيكون * ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل * ورسولا إلى بني ~~إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير ~~فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرىء الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن ~~الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين * ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ~~وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا ms0760 الله وأطيعون ) ^ } ) | ولما أتى نبينا صلى ~~الله عليه وسلم بهذه الأخبار الغريبة المحررة العجيبة التي لا يعرفها على ~~وجهها إلا الحذاق من علماء بني إسرائيل كان من حق سامعها أن يتنبه من غفلته ~~ويستيقظ من رقدته , لأنها منبهة بنفسها للمنصف الفطن على أن الآتي بها - ~~والسامع خبير بانه لم يخالط عالما قط - صادقا لا مرية في صدقه في كل ما ~~يدعيه عن الله سبحانه وتعالى , وكان من حق من يتنبه أن يبادر لى الإذعان ~~فيصرح بالإيمان , فلام لم يفعلوا التفت إلى تنبيه الغبي وتبكيت العتي فقال ~~: { ذلك } أي الخطاب العلي المقام الصادق المرام البديع النظام { من أنباء ~~الغيب نوحيه } أي نجدد إيجاءه في أمثاله { ما كنت } ولما كان هذا مع يجوز ~~أن تكون الجملة حالا تقديرها : { و } الحال أنك { ما كنت } ولما كان هذا مع ~~كونه من أبطن السر هو من أخفى العلم عبر فيه بلدي لما هو في أعلى رتب ~~الغرابة كما تقدم في قوله : { هو من عند الله } وكررها زيادة في تعظيمه ~~وتنبيها على أنه مما يستغرب PageV02P087 جدا حتى عند أهل الاصطفاء فقال : { ~~لديهم } قال الحرالي : لدى هي عند حاضرة لرفعة ذلك الشيء الذي ينبأ به عنه ~~- انتهى . | { إذ يلقون } لأجل القرعة - { أقلامهم } قال الحرالي : جمع قلم ~~, وهو مظهر الآثار المنبئة عما وراءها من الاعتبار - انتهى { أيهم } أي ~~يستهمون أيهم { يكفل مريم } أي يحضنها ويربيها تنافسا في أمرها لما شرفها ~~الله تعالى به { وما كنت لديهم إذ } أي حين { يختصمون * } أي في ذلك حتى ~~نقص مثل هذه الأخبار على هذا الوجه السديد - يعني أنه لا وجه لك إلى علم ~~ذلك حتى نقص مثل معهم إذ ذاك , أو أخذ ذلك عن أهل الكتاب , أو بوحي منا ؛ ~~ومن الواضح الجلي أن بعد نسبتك إلى التعلم من البشر كبعد نسبتك إلى الحضور ~~بينهم في ذلك الوقت , لشهرتك بالنشأة أميا مباعدا للعلم والعلماء حتى ما ~~يتفاخر به قومك من السجع ومعاناة الصوغ لفنون الكلام على الوجوه الفائقة , ~~فانحصر إخبارك بذلك في الوحي ms0761 منا , وجعل هذا التنبيه في نحو وسط هذا القصص ~~ليكون السامع على ذكر مما مضى ويلقي السمع وهو شهيد لما بقي , وجعله بعد ~~الافتتاح بقصة مريم عليها السلام تنبيها على عظم شأنها وأنها المقصودة ~~بالذات للرد على وفد نصارى نجران , وكأنه أتبع التنبيه ما كان في أول القصة ~~من اقتراعهم بالأقلام واختصامهم في كفالتها لخفائه إلى على خواص أهل الكتاب ~~, هذا مع ما في مناسبة الأقلام للبشارة بمن يعلمه الكتاب , واستمر في إكمال ~~المقال على ذلك الأسلوب الحكيم حتى تمت الحجة واستقامت المحجة فقال تعالى ~~مبدلا من إذ الأولى إيذانا بأن ما بيناه اعتراض لما نبه عليه من شريف ~~الأغراض : { إذ قالت الملائكة يا مريم } ولما كانت هذه السوةر سورة التوحيد ~~المقتضي للتفرد بالعظمة عبر ما صدرت به من اسم الذات الجامع لجميع الصفات ~~فقال : { إن الله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له , فلا راد لأمره { ~~يبشرك } وكرر هذا الاسم الشريف في هذا المقام زيادة في إيضاح هذا المرام ~~بخلاف ما يأتي في سورة مريم عليها السلام , وقوله : { بكلمة } أي مبتدئة { ~~منه } من غير واسطة أب هو من تسمية المسبب باسم السبب , والتعبير بها أوفق ~~لمقصود السورة وأنفى لما يدعيه المجادلون في أمره , ثم بين أنه ليس المراد ~~بالكلمة حقيقتها , بل ما يكون عنها ويكون فعالا بها فقال مذكرا للضمير : { ~~اسمه } أي الذي يتميز به عمن سواه مجموع ثلاثة أشياء : { المسيح } أصل هذا ~~الوصف أنه كان في شريعتهم : من مسحه الإمام بدهن القدس كان طاهرا متأهلا ~~للملك والعلم والمزايا الفاضلة مباركا , فدل سبحانه وتعالى على أن عيسى ~~عليه الصلاة والسلام ملازم للبركة الناشئة عن المسح وإن لم يمسح ؛ وأما وصف ~~الدجال بذلك فإما أن يكون لما كان هلاكه على يد عيسى عليه الصلاة واسلام ~~وصف بوصفه - من باب التسمية PageV02P088 بالضد , وإما أن يكون إشارة إلى ~~أنه ملازم للنجاسة فهو بحيث لا ينفك - ولو مسح - عن الاحتياج إلى التطهير ~~بالمسح من الدهن الذي يمسح به المذنبون ومن كان به برص ms0762 ونحوه فيبرأ - والله ~~سبحانه وتعالى أعلم . # ولما وصفه بهذا الوصف الشريف ذكر اسمه فقال { عيسى } وبين أنه يكون منها ~~وحدها من غير ذكر بقوله موضع ابنك : { ابن مريم } وذلك أنفى لما ضل به من ~~ضل في مره , وأوضح في تقرير مقصود السورة وفي تفخيم هذا الذكر بجعله نفس ~~الكلمة وبإبهامه أولا ثم تفسيره , وقوله : { اسمه } تعظيم لقدره وبيان ~~لفضله على يحيى عليهما السلام حيث لم يجعل له في البشارة به مثل هذا الذكر ~~, ثم أتم لها البشارة بأوصاف جعلها أحوالا دالة على أنه يظهر اتصافه بها ~~حال الولادة تحقيقا لظهور أثر الكلمة عليه فقال : { وجيها } قال الحرالي : ~~صيغة مبالغة مما منه الوجاهة , وأصل معناه الوجه وهو الملاحظ المحترم بعلو ~~ظاهر فيه - انتهى { في الدنيا } ولما كان ذلك قد لا يلازم الوجاهة بعد ~~الموت قال : { والآخرة } ولما كانت الوجاهة ثم مختلفة ذكر أعلاها عاطفا ~~بالواو إشارة إلى تمكنه في الصفات فقال : { ومن المقربين * } ي عند الله . ~~| ولما كان ذلك قد لا يقتضي خرق العادات قال : { ويكلم الناس } أي من كلمه ~~من جميع هذا النوع , بأي لسان كان كلمه , حال كونه { في المهد } قال ~~الحرالي : هو موطن الهدوء والسكون للمتحسس اللطيف الذي يكون بذلك السكون ~~والهدو قوامه - انتهى . | وبشرها بطول حياتها بقوله : { وكهلا } أي بعد ~~نزوله من السماء في خاتمة اليوم المحمدي , ويكون كلامه في الحالتين كلام ~~الأنبياء من غير تفاوت . | قال الحرالي : والكهولة سن من أسنان أرابيع ~~الإنسان , وتحقيق حده أنه الربع الثالث الموتر لشفع متقدم سنيه من الصبا ~~والشباب فهو يخر عمره , يكون فيمن عمره ألف شهر - بضع وثمانون سنة - من حد ~~نيف وأربعين إلى بضع وستين , إذا قسم الأرباع لكل ربع إجدى وعشرون سنة صبا ~~, وإحدى وعشرون شبابا , وإحدى وعشرون كهولة , وإحدى وعشرون شيوخة , فذلك ~~بضع وثمانون سنة - انتهى . | وهذا تحقيق ما اختلف من كلام أهل اللغة , ~~وقريب منه قول الإمام أبي منصور عبد الملك بن أحمد الثعالبي في الباب ~~الرابع عشر من كتابه فقه اللغة : ثم ما ادم ms0763 بين الثلاثين والأربعين فهو شاب ~~, ثم كهل إلى أن يستوفي الستين ؛ ويقال : شاب الرجل , ثم شمط , ثم شاخ , ثم ~~كبر - PageV02P089 انتهى . | والكهل - قال أهل اللغة - مأخوذ من : اكتهل ~~النبات - إذا تم طوله قبل أن يهيج , وكلام الفقهاء لا يخالفه , فإن مبناه ~~العرف , فالنص على كهولته إشارة لأمه بأنه ممنوع من أعدائه إذا قصدوه , ~~وتنبيه على أن دعواهم لصلبه كاذبة . | ولما كانت رتبة الصلاح في غاية ~~العظمة قال مشيرا إلى علو مقدارها : { ومن الصالحين * } ومعلما بأناه محيطة ~~بأمره , شاملة لآخر عمره , كما كانت مقارنة لأوله , وكأنها لما سمعت ذلك ~~امتلأت تعجبا فاستخفها ذلك إلى الاستعجال بالسؤال قبل إكمال المقال بأن { ~~قالت رب } أيها المحسن إلى { أنى } أي من أين وكيف { يكون لي } ولما كان ~~استبعادها لملطق الحبل , لا بقيد كونه ذكرا كما في قصة زكريا عليه السلام ~~قالت { ولدا } وقالت : { ولم يمسسني بشر } لفهمها ذلك من نسبته إليها فقط . ~~| قال الحرالي : والبشر هو اسم المشهود من الآدمي في جملته بمنزلة الوجه في ~~أعلى قامته , من معنى البشرة , وهو ظاهر لاجلد انتهى ( ولعل هذا الكلام خطر ~~لها ولم تلفظ به فعلم الملك عليه لاسلام أنه شغل فكرها فأجابها عنه لتفريغ ~~الفهم بأن { قال كذلك } أي مثل هذا الفعل العظيم الشأن العالم الرتبة يكون ~~ما بشرتك به ) ولما كان استبعادها لمطلق التكوين من غير سبب أصلا عبر في ~~تعليل ذلك بالخلق فقال : { الله } أي الملك الأعظم الذي لا اعتراض عليه { ~~يخلق } أي يقدر ويصنع ويخترع { ما يشاء } فعبر بالخلق إشارة إلى أن العجب ~~فيه لا في مطلق الفعل كما في يحيى عليه السلام من حعل الشيخ كالشاب , ثم ~~علل ذلك لبما بين سهولته فقال : { اذا قضى أمرا } أي جل أو قل { فإنما يقول ~~له كن فيكون * } بيانا للكلمة , فلما أجابها عما شغل قلبها من العجب فتفرغ ~~الفهم أخذ في إكمال المقال بقوله عطفا علي { ويكلم الناس } بالياء كما قبله ~~في قراءة نافع وعاصم , وبالنون في قراءة الباقين نظرا إلى العظمة إظهارا ~~لعظمة العلم ms0764 : { ويعلمه } أو يكون الكتاب فيشمل ذلك معرفة الكتاب وحفظه ~~وفهمه وغير ذلك من امره { والحكمة } أي العلوم الإلهية لتفيده تهذيب ~~الأخلاق فيفيض عليه قول الحق وفعله على أحكم الوجوه بحيث لا يقدر أحد على ~~نقض شيء مما يبرمه . | ولما وصفه بالعلوم النظرية والعملية فصار متأهلا ~~لأسرار الكتب الإلهية قال : { والتوراة } أي التي تعرفيها { والإنجيل * } ~~بإنزاله عليه تاليا لهما , وتأخيره في الذكر الشرط فيقتضي اتصاف كل مقضي ~~بهذه الأوصاف كلها . | ولما ذكر الكتاب المنزل عليه حسن ذكر الرسالة فقال ~~بعد ما أفاد عظمتها بجعله ما PageV02P090 مضى مقدمات لها : { ورسولا } عطفا ~~على ( تاليا ) المقدر , أو ينصب بتقدير : يجعله { إلى بني إسراءيل } أي ~~بالإنجيل . | ولما كان ذكر الرسالة موجبا لتوقع الآية دلالة على صحتها , ~~وكان من شأن الرسول مخاطبة المرسل إليهم وإقباله بجميع رسالته عليهم اتبعه ~~ببيان الرسالة مقرونا بحرف التوقع فقال : { أني } أي ذاكرا أني { قد جئتكم ~~بآية من ربكم } أي الذي طال إحسانه إليكم , ثم أبدل من ( آية ) { إني أخلق ~~لكم } أي لأجل تربيتكم بصنائع الله { من الطين } قال الحرالي : هو متخمر ~~الماء والتراب حيث يصير متهيئا لقبول وقع الصورة فيه { كهيئة } وهي كيفية ~~وضع أعضاء الصورة بعضها من بعض التي يدركها ظاهر الحسن - انتهى وهي الصورة ~~المتهيئة لما يراد منها { الطير } ثم ذكر احتياجه في إحيائه إلى معالجة ~~بقوله معقبا للتصوير : { فأنفخ } قال الحرالي : من النفخ , وهو إرسال ~~الهواء من منبعثه بقوة انتهى . | { فيه } أي في ذلك الذي هو مثل الهيئة { ~~فيكون طيرا } أي طائرا بالفعل - كما في قراءة نافع , وذكر المعالجة لئلا ~~يتوهم أنه خالق حقيقة , ثم أكد ذلك إزالة لجميع الشبه بقوله : { بإذن الله ~~} أي بتمكين الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال , له روح كامل لحمله في ~~الهواء تذكيرا بخلق آدم عليه السلام من تراب , وإشارة إلى أن هذا أعجب من ~~خلق آدمي من أنثى فقط فلا تهلكوا في ذلك . | ولما ذكر ما يشبه أمر آدم عليه ~~السلام أتبعه علاج أجساد أولاده بما ردها إلى معتادها بما ms0765 يعجز أهل زمانه , ~~وكان الغلب عليهم الطب وبدأ بأجزائها فقال : { وأبرىء } قال الحرالي : من ~~الإبراء وهو تمام التخلص من الداء , والداء ما يوهن القوى ويغير الأفعال ~~العامة للطبع والاختيار - انتهى . | { الأكمه والأبرص } بإيجاد ما فقد ~~نمهاما من الروح المعنوي ؛ والكمه - قال الحرايل - ذهاب البصر في اصل معناه ~~: تلمع الشيء بلمع خلاف ما هو عليه , ومنه براص الأرض - ليقع لا نبت فيها , ~~ومنه البريص في معنى البصيص , فما تلمع من الجلد على غير حاله فهو لذلك برص ~~وقال الحرالي : البرص عبارة عن سور مزاج يحصل بسببه تكرج , أي فساد بلغم ~~يضعف القوة المغيرة عن إحالته إلى لون الجسد - انتهى . | ولما فرغ من رد ~~الأرواح إلى جزاء الجسم أتبعه رد الروح الكامل في جميعه المحقق لأمر البعث ~~المصور له بإخراجه من عالم الغيب إلى عالم الشهادة في بعض الآدميين فقال : ~~{ وأحي الموتى } ي برد أرواحهم إلى أشباحهم , بعضهم بالفعل وبعضهم بالقوة , ~~لأن الذي أقدرني على البعض قادر على ذلك في الكل , وقد أعطاني PageV02P091 ~~قوة ذلك , وهذاكما نقل القضاعي أن الحسن قال : ( أتى رجل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فذكر أنه طرح بنية له في وادي كذا , فمضى معه إلى الوادي ~~وناداها باسمها : يا فلانة ! أجيبي بإذن الله سبحانه وتعالى ! فخرجت وهي ~~تقول : لبيك وسعديك ! فقال لها : إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أردك إليهما ~~, فقالت : لا حاجة لي بهما , وجدت الله خيرا لي منهما ) وقد تقدم في البقرة ~~عند < # > 77 ( { أرني كيف تحيي الموتى } ) 77 < # > [ البقرة : 260 ] ما ينفع هنا , وقصة قتادة ابن دعامة في رده صلى الله ~~عليه وسلم عينه بعد أن أصابها سهم فسالت على خده , فصارت أحسن من أختها ~~شهيرة , وقصة أويس القرني رحمه الله تعالى في إبراه الله سبحانه وتعالى له ~~من البرص ببره لأمه كذلك . | ولما كان ذلك من أمر الإحياء الذي هو من خواص ~~الإلهية وأبطن آيات الملكوتيه ربما أورث لبسا في أمر الإله تبرأ منه ورده ~~إلى من هو له , مزيلا للبس وموضحا للأمر ms0766 وتمكينه , ثم أتبعه ما هو من جنسه ~~في الإخراج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فقال : { وأنبئكم } أي من ~~الأخبار الجليلة من عالم الغيب { بما تأكلون } أي مما لم أشاهده , بل ~~تقطعون بأني كنت غائبا عنه { وما تدخرون } ولما كان مسكن الإنسان أعز ~~البيوت عنده وأخفى لما يريد أن يخفيه قال : { في بيوتكم } قال الحرالي : من ~~الادخار : افتعال من الدخرة , قلب حرفاه الدال لتوسط الدال بين تطرفهما في ~~متقابلي حالهما ؛ والدخرة ما اعتنى بالتمسك به عدة لما شأنه أن يحتاج إليه ~~فيه , فما كان لصلاح خاصة الماسك فهو اجخار , وما كانت لتكسب فيما يكون من ~~القوام فهو احتكار - انتهى . | ولما ذك رهذه الخوارق نبه على أمرها بقوله : ~~{ إن في ذلك } أي الأمر العظيم PageV02P092 { لآية لكم } أي أيها المشاهدون ~~على أني عبد الله ومصطفاه , فلا تهلكوا في تكويني من أنثى فقط فتطروني , ~~فإني لم أعمل شيئا منها إلا ناسبا له إلى الله سبحانه وتعالى وصانعا فيه ما ~~يؤذن بالحاجة المنافية للإلهية ولو بالدعاء , وأفرد كاف الخطاب أولا لكون ~~ما عده ظاهرا لكل أحد على انفراده أنه آية لجميع المرسل إليهم , وكذا جمع ~~ثانيا قطعا لتعنت من قد يقول : إنها لا تدل إلا باجتماع أ , ظار جميعهم - ~~لو جمع الأول , وإنها ليست آية لكلهم بل لواحد منهم - لو وحد في الثاني , ~~ولما كانت الآيات لا تنفع مع المعاندات قال : { إن كنتم مؤمنين * } أي ~~مذعنين بأن الله سبحانه وتعالى قادر على ما يريد , وأهلا لتصديق ما ينبغي ~~التصديق به . | زلما كان ترجمة { إني قد جئتكم } آتيا إليكم بآية كذا , ~~مصدقا بها لما أتيت به , عطف على الحال المقدر منه تأكيدا لأنه عبد الله ~~قوله : { ومصدقا لما بين يدي } أي كان قبل إتياني إليكم { من التوراة } أي ~~المنزلة على أخي موسى عليه الصلاة والسلام , لأن القبلية تقتضي العدم الذي ~~هو صف المخلوق ؛ أو يعطف على { بآية } إذا جعلنا الباء للحال , لا للتعدية ~~, أي وجئتكم مصحونبا بآية ومصدقا . | ولما ذكر التوراة أتبعها ما يدل على ms0767 ~~أنه ليس كمن بينه وبين موسى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في إقرارها ~~كلها على ما هي عليه وتحديد أمرها على ما كان زمن موسى عليه الصلاة ~~والسلامن بل هو مع تصديقها ينسخ بعضها فقال : { ولأحل } أي صدقتها لأحثكم ~~على العمل بها ولأحل { لكم بعض الذي حرم عليكم } أي فيها تخفيفا عليكم { ~~وجئتكم } آية ليس مكررا لتأكيد : { أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم ~~من الطين } على ما توهم , بل المعنى - والله سبحانه وتعالى أعلم - أن عيسى ~~عليه الصلاة والسلام لما أتاهم بهذه الخوارف التي من جملتها إحياء الموتى , ~~وكان من المقرر عندهم - كما ورد في الأحاديث الصحيحة - التحذير من الدحال , ~~وكان من المعلوم من حاله أنه يأتي بخوارق , منها إحياء ميت ويدعى الإلهية , ~~كان من الجائز أن يكون ذلك سببا لشبهة تعرض لبعض الناس , فختم هذا الدليل ~~على رسالته بما هو البرهان الأعظم على عبوديته , وذلك مطابقته لما دعا إليه ~~الأنياء والمرسلون كلهم من إخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى فقال : وجئتكم ~~{ بآية } أي عظيمة خارقة للعادة { من } عند { ربكم } أي المحسن إليكم بعد ~~التفرد بخلقكم , وهي أجل الأمارات وأدلها على صدقي في رسالتي , هو عدم ~~تهمتي بوقوع شبهة في عبوديتي . | ولما تقرر بذكر الآية مرة بعد مرة مع ما ~~أفادته من تأسيس التفصيل لأنواع الآيات تأكيد رسالته تلطيفا لطباعهم ~~الكثيفة , فينقطع منها كانت ألفته في الأزمان المتطاولة من PageV02P093 ~~العوائد الباطلة سبب عن ذلك ما يصرح بعبوديته أيضا فقال مبادرا للإشارة إلى ~~أن الأدب مع المحسن آكد والخوف منه أحق وأوجب لئلا يقطع إحسانه ويبدل ~~امتنانه { فاتقوا الله } أي الذي له الأمر كله { وأطيعون * } أي في قبولها ~~فإن التقوى مستلزمة لطاعة الرسول . | < < # | آل عمران : ( 51 - 58 ) إن الله ربي . . . . . # > > ^ ( إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم * فلمآ أحس عيسى منهم ~~الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله ~~واشهد بأنا مسلمون * ربنآ آمنا بمآ أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع ~~الشاهدين * ومكروا ومكر ms0768 الله والله خير الماكرين * إذ قال الله يعيسى إني ~~متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين ~~كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون * ~~فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين ~~* وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ~~* ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم ) ^ } ) | ولما كان كأنه قيل : ~~ما تلك الآية التي سميتها ( آية ) بعد ما ئجت به من الأشياء الباهرة قال : ~~{ إن الله } الجامع لصفات الكمال { ربي وربكم } أي خالقنا ومربينا , أنا ~~وأنتم في ذلك شرع واحد , وقراءة من فتح { إن } أظهر في المراد { فاعبدوه ~~هذا } أي الذي دعوتكم إليه { صراط مستقيم * } أنا وأنتم فيه سواء , لا ~~أدعوكم إلى شيء إلا كنت أول فاعل له , ولا أدعي أني إله ولا أدعو إل عبادة ~~غير الله تعالى كما يدعي الدجال ويغره من الكذبة الذين تظهر الخوارق على ~~أيديهم امتحانا من الله سبحانه وتعالى لعباده فيجعلونها سببا للعلو في ~~الأرض والترفع على النسا , وجاء بالتحذير منهم وتزييف أحوالهم الأنبياء , ~~وإلى هذا يرشد قول عيسى عليه السلام فيما سيأتي عن إنجيل يوحنا أن من يتكلم ~~من عنده إنما يطلب المجد لنفسه , فأما الذي يطلب مجد الذي أرسله فهو صادق ~~وليس فيه ظلم ؛ وإلى مثل ذلك أرشدت التوراة فإنه جعل العلامة على صدق ~~الصادق وكذب الكاذب الدعوة , فمن كانت دعوته إلى الله سبحانه وتعالى وجب ~~تصديقه , من كذبه هلك , ومن دعا إلى غيره وجب تكذيبه , ومن صدقه هلك ؛ قال ~~في السفر الخامس منها : وإذا دخلتم الأرض التي يعطيكم الله ربكم فلا تعملوا ~~مثل أعمال تلك الشعوب , ولا يوجد فيكم من يقبر ابنه أو ابنته في النار نذرا ~~للأصنام , ولا من يطلب تعليم العرافين , ولا من يأخذ بالعين , ولا يوجد ~~فيكم من يتطير طيرة , ولا ساحر , ولا من يرقى رقية , ولا من ينطلق إلى ~~العرافين والقافة فيطلب إليهم ويسألهم PageV02P094 عن الموتى , لأن كل ms0769 من ~~يعمل هذه الأعمال هو نجس بين يدي الله ربكم , ومن أجل هذه النجاسة يهلك ~~الله هذه الشعوب من بين أيديكم ؛ ولكن كونوا متواضعين مخبتين أما الله ربكم ~~, لأن هذه الشعوب التي ترثونها كانت تطيع العرافين والمنجمين , فأما أنتم ~~فليس هكذا يعطيكم الله ربكم , بل يقيم لكم نبيا من إخوتكم مثلي , فأطيعوا ~~ذلك النبي كما أطعتم الله ربكم في حوريب يوم الجماعة وقلتم : لا نسمع صوت ~~الله ربنا ولا نعاين هذه النار العظيمة لئلا نموت , فقال الرب : ما أحسن ما ~~تكلموا ! سأقيم لهم نبيا من إخوتهم مثلك وأدري قولي فيه ويقول لهم ما آمره ~~به , والرجل الذي لا يقبل قول النبي الذي يتكم باسمي أنا أنتقم منه , فأما ~~النبي الذي يتكلم ويتجرأ باسمي ويقول ما لم آمره أن يقوله ويتكلم بأسماء ~~الآلهة الأخرى ليقتل ذلك النبي , وإن قلتم في قلوبكم : كيف لنا أن نعرلف ~~القول الذي لم يقله الرب , إذا تكلم ذلك النبي باسم الرب فلم يكمل قوله : ~~ولم يتم فلذلك القول لم يقله الرب ولكن تكلم ذلك النبي جراءة وصفاقة وجه , ~~فلا تخافوه ولا تفزعوا منه ؛ وقال قبل ذلك بقليل : وإذا أهلك الله الشعوب ~~التي تنطلقون إليها وأبادهم م نبين أيديكم وورثتموهم وسكنتم أرضهم , احفظوا ~~, لا تتبعوا آلهتهم من بعد ما يلهكهم الله من بين أيديكم , ولا تسألوا عن ~~آلهتهم ولا تقولوا : كيف كانت هذه الشعوب تعبد آلهتها حتى نفعل نحن مثل ~~فعلها ؟ ولا تفعلوا مثل فعالها أمام الله ربكم , لأنهم عملوا بكل ما أبغض ~~الله وأحقروا بنيهم وبناتهم لآلهتهم , ولكن القول الذي آمركم به إياه ~~احفظوا وبه اعملوا ! لا تزيدوا ولا تنقصوا منه شيئا فإن قام بينكم نبي أو ~~من يفسر أحلاما وعمل آية أو عجيبة ويقول : اقبلوا بنا نعبد الآلهة الأخرى ~~التي لا تعرفونها ونتبعها - لا يقبل قول ذلك النبي وصاحب الأحلام , لأنه ~~إنما يريد , أن يجربكم ليعلم هل تحبون الله ربكم , احفظوا وصاياه واتقوا ~~واسمعوا قوله وابعدوه والحقوا به , فأما ذلك النبي وذلك الذي تحلم الأحلام ms0770 ~~فليقتل , لأنه نطق بإثم أمام الله ربكم الذي أمركم الله ربكم أن تسيروا فيه ~~, واستأصلوا الشر من بينكم , وإن شوقك أخوك ابن أمط وأبيك أو ابنتك أو ~~حليلتك أو صديقك ويقول لك : هلم بنا نبتع الآلهة الأخرى التي لم تعرفها أنت ~~ولا آباؤك من آهلة الشعوب التي حولكم - القريبة منكم والبعيدة - ومن أقطار ~~الأرض إلى أقصاها - لا تقبل قوله ولا تطعه ولا تشفق عليه ولا ترحمه ولا ~~تلتم عليه ولا تتعطف عليه , ولكن اقتله قتلا , وابدأ به أنت قتلا , ثم يبدأ ~~به جميع الشعوب , وارجموه بالحجارة وليمت , لأنه أراد أن يضلك عن عبادة ~~الله ربك الذي أخرجك من أرض مصر وخلصك من العيودية , ويسمع بذلك جميع بني ~~إسرائيل , ويفزعون فلا يعودوا أن PageV02P095 يعملوا مثل هذا العمل السوء ~~بينكم , وإذا سمعتم أن في قرية من القرى التي أعطاكم الله قوما قد ارتكبوا ~~خطيئة وأضلوا أهل قريتهم وقالوا لهم ننطلق فنعبد آلهة أخرى لم تعرفوها , ~~ابحثوا نعما وسلوا حسنا , إن كان القول الذي بلغكم يقينا وفعلت هذه النجاسة ~~في تلك القرية اقتلوا أهل تلك القرية بالسيف , واقتلوا كل من فيها من ~~النساء والصبيان والبهائم بالسيف , واجمعوا جميع نهبها خارج القرية وأحرقوا ~~القرية بالنار وأحرقوا كل نهبها أما الله ربكم , وتصير القرية تلا خرابا ~~إلى الأبد ولا تبنى أيضا , ولا يلصق بأيديكم من خرابها شيء ليصرف الرب غضبه ~~عنكم وعيطف عليكمن ويفيض رحمته عليكم ويجيبكم ويرحمكم ويكثركم كما قال ~~لآبائكم ؛ هذا إن أنتم سمعتم قول الله ربكم , وحفظتم وصاياه التي أمرتكم ~~بها اليوم , وعملتم الحسنات أمام الله ربكم , فإذا فعلتم هذا صرتم لله ربكم ~~, لا تأثموا ولا تصيروا شبه الوحش ولا تخدشوا وجوهكم وبين أعينكم على الميت ~~, لأنكم شعب طاهر لله ربكم , وإياكم اختار الله ربكم أن تكونوا له شعبا ~~حبيبا أفضل من جميع شعوب الأمم - انتهى . | فقد تبين من هذا كله أن عيسى ~~عليه الصلاة والسلام مصدق للتوراة في الدعاء إلى توحيد الله سبحانه وتعالى ~~وأن الآية الكبرى على صدق النبي الحق ms0771 اختصاصه الله تعالى بالدعوة وتسويته ~~بين نفسه وجميع من يدعوه في الإقبال عليه والتعبد له والتخشع لديه , وأن ~~الآية عل كذب الكاذب دعاؤه إلى غير الله ؛ وفي ذلك وأمثاله مما سيأتي عن ~~الإنجيل في سورة النساء تحذير من الدجال وأمثاله , فثبت أنالمراد بالآية في ~~هذه الآية ما قدمته من الإخبار بأن الله سبحانه وتعالى رب الكل والأمر ~~بعبادته , وهذا كما يأتي من أمر الله سبحانه وتعالى لنبينا صلى الله عليه ~~وسلم في قوله تعالى : < # > 77 ( { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } ) 77 < # > [ آل عمران : 64 ] إلى قوله : < # > 77 ( { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله } ) 77 < # > [ آل عمران : 64 ] ولما ختم سبحانه وتعالى هذه البشارة بالآية القاطعة ~~القويمة الجامعة , وكان قوله : في أول السورة { يصوركم في الأرحام كيف يشاء ~~} وقوله هنا { يخلق ما يشاء } مغنيا عن ذكر حملها , طواه وأرشد السياق حتما ~~إلى أن التقدير : فصدق الله فيما قال لها , فحملت به من غير ذكر فولدته - ~~على ما قال سبحانه وتعالى - وجيها وكلم الناس في المهد وبعده , وعلمه ~~الكتاب والحكمة وأرسله إلى بني إسرائيل , فأتم لهم الدلائل ونفى الشبه على ~~ما أمره به الذي أرسله سبحانه وتعالى وعلموا أنه ناسخ لا مقرر , فتابعه قوم ~~وخالفه آخرون فغطوا جميع الآيات وأعرضوا عن الهدى والبينات , ونصبوا له ~~الأشراك والحبائل وبغوه الدواهي والغوائل , فضلوا على علم وظهر منهم الكفر ~~البين واعوجوا عن الصراط المستقيم عطف عليه قوله مسليا لهذا النبي الكريم ~~صلى الله عليه وسلم : { فلما أحس } قال PageV02P096 الحرالي : من الإحساس ~~وهو منال الأمر بادرا إلى العم والشعور الوجداني - انتهى { عيسى منهم الكفر ~~} أي علمه علم من شاهد الشيء بالحس ورأى مكرهم على ذلك يتزايد وعنادهم ~~يتكاثر بعد أن علم كفرهم علما لا مرية فيه , فاستغاث بالأنصار وعلم أن ~~منجنون الحرب قد دار , فعزم على إلحاقهم دار البوار { قال من أنصاري } ولما ~~كان المقصود ثبات الأنصار معه إلى أن يتم أمره عبر عن ذلك بصلة دلت على ~~تضمين ms0772 هذه الكلمة كلمة توافق الصلة فقال : { إلى } أي سائرين أو واصلين معي ~~بنصرهم إلى { الله } أي الملك الأعظم { قال الحواريون } قال الحرالي : جمع ~~حواري وهو المستخلص نفسه في نصرة من تحق نصرته با كان من إيثاره على نفسه ~~بصفاء وإخلاص لا كدر فيه ولا شوب - انتهى . | وهو مصروف لأن ياءه عارضة { ~~نحن أنصار الله } أي الذي أرسلك وأقدرك على ما تأتي به من الآيات , فهو ~~المحيط بكل شيء عزة وعلما , ثم صححوا النصرة وحققوا بأن عللوا بقولهم : { ~~آمنا بالله } أي على ما له من صفات الكمال , ثم أكدوا ذلك بقولهم خاطبين ~~لعيسى عليه الصلاة والسلام رسولهم أكمل الخق إذ ذاك : { واشهد بأنا مسلمون ~~* } أي منقادون لجميع ما تأمرنا به كما هو حق من آمن لتكون شهادتك علينا ~~أجدر لثباتنا ولتشهد لنا بها يوم القيامة . | ثم لما خاطبوا الرسول أدبا ~~ترقوا إلى المرسل في خطابهم إعظاما للأمر وزيادة في التأكيد فقالوا مسقطين ~~لأداة النداء استحضارا لعظمته بالقرب لمزيد القدرة وترجي منزلة أهل الحب : ~~{ ربنا آمنا بما أنزلت } أي على ألسنة رسلك كلهم { واتبعنا الرسول } الآتي ~~{ مع الشاهدين * } أي الذي قدمت أنهم شهدوا لك بالوحدانية مع الملائكة , ~~ولعله عقب ذلك بقوله : { ومكروا } المعطوف على قوله : { قال من أنصاري إلى ~~الله } بالإضمار الصالح لشمول كل من تقدم له ذكر إشارة إلى أن التمالؤ عليه ~~يصح أن ينسب إلى المجموع من حيث هو مجموع , أما مكر اليهود فمشهور , وأما ~~الحواريون الاثنا عشر فنقض أحدهم وهو الذي تولى كبر الأمر وجر اليهود إليه ~~ودلهم عليه - كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في سورة النساء , وترتيب ~~المكر على الشرط يفهم أنهم لما علموا إحساسه بفكرهم خافوا غائلته فأعملوا ~~الحيلة في قتله . | والمكر - قال الحرالي - إعمال الخديعة والاحتيال في هدم ~~بناء ظاهر كالدنيا , والكيد أعمال الخدعة والاحتيال في هدم بناء باطن ~~كالتدين والتخلق وغير ذلك , فكان المكر خديعة حس والكيد خديعة معنى - انتهى ~~. | ثم إن مكرهم تلاشى واضمحل بقوله : { ومكر الله } أي المحيط بكل شيء ~~قدرة ms0773 وعلما . | PageV02P097 ولما كان المقام لزيادة العظمة أظهر ولم يضمر ~~لئلا يفهم الإضمار خصوصا من جهة ما فقال : { والله } أي والحال أنه الذي له ~~هذا الاسم الشريف فلم يشاركه فيه أحد وذلك عند مجيء الدجال بجيش اليهود ~~فيكون أنصاره الذين سألهم ربه هذه الأمة تشريفا لهم , ثم ين ما فعله بهم من ~~القضاء الذي هو على صورة المكر في كونه أذى يخفى على المقصود به بأنه رفعه ~~إليه وشبه ذلك عليهم حتى ظنوا أنهم صلبوه وإنما صلبوه أحدهم , ويقال : إنه ~~الذي دلهم , وأما هو عليه الصلاة والسلام فصانه عنده بعد رفعه إلى محل ~~أوليائه وموطن قدسه لينزله في آخر الزمان لاستئصالهم بعد أن ضرب عليهم ~~الذلة بعد قصدهم له بالأذى الذى طلبوا به العز إلى آخر الدهر فكان تدميرهم ~~في تدبيرهم , وذلك أخفى الكيد فقال تعالى مخبرا عن ذلك على وجه مبشر له ~~بأنه عاصمه من أن يقتلوه ومميته حتف أنفه : { إذ } أي مكر حين { قال الله } ~~أي ما له من التفرد بصفات الكمال { ياعيسى إني متوفيك } وعبر عن ذلك بطريق ~~الكناية الإيمائية فإن عصمته من قتل الكفار ملزومة للموت حتف الأنف , وأما ~~قول الزمخشري : أي مستوفى أجلك ومعناه : إني عاصمك من أن يقتلك الكفار , ~~ومؤخرك إلى أجل كتبته لك , ومميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم - ليكون كناية ~~تلويحية عن العصمة من القتل لأنها ملزومة لتأخيره إلى الأجل المكتوب ~~والتأخير ملزوم للموت حتف الأنف - فلا ينبغي الاغترار به لأنه مبني على ~~مذهب الاعتزال من أن القاتل قطع أجل المقتول المكتوب , وكأن القاضي ~~البيضاوي لم يتفطن له فترجم هذه العبارة بما يؤديها ؛ ويجوز أن يكون معنى ~~متوفيك : آخذك إلي من غير أن يصلوا منك إلى محجم دم ولا ما فوقه من عضو ولا ~~نفس فلا تخش مكرهم . | قال في القاموس : أوفى فلانا حقه : أعطاه وافيا , ~~كوفاهد ووافاه فاستوفاه وتوفاه . | ثم زاد سبحانه وتعالى في بشارته بالرفعة ~~إلى محل كرامته وموطن ملائكته ومعدن النزاهة عن الأدناس فقال : { ورافعك } ~~وزاد إعظام ذلك بقوله : { إلي ms0774 ومطهرك من الذين كفروا } ولما كان لذوي الهمم ~~العوال , أشد التفات إلى ما يكون عليه خلائفهم بعدهم من الأحوال , بشره ~~سبحانه وتعالى في ذلك بما يسره فقال : { وجاعل الذين اتبعوك } أي ولو ~~بالاسم { فوق الذين كفروا } أي ستروا ما يعرفون من نبوتك بما رأوا من ~~الآيات التي أتيت بها مطابقة لما عندهم من البشائر بك { إلى يوم القيامة } ~~وكذا كان , لم يزل من اتسم بالنصرانية حقا أو باطلا فوق اليهود , ولا ~~يزالون كذلك إلى أن يعدموا فلا يبقى منهم أحد . | PageV02P098 ولما كان ~~البعث عاما دل عليه بالالتفات إلى الخطاب فقال تكميلا لما بشر به من النصرة ~~: { ثم إلي مرجعكم } أي المؤمن والكافر في الآخرة { فأحكم بينكم فيما كنتم ~~فيه تختلفون * } ثم فصل له الحكم فقال مرهبا لمخالفيه مرغبا لموافقيه , ~~وقدم المخالفين لأن السياق لبيان إذلالهم : { فإما الذين كفروا } أي من ~~الطائفتين { فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا } بالذل والهوان والقتل والأسر ~~{ والآخرة } بالخزي الدائم { وأما الذين آمنوا وعموا الصالحات } لأن هذه ~~ترجمة الذين اتبعوه حق الاتباع . | ولما كان تمام الاعتناء بالأولياء ~~متضمنا لغاية القهر للأعداء أبدى في مظهر العظمة قوله تعظيما لهم وتحقيرا ~~لأعدائهم : { فيوفيهم أجورهم } أي نحبهم من غير أ , نبخسهم { والله } الذي ~~له الكمال كله { لا يحب الظالمين * } من كانوا , أي لا يفعل معهم فعل المحب ~~, فهو يحبط أعمالهم لبنائها على غير أساس الإيمان , فالآية من الاحتباك , ~~ونظمها على الأصل : فنوفيهم لأنا نحبهم والله يحب المؤمنين , والذين ظلموا ~~نحبط أعمالهم لأنا لا نحبهم والله لا يحب الظالمين ؛ فتوفية الأجر أولا ~~ينفيها ثانيا , وإثبات الكراهة ثانيا يثبت ضدها أولا , وحقيقة الحال أنه ~~أثبت للمؤمنين لازم المحبة المراد منها في حق الله سبحانه وتعالى لأنه أسر ~~, ولازم المراد من عدمها في الظالمين لأنه أنكأ . | ولما أتم سبحانه وتعالى ~~ما أراد من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام من ابتداء تكوينه إلى انتهاء رفعه ~~وما كان بعده من أمر أتباعه مشيرا بذلك إلى ما فيه من بدائع الحكم وخزائن ~~العلوم واللطائف المتنزلة على ms0775 مقادير الهمم على أتقن وجه وأحكمه وأتمه ~~وأخلصه وأسلمه , وختمه بالتفنير من الظلم , وكان الظلم وضع الشيء في غير ~~موضعه , وكان هذا القرآن العظيم قد حاز من حسن الترتيب ورصانة لانظم بوضع ~~كل شيء منه لفظا ومعنى في محله الأليق به المحل الأعلى , لا سيما هذه ~~الآيات التي أتت بالتفصيل من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام , فلم تدع فيه ~~شكا ولا أبقت شبهة ولا لبسا , أبتع ما تقدم من تفصيل الآيات البينات قوله ~~منبها على عظمة هذه الآيات الشاهدات الآتي بها صلى الله عليه وسلم بأوضح ~~الصدق بإعجازها في نظمها وفي العلم بمضامينها من غير معلم من البشر كما ~~تقدم نحو ذلك في < # > 77 ( { ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك } ) 77 < # > { هود : 49 ] { ذلك } أي النبأ العظيم والأمر الجسيم الذي لم تكن تعلم ~~شيئا منه ولا علمه من شبان قومك { نتلوه } أي نتابع قصة بما لنا من العظمة ~~{ عليك } وأنت أعظم الخلق PageV02P099 حال كونه { من الآيات } أي التي لا ~~إشكال فيها , ويجوز أن يكون خبر اسم الإشارة , { والذكر الحكيم * } إشارة ~~إلى ذلك لأن الحكمة وضع الشيء في أعدل مواضعه وأتقنها , وأشار بأداة البعد ~~تنبيها على علو منزلته ورفيع قدره . | < < # | آل عمران : ( 59 - 63 ) إن مثل عيسى . . . . . # > > ^ ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ~~* الحق من ربك فلا تكن من الممترين * فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك من العلم ~~فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل ~~فنجعل لعنة الله على الكاذبين * إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله ~~وإن الله لهو العزيز الحكيم * فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين ) ^ } ) | ~~ثم أكد ظلمهم وصور حكمته بمثل هذا الفرقان في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ~~الكاشف لما في ذلك مما ألبس عليهم فقال : { إن مثل عيسى } أي في كونه من ~~أنثى فقط { من عند الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما في إخراجه من غير ~~سبب حكمي ms0776 عادي { كمثل آدم } في أن كلا منهما أبدع من غير أب , بل أمر آدم ~~أعجب فإنه أوجده من غير أب ولا أم , ولذلك فسر مثله بأنه { خلقه } أي قدره ~~وصوره جسدا من غير جنس البشر , بل { من تراب } فعلمنا أن تفسير مثل عيسى ~~كونه خلقه من جنس البشر من أم فقط بغير أب , فمثل عيسى أقل غرابة من هذه ~~الجهة وإن كان أغرب من حيث نهم لم يعهدوا مثله , فلذلك كان مثل آدم مثلا له ~~موضحا لأنه مع كونه أغرب اشهر ( وعبر بالتراب دون الماء والطين والحمأ ~~وغيره كما في غير هذا الموطن , لأن التراب أغلب أجزائه ولأن المقام لإظهار ~~العجب , وإبداع ما أسكنه أنواع الأنوار بالهداية والعلوم الباهرة من التراب ~~الذي هو أكثف الأشياء أغرب كما أن تغليب ظلام الضلال على الشياطين من كونهم ~~من عنصر نير أعجب ) ولما شبه المثل بالمثل علمنا أن مثل عيسى كل ولد نشاهده ~~تولده من أنثى , ومثل آدم كل حيوان نشاهده تولد من تراب , وما شاهده بنو ~~إسرائيل من خلق عيسى عليه الصلاة والسلام الطير من الطين فهذا المثل الذي ~~هو كل ما تولد من أنثى مثل ذلك المثل الذي هو كل ما تولد من تراب في أن كلا ~~منهما لم يكن إلا بتكوين الله سبحانه وتعالى , وإلا لكان كل جماع موجبا ~~للولد وكل تراب موجبا لتولد الحيوان منه , فلما كان أكثر الجماع لا يكون ~~منه ولد علمنا أن الإيجاد بين الذكر والأنثى إنما هو بقدرة الله سبحانه ~~وتعالى وإرادته , ومن إرادته وقدرته كونه من ذكر وأنثى , فلا فرق في ذلك ~~بين أن يريد كونه من أنثى بتسبيب جماع من ذكر يخرق به عادة الجماع فيجعله ~~موجبا للحبل PageV02P100 وبين أن يريد كونه من أنثى فقط فيخرق به عادة ما ~~نشاهده الآن من التوليد بين الذكر والأنثى , كما أنا لما علمنا أنه ليس كل ~~تراب يكون منه حيوان علمنا قطعا أن هذا المتولد من تراب إنما هو بإرادة ~~القادر واختياره لا بشيء آخر , وإلى ms0777 ذلك أشار يحيى عليه الصلاة والسلام ~~بقوله فيما سلف قريبا : إن الله قادر على أن يقيم من الحجار أولادا ~~لإبراهيم , أي لأنه سبحانه وتعالى هو الذي يخلق المسببات فلا فرق حينئذ بين ~~مسبب وسبب , بل كلها في قدرته سواء , وإلى ذلك أشار قوله : { ثم قال له كن ~~} أي بشرا كاملا روحا وجسدا , وعبر بصيغة المضارع المقترن بالفاء في { ~~فيكون * } دون الماضي وإن كان المتبادر إلى الذهب أن المعنى عليه حكاية ~~للحال وتصويرا لها إشارة إلى أنه كان مع الأمر من غير تخلف وتنبيها على أن ~~هذا هو الشأن دائما , يتجدد مع كل مراد , لا يتخلف عن مراد الآمر أصلا - ~~كما تقدم التصريح به في آية < # > 77 ( { إذا قضى أمرا } ) 77 < # > [ البقرة : 117 ] وذلك أغرب مما كان سبب ضلال النصارى الذين يجادل عن ~~معتقدهم وفد نجران , قال سبحانه وتعالى ذلك إشارة إلى أنهم ظلموا في القياس ~~, وكان العدل أن يقاس في خرقه للعادة بأبي أنه الذي كان يعلم الأسماء كلها ~~وسجد له الملائكة , لا بخالقه ومكونه تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا . ~~| قال الحرالي : جعل سبحانه وتعالى آدم عليه الصلاة والسلام مثلا مبدؤه ~~السلالة الطينية , وغايته النفخة الأمرية , وكان عيسى عليه الصلاة ولاسلام ~~مثلا مبدؤه الروحية والكلمة , وغايته التكمل بملابسة السلالة الطينية , حتى ~~قال صلى الله عليه وسلم : إنه عند نزوله في خاتمة اليوم المحمدي يتزوج ~~امرأة من بني أسد ويولد له غلام لتكمل به الآدمية في العيسوية كما كملت ~~العيسوية في الآدمية وليكون مثلا واحدا أعلى جامعا < # > 77 ( { وله المثل الأعلى في السموات والأرض } ) 77 < # > [ الروم : 27 ] - انتهى . | ولما ابتدأ القصة بالحق في قوله : { نزل ~~عليك الكتاب بالحق } ختمها بذلك على وجه آكد وأضخم فقال : { الحق } أي ~~الكامل في الثبات كائن { من ربك } أي المحسن إليك بأنه لا يدع لخصم عليك ~~مقالا , ولما تسبب عما مضى نقلا وعقلا الإعتقاد الحق في أمر عيسى عليه ~~الصلاة والسلام قال : { فلا تكن من الممترين * } مشيرا بصيغة الافتعال إلى ~~أنه لا يشك فيه بعد ms0778 هذا إلا من أمعن الفكر في شبه يثيرها وأوهام يزاولها ~~ويستزيرها , وما أحسن ما في سفر الأنبياء الإسرائليين الذي هو بأيدي ~~الطائفتين اليهود ثم النصارة , يتناقلونه معتقدين ما يه , وأوضحه في خلاف ~~معتقدهم في عيسى عليه الصلاة والسلام وموافقة معتقدنا فيه , لكنهم لا ~~يتدبرون , وذلك أنه قال في نبوة أشعيا عليه السلام : اسمع مني يا يعقوب ~~عبدي وأنت يا إسرائيل الذي انتخبته ! أنا الذي PageV02P101 خلقتك في الرحم ~~وأعنتك , ثم قال : هكذا يقول : يقول الرب : أنا الذي جبلتك في الرحم وخلصتك ~~وأعنتك , أنا الذي خلقت الكل , وأنا الذي مددت السماء وحدي , وأنا الذي ثبت ~~الأرض , أنا الذي أبطل آيات العرافين , وأصير كل تعريفهم جهلا , وأرد ~~الحكماء إلى خلفهم , وأعرف أعمالهم للناس , وأثبت كلمة عبيدي , وأتمم قول ~~رسلي ؛ ثم قال : أنا الرب الذي خلقت هذه الأشياء , الويل للذي يخاصم خالقه ~~ولا يعلم أنه من خزف الطين ! لعل الطين يقول للفاخوري : لماذا تصنعني ؟ أو ~~لعله يقول له : لست أنا من صنعتك , الويل للذي يقول لأبيه : لماذا ولدتني ؟ ~~أو لأمه : لماذا حبلت بي ؟ هكذا يقول الرب قدوس إسرائيل ومخلصه : أنا الذي ~~خلقت السماء ومددتها بيدي وجميع أجنادها , وجعلت فيها الكواكب البهية . | ~~ذكر ما يحتاج إليه المفسرون - ويثمر إن شاء الله سبحانه وتعالى زيادة ~~الإيقان لكل مسلم - من قصة عيسى عليه السلام في ولادته وما يتعلق بهذه ~~السورة من مبدإ أمره ومنتهاه وبعض ما ظهر على يديه من الآيات ولسانه من ~~الحكم المشيرة إلى أنه عبد الله ورسوله وغير ذلك من الأناجيل الأربعة التي ~~في أيدي النصارى اليوم , وقد أدخلت كلام بعضهم في بعض وجمعت ما تفرق من ~~المعاني في سياقاتهم بحيث صار الكل حديثا واحدا : قال متى - ومعظم السياق ~~له - : كتاب ميلاد يسوع المسيح بن داود بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام , ~~ثم قال : لكل الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلا , ومن داود إلى ~~زربابل أربعة عشر جيلا , ومن زربابل إلى المسيح أربعة عشر جيلا ؛ لما خطبت ~~مريم أمه ليوسف قبل أن يفترقا ms0779 وجدت حبلا من روح القدس , وكان يوسف خطيبها ~~صديقا ولم يرد أن ينشرها , وهم بتخليتها سرا , وفيما هو مفكر في هذا إذا ~~ظهر له ملاك الرب في الحلم قائلا : يا يوسف بن داود ! لا تخف أن تأخذ مريم ~~خطيبتك , فإن الذي تلده هو من روح القدس , وستلد ابنا ويدعى اسمه يسوع , ~~وهو يخلص شعبه من خطاياهم , هذا كله كان لكي يتم ما قيل من قبل الرب على ~~لسان النبي القابل : ها هو ذا العذراء تحبل وتلد ابنا , ويدعى اسمه ( ~~عمانويل ) الذي تفسيره : الله معنا , فقام يوسف من النوم وصنع كما أمره ~~ملاك الرب وأخذ مريم خطيبته ولم يعرفها حتى ولدت ابناه البكر , ودعي اسمه ~~يسوع . | وفي إنجيل لوقا : ولما كان في تلك الأيام - أي أيام ولادة يحيى بن ~~زكريا عليهم السلام - خرج أمر من أوغوسطوس قيصر بأن يكتب جميع المسكونة هذه ~~الكتبة الأولى في ولاية فرسوس على الشام , فمضى جميعهم ليكتتب كل واحد منهم ~~في مدينته , PageV02P102 فصعد يوسف أيضا من الجليل من مدينة الناصرة إلى ~~اليهودية إلى مدينة داود التي تدعى بيت لحم , لأنه كان من بيت داود وقبيلته ~~ليكتتب مع مريم خطيبته وهي حبلى , فبينما هما هناك إذ تمت أيام ولادتها ~~لتلد , فولدت ابنها البكر ولفته وتركته في مزود لأنه لم يكن لهما موضع حيث ~~نزلا , وكان في تلك الكورة رعاة يسهرون لحراسة الليل نوبا على مراعيهم , ~~وإذا ملاك الرب قد وقف بهم ومجد الرب أشرق عليهم , فخافوا خوفا عظيما , قال ~~لهم الملاك : لا تخافوا الآن , هو ذا أبشركم بفرح عظيم يكون لكم ولجميع ~~الشعوب , لأنه ولد لكم اليوم مخلص , الذي هو المسيح في مدينة داود , وهذه ~~علامة لكم أنكم تجدون طفلا ملفوفا موضوعا في مزود , وللوقت بغتة تراءى مع ~~الملاك جنود كثيرة سماويون , يسبحون الله وتعالى ويقولون : المجد لله في ~~العلى , وعلى الأرض السلام , وفي الناس المسرة ؛ فلما صعد الملائكة إلى ~~السماء قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض : امضوا بنا إلى بيت لحم لننظر الكلام ~~الذي أعلمنا به الرب ms0780 , فجاؤوا مسرعين فوجدوا مريم ويوسف والطفل موضوعا في ~~مزود ؛ فلما رأوه علموا أن الكلام الذي قيل لهم عن لاصبي حق , وكل من سمع ~~تعجب مما تكلم به الرعاة , وكانت مريم تحفظ هذا الكلام كله وتقيه , ورجع ~~الرعاة يمجدون الله سبحانه وتعالى ويسبحون على كل ما سمعوا وعاينوا كما قيل ~~لهم . | ولما تمت ثمانية أيام أتوا به ليختن ودعوا اسمه يسوع كالذي دعاه ~~الملاك قبل أن تحبل به في البطن , فلما كملت أيام تطهيرها - على ما في ~~ناموس موسى - صعدوا به إلى يروشليم ليقيموه للرب , كما هو مكتوب في ناموس ا ~~يدعى قدوس الرب , ويقرب عنه - كما هو مكتوب في ناموس الرب - زوج يمام أو ~~فرخا حمام ؛ وكان إنسان بايروشليم اسمه شمعون , وكان رجلا بارا تقيا , يرجو ~~عز بني إسرائل , وروح القدس كان عليه , وكان يوحى إليه من روح القدس أنه لا ~~يموت حتى يعاين المسيح الرب , فأقبل بالروح إلى الهيكل عندما جاؤوا بالطفل ~~يسوع ليصفى عنه كما يجب في الناموس , فحمله على ذراعه وبارك الرب قائلا : ~~الآن يا سيد ! أطلق عبدك بسلام لكلامك , لأن عيني أبصرتك خلاصك الذي أعددت ~~قدام جميع الشعوب , نور استعلن للأمم ومجد لشعبك إسرائيل , وكان يوسف وأمه ~~يتعجبان مما يقال عنه , وباركهما شمعون وقال لمريم أمه : هوذا هذا موضوع ~~لسقوط كثير وقيام كثير من بني إسرائيل . | وكانت حنة النبية ابنة فانوئل من ~~سبط أشير قد طعنت في أيامها وأقامت مع زوجها سبعة وستين بعد بكوريتها , ~~وترملت أربعة وثمانين عاما غير مفارقة للهيكل عائدة للصوم , وللطلبة ليلا ~~ونهارا , وفي تلك الساعة جاءت قدامه معترفة لله وكانت تتكلم من PageV02P103 ~~أجله عند كل أ ؛ د , تترجى خلاص يروشليم , فلما أكملوا كل شيء على ما في ~~ناموس الرب رجعول إلى الجليل إلى مدينتهم الناصرة , فأما الصبي فكان ينشأ ~~ويتقوى بالروح ويمتلىء بالحكمة , ونعمة الله كانت عليه , وأبواه يمضيان إلى ~~يروشليم في كل سنة في عيد الفصح . | وقال متى : فلما ولد يسوع في بيت لحم ~~يهودا في أيام هيرودس الملك إذا ms0781 مجوس وافوا من المشرق إلى يروشليم قائلين : ~~أين هوالمولود ملك اليهود لأنا رأينا نجمة في المشرق , ووافينا لنسجد له , ~~فلما سمع هيرودس الملك اضطرب وجمع يروشليم وجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة ~~الشعب واتسخبرهم : أين يولد المسيح ؟ فقالوا له : في بيت لجحم أرض يهودا - ~~كما هو مكتوب في النبي : وأنت يا بيت لحم أرض يهودا لست بصغيرة في ملوك ~~يهود , يخرد منك مقدم , الذي يرعى شعب بني إسرائيل . | حينئذ دعا هيرودس ~~والروم المجوس سرا , وتحقق منهم الزمان الذي ظهر لهم فيه النجم وأرسلهم إلى ~~بيت لحم قائلا : امضوا فابحثوا عن الصبي باجتهاد , فإذا وجدتموه فأخبروني ~~لآتي أنا وأسجد له , فلما سمعوا من الملك ذهبوا , وإذا النجم الذي رأوه في ~~المشرق يقدمهم حتى جاء ووقف حيث كان الصبي , فلما رأوا النجم فرحوا فرحا ~~عظيما جدا , وأتوا إلى البيت فرأوا الصبي , مع مريم أمه , فخروا له سجدا ~~وفتحوا أوعيتهم وقدموا له قرابين ذهبا ولبانا ومرا , وأنحى إليهم في الحلم ~~أن لا يرجعوا لى هيردوس , بل يذهبوا في طريق أخرى إلى كورتهم , فلام ذهبوا ~~وإذ ملاك الرب تراءى ليوسف في الحلم قائلا : قم , خذ الصبي وأمه واهرب ~~ليهلكه , فقام وأخذ الصبي أمه ليلا , ومضى إلى مصر وكان هناك إلى وفاة ~~هيرودس , لكي يتم ما قيل من قبل الرب بالنبي القابل من مصر : دعوت ابني ؛ ~~حينئذ لما رأى هيرودس سخرية المجوس به غضب جدا وأرسل , فقتل كل صبيان بيت ~~لحم وكل تخومها من ابن سنتين فما دون , كنحو الزمان الذي تحقق عنده من ~~المجوس , حينئذ تم ما قيل من أرميا النبي حيث يقول : صوت سمع في الزأمة , ~~بكاء ونوح وعويل كثير , وراحيلف تبكي على بنيها ولا تريد أن تتعزى لفقدهم ؛ ~~فلما مات هيرودس ظهر ملاك الرب ليوسف في الحلم بصمر قائلا : قم , خذ الصبي ~~وأمه واذهب إلى أرض إسرائيل ؛ فما سمع أن أورشلاوش قد ملك على اليهودية عوض ~~هيرودس أبيه خاف أن يذهب إلى هناك , فأخبر في الحلم وذهب إلى حور ناحية ~~الجليل , فأتى وسكن ms0782 في مدينة تدعى ناصرة لكي يتم ما قيل في الأنبياء : إنه ~~يدعى ناصيريا وفي إنجيل لوقا : فلما تمت له اثنتا عشرة سنة مضوا إلى ~~يروشليم إلى العبد PageV02P104 كالعادة , فلما كملت الأيام ليعودوا تخلف ~~عنهام يسوع في يروشليم ولم تعلم أمه ويوسف , لأنهما كانا يظنان أنه مع ~~السائرين في الطريق , فلما ساروا نحو يوم طلباه عند أقربائهما ومعارفهما ~~فلم يجداه , فرجعا إلى يروشليم يطلبانه , وبعد ثلاثة أيام وجداه في الهيكل ~~جالسا بين العلماء يسمع منهم ويسألهم , وكان كل من يسمعه مبهوتين من علمه ~~وإجابته لهم , فلما أبصراه بهتا , فقالت له أمه : يا بني ! ما هذا الذي ~~صنعت بنا ؟ إن أباك وأنا كنا نطلبك باجتهاد معذبين , فقال لهما : لم ~~تطلباني ؟ أما تعلمان أنه ينبغي أن أكون في الذي لأبى ؟ فأما هما فلم يفهما ~~الكلام ونزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان يطيعهما , فأما يسوعفكان ينشأ في ~~قامته وفي الحكمة والنعمة عند الله والناس . | قال متى : وفي تلك الأيام ~~جاء يوحنا المعمدان يكرز في برية يهودا - إلى آخر ما تقدم آنفا من بشارة ~~يحيى عليه الصلاة والسلام به , ثم قال : حينئذ أتى يسوع من الجليل إلى ~~الأردن ليعتمد من يوحنا , فامتنع يوحنا منه وقال : أنا المحتاج أن أعتمد ~~منك وأنت تأتي إلي , فأجاب يسوع : دع الآن , هكذا يجب لنا أن نكمل كل البر ~~, حينئذ تركه فاعتمد يسوع , وللوقت صعد من الماء فانفتحت له السماوات , ~~ورأى روح الله نازلا كمثل حمامة جائيا إليه . | وقال مرمس : وكان تلك ~~الأيام جاء يسوع من ناصرة الجليل واصطنع في نهر الأردن من يوحنا , فساعة ~~صعد من الماء رأى السماوات قد انشقت , وروح القدس كالحمامة نزلت عليه , ~~وللوقت أخرجه الروح إلى البرية , وأقام بها أربعين يوما وأربعين ليلة , وهو ~~مع الوحوش , والملائكة تخدمه . # وقال متى : وصام أربعين يوما وأربعين ليلة . | وقال لوقا : وكان لما ~~اعتمد جميع الشعب واعتمد يسوع فبينما هو يصلي انفتحت السماء ونزل عليه روح ~~القدس شبه جسد حمامة , وكان قد صار ليسوع ثلاثون سنة وكان يظن أنه ms0783 ابن يوسف ~~وأن يسوع امتلأ من روح القدس ورجع من الأردن , فانطلق به الروح أربعين يوما ~~, لم يأكل شيئا في تلك الأيام ؛ ثم قال : ورجع يسوع إلى الجليل بقوة الروح ~~وخرج خبره في كل الكورة , وكان يعلم في مجامعهم ويمجده كل أحد , وجاء إلى ~~الناصرة حيث كان تربى ودخل كعادته إلى مجمعهم يوم السبت , وقام الرب علي , ~~من أجل هذا مسحني وأرسلني لأبشر المساكين وأشفي منكسري القلوب وأبشر ~~المأسورين بالتخلية والعميان بالنظر , وأرسل المربوطين بالتخلية , وأبشر ~~بالسنة المقبولة للرب والأيم التي أعطانا إلهنا ؛ ثم طوى السفر ودفعه إلى ~~الخادم وجلس , وكل من كان في الجمع كانت عيونهم محدقة إليه , فبدأ يقول لهم ~~: اليوم كمل هذا المكتوب بأسماعكم ؛ وفي إنجيل يوحنا : إن يسوع قال : إن ~~كنت أنا أشهد لنفسي فليست شهادتي PageV02P105 حقا , ولكن الذي يشهد لي بها ~~حق , أنتم أرسلتم إلي يوحنا فشهد لي بالحق , وأما أنا فلست أطلب شهادة من ~~إنسان ولكني أقول هذا لتخلصوا أنتم , وأنا على أعظم من شهادة يوحنا لأن ~~الأعمال الت يأعملها تشهد من أجلي أن الرب أرسلني , والذي أرسلني قد شهد لي ~~ولم تسمعوا قط صوته ولا عرفتموه ولا رأيتموه , وكلمته لا تثبت فيكم لأنكم ~~لستم تؤمنون بالذي أرسل , فتشوا الكتب التي تظنون أن تكون لكم بها حياة ~~الأبد فهي تشهد من أجلي , لست آخذ المجد من الناس أنا أتيت باسم أبي فلم ~~تقبلوني , وإن أتاكم آخر باسم نفسه قبلتموه , كيف تقدرون أن تؤمنوا وإنما ~~تقبلون المجد بعضكم , من بعض ولا تظنون أن المجد من الله تعالى الواحد , لا ~~تظنوا أني أشكوكم , إن لكم من يشكوكم : موسى الذي عليه تتوكلون , فلو كنتم ~~آمنتم بموسى آمنتم بي , لأن ذلك كتب من أجلي , وإن كنتم لا تؤمنون بكتب ذلك ~~فيكف تؤمنون بكلامي - انتهى ما وقع الاختيار أخيرا على غثباته هنا , وفيه ~~من الألفاظ المنكرة في شرعنا إطلاق الأب والابن , وقد تقدم التنبيه على مثل ~~ذلك . | ولما أتاهم سبحانه وتعالى من أمر عيسى عليه الصلاة والسلام بالفصل ~~في ms0784 البيان الذي ليس بعده إلا العناد , فبين أولا ما تفضل فيه عيسى عليه ~~الصلاة والسلام من أطوار الخلق الموجبة للحاجة المنافية للإلهية , ثم فضح ~~بتمثيله بآدم عليه الصلاة والسلام شبهتهم , ألزمهم عل تقديره بالفيصل ~~الأعظم للمعاند الموجب للعذاب المستأصل أهل الفساد فقال سبحانه وتعالى : { ~~فمن } أي فتسبب عما آتيناك به من الحق في أمره أنا نقول لك : من { حآجك فيه ~~} أي خاصمك بإيراد حجة , أي كلام يجعله في عداد ما يقصد . | ولما كان ~~الملوم إنما هو من بلغته هذه الآيات وعرف معناها دون من حاج في الزمان الذي ~~هو بعد نزولها دون اطلاعه عليها قال : { من } أي متبدئا المجاجة من , ويجوز ~~أن يكون الإتيان بمن لئلا يفهم أن المباهلة تختص بمن استغرق زمان البعد ~~وبالمجادلة { بعدما جآءك من العلم } أي الذي أنزلنان إليك وقصصناه عليك في ~~أمره { فقل تعالوا } أي اقبلوا أيها المجادلون إلى أمرنعرف فيه علو المحق ~~وسفول المطبل { ندع أبنآءنا وأبناءكم } أي الذي هم أعز ما عند الإنسان ~~لكونهم بعضه { ونساءنا ونساءكم } أي اللاتي هن أولى ما يدافع عنه أولو ~~الهمم العوالي { وأنفسنا وأنفسكم } فقدم ما يدافع عنه ذوو الأحساب ويفدونه ~~بنفوسهم , وقدم منه الأعز الألصق بالأكياد وختم بالمدافع , وهذا الترتيب ~~على سبيل الترقي إذا اعتبرت أنه قدم الفرع ثم الأصل وبدأ بالأدنى وختم ~~بالأعلى , وفائدة الجمع الإشارة إلى القطع بالوثوق بالكون على الحق . | ثم ~~ذكر ما له هذا الجمع مشيرا بحرف التراخي إلى خطر الأمر وأنه مما ينبغي ~~PageV02P106 الاهتمام به والتروي له وإمعان النظر فيه لوخامة العاقبة وسوء ~~المنقلب للكاذب فقال : { ثم نبتهل } أي نتضرع - قاله ابن عباس رضي الله ~~تعالى عنهما كما نقله الإمام أبو حيان في نهره . | وقال الحرالي : الابتهال ~~طلب البهل , والبهل أصل معناه التخلي والضراعة في مهم مقصود - انتهى . | { ~~فنجعل لعنت الله } أي الملك الذي له العظمة كلها فهو يجبر ولا يجار عليه , ~~أي إبعاد وطرده { على الكاذبين * } وقال ابن الزبير بعد ما تقدم من كلامه : ~~ثم لما أتبعت قصة آدم عليه الصلاة ms0785 والسلام - يعني في البقرة - بذكر بني ~~إسرائيل لوقوفهم من تلك القصص على ما لم تكن العرب تعرفه , وأنذروا وحذروا ~~؛ أتبعت قصة عيسى عليه الصلاة والسلام - يعني هنا - بذكر الحواريين وأمر ~~النصارى إلى آية المباهلة - انتهى . | ولما كان العلم الأزلي حاصلا بأن ~~المجادلين في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام يكفون عن المباهلة بعد المجادلة ~~خوفا من الاستئصال في العاجلة مع الخزي الدائم في الآجلة , وكان كفهم عن ~~ذلك موجبا للقطع بإبطالهم في دعواهم لكل من يشاهدهم أو يتصل به خبرهم , حسن ~~كل الحسن تعقيب ذلك بقوله : - تنبيها على ما فيه من العظمة - { إن هذا } أي ~~الذي تقدم ذكره من أمر عيسى عليه السلام وغيره { لهو } أي خاصة دون غيره ~~مما يضاده { القصص الحق } والقصص - كما قال الحرالي - تتبع الوقائع ~~بالإخبار عنها شيئا بعد شيء على ترتيبها , في معنى قص الأثر , وهو اتباعه ~~حتى ينتهي إلى محل ذي الأثر - انتهى . | ولما بدأ سبحانه وتعالى القصة أول ~~السورة بالإخبار بوحدانيته مستدلا على ذلك بأنه الحي القيوم صريحا ختمها ~~بمثل ذلك إشارة وتلويحا فقال - عاطفا على ما أنتجه ما تقدم من أن عيسى صلى ~~الله عليه وسلم عبد الله ورسوله معمما للحكم معرقا بزيادة الجار في النفي : ~~{ وما من إله } أي معبود بحق , لأن له صفات الكمال , فهو بحيث يضر وينفع { ~~إلا الله } أي المحيط بصفات الكمال , لأنه الحي القيوم - كما مضى التصريح ~~به , فاندرج في ذلك عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره , وقد علم من هذا ~~السياق أنهم لما علموا تفرده تركوا المباهلة رهبة منه سبحانه وتعالى علما ~~منهم بأنهم له عاصون ولحقه مضيعون وأن ما يدعون إلاهيته لا شيء في يده م ~~الدفع عنهم ولا من النفع لهم , فلا برهان أقطع من هذا . | PageV02P107 ولما ~~كان في نفي العزة والحكمة عن غيره تعالى نوع خفاء أتى بالوصفين على طريق ~~الحصر فقال - عاطفا على ما قدرته مام أرشد السياق إلى أنه علة ما قبله من ~~نفي : { وإن الله } أي الملك الأعظم { لهو } أي وحده { العزيز ms0786 الحكيم * } ~~وهذا بخلاف الحياة والقيومية فإنه لم يؤت بهما على طريق الحصر لظهورهما , ~~وقد علم بلا شبهة بما علم من أنه لا عزيز ولا حكيم إلا هو أنه لا إله إلا ~~هو . | ولما ثبت ذلك كله سبب عنه تهديدهم على الإعراض بقوله - منبها ~~بالتعبير بأداة الشك على أنه لا يعرض عن هذا المحل البين إلا من كان عالما ~~بأن مبطل , ومثل ذلك لا يظن بذي عقل ولا مروة , فمن حق ذكره أن يكون من ~~قبيل فرض المحالات : { فإن تولوا } أي عن إجابتك إلى ما تدعوا إليه { فإن ~~الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { عليهم } بهم , هكذا كان الأصل , ~~فعدل عنه لتعليق الحكم بالوصف تنفيرا من مثل حالهم فقال : { بالمفسدين * } ~~أي فهو يحكم فيهم بعلمه فينتقم منهم فسادهم بعزته انتقاما يتقنه بحكمته ~~فينقلبون منه بصفقة خاسر ولا يجدون من ناصر . | < < # | آل عمران : ( 64 - 78 ) قل يا أهل . . . . . # > > ^ ( قل يأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا ~~الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا ~~فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون * يأهل الكتاب لم تحآجون في إبراهيم ومآ أنزلت ~~التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون * هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم ~~به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون * ما ~~كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين ~~* إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي ~~المؤمنين * ودت طآئفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما ~~يشعرون * يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون * يأهل الكتاب لم ~~تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون * وقالت طآئفة من أهل ~~الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم ~~يرجعون * ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد ~~مثل مآ أوتيتم أو يحآجوكم عند ربكم قل إن ms0787 الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء ~~والله واسع عليم * يختص برحمته من يشآء والله ذو الفضل العظيم * ومن أهل ~~الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده ~~إليك إلا ما دمت عليه قآئما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ~~ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون * بلى من أوفى PageV02P108 بعهده واتقى ~~فإن الله يحب المتقين * إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ~~أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم * وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب ~~لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند ~~الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما نكصوا عن المباهلة بعد أن أورد عليهم أنواع الحجج فانقطعوا , ~~فلم تبق لهم شبهة وقبلوا الصغار والجزية , فعلم انحلالهم عما كانوا فيه من ~~المحاجة ولم يبق إلا إظهار النتيجة , اقتضى ذلك عظم تشوفه صلى الله عليه ~~وسلم إليها بعظم حصرصه صلى الله عليه وسلم على هداية الخلق , فأمره بأن ~~يذكرها مكررا إرشادهم بطريق أخف مما مضى بأن يؤنسهم فيما يدعوهم إليه ~~بالمؤاساة , فيدعو دعاء يشمل المحاجين من النصارة وغيرهم ممن له كتاب من ~~اليهود وغيرهم إلى الكلمة التي قامت البارهين على حقيتها ونهضت الدلائل على ~~صدقها , دعاء لا أعدل منه , على وجه يتضمن نفي ما قد يتخيل من إرادة التفضل ~~عليهم والاختصاص بأمر دونهم , وذلك أنه بدأ بمباشرة ما دعاهم إليه ورضى لهم ~~ما رضي لنفسه وما اجتمعت عليه الكتب واتفقت عليه الرسل فقال سبحانه وتعالى ~~: { قل } ولما كان قد انتقل من طلب الإفحام خاطبهم تلطفا بهم بما يحبون ~~فقال : { ياأهل الكتاب } إشارة إلى ما عندهم في ذلك من العلم { تعالوا } أي ~~ارفعوا أنفسكم من حضيض الشرك الأصغر والأكبر الذي أنتم به { إلى كلمة } ثم ~~وصفها بقوله : { سواء } أي ذات عدل لا شطط فيه بوجه { بيننا وبينكم } ثم ~~فسرها ms0788 بقوله : { ألا نعبد إلا الله } أي لأنه الحائز لصفات الكمال , وأكد ~~ذلك بقوله : { ولا نشرك به شيئا } أي لا نعتقد له شريكا وإن لم نعبده . | ~~ولما كان التوجه إلى غير الله خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى عبر بصيغة ~~الافتعال فقال : { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا } أي كعزير والمسيح والأحبار ~~والرهبان الذين يحلون ويحرمون . | ولما كان الرب قد يطلق على الملعم ~~والمربي بنوع تربية نبه على أن المحذور إنما هو اعتقاد الاستبداد , ~~والأجتراء على ما يختص به الله سبحانه وتعالى فقال : { من دون الله } الذي ~~اختص بالكمال . | ولما زاحت الشكوك وانتفت العلل أمر بمصارحتهم بالخلاف في ~~سياق ظاهره المتاركة وباطنه الإنذار الشديد المعاركة فقال - مسببا عن ذلك ~~مشيرا بالتتعبير بأداة الشك إلى أن الإعراض عن هذا العدل لا يكاد يكون : { ~~فإن تولوا } أي عن الإسلام له في التوحيد { فقولوا } أنتم تبعا لأبيكم ~~إبراهيم عليه السلام إذ قال : < # > 77 ( { أسلمت PageV02P109 لرب العالمين } ) 77 < # > [ البقرة : 131 ] وامتثالا لوصيته إذ قال : < # > 77 ( { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } ) 77 < # > [ البقرة : 132 ] { اشهدوا بأنا } أي نحن { مسلمون * } أي متصفون ~~بالإسلام منقادون لأمره , فيوشك أن يأمرنا نبيه صلى الله عليه وسلم بقتالكم ~~لنصرته عليكم جريا على عادة الرسل , فنجيبه بما أجاب به الحواريون المشهدون ~~بأنهم مسلمون , ثم نبارزكم متوجهين إليه معتمدين عليه , وأنتم تعرفون أيامه ~~الماضية ووقائعه السالفة . | ولما علم أهل الكتاب ما جبل عليه العرب من ~~محبة أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأن محدا صلى الله عليه وسلم أتى ~~بدينة كما تقدم في قوله سبحانه وتعال < # > 77 ( { بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين } ) 77 < # > [ البقرة : 135 ] اجتمع ملأ من قرابتهم بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~, وضلل كل منهم الآخر وادعى كل منهم قصدا لاجتذاب المسلمين إلى ضلالهم ~~بكيدهم ومحالهم اتباع إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه صلى الله عليه وسلم ~~كان على دينهم , ولم يكن لذلك ذكر في كتابهم , مع أن لاعقل يرده بأدنى ~~التفات , لأن دين كل منهم إنما قرر بكتابهم , وكتابهم ms0789 إنما نزل على نبيهم , ~~ونبيهم إنما كان بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام بدهور متطاولة , واليهود ~~ينسبون إلى يهوذا بن يعقوب عليه السلام , لأخذه البكورية عن أخيه بنيامين ~~لأمر مذكور في كتابهم , والنصارة ينسبون إلى الناصرة مخرج عيسى عليه الصلاة ~~والسلام في جبل الجليل , ولا يعقل أن يكون المتقدم على دين ما حدث إلا بعده ~~وعلى نسبة متأخرة عنه , وكان دينه صلى الله عليه وسلم إنما هو الإسلام , ~~وهو الحنيفة السمحة فقال سبحانه وتعالى مبكتا لهم : { ياأهل الكتاب } ~~كالمعلل لتبكيتهم , لأن الزلة من العلام أشنع { لم تحآجون في إبراهيم } ~~فيدعيه كل من فريقكم { و } الحال أنه { ما أنزلت التوراة والإنجيل } المقرر ~~كل منهما لأصل دين متجدد منكم { إلا } ولما كان إنزال كتاب كل منهم غير ~~مستغرق للزمان الآتي بعده أدخل الجار فقال : { من بعده } وأعظم ما يتمسك به ~~كل فرقة منهما السبت والأحد , ولم يكن ما يدعونه فيمهما في شريعة إبراهيم ~~عليه السلام , لاي قدرون على إنكار ذلك , ولا يأتيى مثل ذلك في دعوى أنه ~~مسلم لأن الإسلام الذي هو الإذعان للدليل معنى قديم موجود من حين خلق الله ~~العقل , والدليل أنه لا يقدر أحد أن يدعي أنه ما حدث إلا بعد إبراهيم عليه ~~السلام كما قيل في الدينين المذكورين . | ولما كان الدليل العقلي واضحا في ~~ذلك ختم الآية بقوله منكرا عليهم { أفلا تعقلون * } أي هب أنكم لبستم ~~وادعيتم أن ذلك في كتابكم زورا وبهتانا , وظننتم أن ذلك يخفى على من لا ~~إلمام له بكتابكم , فكيف غفلتم عن البرهان العقلي ! ثم استأنف PageV02P110 ~~تبكيتا آخر فقال منبها لهم مكررا النبيه إشارة إلى طول رقادهم أو شدة ~~عنادهم : { هاأنتم هؤلاء } أي الأشخاص الحمقى , ثم بين ذلك بقوله : { ~~حاججتم } أي قصدتم مغالبة من يقصد الرد عليكم { فيما لكم به علم } أي نوع ~~من العلم من أمر موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام لذكر كل منهما في كتابكم ~~وإن كان جدالكم فيهما على خلاف ما تعلمون من أ ؛ والهما عنادا أو طغيانا { ~~فلم تحاجون } أي تغالبون ms0790 بما تزعمون أنه حجة , وهو لا يستحق أن يسمى شبهة ~~فضلا عن أن يكون حجة { فيما ليس لكم به علم } اصلا , لكونه لا ذكر له في ~~كتابكم بما حاججتم فيه مع مخالفته لصريح العقل { والله } أي المحيط بكل شيء ~~{ يعلم } أي وأنتم تعلمون أن مجادلتكم في الحقيقة إنما هي مع الله سبحانه ~~وتعالى , وتعلمون أن علمه محيط بجميع ما جادلتم فيه { وأنتم } أي وتعلمون ~~أنكم أنتم { لا تعلمون * } أي ليس لكم علم أصلا إلا ما علمكم الله سبحانه ~~وتعالى , هذا على تقدير كون ( ها ) في ( ها أنتم ) للتنبيه , ونقل شيخنا ~~ابن الجزري في كتابه ( النشر في القراءات العشر ) عن أبي عمرو بن العلاء ~~وعن أبي الحسن الأخفش أنها بدل من همزة , وروي عن أبي حمدون عن اليزيدي أن ~~أبا عمرو قال : وإنما هي { أأنتم } ممدودة , فجعلوا الهمزة هاء , والعرب ~~تفعل هذا , فعلى هذا التقيدر يكون استفهاما معناه التعجيب منهم والتوبيخ ~~لهم . | ولما وبخهم على ذلك من جهلهم نفيى سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام ما ادعاه عليه كل منهم طبق ما برهنت عليه الآية الأولى , ~~ونفى عنه كل شرك أيضا , وأثبت أنه كان مائلا عن كل باطل منقادا مع الدليل ~~إلى كل حق بقوله سبحانه وتعالى : { ما كان إبراهيم يهوديا } أي كما ادعى ~~اليهود { ولا نصرانيا } كما ادعى النصارى - لما تقدم من الدليل { ولكن كان ~~حنيفا مسلما } وقد بين معنى الحنيف عند قوله تعالى : < # > 77 ( { قل بل ملة إبراهيم حنيفا } ) 77 < # > [ البقرة : 135 ] بما يصدق على المسلم , وقال الإمام العارف ولي الدين ~~الملوي في كتابه حصن النفوس في السؤال في القبر : واليهودي أصله من آمن ~~بموسى عليه الصلاة والسلام والتزم أحكام التوراة , والنصراني من آمن بعيسى ~~عليه الصلاة والسلام والتزم أحكام الإنجيل , ثم صار اليهودي من كفر بما ~~أنزل بعد موسى عليه الصلاة والسلام , والنصراني من كفر بما أنزل بعد عيسى ~~عليه الصلاة والسلام , والحنيف المائل عن كل دين باطل , والمسلم المطيع ~~لأوامر الله سبحانه وتعالى في أي كتاب ms0791 أنزلت مع أي رسول أوردت , وإن شيئت ~~قلت : هو المنقاد لله سبحانه وتعالى وحده بقلبه ولسانه وجميع جوارحه المخلص ~~عمله لله عز وجل , قال PageV02P111 النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له : ~~قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك ( قل : آمنت بالله ثم استقم ) ~~انتهى . | ثم خص بالنفي من عرفوا بالشرك مع الصلاح لكل من داخله شرك من ~~غيرهم كمن أشرك بعزيز والمسيح عليهما الصلاة والسلام فقال : { وما كان من ~~المشركين * } وفي ذكر وصفي الإسلام والحنف تعريض لهم بأنهم في غاية العناد ~~والجلافة واليبس في التمسك بالمألوفات وترك ما أتاهم من واضح الأدلة وقاطع ~~الحجج البينات . | ولما نفي عنه صلى الله عليه وسلم كل زيغ بعد أن نفي عنه ~~أن يكون على ملة هو متقدم عن حدوثها شرع في بيان ما يتم به نتيجة ما مضى ~~ببيان من هو أقرب إليه ممن جاء بعده , فقرر أن الأولى به إنما هو من اتبعه ~~في أصل الدين , وهو التوحيد والتنزيه الذي لم يختلف فيه نبيان أصلا , وفي ~~الانقياد للدليل وترك المألوف من غير تلعثم حتى صاروا أحقاء بالإسلام الذي ~~هو وصفه بقوله سبحانه وتعالى مؤكدا ردا عليهم وتكذيبا لمحاجتهم : { إن أولى ~~الناس } أي أقربهم وأحقهم { بإبراهيم للذين اتبعوه } أي في دينه من أمته ~~وغيرهم , لا الذين ادعوا أنه تابع لهم , ثم صرح بهذه الأمة فقال : { وهذا ~~النبي } أي هو أولى الناس به { والذين آمنوا } ي من أمته وغيرهم وإن كانوا ~~في أدنى درجات الإيمان { والله } أي بما له من صفات الكمال - وليهم , هذا ~~الأصل , ولكنه قال : { ولي المؤمنين * } ليعم الأنبياء كلهم وأتباعهم من كل ~~فرقة , ويعلم أن الوصف الموجب للتقريب العراقة في الإيمان ترغيبا لمن لم ~~يبلغه في بلوغه . | ولما كان قصد بعضهم بدعواه أن إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام على دينه إنما هو إضلال أهل الإسلام عقب ذلك بالإعراب من مرادهم ~~بقوله تعالى - جوابا لمن كأنه قال : فما كان مراد أهل الكتابين بدعواهم فيه ~~مع علمهم أن ذلك مخالف ms0792 لصريح العقل ؟ { وردت طآئفة } أي من شأنها أن تطوف ~~حولكم طواف التابع المحب مكرا وخداعا { من أهل الكتاب } حسدا لكم { لو ~~يضلونكم } بالرجوع إلى دينهم الذي يلعمون أنه قد نسخ { وما } أي والحال ~~أنهم ما { يضلون } بذلك التمني أو الإضلال لو وقع { إلا أنفسهم } لأن كلا ~~من تمنيهم وإضلالهم ضلال لهم مع أنهم لا يقدرون أن يضلوا من هداه الله , ~~فمن تابعهم على ضلالهم فإنما أضله الله { وما يشعرون * } أي وليس يتجدد لهم ~~في PageV02P112 وقت من الأوقات نوع شعور , فكيدهم لا يتعداهم فقد جمعوا بين ~~الضلال والجهل , إما حقيقة لبغضهم وإما لأنهم لما عملوا بغير ما يعلمون عد ~~علمهم جهلا وعدوا هم بهائم , فكانت هذه الجملة على غاية التناسب , لأن أهم ~~شيء في حق من رمى بباطل - إنما غلبة الرامي ليتعاظم بأنه شأنه - بيان ~~إبطاله في دعواه , ثم تبكيته المتضمن لبراءة المقذوف , ثم التصريح براءته , ~~ثم بيان من هو أولى بالكون من حربه , ثم بيان المراد من تلك الدعوى الكاذبة ~~ليحذر غائلتها السامع . | ولما ختم الكلام فيهم بنفي شعورهم بين تعالى في ~~معرض التبكيت أن نفيهم عنه إنما هو لأنهم معاندون , لا يعلمون بعلمهم , بل ~~يعملون بخلافه , فقال مستأنفا بما يدل على غاية التبكيت المؤذنة بشديد ~~الغضب : { ياآهل الكتاب } أي الذين يدعون أنهم أهل العلم { لم تكفرون } أي ~~كفرا تجددونه في كل وقت { بآيات الله } أي تسترون ما عندكم من العلم بسبب ~~الآيات التي أنزلت عليكم من الملك المحيط بكل شيء عظمة وعزا وعلما { وأنتم ~~تشهدون * } أي تلعمون علما هو عندكم في غاية الانكشاف أنها آياته ؛ ثم أتبع ~~ذلك استنئافا آخر مثل ذلك إلا أن الأول قاصر على ضلالهم وهذا متعد إلى ~~إضلالهم فقال : { ياآهل الكتاب لم تلبسون الحق } أي الذي لا مرية فيه { ~~بالباطل } أي بأن تؤولوه بغير تأويله , أو تحملوه على غير محله { وتكتمون ~~الحق } أي الذي لا يقبل تأويلا , وهو ما تعلمون من البشارة بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وتوابعها { وأنتم } أي والحال أنكم { تعلمون * } أي من ms0793 ذوي العلم ~~, فأنتم تعرفون ذلك قطعا وأن عذاب الضال المضل عظيم جدا . | ولما ذكر لبسهم ~~دل عليه بقوله عطفا على { وت طائفة } مبينا لنوع إضلال آخر : { وقالت طائفة ~~من أهل الكتاب } أي من يهود المدينة { آمنوا } أي اظهروا الإيمان { بالذي ~~أنزل على الذين آمنوا } متابعة لهم { وجه } أي أول { النهار } سمي وجها ~~لأنه النصف , لأن مرادهم التلبيس بظاهر لا باطن له , ولفظ لا حقيقة له , في ~~جزء يسير جدا { واكفروا آخره } أي ليظنوا أنه لا غرض لكم إلا الحق , وأنه ~~ما ردكم عن دينهم بعد ابتاعكم له إلا ظهور بطلانه { لعلهم يرجعون * } أي ~~ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه ن دينه { ولا تؤمنوا } أي توقعوا التصديق ~~الحقيقي { إلا لمن تبع دينكم } فصوبوا طريقته وصدقوا دينه وعقيدته . | ولما ~~كان هذا عين الضلال أمره سبحانه وتعالى أن يعجب من حالهم منبها على ضلالهم ~~بقوله معرضا عنهم إيذانا بالغضب : { قل إن الهدى هدى الله } أي المختص ~~PageV02P113 بالعظمة وجميع صفات الكمال , أي لا تقدرون على إضلال أحد منا ~~عنه , ولا نقدر على إرشاد أحد منكم إليه إلا بإذنه , ثم وصل به تقريعهم ~~فقال : { أن } بإثبات همزة الإنكار في قراءة ابن كثير , وتقديرها في قراءة ~~غيره , أي أفعلتم الإيمان على الصورة المذكورة خشية أن { يؤتى أحد } أي من ~~طوائف الناس { مثل ما أوتيتم } أي من العلم والهدى الذي كنتم عليه أول ~~الأمر { أو } كراهة أن { بحاجوكم } أي يحاجكم أولئك الذين أوتوا مثل ما ~~أوتيتم { عند ربكم } الذي طال إحسانه إليكم بالشهادة عليكم أنهم آمنوا ~~وكفرتم بعد البيان الواضح فيفضحوكم . | ولما كانت هذه الآية شبيهة بآية ~~البقرة < # > 77 ( { ما يود الذين كفروا من أهل اكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من ~~خير من ربكم } ) 77 < # > [ البقرة : 105 ] في الحسد على ما أوتي غيرهم من الدين الحق وكالشارحة ~~لها ببيان ما يلبيسونه لقصد الإضلال ختمت بما ختمت به تلك , لكن لما قصد ~~بها الرد عليهم في كلا هذين الأمرين اللذين دبروا هذا المكر لأجلهما زيدت ~~ما له ms0794 مدخل في ذلك فقال تعالى مجيبا لمن تشوف إلى تعليم ما لعله يكف من ~~مكرهم ويؤمن من شرهم معرضا عنهم بالخطاب بعد الإقبال عليهم به إيذانا بشديد ~~الغضب : { قل إن الفضل } في التشريف بإنزال الآيات وغيرها { بيد الله } ~~المختص بأنه لا كفوء له , فله الأمر كله ولا أمر لأحد معه , وأتبعه نتيجة ~~فقال : { يؤتيه من يشاء } فله مع كمال القدرة كمال الاجتباء , ثم قال مرغبا ~~مرهبا ورادا عليهم في الأمر الثاني : { والله } الذي له من العظمة وسائر ~~صفات الكمال ما لا تحيط به العقول ولا تبلغه الأوهام { واسع عليم * } أي ~~يوسع على من علم فيه خيرا , ويهلك من علم أنه لا يصلح لخير , ويعلم دقيق ~~أمركم وجليله , فلا يحتاج سبحانه وتعالى إلى تنبيه أحد بمجاجتكم عليه عنده ~~. | ولما كان هذا من الوضوح بحيث لا يحااج إلى تأكيد انتقل عنه إلى تأكيد ~~الرد عليهم في الأمر الأول بثمرة هذه الجملة ونتيجتها من أنه فاعل ~~بالاختيار تام الاقتدار فقال : { يختص برحمته من يشاء } ثم أكد تعظيم ما ~~لديه دفعا لتوهم من يظن أن اختصاص البعض لضيق الرحمة عن العموم فقال : { ~~والله } الذي كل شيء دونه فلا ينقص ما عنده { ذو الفضل العظيم * } وكرر ~~الاسم الأعظم هنا تعظيما لما ذكر من النعم مشيرا بذلك كله إلى التمكن من ~~الإعطاء باختباره وغزارة فضله وإلى القدرة على الإنجاء من حبائل المكر بسعة ~~علمه . | فلما تقرر أن الأمر كله له ذكر دليل ذلك فيهم بأنه فضل فريقا منهم ~~فأعلاه , ورذل فريقا منهم فأرداه , فلم يردهم الكتاب - وهم يتلونه - إلى ~~الصواب , فقال عاطفا على ما PageV02P114 مضى من مخازيهم مقررا لكتمانهم ~~للحق مع علمهم بأنه الحق بأنه الخيانة ديدنهم في الأعيان الدنيوية والمعاني ~~الدينية مبنيا على أنهم وإن شاركوا الناس في انقسامهم إلى أمين وخائن فهم ~~يفارقونهم من حيث ان خائنهم يتدين يخيانته ويسندها - مروقا من ربقة الحياء ~~- إلى الله , مادحا للأمين منهم : { ومن أهل الكتاب } أي الموصوفين { من إن ~~تأمنه بقنطار } أي من الذهب المذكور في الفريق ms0795 الآتي { يؤده إليك } غير ~~خائن فيه , فلا تسوقوا الكل مساقا واحدا في الخيانة { ومنهم من إن تأمنه ~~بدينار } أي واحد { لا يؤده إليك } في زمن من الأزمان دناءة وخيانة { إلا ~~ما } أي وقت ما { دمت عليه قائما } تطالبه به غالبا لهن بما دلت عليه أداة ~~الاستعلاء , ثم استأنف علة الخيانة بقوله : { ذلك } أي الأمر البعيد من ~~الكمال { بأنهم قالوا } كذبا على شرعهم { ليس علينا في الأميين } يعني من ~~ليس له كتاب فليس على دينهم { سبيل } ولما كان الكذب من عظم القباة بمكان ~~يظن بسببه أنه لا يجترىء عليه ذو عقل بكذبهم في هذا الأمر بخصوصه بقوله : { ~~بلى } أي عليكم في خيانتهم لتحرير العذر عليكم مطلقا , أي سبيل - كما هو في ~~التوراة وقد مضى نقله في البقرة في آية < # > 77 ( { إن الذين آمنوا والذين هادوا } ) 77 < # > [ البقرة : 62 ] وآية < # > 77 ( { وقولوا للناس حسنا } ) 77 < # > [ البقرة : 83 ] . | ولما مضى تقسيمهم إلى أمين وخائن استأنف بشارة ~~الأول ونذارة الثاني على وجه عام لهم ولغيرهم لتحريم الخيانة في كل شرع في ~~حق كل أحد منهما , إن الله يبغض الخائن فقال : { من أوفى بعهده } في الدين ~~والدنيا { واتقى } أي كائنا من كان { فإن الله } ذا الجلال والإكرام يحبه , ~~هكذا الأصل , لكنه أظهر الوصف لتعليق الحكم به وإشعارا بأنه العلة الحامخلة ~~له على الأمانة فقال : { يحب المتقين * } ولما كانت النفوس نزاعة إلى ~~الخيانة رواغة عند مضائق الأمانة , وكانت الخيانة تجر إلى الكذب بسط في ~~الإنذار فقال : { إن الذين يشترون } أي يلجون في أن يأخذوا على وجه العوض { ~~بعهد الله } أي الذي عاهدوه عليه من الإيمان بالرسول الذي عاهدهم على ~~الإيمان به وذكر صفته للناس , وهو سبحانه أعلى وأعز من كل شيء فهو ~~PageV02P115 محيط بكل شيء قدرة وعلما { وأيمانهم } أي التي عقدوها بالتزام ~~متابعة الحق على ألسنة الرسل بما دل عليه العقل { ثمنا قليلا } في الدنيا { ~~أولئك } أي البعيدو الرتبة في الدناءة { لا خلاق } أي نصيب { لهم في الآخرة ~~} أي لبيعهم له بنصيب الدنيا { ولا يكلمهم الله ms0796 } أي الملك الأعظم استهانة ~~بهم وغضبا عليهم بما انتهكوا من حرمته . | ولما زادت هذه عن آية البقرة ~~العهد والحلف , وكان من عادة الحالف والمعاهد النظر إلى من فعل ذلك لأجله ~~زاد قوله : { ولا ينظر إليهم } أي بل يعدهم أحقر شيء بما أعرضوا عنه , ولما ~~كان لكثرة الجمع مدخل عظيم في مشقة الخزي قال : { يوم القيامة } الذي من ~~افتضح في جمعه لم يفز { ولا يزكيهم } لأنهم لم يزكوا اسمه { ولهم } أي مع ~~ذلك { عذاب أليم * } يعرفون به ما جهلوا من عظمته . | ولما نسبهم إلى الكذب ~~عموما نبه على نوع خاص منه هو أكذب الكذب فقال : { وإن منهم لفريقا } أي ~~جبلوا على الفرق , فهم لا يزالون يسعون في التفريق { يلون } أي يفتلون ~~ويحرفون { ألسنتهم بالكتاب } بأن ينقلوا اللسان لتغيير لاحرف من مخرج إلى ~~آخر - مثلا بأن يقولوا في < # > 77 ( { اعبدوا الله } ) 77 < # > [ المائدة : 72 وغيرها ] اللات , وفي < # > 77 ( { لا تقتلوا النفس إلا بالحق } ) 77 < # > [ الأنعام : 151 ] بالحد , وفي ( من زنى فارجموه ) فارحموه بالمهملة , ~~أو فحمموه , أو اجلدوه - ونحو هذا . | ولما كان كلام الله سبحانه وتعالى ~~لما له من الحلاوة والجلالة لا يلبس بغيره إلا على ضعيف العقل ناقص الفطرة ~~عبر بالحسبان تنفيرا عن السماعة منهم وتنبيها على بعد ما يسمعه الإنسان من ~~غيره فقال : { لتحسبوه } أي الذي لوى به اللسان فحرف { من الكتاب } أي ~~المنزل من عند الله , ولما علم بهذه أنه ليس منه نبه على أنه في غاية البعد ~~عنه فقال : { ما هو من الكتاب } أعاده ظاهرا تصريحا بالتعميم . | ولما كان ~~إيهامهم هذا من الجرأة بمكان أعلم سبحانه وتعالى أنهم تجاوزوا إلى ما هو ~~أعظم منه فصرحوا بما أوهموه فقال : { ويقولون } أي مجددين التصريح بالكذب ~~في كل وقت بأن يقولوا { وهو من عند الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال , ~~ثم صرح بكذبهم بقوله - مبعدا لما لووا به ألسنتهم عن أن يكون فيه ثبوت حق ~~مظهرا في موضع الإضمار لأن الاسم الذي لم يشارك فيه أحد بوجه أنص على ~~المراد وأنفى لكل ms0797 احتمال : { وما هو } أي الذي لووا به ألسنتهم حتى أحالوه ~~عن حقيقته { من عند الله } أي الذي له الإحاطة العامة , فما لم يكن من عنده ~~فلا حق فيه بوجه من الوجوه , لا بكونه من الكتاب ولا من غيره . | ولما بين ~~بهذا كذبهم على الله سبحانه وتعالى تصريحا بعد أن قدم في الآية الأولى ~~بيانه بما يظن تلويحا أخبر بأن ذلك عادة لهم , لا يقفون منه عند عد , ولا ~~ينحصرون فيه PageV02P116 بحد , فقال : { ويقولون على الله } أي الحائز ~~لجميع العظمة جرأة منهم { الكذب } أي العام كما قالوا عليه هذا الكذب الخاص ~~, ولما كان الكذب قد يطلق لعى ما لم يتعمد , بل وقع خطأ احترز عنه بقوله : ~~{ وهم يعلمون * } أي أنه كذب , لا يشكون فيه . | < < # | آل عمران : ( 79 - 91 ) ما كان لبشر . . . . . # > > ^ ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس ~~كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب ~~وبما كنتم تدرسون * ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم ~~بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون * وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم ~~وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين * ~~فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون * أفغير دين الله يبغون وله أسلم من ~~في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون * قل آمنا بالله ومآ أنزل ~~علينا ومآ أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى ~~وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون * ومن يبتغ ~~غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين * كيف يهدي الله ~~قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجآءهم البينات والله لا يهدي ~~القوم الظالمين * أولئك جزآؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ~~* خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون * إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا ms0798 فإن الله غفور رحيم * إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا ~~كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضآلون * إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ~~فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما ~~لهم من ناصرين ) ^ } ) | ولما فرغ من بيان ما أراد من كتمانهم للحق مع ~~الإشارة إلى بعض توابعه إلى أن ختم بأنهم لا يتحاشون من الكذب على الله ~~المقتضي للكذب على الأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم , لأنهم لا علم لهم ~~بقول الله سبحانه وتعالى إلا بواسطة الأنبياء عليهم السلام , ومهما كان ~~القول كذبا على الله سبحانه وتعالى اقتضى أن يكون تعبدا للمنسوب إليه من ~~دون الله سبحانه وتعالى لأنه هو الذي شرعه , وذلك موجب لأن يدعي أن النبي ~~دعا إليه عبادته من دون الله سبحانه وتعالى , وذلك بعد أن اوضح سبحانه ~~وتعالى من PageV02P117 صفات عيسى عليه الصلاة والسلام المقتضية لنفي ~~الإلهية عنه ما لا يخفى على ذي لب شرع يبين أنهم كاذبون فيما يدعونه في ~~عيسى عليه الصلاة والسلام , فنفي أن يكون قال لهم ذلك أو شيئا منه على وجه ~~شامل له ولكل من اتصف بصفته وبسياق هو بمجرده كاف في إبطال قولهم فقال : { ~~ما كان } أي صح ولا تصور بوجه من الوجوه { لبشر } أي من البشر كائنا من كان ~~من عيسى وعزير عليهما الصلاة والسلام وغيرهما { أن يؤتيه الله } أي المحيط ~~بكل شيء قدرة وعلما { الكتاب والحكم } أي الحكمة المهيئة للحكم , وهي العلم ~~المؤيد بالعمل والعمل المتقن بالعلم , لأن أصلها الإحكام , وهو وضع الشيء ~~في محله بحيث يمتنع فساده { والنبوة } وهي الخبر من الله سبحانه وتعالى ~~المقتضي لأتم الرفعة , يفعل الله به ذلك الأمر الجليل وينصبه للدعاء إلى ~~اختصاصه الله بالعبادة وترك الأنداد { ثم } يكذب على الله سبحانه وتعالى ~~بأن { يقول للناس كونوا عبادا لي } ولما كان ذلك قد يكون تجوزا عن قبول ~~قوله والمبادرة لامتثال أمره عن الله سبحانه وتعالى احتراز عنه بقوله : { ~~من دون الله } أي المختص بجميع صفات ms0799 الكمال إذ لا يشك عاقل أن من أوتي نبوة ~~وحكمة - وهو بشر - في غاية البعد عن ادعاء مثل ذلك , لأن كل صفة من صفاته - ~~لا سيما تغير بشرته الدالة على انفعالاته - مستقلة بالإبعاد عن هذه الدعوى ~~, فلم يبق لهم مستند , لا من جهة عقل ولا من طريق نقل , فصار قول مثل ذلك ~~منافيا للحكمة التي هو متلبس بها , فصح قطعا انتقاؤه عنه . | ولما ذكر ما ~~لا يكون له أتبعه ما له فقال : { ولكن } أي يقول { كونوا ربانيين } أي ~~تابعين طريق الرب منسوبين إليه بكمال العلم المزين بالعمل , والألف والنون ~~زيدتا للإيذان بمبالغتهم في المتابعة ورسوخهم في العلم اللدني , فإن ~~الرباني هو الشديد التمسك بدين الله سبحانه وتعالى وطاعته , قال محمد بن ~~الحنفية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنها لما مات : مات رباني هذه الأمة : ~~{ بما كنتم تعلمون الكتاب } أي بسبب كونكم عالمين به معلمين له { وبما كنتم ~~تدرسون * } فإن فائدة الدرس العلم , وفائدة العلم العمل , ومنه الحث على ~~الخير والمراقبة للخالق . | ولما نفي أن يكون الحكيم من البشر داعيا إلى ~~نفسه وأثبت أنه يكون ولا بد داعيا إلى الله سبحانه وتعالى لتظهر حكمته أثبت ~~أن ذلك لا بد وأن يكون على وجه الإخلاص , لأن بعض الشياطين يحكم مكره ~~بإبعاد التهمة عن نفسه بالدعاء إلى إلى غيره على وجه الشرك لا سيما إن كان ~~ذلك الغير ربانيا كعيسى عليه الصلاة والسلام فقال : { ولا يأمركم } أي ذلك ~~البشر { أن تتخذوا } أتى بصيغة الافتعال إيذانا بأن الفطر مجبولة على ~~التوجه لله سبحانه وتعالى من غير كلفة { الملائكة والنبيين } فضلا عن غيرهم ~~{ أربابا } PageV02P118 أي مع الله سبحانه وتعالى من دونه , ثم بين أن كل ~~عبادة كان فيها أدنى شائبة فهي باطلة بقوله على طريق الإنكار تبرئة لعبادة ~~الخلص من مثل ذلك : { أيأمركم بالكفر } إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى ~~غني , لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه { بعد إذ أنتم مسلمون * } أي منقادون ~~لأحكامه , أو متهيئون للتوحيد على علي الفطرة الأولى . | ولما بين ms0800 سبحانه ~~وتعالى فيما مضى أن التولي عن الرسل كفر , وذكر كثيرا من الرسل فخص في ~~ذكرهم وعمم , ذكر قانونا كليا لمعرفة الرسول عنه سبحانه وتعالى والتمييز ~~بينه وبين الكاذب فقال عاطفا على { إذ أنتم مسلمون } { وإذ أخذ الله } أي ~~الذي له الكمال كله { ميثاق النبيين } أي كافة , والمعنى : ما كان له أن ~~يقول ذلك بعد الإنعام عليكم بالإسلام والإنعام عليه بأخذ الميثاق على الناس ~~- الأنبياء وغيرهم - بأن يؤمنوا به إذا اتهم , فيكون بذلك الفعل مكفرا ~~لغيره وكافرا بنعمة ربه , وهذا معنى قوله : { لما } أي فقال لهم الله : لما ~~{ آتيتكم } وقراءة نافع : آتيناكم , أوفق لسياق الجلالة - قاله الجعبري { ~~من كتاب وحكمة } أي أمرتكم بها بشرع من الشرائع , فأمرتم بذلك من أرسلتم ~~إليه { ثم جآءكم رسول } أي من عندي , ثم وصفه بما يعلم أنه من عنده فقال : ~~{ مصدق لما معكم } أي من ذلك الكتاب والحكمة { لتؤمنن به } أي أنتم وأممكم ~~{ ولتنصرنه } أي على من يخالفه , فكأنه قيل : إن هذا الميثاق عظيم , فقيل : ~~إن , زاد في تأكيده اهتماما به فقال : { قال ءأقررتم } أي يا معشر النبيين ~~{ وأخذتم على ذلكم } أي العهد المعظم بالإشارة بأداة البعد وميم الجمع { ~~إصري } أي عهدي , سمي بذلك لما فيه من الثقل , فإنه يشد في نفسه بالتوثيق ~~والتوثق , ويشتد بعد كونه على النفوس لما لها من النزوع إلى الإطلاق عن عهد ~~التقيد بنوع من القيود , فكأنه قيل : ما قالوا ؟ فقيل : { قالوا أقررنا } ~~أي بذلك , فقيل : ما قال ؟ فقيل { قال فاشهدوا } أي يا أنبياء ! بعضكم على ~~بعض , أو يا ملائكة ! عليهم { وأنا معكم من الشاهدين * فمن } أي فتسبب عنه ~~أنه من { تولى } أي منكم أو من أممكم الذي بلغهم ذلك عن نصرة نبي موصوف بما ~~ذكر . | ولما كان المستحق بغاية الذم إنما هو من اتصل توليه بالموت لم يقرن ~~الظرف بجار فقال : { من بعد } أي الميثاق البعيد الرتبة بما فيه من الوثاقة ~~{ فأولئك } أي البعداء من خصال الخير { هم الفاسقون * } أي المختصون ~~بالخروج العظيم عن دائرة الحق . | ولما كان المدرك ms0801 لكل نبي إنما هم أمة ~~النبي الذي قبله , وكانوا يكذبونه ويخالفونه قال - خاتما لهذه القصص بعد ~~الشهادة بنفسه المقدسة بما بدأها به في قوله { شهد الله } الآية إلى { إن ~~الدين عند الله الإسلام } على وجه الإنكار والتهديد عاطفا على ما دل عليه ~~السياق - : { أفغير } أي أتولوا ففسقوا , فتسبب عن ذلك أنهم غير دين الله , ~~وأورد بأن PageV02P119 تقديم ( غير ) يفهم أن الإنكار منحط على طلبهم ~~اختصاصا لغير دين الله , وليس ذلك هو المراد كما لا يخفى , وأجيب بأن ~~تقديمه الاهتمام بشأنه في الإنكار , والاختصاص متأخر مراعاته عن نكبة غيره ~~- كما تقرر في محله { دين الله } الذي اختص بصفات الكمال { يبغون } أي ~~يطلبون بفسقهم , أو أتوليتم - على قراءة الخطاب { وله } أي والحال أنه له ~~حاصة { أسلم } أي خضع بالانقياد لأحكامة والجري تحت مراده وقضائه , لا ~~يقدرون على مغالبة قدره بوجه { من في السموات والأرض } وهم من لهم قوة ~~الدفاع بالبدن والعقل فكيف بغيرهم { طوعا } بالإيمان أو بما وافق أغراضهم { ~~وكرها } بالتسليم لقهره في إسلام أحدهم وإن كثرت أعوانه وعز سلطانه إلى ~~أكره ما يكره وهو صاغرا داخر , لا يستطيع أمرا ولا يجد نصرا { وإليه يرجعون ~~* } بالحشر , لا تعالجون مقرا ولا تلقون ملجأ ولا مفرا , فإذا كانوا كذلك ~~لا يقدرون على التفصي من قبضته بنوع قوة ولا حيلة في سكون ولا حركة فكيف ~~يخالفون ما أتاهم من أمره على ألسنة رسله وقد ثبت أنهم رسله بما أتى به كل ~~منهم من المعجزة ! ومن المعلوم أن المعاند للرسول صلى الله عليه وسلم معاند ~~للمرسل . | ولما تم تنزيه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الدعاء إلى شيء ~~غير الله , ثم هدد من تولى , فكان السامع جديرا بأن يقول : أنا مقبل غير ~~متول فما اقول وما أفعل ؟ قال مخاطبا لرأس السامعين ليكون أجدر لامتثالهم : ~~{ قل } أي قبل كل شيء , أي ملفتا لمن نفعه هذا التذكير والتهديد فأقبل { ~~آمنا } أنا ومن أطاعني من أمتي - مبكتا لأهل الكتاب بما تركوه من دين ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن بعده من ms0802 خلص أبنائه , وأبوه وجادلوا فيه ~~عدوانا وادعوه ؛ ثم فصل المأمور بالإيمان به فقال : { بالله } الذي لا كفوء ~~له . | ولما كان الإنزال على الشيء مقصودا به ذلك الشيء بالقصد الأول كان ~~الأنسب أن يقال : { وما أنزل علينا } فيكون ذلك له حقيقة ولأتباعه مجازا , ~~وكانت هذه السورة بذلك أحق لأنها سورة التوحيد { وما أنزل على إبراهيم } أي ~~أبينا { وإسماعيل وإسحاق } أي ابنيه { ويعقوب } ابن إسحاق { والأسباط } أي ~~أولاد يعقوب . | ولما كان ما ناله صاحبا شريعة بني إسرائيل من الكتابين ~~المنزلين عليهما والمعجزا الممنوحين بها أعظم مما كان لمن قبلهما غير ~~السياق إلى قوله : { وما أوتي موسى } من أولاد الأسباط من التوراة والشريعة ~~{ وعيسى } من ذرية داود من الإنجيل والسريعة الناسخة لشريعة موسى عليهما ~~الصلاة والسلام . | ولما كان النظر هنا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر ~~لكونها سورة التوحيد الذي هو أخلق به PageV02P120 وأغرق فيه ناسب الإإعراء ~~عن التأكيد بما في البقرة , ونظر إلى الكل لمحا واحدا فقال : { والنبيون } ~~أي كافة من الوحي والمعجزات ليكون الإيمان بالمنزل مذكورا مرتين لشرفه { من ~~ربهم } أي المحسن إليهم خاصة وإلى العباد عامة بإرسالهم إليهم ؛ ثم استأنف ~~تفسير هذا الإيمان بقوله : { لا نفرق بين أحد منهم } تنبيها على الموضع ~~الذي كفر به اليهود والنصارى { ونحن له } أي لله وما أنزل من عنده { مسلمون ~~* } أي منقادون على طريق الإخلاص والرضى . | ولما أمر سبحانه وتعالى بإظهار ~~الإيمان بهذا القول , وكان ذلك هو الإذعان الذي هو الإسلام قال - محذرا من ~~الردة عنه عاطفا على { آمنا } ومظهرا لما من حقه الإضمار لولا إرادة ~~التنبيه على ذلك مشيرا بصيغة الافتعال إلى مخالفة الفطرة الأولى - : { ومن ~~يبتغ } أي يتطلب { غير } دين { الإسلام } الذي هو ما ذكر من الانقياد لله ~~سبحانه وتعالى المشتمل على الشرائع المعروفة التي أساها الإيمان بعد التلبس ~~به حقيقة بإظهار اتباع الرسل أو مجازا بالكون على الفطرة الأولى بما أشعر ~~به الابتغاء - كما تقدم , وكرر الإسلام في هذا السياق كثيرا لكونه في حيز ~~الميثاق المأخوذ بمتابعة الرسول المصدق حثا ms0803 على تمام الانقياد له { دينا } ~~وأتى بالفاء الرابطة إعلاما بأن ما بعدها مسبب عما قبلها ومربوط به فقال : ~~{ فلن يقبل منه } أي في الدنيا , وأشعر ترتيب هذا على السبب بأنه يرجى زوال ~~السبب لأنه مما عرض للعبد كما جرى في الردة في خلافة الصديق رضي الله تعالى ~~عنه , فإنه رجع إلى الإسلام أكثر المرتدين وحسن إسلامهم , وقوله : { وهو في ~~الآخرة من الخاسرين * } معناه : ولا يقبل منهم في الآخرة , مع زيادة ~~التصريح بالخسارة - وهي حرمان الثواب - المنافية لمقاصدهم , والقصد الأعظم ~~بهذا أهل التكاب مع العموم لغيرهم لإقرارهم بهذا النبي الكريم وتوقعهم له , ~~عالمين قطعا بصدقه لما في كتبهم من البشارة به . | ولما أخبر سبحانه وتعالى ~~بخسارة من ارتد عن الإسلام شرع يستدل على استحقاقه لذلك بقوله : { كيف يهدي ~~الله } مع ما له من كمال العظمة { قوما } أي يخلق الهداية في قلوب ناس بهم ~~قوة المحاولة لما يريدونه { كفروا } ي أوقعوا الكفر بالله ربهم وبما ذكر ~~مما أتت به رسله إعراضا عنه وعنهم , ولما كان المقصود بكمال الذم من استمر ~~كفره إلى الموت قال من غير جار : { بعد إيمانهم } بذلك كله { وشهدوا } أي ~~وبعد أن شهدوا { أن الرسول حق } بما عنهم من العلم به { وجاءهم البينات } ~~أي القاطعة بأن حق وأنه رسول الله قطعا , لا شيء أقوى من بيانه ولا أشد من ~~ظهوره بما أشعر به إسقاط تاء التأنيث من جاء . | PageV02P121 ولما كان ~~الحائد عن الدليل بعد البيان لا يرجى في الغالب عوده كان الاستبعاد بكيف ~~موضحا لأن التقدير لأجل التصريح بالمراد : أولئك لا يهديهم الله لظلمهم ~~بوضعهم ثمرة الجهل بنقض عهد الله سبحانه وتعالى المؤكد بواسطة رسله موضع ~~ثمرة العلم , فعطف على هذا المقدر المعلوم تقديره قوله : { والله } أي الذي ~~له الكمال كله { لا يهدي القوم الظالمين * } أي الغريقين في الظلم لكونه ~~جبلهم على ذلك , تحذيرا من مطلق الظلم , ولما علمت بشاعة خيانتهم تشوف ~~السامع إلى معرفة جزائهم فقال : { أولئك } أي البعداء البغضاء { جزاؤهم أن ~~عليهم لعنة الله } أي الملك الأعظم ms0804 , وهي غضبه وطرده { والملائكة والناس ~~أجمعين * } حتى أنهم هم ليلعنون أنفسهم , فإن الكافر يطبع على قلبه فيظن ~~أنه على هدى ويصير يلعن الكافر ظانا أنه ليس بكافر , وهذا اللعن واقع عليهم ~~حال تلبسهم بالفعل لوضعهم الشيء في غير محله , فصار كل من له علم يبعدهم ~~لسوء صنيعهم لتبديلهم الحسن بالسيء , حذرا من فعل مثل ذلك معه { خالدين ~~فيها } أي اللعنة دائما . | ولما كان المقيم في الشدة قد تنقص شدته على طول ~~نفي ذلك بقوله : { لا يخفف عنهم العذاب } مفيدا ان عليهم مع مطلق الشدة ~~بالطرد شدائد أخرى بالعقوبة . | ولما كان المعذب على شيء ربما استمهل وقتا ~~ما ليرجع عن ذلك الشيء أو ليعتذر نفى ذلك بقوله : { ولا هم ينظرون * } ي ~~يؤخرون للعلم بحالهم باطنا وظاهرا حالا ومآلا , ولإقامة الحجة عليهم من ~~جميع الوجوه , لم يترك شيء نمها لأن المقيم لها منزه عن العجز والنسيان . | ~~ولما انخلعت القلوب بهذه الكروب نفس عنها سبحانه وتعالى مشيرا إلى أن فيهم ~~- وإن استبعد رجوعهم - موضعا للرجاء بقوله : { إلا الذين تابوا } أي رجعوا ~~إلى ربهم متذكرين لإحسانه , ولما كان التائب لم يستغرق زمان ما بعد الإيمان ~~بالكفر , وكانت التوبة مقبولة ولو قل زمنها أثبت الجار فقال : { من بعد ذلك ~~} الارتدار حيث تقبل التوبة { وأصلحوا } أي بالاستمرار على ما تقضيه من ~~الثمرات الحسنة { فإن الله } أي الذي له الجلال والإكرام يغفر ذنوبهم لأن ~~الله { غفور } يمحو الزلات { رحيم * } بإعطاء المثوبات , هذه صفة لهم ولكل ~~من تاب من ذنبه . | ولما رغب في التوبة رهب من التواني عنها فقال : { إن ~~الذين كفروا } أي بالله وأوامره , وأسقط الجار لما مضى من قوله { من بعد ~~إيمانهم } بذلك . | ولما كان الكفر لفظاعته وقبحه وشناعته جديرا بالنفرة ~~عنه والبعد منه نبه سبحانه وتعالى على ذلك باستبعاد إيقاعه , فكيف بالتمادي ~~عليه فكيف بالازدياد منه ! وعبر عن ذلك بأداة التراخي PageV02P122 فقال : { ~~ثم ازدادوا كفرا } أي بأن تمادوا على ذلك ولم يبادروا بالتوبة { لن تقبل ~~توبتهم } أي إن تابوا , لأن الله سبحانه وتعالى يطبع على ms0805 قلوبهم فلا يتوبون ~~توبة نصوحا يدومون عليها ويصلحون ما فسد , أو لن توجد منهم توبة حتى يترتب ~~عليها القبول لانهم زادوا عن أهل القسم الأول بالتمادي , ولم يأت بالفاء ~~الدالة على أنه مسبب عما قبله إعلاما بأن ذلك إنما هو لأنهم مطبوع على ~~قلوبهم , مهيؤون للكفر من أصل الجبلة , فلا يتبوبون أبدا توبة صيحة , ~~فالعلة الحقيقية الطبع لا الذنب , وهذا شامل لمن تاب عن شيء وقع منه كأبي ~~عزة الجمحي , ولمن لم يتب كحيي بن أخطب < # > 77 ( { ولو أسمعهم لتولوا } ) 77 < # > [ الأنفال : 23 ] لوقوعهم في أبعد شعابة وأضيق نقابه , فأنى لهم ~~بالرجوع منه والتقصي عنه ! ولما أثبت لهم الخصوصية بذلك لائنا لهم فيه إلى ~~حد أيس معه من رجعوعهم تشوف السامع إلى حالهم في الاخرة فقال مبينا لهم أن ~~السبب في عدم قبول توبتهم تفويت محلها بتماديهم على الكفر : { إن الذين ~~كفروا } أي هذا الكفر أو غيره , ويجوز أن يكون المراد أنهم ثلاثة أقسام : ~~التائبون توبة صحيحة وهم الذين أصلحوا , والتائبون توبة فاسدة , والواصلون ~~كفرهم بالموت من غير توبة , ولذا قال : { وماتوا وهم كفار } ولما كان الموت ~~كذلك سببا للخلود في النار لأن السياق للكفر والموت عليه , صرح بنفي قبول ~~الفداء كائنا من كان , وربطه بالفاء فقال : { فلن يقبل } ي بسبب شناعة ~~فعلهم الذي هو الاجتراء على الكفر ثم الموت عليه { من أحدهم } أي كائنا من ~~كان { ملء الأرض ذهبا } أي من الذهبن لا يتجدد له قبول ذلك لو بذله هبة ~~أوهيدية أو غير ذلك { ولو افتدى به } لو في مثل هذا السياق تجيء منبهة على ~~أن ما قبلها جاء على سبيل الاستقصاء , وما بعدها جاء تنصيصا على الحالة ~~التي يظن أنها لا تندرج فيما قبلها , كقوله صلى الله عليه وسلم ( أعطوا ~~السائل ولو جاء على فرس ) فكونه جاء على فرس يؤذن بغناه , فلا PageV02P123 ~~يناسب أن يعطى قنص عليه ؛ وأما هنا فلما كان قبول الفدية واجبا عند أهل ~~الكتاب - كما مر في قوله سبحانه وتعالى ^ ( { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم } ) ~~^ [ البقرة ms0806 : 85 ] كان بحيث ربما ظن أن بذله - على طريق الافتداء يخالف ~~بذله على غير ذلك الوجه حتى يجب قبوله , فنص عليه ؛ وأيضا فحالة الافتداء ~~حالة لا يمتن فيها المفتدي على المفتدى منه , إذ هي حالة قهر من المفتدى ~~منه للمفتدى - قاله أبو حيان . | فالمعنى : لا يقبل من أحدهم ما يملأ الأرض ~~من الذهب على حال من الأحوال ولو على حال الافتداء , والمراد بالمثال ~~المبالغة في الكثرة , أي لا يقبل منه شيء ؛ وإنما اقتصر على ملء الأرض لأنه ~~أكثر ما يدخل تحت أوهام الناس ويجري ي محاوراتهم - والله سبحانه وتعالى ~~أعلم . | ولما تشوف السامع إلى معرفة ما يحل بهم أجيب بقوله : { أولئك } أي ~~البعداء من الرحمة { لهم عذاب أليم } ولعظمته أغرق في النفي بعده بزيادة ~~الجار فقال : { وما لهم من ناصرين * } أي ينصرونهم بوجه من لوجوه , فانتفى ~~عنهم كل وجه من وجوه الاستنقاذ . | < < # | آل عمران : ( 92 - 103 ) لن تنالوا البر . . . . . # > > ^ ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شيء فإن الله ~~به عليم * كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من ~~قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين * فمن افترى ~~على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون * قل صدق الله فاتبعوا ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين * إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ~~مباركا وهدى للعالمين * فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ~~ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن ~~العالمين * قل يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون ~~* قل يأهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهدآء ~~وما الله بغافل عما تعملون * يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين ~~أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين * وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ~~آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم * يأيها ~~الذين آمنوا ms0807 اتقوا PageV02P124 الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * ~~واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم ~~أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان آخر هذه القصص في الحقيقة إبطال كل ما خالف الإسلام الذي هو ~~معنى < # > 77 ( { إن الدين ند الله الإسلام } ) 77 < # > [ آل عمران : 19 ] - وما بعد ذلك إنما جره - ختم الآية بدعوى أن ~~المخالفين من الخاسري , وختم ذلك بأن من مات على الكفر لا يقبل إنفاقه ~~للإنقاذ مما يلحقه من الشدائد , لا بدفع لقاهر ولا بتقويلة لناصر , فتشوفت ~~النفس إلى الوقت الذي يفيد فيه الإنفاق وأي وجوهه أنفع , فأرشد إلى ذلك ~~وإلى أن الأحب منه أجدر بالقبول , رجوعا إلى ما قرره سبحانه وتعالى قبل آية ~~الشهادة بالوحدانية من صفة عباده المنفقين والمستغفرين بالأسحار على وجه ~~أبلغ بقوله : { لن تنالوا البر } وهو كمال الخير { حتى تنفقوا } أي في وجوه ~~الخير { مما تحبون } أي من كل ما تقتضون , كما ترك إسرائيل عليه الصلاة ~~والسلام أحب الطعام إليه لله سبحانه وتعالى . | ولما كان التقدير : فإن ~~أنفقتم منه علمه الله سبحانه وتعالى فأنالكم به البر , وإن تيممتم الخبيث ~~الذي تكرهونه فأنفقتموه لم تبروا , وكان كل من المحبة والكراهة أمرا خفيا , ~~قال سبحانه وتعالى مرغما مرهبا : { وما تنفقوا من شيء } أي من المحبوب ~~وغيره { فإن الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة . | وقدم الجار اهتماما به ~~إظهارا لأنه يعلمه من جميع وجوهه ما تقول لمن سالك - هل تعلم كذا : لا أعلم ~~إلا هو , فقال : { به عليم * } فهذا كما ترى احتباك . | ولما أخبر بذلك بين ~~أنه كان ديدن أهل الكمال على وجه يقرر به ما مضى من الإخبار بعظيم اجتراء ~~أهل الكتاب على الكذب بأمر حسي فقال تعالى : { كل الطعام } أي من الشحوم ~~مطلقا وغيرها { كان حلا لبني إسرائيل } تبررا وتطوعا { على نفسه } وخصه ~~بالذكر استجلابا لبنيه إلى ما يرفعهم بعد ms0808 اجتذابهم للمؤمنين إلى ما يضرهم ~~ولا ينفعهم . | ولما كانوا بما أغرقوا فيه من الكذب ربما قالوا : إنما حرم ~~ذلك اتباعا لحكم التوراة قال : { من قبل } وأثبت الجار لأن تحريمه كان في ~~بعض ذلك الزمان , لا مستغرقا له . | وعبر بالمضارع لأنه أدل على التجدد ~~فقال : { أن تنزل التوراة } وكان قد ترك لحوم الإبل PageV02P125 وألبانها ~~وكانت أحب الأطعمة إليه لله وإيثارا لعباده - كما تقدم ذلك في البقرة عند < # > 77 ( { فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به } ) 77 < # > [ البقرة : 89 ] ولما كانت هذه الآية إلزاما لليهود باعتقاد النسخ الذي ~~طعنوا به في هذا الدين في أمر القبلة , وكانوا ينكرونه ليصير عذرا لهم في ~~التخلف عن اتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم , فكانوا يقولون : ~~لم تزل الشحوم وما ذكر معها حراما على من قبلنا كما كانت حراما علينا , ~~فأمر بجوابهم بأن قال : { قل } أي لليهود { فأتوا بالتوارة فاتلوها } أي ~~لتدل لكم { إن كنتم صادقين * } فيما ادعيتموه , فلم يأتلوا بها فبان كذبهم ~~فافتضحوا فضيحة لا مثل لها في الدنيا { فمن } أي فتسبب عن ذلك أنه من { ~~افترى } أي تعمد { على الله } أي الملك الأعظم { الكذب } أي في أمر المطاعم ~~أو غيرها . | ولما كان المراد النهي عن أيقاع الكذب في أي زمن كان , لا عن ~~إيقاعه في جميع الزمان الذي بعد نزول الآية أثبت الجار فقال : { من بعد ذلك ~~} أي البيان العظيم الظاهر جدا { فأولئك } أي الأباعد الأباغض { هم } خاصة ~~لتعمدهم الكذب على من هو محيط بهم ولا تخفى عليه خافية { الظالمون * } أي ~~المتناهو الظلم بالمشي على خلاف الدليل فعل من يمشي في الظلام , فهو لا يضع ~~شيئا في موضعه , وذلك بتعرضهم إلى أن يهتكهم التام العلم ويعذبهم الشامل ~~القدرة . | ولما اضتح كذبهم وافتضح تدليسهم - لأنه لما استدل عليهم بكتابهم ~~فلم يأتوا به صار ظاهرا كالشمس , لا شك فيه ولا لبس , ولم يزدهم ذلك إلا ~~تماديا في الكذب - أمر سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : { قل ~~} أي لأهل الكتاب الذي أنكروا النسخ فأقمت عليهم ms0809 الحجة من كتابهم { صدق ~~الله } أي الملك الأعظم الذي له الكمال كله في جميع ما أخبر , وتخبر به عن ~~ملة إبراهيم وغيره من بنيه أسلافكم , وتبين أنه ليس على دينكم هو ولا أحد ~~ممن قبل موسى عليه الصلاة والسلام , لأنكم لو كنتم صادقين لأتيتم بالتوراة ~~, نافيا بذلك أن يكون تأخرهم عن اإتيان بها لعلة يعتلون بها غير ذلك , وإذ ~~قد تبين صدقه تعالى في جميع ما قال وجب اتباعه في كل ما يأمر به , وأعظمه ~~ملة إبراهيم فإنها الجامعة للمحاسن . | ولما ثبت ذلك بهذا الدليل المحكم ~~لزم قطعا أنه ما كان يهوديا ولا نصرانيا ولا مشركا , وقد أقروا بأن ملته هي ~~الحق وأنهم أتباعه , فتسبب عن ذلك وجوب اتباعه فيما أخبر الله سبحانه ~~وتعالى به فبان كالشمس صدقه , لا فيما افتروه هم من الكذب , فقال سبحانه ~~وتعالى : { فاتبعوا ملة إبراهيم } وهي الإسلام أي الانقياد للدليل , وهو ~~معنى قوله : { حنيفا } أي تابعا للحجة إذا تحررت , غير متقيد بمألوف . | ~~ولما كان صلى الله عليه وسلم مفطورا . | PageV02P126 على الإسلام فلم يكن ~~في جبلته شيء من العوج فلم يكن له دين غير الإسلام نفى الكون فقال : { وما ~~كان من المشركين } أي بعزير ولا غيره من الأكابر كالأحبار الذين تقلدونهم ~~مع علمكم بأنهم يدعون إلى ضد ما دعا إليه سبحانه وتعالى . | ولما ألزمهم ~~سبحانه وتعالى بالدليل الذي دل على النسخ أنهم على غير ملة إبراهيم عليه ~~الصاة ولاسلام , وأوجب عليهم اتباعها بعد بيان أنها هي ما عليه محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأتباعه , أخبر عن البيت الذي يخول إليه التوجه في الصلاة , ~~فعابوه على أهل الإسلام أنه أعظم شعائر إبراهيم عليه الصلاة والسلام التي ~~كفروا بتركها , ولذلك أبلغ في تأكيده فقال سبحانه وتعالى : { إن أول بيت } ~~أي من البيوت الجامعة للعبادة { وضع للناس } أي على العموم متعبدا واجبا ~~عليهم قصده وحجه بما أمرهم به على لسان موسى عليه الصلاة والسلام , ~~واستقباله في الصلاة بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك , ولعل ~~بناء ms0810 وضع , للمفعول إشارة إلى أن وضعه كان قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ~~{ للذي ببكة } أي البلدة التي تدق أعناق الجبابرة , ويزدحم الناس فيها ~~إزدحاما لا يكون في غيرها مثله ولا قريب منه , فلا بد أن يدق هذا النبي ~~الذي أظهرته منها الأعناق من ذلك ختم في الدارين غاية الخيبة ودام ذلكم ~~وصغاركم ؛ حال كونه { مباركا } أي عظيم الثبات كثير الخيرات في الدين ~~والدنيا { وهدى للعالمين * } أي من بني إسرائيل ومن قبلهم ومن بعدهم , فعاب ~~عليهم سبحانه وتعالى في هذه الآية فعلهم من النسخ ما أنكروه على مولاهم . | ~~وذلك نسخهم لما شرعه من حجة من عند أنفسهم تحريفا منهم نمثالا لما قدم من ~~الإخبار به عن كذبهم , وهذا أمر شهير يسجل عليهم بالمخالفة ويثبت للمؤمنين ~~المؤالفة , فغن حج البيت الحرام وتعظيمه من أعظم ما شرعه إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام - كما هو مبين في السير وغيرها وهم عالمون بذلك , وقد حجه ~~أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم - كما روي من غير طريق عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حتى أن في بعض الطرق أنه كان مع موسى عليه الصلاة في ~~حجة إليه سبعون ألفا من بني إسرائيل , ومن المحال عادة أن يخفى ذلك عليهم , ~~ومن الأمر الواضح أنهم قد تركوا PageV02P127 هذه الشريعة العظيمة أصلا ~~ورأسا , فكيف يصح لهم دعوى أنهم على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع ~~انسلاخهم من معظم شرائعه ! ثم فسر الهدى بقوله : { فيه آيات بينات } وقول : ~~{ مقام إبراهيم * } أي أثر قدمه عليه الصلاة والسلام في الحجر حيث قام ~~لتغسل كنته رأسه الشريف - أعربه أبو حيان بدلا أو عطف بيان من الموصول الذي ~~هو خبر { إن } في قوله : { للذي ببكة } فكأنه قيل : إن أول بيت وضع للناس ~~لمقام إبراهيم , وأعربه غيره بدل بعض من قوله { آيات } وهو وحده آيات لعظمه ~~ولتعدد ما فيه من تأثير القدم , وحفظه إلى هذا الزمان مع كونه منقولا , ~~وتذكيره بجميع قضايا إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام . | ولما كان ~~أمن أهله في بلاد النهب والغارات التي ليس ms0811 بها حاكم يفزع إليه ولا رئيس ~~يعول في ذلك عليه من أدل الآيات قال سبحانه وتعالى : { ومن دخله } أي فضلا ~~عن أهله { كان آمنا } أي عريقا في الأمن , أو أمنوه بأمان الله , وتحويل ~~العبارة عن ( وأمن داخله ) لأن هذا أدل على المراد من تمكن الأمن , وفيه ~~بشارة بدخول الجنة . | ولما أوضح سبحانه وتعالى براءتهم من إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام لمخالفتهم إياه بعد دعواهم بهتانا أنه على دينهم , وكانت ~~المخالفة في الواجب أدل قال سبحانه وتعالى : { ةلله } أي الملك الذي له ~~الأمر كله { على الناس } أي عامة , فأظهر في موضع الإضمار دلالة على ~~الإحاطة والشمول - كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى عن الأستاذ أبي ~~الحسن الحرالي في < # > 77 ( { استطعما أهلها } ) 77 < # > [ الكهف : 77 ] في الكهف , وذلك لئلا يدعي خصوصة بالعرب أو غيرهم { حج ~~البيت } أي زيارته زيارة عظيمة , وأظهر أيضا تنصيصا عليه وتنويها بذكره ~~تفخيما لقدره , وعبر هنا بالبيت لأنه في الزيارة , وعادة العرب زيارة معاهد ~~الأحباب وأطلالهم وأماكنهم وحلالهم , وأعظم ما يعبر به عن الزيارة عندهم ~~الحج , ثم من بالتخفيف بقوله مبدلا من الناس , تأكيدا بالإيضاح بعد الإبهام ~~وحملا على الشكر بالتخفيف بعد التشديد وغير ذلك من البلاغة : { من استطاع } ~~أي منهم { إليه سبيلا } فمن حجه كان مؤمنا . | ولما كان من الواضح أن ~~التقدير : ومن لم يحجه مع الاستطاعة كفر بالنعمة إن كان معترفا بالوجوب , ~~وبالمروق من الدين إن جحد , عطف عليه قوله : { ومن كفر } أي بالنعمة أو ~~بالدين { فإن الله } اي الملك الأعلى { غني } ولما كان غناه مطلقا دل ~~PageV02P128 عليه بقوله موضع عنه : { عن العالمين * } أي طائعهم وعاصيهم , ~~صامتهم وناطقهم , رطبهم ويابسهم , فوضح بهذه الآية وما شاكلها أنهم ليسوا ~~على دنيه كما وضح بما تقدم أنه ليس على دينهم , فثبتت بذلك براءةته منهم , ~~والآية من الاحتعباك لأن إثبات فرضه أولا يدل على كفر من أباه , وإثبات { ~~ومن كفر } ثانيا يدل على إيمانه من حجه . | ولما أتم سبحانه وعز شأنه ~~البراهين وأحكم الدلائل عقلا وسمعا , ولم يبق لمتعنت ms0812 شبهة , ولم يبادروا ~~الإذعان , بل زادوا في الطغيان , وكادوا أن يوقعوا الضراب والطعان بين أهل ~~الإيمان , أعرض سبحانه وتعالى عن خطابهم إيذانا بشديد الغضب ورابع الانتقام ~~فقال سبحانه وتعالى مخاطبا لرسوله الذي يكون قتلهم على يده : { قل } وأثبت ~~أداة دالة على بعدهم عن الحضرة القدسية فقالك { ايا أهل الكتاب } أي من ~~الفريقين { لم تكفرون } أي توقعون الكفر { بآيات الله } أي وهي - لكونه ~~الحائز بجميع الكمال - البينات نقلا وعقلا الدالة على أنكم على الباطل لما ~~وضح من أنكم على غير ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام . | ولما كان كفرهم ~~ظاهرا ذكر شهادته تعالى فقال مهددا { والله } أي والحال أن الله الذي هو ~~محيط بكل شيء قدرة وعلما فلا إله غيره وقد أشركتم به { شهيد على } كل { ما ~~تعملون * } أي لكونه يعلم سبحانه السر وأخفى وإن حرفتم وأسررتم . | ثم ~~استأنف إيذانا بالاستقلال تقريعا آخر لزيادتهم على الكفر التكفير فقال : { ~~قل يا آهل الكتاب } أي المدعين للعلم واتباع الوحي , كرر هذا الوصف لأنه مع ~~أنه أبعد في التقريع أقرب إلى التطلف في صرفهم عن ضلالهم { لم تصدون } أي ~~بعد كفركم { عن سبيل الله } أي الملك الذي له القهر والعز والعظمة ~~والاختصاص بجميع صفات الكمل , وسبيله دينه الذي جاء به نبيه محمد صلى الله ~~عليه وسلم , وقدمه اهتماما به . | ثم ذكر المفعول فقال : { من أمن } حال ~~كونكم { تبغونها } أي السبيل { عوجا } أي بليكم ألسنتكم وافترائكم على الله ~~, ولم يفعل سبحانه وتعالى إذ أعرض عنهم في هذه الآية ما فعل من قبل إذ أقبل ~~عليهم بلذيذ خطابه تعالى جده وتعاظم مجده إذ قال : < # > 77 ( { يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم } ) 77 < # > [ آل عمران : 65 ] < # > 77 ( { ياأهل الكتاب لم تكفرون } ) 77 < # > [ آل عمران : 70 ] والآية التي بعدها بغير واسطة . | وقال أبو البقاء ~~في إعرابه : إن تبغون يجوز أن يكون مستأنفا وأن يكون حالا من الضمير في ~~تصدون أو من السبيل , لأن فيها ضميرين راجعين إليها , فلذلك يصح أن يجعل ~~حالا من كل واحد منهما , وعوجا حال ms0813 - انتهى . | وقال صاحب القاموس في ~~PageV02P129 بنات الواو : بغا الشيء بغوا : نظر إليه كيف هو , وقال في بنات ~~الياء : بغيته أبغيه : طلبته , فالظاهر أن جعل عوجا حالا - كما قال أبو ~~البقاء - اصوب من جعله مفعولا - كما قال في الكشاف . | ويكون تبغون إما ~~يائيا فيكون معناه : تريدونها معوجة أو ذات عوج , فإن طلب بمعنى : أراد ؛ ~~وإما أن يكون واويا بمعنى : ترونها ذات عوج , أي تجعلونها في نظركم يعني : ~~تتكلفون وصفها بالعوج مع علمكم باستقامتها , لكن قوله صلى الله عليه وسلم ~~في الصحيح ( ابغني أحجارا أستنفض بهن ) يؤيد قول صاحب الكشاف . | ولما ذكر ~~صدهم وإرادتهم العود الذي لا يرضاه ذو عقل قال موبخا : { وأنتم شهداء } أي ~~باستقامتها بشهادتكم باستقامة دين إبراهيم مع قيام أدلة السمع والعقل أنها ~~دينه وأن النبي والمؤمنين أولى الناس به لانقيادهم للأدلة . | ولما كان ~~الشهيد قد يغفل , وكانوا يخفون مكرهم في صدهم , هددهم بإحاطة علمه فقال : { ~~وما الله } أي الذي تقدم أنه شهيدعليكم وله صفات الكمال كلها { بغافل } أي ~~أصلا { عما تعملون * } ولما تم إيذانه بالسخط على أعدائه وأبلغ في إنذارهم ~~عظيم انتقامه إن داموا على إضلالهم , أقبل بالبشر على أحبائه , مواجها لهم ~~بلذيذ خطابه وصفي غنائه , محذرا لهم الاغتراب بالمضلين , ومنبها ومرشدا ~~ومذكرلا ودالا على ما ختم به ما قبلها من إحاطة علمه بدقيق مكر اليهود , ~~فقال سبحانه وتعالى : { ياأيها الذين آمنوا } أي بنبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم { إن تطيعوا فريقا } أتى بهذا اللفظ لما كان المحذر منه الافتراق ~~والمقاطعة الذي يأتي عيب أهل الكتاب به { من الذين أوتوا الكتاب } أي ~~القاطعين بين الأحباب مثل شأس بن قيس الذي مكر بكم إلى أن أوقع الحرب بينكم ~~, فلولا النبي الذي رحمكم به ربكم لعدتم إلى شر ما كنتم فيه { بعد إيمانكم ~~كافرين * } أي غريقين في صفة الكفر , فيا لها من صفقة ما أخسرها وطريقة ما ~~أجورها ! . | ولما حذرهم منهم عظم عليهم طاعتهم باإنكار والتعجيب من ذلك مع ~~ما هم عليه بعد اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم من ms0814 الأحوال الشريفة فقال - ~~عاطفا على ما تقديره : فكيف تطيعونهم وأنتم تعلمون عداوتهم : { وكيف تكفرون ~~} أي يقع منكم ذلك في وقت من الأوقات على حال من الأحوال { وأنتم تتلى } أي ~~تواصل بالقراءة { عليكم آيات الله } أي علامات الملك الأعظم البينات { ~~وفيكم رسوله } الهادي من الضلالة المنفذ من الجهالة , فتكونون قد جمعتم إلى ~~موافقة العدو مخالفة الولي وأنتم بعينه وفيكم أمينه بكل شيء علما وقدرة في ~~جميع أحواله كائنا من كان . | ولما كان من قصر نفسه على من PageV02P130 له ~~الكمال كله متوقعا للفلاح عبر بأداة التوقع مقرونة بفاء السبب فقال : { فقد ~~هدى } وعبر بالمجهول على طريقة كلام القادرين { إلى صراط مستقيم * } ولما ~~انقضى هذا التحذير من أهل الكتاب والتعجيب والترغيب , أمر بما يثمر ذلك من ~~رضاه فقال : { ياأيها الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك بألسنتهم { اتقوا الله } ~~أي صدقوا دعواكم بتقوى ذي الجلال والإكرام { جق تقاته } فأديموا الانقياد ~~له بدوام مراقبته ولا تقطعوا أمرا دونه { ولا تموتن } على حالة من الحالات ~~{ إلا وأنتم مسلمون * } أي منقادون أتم الانقياد , ونقل عن العارف أبي ~~الحسن الشاذلي أن هذه الآية في اصل الدين وهو التوحيد , وقوله سبحانه ~~وتعالى : < # > 77 ( { فاتقوا الله ما استطعتم } ) 77 < # > [ التغابن : 16 ] في فروعه . | ولما كان عزم الإنسان فاترا وعقله قاصرا ~~, دلهم - بعد أن أوقفتهم التقوى - على الأصل لجميع الخيرات المتكفل بالحفظ ~~من جميع الزلات فقال : { واعتصموا } أي كلفوا أنفسكم الارتباط الشديد ~~والانضباط العظيم { بحبل الله } أي طريق دين الملك الذي لا كفوء له التي ~~نهجها لكم ومهدها , وأصل الحبل السبب الذي يوصف به إلى البغية والحاجة , ~~وكل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تزلق رجله عنه إذا تمسك بحبل مشدود ~~الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن الخوف , ولا يخفى دقة الصراط بما ورد به ~~النقل الصحيح مثال دقته , فمن قهر نفسه وحفظها على التمسك به حفظ عن السقوط ~~عما هو مثاله . | ولما أفهم كل من الضمير والحبل والاسم الجامع إحاطة الأمر ~~بالكل أكده بقوله : { جميعا } لا تدعوا أحدا منكم يشذ عنها ms0815 , بل كلما عثرتم ~~على أحد فارقها ولو قيد شبر فردوه إليها ولا تناظروه ولا تهملوا أمره , ولا ~~تغفلو عنه فيختل النظام , وتتعبوا على الدوام , بل تزالوا كالرابط ربطا ~~شديدا حزمة نبل بحبل , لا يدع واحدة منها تنفرد عن الأخرى , ثم أكد ذلك ~~بقوله : { ولا تفرقوا } ثم ذكرهم نعمة الاجتماع , لأن ذلك باعث على شكرها , ~~وهو باعث على إدامة الاعتصام ولاتقوى , وبدأ منها بالدنيوية لأنها أس ~~الأخروية فقال : { واذكروا نعمة الله } الذي له الكمال كله { عليكم } يا من ~~اعتصم بعصام الدين ! { إذا كنتم أعداء } متنافرين أشد تنافر { فألف بين ~~قلوبكم } بالجمع على هذا الصراط القويم والمنهج العظيم { فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا } قد نزع ما في قلوبكم من الإحن , وأزال تلك الفتن والمحن . | ولما ~~ذكر النعمة التي أنقذتهم من هلاك الدنيا ثنى بما تبع ذلك من نعمة الدين ~~التي PageV02P131 عصمت من الهلاك الأبدي فقال : { وكنتم على شفا } أي حرف ~~وطرف { حفرة من النار } بما كنتم فيه من الجاهلية { فأنقذكم منها } ولما تم ~~هذا البيان على هذا الأسلوب الغريب نبه على ذلك بقوله - جوابا لمن يقول : ~~لله در هذا البيان ! ما أغربه من بيان ! - { كذلك } أي مثل هذا البيان ~~البعيد المنال البديع المثال { يبين الله } المحيط علمه الشاملة قدرته ~~بعظمته { لكم آيته } وعظم الأمر بتخصيصهم به وإضافة الآي إليه . | ولما كان ~~السياق لبيان دقائق الكفار في إرادة إضلالهم ختم الآية بقوله : { لعلكم ~~تهتدون * } أي ليكون حالكم عند من ينظركم حال من ترجى وتتوقع هدايته , هذا ~~الترجي حالكم فيما بينكم , وأما هو سبحانه وتالى فقد أحاط علمه بالسعيد ~~ولاشقي , ثم الأمر إليه , فمن شاء هداه , ومن أراد أراده . | < < # | آل عمران : ( 104 - 112 ) ولتكن منكم أمة . . . . . # > > ^ ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر وأولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما ~~جآءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم * يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين ~~اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * وأما ~~الذين ابيضت وجوههم ففي ms0816 رحمة الله هم فيها خالدون * تلك آيات الله نتلوها ~~عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين * ولله ما في السماوات وما في ~~الأرض وإلى الله ترجع الأمور * كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم ~~المؤمنون وأكثرهم الفاسقون * لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم ~~الأدبار ثم لا ينصرون * ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله ~~وحبل من الناس وبآءوا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا ~~يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبيآء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) ~~^ } ) | ولما عاب سبحانه وتعهالى الكفار بالضلال ثم بالإضلال أمر المؤمنين ~~بالهدى في أنفسهم , وأتبعه الأمر بهداية الغير بالاجتماع , وكان الأمر ~~بالاجتماع المؤكد بالنهي عن التفرق ربما أفهم الوجوب لتفرد الجميع في كل ~~جزئية من جزئيات العبادة في كل وقت على سبيل الاجتماع مع الإعراض عن كل ~~عائق عن ذلك سواء كان وسيلة أو لا بالنسبة إلى كل فرد فرد _ أتبعه بقوله - ~~منبها على الرضى بإيقاع ذلك في الجملة سواء كان بالبعض أو الكل كما هو شأن ~~فروض الكفايات - : { ولتكن منك أمة } أي جماعة تصلح لأن يقصدها غيرها , ~~ويكون بعضها قاصدا بعضا , حتى تكون أشد شيء ائتلافا واجتماعا PageV02P132 ~~في كل وقت من الأوقات على البدل { يدعون } مجددين لذلك في كل وقت { إلى ~~الخير } أي بالجهاد والتعليم والوعظ والتذكير . | ولما عم كل خير خص ليكون ~~المخصوص مأمورا به مرتين دلالة على جبليل أمره وعلي قدره فقال : { ويأمرون ~~بالمعروف } أي من الدين { وينهون عن المنكر } فيه بحيث لا يخلو وقت من ~~لالأوقات عن قوم قائمين بذلك , وهو تنبيه لهم على أن يلازموا ما فعله ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه رضي الله تعالى عنهم من أمرهم ~~بالمعروف ونهيهم عن المنكر حين استفزهم الشيطان بمكر شاس بن قيس في التذكير ~~بالأحقاد والأضغان والأنكاد , وإعلام بأن الذكرى تنفع المؤمنين . | ولما ~~كان هذا السياق مفهما لأن ms0817 التقدير : فإنهم ينالون بذلك خيرا كثيرا , ولهم ~~نعيم مقيم ؛ عطف عليه مرغبا : { وأولئك } أي العالون الرتبة العظيمو النفع ~~{ هم المفلحون * } حق الإفلاح , فبين سبحانه وتعالى أن الاجتماع المأمور به ~~إنما هو بالقلوب الجاعلة لهم كالجسد الواحد , ولا يضر فيه صرف بعض الأوقات ~~إلى المعاش وتنعيم البدن ببعض المباحات , وإن كان الأكمل صرف الكل بالنية ~~إلى العبادة . | ولما أمر بذلك أكده بالنهي عما يضاده معرضا بمن نزلت هذه ~~الآيات فيهم من أهل الكتاب مبكتا لهم بضلالهم واختلافهم في دينهم على ~~أنبيائهم فقال : { ولا تكونوا كالذين تفرقوا } بما ابتدعوه في اصول دينهم ~~وبما ارتكبوه من المعاصي , فقادهم ذلك ولا بد إلى التخاذل والتواكل ~~والمداهنة التي قصدوا بها المسالمة فجرتهم إلى المصارمة . | ولما كان ~~التفرق ربما كان بالأبدان فقط مع الاتفاق في الآراء بين أن الأمر ليس كذلك ~~فقال : { واختلفوا } بما أثمر لهم الحقد الحامل على الاتصاف بحالة من يظن ~~أنهم جميع وقلوبهم شتى . | ولما ذمهم بالاختلاف الذي دل العقل على ذمه زاد ~~في تقبيحه بأنهم خالفوا فيه بعد نهي العقل واضح النقل فيه : { من } أي ~~وابتدأ اختلافهم من الزمان الذي هو من { بعدما جاءهم } وعظمه بإعرائه عن ~~التأنيث { البينات } أي بما يجمعهم ويعليهم ويرفعهم ويوجب اتفاقهم وينفعهم ~~, فأرداهم ذلك الافتراق وأهلكهم . | ولما كان التقدير : فأولئك قد تعجلوا ~~لاهلاك في الدنيا فهم الخائبون , عطف عليه قوله : { وأولئك } أي البعداء ~~البغضاء { لهم عذاب عظيم * } أي في الدار الآخرة بعد عذاب الدنيا باختلافهم ~~منابذين لما من شأنه الجمع , والآية من الاحتباك : إثبات ( المفلحون ) أولا ~~يدل على ( الخاسرون ) ثانيا , والعذاب العظيم ثانيا يدل على النعيم المقيم ~~أولا . | PageV02P133 ولما قدم ما لأهل الكتاب المقدمين على الكفر على علم ~~يوم القيامة في قوله < # > 77 ( { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم } ) 77 < # > [ آل عمران : 77 ] وختم تلك الآية بأنهم لهم عذاب أليم واستمر حتى ختم ~~هذه الآية بأنه مع ذلك عظيم ؛ بين ذلك اليوم بقوله - بادئا بما هو أنكى لهم ~~من تنعيم أضدادهم - : { يوم تبيض وجوه } أي بما لها ms0818 من المآثر الحسنة { ~~وتسود وجوه } بما عليها من الجرائر السيئة { فأما الذين اسودت وجوههم } بدأ ~~بهم لأن النشر المشوش أفصح , ولأن المقام للترهيب وزيادة النكاية لأهله , ~~فيقال لهم توبيخا وتقريعا : { أكفرتم } يا سود الوجوه وعبيد الشهوات ! { ~~بعد إيمانكم } بما جبلتم عليه من الفطر السليمة ومكنتم به من العقول ~~المستقيمة من النظر في الدلائل , ثم بما أخذ عليكم أنبياؤكم من العهود { ~~فذوقوا العذاب } أي الأليم العظيم { بما كنتم تكفرون * } وأنتم تعلمون , ~~فإنكم في لعنة الله ماكثون { وأما الذين ابيضت وجوهم } إشراقا وبهاء لأنهم ~~آمنوا فأمنوا من العذاب { ففي رحمة الله } أي ثمرة فعل ذي الجلال والإكرام ~~الذي هو فعل الراحم . | لا في غير رحمته . | ثم أجاب عن سؤال من كأنه قال : ~~هل تزول عنهم كما هو حال النعم في الدنيا ؟ بقوله - على وجه يفهم لزومها ~~لهم في الدنيا والآخرة - : { هم } أي خاصة { فيها خالدون } فلذا كانوا ~~يؤمنون , فالآية من الاحتباك : إثبات الكفر أولا دل على إرادة الإيمان ~~ثانيا , وإثبات لارحمة ثانيا دل على حذف اللعنة أولا . | ولما حازت هذه ~~الآية من التهذيب وإحكام الترتيب وحسن السياق قصب السباق أشار إليها مع ~~قربها بأداة البعد وأضافها إلى أعظم أسمائه فقال : { اتلك آيات الله } أي ~~هذه دلائل الملك الأعظم العالية الرتب البعيدة المتناول , ثم استأنف الخبر ~~عنها في مظهر العظمة قائلا : { نتلوها } أي نلازم قصها , وزاد في تعظيمها ~~بعد المبتدأ بالمنتهي فقال : { عليك } ثم أكد ذلك بقوله : { بالحق } أي ~~ثابتة المعاني راسخة المقاصد صادقة الأقوال في كل مما أخبرت به من فوزكم ~~وهلاكهم من غير أن نظلم أحدا منهم { وما الله } أي الحائز لجميع الكمال { ~~يريد ظلما } قل أو جل { للعالمين * } أي ما ظلمهم ولا يريد ظلم أحد منهم , ~~لأنه سبحانه وتعالى متعال عن ذلك , لا يتصور منه وهو غني عنه , لأن له كل ~~شيء . | ولما كان أمرهم بالإقبال عليه ونهيهم عن الإعراض عنه ربما أوقع في ~~وهم أنه غير قادر على ضبطهم أو محتاج إلى ربطهم أزال ذلك دالا على أنه غني ms0819 ~~عن الظلم بقوله : { ولله } الملك الأعلى { ما } أي كل شيء { في السموات و } ~~كل { ما ي الأرض } من جوهر وعرض ملكا وملكا . | ولما كان المقصود سعة الملك ~~لم يضمر لئلا يظن تخصيص الثاني بما في حيز الأول فقال : { وإلى الله } الذي ~~لا أمر لأحد معه PageV02P134 { ترجع الأمور } أي كلها , التي فيهما والتي ~~في غيرهما , فلا داعي له إلى الظلم , لأنه غني عن كل شيء وقادر على كل شيء ~~. | ولما كان من رجوع الأمور إليه هدايته من يشاء وإضلاله من يشاء قال - ~~مادحا لهذه الأمة ليمنعوا في رضاه حمدا وشكرا ومؤيسا لأهل الكتاب عن ~~إضلالهم ليزدادوا حيرة وسكرا : { كنتم خير أمة } أي وجدتم على هذا الوصف ~~الثابت لكم جبلة وطبعا . | ثم وصف الأمة بما يدل على عموم الرسالة وأنهم ~~سيقهرون أهل الكتاب فقال : { أخرجت للناس } ثم بين وجه الخيرية بما لم يصحل ~~مجموعة لغيرهم على ما هم عليه من المكنة بقوله : { تأمرون } أي على سبيل ~~التجدد والاستمرار { بالمعروف } أي كل ما عرفه الشرع وأجازه { وتنهون عن ~~المنكر } وهو ما خالف ذلك , ولو وصل الأمر إلى القتال , مبشرا لهم بأنه قضى ~~في ألأزل أنهم يمتثلون ما أمرهم به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ~~قوله : { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير } إراحة لهم من كلفة النظر في ~~أنهم هل يمتثلون فيفلحوا , وإزاحة لحملهم أعباء الخطر بكونهم يعانون عليه ~~ليفوزوا ويربحوا , فصارت فائدة الأمر كثيرة الثواب بقصد امتثال الواجب , ~~وللترمذي وقال : حسن عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سمع النبي صلى الله ~~عليه يقول في هذه الآية : ( أنتم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على ~~الله سبحانه وتعالى ) وللبخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ~~قال : ( أنتم خير الناس للناس , تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى ~~يدخلوا في الإسلام ) ولما أخبر عنهم بهذا الوصف الشريف في نفسه أتبعه منا ~~زاده شرفا , وهو أنهم فعلوه في حال إيمانهم فهو معتبر به لوجود شرطه الذي ~~هو أساس ms0820 كل خير فقال { وتؤمنون } أي تفعلون ذلك والحال أنكم تؤمنون { بالله ~~} ي الملك الأعلى الذي تاهت الأفكار في معرفة كنه ذاته , وراتدت نوافذ ~~أبصار البصائر خاسئة عن حصر صفاته , أي تصدقون أنبياءه ورسله بسببه في كل ~~ما أخبروا به قولا وفعلا ظاهرا وباطنا , وتفعلون جميع أوامره وتنهون عن ~~جميع مناهيه ؛ وهذا يفهم أن من لم يؤمن كإيمانهم PageV02P135 فليس من هذه ~~الأمة أصلا , لأن الكون المذكور لا يحصل إلا بجميع ما ذكر , وكرر الاسم ~~الأعظم زيادة في تعظيمهم , وقد صدق الله ومن أصدق من الله حديثا ! قاال ~~الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري في خطبة كتاب الاستيعاب : روى ابن ~~القاسم عن مالك أنه سمعه يقول : لما دخل أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال : ما كان أصحاب عيسى ابن مريم ~~الذين قطعوا بالمناشير وصلبوا على لاخشب بأشد اجتهادا من هؤلاء - انتهى . | ~~ولما كان من المعلوم أن التقدير : وذلك خير لكم , عطف عليه قوله : { ولو ~~آمن أهل الكتاب } أي أوقعوا الإيمان كا آمنتم بجميع الرسل وجميع ما أنزل ~~عليهم في كتابهم وغيره , ولم يفرقوا بين شيء من ذلك { لكان } أي الإيمان { ~~خيرا لهم } إشارة إلى تسفيه أحلامهم في وقوفهم مع ما منعهم عن الإيمان من ~~العرض القليل الفاني والرئاسة التافهة , وتركهم الغنى الدائم والعز الباهر ~~الثابت . | ولما كان هذا ربما أوهم أنه لم يؤمن منهم أحد قال مستأنفا : { ~~منهم المؤمنون } أي الثابتون في الإيمان , ولكنهم قليل { وأكثرهم الفاسقون ~~* } أي الخارجون من رتبة الأوامر والنواهي خروجا يضمحل معه خروج غيرهم . | ~~ولما كانت مخالفة اكثر قاصمة خفف عن أوليائه بقوله : { لن يضروكم } ولما ~~كان الضر - كما تقدم عن الحرالي - إيلام الجسم وما يتبعه من الحواس , ~~والأذى إيلام النفس وما يتبعها من الأحةوال , أطلق الضر هنا على جزء معناه ~~وهو مطلق الإيلام , ثم استثنى منه فقال : { إلا أذى } ي بأسلنتهم , وعبر ~~بذلك لتصويره مفهومي الأذى والضر ليستحضر في الذهن , فيكون الاستثناء أدل ~~على نفي وصولهم ms0821 إلى المواجهة { وإن يقاتلوكم } أي يوما من الأيام { يولوكم ~~} صرح بضمير المخاطبين نصا في المطلوب { الأدبار } أي انهزاما ذلا وجبنا . ~~| ولما كان المولي قد تعود له كرة بعد فرة قال - عادلا عن حكم الجزاء لئلا ~~يفهم التقييد بالشرط مشيرا بحرف التراخي إلى عظيم رتبة خذلانهم - : { ثم لا ~~ينصرون * } أي لا يكون لهم ناصر نم غيرهم أبدا وإن طال المدى , فلا تهتموا ~~بهم ولا بأحد يمالئهم من المنافقين , وقد صدق الله ومن أصدق من الله قيلا ! ~~لم يقاتلوا في موطن إلا كانوا كذلك . | PageV02P136 ولما أخبر عنهم سبحانه ~~وتعالى بهذا الذل أتبعه الإخبار بأنه في كل زمان وكل مكان معاملة منه لهم ~~بضد ما أرادوا , فعوضهم عن الحرص على الرئاسة إلزامهم الذلة , وعن افإخلاد ~~إلى المال إسكانهم المسكنة , وأخبر أن ذلك لهم طوق الحمامة غير مزائلهم إلى ~~آخر الدهر باق في أعقابهم فبأفعالهم هذه التي لم ينابذهم فيها الأعقاب فقال ~~سبحانه وتعالى مستأنفا : { ضربت عليهم الذلة } وهي الانقياد كرها , وأحاطت ~~بهم كما يحيط البيت المضروب بساكنه { أين ما ثقفوا } أي وجدهم من هو حاذق ~~خفيف فطن في كل مكان وعلى كل حال { إلا } حال كونهم معتصمين { بحبل } أي ~~عهد وثيق مسبب للأمان , وهو عهد الجزية وما شاكله { من الله } أي الحائز ~~لجميع العظمة { وحبل من الناس } أي قاطبة : الذي آمنوا وغيرهم , موافق لذلك ~~الحبل الذي من الله سبحانه وتعالى . | ولما كان الذل ربما كان مع الرضى ولو ~~من وجه قال : { وبآءه } أي رجعوا عما كانوا فيه من الحال الصالح { بغضب من ~~الله } الملك الأعظم , ملازم لهم , ولما كان الوصفان قد يصحبهما اليساء قال ~~: { وضربت } أي مع ذلك { عليهم } أي كما يضرب البيت { المسكنة } أي الفقر ~~ليكونوا بهذه الأوصاف أعرق شيء في الذل , فكأنه قيل : لم استحقوا ذلك ؟ ~~فقيل : { ذلك } أي الإلزام لهم بما ذكر { بأنهم } أي أسلافهم الذي رضوا هم ~~فعلهم { كانوا يكفرون } أي يجددون الكفر مع الاستمرار { بآيات الله } اي ~~الملك الأعظم الذي له الكمال كله , وذلك أعظم الكفر لمشاهدتهم لها ms0822 مع ~~اشتمالها من العظم على ما يليق بالاسم الأعظم { ويقتلون الأنبياء } أي ~~الآتين من عند الله سبحانه وتعالى حقا على كثرتهم بما دل عليه جمع التكسير ~~, فهو أبلغ مما في أولها الأبلغ مما في البقرة ليكون ذمهم على سبيل الترقي ~~كما هي قاعدة لاحكمة . | ولما كانوا معصومين دينا ودنيا قال : { بغير حق } ~~أي يبيح قتلهم ؛ ثم علل إقدامهم على هذا الكفر بقوله : { ذلك } أي الكفر ~~والقتل العظيمان { بما عصوا وكانوا } أي جبلة وطبعا { يعتدون * } أي يجدودن ~~تكليق أنفسهم الاعتداء , فإن الإقدام على المعاصي والاستهانة بمجاوزة ~~الحدود يهون الكفر , فقال الأصفهاني : قال أرباب المعاملات : من ابتلى بترك ~~الآداب وقع في ترك السنن , ومن ابتلى بترك السنن وقع في ترك الفرائض , ومن ~~ابتلى بترك الفرائض وقع في استحقار الشريعة , ومن ابتلى بذلك وقع في الكفر ~~, والآية دليل على مؤاخذة الابن الراضي بذنب الأب وإن علا , وذلك طبق ما ~~رأيته في ترجمة التوراة التي بين أيديهم الآين , قال في السفر الثاني : ~~وقال الله سبحانه وتعالى جميع هذه الآيات كلها : أنا الرب إلهك الذي أصعدتك ~~من أرض مصر PageV02P137 من العبودية والرق , لا تكون لك آلهة أخرى , لا ~~تعملن شيئا من الأصنام والتماثيل التي مام في السماء فوق وفي الأرض من تحت ~~, ومما في الماء أسفل الأرض , لا تسجدن لها ولا تعبدنها , لأني أنا الرب ~~إلهك إله غيور , أجازي الأبناء بذنوب الآباء إلى ثلاثة أحقاب وأربعة خلوف , ~~وأثبت النعمة إلى ألف حقب أحبائي وحافظي وصاياي . | < < # | آل عمران : ( 113 - 117 ) ليسوا سواء من . . . . . # > > ^ ( ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون آيات الله آنآء الليل ~~وهم يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين * وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ~~والله عليم بالمتقين * إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من ~~الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * مثل ما ينفقون في هذه ~~الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته ms0823 وما ~~ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون ) ^ } ) | ولما كان السياق ربما أفهم أنهم ~~كلهم كذلك قال مستأنفا نافيا لذلك : { ليسوا سواء } أي في هذه الأفعال , ~~يثني سبحانه وتعالى على ما أقبل على الحق منهم وخلع الباطل ولم يراع سلفا ~~ولا خلفا بعديا ولا قريبا . | ثم استأنف قوله بيانا لعدم استوائهم : { من ~~أهل الكتاب } فأظهر لئلا يتوهم عود الضمير على خصوص من حكم بتكفيرهم { أمة ~~} أي جماعة يحق لها أن تؤم { قائمة } أي مستقيمة على ما أتاها به نبيها في ~~الثبات على ما شرعه , متهيئة بالقيام للانتقام عنه عند مجيء الناسخ الذي ~~بشر به ووصفه . غير زائغة بالإيمان ببعضه والكفر ببعضه . | ثم ذكر الحامل ~~على الاستقامة فقال : { يتلون } أي يتعابعون مستمرين { آيات الله } أي ~~علامات ذي الجلال والإكرام المنزلة الباهرة التي لا لبس فيها { آناء الليل ~~} أي علامات ذي الجلال والإكرام المنزلة الباهرة التي لا ثم ذكر ما أثمر ~~لهم التهجد فقال : { يؤمنون } وكرر الاسم الأعظم إشارة إلى استحضارهم ~~لعظمته فقال : { بالله } أي الذي له من الجلال وتناهي الكمال ما حير العقول ~~. | وأتبعه اليوم الذي تظهر فيه عظمته كلها , لأنه الحامل على كل خير فقال ~~: { واليوم الآخر } أي إيمانا يعرف أنه حق بتصديقهم له بالعمل الصالح بما ~~يرد عليهم من المعارف التي ما لها من نفاد , فيتجدد تهجدهم فتثبت استقامتهم ~~. | ولما وصفهم بالاستقامة في أنفسهم في أنفسهم وصفهم بأنهم يقومون غيره ~~فقال { ويأمرون بالمعروف } أي مجددين ذلك مستمرين عليه { وينهون عن المنكر ~~} لذلك , ولما ذكر فعلهم للخير ذكر نشاطهم في جميع أنواعه فقال : { ~~ويسارعون في الخيرات } ولما كان التقدير : فأولئك من المستقيمين , عطف عليه ~~: { وأولئك } أي العالو الرتبة PageV02P138 { من الصالحين * } إشارة إلى أن ~~من لم يستقم لم يصلح لشيء , وأرشد السياق إلى أن التقدير : وأكثرهم ليسوا ~~بهذه الصفات . | ولما كان التقدير : فما فعلوا من خير فهو بعين الله سبحانه ~~وتعالى , يشكره لهم , عطف عليه قوله : { وما تفعلوا } أي أنتم { من خير } ~~من إنفاق أو غيره { فلن تكفروه } بل هو مشكور لكم بسبب ms0824 فعلكم , وبني ~~للمجهول تأدبا معه سبحانه وتعالى , وليكون على طريق المتكبرين . | وعطف على ~~ما تقديره : فإن الله عليم بكل ما يفعله الفاعلون , قوله : { والله } أي ~~المحيط بكل شيء { عليم بالمقتين * } من الفاعلين الذين كانت التقوى حاملة ~~لهم على كل خير , فهو يثيبهم أعظم الثواب , ويغيرهم فهو يعاقبهم بما يريد ~~من العقاب , هذا على قراءة الخطاب , وأما على قراءة الغيبة فأمرها واضح في ~~نظمها بما قلته . | ولما رغبتهم في الإنفاق بما يشمل كل خير وأخبرهم بأنه ~~عالم بدقة وجله , وأخير أن ذلك كان دأب إسرائيل عليه الصلاة والسلام على ~~وجه أنتج أن بنيه كاذون في ادعائهم أنهم على ملة جدة إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام , ثم حذر منهم وختم ما ختمه بالمتقين بالترغيب في الخير بما اندرج ~~فيه الإنفاق الذي قدم أول السورة أنه من صفة والنزول عن حال الموسرين من ~~الكفار المفاخرين بالإكثار المعيرين بالإقلال من المال والولد وقوفا مع ~~الحال الدنيوي , وكان قد أخبر أنه لا يقبل من أحد منهم في الآخرة ملء الأرض ~~ذهبا , أعقب هذا بمثل ذلك على وجه أعم فقال - واصفا أضداد من تقدم , نافيا ~~ما يعتقدون من أن أعمالهم الصورية تنفعهم - : { إن الذين كفروا } أي بالله ~~بالميل عن المنهج القويم وإن ادعوا الإيمان به نفاقا أو غيره { لن تغني ~~عنهم أموالهم } أي وإن كثرت { ولا أولادهم } وإن عظمت { من الله } أي الملك ~~الذي لا كفوء له { شيئا } أي من الإغناء تأكيدا لما قرر من عدم نصرة أهل ~~الكتاب الذين حملهم على إيثار الكفر على الإيمان استجلاب الأموال والرئاسة ~~على الأتباع على وجه يعم جميع الكفار - كما قال في أول السورة - سواء . | ~~ولما كان التقدير : فأولئك هم الخاسرون , عطف عليه قوله : { وأولئك أصحاب ~~النار } أي هم مختصون بها , ثم استأنف ما يفيد ملازمتها فقال : { هم فيها ~~خالدون * } ولما كان ربما قيل : فما حال ما يبدلونه في المكارم ويواسون به ~~في المغارم ؟ ضرب PageV02P139 لذلك مثلا جعله هباء منثورا , ضائعا وإن كثر ~~بورا , كأن لم يكن شيئا مذكورا , بقوله ms0825 سبحانه وتعالى جوابا لهذا السؤال : ~~{ مثل ما ينفقون } أي من المال , وحقر قصدهم بتحقير محطه فقال : { في هذه ~~الحياة الدنيا } أي على وجه القربة أو غيرها , لكونهم ضيعوا الوجه الذي به ~~يقبل , وهو الإخلاص . | ومثل إنفاقهم له ومثل حرث أصيب بالريح { كمثل ريح ~~فيها صر } أي برد شديد { أصابت حرث قوم } موصوفين بأنهم { ظلموا أنفسهم } ~~أي بالبناء على غير أساس الإيمان { فأهلكته } فمثل ما ينفقون في كونه لم ~~ينفعهم في الدنيا بإنتاج ما أرادوا في الدنيا وضرهم في الدارين , أما في ~~الدنيا فبضياعه في غير شيء , وأما في الآخرة فبالمعاقبة عليه لتضييع أساسه ~~وقصدهم الفاسد به , مثل الزرع الموصوف فإنه لم ينفع أهله الموصوفين , بل ~~ضرهم في الدنيا بضياعه , وفي الآخرة بما قصدوا به من المقصود الفاسد , ومثل ~~إنفاقهم له في كونه ضرهم ولم ينفعهم مثل الريح في كونها ضرت الزرع ولم ~~تنفعه , فلما كانت الريح الموصوفة أمرا مشاهدا جليا جعلت في إهلاكها مثلا ~~لضياع أنفاقهم الذي هو أمر معنوي خفي , ولما كان الزرع المحترق أمرا محسوسا ~~جعل فيما حصل له بعد التعب من العطب مثالا لأمر معقول , وهو أموالهم في كون ~~إنفاقهم إياها لم يثمر لهم شيئا غير الخسارة والتعب , فالمثلان ضياع الرزع ~~والإنفاق , وضياع الزرع أظهر فهو مثل لضياع الإنفاق لأنه أخفى , وقد بان أن ~~الآية من الاحتباك : حذف أولا مثل الإنفاق لدلالة الريح عليه , وثانيا ~~الحرث لدلالة ما ينفق عليه . | ولما كان سبحانه وتعالى موصوفا بأنه الحكم ~~العدل القائم بالقسط وأنه لا ينسى خيرا فعل قال دفعا لتوهم أن ذلك بخس : { ~~وما ظلمهم } أي الممثل بهم والممثل لهم { الله } الملك الأعظم الغني الغنى ~~المطلق لأنه المالك المطلق , وقد كفروا , أما الممثل لهم فبكونهم أنفقوا ~~على غير الوجه الذي شرعه , وأما الممثل بهم فبكونهم لم يحرسوا زرعهم ~~بالطاعات , وفي الآية دليل على أن أهل الطاعات تحرس ضوائعهم من الآفات ~~وتخرق فيها العادات , ثم قال : { ولكن } لوما كان الممثل لأجلهم الذين ~~كفروا أعم من أن يموتوا عليه أو يسملوا ms0826 لم يعبر في الظلم بما تقتضيه الجبلة ~~من فعل الكون وقال : الأساس بكفرهم , وأن ظلمهم مقصور على أنفسهم , لا ~~يتعداها إلى غيرها وإن أظهر لإنفاقهم نكاية في عدوهم , فإن العاقبة لما ~~كانت للمؤمنين كانت نكايتهم كالعدم , بل هي زيادة في وبالهم , فهي من ظلمهم ~~لأنفسهم . | PageV02P140 < < # | آل عمران : ( 118 - 119 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ~~ودوا ما عنتم قد بدت البغضآء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم ~~الآيات إن كنتم تعقلون * هآأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب ~~كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا ~~بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ) ^ } ) | ولما كان الجمال بالمال لا سيما ~~مع الإنفاق من أعظم المرغبات في الموالاة , وكانت هذه الآية قد صيرت جميلة ~~قبيحا وبذوله شحيحا ؛ قال سبحانه وتعالى - مكررا التنبيه على مكر ذوي ~~الأموال والجمال الذين يريدون إيقاع الفتنة بينهم من اليهود والمنافقين ~~ليضمحل أمرهم وتزول شوكتهم : { يا أيها الذين آمنوا } أي إيمانا صحيحا ~~مصدقا ادعاؤه بالعمل الصالح الذي من أعظمه الحب في الله والبغض في الله { ~~لا تتخذوا بطانة } أي من تباطنونهم بأسراركم وتختصونهم بالمودة والصفاء ~~ومبادلة المال والوفاء { من دونكم } أي ليسوا منكم أيها المؤمنون , وعبر ~~ذلك إعلاما بأنهم يهضمون أنفسهم وينزلونها عن علي درجتها بموادتهم . | ثم ~~وصفهم تعليلا للنهي بقوله : { لا يألونكم خبالا } أي يقصون بكم من جهة ~~الفساد , ثم بين ذلك بقوله على سبيل التعليل أيضا : { ودوا ما عنتم } أي ~~تمنوا مشقتكم . | ولما كان هذا قد يخفى بينه بقوله معللا : { قد بدت ~~البغضاء من أفواههم } أي هي بينة في حد ذاتها مع اجتهادهم في إخفائها , لأن ~~الإنسان إذا امتلأ من شيء غلبه بفيضه , ولكنكم لحسن ظنكم وصفاء نياتكم لا ~~تتأملونها فتأملوا . | ثم أخبر عن علمه سبحانه قطعا ولعم الفطن من عباده ~~بالقياس ظنا بقوله : { وما تخفي صدورهم أكبر } مما ظهر على سبيل الغلبة . | ~~ثم استأنف على طريق الإلهاب والتهييج قوله ms0827 : { قد بينا } أي بما لنا من ~~العظمة { لكم } أي بهذه الجمل { الآيات } أي الدالات على سعادة الدارين ~~ومعرفة الشقي والسعيد والمخالف والمؤالف . | وزادهم إلهابا بقوله : { إن ~~كنتم } أي جبلة وطبعا { تعقلون * } ثم استانف الإخبار عن ملخص حالهم معهم ~~فقال منبها أو مبدلا الهاء من همزة الإنكار : { هأنتم ألواء } أي المؤمنون ~~المسلمون المستسلمون { تحبونهم } أي لاغتراركم بإقرارهم بالإيمان لصفاء ~~بواطنكم { ولا } أي والحال أنهم لا { يحبونكم } لمخالفتهم لكم في الدين , ~~فإنهم كاذبون في إقرارهم بالإيمان { وتؤمنون } أي أنتم { بالكتاب كله } أي ~~ويكفرون هم به كله , إما بالقصد الأول وإما بالإيمان بالبعض والكفر بالبعض ~~{ وإذا لقوكم قالوا } أي لكم { آمنا } لتغتروا بهم { وإذا خلوا } أي منكم , ~~وصور شدة حنقهم بقوله : { عضوا عليكم } لما يرون من ائتلافكم وحسن ~~PageV02P141 أحوالكم { الأنامل من الغيظ } أي المفرط منكم , ومن جعل الهاء ~~في { هأنتم } بدلا عن همزة الاستفهام فالمراد عنهد : أأنتم يا هؤلاء ~~القرباء مني تحبونهم والحال أنهم على ما هم عليه من منابذتكم وأنتم على ما ~~أنتم عليه من الفطنة بصفاء الأفكار وعلي الآراء بقبولكم الحق كله , لأن ~~المؤمن كيس فطن ؛ فهو استفهام - وإن كان من وادي التوبيخ - المراد به ~~التنبيه والتهييج المنقل من سافل الدركات إلى عالي الدرجات - والله الموفق ~~. | ولما كانوا كأنهم قالوا : فما نفعل ؟ قال مخاطبا للرأس المسموع الأمر ~~المجاب الدعاء : { قل } أي لهم { موتوا بغيظكم } أي ازدراء بهم ودعاء عليهم ~~بدوام الغيظ من القهر وزيادته حتى يميتهم . | ولما كانوا يحلفون على نفي ~~هذا ليرضوهم قال تعالى مؤكدا لما أخبر به لئلا يظن أنه أريد به غير الحقيقة ~~: { إن الله } أي الجامع لصفات الكامل { عليم بذات الصدور * } أي فلا تظنوا ~~أنه أراد بعض ما يتجوز بالغيظ عنه . | < < # | آل عمران : ( 120 - 122 ) إن تمسسكم حسنة . . . . . # > > ^ ( إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا ~~وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط * وإذ غدوت من أهلك ~~تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم * إذ همت طآئفتان منكم أن ~~تفشلا والله ms0828 وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ^ } ) | ولما كان ما ~~أخبرت به هذه الجمل من بغضهم وشدة عداوتهم محتاجا ليصل إلى المشاهدة إلى ~~بيان دل عليه بقوله : { إن تمسسكم } أي مجرد مس { حسنة تسؤهم } ولما كان ~~هذا دليلا شهوديا ولكنه ليس صريحا أتبعه الصريح بقوله : { وإن تصبكم } أي ~~بقوة مرها وشدة وقعها وضرها { سيئة يفرحوا بها } ولما كان هذا أمرا مبكتا ~~غائظا مؤلما داواهم بالإشارة إلى النصر مشروطا بشرط التقوى والصبر فقال : { ~~وإن تصبروا وتتقوا } أي تكونوا من أهل الصبر والتقوى { لا يضركم كيدهم شيئا ~~} ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي ذال الجلال والإكرام { بما يعملون ~~محيط * } أي فهو يعد لكل كيد ما يبطله , والمعنى على قراءة الخطاب : بعملكم ~~كله , فمن صبر واتقى ظفرته , ومن عمل على غير ذلك انتقمت منه . | ولما كان ~~ما تضمنته هذه الآية من الإخبار ومن الوعد ومن الوعيد منطوقا ومفهوما ~~محتاجا إلى الاجتلاء في صور الجزئيات ذكرهم سبحانه وتعالى بالوقائع التي ~~شوهدت فيها أحوالهم من النصر عند العمل بمنطوق الوعد من الصبر والتقوى ~~وعدمه عند العمل بالمفهوم , وشوهدت فيها أحوال عدوهم من المساءة عند السرور ~~والسرور عد المساءة , وذلك غني عن دليل لكونه من المشاهدات , مشيرا إلى ذلك ~~بواو العطف على غير PageV02P142 مذكورا , مخاطبا لأعظم عباده فطنه وأقربهم ~~إليه رتبة , تهييجا لغيره إلى تدقيق النظر واتباع الدليل من غير أدنى وقوف ~~مع المألوف فقال تعالى : { وإذ } أي اذكر ما يصدق ذلك من أحوالكم الماضية ~~حين صبرتم واتقيتم فنصرتم , وحين ساءهم نصركم في كل ذلك في سرية عبد الله ~~بن جحش إلى نخلة , ثم في بدر , ثم في غزوة بني قينقاع ونحو ذلك , واذكر إذ ~~لم يصبر أصحابك فأصيبوا , وإذ سرتهم مصيبتكم في وقعة أحد إذ { غدوت } أي يا ~~خاتم الأنبياء وأكرم المرسلين ! { من أهلك } أي بالمدينة الشريفة صبيحة يوم ~~الجمعة إلى أصحابك في مسجدك لتستشيرهم في أمر المشركين . | وقد نزلوا بأحد ~~في أواخر يوم الأربعاء , أو في يوم الخميس لقتالكم . | وبنى من { غدوت } ~~حالا إعلاما بأن ms0829 الشروع في السبت شروع في مسببه فقال : { تبوىء } أي تنزل { ~~المؤمنين } بالثبات في مركزه , وأوعز إليه في أن لا يفعل شيئا إلا بأمره لا ~~سيما الرماة , ثم ذكر علة ذلك فقال : { للقتال } ولما كان التقدير : وتتقدم ~~إليهم بأبلغ مقال في تشديد الأقوال والأفعال , اشار تعالى إلى أنه وقع في ~~غضون ذلك منه ومنهم كلام كثير خفي وجلي بقوله : { والله } أي والحال أن ~~الملك الأعظم الذي أنتم في طاعته { سميع } أي لأقوالكم { عليم * } أي ~~بنياتكم في ذلك وغيره فاحذروه , ولعله خص النبي صلى الله عليه وسلم بلذيذ ~~الخطاب في التذكير تحريضا لهم مع ما تقدمت الإشارة إليه على المراقبة ~~تعريضا لهم بأنهم خفوا مع الذين ذكرهم أمر بعاث حتى تواثبوا حين تغاضبوا ~~إلى السلاح - كما ذكر في سبب نزول قوله تعالى : < # > 77 ( { ياآيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب } ) ~~77 < # > [ آل عمران : 100 ] , فوقفوا عن نافذ الفهم وصافي الفكر خفة إلى ما ~~أراد بهم عدوهم فاقتضى هذا التحذير كله , ويؤيد ذلك إقباله في الخطاب عليهم ~~عند نسبة الفشل إليها - كما يأتي قريبا , ولعله إنما خص هذه الغزوة بالذكر ~~دون ما ذكرت أن واو عطفها دلت عليه مما أيديوا فيه بالنصر لأن الشماتة ~~بالمصيبة أدل على البغضاء والعداوة من الحزن بما يسر , ودل ذكرها على ~~المحذوف لأن المدعي فيما قبلها شيئان : المساءة بالحسنة , والفرح والمسرة ~~بالمصيبة , فإذا برهن المتكلم على الثاني عليم ولا بد أنه حذف برهان الأول ~~, وأنه إنما حذفه - وهو حكيم - لنكتة , وهي هنا عدم الاحتياج إلى ذكره ~~لوضوحه بدلالة السياق مع واو العطف عليه , وما تقدم من كونه غير صريح ~~الدلالة في أمر البغض على أنه تعالى قد ذكر بدرا - كما ترى - بعد محكمة ~~ستذكر , وأطلق سبحانه وتعالى - كما عن الطبري وغيره - التبوء على ابتداء ~~القتال بالاستشارة فإن الكفار لما نزلوا يوم الأربعاء ثاني عشر PageV02P143 ~~شوال سنة ثلاث من الهجرة في سفح أحد مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ينتظر فيهم ما يأتيه من الوحي ms0830 بقية يوم الأربعاء ويوم الخميس وليلة الجمعة ~~وباتت وجوه الأنصار في المسجد بباب النبي صلى الله عليه وسلم يحرسونه صلى ~~الله عليه وسلم وحرست المدينة الشريفة , ثم دعا الناس صبيحة يوم الجمعة ~~فاستشارهم في أمرهم وأخبرهم برؤياه تلك الليلة : البقر المذبوحة , والثلم ~~في سيفه , وإدخال يده في الدرع الحصينة , وكان رأيه مع رأي كثير من الصحابة ~~المكث في المدينة , فإن قاتلوهم فيها قاتلهم الرجال مواجهة والنساء ~~والصبيان من فوق الأسطحة , وكان عبد الله بن أبي المنافق على هذا الرأي , ~~فلم يزل ناس ممن أكرمهم الله بالشهادة - منهم أسد الله وأسد رسوله عمه حمزة ~~بن عبد المطلب رضي الله عنه - يلحون عليه صلى الله عليه وسلم في الخروج ~~إليهم حتى أجاب فدخل بيته ولبس لأمته بعد أن صلى الجمعة فندموا على ~~استكراههم له صلى الله عليه وسلم وهو يأتيه الوحي , فلما خرج إليهم أخبروه ~~وسألوه في الإقامة إن شاء فقال : < # > 77 ( { ما كان ينبغي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين ~~عدوه } ) 77 < # > وفي رواية ( حتى يلاقي ) فأتى الشيخين - وهما أطمان - فعرض بهما عسكره ~~ففرغ مع غياب الشمس , ورآه المشركون حين نزل بهما , واستعمل تلك الليلة على ~~حرسه محمد ابن مسلمة , واستعمل المشركون على حرسهم عكرمة بن أبي جهل , ثم ~~أدلج من سحر ليلة السبت , وندب الأدلاء ليسيروا أمامه , وحانت صلاة الصبح ~~في الشوط وهم بحيث يرون المشركين , فأمر بلالا رضي الله عنه فأذن وأقام , ~~وصلى بأصحابه صلى الله عليه وسلم الصبح صفوفا , فانخزل عبد الله بن أبي ~~بثلث العسكر فرجع وقال : أطاع الولدان , ومن لا رأي له وعصاني , وما ندري ~~علام نقتل أنفسنا ! وتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر ابن عبد الله ~~- أحد بني سلمنة وأحد من استشهد في ذلك اليوم وكلمه الله قبلا - يناشدهم ~~الله في الرجوع , فلم يرجعوا فقال : أبعدكم الله ! سيغني الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم عنكم , ورجع فوافق النبي صلى الله عليه وسلم يصف أصحابه , ~~وكادت طائفتان من الباقين ms0831 - وهما بنو سلمة عشيرة عبد الله بن عمرو وبنو ~~حارثة - أن تفشلا لرجوع المنافقين , ثم ثبتهم الله تعالى ؛ ونزل صلى الله ~~عليه وسلم الشعب من أحد , فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وعبأ أصحابه وقال : ( ~~لا يقاتلن أحد حتى نأمره ! ) وعين طائفة من الرماة وأنزلهم بعينين - جبيل ~~هناك من ورائهم - وأوعز إليهم في أن لا يتغيروا منه حتى يأمرهم إن كانت له ~~أو عليه , حتى قال لهم : ( إن رأيتمونا تخطفنا PageV02P144 الطير فلا ~~تعينونا , وإن رأيتمونا هزمناهم فلا تشركونا في الغنيمة , وانضحوا الخيل ~~عنا إذا أتت من ورائنا ) وبرز صاحب لواء المشركين وطلب المبارزة , فبرز ~~إليه رجل من المسلمين فقتله المسلم فحمله آخر وبرر فقتل , وفعلوا ذلك واحدا ~~بعد واحد حتى تموا عشرة كلهم يقتل , فلما انكسرت قلوب المشركين بتوالي ~~القتل في أصحاب اللواء أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه فشدوا فهزموا ~~المشركين وخلوا عسكرهم ونساءهم , وكان الخيل كلما أتت من وراء المسلمين ~~نضحهم الرماة ثغرهم , فنهاهم أميرهم وحذرهم مخالفة أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلم يطعه منهم إلا نحو العشرة , فأتى أصحاب الخيل فقتلوا من بقي ~~من الرماة , ثم أتوا الصحابة رضي الله عنهم من ورائهم وهم ينتهبون , ~~فأسرعوا فيهم القتل ونادى إبليس : إن محمدا قد قتل , فانهزم الصحابة رضوان ~~الله عليهم , ولم يثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم منهم إلا قليل ما بين ~~العشرة إلى الثلاثين - على اختلاف الأقوال , فاستمر يحاول بهم العدو , ~~والله تعالى يحفظه ويدافع عنه حتى دنت الشمس للمغرب , وصرف الله العدو , ~~فدفن النبي صلى الله عليه وسلم الشهداء وصف أصحابه رضي الله عنهم فأثنى على ~~الله عز وجل ثناء عظيما , ذكر فيه فضله سبحانه وعدله , وأن الملك ملكه ~~يتصرف فيه كيف يشاء , ورجع إلى المدينة الشيرفة وقد أصبته الجراحة في مواضع ~~من وجهه بنفس هو وأبي وأمي ووجهي وعيني . | ولما كان رجوع عبد الله بن أبي ~~المنافق - كما يأتي في صريح الذكر آخر القصة - من الأدلة على أن المنافقين ~~فضلا عن المصارحين ms0832 بالمصارمة متصفون بما أخبر الله تعالى عنهم من العداوة ~~والبغضاء مع أنه كان سببا فيء هم الطائفتين من الأنصار بالفشل كان إيلاء ~~هذه القصة للنهي عن اتخاذ بطانة السوء الذين لا يقصرون عن فساد في غاية ~~المناسبة , ولذلك افتتحها سبحانه وتعالى بقوله - مبدلا من { إذ غدوت } ~~دليلا على ما قبله من أن بطانة لاسوء لا تألوهم خبالا وغير ذلك - : { إذا ~~همت طائفتان } وكانا جناحي العسكر { منكم } أي بنو سلمة من الخزرج وبنو ~~حارثة من الأوس { أن تفشلا } أي تكسلا وتراخيا وتضعفا وتجبنا لرجوع ~~المنافقين عن نصرهم وولايتهم فترجعا , كما رجع PageV02P145 المنافقون { ~~والله } أي والحال أن ذا الجلال والإكرام { وليهما } وناصرهما لأنهما ~~مؤمنتان فلا يتأتى وقوع الفشل وتحققه منهما لذلك , فليتوكلا عليه وحده ~~لإيمانهما , أو يكون التقدير : فالعجب منهما كيف تعمتدان على غير سبحانه ~~وتعالى لتضعفا بخذلانه { و } الحال أنه { على الله } أي الذي له الكمال كله ~~وحده { فليتوكل المؤمنون * } أي الذين صار الإيمان صفة لهم ثابتة , أجمعون ~~لينصرهم , لا على كثرة عدد ولا قوة جلد , والأحسن تنزيل الآية على الاحتباك ~~ويكون أصل نظمها : والله وليهما لتوكلهما وإيمانهما فلم يمكن الفشل منهما , ~~وفتولوا الله وتوكلوا عليه ليصونكم من الوهن , وعلى الله فليتوكل المؤمنون ~~كلهم ليفعل بهم ذلك , فالأمر بالتوكل ثانيا دال على وجوده أولا , وإثبات ~~الولاية أولا دال على الأمر بها ثانيا , وفي البخاري في التفسير عن جابر ~~رضي الله عنه قال : فينا نزلت { إذ همت طائفتين منكم أن تفشلا } قال : نحن ~~الطائفتان : بنو حارثة وبنو سلمة , وما نحب أنها لم تنزل لقول الله عز وجل ~~: { والله وليهما } | < < # | آل عمران : ( 123 - 127 ) ولقد نصركم الله . . . . . # > > ^ ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون * إذ ~~تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * ~~بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من ~~الملائكة مسومين * وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر ~~إلا من عند الله العزيز الحكيم * ليقطع ms0833 طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم ~~فينقلبوا خآئبين ) ^ } ) | ولما كان ظاهر الحال فيما أصاب الكفار من ~~المسلمين في هذه الغزوة ربما كان سببا في شك من لم يحقق بواطن الأمور ولا ~~له أهلية النفوذ في الدقائق من عجائب المقدور في قوله تعالى : ^ ( { إن ~~الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا } ) ^ [ آل ~~عمران : 10 ] ^ ( { قل للذين كفروا ستغلبون } ) ^ [ آل عمران : 12 ] ذكرهم ~~الله تعالى نصره لهم في غزوة بدر , وهم في القلة دون ما هم الآن بكثير , ~~مشيرا لهم إلى ما أثمره توكلهم من النصر , وحالهم إذ ذاك حال الآيس منه , ~~ولذلك كانوا في غاية الكراهة للقاء بخلاف ما كانوا عليه في هذه الكرة , حثا ~~على ملازمة التوكل , منبها على أنه لا يزال يريهم مثل ذلك النصر ويذيق ~~الكفار أضعاف ذلك الهوان حتى يحق الحق ويبطل الباطل ويظهر دينه الإسلام على ~~الدين كله فقال - عاطفا على ما تقديره : فمن توكل عليه نصره وكفاه وإن كان ~~قليلان فلقد نصركم الله أول النهار في هذه الغزوة حيث صبرتم واتقيتم ~~بطاعتكم للرسول صلى الله عليه وسلم في ملازمة التعب والإقبال على الحرب ~~وغير ذلك بما أمركم به صلى الله عليه وسلم ولم تضركم قلتكم ولا ضعفكم بمن ~~رجع عنكم شيئا - : { ولقد نصركم PageV02P146 الله } بما له من صفات الجلال ~~والجمال { ببدر } المشار إليها أول السورة بقوله تعالى : < # > 77 ( { قد كان لكم آية في فئتين التقتا } ) 77 < # > [ آل عمران : 13 ] لما صبرتم واتقيتم . | ولما كانوا في عدد يسير أشار ~~إليه بجمع القلة فقال : { وأنتم أذلة } أي فاذكروا ذلك واجعلوه نصب أعينكم ~~لينفعكم , وكان الإتيان بأمر بدر بعد آية الفشل المختتمة بالحث على التوكل ~~في الغاية من حسن النظن , وهو دليل أيضا على منطوق قوله تعالى : < # > 77 ( { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } ) 77 < # > [ آل عمران : 120 ] كما كان أمر أحد دليلا على منطوقها ومفهومها معا : ~~دل على منطوقها بنصرهم أول النهار عند صبرهم , وعلى مفهومها بإدالة العدو ~~عليهم عند فشلهم آخره ms0834 - والله الموفق ؛ على أنك إذا أنعمت التأمل في قصة ~~أحد من السير واكتب الأخبار علمت أن الظفر فيها ما كان إلا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم كما سيأتي الخبر به في قوله تعالى : { ولقد صدقكم الله وعده إذ ~~تحسونهم بإذنه } [ آل عمران : 52 ] , فإن الصحابة رضي الله عنهم هزموهم - ~~كما مضى - في أول النهار حتى لم يبق في عسكرهم أح , ولا بقي عند نسائهم حام ~~, فلما خالف الرماة أمره صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على الغنيمة أراد الله ~~تأديبهم وتعريفهم أن نصرته لنبيه صلى الله عليه وسلم غير محتاجة في الحقيقة ~~إليهم حين انهزموا حتى لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم منهم غير نفر ~~يسر ما يبلغون الخمسين , والكفار ثلاثة آلاف وخيلهم مائتان , فاستمر عليه ~~الصلاة والسلام في نحورهم يحاولهم ويصاولهم , يرامونه مرة ويطاعنون أخرى , ~~ويجتمعون عليه كرة ويفترقون عنه أخرى , والله تعالى يمنعه منهم بأيده ~~ويحفظه بقوته حتى تدلت الشمس للغروب , وقتل بيده صلى الله عليه وسلم أبي بن ~~خلف مبارزة , تصديقا لما كان أوعده به قبل الهجرة , وخالطوه غير مرة ولم ~~يمكنهم الله منه ولا أقدرهم على أسر أحد من أصحابه , ثم ردهم خائبين بعد أن ~~تراجع إليه من أصحابه في أثناء النهار , ولم يرجع صلى الله عليه وسلم من ~~أحد إلا بعد انصرافهم ودفن من اشتشهد من أصحابه , وأما هم فاستمروا راجعين ~~ولم يلووا على أحد ممن قتل منهم , وهم اثنان وعشرون رجلا من سرواتهم وحمال ~~راياتهم , وقال الجلال الخجندي في كتابه فردوس المجاهدين : إنه صح النقل عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ما نصر النبي صلى الله عليه وسلم في ~~موطن من المواطن نصرته في يوم أحد - انتهى . | كفى على ذلك دليلا ما نقل ~~موسى بن عقبة - وسيرته أصح السير في غزوة الفتح - عن قائد الجيش بأحد أبي ~~سفيان بن حرب أنه قال عندما عرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم الإسلام : ~~يا محمد ! قد استنصرت PageV02P147 إلهي واستنثرت إلهك , فوالله ما لقيتك ms0835 من ~~مرة إلا ظهرت علي , فلو كان إلهي محقا وإلهك مبطلا لقد ظهرت عليك , وإنما ~~كانت الهزيمة وقتل من قتل لحكم ومصالح لا تخفى على من له رسوخ في الشريعة ~~وثبات قدم في السنن , ويمكن أن تكون هذه القصة مندرجة في حكم النهي في ~~القصة التي قبلها عن طاعة فريق من أهل الكتاب عطفا على قوله تعالى : { نعمة ~~} في قوله : < # > 77 ( { واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم } ) 77 ~~< # > [ آل عمران : 103 ] لتشابه القصتين في الإصغاء إلى الكفار قولا أو فعلا ~~, المتقضي لهدم الدين من أصله , لأن هم الطائفتين بالفشل إنما كان من أجل ~~رجوع عبد الله بن أبي المنافق حليف أهل الكتاب ومواليهم ومصادقهم ومصافيهم ~~, ويؤيد ذلك نهيه تعالى في أثناء هذه عن مثل ذلك بقوله تعالى : < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم ~~فتنقلبوا خاسرين } ) 77 < # > [ آل عمران : 149 ] , ويكون إسناد الفعل في { غدوت } , وأمثاله إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم , والمراد الإسناد إلى الجمع , لأنه الرئيس ~~فخطابه خطابهم , ولشرف هذا الفعل , فكان الأليق إفراده به صلى الله عليه ~~وسلم , وأما الفشل ونحوه فأسند إليهم وقصر - كما هو الواقع - عليهم . | ~~ولما امتن الله سبحانه عليهم بالنصرة في تلك الكرة سبب عن ذلك أمرهم ~~بالتقوى إشارة إلى أنها السبب لدوام النعمة فقال : { فاتقوا الله } أي في ~~جمع أوامره ونواهيه بأن التقوى التنزه عن المعاصي , والشكر فعل ينبىء عن ~~تعظيم المنعم , وشكر الله صرف إلى : اشكروا لعلكم تشكرون , ولا يتحرر ~~الجواب إلا بعد معرفة حقيقة التقوى لغة ؛ قال الإمام عبد الحق في كتابه ~~الواعي : الواقية ما وقالك الر , وكل شيء وقيت به شيئا فهو وقاء له ووقاية ~~, وقوله سبحانه وتعالى : { لعلكم تتقون } قال ابن عرفة - أي لعلكم أن ~~تجعلوا بقبول ما أمركم به وقاية بينكم وبين النار - انتهى . | فاتضح أن ~~حقيقة { واتقوا } : اجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية , وأن سبب اتخاذ الوقاية ~~الخوف من ضاره فالظاهر - واله أعلم - أن اتقوا بمعنى : خافوا - مجازا ms0836 مرسلا ~~من إطلاق اسم المسبب على السبب , فالمعنى : خافوا الله لتكونوا على رجاء من ~~أن يحملكم خوفه على طاعته على سبيل التجديد والاستمرار , ولئن سلمنا أن ~~التقوى من الشكر فالمعنى : اشكروا هذا الشكر الخاص ليحملكم على جميع الشكر ~~, وغايته أنه نبه على أن هذا الفرد من الشكر PageV02P148 هو أصل الباب الذي ~~يثمر باقيه , وهوالمراد بقول ابن هشام في السيرة : إن المعنى : فاتقوني , ~~فإنه شكر نعمتي , ويجوز أن يكون : لعلكم تزدادون نعما فتشكرون عليها - ~~إقامة للمسبب مقام السبب - والله أعلم . | ولما اشتملت هذه القصة على ~~المصيبة التي سيقص الله كثيرا منها , وهي مستوفاة في السير كان أنسب من ~~قصها وبيان ما اتفق لها - لوعظ من يأتي - البداءة بتذكير من باشرها بما ~~وعدهم الله به على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم قبل وقوع القتال من النصر ~~المشروط بالصبر والتقوى تنبيها لهم على أن الخلل من جهتهم أتى , ثم وعظمهم ~~بالنهي عما منعهم النصر , والأمر بما يحصله لهم كما سيحثهم على ذلك بما يقص ~~عليهم من نبأ من قاتل مع الأنبياء قبلهم بأنهم لما أصابهم القتل لم يهنوا ~~وعلموا أن الخلل من أنفسهم , فبادروا إلى إصلاحه بأفعال المتقين من الصبر ~~والتضرع وافقرار بالذنب , فقال - مبدلا من { إذ غدوت } عودا على بدء تعظيما ~~للأمر حثا على النظر في موارده ومصادره والتدبر لأوائله وأواخره - : { إذ ~~تقول للمؤمنين } أي الذين شاورتهم في أمر أحد - وفي غمارهم المنافقون - لما ~~زلزلوا برجوع أكثر المنافقين به , حتى كاد بعض الثابتين أن يرجع ضعفا وجبنا ~~, مع ما كان النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم به من تلك الرؤيا التي أولها ~~بذبح يكون في أصحابه , ليكون إقدامهم على بصيرة , أو يصدهم ذلك عن الخروج ~~إلى العدو كما كان ميل النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر أصحابه وإعلامهم ~~إلى المكث في المدينة قال منكرا آتيا بأداة التأكيد للنفي : { ألن يكفيكم } ~~أي أيها المؤمنون { أن يمدكم } إمدادا خفيا - بما أشار إليه الإدغام { ربكم ~~} أي المتولي لتربيتكم ونصر دينكم { بثلاثة آلاف } ثم ms0837 عظم أمرهم بقوله : { ~~من الملائكة } ثم زاد في إعظامهم بأنهم من السماء بقوله : { منزلين } ثم ~~تولى سبحانه وتعالى هو الجواب عنهم تحقيقا للكفاية فقال : { بلى } أي ~~يكفيكم ذلك , ثم استأنف قوله : { إن تصبروا وتتقوا } أي توقعوا الصبر ~~والتقوى لله ربكم , فتفعلوا ما يرضيه وتنتهوا عما يسخطه { ويأتوكم } أي ~~الكفار { من فورهم } أي وقتهم , استعير للسرعة التي لا تردد فيها , من : ~~فارت القدر - إذا غلت { هذا } أي وقتهم , استعير { يمددكم } أي إمدادا جليا ~~- بما أشار إليه إشارة لفظية : الفك , وإشارة معنوية : التسويم { ربكم } أي ~~المحسن إليكم بأكثر من ذلك { بخمسة آلاف من الملائكة } ثم بين أنهم من ~~أعيان الملائكة بقوله : { مسومين * } أي معلمين بما يعرف به مقامهم في ~~الحرب , والظاهر من التغعبير بالتسويم إفهام القتال , ومن الاقتصار على ~~الإنزال عدمه , ويكون فائدة نزولهم البركة بهم وإرهاب الكفار بمن يرونه ~~منهم . | قال البغوي : قال ابن عباس ومجاهد : لم يقاتل الملائكة في المعركة ~~إلا يوم بدر , وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون , إنما يكونون عددا ~~ومددا . | PageV02P149 ولما كان التقدير : وليس الإمداد بهم موجود للنصر , ~~وكان قد قدم في أول السورة قوله : < # > 77 ( { والله يؤيد بنصره من يشاء } ) 77 < # > [ آل عمران : 13 ] قال هنا قاصرا للأمر عليه : { وما جعله الله } أي ~~الإمداد المذكور وذكره لكم على ما له من الإحاطة بصفات الكمال التي لا ~~يحتاج مراقبها إلى شيء أصلا { إلا بشرى } وما كانت الهزيمة عليهم في هذه ~~اكرة , وكان المقتول منهم أكثر قال : { لكم } لئلا يتوهم أن ذلك بشرى لضدهم ~~, ولمثل هذا قدم القلوب فقال : { ولتطمئن } وعلم أن التقدير - لتكون الآية ~~من الاحتباك : لتستبشر نفوسكم به وطمأنينة لكم لتطمئن { قلوبكم به } أي ~~الإمداد , فحكم هنا بأنه بشرى مقيدا بلكم , فكانت العناية بضمير أشد حتى ~~كأنه قيل : إلا وبشرى لكم وطمأنينتكم , فوجب تأخير ضميره عنهم , والمعنى ~~أنهم كانوا أولا خائفين , فلما وردت البشرى اطمأنوا بها رجاء أن يفعل بهم ~~مثل ما فعل في بدر , فلما اطمأنوا بها وقع النصر كما وقع به الوعد ثم ms0838 لما ~~اطمأنت قلوبهم إلى شيء ألز قوتها لأنه قد سبق لها نصر وسرور بضرب وطعن في ~~بدر وغيرها فلمحت نحو شيء من ذلك ؛ حصلت الهزيمة ليصيروا إلى حق اليقين ~~بأنه لا حول لهم ولا قوة , ولذلك قال تعالى : { وما النصر } أي في ذلك غيره ~~{ إلا من عند الله } أي المستجمع لصفات الكمال , لا بمدد ولا غيره فلا ~~تجدوا في أنفسكم من رجوع من رجع ولا تأخر من تأخر ولا هزيمة من انهزم . | ~~ولما قدم أمر بدر هنا وأول السورة , وتحقق بذلك ما له من العزة والحكمة قال ~~: { العزيز } الذي لا يغالب , فلا يحتاج إلى قتال أحد ولا يحتاج في نصره - ~~إن قاتل - إلى نصركم قبل هذه الغزوة وفي أول النهار فيها , ليس لكم ولا ~~لغيركم ناصر غيره , فمتى التفت أحد إلى سواه وكله إليه فخذل , فاذروه ~~لتطيعوه طاعة أولي الإحسان في كل أوان , وهذا بخلاف ما في قصة بدر في ~~الأنفال وسيأتي إن شاء الله ما يتعلق بها من المقال مما اقتضاه هناك الحال ~~, والحكيم رأس آية بإجماع أهل العلم - كما في الأنفال , طائفة من كرامهم , ~~يهنون بهم { من الذين كفروا } أي ويهزم الباقين { أو يكبتهم } أي يكسرهم ~~ويردهم بغيظهم مع الهزي أذلاء , وأصل الكبت صرع الشيء على وجهه { فينقلبوا ~~} أي كلهم مهزومين { خائبين * } وذلك في كلتا الحالتين بقوتكم عليهم بالمد ~~وضعهم عنكم به , ويجوز تعليق { ليقطع } بفعل التوكل , أي فليتوكلوا عليه ~~ليفعل بأعدائهم ما يشاءه من نصرهم عليهم , فيقبل بهم إلى الإسلام رغبة أو ~~رهبة , أو يميتهم PageV02P150 على كفرهم فيديم عذابهم مع عافيتهم منهم ؛ ~~ورأيت في سير الإمام محمد بن عمر الواقدي ما يدل على تعليقه بجعل من قوله : ~~{ وما جعله الله إلا بشرى } أو بقوله : { ولتطمئن } وهو حسن أيضا . | < < # | آل عمران : ( 128 - 130 ) ليس لك من . . . . . # > > ^ ( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون * ~~ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء والله غفور ~~رحيم * يآأيها الذين آمنوا لا ms0839 تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون ) ^ } ) | ولما كان صلى الله عليه وسلم حريصا على طلب الإالة ~~عليهم ليمثل بهم كما مثلوا بعمه حمزة وعدة من أصحابه رضي الله عنهم قال ~~تعالى : { ليس لك من الأمر } أي فيهم ولا غيرهم { شيء } موسطا له بين ~~المتعاطفات , يعني من الإدالة عليهم بقتل أو هزيمة تدرك بهما ما تريد , بل ~~الأمر له كله , إن أراد فعل بهم ما تريد , وإن أراد منعك منه بالتوبة عليهم ~~أو إماتتهم على الكفر حتق الأنف فيتولى هو عذابهم , وذلك معنى قوله : { أو ~~يتوب عليهم } أي كلهم بما يكشف عن قلوبهم من حجاب الغفلة فيرجعوا عما هم ~~عليه من الظلم { أو يعذبهم } كلهم بأيديكم بأن تستأصلوهم فلا يفلت منهم أحد ~~, أو يعذبهم النصر عليكم وغيره مما هو لهم في صورة النعم الموجب لزيادة ~~عقابهم . | ثم علل الأقسام الأربعة بقوله : { فإنهم ظالمون * } وفي لامغازي ~~من صحيح البخاري معلقا عن حنظلة بن أبي سفيان قال : سمعن سالم بن عبد الله ~~قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن ~~عمرو والحارث بن هشام فنزلت { ليس لك من الأمر شيء } - إلى قوله : { ظالمون ~~} ) ورواه موصولا في المغازي والتفسير والاعتصام عن سالم عن أبيه بغير هذا ~~اللفظ , وفيه ( اللهم العن فلانا وفلانا ) ولما كان التقدير : بل الأمر له ~~سبحانه وحده عطف عليه قوله - مبنيا لقدرته على ما قدم من فعله بهم على وجه ~~أعم - : { والله } أي الملك الأعظم وحده { ما في السموات } أي كلها على ~~عظمها من عاقل وغيره , وعبر ب ( ما ) لأن غير العاقل أكثر وهي به أجدر { ~~وما في الأرض } كذلك ملكا وملكا فهو يفعل في ملكه وملكه ما يشاء , وفي ~~التعبير ب ( ما ) أيضا إشارة إلى أن الكفرة الذين السياق لهم في عداد ما لا ~~يعقل . | PageV02P151 ولما كانت الأقسام كلها راجعة إلى قسمين : عافية ~~وعذاب , قال - مترجما لذلك مقررا لقوله : < # > 77 ( { ليس لك من الأمر شيء } ) 77 < # > [ آل عمران : 128 ] : { يغفر لمن ms0840 يشاء } أي منهم ومن غيرهم فيعطيه ما ~~يشاء من خيري النيا والآخرة ويغنيه عن الربا وغيره { ويعذب من يشاء } ~~بالمنع عما يريد من خيري الدارين , لا اعتراض عليه , فلو عذب الطائع ونعم ~~العاصي لحسن منه ذلك , ولا يقبح منه شيء , ولا اعتراض بوجه عليه , هذا ~~مدلول الآية وهو لا يقتضي أنه يفعل أو لا يفعل . | ولما كان صلى الله عليه ~~وسلم لشدة غيظه عليهم في الله جديرا بالانتقام منهم بدعاء أو غيره أشار له ~~سبحانه إلى العفو للحث على التخلق بأخلاق الله الذي سبقت رحمته غضبه بقوله ~~: { والله } أي المختص بالجلال والإكرام { غفور رحيم * } أي محاء للذنوب ~~عينا وأثرا , مكرم بعد ذلك بأنواع الإكرام , فانطبق ذلك على إيضاح < # > 77 ( { ليس لك } ) 77 < # > [ آل عمران : 128 ] وإفهامه الموجب لاعتقاد أن يكون له سبحانه وتعالى ~~الأمر وحده . | ولما أنزل عليه ذلك وما في آخر النحل مما للصابرين والعافين ~~حرم المثلة واشتد نهيه صلى الله عليه وسلم عنها , فكان لا يخطب خطبة إلا ~~منع منها . | ولما كان الختم بهاتين الصفتين ربما أطمع في انتهاك الحرمات ~~لاتباع الشهوات فكان مبعدا لمتعاطيه من الرحمة مدنيا من النقمة , وكان أعظم ~~المقتضيات للخذلان تضييعهم للثغر الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~بحفظه بسبب إقبالهم قبل إتمام هزيمة العدو على الغنائم للزيادة في الأعراض ~~الدنيوية التي هي معنى الربا في اللغة إذ هو مطلق الزيادة أقبل تعالى عليهم ~~بقوله : { ياأيها الذين آمنوا } أي اقروا بافيمان , صدقوا إيمانكم بأن { لا ~~تأكلوا الربا } أي المقبح فيما تقدم أمره غاية التقبيح , وهو كما ترى إقبال ~~متلطف مناد لهم باسم الإيمان الناظر إلى الإنفاق المعرض عن التحصيل < # > 77 ( { ومما رزقناهم ينفقون } ) 77 < # > [ البقرة : 3 ] ؛ < # > 77 ( { والمنفقين والستغفرين بالأسحار } ) 77 < # > [ آل عمران : 17 ] ؛ < # > 77 ( { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ) 77 < # > [ آل عمران : 92 ] ناه عن الالتفات إلى الدنيا بالإقبال على غنيمة أو ~~غيرها بطريق افشارة بدلالة التضمن , إذ المطلق جزء المقيد , ففي هذه ~~العبارة التي صريحها ناه عن الإقبال على ms0841 الدنيا إقبالا يوجب الإعراض عن ~~الآخرة باستباحة أكل الربا المتقدم في البقرة من النهي عنه من المبالغة ما ~~يردع من له أدنى تقوى , ويوجب لمن لم يتركه وما يقاربه الضمان بالخذلان في ~~كل زمان < # > 77 ( { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } ) 77 < # > [ البقرة : 278 ] , < # > 77 ( { أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ~~ولا هم ينصرون } ) 77 < # > [ البقرة : 86 ] ولما كان في تركه الإثخان في العدو بعد زوال المانع ~~منه بالهزيمة مع أن فيه من PageV02P152 حلاوة الظفر ما يجل عن الوصف لأجل ~~الغنيمة التي هي لمن غلب , وليس في المبادرة إلى حوزها كبير فائدة , دلالة ~~على تناهي الحب للتكاثر , ناسب المقام ربا التضعيف فقال : - أو يقال : لما ~~كان سبب الهزيمة طلبهم الزيادة بالغنيمة , وكان حب الزيادة حلالا قد يجر ~~إلى حبها حراما , فيجر إلى الربا المضاعف , لأن من يرتع حول الحمى يوشك أن ~~يواقعه قال - : { أضعافا مضاعفة } أي لا تتهيؤوا لذلك بإقبالكم علىمطلق ~~الزيادة , فإن المطلوب منكم بذل المال فضلا عن الإعراض عنه فضلا عن الإقبال ~~عليه , فالحاصل أنه دلت على الربا بمطابقتها , وعلى مطلق الزيادة بتضمنها , ~~وهي من وادي قوله صلى الله عليه وسلم : ( من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ~~) وختام الآية بقوله : { واتقوا الله } أي الملك الأعظم { لعلكم تفلحون } ~~مشير إلى ذلك , أي واجعلوا بينكم وبين مخالفة نهيه عن الربا وقاية بالإعراض ~~عن مطلق محبة الدنيا والإقبال عليها , لتكونوا على رجاء من الفوز بالمطالب ~~, فمن له ملك الوجود وملكه فإنه دير بأن يعطيكم من ملكه إن اتقيتم , ~~ويمنعكم إن تساهلتم , فهو نهي عن الربا بصريح لاعبارة , وتحذير من أن ~~يعودوا إلى ما صدر منهم من الإقبال على الغنائم قبل انفصال الحرب فعلا وقوة ~~بطريق الإشارة , وهي من أدلة إمامنا اشلافعي على استعمال اللفظ في حقيقته ~~ومجازه , والذي دلنا على إرادة المعنى التضمني المجازي نظمها , والناظن ~~حكيم في سلك هذه القصة ووضعها في هذا الموضع , فلا يقدح في ذلك أنه قد كان ~~ي هذه ms0842 القصة أمر يصلح أن يكون سببا لنزول هذه الآية ووضعها عنا , لأن ذلك ~~غير لازم ولا مطرد , فقد كان حلفه صلى الله عليه وسلم أنه يمثل بسبعين منهم ~~كما مثلوا بعمه حمزة رضي الله عنه سببا لنزول آخر سورة النحل < # > 77 ( { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } ) 77 < # > [ النحل : 126 ] إلى آخرها , ولم تضوع هنا , والأمر الصالح لأن يكون ~~سببا لها ما روى أبو داود فس يننه بسند رجاله رجال الصحيح عن أبي هريرة أن ~~عمروا بن أقيش رضي الله عنه كان له ربا في الجاهلية , فكره PageV02P153 أن ~~يسلم حتى يأخذه , فجاء يوم أحد فقا : أي بنو عمي ؟ قالوا : بأحد , قال : ~~أين فلان ؟ قالوا : بأحد , قال : فأين فلان ؟ قالوا : بأحد ؛ فلبس لأمته ~~وركب فرسه ثم توجه قبلهم , فلما رآه المسلمون قالوا : إليك عنا يا عمرو ! ~~قال : إني قد آمنت , فقاتل حتى جرح , فحمل إلى أهله جريحا , فجاءه سعد بن ~~معاذ رضي الله عنه فقال لأخته : سليه : حمية لقومك أو غضبا لهم , أم لهم , ~~أم غضبا لله عز وجل ؟ فقال : بل غضبا لله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~, فمات فدخل الجنة وما صلى لله عز وجل صلاة , والقصة في جزء عبيد الله بن ~~محمد بن حفص العيشي - بالمهملة ثم التحتانية ثم المعجمة - تخريج أبي القاسم ~~عبد الله ابن محمد بن عبد العزيز البغوي , والجزء السابع عشر من المجالسة ~~للدينوري من طريق حماد بن سلمة شيخ أبي داود , ولفظ العيشي : إن عمرو بن ~~وقش - وقال الدينوري : أقيش - كان له ربا في الجاهلية , وكان يمنعه ذلك ~~الربا من الإسلام حتى يأخذه ثم يسلم , فجاء ذات يوم ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - زاد الدينوري : وأصحابه بأحد فقال : أين سعد ابن معاذ ؟ وقال ~~العيشي : فقال لقومه : أي سعد بن معاذ ؟ قالوا : هو بأحد , قال الدينوري : ~~فقال : أين بنو أخيه ؟ قالوا : بأحد , فسأل عن قومه , فقالوا : بأحد , فأخذ ~~سيفه ورمحه ولبس لأمته , ثم أتى أحدا ؛ وقال الدينوري : ثم ذهب إلى أحد , ~~فلما ms0843 رآه السملمون قالوا : إليك عنا يا عمرو ! قال : إني قد آمنت ! فقاتل ~~فحمل إلى أهله جريحا , فدخل عليه سعد بن معاذ فقال - يعني لامرأته - : سليه ~~! وقال العيشي : فقا لأخته : ناديه , فقولي ؛ وقال الدينوري : فقالت : أجئت ~~غضبا لله رسوله أم حمية وغضبا لقومك ؟ فنادته , فقال : جئت غضبا لله ورسوله ~~! فمات فدخل الجنة ولم يصل لله قط ؛ وقال الدينوري : قال أبو هريرة : ودخل ~~الجنة , وما صلى لله صلاة . | ورواها ابن إسحاق والواقدي عن أبي هريرة رضي ~~الله عنهم أنه كان يقول : حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصل قط ؛ وقال ~~الواقدي : أخبروني برجل يدخل الجنة لم يسجد لله قط , فيسكت النسا , فيقول ~~أبو هريرة رضي الله عنه : هو أخو بني عبد الأشهل ؛ وقال ابن إسحاق : فإذا ~~لم يعرفه الناس سألوا : من هو ؟ فيقول : أصيرم بني عبد الأشهل عمرو بن ثابت ~~بن وقش رضي الله تعالى عنه ؛ زاد ابن إحساق : قال الحصين - يعني شيخه : ~~فقلت لمحمود بن لبيد : كيف كان شأن الأصيرم ؟ قال : كان يأبي الإسلام على ~~قومه , فلما كان يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد بدا له في ~~الإسلام فأسلم , ثم أخذ سيف فغدا PageV02P154 حتى دخل في عرض الناس , فقاتل ~~حتى أثبتته الجراحة , فبينما رجال من بني عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم في ~~المعركة إذا هم به , فقالوا : والله إن هذا للأصيرم ! ما جاء به ؟ لقد ~~تركناه وإنه لمنكر بذا الحديث ! فسألوه ما جاء به , فقالوا : ما جاء بك يا ~~عمور ؟ أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام ؟ فقال : بل رغبة في الإسلام , ~~آمنت بالله وبرسوله وأسلمت , ثم أخذت سيفي فغدوت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم , ثم قاتلت حتى أصابني ما أصابني . | ثم لم يلبث أن مات في ~~أيديهم , فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ( إنه لمن أهل الجنة ~~) والمعنى على هذا : يا أيها الذين يريدون الإيمان ! لا تفعلوا مثل فعل ~~الأصيرم في تأخير إيمانه لأجل الربا , بل سابقوا الموت لئلا يأتيكم بغتة ~~فتهلكوا , أو ms0844 يا أيها الذين أخبروا عن أنفسهم بافيمان ورسوخ الإذعان في ~~أنفسهم والإيقان بمر الزمان ! افعلوا مثل فعله ساعة أسلم في صدق الإيمان ~~وإسلام نفسه إلى ربه بركوب الأهوال في غمرات القتال من غير خوف ولا توقف ~~ولا التفات إلى أمر دنيوي وإن عظم ؛ فقد بان أنه نبه بالإشارة إلى قصة بدر ~~ثم بهذه الآية على أن من أعرض عن الدنيا حصلت له بعز وإن كان قليلا , ومن ~~أقبل عليها فاتته بذلك وإن كان كثيرا جليلا , لأن من له ملك السماوات ~~والأرض يفعل ما يشاء , ولا تفيد الآية إباحة مطلق الفضل في الربا ما لم ~~ينته إلى الأضعاف المضاعفة , لأن إفهامها لذلك معارض لمنطوق آيات البقرة ~~الناهية عن مطلق الربا , والمفهوم لا يعمل به إذا عارض منطوق نص آخر , وهذا ~~من مزيد الاعتناء بشأن الربا إذ حرم كل نوع منه في آية تخصه , فحرم ربا ~~الفضل في آيات البقرة , ويلزم من ترحيمه تحريم ربا الأضعاف , ثم نص عليه في ~~هذه الآية , فصار محرمأ مرتين : مفهوما ومنطوقا , مع ما أفاد ذكره من النكت ~~التي تقدم التنبيه عليها . | < < # | آل عمران : ( 131 - 137 ) واتقوا النار التي . . . . . # > > ^ ( واتقوا النار التي أعدت للكافرين * وأطيعوا الله والرسول لعلكم ~~ترحمون * وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت ~~للمتقين * الذين ينفقون في السرآء والضرآء والكاظمين الغيظ والعافين عن ~~الناس والله يحب المحسنين * والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا ~~الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا ~~وهم يعلمون * أولئك جزآؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيها ونعم أجر العاملين * قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) ^ } ) | PageV02P155 ولما كان الفائز ~~بالمطالب قد لا يوقي المعاطب قال تعالى : { واتقوا النار } أي إن لم تكونوا ~~ممن يتقيه سبحانه لذاته { التي أعدت } أي هيئت { للكافرين * } أي بالله ~~باستحلال الربا وغيره بالذات , وللكافرين بالنعمة عصيانا بالعرض . | ولما ~~كان الفائز السالم قد لا يكون مقربا ms0845 قال اتباعا للوعيد بالوعد : { وأطيعوا ~~الله } ذا الجلال والإكرام { والرسول } أي الكامل في الرسلية كمالا ليس ~~لأحد مثله , أي في امتثال الأوامر واجتناب النواهي بالإخلاص { لعلكم ترحمون ~~* } أي لتكونوا على رجاء وطمع في أن يفعل بكم فعل المرحومب التقريب والمحبة ~~وإنجاز كل ما وعد على الطاعة من نصره وغيره . | ولما نهىعما منع النصر ~~بالنهي عن الربا , المراد بالنهي عنه الصرف عن مطلق الإقبال على الدنيا , ~~المشار إلى ذمها في قوله تعالى : < # > 77 ( { زين للناس حب لاشهوات من النساء والبنين } ) 77 < # > [ آل عمران : 14 ] , وأمر بما تضمن الفوز والنجاة والقر , وكان ذلك قد ~~يكون مع التواني أمر بالمسارعةف يه توصلا إلى ما أعد للذين اتقوا الموعودين ~~بالنصر المشروط بتقواهم وصبرهم في قوله : < # > 77 ( { بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم } ) 77 < # > [ آل عمران : 125 ] , < # > 77 ( { وإن تصبرو وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } ) 77 < # > [ آل عمران : 120 ] الموصوفين بما تقدم في قوله تعالى في المقصد الثالث ~~من دعئام هذه السورة < # > 77 ( { قل أأنبئكم بخير من ذلك للذين اتقوا } ) 77 < # > [ آل عمران : 15 ] , على وجه أبلغ من ذلك بالمسارعة إلى ما يوجب ~~المغفرة من الرب اللطيف بعباده , وإلى ما يبيح الجنة أعدت للمتقين الذين ~~تقدمت الإشارة إليهم في قوله تعالى : < # > 77 ( { واتقوا الله لعلكم تفحلون } ) 77 < # > [ آل عمران : 130 ] الذين يتخلون عن الأموال وجميع مصانع الدنيا فلا ~~تمتد أعينهم إلى الازدياد من شيء منها ويتحلون بالزهد فيها والإنفاق لها في ~~سبيل الله في مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجهاد وغيره في ~~السراء والضراء , لا بالإقبال على الدنيا من غنيمة أو غيرها إقبالا يخل ~~ببعض الأوامر , وبالصبر بكظم الغيظ عمن أصيب منهم بقتل أو جراحة , والعوف ~~عمن يحسن العفو عنه في التمثيل بالقتل في أحد أو غير ذلك إرشادا إلى أن لا ~~يكون جهادهم إلا غضبا لله تعالى , لا مدخل فيه لحظ من حظوظ النفس أصلا , ~~وبالصبر أيضا على حمل النفس على الإحسان إلى من أساء بذلك أو غيره ms0846 كما فعل ~~صلى الله عليه وسلم في فتح مكة بعد أن كان حلف ليمثلن بسبعين منهم مكان ~~تمثيلهم بسيد الشهداء أسد الله واسد رسوله عمه حمزة ابن ساقي الحجيج عبد ~~المطلب , فإنه وقف صلى الله عليه وسلم في ذلك اليوم PageV02P156 الذي كان ~~أعظم أيام الدنيا الذي أثبت فيه نور الإسلام عل مشرق الأرض ومغربها , فهزم ~~ظلام الكفر وضرب أوتاده في كل قطر على درج الكعبة وهم في قبضته فقال : ( ما ~~تظنون إني فاعل بكم يا معشر قريش ؟ قالوا : خيرا ! أخ وبان أخ كريم , قال : ~~اذهبوا فأنتم الطلقاء ) , وبالاستغفار عنعمل الفاحشة من خذلان المؤمنين أو ~~أكل الربا أو التولي عن قتال الأعداء , وعن ظلم النف سمن محبة الدنيا ~~الموجب للإقبال على الغنائم التي كانت سبب الانهزام أو يغر ذلك مام أراد ~~الله تعالى فقال تعالى : { وسارعوا } أي بأن تفعلوا في الطاعات فعل من ~~يسابق خصما { إلى مغفرة من ربكم } أي المحسن إليكم بإرسال الرسل وإنزال ~~الكتب بعمل ما يوجبها من التوبة والإخلاص وكل ما يزيل العقاب { وجنة } أي ~~عظيمة جدا بعمل كل ما يحصل الثواب , ثم بين عظمها بقوله : { عرضها السموات ~~والأرض } أي كعرضهما , فكيف بطولها , ويحتمل أن يكون كطولهما , فهي أبلغ من ~~آية الحديد - كما يأتي لما يأتي , وعلى قراءة { سارعوا } بحذف الواو يكون ~~التقدير : سارعوا بفعل ما تقدم , فهو في معناه , لا مغائر له . | ولما وصف ~~الجنة بين أهلها بقوله : { أعدت } أي الآن وفرغ منها { للمتقين * } وهم ~~الذين صارت التقوى شعارهم , فاستقاموا واستمروا على الاستقامة , ثم وصف ~~المتقين بما تضمن تفصيل الطاعة المأمور بها قبل إجمالا ن على وجه معرف ~~بأسباب النصر إلى آخر ما قص من خبر الأنبياء الماضين ومن معهم من المؤمنين ~~بادئا ما هو أشق الأشياء ولا سيما في ذلك الزمان من التبر ومن المال الذي ~~هو عديل الروح فقال : { الذين ينفقون } أي مما آتاهم الله , وهو تعريض بمن ~~أقبل على الغنيمة { في السراء والضراء } أي في مرضاة الله في حال الشدة ~~والرخاء . ولما ذكر أشق ms0847 ما يترك ويبذل أتبعه أشق ما يحبس فقال : { ~~والكاظمين } أي الحابسين { الغيظ } عن أن ينفذوه بعد أن امتلؤوا منه . | ~~ولما كان الكاظم غيظه عن أن يتجاوز في العقوبة قد لا يعفو حثه على العفو ~~بقوله : { والعافين } وعمم في الحكم بقوله : { عن الناس } أي ظلمهم لهم ولو ~~كانوا قد قتلوا منهم أو جرحوهم . | ولما كان التقدير : فإن الله يحبهم ~~لإحسانهم عطف عليه تنويها بدرجة الإحسان قوله : { والله } أي الذي له صفات ~~الكمال { يحب المحسنين * } أي يكرمهم بأنواع الإكرام على سبيل التجديد ~~والاستمرار . | PageV02P157 ولما أخبر أنها للمحسنين إلى الغير ومن قاربهم ~~أخبر أناه لمن دونهم في الرتبة من التائبين المحسنين إلى أنفسهم استجلابا ~~لمن رجع عن أحد من المنافقين ولغيرهم من العاصين فقال : { والذين إذا فعلوا ~~} أي باشروا عن علم أوجهل فعله { فاحشة } أي من السيئات الكبار { أو ظلموا ~~أنفسهم } أي بأي نوع كان من الذنوب , لتصير الفاحشة موعودا بغفرانها ~~بالخصوص وبالعموم { ذكروا الله } أي بما له من كمال العظمة فاستحيوه وخافوه ~~{ فاستغفروا } الله , أي فطلبوا المغفرة بالتوبة بشرطها { لذنوبهم } أي ~~فإنه يغفر لهم لأنه غفار لمن تاب . | ولما كان هذا مفهما لأنه تعالى يغفر ~~كل ذنب أتبعه تحقيق ذلك ونفي القدرة عليه عن غيره , لأن المخلوق لا يمضى ~~غفرانه لذنب إلا إذا كان مما شرع الله غفرانه , فكان لا غافر في الحقيقة ~~إلا الله قال مرغبا في الإقبال عليه بالاعتراض بين المتعاطفين : { ومن يغفر ~~الذنوب } أي يمحو آثارها حتى لا تذكر ولا يجازى عليها { إلا الله } أي ~~الملك الأعلى . | ولما كان سبحانه وتعالى قد تفضل برفع القلم عن الغافل قال ~~: { ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون * } أي إنهم على ذنب . | ولما أتم ~~وصف السابقين وهم المتقون واللحقين وهم التائبون قال - معلما بجزائهم الذين ~~سارعوا إليه من المغفرة والجنة مشيرا إليهم بأداة البعد تعظيما لشأنهم على ~~وجه معلم بأن أحدأ لا يقدر الله حق قدره - : { أولئك } أي العالو الرتبة { ~~جزآؤهم مغفرة } أي لتقصيرهم أو لهفواتهم أو لذنوبهم , وعظمها بقوله : { ن ~~ربهم ms0848 } أي المسحن غليهم بكل إحسان , وأتبع ذلك للإكرام فقال : { وجنات } أي ~~جنات , ثم بين عظمها بقوله : { تجري من تحتها الأنهار } حال كونكم { خالدين ~~فيها } هي أجرهم على عملهم { ونعم أجر العالمين * } هي , هذا على تقدير أن ~~تكون الإشارة لجميع الموصوفين , وإن كانت للمستغفرين خاصة فالأمر واضح في ~~نزول رتبتهم عمن قبلهم . | ولما فرغ من بيان الزلل الذي وقع لهم به الخلل , ~~والترهيب مما يوقع فيه , والترغيب فيما ينجى منه في تلك الأساليب التي هي ~~أحلى من رائق الزلال ولذيذ الوصال بعد طول المطال أخذ يشجعهم على الجهاد ~~لذوي الفساد , فبدأ بالسبب الأقوى , وهو الأمر بمشاهدة مصارع من مضى من ~~المكذبين برؤية ديارهم وتتبع آثارهم مع أنهم كانوا أشد خلقا وأقوى همما ~~وأكثر عددا وأحكم عددا , فقال تعالى معللا لأمر بالمسارعة إلى المغفرة : { ~~قد خلت } ولما كان العلم بالقريب في الزمان والمكان أتم , وكان الذين وقعت ~~فيهم السنن جميع أهل الأرض , ولا في جميع الزمان , أثبت الجار فقال : { من ~~قبلكم } اي فلا تظنوا بما أملى لهم بهذه الإدالة أن نعمته انقطعت عنهم ~~PageV02P158 { سنن } أي وقائع سنها لاله في القرون الماضية والأمم الخالية ~~في المؤمنين والمكذبين , وأحوال وطرائق كانت للفريقي , فتأسوا بالمؤمنين ~~وتقوعوا لأعدائكم مثل ما للمكذبين , فانظروا وأنعموا التأمل في أحوال ~~الفريقين وإن لم يحصل ذلك إلا بالسير في الكد والتعب الشديد { فسيروا في ~~الأرض } أي للاتعاظ بأحوال تلك الأمم برؤية آثارهم لتضموا الخير إلى الخير ~~, وتعتبروا من العين بالثر , وتقرنوا بين النقل والنظر , ولما كان الرجوع ~~عن الهفوة واجبا على الفور عقب بالفاء قوله : { فانظروا } أي نظر اعتبار , ~~ونبه على عظمة المنظور فيه بأنه أهل لأن يستفهم عنه لأنه خرج عن العوائد ~~فتعاظم إشكاله فقال : { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { المكذبين * } ولما ~~تكلفت هذه الجمل بالهداية إلى سعادة الدارين نبه على ذلك سبحانه وتعالى ~~بقوله على طريق الاستفتاح : { هذا بيان } أي يفيد إزالة الشبه { للناس } أي ~~المصدقين . | والمكذبين { وهدى } أي إرشاد بالفعل { وموعظة } أي ترقيق { ~~للمتقين * } | < < # | آل عمران : ( 138 ms0849 - 143 ) هذا بيان للناس . . . . . # > > ^ ( هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين * ولا تهنوا ولا تحزنوا ~~وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهدآء والله ~~لا يحب الظالمين * وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين * أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين * ولقد كنتم ~~تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون ) ^ } ) | ولما ~~أمرهم بالمسارعة وأتبعها علتها ونتيجتها نهاهم عما يعوق عناه من قبل الوهن ~~الذي عرض لهم عند رؤيتهم الموت فقال - ويجوز أن يعطف على ما تقديره : ~~فتبينوا واهتدوا واتعظوا إن كنتم متقين , وانظروا أخذنا لمن كان قبلكم من ~~أهل الباطل وإن كان لهم دول وصولات ومكر وحيل 0 : { ولا تهنوا } أي في جهاد ~~أعدائكم الذين هم أعداء الله , فالله معكم عليهم , وإن ظهروا يوم أحد نوع ~~ظهور فسترون إلى من يؤول الأمر { ولا تحزنوا } أي على ما أصابكم منهم ولا ~~على غيره مما عساه ينوبكم { و } الحال أنكم { أنتم الأعلون } أي في الدارين ~~{ إن كنتم مؤمنين * } أي إن كان الإيمان - وهو التصديق بكل ما يأتي عن الله ~~- لكم صفة راسخة , فإنهم لا يهنون ؛ لأنكم بين إحدى الحسنيين - كما لم يهن ~~من سيقص عليكم نبأهم ممن كانوا مع الأنيباء قبلكم لعلوكم عدوكم , أما في ~~الدنيا فلأن دينكم حق ودينهم باطل , ومولاكم العزلز الحكيم الذي قد وعدكم ~~الحق الملك الكبير لمن قتل , والنصر والتوزر لمن بقي , وهو حي قيوم , ولا ~~PageV02P159 يخفى عليه شيء من أحوالكم , فهو ناصركم وخاذلكم , وأما في ~~الآخرة فلأنكم يف مقعد صدق عند مليك مقتدر , وهم في النار عند ملائكة ~~العذاب الغلاظ الشداد أبدا . | ولما نهاهم عما تقدم وبشرهم سلاهم وبصرهم ~~بقوله : { إن يمسسكم قرح } أي مصيبة بإدالتهم عليكم اليوم { فقد مس القوم } ~~أي الذين لهم من قوة المحاولة ما قد علمتم , أي في يوم أحد نفسه وفي يوم ~~بدر { قرح مثله } أي في مطلق ms0850 كونه قرحا وإن كان أقل من قرحكم في يوم أحد ~~وأكثر منه في يوم بدر , على أنه ما أنه ظفرهم - بعدما أصابهم وأنكأهم يوم ~~بدر بالزهد الذي ليس بعده وهن - بقتل مثل من قتل منكم وأسر مثلكم , ويوم ~~أحد بالقتل والهزيمة أول النهار وهم أعداؤه , فهو جدير بأن يظفركم بعد ~~وهنكم وأنتم أولياؤه , فكما لم يضعفهم وهنهم وهم على الباطل فلا تضعفوا ~~أنتم وأنتم على الحق , ترجون منالله ما لا يرجون , فقد أدلناكم عليهم يوما ~~وأدلناهم عليكم آخر { وتلك الأيام } ولما نبه على على تعظيمها بأداة البعد ~~, وكانت إنما تعظم بعظم أحوالهما ذكر الحال المنبه عليها بقوله : { وداولها ~~بين الناس } أي بأن نرفع من نشاء تارة ونرفع عليه أخرى . | ولما كان ~~التقدير : ليدال على من كانت له الدولة , فيعلم كل أحد أن الأمر لنا بلا ~~شريك ولا منازع عطف عليه قوله : { وليعلم الله } أي المحيط بجميع الكمال { ~~الذين آمنوا } أي بتصديق دعوى الإيمان بنية الجهاد فيكرمهم , ومعنى { ليعلم ~~} أنه يفعل فعل من يريد علم ذلك بأن يبرز ما يعلمه غيبا إلى عالم الشهادة ~~ليقيم الحجة على الفاعلين على ما يتعارفه الناس بينهم { ويتخذ منكم شهداء } ~~أي بأن يجعل قتلهم عين الحياة التي هي الشهادة , لا غيبة فيها , فهو سبحانه ~~وتعالى يزيد في إكرامهم بما صدقوا في إيمانهم بأن لا يكونوا مشهودا عليهم ~~أصلا بفتنة في قبورهم ولا غيرها ولا يغفلوا بخوف ولا صعق ولا غيره , فإن ~~الله يحب المؤمنين , وليعلم الذين ظلموا ويمحق منهم أهل الجحد والاعتداء { ~~والله } أي الملك الأعلى { لا يحب الظالمين * } أي الذين يخالف فعلهم قولهم ~~, فهو لا يستشهدهم , وإنما يجعل قتلهم أول خيبتهم وعذابهم , وفيه بشارة في ~~ترغيب بأنه لا يفعل مع الكفرة فعل المحب , لئلا يحزنوا على ما أصابهم , ~~ونذارة في تأديب بأنهم ما أخذوا إلا بتضييعهم الثغر الذي أمرهم به من ~~التزموا طاعته وأمر الله بها في المنشط والمكره بحفظه , وأقبلوا على ~~الغنائم قبل أن يفرغوا من العدو , والآية من الاحتباك : إثبات الاتخاذ أولا ms0851 ~~دال على نفيه ثانيا , وإثبات الكراهة ثانيا دال على المحبة أولا . | ولما ~~قدم التنفير من الظلم دلالة على الاهتمام به أكمل ثمرات المداولة بقوله : ~~PageV02P160 { وليمحص } أي وليطهر { الله } أي ذو الجلال والإكرام { الذين ~~أمنوا } أي إن أصيبوا , ويجعل مصيبتهم سببا لقوتهم { ويمحق الكافرين * } أي ~~شيئا فشيئا في تلك الحالتين بما يلحقهم من الرجس , أما إذا كانت لهم فبالقص ~~بالقوة بالبطر الموجب للعكس , وأما إذا كانت عليهم فبالنقص بالفعل الموجب ~~للقطع بالنار . | ولما كان السياق يرشد إلى أن المعنى : أحسبتم أنه لا يفعل ~~ذلك , عادله بقوله : { أم حسبتم } أي يا من استكره نبينا على الخروج في هذا ~~الوجه { أن تدخلوا الجنة } أي التي أعدت للمتقين { ولما يعلم الله } أي ~~يفعل المحيط علما وقدرة بالامتحان فعل من يريد أن يعلم { الذين جاهدوا منكم ~~} أي أوقعوا الجهاد بصدق العزيمة , ثم أمضوه بالفعل تصديقا للدعوى { ويعلم ~~الصابرين * } أي الذي شأنهم الصبر عند الهزاهز والثبات عند جلائل المصائب ~~تصديقا لظاهر الغرائز , فإن ذلك أعظم دليل على الوثوق بالله ووعده الذي هو ~~صريح الإيمان . | ولما أرشد السياق إلى أن التقدير : لفقد كنتم تقولون : ~~لئن خرجت بنا ليبتلين الله بلاء حسنا , عطف عليه قوله : { ولقد } ويجوز أن ~~يكون حالا من فاعل { حسبتم } { كنتم تمنون الموت } أي الحرب , عبر عنها به ~~لأنها سببه , ولقد تمنى بعضهم الموت نفسه بتمني الشهادة { من قبل أن تلقوه ~~} أي رغبة فيما أعد الله للشهداء { فقد رأيتموه } أي برؤية قتل إخوانكم , ~~والضمير يصلح أن يكون للموت المعبر به عن الحرب , وللموت نفسه بؤية أسبابه ~~القريبة , وقوله : { وأنتم تنظرون * } بمعنى رؤية العين , فهو تحقيق لإرادة ~~الحقيقة . | < < # | آل عمران : ( 144 - 147 ) وما محمد إلا . . . . . # > > ^ ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم ~~على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين * ~~وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته ~~منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ms0852 * وكأين من نبي قاتل ~~معه ربيون كثير فما وهنوا لمآ أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ~~والله يحب الصابرين * وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا ~~وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ) ^ } ) | ولما ~~كان التقدير : فانهزمتم عندما صرخ الشيطان كذبا : ألا إن محمدا قد قتل ! ~~ولم يكن لكم ذلك فإنكم إنما تعبدون رب محمد الحي القيوم وتقاتلون له , وأما ~~محمد فما هو بخالد لكم في الدنيا قال : { وما محمد إلا رسول } أي من شأنه ~~الموت , لا إله , ثم قرر المراد من السياق بقوله : { قد خلت } أي بمفارقة ~~أممهم , إما بالموت أو PageV02P161 الرفع إلى السماء , ولما كان المراد أن ~~الخلو منهم إنما كان في بعض الزمان الماضي لما مضى أثبت الجار فقال : { من ~~قبله الرسل } أي فيسلك سبيلهم , فاسلكوا أنتم سبيل من نصح نفسه من أتباعهم ~~فاستمسك بنورهم . | ولما سبب عن ذلك إنكار انهزامهم ودعتهم على تقدير فقده ~~أنكر عليهم بقوله : { أفأن } ولما كان الملك القادر على ما يريد لا يقول ~~شيئا وإن كان فرضا إلا فعله ولو على أقل وجوهه , وكان في علمه سبحانه أنه ~~صلى الله عليه وسلم يموت موتا - لكونه على فراشه , وقتلا - لكونه بالسم , ~~قال : { مات } أي موتا على الفراش { أو قتل } أي قتلا { انقلبتم } أي عن ~~الحال التي فارقكم عليها فأضعتم مشاعر الدين وتركتم مشاريع المرسلين ! ثم ~~قرر المعنى بقوله : { على أعقابكم } لئلا يظن أن المراد مطلق الانتقال وإن ~~كان على الاستواء والانتقال إلى أحسن { ومن } أي انتقلتم والحال أنه من { ~~ينقلب على عقبيه } أي بترك ما شرعه له نبيه أو التقصير فيه { فلن يضر الله ~~} أي المحيط بجميع العظمة { شيئا } لأنه متعال عن ذلك بأن الخلق كلهم طوع ~~أمر , لا يتحركون حركة إلا على وفق مراده , فلو أراد لهداهم أجمعين , ولو ~~أراد أضلهم أجمعين , وإنما يضر ذلك المنقلب نفسه لكفره بالله , وسيجزي الله ~~الشاكرين , ومن سار ثابتا على المنهج السوي فإنما ينفع نفسه لشكره لله { ~~وسيجزي الله ms0853 } أي الذي له جميع صفات الكمال { الشاكرين * } أي كلهم , ~~فالآية من الاحتباك : أثبت الانقلاب وعدم الضر أولا دليلا على حذف ضده ~~ثانيا , والجزاء ثانيا دليلا على حذف مثله أولا . | ولما كان موت الرأس من ~~أنصار الدين لا يصلح أن يكون سببا للفرار إلا إذا كان موته بغير إذن صاحب ~~الدين , وكان الفرار لا يصلح إلا أذا كان يمكن أن يكون سببا للنجاة , وأما ~~إذا كان موته لا يكون إلا بإرادة رب الدين , والفرار لا يكون سببا في زيادة ~~الأجل ولا نقصه ؛ أشار إلى ذلك بقوله : { وما كان لنفس } أي من الأنفس ~~كائنة من له الإحاطة التامة وإرادته وتمكينه من قبضها ( كتب لكل نفس عمرها ~~) { كتابا مؤجلا } أي أجلا لا يتقدم عنه بثبات , ولا يتأخر عنه بفرار اصلا ~~. | ولما كان المعنى : فمن أقدم شكرته ولم يضره الإقدام , ومن أحجم ذممته ~~ولم ينفعه الإحجام , وكان الحامل على الإقدام إيثار ما عند الله , والحامل ~~على الإحجام أيثار الدنيا ؛ عطف على ذلك قوله : { ومن يرد ثواب الدنيا } أي ~~بعمله - كما افهمه التعبير بالثواب , وهم المقبلون على الغنائم بالنهب ~~والفارون كفرا لنعمة الله { نؤته منها } أي ما راد , وختام الآية يدل على ~~أن التقدير هنا : وسنردي الكافرين , ولكنه طواه رفقا لهم PageV02P162 { ومن ~~يرد ثواب الآخرة } أي وهم الثابتون شكرا على إحسانه إليهم من غير أن يشغلهم ~~شاغل عن الجهاد , ولما كان قصد الجزاء غير قادح في الإخلاص منه من الله ~~تعالى علينا قال : { نؤته } ونبه على أن العمل لذات الله من غير نظر إلى ~~ثواب ولا عقاب أعلى فقال : { منها } أي وسنجزيه لشكره , وهو معنى قوله : { ~~وسنجزي الشاكرين * } لكنه أظهر لتعليق الحكم بالوصف وعمم . | ولما ذكر ~~سبحانه وتعالى هذه الجمل على هذا الوجه الذي بين فيه العلل , وأوضح بحال ~~الزلل , وكان التقدير بعد انقضائها : فكأين من قوم أمرناهم بالجهاد , ~~فكانوا على هذين القسمين , فأثبنا الطائع وعذينا العاصي , ولم يضرنا ذلك ~~شيئا , ولا جرى شيء منه على غير مرادنا , عطف عليه يؤسيهم بطريق الصالحين ~~من قبلهم ms0854 ويسيلهم بأحوالهم قوله : { وكأين } وهي بمعنى كم , وفيها لغات ~~كثيرة , قرىء منها في العشر بثنتين : الجمهور بفتح الهمزة بعد الكاف وتشديد ~~الياء المكسورة , وابن كثير وأبو جعفر بألف ممدودة بعد الكاف وهمزة مكسورة ~~, ولعلها أبلغ - لأنه عوض عن الحرف المحذوف - من المشهورة بالمد , والمد ~~أوقع في النفس وأوقر في القلب ؛ وفيها كلام كثير - في لغاتها ومعناها ~~وقراءاتها المتواترة والشاذة وصلا ووقفا , ورسمها في مصحف الإمام عثمان بن ~~عفان رضي الله عنه الذي وقع إجماع الصحابة عليه ليكون المرجع عند الاختلاف ~~إليه , وهل هي بسيطة أو مركبة ومشتقة أو جامدة وفي كيفية التصرف في لغاتها ~~- استوعبته في كتابي الجامع المبين لما قيل في { كأين } , وقال سبحانه : { ~~من نبي } لتكون التسلية أعظم بذكر ما هو طبق ما وقع في هذه الغزوة من قتل ~~أصحابه , واحتمال العبارة لقتله نفسه بقوله : { قتل } أي ذلك النبي حال ~~كونه { معه } لكن الأرجح إسناد { قتل } إلى { ربيون } أي علماؤهم ورثة ~~الأنبياء , وعلى منهاجهم { كثير فما } عمرو - : قاتل معه { ربيون } أ ~~يعلماؤهم ورثة الأنبياء , وعلى منهاجهم { كثير فما } أي فما تسبب عن قتل ~~نبيهم وهنهم , أو يكون المعنى ويؤيده الوصف بالكثرة - : قتل الربيون , فما ~~تسبب عن قتلهم أن الباقين بعدهم { وهنوا } أي ضعفوا عن عملهم { لما أصابهم ~~في سبيل الله } أي الملك الأعظم من القتل لنبيهم الذي هو عمادهم , أو ~~إخوانهم الذين هم أعضادهم لكونه من الله { وما ضعفوا } أي مطلقا في العمل ~~ولا في غيره { وما استكانوا } أي وما خضعوا لأعداهئم فطلبوا أن يكونوا تحت ~~أيديهم - تعريضا بمن قال : اذهبوا إلى أبي عامر الراهب ليأخذ لنا أمانا من ~~أبي سفيان , بل صبروا , فأحبهم الله لصبرهم { والله } أي الذي له صفات ~~الكمال { يحب الصابرين * } أي فليفعلن بهم من النصر وإعلاء القدر وجميع ~~أنواع الإكرام فعل من يحبه . | PageV02P163 ولما أثنى سبحانه وتعالى على ~~فعلهم أتبعه قولهم فقال : { وما كان } أي شيء من القول { قولهم } أي بسبب ~~ذلك الأمر الذي دهمهم { إلا أن قالوا } أي وهم يجتهدون في نصر دين ms0855 الله ~~ناسبين الخذلان إلى أنفسهم بتعاطي أسبابه { ربنا اغفر لنا ذنوبنا } أي التي ~~استوجبنا بها الخذلان { وإسراقنا في أمرنا } هضما لأنفسهم , فمع كونهم ~~ربانيين مجتهدين نسبوا ما أصابهم إلى ذنوبهم , فافعلو أنتم فعلهم لتنالوا ~~من الكرامة ما نالوا , كما أشار لكم سبحانه وتعالى إلى ذلك قبل الأخذ في قص ~~القصة عندما وصف به المتقين من قوله : ^ ( { أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم } ) ^ [ آل عمران : 135 ] . | ولما دعوا بمحو ما أوجب ~~الخذلان دعوا بثمرة المحو فقالوا : { وثبت أقدامنا } إشارة إلى أن الرعب من ~~نتائج الذنب , والثبات من ثمرات الطاعة - إنما تقاتلون الناس بأعمالكم - ثم ~~أشاروا إلى أن قتالهم لهم إنما هو لله , لا لحظ من حظوظ النفس أصلا بقوله : ~~{ وانصرنا على القوم الكافرين * } | < < # | آل عمران : ( 148 - 152 ) فآتاهم الله ثواب . . . . . # > > ^ ( فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين * ~~ياأيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا ~~خاسرين * بل الله مولاكم وهو خير الناصرين * سنلقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب بمآ أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى ~~الظالمين * ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم ~~في الأمر وعصيتم من بعد مآ أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من ~~يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على ~~المؤمنين ) ^ } ) | فلما تم الثناء على فعلهم وقولهم ذكر ما سببه لهم ذلك ~~من الجزاء فقال { فأتاهم الله } المحيط علما وقدرة { ثواب الدنيا } أي بأن ~~قبل دعاءهم بالصنر والغنى بالغنائم وغيرها وحسن الذكر وانشراح الصدر ~~وزوالها شبهات الشر . | ولما كان ثواب الدنيا كيف ما كان لا بد أن يكون ~~بالكدر مشوبا وبالبلاء مصحوبا , لأنها دار الأكدار ؛ أعراه من وصف الحسن , ~~وخص الآخرة به فقال : { وجسن ثواب الآخرة } أي مجازا بتوفيقهم إلى الأسباب ~~في الدنيا , وحقيقة في الآخرة , فإنه أحسنوا في هذا الفعلا والمقال , ~~لكونهم لم يطلبوا بعبادتهم غير وجه الله , فأحبهم لإحسانهم { والله } ~~المحيط بصفات ms0856 الكمال { يحب المحسنين * } كلهم , فهو جدير بأن يفعل بهم ~~PageV02P164 كل جميل ولذلك رفع نمزلتهم ولم يجعل ثوابهم بعضا , كما فعل بمن ~~عبد لإرادة الثواب فقال : < # > 77 ( { نؤته منها } ) 77 < # > [ آل عمران : 145 ] فقد بان أن هذه الآية منعطفة على ما أمر به الصحابة ~~رضي الله عنهم على طريقة اللف والنشر المشوش , فنفي الوهن تعريض بمن أشير ~~إليه في آية < # > 77 ( { ولقد كنتم تمنون الموت } ) 77 < # > [ آل عمران : 143 ] ونحو ذلك والثناء لعى قولهم حث عل مثل ما ندبهم ~~اليه في قولهم < # > 77 ( { ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } ) 77 < # > [ آل عمران : 139 ] وإلى أن ثبات لاقدم للنصر على أعداء الله كان شاغلا ~~للاهم عن الالتفات إلى غيره , وتعريض بمن أقبل على الغنائم وترك طلب العدو ~~لتمام النصر المشار إليهم بآية < # > 77 ( { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها } ) 77 < # > [ آل عمران : 145 ] وإيتاء الثواب ناظر إلى النهي عن الربا وما انتظم ~~في سلكه وداناه , وإلى الأمر بالمسارعة إلى الجنة وما والاه , وإيماء إلى ~~أن من فعل فعلهم نال ما نالوا , ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه , لأن ~~علمه محيط , وكرمه لا يحد , وخزائنه لا تنفذ , بل لا تنقص , ثم ختمها بما ~~ختم به للحث على التخلق بأوصاف المتقين ؛ فقد اتضح بغير لبس أن المراد بهذه ~~الآية - وهي الإخبار عن إيتائهم الثواب - التنبيه على أن أهم الأمور وأحقها ~~بالبداءة التخلق بما وعظوا به قبل قص القصة , ولا ريب أن في مدح من سواهم ~~تهييجا زائدا لانبعاث نفوسهم وتحرك هممهم وتنبيه نشاطهم وثوران عزائمهم ~~غيرة منهم أن يكون أحد - وهم خير أمة أخرجت للناس - أعلى همة وأقوى عزيمة ~~وأشد شكيمة وأصلب عودا واثبت عمودا وأربط جأشا وأذكر لله وأرغب فيام عنده ~~وأزهد فيما أعرض عنه منهم . | ولما أمر سبحانه وتعالى بطاعته الموجبة للنصر ~~والأجر وختم بمحبته للمحسنين , حذر من طاعة الكافرين المقتضية للخذلان رغبة ~~في موالاتهم ومنا صرتهم فقال تعالى واصلا بالنداء في آية الربا : { الذين ~~كفروا } أي هذا الفريق منهم أو غيره ms0857 { يردوكم على أعاقبكم } بتعكيس أحوالكم ~~إلى أن تصيروا مثلهم ظالمين كافرين { فتنقلبوا خاسرين * } في جميع أموركم ~~في الدراين , فتكونوا ي غاية البعد من أحوال المحسنين , فتكونوا بمحل السخط ~~من الله صغرة تحت أيدي الأعداء في الدنيا خالدين في العذاب في الآخرى , ~~وذلك ناظر إلى قوله تعالى أول ما حذر من مكر الكفار < # > 77 ( { ياأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب } ) ~~77 < # > [ آل عمران : 100 ] , وموضح أن جميع هذه الآيات شديد اتصال بعضها ببعض ~~- والله الموفق . | ولما كان التقدير : فلا تطيعوهم , إنهم ليسوا صالحين ~~للولاية مطلقا ما دمتم PageV02P165 مؤمنين , عطف عليه قوله : { بل الله } ~~أي الملك الأعظم { موالاكم } مخرا بأنه ناصرهم وأن نصره لا يساويه نصر أحد ~~سواه بقوله : { سنلقي } أي بعظمتنا { في قلوب الذين كفروا الرعب } أي ~~المقتضي لامتثال ما أمر به من الجرأة عليهم وعدم الوهن في أمرهم , كما ~~افتتح القصة بالإيمان إلى ذلك بالأمر بالسير في الأرض والنظر في عاقبة ~~المكذبين , ثم بين سبب ذلك فقال : { بما أشركوا بالله } أي ليعلموا قطعا ~~أنه لا ولي لعدوه لأنه لا كفوء له , وبين بقوله : { ما لم ينزل } أي في وقت ~~من الأوقات { به سلطانا } أنه لا حجة لهم في الإشراك , وما لم ينزل به ~~سلطانا فلا سلطان له , ومادة سلط ترجع إلى القوة , ولما كان التقدير : ~~فعليهم الذل في الدنيا لاتباعهم ما لا قة به , عطف عليه : { ومأواهم النار ~~} ثم هول أمرهم بقوله : { وبئس مثوى الظالمين * } أي هي , وأظهر في موضع ~~الإضمار للتعميم وتعليق الحكم بالوصف . | وما كانت السين في { سنلقي } ~~مفهمة للاستقبال كان ذلك ربما أوهم أنه لم يرغبهم فيما مضى , فنفى هذا ~~الوهم محققا لهم ذلك بتذكيرهم بما أنجز لهم من وعده في أول هذه الوقعة مدة ~~تلبسهم بما شرط عليهم من الصبر والتقوى بقوله تعالى - عطفا على قوله : < # > 77 ( { بلى أن تصبروا وتتقوا } ) 77 < # > [ آل عمران : 125 ] , مصرحا بما لوح إلأيه تقديرا قبل < # > 77 ( { ولقد نصركم الله ببدر } ) 77 < # > [ آل عمران : 123 ] كما مضى ms0858 - : { ولقد صدقكم الله وعده } أي في قوله < # > 77 ( { وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم } ) 77 < # > [ آل عمران : 120 ] { إذ تحسونهم } أي تقتلونهم بعضهم بالفعل والباقين ~~بالقوة التي هيأها لكم { بإذنه } فإن الحسن بالفتح : القتل والاستئصال - ~~قاله في القاموس . | ثم بين لهم سبب هزيمتهم بعد تمكينه منهم ليكون رادعا ~~لهم عن المعاودة إلى مثله فقال مبينا لغاية الحسن : { حتى إذا فشلتم } أي ~~ضعفتم وتراخيتم بالميل إلى الغنيمة خلاف ما تدعو إليه الهمم العوالي , فكيف ~~بهم إذا كانوا من حزب مولي الموالي ! فلو كانت العرب على حال جاهليتها ~~تفاخر بالإقبال على الطعن والضرب في مواطن الحرب والإعراض عن الغنائم - كما ~~قال عنترة بن شداد العبسي يفتخر : | هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت ~~جاهلة بما لم تعلمي إذ لا أزال على رحالة سابح نهد تعاوره الكماة مكلم طورا ~~يعرض للطعان وتارة يأوي غلى حصد القسي عرموم يخبرك من شهد الوقيعة أنني ~~أغشى الوغى وأعف عند المنغنم | PageV02P166 وقال يفاخر بقومه كلهم : | إنا ~~إذا حمس الوغى نروي القنا ونعف عند مقاسم الأنفال | ولما ذكر الفشل عطف ~~عليه ما هو سببه في الغالب فقال : { وتنازعتم } أي بالاختلاف , وأصله من ~~نزع بعض شيئا من يد بعض { في الأمر } أي أمر الثغر المأمور بحفظه { وعصيتم ~~} أي وقع العصيان بنيكم بتضييع الثغر . | وأثبت الجار تصويرا للمخالفة ~~بأنها كانت عقب رؤية النصر سواء , وتبشيرا بزوالها فقال : { من بعد ما ~~أراكم ما تحبون } أي من حسهم بالسيوف وهزيمتهم . | ولما كان ذلك ربما أفهم ~~أن الجميع عصوا نفي ذلك معللا للعصيان بقوله : { منكم من يريد الدنيا } أي ~~قد أغضى عن معايبها التي أجلاها فناؤها . | ولما كان حكم الباقين غير معين ~~للفهم من هذه الجملة قال : { ومنكم من يريد الآخرة } وهم الثابتون في ~~مراكزهم , لما يعرجوا على الدنيا . | ولما كان التقدير جوابا لإذا : سلطهم ~~عليكم , عطف عليه قوله : { ثم صرفكم عنهم } أي لاندهاشكم إتيانهم إليكم من ~~ورائكم , وعطفه بثم لاستبعادهم للهزيمة بعد ما رأوا من النصرة { ليبتليكم } ~~أي يفعل في ذلك ms0859 فعل من يريد الاختبار في ثباتكم على الدين في حالي السراء ~~والضراء . | ولما كان اختباره تعالى بعصيانهم شديد الإزعاج للقلوب عطف على ~~قوله { ذو فضل على المؤمنين * } اي كافة , وهو من الإظهار في موضع الإضمار ~~للتعميم وتعليق الحكم بالوصف . | < < # | آل عمران : ( 153 - 154 ) إذ تصعدون ولا . . . . . # > > ^ ( إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم ~~غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا مآ أصابكم والله خبير بما تعملون * ~~ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طآئفة منكم وطآئفة قد أهمتهم ~~أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل ~~إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من ~~الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ~~إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم ~~بذات الصدور ) ^ } ) | ولما ذكر علة الصرف والعفو عنه صوره فقال : { إذ } ~~أي صرفكم وعفا عنكم حين { تصعدون } أي تزيلون الصعود فتنحدرون نحو المدينة ~~, أو تذهبون في الأرض لتبعدوا عن محل الوقعة خوفا من القتل { ولا تلوون } ~~أي تعطفون { على أحد } أي من PageV02P167 قريب ولا بعيد { والرسول } أي ~~الذي أرسل إليكم لتجيبوه إلى كل ما يدعوكم إليه وهو الكامل في الرسلية { ~~يدعوكم في أخراكم } أي ساقتكم وجماعتكم الأخرى , وأنتم مدبرون وهو ثابت في ~~مكانه في نحر العدو في نفر يسير لا يبلغون أربعين نفسا على اختلاف الروايات ~~- وثوقا بما عنده وعد من دونه من ولي وعدو عدما ؛ وإنما قلت : إن ( إلي ~~عباد الله ! أنا رسول الله ! إلي عباد الله ) كما هو الائق بمنصبه الشريف ~~من الاعتماد على الله والوثوق بما عنده وعد من دونه من ولي وعدو وعدما ؛ ~~وإنما قلت : إن معنى ذلك الانهزام , لأن الدعاء يراد منه الإقبال على ~~الداعي بعد الانصراف عما يريده ليأمر وينهى , فعلم بذلك أنهم مولون عن ~~المقصود وهو القتال , وفي التفسير ms0860 من البخاري عن البراء رضي الله تعالى عنه ~~قال : جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد عبد الله بن جبير ~~رضي الله تعالى عنه وأقبلوا منهزمين , فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم , ~~ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا . | ولما تسبب عن ~~العفو ردهم عن الهزيمة إلى القتال قال تعالى : { فأثابكم } أي جعل لكم ربكم ~~ثوابا { غما } أي باعتقادكم قتل الرسول صلى الله عليه وسلم . | وكان ~~اعتقادا كاذبا ملتئم به رعبا { بغم } أيكان حصل لكم من القتل والجراح ~~والهزيمة , وسماه - وإن كان في صورة العقاب - باسم الثواب لأنه كان سببا ~~للسرور حين تبين أنه خبر كاذب , وأن النبي صلى الله عليه وسلم حتى كأنهم - ~~كما قال بعضهم - لم تصبهم مصيبة , فهو من الدواء بالداء , ثم علله بقوله : ~~{ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } أي من النصر والغنيمة { ولا ما أصابكم } أي ~~من القتل والجراح والهزيمة لاشتغالكم عن ذلك بالسرور بحياة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ولما قص سبحانه وتعالى عليهم ما فعلوه ظاهرا وما قصدوه باطنا وما ~~داواهم به قال - عاطفا على ما تقديره : فالله سبحانه وتعالى خبير بما يصلح ~~أعمالكم ويبرىء أدواءكم - : { والله } أي المحيط علما وقدرة { خبير بما ~~تعملون * } أي من خير وشر في هذه الحال وغيرها , وبما يصلح من جزائه ودوائه ~~, فتارة يداوي الداء بالداء وتارة بالداواء , لأنه الفاعل القادر المختار . ~~| ولما كان أمانهم بعد انخلاع قلوبهم بعيدا , ولا سيما بكونه بالنعاس الذي ~~هو أبعد شيء عن ذلك المقام الوعر والمحل الضنك عطف بأداة البعد في قوله : { ~~ثم أنزل عليكم } لوما أفاد بأداة الاستعلاء عظمة الأمن , وكان متصلا بالغم ~~ولم يستغرق زمن ما بعده أثبت الجار فقال : { من بعدهم الغم } أي المذكور ~~وأنتم في نحر العدو { أمنة } أي أمنا عظيما , ثم ابدل منها تنبيها على ما ~~فيها من الغرابة قوله : { نعاسا } دليلا قطعيا PageV02P168 فإنه لا يكون ~~إلا من أمن ؛ روي البخاري في التفسير عن أنس رضي الله عنه أن أبا ms0861 طلحة رضي ~~الله عنه قال : ( غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد , فجعل سيفي يسقط من ~~يدي وآخذه ويسقط وآخذه ) ولما كان لبعضهم فقط استأنف وصفه بقوله : { يغشى ~~طائفة منكم } وهم المؤمنون , وابتدأ الإخبار عن الباقين بقوله : { وطائفة } ~~أي أخرى من المنافقين { قد أهمتهم أنفسهم } لا المدافعة عن الدين فهم إنما ~~يطلبون خلاصها , ولا يجدون إلى ذلك فيما يظنون سبيلا لاتصال رعبهم وشدة ~~جزعهم , فعوقبوا على ذلك بأنه لم يحصل لهم الأمن المذكور , ثم فسر همهم ~~فقال : { يظنون بالله } المحيط بصفات الكمال { غير الحق } أي من أن نصره ~~بعده هذا لا يمكن , أو أنهم لو قعدوا في المدينة لم يقتل أحد , ونحو ذلك من ~~سفساف الكلام وفاسد الظنون التي فتحتها لو والأوهام { ظن الجاهلية } أي ~~الذين لا يعلمون - من عظمة الله سبحانه وتعالى بأن ما أراده كان ولا يكون ~~غيره - ما يعلم أتباع الرسل . | ثم فسر الظن بقوله : { يقولون } أي منكرين ~~لأنه لم يجعل الرأي رايهم ويعمل بمقتضاه غشبا وتاسفا على خروجهم في هذا ~~الوجه وعدم رجوعهم مع ابن أبي بعد أن خرجوا { هل لنا من الأمر } أي المسموع ~~, ولكون الاستفهام بمعنى النفي ثبتت أداة الاستغراق في قوله : { من شيء } ~~فكأنه قيل : فماذا يقال لهم ؟ فقيل : { قل } أي لهم ردا عليهم احتقارا بهم ~~{ إن الأمر } أي الحكم الذي لا يكون سواه { كله لله } أي الذي لا كفوء له , ~~وليس لكم ولا لغيركم منه شيء , شئتم أو أبيتم , غزوتم أو قعدتم , ثبتم أو ~~فررتم . | ولما قص سبحانه وتعالى عليهم بعض أمرهم في هذه الحرب , وبين لهم ~~شيئا من فوائد ما فعل بهم بقوله : < # > 77 ( { إن يمسسكم قرح } ) 77 < # > [ آل عمران : 140 ] وكان من جملة ذلك ما أظهر من أسرار المنافقين بهذه ~~الوقعة في اتهامهم الله ورسوله , حتى وصل إلى هنا , وكان قولهم هذا غير ~~صريح في الاتهام لإمكان حمله على مساق الاستفهام أخبر سبحانه وتعالى ~~بتدليسهم بقوله : { يخفون } أي يقولون ذلك مخفين { في أنفسهم ما لا يبدون ~~لك } لكونه لا يرضاه ms0862 اللهز ثم بين ذلك بعد إجماله فقال : { يقولون لو كان ~~لنا من الأمر } أي المسموع { شيء ما قتلنا ههنا } لأنا كنا نمكث في المدينة ~~ولا نخرج إلى العدو . | ولما أخبر سبحانه وتعالى عنهم بما أخفوه جهلا منهم ~~ظنا أن الحذر يغني من لاقدر أمره سبحانه وتعالى بالرد عليهم بقوله : { قل ~~لو كنتم في بيوتكم } أي بعد أن PageV02P169 أجمع رأيكم على أن لا يخرج منكم ~~أحد { لبرز الذين كتب عليهم القتل } أي في هذه الغزوة { إلى مضاجعكم } أي ~~التي هي مضاجعهم بالحقيقة وهي التي قتلوا بها , لأن ما قدرناه لا يمكن أحدا ~~دفعه بوجه من الوجوه , ثم عطف على ما علم تقديره ودل عليه السياق قوله : { ~~ليبتلي } أي لبرز المذكورون لينفذ قضاؤه ويصدق قوله لكم في غزوة بدر : إن ~~فاديتم الأسارة ولم تقتلوزهم قتل ممنكم في العام المقبل مثلهم { وليبتلي ~~الله } أي المحيط بصفات الكمال بهذا الأمر التقديري { ما في صدوركم } أي من ~~الإيمان والنفاق بأن يفعل في إظهاره من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فعل ~~المختبر كما فعل بما وجد في هذه الغزوة من الأمور التحقيقية { ولميحص ما في ~~قلوبكم } اي يطهره ويصفيه من جميع الوساوس الصارفة عن المراقبة من محبة ~~الدنيا من الغنائم التي كانت سبب الهزيمة وغيرها . | وختم بقوله : { والله ~~} أي الذي له الإحاطة بكل شيء { عليم بذات الصدور * } مرغبا ومرهبا ودافعا ~~لما قد يتوهم من ذكر الابتلاء من عدم العلم بالخفايا . | ولما كانوا في هذه ~~الغزوة قد حصل لهم ضرر عظيم , لكنه كان بما وقع من بعضهم من الخلل الظاهر ~~فأدبهم بذلك , عفا عنهم سبحانه وتعالى بعد ذلك التأديب ورحمهم وطيب قلوبهم ~~بهذه الآية بما فيها من التأمين صريحا , وبما فيها من الإشارة بجمع جميع ~~حروف المعجم فيها تلويحا إلى أن أمرهم لا بد أن يتم كما تمت الحروف في هذه ~~الآية . | لكنه افتتحها بأداة التراخي إشارة إلى أنه لا يكون إلا بعد مدة ~~مديدة حتى تصقل مرائي الصدور التي ختما بخا بخلاف ما في الآية الأخرى ms0863 ~~الجامعة للحروف في آخر سورة الفتح التي نزلت في الحديبية التي ساءهم رجوعهم ~~منها دون وصولهم إلى قصدهم - كما يأتي إن شاء الله سبحانه وتعالى . | < < # | آل عمران : ( 155 - 157 ) إن الذين تولوا . . . . . # > > ^ ( إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ~~ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم * يأيها الذين آمنوا ~~لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى ~~لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله ~~يحيي ويميت والله بما تعملون بصير * ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة ~~من الله ورحمة خير مما يجمعون ) ^ } ) | ولما كان فيه مع ذلك معنى التعليل ~~والتنبيه على أنه غني عن الاختبار , خبير بدقائق الأسرار أتبعه قوله ~~مستأنفا لبيان ما هو من ثمرات العلم : { إن الذين تولوا منكم } أي عن ~~القتال ومقارعة الأبطال { يوم التقى الجمعان } أي من المؤمنين والكفار { ~~إنما PageV02P170 استزلهم } أي طلب زللهم عن ذلك المقام العالي { الشيطان } ~~أي عدوهم البعيد من الرحمة المحترق باللعنة { ببعض ما كسبوا } أي من الذنوب ~~التي لا تليق بمن طلب الدنو إلى حضران القدس ومواطن الأنس من ترك المركز ~~والإقبال على الغنيمة وغير ذلك , فإن القتال في الجهاد إنما هو بالأعمال , ~~فمن كان أصبر في أعمال الطاعة كان أجلد على قتال الكفار , ولم يكن توليهم ~~عن ضعف في نفس الأمر . | ولما كان ذلك مفهما أن الذين تولوا صاروا من حزب ~~الشيطان فاستحقوا ما استحق ألصق به قوله : { ولقد عفا الله } أي الذي له ~~صفات الكمال { عنهم } لئلا تطير أفئدة المؤمنين منهم , وختم ذلك ببيان علته ~~مما هو أهله من الغفران والحلم فقال معيدا للاسم الأعظم تنبيها على أن ~~الذنب عظيم والخطر بسببه جسيم , فلولا الاشتمال على جميع صفات الكمال ~~لعوجلوا بأعظم النكال : { إن الله غفور } أي محاء للذنوب عينا وأثرا . | ~~ولما كان الغفر قد يكون مع تحمل نفاه بقوله : { حليم * } أي حيث لم يعامل ~~المتولين حذر الموت معاملة ms0864 الذين خرجوا من ديارهم - كما تقدم - حذر الموت , ~~فقال لهم الله : موتوا . | ولما كان قولهم : إنا لو ثبتنا في المدينة ~~الممثلة بالدرع الحصينة - ( كما كان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والأكابر من أصحابه ) لسلمنا , إلى غير ذلك مما أشار سبحانه وتعالى إليه ~~قولا موجبا لغيظ رسول الله صلى الله عليه وسلم . | لما فيه من الاتهام وسوء ~~العقيدة , وكان مع ذلك مظنة لأن يخدع كثيرا من أهل الطاعة لشدة حبهم لمن ~~قتل منهم وتعاظم أسفهم عليهم . | كان أنسب الأشياء المبادرة إلى الوعظ بما ~~يزيل هذا الأثر , ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم مؤيدا بأعظم الثبات ~~لما طبع عليه من الشيم الطاهرة والمحاسن الظاهرة كان الأنسب البداءة بغيره ~~, فنهى الذين آمنوا عن الانخداع بأقوالهم فقال تعالى : { ياأيها الذين ~~آمنوا } أي أظهروا الإقرار بالإيمان ! صدقوا قولكم بأن { لا تكونوا كالذين ~~كفروا } أي بقلوبهم على وجه الستر { وقالوا } أي ما فضحهم { لإخوانهم } أي ~~لأجل إخوانهم الأعزة عليهم نسبا أو مذهبا { إذا ضربوا } أي سافروا مطلق سفر ~~{ في الأرض } أي لمتجر غاز , فماتوا أو قتلوا { لو كانوا عندنا } ي لم ~~يفارقونا { ما ماتوا وما قتلوا } وهذا في غاية التهكم بهم , لأن إطلاق هذا ~~القول منهم - لا سيما على هذا التأكيد - يلزم منه ادعاء أنه لا يموت أحد في ~~المدينة , وهو لا يقوله عاقل . | PageV02P171 ولما كان هذا القول محزنا ~~اعتقاده وكتمانه علق سبحانه وتعالى بقوله : ' قالوا ' وبانتفاء الكون ~~كالذين قالوا قوله : { ليجعل الله } أي الذي لا كفوء له { ذلك } أي القول ~~أو الانفراد به عن مشارك { حسرة في قلوبهم } أي باعتقاده وعدم الواسي فيه ، ~~وعلى تقدير التعليق ب ' قالوا ' يكون من ياي التهكم بهم ، لأنهم لو لم ~~يقولوه لهذا الغرض الذي لا يقصده عاقل لكانوا قد قالوه لا لغرض أصلا ، وذلك ~~أعرق في كونه ليس من أفعال العقلاء { واله } أي لا تكونوا مثلهم والحال . ~~أو قالوا ذلك والحال . أن الذي له الإحاطة الكاملة { يحيى } أي من أراد في ~~الوقت الذي يريد { ويميت } أي ms0865 من أراد إذا أراد ، لا يغني حذره من قدره { ~~والله } أي المحيط بكل شيء قدره وعلما { بما تعملون } أب بعلمكم وبكل شيء ~~منه { بصير } وعلى كل شيء منه قدير ، لا يكون شيء منه بغير إذنه ، ومتى كان ~~على خلاف أمره عاقب عليه . < < # | آل عمران : ( 158 - 161 ) ولئن متم أو . . . . . # > > ^ ( ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون * فبما رحمة من الله لنت لهم ~~ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في ~~الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين * إن ينصركم الله ~~فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون * وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى ~~كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) ^ } ) | ولما ذكر أشرف الموت بادئا باشرافه ~~ما دونه بادئا فقال : { ولئن متم أو قتلتم } أي في أي وجه كان على حسب ما ~~قدر عليكم في الأزل { لإلى الله } أي الذي هو متوفيكم لا غيره , وهو ذو ~~الجلال والإكرام الذي ينبغي أن يعبد لذاته . | ودل على عظمته بعد الدلالة ~~بالاسم الأعظم بالبناء للمجهول فقال : { تحشرون * } فإن كان ذلك ~~PageV02P172 الموت أو القتل على طاعته أثابكم وإلا عاقبكم , والحاصل أنه لا ~~حيلة في دفع الموت على حالة من الحالات : قتل أو غيره , ولا في الحشر إليه ~~سبحانه وتعالى , وأما الخلاص من هول ذلك اليوم ففيه حيلة بالطاعة . | والله ~~سبحانه وتعالى الموفق . | وما | أحسن ما قال عنترة في نحوه وهو جاهلي , ~~فالمؤمن أولى منه بمثل ذلك : بكرت تخوفني الحتوف كأنني أصبحت عن غرض الحتوف ~~بمعزل فأجبتها إن المنية منهل لا أن أسقى بكأس المنهل فاقني حياءك لا أبا ~~لك واعلمي أني امرؤ سأموت إن لم أقتل | ولما فرغ من وعظ الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم أتبعه تحبيب النبي صلى الله عليه وسلم فيما فعل بهم من الرفق ~~والللين مع ما سبب الغضب الموجب للعنف والسطوة من اعتراض من اعترض ms0866 على ما ~~أشار به , ثم مخالفتهم لأمره في والصبر والتقوى , ثم خذلانهم له وتقديم ~~أنفسهم على نفسه الشريفة , ثم عدم العطف عليه وهو يدعوهم إليه ويأمر ~~بإقبالهم عليه , ثم اتهام من اتهمه . | إلى غير ذلك من الأمور التي توجب ~~لرؤساء الجيوش وقادة الجنود اتهام أتباعهم وسوء الظن بهم الموجب للغض ~~والإيقاع ببعضهم ليكون ذلك زاجرا لهم عن العود إلى مثله فقال تعالى : { ~~فبما رحمة من الله } أي الذي له الكمال كله { لنت لهم } أي ما لنت لهم هذا ~~اللين الخارق للعادة ورفقت بهم هذا الرفق بعدما فعلوا بك إلا بسبب رحمة ~~عظيمة من الله الحائز لجميع الكمال , فقابلتهم بالجميل ولم تعنفهم ~~بانهزامهم عنك بعد إذ خالفوا رأيك , هم كانوا سببا لاستخراجك ؛ والذي اقتضى ~~هذا الحصر هو ما لأنها نافية في سياق الإثبات فلم يمكن أن توجه إلا إلى ضد ~~ما أثبته السياق , ودلت زيادتها على أن تنوين ( رحمة ) للتعظيم , أي ~~فبالرحمة العظيمة لا بغيرها لنت . | ولما بين سبحانه وتعالى سبب هذا اللين ~~المتين بين ثمرته ببيان ما في ضده من الضرر فقال : { ولو كنت فظا } أي سيء ~~الخلق جافيا في القول { غليظ القلب } أي قاسية لا تتأثر بشيء , تعاملهم ~~بالعنف والجافء { لانفضوا } أي تفرقوا تفرقا قبيحا لا اجتماع معه { من حولك ~~} أي ففات المقصود من البعثة . | ولما أخبره سبحانه وتعالى أنه هو عفا عنهم ~~ما فرطوا في حقه أمره بالعفو عنهم فيما يتعلق به صلى الله عليه وسلم , ~~وبالاستمرار على مشاورتهم عند النوائب لئلا يكون خطؤهم في الرأي - أولا في ~~الخرودج من المدينة . | وثانيا في تضييع المركز , وثالثا في إعراضهم عن ~~الإثخان في العدو بعد الهزيمة الذي ما شرع القتال إلا لأجله بإقبالهم عن ~~النهب , ورابعا في وهنهم عند كر العدو إلى غير ذلك - موجبا لترك مشاورتهم , ~~فيفوت ما فيها PageV02P173 من المنافع في نفسها وفيما تثمره من التألف ~~والتسنن وغير ذلك فقال سبحانه وتعالى : { فاعف عنهم } أي ما فرطوا في هذه ~~الكره في حقك { واستغفر لهم } أي الله سبحانه وتعالى ms0867 لما فرطوا في حقه { ~~وشاورهم } أي استخرج آراءهم { في الأمر } أي الذي تريده من أمور الحرب ~~تألفا لهم وتطبيقا لنفوسهم ليستن بك من بعدك { فإذا عزمت } أي بعد ذلك على ~~أمر فمضيت فيه , وقراءة من ضم التاء للمتكلم بمعناها , أي فإذا فعلت أنت ~~أمرا بعد المشاورة لأني فعلت فيه - بأن أردته - فعل العازم . | ولما أمر ~~بالمشاورة التي هي النظر في الأسباب أمر بالاعتصام بمسببها من غير التفات ~~إليها ليكمل جهاد الإنسان بالملابسة ثم التجرد فقال : { فتوكل } أي فيه { ~~على الله } أي الذي له الأمر كله , ولا يردك عنه خوف عاقبة - كما فعلت ~~بتوفيق الله في هذه الغزوة , ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي الذي لا ~~كفوء له { يحب المتوكلين * } أي فلا يفعل بهم إلا ما فيه إكرامهم وإن رئي ~~غير ذلك . | ولما كان التقدير ؛ فإذا فعلوا ما يحبه أعطاهم مناهم مما عزموا ~~عليه لأجله ؛ استأنف الإخبار بما يقبل بقلوبهم إليه ويقصر هممهم عليه , بأن ~~من نصره هو المنصور , ومن خذله هو المخذول , فقال تعالى : { إن ينصركم الله ~~} أي الذي له جميع العظمة { فلا غالب لكم } أي إن كان نبيكم صلى الله عليه ~~وسلم بينكم أو لا , فما بالكم وهنتم لما صاح إبليس أن محمدا قد قتل ! وهلا ~~فعلتم كما فعل سعد بن الربيع رضي الله تعالى عنه وكما فعل أنس بن النضير ~~رضي الله تعالى عنه حين قال : ( موتوا على ما مات عليه نبيكم صلى الله عليه ~~وسلم ! فهو أعذر لكم عند ربكم ) { وإن يخذلكم } أي بإمكان العدو منكم { فمن ~~ذا الذي ينصركم من بعده } أي من نبي أو غيره , ولما كان التقدير : فعلى ~~الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين , عطف عليه قوله : { وعلى الله } أي الملك ~~الأعظم وحده , لا على نبي ولا على قوة بعد ولا بمال من غنيمة ولا غيرها { ~~فليتوكل المؤمنون * } أي كلهم فيكون ذلك أمارة صحة إيمانهم . | ولما كان ~~الغلول من أعظم موجبات الخذلان أو أعظمها . | والنزاهة عن من أعظم موجبات ~~النصر , كان أنسب الأشياء تعقيب ms0868 هذه الآية بآية الغلول بيانا , لأنه كان ~~سبب هزيمتهم في هذه الغزوة , فإنه لا يخذل إلأا بالذنوب , ومن أعظم الذنوب ~~الموجبة للخذلان الغلولن فيكون المراد بتنزيهه صلى الله عليه وسلم عنه - ~~والله أعلم - أن إقبالهم عن نهب الغنائم قبل وقته إما أن يكون لقصد أن يغلو ~~بإخفاء ما انتهبوه أو بعضه , وإما أن يكون PageV02P174 للخوف من أن يغل ~~رئيسهم وحاشاه ! وإما أن يكون للخوف من مطلق الخيانة بأن لا يقسمه صلى الله ~~عليه وسلم بينهم على السواء , وحاشاه من كل من ذلك ! وأما المبادرة إلى ~~النهب لغير هذا القصد فخفة وطيش وعبث , لا يصوب عاقل إليه ؛ إذا تقرر هذا ~~فيمكن أن يكون التقدير : فليتوكلوا في كبت العدو وتحصيل ما معه من الغنائم ~~, فلا يقبلوا على ذلك إقبالا يتطرق منه احتمال لظن السوء بهاديهم في أن يغل ~~, وهو الذي أخبرهم بتحريم الغلول وبأنه سبب للخذلان , وما نهي صلى الله ~~عليه وسلم قط عن شيء إلا كان أول تارك له وبعيد منه وما كان ينبغي لهم أن ~~يفتحوا طريقا إلى هذا الاحتمال فعبر عن ذلك بقوله عطفا على < # > 77 ( { وكأين من نبي } ) 77 < # > [ آل عمران : 146 ] { وما كان } أي ما تأتى وما صح في وقت من الأوقات ~~ولا على حالة من الحالات { لنبي } أي أي نبي كان فضلا عن سيد الأنبياء ~~وإمام الرسل { أن يغل } تبشيعا لفعل ما يؤدي إلى هذا الاحتمال زجرا من ~~معاودة مثل ذلك الفعل المؤدي إلى تجويز شيء مما ذكر , وعلى قراءة الجماعة ~~غير ابن كثير وأبي عمرو - بضم الياء وفتح العين مجهولا من : أغل - المعنى : ~~وما كان له وما صح أن يوجد غالا , أو ينسب إلى الغلول , أو يظن به ما يؤدي ~~إلأى ذلك ؛ ويجوز أن يكون التقدير بعد الأمر بالتوكل على الله سبحانه ~~وتعالى وحده : فلا تأتوا إن كنتم مؤمنين بما يقدح في التوكل كالغلول وما ~~يدانيه فتخذلوا , فإنه ما كان لكم أن تغلوا , وما كان أي ما حل لنبي أي من ~~الأنبياء قط أن يغل ms0869 , أي لم أخصكم بهذه الشريعة بل ما كان في شرع نبي قط ~~إباحة الغلول , فلا تفعلوه ولا تقاربوه بنحو الاستباق إلى النهب , فإن ذلك ~~يسلب كمال التوكل , فإنه من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه , فيوجب له ~~الخذلان , روى الطبراني في الكبير - قال الهيثمي : ورجاله ثقات - عن ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما قال : ( بعث النبي صلى الله عليه وسلم جيشا فردت ~~رأيته . | ثم بعث فردت , ثم بعث فردت بغلول رأس غزال من ذهب , فنزلت { وما ~~كان لنبي أن يغل } ) . | ولما كان فعلهم ذلك محتملا لقصدهم الغلول ولخوفهم ~~من غلول غيرهم عمم في التهديد بقوله : { ومن يغلل } أي يقع منه ذلك كائنا ~~من كان { يأت بما غل يوم القيامة } ومن عرف كلام أهل اللغة في الغلول عرف ~~صحة قولي : إنه لمطلق الخيانة , وإنه يجوز أن يكون التقدير : وما كان لأحد ~~أن يفعل ما يؤدي - ولو وعلى بعد - إلى نسبة نبي إلى غلول , قال صاحب ~~القاموس : أغل فلانا : نسبه إلى الغلول والخيانة , وغل غلولا : خان - كأغل ~~, أو خاص بالفيء , وقال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه PageV02P175 ~~الواعي : أغل الرجل أغلالا - إذا خان , فهو مغل وغل في المغنم يغل غلولا , ~~وقرىء : أن يغل , وأن يغل , فمن قرأ : يغل - أراد : يخون , ومن قرأ : يغل - ~~أراد : يخان , ويجوز أن يريد : لا ينسب إلى الخيانة وكل من خان شيئا في ~~خفاء فقد غل يغل غلولا , ويجوز الخائن غالا , وفي الحديث ( لا إغلال ولا ~~إسلال ) الإغلال : الخيانة في كل شيء , وغللت الشيء أغله غلا - إذا سترته , ~~قالوا : ومنه الغلول في المغنم , إنما أصله أن الرجل كان إذا أخذ منه شيئا ~~ستره في متاعه , فقيل للخائن : غال ومغل , ويقال : غللت الشيء في الشيء - ~~إذا أدخلته فيه , وقد انغل - إذا دخل في الشيء , وقد انغل في الشجر . | دخل ~~- انتهى . | فهذه الآية نهي للمؤمنين عن الاستباق إلى المغنم على طريق ~~الإشارة , فتم بها الوعظ الذي في أواخره القصة , كما أن آية الربا نهي عنه ~~على طريق الإشارة , فتم بها ms0870 الوعظ الذي في أوائل القصة , فقد اكتنف التنفير ~~من الغلول - الذي هو سبب الخذلان في هذه الغزوة بخصوصها لمباشرة ما هو مظنة ~~له وفي الغزو مطلقا - طرفي الوعظ فيها , ليكون من أوائل ما يقرع السمع ~~وأواخره . | ولما كان ثمرة الإتيان به الجزاء عليه عمم الحكم تنبيها على أن ~~ذلك اليوم يوم الدين , فلا بد من الجزاء فيه وتصويرا له تبشيعا للفضيحة فيه ~~بحضرة الخلق أجمعين , وزاد في تعظيمه وتعظيم الجزاء فيه بأداة التراخي ~~وتضعيف الفعل فقال معمما الحكم ليدخل الغلول من باب الأولى : { ثم توفى } ~~أي في ذلك اليوم العظيم , وبناه للمجهول إظهارا لعظمته على طريق كلام ~~القادرين { كل نفس } أي غالة وغير غالة { ما كسبت } أي ما لها فيه فعل ما ~~من خير أو شر وافيا مبالغا في تحريز وفائه { وهم لا يظلمون * } أي لا يقع ~~عليهم ظلم في شيء منه بزيادة ولا نقص . | < < # | آل عمران : ( 162 - 167 ) أفمن اتبع رضوان . . . . . # > > ^ ( أفمن اتبع رضوان الله كمن بآء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس ~~المصير * هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون * لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين * أو لما أصابتكم مصيبة قد ~~أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير * ~~ومآ أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين * وليعلم الذين ~~نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا PageV02P176 ~~لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ~~ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما أخبر تعالى أنه لا يقع في ذلك اليوم ظلم أصلا تسبب عنه الإنكار ~~على من حدثته نفسه بالأماني الكاذبة , فظن غير ذلك من استواء حال المحسن ~~وغيره , أو فعل فعلا وقال قولا يؤدي إلأى ذلك كالمنافقي و كالمقبيلين على ~~الغنيمة فقال تعالى : { أفمن ابتع } أي طلب ms0871 بجد واجتهاد { رضوان الله } أي ~~ذي الجلال والإكرام بالإقبال على ما أمر به الصادق , فصار إلى الجنة ونعم ~~الصبر { كمن بآء } أي رجع من تصرفه الذي يريد به الربح , أو حل وأقام { ~~بسخط من الله } أي من الملك الأعظم بأن فعل ما يقتضي السخط بالمخالفة ثم ~~الإدبار لولا العفو { ومأواه جهنم } أي جزاء بما جعل أسباب السخط مأواه { ~~وبئس المصير * } أي هي . | ولما أفهم الإنكار على من سوى بين الناس أنهم ~~متمايزون صرح بذلك في قوله : { هم درجات } أي متباينون تباين الدرجات . | ~~ولما كان اعتبار التفاوت ليس بما عند الخلق قال : { عند الله } أي الملك ~~الأعلى في حكمه وعلمه وإن خفي ذلك عليكم , لأن الله سبحانه وتعالى خلقهم ~~فهو عالم بهم حين خلقهم { والله } أي الذي له جميع صفات الكمال { بصير } أي ~~بالبصر والعلم { بما يعملون * } أي بعد إيجادهم , لأن ذلك أيضا خلقه ~~وتقديره , ولس لهم فيه إلا نسبته إلأيهم بالكسب , فهو يجازيهم بحسب تلك ~~الأعمال , فكيف يتخيل أنه يساوي بينهم في المآل وقد فاوت بينهم في الحال ~~وهو الحكم العدل ! فعلم بما في هذا الختام من إحاطته بتفاصيل الأعمال صحة ~~ما ابتدى به الكلام من التوفية . | ولما أرشدهم إلى هذه المراشد , وبين لهم ~~بعض ما اشتملت عليه من الفوائد , وبان بهذه القصة قدر من أسدى إليهم ذلك ~~على لسانه صلى الله عليه وسلم بما له من الفضائل التي من أعظمها كونه من ~~جنسهم , يميل إليهم ويرحمهم ويعطف عليهم , فيألفونه فيعلمهم ؛ نبه على ذلك ~~سبحانه وتعالى ليستمسكوا بغرزه , ولا يلتفتوا لحظة عن لزوم هدية فقال ~~سبحانه وتعالى - مؤكدا لما اقتضاه الحال من فعل يلزم منه النسبة إلى الغلول ~~- : { لقد من الله } أي ذو الجلال والإكرام { على المؤمنين } خصهم لأنهم ~~المجتبون لهذه النعمة { إذا بعث فيهم } أي فيما بينهم أو بسببهم { رسولا } ~~وزادهم رغبة فيه بقوله : { من أنسهم } أي نوعا وصنفا , يعلمون أمانته ~~وصيانته وشرفه ومعاليه وطهارته قبل النبوة وبعدها { يتلوا عليهم آياته } أي ~~فيمحو ببركة النفس التلاوة كبيرا من شر ms0872 الجان وغيرها مما ورد في منافع ~~القرآن مما عرفناه , وما لم نعرفه أكثر { ويزكيهم } أي يطهرهم من أوضار ~~الدنيا والأوزار PageV02P177 بما يفهمه الثاقب من دقائق الإشارات وبواطن ~~العبارات , وقدم التزكية لاقتضاء مقام المعاتبة على الإقبال على الغنيمة ~~ذلك , كما مضى في سورة البقرة { ويعلمهم الكتاب } أي تلاوة بكونه من نوعهم ~~يلذ لهم التلقي منه { والحكمة } تفسيرا وإبانة وتحريرا { وإن } أي والحال ~~أنهم { كانوا } ولما كانوا قد مرت لهم أزمان وهم على دين أبيهم إسماعيل ~~عليه الصلاة والسلام نبه على ذلك بإدخال الجار فقال { من قبل } أي من قبل ~~ذلك { لفي ضلال مبين * } أي ظاهر , وهو من شدة ظهوره كالذي ينادي على نفسه ~~بإيضاح لبسه , وفي ذلك إشارة إلى أنه عليه السلام علمهم من الحكمة في هذه ~~الوقعة ما أوجب نصرتهم في أول النهار , فلما خالفوه حصل الخذلان . | ولما ~~أزال شبهة النسبة إلى الغلول بحذافيرها . | وأثبت ما له من أضدادها من ~~معالي الشيم وشمائل الكرم صوب إلى شبهة قولهم : لو كان رسولا ما انهزم ~~أصحابه عنه , فقال تعالى : { أولما } أي أتركتم ما أرشدكم إليه الرسول ~~الكريم الحليم العليم الحكيم ولما { أصابتكم } أي في هذا اليوم { مصيبة } ~~لمخالفتكم لأمره وإعراضكم عن إرشاده { قد أصبتم مثليها } أي في بدر وأنتم ~~في لقاء العدو وكأنما تساقون إلى الموت على الضد مما كنتم فيه في هذه ~~الغزوة , وما كان ذلك إلا بامتثالكم لأمره وقبولكم لنصحه { قلتم أنى } من ~~أين وكيف أصابنا { هذا } أي بعد وعدنا النصر { قل هو من عند انفسكم } أي ~~لأن الوعد كان مقيدا بالصبر والتقوى , وقد تركتم المركز وأقبلتم على ~~الغنائم قبل الأمر به , وعن علي رضي الله تعالى عنه أن ذلك باختيارهم ~~الفداء يوم بدر الذي نزل فيه < # > 77 ( { لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } ) 77 < # > [ الأنفال : 68 ] وأباح لهم سبحانه وتعالى الفداء بعد أن عاتبهم وشرط ~~عليهم إن اختاروه أن يقتل منهم في العام المقبل بعد الأسرى , فرضوا وقالوا ~~: نستعين بما نأخذه منهم عليهم ثم نرزق ms0873 الشهادة . | ثم علل ذلك بقوله : { ~~إن اله } أي الذي لا كفوء له { على كل شيء } أي من النصر والخذلان ونصب ~~أسباب كل منهما { قدير * } وقد وعدكم بذلك سبحانه وتعالى في العام الماضي ~~حين خيركم فاخترتم الفداء , وخالف من خالف منكم الآن , فكان ذكر المصيبة ~~التي كان سببها مخالفة ما رتبه صلى الله عليه وسلم بعد ختم الآية التي ~~قبلها بالتذكير بما كانوا عليه من الضلال على ما ترى من البلاغة . | ولما ~~كانت نسبة المصيبة إليهم ربما أوهمت من لم ترسخ قدمه في المعارف الإلهية أن ~~بعض الأفعال خارج عما مراده تعالى قال : { وما أصابكم } ولما استغرقت الحرب ~~ذلك اليوم نزع الجار فقال : { يوم التقى الجمعان } أي حزب الهل وحزب ~~الشيطان في أحد { فبإذن الله } أي بتمكين من له العظمة الكاملة وقضائه , ~~وإثبات أن ذلك بإذنه نحو ما ذكر عند التولية يوم التقى الجمعان من نسبة ~~الإحياء والإماتة إليه . | PageV02P178 ولما كان التقدير : ليؤدبكم به , ~~عطف عليه قوله : { وليعلم المؤمنون * } أي الصادقين في إيمانهم . | ولما ~~كان تعليق العلم بالشيء على حدته أتم وآكد من تعليقه به مع غيره أعاد ~~العامل لذلك , وإشعارا بأن أهل النفاق أسفل رتبة من أن اجتمعوا مع المؤمنين ~~في شيء فقال : { ولعلم الذين نافقوا } أي علما تقوم به الحجة في مجاري ~~عاداتكم , وهذا مثل قوله هناك ^ ( { وليبتلي الله ما في صدوركم } ) ^ [ آل ~~عمران : 154 ] . | وعطف على قوله { نافقوا } ما أظهر نفاقهم , أو يكون حالا ~~من فاعل { نافقوا } فقال : { وقيل لهم تعالوا قاتلوا } أي أوجدوا القتال { ~~في سبيل الله } أي الذي له الكمال كله بسبب تسهيل طريق الب الذي شرعه { أو ~~ادفعوا } أي عن أنفسكم وأحبائكم على عادة الناس لا سيما العرب { قالوا لو ~~نعلم } أي نتيقن { قتالا } أي أنه يقع قتال { لاتبعناكم } أي لكنه لا يقع ~~فيما نظن قتال ورجعوا . | ولما كان هذا الفعل المسند إلى هذا القول ظاهرا ~~في نفاقهم ترجمة بقوله : { وهم للكفر يومئذ } أي يوم إذ كان هذا حالهم { ~~أقرب منهم للإيمان } عند كل من ms0874 سمع قولهم أو رأى فعلهم , ثم علل ذلك أو ~~استأنف بقوله - معبرا بالأفواه التي منها ما هو أبعد من اللسان لكونهم ~~منافقين , فقولهم إلى أصوات الحيوان أقرب منه إلى كلام الإنسان ذي العقل ~~واللسان لأنهم - : { يقولون بأفواههم } ولما أفهم هذا أنه لا يجاوز ألسنتهم ~~فلا حقيقة له ولا ثبات عندهم ؛ صرح به في قوله { ما ليس في قلوبهم } بل لا ~~شك عندهم في وقوع القتال , علم الله هذا منهم كما علموه من أنفسهم { والله ~~} اي كونه وهم لا يعلمونه إلا بعد كونه , وإذا كان نسوه بتطاول الزمان ~~والله سبحانه وتعالى لا ينساه . | < < # | آل عمران : ( 168 - 172 ) الذين قالوا لإخوانهم . . . . . # > > ^ ( الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن ~~أنفسكم الموت إن كنتم صادقين * ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ~~بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بمآ آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين ~~لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من ~~الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين * الذين استجابوا لله والرسول من ~~بعد مآ أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم ) ^ } ) | ولما حكى ~~عنهم ما لا يقوله ذو إيمان أتبعه ما لا يتخيله ذو مروة ولا عرفان فقال ~~مبينا للذين نافقوا : { الذين قالوا لإخوانهم } أي لأجل إخوانهم والحال ~~أنهم قد PageV02P179 أسلموهم { وقعدوا } أي عنهم خذلانا لهم { لو أطاعونا } ~~أي في الرجوع { ما قتلوا } ولما كان هذا موجبا للغضب أشار إليه بإعراضه في ~~قوله : { قل } أي لهؤلاء الأجانب الذين هم بمنزلة الغيبة عن حضرتي لما تسبب ~~عن قولهم هذا من ادعاء القدرة على دفع الموت { فادرءوا } أي ادفعوا بعز ~~ومنعة وميلوا { عن أنفسكم الموت } أي حتى لا يصل إليكم أصلا { إن كنتم ~~صادقين } أي في أن الموت يغني منه حذر . | فقد انتظم الكلام بما قبل الجملة ~~الواعظة أتم انتظام على أنه قد لاح لك أن ملائمة الجمل الواعظة لما قبلها ~~وما بعدا ليس بدون ملاءمة ما قبلها من صلب ms0875 القصة لما بعدها منه . | ولما ~~أزاح سبحانه وتعالى العلل وشفة الغلل وختم بأنه لا مفر من القدر , فلم يبق ~~عند أهل افيمان إلا ما طبع عليه الإنسان من الأسف على فقد الإخوان , وكان ~~سرور المفقود يبرد غلة الموجود بشرهم بحياتهم وما نالوه من لذاتهم ؛ ولما ~~كان العرب بعيدين قبل الإسلام من اعتقاد الحياة بعد الموت خاطب الذي لا ريب ~~في علمه بذلك إشارة إلى أنه لا يفعهم حق فهمه سواه , كما أشار إليه قوله في ~~البقرة < # > 77 ( { ولكن لا تشعرون } ) 77 < # > [ البقرة : 153 ] فقال تعالى عاطفا على قل محببا في الجهاد , إزالة لما ~~بغضه به المنافقون من أنه سبب الموت : { ولا تحسبن الذين قتلوا } أي وقع ~~لهم القتل في هذه الغزوة أو غيرها { في سبيل الله } أي الملك الأعظم , ~~والله أعلم بمن يقتل في سبيله { أمواتا } أي الآن { بل } هم { أحياء } وبين ~~زيادة شرفهم معبرا عن تقربهم بقوله : { عند ربهم } أي المحسن إليهم في كل ~~حال , فكيف في حال قتلهم فيه حياة ليست كالحياة الدنيوية ! فحقق حياتهم ~~بقوله { يرزقون * } أي رزقا يليق بحياتهم { فرحين بما آتاهم الله } أي ~~الحاوي لجميع الكمال من ذلك الفوز الكبير { من فضله } لأنه لو حاسبهم على ~~أقل نعمة من نعمة لم توف جميع أعمالهم بها لأن أعمالهم من نعمه , فأعلمنا ~~سبحانه وتعالى بهذا تسلية وحسن تعزية أن لم يفت منهم إلا حياة الكدر التي ~~لا مطمع لأحد في بقائها وإن طال المدى , وبقيت لهم حياة الصفاء التي لا ~~انفكاك لها ولا آخر لنعيمها لغم يلحقهم ولا فتنة تنالهم ولا حزن يعتريهم ~~ولا دهش يلم بهم في وقت الحشر ولا غيره , فلا غفلة لهم , فكان ذلك مذهبا ~~لحزن من خلفوه ومرغبا لهم في الأسباب الموصلة إلى مثل حالهم , وهذا - والله ~~سبحانه وتعالى أعلم - معنى الشهادة , أي أنهم ليست لهم حال غيبة , لأن دائم ~~الحياة بلا كدر أصلا كذلك . | ولما ذكر سرورهم بما نالوه ذكر سرورهم بما ~~علموه لمن هو على دينهم فقال : { ويستبشرون } أي توجد لهم ms0876 البشرى وجودا ~~عظيم الثبات حتى كأنهم يوجدونها كلما أرادوا { بالذين لم يلحقوا بهم } أي ~~في الشهادة في هذه الغزوة . | ثم بين ذلك بقوله : { من خلفهم } أي في ~~الدنيا . | ثم يبن المبشر به PageV02P180 فقال : { ألا خوف عليهم } أي على ~~إخوانهم في آخرتهم { ولا هم يحزنون * } أي أصلا , لأنه لا يفقد منه شيء , ~~بل هم كل لحظة في زيادة , وهذا أعظم البشرى لمن تركوا على مثل حالهم من ~~المؤمنين , لأنهم يلحقونهم في مثل ذلك , لأن السبب واحد , وهو منحة الله ~~لهم بالقتل فيه , أو مطلق الإيمان لمطلق ما هم فيه من السعادة بغير قيد ~~الشهادة . | ولما ذكر سرورهم لأنفسهم تارة ولإخوانهم أخرى كرره تعظيما له ~~وإعلاما بأنه في الحقيقة عن غير استحقاق . | وإنما هو مجرد من فقال : { ~~يستبشرون بنعمة من الله } أي ذي الجلال والإكرام , كبيرة { وفضل } أي منه ~~عظيم { وأن الله } أي الملك الأعظم الذي لا يقدره أحد حق قدره { لا يضيع ~~أجر المؤمنين * } أي منهم ومن غيرهم , بل يوفيهم أجرهم على أعمالهم ويفضل ~~عليهم , ولو شاء لحاسبهم على سبيل العدل , ولو فعل ذلك لم يكن لهم شيء . | ~~ولما ذم المنافقين برجوعهم من غير أن يصيبهم قرح , ومدح أحوال الشهداء ~~ترغيبا في الشهادة , وأحوال من كانن على مثل حالهم ترغيبا في النسج على ~~منوالهم , وختم بتعليق السعادة بوصف الإيمان , أخذ يذكر ما أثمر لهم ~~إيمانهم من المبادرة إلى الإجابة إلى ما يهديهم إليه صلى الله عليه وسلم ~~إشارة إلى أنه لم يحمل على التخلف عن أمره من غير عذر إلا صريح النفاق فقال ~~: { الذين استجابوا } أي أوجدوا الإجابة في الجهاد إيجادا مؤكدا محققا ~~ثابتا ما عندهم من خالص الإيمان { لله والرسول } أي لا لغرض مغنم ولا غيره ~~, ثم عظم صدقهم بقوله - مثبتا الجار لإرادة ما يأتي من إحدى الغزوتين إلا ~~استغراق ما بعد الزمان - : { من بعد ما أصابهم القرح } ولما كان تعليق ~~الأحكام بالأوصاف حاملا على التحلي بها عند المدح قال سبحانه وتعالى : { ~~للذين أحسنوا } وعبر بما يصلح للبيان والبعض ليدوم ms0877 رغبهم ورهبهم فقال : { ~~منهم واتقوا أجر عظيم * } وهذه الآيات من تتمة هذه القصة سواء قلنا : إنها ~~إشارة إلى غزوة حمراء الأسد , أو غزوة بدر الموعد , فإن الوعد كان يوم أحد ~~- والله الهادي , ومما يجب التنبيه له أن البيضاوي قال تبعا للزمخشري : إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدر الموعد في سبعين راكبا , وفي تفسير ~~البغوي أن ذلك كان في حمراء الأسد , فإن حمل على أن الركبان من الجيش كان ~~ذلك عددهم وأن الباقين كانوا مشاة فلعله , وإلا فلسي كذلك , وأما في حمراء ~~الأسد فإن النبي صلى الله عليه سولم بلغه أن المشركين همموا بعد انفصالهم ~~من أحد بالرجوع , فأراد أن يرهبهم وأن يريهم من نفسه وأصحابه قوة , فنادى ~~مناديه يوم الأحد - الغد من يوم أحد - بطلب العدون وأن لا يخرج معه إلا من ~~كان حاضرا معه PageV02P181 بالأمس , فأجابوا بالسمع والطاعة , فخرج في ~~أثرهم واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم , ولا يشك في أنهم أجابوا كلهم , ~~ولم يتخلف منهم أحد , وقد كانوا في أحد نحو سبعمائة ولم يأذن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الخروج معه لأحد لم يشهد القتال يوم أحد , واستأذنه رجال ~~لم يشهدوها فمنعهم إلا ما كان من جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فإنه أذن ~~له لعلة ذكرها في التخلف عن أحد محمودة . | قال الواقدي : ودعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بلوائه وهو معقود لم يحل من الأمس , فدفعه إلى علي رضي ~~الله عنه , ويقال : إلى أبي بكر رضي الله عنه , وخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ورأسه مشجوج وهو مجروح , في وجهه أثر الحلقتين , ومشجوج في جبهته ~~في اصول اشلعر , ورباعيته قد سقطت , وشفته قد كلمت من باطنها وهو متوهن ~~منكبه الأيمن بضرب ةابن قميئة , وركبتاه مجحوشتان بأبي هو وأمي ووجهي وعيني ~~! فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد فركع ركعتين والناس قد حشدوا , ~~ونزل أهل العوالي حيث جاءهم الصريخ , ثم ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ركعتين ms0878 , فدعا بفرسه على باب المسجد , وتلقاه طلحة رضي الله عنه وقد سمع ~~المنادي فخرج ينظر متى يسير , فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه ~~الدرع والمغفر وما يرى منه إلا عيناه فقال : يا طلحة سلاحك ! قال : قلت : ~~قريب , قال : فأخرج , أعدو فألبس درعي ولأنا أهم بجراح رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مني بجراحي , ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على طلحة ~~فقال : ( أين ترى القوم ىلآن ؟ قال : هم بالسيالة , قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ذلك الذي ظننت ! أما إنهم يا طلحة لن ينالوا منا مثل أمس حتى ~~يفتح الله مكة علينا ! ) ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى ~~عسكر بحمراء الأسد , قال جابر رضي الله عنه : وكان عامة زادنا التمر , وحمل ~~سعد بن عبادة رضي الله عنه ثلاثين بعيرا حتى وافت الحمراء , وساق جزورا ~~فنحروا في يوم اثنين وفي يوم ثلاثاء , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يأمرهم في النهار بجمع الحطب , فإذا أمسوا أمر أن توقد النيران , فيوقد كل ~~رجل نارا , فلقد كنا تلك الليالي نوقد خمسمائة نار حتى نرى من المكان ~~البعيد , وذهب ذكر معسكرنا نيراننا في كل وجه حتى كان ما كبت الله به عدونا ~~فهنا ظاهر في أنهم كانوا خمسمائة رجل - والله أعلم - ويؤيده ذلك ما نقل من ~~أخبار المثقلين بالجراح - قال الواقدي : جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه ~~والجراح في الناس فاشية , عامة بني عبد الأشهل جريح , بل كلهم - رضي الله ~~عنهم ! فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم أن تطلبوا عدوكم , ~~قال : يقول أسيد بن حضير رضي الله عنه وبه سبع جراحات وهو يريد أن يداويها ~~: سمعا وطاعة لله ولرسوله ! فأخذ سلاحه ولم يعرج PageV02P182 على دواء ~~جراحه ولحق برسلو الله صلى الله عليه وسلم ؛ وجاء سعد بن عبادة رضي الله ~~عنه قومه بني ساعده فآمرهم بالمسير , فلسوا ولحقوا , وجاء أبو قتادة رضي ~~الله عنه أهل خربى وهم يداوون الجراح فقال : هذا ms0879 منادي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يأمركم بطلب العدو , فوثبوا إلى سلاحهم وما عرجوا على جراحاتهم - ~~رضي الله عنهم ! فخرج من بني سلمة رضي الله عنهم أربعون جريحا , وبالطفيل ~~بن النعمان رضي الله عنه ثلاثة عشر جرحا , وبقطبه بن عامر بن حديدة رضي ~~الله عنه تسع جراحات حتى وافوا النبي صلى الله عليه وسلم ببئر أبي عتبة إلى ~~رأس الثنية عليهم السلاح , قد صفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فلما ~~نظر إليهم والجراح فيهم فاشية قال : ( اللهم ارحم بني سلمة ! ) وحدث ابن ~~إسحاق والواقدي أن عبد الله بن سهل ورافع بن سهل رضي الله عنها كان بهما ~~جراح كثيرة , فلما بلغهما النداء قال أحدهما لصاحبه : والله إن تركنا غزوة ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لغبنا والله ما عندنا دابة نركبها وما ~~ندريد كيف نصنع ! قال عبد الله : انطلق بن , قال رافع : لا والله ما بي مشي ~~! قال أخوه : انطلق بنا نتجار , فخرجا يزحفان فضعف رافع فكان عبد الله ~~يحمله على ظهره عقبة ويمشي الآخر عقبة حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عند العشاء وهو يوقدون النيران , فأتى بهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وعلى حرسه تلك الليلة عباد بن بشر فقال : ( ما حبسكما ؟ فأخبراه ~~بعلتهما , فدعا لهما بخير وقال : إن طالت بكم مدة كانت لكم مراكب من خيل ~~وبغال وإبل , وليس ذلك بخير لكم ) وأما غزوة بدر الموعد فروى الواقدي - ومن ~~طريقة الحاكم في الإكليل - كما حكاه ابن سيد الناس قال : كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد خرج في هذه الغزوة في ألف وخمسمائة من أصحابه رضي الله ~~عنهم , وكان الخيل عشرة قال الواقدي : وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أكثر أهل الموسم : يا محمد ! لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد , فما أعلمكم ~~إلا أهل الموسم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - ( ليرفع ذلك إلى ~~عدوه : ما أخرجنا إلا موعد أبي سفيان وقتال عدونا , وإن شئت مع ذلك ms0880 نبذنا ~~إليك وإلى قومك العهد ثم جالدناكم قبل أن نبرح من منزلنا هذا , فقال ~~الضميري : بل نكف أيدينا عنكم ونتمسك بحلفك ) . | PageV02P183 < < # | آل عمران : ( 173 - 178 ) الذين قال لهم . . . . . # > > ^ ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل * فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم ~~يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم * إنما ذلكم الشيطان يخوف ~~أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين * ولا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم ~~عذاب عظيم * إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب ~~أليم * ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين ) ^ } ) | ولما كان قول نعيم بن مسعود أو ركب ~~عبد القيس عند الصحابة رضي الله عنهم صدقا لا شك فيه لما قام عندهم من ~~القرائن , فكان بمنزلة المتواتر الذي تمالأ عليه الخلائق , وكان قريش أعلى ~~الناس شجاعة وأوفاهم قوة وأعرقهم أصالة فكانوا كأنهم جميع الناس , كان ~~التعبير - بصيغة في قوله : { الذين قال لهم الناس } أي نعيم أو ركب عبد ~~القيس { إن الناس } يعني قريشا { قد جمعوا لكم فاخشوهم } أمدح للصحابة رضي ~~الله عنهم من التعبير عمن أخبرهم ومن جمع لهم بخاص اسمه أو وصفه . | ولما ~~كان الموجب لأقدامهم على اللقاء بعد هذا القول الذي لم يشكوا في صدقه ثبات ~~افيمان وقوة الإيقان قال تعالى : { فزادهم } أي هذا القول { إيمانا } لأنه ~~ما ثناهم عن طاعة الله ورسوله { وقالوا } ازدراء بالخلائق اعتمادا على ~~الخالق { حسبنا } أي كافينا { الله } أي الملك الأعلى في القيام بمصالحنا . ~~| ولما كان ذلك هو شأن الوكيل وكان في الوكلاء من يذم قال : { ونعم الوكيل ~~* } أي الموكول إليه المفوض إليه جميع الأمور ؛ روى البخاري في التفسير عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( هذه الكملة قالها إبراهيم عليه السلام حين ~~ألقي في الانر , وقالها محمد صلى الله عليه ms0881 وسلم حين قالوا : إن الناس قد ~~جمعوا لكم . | وقال : كان آخر كلمة قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في ~~النار : حسبي الله ونعم الوكيل ) . | ولما كان اعتمادهم على الله سببا ~~لفلاحهم قال { فانقلبوا } أي فكان ذلك سببا لأنهم انقلبوا , أي من الوجه ~~الذي ذهبوا فيه مع النبي صلى الله عليه وسلم { بنعمة } وعظمها بإضافتها إلى ~~الاسم الأعظم فقال : { من الله } أي الذي له الكمال كله { وفضل } أي من ~~الدنيا ا طاب لهم من طيب الثناء بصدق الوعد ومضاء العزم وعظيم الفناء ~~والجرأة إلى ما نالوه . | PageV02P184 عند ربهم حال كونهم { لم يمسسهم سوء ~~} أي من العدو خوفوه ولا غيره { واتبعوا } أي مع ذلك بطاعتهم لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بغاية جهدهم { رضوان الله } أي الذي له الجلال والجمال ~~فحازوا أعظم فضله { والله } أي الذي لا كفوء له { ذو عظيم * } أي في ~~الدارين على من يرضيه , فستنظرون فوق ما تؤملون , فليبشر المجيب ويغتم ~~ويحزن المتخلف , ولعظم الأمر كرر الاسم الأعظم كثيرا . | ولما جزاهم سبحانه ~~على أمثال ذلك بما وقع لهم من فوزهم بالسلامة والغنيمة بفضل من حاز أوصاف ~~الكمال وتنزه عن كل نقص بما له من رداء الكبرياء والجلال , ورغبهم فيما ~~لديه لتوليهم إياه , أتبع ذلك بما يزيدهم بصيرة من أن المخوف لهم من كيده ~~ضعيف وأمره هين خفيف واه سخيف وهو الشيطان , وساق ذلك مساق التعليل لما ~~قبله من حيازتهم للفضل وبعدهم عن السوء بأن وليهم الله وعدوهم الشيطان فقال ~~التفاتا إليهم بزيادة في تنشيطهم أو تشجيعهم وتثبيتهم : { إنما ذلكم } أي ~~القائل الذي تقدم أنه الناس { الشيطان } أي الطريد البعيد المحترف . | ولما ~~نسب القول إلأيه لأنه الذي زينه لهم حتى أشربته القلوب وامتلأت به الصدور , ~~كان كأنه قيل : فماذا عساه يصنع ؟ فقال : { يخوف } أي يخوفكم { أولياءه } ~~لكنه أسقط المفعول الأول إشارة إلى أن تخويفه يؤول إلى خوف أوليائه , لأنه ~~أولياء الرحمن إذا ثبتوا لأجله أنجز لهم ما وعدهم من النصرة على أولياء ~~الشيطان , وإلى أن من خاف من تخويفه وعمل ms0882 بموجب خوفه ففيه ولاية له تصحح ~~إضافته إليه قلت أو كثرت . | ولما كان المعنى أنه يشوش بالخوف من أوليائه , ~~تسبب عنه النهي عن خوفهم فقال : { فلا تخافوهم } أي لأن وليهم الشيطان { ~~وخافون } أي فلا تعصوا أمري ولا تتخلفوا أبدا عن رسولي { إن كنتم مؤمنين * ~~} أي مباعدين لأولياء الشيطان بوصف الإيمان . | ولما مدح سبحانه وتعالى ~~المسارعين في طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم وختم ذلك بالنهي عن ~~الخوف من أولياء الشيطان , أعقبه بذم المسارعين في الكفر والنهي عن الحزن ~~من أجلهم . | ولما كان أكثر الناس - كالمنافقين الراجعين عن أحد , ثم ~~المقاتلين القائلين : هل لنا من الأمر من شيء - أرجفوا إلى أبي عامر وعبد ~~الله بن أبي لأخذ الأمان من أبي سفيان , ثم ركب عبد القيس أو نعيم بن مسعود ~~, ثم من استجاب من أهل المدينة PageV02P185 وأرجف بماقالوا في ثبط المؤمنين ~~, وكان ذلك مما يخطر بالبال تمادي أيام الكفر وأهله غالبين , ويقدح في رجاء ~~قصر مدته , ويوجب الحزن على ذلك , قال تعالى قاصرا الخطاب على أعظم الخلق ~~وأشفقهم وأحبهم في صلاحهم { ولا يحزنك الذين يسارعون } أي يسرعون إسراع من ~~يسابق خصما { في الكفر } ثم على ذلك بقوله : { إنهم لن يضروا الله } أي ~~الذي له جميع العظمة { شيئا } أي دينه بإذلال أنصاره والقائمين به , وحذف ~~المضاف تفخيما له وترغيبا فيه حيث جعله هو المضاف إليه . | ولما نفى ما خيف ~~من أمرهم كان مظنة السؤال عن الحاكم لهم على المسارعة فقيل جوابا : { يريد ~~الله } أي الذي له الأمر كله { ألا يجعل لهم حظا } أي نصيبا { في عظيم * } ~~قد عم جميع ذواتهم , لأن المسارعة دلت على أن الكفر قد ملأ أبدانهم ونفوسهم ~~وأرواحهم . | ولما كان قبول نعيم وركب عبد القيس لذلك الجعل الذي هو من ~~أسباب الكفر شرى الكفر بالإيمان عقب بقوله : { إن الذين اشتروا الكفر } أي ~~فأخذوه { بالإيمان } أي فتركوه , وأكد نفي الضرر وأبده فقال : { لن يضروا ~~الله } أي الذي لا كفوء له { شيئا } لما يريد سبحانه وتعالى من الإعلاء ~~للإسلام وأهله , وختمها ms0883 بقوله : { ولهم عذاب اليم * } لما نالوه من لذة ~~العوض في ذلك الشرى كما هي العادة في كل متجدد من الأرباح والفوائد . | ~~ولما كان من اشترى به الكفر رجوع المنافقين عن أحد الذي كان سببا للإملاء ~~لهم قال سبحانه وتعالى : { ولا يحسبن الذين كفروا } أي بالله ورسوله { إنما ~~نملي } أي أن إملاءنا أي إمهالنا وإطالتنا { لهم خير لأنفسهم } ولما نفى ~~عنهم الخير بهذا النهي تشوفت النفس إلى ما لهم فقال : { إنما نملي لهم } أي ~~استدراجا { ليزدادوا إثما } وهو جميع ما سبق العلم الأزلي بأنهم يفعلونه , ~~فإذا بلغ النهاية أوجب الأخذ . | ولما كان الرجوع المسفر عن السلامة مظنة ~~لعزهم في هذه الدار الفانية عند من ظن حسن ذلك الرأي ؛ عوضوا عنه الإهانة ~~الدائمة فقال سبحانه وتعالى : { ولهم عذاب مهين * } | < < # | آل عمران : ( 179 - 183 ) ما كان الله . . . . . # > > ^ ( ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه حتى يميز الخبيث من ~~الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشآء ~~فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم * ولا يحسبن الذين ~~يبخلون بمآ آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا ~~به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله PageV02P186 بما تعملون ~~خبير * لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنيآء سنكتب ما ~~قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق * ذلك بما قدمت ~~أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد * الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا ~~نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جآءكم رسل من قبلي ~~بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان مطلق المسارعة أعم مما بالعوض , وهو أعم مما بالرجوع , جاء ~~نظم الآيات على ذاك ؛ ولما كشفت هذه الوقعة جملة من المغيبات من أعظمها ~~تمييز المخلص فعلا أو قولا من غيره , أخبر تعالى أن ذلك من أسرارها على وجه ~~يشير إلى النعي على المنافقين بتأخيرهم أنفسهم بالرجوع وغيره ms0884 فقال مشيرا ~~بخطاب الأتباع إلى مزيد علمه صلى الله عليه وسلم وعلو درجته لديه وعظيم ~~قربه منه سبحانه وتعالى : { ما كان الله } أي مع ما له من صفات الكمال . | ~~ولما كان ترك التمييز غير محمود , عبر بفعل الوذر , وأظهر موضع الإضمار ~~لإظهار شرف الوصف تعظيما لأهله فقال : { ليذر المؤمنين } أي الثابتين في ~~وصف الإيمان { على ما أنتم عليه } من الاختلاط بالمنافقين ومن قاربهم من ~~الذين آمنوا على حال الإشكال للاقتناع بدعى اللسان دليلا على الإيمان { ~~حتيى يميز الخبيث من الطيب } بأن يفضح المبطل وإن طال ستره بتكاليف شاقة ~~وأحوال شيديدة , لا يصبر عليها إلا المخلص من العباد , المخلصون في ~~الإعتقاد { وما كان الله } لاختصاصه بعلم الغيب { ليطلعكم على الغيب } أي ~~وهو الذي لم يبرز إلى عالم الشهادة بوجه لتعلموا به الذي في قلوبهم مع ~~احتمال أن يكون الرجوع للعلة التي ذكروها في الظاهر والقول لشدة الأسف على ~~إخوانهم { ولكن الله } أي الذي له الأمر كله { يجتبي } أي يختار اختيارا ~~بليغا { من رسله من يشاء } أي فيخبر على ألسنتهم بما يريد من المغيبات كما ~~أخبر أنهم برجوعهم للكفر أقرب منهم للإيمان , وأنهم يقولون بأفواههم ما ليس ~~في قلوبهم . | ولما تسبب عن هذا وجوب الإيمان به قال : { فأمنوا بالله } أي ~~في عالم الغيب والشهادة , له الأسماء الحسنى { ورسله } في أنه أرسلهم وفي ~~أنهم صادقون في كل ما يخبرون به عنه . | ولما كان التقدير : فإنكم إن لم ~~تؤمنوا كان لكم ما تقدم من العذاب العظيم الأليم المهين , عطف عليه قوله : ~~{ وإن تؤمنوا } أي بالله ورسله { وتتقوا } أي بالمداومة على أعدائكم شيئا ~~تقدم وعدكم به . | PageV02P187 ولما كان من جملة مباني السورة الأنفاق , ~~وتقدم في غير آية مدح المتقين به وحثهم عليه , وتقدم أن الكفار سارعوا في ~~الكفر : أبو سفيان بالإنفاق في سبيل الشيطان على من يخذل الصحابة , ونعيم ~~أو عبد القيس بالسعي في ذلك . | وكان المبادرون إلى الجهاد قد تضمن فعلهم ~~السماح بما آتاهم الله من الأنفس والأموال , وكان الله سبحانه وتعالى قد ~~أخبر ms0885 لما لهم عنده من الحياة التي هي خير من حياتهم التي أذهبوها في حبه , ~~والرزق الذي هو أفضل مما أنفقوا في سبيله , ذم الله سبحانه وتعالى الباخلين ~~بالأنفس والأموال في سبيل الله فقال رادا الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم ~~لأنه أمكن لسروره وأوثق في إنجاز الوعد : { ولا تحسبن } أي أنت يا خير ~~البرية - هذا على قراءة حمزة , وعند الباقين الفاعل الموصول في قوله : { ~~الذين يبخلون } أي عن الحقوق الشرعية { بما آتهم الله } أي بجلاله وعز ~~كماله { من فضله } أي لا لاستحاقهم له ببخلهم { هو خيرا لهم } أي لتثمير ~~المال بذلك { بل هو } أي البخل { شر لهم } لأنهم مع جعل الله البخل متلفة ~~لأموالهم { سيطوقون } أي يفعل من يأمره بذلك كائنا من كان بغاية السهولة ~~عليه { ما يخلوا به } أي يجعل لهم بوعد صادق لا خلف فيه بعد الإملاء لهم ~~طوقا بأن يجعله شجاعا أي حية عظيمة مهولة , تلزم الإنسان منهم , محيطة ~~بعنقه , تضربه في جانبي وجهه { يوم القيامة } لأن الله سبحانه وتعالى يرثه ~~منهم بعد أن كان خولهم فيه , فيجعله بسبب ذلك التخويل عذابا عليهم , روى ~~البخاري رضي الله تعالى عنه في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل ~~له ماله شجاعا أقرع , له زبيبتان , يطوقه يوم القيامة , يأخذ بلهزمتيه - ~~يعني بشدقيه - يقول : أنا مالك ! أنا كنزك ! - ثم تلا هذه الآية ) ولما كان ~~هذا طلبا منهم للإنفاق , وكان الطالب منا محتاجا إلى ما يطلبه , وكان ذو ~~المال إذا علم أنه ذاهب وأن ماله موروث عنه تصرف فيه ؛ أخبر تعالى بغناه ~~على وجه يجرئهم على الإنفاق فقال عاطفا على ما تقديره : لأنه ثمرة كونه من ~~فضله فلله كل ما في أيديهم : { والله } أي الذي له الكمال كله { ميراث ~~السموات والأرض } أي اللذين هذا مما فيهما , بأن يعيد سبحانه وتعالى جميع ~~الأحياء وإن املى لهم , ويفنى سائر ما وهبهم من الأعراض , ويكون هو الوارث ~~لذلك ms0886 كله . | PageV02P188 ولما كانت هذه الجمل في الإخبار عن المغيبات جنيا ~~وأخرى , وكان البخل من الأفعال الباطنة التي يستطاع إخفاؤها ودعوى الاتصاف ~~بضدها كان الختم بقوله : { والله } أي الملك الأعظم . | ولما كان منصب ~~النبي صلى الله عليه وسلم الشريف في غاية النزاهة صرف الخطاب إلى الأتباع ~~في قراءة غير ابن كثير وأبي عمرو , وهو أبلغ في الوعيد من تركه على مقتضى ~~السياق من الغيبة في قراءتهما , وقدم الجار إشارة إلى أن علمه بأعمالهم ~~بالغ إلى حد لا تدرك عظمته لأن ذلك أبلغ في الوعيد الذي اقتضاه السياق : { ~~بما تعملون خبير * } ولما كان العمل شاملا لتصرفات الجوارح كلها من القلب ~~واللسان وسائر الأركان قال - دالا على خبره بسماع ما قالوه متجاوزين وهذه ~~البخل إلى حضيض القبح مرريدين التشكيك لأهل الإسلام بما يوردونه من الشبه ~~قياسا على ما يعرفونه من أنفسهم من أنه - كما تقدم - لا يطلب إلا محتاج - : ~~{ لقد سمع الله } أي الذي له جميع الكمال { قول الذين قالوا } أي من اليهود ~~{ إن الله } أي الملك الأعظم { فقير } أي لطلبه القرض { ونحن أغنياء } ~~لكونه يطلب منا , وهذا رجوع منه سبحانه وتعالى إلى إتمام ما نبه عليه قبل ~~هذه القصة من بغض أهل الكتاب لأهل هذا الدين وحسدهم لهم وإرادة تشكيكهم فيه ~~للرجوع عنه على أسنى المناهج وأعلى الأساليب . | ولما تشوفت النفوس إلى ~~جزائهم على هذه العظيمة , وكانت الملوك إذا علمت انتقاص أحدها وهي قادرة ~~عاجلته لما عندها من نقص الأذى بالغيظ قال سبحانه وتعالى مهددا لهم مشيرا ~~إلى أنه على غير ذلك : { سنكتب } أي على عظمتنا لإقامة الحجة عليهم على ما ~~يتعارفونه في الدنيا { ما قالوا } أي من هذا الكفر وأمثاله , والسين ~~للتأكيد , ويجوز أن تكون على بابها من المهلة للحث على التوبة قبل ختم رتب ~~الشهادة , وسأتي في الزخرف له مزيد بيان . | ولما كان هذا اجتراء على ~~الخالق أتبعه اجتراءهم على أشرف الخلائق فقال - مشيرا بإضافة المصدر إلى ~~ضميرهم , وبجمع التكسير الدال على الكثير إلى أنهم أشد الناس تمردا تمرنا ~~على ms0887 ارتكاب العظائم , وأن الاجتراء على أعظم أنواع الكفر قد صار لهم خلقا - ~~: { وقتلهم الأنبياء } أي الذي أقمناهم فيهم لتجديد ما أوهوه من بنيان ~~دينهم , ولما لم يكن في قتلهم شبهة أصلا يقال : { بغير حق } فهو أعظم ذما ~~مما قبله من التعبير بالفعل المضارع في قوله < # > 77 ( { ويقتلون الأنبياء بغير حق } ) 77 < # > [ آل عمران : 112 ] . ثم عطف على قوله { سنكتب } قوله : { ونقلوا } أي ~~بما لنا من الجلال { ذوقوا } أي بما نمسكم به من المصائب في الدنيا والعقاب ~~في الأخرى كما كنتم تذوقون الأطعمة التي PageV02P189 كنتم تبخلون بها فلا ~~تؤدون حقوقها { عذاب الحريق * } جزاء على ما أحرقتم به قلوب عبادنا , ثم ~~بين السبب فيه بقوله : { ذلك } أي العذاب العظيم { بما قدمت أيديكم } أي من ~~الكفر بقتلهم وبغيره { وأن } أي وبسبب أن { الله } أي الذي له جميع صفات ~~الكمال { ليس بظلام } أي بذي ظلم { للعبيد } ولو لم يعذبكم لكان ترككم على ~~صورة الظلم لمن عادوكم فيه واشتد أذاكم لهم . | ولما كان القربان من جنس ~~النفقات ومما يتبين به سماح النفوس وشحها حسن نظم آية القربان هنا بقوله - ~~رادا شبة لهم أخرى ومبينا قتلهم الأنيباء : { الذين قالوا } تقاعدا عما يجب ~~عليهم من المسارعة بالإيمان { إن الله } أي الذي لا أمر لأحد معه { عهد ~~إلينا } وقد كذبوا في ذلك { ألا نؤمن لرسول } أي كائن من كان { حتى يأتينا ~~بقربان } أي عظيم نقربه لله تعالى , فيكون متصفا بأن { تأكله النار } عند ~~تقريبه له وفي ذلك أعظم بيان لأنهم ما أرادوا - بقولهم { إن الله فقير } ~~حيث طلب الصدقة - إلا التشكيك حيث كان التقرب إلى الله بالمال من دينهم ~~لاذي يتقربون إلى الله به , بل وادعوا أنه لاي صح دين بغيره . | ولما ~~افتروا هذا التشكيك أمر سبحانه بنقضه بقوله : { قل قد جاءكم رسل } فضلا عن ~~رسول . | ولما كانت مدتهم لم تستغرق الزمان الماضي أثبت الجار فقال { من ~~قبلي } كزكريا وابنه يحيى وعيسى عليه السلام { بالبينات } أي من المعجزات { ~~وبالذي قلتم } أي من القربان فإن الغنائم لم تحل - كما ms0888 في الصحيح - لأحج ~~كان قبلنا , فلم تحل لعيسى عليه السلام فلم تكن مما نسخه من أحكام التوراة ~~, وقد كانت تجمع فتنزل نار من السماء فتأكلها إلا إن وقع فيها غلول { فلم ~~قتلتموهم } أي قتلهم أسلافكم ورضيتم أنتم بذلك فشاركتموهم فيه { إن كنتم ~~صادقين * } أي في أنكم تؤمنون لمن أتاكم على الوجه الذي ذكرتموه , وفي ذلك ~~رد على الفريقين : اليهود المدعين أنهم قتلوه الزاعمين أنه عهد إليهم في ~~الإيمان بمن أتاهم بذلك , والنصارى المسلمين لما ادعى اليهود من قتله ~~المستلزم لكونه ليس بإله . | < < # | آل عمران : ( 184 - 188 ) فإن كذبوك فقد . . . . . # > > ^ ( فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جآءوا بالبينات والزبر والكتاب ~~المنير * كل نفس ذآئقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن ~~النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور * لتبلون في ~~أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا ~~أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من PageV02P190 عزم الأمور * وإذ أخذ ~~الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه ورآء ~~ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون * لا تحسبن الذين يفرحون بمآ ~~أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم ~~عذاب أليم ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كانت هذه السورة متضمنة لكثير من الدقائق التي أخفوها من كتابهم ~~الذي جعلوه قراطيس , يبدونها ويخفون كثيرا , وفي هذه الآية بخصوصها من ذلك ~~ما يقتضي تصديقه صلى الله عليه وسلم وكان سبحانه عالما بأن أكثرهم يعاندون ~~سبب عن ذلك أن سلاه في تكذيب المكذبين منهم بقوله : { فإن كذبوك } فكان ~~كأنه قيل : هذا الذي أعلمتك به يوجب تصديقك , فإن لم يفعلوا بل كذبوا { فقد ~~} ولما كان السياق لإثبات مبالغتهم في الغلظة والجفاء والكفر وعدم الوفاء ~~وكانت السورة سورة التوحيد , والرسل متفقون عليه , وقد أتى كل منهم فيه ~~بأنها البيان وأزال كل لبس أسقط تاء التأنيث لأنها ربمادلت على نوع ضعف ~~فقال : { كذب رسل } ولما كانت تسلية الإنسان بمن قاربه ms0889 في الزمان أشد أثبث ~~الجار فقال { من قبلك } أي فلك فيهم مسلاة وبهم أسوة { جآءو بالبينات } أي ~~من المعجزات { والزبر } أي من الصحف المضمنة للمواعظ والحكم الزواجر ~~والرقائق التي يزبر العالم بها عن المساوي { والكتاب المنير } أي الجامع ~~للأحكام وغيرها . | الموضح لأنه الصراط المستقيم . | ولما تقدم في قصة أحد ~~رجوع المنافقين وهزمية بعض المؤمنين مما كان سبب ظفر الكافرين , وعاب ~~سبحانه ذلك عليهم بأنهم هربوا من موجبات السعادة والحياة الأبدية إلى ما لا ~~بد منه , وإلى ذلك أشار بقوله : < # > 77 ( { قل لو كنتم في بيوتكم } ) 77 < # > [ آل عمران : 154 ] < # > 77 ( { ولئن قتلتم في سبيل الله } ) 77 < # > [ آل عمران : 157 ] < # > 77 ( { قل فادرءوا عن أنفسكم الموت } ) 77 < # > [ آل عمران : 168 ] < # > 77 ( { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله } ) 77 < # > [ آل عمران : 169 ] وغير ذلك مما بكتهم به في رجوعهم حذر الموت وطلب ~~امتداد العمر , مع ما افتتح به من أن موت هذا النبي الكريم وقتله ممكن كما ~~كان من قبله من إخوانه من الرسل على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية ~~والإكرام ! وختم بالإخبار بأنه وقع قتل كثير من الرسل , فكان ذلك محققا ~~لأنه لا يصان من الموت خاص ولا عام , مضموما إلى ما نشاهد من ذلك في كل ~~لحظة ؛ صور ذلك الموت بعد أن صار مستحضرا للعيان تصويرا أوجب التصريح به ~~إشارة إلى أن حالهم في هربهم ورجوعهم وما تبع ذلك من قولهم حال من هو في شك ~~منه فقال تعالى : { كل نفس } أي منفوسة من عيسى وغيره من أهل الجنة والنار ~~{ ذآئقة الموت } أي وهو المعنى الذي يبطل معه PageV02P191 تصرف الروح في ~~البدن وتكون هي باقية بعد موته لأن الذائق لا بد أن يكون حال ذوقه حيا ~~حساسا , ومن يجوز عليه ذوق الموت يجوز عليه ذوق النار , وهو عبد محتاج , ~~فالعاقل من سعى في النجاة منها والإنجاء كما فعل الخلص الذين منهم عيسى ~~ومحمد علهيما أفضل الصلاة وأزكى السلام , وكان نظمها بعد الآيات المقتضية ~~لتوفية الأجور بالإثابة عليها وأنه ليس ms0890 بظلام للعبيد شديد الحسن , وذلك ~~مناسب أيضا لختم الآية بالتصريح لتوفية الأجور يوم الدين , وأن الزحزحة عن ~~النار ودخول الجنة لهو الفوز , لا الشح في الدنيا بالنفس والمال الذي ربما ~~كان سببا لامتداد العمر وسعة المال بقوله : { وإنما توفون } أي تعطون { ~~أجوركم } على التمام جزاء على ما عملتموه من خير وشر { يوم القيامة } وأما ~~ما يكون قبل ذلك من نعيم القبر ونحوه فبعض لا وفاء { فمن زحزح } أي أبعد في ~~ذلك اليوم إبعادا عظيما سريعا { عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } أي بالحياة ~~الدائمة والنعيم الباقي . | والمعنى أن كل نفس توفى ما عملت , فتوفى أنت ~~أجرك على صبرك على أذاهم , وكذا من أطاعك , ويجازون هم على ما فرطوا في حقك ~~فيقذفون في عمرة النار , وكان الحصر إشارة إلى تقبيح إقبالهم على الغنيمة ~~وغيرها من التوسع العاجل , أي إنما مقتضى الدين الذي دخلتم فيه هذا , وذلك ~~ترهيبا من الالتفات إلى تعجيل شيء من الأجر في الدنيا - كما قال أبو بكر ~~رضي الله عنه في أول إسلامه : وجدت بضاعة بنسيئة , ما وقعت على بضاعة قط ~~أنفس منها , هي لا إله إلا الله . | فالحاصل أن ( كل نفس ) أي حذرة من ~~الموت ومستسلمة { ذائقة الموت } أي فعلام الاحتراس التي وعدتموها على ~~الأعمال الصالحة { يوم القيامة } أي فما لكم تريدون تعجلها بإسراعكم إلى ~~الغنائم أو غيرها مما يزيد في أعراض الدنيا فتكونوا ممن تعجل طيباته في ~~الحياة الدنيا { فمن } أي فحيث علم أنه لا فوز في الدنيا إلا بما يقرب إلى ~~الله سبحانه وتعالى تسبب عن ذلك أنه من { زحزح عن النار } أي بكونه وفي ~~أجره ولم يتعجل طيباته { وأدخل الجنة } أي بما عمل من الصالحات فحاز الحياة ~~الدائمة مع الطيبات طيباته { فقد فاز } أي كل الفوز , ولما صح أنه لا فوز ~~إلا ذلك صح قوله : { وما الحياة الدنيا } أي التي أملي لهم فيها وأزيلت عن ~~الشهداء { إلا متاع الغرور * } أي المتاع الذي يدلس الشيطان أمره على الناس ~~حتى يغتروا به فيغبنوا بترك الباقي وأخذ ms0891 الأشياء الزائلة بانقضاء لذاتها ~~والندم على شهواتها بالخوف من تبعاتها . | وفي ذلك أيضا مناسبة من وجه آخر ~~, وهو أنه لما سلاه سبحانه وتعالى بالرسل , الذين لازموا الصبر والاجتهاد ~~في الطاعة حتى ماتوا - وأممهم . | وتركوا ما كان بأيديهم PageV02P192 ~~عاجزين عن المدافعة , ولم يبق إلا ملكه سبحانه وتعالى , وأن الفريقين ~~ينتظرون الجزاء , فالرسل لتمام الفوز , والكفار لتمام الهلاك ؛ أخبر أن كل ~~نفس كذلك , ليجتهد الطائع ويتقصر العاصي , وفي ذلك تعريض بالمنافقين الذين ~~رجعوا عن أحد خوف القتل وقالوا عن الشهداء : { لو أطاعونا ما قتلوا } أي إن ~~الذي فررتم منه لا بد منه , والحياة التي آثرتموها متاع يندم عليه من محضه ~~للتمتع كما يندم المغرور بالمتاع الذي غر به , فالسعيد من سعى في أن يكون ~~موته في رضى مولاه الذي لا محيص له عن الرجوع إليه والوقوف بين يديه . | ~~ولما سلى الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عن تكذيبهم لما بما ~~لقي إخوانه من الرسل وبأنه لا بد من الانقلاب إليه , فيفوز من كان من أهل ~~حزبه , ويشقى من والى أعداءه وذوي حزبه ؛ أعاد التسلية على وجه يشمل ~~المؤمنين , وساقها مساق الإخبار بحلول المصائب الكبار التي هي من شعائر ~~الأخيار في دار الأكدار المعلية لهم في دار القرار فقال - مؤكدا لأن الواقف ~~في الخدمة ينكر أن يصيبه معبوده بسوء , هذا طبع البشر وإن تطبع بخلافه , ~~وأفاد ذكره قبل وقوعه تهوينه بتوطين النفس عليه , وأفاد بناؤه للمفعول ~~لتبيين المؤمن من المنافق { في أموالكم } أي بأنواع الإنفاق { وأنفسكم } أي ~~بالإصابة في الجهاد وغيره , فكما نالكم ما نالكم من الأذى بإذني ليلحقنكم ~~بعده من الأذى ما أمضيت به سنتي في خلص عبادي وذوي محبتي , وكان إيلاء ذلك ~~للآية التي فيها الإشارة إلى أن توفية الأجور للأعمال الصالحة مما ينيل ~~الفوز مناسبا من حيث الترغيب في كل ما يكون سببا لذلك من الصبر على ما ~~يبتلي به سبحانه وتعالى من لك ما يأمر به من التكاليف , أو يأذن فيه من ~~المصائب , وقدم المال لأنه - كما ms0892 قيل - عديل الروح , وربما هان على الإنسان ~~الموت دون الفقر المؤدي إلى الذل بالشماتة والعار بما تقصر عنه يده بفقده ~~من أفعال المكارم , وما أحسن ذكر هذه الآية إثر قصة أحد التي وقع فيها ~~القتل بسبب الإقبال على المال , وكان ذكرها تعليلا لبغضة أهل الكتاب وغيرهم ~~من الكفار . | ولما كان يومها يوم بلاء وتمحيص , وكان ربما أطمع في العافية ~~بعده , فتوطنت النفس على ذلك فاشتد انزعاجها بما يأتي من أمثاله , وليس ذلك ~~من أخلاق المشمرين أراد سبحانه وتعالى توطين النفوس على ما طبعت عليه الدار ~~من الأثقال والآصار , PageV02P193 فأخبر أن البلاء لم ينقص به , بل لا بد ~~بعده من بلايا وسماع أذى من سائر الكفار , ورغب في شعار المتقين : الصبر ~~الذي قدمه في أول السورة ثم قبل قصى أحد , وبناها عليه معلما أنه مما يستحق ~~أن يعزم عليه ولا يتردد فيه فقال : { ولتسمعن } أي بعد هذا اليوم { من ~~الذين } ولما كان المراد تسوية العالم بالجاهل في الذم نزه المعلم عن الذكر ~~فبنى للمفعول قوله : { أوتوا الكتاب } ولما كان إيتاؤهم له لم يستغرق الزمن ~~الماضي أدخل الجار فقال : { من قبلكم } أي من اليهود والنصارى { وتتقوا } ~~أي من الأميين { أذى كثيرا } أي من الطعن في الدين وغيره بسبب هذه الوقعة ~~أو غيرها { وإن تصبروا } أي تتخلفوا بالصبر على ذلك وغيره { وتتقوا } أي ~~وتجعلوا بينكم وبين ما يسخط الله سبحانه وتعالى وقاية بأن تغضوا عن كثير من ~~أجوبتهم اعتمادا على ردهم بالسيوف وإنزال الحتوف { فإن ذلك } أي الأمر ~~العالي الرتبة { من عزم الأمور * } أي الأشياء التي هي أهل لأن يعزم على ~~فعلها , ولا يتردد فيه , ولا يعوق عنه عائق , فقد ختمت قصة أحد بمثل ما ~~سبقت دليلا عليه منقوله : < # > 77 ( { قد بدت البغضاء من أفواههم } ) 77 < # > [ آل عمران : 118 ] إلى أن ختم بقوله : < # > 77 ( { وإن تصبروا تتقوا لا يضركم كيدهم شيئا } ) 77 < # > [ آل عمران : 120 ] ما أخبر به هنا بأنه من عزم الأمور . | ولما قدم ~~سبحانه وتعالى في أوائل قصص اليهود أنه أخذ ms0893 على النبيين الميثاق بما أخذ , ~~وأخبرهم أنه من تولى بعد ذلك فهو الفاسق , ثم أخبر بقوله : < # > 77 ( { قد جائكم رسل من قبلي } ) 77 < # > [ آل عمران : 183 ] < # > 77 ( { فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك } ) 77 < # > [ آل عمران : 184 ] أن النبيين وفوا بالعهد , وأن كثيرا من أتباعهم خان ~~؛ ثنى هنا بالتذكير بذلك العهد على وجه يشمل العلماء بعد الإخبار بسماع ~~الأذى المتضمن لنقضهم للعهد , فكان التذكير بهذا الميثاق كالدليل على مضمون ~~الآية التي قبلها , وكأنه قيل : فاذكروا قولي لكم { لتبلون } واجعلوه نصب ~~أعينكم لتوطنوا أنفسكم عليه , فلا يشتد جزعكم بحلول ما يحل منه { و } ~~اذكروا { إذ أخذ الله } الذي لا عظيم إلا هو { ميثاق الذين } ولما كانت ~~الخيانة من العالم أشنع , واكن ذكر العلم دون تعيين المعلم كافيا في ذلك ~~بنى للمجهول قوله : { أوتوا الكتاب } أي في البيان , فخافوا فما آذوا إلا ~~أنفسهم , وإذا آذوا أنفسهم بخيانة عهد الله سبحانه وتعالى كانوا في أذاكم ~~اشد وإليه أسرع , أو يكون التقدير : واذكروا ما أخبرتكم به عند ما أنزله ~~بكم , واصبروا لتفوزوا , واذكروا إذ اخذ الله ميثاق من قبلكم فضيعوه كيلا ~~تفعلوا فعلهم , فيحل بكم ما حل بهم من الذل والصغار في الدنيا مع ما يدخر ~~في الآخرة من عذاب النار . | هذا ما كن ظهر لي أولا , ثم بان أن الذي لا ~~معدل عنه أنه لما انقضت قصة أحد PageV02P194 وما تبعها إلى أن ختمت بعد ~~الوعظ بتحتم الموت الذي فر من فر منهم منه وخوف الباقين أمره بمثل ما تقدم ~~أن جعلها دليلا عليه من بغض أهل الكتاب وما تبعه _ عطف على ( إذا ) المقدرة ~~لعطف < # > 77 ( { وإذا غدوت } ) 77 < # > [ آل عمران : 121 ] عليها - قوله : { وإذا أخذ الله } أي اذكروا ذلك ~~يدلكم على عداوتهم , واذكروا ما صح عندكم من إخبار الله تعالى المشاهد بإ ~~بار من أسلم من الأحبار والقسيسين أن الله أخذ { ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~} أي من اليهود والنصارى بام أكد في كتبه وعلى ألسنة رسله : { ليبيننه } أي ~~الكتاب { للناس ولا ms0894 يكتمونه } أي نصيحة منهم لله سبحانه توعالى ولرسوله صلى ~~الله عليه وسلم ولأئمة المؤمنين وعامتهم ليؤمنوا بالنبي المبشر به { فنبذوه ~~} أي الميثاق بنبذ الكتاب { ورآء ظهورهم } حسدا لكم وبغضا , هو تمثيل ~~لتركهم العمل به , لأن من ترك شيئا وراءه نسيه { واشتروا به } ولما كان ~~الثمن الذي اشتروه خسارة لا ربح فيه أصلا على العكس مما بذلوه على أنه ثمن ~~, وكان الثمن إذا نض زالت مظنة الربح منه عبر عنه بقوله : { ثمنا } وزاد في ~~بيان سفههم بقوله : { قليلا } أي بالاستكثار من المال والاستئمار للرئاسة , ~~قكتموا ما عندهم من العلم بهذا النبي الكريم { فبئس ما يشترون * } أي لأنه ~~مع فنائه أورثهم العار الدائم والنار الباقية , وعبر عن هذا الأخذ بالشراء ~~إعلاما بلجاجهم فيه , ونبه بصيغة الافتعال على مبالغتهم في اللجاج . | ولما ~~أخبر سبحانه وتعالى بأنهم احتووا على المال والجاه بما كتموا من العلم ~~وأظهروا من خلافه المتضمن لمحبة أهل دينهم فيهم وثنائهم عليهم بأنهم على ~~الدين الصحيح وأنهم أهل العلم , فهم أهل الاقتداء بهم ؛ قال سبحانه وتعالى ~~مخبرا عن مآلهم تحذيرا من مثل حالهم على وجه يعم كل امرىء : { لا تحسبن } ~~على قراءة الجماعة بالغيب { الذين يفرحون بما آتوا } أي مما يخالف ظاهره ~~باطنه . | وتوصلوا به إلى الأغراض الدنيوية من الأموال والرئاسة وغير ذلك , ~~أي لا يحسبن أنفسهم , وفي قراءة الكوفيين ويعقوب بالخطاب المعنى : لا ~~تحسبنهم أيها الناظر لمكرهم ورواجهم بسببه في الدنيا واصلين إلى خير { ~~ويحبون أن يحمدوا } أي ويجد الثناء بالوصف الجميل عليهم { بما لم يفعلوا } ~~أي بذلك الباطن الذي لم يفعلوه , قال ابن هشام في السيرة : أن يقول الناس : ~~علماء , وليسوا بأهل علم , لم يتحملوهم على هدى ولا حق . | لما تسبب عن ذلك ~~العلم بهلاكهم قال : { فلا تحسبنهم } أي تحسبن أنفسهم , على قراءة ابن كثير ~~وأبي عمرو بالغيب وضم الباء وعلى قراءة الجماعة المعنى : لا تحسبنهم أيها ~~الناظر { بمفازة من العذاب } بل هم بمهلكة منه { ولهم عذاب اليم * } | ~~PageV02P195 < < # | آل عمران : ( 189 - 195 ) ولله ملك السماوات . . . . . # > > ^ ( ولله ملك السماوات والأرض ms0895 والله على كل شيء قدير * إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب * الذين يذكرون ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنآ ما ~~خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار * ربنآ إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته وما للظالمين من أنصار * ربنآ إننآ سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن ~~آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع ~~الأبرار * ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا ~~تخلف الميعاد * فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى ~~بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا ~~وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثوابا من ~~عند الله والله عنده حسن الثواب ) ^ } ) | ولما أخبر بهلاكهم دل عليه بحال ~~من فاعل ( يحسب ) فقال تعالى : { والله } أي الذي له جميع صفات الكمال وحده ~~{ ملك السموات والأرض } أي لا يقع في فكرهم ذلك والحال أن ملكه محيط بهم , ~~وله جميع ما يمكنهم الانحياز إلأيه , وله ما لا تبلغه قدرهم من ملك ~~الخافقين فهو بكل شيء محيط { والله } أي الذي له جميع العظمة { على كل شيء ~~قدير * } وهو شامل القدرة , فمن كان في ملكه كان في قبضته , ومن كان في ~~قبضته كان عاجزا عن التفصي عما يريد به , لأنه الحي القيوم الذي لا إله إلا ~~هو - كما افتتح به السورة . | ولما ذكر هذا الملك العظيم وختم بشمول القدرة ~~دل على ذلك بالتنبيه على التفكر فيه الموجب للتوحيد الذي هو المقصد الأعظم ~~من هذه السورة الداعي إلى الإيمان الموجب للمفازة من العذاب , لأن المقصود ~~الأعظم من إنزال القرآن تنوير القلوب بالمعرفة , وذلك لا يكون إلا بغاية ~~التسليم , وذلك هو ابتاع الملة الحنيفية , وهو متوقف على صدق النبي صلى ~~الله عليه وسلم , فبدأ سبحانه وتعالى السورة بدلائل صدقه بإعجاز القرآن ~~بكشفه . | مع أعجاز بنظمه على لسان النبي الأمي - للشبهات وبيانه للخفيات , ~~وأظهر مكابرة ms0896 أهل الكتاب , وفضحهم أتم فضيحة , فلما تم ذلك على أحسن وجه ~~منظما ببدائع الحكم من الترغيب والترهيب شرع في بث أنوا المعرفة بنصب ~~دلائلها القريبة وكشف أستارها العجيبة فقال : { إن في خلق السموات والأرض } ~~أي على كبرهما وما فيهما من المنافع , ونبه على التغير الدال على المغير ~~بقوله : { واختلاف الليل والنهار } أي اختلافا هو - كما ترون - على غاية ~~الإحكام على المغير بقوله : { واختلاف الليل والنهار } أي اختلافا هو - كما ~~ترون - على غاية الإحكام بكونه على منهاج قويم وسير لا يكون إلا بتقدير ~~العزيز العليم PageV02P196 { لآيات } أي على جميع ما جاءت به الرسل عن ~~الخالق , وزاد الحث على التفكر والتهييج إليه والإلهاب من أجله بقوله : { ~~لأولي الألباب * } وذكر سبحانه وتعالى في أخت هذه الآية في سورة البقرة ~~ثمانية أنواع من الأدلة واقتصر هنا على ثلاثة , لأن السالك يفقتر في ابتداء ~~السلوك إلى كثرة الأدلة . | فإذا استنار قلت حاجته إلى ذلك , وكان الإكثار ~~من الأدلة كالحجاب الشاغل له عن استغراق القلب في لجج المعرفة , واقتصر هنا ~~من آثار الخلق على السماوية لأناه أقهر وأبهر والعجائب فيها أكثر , وانتقال ~~القلب منها إلى عظمته سبحانه وتعالى وكبريائه أشد وأسرع , وختم تلك بما هو ~~لأول السلوك : العقل , وختم هذه بلبه لأنها لمن تخلص من وساوس الشيطان ~~وشوائب هواجس الوهم المانعة من الوصول إلى حق اليقين بل علم اليقين . | ~~ولما كان كل مميز يدعي أنه في الذروة من الرشاد نعتخم بما بين من يعتد ~~بقعله فقال : { الذين يذكرون الله } أي الذي ليس في خلقه لهما ولا لغيرهما ~~شك , وله جميع أوصاف الكمال . | ولما كان المقصود الدوام وكان قد يتجوز به ~~عن الأكثر , وله جميع التفصيل نفيا لاحتمال التجوز ودفعا لدعوى العذر فقال ~~: { قياما وقعودا } ولما كان أكثر الاضطجاع على الجنب قال : { وعلى جنوبهم ~~} أي في اشتغالهم بأشغالهم وفي وقت استراحتهم وعند منامهم , فهم في غاية ~~المراقبة . | ولما بدأ من أوصافهم بما يحلو أصداء القلوب ويسكنها وينفي ~~عنها الوساوس حتى استعدت لتجليات الحق وقبول الفيض بالفكر لانتفاء ms0897 قوة ~~الشهوة وسورة الغضب وقهرها وضعف داعية الهوى , فزالت نزغات الشيطان ووساوسه ~~وخطرات النفس ومغالطات الوهم قال : { ويتفكرون } أي على الأحوال . # ولما كانت آيات المعرفة إما في الآفاق وإما في الأنفس , وكانت آيات ~~الآفاق أعظم < # > 77 ( { لخلق السموات والأرض اكبر من خلق الناس } ) 77 < # > [ غافر : 57 ] . | قال : { في خلق السموات والأرض } على كبرهما ~~واتساعهما وقوة ما فيهما من النافع لحصر الخلائق فيعلمون - بما في ذلك من ~~الأحكام مع جري ما فيهما من الحيوان الذي خلقا لأجله على غير انتظام - أن ~~وراء هذه الدار دارا يثبت فيها الحق وينفى الباطل ويظهر العدل ويضمحل الجور ~~, فيقولون تضرعا إليه وإقبالا عليه : { ربنا } أي أيها المحسن إلينا { ما ~~خلقت هذا } أي الخلق العظيم المحكم { باطلا } أي لأجل هذه الدار التي لا ~~تفصل فيها على ما شرعت القضايا , ولا تنصف فيها الرعاة الرعايا , بل إنما ~~خلقته لأجل دار أخرى , يكون فيها محض العدل , ويظهر فيها الفصل . | ولما ~~كان الاقتصار على هذه الدار مع ما يشاهده من ظهور الأشرار نقصا ظاهرا ~~PageV02P197 وخللا بينا نزهوه عنه فقالوا : { سبحانك } وفي ذلك تعليم ~~العباد أدب الدعاء بتقديم الثناء قبله , وتنبيه على أن العبد كلما غرزت ~~معرفتة زاد خوفه فزاد تضرعه , فإنه يحسن منه كل شيء من تعذيب الطائع وغيره ~~, ولولا أن ذلك كذلك لكانء الدعاء بدفعه عبثا , وما أحسن ختمها حين تسبب ~~عما مضي تيقنهم أن أمامنا دارا يظهر فيها العدل مما هو شأن كل أحد في عبيده ~~, فيعذب فيها العاصي وينعم فيها الطائع , كما هو دأب كل ملك في رعيته ~~بقولهم رغبة في الخلاص في تلك الدار : { فقنا عذاب النار * } على وجه جمع ~~بين ذكر العذاب المختتم به آية محبي المحمدة بالباطل , والنار المحذر منها ~~في < # > 77 ( { فمن زحزح عن النار } ) 77 < # > [ آل عمران : 185 ] ثم تعقبها بقولهم معظمين ما سألوا فدعه من العذاب ~~ليكون موضع السؤال أعظم , فيدل على أن الداعية في ذلك الدعاء أكمل وإخلاصه ~~أتم , مكررين الوصف المقتضي للإحسان مبالغة في إظهار الرغبة استمطارا ~~للإجابة ms0898 : { ربنا } وأكدوا مع علمهم بإحاطة علم المخاطب إعلاما بأن حالهم ~~في تقصيرهم حال من أمن النار حثا لأنفسهم على الاجتهاد في العمل فقالوا : { ~~إنك من تدخل النار } أي للعذاب { فقد أخزيته } أي أذللته وأهنته إهانة ~~عظيمة بكونه ظالما . | وختمها بقوله : { وما للظالمين من أنصار * } الحاسم ~~لطمع من يظن منهم أنه يمفازة من العذاب , وأظهر موضع الإضمار لتعليق الحكم ~~بالوصف والتعميم . | ولما ابتهلوا بهاتين الآيتين في الإنجاء عن النار ~~توسلوا بذكر مسارعتهم إلى إجابة الداعي بقولهم { ربنا } ولما كانت حالهم - ~~لمعرفتهم بأنهم لا ينفكون عن تقصير وإن بالغوا في الاجتهاد , لأنه لا ~~يستطيع أحد أن يقدر الله حق قدره - شبيهة بحال من لم يؤمن ؛ اقتضى المقام ~~التأكيد إشارة إلى هضم أنفسهم بالاعتراف بذنوبهم فقالوا مع عملهم بأن ~~المخاطب عالم بكل شيء : { إننا } فأظهروا النون إبلاغا في التأكيد في ~~التأكيد { سمعنا مناديا } أي من قبلك , وزاد في تفخيمه بذكر ما منه النداء ~~مقيدا بعد الإطلاق بقوله : { ينادي } قال محمد بن كعب القرظي : هو القرآن , ~~ليس كلهم رأى النبي صلى الله عليه وسلم . | ولما كانت اللام تصلح للتعليل ~~ومعنى ( إلى ) عبر بها فقيل : { للإيمان } ثم فسروه تفخيما له بقولهم : { ~~أن آمنوا بربكم } ثم أخبر بمسارعتهم إلى الإجابة بقولهم : { فآمنا } أي عقب ~~السماع . | ثم أزالوا ما ربما يظن من ميلهم إلى ربوة الإعجاب بقولهم تصريحا ~~بما أفهمه التأكيد لمن عمله محيط : { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا } أي التي ~~أسلفناها قبل PageV02P198 الإيمان بأن تقبل منا الإيمان فلا تزيغ قلوبنا , ~~فيكون جابا لما قبله عندك كما كان جابا له في ظاهر الشرع , وكذا ما فرط منا ~~بعد الإيمان ولو كان بغير توبة , وإليه الإشارة بقولهم : { وكفر عنا سيآتنا ~~} أي بأن توفقنا بعد تشريفك لنا بالإيمان لاجتناب الكبائر بفعل الطاعات ~~المكفرة للصغائر { وتوفنا مع الأبرار * } أي ليس لنا سيئات ولما كان الله ~~سبحانه وتعالى هو المالك التام الملك , فهو ذو التصرف المطلق الذي لا يجب ~~عليه شيء , ولا يقبح منه شيء ؛ أشار إلى ذلك بقوله ملقنا لهم مكررا ms0899 صفة ~~الإحسان تنبيها على مزيد الابتهال والتضرع والتخضع والتخشع : { ربنا وآتنا ~~ما وعدتنا } ثم أشار إلى صدق هذا الوعد بحرف الاستعلاء الدال على الالتزام ~~والوجوب فقال : { على رسلك } أي من إظهار الدين والنصر على الأعداء وحسن ~~العاقبة وإيراث الجنة في مثل قوله تعالى : < # > 77 ( { وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات } ) 77 < # > [ البقرة : 25 ] وفي الدعاء بذلك إشارة إلى أنه لا يجب على الله سبحانه ~~وتعالى شيء ولو تقدم به وعده الصادق وإن كنا نعتقد أنه لا يبدل القوة لديه ~~{ ولا تخزنا يوم القيامة } أي بالمؤاخذة بالسيئاتن ثم أرشدهم إلى الإلهاب ~~والتهييج مع التنبيه على ما نبه عليه أولا من أنه لا يجب عليه شيء بقوله ~~باسطا لهم بلذة المنادمة بالمخاطبة : { إنك لا تخلف الميعاد } ولما تسبب عن ~~هذا الدعاء الإجابة لتكمل شروطه وهي استحضار عظمته تعالى بعد معرفته ~~بالدليل وإدامة ذكره والتفكر في بدائع صنعه وافتتاحه بالثناء عليه سبحانه ~~وتنزيهه والإخلاص في سؤاله قال : { فاستجاب } أي فأوجد الإجابة حتما { لهم ~~} قال الأصفهاني : وعن دعفر الصادق : من حزبه أمر فقال خمس مرات ( ربنا ) ~~أنجاه الله مما يخاف , وأعطاه ما أراد - وقرأ هذه الآية . | وأشار إلى أنها ~~من منه وفضله بقوله : { ربهم } أي المحسن إليهم المتفضل عليهم { إني لا ~~أضيع عمل عامل منكم } كائنا من كان < # > 77 ( { من عيسى عند الله كمثل آدم } ) 77 < # > [ آل عمران : 59 ] الناظر إلى قوله < # > 77 ( { ذرية بعضها من بعض } ) 77 < # > [ آل عمران : 34 ] المفتتح بأن الله سبحانه وتعالى < # > 77 ( { اصطفى آدم ونوحا } ) 77 < # > [ آل عمران : 33 ] المنادي بأن البشر كلهم في العبودية للواحد - الذي ~~ليس كمثله شيء الحي القيوم - سواء نم غير تفاوت في ذلك أصلا , والمراد أنهم ~~إذا كانوا مثلهم في النسب فهم مثلهم في الأجر على العمل . | ولما أقر ~~أعينهم بألإجابة , وكان قد تقدم ذكر الأنصار عموما في قوله : < # > 77 ( { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم - وأن الله لا يضيع ~~أجر المؤمنين } ) 77 < # > [ آل PageV02P199 عمران : 170 - 170 ] خص المهاجرين بيانا لفضلهم ms0900 ~~وزيادة شرفهم بتحقيقهم لكونهم معه , لم يأنسوا بغيره ولم يركنوا لسواه من ~~أهل ولا مال بقوله مسببا عن الولد المذكور ومفصلا ومعظما ومبجلا : { فالذين ~~هاجروا } أي صدقوا إيمانهم بمفارقة أحب الناس غليهم في الدين المؤدي إلى ~~المقاطعة وأعز البلاد عليهم . | ولما كان للوطن من القلب منزل ليس لغيره ~~نبه عليه بقوله : { وأخرجوا من ديارهم } أي وهي آثر المواطن عندهم بعد أن ~~باعدوا أهلهم وهم أقرب الخلائق إلهم , ولما كان الأذى مكروها لنفسه لا ~~بالنسبة إلى معين بنى للمفعول قوله : { وأوذوا } أي بغير ذلك من أنواع ~~الأذى { في سبيلي } أي بسبب ديني الذي نهجته ليسلك إلي فيه , وحكمت أنه لا ~~وصول إلى رضائي بدونه { وقتلوا } أي في سبيلي . | ولما كان القتل نفسه هو ~~المكروه , لا بالنسبة إلى معين ؛ كان المدح على اقتحام موجباته , فبنى ~~للمفعول قوله : { وقتلوا } أي فيه فخرجوا بذلك عن مساكن أرواحهم بعد النزوح ~~عن منازل أشباحهم , وقراءة حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول أبلغ معنى ~~, لأنها أشد ترغيبا في الإقدام على الأخصام , لأن من استقل أقدم المبني ~~للمفعول أبلغ إقدام الأسد فقتل أخص منه ولم يقف أحد أمامه , فكأنه قيل : ~~وأرادوا القتل , هذا بالنظر إلى الإنسان نفسه , ويجوز أن يكون الخطاب ~~للمجموع فيكون المعنى : وقاتلوا بعد أن رأوا كثيرا من أصحابهم قد قتل { ~~لأكفرن عنهم سيئاتهم } كما تقدم سؤالهم إياي في ذلك علما منهم بأن أحدا لن ~~يقدر على أن يقدر الله حق قدره وإن اجتهد { ولأدخلنهم } أي بفضلي { جنات ~~تجري من تحتها الأنهار } كما سبق به الوعد { ثوابا } وهو وإن كان على ~~أعمالهم فهو فضل منه , وعظمه بقوله : { من عند الله } أي المنعوت بالأسماء ~~الحسنى التي منها الكرم والرحمة لأن أعمالهم لا توازي أقل نعمه { والله } ~~أي الذي له الجلال والإكرام , ونبه على عظمة المحدث عنه بالعندية فقال : { ~~عنده } أي في خزائن ملكوته التي هي في غاية العظمة { حسن الثواب * } أي وهو ~~ما لا شائبة كدر فيه , لأنه شامل القدرة بخلاف غيره . | < < # | آل عمران : ( 196 - 198 ) لا يغرنك ms0901 تقلب . . . . . # > > ^ ( لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد * متاع قليل ثم مأواهم جهنم ~~وبئس المهاد * لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار ) ^ } ) | ولما كانت هذه ~~المواعدة آجلة , وكان نظرهم إلى ما فيه الكفار من عاجل السعة ربما أثر في ~~بعض النفوس أثرا يقدح في الإيمان بالغيب الذي هو شرط قبول الإيمان ؛ ~~PageV02P200 داواه سبحانه بأن تلا تبشير المجاهدين بإنذار الكفار المنافقين ~~والمصارحين الذين أملى لهم بخذلانهم المؤمنين بالرجوع عن قتال أحد وغيره من ~~أسباب الإملاء على وجه يصدق ما تقدم أول السورة من الوعد بأنهم سيغلبون , ~~وأن أموالهم إنما هي صورة , لا حقائق لها , عطفا لآخرها على أولها , ~~وتأكيدا لاستجابة دعاء أوليائه آخر التي قبلها بقوله مخاطبا لأشرف عباده , ~~والمراد من يمكن ذلك عادة فيه , لأن خطاب الرئيس أمكن في خطاب الأتباع - { ~~لا يغرنك تقلب } أي لا تغترر بتصرف { الذين كفروا } تصرف من يقلب الأمور ~~بالنظر في عواقبها لسلامتهم في تصرفهم وفوائدهم وجودة ما يقصدونه في الظاهر ~~كجودة القلب في البدن { في البلاد * } فإن تقلبهم { متاع قليل } أي لا يعبأ ~~به ذو همة علية , وعبر بأداة التراخي إشارة إلى أن تمتيعهم - وإن فرض أنه ~~طال زمانه وعلا شأنه - تافه لزواله ثم عاقبته , وإلى هول تلك العاقبة ~~وتناهي عظمتها , فقال : { ثم مأواهم } أي بعد التراخي إن قدر { جهنم } أي ~~الكريهة المنظر الشديدة الأهوال , العظيمة الأوجال , لا مهاد لهم غيرها { ~~وبئس المهاد * } أي الفراش الذي يوطأ ويسهل للراحة والهدوء . | ولما بين ~~بآية المهاجرين أن النافع من الإيمان هو الموجب للثبات عند الامتحان . | ~~وكانت تلك الشروط قد لا توجد , ذكر وصف التقوى العام للأفراد الموجب ~~للإسعاد , فعقب تهديد الكافرين بما لأضدادهم المتقين الفائزين بما تقدم ~~الدعاء إليه بقوله تعالى : < # > 77 ( { قل أأنبئكم بخير من ذلكم } ) 77 < # > [ آل عمران : 15 ] فقال تعالى : { لكن الذين اتقوا ربهم } أي أوقعوا ~~الاتصاف بالتقوى بالائتمار بما أمرهم به المحسن إليهم والانتهاء عما نهاهم ~~شكرا لإحسانه ms0902 وخوفا من عظم شأنه { لهم جنات } وإلى جنات , ثم وصفها بقوله : ~~{ تجري من تحتها الأنهار } تعريفا بدوام تنوعها وزهرتها وعظيم بهجتها . | ~~ولما وصفها بضد ما عليه النار وصف تقلبهم فيها بضد ما عليه الكفار من كونهم ~~في ضيافة الكريم الغفار فقال : { خالدين فيها } ولما كان النزل ما بعد ~~للضيف عند نزوله قال معظما ما لمن يرضيه : { نزلا } ولما كان الشيء يشرف ~~بشرف من هو من عنده نبه على عظمته بقوله : { من عند الله } مضيفا إلى الاسم ~~الأعظم , وأشار بجعل الجنات كلها نزلا إلى التعريف بعظيم ما لهم بعد ذلك ~~عنده سبحانه من النعيم الذي لا يمكن الآدميين وجه الاطلاع على حقيقة وصفه , ~~ولهذا قال معظما - لأنه لو أضمر لظن الاختصاص بالنزل - { وما عند الله } أي ~~الملك الأعظم من النزل وغيره { خير للأبرار * } مما فيه الكفار ومن كل ما ~~يمكن أن يخطر بالبال من النعيم . | PageV02P201 < < # | آل عمران : ( 199 - 200 ) وإن من أهل . . . . . # > > ^ ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ومآ أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم ~~خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن ~~الله سريع الحساب * ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون ) ^ } ) | ولما كان للمؤمنين من أهل الكتابين - مع التشرف بما ~~كانوا عليه من الدين الذي أصله حق - حظ من الهجرة , فكانوا قسما ثانيا من ~~المهاجرين , وكان إنزال كثير من هذه السورة في مقاولة أهل الكتاب ومجادلتهم ~~والتحذير من مخاتلتهم ومخادعتهم والإخبار - بأنهم يبغضون المؤمنين مع ~~محبتهم لهم , وأنهم لا يؤمنون بكتابهم , وأنهم سيسمعون منهم أذى كثيرا إلى ~~أن وقع الختم في أوصافهم بأنهم اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا - ربما أيأس ~~من إيمانهم ؛ أتبع ذلك مدح مؤمنين , وغير الأسلوب عن أن يقال مثلا : والذين ~~آمنوا من أهل الكتاب - إطماعا في موالاتهم بعد التدريب بالتحذير منهم على ~~مناواتهم وملاواتهم فقال : { وإن من أهل الكتاب } أي اليهود والنصارى { لمن ~~يؤمن بالله } أي الذي حاز صفات الكمال , وأشار إلى الشرط المصحح لهذا ~~الإيمان بقوله ms0903 : { وما أنزل إليكم } أي من هذا القرآن { وما أنزل إليهم } ~~أي كله , فيذعن ملا يأمر منه باتباع هذا النبي العربي , وإليه الإشارة ~~بقوله جامعا للنظر إلى معنى من تعظيما لوصف الخشوع بالنسبة إل مطلق الإيمان ~~: { خاشعين لله } أي لأنه الملك الذي لا كفوء له , غير مستنكفين عن نزل ~~المألوف { لا يشترون بآيات الله } أي التي متى تأملوها علموا أنه لا يقدر ~~عليها إلا من أحاط بالجلال والجمال , الآمره لهم بذلك { ثمنا قليلا } بما ~~هم عليه من الرئاسة ونفوذ الكلمة - كما تقدم قريبا في وصف معظمهم , فهم ~~يبينونها ويرشدون إليها ولا يحرفونها . | ولما أخبر تعالى عن حسن ترحمهم ~~إليه أخبر عن جزائهم عنده بما يسر النفوس ويبعث الهمم فقال : { أولئك } أي ~~العظيمو الرتبة { لهم أجرهم } أي الذي رباهم ولم يقطع إحسانه لحظة عنهم , ~~كل ذلك تعظيما له من حيث إن لهم الأجر مرتين . | ولما اقتضت هذه التأكيدات ~~المبشرات إنجاز الأجر وإتمامه وإحسانه , وكان قد تقدم أنه تعالى يؤتي كل ~~أحد من ذكر وأنثى أجره , ولا يضيع شيئا , ويجازي المسيء والمحسن , وكانت ~~العادة قاضية بأن كثرة الخلق سبب لطول زمن الحساب , وذلك سبب لطول الانتظار ~~, وذلك سبب لتعطيل الإنسان عن مهماته ولضيق صدره بتفرق عزمه وشتاته كان ذلك ~~محل عجب يورث توهم ما لا ينبغي , فأزال هذا التوهم بأن أمره تعالى ~~PageV02P202 على غير ذلك لأنه لا يشغله شأن عن شأن بقوله : { إن الله } أي ~~بما له من الجلال والعظمة والكمال { سريع الحساب * } ولما كثر في هذه ~~الآيات الأمر بمقاساة الشدائد وتجرع مرارات الأذى واقتحام الحروب واستهانة ~~عظائم الكروب , والحث على المعارف الإلهية والآداب الشرعية من الأصول ~~والفروع انخلاعا من المألوفات إلى ما يأمر به سبحانه من الطاعات , وختم ~~بتجرع فرقة من أهل الكتاب لتلك المرارات كانت نتيجة ذلك لا محالة قوله ~~تعالى منبها على عظمة ما يدعو إليه لأنه شامل لجميع الآداب : { ياأيها ~~الذين آمنوا } أي بكل ما ذكرنا في هذه السورة { اصبروا } أي أوقعوا الصبر ~~تصديقا لإيمانكم على كل ما ينبغي ms0904 الصبر عليه مما تكرهه النفوس مما دعتكم ~~إليه الزهراوان { وصابروا } أي أوجدوا المصابرة للأعداء من الكفار ~~والمنافقين وسائر العصاة , فلا يكونن على باطلهم أصبر منكم على حقكم { ~~ورابطوا } أي بأن تربطوا في الثغور خيلا بإزاء ما لهم من الخيول إرهابا لهم ~~وحذرا منهم - هذا أصله , ثم صار الرباط يطلق على المكث في الثغور لأجل الذب ~~عن الدين ولو لم تكن خيول , بل وتطلق على المحافظة على الطاعات , ثم أمر ~~بملاك ذلك كله فقال : { واتقوا الله } أي في جميع ذلك بأن تكونوا مراقبين ~~له , مستحضرين لجميع ما يمكنكم أن تعلموه من عظمته بنعمته ونقمته { لعلكم ~~تفلحون * } أي ليكون حالكم حال من يرجى فلاحه وظفره بما يريد من النصر على ~~الأعداء والفوز بعيش الشهداء , وهذه الآية - كما ترى - معلمة بشرط استجابة ~~الدعاء بالنصرة على الكافرين , المختتم به البقرة < # > 77 ( { فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ~~لعلهم يرشدون } ) 77 < # > [ البقرة : 186 ] داعية إلى تذكير أولي الألباب بالمراقبة للواحد الحي ~~القيوم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء في اتباع آياته ~~ومعاداة أعدائه , كما أن التي قبلها فيمن آمن بجميع الكتب : هذا القرآن ~~المصدق لما بين يديه والتوراة والإنجيل , كل ذلك للفوز بالفرقان بالنصر ~~وتعذيب أهل الكفر بأيديهم تمكينا من الله - والله عزيز ذو انتقام - ردا ~~للمقطع على المطلع على أحسن وجه - والله أعلم بالصواب وعنده حسن المآب . | ~~PageV02P203 < # > سورة النساء < # > | مقصودها الاجتماع على التوحيد الذي هدت إليه آل عمران ، والكتاب الذي ~~حدت عليه البقرة لأجل الدين الذي جمعته الفاتحة تحذيرا مما أراده شأس بن ~~قيس وأنظاره من الفرقة ، وذه السورة من أواخر ما نزل ، روى البخاري في ~~فضائل القرآ ، ' عن يوسف بن ماهك أن عراقيا سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله ~~عنها أن تريه مصحفها ، فقالت : لم ؟ قال لعلي : أؤلف القرآن عليه ، فإنه ~~يقرأ غير مؤلف ، قالت : وما يضرك أيه قرأت قبل ، إنما نزل أول ما نزل منه ~~سورة من المفصل ، فيها ذكر الجنة والنار حتى ms0905 إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل ~~احلال والحرام ، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر ، لقالوا : لا ندع الخمر ~~أبدا ، ولو نزل لا تزنوا لقالوا : لا تدع الزنى أبدا ، لقد نزل بمكة على ~~محمد وإني لجارية ألعب ^ ( بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ) ^ [ القمر ~~: 46 ] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلأا وأنا عنده ، قال : فأخرجت له ~~المصحف فأملت عليه آي السورة انتهي . وقد عنت بهذا رضي الله عنعا أن القرآن ~~حاز أعلى البلاغة في إنزاله مطابقا لما تقتضيه الأحوال بحسب الأزمان ، ثم ~~رتب على أعلى وجوه البلاغة بحسب ما تقتضيه المفاهيم من المقال ، كما تشاهده ~~من هذا الكتاب البديع البعيد المنال < < # | النساء : ( 1 - 2 ) يا أيها الناس . . . . . # > > ^ ( يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ~~وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام إن الله ~~كان عليكم رقيبا * وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا ~~تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا ) ^ } ) | ولما كان مقصودها ~~الاجتماع على ما دعت إليه السورتان قبلها من التوحيد , وكان السبب الأعظم ~~في الاجتماع والتواصل عادة الأرحام العاطفة التي مدارها النساء سميت ( ~~النساء ) لذلك , ولأن بالاتقاء فيهم تتحقق العفة والعدل الذي لبابه التوحيد ~~{ بسم الله } PageV02P204 الجامع لشتات الأمور بإحسان التزاوج في لطائف ~~المقدور { الرحمن } الذي جعل الأرحام رحمة عامة { الرحيم * } الذي خص من ~~أراد بالتواصل على ما دعا إليه دنيه الذي جعله نعمة تامة . | لما تقرر أمر ~~الكتاب الجامع الذي هو الطريق , وثبت الأساس الحامل الذي هو التوحيد احتيج ~~إلى الاجتماع على ذلك , فجاءت هذه السورة داعية إلى الاجتماع والتواصل ~~والتعاطف والتراحيم فابتدأت بالنداء العام لكل الناس , وذلك أنه لما كانت ~~أمهات الفضائل - كما تبين في علم الأخلاق - أربعا : العلم والشجاعة والعدل ~~والعفة , كما يأتي شرح ذلك في سورة لقمان عليه السلام , وكانت آل عمران ~~داعية مع ما ذكر من مقاصدها إلى اثنين منها , وهما العلم والشجاعة - كما ~~أشير إلى ذلك في غير آية < # > 77 ( { نزل ms0906 عليك الكتاب بالحق } ) 77 < # > [ آل عمران : 3 ] , < # > 77 ( { وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم } ) 77 < # > [ آل عمران : 7 ] , < # > 77 ( { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم } ) 77 < # > [ آل عمران : 169 ] , < # > 77 ( { الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح } ) 77 < # > [ آل عمران : 172 ] , < # > 77 ( { ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا } ) 77 < # > [ آل عمران : 200 ] , وكانت قصة أحد قد أسفرت عن أيتام استشهد موروثهم ~~في حب الله , وكان من أمرهم في الجاهلية منع أمثالهم من الإرث استشهد ~~مورثوهم ي حب الله , وكان من أمرهم في الجاهلية منع أمثالهم من الفضيلتين ~~الباقيتين , وهما العفة والعدل مع تأكيد الخصلتين الأخريين حسبما تدعو إليه ~~المناسبة , وذلك مثمر للتواصل بالإحسان والتعاطف بإصلاح الشأن للاجتماع على ~~طاعة الديان , فمقصودها الأعظم الاجتماع على الدين بالاقتداء بالكتاب ~~المبين , وما أحسن ابتداءها بعموم : { ياأيها الناس } بعد اختتام تلك بخصوص ~~( ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا الآية . | ولما اشتملت هذه السورة على ~~أنواع كثيرة من التكاليف , منها التعطف على الضعاف بأمور كانوا قد مرنوا ~~على خلافها , فكانت في غاية المشقة على النفوس , وأذن بشدة الاهتمام بها ~~بافتتاح السورة واختتامها بالحث عليها قال : { اتقوا ربكم } أي سيدكم ~~ومولاكم المحسن إليكم بالتربية بعد الإيجاد , بأن تجعلوا بينكم وبين سخطه ~~وقاية , لئلا يعاقبكم بترك إحسانه إليكم فينزل بكم كل بؤس . | ابتدأ هذه ~~البيان كيفية ابتداء الخلق حثا على أساس التقوى من العفة والعدل فقال : { ~~الذي } جعل بينكم غاية الوصلة لتراعوها PageV02P205 ولا تضيعوها , وذلك أنه ~~{ خلقكم من نفس واحدة } هي أبوكم آدم عليه الصلاة والسلام مذكرا بعظيم ~~قدرته ترهيبا للعاصي وترغيبا للطائع توطئة للأمر بالإرث , وقد جعل سبحانه ~~الأمر بالتقوى مطلعا لسورتين : هذه وهي رابعة النصف الأول , والحج وهي ~~رابعة النصف الثاني , وعلل الأمر بالتقوى في هذه بما دل على كمال قدرته ~~وشمول علمه وتمام حمته من أمر المبدإ , وعلل ذلك في الحج بما صور المعاد ~~تصويرا لا مزيد عليه , فدل فيها على المبدإ والمعاد تنبيها على أنه محط ~~الحكمة ms0907 , ما خلق الوجود إلا لأجله , لتظهر الأسماء الحسنى والصفات العلى ~~أتم ظهور يمكن البشر الاطلاع عليه , وربت ذلك على الترتيب الأحكم , فقدم ~~سورة المبدإ على سورة المعاد لتكون الآيات المتلوة طبق الآيات المرئية , ~~وأبدع من ذلك كله وأدق أنه لما كان أعظم مقاصد السور الماضية المجادلة في ~~أمر عيسى , وأن مثله كمثل آدم عليهما الصلاة والسلام , وكانت حقيقة حاله ~~أنه ذكر يولد من أنثى فقط بلا وساطة ذكر ؛ بين ي هذه السورة بقوله - عطفا ~~على ما تقديره جوابا لمن كأنه قال : كيف كان ذلك ؟ - إنشاء تلك النفس , أو ~~تكون الجملة حالية - { وخلق منها زوجها } أي مثله في ذلك أيضا كمثل كل من ~~أبيه وأمه : آدم فإنها أنثى تولدت من ذكر بلا واسطة أنثى , فصارت الإعلام ~~بخلق آدم وزوجه وعيسى عليهم وحواء معا عليهما الصلاة والسلام , وصار ~~الإعلام بخلق آدم وزوجه وعيسى عليهم الصلاة والسلام - المندرج تحت آية ~~بعضكم من بعض مع آية البث التي بعد هذه - حاصرا للقسمة الرباعية العقلية ~~التي لا مزيد عليها , وهي بشر لا من ذكر ولا أنثى , بشر منهما , بشر من ذكر ~~فقط , بشر من أنثى فقط ؛ ولذلك عبر في هذه السورة بالخلق , وعبر عن غيرها ~~بالجعل , لخلو السياق عن هذا الغرض , ويؤيد هذا أنه قال تعالى في أمر يحيى ~~عليه الصلاة والسلام < # > 77 ( { كذلك الله يفعل ما يشاء } ) 77 < # > [ آل عمران : 40 ] وفي أمر عيسى عليه الصلاة والسلام < # > 77 ( { يخلق ما يشاء } ) 77 < # > [ آل عمران : 47 ] , وأيضا فالسياق هنا للترهيب الموجب للتقوى , فكان ~~بالخلق الذي هو أعظم في إظهار الاقتداء - لأنه اختراع الأسباب وترتيب ~~المسببات عليها - أحق من الجعل الذي هو ترتيب المسببات على اسبابها وإن لم ~~يكن اختراع - فسبحان العزيز العليم العظيم الحكيم ! . | ولما ذكر تعالى ~~الإنشاء عبر بلفظ الرب الذي هو من التربية , ولما كان الكل - المشار إليه ~~بقوله تعالى عطفا على ما تقديره : وبث لكم منه إليها : { وبث منهما } أي ~~فرق ونشر من التوالد , ولما كان المبثوث قبل ذلك عدما وهو الذي ms0908 أوجده من ~~العدم نكر لإفهام ذلك قوله : { رجالا كثيرا ونساء } من نفس واحدة ؛ كان ~~إحسان كل من الناس إلى كل منهم من صلة الرحم , ووصف الرجال دونهن مع أنهن ~~أكثر منهم إشارة PageV02P206 إلى أن لهم عليهن درجة , فهم أقوى وأظهر وأطيب ~~وأظهر في رأي العين لما لهم من الانتشار وللنساء من الاختفاء والاستتار . | ~~ولما كان قد أمر سبحانه وتعالى أول الآية بتقواه مشيرا إلى أنه جدير بذلك ~~منهم لكونه ربهم , عطف على ذلك الأمر أمرا آخر مشيرا إلى أنه يستحق ذلك ~~لذاته لكونه الحاوي لجميع الكمال المنزه عن كل شائبة نقص فقال : { واتقوا ~~الله } أي عموما لما له من إحاطة الأوصاف كما اتقيتموه خصوصا لما له إليكم ~~من الإحسان والتربية , واحذروه وراقبوه في أن تقطعوا أرحامكم التي جعلها ~~سببا لتربيتكم . | ولما كان المقصود من هذه السورة المواصلة وصف نفسه ~~المقدسة بما يشير إلى ذلك فقال : { الذين تساءلون } أي يسأل بعضكم بعضا { ~~به } فإنه لا يسأل باسمه الشريف المقدس إلا الرحمة والبر والعطف , ثم زاد ~~المقصود إيضاحا فقال : { والأرحام } أي واتقوا قطيعة الأرحام التي تساءلون ~~بها , فإنكم تقولون : ناشدتك بالله والرحم ! وعلل هذا الأمر بتخويفهم عواقب ~~بطشه , لأ , ه مطلع على سرهم وعلنهم مع ما له من القدرة الشاملة . | فقال ~~مؤكدا لأن أفعال الناس في ترك التقوى وقطيعة الأرحام أفعال من يشك ي أنه ~~بعين الله سبحانه : { إن الله } أي المحيط علما وقدرة { كان عليكم } وفي ~~أداة الاستعلاء ضرب من التهديد { رقيبا * } وخفض حمزة ( الأرحام ) المقسم ~~بها تعظيما لها وتأكيدا للتنبيه على أنهم قد نسوا الله في الوفاء بحقوقها - ~~كما أقسم بالنجم والتين وغيرهما , والقراءاتان مؤذنتان بأن صلة الأرحام من ~~الله بمكان عظيم , حيث قرناه باسمه سواء كان عطفا كما شرحته آية { وقضى ربك ~~أن لا تعبدوا إلا إياه } [ الإسراء : 23 ] , وغيرها - أو كان قسما , واتفق ~~المسلمون على أن صلى الرحم واجبة , وأحقهم بالصلة الولد , وأول صلته أن ~~يختار له الموضع الحلال . | ولما بان من هذا تعظيمه لصلة الرحم بجعلها في ms0909 ~~سياق ذكره سبحانه وتعالى المعبر عنه باسمه الأعظم - كما فعل نحو ذلك في غير ~~آية , وكان قد تقدم في السورة الماضية ذكر قصة أحد التي انكشفت عن أيتام , ~~ثم ذكر في قوله تعالى : < # > 77 ( { كل نفس ذائقة الموت } ) 77 < # > [ آل عمران : 185 ] , أن الموت مشرع لا بد لكل نفس من وروده ؛ علم أنه ~~له بد من وجود الأيتام في كل وقت , فدعا إلى العفة والعدل فيهم لأنهم بعد ~~الأرحام أولى من يتقى الله فيه ويخشى مراقبته بسببه فقال : { وآتوا اليتامى ~~} أي الضعفاء الذين انفردوا عن آبائهم , وأصل اليتيم الانفراد { أموالهم } ~~أي هيئوها بحسن التصرف فيها لأن تؤتوهم إيلاها بعد البلوغ - كما يأتي , أو ~~يكون الإيتاء حقيقة والتيم باعتبار ما كان . | أو باعتبار الاسم اللغوي وهو ~~مطلق الانفراد , وما أبدع إيلاءها للآية الآمرة بعد عموم تقوى الله ~~PageV02P207 بخصوصها ي صلة الرحم المختتمة بصفة الرقيب ! لما لا يخفى من ~~أنه لا حامل على العدل في الأيتام إلا المراقبة , لأنه لا ناصر لهم , وقد ~~يكونون ذوي رحم . | ولما أمر بالعفة في أموالهم أتبعه تقبيح الشره الحامل ~~للغافل على لزوم المأمور به فقال : { ولا تتبدلوا } أي تكلفوا أنفسكم أن ~~تأخذوا على وجه البدلية { الخبيث } أي من الخباثة التي لا أخبث منها , ~~لأنها تذهب بالمقصود من الإنسان , فتهدم - جميع أمره { بالطيب } أي الذي هو ~~كل أمر يحمل على معالي الأخلاق الصائنة للعرض , المعلية لقدر الإنسان ؛ ثم ~~بعد هذا النهي العام نوه بالنهي عن نوع منه خاص , فقال معبرا بالأكل الذي ~~كانت العرب تذم بالإكثار منه ولو أنه حلال طيب , فكيف إذا كان حراما ومن ~~مال ضعيف مع الغنى عنه : { ولا تأكلوا أموالهم } أي تنتفعوا بها أي انتفاع ~~كان , مجموعة { إلى أموالكم } شرها وحرصا وحبا في الزيادة من الدنيا التي ~~علتمتم شؤمها وما أثرت من الخذلان يف آل عمران , وعبر بإلى إشارة إلى تضمين ~~الأكل معنى الضم تنبيها على أنها متى ضمت إلى مال اولي أكل منها فوقع في ~~النهي , فحض بذلك على تركها محفوظة على ms0910 حيالها ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنه ~~} أي الأول { كان حوبا } أي إثما وهلاكا { كبيرا * } | < < # | النساء : ( 3 ) وإن خفتم ألا . . . . . # > > ^ ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النسآء ~~مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ~~ألا تعولوا ) ^ } ) | ولما كان تعالى قد أجرى سنة الإلهية في أنه لا بد في ~~التناسل من توسط النكاح إلا ما كان من آدم وحواء وعيسى عليهم الصلاة ~~والسلام , وكانوا قد أمروا بالعدل في أموال اليتامى , وكانوا يلون أمور ~~يتاماهم , وكانوا ربما نكحوا من في حجورهم منهن , فكان ربما أوقفهم هذا ~~التحذير من أموالهم عن النكاح خوفا من التقصير في حق من حقوقهنم أتبعه ~~تعالى عطفا على ما تقديره : فإن وثقتم من أنفسكم بالعدل فخالطوهم بالنكاح ~~وغيره : { وإن خفتم } فعبر بأداة الشك حثا على الورع { ألا تقسطوا } أي ~~تعدلوا { في التيامى } ووثقتم من أنفسكم بالعدل في غيرهن { فانكحوا } ولما ~~كانت النساء ناقصات عقلا ودينا , عبر عنهن بأداة ما لا يعقل إشارة إلى ~~الرفق بهن والتجاوز عنهن فقال : { ما } ولما أفاد أنكحوا الإذن المتضمن ~~للحل , وحل الطيب على اللذيذ المنفك عن النهي السابق ليكون الكلام عاما ~~مخصوصا بما يأتي من آية المحرمات من النساء - ولا يحمل الطيب على الحل لئلا ~~يؤدي - مع كونه تكرارا - إلى أن يكون الكلام مجملا - لأن الحل لم يتقدم ~~علمه , والحمل على العام المخصوص أولى , PageV02P208 لأنه حجة في غير محل ~~التخصيص , ولامجمل ليس بحجة أصلا - أفاده الإمام الرازي ؛ فقال تعالى : { ~~طاب } أي زال عنه حرج النهي السابق ولذ , وأتبعه قيدا لا بد منه بقوله : { ~~لكم } وصرح بما علم التزاما فقال : { من النساء } أي من غيرهن { مثنى وثلاث ~~ورباع } أي حال كون هذا المأذون في نكاحه موزعا هكذا : ثنتين ثنتين وثلاثا ~~ثلاثا وأربعا أربعا لكل واحد , وهذا الحكم عرف من العطف بالواو , ولو كان ~~بأو لما أفاد التزوج إلا على أحد هذه الوجوه الثلاثة , ولم يفد التخيير ~~المفيد للجمع بينها على سبيل التوزيع , وهذا ms0911 دليل وضاح على أن النساء أضعاف ~~الرجال , وروى البخاري في التفسير ( عن عروة ابن الزبير أنه سأل عائشة رضي ~~الله عنها عن قوله تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى } [ النساء : ~~3 ] , قالت : يا ابن أختي ! هذه التيمة تكون في حجر وليها , وتشركه في ماله ~~, ويعجبه مالها وجمالها , فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها ~~فيعطيها مثل ما يعطيها غيره , فنهوا عن ذلك أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ~~ويبلغوا لهن أعلى سنتهن في الصداق , فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء ~~سواهن قال عروة : قالت عائشة : وإن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد هذه الآية , فأنزل الله عز وجل < # > 77 ( { ويستفتونك في النساء } ) 77 < # > [ النساء : 127 ] قالت عائشة : وقول الله عز وجل في آية أخرى < # > 77 ( { وترغبون أن تنكحوهن } ) 77 < # > [ النساء : 127 ] رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال , ~~قالت : فنهوا أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله في يتامى النساء إلا ~~بالقسط , من أجل رغبتهم عنهم إذا كن قليلات المال والجمال ) وفي رواية ( في ~~النكاح ) , فكما يتركونها حين يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا ~~فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها حقها الأوفى في الصداق ؛ وهذا الخطاب ~~للأحرار دون العبيد , لأن العبد لا يستقل بنكاح ما طاب له , بل لا بد من ~~إذن السيد . | ولما كان النساء كالتيامى في الضعف قال مسببا عن الإذن في ~~النكاح : { فإن خفتم ألا تعدلوا } أي في الجمع { فواحدة } أي فانكحوها , ~~لأن الاقتصار عليها أقرب إلى المؤدي إلى العدل دائرا على اطراح النفس , ~~وكان الإماء - لكسرهن بالغربة وعدم الأهل - أقرب إلى حسن العشرة سوى بين ~~العدد منهم إلى غير نهاية وبين الواحدة من الحرائر فقيل : { أو ما } أي ~~انكحوا ما { ملكت أيمانكم } فإنه لا قسم بينهن , وذكر ملك اليمين يدل أيضا ~~على أن الخطاب من أوله خاص بالأحرار { ذلك } أي نكاح غير اليتامى ~~PageV02P209 والتقلل من الحرائر والاقتصار على الإماء { أدنى } أي أقرب إلى ~~{ ألا ms0912 تعولوا } أي تميلوا بالجور عن منهاج القسط وهو الوزن المستقيم , أو ~~تكثر عيالكم , أما عند الواحدة فواضح , وأما عند الإماء فالبعزل , وعدم ~~احتياج الرجل معهن لخادم له أو لهن , والبيع لمن أراد منهن , وأمرهن ~~بالاكتساب , أو تحتاجوا فتظلموا بعض النساء , أو تأكلوا أموال التيامى ؛ ~~وكل معنى من هذه راجع إلى لازم لمعن المادة الذي مدارها عليه , لأن مادة ( ~~علا ) - واوية بجميع تقاليبها الست : علو , عول , لوع , لعو , وعل , ولع ؛ ~~ويائية بتركيبها : ليع , عيل تدور على الارتفاع , ويلزمه الزيادة والميل , ~~فمن الارتفاع : العلو والوعل والولع , ومن الميل والزيادة : العول , وبقية ~~المادة يائية وواية إما للإزالة , وإما لأحد هذه المعاني - على ما يأتي ~~بيانه ؛ فعلا يعلو : ارتفع , والعالية : الفتاة القويمة - لأ , ها تكون ~~أرفع مما ساواها وهو معوج , والعالية من محال الححاز - لإشرافها على ما ~~حولها , وكذا العوالي - لقرى بظاهر المدينة الشريفة - لأنها في المكان ~~العالي الذي يجري ماؤه إلى غيره , والمعلاة : كسب الشرف , ومقبرة مكة ~~بالحجون - لأنها في أعلى مكة وماؤها يصوب إلى ما دوهه , وفلان من علية ~~الناس , أي أشرافهم , والعلية بالتشديد : الغرفة , وعلى حرف الاستعلاء , ~~وتعلت المرأة من نفاسها , أي طهرت وشفيت - لأنها كانت في سفول من الحال , ~~والعلاوة : رأس الجبل وعنقه , وما يحمل على البعير بين العدلين , ومن كل ~~شيء : ما زاد عليه , والمعلى : القدح السابع من الميسر - لأنه الغاية في ~~القداح الفائزة , لأن القداح عشرة : السبعة الأولى منها فائزة , والثلاثة ~~الأخيرة مهملة لا أنصباء لها , وعلوان الكتاب : عنوانه وارتفاعه على بقية ~~الكتاب واضح , والعليان : الطويل والضخم , والناقة المشرفة , ومن الأصوات : ~~الجهيرة , والعلاة : السندان , والعلياء : رأس كل جبل مشرف , والسماء , ~~والمكان العالي , وكل ما علا من شيء , وعليك زيدا : الزمه - لأنه يلزم من ~~ملازمته له العلو على أمره , وعلا المتاع عن الدابة تعلية : أنزله , وأعليت ~~عن الوسادة وعاليت : ارتفعت وتنحيت , ورجل عالي الكعب : شريف , وعلى الكتاب ~~تعلية : عنونه كعلونه , وعالوا نعيه : أظهروه , والعلي : الشديد القوي , ~~وعليون في السماء السابعة , وأخذه علوا : عنوة , والتعالي : الاتفاع , إذا ~~أمرت منه قلت ms0913 : تعال - بفتح اللام , ولها : تعالي - بفتح اللام , - ولو كنت ~~في موضع أسفل من موضع المأمور , لأنه يحتاج إلى تطاول منهما كان بينك وبينه ~~مسافة , ولأن الآمر أعلى من المأمور رتبة فموضعه كذلك , وتعلى : علا في ~~مهلة , والمعتلي : الأسد ؛ واللعو : السيء الخلق , والفسل , والشره الحريص ~~, واللاعي : الذي PageV02P210 يفزعه أدنى شيء , إما لأنه وصل إلى الغاية في ~~السفول فتسنم أعلاها حتى رضي لنفسه هذه الأخلاق , وإما لأنه من باب الإزالة ~~, أو التسمية بالضد , وذئبة لعوة وامرأة لعوة , أي حريصة , واللعوة : ~~السواد بين حلمتي الثدي , إما لأن ذلك أعلاه , وإما لعلو لون السواد على ~~لون الثدي , والألعاء : السلاميات , والسلامى عظم يكون في فرسن البعير , ~~وعظام الصغار في اليد والرجل , وذلك لأن العظام أعلى ما في الجسد في القوة ~~والشدة والصلابة , وهي أعظم قوامه ؛ واللاعية : شجيرة في سفح الجبل , لها ~~نور أصفر , ولها لبن , وإذا ألقي منه شيء في غدير السمك أطفاها , أي جعلها ~~طافية أي عالية على وجه الماء , سميت بذلك إما من باب افزلاة نظرا إلى محل ~~بيتها , وإما لأن ريحها يعلو كل ما خالطه ويكسبه بذلك إما من باب الإزالة ~~نظرا إلى محل بيتها وإما لأن ريحها يعلو كل - إما من اللاعية لأنها كثيرة ~~العقد , وإما من لازم العلو : القوة والشدة , ولعا لك - يقال عند العثرة , ~~أي أنعشك الله ؛ والعول : ارتفاع الحساب في الفرائض , والعول : الميل , ~~وقدم تقدم أنه لازم للعلو , والعول : كل ما أمر غلبك , كأنه علا عنك فلم ~~تقدر على نيله والمستعان به - لأنه لا يتوصل به إلى المقصود إلا وفيه علو , ~~وقوت العيال - لأنه سبب علوهم , وعول عليه معولا : اتكل واعتمد , والاسم ~~كعنب , وعيل ككيس , وعال : جار والميزان : نقص أو زاد , فالزيادة من ~~الارتفاع , والنقص من لازم الميل , وعالت الفريضة : ارتفعت أي زادت سهامها ~~فدخل النقصان على أهل الفرائض , قال أبو عبيد : أظنه مأخوذا من الميل , ~~وعال أمرهم : اشتد وتفاقم , وعال فلان عولا وعيالا : كثر عياله , كأعول ~~وأعيل , ورجل معيل ومعيل ذو عيال , وأعال الرجل وأعول - إذا حرص ms0914 , إما مما ~~تقدم تخريجه , وإما لأنه لازم لذي العيال , وعال عليه : حمل , أي رفع عليه ~~الحمول كعول , وفلان : حرص , والفرس , صوتت , وأعولت المرأة : رفعت صوتها ~~بالبكاء , وعيل عوله : ثكلته أمه - لما يقع من صياحها , وعيل ما هو عائله : ~~غلب ما هو غالبه , يضرب لمن يعجب من كلامه ونحوه لأنه لا يكون كذلك إلا وقد ~~خرج عن أمثاله علوا , وقد يكون بسفول , فيكون من التسمية بالضد , والعالة : ~~النعامة لأنها أ ( ول الطير , وما له عال ولا مال : شيء ح لأن ذلك غاية في ~~السفول إن كان عجزا , وفي العلو إن كان زهدا , ويقال للعاثر : عالك عاليا . ~~| كقولهم : لعا لك , والمعول : حديدة تنفر بها الجبال - من القوة اللازمة ~~للعلو , والعالة , شبه الظلة يستر بها من المطر ؛ واللوعة : حرقة توجد من ~~الحزن أو الحب أو المرض أو الهم - لأنها تعلو الإنسان , ولاعه الحب : أمرضه ~~, وأتان لاعة الفؤاد إلى جحشهاح كأنها ولهى فزعا , ولا ع يلاع : جزع أو مرض ~~ورجل هاع لاع : جبان جزوع , أو حريص , أو سيء الخلق - لما علاه من هذه ~~الأخلاق PageV02P211 المنافية للعقل وغلبه منها , ولاعته الشمس : غيرت لونه ~~واللعة أيضا : الحديدة الفؤاد الشهمة - لأنه يعلوا غيره , وامرأة لاعة : ~~التي تغازلك ولا تمكنك - لما لها في ذلك من الغلبة والعلو على القلوب ؛ ~~والوعل : تيس الجبل , والشريف , والملجأ , والوعلة : الموضع المنيع من ~~الجبل , أو صخرة مشرفة منه , وهم علينا وعل واحد : مجتمعون , وما لك عن ذلك ~~وعل , أي بد - إنه لولا علوه عليك ما اضطررت إليه , والوعل : اسم شوال - ~~كأنه لما له من العلو بالعيد والحج , والوعل ككتف : اسم شعبان ح لما له من ~~العلو بتوسطه بين رجب وشوال , والوعلة أيضا : عروة القميص والزير رزه ~~والقدح والإبريق الذي يعلق بها فيعلو , ووعال كغراب : حصن باليمن , ~~والمستوعل - بفتح العين : حرز الولع , ووعل كوعد : أشرف , وتوعلت الجبل : ~~علوته ؛ وأولع فلان بكذا , أو ولع بالكسر : استخف , أي صار عاليا عليه ~~غالبا له إطاقته حمله , وولع بحقه : ذهب , وولع بالفتح - إذا كذب , إما ~~للإزالة وإما لأنه ms0915 استخفه الكذب فحمله , وولع والع - مبالغة , أي كذب عظيم ~~والمولع : الذي فيه لمع من ألوان - كأنه علا على تلك الألوان , أو غلب تلك ~~الألوان أصل لونه , وعبارة القاموس : والتوليع : استطالة البلق , يقال ~~برذون وثور مولع - كمعظم , والوليع : الطلع ما دام في قيقائه , أي وعائه ~~وهو قشرة الطلع لعلوه , وما أدري ما ولعه - بالفتح أي حبسه , إما للإزالة , ~~لإنه لما منعه كان كأنه أزال علوه , وإما لأنه علا عليه , وأولعه به , أي ~~أغراه , أي حمله عليه ؛ والعيلة : الحاجة , وعال يعيل - إذا افتقر , وذلك ~~إما من الإزالة , أو لأن الحاجة علته , أو لأنها ميل , وعالني الشيء : ~~أعجزني , وعيل صبري : قل وضعف أي علاه من الأمر ما أضعفه , وعلت الضالة : ~~لم أدر أين أبغيها , والمعيل : الأسد والنمر والذئب - لأنه يعيل صيدا أي ~~يلتمسن فهو يرجع إلى العلو والقدرة على الطلب , وعالني الشيء أعوزني - إما ~~أزال علوي , أو علا عني , وعال في مشيه : تمايل واختال وتبختر - لأنه لا ~~يفعله إلا عال في نفسه مع أنه كله من الميل , وعال في الأرض : ذهب أي علا ~~عليها مشيا , والذكر من الضباع عيلان , والعيل محركة : عرضك حديثك وكلامك ~~على من لا يريده وليس من شأنه - كأنه لم يهتد لمن يريده فعرضه على من لا ~~يريده , فهو يرجع إلى الحاجة المزيلة للعلو ؛ وليعة الجوع - بالفتح : حرقته ~~- كما تقدم في اللوعة , ولعت - بالكسر : ضجرت , كأنه من الإزالة , أو أن ~~العلو للأمر المتضجر منه , والملياع - علاها , والملياع : التي تقدم الإبل ~~سابقة ثم ترجع إليها , وريح لياع - بالكسر : شديدة , وقد وضح بذلك صحة ما ~~فسر به إمامنا الشافعي صريحا ومطابقة - كما تقدم , وشهد له PageV02P212 ~~العول في الحساب والسهام , وهو كثرتها , وظهر تحامل من رد ذلك وقال : إنه ~~لا يقال في كثرة العيال إلا : عال يعيل , وكم من عائب قولا صحيح ! وكيف لا ~~وهو من الأئمة المحتج بأقوالهم في اللغة , وقد وافقه غيره وشهد لقوله ~~الحديث الصحيح ؛ قال الإمام يحيى بن أبي الخير العمراني الشافعي في كتابه ~~البيان : { ألا تعولوا } قال الشافعي ms0916 : معناه أن لا تكثر عيالكم ومن ~~تمونونه , وقيل : إن أكثر السلف قالوا : المعنى أن لا تجوروا , يقال : عال ~~يعول - إذا جار وأعال يعيل - إذا كثر عياله ؛ إلا زيد بن أسلم فإنه قال : ~~معناه أن لا تكثر عيالكم , وقول النبي صلى الله عليه وسلم يشهد لذلك , قال ~~: ( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ) . | انتهى . | وهذا الحديث أخرجه الشيخان ~~وغيرهما عن حكيم بن حزام عن أبي هريرة رضي الله عنهما بلفظ ( أفضل الصدقة ~~ما كان عن ظهر غنى , واليد العليا خير من اليد السفلى , وابدأ بمن تعول ) ~~وفي الباب أيضا عن عمران بن حصين وأبي رمثة البلوي وأبي أمامة رضي الله ~~عنهم , وأثر زيد بن أسلم رواه الدارقطني والبيهقي من طريق سعيد بن أبي هلاك ~~عنه , قال : ( ذلك أدنى أن لا يكثر من يعولونه ) أفاده شيخنا بان حجر في ~~تخريج أحاديث الرافعي وقال الإمام : إن تفسير الشافعي هو تفسير الجماعة , ~~عبر عنه بالكناية وهي ذكر الكثرة , وأراد الميل لكون الكثرة , لا تنفك عنه ~~, وقال ابن الزبير : لما تضمنت سورة البقرة ابتداء الخلق وإيجاد آدم عليه ~~الصلاة والسلام من غير أب ولا أم , وأعقبت بسورة آل عمران لتضمنها - مع ذكر ~~في صدرها - أمر عيسى عليه الصلاة والسلام , وأنه كمثل آدم عليه الصلاة ~~والسلام في عدم الافتقار إلى أب , وعلم الموقنون من ذلك أنه تعالى لو شاء ~~لكانت سنة فيمن بعد آدم عليه الصلاة والسلام , فكأن سائر الحيوان لا يتوقف ~~إلا على أم فقط ؛ أعلم سبحانه أن من عدا المذكورين عليهما الصلاة والسلام ~~من ذرية آدم سبيلهم سبيل الأبوين فقال تعالى : { ياأيها الناس اتقوا ~~PageV02P213 ربكم } إلى قوله : { وبث منهما رحالا كثيرا ونساء } ثم أعلم ~~تعالى كيفية النكاح المجعول سببا في التناسل وما يتعلق به , وبين حكام ~~الأرحام والمواريث فتضمنت السورة ابتداء الأمر وانتهاءه , فأعلمنا بكيفية ~~التناكح وصورة الاعتصام واحترام بعضنا لبعض وكيفية تناول الإصلاح فيما بين ~~الزوجين عند التشاجر والشقاق , وبين لنا ما ينكح وما أبيح من العدد وحكم من ~~لم يجد الطول وما يتعلق ms0917 بهذا إلى المواريث , فصل ذلك كله إلا الطلاق . | ~~لأن أحكامه تقدمت , ولأن بناء هذه السورة على التواصل والائتلاف ورعي حقوق ~~ذوي الأرحام وحفظ ذلك كله إلى حالة الموت المكتوب علينا , وناسب هذا ~~المقصود من التواصل والألفة ما افتتحت به السورة من قوله تعالى : ^ ( { ~~الذي خلقكم من نفس واحدة } ) ^ [ النساء : 1 ] , فافتتحها بالالتئام ~~والوصلة ولهذا خصت م حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والمعدلة ~~إبقاء لذلك التواصل فلم يكن الطلاق ليناسب هذا , فلم يقع له هنا ذكر إلا ~~إيماء ^ ( { وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته } ) ^ [ النساء : 13 ] ولكثرة ~~ما يعرض من رعي حظوظ النفوس عند الزوجية ومع القرابة - ويدق ذلك ويغمض - ~~تكرر كثيرا في هذه السورة الأمر بالاتقاء , وبه افتتحت ^ ( { اتقوا ربكم } ~~) ^ [ النساء : 1 ] , ^ ( { واتقوا الله الذي تسآءلون به والأرحام } ) ^ [ ~~النساء : 1 ] , و ^ ( { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن ~~اتقوا الله } ) ^ [ النساء : 131 ] , ثم حذروا من حال من صمم على الكفر ~~وحال اليهود والنصارى والنمافقين وذوي التقلب في الأديان بعد أذن اليقين , ~~وكل ذلك تأكيد لما أمروا به من الاتقاء , والتحمت الآيات إلى الختم ~~بالكلالة من المواريث المتقدمة - انتهى . | < < # | النساء : ( 4 - 6 ) وآتوا النساء صدقاتهن . . . . . # > > ^ ( وآتوا النسآء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه ~~هنيئا مريئا * ولا تؤتوا السفهآء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم ~~فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا * وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا ~~النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوهآ إسرافا ~~وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ~~فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا ) ^ } ) | ولما ~~حذروا من القول الذي من مدلوله المحاجة عن كثرة النساء ؛ كان ربما تعلق به ~~من يبخل عن بعض الحقوق , لا يما يستكثره من الصداق , فأتبعه ما ينفي ذلك , ~~فقال - مخاطبا للأزواج , لأن السياق لهم , معبرا بما يصلح للدفع والالتزام ~~المهيء له : { وآتوا النساء } أي عامة من اليتامى وغيرهن { صدقاتهن } , ~~وقوله مؤكدا للإيتاء بمصدر من ms0918 معناه : { نحلة } مؤيد لذلك , لأن معناها : ~~عطية عن طيب نفس ؛ قال الإمام أبو عبد PageV02P214 الله القزاز في ديوانه : ~~وأصله - أي النحل : إعطاء الشيء لا يراد به عوض وكذا إن قلنا : معنى النحلة ~~الديانة والملة الشرعة والمذهب , أي آتوهن ذلك ديانة . | ولما وقع الأمر ~~بذلك كان ربما أبى المتخلق بالإسلام قبول ما تسمح به المرأة منه بإبراء أو ~~رد على سبيل الهبة - لظنه أن ذلك لا يجوز أن غير ذلك فقال : { فإن طبن لكم ~~} أي متجاوزات { عن شيء } ووحد الضمير ليرجع إلى الصداق المفهوم من الصدقات ~~, ولم يقل : منها , لئلا يظن أن الموهوب لا يجوز إلا إن كان صداقا كاملا ~~فقال : { منه } أي الصداق { نفسا } أي عن شهوة صادقة من غير إكراه ولا ~~خديعة { فكلوه } أي تصرفوا فيه بكل تصرف يخصكم { هنيئا } أي سائغا صالحا ~~لذيذا في عافية بلا مشقة ولا مضرة { مرئيا * } أي جيد المغبة بهجا سارا , ~~لا تنغيص فيه , وربما كان ابتعيض ندبا إلى التعفف عن قبول الكل , لأنه في ~~الغالب لا يكون إلا عن خداع أو ضجر فربما أعقب الندم , وهذا الكلام يدل ~~أيضا على تخصيص الأحرار دون العبيد , لأنهم لا يملكون ماجعلته النساء لهم ~~ليأكلوه هنيئا . | قال الأصبهاني : فإن وهبت له ثم طلبت منه بعد الهبة علم ~~أنها لم تطب نفسها , وعن الشعبي ان رجلا أتى مع امرأته شريحا في عطية ~~أعطتها إياه وهي تطلب أن ترجع , فقال شريح : رد عليها , فقال الرجل : أليس ~~قد قال الله تعالى : < # > 77 ( { فإن طبن لكم } ) 77 < # > [ النساء : 4 ] قال : لو طابت نفسها لما رجعت فيه ؛ وعنه قال : أقيلها ~~فيما وهبت ولا أقيله , لأنهن يخدعن . | ولما أمر بدفع أموال اليتامى ~~والنساء إليهم , ونهى عن أكل شيء منها تزهيدا في المال واستهانة به , وكان ~~في النساء والمحاجير من الأيتام وغيرهم سفهاء , وأمر بالاقتصاد في المعيشة ~~حذرا من الظلم والحاجة نهى عن التبذير , وقد حث سبحانه على حسن رعاية المال ~~في غير آية من كتابه لأنه ( نعم المال الصالح للرجل الصالح ) رواه أحمد ms0919 ~~وابن منيع عن عمرو بن العاص رفعه ؛ لأن الإنسان ما لم يكن فارغ البال لا ~~يمكنه القيام بتحصيل ما يهمه من الدنيا , وما لم يتمكن من تحصيل ما يهمه من ~~الدنيا لا يمكنه أمر الآخرة , ولا يكون فارغ البال إلا بواسطة ما يكفيه من ~~المال - لأنه لا يتمكن في هذه الدار التي مبناها على الأسباب من جلب ~~المنافع ودفع المضار إلا به , فمن أراده لهذا الغرض كان من أعظم الأسباب ~~المعينة له على اكتساب سعادة الآخرين , ومن أراد لنفسه كان من أعظم ~~المعوقات عن سعادة الآخرة فقال تعالى : { ولا تؤتوا } أيها الأزواج ~~والأولياء { السفهاء } أي من محاجيركم ونسائكم وغيرهم { أموالكم } أي ~~الأموال التي خلقها الله لعباده سواء كانت مختصة بكم أو بهم , ولكم بهم , ~~ولكم بها علقة بولاية أو غيرها , فإنه PageV02P215 يجب عليكم حفظها { التي ~~جعل الله } أي الذي له الإحاطة بالعلم الشامل والقدرة التامة { لكم قياما } ~~أي ملاكا وعمادا تقوم بها أحوالكم , فيكون ذلك سببا لضياعها , فضياعها سبب ~~لضياعكم , فهو من تسمية السبب باسم المسبب للمبالغة , في سببيته { وارزقوهم ~~} متجرين { فيها } وعبر بالظرف إشارة إلى الاقتصاد واستثمار الأموال حتى لا ~~تزال موضعا للفضل , حتى تكون النفقة والكسوة من الربح لا من رأس المال { ~~واكسوهم } أي فإن ذلك ليس من المنهي عنه , بل هو من معالي الأخلاق ومحاسن ~~الأعمال { وقولوا لهم } أي مع ذلك { قولا معروفا * } أي في الشرع والعقل ~~كالعدة الحسنة ونحوها , وكل ما سكنت إليه النفس وأحبته من قول أو عمل وليس ~~مخالفا للشرع فهو معروف , فإن ذلك ربما كان أنفع في كثير من الإعطاء وأقطع ~~للشر ؛ والحجر على السفيه مندرج في هذه الآية , لأن ترك الحجر عليه من ~~الإيتاء المنهي عنه . | ولما نهي عن ذلك البذل للسفهاء أيتاما كانا أو ~~غيرهم , بين أنه ليس دائما بل ما دام السفه قائما , فمست الحاجة إلى ~~التعريف بمن يعطي ومن يمنع وكيف عند الدفع , ولما كان السفه أمرا باطنا لا ~~يعرف إلا بالتصرف ولا سيما في المال ؛ بدأ سبحانه بتعليم ms0920 ما يتوصلون به ~~إلأى معرفته فقال مصرحا بالأيتام اهتماما بأمرهم : { وابتلوا اليتامى } أي ~~اختبروهم في أمر الرشد في الدين والمال في مدة مراهقتهم واجعلوا ذلك دأبكم ~~{ حتى إذا بلغوا النكاح } أي وقت الحاجة إليه بالاحتلام أو السن { فإن ~~آنستم } أي علمتم علما أنتم في عظيم تيقنه كأنكم تبصرونه على وجه تحبونه ~~وتطيب أنفسكم به { منهم } أي عند بلوغه { رشدا } أي بذلك التصرف , ونكره ~~لأن وجود كمال الرشد في أحد يعز وقوعه { فادفعوا إليهم أموالهم } أي لزوال ~~الحاجة إلى الحجر بخوف التبذير , وأضافها إليهم بعد إضافتها أولا إلى ~~المعطين إشارة إلى أنه لا يستحقها إلا من يحسن التصرف فيها . | ولما كان ~~الإنسان مجبولا على نقائص منها الطمع وعدم الشبع لا سيما إذا خالط , لا ~~سيما إن حصل له إذن ما ؛ أدبه سبحانه بقوله : { ولا تأكلوها } أي بعلة ~~استحقاقكم لذلك بالعمل فيها { إسرافا } أي مسرفين بالخروج عن القصد في ~~التصرف ووضع الشيء في غير موضعه وإغفال العدل والشفقة { وبدارا } أي ~~مبادرين { أن يكبروا } أي فيأخذوها منكم عند كبرهم فيفوتكم الانتفاع بها , ~~وكأنه عطف بالواو الدالة على تمكن الوصف وتمامه إشارة إلى عدم المؤاخذة بما ~~يعجز عنه الإنسان المجبول على النقصان مما يجري في الأفعال مجرى الوسوسة في ~~الأقوال < # > 77 ( { ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه } ) 77 < # > PageV02P216 ولما أشعر النهي عن أكل الكل بأن لهم في الأكل في الجملة ~~علة مقبولة , أفصح به في قوله : { ومن كان } أي منكم أيها الأولياء { غنيا ~~فليستعفف } أي يطلب العفة ويوجدها ويظهرها عن الأكل منها جملة , فيعف عنه ~~بما بسط الله له من رزقه { ومن كان فقيرا } وهو يتعهد مال اليتيم لإصلاحه , ~~ولما كان يخشى من امتناعه من الأكل منه التفريط فيه بالاشتغال بما يهمه في ~~نفسه , أخرج الكلام في صيغة الأمر فقال معبرا بالأكل لأنه معظم المقصود : { ~~فليأكل بالمعروف } أي بقدر أجرة سعيه . | ولما كان ذلك ربما أفهم الأمان ~~إلى الرشد بكل اعتبار , أمر بالحزم - كما في الطبراني الأوسط عن أنس ^ ( { ~~احترسوا من الناس بسوء الظن ms0921 } ) ^ - فقال : { فإذا دفعتم إليهم } أي ~~اليتامى { أموالهم } أي التي كانت تحت أيديكم لعجزهم عن حفظها { فأشهدوا ~~عليهم } أي احتياطا لأن الأحوال تتبدل , والرشد يتفاوت , فالإشهاد أقطع ~~للشر , وأنفع في كل أمر , والأمر بالإشهاد أزجر للولي عن الخيانة , لأن من ~~عرف أنه لا يقبل عند الخصام إلا ببينة عف غاية العفة , واحترز غاية ~~الاحتراز . | ولما كانت الأموال مظنة لميل النفوس , وكان الحب للشيء يعمي ~~ويصم ؛ ختم الآية بقوله : { وكفى بالله } أي الذي له الحكمة البالغة ~~والقدرة الباهرة والعظمة التي لا مثل لها , والباء في مثل هذا تأكيد لأن ما ~~قرنت به هو الفاعل حقيقة لا مجازا - كما إذا أمرنا بالفعل مثلا { حسيبا * } ~~أي محاسبا بليغا في الحساب , فهو أبلغ تحذيرا لهم وللأيتام من الخيانة ~~والتعدي ومد العين إلى حق الغير . | < < # | النساء : ( 7 - 8 ) للرجال نصيب مما . . . . . # > > ^ ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنسآء نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا * وإذا حضر القسمة ~~أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا ) ^ ~~} ) | ولما ذكر أموال التيامى على حسب ما دعت إليه الحاجة واقتضاه التناسب ~~إلى أن ختم بهذه الآية , كان كائنا سائلا سأل : من أين تكون أموالهم ؛ فبين ~~ذلك بطريق الإجمال بقوله تعالى : { للرجال } أي الذكور من أولاد الميت ~~وأقربائه , ولعله عبر بذلك دون الذكور لأنهم كانوا لا يورثون الصغار , ~~ويخصون الإرث بما عمر الديار , فنبه سبحانه على أن العلة النطفة { نصيب } ~~أي منهم معلوم { مما ترك الوالدان والأقربون } ولما كانوا لا يورثون النساء ~~قال : { وللنساء } ولقصد التصريح للتأكيد قال PageV02P217 موضع ( مما تركوا ~~) : { مما ترك الوالدان والأقربون } مشيرا إلى أنه لا فرق لينهم وبين ~~الرجال في القرب الذي هو سبب الإرث , ثم زاد الأمر تأكيدا وتصريحا بقوله ~~إبدالا مما قبله بتكرير العامل : { مما قل منه أو كثر } ثم عرف بأن ذلك على ~~وجه الحتم الذي لا بد منه , فقال مبينا للاعتناء به بقطعه عن الأول بالنصب ~~على الاختصاص بتقدير أعني : { نصيبا مفروضا * } أي مقدرا واجبا ms0922 مبينا , ~~وهذا الآية مجملة بينتها آية المواريث , وبالآية علم أنها خاصة بالعصبات من ~~التعبير بالفرض لأن الإجماع - كما نقله الأصبهاني عن الرازي - على أنه ليس ~~لذوي الأرحام نصيب مقدر . | ولما بين المفروض أتبعه المندوب فقال تعالى : { ~~وإذا حضر القسمة أولوا القربى } أي ممن لا يرث صغارا أو كبارا { واليتامى ~~والمساكين } أي قرباء أو غرباء { فارزقوهم منه } أي المتروك , وهو أمر ندب ~~لتطييب قلوبهم , وقرينة صرفه عن الوجوب ترك التحديد { وقولوا لهم } أي مع ~~الإعطاء { قولا معروفا * } أي حسنا سائغا في الشرع مقبولا تطيب به نفوسهم . ~~| < < # | النساء : ( 9 - 10 ) وليخش الذين لو . . . . . # > > ^ ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا ~~الله وليقولوا قولا سديدا * إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) ^ } ) | ولما أعاد الوصية باليتامى ~~مرةبعد أخرى , وختم بالأمر بالإنة القول , وكان للتصوير في التأثير في ~~النفس ما ليس لغيره ؛ أعاد الوصية بهم لضعفهم مصورا لحالهم مبنيا أن القول ~~المعروف هو الصواب الذي لا خلل فيه فقال : { وليخش } أي يوقع الخشية على ~~ذرية غيرهم { الذين } وذكر لهم حالا هو جدير فيه فقال : { لو تركوا } أي ~~شارفوا الترك بموت أو هرم , وصور حالهم وحققه بقوله : { من خلفهم } أي بعد ~~موتهم أن عجزهم العجز الذي هو كموتهم { ذرية } أي أولادا من ذكور أو إناث { ~~ضعفا } أي لصغر أو غيره { خافوا عليهم } أي جور الجائرين . | ولما تسبب عن ~~ذلك التصوير في أنفسهم خوفهم على ذرية غيرهم كما يخافون على ذريتهم سواء ~~كانوا أوصياء أو أولياء أو أجانب , وكان هذا الخوف ربما أداهم في قصد نفعهم ~~إلى جور على غيرهم ؛ أمر بما يحفظهم على الصراط السوي بقوله : { فليتقوا } ~~وعبر بالاسم الأعظم إرشادا إلى استحضار جميع عظمته فقال : { الله } أي ~~فليعدلوا في أمرهم ليقيض الله لهم من يعدل في ذريتهم , وإلا أوشك أن يسلط ~~على ذريتهم من يجور عليهم { وليقولوا } أي في ذلك وغيره { قولا سديدا * } ~~أي عدلا قاصدا صوابا , ليدل هذا الظاهر على صلاح ما أتمره ms0923 من الباطن ~~PageV02P218 ولما طال التحذير والزجر والتهويل في شأن اليتامى , وكان ذلك ~~ربما أوجب النفرة من مخالطتهم رأسا فتضيع مصالحم ؛ وصل بذلك ما يبن أن لك ~~خاص بالظالم في سياق موجب لزيادة التحذير فقال مؤكدا لما كان قد رسخ في ~~نفوسهم من الاستهانة بأموالهم : { إن الذين } ولما كان الأكل أعظم مقاصد ~~الإنسان عبر به عن جميع الأغراض فقال : { يأكلون أموال اليتامى ظلما } أي ~~أكلا هو في غير موضعه بغير دليل يدل عليه , فهو كفعل من يمشي في الظلام , ~~ثم أتبعه ما زاده تأكيدا بالتحذير في سياق يدخلونها بأنفسهم : { وسيصلون } ~~أي في الآخرة - بوعيد حتم لا خلف فيه { سعيرا * } أي عظيما هو نهاية في ~~العظمة , وذلك هو معنى ابن عامر وعاصم بالبناء للمجهول , أي يجلئهم إلى ~~صليها مجلىء قاهر لا يقدرون على نوع دفاع له . | < < # | النساء : ( 11 ) يوصيكم الله في . . . . . # > > ^ ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نسآء فوق ~~اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما ~~السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ~~فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بهآ أو دين آبآؤكم وأبناؤكم ~~لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما ) ^ } ~~) | ولما تم ذلك تشوفت النفوس إلى بيان مقادير الاستحقاق بالإرث لكل واحد , ~~وكان قد تقدم ذكر استحقاق الرجال والنساء من غير تقييد يتيم , فاقتضت ~~البلاغة بيان أصول جميع المواريث , وشفاء العليل بإيضاح أمرها , فقال - ~~مستأنفا في جواب من كأنه سأل عن ذلك مؤكدا لما أمر به منها غاية التأكيد ~~مشيرا إلى عظمة هذا العلم بالتقدم في الإيصاء في أول آياته , والتحذير من ~~الضلال في آخرها , ورغب فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه نصف العلم , ~~وحذر من إضاعته بأنه أول علم ينزع من الأمة : { يوصيكم الله } أي بما له من ~~العظمة الكاملة والحكمة البالغة , وبدأ بالأولاد لأن تعلق الإنسان بهم ms0924 أشد ~~فقال : { في أولادكم } أي إذا مات مورثهم . | ولما كان هذا مجملا كان بحيث ~~يطلب تفسيره , فقال جوابا لذلك بادئا بالأشرف بيانا لفضله بالتقديم وجعله ~~أصلا والتفضيل : { للذكر } أي منهم إذا كان معه شيء من PageV02P219 الإناث ~~, ولم يمنعه مانع من قتل ولا مخالفة دين ونحوه { مثل حظ الأنثيين } أي نصيب ~~من شأنه أن يغني ويسعد , وهو الثلثان , إذا انفردتا فللواحدة معه الثلث , ~~فأثبت سبحانه للإناث حظا تغليظا لهم من منعهن مطلقا , ونقصهن عن نصيب ~~الرجال تعريضا بأنهم أصابوا في نفس الحكم بانزالهن عن درجة الرجال . | ولما ~~بان سهم الذكر مع الأنثى بعبارة النص , واشعر ذلك بأن لهن إرثا في الجملة ~~وعند الاجتماع مع الذكر , وفهم بحسب إشارة النص وهي ما ثبت بنظمه , لكنه ~~غير مقصود , ولا سبق له النص - حكم الأنثيين إذا لم يكن معهن ذكر , وهو أن ~~لهما الثلثين , وكان ذلك أيضا مفهما لأن الواحدة غذا كان لها مع الأخ الثلث ~~كان لها ذلك مع الأخت إذا لم يكن ثم ذكر من باب الأولى , فاقتضى ذلك أنهن ~~إذا كن ثلاثا أو أكثر ليس معهم ذكر استغرقن التركة , وإن كانت واحدة ليس ~~معها ذكر لم تزد على الثلث ؛ بين أن الأمر ليس كذلك - كما تقدم - بقوله ~~مبينا إرثهن حال الانفراد : { فإن كن } أي الوارثات { نساء } أي إناثا . | ~~ولما كان ذلك قد يحمل على أقل الجمع , وهو اثنتان حقيقة أو مجازا حقق ونفى ~~هذا الاحتمال بقوله : { فوق اثنتين } أي لا ذكر معهن { فلهن ثلثا ما ترك } ~~أي الميت , لا أزيد من الثلثين { وإن كانت } أي الوارثة { واحدة } أي ~~منفردة , ليس معها غيرها { فلها النصف } أي فقط . | ولما قدم الإيصاء ~~بالأولاد لضعفهم إذا كانوا صغارا , وكان الوالد أقرب الناس إلى الولد ~~وأحقهم بصلته وأشدهم اتصالا به أتبعه حكمه فقال : { ولأبويه } أي الميت , ~~ثم فصل بعد أن أجمل ليكون الكلام آكد , ويكون سامعه إليه أشوق بقوله مبدلا ~~بتكرير العامل : { لكل واحد منهما } أي أبيه وأمه اللذين ثنيا بأبوين { ~~السدس مما ترك } ثم بين ms0925 شرط ذلك فقال : { إن كان له } أي الميت { ولد } أي ~~ذكر , فإن كانت أنثى أخذ الأب السدس فرضا , والباقي بعد الفروض حق عصوبة . ~~| ولما بين حكمهما مع الأولاد تلاه بحالة فقدهم فقال : { فإن لم يكن له ولد ~~} أي ذكر ولا أنثى { وورثه أبواه } أي فقط { فلأمه الثلث } أي وللأب الباقي ~~لأن الفرض أنه لا وارث له غيرهما , ولما كان التقدير : هذا مع فقد الإخوة ~~أيضا , بني عليه قوله : { فإن كان له إخوة } أي اثنان فصاعدا ذكورا أو لا , ~~مع فقد الأولاد { فلأمه السدس } أي لأن الإخوة ينقصونها عن الثلث إليه , ~~والباقي للأب , ولا شيء لهم , وأما الأخت الواحدة فإنها لا تنقصها إلى ~~السدس سواء كانت وارثة أو لا , وكذا الأخ إذا كان واحدا , ثم بين أن هذا ~~كله بعد إخراج الوصية والدين لأن ذلك سبق فيه حق الميت الذي جمع المال ~~PageV02P220 فقال : { من بعد وصية يوصي بها } أي كما مندوب لكل ميت , ~~وقدمها في الوضع على ما هو مقدم عليها في الشرع بعثا على أدائها , لأن أنفس ~~الورثة تشح بها , لكونها مثل مشاركتهم في الإرث لأنها بلا عوض { أو دين } ~~أي إن كان عليه دين ولما كان الإنسان قد يرى أن بعض أقربائه من أصوله أو ~~فصوله أو غيرهم أنفع له , فأحب تفضيله فتعدى هذه الحدود لما رآه , وكان ما ~~رآه خلاف الحق في الحال أو في المآل , وكان الله تعالى هو المستأثر بعلم ~~ذلك , ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : ( أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون ~~بغيضك يوما ما ) الحديث : لأن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن , يقلبها ~~كيف شاء ؛ قال تعالى حاثا على لزوم ما حده مؤكدا بالجملة الاعتراضية - كما ~~هو الشأن في اعتراض - لأن هذه القسمة مخالفة لما كانت العرب تفعله , وهي ~~على وجوه لاتدرك عللها : { أبآؤكم وأبنآؤكم } أي الذين فضلنا لكم إرثهم على ~~ما ذكرنا { لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا } أي من غيره , لأنه لا إحاطة لكم ~~في علم ولا قدرة , فلو وكل الأمر ms0926 في القسمة إليكم لما وضعتم الأمور في أحكم ~~مواضعها . | ولما بين أن الإرث على ما حده سبحانه وتعالى مؤكدا له بلفظ ~~الوصية , وزاده تأكيدا بما جعله اعتراضا بين الإيصاء وبين ( فريضة ) بين ~~أنه على سبيل الحتم الذي من تركه عصى , فقال ذاكرا مصدرا مأخوذا من معنى ~~الكلام : { فريضة من الله } أي الذي له الأمر كله , ثم زادهم حثا على ذلك ~~ورغبة فيه بقوله تعليلا لفريضته عليهم مطلقا وعلى هذا الوجه : { إن الله } ~~أي المحيط علما وقدرة { كان } ولم يزل ولا يزال لأن وجود لا يتفاوت في وقت ~~من الأوقات , لأنه لا يجري عليه زمان , ولا يحويه مكان , لأنه خالقهما { ~~عليما } أي بالعواقب { حكيما * } أي فوضع لكم هذه الأحكام على غاية الإحكام ~~في جلب المنافع لكم ودفع الضر عنكم , ورتبها سبحانه وتعالى أحسن ترتيب , ~~فإن الوارث يتصل بالميت تارة بواسطة وهو الكلالة , وأخرى بلا واسطة , وهذا ~~تارة يكون بنسب , وتارة بصهر ونسب , فقدم ما هو بلا واسطة لشدة قربه , وبدأ ~~منه بالنسب لقوته , وبدأ منهم بالولد لمزيد الاعتناء به . | PageV02P221 < ~~< # | النساء : ( 12 ) ولكم نصف ما . . . . . # > > ^ ( ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم ~~الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بهآ أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم ~~يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بهآ ~~أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما ~~السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركآء في الثلث من بعد وصية يوصى بهآ أو ~~دين غير مضآر وصية من الله والله عليم حليم ) ^ } ) | ولما كان الإرث ~~بالمصاهرة أضعف من الإرث بالقرابة ذكره بعده , وقدمه على الإرث بقرابة ~~الأخوة تعريفا بالاهتمام به ولأنه بلا واسطة , وقدم منه الرجل لأنه أفضل ~~فقال : { ولكم نصف ما ترك أزواجكم } وبين شرط هذا بقوله : { إن لم يكن لهن ~~ولد } أي منكم أو من غيركم , ثم بين الحكم ms0927 على التقدير الآخر فقال : { فإن ~~كان لهن ولد } أي وارث وإن سفل سواء كان ابنا أو بنتا { فلكم الربع مما ~~تركن } أي تركت كل واحدة منهن , ويغسلها الزوج لأن الله أضافها إليه باسم ~~الزوجية , والأصل الحقيقة , ولا يضر حرمة جماعها بعد الموت وحل نكاح أختها ~~وأربع سواها , لأن ذلك لفقد المقتضي أو المانع وهو الحياة , وذلك لا يمنع ~~علقة النكاح المبيح للغسل - كما لم يمنعها لأجل العدة لو كان الفراق ~~بالطلاق , ثم كرر حكم الوصية اهتماما بشأنها فقال : { من بعد وصية يوصين ~~بها } أي الأزواج أو بعضهن , ولعله جمع إشارة إلى أن الوصية أمر عظيم ينبغي ~~أن يكون مستحضرا في الذهن غير مغفول عنه عند أحد من الناس { أو دين } ولما ~~بين إرث الرجل أتبعه إرثها فقال معلما أنه على النصف مما للزوج - كما مضى ~~في الأولاد - : { ولهن } أي عددا كن أو لا { الربع مما تركتم } أي يشتركن ~~فيه على السواء إن كن عددا , وتنفرد به الواحدة إن لم يكن غيرها , ثم بين ~~شرطه بقوله : { إن لم يكن لكم ولدا } ثم بين حكم القسم الآخر بقوله : { فإن ~~كان لكم ولد } أي وارث { فلهن الثمن مما تركتم } كما تقدم في الربع , ثم ~~كرر الخروج عن حق الموروث فقال : { من بعد وصية توصون بها أو دين } ولما ~~فرغ من قسمي ما اتصل بالميت بلا واسطة أتبعه الثالث وهو ما اتصل بواسطة , ~~ولما كان قسمين , لأنه تارة يتصل من جهة الأم فقط وهم الأخياف , أمهم واحدة ~~وآباؤهم شتى , وتارة من جهة الأب فقط وهم العلات , أبوهم واحد وأمهاتهم شتى ~~, وتارة من جهة الأبوين وهم الأعيان , وكانت قرابة الأخوة أضعف من قرابة ~~PageV02P222 البنوة ؛ أكدها بما يقتضيه حالها , فجعلها في قصتين , ذكر ~~إحداهما هنا إدخالا لها في حكم الوصية المفروضة , وختم بالأخرى السورة لأن ~~الختام من مظنات الاهتمام . | ولما كانت قرابة الأم أضعف من قرابة الأب ~~قدمها هنا دلالة على الاهتمام بشأنها , وأن ما كانوا يفعلونه من حرمان ~~الإناث خطأ وجور عن منهاج العدل , فقال ms0928 تعالى : { وإن كان } أي وجد { رجل ~~يورث } ي من ورث حال كونه { كلالة } أي ذا حالة لا ولد له فيها ولا والد , ~~أو يكون يورث من : أورث - بمعنى أن إرث الوارث بواسطة من مات كذلك : لا هو ~~ولد للميت ولا والد , ووارثه أيضا كلالة لأنه ليس بوالد ولا ولد , فالمورث ~~كلالة وارثه , والوارث كلالة مورثة ؛ قال الأصبهاني : رجل كلالة , وامرأة ~~كلالة , وقوم كلالة , لا يثنى ولا يجمع , لأنه مصدر كالدلالة والوكالة , ~~وهو بمعنى الكلال , وهو ذهاب القوة من الإعياء , وقد تطلق الكلالة عل ~~القرابة من غير جهة الولد والوالد , ومنه قولهم : ما ورث المجد عن كلالة { ~~أو } وجدت { امرأة } أي تورث كذلك , ويجوز أن يكون ( يورث ) صفة , و ( ~~كلالة ) خبر كان { وله } خبر كان { وله } أي للمذكور وهو الموروث على أي ~~الحالتين كان . | ولما كانت الإدلاء بمحض الأنوثة يستوي الذكر والأنثى ~~لضعفها قال { أخ أو أخت } أي من الأم بإجماع المفسرين ، وهي قراءة أبي وسعد ~~بن مالك رضي الله عنهما { فلكل واحد منهما السدس } أي ممن تركته ، من غير ~~فضل للذكر على الأنثى . ولما أفهم ذلك ، أي بتحويل العارة المذكورة من أن ~~يقال : فله السدس أنهما إن كانا معا كان لهما الثلث ، وكان ذلك قد يفهم أنه ~~إن زاد الإرث عن الثلث نفاه بقوله { فإن كانوا } أي ما أفهمه ( أخ أو أخت ) ~~من الوارث منهم { أكثر من ذلك } أي واحد ، كيق كانوا } فهم شركاء } أي ~~بالسزية { في الثلث } أي المجتمع من السدسين اللذين تقدم أنهما بينهما ، لا ~~يزادون على ذلك شيئا ، ثم كرر الحث على مصلحة الميت بيانا للاهتمام بها ~~فقال { من بعد وصية يوصين بها أو دين } | ولكا كان الميت قد يضار ورثته ، ~~أو بعضهم بشيء يخرجه عنهم ظاهرا أو باطنا كأن يقر بماله لأجنبي ، أو بدين ~~لا حقيقة به ، أو بدين كان له بأنه استوفاه ، ختم الآية بالزجر عن ذلك ~~بقوله { غير مضار } مع ما تقدم من الإشارة إلى ذلك أول القصة بقول { لا ~~تدرون أيهم أقرب لكم ms0929 نفعا } [ النساء : 11 ] قال الأصبهاني : والإضرار في ~~الوصية من الكبائر ، ثنم أكد ذلك بقوله مصدرا ليوصيكم { وصية من الله } أي ~~الذي له الأمر كله مع تأكيده بجميع ما في الآيات تعظيما للأمر باكتناف ~~الوصية بأولها وآخرها ، وهو دون الفريضة في حق الأولاد لأن حقهم أكد . ~~PageV02P223 ولما بين سبحانه الأصول وفصل النزاع ، وكان ذلك خلاف مألوفهم ~~وكان الفطام عن المألوف في الذروة من المشقة ، اقتضى الحال الوعظ بالترغيب ~~والترهيب ، فختم القصة بقوله : { والله } أي الجامع لصفات الكمال من الجلال ~~والجمال ، وللإشارة إلأى عظيم الوصية كرر هذا الاسم الأعظم في جميع القصة ، ~~ثم قال { عليم } أي فلا يخفى عليه أمر من خالف بقول أو فعل ، نية أو غيرها ~~{ عليم } فهو من شأنه أن لا يعاجل بالعقوبة فلا يعتر بإمهاله ، فإنه أخذ ~~بعد طول الأناة لم يفلت فاحذروا غضب الحليم وفي الوصفين مع التهديد استجلاب ~~للتوبة . < < # | النساء : ( 13 - 15 ) تلك حدود الله . . . . . # > > ^ ( تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده ~~يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين * واللاتي يأتين الفاحشة من نسآئكم ~~فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن ~~الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) ^ } ) | ولما كان فطم أنفسهم عن منع ~~الأطفال والنساء شديدا عليهم لمرونهم عليه بمرور الدهور الطويلة على ~~إطباقهم على فعله واستحسانهم له أتبعه سبحانه الترغيب والترهيب لئلا يغتر ~~بوصف الحليم , فقال معظما للأمر بأداة البعد ومشيرا إلى جميع ما تقدم من ~~أمر المواريث والنساء واليتامى وغيره : { تلك } أي هذه الحدود الجليلة ~~النفع العظيمة الجدوى المذكورة من أول هذه السورة , بل من أول القرآن { ~~حدود الله } أي الملك الأعظم , فمن راعاها - ولو لم يقصد طاعته , بل رفعا ~~لنفسه عن دناءة الإخلاد إلى الفاني ومعرة الاستئثار على الضعيف المنبىء عن ~~البخل وسفول الهمة - نال خيرا كبيرا , فإنه يوشك أن يجره ذلك إلى أن يكون ~~ممن يطيع الله { ومن يطع الله } الحائز ms0930 لصفتي الجلال والإكرام { ورسوله } ~~أي في جميع طاعاته هذه وغيرها , بالإقبال عليها وترك ما سواها لأجله سبحانه ~~؛ قال الأصبهاني : ( من ) عام ووقوعه عقيب هذه التكاليف الخاصة لا يخصصه . ~~ولما تشوف السامع بكلتيه إلأى الخبر التفت إليه تعظيما للأمر على قراءة ~~نافع وابن عامر بالنون فقال { ندخله جنات } أي بساتين ، وقراءة الجماعة ~~بالياء عظيمة أيضا لبنائها على الأسم الأعظم وإن كانت هذه أشد تنشيطات بلذة ~~الالتفات { تجري من تحتها الأنهار } أي لأن أرضها معدن المياه ، ففي أي ~~موضع أردت جرى نهر ، فهي لا تزال يانعة غضة ، وجمع الفائزين بدخول الجنة في ~~قوله { خالدين فيها } تبشيرا بكثرة الواقف عند هذه الحدود ، ولأن منادمة ~~الإخوان من أعلى نعيم الجنان . | PageV02P224 ولما كان اختصاصهم بالإرث عن ~~النساء والأطفال من الفوز عندهم , بل لم يكن الفوز العظيم عندهم إلا ~~الاحتواء على الأموال وبلوغ ما في البال منها من الآمال قال تعالى معظما ~~بأداة البعد : { وذلك } أي الأمر العالي المرتبة من الطاعة المندوب إليها { ~~الفوز العظيم * } أي لا غيره من الاحتواء على ما لم يأذن به الله , وهذا ~~أنسب شيء لتقديم الترغيب لتسمح نفوسهم بترك ما كانوا فيه مع ما فيه من ~~التلطف بهذه الأمة والتبشير له صلى الله عليه وسلم بأنها مطيعة راشدة . | ~~ولما أشربت القلوب الصافية ذوات الهمم العالية حب نيل هذا الفوز أتبع ~~الترهيب فطما لها عن تلك الفوائد بالكلية فقال : { ومن يعص الله } أي الذي ~~له العظمة كلها { ورسله } أي في ذلك وغيره { ويتعد حدوده } أي التي حدها في ~~هذه الأحكام وغيرها , وأفرد العاصي في النيران في قوله : { يدخله نارا ~~خالدا فيها } لأن الانفراد المقتضي للوحشة من العذاب والهوان , ولما كان ~~منعهم للنساء والأطفال من الإرث استهانة بهم ختم الآية بقوله : { وله عذاب ~~مهين * } ولما تقدم سبحانه في الإيصاء بالنساء , وكان الإحسان في الدنيا ~~تارة يكون بالثواب , وارة يكون بالزجر والعتاب , لأن مدار الشرائع على ~~العدل والإنصاف , والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط والتفريط , وختم ~~سبحانه بإهانة العاصي إحسانا إليه بكفه عن ms0931 الفساد , لئلا يلقيه ذلك إلى ~~الهلاك أبد الآباد , وكان من أفحش العصيان الزنى , وكان الفساد في النساء ~~أكثر , والفتنة بهن أكبر , والضرر منهن أخطر , وقد يدخلن على الرجال من يرث ~~منهم من غير أولادهم ؛ قدمهن فيه اهتماما بزجرهن فقال : { واللاتي } وهو ~~جمع ( التي ) ولعله عبر فيهن بالجمع إشارة إلى كثرتهن - كما أشار إلى ذلك { ~~مثنى وثلاث ورباع } [ النساء : 3 ] وإلى كثرة الفساد منهن { يأتين } أي ~~يفعلن من إطلاق السبب على المسبب والتعبي ربع أبلغ { الفاحشة } أي الفعلة ~~الشديدة الشناعة ، وفي الآية لأن من أعظم المرادات بنظمها عقب آيات الإرث ~~وما تقدمها الاحتياط للنسب إشارة بذكر عقوبة الزانية من غير تعرض لأرص ~~الولد الآتي منها إلأى أن الولد للفراش ، وأنه لا ينفي بالمظنة ، بل بعد ~~التحقق على ما سورة النور ، لأنهع لا يلزم من وجود الزنى نفيه ، وكونه من ~~الزنى ، قال أبو حيان في النهر : ' الفقاحشة هنا الزنى بإجماع المفسرين إلا ~~ما ذهب إليه مجاهد وتبعه أ [ و مسلم الأصفهاني من أنها لامساحقة ، ومن ~~الرجال اللواط ، ثم بين الموصول بقوله { من نسائكم } أي الحرائر فاستشهدوا ~~} أي فأطلبوا أن تشهدوا { عليهن أربعة } من الرجال . ولما كان تعالى قد جعل ~~هذه الأمة وسطا يقبلون على غيرهم ولا يقبل غيرهم PageV02P225 عليهم قال { ~~منكم } أي من عدول المسلمين بأنهن فعلنها { فإن شهدوا } أي بذلك { فأمسكوهن ~~} أب فاحبسوهن { في البيوت } أي وامنعوهن من الخروج ، فإن ذلك أصون لهن ، ~~وليستمر هذا المنع { حتى يتوفاهن الموت } أي يأتيهن هن وافيات الأعراض { أو ~~يجعل الله } المحيط علمه وحكمته { لهن سبيلا } أي للخروج قبل الموت بتبين ~~الحد أو بالنكاح ، وإن لم يشهدج الأربعة لم يفعل بهن ذلك وإن تحقق الفعل . ~~| < < # | النساء : ( 16 - 18 ) واللذان يأتيانها منكم . . . . . # > > ^ ( واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهمآ إن ~~الله كان توابا رحيما * إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم ~~يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما * وليست ~~التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت ms0932 قال إني تبت الآن ولا ~~الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ) ^ } ) | ولما ذكر ~~أمر النساء أتبعه حكم الرجال على وجه يعم النساء أيضا فقال : { والذان } ~~وهو تثنية ( الذي ) وشدد نونه ابن كثير تقوية له ليقرب من الأسماء المتمكنة ~~{ يأتينها منكم } أي من بكر أو ثيب , أو رجل أو امرأة , ويثبت ذلك بشهادة ~~الأربعة . | كما تقدم { فآذوهما } وقد بين مجمل الأذى الصادق باللسان وغيره ~~آية الجلد وسنة الرجم { فإن تابا } أي بالندم والإقلاع والعز على عدم العود ~~{ وأصحا } أي بالاستمرار على ما عزما عليه , ومضت مدة علم فيها الصدق في ~~ذلك { فأعرضوا عنهما } أي عن أذاهما , وهو يدل على أن الأذى باللسان يستمر ~~حتى يحصل الاستبراء , ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي الذي له جميع صفات ~~الكمال { كان توابا } أي رجاعا بمن رجع عن عصيانه إلى ما كان فيه من ~~المنزلة { رحيما * } أي يخص من يشاء من عباده بالتوفيق لما يرضاه له , ~~فتخلقوا بفعله سبحانه وارحموا المذنبين إذا تابوا , ولا يكن أذاكم لهم إلا ~~اله ليرجعوا , وليكن أكثر كلامكم لهم الوعظ بما يقبل بقلوبهم إلى ما ترضاه ~~الإلهية , ويؤيده أن المراد بهذا البكر والثيب من الرجال والنساء تفسير ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فيما رواه مسلم والأربعة والدارمي عن عبادة ~~بن الصامت رضي الله عنه ( قد جعل الله لهن سبيلا , البكر بالبكر جلد مائة ~~وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ) فالحديث مبين لما أجمل في ~~الآية من ذكر السبيل . | PageV02P226 ولما ختم ذلك بذكر توبة الزناة , وكان ~~الحامل على الزنى - على ما يقتضيه الطبع البشري - شدة الشبق وقلة النظر في ~~العواقب , وكان ذلك إنما هو في الشباب ؛ وصل بذلك قوله تعالى معرفا بوقت ~~التوبة وشرطها مرغبا في تعجيلها مرهبا من تأخيرها : { إنما التوبة } وهي ~~رجوع العبد عن المعصية اعتذارا إلى الله تعالى , والمراد هنا قبولها , سماه ~~باسمها لأنها بدون القبول لا نفع لها , فكأنه لا حقيقة لها . | ولما شبه ~~قبوله لها بالواجب من حيث إنه بها ms0933 , لأنه لا يبدل القول لديه ؛ عبر بحرف ~~الاستعلاء المؤذن بالوجب حثا عليها وترغيبا فيها فقال : { على الله } أي ~~الجامع بصفات الكمال { للذين يعملون السوء } أي سوء كان من فسق أو كفر , ~~وقال : { بجهالة } إشارة إلى شدة قبح العصيان , لا سيما الزنى من المشايخ , ~~لإشعار السياق ترهيبا بأن الأمر فيهم ليس كذلك - كما صرح به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما رواه البزار بإسناد جيد عن سلمان رضي الله عنه ( ثلاثة لا ~~يدخلون الجنة : اليخ الزاني , والإمام الكذاب , والعائل المزهو ) وهو في ~~مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ~~ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم : شيخ زان , وملك كذاب , وعائل ~~مستكبر ) وهو عن كثير من الصحابة من طرق كثيرة , وذلك لأن حضور الموت ~~بالقوة القريبة من الفعل وإضعاف القوى الموهنة لداعية الشهوة قريب من حضوره ~~بالفعل , وذلك ينبغي أن يكون مذهبا لداعية الجهل , ماحقا لعرامة الشباب , ~~سواء قلنا : إن المراد بالجهالة ضد الحلم , أو ضد العلم ؛ قال الإمام عبد ~~الحق في كتابه الواعي : قال أبو عبد الله - يعني القزاز : والجاهلية ~~الجهلاء اسم وقع على أهل الشرك يكون مأخوذا : استجهلت الريح الغصن - إذا ~~حركته , فكأن الجهل إنما هو حركة تخرج عن الحق والعلم - انتهى . | فالمعنى ~~حينئذ : يعملون السوء ملتبسين بسفه أو بحركة أو بحركة وخفة PageV02P227 ~~أخرجتهم عن الحق والعلم فكانوا كأنهم لا يعلمون - بعملهم عمل أهل الجاهلية ~~الذين لا يعلمون , وزاد في التنفير من مواقعة السوء والتحذير بقوله : { ثم ~~يتوبون } أي يجددون التوبة . | ولما كان المراد الترغيب فيها ولو قصر زمنها ~~بمعاودة الذنب أثبت الجار فقال : { من } أي من بعض زمان { قريب } أي من زمن ~~المعصية هم في فسحة من الأجل , وذلك كناية عن عدم الإصرار إلى الموت , ~~ولعله عبر بثم إشارة إلى بعد التوبة ولا سيما مع القرب ممن واقع المعصية , ~~لأن الغالب أن الإنسان إذا ارتبك في حبائلها لا يخلص إلا بعد عسر , ولذلك ~~أشار إلى تعظيمهم بأداة البعد في قوله ms0934 - مسببا عن توبتهم واعدا أنه فاعل ما ~~أوجبه على نفس لا محالة من غير خلف وإن كان لا يجب عليه شيء , ولا يقبح منه ~~شيء : { فأولئك } أي العظيمو الرتبة الصادقو الإيمان { يتوب الله } أي الذي ~~له جميع صفات الكمال { عليهم } أي يردهم إلى ما كانوا فيه عندهم من مكانة ~~القرب قبل مواقعة الذنب { وكان الله } أي المحيط علما وقدرة { عليما } أي ~~بالصادقين في التوبة . | والكاذبين وبنياتهم , فهو يعاملهم بحسب ما يقتضيه ~~حالهم { حكيما } فهو يضع الأشياء في أحكم محل لها , فمهما فعله لم يمكن ~~نقضه . | ولما بين بحسانه المقبول أتبعه المطرود فقال : { وليست التوبة } ~~أي قبولها { للذين يعملون السيئات } أي واحده بعد أخرى مصرين عليها فسقة ~~كانوا أو فكرة , غير راجعين من قريب , بل يمهلون { حتى إذا حضر } ولما كان ~~تقديم المفعول - على وجه يجوز كل سامع وقوعه عليه - أهول , لكونه يصير ~~مرتقبا حال فاعله , خائفا من عاقبته قال : { أحدهم الموت } أي بأن وصل إلى ~~حد الغرغرة , وهي حالة المعاينة { قال } أي بلسانه كفرعون , أو قلبه { إني ~~تبت الآن } فبين أن ما قبل الاحتضار قريب مع الترغيب في المسارعة جدا ~~بالتعبير بقريب { ولا الذين } أي وليست التوبة للذين { يموتون وهم كفار } ~~حقيقة أو مجازا , من غير أن يتوبوا , ولا عند الغرغرة , فسوى بين الفسق ~~والكفر تنفيرا من الفسق لصعوبة النزع عنه بعد مواقعته , ولذلك جمعهما في ~~العذاب بقوله - جوابا لمن كأنه قال : فما جزاء هذين الصنفين : { أولئك } أي ~~البعداء من الرحمة , الذين لم يتوبوا إلا حال الغرغرة , والذين ماتوا مصرين ~~{ أعتدنا } أي هيأنا وأحضرنا { لهم عذابا } ولما كان تأخير التوبة لذة ~~نفسانية ختم بقوله : { أليما * } أي نعذب به الكافرين ومن شئنا من عصاة ~~المؤمنين , لأن توبتهم في تلك الحالة عدم , ولاميت من غير توبة من المؤمنين ~~في المشيئة . | PageV02P228 < < # | النساء : ( 19 - 21 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( ياأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النسآء كرها ولا تعضلوهن ~~لتذهبوا ببعض مآ آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن ~~كرهتموهن فعسى ms0935 أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا * وإن أردتم ~~استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه ~~بهتانا وإثما مبينا * وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ~~ميثاقا غليظا ) ^ } ) | ولما انقضى ما تخلل ذكر النساء الوالدات للوراث , ~~وختمه بهذا التهديد الهائل لمن فعل مالا يحل له ؛ وصل الكلام فيهن بأمر من ~~فعله , فهو زان مصر على الزنى إلى الموت إن اعتقد حرمته , أو كافر إن اعتقد ~~حله , فقال مشيرا بتخصيص المؤمنين عقب ^ ( { ولا الذين يموتون وهم كفار } ) ~~^ [ النساء : 18 ] إلى أنه لا يرث كافر من مسلم , وإلا لقال : يأيها الناس ~~- مثلا , منفرا من ذلك بالتقييد بما هو لأدنى الإيمان : { ياأيها الذين ~~آمنوا } أي فوقعت بهم الإيمان عند زواجرنا { لا يحل لكم أن ترثوا النساء } ~~أي مالهن { كرها } أي كارهين لهن , لا حامل لكم على نكاحهن إلا رجاء الإرث ~~, وذلك أنهم كانوا ينكحون التيامى لمالهن , وليس لهم فيهن رغبة إلا تربص ~~الموت لأخذ مالهن ميراثا - كما سيأتي في تفسير ^ ( { ويستفتونك في النساء } ~~) ^ [ النساء : 127 ] أو يكون الفعل واقعا على نفس النساء , ويكون ( كرها ) ~~على هذا حالا مؤكدة , أي كارهات , أو ذوات كره , وذلك لأن الرجل كان إذا ~~مات وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبة من عصبته فيلقي ثوبه عليها , ~~فيصير أحق بها من نفسها ومن غيرها , فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق ~~الأول الذي أصدقها الميت , وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها , وإن شاء عضلها ~~ومنعها من الأزواج , يضارها لتفتدي منه بما ورثت من الميت , أو تموت هي ~~فيرثها , وكان أهل المدينة على هذا حتى توفي أبو قيس بن الأسلت , ففعل ابنه ~~حصن هذا مع زوجة له , فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأنزل ~~الله هذه الآية , روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ؛ ~~( كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته , إن شاء بعضهم تزوجها , ~~وإن شاؤوا زوجوها , وإن شاؤوا لم يزوجوها , وهم ms0936 أحق بها من أهلها , فنزلت ~~هذه الآية في ذلك { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } ) ولهذا أتبعه ~~سبحانه قوله : { ولا تعضلوهن } أي تمنعوهن من التزوج بعد طلاقكم لهن أو بعد ~~موت أزواجهن , أوتشددوا عليهن بالمضارة وهو في حبائلكم ؛ قال البيضاوي : ~~PageV02P229 وأصل العضل : التضييق , يقال عضلت الدجاجة بيضها - انتهى . | ~~والظاهر أن مدار مادته إنما هو على الاشتداد , ومن عضلة الساق , وهي اللحمة ~~التي في باطنه , ونقل عبد الحق أنها كل لحم اجتمع , قال : وقال الخليل : كل ~~لحمة اشتملت على عصبة - انتهى . | وتارة يكون الاشتداد ناظرا إلى المنع , ~~وتارة إلى الغلبة والضيق , ثم علل ذلك بقوله : { لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ~~} أي أنتم إن كن أزواجا لكم , أو مورثوكم إن كن أزواجا لهم وعضلتموهن بعدهم ~~, ليذهب ذلك بسبب إنفاقهم له على أنفسهن في زمن العضل , أو بسبب افتدائهن ~~لأنفسهن به منكم , ثم استثنى من تحريم العضل في جميع الحالات فقال : { إلا ~~أن } أي لا تفعلوا ذلك لعلة من العللل إلا لعلة أن { يأتين بفاحشة } أي ~~فعلة زائدة القبح { مبينة } أي بالشهود الأربعة إن كانت زنى فاعضلوهن ~~بالإمساك في البيوت - كما مضى - لأن من تعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه , ~~أو بمن يقبل من الشهود إن كانت نشوزا وسوء عشرة , فلكم العضل حينئذ إلى ~~الصلاح أو الافتداء بما تطيب به النفس , والأنسب لسياق الأمر في { وعاشروهن ~~} أن يكون { تعضلونه } منهيا , لا معطوفا على ( أن ترثوا ) { بالمعروف } أي ~~من القول والفعل بالمبيت والنفقة والموادة قبل الإتيان بالفاحشة { فإن } أي ~~إن كنتم لا تكرهونهن فالأمر واضح , وإن { كرهتموهن } فلا تبادروا إلى ~~المضاجرة أو المفارقة , واصبروا عليهن نظرا لما هو الأصلح , لا لمجرد الميل ~~النفسي , فإن الهوى شأنه أن لا يدعو إلى خير ثم دل على هذه العلة بقوله : { ~~فعسى } ولوضوح دلالتها على ذلك صح جعلها جوابا للشرط { أن تكرهوا شيئا } أي ~~من الأزواج أو غيرها , لم يقيده سبحانه تعميما تتميما للفائدة { ويجعل الله ~~} أي المحيط علما وقدرة , وغيب بحكمته علمكم العواقب لئلا تسكنوا إلى مألوف ms0937 ~~, أو تنفروا من مكروه { فيه خيرا كثيرا * } ولما نهى عن العضل تسببا إلى ~~إذهاب بعض ما أعطيته المرأة أتبعه التصريح بالنهي عن أخذ شيء منه في غير ~~الحالة التي أذن فيها في المضارة فقال : { وإن } أي إن لم تعضلوا المرأة , ~~بل { أردتم استبدال زوج } أي تنكحونها { مكان زوج } أي فارقتموها أو لا , ~~ولم يكن من قبلنا ما يبيح الضرار . | ولما كان المراد بزوج الجنس جمع في ~~قوله : { وآتيتم إحداهن } أي إحدى النساء اللاتي وقع الإذن لكم في جمعهن في ~~النكاح سواء كانت بدلا أو مستبدلا بها { قنطارا } أي مالا جما { فلا تأخذوا ~~منه شيئا } أي بالمضارة عن غير طيب نفس منها , ولا سبب مباح , ثم عظم أخذه ~~باستفهام إنكار وتوبيخ فقال : { أتأخذونه } أي على ذلك الوجه , ولما تقدم ~~أن من صور الغصب على الافتداء حال الإتيان بالفاحشة شبه الأخذ في هذه ~~PageV02P230 الحالة التي لا سبب لها بالأخذ في تلك الحالة , فجعل الأخذ على ~~هذه الصورة قائما مقام القذف بما لا حقيقة له فلذلك قال : { بهتانا وإثما ~~مبينا * } أ يكذوي بهتان في أخذه وإثم مبين - لكونه لا سبب له - يورث شبهة ~~فيه , ثم غلظ ذلك باستفهام آخر كذلك فقال : { وكيف تأخذونه وقد } أي والحال ~~أنه قد { أفضى } أي بالملامسة { بعضكم إلى بعض } أي فكدتم أن تصيروا جسدا ~~واحدا { وأخذن } أي النساء { منكم } أي بالإفضاء والاتحاد { ميثاقا غليظا * ~~} قويا عظيما , أي بتقوى الله في المعاشرة بالإحسان وعدم الإساءة , لأن ~~مبنيى النكاح على ذلك وإن لم يصرح به فيه . | < < # | النساء : ( 22 - 23 ) ولا تنكحوا ما . . . . . # > > ^ ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ~~ومقتا وسآء سبيلا * حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم ~~وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ~~وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم اللاتي دخلتم بهن فإن ~~لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن ~~تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف إن الله ms0938 كان غفورا رحيما ) ^ } ) | ولما ~~كرر ذكر الإذن في نكاحهن وما تضمنه منطوقا مفهوما , وكان قد تقدم الإذن في ~~نكاح ما طاب من النساء , وكان الطيب شرعا قد يحمل على الحل ؛ مست الحاجة ~~إلى مايحل منهن لذلك وما يحرم فقال : { ولا تنكحوا } أي تتزوجوا وتجامعوا { ~~ما نكح } أي بمجرد العقد في الحرة , وبالوطء في ملك اليمين { آبأؤكم } وبين ~~{ ما } بقوله : { من النساء } أي سواء كانت إماء أو لا , بنكاح أو ملك يمين ~~, وعبر بما دون ( من ) لما في النساء غالبا من السفه المدني لما لا يعقل . ~~| ولما نهي عن ذلك فنزعت النفوس عما كان قد ألف بهاؤه فلاح أنه في غاية ~~القباحة وأ , الميل إليه إنما هو شهوة بهيمية لا شيء فيها من عقل ولا مروة ~~, وكانت عادتهم في مثل ذلك مع التأسف على ارتكابه السؤال عما مضى منه - كما ~~وقع في استقبال بيت المقدس وشرب الخمر ؛ أتبعه الاستثناء من لازم الحكم وهو ~~: فإنه موجب لمقت من ارتكبه وعقابه فقال : { إلا ما قد سلف } أي لكم من فعل ~~ذلك في أيام الجاهلية كما قال الشافعي رحمه الله في الأم , قال السهيلي في ~~روضه : وكان ذلك مباحا في الجاهلية لشرع متقدم , ولم يكن من الحرمات التي ~~انتهكوها . | ثم عل النهي بقوله : { إنه } اي هذا النكاح { كان } أي الآن ~~وما بعده كونا راسخا { فاحشة } أي والفاحشة لا PageV02P231 يقدم عليها تام ~~العقل { ومقتا } أي أشر ما يكون بينكم وبين ذوي الهمم لما انتهكتم من حرمة ~~آبائكم { وساء سبيلا * } أي قبح طريقا طريقه . | ولما ابتدأ بتعظيم الآباء ~~واحترامهم في أن ينكح الأبناء أزواجهم على العموم ثنى بخصوص الأم بقوله : { ~~حرمت عليكم } ولما كان أعظم مقصود من النساء النكاح , فكان إضافة التحريم ~~إلى أعيانهن إفادة التأكيد غير قادح في فهمه , وكان مع ذلك قد تقدم ما يدل ~~على أن المراد النكاح ؛ أسند التحريم إلى الذات تأكيدا للتحريم فقال : { ~~أمهاتكم } أي التمتع بهن بنكاح أو ملك يمين , فكان تحريمها مذكورا مرتين ~~تأكيدا له وتغليظا لأمره في نفسه ms0939 واحتراما للأب وتعظيما لقدره { وبناتكم } ~~أي وإن سفلن لما في ذلك من ضرار أمهاتهن , وهذان الصنفان لم يحللن في دين ~~من الأديان { وأخواتكم } أي أشقاء أو لا { وعماتكم } كذلك { وخالاتكم } ~~أيضا , والضابط لهما أن كل ذكر يرجع نسبك إليه فأخته عمتك , وقد تكون من ~~جهة الأم وهي أخت أبي أمك ؛ وكل أنثى رجع نسبك إليها بالولادة فأختها خالتك ~~, وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك { وبنات الأخ } شقيقا كان ~~أو لا { وبنات الأخت } أي كذلك , وفروعهن وإن سفلن . | ولما انقضى أمر ~~النسب وهو سبعة أصناف أتبعه أمر السبب وهو ثمانية : أوله أزواج الآباء , ~~أفردها وقدمها تعظيما لحرمتها , لما كانوا استهانوا من ذلك , وآخر المحصنات ~~, وبدأ من هذا القسم بالأم من الرضاع كما بدأ النسب بالأم فقال : { ~~وأمهاتكم الاتي أرضعنكم } تنزيلا له منزلة النسب , ولذلك سماها أما , فكل ~~أنثى انتسب باللبن إليها فهي أمك , وهي من أرضعتك , أو أرضعت امرأة أرضعتك ~~, أو رجلا أرضعك بلبانه من زوجته أو أم ولده , وكل امرأة ولدت امرأة ~~أرضعتكم أو رجلا أرضعك فهي أمك من الرضاعة والمراضعة أختك , وزوج المرضعة ~~الذي أرضعت هي بلبانه أبوك وأبواه جداك , وأخته عمتك , وكل ولد ولد له من ~~غير المرتضعة الذي أرضعت هي وبعده إخوة الأب , وأم المرضعة جدتك , وأختها ~~خالتك , وكل من ولد لها من هذا الزوج إخوة لأب وأم , ومن ولد لها من غيره ~~فهم إخوته وأخواته لأم , فعلى ذلك ينزل قوله : { وأخواتكم من الرضاعة } كما ~~في النسب بشرط أن يكون خمس رضعات وفي الحولين , وبتسمية المرضعة أما ~~والمشاركة في الرضاع أختا علم أن الرضاع كالنسب . | كما بينه النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقوله ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) فالصورتان ~~منبهتان PageV02P232 على بقية السبع ؛ الأم منبهة على البنت بجامع الولادة ~~, والأخوات على العمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت بجامع الأخوة . | ~~ولما انقضى ما هو كلحمة النسب أتبعه أمر بالمصاهرة فقال : { وأمهات نسائكم ~~} أي دخلتم بهن أو لا - لما في ذلك من إفساد ms0940 ذات البين غالبا { وربائبكم } ~~وذكر سبب الحرمة فقال : { اللاتي في حجوركم } أي بالفعل أو بالقوة - لما ~~فيهن من شبه الأولاد { من نسائكم } ولما كانت الإضافة تسوغ في اللغة بأدنى ~~ملابسة بين سبحانه أنه لا بد من الجماع الذي كنى عنه بالدخول لأنه ممكن ~~لحكم الأزواج الذي يصير به أولادها كأولاده فقال : { اللاتي دخلتم بهن } ~~قيد بالدخول لأن غيره الأم من ابنتها دون غيرة البنت من أمها . | ولما أشعر ~~هذا القيد بحل بنت من عقد عليها ولم يدخل بها أفصح به تنبيها على عظيم حرمة ~~الإرضاع فقال : { فإن لم تكونوا دخلتم بهن } أي الأمهات { فلا جناح عليكم } ~~أي في نكاحهن ؛ ولما افتتح المحرمات على التأبدي بزوجة الأب ختمها بزوجة ~~الولد فقال : { وحلائل أبنائكم } أي زوجة كانت أو موطوءة بملك يمين ؛ ولما ~~لم يكن المتبنى مرادا قيد بقوله : { الذين من أصلابكم } أي وإن سفلوا , ~~ودخل ما بالرضاع لأنه كلحمة النسب فلم يخرجه القيد . | ولما انقضى التحريم ~~المؤبد أتبعه الموقت فقال : { وأن } أي وحرم عليكم أن { تجمعوا } بعقد نكاح ~~لأن مقصوده الوطء , أو بوطء في ملك يمين { بين الأختين } فإن كانت إحداهما ~~منكوحة والأخرى مملوكة حلت المنكوحة وحرمت المملوكة ما دام الحل , لأن ~~النكاح أقوى , فإذا زال الحل حلت الأخرة ولو في عدة التي كانت حلالا . | ~~ولما كان الجمع بين الأختين شرعا قديما قال : { إلا ما قد سلف } أي فإنه لا ~~إثم عليكم فيه رحمة من الله لكم , ثم علل رفع حرجه فقال : { إن الله } أي ~~المحيط بصفات الكمال { كان غفورا } أي ساترا لما يريد من أعيان الزلل ~~وآثاره { رحيما * } أي معاملا بغاية الإكرام الذي تر ضاه الإلهية . | < < # | النساء : ( 24 ) والمحصنات من النساء . . . . . # > > ^ ( والمحصنات من النسآء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل ~~لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به ~~منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ~~إن الله كان عليما حكيما ) ^ } ) | ولما ذكر مضارة الجمع أتبعه مضارة ~~الإغارة على ms0941 الحق والأول جمع بين PageV02P233 المنكوحين وهذا جمع بين ~~الناكحين فقال - عاطفا على النائب عن فاعل { جرمت } : { والمحصنات } أي ~~الحرائر المزوجات لأنهن منعت فروجهن بالنكاح عن غير الأزواج { من النساء ~~إلا ما ملكت أيمانكم } أي من أزواج أهل الحرب , فإن الملك بالأسر يقطع ~~النكاح . | ولما أتم ذلك قال مؤكدا له ومبينا عظمته : { كتاب الله } أي ~~خذوا فرض الملك الأعظم الذي أوجبه عليكم إيجاب ما هو موصول في الشيء بقطعه ~~منه , والزموه غير ملتفتين إلى غيره , وزاد في تأكيده بأداة الوجوب فقال : ~~{ عليكم } ولما أفهم ذلك حل ما سواه أفصح به احتياطا للإيضاح وتعظيما ~~لحرمتها في قوله : { وأحل لكم } وبين عظمة هذا التحريم بأداة البعد فقال : ~~{ ما وراء ذلكم } أي الذي ذكر لكم من المحرمات العظيمة . | ولما كان الكلام ~~في المنع لمن يصرح بالفاعل بل قال ؛ ( حرمت ) - ترفقا في الخطاب حثا على ~~الآداب , فلما وصل الأمر إلى الحل أظهره تطييبا للقلوب وتأنيسا للنفوس في ~~قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر بفتح الهمزة والحاء , وأبهمه في ~~قراءة الباقين على نسق { حرمت } لأن فاعل الحل والحرمة عند أهل هذا الكتاب ~~معروف أنه الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه أصلا , ثم أتبع التحليل علته ~~فقال : { أن } أي إرادة أن { تبتغوا } أي تطلبوا متبعين من شئتم مما أحل ~~لكم { بأموالكم } اللاتي تدفعونها مهورا حال كونكم { محصنين } أي قاصدين ~~بذلك العفة لأنفسكم ولهن { غير مسافحين } أي قاصدين قضاء الشهوة وصب الماء ~~الدافق لذلك فقط , وهو على هذا الوجه لا يكون إلا زنى سرا وجهرا , فيكون ~~فيه حينئذ إضاعة المال وإهلاك الدين , ولا مفسدة أعظم مما يجمع هذين ~~الخسرانين . | ولما تقدم أول السورة وأثناءهها الأمر بدفع الصداق والنهي عن ~~أخ ذشيء مما دفع إلى المرأة , وكان ذلك أعم من أن يكون بعد الدخول أو قبله ~~, مسمى أو لا قال هنا مسببا عن الابتغاء المذكور : { فما استمتعتم } أي ~~أوجدتم المتاع وهو الانتفاع { به منهن } بالبناء بها , متطلبين لذلك من ~~وجوهه الصحيحة راغبين فيه { فآتوهن أجورهن } أي ms0942 عليه كاملة , هي المهور { ~~فريضة } أي حال كونها واجبة من الله ومسماة مقدرة قدرتموها على أنفسكم , ~~ويجوز كونه تأكيدا لآتوا بمصدر من معناه { ولا جناح } أي حرج وميل { عليكم ~~فيما تراضتيم به } أي أنتم والأزواج { من بعد الفريضة } أي من طلاق أو فراق ~~أو زيادة أو نقص إن كانت موجودة مقدرة , أو من مهر المثل من بعد تقديره إن ~~لم تكن مسماة فيمت عقد عليها من غير تسمية صداق . | PageV02P234 ولما ذكر ~~في هذه الآيات أنواعا من التكاليف هي في غاية الحكمة , والتعبير عنها في ~~الذروة العليا من العظمة , وختمها بإسقاط الجناح عند الرضى وكان الرضى أمرا ~~باطنا لا يطلع عليه حقيقة إلا الله تعالى , حث على الورع في شأنه بنوط ~~الحكم بغلبة الظن فقال مرغبا في امتثال أوامره ونواهيه : { إن الله } أي ~~الذي له الإحاطة التامة علما وقدرة { كان عليما } أي بمن يقدم محتريا لرضى ~~صاحبه أو غير متحر لذلك { حكيما * } أي يضع الأشياء في أمكن مواضعها من ~~الجزاء على الذنوب وغيره . | < < # | النساء : ( 25 ) ومن لم يستطع . . . . . # > > ^ ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت ~~أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن ~~بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان ~~فإذآ أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن ~~خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم ) ^ } ) | ولما مضى ذلك ~~على هذا الوجه الجليل عرف أنه كله في الحرائر لأنه الوجه الأحكم في النكاح ~~, وأتبعه تعليم الحكمة في نكاح الإماء ؛ فقال عاطفا على ما تقديره : هذا ~~حكم من استطاع نكاح حرة : { ومن لم يستطع منكم } أي أيها المؤمنون { طولا } ~~أي سعة وزيادة عبر فيما قبله بالمال تهوينا لبذله بأنه ميال , لا ثبات له , ~~وهنا بالطول الذي معناه : التي قل من يجدها { أن } أي لأن { ينكح المحصنات ~~} أي الحرائر , فإن الحرة مظنة العفة الجاعلة لها فيما هو كالحصن على مريد ~~الفساد , لأن العرب ms0943 كانوا يصونونهن وهن أنفسهن عن أن يكن كالإماء { ~~المؤمنات } بسبب كثرة المؤنة وغلاء المهر { فمن } أي فلينكح إن أراد من { ~~ما ملكت أيمانكم } أي مما ملك غيركم من المؤمنين { من فتياتكم } أي إمائئكم ~~, وأطلقت الفتوة - وهي الشباب - على الرقيق لأنه يفعل ما يفعل الشاب لتكليف ~~السيد له إلى الخدمة وعدم توقيره وإن كان شيخا , ثم وضح المراد بالإضافة ~~فقال : { المؤمنات } أي لا من الحرائر الكافرات ولا مما ملكتم من الإماء ~~الكافرات ولا مما ملك الكفار حذرا من مخالطة كافرة خوفا من الفتنة - كما ~~مضى في البقرة , ولئلا يكون الولد المسلم بحكم تبعية أمه في الرق ملكا ~~لكافر , هذا ما تفهمه العبارة ولكنهم قالوا : إن تقييد المحصنات بالمؤمنات ~~لا مفهوم له , وإلا لصار نكاح الحرة الكتابية المباح بآية المائدة مشروطا ~~بعقد مسلمة , حرة كانت أو أمة , ولم يشترط ذلك ؛ ومذهب الشافعي أنه لا يجوز ~~نكاح الأمة مع القدرة على حرة كتابية , PageV02P235 والظاهر أن فائدة ~~التقييد الندب إلى مباعدة الكفار فلا ينكح منهن إلا لضرورة , فكأن هذه سورة ~~المواصلة , أسقط فيها أهل المباعدة , والمائدة سورة تمام الدين , فذكر فيها ~~ما يجوز لأهله فلا ضرر في القيد , لأن المفهوم لا يقوى لمعارضة المنطوق مع ~~ما فيه من فائدة الندب إلى الترك , وهذا كما أن قيد الإحصان هنا للندب إلى ~~عدم نكاح الزواني مع جوازه بآية النور < # > 77 ( { وانكحوا الأيامى منكم } ) 77 < # > [ النور : 32 ] كما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى . | ولما شرط في ~~هذا النكاح الإيمان , وعبر فيه بالوصف , وكان أمرا قلبيا , لا يطلع على ~~حقيقته إلا الله ؛ أعقبه ببيان أنه يكتفى فيه بالظاهر فقال : { والله } أي ~~الذي له الإحاطة التامة بالمعلومات والمقدورات { أعلم بإيمانكم } فربما ظهر ~~ضعف إيمان أحد والباطن بخلافه , لكن في التعبير به وبالوصف لا بالفعل إرشاد ~~إلى مزيد التحري من جهة الدين ( فاظرفت بذات الدين , تربت يداك ) ولما ~~اشترط الدين كان كأنه قيل : فالنسب ؟ فأشير إلى عدم اشتراطه بقوله : { ~~بعضكم من بعض } أي كلكم من آدم وإن تشعبتم ms0944 بعده { فانكحوهن } أي بشرط العجز ~~{ بإذن أهلهن } أي من مواليهن , ولا يجوز نكاحهن من غير إذنهم . | ولما كان ~~مما لا يخفى أن السيد المالك للرقبة مالك للمنفعة من باب الأولى كان الأمر ~~بدفع المهور إليهن مفيدا لندب السيد إلى جبرها به من غير أن يوهم أنها ~~تملكه وهي لا تملك نفسها , فلذلك قال تعالى : { وآتوهن أجورهن } وهي المهور ~~{ بالمعروف } أي من غير ضرارا , لا عليكم ولا عليهن ولا على أهلهن , حال ~~كونهن { محصنات } أي عفائف بانفسهن أو بصون الموالي لهن { غير مسافحات } أي ~~مجاهرات بالزنى لمن أراد , لا لشخص معين { ولا متخذات أخدان } أي أخلاء في ~~السر للزنى معينين , لا تعدو ذات الخدن خدنها إلى غيره ؛ قال الأصبهاني : ~~وهو - أي الخدن - الذي يكون معك ي كل ظاهر وباطن . | ولما لم يتقدم بيان حد ~~الإماء قال مبنيا له : { فإذا أحصن } مبنيا للفاعل في قراءة حمزة والكسائي ~~وأبي بكر عن عاصم , والمعفول في قراءة الباقين , أي انتقلن من حيز التعريض ~~للزنى بالإكراه إلى حيز الحرائر بأن حفظن فروجهن بكراهتهن للزنى , أو حفظهن ~~الموالي بالرضى لهن بالعفة ؛ وقال الشافعي في أوائل الرسالة في آخر الناسخ ~~والمنسوخ الذي يدل الكتاب على بعضه والسنة على بعضه : إن معنى ( أحصن ) هنا ~~: أسلمن , لا نكحن فاصبن بالنكاح , ولا أعتقن وإن لم يصبن , وقال : فإن قال ~~قائل : أراك توقع الإحصان على معان مختلفة ؟ قيل : نعم , جماع الإحصان أن ~~يكون دون التحصين مانع PageV02P236 من تناول المحرم , فالإسلام مانع , ~~وكذلك الحرية مانعة , وكذلك التزوج والإصابة مانع وكذلك الحبس في البيوت ~~مانع , وكل ما منع أحصن , وقد قال الله عز ولجل < # > 77 ( { وعلمناه صنعة لبؤس لكم لتحصنكم من بأسكم } ) 77 < # > [ الأنبياء : 80 ] وقال : < # > 77 ( { لا يقاتلونكم جميعا إلى في قرى محصنة } ) 77 < # > [ الحشر : 41 ] يعني مممنوعة , قال : وآخر الكلام وأوله يدلان على أن ~~معنى الإحصان المذكور عام في موضع دون يغره , إذ الإحسان ها هنا الإسلام ~~دون النكاح والحرية والتحصين بالحبس والعفاف , وهذه الأسماء التي يجمعها ~~اسم الإحصان - انتهى . | { فإن أتين ms0945 بفاحشة } ولا تكون حينئذ إلا عن رضى من ~~غير إكراه . | ولما كان من شأن النكاح تغليظ الحد , فغلظ في الحرائر بالرجم ~~؛ بين تعالى أنه لا تغليظ على الإماء , بل حدهن بعده هو حدهن قبله , فقال { ~~فعليهن نصف ما على المحصنات } أي الحرائر لأنهن في مظنة العفة وإن كن بغير ~~أزواج { من العذاب } أي الحد - كما كان ذلك عذابهن قبل الإحصان , وهذا ~~يفهمه بطريق الأولى , والمراد هنا الجلد , لأن الرجم لا ينتصف . | ولما كان ~~كأنه قيل : هل هذا لكل عاجز عن الحرة ؟ استؤنف جواب هذا السؤال بقوله تعالى ~~مشيرا بأداة البعد إلى أنه مما لا يحسن قربه : { ذلك } أي حل نكاح الإماء ~~الذي ينبغي البعد منه { لمن خشي العنت } أي الوقوع في الزنا الموجب للإثم ~~المقتضي للهلاك بالعذاب في الدنيا والآخرة بما عنده من عظيم الداعية إلأى ~~النكاح ومشقة الصبر عنه ؛ قالوا : وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر , ~~فاستعير لكل مشقة وضرر ؛ قال الأصبهاني : وقيل : إن الشبق الشديد والغلمة ~~العظيمة قد يؤدي بالإنسان إلى الأمراض الشدية , أما في حق النساء فقد يؤدي ~~إلى اختناق الرحم , وأما في حق الرجال فقد يؤدي إلى أوجاع الوركين والظهر . ~~| ولما كان هذا التخفيف والتيسير خاصا بالمؤمنين منا قيد بقوله : { منكم } ~~ولما بين إباحته وأشار إلى البعد عنه لما فيه من استرقاق الولد صرح بالندب ~~إلى حبس النفس عنه فقال : { وإن تصبروا } أي عن نكاحهن متعففين { خير لكم } ~~أي لئلا تعيروا بهن , أو تسترق أولادكم منهن , ثم أتبع ذلك بتأكيده لذوي ~~البصائر والهمم في سياق دال على رفع الحرج فقال : { والله } أي الذي له ~~الجلال والإكرام { غفور } أي لمن لم يصبر , والمغفرة تشير إلى نوع تقصير { ~~رحيم * } أي فاعل به فعل الراحم منكم بالإذن في قضاء وطره واللطف فيما يتبع ~~ذلك من المحذور . | PageV02P237 < < # | النساء : ( 26 ) يريد الله ليبين . . . . . # > > ^ ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم ~~والله عليم حكيم ) ^ } ) | ولما أتم سبحانه الحلال والحرام من هذه الحدود ~~والأحكام , وختها بصفة الرحمة بين ما ms0946 أراد باه من موجبات الرحمة تذكيرا ~~بالنعمة لتشكر , وتحذيرا من أن تنسى فتكفر فقال تعالى : { يريد الله } أي ~~الملك الأعظم إنزال هذه الأحكام على هذا النظام { ليبين لكم } أي ليوقع لكم ~~البيان الشافي فيما لكم وعليكم من شرائع الدين { ويهديكم } أي يعرفكم { سنن ~~} أي طرق { الذين } ولما كان المراد بعض الماضين وقال : { من قبلكم } أي من ~~أهل الكتاب : الأنبياء وأتباعهم { ويتوب عليكم } أي يرجع بكم عن كل ما لا ~~يرضيه , لا سيما ما يجر إلى المقاطعة - مثل منع النساء والأطفال الإرث , ~~ومثل نكاح ما يحرم نكاحه وغير ذلك , فأعلمهم بهذا أنهم لم يخصهم بهذه ~~التكاليف , بل يسلك بهم فيها صراط الذين أنعم عليهم ليكون ذلك أدعى لهم إلى ~~القبول وأعون على الامتثال , وليتحققوا أن إلقاء أهل الكتاب الشبه إليهم ~~وتذكيرهم بالأضغان لإرادة إلقاء العداوة محض حسد لمشاركتهم لهم في مننهم إذ ~~هدوا لسننهم , وما أحسن ختم ذلك بقوله : { والله } أي المحيط بأوصاف الكمال ~~{ عليم حكيم * } فلا يشرع لكم شيئا إلا وهو في غاية الإحكام . | فاعملوا به ~~يوصلكم إلى دار السلام . | بيان ذلك أن ما في هذه السورة الأمر بالتقوى ~~والحث عليها , وبيان الفرائض وأمر الزناة , وما يحل ويحرم من النساء , ~~والتحري في الأموال , والإحسان إلى الناس , لا سيما الأيتام والوالدين , ~~والإذعان للأحكام , وتحريم القتل , والأمر بالعدل في الشهادة وغيرها , وكل ~~ذلك مبين أصوله في التوراة كما هو مبثوث في هذا الديوان عن نصوصها في ~~المواضع اللائقة به , لكن القرآن أحسن بيانا وأبلغ تبيانا وأبدع شأنا وألطف ~~عبارة وأدق إشارة , وأعجب ذلك أن سبب إنزال فرائض الميراث في شريعتنا ~~النساء , ففي الصحيحين وغيرهما عن جابر رضي الله عنه قال : ( مرضت فعادني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأتاني وقد أغمي علي ) وفي رواية البخاري ~~في التفسير : ( عادني النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بنني سلمة ~~ماشيين , فوجدني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل , فدعا بماء فتوضأ فصب ~~علي وضوءه فأفقت , فقلت : يا رسول الله ! كيف أصنع في مالي ms0947 ؟ ) وفي رواية ~~لمسلم : ( إنما يرثني كلالة فلم يجبني بشيء ) وفي رواية الترمذي : ( وكانت ~~لي تسع أخوات PageV02P238 حتى نزلت آية الميراث ) وفي رواية للبخاري : ( ~~فنزلت ) وفي رواية للترمذي : ( حتى نزلت ( يوصيكم الله في أولادكم ) ) وفي ~~رواية للترمذي : حتى نزلت آية الميراث ( يستفتونك قل الله يفتيكم في ~~الكلالة ) الآية , وقال : حديث صحيح . | ولأبي داود والترمذي وابن ماجه ~~والدارقطني عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قالت : ( جاءت امرأة سعد بن ~~ربيع بابنتيها من سعد رضي الله عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~: يا رسول الله ! هاتان ابنتا سعد بن الربيع , قتل أبوهما معك يوم أحد ~~شهيدا , وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالا , ولا تنكحان إلا ولهما ~~مال , قال : ) يقضي الله عز وجل في ذلك , فنزلت آية الميراث ( وفي رواية ~~أبي داود : ) ونزلت الآية في سورة النساء , وفيها { يوصيكم الله في أولادكم ~~} وفي رواية الدارقطني : فنزلت سورة النساء , وفيها { يوصيكم الله في ~~أولادكم } إلى آخر الآية - فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما ~~فقال : أعط ابنتي سعد الثلثين , وأعط أمهما الثمن , وما بقي فهو لك ( وفي ~~رواية للدارقطني : ) إن امرأة سعد بن الربيع قالت : يا رسول الله ! ابنتا ~~سعد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ادعي لي فقبض ما ترك سعد , ~~وإنما تنكح النساء على أموالهن , فلم يجبها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في مجلسه ذلك , ثم جاءته فقالت : يا رسول الله ! ابنتا سعد ؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( ادعي لي أخاه ! فجاء فقال : ادفع إلى انتيه ~~الثلثين , وإلى امرأته الثمن , ولك ما بقي ) وقال شيخنا حافظ عصره أبو ~~الفضل أحمد بن علي بن حجر في الإصابة في أسماء الصحابة : روى أبو الشيخ في ~~تفسيره من طريق عبد الله بن الأجلح الكندي عن الكلبي عن ابي PageV02P239 ~~صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( كان أهل الجاهلية لا يورثون ~~البنات ولا الأولاد الصغار حتى يدركوا , فمات رجل من الأنصار يقال له ms0948 أوس ~~بن ثابت , وترك بنتين وابنا صغيرا , فجاء ابنا عمه خالد وعرفطة فأخذا ~~ميراثه , فقالت امرأته للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك , فأنزل الله تعالى < # > 77 ( { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } ) 77 < # > [ النساء : 7 ] فأرسل إلى خالد وعرفطة فقال : لا تحركا من الميراث شيئا ~~) ورواه أبو الشيخ من وجه آخر فقال : قتادة وعرفطة ورواه الثعلبي في تفسيره ~~فقال : سويد وعرفطة , ووقع عنده أنهما أخوا أوس : ورواه مقاتل في تفسيره ~~لفقال : إن أوس بن مالك توفي يوم أحد وترك امرأته أم كجة وبنتين فذكر القصة ~~( وذكر شيخنا في تخريج أحاديث الكشاف أن الثعلبي والبغوي ساقا بلا سند أن ~~أوس بن الصامت الأنصاري ترك امرأته أم كجة وثلاث بنات , فزوى ابنا عمه سويد ~~وعرفطه أو قتادة وعرفجة ميراثة عنهن , وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ~~ولا الأطفال ويقولون : لا يرث إلا من طاعن بالرماح , وذاد عن الحوزة , وحاز ~~الغنيمة , فجاءت أم كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفضيخ , ~~فشكت إليه , فقال : ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله , فنزلت < # > 77 ( { للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون } ) 77 < # > [ النساء : 7 ] فبعث إليهما : لا تفرقا من مال أوس شيئا , فإن الله قد ~~جعل لهن نصيبا , ولم يبين حتى نزلت { يوصيكم الله في أولادكم } الآية , ~~فأعطى أم كجة الثمن والبنات الثلثين والباقي لابني العم ( ورواه الطبري من ~~طريق ابن جريج عن عكرمة على غير هذا السياق , ولفظه : ) نزلت في أم كجة ~~وأبنة أم كجة وثعلبة وأوس بن سويد , وهم من الأنصار , كان أحدهما زوجها ~~والآخر عم ولدهات , فقالت : يا رسول الله ! توفي زوجي وتركني وابنته فلم ~~نورث , فقال عم ولدها : إن ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلا ولا ينكأ عدوا ~~, فنزلت < # > 77 ( { للرجال نصيب } ) 77 < # > [ النساء : 7 ] , وروي من طريق السدي , قال ي قوله : < # > 77 ( { يوصيكم الله في أولادكم } ) 77 < # > [ النساء : 11 ] ( كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من ~~الغلمان , ولا يورثون إلا من أطاق القتال , فمات عبد ms0949 الرحمن أخو حسان ~~الشاعر وتركامرأة يقال لها أم كجة , وترك خمس أخوات , فجاءت الورثة فأخذوا ~~ماله , فشكت أم كجة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله < # > 77 ( { فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } ) 77 < # > [ النساء : 11 ] ثم قال في أم كجة < # > 77 ( { ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد } ) 77 < # > [ النساء : 12 ] ) PageV02P240 فجميع هذه الروايات - كما ترى - ناطقة ~~بأن سبب نزول آيات الميراث النساء , ويمكن أن يكون المجموع سببا - والله ~~أعلم ؛ وذلك كما أن سبب إنزال الفرائض في التوراة كان النساء أيضا , وذلك ~~أنه جل أمره وعز اسمه وتعالى جده لما أمات من نكص عن أمره من بني إسرائيل ~~ومن آلافهم في التيه وأخرج أبناءهم منه ؛ أمر موسى عليه الصلاة والسلام ~~بقسمة أرض الكنعانيين بين بنيهم بعد معرفة عددهم على منهاج ذكره , ولم يذكر ~~البنات , وكان فيهم بنات لا أب لهن فسالن ميراث أبيهن , فأنزل الله حكمهن ؛ ~~قال في السفر الرابع من التوراة ما نصه : ولما كان بعد الموت الفاشي قال ~~الرب لموسى ولليعازر بن هارون الحبر : احفظا عدد جماعة بني إسرائيل من ابن ~~عشرين سنة إلى فوق , كل من خرج للمحاربة من بين بني إسرائيل فكلما الجماعة ~~في عربات مؤاب التي عند أردن أريحا , وأخبراهم بقول الرب , ثم أحصياهم , ~~فكان عددهم ستمائة ألف وسبعمائة وثلاثين رجلا غير اللاويين سبط موسى فإنهم ~~كانوا لحفظ قبة الزمان وخدمتها , وكانوا ثلاث قبائل : أحدهم فغث فولد له ~~عمران , وكان اسم امرأة عمران حنة ابنة لوى , ولدت له بأرض مصر هارون وموسى ~~ومريم , وكان عددهم في هذا الوقت ثلاثة وعشرين ألفا , كل ذكر منهم ابن شهر ~~فما فوق , ولم يكن في هؤلاء ممن أحصاه موسى وهارون حيث عدا بني إسرائيل في ~~برية سيناء , لأن الرب قال لهم : يقتلون في هذه المفازة , ولا يبقى منهم ~~رجل ما خلا كلاب بن يوفنا ويوشع بن نون , ودنا بنات صلفحد من قبيلة منشى بن ~~يوسف وقلن : أبونا توفي في البرية ولم ms0950 يخلف ابنا , أعطنا ميراثنا , فرفع ~~موسى أمرهن إلى الرب فقال الرب لموسى : الحق قلن أعطهن ميراثا مع أعمامه ~~ومن لم يكن له أعمام يعطى ميراثه لمن كان قرابته من أهل عشيرته , ابنا يعطى ~~ميراثه ابنته , وإن لم يكن له ابنة يعطى ميراثه إخوته , ومن لم يكن له إخوة ~~يعطى ميراثه أعمامه ومن لم يكن له أعمام يعطى ميراثه لمن كان قرابته من أهل ~~عشيرته , وتكون هذه سنة لبني إسرائيل في أحكامهم كما أمر الرب موسى ؛ وقال ~~في السفر الثالث ومنها ما نصه سنة الخطايا التي إذا ارتكبها إنسان عوقب ~~بالموت : وكلم الرب موسى وقال له : كلم بني إسرائيل , وقل لهم : أنا الله ~~ربكم ! لا تعملوا مثل أعمالكم أهل مصر التي سكنتموها , ولا تعملوا مثل ~~أعمال أهل كنعان التي أدخلكم إليها ولا تسيروا سنتهم ولكن اعملوا بأحكامي , ~~واحفظوا وصاياي , وسيروا بها , أنا الله ربكم ! احفظوا شرائعي وأحكامي . | ~~لأن الذي يعمل بها يعيش , أنا الرب وليس إله غيري ! ولا يجسرن الرجل منكم ~~أنيكشف عورة قرابته , أنا الرب وليس إله غيري ! ولا تكشفن عورة أبيك ولا ~~عورة أمك , لأنها أمك , ولا تفضح امرأة ابنك ولا تكشف عورتها , لان عورتها ~~عورة PageV02P241 ابنك , ولا تفضح أختك من أبيك ومن أمك التي ولدت من أبيك ~~, أو أختك من أمك لا من أبيك , لا تكشف عورتها , لأن فضيحتها فضيحتك , ولا ~~تكشف عورة بنت امرأة أبيك التي ولدت من أبيك , لأنها أختك , ولا تكشف عورة ~~امرأة عمك ولا تدن من امرأته , لأنها امرأة عمك , ولا تكشف عورة كنتك , ~~لأنها امرأة ابنك , ولا تكشف عورة امرأة أخيك , لأن فضيحتها فضيحة أخيك , ~~ولا تكشف عورة امرأة وبنتها , أي لا تتزوج بهما , ولا تكشف عورة بنت الابن ~~ولا بنت البنت , لأن فضيحتهما فضيحتك , ولا تكشف عورتهما , هن قرابتك ~~وارتكابهن إثم , ولا تتزوج أخت امرأتك في حياتها فتحزنها , ولا تكشف ~~عورتهما جميعا في حياة امرأتك , والمرأة إذا حاضت وطمثت لا تدن لتكشف ~~عورتها , ولا تسفح بامرأة صاحبك ولا تنجس , ولا تنجس اسم ms0951 إلهك , أنا الله ~~ربكم ! لا تضاجعن الذكر , ولا ترتكب من الذكر ما ترتكب من المرأة , لا , ه ~~فعل نجس , ولا بهيمة , ولا تلق زرعك فيها فتنجس بها , والمرأة أيضا لا تقوم ~~بين يدي بهيمة تطأها , لأنه فعل نجس , لا تنجسوا منها بشيء , فبهذه كلها ~~تنجست الأرض بهم , ولا تنجسواالأرض لئلا تعطل منكم كما تعطلت من الشعوب ~~التي كانوا يها قبلكم , لأن كل من يفعل هذه الخطايا يهلك ؛ احفظوا شرائعي ~~ولا ترتكبوا شيئا من سير الخطايا التي فعلها من كان قبلكم , ولا تنجسوا بها ~~, أنا الله ربكم ! . | ثم كلم الرب موسى وقال له : كلم جميع بني إسرائيل وق ~~لهلم : تقدسوا , لأني قدوس , أنا الله ربكم ! يهاب كل امرىء منكم والديه ~~ويكرمهما , واحفظوا وصاياي , لأني أنا الله ربكم ! لا تقبلوا إلى الشطيان ~~ولا تتخذوا آلهة مسبوكة , أنا الله ربكم , وقال في السفر الثاني : ولا ~~تصدقن الخبر الكاذب , لا توال الخبيصث لتكون له شاهد زور , ولا تتبعن هوى ~~الكبير فتنسى , ولا تشايعن الكبراء الذين يحيفون في القضاء فتحيف معهم , ~~ولا تعن المسكين على الظلم , لا تحيفن في فضاء المسكين وتباعد عن القول ~~الكاذب وقال في السفر الخامس : ودعا موسى بجميع بني إسرائيل وقال لهم : ~~اسمعوا يا بني إسرائيل السنن والأحكام التي أتلوا عليكم لتعلموها وتحفظوها ~~وتعملوا بها , وتعلمون أن الله ربنا عاهدنا عهدا بأرض حوريب , ولم يعاهد ~~الله آباءنا بهذا العهد , بل إنما عاهدنا , نحن الذين ها هنا أحيانا سالمين ~~, وجها قبل وجه كلمنا الرب في النار عن الجبل , فأنا PageV02P242 كنت قائما ~~بين يدي الرب وبينكم لأظهر لكم ذلك الزمان أقول الله ربكم , حيث فرقتم من ~~النار ولم تصعدوا إلى الجبل , وقال الرب : أنا الله ربكم الذي أخرجتكم من ~~أرض مصر وخلصتكم من العبودية ! لا يكون لكم إله غيري , ولا تتخذوا أصناما ~~ولا أشباها , ولا تقسم باسم ربك كذبا , لأن الرب لا يزكي من يحلف باسمه ~~كذبا , احفظوه يوم السبت وطهروه - إلى أن قال ؛ لا تعملوا فيه عملا ليستريح ~~عبيدكم وإماؤكم معكم , واذكروا ms0952 أنكم كنتم عبيدا بأرض مصر فأخرجكم الله ربكم ~~من هناك بيد منيعة وذراع عظيمة , لذلك أمركم ربكم أن تحفظوا يوم السبت , ~~فيكرم كل امرىء منكم والديه كما أمركم الله ربكم لتطول أعماركم , وينعم ~~عليكم في الأرض التي يعطيكم , لا تقتلوا , لا تزنوا , لا تسرقوا , لا ~~يشتهين الرجل منكم امرأة صاحبه - إلى أن قال : ولا شيئا مما لصاحبك - هذه ~~الآيات التي أمر بها الرب بني إسرائيل , وكلمهم بها في الجبل من النار ~~بالسحاب والضباب بصوت عظيم لا يوصف ولا يحد , وهي التي كتبها على لوحي ~~الحجارة ودفعها إلى موسى النبي - فما سمعتم صوتا من الظلمة ورأيتم نارا ~~تشتعل في الجبل تقدم إلي رؤساؤكم , وقالوا : قد أرانا الله ربنا مجده ~~وكرامته وعظمته , اليوم رأينا أن كلم الله الناس وعاشوا , إن عدنا نسمع صوت ~~الله ربنا متنا , تقدم أنت واسمع ما يقول الله ربنا وقص علينا فسمع الرب ~~صوت كلامكم حين كلمتموني وقال لي الرب : قد سمعت صوت الشعب وما قالوا لك , ~~نعم ما تكلموا به ويا ليت تكون لهم قلوب هكذا , فتكون تسمع وتطيع وتتقوى , ~~ويفزعون من قولي , ويحفظون جميع وصاياي , كلها احفظوا , واعملوا بما أمركم ~~الله ربكم ولا تحيدوا يمنة ولا يسرة , بل سيروا في كل الطريق الذي أمركم ~~ربكم لتعيشوا , وينعم عليكم , وتطول مدتكم في الأرض التي ترثون - هذه السنن ~~والوصايا والأحكام التي أمرني الله ربكم أن أعلمكم لتعلموا وتتقوا الله ~~ربكم أنتم وبنوكم كل أيام حياتكم فتطول أعماركم , اسمعوا يا بني إسرائيل ! ~~الله ربنا واحد , أحبوا الله ربكم في كل قلوبكم , ولتكن هذه الآيات التي ~~أمركم في قلوبكم أبدا , وعلموها بنيكم , وتكلموا بها إذا حضرتم في منازلكم ~~, وإذا سافرتم , وإذا رقدتم , وإذا قمتم , وشدوها علامة على أيديكم , ويكون ~~ميسما بين أعينكم , واكتبوها على قوائم بيوتكم وعلى أبوابكم , ولا تنسوا ~~الله ربكم , وإياه فاعبدوا وباسمه فأقسموا , ولا تتبعوا الآلهة الأخرى التي ~~تعبدها الشعوب التي حولكم , لأن الله ربكم الحال فيكم هو إله غيور فاتقوه , ~~لا يشتد غضبه عليكم , ويهلككم عن ms0953 حديد الأرض , ولا تجربوا الله ربكم كما ~~جربتموه بالبلايا , ولكن احفظوا وصية الله ربكم وشهادته وسنته التي أمركم ~~بها , فاعملوا الحسنات , وأنصفوا واعدلوا لينعم عليكم , وتدخلوا وترثوا ~~الأرض المخصبة PageV02P243 التي أقسم الله لآبائكم , ويكسر جميع أعدائكم ~~ويهزمهم قدامكم كما قال الرب , فإذا سألكم بنوكم غدا وقالوا : ما الشهادة ~~والسنة والحكومة التي أمركم الله بها ؟ قولوا لبنيكم : إنا كنا عبيدا ~~لفرعون بأرض مصر , وأخرجنا الرب من أرض مصر بيد منيعة , وأنزل بأهل مصر ~~بلاء شديدا , وفعل ذلك بفرعون وجميع أهل بيته تجاهنا , وأخرجنا الرب من ~~هناك ليدخلنا ويعطينا الأرض التي أقسم لآبائنا , وأمرنا الرب أن نعمل هذه ~~السنن كلها , وأننتقى الله ربنا لينعم كل أيامنا , ويحيينا بالخير والنعم , ~~ويكون ربنا بنا برا إذا حفظنا هذه الوصية كلها , وعلمناها أمام الله ربنا ~~كما أمرنا . | وقال في السفر الخامس : ولا تكف يدك عن العطاء والصدقة على ~~أخيك المسكين , ولكن يصدق بعضكم على بعض , ويعطي بعضكم بعضا , ولا يضيق ~~قلبك , ولا تحزن إذا صدقت على أخيك , لأنك إذا فعلت هذا القول وأوسعت على ~~أخيك يبارك الله لك في جميع أعمالك , وفي كل ما تمد يدك إليه , من أجل أن ~~الأرض لا تعدم المساكين , فلذلك آمرك - والعزم إليك - أن تمد يدك إلى أخيك ~~المسكين , وتصدق على الفقير في الأرض . | وقال فيه : أنصفوا بين إخوتكم ~~وأحكموا بالحق ولا تحيفوا في القضاء , واسمعوا من الصغير كما تسمعون من ~~الكبير , ولا تهابوا الرجل ولو عظم شأنه وكثرت أمواله , لأن القضصاء لله . ~~| وقال فيه : صيروا لكم قضاة وكتابا في جميع قراكم , وتقضون الأرض . | وقال ~~فيه : أنصفوا بين إخوتكم واحكموا بالحق ولا تحيفوا في القضاء , واسمعوا من ~~الصغير كما تسمعون من الكبير , ولا تهابوا الرجل ولو عظم شأنه وكثرت أمواله ~~, لأن القضاء لله . | وقال فيه : صيروا لكم قضاة وكتابا في جميع قراكم , ~~وتقضون للشعب قضاء العدل والبر , ولا تحيفن في القضاء , ولا تحابوا ولا ~~ترتشوا , لأن الرشوة تعمي أعين الحكام في القضاء , ولكن أقضي بالحق لتعيشوا ~~وتبقوا وترثوا الأرض التي ms0954 يعطيكم الله ربكم - فقد علم من هذا أصول غالب ما ~~ذكره تعالى في هذه السورة مع ما تقدم من أشكاله في البقرة عند قوله تعالى : ~~^ ( { وإذا أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله } ) ^ [ البقرة : ~~83 ] وغيرها من الآيات , وفي آل عمران أيضا , وأما حد الزاني وأمر القتل ~~والجراح فسيذكر إن شاء الله تعالى في المائدة . # < < # | النساء : ( 27 - 33 ) والله يريد أن . . . . . # > > ^ ( والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ~~ميلا عظيما * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا * ياأيها الذين ~~آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا ~~تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما * ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف ~~نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا * إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما * ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على ~~بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنسآء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله ~~PageV02P244 إن الله كان بكل شيء عليما * ولكل جعلنا موالي مما ترك ~~الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل ~~شيء شهيدا ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما قرر سبحانه وتعالى إرادته لصلاحهم ورغب في اتباع الهدى بعلمه ~~وحكمته عطف على ذلك قوله : { واله } بلطف منه وعظم سلطانه { يريد } إي ~~بإنزاله هذا الكتاب العظيم وإرساله هذا الرسول الكريم { أن يتوب عليكم } أي ~~يرجع لكم بالبيان الشافي عما كنتم عليه من طرق الضلال لما كنتم فيه من ~~العمى بالجهل , وزادهم في ذلك رغبة بقوله : { ويريد الذين يتبعون } أي على ~~سبيل المبالغة والاستمرار { الشهوات } أي من أهل الكتابين وغيرهم كشاش بن ~~قيس وغيره من الأعداء { أن تميلوا } أي عن سبيل الرشاد { ميلا عظيما * } أي ~~إلى أن تصيروا إلى ما كنتم فيه من الشرك والضلال , فقد أبلغ سبحانه في ~~الحمل على الهدى بموافقة الولي المنعم الجليل الذي لا تلحقه شائبة نقص , ~~ومخالفة العدو الحسود الجاهل النازل من أوج العقل إلى حضيض ms0955 طباع البهائم . ~~| ولما كان الميل متعبا لمرتكبه أخبرهم أن علة بيانه للهداية وإرادته ~~التوبة الرفق بهم فقال : { يريد الله } أي وهو الذي له الجلال والجمال ~~وجميع العظمة والكمال { إن يخفف عنكم } أي يفعل في هذا البيان وهذه الأحكام ~~فعل من يريد ذلك , فيضع عنكم الآصار التي كانت على من كان قبلكم الحاملة ~~على الميل , ويرخص لكم في بعض الأشياء كنكاح الأمة - على ما تقدم , ودل على ~~علة ذلك بالواو العاطفة ؛ لأنكم خلقتم ضعفاء يشق عليكم الثقل { وخلق ~~الإنسان } أي الذي أنتم بعضه { ضعيفا * } مبناه الحاجة , فهو لا يصبر عن ~~النكاح ولا غيره من الشهوات , ولا يقوى على فعل شيء إلا بتأييد منه سبحانه ~~. | ولما كان غالب ما مضى مبنيا على الأموال تارة بالإرث , وتارة بالجعل في ~~النكاح , حلالا أو حراما ؛ قال تعالى - إنتاجا مما مضى بعد أن بين الحق من ~~الباطل وبين ضعف هذا النوع كله , فبطل تعليلهم لمنع النساء والصغار من ~~الإرث بالضعف , وبعد أن بين كيفية الترصف في أمر النكاح بالأموال وغيرها ~~حفظا للأنساب , ذاكرا كيفية التصرف في الأموال , تطهيرا للإنسان , مخاطبا ~~لأدنى الأسنان في الإيمان , ترفيعا لغيرهم عن مثل هذا الشأن : { ياأيها ~~الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان والتزام الأحكام . | ولما كان الأكل أعظم ~~المقاصد بالمال , وكان العرب يرون التهافت على الأكل أعظم العار وإن كان ~~حلالا ؛ كنى به التناول فقال : { لا تأكلوا } أي تتناولو { أموالكم } أي ~~الأموال التي جعلها الله قياما للناس { بينكم بالباطل } أي من التسبب فيها ~~بأخذ PageV02P245 نصيب النساء والصغار من الإرث , وبعضل بعض النساء وغير ~~ذلك مما تقدم النهي عنه وغيره . | ولما نهى عن الأكل بالباطل , واستدر ما ~~ليس كذلك فقال : { إلا أن تكون } أي المعاملة المدارة المتداولة بينكم { ~~تجارة } هذا في قراءة الكوفيين بالنصب , وعلى قراءة غيرهم : إلا أن توجد ~~تجارة كائنة { عن تراض منكم } أي غير منهي عنه من الشارع , ولعل الإتيان ~~بأداة الاستثناء المتصل - والمعنى على المنقطع - للإشارة إلى أن تصرفات ~~الدنيا كلها جديرة بأن يجري عليها اسم الباطل ولو لم ms0956 يكن إلا معنيا بها ~~تزهيدا فيها وصدا عن الاستكثار منها , وترغيبا فيما يدوم نفعه ببقائه , ~~وهكذا كل استثناء منقطع في القرآن , من تأمله حق التأمل وجد للعدول عن ~~الحرف الموضوع له - ( وهو لكن ) - إلى صورة الاستثناء حكمة بالغة - والله ~~الموفق . | ولما كان المال عديل الروح ونهى عن إتلافه بالباطل , نهى عن ~~إتلاف النفس , لكون أكثر إتلافهم لها بالغارات لنهب الأموال وما كان بسببها ~~وتسبيبها على أن من أكل ماله ثارت نفسه فأدى ذلك إلى الفتن التي ربما كان ~~آخرها القتل , فكان النهي عن ذلك أنسب شيء لما بنيت عليه السورة من التعاطف ~~والتواصل فقال تعالى : { ولا تقتلوا أنفسكم } أي حقيقة بأن يباشر الإنسان ~~قتل نفسه , أو مجازا بأن يقتل بعضكم بعضا , فإن الأنفس واحدة , وذلك أيضا ~~يؤدي إلى قتل نفس القاتل , فلا تغفلوا عن حظ أنفسكم من الشكر فمن غفل عن ~~حظها فكأنما مثلها , ثم علله بما يلين أقسى الناس فقال : { إن الله } أي مع ~~ما له من صفات العظمة التي لا تدانيها عظمة { كان بكم } أي خاصة حيث خفف ~~عليكم ما شدده على من كان قبلكم { رحيما * } أي بليغ الرحمة حيث يسر لكم ~~الطاعة ووفقكم لها فأبلغ سبحانه الترغيب في الامتثال ؛ ثم قال ترهيبا من ~~مواقعة الضلال : { ومن يفعل ذلك } أي المنهي عنه من القتل وغيره العظيم ~~الإبعاد عن حضرات الإله { عدوانا وظلما } أي بغير حق , وعطفه للوصف بالواو ~~يدل على تناهي كل منهما , هذا مع ما أفهمه صفة الفعلان من المبالغة , فكان ~~المراد العدو الشديد المفرط المتجاوز للحدود الناشيء عن العهد وتناهي الظلم ~~الذي لا شائبة فيه للحق { فسوف نصليه نارا } أي ندخله إياها بوعيد لا خلف ~~فيه وإن طال إمهاله { وكان ذلك } ي الأمر العظيم الذي توعد به { على الله } ~~أي الذي له الجلال والجمال { يسيرا * } أي لأنه لا ينقصه من مكله شيئا , ~~ولا يمنع منه مانع . | ولما بين تعالى ما لفاعل ذلك تحذيرا , وكان قد تقدم ~~جملة من الكبائر , أتبعه ما للمنتهي تبشيرا جوابا لمن كأنه ms0957 قال : هذا ~~للفاعل فما للمجتنب ؟ فقال على وجه عام : { إن تجتنبوا } أي تجهدوا أنفسكم ~~بالقصد الصالح في أن تتركوا تركا عظيما وتباعدوا PageV02P246 { كبائر ما ~~تنهون عنه } أي من أكل المال والقتل بالباطل والزنى وغير ذلك مما تقدم روى ~~البزار - قال الهيثمي : ورجاله رجال الصحيح - عن عبد الله - يعني ابن مسعود ~~- أنه سئل عن الكبائر فقال : ما بين أول سورة النساء إلى رأس ثلاثين قال ~~الأصبهاني : وكل ذنب عظم الشرع الوعيد عليه بالعذاب وشدده , أو عظم ضرره في ~~الخمس الضرورية : حفظ الدين والنفس والنسب والعقل والمال , فهو كبيرة , وما ~~عداه صغيرة { نكفر عنكم سيئاتكم } أي التي هي دون الكبائر كلها , فإن ~~ارتكبتم شيئا من الكبائر وأتيتم بالمكفرات من الصلوات الخمس والجمعة وصوم ~~رمضان والحج , أو فرطتم في شي ءمنها فمن الله عليكم بأن أتاكم بالمرض ؛ كفر ~~ذلك المأتي به لاصغائر , ولم يقاوم تلك الكبيرة فلم يكفر جميع السيئات , ~~لعدم إتيانه على تلك الكبيرة { وندخلكم مدخلا كريما * } أي يجمع الشرف ~~والعمل والجود وكل معنى حسن , ومن فاته جميع ذلك لم يكفر عنه سيئاته , ولم ~~يدخله هذا المدخل , ويكفي في انتفائه حصول القصاص في وقت ما ؛ وقال الإمام ~~أحمد : المسلمون كلهم في الجنة - لهذه الآية وقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~( ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمتى ) فالله تعالى يغفر ما دون الكبائر , ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم يشفع في الكبائر , فأي ذنب على المسلمين ! ذكره ~~عنه الأصبهاني , وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما عن أنس رضي ~~الله عنه . | ولما نهى عن القتل وعن الأكل بالباطل بالفعل وهما من أعمال ~~الجوارح , ليصير الظاهر طاهرا عن المعاصي الوخيمة ؛ نهى عن التمني الذي هو ~~مقدمة الأكل , ليكون نهيا عن الأكل بطريق الأولى , فإن التمني قد يكون حسدا ~~, وهو المنهي عنه هنا كما هو ظاهر الآية : وهو حرام والرضى بالحرام , ~~والتمني على هذا الوجه يجر إلى الأكل والأكل يعود إلى القتل , فإن من يرتع ~~حول الحمى يوشك أن يواقعه , والنهي هنا للتحريم عند أكثر العلماء ms0958 فقال : { ~~ولا تتمنوا } أي تتابعوا أنفسكم في ذلك { ما فضل PageV02P247 الله } أي ~~الذي له العظمة كلها , فلا ينقصه شيء { به } اي من المال وغيره { بعضكم عن ~~بعض } أي في الإرث وغيره من جميع الفضائل النفسانية المتعلقة بالقوة ~~النظرية كالذكاء التام والحدس الكامل وزيادة المعارف بالكمية والكيفية , أو ~~بالقوة العملية كالعفة التي هي وسط بين الجمود والفجور , والشجاعة التي هي ~~وسط بين التهور والجبن , والسخاء الذي هو سوط بين الإسراف والبخل , ~~وكاستعمال هذه القوى على الوجه الذي ينبغي وهو العدالة , أو القضائل ~~البدنية كالصحة والجمال والعمر الطويل مع اللذة والبهجة , أو الفضائل ~~الخارجية مثل كثرة الأولاد الصلحاء , وكثرة العشائر والأصدقاء والأعوان , ~~والرئاسة التامة ونفاذ القول , وكونه محبوبا للناس حسن الذكر فيهم ؛ فهذه ~~مجامع السعادا وبعضها نظرية لا مدخل للكسب فيها , وبعض كسبية , ومتى تأمل ~~العاقل في ذلك وجده محض عطاء من الله , فمن شاهد غيره أرفع نمه في شيء من ~~هذه الأحوال تألم قلبه وكانت له حالتان : إحداهما أن يتمنى حصول مثل تلك ~~السعادة له , والأخرى أن يتمنى زوالها عن صاحبهان وهذا هو الحسد المذموم , ~~لأنه كالاعتراض على الله الذي قسم هذه القسمة , فإن اعتقد أنه أحق منه قد ~~فتح على نفسه باب الكفر , واستجلب ظلمات البدعة , ومحا نور الإيمان , فإن ~~الله فعال لما يريد , لا يسأل عما يفعل فلا اعتراض عليه , وكما أن الحسد ~~سبب الفاسد في الدين فهو سبب الفساد في الدنيا ؛ فعلى كل أحد أن يرضى بما ~~قسم له علما بأن ذلك مصلحة , ولو كان غير ذلك فسد , فإن ذلك كله قسمة من ~~الله صادرة عن حكمه وتدبيره وعلمه بأحوال العباد فيما يصلحهم ويفسدهم . | ~~وأما تمني المثل فإن كان دينيا كان حسنا , كما قال صلى الله عليه وسلم ( لا ~~حسد إلا في اثنتين ) وإن كان دنيويا فمن الناس من جوز ذلك , ومنهم من قال - ~~وهم المحققون : لا يجوز ذلك , لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في ~~الدين ومضرة في الدنيا كقصة قارون - قال معنى ذلك الإمام ms0959 الرازي . | ~~PageV02P248 ولما نهى سبحانه عن ذلك علله بما ينبه على السعي في الاسترزاق ~~والإجمال في الطلب , كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد والترمذي ~~وابن ماجه عن شداد بن أوس رضي الله عنه ( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد ~~الموت , والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ) وكما قال صلى الله ~~عليه وسلم فيما رواه مسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه ( ~~المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف , وفي كل خير احرص على ما ~~ينفعك , واستعن بالله ولا تعجز , وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان ~~كذا وكذا . | ولكن قل : قدر الله , وما شاء فعل , فإن لو تفتح عمل الشيطان ~~) فقال مشيرا إلى أنه لا ينال أحد جميع ما يؤمل : { للرجال نصيب } أي قد ~~فرغ من تقديره فهو بحيث لا يزيد ولا ينقص , وبين سبحانه أنه ينبغي الطلب ~~والعمل , كما أشار إليه الحديث فقال : { مما اكتسبوا } أي كلفوا أنفسهم ~~وأتعبوها في كسبه من أمور الدارين من الثواب وأسبابه من الطاعات ومن ~~الميراث والسعي في المكاسب والأرباح ( جعل رزقي تحت ظل رمحي ) ( لرزقكم كما ~~يرزق الطير , تغدو خماصا وتروح بطانا ) { وللنساء PageV02P249 نصيب مما ~~اكتسبن } أي وكذلك فالتمني حينئذ غير نافع , فالاشتغال به مجرد عناء . | ~~ولما أشار بالتبعيض إلى أن الحصول بتقديره , لا بالكسب الذي جعله سببا , ~~فإنه تارة ينجحه وتارة يخيبه , فكان التقدير : فاكتسبوا ولا تعجزوا فتطلبوا ~~بالتمني ؛ أمر بالإقبال - في الغنى وكل شيء - عليه إشارةإلى تحريك السبب مع ~~الإجمال في الطلب فقال : { وسئلوا الله } أي الذي له جميع صفات الكمال . | ~~ولما كان سبحانه تعالى عظمته لا ينقصه شيء وإن جل قال : { من فضله } أي من ~~خزائنه التي لا تنفد ولا يقضها شيء , وإن جل قال : { من فضله } أي من ~~خزائنه التي لا تنفد ولا يقضيها شيء , وفي ذلك تنبيه على عدم التعيين , لأ ~~, ه ربما كان سبب الفساد , بل يكون الطلب لام هو له صلاح , وأحسن الدعاء ~~المأثور ms0960 , وأحسنه < # > 77 ( { ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار } ) ~~77 < # > [ البقرة : 201 ] ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي الملك الأعظم الذي ~~بيده مقاليد كل شيء { كان بكل شيء عليما * } أي فكان علىكل شيء قديرا , فإن ~~كمال العلم يستلزم شمول القدرة - كما سيبين إن شاء الله تعالى في سورة طه , ~~والمعنى أنه قد فعل بعلمه ما يصلحكم فاسألوه بعلمه وقدرته ما ينفعكم , فإنه ~~يعلم ما يصلح كل عبد وما يفسده . | وعطف على ذلك ما هو من جملة لعلة فقال : ~~{ ولكل } أي من القبيلتين صغارا كانوا أو كبارا { جعلنا } بعظمتنا التي لا ~~تضاهى { موالي } أي حكمنا بأنهم هم الأولياء , أي الأنصار , والأقرباء لأجل ~~الإرث , هم الذين يلون المال ويرثونه , سواء كانوا عصبة خاصة وهم الوراث , ~~أو عصبة عامة وهم المسلمون . | ولما كان الاهتمام بتوريث الصغار أكثر قال : ~~{ مما } أي من أجل ما { ترك } أي خلفه { الوالدان } أي لكم , ثم أتبع ذلك ~~ما يشمل حقي الأصل والفرع فقال : { والأقربون } أي إليكم , ثم عطف على ذلك ~~قوله : { والذين } أي وما ترك الذين { عقدت أيمانكم } أي مما تركه من تدلون ~~إليه بنسب أو سبب بالحلف أو الولاء أو الصهر , وذكر اليمين لأن العهد يكون ~~مع المصافحة بها , ثم سبب عن ذلك قوله : { فآتوهم } أي الموالي وإن كانوا ~~صغارا أو إناثا على ما بينت لكم في آية المواريث السابقة , واتركوا كل ما ~~خالف ذلك فقد نسخ بها { نصيبهم } أي الذي فرضناه لهم من الإرث موافرا غير ~~منقوص , ولا تظنوا أن غيرهم أولى منهم أو مساو لهم , ثم رهب من المخالفة , ~~وأكد الأمر وعدا ووعيدا بقوله : { إن الله } أي المحيط بصفات الكمال { كان ~~PageV02P250 على كل شيء شهيدا * } أي فهو يعلم الولي من يغره والخائن من ~~غيره وإن اجتهد في الإخفاء , لأنه لا يخفى عليه شيء , لأنه لا يغيب شيء ولا ~~يغيب عنه شيء , فالمعنى : إنا لم نفعل سوى ما قصدتم من إعطاء المال لمن ~~يحمي الذمار ويذب عن الحوزة , وأنتم كنتم غير ms0961 منزليه حق منازله لغيبتكم عن ~~حقائق الأمور وغيبتها عنكم , فإنا لم نخرج شيئا منه لغير الموالي - أي ~~الأنصار - إما بالقرابة أو بالمعاقدة بالولاء أو المصاهرة , فالحاصل أنه ~~لمن يحمي بالفعل , أو بالقوة القريبة منه , أو البعيدة الآئلة إلى القرب , ~~وأما التفضيل في الأنصباء فأمر استأثرنا بعلم مستحقيه , وفي البخاري في ~~التفسير عن ابن عباس : ( موالي : ورثة والذين عاقدت أيمانكم كان المهاجرون ~~لما قدموا المدينة يرث المهاجرين الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بينهم , فلما نزلت { ولكل جعلنا موالي } نسخت , ~~ثم قال : { والذي عاقدت أيمانكم } من النصر والرفادة والنصيحة , وقد ذهب ~~الميراث , ويوصي له ) . | < < # | النساء : ( 34 - 35 ) الرجال قوامون على . . . . . # > > ^ ( الرجال قوامون على النسآء بما فضل الله بعضهم على بعض وبمآ ~~أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي ~~تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا ~~عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا * وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما ~~من أهله وحكما من أهلهآ إن يريدآ إصلاحا يوفق الله بينهمآ إن الله كان ~~عليما خبيرا ) ^ } ) | ثم بين سحانه وجه استحقاق بعض المفضلين , فقال - ~~جوابا لسؤال من كأنه قال : ما للرجال فضلوا ؟ - { الرجال قوامون } أي قيام ~~الولاة { على النساء } في التأديب والتعليم وكل أمر ونهي , وبين سببي ذلك ~~بقوله : { بما فضل الله } أي الذي له الحكمة البالغة والكمال الذي لا يدانى ~~, هبة منه وفضلا من غير تتكسب { بعضهم } وهم الرجال , في العقلا والقوة ~~والشجاعة , ولهذا كان فيهم الأنبياء والولاة والإمامة الكبرى والولاية في ~~النكاح ونحو ذلك من كل أمر يحتاج إلى فضل قوة في البدن والعقل والدين { على ~~بعض } يعني النساء , فقال للرجال ^ ( { انفروا خفافا وثقالا } ) ^ [ التوبة ~~: 41 ] وقال للنساء : { وقرن في بيوتكن } [ الأحزاب : 33 ] . | ولما ذكر ~~السبب الموهبي أتبعه الكسبي فقال : { وبما انفقوا } أي من المهور ~~PageV02P251 والكسى وغيرها { من أموالهم } أي عليهن , فصارت الزيادة في أحد ~~الجانبين مقابلة بالزيادة من الجانب الآخر . | ولما بان بذلك فضلهم , ~~فأذعنت النفس ms0962 لما فضلوا به في الإرث وغيره , وكان قد تقدم ذكر نكاحهم ~~للنساء والحث على العدل فيهن ؛ حسن بيان ما يلزم الزوجات من حقوقهم وتأديب ~~من جحدت الحق , فقال مسببا لما يلزمهن من حقوقهم عما ذكر من فضلهم { ~~فالصالحات قانتات } أي مخلصات في طاعة الأزواج , ولذلك ترتب عليه { حافظات ~~للغيب } أي لحقوق الأزواج من الأنفس والبيوت والأموال في غيبتهم عنهن { بما ~~} أي بالأمر الذي { حفظ الله } أي المحيط علما وقدرة به غيبتهم بفعله فيه ~~فعل من يحفظ من الترغيب في طاعتهم فيما يرضي الله والترهيب من عصيانهم بما ~~يسخطه , ورعي الحدود التي أشارت إليها سبحانه في البقرة , وشرحتها سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . # ولما عرف بالصالحات لاستحقاق الإنفاق في اللوازم أتبعه حكم غيرهن فقال { ~~والتي تخافونه نشوزهن } أي ترفعهن عليكم عن الرتبة التي أقامهن الله بها ، ~~وعصيانهن لكم فيما جعل الله لكم من الحق ، وأصل النشوز : الانزعاج في ~~ارتفاع ، قال الشافعي : دلالات النشوز قد تكون قولا ، وقد تكون فعلا ، ~~فالقول مثل أن كانت تلبية إذا دعاها وتخضع لسه بالقول إذا خاطبها ثم تغيرت ~~، والفعل مثل أن كانت تقوم إذا دخل إليها أو كانت تسارع إلأى أمره ، وتبادر ~~إلأى فراشه باستبشار إذا التمسها ، ثم إذا تغيرت فحيئذ ظن نشوزها ، ومقدمات ~~هذه الأحوال توجب خوف النشوز { فعظوهن } أي ذكروهن من أمر الله بما يصدع ~~قلوبهم ويرفقها ويخيفهن من جلال الله . | ولما كان الوعظ موجبا لتحقق ~~الطاعة أو المعصية قال : { واهجروهن } أي إن لم يرجعن بالوعظ { في المضاجع ~~} أي التي كنتم تبيتون معهن فيها من البيت ، وفي ضمن الهجر امتناعه من ~~كلامها ، قال الشافعي : ولا يزيد في هجرة الكلام على ثلاث { واضربوهن } أي ~~إن أصررن ضرب تأديب غير مبرح ، وهو ما لا يكسر عظما ولا يشين عضوا ، ويكون ~~مفرقا على بدنها ولا يوالي به في موضع واحد ، ويتقي الوجه لأنه مجمع ~~المحاسن ، ويكون دون الأربعين ، قال الشافعي : الضرب مباح وتركه أفضل { فإن ~~أطعنكم } أي بشيء من الوعظ ، والهجر في موضع المبيت من ms0963 البيت ، أو الضرب { ~~فلا تبغوا } أي تطلبوا { عليهن سبيلا } أي طريقا إلأى الأذى على ما سلف من ~~العصيان من توبيخ على ما سلف نحوه ، بما لكم عليهن من العلو ، بل اغفروا ~~لهن ما سلف ، ولا يحملنكم ما منحكم الله من العلو على المناقشة ، ثم علل ~~ذلك بقوله { إن الله } أي وقد علمتم ما له من الكمال { كان } ولم يزل { ~~عليا كبيرا } أي من العلو والكبر على PageV02P252 الإطلاق بكمال القدرة ~~ونفوذ المشيئة ، فهو لا يحي الباغي ولا يقره على بغية ، وقدرته عليكم أعظم ~~من قدرتكم عليهن ، وهو مع ذلك يعفو عمن أعصاه وإن ملأ ألأرض خطايا إذا ~~أطاعهع ، ولا يؤاخذه بشيء مما فرط في حقه ، بل يبدل سيئاته حسنات فلو أخذكم ~~بذنوبكم أهلككم ، فتخلفوا بما قدرتم عليه من صفاته لتنالوا جليل هباته ، ~~وخافوا سطواته ، واحذروا عقوبته ، بما له من العلو والكبر . | ولما حال ~~الوفاق وما خالطه من شيء من الأخلاق التي يقوم بإصلاحها الزوج ، أتبعه حال ~~المباينة والشقاق المحوج إلى من ينصف أحدهما من الآخر فقال : { وإن خفتم } ~~أي أيها المتقون القادرون على الإصلاح من الولاة وغيرهم { شقاق بينهما } أي ~~الزوجين المفهومين من السياق ، يكون كل واحد منهما في شق غير الشق الذي فيه ~~الآخر ، ولا يكون ذلك إلا وأحدهما على باطل وأضاف الشقاق إلى البين ليفيد ~~أن هذا العمل إنما يكون عند الخوف من شقاق خاص ، وهو أن يكون البين المضاف ~~إليهما وهو الذي يميز كل واحد منهما من الآخر لا تمكن في العادة إزالته ~~ليكونا شيئا واحدا كما كانا لا بين لهما ، وذلك بظن أنه لا صلاح في ~~اجتماعهما { فابعثوا } أي إليهما للإصلاح بينهما بإنصاف المظلوم من الظالم ~~{ حكما من أهله } أي الزوج { وحكما من أهلها } أي الزوجة ، هذا أكمل لأن ~~أهلهما أقرب إلى إزالة أسباب الشقاق من بينهما ، لأنهم أجدر بالإطلاع على ~~بواطن أمورهما وعلى حقائق أحوالهما ، والزوجان أقرب إلى إطلاعهما إن كانا ~~قريبيتن على ضمائرهما ، وأقرب إلى إخفاء ذلك عن الأجانب ، وفائدة الحكمين ~~أن يخلو كل منهما ms0964 بصاحبه ويستكشف حقيقة الحال ليعرف وجه الصلاح . | ةثم ~~أجاب من كأنه قال : وماذا عسى أن يضيفا ؟ بقوله ' { إنت يريدا } أي الحكمان ~~{ إصلاحا } أي بينهما ، وكأنه تكره لأن الإخلاص ووجود الكمال قليل { يوفق ~~الله } الذي له الإحاطة بعلم الغيب والشهادة { بينهما } أي الزوجين لأن ~~صلاح النية أكبر معين على بلوغ المقاصد ، وهذا دال على أنه لا يكون شيء إلا ~~بالله ، وأن الأسباب إنما هي محنة من الله ، يسعد بها من يباشرها ويعتمد ~~على الله دونها ، ويشقى بها من يجعلها محط قصده ، فيعتمد عليها . | ولما ~~كان المصلح قد يظن مفسدا لصدعه بمر الحق من غير مداراة ، والمفسد قد يعد ~~مصلحا لما يرى منه من المداهنة والمراءاة والمكر ، فيظن من يخلف الوعد ~~بالتوفيق غير ما نفس الأمر ، قال تعالى لهذا الوهم مرغبا ومرهبا { إن الله ~~} أي المحيط بجميع صفات الكمال { كان عليما } أي مطلقا على ما يمكن الاطلاع ~~عليه وإن PageV02P253 غاب عن غيره { خبيرا } أي لا يخفى عليه من ذلك خفي ، ~~ولا يغيب عنه خبئ ، فصارت هذه الآيات كفيلة بغالب أحوال النكاح ، ولم يذكر ~~سبحانه وتعالى الطلاق عندما ذكر الشقاق لتقدمه في البقرة ، ولأن مبني هذه ~~السورة على التواصل واالتواد دون التفاصل والتراد كما قال ابن الزبير ، ~~ولهذا أي لبناء السورة على التواصل والائتلاف دون التفاصل والاختلاف ، خصت ~~حكم تشاجر الزوجين بالإعلام بصورة الإصلاح والعدالة إبقاء لذلك التواصل ، ~~فلم يكن الطلاق ليناسب هذا ، فلم يقع له هنا ذكر ولا إيماء إلا قوله { وإن ~~يتفرقا يغن الله كلا من فضله } [ النساء : 130 ] انتهى . < < # | النساء : ( 36 - 39 ) واعبدوا الله ولا . . . . . # > > ^ ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ~~واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن ~~السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا * الذين ~~يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون مآ آتاهم الله من فضله وأعتدنا ~~للكافرين عذابا مهينا * والذين ينفقون أموالهم رئآء الناس ولا يؤمنون بالله ~~ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء قرينا ms0965 * وماذا عليهم لو ~~آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما ) ^ ~~} ) | ولما كثرت في هذه السورة الوصايا من أولها إلى هنا بنتيجة التقوى : ~~العدل والفضل , والترغيب في نواله , والترهيب من نكاله - إلى أن ختم ذلك ~~بإرشاد الزوجين إلى المعاملة بالحسنى , وختم الآية بما هو في الذروة من حسن ~~الختام من صفتي العلم والخبر , وكان ذلك في معنى ما ختم به الآية الآمرة ~~بالتقوى من الوصف بالرقيب , اقتضى ذلك تكرير التذكير بالتقوى التي افتتحت ~~السورة بالأمر بها , فكان التقدير حتما : فاتقوه ؛ عطف عليه , أو على نحو ^ ~~( { وسئلوا الله من فضله } ) ^ [ النساء : 32 ] أو على { اتقوا ربكم } ~~الخلق المقصود من الخلق المبثوثين على تلك الصفة , وهو العبادة الخالصة ~~التي هي الإحسان في معاملة الخالق , وأتبعها الإحسان في معاملة الخلائق ~~فقال : { واعبدوا الله } أي أطيعوا - الذي له الكمال كله فلا يشبهه شيء - ~~طاعة محضة من غير شائب خلاف مع الذل والانكسار , لأن ملاك ذلك كله التعبد ~~بامتثال الأوامر واجتناب الزواجر . | ولما كان سبحانه غنيا لم يقبل إلا ~~الخالص , فقال مؤكدا لما أفهمه ما قبله : { ولا تشركوا به شيئا } ولما أمر ~~للواحد الحقيقي بما ينبغي له , وكان لذلك درجتان : أولاهما الإيمان , ~~PageV02P254 وأعلاهما الإحسان , فصار المأمور بذلك مخلصا في عبادته ؛ أمره ~~بالإحسان في خلافته , وبدأ بأولى الناس بذلك , وهو من جعله سببا لإيجاده ~~فقال - مشيرا إلى أنه لا يرضى له من ذلك إلا درجة الإحسان , وإلى أن من ~~أخلص له أغناه عن كل ما سواه , فلا يزال منعما على من عداه - : { ~~وبالوالدين } أي وأحسنوا بهما { إحسانا } وكفى دلالة على تعظيم أمرهما جعل ~~برهما قرين الأمر بتوحيده سبحانه . | ولما كان مبنى السورة على الصلة لا ~~سيما لذي الرحم , قال مفصلا لما ذكر أول السورة تأكيدا له : { وبذي القربى ~~} لتأكد حقهم بمزيد قربهم , ولاقتضاء هذه السورة مزيد الحث على التعاطف ~~أعاد الجار , ثم أتبع ذلك من تجب مراعاته لله , أو لمعنى تفسد بالإخلال به ~~ذات البين , وبدأ بما لله لأنه إذا صح تبعه ms0966 غيره فقال : { واليتامى ~~والمساكين } أي وإن لم تكن رحمهم معروفة , وخصهم لضعفهم وقدم اليتيم لأنه ~~أضعف , لأنه لصغره يضعف عن دفع حاجته ورفعها إلى غيره { والجار ذي القربى } ~~أي لأن له حقين { والجار الجنب } أي الذي لا قرابة له , للبلوى بعشرته خوفا ~~من بالغ مضرته ( اللهم ! إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة , فإن ~~جار البادية يتحول ) { والصاحب الجنب } أي الملاصق المخالط في أمر من ~~الأمور الموجبة لامتداد العشرة { وابن السبيل } أي المسافر لغربته وقلة ~~ناصره ووحشته { وما ملكت أيمانكم } أي من العبيد والإماء كذلك , فإن ~~الإحسان إليهم طاعة عظيمة ( آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم ~~الصلاة وماملكت أيمانكم ) PageV02P255 ولما ذكر الإحسان الذي عماده التواضع ~~والكرم , ختم الآية ترغيبا فيه وتحذيرا من منعه معللا للأمر به بقوله : { ~~إن الله } أي بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى { لا يحب } أي لا ~~يفعل فعل المحب مع { من كان مختالا } أي متكبرا معجبا بنفسه متزينا بحليته ~~مرائيا بام آتاه الله تعالى من فضله على وجه العظم واحتقار الغير , يأنف من ~~أن ينسب إليه أقاربه الفقراء , ويقذر جيرانه إذا كانوا ضعفاء , فلا يحسن ~~إليهم لئلا يلموا به فيعير بهم . | ولما كان المختال ربما أحسن رياء , قال ~~معلما أنه لا يقبل إلا الخالص : { فخورا * } مبالغا في التمدح بالخصال , ~~يأنف من عشرة الفقراءن وفي ذلك أتم ترهيب من الخلق المانع من الإحسان , وهو ~~الاختيال على عباد الله والافتخار عليهم ازدراء بهم , فإنه لا مقتضى لذلك ~~لأن الكل من نفس واحدة , والفضل نعمة منه سبحانه , يجب شكرها بالتواضع ~~لتدوم , ويحذر كفرها بالفخار خوفا من أن تزول . | ولما كان الاختيال والفخر ~~على الفرح بالأعراض الفانية والركون إليها والاعتماد عليها , فكانا حاملين ~~على البخل خوفا من زوالها ؛ قال واصفا لهم بجملة من الأخلاق الرديئة الجيلة ~~, ذلك منشأها : { الذين يبخلون } ي يوقعون البخل بما حملهم من المتاع ~~الفاني على الفخار , وقصره ليعم كتم العلم ونحوه ؛ ثم تلا ذلك بأسوأ منه ~~فقال { ويأمرون الناس بالبخل ms0967 } مقتا للسخاء , وفي التعبير بما هو من النوس ~~إشارة إلى أنهم لا يعقلون أطماعهم بذلك إلا بذوي الهمم السافلة والرتب ~~القاصرة , ويحتمل أن يكون الأمر كناية عن حملهم غيرهم على البخل بما يرى من ~~اختيالهم وافتخارهم عليهم ؛ ثم أتبع ذلك أخبث منه , وهو الشح بالكلام الذي ~~لا يخشى نقصه وجحد النعمة وإظهار الافتقار فقال : { ويكتمون ما اتاهم الله ~~} أي الذي له الجلال والإكرام { من فضله } أي من العلم جاحدين أن يكون لهم ~~شيء يجودون به . | قال الأصبهاني : ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب ~~الكفر , مثل أن يظهر الشكاية لله سبحانه وتعالى ولا يرضى بالقضاء . | ثم ~~عطف على { إن الله لا يحب } ملتفتا إلى مقام التكلم , دلالة على تناهي ~~الغضب وتعيينا للمتوعد , مصرحا بمظهر العظمة الذي دل عليه هناك بالاسم ~~الأعظم قوله : { وأعتدنا } أي أحضرنا وهيأنا , وكان الأصل : لهم , ولكنه ~~قال - تعميما وتعليقا للحكم بالوصف , وإعلاما بأن ذلك حامل على الكفر - : { ~~للكافرين } أي بفعل هذه PageV02P256 الخصال كفرا حقيقيا بما أوصلهم إليه ~~لزوم الأخلاق الدنية , أو مجازيا بكتمان النعمة { عذابا مهينا * } أي بما ~~اغتروا بالمال الحامل على الفخر والكبر والاختيال ( لا يدخل الجنة من كان ~~في قلبه مثقال حبة من كبر ) . | ولما ذم المقترين , أتبعه ذم المسرفين ~~المبذرين فقال - عطفا على { الكافرين } أو { الذين يبخلون } معرفا أن الذين ~~لا يحسنون على الوجه المأمور به فينم تقدم الأمر بالإحسان إليهم فرقتان : ~~فرقة يمنعون النفقة أصلا , وفرقة يمنعون وصفها ويفعلونها رياء , فيعدمون ~~بذلك روحها - : { والذين ينفقون } وأشار إلى عظيم رغبتهم في نفقتهم بقوله : ~~{ أموالهم } ودل على خسة مقاصدهم وسفول هممهم بقوله : { رئاء الناس } أي ~~لقصور نظرهم وتقيده بالمحسوسات كالبهائم التي لا تدرك إلا الجزيئات ~~المشاهدات . | ولما ذكر إخراج المال على وجه لا يرضاه ذو عقل , ذكر الحامل ~~عليه مشيرا إلى أنهم حقروا أنفسهم بما عظموها به , وذلك أنهم تعبدوا للعبيد ~~, وتكبروا على خالقهم العزيز المجيد فقال : { ولا يؤمنون بالله } وهو الملك ~~الأعظم . | ولما كان المأمور بالإحسان إليهم هنا من الوالدين ومن ms0968 ذكر معهم ~~أخص ممن أشير إليهم في البقرة , أكد بزيادة النافي فقال : { ولا باليوم ~~الآخر } الحامل على كل خير , والنازع عن كل شر . | ولما كان التقدير : فكان ~~الشيطان قرينهم , لكفره بإعجابه وكبره ؛ عطف عليه قوله : { ومن يكن الشيطان ~~} أي وهو عدوه البعيد من كل خير , المحترق بكل ضير { له قرينا } فإنه يحمله ~~على كل شر , ويبعده عن كل خير ؛ وإلى ذلك أشار بقوله : { فساء قرينا * } ~~ولما كان التقدير : فماذا لهم في الكفر والإنفاق رياء لمن لا ضر ولا نفع ~~بيده ؟ عطف عليه قوله تعنيفا لهم وإنكارا عليهم : { وماذا عليهم } أي من ~~حقير الأشياء وجليلها { لو آمنوا بالله } أي الذي له كل كمال , وبيده كل ~~شيء { واليوم الآخر } الحامل على كل صلاح { وأنفقوا } ولما وصفهم بإنفاق ~~جميع أموالهم للعدو الحقير أشار إلى شحهم فيما هو لله العلي الكبير بشيء ~~يسير يحصل لهم به خير كثير , فقال : { مما رزقهم الله } الذي له الغنى ~~المطلق والجود الباهر , ولما كان التقدير : فقد كان الله عليهم لما بذروا ~~أموالهم قديرا , عطف عليه قوله : { وكان الله } أي المحيط بصفات الكمال { ~~بهم } أي في كلتا الحالتين { عليما * } أي بليغ العلم , وللإعلام بعظمة ~~العلم بهم قدم الجار المفيد للاختصاص في غير هذا الموضع . | PageV02P257 < ~~< # | النساء : ( 40 - 43 ) إن الله لا . . . . . # > > ^ ( إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه ~~أجرا عظيما * فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا * ~~يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله ~~حديثا * ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما ~~تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو ~~جآء أحد منكم من الغآئط أو لامستم النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ) ^ } ) | ولما فرغ من ~~توبيخهم قال معللا : { إن الله } أي الذي له كل كمال , فهو الغني المطلق { ~~لا يظلم } أي لا ms0969 يتصور أن يقع منه ظلم ما { مثقال ذرة } أي فما دونها , ~~وإنما ذكرها لأناه كناية عن العدم , لأنها مثل في الصغر , أي فلا ينقص أحدا ~~شيئا مما عمله , ولا يثيب عليه شيئا لم يعمله , فماذا على من آمن به وهو ~~بهذه الصفة العظمى . | ولما ذكر التخلي من الظلم , أتبعه التحلي بالفضل ~~فقال عاطفا على ما تقديره : فإن تك الذرة سيئة لم يزد عليها , ولا يجزي بها ~~إلا مثلها : { وإن } ولما كان تشوف السامع إلى ذلك عظيما , حذف منه النون ~~بعد حذف المعطوف عليه تقريبا لمرامه فقال : { تك } أي مثقال الذرة , وأنثه ~~لإضافته إلى مؤثنث , وتحقيرا له , ليفهم تضعيف ما فوقه من باب الأولى , ~~وهذا يطرد في قراءة الحرمينين برفع { حسنة } أي وإن صغرت { يضاعفها } أي من ~~جنسها بعشرة أمثالها إلى سبعين إلى سبعمائة ضعف إلى أزيد من ذلك بحسب ما ~~يعلم من حسن العمل بحسن النية { ويؤت من لدنه } أي من غريب ما عنده فضلا نم ~~غير عمل لمن يريد . | قال الإمام : وبالجملة فذلك التضعيف إشارة إلى ~~السعادات الجسمانية , وهذا الأجر إلى السعادات الروحانية { أجرا عظيما * } ~~وسماه أجرا - وهو من غير جنس تلك الحسنة - لابتنائه على الإيمان , أي فمن ~~كان هذا شأنه لا يسوغ لعاقل توجيه الهمة إلا إليه , ولا الاعتماد أصلا ~~بإنفاق ويغره إلا عليه . | ولما تم تحذيره من اليوم الآخر وما ذكره من ~~إظهار العدل واستقصائه فيه كان سببا للسؤال عن حال المبكتين في هذه الآيات ~~إذ ذاك , فقال : { فكيف } أي يكون حالهم وقد حملوا أمثال الجبال من مساوي ~~الأعمال ! { إذا جئنا } على عظمتنا { من كل أمة بشهيد } أي يشهد عليهم { ~~وجئنا بك } وأنت أشرف خلقنا { على هؤلاء } أي الذين أرسلناك إليهم وجعلناك ~~شهيدا عليهم { شهيدا * } وفي التفسير من البخاري عن عبد الله رضي الله ~~تعالى عنه قال : ( قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ) اقرأ علي ( قلت : ~~أقرأ عليك وعليك PageV02P258 أنزل ؟ قال ) إني أحب أن أسمعه من غيري ( ~~فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت { فكيف إذا ms0970 جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك ~~على هؤلاء شهيدا } قال ) أمسك ( فإذا عيناه تذرفان ) ثم استأنف الجواب عن ~~ذلك بقوله : { يومئذ } أي تقوم الإشهاد { يوم الذين كفروا } أي ستروا ما ~~تهدي إليبه ما أظهر من بيناته { لو تسوى بهم الأرض } أي تكون مستوية معتدلة ~~بهم , ولا تكون كذلك إلا وقد غيبتهم واستوت بهم , ولم يبق فهيا شيء من عوج ~~ولا نتو بسبب أحد منهم ولا شيء من أجسامهم ؛ وإنما ودوا ذلك خوفا مما ~~يستقبلهم من الفضيحة بعتابهم ثم الإهانة بعقابهم . | ولما كان التقدير : ~~فلا تسوي بهم , عطف عليه قوله : { ولا يكتمون الله } أي الملك الأعظم { ~~حديثا * } أي شيئا أحدثوه بل يفتضحون بسيء أخبارهم , ويحملون جميع أوزارهم ~~, جزاء لما كانوا يكتمون من آياته وما نصب للناس من بيناته . | ولما وصف ~~الوقوف بين يديه في يوم العرض والأهوال الذي أدت فيه سطوة الكبرياء والجلال ~~إلى تمني العدم , ومنعت قوة يد القهر والجبر أن يكتم حديثا , وتضمن وصفه ~~أنه لا ينجو فيه إلا من كان طاهر القلب والجوارح بالإيمان به والطاعة ~~لرسوله صلى الله عليه وسلم ؛ ؛ وصف الوقوف بين يديه في الدنيا خطرت معاني ~~اللطف والجمال فهي الالتفات إلى غيره , الوقوف في ذلك اليوم , والذي خطرت ~~معاني اللطف والجمال فهي الالتفات إلى غيره , وأمر بالطهارة في حال التزين ~~به عن الخبائث فقال : { ياأيها الذين أمنوا } أي أقروا بالتصديق بالرسل وما ~~أتوا به عن الله , وأوله وأولاه أن لا تشركوا به شيئا من الإشراك { لا ~~تقربوا الصلاة } أي بأن لا تكونوا في موضعها فضلا عن أن تفعلوها { وأنتم } ~~أي والحال أنكم { سكارى } أي غائبو العقل من الخمر أو نحوها , فإنه يوشك أن ~~يسبق اللسان - بتمكن الشيطان بزوال العقل إلى شيء من الإشراك , فيكون شركا ~~لسانيا وإن كان القلب مطمئنا بالإيمان , فيوشك أن يعرض ذلك عليه يوم الوقوف ~~الأكبر , فإن من أنتم بين يديه لا يكتم حديثا , فيود من نطق سانه بذلك - ~~لما يحصل له من الألم - لو كان من أهل العدم ! وأصل السكر ms0971 في اللغة : سد ~~الطريق ؛ وسبب نزولها ما رواه مسدد بإسناد - قال شيخنا البوصيري : رجاله ~~ثقات - عن علي رضي الله تعالى عنه ( أن رجلا من الأنصار دعاه وعبد الرحمن ~~بن عوف رضي الله تعالى عنه فسقاهما قبل أن تحرم الخمر , PageV02P259 فأمهم ~~علي رضي الله تعالى عنه في المغرب وقرأ ) قل يأيها الكافرون ( [ الكافرون : ~~1 ] فنزلت ) هكذا رواه , وقد رواه أصحاب السنن الثلاثة وأحمد وعبد بن حميد ~~والبزار والحاكم والطبري , فبينوا المراد , وهو أن الذي صلى بهم قرأ : أعبد ~~ما تعبدومن , وفي رواية الترمذي : ونحن نعبد ما تعبدون . | ولما أفهم النهي ~~عن قربانها ي هذا الحال زواله بانقضائه , وصرح به في قوله : { حتى } أي ولا ~~يزال هذا النهي قائما حتى { تعلموا } بزوال السكر { ما تقولون } فلا يقع ~~منكم حينئذ تبديل ؛ وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه أن المراد بالصلاة ~~نفسها وموضعها وهو المسجد , وذلك من أدلته على اتسعمال الشيء في حقيقته ~~ومجازه ؛ نهى السكران أن يصلي إلى أن يفهم , أي يصحو , ونهى كل واحد أن ~~يكون في المسجد وهو جنب بقوله عطفا على محل { وأنتم سكارى } : { ولا } أي ~~ولا تقربوا الصلاة بالكون في محالها فضلا عنها { جنبا } أي ممنين بالفعل أو ~~القوة القريبة منه بالتقاء الختانين , لأن الجنابة المني سواء كان عن جماع ~~أو لا في حال من أحوال الجنابة { إلا عابري سبيل } أي مارين مرورا من غير ~~مكث ولا صلاة ؛ ولما غيى منع الجنابة بقوله : { حتى تغتسلوا } أي تغسلوا ~~البدن عمدا , ولما كان للإنسان حالات يتعسر أو يتعذر فيها عليه استعمال ~~الماء ؛ ذكرها فقال مرتبا لها على الأحوج إلى الرخصة فالأحوج { أو على سفر ~~} كذلك سواء كان السفر طويلا أو قصيرا { أو جاء أحد منكم } أي أيها ~~المؤمنون ! ولو كان حاضرا صحيحا { من الغائط } أي المكان المطمئن من الأرض ~~الواسع الذي يقصد للتخلي , أي : أو جاء من التخلي فقضى حاجته التي لا بد له ~~منها , فهو بها أحوج إلى التخفيف مما بعده . | ولما تقدم أمر الجنابة التي ~~هي المني أعم من ms0972 أن تكون بجماع أو غيره , ذكر هنا ما يعمها وغيرها من وجه ~~فقال : { أو لامستم النساء } أي بمجرد التقاء البشرتين أو بالجماع سواء حصل ~~إنزال أو لا , وأخر هذا لأنه مما منه بد , ولا يتكرر تكرر قضاء الحاجة { ~~فلم تجدوا ماء } أي إما بفقده أو بالعجز عن استعماله { فتيمموا } أي اقصدوا ~~قصدا صادقا بأن تلابسوا ناوين { صعيدا } أي ترابا { طيبا } أي طهورا خالصا ~~فهو بحيث PageV02P260 ينبت ^ ( { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } ) ^ [ ~~الأعراف : 58 ] { فامسحوا } وهذه عبادة خاصة بنا . | ولما كان التراب لا ~~يتمكن من جميع العضو وإن اجتهد الإنسان في ذلك أدخل الباء قاصرا للفعل في ~~قوله : { بوجوهكم } أي أوقعوا المسح بها سواء عم التراب منبت الشعر أم لا { ~~وأيديكم } أي منه كما صرح به ف المائدة , لا فيه ولا عليه مثلا , ليفهم ~~التمعك / أو أن الحجر مثلا يكفي , والملامسة جوز الشافعي رضي الله تعالى ~~عنه أيضا أن يراد بها المس - أي ملاقاة البشرتين - الذي هو حقيقة اللمس ~~والجماع الذي هو مسبب عن المس , أو هو مماسة خاصة , فهو من تسمية الكل باسم ~~البعض حينئذ . | ولام نهى عما يدني من وقوع صورة الذنب الذي هو جري اللسان ~~بما لا يليق به سبحانه وتعالى , وخفف ما كان شديدا بالتيمم ؛ ختم الآية ~~بقوله : { إن الله } أي الذي اختص بالكمال { كان عفوا } أي بترك العقاب على ~~الذنب , وكأن هذا راجع إلى ما وقع حالة السكر { غفورا * } أي بترك العقاب ~~وبمحو الذنب حتى لا ذكر بعد ذلك أصلا , وكأن ها راجع إلى التيمم , فإن ~~الصلاة معه حسنة , ولولاه كانت سيئة مذكورة ومعاقبا عليها , إما على تركها ~~لمشقة استعمال الماء عند التساهل , أو على فعلها بغير طهارة في بعض وجوه ~~التنطع , وذلك معنى قوله سبحانه وتعالى في المائدة ^ ( { ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج } ) ^ [ المائدة : 6 ] ومن كانت عادته العفو والمغفرة ~~كان ميسرا غير معسر . | < < # | النساء : ( 44 - 46 ) ألم تر إلى . . . . . # > > ^ ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون ~~أن ms0973 تضلوا السبيل * والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا * ~~من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير ~~مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ~~واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا ) ^ } ) | ولما أفهم ختام هذه الآية أن التشديد في الأحكام يكون سببا ~~للإجرام , فيكون سببا في الانتقام ؛ قرر ذلك بحال اليهود الذين أوجبت لهم ~~الآصار عذاب النار فقال - ليكون ذلك مرغبا في تقبل ما مر من التكاليف ليسره ~~ولرجاء الثواب , مرهبا من تركها خوفا من العقاب , وليصير الكلام حلوا رائقا ~~بهجا بتفصيل نظمه تارة بأحكام , وتارة بأقاصيص عظام , فينشط الخاطر وتقوى ~~القريحة - : { ألم تر } أو يقال : إنه لما حذر سبحانه وتعالى فيما مضى من ~~أهل الكتاب بقوله سبحانه وتعالى ^ ( { ويريد الذين يتبعون الشهوات أن ~~تميلوا ميلا عظيما } ) ^ [ النساء : 27 ] ومر إلى أن أنزل هذه فيمن حرف في ~~PageV02P261 الصلاة لسانه فقط لا عن عمد الكلم عن واضعه ؛ أتبعها التصريح ~~بالتعجيب من حال المحرفين بالقلب واللسان عمدا وعدوانا اجتراء على الله ~~سبحانه وتعالى , الملوح إليهم بالآية السابقة أنهم يريدون لنا الضلال عما ~~هديا إليه من سننهم فقال : { ألم تر } ولما كانوا بمحل البعد - بما لهم من ~~اللعن - عن حضرته الشريفة , عبر بأداة الانتهاء , بصرية كانت الرؤية أو ~~قلبية , فقال : { إلى الذين أوتوا } وحقر أمرهم بالبناء للمفعول وبقوله : { ~~نصيبا من الكتاب } أي كشاش بن قيس الذي أراد الخلق بين الأنصار , وفي ذلك ~~أن أقل شيء من الكتاب يكفي في ذم الضلال , لأنه كاف في الهداية { يشترون } ~~أي يتكلفون ويلحون - بما هم فيه من رئاسة الدنيا من المال والجاه - أن ~~يأخذوا { الضلالة } معرضين عن الهدى غير ذاكرية بوه , وسبب كثير من ذلك ما ~~في دينهم من الآصال والأثقال , كما أشار إليه قوله سبحانه وتعالى < # > 77 ( { فخلف من بعدهم خلق اضاعوا الصلاة } ) 77 < # > [ مريم : 59 ] أي بسبب ما شدد عليهم فيها بأنها لا تفعل إلا في الموضع ms0974 ~~المبني لها , وبغير ذلك من أنواع الشدة , وكذا غيرها المشار إليه بقوله ~~سبحانه وتعالى < # > 77 ( { فبما نقضهم ميثاقهم } ) 77 < # > [ النساء : 155 ] وغير ذلك , ومن ا ‘ ظمه ما يخفون من صفة النبي صلى ~~الله عليه وسلم , ليتقربوا بذلك إلى أهل دينهم , ويأخذوا منهم الرشى على ~~ذلك , ويجعلوهم عليهم رؤساء . | ولما ذكر ضلالهم المتضمن لإضلالهم , أتبعه ~~ما يدل على إعراقهم فيه , فقال مخاطبا لمن يمكن توجيه هممهم بإضلال إليه : ~~{ ويريدون أن تضلوا } أي ياأيها الذين آمنوا { السبيل * } حتى تساووهم , ~~فلذلك يذكرونكم بالأحقاد والأضغان والأنكاد - كما فعل شاس - لا محبة فيكم , ~~ويلقون إلأيكم الشبهة , فالله سبحانه وتعالى أعلم بهم حيث حذركم منه بقوله ~~< # > 77 ( { لا يالونكم خبالا } ) 77 < # > [ آل عمران : 118 ] وما بعده إلى هنا { والله } أي المحيط علمه وقدرته ~~{ أعلم } أي من كل أحد { بأعدائكم } أي كلهم هؤلاء وغيرهم , بما يعلم من ~~البواطن , فمن حذركم منه كائنا من كان فاحذره . | ولما كان كل من قبيلتي ~~الأنصار قد والوا ناسا من اليهود ليعتزوا بهم وليستنصروهم , قال تعالى ~~فاطما لهم عن موالاتهم : { وكفى } أي والحال أنه كفى به هكذا كان الأصل , ~~ولكنه أظهر الاسم الأعظم لتستحضر عظمته , فيستهان أمر الأعداء فقال : { ~~بالله وليا } أي قريبا بعمل جميع ما يفعله القريب الشفيق . | ولما كان ~~الولي قد تكون فيه قوة النصرة , والنصير قد لا يكون له شفقة الولي , وكانت ~~النصرة أعظم ما يحتاج إلى الولي فيه ؛ أفردها بالذكر إعلاما باجتماع ~~الوصفين مكررا الفعل والاسم الأعظم اهتماما بأمرها فقال : { وكفى بالله } ~~أي الذي له العظمة PageV02P262 كلها { نصيرا * } أي لمن والاه فلا يضره ~~عداوة أحد , فثقوا بولايته ونصرته دونهم , ولا تبالوا بأحد منهم ولا من ~~غيرهم , فهو يكفيكم الجميع . | ولما وفرت هذه الآيات الدواعي على تعيين ~~هؤلاء الذين يريدون الإضلال , قال بعد الاعتراض بما بين المبين والمبين من ~~الجمل لمزيد الاهتمام به : { من الذين هادوا } ثم بين ما يضلون به ويضلون ~~بقوله - ويجوز أن يكون استئنافا بمعنى : بعهضم , أو منهم من - : { يحرفون ~~الكلم } أي الذي أتى به شرعهم ms0975 من صفة النبي الأمي صلى الله عليه وسلم وصفه ~~دينه وأمته وغير ذلك مما يريدون تحريفه لغرض , فيتألفون في إمالته وتغييره ~~عن حده وطرفه إلى حد آخر مجاوزين به { عن } ولما كانت الكلمة إذا غيرت ~~تبعها الكلام وهو المقصود بالذات , نبه على ذلك بتذكير الضمير فقال : { ~~مواضعه } أي التي هي به أليق , فيتم ضلالهم وإضلالهم , وهو يشمل ما إذا كان ~~المعنى المغير إليه بعيدا عن المغير أو قريبا , فالذي في المائدة أخص . | ~~ولما كان سبحانه وتعالى عالما بجميع تحريفهم , أشار إليه بالعطف على ما ~~تقديره : فيقولون كذا ويقولون كذا : { ويقولون سمعنا } أي ما تقول { وعصينا ~~} موهمين أنهم يريدون أن ذلك حكاية ما وقع لأسلافهم قديما , وإنما يريدون ~~أنهم هم سمعوا ما تقول وخالفوه عمدا ليظن من سمع ذلك أنهم على بصيرة في ~~المخالفة بسبب ما عندهم من العلم الرباني ليورثه ذلك شكا في أمره وحيرة في ~~شأنه { واسمع } حال كونك { غير مسمع } موهمين عدم إسماعه ما يكره من قولهم ~~: فلان أسمع فلانا الكلام , وإنما يريدون الدعاء , كما يقال : اسمع لا سمعت ~~! { وراعنا } موهمين إرادة المراعاة والإقبال عليهم , وإنما يريدون الشتم ~~بالرعونة ؛ وقال الأصفهاني : ويحتمل شبه كلمة عبرانية كانوا يتسابون بها ~~وهي : راعينا , فكانوا - سخرية بالدين وهزءا برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~- يكلمونه بكلام محتمل , ينوون به الشتيمة والإهانة ويظهرون التوقير ~~والإكرام , ولذلك قال : { ليا بألسنتهم } أي صرفا لها عن مخارج الحروف التي ~~تحق لها في العربية إلى ما يفعله العبرانيون من تغليظ بعض الحروف وشوب ~~بعضها بغيره , لإرادة معان عندهم قبيحة مع احتمالها لإ { ادة معان غير تلك ~~يقصدها العرب مليحة { وطعنا في الدين } أي بما يفسرونه به لمن يطمعون فيه ~~من تلك المعاني الخبيثة . | ولما ذكر هذه الكلمات الموجهة , بين ما كان ~~عليهم لو وقفوا فقال قاطعا جدالهم : { ولو أنهم قالوا } أي في الجواب له ~~صلى الله عليه وسلم { سمعنا واطعنا } أي بدل الكلمة الأولى { واسمع وانظرنا ~~} بدل ما بعدها { لكان } أي هذا القول { خيرا لهم } أي من ms0976 ذلك , لعدم ~~استيجابهم الإثم { وأقوم } أي لعدم الاحتمال الذم { ولكن لعنهم الله } أي ~~PageV02P263 طردهم الذي له جميع صفات العظمة والكمال , وأبعدهم عن الخير { ~~بكفرهم } أي بدناءتهم بما يغطون من أنوار الحق ودلائل الخير , فلم يقولوا ~~ذلك ولما سبب عن طردهم استمر كفرهم قال : { فلا يؤمنون } أي يتجدد لهم ~~إيمان { إلا قليلا * } أي منهم ؛ استثناء من الواو , فإنهم يؤمنون , أو هو ~~استثناء مفرغ من مصدر يؤمن أي من إيمانهم ببعض الآيات الذي لا ينفعها ~~لكفرهم بغيره . | < < # | النساء : ( 47 - 48 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( ياأيهآ الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من ~~قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارهآ أو نلعنهم كما لعنآ أصحاب السبت وكان ~~أمر الله مفعولا * إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء ~~ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) ^ } ) | ولما بكتهم على فعلهم ~~وقولهم وصرح بلعنهم , خوفهم إظهار ذلك في الصور المحسوسة فقال مقبلا عليهم ~~إقبال الغضب : { ياأيها الذين } مناديا لهم من محل البعد { أوتوا الكتاب } ~~ولم يسند الإيتاء إليه تحقيرا لهم , ولم يكتف بنصيب منه لأنه لا يكفي في ~~العلم بالمصادقة إلا الجميع { آمنوا بما نزلنا } أي تدريجا كما نزلنا ~~التوراة كذلك , على ما لنا من العظمة التي ظهرت في إعجازه وإخباره ~~بالمغيبات ودقائق العلوم مما عندكم وغيره على رشاقته وإيجازه ؛ وأعلم ~~بعنادهم وحسدهم بقوله : { مصدقا لما معكم } من حيث أنهم له مستحضرون , وبه ~~في حد ذاته مقرون . | ولما أمرهم وقطع حجتهم , حذرهم فقال - مخففا عنهم ~~بالإشارة بحرف الجر إلى أنه متى وقع منهم إيمان في زمن مما قبل الطمس أخره ~~عنهم - : { من قبل أن نطمس } أي نمحو { وجوها } فإن الطمس في اللغة : المحو ~~؛ وهو يصدق بتغيير بعض الكيفيات , ثم سبب عن ذلك قوله : { فنردها } ~~فالتقدير : من قبل أن نمحو أثر وجوه بأن نردها { على أدبارها } أي بأن نجعل ~~ما إلى جهة القبل من الرأس إلى جهة الدبر , وما إلى الدبر النقل من حال إلى ~~ما دونها من ضدها ms0977 بجعلها على حال القفا , ليس فيها معلم من فم ولا غيره , ~~ليكون المعنى بالطمس مسح ما في الوجه من المعاني ؛ قال ابن هشام : نطمس : ~~نمسحها فنسويها , فلا يرى فيها عين ولا أنف ولا فم ولا شيء مما يرى في ~~الوجه , وكذلك ^ ( { فطمسنا أعينهم } ) ^ [ القمر : 37 ] المطموس العين : ~~الذي ليس بن جفنيه شق , ويقال : طمست الكتاب والأثر فلا يرى منه شيء . | ~~ويكون الوجه في هذا التقدير على حقيقته ؛ ثم خوفهم نوعا آخر من الطمس فقال ~~عاطفا على ( نردها ) : { أو نلعنهم } PageV02P264 أي نبعدهم جدا عن صورة ~~البشر أن نقلب وجوههم أو جميع ذواتهم على صورة القردة { كما لعنا أصحاب ~~السبت } إذ قلنا لهم < # > 77 ( { كونوا قردة خاسئين } ) 77 < # > [ البقرة : 65 ] ويكون الوجه في هذا التقدير الأخير عبارة عن الجملة , ~~فهو إذن ما استعمل في حقيقته ومجازه , ويجوز أن يكون واحد الوجهاء , فيكون ~~عود الضمير إليه استخداما , ويكون المراد بالرد على الأدبار جعلهم أدنياء ~~صغرة من الأسافل - والله سبحانه وتعالى أعلم . | ولما كان ذلك أمرا غريبا ~~ومقدورا عجيبا , وكان التقدير : فقد كان أمر الله فيهم بذلك - كما علمتم - ~~نافذا ؛ أتبعه الإعلام بأن قدرته شاملة , وأن وجوه مقدوراته لا تنحصرن فقال ~~عاطفا على ما قدرته : { وكان أمر الله } أي حكمه وقضاؤه ومراده في كل شيء ~~شاء منهم ومن غيره بذلك وبغيره , لأن له العظمة التي لا حد لها والكبرياء ~~التي تعيي الأوصاف دونها { مفعولا * } أي كائنا حتما , لا تخلف له أصلا , ~~فلا بد من وقوع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا , وقد آمن بعضهم فلم يصح أنهم لم ~~يؤمنوا , لأنه قد وقع منهم إيمان . | ولما كانوا مع ارتكابهم العظائم ~~يقولون : سيغفر لنا , وكان امتثالهم لتحريف أحبارهم ورهبانهم شركا بالله - ~~كما قال سبحانه وتعالى < # > 77 ( { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرابابا من دون الله } ) 77 < # > [ التوبة : 31 ] قال - معللا لتحقيق وعيدهم , معلما أن ما أشير إليه من ~~تحريفهم أداهم إلى الشرك - : { إن الله } أي الجامع لصفات العظمة { لا يغفر ~~أن يشرك به } أي على سبيل التجديد المستمر إلى ms0978 الموت سواء كان المشرك من ~~أهل الكتاب أم لا , وزاد ذلك حسنا انه في سياق < # > 77 ( { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا } ) 77 < # > [ النساء : 36 ] ولما أخبر بعدله أخبر بفضله فقال : { ويغفر ما دون ذلك ~~} الأمر الكبير العظيم من كل معصيته سواء كانت صغيرة أو كبيرة , سواء تاب ~~فاعلها أو لا , ورهب بقوله - إعلاما بأنه مختار , لا يجب عليه شيء - : { ~~لمن شيئا } ولما كان التقدير : فإن من أشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا , عطف ~~عليه قوله : { ومن يشرك } أي يوجد منه شرك في الحال أو المآل , وأما الماضي ~~فجبته التوبة { بالله } أي الذي كل شيء دونه { فقد افترى } أي تعمد كذبا { ~~إثما عظيما * } أي ظاهرا في نفسه من جهة عظمه أنه قد ملأ أقطار نفسه وقلبه ~~وروحه وبدنه مظهرا للغير أنه إثم , فهو في نفسه مناد بأنه باطل مصر , فلم ~~يدع للصلح موضعا , فلم تقتض الحكمة العوف عنه , لأنه قادح في الملك , وإنما ~~طوى مقدمة الضلال وذكر مقدمة الافتراء - لكون السياق لأهل الكتاب الذين ~~ضلالهم على علم منهم وتعمد وعناد , بخلاف ما يأتي عن العرب , وفي التعبير ~~بالمضارع استكفاف مع استعطاف واستجلاب في استرهاب . | PageV02P265 < < # | النساء : ( 49 - 55 ) ألم تر إلى . . . . . # > > ^ ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشآء ولا يظلمون ~~فتيلا * انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به إثما مبينا * ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا ~~هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا * أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله ~~فلن تجد له نصيرا * أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا * أم ~~يحسدون الناس على مآ آتاهم الله من فضله فقد آتينآ آل إبراهيم الكتاب ~~والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما * فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم ~~سعيرا ) ^ } ) | ولما كان في ذلك إشارة إلى أن المرادين بهذه الآيات من أهل ~~الكتاب أضل الناس , وكانوا يقولون : إنهم أهدى الناس ؛ عجب منهم منكرا ~~عليهم بعد افترائهم ms0979 تزكية أنفسهم فقال : { ألم تر } وأبعدهم بقوله : { إلى ~~الذين يزكون أنفسهم } أي بما ليس لهم من قولهم ^ ( { لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة } ) ^ [ البقرة : 80 ] وقولهم ^ ( { لن يدخل الجنة لا من كان ~~هودا أو نصارى } ) ^ [ البقرة : 111 ] وقوله : ^ ( { ويحبون أن يحمدوا بما ~~لم يفعلوا } ) ^ [ آل عمران : 188 ] ^ ( { ويريد الذين يتبعون الشهوات أن ~~تميلوا ميلا عظيما } ) ^ [ النساء : 27 ] فإن إبعاد غيرهم في الميل مصحح ~~لتزكيتهم أنفسهم بالباطل ونحو ذلك مما تقدم وغيره . | ولما كان معنى ~~الإنكار : ليس لهم ذلك لأنهم كذبوا فيه وظلموا , أشار إليه بقوله : { بل ~~الله } أي الذي له صفات الكمال { يزكي من يشاء } أي بما له من العلم التام ~~والقدرة الشاملة والحكمة البالغة والعدل السوي بالثناء عليه وبخلق معاني ~~الخير الظاهرة فيه لتنشأ عنها الأعمال الصالحة , فإذا زكي أحدا من أصفيائه ~~بشيء كالنبوة , كان له أن يزكي نفسه بذلك حملا على ما ينفع الناس به عن ~~الله { ولا } أي والحال أن الذين يزكيهم أو يدسيهم لا { يظلمون فتيلا * } ~~أي مقدار ما في شق النواة من ذلك الشيء المفتول , أي قليلا ولا كثيرا , ~~لأنه عالم بما يستحقون وهو الحكم العدل الغني عن الظلم , لأن له صفات ~~الكمال . | ولما أخبر تعالى أن التزكية إنما هي إليه بما له من العظمة ~~والعلم الشامل , وكان ذلك أمرا لا نزاع فيه , وشهد عليهم بالضلال , وثبت أن ~~ذلك كلامه بما له من الإعجاز في حالتي الإطناب والإيجاز ؛ ثبت كذبهم فزاد ~~في توبيخهم فقال - معجبا لرسوله صلى الله عليه وسلم من وقاحتهم واجترائهم ~~على من يعلم كذبهم , ويقدر على معالجتهم بالعذاب , مبينا PageV02P266 أنه ~~صلى الله عليه وسلم في الحضرة بعد بيان بعدهم - : { انظر كيف يفترون } أي ~~يتعمدون { على الله } أي الذي لا يخفى عليه شيء ولا يعجزه شيء { الكذب } أي ~~من غير خوف منهم لذلك عاقبة { وكفى } أي والحال أنه كفي { به } أي بهذا ~~الكذب { إثما مبينا * } أي واضحا في نفسه ومناديا عليها بالبطلان . | ولما ~~عجب من كذبهم دل عليه بقوله : { ألم تر } وكان الأصل ms0980 : إليهم , ولكنه قال - ~~لزيادة التقريع والتوبيخ والإعلام بأن كفرهم عناد لكونه عن علم - : { إلى ~~الذين } وعبر بإلى دلالة على بعدهم عن الحضرات الشريفة { أوتوا نصيبا من ~~الكتاب } أي الذي هو الكتاب في الحقيقة لكونه من الله { يؤمنون بالجبت } ~~وهو الصنم والكاهن والساحر والذي لا خير فيه وكل ما عبد من دون الله { ~~والطاغوت } وهو اللات والعزى والكاهن والشيطان وكل رأس ضلال والأصنام وكل ~~ما عبد من دون الله ؛ وكل هذه المعاني تصح إرادتها هنا , وهي مما نهي عنه ~~في كتابهم - وأصله ومداره مجاوزة الحد عدوانا , وهو واحد وقد يكون جمعا , ~~قال سبحانه وتعالى < # > 77 ( { أوليائهم الطاغوت يخرجونهم } ) 77 < # > [ البقرة : 257 ] والحال أن أقل نصيب من الكتاب كاف في النهي عن ذلك ~~وتكفير فاعله . | ولما دل على ضلالهم دل على إضلالهم بقوله - معبرا بصيغة ~~المضارع دلالة على عدم توبتهم - : { ويقولون للذين كفروا } ودل بالتعبير ~~بالإشارة دون الخطاب على أنهم يقولون ذلك فيهم حتى في غيبتهم , حيث لا حامل ~~لهم على القول إلا محض الكفر فقال : { هؤلاء } أي الكفرة العابدون للأصنام ~~{ أهدى } أي أقوم في الهداية { من الذين آمنوا } أي أوقعوا هذه الحقيقة , ~~فيفهم ذمهم بالتفضيل على الذين يؤمنون ومن فوقهم من باب الأولى { سبيلا * } ~~مع أن في كتابهم من إبطال الشرك وهدمه وعيب مدانيه وذمه في غير موضع تأكيدا ~~أكيدا وأمرا عظيما شديدا . | ولما أنتج ذلك خزيهم قال : { أولئك } أي ~~البعداء عن الحضرات الربانية { الذين لعنهم الله } أي طردهم بجميع ما له من ~~صفات الكمال طردا هم جديرون بأن يختصوا اللعن الذل ولاصغار , عطف عليه قوله ~~: { ومن يلعن الله } أي الملك الذي له الأمر كله منهم ومن غيرهم { فلن تجد ~~له نصيرا * } أي في وقت من الأوقات أصلا , وكرر لاتعبير بالاسم الأعظم لأن ~~المقام يقتضيه إشعارا لتناهي الكفر الذي هو أعظم المعاصي بتناهي الغضب . | ~~ولما كان التقدير : كذلك كان من إلزامهم الذل والصغار , عطف عليه قوله : ~~PageV02P267 { أم } أي ليس { لهم نصيب } أي واحد من الأنصباء { من الملك ~~فإذا } أي فيتسبب عن ms0981 ذلك أنهم إذا كان لهم أدنى نصيب منه { لا يؤتون الناس ~~} أي الذين آمنوا { نقيرا * } أي شيئا من الدنيا ولا الآخرة من هدى ولا من ~~غيره , والنقير : النقرة في ظهر النواة , قيل : غاية في القلة ؛ فهو كناية ~~عن العدم , فهو بيان لأنهم لإفراط بخلهم لا يصلحون إلا لما هم فيه من الذل ~~فكيف بدرجة الملك لأن الملك والبخل لا يجتمعان { أم } أي ليس لهم نصيب ما ~~من الملك , بل ذلهم لازم وصغارهم أبدا كائن دائم , فهم { يحسدون الناس } أي ~~محمدا صلى الله عليه وسلم الذي جمع فضائل الناس كلهم من الأولين والآخرين ~~وزاد عليهم ما شاء الله , أو العرب الذي لا ناس الآن غيرهم , لأنا فضلناهم ~~على العالمين - بأن يتمنوا دوام ذلهم كما دام لهم هم , ودل على نهاية حسدهم ~~بأداة الاستعلاء في قوله : { على ما آتاهم الله } أي بما له من صفات الكمال ~~{ من فضله } حسدوهم لما رأوا من إقبال جدهم وظهور سعدهم وأنهم سادة الناس ~~وقادة أهل الندى والبأس : | إن العرانين تلقاها محسدة ولن ترا للئام الناس ~~حسادا | وقد آتاهم الله سبحانه وتعالى جميع أنواع الملك , فإنه على ثلاثة ~~أقسام : ملك على الظواهر والبواطن معا , وهو للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~بما لهم من غاية الجود والكرم والرحمة والشفقة والشفاعة والبر واللطف التي ~~كل منها سبب للانقياد , وذلك مع ما لهم بالله سبحانه وتعالى من تمام الوصلة ~~؛ وملك على الظواهر فقط , وهو ملك الملوك ؛ وملك على البواطن فقط , وهو ملك ~~العلماء . | ولما ذمهم سبحانه وتعالى أولا بالجهل ومدح النفس تشبعا بما لم ~~يعطوا , وذلك سبب لجميع النقائص , وثانيا بأعظم منه : منع الحق من أهله ~~بخلا , وثالثا بأعظم منهما : تمنى ألا يصل إلى أحد نعمة وإن كان لا تنقصهم ~~, فحازوا بذلك أعلى خلال الذم , وكانت المساوي تضع والمحاسن ترفع , تسبب عن ~~هذا توقع السامع لإعلاء العرب وإدامة ذل اليهود وموتهم بحسدهم فقال : { فقد ~~} أي فتسبب عن هذا وتعقبه أنا آتيناهم - هكذا كان الأصل , ولكنه أظهر ~~للتنبيه على التوصيف الذي شاركوهم ms0982 به في استحقاق الفضائل فقال : { آتينا } ~~أي بما لنا من العظمة { آل إبراهيم } أي الذي أعلمانكم في كتابكم أنا ~~أقسمنا له أنا نعز ذريته ونهديهم ونجعل ابنة إسماعيل حالا على جميع حدود ~~إخوته , ويده في جميع الناس ويده على كل أحد ويد كل به { الكتاب } أي الذي ~~لا كتاب إلا هو لما له من الحفظ والفضل بالإعجاز والفصل { والحكمة } أي ~~النبوة التي ثمرتها العمل المتقن بالعلم المحرر المحكم { وآتيناهم } مع ذلك ~~{ ملكا PageV02P268 عظيما * } أي صخما واسعا باقيا إلى أن تقوم الساعة { ~~فمنهم } أي من آل إبراهيم { من آمن به } وهم أغلب العرب { ومنهم من صد عنه ~~} أي أعرض بنفسه , وصد غير كبني إسرائيل وبعض العرب . | ولما كان قد علم من ~~السياق أن الطاعن فيه ميت بحسده من غير أن يضره بأمر دنيوي , وكان التقدير ~~لبيان أمرهم في الآخرة : فحكمنا أن تسعر بهم النار بعد الذل في هذه الدار ~~والهوان والصغار , عطف عليه قوله : { وكفى بجهنم سعيرا * } أي توقدا ~~والتهابا في غاية الإحراق والعسر والإسراع إلى الأذى , وفي آية الطاغوت ~~أنهم سمحوا ببدل الدين - وهو لا أعز منه عند الإنسان - في شهادتهم للكفرة ~~بالهداية , وفي آية الملك الإيماء إلى أنهم في الحضيض من الشح بالخسيس ~~الفاني , وفي آية الحسد أنه لم يكفهم التوطن في حضيض الشح بما أوتوا مع ~~الغنى حتى سفلوا عنه إلى أدنى من ذلك الحسد لمن آتاه الله ما لا ينقصهم . | ~~< < # | النساء : ( 56 - 59 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > ^ ( إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما * والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ ~~أبدا لهم فيهآ أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا * إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما ~~يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا * ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى ms0983 الله ~~والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) ^ } ) | ~~ولما أثبت لمن صد عنه النار علله بقوله : { إن الذين كفروا بآياتنا } أي ~~ستروا ما أظهرته عقولهم بسببها { سوف نصليهم } أي بوعد ثابت وإن طال معه ~~الإمهال { نارا } ولما كانت النار - على ما نعهده - مفنية ماحقة , استأنف ~~قوله ردا لذلك : { كلما نضجبت جلودهم } أي صارت بحرها إلى حالة اللحم ~~النضيج الذي أدرك أن يؤكل , فصارت كاللحم الميت الذي يكون في الجرح , فلا ~~يحس بالألم { بدلناهم } أي جعلنا لهم { جلودا غيرها } أي غير النضيجة بدلا ~~مناه بأن أعدناها إلى ما كانت عليه قبل تسليط النار عليها , كما إذا صغت من ~~خاتم خاتما على غير هيئته , فإنه هو الأول لأن الفضة واحدة , وهو غيره لأن ~~الهيئة متغايرة , وهكذا الجلد الثاني مغاير للنضيج في الهيئة { ليذوقوا } ~~أي أصحاب الجلود المقصودون بالعذاب { العذاب } أي ليدوم لهم تجدد ذوقه , ~~فتجدد لهم مشاهده الإعادة بعد البلى كل وقت , كما كانوا يجددون التكذيب ~~PageV02P269 بذلك كل وقت , ليكون الجزاء من جنس العمل , فإنه لو لم يعد ~~منهم ما وهي لأداه وهيه إلى البلى , ولو بلى منهم شيء لبلوا كلهم فانقطع ~~عذابهم . | ولما كان هذا أمرا لم يعهد مثله , دل على قدرته عليه بقوله : { ~~إن الله } أي الملك الأعظم { كان } ولم يزل { عزيرا } أي يغلب كل شيء ولا ~~يغلبه شيء { حكيما * } ي يتقن صنعه , فجعل عذابهم على قدر ذنوبهم , لأن ~~عزائمهم كانت على دوامهم على ما استحقوا به ذلك ما بقوا . | ولما ذكر ~~الترهيب بعقاب الكافرين أتبعه الترغيب بثواب المؤمنين فقال : { والذين ~~آمنوا } أي أقروا بالإيمان { وعملوا } بيانا لصدقهم فيه { الصالحات سندخلهم ~~} أي بوعد لا خلف فيه , وربما أفهم التنفيس لهم بالسين دون سوف - كما في ~~الكافرين - أنهم أقصر الأمم مدة , أو أنهم أقصرهم أعمارا إراحة لهم من دار ~~الكدر إلى محل الصفاء , وأنهم يدخلون الجنة قبل جميع الفرق الناجية من أهل ~~الموقف { جنات } أي بساتين , ووصفها بما يديم بهجتها ويعظم نضرتها وزهرتها ~~فقال : { تجري من تحتها ms0984 الأنهار } أي إن أرضها في غاية الري , كل موضع منها ~~صالح لأن تجري منه نهر . | ولما ذكر قيامها وما به دوامها , أتبعه ما تهواه ~~النفوس من استمرار الإقامة بها فقال : { خالدين فيها أبدا } ولما وصف حسن ~~الدار ذكر حسن الجار فقال : { لهم فيها أزواج } والمطرد في وصف جمع القلة ~~لمن يفضل الألف والتاء , فعدل هنا عن ذلك إلى الوحدة لإفهام أنهن لشدة ~~الموافقة في الطهر كذات واحد فقيل : { مطهرة } أي متكرر طهرها , لا توجد ~~وقتا وكانت الشمس تنسخ الظل فتخرج إلى التحول إلى مكان آخر , وربما آذى ~~حرها , أمن من ذلك فيها بقوله : { وندخلهم } أي فيها { ظلا } أي عظيما , ~~وأكده بقوله { ظليلا * } أي متصلا لا فرج فيه , منبسطا لا ضيق معه دائما لا ~~تصيبه الشمس يوما ما , ولا حر فيه ولا برد , بل هو في غاية الاعتدال . | ~~ولما تقدم في هذه السورة الأمر بالإحسان والعدل في النساء واليتامى في ~~الإرث وغيره , وفي غير ذلك من الدماء والأموال والأقوال والأفعال , ~~وذكرخيانة أهل الكتاب وما أحل بهم لذلك من العقاب , وذكر أنه آتى هذه الأمة ~~الملك المقتضي للحكم , وآتاهم الحكمة بعد جهلهم وضعفهم ؛ أقبل عليهم بلذيذ ~~خطابه بعد ما وعدهم على امتثال أمره من كريم ثوابه بما ختمه بالظل الموعود ~~على العدل في حديث ( سبعة يظلمهم الله في ظله ) فقال : { إن الله } أي الذي ~~له صفات الكمال { يأمركم } أي أيتها الأمة { إن PageV02P270 تؤدوا الأمانات ~~إلى أهلها } أي من غير خيانة ما , كما فعل أهل الكتاب في كتمان ما عندهم ~~والإخبار بغيره , والأمانة : كل ما وجب لغيرك عليك . | ولما أمر بما يحق ~~للإنسان في نفسه , أمر بما يحق له في معاملة غيره , وحقق لهم ما لم يكونوا ~~يرومونه من أمر الملك بقوله بأداة القطع عاطفا شيئين على شيئين : { إذا ~~حكمتم } وبين عموم ملكهم لسائر الأمم بقوله : { بين الناس } وبين المأمور ~~به بقوله : { أن تحكموا بالعدل } أي السواء بأن تأمروا من وجب عليه حق ~~بأدائه إلى من هو له , فإن ذلك من أعظم الصالحات ms0985 الموجبة لحسن المقيل في ~~الظل الظليل , أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : ~~إمام عادل ) الحديث . | ولما أخبرهم بأمره زادهم رغبة بقوله : { إن الله } ~~معبرا أيضا بالاسم الأعظم { نعما } أي نعم شيئا عظيما { يعظم به } وحثهم ~~على المبادرة إلى حسن الامتثال بقوله : { إن الله } مكررا لهذا الاسم ~~الشريف ليجتهدوا في الترقي في طهارة الأخلاق إلى حد لم يبلغه غيرهم . | ~~ولما كان الرقيب في الأمانات لا بد له من أن يكون له من يد سمع وعلم قال : ~~{ كان } أي ولم يزل ولا يزال { سميعا } أي بالغ السمع لكل ما يقولونه جوابا ~~لأمره وغيره ذلك { بصيرا * } أي بالغ البصر والعلم بكل ما يفعلونه في ذلك ~~وغيره من امتثال وغيره . | ولما أمر سبحانه بالعدل ورغب فيه , ورهب من تركه ~~؛ أمر بطاعة المتنصبين لذلك وغيره , وفي غير ذلك من الدماء والأموال ~~والأقوال والأفعال , وذكر خيانة أهل الكتاب وما أحل بهم لذلك من العقاب , ~~وذكر أنه آتى هذه الأمة الملك المقتضي للحكم , وآتاهم الحكمة بعد جهلهم ~~وضعفهم ؛ أقبل عليهم بلذيذ خطابه بعد ما وعدهم على امتثال أمره من كريم ~~ثوابه بما ختمه بالظل الموعود على العدل في حديث ( سبعة يظلمهم الله في ظله ~~) فقال : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { يأمركم } أي الذي له صفات ~~الكمال { يأمركم } أي أيتها الأمة { إن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } أي من ~~غير خيانة ما , كما فعل أهل الكتاب في كتمان ما عندهم والإخبار بغيره , ~~والأمانة : كل ما وجب لغيرك عليك . | ولما أمر بما يحق للإنسان في نفسه , ~~أمر بما يحق له في معاملة غيره , وحقق لهم ما لم يكونوا يرومونه من أمر ~~الملك بقوله بأداة القطع عاطفا شيئين على شيئين : { إذا حكمتم } وبين عموم ~~ملكهم لسائر الأمم بقوله : { بين الناس } وبين المأمور به بقوله : { أن ~~تحكموا بالعدل } أي السواء بأن تأمروا من وجب عليه حق بأدائه إلى من هو ms0986 له ~~, فإن ذلك من أعظم الصالحات الموجبة لحسن المقيل في الظل الظليل , أخرج ~~الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل ) الحديث . ~~| ولما أخبرهم بأمره زادهم رغبة بقوله : { إن الله } معبرا أيضا بالاسم ~~الأعظم { نعما } أي نعم شيئا عظيما { يعظكم به } وحثهم على المبادرة إلى ~~حسن الامتثال بقوله : { إن الله } مكررا لهذا الاسم الشريف ليجتهدوا في ~~الترقي في طهارة الأخلاق إلى حد لم يبلغه غيرهم . | ولما كان الرقيب في ~~الأمانات لا بد له من أن يكون له من يد سمع وعلم قال : { كان } أي ولم يزل ~~ولا يزال { سميعا } أي بالغ السمع لكل ما يقولونه جوابا لأمره وغيره ذلك { ~~بصيرا * } أي بالغ البصر والعلم بكل ما يفعلونه في ذلك وغيره من امتثال ~~وغيره . | ولما أمر سبحانه بالعدل ورغب فيه , ورهب من تركه ؛ أمر بطاعة ~~المنتصبين لذلك الحاملة لهم على الرفق بهم والشفقة عليهم فقال : { ياأيها ~~الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان , وبدأ بما هو العمدة في الحمل على ذلك ~~فقال : { أطيعوا } أي بموافقة الأمر تصديقا لدعواكم الإيمان { الله } أي ~~فيما أمركم به في كتابه مستحضرين ما له من الأسماء الحسنى , وعظم رتبة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم بإعادة العامل فقال : { وأطيعوا الرسول } فيما حده لكم ~~في سنته عن الله وبينه من كتابه لأن منصب الرسالة مقتض لذلك , ولهذا عبر به ~~دون النبي { وأولي الأمر منكم } أي الحكام , فإن طاعتهم فيما لم يكن معصيته ~~- كما أشير إلى ذلك بعدم إعادة العامل - من طاعة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم , وطاعته من طاعة الله عز وجل ؛ والعلماء من أولي الأمر أيضا , وهم ~~العاملون فإنهم يأمرون بأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم PageV02P271 ~~ولما أبان هذا الحكم الأصول الثلاثة أتبعها القياس , فسبب عما تقديره : هذا ~~في الأمور البينة من الكتاب والسنة والتي وق الإجماع عليها , قوله : { فإن ~~تنازعتم في شيء } أي لإلباسه فاختلفت فيه آراؤكم ms0987 { فردوه إلى الله } أي ~~المحيط علما وقدرة بالتضرع بين يديه بما شرعه لكم من الدعاء والعبادة , ~~ليفتح لكم ما أغلق منه ويهديكم إلى الحق منه { والرسول } أي الكامل الرسالة ~~بالبحث عن آثار رسالته من نص في ذلك بعينه أو ولى قياس , ودلت الآية على ~~ترتيب الأصول الأربعة على ما هو فيها وعلى إبطال ما سواها , وعلم من إفراده ~~تعالى وجمع النبي صلى الله عليه وسلم مع أعلام أمته أن الأدب توحيد الله ~~حتى في مجرد ذكره , وأكد البيان لدعوى الطاعة بقوله : { إن كنتم تؤمنون } ~~أي دائمين على الإيمان بتجديده في كل أوان { بالله } أي الملك الأعظم الذي ~~لا كفوء له { واليوم الآخر } الحامل على الطاعة الحاجز عن المعصية , ثم دل ~~على عظمة هذا الأمر وعميم نفعه بقوله مخصصا رسوله صلى الله عليه وسلم : { ~~ذلك } أي الأمر العالي الرتبة { خير } أي وغيره شر { وأحسن تأويلا * } أي ~~عاقبة أو ترجيعا وردا من ردكم إلى ما يقتضيه قويم العقل من غير ملاحظة ~~لآثار الرسالة من الكتاب والسنة , فإن في الأحكام ما لا يستقل عنهما قال : ~~( نزلت هذه الآية { أطيعوا الله } في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ ~~بعثه النبي صلى الله عليه وسلم في سرية ) يعني فأمرهم أن يدخلوا في النار . ~~| < < # | النساء : ( 60 - 63 ) ألم تر إلى . . . . . # > > ^ ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من ~~قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان ~~أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول ~~رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا * فكيف إذآ أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ~~ثم جآءوك يحلفون بالله إن أردنآ إلا إحسانا وتوفيقا * أولئك الذين يعلم ~~الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ) ^ } ) ~~| PageV02P272 ولما كان التقدير - كما أفهمه آخر الآية وأشعر به أولها بعد ~~أن جمع الخلق على طاعته بالطريقة الذي ذكره : فمن أبى ذلك فليس بمؤمن , دل ~~عليه ms0988 بقوله معجبا مخاطبا لأكمل الخلق الذي عرفه الله المنافقين في لحن ~~القول : { ألم تر } وأشار إلى بعدهم عن على حضرته بقوله : { إلى الذين } ~~وإلى كذبهم ودوام نفاقهم بقوله : { يزعمون أنهم آمنوا } أي أوجدوا هذه ~~الحقيقة وأوقعوها في أنفسهم { بما أنزل إليك } ودل على أن هذا الزاعم ~~المنافق كان من أهل الكتاب قبل ادعاء الإسلام بقوله : { وما } أي ويزعمون ~~أنهم آمنوا بما { أنزل من قبلك } أي من التوراة والإنجيل , قال الأصبهاني : ~~ولا يستعمل - أي الزعم - في الأكثر إلا في القول الذي لا يتحقق , يقال : ~~زعم فلان - إذا شك فيه فلم يعرف كذبه أو صدقه , والمراد أن هؤلاء قالوا ~~قولا هو عند من لا يعلم البواطن أهل لأن يشك فيه بدليل أنهم { يريدون أن ~~يتحاكموا } أي هم وغرماؤكم { إلى الطاغوت } أي إلى الباطل المعرق في ~~البطلان { وقد } أي والحال أنهم قد { أمروا } منم له الأمر { أن يكفروا به ~~} في كل ما أنزل من كتابك وما قبله , ومتى تحاكموا إليه كانوا مؤمنين به أي ~~بالتحاكم إليه { ضلالا بعيدا * } بحيث لا يمكنهم معه الرجوع إلى الهدى . | ~~وهذه الآية سبب تسمية عمر رضي الله عنه بالفاروق لضربه عنق منافق لم يرض ~~بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة ذكرها الثعلبي من رواية الكلبي ~~عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما . | ولما ذكر ضلالهم بالإرادة ~~ورغبتهم في التحاكم إلى الطاغوت , ذكر فعلهم فيه في نفرتهم عن التحاكم إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : { وإذا قيل لهم } أي من أي قائل كان { ~~تعالوا } أي أقبلوا رافعين أنفسكم من وهاد الجهل إلى شرف العلم { إلى ما ~~أنزل الله } أي الذي عنده كل شيء { وإلى الرسول } أي الذي تجب طاعته لأجل ~~مرسله مع أنه أكمل الرسل الذين هم أكمل الخلق رسالة , رأيتهم - هكذا كان ~~الأصل , ولكنه أظهر الوصف الذي دل على كذبهم فيما زعموه من الإيمان فقال : ~~{ رأيت المنافقين يصدون } أي يعرضون { عنك } وأكد ذلك بقوله : { صدودا } أي ~~هو في أعلى طبقات الصدود ms0989 . | ولما تسبب عن هذا تهديدهم , قال - مهولا ~~لوعيدهم بالإبهام والتعجيب منه بالاستفهام , معلما بأنهم سيندمون حين لا ~~ينفعهم الندم , ولا يغني عنهم الاعتذار - : { فكيف } أي يكون حالهم { إذا ~~أصابتهم مصيبة } أي عقوبة هائلة { بما قدمت أيديهم } مما ذكرنا ومن غيره . ~~| ولما كان الذي ينبغي أن يكون تناقضهم بعيدا لأن الكذب عند العرب كان ~~شديدا ؛ قال : { ثم جاءوك } أي خاضعين بما لينت منهم تلك المصيبة حال ~~PageV02P273 كونهم { يحلفون بالله } أي الحاوي لصفات الكمال من الجلال ~~والجامل غير مستحضرين لصفة من صفاته { إن } أي ما { أردنا } أي في جميع ~~أحوالنا وبسائر افعالنا { إلا إحسانا وتوفيقا * } أي أن تكون الأمور على ~~الوجه الأحسن والأوفق لما رأينا في ذلك مما خفي على غيرنا - وقد كذبوا في ~~جميع ذلك . | ولما ذكر سبحانه وتعالى بعض ما يصدر منهم من التناقضات وهم ~~غير محتشمين ولا هائبين , قال معلما بشأنهم معلما لما يصنع بهم : { أولئك } ~~أي البعداء عن الخير { الذين يعلم الله } أي الحاوي لنعوت العظمة { ما في ~~قلوبهم } أي من شدة البغض للإسلام وأهله وإن اجتهدوا في إخفائه عنه , ثم ~~سبب تعليما لما يصنع بهم وإعلاما بأنهم لا يضرون إلا أنفسهم قوله : { فأعرض ~~عنهم } أي عن عقابهم وعن الخشية منهم وعن عتابهم , لأنهم أقل من أن يحسب ~~لهم حساب { وعظهم } أي وإن ظننت أن ذلك لا يؤثر , لأن القلوب بيد الله ~~سبحانه وتعالى يصطنعها لما أراد متى أراد { وقل لهم في أنفسهم } أي بسببها ~~وما يشرح أحوالها ويبين ونقائصها من نفائسها , أو خاليا معهم , فإن ذلك ~~أقرب إلى ترقيقهم { قولا بليغا * } أي يكون في غاية البلاغة في حد ذاته . | ~~< < # | النساء : ( 64 - 68 ) وما أرسلنا من . . . . . # > > ^ ( ومآ أرسلنا من رسول ألا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا ~~أنفسهم جآءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما * ~~فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا ~~مما قضيت ويسلموا تسليما * ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا ~~من ms0990 دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا ~~لهم وأشد تثبيتا * وإذا لآتيناهم من لدنآ أجرا عظيما * ولهديناهم صراطا ~~مستقيما ) ^ } ) | ولما أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم , وذم من حاكم ~~إلى غيره وهدده , وختم تهديده بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنه ~~والوعظ له , فكان التقدير : فما أرسلناك وغيرك من الرسل إلا الرفق بالأمة ~~والصفح عنهم والدعاء لهم على غاية الجهد والنصيحة , عطف عليه قوله : { وما ~~أرسلنا } أي بما لنا من العظمة , ودل على الإعراق في الاستغراق بقوله : { ~~من رسول } ولما كان ما يؤتيهم سبحانه وتعالى من الآيات ويمنحهم به من ~~المعجزات حاملا في ذاته على الطاعةن شبهه بالحامل على إرساله فقال : { إلا ~~ليطاع } أي لأن منصبه الشريف مقتض لذلك آمر به داع إليه { بإذن الله } أي ~~بعلم الملك الأعظم الذي له الإحاطة بكل شيء في تمكينه من أن يطاع , لما ~~جعلنا له من المزية بالصفات العظيمة والمناصب الجليلة والأخلاق الشريفة كما ~~قال صلى الله عليه وسلم ( ما من الأنبياء نبي إلا وقد أوتي من PageV02P274 ~~الآيات ما مثله آمن عليه البشر ) أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~. | ولما كان التقدير : فلو أطاعوك لكان خيرا لهم , عطف عليه قوله : { ولو ~~أنهم إذ } أي حين { ظلموا أنفسهم } أي بالتحاكم إلى الطاغوت أو غيره { ~~جاءوك } أي مبادرين { فاستغفروا الله } أي عقبوا مجيئهم بطلب المغفرة من ~~الملك الأكرم لما استحضروه له من الجلال { واستغفر لهم الرسول } أي ما ~~فرطوا بعصيانه فيما استحقه عليهم الطاعة { لوجدوا الله } أي الملك الأعظم { ~~توابا رحيما * } أي بليغ التوبة على عبيده والرحمة , لإحاطته بجميع صفات ~~الكمال , فقبل توتبهم ومحا ذنوبهم وأكرمهم . | ولما أفهم ذلك أن إباءهم ~~لقبول حكمه والاعتراف بالذنب لديه سبب مانع لهم من الإيمان , قال - مؤكدا ~~للكلام غاية التأكيد بالقسم المؤكد لإثبات مضمونه و ( لا ) النافية لنقيضه ~~: { فلا وربك } أي المحسن إليك { لا يؤمنون } أي يوجدون هذا الوصف بأداة ~~التراخي فقال : { ثم لا يجدوا في نفسهم حرجا ms0991 } أي نوعا من الضيق { مما قضيت ~~} أي عليهم به , وأكد إسلامهم لأنفسهم بصيغة التفعيل فقال : { ويسلموا } أي ~~يوقعوا لتسليم البليغ لكل ما هو لهم من أنفسهم وغيرها لله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم خالصا عن شوب كره ؛ ثم زاده تأكيدا بقوله : { تسليما } وفي ~~الصحيح أن الآية نزلت في الزبير وخصم له من الأنصار , فلا التفات إلى من ~~قال : إنه حاطب رضي الله عنه . | ولما كان التقدير : فقد كتبنا عليهم طاعتك ~~والتسيم لك في هذه الحنيفية السمحة التي دعوتهم إليها وحملتهم عليها , عطف ~~عليه قوله : { ولو أنا كتبنا عليهم } أي هذا المخاصم للزبير رضي الله عنه ~~وأشباه هذا المخاصم ممن ضعف إيمانه كتابة مفروضة { إن اقتلوا أنفسكم } أي ~~كما كان ي التوراة ي كفارة بعض الذنوب مباشرة حقيقة , وكما فعل المهاجرون ~~بتعريض أنفسهم لذلك ثلاث عشرة سنة , هم فيها عند أعداء الله مضغة لحم بين ~~يدي نسور يتخاطفونها { أو اخرجوا } كما فعل المهاجرون - رضي الله عنهم - ~~الذين الزبير من رؤوسهم { من دياركم } أي التي هي لأشباحكم كأشباحكم ~~لأرواحكم - توبة لربكم { ما فعلوه } أي لقصور إيمانهم وضعف إيقانهم , ولو ~~كتبناه عليهم ولم يرضوا به كفروا , فاستحقوا القتل PageV02P275 ولما كان كل ~~كدر لا يخلو عن خلاصه , قال : { إلا قليل منهم } أي وهم العالمون بأن الله ~~سبحانه وتعالى خير لهم من أنفسهم , وأن حياتهم إنما هي في طاعته ؛ روي أن ~~من هؤلاء ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنه , قال : أما والله ! إن ~~الله ليعلم مني الصدق , لو أمروني محمد أن أقتل نفسي لقتلها ! وكذا قال ابن ~~مسعود وعمار ابن ياسر رضي الله عنهما , وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : ~~والله لو أمرنا ربنا لفعلنا ! والحمد الله الذي لم يفعل بنا ذلك . | ولا ~~ريب في أن التقدير : ولكنا لم نكتب عليهم فليشكروا لنا ويستمسكوا بهذه ~~الحنيفية السمحة . | ولما كان مبنى السورة على الائتلاف وكان السياق ~~للاستعطاف , قال مرغبا : { ولو أنهم } أي هؤلاء المنافقين { فعلوا ما ~~يوعظون } أي يجدد لهم الوعظ ms0992 في كل حين { به لكان } أي فعلهم ذلك { خيرا لهم ~~} أي مما اختاروه لأنفسهم { وأشد تثبيتا * } أي مما ثبتوا به أنفسهم ~~بالأيمان الحانثة { وإذا لآتيناهم } أي وإذا فعلوا ما يوعظون به آتيناهم ~~بما لنا من العظمة إيتاء مؤكدا لا مرية فيه . | وأشار بقوله : { من لدنا } ~~إلى أنه من غرائب ما عنده من خوارق خوارق العادات ونواقض نواقض المطردات { ~~أجرا عظيما * ولهديناهم } أي بما لنا من العظمة { صراطا مستقيما * } أي ~~يوصلهم إلى مرادهم , وقد عظم سبحانه وتعالى هذا الأجر ترغيبا في الطاعة ~~أنواعا من العظمة منها التنبيه ب ( إذا ) , والإتيان بصيغة العظمة و ( لدن ~~) مع العظمة والوصف العظيم . | < < # | النساء : ( 69 - 73 ) ومن يطع الله . . . . . # > > ^ ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهدآء والصالحين وحسن أولئك رفيقا * ذلك الفضل من ~~الله وكفى بالله عليما * ياأيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو ~~انفروا جميعا * وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله ~~علي إذ لم أكن معهم شهيدا * ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن ~~بينكم وبينه مودة يليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ) ^ } ) | ولما رغب في ~~العمل بمواعظه , وكان الوعد قد يكون لغلظ في الموعوظ , وكان ما قدمه في ~~وعظه أمرا مجملا ؛ رغب بعد ترقيقه بالوعظ ي مطلق الطاعة التي المقام كله ~~لها , مفصلا إجمال ما وعد عليها فقال : { ومن يطع الله } أي في امتثال ~~أوامره والوقوف عند زواجره مستحضرا عظمته - طاعة هي على سبيل التجدد ~~والاستمرار { والرسول } أي ي كل ما أراده , فإن منصب الرسالة يقتضي ذلك , ~~لا يما من بلغ نهايتها { فأولئك } أي العالو الرتبة العظيمو الشرف { مع ~~الذين أنعم } أي بما له من PageV02P276 صفات الجلال والجمال { عليهم } أي ~~معدود من حزبهم , فهو بحيث إذا أراد زيارتهم أو رؤيتهم وصل إليها بسهولة , ~~لا أنه يلزم أن يكون في درجاتهم وإن كانت اعماله قاصرة . | ثم بينهم بقوله ~~: { من النبيين } أي الذين أنبأهم الله بدقائق الحكم , وأنبؤوا الناس ~~بحلائل الكلم ms0993 , بما لهم من طهارة الشيم والعلو والعظم { والصديقين } أي ~~الذين صدقوا أول الناس ما أتاهم عن الله وصدقوا هم في أقوالهم وأفعالهم , ~~فكانوا قدوة لمن بعدهم { والشهداء } أي الذين لم يغيبوا أصلا عن حضرات ~~القدس ومواطن الأنس طرفة عين , بل هم مع الناس بجسومهم ومع الله سبحانه ~~وتعالى بحلومهم وعلومهم سواء شهدوا لدين الله بالحق , ولسواه بالبطلان ~~بالحجة أو بالسيف , ثم قتلوا في سبيل الله { والصالحين } أي الذي لا ~~يعرتيهم في ظاهر ولا باطن بحول الله فساد أصلا , وإلى هذا يشير كلام العارف ~~الشيخ رسلان حيث قال : ما صلحت ما دامت فيك بقية لسواه , وقد تجتمع الصفات ~~الأربع في شخص وقد لا تجتمع , وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أحق الأمة ~~بالصديقية وإن قلان : إن عليا وزيدا رضي الله تعالى عنهما أسلما قبله , ~~لأنه - لكبره وكونه لم يكن قبل الإسلام تابعا للنبي صلى الله عليه وسلم - ~~كان قدوة لغيره , ولذلك كان سببا لإسلام ناس كثير وأولئك كانوا سببا لإسلام ~~غيرهم , فكان له مثل أجر الكل , وكان فيه حين إسلامه قوة الجهاد في الله ~~سبحانه وتعالى بالمدافعة عن النبي صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك من ~~الأفعال الدالة على صدقه , ولملاحظة هذه الأمور كانت رتبتها تلي رتبة ~~النبوة , ولرفع الواسطة بينهما وفق الله سبحانه وتعالى هذه الأمة التي ~~اختارها بتولية الصديق رضي الله تعالى عنه بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم ~~ودفنه إلى جانبه , ومن عظيم رتبتهم تنويه النبي صلى الله عليه وسلم في آخر ~~عمره بهم فقال : ( مع الرفيق الأعلى ) روى البخاري في التفسير عن عائشة رضي ~~الله عنهما قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( ما من نبي يمرض ~~إلا خير بين الدنيا والآخرة ) , وكان في شكواه الذي قبض فيه أخذته بحة ~~شديدة , فسمعته يوقل : { مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء الصالحين } فعلمت أنه خير . | ولما أخبر أن المطيع مع هؤلاء , لم ~~يكتف بما أفهم ذكرهم من جلالهم وجلال من معهم , بل زاد في بيان ms0994 علو مقامهم ~~ومقام كل من معهم بقوله : { وحسن } أي وما أحسن { أولئك } أي العالو ~~الأخلاق السابقون يوم السباق { رفيقا * } من الرفق , وهو PageV02P277 لغة : ~~لين الجانب ولطافة الفعلن وهو مما يستوي واحده وجمعه . | ثم أشار إلى تعظيم ~~ما منحهم به مرغبا في العمل بما يؤدي إليه بأداة لابعد فقال : { ذلك الفضل ~~} وزاد في الترغيب فيه بالإخبار عن هذا الابتداء بالاسم الأعظم فقال : { من ~~الله } ولما كان مدار التفضيل على العلم , قال - بانيا على تقديره : لما ~~يعلم من صحة بواطنهم اللازم منها شرف ظواهرهم - : { وكفى بالله } أي الذي ~~له الإحاطة الكاملة { عليما * } يعلم من الظواهر والضمائر ما يستحق به ~~التفضيل من فضله على غيره . | ولما دل على درجة الشهادة بعد ما ذكر من ثواب ~~من قبل موعظته ولو في قتل نفسه , وذم من أبى ذلك بعد ما حذر من الأعداء من ~~أهل الكتاب والمشركين والمنافقين المخادعين , فتوفرت دواعي الراغبين في ~~المكارم على ارتقابها ؛ التفت إلى المؤمنين ملذذا لهم بحسن خطابه نادبا إلى ~~الجهاد مع الإرشاد إلى الاستعداد له مما يروع الأضداد , فقال سبحانه وتعالى ~~- منبها بأداة البعد وصيغة المضي إلى أن الراسخ لا ينبغي له أن يحتاج إلى ~~تنبيه على مثل هذا - : { ياأيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان . | ولما ~~كان سبحانه وتعالى قد خلق للإنسان عقلا يحمله على التيقظ والتحرز من الخوف ~~, فكان كالآلة له , وكان - لما عنده من السهو والنسيان في غالب الأوقات - ~~مهملا له , فكان كأنه قد ترك آلة كانت منه ؛ قال سبحانه وتعالى : { خذوا ~~حذركم } أي من الأعداء الذين ذكرتهم لكم وحذرتكم منهم : المشاققين منهم ~~والمنافقين { فانفروا } أي اخرجوا تصديقا لما ادعيتم إلى جهادهم مسرعين { ~~ثبات } أي جماعات متفرقين سرية في إثر سرية . | لا تملوا ذلك أصلا { أو ~~انفروا جميعا * } أي عسكرا واحدا , ولا تخاذلوا تهلكوا , فكأنه قال : خففت ~~عنكم قتل الأنفس على الصفة التي كتبتها على من قبلكم , ولم آمركم إلا بما ~~تألفونه وتتمادحون به فيما بينكم وتذمون تاركه , من موارد القتالن الذي هو ~~مناهج الأبطال , ومشارع فحول ms0995 الرجال , وجعلت للباقي منكم المحبوبين من ~~الظفر وحل المغنم , وللماضي أحب المحبوب , وهو الدجرة التي ما بعدها إلا ~~درجة النبوة , مع أنه لم ينقص من أجله شيء , ولو لم يقتل في ذلك السبيل ~~المرضى لقتل في غيره في ذلك الوقت . | ولما كان التقدير : فإن منكم الخارج ~~إلى الجهاد عن غير حزم ولا حذر , عطف عليه قوله - مبينا لما هو من أجل ~~مقاصد هذه الآيات من تبكيت المنافقيو للتحذير منهم , ووصفهم ببعض ما يخفون ~~, مؤكدا لأن كل ما ادعى الإيمان ينكر أن يكون كذلك - : { وإن منكم } أي يا ~~أيها الذين آمنوا وعزتنا { لمن ليبطئن } أي يتثاقل في نفسه عن PageV02P278 ~~الجهاد لضعفه في الإيمان أو نفاقه , ويأمر غيره بذلك أمرا مؤكدا إظهارا ~~لشفقة عليكم وهو عين الغش فإنه يثمر الضعف المؤدي إلى جرأة العدو المفضي ~~إلى التلاشي . | ولما كان لمن يتثاقل عنهم حالتا نصر وكسر , وسبب عن تثاقله ~~مقسما لقوله فيهما : { فإن أصابتكم مصيبة } أي ي وجهكم الذي قعدوا عنه { ~~قال } ذلك القاعد جلها منه وغلظة { قد أنعم الله } أي الملك الأعظم , ذاكرا ~~لهذا الاسم غير عارف بمعناه { علي إذ } أي حين , أو لأني { لم أكن معهم ~~شهيدا * } أي حاضرا , ويجوز أن يريد الشهيد الشرعي , ويكون إطلاقه من باب ~~التنزل , فكأنه يقول : هذا الذي هو أعلى ما عندهم أعد فواته مني نعمة عظيمة ~~{ ولئن أصابكم فضل } أي فتح وظفر وغنيمة { من الله } أي الملك الأعلى الذي ~~كل شيء بيده . | ولما كان تحسره إنما هو على فوات الأغراض الدنيوية أكد ~~قوله : { ليقولن } أي في غيبتكم , واعترض بين القول ومقوله تأكيدا لذمهم ~~بقوله : { كأن } أي كأنه { لم } أي مشبها حاله حال من لم { يكن بينكم وبينه ~~مودة } أي بسبب قوله : { يا ليتني كنت معهم فأفوز } أي بمشاركتهم في ذلك { ~~فوزا عظيما * } وذلك لأنه لو اكن ذا مودة لقال حال المصيبة : يا ليتها لم ~~تصبهم ! ولو كنت معهم لدافعت عنهم ! وحال الظفر : لقد سرني عزهم , ولكنه لم ~~يجعل محط همه في كلتا الحالتين غير المطلوب ms0996 الدنيوي , ولعله خص الحالة ~~الثانية بالتشبيه لأن ما نسب إليه فيها لا يقتصر عليه محب , وأما الحالة ~~الأولى فربما اقتصر المحب فيها على ذلك قصدا للبقاء لأخذ الثأر ونكال ~~الكفار , وذكر المودة لأن المنافقين كانوا يبالغون في إظهار الود والشفقة ~~والنصيحة للمؤمنين . | < < # | النساء : ( 74 ) فليقاتل في سبيل . . . . . # > > ^ ( فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن ~~يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما * وما لكم لا ~~تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنسآء والولدان الذين يقولون ~~ربنآ أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا ~~من لدنك نصيرا * الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في ~~سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا * ألم تر ~~إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم ~~القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم ~~كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة ~~خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ) ^ } ) | PageV02P279 ولما بين أن محط حال ~~القاعد عن الجهاد الدنيا , علم أن قصد المجاهد الآخرة , فسبب عن ذلك قوله : ~~{ فليقاتل في سبيل الله } أي بسبب تسهيل طريق الملك الذي له الأمر كله وحفظ ~~الناس عليه { الذين يشرون } أي يبيعون برغبة ولجاجة وهم المؤمنون , أو ~~يأخذون وهم المنافقون - استعمالا للمشترك في مدلوليه { الحياة الدنيا } ~~فيتركونها { بالآخرة } ولما كان التقدير : فإنه من قعد عن الجهاد فقد رضي ~~في الآخرة بالدنيا , عطف عليه قوله : { ومن يقاتل في سبيل الله } أي فيريد ~~إعلاء كلمة الملك المحيط بصفات الجمال والجلال { فيقتل } أي في ذلك الوجه ~~وهو على تلك النية بعد أن يغلب القضاء والقدر على نفسه { أو يغلب } أي ~~الكفار فيسلم { فسوف نؤتيه } أي بوعد لا خلف فيه بما لنا من العظمة المحيطة ~~بالخير والشر , والآية من الاحتباك : ذكر القتل أولا دليل على السلامة ~~ثانيا , وذكر الغالبية ثانيا دليل ms0997 على المغلوبية أولا ؛ وربما دل التعبير ~~بسوف على طول عمر المجاهد غالبا خلافا لما يتوهمه كثير من الناس - إعلاما ~~بأن المدار على فعل الفاعل المختار , لا على الأسباب { أجرا عظيما * } أي ~~في الدارين على اجتهاده في إعزاز دين الله سبحانه وتعال , واقتصاره على ~~هذين القسمين حث على الثبات ولو كان العدو أكثر من الضعف < # > 77 ( { فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة } ) 77 < # > [ البقرة : 249 ] < # > 77 ( { والله يؤيد بنصره من يشاء } ) 77 < # > [ آل عمران : 13 ] والله مع الصابرين . | ولما كان التقدير : فما لكم ~~لا تقاتلون في سبيل الله لهذا الأجر الكثير ممن لا يخلف الميعاد , وكانوا ~~يقولون : إنا لا نعطي الميراث إلا لمن يحمي الذمار , ويذب عن الجار , ويمنع ~~الحوزة ؛ قال عاطفا على هذا المقدر ملهبا لهم ومهيجا , ومبكتا للقاعدين ~~وموبخا : { وما } أي وأي شيء { لكم } من دنيا آو آخره حال كونكم { لا ~~تقاتلون } أي تجددون القتال في كل وقت , لا تملونه { في سبيل الله } أي ~~بسبب تسهيل طريق الملك الذي له العظمة الكاملة والغنى المطلق وبسبب خلاص { ~~والمستضعفين } أي المطلوب من الكفار ضعفهم حتى صار موجودا , ويجوز - وهو ~~أقعد - أي يكون منصوبا على الاختصاص تنبيها على أنه من أجل ما في سبيل الله ~~. | ولما كان الإنكاء من هذا ما لمن كان رجاء نفعه أعظم , ثم ما لمن يكون ~~العار به أقوى وأحكم ؛ رتبهم هذا الترتيب فقال : { من الرجال والنساء ~~والولدان } أي المسلمين الذين حبسهم الكفار عن الهجرة , وكانوا يعذبونهم ~~ويفتنونهم عن دينهم , وكل منهما كاف PageV02P280 في بعث ذوي الهمم العالية ~~والمكارم على القتال , ثم وصفهم بما يهيج إلى نصرهم ويحث على غياثهم فقال : ~~{ الذين يقولون } أي لا يفترون { ربنا } أي أيها المحسن إلينا بإخراجنا من ~~الظلمات إلى النور { أخرجنا من هذه القرية } ثم وصفوها بالحامل على هذا ~~الدعاء فقالوا : { الظالم أهلها } أي بما تيسره لنا من الأسباب { واجعل لنا ~~من لدنك } أي من أمور العجيبة في الأمور الخارقة للعادات { وليا } يتولى ~~مصالحنا . | ولما كان الولي قد لا يكون فيه ms0998 قوة النصر قالوا : { واجعل لنا ~~} ولما كانوا يريدون أن يأتيهم خوارق كرروا قولهم : { من لدنك نصيرا * } أي ~~بليغ النصر إلى حد تعجب منه المعتادون للخوارق , فكان بهذا الكلام كأنه ~~سبحانه وتعالى قال : قد جعلت لكم الحظ الأوفر من الميراث , فما لكم لا ~~تقاتلون في سبيلي شكرا لنعمتي وأين ما تدعون من الحمية والحماية ! ما لكم ~~لا تقاتلون في نصر هؤلاء الضعفاء لتحقق حمايتكم للذمار ومنعكم للحوزة وذبكم ~~عن الجار ! . | ولما أخبر عن افتقارهم إلى الأنصار وتظلمهم من الكفار , ~~استأنف الإخبار عن الفريقين فقال مؤكدا للترغيب في الجهاد : { الذين آمنوا ~~} أي صدقوا في دعواهم الإيمان { يقاتلون } أي تصديقا لدعواهم من غير فترة ~~أصلا { في سبيل الله } أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال قاصدين وجهه ~~بحماية الذمار وغيره , وأما من لم يصدق دعواه بهذا فما آمن { والذين كفروا ~~يقاتلون } أي كذلك { في سبيل الطاغوت } فلا ولي لهم ولا ناصر . | ولما كان ~~الطاغوت الشيطان أو من زينة الشيطان , وكان كل من عصى الله منه وممن أغواه ~~حقيرا ؛ سبب عن ذلك قوله : { فقاتلوا أولياء الشيطان } ثم علل الجرأة عليهم ~~بقوله : { إن كيد الشيطان } أي الذي هو رأس العصاة { كان } جبلة وطبعا { ~~ضعيفا * } ولما عرفهم هذه المفاوز الأخروية والمفاخر الدنيوية , وختم بما ~~ينهض الجبان , ويقوي الحنان , ورغبهم بما شوق إليه من نعيم الجنان ؛ عجب من ~~حال من توانى بعد ذلك واستكان , فقال تعالى مقبلا بالخطاب على أعبد خلقه ~~وأطوعهم لأمره : { ألم تر } وأشار إلى أنهم بمحل بعد عن حضرته تنهيضا لهم ~~بقوله : { إلى الذين قيل لهم } أي جوابا لقولهم : إنا نريد أن نبسط ايدينا ~~إلى الكفار بالقتال لأن امتحاننا بهم قد طال { كفوا أيديكم } أي ولا ~~تبسطوها إليهم فإنا لم نأمر بهذا { وأقيموا الصلاة } أي صلة بالخالق ~~واستنصارا على المشاقق { وأتوا الزكاة } منماة للمال وطهرة للأخلاق وصلة ~~للخلائق { فلما كتب عليهم القتال } أي الذي طلبوه وهم يؤمرون بالصفح , ~~كتابة لا تنفك إلى آخر PageV02P281 الدهر { إذا فريق منهم } أي ناس تلزم عن ~~فعلهم الفرقة , فأحبوا ms0999 هذه الكتب بأنهم { يخشون الناس } أي الذين هم مثلهم ~~, أن يضروهم , والحال أنه يقبح عليهم أن يكونوا أجرا منهم وهم ناس مثلهم { ~~كخشية الله } أي مثل ما يخشون الله الذي هو القادر لا غيره . | ولما كان ~~كفهم عن القتال شديدا يوجب لمن يراه منهم أن يظن بهم من الجبن ما يتردد به ~~في الموازنة بين خوفهم من الناس وخوفهم من الله , عبر بأداة الشك فقال : { ~~أو أشد خشية } أي أو كانت خشيتهم لهم عند الناظر لهم أشد من خشيتهم نم الله ~~, فقد أفاد هذا أن خوفهم من الناس ليس بأقل من خوفهم من الله جزما بل إما ~~مثله أو أشد منه ؛ وقد يكون الإبهام لتفاوت بالنسبة إلى وقتين , فيكون ~~خوفهم منه في وقت متساويا , وفي آخر أزيد , فهو متردد بين هذين الحالين ؛ ~~ويجوز أن يكون ذلك كناية عن كراهتهم القتال في ذلك الوقت وتمنيهم لتأخيره ~~إلى وقت ما . | وأيد ما تقدم من الظن بقوله ما هو كالتعليل للكراهة : { ~~وقالوا } جزعا من الموت أو المتاعب - إن كانوا مؤمنين , أو اعتراضا - إن ~~كانوا منافقين , على تقدير صحة ما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم { ربنا } ~~أي أيها المحسن إلينا القريب منا { لم كتبت علينا القتال } أي ونحن الضعفاء ~~{ لولا } أي هلا { أخرتنا } أي عن الأمر بالقتال { إلى أجل قريب } أي لنأخذ ~~راحة مما كنا فيه من الجهد من الكفار بمكة , ( وسبب نزولها أن عبد الرحمن ~~بن عوف والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون وسعد بن أي وقاص وجماعة ~~رضي الله عنهم كانوا يلقون من المشركين بمكة أذى كثيرا قبل أن يهادروا , ~~ويقولون : يا رسول الله ! إئذن لنا في قتالهم فإنهم قد آذونا , فيقول لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : كفوا أيديكم , فإني لم أومر بقتالهم , ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة , فلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله سبحانه ~~وتعالى بقتال المشركين شق ذلك على بعضهم ) حكاه البغوي عن الكلبي , وحكاه ~~الواحدي عنه بنحوه , وروي بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ms1000 أن عبد ~~الرحمن ابن عوف وأصحابه رضي الله تعالى عنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~بمكة فقالوا : يا رسول الله ! كنا في عز ونحن مشركون , فلما آمنا صرنا أذلة ~~, فقال : ( إني أمرت بالعفو , فلا تقاتلوا القوم ) فلما حوله الله تعالى ~~إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا , فأنزل الله عز وجل { ألم إلى الذين قيل ~~لهم كفوا أيديكم } الآية . | وهذا يفهم أن نسبة القول إليهم إنما هي ~~PageV02P282 حالهم في التأخر عن المبادرة إلى القتال حال من يقول ذلك , ~~فالمراد من الآية إلهابهم إلى القتال وتهييجهم , ليس غير . | ولما عجب عليه ~~الصلاة والسلام منهم إنكارا عليهم كان كأنه قال : فما أقول لهم ؟ أمره ~~بوعظهم وتضليل عقولهم وتقيييل أرائهم بقوله : { قل متاع الدنيا قليل } أي ~~ولو فرض أنه مد في آجالكم إلى أن تملوا الحياة , فإن كل منقطع قليل , مع أن ~~نعيمها غير محقق الحصول , وإن حصل كان منغصا بالكدورات { والآخرة خير لمن ~~اقى } أي لأنها لا يفنى نعيمها مع أنه محقق ولا كدر فيه , هي شر من الدنيا ~~لمن لم يتق , لأن عذابها طويل لا يزول { ولا تظلمون فتيلا * } أي لا في ~~دنياكم بأن تنقص آجالكم بقتالكم , ولا أرزاقكم باشتغالكم , ولا في آخرتكم ~~بأن يضيع شيء من ثوابكم على ما تنالونه من المشقة , لأنه سبحانه وتعالى ~~حكيم لا يضع شيئا في غير موضعه , ولا يفعل شيئا إلا على قانون الحكمة , فما ~~لكم تقولون قول المتهم : لم فعلت ؟ أتخشون الظلم في إيجاب ما لم يجب عليكم ~~وفي نقص الرزق والعمر ؟ أتخشون الظلم في إيجاب العدل وله أن يفعل ما شاء , ~~^ ( { لا يسئل عما يفعل } ) ^ [ الأنبياء : 23 ] يحسن ويعطي من تقبل إحسانه ~~أتم الفضل . | < < # | النساء : ( 78 - 81 ) أينما تكونوا يدرككم . . . . . # > > ^ ( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم ~~حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من ~~عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا * مآ أصابك من حسنة فمن ~~الله ومآ أصابك ms1001 من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا * ~~من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فمآ أرسلناك عليهم حفيظا * ويقولون ~~طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طآئفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما ~~يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ) ^ } ) | ولما زهدهم ~~في دار المتاعب والأكدار على تقدير طول البقاء , وكانوا كأنهم يرجون بترك ~~القتال الخلود , أو تأخير موت يسببه القتال ؛ نبههم على ما يتحققون من أن ~~المنية منهل لا بد من وروده في الوقت الذي قدر له وإن امتنع الإنسان منه في ~~الصحون , أو رمى نفسه في المتألفن فقال تعالى - مبكتا من قال ذلك , مؤكدا ~~بما النافية لنقيض ما تضمنه الكلام لأن حالهم حال من ينكر الموت بغير ~~القتال , مجيبا بحاق الجواب بعد ما أورد الجواب الأول على سبيل التنزل - : ~~{ أينما تكونوا } أيها الناس كلكم مطيعكم وعاصيكم { يدرككم الموت } أي فإنه ~~طالب , لا يفوته هارب { ولو كنتم في بروج } أي حصون برج داخل برج , أو كل ~~واحد منكم في برج . | PageV02P283 ولما كان ذلك جمعا ناسب التشديد المراد ~~به الكثرة في { مشيدة } أي مطولة , كل واحد منها شاهق في الهواء منيع , وهو ~~مع ذلك مطلي بالشيد أي بالجص , فلا خلل فيه أصلا , ويجوز أن يراد بالتشيد ~~مجرد الإتقان , يعني أنها مبالغ في تحصينها - لأن السياق أيضا يقتضيه , ~~فإذا كان لا بد من الموت فلأن يكون في الجهاد الذي يستعقب السعادة الأبدية ~~أولىمن أن يكون في غيره . | ثم عطف ما بقي من أقوالهم على ما سلف منها في ~~قوله : < # > 77 ( { ربنا لم كتبت } ) 77 < # > [ النساء : 77 ] إلى آخره وإن كان هذا الناس منهم غير الأولين , ويجوز ~~أن يقال : إنه لما أخبر أن الحذر لا يغني من القدر أتبع ذلك حالا لهم مبكتا ~~به لمن توانى في أمره , مؤذنا بالالتفات إلى الغيبة إعراضا عن خطابهم ببعض ~~غضب , لأنهم جمعوا إلى الإخلال بتعظيمهم لله تعالى الإخلال بالأدب مع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم الذي أرسله ليطاع بإذن ms1002 الله فقال : { وإن } أي ~~قالوا ذلك والحال أنه إن { تصبهم } أي بعض المدعوين من الأمة , وهم من كان ~~في قلبه مرض { حسنة } أي شيء يعجبهم , ويحسن وقعه عندهم من أي شيء كان { ~~يقولوا هذه من عند الله } أي الذي له الأمر كله , لا دخل لك فيها { وإن ~~تصبهم سيئة } أي حالة تسوءهم من أي جهة كانت { يقولوا هذه من عندك } أي من ~~جهة حلولك في هذا البلد تطيرا بك . | ولما كان هذا أمرا فادحا , وللفؤاد ~~محرقا وقادحا , سهل عليه بقوله : { قل كل } أي من السيئة والحسنة في ~~الحقيقة دنيوية كانت أو أخروية { من عند الله } أي الذي له كل شيء , ولا ~~شيء لغيره , وذلك كما قالوا لما مات أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني ~~النجار رضي الله تعالى عنه عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم , فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم - كما في السيرة : ( بئس الميت أبو أمامة ليهود ~~ومنافقي العرب ! يقولون : لو كان نبيا لم يمت صاحبه , ولا أملك لنفسي ولا ~~لصاحبي منالله شيئا ) PageV02P284 ولما تسبب عن هذا معرفة أنهم أخطؤوا في ~~ذلك , فاستحقوا الإنكار قال منكرا عليهم : { فما } وحقرهم بقوله : { لهؤلاء ~~} وكأنه قال : { القوم } الذي هو دال على القيام والكفاية , إما تهكما بهم ~~, وإما نسبة لهم إلى قوة الأبدان وضعف المكان { لا يكادون يفقهون } لا ~~يقربون من أن يفهموا { حديثا * } أي يلقي إليهم أصلا فهما جيدا . | ولما ~~أجابهم بما هو الحق إيجادا علمهم ما هو الأدب لماحظة السبب فقال مستأنفاك { ~~ما أصابك من حسنة } اي نعمة دنيوية أو أخروية { فمن الله } أي إيجادا وفضلا ~~, والإيمان أحسن الحسنات , قال الإمام : إنهم يقولون : إنهم اتفقوا على أن ~~قوله < # > 77 ( { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله } ) 77 < # > [ فصلت : 33 ] المراد به كلمة الشهادة { وما أصابك } وأنت خير الخلق { ~~من سيئة } أي بلاء { فمن نفسك } أي بسببها فغيرك بطريق الأولى . | ولما ~~اقتضى قولهم إنكار رسالته صلى الله عليه وسلم إلا أن فعل كل خارق , وأخبر ~~سبحانه وتعالى بأنه مستو ms1003 مع الخلق في القدرة قال سبحانه وتعالى مخبرا بما ~~اختصه به عنهم : { وأرسلناك } أي مختصين لك بعظمتنا { للناس } أي كافة { ~~رسولا } أي تفعل ما على الرسل من البلاغ ونحوه , وقد اجتهدت في البلاغ ~~والنصيحة , ولم نجعلك إلها تأتي بما يطلب منك من خير وشر , فإن أنكروا ~~رسالتك فالله يشهد بنصب المعجزات والآيات البينات { وكفى بالله } المحيط ~~علما وقدرة { شهيدا * } لك بالرسالة والبلاغ . | ولما نفى عللهم في التخلف ~~عن طاعته إلى أن ختم بالشهادة برسالته ؛ قال مرغبا مرهبا على وجه عام يسكن ~~قلبه , ويخفف من دوام عصيانهم له , دالا على عصمته في جميع حركاته وسكناته ~~: { من يطع الرسول } أي كما هو مقتضى حاله { فقد أطاع الله } الملك الأعظم ~~الذي لا كفوء له , لأنه داع إليه , وهو لا ينطق عن الهوى , إنما يخبر بما ~~يوحيه إليه { ومن تولى } أي عن طاعته . | ولما كان التقدير : فإنما عصى ~~الله . | والله سبحانه وتعالى عالم به وقادر عليه , فلو راد لرده ولو شاء ~~لأهلكه بطغيانه , فاتركه وذاك ! عبر عن ذلك كله بقوله : { فما أرسناك } أي ~~بعظمتنا { عليهم حفيظا } إنما أرسلناك داعيا . | ولما كان من شأن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أن يحفظ من أطاعه ومن عصاه ليبلغ ذلك من أرسله , وكان ~~سبحانه وتعالى قد أشار له إلى الأعراض عن ذلك , لكونه لا يحيط بذلك علما ~~وإن اجتهد ؛ شرع يخبره ببعض ما يخفونه فقال حاكيا لبعض أقوالهم مبينا ~~لنفاقهم فيه وخداعهم { ويقولون } أي إذا أمرتهم بشيء من أمرنا وهم بحضرتك { ~~طاعة } أي كل طاعة منا لك دائما , نحن ثابتون على ذلك , والتنكير للتعظيم ~~بالتعميم { فإذا برزوا } PageV02P285 أي خرجوا { من عندك بيت طائفة } هم في ~~غاية التمرد { منهم } أي قدرت وزورت على غاية من التقدير والتحرير مع ~~الاستدارة والتقابل كفعل من يدبر الأمور ويحكمها ويتقنها ليلا { غير الذي ~~تقول } أي تجدد قوله لك في كل حين من الطاعة التي أظهروها أو غير قولك الذي ~~بلغته لهم , وأدغم أبو عمرو وحمزة التاء بعد تسكينها استثقالا لتوالي ~~الحركات في الطاء ms1004 لقرب المخرجين , والطاء تزيد بالإطباق , فحسن إدغام ~~الأنقص في الأزيد ؛ وأظهر الباقون , والإدغام أوفق لحالهم , والإظهار أوفق ~~لما فصح من محالهم . | ولما كان الإنسان من عادته إثبات الأمور التي يريد ~~تخليدها بالكتابة أجرى الأمر على ذلك فقال : { والله } ي والحال أن الملك ~~المستجمع لصفات الكمال { يكتب ما يبيتون } أي يجددون تبييته كلما فعلوه , ~~وهو غني عنه ولكن ذلك ليقربهم إياه يوم يقوم الأشهاد , ويقيم به الحجة ~~عليهم على ما جرت به عادتهم , أو يوحى به إليك فيفضحهم بكتابته وتلاوته مدى ~~الدهر , فلا يظنوا أن تبييتهم يغنيهم شيئا . | ولما تسبب عن ذلك كفايته صلى ~~الله عليه وسلم هذا المهم قال : { فأعرض عنهم } أي فإنهم بذلك لا يضرون إلا ~~أنفسهم { وتوكل } أي في شأنهم وغيره { على الله } أي الذي لا يخرج شيء عن ~~مراده { وكفى بالله } أي المحيط علما وقدرة { وكيلا * } فستنظر كيف تكون ~~العاقبة في أمرك وأمرهم . | < < # | النساء : ( 82 - 84 ) أفلا يتدبرون القرآن . . . . . # > > ^ ( أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا ~~كثيرا * وإذا جآءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول ~~وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا * فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ~~وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ~~) ^ } ) | ولما كان سبب إبطانهم خلاف ما يظهرونه اعتقاد أنه صلى الله عليه ~~وسلم رئيس , لا يعلم إلا ما أظهروه , لا رسول من الله الذي يعلم السر وأخفى ~~؛ سبب عن ذلك على وجه الإنكار إرشادهم إلى الاستدلال على رسالته بما يزيح ~~الشك ويوضح الأمر , وهو تدبر هذا القرآن المتناسب المعانين المعجز المباني ~~, الفائت لقوى المخاليق , المظهر لخفاياهم على اجتهاده في إخفائها , فقال ~~سبحانه وتعالى دالا على وجوب النظر في القرآن والاستخراج للمعاني منه : { ~~أفلا يتدبرون } أي يتأملون , يقال : تدبرت الشيء - إذا تفكرت في عاقبته ~~وآخر أمره { القرآن } أي الجامع لكل ما يراد علمه من ms1005 تمييز الحق من الباطل ~~على نظام لا يختل ونهج لا يمل ؛ قال المهدوي : وهذا دليل على وجوب تعلم ~~PageV02P286 معاني القرآن وفساد قول من قال : لا يجوز أن يؤخذ منه إلا ما ~~ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم , ومنع أن يتأول على ما يسوغه لسان العرب ~~, وفيه دليل على النظر والاستدلال . | ولما كان التقدير : فلو كان من عند ~~غير الله لم يخبر بأسرارهم , عطف عليه قوله : { ولو كان من عند غير الله } ~~أي الذي له الإحاطة الكاملة - كما زعم الكفار { لوجدوا فيه اختلافا كثيرا * ~~} أي في المعنى بالتناقض والتخلف عن الصدق في الإخبار بالمغيبات أو بعضها , ~~وفي النظم بالتفاوت في الإعجاز ؛ فإذا علموا أنه من عند الله بهذا الدليل ~~القطعي حفظوا سرائرهم كما يحفظون علانياتهم , لأن الأمر بالطاعة مستو عند ~~السر والعلن ؛ والتقيد بالكثير يفيد أن المخلقو عاجز عن التحرز من النقص ~~العظيم بنفسه , وإفهامه - عند استثناء نقيض التالي - وجود الاختلاف اليسير ~~فيه تدفعه الصرائح ولما أمر سبحانه وتعالى بالنفر إلى الجهاد على الحزم ~~والحذر , وأولاه الإخبار بأن من الناس المغرر والمخذل تصريحا بالثاني ~~وتلويحا إلى الأول , وحذر منهما ومن غيرهما إلى أن ختم بأمر الماكرين , ~~وبأن القرآن قيم لا عوج فيه ؛ ذكر أيضا المخذلين والمغررين على وجه أصرح من ~~الأول مبينا ما ان عليهم فقال : { وإذا جاءهم } أي هؤلاء المزلزلين { أمر ~~من الأمن } من غير ثبت { أو الخوف } كذلك { أذاعوا } أي أوقعوا الإذاعة لما ~~يقدرون عليه من المفاسد { به } أي بسببه نم غير علم منهم بصدقه من كذبه , ~~وحقه من باطله , ومتفقه من مختلفه , فيحصل الضرر البالغ لأهل الإسلام , ~~أقله قلب الحقائق ؛ قال في القاموس : أذاعه وبه : أفشاه ونادى به في الناس ~~. | وذلك كما قالوا في أمر الأمن حين انهزم أهل الشرك بأحد , فتركوا المركز ~~الذي وضعهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم , وخالفوا أمره وأمر أميرهم , ~~فكان سبب كرة المشركين وهزمة المؤمنين , وفي أمر الخوف حين صاح الشيطان : ~~إن محمدا قد قتل , فصدقوه وأذاعه بعضهم لبعض , وانهزموا ms1006 وأرادزا الاستجارة ~~بالكفار من أبي سفيان وأبي عامر , وكذا ما أشاعوه عند الخروج إلى بدر ~~الموعد من أن أبا سفيان قد جمع لهم ما لا يحصى كثرة , وأنهم إن لقوة لم يبق ~~منهم أحد - إلى غير ذلك من الإرجاف إلى أن صارت المدينة تفور بالشر فوران ~~المرجل , حتى أحجموا كلهم - أو إلا أقلهم - حتى قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ( والله لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد ) فاستجابوا حينئذ , وأكسبهم ~~هذا القول شجاعة وأنالهم طمأنينة , فرجعوا بنعمة من اله وفضل لم يمسسهم سوء ~~كما وعدهم الله سبحانه وأنالهم ورسوله صلى الله عليه وسلم إن صبروا واتقوا ~~, فكذب ظنهم وصدق الله ورسوله , وفي هذا إرشاد إلى الاستدلال على كون ~~القرآن من عنده سبحانه وتعالى بما يكذب من أخبارهم هذه التي PageV02P287 ~~يشيعونها ويختلف , وأن ما كان من غيره تعالى فمختلف - وإن تحرى فيه متشبه - ~~وإن دل عقله وتناهي نبله إلا أن استند عقله إلى ما ورد عن العالم بالعواقب ~~, المحيط بالكوائن على لسان الرسل عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام , ~~وإلى أن القياس حجة . | وأن تقليد القاصر للعالم واجب , وأن الاستنباط واجب ~~على العلماء , والنبي صلى الله عليه وسلم راس العلماء , وإلى ذلك يومي قوله ~~تعالى : { ولو ردوه } أي ذلك الأمر الذي لا نص فيه من قبل أن يتكلموا به { ~~إلى الرسول } أي نفسه إن كان موجودا , وأخباره إن كان مفقودا { وإلى أولي ~~الأمر منهم } أي المتأهلين لأن يأمروا وينهوا من الأمراء بالفعل أو بالقوة ~~من العلماء وغيرهم { لعلمه } أي ذلك الأمر على حقيقته وهل هو مما يذاع أو ~~لا { الذين يستنبطونه } أي يستخرجونه بفطنتهم وتجربتهم كما يستخرج الإنباط ~~المياه ومنافع الأرض { منهم } أي من الرسول وأولي الأمر . | ولما كان ~~التقدير : فلولا فضل الله عليكم ورحمته بالرسول ووراث علمه لاستبيحت ~~بإشاعاتهم هذه بيضة الدين واضمحلت أمور المسلمين ؛ عطف عليه قوله : { ولولا ~~فضل الله عليكم } أي أيها المتسمون بالإسلام بإنزال الكتاب وتقويم العقول { ~~ورحمته } بإرسال الرسول { لاتبعتم الشيطان } أي المطرود المحترق { إلا ~~قليلا * } أي ms1007 منكم فإنهم لا يتبعونه حفظا من الله سبحانه وتعالى بما وهبهم ~~من صحيح العقل من غير واسطة رسول ؛ وهذه الآية من المواضع المستصعبة على ~~الأفهام بدون توقيف على المراد بالفضل إلا عند من آتاه الله سبحانه وتعالى ~~علما بالمناسبات , وفهما ثاقبا بالمراد بالسياقات , وفطنة بالأحوال ~~والمقامات تقرب من الكشف , وذلك أن من المقرر أنه لا بد من مخالفة حكم ~~المستثنى لهم تكون بأحد أمور ثلاثة كل منها فاسد , إما بأن والرحمة فاهتدوا ~~, ومخالفة المستثنى لهم تكون بأحد أمور ثلاثة كل منها فاسد , إما بأن ~~يعدموا الفضل فيتبعوه , ويلزم لعيه أن يكون الضال أقل من المهتدي , وهو ~~خلاف المشاهد ؛ أو بأن يعدموه فلا يتبعوه , فيكونوا مهتدين من غير فضل ؛ أو ~~بأن يوجد عليهم الفضل فيتبعوه , فيكونوا ضالين مع الفضل والرحمة اللذين ~~كانا سببا في امتناع الضلال عن المخاطبين . | فيكونا ن تراة مانعين , وتارة ~~غير مانيعن , فلم يفيدا إذن مع أن أيضا يلزم عليه أن يكون الضال أقل من ~~المهتدي ؛ فإذا حمل الكلام على أن المراد بالفضل الإرسال وضح المعنى ويكون ~~التقدير : ولولا إرسال الرسول لاتبعتم الشيطان إلا قليلا منكم , فإنهم لا ~~يتبعونه من غير إرشاد الرسول , بل بهداية من الله سبحانه وتعالى وفضل بلا ~~واسطة كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل ؛ والدليل على هذا ~~المقدر أن السياق لرد الأشياء كلها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم , والمنع ~~من الاستقلال بشيء دونه , PageV02P288 ولما بين سبحانه وتعالى نفاقهم ~~المقتضي لتقاعدهم عن الجهاد بأنفسهم وتنشيطهم لغيرهم , كان ذلك سببا لأن ~~يمضي صلى الله عليه وسلم لأمره سبحانه وتعالى من غير التفات إليهم وافقوا ~~أو نافقوا , فقال سبحانه وتعالى بعد الأمر بالنفر ثبات وجميعا , وبيان أن ~~منهم المبطىء , مشيرا إلى أن الأمر باق وإن بطأ الكل : { فقاتل في سبيل ~~الله } أي الذي له الأمر كله ولو كنت وحدك . | ولما كان كأنه قيل : فما ~~أفعل فيمن أرسلت إليهم إن لم يخرجوا ؟ قال - معلما بأنه قد جعله اشجع الناس ~~وأعلمهم بالحروب وتدبيرها ms1008 , وهو مع تأييده بذلك قد تكفل بنصرته ولم يكله ~~إلى أحد - : { لا تكلف إلا نفسك } أي ليس عليك إثم تباعك لو تخلفوا عنك , ~~وقد أعاذهم الله سبحانه وتعالى من ذلك , ولا ضرر عليك في الدنيا أيضا من ~~تخليهم , فإن الله سبحانه وتعالى ناصرك وحده , وليس النصر إلا بيده سبحانه ~~وتعالى , وما كان سبحانه وتعالى ليأمره بشيء إلا وهو كفوء له , فهو ملىء ~~بمقاتلة الكفار كلهم وحده وإن كانوا أهل الأرض كلهم , ولقد عزم في غزوة بدر ~~الموعد - التي قيل : إنها سبب نزول هذه الآية - على الخروج إلى الكفار ولو ~~لم يخرج معه أحد ؛ وقد اقتدى به صاحبه الصديق رضي الله تعالى عنه في قتال ~~أهل الردة فقال للصحابة رضي الله تعالى عنهم : والله لو لم أجد إلا هاتين - ~~يعني ابنتيه : عائشة وأسماء رضي الله تعالى عنهما - لقاتلتهم بهما . | ولما ~~كان ذلك قد يفتر عن الدعاء قال : { وحرض المؤمنين } أي مرهم بالجهاد وانههم ~~عن تركه وعن مواصلة كل من يثبطهم عنه وعظمهم واجتهد في أمرهم حتى يكونوا ~~مستعدين للنفر متى ندبوا حتى كأنهم لشدة استعدادهم حاضرون في الصف دائما . ~~| ثم استأنف الذكر لثمرة ذلك فقال : { عسى الله } أي الذي استجمع صفات ~~الكمال { أن يكف } بما له من العظمة { بأس الذين كفروا } أي عن أن يمنعوك ~~من إظهار الدين بقتالك وقتال من تحرضه , ولقد فعل سبحانه وتعالى ذلك , فصدق ~~وعده , ونصر عبده , هزم الأحزاب وحده , حتى ظهر الدين , ولا يزال ظاهرا حتى ~~يكون آخر ذلك على يد عيسى عليه الصلاة والسلام . | ولما كان السامع ربما ~~فهم أنه لا يتأتى كفهم إلا بذلك , قال ترغيبا وترهيبا واحتراسا : { والله } ~~أي الذي لا مثل له { أشد بأسا } أي عذابا وشدة من المقاتلين والمقاتلين { ~~وأشد تنكيلا * } أي تعذيبا بأعظم العذاب , ليكون ذلك مهلكا للمعذب ~~PageV02P289 ومانعا لغيره عن مثل فعله ؛ قال الإمام أبو عبد الله القزاز : ~~يقال : نكلته تنكيلا - إذا عملت به عملا يكون نكالا لغيره , أي عبرة فيرجع ~~عن المراد من أجله , وهو أن الناظر إليه ms1009 والذي يبلغه ذلك يخاف أن يحل به ~~مثله , أي فيكون له ذلك قيدا عن الإقدام ؛ والنكل - بالكسر : القيد . | < < # | النساء : ( 85 - 88 ) من يشفع شفاعة . . . . . # > > ^ ( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له ~~كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا * وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ ~~أو ردوهآ إن الله كان على كل شيء حسيبا * الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى ~~يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا * فما لكم في المنافقين ~~فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله ~~فلن تجد له سبيلا ) ^ } ) | ولما كان ذلك موجبا للرغبة في طاعة النبي صلى ~~الله عليه وسم لا سيما في الجهاد , وللرغبة فيمن كان بصفة المؤمنين من ~~الإقبال على الطاعة , والإعراض عن كل من كان بصفة المانفقين , والإدامة ~~لطردهم وإبعادهم والغلظة عليهم , والحذر من مجالستهم حتى يتبين إخلاصهم , ~~وكان بين كثير من خلص الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبينهم قرابات توجب ~~العطف المقتضي للشفقة عليهم , الحاملة للشفاعة فيهم , إما بالإذن في التخلف ~~عن الجهاد لما يزخوفون القول من الأعذار الكاذبة , أو ي العفو عنهم عند ~~العثور على نقائصهم , أو في إعانتهم أو إعانة غيرهم بالمال والنفس في أمر ~~لاجاهد عند ادعاء أن المانع له عنه العجز - وفي غير ذلك , وكانت التوبة ~~معروضة لهم ولغيرهم , وكان البر ما سكن إلأيه القلب , والإثم ما حاك في ~~الصدر , والإنسان على نفسه بصيرة , وكانت البواطن لا يعلمها إلا الله ~~سبحانه وتعالى , وكان الإنسان ربما أظهر شرا في صورة خير ؛ رغب سبحانه ~~وتعالى في البر , وحذر من الإثم بقوله - معمما مستأنفا في جواب من كأنه قال ~~: أما تقبل فيهم شفاعة : { من يشفع } أي يوجد ويجدد , كائنا من كان , في أي ~~وقت كان { شفاعة حسنة } أي يقيم بها عذر المسلم في كل ما يجوز في الدين ~~ليوصل إليه خيرا , أو يدفع عنه ضيرا { يكن له نصيب منها } بأجر تسببه في ~~الخير ms1010 { ومن يشفع } كائنا من كان , في أي زمان كان { شفاعة سيئة } أي بالذب ~~عن مجرم ي أمر لا يجوز , والتسبب في إعلائه وجبر دائه ؛ وعظم الشفاعة ~~السيئة لأن درء المفاسد أولى من جلب المصلح , فقال - معبرا بما يفهم النصيب ~~ويفهم أكثر مه تغليظا في الزجر : { يكن له كفل منها } وهذا بيان لأن ~~الشفاعة فيهم سيئة إن تحق إجرامهم , حسنة إن علمت توبتهم وإسلامهم . | ~~PageV02P290 ولما كان كل من تحريض المؤمنين على الجهاد والشفاعة الحسنة من ~~وادي ( من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) حسن ~~اقترانهما جدا , والنصيب قدر متميز من الشيء يخص من هو له , وكذا الكفل إلا ~~أن الاستعمال يدل على أنه أعظم من النصيب , ويؤيده ما قالوا من أنه قد يراد ~~به الضعف , فكأنه نصيب متكف بما هو له من إسعاد وإبعاد ؛ قال أهل اللغة : ~~النصيب : الحظ , والكفر - بالكسر : الضعف والنصيب والحظ , ومادة ( نصب ) ~~يدور على العلم المنصوب , ويلزمه الرفع والوضع والتمييز والأصل والمرجع ~~والتعب , فيلزمه الوجع , ومن لوازمه أيضا الحد والغاية والجد الوقوف ؛ ~~ومادة ( كفل ) تدور على الكفل - بتحريك وهو العجز أو ردفه , ويلزمه الصحابة ~~واللين والرفق والتأخر ؛ وقال الإمام : الكفل هو النصيب الذي عليه يعتمد ~~الإنسان في تحصيل المصالح لنفسه ودفع المفاسد عن نفسه , والمقصود هنا حصول ~~ضد ذلك كقوله < # > 77 ( { فبشرهم بعذاب اليم } ) 77 < # > [ آل عمران : 21 والتوبة : 34 والانشقاق : 24 ] والغرض منه التنبيه على ~~أن الشفاعة المؤدية إلى سيقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله ~~سبحانه وتعالى - انتهى . | وما غلظ هذا الزجر إلا للعلم بأن أكثر النفوس ~~ميالة بأصحابها للشفاعة بالباطل . | ولما كان الأليق بالرغبة أن لا يقطع في ~~موجبها وإن عظم بالحقية , ليكون ذلك زاجرا عن مقارفة شيء منها وإن صغر ؛ ~~عبر في الحسنة بالنصيب , وفي السيئة بالكفل ؛ ويؤيد إرادة هذا أنه تعالى ~~لما ذكر ما يوجب الجنة من الإيمان والتقوى , وكان في سياق الوعظ لأهل ~~الكتاب الذين هم على شرع أصله حق بتشريع رسول ms1011 من عند الله , فتركهم لذلك ~~بعيد يحتاج إلى زيادة ترغيب ؛ عبر بالكفل فقال تعالى : < # > 77 ( { ياأيها الذين آمنوا تقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته } ) 77 < # > [ الحديد : 28 ] إلى آخرها . | ولما كان نصيب مبهما بالنسبة إلى علمنا ~~لتفاوته بالنسبة إلى قصور الشافعين , وإقدامهم على الشفاعة على علم أو جهل ~~وغير ذلك مما لا يمكن الإحاطة به إلا الله سبحانه وتعالى علما وقدرة ؛ قال ~~تعالى مرغبا ومرهبا : { وكان الله } أي ذو الجلال والإكرام { على كل شيء } ~~من الشافعين وغيرهم وجزاء الشفاعة { مقيتا * } أي حفيظا وشهيدا وقديرا على ~~إعطاء ما يقوت من أخلاق النفوس وأحوال القلوب وأرزاق الأبدان وجميع ما به ~~القوام جزاء وابتداء من جميع الجهات , وعلى تقدير ما يستحق كل أحد من ~~الجزاء على الشفاعة وكل خير وشر . | PageV02P291 ولما كان ذلك موجبا لإعراض ~~عنهم رأسا ومنابذتهم قولا وفعلا , وبين سبحانه وتعالى أن التحية ليست من ~~وادي الشفاعة , وأن لاشفاعة تابعة للعمل , والتحية تابعة للظاهر , فقال ~~سبحانه وتعالى عاطفا على ما تقديره : فلا تشفعوا فيهم وأنتم تعلمون سوء ~~مقاصدهم , فقال معبرا بأداة التحقق بشارة لهم بأنهم يصرون - بعد ما هم فيه ~~الآن من النكد - ملوكا , وفي حكم الملوك , يحبون ويشفع عندهم , وحثا على ~~التواضع : { وإذا حييتم بتحية } أي أي تحية كانت إيذا كانت مشروعة , وأصل ~~التحية الملك , واشتقاقها من الحياة , فكأن أي تحية كانت إذا كانت مشروعة , ~~وأصل الحية الملك , واشتقاقها يبدأ به عند اللقاء ؛ وقال الأصبهاني : لفظ ~~التحية صار كناية عن الإكرام , فجميع أنواع الإكرام تدخل تحت لفظ التحية { ~~فحيوا بأحسن منها } كأن تزيدوا عليها { أو ردوها } أي من غير زيادة ولا نقص ~~, وذلك دال على وجوب رد السلام - من الأمر , وعلى الفور - من الفاء ~~والإجماع موافق لذلك , وترك الجواب إهانة , والإهانة ضرر , والضرر حرام ؛ ~~قال الأصبهاني : والمبتدىء يقول : السلام عليكم , والمجيب يقول : وعليكم ~~السلام , ليكون الافتتاح والاختتام بذكر الله سبحانه وتعالى . | ما أحسن ~~جعلها تالية لآية الجهاد إشارة إلى أن من بذل السلام وجب الكف عنه ولو كان ms1012 ~~في الحرب , على أن من مقتضيات هاتين الآيتين أن مبني هذه السورة على الندب ~~إلى الإحسان والتعاطف والتواصل , وسبب ذلك إما المال وقد تقدم الأمر به في ~~قوله تعالى < # > 77 ( { وإذا حضر القسمة } ) 77 < # > [ النساء : 8 ] , وإما غيره ومن أعظمه القولن , لأنه ترجمان القلب الذي ~~به العطف , ومن أعظم ذلك الشفاعة والتحية , قال عليه الصلاة والسلام فيما ~~أخرجه مسلم والأربعة عن أبي هريرة رضي الله عنه ( والذي نفسي بيده ! لا ~~تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا , ولا تؤمنوا حتى تحابوا , أفلا أدلكم على أمر إذا ~~فعلتموه تحاببتم , أفشوا السلام بينكم ) فناسب ذكر هاتين الآيتين بعد ذكر ~~آية الجهاد المختتمة بالبأس والتنكيل . | ولما كانت الشفاعة أعظمها في ~~الإحسان قدمت ولا سيما وموجبها الإعراض , ومقصد السورة التواصل , فشأنها ~~أهم والنظر إليها آكد , ثم رغب في الإحسان في الرد , ورهب من تركه بقوله ~~معللا : { إن الله } أي الذي له الإحاطة علما وقدرة { كان } أي أزلا وأبدا ~~{ على كل شيء حسيبا * } أي محصيا لجميع المتعددات دقيقها وجليلها , كافيا ~~لها في أقواتها وموباتها , محاسبا بها , مجازيا عليها , وذلك كله شأن ~~المقيت ؛ ثم PageV02P292 علل ذلك بقوله دالا على تلازم التوحيد والعدل : { ~~الله } أي الذي لا مثل له { لا إله إلا هو } أي وقد أمركم بالعدل في ~~الشفاعة والسلام , فإن لم تفعلوه - لما لكم من النقائص التي منها الحساب ~~ولا غيره , ولا يخفى عليه شيء فالحكم على البواطن إنما هو له تعالى , وأما ~~أنتم فلم تكلفوا إلا بالظاهر . | ولما تبين أنه لا معارض له أنتج قوله ~~مبينا لوقت الحساب الأعظم : { ليجمعنكم } وأكده باللام والنون دلالة على ~~تقدير القسم لإنكار المنكرين له , ولما كان التدريج بالإماتة شيئا فيئا , ~~عبر بحرف الغاية فقال : { إلى يوم القيامة } والهاء للمبالغة , ثم آكده ~~بقوله : { لا ريب فيه } أي فيفصل بينكم وبين من أخبركم بهم من المنافقين ~~ونقد أحوالهم وبين محالهم , فيجازي كلا بما يستحق . | ولما كان التقدير : ~~فمن أعظم من الله قدرة ! عطف عليه قوله : { ومن أصدق من الله } أي الذي له ~~الكمال كله ms1013 فلا شوب نقص يلحقه { حديثا } وهو قد وعد بذلك لأنه عين الحكمة , ~~وأقسم عليه , فلا بد من وقوعه , وإذ قد تحرر بما مضى أن المنافقين كفرة , ~~لا لبس في أمرهم , وكشف سبحانه وتعالى الحكم في باطن أمرهم بالشفاعة وظاهرة ~~بالتحية , وحذر من خالف ذلك بما أوجبته على نفسه حكمته من الجمع ليوم الفصل ~~للحكم بالعدل , وختم بأن الخبر عنهم وعن جميع ذلك صدق ؛ كان ذلك سببا لجزم ~~القول بشقاوتهم والإعراض عنهم والبعد عن الشفاعة فيهم , والإجماع على ذلك ~~من كل مؤمن وإن كان مبنى السورة على التواصل , لأن ذلك إنما هو حيث لا يؤدي ~~إلى مقاطعة أمر الله , فقال تعالى مبكتا لمن توقف عن الجزم بإبعادهم : { ~~فما لكم } أيها المؤمنون { في المنافقين } أي أي شيء لكم من أمور الدنيا أو ~~الآخرة في افتراقكم فيها { فئتين } بعضكم يشتد عليهم وبعضكم يرفق بهم . | ~~ولما كان هذا ظاهرا في بروز الأمر المطاع بين القول بكفرهم وضحه بقوله ؛ { ~~والله } أي والحال أن الملك الذي لا أمر لأحد معه { أركسهم } أي ردهم ~~منكوسين مقلوبين { بما كسبوا } أي بعد إقرارهم بالإيمان من مثل هذه العظائم ~~, فاحذروا ذلك ولا تختلفوا في أمرهم بعد هذا البيان ؛ وفي عزوة أحد ~~والتفسير من البخاري عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال : ( لما خرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد رجع ناس ممن خرج معه , وكان أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فرقتين : فرقة تقول : نقاتلهم , وفرقة تقول : لا ~~نقاتلهم , فنزلت : { فما لكم في المنافقين } - الآية , وقال : إنها طيبة ~~تنفي الذنوب وفي رواية : - PageV02P293 كما تنفي النار خبث الفضة ) انتهى . ~~| فالمعنى حينئذ : اتفقوا على أن تيسيروا فيها بما ينزل عليكم في هذه ~~الآيات . | ولما كان حال من يرفق بهم حال من يريد هدايتهم , أنكر سبحانه ~~وتعالى ذلك عليهم صريحا لبت الأمر في كفرهم فقال { أتريدون } أي أيها ~~المؤمنون { إن تهدوا } أي توجدوا الهداية في قلب { من أضل الله } أي وهو ~~الملك الأعظم الذي لا يرد له أمر , وهو معنى ms1014 قوله : { ومن } أي والحال أنه ~~من { يضلل الله } أي بمجمامع أسمائه وصفاته { فلن تجد } أي أصلا أيها ~~المخاطب كائنا من كان { له سبيلا * } أي إلى ما أضله عنه أصلا , والمعنى : ~~إن كان رفقكم بهم رجاء هدايتهم فذلك أمر ليس إلا الله , وإنما عليكم أنتم ~~الدعاء , فمن أجاب صار أهلا للمواصلة , ومن أبى صارت مقاطعته دينا , وقتله ~~قربة , والإغلاظ واجبا . | < < # | النساء : ( 89 - 92 ) ودوا لو تكفرون . . . . . # > > ^ ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سوآء فلا تتخذوا منهم أوليآء ~~حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا ~~تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا * إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ~~أو جآءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلونكم أو يقاتلوا قومهم ولو شآء الله لسلطهم ~~عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل ~~الله لكم عليهم سبيلا * ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ~~ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا ~~أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ~~* وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة ~~مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله ~~وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله ~~عليما حكيما ) ^ } ) | ولما أخبر بضلالهم وثباتهم عليه , أعلم بأعراقهم فيه ~~فقال : { ودوا } أي أحبوا وتمنوا تمنيا واسعا { لو تكفرون } أي توجدون ~~الكفر وتجددونه وتستمرون عليه دائما { كما كفروا } ولما لم يكن بين ودهم ~~لكفرهم وكونهم مساوين لهم تلازم , عطف على PageV02P294 الفعل المودود - ولم ~~يسبب - قوله : { فتكونون } أي وودوا أن يتسبب عن ذلك ويتعقبه أن تكونوا ~~أنتم وهم { سواء } أي في الضلال , أي توجدون الكفر وتجددونه وتستمرون عليه ~~دائما , فأنتم ترجون في زمان الرفق بهم هدايتهم وهم يودون فيه كفركم ~~وضلالكم , فقد ms1015 تباعدتم في المذاهب وتباينتم في المقاصد . | ولما أخبر بهذه ~~الودادة , سبب عنه أمرهم بالبراءة منهم حتى يصلحوا , بيانا لأن قولهم في ~~الإيمان لا يقبل ما لم يصدقوه بفعل فقال : { فلا تتخذوا } أي أيها المؤمنون ~~{ منهم أولياء } أي أقرباء منكم { حتى يهاجروا } أي يوقعوا المهاجرة { في ~~سبيل الله } أي يهرجوا من خالفهم في ذات من لا شبه له , ويتسببوا في هجرانه ~~لهم إن كانوا في دار الحرب فبتركها , وإن كانوا عندكم فبترك موادة الكفرة ~~والموافقة لهم في أقوالهم وأفعالهم وإن كانوا أقرب أقربائهم , وهجرتهم في ~~جميع ذلك بمواصلتكم في جميع أقوالكم وأفعالكم , والهجرة العامة هي ترك ما ~~نهى الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه . | ولما نهى عن ~~موالاتهم وغيي النهي بالهجرة , سبب عنه قوله : { فإن تولوا } أي عن الهجرة ~~المذكورة { فخذوهم } أي اقهروهم بالأسر وغيره { واقتلوهم حيث وجدتموهم } أي ~~في حل أو حرم . | ولما كانوا يف هذه الحالة لا يوالون المؤمنين إلا تكلفا ~~قال : { ولا تتخذوا } أي تتكلفوا أن تأخذوا { منهم وليا } أي من تفعلون معه ~~فعل المقارب المصافي { ولا نصيرا } على أحد من أعدائكم , بل جانبوهم مجانبة ~~كلية . | ولما كان سبحانه وتعالى قد أمر فيهم على تقدير توليهم بما أمر , ~~استثنى منه فقال : { إلا الذين يصلون } فرارا منكم , وهم من الكفار عند ~~الجمهور { حصرت } اي ضاقت وهابت وأحجمت { صدورهم أن } أي عن أن { يقاتلوكم ~~} أي لأجل دينهم وقومهم { أو يقاتلوهم قومهم } أي لأجلكم فرارا أن يكفوا عن ~~قتالكم وقتال قومهم فلا تأخذوهم ولا تقاتلوهم , لأنهم كالمسالمين بترك ~~القتال , ولعله عبر بالماضي في ( جاء ) إشارة إلى أن شرط مساواتهم للواصلين ~~إلى المعاهدين عدم التكرر , فإن تكرر ذلك منهم فهم الآخرون الآتي حكمهم . | ~~ولما كان التقدير : فلو شاء الله لجعلهم مع قومهم إلبا واحدا عليكم , عطف ~~عليه قوله : { ولو } أي يكون المعنى : والحال أنه لو { شاء الله } أي وهو ~~المتصف بكل كمال { لسلطهم } أي هؤلاء الواصلين والجائين على تلك الحال من ~~الكفار { عليكم } ينوع من أنواع التسليط , تسليطا جاريا ms1016 على الأسباب ومقتضى ~~العوائد , لأن بهم قوة على قتالكم { فلقاتلوكم } أي فتسبب عن هذا التسليط ~~أنهم قاتولكم منفردين أو مع غيرهم من أعدائكم , واللم فيه جواب ( لو ) على ~~التكرير , أو البدل من سلط . | PageV02P295 ولما كان المغيي على النهي عن ~~قتالهم حينئذ , صرح به في قوله : { فإن اعتزلوكم } أي هؤلاء الذي أمرتكم ~~بالكف عنهم من المنافقين , فكفوا عنكم { فلم يقاتلوكم } منفردين ولا ~~مجتمعين مع غيرهم { وألقوا إليكم السلم } أي الانقياد { فما جعل الله } أي ~~الذي لا أمر لأحد معه بجهة من الجهات { لكم عليهم سبيلا * } أي إلى شيء من ~~أخذهم ولا قتلهم . | ولما كان كأنه قيل : هل بقي من أقسام المنافقين شيء ؟ ~~قيل : نعم ! { ستجدون } أي عن قرب بوعد لا شك فيه { آخرين } أي من ~~المنافقين { يريدون أن يأمنوكم } أي فلا يحصل لكم منهم ضرر { ويأمنوا قومهم ~~} كذلك , لضعفهم عن كل منكم . | فهم يظهرون لكم الإيمان إذا لقوكم , ولهم ~~الكفر إذا لقوهم , وهو معنى { كلما ردوا إلى الفتنة } أي الابتلاء بالخوف ~~عند المخالطة { أركسوا } أي قلبوا منكوسين { فيها } ولما كان هؤلاء أعرق في ~~النفاق وأردى وأدنى من الذين قبلهم وأعدى , صرح بمفهوم ما صرح به في أولئك ~~, لأنه أغلظ وهم أجدر من الأولين بالإغلاظ , وطوى ما صرح به , ثم قال : { ~~فإن لم يعتزلوكم } ولما كان الاعتزال خضوعا لا كبرا , صرح به في قوله : { ~~ويلقوا إليكم السلم } أي الانقياد . | ولما كان الإلقاء لا بد له من قرائن ~~يعرف بها قال : { ويكفوا أيديهم } أي عن قتالكم وأذاكم { فخذوهم } أي ~~اقهروهم بكل نوع من أنواع القهر تقدرون عليه { واقتلوهم } ولما كان نفاقهم ~~- كما تقدم - في غاية الرداءة , وأخلاقهم في نهاية الدناءة , أشار إلى ~~الوعد بتيسير التمكين منهم فقال : { حيث ثقفتموهم } فإن معناه : صادفتموهم ~~وأدركتموهم وأنتم ظافرون بهم , حاذقون في قتالهم , فطنون به , خفيفون فيه , ~~فإن الثقف : الحاذق الخفيف الفطن , ولذلك أشار إليهم بأداة البعد فقال : { ~~وأولئكم } أي البعداء عن منال الرحمة من النصر والنجاة وكل خير { جعلنا } ~~أي بعظمتنا { لكم عليهم سلطانا } أي تسلطا ms1017 { مبينا * } أي ظاهرا قوته ~~وتسلطه . | وهذه الآيات منسوخة بالآية براءة , فإنها متأخرة النزول فإنها ~~بعد تبوك . | ولما بين أقسامهم بيانا ظهر منه أن أحوالهم ملبسة , وأمر ~~بقتالهم مع الاجتهاد في تعرف أحوالهم , وختم بالتسلط عليهم , وكان ربما قتل ~~من لا يستحق القتل بسبب الإلباس ؛ أتبع ذلك بقوله المراد به التحريم , ~~مخرجا له في صورة النفي المؤكد بالكون لتغليظ الزجر عنه لما للنفوس عند ~~الحظوظ من الدواعي إلى القتل : { وما كان لمؤمن } أي يحرم عليه { أن يقتل ~~مؤمنا } أي في حال من الحالات { إلا خطأ } أي في حالة الخطأ بأن لا يقصد ~~القتل , أو لا يقصد الشخص , أو يقصده بما لا يقصد به زهوق PageV02P296 ~~الروح , أو لا يقصد ما هو ممنوع منه كمن يرمي إلى صف الكفار وفيهم مسلم , ~~أو بأن يكون غير مكلف , فإن القتل على هذا الوجه ليس بحرام , وهذا الذي ~~ذكره في أقسام المنافقين إشارة إلى أنه ينبغي التثبت والتحري في جميع أمر ~~القتل متى احتمل أن يكون القاتل مؤمنا احتمالا لا تقضي العادة بقربه , فلزم ~~من ذلك بيان حكم الخطأ , ولام الاختصاص قد تطلق على ما لا مانع منه ( فغنما ~~هي لك أو لأخيك أو للذئب ) وكأنه عبر به ليفيد بإيجاب الكفارة والدية غاية ~~الزجر عن قتل المؤمن , لأنه إذا كان هذا جزاء ما هو له فما الظن بما ليس له ~~! فقال تعالى : { ومن قتل مؤمنا } صغيرا كان أو كبيرا , ذكرا كان أو أنثى , ~~وعله عبر سبحانه وتعالى بالوصف تنبيها على أنه إن لم يكن كذلك في نفس الأمر ~~لم يكن عليه شيء في نفس الأمر وإن ألزم به في الظاهر { خطأ } ولما كان ~~الخطأ مرفوعا على هذه الأمة , فكان لذلك يظن أنه لا شيء على المخطىء ؛ بين ~~أن الأمر ي القتل ليس كذلك حفظا للنفوس , لأن الأمر فيها خطر جدا , فقال - ~~مغلظا عليه حثا على زيادة النظر والتحري عند فعل ما قد يقتل - : { فتحرير } ~~أي فالواجب عليه تحرير { رقبة } أي نفس , عبر بها عنها لأنها لا ms1018 تعيش ~~بدونها كاملة الرق { مؤمنة } ولو ببيع الدار أو البساتين , سليمة عما يخل ~~بالعمل , وقدم التحرير هنا حثا على رتق ما خرق من حجاب العبد , وإيجاب ذلك ~~في الخطأ إيجاب له في العمد بطريق الأولى , وكأنه لم يذكره في العمد لأنه ~~تخفيف في الجملة والسياق للتغليظ { ودية مسلمة } أي مؤداة بيسر وسهولة { ~~إلى أهله } أي ورثته يقتسمونها كما يقسم الميراث { إلا أن يصدقوا } أي يجب ~~ذلك عليه في كل حال إلا في حال تصدقهم بالعفو عن القاتل بإبرائه من الدية , ~~فلا شيء عليه حينئذ , وعبر بالصدقة ترغيبا { فإن كان } أي المقتول { من قوم ~~} أي فيهم منعة { عدو لكم } أي محاربين { وهو } أي والحال أنه { مؤمن ~~فتحرير } أي فالواجب على القاتل تحرير { رقبة مؤمنة } وكأنه عبر بذلك إشارة ~~إلى التحري في جودة إسلامها , وقد أسقط هذا حرمة نفسه بغير الكفارة بسكناه ~~في دار الحرب التي هي دار الإباحة أو وقوعه في صفهم , ولعده في عدادهم قال ~~: { من } ومعناه - كما قال الشافعي وغيره تعبا لابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما - : في { وإن كان } أي المقتول { من قوم } أي كفرة أيضا عدو لكم { ~~بينكم وبينهم ميثاق } وهو كافر مثلهم { فدية } أي فالواجب فيه كالواجب في ~~المؤمن المذكور قبله دية { مسلمة إلى أهله } على حسب دينه , إن اكن كتابيا ~~فثلث دية المسلم , وإن كان مجوسيا فثلثا عشرها { وتحير رقبة مؤمنة } وكأنه ~~قدم الدية هنا إشارة إلى المبادرة بها حفظا للعهد , ولتأكيد أمر التحير ~~بكونه ختاما كما كان افتتاحا حثا على الوفاء به , لأنه أمانة لا ~~PageV02P297 طالب له إلا الله ؛ وقال الأصبهاني : إن سر ذلك أن إيجابه في ~~المؤمن أولى من الدية , وبالعكس ها هنا - انتهى . | وكان سره النظر إلى خير ~~الدين في المؤمن , وإلى حفظ العهد في الكافر { فمن لم يجد } أي الرقبة ولا ~~ما يتوصل به إليها { فصيام } أي فالواجب عليه صيام { شهرين متتابعين } حتى ~~لو أفطر يوما واحدا بغير حيض أونفاس وجب الاستئناف , وعلل ذلك بقوله عادا ~~للخطأ - بعد التعبير عنه باللام ms1019 المقتضية أنه مباح - ذنبا تغليظا للحث على ~~مزيد الاحتياط : { توبة } أي أوجب ذلك عليكم لأجل قبول التوبة { من الله } ~~أي الملك الأعظم الذي كل شيء في قبضته . | ولما كان الكفارات من المشقة على ~~النفس بمكان , رغب فيها سبحانه وتعالى بختم الآية بقوله : { وكان الله } أي ~~المحيط بصفات الكمال { عليما } أي بما يصلحكم في الدنيا والآخرة , وبما يقع ~~خطأ في نفس الأمر أو عمدا , فلا يغتر أحد بنصب الأحكام بحسب الظاهر { حكيما ~~* } في نصبه الزواجر بالكفارات وغيرها , فالزموا أوامره وباعدوا زواجره ~~لتفوزوا بالعلم والحكمة . | < < # | النساء : ( 93 - 97 ) ومن يقتل مؤمنا . . . . . # > > ^ ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ~~ولعنه وأعد له عذابا عظيما * ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ~~فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة ~~الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن ~~الله كان بما تعملون خبيرا * لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم ~~وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على ~~القاعدين أجرا عظيما * درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما * إن ~~الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في ~~الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم ~~وسآءت مصيرا ) ^ } ) | ولما ساق تعالى الخطأ مساق ما هو للفاعل منفرا عنه ~~هذا التنفير , ناسب كل المناسبة أن يذكر ما ليس له من ذلك , ذ كان ضبط ~~النفس بعد إراسلها شديدا , فربما سهلت قتل من تحقق إسلامه إحنة , وجرت إليه ~~ضغينة وقوت الشبه فيه شدة شكيمة , ولعمري إن الحمل على الكف بعد الإرسال ~~أصعب من الحمل على الإقدام ! وإنما يعرف ذلك من جرب النفوس حال الإشراف على ~~الظفر واللذاذة بالانتقام مع القوى PageV02P298 والقدرة فقال : { ومن يقتل ~~مؤمنا } ولعله أشار بصيغة المضارع إلى دوم العزم على ذلك لأجل الإيمان , ~~وهو لا ms1020 يكون إلا كفرا , وترك الكلام محتملا زيادة تنفير من قتل المسلم { ~~متعمدا } أي وأما الخطأ فقد تقدم حكمه في المؤمن وغيره { فجزاؤه } أي ماكثا ~~إلى ما { جهنم } أي تتلقاه بحالة كريهة جدا كما تجهم المقتول { خالدا فيها ~~} أي ماكثا إلى ما لا آخر له { وغضب الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفوء ~~له مع ذلك { عليه ولعنه } أي وأبعده من رحمته { وأعد له عذابا عظيما * } أي ~~لا تبلغ معرفته عقولكم , وإن عمم القول في هذه الآية كان الذي خصها ما ~~قبلها وما بعداه من قوله تعالى < # > 77 ( { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ) 77 < # > [ النساء : 48 و 116 ] لا آية الفرقان فإنها مكية وهذه مدنية . | ولما ~~تبين بهذا المنع الشديد من قتل العمد , وما في قتل الخطأ من المؤاخذة ~~الموجبة للتثبت , وكان الأمر قد برز بالقتال والقتل في الجهاد ومؤكدا ~~بأنواع التأكيد , وكان ربما التبس الحال ؛ أتبع ذلك التصريح بالأمر بالتثبت ~~جوابا لمن كأنه قال : ماذا نفعل بين أمري الإقدام والإحجام ؟ فقال : { ~~ياأيها الذين أمنوا } مشيرا بأداة البع والتعبير بالماضي الذي هو لأدنى ~~الأسنان إلى أن الراصخين غير محتاجين إلى مزيد التأكيد في التأديب , وما ~~أحسن التفاته إلى قوله تعالى { وحرض المؤمنين } [ النساء : 84 ] إشارة منه ~~تعالى إلى أنهم يتأثرون من تحريضه صلى الله عليه وسلم وينقادون لأمره , بما ~~دلت عليه كلمة ( إذا ) في قوله تعالى : { إذا ضربتم } أي سافرتم وسرتم في ~~الأرض { في سبيل الله } أي الذي له الكمال كله , لأجل وجهه خالصا { فتبينوا ~~} أي اطلبوا بالتأني والتثبت بيان الأمور والثبات في تلبسها والتوقف الشديد ~~عند منالها , وذلك بتميز بعضها من بعض وانكشاف لبسها غاية الانكشاف ؛ ولا ~~تقدموا إلا على ما بان لكم { ولا تقولوا } قولا فضلا عما هو أعلى منه { لمن ~~ألقى } أي كائنا من كان { إليكم السلام } أي بادر بأن حياكم بتحية افسلام ~~ملقيا قياده { لست مؤمنا } أي بل متعوذ - لتقتلوه . | ولما كان اتباع ~~الشهوات عند العرب في غاية الذم قال موبخا منفرا عن مثل هذا في ms1021 موضع الحال ~~من فاعل ( تقولوا ) { تبتغون } أي حال كونكم تطلبون طلبا حثيثا بقتله { عرض ~~الحياة الدنيا } أي بأخذ ما معه من الحطام الفاني والعرض الزائل , أو ~~بإدراك ثأر كان لكم قبله ؛ روى البخاري ي التفسير ومسلم في آرخ كتابه عن ~~ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام } قال ~~: كان رجل في غنيمة له , PageV02P299 فلحقه المسلمون فقال : السلام عليكم : ~~فقتلوه وأخذوا غنيمته , فأنزل الله سبحانه وتعالى في ذلك إلى قوله { عرض ~~الحياة الدنيا } ( ورواه الحارث بن أسامة عن سعيد بن جبير وزاد { كذلك كنتم ~~من قبل } تخفون إيمانكم وأنتم مع المشركين , { فمن الله عليكم } وأظهر ~~الإسلام { فتبينوا } ثم علل النهي عن هذه الحالة بقوله : { فعند الله } أي ~~الذي له الجلال والإكرام { مغانم كثيرة } أي يغنيكم بها عما تطلبون من ~~العرض مع طيبها ؛ ثم علل النهي من أصله بقوله : { كذلك } أي مثل هذا الذي ~~قتلتموه بجعلكم إياه بعيدا عن الإسلام { كنتم } وبعض زمان القتل - كما هو ~~الواقع - بقوله : { من قبل } أي قبل ما نطقتم بكلمة الإسلام { فمن الله } ~~أي الذي له جميع صفات الكمال { عليكم } أي بأن ألقى في قلوب المؤمنين قبول ~~ما أظهرتم امتثالا لأمره سبحانه وتعالى بذلك , فقوى أمر الإيمان في قلوبكم ~~قليلا قليلا حتى صرتم إلى ما أنتم عليه في الرسوخ في الدين والشهرة به ~~والعز , ولو شاء لقسى قلوبكم وسلطهم عليكم فقتلوكم . | فإذا كان الأمر كذلك ~~فعليكم أن تفعلوا بالداخلين في الدين من القبول ما فعل بكم , وهو معنى ما ~~المختص بأنه عالم الغيب والشهادة { كان بما تعملون خبيرا * } أي يعلم ما ~~أقدمتم عليه عن تبيين وغيره فاحذروه بحفظ بواطنكم وظواهركم . | ولما ناسبت ~~هذه الآية ما قبلها من آية القتل العمد , والتفتت إلى < # > 77 ( { وحرض المؤمنين } ) 77 < # > [ النساء : 84 ] وإلى آية التحية , فاشتد اعتناقها لهما , ولعم بها أن ~~في الضرب في سبيل الله هذا الخطر , فكان ربما فتر عنه ؛ بين فضله لمن كأنه ~~قال : فحينئذ نقعد عن الجهاد لنسلم , بقوله : { لا يستوي القاعدون ms1022 } أي عن ~~الجهاد حال كونهم { من المؤمنين } أي الغريقين في افيمان , ليفيد التصريح ~~بتفضيل المؤمن المجاهد على المؤمن القاعد لئلا يخصه أحد بالكافر الجاحد . | ~~ولما كان من الناس من عذره سبحانه وتعالى برحمته استثناهم , فقال واصفا ~~للقاعدين أو مستثنيا منهم : { غير أولي الضرر } أي المانع أو العائق عن ~~الجهاد في سبيل الله من عوج أو مرض أو عمى ونحوه , وبهذا بان أن الكلام في ~~المهاجرين ؛ وفي البخاري في التفسير عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه ( ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عليه PageV02P300 { لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله } فجاءه ابن أم مكتوم وهو ~~يملها علي فقال : يا رسول الله ! والله لو استطيع الجهاد لجاهدت - وكان ~~أعمى ؛ فأنزل الله ع وجل على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ~~ترض فخذي , ثم سرى عنه فأنزل الله { غير أولي الضرر } ) وأخرجه في فضائل ~~القرآن عن البراء رضي الله تعالى عنه قال : ( لما نزلت { لا يستوي القاعدون ~~} - الآية , قال النبي صلى الله عليه وسلم : ادع لي زيدا وليجىء باللوح ~~والدواة والكتف ؛ ثم قال : اكتب - فذكره ) وحديث زيد أخرجه أيضا أبو داود ~~والترمذي ولانسائي , وفي رواية أبي داود : قال : ( كنت إلى جنب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فغشيته السكينة فوقعت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على فخذي , فما وجدت شيئا أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم ~~سرى عنه فقال لي : اكتب , فكتبت في كتلف { لا يستوي القاعدون } إلأى آخرها ~~؛ فقام ابن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - لما سمع فضيلة المجاهدين فقال : يا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فكيف بمن لا يستطيع الجهاد من المؤمنين ؟ ~~فلما قضى كلامه غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة , فوقعت فخذه ~~على فخذي , ووجدت من ثقلها في المرة الثانية كما وجدت في المرة الأولى , ~~فسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اقرأ يا زيد ! فقرأت { لا ~~يستوي القاعدون من ms1023 المؤمنين } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { غير ~~أولي الضرر } - الآية كلها , قال زيد : أنزلها الله وحدها فألحقتها والذي ~~نفسي بيده لكأني أنظر إلى ملحقها عند صدع في كتف ) ورواه أبو بكر ابن أبي ~~شيبة وأبو يعلى الموصلي وفيه : ( إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل ~~عليه دام بصره مفتوحة عيناه , وفرغ سمعه وقلبه لما يأتيه من الله عز وجل ) ~~. | ولما ذكر القاعد أتبعه قسيمه المجاهد بقوله : { والمجاهدون في سبيل ~~الله } أي دين الملك الأعظم الذي من سلكه وصل إلى رحمته { بأموالهم وأنفسهم ~~} ولما كان نفي المساوواة سببا لترقب كل من الحزبين الأفضليبة , لأن لاقاعد ~~وإن فاته الجهاد فقد تخلف الغازي في أهله , إذ يحيي الدين بالاشتغال بالعلم ~~ونحوه ؛ قال متسأنفا : { فضل PageV02P301 الله } أي الذي له صفات الكمال { ~~المجاهدين } ولما كان المال في أول الأمر ضيقا قال مقدما للمال : { ~~بأموالهم وأنفسهم } أي جهادا كائنا بالفعل { على القاعدين } أي عن ذلك وهم ~~متمكنون منه بكونهم في دار الهجرة { درجة } أي واحدة كاملة لأنهم لم ~~يفوقوهم بغيرها , وفي البخاري في المغازي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~: ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر والخارجون إلى بدر ) . | ولما ~~شرك بين المجاهدين والقاعدين بقوله : { وكلا } أي من الصنفين { وعد الله } ~~أي المحيط بالجلال والإكرام أجرا على إيمانهم { الحسنى } بين أن القاعد ~~المشارك إنما هو الذي يه قوة الجهاد القريبة من الفعل , وهو التمكن من ~~تنفيذ الأمر بسبب هرجته الأرض الحرب وكونه بين أهل الإيمان , وأما القاعد ~~عن الهجرة مع التمكن فليس بمشارك في ذلك , بل هو ظالم لنفسه فإنه ليس ~~متمكنا من تنفيذ الأوامر فلا هو مجاهد بالفعل ولا بالقوة القريبة منه , ~~فقال : { وفضل الله } أي الملك الذي لا كفوء له فلا يجبر عليه { المجاهدين ~~} أي بالفعل مطلقا بالنفس أو المال { على القاعدين } أي عن الأسباب الممكنة ~~من الجهاد ومن الهجرة { أجرا عظيما * } ثم بينه بقوله : { درجات } وعظمها ~~بقوله : { منه } وهي درجة الهجرة , ودرجة التمكن من الجهاد بعد الهجرة ms1024 ~~ودرجة مباشرة الجهاد بالفعل . | ولما كان الإنسان لا يخلو عن زلل وإن اجتهد ~~في العمل قال : { ومغفرة } أي محوا لذنوبهم بحيث أنها لا تذكر ولا يجازى ~~عليها { ورحمة } أي كرامة ورفعة { وكان الله } أي المحيط بالأسماء الحسنى ~~والصفات العلى { غفورا رحيما * } أزلا وأبدأ , لم يتجدد له ما لم يكن ؛ ثم ~~علل ذلك بأبلغ حث على الهجرة فقال : { إن الذين توافاهم الملائكة } أي تقبض ~~أرواحهم كاملة على ما عندهم من نقص بعض المعاني بما تركوا من ركن الهجرة ~~بما أشارة إليه حذف التاء , وفي الحذف إرشاد إلى أنه إذا ترك من يسعى في ~~جبره بصدقة أو حج ونحوه من أفعال البر جبر , لأن الأساس الذي تبنى عليه ~~الأعمال الصالحة موجود وهو الإيمان { ظالمي أنفسهم } أي بالقعود عن الجهاد ~~بترك الهجرة والإقامة في بلاد الحرب حيث لا يتمكنون من إقامة شعائر الدين ~~كلها { قالوا } أي الملائكة موبخين لهم { فيم كنتم } أي في أي شيء من ~~الأعمال والأحوال كانت إقامتكم في بلاد الحرب . | PageV02P302 ولما كان ~~المراد من هذا السؤال التوبيخ لأجل ترك الهجرة { قالوا } معتذرين { كن ~~مستضعفين في الأرض } أي أرض الكفار , لا نتمكن من إقامة الدين , وكأنهم ~~أطلقوها إشارة إلى أنها عندهم لاتساعها لكثرة الكفار هي الأرض كلها , فكأنه ~~قيل : هل قنع منهم بذك ؟ فقيل : لا , لأنهم لم يكونوا ضعفاء عن الهجرة , ~~فكأنه قال : فما قيل لهم ؟ فقيل : { قالوا } أي الملائكة بيانا لأنهم لم ~~يكونوا ضعفاء عن الهجرة إلى موضع يأمنون فيه على دينهم { ألم تكن أرض الله ~~} أي المحيط بكل شيء , الذي له كل شيء { واسعة فتهاجروا } أي بسبب استاعها ~~كل من يعاديكم في الدين ضاربين { فيها } أي إلى حيث يزول عنكم المانع , ~~فالآية من الاحتباك : ذكر الجهاد أولا في ^ ( { وفضل الله المجاهدين } ) ^ ~~[ النساء : 95 ] دليل عى حذفه ثانيا بعد ^ ( { ظالمي أنفسهم } ) ^ [ النساء ~~: 97 ] , وذكر الهجرة ثانيا دليل على حذفها أولا بالقعود عنها , ولذلك خص ~~الطائفة الأولى بوعد الحسنى . | ولما وبخوا على تركهم الهجرة , سبب عنه ~~جزاؤهم فقيل : { فأولئك } أي البعداء ms1025 من اجتهادهم لأنفسهم { مأواهم جهنم } ~~أي لتركهم الواجب وتكثيرهم سواد الكفار وانبساطهم في وجوه أهل الناس { ~~وساءت مصيرا * } روى البخاري في التفسير والفتن عن ابن عباس رضي الله تعالى ~~عنهما أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم , يأتي السهم يرمي به فيصيب أحدهم فيقتله , ~~أو يضرب فيقتل , فأنزل الله تعالى ^ ( { إن الذين توافاهم } ) ^ [ النساء : ~~97 ] | < < # | النساء : ( 98 - 101 ) إلا المستضعفين من . . . . . # > > ^ ( إلا المستضعفين من الرجال والنسآء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا ~~يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا * ومن ~~يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله ~~غفورا رحيما * وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ) ^ } ) | ~~ولما توعد على ترك الهجرة , أتبع ذلك بما زاد القاعد عنها تخويفا بذكر من ~~لم يدخل في المحكوم عليه بالقدرة على صورة الاستثناء تنبيها على أنهم ~~جديرون بالتسوية في الحكم لولا فضل الله عليهم , فقال بيانا لأن المستثنى ~~منهم كاذبون في ادعائهم الاستضعاف : { إلا المستضعفين } أي الذين وجد ضعفهم ~~في نفس الأمر وعدوا ضعفاء وتقوى عليهم غيرهم { من الرجال والنساء والولدان ~~} ثم بين ضعفهم بقوله : { لا يستطعيون حيلة } أي في إيقاع الهجرة { ولا ~~يهتدون سبيلا * } أي إلى ذلك PageV02P303 ولما كانت الهجرة شديدة , وكان ~~ربما تركها بعض الأقوياء واعتل بالضعف , وربما ظن القادر مع المشقة أنه ليس ~~بقادر ؛ نفر من ذلك بالإشارة إليهم بأداة البعد فقال : { فأولئك } ولما كان ~~الله سبحانه وتعالى أن يفعل ما يشاء , لا يجب عليه شيء ولا يقبح منه شيء , ~~بل له أن يعذب الطائع وينعم العاصي , ويفعل ويقول ما يشاء < # > 77 ( { لا يسأل عما يفعل } ) 77 < # > [ الأنبياء : 23 ] أحل هؤلاء المعذورين محل الرجاء إيذانا بأن ترك ~~الهجرة في ms1026 غاية الخطر فقال : { عسى الله } أي ولو آخذهم لكان له ذلك , وكل ~~ما جاء في القرآن من نحو هذا فهو للإشارة إلى هذا المعنى , وقول ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما : إن عسى من الله واجبة , معناه أنه مع أن له أن يفعل ~~ما يشاء لا يفعل إلا ما يقتضيه الحكمة على ما يستصوبه منهاج العقل السليم { ~~وكان الله } أي الملك الذي له كل شيء فلا اعتراض عليه أزلا وأبدا { عفوا } ~~أي يمحو الذنب إذا أراد فلا يعاقب عليه وقد يعاتب عليه { غفورا * } أي يزيل ~~أثره أصلا ورأسا بحيث لا يعاقب عليه ولا يعاتب ولا يكون بحيث يذكر أصلا , ~~ولعل العفو راجع إلى الرجال , والغفران إلى النساء والولدان . | ولما رهب ~~من ترك الهجرة , رغب فيها بما يسلي عما قد يوسوس به لاشيطان من أنه لو فارق ~~رفاهية الوطن وقع في شدة الغربة , وأنه ربما تجشم المشقة فاخترم قبل بلوغ ~~القصد , فقال تعالى : { ومن يهاجر } أي يوقع الهجرة لكل ما أمر الله سبحانه ~~وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بهجرته { في سبيل الله } أي الذي لا أعظم ~~من ملكه ولا أوضح من سبيله ولا أوسع { يجد في الأرض } أي في ذات الطول ~~والعرض { مرغما } أي مهربا ومذهبا ومضطربا يكون موضعا للمراغمة , يغضب ~~الأعداء به ويرغم أنوفهم بسبب ما يحصل له من الرفق وحسن الحال , فيخجل مما ~~جروه من سوء معاملتهم له ؛ من الرغم وهو الذل والهوان , وأصله : لصوق الأنف ~~بالرغام وهو التراب , تقول : راغمت لفلانا , أي هجرته وهو يكره مفارقتك ~~لذلة تلحقه بذلك . | ولما كان ذلك الموضع وإن كان وأحدا فغ , ه لكبره ذو ~~أجزاء عديدة , وصف بما يقتضي العدد فقال { كثيرا } . | ولما كانت المراغمة ~~لذة الروح , فكانت أعز من لذة البدن فقدمها ؛ أتبعها قوله : { وسعة } أي في ~~الرزق , كما قال صلى الله عليه وسلم ( صوموا تصحوا وسافروا تغنموا ) أخرجه ~~PageV02P304 الطبراني عن أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه ( واغزوا , وهاجروا ~~تفلحوا ) . | ولما كان ربما مات المهاجر قبل وصوله إلى النبي صلى ms1027 الله عليه ~~وسلم فظن أنه لم يدرك الهجرة مع تجشمه لفراق بلده قال : { ومن يخرج من بيته ~~} أي فضلا عن بلده { مهاجرا إلى الموت } أي رضى الملك الذي له الكمال كله { ~~فقد وقع أجره } أي في هجرته بحسب الوعد فضلا , لا بحسب الاستحقاق عدلا { ~~على الله } أي في الإحاطة فلا ينقصه شيء , وكذا كل من نوى خيرا ولم يدركه ( ~~لا حسد إلا في اثنتين ) فهو موفيه إياه توفية ما يلتزمه الكريمن منكم . | ~~ولما كان بعضهم ربما قصر به عن البلوغ توانيه في سيره أو عن خروجه من بلده ~~فظن أن هجرته هذه لم تجبر تقصيره قال : { وكان الله } أي الذي له جميع صفات ~~الكمال { غفورا } أي لتقصير إن كان { رحيما * } يكرم بعد المغفرة بأنواع ~~الكرامات . | ولما أوجب السفر للجهاد والهجرة , وكان مطلق السفر مظنة ~~المشقة فكيف بسفرهما مع ما ينضم إلى المشقة فيهما من خوف الأعداء ؛ ذكر ~~تخفيف الصلاة بالقصر بقوله سبحانه وتعالى : { وإذا ضربتم } أي بالسفر { في ~~الأرض } أي سفر كان لغير معصية . | ولما كان القصر رخصة غير عزيمة , بينه ~~بقوله : { فليس عليكم جناح } أي إثم PageV02P305 وميل في { وأن تقصروا } ~~ولما كان القصر خاصا ببعض الصلوات , أتى بالجار لذلك ولإفادة أنه يف الكم ~~لا في الكيف فقال : { من الصلاة } أي فاقصروا إن أردتم وأتموا إن أردتم , ~~وبينت السنة أعيان الصلوات المقصورات , وكم يقصر منها من ركعة , وأن القصر ~~من الكمية لا من الكيفية بالإيماء مثلا في صلاة الخوف بقول عمر رضي الله ~~تعالى عنه ليعلى بن أمية - حين قال له : كيف تقصر وقد أمنا - : عجبت مما ~~عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك - , فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( صدقة تصدق الله بها عليكم , فاقبلوا صدقته ) وهذا هو ~~حقيقة القصر والذي دلت عليه ( من ) , وأما الإيماء ونحوه من كيفيات صلاة ~~الخوف بإبدال لا قصر , والسياق كام ترى مشير إلى شدة الاهتمام بشأنها , ~~وأنه لا يسقطها عن المكلف شيء , وقاض بأن المخاطرة بالنفس والمال لا ms1028 تسقط ~~الجهاد ولا الهجرة إذ الخوف والخطر مبنى أمرهما ومحط قصدهما , فهذا سر قوله ~~: { وإن خفتم أن يفتنكم } أي يخالطم مخالطة مزعجة { الذين كفروا } لا أنه ~~شرط في القصر , كما بينت نففي شرطيته السنة , والحاصل أن هذا الشرط ذكر ~~لهذا المقصد , لا لمخالفة المفهوم للمنطوق بشهادة السنة ؛ وقد كانت الصلاة ~~قبل الهجرة ركعتين ركعتين , فأتمت بعد الهجرة إشارة إلى أن المدينة دار ~~الإقامة وما قبلها كان محل سفر ونقلة ؛ روى الشيخان وأحمد - وهذا لفظه - عن ~~عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ( فرضت الصلاة ركعتين ركعتين , فلما قدم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أقرت صلاة لاسفر وزيد فصل صلاة الحضر ~~) . | ولما ذكر الخوف منهم , علله مشيرا بالإظهار موضع الإضمار , وباسم ~~الفاعل إلى أن من تلبس بالكفر ساعة ما , أعرق فيه , أو إلى أن المجبول على ~~العداوة المشار إليه بلفظ الكون إنما هو الراسخ في الكفر المحكوم بموته ~~عليه فقال : { إن الكافرين } أي الراسخين منهم في الكفر { كانوا } أي جبلة ~~وطبعا . | ولعله اشار إلى أنهم مغلوبون بقوله : { لكم } دون عليكم { عدوا } ~~ولما كان العدو مما يستوي فيه الواحد والجمع قال : { مبينا } أي ظاهر ~~العداوة , يعدون عليكم لقصد الأذى مهما وجدوا لذلك سبيلا , فربما وجدوا ~~الفرصة في ذلك عند طول الصلاة فلذلك قصرتها , ولولا أنها لا رخصة ~~PageV02P306 فيها بوجه لوضعتها عنكم في مثل هذه الحالة , أو جعلت التخفيف ~~في الوقت فأمرت بالتأخير , ولكنه لا زكاء للنفوس بدون فعلها على ما حددت من ~~الوقت وغيره . | < < # | النساء : ( 102 ) وإذا كنت فيهم . . . . . # > > ^ ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا ~~أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا ~~معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ~~فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم ~~مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) ^ } ~~) | ولما أتم سبحانه وتعالى بيان القصر في الكمية مقرونا بالخوف ms1029 لما ذكر , ~~وكان حضور النبي صلى الله عليه وسلم مظنة الأمن بالتأييد بالملائكة ووعد ~~العصمة من الناس , وما شهر به من الشجاعة ونصر به من الرعب وغير ذلك من ~~الأمور القاضية بأن له العاقبة ؛ بين سبحانه وتعالى حال الصلاة في الكيفية ~~عند الخوف , وأن صلاة الخوف تفعل عند الأنس بحضرته كما تفعل عند الاستيحاش ~~بغيبته صلى الله عليه وسلم , فجوازها لقوم ليس هو صلى الله عليه وسلم فيهم ~~مفهوم موافقة , فقال سبحانه وتعالى : { وإذا كنت } حال الخوف الذي تقدم ~~فرضه { فيهم } أي في أصحابك سواء كان ذلك في السفر أو في الحضر { فأقمت } ~~أي ابتدأت وأوجدت { لهم الصلاوات } أي الكاملة وهي المفروضة { فلتقم طائفة ~~منهم معك } أي في الصلاة ولتقم الطائفة الأخرى وجاه العدون ويطوفون في كل ~~موضع يمكن أن يأتي منه العدو { وليأخذوا } أي المصلون لأنهم المحتاجون إلى ~~هذا الأمر لدخولهم في حالة هي بترك السلاح أجدر { أسحلتهم } كما يأخذها من ~~هو خارج الصلاة , وسبب الأمر بصلاة الخوف - كما ي صحيح مسلم وغيره عن جابر ~~رضي الله تعالى عنه ( أنهم غزوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فقاتلوا قوما ~~من جهينة فقاتلوا قتالا شديدا , قال جابر رضي الله تعالى عنه : فلما صلينا ~~الظهر قال المشركون : لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم , فأخبر جبرئيل عليه ~~الصلاة والسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك , فذكر ذلك لنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم , قال : وقالوا : إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من ~~الأولاد فلام حضرت العصر صفنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة ) الحديث { ~~فإذا سجدوا } يمكن أن يكون المراد بالسجود ظاهره , فيكون PageV02P307 ~~الضمير في { فليكونوا } للجمع الذين منهم هذه الطائفة - المذكورين بطريق ~~الإضمار في قوله { وإذا كنت فيهم } وفي { فلتقم طائفة منهم } أي فإذا سجد ~~الذين قاموا معك في الصلاة فليكن المحدث عنهم وهم الباقون الذين أنت فيهم ~~وهذه الطائفة منهم { من ورائكم } فإذا أتمت هذه الطائفة صلاتها فلتذهب إلى ~~الحراسة { ولتأت طائفة أخرى } أي من الجماعة { لم يصلوا فليصلوا معك ms1030 } كما ~~صلت الطائفة الأولى , فغن كانت الصلاة ثنائية ولم تصل بكل طائفة جميع ~~الصلاة فلتسلم بالطائفة الثانية , وإن كانت رباعيته ولم تصل بكل فرقة جميع ~~الصلاة فلتتم صلاتها , ولتذهب إلى وجاه العدو ولتأت طائفة أخرى - هكذا حتى ~~تتم الصلاة ؛ ويمكن أن يكون المراد بالسجود الصلاة - من إطلاق اسم الجزء ~~على الكل , فكأنه قال : فإذا صلوا , أي أتموا صلاتهم - على ما مضت الإشارة ~~إليه , والضمير حينئذ في ( فليكونوا ) للطائفة الساجدة , وقوله : { ~~وليأخذوا } يمكن أن يكون ضميره للكل , لئلا يتوهم أن الأمر بذلك يختص ~~بالمصلي , لأن غيره لا عائق له عن الأخذ متى شاء , أو ولتأخذ جميع الطوائف ~~يمنع كيد العدو كالآلة المحسوسة , وخص في استعماله في الصلاة في شأن العدو ~~وخص آخر الصلاة بزيادة لاحذر إشارة إلى أن العدو في أول الصلاة قلما يفطنون ~~لكونهم في الصلاة بخلاف الآخر , فلهذا خص بمزيد الحذر , وهذا الكلام على ~~وجازته محتمل - كما ترى - لجميع الكيفيات المذكورة في الفقه لصلاة الخوف ~~إذا لم يكن العدو في وجه القلة على أنها تحتمل التنزيل على ما إذا كان في ~~وجه القبلة بأن يحمل الواء على ما وراره السجود عنكم وإتيان الطائفة الأخرى ~~على الإقبال على المتابعة للامام في الأفعال { ولم يصلوا } اي بقيد ~~المتابعة له فيها - والله سبحانه وتعالى الهادي . | وما أحسن اتصال ذلك ~~بأول آيات الجهاد في هذه السورة < # > 77 ( { ياأيها الذين آمنوا خذوا حذركم } ) 77 < # > [ النساء : 71 ] فهو من رد المقطع على المطلع , ثم علل أمره بهذه ~~الكيفية على هذا الاحتياط والحزم بقوله مقويا لترغيبهم في ذلك بإقبال ~~الخطاب عليهم : { ود } أي تمنى تمنيا عظيما { الذين كفروا } أي باشروا ~~الكفر وقتا ما , فكيف بمن هو غريق فيه { لو تغفلون } أي تقع لكم غفلة في ~~وقت ما { عن أسلحتكم } ولما كانت القوة بالآلات مرهبة للعدو ومنكبة قال : { ~~وأمتعتكم } ولما كانت الغفلة ضعفا ظاهرا , تسبب عنها قوله : { فيميلون } ~~واشار إلى العلو والغلبة بقوله : { عليكم } وأشار إلى سرعة الأخذن بقوله : ~~{ ميلة } وأكده بقوله : { واحدة } PageV02P308 ولما كان الله - وله ms1031 المن - ~~قد رفع عن هذه الأمة الحرج , وكان المطر والمرض شاقين قال : { ولا جناح } ~~أي حرج { عليكم إن كان بكم أذى } أي وإن كان يسيرا { من مطر } أي لأن حمل ~~السلاح حينئذ يكون سببا لبله { أو كنتم مرضى } أي متصفين بالمرض وكأن ~~التعبير بالوصف إشارة إلى أن ادنى شيء منه لا يرخص { أن تضعوا أسلحتكم } أي ~~لأن حملها يزيد المريض وهنا . | ولما خفف ما أوجبه أولا من أخذ السلاح برفع ~~الجناح في حال العذر , فكان التقدير : فضعوه إن شئتم ؛ عطف عليه بصيغة ~~الأمر إشارة إلى وجوب الحذر منهم في كل حال قوله : { وخذوا حذركم } أي في ~~كل حالة , فإن ذلك نفع لا يتوقع منه ضرر ؛ ثم علل ذلك بما بشر فيه بالنصر ~~تشجيعا للمؤمنين , وإعلاما بأن الأمر بالحزم إنما هو للجري على ما رسمه من ~~الحكمة في قوله - ربط المسببات بالأسباب , فهو من باب ( اعقلها وتوكل ) ~~فقال : { إن الله } المحيط علما وقدرة { أعد } أي في الأزل { للكافرين } أي ~~الدائمين على الكفر , لا من اتصف به وقتا ما وتاب منه { عذابا مهينا * } أي ~~يهينهم به , من أعظمه حذركم الذي لا يدع لهم عليكم مقدما , ولا تمكنهم معه ~~منكم فرصة . | < < # | النساء : ( 103 - 106 ) فإذا قضيتم الصلاة . . . . . # > > ^ ( فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا ~~اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا * ولا ~~تهنوا في ابتغآء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من ~~الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما * إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق ~~لتحكم بين الناس بمآ أراك الله ولا تكن للخآئنين خصيما * واستغفر الله إن ~~الله كان غفورا رحيما ) ^ } ) | ولما علمهم بما يفعلون في الصلاة حال الخوف ~~, أتبع ذلك ما يفعلون بعدها لئلا يظن أنها تغني عن مجرد الذكر , فقال مشيرا ~~إلى تعقيبه به : { فإذا قضيتم الصلاة } أي فرغتم من فعلها وأديتموها على ~~حالة الخوف أو غيرها { فاذكروا الله } أي بغير الصلاة لأنه لإحاطته بكل شيء ~~يستحق أني راقب فلا ينسى ms1032 { قياما وقعودا وعلى جنوبكم } أي في كل حالة , فإن ~~ذكره حصنكم في كل حالة من كل عدو ظاهر أو باطن . | ولما كان الذكر أعظم ~~حفيظ للعبد , وحارس من شياطين الإنس والجن , ومسكن للقلوب ^ ( { ألا بذكر ~~الله تطمئن القلوب } ) ^ [ الرعد : 28 ] ؛ اشار إلى ذلك بالأمر بالصلاة حال ~~الطمأنينة , تنبيها على عظم قدرها , وبيانا لأنها أوثق عرى الدين وأقوى ~~دعائمه PageV02P309 وأفضل مجليات القلوب ومهذبات النفوس , لأنها مشتملة على ~~مجامع الذكر < # > 77 ( { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر } ) 77 < # > [ العنكبوت : 48 ] فقال : { فإذا اطمأننتم } أي عما كنتم فيه من الخوف ~~{ فأقيموا الصلاة } أي فافعلوها قائمة المعالم كلها على الحالة التي كنتم ~~تفعلونها قبل الخوف ؛ ثم علل الأمر بها في الأمن والخوف والسعة والضيق سفرا ~~أو حضرا بقول : { إن الصلاة } مظهرا لما اكن الأصل فيه الإضمار تنيبها على ~~عظيم قدرها بما للعبد فيها من الوصلة بمعبوده { كانت على المؤمنين كتابا } ~~أي هي - مع كونها فرضا - جامعة على الله جمعا لا يقارنها فيه غيره { موقوتا ~~* } أي وهي - مع كونها محدودة - مضبوطة بأوقات مشهورة , فلا يجوز إخراجها ~~عنها في أمن ولا خوف فوت - بما أشارت إليه مادة وقت للأبدان بما تسبب من ~~الأرزاق . | وللقلوب بما تجلب من المعارف والأنوار . | ولما عرف من ذلك أن ~~آيات الجهاد في هذه السورة معلمة للحذر خوف الضرر , مرشدة إلى إتقان ~~المكائد للتخلص من الخطر , وكان ذلك نمظنة لمتابعة النفس والمبالغة فيه , ~~وهو مظنة للتواني في أمر الجهاد ؛ أتبع ذلك قوله تعالى منبها على الجد في ~~أمره , وأنه لم يدع في الصلاة ولا غيرها ما يشغل عنه , عاطفا على نحو : ~~فافعلوا ما أمرتكم به , أو على { فأقيموا الصلاة } : { ولا تهنوا } أي ~~تضعفوا وتتوانوا بالاشتغال بذكر ولا صلا , فقد يسرت ذلك لكم تيسيرا لا يعوق ~~عن شيء من أمر الجهاد { في ابتغاء القوم } أي طلبهم بالاجتهاد وإن كانوا ي ~~غاية القوم والقيام بالأمور ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إن تكونوا تألمون } أي ~~يحصل لكم ألم ومشقة بالجهاد من القتل وما ms1033 دونه { فإنهم يألمون كما تألمون } ~~أي لأنهم يحصل لهم من ذلك ما يحصل لكم , فلا يكونن على باطلهم اصبر منكم ~~على حقكم . | ولما بين ما يكون مانعا لهم من الوهن دونهم , لأنه مشترك ~~بينهم ؛ بين ما يحملهم على افقدام لاختصاصه به فقال : { وترجون } أي أنتم { ~~من الله } أي الذي له جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى { ما لا يرجون } ~~أي من النصر والعزم والكرم واللطف , لأنكم تقاتلون فيه وهم يقاتلون في ~~الشيطان , وهذا لكل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر سواء كان ذلك في جهاد ~~الكفار أو لا . | ولما كان العلم مبنى كل خير , وكانت الحكمة التي هي نهاية ~~العلم وغاية القدرة مجمع الصفات العلى قال تعالى ؛ { وكان الله } أي الآمر ~~لكم بهذه الأوامر وهو المحيط بكل شيء { عليما } أي بالغ العلم فهو لا يأمر ~~إلا بما يكون بالغ الحسن مصلحا للدين والدنيا { حكيما } فهو يتقن لمن يأمره ~~الأحوال , ويسدده في المقال والفعال , فمن علم منه خيرا أراده ورقاه في درج ~~السعادة , ومن علم منه شرا كاده فنكس مبدأه ومعاده . | PageV02P310 ولما ~~كان أول هذه القصص والتعجيب من حال الذين أوتوا نصيبا من الكتاب في ضلالهم ~~وإضلالهم , ثم التعجيب من إيمانهم بالجبت والطاغوت , ثم التعجيب من حال من ~~ادعى الإيمان بهذا الكتاب مع الكتب السالفة , ثم رضي بحكم غيره , وساق ~~سبحانه وتعالى أصول ذلك وفروعه , ونصب الأدلة حتى علت على الفرقدين , ~~وانتشر ضياؤها على جميع الخافقين , وختم ذلك بمجاهدة المبطلين بالحجة ~~والسيف , وسور ذلك بصفتي العلم والحكمة ؛ ناسب أتم مناسبة الإخبار بأنه ~~أنزل هذا الكتاب بالحقن وبين فائدته التي عدل عنها المنافقون في استحكام ~~غيره فقال : { إنا أنزلنا } أي بما لنا من العظمة التي تتقاصر دونها كل ~~عظمة { إليك } أي خاصة وأنت أكمل الخلق { الكتاب } أي الكامل الجامع لكل ~~خير { بالحق } أي ملتبسا بما يطابقه الواقع { لتحكم بين الناس } أي عامة , ~~لأن دعوتك عامة فلا أضل ممن عدل عن حكمك وابتغى خيرا من غير كتابك , وأشار ~~إلى أنه لا ينطق عن الهوى ms1034 بقوله : { بما أراك الله } أي عرفكه الذي له ~~القدرة الشاملة والعلم الكامل , فإن كان قد بين لك شيئا غاية البيان فافعله ~~, وإلا فانتظر منه البيان ؛ ثم شرع سبحانه وتعالى في إتمام ما بقي من ~~أخبارهم , وكشف ما بطن من أسرارهم , وبيان علاماتهم ليعرفوا , ويجتنبها ~~المؤمنون لئلا يوسموا بميسمهم . | ولما كان سبحانه وتعالى قد خفف عليه صلى ~~الله عليه وسلم بأن شرع له القناعة في الحكم بالظاهر وعدم التكليف بالنقب ~~عن سرائرهم بالدفع عن طعمة بن أبيرق , لأن أمره كان مشكلا , فإنه سرق درعا ~~وأودعها عند يهودي , فوجدت عنده فادعى أن طعمة أودعها عنده , ولم يثبت ذلك ~~على طعمة حتى أنزل الله سبحانه وتعالى الآية , فأراد تعالى إنزاله في هذه ~~النازلة وغيرها مما يريده سبحانه وتعالى في المقام الخضري من الحكم بما في ~~نفس الأمر مما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى إذ كان الصحيح الذي عليه ~~الجمهور - كما نقله شيخنا قاضي الشافعية بمصر أبو الفضل أحمد بنعلي بن حجر ~~رحمه الله تعالى في الإصابة في أسماء الصحابة - أن الخضر عليه الصلاة ~~والسلام نبي , وكان نيبنا صلى الله عليه وسلم قد أعطى مثل جميع معجزات ~~الأنيباء صلوات الله عليهم مع ما اختص به دونهم - على جميعهم أفضل الصلاة ~~وأتم التسليم والبركان , فقال تعالى عاطفا على ما علم تقديره من نحو : ~~فاحكم بما نريك من بحار العلوم التي أودعناها هذا الكتاب : { ولا تكن ~~للخائنين } أي لأجلهم , من طعمة وغيره { خصيما * } أي مخاصما لمن يخاصمهم , ~~وأتبع ذلك قوله : { واستغفر الله } أي الذي له الإحاطة التامة والغنى ~~المطلق { كان } أي أزلا وأبدا { غفورا رحيما * } وهذا الاستغفار لا عن ذنب ~~إذ هو منزه عن ذلك , PageV02P311 معصوم منه , ولكن عن مقام عال تام ~~للارتقاء إلى أعلى منه وأتم ؛ وقد روى الترمذي سبب نزول هذه الآيات إلى ~~قوله تعالى { فقل ضل ضلالا بعيدا } من وجه مستقص مبين بيانا شافيا وسمى بني ~~أبيرق بشرا وبشيرا ومبشرا , ولم يذكر طعمة - والله سبحانه وتعالى أعلم , ~~قال : عن قتادة بن النعمان ms1035 قال : ( كان أهل بيت منا يقال لهم بنو أبيرق : ~~بشر وبشير ومبشر , فكان بشير رجلا منافقا يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم , ثم ينحله بعض العرب , ثم يقول : قال فلان كذا ~~وكذا , فإذا سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا : ~~والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخييث ! قال : وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة ~~في الجاهلية والإسلام , فقدمت ضافطة من الشام , فابتاع عمي رفاعة بن زيد ~~حملا من الدرمك فجعله في مشربة له , وفي المشربة سلاح درع وسيف , فعدى عليه ~~من تحت البيت فنقبت المشربة , وأخذ الطعام والسلاح , فلما أصبح أتاني عمي ~~رفاعة فقال : يا ابن أخي ! إنه قد عدى علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشرتبنا ~~وذهب بطعامنا وسلاحنا , قال : فتحسسنا في الدار , فقيل لنا : قد رأينا بني ~~أبيرق استوقدوا في هذه الليلة , ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم , قال ~~: وكان بنو أبيرق قالوا - ونحن نسأل في الدار - ؛ والله مانرى صابحكم إلا ~~لبيد بن سهل - رجل منا له صلاح وإسلام , فلما سمع لبيد اخترط سيفه قوال : ~~أنا أسرق ! فما أنت بصاحبها , فسألنا في الدار حتى لم نشك السرقة ! قالوا : ~~إليك عنا أيها الرجل ! فما أنت بصاحبها , فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم ~~أصحابها , فقال لي عمي : يا ابن أخي ! لو أتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فذكرت ذلك له ! قال قتادة : فأتيته , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~سآمر في ذلك , فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلا منهم يقال له أسير بن عروة , ~~فكلموه في ذلك , فاجتمع في ذلك أناس من أهل الدار فقالوا : يا رسول الله ! ~~إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح , يرمونهم ~~بالسرقة من غير بينة ولا ثبت ! قال قتادة : فأتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكلمته , فقال : عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ! ترميهم ~~بالسرقة على غير ثبت وبينة ! قال : فقال لي عمي : يا ms1036 ابن أخي ! ما صنعت ؟ ~~فأخبرته بام قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : الله المستعان ! ~~فلم يلبث أن نزل القرآن { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق } إلى { خصيما } ~~بني أبيرق , { واستغفر الله } مما قلت لقتادة , { إن الله كان غفورا رحيما ~~} إلى قوله : { فسوق نؤتيه أجرا عظيما } ؛ فلا نزل القرآن أتى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالسلاح PageV02P312 فرده إلى رفاعة , فلام نزل القرآن ~~لحق بشير بالمشركين , فنزل على سلافة بنت سعد بن سمية , فأنزل الله سبحانه ~~وتعالى { ومن يشاقق الرسول } إلى قوله : { ضلالا بعيدا } ) وروى الحديث ابن ~~إسحاق في السرة وزاد : إن حسانا قال في نزوله عندها أبياتا فطردته , فلحق ~~بالطائف فدخل بيتا ليسرق منه , فوقع عليه فمات , فقالت قريش : والله ما ~~يفارق محمدا من أصحابه أحد فيه خير . | < < # | النساء : ( 107 - 111 ) ولا تجادل عن . . . . . # > > ^ ( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا ~~أثيما * يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا ~~يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا * هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في ~~الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا * ~~ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما * ومن ~~يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما ) ^ } ) | ولما نهاه ~~عن الخصام لمطلق الخائن , وهو من وقعت منه خيانة ما ؛ أتبعه النهي عن ~~المجادلة عمن تعمد الخيانة فقال سبحانه وتعالى : { ولا تجادل } أي في وقت ~~ما { عن الذين يختانون } أي يتجدد منهم تعمد أن يخونوا { أنفسهم } بأن ~~يوقعوها في الهلكة بالعصيان فيما اؤتمنوا عليه من الأمور الخفية , والتعبير ~~بالجمع - مع أن الذي نزلت فيه الآية واحد - للتعميم وتهديد من أعانه من ~~قومه , ويجوز أن يكون أشار بصيغة الافتعال إلى أن الخيانة لا تقع إلا مكررة ~~, فإنه يعزم عليها أولا ثم يفعلها , فأدنى لذلك أن يكون قد خان من نفسه ~~مرتين , قال الإمام ما معناه أن ms1037 التهديد في هذه الآية عظيم جدا , وذلك أنه ~~سبحانه وتعالى عاتب خير الخلق عنده وأكرمهم لديه هذه المعاتبة وما فعل إلا ~~الحق في الظاهر , فكيف بمن يعلم الباطن ويساعد أهل الباطل ؟ فكيف إن كان ~~بغيرهم ؟ ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أن من خان غيره كان مبالغا في الخيانة ~~بالعزم وخيانة الغير المستلزمة لخيانة النفس فلذا ختمت بالتعليل بقوله : { ~~إن الله } أي الجليل العظيم ذا الجلال والإكرام { لا يحب } أي لا يكرم { من ~~كان خوانا أثيما } بصيغتي المبالغة - على أن مرتب المبالغين في الخيانة ~~متفاوتة , وفيه مع هذا استعطاف لمن وقعت منه الخيانة مرة واحدة وقدم سبحانه ~~وتعالى ذلك , لأن فيه دفعا للضر عن البريء وجلبا للنفع إليه ؛ ثم أتبعه ~~بعيب هذا الخائن وقلة تأمله والإعلام بأن المجادلة عنه قليلة PageV02P313 ~~الجدوى , فقال سبحانه وتعالى معجبا منهم بما هو كالتعليل لما قبله : { ~~يستخفون } أي هؤلاء الخونة : طعمة ومن مالأه وهو يعلم باطن أمره { من الناس ~~} حياء منهم وخوفا من أن يضروهم لمشاهدتهم لهم وقوفا مع الوهم كالبهائم { ~~ولا يستخفون } اي يطلبون ويوجدون الخفية بعدم الخيانة { من الله } أي الذي ~~لا شيء أظهر منه لما له من صفات الكمال { وهو } أي والحال أنه { معهم } لا ~~يغيب عنه شيء من أحوالهم , ولا يعجزه شيء من نكالهم , فالاستخفاء منه لا ~~يكون إلا بترك الخيانة ومحض الإخلاص , فواسوأتاه من أغلب الأفعال والأقوال ~~والأحوال ! { إذ } أي حين { يبيتون } أي يرتبون ليلا على طريق الإمعان في ~~الفكر والإتقان للرأي { ما لا يرضى من القول } أي من البهت والحلف عليه , ~~فلا يستحيون منه ولا يخافون , لاستيلاء الجهل والغفلة على قلوبهم وعدم ~~إيمانهم بالغيب . | ولما أثبت علمه سبحانه وتعالى بهذا من حالهم عم فقال : ~~{ وكان الله } أي الذي كل شيء في قبضته لأنه الواحد الذي لا كفوء له { بما ~~يعملون } أي منهذا وغيره { محيطا * } أي علما وقدرة . | ولما وبخهم سبحانه ~~وتعالى على جهلهم , حذر من مناصرتهم فقال مبنيا أنها لا تجديهم شيئا , ~~مخوفا لهم جدا بالمواجهة بمثل هذا التنبيه والخطاب ms1038 ثم الإشارة بعد : { ~~هاأنتم هؤلاء } وزاد في الترهيب للتعيين بما هو من الجدل الذي هو أشد ~~الخصومة - من جدل الحبل الذي هو شدة فتله - وإظهاره في صيغة المفاعلة , ~~فقال مبينا لأن المراد من الجملة السابقة التهديد : { جادلتم عنهم } في هذه ~~الواقعة أو غيرها { في الحياة الدنيا } أي بما جعل لكم من الأسباب . | ولما ~~حذرهم وبخهم على قلة فطنتهم وزيادة في التحذير بأن مجادلتهم هذه سبب لوقوع ~~الحكومة بين يديه سبحانه وتعالى فقال : { فمن يجادل الله } أي الذي له ~~الجلال كله { عنهم } أي حين تنقطع الأسباب { يوم القيامة } ولا يفترق الحال ~~في هذا بين أن تكون ( ها ) من { هأنتم } للتنبيه أو بدلا عن همزة استفهام - ~~على ما تقدم , فإن معنى الإنكار هنا واضح على كلا الأمرين . | ولما كان من ~~أعظم المحاسن كف الإنسان عما لا علم له به , عطف على الجملة من أولها من ~~غير تقييد بيوم القيامة منبها على قبح المجادلة عنهم بقصور علم الخلائق ~~قوله : { أم من يكون } أي فيما يأتي من الزمان { عليهم وكيلا * } أي يعلم ~~منهم ما يعلم الله سبحانه وتعالى بأن يحصي أعمالهم فلا يغيب عنه منها شيء ~~ليجادل الله عنهم , فيثبت لهم ما فارقوه , وينفي عنهم ما لم يلابسوه ~~ويرعاهم ويحفظهم مما يأتيهم به القدر من الضرر والكدر . | PageV02P314 ولما ~~نهى عن نصرة الخائن وحذر منها , ندب إلى التوبة من كل سوء فقال - عاطفا على ~~ما تقديره : فمن يصر على مثل هذه المجادلة يجد الله عليما حكيما - : { من ~~يعمل سوءا } أي قبيحا متعديا يسوء غيره شرعا , عمدا - كما فعل طعمة - أو ~~غير عمد { أو يظلم نفسه } بما لا يتعداه إلى غيره شركا كان أو غيره , أو ~~بالرضى لها بما غيره أعلى منه , ولم يسمه بالسوء لأنه لا يقصد نفسه بما ~~يضرها في الحاضر { ثم يستغفر الله } أي يطلب من الملك الأعظم غفرانه ~~بالتوبة بشروطها { يجد الله } أي الجامع لكل كمال { غفورا } أي ممحيا ~~للزلات { رحيما * } أي مبالغا في إكرام من يقبل إليه ( من تقرب مني شبرا ms1039 ~~تقربت منه ذراعا , ومن تقرب مني ذراعا تقربت نمه باعا , ومن أتاني يمشي ~~أتيته هرولة ) روى إسحاق بن راهويه عن عمر رضي الله تعالى عنه وأبو يعلى ~~الموصلي عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن هذه الآية نسخت < # > 77 ( { من يعمل سوءا يجز به } ) 77 < # > [ النساء : 123 ] وأنها نزلت بعدها . | ولما ندب إلى التوبة ورغب فيها ~~, بين أن ضرر إثمه لا يتعدى نفسه , حثا على التوبة وتهييجا إليها لما جبل ~~عليه كل أحد من محبة نفع نفسه ودفع الضر عنها فقال : { ومن يكسب إثما } أي ~~إثم كان { فإنما يكسبه على نفسه } لأن وباله راجع عليه إذ الله له بالمرصاد ~~, فهو مجازيه على ذلك لا محالة غير حامل لشيء من إثمه على غيره كما أنه غير ~~حامل لشيء من إثم غيره عليه , والكسب : فعل ما يجر نفعا أويدفع ضرا . | ~~PageV02P315 ولما كان هذا لا يكون إلا مع العلم والحكمة قال تعالى : { وكان ~~الله } أي الذي له كمال الإحاطة أزلا وأبدا { عليما } أي بالغ العلم بدقيق ~~ذلك وجليله , فلا يترك شيئا منه { حكيما * } فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه , ~~وإذا أراد شيئا وضعه في أحكم مواضعه فلا يمكن غيره شيء من نقضه . | < < # | النساء : ( 112 - 116 ) ومن يكسب خطيئة . . . . . # > > ^ ( ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما ~~مبينا * ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طآئفة منهم أن يضلوك وما يضلون ~~إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم ~~تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما * لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر ~~بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغآء مرضات الله فسوف ~~نؤتيه أجرا عظيما * ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا * إن الله لا يغفر أن ~~يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ) ^ ~~} ) | ولما ذكر ms1040 ما يخص الإنسان من إثمه أتبعه ما يعديه إلى غيره فقال : { ~~ومن يكسب خطيئة } أي ذنبا غير متعمد له { أو إثما } أي ذنبا تعمده . | ولما ~~كان البهتان شديدا جدا قل من يجترىء عليه , أشار إليه بأداة التراخي فقال : ~~{ ثم يرم به بريئا } أي ينسبه إلى من لم يعمله - كما فعل طعمة باليهودي , ~~وابن أبي بالصديقة رضي الله تعالى عنها . | وعظم جرم فاعل ذلك بصيغة ~~الافتعال في قوله : { فقد احتمل } وبقوله : { بهتانا } أي خطر كذب يبهت ~~المرمى به لعظمه , وكأنه إشارة إلى ما يحلق الرامي في الدنيا من الذم { ~~وإثما } أي ذنبا كبيرا { مبينا } يعاقب به في الآخرة , وإنما كان مبينا ~~لمعرفته بخيانة نفسه وبراءة المرمى به , ولأن الله سبحانه وتعالى أجرى ~~عادته الجميلة أن يظهر براءة المقذوف به يوما ما بطريق من الطرق ولو لبعض ~~الناس . | ولما وعظ سبحانه وتعالى في هذه النازلة وحذر ونهى وأمر , بين ~~نعمته على نبيه صلى الله عليه وسلم في عصمته عما أرادوه من مجادلته عن ~~الخائن بقوله تعالى : { ولولا فضل الله } أي الملك الأعلى { عليك } أي ~~بإنزال الكتاب { ورحمته } أي بإعلاء أمرك وعصمتك من كل ذي كيد وحفظك في ~~أصحابك الذين أتوا يجادلون عن ابنعمهم سارق الدرع في التمسك بالظاهر وعدم ~~قصد العناد { لهممت طائفة منهم } أي فرقة فيها أهلية الاستدارة والتخلق , ~~لا تزال تتخلق فتفيل الآراء وتقلب الأمور وتدير الأفكار في ترتيب ما تريد { ~~أن يضلوك } أي يوقعوك في ذلك بالحكم ببراءة طعمة , ولكن الله حفظك في ~~أصحابك فما همموا بذلك , وإنما قصدوا المدافعة عن صاحبهم بام لم يتحققوه , ~~ولو PageV02P316 هموا لما أضلوك { وما يضلون } أي على حالة من حالات هذا ~~الهم { إلا أنفسهم } إذ وبال ذلك عليهم { ما يضرونك } أي يجددون في ضرك ~~حالا ولا مالا بإضلال ولا غيره { من شيء } وهو وعد بدوام العصمة في الظاهر ~~والباطن كآية المائدة أيضا وإن كانت هذه بسياقها ظاهرة في الباطن وتلك ~~ظاهرة في الظاهر { وأنزل الله } أي الذي له جميع العظمة { عليك } وأنت أعظم ms1041 ~~الخلق عصمة لأمتك { الكتاب } أي الذي تقدم أول القصة الإشارة إلى كماله ~~وجمعه لخيري الدارين { والحكمة } أي الفهم لجميع مقاصد الكتاب فتكون أفعالك ~~وأفعال من تابعك فيه على أتم الأحوال , فتظفروا بتحقيق العلم وإتقان العمل ~~, وعمم بقوله : { وعلمك ما لم تكن تعلم } أي من المشكلات وغيرها غيبا ~~وشهادة من أحوال الدين والدنيا { وكان فضل الله } أي المتوحد بكل كمال { ~~عليك عظيما * } أي بغير ذلك من أمور لا تدخل تحت الحصر , وهذا من أعظم ~~الأدلة على أن العلم أشرف الفضائل . | ولما كان قوم طعمة قد ناجوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الدفع عنه , نبههم سبحانه وغيرهم على ما ينبغي أن ~~يقع به التناجي , ويحسن يه التفاؤل والتجاذب على وجه ناه عن غيره أشد نهي ~~بقوله سبحانه وتعالى : { لا خير في كثير من نجواهم } أي نجوى جميع المناجين ~~{ إلا من } أي نحوى من { أمر بصدقة } ولما خص الصدقة لعزة المال في ذلك ~~الحال , عمم بقوله : { أو معروف } أي معروف كان مما يبيحه الشرع من صدقة ~~وغيرها . | ولما كان إصلاح ذات البين أمرا جليلا , نبه على عظمه بتخصيصه ~~بقوله : { أو إصلاح بين الناس } أي عامة , فقد بين سحانه وتعالى أن غير ~~المستثنى من التناجي لا خير فيه , وكل ما انتقى عنه الخير كان مجتنبا - كما ~~روى أحمد والطبراني في الكبير بسند لا بأس به وهذا لفظه عن ابن عباس رضي ~~الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أن عيسى عليه الصلاة ~~والسلام قال : إنما الأمور ثلاثة : أمر تبين لك رشده فاتبعه , وأمر تبين لك ~~غيه فاجتنبه , وأمر اختلف فيه فرده إلى عالمه ) . | ولما كان التقدير : فمن ~~أمر بشي من ذلك فنجواه خير , وله عليها أجر ؛ عطف عليه قوله : { من يفعل ~~ذلك } أي الأمر العظيم الذي أمر به من هذه الأشياء { ابتغاء مرضاة الله } ~~الذي له صفات الكمال , لأن العمل لا يكون له روح إلا بالنية { فسوف ~~PageV02P317 نؤتيه } أي في الآخرة بوعد لا خلف فيه { أجرا عظيما * } وهذه ~~الآية من أعظم ms1042 الدلائل على أن المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال القلب ~~في إخلاص النية , وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض دنيوي , فإن كان رياء ~~انقلبت فصارت من أعظم المفاسد . | ولما رتب سبحانه وتعالى الثواب العظيم ~~على الموافقة , رتب العقاب الشديد على المخالفة والمشاققة , ووكل المخالف ~~إلى نفسه بقوله تعالى : { ومن يشاقق الرسول } أي الكامل في الرسلية , فيكون ~~بقلبه أو شيء من فعله في جهة غير جهته على وجه المقاهرة , وعبر بالمضارع ~~رحمة منه سبحانه بتقييد الوعيد بالاستمرار , وأظهر القاف إشارة إلى تعليقه ~~بالمجاهرة , ولأن السياق لأهل الأوثان وهم مجاهرون , وقد جاهر سارق الدرعين ~~الذي كان سببا لنزول الآية في آخر قصته - كما مضى . | ولما كان في سياق ~~تعليم الشريعة التي لم تكن معلومة قبل الإيحاء بها , لا في سياق الملة ~~المعلومة بالعقل , أتى ب ( من ) تقييدا للتهديد بما بعد الإعلام بذلك فقال ~~: { من بعد ما } ولو حذفت لفهم اختصاص الوعيد بمن استغرق زمان البعد ~~بالمشاققة . | ولما كان ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الظهور ~~قال : { تبين له الهدى } أي الدليل الذي هو سببه . | ولما كان المخالف ~~للإجماع لا يكفر إلا بمنابذة المعلوم بالضرورة , عبر بعد التبين بالاتباع ~~فقالك { ويتبع غير سبيل } أي طريق { المؤمنين } أي الذين صار الإيمان لهم ~~صفة راسخة , والمراد الطريق المعنوي , وجه الشبه الحركة البدنية الموصلة ~~إلى المطلوب في الحسي , والنفسانية في مقدمات الدليل الموصل إلى المطلوب في ~~المعنوي { نوله } أي بعظمتنا في الدنيا والآخرة { ما تولى } أي نكله إلى ما ~~اختار لنفسه وعالج فيه فطرته الأولى خذلانا منا له { ونصله } أي في الآخرة ~~{ جهنم } أي تلقاه بالكراهة والغلظة والعبوسة كما تجهم أولياءنا وشاققهم . ~~| ولما كان التقدير : فهو صائر إليها لا محالة , بين حالها في ذلك فقال : { ~~وساءت مصيرا * } وهذه الآية دالة على أن الإجماع حجة لأنه لات يتوعد إلا ~~على مخالفة الحق , وكذا حديث ( لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله - ~~وفي رواية : ظاهرين على الحق - حتى يأتي أمر الله ) رواه عن ms1043 النبي صلى الله ~~عليه وسلم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثوبان PageV02P318 والمغيرة ~~وجابر بن سمرة وجابر بن عبد الله ومعاوية وأنس وأبو هريرة , بعض أحاديثهم ~~في الصحيحين , وبعضها في السنن , وبعضها في المسانيد , وبعضها في المعاجيم ~~وغير ذلك ؛ ووجه الدلالة أن الطائفة التي شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالحق في جملة أهل الإجماع والله سبحانه وتعالى الموفق . | ولما كان فاعل ~~ذلك بعد بيان الهدى هم أهل الكتاب ومن أضلوه من المنافقين بما ألقوه إليهم ~~من الشبه , فردوهم إلى ظلام الشرك والشك بعد أن بهرت أبصارهم اشعة التوحيد ~~؛ حسن إيلاؤه قوله سبحانه إيلاؤه قوله سبحانه وتعالى - معللا تعظيما لأهل ~~الإسلام , وحثا على لزوم هديهم , وذما لمن نابذهم وتوعدا له , إشارة إلى أن ~~من خرق إجماع المسلمين صار حكمه حكم المشركين , فكيف بمن نابذ المرسلين : { ~~إن الله } أي الأحد المطلق فلا كفوء له { لا يغفر أن يشرك به } أي وقوع ~~الشرك به , من أي شخص كان , وبأي شيء كان , لأن من قدح في ملك استحق البوار ~~والهلك , وسارقالدرع أحق الناس بذلك { ويغفر ما } أي كل شيء هو { دون ذلك } ~~أي الأمر الذي لم يدع للشناعة موضعا - كما هو شأن من ألقى السلم ودخل في ~~ربقة العبودية , ثم غلبته الشهوة فقصر في بعض أنواع الخدمة . | ثم دل على ~~نفوذ أمره بقوله : { لمن يشاء } ولما كان التقدير : فإن من أشرك به فقد ~~افترى إثما مبينا , عطف عليه قوله : { ومن يشرك } أي يوقع هذا الفعل القذر ~~جدا في أي وقت كان من ماض أو حال أو استقبال مداوما على تجديده { بالله } ~~أي الملك الذي لا نزاع في تفرده بالعظمه لأنه لا خفاء في ذلك عند أحد { فقد ~~ضل } أي ذهب عن السنن الموصل { ضلالا بعيدا * } لا تمكن سلامة مرتكبه , ~~وطوزى مقدمة الافتراء الذي هو تعمد الكذب , وذكر مفدمة الضلال , لأن معظم ~~السياق للعرب أهل الأوثان والجهل فيهم فاش , بخلاف ما مضى لأهل الكتاب فإن ~~كفرهم عن علم فهو تعمد للكذب | PageV02P319 < < # | النساء : ( 117 ms1044 - 120 ) إن يدعون من . . . . . # > > ^ ( إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا * لعنه ~~الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا * ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم ~~فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من ~~دون الله فقد خسر خسرانا مبينا * يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا ) ^ } ) | ولما كان المنافقون هم المقصودين بالذات بهذه الآيات , ~~وكان أكثرهم أهل أوثان ؛ ناسب كل المناسبة قوله معللا لأن الشرك ضلالا : { ~~إن } أي ما { يدعون } وما أنسب التعبير لعباد الأوثان عن العبادة بالدعاء ~~إشارة إلى أن كل معبود لا يدعي في الضرورات فيسمع , فعابده أجهل الجهلة . | ~~ولما كان كل شيء دونه سبحانه وتعالى , لأنه تحت قهره ؛ قال محتقرا لما ~~عبدوه : { من دونه } أي وهو الرحمن . | ولما كانت معبوداتهم أوثانا متكثرة ~~, وكل كثرة تلزمها الفرقة والحاجة والضعف مع أنهم كانوا يسمون بعضها بأسماء ~~الإناث من اللات والعزى , ويقولون في الكل : إنها بنات الله , ويقولون عن ~~كل صنم : أنثى بني فلان ؛ قال : { إلا إناثا } أي فجعلوا أنفسهم للإناث ~~عبادا وهم يأنفون من أن يكون لهم لهم أولادا , وفي التفسير من البخاري : ~~إناثا يعني الموات حجرا أو مدرا - أو ما أشبه ذلك ؛ هذا مع أن مادة ( أنث ) ~~و ( وثن ) يلزمها في نفسها الكثرة والرخاوة والفرقة , وكل ذلك في غاية ~~البعد عن رتبة الإلهية , وسيأتي إن شاء الله تعالى بسط ذلك في سورة ~~العنكبوت وأن هذا القصر قلب قصر لاعتقادهم أها آلهة , ومعنى الحصر : ما هي ~~إلا غير آهلة لما لها من النقص { وإن يدعون } أي يعبدون في الحقيقة { إلا ~~شيطانا } أي لأنه هو الآمر لهم بذلك , المزين لهم { مريدا } أي عاتيا صلبا ~~عاصيا ملازما للعصيان , مجردا من كل خير , محترقا بأفعال الشر , بعيدا من ~~كل أمن , من : شاط وشطن ؛ ومرد - بفتح عينه وضمها , وعبر بصيغة فعيل التي ~~هي للمبالغة في سياق ذمهم تنبيها على أنهم تعبدوا لام لا إلباس في شراراته ~~, لأنه شر كله , بخلاف ما في سورة الصافات , فإن سياقه يقتضي عدم ms1045 المبالغة ~~- كما سيأتي إن شاء الله تعالى ؛ ثم يبن ذلك بقوله : { لعنه الله } أي ~~أبعده الملك الأعلى منكل خير فبعد فاحترق . | ولما كان التقدير : فقال ~~إصرارا على العداوة بالحسد : وعزتك لأجتهدن في إبعاد غيري كما أبعدتني ! ~~عطف عليه قوله : { وقال لأتخذن } أي والله لأجتهدن في أن آخذ { من عبادك } ~~الذين هم تحت قهرك , ولا يخرجون عن مرادك { نصيبا مفروضا * } أي جزءا أنت ~~قدرته لي { ولأضلنهم } أي عن طريقك السوي بما سلطتني به من الوساوس ~~PageV02P320 وتزيين الأباطيل { ولأمنينهم } أي كل ما أقدر عليه من الباطل ~~من عدم البعث وغيره من طول الأعمال وبلوغ الآمال من الدنياوالآخرة بالرحمة ~~والعفو والإحسان ونحوه مما هو سبب للتسويف بالتوبة { ولآمرنهم } ولما كان ~~قد علم مما طبعوا عليه من الشهوات والحظوظ التي هيأتهم لطاعته , وكانت ~~طاعته في الفساد عند كل عاقل في غاية الاستبعاد ؛ أكد قوله : { فليبتكن } ~~أي يقطعن تقطيعا كثيرا { آذان الأنعام } ويشققونها علامة على ما حرموه على ~~أنفسهم { ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } أي الذي له الحكمة الكاملة فلا ~~كفوءله , بأنواع التغيير من تغيير الفطرة الأولى السليمة إلى ما دون ذلك من ~~فقء عين الحامي ونحو ذلك , وهو إشارة إلى ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم ~~بالتقريب للأصنام من السائبة وما معها , المشار إلى إبطاله في أول المائدة ~~بقوله < # > 77 ( { أحلت لكم بهيمة الأنعام لا ما يتلى عليكم } ) 77 < # > [ المائدة : 1 ] المصرح به في آخرها بقوله : < # > 77 ( { ما جعل الله من بحيرة } ) 77 < # > [ المائدة : 103 ] ويكون التغيير بالوشم والوشر , ويدخل فيه كل ما خالف ~~الدين , فإن الفطرة الأولى داعية إلى خلاف ذلك حتى أدخلوا فيه تشبيه الرجال ~~بالنساء في التخنث وما يتفرع عنه في تشبيه النساء بالرجال في السحق ومانحا ~~فيه نحوه . | ولما كان التقدير : فقد خسر من تابعه في ذلك , لأنه صار ~~للشيطان وليا ؛ عطف عليه معمما قوله : { ومن يتخذ } أي يتكلف منهم ومن ~~غيرهم تغيير الفطرة الأولى فيأخذ { الشيطان وليا } ولما كان ذلك ملزوما ~~لمحادة الله سبحانه وتعالى , وكان ما هو أدنى من ms1046 رتبته في غاية الكثرة ؛ ~~بعض ليفهم الاستغراق من باب الأولى فقال : { من دون الله } أي المستجمع لكل ~~وصف جميل { فقد خسر } باتخاذه ذلك ولو على أدنى وجوه الشرك { خسرانا مبينا ~~* } أي في غاية الظهور والرداءة بما تعطيه صيغة الفعلان , لأنه تولى من لا ~~خير عنده ؛ ثم علل ذلك بقوله : { يعدهم } أي بأن يخيل إليهم بما يصل إلى ~~قلوبهم بالوسوسة في شيء من الأباطيل أنه قريب الحصول , وأنه لا درك في ~~تحصيله , وأنه إن لم يحصل كان في فواته ضرر , فيسعون في تحصيله , فيضع ~~عليهم في ذلك الزمان , ويرتكبون فيه ما لا يحل من الأهوال والهوان { ~~ويمنيهم } أي يزين لهم تعليق الآمال بما لا يتأتى حصوله , ثم بين ذلك بقوله ~~: { وما } أي والحالة أنه ما { يعدهم } وأظهر في موضع الإضمار تنبيها على ~~مزيد النفرة فقال : { الشيطان } أي المحترق البعيد عن الخير { إلا غرورا * ~~} أي تزيينا بالباطل خداعا ومكرا وتلبيسا , إظهارا - لما لا حقيقة له أو له ~~PageV02P321 حقيقة سيئة - في أبهى الحقائق وأشرفها وألذها إلى النفس ~~وأشهاها إلى الطبع , فإن مادة ( غر ) و ( رغ ) تدول على الشرف والحسن ~~ورفاهة العيش , فالغرور إزالة ذلك . | < < # | النساء : ( 121 - 123 ) أولئك مأواهم جهنم . . . . . # > > ^ ( أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا * والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا وعد الله ~~حقا ومن أصدق من الله قيلا * ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل ~~سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ) ^ } ) | ولما أثبت ~~لهم ذلك أنتج بلا شك قوله : { أولئك } أي البعداء من كل خير { مأواهم جهنم ~~} أي تتجهمهم وتتقد عليهم بما اتخذوا من خلق منها وليا { ولا يجدون عنها ~~محيصا * } أي موضعا ما يميلون إليه شيئا من الميل . | ولما ذكر ما للكافرين ~~ترهيبا أتبعه ما لغيرهم ترغيبا فقال : { والذين آمنوا } أي بوعد لا خلف فيه ~~{ جنات تجري } وقرب وبعض بقوله : { من تحتها الأنهار } أي لري أرضها , فحيث ~~ما أجرى منها نهر جرى . | ولما كان الانزعاج ms1047 عن مطلق الوطن - ولو لحاجة ~~تعرض - شديدا , فيكف بهذا ! قال : { خالدين فيها } ولما كان الخلود يطلق ~~على مجرد المكث الطويل , دل على أنه لا بإلى آخر بقوله : { أبدا } ثم أكد ~~ذلك بأن الواقع يطابقه , وهويطابق الواقع فقال : { وعد الله حقا } أي ~~يطابقه الواقع , لأنه الملك الأعظم وقد برز وعده بذلك , ومن أحق من الله ~~وعدا , وأخبر به خبرا صاداق يطابق الواقع { ومن أصدق من الله } أي المختص ~~بصفات الكمال { قيلا * } وأكثر من التأكيد هنا لأنه في مقابلة وعد الشيطان ~~, ووعد الشيطان موافق للهوى الذي طبعت عليه النفوس فلا تنصرف عنه إلا بعسر ~~شديد . | ولما أخبر تعالى عما أعد لهم ولمن أضلهم من العقاب وعما أعد ~~للمؤمنين من الثواب , وكانوا يمنون أنفسهم الأماني الفارغة من أنه لا تبعة ~~عليهم في التلاعب بالدين , لا في الدنيا ولا في الآخرة , ويشطعهم على ذلك ~~أهل الكتاب ويدعون أنهم أبناء الله وأحباؤه , لا يؤاخذهم بشيء , ولا يدخل ~~الجنة إلا من كان هودا أو نصارى أو من شفعوا فيه , ونحو هذه التكاذيب مما ~~يطمعون به من والاهم بأنهم ينجونه , وكان المشركون يقولون : ^ ( { نحن أكثر ~~أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين } ) ^ [ سبأ : 35 ] , ونحو ذلك - كنا قال ~~العاصي بن وائل لخباب بن الأرت وقد تقاضاه دينا كان له عليه : دعني إلى تلك ~~الدار فأقضيك مما لي فيها , فوالله لا تكون أنت وصاحبك فيها آثر عند الله ~~مني PageV02P322 ولا أعظم حظا , فأنزل الله في ذلك : ^ ( { أفرأيت الذي كفر ~~بآياتنا } ) ^ [ مريم : 77 ] الآ ] ات من آخر مريم , ويقول لهم أهل الكتاب ~~: أنتم أهدى سبيلا , لما كان ذلك قال تعالى رادا على الفريقين : { ليس } أي ~~ما وعده الله وأوعده { بأمانيكم } أي أيها العرب { ولا أماني أهل الكتاب } ~~أي التي يمنيكم جميعا بها الشيطان . | ولما اكنت أمانيهم أنهم لا يجازون ~~بأعمالهم الخبيثة , أنتج ذلك لا محالة قوله : { ومن يعمل سوءا يجز به } أي ~~بالمصاشب من الأمراض وغيرها , عاجلا إن أريد به الخير , وآجلا إن أريد به ~~الشر , وما أحسن إيلاؤها لتمنيه الشيطان ms1048 المذكورة في قوله ^ ( { يعدهم ~~ويمنيهم } ) ^ [ النساء : 120 ] فيكون الكلام وافيا بكشف عوار شياطين الجن ~~ثم الإنس في غرورهم لمن خف معهم مؤيسا لمن قبل منهم , وما أبدع ختامها ~~بقوله : { ولا يجد له } ولما كان كل أحد قاصرا عن مولاه , عبر بقوله : { من ~~دون الله } أي الذي حاز جميع العظمة { وليا } أي قريبا يفعل معه ما يفعل ~~القريب { ولا نصيرا * } أي ينصره في وقت ما ! وما أشد التئامها بختام أول ~~الآيات المحذرة منهم ^ ( { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيرا } ) ^ [ النساء : ~~45 ] إشارة إلى أن مقصود المنافقين من مشايعة أهل الكتاب ومتابعتهم إنما هو ~~الولاية والنصرة , وأنهم قد ضيعوا منيتهم فاستنصروا بمن لا نصرة له , ~~وتركوا من ليست النصرة إلا له . | < < # | النساء : ( 124 - 125 ) ومن يعمل من . . . . . # > > ^ ( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون ~~الجنة ولا يظلمون نقيرا * ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ~~ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا ) ^ } ) | ولما أبدى جزاء ~~المسيء تحذيرا , أولاه أجر المحسن تبشيرا فقال : { ومن يعمل } وخفف تعالى ~~عن عباده بقوله : { من الصالحات } ولما عمم بذكر ( من ) صرح بما اقتضته في ~~قوله : { من ذكر وأنثى } وقيد ذلك بقوله : { وهو } أي والحال أنه { مؤمن } ~~ليكون بناؤه الأعمال على أساس الإيمان { فأولئك } أي العالو الرتبة , وبنى ~~فعل الدخول للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمروا وأبي جعفر وأبي بكر عن ~~عاصم وروح عن يعقوب , وللفاعل في قراءة غيرهم , لأن المقصود نفس الفعل , لا ~~كونه من فاعل معين ؛ وإن كانت قراءة الأولين أكثر فائدة { يدخلون } أي ~~يدخلهم الله { الجنة } أي الموصوفة { لا يظلمون } وبنى الفعل للمجهول , لأن ~~المقصود الخلاص منه لا بقيد فاعل معين { نقيرا * } أي لا يظلم الله المطيع ~~منهم بنقص شيء ما , ولا العاصي بزيادة شيء ما , والنقير : ما في ظهر النواة ~~من تلك الوقبة الصغيرة جدا , كني بها عن العدم , وهذا على PageV02P323 ما ~~يتعارفه الناس وإلا فالله تعالى له أن يفعل ما يشاء , فإن ملكه وملكه ms1049 عام , ~~لا يتصور منه ظلم كيف ما لعل . | ولما كشف سبحانه زورهم وبين فجورهم , أنكر ~~أن يكون أحد أحسن دينا ممن اتبع ملة إبراهيم الذي يزعمون أنه كان على دينهم ~~زعما تقدم كشف عواره وهتك أستاره في آل عمران , فقال عاطفا على ماتقديره : ~~فمن أحسن دائنا ومجازيا وحاكما منه سبحانه وتعالى : { ومن أحسن دينا } أو ~~يكون التقدير : لأنهم أحسنوا في دينهم ومن أحسن دينا منهم ! لكنه أظهر ~~الوصف تعميما وتعليقا للحكم به وتعليما لما يفعل يفعل المؤمن وحثا عليه ~~فقال : { ممن أسلم } أي أعطى . | ولما كان المراد الإخلاص الذي هو أشرف ~~الأشياء , عبر عنه بالوجه الذي هو أشرف الأعضاء فقال : { وجهه } أي قياده , ~~أي الجهة التي يتوجه إليها بوجهن أي قصده كله الملازم للإسلام نفسه كلها { ~~لله } فلا حركة له سكنة إلا فيما يرضاه , لكونه الواحد الذي لا مثل له , ~~فهو حصر بغير صيغة الحصر , فأفاد فساد طريق من لفت وجهه نحو سواه باستعانة ~~أو غيرها ولا سيما المعتزلة الذين يرون الطاعة من أنفسهم , ويرون أنها ~~موجبة لثوابهم , والمعصية كذلك وأنها موجبة لعقابهم , في الحقيقة لا يرجون ~~إلا أنفسهم , ولا يخافون غيرها ؛ وأهل السنة فوضوا التدبير والتكوين والخلق ~~إلى الحق , فهم المسلمون . | ولما عبر تعالى عن كمال الإعتقاد بالماضي , ~~شرط فيه الدوام والأعمال الظاهرة بقوله : { وهو } أي والحال أنه { محسن } ~~أي مؤمن مراقب , لا غفلة عنده أصلا , بل الإحسان صفة له راسخة , لأنه يعبد ~~اله كأنه يراه , فقد اشتملت هذه الكلمات العشر على الدين كله أصلا وفرعا مع ~~الترغيب بالمدح الكامل لمتبعه وإفهام الذم الكامل لغيره . | ولما كان هذا ~~ينتظم من كان على دين أي نيب كان قبل نسخه , قيده بقوله : { واتبع } أي ~~بجهد منه { ملة إبراهيم } الذي اشتهر عند جميع الطوائف أنه ما دعا إلا إلى ~~الله سبحانه وتعالى وحده , وتبرأ مما سواه من فلك وكوكب وصنم وطبيعة وغيرها ~~حال كون ذلك المتبع { حنيفا } أي لينا سهلا ميالا مع الدليل , والملة : ما ~~دعت إليه الفطرة الأولى بمساعدة العقل السليم ms1050 من كمال الإسلام بالتوحيد . | ~~ولما كان التقدير ترغيبا في هذا الاتباع : فقد جعل الله سبحانه وتعالى ملة ~~إبراهيم أحسن الملل , وخلقه يوم خلقه حنيفا , عطف عليه قوله : { واتخذ الله ~~} أي الملك الأعظم أخذ من معين بذلك مجتهد فيه { إبراهيم خليلا * } لكونه ~~كان حنيفا , PageV02P324 وذلك عبارة عن اختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل ~~عند خليله من ترديد الرسل بالوحي بينه وبينه , وإجابة الدعوة , وإظهار ~~الخوارق عليه وعلى آله , والنصرة على الأعداء وغير ذلك من الألطاف , وأظهر ~~اسمه في موضع الإضمار تصريحا بالمقصود احتراسا من الإبهام وإعلاء لقدره ~~تنويها بذكره . | < < # | النساء : ( 126 - 127 ) ولله ما في . . . . . # > > ^ ( ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطا * ~~ويستفتونك في النسآء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في ~~يتامى النسآء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين ~~من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به ~~عليما ) ^ } ) | ولما أخبر بمن يحبه ومن يبغضه وبما يرضيه وما يغضبه , وكان ~~ربما توهم عدم القدرة على أخذه لغير ما أخذ , وجعله لغير ما جعل , أو تعنت ~~بذلك متعنت فظن أن في الكلام دخلا بنوع احتياج إلى المحالة أو غيرها قال : ~~{ ولله } أي والحال أن للمختص بالوحدانية - فلا كفوء له { ما في السموات } ~~ولما كان السياق للمنافقين والمشركين أكد فقال : { ما في الأرض } من ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن غيره إشارة إلى أنه التام الملك العظيم ~~الملك , فلا يعطي إلا من تابع أولياءه وجانب أعداءه , ولا يختار إلا من ~~علمه خيارا وهو مع ذلك قادر على ما يريد من إقرار وتبديل , ولذلك قال : { ~~وكان الله } أي الملك الذي له الكمال كله { بكل شيء } أي منهما ومن غيرهما ~~{ محيطا * } علما وقدرة , فمهما راد كان في وعده ووعيده للمطيع والعاصي , ~~لا يخفى عليه أحد منهم , ولا يعجزه شيء . | ولما كان سبحانه وتعالى قد رتب ~~هذا الكتاب على أنه يذكر أحكاما من الأصول والفروع , ثم يفصلها بوعد ووعيد ~~وترغيب ms1051 وترهيب , يونظمها بدلائل كبريائه وجلاله وعظيم بره وكماله , ثم يعود ~~إلى بيان الأحكام على أبدع نظام لأن إلقاء المراد في ذلك القالب أقرب إلى ~~القبول , والنظم كذلك أجدر بالتأثير في القلوب , لأن التكليف بالأعمال ~~الشاقة لا تنقاد له النفوس إلا إذا كان مقرونا ببشارة ونذارة , وذلك لا ~~يؤثر إلا عند القطع بغاية الكمال لمن صدر عنه ذلك المقال , ولا ينتقل مع ~~ذلك من أسلوب إلى آخر إلا على غاية ما يكون من المناسبة بين آخر كل نوع ~~وأول ما بعده بكمال التعلق لفظا ومعنى , وفعل سبحانه وتعالى في هذه السورة ~~في أحكام العدل الذي بدأ السورة به في المواصلة التي مبناها النكاح والإرث ~~وغير ذلك مما اتصل به - كما بين - إلى أن ختم هنا بالإسلام المثمر لقبول ~~ذلك كله وعظمة الملك الموجبة لتمام الإسلام , وقامت PageV02P325 البراهين ~~وسطعت الحجج , وكان من أعظم مقاصد السورة العدل في الضعفاء من الأيتام ~~وغيرهم في الميراث وغيره , وكان توريث النساء والأطفال - ذكورا كانوا أو ~~إناثا - مما أبته نفوسهم , وأشربت بغضه قلوبهم , وكان التفريق في إثبات ما ~~هذا سبيله أنجع , وإلقاؤه شيئا فشيئا في قوالب البلاغة أنفع ؛ وصل بذلك ~~قوله تعالى : { ويستفتونك } في جملة حالية من اسم الجلالة التي قبلها , أي ~~له ما ذكر فلا مساغ للاعتراض عليه والحال أنهم يسألونك طلبا لأن تتفتى ~~عليهم بالجواب في بعض ما أعطى من ملكه لبعض مخلوقاته { في النساء } طمعا في ~~الاستئثار عليهم بالمال وغيره محتجين بأنه لا ينبغي أن يكون المال إلا لمن ~~يحمي الذمار والحال أنهم قد عبدوا من دونه إناثا , وجعلوا لهم مما خولهم ~~فيه من الرزق الذي ملكهم له بضعف من الحرث والأنعام نصيبا , فلا تعجب من ~~حال من كرر الاستفتاء - الذي لا يكون في العرف غالبا إلا فيما فيه اعتراض - ~~في إناث أحياء وأطفال ذكور وأعطاهم الملك التام الملك العظيم الملك بعض ما ~~يريد , ولم يعترض على نفسه حيث أعطى إناثا لا حياة لها ولا منفعة مما في ~~يده , وملكه في الحقيقة لغيره , ولم ms1052 يأذن فيه المالك ما لا ينتفع به المعطي ~~. | ولما كان المقام بكثرة الاستفتاء محتاجا إلى زيادة الاعتناء قال : { قل ~~الله } آمرا معبرا بالاسم الأعظم منبها على استحضار ما ذكر أول السورة { ~~يفتيكم } أي يبين لكم تجدد فيكم تلاوته إلى آخر الدهر سيفا قاطعا وحكما ~~ماضيا جامعا { في الكتاب } أي فيما سبق أول السورة في قوله : { وإن خفتم ~~ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء } , وغير ذلك { في ~~يتامى النساء } أي في شأن التيامى من هذا الصنف { الاتي لا تؤتونهن } أي ~~بسبب التوقف في ذلك وتكرير الاستفتاء عنه { ما كتب لهن } أي ما فرض من ~~الميراث وسائر الحقوق فرضا وهو في غاية اللزوم { وترغبون أن } أي في أن أو ~~عن أن { تنحوهن } لجمالهن أو لدمامتهن { و } يفتيكم في { المستضعفين } أي ~~الموجود ضعفهم والمطلوب إضعافهم , يمنعهم حقوقهم { من الولدان } ولما كان ~~التقدير ؛ في أن تقوموا لهم بالقسط , أي في ميراثهم وسائر حقوقهم ولا ~~تحقروهم لصغرهم ؛ عطف عليه قوله : { وأن تقوموا } أي تفعلوا فيه من القوة ~~والمبادرة فعل القائم المنشط { لليتامى } من الذكور والإناث { بالقسط } أي ~~بالعدل من الميراث وغيره . | ولما كان التقدير : فما تفعلوا في ذلك من شر ~~فإن الله كان به عليما وعليكم قديرا ؛ عطف عليه قوله ترغيبا : { وما تفعلوا ~~من خير } أي في ذلك أو في غيره { فإن PageV02P326 الله } أي الذي له لاكمال ~~كله { كان به عليما * } أي فهو جدير - وهو أكرم الأكرمين . | وأحكم ~~الحاكمين - بأن يعطي فاعله على حسب كرمه وعلو قدره , فطيبوا نفسا وتقروا ~~عينا ؛ روى البخاري في الشركة والنكاح ومسلم في آخر الكتاب وأبو داود ~~والنسائي في النكاح ( عن عروة أنه سأل عائشة رضي الله تعالى عنهما عن قول ~~الله عز وجل : { فإن خفتم ألا تقسطوا في التيامى } إلى { رباع } قالت : يا ~~ابن أختي ! هي اليتيمة تكون في حجر ولهيا تشاركه في ماله , فيعجبه مالها ~~وجمالها , فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها فيعطيها مثل ما ~~يعطيها غيره , فنهو أن ينكحوهن إلا ms1053 أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن ~~من الصداق وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن ؛ قال عروة : قالت ~~عائشة رضي الله عنها : ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله عز وجل ( ويستفتونك - إلى - وترغبون أن ~~تنكحوهن ) ) والذي ذكر الله أنه يتلى عليكم في الكتاب : الآية الأولى التي ~~قال فيها : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ~~} قالت عائشة رضي الله عنها : وقول الله تعالى في الآية الأخرى : { وترغبون ~~أن تنكحوهن } هي رغبة أحدكم يتيمته - وقال مسلم : عنيتيمته - التي تكون في ~~حجره حين تكون قليلة المال والجمال , فنهوا أن ينكحوا ما رغبوا في مالها ~~وجمالها من يتامى النساء إلا بالقسط من أجل رغبتهم عنهن , زاد مسلم : إذا ~~كن قليلات المال والجمال , وقال البخاري في النكاح : فكما يتركونها حين ~~يرغبون عنها فليس لهم أن ينكحوها إذا رغبوا فيها إلا أن يقسطوا لها ويعطوها ~~حقها الأوفى في الصداق ؛ وفي البخاري ومسلم في التفسير عن عروة أيضا } ~~يستفتونك في النساء } الآية قالت : ( هو الرجل تكون عنده اليتيمة هو وليها ~~ووارثها فأشركته - وقال مسلم : لعلها أن تكون قد شركته , في ماله حتى في ~~العذق فيرغب أن ينكحها ويكره أن يزوجها رجلا فيشركه في ماله بما شركته ~~فيعضلها فنزلت هذه الآية ؛ وفي رواية مسلم : نزلت في الرجل تكون له التيمة ~~وهو وليها ووراثها ولها مال وليس لها أحد يخاصم دونها فلا ينحكها لمالها ~~فيضر بها ويسيء صحبتها فقال : { وإن خفتم ألا تقسطوا في التيامى فأنكحوا ما ~~طاب لكم من النساء } يقول : ما حللت لكم , ودع هذه التي تضر بها ) وفي ~~رواية له وللبخاري في النكاح ( فيرغب عناه أن يتزوجها ويكره أن يزوجها غيره ~~فيشركه في ماله - وقال البخاري : فيدخل عليه في ماله - فيعضلها ولا يتزوجها ~~ولا PageV02P327 يزوجها , زاد البخاري : فنهاهم الله سبحانه وتعالى ) عن ~~ذلك , وحاصل ذلك ما نقله الأصبهاني أنه كان الرجل في الجاهلية تكون عنده ~~اليتيمة فيلقي ms1054 عليها ثوبه , فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا ~~, فإن كانت جميلة وهواها تزوجها وأكل مالها , وإن كانت دميمة منعها الرجال ~~حتى تموت , فإذا ماتت ورثها . | وما أنسب ذكر هذا الحكم الذي كثرت فيه ~~المراجع على وجه يؤذن بعدم إذعان بعض النفوس له عقب آية الإسلام الذي معناه ~~الانقياد والخضوع والإحسان الذي صار في العرف أكثر استعماله للاعطاء ~~والتألف والعطف لا سيما للضعيف , وذكر إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي ~~تقدم أنه أتم ما ابتلاه الله تعالى به من الكلمات ووفي بها من غير مراجعة ~~ولا تلعثم , وأنه كان حنيفا ميالا مع الدليل , تعنيفا لمن قام عليه دليل ~~العقل وأتاه صريح النقل وهو يراجع ! وإذا تأملت قوله تعالى : ^ ( { من يعمل ~~سوءا يجز به } ) ^ [ النساء : 123 ] مع قوله فيما قبل ^ ( { وليخش الذين لو ~~تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم } ) ^ [ النساء : 9 ] لاحت لك أيضا ~~مناسبة بديعة . | < < # | النساء : ( 128 - 130 ) وإن امرأة خافت . . . . . # > > ^ ( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهمآ أن ~~يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن ~~الله كان بما تعملون خبيرا * ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء ولو حرصتم ~~فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان ~~غفورا رحيما * وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما ) ^ ~~} ) | ولما صاروا يعطفون اليتامى أموالهم , وصاروا يتزوجون ذوات اموال منهن ~~ويضاجرون بعضهن ؛ عقب ذلك تعالى بالإفتاء في أحوال المشاققة بين الأزواج ~~فقال : { وإن امرأة } أي واحدة أو على ضرائر . | ولما كان ظن المكروه مخوفا ~~قال : { خافت } أي توقعت وظنت بما يظهر لها من القرائن { أو إعراضا } عنها ~~بقلبه بأن لا ترى من محادثته ومؤانسته ومجامعته ما كانت ترى قبل ذلك , تخشى ~~أن يجر إلى الفراق وإن كان متكلفا لملاطفتها بقوله وفعله { فلا جناح } أي ~~حرج وميل { عليهما أن يصلحا } أي يوقع الزوجان { بينهما } تصالحا ومصالحة , ~~هذا على قراءة الجماعة , وعلى قراءة الكوفيين بضم الياء ms1055 وإسكان الصاد ~~PageV02P328 وكسر اللام التقدير : إصلاحا , لكنه لما كان المأمور به يحصل ~~بأقل ما يقع عليه اسم الصلح بنى المصدر على غير هذين الفعلين فقال مجردا له ~~: { صلحا } بأن تلين هي بترك بعض المهر أو بعض القسم أو نحو ذلك , وأن يلين ~~لها هو بإحسان العشرة في مقابلة ذلك . | ولما كان التقدير : ولا حناح ~~عليهما أن يتفارقا على وجه العدل , عطف عليه قوله : { والصلح } أي بترك كل ~~منهما حقه أو بعض حقه { خير } أي المفارقة التي أشارة إليها الجملة المطوية ~~لأن الصلح مبناه الإحسان الكامل بالرضى من الجانبين , والمفارقة مبناها ~~العدل الذي يلزمه في الأغلب غيظ أحدهما وإن كانت مشاركة للصلح في الخير , ~~لكنها مفضولة , وتخصيص المفارة بالطي لأن مبنى السورة على المواصلة . | ~~ولما كان منشأ التشاجر المانع من الصلح شكاسة في الطباع , صور سبحانه ~~وتعالى ذلك تنفيرا عنه , فقال اعتراضا بين هذه الجمل للحث على الجود بانيا ~~الفعل للمجهول إشارة إلى أن هذا المحضر لا يرضى أحد نسبته إليه : { وأحضرت ~~الأنفس } أي الناظرة إلى نفاستها عجبا { الشح } أي الحرص وسوء الخلق وقلة ~~الخير والنكد والبخل بالموجود , وكله يرجع إلى سوء الخلق والطبع الرديء ~~واعوجاج الفطرة الأولى الذي كني عنه بالإحضار الملازم الذي لا انفكاك له ~~إلا بجهاد كبير يناله به الأجر الكثير ولما كان هذا خلقا رديئا لم يذكر ~~فاعله , والمعنى : أحضهرا إياه محضر . | فصار ملازما لها , لا تنفك عنه إلا ~~بتوفيق من الله سبحانه وتعالى في قهرها عليه بتذكير ما عنده سبحانه وتعالى ~~من حسن الجزاء , ولما كان التقدير : فإن شححتم فإنه أعلم بها في الشح من ~~موجبات الذم , عطف عليه قوله : { وإن تحسنوا } أي توقعوا الإحسان بالإقامة ~~على نكاحكم وما ندبتم إليه من حسن العشرة وإن كنتم كارهين { وتتقوا } أي ~~توقعوا التقوى بمجانبة كل ما يؤذي نوع أذى إشارة إلى أن تلشحيح لا محسن ولا ~~متق { فإن الله } أي وهو الجامع لصفات الكمال { كان } أزلا وأبدا { بما ~~تعملون } أي في كل شح وإحسان { خبيرا * } أي بالغ العلم ms1056 به وأنتم تعلمون ~~أنه أكرم الأكرمين , فهو مجازيكم عليه أحسن جزاء . | ولما ذكر سبحانه ~~وتعالى أن الوقوف على الحق فضلا عن الإحسان - وإن كانت المراة واحدة - ~~متعسر , أتبعه أن ذلك عند الجمع أعسر , فقال تعالى معبرا بأداة التأكيد : { ~~ولن تستطيعوا } أي توجدوا من أنفسكم طواعية بالغة دائمة { أن تعدلوا } أي ~~من غير حيف أصلا { بين النساء } في جميع ما يجب لكل واحدة منهن عليكم من ~~الحقوق { ولو حرصتم } أي على فعل ذلك , وهذا مع قوله تعالى : < # > 77 ( { فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة } ) 77 < # > [ النساء : 3 ] كالمختم للاختصار على واحدة . | PageV02P329 ولما أخبر ~~سبحانه وتعالى بأن لا يخلو نكاح العدد عن ميل , سبب عنه قوله : { فلا } أي ~~فإن كان لا بد لكم من العدد , أو فإن وقع الميل والزوجة واحدة فلا { تميلوا ~~} ولما كان مطلق الميل غير مقدور على تركه فلم يكلف به , بين المراد بقوله ~~: { كل الميل } ثم سبب عنه قوله : { فتذروها } أي المرأة { كالمعلقة } أي ~~بين النكاح والعزوبة والزواج والانفراد . | ولما كان الميل الكثير مقدورا ~~على تركه , فكان التقدير : فإن ملتم كل الميل مع إبقاء العصمة فإن الله كان ~~منتقما حسبيا , عطف عليه قوله : { وإن تصلحوا وتتقوا } أي بأن توجدوا ~~الإصلاح بالعدل في القسم والتقوى في ترك الجور على تجدد الأوقات { فإن الله ~~} أي الذي له الكمال كله { كان غفورا رحيما * } أي محاء للذنوب بليغ ~~الإكرام فهو جدير بأن يغفر لكم مطلق الميل , ويسبغ عليكم ملابس الإنعام . | ~~ولما كان من الإصلاح المعاشرة بالمعروف , ذكر قسيمه فقال : { وإن يتفرقا } ~~أي يفترق كل من الزوجين من صاحبه { يغن الله } أي الذي له صفات الكمال { ~~كلا } أي منهما , أي يجعله غنيا هذه برجل وهذا بامرأة أو بغير ذلك من لطفه ~~, وبين منشأ هذا الغني فقال : { من سعته } أي من شمول قدرته وغير ذلك من كل ~~صفة كمال , ولمزيد الاعتناء بتقرير هذه المعاني في النفوس لإحضارها الشح , ~~كرر اسمه الأعظم الجامع فقال : { وكان الله } أي ذو الجلال والإكرام أزلا ~~وأبدا { واسعا } أي محيطا بكل ms1057 شيء { حكيما * } أي يضع الأشياء في أقوم ~~محالها . | < < # | النساء : ( 131 - 134 ) ولله ما في . . . . . # > > ^ ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في ~~الأرض وكان الله غنيا حميدا * ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله ~~وكيلا * إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا * ~~من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا ~~بصيرا ) ^ } ) | ولما كان مبنى هذه السورة على التعاطف والتراحم والتواصل , ~~لم يذكر فيها الطلاق إلا على وجه الإيماء في هذه الآية على وجه البيان ~~لرأفته وسعة رحمته وعموم تربيته , وفي ذلك معنى الوصلة والعطف , قال ابن ~~الزبير : ولكثرة ما يعرض من رعى حظوظ النفس عند الزوجية ومع القرابة - ويدق ~~ذلك ويغمض - لذلك ما تكرر كثيرا في هذه السورة الأمر بالاتقاء , وبه افتتحت ~~^ ( { اتقوا ربكم } ) ^ [ النساء : 1 ] , ^ ( { واتقوا الله الذي تساءلون ~~به والأرحام } ) ^ [ النساء : 1 ] , ^ ( { ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم } ) ^ [ النساء : 131 ] PageV02P330 ولما ذكر تعالى آية التفرق ~~وختمها بصفتي السعة والحكمة دل على الأول ترغيبا في سؤاله : { ولله } أي ~~الذي له العظمة كلها { ما في السموات } ولما كان في السياق بيان ضعف النفوس ~~وجبلها على النقائص , فكانت محتاجة إلى تقوية الكلام المخرج لها عما ألفت ~~من الباطل قال : { وما في الأرض } وعلى الثانية بالوصية بالتقوى لأنه كرر ~~الحث على التقوى في هذه الجمل في سياق الشرط بقوله : < # > 77 ( { وإن تحسنوا وتتقوا } ) 77 < # > [ النساء : 128 ] < # > 77 ( { وإن تصلحو وتتقوا } ) 77 < # > [ النساء : 128 ] فأخبر تعالى بعد اللطف بذلك السياق أن وصيته بها ~~مؤكدة , لم تزل قديما وحديثا , لأ , العلم بالمشاركة في الأمر يكون أدعى ~~للقبول , وأهون على النفس , فقال تعالى : { ولقد وصينا } أي على ما لنا من ~~العظمة . | ولما كان الاشتراك في الأحكام موجبا للرغبة فيها والتخفيف ~~لثقلها , وكانت الوصية للعالم أجدر بالقبول قال : { الذين أوتوا الكتاب } ~~أي التوراة والإنجيل ms1058 وغيرها وبنى الفعل للمجهول لأن القصد بيان كونهم أهل ~~علم ليرغب فيما أوصوا به , ودلالة على أن العلم في نفسه مهيىء للقبول , ~~ولإفادة أن وصيتهم أعم من أن تكون في الكتاب , أو على لسان الرسول من غير ~~كتاب , ولما كان إيتاؤهم الكتاب غير مستغرق للماضي وكذا الإيصاء قال : { من ~~قبلكم } أي من بني إسرائيل وغيرهم { وإياكم } أي ووصيانكم مثل ما وصيناهم ؛ ~~ولما كانت التوصية بمعنى القول فسرها بقوله : { أن اتقوا الله } أي الذي لا ~~يطاق انتقامه لأنه لا كفوء له . | ولما كان التقدير : فإن تتقوا فهو حظكم ~~وسعادتكم في الدارين , عطف عليه قوله : { وأن تكفروا } أي بترك التقوى { ~~فإن الله } أي الذي له الكمال المطلق { ما في السموات } ولما كان السياق ~~لفرض الكفر حسن التأكيد في قوله : { وما في الأرض } منكم ومن غيركم من ~~حيوان وجماد أجسادا وأروحا وأحوالا . | ولما كان المعنى : لا يخرج شيء عن ~~ملكه ولا إرادته , ولا يلحقه ضرر بكفركم , ولم تضروا إن فعلتم إلا أنفسكم , ~~لأنه غني عنكم , لا يزداد جلاله بالطاعات , ولا ينقص بالمعاصي والسيئات ؛ ~~أكده بقوله دالا على غناه واستحقاقه للمحامد : { وكان الله } أي الذي له ~~الإحاطة كلها { غنيا } أي عن كل شيء الغنى المطلق لذاته { حميدا * } أي ~~محمودا بكل لسان قالي وحالي , كفرتم أو شكرتم , فكان ذلك غاية في بيان ~~حكمته . | ولما كان الملك قد لا يمنع الاعتراض على المالك بين أن ذلك إنما ~~هو في الملك الناقص وأنه ملكه تام : { ولله } أي الذي له العلم الكامل ~~والقدرة الشاملة { ما في PageV02P331 السموات } وأكد لمثل ما مضى فقال : { ~~وما في الأرض } أي هو قائم بمصالح ذلك كله , يستقل بجميع أمره , لا معترض ~~عليه , بل هما وكل من فيهما مظهر العجز عن أمره , معلق مقاليد نفسه وأحواله ~~إليه طوعا أو كرها , فهو وكيل على كل ذلك فاعل به ما يفعل الوكيل من الأخذ ~~والقبض والبسط , ولمثل ذلك كرر الاسم الأعظم فقال : { وكفى بالله } أي الذي ~~له الأمر كله ولا أمر لأحد معه { وكيلا * } أي قائما ms1059 بالمصالح قاهرا متفردا ~~بجميع الأمور , قادرا على جميع المقدور , وقد بان - كما ترى - أن جملة ( ~~لله ) المكررة ثلاث مرات ذكرت كل مرة دليلا على شيء غير الذي قبلاه وكررت , ~~لأن الدليل الواحد إذا كان دالا على مدلولات كثيرة يحسن أن يستدل به على كل ~~واحد منها . | وإعادته مع كل واحد أولى من الاكتفاء بذكره مرة واحدة , لأن ~~عند إعادته يحضر في الذهن ما يوجب العلم بالمدلول , فيكون العلم الحاصل ~~بذلك المدلول أقوى وأجل ؛ وفي ختم كل جملة بصفة من الصفات الحسنى تنبيه ~~الذهن بها إلى أن هذا الدليل دال على أسرار شريفة ومطالب جليلة لا تنحصر , ~~فيجتهد السامع في التفكر لإظهار الأسرار والأفهام عن الاشتغال بغير الله ~~تعالى إلى الاستغراق في معرفته سبحانه , وهذا التكرير مما يفيد حصول هذا ~~المطلوب ويؤكده , فكان في غاية الحسن والكمال . | ولما تقرر بهذا شمول علم ~~من هذا من شأنه وتمام قدرته أنتج قوله مهددا مخوفا مرهبا : { إن يشأ يذهبكم ~~} وصرح بالعموم إشارة إلى عموم الإرسال بقوله : { أيها الناس } أي ~~المتفرغون من تلك النفس الوحدة كافة لغناه عنكم وقدرته على ما يريد منكم { ~~ويأت بآخرين } أي من غيركم يوالونه { وكان الله } أي الواحد الذي لا شريك ~~له أزلا وأبدا { على ذلك } أي الأمر العظيم من الإيجاد والإعدام { قديرا * ~~} أي بالغ القدرة , وهذا غاية البيان لغناه وكونه حميدا وقاهرا وشديدا , ~~وإذا تأملت ختام قوله تعالى في قصة عيسى عليه الصلاة والسلام في آخر هذه ~~السورة < # > 77 ( { سبحانه أن يكون له ولد } ) 77 < # > [ النساء : 171 ] زاد ذلك هذا السر - وهو كونه لا اعتراض عليه - وضوحا ~~. | ولما كان في هذا تهديد بليغ وتعريف بسعة الملك وكمال التصرف , وكان ~~مدار أحوال المتشاححين في الإرث وحقوق الأزواج وغيرها الأمر الدنيوي , وكان ~~سبحانه وتعالى قد بين فيما مضى أن مبنى أحوال المنافقين على طلب العرض ~~الفاني خصوصا قصة طعمة بن أبيرق الراضي لنفسه بالفضيحة في نيل شيء تافه ؛ ~~قال تعالى تفييلا لآرائهم وتخسيسا لهممهم حيث نزلوا إلى الأدنى مع القوة ~~على ms1060 طلب الأعلى مع طلب الأدنى أيضا منه تعالى , فلا يفوتهم شيء من معولهم ~~مع إحراز الأنفس : { ما كان يريد PageV02P332 ثواب الدنيا } لقصور نظره على ~~المحسوس الحاضر مع خسته كالبهائم { فعند } أي فليقبل إلى الله فإنه عند { ~~الله } أي الذي له الكمال المطلق { ثواب الدنيا } الخسيسة الفانية { الآخرة ~~} أي النفسية الباقية فليطلبها منه , فإنه يعطي من أراد ما شاء , ومن علت ~~همته عن ذلك فأقبل بقلبه إليه وقصر همه عليه فلم يطلب إلا الباقي جمع ~~سبحانه وتعالى له بينهما , كمنا يجاهد الله خالصا , فإنه يجمع له بين الأجر ~~والمغنم , وما أشد التئامها مع ذلك بما قبلها , لأن من كان تام القدرة واسع ~~الملك كان كذلك . | ولما كان الناشيء عن الإرادة إما قولا أو فعلا , وكان ~~الفعل قد يكون قلبيا قال : { وكان الله } أي المختص بجميع صفات الكمال { ~~سميعا } أي بالغ السمع لكل قول وإن خفي , نفسيا كان أو لسانيا { بصيرا * } ~~أي بالغ البصر لكل ما يمكن أن يبصر من الأفعال , والعلم بكل ما يبصر وما لا ~~يبصر منها ومن غيرهان فيكون من البصر ومن البصيرة , فليراقبه العبد قولا ~~وفعلا . | < < # | النساء : ( 135 - 136 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهدآء لله ولو على ~~أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ~~* ياأيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ~~والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملآئكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ) ^ } ) | ولما كان ذلك من أحسن المواعظ لقوم ~~طعمة الذين اعتصبوا له , التفت إليهم مستعطفا بصيغة الإيمان , جائيا بصيغة ~~الأمر على وجه يعم غيرهم , قائلا ما هو كالنتيجة لام مضى من الأمر بالقسط ~~من أول السورة إلى هنا على وجه أكده وحث عليه : { ياأيها الذين آمنوا } أي ~~أقروا بالإيمان بألسنتهم { وكونوا قوامين } أي قائمين قياما بليغا مواظبا ~~عليه مجتهدا فيه . | ولما كان ms1061 أعظم مباني هذه السورة العدل قدمه فقال : { ~~بالقسط } بخلاف ما يأتي في المائدة فإن النظر فيها إلى الوفاء الذي إنما ~~يكون بالنظر إلى الموفي له { شهداء } أي حاضرين متيقظين حضور المحاسب لكل ~~شيء أردتم الدخول فيه { لله } أي لوجه الذي كل شيء بيده لا لشيء غيره { ولو ~~} طان ذلك القسط { على أنفسكم } أي فإني لا أزيدكم بذلك إلا عزاء , وإلا ~~تفعلوا ذلك قهرتكم على الشهادة على أنفسكم على رؤوس الأشهاد , فضحتم في يوم ~~يجتمع فيه الأولون والآخرون من جميع العباد . | ولما كان ذكر أعز ما عند ~~الإنسان أتبعه ما يليه وبدأ منه بمن جمع إلى ذلك PageV02P333 الهيبة فقال : ~~{ أو } أي أو كان ذلك القسط على { الوالدين } وأتبعه ما يعمهما وغيرها فقال ~~: { والأقربين } أي من الأولاد وغيرهم , ثم على ذلك بقوله : { إن يكن } أي ~~المشهود له أو عليه { غنيا } أي ترون الشهادة له بشيء باطل دافعة ضرا منه ~~للغير من المشهود عليه أو غيره , أو مانعة فسادا أكبر منها , أو عليه بما ~~لم يكن صلاحا طمعا في نفع الفقير بما لا يضره ونحو ذلك { أو فقيرا } فيخيل ~~إليكم أن الشهادة له بما ليس له نفعه رحمة له أو بما ليس عليه لمن هو أقوى ~~منه تسكن فتنة { فالله } أي ذو الجلال والإكرام { أولى بهما } أي بنوعي ~~الغني والفقير المندرج فيهما هذان المشهود بسببهما منكم , فهو المرجو لجلب ~~النفع ودفع الضر بغير ما ظننتموه , فالضمير من الاستخدام , ولو عاد للمذكور ~~لوحد الضمير لأن المدث عنه واحد مبهم . | ولما كان هذا , تسبب عنه قوله : { ~~فلا تتبعوا } أي تتكلفوا تبع { الهوى } وتنهمكوا فيه انهماك المجتهد في ~~المحب له { أن } أي إرادة أن { تعدلوا } فقد بان لكم أنه لا عدل في ذلك ~~ولما كان التقدير : فإن تتبعوه لذلك أو لغيره فإن الله كان عليكم قديرا , ~~عطف عليه قوله : { وإن تلوا } أي ألسنتكم لتحرفوا الشهادة نوعا من التحريف ~~أو تديروا ألسنتكم أي تنطقوا بالشهادة باطلا , وقرأ ابنعامر وحمزة بضم ~~اللام - من الولاية أي تؤدوا الشهادة على ms1062 وجه من العدل , أو اللي { أو ~~تعرضوا } أي عنها وهي حق فلا تؤدوها لأمر ما { فإن الله } أي المحيط علما ~~وقدرة { كان } أي لم يزل ولا يزال { بما تعملون خبيرا * } أي بالغ العلم ~~باطنا وظاهرا , فهو يجازيكم على ذلك بما تستحقونه , فاحذروه إن خنتم , ~~وارجوه إن وفيتم , وذلك بعد ما مضى من تأديبنهم على وجه الإشارة والإيماء ~~من غير أمر , وما أنسبها لختام التي قبلها وأشد التئام الختامين : ختام هذه ~~بصفة الخبرن وتلك بصفتي السمع والبصر . | ولما أمر بالعدل على هذا الوجه ~~أمر بالحامل على ذلك , وهو الإيمان بالشارع والمبلغ والكتاب الناهج لشرائعه ~~المبين لسرائره الذي افتتح القصة بحقيته وبيان فائدته فقال : { ياأيها ~~الذين ءامنوا } أي أقروا بالإيمان ؛ ولما ناداهم بوصف الإيمان أمرهم بما لا ~~يحصل إلا به فقال مفصلا له : { ءامنوا بالله } أي لأنه أهل لذلك لذاته ~~المستجمع لجميع صفات الكمال كلها . | ولما كان الإيمان بالله لا يصح إلا ~~بالإيمان بالوسائط , وكان أقرب الوسائط إلى الإنسان الرسول قال : { ورسوله ~~} أي لأنه المبلغ عنه سواء كان من الملك أو البشر { والكتاب الذي نزل } أي ~~مفرقا بحسب المصالح تدريجا تثبيتا وتفهيما { على رسوله } PageV02P334 أي ~~لأنه المفصل لشريعتكم لشريعتكم المتكفل بما تحتاجون إليه من الأحكام ~~والمواعظ وجميع ما يصلحكم , وهو القرآن الواصل إليكم بواسطة أشرف الخلق { ~~والكتاب الذي أنزل } أي أوجد إنزاله ومضى ؛ ولما لم يكن إنزاله مستغرقا ~~للزمان الماضي بين المراد بقوله : { من قبل } من الإنجيل والزبور والتوراة ~~وغيرها لأن رسولكم بلغكم ذلك فلا يحصل الإيمان إلا بتصديقه في كل ما يقوله ~~. | ولما كان المؤمن الذي الخطاب معه عالما بأن التنزيل والإنزال لا يكون ~~إلا من الله بنيا للمفعول في قراءة ابن كثير وأبي عمروا وابن عامر للعمل ~~بالفاعل , وصرحت قراءة الباقين به . | ولما كان التقدير : فمن آمن بذلك فقد ~~اهتدى وآمن قطعا بالملائكة واليوم الآخر وغير ذلك من كل ما دعا إليه الكتاب ~~والرسول , عطف عليه قوله : { ومن يكفر } أي يوجد الكفر ويجدده وقتا من ~~الأوقات { بالله وملائكته وكتبه } أي ms1063 التي أنزلها على أنبيائه بواشطة ~~مائكته أو بغير واسطة { ورسله } أي من الملائكة والبشر , فكان الإيمان ~~بالترقي للاحتياج إليه , وكان الكفر بالتدلي للاجتراء عليه . | ولما كان ~~الإيمان بالبعث - وإن كان أظهر شيء - مما لا تستقل به العقول فلا تصل إليه ~~إلا بالرسل , ذكره بعدهم فقال : { واليوم الآخر } أي الذي أخبرت به رسله , ~~وقضت به العقول الصحيحة وإن كانت لا تستققل بإدراكه قبل تنبيه الرسل لها ~~عليه , وهو روح الوجود وسره وقوامه وعماده , فيه تكشف الحقائق وتجمع ~~الخلائق , ويظهر شمول العلم وتمام القدرة ويبسط ظل العدل وتجتني ثمرات ~~الفضل { فقد ضل } وأبلغ في التأكيد لكثرة المكذبين فقال : { ضلالا بعيدا * ~~} أي لا حيلة في رجوعه معه . | < < # | النساء : ( 137 - 141 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > ^ ( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم ~~يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا * بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ~~* الذين يتخذون الكافرين أوليآء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن ~~العزة لله جميعا * وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر ~~بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ~~إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا * الذين يتربصون بكم فإن ~~كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم ~~نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل ~~الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) ^ } ) | PageV02P335 ولما كان المتمادي ~~بعد نزول هذا الهدي موجدا للكفر مجددا له , نبه على إغراقه في البعد بغضبه ~~سبحانه وتعالى لمتاديه معلما أن الثبات على الكفر عظيم جدا , وصوره بأقبح ~~صورة , وفي ذلك ألطف استعطاف إلى النزوع عن الخلاف فقال : { إن الذين ~~ءامنوا } أي بما كانوا مهيئين له من الإيمان بالفطرة الأولى { ثم كفروا } ~~أي أوقعوا الكفر فعوجوا ما أقامه الله من فطرهم { ثم ءامنوا } أي حقيقة أو ~~بالقوة بعد مجيء الرسول بما هيأهم له بإظهار الأدلة وإقامة الحجج { ثم ~~كفروا } أي ms1064 أوقعوا الكفر فعوجوا ما أقامه الله من فطرهم { ثم ءامنوا } أي ~~حقيقة أو بالقوة بعد مجيء الرسول بما هيأهم له بإظهار الأدلة وإقامة الحجج ~~{ ثم كفروا } أي بذلك الرسول أو برسول آخر بتجديد الكفر أو التمادي فيه { ~~ثم ازدادوا } أي بإصرارهم على الكفر إلى الموت { كفرا لم يكن الله } أي ~~الذي له صفات الكمال { ليغفر لهم } أي ما داموا على هذا الحال لأنه لا يغفر ~~أن يشرك به { ولا ليهديهم سبيلا * } أي من السبل الموصلة إلى المقصود . | ~~ولما كانت جميع صور الآية منبطقة على النفاق , بعضها حقيقة وبعضها مجازا , ~~قال جوابا لمن كأنه سأل عن جزائهم متهكما بهم : { بشر المنافقين } فأظهر ~~موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف { بأن لهم عذابا أليما * } ثم ~~وصفهم بما يدل على أنهم المساترون بالكفر بقوله تعالى : { الذين يتخذون ~~الكافرين } أي المجاهرين بالكفر { أولياء } أي يتعززون بهم تنفيرا من ~~مقاربة صفتهم ليتميز المخلص من المنافق , وبيانا لأن مرادهم بولايتهم إنما ~~هو التعزز بهم فإن محط أمرهم على العرض الدنيوي , ونبه على دناءة أمرهم على ~~أن الغريق في الإيمان أعلى الناس بقوله : { من دون المؤمنين } أي الغريقين ~~في الإيمان , ثم أنكر عليهم هذا المراد بقوله : { أيبتغون } أي المنافقون ~~يتطلبون , تطلبا عظيما { عندهم } أي الكافرين { العزة } فكأنه قال : طلبهم ~~العزة بهم سفه من الرأي وبعد من الصواب , لأنه لا شيء من العزة عندهم . | ~~ولما أنكر عليهم هذا الابتغاء علله بقوله : { فإن العزة لله } أي الذي لا ~~كفوء له { جميعا * } أي وهم أعداء الله فإنما يترقب لهم ضرب الذلة والمسكنة ~~, وما أحسن التفات هذه الآية إلى أول الآيات المحذرة من أهل الكتاب < # > 77 ( { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب } ) 77 < # > [ النساء : 44 ] المختتمة بقوله : < # > 77 ( { وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا } ) 77 < # > [ النساء : 45 ] { وقد } أي يتخذونهم والحال أنه قد { نزل عليكم } أي ~~أيتها الأمة , الصادقين منكم والمنافقين { في الكتاب } أي في سورة الأنعام ~~النازلة بمكة المشرفة النهي عن مجالستهم فضلا عن ولايتهم , أفلا تخافون عزة ~~من ms1065 نهاكم عن ذلك أن يضربكم بذل لا تخلصون منه أبدا , لأنهم لا تنفكون عن ~~الكفر بآيات الله فإنه لا تباح ولايتهم يف حال من الأحوال إلا عند الإعراض ~~عن الكفر , وذلك هو المراد من قوله : { أن } أي إنه { إذا سمعتم آيات الله ~~} أي ذي الجلال والإكرام . | PageV02P336 ولما كان السماع مجملا بين المراد ~~بقول : { يكفر بها } أي يستر ما أظهرت من الأدلة من أي كافر كان من اليهود ~~وغيرهم { ويستهزأ بها } أي يطلب طلبا شديدا أن تكون مما يهزأ به { فلا ~~تقعدوا معهم } أي الذين يفعلون ذلك بها { حتى يخوضوا } وعبر عن الشروع ~~بالخوض إيماء إلى أن كلامهم لا يخلو عن شيء في غير موضعه , رمزا إلى عدم ~~مجالستهم على كل حال { في حديث غيره } فهذا نهي من مجرد مجالستهم فكيف ~~بولايتهم . | ولما كانت آية الأنعام مكية اقتصر فيها على مجرد الإعراض وقطع ~~المجالسة لعدم التمكن من الإنكار بغير القلب , وأما هذه الآية فمدنية ~~فالتغيير عند إنزالها باللسان واليد ممكن لكل مسلم , فالمجالس من غير نكير ~~راض , فلهذا علل بقوله : { إنكم إذا } أي إذا قعدتم معهم وهم يفعلون ذلك { ~~مثلهم } أي في الكفر لأن مجالسة المظهر للإيماء المصرح بالكفران دالة على ~~أن إظهاره لما أظهر نفاق , وأنه راض بما يصرح به هذا الكافر والرضى بالكفر ~~كفر , فاشتد حسن ختم الآية بجمع الفريقين في جهنم بقوله مستأنفا لجواب ~~السؤال عما تكون به المماثلة : { إن الله } أي الذي أحاط علمه فتمت قدرته { ~~جامع } ولما كان حال الأخفى أهم قدم قوله : { المنافقين } أي الذين يظهرون ~~الإيمان ويبطنون الكفر فيقعدون مع من يسمعونه بكفر { والكافرين } أي الذين ~~يجاهرون بكفرهم لرسوخهم فيه { في جهنم } التي هي سجن الملك { جميعا } كما ~~جمعهم معهم مجلس الكفر الذي هو طعن في ملك الملك , والتسوية بينهم في الكفر ~~بالقعود معهم دالة على التسوية بين العاصية ومجالسه بالخلطة من غير إنكار ؛ ~~ثم وصفهم سبحانه وتعالى بما يعرف بهم فقال : { الذين يتربصون بكم } أي ~~يثبتون على حالهم انتظارا لوقوع ما يغيظكم { فإن ms1066 كان لكم فتح } أي ظهور وعز ~~وظفر , وقال : { من الله } أي الذي له العظمة كلها - تذكيرا للمؤمنين بما ~~يديم اعتمادهم عليه وافتقارهم إليه { قالوا } أي الذين آمنوا نفاقا لكم ~~أيها المؤمنون { ألم نكن معكم } أي ظاهرا بأبداننا بما تسمعون من أقوالنا ~~فأشركونا في فتحكم { وإن كان للكافرين } أي المجاهرين , وقال : { نصيب } ~~تحقيرا لظفرهم وأنه لا يضر بما حصل للمؤمنين من الفتح { قالوا } للكافرين ~~ليشركوهم في نصيبهم { ألم نستحوذ عليكم } أي نطلب حياطتكم والمحافظة على ~~مودتكم حتى غلبنا على جميع أسراركم واستولينا عليها , وخالطناكم مخالطة ~~الدم للبدن , من قولهم : حاذه , أي حاطه وحافظ عليه { ونمنعكم من المؤمنين ~~} أي من تسلطهم عليكم بما كنا PageV02P337 نخادعهم به , ونشيع فيهم من ~~الإرجافات والأمور المرغبات الصارفة لهم عن كثير من المقاصد , لتصديقهم لنا ~~لأظهارنا الإيمان , ورضانا من مداهنة من نكره بما لا يرضاه إنسان . | ولما ~~كان هذا لأهل الله سبحانه وتعالى أمرا غائظا ملقا موجعا ؛ سبب عنه قوله : { ~~فالله } أي بما له من جميع صفات العظمة { يحكم بينكم } أي أيها المؤمنون ~~والكافرون المساترون والمجاهرةن . | ولما كان الحكم في الدارين بين أنه في ~~الدار التي لا يظهر فيها أحد غيره أمر ظاهرا ولا باطنا , وتظهر فيها جميع ~~المخبئات فقال : { يوم القيامة } ولما كان هذا ربما أيأسهم من الدنيا قال : ~~{ ولن يجعل الله } عبر بأداة التأكيد وبالاسم الأعظم لاسبتعاد الغلبة على ~~الكفرة لما لهم في ذلك الزمان من القوة والكثرة { للكافرين } أي سواء كانوا ~~مساترين أو مجاهرين { على المؤمنين } أي كلهم { سبيلا * } أي بوجه في دنيا ~~ولا آخرة , وهذا تسفيه لآرائهم واستخفاف بعقولهم فكأنه يقول : يا أيها ~~المتربصون بأحباب الله الدوائر , المتمنون لأعدائه النصر - وقد قامت الأدلة ~~على أن العزة جميعا لله - ! ما أضلكم في ظنكم أنه يخذل أولياءه ! وما أغلظ ~~أكبادكم ! ويدخل في عمومها أنه لا يقتل مسلم بذمي , ولا يملك كافر مال مسلم ~~قهرا ؛ ثم بين أن صورتهم في ضربهم الشقة بالوجهين صورة المخادع , وما أضلهم ~~حيث خادعوا من لا يجوز عليه الخداع لعلمه بالخافيا ms1067 , فقال معاللا لمنعهم ~~السبيل . | < < # | النساء : ( 142 - 144 ) إن المنافقين يخادعون . . . . . # > > ^ ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة ~~قاموا كسالى يرآءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا * مذبذبين بين ذلك لا ~~إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا * ياأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا الكافرين أوليآء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله ~~عليكم سلطانا مبينا ) ^ } ) | { إن المنافقين } لإظهارهم لكل من غلب أنهم ~~منه { يخادعون الله } أي يفعلون بإظهار ما يسر وإبطان ما يضر فعل المخادع ~~مع من له الإحاطة الكاملة بكل شيء لأنه سبحانه وتعالى يستدرجهم من حيث لا ~~يشعرون , وهم يخدعون المؤمنين بإظهار الإيمان وإبطان الكفر { وهو } الذي ~~أمر المؤمنين بما أمرهم فكأنهم يفعلون ذلك معه وهو { خادعهم } باستدارجهم ~~من حيث لا يعلمون , لأنه قادر على أخذهم من مأمنهم وهم PageV02P338 ليسوا ~~قادرين على خدعه بوجه { وإذا } أي يخادعونه والحال أنهم قد فضحوا أنفسهم ~~بما أظهر مكرهم للمستبصرين وهو أنهم إذا { قاموا إلى الصلاة } أي المكتوبة ~~{ قاموا كسالى } متقاعسين متثاقلين عادة , لا ينفكون عنها , بحيث يعرف ذلك ~~منهم كل من تأملهم , لأنهم يرون أناه تعب من غير أرب , فالداعي إلى تركها - ~~وهو الراحة - أقوى م الداعي إلى فعلها وهو خوف الناس ؛ ثم استأن في جواب من ~~كأنه قال : ما لهم يفعلون ذلك ؟ فقال : { يرآءون الناس } أي يفعلون ذلك ~~ليراهم الناس , ليس إلا ليظنوهم مؤمنين , ويريهم الناس لأجل ذلك ما يسرهم ~~من عدهم في عداد المؤمنين لما يرون هم المؤمنين حين يصلون { ولا يذكرون ~~الله } أي الذي له جميع صفات الكمال في الصلاة وغيرها { إلا قليلا * } أي ~~حيث يتعين ذلك طريقا لمخادعتهم , يفعلون ذلك حال كونهم { مذبذبين } أي ~~مضطربين كما يضطرب الشيء الخفيف المعلق في الهواء , وحقيقة : الذي يذب عن ~~كلا الجانبين ذبا عظيما . | ولما كان ما تقدم يدل على إيمانهم تارة وكفرهم ~~أخرى قال : { بين ذلك } أي الإيمان والكفر ؛ ولما كان الإيمان بدل على أهله ~~والكفر كذلك قال : { لا إلى } أي لا يجدون ms1068 سبيلا مفر إلى { هؤلاء } أي ~~المؤمنين { ولا إلى هؤلاء } أي الكافرين ؛ ولما كان التقدير ! لأن الله ~~أضلهم , بنى عليه قوله : { ومن يضلل الله } أي الشامل القدرة الكامل العلم ~~{ فلن تجد } أي أصلا { له سبيلا * } أي طريقا إلى شيء يريده . | ولما انقضى ~~ما أراد من الإنكار على من ادعى الإيمان في اتخاذ الكافرين أولياء , ~~المستلزم للنهي عن ذلك الاتخاذ , صرح به مخاطبا للمؤمنين فقال : { ياأيها ~~الذين ءامنوا } أي أقروا بالإيمان بأسلنتهم صدقا أو كذبا { لا تتخذوا } أي ~~تكلفوا أنفسكم غير ما تدعوا إليه الفطرة الأولى السليمة فتأخذوا { الكافرين ~~} أي المجاهرين بالكفر الغريقين فيه { أولياء } أي أقرباء , تفعلون معهم من ~~الود والنصرة ما يفعل القريب مع قريبه . | ولما كان الغريق في الإيمان أعلى ~~الناس , وكان تحت رتبته رتب متكاثره , نبه على ذلك وعلى دناءة مقصدهم ~~بالجار فقال : { من دون المؤمنين } أي الغريقين في الإيمان , وهذا إشارة ~~إلى أنه لا يصح لمن يواليهم دعوى الإيمان , ولذلك قال منكرا : { أتريدون } ~~أي بموالاتهم { أن تجعلوا لله } أي الذي لا تطاق سطوته لأن له الكمال كله { ~~عليكم } أي في النسبة إلى النفاق { سلطانا } أي دليلا اضحا على كفركم ~~باتباعكم غير سبيل المؤمنين { ميبنا * } واضحا مسوغا لعقابكم وخزيكم وجعلكم ~~في زمرة المنافقين . | PageV02P339 < < # | النساء : ( 145 - 147 ) إن المنافقين في . . . . . # > > ^ ( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا * إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين ~~وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما * ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ~~وكان الله شاكرا عليما ) ^ } ) | ولما نهاهم عن فعل المنافقين استأنف بيان ~~جزائهم عنده فقال : { إن المنافقين في الدرك } أي البطن والمنزل { الأسفل ~~من النار } لأن ذلك أخفى ما في النار وأستره وأدناه وأوضعه كما أن كفرهم ~~أخفى الكفر أدناه , وهو أيضا أخبث طبقات النار كما أن كفرهم أخبث أنواع ~~الكفر , وفيه أن من السطلان وضع فاعل ذلك في دار المنافقين لفعله مثل فعلهم ~~, ومن تشبه بقوم فهو منهم , وسميت طبقات النار أدراكا لأناه ms1069 متداركة ~~متتابعة إلى أسفل كما أن الدرج متراقية إلى فوق . | ولما أخبر أنهم من هذا ~~المحل الضنك , أخبر بدوامه لهم على وجه مؤملم جدا فقال : { ولن تجد } أي ~~أبدا { لهم نصيرا * } وأشار بالنهي عن موالاتهم وعدم نصرهم إلى ختام أول ~~الآيات المحذرة من الكافرين ^ ( { وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا } ) ^ ~~[ النساء : 45 ] ولما كان فيما تقدم أن الغفران للكافر - أعم من أن يكون ~~منافقا أولا - متعذر , وأتبعه ما لاءمه إلى أن ختم بما دل على أن النفاق ~~أغلظ أنواع الكفر استثنى منه دلالة على أن غيره من الكفرة في هذا الاستثناء ~~أولى , تنبيها على أن ذلك النفي المبالغ فيه إنما هو لمن مات على ذلك , ~~ولكنه سيق على ذلك الوجه تهويلا لما ذكره في حيزه وتنفيرا منه فقال تعالى : ~~{ إلا الذين تابوا } أي رجعوا عما كانوا عليه من النفاق بالندم والإقلاع { ~~وأصحلوا } أي أعمالهم الظاهرة من الصلاة التي كانوا يراؤون فيها وغيرها ~~بالإقلاع عن النفاق { واعتصموا بالله } أي اجتهدوا في أن تكون عصمتهم - أي ~~ارتباطهم - بالملك الأعظم في عدم العود إلى ما كانوا عليه . | ولما كان ~~الإقلاع عن النفاق الذي من أنواعه الرياء - أصلا ورأسا في غاية العسر قال ~~حثا على مجاهدة النفس فيه : { وأخلصوا دينهم } أي كله { لله } أي الذي له ~~الكمال كله , فلم يريدوا بشيء من عبادتهم غير وجهه لا رياء ولا غيره { ~~فأولئك } أي العالو الرتبة { مع المؤمنين } أي الذي صار الإيمان لهم وصفا ~~راسخا في الجنة , وإن عذبوا على معاصيهم ففي الطبقة العليا من النار { وسوف ~~يؤت الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { المؤمنين } أي بوعد لا خلف فيه ~~وإن أصابهم قبل ذلك ما أصابهم وإن PageV02P340 طال عذابهم , تهذيبا لهم من ~~المعاصي بما أشار إليه لفظ ( سوف ) { أجرا عظيما * } أي بالخلود في الجنة ~~التي لا ينقضي نعيمها , ولا يتكدر يوما نزيلها , فيشاركهم من كان معهم , ~~لأنهم القول لا يشقى بهم جليسهم . | ولما كان معنى الاستثناء أنه لا يعذبهم ~~, وأنهم يجدون الشفيع بإذنه ؛ قال مؤكدا لذلك ms1070 على وجه الاستنتاج منكرا على ~~من ظن أنه لا يقبلهم بعد الإغراق في المهالك : { من يفعل الله } أي وهو ~~المتصف بصفات الكمال التي منها الغنى المطلق { بعذابكم } أي أياه الناس , ~~فإنه لا يجلب له نفعا ولا يدفع عنه ضرا ولما كان الخطاب مع الذين آمنوا قال ~~: { إن شكرتم } أي نعمه التي من أعظمها إنزال الكتاب الهادي إلى الرشاد , ~~المنقذ من كل ضلال , المبين لجميع ما يحتاج إليه العباد , فأداكم التفكر في ~~حالها إلى معرفة مسديها , فأذعنتم له وهرعتم إلى طاعته بالإخلاص في عبادته ~~وأبعدتم عن معصية . | ولما كان الشرك هو الحامل على الإيمان قدمه عليه , ~~ولما كان لا يقبل إلا به قال : { وآمنتم } أي به إيمانا خالصا موافقا فيه ~~القلب ما أظهره اللسان ؛ ولما كان معنى الإنكار أنه لا يعذبكم , بل يشكر ~~ذلك قال عاطفا عليه : { وكان الله } أي ذو الجلال والإكرام أزلا وأبدا { ~~شاكرا } لمن كشره بإثابته على طاعته فوق ما يستحقه { عليما * } بمن عمل له ~~شيئا وإن دق , لا يجوز عليه سهو ولا غلط ولا اشتباه . | < < # | النساء : ( 148 - 151 ) لا يحب الله . . . . . # > > ^ ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا ~~عليما * إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا * ~~إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون ~~نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون ~~حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ) ^ } ) | ولما أتم سبحانه وتعالى ما ~~أراد من تقبيح حال المجالسين الخائضين في آياته بما هي منزهة عنه , ومما ~~يتبعه من وصفهم وبيان قصدهم بتلك المجالسة من النهي عن مثل حالهم , ومن ~~جزاء من فعل مثل فعلهم - إلى أن ختم بأشد عذاب المنافقين , وحث على التوبة ~~بما خمته بصفتي الشكر والعلم ؛ أخبر أنه يبغض خوض الكافرين الذين قبح ~~مجالستهم حال التلبس به , وكذا كل جهر بسوء إلا ما استثناءه , فمن أقدم على ~~ما لا يحبه لم يقم بحق عبوديته ms1071 , فقال معللا ما مضى قبل افتتاح أمر ~~المنافقين من الأمر بإحسانه التحية : { لا يحب الله } أي المختص بصفات ~~الكمال { الجهر } أي ما يظهر PageV02P341 فيصير في عداد الجهر { بالسوء } ~~أي الذي يسوء ويؤذي { من القول } أي لأحد كائنا من كان , فإن ذلك ليس من ~~شكر اله من لا يشكر الناس { إلا من } أي جهر من { ظلم } أي كان من أحد من ~~الناس ظلم إليه كائنا من كان فإنه يجوز له الجهر بشكواه والتظلم منه ~~والدعاء عليه وإن ساءه ذلك بحيث لا يعتدي . | ولما كان القول مما يسمع , ~~وكان من الظلم ما قد يخفي , قال مرغبا مرهبا : { وكان الله } أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة { سمعيا } أي لكل ما يمكن سماعه من جهر وغيره { عليما * } ~~أي بكل ما يمكن أن يعلم فاحذروه لسلا يفعل بكم فعل الساخط , وجهر ومن ظلم - ~~وإن كان داخلا فيما يحبه الله تعالى على تقدير كون الاستثناء متصلا - لكن ~~جعله من جملة السوء وإن كان من باب المشاكلة فإن فيه لطيفة , وهي نهي الفطن ~~عن تعاطيه وحثه على العفو , لأن من علم أن فعله بحيث ينطلق اسم السوء - على ~~أي وجه كان إطلاقه - كف عنه إن كان موفقا . | ولما كانت معاقد الخيرات على ~~كثرتها منحصرة في قسمين : إيصال النفع إبداء وإخفاء , ودفع الضرر , فكان قد ~~أشار سبحانه وتعالى إلى العفو , وختم بصفتي السمع والعلم ؛ قال مصرحا ~~بالندب إلى العفو والإحسان , فكان نادبا إليه مرتين : الأولى بطريق الإشارة ~~لأولى البصارة , والثانية بطريق العبارة للراغبين في التجارة , حثا على ~~الأحب إليه سبحانه والأفضل عنده والأدخل في باب الكرم : { إن تبدوا خيرا } ~~أي من قول أو غيره { أو تخفوه } أي تفعلوه خفية ابتداء أو في مقابلة سوء ~~فعل إليكم ؛ ولما ذكر فعل الخير أتبعه نوعا منه هو أفضله فقال : { أو تعفوا ~~عن سوء } أي فعل بكم . | ولما كان التقدير : يعلمه بما له من صفتي السمع ~~والعلم فيجازي عليه بخير أفضل منه وعفو أعظم من عفوكم ؛ سبب عنه قوله : { ~~فإن } أي فأنتم جديرون ms1072 بالعفو بسبب علمكم بأن { الله كان } أي دائما أزلا ~~وأبدا { عفوا } ولما كان ترك العقاب لا يسمى عفوا إلا إذا كان من قادر وكان ~~الكف - عند القدرة عن الانتقام , ممن أثر في القلوب الآثار العظام - بعيدا ~~, شاقا على النفس شديدا ؛ قال تعالى مذكرا للعباد بذنوبهم إليه وقدرته ~~عليهم : { قديرا * } أي بالغ العفو عن كل ما يريد العفو عنه من أفعال ~~الجانبين والقدرة على كل ما يريد ومن يريد , فالذي لا ينفك عن ذنب وعجز ~~أولى بالعفو طمعا في عفو القادر عنه وخوفا منانتقامه منه وتخلقا بخلقه ~~العظيم والاقتداء بسنته . | ولما انقضى ذلك على أتم وجه وأحسن سياق ونحو , ~~وختم بصفتي العفو والقدرة ؛ شرع في بيان أحوال من لا يعفى عنه من أهل ~~الكتاب , وبيان أنهم هم الذين PageV02P342 أضلوا المنافقين بما يلقون إليهم ~~من الشبه التي وسع عقولهم لها ما أنعم به عليهم سبحانه وتعالى من العلم , ~~فأبدوا الشر وكتموا الخير , فوضعوا نعمته حيث يكره , ثم كشف سبحانه وتعالى ~~بعض شببهم , فقال مبينا لما افتتح به قصصهم من أنهم اشتروا الضلالة بالهدى ~~, ويريدون ضلال غيرهم , بعد أن كان ختم هناك ما قبل قصصهم بقوله عفوا قديرا ~~: { إن الذين يكفرون } أي يسترون ما عندهم من العلم { بالله } أي الذي له ~~الاختصاص بالجلال والجمال { ورسله } . | ولما ذكر آخر أمرهم ذكر السبب ~~الموقع فيه فقال : { ويريدون أن يفرقوا بين الله } أي الذي له الأمر كله , ~~ولا أمر لأحد معه { ورسله } أي فيصدقون بالله ويكذبون ببعض الرسل فينفون ~~رسالاتهم , المستلزم لنسبتهم إلى الكذب على الله المقتضي لكون الله سبحانه ~~وتعالى بريئا منهم . # ولما ذكر الإرادة ذكر ما نشأ عنها فقال : { ويقولون نؤمن ببعض } أي من ~~الله ورسله كاليهود الذين آمنوا بموسى عليه الصلاة والسلام وغيره إلا عيسى ~~ومحمدا صلى الله عليه وسلم فكفروا بهما { ونكفر ببعض } أي من ذلك وهم الرسل ~~كمحمد صلى الله عليه وسلم { ويريدون أن يتخذوا } أي يتكلفوا أن يأخذوا { ~~بين ذلك } أي الإيمان والكفر { سبيلا * } أي طريقا يكفرون به , وعطف الجمل ms1073 ~~بالواو - وإن كان بعضها سببا لبعض - إشارة إلى أنهم جديرون بالوصف بكل منها ~~على انفراده , وأن كل خصلة كافية في نسبة الكفر إليهم , وقدم نتيجتها , ~~وختم بالحكم بها على وجه أضخم , تفظيعا لحالهم , وأصل الكلام : أرادوا ~~سبيلا بين سبيلين , فقالوا : نكفر ببعض , فأروادوا التفرقة , فكفروا كفرا ~~هو في غاية الشناعة على علم منهم , فأنتج ذلك : { أولئك } أي البعداء ~~البغضاء { هم الكافرون } أي الغريقون في الكفر { حقا } ولزمهم الكفر ~~بالجميع لأن الدليل على نبوة البعض لزم منه القطع بنبوة كل من حصل منه مثل ~~ذلك الدليل , وحيث جوز حصول الدليل بدون المدلول تعذر الاستدلال به على شيء ~~كالمعجزة , فلزم حينئذ الكفر بالجميع , فثبت أن من كذب بنبوة أحد من ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لزمه الكفر بجميع الأنبياء , ومن لزمه الكفر ~~بهم لزمه الكفر بالله وكل ما جاء به . | ولما كان التقدير : فلا جرم أنا ~~أعتدنا - أي هيأنا - لهم عذابا مهينا , عطف عليه تعميما : { وأعتدنا ~~للكافرين } أي جميعا { عذابا مهينا * } أي كما استهانوا بعض الرسل وهم ~~الجديرون بالحب والكرامة , والآية شاملة لهم ولغيرهم من كان حاله كحالهم , ~~وإيلاء ذلك بيان أحوال المنافقين أنسب شيء وأحسنه للتعريف بأنهم منافقون , ~~من حيث أنهم يظهرون شيئا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ويبطنون غيره وإن ~~كان ما يظهرونه على الضد مما PageV02P343 يظهره المنافقون , وبأنهم هم ~~الذين أضلوا المنافقين , وللتحذير من أقوالهم وتزييف ما حرفوا من محالهم , ~~وفي ذلك التفات إلى أول هذه القصة ^ ( { يا أيها الذين ءامنوا ءامنوا بالله ~~ورسوله } ) ^ [ النساء : 136 ] . | < < # | النساء : ( 152 - 153 ) والذين آمنوا بالله . . . . . # > > ^ ( والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف ~~يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما * يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم ~~كتابا من السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم ~~الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جآءتهم البينات فعفونا عن ذلك ~~وآتينا موسى سلطانا مبينا ) ^ } ) | ولما بين سبحانه وتعالى ما أعد لهم بين ~~ما أعد لأضدادهم من ms1074 أهل طاعته بقوله : { والذين ءامنوا بالله } أي الذي له ~~الكمال والجمال { ورسله } ولما جمعوهم في الإيمان ضد ما فعل أهل الكفران , ~~صرح بما أفهمه فقال : { ولم يفرقوا } أي في اعتقادهم { بين أحد منهم } أي ~~لم يجعلوا أحدا منهم على صفة الفرقة البليغة من صاحبه بأن كفروا ببعض ~~وآمنوا ببعض - كما فعل الأشقياء , والتفرقة تقتضي شيئين فصاعدا , و ( أحد ) ~~عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما , فلذلك صح التعبير به ~~بمعنى : بين اثنين أو جماعة , وكأنه اختير للمبالغة بأن لو أن الواحد يمكن ~~فيه التفرقة فكان الإيمان بالبعض دون البعض كفرا { أولئك } أي العالو ~~الرتبة في رتب السعادة . | ولما كان المراد تأكيد وعدهم , وكان المشاهد فيه ~~غالبا التأخر قال : { سوف نؤتيهم } أي بما لنا من العظمة بوعد لا خلف فيه ~~وإن تأخر , فالمراد تحقيقه , لا تحقيق تأخره , ولكنه أتى بالأداة التي هي ~~أكثر حروفا وأشد تنفيسا , لأن هذا السياق لأهل الإيمان المجرد , الشامل لمن ~~لم يكن له عمل , ولذا أضاف الأجور غليهم , وختم بالمغفرة لئلا يحصل لهم بأس ~~وإن طال المدى { أجورهم } أي كاملة بحسب نياتهم وأعمالهم . | ولما كان ~~الإنسان محل النقصان قال : { وكان الله } أي الذي لا يبلغ الواصفون كنه ما ~~له من صفات الكمال { غفورا } لما يريد من الزلات { رحيما * } أي بمن يريد ~~إسعادة بالجنات . | ولما أخبر تعالى بما على المفرقين بين الله ورسله وما ~~لأضدادهم أتبعه بعض ما أرادوا به الفرقة , وذلك أن كعب بن الشرف وفنحاص بن ~~عازوراء من اليهود قالا كذبا : إن كنت نبيا فأتنا بكتاب جملة من السماء ~~نعاينه حين ينزل - كما أتى موسى عليه الصلاة والسلام بكتابه كذلك , فأنزل ~~الله تعالى موبخا لهم على هذا الكذب مشيرا إلى كذبهم فيه موهيا لسؤالهم ~~محذرا من غوائله مبينا لكفرهم بالله ورسله : { يسألك } PageV02P344 ولما ~~كانت هذه من أعظم شبههم التي أضلوا بها من أراد الله , وذلك أنهم رأوا أن ~~هذا الكتاب المبين أعظم المعجزات , وأن العرب لم يمكنهم الطعن فيه على وجه ~~يمكن قبوله , فوجههو مكايدهم نحوه ms1075 بهذه الشبهة ونحوها , زيفها سبحانه ~~وتعالى أتم تزييف , وفضحهم بسببها غاية الفضيحة , وزاد سبحانه في تبكيتهم ~~بقوله : { أهل الكتاب } إشارة إلى أن العالم ينبغي له أن يكون أبعد الناس ~~من التمويه فضلا عن الكذب الصريح { أن تنزل عليهم } أي خاصا بهم بإثبات ~~أسمائهم { كتابا من السماء } ؛ وأما أوهموا به في قولهم هذا من أن موسى ~~عليه الصلاة والسلام أتى بالتوراة جملة كذبة تلقفها منهم من أراد الله ~~تعالى من أهل الإسلام , ظنا منهم أن الله تبارك وتعالى أقرهم عليها وليس ~~كذلك - كما يفهمه السياق كله , ويأتي ما هو كالصريح فيه في قوله : { إنا ~~أوحينا إليك } - الآية كما سيأتي بيانه , واليهود الآن معترفون بأنها لم ~~تنزل جملة , وقال الكلبي في قصة البقرة التي ذبحوها لأجل القتيل الذي ~~تداروا فيه : وذلك قبل نزول القسامة في التوراة . | ولما كان هذا مما ~~يستعظمه النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى ذلك مبينا تسلية له صلى الله ~~عليه وسلم أن عادتهم التعنت , وديدنهم الكفر وأنهم أغرق الناس في غلظ ~~الأكباد وجلافة الطبائع , وأن أوائلهم تعنتوا على من يدعون الإيمان به الآن ~~, وأنهم على شريعته , وأحب شيء فيه ما أراهم من تلك الآيات العظام التي ~~منها استنقاذهم من العيودية بل من الذبح وأن ذلك تكرر منهم مع ما يشاهدونه ~~من القوارع والعفو فقال : { فقد } أي إن تستعظم ذلك فق { سألوا } أي آباؤهم ~~, أي وهم على نهجهم في التعنت فهم شركاؤهم { موسى } لغير داع سوى التعنت { ~~أكبر } أي أعظم { من ذلك } أي الأمر العظيم الذي واجهوك به بعد ما ظهرت من ~~المعجزات ما أوجبنا على كل من علمها الإيمان بك والتأديب معك , ثم بينه ~~بقوله : { فقالوا أرنا الله } أي عيانا من غير ستر ولا حجاب ولا نوع من ~~خفاء بل تحيط به أبصارنا كما يحيط السمع بالقول الجهر , وهذا يدل على أن ~~كلا من السؤالين ممنوع لكونه ظلما , لأدائه إلى الاستخفاف بما نقدمه من ~~المعجزان , وعده غير كاف مع أن إنزا الكتاب جملة غير مناسب للحكمة التي ms1076 ~~بنيت عليها هذه الدار من ربط المسببات بالأسباب وبنائها عليها , لأن من ~~المعلوم أن تفريق الأوامر سبب لخفة حملها , وذلك أدعى لامتثالها وايسر ~~لحفظها وأعون على فهمها , وأعظم تثبيتا للمنزل عليه وأشرح لصدره وأقوى ~~لقلبه وأبعث لشوقه , والرؤية على هذا الوجه الذي طلبوه - وهو الإحاطة - ~~محال فسؤالهم لذلك استخفاف مع أنه تعنت , ولذلك سبب عن سؤالهم قوله : ~~PageV02P345 { فأخذتهم } أي عقب هذا السؤال وبسببه من غير إمهال أخذ قهر ~~وغلبة { الصاعقة } أي نار نزلت من السماء بصوت عظيم هو جدير بأن لا يسمى ~~غيره - إذا نسب إليه - صاعقة , فأهلكتهم { بظلمهم } أي بسبب ظلمهم بهذا ~~السؤال وغيره , لكونه تعنتا من غير مقتض له أصلا , وبطلب الرؤية على وجه ~~محال وهو طلب الإحاطة { ثم } بعد العفو عنهم وإحيائهم من إماتة هذه الصاعة ~~{ اتخذوا العجل } أي تكلفوا أخذه وعتوا أنفسهم باصطناعه . | ولما كان الضال ~~بعد فرط البيان أجدر بالتبكيت قال : { من بعد } وأدخل الجار إعلاما بأن ~~اتخاذهم لم يستغرق زمان البعد , بل تابوا عنه { ما جاءتهم البينات } أي ~~بهذا الذنب العظيم بتوبتنا عليهم من غير استئصال لهم { وآتينا } أي بعظمتنا ~~التي لا تدانيها عظمة { موسى سلطانا } أي تسلطا واستيلاء قاهرا { مبينا * } ~~أي ظاهرا فإنه أمرهم بقتل أنفسهم فبادروا الامتثال بعد ما ارتكبوا من عظيم ~~هذا الضلال , وفي رمز ظاهر إلى أنه سبحانه وتعالى يسلط محمدا صلى الله عليه ~~وسلم على كل من يعاند أعظم من هذا التسليط . | < < # | النساء : ( 154 - 155 ) ورفعنا فوقهم الطور . . . . . # > > ^ ( ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا ~~لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا * فبما نقضهم ميثاقهم ~~وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبيآء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله ~~عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) ^ } ) | ولما بين هذا من عظمته أتبعه ~~أمرا آخر أعظم منه فقالك { ورفعنا } أي بعظمتنا ؛ ولما كان قد ملأ جهة ~~الفوق بأن وارى جميع أبدانهم ولم يسلم أحد منهم من ذلك ؛ نزع الجار فقال : ~~{ فوقهم الطور } أي الجبل العظيم , ثم ذكر ms1077 سبب رفعه فقال : { بميثاقهم } أي ~~حتى التزموه وأذعنوا له وقبلوه . | ولما ذكر الميثاق على هذا الوجه العجيب ~~أتبعه ما نقضوا فيه على سهولته دليلا على سوء طباعهم فقال : { وقلنا لهم } ~~أي بما تكرر لهم من رؤية عظمتنا { وقلنا لهم } أي على لسان موسى عليه ~~الصلاة والسلام في كثير من التوراة { لا تعدوا } أي لا تتجاوزوا ما حددناه ~~لكم { في السبت } أي لا تعملوا فيه عملا من الأعمال - تسمية للشيء باسم ~~سببه سمي عدوا لأن العالم للشيء يكون لشدة إقباله عليه كأنه يعدو { وأخذنا ~~منهم } أي في جميع ذلك { ميثاقا غليظا * } وإنما جزمت بأن المراد بهذا - ~~والله تعالى أعلم - على لسان موسى عليه الصلاة والسلام , لأنه تعالى كرر ~~التأكيد عليهم PageV02P346 في التوراة في حفظ السبت , وأوصاهم به , وعهد ~~إليهم فيه ما قل أن عهده في شيء من الفروع غيره , قال بعض المترجمين ~~للتوراة في السفر الثاني في العشر الآيات التي أولها ( أنا إلهك الذي ~~أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق , لا يكون لك إله غيري ) ما نصه : ~~اذكر حفظ يوم السبت وطهره ستة أيام , كد فيها واصنع جميع ما ينبغي لك أن ~~تصنعه , واليوم السابع سبت الله ربك , لا تعملن فيه شيئا من الأعمال أنت ~~وابنك وابنتك وعبدك وأمتك ودوابك والساكن في قرارك , لأن الرب خلق السماوات ~~والأرض في ستة أيام والبحور وجميع ما فيها , واستراح في اليوم السابع , ~~ولذلك بارك الله اليوم السابع وقدسه , أكرم أباك - إلى آخر ما مر في سورة ~~البقرة ؛ ثم عاد العشر الآيات في أوائل السفر الخامس وقال في السبت : ~~احفظوا يوم السبت وظهوره كما أمركم الله ربكم , واعملوا الأعمال في ستة ~~أيام كما أمركم الله ربكم , واعملوا الأعمال في ستة أيام , فاصنعوا ما ~~أردتم أن تصنعوا فيها , فأما يوم السبت فأسبوع ربكم , لا تعملوا فيه عملا ~~أنتم وبنوكم وعبيدكم وإماؤكم وثيرانكم وحميركم وكل بهائمكم والساكن الذي في ~~قراكم ليستريح عبيدكم - إلى آخر ما في أوائل هذه السورة عند { ويهديكم سنن ~~الذين من قبلكم } وقال ms1078 في الثاني بعد ذلك : وقال الرب لموسى : وأنت فأمر ~~بني إسرائيل أن تحفظوا السبوت , لأنها أمارة العهد وعلامة فيما بيني وبينكم ~~لأحقابكم , فتعلموا أني أنا الرب إلاهكم مقدسكم , احفظوا يوم السبت فإنه ~~مطهر مخصوص لكم , ومن نقصه وأخذ العمل فيه فليقتل , ومن عمل عملا فليهلك ~~ذلك الإنسان من شعبه , اعملوا أعمالكم ستة أيام , واليوم السابع فهو يوم ~~سبت قدس للرب , لأن الرب خلق لاسماوات والأرض في ستة أيام والبحور وما فيها ~~, وهذا في اليوم السابع ودفع إلى موسى عليه الصلاة والسلام لما فرغ كلامه ~~له في طور سيناء لوحي الشهادة , وأبلغ في تأكيد حفظه عليهم في غير ذلك من ~~المواضع , حتى أنه شرع لهم أسباب الأرض ونحوها , فقال في السفر الثاني ~~فيأكل مسكين شعبك , وما يبقى بعد ذلك يأكله حيوان البرن وكذلك فافعل بكرومك ~~وزيتونك , اعمل عملك في ستة أيام وفي اليوم السابع تستريح لكي يستريح ثورك ~~وحمارك , وتستريح أمتك وابن أمتك والساكن في قراك , ثم ذكر الأعياد في ~~السفر الثالث , وحرم العمل فيها ؛ وقال في بعضها : وكل نفس يعمل عملا في ~~هذا اليوم تهلك تلك النفس من شعبها , فلا تعملوا فيه عملا , لأنه سنة جارية ~~لكم إلى الأبد في جميع مساكنكم , فليكن هذا اليوم سبت السبوت ؛ ثم أمرهم ~~بعيد المظال سبعة أيام وقال : ليعلم أحقابكم أنني أجلست بني إسرائيل يفي ~~المظال حيث أخرجتهم من أرض مصر , ثم PageV02P347 ذكر بعض القرابين وقال : ~~ويصف هارون الخبز صفين في اليوم السادس وهو يوم الجمعة , ويكون ذلك من عيد ~~بني إسرائيل ؛ وكلم الرب موسى وقال له في طور سيناء كلم بني غسرائيل وقل ~~لهم : إذا دخلتم الأرض التي أعطيكم ميراثا تسبت الأرض سبتا للرب , ازرعوا ~~مزارعكم ست سنين واكسحوا كرومكم ست سنين , واستغلوا غلاتكم ست سنين , فأما ~~السنة السابعة فلتكن سبت الراحة للأرض , لا تزرعوا مزارعكم , ولا تكسحوا ~~كرومكم , ول تحصدوا ما ينبت في أرضكم في تلك السنة من غير أن يزرع , ولا ~~تقطعوا عنب كرومكم , بل يكون سبت الراحة للأرض لكم ولبنيكم ms1079 ولإمائكم ~~ولإخوانكم وللسكان الذين يسكنون معكم , وأحصوا سبع مرات سبعا سبعا : تسعا ~~وأربعين سنة , وقدسوا سنة خمسين , وليكن رد الأشياء إلى أربابها , ولا ~~تزرعوا أرضكم في تلك السنة , ولا تحصدوا ما نبت فيها , ولا تقطعوا عشبها ~~لأنها سنة الرد , واتقوا الله لأني أنا الله ربكم , احفظوا وصاياي واعملوا ~~بها , واحفظوا أحكامي وعملوا بها , واسكنوا أرضكم بالسكون والطمأنينة لتغل ~~لكم الأرض غلاتها , وتأكلوا وتشبعوا وتسكنوها مطمئنين , وإن قلتم : من أين ~~نأكل في السنة السابعة التي لا نزرع فيها فلا تهتموا ! أنا منزل لكم بركاتي ~~في السادسة , وتغل لكم أرضكم في تلك السنة غلة ثلاث سنين , حتى إذا زرعتم ~~في السنة الثامنة لم تحتاجوا إلى غلتها , لأنكم تأكلون من السنة السادسة ~~إلى التاسعة , وأما الأرض فلا تباع بيعا صحيحا أبدا , لن الأرض لي , وفيه ~~مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا نسبة الاستراحة إليه سبحانهن هذا مع أنه أكد ~~سبحانه العهود عليهم في التوحيد وحفظ الأحكام في جميع التوراة على نحو ما ~~تراه فيما أنقله منها في هذا الكتاب . | فلما بين سبحانه أنه أكد عليهم ~~الميثاق , وأكثر من التقدم في حفظ العهد ؛ بين أنهم نقضوا , فأقبهم بسبب ~~ذلك ما هددوا به في التوراة من الخزي وضرب الذلة مع ما ادخر لهم في الآخرة ~~فقال : { فبما } مؤكدا بإدخال ( ما ) { نقضهم ميثاقهم } أي فعلنا بهم بسبب ~~ذلك جميع ما ذكرنا في التوراة من الخزي , وقد تقدم كثير منه في القرآن , ~~ولا يبعد عندي تعليقه بقوله الآتي ( حرمنا عليهم طيبات - واعتدنا ) ويكون ~~من الطيبات العز ورغد العيش , وذلك جامع لنكد الدارين وعطف على هذا الأمر ~~العام ما اشتدت به العناية من إفراده عطف الخاص على العام فقال : { وكفرهم ~~بآيات الله } مما جاءهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم واقتضت حكمته ~~سبحانه أن يكون عظمتها مناسبة لعظمة اسمه الأعظم الذي هو مسمى جميع الأسماء ~~, فاستلزم كفرهم به كفرهم بما أنزل على موسى عليه PageV02P348 الصلاة ~~والسلام لأنه أعظم ما نقضوا فيه وأخص من مطلق النقض { وقتلهم الأنيباء ms1080 } ~~وهو أعظم من مطلق كفرهم , لأن ذلك سد لباب الإيمان عنهم وعن غيرهم , لأن ~~الأنبياء سبب الإيمان وفي محو السبب محو المسبب . | ولما كان الأنيباء ~~معصومين من كل نقيصة , ومبرئين من كل دنية , لا يتوجه عليهم حق لا يؤدونه ؛ ~~قال : { بغير حق } أي كبير ولا صغير أصلا . | وهذا الحرف - لكونه في سياق ~~طعنهم في القرآن الذي هو أعظم الآيات - وقع التعبير فيه أبلغ مما في آل ~~عمران الذي هو أبلغ مما سبق عليه , لأن هذا مع جمع الكثرة وتنكير الحق عبر ~~فيه بالمصدر المفهم لأن الاجتراء على القتل صار لهم خلقا وصفة راسخة , ~~بخلاف ما مضى , فإنه بالمضارع الذي ربما دل على العروض ؛ ثم ذكر أعظم من ~~ذلك كله وهو إسنادهم عظائمهم إلى الله تعالى فقال : { وقولهم قلوبنا غلف } ~~أي لا ذنب لنا لأن قلوبنا خلقت من أصل الفهم بعيدة عن فهم مثل ما يقول ~~الأنبياء , لكونهم في أغشية , فهي شديدة الصلابة , وذلك سبب قتلهم ورد ~~قولهم , وهذا بعد أن كانوا يقرون بهذا النبي الكريم , ويشهدون له بالرسالة ~~وبأنه خاتم الأنبياء , ويصفون بأشهر صفاته , ويترقبون إتبانه , لا جرم رد ~~الله عليهم بقوله عطفا على ما تقديره : وقد كذروا لأنهم ولدوا على الفطرة ~~كسائر الولدان , فلم تكن قلوبهم في الأصل غلفا : { بل طبع الله } أي الذي ~~له معاقد العز ومجامع العظمة { عليها } طبعا عارضا { بكفرهم } بل إنه خلقها ~~أولا على الفطرة متكنة من اختيار الخير والشر , فلما أعرضوا بما هيأ قلوبهم ~~له من قبول النقض - عن الخير , واختاروا الشر باتباع شهواتهم الناشئة من ~~نفوسهم , وترك ما تدعو إليه عقولهم , طبع سبحانه وتعالى عليها . | فجعلها ~~قاسية محجوبة عن رحمته , ولذا سبب عنه قوله : { فلا تؤمنون } أي يجددون ~~الإيمان في وقت من الأوقات الآتية , ويجوز أن يتعلق بما تقديره تتمة ~~لكلامهم : طبع الله عليها فهي لا تعي , وتكون ( بل ) استدراكا للطبع بالكفر ~~وحده , لأنه ربما انضم إليه , وأن يكون أضرب عن قولهم : إنها في غلف , لكون ~~ما في الغلاف قد يكون مهيئا لإخراجه ms1081 من الغلاف إلى الطبع الذي من شأنه ~~الدوام { إلا قليلا * } من الإيمان بأن يؤمنوا وقتا يسيرا كوجه النهار ~~ويكفروا في غيره , ويؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض , أو إلا إناسا قليلا منهم - ~~كما كان أسلافهم يؤمنون بما يأتي به موسى عليه الصلاة والسلام من الآيات , ~~ثم لم يكن بأسرع من كفرهم وتعنتهم بطلب آية أخرى كما هو مذكور في توراتهم ~~التي بين أظهرهم , ونقلت كثيرا منه في هذا الكتاب , فقامت الحجة عليهم ~~بأنهم يفرقون بين قدرتهم على الإيمان وقدرتهم على الطيران . | PageV02P349 ~~< < # | النساء : ( 156 - 158 ) وبكفرهم وقولهم على . . . . . # > > ^ ( وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما * وقولهم إنا قتلنا المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين ~~اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا * ~~بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ) ^ } ) | ولما بين كفرانهم بقتل ~~الأبنياء بين كفرهم بالبهتان الذي هو سبب القتل , والفتنة أكبر من القتل , ~~فقال معظما له باعادة العامل : { وبكفرهم } أي المطلق الذي هو سبب اجترائهم ~~على الكفر بنبي معين كموسى عليه الصلاة والسلام , وعلى القذف , ليكون بعض ~~كفرهم معطوفا على بعض آخر , ولذلك قال : { وقولهم على مريم } أي بعد علمهم ~~بما ظهر على يديها من الكرامات الدالة على براءتها وأنهاملازمة للعبادة ~~بأنواع الطاعات { بهتانا عظيما * } ثم علمهم بما لم ينالوا من قتل أعظم من ~~جاء من أنبيائهم بأعظم ما رأوا من الآيات من بعد موسى وهو عيسى عليهما ~~الصلاة والسلام , ثم بادعائهم لقتله وصللبه افتخارا به مع شكهم فيه فقال : ~~{ وقولهم إنا قتلنا المسيح } ثم بينه بقوله : { عيسى ابن مريم } ثم تهكموا ~~به بقولهم { رسول الله } أي الذي له أنهى العظمة , فجمعوا بين أنواع من ~~القبائح , منها التشيع بما لم يعطوا , ومنها أنه على تقدير صدقهم جامع ~~لأكبر الكبائر مطلقا , وهو الكفر بقتل النبي لكونه نبيا , وأكبر الكبائر ~~بعده وهو مطلق القتل , ولم يكفهم ذلك حتى كانوا يصفونه بالرسالة مضافة إلى ~~الاسم الأعظم استهزاء ms1082 به وبمن أرسله عز اسمه وجلت عظمته وتعالى كبرياؤه ~~وتمت ما { قتلوه وما صلبوه } وإن كثر قائلو ذلك منهم , وسلمه لهم النصارى { ~~ولكن } لما كان المقصود وقوع اللبس عليهم الضار لهم , لا لكونه من معين قال ~~: { شبه لهم } أي فكانوا في عزمهم بذلك متشيعين بما لم يعطوا . | ولما أفهم ~~التشبيه الاختلاف , فكان التقدير : فاختلفوا بسبب التشبيه في قتله , فمنهم ~~من قال : قتلناه جازما , ومنهم من قال : ليس هو المقتول , ومنهم من قال : ~~الظاهر أنه هو , عطف عليه قوله دالا على شكهم باختلافهم : { وإن الذين ~~اختلفوا فيه } أي في قتله { لفي شك منه } أي تردد مستوى الطرفين , كلهم وإن ~~جزم بعضهم , ثم أكد هذا المعنى بقوله : { ما لهم به } وأغرق في النفي بقوله ~~: { من علم } ولما كانوا يكلفون أنفسهم اعتقاد ذلك بالنظر في شهادته , ~~فربما قويت عندهم شبهة فصارة أمارة أوجبت لهم - لشغفهم بآمالها - ظنا ثم ~~اضمحلت في الحال لكونها لا حقيقة لها , فعاد الشك وكان أبلغ في التحير ؛ ~~قال : { إلا } أي لكن { ابتاع الظن } أي يكلفون أنفسهم الارتقاء من درك ~~الشك إلى رتبة الظن , وعبر بأداة الاستثناء دون ( لكن ) PageV02P350 ~~الموضوعة للانقطاع إشارة إلى أن إدراكهم لما زعموه من قتله مع كونه في ~~الحقيقة شكا يكلفون أنفسهم جعله ظنا , ثم يجزمون به , ثم صار عندهم متواترا ~~قطعيا , فلا أجهل منهم . | ولما أخبر بشكهم فيه بعد الإخبار بنفيه أعاد ذلك ~~على وجه أبلغ فقال : { وما قتلوه } أي انتفى قتلهم له انتفاء { يقينا * } ~~أي انتفاؤه على سبيل القطع , ويجوز أن يكون حالا من ( قتلوه ) أي ما فعلوا ~~القتل متيقنين أنه عيسى عليه الصلاة والسلام , بل فعلوه شاكين فيه والحق ~~أنهم لم يقتلوا إلا الرجل الذي ألقى شبهه عليه , والوجه الأول أولى لقوله : ~~{ بل رفعه الله } بما له من العظمة البالغة والحكمة الباهرة , رفع عيسى ~~عليه الصلاة والسلام { إليه } أي إلى مكان لا يصل إليه حكم آدمي , وعن وهب ~~أنه أوحى إليه ابن ثلاثين , ورفع ابن ثلاث وثلاثين فكانت رسالته ثلاثا ~~وثلاثين سنة { وكان ms1083 الله } أي الذي له جميع صفات الكمال في كل حال عند ~~قصدهم له وقبله وبعده { عزيزا } أي يغلب ولا يغلب { حكيما * } أي إذا فعل ~~شيئا أتقنه بحيث لا يطمع أحد في نقض شيء منه , وختم الآية بما بين الصفتين ~~يدل على أن المراد ما قررته من استهزائهم , وأنه قصد الرد عليهم , أي إنه ~~قد فعل ما يمنع من استهزائكم , فرفعه إليه بعزته وحفظته بحكمته , وسوف ~~ينزله ببالغ قدرته , فيردكم عن أهوائكم , ويسفك دماءكم , ويبيد خضراءكم , ~~وله في رفعه وإدخاله الشهبة عليكم حكمة تدق عن أفكار أمثالكم . | قصة رفعه ~~عليه الصلاة والسلام من الإنجيل الموجود اليوم يبن أظهر النصارى , وهي ~~تتضمن الإنذار بالدجال والإخبار بنزوله صعيد , والبشارة بنبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم الذي وصفه بالفارقليط وبالأركون , وأن إخبارهم بقتله وصلبه ~~ليس مستندا إلا إلى شك - كما قال الله تعالى , وأحسن ما رد على الإنسان بما ~~يعتقده , قال مترجمهم في إنجيل متى : إنه عليه الصلاة والسلام دخل إلى ~~الهيكل في يروشليم - وهي القدس - وجرت بينه وبين الأحبار محاورات كان آخرها ~~أن قال لهم : إني أقول لكم : إنكم لا تروني الآن حتى تقولوا : مبارك الآتي ~~باسم الرب , ثم خرج من الهيكل , فجاء إليه تلاميذه كي يروه بناء الهيكل , ~~فأجاب وقال لهم : انظروا هذا كله , الحق أقول لكم : إنه لا يترك هنا حجر ~~على حجر إلا نقض , ثم جلس على جبل الزيتون - قال مرقس : قدام الهيكل - فجاء ~~إليه تلاميذه قائلين : قل لنا : متى هذا وما علامة مجيئك وانقضاء الزمان ؟ ~~فقال لهم : انظروا لا يضلنكم أحد - قال مرقس ولوقا : فإن كثيرا يأتون باسمي ~~قائلين : إنما هو المسيح , ويضلون كثيرا - فإذا سمعتم بالحروب وأخبار ~~الحروب انظروا لا تقلقوا , فلا بد أن يكون هذا كله , تقوم أمة على أمة ~~ومملكة على مملكة , ويكون خوف عظيم واضطراب وجوع PageV02P351 ووباء ح قول ~~لوقا : وعلامات عظيمة من السماء - وزلازل في أماكن , وكل هذا أول المخاض - ~~وقال مرقس : وهذه بداية الطلق , انظروا أنتم ! إنهم يسلمونكم إلى المجامع ~~والمحافل وتضربون - وقال ms1084 لوقا : وقبل هذا كله يضعون أيديهم عليكم , ~~ويطردونكم إلى المجامع والسجون وتقامون أمام الملوك والقواد شهادة عليهم ~~وعلى كل الأمم , ينبغي أولا أن يكرز بالإنجيل , فإذا قدموكم وأسلموكم فلا ~~تهتموا بما تقولون ولا ماذا تجيبون , فإنكم تعطون في تلك الساعة الذي ~~تتكلمون به ولستم المتكلمين , لكن روح القدس ؛ قال لوقا : فإني معطيكم فما ~~وحكمة لا يقدر الذين يناصبونكم يقاومونها ولا الجواب عنها , ويسلم الأخ ~~أخاه للموت , والأب ابنه , ويثب الأبناء على آبائهم ؛ قال متى : حينئذ ~~يسلمونكم إلى الضيق ويقتلونكم , وتكونون مبغوضين من كل الأمم , وحينئذ يشك ~~كثير , ويسلم بعضكم بعضا , ويبغض بعضكم بعضا , ويقوم كثير من المنتهى يخلص ~~, ويكرز بهذه البشارة في الملكوت في جميع المسكونة بشهادة لكل الأمم ؛ قال ~~مرقس : فإذا رأيتم فساد الحراب المذكور في دانيال النبي قائما حيث لا ينبغي ~~- فليفهم القارىء - حينئذ الذين تهودوا يهربون إلى الجليل , والذي فوق ~~السطح لا يقدر أن ينزل إلى بيته ليأخذ شيئا , والويل للحبالى والمرضعات في ~~تلك الأيام ؛ وقال لوقا : وحينئذ الذي في اليهودية يهربون إلى الجبال , ~~والذين في وسطها يفرون خارجا , والذين في الكورة لا يدخلونها , لأن هذه في ~~أيام الانتقام لكي يتم كل ما هو مكتوب , يكون على الأرض ضر وشدة عظيمة , ~~وسخط على هذا الشعب , ويقعون في فم السيف , ويسبون في كل الأمم . | ويكون ~~يروشليم موطىء الأمم حتى يكمل الزمان , وتكون علامات في الشمس والقمر ~~والنجوم , وتخرج نفوس أناس من الخوف ؛ وقال متى : وحينئذ يأتي الانفصال , ~~ثم قال : سيكون ضيق عظيم - قال مرقس : تلك الأيام - لم يكن مثله في أول ~~العالم حتى الآن ولا يكون , ولولا أن تلك الأيام قصرت لم يخص ذو جسد - وقال ~~مرقس : فلولا أن الرب أقصر تلك الأيام لم يحيى ذو جسد - لكن لأجل المتحببين ~~قصرت تلك الأيام , فإن قال لكم أحد : إن المسيح ها هنا فلا تصدقوا , فسيقوم ~~مسيحو كذب وأنبيائه كذبه , ويعطون علامات عظاما وآيات , ويضلون المختارين ~~إن قدروا , هو ذا قد تقدمت وأخبرتكم , فإن قالوا لكم : إنه في البرية , فلا ms1085 ~~تخرجوا , أو في المخادع , فلا تصدقوا , وكما أن البرق يخرج من المشرق فيظهر ~~في المغرب , كذلك يكون حضور ابن البشر , لأنه حيث تكون الجثة تجتمع النسور ~~وتلوف بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس , والقمر لا يعطي ضوءه , ولاكواكب ~~تتساقط من PageV02P352 السماء , وقوات ترتج , وحينئذ تظهر علامات ابن ~~الإنسان في السماء , وتنوح كل قبائل الأرض , وترون ابن الإنسان آتيا في ~~سحاب السماء مع قوات ومجد كثير , ويرسل الملائكة مع صوت الناقور العظيم , ~~ويجمع مختاريه من الأربعة الأزياج من أقصى السماوات - وقال مرقس : من أطراف ~~الأرض إلى أطراف السماء - فمن شجرة التينة - وقال لوقا : ومن كل الأشجار - ~~تعلمون المثل , إذا لانت أغصانها وفرعت أوراقها علمتم أن الصيف قد دنا . | ~~كذلك أنتم إذا رأيتم هذا كله علمتم أنه قد قرب على الأبواب , الحق أقول لكم ~~! إن هذا الجيل لا يزول حتى يتم هذا كله , والأرض والسماء تزولان وكلامي لا ~~يزول , لأجل ذلك اليوم وتلك الساعة لا يعرفها أحد ولا ملائكة السماوات - ~~وقال مرقس : ولا الابن - إلا ألأب وحده , وقال لوقا : سأله الفريسيون : متى ~~يأتي ملكوت الله ؟ فقال : ليس يأتي ملكوت الله برصد ولا يقولون : هوذا ها ~~هنا أو هناك ! ها هو ذا ملكوت الله ؛ ثم قال لتلاميذه : ستأتي أيام تشتهون ~~أن تروا يوما واحدا من أيام ابن الإنسان ولا ترون , فإن قالوا لكم : هوذا ~~هاهنا أو هناك , فلا تذهبوا ولا تسرعوا , لأنه كمثل البرق الذي يضيء في ~~السماء فيضيء تحت السماء , كذلك تكون أيام ابن البشر - انتهى . | وكما كان ~~في أيام نوح عليه الصلاة والسلام كذلك يكون استعلاء ابن الإنسان , لأنه كما ~~كنوا قبل أيام الطوفاني يأكلون ويشربون ويتزجون إلى اليوم الذي دخل فيه نوح ~~إلى السفينة , ولم يعلموا حتى جاء الطوفان فأدرك جميعهم , كذلك يكون حضور ~~ابن الإنسان ؛ وقال لوقا : ومثل ما كان في أيام لوط يأكلون ويشربون ويبيعون ~~ويشترون ويغرسون ويبنون إلى اليوم الذي خرج فيه لوط من سدوم , ومطر من ~~السماء نارا وكبريتا , وأهلك جميعهم , كذلك في اليوم الذي يظهر ms1086 فيه ابن ~~الإنسان , وفي ذلك اليوم من كان في السطح وآلته في البيت لا ينزل كي ~~ييأخذها , ومن كان في الحقل أيضا لا يرجع هكذا إلى ورائه . | انظروا إلى ~~امرأة لوط , من أراد أن يحيي نفسها فليهلكها , ومن أهلكها أحياها , أقول ~~لكم : إن في هذه الليلة - وقال متى : حينئذ - يكون اثناب في الحقل , يؤخذ ~~واحد , ويترك الآخر , واثنتان تطحنان على رحة واحدة , تؤخذ الواحدة , وتترك ~~الأخرى , وقال مرقس : فانظروا واسهروا وصلوا , لأنكم لا تعلمون متى يكون ~~الزمان ! اسهروا فإنكم لا تعملون متى يأتي رب البيت ليلا ! يأتي بغتة ~~فيجدكم نياما , والذي أقول لكم أقوله للجميع , اسهروا ! قال متى : حينئذ - ~~يكون اثنان في على الهرب في هذه الأمور الكائنة كلها , وتفقوا قدام ابن ~~الإنسان , وقال متى : فاسهروا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم , ~~واعلموا أنه لو علم رب البيت في أي هجعة يأتي السارق لسهر ولم يدع بيته ~~ينقب , كذلك كونوا مستعدين لأن ابن الإنسان يأتي PageV02P353 ساعة لا ~~تظنونها , من ترى هو العبد الأمين الحليم الذي يقيمه سيده على بيته لعيطيهم ~~الطعام في حينه ! طوبى لذلك العبد , يأتي سيده فيجده يعمل هكذا , الحق أقول ~~لكم ! إنه يقيمه على جميع ماله , فإن قال ذلك العبد الرديء في قلبه : إن ~~سيدي يبطىء , فيبدأ يأكل ويشرب مع المسكرين فيأتي سيده في يوم لا يظنه ~~وساعة لا يعرفها , فيجعل نصيبه مع المرائين , هناك يكون البكاء وصرير ~~الأسنان . | يشبه ملكوت السماوات عشرة عذاراى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء ~~العريس , خمس منهن جاهلات , وخمس حليمات , فأما الجاهلات فأخذن مصابيحهن ~~ولم يأخذن زيتا , وأما الحليمات فأخذن زيتا في إناء مع مصابيحهن , فلما ~~أبطأ العريس نعسن كلهن ونمن , وانتصف الليل فصرخ : هذا العريس قد أقبل , ~~اخرجن للقائه ! حينئذ قام جميع العذارى وزين مصابيحهن , فقال الجاهلات ~~للحليمات : أعطيننا من زيتكن , فإن مصابيحنا قد طفئت ! فقلن : ليس معنا ما ~~يكفينا وإياكن , فاذهبن إلى الباعة وابتعن لكن , فلما ذهبن ليبتعن جاء ~~العريس , فالمستعدات ذهبن معه وأغلق , فجاء بقية العذارا قائلات : يا ms1087 رب ! ~~افتح لنا , فأجاب وقال : الحق أقول لكن ! إني لا أعرفكن ؛ اسهروا الآن ~~فإنكم لا تعرفون ذلك اليوم ولا تلك الساعة , كمثل إنسان أراد السفر , فدعا ~~عبيدا له فأعطاهم ماله , فأعطى خمس وزنات لواحد , ووزنتين للآخر , وواحدا ~~وزنة , كل منهم على قدر قوته , وسافر للوقت , فمضى الذي أخذ الخمس فاتجر ~~فيها , فربح خمس وزنات أخرى وهكذا الذي أخذ الوزنتين ربح فيهما وزنتين ~~أخريين , وأما الذي أخذ الوزنة فمضى وحفر في الأرض ودفن حصة سيده , وبعد ~~زمان كثير جاء سيد هؤلاء فحاسبهم , فجاء الذي أخذ الخمس وزنات فأعطى خمس ~~وزنات أخرى قائلا : يا رب ! خمس وزنات أعطيتني , وهذه خمس وزنات أخرى ~~ربحتها , قال له سيده - قال لوقا - : حبذا أيها العبد الصالح ! ألفيت أمينا ~~على القليل , وقال متى : نعم يا عبد صالح أمين ! وجدت في القليل أمينا , ~~أنا أقيمك على الكثير أمينا , ادخل إلى فرح سيدك , وجاء الذي أخذ الوزنتين ~~فقال : يا صالح أمين ! وجدت في القليل أمينا , أنا أقيمك على الكثير , ادخل ~~إلى فرح سيدك , فجاء الغير مصيب الذي أخذ الوزنة فقال : يا سيد ! عرفت أنك ~~إنسان شديد , تحصد ما لم تزرع , وتجمع من حيث لا تبذر , فخفت ومضيت فدفنت ~~مالك في الأرض , هذا مالك , فأجاب سيده وقال : أيها العبد الشرير الكسلان ! ~~علمت أنني أحصد من حيث لا أزرع , وأجمع من حيث لا أبذر , كان ينبغي لك أن ~~تجعل حصتي على مائدة , فأنا آتي وآخذه إلي مع أرباحه , خذوا منه الوزنة , ~~وأعطوها للذي له عشر وزنات , لأن من له PageV02P354 يعطي ويزاد , والذي ليس ~~له يؤخذ منه ما معه , والعبد الشرير الغير نافع ألقوه في الظلمة القصياء , ~~هناك يكون البكاء وصرير الأسنان ؛ إذا جاء ابن الإنسان في مجده , وجميع ~~الملائكة المقدسين معه , حينئذ يجلس على كرسي مجده , صلى الله عليه وسلم # 1548 ; ويجمع إليه كل الأمم , فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف ~~من الجداء , ويقيم الخراف عن يمينه والجداء عن شماله , حينئذ يقول الملك ~~للذين عن يمينه : تعالوا يا مباركي ms1088 أبي رثوا الملك المعد لكم من قبل إنشاء ~~العالم , جعت فأطعمتموني , وعطشت فسقيتموني , وغريبا كنت فآويتموني , ~~وعرينانا فكسوتموني , ومريضا فعدتموني , ومحبوسا فأتيتم إلي , حينئذ يجيب ~~الصديقون ويقولون : يا رب ! متى رأيناك جائعا فأطعناك ؟ أو عطشانا فسقيناك ~~؟ ومتى رأيناك غريبا فآويناك ؟ أو عريانا فكسوناك ؟ أو مريضا أو محبوسا ~~فأتينا إليك ؟ فيجيب الملك ويقول : الحق أقول لكم ! الذي فعلتموه بأحد ~~هؤلاء الحقيرين فبي فعلتم , حينئذ يقول للذين عن يساره : اذهبوا عني يا ~~ملاعين إلى النار المؤبدة المعدة لإبليس وجنوده , جعت فلم تطعموني - إلى ~~آخره , فيذهب هؤلاء إلى العذاب الدائم , والصديقون إلى الحياة الأبدية . | ~~ولما أكمل يسوع هذا الكلام كله قال لتلاميذه : علمتم أن بعد يومين يكون ~~الفسح - وقال مرقس : وكان الفسح والفطير بعد يومين - واجتمع رؤساء الكيسر ~~والكهنة ومشايخ الشعب في دار رئيس الكهنة الذي يقال له قيافا , فتشاوروا ~~على يسوع ليمسكوه - قال مرقس : بمكر - ويقتلوه , وقالوا : ليس في العيد ~~لئلا يكون شجن ؛ وقال مرقس : شغب في الشعب ؛ وقال يوحنا : فجمع عظماء ~~الكهنة والفريسيين محفلا وقالوا : ماذا نصنع إذا كان هذا الرجل يعمل آيات ~~كثيرة , وإن تركناه هكذا فسيؤمن به جميع الناس , وتأتي الروم فتتغلب على ~~أمتنا , وإن واحدا منهم اسمه قيافا كان رئيس الكهنة فقال : إنه خير لنا أن ~~يموت رجل واحد عن الشعب من أن تهلك الأمة كلها , لأن يسوع كان مزمعا أن ~~يجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد ؛ وفي تلك الساعة تشاوروا على قتله , ~~فأما يسوع فلم يكن يمشي بين اليهود علانية , ولكنه انطلق من هناك إلى ~~البرية إلى كورة تسمى مدينة أفريم , وكان يتردد هناك مع تلاميذه , وكان عيد ~~فسح اليهود قد قربن فصعد كثير من القرى إلى يروشليم قبل الفسح ليطهروا ~~أنفسهم , فطلب اليهود يسوع , وكانوا أمروا إن علم إنسان مكانه أن يدلهم ~~عليه , وإن يسوع قبل ستة أيام من الفسح قصد إلى بيت عنيا حيث كان لعازر ~~الميت الذي أقامه يسوع , فصنعوا له هناك وليمة , وجعلت مرتا تخدم , وعلم ~~جمع كثير من اليهود فجاؤوا إليه , ولينظروا ms1089 إلى لعازر الذي أقامه من بين ~~الأموات , وتشاور عظماء الكهنة أن يقتلوا لعازر , لأن كثيرا من اليهود من ~~أجله كانوا PageV02P355 يؤمنون بيسوع , وكان الجمع الذي معه يشهد له أنه ~~دعا لعازر من القبر وأقامه , ومن الغد سمعوا أن يسوع يأتي إلى يروشليم , ~~فخرجوا للقائه يصرخون : مبارك الآتي باسم الرب ملك إسرائيل ! ووجد يسوع ~~حمارا فركبه - كما هو مكتوب : لا تخافي يا بنت صيون ! هوذا ملكك يأتيك ~~راكبا على جحش - ابن أتان - ثم قال : وقال يسوع : قد قربت الساعة لاتي يمجد ~~فيها ابن البشر , الحق الحق أقول لكم ! إنه حبة الحنطة إن لم تقع في الأرض ~~وتمت بقيت وحدها , وإن هي ماتت أتت بثمار كثيرة , من أحب نفسه فليهلكها , ~~ومن أبغض نفسه في هذا العالم فإنه يحفظها لحياة الأبد , وقال : يا رباه ! ~~مجد اسمك , فجاء صوت من السماء : قد مجدت وأيضا أمجد , فسمع الجمع الذي كان ~~واقفا فقال بعضهم : إنما كان رعدا , وقال آخرون : إن ملاكا كلمه , قال يسوع ~~: ليس من أجلي كان هذا الصوت , ولكن من أجلكم , وقد حضر الآن دينونة هذا ~~العالم , الآن يلقى رئيس هذا العالم إلى خارج , وأنا إذا ارتفعت من الأرض ~~جبيت إلي كل واحد , فأجاب الجمع : نحن سمعنا في الناموس أن المسيح يدوم إلى ~~الأبد , فكيف تقول أنت : يرتفع ابن البشر , فقال لهم يسوع : إن النور معكم ~~زمانا يسيرا , فسيروا ما دام لكم النور لئلا يدرككم الظلام , إن الذي يمضشي ~~في الظلام ليس يدري أين يتوجه , فما دام لكم النور آمنوا بالنور لتكونوا ~~أبناء النور ؛ تكلم يسوع بهذا ثم مضى وتوارى عنهم , وقال : يا بنى ! أنا ~~معكم زمانا قليلا , وتطلبوني فلا تجدوني , وكما قلت لليهود : إن الموضع ~~الذي امضي إليه أنا , لستم تقدرون على المضي إليه , قال يوحنا في محاورته ~~ليهود في الهيكل : قال يسوع : أنا أمضى وتطلبوني وتموتون بخطاياكم , وحيث ~~أنا أذهب لستم تقدرون على إتيانه , فقال اليهود : لعله يريد أن يقتل نفسه , ~~فقال لهم : أنتم من أسفل , وأنا من فوق , أنتم من هذا ms1090 العالم , وأما أنا ~~فلست من هذا العالم , قد أخبرتكم أنكم تموتون بخطاياكم , فقالوا له : أنت ~~من أنت ؟ ثم قال : وقالوا له : إن أبانا هو إبراهيم , قال : لو كنتم بني ~~إبراهيم كنتم تعملون أعمال إبراهيم , لكنكم تريدون قتل إنسان كلمكم بالحق ~~الذي سمعه من الله تعالى , ولم يفعل إبراهيم , لكنكم تريدون قتل إنسان ~~كلمكم بالحق الذي سمعه من الله تعالى , ولم يفعل إبراهيم هذا , أنتم تعملون ~~أعمال أبيكم ؟ فقالوا : أما نحن فلسنا مولودين من زنى , فقال لهم : أنتم من ~~أبيكم إبليس , وشهوة أبيكم تهوون إن لم تعملوا ذلك , الذي هو من البدء قتال ~~الناس ولم يلبث على الحق لأنه ليس فيه حق , وإذا ما تكلم بالكذب فإنما ~~يتكلم بما هو له , وأما أنا فأتكلم بالحق ولستم تؤمنون بي , من منكم يوبخني ~~على خطيئة - انتهى , وأقول لكم الآن أن يحب بعضكم بعضا كما أحببتم , فبهذا ~~يعرف كل أحد أنكم تلاميذي , وقال يسوع : من يؤمن بي ليس من يؤمن بي فقط , ~~بل وبالذي أرسلني , ومن رآني فقد رأى الذي PageV02P356 أرسلني , أنا جئت ~~نور العالم لكي ينجو كل منن يؤمن بي من الظلام , ومن يسمع كلامي ولا يؤمن ~~بي أنا لا أدينه , لأني لم آت لأدين العالم , بل لاحيي العالم , من جحدني ~~ولم يقبل كلامي فإن له من يدينه , الكلمة التي نطقت بها هي تدينه في اليوم ~~الىخر , لأني لم أتكلم من نفسي , لأن الرب الذي أرسلني هو أعطاني الوصية , ~~ثم قال : الحق الحق أقول لكم ! من يؤمن بي يعمل الأعمال التي أعملها , ~~وأفضل مناه يصنع , إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي , وأنا أطلب من الأب ~~يعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم إلى الأبد - روح الحق الذي لم يطق العالم أن ~~يقبلوه , لانهم لم يروه ولم يعرفوه , وأنتم تعرفونه , لأنه مقيم عندكم وهو ~~فيكم , لست أدعكم يتامى لأني سوف أجيئكم عن قليل , من يحبني يحفظ كلمتي , ~~ومن لا يحبني ليس يحفظ كلامي , الكلمة التي تسمعونها ليست لي , بل للرب ~~الذي أرسلني , كلمتكم بهذا لأني عندكم مقيم ms1091 , والفارقليط روح القدس الذي ~~يرسله ربي باسمي هو يعلمكم كل شيء , وهو يذكركم كل ما قلت لكم , السلام ~~استودعتكم , سلامي خاصة أعطيكم , لا تقلق قلوبكم ولا تجزع , قد سمعتم أني ~~قلت لكم : ني منطلق وعائد إليكم , لو كنتم تحبوني لكنتم تفرحون بمضيي إلى ~~الرب , لأن الرب أعظم مني , وها قد قلت لكم قبل أن يكون حتى إذا كان تؤمنون ~~, ولست أكلمكم كثيرا لأن أركون العالم يأتي وليس له في شيء , ولكن ليعلم ~~العالم أني أحب الرب , وكما أوصاني الرب كذلك أفعل , أنا هو الكرمة ~~الحقيقية وربي العارس , كل غصن لا يأتي بثمار ينزعه , والذي يأتي بثمار ~~بنقيه ليأتي بثمار كثيرة , أنتم لتيامن هذا الكلام الذي كلمتكم به اثتبوا ~~في وأنا فيكم , كما أن الغصن لا يطيق أن يأتي بالثمار من عنده إن لم يثبت ~~في الكرمة , كذلك أنتم إن لم تثبتوا في , أنا هو الكرمة وأنتم الأغصان , من ~~ثبت في وأنا فيه يأتي بثمار كثيرة , وبغيري لستم تقدرون تعملون شيئا , فإن ~~لم يثبت أحد في طرجح خارجا مثل الغصن الذي يجني فيأخذونه ويطرحونه في النار ~~فيحترق , وإن أنتم ثبتم فيذ وثبت كلامي فيكي كان لكم كل ما تريدونه , وبهذا ~~يمجد ربي بأن تأتوا بثمار كثيرة , وأنتم أحبابي إن علمتم كل ما وصيتكم به , ~~إنما وصيتكم بهذا لكي يحب بعضكم بعضا , فإن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه ~~قد أبغضني قبلكم , لو كنتم من العالم كان العالم يحب من هو منه , لكنكم ~~لستم من العالم , بل اخترتكم من العالم , من أجل هذا يبغضكم العالم , لو لم ~~آت وأكلمهم لم يكن لهم خطيئة , والآن ليس لهم حجة في خطيئتهم , لو لم أعمل ~~أعمالا لم يعملها أحد لم يكن لهم خطيئة , لتتم الكلمة المكتوبة في ناموسهم ~~أنهم أبغضوني باطلا , إذا جاء الفارقليط الذي أرسله إليكم - روح الحق الذي ~~من الرب بسق - هو يشهد وأنتم تشهدون , لأنكم PageV02P357 معي صفوة , كلمتكم ~~بهذا لكيلا تشكون , فإنهم سوف سوف يخرجونكم من مجامعهم , ولم أخبركم بهذا ~~من قبل لأني ms1092 كنت معكم , والآن فإني منطلق إلى من أرسلني , أقول لكم الحق ! ~~إنه خير لكم أن أنطلق , لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط , فإذا انطلقت ~~أرسلته إليكم , فإذا جاء ذاك فهو موبخ العالم على الخطيئة , وإن لي كلاما ~~كثيرا أريد أن أقول لكم , ولكنكم لستم تطيقون حمله الآن , وإذا جاء روح ~~الحق ذاك فهو يرشدكم إلى جميع الحق , لأنه ليس تطيقون حمله الآن , وإذا جاء ~~روح الحق ذاك فهو يرشدكم يأتي , وهو مجدني لأنه يأخذ مما هو لي ويخبركم , ~~قليلا ولا ترونني , وقليلا وترونني , قالوا : ما هذا القليل الذي يقول ؟ ~~فقال لهم : أفي هذا يراطن بعضكم بعضا , الحق أقول لكم ! إنكم تبكون وتنوحون ~~والعالم يفرح , وأنتم تحزنون لكن حزنكم يؤول إلى فرح , كالمرأة إذا حضر ~~ولادها تحزن لأن قد جاءت ساعتها , فإذا ولدت ابنا لم تذكر الشدة من أجل ~~الفرح , لأنها ولدت إنسانا في العلم ؛ تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه إلى ~~السماء وقال : يا رب ! قد حضرت الساعة فمجد عبدك ليمجدك عبدك , كما أعطيته ~~السلطان على كل ذي جسد , ليعطي كل من أعطيته حياة الأبد , وهذه هي حياة ~~الأبد أن يعرفوك أنك أنت إله الحق وحدك , والذي أرسلته يسوع المسيح , أنا ~~قد مجدتك على الأرض , ذلك العمل الذي أعطيتني لأصنعه قد أكمت , والآن مجدني ~~أنت يا رباه بالمجد الذي عندك , قد أظهرت اسمك للناس , الآن علموا أن كل ما ~~أعطيتني هو من عندك , وعلموا حقا أني من عندك أتيت , وآمنوا أنك أرسلتني , ~~وأنا أجيء إليك أيها الرب القدوس ! احفظهم باسمك الذي أعطيتني كي يكونوا ~~واحدا كما نحن , إذ كنت معهم في العالم أنا كنت أحفظم باسمك , ليس أسأل أن ~~تنزعهم من العالم , بل أن نحفظهم من الشرير , لأنهم ليسوا من العالم , كما ~~أني لست من العالم , قدسهم بحقك فإذا كلمتك خاصة هي الحق , كام أرسلتني إلى ~~العالم أرسلتهم أنا أيضا إلى العالم , ولست أسأل في هؤلاء فقط , بل وفي ~~الذين يؤمنون بي بقولهم ليكونوا بأجمعهم واحدا , كما أنك يا رباه ms1093 في وأنا ~~فيك ليكونوا أيضا فينا واحدا , ليؤمن العالم أنك أرسلتني ؛ قال يسوع هذا ~~وخرج معه تلاميذه إلى عين عمرة وادي الأرز , وكان هناك بستان , دخله هو ~~وتلاميذه , وكان يهودا الذي أسلمه يعرف ذلك المكان , لأن يسوع كان يجتمع ~~هناك مع تلاميذه كثيرا , وقبل عيد الفسح كان يسوع يعلم أن قد حضرت الساعة ~~التي ينتقل فيها من هذا العالم , فلما حضر العشاء خامر الشيطان قلب يهودا ~~شمعون الإسخريطي لكي يسلمه , فقام يسوع عن العشاء وترك ثيابه وائتزر وسطه ~~بمنديل , وبدأ يغسل أقدام التلامذة وينشفها بمنديل كان مؤتزرا به , فلما ~~انتهى إلى شمعون الصفا قال له : أنت يا سيدي تغسل لي قدمي ؟ فقال ~~PageV02P358 يسوع : إن الذي أصنع لست تعرفه الآن , ولكنك ستعرفه فيما بعده ~~, قال له شمعون الصفا : إنك لست غاسلا لي قدمي الآن , قال له يسوع : إن أنا ~~لم أغسلهما فليس لك معي نصيب , قال شمعون : يا سيدي ! ليس تغسل لي قدمي فقط ~~, بل ويدي ورأسي , قال له يسوع : إن الذي يطهر لا يحتاج إلا إلى غسل قدمي ؛ ~~فلما غسل أرجلهم تناول ثيابه واتكأ وقال لهم : تعلمون ما صنعت بكم ؟ أنتم ~~تدعونني معلما وربا , وما أحسن ما تقولون ! فإذا كنت أنا معلمكم وربكم قد ~~غسلت أقدامكم فأنتم أحرى أن يغسل بعضكم أرجل بعض , والحق الحق أقول لكم ! ~~إن واحدا منكم يسلمني ؛ وقال متى : ولما كان يسوع ي بيت عنيا في بيت شمعون ~~الأبرص جاءت امرة معها قارورة طيب كثير الثمن فأفاضته على رأسه وهو متكىء , ~~حينئذ مضى أحد الاثني عشر - أي الحواريين الذي سيذكرون في المائدة والأنعام ~~بأسمائهم - وهو الذي يقال له يهودا الإسخريطي إلى رؤساء الكهنة وقال لهم : ~~ماذا تعطوني حتى أسلمه إليكم ؟ فأقاموا له ثلاثين من الفضة , ومن ذلك الوقت ~~جعل يطلب فرضة ليسلمه , وفي أول يوم الفطير - قال مرقس : لما ذبحوا الفسح - ~~قال له تلاميذه : أين تريد حتى نستعد لتأكل الفسح ؟ فقال : اذهبوا إلى ~~المدينة إلى فلان وقولوا له : المعلم يقول : زماني قد اقترب , وعندك أصنع ~~الفسح ms1094 مع تلاميذي , ففعل التلاميذ كما أمرهم يسوع وأعدوا الفسح , وقال لوقا ~~: وكان في النهار يعلم في الهيكل , ويخرج في الليل ليستريح في الجبل الذي ~~يدعى جبل الزيتون , وكان تطلب الكهنة يهلكونه , وكانوا يخافون من الشعب , ~~فدخل الشيطان في يهودا الذي يدعى الإسخريطي الذي كان من الأثني عشرة , فمضى ~~وكلم رؤساء الكهنة ليسلمه إليهم , ففرحوا ووعدوه , وكان يطلب فرصة ليسلمه ~~إليهم مفردا عن الجمع , فجاء يوم الفطير الذي يذبح فيه الفسح , فأرسل بطرس ~~ويوحنا وقال : امضيا وأعدا لنا الفسح , ثم قال : فانطلقا وأعدا الفسح , ~~ولما كان المساء اتكأ مع الاثني عشر تليمذا , قال : فقال لهم : شهوة اشتهيت ~~أن آكل معكم الفسح , فإني أقول لكم : إني أيضا لا آكل منه حتى يتم في ملكوت ~~الله ؛ وقال متى : وفيما هم يأكلوا قال : الحق أقول لكم ! إن واحدا منكم ~~يسلمني , فحزنوا جدان وشرع كل واحد منهم يقول : لعلي أنا هو ؛ وقال يوحنا : ~~وقال : الحق الحق أقول لكم ! إن واحدا منكم يسلمني , فنظر التلاميذ بعضهم ~~إلى بعض , وكان واحدا من تلاميذه متكئا في حضن يسوع , وهو الذي كان يسوع ~~يحبه , فأومأ شمعون الصفا إليه أن يعلمه من الذي قال لأجله ؛ فوقع ذلك ~~التلميذ على صدر يسوع وقال له : PageV02P359 يا سيدي ! من هذا ؟ فقال يسوع ~~: هو الذي أبل خبزا وأناوله , فبل خبزا ودفعه إلى شمعون الإسخريوطي , وقال ~~متى : فقال : ألذي يجعل يده معي في الصحفة هو يسلمني ؛ وابن الإنسان ماض ~~كما كتب من أجله , الويل لذلك الإنسان الذي يسلم ابن الإنسان , حبذا له لو ~~لم يولد , أجابه يهودا مسلمه وقال : لعلي أنا هو يا معلم ! قال : أنت , قال ~~: فسبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون ؛ وقال لوقا : فقال لهم : إن ملوك الأمم ~~هم ساداتهم , والمسلطون عليهم يدعون المحسنين إيهم , فأما أنتم فليس كذلك , ~~لكن الكبير منكم يكون كالصغير والمقدم كالخادم , من أكبر ؟ المتكىء أم الذي ~~يخدم ؟ أليس المتكىء فأما أنا في وسطكم فمثل الخادم , وأنتم الذي صبرتم معي ~~في تجاربي , وأنا أعد لكم كما وعدني ربي الملكوت , لتأكلوا ms1095 وتشروبوا على ~~مائدتي في ملكوتي , وتجلسوا على كرسي , وتدينوا اثني عشر سبط إسرائيل - إلى ~~أن قال : ثم خرج كالعادة ومضى إلى جب الزيتون , ومعه أيضا تلاميذه , فلما ~~انتهى إلى المكان قال لهم : صلوا لئلا تدخلوا لتجرية , وانفرد عنهم كرمية ~~حجر وخر على ركبتيه فصلى ؛ وقال متى : حينئذ قال لهم يسوع : كلكم تشكون في ~~هذه الليلة , لأنه مكتوب : أضرب الراعي , تفرق خراف الرعية , فأجاب بطرس ~~وقال له : لو شك جميعهم لم أشك أنا , قال له يسوع : الحق أقول لك ! في هذه ~~الليلة قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات ؛ وقال يوحنا : الحق الحق أقول ~~لكم ! لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاثا , لا تضطرب قلوبكم , آمنوا بالله ~~وآمنوا بي ؛ وقال متى : قال له بطرس : لو ألجئت إلى أن أموت معك ما أنكرت ؛ ~~وقال مرقس : فتمادى بطرس وقال : يا أبت ! وإن اضطررت إلى أن أموت معك ليس ~~أنكرك , وهكذا قال جميع التلاميذ , حينئذ جاء معهم إلى قرية تدعى جسمانية , ~~فقال للتلاميذ : اجلسوا ها هنا لأمضي أصلي هناك , امكثوا واسهروا معي , ~~وبعد ذلك خر على وجهه يصلي , وجاء إلى التلاميذ فوجدهم نياما , قال مرقس : ~~فقال البطرس : يا شمعون ! أنت نائم ؟ ما قدرت تسهر معي ساعة واحدة ؟ اسهروا ~~وصلوا لئلا تدخلوا التجارب , أما الروح فمستبشرة , وقال مرقس : فمستعدة , ~~وأما الجسد فضعيف , ومضى أيضا وصلى , وجاء أيضا فوجدهم نياما , لأن عيونهم ~~كانت ثقيلة , فتركهم ؛ ومضي أيضا يصلي , قال لوقا : وظهر له ملاك من السماء ~~ليقويه , وكان يصلي تواترا , وكان عرفه كعبيط الدم نازلا على الأرض ! وقال ~~متى : حينئذ جاء إلى التلاميذ وقال لهم : ناموا الآن واستريحوا ! قد اقتربت ~~الساعة , وفيما هو يتكلم إذ جاء يهودا الإسخريوطي أحد الاثني عشر , معه جمع ~~كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة ومشايخ الشعب , والذي أسلمه أعطاهم ~~علامة وقالك ألذي أقبله هو هو فأمسكوه , PageV02P360 وجاء إلى يسوع وقال له ~~: السلام يا معلم ! وقبله له يسوع : يا هذا ! ألهذا جئت ؟ حينئذ جاؤوا ~~فوضعوا أيديهم على يسوع وقبضوا عليه , ثم قال : في ms1096 تلك الساعة قال يسوع ~~للجموع : كأنكم قد خرجتم إلى لص بالسيوف والعصي لتأخذوني , في كل يوم كنت ~~أجلس عندكم أعلم في الهيكل فما قبضتم علي , وهذا كله كان لتكميل كتب ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؛ وقال يوحنا : إن يهودا أخذ جندا من عند ~~عظماء الكهنة والفريسيين وشرطا , وجاء إلى هناك بسرج ومصابيح وسلاح , ويسوع ~~كان عارفا بكل شيء يأتي عليه , فخرج وقال لهم : من تطلبون ؟ قالوا : يسوع ~~الناصرين , قال : أنا هون ] وكان يهودا واقفا معهم , فلما قال : أنا هو , ~~رجعوا إلى ورائهم وسقطوا على الأرض , فقال يسوع : إن كنتم تطلبوني فدعوا ~~هؤلاء يذهبوا , لتتم الكلمة التي قالها : إن الذي أعطيتني لن يهلك منهم أحد ~~؛ وقال متى : حينئذ تركه تلاميذه كلهم وهربوا , والذين أخذوا يسوع اقتادوه ~~إلى دار قيافا رئيس الكهنة , وأما بطرس فأتبعه على بعد منه إلى دار رئيس ~~الكهنة , ودخل إلى داخلها وجلس مع الخدام لينظر التمام , وقال مرقس : وجلس ~~مع الخدام عند النار يصطلي ؛ وقال يوحنا : وإن شمعون الصفا والتلميذ الآخر ~~- يعني الذي تقدم أن عيسى كان يحبه - تبعا يسوع , وكان عظيم الكهنة يعرف ~~ذلك التلميذ , فدخل يسوع إلى دار عظيم الكهنة , فأما شمعون فكان واقفا خارج ~~الباب , فخرج التلميذ الآخر الذي كان معارف رئيس الكهنة , فقال للبوابة ~~وأدخل شمعون بطرس , فقالت الجارية البوابة لشمعون : أما أنت من تلاميذ هذا ~~الرجل ؟ فقال لها : لا ! وكان العبيد والشرط قياما يوقدون نارا ليصطلوا , ~~لأنها كانت ليلة باردة , وقام شمعون معهم أيضا يصطلي : قال متى : فقال رئيس ~~الكهنة : أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا إن كنت أنت هو المسيح ! قال مرقس ~~: وبينما بطرس في أسفل الدار جاءت فتاة من جواري رئيس الكهنة فقالت له : ~~وأنت أيضا قد كنت مع يسوع الناصري ؛ وقال متى : مع يسوع الجليلي , وقال ~~لوقا : فلما رأته جارية جالسا عند الضوء ميزته فقالك هذا أيضا كان معه , ~~فأنكر وقال : ما أعرفه ؛ وقال متى : فجحد بين أيديهم أجميعن , وعند خروجه ~~إلى الباب أبصرته جارية أخرى فقالت : وهذا أيضا كان مع ms1097 يسوع الناصري , فجحد ~~أيضا بيمين : إني لست أعرف الرجل , وبعد قليل تقدم الوقوف فقالوا لبطرس : ~~بالحقيقة إنك منهم أنت ! لأن كلامك يدل عليك ؛ وقال مرقس : وأنت جليلي ~~وكلامك يشبه كلامهم , وقال : حينئذ أقبل بطرس يلعن ويحلف : إني لست أعرف ~~الإنسان , وفي الحال صاح . | PageV02P361 الديك , فذكر بطرس كلمة يسوع : ~~قبل أن يصيح الديك , تجحدني ثلاثا , فخرج إلى خارج وكبى بكاء مرا . | ولما ~~كان الصبح عملوا كلهم مؤامرة على يسوع حتى يميتوه فربطوه وساقوه إلى ~~بيلاطيس النبطي , ولما أبصر يودس - يعني يهودا الإسخربوطي - أنه قد حكم ~~عليه تندم ورد الثلاثين الفضة على رؤساء الكهنة قائلا : قد أخطأت إذ أسلمت ~~دما زكيا , فقالوا : ما علينا ! فطرح الفضة في الهيكل ومضى فخنق نفسه , ~~فأخذ رؤساء الكهنة الفضة وقالوا : لن يجوز لنا أن نلقيها في داخل الزكاة , ~~لأنها ثمن دم , فتشاوروا وابتاعوا حقل الفاخوري لدفن الغرباء , لذلك دعي ~~ذلك الحقل حقل الدم إلى اليوم , حينئذ تم قول إرميا النيب القائل : وأخذوا ~~الثلاثين من الفضة ثمن الدم الذي ثمنه بنوا غسرائيل , وجعلوها في حقل ~~الفاخوري على ما رسمل لي ؛ وأما يسوع فوقف أمام الوالي , ثم ذكر أن الوالي ~~كان كارها لقتله , وأن امرأته أرسلت إلأيه تقول : إياك ودم ذاك الصديق , ~~فإني توجعت في هذا اليوم كثيرا من أجله في الحلم , وأنه اجتهد بهم ليطلقوه ~~فأبوا إلا صلبه , وصاحوا عليه , وأنه قال لهم : أي شر عمل ؟ فازدادوا صياحا ~~وقالوا : يصلب ؛ فلام رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئا أخذ ماء وغسل يديه قدام ~~الجمع وقال : إنني بريء من دم هذا الصديق , فقالوا : دمه علينا وعلى ~~أولادنا , وقال لوقا : وإن بيلاطس قال لرؤساء الكهنة : أنا لم أجد على هذا ~~الإنسان علة - حتى قال : فلما علم أنه من سلطان هيرودس - يعني من الجليل - ~~أرسله إلى هيرودس , لأنه كان في تلك الأيام بيروشليم , وأن هيرودس لما رأى ~~يسوع فرح جدا , لأنه كان يشتهي أن يراه من زمان طويل لما كان يسمع عنه من ~~الأمور الكثيرة , وكان يرجو أن يعاين آية يعملها ms1098 , وسأله عن كلام كثير ذكره ~~, وذكر أنه لم يجبه , فاحتقره هيرودس وجنده واستهزؤوا به وألبسه ثيابا ~~حمراء , وأرسله إلى بيلاطس وصار بيلاطس وهيرودس صديقين في ذلك اليوم , لأنه ~~كان بينهما عداوة , ثم ذكر أن بيلاطس قال لهم : لم أجد عليه علة آخذة بها , ~~ولا هيرودس أيضا , وأنهم لم يقبلوا منه ذلك وصاروا يصيحون : اصلبه اصلبه , ~~وقال يوحنا : ثم جلس - يعني بيلاطس - على كرسي في موضع يعرف برصيف الحجارة ~~, وبالعبرانية يسمى جاحلة ؛ ثم ذكر جميع نقلة أناجيلهم أنهم صلبوه بين لصين ~~, وأنهم كانوا يستهزئون به حتى اللصان المصلوبان ؛ قال مرقس : فلما كانت ~~الساعة السادسة تفشت الأرض كلها ظلمة إلى الساعة التاسعة , وأنه صاح بصوت ~~عظيم منه : إلهي ! إلهي ! لم تركتني ! فانشق ستر حجاب الهيكل باثنين من فوق ~~إلى أسفل , والأرض تزلزلت , وتشققت الصخور , وتفتحت القبور , وكثير من ~~أجساد القدسين النيام قاموا من قبورهم , ودخلوا المدينة فظهروا لكثير , ~~وكان هناك نسوة كثير PageV02P362 ينظرن من بعيد , ومن اللاتي تبعن عيسى من ~~الجليل منهم مريم المجدلانية , ومريم أم يعقوب الصغير , وأم يوسا , وأم ابن ~~يزبدي , وقال يوحنا : وكان واقفا عند صلبه أمه وأخت أمه مريم ابنة إكلاوبا ~~ومريم المدجدلية , ثم ذكروا أنه دفن ؛ وذكر مرقس أنه كان يوم جمعة ؛ وقال ~~يوحنا : وأما اليهود - فلأنه يوم الجمعة - قالوا : هذه الأجساد لا تثبت على ~~صلبها , لأن السبت كان عظيما , ثم ذكر أنهم أنزلوهم , وأن عيسى دفن ؛ وقال ~~متى : إن الملك جاء بعد ثلاث وأقامه , وقال للنسوة : إنه قد قام فأسرعن ~~فقلن لتلاميذه : هوذا سبقكم إلى الجليل , وإن رؤساء اليهود رشوا الجند ~~الذين كانوا يحرسون قبره ليقولوا : إن تلاميذه سرقوه من القبر , فقالوا ~~وشاع ذلك عند اليهود إلى اليوم , فأما الأحد عشر تلميذا فمضوا إلى الجليل ~~الذي أمروا به , فلما رأوه سجدوا له , وبعضهم شك ؛ وقال لوقا : وفيما هم ~~يتكلمون وقف عيسى إلى وسطهم , وقال لهم : السلام عليكم يا هؤلاء ! لا ~~تخافوا ! فاضطربوا وخافوا وظنوا أنهم ينظرون روحا , فقال لهم : ما بالكم ~~تضطربون ؟ ولم يأتي الإنكار في ms1099 قلوبكم ؟ انظروا يدي ورجلي فإني أنا هو , ~~جسوني وانظروا إلي ! الروح ليس له لحم ولا عظم , كما ترون أنه لي , ولما ~~قال هذا أراهم يديه ورجليه , وإذا هم غير مصدقين من الفرح والتعجب , وقال ~~لهم : أعندكم ها هنا ما يؤكل ؟ فأعطوه جزءا من حوت مشوي ومن شهد عسل , فأخذ ~~قدامهم وأكل , وأخذ الباقي وأعطاهم , ثم قال : ثم أخرجهم خارجا إلى بيت ~~عنيا فرفع يديه وباركهم , وكان فيما فهو يباركهم انفرد عنهم , وصعد إلى ~~السماء ؛ وقال يوحنا : إنه قال لمريم : امضي إلى إخوتي وقولي لهم : إني ~~صاعد إلى أبي وأبيكم وإلهي والاهكم ؛ وقال متى : فجاء يسوع فكلمتهم فقال : ~~أعطيت كل سلطان في السماء وعلى الأض فاذهبوا الآن وتلمذوا كل الأمم . | ~~انتهى ما أردته هنا من الأناجيل من هذه القصة , فقد بان لك أن أناجيلهم ~~كلها اتفقت على أن علمهم في أمره انتهى إلى واحد , وهو الإسخريوطي , وأما ~~غيره من الأعداء فلم يكن يعرفه , وأنه إنما وضع يده عليه , ولم يقل بلسانه ~~: إنه هو , وأن الوقت كان ليلا , وأن عيسى نفسه قال لأصحابه : كلكم تشكون ~~في هذه الليلة , وأن تلاميذه كلهم هربوا , فلم يكن لهم علم بعد ذلك بما ~~اتفق في أمره , وأن بطرس إنما تبعه من بعيد , وأن الذي دل عليه خنق نفسه , ~~وأن الناقل لأن الملك قال : إنه قام من الأموات , إنما هو نسوة كن عند ~~القبر في مدى بعيد , وما يدري النسوة الملك من غيره - ونحوه ذلك من الأمور ~~التي لا تفيد غير الظن بالجهد , وأما الآيات التي وقعت فعلى تقدير تسليمها ~~لا يضرنا التصديق بها , وتكون لجرأتهم على الله بصلب من يظنونه المسيح ~~PageV02P363 ومن أحسن ما في ذلك قوله بعد اجتماعهم به بعد رفعه : أعطيت كل ~~سلطان , فأثبت أن المعطي غيره , وهذا كله يصادق القرآن في أنهم في شك منه , ~~ويدل على أن المصلوب - إن صح أنهم صلبوه من ظنوه إياه - هو الذي دل عليه , ~~كما قال بعض العلماء : إنه ألقى شبهه عليه , ويؤيد ذلك قولهم : إنه خنق ms1100 ~~نفسه , فالظاهر أنهم لما لم يروه بعد ذلك ظنوا أنه خنق نفسه , فجزموه به - ~~والله أعلم , وقوله : إنك يا رباه في وأنا فيك , ليكونوا - أي التلاميذ - ~~فينا , ونحوه مما يوهم حلولها المراد به الاتحاد في المراد بحيث أن واحدا ~~منهم لا يريد إلا ما يريد الآخر , ولا يرضى إلا ما يرضاه , فهو من وادي ما ~~في الحديث القدسي ( كنت سمعه الذي يسمع به ) - إلى آخره , وكذا إطلاق الابن ~~والأب معناه أنه يعاملهم في لطفه معاملة الأب ابنة , فالمراد الغاية , كما ~~يؤل ذلك في إطلاق الغضب والمحبة ونحو ذلك في حق الله تعالى في شرعنا , وقد ~~مضى كثير من رد المتشابه في مثل ذلك إلى المحكم في آل عمران , ومضى في ذلك ~~الموضع وغيره أن كل ما أوهم نقصا لا يجوز في شرعنا إطلاقه على الله تعالى - ~~والله الموفق . | < < # | النساء : ( 159 - 161 ) وإن من أهل . . . . . # > > ^ ( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون ~~عليهم شهيدا * فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن ~~سبيل الله كثيرا * وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ~~وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ) ^ } ) | ولما أنجز الكلام إلى أمر ~~عيسى عليه الصلاة والسلام على هذا المنهاج البديع بما ذكر في نصائح اليهود ~~وقبائح أفعالهم , وأنهم قصدوا قتله عليه الصلاة والسلام , فخاب قصدهم , ~~واصلد زندهم , وقال رأيهم , ورد عليهم بغيهم , وحصل له بذلك على المناصب ~~وأولى المراتب ؛ قال محققا لام أثبته في الآية قبلها من القطع بكذبهم , ~~مثبتا أنهم في مبالغتهم في عدواته سكونون من أتباعه المصدقين بجميع أمره ~~الذي منه PageV02P364 التصديق بمحمد صلى الله عليه وسلم , ومؤكدا له أشد ~~تأكيد لما عندهم من الإنكار له : { وإن } أي والحال أنه ما { من أهل الكتاب ~~} أي أحد يدرك نزوله في آخر الزمان { إلا } وعزتي { ليؤمن به } أي بعيسى ~~عليه الصلاة والسلام { قبل موته } أي موت عيسى عليه الصلاة والسلام , أي ~~إنه لا يموت حتى ينزل في آخر الزمان , يؤيد الله ms1101 دين الإسلام , حتى يدخل ~~فيه جميع أهل الملل , إشارة إلى أن موسى عليه الصلاة والسلام إن كان قد ~~أيده الله تعالى بأنبياء كانوا يجددون دينه زمانا طويلا , فالنبي الذي نسخ ~~شريعة موسى - وهو عيسى عليهما الصلاة والسلام - هو الذي يؤيد الله به هذا ~~النبي العربي في تجديد شريعته وتمهيد أمره والذب عن دينه , ويكون من أمته ~~بعد أن كان صاحب شريعة مستقلة وأتباع مستكثرة , أمر قضاء الله في الأزل ~~فأمضاه , فأطيلوا أيها اليهود أو أقصروا ! فمعنى الآية إذن - والله أعلم - ~~أنه مات من أحد من أهل الكتاب المختلفين في عيسى عليه الصلاة والسلام على ~~شك إلا وهو يوقن بعيسى عليه الصلاة والسلام قبل موته بعد نزوله من السماء ~~أنه ما قتل وما صلب , ويؤمن به عند زوال الشبهة - والله أعلم ؛ روى الشيخان ~~وأحمد وأبو بكر بن مردويه وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( والذي نفسي بيده ! ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم ~~حكما مقسطا وإماما عادلا , فليكسرن الصليب وليقتلن الخنزير وليضعن الجزية , ~~حتى تكون السجدة الواحدة خيرا من الدنيا وما فيها ) ؛ وفي رواية : وتكون ~~السجدة واحدة لله رب العالمين ؛ وفي رواية : حتى يهلك الله الملل كلها غير ~~الإسلام , فيهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام , يقول أبو هريرة : ~~اقرؤا إن شئتم { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } الآية : موت ~~عيسى عليه الصلاة والسلام - ثم يعيدها أبو هريرة ثلاث مرات - ولتذهبن ~~الشحناء والتباغض والتحاسد , وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد ؛ وفر رواية ~~: ويفيض المال حتى لا يقبله أحد ؛ ولمسلم عنه رضي الله عنه : كيف بكم إذا ~~نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم ؛ وي رواية : فأمكم منكم , قال الوليد بن ~~مسلم - أحد رواة الحديث : قال ابن أبي ذئب : تدري ما أمكم منكم ؟ قلت ~~تخبرني ! قال : فأمكم بكتاب ربكم تبارك وتعالى وسنة نبيكم صلى الله عليه ~~وسلم ؛ ولمسلم أيضا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : سمعت النبي ~~صلى ms1102 الله عليه وسلم يقول : لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين ~~إلى يوم القيامة , فينزل عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام فيقول أميرهم : ~~تعال صل لنا ! PageV02P365 فيقول : لا ! إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله ~~هذه الأمة ؛ وروى عن ابن عباس ومحمد بن علي المشهور بابن الحنفية رضي الله ~~عنهم أن المعنى : ألا ليؤمنن بعيسى عليه الصلاة والسلام قبل موت ذلك ~~الكتابي عند الغرغرة حين لا ينفعه الإيمان , ليكون ذلك زيادة في حسرته , ~~قال الأصبهاني : وتدل على صحة هذا التأويل قراءة أبي : ليؤمنن قبل موتهم - ~~بضم النون . | ولما أخبر تعالى عن حالهم معه في هذه الدار أتبعه فعله بهم ~~في تلك فقال : { ويوم القيامة } أي الذي يقطع ذكره القلوب , ويحمل التفكر ~~فيه على كل خير ويقطع عن كل شر { يكون } وأذن بشقائهم بقوله : { عليهم ~~شهيدا } أي بما عملوا ؛ ولما أذن حرف الاستعلاء في الشهادة بأنه لا خير لهم ~~في واحد من الدارين , وبأن التقدير : فبظلمهم , سبب عنه قوله دلالة على أن ~~التوراة نزلت منجمة : { فبظلم } أي عظيم جدا راسخ ثابت , وهو جامع لتفصيل ~~نقض الميثاق وما عطف عليه مما استحلوه بعد أن حرمته التوارة , وقال مشيرا ~~إلى زيادة تبكيتهم : { من الذين هادوا } أي تلبسوا باليهودية في الماضي ~~ادعاء أنهم من أهل التوراة والرجوع إلى الحق , ولم يضمر تعيينا لهم زيادة ~~في تقريعهم { حرمنا عليهم طيبات أحلت } أي كان وقع إحلالها في التوراة { ~~لهم } كالشحوم التي ذكرها الله تعالى في الأنعام . | ولما ذكر ظلمهم ذكر ~~مجامع من جزئياته , وبدأها بإعراضهم عن الدين الحق , فقال معيدا للعامل ~~تأكيدا له : { وبصدهم عن سبيل الله } أي الذي لا أوضح منه ولا أسهل ولا ~~أعظم , لكون الذي نهجه له من العظمة والحكمة ما لا يدرك , و ( صد ) يجوز أن ~~يكون قاصرا فيكون { كثيرا * } صفة مصدر محذوف , وأن يكون متعديا فيكون ~~مفعولا به , أي وصدهم كثيرا من الناس بافضلال عن الطريق , فمنعوا مستلذات ~~تلك المآكل بما منعوا أنفسهم وغيرهم من لذاذة الإيمان . | ولما ذكر ms1103 ~~امتناعهم ومنعهم من المحاسن التي لا أطيب منها ولا أشرف , أتبعه إقدامهم ~~على قبائح دنية فيها ظلمهم للخلق فقال : { وأخذهم الربا } أي وهو قبيح في ~~نفسه مزر بصاحبه { وقد } أي الحال أنهم قد { نهوا عنه } فضموا إلى مخالفة ~~الطبع السليم الاجتراء على انتهاك حرمة الله العظيم . | ولما ذكر الربا ~~أتبعه ما هو أعم منه فقال : { وأكلهم أموال الناس بالباطل } أي سواء كانت ~~ربا أو رشوة أو غيرهما ؛ ولما ذكر بعض ما عذبهم به في الدنيا أتبعه جزاءهم ~~في الآخرة , فقال عاطفا على قوله ( حرمنا ) : { وأعتدنا للكافرين } أي ~~الذين صار الكفر لهم صفة راسخة فماتوا عليه ؛ ولما علم أن منهم من يؤمن ~~فيدخل الجنة PageV02P366 فقال : { منهم } ولما كان الحزاء من جنس العمل قال ~~: { عذابا أليما * } أي بسبب ما آلموا الناس بأكل أموالهم وتغطيتهم على ~~حقوقهم من الفضائل والفواضل . | ذكر تحريم المال بالربا وغيره من أنواع ~~الباطل بنص التوراة , قال في السفر الثاني بعد ما قدمته في البقرة من الأمر ~~بالإحسان إلى الناس والنهي عن أذاهم : وإن أسلفت ورقك للمسكين الذي معك من ~~شعبي فلا تكونن له كالغريم ولا تأخذن منه ربا ؛ وقال في الثالث : وإن افتقر ~~أخوك واستعان بك فلا تتركه بمنزلة الغريب الساكن معك , بل وسع عليه , وإياك ~~أن تأخذ منه ربا أو عينة , لا تقرضه بالعينة ؛ وقال في الخامس : ولا تطعموا ~~بيت الله ربكم أجر زانية ولا ثمن كلب , ولا تأخذوا من إخوتكم ربا في فضة ~~ولا في طعام بيت الله ربكم أجر زانية ولا ثمن كلب , ولا تأخذوا من إخوتكم ~~ربا في فضة ولا في طعام ولا في شيء مما تعانونه , وأما الغريب فخذوا منه إن ~~أحببتم ؛ فقد ثبت من توراتهم النهي عن الربا , وأما تخصيصه بالغريب فتبديل ~~منهم بلا ريب , بدليل ما قدمته عنها في البقرة عند قوله تعالى : ^ ( { إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا } ) ^ [ البقرة : 62 ] ومن النهي عن غدر العدو , ~~وعند قوله تعالى : ^ ( { لا تعبدون إلا الله } ) ^ [ البقرة : 83 ] من ~~الإحسان إلى عامة الناس لا سيما ms1104 الغريب - والله الموفق . | < < # | النساء : ( 162 - 164 ) لكن الراسخون في . . . . . # > > ^ ( لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ ~~أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم ~~الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما * إنآ أوحينآ إليك كمآ أوحينآ إلى نوح ~~والنبيين من بعده وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ~~وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا * ورسلا قد قصصناهم ~~عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما ) ^ } ) | ولما ~~بين تعالى ما للمطبوع على قلوبهم الغريقين في الكفر من العقاب , بين ما ~~لنيري البصائر بالرسوخ في العلم والإيمان من الثواب فقالك { لكن الراسخون ~~في العلم منهم } أي الذي هيئت قلوبهم في أصل الخلقة لقبول العلم فأبعد عنها ~~الطبع , وجلت الحكمة , ورسخت بالرحمة , فامتلأت من نور العلم , وتمكنت بأنس ~~الإيمان . | ولما ذكر نعت العلم المفيد لجميع الفضائل أبتعه ما نشأن عنه ~~فقال : { والمؤمنون } أي الذين هيئوا للإيمان ودخلوا فيه , فصار لهم خلقا ~~لازما , منهم ومن غيرهم { وما أنزل من قبلك } أي على موسى عليه الصلاة ~~والسلام , وبسبب إيمانهم الخالص أمنوا بما أنزل على عيسى عليه الصلاة ~~والسلام , ثم بما أنزل إليك . | PageV02P367 ولما كانت الصلاة أعظم دعائم ~~الدين , ولناهية عن الفحشاء والمنكر , نصبت على المدح من بين هذه المرفوعات ~~إظهارا لفضلها فقال تعالى : { والمقيمين الصلاة } أي بفعلها بجميع حدودها , ~~ويجوز على بعد أن يكون المقتضي لنصبها جعل ( لكن ) بالنسبة إليها بمعنى ( ~~إلا ) وتضمينها لفظها , لما بينهما من التآخي , فيكون المعنى ولما كان ~~الرجوع بما بعدها إلى الأسلوب الماضي أبين في مدحها قال : { والمؤتون ~~الزكاة } ولما ذكر أنهم جمعوا إلى صلة الخالق الإحسان إلى الخلائق ذكر ~~الإيمان بانيا على عظمته مفصلا له بعض التفصيل ومشيرا غلأآ أن نفعه كما ~~يشترط أن صفات الكمال , وضم إليه الحامل على كل خير والمعقد عن كل شر ~~ترغيبا وترهيبا فقال : { واليوم الآخر } فصار الإيمان مذكورا خمس مرات , فإ ~~, هذه الأوصاف لموصوف واحد عطفت بالواو تفخيما لها وإشارة إلى أن وصف ~~الرسوخ ms1105 في العلم مقتض واحد عطفت بالواو تفخيما لها وإشارة إلى أن وصف ~~الرسوخ في العلم الدين , فإنه لا يمدح أحد اتصف بشيء منها عريا عن الإيمان ~~به , لا جرم نبه على فخامة أمرهم وعلو شأنهم بأداة البعد فقال : { اولئك } ~~أي العالو الرتبة والهمم , ولكون السياق في الراسخين العاملين أنهى في ~~التأكيد بالسين لأن المكر هنا أقل منه في الأولى , ولم يعرف الأجر , ووصفه ~~بالعظم فقال : { سنؤتيهم } أي بعظمتنا الباهرة بوعد لا خلف فيه { أجرا ~~عظيما } ولما كانت هذه الأوصاف منطبقة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , ~~وكان من أحوالهم الوحي , قال تعالى إبطالا لشبهتهم القالئلة : لو كان نبيا ~~أتى بكتابه جملة من السماء كما أتى موسى عليه الصلاة والسلام بالتوارة كذلك ~~, بإقرارهم بنبوة هؤلاء الأنبياء عليهم السلام مع كونهم ليس لهم تلك الصفة ~~, ولم يكن ذلك قادحا في نبوة أحد منهم ولا رسالته : { إنا } ويصح أن يكون ~~هذا تعليلا ليؤمنون , أي إنهم آمنوا بما أنزل إليك لأنا { أوحينا إليك كما ~~} أي مثل ما { أوحينا إلى نوح } وقد آمنوا بما به لما أتى به من المعجز ~~الموجب للإيمان من غير توقف على معجز آخر ولا غيره , لان إثبات المدلول ~~PageV02P368 إنما يتوقف على ثبوت الدليل , فإذا تم الدليل كانت المطالببة ~~بدليل آخر طلبا للزيادة وإظهارا للتعنت واللجاج - والله سبحانه يفعل ما ~~يشاء ويحكم ما يريد . | ولما كان مقام الإيحاء - وهو الأنبياء - من قبل ~~الله تعالى قال : { والنبيين من بعده } أي فهم يعلمون ذلك بما لهم من ~~الرسوخ في العلم وطهارة الأوصاف , ولا يشكون في أن الكل من مشكاة واحدة , ~~مع أن هذا الكتاب أبلغ , والتعبير فيه عن المقاصد أجلى وأجمع , فهم إليه ~~أميل , وله أقبل , وأما المبطوع على قلوبهم , الممنوعون من رسوخ العلم فيها ~~بكثافة الحجاب , حتى أنها لا تنظر إلى اسراره إلا من وراء غشاء , فهم غير ~~قابلين لنور العلم المتهيىء للإيمان , فأسرعوا إلى الكفر , وبادروا بالذل ~~والصغار , وفي الآخرة بالسخط والنار . | ولما أجلم تعالى ذكر النبيين فصل ~~فقال منبها على شرف ms1106 من ذكرهم وشهرتهم : { وأوحينا إلى إبراهيم } أي أبيكم ~~وأبيهم كذلك { وإسماعيل } أي ابنه الأكبر الذي هو أبوكم دونهم { وإسحاق } ~~وهو ابنه الثاني وأبوهم { ويعقوب } أي ابن إسحاق { والأسباط } أي أولاد ~~يعقوب . | ولما أجمل بذكر الأسباط بعد تفصيل من قبلهم فصل من بعدهم فقال : ~~{ وعيسى } أي الذي هو آخرهم من ذرية يعقوب { وأيوب } وهو من ذرية عيصو بن ~~إسحاق على ما ذكروا { ويونس وهارون وسليمان } ولما كان المقام للتعظيم ~~بالوحي , وكان داود عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب قال : { وآتينا داود ~~زبورا * } أي وهم يدعون الإيمان به مع اعترافهم بأنه لم ينزل جملة ولا ~~مكتوبا من السماء . | ولما تم ما اقتضاه مقام النبوة , وكان فيهم رسل , ~~وكان ربما قال متعنت : إن شأن الرسل غير شأن الأنيباء في الوحي , قال عاطفا ~~على ما تقديره من معنى ( أوحينا ) : أرسلنا من شئنا من هؤلاء الذين قصصناهم ~~عليك هنا إلى من شئنا من الناس : { ورسلا } أي غير هؤلاء { قد قصصناهم } أي ~~تلونا ذكرهم { عليك } ولما كان القص عليه غير مستغرق للزمان الماضي قال : { ~~من قبل } أي من قبل إنزال هذه الآية { ورسلا تكليما * } أي على التدريج ~~شيئا فشيئا بحسب المصالح من غير واسطة ملك , فلا فرق في الوحي بين ما كان ~~بواسطة وبين ما كان بلا واسطة , والمعنى أنكم لو كنتم إنما PageV02P369 ~~تتوقفون عن الإيمان ببعض الأنبياء تثبتا لتعلموا أنه فعل به ما فعل بموسى ~~عليه الصلاة والسلام من الكرامة , لم تؤمنوا بإبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وهارون وغيرهم , فإنه خص بالتكليم دونهم , فلم جعلتم الإتيان بمثل ~~ما أتى به موسى عليه الصلاة والسلام شرطا في الإيمان ببعض الأنيباء دون بعض ~~؟ وإن جعلتم الشرط الإتيان بالكتاب جملة ومن السماء مدعين أنه كان له ذلك ~~دون التكليم وغيره مما جعل له , كان ذلك . | على تقدير التسليم تنزلا - ~~تحكما وترجيحا من غير مرجح , على أن التوراة أيضا - كما تقدم بيانه - كهذا ~~القرآن في إنزالها منجمة على حسب الوقائع على ما أشار إليه قوله ( تكليما ) ~~ولم يكتب منها جملة ms1107 إلا اللوحان اللذان وضعا في تابوت الشهادة كما أنزل بعض ~~سور القرآن جملة كسورة الأنعام , وليس في نزول موسى عليه الصلاة والسلام ~~بهما من جبل الطور مكتوبين دليل على نزولهما من السماءن ويدل على ذلك كثير ~~من نصوصها اصرحها أنه تعالى حرم عليهم العمل في السبت عقب إخراجهم من البحر ~~عند إنزال المن - كما بين في السفر الثاني منهما - ولم يبين كيف يفعل ~~بالعاصي فيه إلا بعد ذلك بدهر , بدليل ما في السفر الرابع منها في قصة ~~التبيه : ومكث بنو إسرائيل في البرية ووجدوا رجلا يحتطب حطبا يوم السبت , ~~فقدمه الذين وجدوه يحتطب إلى موسى وهارون وإلى الجماعة كلها , وحبسوه في ~~السجن , لأنه لم يكن أوحى إلى موسى كيف يصنع به ؟ فقال الرب لموسى : يقتل ~~هذا الرجل , يرجم بالحجارة خارجا من العسكر , ورجمه الجماعة كلها بالحجارة ~~ومات - كما أمر الرب موسى ؛ ومنها أنه أمرهم - كما بين في السفر الثاني - ~~بنصب قبة الزمان التي كانوايصلون إليها , ويسمع موسى الكلام منها , ثم بعد ~~ذلك بمدة أمرهم - كما بين في السفر الرابع - بالزيادة فيها ؛ ومنها أنه كتب ~~له الألواح في الطور : اللوحين اللذين كسرهما غضبا من اتخاذهم العجل , ثم ~~لوحين عوضا عنهما , ثم لما نصبت قبة الزمان صار سبحانه وتعالى يكلمه منها , ~~وغالب أحكامهم إنما شرعت بالكلام الذي كان في قبة الزمان - كما هو في غاية ~~الوضوح في التوراة ؛ ومنها ما قال في أوخر السفر الخامس وهو آخرها : فلما ~~أكمل موسى كتاب آيات هذه التوراة في السفر وفرغ منها , أمر موسى الأحبار ~~الذين يحملون تابوت عهد الرب وقال لهم : خذوا سفر هذه السنن واجعلوه في جوف ~~تابوت عهد الهل ربكم في جانب من جوانبه , ليكون هناك شاهدا , لأني قد عرفت ~~جفاءكم وقساوة قلوبكم وما تصيرون إليه , وكيف لا يكون ذلك وقد أغضبتم الرب ~~وأنا حي معكم ؟ فمن بعد موتي أحرى أن تفعلوا ذلك , فليجتمع إلي أشياخ ~~أسباطكم وكتابكم فأتلو عليهم هذه الأقوال , ولأشهد عليهم السماء والأرض , ~~لأنكم مفسدون من بعد وفاتي , تحيدون عن ms1108 الطريق PageV02P370 الذي آمركم به , ~~شر شديد في آخر الأيام إذا عملتم السيئات بين يدي الرب , وأغضبتموه بأعمال ~~أيديكم , وقال موسى بين يدي جماعة بني إسرائيل : انصتي أيتها السماء فأتكلم ~~, ولتسمع الأرض النطق من في - وقال كلاما كثيرا في ذمهم أذكره إن شاء الله ~~تعالى في المائدة عند { من لعنه الله وغضب عليه } [ المائدة : 60 ] ثم قال ~~: يقول الله : أسخطوني مع الغرباء بأوثانهم , وأغضبوني حين ذبحوا للشياطين ~~- ومضى يتكلم من كلام الله الذي هو من أحسن التوراة إلى أن قال : فلما أكمل ~~موسى هذه الآيات كلها لبني إسرائيل قال لهم : أقبلوا بقلوبكم إلى هذه ~~الأقوال ؛ ثم قال : وكلم الرب موسى ذلك اليوم وقا : اصعد إلى جبل ~~العبرانيين , هذا جبل نابو الذي في أرض مواب حيال إيريحا , وانظر إلى أ { ض ~~كنعان التي أعطى بني إسرائيل ميراثا - وذكر بعد ذلك كلاما طويلا فهيا كلها ~~لمن يتأملها كثير مما هو ظاهر في ذلك , بل صريح , وفي قصة نوح وإبراهيم ~~عليهما الصلاة والسلام ما هو صريح في أن الإيحاء إليهما كان منجما - كما ~~مضى عنهما في قصة إبراهيم عليه السلام في البقرة , ويأتي إن شاء الله تعالى ~~في ذكر الأحبار في الأعراف وفي قصة نوح عليه الصلاة والسلام في سورة هود - ~~والله الموفق , وقد ابتدأ سبحانه في هذه الآية بنوح عليه الصلاة والسلام ~~أول أولي العزم وأصحاب الشرائع وجودا , وهو من أوائل الأنبياء , وزمانه في ~~القدم بحيث لا يعلم مقداره على الحقيقة إلا الله تعالى , ثم ثنى بثانيهم في ~~الوجود وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام , ثم ذكر أولاده على ترتيبهم , ~~والأسباط يحتمل أن يراد بهم أولاد يعقوب عليه الصلاو والسلام أنفسهم ~~وقبائلهم , ويكون المعنى حينئذ : وأنياء الأسباط , ويكون مما استعمل في ~~حقيقته ومجازه , ويكون شاملا لجميع أنبياء بني إسرائيل , ثم صرح ببعض من ~~دخل منهم في العموم فبدأهم بآخرهم بعثا وهو عيسى عليه الصلا والسلام الذي ~~هو أحد نبي أهل الكتابي , وختم الآية بأحد أصحاب الكتب منهم , وهو جده ~~المشهور بالنسبة إليه , فإن اليهود ms1109 يقولون لعيسى عليه الصلاة والسلام : يا ~~ابن داود ! لأن أمه في ذريته , وختم الآية بأول نبي أهل الكتابين موسى عليه ~~الصلاة والسلام الذي آخر آدر تبنى على الإسلام , فانتقله المنتمون إلى ~~أتباعه , ووسط أخاه هارون عليه الصلاة والسلام بين اثنين من أهل البلاء : ~~أيوب ويونس واثنين من أهل الملك - وأحدهم صاحب كتاب - وهما سليمان وداود , ~~وكل ذلك إشارة إلى أنه لا فرق في كيفية الإيحاء بحوما إلى الأنياء بين ~~متقدمهم ومتأخرهم , سواء كان من بني غسرائيل أو من غيرهم , وسواء منهم من ~~أوتي الملك ومن لم يؤته , ومن أى بكتاب ومن لم يأت ؛ ومن لطائف هذا الترتيب ~~أن المخصوصين بالذكر في الآية الأولى بعد دخولهم في العموم أحد عشر أسماء , ~~الأسباط أحدها , والمشهور PageV02P371 بالكتب والصحف منهم ثلاثة : إبراهيم ~~وعيسى وداود , وقد وقع كل منهم سادسا لصاحبه , وهو العد الذي كان فيه الخلق ~~, فلعل ذلك إشارة إلى أن الله لا يحب العجلة , فكما أنه لم يعجل في إنشاء ~~الخلقن فلعل ذلك إشارة إلى أن الله لا يحب العجلة , فكما أنه لم يعجل في ~~إنشاء الخلق , فكذلك لم يعجل بإنزال الكتب التي بها قوامهم وبقاؤهم دفعة , ~~بل أنزلها منجمة تبعا لمصالحهم وتثبيتا لدعائمهم , ومن لطائفه أنه تعالى ~~بدأ المذكورين , وختمهم باثنين من أولي العزم اشتركا في أن كلا منهما أهلك ~~من عانده كنفس واحدة بالإغراء , ترهيبا لهؤلاء الملبسين على أهل الإسلام ~~بالباطل المدعين أ , هم أتباع , ووسط بينهم وبين بقية المسمين عموم النبيين ~~والمرسلين , ولعله آخر الرسل ليفهم أن كل من عطفوا عليه مرسل , ولأن رتبة ~~النبوة قبل رتبة الرسالة , بمعنى أنها أعم منها . | ولما سرد أسماء من دخل ~~في العموم بدأهم بأشرفهم ثم بالأقرب إلى هذا النبي الكريم فالأقرب من ~~المرتبين على حسب ترتيب الوجود , إشارة إلى أنه سن به في الوحي سنة آبائه ~~وإخوانهم وذرياتهم - والله أعلم . | < < # | النساء : ( 165 - 166 ) رسلا مبشرين ومنذرين . . . . . # > > ^ ( رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ~~وكان الله عزيزا حكيما * لكن الله ms1110 يشهد بمآ أنزل إليك أنزله بعلمه ~~والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا ) ^ } ) | ولما كان معظم رسالة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم بشارة ونذارة , قال مبينا أنهم مثله في ذلك كما كانوا ~~قبله في الوحي , لأن المقصود من الإرسالة لجميع الرسل جمع الخلق بالبشارة ~~والنذارة : { رسلا } أي جعلناهم رسلا , ويجوز أن يكون بدلا من ( رسلا ) ~~الماضي , وأن يكون حالا , حال كونهم { مبشرين ومنذرين } ثم علل ذلك بقوله : ~~{ لئلا يكون } أي لينتفي أن يوجد { للناس } أي نوع من فيه قوة النوس . | ~~ولما كانت الحجة قد تطلق على مطلق العذر ولو كان مردودا , عبر بأداة ~~الاستعلاء فقال : { على الله حجة } أي واجبة القبول على الملك الذي اختص ~~بجميع صفات الكمال في أن لا يعذب عصاتهم ؛ ولما كان المراداستغراق النفي ~~لجميع الزمان المتعقب للإرسال أسقط الجار فقال : { بعد } أي انتفى ذلك ~~انتفى مستغرقا لجميع الزمان الذي يوجد بعد إرسال { الرسل } وتبليغهم للناس ~~, , ذلك على أن وجوب معرفته تعالى إنما يثبت بالسمع , وأما نفس المعرفة ~~والنظر والتوحيد فطريقها العقل , فالمعرفة متلقاة من العقل , والوجوب متلقى ~~من الشرع والنقل . | ولما كان ذلك ربام أوهم أنه ربما امتنع عليه قبل ذلك ~~سبحانه أخذ بحجة أو PageV02P372 غيرها , قال مزيلا لذلك : { وكان الله } أي ~~المستجمع لصفات العظمة { عزيزا } أي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء , فهو قادر ~~على ما طلبوه , ولكنه لا يجب عليه شيء , لأنه على سبيل اللجاج وهم غير ~~معجزين { حكيما * } أي يضع الأشياء في أتقن مواضعها , فلذلك رتب أمورا لا ~~يكون معها لأحد حجة ومن حكمتهأنه لا يجب المتعنت . | ولما لم يبق سبحانه ~~لهم شبهة , واستمروا على عنادهم , أشار تعالى إلى ما تقديره : إنهم لا ~~يشهدون لك عند اتضاح الأمر , فقال : { لكن } أي ومع ماقام من البراهين على ~~صدقك وكون كتابك من عند الله فهم لا يشهدون بذلك لكن { الله } أي الذي له ~~الأمر كله فلا كفوء له { يشهد } أي لك { بما أنزل إليك } أي من هذا الكتاب ~~المعجز الذي قد أخرس الفصحاء وأبكم البلغاء , وفيه هذه ms1111 الأحكام الصادقة لما ~~عندهم وهم يريدون الإضلال عنها , فشهادته ببلاغته وحكمته بصدق الآتي به هي ~~شهادة الله لأنه قائله , ولذلك عللل بقوله : { أنزله بعلمه } أي عالما ~~بإنزاله على الوجه المعجز مع كثرة المعارض فلم يقدر أحد ولا يقدر على إحداث ~~شيء فيه من تغيير ولا تبديل ولا زيادة ولا نقصان ولا معارضة { والملائكة } ~~أيضا { يشهدون } بذلك لأنهم كانوا حضورا إنزاله وأمناء على من كان منهم على ~~يده ليبلغه - كما قال تعالى : ^ ( { فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ~~ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم } ) ^ [ الجن : 27 - 28 ] وهذا خطاب للعباد ~~على حسب ما يعرفون . | ولما كان ربما أفهم نقصا نفاه بقوله : { وكفى بالله ~~} أي الذي له الكمال كله { شهيدا } أي وكفى بشهادته في ذلك شهادة عن شهادة ~~غيره , وذلك لأنه أنزل سبحانه شاهدا بشهادته ناطقا بها لإعجازه بنظمه وبما ~~فيه من علمه من الحكم والأحكام وموافقة كتب أهل الكتاب , فشهادته بذلك هي ~~شهادة الله , وهي لعمر يلا تحتاج إلى شهادة أحد غيره . | < < # | النساء : ( 167 - 169 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > ^ ( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا * إن ~~الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا * إلا طريق ~~جهنم خالدين فيهآ أبدا وكان ذلك على الله يسيرا ) ^ } ) | ولما بين سبحانه ~~أنه أقام الأدلة على صحته بالمعجزات , صار كأنه شهد بحقيقتهن كان أنفع ~~الأشياء اتباع ذلك بوصف من جحده في نفسه وصد عنه غيره زجرا عن مثل حاله ~~وتقبيحا لما أبدى من ضلاله فقال : { إن الذين كفروا } أي ستروا ما ~~PageV02P373 عندهم من العلم بصدقه بما دل عليه من شاهد العقل وقاطع النقل , ~~من اليهود وغيرهم { وصدوا عن سبيل الله } أي الملك الأعلى الذي لا امر لأحد ~~معه بأنفسهم وبإضلال غيرهم بما يلقونه من الشبه من مثل هذه وقولهم كذبا : ~~إن في التوراة أن شريعة موسى عليه الصلاة والسلام لا تنسخ , وقولهم : إن ~~الأنبياء لا يكونون إلا من أبناء هارون وداود عليهما الصلاة والسلام { قد ~~ضلوا ms1112 } أي عن الطريق الموصل إلى مقصودهم في حسده ومنع ما يراد من إعلائه { ~~ضلالا بعيدا * } أي لأن أشد الناس ضلالا مبطل يعتقد أنه محق , ثم يحمل غيره ~~على مثل باطله , فصاروا بحيث لا يرجى لهم الرجوع إلى الطريق النافع , لا ~~سيما إن ضم إلى ذلك الحسد , لأن داء الحسد أدوأ داء ؛ ثم علل إغراقهم في ~~الضلال بإضلاله لهم لتماديهم فيما تدعوا إليه نقيصة النفس من الظلم بقوله ~~وعيدا لهم : { إن الذين كفروا } أي ستروا ما عندهم من نور العقل { وظلموا } ~~أي فعلوا لحسدهم فعل الماشي في الظلام بإعراضهم وإضلالهم غيرهم { لم يكن ~~الله } أي بجلاله { ليغفر لهم } أي لظلمهم { ولا ليهديهم طريقا * } أي ~~لتضييعهم ما أتاهم من ور العقل ومنابذتهم ؛ ثم تهكم بهم بقوله : { إلا طريق ~~جهنم } أي بما تجهموا من ظلموه . | ولما كان المعنى : فإنه يسكنهم إياها , ~~قال : { خالدين فيها } أي لأن الله لا يغفر الشرك , وأكد ذلك بقوله : { ~~أبدا } ولما كان ذلك مع ما لهم من العقول أمرا عجيبا قال تعالى : { وكان ~~ذلك } أي الأمر العظيم من كفرهم وضلالهم وعذابهم { على الله يسيرا * } اي ~~أنه قادر على كلل شيء . | < < # | النساء : ( 170 - 171 ) يا أيها الناس . . . . . # > > ^ ( يأيها الناس قد جآءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم وإن ~~تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما * يأهل الكتاب ~~لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ~~ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له وما في ~~السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ) ^ } ) | ولما وضح بالحجاج معهم ~~الحق , واستبان بمحو شبههم كلها من وجوه كثيرة الرشد , وأوضح فساد طرقهم , ~~وأبلغ في وعيدهم ؛ أنتج ذلك صدق الرسول وحقيقة ما يقول : فأذعنت النفوس , ~~فكان أنسب الشياء أن عمم سبحانه في الخطاب لما وجب من اتباعه على وجه ~~العموم عند بيان السبيل ونهوض ms1113 الدليل , فقال مرغبا مرهبا { ياأيها الناس } ~~أي كافة { قد جاءكم الرسول } أي الكامل في في الرسلية الذي كان ينتظره أهل ~~PageV02P374 الكتاب لرفع الارتياب ملتبسا { بالحق } أي الذي يطابقه الواقع ~~, وستنظرون الوقائع فتطبقونها على ما سبق من الأخبار , كائنا ذلك الحق { من ~~ربكم } أي المحسن إليكم , فإن اتبعتم رسوله قبلتم إحسانه , فتمت نعمته ~~عليكم , ولهذا سبب عن ذلك قوله : { فآمنوا } ولما كان التقدير بما أرشد ~~إليه السياق توعدا لهم : إن تؤمنوا يكن الإيمان { خيرا لكم } , عطف عليه ~~قوله : { وإن تكفروا } أي تستمروا على كفرانكم , أو تجددوا كفرا , يكن ~~الكفران شرا لكم , أي خاصا ذلك الشر بكم , ولا يضره في ذلك شيء , ولا ينقصه ~~من ملكه شيئا , كما أن الإيمان لم ينفعه شيئا ولا زاد في ملكه شيئان لأن له ~~الغنى المطلق , وهذا معنى قوله : { فإن الله } أي الكامل العظمة { ما في ~~السموات والأرض } فإنه نم إقامة العلة مقام المعلول , ولم يؤكد بتكرير ( ما ~~) وإن كان الخطاب مع المضطرين , لأن قيام الأدلة أوصل إلى حد من الوضوح ~~بشهادة الله ما لا مزيد عليه , فصار المدلول به كالمحسوس . | ولما كان ~~التقدير : فهو غني عنكم , وله عبيد غيركم لا يعصونه , وهو قادر على تعذيبكم ~~بإسقاط ما أراد من السماء , وخسف ما أراد من الأرض وغير ذلك , وكان تنعيم ~~المؤالف وتعذيب المخالف تلقي النضيحة بالقبول دائرا على العلم وعلى الحكمة ~~التي هي نتيجة العلم والقدرة قال : { وكان الله } أي الذي له الاختصاص ~~التام بجميع صفات الكمال أزلا وأبدا مع أن له جميع الملك { عليما } أي فلا ~~يسع ذا لب أن يعدل عما أخبر به من أن أمر هذا الرسول حق إذ هو لم يخبر به ~~إلا عن تمام العلم , ولا يخفى عليه عاص ولا مطيع { حكيما * } فلا ينبغي ~~لعاقل أن يضيع شيئا من أوامره لأنه لم يضعها إلا على كمال الأحكام , فهو ~~جدير بأن يحل بمخالفة أي انتقام , ويثيب من أطاعه بكل إنعام . | ولما اقتضى ~~السياق الأكمل فيما سبق إتمام أمر عيسى عليه الصلاة والسلام ms1114 إذ كان الكلام ~~في بيان عظيم جرأتهم وجفاءهم , وكان ما فعلوا معه أدل دليل على ذلك , وكان ~~كل من أعدائه وأحبابه قد ضل في أمره , وغلا في شأنه اليهود بخفضه , ~~والنصارى برفعه ؛ اقتضى قانون العلم والحكمة المشار إليهما بختام الآية ~~السالفة بيان ما هو الحق من شأنه ودعاء الفريقين إليه فقال : { ياأهل ~~الكتاب } أي عامة { لا تغلوا في دينكم } أي لا تفرطوا في أمره , فتجاوزوا ~~بسببه حدود الشرع وقوانين العقل { ولا تقولوا على الله } أي الملك الأعلى ~~الذي لا كفوء له شيئا من القول { إلا الحق } أي الذي يطابقه الواقع , فمن ~~قال عن عيسى عليه الصلاة والسلام أنه لغير رشدة , فقد أغرق في الباطل , ~~فإنه لو PageV02P375 كان كذلك ما وقفت أمه للدوام على الطاعات , ولا ظهرت ~~عليها عجائب الكرامات , ولا تكلم هو في المهد , ولا ظهرت على لسانه ينابيع ~~الحكمة , ولا قدر على إحياء الموتى , وذلك متضمن لأن الله تعالى العليم ~~الحكيم أظهر المعجزات على يد من لا يحبه , وذلك مناف للحكمة , فهو كذب على ~~الله بعيد عن تنزيهه , ومن قال : إن الله أو ابن الله , فهو أبطل وأبطل , ~~فإنه لو كان كذلك لما كان حادثا ولما احتاج إلى الطعام والشراب وما ينشأ ~~عنهما , ولا قدر أحد على أذاه وثبتت الحاجة إلى الصاحبة للإله , فلم يصلح ~~للإلهية , وذلك أبطل الباطل . | ولما ادعى اليهود أنه غير رسول , والنصارى ~~أنه إله , حسن تعقيبه بقوله : { إنما المسيح } أي المبارك الذي هو أهل لأن ~~يمسحه الإمام بدهن القدس , لما فيه من صلاحية الإمامة , وهو أهل أيضا لأن ~~يمسح الناس ويطهرهم . | لما له من الكرامة , ولما ابتدأ سبحانه بوصفه ~~الأشهر , وكان قد يوصف به غيره بينه بقوله : { عيسى } ثم أخبر عنه بقوله : ~~{ ابن مريم } أتصل بها اتصال الأولاد بأمهاتهم , لا يصح نسبته للبنوة إلى ~~غيرها , وليس هو الله ولا ابن الله - كما زعم النصارى { رسول الله } لا أنه ~~لغير رشدة - كما كذب اليهود . | ولما كان تكونه بكلمة الله من غير واسطة ~~ذكر , جعل نفس الكلمة ms1115 فقال : { وكلمته } لأن كان بها من غير تسبب عن أب بل ~~, كونا خارقا للعوائد { ألقاها } أي تشريفا بقوله : { وروح } أي عظيمة ~~نفخها فيما تكون في مريم من الجسد الذي قام بالكلمة , لا بمادة من ذكر , ~~والروح هو النفخ في لسان العرب , وهو كالريح إلا أنه أقوى , بما له من ~~الواو والحركة المجانسة لها , ولغلبة الروح عليه كان يحيى الموتى إذا اراد ~~, وأكمل شرفه بقوله : { منه } أي وإن كان جبرئيل هو النافخ , وإذا وصف شيء ~~بغاية الطهارة قيل : روح , لا سيما إن كان به حياة في دين أوبدن . | ولما ~~أفضح بهذا الحق سبب عنه قوله : { فآمنوا بالله } أي الذي لا يعجزه شيء , ~~ولا يحتاج إلى شيء { ورسله } أي عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره عامة , من ~~غير إفراط ولا تفريط , ولا تؤمنوا ببعض ولا تكفروا ببعض , فإن ذلك حقا هو ~~الكفر الكامل - كما مر . | ولما أمرهم بإثبات الحق نهاهم عن التلبس بالباطل ~~فقال : { ولا تقولوا } أي في أمر عيسى عليه الصلاة والسلام { ثلاثة } أي ~~استمروا أيها اليهود على التكذيب بما تقول فيه النصارى , ولا تقولوا : إنه ~~متولد من أب وأم لغير رشدة - المقتضي للتثليث , PageV02P376 وارجعوا أيها ~~النصارى عن التثليث الذي تريدون به أن الإله بثلاثة وإن ضممتم إليه أنه إله ~~واحد , لأن ذلك بديهي البطلان , فالحاصل أنه نهى كلا عن التثليث وإن كان ~~المراد أن به مختلفين , وإنما العدل فيه أنه ابن مريم , فهما اثنان لا غير ~~, وهو عبدالله ورسوله وكلمته وروح منه . | ولما نهاهم عن ذلك بصيغة النهي ~~صرح به في مادته مرغبا مرهبا في صيغة الأمر بقوله : { انتهوا } أي عن ~~التثليث الذي نسبتموه إلى الله بسببه , وعن كل كفر , وقد أرشد سياق التهديد ~~إلى أن التقدير : إن تنتهوا يكن الانتهاء { خيرا لكم } ولما نفى أن يكون هو ~~الله , كما تضمن قولهم , حصر القول فيه سبحانه في ضد ذلك , كما فعل في عيسى ~~عليه الصلاة والسلام فقال : { إنما الله } أي الذي له الكمال كله ؛ ولما ~~كان النزاع إنما هو في الوحدانية ms1116 من حيث الإلهية , لا من حيث الذات قال : { ~~إله واحد } أي لا تعدد فيه بوجه . | ولما كان المقام عظيما زاد في تقديره , ~~فنزهه عما قالوه فقال : { سبحانه } أي تنزه وبعد بعدا عظيما وعلا علوا ~~كبيرا { أن } أي عن أن { يكون له ولد } أي كما قلتم أيها النصارى ! فإن ذلك ~~يقتضي الحاجة , ويقتضي التركيب والمجانسة , فلا يكون واحدا ؛ ثم علل ذلك ~~بقوله : { له } أي لأنه إله واحد لا شريك له له { مافي السموات } وأكد لأن ~~المقام له فقال : { وما في الأرض } أي خلقا وملكا وملكا , فلا يتصور أن ~~يحتاج إلى شيء منهما ولا إلى شيء متحيز فيهما , ولا يصح بوجه أن يكون بعض ~~ما يملكه المالك جزءا منه وولدا له , وعيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام من ~~ذلك , وكل منهما محتاج إلى ما في الوجود . | ولما كان معنى ذلك أنه الذي ~~دبرهما وما فيهما , لأن الأرض في السماء , وكل سماء في التي فوقها , ~~والسابعة في الكرسي , والكرسي في العرش , وهو ذو العرش العظيم لا نزاع في ~~ذلك , وذلك هو وظيفة الوكيل بالحقيقة ليكفي من وكله كل ما يهمه ؛ كان كأنه ~~قيل : وهو الوكيل فيهما وفي كل ما فيهما في تدبير مصالحكم , فبنى عليه قوله ~~: { وكفى بالله } أي الذي أحاط بكل شيء علما وقدرة { وكيلا * } أي يحتاج ~~إليه كل شيء , ولا يحتاج هو إلى شيء , وإلا لما كان كافيا . | < < # | النساء : ( 172 - 174 ) لن يستنكف المسيح . . . . . # > > ^ ( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن ~~يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا * فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا PageV02P377 ~~واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا * ~~ياأيها الناس قد جآءكم برهان من ربكم وأنزلنآ إليكم نورا مبينا ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان الوكيل من يقوم مقام الموكل , ويفعل ما يعجز عنه الموكل , ~~وكان الله تعالى لا يعجزه شيء , ولا يحتاج إلى شيء , وكان عيسى عليه الصلاة ~~السلام لا يدعى القدرة على ms1117 شيء إلا بالله , وكان يحتاج إلى النوم وإلى ~~الأكل والشرب وإلى ما يستلزمانه , صح أنه عبدالله فقال سبحانه دالا على ذلك ~~: { لن يستنكف } أي يطلب ويريد أن يمتنع ويأبى ويستحي ويأنف ويستكبر { ~~المسيح } أي الذي ادعوا فيه الإلهية , وأنفوا له من العبودية لكونه خلق من ~~غير ذكر , ولكونه أيضا يخبر ببعض المغيبات , ويحيي بعض الأموات , ويأتي ~~بخوارق العادات { أن } أي من أن { يكون عبدا لله } أي الملك الأعظم الذي ~~عيسى عليه الصلاة والسلام من جملة مخلوقاته , فإنه من جنس البشر في الجملة ~~وإن كان خلقه خارقا لعادة البشر { ولا الملائكة } أي الذي هم أعجب خلقا منه ~~في كونهم ليسوا من ذكر ولا أنثى ولا ما يجانس عنصر البشر , فكانوا لذلك ~~أعجب خلقا من آدم عليه الصلاة والسلام أيضا , وهم لا يستنكفون بذلك عن أن ~~يكونوا عباد الله . | ولما كان التقريب مقتضيا في الأغلب للاستحقاق , وكان ~~صفة عامة للملائكة قال : { المقربون } أي الذين هم في حضرة القدس , فهم ~~أجدر بعلم المغيبات وإظهار الكرامات , وجبرئيل الذي هو أحدهم كان سببا في ~~حياة عيسى عليه الصلاة والسلام , وقد ادعى بعض الناس فيهم الإلهية أيضا , ~~وبهذا طاح استدلال المعتزلة بهذه الآية على أفضلية الملك على البشر بأن ~~العادة في مثل هذا السياق الترقي من الأدنى إلى الأعلى بعد تسليم مدعاهم , ~~لكن في الخلق لا في المخلوق . | ولما أخبر تعالى عن خلص عباده بالتشرف ~~بعبوديته أخبر عمن يأبى ذلك , فقال مهددا محذرا موعدا : { ومن يستنكف } أي ~~من الموجودات كلهم { عن عبادته } ولما كان الاستنكاف قد يكون بمعنى مجرد ~~الامتناع لا كبرا , قال مبينا للمراد من معناه هنا : { ويستكبر } أي يطلب ~~الكبر عن ذلك ويوجده , لأن مجدرد الامتناع لا يستلزمه . | ولما كان الحشر ~~عاما للمستكبر وغيره كان الضمير في { فسحشرهم } عائدا على العباد المشار ~~إليهم بعبدا وعبادته , ولا يستحسن عوده على ( من ) لأن التفصيل يأباه , ~~والتقدير حينئذ : فسيذلهم لأنه سيحشر العباد { إليه جميعا * } أي ~~المستكبرين وغيرهم بوعد لا خلف فيه لأن الكل يموتون , ومن مات كان ms1118 مخلوقا ~~محدثا قطعا , ومن كان مقدورا على ابتدائه وإفنائه كانت القدرة على إعادته ~~أولى , والحشر : الجمع بكره . | PageV02P378 ولما عم بالحشر المستكبرين ~~وغيرهم جاء التفصيل إلى القسمين فقال : { فأما الذين آمنوا } أي أذعنوا ~~الله تعالى وخضعوا له { واعملوا الصالحات } تصديقا لإقرارهم بالإيمان { ~~فيوفيهم أجورهم } أي التي جرت العادات بينكم أن يعطوها وإن كانوا في ~~الحقيقة لا يستحقونها , لأن الله تعالى هو الذي وفقهم لها , فهي فضل منه ~~عليهم { ويزيدهم } أي بعد ما قضيت به العادات { من فضله } أي شيئا لا يدخل ~~تحت الحصر لأنه ذو الفضل العظيم { وأما الذين استنكفوا واستكبروا } أي ~~طلبوا كلا من الإباء والكبر { فيعذبهم عذابا أليما * } أي بما وجدوا من ~~لذاذة الترفع والكبر , وآلموا بذلك أولياء الله { ولا يجدون لهم } أي حالا ~~ولا مآلا { من دون الله } الي لا أمر لا ؛ د معه { وليا } أي قريبا يصنع ~~معهم ما يصنع القريب { ولا نصيرا * } أي وإن كان بعيدا , وفي هذا أتم زاجر ~~عما قصده المنافقون من موالاة أهل الكتاب , وأعظم ناف لما منوهم إياه مما ~~لهم وزعموا من المنزلة عند الله , المقتضية أن يقربوا من شاؤوا , ويبعدوا ~~من شاؤوا , وهو من أنسب الأشياء لختام أول الآيات المحذرة منهم < # > 77 ( { وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا } ) 77 < # > [ النساء : 45 ] ولما أزاح شبه جميع المخالفين من سائر الفرق : اليهود ~~والنصارى والمنافقين , وأقام الحجة عليهم , وأقام الأدلة القاطعة على حشر ~~جميع المخلوقات , فثبت أنهم كلهم عبيده ؛ عم في الإرشاد لطفا منه بهم فقال ~~: { ياأيها الناس } أي كافة أهل الكتاب وغيرهم . | ولما كان السامع جديرا ~~بأن يكون قد شرح صدرا بقواطع الأدلة بكلام وجيز جامع قال : { قد جاءكم ~~برهان } أي حجة نيرة واضحة مفيدة لليقين التام , وهو رسول مؤيد بالأدلة ~~القاطعة من المعجزات وغيرها { من ربكم } أي المحسن إليكم بإرسال الذي لم ~~تروا قط إحسانا إلا منه . | ولما كان القرآن صفة الرحمن أتى بمظهر العظمة ~~فقال : { وأنزلنا } أي بما لنا من العظمة والقدرة والعلم والحكمة على ~~الرسول الموصوف , منتهيا { إليكم نورا مبينا ms1119 * } أي واضحا في نفسه موضحا ~~لغيره , وهو هذا القرآن الجامع بإعجازه وحسن بيانه بين تحقيق النقل وتبصير ~~العقل , فلم يبق لأحد من المدعوين به نوع عذر , والحاصل أنه سبحانه لما خلق ~~لللآدمي عقلا وأسكنه نورا لا يضل ولا يميل مهما جرد , ولكنه سبحانه حفه ~~بالشهوات والحظوظ والملل والفتور , فكان في أغلب أحواله قاصرا إلا الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام ومن ألحقه سبحانه بهم ؛ أنزل كتبه بذلك العقل مجردا ~~عن كل عائق , وأمرهم أن يجعلوا عقولهم تابعة له منقادة به , لأنها مشوبة , ~~وهو مجرد لا شوب فيه بوجه . | PageV02P379 < < # | النساء : ( 175 - 176 ) فأما الذين آمنوا . . . . . # > > ^ ( فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ~~ويهديهم إليه صراطا مستقيما * يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ ~~هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد فإن ~~كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونسآء فللذكر مثل ~~حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم ) ^ } ) | ولما ~~أشار في هذه الآية إلى الرسول الأصفى والنبي الأهدى , المجبول على هذا ~~العقل الأقوم الأجلي , والكتاب الأتم الأوفى , الجاري على هذا القانون ~~الأعلى , الوافي تعبيره الوجيز بأ ؛ كام الأولى والأخرى , الكفيل سياقه ~~وترتيب آياته بوضوح الأدلة وظهور الحجج ؛ أخذ يقسم المنذرين فقال تعالى : { ~~فأما الذين آمنوا بالله } أي الذي اتضح أنه لا أمر لأحد معه في ذاته وصفاته ~~وأفعاله وأحكامه وأسمائه بما دل عليه قاطع البرهان { واعتصموا به } أي ~~جعلوه عصاما لهم في الفرائض التي هي من أعظم مقاصد هذه السورة , يربطهم ~~ويضبطهم عن أن يضلوا بعد الهدى , ويرجعوا من الاسبتصار إلى العمى , لأن ~~العصام هو الرابط للوعاء أن يخرج شيء مما فيه , وصيغة الافتعال تدل على ~~الاجتهاد في ذلك , لأن النس داعية إلى الإهمال المنتج للضلال { فسيدخلهم } ~~أي بوعد لا خلف فيه , ولعل السين ذكرت لتفيد مع تحقيق الوعد الحث على ~~المثابرة والمداومة على العمل إشارة إلى عزة ما عنده سبحانه ms1120 { في رحمة منه ~~} أي ثواب عظيم هو برحمته لهم , لا بشيء استوجبوه , وأشار إلى البر على ما ~~تقتضيه أعمالهم لو كانت لهم بقوله : { وفضل } أي عظيم يعلمون أنه زيادة , ~~لا سبب لهم فيها { ويهديهم } أي في الدنيا والآخرة { إليه صراطا } أي عظيما ~~واضحا جدا { مستقيما * } أي هو مرشد قومه , كأنه طالب لتقويم نفسه , فهو ~~يوصلهم لا محالة إلى وعجه بما يحفظهم في سرهم وعلنهم , يستجلي أنوار عالم ~~القدس في أرواحهم وتوفيقهم لاتباع ما هدت إليه من أمر الفرائض وغيرها , فقد ~~أتى - كما ترى - بأما المقتضية للتقسيم لا محالة , وأتى بأحد القسمين ~~المذكورين في الآية التي قبلها , ووصفهم بالاعتصام بالله في النصرة وقبول ~~جميع أحكامه في الفرائض غيرها , وافقت أهويتهم أو خالفتها , تعريضا ~~للمنافقين الذين والوا غيرهم , وبالكافرين الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض , ~~وترك القسم الآخر وهو قسم المستنكفين والمستكبرين , ووضع موضعه حكما من ~~أحكام الفرائض المفتتح بها السورة التي هي من أعظم مقاصدها من غير حرف عطف ~~, بل بكمال الاتصال , فقال منكرا عليهم تركير السؤال عن النساء والأطفال ~~بعد شافي المقال , مبينا أنه قد هدى في ذلك كله أقوم طريق : { يستفتونك } ~~أي يسألونك أن تفتيهم , أي أن تبين لهم بما عندك PageV02P380 من الكرم ~~والجود والسخاء ما انغلق عليهم وانبهم لديهم سره من حكم الكلالة , ~~وللاعتناء بأمر المواريث قال إشارة إلى أن الله لم يكل أمرها إلى غيره : { ~~قل الله } أي الملك الأعظم { يفتيكم في الكلالة } وهو من لا ولد له ؛ ولا ~~والد روى البخاري في التفسير عن البراء رضي الله عنه قال : آخر سورة نزلت ~~براءة وآخر آية نزلت { يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } ( , وقال ~~الأصبهاني عن الشعبي : اختلف أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الكلالة , ~~فقال أبو بكر : هو ما عدا الوالد , وقال عمر : ما عدا الوالد والولد , ثم ~~قال عمر : إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر رضي الله عنه ؛ ثم استأنف ~~قوله : { إن امرؤ هلك } أي وهو موصوف بأنه , أو حال كونه { ليس له ms1121 ولد } أي ~~وإن سفل سواء كان ذكرا أو أنثى عند إرث النصف , وليس له أيضا والد , فإ , ~~كان له أحدهما لم يسم كلالة وقد بينت ذلك السنة ؛ قال الأصبهاني : وليسا ~~بأول حكمين بين أحدهما بالكتاب والآخر بالسنة , وهو قوله عليه الصلاة ~~والسلام : ) ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى عصبة ذكر , والأب أولى ~~من الأخ ( { و } الحال أنه { له أخت } أي واحدة من أب شقيقة كانت أو لا , ~~لأنه سيأتي أن أخاها يعصبها , فلو كان ولد أم لم يعصب { فلها نصف ما ترك ~~وهو } أي وهذا الأخ الميت { يرثها } أي إن ماتت هي وبقي هو , جميع مالها { ~~إن لم يكن لها ولد } أي ذكرا كان أو أنثى - كما مر في عكسه , هذا إن أريد ~~بالإرث جميع المال , وإلا فهو يرث مع الأنثى كما أنها هي أيضا ترث مع ~~الأنثى - كما يرشد إليه السياق أيضا - دون النصف . | ولما بين الأمر عند ~~الانفراد أتبعه بيانه عند الاجتماع , وقدم أقله فقال : { فإن كانتا } أي ~~الوارثتان ببيان السياق لهما وإرشاده إليهما ؛ ةولما أضمر ما دل عليه ~~السياق , وكان الخبر صالحا لأن يكون : صالحتين , أو صغيرتين , أو غير ذلك ؛ ~~بين أن المراد - كما يرشد إليه السياق أيضا - مطلق العدد على أي وصف اتفق ~~فقال : { اثنتين } أي من الأخوات للأب شقيقتين كانتا أو لا { فلهما الثلثان ~~مما ترك } فإن كانت شقيقتين كان لكم منهما ثلث , وإن اختلفتا كان للشقيقة ~~النصف وللتي للأب فقط السدس تكملة الثلثين . | ولما بين أقل الاجتماع أتبعه ~~ما فوقه فقال : { وإن كانوا } أي الوارث { إخوة } أي PageV02P381 مختلطين { ~~رجالا وسناء فللذكر } أي منهم { مثل حظ الأنثيين } وقد أنها سبحانه ما أراد ~~من بيان إرث الأخوة لأب , فتم بذلك جميع أحوالما أراد من الإرث , وهو على ~~وجازته كما ترى - يحتمل مجلدات - والله الهادي , ووضع هذه الآية هنا - كما ~~تقدم - إشارة منه إلى أن من أبى توريث النساء والصغار الذي تكرر الاستفتاء ~~عنه فقد استنكف عن عبادته واستكبر وإن آمن بجميع ما عداه من الأحكام , ومن ms1122 ~~استنكف عن حكم من الأحكام فذاك هو الكافر حقا , وهذا مراد شياطين أهل ~~الكتاب العارفين بصحة هذه الأحكام , الحاسدين لكم عليها , المريدين لضلالكم ~~عنها لتشاركوهم في الشقاء الذي وقع لهم لما بدلوا الأحكام المشار إليهم بعد ~~ذكر آيات الميراث وما تبعها من أحوال النكاح بقوله : < # > 77 ( { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم } ) 77 < # > [ النساء : 26 ] وقوله : < # > 77 ( { ويريد الذي يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما } ) 77 < # > [ النساء : 27 ] ثم المصرح بهم في قوله : < # > 77 ( { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون ~~أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم } ) 77 < # > [ النساء : 44 ] ولذلك - والله أعلم - ختم هذه الآية بقوله : { يبين ~~الله } أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما { لكم } أي ولم يكلكم في هذا ~~البيان إلى بيان غيره , وقال مرغبا مرهبا : { أن } أي كراهة أن { تضلوا ~~والله } أي الذي له الكمال كله { بكل شيء عليم * } أي فقد بين لكم بعلمه ما ~~يصلحكم بيانه محيا ومماتا دنيا وأخرى , حتى جعلكم على المحجة البيضاء في ~~مثل ضوء النهار , لا يزيغ عنها منكم إلا هالك , والحاصل أن تأخير هذه الآية ~~إلى هنا لما تقدم من أن تفريق القول فيما تأباه النفوس وإلقاءه شيئا فشيئا ~~باللطف والتدريج أدعى لقبوله , وللإشارة إلى شدة الاهتمام بأمر الفرائض ~~بجعل الكلام فيها في جميع السورة أولها وأثنائها وآخرها , والتخويف من أن ~~يكون حالهم كحال المنافقين في إضلال أهل الكتاب لهم بإلقاء الشبهة الاهتمام ~~بأمر الفرائض بجعل الكلام فيها في جميع السورة أوائلهم , وأشربته قلوهبم , ~~والترهيب من أن يكونوا مثلهم في افيمان ببعض والكفر ببعض , فيؤديهم ذلك إلى ~~إكمال الكفر , لأن الدين لا يتجزأ , بل من كفر بشيء منه كفر به جميعه , ومن ~~هنا ظهرت مناسبة آخر هذه السورة لأولها , لأن أولها مشير إلى أن الناس كلهم ~~كشيء واحد , وذلك يقتضي عدم الفرق بينهم إلا فيما شرعه الله , وآخرها مشير ~~إلى ذلك بالتسوية بين النساء والرجال في مطلق التوريث بقرب الأرحام وإن ~~اختلفت الأنصباء ms1123 , فكأنه قيل : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس ~~واحدة , وخلق منها زوجها , وبث منهما رجالا كثيرا ونساء , وسوى بينهم فيما ~~أراد من الأحكام فإنه من استكبر - ولو عن حكم من أحكامه - فسيجازيه يوم ~~الحشر , ولا يجد له من دون PageV02P382 الله ناصرا ؛ ولا يخفى عليه شيء من ~~حاله , وما أشد مناسبة ختامها بإحاطة العلم لما دل عليه أولها من تمام ~~القدرة , فكان آخرها دليلا على أولها لأن تمام العلم مستلزم لشمول القدرة , ~~قال الإمام : وهذان الوصفان هما اللذان بهما ثبتت الربوية والإلهية والجلال ~~والعزة , وبهما يجب على العبد أن يكون مطيعا للأوامر والنواهي منقادا لكل ~~التكاليف - انتهى . | ولختام أول آية فيها بقوله : < # > 77 ( { إن الله كان عليكم رقيبا } ) 77 < # > [ النساء : 1 ] أي وهو بكل شيء من أحوالكم وغيرها عليم , فلا تظنوا أنه ~~يخفى عليه شيء وإن دق , فليشتد حذركم منه ومراقبتكم له , وذلك أشد شيء ~~مناسبة لأول المائدة - والله الموفق بالضواب , وإليه المرجع والمآب . | . . ~~. . . | PageV02P383 | اللهم يسر يا كريم يا حليم قال الشيخ الإمام العالم ~~العامل العلامة ، الحبر البحر الفهامة ، المتقن الحافظ الضابط المجاهد في ~~سبيل الله المرابط ، برهان الدين لسان الله من الأولى والأخرى ما يتمناه ، ~~جعل الفردوس مقره ومأواه بمحمد وآله . < # > سورة المائدة < # > < < # | المائدة : ( 1 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما ~~يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد ) ^ } ) | ~~مقصودها الوفاء بما هدى إليه الكتاب , ودل عليه ميثاق العقل من توحيد ~~الخالق ورحمة الخلائق شكرا لنعمه واستدفاعا لنقمة , وقصة المائدة أدل ما ~~فهيا على ذلك , فإن مضمونها أن من زاغ عن الطمأنينة بعد الكشف الشافي ~~والإنعام الوافي نوقش الحساب فأخذه العذاب , وتسميتها بالعقود أوضح دليل ~~على ما ذكرت من مقصودها وكذا الأحبار . | { بسم الله } أي الذي تمت كلماته ~~فصدقت وعوده وعمت مكرماته { الرحمن } الذي عم بالدعاء إلى الوفاء في حقوقه ~~وحقوق مخلوقاته { الرحيم } الذي نظر إلى القلوب فثبت منها على الصدق ما ~~جبله على التخلق ms1124 بصفاته . | لما أخبر تعالى في آخر سورة النساء أن اليهود ~~لما نقضوا المواثيق التي أخذها عليهم حرم عليهم طيبات أحلت لهم من كثير من ~~بهيمة الأنعام المشار إليها بقوله ^ ( { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ~~} ) ^ [ الأنعام : 146 ] , واستمر تعالى في هتك أستارهم وبيان عوارهم إلى ~~أن ختم بآية في الإرث الذي افتتح آياته بالإيصاء وختمها بأ , ه شامل العلم ~~, ناسب افتتاح هذه بأمر المؤمنين الذي اشتد تحذيره لهم منهم بالوفاء الذي ~~جل مبناه القلب الذي هو عيب , فقال مشيرا إلى أن الناس الذين خوطبوا أو تلك ~~الأهلوا لأول أسنان الإيمان ووصفوا بما هم محتاجون إليه , وتخصيصهم مشير ~~إلى أن PageV02P384 من فوقهم من الأسنان عنده ما يغنيه عن الحمل , وذلك ~~أبعث له على التدبر والأمثال { ياأيها الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك بألسنتهم ~~{ أوفوا } أي صدقوا ذلك أحل أو حرم أو ندب على سبيل الفرض أو غيره , التي ~~من جملتها الفرائض التي افتتحها بلفظ الإيصاء الذي هو من أعظم العهود , ~~وتعم سائر ما بين الناس من ذلك , حتى ما كان في الجاهلية من عقد يدعو إلى ~~بر , وأما غير ذلك فليس بعقد , بل حل بيد الشرع القوية , تذكيرا بما أشار ~~إليه قوله تعالى في حق أولئك < # > 77 ( { اذكروا نعمتي وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون } ) 77 < # > [ البقرة : 40 ] وإخبارا لهم بأنه أحل لهم ما حرم على أولئك , فقال على ~~سبيل التعليل مشيرا إلى أن المقصود من النعمة كونها , لا بقيد فاعل مخصوص , ~~وإلى أن المخاطبين يعلمون أنه المقصود من النعمة كونها , لا بقيد فاعل ~~مخصوص , وإلى أن { بهيمة } وبينها بقوله : { الأنعام } أي أوفوا لأنه أحل ~~لكم بشامل علمه وكامل قدرته لطفا بكم ورحمة لكم ما حرم على من قبلكم من ~~الإبل والبقر والغنم بإحلال أكلها والانتفاع بجلودها وأصوافها وأوبارها ~~وأشعارها وغير ذلك من شأنها , فاحذروا أن تنقضوا كما نقضوا , فيحرم عليكم ~~ما حرم عليهم , ويعد لكم من العقاب ما أعد لهم , ولا تعترضوا على نبيكم , ~~ولا تتعنتوا كما اعترضوا وتعنتوا , فإن ms1125 ربكم لا يسأل عما يفعل , وسيأتي في ~~قوله : < # > 77 ( { لا تسئلوا عن أشياء } ) 77 < # > [ المائدة : 101 ] ما يؤيد هذا . | ولما كانوا ربما فهموا من هذا ~~الإحلال ما ألفوا من الميتات ونحوها قال مستثنيا من نفس البهيمة , وهي في ~~الأصل كل حي لا يميز , مخبرا أن من أعظم العقود ما قدم تحريمه من ذلك في ~~البقرة : { إلا ما يتلى عليكم } أي في بهيمة الأنعام أنه محرم , فإنه لم ~~يحل لكم , ونصب { غير محلي الصيد } على الحال أدل دليل على أن هذا السياق . ~~| وإن كان صريحه مذكرا بالنعمة لتشكر - فهو مشار به إلى التهديد إن كفرت , ~~أي أحل لكم ذلك في هذه الحال , فإن تركتموها انتفى الإحلال , وهذه مشرة إلى ~~تكذيب من حرم من ذلك ما أشير إليه بقوله تعالى في التي قبلها حكاية عن ~~الشيطان < # > 77 ( { ولآمرنهم فليبتكن أذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله } ) ~~77 < # > [ النساء : 119 ] من السائبة وما معها مما كانوا اتخذوه دينا , وفصلو ~~فيه تفاصيل - كما سيأتي صريحا في آخر هذه السورة بقوله تعالى : < # > 77 ( { ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة } ) 77 < # > [ المائدة : 103 ] الآية , وكذا في آخر الأنعام , وفي الأمر بالوفاء ~~بالعقود بعد الإخبار بأنه بكل شيء عليم غاية التحذير من PageV02P385 تعمد ~~الإخلال بشيء من ذلك وإن دق , وفي افتتاح هذه المسماة بالمائدة بذكر ~~الأطعمة عقب سورة النساء - التي من أعظم مقاصدها النكاح والإرث , المتضمن ~~للموت المشروع فيهما الولائم والمآتم . | أتم مناسبة , وقال ابن الزبير : ~~لما بين تعالى حال أهل الصراط المستقيم , ومن تنكب عن نهجهم , ومآل ~~الفريقين من المغضوب عليهم والضالين , وبين لعباده المتقين ما فيه هداهم ~~وبه خلاصهم أخذا وتركا , وجعل طي ذلك الأسهم الثمانية الواردة في حديث ~~حذيفة رضي الله عنه في قوله : ( الإسلام ثمانية أسهم : الإسلام سهم ~~والشهادة سهم , والصلاة سهم , والزكاة سهم , والصوم سهم , والحج سهم , ~~والأمر بالمعروف سهم , والنهي عن المنكر سهم , وقد خاب من لا سهم له ) قلت ~~: وهذا الحديث أخرجه البزاز عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي ms1126 صلى الله عليه ~~وسلم قال : ( الإسلام ثمانية أسهم : الإسلام سهم , والصلاة سهم ) فذكره , ~~وصحح الدارقطني وقفه , ورواه أبو يعلى الموصلي عن علي رضي الله عنه مرفوعا ~~والطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما قالك ( قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ) الإسلام عشرة أسهم , وقد خاب من لا سهم له : شهادة أن ~~لا إله إلا الله سهم وهي الملة , والثانية : الصلاة وهي الفطرة , والثالثة ~~: الزكاة وهي الطهور , والرابعة : الصوم وهي الجنة , والخامسة : الحج وهي ~~الشريعة , والسادسة : الجهاد وهي الغزوة , والسابعة : الأمر بالمعروف وهو ~~الوفاء والثامنة : النهي عن المنكر وهي الحجة , والتاسعة : الجماعة وهي ~~الألفة , والعاشرة : الطاعة وهي العصمة ( وفي سنده من ينظر في حاله ؛ قال ~~ابن الزبير : وقال صلى الله عليه وسلم : ) بني الإسلام على خمس ( أي في ~~الحديث الذي أخرجه الشيخان وغيرهما عن ابن PageV02P386 عمر وغير واحد من ~~الصحابة رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ) بني ~~الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله , وأن محمدا رسول الله , وإقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان ( قال ابن الزبير : وقد تحصلت - أي ~~الأسهم الثمانية والدعائم الخمس - فيما مضى , وتحصل مما تقدم أن أسوأ حال ~~المخالفين حال من غضب الله عليه ولعنه , وأن ذلك ببغيهم وعداوتهم ونتقضهم ~~العهود ^ ( { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم } ) ^ [ المائدة : 13 ] وكان النقض ~~كل مخالفة , قال الله تعالى لعباده المؤمنين : ^ ( { ياأيها الذين آمنوا ~~أوفوا بالعقود } ) ^ [ المائدة : 1 ] لأن اليهود والنصارى إنما أتى عليهم ~~من عدم الوفاء ونقض العهود , فحذر المؤمنين - انتهى . | والمراد بالأنعام ~~الأزواج الثمانية المذكورة في الأنعام وما شابهها من حيوان البر , ولكون ~~الصيد مراد الدخول في بهيمة الأنعام استثنى بعض أحواله فقال : { وأنتم حرم ~~} أي أحلت البهيمة مطلقا إلا ما يتلى عليكم من ميتاتها وغيرها في غير حال ~~الدخول في الإحرام بالحج أو العمرة أو دخول الحرم , وأما في حال الإحرام ~~فلا يحل الصيد أكلا ولا فعلا . | ولما كان مدار هذه السنة على الزجر ~~والإحجام عن أشياء اشتد ms1127 ألفهم لها والتفاتهم إليها , وعظمت فيها رغباتهم من ~~الميتات وما معها , والأزلام والذبح على النصب , وأخذ الإنسان بجريمة الغير ~~, والفساد في الأرض , والسرقة والخمر والسوائب والبحائر - إلى غير ذلك ؛ ~~ذكر في أولها بالعهود التي عقدوها على أنفسهم ليلة العقبة حين تواثقوا على ~~الإسلام من السمع والطاعة في المنشط والمكر والعسر واليسر فيما أحبوا ~~وكرهوا , وختم الآية بقوله معللا : { إن الله } أي ملك الملوك { يحكم ما ~~يريد * } أي من تحليل وتحريم وغيرهما على سبيل الإطلاق كالأنعام , وفي حال ~~دون حال كما شابهها من الصيد , فلا يسأل عن تخصيص ولا عن تفضيل ولا غيره , ~~فما فهمتم حكمته فذاك , وما لا فكلوه إليه , وارغبوا في أن يلهمكم حكمته ؛ ~~قال الإمام - وهذا هو الذي يقوله أصحابنا : إن علة حسن التكليف هو الربوبية ~~والعبودية , لا ما يقوله المعتزلة من رعاية المصلحة . | < < # | المائدة : ( 2 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( ياأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعآئر الله ولا الشهر الحرام ولا ~~الهدي ولا القلائد ولا PageV02P387 آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ~~ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان واتقوا الله إن الله شديد آلعقاب ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما استثنى بعض ما أحل على سبيل الإبهام شرع في بيانه , ولما كان ~~منه ما نهى عن التعرض له لا مطلقا , بل ما يبلغ محله , بدأ به لكونه في ذلك ~~كالصيد , وقدم على ذلك عموم النهي عن انتهاك معالم الحج المنبه عليه ~~بالإحرام , أو عن كل محرم في كل مكان وزمان , فقال مكررا لندائهم تنويها ~~بشأنهم وتنبيها لعزائمهم وتذكيرا لهم بما ألزموه أنفسهم : { ياأيها الذين ~~آمنوا } أي دخلوا في هذا الدين طائعين { لا تحلو شعائر الله } أي معالم حج ~~بيت الملك الأعظم الحرام , أو حدوده في جميع الدين , وشعائر الحج أدخل في ~~ذلك , والاصطياد أولاها . | ولما ذكر ما عممه في الحرم أو مطلقا , أتبعه ما ~~عممه في الزمان فقال : { ولا الشهر الحرام } أي فإن ذلك ms1128 لم معاقدا على ~~احترامه في الجاهلية والإسلام , ولعله وحده والمراد الجمع إشارة إلى أن ~~الأشهر الحرم كلها في الحرمة سواء . | ولما ذكر الحرم والأشهر الحرم ذكر ما ~~يهدى للحرم فقال : { ولا الهدي } وخص منه أشرفه فقال : { ولا القلائد } أي ~~صاحب القلائد من الهدي , وعبر بها مبالغة في تحريمه ؛ ولما أكد في احترام ~~ما قصد به الحرم من البهائم رقى الخطاب إلى من قصده من العقلاء , فإنه ~~مماثل لما تقدمه في أن قصد البيت الحرام حام له وزاجر عنه , مع ما زاد به ~~من شرف العقل فقال : { ولا آمين } أي ولا تحلوا التعرض لناس قاصدين { البيت ~~الحرام } لأن من قصد بيت الملك كان محترما باحترام ما قصده . | ولما كان ~~المراد القصد بالزيارة بقوله : { يبتغون } أي حال كونهم يطلبون على سبيل ~~الاجتهاد { فضلا من ربهم } أي المحسن إليهم شكرا لإحسانه , بأن يثيبهم على ~~ذلك , لأن ثوابه لا يكون على وجه الاستحقاق الحقيقي أصلا ؛ ولما كان الثواب ~~قد يكون مع السخط قال : { ورضوانا } وهذا ظاهر في المسلم , ويجوز أن يراد ~~به أيضا الكافر , لأن قصده البيت الحرام على هذا الوجه يرق قلبه فيهيئه ~~للإسلام , وعلى هذا فهي منسوخة . | ولما كان التقدير : فإن لم يكونوا كذلك ~~. | أي في أصل القصد ولا في وصفه - فهم حل لكم وإن لم تكونوا أنتم حرما , ~~والصيد حلال لكم , عطف عليه التصريح بما أفهمه التقييد فيما سبق بالإحرام ~~فقال : { وإذا حللتم } أي من الإحرام بقضاء المناسك PageV02P388 والإحصار { ~~فاصطادوا } وترك الشهر الحرام إذ كان الحرام فيه حراما في غيره , وإنما صرح ~~به تنويها بقدره وتعظيما لحرمته , ثم أكد تحريم قاصد المسجد الحرام وإن كان ~~كافرا , وإن كان على سبيل المجازاة بقوله : { ولا يجرمنكم } أي يحملنكم { ~~شنئان قوم } أي شدة بغضهم . | ولما ذكر البغض أتبعه سببه فقال : { إن } على ~~سبيل الاشتراط الذي يفهم تعبير الحكم به أنه سيقع , هذا في قراءة ابن كثير ~~وأبي عمرو , والتقدير في قراءة الباقين بالفتح : لأجل أن { صدوكم } أي في ~~عام الحديبية أو غيره { عن المسجد ms1129 الحرام } أي على { أن تعتدوا } أي يشتد ~~عوكم عليهم بأن تصدوهم عنه أو بغير ذلك , فإن المسلم من لم يزده تعدي عدوه ~~فيه حدود الشرع إلا وقوفا عند حدوده , وهذا قبل نزول ^ ( { إنما المشركون ~~نجس فلا يقربوا المسجد الحرام } ) ^ [ التوبة : 28 ] سنة تسع . | ولما ~~نهاهم عن ذلك , وكان الانتهاء عن الحظوظ شديدا على النفوس , وكان لذلك لا ~~بد في الغالب من منته وآب , أمر بالتعاون في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر فقال : { وتعاونوا على البر } وهو ما اتسع وطاب من حلال الخير { ~~والتقوى } وهي كل ما يحمل على الخوف من الله , فإنه الحامل على البر , فإن ~~كان منكم من اعتدى فتعاونوا على رده , وإلا فازدادوا بالمعاونة خيرا . | ~~ولما كان المعين على الخير قد يعين على الشر قال تنبيها على الملازمة في ~~المعاونة على الخير , ناهيا أن يغضب الإنسان لغضب أحد من صديق أو قريب إلا ~~إذا كان الغضب له داعيا إلى بر وتقوى : { ولا تعانوا على الإثم } أي الذنب ~~الذي يستلزم الضيق { والعدوان } أي المبالغة في مجاوزة الحدود والانتقام ~~والتشفي وغير ذلك وكرر الأمر بالتقوى إشارة إلى أنها الحاملة على كل خير ~~فقال : { واتقوا } أي الذي له صفات الكمال لذاته فلا تتعدوا شيئا من حدوده ~~؛ ولما كان كف النفس عن الانتقام وزجرها عن شفاء داء الغيظ وتبريد غلة ~~الاحن في غاية العسر , ختم الآية بقوله : { إن الله } أي الملك الأعظم { ~~شديد العقاب } | < < # | المائدة : ( 3 ) حرمت عليكم الميتة . . . . . # > > ^ ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به ~~والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ومآ أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ~~ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت ~~لكم الأسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم ) ~~^ } ) | PageV02P389 ولما أتم الكلام على احترام أعظم المكان وأكرم الزمان ~~وما لابسهما , فهذب النفوس بالنهي عن حظوظها , وأمر بعد تخليتها عن كل شر ms1130 ~~بتحليتها بكل خير عدد على سبيل الاستئناف ما وعد بتلاوته عليهم مما حرم ~~مطلقا إلا في حال الضرورة فقا : { حرمت } بانيا الفعل للمفعول لأن الخطاب ~~لمن يعلم أنه لا محرم إلا الله , وإشعارا بأن هذه الأشياء لشدة قذارتها ~~كأنها محرمة بنفسها { عليكم الميتة } وهي ما فقد الروح بغير ذكاة شرعية , ~~فإن دم كل ما مات حتف أنفه يحبس في عروقه ويتعفن ويفسد , فيضر أكله البدن ~~بهذا الضرر الظاهر , والدين بما يعلمه أهل البصائر { والدم } أي المسفوح , ~~وهو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق { ولحم الخنزير } خصة بعد دخوله في ~~الميتة لاتخاذ النصارة أكله كالدين { وما أهل } ولما كان القصد في هذه ~~السورة إلى حفظ محكم العهود المذكر بجلاله الباهر , قدم المفعول له فقال : ~~{ لغير الله } أي الملك الأعلى { به } أي ذبح على اسم غيره نم صنم أو غيره ~~على وجه التقرب عبادة لذلك الشيء , والإهلاك : رفع الصوت . | ولما كان من ~~الميتات ما لا تعافه النفوس عيافتها لغيره , نص عليه فقال : { والمنخنقة } ~~أي بحبل ونحوه , سواء خنقها أو لا { والموقوذة } أي المضروبة بمثقل , منك ~~وقذه - إذا ضربه { والمتردية } أي الساقطة من عال , المضطربة غالبا في ~~سقوطها { والنطيحة } أي التي نطحها فماتت { وما أكل السبع } أي كالذئب ~~والنسر ونحوهما . | ولما كان كل واحدة من هذه قد تدرك حية فتذكى , استثنى ~~فقال : { إلا ما ذكيتم } أي من ذلك كله بأن أدركتموه وفيه حياة مستقرة , ~~بأن اشتد اضطرابه وانفجر منه الدم ؛ ولما حرم الميتات وعد في جملتها ما ذكر ~~عليه اسم غير الله عبادة , ذكر ما ذبح على الحجارة التي كانوا ينصبونها ~~للذبح عندها تدينا وإن لم يذكر اسم شيء عليها فقال : { ما ذبح على النصب } ~~وهو واحد الأنصاب , وهي حجارة كانت حول الكعبة تنصب , فيهل عليها ويذبح ~~عندها تقربا إليها وتعظيما لها { وأن تستقسموا } أي تطلبوا على ما قسم لكم ~~{ بالأزلام } أي القداح التي لا ريش لها ولا نصل , واحدها بوزن قلم وعمر ~~وكانت ثلاثة , على واحد : أمرني ربي , وعلى آخر : نهاني ربي , والآخر ms1131 غفل , ~~فإن خرج الآمر فعل , أو الناهي ترك , أو الغفل أجيلت ثانية , فهو دخول في ~~علم الغيب وافتراء على الله بادعاء أمره ونهيه , وإن أراد المنسوب إلى ~~الصنم فهو الكفر الصريح . | PageV02P390 وقال صاحب كتاب الزينة : يقال : ~~إنه كانت عندهم سبعة قداح مستوية من شوحط , وكانت بيد السادن , مكتوب عليها ~~( نعم ) ( لا ) ( منكم ) ( من غيركم ) ( ملصق ) ( العقل ) ( فضل العقل ) ~~فكانوا إذا اختلفوا في نسب الرجل جاؤوا إلى السادن بمائة درهم , ثم قالوا ~~للصنم : يا إلهنا ! قد تمارينا في نسب فلان , فأخرج علينا الحق فيه , فتجال ~~القداح فإن خرج القدح الذي عليه ( منكم ) كان أوسطهم نسبا , وإن خرج الذي ~~عليه ( من غيركم ) كان حليفا وإن خرج ( ملصق ) كان على منزلته لا نسب له ~~ولا حلف , وإذا أرادوا سفرا أو حاجة جاؤوا بمائة فقالك يا إلهنا ! أردنا ~~كذا , فغ , خرج ( نعم ) فعلوا , وإن خرج ( لا ) لم يفعلوا , وإن جنى أحدهم ~~جناية , فاختلفوا فيمن يحمل العقل جاؤوا بمائة فقالوا : يا إلهنا ! فلان ~~جنى عليه , أخرج الحق , فإن خرج القدح الذي عليه ( العقل ) لزم من ضرب عليه ~~وبرىء الآخرو , وإن خرج غيره كان على الآخرين العقل , وكانوا إذا عقلوا ~~العقل ففضل الشيء منه تداروا فيمن يحمله , فضربوا عليه ؛ فإن خرج القدح ~~الذي عليه ( فضل العقل ) للذي ضرب عليه لزمه , وإلا كان على الآخرين الذين ~~لم يضرب عليهم فهذا الاستقسام الذي حرمه الله لأنه يكون عند الأصنام ~~ويطلبون ذلك منها , ويظنون أن الذي أخرج لهم ذلك هو الصنم , وأما إجالة ~~السهام لا على هذا الوجه فهو جائز , هو وتساهم واقتراع لا استقسام وقال أبو ~~عبيدة : واحد الأزلام زلم - بفتح الزاء , وقال بعضهم بالضم وهو القدح لا ~~ريش له ولا نصل , فإذا كان مريشا فهو السهم - والله أعلم ؛ ويجوز أن يراد ~~مع هذا ما كانوا يفعلونه في الميسر - على ما مضى في البقرة , فإنه طلب ~~معرفة ما قسم من الجزور , ويلتحق بالأول كل كهانة وتنجيم , وكل طيرة ~~يتطيرها الناس الآن من التشاؤم ببعض الأيام وبعض الأماكن والأحوال ms1132 , فإياك ~~أن تعرج على شيء من الطيرة , فتكون على شعبة جاهلية , ثم إياك ! . | ولما ~~كانت هذه الأشياء شديدة الخبث أشار إلى تعظيم النهي عنها بأداة البعد وميم ~~الجمع فقال : { ذلكم } أي الذي ذكرت لكم تحريمه { فسيق } أي فعله خروج من ~~الدين . | ولما كانت هذه المنهيات معظم دين أهل الجاهلية , وكان سبحانه قد ~~نهاهم قبلها عن إحلال شعائر الله والشهر الحرام وقاصدي المسجد الحرام بعد ~~أن كان أباح لهم ذلك في بعض الأحوال والأوقات بقوله < # > 77 ( { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم - ولا تقتلوهم عند PageV02P391 المسجد ~~الحرام حتى يقاتلوكم فيه } ) 77 < # > [ البقرة : 191 ] < # > 77 ( { الشهر الحرام بالشهر الحرام } ) 77 < # > [ البقرة : 194 ] < # > 77 ( { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } ) 77 < # > [ البقرة : 191 ] علم أن الأمر بالكف عن انتهاز الفرص إنما هو للأمن من ~~الفوت , وذلك لا يكون إلا من تمام القدرة , وهو لا يكون إلا بعد كمال الدين ~~وإظهاره على كل دين - كما حصل به الوعد الصادق , وكذا الانتهاء عن جميع هذه ~~المحارم إنما يكون لمن رسخ في الدين قدمه , وتمكنت فيه عزائمه وهممه , فلا ~~التفات له إلى غيره ولا همه إلى سواه , ولا مطمع لمخالفه فيه , فعقب سبحانه ~~النهي عن هذه المناهي كلها بقوله على سبيل النتيجة والتعليل : { اليوم } أي ~~وقت نزول هذه الآية { يئس الذين كفروا } أي لابسوا الكفر سواء كانوا راسخين ~~فهي أو لا { من دينكم } أي لم يبق لكم ولا لأحد منكم عذر في شيء من إظهار ~~الموافقة لهم أو لاتستر من أحد منهم , كما فعل حاطب بن أبي بلتعة رضي الله ~~عنه حين كاتبهم ليحمي بذلك ذوي رحمه , لأن الله تعالى قد كثركم بعد القلة , ~~وأعزكم بعد الذلة , وأحيى بكم منار الشرع , وطمس معالم شرع الجهل , وهد ~~منار الضلال , فأنا أخبركم - وأنتم عالمون بسعة علمي - أن الكفار قد اضمحلت ~~قواهم , وماتت هممهم , وذلت نخوتهم , وضعفت عزائمهم , فانقطع رجاؤهم عن أن ~~يغلبوكم أو يستميلوكم إلى دينهم بنوع استمالة , فإنهم رأوا دينكم قد قامت ~~منائره , وعلت في المجامع منابره , وضرب محرابه , وبرك بقواعده وأركانه ms1133 , ~~ولهذا سبب عما مضى قوله : { فلا تخشوهم } أي أصلا { واخشون } أي وامحضوا ~~الخشية لي وحدي , فإن دينكم قد أكمل بدره , وجل عن المحلق محله وقدره , ~~ورضي به الآمر , ومكنه على رغم أنف الأعداء . | وهو قادر على ذلك , وذلك ~~قوله تعالى مسوقا مساق التعليل : { اليوم أكملت لكم دينكم } أي الذي أرسلت ~~إليكم به أكمل خلقي لتدينوا به وتدانوا , وإكماله بإنزال كل ما يحتاج إليه ~~من أصل وفرع , نصا على البعض , وبيانا لطريق القياس في الباقي , وذلك بيان ~~لجميع الأحكام , وأما قبل ذلك اليوم فهو وإن كان كاملا لكنه بغير هذا ~~المعنى , بل إلى حين إلى هذه يزيد فيه سبحانه ما يشاء , فيكون به كاملا ~~أيضا وأكمل مما مضى , وهكذا إلى هذه النهاية , وكان هذا هو المراد من قوله ~~: { وأتممت عليكم نعمتي } أي التي قسمتها في القدم من هذا الدين على لسان ~~هذا الرسول , بأن جمعت عليه كلمة العرب الذين قضيت في القدم بإظهارهم على ~~من ناواهم من جميع أهل الملل , ليظهر بهم الدين , وتنكسر شوكة المفسدين من ~~غير حاجة في ذلك إلى غيرهم وإن كانوا بالنسبة إلى المخالفين كالشعرة ~~البيضاء في جلد الثور الأسود { ورضيت لكم الإسلام } أي الذي هو الشهادة لله ~~بما شهد به لنفسه من الوحدانية التي لمن يتبع الإذعان لها الإذعان لكل طاعة ~~{ دينا } PageV02P392 تتجازون به فيما بينكم ويجازيكم به ربكم ؛ روى ~~البخاري في المغازي وغيره , ومسلم في آخر الكتاب , والترمذي في التفسير , ~~والنسائي في الحج عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ( أن رجلا من اليهود قال ~~له : يا أمير المؤمنين ! آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت ~~لاتخذنا ذلك اليوم عيدا , قال : أي آية ؟ قال : { اليوم أكملت لكم دينكم } ~~فقال عمر رضي الله عنه : قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على ~~النبي صلى الله عليه وسلم , نزلت وهو قائم بعرفة يوم جمعة ) وفي التفسير من ~~البخاري عن طارق بن شهاب ( قالت اليهود لعمر : إنكم تقرؤون آية لو نزلت ~~فينا لاتخذناها عيدا , فقال ms1134 عمر : إني لأعلم حيث أنزلت وأين أنزلت وأين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت ) وقال البغوي : قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : كان ذلك اليوم خمسة أعياد : جمعة وعرفة وعيد اليهود وعيد ~~النصارى والمجوس , ولم تجتمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده , قلت : ~~ويوم الجمعة هو اليوم الذي أتم الله فيه خلق هذه الموجودات بخلق آدم عليه ~~السلام بعد عصره , وهو حين نزول هذه الآية إن شاء الله تعالى , فكانت تلك ~~الساعة من ذلك اليوم تماما ابتداء , وروى هارون بن عنترة عن أبيه قال : ( ~~لما نزلت هذه الآية بكى عمر رضي الله عنه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ~~: ) ما يبكيك يا عمر ؟ فقال : أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا , فإذا كمل ~~فإنه لم يكمل شيء إلا نقص , قال : صدقت ! ( فكانت هذه الآية نعي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم , عاش بعدها إحدى وثمانين يوما وقد روي أنه كان هجيري ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة من العصر إلى الغروب شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو - الآية , وكأن ذلك PageV02P393 كان جوابا منه صلى الله عليه ~~وسلم لهذه الآية , لفهمه صلى الله عليه وسلم أن إنزال آية سر الإسلام ~~وأعظمه وأكمله , وهذه الآية من المعجزات , لأنها إخبار بمغيب صدقها فيه ~~الواقع . | ولما تمت هذه الجمل الاعتراضية التي صار ما بينها وبين ما قبلها ~~وما بعدها بأحكام الرصف واتقان الربط من الامتزاج أشد مما بين الروح والجسد ~~, المشيرة إلى أن هذه المحرمات هي التي تحقق بها أهل الكفر كمال المخالفة , ~~فأيسوا معها من المواصلة والمؤالفة ؛ رجع إلى تتمات لتلك المحظورات , فقال ~~مسببا عن الرضى بالإسلام الذي هو الحنيفة السمحة المحرمة لهذه الخبائث ~~لإضرارها بالبدن والدين : { فمن اضطر } أي ألجىء إلجاء عظيما - من أي شيء ~~كان - إل تناول شيء مما مضى أنه حرم , بحيث لا يمكنه معه الكف عنه { في ~~مخمصة } أي مجاعة عظيمة { غير متجانف } أي متعمد ميلا { لإثم } أي بالأكل ~~على غير سد ms1135 الرمق , أو بالبغي على مضطر آخر بنوع مكر أو العدو عليه بضرب ~~قهر , وزاد بعد هذا التقييد تخويفا بقوله : { فإن الله } أي الذي له الكمال ~~كله { غفور رحيم * } أي يمحو عنه إثم ارتكابه للمنهي ولا يعاقبه عليه ولا ~~يعاتبه ويكرمه , بأن يوسع عليه من فضله , ولا يضطره مرة أخرى - إلى غير ذلك ~~من الإكرام وضروب الأنعام . | < < # | المائدة : ( 4 ) يسألونك ماذا أحل . . . . . # > > ^ ( يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح ~~مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا ممآ أمسكن عليكم واذكروا اسم الله ~~عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب ) ^ } ) | ولما تقدم إحلال الصيد ~~وتحريم الميتة , وختم ذلك بهذه الرخصة , : وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~قد أمر بقتل الكلاب ( وكان الصيد ربما مات في يد الجارح قبل إدراك ذكاته , ~~سأل بعضهم عما يحل من الكلاب , وبعضهم عما يحل من ميتة الصيد إحلالا مطلقا ~~لا بقيد الرخصة , إذ كان الحال يقتضي هذا السؤال ؛ روى الواحدي في أسباب ~~النزول بسنده عن أبي رافع رضي الله عنه قال : ) أمرني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقتل الكلاب , فقال الناس : يا رسول الله ! ما أحل لان من هذه ~~الأمة التي أمرت بقتلها ؟ فأنزل الله تعالى : { يسئلونك } ( . | ~~PageV02P394 ولما كان هذا إخبارا عن غائب قال : { ماذا أحل لهم } دون ) لنا ~~( قال الواحدي : أي من إمساك الكلاب وأكل الصيود وغيرها , أي من المطاعم , ~~ثم قال الواحدي : رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه , وذكر المفسرون شرح ~~هذه القصة , قال : قال أبو رافع رضي الله عنه : جاء جبريل إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فاستأذن عليه , فأذن له فلم يدخلن فخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال : قد أذنا لك ! قال : أجل يا رسول الله ! ولكنا لا ندخل ~~بيتا فيه صورة ولا كلب , فنظر فإذا في بعض بيوتهم جرو , قال أبو رافع : ~~فأمرني أن لا أدع بالمدينة كلبا إلا قتلته , حتى بلغت العوالي فإذا امرأة ~~عندها كلب يحرسها فرحمتها فتركته , فأتيت النبي صلى الله ms1136 عليه وسلم فأمرني ~~بقتله , فرجعت إلى الكلب فقتلته , فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بأمر الكلاب جاء أناس فقالوا : يا رسول الله ! ماذا يحل لنا نم هذه الأمة ~~التي أمرت بقتلها ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه ~~الآية فلما نزلت أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اقتناء الكلاب التي ~~ينتفع بها , ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه , وأمر بقتل الكلاب الكلب والعقور ~~ما يضر ويؤذي , ورفع القتل عما سواها مما لا ضر فيه , وقال سعيد بن جبير : ~~نزلت هذه الآية في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين رضي الله عنهما , ~~وهو زيد الخيل الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير , وذلك ~~أنهما جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : ) يا رسول الله ! إنا ~~قوم نصيد بالكلاب والبزاة , وإن كلاب آل درع وآل أبي حورية تأخذ البقر ~~والحمر والظباء والضب , فمنه ما ندرك ذكاته , ومنه ما يقتل فلا ندرك ذكاته ~~, وقد حرم الله الميتة , فماذا يحل لنا منها ؟ فنزلت : { يسئلونك } الآية { ~~الطيبات } يعني الذبائح , و { الجوارح } الكواسب من الكلاب وسباع الطير ( ~~انتهى . | فإذا أريد كون الكلام على وجه يعم قيل : { قل } لهم في جواب من ~~سأل { أحل } وبناه للمفعول طبق سؤالهم ولأن المقصود لا كونه من معين { لكم ~~الطيبات } أي الكاملة PageV02P395 الطيب , فلا خبث فيها بنوع تحريم ولا ~~تقذر , من ذوي الطباع السليمة مما لم يرد به نص ولا صح فيه قياس , وهذا ~~يشمل كل ما ذبح وهو مأذون في ذبحه مما كانوا يحرمونه على أنفسهم من السائبة ~~وما معها , وكل ما أذن فيه من غير ذبح كحيوان البحر وما أذن فيه من غير ~~المطاعم { وما } وهو على حذف مضاف للعلم به , فالمعنى : وصيد ما { علمتم من ~~الجوارح } أي التي من شأنها أن تجرح , أو تكون سببا للجرح وهو الذبح , أو ~~من الجرح بمعنى الكسب < # > 77 ( { ويعلم ما جرحتم بالنهار } ) 77 < # > [ الأنعام : 60 ] وهو كواسب الصيد ms1137 من السباع والطير , فأحل إمساكها ~~للقنية وصيدها وشرط فيه التعليم , قال الشافعي : والكلب لا يصير معلما إلا ~~عند أمور : إذا أشلى استشلى , وإذا زجر انزجر وحبس ولم يأكل , وإذا دعي ~~أجاب , وإذا أراده لم يفر منه , فإذا فعل ذلك مرات فهو معلم , ولم يذكر حدا ~~لأن الاسم إذا لم يكن معلوما من نص ولا إجماع وجب الرجوع فيه إلى العرف , ~~وبنى الحال من الكلاب وإن كان المراد العموم , لأن التأديب فيها أكثر فقال ~~: { مكلبين } أي حال كونكم متكلفين تعليم هذه الكواسب ومبالغين في ذلك , ~~قالوا : وفائدة هذه الحال أن يكون المعلم نحريرا في علمه موصوفا به , وأكد ~~ذلك بحال أخرى أو استئناف فقال : { تعلمونهن } وحوشا كن أو طيورا { مما ~~علمكم الله } أي المحيط بصفات الكمال من علم التكليب , فأفاد ذلك أن على كل ~~طالب لشيء أن لا يأخذه إلا من أجل العلماء به وأشدهم دراية له وأغواصهم على ~~لطائفه وحقائقه وإن احتاج إلى أن يضرب إليه أكباد الإبل , فكم من آخذ من ~~غير متقن قد ضيع أيامه , وعض عند لقاء النجارين إبهامه ! ثم سبب عن ذلك ~~قوله : { فكلوا } . | ولما كان في الصيد من العظم وغيره ما لا يؤكل قال : { ~~مما أمسكن } أي الجوارح مستقرا إمساكها { عليكم } أي على تعليمكم , لا على ~~جبلتها وطبيتعها دون تعليمكم , وذلك هو الذي لم يأكلن منه وإن مات قبل ~~إدراك ذكاته , وأما ما أمسك الجارح على أي مستقرا على جبلته وطبعه , ناظرا ~~فيه إلى نفاسه نفسه فلا يحل { واذكروا اسم الله } أي الذي له كل شيء ولا ~~كفوء له { عليه } أي على ما أمسكن عند إرسال الجارح أو عند الذبح إن أدركت ~~ذكاته , لتخالفوا سنة الجاهلية وتأخذوه من مالكه , وقد صارت نسبة هذه ~~الجملة . | كما ترى . | إلى < # > 77 ( { حرمت عليكم الميتة } ) 77 < # > [ المائدة : 3 ] نسبة المستثنى إلى المستثنى منه , وإلى مفهوم غير محلي ~~الصيد وأنتم حرم نسبة الشرح . | ولما كان تعليم الجوارح أمرا خارجا عن ~~العادة في نفسه وإن كان قد كثر , حتى صار مألوفا ms1138 , وكان الصيد بها أمرا ~~تعجب شرعته وتهز النفوس كيفيته , ختم الآية بما هو خارج عن عادة البشر ~~وطرقها من سرعة الحساب ولطف العلم بمقدار الاستحقاق من PageV02P396 الثواب ~~والعقاب , فقال محذرا من إهمال شيء مما رسمه : { واتقوا } أي حاسبوا أنفسكم ~~واتقوا { الله } أي عالم الغيب والشهادة القادر على كل شيء فيما أدركتم ~~ذكاته وما لم تدركوها , وما أمسكه الجارح عليكم وما أمسكه على نفسه . | إلى ~~غير ذلك من أمور الصيد التي لا يقف عندها إلا من غلبت عليه مهابة اله ~~واستشعره خوفه , فاتقاه فيما أحل وما حرم , ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } ~~أي الجامع لمجامع العظمة { سريع الحساب * } أي عالم بكل شيء وقادر عليه في ~~كل وقت , فهو قادر على كل جزاء يريده , لا يشغله أحد عن أحد ولا شأن عن شأن ~~. | < < # | المائدة : ( 5 - 6 ) اليوم أحل لكم . . . . . # > > ^ ( اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم ~~حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ~~إذآ آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان ~~فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين * ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد منكم ~~من الغائط أو لامستم النسآء فلم تجدوا مآء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم ~~وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ) ^ } ) | ولما كان قد تقدم النهي عن نكاح ~~المشركات , والمنافرة لجميع أصناف الكفار , وبيان بغضهم وعداوتهم , والحث ~~على طردهم ومنابذتهم ^ ( { هآأنتم أولاء تحبونهم } ) ^ [ آل عمران : 119 ] ~~ونحوها لضعف الأمر إذ ذاك وشدة الحاجة إلى إظهار الفظاظة والغلظة لهم ~~لتعظيم دين الله , حتى كانت خلطتهم من أمارات النفاق . | كما سيأتي في كثير ~~من آيات هذه السورة , وكان الدين وصل عند نزولها من العظمة إلى حد لا يحتاج ~~في إلى تعظيم ms1139 معظم , وكانت مخالطة أهل الكتاب لا بد منها عند فتوح البلاد ~~التي وعد الصادق بهان وسبق في الأزل علمها , فكانت الفتنة في مخالطتهم قد ~~صارت في حد الأمن وسع الأمر بحل طعامهم ونسائهم , فقال تعالى مكررا ذكر ~~الوقت الذي أنزل فيه هذه الآيات , تنبيها على عظم النعمة فيه بتذكر ما هم ~~فيه من الكثرة والأمن والجمع والألفة , وتذكر ما كانوا فيه قبل ذلك من ~~القلة والخوف والفرقة , فقال معيدا لصدر الآية التي قبلها إعلاما بعظم ~~النعمة فيه , ومفيدا بذكر وقت الإحلال أنه إحلال مقصود به الثبات , لكونه ~~يوم إتمام النعمة فهو غير الأول : { اليوم } . | PageV02P397 ولما كان ~~القصد إنما هو الحل , لا كونه من محل معين , مع أن المخاطبين بهذه الآيات ~~يعلمون أنه لا محل إلا الله , بني الفعل للمجهول فقال : { أحل } أي ثبت ~~الإحلال فلا ينسخ أبدا { لكم } أي أيها المؤمنون { الطيبات } أي التي تقدم ~~في البقرة وصفها بالحل لزوال الإثم وملاءمة الطبع , فهي الكاملة في الطيب . ~~| ولما كان الطيبات أعم من المآكل قال : { وطعام الذين } ولما كان سبب الحل ~~الكتاب , ولم يتعلق بذكر مؤتيه غرض , بني الفعل للمجهول فقال : { أوتوا ~~الكتاب } أي مما يصنعونه أو يذبحونه , وعبر بالطعام الشامل لما ذبح وغيره ~~وإن كان المقصود المذبوح , لا غيره , ولا يتخلف حاله من كتابي ولا غيره ~~تصريحا بالمقصود { حل لكم } أي تناوله لحاجتكم , أي مخالطتهم للإذن في ~~إقرارهم على دينهم بالجزية , ولما كان هذا مشعرا بإبقائهم على ما اختراوا ~~لأنفسهم زاده تأكيدا بقوله : { وطعامكم حل لهم } أي فلا عليكم في بذله لهم ~~ولا عليهم في تناوله . | ولما كانت الطيبات أعم من المطاعم وغيرها , وكانت ~~الحاجة إلى المناكح بعد الحاجة إلى المطاعم , وكانت المطاعم حلالا من ~~الجانبين والمناكح من جانب واحد قال : { والمحصنات } أي الحرائر { من ~~المؤمنات } ثم أكد الإشارة إلى إقرار أهل الكتاب فقال : { والمحصنات } أي ~~الحرائر { من الذين أوتوا الكتاب } وبنى الفعل للمفعول للعلم بمؤتيه مع أنه ~~لم يتعلق بالتصريح به غرض . | ولما كان إيتاؤهم الكتاب لم يستغرق الزمن ms1140 ~~الماضي , أثبت الجار فقال : { من قبلكم } أي وهم اليهود والنصارى , وعبر عن ~~العقد بالصداق للملابسة فقال مخرجا للأمة لأنها لا تعطى الأجر وهو الصداق , ~~لأنها لا تملكه بل يعطاه سيدها : { إذا آتيتموهن أجورهن } أي عقدتم لهن , ~~ودل مساق الشرط على تأكد وجوب الصداق , وأن من تزوج وعزم على عدم الإعطاء , ~~كان في صورة الزاني , وورد فيه حديث , وتسميته بالأجر تدل على أنه لا حد ~~لأقله . | ولما كان المراذ بالأجر المهر , وكان في اللغة يطلق على ما يعطاه ~~الزانية أيضا , بينه بقوله : { محصنين } أي قاصدين الإعفاف والعفاف { غير ~~مسافحين } أي قاصدين صب الماء لمجرد الشهوة جهارا { ولا متخذي أخذان } أي ~~صدائق لذلك في السر , جمع خدن , وهو يقع على الذكر والأنثى , فكانت هذه ~~الآية مخصصة لقوله تعالى < # > 77 ( { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } ) 77 < # > [ البقرة : 221 ] فبقي على التحريم مما تضمنته تلك ما عدا الكتابيات من ~~الوثنيات وغيرهن من جميع المشركات حتى المنتقلة من الكتابيات من دينها إلى ~~غير دين الإسلام , وصرح هنا بالمؤمنات المقتضي لهن قوله تعالى في النساء ~~PageV02P398 < # > 77 ( { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ) 77 < # > [ النساء : 24 ] وقوله < # > 77 ( { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات } ) 77 < # > [ النساء : 25 ] ولعل ذكر وصف الإحصان الواقع على العفة للتنبيه على ~~أنه لا يقصد المتصفة بغيره لمجرد الشهوة إلا من سلب الصفات البشرية , وأخلد ~~إلأى مجرد الحيوانية , فصار في عداد البهائم , بل أدنى , مع أن التعليق ~~بذلك الوصف لا يفهم الحرمة عند فقده , بل الحل من باب الأولى , لأن من حكم ~~مشروعية النكاح الإعفاف , فإذا شرع إعفاف العفائف كان شرع إعفاف غيرهن أولى ~~, لأن زناها إما لشهوة أو حاجة , وكلاهما للنكاح مدخل عظيم في نفيه . | ~~والله أعلم . | ولما كان السر في النهي عن نكاح المشركات في الأصل ما يخشى ~~من الفتنة , وكانت الفتنة . | وإن علا الدين روسخ الإيمان واليقين . | لم ~~تنزل عن درجة الإمكان , وكانت الصلاة تسمى إيمانا لأنها من أعظم شرائعه < # > 77 ( { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ) 77 < # > [ البقرة ms1141 : 143 ] أي صلاتكم , وروى الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن ~~قرط رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أول ما يحاسب ~~به العبد يوم القيامة الصلاة , فإن صلحت صلح سائر عمله , وإن فسدت فسد سائر ~~عمله ) وله في الأوسط أيضا بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه قال : ( قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ) أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة ينظر في ~~صلاته , فإن صلحت فقد أفلح , وإن فسدت فقد خاب وخسر ( وكانت مخالطة الأزواج ~~مظنة للتكاسل عنها , ولهذا أنزلت آية < # > 77 ( { حافظوا على الصلاة } ) 77 < # > PageV02P399 [ البقرة : 238 ] كما مضى بالمحل الذي هي به , لما كان ذلك ~~كذلك ختمت هذه الآية بقوله تعالى منفردا من نكاحهن بعد إحلاله , إشارة إلى ~~أن الورع ابتعد عنه , امتثالا للآيات الناهية عن موادة المحاد لئلا يحصل ~~ميل فيدعو إلى المتابعة , أو يحصل ولد , فتستميله لدينها : { ومن } أي أحل ~~لكم ذلك والحال أنه من { يكفر } أي ويوجد ويجدد الكفر على وجه طمأنينة ~~القلب به والاستمارا عليه إلى الموت { بالإيمان } أي بسبب التصديق القلبي ~~بكل ما جاءت به الرسل وأنزلت به الكتب , الذي منه حل الكتابيات , فيدعوه ~~ذلك إلى نكاحهن , فتحمله الخلطة على اتباع دينهن , فيكفر بسبب ذلك التصديق ~~فيكفر بالصلاة التي يلزم من الكفر بها الكفر به , فإطلاقه عليها تعظيم لها ~~< # > 77 ( { وما كان الله ليضيع إيمانكم } ) 77 < # > [ البقرة : 143 ] أي صلاتكم { فقد حبط } أي فسد { عمله } أي إذا اتصل ~~ذلك بالموت بدليل قوله : { وهو في الآخرة من الخاسرين * } والآية من أدلة ~~إمانا الشافعي على استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه , فحيث قصد ~~التحذير من الكفر حقيقة فالإيمان حقيقة وحيث أريد الترهيب من إضاعة الصلاة ~~فهو مجاز , ومما يؤيد ذلك أن في السفر الثاني من التوراة : لا تعاهدن سكان ~~الأرض لكيلا تضلوا بأوثانهم , وتذبحوا لآلهتهم , أو يدعوك فتأكل من ذبائحهم ~~, وتزوج بنيك من بناتهم وبناتك من بنيهم , فتضل بناتك خلف آلهتهم ويضل بنوك ~~بىلهتهم , وقال في الخامس منها ms1142 : وإذا أدخلكم الله ربنا الأرض التي ~~تدخلونها لترثوها , وأهلك شعوبا كثيرة من بين أيديكم : حتانيين وجرجسانيين ~~وأمورانيين وكنعانيين وفرزانيين وحاوانيين ويابسانيين . | سبعة شعوب أكثر ~~وأقوى منكم , ويدفعهم الله ربكم في أيديكم فاضربوهم واقتلوهم وانفوهم ~~وحرموهم ولا تعاهدوا عهدا ولا ترحموهم , وتحاشوهم ولا تزوجوا بناتكم من ~~بنيهم , ولا تزوجوا بنيكم من بناتهم لئلا يغوين بنيكم عن عبادتي , ويخدعنهم ~~فيعبدوا آلهة أخرى , ويشتد غضب الرب عليكم ويهلككم سريعا , ولكن اصنعوا بهم ~~هذا الصنيع : استأصلوا مذابحهم , وكسروا أنصابهم , وحطموا أصنامهم المصبوغة ~~, وأحرقوا أوثانهم المنحوتة , لأنكم شعب طاهر لله ربكم - انتهى . | وإذا ~~تأملت جميع ذلك , وأمعنت فيه النظر لاح لك سر تعقيبها بقوله تعالى في سياق ~~مشير إلى البشارة بأن هذه الأمة تطيع ولا تعصى فتؤمن ولا تكفر , لما خص به ~~كتابها من البيان الأتم في النظم المعجز مع شرف التذكير بما أفاضه من شرف ~~جليل الأيادي , فاتتح هذه السورة بالأمر باوفاء بحق الربوبية , وأتبعه ~~التذكير بما وفى به سبحانه من حق الربوبية من نوع المنافع في لذة المطعم ~~وتوابعه ولذة المنكح وتوابعه , وقدم المطعم لأن الحاجة إليه فوق الحاجة إلى ~~المنكح , فلما أتم ما ألزمه نفسه الأقدس من عهد الربوبية فضلا منه , أتبعه ~~الأمر بالوفاء بعهد العبودية , وقدم PageV02P400 منه الصلاة لأنها أشرفه ~~بعد الإيمان , وقدم الوضوء لأنه شرطها فقال : { ياأيها الذين آمنوا } أي ~~أقروا به ! صدقوه بأنكم { إذا } عبر بأداة التحقيق بشارة بأن الأمة مطيعة { ~~قمتم } أي بالقوة , وهي العزم الثابت على القيام الذي هو سبب القيام { إلى ~~الصلاة } أي جنسها محدثي , لما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بجمعه بعده ~~صلوات بوضوء واحد وإن كان التجديد أكمل , وخصت الصلاة ومس المصحف من بين ~~الأعمال بالأمر بالوضوء تشريفا لهما ويزيد حمل الإيمان على الصلاة حسنا ~~تقدم قوله تعالى < # > 77 ( { اليوم أكملت لكم دينكم } ) 77 < # > [ المائدة : 3 ] الثابت أنها نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~عصر يوم عرفة والنبي صلى الله عليه وسلم على ناقته يخطب , وكان من خطبته في ~~ذلك الوقت ms1143 أو في يوم النحر أو في كليهما : ( ألا إن الشيطان قد أيس أن ~~يعبده المصلون في جزيرة العرب , ولكن في التحريش بينهم ) رواه أحمد ومسلم ~~في صفة القيامة والترمذي عن جابر رضي الله عنه , فقوله ( المصلون ) إشارة ~~إلى أن الماحي للشرك هو الصلاة , فما دامت قائمة فهو زائل , ومتى زالت ~~والعياذ بالله ورجع , وإلى ذلك يشير ما رواه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن ~~الأربعة عن جابر رضي الله عنه ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ) بين ~~العبد والكفر ترك الصلاة ( وللأربعة وابن حبان في صحيحه والحاكم عن بريدة ~~رضي الله عنه ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الذي بيننا وبينهم ~~الصلاة , فمن تركها فقد كفر ) ولأبي يعلى بسند ضعيف عن أنس رضي الله عنه ~~قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) إن أول ما افترض الهل على ~~الناس من دينهم الصلاة , وآخر ما يبقى الصلاة ( . | PageV02P401 ولما كان ~~الوضوء في سورة النساء إنما هو على سبيل الإشارة إجمالا , صرح به هنا على ~~سبيل الأمر وفصله , فقال مجيبا للشرط إعلاما بأن بالوضوء تبع للأمر بالصلاة ~~, لأن المعلق على الشيء بحرف الشرط يعدم عند عدم الشرط : { فاغسلوا } أي ~~لأجل إرادة الصلاة , ومن هنا يعلم وجوب النية , لأن فعل العاقل لا يكون إلا ~~مقصودا , وفعل المأمور به لأجل الأمر هو النية { وجوهكم } وحد الوجه منابت ~~شعر الرأس ومنتهى الذقن طولا وما بين الأذنين عرضا , وليس منه داخل العين ~~وإن كان مأخوذا من المواجهة , لأنه من الحرج , وكذا إيصال الماء إلى البشرة ~~إذا كثفت اللحية خفف للحرج واكتفى عنه بظاهر اللحية , وأما العنفقة ونحوها ~~من الشعر الخفيف فيجب { وأيديكم } ولما كانت اليد تطلق على ما بين المنكب ~~وروؤس الأصابع , قال مبينا إن ابتداء الغسل يكون من الكفين , لأنهما لعظم ~~النفع أولى بالاسم : { إلى المرافق } أي آخرها , أخذا من بيان النبي صلى ~~الله عليه وسلم بفعله , فإنه كان يدير الماء على مرفقيه , وإنما كان ~~الاعتماد على البيان لأن الغاية تارة تدل كقوله تعالى ms1144 < # > 77 ( { من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى } ) 77 < # > [ الإسراء : 1 ] وتارة لا تدخل كقوله تعالى < # > 77 ( { ثم أتموا الصيام إلى الليل } ) 77 < # > [ البقرة : 187 ] والمرفق ملتقى العظمين , وعفي عما فوق ذلك تخفيفا { ~~وامسحوا } ولما عدل عن تعدية الفعل إلى الرأس , فلم يفعل كما فعل في الغسل ~~مع الوجه , بل أتى بالباء فقال : { برءوسكم } علم أن المراد إيجاد ما يسمى ~~مسحا في أي موضع كان من الرأس , دون خصوص التعميم وهو معنى قول الكشاف : ~~المراد إلصاق المسح بالرأس , وماسح بعضه ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح ~~. | ولما كان غسل الرجل مظنة الإسراف فكان مأمورا بالاقتصاد فيه , وكان ~~المسح على الخف سائغا كافيا , قرىء : { وأرجلكم } بالجر على المجاورة إشارة ~~إلى ذلك أو لأن الغاسل يدلك في الأغلب , قال في القاموس : المسح كالمنع : ~~إمارا اليد على PageV02P402 الشيء السائل . | فيكون في ذلك إشارة أيضا إلى ~~استحباب الدلك , والقرينة الدالة على استعمال هذا المشترك في أحد المعنيين ~~قراءة النصب وبيان النبي صلى الله عليه وسلم , ومر استعماله فيه وفيه ~~الإشارة إلى الرفق بالنصب على الأصل . | ولما كانت الرجل من موضع الانشعاب ~~من الأسفل إلى آخرها , خص بقوله دالا بالغاية على أن المراد الغسل - كما ~~مضى في المرافق , لأن المسح لم يرد فيه غاية في الشريعة وعلى أن ابتداء ~~الغسل يكون من رؤوس الأسابع , لأن القدم بعظم نفعه أولى باسم الرجل : { إلى ~~الكعبين } وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم , وثنى إشارة إلى ~~أن لكل رجل كعبين , ولو قيل : إلى الكعاب , لفهم أن الواجب كعب واحد من كل ~~رجل - كما ذكره الزركشي في مقابلة الجمع بالجمع من حرف الميم من قواعده , ~~والفصل بالمسح بين المغسولات معلم بوجوب الترتيب , لأن عادة العرب - كما ~~نقله الشيخ محيي الدين النووي في شرح المهذب عن الأصحاب - أنها لا تفعل ذلك ~~إلا للإعلام بالترتيب , وقال غيره معللا لما ألزمته العرب : ترك التمييز ~~بين النوعين بذكر كل منهما على حدته مستهجن في الكلام البليغ لغير فائدة , ~~فوجب تنزيه كلام الله عنه أيضا , فدلالة ms1145 الآية على وجوب البداءة بالوجه مما ~~لا مدفع له لترتيبها له بالحراسة على الشرط بالفاء , وذلك مقتض لوجوب ~~الترتيب في الباقي إذ لا قائل بالوجوب بالبعض دون البعض , ولعل تكرير الأمر ~~بالغسل والتيمم للاهتمام بهما , وللتذكير بالنعمة في التوسعة بالتيمم , وأن ~~حكمه باق عند أمنهم وسعتهم كراهة أن يظن أنه إنما كان عند خوفهم وقلتهم ~~وضيق التبسط في الأرض , لظهور الكافر وغلبتهم , كما كان المتعة تباح تارة ~~وتمنع أخرى نظرا إلى الحاجة وفقدها , وللإشارة إلى أنه من خصائص هذه الأمة ~~, والإعلام بأنه لم يرد به ولا بشيء من المأمورات والمنهيات قبله الحرج , ~~وإنما أراد طهارة الباطن والظاهر من أدناس الذنوب وأوضار الخلائق السالفة , ~~فقال تعالى معبرا بأداة الشك إشارة إلى أنه قد يقع وقد لا يقع وهو نادر على ~~تقدير وقوعه , عاطفا على ما تقديره : هذا إن كنتم محدثين حدثا أصغر : { وإن ~~كنتم } أي حال القصد للصلاة { جنبا } أي منين باحتلام أو غيره { فاطهروا } ~~أي بالغسل إن كنتم خالين عن عذر لجميع البدن , لأنه أطلق ولم يخص ببعض ~~الأعضاء كما في الوضوء . | ولما أتم أمر الطهارة عزيمة بالماء من الغسل ~~والوضوء , وبدأ بالوضوء لعمومه , ذكر الطهارة رخصة بالتراب , فقال معبرا ~~بأداة الشك إشارة إلى أن الرخاء أكثر من الشدة : { وإن كنتم مرضى } أي ~~بجراح أو غيره , فلم تجدوا ماء حسا أو معنى بعدم القدرة على استعماله وأنتم ~~جنب { أو على سفر } طويل أو قصير كذلك , ولما ذكر PageV02P403 الأكبر أتبعه ~~الأصغر فقال { أو جاء أحد منكم } وهو غير جنب { من الغائط } أي الموضع ~~المطمئن من الأرض وهو أي مكان التخلي , أي قضيتم حاجة الإنسان التي لا بد ~~له منها , وينزه الكتاب عن التصريح بها لأنها من النقائص المذكرة له بشديد ~~عجزه وعظيم ضرورته وفقره ليكف من إعجابه وكبره وترفعه وفجره . | كما ورد أن ~~بعض الأمراء لقي بعض البله في طريق فلم يفسح , فغضب وقال : كأنك ما تعرفني ~~؟ فقال بلى والله ! إني لأعرفك , أولك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة , وأنت ~~فيما بين ms1146 ذلك تحمل العذرة . | ولما ذكر ما يخص الأصغر ذكر ما يعم الأكبر ~~فقال : { أو لمستم النساء } أي بالذكر أو غيره أمنيتم أولا { فلم تجدوا ماء ~~} أي حسا أو معنى بالعجز عن استعماله للمرض بجرح أو غيره { فتيمموا } أي ~~اقصدوا قصدا متعمدا { صعيدا } أي ترابا { طيبا } أي طهورا خالصا { فامسحوا ~~} ولما كان التراب لكثافته لا يصل إلى ما يصل إليه الماء بلطافته , قصر ~~الفعل وعداه بالحرف إشارة إلى الاكتفاء بمرة والعفو عن المبالغة , وبينت ~~السنة أن المراد جميع العضو , فقال : { بوجوهكم وأيديكم منه } أي حال النية ~~التي هي القصد الذي هو التيمم , ثم أشار لهم إلى حكمته سبحانه في هذه ~~الرخصة فقال مستأنفا : { ما يريد الله } أي الغنى الغنى المطلق { ليجعل ~~عليكم } وأغرق في النفي بقوله : { من حرج } أي ضيق علما منه بضعفكم , فسهل ~~عليكم ما كان عسرة على من كان قبلكم , وإكراما لكم لأجل نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم , فلم يأمركم إلا بما يسهل عليكم ليقل عاصيكم { ولكن يريد ~~ليطهركم } أي ظاهرا وباطنا بالماء والتراب وامتثال الأمر على ما شرعه ~~سبحانه , عقلتم معناه أو لا , مع تسهيل الأوامر والنواهي لكيلا يوقعكم ~~التشديد في المعصية التي هي رجس الباطن { وليتم نعمته } أي في التخفيف في ~~العزائم ثم في الرخص , وفي وعدكم بالأجور على ما شرع لكم من الأفعال { ~~عليكم } لأجل تسهيلها , ليكون فعلكم لها واستحقاقكم لما رتب عليها من الأجر ~~مقطوعا به , إلا لمن لج طبعه في العوج , وتمادى في الغواية والجهل والبطر { ~~لعلكم تشكرون * } أي وفعل ذلك كله . | هذا التسهيل وغيره ليكون حالكم لما ~~سهل عليكم حال من يرجى صرفه لنعم ربه عليه في طاعته المسهلة له المحببة ~~إليه , روى البخاري في التفسير وغيره عن عائشة رضي الله عنها قالت : ~~PageV02P404 ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره , حتى ~~إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي , فأقام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على التماسه , وأقام الناس معه , وليسوا على ماء وليس معهم ماء . ~~| وفي ms1147 رواية : سقط قلادة لي بالبيداء ونحن داخلون المدينة , فأناخ النبي ~~صلى الله عليه وسلم ونزل , فثنى رأسه في حجري راقدا . | فأتى الناس إلى أبي ~~بكر فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ؟ فجاء أبو بكر فلكزني لكزة شديدة وقال ~~: حبست النبي صلى الله عليه وسلم في قلادة , فبي الموت لمكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقد أوجعني , ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ وحضرت ~~الصبح فالتمس الماء فلم يوجد , فنزلت ^ ( { ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم ~~إلى الصلاة } ) ^ [ المائدة : 6 ] , وفي رواية : فأنزل الله آية التيمم { ~~فتيمموا } فقال أسيد بن حضير : لقد بارك الله للناس فيكم يا آل أبي بكر ! ~~ما أنتم إلا بركة لهم , وفي رواية : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر , ~~قالت : فبعثنا البعير الذي كنت عليه فإذا العقد تحته ( وفي رواية له عنها ~~في النكاح أنها استعارت من أمساء قلادة فهلكت , فأرسل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ناسا من أصحابه في طلبها , فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء , ~~فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم , فقال ~~أسيد بن حضير : جزاك الله خيرا ! فوالله ما نزل بك أم رقط إلا جعل الله لك ~~منه مخرجا , وجعل للمسلمين فيه بركة ) وهذا الحديث يدل على أن هذه الآية ~~نزلت قبل آية النساء , فكانت تلك نزلت بعد ذلك لتأكيد هذا الحكيم ومزيد ~~الامتنان به , لما فيه من عظيم اليسر وليحصل في التيمم من الجناية نص خاص , ~~فيكون ذلك أفخم لشأنها وأدل على الاهتمام به . | < < # | المائدة : ( 7 - 8 ) واذكروا نعمة الله . . . . . # > > ^ ( واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا ~~وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور * ياأيهآ الذين آمنوا كونوا ~~قوامين لله شهدآء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو ~~أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ) ^ } ) | ولما كان في ~~هذه المأمورات والمنهيات خروج عن المألوفات , وكانت الصلاة أوثق عرى الدين ~~, وكان قد عبر ms1148 عنها بالإيمان الذي هو أصل الدين وأساس الأعمال , ~~PageV02P405 عطف عليها قوله تذكيرا بما يوجب القبول والانقياد : { واذكروا ~~} أي ذكر اتعاظ وتأمل واعتبار . | ولما كان المقصود من الإنعام غايته قال : ~~{ نعمة الله } أي الملك الأعلى { عليكم } أي في هدايته لكم إلى الإسلام بعد ~~أن كنتم على شفا حفرة نم النار فأنقذكم منها , وفي غير ذلك من جميع النعم , ~~وإنما لم تجمع لئلا يظن أن المقصود تعداد النعم , لا الندب إلى الشكر بتأمل ~~أن هذا الجنس لا يقدر عليه غيره سبحانه وعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كما يستحقه بجعل فعله سبحانه فعله صلى الله عليه وسلم فقال : { وميثاقه } ~~أي عقده الوثيق { الذي واثقكم به } أي بواسطة رسوله صلى الله عليه وسلم حين ~~بايعكم ليلة العقبة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره { ~~إذ } أي حين { قلتم سمعنا وأطعنا } وفي ذلك تحذر من مثل ما أراد بهم شاس بن ~~قيس , وتذكير بما أوجب له صلى الله عليه وسلم عليهم من الشكر بهدايته لهم ~~إلى الإسلام المثمر لالتزام تلك العهود ليلة العقبة الموجبه للوفاء الموعود ~~عليه الجنة , والتفات إلى قوله أول السورة < # > 77 ( { أوفوا بالعقود } ) 77 < # > [ المائدة : 1 ] وحديث إسباغ الوضوء على المكاره مبين لحسن هذه التناسب ~~. | ولما كان أمر الوفاء بالعهد صعبا , لا يقوم به إلا من صدقت عريقته ~~وصلحت سريرته , وإنما يحمل عليه خافة الله قال : { واتقوا الله } أي اجعلوا ~~بينكم وبين ما يغضب الملك الأعظم . | الذي يفعل ما يشاء . | من نقض العهد ~~وقاية من حسن القيام , لتكونوا في أعلى درجات وعيه , ثم علل ذلك مرغبا ~~مرهبا بقوله : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { عليم } أي بالغ العلم ~~{ بذات الصدور * } أي أحوالها من سرائرها وإن كان صاحبها لم يعلمها لكونها ~~لم تبرز إلى الوجود , وعلانيتها وإن صاحبها قد نسيها . | ولما تقدم القيام ~~إلى الصلاة , وتقدم ذكره الأزواج المأمور فيهن بالعدل في أول النساء ~~وأثنائها , وكان في الأزواج المذكورات هنا الكافرات , ناسب تعقيب ذلك بعد ~~الأمر بالتقوى بقوله تعالى ms1149 : { ياأيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان , ~~ولما كان العدل في غاية الصعوبة على الإنسان , فكان لذلك يحتاج المتخلق به ~~إلى تدريب كبير ليصير صفة PageV02P406 راسخة , عبر بالكون فقال تعالى : { ~~كونوا قوامين } اي مجتهدين في القيام على النساء اللاتي أخذتموهن بعهد الله ~~, واستحللتم فروجهن بكلمة الله , وعلى غيرهن في الصلاة وغيرها من جميع ~~الطاعات التي عاهدتم على الوفاء بها . | ولما كان مبنى السورة على الوفاء ~~بالعهد الوثيق , وكان الوفاء بذلك إنما يخف على النفوس , ويصح النشاط فيه , ~~ويعظم العزم عليه بالتذكير بجلالة موثقة وعدم انتهاك حرمته , لأن المعاهد ~~إنما يكون باسمه ولحفظ وحده ورسمه , قدم قوله : { لله } أي الذي له الإحاطة ~~بكل شيء . | بخلاف ما مضى في النساء . | ولما كان من جملة المعاقد عليه ~~ليلة العقبة ( ليلة تواثقوا على الإسلام ) أن يقولوا الحق حيث ما كانوا , ~~لا يخافون في الله لومة لائم , قال : { شهداء } أي متيقظين محضرين أفهامكم ~~غاية الإحضار بحيث لا يسد عنها شيء مما تريدون الشهادة به { بالقسط } أي ~~العدل , وقال الإمام أبو حيان في نهره : إن التي جاءت ي سورة النساء جاءت ~~في معرض الاعتراف على نفسه وعلى الوالدين والأقربين , فبدأ فيها باقسط الذي ~~هو العدل ولاسواء من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة , وهنا جاءت في ~~معرض ترك العداوات والاحن , فبدىء فيها بالقيام بله إذ كان الأمر بالقيام ~~لله أولا أردع للمؤمنين , ثم أردف بالشهادة بالعدل , فالتي يف معرض المحبة ~~والمحاباة بدىء فيها بما هو آكد وهو القسط , والتي في معرض العدواة والشنآن ~~, بدىء فيها بالقيام لله , فناسب كل معرض ما جيء به إليه , وأيضا فتقدم ~~هناك حديث النشوز والإعراض وقوله < # > 77 ( { ولن تستطيعوا أن تعدلوا } ) 77 < # > [ النساء : 129 ] وقوله < # > 77 ( { فلا جناح عليهما أن يصالحا } ) 77 < # > [ النساء : 128 ] فناسب ذكر تقديم القسط , وهنا تأخر ذكر العداوة فناسب ~~أن يجاورها ذكر القسط . | انتهى . | ولما كان أمر بهذا الخبر , نهى مما ~~يحجب عنه فقال : { ولا يجرمنكم } أي يحملنكم { شنئان قوم } أي شدة عداوة من ~~لهم قوة على ms1150 القيام في الأمور من المشركين , بحيث يخشى من إهمالهم ازدياد ~~قوتهم { على ألا تعدلوا } أي أن تتركوا قصد العدل , وهو يمكن أن يدخل فيه ~~بغض أهل الزوجة الكافرة أو ازدراؤها في شيء من حقوقها لأجل خسة دينها , ~~فأمروا بالعدل حتى بين هذه المرأة الكافرة وضراتها المسلمات , وإذا كان هذا ~~شأن الأمر به في الكافر فما الظن به في المسلم ؟ ثم استأنف PageV02P407 ~~قوله آمرا بعد النهي تأكيدا لأمر العدل : { اعدلوا } أي تحروا العدل ~~واقصدوه في كل شيء حتى في هذه الزوجات وفيمن يجاوز فيكم الحدود , فكلما ~~عصوا الله فيكم أطيعوه فيهم , فإن الذي منعكم من التجاوز وفيمن يجاوز فيكم ~~الحدود , فكلما عصوا الله فيكم أطيعوه فيهم , فإن الذي منعكم من التجاوز ~~خوفه يريكم من النصرة وصلاح الحال ما يسركم . | ولما كان ترك قصد العدل قد ~~يقع لصاحبه العدل اتفاقا , فيكون قريبا نم التقوى , قال مستأنفا ومعللا : { ~~هو } أي قصد العدل { أقرب } أي من ترك قصده { للتقوى } والإحسان الذي ~~يتضمنه الصلح أقرب من العدل إليها , وتعدية { أقرب } بالام دون إلى ~~المقتضية لنوع بعد زيادة في الترغيب - كما مر في البقرة ؛ ولما كان الشيء ~~لا يكون إلا بمقدماته , وكان قد علم من هذا أن العدل مقدمة التقوى , قال ~~عاطفا على النهي أو على نحو : فاعدلوا : { واتقوا الله } أي اجعلوا بينكم ~~وبين غضب الملك الأعظم وقاية بالإحسان فضلا عن العدل , ويؤيد كون الآية ~~ناظرة إلى النكاح مع ما ذكر ختام آية الشقاق التي في أول النساء بقوله ^ ( ~~{ إن الله كان عليما خبيرا } ) ^ [ النساء : 35 ] , وختام قوله تعالى في ~~أواخرها وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو اعراضا بقوله { فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا } وختام هذه بقوله معللا لما قبله : { إن الله } أي المحيط ~~بصفات الكمال { خبير بما تعملون * } لأن ما بين الزوجين ربما دق علمه عن ~~إدراك غير العليم الخبير ؛ وقالو أبو حيان : لما كان الشنآن محله القلب , ~~وهو الحامل على ترك العدل , أمر بالتقوى وأتى بصفة { خبير } ومعناها عليم ~~ولكنها مما تختص ms1151 بما لطف إدراكه انتهى . | { وشهداء } يمكن أن يكون من ~~الشهادة التي هي حضور القلب - كما تقدم من قوله ^ ( { أو ألقى السمع وهو ~~شهيد } ) ^ [ ق : 37 ] وأن يكون من الشهادة المتعارفة , ويوضح المناسبة ~~فيها مع تأييد إرادتها كونها بعد قوله ^ ( { إن الله عليم بذات الصدور } ) ~~^ [ آل عمران : 119 ] ومع قوله تعالى : ^ ( { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } ) ~~^ [ البقرة : 283 ] وختام آية النساء التي في الشهادة بقوله : ^ ( { وإن ~~تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا } ) ^ [ النساء : 135 ] كما ~~ختمت هذه بمثل ذلك . | < < # | المائدة : ( 9 - 12 ) وعد الله الذين . . . . . # > > ^ ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم * ~~والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم * ياأيهآ الذين آمنوا ~~اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم ~~واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون * ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرآئيل ~~وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم ~~الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا PageV02P408 لأكفرن ~~عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم ~~فقد ضل سوآء السبيل ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما أمر سبحانه ونهى , بشر وحذر فقال : { وعد الله } أي الملك الذي ~~له الكمال المطلق فله كل شيء { الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان بألسنتهم { ~~وعملوا } تصديقا لهذا الإقرار { الصالحات } وترك المفعول الثاني أقعد في ~~باب البشارة , فإنه يحتمل كل خير , وتذهب النفس في تحريزه كل مذهب . | ولما ~~كان الموعود في صيغة دالة على الثبات والاختصاص : { لهم مغفرة } أي لما فرط ~~منهم لما طبع الإنسان عليه من النقص نسيانا أو عمدا , بعمل الواجبات إن كان ~~صغيرة , وبالتوبة إن كان كبيرة , وفيه إشارة إلى أنه لا يقدر أحد أن يقدر ~~الله حق قدره ؛ ولما أمنهم بالتجاوز أتبعه الجود بالعطاء فقال { وأجر } أي ~~على قدر درجاتهم من حسن العمل { عظيم * } أي لا يدخل تفاوت درجاته تحت ~~الحصر . | ولما قدم الوعد لأنه في سورة الذين آمنوا أتبعه الوعيد لأضدادهم ~~, وهو ms1152 أعظم وعد لأحبابه المؤمنين أيضا فقال : { والذين كفروا } أي غطوا ما ~~اتضح لعقولهم من أدلة الوحدانية { وكذبوا } أي زيادة على الستر بالعناد : { ~~بآياتنا } على ما لها من العظمة في أنفسها وبإضافتها إلينا { أولئك } أي ~~البغضاء البعداء من الرحمة خاصة { أصحاب الجحيم * } أي النار التي اشتد ~~توقدها فاشتد احمرارها , فلا يراها شيء إلا أحجم عنها , فهم يلقون فيها بما ~~أقدموا على ما هو أهل للإجحام عنه من التكذيب بما لا ينبغي لأحد التكذيب به ~~, ثم يلازمونها فلا ينفكون عنها كما هو شأن الصاحب . | ولما اكن من الأجر ~~ما يحصل من أسباب السعادة في الدنيا , قال تعالى ذاكرا لهم بعض ذلك مذكرا ~~ببعض ما خاطبهم به ليقدموا على مباينة الكفرة يقفوا عند حدوده كائنة ما ~~كانت : { ياأيها الذين آمنوا } أي صدقوا بالله ورسوله وكتابه { اذكروا نعمت ~~الله } أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما { عليكم } عظمها بإبهامها , ثم ~~زادها تعظيما بالتذكير بوقتها فقال : { إذ } أي حين { هم قوم } أي لهم قوة ~~ومنعه وقدرة على ما يقومون فيه { أن يبسطوا إليكم أيديهم } أي بالقتال ~~والقتل , وهو شامل . | مع ذكر من أسباب نزوله - لما اتفق صبيحة ليلة العقبة ~~من أن قريشا تنطست الحبر عن البيعة , فلما صح عندهم طلبوا أهل البيعة ~~ففاتوهم إلا أنهم أدركوا سعد بن عبادة بأذاخر , والمنذر بن PageV02P409 ~~عمرو أخا بني ساعدة , وكلاهما كان نقيبا , فأما المنذر فأعجزهم , وأما سعد ~~فأخذوه فربطوه وأقبلوا يضربونه , حتى خلصه الله منهم بجبير بن مطعم والحارث ~~بن حرب بن أمية بما كان بينه وبينهما من الجوار , فكان في سيوق الآية بعد ~~آية الميثاق الذي أعظمه ما كان ليلة العقبة أعظم مذكر بذلك { فكف أيديهم ~~عنكم } أي مع قلتكم وكثرتهم وضعفكم وقوتهم , ولم يكن لكم ناصر إلا الذي ~~آمنتم به تلك الليلة وتوكلتم عليه وبايعتم رسوله , فكف ببعض الأعداء عنكم ~~أيدي بعض , ولو شاء لسلطهم عليكم كما سلط ابن آدم على أخيه ؛ وينبغي أن ~~يعلم أن القصة التي عزيت في بعض التفاسير هنا إلى بني قريظة ms1153 في الاستعانة ~~في دية القتيلين إنما هي لبني النضير , وهي كانت سبب إجلائهم . | ولما ~~أمرهم بذكر النعمة , عطف على ذلك الأمر الأمر بالخوف من المنعم أن يبدل ~~نعمته بنقمة فقال : { واتقوا الله } أي الملك الذي لا يطاق انتقامه لأنه لا ~~كفوء له , حذرا من أن يسلط عليكم أعداءكم ومن غير ذلك من سطواته . | ولما ~~كان التقدير : على الله وحده في كل حالة فتوكلوا , فإنه جدير بنصر من انقطع ~~إليه ولم يعتمد إلا عليه , عطف على ذلك قوله تعميما وتعليقا للحكم بالوصف : ~~{ وعلى الله } أي وحده لكونه لا مثل له { فليتوكل المؤمنون * } أي في كل ~~وقت فإنه يمنعهم إذا شاء كهذا المنع وإن اشتد الخطب وتعاظم الأمر , فتوكلوا ~~ولا تنكلوا عن أعدائكم الذين وعدكم الله أرضهم وديارهم وأبناءهم وتهابوا ~~جموعهم كما هاب بنو إسرائيل - كما سيقص عليكم , وقوله هنا { المؤمنون } وفي ~~قصة بني إسرائيل { إن كنتم مؤمنين } شديد التآخي , معلم بمقامي الفريقين , ~~وحينئذ حسن كل الحسن تعقيبها مع ما PageV02P410 تقدم من أمر العقة وأمر بني ~~النضير في نقضهم عهدهم وغدرهم , بما هموا به من قتل النبي صلى الله عليه ~~وسلم بإلقاء الرحى عليه من سطح البيت الذي أجلسوه إلى جانبه , بقوله إشارة ~~إلى أن اليهود ما زالوا على النقض قديما , تحذيرا للمؤمنين من أن يكونوا ~~مثلهم في النقض لئلا يحل بهم ما حل بهم من الصغار , وإعلاما بأن عادته ~~سبحانه في الإلزام بالتكاليف قديمة غير مخصوصة بهم , بل هي عامة لعباده وقد ~~كلف أهل الكتاب , تشريفا لهم بمثل ما كلفهم به , ورغبهم ورهبهم ليسابقوهم ~~في الطاعة , فإن الأمر إذا عم هان , والإنسان إذا سابق اجتهد في أخذ الرهان ~~, وأكد الخبر بذلك لئلا يظن لشدة انهماكهم في النفس أنه لم يسبق لهم عهد ~~قبل ذلك فقال تعالى : { ولقد أخذ الله } أي بما له من جميع الجلال والعظمة ~~والكمال { ميثاق بني إسرائيل } أي العهد الموثق بما أخذ عليكم من السمع ~~والطاعة { وبعثنا } أي بما لنا من العظمة { منهم اثني عشر نقيبا } أي شاهدا ms1154 ~~, على كل سبط نقيب يكفلهم بالوفاء بما عليهم من الوفاء به - كما بعثنا منكم ~~ليلة العقبة اثني عشر نقيبا وأخذنا منكم الميثاق على ما أحاله الإسلام - ~~كما قال كعب بن مالك رضي الله عنه في تخلفه عن تبوك : ( ولقد شهدت مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام ) وأما ~~تفصيله فمذكور في السير , والنقيب : الذي ينقب عن أحوال القوم كما قيل : ~~عريف , لأنه يتعرفها , ومن ذلك المناقب وهي الفضائل , لأنها لا تظهر إلا ~~بالتنقيب عنها { وقال الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما لبني إسرائيل , ~~وأكد لتكرر جزعهم وتقلبهم فقال : { إني معكم } وهو كناية عن الكفاية لأن ~~القادر إذا كان مع أحد كان كذلك إذا لم يغضبه . | ولما أنهى الترغيب ~~بالمعية استأنف بيان شرط ذلك بقوله مؤكدا لمثل ما مضى : { لئن اقمتم } أي ~~أنشأتم { الصلاة } أي التي هي صلة ما بين العبد والخالق بجميع شروطها ~~وأركانها ؛ ولما كان المقصود من الإنفاق المؤاساة بالإيتاء قال : { وآتيتم ~~الزكاة } أي التي هي بين الحق والخلائق . | ولما كان الخطاب مع من آمن ~~بموسى عليه الصلاة والسلام , وكانوا في كل قليل يتردعون عن اتباعه أو كمال ~~اتباعه , وكان سبحانه عالما بأن ميلهم بعده يكون أكثر , فرتب في الأزل أنه ~~تواتر إليهم بعده الرسل يحفظونهم عن الزيغ ويقومون منهم الميل قال : { ~~وآمنتم برسلي } أي أدمتم الإيمان بموسى عليه السلام , وجددتم الإيمان بمن ~~يأتي PageV02P411 بعده , فصدقتموهم في جميع ما يأمرونكم به { وعزرتموهم } ~~أي ذببتم عنهم ونصرتموهم ومنعتموهم أشد المنع , والتعزير والتأزير من باب ~~واحد . | ولما كان من أعظم المصدق للإيمان ونصر الرسل بذل المال فهو ~~البرهان قال : { وأقرضتم الله } أي الجامع لكل وصف جميل { قرضا حسنا } أي ~~بالإنفاق في جميع سبل الخير , وأعظمها الجهاد والإعانة فيه للضعفاء . | ~~ولما كان الإنسان محل النقصان , فهو لا ينفك عن زلل أو تقصير وإن اجتهد في ~~صالح العمل , قال سادا . | بجواب القسم الذي وطأت له اللام الداخلة على ~~الشرط - مسد جواب الشرط : { لأكفرن } أي لأسترن { عنكم ms1155 سيئاتكم } أي فعلكم ~~لما من شأنه أن يسوء { ولأدخلنكم } أي فضلا مني { جنات تجري } ولما كان ~~الماء لا يحسن إلا بقربه وانكشافه عن بعض الأرض قال : { من تحتها الأنهار } ~~أي من شدة الري { فمن كفر } ولما كان الله سبحانه لا يعذب حتى يبعث رسولا . ~~| وكان المهلك من المعاصي بعد الإرسال ما اتصل بالموت فأحبط ما قبله , نزع ~~الجار فقال : { بعد ذلك } أي الشرط المؤكد بالأمر العظيم الشأن { منكم } أي ~~بعد ما رأة من الآيات واقر به من المواثيق { فقد ضل } أي ترك وضيع , يستعمل ~~قاصرا بمعنى : حار , ومتعديا كما هنا { سواء } أي وسط وعدل { السبيل * } أي ~~لأن ذلك كفر بعد البيان العظيم فهو أعظم من غيره , وفي هذا تحذير شديد لهذه ~~الأمة , لأن المعنى : فإن نقضتم الميثاق - كما نقضوا - بمثل استدراج شاس بن ~~قيس وغيره , صنعنا بكم ما صنعنا بهم حين نقضوا , من إلزامهم الذلة والمسكنة ~~وغير ذلك من آثار الغضب , وإن وفيتم بالعقود آتيناكم أعظم مما آتيناهم من ~~فتح البلاد والظهور على سائر العباد ؛ قال ابن الزبير : ولهذا الغرض والله ~~أعلم - أي غرض التحذير من نقض العهد - ذكر هنا العهد المشار إليه في قوله ~~تعالى < # > 77 ( { أوفوا بعهدي } ) 77 < # > [ البقرة : 40 ] فقال تعالى : < # > 77 ( { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل } ) 77 < # > إلى قوله < # > 77 ( { فقد ضل سواء السبيل } ) 77 < # > [ المائدة : 12 ] ثم بين نقضهم وبنى اللعنة وكل محنة ابتلوا بها عليه ~~فقال < # > 77 ( { ومن الذين قالوا ميثاقهم } ) 77 < # > [ النساء : 55 والمائدة : 13 ] وذكر تعالى عهد الآخرين للمؤمنين أفعال ~~الفريقين ليتبين لهم ما نقضوا فيه من ادعائهم في المسيح ما ادعوا , وقولهم ~~نحن أبناء الله وأحباؤه , وكفهم عن فتح الأرض المقدسة , وإسرافهم في القتل ~~وغيره , وتغييرهم أحكام التوراة - إلى غير ذلك مما ذكره في هذه السورة , ثم ~~بين تفاوتهم في البعد عن الاستجابة فقال تعالى : < # > 77 ( { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا } ) 77 < # > [ المائدة : 82 ] انتهى . | وينبغي ذكر النقباء من هذه الفرق الثلاث ~~بأسمائهم وما دعي إلى PageV02P412 ذلك تحقيقا للأمر ms1156 وزيادة تبصرة , أما ~~اليهود فكان فيهم ذلك مرتين : الأولى : قال في السفر الرابع من التوراة : : ~~إن الرب تبارك اسمه كلم موسى النبي في جبل سينا وفي قبة الأمد في أول يوم ~~من الشهر الثاني في السنة الثانية لخروج بني إسرائيل من مصر وقال الله : ~~احص عدد جماعة بني إسرائيل كلها في قبائلهم . | كل ذكر من أبناء عشرين سنة ~~إلى فوق , كل من يخرج في الحرب , وأحصهم أنت وأخوك هارون , وليكن معكما من ~~كل سبط رجل ويكون الرجل رئيسا في بيته , ثم بين بعد ذلك أن كل رجل منهم ~~يكون قائد جماعته , ينزلون بنزوله حول قبة الزمان ويرحلون برحيله , ~~ويطيعونه فيما يأمر به , ففعل موسى وهارون ما أمرهما الله به وانتدبوا اثني ~~عشررجلا كما أمر الله , فمن سبط روبيل : إليصور بن شداور , ومن سبط شمعون : ~~سلوميل ين صور يشدي , ومن سبط يهودا : نحسون بن عمينا ذاب , ومن سبط ~~إيشاخار : نتنائيل بن ضوغر , ومن سبط زابلون : أليب بن حيلون , ومن سبط ~~يوسف من آل إفرائيم : إليسمع بن عميهوذ . | ومن سبط منشا : جماليال بن ~~فداهصور - قلت : ومن شا هو ابن يوسف وهو أخو إفرائيم - ومن سبط بنيامين : ~~أبيذان بن جدعوني , ومن سبط دان : أخيعزر بن عميشدي , ومن سبط آشير : ~~فجعائيل بن عجرن , ومن سبط جاد : إليساف بن دعوائيل , ومن سبط نفتالي : ~~أخيراع ابن عينان ؛ وسبط لاوي هم سبط موسى وهارون عليهما السلام لم يذكروا ~~لأنهم كانوا لحفظ قبة الزمان , فموسى وهارون عليهم كما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم على قومه - كما سيأتي , والمرة الثانية كانت ليجسوا أمر بيت ~~المقدس , قال في أثناء هذا السفر : وكلم الرب موسى وقال له : أرسل قوما ~~يجسون الأرض التي أعطى بني إسرائيل , وليكون الذين ترسل رجلا من كل سبط من ~~رؤساء آبائهم , فأرسلهم موسى من برية فاران عن قول الرب , رجالا من رؤساء ~~بني إسرائيل , وهذه أسماءه من سبط روبيل : ساموع بن ذكور , ومن سبط شمعونن ~~: سافاط بن حوري , ومن سبط يهودا : كالاب بن يوفنا , ومن سبط ms1157 إيشاخار : ~~إجال بن يوسف , ومن سبط إفرائيم : هو ساع بن نون , ومن سبط بنيامين : فلطي ~~بن رافو , ومن سبط زابلون : جدي إيل بن سودي , ومن سبط يوسف من سبط منشا : ~~جدي بن سوسي , ومن سبط دان : عميال بن جملي , ومن سبط آشير : ساتور بن ~~ميخائيل , ومن سبط نفتالي : نجني بن وفسي , ومن سبط جاد : جوائل بن ماخي ؛ ~~هؤلاء الذين أرسلهم وقتدم إليهم بالوصية . | وأما النصارى ففي إنجيل متى ما ~~نصه : ودعا يعني عيسى عليه السلام . | تلاميذه الاثني عشر , وأعطاهم سلطانا ~~على ميع الأرواح النجسة لكي يخرجوها ويشفوا كل الأمراض ؛ وفي إنجيل مرقس : ~~وصعد إلى PageV02P413 الجبل ودعا الذين أحبهم فأتوا إليه , وانتخب اثني عشر ~~ليكونوا معه , ولكي يرسلهم ليكروزا , وأعطاهم سلطانا على شفاء الأمراض ~~وإخراج الشياطين ؛ وفي إنجيل لوقا : ودعا الاثني عشر الرسل وأعطاهم قوة ~~وسلطانا على جميع الشياطين وإشفاء المرضى , وأرسلهم يكرزون مملكوت الله ~~ويشفون الأوجاع , وهذه أسماؤهم : شمعون المسمى بطرس , وأندراوس أخوه , ~~ويعقوب بن زبدي , ويوحنا أخوه - وقا في إنجيل مرقس : وسماهما باسم بوانرجس ~~اللذين هما ابنا الرعد - وفيلبس , وبرتولوماوي , وتوما , ومتى العشار , ~~ويعقوب بن حلفا , وليا الذي يدعى بداوسن وقد اختلفت الأناجيل في هذا , ففي ~~إنجيل مرقس بدله : تدي , وفي إنجيل لوقا : يهودا بن يعقوب , ثم اتفوا : ~~وشمعون القاناني - وفي إنجيل لوقا : المدعو الغيور - ويهودا الإسخريوطي ~~الذي أسلمه . | وأما نقباء الإسلام فكانوا ليلة العقبة الأخيرة حين بايع ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار رضي الله عنهم على الحرب وأن يمنعوه إذا ~~وصل إلى بلدهم , وقال لهم صلى الله عليه وسلم : ( أخرجوا إلي منكم اثني عشر ~~نقيبا يكونون على قومهم كما اختار موسى من قومه , وأخرجوا منهم اثني عشر ~~نقيبا : تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس , فقال لهم : أنتم على قومكم بما ~~فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم , وأنا كفيل على قومي , قالوا ~~: نعم , وهذه اسماؤهم من الخزرج : أبو أمامة أسعد بن زرارة , وسعد بن ~~الربيع , وسعد بن عبادة , وعبد الله بن رواحة , ورافع بن مالك بن العجلان ms1158 , ~~والبراء بن معرور , وعبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر , وعبادة بن الصامت ~~, والمنذر بن عمرو ؛ ومن الأوس : أسيد بن حضير , وسعد بن خثيمة , ورفاعة بن ~~عبد المنذر , وأبو الهيثم بن التيهان , قال ابن هشام : وقال كعب بن مالك ~~يذكرهم فيما أنشدني أبو زيد الأنصاري وذكر أبا الهيثم بن التيهان ولم يذكر ~~رفاعة فقال : | أبلغ أبيا أنه قال رأيه وحان غداة الشعب والحين واقع أبى ~~الله ما منتك نفسك إنه بمرصاد أمر الناس راء وسامع وأبلغ أبا سفيان أن قد ~~بدا لنا بأحمد نور من هدى الله ساطع فلا ترغبن في حشد أمر تريده وألب وجمع ~~كل ما أنت جامع ودونك فاعلم أن نقض عهودنا أباه عليك الرهط حين تبايعوا ~~أباه البراء وابن عمرو كلاهما وأسعد يأباه عليك ورافع وسعد أباه الساعدي ~~ومنذر لأنفك إن حاولت ذلك جادع PageV02P414 وما ابن ربيع إن تناولت عهده ~~بمسلمه لا يطمعن ثم طامع وأيضا فلا يعطيكه ابن رواحة وإخفاره من دونه السم ~~ناقع وفاء به والقوقلي بن صامت بمندوحة عما تحاول يافع أبو هيثم أيضا وفى ~~بمثلها وفاء بما أعطى من العهد خانع وما ابن حضير إن أردت بمطمع فهل أنت عن ~~أحموقة الغي نازع وسعد أخو عمرو بن عوف فإنه ضروح لما حاولت ملأمر مانع ~~اولاك نجوم لا يغبك منهم عليك بنحس في دجى الليل طالع | فأما نقباء اليهود ~~في جس الأرض فلم يوف منهم إلا اثنان - كما سيأتي قريبا عن بعض التوراة لاتي ~~بين أيديهم , وأما نقباء النصارى فنقض منهم واحد - كما مضى عند قوله تعالى ~~: ^ ( { وما قتلوه وما صلبوه } ) ^ [ النساء : 157 ] وسيأتي إن شاء الله ~~تعالى في الأنعام عند قوله تعالى : ^ ( { لأنذركم به ومن بلغ } ) ^ [ ~~الأنعام : 19 ] , وأما نقباؤنا فكلهم وفي وبر بتوفيق الله وعونه فله أتم ~~الحمد . | < < # | المائدة : ( 13 - 14 ) فبما نقضهم ميثاقهم . . . . . # > > ^ ( فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن ~~مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خآئنة منهم إلا قليلا ~~منهم فاعف ms1159 عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين * ومن الذين قالوا إنا نصارى ~~أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضآء إلى ~~يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون ) ^ } ) | ولما ذكر سبحانه ~~ما أخذ على اليهود من الميثاق ووعيده لهم إن كفروا بعد ذلك , ذكر أنهم ~~نقضوا مرة - كما تقدم في سورة البقرة وغيرها كثير منه عن نص ما عندهم من ~~التوراة - فاستحقوا ما هم فيه من الخزي , فقال تعالى مسببا عما مضى مؤكدا ~~بما النافية لضد ما أثبته الكلام : { فبما نقضهم ميثاقهم } أي بتكذيب الرسل ~~الآتين من بعد موسى عليه السلام , وقتلهم الأنبياء , ونبذهم كتاب الله وراء ~~ظهورهم في كتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك لا بغير ذلك كما ~~نقض بنو النضير فسلطكم الله عليهم بما أشار إليهم في سورة الحشر { لعناهم } ~~أي أبعدناهم بعد أنا وعدناهم القرب بالكون معهم إن وفوا . | ولما كان ~~البعيد قد يكون رقيق القلب , متأسفا على بعده . | ساعيا في أسباب قربه , ~~باقيا على عافية ربه , فيرجى بذلك له الغفران لذنبه . | أخبر أنهم على غير ~~ذلك بقوله : { وجعلنا } أي بعظمتنا { قلوبهم قاسية } أي صلبة عاسية بالغش ~~فهي غير قابلة للنصحية , PageV02P415 لأن الذهب الخالص يكون لينا , ~~والمغشوش يكون فيه يبس وصلابة , وكل لين قابل للصلاح بسهولة , ثم بين ~~قساوتها بما دل على نقضهم بقوله : { يحرفون الكلم } أي يجدون كل وقت تحريفه ~~{ عن مواضعه } فإنهم كلما وجدوا شيئا من كلام الله يشهد بضلالهم حرفوه إلى ~~شهواتهم , وأولوه التأويل الباطل بأهوائهم , فهم يحرفون الكلم ومعانيها . | ~~ولما كانوا قد تركوا أصلا ورأسا ما لا يقدرون لصراحته على تحريفه , قال ~~معبرا بالماضي إعلاما بحرمهم بالبراءة من ذلك : { ونسوا حظا } أي نصيبا ~~نافعا معليا لهم { مما ذكروا به } أي من التوراة على ألسنة أنبيائهم عيسى ~~ومن قبله عليهم السلام , تركوه ترك الناسي للشيء لقلة مبالاته به بحيث لم ~~يكن لهم رجوع إليه , وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : قد ينسى المرء ~~بعض العلم بالمعصية ms1160 وتلا هذه الآية . | ولما ذكر سبحانه ما يفعلونه في حقه ~~في كلامه الذي هو صفته , أتبعه ما يعم حقه وحق نبيه صلى الله عليه وسلم على ~~وجه معلم أن الخيانة ديدنهم , تسلية له صلى الله عليه وسلم فقال : { ولا ~~تزال } أي بما نطلعك عليه يا أكرم الخلق ! { تطلع } أي تظهر ظهورا بليغا { ~~على خائنة } أي خاينة عظيمة تستحق أن تسمي فاعلها الخؤون لشدتها و { منهم } ~~أي في حقك بقصد الأذى , وفي حق الله تعالى بإخفاء بعض ما شرعه لهم { إلا ~~قليلا منهم } فإنهم يكونون على نهج الاستقامة إما بالإيمان , وإما بالوفاء ~~وهم متمسكون بالكفر , ثم سبب عن هذا الذي في حقه صلى الله عليه وسلم قوله : ~~{ فاعف عنهم } أي امح ذنبهم ذلك اجترحوه , وهو دون النقض والتحريف فلا ~~تعاقبهم عليه . | ولما كان العفو لا يمنع المعاتبة قال : { واصفح } أي ~~وأعرض عن ذلك أصلا ورأسا , فلا تعاتبهم عليه كما لم تعاقبهم , فإن ذلك ~~إحسان منك , وإذا أحسنت أحبك الله { إن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال ~~{ يحب المحسنين * } وذلك - كما روى الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله ~~عنهما - أن النبي صلى الله سحره رجل من اليهود يقال له لبيد بن الأعصم وفي ~~رواية للبخاري : إنه رجل من بني زريق حليف ليهود وكان منافقا - حتى كان ~~يخيل إليه أنه يأتي النساء ولا يأتيهن , وذلك أشد السحر , ثم إن الله تعالى ~~شفاه وأعلمه أن السحر في بئر ذروان , فقالت له عائشة رضي الله عنها : أفلا ~~PageV02P416 أخرجته ؟ فقال : لا , أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير ~~على الناس شرا , فأمر بها فدفنت , وهو في معجم الطبراني الكبير - وهذا لفظه ~~- ومسند أبي يعلى الموصلي وسنن النسائي الكبرى ومسند عبد بن حميد وأبي بكر ~~بن أبي شيبة وأحمد بن منيع عن زيد بن أرقم رضي الله عنه قال : ( كان رجل ~~يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم . | فعقد له عقدا فجعله في بئر رجل من ~~الأنصار , فأتاه ملكان يعودانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر ms1161 عند رجليه , ~~فقال أحدهما : أتدري ما وجعه ؟ قال : فلان الذي يدخل عليه عقد له عقدا ~~فألقاه في بئر فلان الأنصاري , فلو أرسل إليه رجلا لوجد الماء أصفر , فبعث ~~رجلا فأخذ العقد فحلها فبرأ , فكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلم يذكر له شيئا منه ولم يعاتبه ) وللشيخين عن أنس رضي الله عنه ~~( أن امرأة يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشارة مسمومة فأكل منها , ~~فجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت : أردت ~~لأقتلك , قال : ) ما كان الله ليسلطك على ذلك ( - أو قال : ) علي ( - قالوا ~~: فلا تقتلها ؟ قال : ) لا ( , قال : فما زلت أعرفها في لهوات النبي صلى ~~الله عليه وسلم . | وفي رواية : إنها كانت سبب موت النبي صلى الله عيله ~~وسلم بانقطاع أبهره الشريف مناه بعد سنين ( وفي سنن أبي داود من وجه مرسل ~~أنه قتل اليهودية . | والأول هو الصحيح , وسيأتي لهذا الحديث ذكر في هذه ~~السورة عند < # > 77 ( { والله يعصمك من الناس } ) 77 < # > [ المائدة : 67 ] , فهذا غاية العفو والإحسان امتثالا لأمر الله سبحانه ~~. | ولما دخل النصارى فيما مضى لأنهم من بني إسرائيل , خصهم بالذكر لان ~~كفرهم أشد وأسمج فقال : { ومن الذين قالوا } أي مسمين أنفسهم ملزمين لها ~~النصرة لله , مؤكدين قولهم ردا على من يرتاب فيه : { إنا نصارى } أي ~~مبالغون في نصرة الحق , فالتعبير بذلك دون ومن النصارى تنبيه على أنهم ~~تسموا بما لم يفوا به { أخذنا } أي بما لنا من العظمة { ميثاقهم } أي كما ~~أخذ على الذين من قبلهم . | ولما كان كفرهم في غاية الظهور والجلاء , لم ~~ينسبهم إلى غير الترك فقال : { فنسوا } أي تركوا ترك الناسي { حظا } أي ~~نصيبا عظيما يتنافس في مثله { مما ذكروا PageV02P417 به } أي في الإنجيل ~~مما سبق لهم ذكره في التوراة من أوصاف نبيه صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من ~~الحقز ولما أدى ذلك إلى تشعبهم فرقا , فأنتج تشاحنهم وتقاطعهم وتدابرهم , ~~سبب عنه قوله : { فأغرينا } أي ألصقنا بعظمتنا إلصاق ما هو ms1162 بالغراء لا ينفك ~~بل يصير كجزء الشيء { بينهم } أي النصارى بعد أن جعلناهم فرقا مباينين ~~بتفريق الدين , وكذا بينهم وبين اليهود { العداوة } ولما كان العداوة قد ~~تكون عن بغي ونحوه إذا زال زالت أو خفت , قال معلما أنها لأمر باطني نشأ من ~~تزيين الهوى , فهو ثابت غير منفك : { والبغضاء } بالأهواء المختلفة { إلى ~~يوم القيامة } ولما أخبر بنكدهم في الدنيا , أعقبه ما لهم في الأخرى فقال : ~~{ وسوف ينبئهم } أي يخبرهم { الله } أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما إخبارا بعظيم الشأن بما فيه من عظم التقريع والتوبيخ في الآخرة بوعيد ~~لا خلف فيه ؛ ولما كانت خيانتهم قد صارت لهم فيها ملكات بما لازموا منها ~~حتى ضربوا بها وتدربوا عليها , حتى صارت لهم أحوالا لأنفسهم وأخلاقا ~~لقلوبهم , سماها صنائع فقال : { بما كانوا يصنعون * } أي دربوا أنفسهم عليه ~~حتى صار كالصنعة , فيجازيهم عليه بما يقيم عليهم من الحجة . | < < # | المائدة : ( 15 - 16 ) يا أهل الكتاب . . . . . # > > ^ ( ياأهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من ~~الكتاب ويعفوا عن كثير قد جآءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من ~~اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم ) ^ } ) | ولما علم بذلك كله أحوال الفريقين , أقبل عليهم ~~واعظا مناديا متلطفا مستعطفا مرغبا مرهبا فقال : { ياأهل الكتاب } أي عامة ~~{ قدجاءكم رسولنا } أي الذي أسلناه مما لنا من العظمة فليظهرن بذلك على من ~~ناواه { يبين لكم } أي يوضح إيضاحا شافيا { كثيرا مما كنتم } أي بما لكم من ~~جبلة الشر والخيانة { تخفون من الكتاب } أي العظيم المنزل عليكم , من صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم وحكم الزنا وغيرهما , لإحياء سنة وإماتة بدعة - ~~كما مضى منه ما شاء الله في سورة البقرة , وذلك دال بلا شبهة على صحة ~~رسالته { ويعفوا عن كثيرا * } أي فلا يفضحكم بإظهاره امتثالا لأمرنا له ~~بذلك - كما تقدم أنه إحسان منه صلى الله عليه وسلم إليكم , لأنه لا فائدة ~~في إظهاره إلا فضيحتكم . | ولما أخبر عن ms1163 فصله للخفايا , وكان التفصيل لا ~~يكون إلا بالنونر , اقتضى الحال PageV02P418 توقع الإخبار بأنه نور , فقال ~~مفتتحا بحرف التوقيع والتحقيق : { قد جاءكم } وعظمه بقوله معبرا بالاسم ~~الأعظم : { من الله } أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال { نور } أي واضح ~~النورية , وهو محمد صلى الله عليه وسلم الذي كشف ظلمات الشك والشرك , ودل ~~على جمعه مع فرقه بقوله : { وكتاب } أي جامع { مبين } أي بين في نفسه , ~~مبين لما كان خافيا على الناس من الحق . | ولما كانت هدايته مشروطة بشرط ~~صلاح الجبلة , بين ذلك بقوله واصفا له : { يهدي به } أي الكتاب { الله } أي ~~الملك الأعظم القادر على التصرف في البواطن والظواهر { من اتبع } أي كلف ~~نفسه وأجهدها في الخلاص من أسر الهوى بأن تبع { رضوانه } أي غاية ما يرضيه ~~من الإيمان والعمل الصالح , ومعلوم أن ذلك لا يكون إلا بتوفيقه , ثم ذكر ~~مفعول { يهدي } فقال : { سبل } أي طرق { السلام } أي الله , باتباع شرائع ~~دينه والعافية والسلامة من كل مكروه { وخرجهم من الظلمات } أي كدورات ~~النفوس والأهواء والوساس الشيطانية { إلى النور } أي الذي دعا إليه العقل ~~فيصيروا عاملين بأحسن الأعمال كما يقتضيه اختيار من هو في النور { بإذنه } ~~أي بتمكينه . | ولما كان من في النور قد يغيب عنه غرضه الأعظم فلا ينظره ~~لغيبته عنه ببعده منه , وتكثر عليه الأسباب فلا يدري أيها الوصف أو يقرب ~~إيصاله ويسهل أمره , قال كافلا لهم بالنور مريحا من تعب السير : { ويهديهم ~~} أي بما له من إحاطة العلم والقدرة { إلى صراط مستقيم * } أي طريق موصل ~~إلى الغرض من غير عوج أصلا , وهو الدين الحق , وذلك مقتض للتقرب المستلزم ~~لسرعة الوصول . | < < # | المائدة : ( 17 - 18 ) لقد كفر الذين . . . . . # > > ^ ( لقد كفر الذين قآلوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من ~~الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ~~ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشآء والله على كل شيء قدير * ~~وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل ms1164 ~~أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء ولله ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما وإليه المصير ) ^ } ) | ولما تم ذلك موضحا لأن من لم يتبع ~~الكتاب الموصوف كان كافرا وعن الطريق الأمم جائرا حائرا , وكان محصل حال ~~اليهود كما رأيت فيما تقدم ويأتي من نصوص التوراة - أنهم لا يعتقدون على ~~كثرة ما يرون من الآيات أن الله مع نبيهم دائما , وكان أنسب الأشياء بعد ~~الوعظ أن يذكر حال النصارى في نبيهم , فإنه مباين لحال اليهود من ~~PageV02P419 كل وجه , فأولئك على شك في أنه معه , وهؤلاء اعتقدوا أنه هو , ~~فقال تعالى مبينا أنهم في أظلم الظلام وأعمى العمى : { لقد } أو يقال : إن ~~اليهود لما فرطوا فكفروا , أفهم ذلك أن النصارى لما أفرطوا كفروا , فصار ~~حالهم كالنتيجة لما مضى فقال : لقد { كفر الذين قالوا } مؤكدين لبعد ما ~~قالوه من العقل فهو في غاية الإنكار { إن الله } أي على ما له من جميع صفات ~~الكمال التي لا يجهلها من له أدنى تأمل إذا ترجى الهدى وانخلع من أسر الهوى ~~{ هو المسيح } أي عينه , وهو أقطع الكفر وأبينه بطلانا , ووصفه بما هو في ~~غاية الوضوح في بطلان قولهم لبعده عن رتبة الألوهية في الحاجة إلى امرأة ~~فقال : { ابن مريم } فهو محتاج إلى كفالتها بما لها من الأمومة . | ولما ~~بطل مدعاهم على أتقن منهاج وأخصره , وكان بما دق على بعض الأفهام , أوضحه ~~بقوله : { قل } دالا على أن المسيح عليه السلام عبد مملوك لله , مسببا عن ~~كفرهم { فمن يملك من الله } أي الملك الذي له الأمر كله { شيئا } أي من ~~الأشياء التي يتوهم أنها قد تمنعه مما يريد , بحيث يصير ذلك المملوك أحق به ~~منه ولا ينفذ له فيه تصرف { إن أراد } أي الله سبحانه { أن يهلك المسيح } ~~وكرر وصفه بالنوبة إيضاحا للمراد فقال : { ابن مريم } وأزال الشبهة جدا ~~بقوله : { وأمه } ولما خصهما دليلا على ضعفهما المستلزم للمراد , عم دلالة ~~على عموم القدرة المستلزم لتمام القهر لكل من يماثلهما المستلزم لعجز الكل ~~المبعد من رتبة ms1165 الإهلية , فقال موضحا للدليل بتسويتهما ببقية المخلوقات : { ~~ومن في الأرض جميعا } أي فمن يملك منعه من ذلك . | ولما كان التقدير : فإ , ~~ذلك كله لله , يهلكه كيف شاء متى شاء , عطف عليه ما هو أعم منه , فقال ~~معلما بأنه - مع كونه مالكا ملكا - له تمام التصرف : { والله } أي الملك ~~الأعلى الذي لا شريك له { ملك السموات } أي التي بها قيام الأرض { والأرض ~~وما بينهما } أي ما بين النوعين وبين أفرادهما , بما به تمام أمرهما ؛ ثم ~~استأنف قوله دليلا على ما قبله ونتيجة له : { يخلق ما يشاء } على أي كيفية ~~أراد - كما تقدم أن له أن يعدم ما يشاء كذلك , فلا عجب في خلقه بشرا من ~~أنثى فقط , لا بواسطة ذكر , حتى يكون سببا في ضلال من ضل به , ولما دل ذلك ~~على تمام القدرة على المذكور عم فقال : { والله } أي ذو الجلال والإكرام { ~~على كل شيء } أي من ذلك وغيره { قدير * } ولما عم سبحانه في ذكر فضائح بني ~~إسرائيل تارة , وخص أخرى , عم بذكر طامة من طوامهم , حملهم عليها العجب ~~والبطر بما أنعم الله به عليهم , فقال : { وقالت اليهود والنصارى } أي كل ~~طائفة قالت ذلك على حدتها خاصة لنفهسا دون الخلق أجمعين { نحن أبناؤا الله ~~} أي بما هو ناظر إلينا به من جميع صفات الكمال { وأحباؤه } أي PageV02P420 ~~غريقون في كل من الوصفين - كما يدل عليه العطف بالواو , ثم شرع ينقض هذه ~~الدعوى نقضا بعد نقض على تقدير كون البنوة على حقيقتها أو مجازها , والذي ~~أورثهم هذه الشبهة - إن لم يكونوا قالوا ذلك عنادا - أن في موضع من التوراة ~~عن قول الله تعالى لموسى عليه السلام : شعبي بكري , وقال في أول نبوة موسى ~~عليه السلام - كما ذكرته في الأعراف : وقل لفرعون : هكذا يقول الرب : ابني ~~بكري إسرائيل أرسل ليعبدني , فإن أبيت أن ترسل ابني فإني أقتل ابنك بكرك - ~~ونحو هذا ؛ وفي كثير مما بين أيديهم من الإنجيل عن قول عيسى عليه السلام : ~~افعلوا كذا لتكونوا بني أبيكم الذي في السماء - ونحو ذلك ms1166 , وقد بينت معناه ~~على تقدير صحته بما يوجب رده إلى المحكم بلا شبهة في أول سورة آل عمران ؛ ~~قال البيضاوي في أول سورة الكهف : إنهم كانوا يطلقون الأب والابن في تلك ~~الأديان بمعنى المؤثر والأثر , وقال في البقرة في تفسير < # > 77 ( { بديع السموات } ) 77 < # > [ البقرة : 117 ] : أنهم كانوا يطلقون الأب على اله باعتبار أنه السب ~~الأصلي , ثم ظنت الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة , فلذاك كفر قائله ~~ومنع منه منعا مطلقا انتهى . | فأول نقض نقض به سبحانه وتعالى هذه الدعوى ~~بيان أنه يعذبهم فقال : { قل فلم يعذبكم } أي إن كنتم جامعين بين كونكم ~~أبناء وأحباء بين عطف النبوة وحنو المحبة { بذنوبكم } وعذابهم مذكور في نص ~~توراتهم في غير موطن ومشهور في تواريخهم بجعلهم قردة وخنازير وغير ذلك , أي ~~فإن كان المراد بالبنوة الحقيقة فابن الإله لا يكون له ذنب فضلا عن أن يعذب ~~به , لأن الابن لا يكون إلا من جنس الأب - تعالى الله عن النوعية والجنسية ~~والصاحبة والولد علوا كبيرا ! وإن كان المراد المجاز , أي بكونه يكرمكم ~~إكرام الولد والحبيب , كان ذلك مانعا من التعذيب . | ولما كان معنى ذلك أن ~~يعذذبكم لأنكم لستم أبناء ولا أبحاء , عطف عليه نقضا آخر أوضح من الأول ~~فقال : { بل أنتم بشر ممن خلق } وذلك أمر مشاهد , والمشاهدات من أوضح ~~الدلائل , فأنتم مساوون لغيركم في البشرية والحدوث , لا مزية لأحد منكم على ~~غيره في الخلق والبشرية , وهما يمنعان البنوة , فإن القديم لا يلد بشرا , ~~والأب لا يخلق ابنه , فامتنع بهذين الوصفين البنوة , وامتنع بتعذيبهم أن ~~يكونوا أحباء الله ؛ فبطل الوصفان اللذان ادعوهما . | ولما كان التقدير : ~~يفعل بكم ما يفعل بسائر خلقه , وصل به قوله جوابا لمن يقول : وما هو فاعل ~~بمن خلق ؟ : { يغفر لمن يشاء } أي من خلقه منكم ومن غيركم فضلا منه تعالى { ~~ويعذب من يشاء } عدلا كما تشاهدونه يكرم ناسا منكم في هذه الدار ويهين ~~آخرين PageV02P421 ولما كان التقدير : لأنه مالك لخلقه وملكهم لا اعتراض ~~عليه في شيء من أمره , عطف ms1167 عليه قوله نقضا ثالثا بما هو أعم مما قبله فقال ~~: { ولله } أي الذي له الأمر كله , فلا كفوء له { ملك السموات } وقدمها ~~لشرفها دلالة على ملك غيرها من باب أولى , وصرح بقوله : { والأرض وما ~~بينهما } أي وأنتم مما بينهما , وقد اجتمع بذلك مع الملك والإبداع الملك ~~والتصريف والتصريف التام , وذلك هو الغنى المطلق , ومن كان كذلك لم يكن ~~محتاجا إلى شيء من ولد ولا غيره , ولا يكون لأحد عليه حق , ولا يسوغ عليه ~~اعتراض . | ولما كان التقدير : فمنه وحده الابتداء , عطف عليه قوله : { ~~وإليه } أي وحده { المصير * } أي الصيرورة والرجوع وزمان ذلك ومكانه معنى ~~في الدنيا بأنه لا يخرج شيء عن مراده , وحسا في الآخرة , فيحكم بين ~~مصنوعاته على غاية العدل - كما هو مقتضى الحكمة وشأن كل ملك في إقامة ملكه ~~بإ , صاف بعض عبيده من بعض , لا يجوز عنده في موجب السياسة إطلاق قويهم على ~~ضعيفهم , فإن ذلك يؤدي إلى خراب الملك وضعف الملك , فإذا كان هذا شأن ~~الملوك في العبيد الناقصين فما ظنك بأحكم الحاكمين ! فإذا عاملهم كلهم ~~بالعدل أسبغ على من يريد ملابس الفضل . | < < # | المائدة : ( 19 ) يا أهل الكتاب . . . . . # > > ^ ( ياأهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن ~~تقولوا ما جآءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء ~~قدير ) ^ } ) | ولما دحضت حجتهم , ووضحت أكذوبتهم , اقتضى ذلك الالتفات إلى ~~وعظهم على وجه الامتنان عليهم وإبطال ما عساهم يظنونه حجة , فقال تعالى : { ~~يا أهل الكتاب } أي من الفريقين ؛ ولما كان ما حصل لهم من الضلال بتضييع ما ~~عندهم من البينات وتغييرها ما لا يتوقع معه الإرسال , قال معبرا بحرف ~~التوقع : { قد جاءكم رسولنا } أي الذي عظمته من عظمتنا , فإعظامه وإجلاله ~~واجب لذلك , ثم بين حاله مقدما له على متعلق جاء بيانا لأنه أهم ما إلى ~~الرسل إليهم إرشادا إلى قبول كل ما جاء به بقوله : { يبين لكم } أي يوقع ~~لكم البيان في كل ما ينفعكم بيانا شافيا لما تقدم وغيره . | ولما ms1168 كان مجيئه ~~ملتبسا ببيانه وظرفا له غير منفك عنه , وكان بيانا مستعليا على وقت مجيئه ~~وما مضى قبله وما يأتي بعده ببقاء كتابه , محفوظا لعموم دعوته وختامه ~~وتفرده , فلا نبي بعده , قال معلقا بجاء : { على فترة } أي طويلة بالنسبة ~~إلى ما كان يكون بين النبيين من بني إسرائيل , مبتدئة تلك الفترة { من ~~الرسل } أي انقطاع من مجيئهم , شبه فقدهم وبعد العهد بهم ونسيان أخبارهمم , ~~وبلاء رسومهم وآثارهم , PageV02P422 وانطماس معالمهم وأنوارهم بشيء كان ~~يفنى ففتر , لم يبق من وصفه المقصود منه إلا أثر خاف ورسم دارس , يقال : ~~فتر الشيء - إذا سكنت حدته وصار أقل مما كان عليه و ذلك لأنه كان بين عيسى ~~وبين النبي صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة فسد فيها أمر الناس , ولعله عبر ~~بالمضارع في يبين إشارة إلى أن دينه وبيانه لا ينقطع أصلا بحفظ كتابه , ~~فكلما درست سنة منح الله بعالم يرد الناس إليها بالكتاب المعجز القائم أبدا ~~, فلذلك لا يحتاج الأمر إلى نبي مجدد إلا عند الفتنة التي لا يطيقها ~~العلماء , وهي فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج , ثم علل ذلك بقوله : { أن } أي ~~كراهة أن { تقولوا } أي إذا حشرتم وسئلتم عن أعمالكم { ما جاءنا } ولتأكيد ~~النفي قيل : { من بشير } اي يبشرنا لنرغب فنعمل بما يسعدنا فنفوز { ولا ~~نذير } أي يحذرنا لنرهب فنترك ما يشقينا فنسلم , لأن الإنسان موزع النقصان ~~بين الرغبة والرهبة , وقد كان اختلط في تلك الفترة الحق بالباطل فالتبس ~~الأمر وجهل الحال , لكنه لم يجهل جهلا يحصل به عذر في الشرك , وسأبينه في ~~أول ص . | ولما كان المعنى : فلا تقولوا ذلك , سبب عنه قوله : { فقد جاءكم ~~} أي من هو متصف بالوصفين معا فهو { بشير ونذير } أي كامل في كل من الوصفين ~~وإن تباينا ؛ ولما كان ربما كان توهم أحد من ترك الإرسال زمن الفترة , ومن ~~ترك التعذيب بغير حجة الإرسال , وبالعدول عن بني إسرائيل إلى بني إسماعيل ~~شيئا في القدرة , قال كاشفا لتلك الغمة : { والله } أي جاءكم والحال أن ~~الملك الذي له الكمال كله ms1169 { على كل شيء } أي من أن يرسل في كل وقت وأن يترك ~~ذلك , وأن يهدي بالبيان وأن يضل , ومن أن يعذب ولا يقبل عذرا وأن يغفر كل ~~شيء وغير ذلك { قدير * } وفي الختم بوصف القدرة واتباعه تذكيرهم ما صاروا ~~إليه من العز بالنبوة والملك بعدما كانوا فيه من الذل بالعبودية والجهل ~~إشارة إلى أن إنكارهم لأن يكون من ولد إسماعيل عليه السلام نبي يلزم منه ~~إنكارهم للقدرة . | < < # | المائدة : ( 20 - 21 ) وإذ قال موسى . . . . . # > > ^ ( وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم ~~أنبيآء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين * ياقوم ادخلوا ~~الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين ) ~~^ } ) | ولما ذكر سعة مملكته وتمام علمه وشمول قدرته أتبع ذلك الدلالة عليه ~~بقصة بني إسرائيل في استنقاذهم من أسر العبودية والرق وإعلاء شأنهم ~~وإيراثهم بعد إهلاك فرعون وجنوده وغير ذلك مما تضمنته القصة , إظهارا - ~~بعدم ردهم إلى مصر التي باد أهلها - لتمام القدرة وسعة الملك ونفوذ الأمرن ~~وهي مع ذلك دالة على نقضهم الميثاق وقساوتهم ونقض ما ادعوه من بنوتهم ~~ومحبتهم , وذلك أنها ناطقة بتعذيبهم PageV02P423 وتفسيقهم وتبرئهم من الله ~~, ولا شيء من ذلك فعل حبيب ولا ولد , فقال عاطفا على نعمة في < # > 77 ( { واذكروا نعمة الله عليكم } ) 77 < # > [ المائدة : 7 ] تذكيرا لهذه الأمة بنعمة التوثيق للسمع والطاعة التي ~~أباها بنو إسرائيل بعدما رأوا من الآيات , وبما كف عنهم على ضعفهم وشجع به ~~قلوبهم , وألزمهم الطاعة وكره إليهم المعصية بضد ما فعل ببني إسرائيل - ~~وغير ذلك مما يرشد إليه إنعام النظر في القصة : { وإذ } أي واذكروا حين { ~~قال موسى لقومه } أي من اليهود { يا قوم اذكروا } أي بالقلب واللسان , أي ~~ذكر اعتبار واتعاظ بما لكم من قوة القيام بما تحاولونه ليقع منكم الشكر { ~~نعمة الله } أي إنعام الملك الأعظم الذي له الإحاطة بالجلال والإكرام , ~~وعبر عن الإنعام بالغاية لأنها المقصود { عليكم } وعظم ذلك التذكير بالاسم ~~الأعظم , ونبه بذكر ظرفها على أجل النعم ms1170 , وهي النبوة المنقذة لهم من النار ~~فقال : { إذ } أي حين { جعل فيكم } وبشرهم بمن يأتي بعده من الأنبياء من ~~بني غسرائيل فجمع جمع الكثرة في قوله : { أنيباء } أي يحفظونكم من المهالك ~~الدائمة , ففعل معكم - بذلك وغيره من النعم التي فضلكم بها على العالمين في ~~تلك الأزمان - فعل المحب مع حبيبه والوالد مع ولده , ومع ذلك عاقبكم حين ~~عصيتم , وغضب عليكم إذ أبيتم , فعلم أن الإكرام والإهانة دائران بعد مشيئته ~~على الطاعة والمعصية . | ولما نقلهم من الحيثية التي كانوا فيها عبيدا ~~لفرعون , لا يصلحون معها لملك , ولا تحدثهم أنفسهم به , إلى حيثية الحرية ~~القابلة لأن يكون كل منهم معها ملكا بعد أن أرسل فيهم رسولا وبشر بأنه ~~يتبعه من الأنبياء ما لم يكن في أمة من الأمم غيرهم , قال : { وجعلكم ملوكا ~~} أي فكما جعلكم كذلك بعد ما كنتم غير طامعين في شيء منه , فقد نقله منكم ~~وجعله في غيركم بتلك القدرة التي أنعم عليكم بها , وذلك لكفركم بالنعم ~~وإيثاركم الجهل على العلم , فإنكاركم لذلك وتخصيص النعم بكم تحكم وترجيح ~~بلا مرجح , ويوضح ذلك أن كفر النعمة سبب لزوالها , وقد كانوا يهددون في ~~التوراة وغيرها بما هم فيه الآن من ضرب الذلة والمسكنة التي لا يصلحون معها ~~لملك إن هم كفروا . | كما سيأتي بعض ذلك في هذه السورة . | ولما ذكرهم ~~تعالى بما ذكرهم به من النعم العامة , أتبعه التذكير بنعمة خاصة فقال : { ~~وآتاكم ما لم يؤت } أي في زمانكم ولا فيما قبله من سالف الزمان - كما ~~اقتضاه التعبير بلم { أحدا من العالمين * } نم الآيات التي أظهرها على يد ~~موسى عليه السلام , فأخرجكم بها من الظلمات إلى النور , والكتاب الذي جعله ~~تبيانا لكل شيء ؛ ثم أتبعه ما يقيد به هذه النعم من الشكر بامتثال الأمر في ~~جهاد الأعداء في سياق مؤذن بالنصر معلم PageV02P424 بأنه نعمة أخرى يجب ~~شكرها , فلذلك وصله بما قبله وصل المعلول بالعلة فقال : { ياقوم ادخلوا } ~~عن أمر الله الذي أعلمكم بما صنع من الآيات أنه غالب على جميع أمره { الأرض ms1171 ~~المقدسة } أي المطهرة المباركة التي حكم الله أن يطهرها بأنبيائه ورسله من ~~نجس الشرك وضر المعاصي والإفك , ويبارك فيها , ثم وصفها بما يوجب للؤمن ~~الإقدام لتحققه النصر فقال : { التي كتب الله } أي الذي له الأمر كله فلا ~~مانع لما أعطى { لكم } أي بأن تجاهدوا أعداءه فترثوا أرضهم التي لا مثل لها ~~, فتحوزوا سعادة الدارين , وهي بيت المقدس والتي وعد أباكم إبراهيم عليه ~~السلام أن تكون ميراثا لولده بعد أن جعلها مهاجرة . | ولما أمرهم بذلك ~~نهاهم عن التقاعد عنه , فقال مشيرا إلى أن مخالفة أمر الله لا تكون إلا ~~بمعالجة للفطرة الأولى : { ولا ترتدوا } أي تكلفوا أنفسكم الرجوع عن أخذها ~~, وصور لهم الفتور عن أخذها بما يستحيي من له همة من ذكره فقال : { على ~~أدباركم } ولما جمع بين الأمر والنهي , خوفهم عواقب العصيان معلما بأن ~~ارتدادهم سبب لهلاكهم بغير شك , فقال معبرا بصيغة الانفعال : { فتنقلبوا } ~~أي من عند أنفسكم من غير قالب يسلط عليكم { خاسرين * } أي بخزي المعصية عند ~~الله وعار الجبن عن الناس وخيبة السعي من خيري الدارين . | < < # | المائدة : ( 22 - 26 ) قالوا يا موسى . . . . . # > > ^ ( قالوا ياموسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا ~~منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون * قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله ~~عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن ~~كنتم مؤمنين * قالوا ياموسى إنا لن ندخلهآ أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون * قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق ~~بيننا وبين القوم الفاسقين * قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في ~~الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين ) ^ } ) | ولما كان هذا السياق محركا ~~للنفس إلى معرفة جوابهم عنه , أورده على تقدير سؤال من كأنه قال : إن هذا ~~لترغيب مشوق وترهيب مقلق , فما قالوا في جوابه ؟ فقال : { قالوا } معرضين ~~عن ذلك كله بهمم سافلة وأحوال نازلة , مخاطبين له باسمه جفاء وجلافة وقلة ~~أدب { يا موسى } وأكدوا قولهم تأكيد من هو محيط العلم , فقالوا مخاطبين ms1172 ~~بجرأة وقلة حياء لأعلم أهل زمانه : { إن فيها } أي دون غيرها { قوما جبارين ~~} أي عتاة قاهرين لغيرهم مكرهين له على ما يريدون { وإنا لن ندخلها } خوفا ~~منهم { حتى PageV02P425 يخرجوا منها } ثم صرحوا بالإتيان بالجملة الاسمية ~~المؤكدة بتهالكهم على الدخول وأنه لا مانع لهم إلا الجبن فقالوا : { فإن ~~يخرجوا منها } أي بأي وجه كان , وعبروا بأداة الشك مع إعلام الله لهم ~~بإهلاكهم على أيديهم جلافة منهم وعراقة طبع في التكذيب { فإنا داخلوا * } ~~فكأنه قيل : إن هذه لسقطة ما مثلها , فما اتفق لهم بعدها ؟ فقيل : { قال ~~رجلان } وأشار إلى كونهما من بني إسرائيل بقوله ذما لمن تقاعس عن الأمر ~~منهم : { من الذين يخافون } أي يوجد منهم الخوف من الجبارين , ومع ذلك فلم ~~يخافا وثوقا منهما بوعد الله , ولما كان بنو إسرائيل أهلا لأن يخافهم من ~~يقصدونهم بالحرب لأن الله معهم بعونه ونصره , قرىء : يخافون - مبينا ~~للمفعول { أنعم الله } أي بما له من صفات الكمال { عليهما } أي بالثبيت على ~~العمل بحق النقابة , وهما يوشع بن نون وكالاب بن يوفنا - كما أنعم عليكم ~~أيها العرب وخصوصا النقباء بالثبات في كل موطن { ادخلوا عليهم الباب } أي ~~باب قريتهم امتثالا لأمر الله وإيقانا بوعده . | ولما كانا يعلمان أنه لا ~~بد من دخولهم عليهم وإن تقاعسوا وإن طال المدى , لأن الله وعد بنصرهم عليهم ~~ووعده حقن عبرا بأداة التحقيق خلاف ما مضى لجماهيرهم فقالا : { فإذا ~~دخلتموه } ثم أكد خبرهما إيقانا بوعد الله فقالا : { فإنكم غالبون } أي لأن ~~الملك معكم دونهم { وعلى الله } أي الملك الأعظم الذي وعدكم بإرثها وحده { ~~فتوكلوا } أي لا على عدة منكم ولا عدة ولا حول ولا قوة . | ولما كان ~~الإخلاص يلزمه التوكيل وعدم الخوف من غير الله , ألهمهم بقوله ؛ { إن كنتم ~~} أي جبلة وطبعا { مؤمنين * } أي عريقين في الإيمان بنبيكم صلى الله عليه ~~وسلم والتصديق بجميع ما أتى به , فكأنه قيل : لقد نصحا لهم وبرا , واجتهد ~~في إصلاح الدين والدنيا فما خدعا ولا غرا , فما قالوا ؟ فقيل : لم يزدهم ~~ذلك إلا نفارا واستضعافا ms1173 لأنفسهم لإعراضهم عن الله واستصغارا لأنهم { قالوا ~~} معرضين عمن خاطباهم غيرعادين لهما { يا موسى } وأكدوا نفيهم للإقدام ~~عليهم بقولهم : { إنا } وعظموا تأكيدهم بقولهم : { لن ندخلها } وزادوه ~~تأكيدا بقولهم : { أبدا } وقيدوا ذلك بقولهم : { ما دواموا } أي الجبابرة { ~~فيها } أي لهم اليد عليها , ثم اتبعوه بما يدل على أنهم في غاية الجهل ~~بالله الفعال لما يريد . | الغني عن جميع العبيد , فقالوا مسببين عن نفيهم ~~ذلك قولهم : { فاذهب أنت وربك } أي المحسن إليك , فلم يذكروا أنه أحسن ~~إليهم كثافة طباع وغلظ أكباد , بل خصوه بالإحسان , وهذا القول إن لم يكن ~~قائلوه يعتقدون التجسي فهم مشارفون له , وكذلك أمثاله , وكان اليهود الآن ~~عريقين في التجسيم , ثم سببوا عن الذهاب قولهم : { فقاتلا } ثم استأنفوا ~~قولهم مؤكدين لأ , من له طبع سليم وعقل مستقيم لا يصدق أن PageV02P426 أحدا ~~يتخلف عن أمر الله لا سيما إن كان بمشافهة الرسول : { إنا هاهنا } أي خاصة ~~{ قاعدون } أي لا نذهب معكما , فكان فعلهم فعل من يريد السعادة بمجرد ادعاء ~~الإيمان من غير تصديق له بامتحان بفعل ما يدل على الإيقان ؛ روى البخاري في ~~المغازي والتفسير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ( قال المقداد ~~بن عمرو يوم بدر : يا رسول الله ! لا نقول كما قال قوم موسى : { اذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون } ولكن امضى ونحن معك , نقاتل عن يمينك وعن ~~شمالك وبين يديك وخلفك , فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم أشرق وجهه وسره ) ~~فكأنه قيل : فما قال موسى عليه السلام ؟ فقيل : { قال } لما أيس منهم معرضا ~~عنهم شاكيا إلى الله تعالى { رب } أي أيها المحسن إلي . | ولما كان من حق ~~الرسول أن يقيه كل أحد بنفسه وولده فكيف بما دون ذلك , فكان لا يصدق أحد أ ~~, أتباعه لا يطيعونه , جرى على طبع البشر وإن كان يخاطب علام الغيوب قال ~~مؤكدا : { إني } ولما فهم من أمر الرجلين لهم بالدخول أنهما قيدا دخولهما ~~بدخول الجماعة , خص في قوله : { لا أملك إلا نفسي وأخي } أي ونحن مطيعان ~~لما تأمر ms1174 به { فافرق بيننا } أي أنا وأخي { وبين القوم الفاسقين * } أي ~~الخارجين عن الطاعة قولا وفعلا , ولا تجمعنا معهم في بين واحد , في فعل ولا ~~جزاء { قال فإنها } أي الأرض المقدسة { محرمة عليهم } أي بسبب أقوالهم هذه ~~وأفعالهم , لا يدخلها ممن قاله هذه المقالة أو رضهيا أحد , بل يمكثون { ~~أربعين سنة } ثم استأنف جوابا لمن تشعب فكره في تعرف حالهم في هذه الأربعين ~~ومحلهم من الأرض قوله : { يتيهون } أي يسيرون متحيرين { في الأرض } حتى ~~يهلكوا كلهم , والتيه : المفازة التي يحير سالكها فيضل عن وجه مقصده , روي ~~أنهم أقاموا هذه المدة في ستة فراسخ يسيرون كل يوم جادين , ثم يمشون في ~~الموضع الذي ساروا منه , ثم سبب عن إخباره بعقوبتهم قوله : { فلا تأس } أي ~~تحزن حزنا مؤيسا { على القوم } أي الأقوياء الأبدان الضعفاء القلوب { ~~الفاسقين } أي الخارجين من قيد الطاعات , ثم بعد هلاكهم أدخلها PageV02P427 ~~بينهم الذين نشأوا في التيه لسلامتهم من اعوجاج طباعهم التي ألبستهم إياها ~~بلاد الفراعنة , فإني كتبتها لبني إسرائيل , ولم أخبر بتعيينهم - وإن كانوا ~~معينين في علمي - كما اقتضت ذلك حكمتي ؛ وفي هذه القصة أوضح دليل على نقضهم ~~للعهود التي بنيت السورة على طلب الوفاء بها وافتتحت بها , وصرح بأخذها ~~عليهم في قوله : { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل } إلى أن قال : < # > 77 ( { وآمنتم برسلي وعزرتموهم } ) 77 < # > [ المائدة : 12 ] وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يفعلونه ~~معه , وتذكير له بالنعمة على قومه بالتوفيق , وترغيب لمن أطاع منهم وترهيب ~~لمن عصى , ومات في تلك الأربعين كل من قال ذلك القول أو رضيه حتى النقباء ~~العشرة , وكان الغمام يظلهم من حر الشمس , ويكون لهم عمود من نور بالليل ~~يضيء هاهنا عليهم - وغير هذا من النعم , لأن المنع بالتيه كان تأديبا لهم ~~لا غضبا فإنهم تابوا . | شرح هذه القصة ما بين أيديهم من التوراة وذكر بعض ~~ما عذبهم فيه بذنوبهم , قال في السفر الرابع منها : وكلم الرب موسى وقال له ~~: أرسل قوما يجسون الأرض التي أعطى بني إسرائيل , فأرسلهم ms1175 موسى من برية ~~فاران رجالا من رؤساء بني إسرائيل - اثني عشر رجلا - فيهم كالاب بن يوفنا ~~وهو ساع بن نون , ودعا موسى هوساع بن نون يوشع , وأرسلهم ليستخبروا أرض ~~كنعان وقال لهم : اعرفوا خبر الشعب الذي بها , أقوي هو أم ضعيف ؟ أكثير هو ~~أم قليل ؟ وما خبر الأرض التي هم فيها , أمخصبة أم لا ؟ أفيها شجر أم لا ؟ ~~وفي نسخة : وما المدن التي يسكنونها ؟ وإن كانت محوطا عليها أم لا ؟ وتقووا ~~وخذوا من ثمار الأرض ؛ فصعدوا فاستخبروا الأرض , وأخذوا من برية صين حتى ~~انتهوا إلى راحوب التي في مدخل حمات , وصعدوا إلى التيمن فأتوا حبران - وفي ~~نسخة : حبرون - وكان بها بنو الجبابرة , ثم أتوا وادي العنقود وقطعوا قضيبا ~~من الكرم فيه عنقود عنب , فحمله رجلان بأسطار , ودعوا اسم ذلك الموضع وادي ~~العنقود من أجل ذلك , وأخذوا من الرمان والتين أيضا , ورجعوا إلى موسى بعد ~~أربعين ليلة إلى برية فاران إلى رقيم , وأخبروا موسى والجماعة كلها خبر ~~الأرض وقالوا : انطلقنا فإذا الأرض تغل اللبن والعسل وهذه ثمارها , ولكن ~~الشعب الذي في الأرض عزيز قوي , وقراهم كبار مشيدة , ورأينا ثم بني ~~الجبابرة , ثم ذكر أن الكنعانيين على ساحل البحر إلى نهر الأردن , قالوا : ~~وكنا عندهم مثل الجراد , كذلك رأينا أنفسنا , فضجت الجماعة كلها ورفعوا ~~أصواتهم بالبكاء , وبكوا في تلك الليلة بكاء شديدا , وتذمر جميع بني ~~إسرائيل على موسى وهارون في ذلك اليوم وضجوا عليهما , وقال لهما محافل بني ~~إسرائيل كلها : يا ليتنا ! متنا بأرض مصر على يدي الرب , وليتنا متنا في ~~هذه البرية ولا يدخلنا الرب إلى الإرض PageV02P428 التي نصرع فيها قتلا ! ~~وتنتهب مواشينا وأهلونا ! كان المنون بأرض مصر خيرا لنا , وقال كل امرىء ~~منهم لأخيه : اجتمعوا حتى نصير علينا رئيسا , ونرجع إلى أرض مصر , فخر موسى ~~وهارون على وجوههما ساجدين بين يدي جماعة بني إسرائيل كلها , فأما يشوع ابن ~~نون وكالاب بن يوفنا اللذان كانا من الجواسيس فقالا : الأرض مخصبة جدا , ~~فإن شاء الرب دفعها إلينا , فهي أرض تغل السمن والعسل ms1176 , فلا تعصوا الرب ولا ~~تفتتنوا ولا تخافوا شعب هذه الأرضن لأن أهلها مبذولون لنا مثل الطعام للأكل ~~, واعلموا أن قويهم سيضعف وتزول عنهم شدتهم , ونحن الغالبون لأن الرب معنا ~~, فلا تفرقوا منهم , وظهر مجد الرب بالسحابة في قبة لازمان تجاه بني ~~إسرائيل , وقال الرب لموسى : إلى متى يسخطني هذا الشعب ؟ وكم إلى كم لا ~~يصدقونني ؟ ألم يروا جميع الآيات التي أتيتهم بها ؟ سأضربهم بالموت وأهلكهم ~~, وأصيرك الشعب أعظم من هذا وأعز منهم , فقال موسى أمام الرب : يسمع أهل ~~مصر الذين أخرجت هذا الشعب من بينهم بقوتك , ويقول لسكان هذه الأرض أيضا ~~الذين سمعوا أنك رب هذا الشعب , فإن أنت قتلت هذا الشعب جميعا كرجل واحد ~~تقول الشعوب التي بلغها خبرك : إن الرب لم يقدر أن يدخل هذا الشعب الأر ~~ضالتي كان وعد إياهم , فلذلك قتلهم في البرية , فلتعظم قوتك الآن يا رب كما ~~وعدت وقلت ! يا رب أنت ذو المودة والنعمة , تغفر الإثم والخطايا , وتزكي من ~~ليس بمزكي , اغفر يا رب كما غفرت لهم مذ خرجوا من أرض مصر إلى الآن ! فقال ~~الرب لموسى : قد غفرت لهم لقولك ولكني حي قيوم , أقسم بذلك وبمجدي الذي ~~امتلأت الأرض لكها منه أن جميع الرجال الذين عاينوا مجدي والآيات التي ~~أظهرت لهم بمصر والفضاء , وجربوني عشر مرات , ولم يطيعوني ولم يقبلوا قولي ~~, لا يعاينون الأرض التي أقسمت لآبائهم أني أعطيهم , ولا يدخلها أحد من ~~الذين أغضبوني , فأقبولا غدا وارتحلوا إلى طريق بحر سوف ؛ وقال الرب : إلى ~~متى تغفر هذه الجماعة الرديئة بين يدي ؟ فبي أقسم أنكم تصيرون إلى ما قلتم ~~, وكما فكرتم ذلك يصيبكم في هذه البرية , فتسقط جثثكم فيها وتبلى أجسادكم ~~ويهلك كل عددكم وحسابكم من ابن عشرين سنة إلى فوق , لأنكم تشوشتم وتذمرتم ~~علي , لا تدخلوا الأرض التي رفعت يدي لأنزلكم فيها , لوا يدخلها إلا كالاب ~~بن يوفنا ويوشع بن نون , وأما مواشيكم التي قلتم : إنها تنتهب , وبنوكم ~~الذين لا يعلمون لاخير من لاشر فهم يدخلون الأرض وأصيرهم إليها وأورثهم ~~الأرض ms1177 , فأما جيفكم فتسقط وتبلى في هذه البرية . | وتمكث بنوكم يترددون في ~~هذه المفازة أربعين سنة , يعاقبون حتى تهلك جثثكم في هذه البرية على عدد ~~الأيام التي اجتس الجواسيس الأرض فيها , لكل يوم سنة , وتعاقبون بإثمكم , ~~PageV02P429 لكل يوم سنة , أربعين سنة لأربعين يوما , فتعلمون أني إنما ~~فعلت ذلك لتذمركم بين يدي , أنا الرب قلت : كذلك أصنع بهذه الجماعة الرديئة ~~التي اجتمعت بين يدي , تهلك في هذه البرية , يموتون كلهم , والقوم الذين ~~أرسلهم موسى أن يجتسوا الأرض له فانقلبوا وشغبوا عليه وأفسدوا الجماعة كلها ~~, وذلك أنهم أخبروا الشعب في أمر الأرض خبرا رديئا , ومات اقوم الذين ~~أخبروا الخبر السوء موت الفجاءة أمام الرب , فأما يشوع وكالاب فنجوا من ~~الموت , ولم يهلكا مع الذين استخبروا الأرض , فأخبر موسى بني إسرائيل هذه ~~الأقوال , ولجلسوا في حزن شديد وقالوا : نحن صاعدون إلى الموضع الذي أمر ~~الرب ونقر بخطايانا , قال لهم موسى : اعلموا أنكم لا تنجحون ولا يتم أمركم ~~, لا تصعدوا لأن الرب ليس معكم لئلا يهزمكم أعداؤكم , فإن صعدتم هزمتم ~~وقتلتم , لأنكم أغضبتم الرب ورجعتم عن قوله , فلذلك لا يكون الرب معكم , ~~فصعد القوم إلى رأس الجبل , فأما تابوت عهد الرب وموسى النبي فلم يبرحا من ~~العسكر , ونزل العملقانيون الذين يسكنون ذلك الجبل وحاربوهم وهزموهم , ~~وقتلوا منهم مقتلة عظيمة وطردوهم إلى حرما ؛ وكان ذكر قبل ذلك في السفر ~~الثاني وقبل معصيتهم في أمر الجواسيس قتالهم في رفيدين ورقيم لعماليق فقال ~~ما نصه : وإن عماليق جاء ليقاتل بني إسرائيل برفيدين فقال موسى ليشوع : ~~اختر رجلا من أهل الجلد ولاشدة وإخراج بنا نقاتل عماليق غدا وأنا واقف على ~~رأس الأكمة , وقضيب الهل في يدي , فصنع يشوع كما قال له موسى فخرج إلى حرب ~~عماليق , وصعد موسى وهارون وحور إلى رأس الجبل , وكان موسى إذا رفع يده قوى ~~بنو إسرائيل , وإذا خفض يده قوى عماليق , فأعيت يد موسى فأخذ حجارة فوضعها ~~تحته , ثم استوى عليها جالسا , وكان هارون وحور يدعمان يديه , أحدهما يمينا ~~والآخر شمالا حتى غربت الشمس ms1178 , فهزم يشوع عماليق ومن معه وقتلوهم بحد السيف ~~, فقال الرب لموسى : اكتب هذا الأمر في سفر الكتاب وضع أما يشوع بن نون , ~~لأني أمحق وأبيد ذكر عماليق من تحت السماء , فبنى للرب مذبحا , ودعا اسمه ~~الله علمي , ثم قال : وأرسل رسلا من رقيم إلى ملك أدوم بأنهم نازلون في ~~رقيم - اقرية التي في حد بلاده - واستأذنه في الجواز في بلاده , فههدهم ~~بالمقاتلة فقالوا : لا نشرب لك ماء إلا بثمن , فقالك لا تجوزوا في حدي , ~~وخرج إليهم بجيش عظيم وسلاح شاك فصغا بنو إسرائيل عنه وظعنوا من رقيم , ~~وأتى جميع بني إسرائيل إلى هور الجبل حيث توفي هارون , ثم قال : ونزل موسى ~~وإليعازر من الجبل , فرأت محافل بني إسرائيل كلها أن هارون قد توفي , وبكى ~~على هارون جميع بني إسرائيل ثلاثين يوما , وسمع الكنعاني ملك عراد الذي كان ~~يسكن التيمن أن بني إسرائيل قد نزلوا في طريق الجواسيس PageV02P430 فحاربهم ~~وسبى منهم قوما , فنذر بنو إسرائيل نذرا للرب وقالوا : إن أنت دفعت إلينا ~~هذا الشعب يا رب وقويتنا عليه جعلنا قراهم حريمة للرب , سمع الرب أصوات بني ~~غسرائيل ودفع إليهم الكنعانيين وقواهم عليم , وهزموهم وقتلوهم وجعلوا قراهم ~~حريمة للرب ودعوا اسم تلك البلاد حريمة , فظعن الشعب من هور الجبل في طريق ~~بحر سوف ليدوروا حول أرض أدوم , ففزعت أنفس الشعب من شدة الطريق وكلت , ~~وتذمر الشعب على الله وعلى موسى وقالوا : لم أصعدتنا من مصر ؟ لتميتنا في ~~موضع ليس فيه خبز ولا ماء , قد ضاقت أنفسنا من قلة الطعام , فسلط الله ~~عليهم حيات فنهشت قوما من الشعب ومات منهم كثير , فاجتمعوا إلى موسى وقالوا ~~: قد أخطأنا إذ تذمرنا على الله وعليك , صل أمام الرب لتنصرف عنا الحيات , ~~فصلى موسى فقال الرب له : اتخذ حية من نحاس مثال الحية وارفعها على خشبة ~~علامة , ومن نهشته حية ينظر إلى الحية المعلقة فيبرأ , ففعل ذلك , فطعن بنو ~~إسرائيل فنزلوا أبوت , ثم ارتحلوا نم أبوت ونزلوا على عين العبرانيين التي ~~في البرية أمام أرض موآب في ms1179 الجانب الشرقي وحيث مشارق الشمس , ثم ظعنوا من ~~هناك ونزلوا وادي زرود , وارتحلوا من هناك ونزلوا عبر أرنون في البرية أمام ~~أرض موآب في الجانبين التي تخرج من حد الأمورانيين وهي في حد الموآبيين , ~~ولذلك يقال في كتاب حروب الرب : واهب في سوفة ووادي أرنون ومصب الأودية ~~المائلة إلى سكان عار التي تنتهي إلى حد الموآبيين ؛ ثم أرسل بنو إسرائيل ~~رسلا إلى سيحون ملك الأمورانيين وقالوا له : نجوز في أرضك من غير أن نطأ لك ~~حقلا ولا كرما , ولا نشرب من ماء جناتك , ولكن نلزم الطريق الأعظم حتى نجوز ~~أرض , فأبى سيحون وجمع جميع أجناده وخرج إلى البرية وحارب بني إسرائيل , ~~فقتل بنو إسرائيل سيحون وأصحابه وورثوا أرضه , وصعدوا إلى أرض متنين , وخرج ~~عوج ملك متنين إليهم هو وأجناده ليحاربهم في أدرعى , وقال الرب لموسى : لا ~~تخفه لأني دافعة في يدك وأصير جميع شعبه وأرضه في يدك , فاصنع به كما صنعت ~~بسيحون ملك الأمورانيين , فلما حاربوه قتل هو وبنوه وجميع شعبه ولم يبق ~~منهم أحد , فظعن بنو إسرائيل ونزلوا عربات موآب التي عند أردن إريحا ؛ ثم ~~ذكر قصة بلعام بن باعور وغيرها وقال : ثم قال الرب لموسى : اصعد إلى هذا ~~الجبل جبل العبرانيي , وانظر إلى أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل , فإذا ~~نظرت إليها اجتمع معك شعبك , وصر إلى ما صار إليه آباؤك كما صار [ إليه ] ~~هارون أخوك , فتكلم موسى أمام الرب وقال : يأمر الله رجلا يريد الجماعة ~~ويدخل ويخرج أمامهم , ويدخلهم ويخرجهم لكيلا تكون جماعة الرب كالغنم التي ~~ليس لها راع , فقال الرب لموسى : اعمد إلى يشوع بن نون - رجل عليه من ~~PageV02P431 الروح نعمة - فضع يدك عليه , وأقمه بين يدي إليعازر الحبر أمام ~~الجماعة كلها ومن تجاههم قبلا , وأعطه من المجد الذي عليك , فتطيعه جماعة ~~بني إسرائيل كلها , ويقوم بين يدي إليعازر الحبر ليكون يسأل الرب عن جوائجه ~~وسننه , ويحفظ بنو إسرائيل قوله , وعن قوله يخرجون وعن قوله يدخلون , وفعل ~~موسى كالذي أمره الله في يوشع وغيره - ثم ذكره ms1180 أشياء من القرابين والأعياد ~~وفتح مدين وبقية قصة بلعام وغير ذلك ثم قال : وكثرت مواشي بني روبيل وبني ~~جاد جدا , ونظروا إلى يعزير وأرض جلعاد أنه موضع يصلح للمواشي فقالوا لموسى ~~: إن نحن ظفرنا منك برحمة ورأفة تعطي هذه الأرض لعبيدك ميراثا ولا تجزنا ~~نهر الأردن , فقال موسى : إخوتكم يخرجون إلى الحرب وأنتم تستقرون هاهنا ؟ ~~لم تكسرون قلوب إخوتكم أن لا يجوزوا إلى الأرض التي يعطيهم الرب ميراثا ! ~~هكذا صنع أيضا آباؤكم فاشتد غضب الرب عليهم , وأقسم أنه لا يعاين أحد منهم ~~الأرض التي وعدت بها آباءهم , لأنهم لم يتموا قولي ولم يتبعوا وصيتي ما خلا ~~كالاب بن يوفنا القنزابي ويشوع بن نون , إنهما أتما قول الربن فاشتد غضب ~~الرب على بني إسرائيل وتوههم في البرية أربعين سنة حتى هلك حقب الرجال ~~الذين أسخطوا الرب , وأنتم اليوم أيضا تريدون أن ينزل غضب الرب ببني ~~إسرائيل , وإن أنتم انقلبتم عن أمر الرب أيضا يعود أن يتوهكم في التيه , ~~فتفسدون على جميع هذا الشعب , فدنا منه القوم وقالوا : نبني هاهنا قرى ~~لعيالاتنا وحظائر لأنعامنا , ونحن نتسلح أمام بني إسرائيل حتى ندخلهم إلى ~~مواضعهم ولا نرجع إلى بيوتنا حتى يرث بنو إسرائيل كل إنسان ميراثه , ولا ~~نرث معهم من عبر الأردن وما خلف ذلك , لأنا قد قبضنا ميراثنا في مجاز ~~الأردن في مشارق الشمس , فقال لهم موسى : إذا أنتم فعلتم هذا الفعل وتسلحتم ~~أمام ربكم , حينئذ ترجعون وتستجلبون أرضكم ويرضى بنو إسرائيل عنكم , وتصير ~~هذه الأرض لكم ميراثا , وإن لم تفعلوا هذا تصيروا أمام الرب خطأة , واعلموا ~~أن خطاياكم تدرككم , ثم قالك وهذه خطأ عن بني إسرائيل حيث خرجوا من أرض مصر ~~- فذكر ما تقدم في البقرة , ثم قال : وارتحلوا من مقبرة الشهوة ونزلوا ~~حضروت , وظعنوا من حضروت ونزلوا رثما , وارتحلوا من مقبرة رثما ونزلوا رمون ~~فرص , وظعنوا من رمون فرص وظعنوا من أراسيا أو رسا ونزلوا قهاث - وفي نسخة ~~: بقهالاث - وارتحلوا من قهاث ونزلوا لبنا - وفي نسخة : لبونا - وارتحلوا ~~من جبل شافار ms1181 ونزلوا حرادة - وفي نسخة : حرذا - وارتحلوا من حرادة - وفي ~~نسخة : حارذا - ونزلوا مقهلوث - وفي نسخة : مهقلوث - وظعنوا من مقهلوث ~~نزلوا تحاث - وارتحلوا من تحاث ونزلوا ترح , PageV02P432 وارتحلوا من ترح ~~ونزلوا مثقا , وارتحلوا من مثقا ونزلوا حشمونا , وظعنوا من حشمونا ونزلوا ~~مسروت , وارتحلوا من مسروت ونزلوا بحي بني يعقان , وظعنوا من حي بني يعقان ~~ونزلوا جبل جدجاد , وارتحلوا من جدحاد ونزلوا يطبث - وفي نسخة : يطباثا - ~~وظعنوا من يطبث ونزلوا عجرونا - وفي نسخة : عبرونا - وارتحلوا من عجرونا ~~ونزلوا عصيون جابر وهي قلزم , ورحلوا من عصيون جابر ونزلوا برصين - وفي ~~نسخة : برية صين المعروفة بقداش - وهي رقيم , وظعنوا من قداش ونزلوا هور ~~الجبل الذي في أقاصي أرض أدوم - وفي نسخة : وظعنوا من برية صين فنزلوا في ~~قفر فاران وهي القدس , وارتحلوا من القدس فنزلوا في جبل هور بحذاء أرض أدوم ~~وهي الروم - وصعد هارون الحبر عن قول الله إلى هور الجبل , وتوفي هناك في ~~سنة أربعين بخروج بني إسرائيل من أرض مصر في الشهر الأول أول يوم منه , وقد ~~كان أتى على هارون يوم توفي مائة وثلاث وعشرون سنة , وبلغ الكنعاني ملك ~~حديا الساكن بالتيمن في أرض كنعان - وفي نسخة : عراد الساكن في الداروم في ~~بلد ماءب - أن بني إسرائيل أتوا جده , فينون من هور الجبل ونزلوا صلمونا , ~~وارتحلوا من أبوث ونزلوا العين المعروفة بالعبرانيين على حد موآب - وفي ~~نسخة : ونزلوا عايا في العين على تخوم موآب - وارتحلوا من عايا فنزلوا جاد ~~- وفي نسخة : ورحلوا من عين العبرانيين ونزلوا ديبون قرية جاد - وارتحلوا ~~من قرية جاد ونزلوا علمون التي دبلثيم - وفي نسخة : دبلاثيم - وظعنوا من ~~علمون التي دبلثيم - وفي نسخة : دبلاثيم - فنزلوا جبل العبرانيين الذي أمام ~~نابو , وارتحلوا من جبل العبرانيين ونزلوا عربة موآب التي بأردن يريحا - ~~وفي نسخة : ونزلوا مغارب موآب على الأردن قبالة يريحا - ونزلوا على شاطىء ~~الأردن من عند أشيموت إلى آبل شاطيم التي عند عربة موآب - وفي نسخة : قبالة ~~مغارب موآب . | ولكم الرب موسى على مغارب موآب عند الأردن ms1182 قبالة يريحا ~~فقالك كلم بني إسرائيل وقل لهم : أنتم جائزون الأردن إلى أرض كنعان لتهلكوا ~~جميع سكان الأرض , وتحرقوا بيوت صنامهم المسبوكة , وتقلعوا مذابحهم كلها , ~~وتصير الأرض إليكم وترثونها , فاقسموها لعشائركم سهاما , وصيروا الكثير على ~~قدر كثرتهم , والقليل على قدر قلتهم , وكل قبيلة على ما يرتفع السهم بها ~~وتصيبها القرعة , وإن لم تهلكوا سكان الأرض من بين أيديكم فالذين يبقون ~~منهم يكونون أسنة في أعينكم وسهاما في أصداغكم , ويضيقون عليكم في الأرض ~~التي تسكنونها , وكما رأيت أن أصنع بهم كذلك أصنع بكم , فهكذا اقسموا الأرض ~~في مواريثكم : أرض كنعان بحدودها , فأما PageV02P433 حد التيمن فيكون لكم ~~من ساحل البحر الملح من ناحية المشرق , ويدور حدكم من التيمن إلى عقبة ~~عقربيم ويجوز إلى صين , وتكون مخارجه من التيمن إلى رقيم الجائي , ويخرج من ~~هناك إلى حصر إدار - وفي نسخة : إلى رفح - ويجوز إلى عصمون إلى وادي مصر , ~~وتكون مخارجه إلى ناحية البحر ويكون حد البحر حدكم والبحر الأعظم بحدوده , ~~هذا حدكم من ناحية البحرن وأما حدكم مما يلي الجربيا - وفي نسخة : الشمال - ~~فيكون من البحر الأعظم إلى هور الجبل , وحدود ذلك من الجبل إلى مدخل حماة , ~~وتكون مخارج الجبل إلى صدد , ويخرج الحد إلى زفرون , وتكون مخارجه إلى حصر ~~عينن , هذه حدودكم من ناحية الجربيا , وأما حدودكم من ناحية المشرق فحدوده ~~من حصر عينن إلى شافم , وينزل الحد نم شافمم إلى ربلة إلى مشارق غاب , حتى ~~ينتهي إلى بحر كنرت - وفي نسخة : البحيرة الميتة - من مشارقه , ويدور حتى ~~ينزل إلى حد الأردن , وتكون مخارجه إلى بحر الملح , هذه حدود الأرض التي ~~ترثونها كما تدورن ثم ذكر القسمة وشيئا من الأحكام , ثم قال في أول السفر ~~الخامس : هذه الآيات والأقوال التي قال موسى لبني إسرائيل عند مجازالأردن ~~في البرية في عرابا - وفي نسخة : اليبداء وهو الجانب الغربي - حيال سوف بين ~~فاران وبين تفال ولبان وحضروت وذي ذهب - وفي نسخة : ودار الذهب وهو إشارة ~~إلى الموضع الذي عبدوا فيه العجل - مسير أحد عشر يوما ms1183 من حوريب إلى ساعير ~~وإلى رقام الجائي . | لما كان في سنة أربعين من خروج بني إسرائيل من مصر في ~~الشهر الحادي عشر في أول يوم منه كلم موسى بني إسرائيل وأمرهم بعد قتلهم ~~سيحون ملك الأمورانيين وعوج ملك متنين في مجاز الأردن في أرض موآب , قال : ~~إن الله قال لنا في حوريب : قد طال مكثكم في هذا الجبل , انهضوا فارتحلوا ~~من هاهنا وادخلوا جبل الأمورانيين وكل ما حوله إلى القرى والجبل وإلى ساحل ~~البحر أسفل الجبال , والتيمن أرض الكنعانيين , ولبنان إلى النهر الكبير ~~الذي هو الفرات , ادخلوا ورثوا الأرض التي وعد الله آباءكم إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب أن يعطيهم , ويورثها نسلهم من بعدهم , ثم قال : وأمرتكم في ذلك ~~الزمان بما ينبغي أن تصنعوا , وارتحلنا من حوريب وسرنا في البرية العظيمة ~~المرهوبة كما أمرنا الله ربنا , وانتهينا إلى رقيم الجائي , وقلت لكم : قد ~~انتهيتم إلى جبل الأمورانيين الذي أعطانا الله ربنا , اصعدوا ورثوا الأرض ~~كما قال لكم الله رب آبائكم , لا تخافوا ولا تفزعوا , وتقدمتم إلي بأجمعكم ~~وقلتم : نرسل بين أيدينا رجالا يتجسسون لنا الأرض ويخبرونا بخبرها ويدلونا ~~على الطريق الذي نسير فيه والقرى التي ندخلها ؛ فكان قولكم عندي حسنا , ~~وعمدت إلى اثني عشر رجلا منكم , من كل سبط منكم رجل , وأرسلتهم , ~~PageV02P434 وصعدوا إلى الجبل حتى انتهوا إلى وادي العنقود , واستخبروا ~~الأرض وأخذوا من ثمار الأرض وأتوا به وأخبرونا وقالوا لنا : ما أخصب الأرض ~~التي يعطينا الله ربنا ! ولم يعجبكم أن تصعدوا , ولكن اجتنبتم قول الله ~~ربكم وأغضبتموه وتوشوشتم في خيمتكم وقلتم : لبغض الرب أخرجنا من أرض مصر ~~ليدفعنا في أيدي الأمورانيين ليهلكونا , إلى أين نصعد ! إخوتنا كسروا ~~قلوبنا وقالوا : الشعب أعظم وأعز منا وأقوى , وقراهم عظيمة مشيدة إلى ~~السماء , ورأينا هناك أبناء جبابرة , وقلت لكم : لا تخافوا ولا تفزعوا منهم ~~, من أجل أن الله ربكم هو يسير أمامكم , وهو يجاهد عنكم كما صنع بكم في أرض ~~مصر وفي البرية . | كما رأيتم أنه فداكم كما يفدي الوالد ولده في كل الأرض ~~التي ms1184 سلكتموها حتى انتهيتم إلى هذه البلاد , وبهذا القول لم تصدقوا أن الله ~~ربكم يكمل لديكم أنه يسير أمامكم في الطريق ليهيىء لكم موضعا تسكنون فيه , ~~أليس هو الذي أراكم طريقا تسلكون فيه بالليل بالنار , وستركم بالنهار من حر ~~الشمس بالغمام , وسمع الرب كلامكم وأصواتكم وغضب وأقسم وقال : لا يعاين أحد ~~من هؤلاء القوم - أهل هذا الحقب الرديء - الأرض المخصبة التي أقسمت أن أعطي ~~آباءهم غير كالاب بن يوفنا , إني أدفع إليه الأرض التي مشى فيها وأورثها ~~ولده , لأنه أتم قول الرب وأكمل سنته , وقال لي : وأنت أيضا لا تدخلها , ~~ولكن يشوع بن نون الذي يخدمك هو يدخل هناك , إياه قو وأيد , لأنه هو الذي ~~يورث بني إسرائيل الأرض المخصبة التي وعدت بها آباءهم أن أعطيهم , وأما ~~مواشيكم التي قلتم : إنها تنتهب , وبنوكم الذين لا يعلمون الخير من الشر , ~~فهم يدخلون هناك , وإليهم أدفعها وهم يرثونها , فأما أنتم فاقبلوا وارتحلوا ~~إلى البرية في طريق بحر سوف , فرددتم علي وقلتم : أسأنا وأجمنا بين يدي ~~الله ربنا , نحن صاعدون ومجاهدون كما قال لنا , وتسلح كل امرىء منكم بسلاحه ~~, وتهيأتم للصعود إلى الجبل , وقال الرب لي : أنذرهم وقل لهم : لا تصعدوا ~~ولا تجاهدوا , لأني لست بينكم , لئلا يهزمكم أعداؤكم , وقلت ولم تقبلوا , ~~اجتنبتم قول الرب وأغضبتموه وجسرتم وطلعتم إلى الجبل , فخرج الأموريون ~~الساكنون في ذلك الجبل للقائكم وطردوكم كما تطر الزنابير بالدخان , ودفعوكم ~~من ساعير إلى حرما , وجلستم وبكيتم ولم يسمع الرب أصواتكم , فبكيتم أمام ~~الرب في رقام أياما كثيرة ما مكثتم فيها , فأقبلنا فارتحلنا في البرية في ~~طريق بحر سوف كما قال الرب , وترددنا حول جبل ساعير أيامان كثيرة , وقال لي ~~الرب : قد طال ترددكم حول هذا الجبلن اقبلوا إلى الجانب الجربي , فتقدم إلى ~~الشعب وقل لهم : أنتم تجوزون في حد إخوتكم بني عاسو - وفي نسخة : عيصو - ~~الذين يسكنون ساعير , فاحفظوا أن لا تولعوا بهم . | لأني لست أعطيكم من ~~PageV02P435 ارضهم ميراثا ولا موضع قدم , ابتاعوا منهم طعاما لمأكلكم ~~وامتاروا منهم ماء بفضة لمشربكم ms1185 , وليبارك الله ربكم عليكم ويبارك لكم في ~~كل ما عملت أيديكم , كما علم أن يسوسكم في هذه البرية أربعين سنة , الله ~~ربكم ما دام معكم لا يعوز بكم شيء , وجزنا طريق العربة - وفي نسخته : ~~البيداء - وأيلة , وأقبلنا وجزنا في البرية إلى طريق موآب , وقال لي الرب : ~~لا تضيق على الموآبيين ولا تحاربهم , لأني لست أعطيك من أرضهم ميراثا , بل ~~قد جعلت هذه الأرض ميراثا لبني لوط هذه التي سكنها إمتى أولا , شعبا كان ~~عظيما , كان الموآبيون يسمونهم إمتى , فأما ساعير فكان سكانها الحورانيين ~~أولا وورثها بنو عاسو , فقوموا الآن فجوزوا وادي زرد , فجزنا وادي زرد ~~حينئذ , وكان عدد الأيام التي سرنا من رقيم إلى أن جزنا وادي زرد ثماني ~~وثلاثين سنة , حتى هلك جميع الرجال الأبطال أهل ذلك الحقب من عسكر بني ~~إسرائيل كما أقسم عليهم الرب , لأن يد الرب كانت عليهم حتى هلكوا , فلما ~~ماتوا من الشعب كلمني الرب وقال لي : أنت جائز اليوم إلى حد موآب , وتدنو ~~من حد بني عمون فلا تتعرض لهم , لست أعطيك ميراثا من أرض بني عمون , لأني ~~قد جعلتها ميراثا لبني لوط , فقم وارتحل وجز وادي أرنون , إني قد دفعت إليك ~~سيحون ملك الأمورانيين فحاربه وأهلك أصحابه , فإني أبدأ فألقي خوفك وفزعك ~~على الناس منذ يومك هذا , وعلى جميع الشعوب التي تحت السماء , حتى إذا ~~سمعوا بخبرك فرقوا وفزعوا منك , وأرسلت رسلا من برية قدموت إلى سيحون ملك ~~حجبون بكلام طيب وبالسلام , وقلت له : نجوز في أرضك ونسير في الطريق الأعظم ~~, لا نميل يمنة ولا يسرة نمتارن منكم طعاما بفضة لمأكلنا , وكذلك نبتاع ماء ~~لمشربنا بثمن , فدعونا نجز سائرين في الطريق كما صنع بنا بنو عاسو الذي في ~~ساعير , والموآبيون الذي في عار , حتى يجوز في الأردن إلى الأرض التي ~~يعطينا الله ربنا , لوم يسر سيحون ملك حجبون أن نجوز في حده , لأن الله ~~ربكم قسى قلبه وعظم روحه ليدفعه في أيديكم , وخرج إلينا هو وجيمع أجناده ~~ليحاربونا في ياهاص , فدفعه الرب إلينا ms1186 وقتلناه هو وجميع أجناده وفتحنا ~~قراه وأهلكنا كل من كان في قراه , ولم يبق منهم أحد , وأهلكنا نساءهم ~~وعيالاتهم , ولم يبق منهم أحد م نحد عروعير التي على حد وادي أرنون , ~~والقرية التي في الوادي وإلى جلعاد لم تفتنا قرية , بل دفعها الله ربنا في ~~أيدينا جميعا , فأما أرض بني عمون فلم نقربها , وكل ما كان على وادي يبوق ~~وقرى الجبال أيضا , وكل ما أمرنا الله ربنا به , ثم أقبلنا وصعدنا إلى أرض ~~متنين , وخرج إلينا عوج ملك متنين هو وكل شيعته ليحاربنا في أدرعى , وقال ~~لي الرب : لا تفرق فإني قد PageV02P436 دفعته في يديك , وأسلمت إليك كل ~~أجناده وأرضه , وقتلناهم ولم يبق منهم أحد , وظفرنا بكل قراه في ذلك الزمان ~~, ولم تفتنا قرية إلا أخذناها منهم ستين قرية , كل جبل أرجوب , كل القرى ~~التي كانت أسوارها مشيدة محصنة بالأبواب الشديدة الموثقة , وأحرمناهم كما ~~صنعنا بسيحون وأخذنا الأرض في ذلك الزمان من ملكي الأمورانيين اللذين كانا ~~عند مجاز الأردن من وادي أرنون إلى جبل حرمون , فأما الصيدانيون فكانوا ~~يدعون حرمون سريون , وأما الأمورانيون فكانوا يسمونها سنير , وأخذنا كل ~~القرى التي كانت في الصحراء وكل جلعاد وكل متنين إلى سلكة وأدرعى , جميع ~~قرى ملك عوج , لأن عوجا كان الجبار الذي بقي وحده من الجبابرة , وكان ~~سيريره من حديد , وفي مدينة بني عمون التي تسمى ربة , طوله تسع أذرع وعرضه ~~أربع أذرع بذراع الجبابرة , وورثنا بعينيك ما صنع الله ربكم بملكي ~~الأمورانيين , كذلك يصنع الرب بجميع المملكات التي تجوز إليها , لأن الله ~~ربكم هو يجاهد عنكم , وتضرعن إلى الرب في ذلك الزمان وقلت : أطلب إليك يا ~~ربي وإلهي أن تظهر لعبدك عظمتك بيدك المنيعة وبذراعك العظيمة , أي إله في ~~السماء أو في الأرض يعمل مثل أعمالك وجرائحك ! أتأذن لي الآن فأعبر وأعاين ~~الأرض المخصبة التي في مجاز الأردن , هذا الجبل المخصب ولبنان , ولم يتسجب ~~لي وقال لي الرب : حسبك ! لا تعد أن تقول هذا القول بين يدي , اصعد رأس ~~الأكمة وارفع عينيك ms1187 إلى المغرب والمشرق وإلى الجربي والتيمن , وانظر إليها ~~نظرا ولا تجز هذا الأردن , ومر يشوع وتقدم إليه وقوه وأيده , لأنه هو الذي ~~يجوز أمام هذا الشعب وهو الذي يورثهم الأرض التي تراها , ونزلنا الوادي ~~حيال بيت فغور : ثم قال : وأقسم - أي الرب - أني لا أجوز هذا الأردن ولا ~~أدخل إلى الأرض التي أعطاطم الله ربكم ميراثا , فأنا الآن متوف في هذه ~~الأرض , ولا أجوز هذا الأردن , فأما أنتم فتجوزون وترثون هذه الأرض المخصبة ~~, احفظوا لا تنسوا عهد ربكم الذي عاهدكم , ولا تفسدوا وتتخذوا أصناما ~~وأشباها , من أجل أن الله ربكم هو نار محرقة وهو إله غيور , وإذا ولد لكم ~~بنون بنين وعتقتم في الأرض واتخذتم أصناما وأشباها وارتكبتم الشر أمام الله ~~ربكم وأغضبتموه قد أشهد عيلكم السماء والأرض أنكم تهلكون سريعا من الأرض ~~التي تجوزون لترثوها , ولا تكثر أيامكم فهيا , ويبددكم الرب من بين الشعوب ~~ويبقي منكم عدد قليل بين الشعوب التي يفرقكم الرب فيها , سلوا عن الأيام ~~الأولى التي مضت قبلكم منذ يوم خلق الله الناس على الأرض من أقصى السماء ~~إلى أقطارها , هل كان مثل هذا الأمر العظيم أو سمع بمثله قط ؟ هل سمع شعب ~~آخر PageV02P437 صوت الله يكلمه من النار كما سمعتم أنتم , وجربوا الله ~~الذي اتخذهم شعبا من الشعوب بالبلايا والآيات والأعاجيب والحروب واليد ~~المنيعة والذراع العظيمة وبالمناظر العظيمة , كما صنع الله بأهل مصر تجاهكم ~~أنتم وعاينتم وعلمتم أن الله هو رب كل شيء وليس إله غيره , أسمعكم صوته من ~~السماء ليعلمكم وأراكم ناره العظيمة , وسمعتم أقاويله من النار , ولحبه ~~لآبائكم اختار نسلهم من بعدهم , وأخرجكم بوجهه من مصر بقوته العظيمة , ~~ليهلك من ين أيديكم شعوبا أعظم وأعز منكم ليدخلكم ويعطيكم أرضهم ميراثا , ~~لتعلموا يومكم هذا وتقبلوا بقلوبكم لأن الرب هو إله في السماء فوق وفي ~~الأرض أسفل , وليس إله سواه , احفظوا سننه ووصاياه التي أمركم بها يؤمكم ~~هذا لينعم عليكم وعلى أبنائكم من بعدكم ويطول مكثكم في الأرض التي عيطيكم ~~الله ربكم طول الأيام . | هذه ms1188 الشهادات والأحكام التي قص موسى على بني ~~إسرائيل حيث خرجوا من أرض مصر , فانتهوا إلى مجاز الأردن في الوادي في ~~مشارق الشمس , وإلى بحر العربة إلى سدود الفسجة , ثم قال بعد ذلك في أواخر ~~هذا السفر بعد أن قص عليهم أحكاما كثيرة وحكما عزيرة : الرب يقبل بكم إلى ~~الخير ويفرحكم كما فرح آباؤكم , وذلك إن أنتم سمعتم قول الله ربكم وحفظتم ~~سننه ووصاياه المكتوبة في هذا الكتاب من كل قلوبكم وأنفسكم , من أجل أن هذه ~~الوصية لم تخف عليكم ولم تغب , وليس هو بمستور في السماء فتقولوا : من يصعد ~~لنا إلأى السماء ويأتينا به فنسمعه وتعمل به ! وليس بغائب عنكم في أقصى ~~البحر فتقولوا : من ينزل لنا إلى البحر ويأتينا به فنسمعه ونعمل به ! ولكن ~~القول قريب من فمك وقلبك فاعمل به , وانظر أني قد صيرت بين يديك اليوم ~~الحياة والخير , فأخبرتك بالموت والشر , وأنا آمرك اليوم أن تحب الله ربك ~~وتسلك في طرقه وتحفظ سننه ووصاياه وأ ؛ كامه , لتحيى وتكثر جدا , ويبارك ~~الله ربك عليك , وينميك في الأرض التي تدخلها لترثها , وإن مال قلبك وزاغ ~~ولم تسمع وضللت وتبعت الآلهة الأخرى وسجدت لها فقد بينت لكم اليوم أنكم ~~تهلكون هلاكا , ولا يطول مكثكم في الأرض التي تجوزون الأردن لترثوها , ~~وأوعزت إليكم وناشدتكم السماء والأرض والحياة والموت - وفي نسخة : وأشهدت ~~عليكم السماء والأرض وجعلت بين يديكم الحياة والموت - وتلوت عليكم اللعن ~~والدعاء , فاختر الحياة لتحيى أنت ونسلك إذا أحببت الله ربك وسمعت قوله ~~ولحقت بعبادته , لأنه حياتك وطول عمرك , وتسكن في الأرض التي أقسم الرب ~~لآبائك ووعد إبراهيم وإسحاق ويعقوب أن يعطيك ؛ ثم انطلق موسى وكلم بني ~~إسرائيل وقص عليهم هذه الأقوال كلها وقال لهم : اليوم مائة وعشرون سنة , ~~ولست أقدر على الدخول والخروج أيضا , والرب قال : إنك لا تجوز هذا ~~PageV02P438 الأردن , فالله ربكم هو يجوز أمامكم , وهو يهلك هذه الشعوب من ~~بين أيديكم وترثونهم , ويشوع هو يجوز أمامكم كما قال الرب , وسيصنع بهم ~~الرب كما صنع بسيحون وعوج ملكي ms1189 الأمورانيين اللذين أهلكهما , ويهزمهم الله ~~ربكم من بين أيديكم , فاصنعوا بهم حينئذ ما أمرتكم به , فتقووا واعتزوا ولا ~~تخافوا ولا تفزعوا , ولا ترعب قلوبكم منهم , لأن الله ربكم سائر أمامكم , ~~لا يخذلكم ولا يرفضكم ؛ ودعا موسى يشوع بن نون وقال له بين يدي جماعة بني ~~إسرائيل : تقو واعتز , لأنك أنت الذي تدخل هذا الشعب الأرض التي أقسم الله ~~لآبائهم أن يعطيهم , وأنت تورثها أبناءهم , والرب هو يسير أمامكم وهو يكون ~~معك ولا يخذلك ولا يرفضك , فلا تخف ولا تفزع ولا يرعب قلبك ؛ وكتب موسى هذه ~~التوراة وسننها ودفعها إلى الأحبار بني لاوي الذي يحملون تابوت عهد الرب ~~وإلى جميع أشياخ بني إسرائيل ميراثا , ولتتوف هناك في الجبل اليوم وقال له ~~: اصعد إلى جبل العبرانيين هذا جبل نابو الذي في أرض موآب حيال يريحا , ~~وانظر إلى أرض كنعان التي أعطى بني إسرائيل ميراثا , ولتتوف هناك في الجبل ~~الذي تصعد إليه واجتمع إلى آبائك , كما توفي أخوك هارون في الجبل وصار إلى ~~قومه , ثم قال في آخر هذا السفر وهو آخر التوراة : فطلع موسى من عربوب - ~~وفي نسخة : من بيداء موآب - إلى جبل نبو إلى رأس الأكمة التي قبالة وجه ~~إريحا , وأراه الله جميع جلعد إلى دان وجميع أرض نفتالي وجميع أرض إفرائيم ~~ومنشا , وجميع أرض يهودا إلى آخر البحر ولابرية وما حول بقعة بلد إريحا ~~مدينة النخل إلى صاغر , فقال الرب لموسى : إن هذه هي في الأرض التي أقسمت ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب وقلت : إني لنسلكم أعطيها , قد أريتكها بعينيك , ~~فأما أنت فما تدخلها , وقضى عبد الله موسى بأرض موآب بأمر الرب , فدفن - ~~يعني في أرض موآب - حذاء بيت فاغور , ولم يعرف أحد أين قضى إلى يومنا هذا , ~~وكان موسى وقت قضى ابن مائة وعشرين سنة , لم يضعف بصره ولم يشخ جدا ؛ فناح ~~بنو إسرائيل على موسى بعربوب - وفي نسخه : في بيداء موآب - ثلاثين يوما , ~~وتمت أيام بكاء مأتم موسى ؛ وامتلأ يشوع بن نون روح الحكمة , لأن موسى وضع ~~عليه يده , وأطاع ms1190 له بنو إسرائيل وامتثلوا ما أمر الرب به موسى - انتهى ما ~~أردته من أخبار التيه وما يتصل بذلك من مساواتهم لجميع الناس في العذاب ~~بالمعاصي والإلطاف بالطاعات , الهادم لكونهم أبناء وأحباء . | وفيه مما ~~يحتاج إلى تفسير : الجربي , وهو نسبة إلى الحربياء - بكسر الجيم والموحدة , ~~بينهما مهملة ساكنة ثم تحتانية ممدودة , وهي جهة الشمال , والتيمن - بفتح ~~الفوقانية وإسكان التحتانية وضم الميم , وهو أفق اليمن الذي يقابل الشمال ~~فالمراد الجنوب , وفيه قاصمة لهم من إنكار النسخ في أمرهم بنص PageV02P439 ~~التوراة بالدخول إلى يبت المقدس ثم نهيهم عن ذلك لما عصوا , فإنه قال : ~~اصعدوا ورثوا الأرض كما قال لكم الله رب آبائكم , لا تخافوا ولا تفزغوا , ~~ولما عصوا هذا الأمر وأعلمهم موسى عليه السلام عليه السلام بغضب الله عليهم ~~وعقوبته بالتيه أرادوا امتثال الأمر في الصعود توبة , فقال لهم موسى عليه ~~السلام : وقال لي الرب : أنذرهم وقل لهم : لا تصعدوا ولا تجاهدوا لأني لست ~~بينكم , لئلا يهزمكم أعداؤكم - هذا نصه فراجعه . | وأما دخول أبنائهم إلى ~~بلاد القدس وغلبتهم على أهلها وتبسطهم في أرضها تصديقا لمواعد الله على يد ~~يشوع بن نون عليه السلام فسيذكر إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى في سورة ~~يونس عليه السلام : < # > 77 ( { ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق } ) 77 < # > [ يونس : 93 ] , ولكن أقدم هنا من أمر يوشع بعد موسى عليهما السلام - ~~والمعونة بالله - ما يبنى عليه بعض مناسبات الآية التي بعدها , قال البغوي ~~: فتوجه - يعني يوشع - ببني إسرائيل إلى أريحا ومعه تابوت الميثاق , فأحاط ~~بها ستة أشهر , ثم نفخوا في القرون وضج الشعب ضجة واحدة , فسقط سور المدينة ~~ودخلوا , فقاتلوا الجبارين فقتلوهم , وكان القتال في يوم الجمعة , فبقيت ~~منهم بقية وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت فقال : اللهم أردد الشمس علي ~~! فردت عليه وزيد في النهار ساعة , ثم قتلهم أجمعين , وتبع ملوك الشام ~~واستباح منهم واحدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع أرض الشام وفرق عماله في ~~نواحيها , وجمع الغنائم فلم تنزل النار , فأوحى الله إلى يوشع أن ms1191 فهيا ~~غلولا فمرهم فليبايعوك , فبايعوه فالتصقت يد رجل منهم بيده , فقال : هلم ما ~~عندك ! فأتاه برأس ثور من ذهب مكلل باليواقيت والجواهر , فجعله في القربان ~~وجعل الرجل معه , فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان - انتهى . | ورأيت أنا ~~في تاريخ نيوة يوشع بعد موت موسى عليهما السلام ما ربما يخالف هذا في ~~الأشهر والبلد , أما الأشهر فجلعها سبعة أيام , وأما البلدة التي وقفت عنده ~~الشمس فجبعون لا إريحا , فإنه قال ما نصه : قال الرب ليشوع : انظر , إني قد ~~دفعت في يدك إريحا وملكها وكل أجنادها , فليحط بالمدينة جميع الرجال ~~المقاتلة , ودوروا حول المدينة في اليوم مرة , وافعلوا ذلك في ستة أيام , ~~ويحمل سبعة من الكهنة سبعة أبواق ويهتفون أمام التابوت , حتى إذا كان اليوم ~~السابع دوروا حول المدينة سبع مرات , ويهتف الكهنة بالقرون , وإذا هتفت ~~الأبواق وسمعتم أصواتها يهتف جميع الشعب بأعلى أصواتهم صوتا شديدا , فيقع ~~سور المدينة مكانه , ويصعد الشعب كل إنسان حياله - انتهى . | ثم ذكر ~~امتثالهم لأمر اله وفتحهم لإريحا على ما قال الله , وأما البلدة التي ردت ~~فيها الشمس فهي جبعون , وذلك أنه ذكر بعد فتح إريحا هذه أن سكون جعبون وهم ~~الحاوانيون صالحوا يوشع بحيلة فعلوها , ثم قال : وهذه أسماء قراهم : جبعون ~~والكفيرة وبيروت ويعاريم , فلما سمع بذلك أدونصداق ملك أورشليم رق فرقا ~~PageV02P440 شديدا , لأن جبعون كانت مدينة عظيمة كمثل مدن الملك , وكان ~~أهلها رجالا جبابرة , فأرسل إلى هوهم ملك حبران - وفي موضع آخر : حبرون - ~~وإلى فرآم ملك يرموث , وإلى يافع ملك لخيس , وإلى دابير ملك عقلون - وقال ~~لي بعض اليهود : إن المراد بهذه عجلون - وقال لهم : اصعدوا لتعينوني على ~~محاربة أهل جبعون , لأنهم قد صالحوا يشوع , فاجتمع الخمسة من ملوك ~~الأمورانيين وجميع عساكرهم فنزلوا على جبعون , فأرسل أهل جبعون إلى يشوع ~~فصعد يشوع من الجلجال هو جميع أبطال الشعب , فأوحى الرب إلى يشوع : لا تخف ~~ولا تفزع منهم , لأني قد أسلمتهم في يدك , فأتاهم بغتة , لأنه صعد من ~~الجلجال الليل أجمع , فهزمهم الرب بين يدي آل إسرائيل ms1192 وجرحوا منهم جرحى ~~كثيرة في جبعون التي بحوران , وهربوا في طريق عقبة حوران ولم يزالوا يقتلون ~~منهم إلى عزيقة ومقيدة , فلما هرب الذين بقوا منهم ونزلوا عقبة حوران أمطر ~~الرب عليهم حجارة برد كبار من السماء إلى عزيقة وماتوا كلهم , فكان الذين ~~ماتوا بحجارة البرد أكثر نم الذين قتلوا , ثم قام يشوع أمام الرب مصليا في ~~اليوم الذي دفع الرب الأمورانيين في يدي بني إسرائيل وقال : أيتها الشمس ! ~~امكثي في جبعون ولا تسيري , وأنت أيها القمر ! لا تبرح قاع أيلون , فثبتت ~~الشمس وقام القمر حتى انتقم الشعب من أعدائهم ؛ فكتبت هذه الأعجوبة في سفر ~~التسابيح , لأن الشمس وقفت في وسط السماء ولم تزل إلى الغروب , وصار النهار ~~يوما تاما , ولم يكن مثل ذلك اليوم قبله ولا بعده - انتهى . | وقد ذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذه القصة , روى الشيخان : البخاري في الخمس ~~والنكاح , ومسلم في المغازي عن أبي هريرة رضي الله عنه قالك ( قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : ) غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه : لا يتبعني رجل ~~ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن بها , ولا أحد بنى بيوتا ولم ~~يرفع سقوفها , ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو يننتظر ولادها , فغزا فدنا ~~من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس : إنك مأمورة وأنا مأمور ~~, اللهم احبسها علينا ! فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم , فجاءت - ~~يعني النار - لتأكلها فلم تطعمها , فقال : إن فيكم غلولا , فليبايعني من كل ~~قبيلة رجل , فلزقت يد رجل بيده , فقال : فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك , ~~فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده , فقال : يكم الغلول , فجاؤوا برأس مثل رأس ~~بقرة من الذهب فوضعوها , فجاءت النار فأكلتها ثم أحل الله لنا الغنائم , ~~رأى بعض ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا ( وفي رواية المسند للحافظ نور الدين ~~الهيثمي عن أبي هريرة رضي الله PageV02P441 عنه قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ) إن الشمس لم يحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت ~~المقدس ms1193 ( , قال : وهو في الصحيح ولم أر فيه حصرا كما هنا ؛ وفي سيرة ابن ~~إسحاق ما ينقضه , قال : حدثنا يونس عن الأسباط بن نصر الهمداني عن إسماعيل ~~بن عبد الرحمن القرشي قال : لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر ~~قومه بالرفعة والعلامة عما في العير قالوا : فمتى تجيء ؟ قال : يوم ~~الأربعاء , فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون وقد ولى النهار ولم تجىء ~~, فدعا النبي صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس ~~, ولم ترد الشمس على أحد إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى يوشع ~~بن نون حين قاتل الجبارين يوم الجمعة . | < < # | المائدة : ( 27 - 29 ) واتل عليهم نبأ . . . . . # > > ^ ( واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ~~ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت ~~إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين * ~~إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزآء الظالمين ) ^ ~~} ) | ولما كانت قصتهم هذه - في أمرهم بالدخول إلى الأرض المقدسة لما فيها ~~من نقض العهود والتبرؤ من الله والحكم عليهم بالفسق والتعذيب - ناقضة لما ~~ادعاه اليهود من البنوة , كان ذلك كافيا في إبطال مدعى النصارى لذلك , ~~لأنهم أبناء اليهود , وإذا بطل كون أبيك ابان لأحد بطل أن تكون أنت ابنه , ~~لما كان ذلك كذلك ناسب أن تعقب بقصة ابني آدم لما يذكر , فقال تعالى عاطفا ~~على قوله : ^ ( { وإذ قال موسى } ) ^ [ المائدة : 20 ] { واتل عليهم } أي ~~على المدعوين الذين من جملتهم اليهود تلاوة , وهي من أعظم الأدلة على نبوتك ~~, لأن ذلك لا علم لك ولا لقومك به إلا من جهة الوحي { نبا ابني آدم } أي ~~خبرهما الجليل العظيم , تلاوة ملتبسة { بالحق } أي الخبر الذي يطابقه ~~الواقع إذا تعرف من كتب الأولين وأخبار الماضين كائنا ذلك النبأ { إذ } أي ~~حين { قربا } أي ابنا آدم ؛ ولما لم يتعلق الغرض في هذا المقام ببيان أي ms1194 ~~نوع قربا منه , قال : { قربانا } أي بأن قرب كل واحد منهما شيئا من شأنه أن ~~يقرب إلى المطلوب مقاربته غاية القرب . | PageV02P442 ولما كان المؤثر ~~للحسد إنما هو عدم التقبل , لا بالنسبة إلى متقبل خاص , بناه للمفعول فقال ~~: { فتقبل } أي قبل قبولا عظيما ظاهرا لكل أحد { من أحدهما } أبهمه أيضا ~~لعدم الاحتياج في هذا السياق إلى تعيينه { ولم يتقبل من الآخر } علما ذلك ~~بعلامة كانت لهم في ذلك , إما أكل النار للمقبول كما قالوه أو غير ذلك ؛ ~~ومناسبتها لما قبلها من حيث إنها أيضا ناقضة لدعواهم النبوة , لأن قابيل ~~ممن ولد في الجنة على ما قيل , ومع ذلك فقد عذب لما نقض العهد , فانتفى أن ~~يكون ابنا وكان هو وغيره شرعا واحدا دائرا أمرهم في العذاب والثواب على ~~الوفاء والنقض , من وفى كان حبيبا وليا , ومن نقض كان بغيضا عدوا , وإذا ~~انتفت البنوة عن ولد لآدم صفي الله مع كونه لصلبه لا واسطة بينهما ومع كونه ~~ولد في الجنة دار الكرامة , فانتفاؤها عمن هو أسفل منه من باب الأولى , ~~وكذا المحبة ؛ ومن المناسبات أيضا أن كفر بني إسرائيل بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم إنما هو للحسد , فنبهوا بقضة ابني آدم على أن الحسد يجر إلى ما لا ~~يرضي الله وإلى ما لا يرضاه عاقل ويكب في النار ؛ ومنها أن في قصة بني ~~إسرائيل إحجامهم عن قتال أعداء الله البعداء منهم المأمورين بقتالهم ~~الموعودين عليه بخيري الدارين , وأن الله معهم فيه , وفي قصة ابني آدم ~~إقبال قابيل على قتل أخيه حبيب الله المنهي عن قتله المتوعد بأن الله يتبرأ ~~منه إن قتله , ففي ذلك تأديب لهذه الأمة عند كل إقدام وإحجام , وتذكير ~~بالنعمة في حفظهم من مثل ذلك , وأن فيها أن موسى وهارون عليهما السلام ~~أخوان في غاية الطواعية في أنفسهما , ورحمة كل منهما للآخر والطاعة لله , ~~وقصة ابني آدم بخلاف ذلك , وفي ذلك تحذير مما جر إليه وهو الحسد , وأن في ~~قصة بني إسرائيل أنهم لما قدموا الغنائم للنار فلم تأكلها ms1195 , علم نبيهم صلى ~~الله عليه وسلم أنها لم تقبل لغلول غلوه , فاستخرجه ووضعه فيها فأكلتها , ~~ففي ذلك الاستدلال بعدم أكل النار على عدم القبول - كما في قصة ابني آدم , ~~وأن بني إسرائيل عذوبا بالمنع من بيت المقدس بالتيه . | وقابيل نفي من ~~الأرض التي كان فيها مقتل أخيه , وأن بني غسرائيل تاهوا أربعين سنة على عدد ~~الأيام التي غاب فيها نقباؤهم في جس أخبار الجبابرة , وأن قابيل حمل هابيل ~~بعد أن قتله أربعين يوما - ذكره البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ~~وقصده السباع فحمله على ظهره أربعين يوما , وكل هذه محسنات والعمدة هو ~~الوجه الأولن وأحسن منه أن يكون الأمر لموسى عليه السلام عطفا على النهي في ~~لاتاس , والمعنى أن الأرض المقدسة مكتبوة لهم كما قدمته أنت أول القصة في ~~قولك : < # > 77 ( { التي كتب الله لكم } ) 77 < # > [ المائدة : 21 ] فأنا مورثها لا محالة لأبنائهم وأنت متوف قبل دخولها ~~, وقد أجريت سنتي في ابني آدم بأنهم إذا توطنوا واستراحوا تحاسدوا , وإذا ~~تحاسدوا تدابروا فقتل PageV02P443 بعضهم بعضا , فاتل عليهم هذه القصة لتكون ~~زاجرة لهم من أن يفعلوا ذلك إذا فرغوا من الجبابرة وأبادوهم وصفت لهم ~~البلاد فتوطنوها , وأخرجت لهم بركاتها فأبطرتهم النعم , ونسوا غوائل النقم ~~؛ ويكون ذلك وعظا لهذه الأمة ومانعا من فعل مثل ذلك بعد إكمال دينهم ووفاة ~~نبيهم وإظهارهم على الدين كله , كما تقدم به الوعد لهم فقهروا العباد ~~وفتحوا البلاد وانتثلوا كنوزها وتحكموا في أموالها , فنسوا ما كانوا فيه من ~~القلة والحاجة والذلة فأبطرتهم النعم , وارتكبوا أفعال الأمم , وأعرضوا عن ~~غوائل النقم - كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( دب إليكم داء الأمم ~~قبلكم : الحسد والبغضاء , الا والبغضاء هي الحالقة , لا أقول : تحلق الشعر ~~, ولكن تحلق الدين ) أخرجه الترمذي والإمام أحمد وأبو داود الطيالسي في ~~مسنديهما والبزار - قال المندري : بإسناد جيد - والبيهقي وقال : ( لا يزال ~~الناس بخير ما لم يتحاسدوا ) رواه الطبراني وروواته ثقات , وذكر الحافظ أبو ~~الربيع بن سالم الكلاعي في القسم الثاني من سيرته في فتح ms1196 جلولاء من بلاد ~~فارس أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما أرسل الغنيمة إلى عمر رضي الله ~~عنه أقسم عمر رضي الله عنه : لا يخبأها سقف بيت حتى تقسم ! فوضعت في صحن ~~المسجد , فبات عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن أرقم رضي الله عنهما يحرسانه ~~, فلما جاء الناس كشثف عنه فنظر عمر رضي الله عنه إلى ياقوتة وزبرجدة ~~وجوهرة فبكى , فقال عبد الرحمن رضي الله عنه : ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ ~~فوالله إن هذا إلا موطن شكر ! فقال عمر : والله ما ذاك يبكيني , وتالله ما ~~أعطى الله هذا قوما إلا تحاسدوا وتباغضوا , ولا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم ~~بينهم . | PageV02P444 شرح قصة ابني آدم من التوراة , قال المترجم في أولها ~~بعد قصة أكل آدم عليه السلام من الشجرة ما نصه : فدعا آدم اسم امرأته حواء ~~من أجل أنها كانت أم كل حي , وصنع الرب لآدم وامرأته سرابيل من الجلود ~~وألبسهما , فأرسله الله من جنة عدن ليحرث الأرض التي منها أخذ , فأخرجه ~~الله ربنا , فجامع آدم امرأته حواء فحبلت وولدت قايين وقالت : لقد استفدت ~~لله رجلا , وعادت فولدت أخاه هابيل , فكان هابيل راعي غنم , وكان قايين ~~يحرث الأرض , فلما كان بعد أيام جاء قايين من ثمر أرضه بقربان لله , وجاء ~~هابيل أيضا من أبكار غنمه بقربان , فسر الله بهابيل وقربانه ولم يسر بقايين ~~وقربانه , فساء ذلك قايين جدا وهم أن يسوءه وعبس وجهه , فقال الرب لقايين : ~~ما ساءك ؟ ولم كسف وجهك ؟ إن أحسنت تقبلت منك , وإن لم تحسن فإن الخطيئة ~~رابضة على الباب وأنت تقبل إليها وهي تتسلط عليك , فقال قايين لهابيل أخيه ~~: تتمشى بنا في البقعة , فبينما هما يتمشيان في الحرث وثب قايين على أخيه ~~هابيل فقتله , فقال الله لقايين : أين هابيل أخوك ؟ لفقال : لا أدري , ~~أرقيب أنا على أخي ؟ قال الله : ماذا فعلت ! فإن دم أخيك ينادي لي من الأرض ~~, من الآن ملعون أنت نم الأرض التي فتحت فاها فقبلت دم أخيك من يدك , فإذا ~~أنت عملت في ms1197 الأرض فإنها لا عود تعطيك حراثها , وتكون فزعا تائها في الأرض ~~, فقال قايين للرب : عظمت خطيئتي من أن تغفرها , وقد أخرجتني اليوم عن وجه ~~الأرض , وأتوارى من قدامك وأكون فزعا تائها في الأرض , وكل من وجدني يقتلني ~~, فقال الله ربنا : كلا ! ولكن كذلك كل قاتل , وأما قايين فإنه يجزى بدل ~~الواحد سبعة , فخرج قايين من قدام الله فجلس في الأرض نود شرقي عدن - انتهى ~~. قال البغوي عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول : إن آدم كان ~~يغشى حواء في الجنة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت فهيا بقابيل وتوأمته - فذكر ~~قصته في النكاح وقتله لأخيه وشرب الأرض لدمه قولو قابيل لله - حين قال له : ~~إنه قتله : إن كنت قتلته فأين دمه ؟ فحرم الله على الأرض يومئذ أن تشرب دما ~~بعده أبدا - انتهى . | ولما أخبر الله تعالى بأن أحدهما فعل معه من عدم ~~القبول ما غاظه , كان كأنه قيل : فما فعل حين غضب ؟ فقيل : { قال } أي ~~لأخيه الذي قبل قربانه حسدا له { لأقتلنك } فكأنه قيل : بما أجابه ؟ فقيل : ~~نبهه أولا على ما يصل به إلى رتبته ليزول حسده بأن { قال إنما يتقبل الله } ~~أي يقبل عظيما المحيط لكل شيء قدرة وعلما الملك الذي له الكمال كله , فليس ~~هو محتاجا إلى شيء , وكل شيء محتاج إليه { من المتقين * } أي العريقين في ~~وصف التقوى , فلا معصية لهم يصرون عليها بشرك ولا غيره , فعدم تقبل قربانك ~~من نفسك لا مني , فلم تقتلني ؟ فقتلك لي مبعد لك عما حسدتني عليه . | ~~PageV02P445 ولما وعظه بما يمنعه من قتله ويقبل به على خلاص نفسه , أعلمه ~~ثانيا أن الخوف من الله منعه من أن يمانعه عن نفسه ملينا لقلبه بما هو جدير ~~أن يرده عنه خشية أن ترجه الممانعة إلى تعدي الحد المأذون فيه , لأن أخاه ~~كان عاصيا لا مشركا , فقال مؤكدا بالقسم لأن مثل ما يخبر به عظيم لا يكاد ~~يصدق : { لئن بسطت إلي } أي خاصة { يدك لتقتلني } أي لتوجد ذلك بأي وجه كان ~~, ثم بالغ في ms1198 إعلامه بامتناعه من الممانعة فقال : { ما أنا } وأغرق في ~~النفي فقال : { بباسط } أي أصلا , وقدم المفعول به تعميما , ثم خص المتعلق ~~لمناسبة الحال فقال : { يدي إليك لأقتلك } أي ي أي وقت من الأوقات , ولعله ~~أتى بالجملة الاسمية المفيدة لنفي الثبات والدوام أدبا مع الله في عدم ~~الحكم على المستقبل , ثم علله بقوله : { إني أخاف اله } أي استحضر جميع ما ~~أقدر على استحضاره من كماله , ثم وصفه بالإحسان إلى خلقه ليكون ذلك مانعا ~~له من الإساءة إلى أحد منهم فقالك { رب العالمين * } أي الذي أنعم عليها ~~بنعمة الإيجاد ثم التربية , فأنا لا أريد أن أخرب ما بنى , وهذا كما فعل ~~عثمان رضي الله عنه . | ولما كان من النهايات للواصلين إلى حضرات القدس ~~ومواطن الأنس بالله , المتمكنين في درجة الغناء عن غير الفاعل المختار أن ~~لايراد إلا ما يريد سبحانه , فإن كان طاعة أراده العبد ورضيه , وإن كان ~~معصية أراده من حيث إنه مراد الله ولم يرضه لكونه معصية , فيرضى بالقضاء ~~دون المقضي , وكأنه من الممكن القريب أن يكون هابيل قد كشف له عن أنه سبق ~~في علم الله أن أخاه يقتله , قال مرهبا له معللا بتعليل آخر صاد له أيضا عن ~~الإقدام على القتل : { إني أريد } أي بعدم الممانعة لك { إن تبوأ } أي ترجع ~~من قتلي إن قتلتني { بإثمي } أي الإثم الذي ينالك من أجل قتلك لي , ~~وبعقوبته الذي من جملته أنه يطرح عليك من سيئاتي بمقدار ما عليك من حقي إذا ~~لم تجد ما ترضيني به من الحسنات { وإثمك } أي الذي لا سبب لي فيه , وهو ~~الذي كان سببا لرد قربانك واجترائك علي وعدوانك , وأفوز أنا بأجري وأجرك , ~~أي أجري الذي لا سبب لك فيه والأجر الذي أثمره استسلامي لك وكف يدي عنك { ~~فتكون } أي أنت بسبب ذلك { من أصحاب النار } أي الخالدين فيها جزاء لك ~~لظلمك بوضعك القتل في غير موضعه , ثم بين أن هذا يعم كل من فعل هذا الفعل ~~فقال : { وذلك جزاء الظالمين * } أي الراسخين في وصف ms1199 الظلم كلهم , وأكون ~~أنا من أصحاب الجنة جزاء لي بإحساني في إيثار حياتك لإرادة المعصية من حيث ~~كونها معصية بإرادة ظهور الكفار , لما علم من أن النصر بيد الله , فهو قادر ~~على نصر الباقي بعد استشهاد الشهيد . | PageV02P446 < < # | المائدة : ( 30 - 32 ) فطوعت له نفسه . . . . . # > > ^ ( فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين * فبعث الله ~~غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال ياويلتا أعجزت أن أكون ~~مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين * من أجل ذلك كتبنا على ~~بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس ~~جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جآءتهم رسلنا بالبينات ثم ~~إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون ) ^ } ) | ولما كان هذا الوعظ ~~جديرا بأن يكون سببا لطاعته وزاجرا له عن معصيته , بين تعالى أنه قسا قلبه ~~فجعله سببا لإقدامه , فقال - مبينا بصيغة التفعيل , إذ القتل لما جعل الله ~~له من الحرمة وكساه من الهيبة لا يقدم عليه إلا بمعالجة كبيرة من النفس : { ~~فطوعت له } أي الذي لم يتقبل منه { نفسه قتل أخيه } أي فعالجته معالجة ~~كبيرة وشجعته , وسهلت له بما عندها من النفاسة على زعمها حتى غلبت على عقله ~~فانطاع لها وانقاد فأقدم عليه ؛ وتحقيق المعنى أن من تصور النهي عن الذنب ~~العقاب عليه امتنع منه فكان فعله كالعاصي عليه , ومن استولت عليه نفسه ~~بأنواع الشبه في تزيينه صار فعله له وإقدامه عليه كالمطيع له الممكن من ~~نفسه بعد أن كان عاصيا عليه نافرا عنه , ثم سبب عن هذا التطويع قولع : { ~~فقتله } وسبب عن القتل قوله : { فأصبح } أي فكان في كل زمن { من الخاسرين * ~~} أي العريقين في صفة الخسران بغضب الله عيله لاجترائه على إفساده مصنوعه , ~~وغضب أبناء جنسه عليه لاجترائه على أحدهم , وعبر بالإصباح والمراد جميع ~~الأوقات , لأن الصباح محل توقع الارتياح , قيل : إنه لم يدر كيف يقتله , ~~فتصور له إبليس في يده طائر فشدخ رأسه بحجر فقتله , فاقتدى به ms1200 قابيل , فأتى ~~هابيل وهو نائم فشدخ رأسه بحجر . | ولما كان التقدير : ثم إنه لم يدر ما ~~يصنع به , إذ كان أول ميت فلم يكن الدفن معروفا , سبب عنه قوله : { فبعث ~~الله } أي الذي له كمال القدرة والعظمة والحكمة ؛ ولما كان المعنى يحصل ~~بالغراب الباحث فقط قال : { غرابا يبحث } أي يوجد البحث وهو التفتيش في ~~التراب بتليين ما تراص منه وإزاحته من مكانه ليبقى مكانه حوزة خالية . | ~~ولما كان البحث مطلق التفتيش , دل على ما ذكرته بقوله : { في الأرض } ~~ليواري غرابا آخر مات ؛ ولما كان الغراب سبب علم ابن آدم القاتل للدفن , ~~كان كأنه بحث لأجل تعليمه فقال تعالى : { ليريه } أي الغراب يرى ابن آدم , ~~ويجوز أن يكون الضمير المستتر لله تعالى , والأول أولى لتوقيفه على عجزه ~~وجهله بأن الغراب أعلم منه وأقرب إلى الخير { كيف يواري } PageV02P447 ولما ~~كانت السوءة واجبة الستر , وكان الميت يصير بعد موته كله كله سوءة , قال ~~منبها على ذلك وعلى أنها السبب في الدفن بالقصد الأول : { سوءة } أي فضيحة ~~{ أخيه } أي أخي قابيل وهو هابيل المقتول , وصيغة المفاعلة تفيد أن الجثة ~~تريد أن يكو القاتل وراءها , والقاتل يريد كون الجثة وراءه , فيكونان بحيث ~~لا يرى واحد منهما الآخر , ولعل بعث الغراب إشارة إلى غربة القاتل باستيحاش ~~الناس منه وجعله ما ينفر عنه ويقتله كل من يقدر عليه , ومن ثم سمى الغراب ~~البين , وتشاءم به من يراه . | ولما كان كأنه قيل : إن هذا لعجب , فما قال ~~؟ قيل : { قال } الكلمة التي تستعمل عند الداهية العظيمة لما نبهه ذلك , ~~متعجبا متحيرا متلهفا عالما أن الغراب أعلم منه وأشفق , منكرا على نفسه { ~~ياويلتي } أي احضرني يا ويل ! هذا أوانك أن لا يكون لي نديم غيرك ؛ ولما ~~تفجع غاية الفجيعة وتأسف كل الأسف , أنكر على نفسه فقال : { أعجزت } أي مع ~~ما جعل لي من القوة القاطعة { أن أكون } مع ما لي من الجوارح الصالحة لأعظم ~~من ذلك { مثل هذا الغراب } وقوله مسببا عن ذلك : { فأوراي سوءة } أي عورة ~~وفضيحة { أخي } نصب ms1201 عطفا على أكون لا على جواب الاستفهام , لأنه إنكاري ~~فمعناه النفي , لأنه لم تكن وقعت منه مواراة لينكر على نفسه ويوبخها بسببها ~~, ولو كانت وقعت لم يصح إنكارها على تقدير عدم العجز الذي أفادته الهمزة { ~~فأصبح } بسبب قتله { من النادمين * } أي على ما فعل , لأنه فقد أخاه وأغضب ~~ربه وأباه , ولم يفده ذلك ما كان سبب غيظه , بل زاده بعدا , وذكر أن آدم ~~عليه السلام لما علم قتله رثاه بشعر , وعن ابن عباس رضي الله عنهما رد ذلك ~~, وأن الأنيباء عليهم السلام كلهم في النهي عن الشعر سواء , وقال صاحب ~~الكشاف : وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر , ( ولا تقتل نفس ظلما إلا ~~كان على ابن آدم هذا كفل من دمها بمن سن ) رواه مسلم وغيره عن عبد الله , ~~وكذا ( كل من سن سنة سيئة ) ولهذا قال عليه السلام ( إن PageV02P448 أخوف ~~ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون ) , وهذا لأن الآدمي لنقصانه أسرع شيء إلى ~~الاقتداء في النقائص , وهذا ما لم يتب الفاعل , فإذا تاب أو كان غير متعمد ~~للفعل كآدم عليه السلام لم يكن سانا لذلك فلا شيء عليه ممن عمل بذلك . | ~~ولما علم بهذا أن الإنسان موضع العجلة الإقدام على الموبقات من غير تأمل , ~~فكان أحوج شيء إلى نصب الزواجر , أتبعه تعالى قوله : { من أجل ذلك } أي من ~~غاية الأمر الفاحش جدا ومدته وعظم الأمر وشدة قبحه في نفسه وعند الله وصغره ~~عند القاتل وحبسه ومنعه وجنايته وإثارته وتهييجه وجرأة الإنسان على العظائم ~~بغير تأمل { كتبنا } أي بما لنا من العظمة ليفيد ذلك عظمة المكتوب والتنبيه ~~على ما فيه من العجز ليفيد الانزجار { على بني إسرائيل } أي أعلمناهم بما ~~لنا من العناية بهم في التوراة التي كتبناها لهم , ويفهم ذلك أيضا أنهم أشد ~~الناس جرأة على القتل , ولذلك كانوا يقتلون الأنيباء , فأعلمهم الله بما ~~فيهم من التشديد , ولما علم من الأدميين - لا سيما هم - من الجرأة عليه , ~~ليقيم عليهم بذلك الحجة على ما يتعارفونه بينهم , ويكف عن القتل من ms1202 سبقت له ~~منه العناية بما يتصور من فظاعة القتل , وقبح صورته وفحش أمره , وعبر بأداة ~~الاستعالء التي هي للحتم من الوجوب والحرمة , لأن لاسياق للزجر , فهي تفهم ~~المناع عن الإقدام على القتل في هذا المقام { أنه من قتل نفسا } أي من ابني ~~آدم , وكأنه أطلق تعظيما لهم إشارة إلى أن غيرهم جماد { بغير نفس } أي نم ~~ابني آدم , وكأنه أطلق تعظيما لهم بها فاستباح قتلها لتلك النفس التي ~~قتلتها { أو } قتلها بغير { فساد } وقع منها . | ولما كانت الأرض - مع أنها ~~فراشنا فهي محل التوليد والتربية والتنمية - دار الكدر , وكان فساد من أفسد ~~فراشه الموصوف - لا سيما وهو في كدر - دالا على سوء جبلته , وكان سوء ~~الجبلة موجبا للقتل , قال : { في الأرض } أي يبيح ذلك الفساد دمها كالشرك ~~والزنا بعد الإحصان وكل ما يبيح إراقة الدم , وقد علم بهذا أن قصة ابني آدم ~~مع شدة التحامها بما قبل توطئة لما بعد , وتغليظ أمر القتل تقدم عن التوراة ~~في سورة البقرة , وقوله : { فكأنما قتل الناس جميعا } من جملة الأدلة ~~المبطلة لما ادعوا من البنوة , إذ معناه أن الناس شرع واحد من جهة نفوسهم ~~متساوون فيها . | كلهم أولاد آدم , لا فضل لأحد منهم على آخر في أصل تحريم ~~القتل بغير ما ذكر من الموجب من قصاص أو فساد لا من بني إسرائيل ولا من ~~غيرهم , وذلك كما قال تعالى في ثاني PageV02P449 النقوض < # > 77 ( { بل أنتم بشر ممن خلق } ) 77 < # > [ المائدة : 18 ] فصار من قتل نفسا واحدة بغير ما ذكر فكأنما حمل إثم ~~من قتل الناس جميعا , لأن اجتراءه على ذلك أوجب اجتراء غيره , ومن سن سنة ~~كان كفاعلها { ومن أحياها } أي بسبب من الأسباب كعفو , أو إنقاذ من هلكة ~~كغرق , أو مدافعة لمن يريد أن يقتلها ظلما { فكأنما أحيا } أي بذلك الفعل ~~الذي كان سببا للأحياء { الناس جميعا } أي بمثل ما تقدم في القتل , والآية ~~دالة على تعليمه سبحانه لعباده الحكمة , لما يعلم من طباعهم التي خلقهم ~~عليها ومن عواقب الأمور - لا على ms1203 أنه يجب عليه - رعاية المصلحة , ومما يحسن ~~إيارده هاهنا ما ينسب إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه , ~~ورأيت من ينسبه للشافعي رحمه الله تعالى : | الناس من جهة التمثال أكفاء ~~أبوهم آدم والأم حواء نفس كنفس وأرواح مشاكلة وأعظم خلقت فيهم وأعضاء فإن ~~يكن لهم في أصلهم حسب يفاخرون به فالطين والماء ما الفخر إلا لأهل العلم ~~إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرىء ما ان يحسنه وللرجال ~~علىالأفعال أسماء وضد كل امرىء ما كان يجهله والجاهلون لأهل العلم أعداء ~~ففز بعلم تعش حيا به أبدا فالناس موتى وأهل العلم أحياء | ولما أخبر سبحانه ~~أنه كتب عليهم ذلك , أتبعه حالا منهم دالة على أنهم بعيدون من أن يكونوا ~~أبناء وأحباء فقال : { ولقد } أي والحال أنهم قد { جاءتهم رسلنا } أي على ~~ما لهم من العظمة بإضافتهم إلينا واختيارنا لهم لأن يأتوا عنا , فهم لذلك ~~أنصح الناس وأبعدهم عن الغرض وأجلهم وأجمعهم للكمالات وأرفعهم عن النقائص , ~~لأن كل رسول دال على مرسله { بالبينات } أي الآيات الواضحة للعقل أنها من ~~عندنا , آمره لهم بكل خير , زاجرة عن كل ضير , لم نقتصر في التغليظ في ذلك ~~على الكتاب بل وأرسلنا الرسل إليهم متواترة . | ولما كان وقوع الإسراف - ~~وهو الإبعاد عن حد الاعتدال في الأمر منهم بعد ذلك - بعيدا - عبر بأدة ~~التراخي مؤكدا بأنواع التأكيد فقال : { ثم إن كثيرا منهم } أي بني إسرائيل ~~, وبين شدة عتوهم بإصرارهم خلفا بعد سلف فلم يثبت الجار فقال : { بعد ذلك } ~~أي البيان العظيم والزجر البليغ بالرسل والكتاب { في الأرض } أي التي هي مع ~~كونها فراشا لهم - ويقبح على الإنسان أن يفسد فراشه - شاغلة - لما فيها من ~~عظائم الكدورات وترادف القاذورات - عن الكفاف فضلا عن الإسراف { لمسرفون * ~~} أي عريقون في الإسراف بالقتل وغيره . | PageV02P450 < < # | المائدة : ( 33 - 35 ) إنما جزاء الذين . . . . . # > > ^ ( إنما جزآء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن ~~يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك ~~لهم ms1204 خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم * إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم * ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون ) ^ } ) | ولما كان ~~هذا الإسراف بعد الموانع محاربة للناهي عنه , وكان تارة يكون بالقتل وتارة ~~بغيره , وكان ربما ظن أن عذاب القاتل يكون بأكثر من القتل لكونه كمن قتل ~~الناس جميعا , وصل به سبحانه قوله على طريق الحصر : { إنما جزاؤا } وكان ~~الأصل : جزاؤهم , ولكن أ { يد تعليق الحكم بالوصف والتعميم فقال : { الذين ~~يحاربون الله } وكان الأصل : الملك الأعظم الذي لا كفوء له { ورسوله } أي ~~بمحاربة من نهيا عن محاربته بقطع الطريق وهم مسلمون , ولهم منعة ممن أرادهم ~~, ويقصدون المسلمين في دمائهم وأموالهم سواء كانوا في البلد أو خارجها . | ~~ولما كان عباد الرحمن يمشون على الأرض هونا , أعلم أن هؤلاء عماد الشيطان ~~بقوله : { ويسعون في الأرض } ولما كان هذا ظاهرا في الفساد , صرح به في ~~قوله : { فسادا } أي حال كونهم ذوي فساد , أو للفساد , ويجوز أن يكون مصدرا ~~ليسعون - على المعنى , ولما كان تأفعالهم مختلفة , فسم عقوبتهم بحسبها فقال ~~: { أن يقتلوا } أي إن انت جريمتهم القتل فقط , لأن القتل جزاؤه القتل , ~~وزاد . | لكونه في قطع الطريق - صيرورته حتما لا يصح العفو عنه { أو يصلبوه ~~} أي مع القتل إن ضموا إلى القتل أحد المال , بأن يرفع المصلوب على جذع , ~~ومنهم من قال : يكون ذلك وهو حي , فحينئذ تمد يداه مع الجذع , والأصح عند ~~الشافعية أنه يقتل ويصلى عليه ثم يرفع على الجذع زمنا يشيع خبره فيه لينزجر ~~غيره , ولا يزاد على ثلاثة أيام { أو تقطع أيديهم } أي اليمنى بأخذهم المال ~~من غير قتل { وأرجلهم } أي اليسرى لإخافة السبيل , وهذا معنى قوله : { من ~~خلاف } أي إن كانت الجريمة أخذ المال فقط { أو ينفوا من الأرض } أي ~~بالإخافة والإزعاج إن لم يقعوا في قبضة الإمام ليكونوا منتقلين من بلد إلى ~~آخر ذعرا وخوفا , وبالحبس إن وقعوا في القبضة , وكانوا قد كثروا ms1205 سواد ~~المحاربين وما قتلوا ولا أخذوا مالا { ذلك } أي النكل الشديد المفصل إلى ما ~~ذكر { لهم } أي خاصا بهم { خزي } أي إهانة وذل بإيقاعه بهم { في الدنيا } ~~أي ليرتدع بهم غيرهم { ولهم } أي إن لم يتوبوا { في الآخرة } أي التي هي ~~موطن الفصل بإظهار العدل { عذاب عظيم } أي هو بحيث لا يدخل تحت معارفكم ~~أكثر من وصفه بالعظم . | PageV02P451 ولما كان التعبير ب ( إنما ) يدل بختم ~~الجزاء على هذا الوجه , استثنى من المعاقبين هذه العقوبة بقوله : { إلا ~~الذين تابوا } أي رجعوا عما كانوا عليه من الحاربة خوفا من الله تعالى , ~~ولذا قال : { من قبل } وأثبت الجار إشارة إلى القبول وإن طال زمن المعصية ~~وقصر زمن التوبة { أن تقدروا عليهم } أي فإ , تحتم الجزاء المذكور يسقط , ~~فلا يجازون على ما يتعلق بحقوق الآدمي إلا إذا طلب صاحب الحق , فإن عفا كان ~~له ذلك , وأما حق الله تعالى فإنه يسقط , وإلى هذا الإشارة أيضا بقوله ~~تعالى : { فاعلموا أن الله } أي على ما له من صفات العظمة { غفور رحيم * } ~~أي صفته ذلك أزلا وأبدا , فهو يفعل منه ما يشاء لمن يشاء , وأفهمت الآية أن ~~التوبة بعد القدرة لا يسقط شيئا من الحدود . | ولما ذكر تعالى حكمهم عند ~~التوبة , وختم الآية بما يناسب من الغفران والرحمة , وكان ذلك ربما كان ~~جزاء من لم يرسخ قدمه في الدين على جنابه المتعالي , أتبع ذلك الأمر ~~بالتقوى وجهاد كل من أفسد بقطع الطريق أو الكفر أو غيره فقال على وجه ~~الاستنتاج مما قبله : { ياأيها الذين آمنوا } أي وجد منهم الإقرار بالإيمان ~~{ اتقوا الله } أي اجعلوا بينكم وبين ما سمعتم من وعيده للمفسدين وقاية ~~تصديقا لما أقررتم به , لما له سبحانه من العظمة التي هي جديرة بأن تخشى ~~وترجى لجمعها الجلال والإكرام . | ولما كانت مجامع التكليف منحصرة يف تخل ~~من فضائح المنهيات وتحل بملابس المأمورات , وقدم الأول لأنه من درء المفاسد ~~, أتبعه الثاني فقال : { وابتغوا } أي اطلبوا طلبا شديدا { إليه } أي خاصة ~~{ الوسيلة } أي التقريب بكل ما يوصل إليه ms1206 من طاعته , ولا تيأسوا وإن عظمت ~~ذنوبكم لأنه غفور رحيم . | ولما كان سببحانه قد قدم أوامر ونواهي , وكان ~~الاستقراء قد أبان الناس عند الأمر والنهي بين مقبل ومعرض , وكان قد أمر ~~المقبل بجهاد المعرض , وكان للجهاد . | بما له من عظيم النفع وفيه من ~~المشقة - مزيد خصوصية , أفرد بالذكر تأكيدا لما مضى منه وإعلاما بأنه ~~للعاصي مطلقا سواء كان بالكفر أو بغيره فقال : { وجاهدوا في سبيله } أي ~~لتكون كلمته هي العليا { لعلكم تفلحون * } أي لتكون حالكم حال من يرجى نيله ~~لكل ما يطلبه , وهذا شامل لكل أمر بمعروف ونهي عن منكر في أعلى درجاته ~~وأدناها . | < < # | المائدة : ( 36 - 39 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > ^ ( إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا ~~به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم * يريدون أن يخرجوا من ~~النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم * والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما جزآء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم * فمن تاب من بعد ~~ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم ) ^ } ) | PageV02P452 ~~ولما كان ترك هذه الأوصاف الثلاثة : التقوى وطلب الوسيلة والجهاد مزيلا ~~للوصف الأول وهو الإيمان , ناسب كل المناسبة تحذيرا من تركها ذكر حال ~~الكفار وأنه لا تنفعهم وسيلة في تلك الدار فقال معللا لما قبله : { إن ~~الذين كفروا } أي بترك ما في الآية السابقة , ورتب الجزاء عن الماضي زيادة ~~في التحذير { ولو أن لهم ما في الأرض } وأكد ما أفهمه الكلام من استغراق ~~الظرف والمظروف فقال : { جميعا } أي مما كان يطلب منهم شيء يسير جدا منه , ~~وهو الإذعان بتصديق الجنان إنفاق الفضل من المال , وزاد الأمر هولا بقوله : ~~{ ومثله } ولما كان لدفع الفداء جملة ما ليس له مفرقا قال { معه } ولما كان ~~المقصود تحقير ذلك بالنسبة إلى عظمة يوم التغابن وإن كان عند الكفار الذين ~~جعلوا غاية أمرهم الحياة الدنيا أعظم ما يكون , والإفهام بأن المراد بالمثل ~~الجنس ليشمل ما عساه أن يفرض من الأمثال , أعاد الضمير ms1207 على هذين الشيئين ~~على كثرتهما وعظمتهما مفردا , فقال معبرا بالمضارع الدال على تجديد الرغبة ~~في المسألة على سبيل الاستمرار ولأن السياق للمتصفين بالكفر والمحاربة لله ~~ولرسوله صلى الله عليه وسلم والسعي في الأرض بالفساد , ولذلك صرح بنفي ~~القبول على الهيئة الآتية : { ليفتدوا به } أي يجدوا الافتداء في كل لحظة , ~~أي بما ذكر { من عذاب يوم القيامة } ولما كان المراد تهويل الأمر برده , ~~وكان ذلك يحصل بغير تعيين الراد , قال : { ما تقبل منهم } بالبناء للمفعول ~~, أي على حالة من الحالات وعلى يد من كان , لأن المدفوع إليه ذلك تام ~~القدرة وله الغنى المطلق . | ولما كان من النفوس ما هو سافل لا ينكبه الرد ~~, وكان الرد لأجل إمضاء المعد من العذاب , قال مصرحا بالمقصود : { ولهم } ~~أي بعد ذلك { عذاب أليم * } أي بالغ الإيجاع بما أوجعوا أولياء الله بسترهم ~~لما أظهروا من شموس البيان , وانتهكوا من حرمات الملك الديان . | ثم علل ~~شدة إيلامه بدوامه فقال : { يريدون أن يخرجوا } أي يكون لهم خروج في وقت ما ~~إذا رفعهم اللهب إلى أن يكاد أن يلقيهم خارجا { من النار } ثم نفى خروجهم ~~على وجه التأكيد الشديد فقال : { وما هم } وأغرق في النفي بالجار واسم ~~الفاعل فقال : { بخارجين منها } أي ما يثت لهم خروج أصلا , ولعله عبر في ~~النفي بالاسمية إشارة إلى أنه يتجدد لهم الخروج من الحرور إلى الزمهرير , ~~فإن سمى أحد ذلك خروجا فهو غير مرادهم . | ولما كان المعذبون في دار ربما ~~دام لهم المكث فيها وانقطع عنهم العذاب قال : { ولهم } أي خاصة دون عصاة ~~المؤمنين { عذاب } أي تارة بالحر وتارة بالبرد وتارة بغيرهما , دائم ~~الإقامة لا يبرح ولا يتغير { مقيم * } PageV02P453 ولما كانت السرقة من ~~جملة المحاربة والسعي بالفساد , وكان فاعلها غير متق ولا متوسل , عقب بها ~~فقال : { والسارق } الآخذ لما هو في حرز خفية لكونه لا يستحقه { والسارقة } ~~أي كذلك ؛ ولما كان التقدير : وهما مفسدان , أو حكمهما فيما يتلى عليكم , ~~سبب عنه قوله : { فاقطعوا } وال . | قال المبرد - للتعريف بمعنى : الذي , ~~والفاء للسبب كقولك : الذي ms1208 يأتيني فله كذا كذا درهم { أيديهما } أي الأيامن ~~من الكوع إذا كان المأخوذ ربع دينار فصاعدا من جرز مثله من غير شبهة له فيه ~~- كما بين جميع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم - ويرد مع القطع ما سرقه ؛ ثم ~~علل ذلك بقوله : { جزاء بما كسبا } أي فعلا من ذلك , وإدالته على أدنى وجوه ~~السرقة وقاية للمال وهوانا لها للخاينة , وديتها إذا قطعت في غير حقها ~~خمسمائة دينار وقاية للنفس من غير أن ترخصها الخيانة , ثم علل هذا الجزاء ~~بقوله : { نكالا } أي منعا لهما كما يمنع القيد { من الله } أي الذي له ~~جميع العظمة فهو المرهوب لكل مربوب , وأعاد الاسم الأعظم تعظيما للأمر فقال ~~: { والله } أي الذي له جميع صفات الكمال { عزيز } أي في انتقامه فلا ~~يغالبه شيء { حكيم * } أي بالغ الحكم والحكمة في شرائعه , فلا يستطاع ~~الامتناع من سطوته ولا نقض شيء يفعله , لأنه يضعه في أتقن مواضعه . | ولما ~~ختم بوصفي العزة والحكمة , سبب عنهما قوله : { فمن تاب } أي ندم وأقلع , ~~ودل على كرمه بالقبول في أي وقت وقعت التوبة فيه ولو طال زمن المعصية ~~بإثبات الجار فقال : { من بعد } وعدل عن أن يقول ( سرقته ) إلى { ظلمه } ~~تعميما للحكم في كل ظلم , فشمل ذلك فعل طعمة وما ذكر بعده مما تقدم في ~~النساء وغير ذلك من كل ما يسمى ظلما { وأصلح } أي أوجد الإصلاح وأوقعه برد ~~الظلامة والثبات على الإقلاع { فإن الله } أي بما له من كمال العظمة { يتوب ~~عليه } أي يقبل توبته ويرجع به إلى أتم ما كان عليه قبل الظلم من سقوط عذاب ~~الآخرة دون عقاب الدنيا , رحمة من الله له ورفقا به وبمن ظلمه وعدلا بينهما ~~, لا يقدر أحد أن يمنعه من ذلك ولا يحول بينه وبينه لحظة ما ؛ ثم علل ذلك ~~بقوله : { إن الله } أي الذي له الكمال كله أزلا وأبدا { غفور رحيم * } أي ~~بالغ المغفرة والرحمة , لا مانع له من ذلك ولا من شيء منه ولا من شيء يريد ~~فعله , بل هو فعال لما يريد ms1209 , والآية معطوفة على آية المحاربين وإنما فصل ~~بينهما بما تقدم لما ذكر من العلة الطالبة لمزيد العناية به . | < < # | المائدة : ( 40 - 41 ) ألم تعلم أن . . . . . # > > ^ ( ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشآء ويغفر لمن ~~يشآء والله على كل شيء قدير * يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا ~~PageV02P454 سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد ~~مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله ~~فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ~~لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان معنى ذلك أنه لا اعتراض عليه سبحانه في شيء من ذلك ولا مانع ~~, لأن قدرته تامة , ليس هو كمن يشاهد من الملوك الذين ربما يعجزون نم ~~اعتراض أتباعهم ورعاياهم عن تقريب بعض ما لم يباشر اساءة , وإبعاد بعض من ~~لم يباشر إحسانا , فكيف بغير ذلك ! قال تعالى مقررا لذلك بتفرده في الملك : ~~{ ألم تعلم أن الله } أي الذي له جميع العز { له ملك السموات } أي على ~~علوها وارتفاع سمكها وانقطاع أسباب ما دونها منها { والأرض } أي أن الملك ~~خالص له عن جميع الشوائب . | ولما كان إيقاع النقمة أدل على القدرة , وكان ~~السياق لها لما تقدم من خيانة أهل الكتاب وكفرهم وقصة ابني آدم والسرقة ~~والمحاربة وغير ذلك , قدم قوله معللا لفعل ما يشاء بتمام الملك لا بغيره من ~~رعاية لمصالح أو غيرها : { يعذب من يشاء } أي من بني يقبح منه شيء { ويغفر ~~لمن يشاء } أي وإن كان عمله موبقا , لأنه لا يتصور منه ظلم ولا يسوغ عليه ~~اعتراض . | ولما كان التقدير : لأنه قادر على ذلك , عطف عليه قوله : { ~~والله } أي الذي له الإحاطة بكل كمال { على كل شيء } أي شيء { قدير * } أي ~~ليس هو كغيه من الملوك الذي قد يعجز أحدهم عن تقريب ابنه وتبعيد أعدى ms1210 عدوه ~~, وهذه القضية الضرورية ختم بها ما دعت المناسبة إلى ذكره من الأحكام , وكر ~~بها على أتم انتظام إلى أوائل نقوض دعواهم في قوله < # > 77 ( { بل أنتم بشر ممن خلق } ) 77 < # > [ المائدة : 18 ] ولما تقرر ذلك , كان من غير شك علة بعدم الحزن على ~~شيء من أمرهم ولا من أمر غيرهم ممن عصي شيئا من هذه الأحكام , كما قال ~~تعالى : < # > 77 ( { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب منقبل أن ~~نبرأها } ) 77 < # > [ الحديد : 22 ] إلى أن قال : < # > 77 ( { لكيلا تأسوا على ما فاتكم } ) 77 < # > [ الحديد : 23 ] , فقوله : { ياأيها الرسول } أي المبلغ لما أرسل به - ~~معلول لما قبله . | وأدل دليل على ذلك قوله تعالى { ومن يرد اله فتنته فلن ~~تملك له من الله شيئا } { ولا يحزنك } أي لا يوقع عندك شيئا من الحزن صنع { ~~الذين يسارعون في الكفر } أي يفعلون في إسراعهم يف الوقوع فيه غاية الإسراع ~~فعل من PageV02P455 يسابق غيره , وفي تبيينهم بالمنافقين وأهل الكتاب بشارة ~~بإتمام النعمة على العرب بدوام إسلامهم ونصرهم عليهم , وقدم أسوأ القسمين ~~فقال : { من الذين قالوا آمنا } ولما كان الكلام هو النفسي , أخرجه بتقييده ~~بقوله : { بأفواههم } معبرا لكونهم منافقين بما منه ما هو أبعد عن القلب من ~~اللسان , فهم إلى الحيوان أقرب منهم إلى الإنسان , وزاد ذلك بيانا بقوله : ~~{ ولم تؤمن قلوبهم } ولما بين المسارعين بالمنافقين , عطف عليهم قسما آخر ~~هم أشد الناس مؤاخاة لهم فقال : { ومن الذين هادوا } أي الذين عرفت قلوبهم ~~وكفرت ألسنتهم تبعا لمخالفة قلوبهم لما تعف عنادا وطغيانا , ثم أخبر عنهم ~~بقوله : { سماعون } أي متقبلون غاية التقبل بغاية الرغبة { للكذب } أي من ~~قوم من المنافقين يأتونك فينقلون عنك الكذب { سماعون لقوم آخرين } أي الصدق ~~, ثم وصفهم بقوله : { لم يأتوك } أي لعلة , وذكر الضمير لإرادة الكلام , ~~لأن المقصود البغض على نفاقهم { يحرفون الكلم } أي الذي يسمعونه عنك على ~~وجهة فيبالغون في تغييره وإمالته بعد أن يقيسوا المعنيين : المغير والمغير ~~إليه , واللفظين فلا يبعدوا به , بل يأخذون بالكلم ms1211 عن حده وطرفه إلى حد آخر ~~قريب منه جدا , ولذلك , أثبت الجار فقال : { من بعد } أي يثبتون الإمالة من ~~مكان قريب من { مواضعه } أي النازلة عن رتبته بأن يتأولوه على غير تأويله , ~~أو يثبتوا ألفاظا من الحرف وهو الحد والطرف , وانحرف عن الشيء : مال عنه , ~~قال الصغاني : وتحريف الكلام عن مواضعه : تغييره , وقال أبو عبد الله ~~القزاز : والتحريف والتفعيل , من : انحرف عن الشيء . | إذا مال ، فمعنى ~~حرفت الكلام : أزلته عن حقيقة ما كان عليه | في المعنى ، وأبقيت له شبه ~~اللفظ ، ومنه قوله تعالى { يحرفون الكلم } ، وذلك أن اليهود كانت تغيير ~~معاني التوراة بالأشباه ، وفي الحديث ' يسلط عليهم طاعون يحرف عن جهته ، أي ~~بالتخفيف مثل : حرفته ، والمحارفة : المقايسة ، من المحراف وهو الميل الذي ~~يقاس به الجراح . انتهى . فالآية من الاحتباك : حذف منها أولا الإتيان ~~وأثبت عدمه ثانيا للدلالة عليه ، وحذف منها ثانيا الصدق ودل بإثبات ضده ~~الكذب في الأولى . | ولما كان كأنه قيل : | ولملا كان كأنه قيل : ما غرضهم ~~بإثبات الكذب وتحريف الصدق ؟ قال : { يقولون } أي لمن يوافقهم { إن أوتيتم ~~} أي من أي مؤت كان { هذا } أي المكذوب والمحرف { فخذوه } أي اعملوا به { ~~وإن لم تؤتوه } أي بأن أوتيتم غيره أو سكت عنكم { فاحذروا } أي بأن تؤتوا ~~غيره فتقبلوه . PageV02P456 ولما كان التقدير : فأولئك الذين أراد الله ~~فتنتهم ، عطف عليه قوله { ومن يرد الله } أي الذي له الأمر كله { فتنته } ~~أي أن يحل به يحل به ما يميله عن وحه سعادته بالكفر حقيقة أو مجازا { فلن ~~تملك له من الله } أي الملك ذلك أنت وأنت أقرب الخلق إلى الله فمن يملكه . ~~| ولما كان هذا ، أنتج لا محالة : { أولئك } أي البعداء من الهدى { الذين ~~لم يرد الله } أي وهو الذي لا راد لما يريده ولا فاعل لما يرده ، فهذه أشد ~~الآيات على المعتزلة { أن يطهر قلوبهم } أي بالإيمان ، والجملة كالعلة ~~لقوله { فلن تملك له من الله شيئا } ولما ثبت أن قلوبهم نجسة ، أنتج ذلك ~~قوله { لهم في الدنيا خزي } أي بالذل والهوان ، أما ms1212 المنافقون فبإظهار ~~الأسرار والفضائح الكبار وخوفهم من الدمار ، وأما الييهود فبيان أنهم حرفوا ~~وبدلوا وضرب الجزية عليهم وغير ذلك من الصغار { ولهم في الآخرة } التي من ~~خسرها فلا ربح له بوجه ما { عذاب عظيم } أي لعظيم ما ارتكبوه من هذه ~~المعاصي المتضاعفة . < < # | المائدة : ( 42 - 43 ) سماعون للكذب أكالون . . . . . # > > ^ ( سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جآءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ~~وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب ~~المقسطين * وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ~~ذلك ومآ أولئك بالمؤمنين ) ^ } ) | ولما ذكر التحريف , ذكر أثره وهو الحكم ~~به فقال مكررا لوصفهمزيادة في توبيخهم وتقبيح شأنهم : { سماعون } أي هم في ~~غاية الشهوة والانهماك في سماعهم ذلك { للكذب أكالون } أي على وجه المبالغة ~~{ للسحت } أي الحرام الذي يسحت البركة أي يستأصلها , وهو كل ما لا يحل كسبه ~~, وذلك أخذهم الرشى ليحكموا بالباطل على نحو ما حرفوه وغيره من كلام الله , ~~قال الشيخ أبو العباس المرسي : ومن آثر نم الفقراء السماع لهواه , وأكل ما ~~حرمه مولاه , فقد استهوته نزعة يهودية , فإن القوال يذكر العشق والمحبة ~~والوجد وما عنده منها شيء . | ولما كانوا قد يأخذون الرشوة ولا يقدرون على ~~إبرام الحكم بما أرادوه , فيطمعون في أن يفعلوا ذلك بواسطة ترافعهم إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيترافعون إليه , فإن حكم بينهم بما أرادوا قبلوه ~~واحتجوا به على من لعله يخالفهم , وإن حكم بما لم يريدوه قالوا : ليس هذا ~~في ديننا - طمعا في أن يخليهم فلا يلزمهم بما حكم , أعلمه الله تعالى بما ~~يفعل في أمرهم , وحذره غوائل مكرهم , فقال مفوضا الخيرة إليه في أمر ~~المعاهدين إلى مدة - PageV02P457 وأما أهل الجزية فيجب الحكم بينهم إذا ~~ترافعوا إلى حاكمنا - مسببا عن أكلهم الحرام وسماعهم الكذب : { وإن } دالا ~~بعطفه على غير معطوف عليه أن التقدير : فإن حكمت بينهم لم ينفعوك شيئا ~~لإقبالك عليهم , قال : وإن { تعرض عنهم } أي الكفرة كلهم من المصارحين ~~والمنافقين { فلن يضروك شيئا } أي إعراضك ms1213 عنهم واستهانتك بهم . | ولما كان ~~التخيير غير مراد الظار في جواز الحكم بينهم عند الترافع إلينا وعدمه , بل ~~معناه عدم المبالاة بهم , أعرض عنهم أولا , فحقيقته بيان العاقبة على ~~تقديري الفعل والترك , علمه كيف يحكم بينهم , فقال عاطفا على ما قدرته : { ~~وإن حكمت } أي فيهم { فاحكم } أي أوقع الحكم { بينهم بالقسط } أي العدل ~~الذي أراكه الله - على أن الآية ليست في أهل الذمة , والحكم في ترافع ~~الكفار إلأينا أنه كان منهم أو من أحدهم التزام لأحكامنا أم منا التزام ~~للذب عنهم وجب , لقوله تعالى { فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ~~} وإلا لم يجب , ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { ~~يحب المقسطين } أي الفاعلين للعدل السوي من غير حيف أصلا . | ولما كان ~~التقدير : فكيف يحكمونك وهم يكذبونك ويدعون أنك مبطل , عطف عليه قوله معجبا ~~منهم موبخا لهم : { وكيف يحكمونك } أي في شيء من الأشياء { وعندهم } أي ~~والحال أنه عندهم { التوراة } ثم استأنف قوله : { فيها حكم الله } أي الذي ~~لا يداني عظمته عظمة وهو الذي كان مقررا في شرعهم أنه لا يسوغ خلافه , فإن ~~كانوا يعتقدون ذلك إلى الآن لم يجز لهم العدول إليك على زعمهم , وإن كانوا ~~لا يعتقدونه ويعتقدون أن حكمك هو الحق ولم يؤمنوا بك كانوا قد آمنوا ببعض ~~وكفروا ببعض . | ولما كان الإعراض عن حكمه سبحانه عظيما , وكان وقوعه ممن ~~يدعي أنه مؤمن به بعيدا عظيما شديدا , قال : { ثم يتولون } أي يكلفون ~~أنفسهم الإعراض عنه سواء تأيد بحكمك به أو لا لأجل الأعراض الدنيوية , ولما ~~كان المراد بالحكم الجنس , وكانوا يفعلون بعض أحكامها فلم يستغرق زمان ~~توليهم زمان البعد , أدخل الجار لذلك فقال : { من بعد ذلك } أي الأمر ~~العالي وهو الحكم الذي يعلمون أنه حكم الله , فلم يبق تحكيمهم لك من غير ~~إيمان بك إلا تلاعبا . | PageV02P458 ولما كان التقدير : فما أولئك ~~بالمريدين للحق في ترافعهم إليك , عطف عليه قوله : { وما أولئك } أي ~~البعداء من الله { بالمؤمنين * } أي العريقين في صفة الإيمان ms1214 بكتابهم ولا ~~بغيره مما يستحق الإيمان به , لأنهم لو كانوا عريقين في ذلك آمنوا بك لأن ~~كتابهم دعا إليك . | < < # | المائدة : ( 44 ) إنا أنزلنا التوراة . . . . . # > > ^ ( إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا ~~للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه ~~شهدآء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم ~~بمآ أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ^ } ) | ولما تضمن هذا مدح التوراة , ~~صرح به فقال تأكيدا لذمهم في الإعراض عما دعت إليه من أصل وفرع , وتحذيرا ~~من مثل حالهم : { إنا أنزلنا } أي على ما لنا من العظمة { التوراة } ثم ~~استأنف قوله معظما لها : { فيها هدى } أي كلام يهدي بما يدعو إليه إلى طريق ~~الجنة { ونور } أي بيان لا يدع لبسا , ثم استأنف المدح للعاملين بها فقل : ~~{ يحكم بها النبيون } ووصفهم بأعلى الصفات وذلك الغنى المحض , فقال مادحا ~~لا مقيدا : { الذين أسلموا } أي أعطوا قيادهم لربهم سبحانه حتى لم يبق لهم ~~اختيار اصلا , وفيه تعريض بأن اليهود بعداء من الإسلام وإلا لاتبعوا ~~أنبياءهم فيه , فكانوا يؤمنون بكل من قام الدليل على نبوته . | ولما كان ~~المعلوم أن حكمهم بأمر الله لهم باتباع التوراة ومراعاتها , علم أن لاتقدير ~~: بما استحفظوا من كتاب الله , فحذف لدلالة ما يأتي عليه وإشعار الإسلام به ~~, ثم بين المحكوم له تقييدا به إشارة إلى أنها ستنسخ فقال : { للذين هادوا ~~} أي لمن التزم اليهودية { والربانيون } أي أهل الحقيقة , منهم الذين ~~انسلخوا نم الدنيا وبالغوا فيما يوجب النسبة إلى الرب { والأحبار } أي ~~العلماء الذي أسلموا { بما } أي بسبب ما . | ولما كان سبب إسلام أمرهم ~~بالحفظ , لا كونه من الله بلا واسطة , بني للمفعول قوله : { استحفظوا } أي ~~الأنبياء ومن بعدهم { من كتاب الله } أي بسبب ما طلبوا منهم وأمروا به من ~~الحفظ لكتاب الذي له جميع صفات الكمال الذي هو صفته , فعظمته من عظمته , ~~وحفظه : دراسته والعمل بما فيه { وكانوا } أي وبما كانوا { عليه شهداء } أي ~~رقباء حاضرين لا يغيبون عنه ولا يتركون ms1215 مراعاته أصلا , فالآية - كما ترى - ~~من فن الاحتباك : ترك أولا ( بما استحفظوا ) لدلالة ما ذكر هان عليه , وترك ~~ذكر الإسلام هنا لدلالة ذكره أولا عليه , وإنما خص الأول بذكر الإسلام لأن ~~الأنبياء أحق به , وهو PageV02P459 داع إلى الحفظ قطعا , وخص الثاني ~~بالاستحفاظ لأن الأتباع أولى به , وهو دال على الإسلام . | ولما كان هذا ~~كله ذما لليهود بما تركوا من كتابهم , ومدحا لمن راعاه منهم , وكان ذلك ~~الترك إما لرجاء أو خوف , قال مخاطبا لهذه الأمة كلها طائعها وعاصيها , ~~وحذرا لها من مثل حالهم ومرغبا في مثل حال الأنبياء والتابعين لهم بإحسان , ~~مسببا عن ذلك : { فلا تخشوا الناس } أي في العمل بحكم من أحكام الله { ~~واخشون } أي فإن ذلك حامل لكم على العدل والإحسان , فمن كان منكم مسلما ~~طائعا فليزدد طاعة , ومن لم يكن كذلك فليبادر بالانقياد والطاعة , وهذا ~~شامل لليهود وغيرهم . | ولما قدم الخوف لأنه أقوى تأثيرا أتبعه الطمع فقال ~~: { ولا تشتروا } ولما كان الاشتراء معناه اللجاجة في أخذ شيء بثمن , وكان ~~المثمن أشرف من الثمن من حيث إنه المرغوب فيه , جعل الآيات مثمنا وإن ~~اقترنت بالباء , حتى يفيد الكلام التعجب من الرغبة عنها , وأنها لا يصح ~~كونها ثمنا فقالك { بآياتي ثمنا قليلا } أي من الرشى وغيرها لتبدلوها كما ~~بدل أهل الكتاب . | ولما نهى عن الأمرين , وكان ترك الحكم بالكتاب إما ~~لاستهانة أو لخوف أو رجاء أو شهوة , رتب ختام الآيات على الكفر والظلم ~~والفسق , قال ابن عباس رضي الله عنهما : من جحد حكم الله كفرن ومن لم يحكم ~~به وهو مقر فهو ظالم فاسق . | فلما كان التقدير : فمن حكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم المسلمون , عطف عليه ما أفهمه من قوله : { ومن لم يحكم } أي يوجد ~~الحكم ويوقعه على وجه الاستمرار { بما أنزل الله } أي الذي له الكمال كله ~~فلا أمر لأحد معه تدينا بالإعراض عنه , أعم من أن يكون تركه له حكما بغيره ~~أو لا { فأولئك } أي البعداء من كل خير { هم الكافرون } أي المختصون ~~بالعراقة في الكفر ms1216 , وهذه الآيات من قوله تعالى < # > 77 ( { ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } ) 77 < # > [ المائدة : 41 ] إلى هنا نزلت في الزنا , ولكن لما كان السياق ~~للمحاربة , وكان كل من القتل وقطع الطريق والسرقة محاربة ظاهرة مع كونه ~~فسادا صرح به , ولما كان الزنا محاربة بالنظر إلى كونه في الغالب عن تراض , ~~وصاحبه غير متزي بزي المحاربة , وغير محاربة بالنظر إلى كونه في الغالب عن ~~تراض , وصاحبه غير متزي بزي المحاربين , لم يصرح في هذه الآيات باسمه وإن ~~كانت نزلت فيه , روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عهما عن عمر رضي الله ~~عنه أنه قال في خطبته : ( إن الله بعث محمدا وأنزل عليه كتابا , وكان فيما ~~أنزل عليه آية الرجم فتلوناها ووعيناها ) الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ~~البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم ( وقد رجم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورجمنا PageV02P460 بعده - الحديث . | وفي آخره : ولولا أني أخشى أن ~~يقول الناس : زاد في كتاب الله , لأثبته في حاشية المصحف ( وأصله في ~~الصحيحين وغيرهما , وللحاكم والطبراني عن أبي أمامة بن سهل عن خالته ~~العجماء رضي الله عنها بلفظ : ) الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ~~بما قضيا من اللذة ( وفي صحيح ابن حبان عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال ~~لزر بن حبيش : ) كم تعدون سورة الأحزاب من آية ؟ قال : قلت : ثلاثا وسبعين ~~, قال : والذي يحلف به ! كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة , وكان فيها ~~آية الرجم : الشيخ والشيخة ( الحديث . | وللشيخين : البخاري في مواضع , ~~ومسلم وأحمد وأبي داود - وهذا لفظه - والدرامي والترمذي في الحدود والنسائي ~~في الرجم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : ) إن اليهود جاؤوا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا , فقال لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( ما تجدون في التوراة في شأن الزنا ؟ ) فقالوا ~~: نفضحهم ويجلدون - وفي رواية : فقال : ( لا تجدون في التوراة الرجم ؟ ) ~~فقالوا : لا نجد فيها شيئا - فقال عبد الله بن سلام ms1217 رضي الله عنه : كذبتم , ~~فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين , فأتوا بالتوراة , فنشروها فجعل ~~أحدهم - وفي رواية - مدراسها الذي يدرسها منهم - يدك , فرفعها فقال : ما ~~هذه ؟ فإذا فيها آية الرجم , فقالوا : صدق يا محمد ! فيها آية الرجم , فأمر ~~بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما , قال عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما : فرأيت الرجل يحنأ على المرأة يقيها الحجارة ( وفي لفظ للبخاري في ~~التفسير أن النبي صلى الله عليه وسلم PageV02P461 قال : ) لا تجدون في ~~التوراة الرجم ؟ ( فقالوا : لا نجد فيها شيئا , فقال لهم عبد الله بن سلام ~~: كذبتم ! فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) وفي لفظ له في التوحيد ~~- وهو رواية أحمد - أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال : ( فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ) ولأبي داود عن ابن عمر أيضا رضي الله ~~عنهما قال : ( أتى نفر من اليهود فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~القف , فأتاهم في بيت المدراس فقالوا : يا أبا القاسم ! إن رجلا منا زنى ~~بامرأة فاحكم , فوضعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وسادة فجلس عليها ثم ~~قال : آمنت بك وبمن أنزلك , ثم قال : ائتوني بأعلمكم , فأتي بفتى شاب ) ~~فذكر قصة الرجم نحو الذي قبله , وسكت عليه أبو داود والحافظ المنذري في ~~مختصره وسنده حسن , ولمسلم وأبي داود - وهذا لفظه - والنسائي وابن ماجه عن ~~البراء بن عازب رضي الله عنهما قال : ( مر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بيهودي محمم . | فدعاهم فقال : هكذا تجدون حد الزاني ؟ فقالوا : نعم , فدعا ~~رجلا من علمائهم فقال : نشدتك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا ~~تجدون حد الزاني في كتابكم ؟ فقالك اللهم ! لا , ولولا أ , ك نشدتني بهذا ~~لم أخبرك , نحد حد الزاني في كتابنا الرجم , ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا ~~أخذنا الرجل الشريف تركناه , وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد , فقلنا : ~~تعالوا فنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع , فاجتمعنا على التحميم ~~والجلد وتركنا الرجم , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1218 : اللهم إني أول ~~من أحيى أمرك إذ أماتوه , فأمر به رجم , فأنزل الله عز وجل < # > 77 ( { ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } ) 77 < # > [ المائدة : 41 ] إلى قوله : < # > 77 ( { يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا } ) 77 < # > [ المائدة : 41 ] إلى قوله : < # > 77 ( { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ) 77 < # > [ المائدة : 44 ] في اليهود - إلى قوله : < # > 77 ( { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون } ) 77 < # > [ المائدة : 47 ] قال : هي في الكفار كلها ( يعني هذه الآية . | وروى ~~الدارقطني في آخر النذور من السنن عن جابر رضي الله عنه قال : ) أتي النبي ~~صلى الله عليه وسلم PageV02P462 بيهودي ويهودية قد زنيا , فقال لليهود : ( ~~ما يمنعكم أن تقيموا عليهما الحد ؟ ) فقالوا : كنا نفعل إذا كان الملك لنا ~~, فلما أن ذهب ملكنا فلا نجتري على الفعل , فقال لهم : ( ائتوني بأعلم ~~رجلين فيكم ) , فأتوه بابني صوريا , فقال لهما : أنتم أعلم من ورائكما ؟ ~~قالا : يقولون , قال : ( فأنشدكما بالله الذي أنزل التوراة على موسى كيف ~~تجدون حدهما في التوراة ؟ ) فقالا : الرجل مع المرأة زنية وفيه عقوبة , ~~والرجل على بطن المرأة زنية وفيه عقوبة , فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يدخله ~~فيها كما يدخل الميل في المكحلة رجم , قال : ائتوني بالشهود فشهد أربعة , ~~فرجمهما النبي صلى الله عليه وسلم ( - انتهى . | وهذه الآية ملتفتة إلى آية ~~{ ياأيها الذين ىمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة } - انتهى . | وهذه ~~الآية ملتفتة إلى آية أن هؤلاء لما تركوا هذا الحكم , جرهم إلى الكفرن وليس ~~في هذه الروايات - كما ترى - تقييد الرجم بالإحصان , وكذا هو فما هو موجود ~~عندهم في التوراة , قال في السفر الثالث وغيره : ثم كلم الله موسى ولقال له ~~: قل لبني إسرائيل : أي رجل من بني إسرائيل ومن الذين يقبلون إلى أي ~~ويسكنون بين بني إسرائيل ألقى زرعه في امرآة غريبة يقتل ذلك الرجل فليرجمه ~~جميع الشعب بالحجارة , وأنا أيضا أنزل غضبي بذلك الرجل وأهلكه من شعبه , ~~لأنه ألقى زرعه في غريبة وأراد أن ينجس مقدسي ms1219 وأن ينجس اسم قدسي , فإن غفل ~~شعب الأرض عن الرجل الذي ألقى زرعه في غريبة ولم يوجبوا عليه القتل أنزل ~~غضبي بذلك الرجل وبقبيلته وأهلكه وأهلك من يضل به , لأنهم ضلوا بنساء ~~غريبات لسن لهم بحلال , ثم قال : الرجل الذي يأتي امرأة صاحبه وامرأة رجل ~~غريب يقتلان جميعا , والرجل الذي يرتكب ذكرا مثله فيرتكب منه ما يرتكب من ~~النساء فقد ارتكبا نجاسة , يقتلان ودمهما في أعناقهما , والرجل الذي يتزوج ~~امرأة وأمها فقد ارتكب خطيئة , يحرق بالنار هو وهما , والرجل الذي يرتكب من ~~اليهيمة ما يرتكب من النساء يقتل قتلا , والبهيمة ترجم أيضا , والمرأة التي ~~ترقد بين يدي البهيمة لترتكب منها البلاء تقتل المرأة والبهيمة جميعا , ~~يقتلان ودمهما في أعناقهما , والرجل الذي يأتي امرأة طامثا ويكشف عورتها , ~~قد كشف عن ينبوعها وهي أيضا كشفت عن ينبوع دمها , يهلكان جميعا من شعبهما , ~~وقال : والرجل الذي يأتي امرأة أبيه قد كشف هذا عورة أبيه , يقتلان جميعا ~~ودمهما في أعناقهما , والرجل الذي يأتي كنته يقتلاه كلاهما , لأنهما ~~PageV02P463 ارتكبا خطيئة , ودمهما في أعناقهما , والرجل الذي يتزوج أخته ~~من أمه أو من أبيه ويرى عورتها وترى عورته , هذا عار شديد , يقتلان قدام ~~شعبهم , وذلك لأنه كشف عورة أخته , يكون إثمهما في رؤسهما , لا تكشفن عورة ~~عمتك ولا خالتك ! لأنهما قرابتك , ومن فعل ذلك يعاقب بإثم فضيحته , والرجل ~~الذي يأتي امرأة عمه قد كشف عورة عمه يعاقبان بخطيئتهما ويموتان , والرجل ~~الذي يتزوج امرأة أخيه قد ارتكب إثما , لأنه كشف عورة أخيه يموتان , بل ~~وصرح برجم البكر فقال في السفر الخامس فيمن تزوج بكرا فادعى أنه وجدها ثيبا ~~: فإن كان قذفه إياها حقا ولم يجدها عذراء تخرج الجارية إلى بيت أبيها , ~~ويرجمهاه أهل القرية بالحجارة وتموت , لأنها ارتكبت حوبا بين يدي بني ~~إسرائيل وزنت في بيت أبيها , نحوا الشر عنكم , وإن وجد رجل يسفح بامرأة رجل ~~يقتلان كلاهما : الرجل والمرأة , بل صرح برجم البكر المكرهة فقال عقب ما ~~تقدم : وإن كان لرجل خطيبة بكر لم يبتن بها بعد ms1220 , فخرجت خارجا فظفر بها رجل ~~وقهرها وضاجعها , يخرجان جميعا ويرجمان حتى يموتا , وإنما تقتل الجارية مع ~~الرجل لأنها لم تصرخ ولم تستغث - انتهى . | فالأحاديث المفيدة بالإحصان في ~~هذه القصة ينبغي أن تكون مرجوحة , لأن رواتها ظنوا أن الجادة الإسلامية شرع ~~لهم . | < < # | المائدة : ( 45 - 46 ) وكتبنا عليهم فيها . . . . . # > > ^ ( وكتبنا عليهم فيهآ أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف ~~والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم ~~يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم الظالمون * وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم ~~مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما ~~بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين ) ^ } ) | ولما كان ختام هذه ~~الآيات في ترهيب المعرض عن الحكم بما أنزل الله مطابقا لقوله في أول سياق ~~المحاربة { ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون } رجع إلى القتل ~~مبينا أنهم بدلوا في القتل كما بدلوا في الزنا , ففضلوا بني النضير على بني ~~قريظة , فقال : { وكتبنا } أي بما لنا من العظمة { عليهم فيها } أي في ~~التوراة , عطفا على قوله { كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس ~~} , وإذا أنعمت النظر وجدت ما بينهما لشدة اتصاله وقوة الداعية إليه كأنه ~~اعتراض { أن النفس } أي مقتولة قصاصا مثلا بمثل { بالنفس } أي بقتل النفس ~~بغير وجه مما تقدم { والعين } أي تقلع { بالعين } أي قلعت بغير شبهة { ~~والأنف } يجدع { بالأنف } كذلك { والأذن } تصلم { بالأذن } على ما تقدم { ~~والسن } تقلع { بالسن } إذا قلعت عمدا بغير حق { والجروح } أي التي تنضبط ~~كلها { قصاص } مثلا بمثل سواء بسواء . | PageV02P464 ولما أوجب سبحانه هذا ~~, رخص لهم في النزول عنه , فسبب عن ذلك قوله : { فمن تصدق به } أي عفا عن ~~القصاص ممن يستحقه سواء كان هو المجروح إن كان باقيا أو وارثه إن كان هالكا ~~{ فهو } أي التصدق بالقصاص { فمن تصدق به } أي عفا عن القصاص ممن يستحقه ~~بالقصاص { كفارة له } أي ستارة لذنوب هذا العافي ولم يجعل لهم دية , إنما ~~هو ms1221 القصاص أو العفو , فمن حكم بما أنزل الله على وجه الاستمرار { بما أنزل ~~الله } أي الذي لا كفوء له فلا أمر لأحد معه لخوف أو رجاء , أو تدينا ~~بالإعراض عنه سواء حكم بغيره أو لا { فأولئك } أي البعداء عن طريق ~~الاستقامة , البغضاء إلى أهل الكرامة { هم الظالمون * } أي الذي تركوا ~~العدل فضلوا , فصاروا كمن يمشي في الظلام , فإن كانا تدينا بالترك كان ~~نهاية الظلم وهو الكفر , وإلا في الزنا نحو ما تقدم ثم قال : وحدثني داود ~~بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما ( أن الآيات من المائدة ~~التي قال الله فيها < # > 77 ( { فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } ) 77 < # > [ المائدة : 42 ] إلى : { المقسطين } إنما نزلت في الدية بين بني ~~النضير وبني كانوا يؤدون نصف الدية , فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأنزل الله ذلك فيهم , فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الحق في ذلك فجعل الدية سواء ) قال ابن إسحاق : فالله أعلم أي ذلك كان ~~! وأخرجه النسائي في سننه من طريق ابن إسحاق , وروي من طريق آخر عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أيضا , قال : كان قريظة والنضير , وكان النضير أشرف من ~~قريظة , وكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به , وإذا قتل رجل ~~من النضير رجلا من قريظة أدى مائة وسق من تمر , فلما بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا : ادفعوه إلينا نقتله ~~فقالوا : بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه فنزلت < # > 77 ( { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط } ) 77 < # > [ المائدة : 42 ] والقسط : النفس بالنفس , ثم نزلت < # > 77 ( { افحكم الجاهلية يبغون } ) 77 < # > [ المائدة : 50 ] انتهى . | وهذا نص مت عندهمة من التوارة في القصاص ، ~~قال في السفر الثاني : وكل من PageV02P465 ضرب رجلا فمات فليقتل قتلا , ~~وإذا تشاجر رجلان فأصابا امرأة حبلى فأخرجا جنيفها ولم تكن الروح حلت في ~~السقط بعد , فليغرم عهلى قدر ما يلزمه زوج المرأة , وليؤد ما حكم عليه ms1222 ~~الحاكم , فإن كانت الروح حلت في السقط فالنفس والعين بالعين والسن بالسن ~~واليد باليد والرجل بالرجل والجراحة بالجراحة واللطمة باللطمة , وقال في ~~السفر الثالث بعد ذكر الأعياد في الاصحاح السابع عشر : ومن قتل إنسانا يقتل ~~, ومن قتل بهيمة يدفع إلى صاحبها مثلها , والرجل يضرب صاحبه ويؤثر فيه أثرا ~~يعاب به يصنع به كما صنع , والجروح قصاص : الكسر بالكسر والعين بالعين ~~والسن بالسن , كما يصنع الإنسان بصاحبه كذلك يصنع به , القضاء واحد لكم ~~وللذين يقبلون إلي , وقال في الثاني : إذا ضرب الرجل عين عبده أو أمته ~~ففقأها فليعتقه بدل عينيه , وإذا قلع سن عبده أو أمته فليعتقه بدل سنة - ~~وذكر أحكاما كثيرة , ثم قال : ومن ذبح للأوثان فيهلك , بل لله وحده , وقال ~~في الرابع : ومن يقتل نفسا لا يقتل إلا ببينة عادلة , ولا تقبل شهادة شاهد ~~واحد على قتل النفس , ولا تقبلوا رشوة في إنسان يجب عليه القتل بل يقتل , ~~لوا تأخذوا منه رشوة ليهرب إلى قرية إلى الملجأ ليسكنها إلى وفات الحبر ~~العظيم , ولا تنجسوا الأرض التي تسكنونها , لأن الدم ينجس الأرض , والأرض ~~التي يسفك فيها الدم لا يغفر لتلك الأرض حتى يقتل القاتل الذي قتل , وقال ~~في الخامس : ولا يقتل من قد وجب عليه القتل إلا بشهادة رجلين , لا يقتل ~~بشهادة رجل واحد , وإذا رجمتم فالذي يشهد عليه فليبدأ برجمه الشهود أولا ثم ~~يبدأ به جميع الشعوب , وأهلكوا الذين يعملون الشر واستأصلوهم من بينكم , ون ~~شهد رجل على صاحبه شهادة زور يقوم الرجلان قدام الحبر والقاضي فيفحصون عن ~~أمرهما فحصا شديدا , فإن وجدوا رجلا شهد شهادة , زور يصنعوا به مثل ما أراد ~~أن يصنع بأخيه , ونحوا الشر من بينكم , وعاقبوا بالحق ليسمع الذين يتقون ~~فيفزعوا ولا يعودوا أن يفعلوا مثل هذا الفعل القبيح بينكم , ولا تشفق ~~أعينكم على الظالم , بل يكون قضاؤكم نفسا بنفس وعينا بعين وسنا بسن ويدا ~~بيد ورجلا برجل . | ولما كانت هذه الآيات كلها - مع ما فيها من الأسرار - ~~ناقضة أيضا لما ادعوا من البنوة بما ms1223 ارتكبوه من الذنوب من تحريف كلام الله ~~وسماع الكذب وأكل السحت والإعراض عن أحكام التوراة والحكم بغير حكم الله , ~~أتبعها ما أتى به عيسى عليه السلام الذ ادعى فيه النصارى النبوة الحقيقية ~~والشركة في الإلهية , وقد أتى بتصديق التوراة في الشهادة لعى من خالفها من ~~اليهود بالتبرؤ من الله , مؤكدا لما فيها من التوحيد الذي هو عماد الدين ~~وأعظم آياتها التي أخذت عليهم بها العهود ووضعت في تابوت PageV02P466 ~~الشهادة الذي كانوا يقدمونه أمامهم في الحروب , فإن كانوا باقين على ما فيه ~~من الميثاق نصروا وإلا خذلوا , وناسخا لشريعتهم مجازاة لهم من جنس ما كانوا ~~يعملون من التحريف , وشاهدا على من أطراه بالضلال فقال : { وقفينا } إيلى ~~آخرها , وكذا كل ما بعدها من آياتهم إلى آخر السورة , لا تخلوا آية منها نم ~~التعرض إلى نقض دعواهم لها بذكر ذنب , أو ذكر عقوبة عليه , أو ذكر تكذيب ~~لهم من كتابهم أو نبيهم , والمعنى : أوجدنا التقفية , وهي اتباع شيء بشيء ~~تقدمه , فيكون أتيا في قفاه لكوهه وراءه , وإلقاؤه في مظهر العظمة لتعظيم ~~شأن عيسى عليه السلام { على آثارهم } أي النبيين الذين يحكمون بالتوراة , ~~وذكر الأثر يدل على أنهم كانوا قد تركوا دينهم , لم يبق منه إلا رسم خفي { ~~بعيسى } ونسبه إلى أمه إشارة إلى أنه لا والد له تكذيبا لليهود , وإلى أنه ~~عبد مربوب تكذيبا للنصارى , فقال : { ابن مريم مصدقا } أي عيسى عليه السلام ~~في الأصول وكثير من الفروع و { لما يبن يديه } أي مما أتى به موسى عليه ~~السلام قبله { من التوراة } وأشار إلى أنه ناسخ لكثير من أحكامها بقوله : { ~~وآتيناه الإنجيل } أي أنزلناه بعظمتنا عليه كما أنزلنا التوراة على موسى ~~عليه السلام . | ولما كان في الإنجيل المحكم الذي يفهمه كل أحد , والمتشابه ~~الذي لا يفهمه إلا الأفراد من خلص العباد , ولا يقف بعد فهمه عند حدوده إلا ~~المتقون , قال مبينا لحاله : { فيه } أي آتيناه إياه بحكمتنا وعظمتنا كائنا ~~فيه { هدى } أي وهو المحكم , يهتدي به كل أحد سمعه إلى صراط مستقيم { ونور ms1224 ~~} أي حسن بيان كاشف للمشكلات , لا يدع بذلك الصراط لبسا . | ولما كان ~~الناسخ للشيء بتغيير حكمه قد يكون مكذبا له , أعلم أنه ليس كذلك , بل هو مع ~~النسخ للتوراة مصدق لها فقال - أي مبينا لحال الإنجيل عطفا على محل { فيه ~~هدى } : { ومصدقا } أي الإنجيل بكماله { لما بين يديه } ولما كان الذي نزل ~~قبله كثيرا , عين المراد بقوله : { من التوراة } فالأول صفة لعيسى عليه ~~السلام , والثاني صفة لكتابه , بمعنى أنه هو والتوراة والإنجيل متصادقون , ~~فكل من الكتابين يصدق الآخر وهو يصدقهما , لم يتخالفوا في شيء , بل هو ~~متخلق بجميع ما أتى به . | ولما كان المتقون خلاصة الخلق , فهم الذين ~~ينزلون كل ما في كتب الله من محكم ومتشابه على ما يتحقق به أنه هدى ويتطابق ~~به المتشابه والمحكم , وكان قد بين أنه فيه من الهدى ما يسهل به رد ~~المتشابه إليه فصار بعد البيان كله هدى , قال معمما بعد ذلك التخصيص : { ~~وهدى وموعظة للمتقين * } أي كل ما فيه يهتدون به ويتعظون فترق قلوبهم ~~ويعتبرون به وينتقلون مترقين من حال عالية إلى حال أعلى منها . | ~~PageV02P467 ذكر بعض ما يدل على ذلك من الإنجيل الذي بين ظهراني النصارى ~~الآن وقد مزجت فيه كلام بعض الأناجيل ببعض وأغلب السياق لمتى , وعينت بعض ~~ما خالفه , قال لوقا : وجاء إليه قوم وأخبروه خبر الجليليين الذين خلط ~~بيلاطس دماءهم مع دماء ذبائحهم , فأجاب يسوع وقال لهم : لا تظنوا أن أولئك ~~الجليليين أشد خطأ من كل الجليليين إذا أصابتهم هذه الأوجاع , إن لم تتوبوا ~~كلكم أنتم تهلكون مثلهم , وهؤلاء الثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج في ~~سيلوخا وقتلهم أتظنون أنهم أكبر جرما من جميع سكان يروشليم , كلا أقول لكم ~~, إن لم تتوبوا فجميعكم يهلك ؛ وقال لهم : شجرة تين كانت لواحد مغروسة في ~~كرمه , جاء يطلب فيها ثمرة فلم يجد , فقال للكرام : هذه ثلاث سنين آتي ~~وأطلب فيها ثمرة فلا أجد , اقطعها لئلا تبطل الأرض , فقال : يا رب ! دعها ~~في هذه السنة لأنكحها وأصلحها , لعلها تثمر في السنة الآتية ms1225 , فإن هي أمثرت ~~وإلا أقطعها . | قال متى : ولما نزل من الجبل تبعه جمع كبير وإذا أبرص قد ~~جاء فسجد له وقال : إن شئت فأنت قادر أن تطهرني , فمد يده ولمسه وقال له : ~~قد شئت فاطهر , وللوقت طهر برضه , وقال له يسوع : لا تقل لأحد ولكن امض فأر ~~نفسك للكاهن وقدم قربانا كما أمر موسى للشهادة عليهم - وقال مرقس : ~~بشهادتهم - قال لوقا : فلذاع عنه الكلام زواد , واجتمع جمع كثير ليسمعوا ~~منه ويستشفوا من أمراضهم , وأما هو فكان يمضي إلى البرية ويصلي هناك . | ~~وقال متى : ولما دخل كفرنا حوم جاء إليه قائد مائة فطلب إليه قائلا : يا رب ~~! فتاي ملقى في البيت مخلع وسقيم جدا , فقال له : إني آتي وأبرئه , فأجاب ~~قائد المائة وقال : يا رب ! لست مستحقاأن تدخل تحت سقف بيتي , ولكن قل كلمة ~~فقط فيبرأ فتاي لأني تحت سلطان , ولي جند , إن قلت لهذا : اذهب , ذهب , ~~ولآخر : ائت , أتى , ولعبدي : اعمل هذا , عمل , فلما سمع يسوع تعجب وقال ~~للذين يتبعونه : الحق أقول لكم ! إنني لم أجد مثل هذه الأمانة في إسرائيل , ~~أقول لكم : إن كثيرا يأتون من المشرق والمغرب - وقال لوقا : والشمال ~~واليمين - يتكئون مع إبراهيم وإسحاق ويعقوب ؛ قال لوقا : وكل الأنبياء في ~~ملكوت الله السماوات , وبنو ويكون الأولون آخرين والآخرون أولين ؛ وقال متى ~~: في ملكوت السماوات , وبنو الملكوت يلقون في الظلمة البرانية , الموضع ~~الذي يكون فيه البكاء وصرير الأسنان , وقال يسوع لقائد المائة : اذهب ~~كأمانتك يكن لك , فبرأ الفتى في تلك الساعة , وقال لوقا : ولما أكمل جميع ~~كلامه ودخل كفرنا حوم , وكان عبد لقائد المائة قد قارب الموت وكان كريما ~~عنده , فلما سمع بيسوع أرسل إليه شيوخ اليهود يسألونه المجيء ليخلص عبده , ~~فلما جاؤوا إلى يسوع طلبوا منه باجتهاد وقالوا : إنه مستحق أن يفعل معه هذا ~~, PageV02P468 لأنه محب لأمتنا وهو بنى لنا كنيسة , فمضى يسوع معهم , وفيما ~~هو قريب من البيت أرسل إليه قائد المائة أصدقاءه قائلا : يا رب ! لا تتعب ~~فإني لا أستحق أن تدخل تحت سقف بيتي ms1226 , من أجل في بني إسرائيل مثل هذه ~~الأمانة , فرجع المرسلون إلى اليبت فوجدوا المريض قد برأ , وفي غد كان يسوع ~~ماضيا إلى مدينة اسمها نايين وتبعه تلاميذه أجمع وجمع كبير , فلما قرب من ~~باب المدينة إذا محمول قد مات وحيدا لأمه وكانت أرملة , وجمع كبير من أهل ~~المدينة معها , فلما رآها الرب تحنن عليها وقال لها : لا تبكي , وتقدم ولمس ~~النعش فوقف الحاملون له , وقال له : أيها الشاب ! لك أقول : قم واجلس ! ~~فجلس الميت وبدأ يتكلم , ودفعه لأمه , ولحقهم خوف ومجدوا الله قائلين : لقد ~~قام فينا نبي عظيم , وتعاهد الله شعبه بصلاح , فذاع هذا الكلام في كل ~~اليهودية وكل الكور التي حولها . | قال متى : وجاء يسوع إلى بيت بطرس فنظر ~~‘ لى حماته ملقاة تحمى ؛ وقال مرقس : وجاء إلى بيت سمعان وأندراوس مع يعقوب ~~ويوحنا فرأى حماة سمعون في حمى شديدة فقالوا له من أجلها , فقدم وأمسك ~~بيدها وأقامها ؛ وقال متى : فمس يديها فتركها الحمى وقامت تخدمهم ؛ وقال ~~لوقا : ونهضت للوقت تخدمهم , فلما كان المساء - قال مرقس : عند غروب الشمس ~~- قدموا إليه مجانين كثيرا , قال مرقس : ووقف جميع أهل المدينة على الباب , ~~وأبرأ كثيرا ممن به علة رديئة , وأخرج شياطين كثيرة ؛ وقال متى : وكان يخرج ~~الأرواح بكلمة , وأبرأ كل سقيم لكي يتم ما قيل في أشعياء النبي القائل : ~~إنه أخذ أمراضنا وحمل أوجاعنا . | وسحرا جدا قام وخرج إلى البرية ليصلي ~~هناك وسمعون ومن معه يطلبونه , فلما وجدوه قالوا له : إن لاجمع يطلبك , ~~فقال لهم : سيروا بنا إلى القرى والمدن القريبة لنكرز , فإني لهذا وافيت , ~~فأقبل يبشر في مجمعهم في كل الجليل ويخرج الشياطين ؛ وقال لوقا : وفي غد ~~اليوم خرج وذهب إلى موضع قفر والجمع يطلبونه , وجاؤوا إليه وأمسكوه لئلا ~~لئلا يمضي من عندهم , فقال لهم : إنه ينبغي أن أبشر في المدن الأخر بملكوت ~~الله , لأني لهذا أرسلت , وكان يكرز في مجامع الجليل , وكان لما اجتمع إليه ~~جمع ليسمعوا كلام الله كان هو واقفا على بحيرة جاناسر , فرأى سفينتين ~~موقفتين على شاطىء ms1227 البحيرة واللصيادون قد صعدوا عليها ليغسلوا شباكهم , ~~فصعد إلى إحداهما التي لسمعان , وأمر أن يبعدها عن الشط قليلا , وجلس يعلم ~~في الجمع من السفينة ؛ ولما أكمل كلامه قال لسمعان : تقدم إلى اللج وألقوا ~~شباككم ! PageV02P469 فقال : يا معلم ! قد تعبنا الليل أجمع ولم نأخذ شيئا ~~, وبكلمتك نحن نلقي شباكنا , ولما فعلوا ذلك أخذوا سمكا كثيرا , وكادت ~~شباكهم تتخرق , فأشاروا إلى شركائهم في السفينة الأخرى ليأتوا يعينوهم , ~~فلما جاؤوا ملؤوا السفينتين حتى كادتا أن تغرقا , فلما رأى سمعان ذلك خر ~~عند قدمي يسوع وقال له : ابعد عني يا سيدي ! لأني رجل خاطىء , لأن الخواف ~~اعتراه وكل من معه لأجل صيد الحيتان التي اصطادوا , وكذلك يعقوب ويوحنا ~~ابنا زبدي اللذان كانا صديقي سمعان , فقال يسوع لسمعان : لا تخف , من الآن ~~تكون صيادا تصيد للناس , وقربوا السفن إلى الشط وتركوا كل شيء وتبعوه ؛ ~~وقال متى : فلما نظر يسوع إلى الجمع الذي حوله أمر أن يذهبوا إلى العبر , ~~فجاء إليه كاتب وقال له : يا معلم ! أتبعك إلى حيث تمضي , فقال له يسوع : ~~إن للثعالي أجحارا , ولطير السماء أوكارا , فأما ابن الإنسان فليس له موضع ~~يسند رأسه ؛ وقال لوقا : وقال آخر : اتبعني , فقال : يا رب ! ائذن لي أن ~~امضي أولا وأدفن أبي , فقال له يسوع : اتبعني ودع الموتى يدفنوا موتاهم , ~~وقال الآخر أيضا : بل تأذن لي أولا أن أرتب أهل بيتي , فقال : ما من أحد ~~يضع يده على سكة الفدان وينظر إلى ورائه يستحق ملكوت الله ؛ وقال متى : ~~فلما صعد السفينة تبعه تلاميذه - وقال لوقا : صعد السفينة هو وتلاميذه وقال ~~لهم : امضوا بنا إلى عبر البحيرة , فساروا وفيما هم سائرون نام - وإذا ~~اضطراب عظيم كان في البحر حتى كادت الأمواج تغطي السفينة - لأن الريح كانت ~~مضادة لهم - وهو نائم , فتقدم إليه تلاميذه وقالوا : يا رب ! - وقال مرقس : ~~وكانت رياح عواصف عظيمة , وكانت الأمواج تضرب السفينة وتدخلها المياه حتى ~~كادت تمتلىء , وهو نائم في مؤخرها على وسادة - فأيقظوه وقالوا له : يا معلم ~~! نجنا فقد هلكنا ! فقال لهمخ ms1228 : ما أخافكم يا قليلي الأمانة ؟ حينئذ قام ~~وانتهر الرياح ولابرح , فصار هدوءا عظيما , ثم قال متى : فلما صعد السفينة ~~وجاء إلى العبر ودخل مدينته قدم إليه مخلع ملقى على سرير - وفي إنجيل مرقس ~~ولوقا : إنهم أرادوا الدخول به إليه فلم يقدروا لكثرة الجمع , فصعدوا إلى ~~السطح ودلوه بسريره إليه - حينئذ قال للمخلع : قم ! امل سريرك واذهب إلى ~~بيتك ! فقام ومضى إلى بيته , فنظر الجمع وتعجبوا ومجدوا الله الذي أعطى هذا ~~السلطان كذا للناس ؛ وقال يوحنا في إنجيله : وبعد هذا كان عيد اليهود فصعد ~~يسوع إلى يروشليم , وكان هناك بيروشليم مكان يسمى بالعبرانية بيت الرحمة , ~~وكان فيه خمسة أروقة , وكان خلق كثير من المرضى مطروحين فيها وعمي ومقعدون ~~وجافون , فكانوا يتوقعون تحريك الماء , لأن ملاكا كان ينزر إلى الصبغة في ~~حين بعد حين , وكان يحرك الماء , والذي كان ينزل فيه أولا من بعد حركة ~~الماء يبرأ من كل الوجع الذي به , وكان هنا رجل سقيم PageV02P470 منذ ثمان ~~وثلاثين سنة , فنظر إليه يسوع ملقى فقال له : أتحب أن تبرأ ؟ فقالك نعم يا ~~سيدي ! ولكن ليس لي إنسان إذا تحرك الماء يلقيني في البركة أولا , فإلى أن ~~أجيء أنا ينزل قدامي آخر , فقال له : قم , احمل سريرك وامضن فمن ساعته برأ ~~ونهض حاملا سريره , وكان ذلك اليوم يوم سبت , فقال له اليهود : إنه يوم سبت ~~, ولا يحل لك أن تحمل سريرك , فأجابهم : الذي أبرأني هو قال ليك احمل سريرك ~~وامش , فسألوه : من هو ؟ فلم يكن يعلم من هو , لأن يسوع كان قد استتر في ~~الجمع لاكبير الذي كان في ذلك الموضع , ثم قال : وقال لهم يسوع : لقد عملت ~~عملا واحدا فعجبتم بأجمعكم , أعطاكم موسى الختان وليس هو من موسى ولكنه من ~~الآباء , وقد تختنون الإنسان يوم السبت لئلا تنقضوا سنة موسى , فلم تتذمرون ~~علي لإبرائي الإنسان يوم السبت , لا تحكموا بالمحاباة ولكن احكموا حكما ~~عدلا , ثم قال : فبينما هو مار رأى رجلا ولد أعمى فقال تلاميذه : يا معلم ! ~~من أخطأ ؟ هذا أم أبواه ms1229 حتىأنه ولد أعمى , فقال : لا هو ولا أبواه , ولكن ~~لتظهر أعمال الله فيه , ينبغي أن أعمل أعمال من أرسلني ما دام النهار , ~~سيأتي الليل الذي لا يستطيع أحد أن يعمل فيه عملا , ما دمت في العالم أن ~~نور العالم - قال هذا وتفل على التراب وصنع من تفله طينا وطلى به عيني ذلك ~~الأعمى وقال له : امض واغتسل في عين سيلوخا التيتأويلها المبعوثة , فمضى ~~وغسلهما فعاد ينظر , فأما جيرانه والذين كانوا يرونه يتسول فقالوا : ليس هو ~~هذا الذي كان يجلس ويتسول , وآخرون قالوا : إنه هو , وآخرون قالوا : إنه ~~يشهبه , فأما هو فكان يقول : إني أنا هو , فقالوا له : كيف انفتحت عيناك ؟ ~~فقص عليهم القصة , فقالوا : أين هو ذاك ؟ فقال : ما أدري , فأتوا به إلى ~~الفريسيين , لأن يسوع صنع الطين يوم السبت , فسأله الفريسيون فأخبرهم , ~~فقال قوم منهم : ليس هذا الرجل من الله إذ لا يحفظ السبت , وآخرون قالوا : ~~كيف يقدر رجل خاطىء أن يعمل هذه الآيات ! فوقع بينهم لذلك شقاق , فقالوا ~~للأعمى : ما تقول أنت من أجله ؟ قال لهم : إنه نبي , ولم يصدق اليهود أنه ~~كان أعمى حتى دعوا أبويه وسألوهما , فقالا : نحن نعلم أن هذا ولدنا وأنه ~~ولد أعمى , ووقعت بين الأعمى وبينهم محاورة , كان آخر ما قالوا له : أنت ~~ولدت بالخطايا وأنت تعلمنا ! وأخرجوه . | وقال متى : واجتاز يسوع هناك فرأى ~~إنسانا جالسا على التعشير اسمه متى فقال له : اتبعني , فترك كل شيء وقام ~~وتبعه . | وقال لوقا : وبعد هذا خرج فنظر إلى عشار اسمه لاوي جالسا على ~~المكس , فقال له : اتبعني , فترك كل شيء وقام وتبعه , وصنع له لاوي في بيته ~~وليمة عظيمة , وكان جمع كثير من العشارين وآخرين متكئين معه . | وقال مرقس ~~: ثم خرج إلأى شاطىء البحر واجتمع إليه جمع كبير وعلمهم , وعند PageV02P471 ~~مضيه رأى لاوي ابن حلفي جالسا على العشارين فقال له : اتبعني , فقام وتبعه ~~, وبينما هو متكىء في بيته - وقال متى : وبينما هو متكىء في بيت سمعان - ~~جاء عشارون وخطأة كثيرون , فاتكؤوا مع يسوع وتلاميذه , فلما نظر ms1230 الفريسيون ~~قالوا لتلاميذه : لماذا معلمكم يأكل مع العشارين والخطأة ؟ فلما سمع يسوع ~~قال لهم : الأصحاء لا يحتاجون إلى طبيب , لكن ذوو الأسقام , اذهبوا فاعلموا ~~ما هو , إني أريد رحمة لا ذبيحة , لم آت لأدعو الصديقين لكنم الخطأة للتوبة ~~. | وقال لوقا : وطلب إليه واحد من الفريسيين أن يأكل معه , فدخل بيت ذلك ~~الفريسي وجلس , وكان في تلك المدينة امرأة خاطئة , فلما علمت أنه متكىء في ~~بيت ذلك الفريسي أخذت قارورة طيب ووقفت من ورائه عند رجليه باكية , وبدأت ~~تبل قدميه بدموعها وتمسحها بشعر رأسها , وكانت تقبل قدميه وتدهنهما بالطيب ~~, فلما رأى ذلك الفريسي الذي دعاه فكر في نفسه قائلا : لوكان هذا نبيا علم ~~ما هذه وأنها خطائة , فأجاب يسوع وقال له : يا سمعان ! غريمان عليها لإنسان ~~دين , على أحدهما خمسمائة دينار وعلى الآخر خمسون , وليس لهما ما يوفيان ~~فوهب لهما , فأيهما أكثر حبا له ؟ فقال : أظن الذي وهب له الأكثر , فقال له ~~: بالحق حكمت ؛ ثم التفت إلى المرأة وقال : يا سمعان ! دخلت بيتك فلم تسكب ~~على رجلي ماء وهذه بلت رجلي بالدموع ومسحتهما بشعر رأسها , أنت لم تقبلني ~~وهذه منذ دخلت لم تكف عن تقبيل قدمي , أنت لم تدهن رأس بزيت وهذه دهنت ~~بالطيب قدمي , لأجل ذلك أقول لك : إن خطاياه مغفورة لها , لأنها أحبت ~~كثيران ثم قال لها : اذهبي بسلام ! إيمانك خلصك ؛ وكان بعد ذلك يسير إلى كل ~~مدينة ويكرز ويبشر بملكوت الله ومعه الاثنا عشر ونسوة كن أبرأهن من الأمراض ~~والأرواح الخبيثة : مريم التي تدعى المجدلانية التي أخرج منها سبعة شياطين ~~, ويونا امرأة خوزي خازن هيرودس , وأخر كثيرات . | وقل متى : حينئذ جاء ~~إليه تلاميذ يوحنا قائلين : لماذا نحن والفريسيون نصوم كثيرا وتلاميذك لا ~~يصومون ؟ فقال لهم يسوغ : لا يستطيع بنو العرس أن ينوحوا ما دام العريس ~~معهم , وستأتي أيام إذا ارتفع العريس عنهم حينئذ صومون ؛ ليس أحد يأخذ خرقة ~~جديدة يجعلها في ثوب بال , لأنها تأخذ ملأها من الثوب فيصير الخرق أكبرن ~~وقال مرقس : إنه لا يرقع إنسان ثوبا ms1231 باليا بخرقة جديدة إلا مد الجديد ~~البالي فيخرقه ؛ وقال متى : ولا تجعل خمر جديدة في زقاق جدد فيتحفظان جميعا ~~؛ وقال لوقا : وما من أحد يشرب قديما فيحب الجديد للوقت لأنه يقول : إن ~~القديم أطيب , وقال متى : وفيما هو يكلمهم إذا رئيس قد جاء إليه ساجدا ~~قائلا : إن ابنتي ماتت الآن , تأتي فتضع يدك عليها PageV02P472 فتحيى ! ~~فقام يسوع وتبعه تلاميذه , فإذا امرأة بها نزيف دم منذ اثنتي عشرة سنة ؛ ~~قال مرقس : أعيت من الأطباء , أنفقت كل مالها , لم تجد راحة بل تزداد وجعا ~~, فلما سمعت بيسوع - قال متى : جاءت من خلفه ومست طرفه ثوبه - فالتفت يسوع ~~فرآها فقال لها : ثقي يا ابن ! إيمانك خلصك , فبرئت المرأة من تلك الساعة , ~~وجاء يسوع إلى بيت الرئيس ؛ وقال مرقس : ولم يدع أحدا يتبعه إلا بطرس ~~ويعقوب ويوحنا أخا يعقوب - انتهى . | فنظر إلى الجمع مضطربين , فقال لهم : ~~اخرجوا , لم تمت الجارية لكنها نائمة , فضحكوا منه , فلما خرج الجمع دخل ~~وأمسك يدها فقامت الجارية ؛ وقال مرقس : وأخرج جميعهم وأخذ معه أبا الصبية ~~وأمها والذين معه , ثم دخل إلى الموضع الذي فيه الصبية موضوعة , وأخذ بيدها ~~وقال لها : طليثا ! قومي , الذي تأويله : يا صبية ! لك أقول : قومي , ~~فللوقت قامت الصبية ومشت , وكان لها اثنتا عشرة سنة , فبهتوا وعجبوا عجبا ~~عظيما , فأمرهم كثيرا أن لا يعلموا أحدا بهذا , وقال : أطعموها تأكل ؛ وقال ~~متى : وخرج خبرها في جميع تلك الأرض . | < < # | المائدة : ( 47 - 48 ) وليحكم أهل الإنجيل . . . . . # > > ^ ( وليحكم أهل الإنجيل بمآ أنزل الله فيه ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ~~فأولئك هم الفاسقون * وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من ~~الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم عما جآءك ~~من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ~~ليبلوكم في مآ آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما ~~كنتم فيه تختلفون ) ^ } ) | ولما كان التقدير : آتيناه ذلك لينتهي أهل ~~التوراة عما نسخه منها , عطف عليه قوله : { وليحكم } في ms1232 قراءة حمزة بكسر ~~اللام والنصب , والتقدير على قول الجماعة بالإسكان والجمع والجزم : فلينته ~~أهل التوراة عما نسخ منها وليحكم { أهل الإنجيل } وهم أتباع عيسى عليه ~~السلام { بما أنزل الله } أي الواحد الأحد الذي مام أودعناه إياه من ~~الأحكام والمواعظ الجسام . | ولما كان التقدير : فنم انتهى فأولئك هم ~~المسلمون , ومن حكم بما أنزل الله فيه فأولئك هم المفلحون , عطف عليه قوله ~~: { ومن لم يحكم بما أنزل الله } أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه , ~~فله كل شيء وليس لأحد معه شيء , وكل شيء إليه مفتقر , ولا افتقار له إلى ~~شيء فيه أو في غيره ؛ وهو غير منسوخ , تدينا بتركه أو لشهوة دعت { فأولئك } ~~أي البعداء عن كل خير البغضاء { هم الفاسقون * } أي المختصون PageV02P473 ~~بكمال الفسق , فإن كان تدينا كان كفرا , وإن كان لاتباع الشهوات كان مجرد ~~معصية , لأن الحظوظ والشهوات تحمل على الخروج عن دائرة الشرع مرة بعد أخرى ~~, فمن ترك الحكم تكذيبا فقد جمع الدركات الثلاث : ستر الدلائل فتنقل من ~~درجة النور إلى دركة الظلام , فانكب في مهواة الخروج من المحاسن , فانحط ~~إلى أقبح المساوي ؛ والتعبير بالوصف المؤذن بالعرافة في مأخذ الاشتقاق معلم ~~بأن المراد بكل واحد منها الكفر , فحق أن المراد منه الشرعي لا مطلق الستر ~~غاية التحقيق , فبين بوصفه بالظلم أنه ستر لما ينبغي إظهاره , وبالفسق أنه ~~بلغ في كونه في غير موضعه النهاية حتى خرق جميع دائرة المأذون فيه فخرج ~~منها , وهذا إشارة إلى ذنوب أهل الإنجيل لينتج نقض دعواهم البنوة والمحبة , ~~لأن المعنى : ومن الواضح بكتابك الذي جعل مهيمنا على جميع الكتب أنهم ~~خالفوا أحكامه فهم فاسقون , أي خارجون عما من شأنه الاستقرار فيه لنفعه , ~~فواقعون في الظلمة الموجبة لوضع الشيء في غير موضعه المقتضية للتغطية ~~والستر , وقدم الوصف بالكفر لأن السياق لمن حرف الكلم عن موضعه , وغير ما ~~كتب من محكم أحكام التوراة من الحدود , وذلك هو التغطية التي هي معنى ~~الكفرن لأنه من الظلام , كما أن الفسق سبب الظلم لأنه الخروج عما من ms1233 شأنه ~~النفع , فكان الآخر أولا في المعنى والأول نهاية في الحقيقة , والآية دالة ~~على أن فيه أحكاما , وكذا قوله تعالى في آل عمران : < # > 77 ( { ولأحل الكم بعض الذي حرم عليكم } ) 77 < # > [ آل عمران : 5 ] , وهذا هو الحق , وأعظم ما غير تحريم السبت الذي كان ~~أعظم شعائرهم فأحله , وغير أيضا غير ذلك من أحكامهم ؛ قال فيما رأيته من ~~ترجمة إنجيل متى : سمعتم ما قيل للأولين : لا تقتل , فإن من قتل وجبت عليه ~~لائمة الجماعة , ومن قال لأخيه : أحمق , فقد وجبت عليه نار جهنم , إن أنت ~~قدمت قربناك على المذبح وذكرت هناك أن أخاك واجد عليك فدع قربانك هناك قدام ~~المذبح , وامض أولا وصالح أخاك , وحينئذ فائت وقدم قربانك , كن متفهما من ~~خصمك سريعا ما دمت مع في الطريق , لئلا يسلمك الخصم إلى الحاكم , والحاكم ~~إلى المستخرج وتلقى في السجن ؛ وفي إنجيل لوقا : إذا رأيتم سحابة تطلع من ~~المغرب قلتم : إن المطر يأتي ؛ فيكون كذلك , وإذا هبت ريح الجنوب قلتم : ~~سيكون حر , يا مراؤون ! تحسنون تمييز وجه السماء والأرض وهذا الزمان كيف لا ~~تميزونه , ولا تحكمون بالصدق من قبل نفوسكم ! لأنك إذا ذهبت مع خصمك إلى ~~الرئيس فأعطه ما يجب عليك في الطريق تتخلص منه , لئلا يذهب بك إلى الحاكم ~~فيدفعك الحاكم إلى المستخرج ويلقيك المستخرج في السجن ؛ وقال متى : الحق ~~الحق أقول لك ! إنك لا تخرج من هناك حتى تؤدي آخر فلس عليك , سمعتم ما قيل ~~للأولين : PageV02P474 لا تزن , وأنا أقول لكم : إن كل من نظر إلى امرأة ~~واشتهاها فقد زنى بها في قلبه , إن شككتك عينك اليمنى فاقلعها وألقها , ~~لأنه خير لك أن تهلك أحد أعضائك ولا تلقي جسدك كله في جهنم , قيل : إن من ~~طلق امرأته فيدفع لها كتاب الطلاق , وأنا أقول لكم : إن من طلق امرأته من ~~غير كلمة زنا فقد جعلها زانية , ومن تزوج مطلقة فقد زنى , وأيضا سمعتم ما ~~قيل للأولين : لا تحنث في مينك , وأوف للرب قسمك , وأنا اقول لكم : إن من ~~طلثق امرأته من ms1234 غير كلمة زنا فقد جعلها زانية , ومن تزوج مطلقة فقد زنى , ~~وأيض سمعتم ما قيل للأولين : لا تحنث في مينك , وأوف للرب قسمك , وأنا أقول ~~لكم : لا تحلفوا البتة لا بالسماء فإنها كرسي الله , ولا بالأرض لأنها ~~موطىء قدميه , ولا بيروشليم فإنها مدينة الملك العظيم , ولا برأسك لأنك لا ~~تقدر تصنع شعرة بيضاء أو سوداء , ولتكن كلمتكم : نعم ونعم ولا لا , وما زاد ~~على ذلك فهو من الشسر , سمعتم ما قيل : العين بالعين والسن بالسن , وأنا ~~أقول لكم : لا تقاوموا الشر , ولكن من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر , ~~ونم أراد خصومتك وأخذ ثوبك دفع له رداءك , ومن سخرك ميلا فامض مع اثنين , ~~قال لوقا : وكل من سألك فأعطه , ومن أراد أن يقترض منك فلا ترده , ولا تطلب ~~من الذي يأخذ مالك , وكما تحبون أن يصنع الناس بكم كذلك فاصنعوا أنتم بهم ؛ ~~وقال متى : سمعتم ما قيل : أحبب قريبك وابغض عدوك , وأنا أقول لكم : حبوا ~~أعداءكم وباركوا لاعنيكم , وأحسنوا إلى من أبغضكم - وقال لوقا : يبغضكم - ~~وصلوا على من يطردكم ويحزنكم , لكيما تكونوا بني أبيكم الذي في السماوات , ~~لأنه لامشرق شمسه على الأخيار والأشرار , والممطر على الصديقين والظالمين , ~~وإذا أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم ! أليس العشارون يفعلون مثل ذلك ! وإن ~~سلمتم على إخوتكم فقط فأي فضل عملتم ! أليس كذلك يفعل العشارون ! وقال لوقا ~~: إن كنتم إنما تحبون من يحبكم فأي أجر لكم ! إن الخطأة يحبون من يحبهم , ~~وإن صنعتم الخير مع من يحسن إليكم فأي فضل لكم ! إن الخطأة هكذا يصنعون , ~~وإن كنتم إنما تقرضون من تظنون أنكم تأخذون العوض منه فأي فضل لكم ! إن ~~الخطأة أيضا يقرضون الخطأة لكي يأخذوا منهم العوض , لكن حبوا أعداءكم ~~وأحسنوا إليهم , وكونوا رحماء مثل أبيكم فهو رؤوف , وقال متى : كونوا أنتم ~~كاملين مثل أبيكم السمائي فهو كامل . | ثم قال في الفصل الثالث والثلاثين : ~~وفي ذلك الزمان مر يسوع في سبت بالزروع وجاع تلاميذه , فبدؤوا يفركون سنبلا ~~ويأكلوه - وفي لوقا : كان تلاميذه يقطعون ms1235 السنبل ويفركون بأيديهم ويأكلون - ~~فلما أبصرهم الفريسيون قالوا له : ها هو ذا تلاميذك يعملون ما لا يحل في ~~السبت - وفي لوقا : لماذا تفعلون ما لا يحل أن يفعل في السبوت - فقال لهم : ~~أما قرأتم ما صنع داود لما جاع هو والذين معه ! كيف دخل إلى بيت الله وأكل ~~خبز القتدمة الذي لا يحل أكله إلا للكهنة ! قال مرقس : وأعطى الذين كانوا ~~مع , ثم قال PageV02P475 لهم : السبت من أجل الإنسان كان ولم يخلق الإنسان ~~من أجل السبت ؛ قال متى : أوما قرأتم في الناموس أن الكهنة في السبت في ~~الهيكل ينجسون السبت وليس عليهم جناح ! وأقول لكم : إن ها هنا أعظم من ~~الهيكل لو كنتم تعلمون ما هو مكتوب , إني أريد الرحمة لا الذبيحة , لم ~~تحكمون على من لا ذنب له ! وقال لوقا : ودخل بيت أحد الرؤساء الفريسيين في ~~يوم سبت ليأكل خبزا وهم كانوا يرصدونه فإذا إنسان به استسقاء , فقال يسوع ~~للكهنة والفريسيين : هل يحل أن يبرأ في السبت ؟ فسكتوا فأخذه وأبرأه ثم قال ~~لهم : من منكم يقع ابنه في بئر يوم السبت ولا يصعده في الوقت ؟ فلم يقدروا ~~أن يجيبوه عن هذا ؛ ثم قال متى : فجاء الفريسيون ليجربوه قائلين : هل يحل ~~للإنسان أن يطلق امرأته لأجل كل كلمة ؟ أجاب : أما قرأتم أن الذي خلق في ~~البدء خلقهما ذكرا وأنثى , من أجل ذلك يترك الإنسان أباه وأمه ويلصق ~~بامرأته , ويكونا ن كلاهما جسدا واحدا , وليس هما اثنين لكن جسد واحد , وما ~~زوجه الله لا يفرقه الإنسان - وقال مرقس : لا يقدر إنسان يفرقه - قالوا له ~~: لماذا أمر موسى أن يعطى كتاب الطلاق وتخلى ؟ قال لهم : موسى من أجل قسوة ~~قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم - وفي مرقس : إنهم سألوه فقال لهم : بماذا ~~أوصاكم موسى ؟ قالوا : أمر أن يكتب كتاب الطلاق وتخلى , قال لهم يسوع : من ~~أجل قسوة قلوبكم كتب لكم موسى هذه الوصية , من البدء لم يكن هكذا , وأقول ~~لكم : من طلق امرأته من غير زنا فقد ألجأها إلى الزنا , ومن تزوج ms1236 مطلقة فقد ~~زنى , وفي إنجيل مرقس : وفي البيت أيضا سأله التلاميذ عن هذا فقال لهم : من ~~طلق امرأته وتزوج أخرى فقد زنى عليها , وإن خي خلت زوجها وتزوجت آخر فهي ~~زانية ؛ ويف لوقا : كل من يطلق امرأته ويتزوج أخرى فهو يزني , وكل من تزوج ~~مطلقة من زوجها فهو يزني ؛ قال متى : فقال له التلاميذ : إن كان هكذا علة ~~الرجل مع المرأة فخير له أن لا يتزوج , فقال لهم : ما كل أحد يستطيع هذا ~~الكلام إلا الذين قد أعطوا , الآن خصيان ولدوا من بطون أمهاتهم , وخصيان ~~أخصاهم الناس , وخصيان أخصوا نفوسهم من أجل ملكوت السماوات , ومن استطاع أن ~~يحتمل فليحتمل . | ولما ذكر سبحانه الكتابين , ذكر ختامهما وتمامهما , وهو ~~ما أنزل إلى هذا النبي الأمي من الفرقان لاشاهد على جميع الكتب التي قبله , ~~فقال تعالى : { وأنزلنا } أي بعظمتنا { إليك } أي خاصة { الكتاب } أي ~~الكامل في جمعه لكل ما يلطب منه وهو القرآن { بالحق } أي الكامل الذي لا ~~يحتاج إلى شيء يتمه , ثم مدحه بمدح الأنبياء الذين تقدموه فقالك { مصدقا ~~لما بين يديه } أي تقدمه . | ولما كانت الكتب السماوية من شدة تصادقها ~~كالشيء الواحد , عبر بالمفرد لإفادته PageV02P476 ما يفيد الجمع وزيادة ~~دلالة على ذلك فقال : { من الكتاب } أي الذي جاء به الأنبياء من قبل { ~~ومهيمنا } أي شاهدا حفيظا مصقا وأمينا رقيبا { عليه } أي على كل كتاب تقدمه ~~- كما قاله البخاري في أول الفضائل من الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما , ~~وفي هذه الصفة بشارة لحفظه سبحانه لكتابنا حتى لا يزال بصفة الشهادة , فإن ~~الله تعالى استحفظهم كتبهم فعجزوا عنها , فحرفها محرفوهم وأسقطوا منها ~~وأسقط مسرفوهم , فتكفل هو سبحانه بحفظ كتابنا فكان قيما عليها , فما كان ~~فيها موافقا له فهو حق , وما كان فيها مخالفا فهو إما منسوخ أو مبدل فلا ~~يعبر , بل يحكم بما في كتابنا لأنه ناسخ لجميع الكتب , والآتي به مرسل إلى ~~جميع العالمين , فملته ناسخة لجميع الملل , فأنتج هذا وجوب الحكم بما فيه ~~على المؤالف والمخالف بشرطه ؛ فلذا قال ms1237 مسببا عما قبله : { فاحكم بينهم } ~~أي بين جميع أهل الكتب , فغيرهم من باب الأولى { بما أنزل الله } أي الملك ~~الذي له الأمر كله إليك في هذا الكتاب الناسخ لكتبهم المهيمن عليها في ~~إثبات ما أسقطوه منها من أمرهم باتباعك ونحو ذلك من أوصافك { ولا تتبع ~~أهواءهم } فيما خالفه منحرفين { عما جاءك } وبينه بقوله : { من الحق } ولما ~~كان كل من كتابيهم من عند الله , كان كأنه قيل : كيف يكون الحكم بكتابهم ~~الذي يصدقه كتابنا انحرافا عن الحق ؟ علل ذلك دالا على النسخ بقوله : { لكل ~~} أي لكل واحد { جعلنا } أي بعظمتنا التي نفعل بها ما نشاء من نسخ وغيره , ~~ثم خصص الإبهام بقوله : { منكم } أي يا أهل الكتب { شرعة } أي دينا موصلا ~~إلى الحياة الأبدية , كما أن الشرعة موصلة إلى الماء الذي به الحياة ~~الدنيوية { ومنهاجا } أي طريقا واضحا مستنيرا ناسخا لما قبله , وقد جعلنا ~~شرعتك ناسخة لجميع الشرائع , وهذا وأمثاله - مما يدل على أن كل متشرع مختص ~~بشرع وغير متعبد بشرع من قبله - محمول على الفروع , وما دل على الاجتماع ~~كأنه شرع لكم من الدين محمول على الأصول { ولو شاء الله } أي الملك الأعظم ~~المالك المطلق الذي له التصرف التام والأمر الشامل العام أن يجمعكم على شيء ~~واحد { لجعلكم أمة } أي جماعة متفقة يؤم بعضها بعضا , وحقق المراد بقوله : ~~{ واحدة } أي على دين واحد , ولم يجعل شيئا من الكتب ناسخا لشيء من الشرائع ~~, لأن الكل بمشيئته , ولا مشيئة لأحد سواه إلا بمشيئته { ولكن } لم يشأ ذلك ~~, بل شاء أن تكونوا على شرائع مختلفة { ليبلوكم } أي ليعاملكم معاملة ~~المبتلى المختبر { فيما آتاكم } أي أعطاكم وقسم بينكم من الشرائع المختلفة ~~ليبرز إلى الوجود ما تعملون في ذلك من اتباع وإذعان اعتقادا أن ذلك مقتضى ~~الحكمة الإلهية ؛ فترجعون عنه إذا قامت البراهين بالمعجزات على صدق ناسخه , ~~ونهضت الأدلة البينات على صحة PageV02P477 دعواه بعد طول الإلف له وإخلاد ~~النفوس إليه واستحكامه بمرور الأعصار وتقلب الأدوار ؛ أو زيغ وميل اتهاما ~~وتجويزا كما فعل أول المتكبرين إبليس ms1238 , فتؤثرون الركون إليه والعكوف عليه ~~لمتابعة الهوى والوقوف عند مجرد الشهوة . | ولما كان في الاختبار أعظم ~~تهديد , سبب عنه قوله : { فاستبقوا الخيرات } أي افعلوا في المبادرة إليها ~~بغاية الجهد فعل نم يسابق شخصا يخشى العار بسبقه له , ثم علل ذلك بقوله : { ~~إلى الله } أي الشارع لذلك , لا إلى غيره , لأنه الملك الأعلى { مرجعكم ~~جميعا } وإن اختلفت شرائعكم , حسا في القيامة , ومعنى في جميع أموركم في ~~الدارين { فينبئكم } أي يخبركم إخبارا عظيما { بما كنتم } أي بحسب اختلاف ~~الجبلات ؛ ولما كان في تقديم الظرف إبهام , وكان الإفهام بعد الإبهام أوقع ~~في النفس , قال { فيه تختلفون * } أي تجددون الخلاف مستمرين عليه , ويعطي ~~كلاما يستحقه , ويظهر سر الاختلاف وفائدة الوفاق والائتلاف . | < < # | المائدة : ( 49 - 51 ) وأن احكم بينهم . . . . . # > > ^ ( وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله ولا تتبع أهوآءهم واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض مآ أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ~~ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون * أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن ~~من الله حكما لقوم يوقنون * يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أوليآء بعضهم أوليآء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين ) ^ } ) | ولما كان الأمر بالحكم فيما مضى لكونه مسببا عما قبله ~~من إنزال الكتاب على الأحوال المذكورة , أعاد الأمر به سبحانه مصرحا بذلك ~~لذاته لا لشيء آخر , ليكون الأمر به مؤكدا غاية التأكيد بالأمر به مرتين : ~~مرة لأن الله أمر به , وأخرى لأنه على وفق الحكمة , فقال تأكيدا له وتنويها ~~بعظيم شأنه ومحذرا من الأعداء فيما يلقونه من لاشبه للصد عنه : { وأن } أي ~~احكم بينهم بذلك لما قلنا من السبب وما ذكرنا نم العلة في جعلنا لكل دينا , ~~ولأنا قلنا آمرين لك أن { احكم بينهم } أي أهل الكتب وغيرهم { بما أنزل ~~الله } أي المختص بصفات الكمال لأنه يستحق أن يتبع أمره لذات وبين أن ~~مخالفتهم له وإعراضهم عنه إنما هو مجرد هوى , لأن كتابهم داع إليه , فقال : ~~{ ولا تتبع أهواءهم } ي في عدم ms1239 التقييد به { واحذرهم أن يفتنوك } أي ~~يخالطوك بكذبهم على الله وافترائهم وتحريفهم الكلم ومراءاتهم مخالطفة تميلك ~~{ عن بعض ما أنزل الله } أي الذي لا أعظم منه , فلا وجه أصلا للعدول عن ~~أمره { إليك فإن تولوا } أي كلفو أنفسهم الإعراض عما حكمت به بينهم مضادين ~~لما دعت إليه الطفرة الأولة من اتباع الحق PageV02P478 ودعت إليه كتبهم من ~~ابتاعك { فاعلم إنما يريد الله } أي الذي له جميع العظمة العظمة { أن ~~يصيبهم } لأنه لو أراد بهم الخير لهداهم إلى القبول الذي يطابق عليه شاهد ~~العقل بما تدعو إيله الفطرة الأولى والنقل بما في كتبهم , إما من الأمر ~~بذلك الحكم بعينه , وإما من الأمر باتباعك { ببعض ذنوبهم } أي التي هذا ~~منها , وأبهمه زيادة في استدراجهم وإضلالهم وتحذيرا لهم من جميع مساوي ~~أعمالهم , لئلا يعلموا عين الذنب الذي اصيبوا به , فيحملهم ذلك على الرجوع ~~عنه , ويصير ذلك كالإلجاء , أو يكون إبهامه للتعظيم كما أن التنكير يفيد ~~التعظيم , فيؤذن السياق بتعظيم هذا التولي وبكثرة ذنوبهم واجترائهم على ~~مواقعتها . | ولما كان التقدير : فإنهم بالتولي فاسقون , عطف عليه : { وإن ~~كثيرا من الناس } أي هم وغيرهم { لفاسقون * } أي خارجون عن دائرة الطاعات ~~ومعادن السعادات , متكلفون لأنفسهم إظهار ما في بواطنهم من خفي الحيلة بقوة ~~؛ ولما كان من المعلوم أن من أعرض عن حكم الله أقبل ولا بد على حكم الشيطان ~~الذي هو عين الهوى الذي هو دين أهل الجهل الذين لا كتاب لهم هاد ولا شرع ~~ضابط , سبب عن إعراضهم الإنكار عليهم بيقوله : { أفحكم الجاهلية } أي خاصة ~~مع أن أحكامها لا يرضى بها عاقل , لكونها لم يدع إليها كتاب , بل إنما هي ~~مجرد أهواء وهم أهل كتاب { يبغون } أي يرديون بإعراضهم عن حكمك مع ما دعا ~~إليه كتابهم من اتباعك , وشهد به كتابك بالعجز عن معارضته من وجوب رسالتك ~~إلى جميع الخلائق , وقراءة ابن عامر بالالتفات إلى الخطاب أدل على الغضب . ~~| ولما كان حسن الحكم تابعا لإتقانه , وكان إتقانه دائرا على صفات الكمال ~~من تمام العلم وشمول القدرة وغير ms1240 ذلك , قال - معلما أن حكمه أحسن الحكم ~~عاطفا على ما تقديره : فمن أضل منهم : { ومن } ويجوز أن تكون الجملة حالا ~~من واو يبغون , أي يريدون ذلك والحال أنه يقال : من { أحسن من الله } أي ~~المستجمع لصفات الكمال { حكما } ثم زاد في تقريعهم بكثافة الطباع وجمود ~~الأذهان ووقوف الأفهام بقوله معبرا بلم البيان إشارة إلى المعنى بهذا ~~الخطاب : { لقوم } أي فيهم نهضة وقوة محاولة لما يريدونه { يوقنون * } أي ~~يوجد منهم اليقين يوما ما وأما غيرهم فليس بأهل الخطاب فكيف بالعتاب ! إنما ~~عتابه شديد العقاب , وفي ذلك أيضا غاية التبكيت لهم والتقبيح فكيف بالعتاب ~~! إنما عتابه شديد العقاب , وفي ذلك أيضا غاية التبكيت لهم والتقبيح عليهم ~~من حيث إنهم لم يزالوا يصفون أهل الجاهلية بالضلال , وأن دينهم لم ينزل ~~الله به من سلطان , وقد عدلوا في هذه الأحكام إليه تاركين جميع ما أنزل ~~الله من كتابهم والكتاب الناسخ له , فقد ارتكبوا الضلال بلا شبهة على علم , ~~وتركوا الحق المجمع عليه . | PageV02P479 ولما بين عنادهم وأن عداوتهم لأهل ~~هذا الدين التي حملتهم على هذا الأمر العظيم ليس بعدها عداوة , نهى من اتسم ~~بالإيمان عن موالاتهم , لأنه لا يفعلها بعد هذا البيان مؤمن ولا عاقل , ~~فقال : { ياأيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان ؛ ولما كان الإنسان لا ~~يوالي غير قومه إلا باجتهاد في مقدمات يعملها وأشياء يتحبب بها إلى أولئك ~~الذين يريد أن يواليهم , أشار إلى ذلك بصيغة الافتعال فقال : { لا تتخذوا } ~~أي إن ذلك لو كان يتأتى بسهولة لما كان ينبغي لكم أن تفعلوه , فكيف وهو لا ~~يكون إلا ببذل الجهد ! { اليهود والنصارى أولياء } أي أقرباء تفعلون معهم ~~ما يفعل القريب مع قريبه , وترجون منهم مثل ذلك , وهم أكثر الناس استخفافا ~~بكم وازدراء لكم ؛ ثم علل ذلك بقوله : { بعضهم أولياء بعض } أي كل فريق ~~منهم يوالي بعضهم بعضا , وهم جميعا متفقون - بجامع الكفر وإن اختلفوا في ~~الدين - على عداوتكم يا أهل هذا الدين الحنيفي ! { ومن يتولهم منكم } أي ~~يعالج فطرته الأولى حتى يعاملهم معاملة الأقرباء ms1241 { فإنه منهم } لأن الله ~~غني عن العالمين , فمن والى أعداءه تبرأ منه ووكله إليهم ؛ ثم علل ذلك ~~تزهيدا فيهم وترهيبا لمتوليهم بقوله : { إن الله } أي الذي له الغنى المطلق ~~والحكمة البالغة , وكان الأصل : لا يهديهم , أو لا يهديه , ولكنه أظهر ~~تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال : الأصل : لا يهديهم , أو لا يهديه , ~~ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال : { لا يهدي القوم الظالمين * ~~} أي الذي يضعون الأشياء في غير مواضعها , فهم يمشون في الظلام , فلذلك ~~اختاروا غير دين الله ووالوا من لا تصلح موالاته , ونم لم يرد الله هدايته ~~لم يقدر أحد أن يهديه , ونفي الهداية عنهم دليل على أن العبرة في الإيمان ~~القلب , إذ معناه أن هذا الذي يظهر من الإقرار ممن يواليهم ليس بشيء , لأن ~~الموالي لهم ظالم بموالاته لهم , والظالم لا يهديه الله , فالموالي لهم لا ~~يهديه الله فهو كافر , وهكذا كل من كان يقول أو يفعل ما يدل دلالة ظاهرة ~~على كفره وإن كان يصرح بالإيمان - والله الهادي , وهذا تغليظ من الله ~~وتشديد في وجوب مجانبه المخالف في الدين واعتزاله - كما قال صلى الله عليه ~~وسلم : ( لا تراءى ناراهما ) ومنه قول عمر لأبي موسى رضي الله عنهما حين ~~اتخذ كاتبا نصرانيا : لا تكرموهم إذ أهانهم الله , ولا تأمنوهم إذ خونهم ~~الله , ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله , وروي أن أبا موسى رضي الله عنه قال : ~~لا قوام PageV02P480 للبصرة إلا به , فقال عمر رضي الله عنه : مات النصراني ~~- والسلام , يعني هب أنه مات فما كنت صانعا حينئذ فاصنعه الساعة . | < < # | المائدة : ( 52 - 53 ) فترى الذين في . . . . . # > > ^ ( فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا ~~دآئرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على مآ أسروا في ~~أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ~~إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين ) ^ } ) | ولما علل بذلك , كان ~~سببا لتمييز الخالص الصحيح من المغشوش المريض , فقال : { فترى } أي فتسبب ~~عن أن الله لا يهدي متوليهم ms1242 أنك ترى { الذين في قلوبهم مرض } أي فساد في ~~الدين كابن أبي وأصحابه - أخزاهم الله تعالى { يسارعون } أي بسبب الاعتماد ~~عليهم دون الله { فيهم } أي في موالاة أهل الكتاب حتى يكونوا من شدة ~~ملابستهم كأنهم مظروفون لهم كأن هذا الكلام الناهي لهم كان إعراء , ويعتلون ~~بما بما لا يعتل به إلا مريض الدين من النظر إلى مجرد السبب في النصرة عند ~~خشية الدائرة { يقولون } أي قائلين اعتمادا عليهم وهم أعداء الله اعتذارا ~~عن موالاتهم { نخشى } أي نخاف خوفا بالغا { أن تصيبنا دائرة } أي ميبة ~~محيطة بنا , والدوائر : التي تخشى , والدوائل : التي ترجى . | ولما نصب ~~سبحانه هذا الدليل الذي يعرف الخالص من المغشوش , كان فعلهم هذا للخالص ~~سببا في ترجي أمر من عند الله ينصر به دينه , إما الفتح أو يغره مما أحاط ~~به علمه وكونته قدرته يكون سببا لندمهم , فلذا قال : { فعسى الله } أي الذي ~~لا أعظم منه فلا يطلب النصر إلا منه { أن يأتي بالفتح } أي بإظهار الدين ~~على الأعداء { أو أمر من عنده } بأخذهم قتلا بأيديكم أو بإخراج اليهود نم ~~أرض العرب أو بغير ذلك فينكشف لهم الغطاء . | ولما كانت المصيبة عند ~~الإصباح أعظم , عبر به وإن كان المراد التعميم فقال : { فصيحوا } أي فيسبب ~~عند الإصباح أعظم , عبر به وإن كان المراد التعميم فقال : طالب العبدي في ~~شرح الإيضاح للفارسي من أنه جواب ( عسى ) إلحاقا لها بالتمني لكونها للطمسع ~~وهو قريب منه , ويحسنه أن الفتح وندامتهم المترتبة عليه عندهم من قبيل ~~المحال , فيكون النصب إشارة إلى ما يخفون من ذلك , وهو مثل ما يأتي إن شاء ~~الله تعالى في توجيه قراءة حفص عن عاصم في غافر ^ ( { فاطلع } ) ^ [ غافر : ~~37 ] بالنصب { على ما أسروا } ولما كان الإسرار لا يكون إلا لما يخشى من ~~إظهاره فساد , وكان يطلق على ما دار PageV02P481 بين جماعة خاصة على وجه ~~الكتمان عن غيرهم , بين أنه أدق من ذلك وأنه على الحقيقة منعهم خوفهم من ~~غائلته وغرته عندهم أن يبرزوه إلى الخارج فقالك { في أنفسهم ms1243 } أي من تجويز ~~محو هذا الدين وإظهار غيره عليه { نادمين * } أي ثابت لهم غاية الندم في ~~الصباح وغيره { ويقول الذين آمنوا } من رفعه عطفه على معنى { نادمين } فإن ~~أصله : يندمون , ولكنه عبر بالاسم إعلاما بدوام ندمهم بشارة بدوام الظهور ~~لهذا الدين على كل دين , أو على { يقولون نخشى } , ومن أسقط الواو جعله ~~حالا , ومن نصبه جاز أن يعطفه على ( يصبحوا ) أي يكون ذلك سببا لتحقق ~~المؤمنين أمر المنافقين بالمسارعة في أهل الكتاب عند قيامهم سرورا بهم ~~والندم عند خذلانهم ومحقهم , فيقول بعض المؤمنين لبعض تعجبا من حالهم ~~واغتباطا بما من الله عليهم به من التوفيق في الإخلاص مشيرين إلى المنافقين ~~تنبيها وإنكارا : { أهؤلاء } أي الحقيرون { الذين أقسموا بالله } أي وهو ~~الملك الأعظم { جهد أيمانهم } أي مبالغين في ذلك اجتراء على عظمته { إنهم ~~لمعكم } أيها المؤمنون ! ويجوز أن يكون هذا القول من المؤمنين لليهود في حق ~~المنافقين حيث قاسموهم على النصرة ؛ ثم ابتدأ جوابا من بقية كلام المؤمنين ~~أو من كلام الله لمن كأنه قال : فماذا يكون حالهم ؟ فقال : { حبطت } أي ~~فسدت فسقطت { أعمالهم فأصبحوا } أي فتسبب عن ذلك أنهم صاروا { خاسرين } أي ~~دائمي الخسارة بتعبهم في الدنيا بالأعمال وخيبة الآمال , وجنايتهم في ~~الآخرة الوبال , وعبر بالإصباح لأنه لا أقبح من مصابحة السوء لما في ذلك من ~~البغة بخلاف ما ينتظر ويؤمل . | < < # | المائدة : ( 54 - 58 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله واسع عليم * إنما ~~وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون * ~~يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم والكفار أوليآء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين * وإذا ناديتم ~~إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم ms1244 قوم لا يعقلون ) ^ } ) | ولما نهى ~~عن موالاتهم وأخبر أن فاعلها منهم . | نفى المجاز مصرحا بالمقصود فقال ~~مظهرا لنتيجة ما سبق : { ياأيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان ! من ~~يوالهم منكم - هكذا كان الأصل , ولكنه صرح بأن ذلك ترك الدين فقال : { من ~~يرتد } ولو على وجه خفي - بما أشار إليه الإدغام في قراءة من سوى المدنيين ~~وابن عامر { منكم عن دينه } PageV02P482 أي الذي معناه موالاة أولياء الله ~~ومعاداة أعداء الله , فيوالون أعداءه ويتركون أولياءه , فيبغضهم الله ~~ويبغضونه , ويكونون أعزة على المؤمنين أذلة على الكافرين , فالله غني عنهم ~~{ فسوف يأتي الله } اي الذي له الغنى المطلق والعظمة البالغة مكانهم وإن ~~طال المدى بوعد صادق لا خلف فيه { بقوم } أي يكون حالهم ضد حالهم , يثبتون ~~على دينهم , وهم أبو بكر والتابعون له بإحسان - رضي الله عنهم . | ولما ~~كانت محبته أصل كل سعادة قدمها فقال : { يحبهم } فيثبتهم عليه ويثيبهم ~~بكرمه أحسن الثواب { ويحبونه } فيثبتون عليه , ثم وصفهم بما يبين ذلك فقال ~~: { أذلة } وهو جمع ذليل ؛ ولما كان ذلهم هذا إ , ما هو الرفق والين الجانب ~~لا الهوان , كان في الحقيقة عزا , فأشار إليه بحرف الاستعلاء مضمنا له معنى ~~الشفقة , فقال مبينا أن تواضعهم عن علو منصب وشرف : { على المؤمنين } أي ~~لعلمهم أن الله يحبهم { أعزة على الكافرين } أي يظهرون الغلظة والشدة عليهم ~~لعلهم أن الله خاذلهم وملهكهم وإن اشتد أمرهم وظهر علوهم وقهرهم , فالآية ~~من الاحتباك : حذف أولا البغض وملهكهم وإن لدلالة الحب عليه , وحذف ثانيا ~~الثبات لدلالة الردة عليه ؛ ثم علل ذلك بقوله : { يجاهدون } أي يوقعون ~~الجهاد على الاستمرار لمن يستحقه من غير ملال ولا تكلف كالمنافقين , وحذف ~~المفعول تعميما ودل عليه مؤذنا بأن الطاعة محيطة بهم فقال : { في سبيل الله ~~} أي طريق الملك الأعظ الواسع المستقيم الواضح , لا لشيء غير ذلك ~~كالمنافقين . | ولما كان المنافقون يخرجون في الجهاد , فصلهم منهم بقوله : ~~{ ولا } أي والحال أنهم لا { يخافون لومة } أي واحدة من لوم { لائم } وإن ~~كانت عظيمة وكان هو عظيما , نهي عن المنكر - كانوا ms1245 كالمسامير المحماة , لا ~~يروعهم قول قائل ولا اعتراض معترض , ويفعلون في الجهاد في ذلك جميع ما تصل ~~قدرتهم وتبلغ قوتهم إليه من إنكال الأعداء وإهانتهم ومناصرة الأولياء ~~ومعاضدتهم , وليسوا كالمنافقين يخافون لومة أوليائهم من اليهود فلا يفعلون ~~وإن كانوا مع المؤمنين شيئا ينكيهم . | ولما كانت هذه الأوصاف من العلو في ~~رتب المدح بمكان لا يلحق , قال مشيرا إليها بأداة البعد واسم المذكر : { ~~ذلك } أي الذي تقدم من أوصافهم العالية { فضل الله } أي الحاوي لكل كمال { ~~يؤتيه } أي الله لأنه خالق لجميع أفعال العباد { من يشاء } أي فليبذل ~~الإنسان كل الجهد في طاعته لينظر إليه هذا النظر برحمته { والله } أي الذي ~~له الإحاطة الكاملة { واسع } أي محيط بجميع أوصاف الكمال , فهو يعطي من سعة ~~ليس PageV02P483 لها حد ولا يلحقها أصلا نقص { عليم * } أي بالغ العلم بمن ~~يستحق الخير ومن يستوجب غيره , وبكل ما يمكن علمه . | ولما نفى سبحانه ~~ولايتهم بمعنى المحبة وبمعنى النصرة وبمعنى القرب بكل اعتبار , أنتج ذلك ~~حصر ولاية كل من يدعي الإيمان فيه وفي أوليائه فقال : { إنما وليكم الله } ~~أي لأنه القادر على ما يلزم الولي , ولا يقدر غيره على شيء من ذلك إلا به ~~سبحانه ؛ ولما ذكر الحقيق بإخلاص الولاية له يقدر غيره على شيء من ذلك إلا ~~به وما عداه تبع , أتبعه من تعرف ولايته سبحانه بولايتهم بادئا بأحقهم فقال ~~: { ورسوله } وأضافة إليه إظهارا لرفعته { والذين يقيمون الصلاة } أي ~~تمكينا لوصلتهم بالخالق { ويؤتون الزكاة } إحسانا إلى الخلائق , وقوله : { ~~وهم راكعون * } يمكن أن يكون معطوفا على { يقيمون } أي ويكونون من أهل ~~الركوع , فيكون فضلا مخصصا بالمؤمنين المسلمين , وذلك لأن اليهود والنصارى ~~ولا ركوع في صلاتهم - كما مضى بيانه في آل عمران , ويمكن أن يكون حالا من ~~فاعل الإيتاء ؛ وفي أسباب النزول أنها نزلت في علي رضي الله عنه , سأله ~~سائل وهو راكع فطرح له خاتمه . | وجمع وإن كان السبب واحدا ترغيبا في مثل ~~فعله نم فعل الخير والتعجيل به لئلا يظن أن ذلك خاص به . | PageV02P484 ~~ولما كان ms1246 التقدير : فمن يتول غيرهم فأولئك حزب الشيطان , وحزب الشيطان هم ~~الخاسرون , عطف عليه : { ومن يتول الله } أي يجتهد في ولاية الذي له مجامع ~~العز { ورسوله } الذي خلقه القرآن { والذين آمنوا } وأعاد ذكر من خص ~~الولاية بهم تبركا بأسمائهم وتصريحا بالمقصود , فإنم الغالبون - هكذا كان ~~الأصل , ولكنه أظهر ما شرفهم به ترغيبا لهم في ولايته فقال : { فإن حزب ~~الله } أي القوم الذين يجمعهم على ما يرضي الملك الأعلى ما حزبهم أي اشتد ~~عليهم فيه { هم الغالبون * } أي لا غيرهم , بل غيرهم مغلوبون , ثم إلى ~~النار محشورون , لأنهم حزب الشيطان . | ولما نبه سبحانه على العلل المانعة ~~من ولاية الكفار وحصر الولاية فيه سبحانه , أنتج ذلك قطعا قوله منبها على ~~علل أخرى موجها للبراءة منهم : { ياأيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان , ~~ونبه بصيغة الافتعال على أن من يوالهم يجاهد عقله على ذلك اتباعا لهواه ~~فقال : { لا تتخذوا الذين اتخذوا } أي بغاية الجد والاجتهاد منهم { دينكم } ~~أي الذي شرفكم الله به { هزوا ولعبا } ثم بين المنهي عن موالاتهم بقوله : { ~~من الذين } ولما كان المقصود بهم منح العلم , وهو كاف من غير حاجة إلى ~~تعيين المؤتي , بني للمجهول قوله : { أوتوا الكتاب } ولما كان تطاول الزمان ~~له تأثير فيما عليه الإنسان من طاعة أو عصيان , وكان الإيتاء المذكور لم ~~يستغرق زمان القبل قال : { من قبلكم } يعني أنهم فعلوا الهزو عنادا بعد ~~تحققهم صحة الدين . | ولما خص عم فقال : { والكفار } أي من عبدة الأوثان ~~الذين لا علم لهم نقل عن الأنبياء , وإنما ستروا ما وضح لعقولهم من الأدلة ~~فكانوا ضالين , وكذا غيرهم , سواء علم أنهم يستهزؤون أولا , كما أرشد إليه ~~غير قراءة البصريين والكسائي بالنصب { أولياء } أي فإن الفريقين اجتمعوا ~~على حسدكم وازدرائكم , فلا تصح لكم موالاتهم أصلا . | ولما كان المستحق ~~لموالاة شخص - إذا تركه ووالى غيره - يسعى في إهانته , حذرهم وقوعهم ~~بموالاتهم على ضد مقصودهم فقال : { واقتوا الله } من له الإحاطة الكاملة , ~~فإن من والى غيره عاداه , ومن عاداه هلك هلاكا لا يضار معه { إن كنتم ms1247 ~~مؤمنين * } أي راسخين في الإيمان بحيث صار لكم جبلة وطبعا , فإن لم تخافوه ~~بان تتركوا ما نهاكم عنه فلا إيمان . | ولما عم في بيان استهزائهم جميع ~~الدين , خص روحه وخالصته وسره فقال : { وإذا ناديتم } أي دعا بعضكم الباقين ~~إلى الإقبال إلى الندى وهو المجتمع , فأجابه PageV02P485 الباقون بغاية ~~الرغبة , ومنه دار الندوة , أو يكون المعنى أن المؤذن كلم المسلمين برفع ~~صوته كلام من هو معهم في الندى بالقول فأجابوه بالفعل , فكان ذلك مناداة - ~~هذا أصله , فعبر بالغاية التي يكون الاجتماع بها فقال مضمنا له الانتهاء : ~~{ إلى الصلاة } أي التي هي أعظم دعائم الدين , وموصل إلى الملك العظيم , ~~وعاصم بحبلة المتين { اتخذوها } على ما لها من العظمة والجد والبعد من ~~الهزء بغاية هممهم وعزائمهم { هزوا ولعبا } فيتعمدون الضحك والسخرية ~~ويقولون : صاحوا كصياح العير - ونحو هذا , وبين سبحانه أن سبب ذلك عدم ~~انتفاعهم بعقولهم فكأنهم لا عقول لهم , وذلك لأن تأملها - في التطهر لها ~~وحسن حال فاعلها عند التلبس بها من التخلي عن الدنيا جملة والإقبال على ~~الحضرة الإلهية , والتحلي بالقراءة لأعظم الكلام , والتخشع والتخضع لملك ~~الملوك الذي لم تخف عظمته على أحد , ولا نازع قط في كبريائه وقدرته منازع - ~~بمجرده كاف في اعتقاد حسنها وجلالها وهيبتها وكمالها فقال : { ذلك } أي ~~الأمر العظيم الشناعة { بأنهم قوم } وإن كانوا أقوياء لهم قدرة على القيام ~~في الأمور { لا يعقلون * } أي ليست لهم هذه الحقيقة , ولو كان لهم شيء من ~~عقل لعلموا أن النداء بالفم أحسن من التبويق وضرب الناقوس بشيء لا يقاس , ~~وأن التذلل بين يدي الله بالصلاة أمر لا شيء أحسن منه بوجه , وللأذان من ~~الأسرار ما تعجز عنه الأفكار , منه أنه جعل تسع عشرة كلمة , ليكف الله به ~~عن قائله خزنة النار التسعة عشر , وجعلت الإقامة إحدى عشرة كلمة رجاء أن ~~يكون معتقدها رفيقا لأحد عشر : العشرة المشهود لهم بالجنة , وقطبهم وقطب ~~الوجود كله النبي صلى الله عليه وسلم , وناهيك أن من أسراره أنه جمع الدين ~~كله أصولا وفروعا - كما بنت ذلك في ms1248 كتابي ( الإيذان بفتح أسرار التشهد ~~والأذان ) . | < < # | المائدة : ( 59 - 60 ) قل يا أهل . . . . . # > > ^ ( قل يأهل الكتاب هل تنقمون منآ إلا أن آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ~~ومآ أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون * قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند ~~الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت ~~أولئك شر مكانا وأضل عن سوآء السبيل ) ^ } ) | ت النفوس نزاعة إلى الهوى , ~~عمية عن المصالح , جامحة عن الدواء بما وقفت عنده من النظر إلى زينة الحياة ~~الدنيا , وكان الدليل على سلب العقل عن أهل الكتاب دليلا على العرب بطريق ~~الأولى , وكان أهل الكتاب لكونهم أهل علم لا ينهض بمحاجتهم إلا الأفراد من ~~خلص العباد , قال تعالى دالا على ما ختم به الآية من عدم عقلهم آمرا لأعظم ~~خلقه بتبكيتهم وتوبيخهم وتقريعهم : { قل } وأنزلهم بمحل البعد فقال مبكتا ~~لهم بكون العلم لم يمنعهم عن الباطل : { ياأهل الكتاب } أي من اليهود ~~والنصارى { هل تنقمون } أي تنكرون وتكرهون وتعيبون { منا إلا أن آمنا } أي ~~أوجدنا PageV02P486 الإيمان { بالله } أي لما له من صفات الكمال التي ملأت ~~الأقطار وجاوزت حد الإكثار { وما أنزل إلينا } أي لما له من الإعجاز في ~~حالات الإطناب والتوسط والإيجاز { وما أنزل } ولما كان إنزال الكتب والصحف ~~لم يستغرق زمان المضي , أثبت الجار فقال : { من قبل } أي لما شهد له كتابنا ~~, وهذه الأشياء التي آمنا بها لا يحيد فيها عاقل , لما لها من الأدلة التي ~~وضوحها يفوق الشمس , فحسنها لا شك فيه ولا لبس { وأن } أي آمنا كلنا مع أن ~~أو والحال أن { أكثركم } قيد به إخراجا لمن يؤمن منهم بما دل عليه التعبير ~~بالوصف { فاسقون * } أي عريقون في الفسق , وهو الخروج عن دار السعادة بحيث ~~لا يمكن منهم رجوع إلى المرضى من العبادة , فبين أنهم لا ينقمون من ~~المؤمنين إلا المخالفة , والمخالفة إنما هي بإيمان المسلمين بالله وما أمر ~~به , وكفر أهل الكتاب بجميع ذلك مع علمهم بما تقدم لهم أن من آمن بالله كان ~~الله معه , فنصره ms1249 على كل من يناويه , وجعل مآله إلى الفوز الدائم , وأن من ~~كفر تبرأ منه فأهلكه في الدنيا , وجعل مآله إلى عذاب لا ينقضي سعيره , ولا ~~ينصرم أنينه وزفيره , ومن ركب ما يؤديه إلى ذلك على علم منه واختيار لم يكن ~~أصلا أحد أضل منه ولا أعدم عقلا , وتخصيص النقم بما صدر من المؤمنين يمنع ~~عطف { وأن } على { أن آمنا } ولما أنزلهم سبحانه إلى عداد البهائم بكونهم ~~ينسبونهم إلى الشر بجعلهم إياهم موضع الهزء واللعب وبكونهم ينظرون إلى أي ~~من خالفهم , فيبعدون منه وينفرون عنه من غير أن يستعملوا ما امتازوا به عن ~~البهائم في أن المخالف ربما كان فيه الدواء , والمكروه قد يؤول إلى الشفاء ~~, والمحبوب يجر إلى العطب والتوي , بين لهم أن تلك رتبة سنية ومنزلة علية ~~بالنسبة إلى ما هم فيه , فقال على سبيل التنزل وإرخاء العنان : { قل } أي ~~يا من لا ينهض بمحاجتهم لعلمهم ولددهم غيره لما جبلت عليه من قوة الفهم ثم ~~لما أنزل عليك من العلم { هل أنبئكم } أي أخبركم إخبارا متقنا معظما جليلا ~~{ بشر من ذلك } أي الأمر الذي نقمتموه علينا مع كونه قيما وإن تعاميتم عنه ~~, ووحد حرف الخطاب إشارة إلى عمى قلوبهم وأن هذه المقايسة لا يفهمها حق ~~الفهم إلا المؤيد بروح من الله { مثوبة } أي جزاء صالحا ويرجع إليه , فإ , ~~المثوبة للخير كما أن العقوبة للشر , وهي مصدر ميمي كالميسور والمعقول , ثم ~~نوه بشرفه بقوله : { عند الله } أي المحيط بصفات الجلال والإكرام , ثم رده ~~أسفل سافلين بيانا لأنه استعارة تهكمية على طريق : تحية بينهم ضرب وجيع . | ~~بقوله - جوابا لمن كأنه قال : نعم : { من } أي مثوبة من { لعنة الله } أي ~~أبعده الملك الأعظم وطرده { وغضب عليه } أي أهلكه , ودل على PageV02P487 ~~اللعن والغضب بأمر محسوس فقال : { وجعل } ودل على كثرة الملعونين بجمع ~~الضمير فقال : { منهم } أي بالمسخ على معاصيهم { القردة } تارة { والخنازير ~~} أخرى , والتعريف للجنس , وقال ابن قتيبة : إن الترعيف يفيد ظن أنهم لم ~~ينقرضوا بل توالدوا حتى كان منهم أعيان ما تعرفه ms1250 من النوعين , فما أبعد من ~~كان منهم هذا من أن يكونوا أبناء الله وأحباءه ! ثم عطف - على قراءة ~~الجماعة - على قوله { لعنه الله } سبب ذلك بعد أن قدم المسبب اهتماما به ~~لصراحته في المقصود , مع أن اللعن والغضب سبب حقيقي , والعبادة سبب ظاهري , ~~فقال : { وعبد الطاغوت } وقرأه حمزة بضم الباء على أنه جمع والإضافة عطف ~~على القردة , فهو - كما قال في القاموس - اللات والعزى والكاهن والشيطان ~~وكل رأس ضلال والأصنام وكل ما عبد من دون الله ومردة أهل الكتاب , للواحد ~~والجمع , فلعوت من طغوت , وكل هذه المعاني تصلح ها هنا , أما اللات والعزى ~~وغيرهما مما لم يعبدوه صريحا فلتحسينهم دين أهله حسدا للإسلامن وقد عبدوا ~~الأوثان في كل زمان حتى في زمان موسى عليه السلام كما في نص التوراة : ثم ~~بالغوا في النجوم لاستعمال السحر فشاركوا الصابئين في ذلك . | فمعنى الآية ~~: تنزلنا إلى أ , نسبتكم لنا إلى الشر صحيحة , ولكن لم يأت كتاب بلعننا ولا ~~بالغضب علينا ولا مسخنا قردة ولا خنازير , ولا عبدنا غير الله منذ أقبلنا ~~عليه , وأنتم قد وقع بكم جميع ذلك , لا تقدرون أن تتبرؤوا من شيء منه , فلا ~~يشك عاقل أنكم شر منا وأضل , والعاقل من إذا دار أمره بين شرين لم يختر إلا ~~أقلهما شرا , فثبت كالشمس صحة دعوى أنهم قوم لا يعقلون , ولذلك ختم الآية ~~بقوله { أولئك } أي البعداء البغضاء الموصوفون باللعن وما معه { شر مكانا } ~~وإذا كان ذلك لمكانهم فما ظنك بأنفسهم , فهو كناية عن نسبتهم إلى العراقة ~~في الشر { وأضل } أي ممن نسبوهم إلى الشر والضلال , وسلم لهم ذلك فيهم ~~إرخاء للعنان قصدا للإبلاغ في البيان { عن سواء } أي قصد وعدل { السبيل * } ~~أي الطريق , ويجوز أن تكون الإشارة في ذلكإلى ما دل عليه الدليل الأول من ~~عدم عقلهم ولا تنزل حينئذ , وإنما قلت : إنهم لا يقدرون على إنكار شيء من ~~ذلك , لأن في نص التوراة التي بين أظهرهم في السفر الخامس : فالرب يقول لكم ~~ويأمركم أن تكونوا له شعبا حبيبا , وتحفظوا ms1251 جميع وصاياه وتعملوا بها , فإنه ~~يرفعكم فوق جميع الشعوب , وإذا جزتم الأردن انصبوا الحجارة التي آمركم بها ~~اليوم على جبل عبل وكلسوها بالكلس , وابنوا هناك مذبحا من الحجارة لم يقع ~~عليها حديد , ولكن ابنوا الحجارة كاملة لم تقطع , وقربوا عليها ذبائح كاملة ~~أمام الله ربكم , وكلوا هناك وافرحوا أمام الله ربكم , واكتبوا على تلك ~~الحجارة جميع آيات هذه السنة . | ثم عين موسى رجالا يقومون على PageV02P488 ~~جبل إذا جازوا الأردن ويهتفون بصوت عال ويقولون لبني إسرائيل : ملعونا يكون ~~الذي يتخذ أصناما مسبوكة وأوثانا منحوتة أمام الرب , والشعب كلهم يقولون : ~~آمين ! ملعونا يكون من ينقل حد صاحبه ويظلمه في أرضه , ويقول الشعب كلهم : ~~آمين ! ملعونا يكون من يضل الأعزى عن الطريق , ويقول الشعب كلهم : آيمن ! ~~ملعونا يكون من يحيف على المسكين واليتيم والأرملة في القضاء , ويقول الشعب ~~كلهم : آمين ! - إلى أن قال : ملعونا يكون كل من لا يثبت على عهد آيات هذه ~~التوراة ويعمل بها , ويقول الشعب كلهم : آمين ! ثم قال : وإن أ , تم لم ~~تسمعوا قول الله ربكم ولم تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه ووصاياه التي آمركم ~~بها اليوم , ينزل بكم هذا اللعن الذي أقص عليكم كله ويدرككم العقاب , ~~وتكونوا ملعونين في القرية , ملعونين في الحرب , ويلعن نسلكم وثمار أرضكم , ~~وتكونون ملعونين إذا دخلتم ومعلونين إذا خرجتم , ينزل بكم الرب البلاء ~~والحشرات , وينزل بكم الضربات الشديدة , وبكل شيء تمدون أيديكم إليه ~~لتعملوه حتى يهلككم ويتلفكم سريعا من أجل سوء أعمالكم وترككم لعبادتي , ~~ويسلط عليكم هذه الشعوب حتى تهلكوا , وتكون السماء التي فوقكم عليكم شبه ~~النحاس , والأرض تحتكم شبه الحديد , ويكسركم الرب بين يدي أعدائكم , تخرجون ~~إليهم في طريق واحدة وتهربون في سبعة طرق , وتكونون مثلا وقرعا لجميع ~~مملكات الأرض , وتكون جيفكم مأكلا لجميع السباع وطيور السماء ولا يذب أحد ~~عنكم , تكونون مقهورين مظلومين مغصوبين كل أيام حياتكم , يسبي بنيك وبناتك ~~شعب آخر وتنظر إليهم ولا تقدر لهم على خلاص , وتكون مضطهدا مظوما طور عمرك ~~يسوقك الرب , ويسوق ملكك الذي مكله عليك ms1252 إلى شعب لم يعرفه أبوك , وتعبد ~~هناك آلهة أخرى عملت من خشب وحجارة , وتكون مثلا وعجبا ويفكر فيك كل من ~~يسمع خبرك في جميع الشعوب التي يقركم الله فيها , تزرع كثيرا وتحصد قليلا , ~~ويتعظم عليك سكانك ويصيرون فوقك , هذا اللعن كله يلزمك وينزل بك ويدركك حتى ~~تهلك , لأنك لم تقبل قول الله ربك , ولم تحفظ سننه ووصاياه التي أمرك بها , ~~وتظهر فيك آيات وعجائب وفي نسلك إلى الأبد , لأنك لم تعبد الله ربك ولم ~~تعمل بوصاياه , ويصير أعداؤك دق الحديد على عنقك , ويسلط الله عليك شعبا ~~يأتيك وأنت جائع ظمآن عريان فقير , قد أعوزك كل شيء يحتاج إليه , وتخدم ~~أعداءك , ويسرع إليك مثل طيران النسر شعب لا تعرف نعتهم , شعب وجوههم صفيقة ~~, لا تستحيي من الشيوخ ولا ترحم الصبيان , ويضيق عليك في جميع قراك حتى ~~يظفر بسوراتك المشيدة التي تتوكل عليها وتثق بها في كل أرضك , وتضطر حتى ~~تأكل لحم ولدك , والرجل المدلل منكم المفنق تنظر عيناه إلى أخيه وخليله ~~وإلى PageV02P489 من بقي من ولده جائعا , لا يعطيهم من لحم ابنه الذي يأكله ~~لأنه لا يبقى عنده شيء من الاضطهاد والضيق الذي يضيق عليك عدوك , وإن لم ~~تحفظ وتعمل بجميع الوصايا والسنن التي كتبت في هذا الكتاب وتتقي الله ربك ~~وتهب اسمه المحمود المرهوب يخصك الرب بضربات موجعة , ويبتليك بها ويبتلي ~~نسلك من بعدك , ويبقى من نسلك عدد قليل من بعد كثرتهم التي كانت قد صارت ~~مثل نجوم السماء , لأنك لم تسمع قول الله , كما فرحكم الرب وأنعم عليكم ~~وكثركم كذلك يفرح الرب لكم ليستأصلكم بالعقاب والنكال , ويدمر عليكم ~~ويتلفكم , وتجلون عن الأرض التي تدخلونها لترثوها , ويفرقكم الرب بين جميع ~~الشعوب - هذه أقوال العهد التي أمر الله بها موسى أن يعاهد بني إسرائيل في ~~أرض موآب سوى العهد الذي عاهدهم بحوريب , فإن قالوا : نحن لم ننقض بعد موسى ~~عليه السلام حتى يلزمنا هذا اللعن المشروط بنقض العهد ! قيل : قد شهد عليكم ~~بذلك ما بين أيديكم من كتابكم , فإنه قال في ms1253 آخر أسفاره ما نصه : وقال الرب ~~لموسى : قد دنت أيام وفاتك فادع يشوع وقوما في قبة الزمان لآمره بما أريد , ~~وانطلق يشوع وموسى وقاما في قبة الزمان , وظهر الرب في قبة الزمان بعمود من ~~سحاب , وقام عمود من سحاب في باب قبة الزمان , وقال الرب لموسى : أنت مضطجع ~~منقلب إلى آبائك , فيقول هذا الشعب فيضل ويتبع آلهة أخرى آلهة الشعوب التي ~~تدخل وترى وتسكن بينها , ويخالفني ويبطل عهدي الذي عهدته , ويشتل غضبي عليه ~~في ذلك اليوم , وأخذلهم وأدير وجهي عنهم , ويصيرون مأكلا لأعدائهم , ~~ويصيبهم شر شديد وغم طويل , لأنهم تبعوا الآلهة الأخرى , فاكتب لهم الآن ~~هذا التسبيح وعلمه بني إسرائيل وصيره في أفواههم , ليكون هذا التسبيح شهادة ~~لعى بني إسرائيل , لأني مدخلهم الأرض التي أقسمت لآبائهم , الأرض التي تغل ~~السمن والعسل , ويأكلون ويشبعون ويتلذذون , ويتبعون الآلهة الأخرى ~~ويعبدونها , ويغضبوني ويبطلون عهدي , فإذا نزل بهم هذا الشر الشديد والغموم ~~يتلى عليهم هذا التسبيح للشهادة , ولا تعدمه أفواه ذريتهم , لأني عالم ~~بأهوائهم , وكل ما يصنعونه ها هنا اليوم قبل أن أدخلهم الأرض التي أقسمت ~~لآبائهم , وكتب موسى هذا التسبيح ذلك اليوم وعلمه بني إسرائيل - وذكر بعد ~~هذا كله ما ذكرته عند < # > 77 ( { إنا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين } ) 77 < # > [ النساء : 163 ] في النساء فراجعه , ثم قال : أنصتي أيتها السماء ~~فأتكلم , ولتسمع الأرض النطق من في لأنها ترجو كلامي عطشانة , وكمثل الندى ~~ينزل قولي وكالمطر على النخيل وشبه الضباب على الشعب , لأني دعوت باسم الرب ~~أبدا وبالتعظيم لله الرب العدل وليس عنده ظلم , الرب البار الصادق , أخطأ ~~أولاد الأنجاس , الجيل المتعوج المنقلب , وبهذا PageV02P490 كافؤوا الرب , ~~لأنه شعب جاهل وليس بحليم , أليس الرب استخلصك وخلقك ! اذكروا أيام الدهر ~~وتفهموا ما مضى من سنني جيلا بعد جيل , استخبر أباك فيخبرك , وشيوخك ~~فيفهموك , حين قسم العلى للأمم بني آدم الذين فرقهم , أقام حدود الأمم على ~~عدد الملائكة , وصار جزء الرب شعبه , يعقوب حبل ميراثه , إسرائيل فأرواه في ~~البرية من عطش الحر حيث لم يكن ماء ms1254 , وحاطه وأدبه وحفظه مثل حدقة العين , ~~وكمثل النسر حيث نقل عشه وإلى فراخه اشتاق , فنشر أجنحته وقبلهم وحملهم على ~~صلبه , الرب وحده ساقهم ولم يكن معهم إله آخر , وأصعدهم إلى علو الأرض ~~وأطعمهم من ثمر الشجر وغذاهم عسلا من حجر , من الصخرة أخرج لهم الزيت , ومن ~~سمن البقر ولبن الغنم وشحم الخراف والكباش والثيران والجداء ولب القمح , ~~أكل يعقوب المخصوص , حين شحم وغلظ وعرض , ترك الإله الذي خلقه وبعد من الله ~~مخلصه , يقول الله : أسخطوني مع الغرباء بأوثانهم وأغضبوني حين ذبحوا ~~للشياطين ولم يقربوا لإله الآلهة ولم يعرفه الجيل الجديد الذين أتوا ونسواء ~~آباءهم . | هذا ما أردت ذكره من التوراة في الهشادة على لزوم اللعن والغضب ~~لهم بعبادتهم الطواغيت , وقد صدق الله قوله فيها وأتم كلماته - وهو أصدق ~~القائلين - بما وقع لهم بعد وفاة موسى عليه السلام ثم بعد يوشع عليه السلام ~~مع ما تقدم لهم في أيام يوشع عليه السلام من ععبادة بعليون الصنم كما مضى ~~عند قوله تعالى < # > 77 ( { وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم } ) 77 < # > [ البقرة : 93 ] ذكر ما يصدق ذلك من سفر يوشع , قال : ودعا يوشع جميع ~~بني إسرائيل وقال لهم : أنا قد شخت وطعنت في السن , وأنتم قد رأيتم ما صنع ~~الله بهذه الشعوب , إنه أهلكهم من بين أديكم , وإن الله ربكم هو تولى ~~حروبكم وظفركم , قد علمتم أني قسمت لكم الشعوب التي بقيت . | فأما عند ~~النهر الأعظم في مغارب الشمس فقد قسمتها لكم , والله ربكم يهزمهم ويهلكهم ~~في أمامكم وترثون أرضهم كما قال الله ربكم , ولكن تقووا جدا واعلموا بجميع ~~ما كتب في سيفر موسى عند الرب , أهلك الرب من أمامكم شعوبا عظيمة ولم يثبت ~~لكم إنسان إلى اليوم , الرجل منكم يهزم ألف رجل , لأن الله ربكم معكم وهو ~~يجاهد عنكم كما قال لكم , فاحترسوا لأنفسكم , إن أنتم خالطتم الشعوب الذين ~~بقوا بينكم وصرتم لهم أختانا صاروا لكم فخاخا وعثرات وأسنة في أصدافكم ~~وصنارات في أعينكم حتى تهلكوا من الأرض الصالحة التي أعطاكم الله ربكم ms1255 , ~~وأما أنا فسائر في طريق أهل الأرض كلهم , وقد تعلمون يقينا نم كل قلوبكم ~~وأنفسكم أنه ما سقطت كلمة واحدة من الكلام الذي وعدكمالله ربكم , وكما تم ~~كل PageV02P491 الكلام الصالح الذي وعدكم الله به كذلك ينزل بكم كل اللعن ~~حتى تهلكوا وتبيدوا إن أنتم عصيتم وتعديتم على ميثاق الله ربكم والوصايا ~~التي أوصاكم بها ؛ وجمع جميع بني إسرائيل إلى سجام وأقامهم أمام الرب في ~~قبة الزمان وقال : اسمعوا قول الله إله إسرائيل : كان آباؤكم سكانا في مجاز ~~النهر في الدهر الأول , ترح أبو إبراهيم وناحور , وكانوا يعبدون هناك آلهة ~~أخرى , وعهد إلى إبراهيم أبيكم وأخرجته من مجاز النهر وسيرته في أرض كنعان ~~كلها , وأكثرت ذريته ورزقته إسحاق ابنا , ورزقت إسحاق يعقوب وعسو , وأعطيت ~~عيسو جبل ساعير ميراثا , فأما يعقوب وبنوه فنزلوا إلى مصر , وأرسلت موسى ~~وهارون وعاقبت أهل مصر وأكثرت في أرضهم من الآيات والأعاجيب , ومن بعد ذلك ~~أخرجتهم منها , وشق لهم الرب بحر سوف وأجاز إياكم فيه مشيا , فلما أراد ~~المصريون أن يجوزوا أقلب البحر عليهم وغرقهم , ورأت أعينكم ما صنعت بأهل ~~مصر , ثم أتيت بكم المفازة وسكنتموها أياما كثيرة , وأتيت بكم أرض ~~الأمورانيين الذين يسكنون عند مجاز الأردن , وحاربوكم ودفعتهم إليكم , ووثب ~~عليكم بالاق بن صفور ملك الموآبيين , وحارب إسرائيل فأرسل فدعا بلعام بن ~~بعور ليلعنكم , ولم يسرني أن أسمع قول بلغام , ولكن باركت عليكم وتجيتكم من ~~يديه , ثم جزتم نهر الأردن وأتيتم أهل أريحا فحاربكم أهلها والأمورانيون - ~~ثم عد بقية الطوائف السبع - فدفعتهم إليكم أجمعين , وأعطيتكم أرضا لم ~~تتعبوا فيها , فاتقوا الرب واعبدوه بالبر والعدل , واصرفوا عن قلوبكم الفكر ~~في عبادة الآلهة الأخرى التي عبدها أباؤكم عند مجاز النهر وفي أرض مصر , ~~واعبدوا الرب وحده , وإن كان يشق عليكم أن تعبدوا الرب اختاروا لأنفسكم ~~يومنا هذا من تعبدون , أتحبون أن تعبدوا الآلهة التي عبدها آباؤكم عند مجاز ~~نهر الفرات أم آلهة الأمورانيين الذين سكنتم بينهم ! أما أنا وأهل بيتي ~~فإنا نعبد الله الرب , فأجاب الشعب وقالوا : حاشا ms1256 لله أن نجتنب عبادة الرب ~~ونعبد الآلهة الأخرى ! لأن الله ربنا هو الذي أخرجنا من أرض مصر وخلصنا من ~~العبودية , وأكمل الآيات والأعاجيب أمامنا , وحفظنا في كل الطرق التي ~~سلكناها , وقوانا على جميع الشعوب التي حاربناها لذلك نعبد الرب لأنه هو ~~الإلهة وحده وهو إلهنا , فقال : انظروا ! لعلكم تجتنبون عبادة الله وتعبدون ~~الآلهة الغريبة , فيغضب الرب عليكم وينزل بكم البلاء ويهلككم من بعد إنعامه ~~عليكم , فقال الشعب : لا يكون لنا عبادة أخرى غير عبادة الله , ربنا , قال ~~يشوع : اشهدتم على أنفسكم : أنتم الذين اخترتم عبادة الرب قالوا له : نشهد ~~! فأول ما دخل عليهم الدخلي أنهم لم يستأصلوا الكفرة وخالطوهم في أيام يوشع ~~؛ قال في سفره : فصعد رسول الرب من الجلجال إلى سجين وقال لبني إسرائيل : ~~هكذا يقول PageV02P492 الرب : أنا الذي أصعدتكم من أرض مصر وأتيت بكم الأرض ~~التي أقسمت لآبائكم وقلت : إني لا أبطل عهدي إلى الأبد , وأمرتكم أن لا ~~تعاهدوا أهل هذه الأرض , ولكن استأصلوا مذابحهم , ولم تقبلوا ولم تطيعوني , ~~وأنا أيضا قد قلت : إني لا أهلكهم من أمامكم , ولكن تكون لكم آلهتهم عشرة , ~~فلما قال رسول الرب لبني إسرائيل هذا القول رفع القوم أصواتهم بالبكاء ~~ودعوا اسم ذلك الموضع تحناد أي موضع البكاء , وذبحوا هناك ذبائح للرب ؛ ~~وتوفي يشوع بن نون عند الرب ابن مائة وعشرين سنة , ودفن في حد ميراثه بسرح ~~التي في جبل إفرائيم عن يسار جبل جعس , وكل ذلك الحقب أيضا ميراثه بسرح ~~التي في جبل إفرائيم عن يسار جبل جعس , وكل ذلك الحقب أيضا قبضوا , ونشأ من ~~بعدهم حقب لم يعرف الرب ولم يعرف أعماله التي عملها , وارتكب بنو إسرائيل ~~السيئات أمام الرب واجتنبوا عبادة الله إله آبائهم الذي أخرجهم من أرض مصر ~~, وتبعوا آلهة الشعوب التي حولهم وسجدوا لها وعبدوةا بعلا وأشتراثا الصنمين ~~, وغضب الرب على بني إسرائيل , وسلط عليهم المنتهبين , ودفعهم إلى أعدائهم ~~, ولم يقدروا أن يثبتوا لأعدائهم , وكلما كانوا يخرجون إلى الحرب كانت يد ~~الرب عليهم بالعقاب والبلاء كما قال لهم ms1257 الرب وكما أقسم لآبائهم , واضطروا ~~وضاق بهم جدا , فصير الرب عليهم قضاة , وأعان قضاتهم وخلصوهم من أيدي ~~أعدائهم , وكان الرب يسمع أنينهم وما يشكون منالمضيقين عليهم والمزعجين لهم ~~, فلما توفيت قضاتهم رجعوا إلى الفساد كآبائهم , وعبدوزا لأصنام وسجدوا لها ~~, ولم ينقصوا من سوء أعمالهم الأولى وطرقهم الرديئة , فاشتد غضب الرب على ~~بني إسرائيل وقال : لأن الشعب اعتدوا الوصية التي أوصيت آباءهم , ولم ~~يسمعوا قولي , لا أعود أن أهلك إنسانا بين أيديهم من الشعوب التي خلف يشوع ~~بعد وفاته , ليجرب الرب بها بني إسرائيل هل يحفظون طرق الرب كما حفظ آباؤهم ~~أولا ! فلذلك ترك الرب هذه الشعوب ولم يهلكهم سريعا , ولم يسلمها في يدي ~~يشوع , والذين تركوا خمسة رؤساء أهل فلسطين وجميع الكنعانيين والصيدانيين ~~والحاوانيين والذين يسكنون جبل لبنان ومن جبل بني حرمون إلى مدخل حماة ~~ليجرب بهم بني إسرائيل , وجلس بنو إسرائيل بين يدي الأمورانيين وبقية ~~القبائل , وزوجوا بنيهم من بناتهم وزوجوا بناتهم من بنيهم وعبدوا آلهتهم , ~~وارتكب بنو إسرائيل السيئات أمام الرب ونسوا صنيع الرب إلههم وعبدوا بعلا ~~وأشتراثا , واشتد غضب الرب على بني إسرائيل ودفعهم إلى كوشان الأتيم ملك ~~حران , فاستعبدهم ثماني سنين , ودعا بنو إسرائيل الرب متضرعين , وصير الرب ~~لهم مخلصا , وخلصهم عثنايال بن قنز أخو كالاب الأصغر , فأعانه الرب وصار ~~حكما لبني إسرائيل فخرج إلى الحرب , وأسلم الرب في يده كوشان الأتيم , ~~واستراحت الأرض من الحرب أربعين سنة , وتوفي عثنايال PageV02P493 ابن قنز , ~~وعاد بنو إسرائيل في سوء أعمالهم أمام الر , فقوى الرب عليهم ملك موآب , ~~واستمروا هكذا في كل حين ينقضون , وسنة الرب كل قليل يرفضون , ولا يستقيمون ~~إلا بقدر ما ينسون حرارة النقم ويذوقون لذاذة النعم - ولولا خوف الإطالة ~~الموجبة للسآمة والملالة لذكرت من ذلك كثيرا من الكتب التي بين أيديهم , لا ~~يقدرون على إنكار ما يلزمهم بها من الفضيحة والعار - والله الموفق . | < < # | المائدة : ( 61 - 63 ) وإذا جاؤوكم قالوا . . . . . # > > ^ ( وإذا جآءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله ~~أعلم بما كانوا يكتمون ms1258 * وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم ~~السحت لبئس ما كانوا يعملون * لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم ~~الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون ) ^ } ) | ولما تم ذلك عطف سبحانه ~~على { وإذا ناديتم إلى الصلاة } قوله دالا على استحقاقهم للعن وعلى ما أخبر ~~به من شرهم وضلالهم بما فضحهم به من سوء أعمالهم دلالة على صحة دين الإسلام ~~بإطلاع شارعه عليه أفضل الصلاة والسلام على خفايا الأسرار : { وإذا جاءوكم ~~} أي أيها المؤمنون ! هؤلاء المنافقون من الفريقين , وإعادة ضمير الفريقين ~~عليهم لأنهم في الحقيقة منهم , ما أفادتهم دعوى الإيمان شيئا عند الله , ~~والعدول إلى خطاب المؤمنين دال على عطفه على ما ذكرت , وفيه إشارة إلى أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم يعرفهم في لحن القول , فلا يغتر بخداعهم ولا يسكن ~~إلى مكرهم بما أعطى من صدق الفراسة وصحة التوسم { قالوا آمنا } أي لا ~~تغتروا بمجرد قولهم الحسن الخالي عن اليبان بما يناسبه من الأفعال فكيف ~~بالمقترن بما ينفيه منها , وقد علم أن الفصل بين عن البيان بما يناسبه من ~~الأفعال فكيف بالمقترن بما ينفيه منها , وقد علم أن الفصل بين المتعاطفين ~~بالآيتين السالفتين لا يضر , لكونهما علة للمعطوف عليه , فهما كالجزء منه . ~~| ولما ادعوا الإيمان كذبهم سبحانه في دعواهم بقوله مقربا لماضيهم من الحال ~~رجاء لهم غير الدخول , لأنها تكاد تظهر ما هم مخفوه , فوجب التوقع للتصريح ~~بها : { وقد } أي قالوا ذلك والحال أنهم قد { دخلوا } أي إليكم { بالكفر } ~~مصاحبين له متلبسين به . | ولما كان المقام يقتضي لهم بعد الدخول حسن الحال ~~, لما يرون من سمت رسول الله صلى الله عليه وسلم الجليل وكلامه العذب ودينه ~~العدل وهدية الحسن , فلم يتأثروا لما عندهم من الحسد الموجب للعناد , أخبر ~~عن ذلك بأبلغ من الجملة التي أخبرت بكفرهم تأكيدا للأخبار عن ثباتهم على ~~الكفر , لأنه أمر ينكره العاقل فقال : { وهم } أي من عند أنفسهم لسوء ~~ضمائرهم وجبلاتهم من غير سبب من أحد منكم , لا منك ولا من أتباعك ~~PageV02P494 { قد خرجوا به } أي ms1259 الكفر بعد دخولهم ورؤية ما رأوا من الخير , ~~دالا على قوة عنادهم بالجملة الاسمية المفيدة للثبات , وذكر المسند إليه ~~مرتين , وهم بما أظهروا يظنون أنه يخفي ما أضمروا . | ولما كان في قلوبهم ~~من الفساد والمكر بالإسلام وأهله ما يطول شرحه , نبه عليه بقوله : { والله ~~} أي المحيط بجميع صفات الكمال وبكل شيء علما وقدرة { أعلم } أي منهم وممن ~~توسم فيهم النفاق { بما كانوا } أي بما جبلاتهم من الدواعي العظيمة للفساد ~~{ يكتمون * } أي من هذا وغيره في جميع أحوالهم من أقوالهم وأفعالهم . | ~~ولما كذبهم في دعوى الإيمان , أقام سبحانه الدليل على كفرهم فقال مخاطبا ~~لمن له الصبر التام , مفيدا أنه أطلعه صلى الله عليه وسلم على ما يعلم منهم ~~مما يكتمونه من ذلك تصديقا لقوله تعالى { ولتعرفنهم في لحن القول } إطلاعا ~~هو كالرؤية , عاطفا على ما تقديره : وقد أخبرنا غيرك من المؤمنين بما نعلم ~~منهم من ذلك , وأما أنت فترى ما في قلوبهم بما آتيناك من الكشف : { وترى } ~~أي لا تزال يتجدد لك ذلك { كثيرا منهم } أي اليهود والكفار منافقهم ~~ومصارحهم . | ولما كان التعبير بالعجلة لا يصح هنا , لأنها لا تكون إلا في ~~شيء له وقتان : وقت لائق , ووقت غير لائق , والإثم لا يتأتى فيه ذلك , قال ~~: { يسارعون } أي يفعلون في تهالكهم على ذلك فعل من يناظر خصما في السرعة ~~فيما هو فيه محق وعالم بأنه في غاية الخير , وكان موضع إفادة لأن كفرهم عن ~~حيلة هي في غاية الرداءة بقوله : { في الإثم } أي كل ما يوجب إثما من ~~الذنوب , وخص منه أعظمه فقال : { والعدوان } أي مجاوزة الحد في ذلك الذي ~~أعظمه الشرك , ثم حقق الأمر وصوره بما يكون لوضوحه دليلاعلى ما قبله من ~~إقدامهم على الحرام الذي لا تمكن معه صحة القلب أصلا , ولا يمكنهم إنكاره ~~فقال : { وأكلهم السحت } أي الحرام الذي يستأصل البركة من أصلها فيمحقها , ~~ومنه الرشوة , وكان هذا دليلا على كفرهم لأنهم لون كانوا مؤمنين ما أصروا ~~على شيء من ذلك , فكيف بجميعه ! فكيف بالمسارعة فيه ! ولذلك استحقوا ms1260 غاية ~~الذم بقوله : { لبئس ما كانوا } ولما كانوا يزعمون العلم , عبر عن فعلهم ~~بالعمل فقال : { يعملون * } ولما كان المنافقون من الأميين وأهل الكتاب قد ~~صاروا شيئا واحدا في الانحياز إلى المصارحين من أهل الكتاب , فأنزل فيهم ~~سبحانه هذه الآيات على وجهيعم غيرهم حتى تبينت أحوالهم وانكشف زيغهم ~~ومحالهم - أنكر - على من يودعونهم أسرارهم PageV02P495 ويمنحونهم مودتهم ~~وأخبارهم من علمائهم وزهادهم - عدم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر , ~~لكونهم جديرين بذلك لما يزعمونه من اتباع كتابهم فقال : { لولا } أي هلا ~~ولم لا { ينهاهم } أي يجدد لهم النهي { الربانيون } أي المدعون للتخلي من ~~الدنيا إلى سبيل الرب { والأحبار } أي العلماء { عن قولهم الإثم } أي الكذب ~~الذي يوجبه وهو مجمع له { وأكلهم السحت } وذلك لأن قولهم للمؤمنين { آمنا } ~~وقولهم لهم ^ ( { إنا معكم إنما نحن مستهزئون } ) ^ [ البقرة : 14 ] لا ~~يخلو عن كذب , وهو محرم في توراتهم وكذا أكلهم الحرام , فما سكوتهم عنهم في ~~ذلك إلا لتمرنهم على المعاصي وتمردهم في الكفر واستهانتهم بالجرأة على من ~~لا تخفى عليه خافية , ولا يبقى لمن عاداه باقية . | ولما كان من طبع ~~الإنسان الإنكار على من خالفه , كانت الفطرة الأولى مطابقة لما أتت به ~~الرسل من قباحة الكذب وما يتبعه من الفسوق . | وكان الإنسان لا ينزل عن تلك ~~الرتبة العالية إلى اسكوت عن الفاسقين فضلا عن تحسين أحوالهم إلا بتدرب ~~طويل وتمرن عظيم , حتى يصير له ذلك كالصفة التي صارت بالتدريب صنعة يألفها ~~وملكة لا يتكلفها , فجعل ذنب المرتكب للمعصية غير راسخ , لأن الشهوة تدعوه ~~إليها , وذنب التارك للنهي راسخا لأنه لا شهوة له تدعوه إلى الترك , بل معه ~~حامل من الفطرة السليمة تحثه على النهي , فكان أشد حالا ؛ قال : { لبئس ما ~~} ولما كان ذلك في جبلاتهم , عبر بالكون فقال : { كانوا يصنعون * } أي في ~~سكوتهم عنهم وسماعهم منهم . | < < # | المائدة : ( 64 ) وقالت اليهود يد . . . . . # > > ^ ( وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل ~~يداه مبسوطتان ينفق كيف يشآء وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك ~~طغيانا وكفرا وألقينا ms1261 بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة كلمآ أوقدوا ~~نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين ) ^ } ~~) | ولما لم تزل الدلائل على إبطال دعوى أهل الكتاب في البنوة والمحبة تقوم ~~, وجبوش البراهين تنجد , حتى انتشبت فيهم سهام الكلام أي انتشاب , قال ~~تعالى معجبا من عامتهم بعد تعيين خاصتهم , معلما بأنهم لم يقنعوا بالسكوت ~~عن المنكر حتى تكلموا بأنكره , مشيرا إلى سفول رتبتهم ودناءة منزلتهم بأداة ~~التأنيث : { وقالت اليهود } معبرين عن البخل والعجز جرأة وجهلا بأن قالوا ~~ذاكرين اليد لأنها موضع القدرة وإفاضة الجود والنصرة . | { يد الله } أي ~~الذي يعلم كل عاقل أن له صفات الكمال { مغلولة } أي فهو لا يبسط الرزق غاية ~~البسط , وهذا كناية عن البخل والعجز من غير نظر إلى مدلول كل من ألفاظه على ~~حياله أصلا , كما قال تعالى : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك PageV02P496 ~~ولا تبسطها كل البسط } [ الإسراء : 29 ] ولم يقصد من ذلك غير الجود وضده , ~~لا غل ولا عنق ولا بسط أصلا , بل صار هذا الكلام عبارة عما وقع مجازا عنه , ~~كأنهما متعقبان على معنى واحد , حتى لو جاد الأقطع إلى المنكب لقيل له ذلك ~~, ومثل هذا كثير في الكتاب والسنة , منه الاستواء ( وقالت : في السماء ) ~~المراد منه - كما قاله العلماء - أنه ليس مما يعبده المشركون من الأوثان , ~~قال في الكشاف : ومن لم ينظر في علم البيان عمي عن تبصر محجة الصواب في ~~تأويل امثال هذه الآية , ولم يتخلص عن يد الطاعن إذا عبثت به . | ولما ~~نطقوا بهذه الكلمة الشنعاء , وفاهوا بتلك الداهية الدهياء , أخبر عما ~~جازاهم به سبحانه على صورة ما كان العرب يقابلون به من يستحق الهلاك من ~~الدعاء , فقال معبرا بالمبني للمفعول إفادة لتحتم الوقوع وتعليما لنا كيف ~~ندعو عليهم , ولم يسببه عما قبله بالفاء تقوية له على تقدير سؤال سائل : { ~~غلت أيديهم } دعاء مقبولا وخبرا صادقا , عن كل خير , فلا تكاد تجد فيهم ~~كريما ولا شجاعا ولا حاذقا في فن , وإن كان ذلك لم تظهر له ثمرة ms1262 { ولعنوا } ~~أي أبعدوا مطرودين عن الجناب الكريم { بما قالوا } والمعنى أنهم كما رأوا ~~أحوال المنافقين المقضي في التوراة بأنها إثم وأقروا عليها , فكذلك نطق ~~بعضهم بكلمة الكفر التي لا أفظع منها , وسكت عليه الباقون فشاركوه , ولما ~~كان الغل كناية عن البخل وعدم الإنفاق , وكان الدعاء بغلهم ولعنهم متضمنا ~~أن الأمر ليس كما قالوا , ترجمة سبحانه بقوله : { بل يداه } وهو منزه عن ~~الجارحة وعن كل ما يدخل تحت الوهم { مبسوطتان } مشيرا بالتثنية إلى غاية ~~الجود , ليكون رد قولهم وإنكاره بأبلغ ما يكون في قطع تعنتهم وتكذيب قولهم ~~. | ولما كان معنى هذا إثبات ما نفوه على أبلغ الأحوال , قال مصرحا ~~بالمقصود معرفا أنه في إنفاقه مختار فلا غرو أن يبسط لبعض دون بعض : { ينفق ~~} ولما كان إنفاقه سبحانه تحقيقا للاختيار على أحوال متباينة بحيث إنها ~~تفوت الحصر , أشار إلى التعجيب PageV02P497 من ذلك بالتعبير بأداة ~~الاستفهام وإن قالوا : إنها في هذا الموطن شرط , فقال : { كيف } أي كما { ~~يشاء } أي على أي حالة أراد دائما من تقتير وبسط وغير ذلك . | ولما كان ~~قولهم هذا غاية في العجب لأن كتابهم كاف في تقبيحه بل تقبيح ما هو دونه في ~~الفحش , فكيف وقد انضم إلى ذلك ما أنزل في القرآن من واضح البيان , قال ~~سبحانه عاطفا على < # > 77 ( { وترى كثيرا منهم } ) 77 < # > [ المائدة : 62 ] مؤكدا لمضمون ما سبق من قوله < # > 77 ( { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا } ) 77 < # > [ المائدة : 41 ] بأنه جعل سبب هذا القول منهم ما أتاهم من الهدى ~~الأكمل في هذا الكتاب المعجز على لسان هذا النبي الذي هم به أعرف منهم ~~بأبنائهم : { وليزيدن كثيرا منهم } أي ممن أراد الله فتته , ثم ذكر فاعل ~~الزيادة فقال : { ما أنزل إليك } أي على ما له من النور وما يدعو إيله من ~~الخير { من ربك } أي المحسن إليك بكل ما ينفعك دنيا وأخرى { طغيانا } أي ~~تجاوزا عظيما عن الحد تمتلىء منه الأكوان في كل إثم وشنأ , وذلك بما جره ~~إليهم داء الحسد , لأنهم ms1263 كلما رأوه سبحانه قد زاد إحسانه إليك طعنوا في ذلك ~~الإحسان , وهو - لما له من الكمال وعلو الشأن - يكون الطعن فيه من أعظم ~~الدليل عليه والبرهان , فيكون أعدى العدوان { وكفرا } أي سترا لما ظهر ~~لعقولهم من النورن ودعت إليه كتبهم من الخير , وهذا كما يؤذي الخفاش ضياء ~~الصباح , وكلما قوي الضياء زاد أذاه , وفي هذا إياس من توبتهم وتأكيد ~~لعداوتهم وزجر عن موالاتهم ومودتهم , أي إنهم لا يزدادون بحسن وعظم وجميل ~~تلاوتك عليهم الآيات إلا شقاقا ما وجدوا قوة , فإن ضعفوا فنفاقا . | ولما ~~كان الإخبار باجتماع كلمتهم على شقاوة الكفر ربما أحدث خوفا من كيدهم , نفى ~~ذلك بقوله { وألقينا } أي بما لنا من العظمة الباهرة { بينهم } أي اليهود { ~~العداوة } ولما كانت العداوة - وهي أي يعدون بعضهم إلى أذى بعض - ربما زالت ~~بزوال السبب , أفاد أنها لازمة لا تنفك بقوله : { والبغضاء } أي لأمور ~~باطنية وقعت في قلوبهم وقوع الحجر الملقى من علو { إلى يوم القيامة } ولما ~~كان ذلك مفيدا لوهنهم ترجمة بقوله : { كلما أوقدوا } على سبيل التكرار لأحد ~~من الناس { نارا للحرب } أي باحكام أسبابها وتفتيح جميع أبوابها { اطفأها } ~~أي خيب قصدهم في ذلك { الله } أي الذي له جميع صفات الكمال , فلا تجدهم في ~~بلد من البلاد إلا في الذل وتحت القهر , وأصل استعارة النار لها أم في كل ~~منهما من PageV02P498 التسلط والغلبة والحرارة في الظاهر والباطن , مع أن ~~المحارب يوقد النار في موضع عال ليجتمع إليه أنصاره , ولقد قام لعمري دليل ~~المشاهدة على صدق ذلك بغزوة قينقاع تم النضير ثم قريضة , والقبائل الثلاث ~~بالمدينة لم يتناصروا ولم ينصروا , ثم غزوة خيبر وأهل فدك ووادي القرى وهم ~~متقاربون ولم يتناصروا ولم ينصروا , هذا فيما في خاصتهم , وأما في غير ذلك ~~فقد ألبوا الأحزاب وجمعوا القبائل وأتقنوا في أمرهم على زعمهم المكايد , ثم ~~أطفأ الله نارهم حسا ومعنى بالريح والملائكة , وألزمهم خزيهم وعارهم وجعل ~~الدائرة عليهم - وساق جيش المنون على أيدي المؤمنين إليهم , وإلى ذلك ~~وأمثاله من أذاهم الإشارة بقوله : { ويسعون } أي ms1264 يوجدون مجتهدين اجتهاد ~~الساعي على سبيل الاستمرار بما يوجدون من المعاصي من كتمان ما عندهم من ~~الدليل على صحة الإسلام وغير ذلك من أنواع الأجرام { في الأرض } أي كل ما ~~قدروا عليه بالفعل والباقي بالقوة . | ولما كان الإإنسان لكونه محل نقصان ~~لا ينبغي أن يتحرك فضلا عن أن يمشي فضلا عن أن يسعى إلا بما يرضي الله , ~~وحينئذ لا ينسب الفعل إلا إلى الله لكونه آمرا به خالقا له , فكانت نسبة ~~السعي إلى الإنسان دالة على الفساد , صرح به في قوله : { فسادا } أي للفساد ~~أو ذوي فساد { والله } أي والحال أن الذي له الكمال كله { لا يحب المفسدين ~~* } أي لا يفعل معهم فعل المحب , فلا ينصر لهم جيشا , ولا يعلي لهم كعبا , ~~ولا يصلح لهم شأنا , وبذلك توعدهم سبحانه في التوراة أنهم إذا خالفوا أمره ~~سلط عيهم من عذابه بواسطة عباده وبغير واسطتهم ما يفوت الحصر - كما مضى ذلك ~~قريبا عما بين أيديهم من التوراة بنصه . | < < # | المائدة : ( 65 - 67 ) ولو أن أهل . . . . . # > > ^ ( ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم ~~جنات النعيم * ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم سآء ما يعملون ~~* يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله ~~يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين ) ^ } ) | ولما أثبت بقوله ~~{ وليزيدن } أنهم كانوا كفرة قبل إتيان هذا الرسول عليه السلام , وكرر ما ~~أعده لهم من الخزي الدائم على نحو ما خبرهم به كتابهم , وعظهم ورجاهم ~~سبحانه استعطافا لهم لئلا ييأسوا من روح الله على عادة منه في رحمته لعباده ~~ورأفته بهم بقوله تعالى عاطفا على ما تقديره : فلو أنهم كفوا عن هذه ~~الجرائم العظائم لاضمحلت PageV02P499 صغائرهم فلم تكن لهم سيئات : { ولو أن ~~} ولما كان الضلال من العالم أقبح , قال : { أهل الكتاب } أي الفريقين منهم ~~. | ولما كان الإيمان أساس جميع الأعمال , قدمه إعلاما بأنه لا نجاة ms1265 لأحد ~~إلا بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم . | هذا مع أنه حقيق باشتداد العناية ~~بهم لمبالغتهم في كتمان ما عندهم منه صلى الله عليه وسلم فقال : { آمنوا } ~~أي بهذا النبي الكريم وما أنزل إليه من هذا الهدى { واتقوا } أي ما هددوا ~~به في كتابهم على ترك الإيمان به على حسب ما دعاهم إليه كتابهم كما في قصة ~~إسماعيل وغيرها إلى أن كان آخر ما فارقهم عليه موسى عليه السلام في آخر ~~كتابهم التصريح بنبوته عليه السلام والإشارة إلى أن اتباعه أحق من اتباعه ~~فقا : جاء ربنا من سيناء ؛ وشرق نم ساعير , وتبدى من جبال فاران , فأضاف ~~الرب إليهم , وجعل الإتيان من جبال فاران - التي هي مكة , لا نزاع لهم في ~~ذلك - تبديا وظهورا أي لاخفاء به بوجه , ولا ظهور أتم منه { لكفرنا } وأشار ~~إلى عظيم جرأتهم بمظهر العظمة { عنهم سيئاتهم } أي التي ارتكبوها قبل مجيئه ~~وهي مما يسوء , أي يشتد تنكر النفس له أو تكرهها , وأشار إلى سعة رحمته ~~وأنها لا تضيق عن شيء أراده بمظهر العظمة فقال : { ولأدخلناهم } أي بعد ~~الموت { جنات النعيم * } أي بدل ما هم فيه من هذا الشقاء الذي لا يدانيه ~~شقاء . | ولما كان المعنى : ما فعلوا ذلك , فألزمناهم الخزي في الدنيا ~~والعذاب الدائم في الآخرة , وكان هذا إجمالا لحالتهم الدنيوية والأخروية , ~~وكان محط نظرهم الأمر الدنيوي , رجع - بعد إرشادهم إلى إصلاح الحالة ~~الأخروية لأنها أهم في نفسها - إلى سبب قولهم تلك الكلمة الشنعاء والداهية ~~القبيحة الصلعاء , وهو تقتير الرزق عليهم , وبين أن السبب إنما هو من ~~أنفسهم فقال : { ولو أنهم أقاموا التوراة } أي قبل إنزال الإنجيل بالعمل ~~بجميع ما دعت إليه من أصل وفرع وثبات عليها وانتقال عنها { والإنجيل } أي ~~بعد إنزاله كذلك , وفي إقامته إقامة التوراة الداعية إليه { وما أنزل إليهم ~~من ربهم } أي المحسن إليهم من أسفار الأنبياء المبشرة بعيسى ومحمد عليها ~~الصلاة والسلام , ومن القرآن بعد إنزاله , وفي إقامته إقامة جميع ذلك , ~~لأنه مبشر به وداع إيله { لأكلوا } أي لتيسر لهم الرزق ms1266 , وعبر ب ( من ) لأن ~~المراد بيان جهة المأكول لا الأكل { من فوقهم } ولما كان ذلك كناية عن عظم ~~التوسعة , قال موضحا له معبرا بالأحسن ليفهم غيره بطريق الأولى : { ومن تحت ~~أرجلهم } أي تيسرا واسعا جدا متصلا لا يحصر , أو يكون كناية عن بركات ~~السماء والأرض , فبين ذلك أنه ما ضربهم بالذل والمسكنة إلا تصديقا ~~PageV02P500 لما تقدم إليهم به في التوراة , قال مترجمها في السفر الخامس - ~~الدعاء والبركات : وإن أنتم سمعتم قول الله ربكم وحفظتم وعملتم بجميع ~~الوصايا التي آمركم بها اليوم , يصيركم الرب فوق جميع الشعوب , فتصيرون إلى ~~هذا الدعاء , يبارك لكل امرىء منكم في القرية والحقل , يبارك في أولادكم ~~وأرضكم , يبارك لكم في بهائمكم وما يضع في أقطاع بقركم وأحزاب غنمكم , ~~ويبارك فيكم إذا دخلتم ويبارك فيكم إذا خرجتم , ويدفع إليكم الله أعداءكم ~~أسارى , يخرجون إليكم في طريق واحد ويهربون منكم في سبعة طرق , يأمر الله ~~برركاته في أهرائكم وفي جميع الأشياء التي تمدون أيديكم إليها , وينظر ~~إليكم جميع شعوب الأرض ويعلمون أن اسم الرب عليكم وقد وسمتم به فيخافونكم , ~~ويزيدكم الرب خيرا ويبارك في ثمار أرضكم , يفتح الله ربكم أهراء السماء ~~ويهبط المطر على أهله في زمانه , وتتسلطون على شعوب كثيرة ولا يتسلط عليكم ~~أحد , ويصيركم الرب رأسا ولا يصيركم ذنبا , وتصيرون فوق ولا تصيرون أسفل ~~إذا عملتم بجميع وصايا الله ربكم ولم تروغوا عنها يمنة ولا يسرة , ولا ~~تتبعوا الشعوب ولا تعبدوا آلهتها , وإن أنتم لم تسمعوا قول الله ربكم ولم ~~تحفظوا ولم تعملوا بجميع سننه ووصاياه التي آمركم بها اليوم , ينزل بكم هذا ~~اللعن الذي أقص عليكم كله , ويدرككم العقاب , وتكونون ملعونين في القرية - ~~إلى آخر اللعن الذي تقدم قريبا , وقال في الثالث : إذا سلكتم بسنتي وحفظتم ~~وصاياي وعملتم بها , أديم أمطاركم في وقتها , وتبذل الأرض لكم غلاتها , ~~وتبذل لكم الشجر ثمارها , ويدرك الدراس القطاف , والقطاف يدرك الزرع , ~~وتأكلون خبزا وتشبعون وتسكنون أرضكم مطمئنين , ولا يكون من يخرجكم , وأصرف ~~عن أرضكم السباع الضارية , وتطردون أعداءكم , الخمسة ms1267 منكم يهزمون مائة , ~~والمائة منكم يهزمون عشرة آلاف , وتفع أعداؤكم قتلى بين أيديكم في الحرب , ~~وأقبل إليكم وأكثركم وأديم مقدسي بينكم ولا أدبر عنكم , بل أكون معكم وأسير ~~بينكم , وإن لم تطيعوني وتسمعوا قولي ولم تعملوا بهذه الوصايا وأبطلتم ~~عهودي , أنا أيضا أصنع بكم مثل صنيعكم , وآمر بكم البلايا والبرص والبهق ~~المقشر الذي لا يبرأ , والسل الذي يطفىء البصر ويهلك النفس , ويكون تعبكم ~~في الزرع باطلا , وذلك لأن أعداءكم يأكلون ما تزرعون , وأنزل بكم غضبي , ~~ويهزمكم أعداؤكم , ويتسلط عليكم شناؤكم , وتنهزمون من غير أن يهزمكم أحد , ~~وأصير السماء فوقكم مثل الحديد , والأرض تحتكم مثل النحاس , ولا تغل لكم ~~أرضكم غلاتها , ولا تثمر الشجر ثمارها , وأرسل عليكم السباع الضارية ~~فتلهككم وتهلك بهائمكم , ويستوحش الطرق منكم , وأسلط عليكم الموت وأدفعكم ~~غآل أعدائكم , وتأكلون ولا تشبعون , وتصيروا إلى ضيق حتى تأكلوا لحوم ~~PageV02P501 بناتكم , وأخرب منازلكم , وأفرقكم بين الأمم , وتخرب قراكم , ~~فحينئذ تهوى الأرض أسباتها , وتسبت كل أيام وحشتها ما لم تسبت حيث كنتم ~~فيها عصاة لا تسبتون , والذين يبقون منكم ألقي في قلوبهم فزعة , ويطردهم ~~صوت ورقة تحرك , ويهربون من صوب الورقة كما يهربون من السيف , ويعنفون ~~بإثمهم ويعاقبون بإثم آبائهم , ومن بعد ذلك تنكسر قلوبهم الغلف . | ولما ~~كان ما مضى من ذمهم ربما أفهم أنه لكلهم , قال مستأنفا جوابا لمن يسأل عن ~~ذلك : { منهم } أي أهل الكتاب { أمة } أي جماعة هي جديرة بأن تقصد { مقتصدة ~~} أي مجتهدة في العدل لا غلو ولا تقصير , وهم الذين هداهم الله للإسلام ~~بحسن تحريهم واجتهادهم { وكثير منهم } أي بني إسرائيل { سآء ما يعملون * } ~~أي ما أسوأ فعلهم الذي هم فيه مستمرون على تجديده , ففيه معنى التعجيب , ~~والتعبير بالعمل لأنهم يزعمون أنه لا يصدر منهم إلا عن علم , وهم الذين ~~حرفوا الكلم عن مواضعه , وارتكبوا العظائم في عداوة الله ورسوله . | ولما ~~أتم ذلك سبحانه وعلم منه أن من أريدت سعادته يؤمن ولا بد , ومن أريدت ~~شقاوته لا يؤمن أصلا , ومن أقام ما أنزل عليه سعد , ومن كفر ms1268 بشيء منه شقي , ~~وكان ذلك ربام فتر عن الإبلاغ , قرن بقوله تعالى < # > 77 ( { ياأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } ) 77 < # > [ المائدة : 41 ] قوله حاثا على الإبلاغ لإسعاد من أريد للسعادة , وهم ~~الأمة المقتصدة منهم وإن كانوا قليلا , وكذا إبلاغ جميع من عداهم : { ~~ياأيها الرسول } أي الذي موضوع أمره البلاغ { بلغ } أي أوصل إلى من أرسلت ~~إليهم { وما أنزل إليك } أي كله { من ربك } أي المحسن إليك بإنزاله غير ~~مراقب أحدا , ولا خائف شيئا , لتعلم ما لم تكن تعلم , ويهدي على يدك من ~~أراد الله هدايته , فيكون لك مثل أجره . | ولما كان إبلاغ ما يخالف الأهواء ~~من الشدة على النفوس بمكان لا يعلمه إلا ذوو الهمم العالية والأخلاق ~~الزاكية , كان المقام شديد الاقتضاء لتأكيد الحث على الإبلاغ , فدل على ذلك ~~بالاعتراض بين الحال والعامل فيها , بالتعبير بالفعل الدال على داعية هي ~~الردع بأن قال : { وإن لم تفعل } أي وإن لم تبلغ جميع ذلك , أو إن لم تعمل ~~به { فما بلغت رسالته } لأن من المعلوم أن ما تقع على كل جزء مما أنزل , ~~فلو ترك منه حرف واحد صدق نفي البلاغ لما أنزل , ولأن بعضها ليس بأولى ~~بالإبلاغ من بعض , فمن إغفل شيئا منها فكأنه أغفل الكل , كما أن من لم يؤمن ~~ببعضها لم يؤمن بكلها , لإدلاء كل منها بما يدليه الآخر , فكانت لذلك في ~~حكم شيء واحد , والمعنى : فلنجازينك , ولكنه كنى بالسبب عن المسبب إجلالا ~~له صلى الله عليه وسلم وإفادة لأن المؤاخذة تقع على الكل , لأنه ينتفي ~~بانتفاء الجزء . | PageV02P502 ولما تقدم أنهم يسعرون الحروب , ويسعون في ~~إيقاع أشد الكروب , وكان ذلك - وإن وعد سبحانه بإخماده عند إيقاده - لا ~~يمنع من تجويز أنه لا يخمد إلا بعد قتل ناس وجراح آخرين , وكان كأنه قيل : ~~إذا بلغ ذلك وهو ينقص أديانهم خيف عليه , قال : { والله } أي بلغ أنت ~~والحال أن الذي أمرك بذلك وهو الملك الأعلى الذي لا كفوء له { يعصمك } أي ~~يمنعك منعا تاما { من الناس } أي من أن ms1269 يقتلوك قبل إتمام البلاغ وظهور ~~الدين , فلا مانع من إبلاغ شيء منها لأحد من الناس كائنا من كان . | ولما ~~آذن ضمان العصمة بالمخالفة المؤذنة بأن فيهم من لا ينفعه البلاغغ فهو لا ~~يؤمن , فلا يزال يبغي الغوائل . | أقر على هذا الفهم بتعليل عدم الإيمان ~~بقوله : { إن الله } أي الذي لا أمر لغيره { لا يهدي القوم الكافرين } أي ~~المطبوع على قلوبهم في علم الله مطابقة لقوله < # > 77 ( { ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا } ) 77 < # > [ المائدة : 41 ] ويهدي المؤمنين في علمه المشار إليهم في قوله { ويغفر ~~لمن يشاء } والحاصل أنه تبين من الآية الإرشاد إلى أن لترك البلاغ سببين : ~~أحدهما خوف فوات النفس , والآخر خوف فوات ثمرة الدعاء , فنفي الأول بضمان ~~العصمة , والثاني بختام الآية , أي ليس لعيك إلا البلاغ , فلا يحزنك من لا ~~يقبل , فليس إعراضه لقصور في إبلاغك ولا حظك , بل لقصور إدراكه وحظه لأن ~~الله حتم بكفره وختم على قلبه لما علم من فساد طبعه , والله لا يهدي مثله , ~~وتلخيصه : بلغ , فمن أجابك ممن أشير إليه - فيما سلف من غير الكثير الذين ~~يزيدهم PageV02P503 ما أنزل إليك عمى على عماهم ومن الأمة المقتصدة وغيرهم ~~- فهو حظه في الدنيا والآخرة , ومن أبى فلا يحزنك أمره , لأن الله هو الذي ~~أراد ضلاله . | فالتقدير : بلغ , فليس عليك إلا البلاغ , وإلى الله الهدى ~~والضلال , إن الله لا يهدي القوم الكافرين ويهدي القوم المؤمنين , أو فإذا ~~بلغت هدى بك ربك من أراد إيمانه , ليكتب لك مثل أجرهم , وأضل من شاء كفرانه ~~, ولا يكون عليك شيء من وزرهم , إن الله لا يهدي القوم الكافرين , والمعنى ~~كما تقدم : يعصمك من أن ينالوك بما يمنعك من الإبلاغ حتى يتم دينك ويظهر ~~على الدين كله كما وعدتك , وعلى مثل هذا دل كلام إمامنا الشافعي رحمه الله ~~, قال في الجزء الثالث من الأم : ويقال - والله أعلم : إن أول ما أنزل عليه ~~صلى الله عليه سولم < # > 77 ( { اقرأ باسم ربك الذي خلق } ) 77 < # > [ العلق : 1 ] ثم أنزل ms1270 عليه بعدها ما لم يؤمر فيه بأن يدعو إليه ~~المشركين , فمرت لذلك مدة , ثم يقال : أتاه جبريل عليه السلام عن الله عز ~~وجل بأن يعلمهم نزول الوحي عليه ويدعوهم إلى الإيمان . | فكبر ذلك عليه ~~وخاف التكذيب وأن يتناول , فنزل عليه < # > 77 ( { ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالتك والله يعصمك من الناس } ) 77 < # > [ المائدة : 67 ] : من قبلهم أن يقتلوك حتى تبلغ ما أنزل إليك - انتهى ~~. | ولقد وفي سبحانه بما ضمن ومن أوفى منه وعدا وأصدق قيلا ! فلما أتم ~~الدين وأرغم أنوف المشركين , أنفذ فيه السم الذي تناوله بخيبر قبل سنين ~~فتوفاه شهيدا كما أحياه سعيدا ؛ روى الشيخان : البخاري في الهبة , ومسلم في ~~الطب , وأبو داود في الديات عن أنس بن مالك رضي الله عنه ( أن امرأة يهودية ~~أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها , فجيء بها إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها عن ذلك فقالت : أردت لأقتلك , فقال : ~~) ما كان الله ليسلطك على ذلك ( - أو قال : ) علي ( فقالوا : ألا تقتلها ؟ ~~قال : لا , فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قال ~~أبو داود : وذكره غيره أنها بنت أخي مرحب أن اسمها زينب بنت الحارث , وذكر ~~الزهري أنها أسلمت , ولأبي داود والدارمي - وهذا لفظه - عن أبي سلمة - وهو ~~ابن عبد الرحمن بن عوف - قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل ~~الهدية ولا يقبل الصدقة , فأهدت له امرأة من يهود خيبر شاة مصلية فتناول ~~منها , وتناول منها بشر بن البراء , ثم رفع النبي صلى الله عليه وسلم يده ~~ثم قال : ) إن هذه تخبرني أنها مسمومة ( , فمات بشر بن البراء رضي الله عنه ~~, فأرسل إليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ) ما حملك على ما صنعت ؟ ( ~~فقال : إن كنت نبيا لم يضرك شيء , وإن كنت ملكا أرحت الناس منك , قال أبو ~~داود : فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت . | زاد الدارمي : ~~فقال في ms1271 مرضه : ما زلت من الأكلة التي أكلت بخيبر , فهذا أوان انقطاع أبهري ~~) وهذا مرسل . | قال البيهقي : ورويناه عن حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن ~~أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه , قال البيهقي : ويحتمل أنه لم يقتلها ~~في الابتداء , ثم لما مات بشر أمر بقتلها . | وقصة هذه الشاة عن أبي هريرة ~~رواها البخاري في الجزية والمعازي والطب , والدارمي في أول المسند بغير هذا ~~السياق - كما مضى في البقرة في قوله تعالى < # > 77 ( { وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة } ) 77 < # > [ البقرة : 80 ] وقد مضى في أول هذه السورة عند قوله < # > 77 ( { فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين } ) 77 < # > [ المائدة : 13 ] شيء منه . | ولأبي داود والدارمي عن ابن شهاب قال : ( ~~كان جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يحدث أن يهودية من أهل خيبر سمت شاة ~~مصلية ثم أهدتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فأخذ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذراع فأكل منها , وأكل رهط من أصحابه معه , ثم قال لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ) ارفعوا PageV02P504 أيديكم ( وأرسل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى اليهودية فدعاها , فقال لها : ) أسممت هذه الشاة ؟ ~~( قالت اليهودية من أخبرك ؟ قال : ) أخبرتني هذه في يدي ( - للذراع , قالت ~~: نعم , قال : ) فما أردت ؟ ( قالت : قلت : إن كان نبيا فلن يضره , وإن لم ~~يكن نبيا استرحنا منه , فعفا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولميعاقبها ~~, وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة , واحتجم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يعاقبها , وتوفي بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة , واحتجم رسول ~~الله صلى الله عليه سولم على كاهله من أجل الذي أكل من الشاة , حجمه أو هند ~~بالقرن والشفرة , وهو مولى لبني بياضة من الأنصار ) قال الدارمي : وهو من ~~بني ثمامة - وهم حي من الأنصار , قال المنذري : وهذا منقطع , الزهري لم ~~يسمع من جابر بن عبد الله , وفي غزوة خيبر من تهذيب السيرة لابن هشام : ( ~~فلما اطمأن رسول الله صلى ms1272 الله عليه وسلم أهدت له زينب بنت الحارثة امرأة ~~سلام بن مشكم شاة مصلية وقد سألت : أي عضو من الشاة أحب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ؟ فقيل لها : الذراع , فأكثرت فيها من السم ثم سمت سائر ~~الشاة , ثم جاءت بها , فلما وضعتها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تناول الذراع فلاك منها مضغة فلم يسغها , ومعه بشر بن البراء بن معرور قد ~~أخذ منها كما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأما بشر فأساغها , وأما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلفظها , ثم قال : ) إن هذا العظم ليخبرني ~~أنه مسموم ( , ثم دعاها فاعترفت , فقال : ) ما حملك على ذلك ؟ ( قالت : ~~بلغت من قومي ما لم يخف عليك , فقلت : إن كان ملكا استرحت منه , وإن كان ~~نبيا فسيخبر , فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم , ومات بشر من ~~أكلته التي أكل ) وذكر موسى بن عقبة أن بشرا رضي الله عنه لم يسغ لقمته حتى ~~أساغ النبي صلى الله عليه وسلم لقمته وقال بعد أن أخبرهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم : والذي أكرمك ! لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت , فما منعني أن ~~ألفظها إلا أني أعظمت أن أنغصك طعامك , فلما أسغت ما في فيك لم أكن لأرغب ~~بنفسي عن نفسك . | ونقلت من خط شيخنا حافظ عصره أبي الفضل أحمد بن علي بن ~~حجر الكناني الشافعي ما نصه : وأخرج الحافظ أبو بكر أ ؛ مد بن عمر بن عبد ~~الخالق البزار في مسنده المشهور , وأبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب ~~الطبراني في معجمه الكبير من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه قال : ( كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأكل من هدية حتى يأمر صاحبها أن يأكل ~~منها للشاة التي أهديت له بخيبر ) . | قال شيخنا الحافظ أبو الحسن الهيثمي ~~: PageV02P505 رجاله ثقات , قلت : وذكر محمدبن إسحاق في السيرة الكبرى ~~وكذلك الواقدي في المغازي - انتهى . | وقال ابن إسحاق : وحدثني مروان بن ~~عثمان بن أبي سعيد بن المعلى ms1273 قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~قال في مرضه الذي توفي فيه ودخلت عليه أم بشر بنت البراء بن معرور تعوده : ~~) يا أم بشر ! إن هذا الأوان وجدت انقطاع أبهري من الأكلة التي أكلت مع ~~أخيك بخيبر ( , قال : فإن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة . | ولابن ماجه في الطب عن ~~أم سلمة رضي الله عنها قالت : لا يزال , يصيبك في كل عام وجع من الشاة ~~المسمومة التي أكلت , قال : ما أصابني شيء منها إلا وهو مكتوب علي وآدم في ~~طينته ) وللبخاري في آخر المغازي عن عائشة رضي الله عنها ( أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يقول في مرضه الذي مات فيه : ) يا عائشة ! ما أزال أجد ~~ألم الطعام الذي أكلت بخيبر , فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم ( ~~قال ابن فارس في المجمل : الأبهر عرق مستبطن الصلب , والقلب متصل به , وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم : ) هذا أوان قطعت أبهري ( وعبارة المحكم : عرق في ~~الظهر , يقال : هو الوريد في العنق , وبعضهم يجعله عرقا مستبطن الصلب وقال ~~ثابت بن عبد العزيز في كتاب خلق الإنسان : وفي الصلب الوتين , وهو عرف أبيض ~~غليظ كأنه قصبة , وفي الصلب الأبهر والأبيض وهما عرقان , وقال الزبيدي في ~~مختصبر العين : والأبهران عرقان مكتنفا الصلب , وقيل : هما الأكحلان . | ~~وقال الفيروزآبادي في قاموسه : والأبهر : الظهر وعرق فيه ووريد العنق ~~والأكحل والكلية , والوتين : عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه . | وقال ~~ابن الفرات في الوفاة من السيرة من تاريخه : قال الحربي : العرق في الظهر ~~يسمى الأبهر , وفي اليد الأكحل , وفي العنق الوريد , وفي الفخذ النسا , وفي ~~الساق الأبجل , وفي العين الشأن , وهو عرق واحد , كله يسمى الجدول . | وقال ~~PageV02P506 ابن كيسان أيضا : هو الوتين في القلب والصافن . | وقال الإمام ~~أبو غالب بن التياني الأندلسي في كتابه الموعب : إسماعيل بو حاتم : الأبهر ~~عرق في الظهر , وقال : هو الوريد في العنق , ثم يقال : والأبهر ms1274 عرق مستبطن ~~المتن ؛ الأصمعي : وفي الصلب الأبهر وهو عرق ؛ صاحب العين : الأبهران ~~الأكحلان , يوقال : هما عرقان مكتنفا الصلب من جانبيه . | وقال صلى الله ~~عليه وسلم : ) ما زالت أكلة خيبر تعادني كل عام فالآن حين قطعت أبهري ( ~~يعني عرقي , ويقال : الأبهر عرق مستبطن الصلب , وإذا انقطع فلا حياة بعده . ~~| وهذا اللفظ الذي ذكره رواه البخاري والطبراني عن عائشة رضي الله عنها . | ~~ومعنى تعادني : تناظرني وتخالفني , ومن العديد بمعنى الند الذي هو المثل ~~المضاد والمنافر , أي إني كلما زدت في جسمي صحة , نقصته بما لها من الضر ~~والأذى . | < < # | المائدة : ( 68 - 69 ) قل يا أهل . . . . . # > > ^ ( قل يأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ ~~أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا ~~فلا تأس على القوم الكافرين * إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ~~والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون ) ^ } ) | ولما أمر سبحانه بالتبليغ العام , أمره بنوع منه على وجه ~~يؤكد ما ختمت به آية التبليغ من عدم الهداية لمن حتم بكفره , ويبطل - مع ~~تأكيده - هذه الدعوى : قولهم : نحن أبناء الله وأحباءه , فقال مرهبا لهم ~~بعد ما تقدم من الترغيب في إقامته : { قل ياأهل الكتاب } أي من اليهود ~~والنصارى { لستم على شيء } أي سار أو يعتد به من دنيا ولا آخرة , لأنه لعدم ~~نفعه لبطلانه لا يسمى شيئا أصلا { حتى تقيموا } أي بالعمل بالقلب والقالب { ~~التوراة والإنجيل } وما فيهما من الإيمان بعيسى ثم بمحمد عليهما الصلاة ~~والسلام بالإسلام بالإشارة إلى كل منهما بالخصوص بنحو ما تقدم في الإشراق ~~من ساعير والظهور ممن فاران , وبالإشارة بالعموم إلى تصديق كل من أتى ~~بالمعجز , وصدق ما قبله من منهاج الرسل { وما أنزل } ولما كان ما عندهم ~~إنام أوتي إليهم بواسطة الأنبياء , عداه بحرف الغاية فقال : { إليكم من ~~ربكم } أي المحسن إليكم بإنزاله على ألسنة أنبيائكم من البشارة بهما , وعلى ~~لسان هذا النبي العربي الكريم مما يصدق ما قبله , إنهم يعلمون ذلك ms1275 ولكنهم ~~يجحدونه . | PageV02P507 ولما كان السياق لأن أكثرهم هالك , صرح به دالا ~~بالعطف على غير معطوف عليه أن التقدير : فليؤمنن به من أراد الله منهم , ~~فقال : { وليزيدن كثيرا منهم } أي ما عندهم من الكفر بما في كتابهم { مآ ~~أنزل إليك من ربك } المحسن إليك بإنزاله { طغيانا } تجاوزا شديدا للحد { ~~وكفرا } أي سترا لما دل عليه العقل . | ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد ~~الشفقة على خلق الله , سلاه في ذلك بقوله : { فلا } أي فتسبب عن إعلام الله ~~لك بذلك قبل وقوعه ثم عن وقوعه كما أخبر أن تعلم أنه بإرادته وقدرته , فقال ~~لك : لا { تأس } أي تحزن { على القوم الكافرين } أي على فوات العريقين في ~~الكفر لأنهم لم يضروا إلا أنفسهم لأن ربك العليم القدير لو علم فيهم خيرا ~~لأقبل بهم إليك , والحاصل أنه ختم هذه الآية بمعلول الآية التي قبلها , ~~فكأنه قبل : بلغ , فإن الله هو الهادي المضل , فلا تحزن على من أدبر . | ~~ولما كان ما مضى في هذه السورة غالبا في فضائح أهل الكتاب لا سيما اليهود ~~وبيان أنهم عضوا على الكفر , ومردوا على الجحد , وتمرنوا على البهت , وعتوا ~~عن أوامر الله , كان ذلك موجبا لأنه ربما حدث في الخاطر أنه إن آمن منهم ~~أحد ما يقبل , أو لأن يقولوا هم : ليس في دعائنا حينئذ فائدة فلا تدعنا , ~~أخبر أن الباب مفتوح لهم ولغيرهم من جميع أهل الملل , وأنه ليس بين الإنسان ~~وبين أن يكون من أهله إلا عدم الإخلاص , فإذا أخلص أذن في دخوله ونودي ~~بقبوله , أو يقال - وهو أحسن : لما أخبر عن كثير منهم بالزيادة في الكفر , ~~رغب القسم الآخر على وجه يعم غيرهم , أو يقال : إنه لما طال الكلام معهم . ~~| كان ربما ظن أن الأمر ترغيبا وترهيبا وأمرا ونهيا خاص بهم , فوقع الإعلام ~~بأنهم وغيرهم من جميع الفرق في ذلك سواء , تشريفا لمقدار هذا النبي الكريم ~~بعموم الدعوة وإحاطة الرسالة فقال سبحانه : { إن الذين آمنوا } أي قالوا : ~~آمنا { والذين هادوا } أي اليهود { والصابئون } أي القائلون بالأوثان ms1276 ~~السماوية والأصنام الأرضية { والنصارى } أي الذين يدعون اتباع المسيح عليه ~~السلام . | ولما كان اليهود قد عبدوا الأصنام متقربين بها إلى النجوم في ~~استنزال الروحانيات انهماكا في السحر الذي جاء نبيهم موسى عليهم السلام ~~بإبطاله , وكان ذلك هو معنى دين الصابئة , وفرق بين فريقي بني إسرائيل بهم ~~مكتفيا بهم عن ذكر بقية المشركين لما مضى في البقرة , ولما سبق في هذه ~~السورة من ذم اليهود بالنقض للميثاق والكفر واللعن والقسوة وتكرر الخيانة ~~وإخفاء الكتاب والمسارعة في الكفر والنفاق والتخصيص بالكفر والظلم والفسق ~~وغير ذلك من الطامات ما يسد الأسماع , كان قبول توبتهم جديرا بالإنكار , ~~وكانوا هم ينكرون عنادا فلاح العرب من آمن منهم ومن لم يؤمن , فاقتضى ~~PageV02P508 الحال كون الفريقين في حيز التأكيد , ولم يتقدم للصابئة ذكر ~~هنا فأخرجوا منه تنبيها على أن المقام لا يقتضيه لهم , فابتدىء بذكرهم ~~اعتراضا ودل على الخبر عنهم بخبر ( إن ) , أو أنه لما كان المقام للترغيب ~~في التوبة , وجعل هؤلاء مع شناعة حالهم بظهور ضلالهم كمن لا إنكار لقبول ~~توبته , كان غيرهم أولى بذلك , ولما اكن حال النصارى مشتبها , جعلوا في حيز ~~الاحتمال للعطف على اليهود لما تقدم من ذمهم , وعلى الصابئة لخفة حالهم ~~بأنهم مع أن أصل دينهم صحيح لم يبلغ ذمهم السابق في هذه السورة مبلغ ذم ~~اليهود { من آمن } أي منهم مخلصا من قلبه , ولعله ترك الجار إعراقا في ~~التعميم { بالله } أي الذي له جميع الجلال والإكرام { واليوم الآخر } أي ~~الذي يبعث فيه العباد بأرواحهم واشباحهم , ويبعث من ذكره على الزهادة وألحد ~~في العبادة , وبالإيمان به يحصل كمال المعرفة بالله تعالى باعتقاد كمال ~~قدرته { وعمل صالحا } أي صدق غيمانه القلبي بالعمل بما امر به , ليجمع بين ~~فضيلتي العلم والعمل , ويتطابق الجنان مع الأركان { فلا خوف عليهم } يعتد ~~به في دنيا ولا في آخرة { ولا هم } أي خاصة { يحزنون * } أي على شيء فات , ~~لأنه لا يفوتهم شيء يؤسف عليه أصلا , وأما غيرهم فهم في الحزن أبدا , وفي ~~الآية تكذيب لهم في قولهم { ليس ms1277 علينا في الأميين سبيل } [ آل عمران : 75 ] ~~المشار إليه في هذه السورة بنسبتهم إلى أكل السحت في غير موضع , وفي نصوص ~~التوراة الموجودة بين أظهرهم الآن أعظم ناصح لهم في ذلك كما سبق في أوائل ~~البقرة , وقال في السفر الرابع منها عند ذكر التيه ووصاياهم إذ أدخلهم ~~الأرض المقدسة , ومكنهم فيها بأشياء منها القربان : وإن سكن بينكم رجل غريب ~~يقبل إلي أو بين أولادكم لأحقابكم ويقرب قربانا لريح قتار الذبيحة للرب ~~يفعل كما فعلتم أنتم , ولتكن السنة واحدة لكم وللذين يقبلون إلي ويسكنون ~~بينكم سنة جارية لأحقابكم إلى الأبد , والذين يقبلون إيل من الغرباء يكونون ~~أمام الرب مثلكم , ولتكن لكم سنة واحدة وحكومة واحدة لكم وللذين يقبلون إلي ~~ويسكنون معكم . | < < # | المائدة : ( 70 - 73 ) لقد أخذنا ميثاق . . . . . # > > ^ ( لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنآ إليهم رسلا كلما جآءهم رسول ~~بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون * وحسبوا ألا تكون فتنة ~~فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما ~~يعملون * لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح ~~يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار * لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث PageV02P509 ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ~~ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كانت هذه البشارة - الصادقة من العزيز العليم الذي أهل الكتاب ~~أعرف الناس به لمن آمن كائنا من كان - موجبة للدخول في الإيمان والتعجب ممن ~~لم يسارع إليه , وكان أكثر أهل الكتاب إنما يسارعون في الكفر , كان الحال ~~مقتضيا لتذكر ما مضى من قوله تعالى < # > 77 ( { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا } ~~) 77 < # > [ المائدة : 12 ] وزيادة العجب منهم مع ذلك , فأعاد سبحانه الإخبار به ~~مؤكدا له تحقيقا لأمره وتفخيما لشأنه , وساقه على وجه يرد دعوى البنوى ~~والمحبة , ملتفتا مع التذكير بأول ms1278 قصصهم في هذه السورة إلى أول السورة < # > 77 ( { أوفوا بالعقود } ) 77 < # > [ المائدة : 1 ] وعبر في موضع الجلالة بنون العظمة , وجعل بدل النقباء ~~الرسل فقال مستأنفا : { لقد أخذنا } أي على ما لنا من العظمة { ميثاق بني ~~إسرائيل } أي على الإيمان بالله ثم بيمن يأتي بالمعجز مصدقا لما عنده بحيث ~~يقوم الدليل على أنه من رسل الله الذين تقدم أخذ العهد عليهم بالإيمان بهم ~~, ودل على عظمة الرسل بقوله في مظهر العظمة : { وأرسلنا اليهم رسلا } أي لم ~~نكتف بهذا العهد , بل لم نخلهم من بعد موسى من الرسل الذين يرونهم الآيات ~~ويجددون لهم أوامر الرب إلى زمن عيسى عليه السلام , روى الشيخان عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه - البخاري في بني إسرائيل ومسلم في المغازي - أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنيباء , كلما هلك ~~نبي خلفه نبي , وإنه لا نبي بعدي , وسيكون خلفاء فيكثرون , قالوا : فما ~~تأمرنا ؟ قال : فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم , فإن الله عما ~~استرعاهم ) انتهى . | ومع ذلك فلم يخل لهم زمان طويل من الكفر لا في زمن ~~موسى ولا في زمن من بعده من الأنبياء عليهم السلام , حتى قتلوا كثيرا من ~~الرسل وهو معنى قوله - جوابا لمن كأنه قال : ما فعلوا بالرسل : { كلما ~~جاءهم رسول } أي من أولئك الرسل أي رسول كان { بما لا تهوى أنفسهم } أي ~~بشيء لا تحبه نفوسهم محبة تتساقط بها إليه , خالفوه , فكأنه قيل : أي ~~مخالفة ؟ فقيل : { فريقا } أي من الرسل { كذبوا } أي كذبهم بنو إسرائيل من ~~غير قتل , ودل على شدة بشاعة القتل وعظيم شناعته بالتعبير بالمضارع تصويرا ~~للحال الماضية وتنبيها على أن هذا ديدنهم وهو أشد من التكذيب فقال : { ~~وفريقا يقتلون * } أي مع التكذيب وليدل على ما وقع منهم في سم النبي صلى ~~الله عليه وسلم , وقدم المفعول للدلالة على انحصار أمرهم في حال التكذيب ~~والقتل , فلا PageV02P510 حظ لهم في تصديق مخالف لأهوتيهم { وحسبوا } أي ~~لقلة عقولهم مع مباشرتهم لهذه العظائم التي ليس بعدها شيء { ألا تكون ms1279 } أي ~~توجد { فتنة } أي أنه لا يصيبهم بها عذاب في الدنيا ولا خزي في الأخرى , بل ~~استحقوا بأمرها , فلا تعجب أنت من جرأتهم في ادعائهم أنهم أبناء الله ~~وأحباؤه , وقرىء : تكون - بالرفع تنزيلا للحسبان منزلة العلم فتكون مخففة ~~من الثقيلة التي للتحقيق , وبالنصب كان الحسبان على بابه , وأن , على بابها ~~خفيفة ناصبه للفعل , لأن القاعدة - كما ذكر الواحدي - أن الأفعال على ثلاثة ~~أضرب : فعل للثبات والاستقرار كالعلم والتيقن والبيان , تفع بعده الثقيلة ~~دون الخفيفة , وفعل للزلزلة والاضطراب كالطمع والخوف والرجاء , فلا يكون ~~بعده إلا الخفيفة الناصبة للمضارع , وفعل يقع على وجهين كحسب : تارة تكون ~~بمعنى طمع فتنصب , وتارة بمعنى علم فترفع , فإن رفع هنا كان الحسبان بمعنى ~~العلم عندهم لقوة عنادهم , وإن نصب كان بمعنى الطمع لأنهم عالمون بأن قتلهم ~~لهم خطأ , فتنزل القراءتان على فريقين - والله أعلم , وأيضا فقراءة الرفع ~~تفيد تأكيد حسبانهم المفيد لعدم خوفهم بزيادة عماهم { فعموا } أي فتسبب عن ~~إدلالهم إدلال الولد والمحبوب جهلا منهم وحماقة بظنهم أنهم لا تنالهم فتنة ~~أنهم وجد عماهم العمى الذي لا عمى في الحقيقة سواه , وهو انطماس البصائر < # > 77 ( { فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } ) 77 ~~< # > [ الحج : 46 ] حتى في زمن موسى عليه السلام { وصموا } أي بعده وبعده ~~يوشع عليهما السلام , لا , الصمم أضر نم العمى , فصاروا كمن لا يهتدي إلى ~~سبيل اصلا , لأنه لا بصر له بعين ولا قلب ولا سمع { ثم تاب الله } أي الذي ~~له الإحاطة بصفات الكمال { عليهم } أي فرجعوا إلى الحق وتكرر لهم ذلك { ثم ~~عموا } أي في زمن المسيح عليه السلام { وصموا } أي بعده . | ولما كان ~~الإتيان بالضمير مفهما لأن ذلك عمهم كلهم , أعلم سبحانه أن ذلك ليس كذلك ~~بقوله : { كثير منهم } إلا أن سوقه للعبارة هذا المساق يدل على أن من لم ~~يكفر منهم كان مزلزلا غير راسخ القدم في الهدى - والله أعلم , وربما دل ~~عليه قوله : { والله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { بصير بما يعملون * } ~~أي وإن ms1280 دق وإن كانوا يظنون أنهم أسسوا عملهم على علم , وقد مضى في قوله ( ~~من لعنه الله وغضب عليه ) ما يشهد لهذا من عبادتهم بعلا الصنم وغيره من ~~الأصنام مرة بعد مرة . | ولما أخبر تعالى بفساد أعمالهم , دل على ذلك بقوله ~~مستفتحا مبينا من حال النصارى ما بين من حال اليهود , ومؤكدا لختم آية ~~التبليغ بما ينقض دعواهم في البنوة والمحبة : { لقد كفر } أي ستر ما دل ~~عليه النقل وهدى إليه العقل { الذين قالوا إن الله } PageV02P511 أي على ما ~~له من نعوت الجلال والجمال { هو المسيح } فبين بصيغة فعيل - التي لا مانع ~~من أن تكون للمفعول - بعده عما ادعوه فيه , ثم أوضح ذلك بقوله : { ابن مريم ~~} أيضاحا لا خفاء معه . | ولما كانت دعوى الاتحاد الذي هو قول اليعقوبية ~~أشد في الكفر وأنفى للإله من دعوى التثليث الذي هو قول النسطورية والملكية ~~القائلين بالأقانيم , قدمها وبين تعالى أنهم خالفوا فيها أمر المسيح الذي ~~ادعوا أنه الإله فقال : { وقال } أي قالوا هذا الذي كفروا به والحال أنه ~~قال لهم { المسيح } ضغطه عليهم ودعاء إلى ما هو الحق { يابني إسرائيل } أي ~~الذي كان يتشرف بعبادة الله وتسميته بأنه عبده { اعبدوا الله } أي الملك ~~الأعظم الذي كل شيء تحت قهره , فأمرهم بأداء الحق لأهله مذكرا لهم بعظمته , ~~ثم ذكرهم بإحسانه وأنه وإياهم في ذلك شرع واحد , فقال مقدما لما يتعلق به ~~لأنه أهم لإنكارهم له { ربي وربكم } فلم يطيعوا الإله الحق ولا الذي ادعوا ~~إلها , فلا أضل منهم ولا أسفه , قال أبو حيان في النهر : وهذا الذي ذكره ~~الله تعالى عنه هو مذكور في إنجيلهم يقرؤونه ولا يعملون به , وهو قول ~~المسيح : يا معشر بني المعمودية - وفي رواية : يا معشر الشعوب - قوموا بنا ~~إلى أبي وأبيكم وإلى إلهي وإلهكم ومخلصي ومخلصكم - انتهى . | وقد أسلفت أنا ~~في آل عمران وغيرها عن الإنجيل كثيرا من شواهد ذلك , ويأتي في هذه السورة ~~وغيرها كثير منه . | ولما أمرهم بما يفهم منه الإخلاص لله تعالى في العبادة ~~لما ذكر من ms1281 جلاله وأن ما سواه مربوب , ولأنه أغنى الأغنياء , فمن أشرك به ~~شيئا لم يعتد له بعبادة , علل ذلك بقوله : { إنه من يشرك } أي الآن أو بعد ~~الآن في زمن من الأزمان { بالله } أي الذي تفرد بالجلال في عبادة أو فيما ~~هو مختص به من صفة أو فعل { فقد حرم الله } أي الذي له الأمر كله فلا أمر ~~لأحد معه { عليه الجنة } أي منعه من دخولها منعا عظيما متحتما . | ولما كان ~~المنع من دار السعداء مفهما لكونه في دار الأشقياء , صرح به فقال : { ~~ومأواه } أي محل سكناه { النار } ولما جرت عادة الدنيا بأن من نزل به ضيم ~~يسعى في الخلاص منه بأنصاره وأعوانه , نفى ذلك سبحانه مظهرا للوصف المقتضي ~~لشقائهم تعليلا وتعميما فقال : { وما للظالمين } أي لهم لظلمهم { من أنصار ~~* } لا بفداء ولا بشفاعة ولا مقاهرة بمجاهرة ولا مساترة , لأن من وضع عمله ~~في غير موضعه فكان ماشيا في الظلام , لا تمكنه أصلا مقاومة من هو في أتم ~~ضياء , وهذا على التهديد على الكفر فلا يصح أن يكون على مطلق المعصية ولو ~~كانت كبيرة , فبطل قول المعتزلة . | ولما انقضى هذا النقض , وقدمه لأنه كما ~~مضى أشد , أتبعه إبطال دعوى التثليث PageV02P512 بقوله مبدلا من تلك ~~النتيجة نتيجة أخرى : { لقد كفر الذين قالوا } بجرأة على الكلام المتناقض ~~وعدم حياء { إن الله } أي على ما له من العظمة التي منها الغنى المطلق { ~~ثالث } أي واحد { ثلاثة } أي كلهم آلهة , وأما القائل بأنه ثالث بالعلم فلا ~~يكفر . | ولما أعلم بكفرهم , أشار إلى إبطاله كما أشار إلى إبطال الأول كما ~~سلف بما لا يخفى على أحد , تحقيقا لتلبسهم بمعنى الكفر الذي هو ستر ما هو ~~ظاهر فقال : { وما } وأغرق في النفي كما هو الحق واقتضاه المقام فقال : { ~~من إله إلا إله واحد } أي قالوا ذلك والحال أنه لا يصح ولا يتصور في العقل ~~أن يكون الإله متعددا لا تحقيقا ولا تقديرا بوجه من الوجوه , لا يكون إلا ~~واحدا بكل اعتبار , وهو الله تعالى لا غيره , وقد ms1282 بين عيسى عليه السلام في ~~الإنجيل الذي بين أظهرهم أنه لا يصح أن يكون الإله إلا واحدا - بالمعتمد من ~~أدلة ذلك عند محققي أهل الأصول وهو برهان التمانع المشار إليه في كتابنا ~~بقوله تعالى < # > 77 ( { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ) 77 < # > [ الأنبياء : 22 ] فقال مترجمهم في إنجيل متى : حينئذ أتى إليه - أي ~~عيسى عليه لاسلام - بأعمى أخرس له شيطان , فأبرأه حتى أنه تكلم وأبصر , ~~فبهت الجمع كلهم وقالوا : لعل هذا هو ابن داود ! فسمع الفريسيون فقالوا : ~~هذا لا يخرج الشياطين إلا بباعل زبول رئيس الشياطين , فلما علم مكرهم قال ~~لهم : كل مملكة تنقسم على ذاتها تخرب , وكل مدينة أو بيت ينقسم لا يثبت , ~~فإن كان الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم فكيف يقوم ملكه ؟ فإن كنت أنا أخرج ~~الشياطين بباعل زبول فأبناؤكم بما تخرجونهم ! من أجل هذا هم يكونون عليكم , ~~وإن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد قربت منكم ملكوت الله , وكيف ~~يستطيع حد أن يدخل بيت القوي ويخطف متاعه إلا أن يربط القوي أولا , حينئذ ~~ينهب بيته . | وقال مرقس : وأما الكتبة الذين أتوا من يروشليم فقالا : إن ~~بعل زبول معه , وباركون الشياطين يخرج الشياطين ؛ فدعاهم وقال لهم : كيف ~~يقدر شيطان أن يخرج شيطانا ! وكل مملكة تنقسم لا تثبت تلك المملكة , فإذا ~~اختلف أهل البيت لا يثبت ذلك البيت , وإن كان الشيطان الذي يقاوم بقيته ~~وينقسم فلن يقدر أن ثبت , لكن له انقضاء , لا يقدر لكم ! إن كل شيء يغفر ~~لبني الناس من الخطايا والتجديف الذي يجدفونه , والمجدفين على روح ~~PageV02P513 القدس ليس يغفر لهم إلى لأبد , بل يحل بهم العقاب الدائم , ~~لأنهم يقولون : إن معه روحا نجسا . | قال متى : من ليس معي فهو علي , ومن ~~لا يجمع معي فهو يفرق , من أجل هذا أقول لكم : إن كل خطيئة وتجديف يترك ~~للناس , والتجديف على روح القدس لا يترك , ومن يقل كلمة على ابن الإنسان ~~يترك له , والذي يقول على روح القدس لا يترك له في هذا الدهر ولا في ms1283 الآتي ~~, إما أن تصيروا الشجرة الجيدة وثمرتها جيدة , وإما أن تصيروا الشجرة ~~الرديئة وثمرتها رديئة , لأن من الثمرة تعرف الشجرة , يا أولاد الأفاعي ! ~~كيف تقدرون أن تتكلموا بالصلاح وأنتم أشرار ! إنما يتكلم الفم من فضل ما في ~~القلب , الرجل الصالح من كنزه الصالح يخرج الصلاح , والرجل الشرير من كنزه ~~الشرير يخرج الشر , أقول لكم : إن كل كلمة يتكلم بها الناس بطالة يعطون ~~عنها جوابا في يوم الدين , لأنك من كلامك تبرر , وم كلامك يحكم عليك . | ~~وفي إنجيل لوقا : وفيام هو يتكلم إذا رفعت امرأة من الجمع صوتها وقالت : ~~طوبى لبطن التي حملتك , ولثدي التي أرضعتك , فقال لها : مهلا ! طوبى لمن ~~يسمع كلام الله ويحفظه - انتهى . | لهم : الجيل الشرير الفاسق يطلب آية فلا ~~يعطي آية إلا آية يونان النبي ؛ قال لوقا : فكما كان في يونان آية لأهل ~~نينوى , كذلك يكون ابن الإنسان لهذا الجيل آية - انتهى . | رجال نينوى ~~يقومون في الحكم ويحاكمون هذا الجيل , لأنهم تابوا بكريزة يونان - وقال ~~لوقا : بإنذار يونان - وهاهنا أفضل من يونان ملكة التيمن تقوم في الحكم مع ~~هذا الجيل وتحاكمه , لأنها أتت من أقصى الأرض لتسمع من حكمة سليمان , وههنا ~~أفضل من سليمان , إن الروح النجس إذا خرج من الإنسان يأتي أمكنة ليس فيها ~~ماء , يطلب راحة فلا يجد , فيقول حينئذ : أرجع إلى بيتي الذي خرجت منه , ~~فيأتي فيجد المكان فارغا مكنوسا مزينا , فيذهب حينئذ ويأخذ معه سبعة أرواح ~~أخر شرا منه ويأتي ويسكن هناك , فتصير آخرة ذلك الإنسان شرا من أوليته , ~~وهكذا يكون لهذا الجيل الشرير - انتهى . | والتجديف هو الكفر بالنعم , ~~ويونان : يونس عليه السلام , والكريزة - بينها لوقا بأنها الإنذار , ~~والتيمن : اليمن , والأركون - بضم الهمزة والكاف بينهما راء مهملة ساكنة : ~~الكبير , ويروشليم - بفتح التحانية وضم المهملة ثم شين معجمة : بيت المقدس ~~, وباعل زبول - لا تصح أصلا , وأما الدليل على عدم شركة كل من عيسى وأمه ~~عليهما السلام بخصوصهما فسيأتي تقريره بقوله تعالى < # > 77 ( { كانا يأكلان الطعام } ) 77 < # > [ المائدة : 75 ] والمراد من ذلك كله أنه متى ms1284 دخلت الشركة أتى النقص ~~فعلا أو إمكانا , ومن اعترته شائبة نقص لم يصح كونه إلها . | ولما أخبر ~~أنهم كفروا , وأشار إلى نقض قولهم , كان أنسب الأشياء بعده أن يعطف عليه ~~توهيبهم ثم ترغيبهم فقال تعالى : { وإن لم ينتهوا } أي الكفرة بجميع ~~أصنافهم { عما يقولون } أي من هاتين المقالتين وما داناهما { ليمسن } أي ~~مباشرة من PageV02P514 غير حائل { الذين كفروا } أي داموا على الكفر , وبشر ~~سبحانه بأنه يتوب على بعضهم بقوله : { منهم عذاب أليم } | < < # | المائدة : ( 74 - 76 ) أفلا يتوبون إلى . . . . . # > > ^ ( أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم * ما المسيح ~~ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام ~~انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون * قل أتعبدون من دون الله ما ~~لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم ) ^ } ) | ولما كان من ~~شأن العاقل أنه لا يقدم على باطل , فإن وقع ذلك منه وشعر بنوع ضرر يأتي ~~بسببه بادر إلى الإقلاع عنه , تسبب عن هذا الإنذار - بعد بيان العوار - ~~الإنكار عليهم في عدم المبادرة إلى التوبة إيضاحا لأن معنى كفروا : داموا ~~عليه , فقال : { أفلا يتوبون } أي يرجعون بعد هذا الكفر الذي لا أوضح من ~~بطلانه ولا أبين من فساده والوعيد الشديد { إلى الله } أي المتصف بكل وصف ~~جميل { ويستغفرونه } أي يطلبون منه غفران ما أقدموا عليه من العار البين ~~العوار ؛ ولما كان التقدير : فالله تواب حكيم , عطف عليه قوله : { والله } ~~ويجوز أن يكون التقدير : والحال أن المستجمع لصفات الكمال أزلا وأبدا { ~~غفور } أي بيلغ المغفرة , يمحو الذنوب فلا يعاقب عليها ولا يعاتب { رحيم * ~~} أي بالغ الإكرام لمن أقبل إليه . | ولما أ [ طل الكفر كله بإثبات أفعاله ~~من إرساله وإنزاله وغير ذلك من كماله , وأثبت التوحيد على وجه عام , أتبع ~~ذلك تخصيص ما كفر به المخاطبون بالإبطال , فكان ذلك دليلا على وجه عام , ~~أتبع ذلك تخصيص ما كفر به المخاطبون بألإبطالن فكان ذلك دليلا خاصا بعد ~~دليل عام , فقال تعالى على وجه الحصر ms1285 في الرسلية ردا على من يعتقد فيه ~~الإلهية واصفا له بصفتين لا يكونان إلا لمصنوع مربوب : { ما المسيح } أي ~~الممسوح بدهن القدس المطهر المولود لأمه { ابن مريم إلا رسول } وبين أنه ما ~~كان بدعا ممن كان قبله من إخوانه بقوله : { قد خلت من قبله الرسل } أي فما ~~من خارقة له , وإلا وقد كان مثلها أو أعجب منها لمن قبله كآدم عليه السلام ~~في خلقه منتراب , وموسى عليه السلام في قلب العصى حية تسعى - ونحو ذلك . | ~~ولما كفروا بأمه أيضا عليهما السلام بين ما هو الحق في أمرها فقال : { وأمه ~~صديقة } أي بليغة الصدق في نفسها والتصديق لما ينبغي أن يصدق , فرتبتها تلي ~~رتبة الأنبياء , ولذلك تكون من أزواج نبينا صلى الله عليه وسلم في الجنة . ~~| وهذه الآية من أدلة من قالك إن مريم عليها السلام لم تكن نبية , فإنه ~~تعالى ذكر أشرف صفاتها في معرض الرد على من قال بإلهيتهما إشارة إلى بيان ~~ما هو الحق في اعتقاد ما لهما من أعلى الصفات , وأنه من PageV02P515 رفع ~~واحدا منها فرق ذلك فقد أطراه , ومن نقصه عنه فقد ازدراه , فالقصد العلد ~~بين الإفراط والتفريط باعتقاد أن أعظم صفات عيسى عليه السلام الرسالة , ~~وأكمل صفات أمه الصديقية . | ولما كان المقام مقام البيان عن نزولهما عن ~~رتبة الإلهية , ذكر أبعد الأوصاف منها فقال : { كانا يأكلان الطعام } وخص ~~الأكل لأنه مع كونه ضعفا لازما ظاهرا هو أصل الحاجات المعترية للإنسا , فهو ~~تنبيه على غيره , ومن الأمر الجلي أن الإله لا ينبغي أن يدنو إلى جنابه عجز ~~أصلا , وقد اشتمل قوله تعالى { وقال المسيح } وقوله < # > 77 ( { كانا يأكلان الطعام } ) 77 < # > [ المائدة : 75 ] على أشرف أحوال الإنسان وأخسها , فأشرفها عبادة الله ~~, وأخسها الاشتغال عنها بالأكل الذي هو مبدأ الحاجات . | ولما أوضح ما هو ~~الحق في أمرهما حتى ظهر كالشمس بعدهما عما أدعوه فيهما , أتبعه التعجب من ~~تمام قدرته على إظهار الآيات وعلى الإضلال بعد ذلك البيان فقال : { انظر ~~كيف نبين لهم الآيات } أي نوضح إيضاحا شافيا العلامات ms1286 التي من شأنها ~~الهداية إلى الحق والمنع من الضلال ؛ ولما كان العمى عن هذا البيان في غاية ~~البعد , أشار إليه بأداة التراخي فقال : { ثم انظر أنى } أي كيف ومن أين ؛ ~~ولما كان العجب قبولهم للصرف وتأثرهم به , لا كونه من صارف معين , بنى ~~للمفعول قوله : { يؤفكون * } أي يصرفون عن الحق وبيان الطريق صرف من لا نور ~~له أصلا من أي صارف كان , فصرفهم في غاية السفول , وبيان الآيات في غاية ~~العلو , فبينهما بون عظيم . | ولما نفى عنهما الصلاحية لرتبة الإلهية للذات ~~, أتبعها نفي ذلك من حيث الصفات , فقال منكرا مصرحا بالإعراض عنهم إشارة ~~إلى أنهم ليسوا أهلا للإقبال عليهم : { قل } أي للناصرى أيها الرسول الأعظم ~~{ أتعبدون } ونبه على أن كل شيء دونه , وأنهم تخذوهم وسيلة إليه بقوله : { ~~من دون الله } ونبه بإثبات الاسم الأعظم على أن له جميع الكمال , وعبر عما ~~عبدوه بأداة ما لا يعقل تنبيها على أنه سبحانه هو الذي أفاض عليه ما رفعه ~~عن ذلك الحيز , ولو شاء لسلبه عنه فقال : { ما لا يملك لكم ضرا } أي من ~~نفسه فتخشوه { ولا نفعا } أي تفرجوه , ليكون لكم نوع عذر أو شبهة , ولا هو ~~سميع يسمع كل ما يمكن سمعه بحيث يغيث المضطر إذا استغاث به في أي مكان كان ~~ولا عليم يعلم كل ما يمكن علمه بحيث يعطي على حسب ذلك , وكل ما يملك من ذلك ~~فبتمليك الله له كما ملككم من ذلك ما شاء . | ولما نفى عنه ما ذكر تصريحا ~~وتلويحا , أثبته لنفسه المقدسة كذلك فقال : { والله } أي والحال أن الملك ~~الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى والكمال كله { هو } أي PageV02P516 ~~خاصة { السميع العليم * } وهو وحده الضار النافع , يسمع منكم هذا القول ~~ويعلم هذا المعقد السيء , وإنما قرن بالسميع العليم , دون البصيرإرادة ~~التهديد لمن عبد غيره , لأن العبادة قول أو فعل , ومن الفعل ما محله القلب ~~وهو الإعتقاد , ولا يدرك بالبصر بل بالعلم , والآية - كما ترى - من ~~الاحتباك : دل بام أثبته لنفسه على سبيل القصر على نفيه ms1287 في الجملة الأولى ~~عن غيره , وبما نفاه في الجملة الأولى عن غيره على إثباته له - والله ~~الموفق . | < < # | المائدة : ( 77 - 78 ) قل يا أهل . . . . . # > > ^ ( قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهوآء قوم ~~قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سوآء السبيل * لعن الذين كفروا من ~~بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ) ^ ~~} ) | ولما قامت الأدلة على بطلان قول اليهود ثم على بطلان مدعى النصارى , ~~ولم يبق لأحد علة , أمره صلى الله عليه وسلم أ , ينهى الفريقين عن الغلو ~~بالباطل في أمر عيسى عليه السلام : اليهود بإنزاله عن رتبته , , لانصارة ~~برفعه عنها بقوله تعالى : { قل ياأهل الكتاب } أي عامة { لا تغلوا } أي ~~تجاوزوا الحد علوا ولا نزولا { في دينكم } ولما كان الغلو ربما أطلق على ~~شدة الفحص عن الحقائق واستنباط الخفي من الأحكام والدقائق من خبايا النصوص ~~, نفى ذلك بقوله : { غير الحق } وعرفه ليفيد أن المبالغة في الحق غير منهي ~~عنها , وإنما المنهي عنها , وإنما المنهي عنه تجاوز دائرة الحق بكمالها , ~~ولو نكر لكان من جاوز حقا إلأى غيره واقعا في النهي , كما جاوز الاجتهاد في ~~الصلاة النافلة إلى الجد في العلم النافع , ولو قيل : باطلا , لأوهم أن ~~المنهي عنه المبالغة في الباطل , لا أصله ومطلقه . | ولما نهاهم أن يضلوا ~~بأنفسهم , نهاهم أن يقلدوا في ذلك غيرهم فقال : { ولا تتبعوا } أي فاعلين ~~فعل من يجتهد في ذلك { أهواء قوم } أي هووا مع ما لهم من القوة , فكانوا ~~أسفل سافلين , والهوى لا يستعمل إلا في البشر { قد ضلوا } ولما كان ضلالهم ~~غير مستغرق للزمان الماضي , أدخل الجار فقال : { من قبل } أي من قبل زمانكم ~~هذا عن منهاج العقل فصبروا على ضلالهم وأنسوا بما تمادوا عليه في محالهم { ~~وأضلوا } أي لم يكفهم ضلالهم في أنفسهم حتى أضلوا غيرهم { كثيرا } أي من ~~الناس بتماديهم في الباطل من التثليث وغيره حتى ظن حقا { وضلوا } أي بعد ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم بمنابذة الشرع ms1288 { عن سواء } أي عدل { السبيل * ~~} أي الذي لا سبيل في الحقيقة PageV02P517 غيره , لأن الشرع هو الميزان ~~القسط والحكم العدل , وهذا إشارة إلى أنهم إن لم ينتهوا كانوا على محض ~~التقليد لأسلافهم الذين هم في غاية البعد عن النهج وترك الاهتداء بنور ~~العلم , وهذا غاية في التبكيت , فإن تقليدهم لو كان فيما يشبه الحق كان ~~جهلا , فكيف وإنما هو تقليد في هوى . | ولما نهاهم عن ذلك وقبحه عليهم . | ~~علله محذرا منه بقوله تعالى بانيا للمفعول , لأن الفاعل معروف بقرينة من هو ~~على لسانهما : { لعن } ووصفهم بما نبه على علة لعنهم بقوله : { الذين كفروا ~~} وصرح بنسبتهم تعيينا لهم وتبكيتا وتقريعا فقال : { من بنى إسرائيل } وأكد ~~هذا اللعن وفخمه بقوله : { على لسان داود } أي الذي كان على شريعة موسى ~~عليه السلام , وذلك باعتدائهم في السبت فصاروا قردة { وعيسى ابن مريم } أي ~~الذي نسخ شرع موسى عليه السلام , بكفرهم بعد المائدة فمسخوا خنازير , لأنهم ~~خالفوا النبيين معا , فلا هم تعبدوا بما دعاهم إليه داود عليه السلام من ~~شرعهم الذي هم مدعون التمسك به , وعارفون بأن ما دعاهم إليه منه حقا , ولا ~~هم خرجوا عنه إلى ما أمروا بالخروج إليه على لسان موسى عليه السلام في ~~بشارته به متقيدين بطاعته , فلم تبق لهم علة من التقيد به ولا التقيد بحق ~~دعاهم إليه غيره , فعلم قطعا أنهم مع الهوى كما مضى , ولم ينفعهم مع نسبتهم ~~إلى واحدة من الشريعتين نسبتهم إلى إسرائيل عليه السلام , فإنه لا نسب لأحد ~~عند الله دون التقوى لا سيما في يوم الفصل إذ الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ~~إلا المتقين . | ولما أخبر بلعنهم وأشار إلى تعليله بكفرهم , صرح بتعليله ~~بقوله : { ذلك } أي اللعن التام { بما } أي بسبب ما { عصوا } أي فعلوا في ~~ترك أحكام الله فعل العاصي على الله { وكانوا يعتدون * } أي كانت مجاوزة ~~الحدود التي حدها الله لهم خلقا . | ذكر الإشارة إلى لعنهم في الزبور ~~والإنجيل , قال في المزمور السابع والسبعين من الزبور : أنصت يا شعبي ~~لوصاياي , قربوا أسماعكم إلى ms1289 قول فمي , فإني أفتح بالأمثال فمي , وأنطق ~~بالسرائر الأزلية التي سمعناها وعرفناها وأخبرنا آباؤنا بها ولم يخفوها عن ~~أبنائهم ليعرفوا الجيل الآتي تسابيح الرب وقوته وعجائبه التي صنعها , أقام ~~شهادته في يعقوب وجعل ناموصا في إسرائيل كالذي أوصى آباءنا ليعلموا أبناءهم ~~, لكيما يخبر الجيل الآخر البنين الذين يولدون ويقومون , ويعلمون أيضا ~~بنيهم أن يجعلوا توكلهم على الله ولا ينسوا أعمال الرب , ويتبعوا وصاياه ~~لئلا يكونوا كآبائهم الجيل المنحرف PageV02P518 المخالف الخلف الذي لم يثق ~~قلبه ولم يؤمن بالله المفرج عنه , بنو إفرام الذين أوتروا ورفعوا عن قسيهم ~~وانهزموا في يوم القتال لأنهم لم يحفظوا عهد الرب ولم يشاؤوا أن يسيروا في ~~سبله , ونسوا حسن أعماله وصنائعه التي أظهرها قدام آبائهم , العجائب التي ~~صنعها بأرض مصر في مزارع صاعان , فلق البحر وأجازهم وأقام المياه كالزقاق , ~~هداهم بالنهار في الغمام وفي الليل أجمع بمصابيح النار , فلق صخرة في ~~البرية وسقاهم منها كاللجج العظيمة , أخرج الماء من الحجر فجرت المياه كجري ~~الأنهار , وعاد الشعب أيضا في الخطيئة , وأسخطوا العلي حيث لم يكن ماء , ~~جربوا الله في قلوبهم بمسألة الطعام لنفوسهم , وقذفوا على الله وقالوا : هل ~~يقدر أن يصنع لنا مائدة في البرية , لأنه ضرب الصخرة فجرت المياه وفاضت ~~الأودية , هل يستطيع أن يعطينا خبزا أو يعد مائدة لشعبه , سمع الرب فغضب ~~واشتعلت النار في يعقوب , وصعد الرجز على إسرائيل لأنهم لم يؤمنوا بالله ~~ولا رجوا خلاصه , فأمر السحاب من فوق وانفتحت أبواب السماء ليشبعوا , أهاج ~~ريح التيمن من السماء وأتى بقوة العاصف , وأنزل اللحم مثل التراب وطير ~~السماء ذات الأجنحة مثل رمل البحار , يسقطن في محالهم حول خيامهم , فأكلوا ~~وشبعوا جدا , أعطاهم شهوتهم ولم يحرمهم إرادتهم , فبينما الطعام في أفواههم ~~إذ غضب الله نزل عليهم فقتل في كثرتهم وصرع في مختاري إسرائيل , ومع هذا ~~كله أخطؤوا إليه أيضاص ولم يؤمنوا بعجائبه , فنيت بالباطل أيامهم , وتصرمت ~~عاجلا سنوهم , فحين قتلهم رغبوا إلى الله وعادوا وابتكروا إليه وذكروا أن ~~الله معينهم وأن الله العلي مخلصهم , أحبوه ms1290 بأفواههم وكذبوه بألسنتهم , ولم ~~تخلص له قلوبهم ولم يؤمنوا بعهده , وهو رحيم رؤوف , يغفر ذنوبهم ولا يهلكهم ~~, ويرد كثرة سخطه عنهم ولا يبعث كل رجزه , وذكر أنهم لحم وروح يذهب ولا ~~يعود , مرارا كثيرة أسخطوه في البرية وأغضبوه في أرض ظامئة , وعادوا وجربوا ~~الله وأسخطوا قدوس إسرائيل , ولم يذكروا يده في يوم نجاهم من المضطهدين - ~~انتهى . | هذا بعض ما في الزبور , وأما الإنجيل فطافح بذلك , منه ما في ~~إنجيل متى , قال : وانتقل يسوع من هناك وجاء إلى عبر الجليل , وصعد إلى ~~الجبل وجلس هناك , وجاء إليه جمع كبير معهم خرس وعمى وعرج وعسم وآخرون ~~كثيرون , فخروا عند رجليه فأبرأهم , وتعجب الجمع لأنهم نظروا الخرس يتكلمون ~~والصم يسمعون والعرج يمشون والعمى يبصرون , ومجدوا إله إسرائيل , وإن يسوع ~~دعا تلاميذه وقال لهم : إني أتحنن على هذا الجمع , لأن لهم معي ثلاثة أيام ~~ههنا , وليس عندهم ما يأكلون , ولا PageV02P519 أريد أطلقهم صياما لئلا ~~يضيعوا في الطريق , قال مرقس : لأن منهم من جاء من بعيد - انتهى . | قال له ~~التلاميذ : من أين نجد من خبز القمح في البرية ما يشبع هذا الجمع ؟ فقال ~~لهم يسوع : كم عندكم من الخبز ؟ فقالوا : سبعة أرغفة ويسير من السمك , فأمر ~~الجمع أن يجلس على الأرض وأخذ السبع خبزات والسمك وبارك وكسر وأعطى تلاميذه ~~, وناول التلاميذ الجمع , فأكل جميعهم وشبعوا ورفعوا فضلات الكسر سبع قفاف ~~مملوءة , وكان الذين أكلوا نحو أربعة آلاف رجل سوى النساء والصبيان , وأطلق ~~الجمع وصعد السفينة وجاء إلى تخوم مجدل - وقال مرقس : إلى نواحي مابونا - ~~وجاء الفريسيون والزنادقة يجربونه ويسألونه أن يريهم آية من السماء , ~~فأجابهم يسوع قائلا : إذا كان المساء قلتم : إن السماء صاحية - لاحمرارها , ~~وبالغداة تقولون : اليوم شتاء - لاحمرار جو المساء العبوس , أيها المراؤون ~~! تعلمون آية هذا الزمان , الجيل الشرير الفاسق يطلب آية , ولا يعطى إلا ~~آية يونان النبي - وتركهم ومضى , ثم جاء التلاميذ إلى العبر ونسوا أن ~~يأخذوا خبزا - قال مرقس : ولم يكن في السفينة إلا رغيف واحد - وإن يسوع قال ~~لهم : انظروا ms1291 وتحرزوا من خمير الفريسيين والزنادقة - وقال مرقس : وخمير ~~هيرودس - ففكروا قائلين : إنا لم نجد خبزا , فعلم يسوع فقال لهم : لماذا ~~تفكرون في نفوسكم يا قليلي الأمانة ؟ إنكم ليس معكم خبز , أما تفهمون ولا ~~تذكرون الخمس خبزات لخمسة آلاف وكم سلا أخذتم ؟ والسبع خبزات لأربعة آلاف , ~~وكم قفة أخذتم ؟ لماذا لا تفهمون ؟ لأني لم أقل لكم من أجل الخبز , حينئذ ~~فهموا أنه لم يقل لهم أن يتحرزوا من خمير الخبز , لكن من تعليم الزنادقة ~~والفريسيين , وقال لوقا : تحرزوا لأنفسكم من خمير الفريسيين الذي هو الرياء ~~, لأنه ليس خفي إلا سيظهر , ولا مكتوم إلا سيعلم , الذي تقولونه في الظلام ~~سيسمع في النور , والذي وعيتموه في الآذان سوف ينادى به على السطوح , أقول ~~لكم : يا أحبائي لا تخافوا ممن يقتل الجسد , وبعد ذلك ليس له أن يفعل أكثر ~~, خافوا ممن إذا قتل له سلطان أن يلقى في نار جهنم - وسيأتي بقية الإشارة ~~إلى لعنهم في سورة الصف إن شاء الله تعالى , والعسم جمع أعسم - بمهملتين , ~~وهو من في يده أو قدمه اعوجاج أو يده يابسة . | < < # | المائدة : ( 79 - 81 ) كانوا لا يتناهون . . . . . # > > ^ ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون * ترى ~~كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم ~~وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما ~~اتخذوهم أوليآء ولكن كثيرا منهم فاسقون ) ^ } ) | ولما علل تعالى لعنهم ~~بعصيانهم وغلوهم في الباطل , بينه مخصصا للعلماء منهم PageV02P520 بزيادة ~~تهديد , لأنهم مع كونهم على المنكر لا ينهون غيرهم عنه , مع أنهم أجدر من ~~غيرهم بالنهي , فصاروا علي منكرين شديدي الشناعة , وسكوتهم عن النهي مغو ~~لأهل الفساد ومغر لهم ولغيرهم على الدخول فيه والاستكبار منه فقال تعالى : ~~{ كانوا لا يتناهون } أي لا ينهى بعضهم بعضا , وبين إغراقهم في عدم ~~المبالاة بالتنكير في سياق النفي فقال : { عن منكر } . | ولما كان الفعل ما ~~كان من الأعمال عن داهية من الفاعل سواء كان عن علم أو لا , عر ms1292 به إشارة ~~إلى أن لهم في المناكر غرام من غلبته الشهوة , ولم يبق لهم نوع علم , فقال ~~: { فعلوه } ؛ ولما كان من طبع الإنسان النهي عن كل ما خالفه طبعا أو ~~اعتقادا , لا سيما إن تأيد بالشرع , فكان لا يكف عن ذلك إلا بتدريب النفس ~~عليه لغرض فاسد أداه إليه , أكد مقسما معبرا بالفعل الذي يعبر به عما قد لا ~~يصحبه علم ولا يكون إلا عن داهية عظيمة فقال : { لبئس ما كانوا } أي جبلة ~~وطبعا { يفعلون * } إشارة إلى أنهم لما تكررت فضائحهم وتواترت قبائحهم ~~صاروا إلى حيز ما لا يتأتى منه العلم . | ولما أخبر بإقرارهم على المناكر , ~~دل على ذلك بأمر ظاهر منهم لازم ثابت دائم مقوض لبنيان دينهم , فقال موجها ~~بالخطاب لأصدق الناس فراسة وأوفرهم علما وأثبتهم توسما وفهما : { ترى كثيرا ~~منهم } أي من أهل الكتاب ؛ ولما كان الإنسان لا ينحاز إلى حزب الشيطان إلا ~~بمنازعة الفطرة الأولى السليمة , أشار إلى ذلك بالتفعل فقال : { يتولون } ~~أي يتبعون بغاية جهدهم { الذين كفروا } أي المشركين مجتهدين في ذلك مواظبين ~~عليه , وليس أحد منهم ينهاهم عن ذلك ولا يقبحه عليهم , مع شهادتهم عليهم ~~بالضلال هم وأسلافهم إلى أن جاء هذا النبي الذي كانوا له في غاية الانتظار ~~وبه في نهاية الاستبشار , وكانوا يدعون الإيمان به ثم خالفوه , فمنهم من ~~استمر على المخالفة ظاهرا وباطنا , ومنهم من ادعى أنه تابع واستمر على ~~المخالفة باطنا , فكانت موالاته للمشركين دليلا على كذب دعواه ومظهرة لما ~~أضمره من المخالفة وأخفاه . | ولما كان ذلك منهم ميلا مع الهوى بغير دليل ~~أصلا قال : { لبئس ما قدمت } أي تقديم النزل للضيف { لهم أنفسهم } أي التي ~~من شأنها الميل مع الهوى , ثم بين المخصوص بالذم - وهو ما قدمت - بقوله : { ~~إن سخط الله } أي وقع سخطه بجميع ما له من العظمة { عليهم } ولما كان من ~~وقع السخط عليه يمكن أن يزول عنه , قال مبينا أن مجرد وقوعه جدير بكل هلاك ~~: { وفي العذاب } أي الكامل من الأدنى في الدنيا والأكبر في الآخرة { هم ms1293 ~~خالدون * } . | ولما كان هذا دليلا على كفرهم , دل عليه بقوله : { ولو } أي ~~فعلوا ذلك مع PageV02P521 دعواهم الإيمان والحال أنهم لو { كانوا } أي كلهم ~~{ يؤمنون } أي يوجد منهم إيمان { بالله } أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة ~~بكل شيء { والنبي } أي الذي له الوصلة التامة بالله , ولذا أتبعه قوله : { ~~وما أنزل إليه } أي من عند الله أعم من القرآن وغيره إيمانا خالصا من غير ~~نفاق { ما اتخذوهم } أي المشركين مجتهدين في ذلك { أولياء } لأن مخالفة ~~الإعتقاد تمنع الوداد , فمن كان منهم باقيا على يهوديته ظاهرا وباطنا , ~~فالألف في ( النبي ) لكشف سريرته للعهد , أي النبي الذي ينتظرونه ويقولون : ~~إنه غير محمد صلى الله عليه وسلم أو للحقيقة أي لو كانوا يؤمنون بهذه ~~الحقيقة - أي حقيقة النبوة - ما والوهم , فإنه لم يأت نبي إلا بتكفير ~~المشركين - كما أشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله ( الأنبياء أولاد ~~علات , أمهاتهم شتى ودينهم واحد ) كما سيأتي قريبا في حديث أبي هريرة , ~~يعني - والله أعلم - أن شرائعهم وإن اختلفت في الفروع فهي متفقة في الأصل ~~وهو التوحيد , ومن كان منهم قد أظهر الإيمان فالمراد بالنبي في إظهار زيغه ~~وميله وحيفه محمد صلى الله عليه وسلم , لأنه نهى عن موالاة المشركين , بل ~~عن متاركتهم , ولم يرض إلا بمقارعتهم ومعاركتهم . | ولما أفهمت الشرطية عدم ~~إيمانهم , استثنى منها منبها بوضع الفسق موضع عدم الإيمان على أنه الحامل ~~عليه فقال : { ولكن كثيرا منهم فاسقون } أي متمكنون في خلق المروق من دوائر ~~الطاعات . | < < # | المائدة : ( 82 - 85 ) لتجدن أشد الناس . . . . . # > > ^ ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن ~~أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا مآ أنزل إلى الرسول ترى أعينهم ~~تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنآ آمنا فاكتبنا مع الشاهدين * ~~وما لنا لا نؤمن بالله وما جآءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم ~~الصالحين * فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ms1294 فيها ~~وذلك جزآء المحسنين ) ^ } ) | ولما دل كالشمس ميلهم إلى المشركين دون ~~المؤمنين على أنهم في غاية العداوة لهم , صرح تعالى بذلك على طريق ~~الاستنتاج , فقال دالا على رسوخهم في الفسق : { * لتجدن أشد الناس } أي ~~كلهم { عداوة للذين آمنوا } أي أظهروا الإقرار بالإيمان فكيف بالراسخين فيه ~~{ اليهود } قدمهم لأنهم أشد الفريقين لأنه لا أقبح من ضال على علم { والذين ~~أشركوا } لما جمعهم من الاستهانة بالأنبياء هؤلاء جهلا وأولئك عنادا ~~PageV02P522 وبغيا , فعرف أن من صدق في إيمانه لا يواليهم بقلبه ولا بلسانه ~~, وأنهم ما اجتمعوا على الموالاة إلا لاجتماعهم في أشدية العداوة لمن آمن , ~~فهذه الآية تعليل لما قبلها , كأنه قيل : هب أنهم لا يؤمنون بالله والنبي , ~~وذلك لا يقتضي موادة المشركين فلم والوهم حينئذ ؟ فقيل : لأن الفريقين ~~اجتمعوا في أشدية العداوة للذين آمنوا . | ولما أخبر تعالى بأبعد الناس ~~مودة لهم , أخبر بضدهم فقال : { ولتجدن أقربهم } أي الناس { مودة للذين ~~آمنوا } أي أوجدوا الإيمان بالقلب واللسان { الذين قالوا } وفي التوريك على ~~قولهم إشارة إلى أنهم ما كانوا على حقيقة النصرانية { إنا نصارى } أي لقلة ~~اهتمامهم بالدنيا بمجرد قولهم ذلك ولو لم يكونوا عريقين في الدين وإقبالهم ~~على علم الباطن , ولذلك علله بقوله : { ذلك بأن منهم قسيسين } أي مقبلين ~~على العلم , من القس , وهو ملامة الشيء وتتبعه { ورهبانا } أي في غاية ~~التخلي من الدنيا ؛ ولما كان التخلي منها موجبا للبعد من الحسد , وهو سبب ~~لمجانبة التكبر قال : { وأنهم لا يستكبرون * } أي لا يطلبون الرفعة على ~~غيرهم ولا يوجدونها . | ولما كان ذلك علة في الظاهر ومعلولا في الباطن لرقة ~~القلب قال : { وإذا سمعوا } أي أتباع النصرانية { ما أنزل إلى الرسول } أي ~~الذي ثبتت رسالته بالمعجز , فكان من شأنه أن يبلغ ما أنزل إليه للناس { ترى ~~أعينهم } ولما كان البكاء سببا لامتلاء العين بالدمع وكان الامتلاء سببا ~~للفيض الذي حقيقته السيلان بعد الامتلاء , عبر بالمسبب عن السبب فقال : { ~~تفيض من الدمع } أصله : يفيض دمعها ثم تفيض هي دمعا , فهو من أنواع التمييز ~~, ثم علل الفيض ms1295 بقوله : { مما عرفوا من الحق } أي وليس لهم غرض دنيوي ~~يمنعهم عن قبوله , ثم بين حالهم في مقالهم بقوله : { يقولون ربنا } أي أيها ~~المحسن إلينا { آمنا } أي بما سمعنا { فاكتبنا } . | ولما كان من شأن ~~الشاهد إحضار القلب وإلقاء السمع والقيام التام بما يتلى عليه ويندب إليه ~~قال : { مع الشاهدين * } أي أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين يشهدون على ~~الأمم يوم القيامة , فإن تقويتنا على ذلك ليست إلا إليك { وما } أي ويقولون ~~: ما , أي أي شيء حصل أو يحصل { لنا } حال كوننا { لا نؤمن بالله } أي الذي ~~لا كفوء له ولا خير إلا منه { وما } أي وبما { جاءنا من الحق } أي الأمر ~~الثابت الذي مهما عرض على الواقع طابقه الواقع سواء كان حالا أو ماضيا أو ~~آتيا . | ولما كانوا يهضمون أنفسهم , عبروا بالطمع الذي لا نظر معه لعمل ~~فقالوا : { ونطمع أن يدخلنا ربنا } أي بمجرد إحسانه , لا بعمل منا , ~~ولجريهم في هذا المضمار PageV02P523 عبروا بمع دون ( في ) قولهم : { مع ~~القوم الصالحين * } هضما لأنفسهم وتعظيما لرتبة الصلاح . | ولما ذكر قولهم ~~الدال على حسن اعتقادهم وجميل استعدادهم , ذكر جزاءهم عليه فقال : { ~~فأثابهم الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { بما قالوا } أي جعل ثوابهم ~~على هذا القول المستند إلى خلوص النية الناشئ عن حسن الطوية { جنات تجري } ~~ولما كان الماء لو استغرق المكان أفسد , أثبت الجار فقال : { من تحتها ~~الأنهار } ولما كانت اللذة لا تكمل إلا بالدوام قال : { خالدين فيها } . | ~~ولما كان التقدير : لإحسانهم , طرد الأمر في غيرهم فقال : { وذلك } أي ~~الجزاء العظيم { جزاء المحسنين * } أي كلهم , واختلفوا في هذه الواقعة بعد ~~اتفاقهم على أنها في النجاشي وأصحابه , وذلك مبسوط في شرحي لنظمي للسيرة ~~النبوية , فمن ذلك أنه لما قدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من مهاجرة ~~الحبشة مع أصحابه رضي الله عنهم قدم معهم سبعون رجلا بعثهم النجاشي رضي ~~الله عنه وعن الجميع وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , عليهم ثياب ~~الصوف , اثنان وستون من الحبشة , وثمانية ms1296 من أهل الشام , وهم بحيرا الراهب ~~وأبرهة وإدريس وأشرف وثمامة وقثم ودريد وأيمن , فقرأ عليهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سورة يس إلى آخرها , فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا ~~: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى ! فأنزل الله فيهم هذه الآية < # > 77 ( { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن ~~أقربهم للذين آمنوا } ) 77 < # > [ المائدة : 82 ] - إلى آخرها , ذكر ذلك الواحدي في أسباب النزول بغير ~~سند , ثم أسند عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : < # > 77 ( { ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا } ) 77 < # > [ المائدة : 82 ] قال : بعث النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من خيار أصحابه ثلاثين رجلا , فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يس ~~فبكوا , فنزلت فيهم هذه الآية . | وإذا نظرت مكاتبات النبي صلى الله عليه ~~وسلم للملوك ازددت بصيرة في صدق هذه الآية , فإنه ما كاتب نصرانيا إلا آمن ~~, أو كان لينا ولو لم يسلم PageV02P524 كهرقل والمقوقس وهوذة بن علي وغيرهم ~~, وغايتهم أنهم ضنوا بملكهم , وأما غير النصارى فإنهم كانوا على غابة ~~الفظاظة ككسرى فإنه مزق كتابه صلى الله عليه وسلم ولم يجز رسوله بشيء , ~~وأما اليهود فكانوا جيران الأنصار ومواليهم وأحبابهم , ومع ذلك فأحوالهم في ~~العداوة غاية , كما هو واضح في السير , مبين جدا في شرحي لنظمي للسيرة , ~~وكان السر في ذلك - مع ما تقدم من باعث الزهد - أنه لما كان عيسى عليه ~~السلام أقرب الأنبياء زمنا من زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان المنتمون ~~إليه ولو كانوا كفرة أقرب الأمم مودة لاتباع النبي صلى الله عليه وسلم , ~~وإلى ذلك يشير ما رواه الشيخان في الفضائل عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا ~~والآخرة , الأنبياء أولاد علات - وفي رواية : أبناء , وفي رواية : إخوة ~~لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد , وليس بيني وبينه , وفي رواية : وليس بيني ~~وبين عيسى - نبي . | وفي رواية لمسلم : أنا أولى الناس ms1297 بعيسى ابن مريم في ~~الأولى والآخرة , قالوا : كيف يا رسول الله ! قال : الأنبياء إخوة من علات ~~, أمهاتهم شتى ودينهم واحد , فليس بيننا نبي . | < < # | المائدة : ( 86 - 87 ) والذين كفروا وكذبوا . . . . . # > > ^ ( والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم * يأيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات مآ أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ~~) ^ } ) | ولما ذكر سبحانه وتعالى جزاء المطيعين المبادرين إلى الإذعان ~~ترغيبا , ذكر جزاء من لم يفعل فعلهم ترهيبا فقال : { والذين كفروا } أي ~~ستروا ما أوضحته له عقولهم من الدلالة على صحة ما دعتهم إليه الرسل { ~~وكذبوا } أي عنادا { بآياتنا } أي بالعلامات المضافة لعظمها إلينا { أولئك ~~} أي البعداء من الرحمة { أصحاب الجحيم * } أي الذين لا ينفكون عنها , لا ~~غيرهم من العصاة المؤمنين وإن كثرت كبائرهم . | ولما مدح سبحانه الرهبان , ~~وكان ذلك داعيا إلى الترهب , وكانت الرهبانية حسنة بالذات قبيحة بالعرض , ~~شريفة في المبدأ دنية في المآل , فإنها مبنية على الشدة والاجتهاد في ~~الطاعات والتورع عن أكثر المباحات , والإنسان مبني على الضعف مطبوع على ~~النقائص , فيدعوه طبعه ويساعده ضعفه إلى عدم الوفاء بما عاقد عليه , ويسرع ~~بما له من صفة العجلة إليه , فيقع في الخيانة كما قال تعالى : ^ ( { فما ~~رعوها حق رعايتها } ) ^ [ الحديد : 27 ] عقب ذلك بالنهي عنها في هذا الدين ~~والإخبار عنه بأنه بناه على التوسط PageV02P525 رحمة منه لأهله ولطفا بهم ~~تشريفا لنبيهم صلى الله عليه وسلم , ونهاهم عن الإفراط فيه والتفريط فقال ~~تعالى : { يا أيها الذين آمنوا } أي وجد منهم الإقرار بذلك { لا تحرموا } ~~أي تمنعوا أنفسكم بنذر أو يمين أو غيرهما تصديقا لما أقررتم به , ورغبهم في ~~امتثال أمره بأن جعله موافقا لطباعهم ملائما لشهواتهم فقال : { طيبات ما } ~~أي المطيبات وهي اللذائذ التي { أحل الله } وذكر هذا الاسم الأعظم مرغب في ~~ذلك , فإن الإقبال على المنحة يكون على مقدار المعطي , وأكد ذلك بقوله : { ~~لكم } أي وأما هو سبحانه فهو منزه عن الأغراض , لا ضر يلحقه ولا نفع , لأن ~~له الغنى المطلق . | ولما أطلق لهم ذلك , حثهم على ms1298 الاقتصاد , وحذرهم من ~~مجاوزة الحد إفراطا وتفريطا فقال : { ولا تعتدوا } فدل بصيغة الافتعال على ~~أن الفطرة الأولى مبنية على العدل , فعدولها عنه لا يكون إلا بتكلف , ثم ~~علل ذلك بقوله مؤكدا لاستبعاد أن ينهى عن الإمعان في العبادة : { إن الله } ~~أي وهو الملك الأعظم { لا يحب المعتدين * } أي لا يفعل فعل المحب من ~~الإكرام للمفرطين في الورع بحيث يحرمون ما أحللت , ولا للمفرطين فيه الذين ~~يحللون ما حرمت , أي يفعلون فعل المحرم من المنع وفعل المحلل من التناول , ~~وما ذكر من سبب نزول الآية واضح في ذلك ؛ روى الواحدي في أسباب النزول ~~بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما ( أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال : يا رسول الله ! إني إذا أكلت من هذا اللحم انتشرت إلى النساء ~~وإني حرمت علي اللحم , فنزلت : { لا تحرموا ما أحل الله لكم } ونزلت : < # > 77 ( { وكلوا مما رزقكم الله } ) 77 < # > [ المائدة : 88 ] . | وأخرجه الترمذي في التفسير من جامعه وقال : حسن ~~غريب , ورواه خالد الحذاء عن عكرمة مرسلا . | وقال الواحدي : وتبعه عليه ~~البغوي : قال المفسرون : ( جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الناس ~~ووصف القيامة ولم يزدهم على التخويف فرق الناس وبكوا , فاجتمع عشرة من ~~الصحابة رضي الله عنهم في بيت عثمان بن مظعون الجمحي , وهم أبو بكر الصديق ~~وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأبو ذر الغفاري ~~وسالم مولى أبي حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل بن ~~PageV02P526 مقرن , واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا ~~على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا ~~المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبوا المذاكير ؛ فبلغ ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : ) ألم أنبأ أنكم أتفقتم على ~~كذا وكذا ( ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ! وما أردنا إلا الخير , فقال : ) ~~إني لم أومر بذلك , إن لأنفسكم عليكم حقا , فصوموا وأفطروا . | وقوموا ~~وناموا , فإني أقوم وأنام , وأصوم وأفطر , وآكل ms1299 اللحم والدسم , ومن رغب عن ~~سنتي فليس مني ( ؛ ثم جمع الناس فخطبهم فقال : ) ما بال أقوام حرموا النساء ~~والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا ! أما ! إني لست آمركم أن تكونوا ~~قسيسين ورهبانا , فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع , ~~وإن سياحة أمتي الصوم , ورهبانيتهم الجهاد , واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان , فإنما هلك ~~من كان قبلكم بالتشديد , شددوا فشدد الله عليهم , فأولئك بقاياهم في ~~الديارات والصوامع ( , فأنزل الله تعالى هذه الآية , فقالوا : يا رسول الله ~~! فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا ~~, فأنزل الله عز وجل قوله تعالى < # > 77 ( { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } ) 77 < # > ) [ المائدة : 89 , والبقرة : 225 ] , ولا تعارض بين الخبرين لإمكان ~~الجمع بأن يكون الرجل لما سمع تذكير النبي صلى الله عليه وسلم سأل , ولو لم ~~يجمع صح أن يكون كل منهما سببا , فالشيء الواحد قد يكون له أسباب جمة , ~~بعضها أقرب من بعض , فمن الأحاديث الواردة في ذلك ما روى البغوي بسنده من ~~طريق ابن المبارك في كتاب الزهد عن سعد بن مسعود ( أن عثمان بن مظعون رضي ~~الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ائذن لنا في الاختصاء , فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) ليس منا من خصي ولا اختصى , إن خصاء أمتي ~~الصيام ( , فقال : يا رسول الله ! ائذن لنا في السياحة , فقال : ) إن سياحة ~~أمتي الجهاد في سبيل الله ( فقال : يا رسول الله ! ائذن لنا في الترهب , ~~فقال : ) إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظارا لصلاة ( وللشيخين ~~والترمذي والنسائي والدارمي عن سعد بن أبي PageV02P527 وقاص رضي الله عنه ~~أيضا قال : ) أراد عثمان بن مظعون أن يتبتل فنهاه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم , ولو أذن له - وفي رواية : ولو أجاز له - التبتل لاختصينا ( وللدارمي ~~عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أيضا قال : ) لما كان من أمر عثمان بن ~~مظعون رضي الله عنه الذي ms1300 كان ممن ترك النساء بعث إليه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال : ( يا عثمان ! إني لم أومر بالرهبانية , أرغبت عن سنتي ) ؟ ~~قال : لا يا رسول الله ! قال : ( إن من سنتي أن أصلي وأنام وأصوم وأطعم ~~وأنكح وأطلق , فمن رغب عن سنتي فليس مني , يا عثمان ! إن لأهلك عليك حقا , ~~ولعينك عليك حقا ) , قال سعد : فوالله لقد كان أجمع رجال من المؤمنين على ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هو أقر عثمان على ما هو عليه أن نختصي ~~فنتبتل ( وقال شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف : وروى الطبراني من ~~طريق ابن جريج عن مجاهد قال : ) أراد رجال منهم عثمان بن مظعون وعبد الله ~~بن عمرو أن يتبتلوا ويخصوا أنفسهم ويلبسوا المسوح ( ومن طريق ابن جريج عن ~~عكرمة ) أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود ~~وسالما مولى أبي حذيفة في جماعة رضي الله عنهم تبتلوا فجلسوا في البيوت , ~~واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح , وحرموا طيبات الطعام واللباس , وهموا ~~بالاختصاء , وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار , فنزلت : { يا أيها الذين ~~آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } - الآية , فبعث إليهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن لأنفسكم عليكم حقا , فصوموا وأفطروا وصلوا ~~وناموا , فليس منا من ترك سنتنا ) وللترمذي عن سمرة رضي الله عنه ان النبي ~~صلى الله عليه وسلم نهى عن التبتل . | وقرأ قتادة : { ولقد أرسلنا رسلا من ~~قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } ( وللنسائي PageV02P528 عن عائشة رضي الله ~~عنها نحوه وأشار إليه الترمذي . | وللطبراني في الأوسط عن أنس بن مالك رضي ~~الله عنه قال : ) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة وينهى عن ~~التبتل نهيا شديدا . | يقول : ( تزوجوا الودود الولود , فإني مكاثر بكم ~~الأمم يوم القيامة ) ومنها ما روى الشيخان عن عبد الله رضي الله عنه أنه ~~قال : ( كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس لنا شيء - وفي ~~رواية : نساء , وفي رواية : كنا ونحن شباب - فقلنا ms1301 : يا رسول الله ! ألا ~~نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك , ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب , ثم قرأ علينا ~~عبد البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ) قلت : يا رسول الله ! ~~إني رجل شاب , وإني أخاف على نفسي العنت ولا أجد ما أتزوج به النساء - قال ~~النسائي : أفاختصي - فسكت عني , ثم قلت مثل ذلك , فسكت عني , ثم قلت مثل ~~ذلك فسكت عني , ثم قلت مثل ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا ~~هريرة ! جف القلم بما أنت لاق , فاختص على ذلك أو ذر ) - وقال النسائي : أو ~~دع ( ومنها ما روى الشيخان وغيرهما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ) ~~جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن ~~يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم - وفي رواية مسلم والنسائي أن ~~نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن عمله في السر - فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا : وأين نحن من ~~النبي صلى الله عليه وسلم , قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر , ~~فقال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا , وقال آخر : أنا أصوم الدهر ~~ولا أفطر , وقال آخر : وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا ؛ وفي رواية : ~~وقال بعضهم لا آكل اللحم , وقال بعضهم : لا أنام على فراش ؛ فبلغ ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه وقال : ما بال أقوام كذا وكذا ! ~~وفي رواية : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال : ( أنتم الذين ~~قلتم كذا وكذا ! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ! لكني أصوم وأفطر ~~وأصلي وأرقد PageV02P529 وأتزوج النساء , فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ~~والمبهمون في الحديث - قال شيخنا في مقدمة شرحه للبخاري - هم ابن مسعود ~~وأبو هريرة وعثمان بن مظعون , وسيأتي مفرقا ما يشير إلى ذلك , يعني ما ~~قدمته أنا , قال : وقيل : هم سعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون وعلي بن ms1302 أبي ~~طالب , وفي مصنف عبد الرزاق من طريق سعيد بن المسيب أن منهم عليا وعبد الله ~~بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم , وقال شيخنا في تخريج أحاديث الكشاف : إن ~~هذا أصل ما رواه الواحدي عن المفسرين , وللشيخين والترمذي عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ) ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ~~, وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم , فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة ~~سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ( , وفي رواية : ) ذروني ما تركتكم , فإنما ~~أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ( ولأبي داود عن ~~أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ) لا تشددوا على ~~أنفسكم فيشدد الله عليكم ( وللإمام أحمد في المسند عن أنس رضي الله عنه ~~والحاكم في علوم الحديث في فن الغريب - وهذا لفظه - عن جابر بن عبد الله ~~رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ) إن هذا الدين متين , ~~فأوغل فيه برفق , ولا تبغض عبادة الله إليك , فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ~~ظهرا أبقى ( المتين : الصلب الشديد , والإيغال : المبالغة , والمنبت - بنون ~~وموحدة وفوقانية مشددة هو الذي انقطع ظهره , وروى البخاري عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ) إن الدين يسر , ولن يشاد ~~الدين أحد إلا غلبه , فسددوا وقاربوا وأبشروا ( ؛ وفي بعض الروايات : ~~والقصد القصد تبلغوا ) ولمسلم PageV02P530 وابن ماجه - وهذا لفظه - عن ~~حنظلة الكاتب التميمي الأسيدي رضي الله عنه قال : ( كنا عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فذكرنا الجنة والنار حتى كانا رأي العين , فقمت إلى أهلي ~~وولدي فضحكت ولعبت , قال : فذكرت الذي كنا فيه , فخرجت فلقيت أبا بكر رضي ~~الله عنه فقلت : نافقت نافقت ! فقال أبو بكر : إنا لنفعله , فذهب حنظلة ~~فذكره للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ) يا حنظلة ! لو كنتم كما تكونون ~~عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم أو على طرقكم , يا حنظلة ! ساعة وساعة ( ~~ولفظ مسلم من طرق جمعت متفرقها عن حنظلة ms1303 - وكان من كتاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم - قال : ) لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال : كيف أنت يا حنظلة ؟ ~~قلت : نافق حنظلة ! قال : سبحان الله ! ما تقول ؟ قلت : نكون عند رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة كانا رأي عين , فإذا خرجنا من عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات , نسينا ~~كثيرا , قال أبو بكر رضي الله عنه : فوالله إنا لنلقى مثل هذا , فانطلقت ~~أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم , قلت : نافق ~~حنظلة يا رسول الله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وما ذاك ) ؟ ~~قلت : يا رسول الله ! نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كانا رأي عين , فإذا ~~خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات , نسينا كثيرا , فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ! أن لو تدومون على ما تكونون ~~عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم , ولكن يا حنظلة ~~ساعة وساعة وساعة - ثلاث مرات ) وفي رواية : قال : كنا عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فوعظنا فذكرنا النار - وفي رواية : الجنة والنار - ثم جئت ~~إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة , فخرجت فلقيت أبا بكر فذكرت ذلك ~~له فقال : وأنا قد فعلت مثل ما تذكر , فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~, فقلت : يا رسول الله ! نافق حنظلة ! فقال : مه ؟ فحدثته بالحديث , فقال ~~أبو بكر : وأنا قد فعلت مثل ما فعل , فقال ( يا حنظلة ! ساعة وساعة , فلو ~~كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في ~~الطرق ) ومن هنا تبين لك مناسبة أول المجادلة لآخر الحديد التي كاع في ~~معرفتها الأفاضل , وكع عن تطلبها لغموضها PageV02P531 الأكابر الأماثل , ~~وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك وإيضاح ما فيه من لطيف المسالك , ومن ~~هذه الآية وقع الالتفات إلى قوله تعالى : ^ ( { أحلت لكم بهيمة الأنعام } ) ~~^ [ الأنعام : 1 ] وقوله تعالى : ^ ( { قل أحل لكم الطيبات } ) ^ [ المائدة ~~: 4 ] وما أحسن تصديرها بيا أيها الذين ms1304 آمنوا - كما صدر أول السورة به , ~~وقد مضى بيان جميع ما مضى في الوفاء بالعقود , فكان كأنه تعالى قال : أوفوا ~~بالعقود , فلا تتهاونوا بها فتنقضوها , ولا تبالغوا فيها فتكونوا معتدين ~~فتضعفوا , فإنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه , بل سددوا وقاربوا , والقصد ~~القصد تبلغوا , وقال ابن الزبير بعد قوله : ^ ( { ومن الذين قالوا إنا ~~نصارى أخذنا ميثاقهم } ) ^ [ المائدة : 14 ] ثم فصل للمؤمنين أفعال ~~الفريقين - أي اليهود والنصارى - ليتبين لهم فيما نقضوا , ثم بين تفاوتهم ~~في البعد عن الاستجابة فقال تعالى : ^ ( { لتجدن أشد الناس عداوة } ) ^ [ ~~المائدة : 82 ] . | ثم نصح عباده وبين لهم أبوابا منها دخول الامتحان , وهي ~~سبب في كل الابتلاء , فقال : ^ ( { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا } ) ^ [ المائدة : 87 ] فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم شارعين لأنفسكم ~~وظالمين - انتهى . | و { ما أحل } شامل لكل ما كانوا أرادوا أن يتورعوا عنه ~~من المآكل والملابس والمناكح والنوم وغير ذلك . | < < # | المائدة : ( 88 - 89 ) وكلوا مما رزقكم . . . . . # > > ^ ( وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به ~~مؤمنون * لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو ~~تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ~~واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) ^ } ) | ولما كان ~~الحال لما ألزموا به أنفسهم مقتضيا للتأكيد , أمر بالأكل بعد أن نهى عن ~~الترك ليجتمع على إباحة ذلك الأمر والنهي فقال : { وكلوا } ورغبهم فيه ~~بقوله : { مما رزقكم الله } أي الملك الأعظم الذي لا يرد عطاؤه . | ولما ~~كان الرزق يقع على الحرام , قيده بعد القيد بالتبعيض بقوله : { حلالا } ~~ولما كان سبحانه قد جعل الرزق شهيا , وصفه امتنانا وتريبا فاقل : { طيبا } ~~ويجوز أن يكون قيدا محذرا مما فيه شبهة تنبيها على الورع , ويكون معنى طيبه ~~تيقن حله , فيكون بحيث تتوفر الدواعي على تناوله دينا توفرها على تناول ما ~~هو نهاية في اللذة شهوة وطبعا , وأن يكون مخرجا لما تعافه ms1305 النفس مما أخذ في ~~الفساد من الأطعمة لئلا يضر , قال ابن المبارك : الحلال ما أخذ من جهته , ~~والطيب ما غذي ونمي , فأما الطين والجوامد وما لا يغذي فمكروه إلا على جهة ~~التداوي , وأن يكون مخرجا لما فوق سد الرمق في حالة PageV02P532 الضرورة , ~~ولهذا وأمثاله قال : { واتقوا الله } أي الملك الذي له الجلال والإكرام من ~~أن تحلوا حراما أو تحرموا حلالا , ثم وصفه بما يوجب رعي عهوده والوقوف عند ~~حدوده فقال : { الذي أنتم به مؤمنون * } أي ثابتون على الإيمان به , فإن ~~هذا الوصف يقتضي رعي العود , وخص سبحانه الأكل , والمراد جميع ما نهي عن ~~تحريمه من الطيبات , لأنه سبب لغيره من المتمتعات , فلما نزلت - كما نقل ~~البغوي وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما - هذه الآية قالوا : يا رسول الله ~~! وكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ وكانوا حلفوا على ما اتفقوا عليه ~~- كما تقدم , فأنزل الله تعالى : { لا يؤاخذكم الله } أي على ما له من تمام ~~الجلال { باللغو } وهو ما يسبق إليه اللفظ من غير قصد { في أيمانكم } على ~~أني لم أعتمد على سبب النزول في المناسبة إلا لدخوله في المعنى , لا لكونه ~~سببا , فإنه ليس كل سبب يدخل في المناسبة - كما بينته في أول غزوة أجد في ~~آل عمران , وإنما كان السبب هنا داخلا في مناسبة النظم , لأن تحريم ما أحل ~~يكون تارة بنذر وتارة بيمين , والنذر في المباح - وهو مسألتنا - لا ينعقد ~~وكفارته كفارة يمين , فحينئذ لم تدع الحاجة إلا إلى التعريف بالأيمان ~~وأحكامها , فقسمها سبحانه إلى قسمين : مقصود وغير مقصود , فأما غير المقصود ~~فلا اعتبار به , وأما المقصود فقسمان : حلف على ماض , وحلف على آت , فأما ~~الحلف على الماضي فهو اليمين الغموس التي لا كفارة لها عند بعض العلماء , ~~وسيأتي في ىية الوصية , وأما الحلف على الآتي - وهو الذي يمكن التحريم به - ~~فذكر حكمه هنا بقوله تعالى : { ولكن يؤاخذكم } . | ولما كان مطلق الحلف ~~الذي منه اللغو يطلق عليه عقد لليمين , أعلم أن المؤاخذة إنما هي بتعمد ~~القلب , وهو ms1306 المراد بالكسب في الآية الأخرى , فعبر بالتفعيل في قراءة ~~الجماعة , والمفاعلة على قراءة ابن عامر تنبيه على أن ذلك هو المراد من ~~قراءة حمزة والكسائي بالتخفيف فقال { بما عقدتم الأيمان } أي بسبب توثيقها ~~وتوكيدها وإحكامها بالجمع بين اللسان والقلب , سواء كان على أدنى الوجوه ~~كما تشير إليه قراءة التخفيف , أو على أعلاها كما تشير إليه قراءة التشديد ~~, فلا يحل لكم الحنث فيها إلا بالكفارة بخلاف اللغو فإنه باللسان فقط , فلا ~~عقد فيه فضلا عن تعقيد , و ( ما ) مصدرية . | ولما أثبت المؤاخذة سبب عنها ~~قوله : { فكفارته } أي الأمر الذي يستر النكث والحنث عن هذا التعقيد , ~~ويزيل أثره بحيث تصيرون كأنكم ما حلفتم { إطعام عشرة مساكين } أي أحرار ~~مساكين , لكل مسكين ربع صاع , وهو مدمن طعام , وهو رطل PageV02P533 وثلث { ~~من أوسط ما } كان عادة لكم أنكم { تطعمون أهليكم } أي من أعدله في الجودة ~~والقدر كمية وكيفية , فهو مد جيد من غالب القوت , سواء كان من الحنطة أو من ~~التمر أو غيرهما . | ولما بدأ بأقل ما يكفي تخفيفا ورحمة , عطف على الإطعام ~~ترقيا قوله : { أو كسوتهم } أي بثوب يغطي العورة من قميص أو إزار أو غيرهما ~~مما يطلق عليه اسم الكسوة { أو تحرير } أي إعتاق { رقبة } أي مؤمنة سليمة ~~عما يخل بالعمل - كما تقدم في كفارة القتل - حملا لمطلق الكفارات على ذلك ~~المقيد , ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ما استأذنه أحد في إعتاق رقبة في ~~كفارة إلا اختبر إيمانها , هذا ما على المكلف على سبيل التخيير من غير ~~تعيين . | والتعيين إليه إذا كان واجدا للثلاثة أو لأحدها , والإتيان ~~بأحدها مبرئ من العهدة , لأن كل واحد من الثلاثة بعينه أخص من أحدها على ~~الإبهام , والإتيان بالخاص يستلزم الإتيان بالعام { فمن لم يجد } أي واحدا ~~منها فاضلا عن قوته وقوت من تلزمه مؤنته { فصيام } أي فالكفارة صيام { ~~ثلاثة أيام } ولو متفرقة . | ولما تم ذلك . | أكده في النفوس وقرره بقوله : ~~{ ذلك } أي الأمر العدل الحسن الذي ذكر { كفارة أيمانكم } أي المعقدة { إذا ~~حلفتم } وأردتم نكثها ms1307 سواء كان ذلك قبل الحنث أو بعده . | ولما كان التقدير ~~: فافعلوا ما قدرتم عليه منه , عطف عليه لئلا تمتهن الأيمان لسهولة الكفارة ~~قوله : { واحفظوا أيمانكم } أي فلا تحلفوا ما وجدتم إلى ذلك سبيلا , ولا ~~تجعلوا الله عرضة لأيمانكم , فإنه سبحانه عظيم , ومن أكثر الحلف وقع في ~~المحذور ولا بد , وإذا حلفتم فلا تحنثوا دون تكفير , ويجوز للمكفر الجمع ~~بين هذه الخصال كلها واستشكل , وحله بما قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في ~~التلويح في بحث أو : والمشهور في الفرق بين التخيير والإباحة أنه يمنتع في ~~التخيير الجمع ولا يمتنع في الإباحة , لكن الفرق هاهنا أنه لا يجب في ~~الإباحة الإتيان بواحد وفي التخيير يجب , وحينئذ إن كان الأصل فيه الحظر ~~وثبت الجواز بعارض الأمر - كما إذا قال : بع من عبيدي هذا أو ذاك - يمتنع ~~الجمع ويجب الاقتصار على الواحد . | لأنه المأمور به . | وإن كان الأصل فيه ~~الإباحة ووجب بالأمر واحد - كما في خصال الكفارة - يجوز الجمع بحكم الإباحة ~~الأصلية , وهذا يسمى التخيير على سبيل الإباحة - انتهى . | ولما اشتملت هذه ~~الآيات من البيان على ما يدهش الإنشان كان كأنه قيل : هل يبين كل ما يحتاج ~~إليه هكذا ؟ فنبه من هذه الغفلة بقوله : { كذلك } أي مثل هذا البيان ~~PageV02P534 العظيم الشأن { يبين الله } أي على ما له من العظمة { لكم ~~آياته } أي أعلام شريعته وأحكامه على ما لها من العلو بإضافتها إليه . | ~~ولما اشتمل ما تقدم من الأحكام والحكم والتنبيه والإرشاد والإخبار بما فيها ~~من الاعتبار على نعم جسيمة وسنن جليلة عظيمة , ناسب ختمها بالشكر المربى ~~لها في قوله على سبيل التعليل المؤذن بقطعها إن لم توجد العلة : { لعلكم ~~تشكرون * } أي يحصل منكم الشكر بحفظ جميع الحدود الآمرة والناهية . | < < # | المائدة : ( 90 - 92 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من ~~عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم ~~منتهون * وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ms1308 واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على ~~رسولنا البلاغ المبين ) ^ } ) | ولما تم بيان حال المأكل وكان داعية إلى ~~المشرب , احتيج إلى بيانه , فبين تعالى المحرم منه . | فعلم أن ما عداه ~~مأذون في التمتع به , وذلك محاذ في تحريم شيء مقترن باللازم بعد إحلال آخر ~~لما في أول السورة من تحريم الميتة وما ذكر معها بعد إحلال بهيمة الأنعام ~~وما معها , فقال تعالى مذكرا لهم بما أقروا به من الإيمان الذي معناه ~~الإذعان : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا به . | ونبههم على ما يريد ~~العدو بهم من الشر بقوله تعالى : { إنما الخمر } وهي كل ما أسكر سواء فيه ~~قليله وكثيره , وأضاف إليها ما واخاها في الضرر دينا ودنيا وفي كونه سببا ~~للخصام وكثرة اللغط المقتضي للحلف والإقسام تأكيدا لتحريم الخمر بالتنبيه ~~على أن الكل من أفعال الجاهلية , فلا فرق بين شاربها والذابح على النصب ~~والمعتمد على الأزلام فقال : { والميسر } أي الذي تقدم ذكره في البقرة { ~~والأنصاب والأزلام } المتقدم أيضا ذكرهما أول السورة , والزلم : القدح لا ~~ريش له - قاله البخاري ؛ وحكمة ترتيبها هكذا أنه لما كانت الخمر غاية في ~~الحمل على إتلاف المال , قرن بها ما يليها في ذلك وهو القمار , ولما كان ~~الميسر مفسدة المال , قرن به مفسدة الدين وهي الأنصاب , ولما كان تعظيم ~~الأنصاب شركا جليا إن عبدت , وخفيا إن ذبح عليها دون عبادة , قرن بها نوعا ~~من الشرك الخفي وهو الاستقسام بالأزلام : ثم أمر باجتناب الكل إشارة وعبارة ~~على أتم وجه فقال : { رجس } أي قذر أهل لأن يبعد عنه بكل اعتبار حتى عن ~~ذكره سواء كان عينا أو معنى , وسواء كانت الرجسية في الحس أو المعنى , ووحد ~~الخبر للنص على الخمر والاعلام بأن أخبار الثلاثة حذفت وقدرت , لأنها أهل ~~لأن يقال في كل واحد منها على حدتها كذلك , ولا PageV02P535 يكفي عنها خبر ~~واحد على سبيل الجمع ؛ ثم زاد في التنفير عنها تأكيدا لرجسيتها بقوله : { ~~من عمل الشيطان } أي المحترق البعيد , ثم صرح بما اقتضاه السياق من ~~الاجتناب فقال : { فاجتنبوه } أي ms1309 تعمدوا أن تكونوا عنه في جانب آخر غير ~~جانبه . | وأفرد لما تقدم من الحكم , ثم علل بما يفهم أنه لا فوز بشيء من ~~المطالب مع مباشرتها فقال : { لعلكم تفلحون * } أي تظفرون بجميع مطالبكم , ~~روى البخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ( لقد حرمت الخمر ~~وما بالمدينة منها شيء ) وفي رواية : ( نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ ~~لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب ) وفي رواية عنه : ( سمعت عمر على منبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول : أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر ~~وهي من خمسة : من العنب - وفي رواية : من الزبيب - والتمر والعسل والحنطة ~~والشعير , والخمر ما خامر العقل ) وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ( ما ~~كان لنا خمر غير فضيخكم هذا , وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ ~~جاء رجل فقال : حرمت الخمر , قالوا : أهرق هذه القلال يا أنس ! فما سألوا ~~عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل ) وي رواية عنه : ( حرمت علينا الخمر حين ~~حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا , وعامة خمرنا البسر والتمر ) قال ~~الأصبهاني : وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام . | ولما كانت حكمة النهي عن ~~الأنصاب والأزلام قد تقدمت في أول السورة , وهي أنها فسق , اقتصر على بيان ~~علة النهي عن الخمر والميسر إعلاما بأنهما المقصودان بالذات , وإن كان ~~الآخرين ما ضما إلا لتأكيد تحريم هذين - كما تقدم , لأن المخاطب أهل ~~الإيمان , وقد كانوا مجتنبين لذينك , فقال مؤكدا لأن الإقلاع عما حصل ~~التمادي في المرون عليه يحتاج إلى مثل ذلك : { إنما يريد الشيطان } أي ~~بتزيين الشرب والقمار لكم { أن يوقع بينكم العداوة } . | ولما كانت العداوة ~~قد تزول أسبابها , ذكر ما ينشأ عنها مما إذا استحكم تعسر أو PageV02P536 ~~تعذر زواله , فقال : { والبغضاء في الخمر والميسر } أي تعاطيهما لأن الخمر ~~تزيل العقل , فيزول المانع من إظهار الكامن من الضغائن والمناقشة والمحاسدة ~~, فربما أدى ذلك إلى حروب طويلة وأمور مهولة , والميسر يذهب المال فيوجب ~~ذلك الإحنة على من سلبه ماله ونغص عليه أحواله ms1310 . | ولما ذكر ضررهما في ~~الدنيا , ذكر ضررهما في الدين فقال : { ويصدكم عن ذكر الله } أي الملك ~~الأعظم الذي لا إله لكم غيره ولا كفوء له , وكرر الجار تأكيدا للأمر ~~وتغليظا في التحذير فقال : { وعن الصلاة } أما في الخمر فواضح , وأما في ~~الميسر فلأن الفائز ينسى ببطر الغلبة , والخائب مغمور بهمه , وأعظم التهديد ~~بالاستفهام والجملة الاسمية الدالة على الثبات بعد التأكيد بالحصر والضم ~~إلى فعل الجاهلية وبيان الحكم الداعية إلى الترك والشرور المنفرة عن الفعل ~~فقال : { فهل أنتم منتهون * } أي قبل أن يقع بكم ما لا تطيقون . | ولما كان ~~ذلك مألوفا لهم محبوبا عندهم , وكان ترك المألوف أمر من ضرب السيوف , أكد ~~دعوتهم إلى اجتنابه محذرا من المخالفة بقوله عاطفا على ما تقديره : فانتهوا ~~: { وأطيعوا الله } أي الملك الأعلى الذي لا شريك له ولا أمر لأحد سواه , ~~أي فيما أمركم به من اجتناب ذلك , وأكد الأمر بإعادة العامل فقال : { ~~وأطيعوا الرسول } أي الكامل في الرسلية في ذلك , وزاد في التخويف بقوله : { ~~واحذروا } أي من المخالفة , ثم بلغ الغاية في ذلك بقوله : { فإن توليتم } ~~أي بالإقبال على شيء من ذلك , وأشار بصيغة التفعل إلى أن ذلك إنما يعمل ~~بمعالجة من النفس للفطرة الأولى , وعظم الشأن في ابتداء الجزاء بالتنبيه ~~بالأمر بالعلم فقال : { فاعلموا } أنكم لم تضروا إلا أنفسكم , لأن الحجة قد ~~قامت عليكم , ولم يبق على الرسول شيء لأنكم علمتم { أنما على رسولنا } أي ~~البالغ في العظمة مقدارا يجل عن الوصف بإضافته إلينا { البلاغ المبين * } ~~أي البين في نفسه الموضح لكل من سمعه ما يراد منه لا غيره , فمن خالف ~~فلينظر ما يأتيه من البلاء من قبلنا , وهذا ناظر إلى قوله : ^ ( { بلغ ما ~~أنزل إليك من ربك } ) ^ [ المائدة : 67 ] فكأنه قيل : ما عليه إلا ما تقدم ~~من إلزامنا له به من البلاغ , فمن اختار لنفسه المخالفة كفر , و الله لا ~~يهدي من كان مختارا لنفسه الكفر . | < < # | المائدة : ( 93 - 94 ) ليس على الذين . . . . . # > > ^ ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ms1311 ما ~~اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب ~~المحسنين * يأيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ~~ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ) ^ } ~~) | PageV02P537 ولما كانوا قد سألوا عند نزول الآية عما من شأن الأنفس ~~الصالحة الناظرة للورع المتحرك للسؤال عنه , وهو من مات منهم وهو يفعلهما , ~~قال جوابا لذلك السؤال : { ليس على الذين آمنوا وعملوا } أي تصديقا ~~لإيمانهم { الصالحات جناح } فبين سبحانه أن هذا السؤال غير وارد لأنهم لم ~~يكونوا منعوا منهما , وكانوا مؤمنين عاملين للصالحات متقين لما يسخط الرب ~~من المحرمات , وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( حرمت الخمر ثلاث مرات : قدم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر , فسألوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك , فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه ~~وسلم < # > 77 ( { يسئلونك عن الخمر والميسر } ) 77 < # > [ البقرة : 219 ] , فقال الناس : لم يحرم علينا , إنما قال : إن فيهما ~~إثما , وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام صلى رجل من ~~المهاجرين المغرب فخلط في قراءته , فأنزل الله تعالى < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } ) 77 < # > [ النساء : 43 ] فكانوا يشربونها حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق , ~~فنزلت < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام } ) ~~77 < # > [ المائدة : 90 ] , فقالوا : انتهينا يا رب ! وقال الناس : يا رسول ~~الله ! ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم كانوا يشربون الخمر ~~ويأكلون الميسر وقد جعله الله رجسا من مل الشيطان ! فأنزل الله < # > 77 ( { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح } ) 77 < # > [ المائدة : 93 ] , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ) لو حرمت عليهم ~~لتركوها كما تركتم ( ولا يضر كونه من رواية أبي معشر وهو ضعيف لأنه موافق ~~لقواعد الدين , وروى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال : ) كنت ms1312 ساقي القوم ~~يوم حرمت الخمر في بيت أب يطلحة رضي الله عنه وما شرابهم إلا الفضيخ : ~~البسر والتمر , وإذا مناد ينادي : ألا ! إن الخمر قد حرمت , فقال لي أبو ~~طلحة رضي الله عنه : اخرج فاهرقها , فهرقتها , فقال بعض القوم : قد قتل ~~فلان وفلان وهي في بطونهم ؟ فأنزل الله تعالى { ليس على الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جناح } على أنه لو لم يرد هذا السبب كانت المناسبة حاصلة , وذلك ~~أنه تعالى لما أباح الطيب من المأكل وحرم الخبيث من المشرب , نفى الجناح ~~عمن يأكل ما أذن فيه أو يشرب عدا ما حرمه . | فأتى بعبارة تعم المأكل ~~والمشرب فقال : { فيما طعموا } أي مأكلا كان أو مشربا , وشرط ذلك عليهم ~~بالتقوى ليخرج المحرمات فقال : { إذا ما اتقوا } أي أوقعوا جميع التقوى ~~التي تطلب منهم فلم يطعموا محرما . | PageV02P538 ولما بدأ بالتقوى وهي خوف ~~الله الحامل على البعد عن المحرمات , ذكر أساسها الذي لا تقبل إلا به فقال ~~: { وآمنوا } ولما ذكر الإقرار باللسان , ذكر مصداقه فقال : { وعملوا } أي ~~بما أداهم إليه اجتهادهم بالعلم لا اتفاقا { الصالحات ثم اتقوا } أي ~~فاجتنبوا ما جدد عليهم تحريمه { وآمنوا } أي بأنه من عند الله , وأن الله ~~له أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء , وهكذا كلما تكرر تحريم شيء كانوا ~~يلابسونه . | ولما كان قد نفى الجناح أصلا ورأسا , شرط الإحسان فقال : { ثم ~~اتقوا وأحسنوا } أي لازموا التقوى إلى أن أوصلتهم إلى مقام المراقبة , وهي ~~الغنى عن رؤية غير الله , فأفهم ذلك أن من لم يبلغ رتبة الإحسان لا يمتنع ~~أن يكون عليه جناح مع التقوى والإيمان , يكفر عنه بالبلايا والمصائب حتى ~~ينال ما قدر له مما لم يبلغه عمله من درجات الجنان , ومما يدل على نفاسة ~~التقوى وعزتها أنه سبحانه لما شرطها في هذا العموم , حث عليها عند ذكر ~~المأكل بالخصوص - كما مضى فقال ( واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ) , وهذا ~~في غاية الحث على التورع في المأكل والمشرب وإشارة إلى أنه لا يوصل إلى ~~مقام الإحسان إلا به - والله ms1313 الموفق ؛ ولما كان التقدير : فإن الله يحب ~~المتقين المؤمنين , عطف عليه قوله : { والله } أي الذي له صفات الكمال { ~~يحب المحسنين } . | ولما ذكر ما حرم من الطعام في كل حال , وكان الصيد ممن ~~حرم في بعض الأوقات , وكان من أمثل مطعوماتهم , وكان قد ذكر لهم بعض أحكامه ~~عقب قوله : { أحلت لكم بهيمة الأنعام } { وأحل لكم الطيبات } أخذ هنا في ~~ذكر شيء من أحكامه , وابتدأها - لأنهم خافوا على من مات منهم على شرب الخمر ~~قبل تحريمها بأنه يبتليهم لتمييز الورع منهم من غيره - بالصيد في الحال ~~التي حرمه عليهم فيها كما ابتلى إسرائيل في السبت , فكان ذلك سببا لجعلهم ~~قردة , ومن سبحانه عل الصحابة من هذه الأمة بالعصمة عند بلواهم بيانا ~~لفضلهم على من سواهم , فقال تعالى مناديا لهم بما يكفهم ذكره عن المخالفة : ~~{ يا أيها الذين آمنوا } أي أوقعوا الإيمان ولو على أدنى وجوهه , فعم بذلك ~~العالي والداني { ليبلونكم الله } أي يعاملكم معاملة المختبر في قبولكم ~~تحريم الخمر وغيره المحيط بكل شيء قدرة وعلما , وذكر الاسم الأعظم إشارة ~~بالتذكير بما له من الجلال إلى أن له أن يفعل ما يشاء , وأشار إلى تحقير ~~البلوى تسكينا للنفوس بقوله : { بشيء من الصيد } أي الصيد في البر في ~~الإحرام , وهو ملتفت إلى قوله : < # > 77 ( { هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله } ) 77 < # > [ المائدة : 60 ] وشارح لما ذكر أول السورة في قوله { غير محلي الصيد ~~وأنتم حرم } , وما ذكر بعد المحرمات من قوله : < # > 77 ( { فكلوا مما أمسكن عليكم } ) 77 < # > [ المائدة : 4 ] , ووصف المبتلى به بوصف هو من أعلام النبوة فقال : { ~~تناله PageV02P539 أيديكم } أي إن أردتم أخذه سالما { ورماحكم } إن أردتم ~~قتله , ثم ذكر المراد من ذلك وهو إقامة الحجة على ما يتعارفه العباد بينهم ~~فقال : { ليعلم الله } أي وهو الغني عن ذلك بما له من صفات الكمال التي لا ~~خفاء بها عند أحد يعلم هذا الاسم الأعظم { من يخافه بالغيب } أي بما حجب به ~~من هذه الحياة النيا التي حجبتهم عن أن يعرفوه حق ms1314 معرفته سبحانه , والمعنى ~~أنه يخرج بالامتحان ما كان من أفعال العباد في عالم الغيب إلى عالم الشهادة ~~, فيصير تعلق العلم به تعلقا شهوديا كما كان تعلقا غيبيا لتقوم بذلك الحجة ~~على الفاعل في مجاري عاداتهم , ويزداد من له اطلاع على اللوح المحفوظ من ~~الملائكة إيمانا ويقينا وعرفانا , وقد حقق سبحانه معنى هذه الآية فابتلاهم ~~بذلك عام الحديبية حتى كان يغشاهم الصيد في رحالهم ويمكنهم أخذه بأيديهم . ~~| ولما كان هذا زاجرا في العادة عن التعرض لما وقعت البلوى به وحاسما للطمع ~~فيه بمن اتسم بما جعل محط النداء من الإيمان , سبب عنه قوله : { فمن اعتدى ~~} أي كلف نفسه مجاوزة الحد في التعرض له ؛ وملا كان سبحانه يقبل التوبة عن ~~عباده , خص الوعيد بمن استغرق الزمان بالاعتداء فأسقط الجار لذلك فقال : { ~~بعد ذلك } أي الزجر العظيم { فله عذاب أليم * } بما التذ من تعرضه إليه لما ~~عرف بالميل إلى هذا أنه إلى ما هو أشهى منه كالخمر وما معها أميل . | < < # | المائدة : ( 95 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم ~~متعمدا فجزآء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة ~~أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ~~ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام ) ^ } ) | ولما أخبرهم ~~بالابتلاء صرح لهم بما لوح إليه بذكر المخافة من تحريم التعرض لما ابتلاهم ~~به , فقال منوها بالوصف الناهي عن الاعتداء : { يا أيها الذين آمنوا } وذكر ~~القتل الذي هو أعم من الذبح إشارة إلى أن الصيد - لما عنده من النفرة ~~المانعة من التمكن من ذبحه - يحبس بأي وجه كان من أنواع القتل فقال : { لا ~~تقتلوا الصيد } أي لا تصطادوا ما يحل أكله من الوحش , وأما غير المأكول ~~فيحل قتله , فإنه لاحظ للنفس في قتله إلا الإراحة من أذاه المراد بالفسق في ~~قوله صلى الله عليه وسلم : ( خمس في الدواب فواسق , لا جناح على من قتلها ~~في حل ms1315 ولا حرم ) وذكر منهن السبع العادي , فدل الحكم برفع PageV02P540 ~~الجناح عقب الوصف بالفسق على أنه علة الإباحة , ولا معنى لفسقها إلا أذاها ~~{ وأنتم حرم } أي محرومون أو في الحرم . | ولما كان سبحانه عالما بأنه لا ~~بد أن يوافق موافق تبعا لأمره ويخالف مخالف موافقة لمراده , شرع لمن خالف ~~كفارة تخفيفا منه على هذه الأمة ورفعا لما كان على من كان من قبلها من ~~الآصار , فقال عاطفا على ما تقديره : فمن انتهى فله عند ربه أجر عظيم : { ~~ومن قتله منكم متعمدا } أي قاصدا للصيد ذاكرا للإحرام إن كان محرما , ~~والحرم إن كان فيه عالما بالتحريم . | ولما كان هذا الفعل العمد موجبا ~~للإثم والجزاء , ومتى اختل وصف منه كان خطأ موجبا للجزاء فقط , وكان يبحانه ~~قد عفا عن الصحابة رضي الله عنهم العمد الذي كان سببا لنزول الآية كما في ~~آخرها , لم يذكره واقتصر على ذكر الجزاء فقال : { فجزاء } أي فمكافأة { مثل ~~ما قتل } أي أقرب الأشياء به شبها في الصورة لا النوع , ووصف الجزاء بقوله ~~: { من النعم } لما قتله عليه , أي عليه أن يكافئ ما قتله بمثله , وهو من ~~إضافة المصدر إلى الفاعل , هذا على قراءة الجماعة بإضافة ( جزاء ) إلى ( ~~مثل ) , وأما على قراءة الكوفيين ويعقوب بتنوين ( جزاء ) ورفع ( مثل ) ~~فالأمر واضح . | ولما كان كأنه قيل : مبا تعرف المماثلة ؟ قال : { يحكم به ~~} أي بالجزاء ؛ ولما كانت وجوه المشابهة بين الصيد وبين النعم كثيرة , ~~احتاج ذلك إلى زيادة التأمل فقال : { ذوا عدل منكم } أي المسلمين , وعن ~~الشافعي أن الذي له مثل ضربان : ما حكمت فيه الصحابة , وما لم تحكم فيه , ~~فما حكمت فيه لا يعدل إلى غيره لأنه قد حكم به عدلان فدخل تحت الآية , وهم ~~أولى من غيرهم لأنهم شاهدوا التنزيل وحضروا التأويل ؛ وما لم يحكموا به ~~يرجع فيه إلى اجتهاد عدلين , فينظر إلى الأجناس الثلاثة من الأنعام , فكل ~~ما كان أقرب شبها به يوجبانه ؛ فإن كان القتل خطأ جاز أن يكون الفاعل أحد ~~الحكمين , وإن كان عمدا فلا , لأنه يفسق ms1316 به . | ولما كان هذا المثل يساق ~~إلى مكة المشرفة على وجه الإكرام والنسك رفقا بمساكينها , قال مبينا لحاله ~~من الضمير في ( به ) : { هديا } ولما كان الهدي هو ما تقدم تفسيره , صرح به ~~فقال : { بالغ الكعبة } أي الحرم المنسوب إليها , وإنما صرح بها زيادة في ~~التعظيم وإعلاما بأنها هي المقصودة بالذات بالزيارة والعمارة لقيام ما يأتي ~~ذكره , تذبح الهدي بمكة المشرفة ويتصدق به على مساكين الحرم , والإضافة ~~لفظية لأن الوصف بشبه ( يبلغ ) فلذا وصف بها النكرة . | PageV02P541 ولما ~~كان سبحانه رحيما بهذه الأمة , خيرها بين ذلك وبين ما بعد فقال : { أو } ~~عليه { كفارة } هي { طعام مساكين } في الحرم بمقدار قيمة الهدي , لكل مسكين ~~مد { أو عدل ذلك } أي قيمة المثل { صياما } في أي موضع تيسر له , عن كل مد ~~يوم , فأو للتخيير لأنه الأصل فيها , والقول بأنها للترتيب يحتاج إلى دليل ~~. | ولما كان الأمر مفروضا في المتعمد قال معلقا بالجزاء , أي فعليه أن ~~يجازي بما ينقص المال أو يؤلم الجسم { ليذوق وبال } أي ثقل { أمره } وسوء ~~عاقبته ليحترز عن مثل ما وقع فيه ؛ ولما كان هذا الجزاء محكوما به في دار ~~العمل التي لا يطلع أهلها بمجرد عقولهم فيها على غيب , ولا يعرفون عاقبة ~~أمر إلا تخرصا , طرد الحكم في غير المتعمد لئلا يدعي المتعمد أنه مخطئ , كل ~~ذلك حمى لحرمة الدين وصونا لحرمة الشرع وحفظا لجانبه ورعاية لشأنه , ولما ~~كان قد مضى منهم قبل نزولها من هذا النوع أشياء , كانوا كأنهم قالوا : فكيف ~~نصنع بما أسلفنا ؟ قال جوابا : { عما سلف } أي تعمده , أي لكم من ذلك , فمن ~~حفظ نفسه بعد هذا فاز { ومن عاد } إلى تعمد شيء من ذلك ولو قل ؛ ولما كان ~~المبتدأ متضمنا معنى الشرط , قرن الخبر بالفاء إعلاما بالسببية فقال : { ~~فينتقم الله } أي الذي له الأمر كله { منه } أي بسبب عوده بما يستحقه من ~~الانتقام . | ولما كان فاعل ذلك منتهكا لحرمة الإحرام والحرم , وكان ~~التقدير : فالله قادر عليه , عطف على ذلك ما اقتضاه المقام من الإتيان ~~بالاسم الأعظم ms1317 ووصف العزة فقال : { والله } أي الملك الأعلى الذي لا تداني ~~عظمته عظمة { عزيز } لا يغلب { ذو انتقام * } ممن خالف أمره . | < < # | المائدة : ( 96 - 97 ) أحل لكم صيد . . . . . # > > ^ ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد ~~البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون * جعل الله الكعبة البيت ~~الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم ) ^ } ) | ولما ~~كان هذا عاما في كل صيد , بين أنه خاص بصيد البر فقال : { أحل لكم صيد ~~البحر } أي اصطياده , أي الذي مبناه غالبا على الحاجة , والمراد به جميع ~~المياه من الأنهار والبرك وغيرها { وطعامه } أي مصيده طريا وقديدا ولو كان ~~طافيا قذفه البحر , وهو الحيتان بأنواعها وكل ما لا يعيش في البر , وما أكل ~~مثله في البر . | PageV02P542 ولما أحل ذلك ذكر علته فقال : { متاعا لكم } ~~أي إذا كنتم مسافرين أو مقيمين { وللسيارة } أي يتزودونه إلى حيث أرادوا من ~~البر أو البحر , وفي تحليل صيد البحر حال الابتلاء من النعمة على هذه الأمة ~~ما يبين فضلها على من كان قبلها ممن جعل صيد البحر له محنة يوم الابتلاء - ~~ولله الحمد , والظاهر أن المراد بصيد البحر الفعل , لأن ثم أمرين : ~~الاصطياد والأكل , والمراد بيان حكمهما , فكأنه أحل اصطياد حيوان البحر , ~~وأحل طعام البحر مطلقا ما اصطادوه وما لم يصطادوه , سواء كانوا مسافرين أو ~~مقيمين , وذلك لأنه لما قدم تحريم اصطياد ما في البر بقوله < # > 77 ( { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } ) 77 < # > [ المائدة : 95 ] أتبعه بيان إحلال اصطياد مصيد البحر في حال تحريم ذلك ~~, ثم أتبعه بيان حرمة مصيد البر بقوله : { وحرم عليكم صيد البر } أي ~~اصطياده وأكل ما صيد منه لكم وهو ما لا عيش له إلا فيه , وما يعيش فيه وفي ~~البحر , فإن صيد للحلال حل للمحرم أكله , فإنه غير منسوب إليه اصطياده ~~بالفعل ولا بالقوة { ما دمتم حرما } لأن مبنى أمره غالبا في الاصطياد ~~والأكل مما صيد ms1318 على الترف والرفاهية , وقد تقدم أيضا حرمة اصطياد مصيد البر ~~وحرمة الأكل مما صيد منه , وتكرر ذلك بتكرر الإحرام في آية < # > 77 ( { غير محلي الصيد } ) 77 < # > [ المائدة : 1 ] وآية < # > 77 ( { لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم } ) 77 < # > [ المائدة : 95 ] فلا يعارضه مفهوم < # > 77 ( { ما دمتم حرما } ) 77 < # > [ المائدة : 96 ] وعبر بذلك ليكون نصا في الحرمة في كل جزء من أجزاء ~~وقت الإحرام إلى تمام التحلل - والله أعلم , ولا يسقط الجزاء بالخطأ والجهل ~~كسائر محظورات الإحرام . | ولما كان الاصطياد بحشر المصيد إلى حيث يعجز عن ~~الخلاص منه , وكانت حالة الإحرام أشبه شيء بحالة الحشر في التجرد عن المخيط ~~والإعراض عن الدنيا وتمتعاتها , ختم الآية بقوله عطفا على ما تقديره : فلا ~~تأكلوا شيئا منه في حال إحرامكم : { واتقوا الله } أي الذي له الأمر كله في ~~ذلك وفي غيره من الاصطياد وغيره { الذي إليه تحشرون * } ليكون العرض عليه ~~نصب أعينكم فتكونوا مواظبين على طاعته محترزين عن معصيته . | ولما كان ~~الإحرام وتحريم الصيد فيه إنما هو لقصد تعظيم الكعبة , بين تعالى حكمة ذلك ~~وأنه كما جعل الحرم والإحرام سببا لأمن الوحش والطير جعله سببا لأمن الناس ~~وسببا لحصول السعادة دنيا وأخرى , فقال مستأنفا بيانا لحمة المنع في أول ~~السورة من استحلال من يقصدها للزيارة : { جعل الله } أي بما له من العظمة ~~وكمال الحكمة ونفوذ الكلمة { الكعبة } وعبر عنها بذلك لأنها مأخوذة من ~~الكعب الذي به قيام الإنسان وقوامه , وبينها مادحا بقوله : { البيت الحرام ~~} أي الممنوع من كل جبار دائما PageV02P543 الذي تقدم في أول السورة أني ~~منعتكم من استحلال من يؤمه { قياما للناس } أي في أمر معاشهم ومعادهم لأنها ~~لهم كالعماد الذي يقوم به البيت , فيأمن به الخائف ويقوى فيه الضعيف ويقصده ~~التجار والحجاج والعمار فهو عماد الدين والدنيا . | ولما ذكر ما به القوام ~~من المكان , أتبعه ذلك من الزمان فقال : { والشهر الحرام } أي الذي يفعل ~~فيه الحج وغيره يأمن فيه الخائف . | ولما ذكر ما به القوام من المكان ~~والزمان , أتبعه ما به قوام الفقراء من ms1319 شعائره فقال : { والهدي } ثم أتبعه ~~أعزه وأخصه فقال : { والقلائد } أي والهدي العزيز الذي يقلد فيذبح ويقسم ~~على الفقراء , وفي الآية التفات إلى ما في أول السورة من قوله < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام } ) ~~77 < # > [ المائدة : 2 ] - فقوانينها أن من قصدها في شهر الحرام لم يتعرض له ~~أحد ولو كان قتل ابنه , ومن قصدها في غيره ومعه هدي قلده أو لم يقلده أو لم ~~يكن معه هدي وقلد نفسه من لحاء شجر الحرم لم يعرض له أحد حتى أن بعضهم يلقي ~~الهدي وهو مضطر فلا يعرض له ولو مات جوعا , وسواء في ذلك صاحبه وغيره لأن ~~الله تعالى أوقع في قلوبهم تعظيمها , لأنه تعالى جبل العرب على الشجاعة ~~ليفتح بهم البلاد شرقا وغربا ليظهرعموم رسالة نبيهم صلى الله عليه وسلم , ~~فلزم من ذلك شدة حرصهم على القتل والغارات , وعلم أن ذلك إن دام بهم شغلهم ~~عن تحصيل ما يحتاجون إليه لعيشهم , فأدى إلى فنائهم , فجعل بيته المكرم وما ~~كان من أسبابه أمانا يكون به قوام معاشهم ومعايشهم , فكان ذلك برهانا ظاهرا ~~على أن الإله عالم بجميع المعلومات وأن له الحكمة البالغة . | ولما أخبر ~~بعلة التعظيم لما أمر بتعظيمه من نظم أمور الناس , ذكر علة ذلك الجعل فقال ~~: { ذلك } أي الجعل العظيم الذي تم أمره على ما أراد جاعله سبحانه { ~~لتعلموا } أي بهذا التدبير المحكم { أن الله } أي الذي له الكمال كله الذي ~~جعل ذلك { يعلم ما في السماوات } فلذلك رتبها ترتيبا فصلت به الأيام ~~والليالي , فكانت من ذلك الشهور والأعوام , وفصل من ذلك ما فصل للقيام ~~المذكور { وما في الأرض } فلذلك جعل فيها ما قامت به مصالح الناس وكف فيه ~~أشدهم وأفتكهم عن أضعفهم وآمن فيه الطير والوحش , فيؤدي ذلك من له عقل رصين ~~وفكر متين إلى أن يعلم أن فاعل ذلك من العظمة ونفوذ الكلمة بحيث يستحق ~~الإخلاص في العبادة وأن يمتثل أمره في إحلال ما أحل من الطعام وتحريم ما ~~حرم من ms1320 الشراب وغير ذلك . | PageV02P544 ولما ذكر هذا العلم العظيم , ذكر ~~ما هو أعم منه فقال : { وأن } أي ولتعلموا أن { الله } أي المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما الذي فعل ذلك فتم له { بكل شيء عليم * } وإلا لما أثبت جميع ~~مقتضيات ذلك ونفى جميع موانعه حتى كان , ولقد اتخذ العرب - كما في السيرة ~~الهشامية وغيرها - طواغيت , وهي بيوت جعل لها سدنة وحجابا وهدايا أكثروا ~~منها , وعظمت كل قبيلة ما عندها أشد تعظيم وطافوا به فلم يبلغ شيء منها ما ~~بلغ أمر الكعبة المشرفة ولا قارب , ليحصل العلم بأنه سبحانه لا شيء مثله ~~ولا شريك له . | < < # | المائدة : ( 98 - 101 ) اعلموا أن الله . . . . . # > > ^ ( اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم * ما على الرسول ~~إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون * قل لا يستوي الخبيث والطيب ~~ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يأولي الألباب لعلكم تفلحون * يأيها ~~الذين آمنوا لا تسألوا عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل ~~القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم ) ^ } ) | ولما أنتج هذا كله ~~أنه على كل شيء قدير لأنه بكل شيء عليم , وكانت هذه الآية - كما تقدم - ~~ناظرة إلى أول السورة من آية ^ ( { لا تحلوا شعائر الله } ) ^ [ المائدة : ~~2 ] وما بعدها أتم نظر , ذكر سبحانه ما اكتنف آية ^ ( { حرمت عليكم الميتة ~~} ) ^ [ المائدة : 3 ] من الوعيد الذي ختم به ما قبلها والوعد الذي ختمت هي ~~به في هذه الآية على ترتيبه , سائقا له مساق النتيجة والثمرة لما قبله , ~~بيانا لأن من ارتكب شيئا من هذه المنهيات كان حظه , فقال محذرا ومبشرا لأن ~~الإيمان لا يتم إلا بهما : { اعلموا أن الله } أي الذي له المعظمة كلها ~~الذي نهاه عنها { شديد العقاب } فليكن عباده على حذر منه , وأن من أوقعه في ~~شيء منها القدر , ثم فتح له التوفيق باب الحذر , فكفر فيما فيه كفارة وتاب ~~, كان مخاطبا بقوله : { وأن } أي واعلموا أن { الله } أي الذي له الجلال ~~والإكرام مع كونه شديد العقاب { غفور رحيم ms1321 * } يقبل عليه ويمحو زلله ويكرمه ~~, فكان اكتناف أسباب الرجاء سابقا للإنذار ولاحقا معلما بأن رحمته سبقت ~~غضبه وأن العقاب إنما هو لإتمام رحمته , قال ابن الزبير : ثم قال ^ ( { جعل ~~الله الكعبة } ) ^ [ المائدة : 97 ] - فنبه على سوء العاقبة في منع البحث ~~على التعليل وطلب الوقوف على ما لعله مما استأثر الله بعلمه , ومن هذا ~~الباب أتى على بني إسرائيل في أمر البقرة وغير ذلك ؛ وجعف هذا التنبيه ~~إيماء , ثم أعقبه بما يفسره ^ ( { يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء ~~} ) ^ [ المائدة : 101 ] - ووعظهم PageV02P545 بحال غيرهم في هذا , وأنهم ~~سألوا فأعطوا ثم امتحنوا , وقد كان التسليم أولى لهم , فقال تعالى < # > 77 ( { قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين } ) 77 < # > [ المائدة : 102 ] ثم عرف عباده أنهم إذا استقاموا فلن يضرهم خذلان ~~غيرهم < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } ) 77 < # > [ المائدة : 105 ] - انتهى . | ولما رغب سبحانه ووهب , علم أنه المجازى ~~وحده , فأنتج ذلك أنه ليس غلى غيره إلا ما كلفه به , فأنتج ذلك ولا بد قوله ~~: { ما على الرسول } أي الذي من شأنه الإبلاغ { إلا البلاغ } أي بأنه يحل ~~لكم الطعام وغيره ويحرم عليكم الخمر وغيرها , وليس عليه أن يعلم ما تضمرون ~~وما تظهرون ليحاسبكم عليه { والله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { يعلم ~~ما تبدون } أي تجددون إبداءه على الاستقرار { وما تكتمون * } من إيمان وكفر ~~وعصيان وطاعة وتعمد لقتل الصيد وغيره ومحبة للخمر وغيرها وتعمق في الدين ~~بتحريم الحلال من الطعام والشراب وغيره إفراطا وتفريطا , لأنه الذي خلقكم ~~وقدر ذلك فيكم في أوقاته , فيجازيكم على ما في نفس الأمر , من عصي أخذه ~~بشديد العقاب , ومن أطاعه منحه حسن الثواب , وأما الرسول صلى الله عليه ~~وسلم فلا يحكم إلا بما يعلمه مما تبدونه ما لم أكشف له الباطن وآمره فيه ~~بأمري , وهذه أيضا ناظرة إلى قوله تعالى < # > 77 ( { بلغ ما أنزل إليك من ربك } ) 77 < # > [ المائدة : 67 ] . | ولما سلب سبحانه العلم عن كل أحد وأثبته لنفسه ~~الشريفة , أنتج ذلك أنه لا ms1322 أمر لغيره ولا نهي ولا إثبات ولا نفي , فأخذ ~~سبحانه يبين حكمة ما مضى من الأوامر في إحلال الطعام وغيره من الاصطياد ~~والأكل من الصيد وغيره والزواجر عن الخمر وغيرها بأن الأشياء منها طيب ~~وخبيث , وأن الطيب وإن قل خير من الخبيث وإن كثر , ولا يميز هذا من ذاك إلا ~~الخلاق العليم , فربما ارتكب الإنسان طريقة شرعها لنفسه ظانا أنها حسنة ~~فجرته إلى السيئة وهو لا يشعر فيهلك , كالرهبانية التي كانوا عزموا علهيا ~~والخمر التي دعا شغفهم بها إلى الإنزال فيها مرة بعد أخرى إلى أن أكد فيها ~~هنا أشد تأكيد , وحذر فيها أبلغ تحذير , فقال تعالى صارفا الخطاب إلى أشرف ~~الورى صلى الله عليه وسلم إشارة إلى أنه لا ينهض بمعرفة هذا من الخلق غيره ~~: { قل لا يستوي الخبيث } أي من المطعومات والطاعمين { والطيب } أي كذلك , ~~فإن ما يتوهمونه في الكثرة من الفضل لا يوازي النقصان من جهة الخبيث . | ~~ولما كان الخبيث من الذوات والمعاني أكثر في الظاهر وأيسر قال : { ولو ~~أعجبك كثرة الخبيث } والخبيث والطيب منه جسماني ومنه روحاني , وأخبثهما ~~الروحاني وأخبثه PageV02P546 الشرك , وأطيب الطيب الروحاني وأطيبه معرفة ~~الله وطاعته , وما يكون للجسم من طيب أو خبث ظاهر لكل أحد , فما خالطه ~~نجاسة صار مستقذرا لأرباب الطباع السليمة , وما خالط الأرواح من الجهل صار ~~مستقذرا عند الأرواح الكاملة المقدسة , وما خالطه من الأرواح معرفة الله ~~فواظب على خدمته أشرق بأنوار المعارف الإلهية وابتهج بالقرب من الأرواح ~~المقدسة الطاهرة , وكما أن الخبيث والطيب لا يستويان في العالم الروحاني ~~كذلك لا يستويان في العالم الجسماني , والتفاوت بينهما في العالم الروحاني ~~أشد , لأن مضرة خبث الجسماني قليلة , ومنفعة طيبه يسيرة , وأما خبث ~~الروحاني فمضرته عظيمة دائمة , وطيب الروحاني منفعته جليلة دائمة , وهي ~~القرب من الله والانخرا في زمرة السعداء , وأدل دليل على إرادة العصاة ~~والمطيعين قوله : { فاتقوا الله } أي اجعلوا بينكم وبين ما يسخط الملك ~~الأعظم الذي له صفات المال من الحرام وقاية من الحلال لتكونوا من قسم الطيب ~~, فإنه لا ms1323 مقرب إلى الله مثل الانتهاء عما حرم - كما تقدم الإشارة بقوله : ~~< # > 77 ( { ثم اتقوا وأحسنوا } ) 77 < # > [ المائدة : 93 ] ويزيد المعنى وضوحا قوله { يا أولي الألباب } أي ~~العقول الخالصة من شوائب النفس فتؤثروا الطيب وإن قل في الحبس لكثرته في ~~المعنى على الخبيث وإن كثر في الحس لنقصه في المعنى { لعلكم تفلحون * } أي ~~لتكونوا على رجاء من أن تفوزوا بجميع المطالب , وحينئذ ظهر كالشمس مناسبة ~~تعقيبها بقوله على طريق الاستئناف والاستنتاج : { يا أيها الذين آمنوا } أي ~~أعطوا من أنفسهم العهد على الإيمان الذي معناه قبول جميع ما جاء به من وقع ~~به الإيمان { لا تسئلوا عن أشياء } وذلك لأنهم إذا كانوا على خطر فيما ~~يسرعون وفيما به ينتفعون من المآكل والمشارب وغيرها من الأقوال والأفعال ~~فهم مثله فيما عنه يسألون سواء سألوا شرعه أو لا , لأنه ربما أجابهم من لا ~~يضره شيء إلى ما فيه ضررهم مما سألوه , فإنهم لا يحسنون التفرقة بين الخبيث ~~والطيب كما فعل بأهل السبت حيث أبوا الجمعة وسألوه , فاشتد اعتناقها حينئذ ~~بقوله : < # > 77 ( { إن الله يحكم ما يريد } ) 77 < # > [ المائدة : 1 ] وبقوله : < # > 77 ( { ما على الرسول إلا البلاغ } ) 77 < # > [ المائدة : 99 ] فكان كأنه قيل : فما بلغكم إياه فخذوه بقبول وحسن ~~انقياد , وما لا فلا تسألوا عنه , وسبب نزولها - كما في الصحيحين عن أنس ~~رضي الله عنه ( أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة , ~~فغضب فصعد المنبر فقال : ) لا تسألوني اليوم عن شيء إلا بينته لكم ( - وشرح ~~يكرر ذلك , وإذ جاء رجل كان إذا لاحى الرجال يدعى لغير أبيه فقال : يا رسول ~~الله ! من أبي ؟ قال : أبوك حذافة , ثم أنشأ عمر رضي الله عنه فقال : رضينا ~~بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا , نعوذ بالله من سوء الفتن . | وفي ~~آخره : فنزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ~~PageV02P547 تسؤكم } ( وللبخاري في التفسير عن أنس أيضا قال : ) خطب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط , قال : ( لو تعلمون ms1324 ما ~~أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ) , فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وجوههم , لهم حنين , فقال رجل : من أبي ؟ قال : فلان , فنزلت { لا ~~تسئلوا عن أشياء } الآية . | وللبخاري أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ~~: ( كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء فيقول الرجل : من ~~أبي ؟ ويقول الرجل تضل ناقته : أين ناقتي ؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية : { ~~يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء } حتى فرغ من الآية كلها ) ولابن ~~ماجه مختصرا وللحافظ أبي القاسم بن عساكر في الموافقات فيما أفاده المحب ~~الطبري في مناقب العشرة وأبي يعلى في مسنده مطولا عن أنس رضي الله عنه قال ~~: ( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان ونحن نرى أن معه ~~جبرئيل عليه السلام حتى صعد المنبر - وفي رواية : فخطب الناس - فقال : ) ~~سلوني ! فوالله لا تسألوني عن شيء اليوم إلا أخبرتكم ( وفي رواية : ) ~~أنبأتكم به ( - فما رأيت يوما كان أكثر باكيا منه , فقال رجل : يا رسول ~~الله - وفي رواية : فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله - إنا كنا حديث عهد ~~بجاهلية , من أبي ؟ قال : ) ابوك حذافة ( - لأبيه الذي كان يدعى له - وفي ~~رواية : ) أبوك حذافة الذي تدعى له ( - فقام إليه آخر فقال : يا رسول الله ~~أفي الجنة أنا أم في النار ؟ فقال : ) في النار ( , فقام إليه آخر فقال : ~~يا رسول الله ! أعلينا الحج كل عام ؟ - وفي رواية : في كل عام - فقال : ) ~~لو قلت : نعم , لوجبت , ولو وجبت لم تقوموا بها , ولو لم تقوموا بها عذبتم ~~( , فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا ~~وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا - وفي رواية : رسولا - لا تفضحنا بسرائرنا ~~- وفي رواية : فقام إليه عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فقال : يا رسول الله ~~! إنا كنا حديث عهد بجاهلية فلا تبد علينا سرائرنا , أتفضحنا بسرائرنا - ~~اعف عنا عفا الله عنك , فسرى عنه , ثم التفت إلى الحائط فذكر بمثل الجنة ~~والنار ) وللإمام أحمد ومسلم والنسائي ms1325 والدارقطني والطبري عن أبي ~~PageV02P548 هريرة رضي الله عنه قال : خطب - وفي رواية : خطبنا - رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال : ( يا أيها الناس ! إن الله قد فرض عليكم الحج ~~حجوا ) , فقال رجل - وفي رواية النسائي : فقال الأقرع بن حابس التميمي - : ~~أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا , فقال : من السائل ؟ فقال : ~~فلان , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ! لو قلت : ~~نعم , لوجبت , ثم إذا لا تسمعون ولا تطيعون , ولكن حجة واحدة ) - وفي رواية ~~الدارقطني والطبري : ( ولو وجبت ما أطقتموها , ولو لم تطيقوها ) - وفي ~~رواية الطبري : ( ولو تركتموه - لكفرتم ) , فأنزل الله تعالى { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } ثم قال : ( ذروني ما ~~تركتكم , فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم , ~~فإذا أمرتكم بشيء فآتوا منه ما استطعتم , وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ) - وفي ~~رواية : ( فاجتنبوه ) وهذا الحديث له ألفاظ كثيرة من طرق شتى استوفيتها في ~~كتابي ( الاطلاع على حجة الوداع ) ولا تعارض بين هذه الأخبار ولو تعذر ردها ~~إلى شيء واحد لما تقدم عند قوله تعالى : { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ~~} من أن الأمر الواحد قد تعدد أسبابه , بل وكل ما ذكر من أسباب تلك وما ~~أشبهه كقوله تعالى : { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال } [ النساء : 77 ] - الآية , ~~يصلح أن يكون سببا لهذه , وروى الدارقطني في آخر الرضاع من سننه عن أبي ~~ثعلبة الخشني وفي آخر الصيد عن أبي الدرداء رضي الله عنهما أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها , وحرم ~~حرمات فلا تنتهكوها , وحد حدودا فلا تعتدوها , وسكت عن أشياء من غي رنسيان ~~فلا تبحثوا عنها ) وقال أبو الدرداء : ( فلا تكلفوها , رحمة من ربكم ~~فاقبلوها ) وأخرج حديث أبي الدرداء أيضا الطبراني . | PageV02P549 ولما كان ~~الإنسان قاصرا عن علم ما غاب , فكان زجره عن الكشف عما يسوءه ms1326 زجرا له عن كل ~~ما يتوقع أن يسوءه , قال تعالى : { إن تبد } أي تظهر { لكم } بإظهار عالم ~~الغيب لها { تسؤكم } ولما كان رمبا وقع في وهم متعنت أن هذا الزجر إنما هو ~~لقصد راحة المسؤول عن السؤال خوفا من عواقبه - قال : { وإن تسئلوا عنها } ~~أي تلك الأشياء التي تتوقع مساءتكم عند إبدائها { حين ينزل القرآن } أي ~~والملك حاضر { تبد لكم } ولما كان ربما قال : فما له لا يبديها سئل عنها أم ~~لا ؟ قال : { عفا الله } بما له من الغنى المطلق والعظمة الباهرة وجميع ~~صفات الكمال { عنها } أي سترها فلم يبدها لكم رحمة منه لكم وإراحة عما ~~يسوءكم ويثقل عليكم في دين أو دنيا ؛ ولما كانت صفاته سبحانه أزلية , لا ~~تتوقف لواحدة منها على غيرها , وضع الظاهر موضع المضمر لئلا يختص بما قبله ~~فقال نادبا من وقع منه ذنب إلى التوبة : { والله } أي الذي له مع صفة ~~الكمال صفة الإكرام { غفور } أزلا وأبدا يمحو الزلات عينا وأثرا ويعقبها ~~بالإكرام على عادة الحكماء { حليم * } أي لا يعجل على العاصي بالعقوبة . | ~~< < # | المائدة : ( 102 - 105 ) قد سألها قوم . . . . . # > > ^ ( قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين * ما جعل الله من ~~بحيرة ولا سآئبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ~~وأكثرهم لا يعقلون * وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى الرسول ~~قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنآ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا ~~يهتدون * يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى ~~الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون ) ^ } ) | ولما نهى عن السؤال ~~عنها ليتعرف حالها , علل ذلك بأن غيرهم عرف أشياء وطلب أن يعطاها , إما بأن ~~سأل غيره ذلك , وإما بأن شرعها وسأل غيره أن يوافقه عليها وهو قاطع بأنها ~~غاية في الحسن فكانت سبب شقائه فقال : { قد سألها } يعني أمثالها , ولم يقل ~~: سأل عنها , إشارة إلى ما أبدته { قوم } أي أولو عزم وبأس وقيام في الأمور ~~. | ولما كان وجود القوم ms1327 فضلا عن سؤالهم لم يستغرق زمان القبل , أدخل الجار ~~فقال : { من قبلكم } ولما كان الشيء إذا جاء عن مسألة جديرا بالقبول لا ~~سيما إذا كان من ملك فكيف إذا كان من ملك الملوك . | فكان رده في غاية ~~البعد , عبر عن استبعاده بأداة العبد في قوله : { ثم أصبحوا بها } أي عقب ~~إتيانهم إياها سواء من غير مهلة { كافرين * } أي ثابتين في الكفر , هذا زجر ~~بليغ لأن يعودوا لمثل ما أرادوا من تحريم ما أحل لهم ميلا إلى الرهبانية ~~والتعمق في الدين المنهي عنه بقوله : ^ ( { لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم } ) ^ [ المائدة : 87 ] . | PageV02P550 ولما فرغ من زجرهم عن أن ~~يشرعوا لأنفسهم أو يسألوه عن أن يشرع لهم وأن يسألوا من رحمهم بابتدائهم ~~بهذا الشرع عن شيء من الأشياء اعتمادا على أنه ما ابتدأ بذلك إلا وهو غير ~~مخف عنهم شيئا ينفعهم ولا مبد لهم شيئا يضرهم لأنه بكل شيء عليم - كما تقدم ~~التنبيه على ذلك , قال معللا بختام الآية التي قبلها : { ما جعل الله } أي ~~الذي له صفات الكمال فلا يشرع شيئا إلا وهو على غاية الحكمة , وأغرق في ~~النفي بقوله : { من بحيرة } وأكد النفي بإعادة النافي فقال : { ولا سائبة ~~ولا وصيلة ولا حام } دالا بذلك على أن الإنسان قد يقع في شرعه لنفسه على ~~الخبيث دون الطيب , وذلك لأن الكفار شرعوا لأنفسهم هذا وظنوا أنه من محاسن ~~الأعمال , فإذا هو مما لا يعبأ الله به بل ومما يعذب عليه , لكونه أوقعهم ~~فيما كانوا معترفين بأنه أقبح القبائح وهو الكذب , بل في أقبح أنواعه وهو ~~الكذب على ملك الملوك , ثم صار لهم دينا , وصاروا أرسخ الناس فيه وهو عين ~~الكفر , وهم معترفون بأنه ما شرعه إلا عمرو بن لحي وهو أول من غير دين ~~إبراهيم - كما رواه الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما ( أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ) إن عمرا أول من غير دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر ~~البحيرة وسيب السوائب ووصل الوصيلة وحمى الحامي ( ) ورواه عبد بن ms1328 حميد في ~~مسنده عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه وفي آخره : ( وكان عمرو بن لحي أول ~~من حمل العرب على عبادة الأصنام ) ( ورواه البخاري في المناقب من صحيحه ~~ومسلم في صفة النار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ) قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ( رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار , وكان ~~أول من سيب السوائب ) ( قال ابن هشام في السيرة : والبحيرة عندهم الناقة ~~تشق أذنها فلا يركب ظهرها ولا يجز وبرها ولا يشرب لبنها إلا ضيف أو يتصدق ~~به PageV02P551 وتهمل لآلهتهم . | وروى البخاري في المناقب ومسلم في صفة ~~النار عن سعيد بن المسيب قال : البحيرة التي يمنع درها للطواغيت ولا يحلبها ~~أحد من الناس , والسائبة التي كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء . ~~| وكذا رواه البخاري أيضا في التفسير وقال : والوصيلة الناقة البكر تبكر في ~~أول نتاج الإبل ثم تثنى بعد بأنثى . | وكانوا ييسبونها لطواغيتهم إن وصلت ~~إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر وقال البرهان السفاقسي في إعرابه : قال أبو ~~عبيد : وهي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن , في الآخر . | ذكر , شقوا أذنها ~~وخلو سبيلها لا تركب ولا تحلب - وقيل غير ذلك , وقال أبو حيان في النهر : ~~قال ابن عباس : السائبة هي التي تسيب للأصنام أي تعتق , وكان الرجل يسيب من ~~ماله شيئا فيجيء به إلى السدنة وهم خدم آلهتهم فيطعمون من لبنها للسبيل , ~~والوصيلة قال ابن عباس - إنها الشاة تنتج سبعة أبطن , فإن كان السابع أنثى ~~لم تنتفع النساء منها بشيء إلا أن تموت فيأكلها الرجال والنساء , وإن كان ~~ذكرا ذبحوه وأكلوه جميعا , وإن كان ذكرا وأنثى قالوا : وصلت أخاها , فتترك ~~مع أخيها فلا تذبح , ومنافعها للرجال دون النساء , فإذا ماتت اشترك الرجال ~~والنساء فيها . | وقال ابن هشام : والحامي الفحل إذا نتج له عشر إناث ~~متتابعات ليس بينهن ذكر , حمى ظهره فلم يركب ظهره ولم يجز وبره وخلى في ~~إبله يضرب فيها لا ينتفع منه بغير ذلك . | وقال السفاقسي : قال ابن مسعود ~~وابن عباس ms1329 رضي الله عنهم - واختاره أبو عبيدة و الزجاج - : هو الفحل ينتج ~~من صلبه عشرة أبطن فيقولون : قد حمى ظهره , فيسيبونه لأصنامهم فلا يحمل ~~عليه شيء ولما كانوا قد حرموا هذه الأشياء , وكان التحريم والتحليل من خواص ~~الإله , وكان لا إله إلا الله , كان حكمهم عليها بالحرمة نسبة لذلك إلى ~~الله سبحانه كذبا , فقال تعالى بعد أن نفى أن يكون جعل شيئا من ذلك : { ~~ولكن الذين كفروا } أي ستروا ما دل عليه عقلهم من أن الله ما جعل هذا , ~~لأنهم لا وصول لهم إليه سبحانه وعز شأنه , فلذلك قال : { يفترون } } أي ~~يتعمدون بجعل هذه الأشياء من تحريم وتحليل { على الله } أي الملك الأعلى { ~~الكذب } فيحرمون ما لم يحرمه ويحللون ما لم يحلله { وأكثرهم } أي هؤلاء ~~الذين جعلوا هذه الأشياء { لا يعقلون * } أي لا يتجدد لهم عقل , وهم الذين ~~ماتوا على كفرهم . | ثم لما حرموا هذه الأشياء اضطروا إلى تحليل الميتة ~~فحرموا الطيب وأحلوا الخبيث . | ولما اتخذوه دينا واعتقدوه شرعا ومضى عليه ~~أسلافهم , دعتهم الحظوظ والأنفة من نسبة آبائهم إلى الضلال والشهادة عليهم ~~بالسفه إلى الإصرار عليه PageV02P552 وعدم الرجوع عنه بعد انكشاف قباحته ~~وبيان شناعته حتى أفنى أكثرهم السيف ووطأتهم الدواهي , فوطأت أكتافهم وذللت ~~أعناقهم وأكنافهم , فقال تعالى دالا على ختام الآية التي قبله من عدم عقلهم ~~: { وإذا قيل لهم } أي من أي قائل كان ولو أنه ربهم , بما ثبت من كلامهم ~~بالعجز عنه أنه كلامه { تعالوا } أي ارفعوا أنفسكم عن هذا الحضيض السافل { ~~إلى ما أنزل الله } أي الذي لا أعظم منه , وقد ثبت أنه أنزله بعجزكم عنه { ~~وإلى الرسول } أي الذي من شأنه لكونه سبحانه أرسله أن يبلغكم ما يحبه لكم ~~ويرضاه { قالوا حسبنا } أي يكفينا { ما وجدنا عليه آباءنا } . | ولما كانوا ~~عالمين بأنه ليس في آبائهم عالم , وأنه من تأمل أدنى تأمل عرف أن الجاهل لا ~~يهتدي إلى شيء , قال منكرا عليهم موبخا لهم : { أولو } أي يكفيهم ذلك إذا ~~قالوا ذلك ولو { كان آباؤهم لا يعلمون شيئا } أي من ms1330 الأشياء حق علمه لكونهم ~~لم يأخذوه عن الله بطريق من الطرق الواصلة إليه , ولما كان من لا يعلم قد ~~يشعر بجهله فيتعلم فيهتدي فيصير أهلا للاقتداء به , وقد لا يشعر لكونه جهله ~~مركبا فلا يجوز الاقتداء به , بين أنهم من أهل هذا القسم فقال : { ولا ~~يهتدون * } أي لا يطلبون الهداية فلا توجد هدايتهم إلى صواب , لأن من لا ~~يعلم لا صواب له , لأنه ليس للهدى آلة سوى العلم , وأدل دليل على عدم ~~هدايتهم أنهم ضيعوا الطيب من أموالهم فاضطرهم ذلك إلى أكل الخبيث من الميتة ~~, وأغضبوا بذلك خالقهم فدخلوا النار , فلا أقبح مما يختاره لنفسه المطبوع ~~على الكدر , ولا أحسن مما يشرعه له رب البشر , وهذه الآية ناظرة إلى قوله ~~تعالى في سورة النساء { إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا ~~مريدا } إلى قوله : < # > 77 ( { ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام } ) 77 < # > [ النساء : 117 , 118 ] فالتفت حينئذ إلى قوله : { رجس من عمل الشيطان ~~} أي التفات . | ولما كان المانع لهم من قبول الهدى كون ذلك تسفيها لآبائهم ~~, فيعود ضررا عليهم يسبون به على زعمهم , أعلم الله المؤمنين أن مخالفة ~~الغير في قبول الهدى لا تضرهم أصلا , بأن عقب آية الإنكار عليهم في التقيد ~~بآبائهم لمتابعتهم لهم في الكفر بقوله : { يا ايها الذين آمنوا } أي عاهدوا ~~ربهم ورسوله على الإيمان { عليكم أنفسكم } أي الزموا هدايتها وإصلاحها ؛ ~~ولما كان كأنه قيل : إنا ننسب بآبائنا , وننسب إليهم , فربما ضرتنا نسبتنا ~~إليهم عند الله كما جوز أكثم بن الجون الخزاعي أن يضره شبه عمرو ابن لحي به ~~حتى سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : ( لا , إنك مؤمن وهو كافر ~~) - كما في أوائل السيرة الهشامية عن أبي هريرة رضي الله عنه , وكان ذلك ~~ربما وقف بأحد منهم عن الإسلام قال : { لا يضركم من ضل } أي من المخالفين ~~بكفر أو غيره بنسبتكم إليه PageV02P553 ولا بقول الكفار : إنكم سفهتم ~~آراءكم , ولا بغير ذلك من وجوه الضرر , وحقق هدايتهم بشارة لهم بأداة ~~التحقيق فقال مفهما ms1331 لوجود الضرر عند فقد الهداية : { إذا اهتديتم } أي ~~بالإقبال على ما أنزل الله وعلى الرسول حتى تصيروا علماء وتعملوا بعلمكم ~~فتخالفوا من ضل , فإن كان موجودا فبالاجتهاد في أمره بالمعروف ونهيه عن ~~المنكر بحسب الطاقة , فإن لم يستطع رده انتظر به يوم الجمع الأكبر والهول ~~الأعظم , وإن كان مفقودا فبمخالفته في ذلك الضلال وإن كان أقرب الأقرباء ~~وأولى الأحباء , وإلا كان الباقي اسفه من الماضي , وقد كان لعمري احدهم لا ~~يتبع أباه إذا كان سفيها في أمر دنياه عاجزا عن تحصيلها ولا يتحاشى عن ~~مخالفته في طريقته بل يعد الكدح في تحصيلها والتعمق في اقتناصها وحسن السعي ~~في تثميرها ولطف الحيلة في توسيعها من معالي الأخلاق وإصالة الرأي وجودة ~~النظر على أن ذلك ظل زائل وعرض تافه , فكيف لا يخالفه فيما به سعادته ~~الأبدية وحياته الباقية ويأخذ بالحزم في ذلك ويشمر ذيله في أمره ويسهر ليله ~~في إعمال الفكر وترتيب النظر فيما أمره الله بالنظر فيه حتى يظهر له الحق ~~فيتبعه , وينهتك لديه الباطل فيجتنبه , ما ذاك إلا لمجرد الهوى , وقد كان ~~الحزم العمل بالحكمة التي كشفها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فيما رواه ~~أحمد والترمذي وابن ماجه عن شداد بن أوس رضي الله عنه ( الكيس من دان نفسه ~~وعمل لما بعد الموت , والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) ~~وروى مسلم والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن ~~الضعيف , وفي كل خير أحرص على ما ينفعك , واستعن بالله ولا تعجز , وإن ~~أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كان كذا وكذا - وقال ابن ماجه : ولا تقل : ~~لو أني فعلت كذا وكذا - فإن ) لو ( تفتح عمل الشيطان ) , وفي بعض طرق ~~الحديث : ( ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ) يعني : PageV02P554 والله ! ~~اعمل عمل الحزمة فأوسع النظر حتى لا تترك أمرا يحتمل أن ينفعك ولا يضرك غلا ~~أخذت به , ولا تدع ms1332 أمرا يحتمل أن يضرك ولا ينفعك إلا تجتنبه , فإنك إن فعلت ~~ذلك وغلبك القضاء والقدر لم نجد في وسعك أمرا تقول : لو أني فعلته أو تركته ~~, ولكنك تقول : قدر الله وما شاء فعل , بخلاف ما إذا لم تنعم النظر وعملت ~~عمل العجزة فإنك حتما تقول : لو أني فعلت كذا وكذا , لأن الشيطان يفتح لك ~~تلك الأبواب التي نظر فيها الحازم , فيكثر لك من ( لو ) لأنها مفتاح عمله , ~~وليس في الآية ما يتعلق به من يتهاون في الأمر بالمعروف كما يفعله كثير من ~~البطلة ؛ روى أحمد في المسند عن أبي عامر الأشعري رضي الله عنه ( أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال له في أمر رآه : ) يا أبا عامر ! ألا غيرت ؟ ( فتلا ~~هذه الآية : { يا أيها الذين ىمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم } , فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ) أين ذهبتم ؟ إنما ~~هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم ( ) وروى أحمد وأصحاب السنن ~~الأربعة والحارث وأحمد بن منيع وأبو يعلى ( أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ~~قال : يا أيها الناس ! إنكم تقرؤون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها , ~~وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ) إن الناس إذا رأوا منكرا ~~فلم يغيروه يوشك أن يعمهم الله بعقابه ( قال البغوي : وفي رواية : ) لتأمرن ~~بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن الله عليكم شراركم فليسومونكم سوء ~~العذاب , ثم ليدعون الله خياركم فلا يستجاب لكم ( ) والله الموفق . | ولما ~~حكم الله تعالى - وهو الحكم العدل - أنه لا ضرر عليهم من غيرهم بشرط هداهم ~~, وكان الكفار يعيرونهم , قال مؤكدا لما أخبر به ومقررا لمعناه : { إلى ~~الله } أي الملك الأعظم الذي لا شريك له , لا إلى غيره { مرجعكم } أي أنتم ~~ومن يعيركم ويهددكم وغيرهم من جميع الخلائق { جميعا فينبئكم } أي يخبركم ~~إخبارا عظيما PageV02P555 مستوفى مستقصى { بما كنتم تعملون * } أي تعمدا ~~جبلة وطبعا , ويجازي كل أحد بما عمل على حسب ما عمل . | ولا يؤاخذ أحدا بما ~~عمل غيره ولا ms1333 بما أخطأ فيه أو تاب منه , وليس المرجع ولا شيء منه إلى ~~الكفار ولا معبوداتهم ولا غيرهم حتى تخشوا شيئا من غائلتهم في شيء من الضرر ~~. | < < # | المائدة : ( 106 - 108 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( ياأيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ~~اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم ~~مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ~~ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنآ إذا لمن الثمين * فإن عثر ~~على أنهما استحقآ إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم ~~الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينآ إنا إذا لمن ~~الظالمين * ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجههآ أو يخافوا أن ترد أيمان ~~بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين ) ^ } ) | ~~ولما خاطب سبحانه أهل ذلك الزمان بأنه نصب المصالح العامة كالبيت الحرام ~~والشهر الحرام , وأشار بآية البحيرة وما بعدها إلى أن أسلافهم لا وفروا ~~عليهم مالهم ولا نصحوا لهم في دينهم , وختم ذلك بقهره للعباد بالموت وكشف ~~الأسرار يوم العرض بالحساب على النقير والقطمير والجليل والحقير ؛ عقب ذلك ~~بآية الوصية إرشادا منه سبحانه إلى ما يكشف سريرة من خان فيها علما منه ~~سبحانه أن الوفاء في مثل ذلك يقل وحثا لهم على أن يفعلوا ما أمر سبحانه به ~~لينصحوا لمن خلفوه بتوفير المال ويقتدي بهم فيما ختم به الآية من التقوى ~~والسماع والبعد من الفسق والنزاع , فقال تعالى مناديا لهم بما عقدوا به ~~العهد بينهم وبينه من الإقرار بالإيمان : { يا أيها الذين آمنوا } أي ~~أخبروا عن أنفسهم بذلك { شهادة بينكم } هو كناية عن التنازع والتشاجر لأن ~~الشهود إنما يحتاج إليهم عند ذلك , وسبب نزول الآية قد ذكره المفسرون وذكره ~~الشافعي في الأم فقال : أخبرني أبو سعيد معاذ بن موسى الجعفري عن بكير بن ~~معروف عن مقاتل بن حيان قال : أخذت هذا التفسير عن مجاهد والحسن والضحاك ( ~~أن رجلين نصرانيين ms1334 من أهل دارين أحدهما تميمي والآخر يماني , صحبهما مولى ~~لقريش في تجارة فركبوا البحر , ومع القرشي مال معلوم قد علمه أولياؤه من ~~بين آنية وبز ورقة فمرض القرشي فجعل وصيته إلى الداريين فمات , وقبض ~~الداريان المال فدفعاه إلى أولياء الميت , فأنكر القوم قلة المال فقالوا ~~للداريين : إن صاحبنا قد خرج معه بمال أكثر مما أتيتمونا به , فهل باع شيئا ~~أو اشترى فوضع فيه ؟ أو هل طال مرضه فأنفق على نفسه ؟ قالا : لا , قالوا : ~~PageV02P556 فإنكما خنتمانا , فقبضوا المال , ورفعوا أمرهما إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . | فأنزل الله عز وجل < # > 77 ( { يا ايها الذين آمنوا شهادة بينكم } ) 77 < # > [ المائدة : 106 ] فلما نزلت أمر النبي صلى الله عليه وسلم , فقاما بعد ~~الصلاة , فحلفا بالله رب السماوات : ما ترك مولاكم من لمال إلا ما أتيناكم ~~به , فلما حلفا خلي سسبيلهما , ثم إنهم وجدوا بعد ذلك إناء من آنية الميت ~~فأخذوا الداريين فقالا : اشتريناه منه في حياته , فكذبا وكلفا البينة فلم ~~يقدرا عليها , فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز ~~وجل { فإن عثر } - يعني إلى آخرها ( ثم ذكر وقت الشهادة وسببها فقال : { ~~إذا حضر } وقدم المفعول تهويلا - كما ذكر في النساء - لأن الآية نزلت لحفظ ~~ماله فكان أهم , فقال : { أحدكم الموت } أي أخذته أسبابه الموجبة لظنه . | ~~ولما كان الإيصاء إذ ذاك أمرا متعارفا , عرف فقال معلقا بشهادة كما علق به ~~{ إذا } أو مبدلا من { إذا } لأن الزمنين واحد : { حين الوصية } أي إن أوصى ~~, ثم أخبر عن المبتدأ فقال : { اثنان } أي شهادة بينكم في ذلك الحين شهادة ~~اثنين { ذوا عدل منكم } أي من قبيلتكم العارفين بأحوالكم { أو آخران } أي ~~ذوا عدل { من غيركم } أي إن لم تجدوا قريبين يضبطان أمر الوصية من كل ما ~~للوصي وعليه , وقيل : بل هما الوصيان أنفسهما احتياطا بجعل الوصي اثنين , ~~وقيل : آخران من غير أهل دينكم , وهو خاص بهذا الأمر الواقع في السفر ~~للضرورة لا في غيره ولا في غير السفر ؛ ثم شرط هذه ms1335 الشهادة بقوله : { إن ~~أنتم ضربتم } أي بالأرجل { في الأرض } أي بالسفر , كأن الضرب بالأرجل لا ~~يسمى ضربا إلا فيه لأنه موضع الجد والاجتهاد { فأصابتكم } وأشار إلى أن ~~الإنسان هدف لسهام الحدثان بتخصيصه بقوله : { مصيبة الموت } أي أصابت ~~الموصي المصيبة التي لا مفر منها ولا مندوحة عنها . | PageV02P557 ولما كان ~~قد استشعر من التفصيل في أمر الشهود مخالفة لبقية الشهادات , فكان في معرض ~~السؤال عن الشهود : ماذا يفعل بهم ؟ قال مستأنفا : { تحبسونهما } أي ~~تدعونهما إليكم وتمنعونهما من التصرف لأنفسهما لإقامة ما تحملاه من هذه ~~الواقعة وأدائه ؛ ولما كان المراد إقامة اليمين ولو في أيسر زمن , لا ~~استغراق زمن البعد بالحبس , أدخل الجار فقال : { من بعد الصلاة } أي التي ~~هي أعظم الصلوات ؛ فكانت بحيث إذا أطلقت معرفة انصرفت إليها وهي الوسطى وهي ~~العصر , ثم ذكر الغرض من حبسهما فقال : { فيقسمان بالله } أي الملك الذي له ~~تمام القدرة وكمال العلم , وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن اليمين إنما ~~تكون إذا كانا من غيرنا , فإن كانا مسلمين فلا يمين , وعن غيره , إن كان ~~الشاهدان على حقيقتهما فقد نسخ تحليفهما , وإن كان الوصيين فلا ؛ ثم شرط ~~لهذا الحلف شرطا فقال اعتراضا بين القسم والمقسم عليه : { إن ارتبتم } أي ~~وقع بكم شك فيما أخبرا به عن الواقعة ؛ ثم ذكر المقسم عليه بقوله : { لا ~~نشتري به } أي هذا الذي ذكرناه { ثمنا } أي لم نذكره ليحصل لنا به عرض ~~دنيوي وإن كان في نهاية الجلالة , وليس قصدنا به إلا إقامة الحق { ولو كان ~~} أ يالوصي الذي أقسمنا لأجله تبرئة له { ذا قربى } أي لنا , أي إن هذا ~~الذي فعلناه من التحري عادتنا التي أطعنا فيها < # > 77 ( { كونوا قوامين بالقسط شهداء الله } ) 77 < # > [ النساء : 135 ] - الآية , لا أنه فعلنا في هذه الواقعة فقط { ولا ~~نكتم شهادة الله } أي هذا الذي ذكرناه لم نبدل فيه لما أمر الله به من حفظ ~~الشهادة وتعظيمها , ولم نكتم شيئا وقع به الإشهاد , ولا نكتم فيما يستقبل ~~شيئا نشهد به لأجل الملك الأعظم المطلع ms1336 على السرائر كما هو مطلع على ~~الظواهر ؛ ثم علل ذلك بما لقنهم إياه ليكون آخر كلامهم , كل ذلك تغليظا ~~وتنبيها على أن ذلك ليس كغيره من الأيمان , فقال تذكيرا لهم وتحذيرا من ~~التغيير : { إنا إذا } أي إذا فعلنا شيئا من التبديل أو الكتم { لمن ~~الآثمين * فإن } ولما كان المراد مجرد الاطلاع بني للمفعول قوله : { عثر } ~~أي اطلع مطلع بقصد أو بغير قصد ؛ قال البغوي : وأصله الوقوع على الشيء أي ~~من عثرة الرجل { على أنهما } أي الشاهدين إن أريد بهما الحقيقة أو الوصيين ~~{ استحقا إثما } أي بسبب شيء خانا فيه من أمر الشهادة { فآخران } أي من ~~الرجال الأقرباء للميت { يقومان مقامهما } أي ليفعلا حيث اشتدت الريبة من ~~الإقسام عند مطلق الريبة ما فعلا { من الذين استحق } أي طلب وقوع الحق ~~بشهادة من شهد { عليهم } هذا على قراءة الجماعة , وعلى قراءة حفص بالبناء ~~للفاعل , المعنى : وجد وقوع الحق عليهم , وهم أهل الميت وعشيرته . | ولما ~~كان كأنه قيل : ما منزلة هذين الآخرين من الميت ؟ فقيل : { الأوليان } أي ~~الأحقان بالشهادة الأقربان إليه العارفان بتواطن أمره , وعلى قراءة أبي بكر ~~وحمزة PageV02P558 بالجمع , كأنه قيل : هما من الأولين أي في الذكر وهم أهل ~~الميت , فهو نعت للذين استحق { فيقسمان } أي هذان الآخران { بالله } أي ~~الملك الذي لا يقسم إلا به لما له من كمال العلم وشمول القدرة { لشهادتنا } ~~أي بما يخالف شهادة الحاضرين للواقعة { أحق من شهادتهما } أي أثبت , فإن ~~تلك إنما ثباتها في الظاهر , وشهادتنا ثابتة في نفس الأمر وساعدها الظاهر ~~بما عثر عليه من الريبة { وما اعتدينا } أي تعمدنا في يميننا مجاوزة الحق { ~~إنا إذا } أي إذا وقع منا اعتداء { لمن الظالمين * } أي الواضعين الشيء في ~~غير موضعه كمن يمشي في الظلام , وهذا إشارة إلى أنهم على بصيرة ونور مما ~~شهدوا به , وذلك أنه لما وجد الإناء الذي فقده أهل الميت وحلف الداريان ~~بسببه أنهما ما خانا طالبوهما , فقالا : كنا اشتريناه منه , فقالوا : ألم ~~نقل لكما : هل باع صاحبنا شيئا ؟ فقلتما : لا , فقالا : لم ms1337 يكن عندنا بينة ~~فكرهنا أن نقر لكم فرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر فقام ~~اثنان من اقارب الميت فحلفا على الإناء , فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم ~~إليهما , لأن الوصيين ادعيا على الميت البيع فصار اليمين في جانب الورثة ~~لأنهم أنكروا , وسمي أيمان الفريقين شهادة كما سميت أيمان المتلاعنين شهادة ~~- نبه على ذلك الشافعي , وكان ذلك لما في البابين من مزيد التأكيد . | ولما ~~تم هذا على هذا الوجه الغريب , بين سبحانه سره فقال : { ذلك } أي الأمر ~~المحكم المرتب هذا الترتيب بالأيمان وغيرها { أدنى } أي أقرب { أن } أي إلى ~~أن { يأتوا } أي الذين شهدوا أولا { بالشهادة } أي الواقعة في نفس الأمر { ~~على وجهها } من غير أدنى ميل بسبب أن يخافوا من الحنث عند الله بعد هذا ~~التغليظ { أو يخافوا } إن لم يمنعهم الخوف من الله { أن ترد } أي تثنى ~~وتعاد { أيمان } أي من الورثة { بعد أيمانهم } للعثور على ريبة فيصيروا ~~بافتضاحهم مثلا للناس , قال الشافعي : وليس في هذا رد اليمين , فما كانت ~~يمين الداريين على ما ادعى الورثة من الخيانة , ويمين ورثة الميت على ما ~~ادعى الداريان مما وجد في أيديهما وأقرا أنه مال الميت وأنه صار لهما من ~~قبله , فلم تقبل دعواهما بلا بينة , فأحلف وارثاه , قال : وإذا كان هذا كما ~~وصفت فليست الآية ناسخة ولا منسوخة لأمر الله بإشهاد ذوي عدل ومن نرضى من ~~الشهداء , هذا ما اقتضى إيلاؤها لما قبلها , وقد نزعها إلى مجموع هذه ~~السورة منازع منها ما تقدم من ذكر القتل الذي هو من أنواع الموت عند قصة ~~بني آدم وما بعدها , ثم تعقيب ذلك بالجهاد الذي هو من أسباب الموت , وقوله ~~تعالى : < # > 77 ( { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } ) 77 < # > [ المائدة : 45 ] , ثم ذكره أيضا في قوله تعالى : < # > 77 ( { يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم } ) 77 < # > [ المائدة : 54 ] وقد جرت السنة الإلهية بذكر الوصية عقب مثل ذلك ~~PageV02P559 في البقرة , ولم يذكر عقب واحدة من الآيات المذكورة لزيادتها ~~على آية ms1338 البقرة بمنازع منها الحلف , فناسب كونها بعد آية الأيمان , ومنها ~~تغليظ الحلف والخروج به عما يشاكله من القسم على المال بكونه في زمان مخصوص ~~بعد عبادة مخصوصة , فناسب ذكرها بعد تغليظ أمر الصيد في حال مخصوص وهو ~~الإحرام والخروج به عن أشكاله من الأحوال وبعد تغليظ جزائه والخروج به عن ~~أشكاله من الكفارات وتغليظ أمر المكان المخصوص وهو الكعبة والخروج بها عن ~~أشكالها من البيوت , وكذا تغليظ الزمان المخصوص وهو الشهر الحرام والخروج ~~به عن أشكاله من الأزمنة . | وكل ذلك لقيام أمر الناس وإصلاح أحوالهم , ~~وهكذا ىية الوصية وما خرج من أحكامها عن أشكاله كله لقيام الأمور على ~~السداد وإصلاح المعاش والمعاد , وهي ملتفتة إلى أول السورة إذا هي من أعظم ~~العهود , والوفاء بها من أصعب الوفاء , وإلى قوله تعالى : ^ ( { وتعاونوا ~~على البر والتقوى } ) ^ [ المائدة : 2 ] وإلى قوله تعالى : ^ ( { كونوا ~~قوامين لله شهداء بالقسط } ) ^ [ المائدة : 8 ] انظر إلى ختمها بقوله : { ~~إن الله خبير بما تعملون } وإلى كون هذه في سياق الإعلام بأن الله عالم ~~بالخفيات , وقوله : - عطفا على ما تقديره : فالزموا ما أمرتكم به وأرشدتكم ~~إليه تفلحوا : { واتقوا الله } أي ذا الجلال والإكرام إلى آخرها - ملتفت ~~إلى قوله : ^ ( { وميثاقه الذي واثقكم به } ) ^ [ المائدة : 7 ] - الآية , ~~أي خافوا الله خوفا عظيما يحملكم على أن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية لئلا ~~تحلفوا كاذبين أو تخونوا أدنى خيانة { واسمعو } أي الموعظة سمع إجابة وقبول ~~ذاكرين لقولكم ^ ( { سمعنا وأطعنا } ) ^ [ البقرة : 285 ] فإن الله يهدي ~~المتمسكين بالميثاق { والله } أي الذي له الكمال كله وتمام الحكمة وكمال ~~العزة والسطوة { لا يهدي القوم } أي لا يخلق الهداية في قلوب الذين لهم ~~قدرة على ما يحاولونه الفاسقين * } أي الذين هم خارجون , أي من عادتهم ذلك ~~على وجه الرسوخ , فهم أبدا غير متقيدين بقيد ولا منضبطين بدائرة عقد ولا ~~عهد . | < < # | المائدة : ( 109 - 111 ) يوم يجمع الله . . . . . # > > ^ ( يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذآ أجبتم قالوا لا علم لنآ إنك أنت ~~علام الغيوب * إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي ms1339 عليك وعلى والدتك إذ ~~أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون ~~طيرا بإذني وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت ~~بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر ~~مبين * وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد ~~بأننا مسلمون ) ^ } ) | PageV02P560 ولما كان فيها إقامة الشهود وحبسهم عن ~~مقاصدهم حتى يفرغوا من هذه الواقعة المبحوث فيها عن خفايا متعلقة بالموت ~~والتغليظ بالتحليف بعد صلاة العصر , وكانت ساعة يجتمع فيها الناس وفريقا ~~الملائكة المتعاقبين فينا ليلا ونهارا مع أنها ساعة الأصيل المؤذنة بهجوم ~~الليل وتقوض النهار حتى كأنه لم يكن ورجوع الناس إلى منازلهم وتركهم ~~لمعايشهم , وكانت عادته سبحانه بأنه يذكر أنواعا من الشرائع والتكاليف , ثم ~~يتبعها إما بالإلهيات وإما بشرح أحوال الأنبياء وإما بشرح أحوال القيامة , ~~ليصير ذلك مؤكدا لما تقدم من التكاليف , ولا ينتقل من فن إلى آخر إلا بغاية ~~الإحكام في الربط , عقبها تعالى بقوله : { يوم يجمع الله } أي الملك الأعظم ~~الذي له الإحاطة الكاملة { الرسل } أي الذين أرسلهم إلى عباده بأوامره ~~ونواهيه إشارة إلى تذكر انصرام هذه الدار وسرعة هجوم ذلك بمشاهدة هذه ~~الأحوال المؤذنة به وبأنه يوم يقوم فيه الأشهاد , ويجتمع فيه العباد , ~~ويفتضح فيه أهل الفساد - إلى غير ذلك من الإشارات لأرباب البصائر والقلوب , ~~والظاهر أن ( يوم ) ظرف للمضاف المحذوف الدال عليه الكلام , فإن من المعلوم ~~أنك إذا قلت : خف من فلان , فإن المعنى : خف من عقابه ونحو ذلك , فيكون ~~المراد هنا : واتقوا غضب الله الواقع في ذلك اليوم , أي اجعلوا بينكم وبين ~~سطواته في ذلك اليوم وقاية , أو يكون المعنى : اذكروا هذه الواقعة وهذا ~~الوقت الذي يجمع فيه الشهود ويحبس المعترف والجحود يوم الجمع الأكبر بين ~~يدي الله تعالى ليسألهم عن العباد ويسأل العباد عنهم { فيقول } أي للرسل ~~تشريعا لهم وبيانا لفضلهم وتشريفا للمحق من أممهم وتبكيتا ms1340 للمبطل وتوبيخا ~~للمفرط منهم والمفرط . | ولما كان مما لا يخفى أصلا أنهم أجيبوا , ولا يقع ~~فيه نزاع ولا يتعلق بالسؤال عنه غرض , تجاوز السؤال إلى الاستفهام من نوع ~~الإجابة فقال : { ماذا أجبتم } أي أي إجابة أجابكم من أرسلتم إليهم ؟ إجابة ~~طاعة أو إجابة معصية . | ولما كان المقصود من قولهم بيان الناجي من غيره , ~~وكانت الشهادة في تلك الدار لا تنفع إلا فيما وافق فيه الإضمار الإظهار , ~~فكانت شهادتهم لا تنفع المشهود له بحسن الإجابة إلا أن يطابق ما قاله ~~بلسانه اعتقاده بقلبه { قالوا } نافين لعلمهم أصلا ورأسا إذا كان موقوفا ~~على شرط هو من علم ما غاب ولا علم لهم به { لا علم لنا } أي على الحقيقة ~~لأنا لا نعلم إلا ما شهدناه , وما غاب عنا أكثر , وإذا كان الغائب قد يكون ~~مخالفا للمشهود , فما شهد ليس بعلم , لأنه غير مطابق للواقع , ولهذا عللوا ~~بقولهم : PageV02P561 { إنك أنت } أي وحدك { علام الغيوب * } أي كلها , ~~تعلمها علما تاما فكيف بما غاب عنا من أحوال قومنا ! فكيف بالشهادة ! فكيف ~~بما شهدنا من ذلك ! وهذا في موضع قولهم : أنت أعلم , لكن هذا أحسن أدبا , ~~فإنهم محوا أنفسهم من ديوان العلم بالكلية , لأن كل علم يتلاشى إذا نسب إلى ~~علمه ويضمحل مهما قرن بصفته أو اسمه . | ولما كان سؤاله سبحانه للرسل عن ~~الإجابة متضمنا لتبكيت المبطلين وتوبيخهم , وكان أشد الأمم افتقارا إلى ~~التوبيخ أهل الكتاب , لأن تمردهم تعدى إلى رتبة الجلال بما وصفوه سبحانه به ~~من اتخاذ الصاحبة والولد , ومن ادعاء الإلهية لعيسى عليه السلام لما أظهر ~~من الخوارق التي دعا بها إلى الله مع اقترانها بما يدل على عبوديته ورسالته ~~لئلا يهتضم حقه أو يغلى فيه , مع مشاركتهم لغيرهم في أذى الرسل عليهم ~~السلام بالتكذيب وغيره , وكان في الآية السالفة ذكر الآباء وما آثروا ~~للأبناء , ذكر أمر عيسى عليه السلام بقوله مبدلا من قوله : { يوم يجمع الله ~~} معبرا بالماضي تذكيرا بما لذلك اليوم من تحتم الوقوع , وتصويرا لعظيم ~~تحققه , وتنبيها على أنه لقوة قربه ms1341 كأنه قد وقع ومضى : { إذ قال الله } أي ~~المستجمع لصفات الكمال { يا عيسى } ثم بينه بما هو الحق من نسبه فقال : { ~~ابن مريم } . | ولما كان ذلك يوم الجمع الأكبر والإحاطة بجميع الخلائق ~~وأحوالهم في حركاتهم وسكناتهم , وكان الحمد هو الإحاطة بأوصاف الكمال , ~~أمره بذكر حمده سبحانه على نعمته عنده فقال : { اذكر نعمتي عليك } أي في ~~خاصة نفسك , وذكر ما يدل للعاقل على أنه عبد مربوب فقال : { وعلى والدتك } ~~إلى آخره مشيرا إلى أنه أوجده من غير أب فأراحه مما يجب للآباء من الحقوق ~~وما يورثون أبناءهم من اقتداء أو اهتداء وإقامة بحقوق أمه , فأقدره - وهو ~~في المهد - على الشهادة لها بالبراءة والحصانة والعفاف , وكل نعمة أنعمها ~~سبحانه عليه صلى الله عليه وسلم فهي نعمة أمه دينا ودنيا . | ولما ذكر ~~سبحانه هذه الأمة المدعوة من العرب وأهل الكتاب وغيرهم بنعمه عليهم في أول ~~السورة بقوله : < # > 77 ( { اذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه } ) 77 < # > [ المائدة : 7 ] , < # > 77 ( { واذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم } ) 77 < # > [ المائدة : 11 ] , وكانت هذه الآيات من عند < # > 77 ( { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } ) 77 < # > [ المائدة : 87 ] كلها في النعم , أخبرهم أنه يذكر عيسى عليه السلام ~~بنعمه في يوم الجمع إشارة إلى أنهم إن لم يذكروا نعمه في هذه الدار دار ~~العمل بالشكر , ذكروها حين يذكرهم بها في ذلك اليوم قسرا بالكفر , ويا لها ~~فضيحة في ذلك الجمع الأكبر والموقف الأهول ! وليتبصر أهل الكتاب فيرجعوا عن ~~كفرهم بعيسى عليه السلام : اليهود بالتقصير في أمره , والنصارى بالغلو في ~~شأنه وقدره . | PageV02P562 ولما كان أعظم الأمور التنزيه , بدأ به كما فعل ~~بنفسه الشريفة في كلمة الدخول إلى الإسلام , ولما كان أعظم ذلك تنزيهه أمه ~~عليها السلام وتصحيح ما خرق لها من العادة في ولادته , وكان أحكم ما يكون ~~ذلك بتقوية روحه حتى يكون كلامه طفلا ككلامه كهلا , قدمه فقال معلقا قارنا ~~بكل نعمة ما يدل على عبوديته ورسالته , ليخزي من غلا في أمره أو قصر في ~~وصفه وقدره : { إذ أيدتك ms1342 } أي قويتك تقوية عظيمة { بروح القدس } أي الطهر ~~الذي يحيي القلوب ويطهرها من أوضار الآثام , ومنه جبرئيل عليه السلام , ~~فكان له منه في الصغر حظ لم يكن لغيره ؛ قال الحرالي : وهو يد بسط لروح ~~الله في القلوب بما يحييها الله به من روح أمره إرجاعا إليه في هذه الدار ~~قبل إرجاع روح الحياة بيد القبض من عزرائيل عليه السلام ثم استأنف تفسير ~~هذا التأييد فقال : { تكلم الناس } أي من أردت من عاليهم وسافلهم { في ~~المهد } أي بما برأ الله من أمك وأظهر به كرامتك وفضلك . | ولما ذكر هذا ~~الفضل العظيم , أتبعه خارقا آخر , وهو إحياؤه نفسه وحفظه جسده أكثر من الف ~~سنة لم يدركه الهرم ؛ فإنه رفع شابا وينزل على ما رفع عليه ويبقى حتى يصير ~~كهلا , وتسوية كلامه في المهد بكلامه في حال بلوغ الأشد وكمال العقل خرقا ~~لما جرت به العوائد فقال : { وكهلا } ولما ذكر هذه الخارقة , أتبعها روح ~~العلم الرباني فقال : { وإذ علمتك الكتاب } أي الخط الذي هو مبدأ العلم ~~وتلقيح لروح الفهم { والحكمة } أي الفهم لحقائق الأشياء والعمل بما يدعو ~~إليه العلم { والتوراة } أي المنزلة على موسى عليه السلام { والإنجيل } أي ~~المنزل عليك . | ولما ذكر تأييده بروح الروح , أتبعه تأييده بإفاضة الروح ~~على جسد لا أصل له فيها فقال : { وإذ تخلق من الطين } أي هذا الجنس { كهيئة ~~الطير بإذني } ثم سبب عن ذلك قوله : { فتنفخ فيها } أي في الصورة المهيأة { ~~فتكون } أي تلك الصورة التي هيأتها { طيرا بإذني } ثم بإفاضة روح ما على ~~بعض جسد , إما ابتداء في الأكمة كما في الذي قبله , وإما إعادة كما في ~~الحادث العمى والبرص بقوله : { وتبرئ الأكمة والأبرص } . | ولما كان من ~~أعظم ما يراد بالسياق توبيخ من كفر به كرر قوله : { بإذني } ثم برد روح ~~كامل إلى جسدها بقوله : { وإذ تخرج الموتى } أي من القبور فعلا أو قوة حتى ~~يكونوا كما كانوا من سكان البيوت { بإذني } ثم بعصمة روحه ممن أراد قتله ~~بقوله : { وإذ كففت بني إسرائيل عنك } أي اليهود ms1343 لما هموا بقتلك ؛ ولما كان ~~ذلك ربما أوهم نقصا استحلوا قصده به , بين أنه قصد ذلك كعادة الناس مع ~~الرسل والأكابر من أتباعهم تسلية لهذا النبي الكريم والتابعين له بإحسان ~~فقال : { إذ جئتهم بالبينات } أي كلها , PageV02P563 بعضها بالفعل والباقي ~~بالقوة لدلالة ما وجد عليه من الآيات الدالة على رسالتك الموجبة لتعظيمك { ~~فقال الذين كفروا } أي غطوا تلك البينات عنادا { منهم إن } أي ما { هذا إلا ~~سحر مبين * } ثم بتأييده بالأنصار الذين أحيى أرواحهم بالإيمان وأجسادهم ~~باختراع المأكل الذي من شأنه في العادة حفظ الروح , وذلك في قصة المائدة ~~وغيرها فقال : { وإذ أوحيت } أي بإلهام باطنا وبإيصال الأوامر على لسانك ~~ظاهرا { إلى الحواريين } أي الأنصار { أن آمنوا بي وبرسولي } أي الذي أمرته ~~بالإبلاغ يعني إبلاغ الناس ما آمرهم به , ثم استأنف مبينا لسرعة أجابتهم ~~لجعله محببا إليهم مطاعا فيهم بقوله : { قالوا آمنا } . | ولما كان الإيمان ~~باطنا فلا بد في إثباته من دليل ظاهر , وكان في سياق عد النعم والطواعية ~~لوحي الملك الأعظم دلوا عليه بتمام الانقياد , ناسب المقام زيادة التأكيد ~~بإثبات النون الثالثة في قولهم : { واشهد بأننا } بخلاف آل عمران { مسلمون ~~* } أي منقادون أتم انقياد , فلا اختيار لنا إلا ما تأمرنا به , وانظر ما ~~أنسب إعادة ( إذ ) عند التذكير بروح كامل حسا أو معنى وحذفها عند الناقص , ~~فأثبتها عند التأييد بها في أصل الخلق وفي الكمال الموجب للحياة الأبدية ~~وفي تعليم الكتاب وما بعده المفيض لحياة الأبد على كل من تخلق بأخلاقه وفي ~~خلق الطير وهو ظاهر وهكذا إلى الآخر . | ذكر شيء مما عزي إليه من الحكمة في ~~الإنجيل : قال متى : وكان يسوع يطوف المدن والقرى ويعلم في مجامعهم ويكرز ~~ببشارة الملكوت ويشفي كل الأمراض والأوجاع , ثم قال : فلما سمع يوحنا في ~~السجن بأعمال المسيح أرسل إليه اثنين من تلاميذه قائلا : أنت هو الآتي أم ~~نترجى آخر ؟ قال لوقا : وفي تلك الساعة أبرأ كثيرا من الأمراض والأوجاع ~~والأرواح الشريرة ووهب النظر لعميان كثيرين , فأجاب يسوع وقال لهما : اذهبا ~~وأعلما يوحنا بما ms1344 رأيتما وسمعتما , العميان يبصرون والعرج يمشون والبرص ~~يتطهرون والصم يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشرون , فطوبى لمن لا يشك ~~في ! فلما ذهب تلميذا يوحنا بدأ يسوع يقول للجمع من أجل يوحنا : لماذا ~~خرجتم إلى البرية تنظرون - قال لوقا : قصبة تحركها الريح - أم لماذا خرجتم ~~تنظرون ؟ إنسانا لابسا لباسا ناعما ؟ إن اللباس الناعم يكون في بيوت الملوك ~~, قال لوقا : فإن الذين عليهم لباس المجد والتنعم هم في بيوت الملوك - ~~انتهى . | لكن لماذا خرجتم تنظرون ؟ نبيا ؟ نعم , أقول لكم : إنه أفضل من ~~هذا الذي كتب من أجله : هوذا أنا مرسل ملكي أمام وجهك ليسهل طريقك قدامك , ~~الحق أقول لكم ! إنه لم يقم في مواليد النساء أعظم من يوحنا المعمد , ~~والصغير في ملكوت السماء أعظم منه , وجميع الشعب الذي سمع والعشارون شكروا ~~الله حيث اعتمدوا من معمودية يوحنا , فأما الفريسيون والكتاب PageV02P564 ~~فعلموا أنهم رفضوا أمر الله لهم إذ لم يعتمدوا منه ؛ قال متى : ثم قال : من ~~له أذنان سامعتان فليسمع ! بماذا أشبه هذا الجيل ؟ يشبه صبيانا جلوسا في ~~الأسواق , يصيحون إلى أصحابهم قائلين : زمرنا لكم فلم ترقصوا , ونحنا لكم ~~فلم تبكوا , جاء يوحنا لا يأكل ولا يشرب , فقالوا : معه جنون , جاء ابن ~~الإنسان يأكل ويشرب , فقالوا : هذا إنسان أكول شريب خليل العشارين والخطأة ~~, فتبررت الحكمة من بنيها , حينئذ بدأ يعير المدن التي كان فيها أكثر قواته ~~, لأنهم لم يتوبوا , ويقول : الويل لك يا كورزين ! والويل لك يا بيت صيدا ! ~~لأن القوات اللاتي كن فيكما قديما لو كن في صور وصيدا لتابوا بالمسوح ~~والرماد , لكن أقول لكم : إن لصور وصيدا راحة في يوم الدين أكثر منكن , ~~وأنت يا كفرناحوم لو ارتفعت إلى السماء ستهبطين إلى الجحيم , لأنه لو كان ~~في سدوم هذه القوات التي كانت فيك إذن لثبتت إلى اليوم , وأقول لكم أيضا : ~~إن أرض سدوم تجد راحة يوم الدين أكثر منك . | ثم قال : وانتقل يسوع من هناك ~~ودخل إلى مجمعهم وإذا رجل هناك يده يابسة - وقال لوقا : يده اليمنى يابسة - ~~فسألوه قائلين : هل يحل ms1345 أن يشفى في السبت ؟ فقال لهم : أي إنسان منكم يكون ~~له خروف , يسقط في حفرة في السبت , ولا يمسكه ويقيمه ؟ فبكم أحزي الإنسان ~~أفضل من الخروف , فإذن جيد هو فعل الخير في السبت ؛ وقال لوقا : فقال للرجل ~~اليابس اليد : قف في الوسط , فقام , وقال لهم يسوع : أسألكم ماذا يحل أن ~~يعمل في السبت ؟ خير أم شر ؟ نفس تخلص أم تهلك ؟ فسكتوا ؛ قال متى : حينئذ ~~قال للإنسان : أمدد يدك , فمدها فصحت مثل الأخرى , فخرج الفريسيون - قال ~~مرقس : مع أصحاب هيرودس - متوامرين في إهلاكه , فعلم يسوع وانتقل من هناك ~~وتبعه جمع كثير , فشقى جميعهم , وأمرهم أن لا يظهروا ذلك لكي يتم ما قيل في ~~أشعيا النبي القائل : ها هوذا فتاي الذي هويت , وحبيبي الذي به سررت , أضع ~~روحي عليه ويخبر الأمم بالحكم , لا يماري ولا يصيح ولا يسمع أحد صوته في ~~الشوارع , قصبة مرضوضة لا تكسر , وسراج مطفطف لا بطفأ حتى يخرج الحكم في ~~الغلبة , وعلى اسمه تتكل الأمم ؛ ثم قال : وفي ذلك اليوم خرج يسوع من البيت ~~وجلس جانب البحر , فاجتمع إليه جمع كبير حتى أنه صعد إلى السفينة وجلس , ~~وكان الجمع كله قياما على الشط , وكلهم بأمثال كثيرة قائلا : ها هو ذا خرج ~~الزارع ليزرع , وفيما هو يزرع سقط البعض على الطريق , فأتى الطير وأكله - ~~وقال لوقا : فديس وأكله طائر السماء - وبعض سقط على الصخرة حيث لم يكن له ~~أرض كثيرة , وللوقت شرق إذ ليس له عمق أرض , ولما أشرقت الشمس احترق , وحيث ~~لم يكن له أصل يبس , وبعض سقط في الشوك فطلع الشوك وخنقه ؛ وقال مرقس : ~~فخنقه بعلوه عليه فلم PageV02P565 يأتي بثمرة ؛ وقال متى : وبعض سقط في ~~الأرض الجيدة فأعطى ثمره , للواحد مائة وللآخر ستين وللآخر ثلاثين - قال ~~لوقا : فلما قال هذا نادى : من له أذنان سامعتان فليسمع - فتقدم إليه ~~تلاميذه وقالوا له : لماذا تكلمهم بالأمثال ؟ فأجابهم وقال : أنتم أعطيتم ~~معرفة سرائر ملكوت السماوات - وقال لوقا : فقال لهم : لكم أعطي علم سرائر ~~ملكوت الله - وأولئك لم يعطوا , ومن كان ms1346 له يعطي ويزاد , ومن ليس له فالذي ~~له يؤخذ منه - وقال لوقا : والذي ليس له ينزع منه الذي يظن أنه له - فلهذا ~~أكلمهم بالأمثال , لأنهم يبصرون فلا يبصرون , ويسمعون فلا يسمعون ولا ~~يفهمون , لكي تتم فيهم نبوة أشعيا لقائل : سمعا يسمعون فلا يفهمون , ونظرا ~~ينظرون فلا يبصرون , لقد غلظ قلب هذا الشعب , وثقلت آذانهم عن السماع , ~~وغمضوا أعينهم لكيلا يبصروا بعيونهم ولا يسمعوا بآذانهم ويفهموا بقلوبهم ~~ويرجعوا فأشفيهم , فأما أنتم فطوبى لعيونكم ! لأنها تنظر , ولآذانكم ! ~~لأنها تسمع ؛ وقال لوقا : ومثل الزرع هذا هو كلام الله ؛ وقال متى : كل من ~~يسمع كلام الملكوت ولا يفهم يأتي الشرير فيخطف ما يزرع في قلبه , هذا الذي ~~زرع على الطريق , والذي زرع على الصخرة هو الذي يسمع الكلام وللوقت يقبله ~~بفرح , وليس له فيه أصل , لكن في زمان يسير , إذا حدث ضيق أو طرد فللوقت ~~يشك - وقال مرقس : بسبب الكلمة فيشكون للوقت : وقال لوقا : وهم إنما يؤمنون ~~إلى زمان التجربة , وفي زمان التجربة يشكون - والذي يزرع في الشوك فهو الذي ~~يسمع الكلام فيخنق الكلام فيه ؛ وقال لوقا : فتغلب عليهم هموم هذا الدهر ~~وطلب الغنى ؛ وقال مرقس : ومحبة الغنى وسائر الشهوات التي يسلكونها , فتخنق ~~الكلمة فلا تثمر فيهم ؛ وقال متى : فيكون بغير ثمرة , والذي زرع في الأرض ~~الجيدة هو الذي يسمع الكلام ويتفهم ويعطي ثمره ؛ وقال لوقا : وأما الذي وقع ~~في الأرض الصالحة فهم الذين يسمعون الكلمة بقلب جيد فيحفظونها ويثمرون ~~بالصبر ؛ قال متى : للواحد مائة وللآخر ستين وللآخر ثلاثين . | وضرب لهم ~~مثلا آخر قائلا : يشبه ملكوت السماوات إنسانا زرع زرعا جيدا في حقله , فلما ~~نام الناس جاء عدوه فزرع زوانا في وسط القمح ومضى , فلما نبت القمح ظهر ~~الزوان , فجاء عبيد رب البيت فقالوا له : يا سيد ! أليس زرعا جيدا زرعت في ~~حقلك ! فمن أين صار فيه زوان ؟ فقال لهم : عدو فعل هذا , فقال عبيده : تريد ~~أن نذهب فنجمعه ؟ فقال لهم : لا , لئلا تنقلع معه الحنطة , دعوهما ينبتان ~~جميعا إلى زمان الحصاد , وأقول للحصادين ms1347 : أولا اجمعوا الزوان فشدوه حزما ~~ليحرق , فأما القمح فاجمعوه إلى أهرائي . | وضرب لهم مثلا آخر قائلا : يشب ~~ملكوت السماوات حبة خردل أخذها إنسان وزرعها في حقله , لأنها أصغر الزراريع ~~كلها - وقال مرقس : وهي أصغر PageV02P566 الحبوب التي على الأرض - فإذا ~~طالت صارت أكبر من جميع البقول وتصير شجرة - وقال مرقس : وصنعت أغصانا ~~عظاما ؛ وقال لوقا : فنمت وصارت شجرة عظيمة - حتى أن طائر السماء يستظل تحت ~~أغصانها . | وكلمهم بمثل آخر وقال لهم : يشبه ملكوت السماوات خميرا أخذته ~~امرأة وعجنته في ثلاثة اكيال دقيق فاختمر الجميع ؛ وقال مرقس : وكان يقول ~~لهم : هل يوقد سراج فيوضع تحت مكيال أو سرير , لكن على منارة ؛ وقال لوقا : ~~ليس أحد يوقد سراجا فيغطيه , ولا يجعله تحت سرير , لكن يضعه على منارة فيرى ~~نوره كل من يدخل ؛ قال مرقس : كذلك ليس خفي غلا سيظهر , ولا مكتوم إلا ~~سيعلن ؛ وقال لوقا : سراج الجسد العين , فإذا كانت عينك بسيطة فجسدك كله ~~نير , وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلما أحرص أن لا يكون النور ~~الذي فيك ظلاما , فإن كان جسدك كله نيرا وليس فيه جزء مظلم فإنه يكون كاملا ~~نيرا , كما أن السراج ينير لك بلمع ضيائه ؛ وقال مرقس : من له أذنان ~~سامعتان فليسمع , وقال لهم : انظروا ماذا تسمعون , فبالكيل الذي تكيلون ~~يكال لكم - وتزادون أيها السامعون لأن الذي له يعطي ومن ليس عنده فالذي ~~عنده يؤخذ منه , وقال : يشبه ملكوت الله إنسانا يلقي زرعه على الأرض وينام ~~, ويقوم ليلا ونهارا والزرع ينمو ويطول وهو لا يعلم , أولا أعشب وبعد ذلك ~~سنبل , ثم يمتلئ السنبل حتى إذا انتهت الثمرة حينئذ يضع المنجل إذ قد دنا ~~الحصاد ؛ قال متى : هذا كله قاله يسوع للجموع ليتم ما قيل في النبي القائل ~~: أفتح فاي بالأمثال وأنطق بالخفيات من قبل أساس العالم . | حينئذ ترك ~~الجمع وجاء إلى البيت فجاء إليه تلاميذه وقالوا : فسر لنا مثل زوال الحقل , ~~أجاب : الذي زرع الزرع الجيد هو ابن الإنسان , والحقل هو العالم , والزرع ~~الجيد هو بنو الملكوت ms1348 , والزوان هو بنو الشر , والعدو الذي زرعه هو الشيطان ~~, والحصاد هو منتهى الدهر , والحصادون هم الملائكة , فكما أنهم يجمعون ~~الزوان أولا , وبالنار يحرق , هكذا يكون منتهى هذا الدهر , يرسل ملائكته ~~ويجمعون من مملكته كل الشوك وفاعلي الإثم , فيلقونهم في أتون النار , هناك ~~يكون البكاء وصرير الأسنان , حينئذ يضيء الصديقون مثل الشمس في ملكوت أبيهم ~~, من له أذنان سامعتان فليسمع . | ويشبه ملكوت السماوات كنزا مخفى في حقل ~~وجده إنسان فخبأه , ومن فرحه مضى وباع كل شيء واشترى ذلك الحقل . | وأيضا ~~يشبه ملكوت السماوات إنسانا تاجرا بطلب الجوهر الفاخر الحسن . | فوجد درة ~~كثيرة الثمن فمضى وباع كل ماله واشتراها . | وأيضا يشبه ملكوت السماوات ~~شبكة ألقيت في البحر فجمعت من كل جنس , فلما امتلأت أطلعوها إلى الشط ~~فجلسوا وجمعوا الخيار في الأوعية , والرديء رموه خارجا , هكذا يكون في ~~انقضاء هذا الزمان , تخرج الملائكة PageV02P567 ويميزون الأشرار من وسط ~~الصديقين . | ويلقونهم في أتون النار . | هناك يكون البكاء وصرير الأسنان . ~~| فلما أكمل يسوع هذه الأمثال انتقل من هناك وجاء إلى بلدته وكان يعلم في ~~مجامعهم حتى أنهم بهتوا وقالوا : من أين له هذه الحكمة والقوة ! وقال مرقس ~~: من أين له هذا التعليم وهذه الحكمة التي أعطيها والقوات التي تكون على ~~يديه - انتهى . | أليس هذا ابن النجار ؟ وقال لوقا : وكان جميعهم يشهدون له ~~ويتعجبون من كلام النعمة الذي كان يخرج من فمه , وكانوا يقولون : أليس هذا ~~ابن يوسف ؟ انتهى . | أليس أمه تسمى مريم وإخوته يعقوب ويوسا وسمعان ويهودا ~~؟ أليس هو وأخواته عندنا جميعا ؟ فمن أين له هذا كله ؟ وكانوا يشكون فيه , ~~فإن يسوع قال لهم : لا يهان نبي إلا في بلدته وبيته ؛ وقال مرقس : ليس يهان ~~نبي إلا في بلدته وعند أنسابه وبيته ؛ وقال لوقا : فقال لهم : لعلكم تقولون ~~لي هذا المثل : أيها الطبيب ! اشف نفسك والذي سمعنا أنك صنعته في كفرناحوم ~~افعله أيضا ههنا في مدينتك , فقال لهم : الحق أقول لكم , إنه لا يقبل نبي ~~في مدينته , الحق أقول لكم , إن الأرامل كثيرة كن في إسرائيل ms1349 في ايام إليا ~~إذ أغلقت السماء ثلاث سنين وستة أشهر , وصار جوع عظيم في الأرض كلها , ولم ~~يرسل إلياء إلى واحدة منهن إلا أرملة في صارفة صيدا , وبرص كثيرون كانوا في ~~إسرائيل على عهد اليشع النبي ولم يطهر واحد منهم إلا نعمان الشامي , فامتلأ ~~جميعهم غضبا عندما سمعوا هذا وأخرجوه خارج المدينة , وجاؤوا به إلى أعلى ~~الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه ليطرحوه إلى أسفل , فأما هو فجاز وسطهم ~~ومضى , ونزل إلى كفرناحوم مدينة في الجليل , وكان يعلمهم في السبت وبهتوا ~~من تعليمه لأن كلامه كان بسلطان . | وقال في موضع آخر : وجاء إليه ناس من ~~الفريسيين وقالوا له : اخرج فاذهب من ههنا فإن ثيرودس يريد ليقتلك , فقال ~~لهم : امضوا وقولوا لهذا الثعلب : إني هوذا أخرج الشياطين وأتم الشفاء ~~اليوم وغدا وفي اليوم الثالث أكمل , وينبغي أن أقيم اليوم وغدا , وفي اليوم ~~الآتي أذهب , لأنه ليس يهلك نبي خارجا عن يروشليم , أيا يروشليم ! أيا ~~يروشليم ! يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها ! كم من مرة أردت أن ~~أجمع بنيك مثل الدجاجة التي تجمع فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا , هوذا ~~أترك بيتكم خرابا , فسمع هيرودس رئيس الربع بجميع ما كان فتحير , لأن كثيرا ~~كانوا يقولون : إن يوحنا قام من الأموات , وآخرون يقولون : إن إليا ظهر , ~~وآخرون يقولون : نبي من الأولين قام , فقال هيرودس : أنا قطعت رأس يوحنا ~~فمن هو الذي نسمع عنه هذا , وطلب أن يبصره ؛ وفي إنجيل متى : وفي ذلك ~~الزمان سمع هيرودس رئيس الربع خبر يسوع فقال لغلمانه : هذا هو يوحنا ~~المعمدان , وهو قام من الأموات من أجل هذه القوات التي يعمل بها . | قوله : ~~PageV02P568 المعمد , من أعمده - إذا غسله في ماء المعمودية , قوله : تبررت ~~, أي صارت برية بالنسبة إليهم , قوله : يعير المدن , أي يذكر ما أوجب لها ~~العار , قوله : القوات جمع قوة وهي المعجزات هنا , قول : الذي هويت , يعني ~~أحببت حبا شديدا , ولفظ الهوى الظاهر أنه يفهم نقصا فلا يحل في شرعنا ~~إطلاقه على الله تعالى , قوله : مطفطف , أي مملوء إلى ms1350 رأسه , لا يزال كذلك ~~, قوله : شرق - وزن : فرح , أي ضعف , من : شرق بريقه , وشرقت الشمس - إذا ~~ضعف ضوءها , قوله : أتون وهو وزن تنور وقد يخفف : أخدود الجيار والجصاص , ~~قوله : بسيطة , أي على الفطرة الأولى , قوله : يروشليم - بتحتانية ومهملة ~~وشين معجمة : بيت المقدس , قوله : ملكوت أبيهم , تقدم ما فيه غير مرة . | < ~~< # | المائدة : ( 112 - 114 ) إذ قال الحواريون . . . . . # > > ^ ( إذ قال الحواريون يعيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا ~~مآئدة من السمآء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين * قالوا نريد أن نأكل منها ~~وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين * قال عيسى ابن ~~مريم اللهم ربنآ أنزل علينا مآئدة من السمآء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا ~~وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين ) ^ } ) | ولما كان من المقصود بذكر ~~معجزات عيسى عليه السلام تنبيه الكافر ليؤمن , والمؤمن ليزداد إيمانا , ~~وتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتوبيخ اليهود المدعين أنهم أبناء وأحباء ~~- إلى غير ذلك مما أراد الله , قرعت به الأسماع , ولم يتعلق بما يجيب به ~~يوم القيامة عند أمره بذلك غرض فطوي ؛ ولما كان أجل المقاصد تأديب هذه ~~الأمة لنبيها عليه السلام لتجله عن أن تبدأه بسؤال أو تقترح عليه شيئا في ~~حال من الأحوال , ذكر لهم شأن الحواريين في اقتراحهم بعدما تقدم من ~~امتداحهم بعدهم في عداد أولي الوحي ومبادرتهم إلى الإيمان امتثالا للأمر ثم ~~إلى الإشهاد على سبيل التأكيد بتمام الانقياد وسلب الاختيار , فقال معلقا ب ~~( قالوا آمنا ) مقربا لزمن تعنتهم من زمن إيمانهم , مذكرا لهذه الأمة ~~بحفظها على الطاعة , ومبكتا لبني إسرائيل بكثرة تقلبهم وعدم تماسكهم إبعادا ~~لهم عن درجة المحبة فضلا عن البنوة , وهذه القصة قبل قصة الإيحاء إليهم ~~فتكون ( إذ ) هذه ظرفا لتلك , فيكون الإيحاء إليهم بالأمر بالإيمان في وقت ~~سؤالهم هذه بعد ابتدائه , ويكون فائدته حفظهم من أن يسألوا آية أخرى كما ~~سألوا هذه بعدما رأوا منه صلى الله عليه وسلم من الآيات : { إذ قال } وأعاد ~~وصفهم ولم يضمره تنصيصا عليهم لبعد ما يذكر ms1351 من حالهم هذا من حالهم الأول ~~فقال : { الحواريون } وذكر أنهم نادوه باسمه واسم أمه فقالوا : { يا عيسى ~~ابن مريم } ولم يقولوا : يا رسول الله ولا يا روح الله , ونحو هذا من ~~التبجيل أو التعظيم PageV02P569 { هل يستطيع ربك } بالياء مسندا إلى الرب ~~وبالتاء الفوقانية مسندا إلى عيسى عليه السلام ونصب الرب , ومعناهما واحد ~~يرجع إلى التهييج والإلهاب بسبب الاجتهاد في الدعاء بحيث تحصل الإجابة , ~~وتكون هذه العبارة أيضا للتلطف كما يقول الإنسان لمن يعظمه : هل تقدر أن ~~تذهب معي إلى كذا ؟ وهو يعلم أنه قادر , ولكنه يكنى بذلك عن أن السائل يحب ~~ذلك ولا يريد المشقة على المسؤول { أن ينزل } أي الرب المحسن إليك { علينا ~~مائدة } وهي الطعام , ويقال أيضا : الخوان إذا كان عليه الطعام , والخوان ~~شيء يوضع عليه الطعام للأكل , هو في العموم بمنزلة السفرة لما يوضع فيه ~~طعام المسافر بالخصوص , وهي من ماده - إذا أعطاه وأطعمه . | ولما كان هذا ~~ظاهرا في أنها سماوية , صرحوا به احترازا عما عودهم به صلى الله عليه وسلم ~~من أنه يدعو بالقليل من الطعام فيبارك فيه فيمده الله فيكفي فيه القيام من ~~الناس فقالوا : { من السماء } أي لا صنع للآدميين فيها لنختص بها عمن ~~تقدمنا من الأمم . | ولما كان المقصود من هذا وعظنا وإرشادنا إلى أن لا ~~نسأل نبينا صلى الله عليه وسلم شيئا , اكتفاء بما يرحمنا به ربنا الذي ~~رحمنا بابتدائنا بإرساله إلينا لإيصالنا إليه سبحانه , وتخويفا من أن نكون ~~مثل من مضى من المقترحين الذين كان اقتراحهم سبب هلاكهم ؛ دل على ذلك ~~بالنزوع من أسلوب الخطاب إلى الغيبة فقال مستأنفا إرشادا إلى السؤال من ~~جوابهم : { قال } ولم يقل : فقلت { اتقوا الله } أي اجعلوا بينكم وبين غضب ~~الملك الأعظم الذي له الكمال وقاية تمنعكم عن الاجتراء على الاقتراح { إن ~~كنتم مؤمنين * } أي بأنه قادر وإني رسوله , فلا تفعلوا فعل من وقف إيمانه ~~على رؤية ما يقترح من الآيات . | ولما كانت المعجزات إنما تطلب لإيمان من ~~لم يكن آمن , وكان في هذا الجواب أتم ms1352 زجر لهم , تشوف السامع إلى جوابهم ~~فقيل : لم ينتهوا بل { قالوا } إنا لا نريدها لأجل إزالة شك عندنا بل { ~~نريد } مجموع أمور : { أن نأكل منها } فإنا جياع ؛ ولما ك ان التقدير : ~~فتحصل لنا بركتها , عطف عليه : { وتطمئن قلوبنا } أي بضم ما رأينا منها إلى ~~ما سبق من معجزاتك من غير سؤالنا فيه { ونعلم } أي بعين اليقين وحقه أن قد ~~صدقتنا } أي في كل ما أخبرتنا به { ونكون عليها } وأشاروا إلى عمومها ~~بالتبعيض فقالوا : { من الشاهدين * } أي شهادة رؤية مستعلية عليها بأنها ~~وقعت , لا شهادة إيمان بأنها جائزة الوقوع { قال عيسى } ونسبه زيادة في ~~التصريح به تحقيقا ولأنه لا أب له وتسفيها لمن أطراه أو وضع من قدره فقال : ~~{ ابن مريم اللهم } فافتتح دعاءه بالاسم الأعظم ثم بوصف الإحسان فقال : { ~~ربنا } أي أيها المحسن إلينا { أنزل علينا } وقدم المقصود فقال : { مائدة } ~~وحقق موضع الإنزال بقوله : { من السماء } ثم وصفها بما PageV02P570 تكون به ~~بالغة العجب عالية الرتب فقال : { تكون } أي هي أو يوم نزولها { لنا عيدا } ~~وأصل العيد كل يوم فيه جمع , ثم قيد بالسرور فالمعنى : نعود إليها مرة بعد ~~مرة سرورا بها , ولعل منها ما يأتي من البركات حين ترد له عليه السلام - ~~كما في الأحاديث الصادقة , ويؤيد ذلك قوله مبدلا من ( لنا ) : { لأولنا ~~وآخرنا } . | ولما ذكر الأمر الدنيوي , أتبعه الأمر الديني فقال : { وآية ~~منك } أي علامة على صدقي { وارزقنا } أي رزقا مطلقا غير مقيد بها ؛ ولما ~~كان التقدير : فأنت خير المسؤولين , عطف عليه قوله : { وأنت خير الرازقين * ~~} أي فإنك تغني من تعطيه وتزيده عما يؤمله ويرتجيه بما لا ينقص شيئا مما ~~عندك , ولا تطلب منه شيئا غير أن ينفع نفسه بما قويته عليه من طاعتك بذلك ~~الرزق { قال الله } أي الملك المحيط علما وقدرة . | < < # | المائدة : ( 115 - 117 ) قال الله إني . . . . . # > > ^ ( قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا ~~لا أعذبه أحدا من العالمين * وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من ms1353 دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي ~~بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت ~~علام الغيوب * ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت ~~عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل ~~شيء شهيد ) ^ } ) | ولما كان ظاهر سؤالهم من الاستفهام عن الاستطاعة ~~للاضطراب وإن كان للإلهاب , أكد الجواب فقال : { إني منزلها عليكم } أي ~~الآن بقدرتي الخاصة بي { فمن يكفر بعد } أي بعد إنزالها { منكم } وهذا ~~السياق معشر بأنه يحصل منهم كفر , وقد وجد ذلك حتى في الحواريين على ما ~~يقال في يهودا الإسخريوطي أحدهم الذي دل على عيسى عليه السلام , فألقى شبهه ~~عليه , ولهذا خصه بهذا العذاب فقال : { فإني أعذبه } أي على سبيل البت ~~والقطع { عذابا لا أعذبه } أي مثله أبدا فيما يأتي من الزمان { أحدا من ~~العالمين * } وفي هذا أتم زاجر لهذه الأمة عن اقتراح الآيات , وفي ذكر قصة ~~المائدة في هذه السورة التي افتتحت بإحلال المآكل واختتمت بها أعظم تناسب , ~~وفي ذلك كله إشارة إلى تذكير هذه الأمة بما أنعم عليها بما أعطى نبيها من ~~المعجزات ومن عليها به من حسن الاتباع , وتحذير من كفران هذه النعم المعددة ~~عليهم , وقد اختلف المفسرون في حقيقة هذه المائدة وفي أحوالها ؛ قال أبو ~~حيان : وأحسن ما يقال فيه ما خرجه الترمذي في أبواب التفسير عن عمار بن ~~ياسر رضي الله عنه قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) أنزلت ~~المائدة من السماء خبزا ولحما , وأمروا أن لا يدخروا لغد ولا يخونوا , ~~PageV02P571 فخانوا وادخروا ورفعوا لغد , فمسخوا قردة وخنازير ( ) انتهى . ~~| قلت : ثم صحح الترمذي وقفه على عمار وقال : لا نعلم للحديث المرفوع أصلا ~~, غير أن ذلك لا يضره لكونه لا يقال من قبل الرأي , ولا اعلم أحدا ذكر ~~عمارا فيمن أخذ عن أهل الكتاب , فهو مرفوع حكما , وهذا الخبر يؤكد أن الخبر ~~في الآية على ms1354 بابه , فيدفع قول من قال : إنها لم تنزل , لأنهم لما سمعوا ~~الشرط قالوا : لا حاجة لنا بها , لأن خبره تعالى لا يخلف ولا يبدل القول ~~لديه , وهذا الرزق الذي من السماء قد وقع مثله لآحاد الأمة ؛ روى البيهقي ~~في أواخر الدلائل عن أبي هريرة قال : كانت امرأة من دوس يقال لها أم شريك ~~أسلمت في رمضان , فأقبلت تطلب من يصحبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~, فلقيت رجلا من اليهود فقال : ما لك يا أم شريك ؟ قالت : أطلب رجلا يصحبني ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : فتعالي فأنا أصحبك , قالت : ~~فانتظرني حتى أملأ سقائي ماء , قال : معي ماء ما لا تريدين ماء , فانطلقت ~~معهم فساروا يومهم حتى أمسوا , فنزل اليهودي ووضع سفرته فتعشى وقال : يا أم ~~شريك ! تعالي إلى العشاء ! فقالت : اسقني من الماء فإني عطشى , ولا أستطيع ~~أن آكل حتى أشرب , فقال لها : لا اسقيك حتى تهودي ! فقالت : لا جزاك الله ~~خيرا ! غربتني ومنعتني أن أحمل ماء , فقال : لا والله لا أسقيك منه قطرة ~~حتى تهودي , فقالت : لا والله لا أتهود أبدا بعد إذ هداني الله للإسلام ؛ ~~فأقبلت إلى بعيرها فعقلته ووضعت رأسها على ركبته فنامت , قالت : فما أيقظني ~~إلا برد دلو قد وقع على جبيني , فرفعت رأسي فنظرت إلى ماء أشد بياضا من ~~اللبن وأحلى من العسل , فشربت حتى رويت , ثم نضحت على سقائي حتى ابتل ثم ~~ملأته , ثم رفع بين يدي وأنا أنظر حتى توارى عني في السماء , فلما أصبحت ~~جاء اليهودي فقال : يا أم شريك ! قلت : والله قد سقاني الله , قال : من أين ~~أنزل عليك ؟ من السماء ؟ قلت : نعم , والله لقد أنزل الله علي من السماء ثم ~~رفع بين يدي حتى توارى عني في السماء ؛ ثم أقبلت حتى دخلت على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقصت عليه القصة , فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليها نفسها فقالت : يا رسول الله ! لست أرضي نفسي لك ولكن بضعي لك فزوجني ~~من شئت , فزوجها ms1355 زيدا وأمر لها بثلاثين صاعا وقال : ( كلوا ولا تكيلوا ) , ~~وكان معها عكة سمن هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لجارية لها : ~~بلغي هذه العكة رسول الله صلى الله عليه وسلم , قولي : أم شريك تقرئك ~~PageV02P572 السلام , وقولي : هذه عكة سمن أهديناها لك , فانطلقت بها ~~الجارية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوها ففرغوها , وقال لها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( علقوها ولا توكوها ) , فعلقوها في مكانها , ~~فدخلت أم شريك فنظرت إليها مملوءة سمنا , فقالت : يا فلانة ! أليس أمرتك أن ~~تنطلقي بهذه العكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقالت : قد والله ~~انطلقت بها كما قلت , ثم أقبلت بها أضربها ما يقطر منها شيء ولكنه قال : ~~علقوها ولا توكوها , فعلقتها في مكانها , وقد أوكتها أم شريك حين رأتها ~~مملوءة فأكلوا منها حتى فنيت , ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعا لم ينقص ~~منه شيء , قال : وروي ذلك من وجه آخر , ولحديثه شاهد صحيح عن جابر رضي الله ~~عنه . | وروي بإسناده عن أبي عمران الجوني أن أم أيمن هاجرت من مكة إلى ~~المدينة وليس معها زاد , فلما كانت عند الروحاء وذلك عند غيبوبة الشمس عطشت ~~عطشا شديدا , قالت : فسمعت هفيفا شديدا فوق رأسي , فرفعت رأسي فإذا دلو ~~مدلى من السماء برشاء أبيض , فتناولته بيدي حتى استمسكت به , قالت : فشربت ~~منه حتى رويت , قالت : فلقد أصوم بعد تلك الشربة في اليوم الحار الشديد ~~الحر ثم أطوف في الشمس كي أظمأ فما ظمئت بعد تلك الشربة . | قال : وفي ~~الجهاد عن البخاري عن أبي هريرة قال : ( بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عشرة رهط سرية عينا , وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنهم - فذكر الحديث حتى قال : فابتاع خبيبا - يعني ابن عدي ~~الأنصاري - بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف , وكان خبيب قد قتل ~~الحارث بن عامر يوم بدر , فلبث خبيب عندهم أسيرا , فأخبرني عبيد الله بن ~~عياض أن ابنة الحارث ms1356 قالت : والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خبيب , والله ~~لقد وجدته يوما ياكل من قطف عنب في يده وإنه لموثق في الحديد وما بمكة من ~~ثمر , وكانت تقول : إنه لرزق من الله رزق خبيبا ) الحديث . | ومن الأمر ~~الجلي أن عيسى عليه السلام بعد أمر الله تعالى له بذكر هذه النعم يقول في ~~ذلك الجمع فيذكرها ويذكر المقصود من التذكير بها , وهو الثناء على المنعم ~~بها بما يليق بجلاله , فيحمد ربه تعالى بمحامد تليق بذلك المقام في ذلك ~~الجمع , فمن أنسب الأمور حينئذ PageV02P573 سؤاله - وهو المحيط علما ~~بمكنونات الضمائر وخفيات السرائر إثر التهديد لمن يكفر - عما كفر به ~~النصارى , فلذلك قال تعالى عاطفا على قوله < # > 77 ( { إذا قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك } ) 77 < # > [ المائدة : 110 ] { وإذ قال الله } أي بما له من صفات الجلال والجمال ~~مشيرا إلى ما له من علو الرتبة بأداة النداء : { يا عيسى بن مريم } وذلك ~~تحقيقا لأنه عمل بمقتضى النعمة وتبكيتا لمن ضل فيه من النصارى وإنكارا ~~عليهم { أأنت قلت للناس } أي الذين أرسلت إليهم من بني إسرائيل , وكأنه عبر ~~بذلك لزيادة التوبيخ لهم , لكونهم اعتقدوا ذلك وفيهم الكتاب , فكأنه لا ناس ~~غيرهم { اتخذوني } أي كلفوا أنفسكم خلاف ما تعتقدونه بالفطرة الأولى في ~~الله بأن تأخذوني { وأمي إلهين } . | ولما كانت عبادة غير الله - ولو كانت ~~على سبيل الشرك - مبطلة لعبادة الله , لأنه سبحانه أغنى الأغنياء , ولا ~~يرضى الشرك إلا فقير , قال : { من دون الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفوء ~~له , فيكون المعنى : اتخذوا تألهنا سلما تتوصلون به إلى الله , ويجوز أن ~~يكون المعنى على المغايرة , ولا دخل حينئذ للمشاركة . | ولما كان من ~~المعلوم لنا في غير موضع أنه لم يقل ذلك , صرح به هنا توبيخا لمن أطراه , ~~وتأكيدا لما عندنا من العلم , وتبجيلا له صلى الله عليه وسلم بما يبدي من ~~الجواب , وتفضيلا بالإعلام بأنه لم يحد عن طريق الصواب , بل بذل الجهد في ~~الوفاء بالعهد , وتقريعا لمن قال ذلك عنه ms1357 وهو يدعي حبه واتباعه عليه السلام ~~وتخجيلا لهم , فلما تشوفت لجوابه الأسماع وأصغت له الآذان , وكان في ذكره ~~من الحكم ما تقدمت الإشارة إليه , ذكره سبحانه قائلا : { قال } مفتتحا ~~بالتنزيه { سبحانك } أي لك التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص , ودل بالمضارع ~~على أن هذا القول لا يزال ممنوعا منه فقال : { ما يكون لي } أي ما ينبغي ~~ولا يصح أصلا { وأن أقول } أي في وقت من الأوقات { ما ليس لي } وأغرق في ~~النفي كما هو حق المقام فقال : { بحق } . | ولما بادر عليه السلام إعظاما ~~للمقام إلى الإشارة إلى نفي ما سئل عنه , أتبعه ما يدل على أنه كان يكفي في ~~الجواب عنه : أنت أعلم , وإنما أجاب بما تقدم إشارة إلى أن هذا القول تكاد ~~السماوات يتفطرن منه ومبادرة إلى تبكيت من ادعاه له , فقال دالا على أنه لم ~~يقنع بما تضمن أعظم المدح لأن المقام للخضوع : { إن كنت قلته } أي مطلقا ~~للناس أو حدثت به نفسي { فقد علمته } وهو مبالغة في الأدب وإظهار الذلة ~~وتفويض الأمر كله إلى رب العزة ؛ ثم علل الإخبار بعلمه بما هو من خواص ~~الإله فقال : { تعلم } ولما كانت النفس يعبر بها عن الذات , وكان القول ~~يطلق على النفس , PageV02P574 فإذا انتفى انتفى اللساني , قالك { ما في ~~نفسي } أي وإن اجتهدت في إخفائه , فإنه خلقك , وما أنا له إلا آلة ووعاء , ~~فكيف به إن كنت أظهرته . | ولما أثبت له سبحانه ذلك , نفاه عن نفسه توبيخا ~~لمن ادعى له الإلهية فقال مشاكلة : { ولا أعلم ما في نفسك } أي ما أخفيته ~~عني من الأشياء ؛ ثم علل الأمرين كليهما بقوله : { إنك أنت } أي وحدك لا ~~شريك لك { علام الغيوب * } . | ولما نفى عن نفسه ما يستحق النفي ودل عليه , ~~أثبت ما قاله لهم على وجه مصرح بنفي غيره ليكون ما نسب إليه من دعوى ~~الإلهية منفيا مرتين : إشارة وعبارة , فقال معبرا عن الأمر بالقول مطابقة ~~للسؤال , وفسر بالأمر بيانا لأن كل ما قاله من مباح أو غيره دائر على الأمر ~~من حيث ms1358 الإعتقاد بمعنى أن المخاطب بما قاله الرسول مأمور بأن يعتقد فيه أنه ~~بتلك المنزلة , لا يجوز أن يعتقد فيه أنه فوقها ولا دونها , يعبد الله ~~تعالى بذلك : { ما قلت لهم } أي ما أمرتهم بشيء من الأشياء { إلا ما أمرتني ~~به } ثم فسره دالا بشأن المراد بالقول الأمر بالتعبير في تفسيره بحرف ~~التفسير بقوله : { أن اعبدوا } أي ما أمرتهم إلا بعبادة { الله } أي الذي ~~لم يستجمع نعوت الجلال والجمال أحد غيره ؛ ثم أشار غلى أنه كما يستحق ~~العبادة لذاته يستحقها لنعمه فقال : { ربي وربكم } أي أنا وأنتم في عبوديته ~~سواء , وهذا الحصر يصح أن يكون للقلب على أن دون بمعنى غير , وللإفراد على ~~أنها بمعنى سفول المنزلة , وهو من بدائع الأمثلة . | ولما فهم صلى الله ~~عليه وسلم من هذا السؤال أن أتباعه غلوا في شأنه , فنزه الله سبحانه وعز ~~شأنه من ذلك وأخبره بما أمر الناس به في حقه سبحانه من الحق , اعتذر عن ~~نفسه بما يؤكد ما مضى نفيا وإثباتا فقال : { وكنت عليهم } أي خاصة لا على ~~غيرهم . | ولما كان سبحانه قد أرسله شاهدا , زاد في الطاعة في ذلك إلى أن ~~بلغ جهده كإخوانه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , فقال معبرا بصيغة ~~المبالغة : { شهيدا } أي بالغ الشهادة , لا أرى فيهم منكرا إلا اجتهدت في ~~إزالته { ما دمت فيهم } وأشار إلى الثناء على الله بقوله : { فلما توفيتني ~~} أي رفعتني إلى السماء كامل الذات والمعنى مع بذلهم جهدهم في قتلي { كنت ~~أنت } أي وحدك { الرقيب } أي الحفيظ القدير { عليهم } لا يغيب عليك شيء من ~~أحوالهم , وقد منعتهم أنت أن يقولوا شيئا غير ما أمرتهم أنا به من عبادتك ~~بما نصبت لهم من الأدلة وأنزلت عليهم على لساني من البينات { وأنت على كل ~~شيء } أي منهم ومن غيرهم حيوان وجماد { شهيد * } أي مطلع غاية الاطلاع , لا ~~يغيب عنك شيء منه سواء كان في عالم الغيب أو الشهادة , فإن كانوا قالوا ذلك ~~فأنت تعلمه دوني , لأني لما بعدت عنهم في المسافة انقطع علمي عن ms1359 أحوالهم . ~~| PageV02P575 < < # | المائدة : ( 118 - 120 ) إن تعذبهم فإنهم . . . . . # > > ^ ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم * ~~قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيهآ أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم * لله ملك ~~السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير ) ^ } ) | ولما كان هذا الذي ~~سلف كله سؤالا وجوابا وإخبارا حمد الله تعالى وثناء عليه بما هو أهله ~~بالتنزيه له والاعتراف بحقه والشهادة له بعلم الخفايا والقدرة والحكمة وغير ~~ذلك من صفات الجلال والجمال , وكان هذا السؤال يفهم إرادة التعذيب للمسؤول ~~عنهم مشيرا إلى الشفاعة فيهم على وجه الحمد لله سبحانه وتعالى والثناء ~~الجميل عليه لأن العذاب ولو للمطيع عدل , والعفو عن المعاصي بأي ذنب كان ~~فضل مطلقا , وغفران الشرك ليس ممتنعا بالذات , قال : { إن تعذبهم } أي ~~القائلين بهذا القول { فإنهم عبادك } أي فأنت جدير بأن ترحمهم ولا اعتراض ~~عليك في عذابهم لأن كل حكمك عدل { وإن تغفر لهم } أي تمح ذنوبهم عينا وأثرا ~~{ فإنك أنت } أي خاصة أنت { العزيز } فلا أحد يعترض عليك ولا ينسبك إلى وهن ~~{ الحكيم * } فلا تفعل شيئا إلا في أعلى درج الإحكام , لا قدرة لأحد على ~~تعقيبه ولا الاعتراض على شيء منه . | ولما انقضى جوابه عليه الصلاة والسلام ~~على هذا الوجه الجليل , تشوف السامع إلى جواب الله له , فقال تعالى مشيرا ~~إلى كون جوابه حقا ومضمونه صدقا , منبها على مدحه حاثا على ما بنيت عليه ~~السورة من الوفاء بالعقود : { قال الله } أي الملك المحيط بالجلال والإكرام ~~جوابا لكلامه { هذا } أي مجموع يوم القيامة ؛ ولما كان ظهور الجزاء النافع ~~هو المقصود قال : { يوم } هذا على قراءة الجماعة بالرفع , وقراءة نافع ~~بالنصب غير منون أيضا لإضافته إلى متمكن بمعنى : هذا الذي ذكر واقع ؛ أو ~~قال الله هذا الذي تقدم يوم { ينفع الصادقين } أي العريقين في هذا الوصف ~~نفعا لا يضرهم معه شيء { صدقهم } أي الذي كان لهم في الدنيا وصفا ثابتا , ~~فحداهم على الوفاء بما ms1360 عاهدوا عليه , فكأنه قيل : ينفعهم بأي شيء ؟ فقال : ~~{ لهم جنات } أي هي من ري الأرض الذي يستلزم زكاء الشجر وطيب الثمر بحيث { ~~تجري } ولما كان تفرق المياه في الأراضي أبهج , بعض فقال : { من تحتها ~~الأنهار } ولما كان مثل هذا لا يريح إلا إذا دام قال : { خالدين فيها } ~~وأكد معنى ذلك بقوله : { أبدا } . | ولما كان ذلك لا يتم إلا برضى المالك ~~قال : { رضي الله } أي الذي له صفات الكمال { عنهم } أي بجميع ما له من ~~الصفات , وهو كناية عن أنه أثابهم بما يكون من الراضي ثوابا متنوعا بتنوع ~~ما له من جميع صفات الكمال والجمال ؛ ولما كان ذلك لا يكمل ويبسط ويجمل إلا ~~برضاهم قال : { ورضوا عنه } يعني أنه لم يدع لهم شهوة إلا PageV02P576 ~~أنالهم إياها , وقال ابن الزبير بعدما أسلفته عنه : فلما طلب تعالى ~~المؤمنين بالوفاء فيما نقض به غيرهم , وذكرهم ببعض ما وقع فيه النقض وما ~~أعقب ذلك فاعله , وأعلمهم بثمرة التزام التسليم والمتثال , أراهم جل وتعالى ~~ثمرة الوفاء وعاقبته , فقال تعالى < # > 77 ( { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أنت قلت للناس } ) 77 < # > [ المائدة : 116 ] إلى قوله - { هذا يوم ينفع الصادقين } - إلى آخرها . ~~| فيحصل من جملتها الأمر بالوفاء فيما تقدمها وحال من حاد ونقض , وعاقبة من ~~وفى , وأنهم الصادقون , وقد أمرنا أن نكون معهم < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } ) 77 < # > [ التوبة : 119 ] - انتهى . | ولما كان سبحانه قد أمرهم أول السورة ~~بالوفاء شكرا على ما أحل لهم في دنياهم , ثم أخبر أنه زاد الشاكرين منهم ~~ورقاهم إلى أن أباحهم أجل النفائس في أخراهم , ووصف سبحانه هذا الذي أباحه ~~لهم إلى أن بلغ في وصفه ما لا مزيد عليه , أخذ يغبطهم به فقال : { ذلك } أي ~~الأمر العالي لا غيره { الفوز العظيم * } . | ولما كان هذا الذي أباحه لهم ~~وأباحهم إياه لا يكون إلا بأسباب لا تسعها العقول , ولا تكتنه بفروع ولا ~~أصول , علل إعطاءه إياه وسهولته لديه بقوله مشيرا إلى أن كل ما ادعيت فيه ~~الإلهية ms1361 مما تقدم في هذه السورة وغيرها بعيد عن ذلك , لأنه ملكه وفي ملكه ~~وتحت قهره : { الله } أي الملك الذي لا تكتنه عظمته ولا تضعف قدرته , لا ~~لغيره { ملك السماوات } بدأ بها لأنها أشرف وأكبر , وآياتها أدل وأكثر { ~~والأرض } على اتساعهما وعظمهما وتباعد ما بينهما { وما فيهن } أي من جوهر ~~وعرض . | ولما كان ذلك أنهى ما نعلمه , عمم بقوله : { وهو على كل شيء } أي ~~من ذلك وغيره من كل ما يريد { قدير * } فلذلك هو يحكم ما يريد لأنه هو ~~الإله وحده , وهو قادر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء , وإحلال ما شاء ~~وتحريم ما شاء , والحكم بما يريد ونفع الصادقين الموفين بالعقود الثابتين ~~على العهود , لأن له ملك هذه العوالم وما فيها مما ادعى فيه الإلهية من ~~عيسى وغيره , والكل بالنسبة إليه أموات , بل موات جديرون بأن يعبر عنهم ب ( ~~ما ) لا ب ( من ) , فمن يستحق معه شيئا ومن يملك معه ضرا أو نفعا ! وقد ~~انطبق آخر السورة على أولها كما ترى أي انطباق , واتسقت جميع آياتها أخذا ~~بعضها بحجز بعض أي اتساق ؛ فسبحان من أنزل هذا القرآن على أعظم البيان ! ~~مخجلا لمن أباه من الأمم , معجزا لأصحاب السيف والقلم , والله سبحانه ~~وتعالى أعلم . | . . . . | PageV02P577 < # > سورة الأنعام < # > < < # | الأنعام : ( 1 - 2 ) الحمد لله الذي . . . . . # > > ^ ( الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون * هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى ~~عنده ثم أنتم تمترون ) ^ } ) | مقصودها الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب ~~في السورة الماضية من التوحيد بأنه الحاوي لجميع الكمالات من الإيجاد ~~والإعدام والقدرة عل البعث وغيره , وأنسب الأشياء المذكورة فيها لهذا ~~المقصد الأنعام , لأن الإذن فيها - كما يأتي - مسبب عما ثبت له من الفلق ~~والتفرد بالخلق , تضمن باقي ذكرها إبطال ما اتخذوه من أمرها دينا , لأنه لم ~~يأذن فيه ولا أذن لأحد معه , لأنه المتوحد بالإلهية , لا شريك له , وحصر ~~المحرمات من المطاعم التي هي جلها في هذا الدين وغيره , فدل ذلك على ms1362 إحاطة ~~علمه , وسيأتي في سورة طه البرهان الظاهر على أن إحاطة العلم ملزومة لشمول ~~القدرة وسائر الكمالات , وذلك عين مقصود السورة , وقد ورد من عدة طرق - كما ~~بينت ذلك في كتابي ( مصاعد النظر ) أنها نزلت جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ~~ملك , لهم زجل بالتسبيح , وفي رواية : إن نزولها كان ليلا , وإن الأرض كانت ~~ترتج لنزولها . | وهي كلها في حجاج المشركين وغيرهم من المبتدعة والقدرية ~~وأهل الملل PageV02P578 الزائغة , وعليها مبنى أصول الدين لاشتمالها على ~~التوحيد والعدل ولنبوة والمعاد وإبطال مذاهب الملحدين , وإنزالها على ~~الصورة المذكورة يدل على أن أصول الدين في غاية الجلالة , وأن تعلمه واجب ~~على الفور لنزولها جملة , بخلاف الأحكام فإنها تفرق بحسب المصالح , ~~ولنزولها ليلا دليل على غاية البركة لأنه محل الأنس بنزوله تعالى إلى سماء ~~الدنيا , وعلى أن هذا العلم لا يقف على أسراره إلا البصراء الأيقاظ من سنة ~~الغفلات , أولو الألباب أهل الخلوات , والأرواح الغالبة على الأبدان وهم ~~قليل . | { بسم الله } الذي بين دلائل توحيده بأنه الجامع لصفات الكمال { ~~الرحمن } الذي أفاض على سائر الموجودات من رحمته بالإيجاد والإعدام ما حير ~~لعمومه الأفهام , فضاقت به الأوهام { الرحيم * } الذي حبا أهل الإيمان بنور ~~البصائر حتى كان الوجود ناطقا لهم , بالإعلام بأنه الحي القيوم السلام . | ~~{ الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال { لله } . | لما ختم سبحانه تلك بتحميد ~~عيسى عليه السلام لجلاله في ذلك اليوم في ذلك الجمع , ثم تحميد نفسه ~~المقدسة بشمول الملك والقدرة , إذ الحمد هو الوصف بالجميل ؛ افتتح سبحانه ~~وتعالى هذه السورة بالإخبار بأن ذلك الحمد وغيره من المحامد مستحق له ~~استحقاقا ثابتا دائما قبل إيجاد الخلق وبعد إيجاده سواء شكره العباد أو ~~كفروه , لما له سبحانه وتعالى من صفات الجلال والكمال - على ما تقدمت ~~الإشارة إليه في الفاتحة - فأتى بهذه الجملة الاسمية المفتتحة باسم الحمد ~~الكلي الجامع لجميع أنواعه الدالة على الاستغراق , إما بأن اللام له عند ~~الجمهور , أو بأنها للجنس - كما هو مذهب الزمخشري , ويؤول إلى مذهب الجمهور ~~, فإن الجنس إذا كان مختصا به لم ms1363 يكن فرد منه لغيره , إذ الجنس لا يوجد إلا ~~ضمن أفراده , فمتى وجد فرد منه لغيره كان الجنس موجودا فيه فلم يكن الجنس ~~مختصا به وقد قلنا : إنه مختص , وهذا التحميد صار بوصفه فردا من أفراد ~~تحميد الفاتحة تحقيقا لكونها أما , وعقبها سبحانه بالدليل الشهودي على ما ~~ختم به تلك من الوصف بشمول القدرة بوصفه بقوله : { الذي خلق } . | ولما كان ~~تعدد السماوات ظاهرا بالكواكب في سيرها وحركاتها في السرعة والبطوء واستتار ~~بعضها ببعض عند الخسوف وغيره وغير ذلك مما هو محرر عند أهله : جمعها فقال : ~~{ السماوات } أي على علوها وإحكامها , قدمها لما تقدم قريبا { والأرض } أي ~~على تحليها بالمنافع وانتظامها . | ولما كان في الجعل معنى التضمن فلا يقوم ~~المجعول بنفسه قال : { وجعل } أي أحدث وأنشأ لمصالحكم { الظلمات } أي ~~الأجرام المتكاثفة كما تقدم { والنور * } وجمع الأول تنبيها على أن طرق ~~الشر والهلاك كثيرة تدور على الهوى , وقد تقرر بهذا PageV02P579 ما افتتح ~~به السورة , لأن من تفرد باختراع الأشياء كان هو المختص بجميع المحامد , ~~ومن اختص بجميع المحامد لم يكن إله سواه ولم يكن له شريك , لا ثاني اثنين ~~ولا ثالث ثلاثة ولا غير ذلك , وما أحسن ختمها - بعد الإشارة إلى هذه ~~المقاصد المبعدة لأن يكفر به أو يعدل به شيء - بقوله : { ثم الذين كفروا } ~~أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من أدلة وحدانيته التي لا خفاء بها عن أحد ~~جرد نفسه من الهوى , وعالج أدواءه بأنفع دواء , لإحاطته بجميع صفات الكمال ~~, وزاد الأمر تقبيحا عليهم بإبدال ما كان الأصل في الكلام من الضمير بقوله ~~: { بربهم } أي المحسن إليهم الذي لم يروا إحسانا إلا منه { يعدلون * } أي ~~يجعلون غيره ممن لا يقدر على شيء معادلا له مع معرفتهم به بأنه الذي أبدع ~~الأشياء , كفرا لنعمته وبعدا من رحمته , فبعضهم عدل به بعض الجواهر من خلقه ~~من السماء كالنجوم , أو من الأرض كالأصنام , أو بعض ما ينشأ عن بعض خلقه من ~~الأعراض وهو خلقه كالنور والظلمة , والحال أن تقلباتهما تدل بأدنى النظر ~~على ms1364 أمرين : الأول بعدهما عن الصلاحية للإلهية لتغيرهما < # > 77 ( { قال لا أحب الآفلين } ) 77 < # > [ الأنعام : 76 ] , والثاني قدرة خالقهما ومغيرهما على البعث لإيجاد كل ~~منهما بعد إعدامه كما هو شأن البعث - إلى غير ذلك من الأسرار التي تدق عن ~~الأفكار , وتقديم الظلمة مناسب لسياق العادلين , والتعبير بثم للتنبيه على ~~ما كان ينبغي لكل راو لهذا الخلق من الإبعاد عن الكفر لبعده عن الصواب , ~~فقد لاح أن مقصد السورة الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب الذي تبين أنه ~~الهدى من توحيد الله والاجتماع عليه والوفاء بعهوده بأنه سبحانه وحده ~~الخالق الحائز لجميع الكمالات من القدرة على البعث وغيره , وما أنسب ذلك ~~بختم المائدة بذكر يوم الجمع وأن لملكه جميع الملك , وهو على كل شيء قدير , ~~وهذه السورة أول السور الأربع المشيرة إلى جميع النعم المندرجة تحت النعم ~~الأربع التي اشتملت عليها الفاتحة , وكل سورة منها مشيرة إلى نعمة من النعم ~~الأربع , فقوله : { خلق السماوات والأرض } - الآية ثم { خلقكم من طين } ثم ~~< # > 77 ( { وما من دابة في الأرض } ) 77 < # > [ الأنعام : 38 ] - الآية , متكفل بتفصيل نعمة الإيجاد الأول لجميع ~~العالمين من السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما من آدمي وغيره المشار ~~إليه في الفاتحة برب العالمين كما تقدم . | ولما تكفلت السور المتقدمة ~~بالرد على مشركي العرب واليهود والنصارى مع الإشارة إلى إبطال جميع أنواع ~~الشرك , سيق مقصود هذه السورة في أساليب متكفلة بالرد على بقية الفرق , وهم ~~الثنوية من المجوس القائلون بإلهين اثنين وبأصلين : النور والظلمة , ويقرون ~~بنبوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقط , والصابئة القائلون بالأوثان ~~PageV02P580 السماوية والأصنام الأرضية متوسطين إلى رب الأرباب , وينكرون ~~الرسالة في الصورة البشرية , وأصحاب الروحانيات , أعني مدبرات الكواكب ~~والأفلاك , وينتسبون إلى ملة إبراهيم عليه السلام , ويدعون أنه منهم - وقد ~~أعاذه الله من ذلك , والسمنية القائلون بإلهية الشمس , مع تأكيد الرد على ~~الفرق المتقدمة على أن جميع فرقهم يجتمعون في اعتبار النجوم , يتبين ذلك ~~لمن نظر في كتب فتوح بلاد الفرس في أيام الصديق والفاروق رضي الله عنهما , ~~وقال تنكلوشا ms1365 البابلي في أول كتابه في أحكام الدرج الفلكية : إن القدماء من ~~الكسدانيين استنبطوا غوامض أسرار الفلك , وكان عندهم أجل العلوم ولم يكونوا ~~يظهرون علم الفلك لكل الناس , بل كانوا يخفون أكثره عن عامتهم , ويعطونهم ~~منه بمقدار ما يصلح , ويتدارسون الباقي بينهم مطويا بين علمائهم وحكمائهم , ~~ثم ذكر تقسيمهم درج الفلك على ثلاثمائة وستين , ثم قال : وقسموا الدرج ~~أقساما كثيرة حتى قالوا : إن بعضها ذكور وبعضها إناث , وبعضها مسعدة وبعضها ~~منحسة , ثم قال : كل ذلك يريدون فيه الدلالة منها على ما تدل عليه في ~~عالمنا وعلى أحوالنا حتى جعلوا لكل درجة عالما وخلقا منفردا بمدته , وأن ~~ذلك العالم والخلق يندرسون وينشأ بعدهم غيرهم - إلى غير ذلك من الكلام الذي ~~يرجع إلى اعتقاد تأثير النجوم بنفسها - تعالى الله عن أن يكون له شريك أو ~~يكون له كفوا أحد . | ولما قرر سبحانه أنه هو الذي خلق المساوات والأرض ~~اللتين منهما وفيهما الأصنام والكواكب والأجرام التي عنها النور والظلمة , ~~فثبت وجوده على ما هو عليه من الإحاطة بأوصاف الكمال التي أثبتها الحمد , ~~فبطلت جميع مذاهبهم , فعجب منهم بكونهم يعدلون به غيره , أتبع ذلك اختصاصه ~~بخلق هذا النوع البشري , وهو - مع ما فيه من الشواهد له بالاختصاص بالحمد ~~والرد على المطرين لعيسى عليه السلام المخلوق من الطين بخلق أبيهم آدم عليه ~~السلام - مؤكد لإبطال مذهب الثنوية , وذلك أنهم يقولون : إن النار خالق ~~الخير , والظلمة خالقة الشر , فإذا ثبت أنه الخالق لنوع الآدميين الذين ~~منهم الخير والشر من شيء واحد , وهو الطين الذي ولد منه المني الذي جعل منه ~~الأعضاء المختلفة في اللون والصورة والشكل من القلب وغيره من الأعضاء ~~البسيطة كالعظام والغضاريف , والرباطات والأوتار , ثبت أن خالق أوصافهم من ~~الخير والشر واحد قدير عليم , لأن توليد الصفات المختلفة من المادة ~~المتشابهة لا يكون إلا ومبدعه واحد مختار , لا اثنان , وهو الذي خلق الأرض ~~التي منها أصلهم , وهو الله الذي اختص PageV02P581 بالحمد فقال : { هو الذي ~~خلقكم } ولما كانوا يستبعدون البعث لصيرورة الأموات ترابا واختلاط تراب ~~الكل ms1366 بعضه ببعض وبتراب الأرض , فيتعذر التمييز , وكان تمييز الطين لشدة ~~اختلاط أجزائه بالماء أعسر من تميز التراب قال : { من طين } أي فميز طينة ~~كل منكم - مع أن منكم الأسود والأبيض وغير ذلك والشديد وغيره - من طينة ~~الآخر بعد أن جعلها ماء ثخينا له قوة الدفق ونماها إلى حيث شاء من الكبر . ~~| ولما كان من المعلوم أن ما كانا من شيء واحد كانت مدة بقائهما واحدة , ~~نبه بأداة التراخي على كمال قدرته واختياره من المفاوتة بين الآجال فقال : ~~{ ثم قضى } أي حكم حكما تاما وبت وأوجد { أجلا } أي وقتا مضروبا لانقضاء ~~العمر وقطع التأخر لكل واحد منكم خيرا كان أو شريرا , قويا كان أو ضعيفا , ~~من أجل يأجل أجولا - إذا تأخر , وجعل تلك الآجال - مع كونها متفاوتة - ~~متقاربة لا مزية لأحد منكم بصفة على آخر بصف ةمغاترة لها , وفاعل ذلك لا ~~يكون إلا واحدا فاعلا باختيار . | ولما ذكر الأجل الأول الذي هو الإبداع من ~~الطين إشارة إلى ما فرع منه من الآجال المتفاوتة , ذكر الأجل الآخر الجامع ~~للكل , لأن ذكر البداية يستدعي ذكر النهاية , فقال مشيرا إلى تعظيمه ~~بالاستئناف والتنكير : { وأجل } أي عظيم { مسمى } أي لكم أجمعين لانقضاء ~~البرزخ للإعادة التي هي في مجاري عاداتكم أهون من الابتداء لمجازاتكم ~~والحكم بينكم الذي هو محط حكمته ومظهر نعمته ونقمته في وقت واحد , يتساوى ~~فيه الكل , وستر علمه عن الكل كما أشار إليه بالتنكير , وهذا لا يصح أن ~~يكون إلا لواحد , لا متعدد , وإلا لتباينت المقادير والإرادات وانشق كل ~~مقدور في صنف لا يتعداه , وإلا لعلا بعضهم على بعض وانهتكت أسرار البعض ~~بالبعض - سبحان الله وتعالى عما يصفون , وغير السياق إلى الاسمية إشارة إلى ~~اختصاصه بعلمه وأنه ثابت لا شك فيه ! ويؤكده إثبات قوله : { عنده } في هذه ~~الجملة وحذفها من الأولى هنا وفي قوله < # > 77 ( { ثم يبعثكم فيه ليقضي أجل مسمى } ) 77 < # > [ الأنعام : 60 ] , وقدم المبتدأ مع تنكيره - والأصل تأخيره - إفادة ~~لتعظيمه . | ولما كان في هذا البيان لوحدانيته وتمام قدرته لا سيما على ms1367 ~~البعث الذي هو مقصود حكمته ما يبعد معه الشك في الإعادة , أشار إليه بأداة ~~التراخي وصيغة الافتعال فقال : { ثم أنتم تمترون * } أي تكلفون أنفسكم الشك ~~في كل من الوحدانية والإعادة التي هي أهون على مجاري عاداتكم من الابتداء ~~بتقليد الآباء , والركون إلى مجرد الهوى والإعراض عن الأدلة التي هي أظهر ~~من ساطع الضياء , وهذه الآية نظير آية الروم < # > 77 ( { أولم يتفكروا في أنفسهم } ) 77 < # > [ الروم : 8 ] أي كيف خلقهم الله من طين , وسلط بعضهم PageV02P582 على ~~بعض بالظلم والعدوان , وجعل لهم آجالا فاوت بينها وساوى في ذلك بين الأصل ~~والفرع , فأنتج هذا أنه ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~, أي بسبب إقامة العدل في جميع ما وقع بينكم من الاختلاف كما هو شأن كل ~~مالك في عبيده { وأجل مسمى } - الآية . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ~~لما بين سبحانه وتعالى حال المتقدمين وهو الصراط المستقيم , وأوضح ما يظهر ~~الحذر من جانبي الأخذ والترك , وبين حال من تنكب عنه ممن كان قد يلمحه , ~~وهم اليهود والنصارى , وكونهم لم يلتزموا الوفاء به وحادوا عما أنهج لهم , ~~وانقضى أمر الفريقين , ذما لحالهم وبيانا لنقضهم وتحذيرا للمتقين أن يصيبهم ~~ما أصابهم , وختم ذلك ببيان حال المؤقنين في القيامة يوم ينفع الصادقين ~~صدقهم , وقد كان انجر مع ذلك ذكر مشركي العرب وصممهم عن الداعي وعماهم عن ~~الآيات , فكانوا أشبه بالبهائم منهم بالأناسي , أعقب ذلك تعالى بالإشارة ~~غلى طائفة مالت إلى النظر والاعتبار , فلم توفق لإصابة الحق وقصرت عن ~~الاستضاءة بأنوار الهدى . | وليسوا ممن يرجع إلى شريعة قد حرفت وغيرت , بل ~~هم في صورة من هم , أن يهتدي بهدى الفطرة ويستدل بما بسط الله تعالى في ~~المخلوقات فلم يمعن النظر ولم يوفق فضل وهم المجوس وسائر الثنوية ممن كان ~~قصارى أمره نسبة الفعل إلى النور والإظلام , ولم يكن تقدم لهؤلاء ذكر ولا ~~إخبار بحال فقال تعالى : { الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل ~~الظلمات والنور } فبدأ تعالى بذكر خلق السماوات والأرض التي عنها وجد ms1368 النور ~~والظلمة , إذ الظلمة ظلال هذه الأجرام , والنور عن أجرام نيرة محمولة فيها ~~وهي الشمس والقمر والنجوم , فكان الكلام : الحمد لله الذي أوضح الأمر لمن ~~اعتبر واستبصر , فعلم أن وجود النور والظلمة متوقف بحكم السببية التي شاءها ~~تعالى على وجود أجرام السماوات والأرض وما أودع فيها , ومع بيان الأمر في ~~ذلك حاد عنه من عمي عن الاستبصار < # > 77 ( { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ) 77 < # > [ الأنعام : 1 ] وقوله تعالى : < # > 77 ( { هو الذي خلقكم من طين } ) 77 < # > [ الأنعام : 2 ] مما يزيد هذا المعنى وضوحا , فإنه تعالى ذكر أصلنا ~~والمادة التي عنها أوجدنا , كما ذكر للنور والظلمة ما هو كالمادة , وهو ~~وجود السماوات والأرض , وأشعر لفظ { جعل } بتوقف الوجود بحسب المشيئة على ~~ما ذكر , وكان قد قيل : أي فرق بين وجود النور والظلمة عن وجود السماوات ~~والأرض وبين وجودكم عن الطين حتى يقع امتراء فيه عن نسبة الإيجاد إلى النور ~~والظلمة , وهما لم يوجدا إلا بعد مادة أو سبب كما طرأ في إيجادكم ؟ فالأمر ~~في ذلك أوضح شيء < # > 77 ( { ثم أنتم تمترون } ) 77 < # > [ الأنعام : 2 ] ثم مرت السورة من أولها إلى آخرها منبهة على بسط ~~الدلالات في الموجودات مع التنبيه على أن ذلك لا PageV02P583 يصل إلى ~~استثمار فائدته إلا من هيئ بحسب السابقة فقال تعالى : < # > 77 ( { إنما يستجيب الذين يسمعون } ) 77 < # > [ الأنعام : 36 ] ثم قال تعالى : < # > 77 ( { والموتى يبعثهم الله } ) 77 < # > [ الأنعام : 36 ] , وهو - والله أعلم - من نمط { أو من كان ميتا ~~فأحييناه } , أجمل هنا ثم فسر بعد في السورة بعينها , والمراد أن من الخلق ~~من جعله الله سامعا مطيعا متيقظا معتبرا بأول وهلة , وقد أري المثال سبحانه ~~وتعالى في ذلك في قصة إبراهيم عليه السلام في قوله : < # > 77 ( { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض } ) 77 < # > [ الأنعام : 75 ] , فكأنه يقول لعباده المتقين : تعالوا فانهجوا طريق ~~الاعتبار ملة أبيكم إبراهيم كيف نظر عليه السلام نظر السامع المتيقظ ! فلم ~~يعرج في أول نظره على ما سبب وجوده بين فيحتاج فيه إلى غرض في الكواكب ~~والقمر ms1369 والشمس , بل نظر فيما عنه صدر النور , لا في النور , فلما جن عليه ~~الليل رأى كوكبا , فتأمل كونه عليه ا لسلام لم يطول النظر بالتفات النور , ~~ثم كان يرجع إلى اعتبار الجرم الذي عنه النور , بل لما رأى النور عن أجرام ~~سماوية تأمل تلك الأجرام وما قام بها من الصفات , فرأى الأفول والطلوع ~~والانتقال والتقلب فقال : هذا لا يليق بالربوبية لأنها صفات حدوث , ثم رقى ~~النظر إلى القمر والشمس فرأى ذلك الحكم جاريا فيهما فحكم بأن وراءها مدبرا ~~لها يتنزه عن الانتقال والغيبة والأفول فقال : < # > 77 ( { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض } ) 77 < # > [ الأنعام : 79 ] وخص عليه السلام ذكر هذين لحملهما أجرام النور ~~وسببيتهما في وجود الظلمة , ثم تأمل هذا النظر منه عليه السلام وكيف خص ~~بالاعتبار أشرف الموجودين وأعلاهما , فكان في ذلك وجهان من الحكمة : أحدهما ~~علو النظر ونفوذ البصيرة في اعتبار الأشرف الذي إذا بان منه الأمر فهو فيما ~~سواه أبين , فجمع بين قرب التناول وعلو التهدي , والوجه الثاني التناسب بين ~~حال الناظر والمنظور فيه والتناول والجري على الفطرة العلية ( وهو من قبيل ~~أخذ نبينا صلى الله عليه وسلم اللبن حين عرض عليه اللبن والخمر فاختار ~~اللبن , فقيل له : اخترت الفطرة ! فكان قد قيل : هذا النظر والاعتبار ~~بالهام , لا نظر من أخلد إلى الأرض فعمد الضياء والظلام , وينبغي أن يعتمد ~~في قصة إبراهيم عليه السلام في هذا الاعتبار أنه صلى الله عليه وسلم في ~~قوله : { هذا ربي } إنما قصد قطع حجة من عبد شيئا من ذلك إذ كان دين قومه , ~~فبسط لهم الاعتبار والدلالة , وأخذ يعرض ما قد تنزه قدره عن الميل إليه , ~~فهو كما يقول PageV02P584 المناظر لمن يناظره : هب أن هذا على ما تقول . | ~~يريد بذلك إذعان خصمه واستدعاءه للاعتبار حتى يكون غير مناظر له ما لا ~~يعتقده , ليبني على ذلك مقصوده ليقلع خصمه وهو على يقين من أمره , فهذا ما ~~ينبغي أن يعتمد هنا لقول يوسف عليه السلام < # > 77 ( { ما كان لنا أن نشرك بالله ms1370 من شيء } ) 77 < # > [ يوسف : 38 ] , فالعصمة قد اكتنفتهم عما يتوهمه المبطلون ويتقوله ~~المفترون , ويشهد لما قلناه قوله تعالى : < # > 77 ( { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } ) 77 < # > [ الأنعام : 83 ] فهذه حال من علت درجته من الذين يسمعون , فمن الخلق ~~من جعله الله سامعا بأول وهلة وهذا مثال شاف في ذلك , ومنهم الميت , و ~~الموتى على ضربين : منهم من يزاح عن جهله وعمهه , ومنهم من يبقى في ظلماته ~~ميتا لا حراك به , يبين ذلك قوله تعالى : < # > 77 ( { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها } ) 77 < # > [ الأنعام : 122 ] ؛ ولما كانت السورة متضمنة جهات الاعتبار ومحركة إلى ~~النظر ومعلنة من مجموع آيها أن المعتبر والمتأمل - وإن لم يكن متيقظا بأول ~~وهلة , ولا سامعا أول محرك , ولا مستجيبا لأول سامع - قد ينتقل حاله عن ~~جموده وغفلته إلى أن يسمع ويلحق بمن كان يتيقظ في أول وهلة ؛ ناسب تحريك ~~العباد وأمرهم بالنظر أن تقع الإشارة في صدر السورة إلى حالتين : حالة ~~السامعين لأول وهلة , وحالة السامعين في ثاني حال , فقيل : < # > 77 ( { إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله } ) 77 < # > [ الأنعام : 36 ] ولم تقع هنا إشارة غلى القسم الثالث مع العلم به , ~~وهو الباقي على هموده وموته ممن لم يحركه زاجر ولا واعظ ولا اعتبار , ولأن ~~هذا الضرب لو ذكر هنا لكان فيه ما يكسل من ضعفت همته , رجعت حالة ابتدائه , ~~فقيل : { والموتى يبعثهم الله } وأطلق ليعمل الكل على هذا البعث من الجهل ~~والتيقظ من سنة الغفلة كما دعا لكل إلى الله دعاء واحدا فقيل : { يا أيها ~~الناس اعبدوا ربكم } ثم اختلفوا في إجابة الداعي بحسب السوابق هكذا , ورد ~~هذا { والموتى يبعثهم الله } إسماعا للكل , وفي صورة التساوي مناسبة للدعاء ~~لتقوم الحجة على العباد , حتى إذا انبسطت الدلائل وانشرحت الصدور لتلقيها ~~وتشبثت النفوس وتعلقت بحسب ما قدر , وفاز بالخير أهله , قال تعالى بعد آي : ~~< # > 77 ( { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به ms1371 في الناس } ) ~~77 < # > [ الأنعام : 122 ] وكان قد قيل لمن انتقل عن حالة الموت فرأى قدر نعمة ~~الله عليه بإحيائه : هل يشبه الآن حالك النيرة - بما منحت حين اعتبرت - ~~بحالك الجمادية ؟ فاشكر ربك واضرع إليه في طلب الزيادة , واتعظ بحال من لزم ~~حال موته فلم تغن عنه الآيات , وهو المشار إليه بقوله : { كمن مثله في ~~الظلمات ليس بخارج منها } { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه } { ولو ~~أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا PageV02P585 عليهم كل شيء ~~قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } ^ ( { سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم لا يؤمنون } ) ^ [ البقرة : 6 ] وكان القسم المتقدم الذي سمع لأول ~~وهلة لم يكن ليقع ذكره هنا من جهة قصد أن أراه قدر هذه النعمة وإنقاذ ~~المتصف بها من حيرة شك موقعها فيما تقدم من قوله ^ ( { إنما يستجيب الذين ~~يسمعون } ) ^ [ الأنعام : 36 ] فذكر هنا ما هو واقع في إراءة قدر نعمة ~~الإنقاذ والتخليص من عمى الجهل , هذا حال من انتقل بتوفيق الله وحال من بقي ~~على موته , أو يكون الضربان قد شملهما قوله ^ ( { أو من كان ميتا فأحييناه ~~} ) ^ [ الأنعام : 122 ] وأما الثاني وهو الذي ثبتت فيه صورة النقل فأمره ~~صريح من الآية وأما الضرب الأول وهو السامع لأول وهلة المكفي المؤنة لواقي ~~العصمة من طوارق الجهل والشكوك , فدخوله تحت مقتضى هذا اللفظ من حيث إن ~~وقايته تلك أو سماعه بأول وهلة ليس من جهته ولا بما سبق أو تكلف , بل ~~بإسداء الرحمة وتقديم النعمة , ولو أبقاه لنفسه أو وكله إليها لم يكن كذلك ~~^ ( { وما بكم من نعمة فمن الله } ) ^ [ النحل : 53 ] , فبهذا النظر قد ~~تكون الآية قد شملت الضروب الثلاثة وهو أولى , أما سقوط الضرب الثالث من ~~قوله : ^ ( { إنما يستجيب الذين يسمعون } ) ^ [ الأنعام : 36 ] فلما تقدم - ~~والله أعلم بما أراد ؛ ولما تضمنت هذه السورة الكريمة من بسط الاعتبار ~~وإبداء جهات النظر ما إذا تأمله المتأمل علم أن حجة الله قائمة على العباد ~~, وأن إرسال الرسل رحمة ونعمة وفضل وإحسان , وإذا كانت ms1372 الدلالات مبسوطة ~~والموجودات مشاهدة مفصحة , ودلالة النظر من سمع وأبصار وأفئدة موودة , فكيف ~~يتوقف عاقل في عظيم رحمته تعالى بإرسال الرسل ! فتأكدت الحجة وتعاضدت ~~البراهين , فلما عرف الخلق لقيام الحجة عليهم بطريقي الإصغاء إلى الداعي ~~والاعتبار بالصنعة ؛ قال تعالى : ^ ( { قل فلله الحجة البالغة } ) ^ [ ~~الأنعام : 149 ] ^ ( { فقد جاءكم بينة من ربكم وهدة ورحمة } ) ^ [ الأنعام ~~: 157 ] فيما عذر المعتذر بعد هذا ؟ أتريدون كشف الغطاء ورؤية الأمر عيانا ~~! لو استبصرتم لحصل لكم ما منحتم , ^ ( { هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ~~أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك } ) ^ [ الأنعام : 158 ] , ثم ختمت ~~السورة من التسليم والتفويض بما يجدي مع قوله : ^ ( { فلو شاء لهداكم ~~أجمعين } ) ^ [ الأنعام : 149 ] وحصل من السور الأربع بيان أهل الصراط ~~المستقيم وطبقاتهم في سلوكهم وما ينبغي لهم التزامه أو تركه , وبيان حال ~~المتنكبين عن سلوكه من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان والمجوس - انتهى . | ~~< < # | الأنعام : ( 3 - 6 ) وهو الله في . . . . . # > > ^ ( وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما ~~تكسبون * وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين * فقد ~~كذبوا بالحق لما جآءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤون * ألم يروا ~~كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض PageV02P586 ما لم نمكن لكم ~~وأرسلنا السمآء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم ~~بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان علم جميع أحوال المخلوق دالا على أن العلم بها هو خالقه , ~~وأن من ادعى أن خالقه عاجز عن ضبط مملكته : عن كشف غيره لعوراتها وعلم ما ~~لا يعلمه هو منها , فلم يكن إلها , وكان الإله هو العالم وحده , وكان ~~المحيط العلم لا يعسر عليه تمييز التراب من التراب , وكان صلى الله عليه ~~وسلم يخبرهم عن الله من مغيبات أسرارهم وخفايا أخبارهم مما يقصون منه العجب ~~ويعلمون منه إحاطة العلم حتى قال أبو سفيان بن حرب يوم الفتح : لو تكلمت ~~لأخبرت عني هذه الحصباء , قال تعالى عاطفا { هو الذي } دالا على الوحدانية ~~بشمول ms1373 العلم بعد قيام الدليل على تمام القدرة والاختيار , لأن إنكارهم ~~المعاد لأمرين : أحدهما ظن أن المؤثر في الأبدان امتزاج الطبائع وإنكار أن ~~المؤثر هو قادر مختار , والثاني أنه - على تقدير تسليم الاختيار - غير عالم ~~بالجزئيات , فلا يمكنه تمييز بدن زيد عن أجزاء بجن عمرو , فإذا قام الدليل ~~على كمال قدرته سبحانه واختياره وشمول علمه لجميع المعلومات : الكليات ~~والجزئيات , زالت جميع الشبهات : { هو الله } أي الذي له هذا الاسم ~~المستجمع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى المدعو به تألها له وخضوعا ~~وتعبدا , وعلق بهذا المعنى قوله : { في السماوات } لأن من في الشيء يكون ~~متصرفا فيه . | ولما كان الخطاب لمنكري البعث أكد فقال : { وفي الأرض } أي ~~هذه صفته دائما على هذا المراد من أنه سبحانه ثابت له هذا الاسم الذي تفرد ~~به على وجه التأله والتعبد في كل من جهتي العلو والسفل , ولا يفهم ذو عقل ~~صحيح ما يقتضيه الظاهر من أنه محوي , فإن كل محوي منحصر محتاج إلى حاويه ~~وحاصره , ضعيف التصرف فيما وراءه , ومن كان محتاجا نوع احتياج لا يصلح ~~للألوهية والمشيئة لحديث الجارية : أين الله ؟ قالت : في السماء , ومحجوج ~~بحديث : ( أنت الأول فليس قبلك شيء , وأنت PageV02P587 الآخر فليس بعدك شيء ~~, وأنت الظاهر فليس فوقك شيء , وأنت الباطن فليس دونك شيء ) فإن ظاهره مناف ~~لظاهر الأول , وظاهر هذا مؤيد بقاطع النقل من أنه غير محتاج , ومؤيد بصحيح ~~النقل { ليس كمثله شيء } أي لا في ذاته ولا صفاته ولا شيء من شؤونه , و ( ~~قد كان الله ولا شيء معه ) , وحديث ( ليس فوقك شيء ) - رواه مسلم والترمذي ~~وابن ماجه في الدعوات وأبو داود في الأدب عن أبي هريرة رضي الله عنه - ~~والله الموفق . | ولما كان المراد إثبات أن علمه تعالى محيط , نسبة كل من ~~الخفي والجلي إليه على السواء , وكان السياق هنا للخفي فإنه في بيان خلق ~~الإنسان وعجيب صنعه فيه بما خلق فيه من إدراك المعاني وهيأه له من قبل أن ~~يقدر على التعبير عنه , ثم أقدره على ذلك ؛ قدم الخفي فقال ms1374 شارحا لكونه لا ~~يغيب عنه شيء : { يعلم سركم } . | ولما كان لا ملازمة بين علم السر والجهر ~~لأنه قد يكون في الجهر لفظ شديد يمنع اختلاط الأصوات فيه من علمه , صرح به ~~فقال : { وجهركم } ونسبة كل منها إليه على حد سواء , ولا توصف واحدة منها ~~بقرب في المسافة إليه ولا بد ؛ ولما كان السر والجهر شائعين في الأقوال , ~~وكانت الأقوال تتعلق بالسمع , ذكر ما يعمهما وهو شائع في الأفعال المتعلقة ~~بالبصر فقال : { ويعلم ما تكسبون } فأفاد ذلك صفتي السمع والبصر مع إثبات ~~العلم , فملا تظاهرت الأدلة وتظافرت الحجج وهم عنها ناكبون , وصل بذلك في ~~PageV02P588 جملة حالية قوله , معرضا عنهم إيذانا باستحقاقهم شديد الغضب : ~~{ وما تأتيهم } أي هؤلاء الذين هم أهل للإعراض عنهم , وأعرق في النفي بقوله ~~: { من آية } أي علامة على صحة ما دعاهم إليه رسولهم صلى الله عليه وسلم , ~~وبعض بقوله : { من آيات ربهم } أي المحسن إليهم بنصب الأدلة وإفاضة العقول ~~وبعث الرسول { إلا كانوا عنها معرضين } أي هذه صفتهم دائما قصدا للعناد ~~لئلا يلزمهم الحجة , ويجوز أن يكون ذلك معطوفا على ( يعدلون ) . | ولما كان ~~إعراضهم عن النظر سببا لتكذيبهم , وهو سبب لتعذيبهم قال : { فقد كذبوا } أي ~~أوقعوا تكذيب الصادق { بالحق } أي بسبب الأمر الثابت الكامل في الثبات كله ~~. | لأن الآيات كلها متساوية في الدلالة على ما تدل عليه الواحدة منها { ~~لما جاءهم } أي لم يتأخروا عند المجيء أصلا لنظر ولا لغيره , وذلك أدل ما ~~يكون على العناد . | ولما كان الإعراض عن الشيء هكذا فعل المكذب المستهزئ ~~الذي بلغ بتكذيبه الغاية القصوى , وهي الاستهزاء , قال : { فسوف يأتيهم } ~~أي بوعد صادق لا خلف فيه عند نزول العذاب بهم وإن تأخر إتيانه { أنباء ما ~~كانوا } أ يجبلة وطبعا { به يستهزئون } أي يجددون الهزء به بغاية الرغبة في ~~طلبه , وهو أبعد شيء عن الهزء , والنبأ : الخبر العظيم , وهو الذي يكون معه ~~الجزاء , وأفاد تقديم الظرف أنهم لم يكونوا يهزؤون بغير الحق الكامل - كما ~~ترى كثيرا من المترفين لا يعجب من العجب ويعجب من ms1375 غير العجب , أو أنه عد ~~استهزاءهم بغيره بالنسبة إلى الاستهزاء به عدما . | ولما أخبر بتكذيبهم على ~~هذا الوجه وتوعدهم بتحتم تعذيبهم , أتبعه ما يجري مجرى الموعظة والنصيحة , ~~فعجب من تماديهم مع ما علموا من إهلاك من كان أشد منهم قوة وأكثر جمعا وجنى ~~من سوابغ النعم بما لم يعتبروه فيه مع ما ضموه إلى تحقق أخبارهم من مشاهدة ~~آثارهم وعجيب اصطناعهم في أبنيتهم وديارهم مستدلا بذلك على تحقيق ما قبله ~~من التهديد على الاستهزاء , فقال مقررا منكرا موبخا معجبا : { ألم يروا } ~~ودل على كثرة المخبر عنهم تهويلا للخبر بقوله : { كم أهلكنا } . | ولما كان ~~المراد ناسا معينين لم يستغرقوا زمن القبل , وهم أهل المكنة الزائدة كقوم ~~نوح وهود وصالح , أدخل الجار فقال : { من قبلهم } وبين { كم } بقوله : { من ~~قرن } أي جماعة مقترنين في زمان واحد , وهم أهل كل مائة سنة - كما صححه ~~القاموس لقول النبي صلى الله عليه وسلم لغلام : ( عش قرنا ) , فعاش مائة . ~~| هذا نهاية القرن , والأقرب PageV02P589 أنه لا يتقدر , بل إذا انقضى أكثر ~~أهل عصر قيل : انقضى القرن , ودل على ما شاهدوا من آثارهم بقوله : { مكناهم ~~} أي ثبتناهم بتقوية الأسباب من البسطة في الأجسام والقوة في الأبدان ~~والسعة في الأموال { في الأرض } أي بالقوة والصحة والفراغ ما لم نمكنكم , ~~ومكنا لهم بالخصب والبسطة والسعة { ما لم نمكن } أي تمكينا لم نجعله { لكم ~~} أي نخصكم به , فالآية من الاحتباك أو شبهه , والالتفات من الغيبة إلى ~~الخطاب لئلا يلتبس الحال , لأن ضمير الغائب يصلح لكل من المفضول والفاضل , ~~ولا يبقي اللبس التعبير بالماضي في قوله { وأرسلنا السماء } أي المطر تسمية ~~للشيء باسم سببه أو السحاب { عليهم } . | ولما كان المراد المطر , كان ~~التقدير : حال كونه { مدرارا } أي ذا سيلان غزير متتابع لأنه صفة مبالغة من ~~الدر , قالوا : ويستوي فيه المذكر والمؤنث . | ولما ذكر نفعهم بماء السماء ~~, وكان غير دائم , أتبعه ماء الأرض لدوامه وملازمته للبساتين والرياض فقال ~~: { وجعلنا الأنهار تجري } ولما كان عموم الماء بالأرض وبعده مانعا من تمام ~~الانتفاع بها , أشار ms1376 إلى قربه وعدم عموم الأرض به بالجار فقال : { من تحتهم ~~} أي على وجه الأرض وأسكناه في أعماقها فصارت بحيث إذا حفرت نبع منها من ~~الماء ما يجري منه نهر . | ولما كان من المعلوم أنه من الماء كل شيء حي , ~~فكان من أظهر الأشياء أنه غرز نباتهم واخضرت سهولهم وجبالهم , فكثرت زروعهم ~~وثمارهم , فاتسعت أحوالهم وكثرت أموالهم فتيسرت آمالهم , أعلم سبحانه أن ~~ذلك ما كان إلا لهوانهم استدراجا لهم بقوله مسببا عن ذلك : { فأهلكناهم } ~~أي بعظمتنا { بذنوبهم } أي التي كانت عن بطرهم النعمة ولم نبال بهم ولا ~~أغنت عنهم نعمهم . | ولما كان الإنسان ربما أبقى على عبده أو صاحبه خوفا من ~~الاحتياج إلى مثله , بين أنه سبحانه غير محتاج إلى شيء فقال : { وأنشأنا } ~~ولما كان سبحانه لم يجعل لأحد الخلد , أدخل الجار فقال : { من بعدهم } أي ~~فيما كانوا فيه { قرنا } ودل على أنه لم يبق من المهلكين أحدا , وأن هذا ~~القرن الثاني لا يرجع إليهم بنسب بقوله : { آخرين } ولم ينقص ملكنا شيئا , ~~فاحذروا أن نفعل بكم كما فعلنا بهم , وهذه الآية مثل آية الروم < # > 77 ( { أو لم يسيروا في الأرض } ) 77 < # > [ الروم : 9 ] - الآية , فتمكينهم هو المراد بالشدة هناك , والتمكين ~~لهم هو المراد بالعمارة , والإهلاك بالذنوب هو المراد بقوله < # > 77 ( { فما كان الله ليظلمهم } ) 77 < # > [ الروم : 9 ] و [ التوبة : 70 ] - إلى آخر الآيتين . | PageV02P590 < ~~< # | الأنعام : ( 7 - 10 ) ولو نزلنا عليك . . . . . # > > ^ ( ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا ~~إن هذآ إلا سحر مبين * وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي ~~الأمر ثم لا ينظرون * ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما ~~يلبسون * ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به ~~يستهزؤون ) ^ } ) | ولما كانت ترجمة ما مضى : ثم هم يعدلون بربهم غيره ~~ويكذبونك فيما جئت به من الحق مع ما أوضحت عليه من الحجج ونصبت من الدلائل ~~, وكان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على إيمانهم , كان المقام يقتضي أن ~~يقول لسان الحال ms1377 : أنزل عليهم يا رب ما ينتقلون به من النظر بالفكر إلى ~~العيان كما اقترحوا علي , فأخبره أنهم لا يؤمنون بذلك , بقوله عطفا على { ~~وما تأتيهم من آية } تحقيقا له وتصويرا في جريته : { ولو نزلنا } أي على ما ~~لنا من العظمة { عليك كتابا } أي مكتوبا من السماء { في قرطاس } أي ورق , ~~إجابة لما أشار عليهم اليهود باقتراحه , ثم حقق أنه واضح الأمر , ليس بخيال ~~ولا فيه نوع لبس بقوله : { فلمسوه } أي زيادة على الرؤية . | وزاد في ~~التحقيق والتصوير ودفع التجوز بقوله : { بأيديهم لقال } وأظهر ولم يضمر ~~تعليقا للحكم بالوصف وتنبيها على أن من الموجودين من يسكت ويؤمن ولو بعد ~~ذلك فقال : { الذين كفروا } أي حكما بتأبد كفرهم سترا للآيات عنادا ومكابرة ~~, ولعله أسقط منهم إشارة إلى عموم دعوته , أي من العرب ومن غيرهم من أمة ~~دعوتك ولا سيما اليهود المشار إلى تعنتهم وكذبهم بقوله ^ ( { يسئلك أهل ~~الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء } ) ^ [ النساء : 153 ] { إن } أي ما ~~{ هذا إلا سحر } أي تمويه وخيال لا حقيقة له , وزادوا في الوقاحة فقالوا : ~~{ مبين } أي واضح ظاهر , قال صاحب كتاب الزينة : معنى السحر في كلام العرب ~~التعليل بالشيء والمدافعة به والتعزيز بشيء لا محصول له , يقال : سحره - ~~إذا علله وعزره وشبه عليه حتى لا يدري من أين يتوجه ويقلب عن وجهه , فكأن ~~السحرة يعللون الناس بالباطل ويشبهون الباطل في صورة الحق ويقلبونه عن جهته ~~. | ولما بين ما يترتب على الإجابة إلى ما أشار إلى أن اليهود اقترحوه من ~~إنزال الكتاب , أخبر أنهم اقترحوا ظهور الملك لهم , وبين لوازمه , فإنهم ~~قالوا : لو بعث الله رسولا لوجب كونه ملكا ليكون أكثر علما وأقوى قدرة ~~وأظهر امتيازا عن البشر , فتكون الشبهة في رسالته أقل , والحكيم إذا أراد ~~تحصيل مهم كان الأولى تحصيله بما هو أسرع إيصالا إليه , فقال : { وقالوا ~~لولا } أي هلا ولم لا { أنزل عليه ملك } أي من المساء ظاهرا لنا يكلمنا ~~ونكلمه ولا يحتجب عنا . | ولما ذكر قولهم مشيرا إلى شبهتهم , نقضه بقوله : ~~{ ولو ms1378 } أي والحال أنا لو PageV02P591 { أنزلنا } وأسقط أداة الاستعلاء ~~لعدم الاحتياج في رد كلامهم إلى ذكرها . | ولئلا يكون فيه تسليهم لما لوحوا ~~إليه من إنكارهم نزول الملك عليه بالوحي { ملكا } أي كما اقترحوه , فلا ~~يخلو إما أن يكون على صورته أولا , فإن كان على صورته التي خلق عليها لم ~~يثبتوا لرؤيته , ولو كان كذلك { لقضي الأمر } أي بهلاكهم , وبناه للمفعول ~~إشارة على طريق طلام القادرين إلى غاية السرعة لسهولة الأمر وخفة مؤنته , ~~فإنه لا ينظره أحد منهم إلا صعق , ولئن أعطيناهم قوة يثبتون بها لنظره ~~ليكونن قضاء للأمر وانفصال للنزاع من وجه آخر , وهو أن ذلك كشف للغطاء ~~وفوات للإيمان بالغيب , وقد جرت عادتنا بالإهلاك عند ذلك , فإذا هم هالكون ~~على كل من هذين التقديرين , وهو معنى قوله مهولا لرتبته بحرف التراخي : { ~~ثم لا ينظرون } أي علىحالة من هاتين , وأما إن جعلناه على صورة يستطيعون ~~نظرها فإنا نجعله على صورة رجل , فإنها أكمل الصور ؛ وحينئذ يقع لهم اللبس ~~الذي وقع لهم بدعائك , وهو معنى { ولو جعلناه } أي مطلوبهم { ملكا } أي ~~يمكن في مجاري العادات في هذه الدار رؤيتهم له وبقاؤهم بعد رؤيته { لجعلناه ~~رجلا } أي في صورة رجل , ولكنه عبر بذلك إشارة إلى تمام اللبس حتى أنه لا ~~يشك أحد يراه في كونه رجلا , كما كان جبريل عليه السلام ينزل في بعض ~~الأوقات على النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية الكلبي , فإذا رآه بعض ~~الصحابة رضي الله عنهم لم يشك أنه دحية رضي الله عنه { و } لو جعلناه رجلا ~~{ للبسنا عليهم ما يلبسون } أي لخلطنا عليهم بجعلنا إياه رجلا ما يخلطونه ~~على أنفسهم وعلى غيرهم في قولهم : إن الرسالة لا تصح من البشر , فلو كان ~~هذا الذي يقول : إنه رسول رسولا لكان ملكا , فوقع اللبس عليهم بأنه لما كان ~~هذا الذي يقول : إنه رسول , ملكا كان رجلا , ويجوز أن يقرر ذلك على وجه آخر ~~, وهو أن يكون { ولو نزلنا } في حيز { كانوا عنها معرضين } , أي أعرضوا عنا ~~لو نزلناها ms1379 عليك في غير قرطاس , ولو نزلنا عليك من السماء كتابا في قرطاس ~~فجعلنا لهم في ذلك بين حس البصر واللمس لأعرضوا , وقال الذين أبدنا كفرهم ~~عنادا ومكابرة : ما هذا إلا سحر ظاهر , ويكون { وقالوا } معطوفا على { لقال ~~الذين كفروا } ويكون ذلك قبل اقتراحهم لذلك بما حكاه الله تعالى عنهم في ~~سورة الإسراء بقوله < # > 77 ( { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } ) 77 < # > [ الإسراء : 90 ] . | إلى آخرها , فيكون إخبارا بمغيب . | ولما قطع ~~الرجاء لهداية من حكم بشقاوته , وكان طلبهم لإنزال الملك ونحوه إنما هو على ~~سبيل التعنت والاستهزاء , وكان ذلك يشق على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين رضي الله عنهم غاية المشقة , التفتت النفس إلى الإراحة منهم ~~وتوقعته لما تقدم من مظاهر PageV02P592 العظمة , فأخبره أنه فاعل ذلك في ~~سياق متكفل بتسليته , وأن ذلك لم يزل سنته فيمن فعل فعلهم , فقال - عاطفا ~~على قوله ^ ( { فسوف يأتيهم أنباؤا } ) ^ [ الأنعام : 5 ] - : { ولقد } أي ~~هذا منهم إنما هو استهزاء بك { ولقد استهزئ } أي أوقع الهزء وأوجد من الأمم ~~, وبني للمفعول لأن المنكي الاستهزاء , لا كونه من معين , وإشارة إلى أنه ~~كان يقع لهم ذلك من الأعلى والأدني { برسل } . | ولما كان القرب في الزمن ~~في مثل هذا مما يسلي , وكان كل من الاستهزاء والإرسال لم يستغرق الزمن , ~~أدخل الجار فاقل : { من قبلك } فأهلكنا من هزأ بهم , وهو معنى { فحاق } أي ~~فأحاط { بالذين سخروا منهم } أي من أولئك الرسل { ما كانوا به يستهزئون } ~~أي من العذاب الذي كانوا يتوعدون به , وكان سببا لهزئهم . | < < # | الأنعام : ( 11 - 13 ) قل سيروا في . . . . . # > > ^ ( قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين * قل لمن ما ~~في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيامة ~~لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون * وله ما سكن في الليل ~~والنهار وهو السميع العليم ) ^ } ) | ولما علم الله تعالى أنهم يقولون في ~~جواب هذا : إن هذا إلا أساطير الأولين , أمره صلى الله عليه وسلم ms1380 بعد ما ~~مضى من التعجيب من كونهم لم ينظروا بقلوبهم أو أبصارهم مصارع الماضين في ~~قوله : ^ ( { ألم يروا كم أهلكنا } ) ^ [ الأنعام : 6 ] أن يأمرهم بأن ~~يشاهدوا مصارع من تمكن في قلوبهم علم أنهم أهلكوا بمثل تكذيبهم من قوم صالح ~~ولوط وشعيب وغيرهم ليغنيهم ذلك عن مشاهدة ما اقترحوا فقال تعالى : { قل ~~سيروا } أي أوقعوا السير للاعتبار ولا تغتروا بإمهالكم وتمكينكم { في الأرض ~~} - الآية , وهي كالدليل على قوله تعالى : ^ ( { لقال الذين كفروا إن هذا ~~إلا سحر مبين } ) ^ [ الأنعام : 6 ] . | ولما كان السياق للتهديد بالتحذير ~~من مثل أخذ الأمم الماضية , وكان قد سلف أنه لا تقدمهم عن آجالهم , أمهلهم ~~في النظر فإنه أقوى في التهديد , وأدل على القدرة , وأدعى إلى النصفة ولا ~~سيما والسورة من أوائل القرآن نزولا وأوائله ترتيبا فقال : { ثم انظروا } ~~وأشار إلى أن هذا أهل لأن يسل عنه بقوله : { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { ~~المكذبين * } أي أنعموا النر وبالغوا في التفكر وأطيلوا التدبر إذا رأيتم ~~آثار المعذبين لأجل تكذيب الرسل , فإنكم إذا شاهدتم تلك الآثار كمل لكم ~~الاعتبار وقوي الاستبصار , وذلك إشارة إلى أن الأمر في غاية الانكشاف , ~~فكلما طال الفكر فيه ازداد ظهورا . | ولما أمرم سبحانه بالسير , سألهم هل ~~يرون في سيرهم وتطوافهم وجولانهم PageV02P593 واعتسافهم شيئا لغير الله ؟ ~~تذكيرا لهم بما رحمهم به من ذلك في إيجاده لهم أولا وتيسير منافعه ودفع ~~مضاره ثانيا , استعطافا لهم إلى الإقبال عليه والإعراض عن الخضوع لما هو ~~مثلهم أو أقل منهم , وهو ملكه سبحانه وفي قبضته , وتقبيحا لأن يأكلوا خيره ~~ويعبدوا غيره . | فقال مقررا لهم على إثبات الصانع والنبوة والمعاد , ~~ومبكتا بسفههم وشدة جهلهم وعمههم : { قل لمن } ونبه بتقديم المعمول على ~~الاهتمام بالمعبود { ما في السماوات والأرض } . | ولما كانوا في مقام ~~العناد حيث لم يبادروا إلى الإذعان بعد نهوض الأدلة وإزاحة كل علة , أشار ~~إلى ذلك بقوله معرضا عن انتظار جوابهم توبيخا لهم بعدم النصفة التي يدعونها ~~: { قل الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة قدرة وعلما ولا كفوء له , لا ms1381 ~~لغيره , وهم وإن كانوا معاندين فإنهم لا يمكنهم رد قولك , لا سيما وجواب ~~الإنسان عما سأله إنما يحسنأن يتعاطاه هو بنفسه إذا كان قد بلغ في الظهور ~~إلى حد لا يقدر على إنكاره منكر , وهو هنا كذلك لأن آثار الحدوث والإمكان ~~ظاهرة على صفحات الأكوان , فكان الإقرار بن ضروري , لا خلاف فيه . | ولما ~~كان أكثر ما في هذا الكون منافع مع كونها حسننة لذيذة طيبة شهية , وما كان ~~فيها من مضار فهي محجوبة ممنوعة عنهم , يقل وصولها إليهم إلا بتسببهم فيها ~~, والكل مع ذلك دلائل ظاهرة على وحدانيته وتمام علمه وقدرته , وكان ذلك ~~أهلا لأن يتعجب منه لعموم هذا الإحسان , مع ما هم عليه من الإثم والعدوان , ~~وتأخير العذاب عنهم مع العناد والطغيان , قال دالا على أن رحمته سبقت غضبه ~~مستأنفا : { كتب } أي وعد وعدا هو كالمكتوب الذي ختم , وأكد غاية التأكيد , ~~أو كتب حيث أراد سبحانه . | ولما كانت النفس يعبر بها عن الذات على ما هي ~~عليه قال : { على نفسه الرحمة } أي فلذلك أكرمكم هذا الإكرام بوجوه الإنعام ~~, وأخر عنكم الانتقام بالاستئصال , ولو شاء هو لسلط عليكم المضار , وجعل ~~عيشكم من غير اللذيذ كالتراب وبعض القاذورات التي يعيش بها بعض الحيوانات . ~~| ولما كان ذلك مطمعا للظالم البطر , ومعجبا محيرا مؤسفا للمظلوم المنكسر , ~~قال محذرا مرحبا مبشرا ملتفتا إلى مقام الخطاب لأنه أبلغ وأنص على المقصود ~~دالا على البعث بما مضى من إثبات أن الأكوان لله , لأن كل ما فيها موصوف ~~بصفات يجوز اتصافه بأضدادها , فاختصاص كل جسم بصفته المعينة إنما يكون ~~بتخصيص الفاعل المختار , فيكون قادرا على الإعادة , لأن التركيب الأول إنما ~~كان لأن صانعه قادر على جميع الممكنات لكونه عالما بجميع المعلومات , ~~والاتصاف بذلك لا يجوز انفكاكه عنه PageV02P594 فهو ملك مطاع آمرناه مرسل ~~من يبلغ عنه أوامره ونواهيه لإظهار ثمرة الملك من الثواب والعقاب في يوم ~~الجمع : { ليجمعنكم } أي والله محشورين شيئا فشيئا { إلى يوم القيامة للعدل ~~بين جميع العباد كائنا { لا ريب فيه } أي بوجه من الوجوه ms1382 , وذلك الجمع ~~لتخصيص الرحمة في ذلك اليوم بأوليائه والمقت والنقمة بأعدائه بعد أن كان عم ~~بالرحمة الفريقين في يوم الدنيا , وجعل الرحمة أظهر في حق الأعداء , وبهذا ~~الجمع تمت الرحمة من كثير من الخلق , ولولاه ارتفع الضبط وكثر الخبط كما ~~كان في الجاهلية . | ولما كان ذلك كذلك في عدم الريب لإخبار الله به على ~~ألسنة رسله ولما عليه من الأدلة لما في هذا الخلق من بدائع الحكم مع خروج ~~أكثر أفعال الحيوان عن العدل , فصار من المعلوم لكل ذي وعي أن البعث محط ~~الحكمة لإظهار التحلي بالصفات العلى لجميع الخلق : الشقي والسعيد القري ~~والبعيد , كان كأنه قيل : فما لنا نرى أكثر الناس كافرا به , فقال جوابا : ~~{ الذين خسروا أنفسهم } أي بإهلاكهم إياها بتكذيبهم به لمخالفة الفطرة ~~الأولى التي تهدي الأخرس , وستر العقل السليم { فهم } أي بسبب خسارتهم ~~لأنفسهم بإهمال العقل وإعمال الحواس والتقيد بالتقليد { لا يؤمنون * } ~~فصاروا كمن يلقي نفسه من شاهق ليموت لغرض من الأغراض الفاسدة , لا بسبب ~~خفاء في أمر القيامة ولا لبس بوقع ربنا , وصار المعنى : إن الذين لا يؤمنون ~~في هذا اليوم هم المقضي بخسارتهم في ذلك اليوم . | ولما استنارت الأدلة ~~استنارة الشمس وانتصبت البراهين حتى لم يبق أصلا نوع لبس , عم بالخبر عما ~~تقدم مما يشاهدونه وغيره , فقال ذاكرا الزمان بعد المكان , وقدمه لأنه أظهر ~~, والمعلم الكامل هو الذي يبدأ بالأظهر فالأظهر مترقيا إلى الأخفى فالأخفى ~~, فتم بذلك الخبر عن الزمان والزمانيات والمكان والمكانيات : { وله } أي ~~وحده { ما سكن } أي حل وتحيز وحصل { في الليل والنهار } أي ما من شأنه أن ~~يسكن فيهما وإن كان متحركا , ولكنه عبر بذلك دون التحرك لأنها دار الموت , ~~ودخل في ذلك النور والظلمة اللذان أشرك بهما من أشرك . | ولما دل ما مضى ~~على القدرة التامة , وانقسم إلى متحرك وساكن , وكانت القدرة لا تتم إلا ~~بالعلم , دل عليه بقوله : { وهو } أي لا غيره { السميع } أي البالغ السمع ~~لكل متحرك { العليم * } أي العام العلم بالبصر والسمع وغيرهما بكل متحرك ~~وبكل ساكن ms1383 من أقوالكم وأفعالكم وغيرهما , فلا تطمعوا في أن يترك شيء من ~~مجازاتكم , والعليم هنا أبلغ من البضير , وذلك مثل ما تقدم في قوله : < # > 77 ( { قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو ~~السميع العليم } ) 77 < # > [ المائدة : 76 ] وهو ترجمة قوله : < # > 77 ( { يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون } ) 77 < # > [ الأنعام : 3 ] . | PageV02P595 < < # | الأنعام : ( 14 - 17 ) قل أغير الله . . . . . # > > ^ ( قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم ~~قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين * قل إني أخاف إن ~~عصيت ربي عذاب يوم عظيم * من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين * ~~وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير ~~) ^ } ) | ولما نهض من الحجج ما لم يبق معه لذي بصيرة شك , كان لسان الحال ~~مقتضيا لأن ينادي بالإنكار عليهم في الالتفات عن جنابه والإعراض عن بابه ~~فأبرز تعالى ذلك في قالب الأمر له صلى الله عليه وسلم بالإنكار على نفسه , ~~ليكون أدعى لهم وأرفق بهم , ولأن ما تقدم منبئ عن غاية المخالفة , منذر بما ~~أنذر من سوء عاقبة المشاققة , فكأنهم قالوا : فهل من سبيل إلى المواقة ؟ ~~فقيل : لا إلا باتخاذكم إلهي وليا , وذلك لعمري سعادتكم في الدارين , ~~وبتطمعكم في اتخاذي أندادكم أولياء , وهذا ما لا يكون أبدا , وهو معنى قوله ~~تعالى : { قل } أي مصرحا لهم بإنكار أن تميل إلى أندادهم بوجه . | ولما كان ~~الإنكار منصبا إلى كون الغير متخذا , لا إلى اتخاذ الولي , أولى ( غير ) ~~الهمزة فقال : { أغير الله } أي الذي لا شيء يدانيه في العظمة { أتخذ } أي ~~أكلف نفسي إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى والعقل المجرد عن الهوى كما ~~فعلتم أنتم وآخذ { وليا } أي أعبده لكونه يلي جميع أموري , ثم وصفه بما ~~يحقق ولايته ويصرف عن ولاية غيره فقال : { فاطر السماوات والأرض } أي ~~خالقهما ابتداء على غير مثال سبق { وهو } أي والحال أن الله { يطعم } أي ms1384 ~~يرزق كل من سواه مما فيه روح . | ولما كان المنفي كونه سبحانه مفعولا من ~~الطعم , لا كون ذلك من مطعم معين , بني للمفعول قوله : { ولا يطعم } أي ولا ~~يبلغ أحد بوجه من الوجوه أن يطعمه , والمعنى أن المنافع من عنده , ولا يجوز ~~عليه الانتفاع , فامتنع في العقل اتخاذ غيره وليا , لأن غيره محتاج في ذاته ~~وفي جميع صفاته إليه , وهو سبحانه الغني على الإطلاق , وهذا التفات إلى ~~قوله تعالى : ^ ( { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه ~~صديقة كانا يأكلان الطعام } ) ^ [ المائدة : 75 ] وتعريض بكل ما عبد من دون ~~الله ولا سيما الأصنام , فإنهم كانوا يهدون لها الأطعمة فتأكلها الدواب ~~والطيور , فمعلوم أنها لا تطعم ولا تطعم روى الدارمي في أول مسنده بسند حسن ~~عن الأعمش عن مجاهد قال : ( حدثني مولاي أن أهله بعثوا معه بقدح فيه زبد ~~ولبن إلى آلهتهم , قال : فمنعني أن آكل الزبد مخافتها , فجاء كلب فأكل ~~الزبد وشرب اللبن ثم بال على الصنم ) ومولاه كان شريك النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل الإسلام , واختلف فيه فقيل : هو قيس بن PageV02P596 السائب بن ~~عويمر بن عائذ بن عمران بن مخزوم , وقيل : قريبه السائب بن أبي السائب صيفي ~~بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخروم . | وقيل : ابنه عبد الله بن السائب - ~~والله أعلم ؛ وله عن أبي رجاء - هو العطاردي وهو مخضرم - قال : ( كنا في ~~الجاهلية إذا أصبنا حجرا حسنا عبدناه , وإن لم نصب حجرا جمعنا كثبة من رمل ~~, ثم جئنا بالناقة الصفي فنفاج عليها فنحلبها على الكثبة حتى نرويها , ثم ~~نعبد تلك الكثبة ما أقمنا بذلك المكان ) وفيه أيضا إيماء إلى أنه كما خلقكم ~~كلكم من طين على اختلافكم في المقادير والألوان والأخلاق وهو غني عنكم , ~~فكذلك خلق المطعومات على اختلاف أشكالها وطعومها ومنافعها وألوانها من طين ~~, وجعلها منافع لكم وهو غني عنها , وسيأتي التصريح بذلك في قوله : < # > 77 ( { وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء } ) 77 < # > [ الأنعام : 99 ms1385 ] المستوفي في مضماره < # > 77 ( { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } ) 77 < # > [ الأنعام : 118 ] وفي الآية كلها التفات إلى قوله أول السورة < # > 77 ( { ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } ) 77 < # > [ الأنعام : 1 ] وقوله في التي قبلها < # > 77 ( { ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ~~} ) 77 < # > [ المائدة : 81 ] في أمثالها مما فيه تولي الكفار لغير خالقهم سبحانه ~~وتعالى , هذا لو لم يرد أمر من قبل الخالق كان النظر السديد كافيا في ~~التنزه عنه , كما كنت قبل النبوة لا ألتفت إلى أصنامكم ولا أعتبر للعبادة ~~شيئا من أنصابكم , فكيف وقد أمرت بذلك ! وهو معنى { قل إني أمرت } أي من ~~جهة من له الأمر , ولا أمر إلا له وهو من تقدم أن له كل شيء , وهو الله ~~وحده { أن أكون } أي بقلبي وقالبي { أول من أسلم } في الرتبة مطلقا , وفي ~~الزمان بالنسبة إلى الأمة . | ولما كان الأمر بالإسلام نهيا عن الشرك , لم ~~يكتف به , بل صرح به جمعا بين الأمر والنهي من هذا الرب الكريم الذي يدو ~~إحسانه وكرمه إلى ولايته , وينهى تمام ملكه وجبروته عن شيء من عداوته , في ~~قوله عطفا على { قل } على وجه التأكيد : { ولا تكونن } أي بوجه من الوجوه ~~في وقت من الأوقات أصلا { من المشركين * } أي في عدادهم باتباعهم في شيء من ~~أغراضهم , وهذا التأكيد لقطع أطماعهم عنه صلى الله عليه وسلم في سؤالهم أن ~~يطرد بعض أتباعه ليوالوه , ونحو ذلك مما كانوا يرجون مقاربته منهم به , ~~إعلاما بأن فعل شيء مما يريدون مصحح للنسبة إليهم والكون في عدادهم ( من ~~تشبه بقوم فهو منهم ) PageV02P597 ولما كان فعل المنهي قد لا يعذب عليه , ~~قال معلما بأن المخالفة في هذا من أبلغ المخالفات , فصاحبها مستحق لأعظم ~~الانتقام , وكل ذلك فطما لهم عن الطمع فيه , وأكده لذلك ولإنكارهم مضمونه : ~~{ قل إني } ولما كان المقام للخوف , قدمه فقال : { أخاف إن عصيت } أي شيء ~~مما تريدون مني أن أوافقكم فيه بما أمرت به أو نهيت عنه { ربي } أي المحسن ~~إلي { عذاب ms1386 يوم } ولما كان عظم الظرف بعظم مظروفه قال : { عظيم * } . | ~~ولما كان قد قدم من عموم رحمته ما أطمع الفاجر ثم أيأسه من ذلك بما أشير ~~إليه من الخسارة , صرح هنا بما اقتضاه ذلك المتقدم , فقال واصفا لذلك ~~العذاب مبينا أن الرحمة في ذلك اليوم على غير المعهود الآن , فإنها خاصة لا ~~عامة دائمة السبوغ على من نالته , لا زائلة وكذا النعمة , هكذا شأن ذلك ~~اليوم { من يصرف عنه } أي ذلك العذاب ؛ ولما كان المراد دوام الصرف في جميع ~~اليوم , قال : { يومئذ } أي يوم إذ يكون عذاب ذلك اليوم به { فقد رحمه } أي ~~فعل به بالإنعام عليه فعل المرحوم { وذلك } أي لا غيره { الفوز } أي الظفر ~~بالمطلوب { المبين * } أي الظاهر جدا , ومن لم يصرف عنه فقد أهانه , وذلك ~~هو العذاب العظيم . | ولما كان التقدير : فإن يصرف عنك ذلك العذاب فقد قرت ~~عينك , عطف عليه دليلا آخر لأنه لا يجوز في العقل أن يتخذ غيره وليا , فقال ~~معمما للحكم في ذلك العذاب وغيره مبينا أنه لا مخلص لمن أوقع به : { وإن ~~يمسسك الله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ؛ ولما كان المقام للترهيب , ~~قدم قوله : { بضر } أي هنا أو هناك { فلا كاشف له } أصلا بوجه من الوجوه { ~~إلا هو } أي لأنه لا كفوء له , فهو قادر على إيقاعه , ولا يقدر غيره على ~~دفاعه , لأنه على كل شيء قدير { وإن يمسسك بخير } أي في أي وقت أراد . | ~~ولما كان القياس على الأول موجبا لأن يكون الجزاء : فلا مانع له , كان وصفه ~~من صفة قوله { فهو على كل شيء } أي من ذلك وغيره { قدير * } ولا يقدر غيره ~~على منعه , منبها على أن رحمته سبحانه سبقت غضبه . | PageV02P598 < < # | الأنعام : ( 18 - 20 ) وهو القاهر فوق . . . . . # > > ^ ( وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير * قل أي شيء أكبر شهادة ~~قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم ~~لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله واحد وإنني ms1387 بريء ~~مما تشركون * الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم الذين خسروا ~~أنفسهم فهم لا يؤمنون ) ^ } ) | ولما كانت الجملتان من الاحتباك , فأفادتا ~~بما ذكر وما دل عليه المذكور مما حذف أنه تعالى غالب على أمره , قال مصرحا ~~بذلك : { وهو القاهر } أي الذي يعمل مراده كله ويمنع غيره مراده إن شاء , ~~وصور قهره وحققه لتمكن الغلبة بقوله : { فوق عباده } وكل ما سواه عبد ؛ ~~ولما كان في القهر ما يكون مذموما , نفاه بقوله : { وهو } أي وحده { الحكيم ~~} فلا يوصل أثر القهر بإيقاع المكروه إلا لمستحق , وأتم المعنى بقوله : { ~~الخبير * } أي بما يستحق كل شيء , فتمت الأدلة على عظيم سلطانه وأنه لا ~~فاعل غيره . | ولما ختم بصفتي الحكمة والخبرة , كان كأنه قيل : فلم لم يعلم ~~أنا نكذبك بخبرته فيرسل معك بحكمته من يشهد لك - على ما يقول من أنه أمرك ~~أن تكون أول من أسلم , ونهاك عن الشرك لنصدقك - من ملك كما تقدم سؤالنا لك ~~فيه أو كتاب في قرطاس أو غيرهما ؟ فقال : قد فعل , ولم يرض لي إلا بشهادته ~~المقدسة فقال - أو يقال : إنه لما أقام الأدلة على الوحدانية والقدرة ووصل ~~إلى صفة القهر المؤذن بالانتقام , لم يبق إلا الإشهاد عليهم غيذانا مبا ~~يستحقونه من سوء العذاب وإنذارا به لئلا يقولوا إذا حل بهم : إنه لم يأتنا ~~نذير , فقال : { قل } أي يا أيها الرسول لهم { أي شيء أكبر } أي أعظم وأجل ~~{ شهادة } فإن أنصفوا وقالوا : الله ! فقل : هو الذي يشهد لي , كما قال في ~~النساء ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك ) ولكنه قطع الكلام هنا إشارة إلى ~~عنادهم أو سكوتهم , أو إلى تنزيلهم منزلة المعاند , أو العالم بالشيء ~~العامل عمل الجاهل , فقال آمرا له صلى الله عليه وسلم : { قل الله } أي ~~الملك الأعظم المحيط علما وقدرة أكبر شهادة . | ولما كانوا بمعرض أن يسلموا ~~ذلك ويقولوا : إنه لكذلك , ولكن هلم شهادته ! قال : { شهيد } أي هو أبلغ ~~شاهد يشهد { بيني وبينكم } أي بهذا القرآن الذي ثبت بعجزكم عنه أنه كلامه , ~~وبغيره من الآيات التي ms1388 عجزتم عن معارضتها ؛ ولما قرر أنه أعظم شهيد , وأشار ~~إلى شهادته بالآيات كلها , نبه على أعظمها , لأن إظهاره تعالى للقرآن على ~~لسانه صلى الله عليه وسلم على وفق دعواه شهادة من الله له بالصدق , فقال ~~ذاكرا لفائدته في سياق تهديد متكفل بغثبات الرسالة وإثبات الوحدانية , وقدم ~~الأول لأنه المقرر للثاني والمفهم له بغايته , عاطفا على جملة ( شهيد ) ~~بانيا للمفعول , تنبيها على أن الفاعل PageV02P599 معروف للإعجاز , وبني ~~للفاعل في السواد : { وأوحي إلي } وحقق الموحى به وشخصه بقوله : { هذا ~~القرآن } ولما كان في سياق التهديد قال مقتصرا على ما يلائمه : { لأنذركم } ~~أي أخوفكم وأحذركم من اعتقاد شائبة نقص في الإله لا سيما الشرك { به ومن } ~~أي وأنذر به كل من { بلغ } أي بلغه , قال الفراء : والعرب تضمر الهاء في ~~صلات ( الذي ) و ( من ) و ( ما ) . | وقال البخاري في آخر الصحيح : { ~~لأنذركم به } يعني أهل مكة , ومن بلغ هذا القرآن فهو له نذير علقه بصيغة ~~الجزم عن ابن عباس ووصله إليه ابن أبي حاتم كما أفاده شيخنا في شرحه . | ~~وقال عبد الرزاق في تفسيره : أخبرنا معمر عن قتادة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : بلغوا عن الله , فمن بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله ~~. | وقال الإمام تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي في جواب سؤال ورد عليه ~~سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل بعث إلى الجن ~~- ومن خطه نقلت : الكتاب والسنة ناطقان بذلك , والإجماع قائم عليه , لا ~~خلاف بين المسلمين فيه ؛ ثم أسند الإجماع إلى أبي طالب القضاعي وأبي عمر بن ~~عبد البر في التمهيد وأبي محمد بن حزم في كتاب الفصل وغيرهم ثم قال : أما ~~الكتاب فآيات إحداها { نذركم به ومن بلغ } قال محمد بن كعب القرظي : من ~~بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم , وقال ابن عباس - فذكره ~~, وقال السدي : من بلغ القرآن فهو له نذير , وقال ابن زيد : من بلغه هذا ~~القرآن فأنا نذيره . | وهذه كلها أقوال ms1389 متفقة المعنى , وقد أمر نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن يقول هذا الكلام وأن ينذر بالقرآن كل من بلغه , ولم يخص ~~إنسا ولا جنا من أهل التكليف , ولا خلاف أن الجن مكلفون - انتهى . | وسيأتي ~~مما ذكر من الآيات وغيرها ما يليق بالاستدلال على الإرسال إلى الملائكة ~~عليهم السلام , فالمعنى : فمن صدق هذا القرآن فقد أفلح , ومن كذب فليأت ~~بسورة من مثله , ثم عجزه شاهد على نفسه بالكذب , وهو شهادة الله لي بالصدق ~~, ولأجل أن الله هو الشاهد لم تنقض الشهادة بموت النبي صلى الله عليه وسلم ~~, بل استمرت على مر الأيام وكر الأعوام لبقاء الشاهد وتعاليه عن شوائب ~~النقص وسمات الحدث , وإلى ذلك الإشارة بقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ما ~~من الأنبياء نبي إلا قد أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر , وإنما كان ~~الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي , فأرجو أن أكون أكثرهم PageV02P600 تابعا ~~يوم القيامة ) أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه . | ولعل الاقتصار ~~على الإنذار مع ما تقدم إشارة إلى أن أكثر الخلق هالك , وقد ذكر في نزول ~~هذه الآية أن أهل مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أما وجد ~~الله رسولا غيرك ؟ ما نرى أحدا يصدقك بما تقول , ولقد سألنا عنك اليهود ~~والنصارى فزعموا أنه ليس عندهم منك ذكر , فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما ~~تزعم , فأنزلها الله . | ولما لم يبق لمتعنت شبهة , ساق فذلكة ذلك وقطب ~~دائرته - وهو لزوم التوحيد الذي جعلت الرسالة مرقى إليه , فإذا ثبت في قلب ~~فاضت أنواره بحسب ثباته حتى أنها ربما ملأت الأكوان وعلت على كيوان - مساق ~~استفهام على طريقة الإنكار والتعجيب تعظيما لشأنه وتفخيما لمقامه وتنبيها ~~لهم على أن يعدوا عن الشرك فقال : أئنكم لتشهدون أن مع الله } أي الذي حاز ~~جميع العظمة { آلهة } . | ولما كانوا لكثرة تعنتهم رمبا أطلقوا على أسمائه ~~سبحانه إله كما قالوا حين سمعوه صلى الله عليه وسلم يقول : ( يا الله يا ~~رحمن ) كما سيأتي إن شاء الله ms1390 تعالى آخر الحجر وآخر سبحان , صرح بالمقصود ~~على وجه لا يحتمل النزاع فقال : { أخرى } ولما كان كأنه قيل : إنهم ليقولون ~~ذلك , فماذا يقال لهم ؟ قال : { قل لا أشهد } أي معكم بشيء مما تقولونه ~~لأنه باطل , ولو كان حقا لشهدت به . | ولما كان هذا غير قاطع لطمعهم فيه , ~~اجتثه من أصله وبرمته بقوله : { قل إنما هو } أي الإله { إله واحد } وهو ~~الله الذي لا يعجزه شيء وهو يعجز كل شيء , لأنه واحد لا كفوء له , فإنكم ~~عجزتم عن الإتيان بسورة من مثل كلامه وأنتم أفصح الناس . | ولما كان معنى ~~هذا البراءة من إنذارهم , صرح به في قوله مؤكدا في جملة اسمية : { وإنني ~~بريء مما تشركون * } أي الآن وفي مستقبل الزمان إبعادا من تطمعهم أن تكون ~~الموافقة بينه وبينهم باتخاذه الأنداد أو شيئا منها وليا , فثبت التوحيد ~~بهذه الآية بأعظم طرق البيان وأبلغ وجوه التأكيد , ولقد امتثل صلى الله ~~عليه وسلم الأمر بإنذار من يمكن إبلاغه القرآن , فلما استراح عن حرب قريش ~~وكثير ممن حوله من العرب في عام الحديبية , PageV02P601 وهو سنة ست من ~~الهجرة , وأعلمه الله تعالى أن ذلك فتح مبين , أرسل إلى من يليه من ملوك ~~الأمصار في ذلك العام وما بعده , وكان أكثر عند منصرفه من ذلك الاعتمار ~~يدعوهم إلى جنات وأنهار في دار القرار , وينذرهم دار البوار , قال أهل ~~السير : خرج صلى الله عليه وسلم - بعد رجوعه من عمرة الحديبية التي صد عنها ~~- على أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين فقال : ( أيها الناس ! إن الله بعثني ~~رحمة وكافة , وإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم ) وقال ابن عبد ~~الحكم في فتوح مصر عن عبد الرحمن بن عبد القادر أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قام ذات يوم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وتشهد ثم قال : ( أما ~~بعد فإني أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك العجم , فأدوا عني يرحمكم الله , ولا ~~تختلفوا علي كما اختلف الحواريون ) وقال ابن عبد الحكم : بنو إسرائيل - على ~~عيسى ابن مريم عليهما ms1391 السلام , فقال المهاجرون : يا رسول الله ! والله لا ~~نختلف عليك في شيء أبدا , فمرنا وابعثنا , فسألوه : كيف اختلف الحواريون ~~على عيسى عليه السلام ؟ قال : دعاهم إلى الذي وفي رواية لمثل الذي - دعوتكم ~~إليه , وقال ابن عبد الحكم : إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى عيسى عليه ~~السلام أن ابعث إلى مقدس الأرض , فبعث الحواريون - فأما من بعثه مبعثا ~~قريبا فرضي وسلم , وأما من بعثه مبعثا بعيدا فكره وجهه وتثاقل - قال ابن ~~عبد الحكم : وقال : لا أحسن كلام من تبعثني إليه - فشكا ذلك عيسى عليه ~~السلام إلى الله عز وجل , فأصبح كل رجل - وقال ابن عبد الحكم : فأوحى الله ~~تعالى إليه أني سأكفيك , فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم - يتكلم بلغة ~~الأمة التي بعث إليها . | فقال عيسى عليه السلام : هذا أمر قد عزم الله ~~عليه فامضوا له . | وقال الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي في القاموس : إن ~~المكان الذي جمع فيه عيسى عليه السلام الحواريين وأنفذهم إلى النواحي قرية ~~بناحية طبرية تسمى الكرسي . | وقال ابن إسحاق : وحدثني يزيد بن أبي حبيب ~~المصري أنه وجد كتابا فيه ذكر من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~البلدان وملوك العرب والعجم وما قال لأصحابه حين بعثهم , قال : فبعث به إلى ~~محمد بن شهاب الزهري فعرفه - فذكر نحو ما تقدم إلى أن قال : قال ابن إسحاق ~~: وكان من بعث عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم من الحواريين والأتباع ~~الذين كانوا بعدهم في الأرض بطرس PageV02P602 الحواري ومعه بولس - وكان ~~بولس من الأتباع ولم يكن من الحواريين - إلى رومية , وأندرائس ومنتا إلى ~~الأرض التي يأكل أهلها الناس , وتوماس إلى أرض بابل من أرض المشرق وقيبليس ~~إلى قرطاجنة , وهي إفريقية , ويحنس إلى أقسوس قرية الفتية أصحاب الكهف , ~~ويعقوبس إلى أوراشلم وهي إيلياء قرية بيت المقدس , وابن ثلما إلى الأعرابية ~~, وهي أرض الحجاز , وسيمن إلى أرض البربر , ويهودا ولم يكن من الحواريي , ~~جعل مكان يودس - انتهى . | كذا رأيت في نسخة معتمدة مقابلة من تهذيب السيرة ~~لابن هشام , وكذا في مختصرها ms1392 للامام جمال الدين محمد بن المكرم الأنصاري ~~عدد رسله وأسمائهم , وفي أخرهم : قوله : مكان يودس , ولم يتقدم ليودس ذكر , ~~والذي حررته أنا من الأناجيل التي بأيدي النصارى غير هذا , ولعله أصح , وقد ~~جمعت ما تفرق من ألفاظها , قال في إنجيل متى ما نصه - ومعظم السياق له : ~~ودعا يعني عيسى عليه السلام - تلاميذه الاثني عشر وأعطاهم سلطانا على جميع ~~الأرواح النجسة لكي يخرجوها ويشفوا كل الأمراض ؛ وفي أنجيل مرقس : وصعد إلى ~~الجبل ودعا الذين أحبهم فأتوا إليه , وانتخب اثني عشر ليكونوا معه ولكي ~~يرسلهم ليكرزوا , وأعطاهم سلطانا على شفاء الأمراض وإخراج الشياطين , وفي ~~إنجيل لوقا : وكان في تلك الأيام خرج إلى الجبل يصلي , وكان ساهرا في صلاة ~~الله , فلما كان النهار دعا تلاميذه واختار منهم اثني عشر ؛ وقال في موضع ~~آخر : ودعا الاثني عشر الرسل وأعطاهم قوة وسلطانا على جميع الشياطين وشفاء ~~المرضى , وأرسلهم يكرزون بملكوت الله ويشفون الأوجاع ؛ وهذه أسماء الاثني ~~عشر الرسل : سمعان المسمى بطرس - ونسبه في موضع من إنجيل متى : ابن يونا - ~~وأندراوس أخوه , ويعقوب بن زبدي ويوحنا أخوه قال في إنجيل مرقس : وسماهما ~~باسمي بوانرجس اللذين ابنا الرعد - وفيلبس وبرثولوماوس , وتوما ومتى الشعار ~~, ويعقوب بن حلفي , ولباوس الذي يدعى تداوس , وجعل في إنجيل مرقس بدل هذا : ~~تدى , وفي إنجيل لوقا بدلهما : يهوذا بن يعقوب , ثم اتفقوا : وسمعان ~~القاناني , وقال في إنجيل لوقا : المدعو الغيور , ويهوذا الإسخريوطي الذي ~~أسلمه - أي دل عليه في الليلة التي ادعى اليهود القبض عليه فيها - هؤلاء ~~الاثنا عشر الرسل الذين أرسلهم يسوع - وفي إنجيل مرقس : ودعا الاثني عشر ~~وجعل يرسلهم اثنين اثنين , وأعطاهم السلطان على الأرواح النجسة - قائلا : ~~لا تسلكوا طريق الأمم , ولا تدخلوا مدينة السامرة , وانطلقوا خاصة إلى ~~الخراف التي ضلت من بيت إسرائيل , وإذا ذهبتم فاكرزوا وقولوأ : قد اقتربت ~~ملكوت السماوات , اشفوا المرضى , أقيموا الموتى , طهروا البرص , أخرجوا ~~الشياطين , مجانا أخذتم مجانا أعطوا , لا تكنزوا ذهبا ولا فضة ولا ~~PageV02P603 نحاسا في مناطقكم ولا هميانا في الطريق ولا ثوبين ولا حذاء ولا ms1393 ~~عصى , والفاعل مستحق طعامه , وفي إنجيل مرقس : وأمرهم أن لا يأخذوا في ~~الطريق غير عصى فقط ولا هميانا ولا خبزا ولا فضة ولا نحاسا في مناطقهم إلا ~~نعالا في أرجلهم ولا يلبسوا قميصين ؛ وفي إنجيل لوقا : وقال لهم : لا ~~تحملوا في الطريق شيئا , لا عصى ولا هميانا ولا خبزا ولا فضة , ولا يكون ~~لكم ثوبان , وأي مدينة أو قرية دخلتموها فحصوا فيها عمن يستحقكم , وكونوا ~~هناك حتى تخرجوا , فإذا دخلتم إلى البيت فسلموا عليه , فإن كان البيت ~~مستحقا لسلامكم فهو يحل عليه , وإن كان لا يستحق فسلامكم راجع إليكم , ومن ~~لا يقبلكم ولا يسمع كلامكم فإذا خرجتم من ذلك البيت وتلك القرية أو تلك ~~المدينة انفضوا غبار أرجلكم ؛ وفي إنجيل مرقس : وقال لهم : أي بيت دخلتموه ~~أقيموا فيه إلى أن تخرجوا منه , وأي موضع لم يقبلكم ولم يسمع منكم فإذا ~~خرجتم من هناك فانفضوا الغبار الذي تحت أرجلكم للشهادة عليهم , الحق أقول ~~لكم ! إن الأرض سدوم وعامورا راحة في يوم الدين أكثر من تلك المدينة , هو ~~ذا أنا مرسلكم كالخراف بين الذئاب , كونوا حكماء كالحية وودعاء كالحمام , ~~احذروا من الناس , فإنهم يسلمونكم إلى المحافل , وفي مجامعهم يضربونكم , ~~ويقدمونكم إلى القواد والملوك من أجلى شهادة لهم وللأمم - وفي إنجيل مرقس : ~~شهادة عليهم وعلى كل الأمم , ينبغي أولا أن يكرزوا بالإنجيل - فإذا أسلموكم ~~فلا تهتموا بما تقولون - وفي إنجيل مرقس : ولا ماذا تجيبون - فإنكم تعطون ~~في تلك الساعة ما تتكلمون به , ولستم أنتم المتكلمين لكن روح أبيكم - وفي ~~إنجيل مرقس : لكن روح القدس يتكلم فيم - وسيسلم الأخ أخاه إلى الموت والأب ~~ابنه , ويقوم الأبناء على آبائهم فيقتلونهم , وتكونون مبغوضين من الكل من ~~أجل اسمي , والذي يصبر إلى المنتهى يخلص , فإذا طردوكم من هذه المدينة ~~اهربوا إلى أخرى , الحق الحق أقول لكم ! إنكم لا تكلمون مدائن إسرائيل حتى ~~يأتي ابن الإنسان , ليس تلميذ أفضل من معلمه , ولا عبد أفضل من سيده , وحسب ~~التلميذ أن يكون مثل معلمه والعبد مثل سيده , إن كانوا سموا ms1394 رب البيت باعل ~~زبول فكم بالحري أهل بيته ! فلا تخافوهم , فليس خفي إلا سيظهر ولا مكتوم ~~إلا سيعلم , الذي اقول لكم في الظلمة قولوه أنتم في النور , وما سمعتموه ~~بآذانكم فاكرزوا به على السطوح , ولا تخافوا ممن يقتل الجسد ولا يستطيع أن ~~يقتل النفس , خافوا ممن يقدر أن يهلك النفس PageV02P604 والجسد جميعا في ~~جهنم , أليس عصفوران يباعان بفلس , وواحد منهما لا يسقط على الأرض دون ~~إرادة أبيكم , وأنتم فشعور رؤوسكم كلها محصاة , فلا تخافوا , فإنكم أفضل من ~~عصافير كثيرة , لا تظنوا أني جئت لألقي على الأرض سلامة , لكن سيفا , أتيت ~~لأفرق الإنسان من أبيه والابنة من أمها , والعروس من حماتها , وأعداء ~~الإنسان أهل بيته , من أحب أبا أو أما أكثر مني فما يستحقني , ومن وجد نفسه ~~فليهلكها , ومن أهلك نفسه من أجلي وجدها , ومن قبلكم فقد قبلني , ومن قبلني ~~فهو يقبل الذي أرسلني , ومن يقبل نبيا باسم نبي فأجر نبي يأخذ , ومن يأخذ ~~صديقا باسم صديق فأجر صديق يأخذ , ومن سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد ~~فقط باسم تلميذ - الحق أقول لكم - إن أجره لا يضيع , ولما أكمل يسوع أمره ~~لتلاميذه الاثني عشر , انتقل من هناك ليعلم ويكرز في مدنهم ؛ وفي إنجيل ~~مرقس : فلما خرجوا - يعني الرسل - كرزوا بالتوبة وأخرجوا شياطين كثيرة ~~ومرضى عديدة يدهنونهم بالزيت فيشفون ؛ وفي إنجيل لوقا : ومن بعد هذا أيضا ~~ميز الرب سبعين آخرين ويرسلهم اثنين اثنين قدام وجهه إلى كل مدينة وموضع ~~أزمع أن يأتيه , وقال لهم : إن الخصاد كثير والفعلة فليلون , أطلبوا من رب ~~الحصاد ليخرج فعلة لحصاده ؛ وفي إنجيل متى ما ظاهره أن هذا الكلام كان ~~للاثني عشر , فإنه قال قبل ذكر عددهم : فلما رأى الجمع تحنن عليهم لأنهم ~~كانوا ضالين ومطرحين كالخراف التي ليس لها راع , حينئذ قال لتلاميذه الاثني ~~عشر - إلى آخر ما ذكرته عنه أولا , فيجمع بأنه قاله للفريقين - رجع إلى ~~السياق الأول : اذهبوا , وهو ذا أرسلكم كالخراف بين الذئاب , لا تحملوا ~~هميانا ولا حذاء ولا مزودا ولا تقبلوا ms1395 أحدا في الطريق , وأي بيت دخلتموه ~~فقولوا أولا : سلام لأهل هذا البيت , فإن كان هناك ابن سلامكم فإن سلامكم ~~يحل عليه , وإلا فسلامكم راجع إليكم , وكونوا في ذلك البيت , كلوا واشربوا ~~من عندهم , فإن الفاعل مستحق أجرته , ولا تنتقلوا من بيت إلى بيت , وأي ~~مدينة دخلتموها ويقبلكم أهلها فكلوا مما يقدم لكم , واشفوا المرضى الذين ~~فيها , وقولوا لهم : قد قربت ملكوت الله , وأي مدينة دخلتموها ولا يقبلكم ~~أهلها فاخرجوا من شوارعها وقولوا لهم : نحن ننفض لكم الغبار الذي لصق ~~بأرجلنا من مدينتكم , لكن اعلموا أن ملكوت الله قد قربت , أقول لكم : إن ~~سدوم في ذلك اليوم لها راحة أكثر من تلك المدينة , الويل لك يا كورزين ! ~~والويل لك يا بيت صيدا ! لأنه لو كان في صور وصيدا القوات التي كن فيكما ~~جلسوا وتابوا بالمسوح والرماد , وأما صور وصيدا فلهما راحة في الدينونة ~~أكثر منكم , وأنت يا كفرناحوم لو أنك ارتفعت إلى السماء سوف تهبطين إلى ~~الجحيم , من سمع منكم فقد سمع مني , ومن جحدكم فقد جحدني , ومن PageV02P605 ~~جحدني فقد شتم الذي أرسلني ؛ فرجع السبعون بفرح قائلين : يا رب ! الشياطين ~~باسمك تخضع لنا يا رب فقال لهم : قد رأيت الشيطان سقط من السماء مثل البرق ~~, وهو ذا قد أعطيتكم سلطانا لتدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو , ولا ~~يضركم شيء , ولكن لا تفرحوا بهذا أن الأرواح تخضع لكم , افرحوا لأن أسماءكم ~~مكتوبة في السماوات , وفي تلك الساعة تهلل يسوع بالروح , والتفت إلى ~~تلاميذه خاصة وقال : طوبى للأعين التي ترى ما رأيتم ! أقول لكم : إن أنبياء ~~كثيرين وملوكا اشتهوا أن ينظروا ما نظرتم فلم ينظروا , ويسمعوا ما سمعتم ~~فلم يسمعوا ؛ وفي إنجيل متى - بعد ما ادعى اليهود صلبه - أنه ظهر لتلاميذه ~~الأحد عشر - وهم من تقدم غير يهوذا الإسخريوطي الذي أسلمه - في الجليل في ~~الجبل الذي أمرهم به يسوع , وكلمهم قائلا : أعطيت كل سلطان في السماء وعلى ~~الأرض , فاذهبوا الآن وتلمذوا كل الأمم ؛ وفي آخر إنجيل مرقس أنه ظهر لهم ~~وهم مجتمعون , وكانوا ms1396 في تلك الأيام يبكون وينوحون فبكتهم لقلة إيمانهم ~~وقسوة قلوبهم وقال لهم : امضوا إلى العالم أجمع , واكرزوا بالإنجيل في ~~الخليقة كلها , فمن آمن واعتمد خلص , ومن لم يؤمن يدان , وهذه الآيات تتبع ~~المؤمنين , يخرجون الشياطين باسمي ويتكلمون بألسنة جديدة , ويحملون بأيديهم ~~الحيات ولا تؤذيهم . | ويشربون السم القاتل فلا يضرهم , ويضعون أيديهم على ~~المرضى فيبرؤون , ومن بعد ما كلمهم يسوع ارتفع إلى السماء , فخرج أولئك ~~يكرزون في كل مكان ؛ وفي إنجيل لوقا : فلما خرجوا كانوا يطوفون في القرى ~~ويبشرون ويشفون في كل موضع وفي آخره بعد أن ذكر تلامذته الأحد عشر وكلاما ~~كانوا يخوضون فيه بعد ادعاء اليهود لصلبه : وفيما هم يتكلمون وقف يسوع في ~~وسطهم وقال لهم : السلام لكم , أنا هو ! لا تخافوا , فاضطربوا وظنوا أنهم ~~ينظرون روحا فقال : ما بالكم تضطربون ؟ ولم تأتي الأفكار في قلوبكم ؟ ~~انظروا يدي ورجلي فإني أنا هو ! جسوني وانظروا , إن الروح ليس له لحم ولا ~~عظم كما ترون أنه لي ؛ ولما قال هذا أراهم يديه ورجليه , وإذا هم غير ~~مصدقين من الفرح , قال لهم : أعندكم ههنا ما يؤكل ؟ فأعطوه جزءا من حوت ~~مشوي ومن شهد عسل , فأخذ قدامهم وأكل , وأخذ الباقي وأعطاهم , وقال لهم : ~~هذا الكلام الذي كلمتكم به إذ كنت معكم , وأنه سوف يكمل كل شيء هو مكتوب في ~~ناموس موسى والأنبياء والمزامير لأجلي , وحينئذ فتح أذهانهم ليفهموا , وقال ~~لهم : اجلسوا أنتم في المدينة يروشليم حتى تتذرعوا لقوة من العلى , ثم ~~أخرجهم خارجا إلى بيت عنيا , فرفع يديه وباركهم , وكان فيما هو يباركهم ~~انفرد عنهم وصعد إلى السماء أمامهم , فرجعوا إلى يروشليم بفرح PageV02P606 ~~عظيم , وكانوا في كل حين يسبحون ويباركون الله - انتهى ما نقلته من ~~الأناجيل . | وما كان فيه من لفظ يوهم نقصا ما فقد تقدم في أول آل عمران ~~أنه لا يجوز في شرعنا إطلاقه على الله تعالى وإن كان صح إطلاقه في شرعهم , ~~فهو مؤول وقد نسخ ؛ وقال الإمام محيي السنة البغوي في تفسير آل عمران فميا ~~نقله عن وهب : فلما ms1397 كان بعد سبعة أيام - أي من ادعاء اليهود لصلبه - قال ~~الله تعالى لعيسى عليه السلام : اهبط على مريم المجدلانية في جبلها , فإنه ~~لم يبك عليك أحد بكاءها , ولم يحزن عليك أحد حزنها , ثم لتجمع لك الحواريين ~~فتبثهم في الأرض دعاة إلى الله تعالى , فأهبطه الله تعالى عليها فاشتعل ~~الجبل حين هبط نورا , فجمعت له الحواريين فبثهم في الأرض دعاة , ثم رفعه ~~الله إليه , وتلك الليلة هي التي تدخن فيها النصارى , فلما أصبح الحواريون ~~حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى عليه السلام إليهم , فذلك قوله تعالى ~~< # > 77 ( { ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين } ) 77 < # > [ آل عمران : 54 ] هذا ما ذكر من شأن رسل عيسى عليه السلام أنهم كانوا ~~دعاة , وأما رسل النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم كانوا مبلغين لكتبه صلى ~~الله عليه وسلم , فمن قبل ذلك كان حظه من الله , ومن أبى كان جوابه السيف ~~الماحق لدولته - كما ذكرته مستوفى في شرحي لنظمي للسيرة وهو مذكور في فتوح ~~البلاد ؛ ولما بعث صلى الله عليه وسلم رسله اتخذ لأجل مكاتبة الملوك الخاتم ~~, أخرج أبو يعلى في مسنده عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كتب إلى كسرى وقيصر - وفي رواية : وأكيدر دومة وإلى كل جبار - يدعوهم ~~إلى الله وأخرج الشيخان في صحيحهما - وهذا لفظ مسلم - عن أنس بن مالك أيضا ~~رضي الله عنه قال : لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكتب إلى الروم - ~~وفي رواية : إلى العجم - قالوا : إنهم لا يقرؤون كتابا إلا مختوما , فاتخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من فضة كأني أنظر إلى بياضه في يد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نقشه ( محمد رسول الله ) . | فبعث دحية بن خليفة ~~الكلبي رضي الله عنه إلى قيصر ملك الروم وأمره أن يوصل الكتاب إلى عظيم ~~PageV02P607 بصرى ليوصله إليه , فعظم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم وقبله ~~وقرأه ووضعه على وسادة وعلم صدقه صلى الله عليه وسلم وأنه سيغلب على ms1398 ملكه , ~~فجمع الروم وأمرهم بالإسلام فأبوا , فخافهم فقال : إنما أردت أن أجربكم , ~~ثم لم يقدر الله له الإسلام , فأزال الله حكمه عن الشام وكثير من الروم على ~~يدي أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم , ثم عن كثير من الروم أيضا على يد ~~من بعدهم , ومكن يها الإسلام , لكن أثابه الله على تعظيم كتاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأن أبقى ملكه في أطراف بلاده إلى الآن , وبلغني أن الكتاب ~~محفوظ عندهم إلى هذا الزمان ؛ وبعث شجاع بن وهب الأسدي رضي الله عنه إلى ~~الحارث بن أبي شمر الغساني - وقال القضاعي : المنذر بن أبي شمر عامل قيصر ~~على تخوم الشام - ثم إلى جبلة بن الأيهم الغساني , فأما الحارث أو المنذر ~~فغضب من الكتاب وهم بالمسير إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليقاتله , زعم ~~فنهاه عن ذلك قيصر , فأكرم شجاعا ورده وأسلم حاجبه مري الرومي بما عرف من ~~صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الإنجيل , فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~( باد ملك الحارث , وفاز مري ) فقل ما لبث الحارث حتى مات , وولي بعده في ~~مكانه جبلة بن الأيهم الغساني , وهو آخر ملوك غسان على نواحي الشام , فرد ~~إليه النبي صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب رضي الله عنه , فرد على النبي ~~صلى الله عليه وسلم ردا جميلا ولم يسلم , واستمر يتربص حتى أسلم في خلافة ~~عمر رضي الله عنه ملا رأى من ظهور نور الإسلام وخمود نار الشرك , ثم إنه ~~ارتد - ولحق ببلاد الروم - في لطمة أريد أن يقتص منه فيها , فسبحان الفاعل ~~لما يشاء ! وبعث عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه إلى كسرى ملك الفرس ~~, وأمره أن يدفع الكتاب إلى PageV02P608 عظيم البحرين ليوصله إليه , فلما ~~رأى النبي صلى الله عليه وسلم بدأ باسمه الشريف مزق الكتاب قبل أن يعلم ما ~~فيه , فرجع عبد الله , فلما سكن غضب الخبيث التمسه فلم يجده فأرسل في طلبه ~~فسبق الطلب , فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن تمزيق ms1399 الكتاب , دعا ~~على كسرى أن يمزق كل ممزق , فأجاب الله دعوته فشتت شملهم وقطع وصلهم على يد ~~أبي بكر وعمر رضي الله عنهما , ثم قتل يزدجرد آخر ملوكهم في خلافة عثمان ~~رضي الله عنه , فأصبح ملك الأكاسرة كأمس الدابر , وعم بلادهم الإسلام وظهرت ~~بها كلمة الإيمان , بل تجاوز الإسلام ملكهم إلى ما وراء النهر وإلى بلاد ~~الخطا . | وبعث حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه إلى المقوقس صاحب مصر ~~والإسكندرية , فعلم من صدق النبي صلى الله عليه وسلم ما علمه قيصر من ~~الإنجيل , فأكرم الرسول وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم ورد ردا جميلا ولم ~~يسلم , فأباد الله ملكه على يد عمرو بن العاص أمير لعمر رضي الله عنهما . | ~~وبعث عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه إلى النجاشي فآمن رضي الله عنه وقال ~~: أشهد أنه النبي صلى الله عليه وسلم الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب , وأن ~~بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل عليهم السلام . | وأن ~~العيان ليس بأشفى من الخبر , وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم هدايا كثيرة , ~~وأرسل ابنه بإسلامه في سبعين من الحبشة , وقال في كتابه : وإني لا أملك إلا ~~نفسي ومن آمن بك من قومي , وإن أحببت أن آتيك يا رسول الله فعلت ؛ فصلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على النجاشي واستغفر له ؛ وبعث العلاء بن ~~الحضرمي رضي الله عنه إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين وإلى أسيحت ~~مرزبان هجر بكتاب يدعوهما فيه إلى الإسلام أو الجزية , وأرض البحؤين من ~~بلاد العرب , لكن كان الفرس قد غلبوا عليها , وبها خلق كثير من عبد القيس ~~وبكر بن وائل وتميم فأسلم المنذر وأسيحت وجميع من هناك من العرب وبعض العجم ~~, فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على عمله ؛ وبعث سليط بن عمرو العامري ~~رضي الله عنه إلى هوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة , وكان عاملا لقيصر على ~~قومه , فقرأ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ورد ردا دون رد , فصادف أن قدم ~~عليه راهب ms1400 من دمشق , فأخبره أنه لم يجب إلى الإسلام , فقال : لم ؟ قال : ~~ضننت بملكي , قال الراهب : لو تبعته لأقرك والخير لك في اتباعه , فإنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم , بشر به عيسى عليه السلام , قال هوذة للراهب : ~~PageV02P609 فما لك لا تتبعه ؟ فقال : أجدني أحسده وأحب الخمر , فكتب هوذة ~~كتابا وبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهدية مكانه ذلك , وشعر به قومه ~~فأتوه فهددوه , فرد الرسول واستمر على نصرانيته , فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما رجع إليه سليط : ( با هوذة وباد ما في يده ) ! فلما انصرف النبي ~~صلى الله عليه وسلم من فتح مكة جاءه جبرئيل عليه السلام بأن هوذة مات , ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبأ ~~يقتل بعدي ) , فكان كذلك كما هو مشهور من أمر مسيلمة الكذاب , وبعث المهاجر ~~بن أبي أمية المخزومي رضي الله عنه إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك ~~اليمن , فلما بلغه رسالة النبي صلى الله عليه وسلم قال الحارث : قد كان هذا ~~النبي عرض نفسه علي فخطئت عنه , وكان ذخرا لمن صار إليه , وسأنظر , وتباطأ ~~به الحال إلى أن أسلم عند رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك سنة ~~الوفود , وكاتب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ؛ وبعث عمرو بن العاص رضي ~~الله عنه إلى جيفر وعبد ابني الجلندي الأزديين ملكي عمان , فتوقفا واضطرب ~~رأيهما , ثم عزم الله لهما على الرشد فقال جيفر : إنه والله قد دلني على ~~هذا النبي صلى الله عليه وسلم الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به , ~~ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له , وأنه يغلب فلا يبطر , ويغلب فلا يفجر ~~, وأنه يوفى بالعهد وينجز الوعد , ولا يزال يطع على سر قوم يساوي فيه أهله ~~, وإني أشهد أنه رسول الله , وأسلم أخوه أيضا , وكتبا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بإسلامهما , فقال خيرا وأثنى خيرا , وكان في سير هؤلاء الرسل ~~لعمري غير ما ذكر أحاديث عجائب وأقاصيص ms1401 غرائب من دلائل النبوة وأعلام ~~الرسالة , خشيت من ذكرها الإطالة وأن تمل وإن لم يكن فيها ما يقتضي ملاله , ~~وقد شفيت في شرحي لنظمي للسيرة باستيفائها القليل في ترتيب جميل ونظم ~~أسلوبه لعمري جليل , هؤلاء رسل البشر , وأما الرسل من الجن فقد روى ~~الطبراني في الكبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : < # > 77 ( { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن } ) 77 < # > [ الجن : 29 ] قال : كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين , فجعلهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم ( قال الهيثمي : وفي سنده النضر أبو عمر ~~PageV02P610 وهو متروك , ويؤيد عموم هذه الآية في تناولها الملائكة عليهم ~~السلام قوله تعالى < # > 77 ( { ليكون للعالمين نذيرا } ) 77 < # > [ الفرقان : 1 ] وإذا تأملت سياق الآيات التي بعدها مع آخر السورة التي ~~قبلها قطعت بذلك < # > 77 ( { لينذر من كان حيا } ) 77 < # > [ يس : 70 ] , < # > 77 ( { إنما تنذر من اتبع الذكر } ) 77 < # > [ يس : 11 ] إذ هم من جملة العالمين وممن بلغه القرآن وممن هو حي وممن ~~اتبع الذكر , والخطاب بالإنذار وارد مورد التغليب , إذ الإنس والجن أهل له ~~, فانتفى ما يقال : إن الملائكة في غاية الخوف من الله تعالى مع عصمتهم ~~فليسوا ممن يخوف , ويزيد ذلك وضوحا قوله تعالى : < # > 77 ( { ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي ~~الظالمين } ) 77 < # > [ الأنبياء : 29 ] ولا إنذار أعظم من ذلك , وإن عيسى عليه السلام من ~~هذه الأمة وممن شملته الآيات الدالة على عموم الرسالة بغير شك , وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : ) والذي نفسي بيده ! لو كان موسى حيا ملا وسعه ~~إلا اتباعي ( أخرجه الإمام أحمد والدارمي والبيهقي في الشعب عن جابر رضي ~~الله عنه , ومذهب أهل السنة أن رسل البشر أفضل من رسل الملائكة , وقد ثبتت ~~رسالته إلى الأفضل المعصوم بالفعل لعيسى , وبالتعليق بالحياة بموسى عليه ~~السلام , وقد أخذ الله سبحانه ميثاق النبيين كلهم عليهم السلام إن أدركوه ~~ليؤمنن به , وقد خوطب النبي صلى الله عليه وسلم - وهو أشرف الخلق ms1402 وأكملهم - ~~بالإنذار في غير آية , فمهما أول به ذلك في حقه صلى الله عليه وسلم قيل ~~مثله في حقهم عليهم السلام , ومما يرفع النزاع ويدفع تعلل المتعلل بالإنذار ~~قوله تعالى < # > 77 ( { لتنذر به وذكرى للمؤمنين } ) 77 < # > [ الأعراف : 2 ] فخذل مفعول ) تنذر ( دال على عموم رسالته , وتعليق ~~الذكرى بالمؤمنين مدخل لهم بلا ريب لأنهم من رؤوسهم - عليهم السلام , وقوله ~~تعالى < # > 77 ( { لتبشر به المتقين } ) 77 < # > [ مريم : 97 ] إلى غيرها من الآيات , فيكون عموم رسالته لهم زيادة شرف ~~له , وهو واضح , وزيادة شرف لهم بحمل أنفسهم على طاعته والتقيد بما حده لهم ~~من أعمال ملته طاعة لله تعالى زيادة في أجورهم ورفعة درجاتهم , وذلك مثل ما ~~قال أبو حيان في قوله تعالى < # > 77 ( { فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين } ) 77 < # > [ الأعراف : 144 ] : إن في الأمر له PageV02P611 بذلك مزيد تأكيد وحصول ~~أجر بالامتثال ؛ وقال القاضي عياض في الفصل السابع من الباب الأول من القسم ~~الأول من الشفا في قوله تعالى < # > 77 ( { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة } ) 77 < # > [ آل عمران : 81 ] قال المفسرون : أخذ الله الميثاق بالوحي , فلم يبعث ~~نبيا إلا ذكر له محمدا ونعته وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنن به , وبعضد ~~ذلك ما قال في أول الباب الأول : وحكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لجبرئيل عليه السلام : ( هل أصابك من هذه الرحمة المذكورة في قوله تعالى { ~~وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } شيء ) ؟ قال نعم ! كنت أخشى العاقبة فآمنت ~~لثناء الله عز وجل علي بقوله < # > 77 ( { ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين } ) 77 < # > [ التكوير : 20 , 21 ] وروى مسلم في كتاب الصلاة عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( فضلت على الأنبياء بست : ~~أعطيت جوامع الكلم , ونصرت بالرعب , وأحلت لي الغنائم , وجعلت لي الأرض ~~طهورا ومسجدا , وأرسلت إلى الخلق كافة , وختم بي النبيون ) وحمل من حمل ~~الخلق على الناس - للرواية التي فيها ( إلى الناس ) تحكم , بل العكس ms1403 أولى ~~لمطابقة الآيات , وقد خرج من هذا العموم من لا يعقل بالدليل العقلي , فبقي ~~غيرهم داخلا في اللفظ , لا يحل لأحد أن يخرج منه أحدا منهم إلا بنص صريح ~~ودلالة قاطعة ترفع النزاع , وقال عياض في الباب الثالث من القسم الأول : ~~وذكر البزار عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لما أراد الله تعالى أن ~~يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان - فذكر المعراج وسماع الأذان من ~~وراء الحجاب ثم قال : ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه , ~~فأم بأهل السماء فيهم آدم ونوح - انتهى . | وروى عبد الرزاق عن سلمان ~~الفارسي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كان ~~الرجل بأرض قي فحانت الصلاة فليتوضأ , فإن لم يجد الماء فليتيمم , فإن أقام ~~صلى معه ملكاه , وإن أذن وأقام صلى خلفه من جنود الله ما لا يرى طرفاه ) ~~قال PageV02P612 المنذري : القي - بكسر القاف وتشديد الياء , وهي الأرض ~~القفر . | وروى مالك والستة إلا الترمذي وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قال الإمام { غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين } فقولوا آمين ) - وفي رواية إذا أمن الإمام فأمنوا - ~~فإنه من وافق تأمينه - تأمين الملائكة - وفي رواية : من وافق قوله قول ~~الملائكة - غفر له ما تقدم من ذنبه . | وفي رواية في الصحيح : ( إذا قال ~~أحدكم في الصلاة : آمين , وقالت الملائكة في السماء : آمين , فوافقت ~~إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم له من ذنبه ) . | وفي رواية لأبي يعلى : إذا ~~قال الإمام { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } قال الذين خلفه : آمين , ~~التقت من أهل السماء وأهل الأرض آمين , غفر للعبد ما تقدم من ذنبه . | ~~وللشيخين عن أبي هريرة أيضا رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: ( إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده , فقولوا : اللهم ربنا لك الحمد , ~~فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) ؛ وفي رواية : ~~فإذا وافق ms1404 قول أهل السماء قول أهل الأرض غفر له ما تقدم من ذنبه ؛ في أشكال ~~ذلك مما يؤذن بائتمام الملائكة بأئمتنا , وذلك ظاهر في التقيد بشرعنا ؛ ~~وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما والحاكم - ~~وجزم ابن معين والذهلي بصحته - عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة ) وأدل من جميع ~~ما مضى ما PageV02P613 روى مالك والشيخان وأبو داود وابن خزيمة عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من اغتسل يوم ~~الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة , ومن راح في ~~الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة , ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب ~~كبشا أقرن , ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة , ومن راح في ~~الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة , فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون ~~الذكر ) ؛ وفي رواية : ( فإذا قعد الإمام طويت الصحف ) ؛ وفي رواية لأحمد ~~عن أبي سعيد : فإذا أذن المؤذن وجلس الإمام على المنبر طويت الصحف ودخلوا ~~المسجد يستمعون الذكر . | فإن تركهم لكتابة الناس وإقبالهم على الاستماع ~~دليل واضح على الائتمام , بما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أيضا رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة : ~~أنصت , والإمام يخطب فقد لغوت ) قال الحليمي في الرابع من شعب الإيمان في ~~الجواب عما أورد على قوله : < # > 77 ( { لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله } ) 77 < # > [ الإسراء : 87 ] من أن التخصيص بالإنس والجن لا يمنع قدرة الملائكة ~~على المعارضة ما نصه : وأما الملائكة فلم يتحدوا على ذلك لأن الرسالة غذا ~~لم تكن إليهم لم يكن القرآن حجة عليهم , فسواء كانوا قادرين على مثله أو ~~عاجزين , وهم عندنا عاجزون ؛ وقال في الخامس عشر في أن من أنواع تعظيمه ~~الصلاة عليه فأمر الله عباده أن يصلوا عليه ويسلموا , وقدم قبل ذلك ms1405 إخبارهم ~~بأن ملائكته يصلون عليه , فأمر الله عباده لنبيهم بذلك على ما في الصلاة ~~عليه من الفضل إذا كانت الملائكة مع انفكاكهم عن شريعته تتقرب إلى الله ~~تعالى بالصلاة والتسليم عليه , ليعلموا أنهم بالصلاة والتسليم عليه أول ~~وأحق - هذا نصه في الموضعين , ولم يذكر لذلك دليلا , ونسب الجلال المحلي في ~~شرحه لجمع الجوامع مثل ذلك إلى البيهقي في الشعب فإنه قال : وصرح الحليمي ~~والبيهقي في الباب الرابع من شعب الإيمان بأنه عليه PageV02P614 الصلاة ~~والسلام لم يرسل إلى الملائكة , وفي الباب الخامس عشر بانفكاكهم من شرعه , ~~قال : وفي تفسير الإمام الرازي والبرهان النسفي حكاية الإجماع في تفسر ~~الآية الثانية - أي < # > 77 ( { ليكون للعالمين نذيرا } ) 77 < # > [ الفرقان : 1 ] أنه لم يكن رسولا إليهم - انتهى . | وهو شهادة نفي كما ~~ترى , لا ينهض بما ذكرته من النصوص على أن الحليمي لم يقل بذلك إلا لقوله ~~بأن لملائكة أفضل من الأنبياء - كما نقله عنه الإمام فخر الدين في كتاب ~~الأربعين والشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد وغيرهما , ولم يوافقه ~~على ذلك أحد من أهل السنة إلا القاضي أبو بكر الباقلاني , فكما لم يوافق ~~على الأصل لا يوافق على الفرع , وأما البيهقي فإنما نقله عن الحليمي وسكوته ~~عليه لا يوجب القطع برضاه , قال الزركشي في شرح جمع الجوامع : وهي مسألة ~~وقع النزاع فيها بين فقهاء مصر مع فاضل درس عندهم وقال لهم : الملائكة ما ~~دخلت في دعوته , فقاموا عليه , وقد ذكر الإمام فخر الدين في تفسير سورة ~~الفرقان الدخول محتجا بقوله تعالى { ليكون للعالمين نذيرا } : والملائكة ~~داخلون في هذا العموم - انتهى . | وهذا يقدح فيما نقل عنه من نقل الإجماع , ~~وعلى تقدير صحته ففيه أمور , أما أولا فالإجماع لا يرجع إلا إلى أهل ~~الاطلاع على المنقولات من حفاظ الآثار وأقاويل السلف فيه , وأما ثانيا فإنه ~~نقل يحتمل التصحيح والتضعيف , لأنه بطرقه احتمال أن يكون نقل عمن لا يعتد ~~به , أو يكون أخذه عن أحد مذاكرة وأحسن الظن به , أو حصل له سهو , ونحو ذلك ~~, فلا وثوق ms1406 غلا بعد معرفة المنقول عنه وسند النقل والاعتضاد بما يوجب الثقة ~~ليقاوم هذه الظواهر الكثيرة , وأما ثالثا فإنه سيأتي عن الإمام تقي الدين ~~السبكي أن بعض المفسرين قال بالإرسال إلى الملائكة , وقا لالإمام ولي الدين ~~أبو زرعة أحمد ابن الحافظ زين الدين العراقي في شرحه لجمع الجوامع : وأما ~~كونه مبعوثا إلى الخلق أجمعين فالمراد المكلف منهم , وهذا يتناول الإنس ~~والجن والملائكة , فأما الأولان فبالإجماع , وأما الملائكة فمحل خلاف فأين ~~الإجماع ! هذا على تقدير صحة هذا النقل وأنى لمدعي ذلك به فإني راجعت تفسير ~~الإمام للآية المذكورة فلم أجد فيه نقل الإجماع , وإنما قال : ثم قالوا : ~~هذه الآية تدل على أحكام : الأول أن العالم كل ما سوى الله , فيتناول جميع ~~المكلفين من الجن والإنس والملائكة , لكنا نبئنا أنه عليه السلام لم يكن ~~رسولا إلى الملائكة , فوجب أن ينفى كونه رسولا إلى الجن والإنس جميعا , ~~وبطل قول من قال : إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض , الثاني أن لفظ { ~~العالمين } يتناول جميع المخلوقات , فتدل الآية على أنه رسول إلى المكلفين ~~إلى يوم القيامة , فوجب أن يكون خاتم الأنبياء والرسل - هذا لفظه في أكثر ~~النسخ , وفي بعضها : لكنا أجمعنا - بدل : نبئنا - وهي غير PageV02P615 ~~صريحة في إجماع الأمة كما ترى , ولم يعين الموضع الذي أحال عليه في النسخ ~~الأخرى - فليطلب من مظانه ويتأمل , وأما النسفي فمختصر له - والله الموفق ؛ ~~ثم رأيت في خطبة كتاب الإصابة في أسماء الصحابة لشيخنا حافظ عصره أبي الفضل ~~بن حجر في تعريف الصحابي : وقد نقل الإمام فخر الدين في أسرار التنزيل ~~الإجماع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن مرسلا إلى الملائكة , ونوزع في ~~هذا النقل , بل رجح الشيخ تقي الدين السبكي أنه كان مرسلا إليهم واحتج ~~بأشياء يطول شرحها - انتهى . | والعجب من الرازي في نقل هذا الذي لا يوجد ~~لغيره مع أنه قال في اسرار التنزيل في أواخر الفصل الثاني من الباب الثالث ~~في الاستدلال بخلق الآدمي على وجود الخالق : الوجه الرابع - أي في تكريم ~~بني آدم ms1407 - أنه جعل أباهم رسولا إلى الملائكة حيث قال < # > 77 ( { أنبئهم باسمائهم } ) 77 < # > [ البقرة : 31 ] وقد تقرر أن كل كرامة كانت لنبي من الأنبياء فلنبينا ~~صلى الله عليه وسلم مثلها أو أعظم منها , وقال في تفسيره الكبير في < # > 77 ( { وعلم آدم الأسماء } ) 77 < # > [ البقرة : 31 ] : ولا يبعد أيضا أن يكون مبعوثا إلى من يوجه التحذير ~~إليهم من الملائكة , لأن جميعهم وإن كانوا رسلا فقد يجوز الإرسال إلى ~~الرسول لبعثة إبراهيم إلى لوط عليهما السلام - انتهى . | وأنت خبير بأمر ~~عيسى عليه السلام بعد نزوله من السماء , والحاصل أن رسالته صلى الله عليه ~~وسلم إليهم صلوات الله عليهم - رتبة فاضلة ودرجة عالية كاملة جائزة له , ~~لائقة بمنصبه , مطابقة لما ورد من القواطع لعموم رسالته وشمول دعوته , وقد ~~دلت على حيازته لها ظواهر الكتاب والسنة مع أنه لا يلزم من إثباتها له ~~إشكال في الدين ولا محذور في الإعتقاد , فليس لنا التجريء على نفيها إلا ~~بقاطع كما قال إمامنا الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة في آية الأنعام < # > 77 ( { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } ) 77 < # > [ الأنعام : 145 ] قال : فاحتملت معنيين : أحدهما أن لا يحرم على طاعم ~~يطعمه أبدا إلا ما استثنى الله عز وجل , وهذا المعنى الذي إذا ووجه رجل ~~مخاطبا به كان الذي يسبق إليه أنه لا يحرم عليه غير ما سمى الله عز وجل ~~محرما , وما كان هكذا فهو الذي يقال له أظهر المعاني وأعمها وأغلبها والذي ~~لو احتملت الآية معاني سواه - كان هو المعنى الذي يلزم أهل العلم القول به ~~إلا أن تأتي سنة للنبي صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي - تدل على معنى ~~غيره مما تحتمله الآية , فنقول : هذا معنى ما أراد الله عز وجل , ولا يقال ~~بخاص في كتاب الله ولا سنة إلا بدلالة فيهما أو في واحد منهما , ولا يقال ~~بخاص حتى تكون الآية تحتمل أن تكون أريد بها ذلك الخاص , فأما ما لم تكن ~~محتملة له فلا يقال فيها بما لا تحتمل الآية - انتهى ms1408 . | وشرحه الإمام أبو ~~محمد بن حزم في المحلى فقال : ولا يحل لأحد أن يقول في آية أو في خبر : هذا ~~منسوخ أو مخصوص في بعض ما يقتضيه ظاهر لفظه , ولا أن لهذا النص تأويلا غير ~~PageV02P616 مقتضى ظاهر لفظه , ولا أن هذا الحكم غير واجب علينا من حين ~~وروده إلا بنص آخر وارد بأن هذا النص كما ذكر , أو بإجماع متيقن بأنه كما ~~ذكر , أو بضرورة حس موجبة أنه كما ذكر , برهانه : < # > 77 ( { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } ) 77 < # > [ النساء : 64 ] < # > 77 ( { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين له } ) 77 < # > [ إبراهيم : 4 ] وقال < # > 77 ( { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة } ) 77 < # > [ النور : 63 ] , ومن ادعى أن المراد بالنص بعض ما يقتضيه في اللغة ~~العربية , لا كل ما يقتضيه فقد أسقط بيان النص , وأسقط وجوب الطاعة له ~~بدعواه الكاذبة , وليس بعض ما يقتضيه النص بأولى بالاقتصار عليه من سائر ما ~~يقتضيه - انتهى . | وقال أهل الأصول : إن الظاهر ما دل على المعنى دلالة ~~ظنية اي راجحة , والتأويل حمل الظاهر على المحتمل المرجوح , فإن حمل عليه ~~لدليل فصيح - أو لما نظن دليلا وليس في الواقع بدليل - فاسد , أو لا لشيء ~~فلعب لا تأويل , قال الإمام الغزالي في كتاب المحبة من الإحياء في الكلام ~~على أن رؤية الله تعالى في الآخرة هل هي بالعين أو بالقلب : والحق ما ظهر ~~لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين , ليكون لفظ ~~الرؤية والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز ~~إزالة الظواهر إلا لضرورة - انتهى , وقال الإمام تقي الدين السبكي في جواب ~~السؤال عن الرسالة إلى الجن الذي تقدم في أول الكلام على هذه الآية أني ~~رأيته بخطه : الآية العاشرة : < # > 77 ( { ليكون للعالمين نذيرا } ) 77 < # > [ الفرقان : 1 ] قال المفسرون كلهم في تفسيرها : للجن والإنس , وقا ~~لبعضهم : والملائكة . | الثانية عشرة < # > 77 ( { وما أرسلناك إلا كافة للناس } ) 77 < # > [ سبأ : 28 ] قال المفسرون : معناها : إلا إرسالا ms1409 عاما شاملا لجميع ~~الناس , أي ليس بخاص ببعض الناس , فمقصود الآية نفي الخصوص وإثبات العموم , ~~ولا مفهوم لها فيما وراء الناس , بل قوتها في العموم يقتضي عدم الخصوصية ~~فيهم وحينئذ يشمل الجن , ولو كان مقصود الآية حصر رسالته في الناس لقال : ~~وما أرسلناك إلا إلى الناس , فإن كلمة ( إلا ) تدخل على ما يقصد الحصر فيه ~~, فلما أدخلها على { كافة } دل على أنه المقصود بالحصر , ويبقى قوله { ~~للناس } لا مفهوم له , أما أولا فلأنه مفهوم قلب وأما ثانيا فلأنه لا يقصد ~~بالكلام , أما ثالثا فلأنه قد قيل : إن { الناس } يشمل الإنس والجن , أي ~~على القول بأنه مشتق من النوس , وهو التحرك , وهو على هذا شامل للملائكة ~~أيضا , وممن صرح من أهل اللغة بأن { الناس } يكون من الإنس ومن الجن الإمام ~~أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي في كتابه ديوان الأدب , قال السبكي ~~: السابعة عشرة < # > 77 ( { إن هو إلا ذكر للعالمين } ) 77 < # > [ ص : 87 ] الثامنة عشرة < # > 77 ( { إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب } ) 77 < # > [ يس : 11 ] ونحوهما كقوله PageV02P617 < # > 77 ( { لتنذر من كان حيا } ) 77 < # > [ يس : 70 ] وكذا قوله { هدى للمتقين } , وأما السنة فأحاديث : الأول ~~حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ( وأرسلت إلى الخلق كافة ) , ( إلى ~~الخلق ) عام يشمل الجن بلا شك , ولا يرد على هذا أنه ورد في روايات هذا ~~الحديث من طرق أخرى في صحيح البخاري وغيره ( الناس ) موضع ( الخلق ) لأنا ~~نقول : ذلك من رواية جابر , وهذا من رواية أبي هريرة ؛ فلعلهما حديثان , ~~وفي رواية الخلق زيادة معنى على الناس , فيجب الأخذ به إذ لا تعارض بينهما ~~, ثم جوز أن يكون من روى ( الناس ) روى بالمعنى فلم يوف به , قال : وهذا ~~الحديث يؤيد قول من قال : إنه مرسل إلى الملائكة ولا يستنكر هذا , فقد يكون ~~ليلة الإسراء يسمع من الله كلاما فبلغه لهم في السماء أو لبعضهم , وبذلك ~~يصح أنه مرسل إليهم , ولا يلزم من كونه مرسلا إليهم من حيث الجملة أن ~~يلزمهم جميع الفروع التي تضمنتها ms1410 شريعته , فقد يكون مرسلا إليهم في بعض ~~الأحكام أو في بعض الأشياء التي ليست بأحكام , أو يكون يحصل لهم بسماع ~~القرآن زيادة إيمان , ولهذا جاء فيمن قرأ سورة الكهف : فنزلت عليه مثل ~~الظلة , ثم قال في أثناء كلام : بخلاف الملائكة , لا يلتزم أن هذه التكاليف ~~كلها ثابتة في حقهم إذا قيل بعموم الرسالة لهم , بل يحتمل ذلك ويحتمل في ~~شيء خاص كما أشرنا إليه فيما قبل - انتهى . | قلت : ولا ينكر اختصاص ~~الأحكام ببعض المرسل إليهم دون بعض في شرع واحد في الأحرار والعبيد والنساء ~~والرجال والحطابين والرعاء بالنسبة إلى بعض أعمال الحج وغير ذلك مما يكثر ~~تعداده - والله الموفق ؛ ومن تجرأ على نفي الرسالة إليهم من أهل زماننا ~~بغير نص صريح يضطره إليه , كان ضعيف العقل مضطرب الإيمان مزلزل اليقين سقيم ~~الدين , ولو كان حاكيا لما قيل على وجه الرضى به , فما كل ما يعلم يقال , ~~وكفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع , ولعمري ! إن الأمر لعلى ما قال صاحب ~~البردة وتلقته الأمة بالقبول , وطرب عليه في المحافل والجموع : | دع ما ~~ادعته النصارى في نبيهم واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم | ولما أثبت شهادة ~~الله تعالى له بالتصديق بأنه محق , وكان ذلك ربما أوهم أن غير الله تعالى ~~لا يعرف ذلك , لا سيما وقد ادعى كفار قريش أنهم سألوا أهل الكتابين فادعوا ~~أنهم لا يعرفونه , أتبعه بقوله على طريق الاستئناف : { الذين آتيناهم } أي ~~بما لنا من العظمة من اليهود والنصارى { الكتاب } أي الجامع لخيري الدنيا ~~والآخرة , وهو التوراة PageV02P618 والإنجيل { يعرفونه } أي الحق الذي ~~كذبتم به لما جاءكم وحصل النزاع بيني وبينكم فيه لما عندهم في كتابهم من ~~وصفي الذي لا يشكون فيه , ولما هم بمثله آنسون مما أثبت به من المعجزات , ~~ولما في هذا القرآن من التصديق لكتابهم والكشف لما أخفوا من أخبارهم , ~~ولأساليبه التي لا يرتابون في أنها خارجة من مشكاة كتابهم مع زيادتها ~~بالإعجاز , فهم يعرفون هذا الحق { كما يعرفون أبناءهم } أي من بين الصبيان ~~بحلاهم ونعوتهم ms1411 معرفة لا يشكون فيها , وقد وضعتموهم موضع الوثوق , ~~وأنزلتموهم منزلة الحكم بسؤالكم لهم عني غير مرة , وقد آمن بي جماعة منهم ~~وشهدوا لي , فما لكم لا تتابعونهم ! لقد بان الهوى وانكشف عن ضلالكم الغطاء ~~. | ولما كان أكثرهم يخفون ذلك ولا يشهدون به , قال جوابا لمن يسأل عنهم : ~~{ الذين خسروا } أي منهم , ولكنه حذفها للتعميم { أنفسهم فهم } أي بسبب ذلك ~~{ لا يؤمنون } أي لما سبق لهم من القضاء بالشقاء الذي خسروا به أنفسهم ~~بالعدول عما دعت إليه الفطرة السليمة والفكرة المستقيمة , ومن خسر نفسه فهو ~~لا يؤمن فكيف يشهد ! فقد بينت هذه الجملة أن من لا يشهد منهم فهو في ~~الحقيقة ميت أو موات , لأن من ماتت نفسه كذلك , بل هم أشقى منه , فلقد ~~أداهم ذلك الشقاء إلى أن حرفوا كتابهم وأخفوا كثيرا مما يشهد لي بالنبوة , ~~فكانوا أظلم الخلق بالكذب في كتاب الله للتكذيب لرسل الله . | < < # | الأنعام : ( 21 - 26 ) ومن أظلم ممن . . . . . # > > ^ ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح ~~الظالمون * ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركآؤكم الذين كنتم ~~تزعمون * ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين * انظر ~~كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون * ومنهم من يستمع إليك ~~وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا ~~يؤمنوا بها حتى إذا جآءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذآ إلا أساطير ~~الأولين * وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون ) ^ ~~} ) | ولما كان التقدير : خسروا ففاتهم الإيمان , لأنهم ظلموا بكتمان ~~الشهادة , فكان الظلم سبب خسرانهم , فمن أظلم منهم ! عطف عليه ما يؤذن ~~بأنهم بدلوا كتابهم , أو نسبوا إليه ما ليس فيه , فقال واضعا للظاهر موضع ~~ضميرهم لذلك : { ومن أظلم ممن افترى } أي تعمد { على الله كذبا } كهؤلاء ~~الذين حرفوا كتابهم ونسبوا إلى الله ما لم يقله , زيادة كتبوها بأيديهم لا ~~أصل ها , إضلالا منهم لعباده { أو كذب بآياته ms1412 } أي الآتي بها الرسل كالقرآن ~~وغيره من المعجزات كالمشركين , لا أحد أظلم منهم فهم لا يفلحون { إنه لا ~~يفلح الظالمون } أي فكيف بالأظلمين ! PageV02P619 ولما كان معنى هذا أنهم ~~أكذب الناس , دل عليه بكذبهم يوم الحشر بعد انكشاف الغطاء فقال : { ويوم } ~~أي اذكر كذبهم على الله وتكذيبهم في هذه الدار , واذكر أعجب من ذلك , وهو ~~كذبهم في عالم الشهادة عند كشف الغطاء وارتفاع الحجب يوم { نحشرهم } أي ~~نجمعهم بما لنا من العظمة وهم كارهون صاغرون { جميعا } أي أهل الكتاب ~~والمشركين وغيرهم ومعبوداتهم , وأشار إلى عظمة ذلك اليوم وطوله ومشقته ~~وهوله بقوله بأداة التراخي : { ثم نقول } أى بما لنا من العظمة التي انكشفت ~~لهم أستارها وتبدت لهم بحورها وأغوارها توبيخا وتنديما { للذين أشركوا } أي ~~سموا شيئا من دوننا إلها وعبدوه بالفعل من الأصنام أو عزير أو المسيح أو ~~الظلمة أو النور أو غير ذلك , أو بالرضى بالشرك , فإن الرضى بالشيء فعل له ~~لا سيما إن انضم إليه تكذيب المحق والشهادة للمبطل بأن دينه خير { أين ~~شركاؤكم } أضافهم إلى ضميرهم لتسميتهم لهم بذلك { الذين كنتم تزعمون } أي ~~أنهم شركاؤنا بالعبادة أو الشهادة بما يؤدي إليها , ادعوهم اليوم لينقصوكم ~~مما نريد من ضركم , أو يرفعوكم مما نريد من وضعكم , وسؤالهم هذا يجوز أن ~~يكون مع غيبة الشركاء عنهم وأن يكون عند إحضارهم لهم , فيكون الاستفهام عما ~~كانوا يظنون من نفعهم , فكأن غيبته غيبتهم . | ولما كان إخبارهم بغير ~~الواقع في ذلك اليوم مستبعدا بعد رفع الحجاب عن الأهوال وإظهار الزلازل ~~والأوجال . | أشار إليه بأداة البعد فقال : { ثم لم تكن فتنتهم } أي عاقبة ~~مخالطتنا لهم بهذا السؤال وأمثاله من البلايا التي من شأنها أن يميل ما ~~خالطته فتحيله - ولو أنه جبل - عن حاله بما ناله من قوارعه وزلزاله إلا ~~كذبهم في ذلك الجمع , وهو معنى قوله : { إلا أن قالوا } ثباتا منهم فيما هم ~~عريقون فيه من وصف الكذب : { والله } فذكروا الاسم الأعظم الذي تندك لعظمته ~~الجبال الشم , وتنطق بأمره الأحجار الصم , الجامع لجميع ماني الأسماء ~~الحسنى ms1413 التي ظهر لهم كثير منها في ذلك اليوم , وأكدوا ذلك بذكر الوصف ~~المذكر بتربيتهم ودوام الإحسان إليهم فقالوا : { ربنا } فلم يقنعوا بمجرد ~~الكذب حتى أقسموا , ولا بمجرد القسم حتى ذكروا الاسم الجامع والوصف المحسن ~~{ ما كنا مشركين } أي إن تكذيبهم لك أوصلهم إلى حد يكذبون فيه في ذلك اليوم ~~بعد كشف الغطاء تطمعا بما لا ينفعهم , كما ترى الحائر المدهوش في الدنيا ~~يفعل مثل ذلك فهو إيئاس من فلاح الجميع : المشركين وأهل الكتاب , أو يكون ~~المعنى تنديما لهم وتأسيفا : أنه لم يكن عاقبة كفرهم الذي افتتنوا به في ~~لزومه والافتخار به والقتال عليه - لكونه دين الآباء - إلا جحوده والبراءة ~~منه والحلف على الانتفاء من التدين به , والمعنى على قراءتي النصب والرفع ~~في ( فتنة ) على جعلها خبرا أو اسما واحدا , فمعنى قراء النصب : لم يكن شيء ~~إلا قولهم - أي غير قولهم الكذب - فتنتهم , PageV02P620 أي لم يكن شيء ~~فتنتهم إلا هذا القول , فهذا القول وحده فتنتهم , فنفى عن فتنتهم وسلب عنها ~~كل شيء غير قولهم هذا , فالفتنة مقصورة على قولهم الكذب , والكذب قد يكون ~~ثابتا لغيرها , أي إنهم يكذبون من غير فتنة , بل في حال الرخاء , وهذا ~~بعينه معنى قراءة ابن كثير وابن عامر وحفص برفع فتنة , أي لم تكن فتنتهم ~~شيئا غي ركذبهم , فقد نفيت فتنتهم عن كل شيء غير الكذب , فانحصرت فيه , ~~ويجوز أن يكون ثابتا في حال غيرها - على ما مر , وهذا التقدير نفيس عزيز ~~الوجود دقيق المسلك - يأتي إن شاء الله تعالى عند < # > 77 ( { وما كان صلاتهم عند البيت } ) 77 < # > [ الأنفال : 35 ] في الأنفال ما ينفع هنا فراجعه . | ولما كان هذا من ~~أعجب العجب , أشار إليه بقوله : { انظر } وبالاستفهام في قوله : { كيف ~~كذبوا } وبالإشارة إلى أنهم فعلوه مع علمهم بما انكشف لهم من الغطاء أنه لا ~~يجديهم بقوله : { على أنفسهم } وهو نحو قوله < # > 77 ( { فيحلفون له كما يحلفون لكم } ) 77 < # > [ المجادلة : 18 ] - الآية . | ولما كان قولهم هذا مرشدا إلى أن ~~شركاءهم غابوا عنهم , فلم ينفعوهم بنافعة , وكان الإعلام ms1414 بفوات ما أنهم ~~مقبل عليه فرح به , سارا لخصمه جالبا لغمه , صرح به في قوله : { وضل } أي ~~غاب { عنهم } إما حقيقة أو مجازا , أو هما بالنظر إلى وقتين , ليكون إنكارا ~~{ ما كانوا يفترون } أي يتعمدون الكذب في ادعاء شركته عنادا لما على ضده من ~~الدلائل الواضحة . | ولما علم أن هذه الآيات قد ترابطت حتى كانت آية واحدة ~~, وختم بأن مضمون قوله < # > 77 ( { فقد كذبوا بالحق لما جاءهم } ) 77 < # > [ الأنعام : 5 ] - الآية , قد صار وصفا لهم ثابتا حتى ظهر في يوم الجمع ~~, قسم الموسومين بما كانت تلك الآية سببا له , وهو الإعراض عن الآيات ~~المذكور في قوله < # > 77 ( { إلا كانوا عنها معرضين } ) 77 < # > [ الأنعام : 4 ] , فكان كأنه قيل : فمنهم من أعرض بمليته , فعطف عليه ~~قوله : { ومنهم من يستمع إليك } أي يصغي بجهده كما في السيرة عن أبي جهل بن ~~هشام وأبي سفيان بن حرب والأخنس بن شريق أن كلا منهم جلس عند بيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم في الليل يستمع القرآن . | لا يعلم أحد منهم بمجلس صاحبه , ~~فلما طلع الفجر انصرفوا فضمهم الطريق فتلاوموا وقالوا : لو رآكم ضعفاؤكم ~~لسارعوا إليه , وتعاهدوا على أن لا يعودوا , ثم عادوا تمام ثلاث ليال , ثم ~~سأل الأخنس أبا سفيان عما سمع فقال : سمعت أشياء عرفتها وعرفت المراد منها ~~, وأشياء لم أعرفها ولم أعرف المراد منها , فقال : وأنا كذلك , ثم سأل أبا ~~جهل فأجاب PageV02P621 بما يعرف منه أنه علم صدقه وترك تصديقه حسدا وعنادا ~~, وذلك هو المراد من قوله : { وجعلنا } أي والحال أنا قد جعلنا { على ~~قلوبهم أكنة } أي أغطية , جمع كنان أي غطاء { أن } أي كراهة أن { يفقهوه } ~~أي القرآن { وفي آذانهم وقرا } أي ثقلا يمنع من سمعه حق السمع , لأنه يمنع ~~من وعيه الذي هو غاية السماع , فهم لا يؤمنون بما يسمع منك لذلك . | ولما ~~ذكر ما يتعلق بالسمع , ذكر ما يظهر للعين , معبرا بما يعم السمع وغيره من ~~أسباب العلم فقال : { وإن يروا } أي بالبصر أو البصيرة { كل آية } أي من ~~آياتنا ms1415 سواه { لا يؤمنوا بها } لما عندهم من العناد والنخوة في تقليد ~~الآباء والأجداد { حتى } كانت غايتهم في هذا الطبع على قلوبهم أنهم مع عدم ~~فقههم { إذا جاءوك يجادلونك } أي بالفعل أو بالقوة , والغاية داخلة , وكأنه ~~قيل تعجبا : ماذا يقولون في جدالهم ؟ فقال مظهرا للوصف الذي أداهم إلى ذلك ~~: { يقول الذين كفروا } أي غطوا لما هو ظاهر لعقولهم وهو معنى الطبع { إن } ~~أي ما { هذا } أي الذي وصل إلينا { إلا أساطير } جمع سطور وأسطر جمع سطر ~~وهي أيضا جمع إسطار وإسطير بكسرهما وأسطور , وبالهاء في الكل { الأولين } ~~وقد قال ذلك النضر بن الحارث , فصدق قوله إخبار هذه الآية { وهم } حال من ~~فاعل { يستمع } أي يستمعون إليك والحال أنهم { ينهون عنه } أي عن الاستماع ~~أو عن اتباع القرآن { وينأون } أي يبعدون { عنه } أي كما وقع لأبي جهل ~~وصاحبيه في المعاهدة على ترك المعاودة للسماع وما يتبعه { وإن } أي وما { ~~يهلكون } أي بعبادتهم ومكابدتهم إلا أنفسهم } أي وما هم بضاريك ولا بضاري ~~أحد من أتباعك فيما يقدح في المقصود من إرسالك من إظهار الدين ومحو الشرك ~~وإذلال المفسدين { وما يشعرون } أي وما لهم نوع شعور بما يؤديهم إليه الحال ~~, بل هم كالبهائم , بل هي أصلح حالا منهم . | < < # | الأنعام : ( 27 - 30 ) ولو ترى إذ . . . . . # > > ^ ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا نرد ولا نكذب بآيات ~~ربنا ونكون من المؤمنين * بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا ~~لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون * وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما ~~نحن بمبعوثين * ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى ~~وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) ^ } ) | ولما جعل عدم إيمانهم ~~في هذه بشيء من الآيات موصلا لهم إلى غاية من الجهل عظيمة موئسة من ادعائهم ~~في هذه الدار , وهي مجادلتهم له صلى الله عليه وسلم , وختم الآية بما رأيت ~~من عظيم التهديد استشرفت النفس إلى معرفة حالهم عند ردهم إلى الله تعالى ~~والكشف PageV02P622 لهم عما هددوا ms1416 به , فأعلم نبيهم صلى الله عليه وسلم أن ~~حالهم إذ ذاك الإيمان , حيث يسر غاية السرور تصديقهم له , وتمنيهم متابعته ~~لما يركبهم من الذل ويحيط بهم من الصغار , ولا يزيدهم ذلك إلا ضررا وعمى ~~وندما وحسرة , فكأنه قيل : فلو رأيت حالهم عند كشف الغطاء - وهو المطلع - ~~لرأيتهم يؤمنون : { ولو ترى إذ } أي حين { وقفوا } في الحشر , وبني للمجهول ~~لأن المنكى الإيقاف , لا كونه من معين { على النار } أي عندها ليدخلوها ~~مشرفين على كل ما فيها من أنواع النكال , وذلك أعظم في النكاية أو على ~~الجسر وهو على الصراط وهي تحتهم , أو عرفوا حقيقتها ومقدار عذابها من قولك ~~: أوقفته على كذا - إذا عرفته إياه { فقالوا } تمنيا للمحال { يا ليتنا نرد ~~} أي إلى الدنيا . | ولما كان التقدير بشهادة قراءة من نصب الفعلين - جوابا ~~للتمني - أو أحدهما : فنطيع , عطف على الجملة قوله : { ولا } أي والحال أنا ~~لا , أو ونحن لا { نكذب } إن رددنا { بآيات ربنا } أي المحسن إلينا { ونكون ~~من المؤمنين } أي الراسخين في الإيمان , والتقدير عند ابن عامر في نصب ~~الثالث : ليتنا نرد , وليتنا لا نكذب فنسعد وأن نكون , وعلى قراءة حمزة ~~والكسائي وحفص بنصب الفعلين : ليتنا نرد فنسعد , وأن لا نكذب وأن نكون , ~~والمعنى : لو رأيت إيقافهم ووقوفهم في ذلك الذل والانكسار والخزي والعار ~~وسؤالهم وجوابهم لرأيت أمرا هائلا فظيعا ومنظرا كريها شنيعا , ولكنه حذف ~~تفخيما له لتذهب النفس فيه كل مذهب , وجاز حذفه للعلم به في الجملة . | ~~ولما أخبرنا - في قراءة الرفع - عن أنفسهم بما تمنوا لأجله الرد , وتضمنت ~~قراءة النصب الوعد , فإنه كما لو قال قائل : ليت الله يرزقني مالا فأكافئك ~~على صنيعك , فإنه ينجر إلى : إن رزقني الله مالا كافأتك , فصار لذلك مما ~~يقبل التكذيب , أضرب عنه سبحانه تكذيبا لهم بقوله : { بل } أي ليس الأمر ~~كما قالوا , لأن هذا التمني ليس عن حقيقة ثابتة في أنفسهم من محبة مضمونه ~~وثمرته , بل { بدا } أي ظهر { لهم } من العذاب الذي لا طاقة لهم به { ما ~~كانوا يخفون } أي من أحوال ms1417 الآخرة ومرائهم على باطل ! ولما كان إخفاؤهم ذلك ~~في بعض الزمان قال : { من قبل } أي يدعون أنه خفي , بل لا حقيقة له , ~~ويسترون ما تبديه الرسل من دلائله عنادا منهم مع أنه أوضح من شمس النهار ~~بما يلبسون من الهيبة فلذلك تمنوا ما ذكروا { ولو ردوا } أي إلى الدنيا { ~~لعادوا لما نهوا عنه } أي من الكفر والفضائح التي كانوا عليها وستر ما اتضح ~~لعقولهم من الدلائل { وإنهم لكاذبون } أي فيما أخبروا به عن أنفسهم من ~~مضمون تمنيهم أنهم يفعلونه لو ردوا , وأكد طبعهم على الكفر بقوله عطفا على ~~قوله { لعادوا } : { وقالوا } أي بعد الرد ما كانوا يقولونه قبل الموت في ~~إنكار البعث { إن هي أي ما هذه الحياة التي نحن ملابسوها { إلا حياتنا ~~الدنيا } أي التي كنا عليها قبل PageV02P623 ذلك { وما نحن } وأغرقوا في ~~النفي فقالوا : { بمبعوثين } أي بعد أن نموت , وما رؤيتنا لما رأينا قبل ~~هذا من البعث إلا سحر لا حقيقة له , ولم ينفعهم مشاهدة البعث بل ضرتهم , ~~هذا محتمل وظاهر , ولكن الأنسب لسياق الآيات قبل وبعد أن يكون هذا حكاية ~~لقولهم له صلى الله عليه وسلم في هذه الدار عطفا على قوله < # > 77 ( { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } ) 77 < # > [ الأنعام : 8 ] على الوجه الأول , وقوله : { ولو ترى } متصل بذلك , أي ~~قالوا هذا القول لما أخبرتهم بالبعث , فساءك ذلك من قولهم والحال أنك لو ~~رأيت اعترافهم به إذا سألهم خالقهم لسرك ذلك من ذلهم وما يؤول إليه أمرهم , ~~وعبر بالمضارع تصويرا لحالهم ذلك , وقوله : { إذ وقفوا على ربهم } مجازا عن ~~الحبس في مقام من مقامات الجلال بما اقتضاه إضافة الرب إليهم , أي الذي طال ~~إحسانه إليهم وحلمه عنهم , فأظهر لهم ما أظهر في ذلك المقام من تبكيتهم ~~وتوبيخهم وتقريعهم , وأطلعهم بما يقتضيه أداة الاستعلاء - على ما له سبحانه ~~من صفات العظمة من الكبرياء والانتقام من التربية إذ لم يشكروا إحسانه في ~~تربيتهم , وسياق الآية يقتضي أن يكون الجواب : لرأيتهم قد منعتهم الهيبة ~~وعدم الناصر وشدة الوجل من الكلام ms1418 , فكأن سائلا قال : المقام يرشد إلى ذلك ~~حتى كأنه مشاهد فهل يكلمهم الله لما يشعر به التعبير بوصف الربوبية ؛ قيل : ~~نعم , لكن كلام إنكار وإخزاء وإذلال { قال أليس هذا } أي الذي أتاكم به ~~رسولي من أمر البعث وغيره مما ترونه الآن من دلائل كبريائي { بالحق } أي ~~الأمر الثابت الكامل في الحقية الذي لا خيال فيه ولا سحر { قالوا } أي حين ~~إيقافهم عليه , فكان ما أراد : { بلى } , وزادوا على ما أمروا به في الدنيا ~~القسم فقالوا : { وربنا } أي الذي أحسن إلينا بأنواع الإحسان , وكأن كلامهم ~~هذا منزل على حالات تنكشف لهم فيها أمور بعد أخرى , كل أمر أهول مما قبله , ~~ويوم القيامة - كما قال ابن عباس رضي الله عنهما - ذو ألوان : تارة لا ~~يكلمهم الله , وتارة يكلمهم فيكذبون , وتارة يسألهم عن شيء فينكرون , فتشهد ~~جوارحهم , وتارة يصدقون كهذا الموقف ويحلفون على الصدق . | ولما أقروا قهرا ~~بعد كشف الغطاء وفوات الإيمان بالغيب بما كانوا به يكذبون , تسبب عنه ~~إهانتهم , فلذا قال مستأنفا : { قال } أي الله مسببا عن اعترافهم حيث لا ~~ينفع , وتركهم في الدنيا حيث كان ينفع { فذوقوا العذاب } أي الذي كنتم به ~~توعدون { بما كنتم تكفرون } أي بسبب دوامكم على ستر ما دلتكم عليه عقولكم ~~من صدق رسولكم , ولا شك أن الكلام - وإن كان على هذه الصورة - فيه نوع ~~إحسان , لأنه أهون من التعذيب مع الإعراض في مقام < # > 77 ( { اخسؤوا فيها ولا تكلمون } ) 77 < # > [ المؤمنون : 108 ] ولذلك كان ذلك آخر المقامات . | PageV02P624 < < # | الأنعام : ( 31 - 34 ) قد خسر الذين . . . . . # > > ^ ( قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله حتى إذا جآءتهم الساعة بغتة قالوا ~~يحسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا سآء ما يزرون ~~* وما الحياة الدنيآ إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا ~~تعقلون * قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين ~~بآيات الله يجحدون * ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى ~~أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جآءك من نبإ ms1419 المرسلين ) ^ } ) | ~~ولما أنتج هذا ما تقدم الإخبار به عن خسرانهم لأنفسهم في القيامة توقع ~~السامع ذكره , فقال تحقيقا لذلك , وزاده الحمل فإنه من ذوق العذاب : { قد ~~خسر } وأظهر موضع الإضمار تعميما وتنبيها على ما أوجب لهم ذلك فقال : { ~~الذين كذبوا بلقاء الله } أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله , ولا أمر ~~لأحد معه , قد خسروا كل شيء يمكن إحرازه من الثواب العظيم واستمر تكذيبهم { ~~حتى إذا جاءتهم الساعة } أي الحقيقة , وكذا الموت الذي هو مبدأها فإن من ~~مات جاءت ساعته , وحذرهم منها بقوله : { بغتة } أي باغتة , أو ذات بغتة , ~~أو بغتتهم بإتيانها على حين غفلة , لا يمكن أن يشعروا بعين الوقت الذي تجيء ~~فيه نوعا من الشعور { قالوا يا حسرتنا } أي تعالى احضرينا أيها الحسرة ~~اللائقة بنا في هذا المقام ! فإنه لا نديم لنا سواك , وهو كناية عن عظمة ~~الحسرة وتنبيه عليه , لينتهي الإنسان عن أسبابها { على ما فرطنا } أي قصرنا ~~{ فيها } أي بسبب الساعة , ففاتنا ما يسعد فيها من تهذيب الأخلاق المهيئة ~~للسباق بترك اتباع الرسل , وذلك أن الله خلق المكلف وبعث له النفس الناطقة ~~القدسية منزلا لها إلى العالم السفلي , وأفاض عليه نعما ظاهرة وهي الحواس ~~الظاهرة المدركة والأعضاء والآلات الجثمانية , ونعما باطنة وهي العقل ~~والفكر وغيرهما , ليتوسل باستعمال هذه القوى والآلات إلى تحصيل المعارف ~~الحقيقية والأخلاق الفاضلة التي تعظم منافعها بعد الموت , وبعث الأنبياء ~~عليهم السلام للهداية وأظهر عليهم المعجزات ليصدقوا , فأعرضوا عما دعوا ~~إليه من تركية النفس , وأقبلوا على استعمال الآلات والقوى في اللذات ~~والشهوات الفانية ففاتت الآلات البدنية التي هي رأس المال , وما ظنوه من ~~اللذات التي عدوها أرباحا فات ففقدوا الزاد , ولم يهيئوا النفوس للاهتداء , ~~فلا رأس مال ولا ربح , فصاروا في غاية الانقطاع والغربة , ولا خسران أعظم ~~من هذا . | ولما كان هذا أمرا مفظعا , زاد في تفظيعه بالإخبار في جملة ~~حالية بشدة تعبهم في ذلك الموقف ووهن ظهورهم بذنوبهم , حتى كأن عليهم ~~أحمالا ثقالا فقال : { وهم } PageV02P625 أي وقالوا ذلك والحال أنهم { ~~يحملون أوزارهم ms1420 } أي أحمال ذنوبهم التي من شأنها أن يثقل , وحقق الأمر ~~وصوره بقوله : { على ظهورهم } لاعتقاد الحمل عليه , كما يقال : ثقل عليك ~~كلام فلان , ويجوز أن يجسد أعمالهم أجسادا ثقالا , فيكلفوا حملها ؛ ولما ~~كان ذلك الحمل أمرا لا يبلغ الوصف الذي يحتمله عقولنا كل حقيقة ما هو عليه ~~من البشاعة والثقل , أشار إلى ذلك بقوله جامعا للمذام : { ألا ساء ما يزرون ~~* } . | فلما تأكد أمر البعث غاية التأكد , ولم يبق فيه لذي لب وقفة , صرح ~~بما اقتضاه الحال من أمر هذه الدار , فقال منبها على خساستها معجبا منهم في ~~قوة رغبتهم في إيثار لذاذتها , معلما بأنه قد كشف الحال عن أن ما ركنوا ~~إليه خيال , وما كذبوا به حقيقة ثابتة ليس لها زوال , عكس ما كانوا يقولون ~~: { وما الحياة الدنيا } . | ولما كان السياق للخسارة , وكانت أكثر ما تكون ~~من اللعب - وهو فعل ما يزيد سرور النفس على وجه غير مشروع , ويسرع انقضاؤه ~~- قدمه فقال : { إلا لعب ولهو } أي للأشقياء , وللحياة الدنيا شر للذين ~~يلعبون , واللهو ما من شأنه أن يعجب النفس كالغناء والزينة من المال ~~والنساء على وجه لم يؤذن فيه , فيكون سببا للغفلة عما ينفع , فتأخيره إشارة ~~إلى أن الجهلة كلما فتروا في اللعب وهو اشتغال بالأمور السافلة والشواغل ~~الباطلة بعلو النفوس أثاروا الشهوات بالملاهي , والمعنى أنه تحقق من هذه ~~الآيات زوال الدنيا , فتحققت سرعته , لأن كل آت قريب , فحينئذ ما هي إلا ~~ساعة لعب , يندم الإنسان على ما فرط فيها , كما يندم اللاعب - إن كان له ~~عقل - على تفويت الأرباح إذا رأى ما حصل أولو الجد وأرباب العزائم . | ولما ~~كان التقدير بما أرشد إليه المعنى : وما الدار الآخرة إلا جد وحضور وبقاء ~~للأتقياء , أتبعه قوله مؤكدا : { وللدار الآخرة خير } ولما كان الكل مآلهم ~~إلى الآخرة , خصص فقال : { للذين يتقون } أي يوجدون التقوى , وهي الخوف من ~~الله الذي يحمل على فعل الطاعات وترك المعاصي , ليكون ذلك وقاية لهم من غضب ~~الله , فذكر حال الدنيا وحذف نتيجتها لأهلها لدلالة ثمرة الآخرة عليه ms1421 وحذف ~~ذكر حال الآخرة لدلالة ذكر حال الدنيا عليه , فهو احتباك ؛ ولما كان من شأن ~~العقلاء الإقبال على الخير وترك غيره , تسبب عن إقبالهم على الفاني وتركهم ~~الباقي قوله منكرا : { أفلا تعقلون * } ولما كرر في هذه السورة أمره ~~بمقاولتهم , وأطال في الحث على مجادلتهم , وختم بما يقتضي سلبهم العقل مع ~~تكرير الإخبار بأن المقضي بخسارته منهم لا يؤمنون لآية من الآيات , وكان من ~~المعلوم أنهم حال إسماعهم ما أمر به لا يسكتون لما عندهم من عظيم النخوة ~~وشماخة الكبر وقوة الجرأة , وأنه لا جواب لهم إلا التبعة والبذاءة كما ~~PageV02P626 هو دأت المعاند المغلوب , وأن ذلك يحزنه صلى الله عليه وسلم ~~لما جبل عليه من الحياء والشهامة والصيانة والنزاهة , كان الحال محتاجا إلى ~~التسلية فقال تعالى : { قد نعلم } والمراد بالمضارع وجود العلم من غير نظر ~~إلى زمان , وعدل عن الماضي لئلا يظن الاختصاص به , فالمراد تحقق التجدد ~~لتعلق العلم بتجدد الأقوال { إنه ليحزنك } أي يوقع على سبيل التجديد ~~والاستمرار لك الحزن على ما فاتك من حالات الصفاء التي كدرها { الذي يقولون ~~} أي من تكذيبك , فقد علمنا امتثالك لأوامرنا في إسماعهم ما يكرهون من ~~تنزيهنا , وعلمنا ردهم عليك بما لا يرضيك , وعلمنا أنه يبلغ منك , فلا تحزن ~~لأن من علم أن ربه يرضي المطيع له ويجزي عاصيه , وهو عالم بما ينال المطيع ~~في طاعته لا ينبغي أن يحزن بل يسر , وهو كقوله تعالى في سورة يس < # > 77 ( { فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون } ) 77 < # > [ يس : 76 ] ولا شك أن الحزن عند وقوع ما يسوء من طبع البشر الذي لا ~~يقدر على الانفكاك عنه , فالنهي عنه إنما هو نهي عما ينشأ عنه من الاسترسال ~~المؤدي إلى الجزع المؤدي إلى عدم الصبر ونسيان ما يعزي , فهو من النهي عن ~~السبب للمبالغة في النهي عن المسبب , وما أنسب ذكر ما يحزن بعد تقرير أن ~~الدنيا لأهلها لعب ولهو وأن الآخرة خير للمتقين , ومن المعلوم أنهما ضدان , ~~فلا تنال إحداهما إلا بضد ما ms1422 للأخرى , فلا تنال الآخرة إلا بضد ما لأهل ~~الدنيا من اللعب واللهو , وذلك هو الحزن الناشئ عن التقوى الحامل عليها ~~الخوف كما روي في حديث قدسي ( أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي ) . | ولما ~~أخبره سبحانه بعلمه بذلك , سبب عنه قوله : { فإنهم } أي فلا يحزنك ذلك ~~فإنهم { لا يكذبونك } بل أنت عندهم الأمين , وليكن علمنا بما تلقى منهم ~~سببا لزوال حزنك , وكذا إخبارنا لك بعدم تكذيبهم لك , بل أنت عندهم في نفس ~~الأمر أمين غير متهم ولكنهم لشدة عنادهم ووقوفهم مع الحظوظ وعجزهم عن جواب ~~يبرد غللهم ويشفي عللهم ينكرون آيات الله مع علمهم بحقيتها , فليخفف حزنك ~~لنفسك ما انتهكوه من حرمة من أرسلك , والآية من الاحتباك : حذف من الجملة ~~الأولى - إظهارا لشرف النبي صلى الله عليه وسلم وأدبا معه - سبب الحزن , ~~وهو التكذيب لدلالة الثانية عليه , ومن الثاني النهي عن المسبب لدلالة ~~الأولى عليه ؛ روى الطبري في تفسيره عن السدي أنه لما كان يوم بدر قال ~~الأخنس بن شريق لبني زهرة إن محمدا ابن أختكم , وأنتم أحق من كف عنه , فإنه ~~إن كان نبيا لم تقاتلوه اليوم , وإن كان كاذبا كنتم أحق من كف عن ابن أخته ~~, قفوا PageV02P627 ههنا حتى ألقى أبا الحكم , فإن غلب محمد رجعتم سالمين , ~~وإن غلب محمد فإن قومكم لن يصنعوا بكم شيئا , فيومئذ سمي ( الأخنس ) , وكان ~~اسمه ( أبي ) , فالتقى الأخنس وأبو جهل , فخلا الأخنس به فقال : يا أبا ~~الحكم ! أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب , فإنه ليس ههنا من قريش أحد غيري ~~وغيرك يسمع كلامنا , فقال أبو جهل : ويحك ! والله إن محمدا لصادق , وما كذب ~~محمد قط , ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة فماذا ~~يكون لسائر قريش ! وعن ناجية قال قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم : ~~ما نتهمك ولكن نتهم الذي جئت به , فأنزل الله الآية وعلى ذلك يدل قوله ~~تعالى : { ولكن } , وقال : { الظالمين } في موضع الضمير تعميما وتعليقا ~~للحكم بالوصف , اي الذين كانوا في مثل الظلام { بآيات } أي ms1423 بسبب آيات { ~~الله } أي الملك الأكبر الذي له الكمال كله { يجحدون * } قال أبو علي ~~الفارسي في أول كتاب الحجة : أي يجحدون ما عرفوه من صدقك وأمانتك , وعلق ~~باء الجر بالظالمين كما هي في قوله < # > 77 ( { وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها } ) 77 < # > [ الإسراء : 59 ] ونحوها , وقال ابن القطاع في كتاب الأفعال : جحد ~~الشيء جحدا وجحودا : أنكره وهو عالم به . | هذا قصدهم غير أنه لا طريق لهم ~~إلا إنكار الآيات إلا بالتكذيب , أو ما يؤول إليه , وأنت تعلم أن الذي ~~أرسلك على كل شيء قدير , وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير , فاقتضت ~~قدرته وقهره وانتصاره لأهل ولايته وجبره أن يحل بأعدائهم سطوة تجل عن الوصف ~~, واقتضت حكمته عدم المعاجلة بها تشريفا لك وتكثيرا لأمتك . | ولما سلاه ~~بوعده النصرة المسببة عن علم المرسل القادر , وبأن تكذيبهم إنما هو له ~~سبحانه , وهو مع ذلك يصبر عليهم ويحلم عنهم , بل ويحسن إليهم بالرزق ~~والمنافع , زاده أن ذلك سنة في إخوانه من الرسل فقال : { ولقد } ولما كان ~~المنكي هو التكذي لا كونه من معين , بني للمفعول قوله : { كذبت رسل } . | ~~ولما كان تكذيبهم لم يستغرق الزمان , وكان الاشتراك في شيء يهونه , وكلما ~~قرب الزمان كان أجدر بذلك أدخل الجار فقال : { من قبلك } بأن جحد قومهم ما ~~يعرفون من صدقهم وأمانتهم كما فعل بك { فصبروا } أي فتسبب عن تكذيب قومهم ~~لهم أنهم صبروا { على ما كذبوا وأوذوا } أي فصبروا أيضا على ما أوذوا , ثم ~~أشار إلى PageV02P628 الوعد بالنصر بشرط الصبر فقال : { حتى } أي وامتد ~~صبرهم حتى { آتاهم نصرنا } فليكن لك بهم أسوة , وفيهم مسلاة , فاصبر حتى ~~يأتيك النصر كما أتاهم , فقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أنهم لهم ~~المنصورون في قولنا ^ ( { فإن حزب الله هم الغالبون } ) ^ [ المائدة : 56 ] ~~{ ولا مبدل لكلمات الله } أي لأن له جميع العظمة فلا كفوء له , ودل سبحانه ~~على صعوبة مقام الصبر جدا بالتأكيد فقال : { ولقد جاءك } ودل على عظيم ما ~~تحملوا بقوله : { من نبإى المرسلين * } أي خبرهم العظيم في صبرهم واحتمالهم ~~وطاعتهم ms1424 وامتثالهم ورفقهم بمن أرسلوا إليهم ونصرنا لهم على من بغى عليهم , ~~ومجيء نبأهم تقدم إجمالا وتفصيلا , أما إجمالا ففي مثل قوله ^ ( { وكأين من ~~نبي قاتل معه ربيون كثير } ) ^ [ آل عمران : 146 ] , ^ ( { أفكلما جاءكم ~~رسول بما لا تهوي أنفسكم } ) ^ [ البقرة : 87 ] وأما تفصيلا ففي ذكر موسى ~~وعيسى وغيرهما ؛ وفي قوله { فصبروا } أدل دليل على ما تقدم من أن النهي عن ~~الحزن نهي عن تابعه المؤدي إلى عدم الصبر , والتعبير بمن التبعيضية تهويل ~~لما لقوا , فهو أبلغ في التعزية . | < < # | الأنعام : ( 35 - 37 ) وإن كان كبر . . . . . # > > ^ ( وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو ~~سلما في السمآء فتأتيهم بآية ولو شآء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من ~~الجاهلين * إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون * ~~وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون ) ^ } ) | ولما سلاه بما هو في غاية الكفاية في التسلية , ~~أخبره بأنه لا حيلة له غير الصبر , فقال عاطفا على ما تقديره : فتسل واصبر ~~كما صبروا , وليصغر عندك ما تلاقي منهم في جنب الله : { وإن كان كبر } أي ~~عظم جدا { عليك إعراضهم } أي عما يأتيهم به من الآيات الذي قدمنا الإخبار ~~عنه بقولنا { وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين } [ ~~الأنعام : 4 ] وأردت أن تنتقل - في إخبارنا لك بأنه لا ينفعهم الآيات ~~المقترحات - من علم اليقين إلى عين اليقين { فإن استطعت أن تبتغي } أي تطلب ~~بجهدك وغاية طاقتك { نفقا } أي منفذا { في الأرض } تنفذ فيه إلى ما عساك ~~تقدر على الانتهاء إليه { أو سلما في السماء } أي جهة العلو لترتقي فيه إلى ~~ما تقدر عليه { فتأتيهم بآية } أي ما اقترحوا عليك فافعل لتشاهد أنهم لا ~~يزدادون عند إتيانك بها إلا إعراضا كما أخبرناك , لأ الله قد شاء ضلال ~~بعضهم , والمراد بهذا بيان شدة حرصه صلى الله عليه وسلم على هدايتهم بأنه ~~لو قدر على أن يتكلف النزول ms1425 إلى تحت الأرض أو فوق السماء فيأتيهم بما ~~يؤمنون به لفعل . | ولما كان هذا السياق ربما أوهم شيئا في القدرة , نفاه ~~إرشادا إلى تقدير ما قدرته PageV02P629 فقال : { ولو شاء الله } أي الذي له ~~العظمة الباهرة والقدرة الكاملة القاهرة { لجمعهم على الهدى } أي لأن قدرته ~~شاملة , وإيمانهم في حد ذاته ممكن , ولكنه قد شاء افتقراقهم بإضلال بعضهم ؛ ~~ولما كان صلى الله عليه وسلم - بعد إعلام الله له بما أعلم من حكمه بأن ~~الآيات لا تنفع من حتم بكفره - حريصا على إجابتهم إلى ما يقترحونه رجاء ~~جمعهم على الهدى لما طبع عليه من مزيد الشفقة على الغريب فضلا عن القريب , ~~مع ما أوصاه الله به ليلة الإسراء من غير واسطة - كما أفاده الحرالي - من ~~إدامة الشفقة على عباده والرحمة لهم والإحسان إليهم واللين لهم وإدخال ~~السرور عليهم , فتظافر على ذلك الطبع والإيصاء حتى كان لا يكف عنه إلا لأمر ~~جازم أو نهي مؤكد صارم , سبب عن ذلك قوله : { فلا تكونن } فأكد الكلام ~~سبحانه ليعلم صلى الله عليه وسلم أنه قد حتم بافتراقهم , فيسكن إلى ذلك ~~ويخالف ما جبل عليه من شدة الشفقة عليهم { من الجاهلين * } أي إنك أعلم ~~الناس مطلقا ولك الفراسة التامة والبصر النافذ والفكرة الصافية بمن لم ~~تعاشره , فكيف بمن بلوتهم ناشئا وكهلا ويافعا ! فلا تعمل بحجة ما أوصاك ~~الله به من الصبر والصفح , وجبلك عليه من الأناة والحلم في ابتغاء إيمانهم ~~بخلاف ما يعلم من خسرانهم , فلا تطمع نفسك فيما لا مطمع فيه , فإن ما شاءه ~~لا يكون غيره , فهذه الآية وأمثالها - مما في ظاهره غلظة - من الدلالة على ~~عظيم رتبته صلى الله عليه وسلم ومن لطيف أمداح القرآن له - كما يبين إن شاء ~~الله تعالى في سورة التوبة عند قوله تعالى < # > 77 ( { عفا الله عنك } ) 77 < # > [ التوبة : 43 ] . | ولما أفهم هذا القضاء الحتم أنه قد صار حالهم حال ~~من حتم بالموت , فلا يمكن إسماعه إلا الله , ولا يمكن أن يستجيب عادة , قال ~~: { إنما يستجيب } أي في مجاري عاداتكم ms1426 { الذين يسمعون } أي فيهم قابلية ~~السمع لأنهم أحياء فيتدبرون حينئذ ما يلقى إليهم فينتفعون به , وهؤلاء قد ~~ساووا الموتى في عدم قابلية السماع للختم على مشاعرهم { والموتى } أي كلهم ~~حسا ومعنى { يبعثهم الله } أي الملك المحيط علما وقدرة , فهو قادر على ~~بعثهم بإفاضة الإيمان على الكافر وإعادة الروح إلى الهالك فيسمعون حينئذ , ~~فالآية من الاحتباك : حذف من الأول الحياة لدلالة { الموتى } عليها , ومن ~~الثاني السماع لدلالة { يسمعون } عليه . | ولما قرر أن من لا يؤمن كالميت , ~~حثا على الإيمان وترغيبا فيه , وقدر قدرته على البعث , خوف من سطواته بقوله ~~: { ثم إليه } أي وحده { يرجعون * } أي معنى في الدنيا فإنه قادر على كل ما ~~يشاء منهم , لا يخرج شيء من أحوالهم عن مراده أصلا وحسا بعد الموت , ~~فيساقون قهرا إلى موقف يفصل فيه بين كل مظلوم وظالمه . | ولما سلاه صلى ~~الله عليه وسلم فيما أخبرته من أقوالهم بما شرح صدره وسر خاطره , وأعلمه ~~PageV02P630 تخفيفا عليه أن أمرهم إنما هو بيده , ذكره بعض كلامهم الآئل ~~إلى التكذيب عقب إخباره بالحشر الذي يجازي فيه كلا بما يفعل , فقال عطفا ~~على قوله ^ ( { وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا } ) ^ [ الأنعام : 29 ] ~~وقوله ^ ( { وقالوا لولا أنزل عليه الملك } ) ^ [ الأنعام : 8 ] يعجب منه ~~تعجيبا آخر : { وقالوا } أي مغالطة أو عنادا أو مكابرة { لولا } أي هلا { ~~نزل } أي بالتدريج { عليه } أي خاصة { آية } أي واحدة تكون ثابتة بالتدريج ~~لا تنقطع , وهذا منهم إشارة إلى أنهم لا يعدون القرآن آية ولا شيئا مما ~~رأوه منه صلى الله عليه وسلم من غير ذلك نحو انشقاق القمر { من ربه } أي ~~المحسن إليه على حس ما يدعيه لنستدل بها على ما يقول من التوحيد والبعث . | ~~ولما كان في هذا - كما تقدم - إشارة منهم إلى أنه لم يأت بآية على هذه ~~الصفة إما مكابرة وإما مغالطة , أمره بالجواب بقوله : { قل إن الله } أي ~~الذي له جميع الأمر { قادر على أن } وأشار بتشديد الفعل إلى آية القرآن ~~المتكررة عليهم كل حين تدعوهم إلى المبارزة وتتحداهم ms1427 بالمبالغة والمعاجزة ~~فقال : { ينزل } وقراءة ابن كثير بالتخفيف مشيرة إلى أنهم بلغوا في الوقاحة ~~الغاية , وأنهم لو قالوا : لولا أنزل , أي مرة واحدة , لكان أخف في الوقاحة ~~, أو إلى أنه أنزل عليهم أي ىية , كانت تلجئهم وتضطرهم إليه في آن واحد كما ~~قال تعالى ^ ( { إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين ~~} ) ^ [ الشعراء : 4 ] ولكنه لا يسأل ذلك إلا بالتدريج كما يشير غليه صيغة ~~التفعيل في قراءة غيره المذكرة بأن آية القرآن لا تنقضي , بل كلما سمعها ~~أحد منهم أو من غيرهم طول الدهر كانت منزلة عليه لكونها واصلة إليه , فهو ~~أبلغ من مطلوبهم آية ينزل عليه وحده , والحاصل أنهم طلبوا آية باقية محضة , ~~فلوح لهم إلى آية هي - مع كونها خاصة به فيما حصل له من الشرف - عامة لكل ~~من بلغته , باقية طول المدى { آية } أي مما اقترحوه ومن غيره , لا يعجزه ~~شيء , وفي كل شيء له من الآيات ما يعجز الوصف , وكفى بالقرآن العظيم مثالا ~~لذلك { ولكن أكثرهم لا يعلمون * } أي ليس فيهم قابلية العلم , فهم لا ~~يتفكرون في شيء من ذلك الذي يحدثه من مصنوعاته ليدلهم على أنه على كل شيء ~~قدير , فلا فائدة لهم في إنزال ما طلبوه , وأما غير الأكثر فهو سبحانه ~~يردهم بآية القرآن أو غيرها مما لم يقترحوه . | < < # | الأنعام : ( 38 - 41 ) وما من دابة . . . . . # > > ^ ( وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما ~~فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون * والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم ~~في الظلمات من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم * قل أرأيتكم ~~إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم PageV02P631 الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شآء وتنسون ما تشركون ) 73 ~~< # > } ) 71 < # > | ولما عجب منهم في قولهم هذا الذي يقتضي أنهم لم يروا له آية قط بعد ~~ما جاءهم من الآيات الخاصة به ما ملأ الأقطار , ورد إلى الصم الأسماع ms1428 , ~~وأنار من العمى الأبصار ؛ ذكرهم بآية غير آية القرآن تشتمل على آيات ~~مستكثرة كافية لصلاحهم , رتبها سبحانه قبل سؤالهم تفضلا منه عليهم دالة على ~~باهر قدرته على البعث وغيره من الآيات التي طلبوها وغيرها وعلى تفرده بجميع ~~الأمر , إذا تأملوها حق تأملها كفتهم في جميع ما يراد منهم فقال تعالى : { ~~وما } أي قالوا ذلك والحال أنه ما , وهي ناظرة أتم نظر إلى قوله < # > 77 ( { هو الذي خلقكم من طين } ) 77 < # > [ الأنعام : 2 ] أي فعل ذلك بكم وما { من دابة في الأرض } أي تدب أي ~~تنتقل برجل وغير رجل { ولا طائر يطير } وقرر الحقيقة بقوله : { بجناحيه } ~~وشمل ذلك جميع الحيوان حتى ما في البحر , لأن سيرها في الماء إما أن يكون ~~دبيبا أو طيرانا مجازا . | ولما كان المراد بالدابة والطائر الاستغراق قال ~~: { إلا أمم } أي يقصد منها في نفسه , ويقصد هو نوعه وينضم إلى شكله { ~~أمثالكم } أي في ذلك وفي أنا خلقناكم ولم يكونوا شيئا وحفظنا جميع أحوالهم ~~, وقدرنا كل أرزاقهم وآجالهم , وجعلنا لكم فيهم أحكاما جددناها لكم , ~~وجعلنا لكل منهم أجلا للموت لا يتعداه بعد أن فاوتنا بينهم في الحياة , ~~وللكل أجل في علمنا في البرزخ مثبت قبل أن نخلقهم , لا ينقص ذرة ولا يزيد ~~خردلة , وجعلنا في هذه الحيوانات ما هو أقوى منكم وما هو أضعف , وجعلناكم ~~أقوى من الجميع بالعقل , ولو شئنا لجعلنا له بين قوة البدن والعقل , وربما ~~سلطنا الأضعف عليكم كالجراد والفأر والدود بما تعجز عنه عقولكم , ولو شئنا ~~لسلطنا عليكم من أضعفها خلقا - البعوض - ما أخذ بأنفاسكم ومنعكم القرار ~~وأخرجكم عن حركات الاختيار إلى أن أهلككم جميعا هلاك نفس واحدة - إلى غير ~~ذلك من أمور تكل عنها العقول وتقف دونها نوافذ الفكر , وهذا كله معنى قوله ~~: { ما فرطنا } أي تركنا وأغفلنا لما لنا من القدرة الكاملة والعلم الشامل ~~{ في الكتاب } أي اللوح المحفوظ والقرآن , وأعرق في النفي بقوله : { من شيء ~~} أي ليذهب ذكره كما يذهب العقد الذي ينقطع سلكه فيتفرط , بل ذكرنا جميع ~~أحوال خلقنا ms1429 من الجن والإنس والملائكة وغيرهم من كل ناطق وصامت , فصارت في ~~غاية الضبط حتى أن الحفظة يعرضون ما يحدث من عمل المكلفين وغيره آخر النهار ~~على ما كان مثبتا في أم الكتاب فيجدونه كما هو , لا يزيد شيئا ولا ينقص , ~~فيزدادون إيمانا , وأثبتنا في هذا القرآن مجامع الأمور , فهو تبيان ~~PageV02P632 لكل شيء من الأحكام الأصلية والفرعية والدلالات على كل ذلك ~~وأخبار الأولين والآخرين وكل علم يمكن أن يحتاجه المخلوق , فمن أراد ~~الهداية هداه بدقيق أسراره , ومن أعرض أوقعه في الردى , وعمي حتى عن واضح ~~أنواره , والآية كما قال تعالى { إن في خلق السماوات والأرض } إلى أن قال : ~~< # > 77 ( { وبث فيها من كل دابة - لآيات لقوم يعقلون } ) 77 < # > [ البقرة : 164 ] | وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد | أفلا يكون ~~لكم في ذلك آيات تغنيكم عن إرسال الرسل فضلا عن أن توقفوا بعد إرسالهم ولا ~~ترضوا منهم من خوارق العادات إلا بما تقترحونه . | ولما أشار إلى ما شارك ~~فيه سائر الحيوان للآدميين من أحوال الحياة وغيرها , نص على الحشر الذي هو ~~محط الحكمة فقال : { ثم } أي بعد طول الحياة والإقامة في البرزخ { إلى ربهم ~~} أي خاصة , وبني للمفعول على طريق كلام القادرين قوله : { يحشرون * } أي ~~يجمعون كرها بعد أن يعيدهم كلهم كما بدأهم , وينصف كل مظلوم منهم من ظالمه ~~, كل ذلك عليه هين < # > 77 ( { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } ) 77 < # > [ لقمان : 28 ] والكل محفوظون في كتاب مبين على اختلاف أنواعهم وتباين ~~حقائقهم وأشخاصهم وزيادتهم في الجد على أن يوجه نحوهم العد - سبحان من أحاط ~~بكل شيء علما , وأحصى كل شيء عددا , إن ذلك على الله يسير , وهو على كل شيء ~~قدير . | ولما كان التقدير بعد التذكير بهذه الآية التي تنوعت فيها الآيات ~~وتكررت وتكثرت فيها الدلالات : فالذين آمنوا أحياء سامعون لأقوالنا , ~~ناطقون بمحامدنا راؤون لأفعالنا , عطف عليه قوله : { والذين كذبوا } أي ~~أوقعوا التكذيب { بآياتنا } أي على ما لها من العظمة المقتضية لإضافتها ~~إلينا , مرئية كانت أو مسموعة , تكذيبا ms1430 متكررا على عدد الآيات بالفعل أو ~~بالقوة ولو بالإعراض عنها { صم } أي أموات فهم لا يسمعون { وبكم } لا ~~ينطقون { في الظلمات } أي عمي لا يبصرون , فلذلك لا يزالون خابطين خبط ~~العشواء ساعين غاية السعي إلى الردى , لأن ذلك شأن من في الظلمة , فكيف بمن ~~هو في جميع الظلمات ! ولعله جمعها إشارة إلى أن المكذب لا ينتفع ببصر ولا ~~ببصيرة , وذلك أنهم لما لم ينتفعوا بحياتهم ولا بأسماعهم ولا نطقهم ولا ~~أبصارهم ولا عقولهم كان كل ذلك منهم عدما . | ولما بين أن الأصم الأبكم ~~الأعمى لا يتمكن هدايته , بين أن ذلك إنما هو بالنسبة لغيره سبحانه فطما عن ~~طلب إجابتهم إلى ما يقترحون من الآيات وأما هو سبحانه ففعال لما يريد , ~~فقال في جواب من كأنه قال : إنما تمكن هدايتهم : { من يشإ الله أي الذي له ~~الأمر كله ولا أمر لأحد معه إضلاله { يضلله ومن يشاء } هدايته PageV02P633 ~~{ يجعله } وأشار إلى تمكينه بأداة الاستعلاء فقال : { على صراط مستقيم * } ~~بأن يخلق الهداية في قلبه - ومن يهد الله فما له من مضل ومن يضلل الله فما ~~له من هاد , مع أن الكل عباده وخلقه , متقلبون في نعمه , غادون رائحون في ~~بره وكرمه - إن في ذلك على وحدانيته وتمام قدرته لآيات بينات لقوم يعقلون . ~~| ولما كانت هذه الآية - بما فيها من التصريح بالتكذيب - شديدة الاعتناق ~~لقوله < # > 77 ( { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا } ) 77 < # > [ الأنعام : 21 , 39 ] وقوله < # > 77 ( { كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباؤا } ) 77 < # > [ الأنعام : 5 ] الآيتين رجع بالذي بعدها إلى فذلكة التفاصيل الماضية ~~وواسطة عقدها وفريدة درها , وهو التوحيد الذي أبانته الأدلة قبل الآيتين , ~~فقال دالا على اعتقادهم القدرة التي استلزم نعتهم بطلب الآية نفيها , ~~واعتقادهم للتوحيد في الجملة وهم يكذبون به , بيانا لأنهم في ~~الظلماتمقهورون بيد المشيئة لعدم تحاشيهم من التناقض معجبا منهم : { قل ~~أرءيتكم } أي أخبروني يا من كذب بالآيات والقدرة عنادا وشهد أن مع الله ~~آلهة أخرى , وعدل بالله الذي يعلم السر والجهر , وهو مع من يدعوه ms1431 في كل ~~سماء وكل أرض بعنايته ونصره . | ولما كانت حقيقة { أرءيتكم } : هل رأيتم ~~أنفسكم , وكان هذا لكونه سؤالا عن معلوم لا يجهله أحد - مشيرا إلى أن ~~السؤال عن غيره مما قد يخفى من أحوال النفس , كان كأنه قيل : عن أي أحوال ~~نفوسنا نسأل ؟ فقيل تنبيها لهم على حالة تلزمهم بالتوحيد أو العناد الذي ~~يصير في العلم به كالسؤال عن رؤية النفس سواء : { إن أتاكم } أي قبل مجيء ~~الساعة كما آتى من قبلكم { عذاب الله } أي المستجمع لمجامع العظمة , فلا ~~يقدر أحد على كشف ما يأتي به { أو أتتكم الساعة } أي القيامة بما فيها من ~~الأهوال . | ولما عجب منهم ما مضى - كما مضى , قال مجيبا للشرط موبخا لهم ~~منكرا عليهم عدم استمرارهم على دعائه ولزوم سؤاله وندائه , ويجوز أن يكون ~~جواب الشرط محذوفا تقديره : من تدعون ؟ ثم زادهم توبيخا وتبكيتا بقوله : { ~~أغير الله } أي الملك الذي له العظمة كلها { تدعون } أي لشدة من تلك ~~الشدائد , ولا تدعون الله مع ذلك الغير { إن كنتم صادقين * } أي في أن غير ~~الله يغني شيئا حى يستحق الإلهية , وجواب الشرط محذوف تقديره : فادعوا ذلك ~~الغير , وهذه حجة لا يسعهم معها غير التسليم , فإن عادتهم كانت مستمرة أنهم ~~إذا اشتد الأمر وضاق الخناق لا يدعون غير الله ولا يوجهون الهمم إلا إليه , ~~فإن سلكوا سبيل الصدق الذي له ينتحلون وبه يتفاخرون فقالوا : لا ندعو غيره ~~, فقد لزمتهم الحجة في أنه لا يعدل به شيء ولا شريك له , وإن عاندوا نطق ~~لسان الحال أنهم على محض الضلال , وإن سكتوا أثبت عليك الخطاب , وهي مع ~~PageV02P634 ذلك - كما ترى - دليل على ما أخبرت به الآية قبلها من أن الأمر ~~كله لله , أي إنكم كلكم مشتركون في وضوح الأمر في أنه لا منصرف إلا إليه ~~وقد افترقتم فصدق بعض وكذب آخرون , فلو أن الأمر موقوف على وضوح الدلالة ~~فقط كان الكل على نهج واحد , هذا ونقل أبو حيان عن الفراء أنه قال : للعرب ~~في أرأيت لغتان ومعنيان : أحدهما أن تسأل ms1432 الرجل : أرأيت زيدا , أي بعينك , ~~فهذه مهموزة , وثانيهما أن تقول : أرأيت , وأنت تريد : أخبرني , فههنا تترك ~~الهمزة إن شئت , وهو أكثر كلام العرب , وتومئ إلى ترك الهمزة للفرق بين ~~المعنيين ؛ ثم قال أبو حيان : وكون أرأيت وأرأيتك بمعنى أخبرني نص عليه ~~سيبويه وغيره من أئمة العرب , وهو تفسير معنى لا تفسير إعراب , لأن أخبرني ~~يتعدى بعن , وأرأيت متعد لمفعول به صريح وإلى جملة استفهامية هي في موضع ~~المفعول الثاني ؛ وقال في سورة يونس عليه السلام : تقدم في سورة الأنعام أن ~~العرب تضمن أرأيت معنى أخبرني وأنها تتعدى إذ ذاك إلى مفعولين , وأن ~~المفعول الثاني أكثر ما يكون جملة استفهام , ينعقد منها ومما قبلها مبتدأ ~~وخبر , يقول العرب : أرأيت زيدا ما صنع ؟ المعنى : أخبرني عن زيد ما صنع ! ~~وقبل دخول أرأيت كان الكلام : زيد ما صنع - انتهى . | قلت : وحقيقة المعنى ~~كما مر : هل رأيت زيدا ؟ فلما استفهم عن رؤيته - والمراد الخبر لا البصر - ~~علم أن السؤال عن بعض أحواله , فكأنه قيل : ما له ؟ فقيل : ما صنع ؟ ولما ~~كان استفهام الإنكار بمعنى النفي , كان كأنه قيل : لا تدعون غيره , فعطف ~~عليه قوله : { بل إياه } أي خاصة { تدعون } أي حينئذ ؛ ولما كان يتسبب عن ~~دعائهم تارة الإجابة وأخرى غيرها قال : { فيكشف } أي الله في الدنيا أو في ~~الآخرة , فإنه لا يجب عليه شيء , ولا يقبح منه شيء { ما تدعون إليه } أي ~~إلى كشفه { إن شاء } أي ذلك تفضلا عليكم كما هي عادته معكم في وقت شدائدكم ~~, ولكنه لا يشاء كشفه في الآخرة , لأنه لا يبدل القول لديه وإن كان له أن ~~يفعل ما يشاء , ولو كان يجيبكم دائما وأنتم لا تدعون غيره , لكان ذلك كافيا ~~في الدلالة على اعتقادكم أنه لا قادر إلا هو , فكيف وهو يجيبكم في الدنيا ~~إذا دعوتموه تارة ويجيبكم أخرى , ومع ذلك فلا يردكم عدم إجابته عن اعتقاد ~~قدرته ودوام الإقبال عليه في مثل تلك الحال لما ركز في العقول السليمة ~~والفطر الأولى من أنه الفاعل المختار , وعلى ذلك ms1433 دل قوله عطفا على ( تدعون ~~) : { وتنسون } أي تتركون في تلك الأوقات دائما { ما تشركون * } أي من ~~معبوداتكم الباطلة لعلمكم أنها لا تغني شيئا , كما هي عادتكم دائما في ~~أوقات الشدائد رجوعا إلى حال الاستقامة . | أفلا يكون لكم هذا زاجرا عن ~~الشرك في وقت الرخاء خوفا من إعادة الضراء ! | PageV02P635 < < # | الأنعام : ( 42 - 45 ) ولقد أرسلنا إلى . . . . . # > > ^ ( ولقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأسآء والضرآء لعلهم ~~يتضرعون * فلولا إذ جآءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ~~ما كانوا يعملون * فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا ~~فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ~~ظلموا والحمد لله رب العالمين ) ^ } ) | ولما أقام لهم بهذه الآية على ~~توحيده الدليل حتى استنارت السبل في تذكيرهم أن التضرع قد يكشف ب البلاء , ~~أخبرهم أن تركه يوجب الشقاء , ترغيبا في إدامته وترهيبا من مجانبته فقال : ~~{ ولقد أرسلنا } أي بما لنا من العظمة { إلى أمم } أي أناس يؤم بعضهم بعضا ~~, وهم أهل لأن يقصدهم الناس , لما لهم من الكثرة والعظمة . | ولما كان ~~المراد بعض الأمم , وهم الذين اراد الله إشهادهم وقص أخبارهم , أدخل الجار ~~فقال : { من قبلك } أي رسلا فخالفوهم , وحسن هذا الحذف كونه مفهوما { ~~فأخذناهم } أي فكان إرسالنا إليهم سببا لأن أخذناهم بعظمتنا , ليرجعوا عما ~~زين لهم الشيطان إلى ما تدعوهم إليه الرسل { بالبأساء } من تسليط القتل ~~عليهم { والضراء } بتسليط الفقر والأوجاع { لعلهم يتضرعون * } أي ليكون ~~حالهم حال من يرجى خضوعه وتذلله على وجه بليغ , بما يرشد إليه - مع صيغة ~~التفعيل - الإظهار , ولأن مقصودها الاستدلال على التوحيد , وعند الكشف ~~للأصول ينبغي الإبلاغ في العبادة , بخلاف ما يأتي في الأعراف . | ولما لم ~~يقع منهم ما أوجبت الحال رجاءه , تسبب عنه الإنكار عليهم , فقال معبرا ~~بأداة التخصيص ليفيد مع النفي أنهم ما كان لهم عذر في ترك التضرع : { فلولا ~~} أي فهلا { إذ جاءهم بأسنا تضرعوا } ولما كان معنى الإنكار أنهم ما تضرعوا ~~قال : { ولكن قست قلوبهم } أي فلم ms1434 يذكروا ربهم أصلا { وزين لهم الشيطان } ~~أي بما دخل عليهم به من باب الشهوات { ما كانوا يعملون * } من العظائم ~~والمناكر التي أوجبها النكس بالرد أسفل سافلين { فلما نسوا ما ذكروا به } ~~أي فتسبب - عن تركهم التذكير والأخذ بفائدته التي هي التخشع والتسكن , كما ~~هو اللائق بهم لا سيما في تلك الحالة - أنا { فتحنا } أي بما يليق بعظمتنا ~~{ عليهم أبواب كل شيء } أي من الخيرات والأرزاق والملاد التي كانت مغلقة ~~عنهم ونقلناهم من الشدة إلى الرخاء , وذلك استدراجا لهم , ومددنا زمانه ~~وطولنا أيامه { حتى إذا فرحوا } أي تناهى بهم الفرح { بما أوتوا } أي ~~معرضين عمن آتاهم هذا الرخاء بعد أن كان ابتلاهم بذلك , فعلم أنهم في غاية ~~من الغباوة , لا يرتدعون بالتأديب بسياط البلاء , ولا ينتفعون ببساط المنة ~~والرخاء , بل ظنوا أن البلاء عادة الزمان , والرخاء باستحقاقهم الامتنان , ~~فعلم أن قلوبهم لا يرجى لها انتباه بحار ولا PageV02P636 بارد ولا رطب ولا ~~يابس { أخذناهم } بعظمتنا , وإنما أخذناهم في حال الرخاء ليكون أشد لتحسرهم ~~{ بغتة } فلم نمكنهم من التضرع عند خفوق الأمر , ولا أمهلناهم أصلا بل نزل ~~عليهم من أثقال العذاب , وأباح بهم من أحمال الشدائد وصروف البلايا ما ~~أذهلهم وشغلهم عن كل شيء حتى بهتوا { فإذا هم مبلسون * } أي تسبب عن ذلك ~~البغت أن فاجؤوا السكوت على ما في أنفسهم واليأس تحسرا وتحيرا , و استمروا ~~بعد أن سكتوا إلى أن همدوا وخفتوا , ففي نفي التضرع عن المتقدمين بعد أن ~~أثبته لمشركي هذه الأمة استعطاف لطيف , وفي ذكر استدراج أولئك بالنعم عند ~~نسيان ما ذكروا به إلى ما أخذهم بغتة من قواصم النقم غاية التحذير . | ولما ~~كان من عادة الغالب من أهل الدنيا أن يفوته آخر الجيوش وشذابهم لملل أصحابه ~~من الطلب وضجرهم من النصب والتعب وقصورهم عن الإحاطة بجميع الأرب , أخبر ~~تعالى أن أخذه على غير ذلك , وأن نيله للآخر كنيله للأول على حد سواء , ~~فقال مسببا عن الأخذ الموصوف مشيرا بالبناء للمفعول إلى تمام القدرة , ~~وبالدابر إلى الاستئصال : { فقطع دابر } أي ms1435 آخر { القوم الذين ظلموا } أي ~~بوضع الشيء في غير موضعه دأب الماشي في الظلام , وضعوا لقسوة موضع الرقة ~~التي تدعو إليها الشدة , ووضعوا الفرح بالنعمة موضع الخشية من الرد إلى ~~الشدة , كما ظلمتم أنتم بدعاء الأصنام وقت الرخاء وكان ذلك موضع دعاء من ~~أفاض تلك النعم , ودعوتم الله وقت الشدة وكان ذلك موضع دعاء من عبدتموه وقت ~~الرخاء , لئلا تقعوا فيما جرت عادتكم بالذم به . | وإن تكون كريهة أدعى لها ~~وإذا يحاس الحيس يدعى جندب | ولما كان استئصالهم من أجل النعم على من ~~عادوهم فيه من الرسل عليهم السلام وأتباعهم رضي الله عنهم , نبه على ذلك ~~بالجملة مع ما يشير إليه من ظهور الاستغناء المطلق فقال : { والحمد } أي ~~قطع أمرهم كله والحال أن الإحاطة بأوصاف الكمال { لله } المتفرد بنعوت ~~الجلال والجمال { رب العالمين * } الموجد لهم أجمعين , أي له ذلك كله بعد ~~فناء الخلق على أي صفة كانوا من إيمان أو كفر , كما كان له ذلك قبل وجودهم ~~وعند خلقهم على كل من حالتيهم - كما أشير إليه بأول السورة , فكأنه قيل : ~~الكمال لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور , ثم الذين كفروا ~~بربهم يعدلون , فقطع دابرهم , والكمال له لم يتغير , لأنه لا يزيده وجود ~~موجود , ولا ينقصه فقد مفقود , فهو محمود حال الإعدام والمحق كما كان ~~محمودا حال الإيجاد والخلق , فلا تذهب نفسك عليهم حسرات , فإنه لا يخرج شيء ~~عن إيمانهم ولا كفرانهم عن إرادته سبحانه , فلا عليك منهم اقترحوا الآيات ~~أولا , فإنه ليس عليك إلا البلاغ . | PageV02P637 < < # | الأنعام : ( 46 - 50 ) قل أرأيتم إن . . . . . # > > ^ ( قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله ~~غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون * قل أرأيتكم إن ~~أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظالمون * وما نرسل ~~المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * ~~والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون * قل لا أقول لكم عندي ~~خزآئن الله ms1436 ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون ) ^ } ) | ولما قدم التنبيه ~~بإتيان مطلق العذاب في مطلق الأحوال , وكان الإتيان بالكاف ثم مشيرا مع ~~إفادة التأكيد إلى أن ثم نوع مهلة , وأتبعه أن أخذ الأمم كان بغتة , أعقبه ~~التنبيه بعذاب خاص تصور شناعته يهذأ الأركان ويقطع الكبود ويملأ الجنان , ~~فإنه لا أشنع حالا من اصم أعمى مجنون , فقال مشيرا - بإسقاط كاف الخطاب ممع ~~التعبير بالأخذ الذي عهد أنه للبغث بالسطوة والقهر - إلى غاية التحذير من ~~سرعة أي الأخذ : { قل أرءيتم } فكانت حقيقة المقترن بالكاف : هل رأيتم ~~أنفسكم , وهذا هل رأيتم مطلق رؤية , لما تقدمت الإشارة إليه من الإيماء إلى ~~طلب الإسراع بالجواب خوف المفاجأة بالعذاب وإن كان المراد في الموضعين : ~~أخبروني { إن أخذ الله } أي القادر على كل شيء العالم بكل شيء { سمعكم } ~~وأفرده لقلة المفاوتة فيه , لأنه أعظم الطرق لإدراك القلب الذي لا أعظم من ~~المفاوتة فيه حتى للإنسان الواحد بالنسبة إلى الأحوال المختلفة , ليكون ذلك ~~أدل على الفعل بالاختيار { وأبصاركم } أي فأصمكم وأعماكم عمى وصمما ظاهرين ~~وباطنين بسلب المنفعة { وختم على قلوبكم } فجعلها لا تعي أصلا أو لا ينتفع ~~بالوعي { من إله } أي معبود بحق , لأن له إحاطة لعلم والقدرة ؛ ثم وصف هذا ~~الخبر بقوله : { غير الله } أي الذي له جميع العظمة { يأتيكم به } أي بذلك ~~الذي هو أشرف معاني أشرف أعضائكم , أو بشيء منه . | ولما بلغت هذه الآيات - ~~من الإبلاغ في البيان في وحدانيته وبطلان كل معبود سواه - أعلى المقامات , ~~نبه على أنه على ذلك , بالأمر بالنظر فيها وفي حالهم بعدها , دالا على ما ~~تقدم من أن المقترحات لا تنفع من أراد سبحانه شقاوته فقال : { انظر كيف ~~نصرف أي بما لنا من العظمة { الآيات } أي نوحيها لهم ولغيرهم في كل وجه من ~~وجوه البيان بالغ من الإحسان ما يأخذ بالعقول ويدهش الألباب , ويكون كافيا ~~في التراخي فقال : { ثم هم } أي بعد هذا البيان بصميم ضمائرهم ms1437 { يصدفون * } ~~أي يعرضون إعراضا لازما لهم لزوم الصفة . | PageV02P638 ولما قرن الأخذ ~~بالبغت تارة صريحا وتارة بإسقاط الكاف ؛ كان ربما وقع في وهم السؤال عن ~~حالة الجهر , أتبع ذلك ذكره مفصلا لما أجمل من الأحوال في الآيتين قبل فقال ~~: { قل أرءيتكم } ولما كان المعنى : أخبروني , وكان كأنه قيل : عما ذا ؟ ~~قيل : { إن أتاكم عذاب الله } أي الذي له جميع صفات الكمال فلا يعجزه شيء { ~~بغتة } أي بحيث لا يرى إلا ملتبسا بكم من غير أن يشعر به ويظهر شيء من ~~أماراته , { أو جهرة } أي بحيث ترونه مقبلا إليكم مقدما عليكم { هل } . | ~~ولما كان المخوف بالذات هو الهلاك من غير نظر إلى تعيين الفاعل , بني ~~للمفعول قوله : { يهلك } أي في واحدة من الحالتين هلاكا هو الهلاك , وهو ~~هلاك السخط { إلا القوم } أي الذين لهم قوة المدافعة وشدة المقاتلة في ~~زعمكم والمقاومة { الظالمون * } أي بوضع الأشياء في غير مواضعها من إعطاء ~~الشيء لمن لا يستحقه ومنع المستحق ما له , وأما المصلح فإنه ناج إما في ~~الدارين وإما في الآخرة التي من فاز فيها فلا توى عليه ؛ وذكر أبو حيان أنه ~~لما كان مطلق العذاب صالحا لكل ما يعلم من تفاصيل أهواله وما لا يعلم , كان ~~التوعد به أهول , فلذلك أكد فيه في الآيتين الخطاب بالضمير بحرف الخطاب , ~~والتوعد بأخذ السمع وما معه من جملة الأنواع التي اشتمل عليها ذلك المطلق ~~فأعري من حرف الخطاب . | ولما كان ذلك كله في مناضلة من كذب الرسل , وأعرض ~~عما أرسلهم به ربهم من الآيات التي ما منها إلا ما آمن على مثله البشر , ~~وطلبه منهم ما لا يقدر عليه إلا مرسلهم من الإتيان بغير ما أتوا به من ~~الآيات ؛ بين لهم حقيقة الرسالة إشارة إلى ظلمهم في طلبهم من الرسل ما لا ~~يطلب إلا من الإله , فقال عاطفا على < # > 77 ( { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك } ) 77 < # > [ الأنعام : 42 ] { وما نرسل } أي بما لنا من العظمة { المرسلين } أي ~~نوجد هذا الأمر في هذا الزمان وكل زمان من ms1438 الماضي وغيره { إلا مبشرين } لمن ~~أطاع { ومنذرين } لمن عصى , عريقين في كل من الوصفين , لا مجيبين إلى ما ~~يقترح الأمم , ولا معذبين لمن يعاندهم ؛ ثم سبب عن ذلك غاية الرسالة من ~~النفع والضر فقال : فمن آمن وأصلح } أي تصديقا لإيمانه { فلا خوف عليهم } ~~أي في الدنيا ولا في الآخرة , أما في الآخرة فواضح , وأما في الدنيا ~~الفانية فلأن خوفهم فيها يزيد أمنهم في الآخرة الباقية , فهو إلى فناء ثم ~~إلى سرور دائم , فهو عدم { ولا هم يحزنون * } أي حزنا يضر بحياتهم الأبدية ~~. | ولما بين حال المصلحين , أتبعه حال المفسدين فقال : { والذين كذبوا ~~بآياتنا } أي حزنا يضر بحياتهم الأبدية . | ولما بين حال المصلحين , أتبعه ~~حال المفسدين فقال : { والذين كذبوا بآياتنا } أي على ما لها بنسبتها إلينا ~~من العظمة { يمسهم العذاب } أي الدائم المتجدد , وكني عن PageV02P639 قربه ~~بأن جعل له قوة المس , كأنه حي مريد فقال : { بما كانوا } أي جبلة وطبعا { ~~يفسقون * } أي يديمون الخروج مما ينبغي الاستقرار فيه من الإيمان وما ~~يقتضيه , وأما الفسق العارض فإن صاحبه يصدر التوبة منه فيعفى عنه . | ولما ~~بين وظيفة الرسل , وقسم المرسل إليهم , أمره بنفي ما يتسبب عنه قولهم من أن ~~البشر لا يكون رسولا , واقتراحهم عليه الآيات من ظن قدرته على ما يريد , أو ~~أن كل ما يقدر عليه يبديه لهم , أو إلزامه بذلك , منها لهم على وجه ظلمهم ~~بغلظهم أو عنادهم فقال : { قل } أي في جواب قولهم < # > 77 ( { لولا أنزل عليه آية } ) 77 < # > [ يونس : 20 ] ونحوه . | ولما لم يكن لهم عهد بأن بشرا يكون عنده ~~الخزائن , يتصرف فيها بما يريد , وكان يأتيهم من الآيات من انشقاق القمر ~~ومشي الشجر وكلام الضب والحجر ونبع الماء والحراسة بشواظ النار وفحل الجمال ~~ونحو ذلك مما هو معلوم في دلائل النبوة بما ربما أوقع في ظنهم أن لازمه ~~دعواه لأنه يملك الخزائن , فكانوا يقترحون عليه الآيات الدالة إلزاما له ~~بذلك لقصد التكذيب . | نفى ما ظنوا أنه يلزمه دعواه فقال : { لا أقول لكم } ~~أي الآن ولا فيما يستقبل ms1439 من الزمان , ولما كان تعالى قد أعطاه مفاتيح خزائن ~~الأرض , فأباها تواضعا لله سبحانه , قيد بقوله ( لكم ) إفهاما لما يخبر به ~~المؤمنين من ذلك ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم , وأما الكفرة فإن إخبارهم ~~بذلك مما يغريهم على الاقتراحات استهزاء فلا فائدة له { عندي خزائن الله } ~~أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق والعزة البالغة , فلا كفوء له أي ~~فآتيكم ما تقترحون من الآيات وما تشتهونه من الكنوز وما تستهزئون به من ~~العذاب , وإنما الخزائن بيده , يفعل فيها ما يشاء . | ولما كانوا يعهدون أن ~~بعض البشر من الكهان يخبرون بشيء من المغيبات , وكان الكهان يخلطون الصدق ~~بالكذب , وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخبرهم بمغيبات كثيرة فيكون كما ~~قال دائما لا خلف في شيء منها ولا زيادة ولا نقص , فصاروا يظنون أنه يعلم ~~الغيب , ولكنهم يظنونه من آيات الكهان حتى أطلقوا عليه أنه كاهن , فكانوا ~~يسالونه عن وقت العذاب الذي يتوعدهم به وعن غيره , لعلهم يظفرون عليه بشيء ~~مما يقوله الكهان ولا يكون , فيعدونه عليه ؛ نفى ما ظنوه غيره على هذا ~~المقام أن ينسب إلى غير مالكه الذي لا يجوز أن يكون لغيره , فقال نافيا له ~~من أصله , لا للقول فقط كما في سابقه ولاحقه , اطفا على { لا أقول } لا على ~~{ عندي } { ولا أعلم الغيب } أي فأخبركم بوقت الفصل بيني وبينكم من مطلق ~~العذاب أو قيام الساعة , فإن هاتين الحالتين - ملك الخزائن وعلم الغيب - ~~ليستا إلا لمرتبة الألوهية , وإنما لم أدع الأول كما ألزمتموني به , ولا ~~اتصفت بالثاني بما ظننتم . | PageV02P640 ولما كانوا يظنون أن الرسول لا ~~يكون إلا ملكا , فكانوا يلزمونه بدعواه الرسالة دعوى الملائكة ليلزموه بذلك ~~ادعاء ما هو ظاهر البطلان , قال : { ولا أقول } أي بدعوى الرسالة ؛ ولما ~~كان صلى الله عليه وسلم أعلى الأنبياء صفاء وأنورهم قلبا وأشدهم في كل هدى ~~إضاءة وأنقاهم من نقائص البشر , وكان هذا أمرا من الله له . | قيد بقوله : ~~{ لكم } إفهاما لأنه لا يمتنع عليه أن يقول ذلك , بل لو قاله كان صادقا , ~~ومثله كثير ms1440 في مجازاتهم ومجاري عاداتهم في محاوراتهم , وأما إسقاط ( لكم ) ~~في قصة نوح من سورة هود عليهما السلام فتواضعا منه لكونه من قوله , من غير ~~تصريح بإسناد الأمر فيه إلى الله تعالى { إني ملك } فأقوى على الأفعال التي ~~تقوى عليها الملائكة من التحرز عن المأكل والمشرب وغيرهما من أفعال ~~الملائكة . | فلما انتفى عنه ما ألزموه به وما ظنوه فيه من كونه إلها أو ~~ملكا , انحصر الأمر في أنه رسول واقف عندما حده له مرسله , فقال على وجه ~~النتيجة : { إن } أي ما { أتبع } أي بغاية جهدي { إلا ما يوحى إلي } أي ما ~~رتبتي إلا امتثال ما يأمرني به ربي في هذا القرآن الذي هو - بعجزكم عن ~~معارضته - أعظم شاهد لي , ولم يوح إلي فيه أن أقول شيئا مما تقدم نفيه , ~~وأوحى إلي لأنذركم به خصوصا , وأنذر به كل من بلغه عموما , وذلك غير منكر ~~في العقل ولا مستبعد بل قد وقع الإرسال لكثير من البشر , وقد قام على ثبوته ~~لي واضح الدلائل وثابت الحجج وقاطع البراهين , فإن كان فيه الإذن لي بإبراز ~~خارق أبرزته , وإن كان يه الإعلام بمغيب أبديته , وإلا اقتصرت على الإبلاغ ~~مع التحدي , وهو مخبر بأن الله - الذي ثبت بعجزكم عن معارضته أنه قوله - ~~شاهد لي بصحة الرسالة وصدق المقالة . | ولما ثبت بهذا أنهم عمي الأبصار ~~والبصائر , لا يهتدون إلى ما ينفعهم , ولا يقدرون على إفحام خصم ولا التفصي ~~عن وهم ولا وصم , بل هم كالسالك بين المهالك , يتبين بادئ بدئه في دعواه ~~الحكمة زوره وكذبه وفجوره لأتباع الهوى الذي هو أدوأ أدواء , وأنه صلى الله ~~عليه وسلم أبصر البصراء وأحكم الحكماء لأتباعه علام الغيوب , وكان موضع أن ~~يقال : ما يوحى إليك في هذا المقام ؟ قال على وجه التبكيت لهم : { قل } أي ~~لكل من يسمع قولك بعد هذا البيان الفائت لقوى الإنسان { هل يستوي } أي يكون ~~سواء من غير مرية { الأعمى والبصير } فإن قالوا : نعم , كابروا الحس , وإن ~~قالوا : لا , قيل : فمن تبع هذه الآيات الجليات فهو البصير , ومن ms1441 أعرض عنها ~~فهو العمى , ومن سوى بين الخالق وبين شيء من خلقه فهو أعمى العمى ؛ ثم أمره ~~بعد الإنكار للتسوية بينهما بأن ينكر عليهم فساد نظرهم وعمى فكرهم بقوله : ~~{ أفلا تتفكرون * } أي فيردكم فكركم عن هذه الضلالات . | PageV02P641 < < # | الأنعام : ( 51 - 53 ) وأنذر به الذين . . . . . # > > ^ ( وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ~~ولا شفيع لعلهم يتقون * ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من ~~الظالمين * وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ ~~أليس الله بأعلم بالشاكرين ) ^ } ) | ولما أمره بتوبيخهم , أمره - عاطفا ~~على قوله ( قل ) - بالإنذار على وجه مخز لهم أيضا فقال : { وأنذر به } أي ~~بما يوحى إليك , وليس المراد تخصيص الإنذار بالخائف , بل الإشارة إلى ~~جلافتهم وعظيم بلادتهم وكثافتهم في عدم تجويز الجائز الذي هو أهل لأن يخافه ~~كل واحد بقوله : { الذين يخافون } أي تجويزا للجائز عقلا وعادة . | ولما ~~كان المرهوب الحشر نفسه , لا بقيد كونه من معين ؛ بني للمفعول قوله { أن ~~يحشروا } أي يجمعوا وهم كارهون { إلى ربهم } أي المحسن إليهم بالإيجاد ~~والتربية مع التقصير في الشكر , حال كونهم { ليس لهم } وأشار إلى تحقير ما ~~سواه وسفوله بالجار فقال : { من دونه } أي من المنزلة التي هي تحت منزلته , ~~ومن المعلوم أن كل شيء تحت قهر عظمته ومتضائل عن رتبته , ليس لهم ذلك , أي ~~على وجه الانفراد أو التوسل { ولي } يتولى أمورهم فينقذهم قهرا مما يخافون ~~{ ولا شفيع } ينقذهم بحسن سفارته وعظيم رتبته وترتيبه { لعلهم يتقون * } أي ~~ليكون حالهم حال من يرجى أن يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية . | ولما أمره ~~بدعاء من أعرض عنه ومجاهرته , أمره بحفظ من تبعه وملاطفته , فقال : { ولا ~~تطرد الذين يدعون } وهم الفقراء من المسلمين { ربهم } أي المحسن إليه عكس ~~ما عليه الكفار في دعاء من لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ؛ ثم بين من حالهم من ~~الملازمة ما يقتضي الإخلاص ms1442 فقال : { بالغداة والعشي } أي في طرفي النهار ~~مطلقا أو بصلاتيهما أو يكون كناية عن الدوام ؛ ثم أتبع ذلك نتيجته فقال ~~معبرا عن الذات بالوجه , لأنه أشرف - على ما نتعارفه - وتذكره يوجب التعظيم ~~ويورث الخجل من التقصير : { يريدون وجهه } أي لأنه لو كان رياء لاضمحل على ~~طول الزمان وتناوب الحدثان باختلاف الشأن . | ولما كان أكابر المشركين ~~وأغنياؤهم قد وعدوه صلى الله عليه وسلم الاتباع إن طرد من تبعه ممن يأنفون ~~من مجالستهم , وزهدوه فيهم بفقرهم وبأنهم غير مخلصين في اتباعه , إنما ~~دعاهم إلى ذلك الحاجة ؛ بين له تعالى أنه لا حظ له في طردهم ولا في اتباع ~~أولئك بهذا الطريق إلا من جهة الدنيا التي هو مبعوث للتنفير عنها , فقال ~~معللا لما مضى أو PageV02P642 مستأنفا : { ما عليك } قدم الأهم عنده وهو ~~تحمله { من حسابهم } وأغرق في النفي فقال : { من شيء } أي ليس لك إلا ~~ظاهرهم , وليس عليك شيء من حسابهم , حتى تعاملهم بما يستحقون في الباطن من ~~الطرد إن كانوا غير مخلصين { وما من حسابك } قدم أهم ما إليه أيضا { عليهم ~~من شيء } أي وليس عليهم شيء من حسابك فتخشى أن يحيفوا عليك فيه على تقدير ~~غشهم , أو ليس عليك من رزقهم شيء فيثقلوا به عليك , ومامن رزقك عليهم من ~~شيء فيضعفوا عنه لفقرهم , بل الرازق لك ولهم الله ؛ ثم أجاب النفي مسببا ~~عنه فقال : { فتطردهم } أي فتسبب عن أحد الشيئين طردك لهم ليقبل عليك ~~الأغنياء فلا يكلفوك ما كان أولئك يكلفونك , وإن كلفتهم ما كان أولئك ~~عاجزين عنه أطاقوه ؛ والحاصل أنه يجوز أن يكون معنى جملتي { ما عليك من ~~حسابهم } - إلى آخرهما راجعا إلى آية الكهف < # > 77 ( { ولا تعد عينك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا } ) 77 < # > [ الكهف : 28 ] فيكون المعنى ناظرا إلى الرزق , يعني أن دعاءك إلى الله ~~إنما مداره الأمر الأخروي , فليس شيء من رزق هؤلاء عليك حتى تستنفر بهم ~~وترغب في الآغنياء , ولا شيء من رزقك عليهم فيعجزوا عنه , وفي اللفظ من ~~كلام أهل اللغة ما يقبل هذا ms1443 المعنى ؛ قال صاحب القاموس وغيره : الحساب : ~~الكافي ومنه < # > 77 ( { عطاء حسابا } ) 77 < # > [ النبأ : 36 ] وحسب فلان فلانا : أطعمه وسقاه حتى شبع وروي . | وقال ~~أبو عبيد الهروي : يقال : أعطيته فأحسبته , أي أعطيته الكفاية حتى قال : ~~حسبي , وقوله < # > 77 ( { يرزق من يشاء بغير حساب } ) 77 < # > [ البقرة : 212 ] أي بغير تقتير وتضييق , وفي حديث سماك : ما حسبوا ~~ضيفهم , أي ما أكرموه , وقال ابن فارس في المجمل : وأحسبته : أعطيته ما ~~يرضيه , وحسبته أيضا , وأحسبني الشيء : كفاني . | ولما نهاه عن طردهم مبينا ~~أنه ضرر لغير فائدة , سبب عن هذا النهي قوله { فتكون من الظالمين * } أي ~~بوضعك الشيء في غير محله , فإن طردك هؤلاء ليس سببا لإيمان أولئك , وليس ~~هدايتهم إلا إلينا , وقد طلبوا منا فيك لما فتناهم بتخصيصك بالرسالة ما لم ~~يخف عليك من قولهم < # > 77 ( { لولا أنزل عليه ملك } ) 77 < # > [ الأنعام : 8 ] ونحوه مما أرادوا به الصرف عنك , فكما لم تقبلهم فيك ~~فلا تقبلهم أنت في أوليائنا , فإنا فتناهم بك حتى سألوا فيك ما سألوا ~~وتمنوا ما تمنوا { وكذلك } أي ومثل ما فتناهم بإرسالك { فتنا } أي فعلنا ~~فعل المختبر قسرا بما لنا من العظمة { بعضهم ببعض } بالتخصيص بالإيمان ~~والغنى والفقر ونحو ذلك { ليقولوا } أي إنكارا لأن تفضل غيرهم عليهم ~~احتقارا لهم واستصغارا { أهؤلاء } أي الذين لا يساووننا بل لا يقاربوننا في ~~خصلة من خصال الدنيا { من الله } أي على جلاله وعظمه { عليهم } أي وفقهم ~~لإصابة الحق وما يسعدهم PageV02P643 عنده وهم فيما نرى من الحقارة { من ~~بيننا } فالآية ناظرة إلى ما يأتي في هذه السورة من قوله تعالى ^ ( { حتى ~~نؤتى مثل ما أوتي رسل الله } ) ^ [ الأنعام : 124 ] . | ولما كان الإنكار ~~لا يسوغ إلا مع نهاية العلم بمراتب المفضلين , وأن المفضل لا يستحق التفضيل ~~من الوجه المفضل به , أنكر إنكارهم بقوله : { أليس الله } أي الذي له جميع ~~الأمر , فلا اعتراض عليه { بأعلم بالشاكرين * } أي الذين يستحقون أن يفضلوا ~~لشكرهم على غيرهم لكفرهم . | < < # | الأنعام : ( 54 - 56 ) وإذا جاءك الذين . . . . . # > > ^ ( وإذا جآءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ms1444 كتب ربكم على ~~نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور ~~رحيم * وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين * قل إني نهيت أن أعبد ~~الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهوآءكم قد ضللت إذا ومآ أنا من ~~المهتدين ) ^ } ) | ولما نهاه صلى الله عليه وسلم عن طردهم , علمه كيف ~~يلاطفهم فقال عاطفا على ما تقديره : وإذا جاءك الذين يحتقرون الضعفاء من ~~عبادي فلا تحفل بهم : { وإذا جاءك } وأظهر موضع الإضمار دلالة على الوصف ~~الموجب لإكرامهم وتعميما لغيرهم فقال : { الذين يؤمنون } أي هم أو غيرهم ~~أغنياء كانوا أو فقراء , وأشار بمظهر العظمة إلى أنهم آمنوا بما هو جدير ~~بالإيمان به فقال : { بآياتنا } على ما لها من العظمة بالنسبة إلينا { فقل ~~} أي لهم بادئا بالسلام إكراما لهم وتطييبا لخواطرهم { سلام عليكم } أي ~~سلامة مني ومن الله , ونكره لما يلحقهم في الدنيا من المصائب ؛ ثم علل ذلك ~~بقوله : { كتب ربكم } أي المحسن إليكم { على نفسه الرحمة } ثم علل ذلك ~~بقوله واستأنف بما حاصله أنه علم من الإنسان النقصان , لأنه طبعه على طبائع ~~الخسران إلا من جعله موضع الامتنان فقال : { أنه من عمل منكم سوءا } أي أي ~~سوء كان ملتبسا { بجهالة } أي بسفه أو بخفة وحركة أخرجته عن الحق والعلم ~~حتى كان كأنه لا يعلم شيئا { ثم تاب } أي رجع بالندم والإقلاع وإن طال ~~الزمان , ولذا أدخل الجار فقال : { من بعده } أي بعد ذلك العمل { وأصلح } ~~بالاستمرار على الخير { فإنه } أي ربكم بسبب هذه التوبة يغفر له لأنه دائما ~~{ غفور } أي بالغ الستر والمحو لما كان من ذلك { رحيم * } يكرم من تاب هذه ~~التوبة بأن يجعله كمن أحسن بعد أن جعله بالغفر كمن لم يذنب , ومن أصر وأفسد ~~فإنه يعاقبه , لأنه عزيز حكيم , وربما كانت الآية ناظرة إلى ما قذفهم به ~~المشركون من عدم الإخلاص , ويكون حينئذ مرشحا لأن المراد بالحساب المحاسبة ~~على الذنوب . | PageV02P644 ولما أتى في هذه السورة وما قبلها بما أتى من ~~عجائب التفاصيل لجميع ms1445 الأحوال متضمنة واضح الدلالات وباهر الآيات البينات , ~~قال عاطفا على { وكذلك فتنا } عطفا للضد على ضده , فإن في الاختبار نوع ~~خفاء : { وكذلك } أي ومثل الفتن بإيراد بعض ما فيه دقة وخفاء من بعض الوجوه ~~لنضل من نشاء , فيتميز الضال من المهتدي { نفصل الآيات } التي نريد بيانها ~~ليتضح سبيل المصلحين فيتبع { ولتستبين } أي تظهر ظهورا بينا { سبيل ~~المجرمين * } فتجتنب , وخص هذا بالذكر وإن كان يلزم منه بيان الأول , لأن ~~دفع المفاسد أهم . | ولما كان محط حالهم في السؤال طرد الضعفاء قصد اتباع ~~أهوائهم , أمره تعالى بأن يخبرهم أنه مباين لهم - لما بين له بالبيان ~~الواضح من سوء عاقبة سبيلهم - مباينة لا يمكن معها اتباع أهوائهم , وهي ~~المباينة في الدين فقال : { قل إني نهيت } أي ممن له الأمر كله { أن أعبد ~~الذين تدعون } أي تعبدون بناء منكم على محض الهوى والتقليد في أعظم أصول ~~الدين , وحقر أمرهم وبين سفول رتبتهم بقوله : { من دون الله } أي الذي لا ~~أعظم منه , فقد وقعتم في ترك الأعظم ولزوم الدون الذي هو دونكم في أعظم ~~الجهل المؤذن بعمى القلب مع الكفر بالمحسن , فمباينتي مبناها على المقاطعة ~~, فكيف تطمع في متابعة ! ثم أكد ذلك بأمر آخر دال على أنه لا شبهة لهم في ~~عبادتهم فقال : { قل لا أتبع أهواءكم } أي عوضا عما أنا عليه من الحكمة ~~البالغة المؤيدة بالبراهين الساطعة والأدلة القاطعة . | ولما كان من ~~المعلوم أن الهوى لا يدعو إلى هدى , بل إلى غاية الردى , حقق ما أفهمته هذه ~~الجملة بقوله : { قد ضللت إذا } أي إذا اتبعت أهواءكم ؛ ولما كان الضال قد ~~يرجع , بين أن هذا ليس كذلك , لعراقتهم في الضلال , فقال معبرا بالجملة ~~الاسمية الدالة على الثبات : { وما أنا } أي إذ ذاك على شيء من الهداية ~~لأعد { من المهتدين * } . | < < # | الأنعام : ( 57 - 59 ) قل إني على . . . . . # > > ^ ( قل إني على بينة من ربي وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن ~~الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين * قل لو أن عندي ما تستعجلون به ~~لقضي ms1446 الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين * وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمهآ إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا ~~حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) ^ } ) | ولما كان ~~طلبهم للآيات - أي العلامات الدالة على الصدق تارة بالرحمة في إنزال ~~PageV02P645 الأنهار والكنوز وإراحة الحياة , وتارة بالعذاب من إيقاع ~~السماء عليهم كسفا ونحو ذلك - ليس في يده ولا عنده تعين وقت نزوله , وأمره ~~هنا أن يصرح لهم بالمباينة ويؤيسهم من الملاينة ما داموا على المداهنة , ~~أمره بأن يخبرهم بما هو متمكن فيه من النور وما هم فيه من العمى بقوله : { ~~قل إني } وأشار إلى تمكنه في الأدلة الظاهرة والحجج القاهرة بحرف الاستعلاء ~~فقال : { على بينة } أي إن العدو إنما يصانع عدوه إما لعدم الثقة بالنصرة ~~عليه وتعذيبه بعداوته , وإما العدم وثوقه بأنه على الحق , وأما أنا فواثق ~~بكلا الأمرين { من ربي } أي المحسن إلي بإرسالي بعد الكشف التام لي عن سر ~~الملك والملكوت { و } الحال أنكم { كذبتم به } أي ربي حيث رددتم رسالته فهو ~~منتقم منكم لا محالة . | ولما قيل ذلك , فرض أن لسان حالهم قال : فائتنا ~~بهذه البينة ! فقال : إن ربي تام القدرة , فلا يخاف الفوت فلا يعجل , وأما ~~أنا فعبد { ما عندي } أي في قدرتي وإمكاني { ما تستعدلون به } أي في قولكم ~~( امطر علنيا حجارة من السماء ) ونحوه حتى أحكم فيكم بما يقتضيه طبع البشر ~~من العجلة { إن } أي ما { الحكم } في شيء من الأشياء هذا وغيره { إلا الله ~~} أي الذي له الأمر كله فلا كفوء له , ثم استأنف قوله مبينا أنه سبحانه ~~يأتي بالأمر في الوقت الذي حده له على ما هو الأليق به من غير قدرة لأحد ~~غيره على تقديم ولا تأخير فقال : { يقض } أي يفصل وينفذ بالتقديم والتأخير ~~, وهو معنى قراءة الحرميين وعاصم ( يقص ) أي يقطع القضاء أو القصص { لحق } ~~ويظهره فيفصله من الباطل ويوضحه , ليتبعه من قضى بسعادته , ويتنكب عنه من ~~حكم بشقاوته { وهو خير ms1447 الفاصلين * } لأنه إذا أراد ذلك لم يدع لبسا لمن ~~يريد هدايته , وجعل في ذلك الظاهر سببا لمن يريد ضلالته ؛ ثم أكد ذلك لمن ~~زاد قلبه في الجلافة مبينا ما في غيره من وخيم العاقبة فقال : { قل لو أن ~~عندي } أي على سبيل الفرض { ما تستعجلون به } أي من العذاب { لقضي } وبناه ~~للمفعول لأن المخوف إنما هو الإهلاك , لا كونه من معين { الأمر بيني وبينكم ~~} أي فكنت أهلك من خالفني غضبا لربي بما ظهر لي منه من التكبر عليه , وقد ~~يكون فيهم من كتب في ديوان السعداء , لكنه لم يكن الأمر إلي لأني لا أعلم ~~الظالم عند الله من غيره , فليس الأمر إلا إلى الله , لأنه أعلم بالمنصفين ~~فينجيهم { والله } أي الذي له الكمال كله { أعلم بالظالمين * } أي ~~المكتوبين في ديوان الظلمة فيهلكهم . | ولما كانت هذه الآيات مثبتة لجزيئات ~~من علمه تعالى وقدرته , وكان ختامها العلم بالظالم وغيره , أتبعها الاختصاص ~~بما هو أعم من ذلك , وهو علم مفاتح الغيب الذي لا يصل إليه إلا من حازها , ~~إذ لا يطلع على الخزائن إلا من فتحها , ولا يفتحها إلا من حاز PageV02P646 ~~مفاتيحها وعلم كيف يفتح بها , فإثبات ذلك في هذا الأسلوب من باب الترقية في ~~مراقي الإعتقاد من درجة كاملة إلى أكمل منها , فقال عاطفا على معنى ما سبق ~~, وهو : فعنده خاصة جميع ذلك : { وعنده } أي وحده { مفاتح الغيب } أي التي ~~لا يدرك الغيب إلا من علمها . | ولما كان معنى ذلك الاختصاص , صرح به في ~~قوله : { لا يعلمها إلا هو } وتخصيصها بالنفي دون الخزائن دال على ما فهمته ~~من أن التقييد فيها ب ( لكم ) يفهم أنه يجوز أن نقول ذلك للمؤمنين . | ولما ~~ذكر علم الغيب , أتبعه علم الشهادة , لأن القضايا العقلية المحضة يصعب ~~تحصيل العلم بها على سبيل التمام إلا للكمل من الأنام الذين تجردوا فتعودوا ~~استحضار المعقولات المجردة , والقرآن إنما أنزل لنفع جميع الخلق : الذكي ~~منهم والغبي , فكان ذكر المحسوسات الداخلة تحت القضية العقلية الكلية معينا ~~على تصور ذلك المعقول ورسوخه في ms1448 القلب , فقال مؤكدا لهذا المعقول الكلي ~~المجرد بمثال داخل تحته يجري مجرى المحسوس , وعطفه بالواو عطف الخاص على ~~العام إشارة إلى تعظيمه فقال : { ويعلم ما في البر } وقدمه لأن الإنسان ~~أكثر ملابسة له بما فيه من القرى والمدن والمفاوز والجبال والتلال وكثرة ما ~~بها من الحيوان والنبات النجم وذي الساق والمعادن { والبحر } وأخره لأن ~~إحاطة العقل بأحواله أقل وإن كان الحس يدل على أن عجائبها أكثر , وطولها ~~وعرضها أعظم , وما فيها من الحيوانات وأجناس المخلوقات أعجب , فكان هذا ~~الأمر المحسوس مقويا لعظمة ذلك الأمر المعقول . | ولما ذكر ما يعم الثابت ~~والمنتقل : خص المنتقل تنصيصا على الجزئيات وتعظيما للعلم بتعظيم المعلومات ~~فقال : { وما تسقط } وأغرق في النفي بقوله : { من ورقة } ونكرها إتماما ~~للتعميم { إلا يعلمها } ولما ك ان هذا مع عظمه ظاهرا , ذكر ما هو أدق منه ~~فقال : { ولا } أي وما من { حبة } ودل على أن الأرض ليس لها من نفسها نور ~~تنبيها على ما أودع هذا الآدمي المكون منها من الغرائب بقوله : { في ظلمات ~~الأرض } أي ولو كان في أقصى بطنها , فكيف بماهو في النور وهو أكبر من الحبة ~~. | ولما خص , رجع إلى التعميم ردا للآخر على الأول فقال : { ولا رطب ولا ~~يابس } أي وجد أو لم يوجد أو سيوجد { إلا في كتاب مبين * } أي موضح لأحواله ~~وأعيانه وكل أموره وأحيانه , فثبت أنه فاعل لجميع العالم بجواهره وأعراضه ~~على سبيل الإحكام والإتقان , لأنه وحده عالم بجميع المعلومات , ومن اختص ~~بعلم جميع المعلومات كان مختصا بصنع جميع المصنوعات قادرا على جميع ~~المقدورات . | PageV02P647 < # > 71 ( < # > 72 ( س 6 # 60 < # > 62 < # > < # > > ^ ( وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ~~ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون * وهو القاهر فوق ~~عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جآء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون ~~* ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ) ^ ) # ولما كان من مفاتح الغيب الموت والبعث الذي ينكرونه ، ومان من أدلته ms1449 ~~الغظمة | النوم والإيقاظ منه مع ما فيه من الإحسان المتكرر ، وكان فيه مع ~~ذلك تقرير لكمال القدرة بعد تقريره لكمال العلم ، أتبع ذلك قوله { وهو } أي ~~وحده { الذي يتوفاكم } أي يقبض أرواحكم كاملة بحيث لا يبقى عندكم شعور أصلا ~~، فيمنعكم التصرف بالنوم كما يمنعكم بالموت ، وذكر الأصل في ذلك فقال : { ~~بالليل ويعلم } أي والحال أنه يعلم { ما جرحتم } أي كسبتم { بالنهار } أي ~~الذي تعقبه النوم ، من الذنوب الموجبة للإهلاك ، ويعاملكم فيها بالحلم بعد ~~العلم ولا يعجل عليكم ، وهو معنى { ثم يبعثكم } أي يوقظكم بعد ذلك النوم ~~المستغرق ، فيثصرفكم فيما يشاء { فيه } أي في النهار الذي تعقب ذلك النوم ~~بعد استحقاقكم للانتقام { ليقضي } أي يتم { أجل مسمى } كتبه للمونة الكبرى ~~. | ولما تمهد بهذا النشر بعد ذاك الطي في الموتة الصغرى القدرة على مثل ~~ذلك في الموتى الكبرى ، وكان فيه تقريب عظيم له قال : { ثم } يبعثكم من تلك ~~الموتة كما بعثكم من هذه ، ويكون { إليه } أي وحده { مرجعكم } أي حسا ~~بالحشر إلأى دار الجزاء ، ومعنى بانقطاع الأسباب على ما عهد في الدنيا { ثم ~~} بعد تلك المواقف الطوال والزلازل والأهوال ، ويمكن أ ، تشير أداة التراخي ~~إلى عظمة العلم بذلك ، وإليه يرشد أكثر ما قبله من السياق { ينبئكم } أي ~~يخبركم إخبارا عظيما جليلا مستقصى { بما كنتم تعملون } أ ] فيجازيكم عليه ، ~~ولعلمه عبر العمل لأن الحساب يكون على المكلفين الذين لهم أهلية العلم ، ~~فتقرر مع كمال قدرته سبحانه على اختراع هذه الأشياء والعلم بها . استقلاله ~~يحفزها في كل حال وتدبيرها على أحسن وجه . | ولما أخبر بتمام العلم والقدرة ~~، أخبر بغالب سلطنته وعظيم جبروته وأن أفعاله هذه على سبيل القهر لا يستطاع ~~مخالفتها ، فلو بالغ أحد في الاجتهاد في أن ينام في غير وقته ما قدر ، أو ~~أن يقوم وقت النوم لعجز أو أن يحيى وقت الموت لم يستطع إلى غير ذلك فقال { ~~وهو } أي يفعل ذلك والحال أنه وحده بما له من غيب الغيب وحجب الكبرياء { ~~القاهر } وصور ذلك بقوله { فوق عباده } أي في الإحاطة ms1450 بالعلم والفعل ، أما ~~قهره للعدم فبالتكوين والإيجاد ، وأما قهره للوجود فبالإفناء والإفساد بنقل ~~الممكن من PageV02P648 العدم إلى الوجود تارة ومن الوجود إلى العدم أخرى ، ~~فيقهر النور بالظلمة والظلمة بالنور ، والنهار بالليل والليل بالنهار ، إلى ~~غير ذلك من ضروب الكائنات الممكنات { ويرسل } ورجع إلى الخطاب لأنه أصرح ~~فقال ك { عليكم } من ملائكته { حفظة } أي يحفظون عليكم كل حركة وسكون ~~لتستحيوا منهم وتخافوا عاقبة كنتبتهم ، ويقوم علييكم بشهادتهم الحجة على ~~مجاري عاداتكم وإلا فهو سبحانه وتعالى غني عنهم ، لأنه العالم القادر ~~فيحفظونكم على حسب مراده فيكم { حتى إذا جاء } | ولما كان تقديم المفعول ~~أخوف قال : { أحدكم الموت } أي الذي لا محيد له عنه ولا محيص { توفته } أي ~~أخذت روحه كاملة { رسلنا } من ملك الموت وأعوانه على ما لهم من العظمة ~~بالإضافة إلينا { وهم لا يفرطون } في نفس واحد ولا ما دونه وإلا مت فوقه ~~بالتواني عنه ليتقدم ذلك عن وقته أو يتأخر ، ولما أشار سبحانه إلى قوله ~~بالجنود التي تفوت الحصر وإن كانم معهم غنيا بصفة القهر نبه بصيغة المجهول ~~إلى استحضار عظمته وشامل جبروته وقدرته ، فقلا : { ثم } أي بعد حبسهم في ~~قيد البرزخ { ردوا } أي ردهم راد منه لا يستطيعون دفاعه أصلا { إلى الله } ~~أي الذي لا تحد عظمته ولا تعد جنوده وخدمته { مولهم } أي مبدعهم ومدبر ~~أمورهم كلها { الحق } أي الثابت الولاية ، وكل ولاية غير ولايته من الحفظة ~~وغيرهم عدم ، لأن الحفظة لا يعلمون إلا ما ظهر لهم ، وهو سبحانه يعلم السر ~~وأخفى . | ولما أستحضر المخاطب عزته وقهره ، وتصور جبروته وكبره ، فتأهل ~~قلبه وسمعه لما يلقى إليه ويتلى عليه ، قال { ألا له } أي وحده حقا { الحكم ~~} ولما كان الانفراد بالحكم بين جميع الخلق أمرا يحير الفكر ، ولا يكاد ~~يدخل تحت الوهم ، قال محقرا في جنب قدرته : { وهو } أي وحده { أسرع ~~الحاسبين } يفضل بين الخلائق كلهم في أسرع من اللمح كما أنه يقسم أرزاقهم ~~في الدنيا في مثل ذلك ، لا يقدر أحد ألأن ينفك عن عقابه بمطاولة في الحساب ~~ولا مغالطة ms1451 في ثواب ولا عقاب ، لأنه سبحانه لا يحتاج إلى فكر وروية ولا عقد ~~ولا كتابة ، فال يشغله حساب عن حساب ولا شيء عن شيء . < < # | الأنعام : ( 63 - 66 ) قل من ينجيكم . . . . . # > > ^ ( قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن ~~أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين * قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم ~~أنتم تشركون * قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت ~~أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم ~~يفقهون * وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل ) ^ } ) | PageV02P649 ~~ولما تعرف بأفعاله وشؤونه حتى اتضحت وحدانيته وثبتت فردانيته , ذكرهم ~~أحوالهم في إقرار توحيده وقت الشدائد والرجوع عن ذلك عند الإنجاء منها , ~~فكانوا كمن طلب من شخص شيئا وأكد له الميثاق على الشكر , فلما أحسن إليه ~~بإعطائه سؤله نقض عهده وبالغ في الكفر , وذلك عندهم في غاية من القبائح لا ~~توصف فقال : { قل } أي لهؤلاء الذين يدعون محاسن الأعمال { من ينجيكم } أي ~~كثيرا وعظيما { من ظلمات البر والبحر } أي حيث لا هداية لكم بنجم ولا جبل ~~ولا غيرهما , أإو عبر بالظلمات عن الكروب التي بلغت شدتها إلى أن صاحبها ~~يكون كأنه في أشد ظلام , فهو بحيث إنه لا يهتدي فيها إلى وجه حيلة بنوع ~~وسيلة { تدعونه } أي على وجه الإخلاص له والتوحيد والإعراض عن كل شرك وشريك ~~لزوال الحظوظ عند إحاطة الرعب واستيلائه على مجامع القلب , فلا يقى إلا ~~الفطرة السليمة ؛ قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي : { تضرعا ~~} أي مظهرين الضراعة , وهي شدة الفقر , وحقيقته الخشوع { و } قوله : { خفية ~~} أي تخفون في أنفسكم مثل ما تظهرون ؛ قال شمر : يقال : ضرع له وهو ضارع ~~بين الضراعة , وهؤلاء قوم ضرع , أي أذلاء , وهم ضرعة أي متضرعون , والتضرع ~~إلى الله : التخشع إليه والتذلل , وإذا كان الرجل مختل الجسم قلت : إنه ~~لضارع الجسم بين الضروع , وفي الذل بين الضراعة - انتهى . | ولما بين وصفهم ~~وقت الدعاء , بين قولهم إذ ذاك ms1452 فقال : { لئن أنجانا من هذه } فأكدوا وخصوا ~~وبينوا غاية البيان { لنكونن من الشاكرين * } أي العريقين في الشكر ؛ ولما ~~كانوا مقرين بأن فاعل ذلك هو الله , ولكنهم يكفرون نعمته , عدوا منكرين ~~فأمره بالجواب غي رمنتظر لجوابهم بقوله : { قل الله } أي الذي له جميع ~~العظمة { ينجيكم منها } أي من تلك الشدة { ومن كل كرب } أي وقعتم فيه , وما ~~أعظم موقع قوله : { ثم أنتم } مع التزام الإخلاص في وقت الكرب ومع التزام ~~الشكر تشركون * } مشيرا إلى استبعاد نقضهم بأداة التراخي مع ما فيه من ~~الجناس لما كان ينبغي لهم من أنهم يشكرون . | ولما كانوا بإشراكهم كأنهم ~~يظنون أن الشدة زالت عنهم زوالا لا يعوده , وكان اللائق بهم دوام التذلل ~~إما وفاء وإما خوفا , أخبرهم ترهيبا لهم من سطوته وتحذيرا من بالغ قدرته أن ~~شدتهم تلك التي أذلتهم لم تزل في الحقيقة , فإن قدرة الملك عليها حالة ~~الرخاء كقدرته عليها في وقتها سواء , فإنه خالق الحالتين وأسبابهما وما ~~فيهما , ولكنهم عمي الأبصار أجلاف الطبائع فقال : { قل هو } أي وحده { ~~القادر } ولم يصغه صيغة PageV02P650 مبالغة لأنهم لم يكونوا ينكرون قدرته ~~إنما كانوا يدعون المشاركة التي نفاها بالتخصيص , على أن التعريف يفيد به ~~المبالغة { على أن يبعث } أي في أي وقت يريده { عليكم } أي في كل حالة { ~~عذابا من فوقكم } بإسقاط السماء قطعا أو شيء منها كالحجارة التي حصب بها ~~قوم لوط وأصحاب الفيل أو بتسليط أكابركم { أو من تحت أرجلكم } أي بالخسف أو ~~إثارة الحيات أو غيرها من الأرض كما وقع لبعض من سلف , أو بتسليط سفلتكم ~~وعبيدكم عليكم { أو يلبسكم } أي يخلط بينكم حال كونكم { شيعا } أي متفرقين ~~, كل شيعة على هوى , فيكون ذلك سببا للسيف { ويذيق بعضكم } أي بعض تلك ~~الشيع { بأس بعض } فيساوي في ذلك بين الحرم وغيره , ويصير التخطف بالنهب ~~والغارات عاما , وسوق هذا الكلام هكذا يفهم إيقاعه في وقت ما لناس ما , لأن ~~كلام الملوك يصان عن أن لا يكون له صورة توجد وإن كان على سبيل الشرط ونحوه ~~, فكيف ms1453 بملك الملوك علام الغيوب ! وللتدريب على مثل هذا الفهم في كلام الله ~~تعالى قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي في التفسير عن سعد ~~بن أبي وقاص رضي الله عنه : ( أما إنها كائنة ولم يأت تأويلها بعد ) وقال : ~~حسن غريب , وسيأتي لهذا مزيد بسط وتحقيق في قوله تعالى في الفرقان < # > 77 ( { تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك } ) 77 < # > [ الفرقان : 10 ] . | ولما كان هذا بيانا عظيما , أشار إلى عظمه بقوله ~~: { انظر } وعظمه تعظيما آخر بالاستفهام فقال { كيف نصرف الآيات } أي أي ~~نكررها موجهة في جميع الوجوه البديعة النافعة البليغة { لعلهم يفقهون * } ~~أي ليكون حالهم حال من يرجى فهمه وانتفاعه به , كان هذا { و } الحال أنه { ~~كذب به } أي هذا العذاب أو القرآن المشتمل على الوعد والوعيد والأسباب ~~المبينة للخلق جميع ما ينفعهم ليلزموه وما يضرهم ليحذروه { قومك } أي الذين ~~من حقهم أن يقوموا بجميع أمرك ويسروا بسيادتك , فإن القبيلة إذا ساد أحدها ~~عزت به , فإن عزه عزها وشرفه شرفها , ولا سيما إذا كان من بيت الشرف ومعدن ~~السيادة , وإذا سفل أحدها اهتمت به غاية الاهتمام وسترت عيوبه مهما أمكنها ~~فإن عاره لاحق بها , فهو من عظيم التوبيخ لهم ودقيق التقريع , وزاد ذلك ~~بقوله : PageV02P651 { وهو } أي والحال أنه { الحق } أي الثابت الذي لا ~~يضره التكذيب به ولا يمكن زواله بمعرض أن يخاف عاقبة ذلك ويقول : فماذا ~~أصنع بهم ؟ فقال تعالى معلما أنه ليس عليه بأس من تكذيبهم : { قل لست } ~~وقدم الجار والمجرور للاهتمام به معبرا بالأداة الدالة على القهر والغلبة ~~فقال : { عليكم بوكيل * } أي حفيظ ورثيب لأقهركم على الرد عما أنتم فيه . | ~~< < # | الأنعام : ( 67 - 70 ) لكل نبإ مستقر . . . . . # > > ^ ( لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون * وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا ~~فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد ~~الذكرى مع القوم الظالمين * وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء ولكن ~~ذكرى لعلهم يتقون * وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة ~~الدنيا ms1454 وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع وإن ~~تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم ~~وعذاب أليم بما كانوا يكفرون ) ^ } ) | ولما كانوا بصدد أن يقولوا تهكما : ~~كن كذلك , فلا علينا منك ! قال مهددا : { لكل } وأشار إلى جلالة خبره بقوله ~~: { نبإ } أي خبر أخبرتكم به من هذه الأخبار العظيمة , ومعنى { مستقر } ~~موضع ووقت قرار من صدق أو كذب , أي لا بد أن يحط الخبر على واحد منهما , لا ~~ينفك خر من الأخبار عن ذلك { وسوف تعلمون * } أي محط خبره العظيم بوعد صادق ~~لا خلف فيه وإن تأخر وقوعه . | ولما أمره بما يقول جوابا لتكذيبهم , تقدم ~~إليه فيما يفعل وقت خوضهم في التكذيب فقال : { وإذا رأيت } خاطب النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد غيره ليكون أردع { الذين يخوضون } أي يتكلمون { في ~~آياتنا } أي بغير تأمل ولا بصيرة بل طوع الهوى , كما يفعل خائض الماء في ~~وضعه لرجله على غير بصيرة لستر مواضع الخطأ وبغير تمام الاختيار لغلبة ~~الماء { فأعرض عنهم } بترك المجالسة أو ما يقوم مقامها ؛ ولما كان الخوض في ~~الآيات دالا على قلة العقل قال : { حتى يخوضوا في حديث غيره } فحكم على ~~حديثهم فميا سوى ذلك أيضا بالخوض , لأن فيه الغث والسمين , لأنه غير مقيد ~~بنظام الشرع . | ولما كان الله تعالى - وله الحمد - قد رفع حكم النسيان عن ~~هذه الأمة , قال PageV02P652 مؤكدا : { وإما ينسينك الشيطان } أي إنساء ~~عظيما إشارة إلى أن مثل هذا الأمر جدير بأن لا ينسى { فلا تقعد بعد الذكرى ~~} أي التذكر لهذا النهي { مع القوم الظالمين * } أظهر موضع الإضمار تعميما ~~ودلالة على الوصف الذي هو سبب الخوض , وهو الكون في الظلام . | ولما كانت ~~هذه الآية مكية , وكانوا إذ ذاك عاجزين عن الإنكار بغير القلب , قال : { ~~وما على الذين يتقون } أي يخافون الله فلا يكذبون بىياته في مجالسة الكفرة ~~{ من حسابهم } أي الخائضين إذا كانوا أقوى منهم { من شيء } وما نهينا عن ~~المجالسة ms1455 لأن عليهم فيها - والحالة هذه - إثما { ولكن } نهينا لتكون ~~المفارقة إظهارا للكراهة { ذكرى } للخائضين لاستحيائهم من أذى الجليس { ~~لعلهم يتقون * } أي ليكون حالهم بذلك حال من يرجى منه التقوى , فيجتنب ~~الخوض في الآيات إكراما للجليس . | ولما أبرز هذا الأمر في صيغة النهي , ~~أعاده بصيغة الأمر اهتماما به وتأكيدا له , وأظهر لهم وصفا آخر هو غاية ~~الوصف الأول مع ما ضم إليه من الإرشاد إلى الإنقاذ من المعاطب فقال : { وذر ~~} أي اترك أي ترك كان ولو كان على أدنى الوجوه { الذين اتخذوا } أي كلفوا ~~أنفسهم في اتباع الهوة بمخالفة العقل المستقيم والطبع الفطري السليم بأن ~~أخذوا { دينهم } على نمط الأسخف من دنياهم ؛ ولما كان الدين ملكة راسخة في ~~النفس , ولا شيء من كيفيات النفس أرسخ منها ولا أثبت , وهو أشرف ما عند ~~الإنسان , وكان اللعب ضده لا شيء أسرع من انقضائه ولا أوهى من بنائه , قال ~~ذاما لهم بأنهم بدلوا مقصود هذه السورة - الذي هو من الاستدلال على التوحيد ~~الذي لا أشرف منه مطلقا ولا أعلى ولا أنفس بوجه ولا أحلى - بما لا أدنى منه ~~ولا أوهى ولا أمحق للمروءة ولا أدهى : { لعبا } ولما كان ربما قيل : إنهم ~~إذا انقضى اللعب عادوا إلى الاشتغال بالدين , أتبعه الباعث عليه إشارة إلى ~~أنه كلما ملوا اللعب بعثوا النفوس إليه باللهو كما ترى الراقص كلما فتر في ~~رقصة بعثوه عليه بتقوية اللهو أو الانتقال من فن إلى آخر من فنونه وشأن ~~بديع من شؤونه فقال : { ولهوا } أي في الاستهزاء بالدين الحق بالمكاء ~~والتصدية وبالبحائر والسوائب وغير ذلك , فلا تبال بهم ولا يشغل قلبك بهم { ~~وغرتهم } أي خدعتهم { الحياة الدنيا } التي هم من أعرف الناس بزوالها , وأن ~~كل من بها هالك , فمنتهم النعم التي من عليهم سبحانه بها فيما لا ينالونه ~~من السعادة إلا باتباع أوامره واجتناب نواهيه . | ولما كان ربما أفهم ذلك ~~تركهم في كل حالة , نفاه بقوله : { وذكر به } أي تحديث الآيات , وهي القرآن ~~المتجدد إنزاله , والضمير في الحقيقة للآيات , أي دعهم PageV02P653 يفعلوا ms1456 ~~ما أرادوا , لا تبال بشيء من ذلك , ولا تترك وعظهم بهذا القرآن , أي ما ~~عليك إلا البلاغ , لم نكلفك في هذه الحالة أكثر منه { أن تبسل } قال في ~~المجمل : السبل : النخل , وأبسلته : أسلمته للهلكة , فالمعنى : كراهة أن ~~تخلي وتسلم { نفس بما } أي بسبب ما { كسبت } في دنياها كائنة { ليس لها من ~~دون الله } أي المنفرد بالعظمة { ولي } أي يتولى نصرها { ولا شفيع } ينقذها ~~بشفاعته . | ولما كان الفداء من اسباب الخلاص قال : { وإن تعدل } أي تلك ~~النفس لأجل التوصل إلى الفكاك { كل عدل } أي كل شيء يظن أنه يعدلها ولو كان ~~أنفس شيء ؛ ( ولما ) كان الضار عدم الأخذ , لا كونه من معين , بني للمفعول ~~قوله : { لا يؤخذ منها } ولما أنتج ذلك قطعا أن من هذا حاله هالك , قال : { ~~أولئك } أي الذين عملوا هذه الآيات ما ظهر على ألسنتهم { وعذاب أليم } أي ~~يعم دائما ظواهرهم وبواطنهم بما ظهر عليهم من ذلك بعد ما بطن { بما } أي ~~بسبب ما { كانوا يفكرون * } أي يجددون من تغطية الآيتات . | < < # | الأنعام : ( 71 - 72 ) قل أندعو من . . . . . # > > ^ ( قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا ~~بعد إذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه ~~إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين * وأن ~~أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون ) ^ } ) | ولما تقرر أن غير ~~الله لا يمنع من الله بنوع , لا آلهتهم التي زعموا أنها شفعاؤهم ولا غيرها ~~, ثبت أنهم على غاية البينة من أن كل ما سواء لا ينفع شيئا ولا يضر , فكان ~~في غاية التبكيت لهم قوله : { قل } أي بعد ما أقمت من الأدلة على أنه ليس ~~لأحد مع الله أمر , منكرا عليهم موبخا لهم { أندعوا } أي دعاء عبادة , وبين ~~حقارة معبوداتهم فقال : { من دون الله } أي المنفرد بجميع الأمر . | ولما ~~كان السياق لتعداد النعم ^ ( { الذي خلق السماوات والأرض } ) ^ [ الأنعام : ~~73 ] ^ ( { خلقكم من طين } ) ^ [ الأنعام : 2 ] ^ ( { يطعم ولا يطعم } ) ^ ~~[ الأنعام : 14 ] ^ ( { ويرسل ms1457 عليكم حفظة } ) ^ [ الأنعام : 61 ] ^ ( { من ~~ينجيكم من ظلمات البر والبحر } ) ^ [ الأنعام : 63 ] ^ ( { الله ينجيكم ~~منها ومن كل كرب } ) ^ [ الأنعام : 64 ] قدم النفع في قوله : { ما لنا لا ~~ينفعنا ولا يضرنا } أي لا يقدر على شيء من ذلك , ليكونوا على غاية اليأس من ~~اتباع حزب الله PageV02P654 لهم , وهذا كالتعليل لقوله < # > 77 ( { إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } ) 77 < # > [ الأنعام : 56 ] . | ولما ذكر عدم المنفعة في دعائهم , أشار إلى وجود ~~الخسارة في رجائهم فقال : { ونرد } أي برجوعنا إلى الشرك , وبناه للمفعول ~~لأن المنكر الرد نفسه من أي راد كان { على أعقابنا } أي فنأخذ في الوجه ~~المخالف لقصدنا فنصير كل وقت في خسارة بالبعد عن المقصود { بعد إذ هدانا ~~الله } أي الذي لا خير إلا وهو عنده ولا ضر إلا وهو قادر عليه , إلى التوجه ~~نحو المقصد , ووفقنا له وأنقذنا من الشرك . | ولما صور حالهم , مثله فقال : ~~{ كالذي } أي نرد من علو القرب إلى المقصود إلى سفول البعد عنه ردا كرد ~~الذي { استهوته } أي طلبت مزوله عن درجته { الشياطين } فأنزلته عن أفق ~~مقصده إلى حضيض معطبه , شبه حاله بحال من سقط من عال في مهواة مظلمة فهو في ~~حال هويه في غاية الاضطراب وتحقق التلف والعمى عن الخلاص { في الأرض } حال ~~كونه { له } أي هذا الذي هوى { أصحاب } أي عدة , ولكنه لتمكن الحيرة منه لا ~~يقبل { يدعونه إلى الهدى } وبين دعاءهم بقوله : { ائتنا } وهو قد اعتسف ~~المهمة تابعا للشياطين , لا يجيبهم ولا يأتيهم لأنه قد غلب على نفسه , وحيل ~~بينه وبين العبر والنزوان . | ولما كان هذا مما يعرفونه وشاهدوه مرارا , ~~وكانوا عالمين بأن دعاء أصحابه له في غاية النصيحة والخير , وأنه إن تبعهم ~~نجا , وإلا هلك هلاكا لا تدارك له , فكان جوابهم : إن دعاء أصحابه به لهدى ~~, بين أنه مضمحل تافه جدا بحيث إنه يجوز أن يقال : ليس هدى بالنسبة إلى هذا ~~الذي يدعوهم إليه , بقوله : { قل إن هدى الله } أي المستجمع لصفات الكمال { ~~هو } أي خاصة { الهدى } أي لا ms1458 غيره كدعاء أصحاب المستهوي , بل ذاك الهدى مع ~~إنقاذه من الهلاك إلى جنب هذا الهدى كلا شيء , لأن الشيء هو الموصل إلى ~~سعادة الأبد . | ولما كان التقدير : فقد أمرنا أن نلزمه ونترك كل ما عداه , ~~عطف عليه أمرا عاما فقال : { وأمرنا لنسلم } أي ورد علينا الأمر ممن لا أمر ~~لغيره بكل ما يرضيه لأن نسلم بأن نوقع الإسلام وهو الانقياد التام فنتخلى ~~عن كل هوى , وأن نقيم الصلاة بأن نوقعها بجميع حدودها الظاهرة والباطنة ~~فنتحلى بفعلها أشرف حلى { لرب العالمين * } أي لإحسانه إلى كل أحد بكل شيء ~~خلقه ؛ ثم فسر المأمور به , فكأنه قال : أن أسلموا { وأن أقيموا الصلاة } ~~لوجهه { واتقوه } مع ذلك , أي افعلوها لا على وجه الهزء PageV02P655 واللعب ~~, بل على وجه التقوى والمراقبة ليدل ما ظهر منها على ما بطن من الإسلام ~~للمحسن . | ولما كان التقدير : فهو الذي ابتدأ خلقكم من طين فإذا أنتم بشر ~~مصورون , وجعلكم أحياء فبقدرته على مدى الأيام تنتشرون , عطف عليه قوله : { ~~وهو الذي إليه } أي لا إلى غيره بعد بعثكم من الموت { تحشرون * } فأتى ~~بالبعث الذي هم له منكرون لكثرة ما أقام من الأدلة على تمام القدرة في سياق ~~دال على أنه مما لا مجال للخلاف فيه , وأن النظر إنما هو فيما وراء ذلك , ~~وهو أن عملهم للباطل سوغ تنزيلهم منزلة من يعتقد أنه يحشر إلى غيره سبحانه ~~ممن لا قدرة له على جزائهم , فأخبرهم أن الحشر إليه لا إلى غيره , لأنه لا ~~كلام هناك لسواه , فلا علق بين المحشورين ولا تناصر كما في الدنيا , ~~والجملة مع ذلك كالتعليل للأمر بالتقوى , وقد بان أن الآية من الاحتباك , ~~فإنه حذف الصلاة أولا لدلالة ذكرها ثانيا , والإسلام ثانيا لدلالة ذكره ~~أولا . | < < # | الأنعام : ( 73 - 76 ) وهو الذي خلق . . . . . # > > ^ ( وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله ~~الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير * ~~وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين ms1459 ~~* وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين * فلما جن ~~عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلمآ أفل قال لا أحب الآفلين ) ^ } ) | ~~ولما كانوا بعبادة غيره تعالى - مع إقرارهم بأنه هو خالق السماوات والأرض - ~~في حال من يعتقد أن ذلك الذي يعبدونه من دونه هو الذي خلقهما , أو شاركا ~~فيهما . | فلا قدرة لغيره على حشر من في مملكته , قال تعالى منبها لهم من ~~غفلتهم وموقظا من رقدتهم معيدا الدليل الذي ذكره أول السورة على وجه آخر : ~~{ وهو } أي وحده { الذي خلق } أي أوجد واخترع وقدر { السماوات والأرض } أي ~~على عظمهما وفوت ما فيهما من الحكم والمنافع الحصر { بالحق } أي بسبب إقامة ~~الحق , وأنتم ترون أنه غير قائم في هذه الدار ولا هو قريب من ا لقيام , ~~فوجب على كل من يعلم أن الله حكيم خبير أن يعتقد أنه لا بد من بعثة العباد ~~بعد موتهم - كما وعد بذلك - ليظهر العدل بينهم , فيبطل كل باطل ويحق كل حق ~~, ويظهر الحكم لجميع الخلق . | ولما قرر أن إقامة الحق هي المراد , قرر ~~قدرته عليها بقوله : { ويوم يقول } أي للخلق ولكل شيء يريده في هذه الدار ~~وتلك الدار { كن فيكون * } أي فهو يكون لا يتخلف أصلا . | PageV02P656 ولما ~~قرر أنه لا يتخلف شيء عن أمره , علله فقال : { قوله الحق } أي لا قول غيره ~~, لأن أكثر قول غيره باطل , لأنه يقول شيئا فلا يكون ما أراد ؛ ولما كان في ~~مقام الترهيب من سطوته , قال مكررا لقوله ( وهو الذي إليه تحشرون ) : { وله ~~} أي وحده بحسب الظاهر والباطن { الملك يوم } ولما كان المقصود تعظيم ~~النفخة , بني للمفعول قوله : { ينفخ في الصور } لانقطاع العلائق بين ~~الخلائق , لا كما ترون في هذه الدار من تواصل الأسباب , وقوله - : { عالم ~~الغيب } وهو ما غاب عن كل ما سواه سبحانه { والشهادة } وهو ما صار بحيث ~~يطلع عليه الخلق - مع كونه علة لما قبله من تمام القدرة كما سيأتي إن شاء ~~الله تعالى في طه من تمام الترهيب , أي أنه لا يخفى ms1460 عليه شيء من أحوالكم , ~~فاحذروا جزاءه يوم تنقطع الأسباب , ويذهب التعاذد والتعاون , وهو على عادته ~~سبحانه في أنه ما ذكر أحوال البعث إلا قرر فيه أصلين : القدرة على جميع ~~الممكنات , والعلم بجميع المعلومات الكليات والجزئيات , لأنه لا يقدر على ~~البعث إلا من جمع الوصفين { وهو } أي وحده { الحكيم } أي التام الحكمة , ~~فلا يضع شيئا في غير محله ولا على غير أحكام , فلا معقب لأمره , فلا بد من ~~البعث { الخبير * } بجميع الموارد والمصادر , فلا خفاء لشيء من أفعال أحد ~~من الخلق عليه في ظاهر ولا باطن ليهملهم عن الحساب . | ولما كان مضمون هذه ~~الآيات مضمون الآيات الثلاث المفتتح بها السورة الهادمة لمذهب الثنوية , ~~وهم أهل فارس قوم إبراهيم عليه السلام , وكان إبراهيم عليه السلام يعرف ~~بفضله جميع الطوائف , لأن أكثرهم من نسله كاليهود والنصارى والمشركين من ~~العرب , والمسلمون لما يعلمون من إخلاصه لله تعالى وانتصابه لمحاجة من أشرك ~~به واحتمال الأذى فيه سبحانه , تلاها بمحاجته لهم بما أبطل مذهبهم وأدحض ~~حججهم فقال : { وإذ } أي اذكر ذلك المتقدم كله لهم في الدلائل على اختصاصنا ~~بالخلق وتمام القدرة , ما أعظمه وما أجله وأضخمه ! وتفكر في عجائبه وتدبر ~~في دقائقه وغرائبه تجد ما لا يقدر على مثله إلا الله , واذكر إذ { قال ~~إبراهيم } أي اذكر قوله , وحكمة التذكير بوقته التنبيه على أن هذا لم يزل ~~ثابتا مقررا على ألسنة جميع الأنبياء في جميع الدهور , وكان في هذه المحاجة ~~التصريح بما لوح إليه أول هذه السورة من إبطال هذا المذهب , وانعطف هذا على ~~ذاك أي انعطاف ! وصار كأنه قيل : ثم الذين كفروا بربهم يعدلون الأصنام ~~والنجوم والنور والظلمة , فنبههم يا رسول الله على ذلك بأنه لا متصرف غيرنا ~~, اذكر لهم أني أنا الذي خلقتهم وخلقت جميع ما يشاهدون من الجواهر والأعراض ~~, فإن تنبهوا فهو حظهم , وإلا فاذكر لهم محاجة خليلنا إبراهيم عليه السلام ~~إذ قال { لأبيه } ثم PageV02P657 بينه في قراءة الجر بقوله : { آزر } ~~وناداه في قراءة يعقوب بالضم ؛ قال البخاري في تاريخه الكبير : إبراهيم بن ms1461 ~~آزره وهو في التوراة : تارح - انتهى - وقد مضى ذلك عن التوراة في البقرة , ~~فلعل أحدها لقب , وكان أهل تلك البلاد وهم الكلدانيون , ويقال لهم أيضا ~~الكسدانيون - بالمهملة موضع اللام - يعتقدون إلهية النجوم في السماء ~~والأصنام في الأرض ويجعلون لكل نجم صنما , إذا أرادوا التقرب إلى ذلك النجم ~~عبدوا ذلك الصنم ليشفع لهم - كما زعموا - إلى النجم , فقال عليه السلام ~~لأبيه منكرا عليه منبها له على ظهور فساد ما هو مرتكبه : { أتتخذ } أي ~~أتكلف نفسك إلى خلاف ما تدعو إليه الفطرة الأولى بأن تجعل { أصناما آلهة } ~~أي تعبدها وتخضع لها ولا نفع فيها ولا ضر , فنبهه بهذا الإنكار على أن ~~معرفة بطلان ما هو متدين به لا يحتاج إلى كثير تأمل , بل هو أمر بديهي أو ~~قريب منه , فإنهم يباشرون أمرها بجميع جوانبهم ويعلمون أنها مصنوعة وليست ~~بصانعة , وكثرتها تدل على بطلان إلهيتها بما أشار إليه قوله تعالى < # > 77 ( { لو كان فيهما آلهة ‘ لا الله لفسدت } ) 77 < # > [ الأنبياء : 22 ] . | ولما خص بالنصيحة أقرب الخلق إليه , عم بقية ~~أقاربه فقال : { إني إراك وقومك } أي في اتفاقكم على هذا { في ضلال } أي ~~بعد عن الطريق المستقيم { مبين * } أي ظاهر جدا ببديهة العقل مع مخالفته ~~لكل نبي نبأه الله تعالى من آدم عليه السلام فمن بعده , فهو مع ظهوره في ~~نفسه مظهر للحق من أن الإله لا يكون إلا كافيا لمن يعبده , وإلا كان فقيرا ~~إلى تأله كم يكفيه . | ولما كان كأنه قيل : بصرنا إبراهيم عليه السلام هذا ~~التبصير في هذا الأمر الجريء من بطلان الأصنام , قال عاطفا عليه : { وكذلك ~~} أي ومثل هذا التبصير العظيم الشأن , وحكى الحال الماضية بقوله : { نري } ~~أي بالبصر والبصيرة على مر الزمان وكر الشهور والأعوام إلى ما لا آخر له ~~بنفسه والصلحاء من أو لاده { إبراهيم ملكوت } أي باكن ملك التوحيد فيعلم أن ~~كل من عبد غير الله صنم وغيره من قومه وغيرهم في ضلال , كما علم دلك في ~~قومه في الأصنام { وليكون من الموقنين * } أي الراسخين في وصف ms1462 الإيقان في ~~أمر التوحيد كله بالنسبة إلى جميع الجزئيات لما أريناه ببصره وبصيرته , ~~فتأمل فيه حتى وقع فيه بعد علم اليقين على عين اليقين بل حق اليقين . | ~~ولما كانت الأمور السماوية مشاهدة لجميع الخلق : دانيهم وقاصيهم , وهي أشرف ~~PageV02P658 من الأرضية , فإذا بطلت صلاحيتها للإلهية بطلت الأرضية من باب ~~الأولى ؛ نصب لهم الحجاج في أمرها , فقال مسببا عن الإراءة المذكورة : { ~~فلما جن } أي ستر وأظلم , وقصره - وإن كان متعديا - دلالة على شدة ظلام تلك ~~الليلة , ولذلك عداه بأداة الاستعلاء فقال : { عليه اليل } أي وقع الستر ~~عليه , فحجب ملكوت الأرض فشرع ينظر في ملكوت السماء { رأى كوكبا } أي قد ~~بزغ , فكأنه قيل : فماذا فعل ؟ فقيل : { قال هذا ربي } فكأنه من بصره أن ~~أتى بهذا الكلام الصالح لأن يكون خبرا واستفهاما , ليوهمهم أنه مخبر , ~~فيكون ذلك انفى للغرض وأنجى من الشعب , فيكون أشد استجلابا لهم إلى إنعام ~~النظر وتنبيها على موضع الغلط وقبول الحجة , ولمثل ذلك ختم الآية بقوله : { ~~فلما أفل } أي غاب بعد ذلك الظهور الذي كان آية سلطان { قال لا أحب الآفلين ~~* } لأن الأفول حركة , والحركة تدل على حدوث المتحرك وإمكانه , ولا نظن أن ~~يظن به أنه قال ما قاله أولا عن اعتقاد ربوبية الكواكب , لأن الله تعالى قد ~~دل على بطلان هذا التوهم بالإخبار بأنه أراه ملكوت الخافقين وجعله موقنا , ~~فاسند الأمر إلى نفسه تنبيها لهم , واستدل بالأفول لأن دلالته لزوال سلطانه ~~وحقارة شأنه اتم , ولم يستدل بالطلوع لأنه - وإن كان حركة دالة على الحدوث ~~والنقصان - شرف في الجملة وسلطان , فالخواص يفهمون من الأفول الإمكان , ~~والممكن لا بد له من موجد واجب الوجود , يكون منتهى الآمال ومحط الرحال ^ ( ~~{ وأن إلى ربك المنتهى } ) ^ [ النجم : 42 ] والأوساط يفهمون منه الحدوث ~~للحركة , فلا بد من الأستناد إلى قديم , والعوام يفهمون أن الغارب كالمعزول ~~لزوال نوره وسلطانه , وأن ما كان كذلك لا يصلح للإلهية , وخص الأفول أيضا ~~لأن قومه الفرس كانوا منجمين , ومذهبهم أن الكوكب إذا كان صاعدا من المشرق ~~إلى وسط السماء كان ms1463 قويا عظيم التأثير , فإذا كان نازلا إلى المغرب كان ~~ضعيف الأثر , والإله هو من لا يتغير , وهذا الاستدلال برهان في أن أصل ~~الدين مبني على الحجة دون التقليد . | < < # | الأنعام : ( 77 - 82 ) فلما رأى القمر . . . . . # > > ^ ( فلمآ رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلمآ أفل قال لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذآ أكبر فلمآ ~~أفلت قال يقوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا ومآ أنا من المشركين * وحآجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد ~~هداني ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشآء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما ~~أفلا تتذكرون * وكيف أخاف مآ أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ~~ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون * الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) ^ } ) | ~~PageV02P659 ولما بصرهم قصور صغير الكواكب , رقي النظر إلى أكبر منه , فسبب ~~عن الإعراض عن الكواكب لقصوره قوله : { فلما رأى القمر بازغا } أي طالعا ~~أول طلوعه ؛ قال الأزهري : كأنه مأخوذ من البزغ الذي هو الشق , كأنه بنوره ~~يشق الظلمة شقا { قال هذا ربي } دأبه في الأولى . | ولما كان تأمل أن ~~الكوكب محل الحوادث بالأفول قد طرق أسماعهم فخالج صدورهم , قال : { فلما ~~أفل قال } مؤكدا عاية التأكيد { لئن لم يهدني ربي } أي الذي قدر على ~~الإحسان إلي بالإيجاد والتربية لكونه لا يتغير ولا شريك له بخلق الهداية في ~~قلبي , فدل ذلك على أن الهداية ليست إلى غيره , ولا تحمل على نصب الأدلة , ~~لأنها منصوبة قبل ذلك , ولا على معرفة الاستدلال فإنه عارف به { لأكونن } ~~أي بعبادة غيره { من القوم الضالين * } فكانت هذه أشد من الأولى وأقرب إلى ~~التصريح بنفي الربوبية عن الكواكب وإثبات أن الرب غيرها , مع الملاطفة ~~وإبعاد الخصم عما يوجب عناده . | ولما كان قد نفي عن الأجرام السماوية ما ~~ربما يضل به الخصم قال : { فلما رأى } أي بعينه { الشمس بازغة } أي ms1464 عند ~~طلوع النهار وإشراق النور الذي ادعوا فيه ما ادعوا { قال } مبينا لقصور ما ~~هو أكبر من النور وهو ما عنه النور { هذا } مذكرا إشارته لوجود المسوغ , ~~وهو تذكير الخبر إظهارا لتعظيمها إبعادا عن التهمة , وتنبيها من أول الأمر ~~على أن المؤنث لا يصلح للربوبية { ربي } كما قال فيما مضى ؛ ثم علل ذلك ~~بيانا للوجه الذي فارق فيه ما مضى فأورث شبهة , فقال : { هذا أكبر } أي مما ~~تقدم { فلما أفلت } أي غربت فخفي ظهورها وغلب نورها وهزمه جيش الظلام بقدرة ~~الملك العلام { قال يا قوم } فصرح بأن الكلام لهم أجمعين , ونادى على رؤوس ~~الأشهاد . | ولما كانت القلوب قد فرغت بما ألقي من هذا الكلام المعجب للحجة ~~, وتهيأت لقبول الحق , ختم الآية بقوله : { إني بريء مما تشركون * } أي من ~~هذا وغيره من باب الأولى , فصرح بالمقصود لأنه لم يبق في المحسوس من العالم ~~العلوي كوكب أكبر من الشمس ولا أنور , فلما أبطل بذلك جميع مذهبهم أظهر ~~التوجه إلى الإله الحق , وأنه قد انكشف له الصواب بهذا النظر , والمراد هم ~~, ولكن سوقه على هذا الوجه أدعى لقبولهم إياه , فقال مستنتجا عما دل عليه ~~الدليل العقلي في الملكوت : { إني وجهت وجهي } أي أخلصت قصدي غير معرج على ~~شيء أصلا , فعبر بذلك عن الانقياد التام , لأن من انقاد لشيء أقبل عليه ~~بوجهه , ودل على كماله وتفرده بالكمال مبدعاته , وعبر باللام دون إلى لئلا ~~يوهم الحيز , فقال : { للذي فطر } أي لأجل عبودية من شق وأخرج { السماوات ~~والأرض } فختم الدليل بما افتتحت به السورة من قوله ( الذي خلق السماوات ~~والأرض ) PageV02P660 وأدل دليل عى ما تقدم - أني فسرت الحنف به من أنه ~~الميل مع الدليل سهولة ولطافة على ما هو دأب الفطرة الأولى التي فطر الله ~~الناس عليها - قوله بعد نصب هذا الدليل : { حنيفا } أي سهلا هينا لينا ~~لطيفا ميالا مع الدليل غير كز جاف جامد على التقليد دأب الغليظ البليد , ~~وأكد البراءة منهم بقوله : { وما أنا من المشركين } أي منكم , ولكنه أظهر ~~الوصف المقتضي للبراءة والتعميم ms1465 , أي لا أعد في عدادكم بشيء أقاربكم به . | ~~ولما أبدى هذه الأدلة في إبطال الضلال بالكواكب والشمس التي هي أوضح من ~~الشمس , عطف عليها الإخبار بأنهم لم يرجعوا إليه بل حاجوه , فقال : { وحاجه ~~قومه } بأنهم لا ينفكون عن عبا تها لأنهم وجدوا آباءهم كذلك , وأنه إن لم ~~يرجع عن الكلام فيها أصابته ببعض النوازل , وذلك من أعظم التسلية لهذا ~~النبي العربي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم . | ولما كان من المعلوم أن ~~محاجتهم - بعد هذه الأدلة الواضحة في غاية من السقوط - سفلت عن الحضيض , ~~نزه المقام عن ذكرها , إشارة إلى أنها بحيث لا يستحق الذكر , وبين جوابه ~~لما فيه من الفوائد الجمة بقوله : { قال } أي بقول منكرا عليهم موبخا لهم : ~~{ أتحاجوني } وصرح باسم الرب العلم الأعظم في قوله : { في الله } أي شيء ~~مما يختص به المستجمع لصفات الكمال لا سيما التوحيد { وقد } أي والحال أنه ~~قد { هدان } أي أرشدني بالدليل القطعي إلى معرفة كل ما يثبت له وينفى عنه , ~~أي لأنه قادر , فبين أنه تعالى قد أحسن إليه , فهو يرجوه لمثل ذلك الإحسان ~~, ويخافه من عواقب العصيان , لأن من رجي خيره خيف ضيره , ومن كان بيده ~~النفع والضر والهداية والإضلال فهو من وضوح الأمر وظهور الشأن بحيث لا توجه ~~نحوه المحاجة , وأتبعه بيان أن معبوداتهم مسلوب عنها ما يوجه إليه الهمم , ~~فقال عاطفا على ما تقديره : فأنا أرجوه وأخافه لأنه قادر : { ولا أخاف ما ~~تشركون به } ولا أرجوه لهداية ولا إضلال ولا غيرهما لأنه عاجز , فأثبت لله ~~القدرة بالهداية لأنها أشرف , وطوى الإضلال لدلالتها ودلالة ما نفي في جانب ~~الشركاء عليه , وأثبت لآلهتهم العجز بنفي الخوف المستلزم لنفي القدرة على ~~الضر . | وذلك دال على أن الله تعالى أهل لأن يخاف منه . | كل ذلك تلويحا ~~لهم بأن العاقل لا ينبغي له أن يخالف إلا من يأمن ضره , فهم في مخالفتهم ~~لله في غاية من الخطر , لا يرتكبها عاقل , والآية من الاحتباك . | ولما نفى ~~عن نفسه خوف آلهتهم أبدا في الحال والاستقبال , وكان ms1466 من الأمر البين في ~~الدين الحق أنه لا يصبح الإيمان إلا مع الإقرار بخفاء العواقب على العباد ~~وإثبات العلم بها لله تسليما لمفاتيح الغيب إليه , وقصرها عليه ؛ قال ~~مستثنيا من سبب النفي , PageV02P661 وهو أنها لا تقدر على شيء : { إلا أن ~~يشاء ربي } المحسن إلي في حال الضر كما هو محسن في حال النفع { شيئا } أي ~~من تسليطها بأنفسها أو باتباعها , لأنه قادر على ما يريد , فإن أراد أنطق ~~الجماد وأقدره , وأخرس الناطق الفصيح وأعجزه , فأنا لا أخاف في الحقيقة ~~غيره . | ولما كان هذا في صورة التعليق , وكان التعليق وما شابهه من شأنه ~~أن لا يصدر إلا من متردد , فيكون موضع إطماع للخصم فيه , علله بما أزال هذا ~~الخيال فقال : { وسع ربي كل شيء علما } أي فأحاط بكل شيء قدرة , فهو إذا ~~أراد إقدار العاجز أزال عنه كل مانع من القدرة , وأثبت له كل مقتض لها , ~~وذلك ثمرة شمول العلم - كما سيأتي برهانه إن شاء الله تعالى في سورة طه , ~~فالمراد أني ما تركت الجزم لشك عندي , وإنما تركته لعدم علمي بالعواقب ~~إعلاما بأن تلك رتبة لا تصلح إلا لله الذي وسع علمه كل شيء , وأدل دليل على ~~هذا اتباعه له بإنكاره عليهم عدم الإبلاغ في التذكر بقوله مظهرا تاء التفعل ~~إشارة إلى أن في جبلاتهم أصل التذكر الصاد عن الشرك : { أفلا تتذكرون } أي ~~يقع منكم تذكر , فتميزوا بين الحق والباطل بأن تذكروا مآلكم من أنفسكم بأن ~~من غاب عن مربوبه فسد أو كاد , وأن هذه الجمادات لا تنفع ولا تضر , وأنها ~~مصنوعكم , وتعجب منهم في ظنهم خوفه من معبوداتهم بقوله منكرا : { وكيف أخاف ~~ما أشركتم } أي من دون الله من الأصنام وغيرها مع أنها لا تقدر على شيء { ~~ولا } أي والحال أنكم أنتم لا { تخافون أنكم أشركتم بالله } أي المستجمع ~~لصفات العظمة والقدرة على العذاب والنقمة . | ولما كان له سبحانه أن يفعل ~~ما يشاء قال : { ما لم ينزل به } أي بإشراكه ؛ ولما كان المقام صعبا لأنه ~~أصل الدين , أثبت الجار ms1467 والمجرور وقدمه فقال : { عليكم سلطانا } أي حجة ~~تكون مانعة من إنزاله الغضب بكم , والحاصل أنه عليه السلام أوقع الأمن في ~~موضعه وهم أوقعوه في موضع الخوف , فعجب منهم لذلك فبان أن هذا وقول شعيب ~~عليه السلام في الأعراف < # > 77 ( { وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا } ) 77 < # > [ الأعراف : 89 ] - الآية , وقوله تعالى في الكهف < # > 77 ( { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله } ) 77 < # > [ الكهف : 24 ] من مشكاة واحدة ؛ ولما كان المحذور المنفي هنا إنما هو ~~خوف الضرر من آلهتهم , وكان حصول الضرر لمخالفها بواسطة أتباعها أو غيرهم ~~من سنن الله الجارية في عباده , اقتصر الخليل عليه السلام على صفة الربوبية ~~المقتضية للرأفة والرحمة والكفاية والحماية , وقد وقع في قصته الأمران : ~~إمكانهم من أسباب PageV02P662 ضرره بإيقاد النار وإلقائهم له فيها , ورحمته ~~بجعلها عليه بردا وسلاما ؛ ولما كان المحذور في قصة شعيب عليه السلام العود ~~في ملتهم , زاد الإتيان بالاسم الأعظم الجامع لجميع الكمالات المنزه عن ~~جميع النقائص المقتضي لاستحضار الجلال والعظمة والتفرد والكبر المانع من ~~دنو ساحات الكفر - والله الموفق . | ولما بدأ كالشمس بما أقام من الدليل ~~أنه أحق بالأمن منهم , قال مسببا عما مضى تقريرا لهم : { فأي الفريقين } أي ~~حزب الله وحزب ما أشركتم به , ولم يقل : فأينا , تعميما للمعنى { أحق ~~بالأمن } وألزمهم بالجواب حتما بقوله : { إن كنتم تعلمون } أي إن كان لكم ~~علم فأخبروني عما سألتكم عنه ؛ ثم وصل بذلك دلالة على أنه لا علم لهم أصلا ~~ليخبروا عما سئلوا عنه قوله مستأنفا : { الذين آمنوا } أي أوجدوا هذا الفعل ~~{ ولم } أي وصدقوا دعواهم بأنهم لم { يلبسوا إيمانهم } أي يخالطوه ويشوبوه ~~{ بظلم } . | ولما كان المعنى : أحق بالأمن , عدل عنه إلى قوله مشيرا إليهم ~~بأداة البعد تنبيها على علو رتبتهم : { أولئك لهم } أي خاصة { الأمن } أي ~~لما تقدم من وصفهم { وهم مهتدون } أي وأنتم ضالون , فأنتم هالكون لإشرافكم ~~على المهالك ( وتفسير النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرج الشيخان والترمذي ~~والنسائي عن عبد ms1468 الله بن مسعود رضي الله عنه لهذا الظلم المطلق في قوله ~~تعالى { بظلم } بالشرك ) الذي هو ظلم موصوف بالعظم في قوله تعالى ^ ( { إن ~~الشرك لظلم عظيم } ) ^ [ لقمان : 13 ] تنبيه للصحابة رضوان الله عليهم على ~~أن هذا التنوين للتعظيم , ولأنهم أهل اللسان المطبوعون فيه صفوا بذلك ~~واطمأنوا إليه , ولا شك أن السياق كله في التنفير عن الشرك , وأنه دال على ~~الحث على التبريء عن قليل الشرك وكثيره , فآل الأمر إلى أن المراد : ولم ~~يلبسوا إيمانهم بشيء من الشرك , فالتنوين حينئذ للتحقير كما هو للتعظيم , ~~فهو من استعمال الشيء في حقيقته ومجازه أو في معنيه المشترك فيهما لفظه معا ~~- والله أعلم . | < < # | الأنعام : ( 83 - 86 ) وتلك حجتنا آتيناها . . . . . # > > ^ ( وتلك حجتنآ آتيناهآ إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشآء إن ربك ~~حكيم عليم * ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ~~PageV02P663 ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي ~~المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ~~ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان إبراهيم عليه السلام قد انتصب لإظهار حجة الله في التوحيد ~~والذب عنها , وكان التقدير تنبيها للسامع على حسن ما مضى ندبا لتدبره : هذه ~~مقاولة إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه , عطف عليه قوله معددا وجوه نعمه ~~عليه وإحسانه إليه , دالا على إثبات النبوة بعد إثبات الوحدانية : { وتلك } ~~أي وهذه الحجة العظيمة الشأن التي تلوناها عليكم , وهي ما حاج إبراهيم عليه ~~السلام به قومه , وعظمه بتعظيمها فقال : { حجتنا } أي التي يحق لها بما ~~فيها من الدلالة أن تضاف إلينا , لأنها من أشرف النعم وأجل العطايا { ~~آتيناها } أي بما لنا من العظمة { إبراهيم } وأوقفناه على حقيقتها وبصرناه ~~بها , ونبه على ارتفاع شأنها بأداة الاستعلاء مضمنا لآتينا وأقمنا , فقال : ~~{ على قومه } أي مستعليا عليهم غالبا لهم قائمة عليهم الحجة التي نصبها , ~~ثم زاد في الإعلام بفضله بقوله مستأنفا : { نرفع } أي بعظمتنا { درجات من ~~نشاء } بما لنا من القدرة على ذلك كما رفعنا درجة إبراهيم عليه ms1469 السلام على ~~جميع أهل ذلك العصر . | ولما كانت محاجته لهم على قانون الحكمة بالعالم ~~العلوي الذي نسبوا الخلق والتدبير بالنور والظلمة إليه , وكان في ختام ~~محاجته لهم أن الجاري على قانون الحكمة أن الملك الحق لا يهين جنده فلا خوف ~~عليهم , وكان قبل ذلك في الاستدلال على البعث الذي هو محط الحكمة ؛ كان ~~الأنسب أن يقدم في ختم الآية وصف الحكمة فقال : { إن ربك } أي خاصا لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم بالمخاطبة باسم الإحسان تنبيها على أن حجبه الدليل عمن ~~يشاء لحكم أرادها سبحانه , ففيه تسلية له صلى الله عليه وسلم { حكيم } أي ~~فلا يفعل بحزبه إلا ما ظنه به خليله صلى الله عليه وسلم مما يقر أعينهم , ~~إما في الدنيا وإما في الآخرة وإما فيهما { عليم } فلا يلتبس عليه أحد من ~~غيرهم , فيفعل به ما يحل بالحكمة . | ولما أشار إلى رفعته بأنه بصره بالحجة ~~حتى كان على بصيرة من أمره , وأنه علا على المخالفين برفع الدرجات , أتبع ~~ذلك ما دل عليها وعلى حكمته بعلمه بالعواقب , فقال معلما بأنه جعله عزيزا ~~في الدنيا لأن أشرف الناس الأنبياء والرسل , وهم من نسله وذريته , ورفع ~~ذكره أبدا لأجل قيامه بالذب عن توحيده : { ووهبنا له } أي لخليلنا عليه ~~السلام بما لنا من العظمة { إسحاق } ولدا له على الكبر حيث لا يولد لمثله ~~ولا لمثل زوجته { ويعقوب } أي ولد ولد , وابتدأ سبحانه بهما لأن السياق ~~للامتنان على الخليل عليه السلام , وهو أشد سرورا بابنه الذي متع به ولم ~~يؤمر بفراقه وابن ابنه الذي أكثر PageV02P664 الأنبياء الداعين إلى الله من ~~نسله ومن خواصه , وهو الموجب الأعظم للبداءة أن أبناءه طهروا الأرض المقدسة ~~التي هي مهاجر إبراهيم عليه السلام ومختاره للسكنى بنفسه ونسله , بل مختار ~~الله له ولهم بعده بمدد طهورها من الشرك وعبادة الأوثان , ودعوا إلى الله ~~ونوروا الأرض بعبادته . | ولما كانت النعمة لا تم إلا بالهداية , قال ~~مستانفا مقدما للمفعول ليشمل الكلام إياهما : { كلا } أي منهما ومن أبيهما ~~{ هدينا } ثم أتبع ذلك المهتدين قديما ms1470 وحديثا تأكيدا لأن هذا المذهب لم يزل ~~خلص العباد دعاة إليه في قديم الزمان وجديده , فكأنه يقول : إن كنتم تلزمون ~~دينكم لأنه عندكم حق , فقد تبين لكم بطلانه , وأن الحق إنما هو التوحيد , ~~وإن كنتم تلزمونه لقدمه فهذا الدين - الذي - دعاكم إليه رسولي مع وضوح ~~الدلالة على حقيته - هو القديم الذي دعاكم إليه نوح ومن تلاه من خلص ذريته ~~إلى إبراهيم أبيكم الأعظم ومن بعده من خلص ذريته إلى عيسى , ثم إلى هذا ~~الرسول الذي هو دعوة إبراهيم وبشارة عيسى - على الكل أبلغ الصلاة وأتم ~~التسليم , فهو أحق بالاتباع من جهة الحقية والأقدمية , وإن كنتم تلزمونه ~~لمجرد اتباع الآباء فليس في أبائكم مثل إبراهيم عليه السلام , وقد تلوت ~~عليكم في كلامي الذي أقمت الدليل القطعي بعجزكم عنه على صحة نسبته إلى ما ~~حاج به أباه وقومه في إبطال الأوثان التي أضلتكم , فهو أولى ىبائكم أن ~~تعتدوا به - والله الموفق . | ولما كان ربما وقع في وهم أن هداية كل من ~~إسحاق وابنه بتربية أبيه , ذكر العاشر من آباء الخليل وهو نوح عليهما ~~السلام لدفع ذلك , ولأن السياق لإنكار الأوثان , وهو أول من نهى عن عبادتها ~~, وهو أجل آباء الخليل عليه السلام فقال : { ونوحا هدينا } أي بما لنا من ~~العظمة من بين ذلك الجيل الأعوج . | ولما كانت لم تتجاوز منه , وكان زمنه ~~بعض الزمن المتقدم , أثبت الجار وقطعه عن الإضافة لتراخي زمانهم كثيرا عن ~~زمانه فقال : { من قبل } أي ولم تكن هدايته إلا بنا في زمان كان أهله من ~~شدة الضلال ولزوم الظلم في مثل استقبال الليل , كلما امتد احلولك ظلامه ~~واشتد , وطالما دعاهم إلى الله ورباهم فلم يرجع منهم كثيرا أحد حتى لقد ~~خالفه زوجه وبعض ولده , ولمثل ذلك فصل بين إسماعيل وأبيه ويوسف وأبيه عليهم ~~السلام إشارة غلى فراق كل منهما لأبيه في الحياة , وأنه ما حفظ كلا منهما ~~على سنن الهدى طول المدى إلا الله ؛ ثم ابتدأ المذكورين بعد بمن بنى على ~~يده ويد ابنه مسجدا هو بعد المسجد ms1471 الي بناه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما ~~السلام فقال : { ومن ذريته } . | PageV02P665 ولما كان السياق كله لمدح ~~الخليل , وكان المذكورون - إلا لوطا - من نسله , وكان التغليب مستعملا ~~شائعا في لسان العرب , لا سيما ولوط ابن أخيه ومثل ولده ؛ حكم بأن الضمير ~~لإبراهيم عليه السلام , وقول من قال : إن يونس عليه السلام ليس من نسله , ~~غير صحيح , بل هو من بني إسرائيل , وهو أحد من ذكر في سفر الأنبياء , ~~وسيأتي خبره من السفر المذكور في سورة { والصافات } إن شاء الله تعالى , ~~وقد صرح أبو الحسن محمد بن عبد الله الكسائي في قصص الأنبياء أنه من ذرية ~~إبراهيم , واقتضى كلامه أنه من بني إسرائيل , كما اقتضى ذلك كلام البغوي في ~~سورة الأنبياء عليهم السلام , وأما أيوب فروى ؛ من نسل عيص بن إسحاق عليهم ~~السلام { داود } أي هديناه { وسليمان } أي اللذين بنيا بيت المقدس بأمر ~~الله : داود بخطه وتأسيسه , وسليمان بإكماله وتشييده . | وما كان مع ذلك ~~ملكين , تلاهما بمن شابههما في الملك أو الحكم على الملوك فقال : { وأيوب } ~~وقدمه لمناسبة ما بينه وبين سليمان في أن كلا منهما ابتلى بأخذ كل ما في ~~يده ثم رد الله إليه { ويوسف } وكل من هؤلاء الأربعة ابتلى فصبر , واغتنى ~~فشكر , وأيوب إن لم يكن ملكا فقد كانت ثروته غير مقصرة عن ثروة الملوك , ~~على أن بعض الطلبة أخبرني عن تفسير الهكاري - فيما أظن - أنه صرح بأنه ملك ~~, وأيضا فالاثنان الأولان كانا سبب إصلاح بني إسرائيل بعد الفساد ~~واستنقاذهم من ذل الفلسطين , والاثنان الباقيان كل منهما ابتلى بفراق أهله ~~ثم ردوا عليه : أيوب بعد أن ماتوا , ويوسف قبل الموت , وأيضا فداود عليه ~~السلام شارك إبراهيم عليه السلام في أنه كان سبب سلامته من ملك زمانه ~~الاختفاء في غار , وذلك أن نمرود بن الكنعان كان ادعى الإلهية وأطمع فيها , ~~وقال له منجموه : يولد في بلدك هذا العام غلام يغير دين أهل الأرض , ويكون ~~هلاكك على يده , فأمر بذبح كل غلام في ناحيته في تلك السنة , وأمر بعزل ~~الرجال عن النساء ms1472 , وحملت أم إبراهيم عليه السلام به في تلك السنة , فلما ~~وجدت الطلق خرجت ليلا إلى غار قريب منها فولدت فيه إبراهيم وأصلحت من شأنه ~~, ثم سدت فم الغار ورجعت , ثم كانت تطالعه فتجده يمتص إبهامه , وكان يشب في ~~اليوم كالشهر وفي الشهر كالسنة ؛ وأما داود عليه السلام فإنه لما قتل جالوت ~~وزوجه طالوت ابنته , وناصفه ملكه - على ما كان شرط لمن قتل جالوت - مال ~~إليه الناس وأحبوه , فحسده فاراد قتله , فطلبه فهرب منه , فدخل غارا فنسجت ~~عليه العنكبوت , فقال طالوت : لو دخل هنا لخرق بناء العنكبوت , فأنجاه الله ~~منه ؛ وتلاه بسليمان لأنه مع كونه من أهل الملك والبلاء شارك إبراهيم ~~عليهما السلام في إبطال عبادة الشمس في قصة PageV02P666 بلقيس رضي الله ~~عنها ؛ وقصة يوسف عليه السلام في إبطال عبادة الأوثان شهيرة في قوله تعالى ~~< # > 77 ( { يا صاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } ) ~~77 < # > [ يوسف : 39 ] . | ولما كان يوسف عليه السلام ممن أعلى الله كلمته على ~~كلمة ملك مصر وأعز ملكها وأهلها وأحياهم به , أتبعه من أعلى الله كلمتهما ~~على كلمة ملك مصر وأهلها وأهلكهم بهما , فكأن بعض قصصهم وفاق , وبعضها ~~تقابل وطباق , فقال : { وموسى وهارون } ولما كان التقدير : هديناهم جزاء ~~لإحسانهم باهتدائهم في أنفسهم ودعائهم لغيرهم إلى الهدى , لم يشغل أحدا ~~منهم منحة السراء ولا محنة الضراء , عطف عليه قوله : { وكذلك } أي ومثل ما ~~جزيناهم { نجزي المحسنين * } أي كلهم , ففي ذلك إشارة إلى علو مقامهم من ~~هذه الجهة , وهي أنهم من أهل السراء المطفئة والضراء المسنية , ومع ذلك فقد ~~أحسنوا ولم يفتروا ولم ينوا . | ولما كان المذكوران قبله ممن سلطهما على ~~الملوك , أتبعهما من سلط الملوك عليهما , وأدام الله سبحانه حياتهما إلى أن ~~يريد سبحانه فقال : { وعيسى وإلياس } ولما كان هؤلاء الأربعة من الصابرين , ~~قال مادحا لهم على وجه يعم من قبلهم : { كل } أي من المذكورين { من ~~الصالحين * } ثم أتبعهم من لم يكن بينهما وبين الملوك أمر , وهدى بهما من ~~كان بين ظهرانيه فقال : { وإسماعيل واليسع } هذا ms1473 إن كان اليسع هو ابن أخطوب ~~ابن العجوز خليفة إلياس , كما ذكر البغوي في سورة الصافات أن الله تعالى ~~أرسل غلى إلياس - وهو من سبط لاوي من نسل هارون عليه السلام - فرسا من نار ~~فركبه فرفعه الله وقطع عنه لذة المطعم والمشرب , وكساه الريش , فكان إنسيا ~~ملكيا أرضيا سماويا , وسلط الله على آجب - يعني الملك الذي سلط على إلياس - ~~عدوا فقتله ونبأ الله اليسع وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل , وأيده فآمنت به ~~بنو إسرائيل وكانوا يعظمونه وإن كان اليسع هو يوشع بن نون - كما قال زيد بن ~~أسلم - فالمناسبة بينه وبين إسماعيل عليهما السلام أن كلا منهما كان صادق ~~الوعد , لأن يوشع أحد النقيبين اللذين وفيا لموسى عليه السلام حين بعثهم ~~يجسون بلاد بيت المقدس كما أشير إليه في قوله تعالى < # > 77 ( { ولقد أخذ الله ميثاق بني إسراءيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا } ~~) 77 < # > [ المائدة : 12 ] وقوله < # > 77 ( { وقال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما } ) 77 < # > [ المائدة : 23 ] وأيضا فكل منهما كان سبب عمارة بلد الله الأعظم ~~بالتوحيد , فإسماعيل سبب عمارة مكة المشرفة , ويوشع سبب عمارة البلدة ~~المقدسة - كما سيأتي في سورة يونس إن شاء الله تعالى . | ولما كان إسماعيل ~~واليسع ممن هدى الله بهما قومهما من غير عذاب , أتبعهما من هدى الله قومه ~~بالعذاب وأنجاهم بعد إتيان مخايله فقال : { ويونس } أي هديناه ؛ ولما ~~PageV02P667 انقضت ذرية إبراهيم عليه السلام , ختم بابن أخيه الذي ضل قومه ~~فهلكوا بغتة , فبين قصتي هذين الآخرين طباق من جهة الهلاك والنجاة , ووفاق ~~من حيث إن كلا منهما أرسل إلى غير قومه فقال : { ولوطا } ثم وصفهم بما يعم ~~من قبلهم فقال : { وكلا } أي ممن ذكرنا { فضلنا } أي بما لنا من العظمة ~~بتمام العلم وشمول القدرة { على العالمين * } فكل هؤلاء الأنبياء ممن هداه ~~الله بهداه وجاهد في الله حق جهاده , وبدأهم تعالى بإبراهيم عليه السلام ~~وختمهم بابن أخيه لوط عليه السلام على هذه المناسبة الحسنة ؛ وقيل : إن ~~الله تعالى أهلك قوم إبراهيم - نمرود وجنوده - بعد هجرته ms1474 , فإن صح ذلك تمت ~~المناسبة في هلاك كل من قومه وقوم ابن أخيه لوط بعد خروج نبيهم عنهم , ~~فيكون بينهما وفاق كما كان بين قصته وقصة يونس عليه السلام طباق . | ومن ~~لطائف ترتيبهم هكذا أيضا أن إسماعيل عليه السلام يوازي نوحا عليه السلام , ~~فإنه رابع في العد لهذا العقد إذا عددته من آخره , كما أن نوحا عليه السلام ~~رابعه إذا عددته من أوله , والمناسبة بينهما أن نوحا عليه السلام نشر الله ~~منه الآدميين حتى كان منهم إبراهيم عليه السلام الذي جعله الله أبا ~~للأنبياء والمرسلين , وإسماعيل عليه السلام نشر الله منه العرب الذين هم ~~خلاصة الخلق حتى كان منهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي جعله الله خاتم ~~الأنبياء والمرسلين , فهذا كان بداية وهذا كان نهاية , وأن المذكورين قبل ~~ذرية إبراهيم عليه السلام وبعدها - وهما نوح ولوط عليهما السلام - أهلك ~~الله قوم كل منهما عامة , وغيب هؤلاء في جامد الأرض كما أغرق أولئك في مانع ~~الماء , وأشقى بكل منهما زوجته , بيانا لأن الرسل كما يكونون لناس رحمة ~~يكونون على قوم نقمة , وأنه لا نجاة بهم ولا انتفاع إلا بحسن الاتباع , وأن ~~ابن عمران اشترك مع إبراهيم عليهم السلام في أن كلا من ملكي زمانهم أمر ~~بقتل الغلمان خوفا ممن يغير دينه ويسلبه ملكه , وكما أن الله تعالى أنجى ~~إبراهيم عليه السلام وابن أخيه لوطا عليه السلام من ملك زمانهما المدعي ~~للإلهية فكذلك أنجى موسى وأخاه هارون عليهما السلام من ملك زمانهما المدعي ~~للآلهة , وأنجى ذرية إبراهيم بهما , فإذا جعلت إبراهيم وابن أخيه لوطا - ~~لكونه تابعا له - واحدا , وموسى وأخاه هارون واحدا لمثل ذلك , ونظمت أسماء ~~جميع هذه الأنبياء في سلك النقي : لوط مع إبراهيم كموسى مع هارون , وكان ~~الأربعة واسطة عقدة , فبين إبراهيم وموسى حينئذ سبعة كما أن بين هارون ولوط ~~سبعة , وإذا ضممت إليهم المقصود بالذات المخاطب بهذه الآيات المأمور بقوله ~~< # > 77 ( { فبهداهم اقتده } ) 77 < # > [ الأنعام : 90 ] كان منزله في السلك بين ابن عمه لوط وأبيه إبراهيم , ~~ويكون من ms1475 بين يديه تسعة , ومن خلفه تسعة , فمن إبراهيم إلى موسى تسعة , ومن ~~لوط إلى هارون كذلك , فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P668 واسط ~~العقد ومكمل العقد , فإنه العاشر من كل جانب , فبه تكمل الهدى وإيجاب الردى ~~, وذلك طبق قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه : مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه ~~وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه , فجعل الناس يطوفون به ويعجبون ~~له ويقولون : هلا وضعت هذه اللبنة , فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين . | ~~وللبخاري نحوه عن جابر , هذا مع اقترانه بأقرب أولي العزم رتبة ونسبا صاحب ~~القصة إبراهيم عليه السلام , وإن جعلت موسى وهارون عليهما السلام كشيء واحد ~~كانا واسطة من الجانب الآخر , فإن عددت من جهة إبراهيم عليه السلام كان ~~بينه وبينهما ثمانية , وإن عددت من جهة لوط عليه السلام كان كذلك . | < # > 71 ( < # > 72 ( س 6 # 87 < # > 91 < # > < # > > ^ ( ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط ~~مستقيم * ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما ~~كانوا يعملون * أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها ~~هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين * أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين * وما قدروا ~~الله حق قدره إذ قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي ~~جآء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ~~ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون ) ^ ) ولما ~~نص سبحانه على هؤلاء ، وختم بتفضيل كل على العالمين ، أتبعه على سبيل ~~الإجمال أن غيرهم كان مهديا ، وأن فضل هؤلاء علة النص لهم على أسمائهم ، ~~فقال ترغيبا في سلوك هذا السبيل بكثرة سالكيه وحثا على منافستهم في حسن ~~الاستقامة عليه والسلوك فيه : { ومن } أي وهدينا أو وفضلنا من { آبائهم } ~~أي أصولهم { وذرياتهم } أي ms1476 من فروعهم عن الرجال والنساء { وإخوانهم } أي ~~فروع أصولهم ، وعطف على العامل المقدر قوله { واجتبيناهم } أي واخترناهم ثو ~~عطف عليه بيان ما هجوا إليه حثا لنا على شكره على ما زادنا من فضله فقال : ~~{ وهديناهم } أي بما تقدم من الهداية { إلى صثراط مستقيم } وأما الصراط ~~المستقيم فخصصناكم به وأقمناكم عليه ، فاعرفوا نعمتنا عليكم واذكروا ~~تفضيلنا لكم . PageV02P669 | ولما كان ربما أوهم تنكيره فيه ، قال مستأنفا ~~بيانا لكماله وتعظيما لفضله وإفضاله ، { ذلك } أي الهدى العظيم الرتبة { ~~هدى الله } أي المستجمع لصفات الكمال { يهدي } أي يخلق الهداية ، { به } أي ~~بواسطة الإقامة عليه { من يساء من عباده } أي سواء كان له أب يعمله أو كان ~~له من يحمله على الضلال أولا ، ولما بين فضل الهدى ونص على رؤوس أهله ، ~~تهدد من تركه كائنا من كان ، فقال مظهرا لعز الإلهية بالغنى المطلق منزها ~~نفسه عما لوحظ فيه غيره ولو بأدنى لحظ { ولو أشركوا } أي هؤلاء الذين ذكرنا ~~من مدحهم ما سمعت وبينا من اختصاصنا لهم ما علمت ، شيئا من شرك وقد أعاذهم ~~الله من ذلك ، وأقام بهم معوج المسالك ، وأنار بهم ظلام الأرض بطولها العرض ~~{ لحيط عنهم } أي فسد وسقط { ما كانوا يعملون } أي وإن كان في غاية الإتقان ~~بقوانين العلم ، وزاد في الترهيب من التواني في السير والزيغ عن سوء القصد ~~بقوله : { أولئك } أي العالو الرتبة الذين قدمنا ذكرهم وأخبرنا أنهم لو ~~أشركوتا سقطت أعمالهم { الذين آتيناهم { أي بعظمتنا { الكتب } أي الجامع ~~لكل الخير ، فمن ملك ما فيه من العلوم والمعارف حكم على البواطن ، وذلك لأن ~~الناس يحبونه فينقادون له ببواطنهم { الحكم } أي العمل المتقن بالعلم ، ~~ومنه نفوذ الكلمة على الظواهر بالسلطنة وإن كرهت البواطن { والنبوة } أي ~~العلم المزين بالحكم وهي وضع كل شيء في أحق مواضعه ، فهي جامعة للمرتبتين ~~الماضيتيين ، فلذلك كان الأنبياء يحكمون على البواطن بما عندهم من العلم ، ~~وعلى الظواهر بما يظهر من المعجزات ، ثم سبب عن تعظيمها بذلك تعظيمها بأنها ~~لاتبور ، فقال تسلية عن المصيبة بطعن الطاعنين فيها وإعراض الجاهلين ms1477 عنها ~~وترجية عندما يوجب اليأس من نفرة أكثر المدعوين : { فإن يكفر بها } أي هذه ~~الأشياء العظيمة { هؤلاء } أي أهل مكة الذين أنت بين أظهرهم / وقد حبوناهم ~~بها على أتم وجه وأكمله وأعلاه وأجمله ، وأنت تدعوهم إلى أن يكونوا سعداء ~~بما اشتملت عليه من الهدى وةعن عنه معرضون ، ولعل الإشارة على هذا الوجه ~~لتحقيرهم { فقد وكلنا } أي لما لنا من العظمة في الماضي والحال والاستقبال ~~{ بها قوما } أي ذوي قوة على القيام بالأمور بالإيمان بها والحفظ لحقوقها { ~~ليسوا } وقد الجار اهتماما فقال { بها بكافرين } أي بسائرين الشيء مما ظهر ~~من شموس أدلتها ، وهم الأنبياء ومن تبعهم ، وقد صدق الله ، ومن أصدق من ~~الله حديثا فقد جاء في هذه الأمة من العلماء الأخبار والراسخين الأخبار من ~~لا يحصيهم إلا الله . | ولما كان المراد يسوقهم هكذا والله أعلم أكلا منهم ~~بادر بعد الهداية إلى الدعاء إلى الله والغيرة على جلاله من الإشراك ، لم ~~يشغل أحدا منهم عن ذلك سراء ولا PageV02P670 ضراء بملك ولا غيره من ملك أو ~~غيره بل لا زموا الهدى الدعاء إليه على كل حال ، تقال مستأنفا لتكرار ~~أمداحهم بما يحمل على التخلي بأوصافهم ، مؤكذا لإثبات الرسالة : { أولئك } ~~أي العالو المراتب { الذين هدى الله } أي الملك الحائز لرتب الكمال ، الهدى ~~الكامل ، ولذلك سبب عن مدحهم قوله : { فبهداهم } أي خاصة في واجبات الإرسال ~~وغيرها { اقتده } وأشار بهاء السكت التي أمارة الوقوف ، وهي ثابته في جميع ~~المصاحف إلى أن الاقتداء بهم كان غير محتاج إلى شيء ، ثم فسر الهدى بمعظم ~~أسبابه فقال { قل } أي لمن تدعوهم كما كانوا يقولون مما ينفى التهمة ويمحص ~~النصيحة فيوجب الاتباع إلا من شقي { لا اسئلكم } أ بأيها المدعون { عليه } ~~أي على الدعاء { أجرا } فإن الدواعي تتوفر بسبب ذلك على الإقبال إلى الداعي ~~والاستجابة للمرشد ، ثم استأنف قوله { إن } أي ما { هو } أي هذا الدعاء ~~الذي أدعوكم به { إلا ذكرى } أي تذكير بليغ من كل ما يحتاج إليهع في المعاش ~~والمعاد { للعاملين } أي الجن والإنس والملائكة دائما ، لا ms1478 ينقضي دعاؤه ولا ~~ينقطع نداؤه ، وفي التعبير بالاقتداء إيماء إلى تبكيت كفار العرب حيث ~~اقتدوا بمن لا يصلح للقدوة من آبائهم ، وتركوا من يجب الاقتداء به . ولما ~~حصر الدعاء في الذكرى ، وكان ذلك نفعا لهم ورفقا بهم ، لا تزيد طاعتهم في ~~ملك الله شيئا ولا ينقض إعراضهم من عظمته شيئا ، لأن كل ذلك بإرادته ، بنى ~~حالهم منهم ، فقال تأكيدا لأمر الرسالة بالإنكار على من جحدها وإلزاما لهم ~~بما هم معترفون به ، أما أهل الكتاب فعلما قطعيا ، وأما العرب فتقليدا لهم ~~خاصة والحال أنهم ما { قدروا } أي عظموا { الله } أي المستجمع لصفات الكال ~~{ حق قدره } أي تعظيمه في جحدهم لذكراهم وصدهم عن بشراهم ومقابلتهم للشكر ~~عليه بالكفر له ، قال الواحدي : يقال قدر الشيء إذا سبره وحزره وأراد أن ~~يعلم مقداره ، يقدره - بالضم - قدرا ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : فإن ~~غم عليكم فاقدروا له ، أي فاظلبوا أن تعرفوه - هذا أصله في اللغةى ، ثم قيل ~~لمن عرف شيئا : هو يقدر قدره ، وإذا لم يعرفه بصفاته : إنه لا يقدر قدره { ~~إذ } أي حين { قالوا } أي اليهود ، والآية مدنية وفريش تسألهم عنه صلى الله ~~عليه وسلم في أمر رسالته واحتجاجه عليهم بإرسال موسى عليه السلام وإنزال ~~التوراة عليه { ما أنزل الله } أي ناسين ما له من صفات الكمال { على بشر من ~~شيء } لأن من نسب ملكا نام الملك إلى أنه لم يثبت أوامره في رعيته بما ~~يرضيه ليفعلوه وما يسخط ليجتنبوه ، فقد نسبوه إلى نقص عظيم فكيف إذا كانت ~~تلك النسبة كذبا وهذا وإن كان ما قاله إلا بعض العالمين بل بعض أهل الكتاب ~~PageV02P671 الذين هم بعض العالمين ، أسند إلى الكل ، لأنهم لم يردوا على ~~قائله ولم يعالجوه بالأخذ تفظيعا للشأن وتهويلا للأمر ، وبيانا لأنه يجب ~~على كل من سمع بآية من آيات الله أن يسعى إليها وبتعرف أمرها ، فإذا تحققه ~~فمن طعن فيها أخذ على يده بما يصل إليه قدرته ، كما أنه كذلك كان يفعل لو ~~كان ذلك ناشئا عن أبيه أو أحد ms1479 ممن يكون فخره به من أبناء الدنيا ، وفي ذلك ~~أتم إشارة إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عماد الأمور كلها ، من ~~فرط فيه هلك وأهلك ، روى الواحدي في أسباب النزول بغير سند عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما ومحمد بن كعب القرظي أن اليهود قالوا : ما أنزل الله على بشر من ~~شيء ، فأنزل الله تعالى - يعني هذه الآية ، فقال مشيرا إلى ا ، اليهوجد ~~قائلو ذلك ، وملزما بالاعتراف بالكذب أو المساواة للأميين في التمسك بالهوى ~~دون كتاب ، موبخا لهم ناعيا عليهم سوء جهلهم وعظيم بهتهم وشدة وقاحتهم وعدم ~~حيائهم : { قل } أي لهؤلاء السفهاء الذين تجرؤوا على هذه المقالة غير ~~ناظرين في عاقبتها وما يلزم منها توبيخا لهم وتوقيفا على موضع جهلهم { من ~~أنزل الكتاب } أي الجامع للأحكام والمواعظ وخيري الدنيا والآخرة { الذي جاء ~~به موسى } أي الذي أنتم تزعمون التمسك بشرعه ، حال كون الكتاب { نورا } أي ~~ذا نور يمكن الأخذ به من وضع الشيء في حاق موضعه { وهدى للناس } أي ذا هدى ~~لهم ملهم ، أمات في ذلم الزمان فبالتقيد به ن وأما عند إنزال الإنجيل ~~فبالأخذ بما أرشد إليه من أتباعه ، وكذا عند | إنزال القرآن ، فقد أخفوا ~~منه ماهو نص وصريح في الدعاء إلى غيره اتباعا منهم للهوى ولزوما للعمى فقال ~~: { تجعلون } أي أيها اليهو { قراطيس } أي أوراقا مفرقة لتتمكنوا بها من ~~إخفاء ما أردتم { لآ تبدونها } أي نظهرونها للناس { وتخفون كثيرا } أي منها ~~ما تريدون به تبد | يل الدين هذا على قراءة الجماعة بالفوقانية ، وعلى ~~قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيبة هو التفات مؤذن بشدة الغضب مشير إلى أن ~~ما قالوه حقيق بأن يستحيى من ذكره فكيف بفعله ثم التفت إليهم للزيادة في ~~تبكيتهم إعلاما بأنهم متساوون لبقية الإتسان في أصل الفطرلاة ، بل العرب ~~أزكى منهم وأصح أفهاما ، فلولا ما أتاهم به موسى عليه السلام ما فاقوهم ~~بفهم ، ولا زادوا عليهم في علم فقال : { وعلمتم } أي أيها ليهود بالكتاب ~~الذي أنزل على موسى { ما لم تعلموا أنتم } أي أيها ms1480 ليهود من أهل هذا الزمان ~~{ ولا آباؤكم } أي الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم . PageV02P672 | ولما ~~كانوا قد وصلوا في هذه المقالة إلى حد من الجهل عظيم ، قال مشيرا إلى ~~عتادهم : { قل } أي أنمت في الجواب عن هذا السؤال غير منتظر لجوابهم فإنهم ~~أجلف الناس وأعتاهم { الله } أي الذي أنزل ذلك الكتاب { ثم } بعد أن تقول ~~ذلك لا تسمع لهم شيئا بل { ذرهم في خوضهم } أي قولهم وفعلهم المثبتين على ~~الجهل المبنييين أنهم في ظلام الضلال كالخائض في الماء يعملونت ما لا ~~يعلمون { يلعبون } أي يفعلون فعل اللاعب ، وهعو ما لا يجر لهم نفعا ولا ~~يدفع عنهم ضرلاا مع تضييع الزمان | < < # | الأنعام : ( 92 - 93 ) وهذا كتاب أنزلناه . . . . . # > > ^ ( وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن ~~حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون * ومن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل ~~مثل مآ أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا ~~أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير ~~الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ) ^ } ) | ولما أثبت سبحانه أنه الذي أنزل ~~التوراة والإنجيل تكميلا لإثبات الرسالة بدليل علم اليهود دون من لا كتاب ~~لهم , عطف على ذلك قوله تأكيدا لإثباتها وتقريرا : { وهذا } أي القرآن الذي ~~هو حاضر الآن في جميع الأذهان { كتاب } أي جامع لخيري الدارين , وكان ~~السياق لأن يقال : أنزل الله , ولكنه أتى بنون العظمة , لأنها أدل على ~~تعظيمه فقال : { أنزلناه } أي وليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم من نفسه ~~, وإنما هو بإنزالنا إياه إليه وإرسالنا له به { مبارك } أي كثير الخير ~~ثابت الأمر , لا يقدر أحد من الخلق على إنكاره لإعجازه , لتعلم أهل الكتاب ~~خصوصا حقيقته بتصديقه لكتابهم لأنه { مصدق الذي بين يديه } أي كله من كتبهم ~~وغيرها , فيكون أجدر لإيمانهم به , وتعلم جميع أهل الأرض عموما ذلك بذلك ~~وبإعجازه { ولتنذر } أي به { أم القرى ms1481 } أي مكة لأنها أعظم المدن بما لها ~~من الفضائل { ومن حولها } ممن لا يؤمن بالآخرة فهو لا يؤمن به من أهل الأرض ~~كلها من جميع البلدان والقرى , لأنها أم الكل , وهم في ضلالتهم مفرطون { ~~والذين يؤمنون بالآخرة } أي فيهم قابلية الإيمان بها على ما هي عليه , من ~~أهل أم القرى ومن حولها بكل خير ينشرون { يؤمنون به } أي بالكتاب بالفعل ~~لأن الإيمان بها داع إلى كل خير بالخوف والرجاء , والكفر بها حامل على كل ~~بشر . | ولما تكرر وصف المنافقين بالتكاسل عن الصلاة جعل المحافظة عليها ~~علما على الإيمان فقال : { وهم على صلاتهم يحافظون * } أي يحفظونها غاية ~~الحفظ , فالآية من عجيب فن الاحتباك : ذكر الإندار والأم أولا دالا على ~~حذفهما ثانيا , وإثبات الإيمان والصلاة ثانيا دليل على نفيهما أولا . | ~~PageV02P673 ولما كان في قولهم ( ما أنزل الله على بشر من شيء ) صريح الكذب ~~وتضمن تكذيبه - وحاشاه صلى الله عليه وسلم ! أما من اليهود فبالفعل , وأما ~~من قريش فبالرضى , وكان بعض الكفرة قد ادعى الإيحاء إلى نفسه إرادة للطعن ~~في القرآن ؛ قال تعالى مهولا لأمر الكذب لا سيما عليه لا سيما في أمر الوحي ~~, عاطفا على مقول طقل من أنزل ( مبطلا للتنبؤ بعد تصحيح أمر الرسالة ~~وإثباتها إثباتا لا مرية فيه , فكانت براهين إثباتها أدلة على إبطال التنبؤ ~~وكذب مدعيه : { ومن أظلم ممن افترى } أي بالفعل كاليهود والرضى كقريش { على ~~الله كذبا } أي أي كذب كان , فضلا عن إنكار الإنزال على البشر { أو قال ~~أوحي إلي ولم } أي والحال أنه لم { يوح إليه شيء } فهذا تهديد على سبيل ~~الإجمال كعادة القرآن المجيد , يدخل فيه كل من اتصف بشيء من ذلك كمسيلمة ~~والأسود العنسي وغيرهما , ثم رأيت في كتاب غاية المقصود في الرد عل النصارى ~~واليهود للسموأل بن يحيى المغربي الذي كان من أجل علمائهم في حدود سنة ستين ~~وخمسمائة , ثم هداه الله للإسلام , وكانت له يد طولى في الحساب والهندسة ~~والطب وغير ذلك من العلوم , فأظهر بعد إسلامه فضائحهم أن الربانيين منهم ~~زعموا ms1482 أن الله كان يوحي إلى جميعهم في كل يوم مرات , ثم قال بعد أن قسمهم ~~إلى قرائين وربانيين : إن الربانيين أكثرهم عددا , وقال : وهم الذين يزعمون ~~أن الله كان يخاطبهم في كل مسالة بالصواب , قال : وهذه الطائفة أشد اليهود ~~عداوة لغيرهم من الأمم { ومن قال سأنزل } أي بوعد لا خلف فيه { مثل ما أنزل ~~الله } كالنضر بن الحارث ونحوه ولما كان الجواب قطعا في كل منصف : لا أحد ~~أظلم منه , بل هم أظلم الظالمين , كان كأنه قيل : فلو رايتهم وقد حاق بهم ~~جزاء هذا الظلم كرد وجوههم مسودة وهم يسحبون في السلاسل على وجوههم , وجهنم ~~تكاد تتميز عليهم غيظا , وهم قد هدهم الندم ولحسرة , وقطع بهم الأسف ~~والحيرة لرأيت أمرا يهول منظره , فكيف يكون مذاقه ومخبره ! فعطف عليه ما هو ~~أقرب منه , فقال كالمفصل لإجمال ذلك التهديد مبرزا بدل ضميرهم الوصف الذي ~~أداهم إلى ذلك : { ولو ترى } أي يكون منك رؤية فيما هو دون ذلك { إذ ~~الظالمون } أي لأجل مطلق الظلم فكيف بما ذكر منه ! واللام للجنس الداخل فيه ~~هؤلاء دخولا أوليا { في غمرات الموت } أي شدائده التي قد غمرتهم كما يغمر ~~البحر الخضم من يغرق فيه , فهو يرفعه ويخفضه ويبتلعه ويلفظه , لا بد له منه ~~{ والملائكة } أي الذين طلبوا جهلا منهم إنزال بعضهم على وجه الظهور لهم , ~~وأخبرناهم أنهم لا ينزلون إلا لفصل الأمور وإنجاز المقدور { باسطوا أيديهم ~~} أي إليهم بالمكروه لنزع أرواحهم وسلها وافية من أشباحهم كما يسل السفود ~~المشعب من الحديد PageV02P674 من الصوف المشتبك المبلول , لا يعسر عليهم ~~تمييزها من الجسد , ولا يخفى عليهم شيء منها في شيء منه , قائلين ترويعا ~~لهم وتصويرا للعنف والشدة في السياق والإلحاح والتشديد في الإزهاق من غير ~~تنفيس وإمهال , وأنهم يفعلون بهم فعل الغريم المسلط الملازم { أخرجوا ~~أنفسكم } فكأنهم قالوا : لماذا يا رسل ربنا ؟ فقالوا : { اليوم } أي هذه ~~الساعة , وكأنهم عبروا به لتصوير طول العذاب { تجزون عذاب الهون } أي ~~العذاب الجامع بين الإيلام العظيم والهوان الشديد ولخزي المديد بالنزع ~~وسكرات الموت ms1483 وما بعده في البرزخ - إلى ما لا نهاية له { بما كنتم تقولون } ~~أي تجددون القول دائما { على الله } أي الذي له جميع العظمة { غير الحق } ~~أي غير القول المتمكن غاية التمكن في درجات الثبات , ولو قال بدله : باطلا ~~, لم يؤد هذا المعنى , ولو قال : الباطل , لقصر عن المعنى أكثر , وقد مضى ~~في المائدة ما ينفع هنا , وإذا نظرت إلى أن السياق لأصول الدين ازداد ~~المراد وضوحا { وكنتم } أي وبما كنتم { عن آياته تستكبرون * } أي تطلبون ~~الكبر للمجاوزة عنها , ومن استكبر عن آية واحدة كان مستكبرا عن الكل , أي ~~لو رأيت ذلك لرأيت أمرا فظيعا وحالا هائلا شنيعا , وعبر بالمضارع تصويرا ~~لحالهم . | < < # | الأنعام : ( 94 - 96 ) ولقد جئتمونا فرادى . . . . . # > > ^ ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ~~ظهوركم وما نرى معكم شفعآءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركآء لقد تقطع بينكم ~~وضل عنكم ما كنتم تزعمون * إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ~~ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون * فالق الإصباح وجعل الليل سكنا ~~والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم ) ^ } ) | ولما كانوا ينكرون ~~أن يحس الميت شيئا بعد الموت أو يفهم كلاما , وكان التقدير كما دل عليه ~~السياق : فتتوفاهم الملائكة , لا يقدر أحد على منعهم , فيقول لهم : قد ~~رأيتم ملائكتنا الذين أخبرناكم أول السورة أنهم إذا أبصروا كان القضاء ~~الفصل والأمر البت الحتم الذي ليس فيه مهل , عطف عليه قوله مشيرا إلى ما ~~كان سبب استكبارهم من الاجتماع على الضلال والتقوى بالأموال : { ولقد ~~جئتمونا } أي ملا لنا من العظمة بالموت الذي هو دال على شمول علمنا وتمام ~~قدرتنا قطعا , ودل على تمام العظمة وأن المراد مجيئهم بالموت قوله : { ~~فرادى } أي متفرقين , ليس أحد منكم مع أحد , ومنفردين على كل شيء صدكم عن ~~اتباع رسلنا { كما خلقناكم } أي بتلك العظمة التي أمتناكم بها بعينها { أول ~~مرة } في الانفراد والضعف والفقر , فأين جمعكم الذي كنتم به تستكبرون ! { ~~وتركتم ما خولناكم } أي ملكناكم من المال ومكناكم من إصلاحه ms1484 نعمة ~~PageV02P675 عليكم لتتوصلوا به إلى رضانا , فظننتم أنه لكم بالأصالة , ~~وأعرضتم عنا وبدلتم ما دل عليه من عظمتنا بضد ذلك من الاستهانة بأوامرنا { ~~وراء ظهوركم } فما أغنى عنكم ما كنتم منه تستكبرون . | ولما كانوا يعدون ~~الأصنام آلهة , ويرجون شفاعتها , إما استهزاء , وإما في الدنيا , وإما في ~~الآخرة - على تقدير التسليم لصحة البعث , قال تهكما بهم واستهزاء بشأنهم : ~~{ وما نرى معكم شفعاءكم } أي التي كنتم تقولون فيها ما تقولون { الذين ~~زعمتم } أي كذبا وجراءة وفجورا { أنهم فيكم شركاء } أي أن لهم فيكم نصيبا ~~مع الله حتى كنتم تعبدونهم في وقت الرخاء وتدعونه في وقت الشدة , أروناهم ~~لعلهم سترهم عنا ساتر أو حجبنا عنهم حاجب ؛ ثم دل على بهتهم في جواب هذا ~~الكلام الهائل المرعب حيرة وعجزا ودهشا وذلا بقوله : { لقد تقطع } أي تقطعا ~~كثيرا . # ولما كان ذكر البين في شيء يدل على قربه في الجملة وحضوره ولو في الذهن , ~~لأنه يقال : بيني وبين كذا كذا , وكان فلان بيننا , ونحو ذلك مما يدل على ~~الحضور ؛ قال منبها على زوال ذلك حتى بالمرور بالبال والخطور في الذهن لشدة ~~الاشتغال { بينكم } فأسند القطع المبالغ فيه إلى البين , وإذا انقطع البين ~~تقطع ما كان فيه من الأسباب التي كانت تسبب الاتصال , فلم يبق لأحد منهم ~~اتصال بالآخر , لأن ما بينهما صار كالخندق بانقطاع نفس البين , فلا يتأتى ~~معه الوصول , ها على قراءة الجماعة بالرفع , وهذا المثال معنى قراءة نافع ~~والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب على الظرفية ؛ ولما رجع المعنى إلى تقطع ~~الوصل , بين سبب ذلك , وهو زوال المستند الذي كانوا يستندون إليه فقال : { ~~وضل عنكم } أي ذهب وبطل { ما كنتم تزعمون * } أي من تلك الأباطيل كلها . | ~~ولما ثبتت الوحدانية والنبوة والرسالة وتقاريع من تقاريعها , وانتهى الكلام ~~هنا إلى ما تجلى به مقام العظمة , وانكشف له قناع الحكمة وتمثل نفوذ الكلمة ~~, فتهيأ السامع لتأمله , وتفرع فهمه لتدبره ؛ قال دالا عليه مشيرا غليه , ~~معلما أن ما مضى أنتجه وأظهره لا بد وأبرزه , مذكرا بآياته { والذين يؤمنون ~~بالآخرة ms1485 } وبمحاجة إبراهيم عليه السلام , مصرفا ما مضى أول السورة من دلائل ~~الوحدانية على أوجه أخرى , إعلاما بأن دلائل الجلال تفوق عدد الرمال , ~~وتنبيها على أن القصد بالذات معرفة الله تعالى بذاته وصفاته : { إن الله } ~~أي الذي له جميع صفات الكمال , فهو قادر على كل ما يريد { فالق الحب } أي ~~فاطره وشاقه عن الزروع والنبات , وعبر بذلك لأن الشيء قبل وجوده كان معدوما ~~, والعقل يتوهم ويتخيل من العدم ظلمة متصلة , فإذا خرج من العدم المحض ~~والفناء الصرف فكأنه بحسب التخيل والتوهم شق ذلك لعدم PageV02P676 { والنوى ~~} أي وهو ما يكون داخل الثمار المأكولة كالتمر , ولا يكون مقصودا لذاته ~~بفلقها عن الأشجار , وفي ذلك حكم وأسرار تدق عن الأفكار , وتدل على كمال ~~الواحد المختار ؛ قال الإمام الرازي ما حاصله : إن النواة والحبة تكون في ~~الأرض الرطبة مدة , فيظهر الله فيها شقا في أعلاها وآخر في أسفلها , وتخرج ~~الشجرة من الأعلى فتعلو وتهبط من الأسفل شجرة أخرى في أعماق الأرض , هي ~~العروق , وتلك الحبة أو النواة سبب واصل بين الشجرتين : الصاعدة والهابطة , ~~فيشهد الحس والعقل بأن طبع الصاعدة والهابطة متعاكس , وليس ذلك قطعا بمقتضى ~~الطبع والخاصية , بل بالإيجاد والاختراع والتكوين والإبداع , ولا شك أن ~~العروق الهابطة في غاية اللطافة والرقة بحيث لو دلكت باليد بأدنى قوة صارت ~~كالماء , وهي مع ذلك تقوى على النفوذ في الأرض الصلبة التي لا ينفذ فيها ~~المسلة والسكين الحادة إلا بإكراه عظيم , فحصول هذا النفوذ لهذه الأجرام ~~اللطيفة لا يكون قطعا غلا لقوة الفاعل المختار , لا سيما إذا تأملت ظهور ~~شجرة من نواة صغيرة , ثم تجمع الشجرة طبائع مختلفة في قشرها ثم فيما تحته ~~من جرم الخشبة , وفي وسط تدوير الخشبة جرم ضعيف كالعهن المنفوش , ثم يتولد ~~من ساقها أغصانها , ومن الأغصان أوراقها أولا ثم أنوارها وأزهارها ثانيا , ~~ثم الفاكهة ثالثا , ثم قد يحصل للفاكهة أربعة أنواع من القشور , مثل الجوز ~~واللوز قشره الأعلى ذلك الجرم الأخضر , وتحته القشر الذي كالخشب , وتحته ~~القشر الذي كالغطاء الرقيق المحيط باللبة , وتحته ms1486 اللب المشتمل علىجرم كثيف ~~هو أيضا كالقشرة , وعلى جرم لطيف هو الزهر , وهو المقصود بالذات , فتولد ~~هذه الأجسام المختلفة طبعا وصفة ولونا وشكلا وطعما مع تساوي تأثيرات ~~الطبائع والنجوم والعناصر والفصول الأربعة دال على القادر المختار بتلوه في ~~الفرحة , وقد تجتمع الطبائع الأربعة في الفاكهة الواحدة كالأترج قشره حار ~~يابس ونوره حار يابس , وكذلك العنب قشره وعجمه يابس حار رطب مع أنك تجد ~~أحوالها مختلفة , بعضها لبه في داخله وقشره في خارجه كالجوز واللوز , ~~وبعضها يكون المطلوب منه في الخارج وخشبه في الداخل كالخوخ والمشمش , وبعضه ~~لا لب لنواه كالتمر , وبعضه يكون كله مطلوبا كالتين , واختلاف هذه الطبائع ~~والأحوال المتضادة والخواص المتنافرة حتى في الحبة الواحدة لا يكون عن ~~طبيعة , بل عن الواحد المختار , والحبوب مختلفة الألوان والأشكال والصور , ~~فشكل الحنطة كأنه نصف مخروط , وشكل الشعير كأنه مخروطان اتصلا بقاعدتيهما ~~وشكل الحمص على وجه آخر , وأودع سبحانه في كل نوع منها خاصية ومنفعة غير ما ~~في الآخر , وقد تكون الثمرة غذاء لحيوان وسما لحيوان آخر , فهذا الاختلاف ~~مع اتحاد الطبائع وتأثيرات الكواكب دال PageV02P677 على أنها إنما حصلت ~~بالفاعل المختار , ثم إنك تجد في ورقة الشجرة خطا في وسطها مستقيما نسبته ~~لتلك الورقة نسبة النخاع إلى بدن الإنسان , ينفصل عنه خيوط مختلفة , وعن كل ~~واحد منها خيوط أخرى أدق من الأولى , ولا يزال على هذا النهج حتى تخرج ~~الخيوط عن الحس والبصر , كما أن النخاع يتفصل منه أعصاب كثيرة يمنة ويسرة ~~في البدن , ثم لا يزال يتفصل عن كل شعبة أخرى , ولا يزال يستدق حتى تلطف عن ~~الحس , فعل سبحانه ذلك في الورقة لتقوى القوى المذكورة في جرم تلك الورقة ~~على جذب لأجزاء اللطيفة الأرضية في تلك المجاري الضيقة , فهذا يعلمك أن ~~عنايته سبحانه في اتخاذ جملة تلك الشجرة أكمل , فعنايته في تكوين جملة ~~النبات أكمل , وهو إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان فعنايته في تخليق ~~الحيوان أكمل , والمقصود من تخليق جملة الحيوان هو الإنسان فعنايته في ~~تخليقه أكمل , وهو سبحانه ms1487 إنما خلق الحيوان والنبات في هذا العالم ليكون ~~غذاء ودواء للإنسان بحسب جسده , والمقصود من جسده حفظ تركيبه لأجل المعرفة ~~والمحبة والعبودية , فسبيلك أن تنظر في ورقة الشجرة وتتأمل في تلك الأوتار ~~ثم تترقى منها إلى أوج تخليق الشجرة ثم إلى ما فوقها رتبة رتبة لتعلم أن ~~المقصود الأخير منها حصول المعرفة والمحبة في الأرواح البشرية , وحينئذ ~~ينفتح لك باب من المكاشفات لا آخر له , ويظهر لك أن نعم الله في خلقك غير ~~متناهية < # > 77 ( { وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها } ) 77 < # > [ إبراهيم : 34 ] - والله الهادي . | ولما كان فلقهما عن النبات من جنس ~~الإحياء لما فيه من النمو فسر معنى الفلق وبينه إشارة إلى الاعتناء به وقتا ~~بعد وقت بقوله : { يخرج } أي على سبيل التجدد والاستمرار تثبيتا لأمر البعث ~~{ الحي } أي كالنجم والشجر والطير والدواب { من الميت } من الحب والنوى ~~والبيض والنطف فكيف تنكرون قدرته على البعث ؛ ولما انكشف معناه وبان مغزاه ~~بإخراج الأشياء من أضدادها لئلا يتوهم - لو كان لا يخرج عن شيء إلا مثله - ~~أن الفاعل الطبيعة والخاصية , عطف على { فالق } زيادة في البيان قوله معبرا ~~باسم الفاعل الدال على الثبات لأنه لا منازعة لهم فيه , فلم تدع حاجة إلى ~~التعبير بالفعل الدال على التجدد : { ومخرج الميت } أي من الحب وما معه { ~~من الحي } أي من النجم وما معه . | ولما تقررت له سبحانه هذه الأوصاف التي ~~لا قدرة أصلا لأحد غيره على شيء منها , قال منبها لهم على غلطهم في إشراكهم ~~, إعلاما بأن كل شريك ينبغي أن يساوي شريكه في شيء ما من الأمر المشرك فيه ~~, ولا مكافئ له سبحانه وتعالى في شيء من الأشياء فلا شريك له بوجه : { ذلكم ~~} أي العالي المراتب المنيع المراقي هو { الله } أي PageV02P678 المستجمع ~~لصفات الكمال وحده فلا يحق الإلهية إلا له ؛ ولما كان هذا معنى الكلام , ~~سبب عنه قوله : { فأنى } أي فكيف ومن أي وجه { تؤفكون * } أي تصرفون ~~وتقلبون عما ينبغي اعتقاده . | ولما وصف سبحانه وتعالى نفسه المقدسة من فلق ~~الجواهر بما ms1488 اقتضى حتما اتصافه بصفات الكمال , وقدمه لكونه من أظهر أدلة ~~القدرة على البعث الذي هذا أسلوبه , مع الإلف له بقربه ومعالجته , أتبعه ما ~~هو مثله في الدلالة على الإحياء لكنه في المعاني وهو سماوي , شارحا لما ~~أشار إليه الخليل عليه السلام في محاجة قومه من إبطال إلهية كل من النور ~~والظلمة والكواكب التي هي منشأ ذلك , فقال ترقية من العالم السفلي إلى ~~العالم العلوي : { فالق الإصباح } أي موجده , وحقيقته : فالق ظلمة الليل عن ~~الصباح , لكنه لما كثر استعماله وأمن اللبس فيه أسند الفعل إلى الصبح , كما ~~يقال : انفجر الصبح , وانفجر عنه الليل , ويمكن أن يراد بالفلق الكشف , ~~لأنه يكشف من المفلوق ما ان خفيا , فعبر عن المسبب الذي هو الإظهار بالسبب ~~الذي هو الفلق , وعبر عن الصباح بهذه الصيغة التي يقال المدخول في الصبح ~~لتصلح لإرادة فلق السكون بالنور أو غيره عن التصرف بالحركة المرتبة على ~~الدخول في الصبح , فدلنا ذلك على وجاعل الإصباح حركة وسادل الليل { وجاعل ~~اليل } بما يكون من إظلامه { سكنا } يسكن الناس فيه وإليه ويستريحون فيه , ~~فالآية من الاحتباك : حذف من الأول الحركة ودل عليها بالسكن , وحذف من ~~الثاني السدل ودل عليه بالفلق , وهذا الفلق من أعظم الدلائل على قدرته ~~سبحانه , وفيه دلالتان لأن الإصباح يشمل الفجر الكاذب والصادق , والأول ~~أقوى دلالة لأن مركز الشمس إذا وصل غلى دائرة نصف الليل فالموضع - الذي ~~تكون تلك الدائرة أفقا له - تطلع الشمس من مشرقه , فيضيء في ذلك الموضع نصف ~~كرة الأرض , فيحصل الضوء في الربع الشرقي من بلدتك , ويكون ذلك الضوء ~~منتشرا مستطيرا في جميع الجو , ويجب أن يقوى لحظة فلحظة , فلو كان الأول من ~~قرص الشمس لامتنع أن يكون خطا مستطيلا , بل كان يجب أن يكون مستطيرا في ~~الأفق منتشرا متزايدا لحظة فلحظة , لكن ليس هو كذلك , فإنه يبدو كالخيط ~~الأبيض الصاعد حتى شبهته العرب بذنب السرحان ثم يحصل عقبه ظلمة خالصة , ثم ~~يكون الثاني الصادق المستطير فكان الأول أدل على القدرة , لأنه بتخليق الله ~~ابتداء تنبيها ms1489 على أن الأنوار ليس لها وجود إلا بإبداعه , والظلمات ليس لها ~~ثبات إلا بتقديره . | ولما ذكر الضياء والظلمة , ذكر منشأهما وضم إليه ~~قرينه فقال عاطفا على محل { والليل } لأن جاعلا ليس بمعنى المضيء فقط لتكون ~~الإضافة حقيقية , بل المراد PageV02P679 استمراره في الأزمنة كلها : { ~~والشمس } أي التي ينشأ عنها كل منهما , هذا عن غروبها وهذا عن شروقها { ~~والقمر } أي الذي هوآية الليل { حسبانا } أي ذوي حسبان وعلمين عليه , لأن ~~الحساب يعلم بدورهما وسيرهما , وبسبب ذلك نظم سبحانه مصالح العالم في ~~الفصول الأربعة , فيكون عن ذلك ما يحتاج إليه من نضج الثمار وحصول الغلات , ~~وعبر عنهما بالمصدر المبني على هذه الصيغة البليغة إشارة إلى أن الحساب ~~بهما أمر عظيم كبير النفع كثير الدخول , مع ما له من الدنيا في أبواب الدين ~~فهو جل نفعهما الذي وقع التكليف به , فكأنه لما كان الأمر كذلك , كان ~~حقيقتهما التي يعبر عنهما بها , وأما غير ذلك من منافعهما فلا مدخل للعباد ~~فيه . | ولما كان هذا أمرا باهرا ووصفا قاهرا , أشار إليه بأداة البعد فقال ~~: { ذلك } أي التقدير العظيم الذي تقدم من الفلق وما بعده { تقدير العزيز } ~~أي الذي لا يغالب فهو الذي قهرهما على ما سيرهما فيه , وغلب العباد على ما ~~دبر من أمرهم بهما , فلو أراد أحد أن يجعل ما جعله من النوم يقظة واليقظة ~~نوما , أو يجعل محل السكن للحركة أو بالعكس أو غير ذلك مما أشارت إليه ~~الآية لأعياه ذلك { العليم * } أي الذي جعل ذلك بعلمه على منهاج لا يتغير ~~وميزان قويم لا يزيغ . | < < # | الأنعام : ( 97 - 98 ) وهو الذي جعل . . . . . # > > ^ ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد ~~فصلنا الآيات لقوم يعلمون * وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع ~~قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ) ^ } ) | ولما ذكر ذلك , أتبعه منفعة أخرى ~~تعمهما مع غيرهما مبينا ما أذن فيه من علم النجوم ومنافعها فقال : { وهو } ~~أي لا غيره { الذي جعل } ولما كانت العناية بنا أعظم , قدم قوله : { لكم ~~النجوم } أي ms1490 كلها سائرها وثابتها وإن كان علمكم يقصر عنها كلها كما يقصر عن ~~الرسوخ والبلوغ في علم السير للسيارة منه { لتهتدوا } أي لتكلفوا أنفسكم ~~علم الهداية { بها } لتعلموا القبلة وأوقات الصلوات والصيام وغير ذلك من ~~منافعكم دنيا ودينا . | ولما كانت الأرض والماء ليس لهما من نفسهما إلا ~~الظلمة , وانضمت إلى ذلك ظلمة الليل , قال : { في ظلمات البر } أي الذي لا ~~علم فيه , وإن كانت له أعلام فإنها قد تخفى { والبحر } فإنه لا علم به , ~~والإضافة إليهما للملابسة أو تشبيه الملبس من الطرق وغيرها بالظلمة ؛ روى ~~الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في جزء جمعه في النجوم من طريق أحمد بن سهل ~~الأشناني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : تعلموا من PageV02P680 ~~النجوم ما تهتدون في البر والبحر ثم انتهوا , وتعلموا من الأنساب ما تصلون ~~به أرحامكم وتعرفون ما يحل لكم ويحرم عليكم من النساء ثم انتهوا . | وفيه ~~من طريق عبد الله ابن الإمام أحمد في زياداته على المسند عن علي رضي الله ~~عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا علي ! أسبغ الوضوء وإن ~~شق عليك , ولا تأكل الصدقة ولا تنز الحمير على الخيل , ولا تجالس أصحاب ~~النجوم ) . | وفيه عن أبي ذر رضي الله عنه عن عمر رضي الله عنه قال : سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا تسألوا عن النجوم , ولا تفسروا ~~القرآن برايكم , ولا تسبوا أصحابي , فإن ذلك الإيمان المحض ) وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النظر في النجوم - رواه ~~من طرق كثيرة ؛ وعن عائشة رضي الله عنها مثله سواء , وعن ابن مسعود رضي ~~الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا ذكر أصحابي ~~فأمسكوا , وإذا ذكر القدر فأمسكوا , وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا ) - رواه من ~~طرق وأسند عن قتادة قوله تعالى < # > 77 ( { وأنهارا وسبلا } ) 77 < # > [ النحل : 15 ] قال : طرقا < # > 77 ( { وعلامات } ) 77 < # > [ النحل : 16 ] قال : هي النجوم , قال : إن الله عز وجل إنما خلق ms1491 هذه ~~النجوم لثلاث خصال : جعلها زينة للسماء , وجعلها يهتدى بها , وجعلها رجوما ~~للشياطين , فمن تعاطى فيها شيئا غير ذلك فقد أخطأ حظه وقال رأيه وأضاع ~~نصيبه وتكلف ما لا علم له به - في كلام طويل حسن , وهذا الأثر الذي عن ~~قتادة أخرجه عنه البخاري في PageV02P681 صحيحه , وقال صاحب كنز اليواقيت في ~~استيعاب المواقيت في مقدمة الكتاب : واعلم أن العلم منه محمود , ومنه مذموم ~~لا يذم لعينه , إنما يذم في حق العباد لأسباب ثلاثةك أولها أن يكون مؤديا ~~إلى ضرر كعلم السحر والطلسمات وهو حق إذ شهد القرآن به وأنه سبب للتفرقة ~~بين الزوجين , وسحر النبي صلى الله عليه وسلم ومرض بسببه , حتى أخبره ~~جبرئيل عليه السلام وأخرج السحر من تحت حجر في قعر بئر - كما ورد في الحديث ~~الصحيح ؛ ومعرفة ذلك من حيث إنه معرفة ليس مذموما , أو من حيث إنه لا يصلح ~~إلا لإضرار بالخلق يكون مذموما . | والوسيلة إلى الشر شر ؛ الثاني أن يكون ~~مضرا بصاحبه في غالب الأمر كالقسم الثاني من علم النجوم الاحكامي المستدل ~~به على الحوادث بالأسباب كاستدلال الطبيب بالنبض على ما يحدث من المرض , ~~وهو معرفة مجاري سنة الله وعادته في خلقه , ولكنه ذمه الشرع وزجر عنه ~~لثلاثة أوجه : أحجها أنه يضر بأكثر الناس فإنه إذا قيل : هذا الأمر لسبب ~~سير الكواكب , وقر في نفس الضعيف العقل أنه مؤثر , فينمحي ذكر الله عن قلبه ~~, فإن الضعيف يقصر نظره على الوسائط بخلاف العالم الراسخ , فإنه يطلع على ~~الشمس والقمر والنجوم مسخرات , وفرق كبير بين من يقف مع الأسباب وبين من ~~يترقى إلى مسبب الأسباب , ثم ذكر ما حاصله أن السبب الثاني في النهي عنه ~~أنه تخمين لا يصل إلى القطع ؛ والثالث أنه لا فائدة فيه , فهو خوض في فضول ~~, وأن السبب الثالث مما يذم به ما يذم من العلوم أنه مما لا تبلغه عقول ~~اكثر الناس ولا يستقل به , ولا ينكر كون العلم ضارا لبعض الأشخاص كما يضر ~~لحم الطير بالرضيع - انتهى . | وروى أبو داود وابن ms1492 ماجه عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من اقتبس علما من ~~النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد ) وقال صاحب كتاب الزينة في آخر ~~كتابه بعد أن ذكر العيافة والزجر ونحوهما , ويأتي أكثره عنه في سورة ~~الصافات : وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إياكم والنجوم ! فإنها ~~تدعو إلى الكهانة ) , قال : هذه الأشياء كلها لها أصل صحيح , فمنها ما كانت ~~من PageV02P682 علوم الأنبياء مثل النجوم والخط وغير ذلك , ولولا الأنبياء ~~الذين أدركوا علم النجوم وعرفوا مجاري الكواكب في البروج وما لها من السير ~~في استقامتها ورجوعها , وما قد ثبت وصح من الحساب في ذلك بما لا ارتياب فيه ~~, لما قدر الناس على إدراكه , وذلك كله بوحي من الله عز وجل إلى أنبيائهم ~~عليهم السلام , وقد روي أن إدريس عليه السلام أول من علم النجوم , وروي في ~~الخط أنه كان علم نبي من الأنبياء , ولولا ذلك لما أدرك الناس هذه اللطائف ~~ولا عرفوها . | ولما كانت هذه الآيات قد بلغت في البيان حدا علا عن طوق ~~الإنسان والملائكة والجان لكونها صفة الرحمن , فكانت فخرا يتوقع فيه ~~التنبيه عليه فقال : { قد فصلنا } أي بينا بيانا شافيا على ما لنا من ~~العظمة { الآيات } واحدة في إثر واحدة على هذا الأسلوب المنيع والمثال ~~الرفيع ؛ ولما كانت من الوضوح في حد لا يحتاج إلى كثير تأمل قال : { لقوم ~~يعلمون * } أي لهم قيام فيما إليهم , ولهم قابلية العلم ليستدلوا بها ~~بالشاهد على الغائب . | ولما ذكر سبحانه بعض هذا الملكوت الأرضي والسماوي , ~~أتبعه - كما مضى في أول السورة - الخلق المفرد الجامع لجميع الملكوت , وهو ~~الإنسان , دالا على كمال القدرة على كل ما يريد , مبطلا بمفاوتة أول ~~الإبداع وآخر الآجال ما اعتقدوا في النور والظلمة والشمس والقمر وغيرهما , ~~لأن واحدا منها لا اختيار له في شيء يصدر عنه , بل هو مسخر ومقهور كما هو ~~محسوس ومشهور , فقال : { وهو } أي لا غيره { الذي أنشأكم } أي وأنتم في ~~غاية التفاوت في ms1493 الطول والقد واللون والشكل وغير ذلك من الأعراض التي دبرها ~~سبحانه على ما اقتضته حكمته { من نفس واحدة } ثم اقتطع منها زوجها ثم فرعكم ~~منهما . | ولما كان أغلب الناس في الحياة الدنيا يعمل عمل من لا يحول ولا ~~يزول , لا يكون على شرف الزوال ما دامت فيه بقية من حياة , قال : { فمستقر ~~* } أي فسبب عن ذلك أنه منكم مستقر على الأرض - هذا على قراءة ابن كثير ~~وابن عمر وبكسر القاف اسم فاعل , والمعنى في قراءة الباقين بفتحه اسم مكان ~~< # > 77 ( { ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } ) 77 < # > [ البقرة : 26 ] . | PageV02P683 ولما كان من في البرزخ قد كشف عنهم ~~الغطاء فهم موقنون بالساعة غير عاملين على ضد ذلك , وكذا من في الصلب ~~والرحم , عبر بما يدل على عدم الاستقرار فقال : { ومستودع } أي في الأصلاب ~~أو الأرحام أو في بطن الأرض , فدلت المفاوتة من كل منهما - مع أن الكل من ~~نفس واحدة - على القادر المختار , لا يقدر غيره أن يعكس شيئا من ذلك , وكل ~~ذلك مضمون الآيتين في أول السورة , وقدم الإصباح والليل ومتعلقهما لتقدمهما ~~في الخلق , ثم تلاه بخلق الإنسان على حسب ما مر أول السورة , وذكر هنا ~~أنهجعل ذلك الطين نفسا واحدة فرع الإنس كلهم منها مع تفاوتهم فيما هناك وفي ~~غيره . | ولما ذكر هذا المفرد الجامع , وفصله على هذه الوجوه المعجبة , كان ~~محلا لتوقع التنبيه عليه فقال : { قد فصلنا } أي بعظمتنا { الآيات } أي ~~أكثرنا بيانها في هذا المفرد الجامع في أطوار الخلقة وأدوار الصنعة , تارة ~~بأن يكون من التراب بشر , وأخرى بأن يخرج الأنثى من الذكر , وتارة بأن يفرع ~~من الذكر والأنثى ما لا يحيط به العد ولا يجمعه الخبر من النطفة إلى ~~الولادة إلى الكبر . | ولما كان إنشاء الناس من نفس واحدة وتصريفهم على تلك ~~الوجوه المختلفة جدا ألطف وأدق صنعة , فكان ذلك محتاجا إلى تدبر واستعمال ~~فطنة وتدقيق نظر , قال : { لقوم يفقهوه * } أي لهم أهلية الفقه والفطنة . | ~~< < # | الأنعام : ( 99 - 100 ) وهو الذي أنزل . . . . . # > > ^ ( وهو الذي أنزل من ms1494 السمآء مآء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه ~~خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب ~~والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه إن في ~~ذلكم لآيات لقوم يؤمنون * وجعلوا لله شركآء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين ~~وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ) ^ } ) | ولما ذكر وجوه الإبداع ~~التفريعي من هذين الكونين وأسباب البقاء له بما ينشأ عنه الفصول وغيرها , ~~أتبعه سببه القريب , وهو الماء الذي جعل منه كل شيء حي , فقال مفصلا ما ~~أجمله في الحب والنوى , سائقا له مساق الإحسان لما قبله من الدلائل , فإن ~~الدليل إذا كان على وجه الإحسان ومذكرا بالإنعام كان تأثيره في القلب عظيما ~~, فينبغي للمشتغل بدعوة الخلق أن يسلك هذا المسلك ليكون للقلوب أملك : { ~~وهو } أي لا غيره { الذي أنزل } أي بقدرته وعلمه وحكمته { من السماء } أي ~~الحقيقية التي تعرفونها كما دل عليه صريح العبارة وما أشبهها من ذكور ~~الحيوان المنبه عليه بطريق الإشارة { ماء } أي منهمرا ودافقا . | ~~PageV02P684 ولما كان تفريع الخلق من الماء بمكان من العظمة لا يوصل إليه , ~~نبه عليه بالانقال إلى التكلم في مظهر العظمة فقال : { فأخرجنا } أي على ما ~~لنا من العظمة التي لا يدانيها أحد { به } أي الماء { نبات كل شيء } مختلفة ~~طعومه وألوانه وروائحه وطبائعه ومنافعه وهو بماء واحد , فالسبب واحد ~~والمسببات كثيرة منفتة , سواء كان ذلك النبات حقيقيا من النجم والشجر , أو ~~مجازيا من الأنثى والذكر ؛ ثم سبب عن الحقيقي لظهوره قوله دالا على العظمة ~~: { فأخرجنا منه } أي النبات { خضرا } أي شيئا أخضر غضا طريا , وهو ما تشعب ~~من أصل النبات الخارج من الحبة ؛ ثم زاد في بيان عظمته بقوله : { نخرج } أي ~~حال كوننا مقدرين أن نخرج { منه } أي من ذلك الخضر { حبا متراكبا } أي في ~~السنبل يركب بعضه بعضا ويحرسه من أن يلتقطه الطير بعد ستره بالقشر بحسك ~~طويل لطيف جدا كالإبر خشن , بعد أن كان أصله حبة واحدة على صورتها , أو ~~منفتة في ms1495 التراب بعد أن طوره سبحانه في عدة أطوار , إن فاعل ذلك لقادر ~~مختار . | ولما كان نسبة الإخراج والإبداع إليه سبحانه وحده في مظهر العظمة ~~خصوصا وعموما , فعلم أن الكل منه , وصار الحال في حد من الوضوح جدير بأن ~~يؤمن من نسبة شيء إلى غيره لا سيما الذي هم له معالجون , وبالعجز عن إبداعه ~~عالمون , وبدأ بما بدأ به أولا في آية الفلق من الحب ؛ ثنى بما من النوى , ~~فقال معبرا لذلك الأسلوب : { ومن النخل } وتقديم الحب عليه هنا وفيما قبل ~~يدل على أن الزرع أفضل منه , فإنه قوت في أكثر البلاد ولأغلب الحيوانات ~~والغذاء مقدم على الفاكهة ؛ فإنها خلقت من طينة آدم ؛ ثم أبدل مما أجمل من ~~ذلك قوله مبينا : { من طلعها } أي النخل , وهو أول ما يخرج منها في أكمامه ~~{ قنوان } جمع قنو , وهو العذق بالكسر للشمراخ وهو الكباسة , والعرجون عوده ~~الذي يكون فيه البسر { دانية } أي قريبة التناول وإن طال أصلها بما علمكم ~~وسهل لكم من صنعة الوصول إليها . | ولما لم يكن لهم من معالجة الأعناب ~~وغيرها ما لهم من معالجة النخيل , عطف على ( نبات ) منبها لهم على أنها - ~~كالنخيل - هو سبحانه المتفرد بإبداعها كما تقدم - فقال : { وجنات } أي ~~بساتين { من أعناب } وجمعها لكثرة أنواعها , وبدأ بهاتين الشجرتين لفضلهما ~~كما تقدم على غيرهما , لأن ثمرهما فاكهة وقوت , وقدم الأول لأنهم له أكثر ~~ملابسة , وإن كان العنب أشرف أنواع الفواكه , فإنه ينتفع به من أول ظهوره ~~لأنه أولا يكون له خيوط خضر دقيقة حامضة لذيذة , ثم تكون الحصرم , وهو طعام ~~شريف للأصحاء والمرضى , وقد يتخذ منه رب الحصرم وأشربة لطيفة المذاق نافعة ~~لأصحاب الصفراء , ويطبخ منه ألذ الأطعمة الحامضة , وهو عنبا ألذ الفواكه ~~وأشهاها , PageV02P685 ويدخر عنبا قريبا من سنة , ويكون زبيبه غذاء , ويكون ~~منه الدبس والخل وغير ذلك , وأحسن ما فيه عجمه , وهو يتخذ منه جوارشات ~~عظيمة النفع للمعدة الضعيفة الرطبة وقدم النخيل لأنها قوت للعرب , وبينها ~~وبين الإنسان مشابهة في خواص كثيرة لا توجد في النبات , ولذا جاء ms1496 في الحديث ~~( أكرموا عمتكم النخلة , فإنها خلقت من طينة آدم عليه السلام , وليس من ~~الشجر يلقح غيرها ) - رواه أبو يعلى وأبو نعيم في الحلية وأبو الشيخ عن علي ~~رضي الله عنه ؛ وأتبعهما ما يليهما في الفضيلة فقال : { والزيتون } و قدمه ~~لكثرة نفعه , وينفصل منه دهن عظيم النفع في الأكل والضياء وسائر وجوه ~~الاستعمال { والرمان } ختم به لحسنه وعظيم نفعه , وهو مركب من أربعة أشياء ~~: قشره وشحمه وعجمه ومائه , فالثلاثة الأول باردة يابسة أرضية كثيفة عفصية ~~فائضة جدا , والماء بضدها وهو ألذ الأشربو وألطفها وأقربها إلى الاعتدال ~~وأشدها مناسبة للطبع المعتدل , وفي ذلك تقوية للمزاج الضعيف , وهو غذاء من ~~وجه ودواء من وجه . | ولما ذكر الأقوات من الثمار والحبوب والأدهان وأشرف ~~الفواكه وأعمها , وكانت أشبه شيء بالآدمي في نشئه وبعثه واتفاقه واختلافه , ~~وكان اشتباه بعضها واختلاف بعضها - مع كونها تسقى بماء واحد وفي أرض واحدة ~~- دالا على القدرة والاختيار , وكان السياق لإثبات الوحدانية ونفي الشريك ~~بإثبات كمال القدرة التي هي منفية عن غيره , فلا يصح أن يكون له شريك , ~~لأنه لا يكون إلا مشابها لشريكه كمال المشابهة فيما وقعت الشركة فيه , ~~وللبعث فكان المراد التفكر في ظواهرها وتقلباتها من العدم إلى الوجود وبعد ~~الوجود , ولمحاجة أهل الكتاب الموسومين بالعلم المنسوبين إلى حدة الأذهان ~~وغيرهم من الفرق , وكان افتعل يأتي للتعريف , وهو المبالغة في إثبات أصل ~~الفعل والاجتهاد في تحصيله والاعتمال , فكان حصوله إذا حصل أكمل , قال ~~بانيا حالا من كل ما تقدم : { مشتبها } أي في غاية الشبه بعضه لبعض حتى لا ~~يكاد يتميز , فلو قطع ثمرتا شجرتين منه لم يتميز ثمرة هذه من ثمرة هذه , ~~فلا يقابله حينئذ نفي التفاعل , فإنه لمجرد مشاركة أمرين أو أكثر في أصل ~~الفعل , فعلم أن التقدير : وغير مشتبه ومتشابها , ثم لما كان ربما تمسك ~~القائل بالطبائع بهذه العبارة , نفى ما ربما ظن من أن لهذه الأشياء عملا في ~~اشتباه بعضها ببعض فقال : { وغير متشابه } أي غير طالب للاشتباه مع أنه لا ~~بد من شبه ما ms1497 , فالآية من الاحتباك : أثبت الاشتباه دلالة على نفي ضده , ~~وهو عدم التشابه , PageV02P686 ولأجل أن الاشتباه أبلغ من التشابه , علق ~~الأمر بالنظر الذي هو أثبت الحواس , ودلالة على أن المراد إنما هو ظاهر ذلك ~~, لأنه كان في الدلالة على البعث والتوحيد الذي هذا سياقه فقال : { انظروا ~~إلى ثمره } وهذا بخلاف الحرف الثاني , فإنه في سياق الرد على العرب فيما ~~يجعلون من خلقه لأصنامهم التي لا قدرة لها على شيء أصلا , ولذلك ختم الآية ~~بالإذن لهم في الأكل منه للانتهاء عما كانوا يحرمونه منه على أنفسهم , ~~وبالأمر بالتصدق على من أمر بالصدقة عليه , وأما الباطن الذي هو الأكل ~~فسيأتي ؛ ثم نبه على تعميم النظر في جميع حالاته بقوله : { إذا أثمر } أي ~~حين يبدو من كمامه ضعيفا قليل النفع أو عديمه { وينعه } أي وانظروا إلى ~~إدراكه إذ أدرك وحان قطافه , ويعلم من ذلك النظر فيما بين ذلك , لأنه يلزم ~~من مراقبة الأول والآخر , فيعلم استحالة ألوانه ومقاديره وطعومه وأشكاله ~~وغير ذلك من شؤونه وأحواله , ويلزم من ذلك أيضا النظر إلى أشجاره ليعلم ~~تفاوت بعضها واشتباه البعض الآخر في الطول والقصر والصغر والكبر وغير ذلك ~~من سائر الأحوال , كما أن ذلك موجود في التمر , فاستناد هذه التبدلات ~~والتغيرات ليس إلا إلى الفاعل المختار , لأن نسبته إلى الطبائع والفصول على ~~حد سواء , فلو استندت إليها لم تتغير . | ولما كان اتخاذ هذه المذكورات ~~أولا والمخالفة بين أشكالها ومقاديرها وألوانها ثانيا دالا على كمال القدرة ~~المستلزم للوحدانية , دل على عظمته بقوله مستأنفا مشيرا بأداة البعد وميم ~~الجمع : { إن في ذلكم } أي الأمر العظيم الشأن العالي الرتبة { لآيات } أي ~~علامات على قدرة الصانع واختياره . | ولما كانت الآيات لا تغني عمن أريدت ~~شقاوته قال : { لقوم يؤمنون * } أي حكم بأنهم - بحذقهم ونشاطهم وقوتهم على ~~ما يحاولونه - يجددون الإيمان كلما تأملوا في مصنوعات الله سبحانه وتعالى ~~الدالة عليه المشيرة بكل لسان إليه . | ولما كان المشركون على أصناف : منهم ~~عدة أصنام , شركوا في العبودية لا في الخلق , ومنهم آزر الذي حاجه إبراهيم ms1498 ~~عليه السلام ومنهم عبدة الكواكب وهم فريقان : منهم من قال : هي واجبة ~~الوجود , ومنهم من قال : ممكنة , خلقها الله وفوض إليها تدبير هذا العالم ~~الأسفل , وهم الذين حاجهم الخليل عليه السلام بالأفول , ومنهم من قال : ~~لهذا العالم كله إلهان : فاعل خير , وفاعل شر , وقالوا : إن الله وإبليس ~~أخوان , فالله خالق الناس والدواب والأنعام , وإبليس خالق السباع والحيات ~~والعقارب والشرور , ويلقبون الزنادقة وهم المجوس , لأن الكتاب الذي زعم ~~زردشت أنه نزل من عند الله سمي بالزند , فالمنسوب إليه زندي , ثم عرب فقيل ~~: زنديق , وكان هذا كله في قوله PageV02P687 { فالق الإصباح } شرحا لآية { ~~إن الله فالق الحب والنوى } دلالة على تمام القدرة الدالة على الوحدانية ~~للدلالة على البعث ؛ حسن كل الحسن العود إلى تقبيح حال المشركين بالتعجيب ~~منهم في جملة حالية من الضمير في { فالق } أو غيره مما تقدم , فقال تعالى ~~شارحا أمر هذا الصنف , لأن أمر غيرهم تقدم ؛ وقال ابن عباس رضي الله عنهما ~~: إن هذه الآية نزلت في الزنادقة : { وجعلوا } أي هو سبحانه فعل هذا الذي ~~لا يدع لبسا في تمام علمه وقدرته وكمال حكمته ووحدانيته والحال أن الذي فعل ~~ذلك لأجلهم قد جعلوا وعبر بالاسم الأعظم وقدمه استعظاما لأن يعدل به شيئا { ~~لله } أي الذي له جميع الأمر . | ولما كان الشرك في غاية الفظاعة والشناعة ~~, قدمه فقال : { شركاء } يعني وما كان ينبغي أن يكون له شريك مطلقا , لأن ~~الصفة إذا ذكرت مجردة غير مجراة على شيء كان ما يتعلق بها من النفي عاما في ~~كل ما يجوز أن يكون له الصفة , وحكم الإنكار حكم النفي . | ولما اهتز ~~السامع من هذا التقديم لزيادة المعنى من غير زيادة اللفظ , تشوف إلى معرفة ~~النوع الذي كان منه الشركاء فبينهم بقوله : { الجن } أي الذين هم أجرأ ~~الموجودات عليهم وأعداهم لهم , فأطاعوهم كما يطاع الإله فكان عبادة لهم ~~وتشريكا , وقد رأيت ما للبيان بعد الانتهاء مما يحسن للناظرين { وخلقهم } ~~أي والحال أنهم قد علموا أن الله خلقهم أي قدرهم بعلم وتدبير , فلذلك كان ~~خلقه ms1499 لهم محكما { وخرقوا } أي العابدون { له بنين } أي كعزير والمسيح { ~~وبنات } أي من الملائكة , فجمعوا لذلك جهالات هي غاية في الضلالات : وصف ~~الملائكة بالأنوثة والاجتراء على مقام الربوبية بالحاجة , تخصيصه بعد ذلك ~~بما لا يرضونه لأنفسهم بوجه ؛ ومادة خرق تدور على النفوذ والاتساع والإطلاق ~~والتقدير بغير علم ولا معرفة ليحدث عنه الفساد , ولذلك قيل لمن لا يحسن ~~العمل : خرق ؛ وللمرأة : خرقاء , يعني أنهم كذبوا واختلفوا واتسعوا في هذا ~~القول الكذب , وأبعدوا به في هذه المجاوزة عن حقيقته , اتساع من سار في خرق ~~أي برية واسعة بهماء وسوفة جوفاء متباعدة الأرجاء إلى حيث لم يسبقه إليه ~~بشر , فضل عن الجادة ضلالا لا ترجى معه هدايته إلا على بعد شديد , فصار ~~جديرا بالهلاك , وإلى ذلك يرجع معنى ما قرئ في الشاذ : وحرفوا - بالمهملة ~~والفاء . | ولما لم يكن لقولهم أصلا حقيقة ولا شبهة , وكان الخرق التقدير ~~بغير علم , دل على ذلك مصرحا بما أفهمه محققا له تنبيها على الدليل القطعي ~~في اجتياح قولهم من أصله , وذلك أنه قول لا حجة له , ومسائل أصول الدين لا ~~يصار إلى شيء منها إلا بقاطع , وذلك بنكرة في سياق النفي فقال : { بغير علم ~~} ثم نزه نفسه المقدسة تنبيها PageV02P688 على ما يجب قوله على كل من سمع ~~ذلك , فقال : { سبحانه } أي أسبحه سبحانا يليق بجلاله أن يضاف إليه ؛ ولما ~~كان معنى التسبيح الإبعاد عن النقص , وكان المقام يقتضي كونه في العلو , ~~صرح به فقال : { وتعالى } أي تباعد أمر علوه إلى حد لا حد له ولا انتهاء { ~~عما يصفون * } . | < < # | الأنعام : ( 101 - 104 ) بديع السماوات والأرض . . . . . # > > ^ ( بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل ~~شيء وهو بكل شيء عليم * ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه ~~وهو على كل شيء وكيل * لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف ~~الخبير * قد جآءكم بصآئر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ومآ أنا ~~عليكم بحفيظ ) ^ } ) | ولما ختم بالتنزيه عما قالوا من ms1500 الشريك والولد , ~~استدل على ذلك التنزيه بأن الكل خلقه , محيط بهم علمه , ولن يكون المصنوع ~~كالصانع , فقال : { بديع السماوات والأرض } أي مبدعهما , وله صفة الإبداع , ~~أي القدرة على الاختراع ثابتة , ومن كان كذلك فهو غني عن التوليد , فلذا ~~حسن التعجب في قوله : { أنى } أي كيف ومن أي وجه { يكون له ولد } وزاد في ~~التعجيب بقوله : { ولم } أي الحال أنه لم { يكن له صاحبة و } الحال أنه { ~~خلق كل شيء } أي مقدور ممكن من كل صاحبة تفرض , وكل ولد يتوهم , وكل شريك ~~يدعي فكيف يكون المبدع محتاجا إلى شيء من ذلك على وجه التوليد أو غيره . | ~~ولما كانت القدرة لا تتم إلا بشمول العلم قال : { وهو } ولم يضمر تنبيها ~~على أن عموم العلم لا تخصيص فيه كالخلق فقال : { بكل شيء عليم * } أي فهو ~~على كل شيء قدير , لأن شمول العلم يلزمه تمام القدرة - كما يأتي برهانه إن ~~شاء الله في طه , ومن كان له ولد لم يكن محيط العلم ولا القدرة , بل يكون ~~محتاجا إلى التوليد . | ولما ثبت أنه لا كفوء له بما ذكر من صفاته وأفعاله ~~, وبين فساد أقوال المشركين , وفصل مذاهبهم على أحسن الوجوه , وبين فساد كل ~~واحد منها بأمتن الحجج , فثبت بذلك ما افتتح السورة به من إحاطته بصفات ~~الكمال , قال مشيرا إلى ذلك كله بمبتدأ خبر بعده أخبار : { ذلكم } أي ~~العالي الأوصاف جدا الذي لا حاجة له إلى شيء , وكل شيء محتاج إليه { الله } ~~أي الذي له كل كمال { ربكم } أي الموجد لكم والمحسن بجميع أنواع الإحسان , ~~فهي فذلكة ما قبلها وثمرته , لأن من اتصف بذلك كان هو رب الكل وحده والخالق ~~للجميع واستحق العبادة وحده فلذا أتبع ذلك قوله : { لا إله إلا PageV02P689 ~~هو } لأن المقام للتوحيد اللازم للإحاطة بأوصاف الكمال التي هي معنى الحمد ~~المفتتح به السورة , وساق قوله : { خالق كل شيء } الذي هو مطلع ما بعده ~~مساق التعليل دليلا على ذلك , فلما أقام الدليل سبب عنه الأمر بالعبادة ~~فقال : { فاعبدوه } أي وحده , لأن من أشرك ms1501 به لم يعبده , لأنه الغنى المطلق ~~, ومن كان له الغنى المطلق لا يحسن أن يقبل مشركا , وختم الآية بقوله : { ~~وهو } ولما كان المقام لنفي احتياجه إلى شيء , قدم قوله : { على كل شيء ~~وكيل * } إشارة إلى أن الولد أو الشريك إنما يحتاجه العاجز المفتقر , وأما ~~هو فهو القادر , ومن سواه عاجز , وهو الغني ومن سواه فقير , فكيف يحتاج ~~القدير الغني إلى العاجز الفقير , هذا ما لا يكون , ولا ينبغي أن يتخيله ~~الظنون , وفيه إشارة إلى أن العابد ينبغي أن يتفرغ لعبادته ويقطع أموره عن ~~غير وكالته , فإنه يكفيه بفضله عمن سواه . | ولما كان كل والد وكل شريك لا ~~بد أن يكون مجانسا لولده وشريكه بوجه , وصل بذلك من وصفه ما اقتضاه المقام ~~من تنزيهه , فقال : { لا تدركه } أي حق الإدراك بالإحاطة { الأبصار } أي أن ~~من جعلتموه ولده أو شريكه هو مدرك بأبصاركم كعيسى وعزير عليهما السلام ~~والأوثان والنجوم والظلمة والنور , وأما الملائكة والجن فإن كان حكمكم ~~عليهم بذلك عن مشاهدة فهم كمن تقدمهم , وإن كان عن إخبار فهو عن الأنبياء ~~ليس غير , وكل منهم مخبر بأنهم عباد الله كغيرهم , وأنه منزه عن شريك وولد ~~, وهذه كتبهم وصحاح أخبارهم شاهدة بذلك , ووراء ذلك كله أنهم بحيث يدركون ~~بالأبصار في الجملة , ليس إدراكهم مستحيلا , وأما هذا الإله العزيز فهو غير ~~مدرك لكم بالبصر كما يدرك غيره إدراكا تاما , فيتأمله ناظره فيزنه وينقده ~~بالخبرة بما فيه من رضى وغضب وغيرهما , بما أبدته الفراسة وأوضحه التوسم , ~~لأنه سبحانه متعال عن أن يحاط به , هذا على أنه من عموم السلب , وإن كان من ~~سلب العموم فالمعنى أنه عزيز لا يراه كل أحد , بل يراه الخواص إذا أراد ~~فكشف لهم الحجاب وأوجد لهم الأسباب { وهو } مع ذلك يدرككم , بل و { يدرك } ~~ما لا تدركونه من أنفسكم { الأبصار } وهي القوى المودعة في عصبة العين ~~لتدرك بها المبصرات { وهو اللطيف } عن أن يحيط به الأبصار , لأنه يمنع ~~الأسباب عن أن ينشأ عنها مسبباتها , ويوجد أدق الأسباب وأغربها , فلا ~~يستغرب ms1502 عليه إدراك المعاني لأنه الذي أوجدها < # > 77 ( { ألا يعلم من خلق } ) 77 < # > [ الملك : 14 ] وأصل اللطف دقة النظر في الأشياء { الخبير * } أي ~~المحيط بالأبصارن فإحاطته بأصحابها أجدر , ويتحقق معنى الاسمين لتحقق ~~المعنى ؛ قال الحرالي في شرح الأسماء : اللطف إخفاء التوسل إلى الشيء ~~بإظهار ما يضاده , ولا يتم إلا بخبرة , ولذلك PageV02P690 نظم باسمه { ~~الخبير } لأنه أخفى حكمته في ظاهر يضادها , فاللطف مخبرة في حكمة , وباسمه ~~تعالى اللطيف أقام أمر حكمته ما بين الدنيا والآخرة , وبذلك أقام أمر أهل ~~ولايته في الدنيا لما جمع لهم من أمره فيها , فيبدو زهم من وراء ذل , ~~ويتراءى ذلهم ومن دونه عز , فيسبق عزهم إلى القلوب مع تذللهم في الحواس , ~~ويؤول محسوسهم إلى عز ي عقبى الدنيا , ومبادرة الآخرة مع تأنس القلوب بهم , ~~< # > 77 ( { إن ربي لطيف لما يشاء } ) 77 < # > [ يوسف : 100 ] لما أراد أن يملكه مصر وجعل وسيلة ذلك استبعاده بها , ~~وبحصول معناه بتمام الخبرة والحكمة - وتلك إبداء الشيء في ضده - يتضح ~~اختصاصه بالحق , فهو الذي أطعم من جوع وآمن من خوف , الذي جعل لكم من الشجر ~~الأخضر نارا , فهو تعالى اللطيف الذي لا لطيف إلا هو , ثم قالك الخبرة ~~إدراك خبايا الأشياء وخفاياها بحيث لا يبدو منه خبيثة أمر إلا كان إدراك ~~الخبير سابقا لبدوها , وذلك لا يتم إلا لمبديها الذي هو يخرج خبأها , وهو ~~الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض , ومخبرة الخلق لا بد فيها من إظهار ~~باد ينبئ عن الخبء بمقتضى التجرية , وإلا لم يصح لهم الخبرة , كما قيل : ~~مخبرة المرء فيما يبدو من نطقه وما يظهره اليوم والليلة من عمله , والخبير ~~الحق خبير بالشيء دون باد يرى الظاهر خبيثة أمره , فهو بالحقيقة الذي لا ~~خبير إلا هو - انتهى . | ولما أكثر لهم من إقامة الأدلة على وحدانيته , ~~وختمها بهذا الدليل المحسوس الذي معناه أن كل شريك وكل ابن يدرك شريكه ~~وأباه , وهو متناه عن أن يدركه , أي يحيط به أحد , ناسب أن يعظهم ويمدح ~~الأدلة حثا على تدبرها , وجعل ذلك على لسان ms1503 نبيه صلى الله عليه وسلم إشارة ~~إلى أنه - لنور قلبه وكمال عقله وصفاء لبه وغزارة علمه وشريف أخلاقه ~~واستقامة غرائزه وبعد مدى همته عن أن ينسب إلى جور أو يرمى بعناد - حقيق ~~بأن يقول بعد إقامتها من غير تلعثم تقريرا لأمر دعوته بعد تقرير المطالب ~~العالية الإلهية : { قد جاءكم } . | ولما كانت الآيات - لقوتها وجلالتها ~~التي أشار إليها تذكير الفعل - توجب المعرفة فتكون سببا لانكشاف الحقائق ~~الذي هو كالنور في جلاء المحسوسات , قال : { بصائر } أي أنوار هي لقلوبكم ~~بمنزلة الضياء المحسوس لعيونكم { من ربكم } أي المحسن إليكم بكل إحسان , ~~فلا إحسان أصلا لغيره عندكم , فاصعدوا عن النظر بالأبصار إلى الاعتبار ~~بالبصائر , ولا تهبطوا في حضيض التقليد إلى أن تصلوا إلى حد لا تفهمون معه ~~إلا ما يحس بالأبصار بل ترقوا في أوج المعرفة إلى سماوات الاجتهاد وجردوا ~~لقطاع الطريق صوارم البصائر , فإنكم إن رضيتم بالدون لم تضروا إلا أنفسكم , ~~وإن نافستم في المعالي PageV02P691 فإياها نفعتم . | ولذلك سبب عن هذا ~~النور الباهر والسر الظاهر قوله : { فمن أبصر } أي عمل بالأدلة { فلنفسه } ~~أي خاصة إبصاره لأنه خلصها من الضلال المؤدي إلى الهلاك { ومن عمي } أي لم ~~يهتد بالأدلة { فعليها } أي خاصة عماه لأنه يضل فيعطب . | ولما كان المعنى ~~أنه ليس لي ولا لغيري من إبصاره شيء ينقصه شيئا , ولا علي ولا غيري شيء من ~~عماه , كان التقدير : فإنما أنا بشير ونذير , عطف عليه قوله { وما أنا } ~~وأشار إلى أن حق الآدمي التواضع وإسلام الجبروت والقهر لله بأداة الاستعلاء ~~فقال : { عليكم } وأغرق في النفي بقوله : { بحفيظ * } أي أقودكم قسرا إلى ~~ما ينجيكم , وأمنعكم قهرا مما يرديكم . | < < # | الأنعام : ( 105 - 108 ) وكذلك نصرف الآيات . . . . . # > > ^ ( وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون * اتبع مآ ~~أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين * ولو شآء الله مآ ~~أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا ومآ أنت عليهم بوكيل * ولا تسبوا الذين ~~يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم ms1504 ~~إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون ) ^ } ) | ولما كان التقدير ~~التفاتا إلى مقام العظمة إعلاما بأن القضاء كله بيده لئلا يظن نقص في نفوذ ~~الكلمة : فانظروا ما صرفنا لكم في هذه السورة من الآيات وأوضحنا بها من ~~شريف الدلالات , لقد اتينا فيها بعجائب التصاريف وكشفنا عن غرائب التعاريف ~~, عطف عليه قوله : { وكذلك } أي ومثل هذا التصريف العظيم { نصرف } أي ننقل ~~جميع { الآيات } من حال إلى حال في المعاني المتنوعة سالكين من وجوه ~~البراهين ما يفوت القوى ويعجز القدر لتحير ألباب المارقين وتنطلس أفكار ~~المانعين , علما منهم بأنهم عجزة عن الإتيان بما يدانيها فتلزمهم الحجة { ~~وليقولوا } اعتداء لا عن ظهور عجزهم ( دارست ) أي غيرك من أهل الكتاب أو ~~غيرهم في هذا حتى انتظم لك هذا الانتظام وتم لك هذا التمام , فيأتوا ببهتان ~~بين عواره ظاهرة أسراره , مهتوكة أستاره , فيكونوا كأنهم قالوا : إنك أتيت ~~به عن علم ونحن جاهلون لا نعلم شيئا , فيعلم كل موفق أنهم ما رضوه لأنفسهم ~~مع ادعاء الصدق والمنافسة في البعد عن أوصاف الكذب إلا لفرط الحيرة وتناهي ~~الدهشة وإعواز القادح , والحاصل أنه أتى به على هذا المنهاج الغريب ~~والأسلوب العجيب ليعمى ناس عن بينة ويبصر آخرون , وهم المرادون بقوله : ~~PageV02P692 { ولنبينه } أي القرآن لأنه المراد بالآيات المسموعة { لقوم ~~يعلمون * } أي أن المراد من الإبلاغ في البيان أن يزداد الجهلة به جهلا , ~~ويهتدي من كان للعلم أهلا , فلا يقولون : ( دارست ) بل يقولون : إنه من عند ~~الله , فالآية من الاحتباك : إثبات ادعاء المدارسة أولا يدل على نفيها ~~ثانيا , وإثبات العلم ثانيا يدل على عدمه أولا , وهي من معنى < # > 77 ( { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ) 77 < # > [ البقرة : 26 ] . | ولما انكشف بهذا في أثناء الأدلة وتضاعيف البراهين ~~أن القرآن كنز لا يلقى مثله كنز , وعز لا يدانيه عز , وأنه في الذروة التي ~~تضاءلت دونها سوابح الأفكار , وكلت عن التماعها نوافذ الأبصار , وختم بأن ~~المراد بالبيان العلماء , ناسب له أن ينبه على ذلك لئلا يفتر عنه طعنهم ~~بقولهم ( دارست ) ونحوه , فقال مخصصا ms1505 له صلى الله عليه وسلم بالخطاب إعلاما ~~بأنه العالم على الحقيقة : { اتبع } أي أنت ومن تبعك { وما أوحي إليك } أي ~~فالزم العمل به ؛ ثم أكد مدحه بقوله : { من ربك } أي المحسن إليك بهذا ~~البيان ؛ ثم علل ذلك بقوله : { لا إله إلا هو } أي فلا يستحق غيره أن يتبع ~~له أمر , ولا يلتفت إليه في نفع ولا ضر { وأعرض عن المشركين * } أي بغير ~~التبليغ , فإنه ما عليك غيره , ومزيد حرصك على إيمانهم لا يزيد من أريدت ~~شقوته إلا تماديا في إشراكه وارتباكا في قيود أشراكه . | ولما كان الحبيب ~~أسر شيء بما يزيده حبيبه , قال مسليا له صلى الله عليه وسلم عن استهزائهم ~~به وردهم لقوله , عاطفا على ما تقديره : فلو شاء الله ما خالفوك ولا تكلموا ~~فيك ببنت شفة : { ولو شاء الله ما أشركوا } أي ما وقع منهم إشراك أصلا , ~~فقد أراد لك من الوقوع فيك ما أراده لنفسه , فليكن لك في ذلك مسلاة . | ~~ولما كان التقدير : فإنه سبحانه حفيظ عليهم , عطف عليه قوله : { وما جعلناك ~~} أي بعظمتنا , وأشار إلى أن العلو ليس بغير الله سبحانه فقال : { عليهم ~~حفيظا } أي تحفظ أعمالهم لئلا يكون منها ما لا يرضينا فتردهم عنه قسرا { ~~وما أنت } وقدم ما هو أعم من نفي التحقق بالعلو المحيط القاهر الذي هو خاص ~~بالإله فقال : { عليهم بوكيل * } أي فتأخذ الحق منهم قهرا , وتعاملهم بما ~~يستحقونه خيرا أو شرا , إنما أنت مبلغ عنا , ثم الأمر في هدايتهم وإضلالهم ~~إلينا . | ولما طال التنفير عما اتخذ من دونه من الأنداد والبنات , لأنها ~~أقل من ذلك وأحقر , كان ذلك ربما كان داعية إلى سبها , فنهى عنه لمفسدة ~~يجرها السب كبيرة جدا , فقال عاطفا على قوله { وأعرض عن المشركين } غير ~~مواجه له وحده صلى الله عليه وسلم إكراما له : { ولا تسبوا } ولما كانت ~~الأصنام لا تعقل , وكان المشركون يزعمون بها العقل والعلم , ويسندون إليها ~~الأفعال , أجري الكلام على زعمهم لأنه في الكف عنها فقال : { الذين ~~PageV02P693 يدعون } أي دعاء عبادة من الأصنام أو غيرهم ms1506 بذكر ما فيهم من ~~النقص , ثم بين دفعا لتوهم إكرامهم أنهم في سفول بقوله : { من دون الله } ~~أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له عدلا , بعلم منكم بما لهم من المعايب , بل ~~أعرضوا عن غير دعائهم إلى الله حتى عن سب آلهتهم بما تستحقه , فإنا زينا ~~لهم أعمالهم فغرقوا مع غزارة عقولهم فيما لا يرتضيه عاقل , وكذبوا بجميع ~~الآيات الموجبة للإيمان , فربما جرهم سبكم لها - لما عندهم من حمية ~~الجاهلية - إلى ما لا يليق { فيسبوا } أي فيتسبب عن ذلك أن يسبوا { الله } ~~أي الذي تدعونه وله الإحاطة بصفات الكمال , وأظهر تصريحا بالمقصود وإعظاما ~~لهذا وتهويلا له وتنفيرا منه . | ولما كان الخنو يوجب الإسراع , أشار إليه ~~سبحانه بقوله : { عدوا } أي جريا إلى السب ؛ ولما كان العدو قد يكون مع علم ~~, قال مبينا لأنه يراد به مع الإسراع أنه مجاوز للحد : { بغير علم } لأنا ~~زينا لهم عملهم , فالطاعة إذا استلزمت وجود منكر عظيم احترز منه ولو أدى ~~الحال إلى تركها وقتا ما , لتحصل القوة على دفع ذلك المنكر , فحكم الآية ~~باق وليس بمنسوخ . | ولما كان ذلك شديدا على النفس ضائقا به الصدر , اقتضى ~~الحال أن يقال : هل هذا التزيين مختص بهؤلاء المجرمين أم كان لغيرهم من ~~الأمم مثله ؟ فقيل : { كذلك } أي بل كان لغيرهم , فإنا مثل ذلك التزيين ~~الذي زينا لهؤلاء { زينا لكل أمة } أي طائفة عظيمة مقصودة { عملهم } أي ~~القبيح الذي أقدموا عليه بغير علم بما خلقه في قلوبهم من المحبة له , ردا ~~منا لهم بعد العقل الرصين أسفل سافلين , حتى رأوا حسنا ما ليس بالحسن لتبين ~~قدرتنا ؛ فكان في ذلك أعظم تسلية وتأسية وتعزية , والآية من الاحتباك : ~~إثبات { بغير علم } أولا دال على حذفه ثانيا , وإثبات التزيين ثانيا دليل ~~على حذفه أولا . | ولما كان سبحانه طويل الأناة عظيم الحلم , وكان الإمهال ~~ربما كان من جهل بعمل العاصي , نفى ذلك بقوله { ثم } أي بعد طول الإمهال { ~~إلى ربهم } أي المحسن إليهم بالحلم عنهم وهم يتقوون بنعمه على معاصيه , لا ~~إلى غيره ms1507 { مرجعهم } أي بالحشر الأعظم { فينبئهم } أي يخبرهم إخبارا عظيما ~~بليغا { بما } أي بجميع ما { كانوا يعملون * } أي على سبيل التجدد ~~والاستمرار بما في جبلاتهم من الداعية إليه وإن ادعوا أنهم عاملون على ~~مقتضى العلم . | PageV02P694 < < # | الأنعام : ( 109 - 111 ) وأقسموا بالله جهد . . . . . # > > ^ ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما ~~الآيات عند الله وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون * ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون * ولو أننا ~~نزلنآ إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشآء الله ولكن أكثرهم يجهلون ) ^ } ) | ولما نصب سبحانه ~~هذه الدلالات في هذه الآيات البينات حتى ختمها بما علم منهم من الإسراع إلى ~~سب من أحسن إليهم بأن أوجدهم وأوجد لهم كل ما في الكون , وما من نعمة عليهم ~~إلا وهي منه , عجب منهم في الوعد بالإيمان على وجه التأكيد بما يأتيهم من ~~مقترحاتهم إعلاما بأن ذلك مما زين لهم من عملهم , وهي أمنية كاذبة ويمين ~~حانثة فقال عاطفا على ^ ( { وجعلوا لله شركاء الجن } ) ^ [ الأنعام : 100 ] ~~{ وأقسموا } أي المشركون { بالله } أي الذي لا أعظم منه { جهد أيمانهم } أي ~~باذلين فيها جهدهم حتى كأنها هي جاهدة , ووطأ للقسم فقال : { لئن جاءتهم ~~آية } أي من مقترحاتهم , وتلقى القسم بقوله : { ليؤمنن بها } . | ولما ~~كانوا بهذا ظالمين من أجل أنهم طلبوا من الرسول ما ليس إليه بعد إتيانه من ~~المعجزات بما أزال معاذيرهم , وأوجب عليهم الاتباع , نبه على ذلك بقوله ~~مستأنفا : { قل } أي ردا لتعنتهم { إنما الآيات } أي هذا الجنس { عند الله ~~} أي الحائز لجميع صفات الكمال , وليس إلي ولا إلى غيري شيء من هذا الجنس ~~ليفيد الاقتراح شيئا غير إغضابه . | ولما كان العبد لعجزه لا قدرة له على ~~شيء أصلا , فلا يصح له أن يحكم على آت أصلا لا من أفعاله ولا من أفعال غيره ~~, قال منكرا عليهم ملتفتا إلى خطابهم إشارة إلى أنهم حقيقون بالمواجهة ~~بالتبكيت : { وما } أي وأي شيء { يشعركم } أي ms1508 أدنى شعور بما أقسمتم عليه من ~~الإيمان عند مجيئها حتى يتوهموه أدنى توهم فضلا عن الظن فكيف بالجزم ولا ~~سيما على هذا الوجه ! ثم علل الاستفهام بقوله مبينا أنه لا فائدة في ~~الإتيان بالآية المقترحة : { أنها } بالفتح في قراءة نافع وابن عامر وشعبة ~~في رواية عنه وحفص وحمزة والكسائي , فكان كأنه قيل : أنكرت عليكم لأنها { ~~إذا جاءت لا يؤمنون * } بالخطاب في قراءة ابن عامر وحمزة , والالتفات إلى ~~الغيبة في قراءة غيرهم للإعلام بأنهم بعيدون من الإيمان فهم أهل للإعراض ~~عنهم لما استحقوا من الغضب , والتعليل عند من كسر ( أنها ) واضح . | ~~PageV02P695 ولما كان التقدير : فإنا نطبع على قلوبهم , ونزين لهم سوء ~~أعمالهم , عطف عليه قوله : { ونقلب } أي بما لنا من العظمة { أفئدتهم } أي ~~قلوبهم حتى لا يهتدوا بها { وأبصارهم } حتى لا ينفعهم الإبصار بها , فلا ~~يعتبرون فلا يؤمنون { كما لم يؤمنوا به } أي بمثل ذلك { أو لمرة } أي عند ~~إتيان الآيات التي قبل تلك { ونذرهم } أي نتركهم { في طغيانهم } أي تجاوزهم ~~للحدود { يعمهون * } أي يديمون التحير على أن الحال لما فيه من الدلالة لا ~~يقتضي حيرة بوجه . | ولما أخبر أنهم لا يؤمنون عند آية مقترحة عمم على وجه ~~مفصل لإجمال ما قبله فقال : { ولو أننا } أي على عظمتنا البالغة بما أشار ~~إليه جمع النونات { نزلنا } أي على وجه يليق بعظمتنا { إليهم الملائكة } أي ~~كلهم فرأوهم عيانا { وكلمهم الموتى } أي كذلك { وحشرنا عليهم } أي بما لنا ~~من العظمة { كل شيء قبلا } جمع قبيل جمع قبيلة في قراءة من ضم القاف والباء ~~كرغيف ورغف , أي جاءهم ذلك المحشور كله قبيلة قبيلة تترى ومواجهة { ما ~~كانوا ليؤمنوا } أي على حال من الأحوال { إلا أن يشاء الله } أي إلا حال ~~مشيئته لإيمانهم لأنه الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه , فإذن لا عبرة ~~غلا بمشيئته , فالآية دامغة لأهل القدر , ولا مدخل لآية ولا غيرها في ذلك , ~~فلا يطمع أحد في إيمانهم بغير ذلك , ويقرب عندي - وإن بعد المدى - أن يكون ~~{ وأقسموا } معطوفا على قوله تعالى ms1509 { وقالوا لولا أنزل عليه آية من ربه } ~~وهذا من المتعارف في كلام البلغاء أن يحكي الإنسان جملة من كلام خصمه , ثم ~~يشرع في توهينها , ويخرج إلى أمور - يجرها المقام - كثيرة الأنواع طويلة ~~الذيول جدا , ثم يحكي جملة أخرى فيقول معجبا منه : وقال كذا وكذا , ثم يشرع ~~فيما يتعلق بذلك من النقد والرد , ومما يؤيد ذلك توحيد ختمهما , فختم ~~الأولى ^ ( { ولكن أكثرهم لا يعلمون } ) ^ [ الأنعام : 37 ] وختم هذه { ~~ولكن أكثرهم يجهلون * } أي أهل جهل مطبوعون فيه , يقسمون على الإيمان عند ~~مجيء آية مقترحة ولا يشعرون أن المانع لهم من الإيمان إنما هو المشيئة وإلا ~~لآمنوا بما جاءهم من الآيات , فإنه كفاية في المبادرة إلى الإيمان , ~~والآيات كلها متساوية الأقدام في الدلالة على صدق الداعي بخرق العادة ~~والعجز عن الإتيان بمثلها . | < < # | الأنعام : ( 112 - 113 ) وكذلك جعلنا لكل . . . . . # > > ^ ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا ولو شآء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون * ولتصغى إليه ~~أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ) ^ } ) | ~~ولما كان مضمون ما تقدم إثبات عداوة الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم , كان ~~كأنه قيل تسلية له وتثبيتا لفؤاده : فقد جعلناهم أعداء لك لأنك عالم , ~~والجاهلون لأهل العلم أعداء PageV02P696 { وكذلك } أي ومثل ما جعلنا لك ~~أعداء من كفار الإنس والجن { جعلنا لكل نبي } أي ممن كان قبلك , وعبر عن ~~الجمع بالمفرد - والمراد به الجنس - إشارة إلى أنهم يد واحدة في العداوة ~~فقال : { عدوا } وبين أن المراد به الجنس , وأنهم أهل الشر فقال مبدلا : { ~~شياطين } أي أشرار { الإنس والجن } المتمردين منهم , وربما استعان شيطان ~~الجن شيطان الإنس لقرب قلبه منه , أم يكون نوعه إليه أميل , وأشار إلى هوان ~~أمرهم وسوء عاقبتهم بقوله : { يوحي بعضهم } أي الشياطين من النوعين { إلى ~~بعض } أي يكلمه في خفاء { زخرف القول } أي مزينه ومنمقه . | ولما كان هذا ~~يدل على أنه - لكونه لا حقيقة له - لولا الزخرفة ما قيل , زاده بيانا بقوله ~~: { غرورا } أي لأجل أن ms1510 يغروهم بذلك , أي يخدعوهم فيصيروا لقبولهم كلامهم ~~كالغافلين الذين شأنهم عدم التحفظ , والغرور هو الذي يعتقد فيه النفع وليس ~~بنافع . | ولما كان أول الآية معلما أن هذا كان بمشيئة الله وجعله , أيد ~~ذلك ومكنه في آخرها بأنه لو شاء ما كان , وكل ذلك غيرة على مقام الإلهية ~~وتنزيها لصفة الربوبية أن يخرج شيء عنها فيدل على الوهن , ويجر قطعا إلى ~~اعتقاد العجز , فقال : { ولو شاء } ولما كان في بيان أعدائه صلى الله عليه ~~وسلم والمسلطين عليه , أشار إلى أن ذلك لإكرامه وإعزازه , لا لهوانه , فقال ~~{ ربك } أي بما له إليك من حسن التربية وغزير الإحسان مع ما له من تمام ~~العلم وشمول القدرة , أن لا يفعلوه { ما فعلوه } أي هذا الذي أنبأتك به من ~~عداوتهم وما تفرع عليها . | ولما قرر أن هذا من باب التربية فعاقبته إلى ~~خير , سبب عنه قطعا قوله : { فذرهم } أي اتركهم على أي حالة اتفقت { وما ~~يفترون * } أي يتعمدون كذبه واختلافه , واذكر ما لربك عليك من العاطفة ~~لتعلم أن الذي سلطهم على هذا في غاية الرأفة بك والرحمة لك وحسن التربية ~~كما لا يخفى عليك , فثق به واعلم أن له في هذا لطيف سريرة تدق عن الأفكار , ~~بخلاف الآيات الآتية التي عبر فيها باسم الجلالة , فإنها في عظيم تجرئهم ~~على مقام الإلهية . | ولم كان التقدير : ذرهم لتعرض عنهم قلوب الذين يؤمنون ~~بالآخرة وليسخطوه , وليعلموا ما هم له مبصرون وبه عارفون , فترفع بذلك ~~درجاتهم , عطف عليه قوله : { ولتصغى } أي تميل ميلا قويا تعرض به { إليه } ~~أي كذبهم وما في حيزه { أفئدة } أي قلوب { الذين لا يؤمنون بالآخرة } أي ~~ليس في طبعهم الإيمان بها لأنها غيب , وهم لبلادتهم واقفون مع الوهم , ~~ولذلك استولت عليهم الدنيا التي هي أصل الغرور { وليرضوه } أي بما تمكن من ~~ميلهم إليه { وليقترفوا } أي يفعلوا بجهدهم { ما هم PageV02P697 مقترفون * ~~} وهذه الجمل - كما نبه عليه أبو حيان - على غاية الفصاحة , لأنه أولا يكون ~~الخداع فيكون الميل فيكون الرضى فيكون فعل الاقتراف , فكأن كل واحد مسبب ms1511 ~~عما قبله . | < < # | الأنعام : ( 114 - 116 ) أفغير الله أبتغي . . . . . # > > ^ ( أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين ~~آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين * وتمت ~~كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم * وإن تطع أكثر من ~~في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) ^ } ) ~~| ولما كان فيما تقدم الإخبار عن مغيب , وهو أنهم لا يؤمنون عند مجيء ~~الآيات المقترحة , وكانت عادة العرب دعاء الأعداء والمخالفين إلى حاكم يفصل ~~بينهم , وكانوا إنما يفزعون في الأمور المغيبة إلى الكهان لما كانوا يكشفون ~~لهم بما يقذف غليهم إخوانهم من الجان مما يسترقونه من السمع , فيزيدونه ~~كذبا كثيرا , ثم لا يضرهم ذلك عندهم لذلك القليل الذي يصدقون فيه - كما ~~ابتلينا به في هذا الزمان من الافتتان بمن يفعل مثل ذلك من المجانين ~~والمتشبهين بهم , وكانت الآيات التي فرغ منها قد أثبتت أن اتخاذهم غرور , ~~سبب عن ذلك وجو بنفي اتخاذهم غير الله لما اتصف به من إيحاء ما خالف ~~إيحاءهم , ففات القوى في إخباره عن حقائق الأمور مفصلة أحسن تفصيل في ~~أساليب قصرت دونها سوابق الأفكار , وكعت عنها نوافذ الأفهام , فثبتت به ~~نبوته ووضحت رسالته , فكان اقتراحهم ظاهرا في كونه نعنتا لأنهم كذبوا بأعظم ~~الآيات : القرآن , ولم يؤمنوا به , وطعنوا فيه بما زادهم فضائح , فثبت أنه ~~لا فائدة في إجابتهم إلى مقترحاتهم , فكان الجواب - عما اقتضاه لسان حالهم ~~من طلب التحاكم إلى أوليائهم ببليغ الإنكار عليهم بقوله : { أفغير الله } ~~أي الملك الأعظم - على غاية من البلاغة لا تدرك , والفاء فيه للسبب , وإنما ~~تقدمت عليها همزة الإنكار لاقتضائها الصدر { أبتغي } أي أطلب حال كون ذلك ~~الغير { حكما } أي يحكم بيني وبينكم ويفصل نزاعنا ؛ ثم استدل على هذا ~~الإنكار بتفصيل الكتاب هذا التفصيل المعجز فقال : { وهو } أي والحال أنه لا ~~غيره { الذي أنزل إليكم } أي خاصة نعمة علي بالقصد الأول وعليكم بالقصد ~~الثاني { الكتاب } أي الأكمل المعجز , وهو هذا القرآن ms1512 الذي هو تبيان لكل ~~شيء { مفصلا } أي مميزا فيه الحلال والحرام , وغير ذلك من جميع الأحكام , ~~مع ما تفيده فواصل الآيات من اللطائف والمعارف الكاشفة لحقائق البدايات ~~والنهايات , ولقد اشتد الاعتناء في هذه السورة بالتنبيه على التفصيل لوقوع ~~العلم من أرباب البصائر في الصنائع بأن من لا يحسن التفصيل لا يتقن التركيب ~~. | PageV02P698 ولما كان التقدير : فأنتم وجميع أرباب البلاغة تعلمون ~~حقيقته بتفصيله والعجز عن مثيله , عطف عليه قوله : { والذين } ويجوز أن ~~يكون جملة حالية { آتيناهم } أي بعظمتنا التي تعرفونها ويعرفون بها الحق من ~~الباطل { الكتاب } أي المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور { يعلمون ~~} أي لما لهم من سوابق الأنس بالكتب الإلهية { أنه منزل } . | ولما تقدم ~~ذكر الجلالة الشريفة في حاق موضعه في سياق الحكم الذي لا يكون إلا مع ~~التفرد بالكمال , وكان هذا المقام بسياق الإنزال يقتضي الإحسان , لم يضمر ~~بل قال : { من ربك } أي المحسن إليك بما خصك به في هذا الكتاب من أنواع ~~الفضائل { بالحق } أي الأكمل لما عندهم به ن البشائر في كتبهم ولما له من ~~موافقتها في ذكر الأحكام المحكمة والمواعظ الحسنة وكثرة ذكر الله على وجوه ~~ترقق القلوب وتفيض الدموع وتصدع الصدور , مع ما يزيد به على كتبهم من ~~التفصيل بما يفهم معارف الإلهية والمقامات الصوفية في ضمن الأحكام السياسية ~~والإعجاز بكل آية . | ولما كان أهل الكتاب يخفون ما عندهم من العلم , ~~ويقولون للمشركين : إنهم أهدى سبيلا , بما قد يوهم أنهم يعتقدون بطلانه , ~~أو أن الأمر ملبس عليهم , سبب عن إخباره سبحانه قوله على طريق التهييج ~~والإلهاب : { فلا تكونن } أي انف نفيا مؤكدا جدا أن تكون في وقت ما { من ~~الممترين * } أي العاملين عمل الشاك فيما أخبرناك به وإن زاد إخفاؤهم له ~~وإظهارهم لما يوهم خلافه ؛ وإذا حاربتهم في ذلك وأنت أفطن الناس وأعرفهم ~~بما يظهره المجاوزات من خفايا الأسرار - تحققت ما قلناه وإن اجتهدوا في ~~الكتمان , كما كشفت عنه قصة المناشدة في أمر الزانيين وغيرها ؛ وقال أبو ~~حيان : قال مشركو قريش لرسول الله صلى ms1513 الله عليه وسلم : اجعل بيننا وبينك ~~حكما من أحبار اليهود , وإن شئت من أساقفة النصارى , ليخبرناعنك بما في ~~كتابهم من أمرك فنزل . | ولما دل على كونه حقا من عند الله بعلم أهل الكتاب ~~صريحا وأهل اللسان تلويحا , دل عليه بوجه آخر شهودي , وهو أنه ما قال شيئا ~~إلا كان على وفق ما قال , وأنه لم يستطع - ولا يستطيع أحد - منع شيء مما ~~أخبر به ولا تعويقه ساعة من نهار ولا أقل ولا أكثر بقوله تعالى مظهرا في ~~موضع الإضمار , لتذكيره صلى الله عليه وسلم مبا له سبحانه من الإحسان , ~~والتنبيه على ما يريد به من التشريف والإكرام : { وتمت } أي نفذت وتحققت { ~~كلمة ربك } أي المحسن إليك المدبر لأمرك حال كونها { صدقا } أي لا يقدر أحد ~~أن يبدي في شيء منها حيثا بتخلف ما عن مطابقة الواقع . | ولما كان الصدق ~~غير مناف للجور , قال : { وعدلا } ولما كان الصدق العدل قد PageV02P699 لا ~~يتم معه مراد القائل , ولا ينفذ فيه كلام الآمر لمنع من هو أقوى منه , أخبر ~~أنه لا راد لأمره ولا معقب لحكمه , تصريحا بما أفهم مطلع الآية من التمام , ~~وأظهر موضع الإضمار تعميما وتبركا وتلذيذا فقال : { لا مبدل لكلماته } أي ~~من حيث إنها كلماته مطلقا من غير تخصيص بنوع ما , بل كل ما أخبرت به فهو ~~كائن لا محالة , رضي من رضي وسخط من سخط . | ولما كان المغير لشيء إنما يتم ~~له ما يرد من التغيير بكون المغير عليه لا يعلم الأسباب المنجحة لما أراد ~~ليحكمها , والموانع العائقة ليبطلها , قال عاطفا على ما تقديره : فهو ~~العزيز الحكيم : { وهو } أي لا غيره { السميع } أي البالغ السمع لجميع ما ~~يمكن سمعه من الأقوال والأفعال { العليم * } أي البالغ العلم لجميع ذلك , ~~فهو إذن الكامل القدرة النافذ الأمر في جميع الأسباب والموانع , فلا يدع ~~أحدا يغير شيئا منها وإن دلس أو شبه . | ولما أجاب عن شبهات الكفار , وبين ~~صحة نبوته عليه السلام , شرع في الحث على الإعراض عن جهل الجهال , والإقبال ~~على ذي الجلال ms1514 , فكان التقدير : فإن أطعته فيما أمرك به اهتديت إلى صراط ~~الله الذي يتم لك بسلوكه جميع ما وعدك به , عطف عليه قوله : { وإن تطع } ~~ولما كانت أكثر الأنفس متقيدة بالأكثر , أشار إلى أن ذلك لا يفعله إلا جاهل ~~مخلد إلى التقليد فقال : { أكثر من في الأرض } أي توجد طاعتك لهم في شيء من ~~الأوقات بعد أن علمت أن أكثرهم إنما يتبع الهوى , وأن أكثرهم فاسقون لا ~~يعلمون لا يشكرون { يضلوك عن سبيل الله } أي المستجمع لصفات الكمال ؛ ثم ~~علل ذلك بقوله : { إن } أي لأنهم ما { يتبعون } في امورهم { إلا الظن } أي ~~كما يظن هؤلاء جهلا أن آباءهم كانوا على الحق . | ولما كان أكثر من يجزم ~~بالأمور مبا دعاه إليه ظنه كذبا , وكان الخارص يقال على الكاذب والمخمن ~~الحازر , قال : { وإن هم } أي بصميم ضمائرهم { إلا يخرصون * } أي يجزمون ~~بالأمور بحسب ما يقدرون , فيكشف الأمر عن أنها كذب , فيعرف الفرق بينك ~~وبينهم في تمام الكلام ونفوذه نفوذ السهام , أو تخلفه عن التمام ونكوصه ~~بالسيف الكهام , فلا يبقى شبهة في أمر المحق والمبطل . | < < # | الأنعام : ( 117 - 119 ) إن ربك هو . . . . . # > > ^ ( إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين * فكلوا مما ~~ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين * وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم ~~الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون ~~بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين ) ^ } ) | PageV02P700 ولما ~~كان المقام للعلم الكاشف للحقائق المبين لما يتبع وما يجتنب , قال معللا ~~لهذا الإخبار : { إن ربك } أي المحسن إليك بإنزال هذا الكتاب الكاشف ~~للارتياب الهادي إلى الصواب { هو } أي وحده { أعلم } ولكون الحال شديد ~~الاقتضاء للعلم , قطعه عما بعده ليسبق إلى الفهم أنه أعلم من كل من يتوهم ~~فيه العلم مطلقا ثم قال : { من } أي يعلم من { يضل } أي يقع منه ضلال يوما ~~ما { عن سبيله } أي الذي بينه بعلمه { وهو } أي وحده { أعلم بالمهتدين * } ~~كما أنه أعلم بالضالين , فمن أمركم ms1515 باتباعه فاتبعوه , ومن نهاكم عنه ~~فاجتنبوه , فمن ضل أرداه , ومن اهتدى أنجاه , فاستمسكوا بأسبابه حذرا من ~~وبيل عقابه يوم حسابه . | ولما قدم سبحانه ما مضى من السوائب وما معها وفي ~~المائدة مما يدين به أهل الجاهلية في أكل الحيوان الذي جر إليه الشرك , ~~وأتبعه بيان أنه لا ضرر على أهل الإيمان من دين أهل الضلال إذا اهتدوا , ~~وأتبع ذلك ما لاءمه , وانتظم في سلكه ولاحمه , حتى ظهر أي ظهور أن الكل ~~ملكه وملكه , وأنه لا شريك له , فوجب شكره وحده , وكانوا مع ذلك قد كفروا ~~نعمه تتعالى فاتخذوا معه شركاء ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا لها مما ذرأ من ~~الحرث والأنعام نصيبا , فكانوا بذلك المانعين الحق عن أهله , ومانحين ما ~~خولهم فيه من له الملك لما لا يملك ضرا ولا نفعا , وتاركين بعض ما أنعم ~~عليهم به صاحب الحق رعاية لمن لا حق له ولا حرمة , وكانت سنة الله تعالى قد ~~جرت بأنه يذكر نفسه الشريفة بالوحدانية . | ويستدل على ذلك بخلق السماوات ~~والأرض وما أودع فيهما لنا من المنافع وما أبدع من المرافق والمصانع , ثم ~~يعجب ممن أشرك به , ثم يأمر بالأكل مما خلق تذكيرا بالنعمة , ليكون ذلك ~~داعية لكل ذي لب إلى شكره , كما قال تعالى في البقرة عقب { وإلهكم إله واحد ~~} < # > 77 ( { إن في خلق السماوات والأرض } ) 77 < # > [ البقرة : 164 ] ثم قال < # > 77 ( { ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا } ) 77 < # > [ البقرة : 165 ] ثم قال < # > 77 ( { يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا } ) 77 < # > [ البقرة : 168 ] ؛ أجرى هذه السنة الجليلة في هذه السورة أيضا , فقال ~~: < # > 77 ( { إن الله فالق الحب والنوى } ) 77 < # > [ الأنعام : 95 ] بعد < # > 77 ( { إني وجهت وجهي للذي فطر } ) 77 < # > [ الأنعام : 79 ] ثم < # > 77 ( { وجعلوا لله شركاء الجن } ) 77 < # > [ الأنعام : 100 ] ودل على أنه لا شريك له في ملكه ولا ملكه , وختم ~~بأنه لا حكم سواه ينازعه في حكمه أو يباريه في شيء من أمره , وبين أن من ~~آيها الهداية التي جعلها شرطا ms1516 لعدم ضرر يلحق من دين أهل الشرك ؛ فسبب عن ~~جميع ما ذكرت قوله : { فكلوا مما ذكر } أي وقت الذبح { اسم الله } أي الملك ~~الذي له الإحاطة الكاملة فله كل شيء { عليه } أي كأن قائلا لذلك سواء ذكر ~~بالفعل أولا , وعدل عن التعبير بما جعلته المراد ليفهم أن الذكر بالفعل ~~مندوب إليه , ولا يكونوا ممن بنى دينه على اتباع الأهوية والظنون الكاذبة , ~~فكأنه قيل : اتبعوا من يعرف الحق لأهله فإنه مهتد غير معرجين على غيره فإنه ~~ضال , PageV02P701 والله أعلم بالفريقين , فكونوا من المهتدين , فكلوا مما ~~خلق الله لكم حلالا شاكرين لنعمته , وإنما أطال هنا دون البقرة ما بين ~~الجمل الكلام تقريرا لمضامينها وما يستتبعه واحتجاجا على جميع ذلك لأنها ~~سورة التفصيل , وأتى بالذكر والمراد قبول المأكول له , أي كلوا مما يقبل أن ~~يسمى عليه على مقتضى ما شةعه , وذلك هو الذي أحله من الحيوان وغيره سواء ~~كان مما جعلوه لأوثانهم أولا , دون ما مات من الحيوان حتف أنفه , أو ذكر ~~عليه اسم غير الله أو كان مما حرم أكله وإن ذبح وذكر عليه اسم الله , فإنه ~~لا يقبل التحليل بالتسمية , فالتسمية في غير موضعها , لورود النصوص ~~بالتحريم , ولا تتبعوا المشركين في منعهم أنفسهم من خير مما خلق الله لهم ~~من الحرث والأنعام بتسميتهم إياه لآلهتهم التي لا غناء عندها , ويكون ذلك ~~حثا على التسمية على جميع المأكول الحلال , فتكون الآية كآية البقرة بزيادة ~~. | ولما كان هذا الأمر لا يقبله إلا من زال دين الشرك وجميع توابعه من ~~قبله ؛ قال : { إن كنتم } أي بما لكم من الجبلة الصالحة { بآياته } أي عامة ~~التي منها آيات التحليل والتحريم { مؤمنين * } أي عريقين في وصف الإيمان , ~~وقد لاح بذلك حسن انتظام قوله : { وما لكم } أي أي شيء يكون لكم في { ألا ~~تأكلوا مما ذكر } أي يقبل أن يذكر { اسم الله } أي الذي له كل شيء { عليه } ~~فإن التسمية قائمة مقام إذنه { وقد } أي والحال أنه قد { فصل لكم } أي من ~~قبل ذلك والخلق خلقه والأمر أمره ms1517 { ما حرم عليكم } أي مما لم يحرم تفصيلا ~~واضح البيان ظاهر البرهان { إلا ما اضطررتم إليه } أي فإن الضرورة تزيل ~~التفصيل عنه برده إلى ما كان عليه قبل التفصيل ؛ فيصير الكل حلالا لا تفصيل ~~فيه , والمراد في هذه الآية مختلف باختلاف المخاطبين , فأما من خوطب بها ~~وقت الإنزال فالمراد بالتفصيل الذي ىتاه الآية الآتية أخير هذه فإنها نزلت ~~جملة , وكذا كل ما شاكلها مما أنزل بمكة قبل هذه السورة , وكذا ما أخبر به ~~صلى الله عليه وسلم في وحي متلو إذ ذاك , ولعله نسخت تلاوته وبقي حكمه , أو ~~وحي غير متلو من جميع الأحاديث التي تقدمت على هذه السورة , وأما من خوطب ~~بها بعد ترتيبه على هذا الوجه فالمراد في حقه كما في البقرة والمائدة ~~وغيرهما من السور الماضية - من الحلال والحرام . | ولما كان التقدير : من ~~عمل بهذه الأوامر اهتدى بما نال من العلم وهم قليل , عطف عليه قوله : { وإن ~~كثيرا } أي من الناس { ليضلون } أي يقع منهم الضلال فيوقعون غيرهم فيه ~~بنكوبهم عما دعت إليه أوامر الله وهدى إليه بيانه , فيكونون بمعرض العطب { ~~بأهوائهم } أي بسبب اتباعهم للهوى ؛ ولما كان الهوى - وهو ميل النفس - ربما ~~كان موافقا لما أدى إليه العم بصحيح الفكر وصريح العقل قال : { بغير علم } ~~أي دعا إلى ذلك ممن له العلم من شريعة ماضية ممن له الأمر . | ولما كانوا ~~ينكرون هذا , أثبت لنفسه الشريفة ما هو مسلم عند كل أحد وقال دليلا ~~PageV02P702 على صحة ما أخبر به : { إن ربك } أي المحسن إليك بإنزال هذا ~~الكتاب شاهدا لك بإعجازه بالتصديق { هو } أي وحده { أعلم } وكان الموضع ~~للإضمار فأظهر للتعميم والتنبيه على الوصف الذي أوجب لهم ذلك فقالك { ~~بالمعتدين * } أي الذين يتجاوزون الحدود مجتهدين في ذلك . | < < # | الأنعام : ( 120 - 122 ) وذروا ظاهر الإثم . . . . . # > > ^ ( وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا ~~يقترفون * ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ~~ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون * أو من كان ms1518 ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج ~~منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون ) ^ } ) | ] ولما كان مما يقبل في ~~نفسه في الجملة أن يذكر اسم الله عليه ما يحرم لكونه ملكا للغير أو فيه ~~شبهة , نهى عنه على وجه يعم غيره , فقال عطفا على ( فكلوا ) { وذروا } أي ~~اتركوا على أي حالة اتفقت وإن كنتم تظنونها غير صالحة { ظاهر الإثم } أي ~~المعلوم الحرمة من هذا وغيره { وباطنه } من كل ما فيه شبهة من الأقوال ~~والأفعال والعقائد , فإن الله جعل له في القلب علامة , وهو أن يضطرب عنده ~~ولا يسكن كما قال صلى الله عليه وسلم : ( والإثم ما حاك في القلب وتردد في ~~الصدر ) - أخرجه مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه ؛ ثم علل ذلك بقوله ~~: { إن الذين يكسبون الإثم } أي ولو بأخفى أنواع الكسب , مبا دل عليه تجريد ~~الفعل , وهو الإعتقاد للاسم الشريف . | ولما كان العاقل من خاف من مطلق ~~الجزاء بني للمفعول قوله { سيجزون } أي بوعد لا خلف فيه { بما } أي بسبب ما ~~{ كانوا } بفاسد جبلاتهم { يقترفون * } أي يكتسبون اكتسابا يوجب الفرق وهو ~~أشد الخوف ويزيل الرفق , وصيغة الافتعال للدلالة على أن أفعال الشر إنما ~~تكون بمعالجة من النفس للفطرة الأولى السليمة . | ولما أمرهم بالأكل مما ~~ينفعهم ويعينهم على شكره محذرا من أكل ما يعيش مرأى بصائرهم , أتبعه نهيهم ~~نهيا جازما خاصا عن الأكل مما يضرهم في أبدانهم وأخلاقهم , وهو ما ضاد ~~الأول في خلوه عن الاسم الشريف فقال { ولا تأكلوا مما لم يذكر } أي مما لا ~~يقبل أن يذكر { اسم الله } أي الذي لا يؤخذ شيء إلا منه , لأن له الكمال ~~كله فله PageV02P703 الإحاطة الكاملة , وأشار بأداة الاستعلاء إلى الإخلاص ~~ونفي الإشراك فقال : { عليه } أي لكون الله قد حرمه فصار نجس العين أو ~~المعنى , فصار مخبثا للبدن والنفس مما ذكر عليه غير اسمه سبحانه بما دل ~~عليه من تسميته فسقا , وتفسير الفسق في آية أخرى بما أهل به لغير الله ms1519 وكذا ~~ما كان في معناه مما مات أو كان حراما بغير ذلك , واسمه تعالى منزه عن أن ~~يذكر على غير الحلال , فإن ذكر عليه كان ملاعبا فلم يطهره , وأما ما كان ~~حلالا ولم يذكر عليه اسم الله ولا غيره فهو حلال - كما في الصحيح عن عائشة ~~رضي الله عنها قالت : قالوا : يا رسول الله ! إن هنا أقواما حديث عهد بشرك ~~يأتوننا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله أم لا ! قال : ( اذكروا أنتم اسم ~~الله وكلوا ) قال البغوي : ولو كانت التسمية شرطا للإباحة لكان الشك في ~~وجودها مانعا من أكلها كالشك في أصل الذبح - انتهى . | ولما كان التقدير : ~~فإنه خبيث في نفسه مخبث , عطف عليه قوله : { وإنه } أي الأكل منه أو هو ~~نفسه لكونه السبب { لفسق } فجعله نفس الفسق - وهو الخروج عما ينبغي إلى ما ~~لا ينبغي - لأنه عريق جدا في كونه سببه لما تأصل عندهم من أمره وانتشر من ~~شره , وهذا دليل على ما أولت به لأن النسيان ليس بسبب الفسق , والذي تركت ~~التسمية عليه نسيانا ليس بفسق , والناسي ليس بفاسق - كما قاله البخاري , ~~وإلى ذلك الإشارة بما رواه عن عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا للنبي صلى ~~الله عليه وسلم : إن قوما يأتونا باللحم , لا ندري أذكر اسم الله عليه أم ~~لا ! فقال : ( سموا عليه أنتم وكلوه ) , قالت : وكانوا حديثي عهد بالكفر - ~~انتهى . | فهذا كله يدل على أن المراد إنما هو كونه مما يحل ذبيحته , وليس ~~المراد اشتراط التسمية بالفعل . | ولما كانت الشبه ربما زلزلت ثابت العقائد ~~, قال محذرا منها : { وإن الشياطين } أي أخابث المردة من الجن والإنس ~~البعيدين من الخير المهيئين للنشر المحترقين باللعنة من مردة الجن والإنس { ~~ليوحون } أي يوسوسون وسوسة بالغة سريعة { إلى أوليائهم } أي المقاربين لهم ~~في الطباع المهيئين لقبول كلامهم { ليجادلوكم } أي ليفتلوكم عما أمركم به ~~بأن يقولوا لكم : ما قتله الله أحق بالأكل مما قتلتموه أنتم وجوارحكم - ~~ونحو ذلك , وأهل الحرم لا ينبغي أن يقفوا في غيره , والغريب لا ينبغي أن ~~يساويهم ms1520 في الطواف في ثيابه , والنذر للأصنام كالنذر للكعبة , ونحو هذا من ~~خرافاتهم التي بنوا أمرهم فيها على الهوى الذي هم معترفون بأنه مضل مضر , ~~ومبالغون في الذم باتباعه والميل إليه , ويكفي في هدم جميع شبههم إجمالا أن ~~صاحب الدين ومالك الملك منع منها . | PageV02P704 ولما كان التقدير : فإن ~~أطعتموهم تركتم الهدى وتبعتم الهوى , وكان من المعلوم أن الهوى يعود إلى ~~الشرك , عطف على هذا قوله : { وإن أطعتموهم } أي المشركين تدينا بما ~~يقولونه في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه والأكل مما لم يذكر اسم الله ~~عليه , أو في شيء مما جادلوكم فيه { إنكم لمشركون * } أي فأنتم وهم في ~~الإشراك سواء كما إذا سميتم غير الله على ذبائحكم على وجه العبادة , لأن من ~~اتبع أمر غير الله فقد اشركه بالله كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث عدي ~~بن حاتم رضي الله عنه في قوله تعالى < # > 77 ( { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } ) 77 < # > [ التوبة : 31 ] من أن عبادتهم لهم تحليلهم ما أحلوا وتحريمهم ما حرموا ~~, فنبه صلى الله عليه وسلم بذلك على أن الأسماء تتبع المعاني ؛ قال شيخ ~~الإسلام محيي الدين النووي الشافعي في باب الضحايا من كتاب الروضة : حكي في ~~الشامل وغيره عن نص الشافعي أنه لو كان لأهل الكتاب ذبيحة يذبحونها باسم ~~غير الله كالمسيح لم تحل ؛ وفي كتاب القاضي ابن كنج أن اليهودي لو ذبح ~~لموسى والنصراني لعيسى عليهما السلام أو للصليب حرمت ذبيحته , وأن المسلم ~~لو ذبح للكعبة أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فينبغي أن يقال : تحرم , ~~لأنه ذبح لغير الله تعالى , قال : وخرج أبو الحسن وجها آخر أنها تحل لأن ~~المسلم يذبح لله ولا يعتقد في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعتقده ~~النصراني في عيسى عليه السلام . | قال : وإذا ذبح للصنم لم تؤكل ذبيحته ~~سواء كان الذابح مسلما أو نصرانيا , وفي تعليقه للشيخ إبراهيم المروزي أن ~~ما يذبح عند استقبال السلطان تقربا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما ms1521 ~~أهل به لغير الله , واعلم أن الذبح للمعبود باسمه نازل منزلة السجود له . | ~~وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم , العبادة المخصوصة بالله تعالى الذي ~~هو المستحق للعبادة , فمن ذبح لغيره من حيوان أو جماد كالصنم على وجه ~~التعظيم والعبادة لم تحل ذبيحته , وكان فعله كفرا كمن سجد لغيره سجدة عبادة ~~, وكذا لو ذبح له ولغيره على هذا الوجه , فأما إذا ذبح لغيره لا على هذا ~~الوجه - بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيما لها لأنها بيت الله تعالى أو لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا يجوز أن يمنع حل الذبيحة , وإلى هذا ~~المعنى يرجع قول القائل : أهديت للحرم أو للكعبة , ومن هذا القبيل الذبح ~~عند استقبال السلطان , فإنه استبشار بقدومه نازل منزلة ذبح العقيقة لولادة ~~المولود , ومثل هذا لا يوجب الكفر , وكذا السجود لغير الله تذللا ~~PageV02P705 وخضوعا , فعلى هذا إذا قال الذابح : بسم الله واسم محمد , ~~وأراد : أذبح باسم الله وأتبرك باسم محمد , فينبغي أن لا يحرم , وقول من ~~قال : لا يجوز ذلك , يمكن أن يحمل على أن اللفظ مكروه , لأن المكروه يصح ~~نفي الجواز والإباحة المطلقة عنه , وحكى الرافعي أنه وقعت في هذا منازعة ~~بين أهل قزوين أفضت إلى فتنة في أنه تحل ذبيحته وهل يكفر بذلك ! قال : ~~والصواب ما بينا ؛ قال الشيخ محيي الدين : ومما يؤيد ما قاله - أي الرافعي ~~- ما ذكره الشيخ إبراهيم المروزي في تعليقه : قال : حكى صاحب التقريب عن ~~الشافعي رحمه الله أن النصراني إذا سمى غير الله كالمسيح لم تحل ذبيحته , ~~قال صاحب التقريب : معناه أن يذبحها له . | فأما إن ذكر المسيح على معنى ~~الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجائز , قال : وقال الحليمي : تحل ~~مطلقا وإن سمى المسيح - والله أعلم , ثم قال في المسائل المنثورة : الثالثة ~~: قال ابن كج : من ذبح شاة وقال : أذبح لرضى فلان , حلت الذبيحة , لأنه لا ~~ينصرف إليه بخلاف من تقرب بالذبح إلى الصنم ؛ وقال الروياني : إن من ذبح ~~للجن وقصد به التقرب إلى الله ms1522 تعالى ليصرف شرهم عنه فهو حلال , وإن قصد ~~الذبح لهم فحرام ؛ ومما يوضح لك سر هذا الانتظام ويزيده حسنا أن هذه الآيات ~~كلها من قوله تعالى < # > 77 ( { إن الله فالق الحب والنوى } ) 77 < # > [ الأنعام : 100 ] إلى آخر السورة تفصيل لقوله تعالى في أول السورة < # > 77 ( { قل أغير الله اتخذ وليا فاطر السماوات الأرض } ) 77 < # > [ الأنعام : 14 ] , فلما ذكر إبداعه السماوات والأرض بقوله < # > 77 ( { إن الله فالق الحب والنوى } ) 77 < # > [ الأنعام : 95 ] ونحوه , وأنكر اتخاذ من دونه بقوله < # > 77 ( { وجعلوا لله شركاء الجن } ) 77 < # > [ الأنعام : 100 ] وما نحا نحوه , قال < # > 77 ( { فكلوا } ) 77 < # > [ الأنعام : 118 ] إشارة إلى < # > 77 ( { وهو يطعم ولا يطعم } ) 77 < # > [ الأنعام : 14 ] وقوله < # > 77 ( { و من كان ميتا فأحييناه } ) 77 < # > [ الأنعام : 122 ] وقوله < # > 77 ( { فمن يرد الله أن يهديه } ) 77 < # > [ الأنعام : 125 ] ونحوهما إشارة إلى قوله < # > 77 ( { قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم } ) 77 < # > [ الأنعام : 14 ] , وقوله < # > 77 ( { ويوم نحشرهم جميعا } ) 77 < # > [ الأنعام : 22 ] ونحوه مشير إلى < # > 77 ( { إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم } ) 77 < # > [ الأنعام : 15 ] . | ولما انقضى التفصيل عند قوله { فسوف يعلمون } شرع ~~في تفصيلها ثانيا بقوله : < # > 77 ( { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا } ) 77 < # > [ الأنعام : 136 ] إلى آخرها , والسر في الإعادة أن الشيء إذا أثبت أو ~~نفي , وأقيمت الدلائل على إثبات ما ثبت منه ونفي ما نفي , ثم أعيد ذلك في ~~أسلوب آخر , كان أثبت في النفس وألصق بالقلب , لا سيما إن كان في الأسلوب ~~الثاني - كما هي عادة القرآن - زيادة في البيان وتنبيه على ما لم يتقدم ~~أولا , ولا سيما إن كانت العبارة فائقة والألفاظ عذبة رائقة وأنت خبير بأن ~~هذا كله دأب PageV02P706 القرآن في أساليب الافتنان ؛ قال الغزالي في أوائل ~~كتاب الجواهر في الفصل الذي فيه اشتمال الفاتحة على ثمانية أقسام : وقوله ~~ثانيا { الرحمن الرحيم } إشارة إلى الصفة مرة أخرى , ولا تظن أنه مكرر , ~~فلا مكرر في القرآن , إذ حد المكرر ما لا ينطوي على مزيد فائدة ms1523 , وذكر ~~الرحمة بعد ذكر { العالمين } , وقبل ذكر { العالمين } , وقبل ذكر { مالك ~~يوم الدين } ينطوي على فائدتين عظيمتين في تفصيل مجاري الرحمة ثم ذكر ما ~~حاصله أن إحداهما ملتفت إلى خلق كل عالم من العالمين على أكمل أنواعه ~~وأفضلها وإيتائه كل ما احتاج إليه , والثانية ملتفت غلى ما بعده بالإشارة ~~إلى الرحمة في المعاد يوم الجزاء عند الإنعام بالملك المؤبد , قال : وشرح ~~ذلك يطول والمقصود أنه لا مكرر في القرآن , وإن رأيت شيئا مكررا من حيث ~~الظاهر فانظر إلى سوابقه ولواحقه لينكشف لك مزيد الفائدة في إعادته - انتهى ~~. | وفي ذلك نكتة أخرى , وهي أن الرحمن مشير غلى ما قال من جهة الربوبية في ~~الإيجادين : الأول والثاني , والرحيم مشير بخصوصه بما ترضاه الإلهية إلى ~~الإيجاد الثاني والإبقاء الثاني بالرحمة الجزائية وإلى ما يفهمه الخصوص من ~~النعمة بمن لم يخصه الرحمة - كما مضت الإشارة إليه في الفاتحة . | ولما كان ~~معنى التحذير من طاعة المشركين أنكم إن فعلتم كنتم قد رددتم أنفسكم إلى ~~ظلام الضلال بعد أن منحتم نور الهداية , فكان التقدير : أفمن كان هكذا كان ~~كمن نصح لنفسه باتباع الأدلة وتوقي الشبه , عطف عليه قوله : { أو من كان ~~ميتا } أي بالغرق في أمواج ظلام الكفر , ليس لهم من ذواتهم إلا الجمادية بل ~~العدمية { فأحييناه } أي بما لنا من العظمة بإشراق أنوار الإيمان على قبله ~~الذي إن صلح صلح الجسد كله , وإن فسد فسد الجسد كله { وجعلنا } أي بعظمتنا ~~على وجه الخصوص { له نورا } أي بالهداية إلى كل خير { يمشي } مستضيئا { به ~~في الناس } فيعرفون أفعاله وأخلاقه وأقواله { كمن مثله } أي الذي يمثل به , ~~وهو ما ينكشف بوجه الشبه روح لبه وخلاصة حال قلبه , حال قلبه , أو يكون ~~المعنى : صفته أنه { في الظلمات } أي ما له من نفسه من ظلمة الجهل وظلمة ما ~~ينشأ عنه من الهوى وظلمة ما نشأ عن الهوى من الكفر , وإذا كان المثل الذي ~~هو الأعلى من الممثول في شيء كان الممثول عريقا فيه بطريق الأولى , فلذلك ~~قال : { ليس بخارج ms1524 } أي ذلك المثل { منها } أي الظلمات بما زين له من سوء ~~أعماله حتى صارت أحب إليه من نفسه وماله , وإذا لم يخرج المثل من شيء لم ~~يخرج الممثول منه وإلا لم تكن بينهما مماثلة , وذلك لأنه زين له عمله , وهي ~~ناظرة إلى قوله أول السورة < # > 77 ( { إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله } ) 77 < # > [ الأنعام : 36 ] وقوله : < # > 77 ( { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات } ) 77 < # > [ الأنعام : 39 ] . | PageV02P707 ولما كان إيحاء الشياطين إلى ~~أوليائهم مما يوجب لزوم العمى ليس إلا تزيينا للقبائح , فكان حالهم مما ~~يشتد العجب منه , كان كأنه قيل : لولا رؤيتنا لحالهم ما صدقنا أن عاقلا ~~يرضى ما فعلوه بأنفسهم , فهل وقع لأحد قط مثل حالهم ؟ فقيل : نعم { كذلك } ~~أي مثل ما زين لهم سوء أعمالهم { زين للكافرين } أي كلهم { ما كانوا } بما ~~جبلناهم عليه { يعملون * } فهم أبدا في الظلمات , فالآية من الاحتباك : ~~أثبت أولا كونه في الظلمات دليلا على تقديره ثانيا , وثانيا التزيين دليلا ~~على تقديره أولا . | < < # | الأنعام : ( 123 - 124 ) وكذلك جعلنا في . . . . . # > > ^ ( وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون ~~إلا بأنفسهم وما يشعرون * وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل مآ ~~أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله ~~وعذاب شديد بما كانوا يمكرون ) ^ } ) | ولما كان معلوما أن عداوتهم له صلى ~~الله عليه وسلم المشار إليها بقوله { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا } الآية , ~~لا يقوم بها إلا أكابر الناس , لما كان عليه صلى الله عليه وسلم من جلالة ~~المنصب وشرف العشيرة وكثرة الأقارب وأنه لا يتمادى عليها إلا جاهل مطموس ~~البصيرة مزين له قبيح أعماله , عطف تعالى على التزيين للكافرين قوله : { ~~وكذلك } أي مثل ما زينا للكافرين سوء أعمالهم , فكان أكابر أهل مكة يمكرون ~~فيتبع غيرهم مكرهم { جعلنا } أي بما لنا من العظمة في إقامة الأسباب لما ~~يعلي كلمة الإنسان أو يجعله حقير الشأن { في كل قرية } أي بلد جامع , ولما ~~كان الكبر مختلف ms1525 الأنواع باختلاف أشخاص المجرمين , طابق بأفعال التفضيل ~~المقصودين لها في الجمع على إحدى اللغتين , وعبر بصيغة منتهى الجمع دلالة ~~على تناهيهم في الكثرة فقال : { أكبر مجرميها } أي القاطعين لما ينبغي أن ~~يوصل . | ولما كان من شأن الإنسان استجلاب أسباب الرفعة لنفسه , وكان لا ~~يصل إلى ذلك في دار ربط المسببات بحكمة الأسباب إلا بالمكر , وكان الأكابر ~~أقدر على إنفاذ المكر وترويج الأباطيل بما لأغلب الناس من السعي في رضاهم ~~طمعا فيما عندهم , وكان الإنسان كلما تمكن من ذلك أمعن فيه , وكان الكبير ~~إنما يصل إلى ما قدر له من ذلك بتقدير الله له ؛ كان بما قدر له من ذلك ~~كأنه خلقه له , فقال معبرا بالجعل لما فيه من التصيير والتسبيب : { ليمكروا ~~فيها } أي يخدعوا أصاغرهم ويغروهم بما يلبسون عليهم من الأمور حتى يتبعوهم ~~فيعادوا لهم حزب الله . | ولما كان ذلك موجعا وغائظا محزنا , قال تصغيرا ~~لشأنهم وتحقيرا لأمرهم : PageV02P708 { وما } أي والحال أنهم ما { يمكرون ~~إلا بأنفسهم } لأن عملهم بالمكر وبال عليهم موبق لهم , ولأن مكرهم بأولياء ~~الله إنما هو مكر بالله , وذلك غير متأت ولا كائن بوجه من الوجوه , وكيف ~~يتأتى مكر من لا يعلم شيئا من الغيب بمن يعلم جميع الغيب ! { وما يشعرون * ~~} أي وما لهم نوع شعور بأن مكرهم عائد على نفوسهم , لأن الله تعالى الذي ~~يعلم سرهم وجهرهم يجعل بما يزين لهم تدميرهم في تدبيرهم , وإنما أجرى سنته ~~الإلهية بذلك لما يشتمل عليه من أعلام النبوة , فإن غلبة شخص واحج - بمفرده ~~أو باتباع كثير منهم ممن لا يؤبه لهم مع قلة العدد وضعف المدد لرؤساء الناس ~~وأقويائهم مع طول مكثه بينهم منابذا لهم مناديا عليهم بأن دينكم يمحى وديني ~~يظهر وإن كرهتم - من خوارق الادات وبواهر الآيات تصديقا لقوله تعالى : < # > 77 ( { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } ) 77 < # > [ المجادلة : 21 ] < # > 77 ( { وإن جندنا لهم الغالبون } ) 77 < # > [ الصافات : 173 ] - في أمثال ذلك . | ولما قرر هذا , أتبعه بمقالة لهم ~~تدل على تعظيمهم وتكبرهم فقال عاطفا على < # > 77 ( { وأقسموا بالله جهد ms1526 أيمانهم } ) 77 < # > [ الأنعام : 109 ] تعجيبا من حالهم فيما زين لهم من ضلالهم , وتصديقا ~~لما تقدم من الإخبار بأنهم لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية إلا أن يشاء الله ؛ ~~وتحقيقا لما في الآية السالفة من مكرهم لغيرهم وعوده على أنفسهم : { وإذا ~~جاءتهم } أي الكافرين من أكابر المجرمين وأتباعهم { آية قالوا } حسدا لمن ~~خصه الله بالنبوة لكونهم أكابر مؤكدين للنفي لما لمعجزات الأنبياء عليهم ~~السلام من العبر الموجب لظن الإذعان لأعتى أهل الكفران { لن نؤمن } أي أبدا ~~{ حتى نؤتى } لما لنا من العلو والعظمة المقتضية لأن لا يختص أحد عنا بشيء ~~{ مثل ما } . | ولما كان نظرهم مقصورا على عالم الحس من غير نظر إلى جانب ~~الله لكونه غيبا بنوا للمفعول قولهم : { أوتي رسل الله } يجوز أن يكون ~~المراد : حتى يوحي إلينا لئلا يكونوا أعظم منا كما قال تعالى < # > 77 ( { بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتي صحفا منشرة } ) 77 < # > [ المدثر : 52 ] وكما تقدم في أول السورة عن أبي جهل أنه قال : تنازعنا ~~نحن وبنو عد مناف الشرف حتى إذا كنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يأتيه ~~الوحي من السماء , ويحك ! متى ندرك هذا والله لا نؤمن به أبدا . | وأن يكون ~~المراد إتيانه صلى الله عليه وسلم بمثل آيات الأولين من شق البحر واليد ~~والعصا وإحياء الموتى ونحوها , وسموهم تنزلا واستهزاء , وعبروا بالجلالة ~~إشارة إلى القدرة التامة فلا عذر . | ولما ذكر اسم الجلالة إيذانا بعظيم ما ~~اجترؤوا عليه لعماهم - بما طمس على أنوار قلوبهم من ظلمات الهوى - عما ~~للرسل من الجلال الذي يخضع له شوامخ الأنوف , أعادها أيضا تهويلا للأمر ~~وتنبيها على ما هناك من عظيم القدر , فقال ردا عليهم فيما PageV02P709 تضمن ~~قولهم من دعوى التعلم بالحكمة والاعتراض على الله عز وجل : { الله } أي بما ~~له من صفات الكمال { أعلم } أي من كل من يمكن منه علم { حيث يجعل } أي يصير ~~بما يسبب من الأمور { رسالته } أي كلها بالنسبة إلى كل فرد من أفراد الخلق ~~فهو لا يضع شيئا منها بالتشهي . | ولما كشف ms1527 هذا النظم عن أنهم اجترؤوا عليه ~~, وأنهم أصروا على أقبح المعاصي الكفر , لا لطلب الدليل بل لداء الحسد ؛ ~~تاقت النفس إلى معرفة ما يحل بهم فقال جوابا : { سيصيب } أي بوعد لا خلف ~~فيه , وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال : { الذين ~~أجرموا } أي قطعوا ما ينبغي أن يوصل { صغار } أي رضى بالذل لعدم الناصر ؛ ~~ولما كان الشيء تعظم بعظمة محله ومن كان منه ذلك الشيء قال : { عند الله } ~~أي الجامع لصفات العظمة { وعذاب } أي مع الصغار { شديد } أي في الدنيا ~~بالقتل والخزي وفي لآخرة بالنار { بما } أي بسبب ما { كانوا يمكرون } . | < ~~< # | الأنعام : ( 125 - 127 ) فمن يرد الله . . . . . # > > ^ ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل ~~صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السمآء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا ~~يؤمنون * وهذا صراط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون * لهم دار ~~السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون ) ^ } ) | ولما تقدم أنه تعالى ~~أعلم بمن طبع على قلبه فلا ينفك عن الضلال , ومن يقبل الهداية في الحال أو ~~المآل , وأن مكر المجرمين إنما هو بإرادته ونافذ قدرته , علم أن الأمر أمره ~~, والقلوب بيده , فتسبب عن ذلك قوله : { فمن يرد الله } أي الذي له جميع ~~الجلال والإكرام { أن يهديه } أي يخلق الهداية في قلبه من أكابر المجرمين ~~أو غيرهم { يشرح صدره } أي يوسعه بأن يجعله مهيئا قابلا بالنور { للإسلام } ~~قال الإمام أبو جعفر النحاس : روي أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ~~يا رسول الله ! وهل ينشرح الصدر ؟ فقال : نعم , يدخل القلب نور , فقال : ~~وهل لذلك من علامة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( التجافي عن دار الغرور ~~والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل الموت ) , وفي PageV02P710 ~~رواية : الفوت { ومن يرد } أي الله , ولم يظهر هنا إشارة إلى أن الضلال على ~~مقتضى الطبع { أن يضله } أي يخلق الضلال ويديمه في قلبه { يجعل صدره } أي ~~الذي هو مسكن قلبه الذي هو معدن الأنوار { ضيقا حرجا ms1528 } أي شديد الضيق فيكون ~~مرتجسا أي مضطربا , روي أن عمر رضي الله عنه أحضر أعرابيا من كنانة من بني ~~مدلج فقال له : ما الحرجة ؟ فقال : شجرة لا تصل إليها وحشية ولا راعية , ~~وساق البغوي القصة ولفظه : وقال : الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار ~~التي لا تصل إليها راعية لا وحشية ولا شيء - ثم اتفقا - فقال عمر رضي الله ~~عنه : كذلك قلب الكافر لا يصل إليه شيء من الإيمان و الخير ؛ وزاد البغوي : ~~يقال سيبويه : الحرج - بالفتح المصدر , ومعناه : ذا حرج , وبالكسر الاسم ~~وهو أشد الضيق , وقال المهدوي : هنا الحرج الشديد الضيق وقد تقدم القول فيه ~~, وقال في النساء في قوله تعالى < # > 77 ( { ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت } ) 77 < # > [ النساء : 65 ] أي ضيقا , وإلى هذا المعنى يرجع قول مجاهد : إنه الشك ~~, وقول الضحاك : إنه الإثم , كأنه ضيق شك أو ضيق إثم ؛ وقال النحاس : { ~~حرجا مما قضيت } أي شكا وضيقا , وأصل الحرج الضيق - انتهى . | وتحقيق ذلك ~~أن الآية هنا فيها - بعد التأكيد بالإتيان بصيغة فعيل دون فاعل - تأكيد أخر ~~إما بالمصدر أو باسم الفاعل , فأفاد زيادة على أصل الفعل وهي الشدة فيه , ~~فمعنى الفتح : ضيقا - بكسر الضاد وإسكان الياء ومعناه - إن كسرت حرجا - ~~ضيقا بإعادة اسم الفاعل , ومادة حرج بخصوص هذا الترتيب تدور على المكان ~~الضيق الكثير الشجر , ويلزمه الشخوص على وجه الأرض والارتفاع والجمع والمنع ~~والشدة والحيرة والحر والبرد , وهي - بأي ترتيب كان وهي خمسة : حرج جحر رجح ~~حجر جرح - تدور على الحجر الذي هو الجسم المعروف , ويلزمه الثقل والمنع ~~والحدة والشخوص والصلابة التي هي القسوة ويلزمها الضيق , فيرجع إلى الصلابة ~~الحرج بمعنى الضيق , والحرجة للغيضة , ولحرج للقلادة من الودع , والحرجوج ~~للريح الشديدة الباردة , والناقة الحرجوج للوقادة القلب , ويجوز رجوعها إلى ~~الحدة , والجرح لسرير الموتى لضيق الصدر من ذكره , ولضيقه عن أسرة الأحياء ~~, ومنه أيضا جحر الضب ونحوه للثقب المحتفر في الأرض , ويرجع إلى الثقل ~~الحرج بمعنى الإثم , وينشأ عن ذلك البعث المفضي غلى الحيرة , ومنه حرجت ~~عينه ms1529 , أي حارت فلا تطرف , ويلزم الثقل أيضا الجرح بمعنى الطعن النافذ في ~~البدن , ومن ذلك اجترح - إذا اكتسب مالا , لأنه من آثاره , ومنه الرجحان ~~بمعنى الثقل , والحكم الراجح الذي يوجب PageV02P711 رزانة صاحبه , ومنه ~~الأرجوحة لأن كلا من طرفيها يرجح بالآخر , ويرجع إلى المنع الحجر بمعنى ~~العقل وبمعنى الحضن والحرام والفرس الأنثى لأنها قد تمنع من الركوب للحمل ~~أو الولد , والحجر في المال , والحجرة للناحية القريبة لأن الشيء إذا بعد ~~عنك - ولو قدر باع - امتنع منك , وكان التأنيث فيه لقربه , ويرجع إلى ~~الشخوص الحرج للناقة الطويلة ؛ وقال الإمام أبو الفتح بن جني رحمه الله في ~~كتابه ( المحتسب في توجيه القراءات الشواذ ) عند قوله تعالى في هذه السورة ~~( وحرث حرج ) فيمن قرأ بتقديم الراء : إن جميع تراكيب هذه المادة الخمسة ~~تلتقي معانيها في الضيق والشدة والاجتماع , وإذا أنعمت النظر وتركت الملل ~~والضجر وجدت الأمر كما قال - والله أعلم - نحو الحجر واستحجر الطين والحجرة ~~وبقيته , وكله إلى التماسك والضيق , ومنه الحرج للضيق والجرح مثله , ~~والحرجة ما التف من الشجر فلم يمكن دخوله , ومنه الحجر وبابه لضيقه , ومنه ~~الجرح لمخالطة الحديد للحم وتلاحمه عليه , ومنه رجح الميزان - لأنه مال أحد ~~شقيه نحو الأرض فقرب منها وضاق ما كان واسعا بينه وبينها , فإن قلت : فإنه ~~إذا مال أحدهما إلى الأرض فقد بعد الآخر ؟ قيل : كلامنا على الراجح والراجح ~~هو الذي إلى الأرض , فأما الآخر فلا يقال له : راجح , وإذا ثبت ذلك - وقد ~~ثبت - فكذلك قوله تعالى { وحرث حرج } في معنى حجر , معناه عندهم أنها ~~ممنوعة محجورة لن يطعمها إلا من يسألون أن يطعموه إياها بزعمهم - انتهى . | ~~ولما كان صاحب هذا الصدر لا يكاد الهداية تصل إليه , وإن وصل غليه شيء منها ~~على لسان واعظ ومن طريق مرشد ناصح لم تجد مسلكا فنكصت , وهكذا لا تزال في ~~اضطراب وتردد أبدا ؛ كانت ترجمته قوله : { كأنما يصعد } أي يتكلف هذا الشخص ~~في قبول الهداية الصعود { في السماء } في خفاء حياء من مزاولة ما لا يمكن , ~~بما أشار إليه ms1530 قراءة من أدغم التاء في الصاد , فكلما أصعدته حركته ~~الاختيارية أهبطته حركته الطبيعية القسرية , كما نرى بعض الحشرات يحمل شيئا ~~ثقيلا ويصعد به في جدار أملس , فيصير يتكلف ذلك فيقع , ثم يتكلف الصعود ~~ايضا فربما وصل إلى مكانه الأول وسقط , وربما سقط دونه , فهو مما يمتنع ~~عادة , فلا يزال مرتجسا أي مضطربا ومجامع الاضطراب عقبه بما بعده كما يأتي ~~. | ولما كان ما وصف به صدر الضال مما ينفر منه , وكان الرجس في الأصل لما ~~يستقذر , والمستقذر ينفر منه , وكان هذا الكلام ربما أثار سؤالا , وهو أن ~~يقال : هل هذا - وهو جعل الضال على هذه الصفة - خاص بأهل هذا الزمان , أجيب ~~بما حاصله : لا , { كذلك } أي مثل ما جعل الله الرجس على من أراد ضلاله من ~~أهل هذا الزمان { يجعل PageV02P712 الله } أي بما له من القدرة التامة ~~والعظمة الباهرة { الرجس } أي الاضطراب والقذر { على الذين لا يؤمنون } من ~~أهل كل زمان لإرادته سبحانه دوام ضلالهم , فالآية من الاحتباك : ذكر أولا ~~الضلال دليلا على حذفه ثانيا , وذكر الرجس ثانيا دليلا على حذفه أولا , ~~والآية نص في أن الله يريد هدى المؤمن وضلال الكافر . | ولما ذكر ما ألزمه ~~لأهل الضلال بلفظ ما يستقذر , كان في غاية الحسن تعقيبه بالصراط , فإنه مما ~~يعشق لاستقامته وإضافته إلى الرب الذي له - مع استجماع الكمالات كلها - صفة ~~العطف والإحسان واللطف , وإضافة الرب إلى هذا الرسول الذي يعشق خلقه وخلقه ~~كل من يراه أو يسمع به , وأحسن من ذلك وأمتن أن مادة ( رجس ) تدور على ~~الاضطراب الملزوم للعوج الملزوم للضلال المانع من الإيمان , فلما مثل ~~سبحانه حال الضال بحال المضطرب , وأخبر أنه ألزم هذا الاضطراب كل من لا ~~يؤمن , أتبعه وصف سبيله بالاستقامة التي هي أبعد شيء عن الاضطراب الملزوم ~~للعوج , وكان التقدير : فهذا حال أهل الضلال , فعطف عليه قوله : { وهذا } ~~أي الذي ذكرناه من الشرائع الهادية في هذا القرآن التي ختمناها بأن الهادي ~~المضل هو الله وحده , لا الإتيان بالمقترحات ولو جاءت كل آية { صراط } أي ~~طريق ms1531 { ربك } أي المحسن إليك حال كون هذا الصراط { مستقيما } أي لا عوج فيه ~~أصلا , بل هو على منهاج الفطرة الأولى التي هي في أحسن تقويم بالعقل السليم ~~الذي لم يشبه هوى ولم يشبه خلل في أن الأمر كله بيد الله لكيلا يزال ~~الإنسان خائفا من الله وراجيا له لأنه القادر على كل شيء , وأما غيره فلا ~~قدرة له إلا بتقديره لأنه خلق القوى والقدر عندنا وعند المعتزلة , فلتكن ~~الجزئيات كذلك لأن الخلق لا يتصور بغير علم , وليس غير الله محيط العلم ؛ ~~قال الإمام : فالآية التي قبلها من المحكمات , فيجب إجراؤها على ظاهرها , ~~ويحرم التصرف فيها بالتأويل . | ولما كان جميع ما في هذا الصراط على منهاج ~~العقل ليس شيء منه خارجا عنه وإن كان فيه ما لا يستقل بإدراكه العقل , بل ~~لا بد له فيه من إرشاد الهداة من الرسل الآخذين على الله , قال مبينا لمدحه ~~مرشدا إلى انتظامه مع العقل : { قد فصلنا } أي غاية التفصيل بما لنا من ~~العظمة { الآيات } أي كلها فصلا فصلا بحيث تميزت تميزا لا يختلط واحد منها ~~بالآخر { لقوم يذكرون } أي يجهدون أنفسهم في التخلص من شوائب العوائق للعقل ~~من الهوى وغيره - ولو على أدنى وجوه الاجتهاد بما يشير إليه الإدغام - ~~ليذكروا أنه قال : ما من شيء ذكرناه إلا وقد أودعنا في عقولهم شاهدا عليه . ~~| ولما كان التذكر - عند الآيات لا يكون إلا من أهل العنايات في طرق ~~الهدايات , PageV02P713 قال مرغبا في التذكر فإنه سبب الفيض الإلهي على ~~القلوب المهيأة له : { لهم } أي المتذكرين { دار السلام } أي الجنة , ~~أضافها سبحانه إليه زيادة في الترغيب فيها , وخص هذا الاسم الشريف لأنه لا ~~يلم بها شيء من عطب ولا خوف ولا نصب ؛ ثم زاد الترغيب فيها بقوله : { عند ~~ربهم } أي في ضمان المحسن إليهم وحضرته بما هيأهم له ويسره لهم { وهو } أي ~~وحده { وليهم } أي المتكفل بتولي أمورهم , لا يكلهم إلى أحد سواه , وهذا ~~يدل على قربه منهم , والعندية تدل على قربهم منه لما شرح من صدورهم ~~بالتوحيد ms1532 ؛ ولما كان ذلك ربما قصر على التذكر , بين أن المراد منه التأدية ~~إلى الأعمال فإنها معيار الصدق وميزانه فقال : { بما } أي بسبب ما { كانوا ~~} أي كما جبلهم عليه , فما كان ذلك إلا بفضله { يعلمون } . | < < # | الأنعام : ( 128 - 130 ) ويوم يحشرهم جميعا . . . . . # > > ^ ( ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال ~~أوليآؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا قال ~~النار مثواكم خالدين فيهآ إلا ما شآء الله إن ربك حكيم عليم * وكذلك نولي ~~بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون * يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل ~~منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقآء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا ~~وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين ) ^ } ) | ولما ~~فصل سبحانه أحوال الفريقين , وحض على التذكر تنبيها على أن كل ما في القرآن ~~مما يهدي إليه العقل , وذكر مآل المتذكرين فأفهم أن غيرهم إلى عطب , لأنهم ~~تولوا ما يضرهم لأنهم تبعوا شهواتهم , وكان من المعلوم أنهم يعبدون غير ~~مالكهم , وأنه ما من عبد يخدم غير سيده بغير أمر سيده إلا عاتبه أو عاقبه , ~~هذا مركوز في كل عقل ؛ ذكر سبحانه ما يتقدم ذلك المآل من الأهوال في الأجل ~~المسمى الذي أخفاه عنده وجعله من أعظم مباني هذه السورة , وأبهمه في أولها ~~, وبين في أثنائها بعض أحواله مرارا في وجوه من أفانين البيان , وهو يوم ~~الحشر , فذكر هنا سبحانه بعض أحوال الغافلين وبعض ما يقول لهم فيه وما ~~يفعله معهم من عتاب وعقاب , لطفا بهم واستعطافا إلى المتاب , فقال جامعا ~~الفريقين { ويوم } أي اذكر في تذكرك يوم { يحشرهم } أي أهل ولايتنا وأهل ~~عداوتنا { جميعا } لا نذر منهم أحدا { يا } أي فنقول على لسان من نشاء من ~~جنودنا لأهل عداوتنا تبكيتا وتوبيخا حين لا يكون لهم مدافعة أصلا : { معشر ~~الجن } أي المستترين الموحشين من مردة الشياطين المسلطين على الإنس , وهم ~~يرونهم من حيث لا ترونهم { قد استكثرتم } أي طلبتم وأوجدتم الكثرة { من ~~الإنس } أي من إغواء PageV02P714 المؤنسين الظاهرين حتى صار ms1533 أكثرهم أتباعكم ~~, فالآية من الاحتباك : عبر بما يدل على الستر أولا دلالة على ضده - وهو ~~الظهور - ثانيا , وبما معناه الاستئناس والسكون ثانيا دلالة على ضده وهو ~~الإيحاش والنفرة - أولا . | { وقال } هو عطف على جواب الجن المستتر عن ~~العامل في ( يا معشر ) الذي تقديره كما يهدي إليه الآيات التي تأتي في ~~السورة الآتية في تفصيل هذه المحاورة : فقالوا : ربنا هم ضلوا , لأنهم ~~كانوا يستمعون بنا في نفوذهم وسماعهم الأخبار الغريبة منا , فاستوجبوا ~~العذاب بمفردهم , وستر جواب الجن لأنه - مع كونه لا يخفى لدلالة المعطوف ~~عليه - مناسب لحالهم في الاستتار مع شهرتهم , وذكره بلفظ الماضي إشارة إلى ~~تحقق وقوعه , لأنه خبر من لا يخلف الميعاد , والمراد بهذه المحاورة ضرب مما ~~بأتي تفصيله بقوله < # > 77 ( { قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا } ) 77 < # > [ الأعراف : 38 ] - الآية , وقوله { فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا ~~كنا لكم تبعا } - الآية { أولياؤهم } أي الجن { من الإنس } أي الذين تولوهم ~~بالاتباع والطاعة فيما دعوهم إليه من الضلال , معترفين مستعطفين { ربنا } ~~أيها المربي لنا المحسن إلينا { استمتع } أي طلب المتاع وأوجده { بعضنا ~~ببعض } نحن بهم فيما قالوا , وهم بنا في طاعتنا لهم وعياذنا بهم { وبلغنا } ~~أي نحن وهم { أجلنا } وأحالوا الأمر على القدر فقالوا : { الذي أجلت لنا } ~~وهو الموت الذي كتبته علينا وسويت بيننا في سوط قهره وتجرع كؤوس حره وقره , ~~ثم هذا اليوم الذي كنا مشتركين في التكذيب به , فاستوجبنا العذاب كلنا . | ~~ولما تم ذلك كان كأنه قيل : فما قال الله لهم بعد هذه المحاورة الغريبة ~~التي هي ضرب من كلام أهل الباطن في الدنيا لجلج مضطرب لا حاصل له ؟ فقيل : ~~{ قال } أي المخاطب لهم عن الله { النار مثواكم } أي منزلكم جميعا من غير ~~أن تنفعكم الإحالة على القدر { خالدين فيها } أي إلى ما لا آخر له , لأن ~~الأعمال بالنية وقد كنتم على عزم ثابت أنكم على هذا الكفر ما بقيتم ولو إلى ~~ما لا آخر له , فالجزاء من جنس العمل . | ولما كان من المقرر أنه لا تمام ~~لملك من ms1534 يجب عليه شيء ويلزمه بحيث لا يقدر على الانفكاك عنه , بين سبحانه ~~أن ملكه ليس كذلك , بل هو على غاية الكمال , لا يجب عليه شيء بل كل فعله ~~جميل , وجميع ما يبدو منه حسن , فعلق دوام عذابهم على المشيئة فقال : { إلا ~~ما شاء } ولما كان القصد في هذه السورة إلى إظهار العظمة للغيرة على مقام ~~الإلهية , عبر بالاسم الأعظم فقال : { الله } أي الذي له رداء الكبر فلا ~~يستطيع أحد أن يعترض عليه ولا أن يهم بذلك , هيهات هيهات ! انقطعت دون ذلك ~~الآمال , فطلت ناكسة أعناق الرجال , وبيده إزار العز , فمن اختلج في سره أن ~~يرفع ناكس عنقه ضربه بمقامع الذل , وأنزله في مهاوي الخزي , وقد تقرر أنه ~~سبحانه لا يشاء انقطاع PageV02P715 شيء من ذلك عنهم في حال من الأحوال , ~~ونطق الكتاب بذلك في صرائح الأقوال , وفي سوقه معلقا هكذا مع ما تقدم زيادة ~~في عذابهم بتعليق رجائهم من انقطاع بلائهم بما لا مطمع فيه . | ولما كان في ~~إظهار الجلال في هذا الحال من عظيم الأهوال ما لا يسعه المقال , أتبعه ~~اللطف بالمخاطب به صلى الله عليه وسلم فقال : { إن ربك } أي المحسن إليك ~~برفع أوليائك وخفض أعدائك . | ولما كان السياق - في مثل هذه المقاولة في ~~مجمع الحكم - للحكمة والعلم , وكان النظر إلى الحكمة في تنزيل كل شيء منزلة ~~أعظم , قدم وصفها فقال : { حكيم } أي فلا يعذب المخلص ويترك المشرك ولا ~~يعذب بعض من أشرك ويترك بعضا { عليم * } أي بدقائق الأمور وجلائلها من ~~الفريقين , فلا يخفى عليه عمل أحد فيهمله لذلك . | ولما استبان بهذا أنه ~~ولى الكفرة من ظالمي الجن ظالمي الإنس وسلطهم عليهم , أخبر تعالى أن هذا ~~عمله مع كل ظالم من أي قبيل كان سواء كان كافرا أو لا فقال : { وكذلك } أي ~~ومثل تلك التولية التي سلطنا بها الجن على الإنس بما زاد عذاب الفريقين { ~~نولي } أي نتبع في جميع الأزمان من جميع الخلق { بعض الظالمين } أي ~~الغريقين في الظلم { بعضا } أي بأن نجمع بين الأشكال , في الأوصاف الباطنة ms1535 ~~والخصال , ونسلط بعضهم على بعض في الضلال والإضلال , والأوجاع والأنكال { ~~بما كانوا } بجبلاتهم { يكسبون * } أي بسبب اجتماعهم في الطباع التي ~~طبعناهم عليها يجتمعون وينقاد بعضهم لبعض , بحسب ما سببنا من الأسباب ~~الملائمة لذلك الظلم الذي يسرناه لهم , حتى صارت أعمالهم كلها في غير ~~مواضعها , فيظلم بعضهم بعضا ويهلك بعضهم بعضا , وهم لا يزدادون إلا ~~الالتئام حتى يستحق الكل ما كتبنا لهم من عذاب ؛ روى الطبراني في الأوسط ن ~~جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز ~~وجل يقول : أنتقم ممن أبغض بمن أبغض ثم أصير كلا إلى النار ) وعن مالك بن ~~دينار قال : رأيت في بعض كتب الله المنزلة أن الله تعالى يقول : افني ~~أعدائي بأعدائي ثم أفنيهم بأوليائي . | أو يقال : فقد أخبرنا أن الله عز ~~وجل ولى المؤمنين بسبب محاسن أعمالهم , ومثل ما ولاهم ليعزهم يولي بعض ~~الظلمة بعضا ليهينهم بسبب ما كانوا يتعاطونه من مساوئ الأعمال ورديء الخلال ~~وغث الخصال فيؤديهم إلى مهلك PageV02P716 الأوجاع والأوجال , أو يقال : فقد ~~بان أن كلا من ظالمي الإنس والجن كان وليا لكل , وكما جعلنا بعضهم أولياء ~~بعض في الدنيا نفعل إذا حشرناهم في النار فنجعل بعضهم أولياء - أي أتباع ~~بعض , ليستمتع بعضهم ببعض وينصر بعضهم بعضا إن قدروا , وهيهات منهم ذلك ~~هيهات ! شغلهم البكاء والعويل والندم والنحيب . | ولما انقضت هذه المحاورة ~~وما أنتجته من بغيض الموالاة والمجاورة وكان حاصلها أنها موالاة من ضرت ~~موالاته , أتبعها سبحانه بمحاورة أخرى حاصلها معاداة من ضرت معاداته , فقال ~~مبدلا من الأولى إتماما للتقريع والتوبيخ والتشنيع : { يا معشر الجن } ~~قدمهم لأن السياق لبيان غلبتهم { والإنس } وبكتهم بقوله محذرا للسامعين ~~الآن ومستعطفا لهم إلى التوبة : { ألم يأتكم رسل } ولما صار القبيلان ~~بتوجيه الخطاب نحوهم دفعة كالشيء الواحد قال : { منكم } وإن كان الرسل من ~~الإنس خاصة . | ولما كان النظر في هذه السورة إلى العلم غالبا لإثبات تمام ~~القدرة الذي هو من لوازمه بدليل < # > 77 ( { يعلم سركم وجهركم } ) 77 < # > [ الأنعام : 3 ] , < # > 77 ( { أليس ms1536 الله بأعلم بالشاكرين } ) 77 < # > [ الأنعام : 53 ] < # > 77 ( { وعنده مفاتح الغيب } ) 77 < # > [ الأنعام : 59 ] وغيرها , ولذلك أكثر فيها من ذكر التفصيل الذي لا ~~يكون إلا للعالم , كان القص - الذي هو تتبع الأثر - أنسب لذلك فقال { يقصون ~~} بالتلاوة والبيان لمواضع الدلائل { عليكم آياتي } أي يتبعون بالعلامات ~~التي يحق لها بما لها من الجلال والعظمة أن تنسب إلى مواضع شبهكم , ~~فيحلونها حلا مقطوعا به { وينذرونكم } أي يخوفونكم { لقاء يومكم هذا } أي ~~بما قالوا لكم أنه يطلبكم طلبا حثيثا وأنتم صائرون إليه في سفن الأيام ~~ومراكب الآثام وأنتم لا تشعرون سيرا سريعا { قالوا } معذرين من أنفسهم ~~بالذل والخضوع { شهدنا } بما فعلت بنا أنت سبحانك من المحاسن وما فعلنا نحن ~~من القبائح { على أنفسنا } أي بإتيان الرسل إلينا ونصيحتهم لنا بدليل الآية ~~الأخرى < # > 77 ( { قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين } ) 77 < # > [ الزمر : 71 ] وبين أن ضلالهم كان بأردإ الوجوه وأسخفها الدنيا , بحيث ~~إنهم اغتروا بها مع دناءتها لحصورها عن الآخرة مع شرفها لغيابها فقال : { ~~وغرتهم } أي شهدوا هذه الشهادة والحال أنهم قد غرتهم { الحياة الدنيا } أي ~~الحاضرة عندهم إذ ذاك الدنية في نفسها لفنائها , عن اتباع الرسل دأب الجاهل ~~في الرضى بالدون والدابة في القناعة بالحاضر , فشهادتهم ضارة بهم , ولكن لم ~~يستطيعوا كتمانها , بل { وشهدوا } أي في هذا الموطن من مواطن القيامة ~~الطوال { على أنفسهم } أيضا بما هو أصرح في الضرر عليهم من هذا , وهو { ~~أنهم كانوا } جبلة وطبعا { كافرين * } أي غريقين في الكفر , ويجوز أن يكون ~~الغرور بأنهم ظنوا أحوال الآخرة تمشي على ما كانوا يألفونه في الدنيا من أن ~~الاعتراف بالذنب والتكلم بالصدق قد ينفع المذنب ويكف من سورة المغضب ~~PageV02P717 حتى يترك العقاب ويصفح عن الجريمة , فلذلك شهدوا بإتيان الرسل ~~إليهم وإقامة الحجة عليهم , وشهدوا على أنفسهم بالكفر , فما زادهم ذلك إلا ~~وبالا وحزنا ونكالا . | < < # | الأنعام : ( 131 - 135 ) ذلك أن لم . . . . . # > > ^ ( ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون * ولكل درجات ~~مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون * وربك ms1537 الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ~~ويستخلف من بعدكم ما يشآء كمآ أنشأكم من ذرية قوم آخرين * إن ما توعدون لآت ~~ومآ أنتم بمعجزين * قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من ~~تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون ) ^ } ) | ولما ذكر سبحانه إقامة ~~الحجة على الكافر في المعاد بالرسل عليهم السلام , علل إرسالهم ترغيبا وحثا ~~في اتباعهم في أيام المهلة بعد ترهيب , وتنبيها وإرشادا في صادع تخويف ~~وتأديب فقال : { ذلك } أي الأمر العظيم الجدوى هو أن أرسلنا الرسل { أن } ~~أي لأجل أنه { لم يكن ربك } أي المحسن إليك بتشريف قومك { مهلك } أي ثابتا ~~إهلاكه { القرى بظلم } أي بسبب ظلم ارتكبوه { وأهلها غافلون * } أي غريقون ~~في الغفلة عما يجب عليهم مما لا تستقل به عقولهم , أي بما ركب فيهم من ~~الشهوات وغلب عليهم من اللذات , فأوقف عقولهم عن نافذ المعرفة بما يراد بهم ~~, فأرسلنا إليهم الرسل حتى أيقضوهم من رقدتهم وأنبهوهم من غفلتهم , فصار ~~تعذيبهم بعد تكذيبهم هو الحق الواجب والعدل الصائب , ويجوز أن يكون المعنى ~~: مهلكهم ظالما , فيكون المنفي من الظلم كالمنفي في قوله تعالى ^ ( { وما ~~ربك بظلام للعبيد } ) ^ [ فاطر : 46 ] وعلى الأول المنفي ظلمهم . | ولما ~~بين سبحانه أن لأحد الفريقين دار السلام , والآخر دار الملام , قال جامعا ~~للفريقين عاطفا على قوله ^ ( { لهم دار السلام عند ربهم } ) ^ [ الأنعام : ~~127 ] : { ولكل } أي عامل من الفريقين صالح أو طالح في قبيلي الجن والإنس ~~في الدارين { درجات } أي يعليهم الله بها { مما } أي من أجل ما { عملوا } ~~ودركات يهويهم فهيا كذلك . | ولما تقدم أنه تعالى لا يهلك المجرمين إلا بعد ~~الإعذار إليهم , وتضمن ذلك إمهالهم , وختم أحوالهم بأنهم موضع لثبوت الغفلة ~~ودوامها , نفى أن يسلم شيء من ذلك بجناب عظمته على وجه أثبت له ذلك إحاطة ~~العلم بجميع أعمالهم فقال : { وما ربك } أي المحسن إليك بإعلاء أوليائك ~~وإسفال أعدائك , وأغرق في النفي لإثبات مزيد العلم فقال : { بغافل عما ~~يعملون * } أي عن شيء يعمله أحد من الفريقين , بل هو PageV02P718 عالم بكل ms1538 ~~شيء من ذلك وبما يستحقه العامل قادر على جزائه , فلا يقع في وهم أن الإمهال ~~لخفاء الاستحقاق بخفاء الموجب له , فالآية من النصوص في كتابة الصالحين من ~~الجن . | ولما كان طلب العبادة للائتمار والانتهاء ربما أوهم الحاجة إليها ~~لنفع في الطاعة أو ضرر يلحقه سبحانه من المعصية , وكان الإمهال مع المبارزة ~~ربما ظن أنه عن عجز , قال مرغبا مرهبا : { وربك } أي المحسن إليك وإليهم ~~بغرسالك , وحصر الخير في المبتدإ بقوله : { الغني } أي وحده الغني المطلق ~~عن كل عابد وعبادته , فليعمل العامل لنفع نفسه أو ضرها { ذو الرحمة } أي ~~وحده بلإمهال والإرسال للتنبيه على ما يستحقه من الأعمال ؛ وملا كان ~~اختصاصه بالغنى والرحمة فلا رحمة إلا منه ولا غنى إلا عنه , وأنه ما رتب ~~الثواب والعقارب إلا رحمة منه وجودا , استأنف بيان ذلك , وأخبر عن هذا ~~المبتدإ بوصفيه عند من جعلها وصفين بقوله مصرحا بما أفاده : { إن يشأ ~~يذهبكم } أي جميعا بالإهلاك , فلا يقع في ظن أحد منكم أن الإهلاك متوقف على ~~شيء غير مشيئته , ولكنه قضى بإمهالكم إلى آجالكم رحمة لكم وإكراما لنبيكم ~~صلى الله عليه وسلم ؛ ثم قال تحقيقا لغناه أيضا : { ويستخلف } . | ولما كان ~~لم يجعل لأحد الخلد , أدخل الجار فقال : { من بعدكم } أي بعد هلاككم { ما ~~يشاء } أي يبدع غيركم من الخلق من جنسكم أو غير جنسكم كما أبدع أباكم آدم ~~من التراب والتراب من العدم وفرعكم منه { كما أنشأكم من ذرية } أي نسل { ~~قوم آخرين * } أي بعد أن أهلكهم أجمعين , وهم أهل السفينة وقد كنتم نطفا في ~~أصلابهم , لم يكن في واحدة منها حياة . | ولما تقرر أن له الوصفين ~~الملزومين للقدرة , أنتج ذلك قوله جوابا لاستعجالهم بالعذاب استهزاء : { إن ~~ما توعدون } أي من البعث وغيره { لآت } أي لا بد من وقوعه لأن المتوعد لا ~~يبدل القول لديه ولا كفوء له يعارضه فيه { وما أنتم بمعجزين * } أي بثابت ~~لكم الإتيان بشيء يعجز عنه الخصم , فتمهد الأمر من جهته ومن جهتكم لوجود ~~المقتضي وانتفاء المانع , وفي ذلك تقرير لأمر ms1539 رحمته لأن القادر إذا اراد ~~النقمة أخذ على غرة ولم يهدد , وإذا أراد الرحمة تقدم بالوعيد ليحذر ~~الفائزون ويستسلم الخاسرون . | ولما تقرر ذلك من التهديد على إنكار البعث ~~وتحرر , فأنتج الاجتهاد للعاقل - ولا بد - في العمل , وكان أكثر الخلق أحق ~~, أمره سبحانه بالنصيحة بقوله : { قل يا قوم } أي يا أقرب الخلق إلي وأعزهم ~~علي ومن لهم قيام في الأمور وكفاية عند المهمات { اعملوا } وأشار إلى مزيد ~~القوة بعد التعبير بالقوم بحرف الاستعلاء فقال : { على PageV02P719 مكانتكم ~~} أي على ما لكم من القدرة على العمل والمكنة قبل أن تأتي الدواهي وتسبقكم ~~القواصم بخفوق الأجل , وفيه مع النصيحة تخويف أشد مما قبله , لأن تهديد ~~الحاضر على لسان الغير مع الإعراض أشد من مواجهته بالتهديد , أي أنكم لم ~~تقبلوا بذلك التهديد الأول كنتم أهلا للإعراض والبعد . | ولما كان أدل شيء ~~على النصيحة مبادرة الناصح إلى مباشرة ما نصح به ودعا إليه , قال مستانفا ~~أو معللا : { إني عامل } أي على مكانتي وبقدر استطاعتي قبل الفوت بحادث ~~الموت , ويمكن أن يكون متمحضا للتهديد , فيكون المعنى : اعملوا بما أنتم ~~تعملونه الآن من مخالفتي بغاية ما لكم من القوة , إني كذلك أعمل فيما جئت ~~به . | ولما كان وقوع المتوعد به سببا للعلم بالعاقبة , وكان السياق لعدم ~~تذكرهم وغرورهم وقلة فطنتهم , حسن إثبات الفاء في قوله : دون إسقاطها لأن ~~الاستئناف يتعطف للسؤال فقال : { فسوف تعلمون } أي يقع لكم بوعد لا خلف فيه ~~العلم , فكأنه قيل : أي علم ؟ فقيل : { من تكون له } كونا كأنه جبل عليه { ~~عاقبة الدار } أي بيني وبينكم , وهذا في إثبات الفاء بخلاف ما في قصة شعيب ~~عليه السلام من سورة هود عليه السلام في حذفها ؛ ولما كان التقدير جوابا ~~لما تقرر من سؤالهم : عاقبة الدار للعامل العدل , استأنف قوله : { إنه لا ~~يفلح الظالمون * } أي الغريقون في الظلم كائنين من كانوا , فلا يكون لهم ~~عاقبة الدار , فالآية من الاحتباك : ذكر العاقبة أولا دليل على حذفها ثانيا ~~, وذكر الظلم ثانيا دليل على حذف العدل أولا . | < < # | الأنعام : ( 136 - 137 ms1540 ) وجعلوا لله مما . . . . . # > > ^ ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله ~~بزعمهم وهذا لشركآئنا فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو ~~يصل إلى شركآئهم سآء ما يحكمون * وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم ~~شركآؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شآء الله ما فعلوه فذرهم وما ~~يفترون ) ^ } ) | ولما تمت هذه الآيات من قبح طريقتهم في إنكار البعث وحسن ~~طريقة الإسلام على هذا الأسلوب البديع والمثال البعيد المنال الرفيع وختمت ~~بحال الظالم , شرع في تفصيل قوله ^ ( { أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات ~~والأرض } ) ^ [ الأنعام : 14 ] على أسلوب آخر ابتدأه ببيان ظلمهم وجهالاتهم ~~وأباطيلهم تنبيها على سخافة عقولهم تنفيرا عنهم بوضعهم الأشياء في غير ~~مواضعها وإخراجها عمن هي له ونسبتها إلى من لا يملك شيئا PageV02P720 وقتل ~~الأولاد وتسييب الأنعام وغير ذلك , فقال عاطفا على < # > 77 ( { وجعلوا لله شركاء الجن } ) 77 < # > [ الأنعام : 100 ] : { وجعلوا } أي المشركون العادلون بربهم الأوثان { ~~لله } أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له { مما ذرأ } أي خلق وأنشأ وبث ولم ~~يشركه في خلقه أحد { من الحرث والأنعام نصيبا } أي وجعلوا لشركائهم نصيبا ؛ ~~ولما كان الجعل لا يعرف إلا بالقول , سبب عنه قوله : { فقالوا } أي ~~بألسنتهم بعد أن قالوا بأفئدتهم { هذا لله } أي الملك الأعلى { بزعمهم } أي ~~ادعائهم الباطل وتصرفهم بكذب ادعائهم التخصيص بالله , ولذا أسقط الزعم من ~~قوله : { وهذا لشركائنا } أي وليس لهم سند في هذه القسمة إلا أهوائهم . | ~~ولما كان هذا سفها بتسويتهم من لا يملك شيئا بمن يملك كل شيء , بين من ~~فعلهم ما هو أشد سفها منه بشرح ما لوح إليه العبير بالزعم فقال مسببا عن ~~ذلك ومفرعا : { فما كان لشركائهم } أي بزعمهم أنهم شركاء { فلا يصل إلى ~~الله } أي الذي هو المالك مع اتصافه بصفات الجلال والجمال { وما كان لله } ~~أي على ما له من الكبر والعظمة والجلال والعزة { فهو يصل إلى شركائهم } ~~فإذا هلك ما سموا لشركائهم أو أجدب وكثر ما لله قالوا : ليس لآلهتنا بد من ms1541 ~~نفقة , فأخذوا ما لله فأنفقوه على آلهتهم , وإذا أجدب الذي لله وكثر ما ~~لآلهتهم قالوا : لو شاء الله لأزكى الذل له , فلا يردون عليه شيئا مما ~~للآلهة . | ولما بلغ هذا غاية السفه قال : { ساء ما يحكمون * } أي حكمهم ~~هذا أسوأ حكم ؛ ذكر الإمام أبو الربيع سليمان بن سالم الكلاعي في سيرته في ~~وفد خولان أنه كان لهم صنم يسمى عم أنس , وأنهم لما وفدوا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ذكروا له أنهم كانوا يجعلون من أنعامهم وحروثهم جزءا له ~~وجزءا لله بزعمهم , قالوا : كنا نزرع الزرع فنجعل له وسطه فنسميه له ونسمي ~~زرعا آخر حجرة لله عز وجل , فإذا مالت الريح بالذي سميناه لله جعلناه لعم ~~أنس , وإذا مالت الريح بالذي جعلناه لعم أنس لم نجعله لله , فذكر لهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل أنزل عليه في ذلك { وجعلوا لله } ~~الآية , قالوا : وكنا نتحاكم إليه فيتكلم , فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ( تلك الشياطين تكلمكم ) , قالوا : فأصبحنا برسول الله وقلوبنا تعرف ~~أنه كان لا يضر ولا ينفع ولا يذري من عبده ممن لم يعبده . | وقال ابن هشام ~~في مقدمة السيرة إنهم كانوا يقسمون له , فما دخل في حق عم أنس من ~~PageV02P721 حق الله الذي سموه له تركوه له , وما دخل في حق الله من حق عم ~~أنس ردوه عليه , قال : وهم بطن من خولان يقال لهم الأديم ؛ وقال عبد الرزاق ~~في تفسيره : أخبرنا معمر عن قتادة قال : كانوا يعزلون من أموالهم شيئا ~~فيقولون : هذا لله وهذا لأصنامهم , فإن ذهب شيء مما جعلوا لشركائهم يخالط ~~شيئا مما جعلوه ردوه , وإن ذهب شيء مما جعلوه لله يخالط شيئا مما جعلوه ~~لشركائهم تركوه , وإن أصابتهم سنة أكلوا مما جعلوا لله وتركوا ما جعلوا ~~لشركائهم , فقال عز وجل { ساء ما يحكمون } وقال البغوي : كانوا يجعلون لله ~~من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا وللأوثان نصيبا , فما ~~جعلوه لله صرفوه للضيفان والمساكين , وما جعلوه للأصنام أنفقوه على الأصنام ms1542 ~~وخدمها , فإن سقط شيء مما جعلوه لله في نصيب الأوثان تركوه وقالوا : إن ~~الله غني عن هذا , وإن سقط شيء من نصيب الأوثان فميا جعلوه لله ردوه إلى ~~الأوثان وقالوا : إنها محتاجة , وكان إذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه لله ~~لم يبالوا به , وإذا هلك أو انتقص شيء مما جعلوه للأصنام جبروه بما جعلوه ~~لله . | ولما كان هذا متضمنا لأنهم نقصوا أموالهم بأنفسهم في غير طائل ~~فجعلوها لمن لا يستحقها , نبه تعالى على أن ذلك تزيين من أضلهم من الشياطين ~~من سدنة الأصنام وغيرهم من الإنس ومن الجن المتكلمين من أجواف الأصنام ~~وغيرهم , فقال منبها على أنهم زينوا لهم ما هو أبين منه { وكذلك } أي ومثل ~~ما زين لجميع المشركين تضييع أموالهم والكفر بربهم شركاؤهم { زين لكثير من ~~المشركين } . | ولما كان المزين لخسته أهل لأن لا يقبل تزيينه ولا يلتفت ~~إليه , فكان امتثال قوله غريبا , وكان الإقدام على فعل الأمر المزين أشد ~~غرابة , قدمه تنبيها على ذلك فقال : { قتل أولادهم } أي بالوأد خشية ~~الإملاق والنحر لآلهتهم , وشتان بين من يوجد لهم الولد ويرزقه والرزق ~~ويخلقه وبين من لا يكون إلا سببا في إعدامه ؛ ولما كان في هذا غاية الغرابة ~~تشوفت النفس إلى فاعل التزيين فقال : { شركاؤهم } أي وهم أقل منهم بما ~~يخاطبون به من أجواف الأصنام وبما يحسن لهم السدنة والأهوية بسبب الأصنام . ~~| ولما كان هذا أمرا معجبا , كان الأمر في قراءة ابن عامرالمولود في زمان ~~النبي صلى الله عليه وسلم المشمول ببركة ذلك العصر الآخذ عن جلة من الصحابة ~~الموصوف بغزارة العلم ومتانة الدين وقوة الحفظ والضبط وحجة النقل في إسناد ~~الفعل إلى الشركاء بإضافة المصدر إلى فاعله أعجب , وفصل بين المضاف والمضاف ~~إليه بالمفعول - وهو الأولاد - لأن وقوع القتل فيهم كما تقدم أعجب . | ~~PageV02P722 ولما كان ذلك ربما كان لفائدة استهين لها هذا الفعل العظيم , ~~ذكر أنه ليس له فائدة إلا الهلاك في الدنيا والدين الذي هو هلاك في الآخرة ~~ليكون ذلك أعجب فقال : { ليردوهم } أي ليهلكوهم هلاكا ms1543 لا فائدة فيه بوجه { ~~وليلبسوا } أي يخلطوا ويشبهوا { عليهم دينهم } أي وهو دين إبراهيم الذي ~~أمره الله بذبح ولده إسماعيل عليهما السلام فما أقدم عليه إلا بأمر الله ثم ~~إنه فداه ولم يمض ذبحه , فخالف هؤلاء عن أمر الشركاء الأمرين معا فجمعوا ~~لهم بذلك بين إهلاكين : في النفس والدين , فان القتل في نفسه عظيم جدا , ~~ووقوعه تدينا بغير أصل ولا شبهة أعظم , فلا أضل ممن تبع من كان سببا لإهلاك ~~نفسه ودينه . | ولما كان العرب يدعون الأذهان الثاقبة والأفكار الصافية ~~والآراء الصائبة والعقول الوافرة النافذة , ذكر لهم ذلك على سبيل التعليل ~~استهزاء بهم , يعني أنهم فعلوا ذلك لهذه العلة فلم يفطنوا بهم ولم يدركوا ~~ما أرادوا بكم مع أنهم حجارة , فأنتم أسفل منهم ؛ وملا أثبت للشركاء فعلا ~~هو التزيين , وكان قد نفي سابقا عنهم وعن سائر أعداء الأنبياء الاستقلال به ~~, وأناط الأمر هناك - لأن السياق للأعداء - بصفة الربوبية المقتضية للحياطة ~~والعناية , وكان الكلام هنا في خصوص الشركاء , علق الأمر باسم الذات الدال ~~على الكمال المقتضي للعظمة والجبروت والكبر وسائر الأسماء الحسنى على وجه ~~الإحاطة الجلال فقال : { ولو شاء الله } أي بما له من العظمة والإحاطة ~~بجميع أوصاف الكمال المقتضية للعلو عن الأنداد والتنزه عن الشركاء والأولاد ~~أن لا يفعله المشركون { ما فعلوه } أي ذلك الذي زين لهم , بل ذلك إنما هو ~~بإرادته ومشيئه احتراسا من ظن أنهم يقدرون على شيء استقلالا , وتسلية لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتخفيفا , وأكد التسلية بقوله : { فذرهم وما ~~يفترون * } أي يتقولون من الكذب ويتعمدونه . | < < # | الأنعام : ( 138 - 139 ) وقالوا هذه أنعام . . . . . # > > ^ ( وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمهآ إلا من نشآء بزعمهم وأنعام ~~حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افترآء عليه سيجزيهم بما ~~كانوا يفترون * وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على ~~أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركآء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم ) ^ } ) | ~~ولما ذكر إقدامهم على ما قبحه الشرع , ولامه على تقبيحه العقل من قتل ~~الأولاد , أتبعه إحجامهم ms1544 عما حسنه الشرع من ذبح بعض الأنعام لنفعهم , وضم ~~غليه جملة مما منعوا أنفسهم منه ودانوا به لمجرد أهوائهم فقال : { وقالوا } ~~أي المشركون سفها وجهلا PageV02P723 { هذه } إشارة إلى قطعة من أموالهم ~~عينوها لآلهتهم { أنعام وحرث حجر } أي حرام محجور عليه فلا يصل أحد إليه , ~~وهو وصف يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث , لأن حكمه حكم الأسماء ~~غير الصفات { لا يطعمها } أي يأكل منها { إلا من نشاء } أي من السدنة ~~ونحوهم { بزعمهم } أي بتقولهم بمجرد الهوى من غير سند عن الله الذي له ~~ملكوت السماوات والأرض , وهم كاذبون في هذا الزعم في أصل التحريم وفي نفوذ ~~المنع , فلو أراد الله أن تؤكل لأكلت ولم يقدروا على منع { وأنعام } . | ~~ولما كان ذمهم على مجرد التجريم لا على كونه من معين , بني للمجهول قوله : ~~{ حرمت ظهورها } يعني البحائر وما معها فلا تركب { وأنعام لا يذكرون } أي ~~هؤلاء المتقولون على الله { اسم الله } الذي حاز جميع العظمة { عليها } أي ~~في الذبح أو غيره { افتراء } أي تعمدا للكذب { عليه } . | ولما كان هذا ~~لعظمه من جهة أنه تعمد للكذب على ملك الملوك موضع تشوف السامع إلى ما يكون ~~عنه , استأنف قوله : { سيجزيهم } أي بوعد صادق لا خلف فيه { بما } أي بسبب ~~ما { كانوا } أ يجبلة وطبعا { يفترون * } أي يتعمدون من الكذب , أما بعد ~~إظهار الحق فواضح , وأما قبله فلكونه في غاية ما يكون من ظهور الفساد . | ~~ولما ذكر من سفههم ما فيه إقدام محض وما فيه إحجام خالص محت , أتبعه ما هو ~~مختلط منهما فقال : { وقالوا } أي المشركون أو بعضهم وأقره الباقون { ما في ~~بطون هذه } إشارة إلى ما اقتطعوه لآلهتهم , وبينوه بقولهم : { الأنعام } أي ~~من الأجنة { خالصة } أي خلوصا لا شوب فيه , أنث للحمل على معنى الأجنة , أو ~~تكون التاء للمبالغة أو تكون مصدرا كالعافية , أي ذو خالصة { لذكورنا } ؛ ~~ولما كان المراد العراقة في كل صفة , أتى بالواو فقال : { ومحرم } وحذف ~~الهاء إما حملا على اللفظ أو تحقيقا لأن المراد ب ( خالصة ) المبالغة { على ~~أزواجنا ms1545 } أي إناثنا , وكأنه عبر بالأزواج بيانا لموضع السفه بكونهن شقائق ~~الرجال , هذا إن ولد حيا { وإن يكن } أي ما في بطونها { ميتة } وكأنه أثبت ~~هاء التأنيث مبالغة , وأنث الفعل أبو جعفر وابن عامر وأبو بكر عن عاصم حملا ~~على معنى ( ما ) ورفع الاسم على التمام ابن كثير وأبو جعفر وابن عامر , ~~وذكر ابن كثير لأن التأنيث غير حقيقي , ونصب الباقون على جعلها ناقصة مع ~~التذكير حملا على لفظ ( ما ) { فهم } أي ذكورهم وإناثهم { فيه } أي ذلك ~~الكائن الذي في البطون { شركاء } أي على حد سواء . | ولما كان ذلك كله وصفا ~~منهم للأشياء في غير مواضعها التي يحبها الله قال : { سيجزيهم وصفهم } أي ~~بأن يضع العذاب الأليم في كل موضع يكرهون وصفه فيه , PageV02P724 حتى يكون ~~مثل وصفهم الذي لم يزالوا يتابعون الهوى فيه حتى صار خلقا لهم ثابتا فهو ~~يريهم وخيم أثره , ثم علل ذلك بقوله : { إنه حكيم } أي لا يجازى على الشيء ~~إلا بمثله ويضعه في أحق مواضعه وأعدلها { عليم * } أي بالمماثلة ومن ~~يستحقها وعلى أي وجه يفعل , وعلى اي كيفية يكون أتم وأكمل , وفي ذلك أتم ~~إشارة إلى أن هذه الأشياء في غاية البعد عن الحكمة , فهو متعال عن أن يكون ~~شرعها وهي سفه محض لا يفعلها إلا ظالم جاهل . | < < # | الأنعام : ( 140 - 141 ) قد خسر الذين . . . . . # > > ^ ( قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله ~~افترآء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين * وهو الذي أنشأ جنات معروشات ~~وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير ~~متشابه كلوا من ثمره إذآ أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين ) ^ } ) | ولما ذكر تعالى تفاصيل سفههم , وأشار إلى معانيها , ~~جمعها - وصرح بما أثمرته من الخيبة - في سبع خلال كل واحدة منها سبب تام في ~~حصول الندم فقال : { قد خسر } وأظهر في موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم ~~بالوصف فقال : { الذين قتلوا } قرأها ابن عامر وابن كثير بالتشديد لإرادة ~~التكثير والباقون بالتخفيف { أولادهم سفها } أي ms1546 خفة إلى الفعل المذموم ~~وطيشا , تؤزهم الشياطين الذين يتكلمون على ألسنة الأصنام أو سدنتها إلى ذلك ~~أزا . | ولما كان السفه منافيا لرزاننة العلم الذي لا يكون الفعل الناشئ ~~عنه إلا عن تأن وتدبر وتفكر وتبصر , قال مصرحا بما أفهمه : { بغير علم } أي ~~وأما من قتل ولده بعلم - كما إذا كان كافرا أو قاتلا أو محصنا زانيا - فليس ~~حكمه كذلك ؛ ولما ذكر عظيم ما أقدموا عليه , ذكر جليل ما أحجموا عنه فقال : ~~{ وحرموا ما رزقهم الله } أي الذي لا ملك سواه رحمة لهم , من تلك الأنعام ~~والغلات , بغير شرع ولا نفع بوجه { افتراء } أي تعمدا للكذب { على الله } ~~أي الذي له جميع العظمة . | ولما كانوا قد خسروا ثلاث خسرات مع ادعائهم ~~غاية البصر بالتجارات : النفس بقتل الأولاد , والمال بتحريم ما رزقهم الله ~~, فأفادهم ذلك خسارة الدين , كانت نتيجته قوله : { قد ضلوا } أي جاوزوا ~~وحادوا عن الحق وجاروا ؛ ولما كان الضال قد تكون ضلالته فلتة عارضة له , ~~وتكون الهداية وصفا أصيلا فيه , نبه على أن الضلال وصفهم الثابت بقوله : { ~~وما كانوا } أي في شيء من هذا من خلق من الأخلاق { مهتدين * } PageV02P725 ~~أي لم يكن في كونهم وصف الهداية , بل زادوا بذلك ضلالا ؛ قال البخاري في ~~المناقب من صحيحه : حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد ~~بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ~~ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها ~~} - إلى قوله : { وما كانوا مهتدين } . | وله في وفد بني حنيفة من المغازي ~~عن مهدي بن ميمون قال : سمعت أبا رجاء العطاردي بقول : كنا نعبد الحجر فإذا ~~وجدنا حجرا أحسن منه ألقيناه فأخذنا الآخر , وإذا لم نجد حجرا جمعنا جثوة ~~من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به , فإذا دخل شهر رجب قلنا : ~~منصل الأسنة , فلا ندع رمحا فيه حديدة ولا سهما فيه حديدة إلا نزعناه ~~فألقيناه شهر رجب . | ولما كان مدار القرآن ms1547 على تقرير التوحيد والنبوة ~~وتوابعها والمعاد والقضاء والقدر والفعل بالاختيار , وأتقن تقرير هذه ~~الأصول لا سيما في هذه السورة , وانتهى إلى شرح أحوال السعداء والأشقياء , ~~وعجب سبحانه ممن أشرك وأنكر البعث وفعل أفعال المشركين تعجيبا بعد تعجيب , ~~وهجن طريقتهم ووبخهم توبيخا في إثر توبيخ بتكذيبهم للداعي من غير حجة , ~~وحكى أقوالهم الباطلة ودعاويهم الفاسدة مع ادعائهم أنهم أنصف الناس , ~~ومخالفتهم للهادي بغير ثبت ولا بينة مع ادعائهم أنهم أبصر الناس , وبطلبهم ~~للآيات تعنتا مع ادعائهم أنهم أعقل الناس , وإخلاصهم في الشدة وإشراكهم في ~~الرخاء مع ادعائهم أنهم أشكر الناس , وعبادتهم للجن وتعوذهم بهم مع ادعائهم ~~أنهم أشجع الناس - إلى أن عجب منهم فيما شرعوه لأنفسهم فميا رزقهموه سبحانه ~~من حيوان وجماد ومضوا عليه خلفا عن سلف , تنبيها على ضعف عقولهم وقلة ~~علومهم تنفيرا للناس عن الالتفات إليهم واغترار بأقوالهم , قال في موضع ~~الحال من < # > 77 ( { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام } ) 77 < # > [ الأنعام : 136 ] مبينا عظيم ملكه وشمول قدرته وباهر اختياره وعظمته , ~~زيادة في التعجيب منهم في تصرفهم في ملكه بغير إذنه سبحانه وشرعهم ما لم ~~يأذن فيه في سياق كافل بإقامة الحجة على تقرير التوحيد عودا على بدء وعللا ~~بعد نهل , لأنه المدار الأعظم والأصل الأقوم : { وهو } أي لا غيره { الذي ~~أنشأ } أي من العدم { جنات } أي من العنب وغيره { معروشات } أي مرفوعات عن ~~الأرض على الخشب ونحوه , أي لا تصلح إلا معروشة , ومتى لم ترفع عن الأرض ~~تلف ثمرها { وغير معروشات } أي غير مرفوعات على الخشب , أي لا تصلح إلا ~~مطروحة على PageV02P726 الأرض مثقلة بما يحكم وصولها إليها , ومتى ارتفعت ~~عن الأرض تلفت , فما ذلك لطبيعة ولا غيرها وإلا لاستوت الجنات كلها لأن ~~نسبتها إلى السماء والأرض واحدة , فما اختلف إلا بفاعل مختار واحد لا شريك ~~له , لا يكون إلا ما يريد . | ولما ذكر الجنات الجامعة , خص أفضلها وأدلها ~~على الفعل بالاختيار , وبدأ بأشهرها عند المخاطبين بهذه الآيات ] فقال : { ~~والنخل } أي وأنشأ النخل { والزرع } حال كونه { مختلفا ms1548 أكله } أي أكل أحد ~~النوعين , وهو ثمره الذي يؤكل بالنسبة إلى الآخر , وأكل كل نوع بالنسبة إلى ~~الأشجار وغيرها في الحمل والطعم وغيره , بل ويوجد في العذق الواحد الاختلاف ~~, وأما اختلاف مقداره بكون هذا في غاية الطول وهذا في غاية القصر فأمر واضح ~~جدا { والزيتون والرمان } . | ولما كان معظم القصد في هذا السياق نفي ~~الشريك وإثبات الفعل بالاختيار , لم يدع الحال إلى ذكر كمال الشبه فاكتفى ~~بأصل الفعل فقيل : { متشابها } أي كذلك { وغير متشابه } أي في اللون والطعم ~~والفساد وعدمه والتفكه والاقتيات والدهن والماء - إلى غير ذلك من أحوال ~~وكيفيات لا يحيط بها حق الإحاطة إلا بارئها سبحانه وعز شأنه , ولعله جمع ~~الأولين لأن كلا منهما يدخر للاقتيات ولا يسرع فساده مع المفارقة في الشكل ~~, والاختلاف في النوع بالشجر والنجم , والتفاوت العظيم في المقدار , ~~والأخيرين لأن الأول لا يفسد بوجه , والثاني يسرع فساده , ويدخر كل منهما ~~على غير الهيئة التي يدخر عليها الآخر مع كونهما من الأشجار وتقاربهما في ~~المقدار وتفاوت ثمرتهما في الشكل والقدر وغير ذلك . | ولما كان قوله < # > 77 ( { وهو الذي أنزل من السماء ماء } ) 77 < # > [ الأنعام : 99 ] في سياق الاستدلال على أنه لا فاعل إلا الله , أمر ~~فيه بالنظر إلى الثمر والينع ليعتبر بحالهما , وكانت هذه الآية في سياق ~~التعنيف لمن حرم ما رزقه الله والأمر بالأكل من حلال ما أنعم به والنهي عن ~~تركه تدينا فقال تعالى هنا : { كلوا } وقدم الأولى المستدل بها على وجود ~~البارئ وتفرده بالأمر لأن اعتقاد ذلك سعادة روحانية أبدية ؛ وقال أبو حيان ~~في النهر : لما كان مجيء تلك الآية في معرض الاستدلال بها على الصانع ~~وقدرته والحشر وإعادة الأرواح إلى الأجساد بعد العدم وإبراز الجسد وتكوينه ~~من العظم الرميم وهو عجب الذنب , قال < # > 77 ( { انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه } ) 77 < # > [ الأنعام : 99 ] إشارة إلى الإيجاد أولا وإلى غايته , وهنا لما كان في ~~معرض الامتنان وإظهار الإحسان بما خلق لنا قال : كلوا , ودل على أن الرزق ~~أكثر من خلقه بقوله : { من ms1549 ثمره } , ولما كان هذا الأمر للإباحة لا للارادة ~~, قيده لئلا يقتضي إيجاد الثمر في كل جنة في كل وقت فقال : { إذا ~~PageV02P727 أثمر } فحصل بمجموعها الحياة الأبدية والحياة الدنياوية ~~السريعة الانقضاء وتقدم النظر وهو الفكر على الأكل لهذا السبب . | انتهى . ~~| وعبر ب ( إذا ) دون ( إن ) تحقيقا لرجاء الناس في الخصب وتسكينا لآمالهم ~~رحمة لهم ورفقا بهم إعلاما أنه إن وقع جدب كان في ناحية دون أخرى وفي نوع ~~دون آخر , وإباحة للأكل في جميع أحوال الثمرة نضيحة وغير نضيجة . | ولما ~~كان في الآيات الحاكية مذاهب الكفار تقبيح أن يجعلوا شيئا من أموالهم لأحد ~~بأهوائهم , أشار هنا إلى أنه فرض فيها حقا وجعل له مصارف بقوله : { وآتوا ~~حقه } ولما أباح سبحانه أكله ابتداء وانتهاء , بين أنه خفف عنهم الوجوب قبل ~~الانتهاء فقال : { يوم حصاده } أي قطعه جذاذا كان أو حصادا , فكذلك أول وقت ~~نصاب الأمر وهو موسع , والحق أعم من الواجب والمندوب , فإن أريد الندب عم ~~الأنواع الخمسة الماضية : العنب المشار إليه بالعرش وما بعده , وإن أريد ~~الوجوب فقد أشير بالتعبير بالحصاد إلى أن الأصل في ذلك الحبوب المقتاتة , ~~وأما غيرها فتابع علمه ببيان النبي صلى الله عليه وسلم فيطلق عليه الحصاد ~~مجازا . | ولما أمر الله بالأكل من ثمره وبإيتاء حقه , نهى عن مجاوزة الحد ~~في البسط أو القبض فقال : { ولا تسرفوا } وهذا النهي يتضمن أفراد الإسراف , ~~فيدخل فيه الإسراف في أكل الثمرة حتى لا يبقى شيء منها للزكاة , والإسراف ~~في الصدقة حتى لا يبقى لنفسه ولا لعياله شيئا , ويؤيده ^ ( { وكلوا واشربوا ~~ولا تسرفوا } ) ^ [ الأعراف : 31 ] , ^ ( { ولا تبسطها كل البسط } ) ^ [ ~~الإسراء : 29 ] , ثم علله بقوله : { إنه لا يحب المسرفين * } أي لا يعاملهم ~~معاملة المحب فلا يكرمهم , وقيل لحاتم الطائي : لا خير في السرف فقال : ولا ~~سرف في الخير . | < < # | الأنعام : ( 142 - 144 ) ومن الأنعام حمولة . . . . . # > > ^ ( ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين * ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ~~قل ءآلذكرين حرم أم ms1550 الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم ~~إن كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل ءآلذكرين حرم أم ~~الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهدآء إذ وصاكم الله بهذا ~~فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين ) ^ } ) | ولما كان السياق للمآكل من الحرث والأنعام من ~~حلال وحرام , وفرغ من تقرير PageV02P728 أمر الحرث الذي قدم في الجملة ~~الأولى لأنه مادة الحيوان , قال : { ومن } أي وأنشأ من { الأنعام حمولة } ~~أي ما يحمل الأثقال { وفرشا } أي وما يفرش للذبح أو للتوليد , ويعمل من ~~وبره وشعره فرش ؛ ولما استوفى القسمين أمر بالأكل من ذلك كله على وجه يشمل ~~غيره مخالفة للكفار فقال : { كلوا مما رزقكم الله } أي لأنه الملك الأعظم ~~الذي لا يسوغ رد عطيته { ولا تتبعوا } ولعله شدد إشارة إلى العفو عن صغيرة ~~إذا ذكر الإنسان فيها رجع ولم يعتد في هواه { خطوات الشيطان } أي طريقه في ~~التحليل والتحريم كما قال في البقرة < # > 77 ( { كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان } ) 77 ~~< # > [ البقرة : 168 ] وعبر بذلك لأنه - مع كونه من مادة الخطيئة دال على أن ~~شرائعه شريعة الأندراس , لولا مزيد الاعتناء من الفسقة بالتتبع في كل خطوة ~~حال تأثيرها لبادر إليها المحو لبطلانها في نفسها , فلا أمر من الله يحييها ~~ولا كتاب يبقيها , وإنما أسقط هنا { حلالا طيبا } لبيانه سابقا في قوله < # > 77 ( { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه } ) 77 < # > [ الأنعام : 118 ] , < # > 77 ( { ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه } ) 77 < # > [ الأنعام : 121 ] , ولاحقا في قوله < # > 77 ( { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما } ) 77 < # > [ الأنعام : 125 ] ؛ ثم علل نهيه عن اتباعه فقال : { إنه لكم عدو } أي ~~فهو لذلك لا يأمركم بخير { مبين * } أي ظاهر العداوة لأن أمره مع أبيكم ~~شهير . | ولما رد دين المشركين وأثبت دينه , وكانوا قد فصلوا الحرمة ~~بالنسبة إلى ذكور الآدمي وإناثه , ألزمهم تفصيلها بالنسبة إلى ذكور الأنعام ~~وإناثه , ففصل أمرها ms1551 في أسلوب أبان فيها أن فعلهم رث القوى هلهل النسيج ~~بعيد من قانون الحكمة , فهو موضع للاستهزاء وأهل للتهكم , فقال بيانا ل { ~~حمولة وفرشا } { ثمانية أزواج } أي أصناف , لا يكمل صنف منها غلا بالآخر , ~~أنشأها بزواج كل من الذكر والأنثى الآخر , ولحق بتسميتهم الفرد بالزوج - ~~بشرط أن يكون آخر من جنسه - تسميتهم الزجاجة كأسا بشرط أن يكون فيها خمر . ~~| ولما كان الزوج يطلق على الاثنين وعلى ما معه آخر من نوعه , قال مبينا أن ~~هذا هو المراد لا الاثنان مفصلا لهذه الثمانية : { من الضأن } جمع ضائن ~~وضائنة كصاحب وصحب { اثنين } أي ذكرا وأنثى كبشا ونعجة { ومن المعز } جمع ~~ماعز وماعزة كخادم وخدم في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر , وتاجر ~~وتجر في قراءة غيرهم { اثنين } أي زوجين ذكرا وأنثى تيسا وعنزا . | ولما ~~كان كأنه قيل : ما المراد بهذا التفصيل قبل سؤالهم عن دينهم , قال : { قل } ~~أي لهم مستفهما ؛ ولما كان هذا الاستفهام بمعنى التوبيخ والتهكم والإنكار , ~~أتى فيه ب ( أم ) التي هي مع الهمزة قبلها بمعنى ( أي ) ليتفهم بها عما ~~يعلم ثبوت بعضه وإنما يطلب PageV02P729 تعيينه , فقال معترضا بين المعدودات ~~تأكيدا للتوبيخ , لأن الاعتراضات لا تساق إلا للتأكيد : { ءالذكرين } . | ~~ولما كان المستفهم عنه بنصبه ما بعده لا ما قبله , قال : { حرم } أي الله , ~~فإن كان كذلك لزمكم تحريم جميع الذكور { أم الأنثيين } ليلزمكم تحريم جميع ~~الإناث , واستوعب جميع ما يفرض من سائر الأقسام في قوله : { أما } أي أم ~~حرم ما { اشتملت } أي انضمت { عليه } وحملته { أرحام الأنثيين } أي من ~~الذكور والإناث , ومتى كان كذلك لزمكم تحريم الكل فلم تلزموا شيئا مما ~~أوجبه هذا التقسيم فلم تمشوا على نظام . | ولماعلم أنه لا نظام لهم فعلم ~~أنهم جديرون بالتوبيخ , زاد في توبيخهم فقال : { نبئوني } أي أخبروني عما ~~حرم الله من هذا إخبارا جليلا عظيما ؛ ولما كان هذا الإخبار الموصوف لا ~~يكون بشيء فيه شك , قال : { بعلم } أي أمر معلوم من جهة الله لا مطعن فيه { ~~إن كنتم صادقين } أي إن كان ms1552 لكم هذا الوصف . | ولما فصل الغنم إلى ضان ومعز ~~, أغنى ذلك عن تنويع الإبل إلى العراب والبخت والبقر إلى العراب والجواميس ~~, - ولأن هذه يتناتج بعضها من بعض بخلاف الغنم فإنها لا يطرق أحد نوعيها ~~الآخر - نقله الشيخ بدر الدين الزركشي في كتاب الوصايا من شرح المنهاج عن ~~كتاب الأعداد لابن سراقة فقال : { ومن الإبل اثنين } أي ذكرا وأنثى { ومن ~~البقر اثنين } أي كذلك { قل } أي لهؤلاء الذين اختلفوا جهلا وسفها ما تقدم ~~عنهم { ءالذكرين } أي من هذين النوعين { حرم } أي حرمهما الله { أم ~~الأنثيين } أي حرمهما { أما } أي الذي { اشتملت عليه } أي ذلك المحرم على ~~زعمكم { أرحام الأنثيين } أي حرمهما الله . | ولما كان التقدير : أجاءكم ~~هذا عن الله الذي لا حكم لغيره على لسان نبي ؟ عادله توبيخا لهم وإنكارا ~~عليهم بقوله : { أم كنتم شهداء } أي حاضرين { إذ وصاكم الله } أي الذي لا ~~ملك غيره فلا حكم لسواه { بهذا } أي كما جزمتم عليه به , أو جزمتم بالحرمة ~~فيما حرمتموه والحل فيما أحللتموه , ولا محرم ولا محلل غير الله , فكنتم ~~بذلك ناسبين الحكم إليه ؛ ولما كان التقدير كما أنتجه السياق : لقد كذبتم ~~على الله حيث نسبتم إليه ما لم تأخذوه عنه لا بواسطة ولا بغير واسطة , سبب ~~عنه قوله معمما ليعلم ليعلم أن هذا إذا كان في التحريم والتحليل كان الكذب ~~في أصول الدين أشد : { فمن أظلم } ووضع موضع ( منكم ) قوله معمما ومعلقا ~~للحكم بالوصف : { ممن افترى } أي تعمد { على الله } أي الذي لا أعظم منه ~~لأنه ملك الملوك { كذبا } كعمرو بن لحي الذي غيرشريعة إبراهيم عليه السلام ~~, وكل من فعل مثل فعله . | PageV02P730 ولما كان يلزم من شرعهم لهذه الأمور ~~إضلال من تبعهم فيها عن الصراط السوي , وكانوا يدعون أنهم أفطن الناس ~~وأعرفهم بدقائق الأمور في بداياتها ونهاياتها وما يلزم عنها , جعل غاية ~~فعلهم مقصودا لهم تهكما بهم فقال : { ليضل الناس } ولما كان الضلال قد يقع ~~من العالم الهادي خطأ , قال : { بغير علم } . | ولما كان هذا محل عجب ممن ~~يفعل هذا , كشفه ms1553 سبحانه بقوله استئنافا : { إن الله } وهو الذي لا حكم لأحد ~~سواه لا يهديهم , هكذا كان الأصل ولكنه أظهر تعميما بما هو أعم من وصفهم ~~ليكون الحكم عليهم بطريق الأولى فقال : { لا يهدي القوم الظالمين } أي ~~الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها فكيف بالأظلمين ! وما أحسن هذا الختم ~~لأحكامهم وأنسبه لما بناها عليه من قوله ^ ( { إنه لا يفلح الظالمون } ) ^ ~~[ الأنعام : 21 ] . | < < # | الأنعام : ( 145 ) قل لا أجد . . . . . # > > ^ ( قل لا أجد في مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ~~أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ) ^ } ) | ولما تضمن قوله افتراء عليه ~~افتراء على الله والتعبير في ذلك كله بالاسم الأعظم أن كون التحريم ليس غلا ~~من الله أمر معلوم ليس موضعا للشك لأنه الملك الأعظم ولا حكم لغير الملك , ~~ومن حكم عن غير أمره عذب ؛ حسن بعد إبطال دينهم والبيان لأن من حرم شيئا ~~بالتشهي مضل وظالم قوله مبينا البيان الصحيح لما يحل ويحرم جوابا لمن يقول ~~: فما الذي حرمه سبحانه وما الذي أحله : { قل } معلما بأن التحريم لا يثبت ~~إلا بوحي من الله { لا أجد } أي الآن ولا فيما يستقبل من الزمان , فإن ( لا ~~) كلمة لا تدخل على مضارع إلا وهو بمعنى الاستقبال { في ما } ولما كان ما ~~آتاه صلى الله عليه وسلم قد ثبت بعجزهم عن معارضته أنه من الله , بني ~~للمفعول قوله : { أوحي إلي } أي من القرآن والسنة شيئا مما تقدم مما ~~حرمتموه مطلقا أو على حال دون حال وعلى ناس دون آخرين طعاما { محرما على ~~طاعم } أي طاعم كان من ذكر أو أنثى { يطعمه } أي يتناوله أكلا وشربا أو ~~دواء أو غير ذلك { إلا أن يكون } أي ذلك الطعام { ميتة } أي شرعا , والميتة ~~الشرعية هي ما لا يقبل التذكية , وهو كل ما زالت حياته بغير ذكاة شرعية { ~~أو دما مسفوحا } أي مراقا من شأنه السيلان لا من شأنه ms1554 الجمود كالكبد ~~والطحال . | ولما كان النصارى قد اتخذوا أكل الخنزير دينا , نص عليه وإن ~~كان داخلا في قوله ( ميتة ) على ما قررته في المراد بها , وقال : { أو لحم ~~خنزير } ليفيد تحريمه على كل PageV02P731 حال سواء ذبح أم لا , ولو قيل : ~~أو خنزيرا لاحتمل أن يراد تحرم ما أخذ منه حيا فقط , وقال : { فإنه } أي ~~الخنزير { رجس } ليفيد نجاسة عينه وهو حي , فلحمه وكذا سائر أجزائه بطريق ~~الأولى , وكل ما وافقه في هذه العلة كان نجسا , لا يعاد الضمير على اللحم ~~لأنه قد علمت نجاسته من تحريمه لعينه , فلو عاد عليه كان تكرارا . | ولما ~~ذكر المحرم لعينه ذكر المحرم لعارض , فقال مبالغا في النفي عنه بأن جعله ~~نفس المعنى الذي وقع النهي لأجله : { أو فسقا } أي أو كان الطعام خروجا مما ~~ينبغي القرار فيه من فسيح جناب الله الذي من توطنه أمن واهتدى وسلم من ضيق ~~الهوى في ذكر الغير الذي من خرج إليه خاف وضل , وهلك وتوى ؛ ثم قال مفسرا ~~له مقدما لما هو داخل في الفسق من الالتفات إلى الغير : { أهل لغير الله } ~~أي الذي له كل شيء لأن له الكمال كله { به } أي ذكر غير اسمه عليه بأن ذبح ~~له تدينا ؛ ثم ذكر لطفه بهذه الأمة في إباحته لهم في حال الضرورة كل محرم ~~رحمة منه لهم وسترا لتقصيرهم فقال : { فمن اضطر } أي حصل له جوع خشي منه ~~التلف , وبني للمفعول لأن المعتبر حصول الاضطرار لا كونه من معين , ومن ~~التعبير بذلك تؤخذ حرمة ما زاد على سد الرمق لأنه حينئذ لا يكون مضطرا { ~~غير باغ } أي على غيره بمكيدة { ولا عاد } أي على غيره بقوته ولا متجاوز سد ~~الضرورة { فإن ربك } أي المحسن إليك بإرسالك وغلى أمتك الضعيفة بجعل دينها ~~الحنيفية السمحة { غفور } أي يمحو الذنب إذا أراد { رحيم } أي يكرم المذنب ~~بعد الغفران بأنواع الكرامات , فهو جدير بأن يمحو عن هذا المضطر أثر تلك ~~الحرمة التي كدرها ويكرمه بأن يجعل له - في حفظه بذلك لنفسه إذا ms1555 صحت فيه ~~نيته - أجرا عظيما , وقد تكلفت الآية على وجازتها بجميع المحرمات من ~~المأكولات مع الإشارة بلفظ الرجس والفسق إلى جميع أصناف المحرمات وإلى أن ~~ارتكابها موجب للخبث والانسلاخ من الخير , وذلك هو سبب تحريمها ؛ قال ~~الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة : وجه إنزال هذا الحرف - أي حرف ~~الحرام - طهرة الخلق من مضار أبدانهم ورجاسة نفوسهم ومجهلة قلوبهم , فما ~~اجتمعت فيه كان أشد تحريما وما وجد فيه شيء منها كان تحريمه بحسب تأكيد ~~الضرورة إلى طهرته , وكما اختلف أحوال بني آدم بحسب اختلاف طينتهم من بين ~~خبيث وطيب وما بين ذلك , اختلف أحوالهم فيما به تجدد خلقهم من رزقهم , فمن ~~اغتذى بدنه من شيء ظهرت أخلاق نفس ذلك المغتذى به وأوصافه في نفسه , ورين ~~على القلب أو صفاء , لتقويه بما يسمى عليه من ذكر الله أو كفر به بذكر غيره ~~, وجامع منزله على حده من استثناء قليله من متسع الحلال قوله تعالى < # > 77 ( { قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ~~أو PageV02P732 دما مسفوحا } ) 77 < # > [ الأنعام : 125 ] هذا لمضرته بالبدن { أو لحم خنزير } وهذا لتخبيثه ~~للنفس وترجيسه لها كما قال تعالى { فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به } ~~وهذا لرينه على القلب , وهذه الآية مدنية وأثبتها تعالى في سورة مكية ~~إشعارا بأن التحريم كان مستحقا في أول الدين ولكن أخر إلى حين اجتماع جمة ~~الإسلام بالمدينة تأليفا لقلوب المشركين وتيسيرا على ضعفاء الدين الذين ~~آمنوا واكتفاء للمؤمنين بتنزههم عن ذلك وعما يشبهه استبصارا منهم حتى أن ~~الصديق رضي الله عنه كان قد حرم الخمر على نفسه في زمن الجاهلية لما رأى ~~فيها من نزف العقل , فكيف بأحوالهم بعد الإسلام ! وألحق بها في سورة { ~~الذين آمنوا } ما كان قتله سطوة من غير ذكر الله عليه من المنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما أدرك بالتذكية المنهرة ~~للدم الموصل في التحريم لفساد مسفوحه بما هو خارج عن حد الطعام في الابتداء ~~والأعضاء ms1556 في الانتهاء المستدركة ببركة التسمية أثر ما أصابها من مفاجأة ~~السطوة , وألحق بها أيضا في هذه السورة تحريم الخمر لرجسها كالخنزير كما ~~ألحقت المقتولة بالميتة , وكما حرم الله ما فيه جماع الرجس من الخنزير ~~وجماع الإثم من الخمر حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه حظ من ~~ذلك , فألحق بالخنزير السباع حماية من سورة غضبها لشدة المضرة في ظهور ~~الغضب من العبيد لأنه لا يصلح إلا لسيدهم , وحرم الحمر الأهلية حماية من ~~بلادتها وحرانها الذي هو علم غريزة الخرق في الخلق , وألحق صلى الله عليه ~~وسلم بتحريم الخمر التي سكرها مطبوع تحريم المسكر الذي سكره مصنوع , وكما ~~حرم الله ما يغر العبد في ظاهره وباطنه حرم عليه فيما بينه وبينه ما يقطعه ~~عنه من أكل الربا , والربا بضع وسبعون بابا والشرك مثل ذلك , وجامع منزله ~~في قوله تعالى { الذين يأكلون الربا } إلى قوله : < # > 77 ( { وأحل الله البيع وحرم الربا } ) 77 < # > [ البقرة : 275 ] إلى انتهاء ذكره إلى ما ينتظم من ذلك في قوله : < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } ) 77 < # > [ آل عمران : 113 ] - الآية ما يلحق بذلك في قوله : < # > 77 ( { وما آتيتم من ربا } ) 77 < # > [ الروم : 39 ] - الآية , هكذا قال : إن هذه الآية مدنية , وهو - مع ~~كوني لم أره لغيره - مشكل بقوله < # > 77 ( { وقد فصل لكم ما حرم عليكم } ) 77 < # > [ الأنعام : 119 ] - الآية . | ولما كان تحريم الربا بين الرب والعبد , ~~كان فيه الوعيد بالإيذان بحرب من الله ورسوله , ولذلك حمت الأئمة ذرائعه ~~أشد الحماية , وكان أشدهم في ذلك عالم المدينة حتى أنه حمي من صورته من ~~الثقة بسلامة الباطن منه , وعمل بضد ذلك في محرمات ما بين العبد ونفسه , ~~وكما حرم الله الربا فيما بينه وبين عبده من هذا الوجه الأعلى كذلك حرم أكل ~~المال بالباطل فيما بين العبد وبين غيره نم الطرف الأدنى , وجامع منزله في ~~PageV02P733 قوله تعالى : < # > 77 ( { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام } ) 77 ~~< # > [ البقرة : 188 ] - الآية إلى ms1557 ما ينتظم به من قوله تعالى < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم } ) 77 < # > [ النساء : 29 ] إلى ما ينتظم به من قوله تعالى : < # > 77 ( { وآتوا اليتامى أموالهم } ) 77 < # > [ النسا : 2 ] - الآيات في أموال اليتامى , فحرمه تعالى من جهة الأعلى ~~والمثيل والأدنى , وانتظم التحرير في ثلاثة أصول : من جهة ما بين الله وبين ~~عبده ومن جهة ما بين العبد وبين نفسه , ومن جهة ما بين العبد وبين غيره , ~~مما تستقرأ جملة آية في القرآن وأحاديثه في السنة ومسائله في فقه الأئمة ؛ ~~ولما كان له متسع , وقع فيما بين الحلال البين والحرام البين أمور متشابهات ~~لا يعلمها كثير من الناس , لأنها تشبه الحلال من وجه وتشبه الحرام من وجه , ~~فلوقوعها بينهما يختلف فيها ولعرضه في الأولى , وعن حماية الله عباده عن ~~وبيل الحرام تحقق لهم اسمه ( الطيب ) , فلم يتطبب بطب الله من لم يحتم عن ~~محرماته ومتشابهاتها , وهو الورع الذي هو ملاك الدين , ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم , ثم قال فيما تحصل به قراءة حرف الحرام تماما في العلم ~~والحال والعمل : اعلم أن الإنسان لما كان خلقا جامعا كانت فيه بزرتان : ~~بزرة للخير وبزرة للشر , وبحسب تطهره وتخلصه من مزاحمة نبات بزرة الشر تنمو ~~فيه وتزكو بزرة الخير , ولكل واحدة من البزرتين منبت في جسمه ونفسه وفؤاده ~~, فأول الحروف في الترتيب العمل , والأساس لما بعده هو قراءة حرف الحرام , ~~لتحصل به طهرة البدن الذي هو السابق في وجود الإنسان فمن غذي بالحرام في ~~طفولته لم يقدر على اجتناب الآثام في كهولته إلا أن يطهر الله بما شاء من ~~نار الورود في الدنيا من الأمراض والضراء , فهو الأساس الذي ينبني عليه ~~تطهر النفس من المناهي وتطهر الفؤاد من العمه والمجاهل , والذي تحصل به ~~قراءة هذا الحرف هو الورع الحاجز عما يضر بالجسم ويؤذي النفس وما يكره ~~الخلق وما يغضب الرب , فمن أصاب شيئا من ذلك ولم يبادر إليه بالتوبة عذب ms1558 ~~بكل آية قرأها وهو مخالف لحكمها ( من لم يبال من أي باب دخل عليه رزقه لم ~~يبال الله من أي باب أدخله النار ) . | ولما كان الورع كف اليد ظاهرا عن ~~الشيء الضار , وكانت الجوارح لا ت نقاد إلا عن تأثر من النفس , لم يصح ~~الورع ظاهرا إلا أن يقع في النفس روعة باطنه من تناول ذلك الشيء ؛ ولما ~~كانت النفس لا تتأثر إلا عن تبصر القلب في الضار كما لا ينكف اليد إلا عند ~~تقذر النفس لما تدرك العين قذره حتى أن النفس الرضية تانف من المحرمات كما ~~يأنف المستنطف من المستقذرات , فأكلة الحرام هم دود جيفة الدنيا يستقذرهم ~~أهل البصائر كما يستقذرون هم دود جيف المزابل . | PageV02P734 ولما كان ~~الحرام ما يضر العبد في نفسه كالميتة , تيسر على المستبصر كف يده عنها لما ~~يدري من مضرتها بجسمه , وكذلك الدم المسفوح لأنه ميتة بانفصاله عن الحي ~~ومفارقته لروح الحياة التي تخالطه في العروق , قلت : وسيأتي قريبا تعليله ~~في التوراة بما يقتضي أنه أكثر فعلا في النفس وتطبيعا لها بخلق ما هو دمه ~~من اللحم - والله الموفق ؛ وكذلك ما يضر بنفسه كلحم الخنزير لأنه رجس , ~~والرجس هو خبائث الأخلاق التي هي عند العقلاء أقبح من خبائث الأبدان , وذلك ~~لأن من اعتذى جسمه بلحم حيوان اغتذت نفسه بنفسانية ذلك الحيوان وبخلق من ~~أخلاقه , وفي نفس الخنزير مجامع رذائل الأخلاق من الإباء والحران والمكر ~~والإقدام على ما يعانيه فيه الهلاك ومتابعة الفساد , والانكباب على ما تقبل ~~عليه في أدنى الأشياء على ما أظهرت في خلقته آياته فإنه ليس له استشراف ~~كذوات الأعناق , وكذلك ما يضر بهما وبالعقل كالخمر في نزفها للعقل وتصديعها ~~للرأس وإيقاعها العداوة والبغضاء في خلق النفس , ولذلك هي جماع الإثم , ~~فالمتبصر في المحرمات يأنف منها لما يدري من مضرتها وأذاها في الوقت الحاضر ~~وفي معيبها في يوم الدنيا إلى ما أخبر به من سوء عقباها في يوم الدين , ومن ~~شرب الخمر ومات ولم يتب منها كان حقا على الله أن يسقيه ms1559 من طينة الخبال , ~~وهي عصارة أهل النار , ولو هدد شاربها في الدنيا من له أمر بأن يسقيه من ~~بوله ورجيعه لوجد من الروع ما تحمله على الورع عنها , وإذا استبصر ذو دراية ~~فيما يضره في ذاته فأنف منه رعاية نفسه لحق له بذلك التزام رعايتها عما ~~يتطرق له منه درك من جهة غيره فيتورع من أكل أموال الناس بالباطل لما يدري ~~من المؤاخذة عليها في العاجل وما أخبر به من المعاقبة عليها في الآجل , ~~ولها في ذاته مضرة في الوقت بتعرفها من موارد القرآن بنور الإيمان < # > 77 ( { الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا } ~~) 77 < # > [ النساء : 10 ] وإن لم يحس بها , وليس تأويله الوعد بالنار لأن ذلك ~~إنباء عند قوله تعالى < # > 77 ( { وسيصلون سعيرا } ) 77 < # > [ النساء : 10 ] , وكذلك إذا أنف مما يضره في نفسه وخاف مما يتطرق إليه ~~ضره من غيره , أعظم أن يقرب حمى ما يتطرق إليه السطوة من ربه لأجله , وذلك ~~فيما حرم عليه حماية لعظيم ملكه وعدم التفاوت في أمر رحمانيته في محرم ~~الربا , ولما فيه أيضا من مضرة وقته الحاضر التي يقيدها بالإيمان من تعريف ~~ربه , فإنه تعالى كما عرف أن أكل مال الغير بالباطل نار في البطن , عرف أن ~~أكل مال الربا جنون في العقل وخبال في النفس < # > 77 ( { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس } ) 77 < # > [ البقرة : 275 ] وأعظم من ذلك ما حرمه الله لعرائه عن اسمه عند إزهاق ~~روحه , لأنه مأخوذ عن غير الله , وما أخذ عن غير الله كان أكله فسقا وكفرا ~~لأنه تناول الروح من يد PageV02P735 من لا يملكها , ولذلك فرضت التسمية في ~~التذكية ونفلت فيما سوى ذلك , فلا تصح قراءة هذا الحرف إلا بتبصرة القلب ~~فيه وروعة النفس منه وورع اليد عنه , وإلا فهو من الذين يقرؤون حروفه ~~ويضيعون حدوده , الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كثر هؤلاء ~~من القراء , لا كثرهم الله ) ومن لم تصح له قراءة ms1560 هذا الحرف لم تصح له ~~قراءة حرف دعاؤه ( الرجل يطلب الله مطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام ~~وغذي بالحرام , يقول : يا رب ! يا رب ! فأنى يستجاب لذلك ! ) فهذه قراءة ~~هذا الحرف وشرطه - والله ولي التوفيق . | < < # | الأنعام : ( 146 - 148 ) وعلى الذين هادوا . . . . . # > > ^ ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم ~~شحومهمآ إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايآ أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ~~ببغيهم وإنا لصادقون * فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن ~~القوم المجرمين * سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم ~~فتخرجوه لنآ إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ) ^ } ) | ولما كان ~~قوله { طاعم } نكرة في سياق النفي , يعم كل طاعم من أهل شرعنا وغيرهم , ~~وكان سبحانه قد حرم على اليهود أشياء غير ما تقدم , اقتضت إحاطة العلم أن ~~قال مبينا لإحاطة علمه وتكذيبا لليهود في قولهم : لم يحرم الله علينا شيئا ~~, إنما حرمنا على أنفسنا ما حرم إسرائيل على نفسه : { وعلى الذين هادوا } ~~أي اليهود { حرمنا } بما لنا من العظمة التي لا تدافع { كل ذي ظفر } أي على ~~ما هو كالإصبع للآدمي من الإبل والسباع والطيور التي تتقوى بأظفارها { ومن ~~البقر والغنم } أي التي هي ذوات الأظلاف { حرمنا } أي بما لنا من العظمة { ~~عليهم شحومهما } أي الصنفين ؛ ثم استثنى فقال : { إلا ما حملت ظهورهما } أي ~~من الشحوم مما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما PageV02P736 { أو الحوايا ~~} وهي الأمعاء التي هي متعاطفة متلوية , جمع حوية فوزنها فعائل كسفينة ~~وسفائن , وقيل : جمع حاوية أو حاوياء كقاصعاء { أو ما اختلط } أي من الشحوم ~~{ بعظم } مثل شحم الألية فإن ذلك لا يحرم , وهذا السياق بتقدم الجار وبناء ~~الكلام عليه يدل على أن ما عدا المذكور من الصنفين حلال لهم . | ولما كان ~~كأنه قيل : لم حرم عليهم هذه الطيبات ؟ قيل : { ذلك } أي التحريم العظيم ~~والجزاء ms1561 الكبير وهو تحريم الطيبات { جزيناهم } أي بما لنا من العظمة { ~~ببغيهم } أي في أمورهم التي تجاوزوا فيها الحدود , وفي إيلاء هذه الآية - ~~التي فيها ما حرم على اليهود - لما قبلها مع الوفاء بالمقصود من حصر محرمات ~~المطاعم على هذه الأمة وغيرها أمران جليلان : أحدهما بيان اطلاعه صلى الله ~~عليه وسلم على تفصيل ما أوحي إلي من تقدمه ولما يشامم أحدا من أتباعهم ولا ~~دارس عالما ولا درس علما قط , فلا دليل على صدقه على الله أعظم من ذلك , ~~والثاني تفضيله هذه الأمة بأنه أحل لها الخبائث عند الضرورة رحمة لهم , ~~وأزال عنها في تلك الحالة ضرها ولم يفعل بها كما فعل باليهود في أنه حرم ~~عليهم طائفة من الطيبات ولم يحلها لهم في حال من الأحوال عقوبة لهم , وفي ~~ذلك أتم تحذير لهذه الأمة من أن يبغوا فيعاقبوا كما عوقب من قبلهم على ما ~~نبه عليه في قوله < # > 77 ( { غير محلي الصيد وأنتم حرم } ) 77 < # > [ المائدة : 1 ] فبان الصدق وحصحص الحق ولم يبقى لمتعنت كلام , فحسن ~~جدا ختم ذلك بقوله { وإنا لصادقون * } أي ثابت صدقنا أزلا وأبدا كما اقتضاه ~~ما لنا من العظمة , وتعقيبه بقوله : { فإن } أي وتسبب عن هذا الإيحاء ~~الجامع الوجيز الدال على الصدق الذي لا شبهة فيه أنا نقول ذلك : { كذبوك ~~فقل } والتعبير بأداة الشك مشير إلى أن الحال يقتضي أن يستبعد أن يقع منهم ~~تكذيب بعد هذا { ربكم } أي المحسن إليكم بالبيان والإمهال مع كل امتنان { ~~ذو رحمة واسعة } أي فهو مع اقتداره قضى أنه يحلم عنكم بالإمهال إلى أجل ~~يعلمه . | ولما أخبر عن رحمته , نوه بعظيم سطوته فقال : { ولا يرد بأسه } ~~أي إذا أراد الانتقام { عن القوم المجرمين * } أي المحسن إليكم بالبيان ~~والإمهال مع كل امتنان { ذو رحمة واسعة } أي فهو مع اقتداره قضى أنه يحلم ~~عنكم بالإمهال إلى أجل يعلمه . | ولما أخبر عن رحمته , نوه بعظيم سطوته ~~فقال : { ولا يرد بأسه } أي إذا أراد الانتقام { عن القوم المجرمين * } أي ~~القاطعين لما ينبغي وصله , فلا ms1562 يغتر أحد بإمهاله في سوء أعماله وتحقيق ~~ضلاله , وفي هذه الآية من شديد التهديد ما لطيف الاستعطاف ما هو مسبوك على ~~الحد الأقصى من البلاغة . | ولما تم ذلك فعلم أن إقدامهم على الأحكام ~~الدينية بغير حجة أصلا , اقتضى الحال أن يقال : قد بطل بالعقل والنقل جميع ~~ما قالوه في التحريم على وجه أبطل شركهم , فهل بقي لهم مقال ؟ فأخبر سبحانه ~~بشبهة يقولونها اعتذارا عن جهلهم على وجه هو وحده كاف في الدلالة على حقية ~~ما يقوله من الرسالة , فوقع طبق ما قال عن PageV02P737 أهل الضلال , فقال ~~مخبرا بما سيقولونه قبل وقوعه دلالة على صدق رسله وكذب المشركين فيما ~~يخالفونهم فيه : { سيقول } أي في المستقبل , وأظهر موضع الإضمار تنصيصا ~~عليهم وتبكيتا لهم فقال : { الذين أشركوا } تكذيبا منهم { لو شاء الله } أي ~~الذي له جميع الكمال عدم إشراكنا وتحريمنا { ما أشركنا } أي بصنم ولا غيره ~~{ ولا أباؤنا } أي ما وقع من إشراك { ولا حرمنا من شيء } أي ما تقدم من ~~البحائر والسوائب والزروع وغيرها أي ولكنه لم يشأ الترك وشاء الفعل ففعلنا ~~طوع مشيئته , وهو لا يشاء إلا الحق والحكمة لأنه قادر , فلو لم يكن حقا ~~يرضاه لمنعنا منه , وهو لم يمنعنا منه فهو حق . | ولما كان هذا عنادا منهم ~~ظاهرا بعد وضوح المر بما أقام على صدق رسله من البينات , كان كأنه قيل ~~تعجبا منهم : هل فعل أحد غيرهم مثل فعلهم هذا أو قال مثل ما قالوا ؟ فقيل : ~~نعم { كذلك } أي مثل ذلك التكذيب البعيد عن الصواب { كذب الذين } ولما لم ~~يكن التكذيب عاما أدخل الجار فقال : { من قبلهم } من الأمم الخالية بما ~~أوقعوا من نحو هذه المجادلة في قولهم إذا كان الكل بمشيئة الله كان التكليف ~~عبثا , فكانت دعوى الأنبياء باطلة , وهذا القول من المشركين عناد بعد ثبوت ~~الرسالات بالمعجزات وإخبار الرسل بأنه يشاء الشيء ويعاقب عليه لأن ملكه تام ~~وملكه عام , فهو لا يسأل عما يفعل , وتمادى بهم غرور التكذيب { حتى ذاقوا ~~بأسنا } أي عذابنا لما لنا من العظمة ms1563 , فإن من له الأمر كله لا يسأل عما ~~يفعل , فلم ينفعهم عنادهم عند ذوق البأس , بل انحلت عزائم همهم فخضعوا لنا ~~وآمنوا برسلنا , فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا , فالآية من ~~الاحتباك : أثبت أولا الإشراك دليلا على حذفه ثانيا , وثانيا التكذيب دليلا ~~على حذفه أولا , وسيأتي توجيه أنه لا بد من تضليل إحدى الطائفتين ~~المتعاندتين وإن كان الكل بمشيئة الله , لأنه لا مانع من إتيان الأمر على ~~خلاف الإرادة . | ولما كان ما قالوه شبهة بعيدة عن العلم , أعلى درجاتها أن ~~يكون من أنواع الخطابة فتفيد الظن في أعظم مسائل علم الأصول الذي لا يحل ~~الاعتماد فيه إلا على القواطع , أمره أن يقول لهم ما ينبههم على ذلك فقال : ~~ك { قل } أي لهؤلاء الذين تلقوا ما يلقيه الشيطان إليهم - كما أشير إليه في ~~سورة الحج - تهكما بهم في بعدهم عن العلم وجدالهم بعد نهوض الحجج { هل ~~عندكم } أيها الجهلة , وأغرق في السؤال فقال : { من علم } أي يصح الاحتجاج ~~به في مثل هذا المقام الضنك { فتخرجوه لنا } أي لي ولأتباعي وإن كان مما ~~يجب أن يكون مكنونا مضنونا به على غير أهله مخزونا , فهو تهكم بهم . | ولما ~~كان جوابهم عن هذا السكوت لأنه لا علم عندهم , قال دالا على ذلك : ~~PageV02P738 { إن } أي ما { تتبعون } أي في قولكم هذا وغالب أموركم { إلا ~~الظن } أي في أصول دينكم وهي لا يحل فيها قول إلا بقاطع { وإن } ي وما { ~~أنتم إلا تخرصون * } أي تقولون تارة بالحزر والتخمين وتارة بالكذب المحض ~~اليقين . | < < # | الأنعام : ( 149 - 150 ) قل فلله الحجة . . . . . # > > ^ ( قل فلله الحجة البالغة فلو شآء لهداكم أجمعين * قل هلم شهدآءكم ~~الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهوآء ~~الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ) ^ } ) | ~~ولما انتفى أن يكون لهم حجة , وثبت أن الأمر إنما هو لله , ثبت أنه المختص ~~بالحجة الواضحة , فقال مسببا عن ذلك : { قل فلله } أي الإله الأعظم وحده { ~~الحجة البالغة } أي التي بلغت ms1564 أعلى درجات الحق قوة ومتانة وبيانا ووضوحا ~~ورصانة بسبب أنه شامل العلم كامل القدرة كما أقررتم بذلك حين قلتم ( ولو ~~شاء الله ما أشركنا ) وإن كنتم قلتموه على سبيل الإلزام والعناد لا لأجل ~~التدين والاعتقاد { فلو شاء } أي الله { لهداكم } أي أنتم ومخالفيكم { ~~أجمعين * } ولكنه لم يشأ ذلك , بل شاء هداية بعض وضلال آخرين , فوقع ذلك ~~على الوجه الذي شاءه , فلزم على قولكم أن يكون الفريقان محقين , فيكون ~~الشيء الواحد حقا غير حق في حال واحد , وهذا لا يقوله عاقل , ويلزمكم على ~~ذلك أيضا أن توالوا أخصامكم ولا تعادوهم وإن فعلوا ما فعلوا , لأنه حق رضى ~~الله لأنه بمشيئته وأنتم لا تقولون ذلك , فبطل قولكم فثبت أنه قد يشاء ~~الباطل لأنه لا يسأل عما يفعل ويرسل الرسل إليكم لإزالته ليقيم بهم الحجة ~~على من يريد عقابه على ما يتعارفه الناس بينهم , وورود الأمر على خلاف ~~الإرادة غير ممتنع . | ولما صدق الحق , وانكسر جند الباطل واندق ببطلان ~~جميع شبههم , ونطقت الدلائل وأفحم المجادل , فيان أنه لا شاهد لهم بحق لأنه ~~لا حق لهم , كان كأنه قيل : قل لهم : ها أنا قد شهد لي بما قلته من لا ترد ~~شهادته وزكاتي الذي لا يقبل إلا تزكيته بهذا الكتاب الذي كان عجزكم عن ~~الإتيان بشيء من مثله شاهدا بأنه قوله , فهل لكم أنتم من شاهد يقبل ! ولما ~~لم يكن لهم شاهد غير متخرصيهم , فإن المبطل يظهر باطله عند المحاقفة سنة من ~~الله مستمرة , فيظهر للمشهود لهم بما يلوح من بهتهم أنهم ليسوا على شيء , ~~أمره سبحانه أن يأمرهم بدعائهم ليظهر خزيهم وتشتهر فضيحتهم فقال : { قل هلم ~~} أي احضروا , وهي كلمة دعوة يستوي فيها المذكر والمؤنث والواحد والجمع عند ~~الحجازيين { شهداءكم } . | ولما كان كأنه قيل : أي شهداء ؟ قال : { الذين ~~يشهدون } أي يوقعون الشهادة على PageV02P739 { أن الله } أي الذي لا حكم ~~لغيره { حرم هذا } أي الذي ذكرتموه من قبل , وإضافة الشهداء إليهم ووصفهم ب ~~( الذين ) دليل على أنهم معروفون موسومون بنصرة مذهبهم بالباطل , ولو قال ms1565 : ~~شهداء - من غير إضافة لأفهم أن المطلوب من يشهد بالحق وليس كذلك , لأنه ~~أقيم الدليل العقلي على أنه لا حجة لهم وأن الحجة لله على خلاف ما ادعوه , ~~فبطل قطعا أن يكون أحد يشهد على ذلك بحق . | ولما كان كأنه قيل : فإنهم إذا ~~أحضروا لا يقدرون - إن كان لهم عقل أو فيهم حياء - على النطق إذا سمعوا هذا ~~الحق , بني عليه قوله : { فإن } اجترؤوا بوقاحة { شهدوا } أي كذبا وزورا ~~بذلك الذي أبطلناه بالأدلة القطعية { فلا تشهد معهم } أي فاتركهم ولا تسلم ~~لهم , فإنهم على ضلال وليست شهادتهم مستندة إلا إلى الهوى { ولا تتبع أهواء ~~} وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف دلالة على أن القائد إلى ~~التكذيب وكل ردى إنما هو الهوى , وأن من خالف ظاهر الآيات إنما هو صاحب هوى ~~, فقال : { الذين كذبوا } أي أوقعوا التكذيب { بآياتنا } أي على ما لها من ~~الظهور بما لها من العظمة بإضافتها إلينا . | ولما وصفهم بالتكذيب , أتبعه ~~الوصف بعدم الإيمان , ودل بالنسق بالواو على العراقة في كل من الوصفين فقال ~~: { والذين لا يؤمنون بالآخرة } أي التي هي دار الجزاء , فإنهم لو جوزوها ~~ما اجترؤوا على الفجور { وهم بربهم } أي الذين لا نعمة عليهم ولا خير عندهم ~~إلا وهو منه وحده { يعدلون } أي يجعلون غيره عديلا له , وسيعلمون حين ~~يقولون لشركائهم وهم في جهنم يختصمون ^ ( { تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ ~~نسويكم برب العالمين } ) ^ [ الشعراء : 97 , 98 ] . | < < # | الأنعام : ( 151 ) قل تعالوا أتل . . . . . # > > ^ ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين ~~إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم ~~به لعلكم تعقلون ) ^ } ) | ولما أبطل دينهم كله أصولا وفروعا في التحريم ~~والإشراك , وبين فساده بالدلائل النيرة , ناسب أن يخبرهم بالدين الحق مما ~~حرمه الملك الذي له الخلق والأمر ومن غيره , فليس التحريم لأحد غيره فقال : ~~{ قل تعالوا } أي أقبلوا إلي صاعدين من ms1566 حضيض الجهل والتقليد وسوء المذهب ~~إلى أوج العلم ومحاسن الأعمال ؛ قال صاحب الكشاف : هو من الخاص الذي صار ~~عاما , يعني حتى صار يقوله الأسفل للأعلى PageV02P740 { أتل } أي أقرأ , من ~~التلاوة وهي اتباع بعض الحروف بعضا . | ولما كان القصد عموم كل أحد ~~بالتلاوة وإنما خص المخاطبين بالذكر لاعتقادهم خلاف ذلك , وكان المحرم أهم ~~, قدمه فقال : { ما حرم ربكم } أي المحسن إليكم بالتحليل والتحريم { عليكم ~~} فسخطه منكم , وما وصاكم به إقداما وإحطاما فرضيه لكم من قبيلي الأصول ~~والفروع ؛ ثم فسر فعل التلاوة ناهيا عن الشرك , وما بعده من مضمون الأمر ~~إنما عدي عنها , فقال : { ألا تشركوا به شيئا } الآيات مرتبا جملها أحسن ~~ترتيب , فبدأ بالتوحيد في صريح البراءة من الشرك إشارة إلى أن التخلي عن ~~الرذائل قبل التحلي بالفضائل , فإن التقية بالحمية قبل الدواء , وقرن به ~~البر لأنهما من باب شكر المنعم وتعظيما لأمر العقوق , ثم أولاه القتل الذي ~~هو أكبر الكبائر بعد الشرك , وبدأه بقتل الولد لأنه أفحشه وأفحش من مطلقه ~~فعله خوف القلة , فلما وصى بأول واجب للمنعم الأول الموجد من العدم , أتبعه ~~ما لأول منعم بعده بالتسبب في الوجود , فقال ناهيا عن الإساءة في صورة ~~الأمر بالإحسان على أوكد وجه لما للنفوس من التهاون في حقهما , وكذا جميع ~~المأمورات ساقها هذا السياق المفهم لأن أضدادها منهي عنها ليكون مأمورا بها ~~منهيا عن أضدادها , فيكون ذلك أوكد لها وأضخم : { وبالوالدين } أي افعلوا ~~بهما { إحسانا } . | ولما أوصى بالسبب في الوجود , نهى عن التسبب في ~~الإعدام وبدأ بأشده فقال : { ولا تقتلوا أولادكم } ولما كان النهي عاما , ~~وكان ربما وجب على الولد قتل , خص لبيان الجهة فقال : { من إملاق } أي من ~~أجل فقر حاصل بكم , ثم علل ذلك , ولأجل أن الظاهر هو حصول الفقر قدم الآباء ~~فقال : { نحن نرزقكم } بالخطاب , أي أيها الفقراء , ثم عطف عليه الأبناء ~~فقال : { وإياهم } وظاهر قوله في الإسراء < # > 77 ( { خشية إملاق } ) 77 < # > [ الإسراء : 31 ] أن الآباء موسرون ولكنهم يخشون من إطعام الأبناء ~~الفقر , فبدأ بالأولاد فقال : ( نحن نرزقهم ms1567 ) ثم عطف الآباء فقال ( وإياكم ~~) - نبه عليه أبو حيان . | ولما كان قتلهم أفحش الفواحش بعد الشرك , أتبعه ~~النهي عن مطلق الفواحش , وهي ما غلظت قباحته , وعظم أمرها بالنهي عن ~~القربان فضلا عن الغشيان فقال : { ولا تقربوا الفواحش } ثم أبدل منها ~~تأكيدا للتعميم قوله : { ما ظهر منها } أي الفواحش { وما بطن } ثم صرح منها ~~بمطلق القتل تعظيما له بالتخصيص بعد التعميم فقال : { ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله } أي الملك الأعلى عليكم قتلها { إلا بالحق } أي الكامل , ~~ولا يكون كاملا غلا وهو كالشمس وضوحا لا شبهة فيه , فصار قتل الولد منهيا ~~عنه ثلاث مرات ؛ ثم أكد المذكور بقوله : { ذلكم } أي الأمر العظيم في هذه ~~المذكورات . | ولما كانت هذه الأشياء شديدة على النفس , ختمها بما لا يقوله ~~إلا المحب PageV02P741 الشفوق ليتقبلها القلب فقال : { وصاكم به } أمرا ~~ونهيا ؛ ولما كانت هذه الأشياء لعظيم خطرها وجلالة وقعها في النفوس لا ~~تحتاج إلى مزيد فكر قال : { لعلكم تعقلون * } أي لتكونوا على رجاء من المشي ~~على منهاج العقلاء , فعلم من ذكر الوصية أن هذه المذكورات هي الموصى بها ~~والمحرمات أضدادها , فصار شأنها مؤكدا من وجهين : التصريح بالتوصية بها , ~~والنهي عن أضدادها . | < < # | الأنعام : ( 152 - 153 ) ولا تقربوا مال . . . . . # > > ^ ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا ~~الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ~~ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون * وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تتقون ) ^ } ) | ولما كان المال عديل الروح من حيث إنه لا قوام لها إلا به ~~, ابتدأ الآية التي تليها بالأموال , ولما كان أعظمها خطرا وحرمة مال ~~اليتيم لضعفه وقلة ناصره , ابتدأ به فنهي عن قربه فضلا عن أكله أو شربه ~~فقال : { ولا تقربوا مال اليتيم } أي بنوع من أنواع القربان عمل فيه أو ~~غيره { إلا بالتي هي أحسن } من الخصال من السعي في تنميته وتثميره وليستمر ~~ذلك { حتى يبلغ ms1568 أشده } وهو سن يبلغ به أوان حصول عقله عادة وعقل يظهر به ~~رشده ؛ ثم ثنى بالمقادير على وجه يعم فقال : { وأوفوا } أي أتموا { الكيل ~~والميزان } لأنهما الحكم في أموال الأيتام وغيرهم ؛ ولما كان الشيء ربما ~~أطلق على ما قاربه نحو { قد قامت الصلاة } أي قرب قيامها , وهذا وقت كذا - ~~وإذا قرب جدا , أزيل هذا الاحتمال بقوله : { بالقسط } أي إيفاء كائنا به من ~~غير إفراط ولا تفريط . | ولما كانت المقادير لا تكاد تتساوى لا سيما ~~الميزان فإنه أبعدها من ذلك , وأقربها الذرع وهو داخل في الكيل , فإنه يقال ~~: كال الشيء بالشيء : قاسه , أشار إلى أنه ليس على المكلف المبني أمره على ~~العجز للضعف إلا الجهد فقال : { لا نكلف } أي على ما لنا من العظمة { نفسا ~~إلا وسعها } وما وراء الوسع معفو عنه ؛ ثم ثلث بالعدل في القول لأنه الحكم ~~على الأموال وغيرها , وقدم عليه الفعل لأنه دال عليه , فصار الفعل موصى به ~~مرتين فقال : { وإذا قلتم } أي في شهادة أو في حكم أو توفيق بين اثنين أو ~~غير ذلك { فاعدلوا } أي توفيقا بين القول والفعل . | ولما كانت النفوس ~~مجبولة على الشفقة على القريب قال : { ولو كان } أي المقول في حقه له أو ~~عليه بشهادة أو غيرها { ذا قربى } ولا تحابوه طمعا في مناصرته أو خوفا من ~~مضارته ؛ ثم ختم بالعهد لجمعه الكل في القول والفعل فقال : { وبعهد الله } ~~أي PageV02P742 الملك الأعظم خاصة { أوفوا } وهذا يشمل كل ما على الإنسان ~~وله , فإن الله لم يهمل شيئا بغير تقدم فيه ؛ ثم أكد تعظيم ذلك بقوله : { ~~ذلكم } أي الأمر المعتنى به { وصاكم به } أي ربكم المحسن إليكم . | ولما ~~كانت هذه الأفعال والأقوال شديدا على النفس العدل فيها لكونها شهوات , تقدم ~~بالترغيب فيها والترهيب منها بأن كل من يفعل شيئا منها مع غيره يوشك أن ~~يفعل معه مثله , فلذلك حض على التذكر في الوصية بها ولأنها خفية تحتاج إلى ~~مزيد تدبر فقال : { لعلكم تذكرون * } أي لتكونوا بحيث يحصل لكم التذكر - ~~ولو على وجه خفي بما ms1569 أشار إليه الإدغام - فيما جبلت عليه نفوسكم من محبة ~~مثل ذلك لكم , فتحكموا لغيركم بما تحكمون به لأنفسكم . | ولما قرر هذه ~~الشرائع , نبه على تعظيمها بالخصوص على وجه يعم جميع ما ذكر في السورة بل ~~وفي غيرها , فقال عاطفا على ما تقديره - عطفا على المنهيات وأضداد ~~المأمورات على وجه يشمل سائر الشريعة - : ولا تزيغوا عن سبيلي : { وأن } أي ~~ولأن - على قراءة الجماعة بالفتح , أي اتبعوه لذلك , وعلى قراءة ابن عامر ~~ويعقوب بالكسر هو ابتداء { هذا } أي الذي شرعته لكم { صراطي } حال كونه { ~~مستقيما فاتبعوه } أي بغاية جهدكم لأنه الجامع للعباد على الحق الذي فيه كل ~~خير . | ولما كان الأمر باتباعه متضمنا للنهي عن غيره , صرح به تأكيدا ~~لأمره فقال : { ولا تتبعوا السبل } أي المنشعبة عن الأهوية المفرقة بين ~~العباد , ولذا قال مسببا { فتفرق بكم } أي تلك السبل الباطلة { عن سبيله } ~~ولما مدحه آمرا به ناهيا عن غيره مبينا للعلة في ذلك , أكد مدحه فقال : { ~~ذلكم } أي الأمر العظيم من اتباعه { وصاكم به } . | ولما كان قد حذر من ~~الزلل عنه , وكان من المعلوم أن من ضل عن الطريق الأقوم وقع في المهالك , ~~وكان كل من يتخيل أنه يقع في مهلك يخاف , قال : { لعلكم تتقون * } أي ~~اتبعوه واتركوا غيره ليكون حالكم حال من يرجى له أن يخاف من أن يزل فيضل ~~فيهلك , وهذا كما مدحه سبحانه سابقا في قوله < # > 77 ( { وهذا صراط ربك مستقيما } ) 77 < # > [ الأنعام : 126 ] , < # > 77 ( { قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون } ) 77 < # > [ الأنعام : 126 ] وفصل ما هنا من الأحكام في ثلاث آيات , وختم كل آية ~~لذلك بالوصية ليكون ذلك آكد في القول فيكون أدعى للقبول , وختم كل واحدة ~~منها بما ختم لأنه إذا كان العقل دعا إلى التذكير فحمل على التقوى . | ~~PageV02P743 < < # | الأنعام : ( 154 - 157 ) ثم آتينا موسى . . . . . # > > ^ ( ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ~~ورحمة لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون * وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا ~~لعلكم ترحمون * أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب على طآئفتين من ms1570 قبلنا وإن كنا ~~عن دراستهم لغافلين * أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا الكتاب لكنآ أهدى منهم ~~فقد جآءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها ~~سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون ) ^ } ) | ولما ~~كانت هذه الآيات الثلاث وافية بالآيات العشر التي كتبها الله لموسى عليه ~~السلام على لوحي الشهادة في أول ما أوحي إليه في طور سيناء المشار إليها ~~بقوله ^ ( { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم } ) ^ [ الأنعام : 91 ] ~~وبنى عليها التوراة وأمره أن يودعها في تابوت العهد لتكون شهادة عليهم وعلى ~~أعقابهم كما هو مذكور في وسط السفر الثاني من التوراة وقد مضى بيانه في ~~البقرة ويأتي في آخر هذه المقولة وزائدة عليها من الأحكام والمحاسن ما شاء ~~الله ؛ حسن أن تذكر بعدها التوراة , فقال مشيرا بأداة التراخي إلى كل من ~~الترتيب والتعظيم : { ثم آتينا } أي بما لنا من العظمة التي تقتضي تعظيم ما ~~كان من عندنا { موسى الكتاب } أي المشار إليه بقوله تعالى ^ ( { قل من أنزل ~~الكتاب الذي جاء به موسى } ) ^ [ الأنعام : 91 ] - وهي - والله أعلم - ~~معطوفة على قوله ^ ( { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر } ) ^ [ الأنعام : ~~146 ] لأنه تعالى بعد أن أعطى موسى العشر الآيات واعده إلى الجبل مواعدة ~~ثانية , فشرع له بعض الأحكام وأمره بنصب قبة الزمان التي يوحي إليه فيها ~~ويصلون إليها , وببعض ما يتخذ من آلاتها كما مضى في البقرة , ثم ذكر بعد ~~ذلك بيسير تحريم الشحوم عليهم , فقال في أوائل السفر الثالث وهو سفر الكهنة ~~, وفيه تلخيص أمر القرابين : ودعا الرب موسى وكلمه في قبة الأمد وقال له : ~~كلم بني إسرائيل وقل لهم : كل إنسان منكم إذا قرب للرب قربانا من البهائم ~~فلتكن قرابينكم من البقر ومن الغنم - إلى أن قال : ويقرب قربانا للرب ~~الحجاب المبسوط على الأحشاء وكل الثوب الذي على الأكشاح والكليتين والشحم ~~الذي عليهما وعلى الجنب - إلى أن قال : وقال : الشحوم للرب عهد الأبد , ولا ~~تأكلوا دما ولا شحما , ثم قال ms1571 : وكلم الرب موسى وقال له : كلم بني إسرائيل ~~وقل لهم : لا تأكلوا شحم البقر ولا شحم الغنم : الضأن والماعز جميعا , لأن ~~كل من أكل شحم بهيمة ويقرب قربانا للرب , تهلك تلك النفس من شعبها , ولا ~~تأكلوا دما حيث ما سكنتم , لا دم البهائم ولا دم الطير , وأية نفس أكلت دما ~~تهلك تلك النفس من شعبها , وقال في السفر الخامس : فأما الدم فلا تأكلوا ~~ولكن ادفقوه على الأرض مثل الماء , ثم قال بعده PageV02P744 بقليل : وكلوا ~~في قراكم من كل شهوات أنفسكم , ولكن إياكم أن تأكلوا دما , لأن دم البهيمة ~~هو في نفسها , فلا تأكلوا النفس مع اللحم ليحسن إليكم وإلى أولادكم من ~~بعدكم إذا عملتم الحسنة أمام الله ربكم ؛ رجع إلى السفر الثالث ثم قال : ~~ودخل موسى وهارون إلى قبة الزمان وخرجا ودعوا الشعب , فظهر مجد الرب أمام ~~جميع الشعب , ونزلت نار من قبل الرب فأحرقت الشحم والذبيحة الكاملة له على ~~المذبح , وعاين ذلك جميع الشعب وحمدوا الله , وخر الشعب كله على وجهه ؛ ثم ~~ذكر عقب ذلك بيسير محرمات الحيوان , وكذا ذكر في السفر الخامس وقد جمعت ~~بينهما ومعظم السياق للخامس : قال : لا تأكلوا شيئا نجسا , هذا ! كلوا من ~~جميع البهائم : الثور : والحمل والنعجة والمعز والأيل والظبي والجوذر والرخ ~~والرئم والوعل والثيثل كل بهيمة ذات ظلف مقسوم ظلفها تجتر كلوها , وحرموا ~~من التي لا تجتر , ومن التي لها ظلوف مقسومة ولا تجتر الجمل والأرنب والوبر ~~التي تجتر وليس لها أظلاف مقسومة هي نجسة لكم , وفي الثالث : وحرموا من ~~البهائم التي ليست لها أظلاف التي تجتر : الجمل الذي يجتر وليس له أظلاف هو ~~نجس محرم عليكم , والأرنب الذي يجتر وليس له أظلاف منجس محرم عليكم ؛ ح رجع ~~: والخنزير الذي له أظلاف ولا يجتر هو نجس , لا تأكلوا من لحوم هذه ولا ~~تقربوا إلى أجسادها ؛ وقال في الثالث : ولا تمسوا لحومها لأنها نجسة محرمة ~~عليكم ؛ وقال في الخامس من ترجمة الاثنين والسبعين : وإياكم أن تأكلوا كل ~~نجس , ويكون الذي تأكلونه من الدواب العجل ms1572 من البقر والخروف من الغنم ~~والجدي من المعز أو الأيل والغزال والعين والوعل وعنز الجبل واليحمور وناقة ~~القمر والزرافة , وكل دابة مشقوقة الظلف وهي تنبت أظافير في كل ظلفها واجتر ~~من الدواب . | فإياه فكلوا , والذي لا تأكلون منه من الذي يجتر ومن المشقوق ~~الظلف الذي ينبت له أظافير الجمل والأرنب واليربوع , فإن ذلك يجتر ولكنه ~~غير مشقوف الظلف , وهو لا يحل لكم , والخنزير أيضا فإن ظلفه مشقوف وينبت في ~~ظلفه أظافير غير أنه لا يجتر , وما لا يجتر فإنه لا يحل لكم فلا تأكلوا من ~~لحومها ولا تقربوا أجسادها ؛ وقال في الثالث منها : وكلم الرب موسى وهارون ~~وقال لهما : كلما بني إسرائيل وقولا لهما : إن الذي تأكلونه من المواشي من ~~جميع الأنعام التي على الأرض كل بهيمة قد شق ظلفها وهي تخرج أظفارا في كلا ~~ظلفيها وتجتر , فذلك الذي تأكلونه من الأنعام , والذي لا يحل مما يجتر ولم ~~يشق ظلفه الجمل الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه غير طاهر لكم , واليربوع - ~~وفي نسخة : السنجاب - الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه غير طاهر لكم لم يطهر ~~لكم , والأرنب الذي يجتر وظلفه غير مشقوق فإنه لا يطهر لكم والخنزير فإنه ~~مشقوق PageV02P745 الظلف ويخرج أظفارا في ظلفه وهو لا يجتر فإنه لا يطهر ~~لكم فلا تأكلوا من لحومها ولا تمسوا ما مات منها , فإن ذلك لا يطهر لكم ؛ ~~رجع إلى نسختي , ثم ذكر في الطير ودواب البر قريبا مما في شرعنا إلى أن قال ~~: ولا تأكلوا أشياء نجسة بل ادفعوها إلى السكان الذين في قراكم يأكلونها أو ~~يبيعونها من الغرباء , لأنك شعب طاهر لله ربك لا تطبخوا جديا بلبن أمه ؛ ~~وقال في ترجمة الاثنين والسبعين : ولا تطبخ الخروف بلبن أمه ؛ وقال في ~~السفر الخامس : وكلوا من الطير ما كان زكيا وحرموا هذه التي أصف لكم , لا ~~تأكلوا منها شيئا : النسر والحداء - وذكر نحوا مما عندنا , وقال في نسختي ~~في الثالث : فمن مس شيئا من هذه - أي المحرمات - يكون نجسا إلى المساء , ~~ومن حمل ms1573 منها شيئا فليغشل ثيابه ويكون نجسا إلى الليل - انتهى . | الظبي - ~~بالمعجمة المشاركة - معروف , والجوذر - بفتح الجيم والذال المعجمة والراء : ~~البقرة الوحشية , والرئم - بكسر المهملة : الظبي الخالص البياض , والثيثل - ~~بمثلثتين مفتوحتين بينهما ياء تحتانية ساكنة : بقر الوحش , والأيل - بفتح ~~الهمزة وكسر التحتانية المشددة , الوعل - بفتح الواو وكسر المهملة - وهو ~~تيس الجبل , والحمل - بفتح المهملة : الرضيع من أولاد الضأن , وقوله : لا ~~تطبخوا جديا بلبن أمه , الظاهر أن معناه النهي عن أكله ما دام يرضع , وما ~~بعد الذي في الثالث هو معظم التوراة , والذي في الخامس إنما هو إعادة لما ~~في الثالث , فإن الخامس تلخيص لجميع ما تقدمه من القصص والأحكام مع زيادات ~~, فصدق أن إيتاء الكتاب أتى معظمه بعد تحريم ما حرم عليهم , ويجوز - وهو ~~أحسن - أن يكون معطوفا على محذوف تقديره : ذلكم وصاكم به كما وصى بني ~~إسرائيل في الفصل الذي نسبته من التوراة كنسبة أم القرآن من القرآن , وذلك ~~هي العشر الآيات التي هي أول ما كتبه الله لموسى عليه السلام , وهي أول ~~التوراة في الحقيقة لأنها أول الأحكام , وما قبلها فهو قصص وحاصل هذه العشر ~~آيات : الرب إلهك الذي أصعدك من أرض مصر من العبودية والرق , لا يكونن لك ~~إله غيري , لا تقسم باسمي كذبا , احفظ يوم السبت , أكرم والديك , لا تقتل , ~~لا تزن , لا تسرق , لا تشهد بالزور , لا تمدن عينيك إلى ما في أيدي الناس , ~~فالمعنى : ذلك وصيناكم به كما وصينا بني إسرائيل به في العشر الآيات وبعض ~~ما آتينا موسى من التوراة , ويجوز أن يكون التقدير : لكون هذه الآيات محكمة ~~في كل الشرائع لم تنسخ في أمة من الأمم ولا تنسخ , وصاكم به يا بني آدم في ~~الزمن الأقدم , ولم يزدد الأمر بها في التوصية إلا شدة { ثم آتينا } أي بما ~~لنا من العظمة { موسى الكتاب } أي جميعه وهي فيه , حال كونه { تماما } لم ~~ينقص عما يصلحهم شيئا { على } الوجه { الذي أحسن } أي أتى بالإحسان فأثبت ~~الحسن وجمعه بما بين من PageV02P746 الشرع وبما حمى طوائف أهل ms1574 الأرض به من ~~الإهلاك بعامه , فإنه نقل أن الله تعالى لم يهلك قوما هلاكا عاما بعد إنزال ~~التوراة { وتفصيلا لكل شيء } من جملة ذلك الفصل المحتوي على الكلمات ~~الحاوية لكل شيء يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا , كما أن القرآن تفصيل ~~لكل شيء من الجوامع السبع التي حوتها أم القرآن الحاوية لمصالح الدارين , ~~وفي هذين الاحتمالين المقتضيين لكون ( ثم ) على حقيقتها من الترتيب والمهلة ~~علم من أعلام النبوة , وهو الاطلاع على أن العشر الآيات وتحريم ما حرم ~~عليهم بالبغي في أوائل ما أوحي إلى موسى عليه السلام بعد إغراق فبعون وأن ~~معظم التوراة أنزل بعد ذلك , وهذا لا يعرفه إلا أحبارهم { وهدى } أي بيانا ~~{ ورحمة } أي إكراما لمن يقبله ويعمل به { لعلهم } أي بني إسرائيل { بلقاء ~~ربهم } أي الذي أخرجهم من مصر من العبودية والرق بقوته العظيمة وكلماته ~~التامة { يؤمنون * } أي ليكون حالهم بعد إنزال الكتاب - لما يرون من حسن ~~شرائعه وفخامة كلامه وجلالة أمره - حال من يرجى أن يجدد الإيمان في كل وقت ~~بلقاء ربه لقدرته على البعث الذي الإيمان به نهاية تصديق الأنبياء لأنه لا ~~تستقل به العقول , وإنما يثبت بالسمع مع تجويز العقل له , فيعلموا أنه لا ~~يشبهه شيء كما أن كلامه لا يشبهه كلام فلا يبغوا باتخاذ عجل غاية أمره خوار ~~لا يفهم ومجمجة لا تفيد . | فلما بين أن إنزال الكتب رحمة منه لأن غايتها ~~الدلالة على منزلها فتمتثل أوامره وتتقى مناهيه وزواجره , بين أنه لم يخص ~~تلك المم بذلك , بل أنزل على هذه الأمة كتابا ولم يرض لها كونه مثل تلك ~~الكتب , بل جعله أعظمها بركة وأبينها دلالة , فقال : { وهذا } أي القرآن { ~~كتاب } أي عظيم { أنزلناه } أي بعظمتنا إليكم بلسانكم حجة عليكم { مبارك } ~~أي ثابت كل ما فيه من وعد ووعيد وخير وغيره ثباتا لا تمكن إزالته مع اليمن ~~والخير . | ولما كان هذا معناه : وكان داعيا إليه محببا فيه , سبب عنه قوله ~~: { فاتبعوه } أي ليكون جميع أموركم ثابتة ميمونة , ولما أمر باتباعه وكان ~~الإنسان ربما ms1575 تبعه في الظاهر , أمر بإيقاع التقوى المصححة للباطن إيقاعا ~~عاما , ولذلك حذف الضمير فقال : { واتقوا } أي ومع ذلك فأوقعوا التقوى , ~~وهي إيجاد الوقاية من كل محذور , فإن الخطر الشديد والسلامة على غير القياس ~~, فلا تزايلوا الخوف من منزله بجهدكم , فإن ذلك أجدر أن يحملكم على تمام ~~الاتباع وإخلاصه { لعلكم ترحمون * } أي ليكون حالكم حال من يرجى له الإكرام ~~بالعطايا الجسام , والآيتان ناظرتان إلى قوله تعالى { قل من أنزل الكتاب ~~الذي جاء به موسى } - إلى قوله - : < # > 77 ( { وهم على صلاتهم يحافظون } ) 77 < # > [ الأنعام : 92 ] , ثم PageV02P747 بين المراد من إنزاله وهو إقامة ~~الحجة البالغة فقال : { أن } أي لأن لا { تقولوا } أو كراهة أن تقولوا ~~أيتها الأمة الأمية { إنما أنزل الكتاب } أي الرباني المشهور { على طائفتين ~~} وقرب الزمن وبعضه بإدخال الجار فقال : { من قبلنا } أي اليهود والنصارى { ~~وإن } أي وأنا - أو وأن الشأن - { كنا عن دراستهم } أي قراءتهم لكتابهم ~~قراءة مرددة . | ولما كانت هي المخففة أتى باللام الفارقة بينها وبين ~~النافية فقال : { لغافلين * } أي لا نعرف حقيقتها ولا ثبتت عندنا حقيتها ~~ولا هي بلساننا { أو تقولوا } أي أيها العرب : لم نكن عن دراستهم غافلين بل ~~كنا عالمين بها , ولكنه لا يجب اتباع الكتاب إلا على المكتوب إليه فلم ~~نتبعه , و { لو أنا } أهلنا لما أهلوا له حتى { أنزل علينا الكتاب } أي ~~جنسه أو الكتاب الذي أنزل إليهم من عند ربنا { لكنا أهدى منهم } أي لما لنا ~~من الاستعداد بوفور العقل وحدة الأذهان واستقامة الأفكار واعتدال الأمزجة ~~والإذعان للحق , ولذلك سبب عن هاتين العلتين قوله : { فقد جاءكم } وذكر ~~الفعل مدحا لهذا القرآن وتفضيلا وتشريفا له على كل ما تقدمه وتنبيها على أن ~~بيان هذه السورة في النهاية لأنها سورة أصول الدين { بينة } أي حجة ظاهرة ~~بلسانكم { من ربكم } أي المحسن إليكم على لسان رجل منكم تعرفون أنه أولاكم ~~بذلك { وهدى } أي بيان لمن تدبره عظيم { ورحمة } أي إكرام لمن قبله , ~~فكذبتم بها . | ولما قامت عليهم الحجة , حسن وقوع تحذير التقرير بقوله : { ~~فمن } أي فتسبب ms1576 عن تكذيبكم أنه يقال بيانا لأنكم أظلم الناس : من { أظلم ~~ممن كذب } أي أوقع التكذيب { بآيات الله } أي الذي لا أعظم منه فلا أعظم من ~~آياته , لأن الأثر على قدر المؤثر { وصدف } أي أعرض إعراضا صار به كأنه في ~~صفد أي سد عن سهولة الانقياد للدليل { عنها } بعد ما عرف صحتها . | ولما ~~كان الجواب قطعا : لا أحد أظلم منه , فكان الحال مقتضيا لتوقع ما يجازى به ~~, قال : { سنجزي } أي بوعد صادق لا خلف فيه , وأظهر ما أصله الإضمار تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف فقال : { الذين يصدفون } أي يجددون الإعراض ولا ~~يتوبون { عن آياتنا } أي على ما لها من العظمة { سوء العذاب } أي الذي يسوء ~~نفسه { بما كانوا يصدفون * } أي بسبب إعراضهم الذي كان عادة لهم . | < < # | الأنعام : ( 158 - 159 ) هل ينظرون إلا . . . . . # > > ^ ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ~~ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو ~~كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون * إن الذين فرقوا دينهم ~~وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنمآ أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا ~~يفعلون ) ^ } ) | PageV02P748 ولما كان أسوأ السوء حقوق العذاب , وكان ~~حقوقه بعدم قبول التوبة , فسره بقوله مهونا له ومسهلا بتجريد الفعل : { هل ~~ينظرون } أي ما ينتظرون هؤلاء المكذبون أدنى انتظار وأقربه وأيسره { إلا أن ~~تأتيهم } أي حال تكذيبهم { } الملائكة أي بالأمر الفيصل من عذابهم كما هي ~~عادتها في إتيانها المكذبين { أو يأتي ربك } أي ظهور أمر المحسن إليك أتم ~~ظهور بجميع الآيات التي تحملها العقول وذلك يوم الجزاء { أو يأتي } وأبهم ~~تهويلا للأمر وتعظيما فقال : { بعض آيات ربك } أي أشراط الساعة التي يكون ~~فيها ظهوره التام وإحسانه إليك الأعظم مثل دابة الأرض التي تميز الكافر من ~~المؤمن وطلوع الشمس من مغربها المؤذن بإغلاق باب التوبة ؛ روى البخاري في ~~التفسير وغيره عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ~~تقوم الساعة حتى تطلع الشمس ms1577 من مغربها , فإذا رآها الناس آمن من عليها , ~~فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ) , ثم قرأ الآية . | ~~ولما كان إتيان الملائكة - أي كلهم أمرا لا يحتمل العقول وصف عظمته , ولا ~~بشرى للمجرمين عند رؤيته , فإنه لو وقع على صورتهم لتقطعت أوصالهم ولم ~~يحتمله قوهم فقضي الأمر ثم لا ينظرون , وأما تجلي الرب سبحانه وعز اسمه ~~وجلت عظمته . | فالأمر أعظم من مقالة قائل إن رقق البلغاء أو إن فخموا | ~~ترك ما يترتب عليه وقال : { يوم يأتي } أي يكشف ويظهر { بعض آيات ربك } أي ~~المحسن إليك بالإتيان بذلك تصديقا لك وترويعا وتدميرا لمخالفيك { لا ينفع ~~نفسا } أي كافرة { إيمانها } أي إذ ذاك , ولا نفسا مؤمنة كسبها الخير إذ ~~ذاك في إيمانها المتقدم على تلك الآية بالتوبة فما رواءها , ولذلك بينه ~~وبقوله واصفا نفسا : { لم تكن } أي الكافرة { آمنت } ويسر الأمر ببعض زمان ~~القبل , ولم يكلف باستغراقه بالإيمان فقال : { من قبل } أي قبل مجيء الآية ~~في زمن متصل بمجيئها . | ولما ذكر الكافرة , أتبعها المؤمنة فقال عاطفا على ~~( آمنت ) : { أو } لم تكن المؤمنة العاصية { كسبت } أي من قبل { في إيمانها ~~} أي السابق على مجيء الآية { خيرا } أي توبة , وبعبارة أخرى : نفسا كافرة ~~إيمانها المجدد بعد مجيء الآية , وهو معنى { لم تكن آمنت من قبل } أو نفسا ~~مؤمنوة كسبها الخير بعد مجيء الآية ما لم تكن كسبت في إيمانها السابق على ~~الآية خيرا , والحاصل أنه لا يقبل عند ذلك إيمان كافر ولا توبة فاسق - كما ~~قاله البغوي - لأن المقصود من التصديق والتوبة الإيمان بالغيب وقد فات ~~بالآية الملجئة , فيكون فاعل الفعل المقدر في ( كسبت ) محذوفا , والتقدير : ~~لا ينفع نفسا لم تكن آمنت من قبل , أو لم تكن كسبت في إيمانها خيرا إيمانها ~~وكسبها , فالإيمان راجع إلى من لم PageV02P749 يؤمن , والكسب راجع إلى من ~~لم يكسب , وهو ظاهر , والتهديد بعدم نفع الإيمان عند مجيء الآية أعظم دليل ~~على ما ذكرته من التقدير , والآية من الاحتباك : ذكر إيمانها أولا دليل على ~~حذف ms1578 كسبها من الجملة الثانية , وذكر جملتي آمنت وكسبت ثانيا دال على حذف ~~كافرة ومؤمنة أولا . | ولما كان هذا تهديدا - كما ترى - هائلا , أتبعه ما ~~هو أشد منه للتنبيه على أن أهل الإيمان سالمون من ذلك بقوله : { قل انتظروا ~~} أي بغاية جهدكم أيها المكذبون { إنا منتظرون * } بجهدنا , وستعلمون لمن ~~تكون العاقبة . | ولما نهى عن اتباع السبل لأنها سبب التفرق عن الحق , وكان ~~قد كرر في هذه السورة نصب الحجج وإنارة الأدلة وإزاحة الشكوك ومحو آثار ~~الشبه , وأشرفت السورة على الانقضاء . | وكان من المعلوم قطعا أن الحق - من ~~حيث هو حق - شديد التأثير في إزهاق الباطل فكيف إذا كان كلام الملك الذي لا ~~يخالف أمره ولا يخرج عن إرادته ؛ اشتد استشراف النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى رؤية ذلك الأثر مع ما عنده من الحرص على إسلام قومه لما طبعه الله عليه ~~من الشفقة على جميع الخلق عموما وعليهم خصوصا , وإنما يكون ذلك الأثر ~~بإيجاد هدايتهم ومحو غوايتهم , فملا ختم سبحانه بهذين التهديدين العظيمين ~~الدالين على غشاوتهم , فإنه صلى الله عليه وسلم مما كان رجاه من هدايتهم ~~أمر كأنه كان قد حصل , وذلك مورث للشفوق من الأسف على ما لا يدري قدره ولا ~~يوصف خبره , فثبته سبحانه وسلاه بقوله : { إن الذين فرقوا } أي بعد إبلاغك ~~إياهم { دينهم } أي بتكذيبهم ببعض آيات الله وصدوفهم عنها وإيمانهم ببعضها ~~ففارقوه , لأن الكفر بعضه كفر بكله , وأضيف الدين إليهم لشدة رغبتهم فيه ~~ومقاتلتهم عليه { وكانوا شيعا } كل فرقة تشايع وتشيع إمامها كالعرب الذين ~~تحزبوا أحزابا بالاستكثار من الأصنام , فكان في كل قطر لهم معبود أو اثنان ~~فأكثر , وكأهل الكتاب الذين ابتدعوا في دينهم بدعا أوصلتهم إلى تكفير بعضهم ~~بعضا وآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض , وكالمجوس الذين مزقوا دينهم ~~باعتقاد أن الإله اثنان : النور والظلمة , وعبدوا انام والنجوم وجعلوا لكل ~~نجم صنما يتوسل به في زعمهم إليه { لست منهم } أي من حسابهم ولا من عقابهم ~~ولا من خلق الهداية في قلوبهم { في شيء } وفي هذا غاية الحث ms1579 على الاجتماع ~~ونهاية التوعد على الافتراق . | ولما خفف عنه صلى الله عليه وسلم بتبرئته ~~منهم , أسند إلى نفسه المقدس ما يحق له في إحاطة علمه وقدرته , فقال جوابا ~~لمن يقول : فإلى من يكون أمرهم ؟ : { إنما أمرهم } أي في ذلك كله وفي كل ما ~~يتعلق بهم مما لا يحصره حد ولا يحصيه عد { إلى الله } أي الملك PageV02P750 ~~الذي لا أمر لأحد معه غيره , فمن شاء هداه ومن شاء أعماه , ومن شاء أهلكه ~~ومن شاء أبقاه لأن له كمال العظمة . | ولما كان الحشر متراخيا عن ذلك كله ~~في الرتبة وفي الزمان , لا تبلغ كنه عظمته العقول , نبه على ذلك بالتعبير ~~بأداة التراخي والتنبيه بقوله : { ثم } بعد استيفاء ما ضرب لهم من الآجال { ~~ينبئهم } أي تنبئة عظيمة جليلة مستقصاة بعد أن يحشرهم إليه داخرين { بما ~~كانوا } أي جبلة وطبعاص { يفعلون * } أي من تلك الأشياء القبيحة التي كان ~~لهم إليها أتم داعية غير متوقفين في إصدارها على علم مع ادعاء التدين بها , ~~والآية - مع ما تقدم من مقتضياتها - تعليل لقوله ^ ( { ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله } ) ^ [ الأنعام : 153 ] . | < < # | الأنعام : ( 160 - 162 ) من جاء بالحسنة . . . . . # > > ^ ( من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها وهم لا يظلمون * قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين * قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ~~رب العالمين ) ^ } ) | ولما أخبر أن أمرهم ليس إلا إليه , كان كأنه قيل : ~~فماذا يفعل بهم حينئذ ؟ فأجيب بقوله : { من جاء } ولما أخبر أن أمرهم ليس ~~إلا إليه , كان كأنه قيل : فماذا يفعل بهم حينئذ ؟ فأجيب بقوله : { من جاء ~~} أي منهم أو من غيرهم { بالحسنة } أي الكاملة بكونها على أساس الإيمان { ~~فله } من الحسنات { عشر أمثالها } كرما وإحسانا وجودا ومتنانا , يجازيه ~~بذلك في الدنيا أو في الآخرة , وهذا المحقق لكل أحد ويزداد البعض وضوحا ~~بحسب النيات , وذكر العشر , لأنه بمعنى الحسنة , وهو مضاف إلى ضميرها . | ~~ولما تضمن قوله ^ ( { وأوفوا الكيل والميزان ms1580 بالقسط } ) ^ [ الأنعام : 153 ~~] مع تعقيبه بقوله ^ ( { لا نكلف نفسا إلا وسعها } ) ^ [ الأنعام : 152 ] ~~الإشارة إلى أن المساواة في الجزاء مما ينقطع دونه أعناق الخلق , أخبر أن ~~ذلك عليه هين لأن عمله شامل وقدرته كاملة بقوله : { ومن جاء بالسيئة } أي ~~أي شيء كان من هذا الجنس { فلا يجزى } أي في الدارين { إلا مثلها } إذا ~~جوزي , ويعفو عن كثير . | ولما كانت المماثلة لا يلزم كونها من كل وجه وإن ~~كانت ظاهرة في ذلك لا سيما في هذه العبارة , صرح بما هو ظاهره لأنه أطيب ~~للنفس وأسكن للروع فقال : { وهم لا يظلمون * } أي بكونها مثلها في الوحدة ~~وإن كانت أكبر أو من جنس أشد من جنسها ونحو ذلك , بل المماثلة موجودة في ~~الكم والكيف , فلا ينقص أحد في ثواب ولا يزاد في عقاب . | PageV02P751 ولما ~~تضمن ما مضى تصحيح التوحيد بالأدلة القاطعة وتحقيق أمر القضاء والقدرة ~~وإبطال جميع أديان الضلال ووصفها بتفرق أهلها الدال على بطلانها واعوجاجها ~~, وختم بهذا التحذير الذي لا شيء أقوم منه ولا أعدل , أمره صلى الله عليه ~~وسلم بالإعلان بأمره وأن يصف دينه الذي شرعه له وهداه إليه بما فيه من ~~المحاسن تحبيبا فيه وحثا عليه ولأن ذلك من نتيجة هذه السورة فقال : { قل } ~~وأكد بالإتيان بالنونين فقال : { إنني هدانى } أي بيانا وتوفيقا { ربي } أي ~~المحسن إلي بكل خير لا سيما هذا الذي أوحاه إلي وأنزله علي { إلى صراط ~~مستقيم * } أي طريق واسع بين , ثم مدحه بقوله : { دينا قيما } أي بالغ ~~الاعتدال والاستقامة ثابتها , هذا على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو بفتح ~~القاف وتشديد الياء المكسورة , وهو في قراءة الباقين بكسر القاف وفتح الياء ~~الخفيفة مصدر بمعنى القيام وصف به للمبالغة , وزاده مدحا بقوله مذكرا لهم - ~~لتقليدهم الآباء - بأنه دين أبيهم الأعظم : { ملة إبراهيم } والملة ما ~~أظهره نور العقل من الهدى في ظلم ما التزمه الناس من عوائد أمر الدنيا - ~~أفاده الحرالي . | ولذلك قال : { حنيفا } أي لينا هينا سهلا قابلا ~~للاستقامة لكونه ميالا مع الدليل غير جاف ولا كز ms1581 واقف مع التقليد عمى عن ~~نور الدليل - كما تقدم ذلك في البقرة , وهو معنى قوله : { وما } أي والحال ~~أنه ما { كان من المشركين * } أي الجامدين مع أوهامهم في ادعاء شريك لله مع ~~رؤيتهم له في كونه لا يضر ولا ينفع ولا يصلح لشركة آدمي فضلا عن غيره بوجه ~~, لا ينقادون لدليل ولا يصغون إلى قيل , فكان هذا مدحا لهذا الدين الذي هدى ~~إليه صلى الله عليه وسلم وبيانا لأنه الذي اختاره سبحانه لخليله إبراهيم ~~عليه السلام رجوعا إلى < # > 77 ( { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر } ) 77 < # > [ الأنعام : 74 ] الذي بنيت السورة في الحقيقة عليه , وألقيت أزمة ~~أطرافها إليه , وترغيبا في هذا الدين لأن جميع المخالفين يتشبثون بأذيال ~~إبراهيم عليه السلام : العرب وأهل الكتابين بنسبة الأبوة , والمجوس بنسبة ~~البلد والأخوة , وأشار بذلك إلى أن محمدا صلى الله عليه وسلم فهم ما حاج به ~~أبوه إبراهيم عليه السلام قومه وقبله , فلم ينسب كغيره إلى جمود ولا عناد . ~~| ولما كان كأن سائلا قال : وما هذه الملة التي تكرر مدحها والدعاء إليها ؟ ~~أجاب بقوله ليتأسى به أهل الإيمان , فليلتزموا جميع ما يدعو إليه على وجه ~~الإخلاص : { قل إن صلاتي } أي التي هي لباب الدين وصفاوته { ونسكي } أي ~~جميع عبادتي من الذبائح وغيرها { ومحياي } أي حياتي وكل ما تجمعه من زمان ~~ومكان وفعل { ومماتي لله } أي الملك الأعظم الذي لا يخرج شيء عن أمره ؛ ~~ولما علم بالاسم الأعظم أنه يستحق ذلك لذاته , أعلم أنه يستحقه من كل أحد ~~لإحسانه إليه وإنعامه عليه فقال : { رب العالمين * } الموجد والمدبر ~~والموعي لهم . | PageV02P752 < < # | الأنعام : ( 163 - 165 ) لا شريك له . . . . . # > > ^ ( لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين * قل أغير الله أبغي ~~ربا وهو رب كل شيء ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم ~~إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون * وهو الذي جعلكم خلائف ~~الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في مآ آتاكم إن ربك سريع العقاب ~~وإنه لغفور رحيم ) ^ } ) | ولما أعلم أنه ms1582 يستحقه لذاته ووصفه , أعلم أنه ~~يستحقه وحده فقال : { لا شريك له } أي ليكون لشريكه على زعمكم شيء من ~~العبادة لما كان له شيء من الربوبية , فأبان بهذا أو وجهه صلى الله عليه ~~وسلم ووجه من تبعه واحد لا افتراق فيه , وهو قصد الله وحده على سبيل ~~الإخلاص كما أنه يوحد بالإحياء والإماتة فينبغي أن يوحد بالعبادة . | ولما ~~دل على ذلك ببرهان العقل , أتبعه بجازم النقل فقال عاطفا على ما تقديره : ~~إلى ذلك أرشدني دليل العقل : { وبذلك } أي الأمر العالي من توجيه أموري ~~إليه على وجه الإخلاص . | ولما كان له سبحانه في كل شيء آية تدل على أنه ~~واحد , فكان كل شيء آمرا بالتوحيد بلسان حاله أو ناطق قاله , بني للمفعول ~~قوله : { أمرت } أي يعني أن هذا الدين لو لم يرد به أمر كان يتبغي للعاقل ~~أن يدين به ولا يعدل عنه لشدة ظهوره وانتشار نوره بما قام عليه من ادلائل ~~ودرج على اتباعه من الأفاضل والأماثل , فكيف إذا برزت به الأوامر الإلهية ~~ودعت إليه الدواعي الربانية { وأنا أول المسلمين * } أي المنقادين لما يدعو ~~إليه داعي الله في هذا الدين , لا اختيار لي أصلا , بل أنا مسلوب الاختيار ~~فيه منقاد أتم انقياد , وهذه الأولية على سبيل الإطلاق في الزمان والرتبة ~~بالنسبة إلى أمته صلى الله عليه وسلم وفي الرتبة بالنسبة إلى من تقدمه من ~~الأنبياء وغيرهم , وهذا أيضا من باب الإحسان في الدعاء بالتقدم إلى ما يدعو ~~إليه وأن يحب للمدعو ما يحب لنفسه ليكون أنفى للتهمة وأدل على النصيحة ~~فيكون أدعى للقبول . | ولما حاجوه في الشرك في هذه السورة غير مرة كما حاج ~~إبراهيم عليه السلام قومه , وكان آخر ذلك أن دعاهم صلى الله عليه وسلم إلى ~~تلاوة ما أنزل عليه سبحانه في تحريم الشرك وشرح دينه القيم , ثم كرر هنا ~~ذمهم بالتفرق الدال على الضلال ولا بد , ومدح دين الرسل الذي تقدم أنهم لم ~~يختلفوا فيه أصلا , وأيأس الكفار من موافقته صلى الله عليه وسلم لهم نوعا ~~من الموافقة ms1583 وميله معهم شيئا من الميل , أمره سبحانه - بعد أن ثبت بأول ~~السورة وأثنائها وآخرها أنه لا رب غيره - بالإنكار على من يريد منه ميلا ~~إلى غير من تفرد بمحياه ومماته , فكان له التفرد بما بينهما وما بعد ذلك من ~~غير شبهة , والتوبيخ الشديد فقال : PageV02P753 { قل } أي لهؤلاء الذي ~~يطمعون أن تطرد أصحابك من أجلهم { أغير الله } أي الذي له الكمال كله { ~~أبغي } أي أطلب وأريد بالإشراك فإن الغنى المطلق لا يقبل ممن أشرك به شيئا ~~{ ربا } أي منعما يتولى مصالحي كما بغيتم أنتم , فهو تعريض بهم وتنبيه لهم ~~, والإسناد إليه صلى الله عليه وسلم - والمراد جميع الخلق - من باب الإنصاف ~~في المناظرة للاستعطاف { وهو } أي والحال أنه كما ثبت بالقواطع وركز في ~~العقول الثوابت وطبع في أنوار الأفكار اللوامع { رب كل شيء } أي موجده ~~ومربيه , أفينبغي لأحد أن يدين لغير سيده وذلك الغير مربوب مثله لسيده , ~~هذا ما لا يرضاه عاقل لنفسه . | ولما أنكر على من يجنح إلى غيره مع عموم ~~بره وخيره , أتبعه الترويع من قويم عدله في عظيم ضره فقال : { ولا } أي ~~والحال أنه لا { تكسب كل نفس } أي ذنبا وإن قل مع التصميم والعزم القوي ~~الذي هو بحيث يصدقه العمل - كما مضى في آية البقرة { إلا عليها } أي لا ~~يمكن أن يكون باطلا لا عليها ولا على غيرها , وإذا كان عليها لا يمكن أن ~~يحاسب به سبحانه سواها لأنه عدل حكيم فكيف أدعو غيره دعاء جليا أو خفيا ~~وذلك أعظم الذنوب ! وللتنفير من الشرك الخفي بالرياء وكل معصية وإن صغرت , ~~جرد الفعل عن الافتعال لئلا يتوهم أنه لا يكون علهيا إلا ما بالغت فيه , ~~والسياق هنا واضح في أن الكسب مقيد بالذنب فإنه في دعاء غير الله وىية ~~البقرة للإيماء إلى الذنب الذي لا يقع إلا بشهوة شديدة من النفس له لطبعها ~~على النقائص , فهي لا تنافي هذه لأن ما كسبته من الذنوب قد علم من ثم أنه ~~اكتساب , وأحسن من هذا أن يقال : ولما كان المعنى ms1584 أني إن بغيت ربا غيره ~~وكلني إلى ما توليته , وأنا إنسان والإنسان مطبوع على النقائص فهلكت , عبر ~~عنه بقوله مجردا للفعل لقصد العموم : { ولا تكسب كل نفس } بما هي نفس ناظرة ~~في نفاستها معرضة عن ربها موكولة إلى حولها وقوتها { إلا عليها } ولا يحمل ~~عنها غيرها شيئا من وزرها ؛ ولما كان ربما حمل أحد عن غيره شيئا من أثقاله ~~مساعدة له , نفى ذلك بقوله : { ولا تزر وازرة } أي تحمل حاملة ولو كانت ~~والدا أو ولدا { وزر } أي إثم { أخرى } < # > 77 ( { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى } ) ~~77 < # > [ فاطر : 18 ] فإذا كان الأمر كذلك فلا يجعل بعاقل أن يعرض نفسه بحمل ~~شيء من غضب هذا الملك الذي لا شريك له وإليه المرجع وإن طال المدى . | ولما ~~عم في الكسب وحمل الوزر لئلا يقول متعنت أن خص هذا لك لا لنا , عم في ~~المرجع أيضا لمثل ذلك , فقال مهددا لهم بعد كمال الإيضاح عاطفا على ما أرشد ~~إليه الإنكار من النفي في نحو أن يقال : إني لا أفعل شيئا من ذلك , لا أبغي ~~ربا غير ربي أصلا , وأما أنتم فافعلوا ما أنتم فاعلون فإن ربكم عالم به : { ~~ثم } أي بعد طول الإمهال PageV02P754 لكم لطفا منه بكم { إلى ربكم } أي ~~الذي أحسن إليكم بكل نعمة , لا إلى غيره { مرجعكم } أي بالحشر وإن عمرتم ~~كثيرا أو بقيتم طويلا { فينبئكم } أي يخبركم إخبارا جليلا عظيما مستوفى . | ~~ولما كان قد تقدم أنهم فرقوا دينهم , قال : { بما كنتم } أي جبلة وطبعا , ~~ولذلك قدم الجار ليفيد الاهتمام به لقوة داعيتهم إليه من غير إكراه ولا ~~ذهول ولا نسيان فقال : { فيه تختلفون * } أي مع رسول وغيره , ويدينكم على ~~جميع ذلك بما تستحقونه , وحالكم جدير بأن يعظم عقابكم لأنكم كفرتم نعمته ؛ ~~قال أبو حيان : حكى النقاش أنه روي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم : ارجع يا محمد إلى ديننا واعبد آلهتنا واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل ~~لك بكل ما تحتاج ms1585 إليه في دنياك وآخرتكح , فنزلت هذه الآية - انتهى . | ولما ~~قدم أنه المحسن إلى كل شيء بالربوبية , وختم بالتهديد بالحشر , أتبعه ~~التذكير بتخصيصهم بالإحسان , فقال عاطفا على { وهو رب كل شيء } مستعطفا لهم ~~إليه بالتذكير بنعمته : { وهو } أي لا غيره { الذي جعلكم } أي أيها الإنس { ~~خلائف الأرض } أي تفعلون فهيا فعل الخليفة متمكنين من كل ما تريدونه , ~~ويجوز أن يراد بذلك العرب , ويكون ظاهر الكلام أن المراد بالأرض ما هم فيه ~~من جزيرة العرب , وباطنه البشارة بإعلاء دينهم الإسلام على الدين كله ~~وغلبتهم على أكثر أهل الأرض في هذه الأزمان وعلى جميع أهل الأرض في آخر ~~الزمان { ورفع بعضكم } في مراقي العقل والعلم والدين المال والجاه والقوة ~~الحسية والمعنوية { فوق بعض درجات } أي مع كونكم من نفس واحدة , وربما كان ~~الوضيع أعقل من الرفيع ولم ينفعه عقله فيدل ذلك دلالة واضحة على أن ذلك كله ~~إنما هو فعل الواحد القهار , لا بعجز ولا جهل ولا بخل ؛ ثم علل ذلك بقوله : ~~{ ليبلوكم } أي يفعل معكم فعل المختبر ليقيم الحجة عليكم وهو أعلم بكم منكم ~~{ في ما آتاكم } فينظر هل يرحم الجليل الحقير ويرضى الفقير بعطائه اليسير , ~~ويشكر القوي ويصبر الضعيف ! . | ولما ذكر علو بعضهم على بعض , وكان من طبع ~~الآدمي التبجر , أتبعه التهديد للظالم والاستعطاف للتائب بما يشير - بما له ~~سبحانه من علو الشأن وعظيم القدرة - إلى ضعف العالي منهم وعجزه عن عقاب ~~السافل بمن يحول بينه وبينه من شفيع وناصر وبما يحتاج إليه من تمهيد ~~الأسباب , محذرا من البغي والعصيان فقال موجها الخطاب إلى أكمل الخلق ~~تطييبا لقلبه إعلاما بأنه رباه سبحانه أجمل تربية وأدبه أحسن تأديب : { إن ~~ربك } أي المحسن إليك { سريع الحساب } أي لمن يريد عقابه ممن يكفر نعمته ~~لكونه لا حائل بينه وبين من يريد عقابه ولا يحتاج إلى استحضار آلات العقاب ~~, بل كل ما يريد PageV02P755 حاضر لديه عتيد < # > 77 ( { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ) 77 < # > [ يس : 82 ] , وفي ذلك تهديد شديد لمن ms1586 لا يتعظ . | ولما هدد وخوف , رجى ~~من أراد التوبة واستعطف فقال : { وإنه لغفور رحيم * } معلما بأنه - على ~~تمام قدرته عليهم وانهماكهم فميا يوجب الإهلاك - بليغ المغفرة لهم عظيم ~~الرحمة < # > 77 ( { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة } ) 77 < # > [ النحل : 61 ] , حثا على عفو الرفيع من الوضيع , وتأكيده الثاني دون ~~الأول ناظر إلى قوله < # > 77 ( { كتب على نفسه الرحمة } ) 77 < # > [ الأنعام : 12 ] , ( إن رحمتي سبقت غضبي ) لأنه في سياق التأديب لهذه ~~الأمة والتذكير بالإنعام عليهم بالاستخلاف , وسيأتي في الأعراف بتأكيد ~~الاثنين لأنه في حكاية ما وقع لبني إسرائيل من إسراعهم في الكفر ومبادرتهم ~~إليه واستحقاقهم على ذلك العقوبة , وجاء ذلك على طريق الاستئناف على تقدير ~~أن قائلا قال : حينئذ يسرع العالي إلى عقوبة السافل ! فأجيب بأن الله فوق ~~الكل وهو أسرع عقوبة , فهو قادر على أن يسلط الوضيع أو أحقر منه على الرفيع ~~فيهلكه ؛ ثم رغب بعد هذا الترهيب في العفو بأنه على غناه عن الكل أسبل ذيل ~~غفرانه ورحمته بإمهاله العصاة وقبوله اليسير من الطاعات بأنه خلق السماوات ~~والأرض وجعل الظلمات والنور منافع لهم ثم هم به يعدلون ! ولولا غفرانه ~~ورحمته لأسرع عقابه لمن عدل به غيره فأسقط عليهم السماوات وخسف بهم الأرضين ~~التي أنعم عليهم بالخلافة فيها وأذهب عنهم النور وأدام الظلام , فقد ختم ~~السورة بما به ابتدأها , فإن قوله : { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } هو ~~المراد بقوله : < # > 77 ( { هو الذي خلقكم من طين } ) 77 < # > [ الأنعام : 2 ] وقوله : < # > 77 ( { أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء } ) 77 < # > [ الأنعام : 164 ] هو معنى قوله : < # > 77 ( { خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون } ) 77 < # > [ الأنعام : 1 ] , - والله الموفق . | . . . . . | PageV02P756 < # > سورة الأعراف < # > < < # | الأعراف : ( 1 - 2 ) المص # > > ^ ( المص * كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين ) ^ } ) | مقصودها إنذار من أعراض عما إليه الكتاب في السورة ~~الماضية من التوحيد والاجتماع على الخير والوفاء لما قام على وجوبه من ~~الدليل في الأنعام , وتحذيره بقوارع ms1587 الدرارين , وهذا أحسن مما كان ظهر لي ~~وذكرته عند ( والوزن يومئذ الحق ) وأدل ما فيها على هذا المقصد أمر الأعراف ~~فإن اعتقاده يتضمن الإشراف على الجنة والنار والوقوف على حقيقة ما فيها وما ~~أعد لأهلها الداعي إلى امتثال كل خير واجتناب كل شر والاتعاظ بكل مرقق { ~~بسم الله } المتردي برداء الكبر وإزار العظمة والجلال { الرحمن } الذي من ~~رحمته انتقامه من أهل الكفر والضلال { الرحيم } الهادي لأهل الاصطفاء إلى ~~لزوم طريق الوفاء { المص } . | لما ذكر سبحانه في آخر التي قبلها أنه أنزل ~~إليهم كتابا مباركا , وأمر باتباعه وعلل إنزال وذكر ما استتبعه ذلك مما لا ~~بد منه في منهاج البلاغة وميدان البراعة , وكان من جملته أن أمر المدعوين ~~به ليس إلا , إن شاء هداهم وإن شاء أضلهم واستمر فيها لا بد منه في تتميم ~~ذلك إلى أن ختم السورة بما انعطف على ما افتتحت به , فاشتد اعتناقع له حتى ~~صارا كشيء واحد ؛ أخذ يستدل على ما ختم به تلك من سرعة العقاب وعموم البر ~~والثواب وما تقدمه , فقال مخبرا عن مبتدإ تقديره : هو كتاب } أي عظيم أوضح ~~الطريق المستقيم فلم يدع بها لبسا ولم يذر خيرا إلا أمر به ولا شرا إلا نهى ~~عنه , فإنزاله من عظيم رحمته ؛ ثم وصفه بما أكد ما أشار إليه من رحمته ~~بقوله : { أنزل إليك } أي وأنت أكرم الناس نفسا وأوسعهم صدرا وأجملهم قلبا ~~وأعرقهم إصالة وأعرقهم باستعطاف المباعد واستحلاب المنافر المباغض , وهذا ~~شيء قد خصك به فرفعك على جميع الخلق درجات لا تحصى ومراتب لا حد لها ~~فتستقصي PageV03P003 ولما كان المقصود من البعثة أولا النذارة للرد عما هم ~~عليه من الضلال , وكانت مواجهة الناس بالإنذار شديدة على النفوس , وكان ~~الإقدام عليها من الصعوبة بمكان عظيم ؛ قدم قوله مسببا عن تخصيصه بهذه ~~الرحمة : { فلا يكن } وعبر عن القلب بمسكنه الذي هو أوسع منه مبالغة في ~~الأمر فقال : { في صدرك حرج } أي شيء من ضيق بهم أو خوف أو نحو ذلك { منه } ~~على ما تعلق ب ( أنزل ms1588 ) من قوله : { لتنذر به } أي نذري لكل من بلغه أو ~~للمخالفين من سرعة العقاب على نحو ما أوقع سبحانه بالقرون الماضية والأمم ~~السابقة - كما أشار إليه آخر الأنعام , وسيقص من أخبارهم من هذه السورة { و ~~} لتنذر به { ذكرى } أي عظمة { للمؤمنين } أي للبشر والمواعظ والغفران ~~والرحمة على ما اشار إليه ختام الأنعام , وحذف المفعول يدل على عموم ~~الرسالة لكل من أماكن إنذاره وتذكيره من العقلاء , ويجوز أن تتعلق لام ( ~~لتنذر ) بمعنى النهي , أي انف الحرج الواقع لأجل لكذا , فإن من كان منشرح ~~الصدر أقدم على ما يريد أو يحرج , أي لا يكن الحرج الواقع لأجل أن تنذر , ~~أي لأجل إنذار به , والنهي للنبي صلى الله عليع وسلم , حول إلى الحرج ~~مبالغة وأدبا , ويجوز أن يكون التقدير من الاحتباك : إثباته ( لتنذر ) أولا ~~, فإن النفوس على قسمين : نفوس بليدة جاهلة بعيدة عن عالم الغيب غريقة في ~~طلب اللذات الجسمانية والشهوات الحيوانية فبعثه الرسل في حقهم إنذار وتخويف ~~, ونفوس شريفة مشرقة بالأنوار الإلهية فبعثه الرسل في حقهم تذكير لأن هذه ~~النفوس بمقتضى جواهرها الأصلية وجبلتها الخلقية مستعدة للانجذاب إلى عالم ~~القدس إلا أنه ربما غشيها غواش من عالم الأجساد فيعرض لها نوع ذهول وغفلة , ~~فإذا سمعت دعوة الأنبياء واتصلت بها أنوار أرواح رسل الله تذكرت مركزها ~~وأبصرت منشأها , فاشتاقت إلى ما حصل هناك من الروح والريحان فطارت نحوهم كل ~~مطار فتمحضت لديها تلك الأنوار ؛ وقال أبو حيان : واعتلاق هذه السورة بما ~~قبلها هو أنه لما ذكر تعالى قوله : < # > 77 ( { وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه } ) 77 < # > [ الأنعام : 155 ] واستطرد ممنه لما بعده إلى قوله في آخر السورة < # > 77 ( { وهوالذي جعلكم خلائف الأرض } ) 77 < # > [ الأتعام : 165 ] وذكر ما يكون بع التكاليف , وهو الكتاب الإلهي , ~~وذكر الأمر باتباعه كما امر في قوله < # > 77 ( { وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه } ) 77 < # > [ الأنعام 155 ] - انتهى . | وقال شيخه الإمام أبو جعفر بن الزبير : ~~لما قال تعالى ابتداء بالاعتبار < # > 77 ( { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ms1589 ما لم نمكن ~~لكم وارسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا PageV03P004 الأنهار تجري من تحتهم ~~فاهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين } ) 77 < # > [ الأنعام : 6 ] ثم قال تعالى < # > 77 ( { ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانو به ~~يستهزئون } ) 77 < # > [ الأنعام : 10 ] ثم قال تعالى : < # > 77 ( { قل سيروا في الرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } ) 77 < # > [ الأنعام : 11 ] ثم قال تعالى < # > 77 ( { ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا } ) 77 < # > [ الأنعام : 34 ] وقال تعالى < # > 77 ( { ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذتهم بالبأساء والضراء } ) 77 < # > [ الأنعام : 42 ] وقال تعالى < # > 77 ( { يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي } ) ~~77 < # > [ ألانعام : 13 ] فوقعت الإحالة في هذه الآي على الاعتبار بالأمم ~~السالفة وما كان منهم حين حين كذبوا أنبياءهم وهلاك تلك القرون بتكذيبهم ~~وعتوهم وتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم بجريان ما جرى له بمن تقدمه مت ~~الرسل < # > 77 ( { وقد نعلم أنه ليحزنك الذي يقولون } ) 77 < # > [ الأنعام : 33 ] فاستدعت الأحالة والتسلية بسط أخبار الأمم السالفة ~~والقرون الماضية , والإعلام بصبر الرسل - عليهم السلام - عليهم وتلطفهم في ~~دعائهم , ولم يقع في السور الأربع قبل سورة الأنعام مثل هذه الإحالة ~~والتسلية وقد تكررت في سورة النعام كما تبين بعد انقضاء ما قصد من بيان ~~طريق المتقين أخذا وتركا وحال من حاد عن سننهم ممن رامه أو قصده فلم يوفق ~~له ولا أتم له أمله من الفريقين : المستندة للسمع والمعتمدة للنظر , فحاد ~~الأولون بطارئ التغيير والتبديل , وتنكب الآخرون بسوء التناول وقصور الفهام ~~وعلة حيد الفريقين السابقة الأزلية ؛ فلما انقضى أمر هؤلاء وصرف الخطاب إلى ~~تسليته عليه السلام وتثبيت فؤاده بذ كر أحوال الأنبياء مع أممهم وأمر الخلق ~~بالاعتبار بالأمم السالفة , وقدم لرسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذكر ~~الأنبياء < # > 77 ( { أولئك الذين هدى الله فبداهم اقنده } ) 77 < # > [ الأنعام : 90 ] بسط تعالى حال من وقعت الإحالة عليه , واستوفى الكثير ~~من قصصهم إلى آخر سورة هود إلى قوله سبحانه < # > 77 ms1590 ( { وكلا نقص عليك من انباء الرسل ما نثبت به فؤادك } ) 77 < # > { هود : 120 } فتأمل بما افتتحت به السورة المقصودة بها قصص الأمم وبما ~~اختتمت يلح للك ما أشرت إليه - والله أعلم بمراده , وتأمل افتتاح سورة ~~الأعراف بقوله ) < # > 77 ( { فلنقص عليهم بعلم وما كنا غائبين } ) 77 < # > [ الأعراف : 7 ] بعد تعقيب قصص بني إسرائيل بقصة بلعام < # > 77 ( { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه } ) 77 < # > [ الأعراف : 175 ] , وثم قال : < # > 77 ( { ذلك مثل القوم الذين كذبوا يآيتنا } ) 77 < # > [ الأعراف : 176 ] فتأمل هذا الإيماء بعد ذكر القصص , وكيف ألحق من كذب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب وغيرهم بمن قص ذكره من المكذبين , ~~وتأمل افتتاح ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام وكلاهما ممن كفر ~~على علم , وفي ذلك أعظم موعظة , قال الله تعالى إثر ذلك < # > 77 ( { من يهد الله فهو الم } ) 77 < # > PageV03P005 [ الأعراف : 178 ] , فبدأ الاستجابة بنبيه صلى الله عليه ~~وسلم بذكر ما أنعم عليه وعلى من استجاب له فقال تعالى : ^ ( { آلمص كتاب ~~أنزل } ) ^ [ الأعراف : 2 ] فأشار إلى نعمته بإنزال الكتاب الذي جعله هدى ~~للمتقين , واشار هنا ما يحمله عليه من التسلية وشرح الصدور بما جرى من ~~العجائب والقصص مع كونه هدى ونورا , فقال ^ ( { فلا يكن في صدرك حرج من } ) ~~^ [ الأعراف : 2 ] أي أنه قد تضمن مما أحلناك عليه ما يرفع الحرج ويسلي ~~النفوس لتنذر به كما أنذر من قبلك ممن نقص خبره من الرسل , ولتستن في ~~إنذارك ودعائك وصبرك سننهم , وليتذكر المؤمنون ؛ ثم أمر عباده بالاتباع لما ~~أنزله فقال : ^ ( { اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم } ) ^ الأعراف : 3 ] فإنة ~~هلاك من نقص عليكم خبره من الأمم إنما كان لعدم الاتباع والركون إلى ~~أوليائهم من شياطين الجن والإنس , ثم أتبع ذلك بقصة آدم عليه السلام ليبين ~~لعباده ما جرت سنته فيهم من تسلط الشياطين وكيده وأنه عدو لهم ^ ( { يا بني ~~آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } ) ^ [ الأعراف : 27 ] ~~ووقع في قصة آدم هنا ما لم يقع في قصة البقرة من بسط ms1591 ما اجمل هناك كتصريح ~~اللعين بالحسد وتصور خيريته بخلقه من النار وطلبة الإنظار والتسلط على ذرية ~~آدم والإذن له في ذلك ووعيده ووعيد متبعيه ثم أخذ في الوسوسة إلى آدم عليه ~~السلام وحلفه له ^ ( { وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين } ) ^ [ الأعراف : ~~21 ] وكل هذا مما أجمل في سورة البقرة حتى لم يتكرر بالحقيقة ولا التعرض ~~لقصص طائفة معينة فقط , ومن عجيب الحكمة أن الواقع في السورتين من كلتا ~~القصتين مستقل شاف , وإذا ضم بعض ذلك إلى بعض ارتفع إجماله ووضح كماله , ~~فتبارك من هذا كلامه ومن جعله حجة قاطعة وآية باهرة . | ولما أعقب تعالى ~~قصصهم في البقرة بأمره نبيه والمؤمنين بالعفو والصفح فقال تعالى ^ ( { ~~فاعفوا واصفحوا } ) ^ [ البقرة : 109 ] أعقب تعالى أيضا هنا بقوله لنبيه ~~عليه الصلاة والسلام ^ ( { خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ) ^ [ ~~الأعراف : 199 ] وقد خرجنا عن المقصود فلنخرج إليه انتهى | < < # | الأعراف : ( 3 - 7 ) اتبعوا ما أنزل . . . . . # > > ^ ( اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أوليآء قليلا ~~ما تذكرون * وكم من قرية أهلكناها فجآءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون * فما ~~كان دعواهم إذ جآءهم بأسنآ إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين * فلنسألن الذين ~~أرسل إليهم ولنسألن المرسلين * فلنقصن PageV03P006 عليهم بعلم وما كنا ~~غآئبين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما تقدم سبحانه إليه صلى الله عليه وسلم في امر الإنذاروالإذكار ~~بالكتاب تقدم إلى اتباعه فأمرهم باتباعه ونهاهم عن اتباع أهل الضلال وما ~~يوحي إليهم أولياؤهم من زخارفهم بعد أن أخبر بكونه ذكرى أنه سبب لعلو شأنهم ~~وعز سلطانهم , فقال متافتا إليهم مقبلا جلاله عليهم { اتبعوا } أي حملوا ~~أنفسكم حملا عظيما بجد ونشاط على اتباع { وما أنزل إليكم } اي قد خصصتم به ~~دون غيركم فاشكروا هذه النعمة { من ربكم } أي الذي محسنا إليكم { ولاتتبعوا ~~} ولعله عبر بالافتعال إيماء إلى أن ما كان دون علاج - بل هفوة وبنوع غفلة ~~- في محل العفو { من دونه } أي دون ربكم { أولياء } أي من الذين نهيناكم ~~عنهم في الأنعام وبينا ضررهم لكم من شياطين الإنس والجن وعدم ms1592 إغنائهم وأن ~~الأمر كله لربكم . | ولما كانوا قد خالفوا في اتباعهم صريح العقل وسليم ~~الطبع , وعندهم أمثلة ذلك لو تذكروا , قال منبها لهم على تذكر ما يعرفون من ~~تصرفاتهم : { قليلا } وأكد التقليل ب ( ما ) النافي وبإدغام تاء التفعيل ~~فقال : { ما تذكرون } أي تعالجون أنفسكم على ذكر ما هو مركوز في فطركم ~~الأولى فإنكم مقرون بأن ربكم رب كل شيء فكل من تدعون من دونه مربوب , وأنتم ~~لا تجدون في عقولكم ولا طباعكم ولا استعمالاتكم ما يدل بنوع دلالة على ان ~~مربوبا يكون شريكا لربه . | ولما كان من أعظم ما يتذكر سار النعم وضار ~~النقم للغقبال على الله والإعراض عما سواه وعدم الأغترار باسباب الأمن ~~والراحة , قال : { وكم } اي قل تذكركم وخوفكم من سطواتنا والحال أنه كم { ~~من قرية } وإن جلت ؛ ولما كان المراد المبالغة في افهلاك , أسنده إلى ~~القرية والمراد أهلها فقال : { أهلكنا ها } أي بما لنا من العظمة لظلمها ~~باتباع من دون الله , فلا تغتروا بأوليائكم من دونه وأنتم عالمون بأنهم لم ~~ينفعوا من ضل من الأمم السالفة وقت إنزالنا بهم السطوة وإحلالنا بهم النقمة ~~وتحقق المهلكون إذ ذاك - مع أنهم كانوا أشد بطشا واكثر عددا وأمتن كيدا - ~~عدم إغنائهم فلم يوجهوا آمالهم نحوهم ولما كان المعنى : اردنا إهلاكها ~~وحكمنا به , سبب عنه قوله : { فجاءها بأسنا } أي عذابنا بما لنا من القوة ~~والعظمة , أو الإهلاك على حقيقة وهذا تفصيل له وتفسير ؛ ولما كان لا فرق في ~~إتيان عذابه سبحانه بين كونه ليلا أو نهارا , وكان أفحش الباس واشده ما كان ~~في وقت الراحة والدعة والغفلة قال : { بياتا } أي وقت الاستكنان في البيوت ~~ليلا كما أهللك قوم لوط عليه السلام وقت السحر PageV03P007 ولما كان المراد ~~بالقرية اهلها , بينه بقوله لأنه إذا حذف المضاف جاز فيه اعتباران بحسب ما ~~يحسن من المعنى : أن لا يلتفت إليه - كما في اول الآية , وإن يلتفت إليه . ~~| كما في هذا الأخير لبيان أن الأهل هم المقصودون بالذات لأنه موضع التهديد ~~: { أو هم قائلون } اي نائمون ms1593 وقت القائلة أو مستريحون من غير نوم كما ~~أهللك قوم شعيب عليه السلام , يعني أنهم كانوا في كل من الوقتين غافلين ~~بسبب أنهم كانوا آمنين لم يظنوا أن شيئا من اعمالهم موجب للعذاب ولا كانوا ~~مترقبين لشيء منه , فالتقدير : بياتا هم فيه بائتون اي نائمون , أو قائله ~~هم فيها قائلون أي نا ئمون , فالآية من الاحتباك : دل إثبات ( بياتا ) أولا ~~على حذف ( قائلة ) ثانيا , وإثبات ( هم قائلون ) ثانيا على حذف ( هم نائمون ~~) أولا , والذي أرشدنا إلى هذا المعنى الحسن سوق ( هم ) من غير واو , وهذا ~~قريب من قوله تعالى فيم يأتي < # > 77 ( { أفأمن أهل القرى أن يأتيهم باسنا بياتا وهم نائمون } ) 77 < # > [ الأعراف : 97 ] فالأقرب ان يكون المحذوف أولا نائمون , وثانيا نهارا ~~, فيكون التقدير : بياتا هم فيه نائمون , أو نهارا هم فيه قائلون , وبين ~~عظمة ما جاءهم وهوله بأنهم في كل من الوقتين لم يقع في فكر أحد منهم ~~التصويت إلى مدافعته بما سبب عن ذلك من قوله { فما كان دعواهم } أي قولهم ~~الذي استدعوه { إذ جاءهم بأسنا } اي بما لنا من العظمة { إلا أن قالوا } ~~ألا قولهم { إنا كنا } أي بما لنا من الجبلة { ظالمين } أي في انا لم نتبع ~~من انزل إلينا من ربنا فلم يفدهم ذلك شيئا غير شدة التحسر ؛ ثم سبب عما مضى ~~من امر الرسول والأمم قوله دفعا لوهم من يظن أن الأمر انقضى بما عذبوا به ~~في الدنيا : { فلنسئلن } أي بما لنا من العظمة على جهة التوبيخ والتقريع ~~للعصاة والتشريف والتعظيم للمطيعين , وأظهر موضع افضمار تعميقا فقال : { ~~الذين } ولما كانت الملامة على تكذيب الرسول لا بقيد كونه معينا بنى ~~للمفعول قوله : { أرسل إليهم } أي وهم الأمم , هل امتثلوا أوامرنا وأحجموا ~~عند زواجرنا كما أمرتهم الرسل أم لا { ولنسئلن } أي بعظمتنا { المرسلين } ~~أي هل كان في صدورهم حرج مما أرسلناهم به وهل بلغوه أم لا يوم تكونون شهداء ~~على الناس بما عملتم من شهادتي في هذا القرآن ويكون الرسول عليكم شهيدا ~~فإنا لا بد أن ms1594 نحييكم بعد الموت ثم نسألكم في يوم تظهر فيه السرائر وتنكشف ~~- وإن اشتد خفاؤها - الضمائر , ولنرين الأفعال والأقوال , ولا نترك سيئا من ~~الأحوال . | ولما كان السؤال يفهم خفاء المسؤول عنه على السائل , سبب عن ~~ذلك ما يزيل هذا الوهم بقوله مؤذنا بانه أعلم من المسؤولين عما سألهم عن : ~~{ فلنقصن } أي بما لنا من صفات العظمة المستلزمة لكل كمال { عليهم } أي ~~المسؤولين من الرسل وأممهم جميع أحوالهم وما يستحقون من جزائها { بعلم } أي ~~مقطوع به لا مظنون , فقد كنا معهم في جميع تقلباتهم { وما كنا } أي في وقت ~~من الأوقات كما هو مقتضى ما لنا من PageV03P008 العظمة { غائبين } أي مطلقا ~~ولا عن أحد من الخلق بل علمنا شامل لجميع الكليات والجزئيات لأن ذلك مقتضى ~~العظمة ما لنا من صفات الكمال , ومن لم يكن محيط العلم بأن يميز المطيع من ~~العاصي لا يصح أن يكون إلها | < < # | الأعراف : ( 8 - 11 ) والوزن يومئذ الحق . . . . . # > > ^ ( والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن ~~خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون * ولقد ~~مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون * ولقد خلقناكم ثم ~~صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين ~~) ^ } ) | ولما تقدمت الإشارة بقوله تعالى ^ ( { وأوفوا الكيل والميزان ~~بالقسط } ) ^ [ الأنعام 152 ] الآية إلى المساواة الحقيقية في الميزان ~~معجوز عنها وأنه أبعد المقادير عن التساوي , والنص في قوله تعالى ^ ( { ومن ~~جاء بالسئية فلا يجزى إلابمثلها } ) ^ [ الأنعام : 160 ] على قدرة القدير ~~على ذلك وختم الآية السالفة بإحاطة العلم على الوجه الأبلغ المقتضي لذلك ~~على أعلى الوجوه , أكد الأمر أيضا وقصره على علمه هناك فقال { والوزن } ~~يزان حقيقي لصحف الأعمال أو للاعمال أنفسها بعد تصويرها بما تستحقه من ~~الصور أو بغير ذلك أن يقذف الله في القلوب العلم به , ولعله حال من نون ~~العظمة في الاية التي قبلها , أي إنا لا نكتفي بما نقص بل نزنه فيصير بحيث ~~يظهر لكل أحد أنه على غاية ما يكون ms1595 من التساوي ؛ قال أبو حيان وعلي بن ~~الحسن النحوي الأصفهاني في إعرابه : ( الوزن : مبتدأ { يومئذ } ظرف منصوب ~~به { الحق } خبر المبتدأ , زاد الصفاني فقال : واستضعف إعمال المصدر وفيه ~~لام التعريف وقد ذكرنا أنه جاء في التنزيل ^ ( { يحب الله الجهر بالسوء من ~~القول إلا من ظلم } ) ^ - انتهى أي والوزن في ذلك اليوم مقصور على الحق , ~~يطابقه الواقع حقيقية لا فضل فيها أصلا ولا ولا يتجاوز الوزن في ذلك , ~~فتحرر أن مقصود السورةالحث على اتباع الكتاب , وهويتضمن الحث على اتباع ~~الرسول والدلالة على التوحيد والقدرة على البعث ببيان الفعال الهائلة في ~~ابتداء الخلق وإهلاك الماضيم إشارة إلى أن من لم يتبعه ويوحد - من غنزاله ~~على هذا الأسلوب الذي لا يستطاع , والمنهاج الذي وقفت دونه العقول والطباع ~~, لما قام من الدلة على توحيده بعجز من سواه عن أقواله وأفعاله - أوشك أن ~~يعالجه قبل يوم البعث بعقاب مثل عقاب الأمم السالفة والقرون الخالية مع ما ~~ادخر له في ذلك اليوم من سوء المنقلب وإظهار اثر الغضب PageV03P009 ولما ~~أخبر أن العبرة بالميزان على وجه يظهر أنه لا حيف فيه بوجه , تسبب عنه قوله ~~: { فمن ثقلت } أي دست ورسبت على ما يعهد في الدنيا { موازينه } أي موزونات ~~أعماله , أي اعماله الموزونه , ولعله عبر بها عنها إشارة إلى ان كل عمل ~~يوزن على حدة ليسعى في إصلاحه { فأولئك } اي العالو الهمم { هم } أي خاصة { ~~المفلحون } أي الظاهرون بجميع مآربهم { ومن خفت } أي طاشت { موازينه } أي ~~التي توزن فيها الأعمال الصالحة { فأولئك } المبعدون { الذين خسروا انفسهم ~~} أي التي هي رأس مالهم فكيف بما دونها { بما كانوا بآياتنا } أي على ما ~~لها من العظمة { يظلمون } أي باستمرار ما يجددونه من وضعها في غير المحل ~~الذي يليق بها فعل من هو في ظلام ؛ قال الحسن , وحق الميزان توضع فيه ~~الحسنات أن يثقل , وحق لميزان توضع فيه السيئات أن يخف ولما أمر الخلق ~~بمتابعة الرسل وحذرهم من مخالفتهم , فأبلغ في تحذيرهم بعذاب الدنيا ثم ~~بعذاب الآخرة , التفت إلى تذكيرهم ترغيبا في ms1596 ذلك بإسباغ نعمة وتحذيرامن ~~سلبها , لأن المواجهة أردع للمخاطب , فقال في موضع الحال من { خسروا انفسهم ~~} : { ولقد مكناهم } أي خسروها والحال أنا مكناكم من إنجائها بخلق القوى ~~والقدر وإدرار النعم , وجعلنا مكانا يحصل التمكن فيه { في الأرض } أي كلها ~~, ما منها من بقعة إلا وهي صالحة لا نتفاعهم بها ولو بالاعتبار { وجعلنا ~~لكم } أي بما لنا من العظمة { فيها معايش } أي جميع معيشة , وهي أشياء يحصل ~~بها العيش , وهوتصرف أيام الحياة بما ينفع , والياء اصلية فلذا لا تهتز , ~~وهي أشياء يحصل بها العيش , وهو تصرف أيام الحياة بما ينفع , والياء اصلية ~~فلذا لا تهتز , وكذا ما ولي ألف جمعه حرف علة أصلي وليس قبل ألفه واو ~~كأوائل ولا ياء كخيائر جمع أول وخير فإنه لات يهمز إلا شاذاكمنائر ومصائب ~~جمع منارة ومصيبة . | ولما كان حاصل ما مضى أنه سبحانه أوجدهم وقواهم وخلق ~~لهم ما يديم قواهم فأكلوا خيره وعبدوا غيره , أنتج قوله على وجه التاكيد : ~~{ قليلا ما تشكرون } اي لمن خوطبواب < # > 77 ( { اتبعوا ما أنزل إليكم } ) 77 < # > لأعراف : 3 ] وما بينهما أورد مورد الاعتبار والاتعاظ بذكر ما آل إليه ~~أمرهم في الدنيا وما يؤول إليه في الآخرة - انتهى ولما ذكر سبحانه ما منحهم ~~به من التمكين , ذكرهم ما كانو عليه قبل هذه المكنة من العدم تذكيرا بالنعم ~~في سياق دال على البعث الذي فرغ من تقريره , وعلىما خص به اباهم آدم عليه ~~السلام من التمكين في الجنة بالخلق والتصوير وإفاضة روح الحياة وروح العلم ~~وامر أهل سماواته بالسجود له والغضب على من عاده وطرده عن محل PageV03P010 ~~كرامته ومعدن سعادته وإسكانه هو بذلك المحل الأعلى والموطن الأسنى مأذونا ~~له في كل ما فيه إلا شجرة واحدة , فلما خالف الأمر ازالةعنه وأخراجه منه ؛ ~~وفي ذلك تحذير لأهل المكنة من إزالة المنة في استدارة النعمة وإحلال النقمة ~~فقال : { ولقد خلقناكم } أي بما لنا من صفات العظمة { ثم صورناكم } أي ~~قدرنا خلقكم ثم تصويركم بأن جعلنا فيكم قابلية قريبة من ذلك بتخصيص كل جزء ms1597 ~~من المادة بمقدار المعين بتخمير طينة آدم عليه السلام على حالة تقبل ذلك ~~كما يهيأ التراب بتخمير بإنزال المطر لأن يكون منه شجرة , وقد تكون تلك ~~الشجرة مهيأة لقبول صورة الثمرة وقد لا تكون كما قال تعالى < # > 77 ( { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار ~~مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظما فكسونا ~~العظم لحما ثم أنشأناه خلقا اخر } ) 77 < # > [ المؤمنون : 12 - 14 ] وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح ~~عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه : ( ظغن احدكم يجمع خلقه في بطن أمه ~~أربعين يوما ثم يكون علقه مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك , ثم يرسل الملك ~~فينفخ فيه الروح ) وعنه أيضا رضى الله عنه عند مسلم قال : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله ~~إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها , وثم قال : يا ~~رب ! أذكر أم أنثى ؟ فيقضى ربك ما شاء ويكتب الملك ) الحديث فظاهر هذا ~~الحديث مخالف اللفظ الذي قبله وللآية , فيحمل على أن معنى صورها : هيأها في ~~مدة الأربعين الثانية لقبول الصورة تهيئة قريبة من الفعل , وسهل أولها ~~بالتخمير على هيئةمخصوصة بخلاف ما قبل ذلك , فإنها كانت نطفة فكانت بعيدة ~~عن قبول الصورة , ولذلك اختلفوا في احترامها وهل يباح إفسادها والتسبب في ~~إخراجها ومعنى ( خلق ) قدر أي جعل لكل شيء من ذلك حدا لا يتجاوزه في الجملة ~~والدليل على هذا المجاز شكة في كونها ذكرا أو انثى من جملة الصورة وبهذا ~~تلتئم هذه الاية مع قوله تعالى < # > 77 ( { إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه ~~من روحي فقعواله ساجدين } ) 77 < # > [ ص : 71 ] فهذا خلق بالفعل , والذي في هذه السورة بإيداعه القوة ~~المقربة منه , والمراد من الآية التذكير بالنعم استعطافا إلى المؤالفة ~~وتفظيغا بحال المخالفة , أي PageV03P011 خسروا أنفسهم والحال أنا أنعمنا ~~عليهم بنعمة التمكن بعد أن ms1598 أشأناهم على الصورة المذكورة بعد أت كانوا عدما ~~واسجدنا ملائكتنا لأبيهم وطردنا من تكبر عليه طردا لا طرد مثله وابعدناه عن ~~محل قدسنا بعدا لا قرب معه , وأسكنا أباهم الجنة دارحمتنا وقربنا فقال تعال ~~مترجما عن ذلك : { ثم قلنا } أي على ما لنا من الاختصاص بالعظمة { للملائكة ~~} أي الموجودينفي ذلك الوقت من أهل السماوات والرض كلهم , بما دلت عليه ( ~~ال ) سواء قلنا : إنها للاستغراق أو الجنس { اسجدوالآدم } أي بعد كونه رجلا ~~قائما سويا روح كما هو معروف من التسمية ؛ ثم سبب عن هذا الأمر قوله : ~~لإخراجه ممن سجد أنه لم يسجد صرح به فقال : { لم يكن من الساجدين } أي لآدم ~~| < < # | الأعراف : ( 12 - 16 ) قال ما منعك . . . . . # > > ^ ( قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين * قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من ~~الصاغرين * قال أنظرني إلى يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين * قال فبمآ ~~أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) ^ } ) | ولما كان مخالف الملك في محل ~~العقاب , تشوف السامع إلى خبره فاجيب بقوله : { قال } أب إبليس إنكارا عليه ~~توبيخا له استخراجا لكفره الذي كان يخفيه بما يبدي من جوابه ليعلم الخلق ~~سبب طرده { ما منعك } ولما كانت العبارة قد صرحت بعدم سجوده فكان المعنى ~~لإبليس بإدخال ( لا ) في قوله : { ألا تسجد } أتى بها لتنفيد التأكد ~~بالدلالة على اللوم على الامتناع من الفعل والإقدام على الترك , فيكون كانه ~~قيل : ما منعك من السجود وحملك على تركه { إذ } اي حين { أمرتك } أي حين ~~حضر الوقت الذي يكون فيه أداء المأمور به { قال } أي إبليس ناسا ربه سبحانه ~~إلى الجور أو عدم العلم بالحق { أنا خير } اي فلا يليق لي السجود لمن هو ~~دوني ولا أمري بذلك لأنه مناف للحكمة ؛ ثم بين وجه الخيرية التي تصورها ~~بسوء فهمه أو بما قاده إليه سوء طبعة بقوله : { وخلقته من طين } أي عو أغلب ~~أجزائه وهو كدر مظلم سافل مغلوب , وقد غلط غلطا فاحشا ms1599 فإن الإيجاد خير من ~~الإعدام بلا نزاع , والنار سبب الإعدام والمحق لما خالطته والطين سبب ~~النماء والتربية لما خالطة , هذا لو كان الأمر في الفضل باعتبار العناصر ~~والمبادئ وليس كذلك , بل هو باعتبار الغايات . | ولما كان هذا امرا ظاهرا ~~وكان مجرد التكبر على الله كفرا على أي وجه كانن , أعرض عن جوابه بغير ~~الطرد الذي معناه نزوله المنزلة الذي موضع ما طلب من علوها PageV03P012 ~~فاستأنف قوله { قال } مسببا عن إبائه قوله : { فاهبط منها } مضمرا للدار ~~التي كان فيها وهي الجنة فإنها لا تقبل عاصيا وعبر بالهبوط الذي يلزم من ~~سقوط المنزلة دون الخروج , لأن مقصود هذه السورة الإنذار وهو أدل عليه وسبب ~~عن أمره بالهبوط الذي معناه النزول والحدور والانحطاط والنقصان والوقوع في ~~شي منه قوله : { فما يكون } أي يصح ويتوجه بوجه من الوجوه { لك ان تكبر } ~~أي تتعمد الكبر وهو الرفعة في الشرف والعظمة والتجبير , ولا مفهوم لقوله ( ~~لك ) ولا لقوله { فيها } بوجود الصرائح بالمنع من الكب مطلقا < # > 77 ( { إنه لا يحب المستكبرين } ) 77 < # > [ النحل : 23 ] < # > 77 ( { كذلك يطبع الله على قلب كل متكبر } ) 77 < # > [ غافر : 35 ] < # > 77 ( { قال الذين استكبروا إنا كل فيها } ) 77 < # > [ النساء : 48 ] وإنما قيد بذلك تهويلا للأمر فكأنه قيل لا ينبغي ~~التكبر إلا لنا , وكلما قرب الشخص من محل القدس الذب هو مكان المطعين ~~المتواتضعين جل تحريم الكبر عليه ( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة ~~من خردل كبر ) رواه مسلم وغيره عن من الجنة دار رضي الله عنه , وسبب عن ~~كونها لا تقبل الكبر قوله : { فاخرج } أي من الجنة دار الرضوان , فانتقى أن ~~يكون الهبوط من موضع عال من الجنة إلى موضع منها أحط منه , ثم علل أمره ~~بالبوط والخروج بقوله مشيرا إلى كل من ظهر الاستكبار ألبس الصغار { إنك من ~~الصاغرين } اي الذين هم أهل للطرد والبعد والحقارة والهوان ولما علم أن ~~الحسد قد أبعده ونزل به عن ساحة الرضى وأقعده تمادى فيه فسأل ما يتسبب به ~~إلى إنزال المحسودين ms1600 عن درجاتهم العاليه وذلك فقال { قال } إي إبليس وهو ~~إستئناف ؛ ولما كان السياق ولاسيما الحكم بالصغار العاري عن تقيد - يأبى ~~لأن يكون سببالسؤله الانتظار ذكره بصيغة الإحسان فقال { أنظرني } أبالإهمال ~~أي اجعلني موجودا بحيث أنظر واتصرف في زمن ممتد { إلى يوم يبعثون } أي من ~~القبور , وهو يوم القيامة , وكان للعين طلب بهذا أنه لا يموت فإن ذلك الوقت ~~ليس وقتا للموت إنما هو وقت إضافة الحياة البدية في شقاوة أو سعادة فأعلم ~~سبحانه أنه حكم له بالانتظار لكن لا على ما أراده ولا على أنه إجابة لهولكن ~~هكذا سبق في الزل في حكمه في قديم علمه , وإليه يرشد التعبير بقوله : { قال ~~إنك من المنظرين } اي في الجملة , ومنعه من الحماية عن الموت بقوله كما ~~ذكره في سورتين الحجر وص | PageV03P013 { إلى يوم الوقت المعلوم } [ الحجر ~~: 38 ، ص : 81 ] وهو وقت النفخة الأولى التي يموت فيها الأحياء فيمون هو ~~معهم ، وكان ترك هذه الجملة في هذه السورة لأن هذه السورة الإنذار ، وإبهام ~~الأمر أشد في ذلك ، وأجابه إلى الأنظار وهو يريد به الفساد ، لأنه لا يعدو ~~أمره فيه وتقديره به ، ولأنه سبحانه لا يسأل عما يفعل ، ولتظهر حكمته تعالى ~~في الثواب والعقاب . | ولما كان قد حكم عليه بالشقاء ، قابل نعمة الإمهال ، ~~وإطالة العمر بالتمادي في الكفر ، وأخبر عن نفسه بذلك بأن { قال } مسببا عن ~~إيقاعه في المصيبة بسبب نوع الآدميين { فبما أغويتني } أي فبسبب إغوائك لي ~~، وهو إيجاد الغي واعتقاد الباطل في قلبي من أجلهم والله { لأقعدن لهم } أي ~~أفعل في قطعهم عن الخير فعل المتمكن المقبل بكليته االمتأني الذي لا شغل له ~~غير ما أقبل عليه ، في مدة إمهالك لي بقطعهم عنك بمنعهم من فعل ما أمرتهم ~~به ، وحملهم على فعل ما نهيتهم عنه ، كما يقعد قاطع الطريق على السابلة ~~للخطف { صراطك } أي جميع صراطك ، بما دل عليه نزع الخافض { المستقيم } وهو ~~الإسلام بجميع شعبه ، ومن أسند الإغواء إلى غير الله بسبب اعتقاده أن ذلك ~~مما ينزه الله عنه ، فقد وقع ms1601 في شر مما فر منه ، وهو أنه جعل في الوجود ~~فاعلين يخالف اختيار أحدهما اختيار الآخر ؟ < < # | الأعراف : ( 17 - 20 ) ثم لآتينهم من . . . . . # > > ^ ( ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمآئلهم ولا ~~تجد أكثرهم شاكرين * قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن ~~جهنم منكم أجمعين * وياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا ~~تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ~~ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ~~ملكين أو تكونا من الخالدين ) ^ } ) | ولما كان قد اقام نفسه في ذلك بغاية ~~الجد , فهو يفعل فيه بالوسوسة بنفسه ومن أطاعه من شياطين الجن والإنس ما ~~يفوت الحد ويعجز القوى , أشار إليه بحرف التراخي فقال مؤكدا { ثم لآتينهم } ~~أي إتيناى لا بد لي منه كائنا ابتداؤه { من خلفهم } اي مغالفة , فيعملون ما ~~هو فاسد في غاية الفساد ولا يشعرون لهم بشيء من فساده حين تعاصيه فأدلهم ~~بذلك على تعاطي مثله وهم لا يشعرون { وعن } أي ومجاوزا للجهة التي عن { ~~ايمانهم } إليهم { وعن } { شمائلهم } إي مخايلة , فيغفلون وهو مشتبه عليهم ~~, وهذه هي الجهات التي يمكن الإتيان منها ولعل فائدة ( عن ) المفهمة ~~PageV03P014 للمجاوزة وصل خطى القدام والخلف ليكون إتيانه مستوعبا لجميع ~~الجهة المحيطة , وافهمت الجهات الأربع قدحه وتلبيسيه فيما يعلومنه حق علمه ~~وما يعلمون شيئا منه وما هو مشتبه عليهم اشتباها قليلا أو كثيرا , وهم من ~~ترك ذكره العلى أنه لا قدرة له على الإتيان من لئلا يلتبس امره بالملائكة , ~~قد ذكر ذلك بعض الآثار كما ذكره في ترجمة ورقة بن نوفل رضى الله عنه . | ~~ولما عزم اللعين على هذا عزما صادقا ورأى أسبابه ميسرة من الإنظار ونحوه ظن ~~أنه بما راى لهم من الشهوات والخطوط يظفر بأكثر حاجته , فقال عاطفا على ~~تقديره : فلأغوينهم وليتبعنني : { ولا تجد اكثرهم } كما هي عادة الكثر في ~~الخبث { شاكرين } فأريد به الشفاء فأغرق في الحسد , ولو أريد بالشقي الخير ~~لاستبدال بالحسد ms1602 الغبطة فطلب أن يرتقي هو إلى درجاتهم العالية بالبكاء ~~والنم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبذل النصيحة خضوعا لمقام الربويية ~~ودلا لعظيم شأنه ولما كان كأنه قيل ماذا قال له ؟ قيل : { قال } في جواب ما ~~ذكر لنفسه في هذا السياق من القوة والاقتدار وأبان عنه نت الكبر والافتخار ~~مادل على أنه من أهل الصغار , لا يقدر على شيء إلا بإقرار العزيز الجبار , ~~مصرحا بما أريد من الهبوط الذي ربما حمل على النزول من موضع من الجنة عال ~~إلى مكانه منها أحط منه { اخرج منها } أي الجنة { مذءوما } اي محقورا محزنا ~~بما تفعل , قال القطاع ذامت الرجل خزيته وقال ابن فارس ذامته أي حقرته { ~~مدحورا } أي مبعدا مطرودا عن كل ما لا أريد ولما علم بعض حالة تشوفت النفس ~~إلى حال من تبعه فقال مقسما مؤكا بما يحق له من القدرة التامة والعظمة ~~الكاملة : { لمن تبعك منهم } أي منك ومن قبيلك ومنهم { أجمعين } أي لا ~~يفوتني منكم أحد فلم يزل من فعل ذلك منكم على أذى نفسه ولا أبالي أنا بشيء ~~. ولما أوجب له ما ذكر من الشقاوة تماديه في الحسد وكثرة كلامه في محسوده ~~التفت إلى محسوده الذي لم يتكلم فيه كلمة واحدة بل اشتغل بنفسه في البكاء ~~على ذنبه واكتفى بفعل ربه بما ينجيه من حبائل مكره التي نصبها بما ذكر ~~ليكون ذلك على سعادته فقال عطفا على { ويآدم اسكن } ولما كان المراد بهذا ~~الأمر هو نفسه لا التجوز به بعض من يلابسه أكد ضميره لتصحيح العطف ورفع ~~التجوز فقيل { أنت وزوجك } PageV03P015 ولما كان السياق هنا للتعرف بأنه ~~مكن لبينا في الجنة أعظم من تمكينه لنا في الرض بأن حباه فيها رغد العيش ~~مقارنا لوجوده , ثم حسن في قوله : { فكلا } العطف بالفاء الدال على أن ~~المأكول كان مع الإسكان لم يتاخر عنه ولا منافاة بينه وبين التعبير بالواو ~~في البقرة لأن مفهوم الفاء نوع داخل تحت مفهوم الواو ولا منافاة بين ~~التعبير بالواو في البقرة لأن مفهوم الفاء نوع ms1603 داخل تحت مفهمو الواو ولا ~~منافاة بين النوع والجنس وقوله : { من حيث شئتما } بمعنى رغدا أي واسعا ~~فإنه يدل على إباحة الأكل من كل شيء فيها غير المنهي عنه واما آية البقرة ~~فتدل على إباحة الكل منها في أي مكان كان وهذا السياق إلى آخره مشير إلى أن ~~من خالف أمره تعالى ثل عرشه وهدم عزه وإن كان في غاية المكنة ونهاية القوة ~~كما أخرج من أعظم له المكنة بإسجاد ملائكته وإسكان جنته وإباحة كل ما فيها ~~غير شجرة واحده ؛ أكد تحريمها بالنهي عن قربانها دون الاكتفاء بالنهي عن ~~غشيانها فقال : { ولا تقربا } اي فضلا عن أن تتناولا من حام حول الحمى أوشك ~~أن يواقعه فقال : { فتكونا } أيبسبب قربها { من الظالمين } أي بالأكل منها ~~الذي هو مقصود النهي فتكونا بذلك فاعلين فعل من يمشي في الظلام ثم سبب عن ~~ذلك بيان حال الحاسد مع المحسودين فيما سأل الإنظار بسببه وأنه وقع على ~~كثير من مراده واستغوى منه امما تجاوزوا الحد وقصر عنهم مدى العد ؛ ثم بين ~~أنه أقل من أن يكون فعل وأن الكل بيده سبحانه هو الذي جعله ىلة لمراده منه ~~ومنهم وأن من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون فقال { ~~فوسوس } أي القى في خفاء وتزيين وتكرير واشتهاء { لهما ما روي } أي ستر ~~وغطى بان جعل كانه وراءهما لا يلتفتان إايه { عنهما } والبناء للمفعول ~~إشارة إلى أن الستر بشء لا كلفة عليهما فيه كما ياتي في قوله < # > 77 ( { ينزع عنهما لباسهما } ) 77 < # > [ الأعراف : 27 ] { ومن سوأتهما } أي المواضع التي يسوءهما انكشافها ~~وفي ذلك أن إظهار السوءة موجب للعبد من الجنة وأن بينهما منفية الجمع وكمال ~~التباين . | ولما أخبر بالوسوسة وطوى مضمونها مفهما أنه أمر كبير وخداع ~~طويل عطف عليه قوله : { وقال } اي في وسوسته أيضا أي زين لهما ما حدث بسببه ~~في خواطرهاهما هذا القول : { ما نهاكما } وذكرهما بوصف الإحسان تذكيرا ~~بإكرامه لهما تجزئة لهما على نا يريد منهما فقال : { ربكما } أي المحسن ~~إليكما بما ms1604 تعرفانه من انواع إحسانه { عن } أي ما جعل نهايتكما في الإباحة ~~للجنة متجاوزة عن { هذه الشجرة } جمع بين الإشارة PageV03P016 والاسم زيادة ~~في الاعتناء بالتنصيص { إلا ان } أي كراهية أن { تكونا ملكين } أي في عدم ~~الشهة والقدرة على الطيران والتشكيل وغير ذلك من خواصهم { أو تكونا } اي ~~بما يصير لكما من الجبلة { من الخالدين } أي الذين لا يموتون ولا يخرجون من ~~الجنة أصلا | < < # | الأعراف : ( 21 - 24 ) وقاسمهما إني لكما . . . . . # > > ^ ( وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين * فدلاهما بغرور فلما ذاقا ~~الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهمآ ~~ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين * قالا ~~ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين * قال ~~اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين ) ^ } ) | ولما ~~أوصل إليهما هذا المعنى , أخبره أنه أكده تاكيدا عظيما كما كان يؤكد الحالف ~~ما يحلف عليه فقال { وقاسمهما } أي اقسم لهما لكن ذكر المفاعلة ليدل على ~~أنه حصلت بينهما في ذلك مراوغات ومحاولات بذل فيها الجهد وأكد لمعرفته ~~انهما طبعا على النفرة من المعصية - ما أقسم عليه أنواعا من التأكد في قوله ~~: { إني لكما } فأفاد تقديم الجار المفهم للاختصاص انه يقول إني خصصكما ~~بجميع نصيحتي { الناصحين } وفيه تنبيه على الاحتراز من الحالف وان الأغلب ~~ان كل حلاف كذاب فإنه لا يحلف إلا عند ظة ان سامعه لا يصدقه ولا يظن ذلك ~~إلا هو معتاد للكذب ولما أخبر ببعض وسوسته لهما سبب عنها ترجمها بانهما ~~إهباط من اوج شرف غلى حضيض أذى وسرف فقال : { فدلهما } اي انزلهما عما كانا ~~فيه من علو تالطاعة مثل ما فعل بنفسه بالمعصية التي أوجبت له الهبوط من دار ~~الكرامة { بغرور } أي بخداع وحيلة حتى نسى ادم عهد ربه , وقوله { فلما ذاقا ~~} مشير إلى افسراع في الجزاء بالفاء والذوق الذي هو مبدأ الأكل { الشجرة } ~~أي وجدا طعمهما { بدت } أي ظهرت { لهما سواتهما } اي عوراتهما اللاتي ~~يسوءهما ظهورها وتهافت عنهما لباسهما ms1605 فابصر كل واحد ما كان مستوردا عنه من ~~عورة آلاخر وذلك قصد الحسود فاستجييا عند ذلك { وطفقا } اي شرعا وأقبلا { ~~يخصفان عليهما } أي يصلان بالخياطة { من ورق الجنة } ورقة إلى آخرى { ~~ونادهما ربهما } أي المحسن إليهما بأمرهما ونهيهما ولم يفعلا شيئا من ذلك ~~إلا بماى منه فقال منكرا عليهما ما فعلا ومعاتبا يا عبدي { ألم أنهكما } أي ~~أجعل لكما نهاية فيما أذن لكما فيه متجاوزة { عن تلكما الشجرة } أي التي ~~كان حقها البعد منها الموجبة للقرية من هذا الموضع الشريف إحسانا إليكما { ~~وأقل لكما أن PageV03P017 الشيطان } أي الذي تكبر عن السجود حسدا لك يا ىدم ~~ونفاسه عليك فاحترق بغضبي فطرد وابعد عن رحمتي { لكما } أي لك ولزوجك ولكل ~~من تفرغ منكما ونسب إليكما { عدو مبين } ظاهر العدواة يأتيكم من كل موضع ~~يمكنه الإتيان منه مجاهرة ومساترة ومماكرة فهو مع ظهور عدواته دقيق المكر ~~بما أقرته عليه من غقامة الأسباب فإني أعطيته قوة على الكيد واعطيتهم قوة ~~على الكيد قوة الخلاص وقلت لكم تغالبوا فإن غلبتموه فأنتم من حزبي وغن ~~غلبكم فأنتم من حزبه مع ما له إليكم كم العداوة فالآتيه منبهة على أن من ~~غوى فإنما هو تابع لأعدى أعدائه تارك لأولى أوليائه . | ولما كان هذا تشوف ~~السامع إلى جوابهما فأجيب بقوله : { قالا } أي آدم وحواء - عليهما السلام ~~وأزكى التحية والإكرام - قول الخزاص بإسراعهما في التوبة { ربنا } اي أيها ~~المحسن إلينا والمنعم علينا { ظلمنا أنفسنا } أي ضررناها بأن أخرجناها من ~~نور الطاعة إلى ظلام المعصية فإن لم ترجع بنا وتتب علينا لنستمر عاصيين { ~~اوإن لم تغفر لنا } أي تمح ما عملناه عينا واثرا { وترحمن } فتعلى درجاتنا ~~{ لنكونن من الخاسرين } فأعربت الآية عن انهما فزعا إلى الا نتصاب ~~بالاعتراف وسيما ذنبهما وغنة كان إنما هو خلاف الولى لأنه بطريق النسيان ~~كما في طه ظلما كما هي عادة الأكابر في استعظام الصغيرة منهم ولم يجادلا ~~كما فعل إبليس وفي ذلك إشارة إلى أن المبادرة إلى الإقرار بالذنب من فعال ~~الأشراف لكونه من ms1606 معالي الأخلاق وأنه لا مثيل له في اقتضاء العفو وإزالة ~~الكدر وأن الجدال من فعال الأرذال ومن مساوي الأخلاق وموجبات الغضب المقتضى ~~للطرد ولما تشوفت النفس إلى وجوب العلي الكبير سبحانه أجبيت بقوله { قال ~~اهبطوا } أي إلى دار المجاهده والمقارعة والمناكدة حال كونكو { بعضكم لبعض ~~عدو } أي أنتما ومن ولدتماه أعداء إبليس ومن ولد , وبعض أولادكم أعداء لبعض ~~ولا خلاص إلا باتباع ما منحتكم من هدى العقل وما أنزلت إليكم من تاييده ~~بالنقل وفي ذلك تهديد صادع لمن له أدنى مسكة بالأشارة إلى قبح مغبة ~~المخالفة ولو مع التوبة وحث على دوام المراقبة خوفا من سوء المعاقبة { ولكم ~~في الأرض } أي جنسها { مستقر } أي موضع استقرار كالسهول وما شابهها { ومتاع ~~إلى حين } أي انقضاء آجالكم ثم انقضاء اجل الدنيا | < < # | الأعراف : ( 25 - 27 ) قال فيها تحيون . . . . . # > > ^ ( قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون * يابني آدم قد أنزلنا ~~عليكم لباسا يواري PageV03P018 سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من ~~آيات الله لعلهم يذكرون * يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج أبويكم من ~~الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهمآ إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ~~ترونهم إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما علم بهذا أن للكون في الأرض آخرا , وكان من الفلاسفة التناسخية ~~وغيرهم ممن يقر بالوحدانية من يقول : إن النفوس مجردة عن الجسمية وعلائقها ~~وإنه إذا هللك الجسد اتصلت بالعلوياتإما بكوكب أو غيره أو انحطت في سلك ~~الملائكة وبطل تعلقها بالبدن من كل وجه فبل تتصل به لا بتدبير ولا غيره ولا ~~بالبعث - عند من قال منهو بالبعث كان كأنه قيل : فماذا يكون بعد ذلك ؟ ~~فاجيب بقوله { قال } أي الله رادا عليهم ما يعتقدون من بطلان التعلق بالبدن ~~معبرا بالخطاب بالضمير الذي يعبر عن هذا الهيكل المخصوص روحا وجسدا { فيها ~~} أي الرلا في غيرها { تحيون } أي أولا وثانيا على ما أنتم عليه بظواهركم ~~وبواطنكم ابدانا وأرواحا { وفيها } أي كذلك لا في غيرها كما أنتم لذلك ~~مشاهدون { تموتون ms1607 } أي من الحياة الأولى بجملتكم فيكون للارواح تعلق ~~بالأبدان بوجه ما حتى يعقد الميت في القبر ويجيب سؤال الملكين عليهما ~~السلام وتلتذ الأجساد بلذتها وتتألم بتألمها فأشير إلى الحشر مع تفصيل حال ~~الكون في الرض وختمت القصة بما ابتدئت به من الإعلام بالبعث بقوله : { ~~ومنها } أي لا من غيرها بإخبار الصادق { تخرجون } أي روحا وبدنا بعد موتكم ~~فيها وعودكم إلى ما كنتم عليه أولا ترابا للجزاء وإظهار ثمرة الملك بإنصاف ~~بعضكم من بعض والتحلي بصفة العدل فما كان بعضكم يفغل مع بعض من العسف ~~والجور الذي لا يرضي اقل رؤسائكم أن يقر عليه عبيده وعلم بهذا أن الدلالة ~~على الحشر فذلكة القصة , وهذا أبين من ذكره فيما مضى في قوله < # > 77 ( { فلسئلن الذين أرسل إليهم } ) 77 < # > [ الأعراف : 6 ] ولما بين فيما مضى أن موجب افخراج من الجنة هو ما أوجب ~~كشف السوءة من المخالفة وفرغ مما استتبعه حتى أخبره بأنه حكم بإسكاننا هذه ~~الدار شرع يحذرنا من عدونا كما حذر أبانا عليه السلام وبدا بقوله بيانا ~~لأنه أنعم علينا فيها بكل ما يحتاج إليه في الدين والدنيا وإيذانا بما في ~~كشف العورة من الفضيحة والإبعاد عن كل خير وإشعارا بأن التستر باب عظيم من ~~ابواب التقوى { يابني آدم } ولما كان الكلام في كشف العورة وأن آدم عليه ~~السلام أعوزه الساتر حتى فزع إلى الورق كان موضع أن يتوقع ما يكون في ذلك ~~فقال مفتتحا بحرف التوقع : { قد انزلنا } أي بعظمتنا { عليكم } من آثار ~~بركات السماء إما ابتداء بخلقه وإما بإنزال اسبابه لمطر ونحوه { لباسا } اي ~~لم يقدر عليه ابوكم في الجنة { يواري سوأتكم } إرشادا PageV03P019 إلى ذلك ~~الداء وإعلاما بأن نفس الكشف نقص لا يصلح لحضرات الكمال وقال : { وريشا } ~~إشارة غلى أنه سبحانه زادنا على الساتر ما به الزينة والجمال استعارة من ~~ريش الطائر مجببا فيما يبعد من الذنب ويقرب إلى حضرة الرب . | ولما ذكر ~~اللباس الحسي وقسمه على ساتر ومزين أتبعه المعنوي فقال مشيرا بقطعة في ~~قراءة الجمهور عما قبله ms1608 - غلى كمال تعظيمه حثا عليه وندبا إليه : { ولباس ~~التقوى } فعلم أن ساتر العورات حسي ومعنوي فالحسي لباس الثياب , والمعنوي ~~التحلي بما يبعث على المناب ؛ ثم زاد في تعظيم المنوي بقوله : { ذلك خير } ~~أي ولباس التقوى هو خير من لباس الثياب , ولكنه فصل باسم افشارة المقترن ~~بإداة البعد إيماء إلى علو رتبته وحسن عاقبته لكونه أهم اللباسين لن نزعه ~~يكون بكشف العورة الحسية والمعنوية فلو تجمل الإنسان باحسن الملابس وهو غير ~~متق كان كله سوءات , ولوكان متقيا وليس عليه إلا خريفة تواري عورته كان في ~~غاية الجمال والستر والكمال بل كان مكشوف العورة في بعض الأحوال كما قال ~~صلى الله عليه وسلم ( ستر ما بين عوراتكم وأعين الجن ان يقول أحدكم إذا دخل ~~الخلاء : بسم الله اللهم ! إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ) رواه الترمذي ~~وابن ماجه عن علي رضى الله عنه والذي يكاد يقطع به أن المعاصي سبب إحلال ~~السوءة الذي منه ضعف البدن وقصر العمر حسا أو معنى بمحق البركة منه لما ~~يفهمه ما تقدم في البقرة في بدء الخلق عن التوراة أن الله تعالى قال لآدم ~~عليه السلام كل من جميع اشجار الفردوس فأما شجرة علم الخير والشر فلا تاكل ~~منها لأنك في اليوم الذي تاكل منها تموت موتا تتهيا للموت حسا , ويقضي عليك ~~بالاشتغال بأسباب المعيشة فيقصر عمرك معنى بذهاب بركته - والله اعلم ولما ~~كان في شرع اللباس تمييز الإنسان عن بقية الحيوان وتهيئة اسبابه التي لم ~~يجدها آدم عليه السلام في الجنة من الفضل والنعمة والدلالة على عظمة المنعم ~~ورحمته وقدرته واختياره ما هو معلوم , قال : { ذلك } أي إنزال اللباس { من ~~ىيات الله } أي الذي حاز صفات الكمال الدالة على فضله ورحمته لعباده , ولعل ~~الالتفات من الخطاب إلى الغيبة { لعلهم يذكرون } - لو على أدنى وجوه ~~التذكير بما يشير إليه الإدغام - لئلا يقول المتعنت : إن الحث على التذكير ~~خاص بالمخاطب ويدعي أنه المسلمون فقط أي أنزلنا ذلك ليكون حالهم حال من ~~يتذكر فيعرف أنه يستقبح منه ما ms1609 يستقبح من غيرهولما كان المقصود من ذكر ~~القصص لا سيما قصص الأنبياء الاعتبار بها فكان بيان ما وقع بين آدم عليه ~~السلام وبين الشيطان من شديد العدواة مقتضيا للتحذير من الشيطان وكان ~~المقام خطرا والتخلص عسرا أشار إلى ذلك بالتأكد وبيان ما سلط PageV03P020 ~~الشيطان به من المكان الخفية والأسباب الدقيقة ليعلم الناجي أنه إنما نجا ~~بمحض التوفيق ومجرد اللطف فيقبل على الشكر متبرئا من الحول والقوة , فقال ~~مناديا لهم بما يفهم الاستعطاب والتراؤف والتحنن والترفق والاستضعاف : { ~~يابني آدم } اي الذي خلقته بيدي واسكنته جنتي ثم أنزلته إلى دار محبتي ~~إرادة الإعلاءلكم إلى الذروة من عبادتي والإسفال إلى الحضيض من معصيتي { لا ~~يفتننكم } أي لا يخالطنكم بما يميلكم عن الاعتدال { الشياطين } أي البعيد ~~المحترق بالذنوب يصدكم عما يكون سببا لردكم إلى وطنكم بتزين ما ينزع عنكم ~~من لباس التقوى المفضي إلى هتك العورات الموجب لخزي الدنيا , فيمنعكم بذلك ~~من دخول الجنة ويدخلكم النار { كما اخرج ابويكم من الجنة } بما فتنها به ~~بعد أن كانا سكناها وتمكنا فيها وتوطناها وقد علمتكم ان الدفع أسهل من ~~الرفع فإياكم ! فالآية من الاحتباك ذكر الفتنة أولا دليلا على حذفها ثانيا ~~دليلا على حذف ضده أو نظيره أولا ولما كان قد بذل الجهد فيإخراجها فسر ~~افخراج - مشيرا إلى ذلك - بإطالة الوسواس وإدامة المكر والخديعة بالتعبير ~~بالفعل المضارع فقال في موضع الحال من ضمير ( الشيطان ) : { ينزع عنهما } ~~أي بالتسبيب بإدامة التزيين والأخذ من المأمن { لباسها } اي الذي كان الله ~~سبحانه قد سترهما به ما داما حافظين لأنفسهما من مواقعه ما نهيا عنه ودل ~~على منافاة الكشف للجنة بالتعليل بقوله : { ليريهما سوأتهما } فإن ذلك مبدأ ~~ترك الحياةو ( الحياة والإيمان في قرن ) - كما أخرجه الطبراني وابو نعيم في ~~الحلية عن ابن عمر رضي الله عنهما , و ( الحياء لا ياتي إلا بخير ) - كما ~~رواه الشيخان عن عمران بن حصين رضي الله عنهما ولما كان نهي الشيطان عن ~~فتنتنا إنما هو في الحقيقة نهي لنا عن الافتتان به , فهو في قوة ms1610 ليشتد ~~حذركم من فتنتة فإنه دقيق الكيد بعيد الغور بديع المخاتله ؛ علل ذلك ~~PageV03P021 بقوله : { إنه يراكم } أي الشيطان { هو وقبيلة } اي جنوده { من ~~حيث لا ترونهم } عن مالك بن دينار أن عدوا يراك ولا تراه لشديد المؤنة إلا ~~من عصمة الله ولما كان كانه قيل : لم سلطوا علينا هذا التسلط العظيم الذي ~~لا يكاد يسلم معه أحد قال مخففا لأمرهم موهبا في الحقيقة لكيدهم : { إنا } ~~أي فعلنا ذلك لأنا بما لنا من العظمة { جعلنا الشياطين } أي المحترقين ~~بالغضب البعيدين من الرحمة { أولياء } اي قرباء وقرناء { للذين لا يؤمنون } ~~اي يجددون الإيمان لأن بينهم تناسبا في الطباع يوجب الاتباع وأما أولياؤنا ~~الذين منعناهم بقوتنا منه أو فتناهم يسيرا بهم ثم خلصناهم بلطفنا منهم ~~فليسوا لهم بأولياء بل هم منهم أو فتناهم يسيرا بهم , ثم خلصناهم بلطفنا ~~منهم فليسوا لهم بأولياء , بل هم لهم أعداء وىيتهم انهم يؤمنون , والمعنى ~~أنا مكناهم من مخاتلتكم بسترهم عنكم وإظهاركم لهم فسلطناهم بذلك على ~~منحكمنا بأنه لا يؤمن بتزينهم لهم وتسويلهم واستخفافهم بأن ينصروهم في بعض ~~المواطن ويوصلوهم إلى شيء من المطالب فعلنا ذلك ذلك ليتبين الرجل الكامل - ~~الذي يستحق الدرجات العلى ويتردد إليه الملائكة بالسلام والجنى - من غير ~~فخذوا حذركم فغن المر خطر والخلاص عسر وبعبارة أخرى إنا سلكناكم طريقا ~~وجعلنا بجنبتيها أعداء يرونكم ولا ترونهم , وأقدرناهم على بعضكم فمن سلك ~~سواء السبيل نجا ومن قاربه استغنواه رؤيتنا لهم في الجملة لا يقتضي امتناع ~~رؤيتهم على أنه قد صح تصورهم في الأجسام الكثيفة ورؤية بني آدم لهم في تلك ~~الأجسام كالشيطان الذي رآه أبو هريره رضى الله عنه وحديث خالد بن الوليد ~~رضى الله عنه في شيطان العزى معروف في السير وكذا PageV03P022 حديث سواد بن ~~قارب رضى الله عنه في إرشاد رئية من الجن له وكذا خطر ابن مالك رضى الله ~~عنه في مثل ذلك وغيرهما وفي شرحي لنظي للسيرة كثير من ذلك وكذا حديث ~~العفريت الذي تفلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ms1611 بشغلة من نار ليقطع ~~علية صلاته فأخزاه الله وأمكن منه رسول الله وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~( لولا دعوة أخي سليمان عليه السلام لأصبح مربوطا بسارية المسجد يتلعب به ~~ولدان أهل المدينة ) قال أبو حيان : إلا أن رؤيتهم في الصور نادرة كما أن ~~الملائكة عليهم السلام تبدو في صور كحديث جبريل عليه السلام . | < < # | الأعراف : ( 28 - 31 ) وإذا فعلوا فاحشة . . . . . # > > ^ ( وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليهآ آباءنا والله أمرنا بها قل ~~إن الله لا يأمر بالفحشآء أتقولون على الله ما لا تعلمون * قل أمر ربي ~~بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم ~~تعودون * فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء ~~من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون * يابني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ~~وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ) ^ } ) | ولما جعل امارتهم ~~في ولاية الشيطان عدم الإيمان عطف على ذلك امارة أخرى فقال : { وإذا فعلوا ~~فاحشة } أي أمرا بالغا في القبح كالشرك وكشف العورة في الطواف { قالوا } ~~معللين لارتكابهم إياها { وجدنا عليها } أي فاحشة { آباءنا } ولما كانت هذه ~~العلة ظاهرا عارها بينا عوارها ضموا إليها افتراء ما يصلح للعلية فقالوا ~~معبرين بالاسم الأعظم غير محتشمين من جلاله وعظمة وكماله : { والله أمرنا ~~بها } لما كانت العلة الأولى ملغاة , وكان العلم ببطلانها بديهيا , لأن من ~~المعلوم أنهم لو وجدوهم على سفه في تحصيل المال ما تابعوهم ؛ أعراض عنها ~~إشارة إلى ذلك , وأمر بالجواب عن الثانية التي هي افتراء على الملك العلى ~~مع ادعائهم أنهم أبعد الناس PageV03P023 عن مطلق الكذب واشدهم تحريا بقوله ~~: { قل إن الله } أي الذي له الكمال كله { لا يأمر بالفحشاء } أي بشيء من ~~هذا الجنس ولما كان الكذب قبيحا في نفسه وهو عندهم أقبح القبيح مطلقا فكيف ~~به غلى كبير منهم فكيف إذا كان على اعظم العظماء ! قال منكرا عليهم موبخا ~~لهم مهددا { اتقولون على الله } أي الذي له جميع العظمة { ما لا يعلمون } ~~لأنكم لم تستمتعوا ذلك عنالله ms1612 بلا واسطة ولا نقل إليكم بطريق صحيح عن نبي ~~من النبياء عليهم السلام وفيه تهديد شديد على الجهل والقول على الله ~~بالظنزلما كان تعليلهم بأمر الله مقتضيا لأنه إذا أمر بشيء اتبع أمره أن ~~يبلغهم أمره الذي جاء به دليل العقل مؤيدا بجازم النقل فقال : { قل } أي ~~لهؤلاء الذين نابذوا الشرع والعرف { بالقسط } وهو الأمر المحسن إلي ~~بالتكليف بمحاسن الأعمال التي تدعو إليها الهمم التفريط هابطا منه ؛ ولما ~~كان التقدير فاقسطوا اتباعا لما أمر به , أو كان القسط مصدرا ينحل إلى : أن ~~أقسطوا عطف عليه { وأقيموا وجوهكم } مخلصين غير مرتكبين لشيء من الجور { ~~عند كل مسجد } أي مكان ووقت وحال يصلح السجود فيه , ولا يتقيدزن أحد بمكان ~~ولا زمان بأن يقول وقد أدركته الصلاة أذهب فاصلى في مسجدي { وادعوه } عند ~~ذلك كله دعاء عبادة { مخلصين له الدين } أي لا تشركوا به شيءا ولما كان ~~المعنى : فإن من لم يفعل ذلك بعد إعادته له بعد الموت ترجمه مستدلا عليه ~~بقوله معللا : { كما بداكم } أي في النشأة الأولى فأنتم تبتدئون نعيدكم بعد ~~الموت فأنتم { تعودون } حال كونكم فريقين : { فريقا هدى } أي خلق الهدايةفي ~~قلوبهم فحق لهم ثواب الهداية { وفريقا } أضل , ثم فسر أضل - لأنه واجب ~~الهداية في بالنصب - بقوله : { حق } اي ثبت ووجب { عليهم الضلالة } أي لأنه ~~أضلهم فيحشرون على ما كانو عليه في الدنيا من الأديان , والبدان , وقد تبين ~~أن ههنا احتباكين : أثبت في اولهما بدا دليلا على حذف يعيد وذكر تعودون ~~دليلا على حذف تبتدئون , وأثبت في الثاني هدى دليلا على حذف أضل وذكر حقوق ~~الضلالة دليلا على حذف حقوق الهدى . , ولما كرر سبحانه ذكر البعث كما تدعو ~~إليه الحكمة في تقرير ما ينكره المخاطب تأنيسا له به وكسرا لشوكته وإيهانا ~~لقوته وقمعا لسورته إلى أن ختم بما هو أدل عليه مما قبل من قوله ومنها ~~تخرجون < # > 77 ( { فلنسئلن الذين أرسل إليهم } ) 77 < # > [ الأعراف : 6 ] عل ما ختم به هذا الدليل من حقوق الضلالة أي وجوبها اي ~~وجوب وبالها عليهم ms1613 بقوله { إنهم PageV03P024 اتخذوا } أي كلفوا أنفسهم ضد ~~ما دعتهم إليه الفطرة الأولى بأن أخذوا { الشياطين أولياء } أي أقرباء ~~وانصارا { من دون الله } أي الملك العلى الذي لا مثل له { ويحبسون } أي ~~والحال أنهم يظنون بقلة عقولهم { أنهم مهتدون } فاشار بذلك إلى أنهم ~~استحقوا النكال لأنهم قنعوا في الأصول - التي يجب فيها الابتهال ألى القطع ~~بالظنون ولما أمر سبحانه بالقسط وبإفامة الوجه عند كل مسجد , أمرهم بما ~~ينبغي عند تلك الإقامة من ستر العورة الذي تقدم الحث عليه وبيان فحش الهتك ~~وسوء أثره معبرا عنه بلفظ الزينة ترغيبافيه وإذانا في الزينة وبيانا لأنها ~~ليس مما يتورع عنه لقوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله يحب إذا بسط على عبد ~~رزقه أن يرى أثر نعمته عليه ) رواه أحمد والترمذي وابن منيع عن أبي هريرة ~~رضى الله عنه , وأتبع أعظم ما ينبغي لابن آدم أن يعتبر فيه القسط من الماكل ~~والمشرب فقال مكررا النداء استعطافا وإظهار لعظيم الإشفاق وتذكيرا بقصة ~~أبيهم آدم عليه السلام التي أخرجته من الجنة مع كونه صفي الله ليش الحذر : ~~{ يابني آدم } اي الذي زيناه فعزه الشيطان ثم وقيناه شره بما أنعمنا عليه ~~به من حسن التوبة وعظيم الرغبة { خذوا زينتكم } أي التي تقدم التعبير عنها ~~بالريش لستر العورة والتجمل عند الاجتماع للعبادة { عند كل مسجد } واكد ذلك ~~كونهم كانوا قد شرعوا أن غير الحمس يطوفون عراة ولما امر بكسوة الظاهر ~~بالثياب لن صحة الصلاة متوقفة عليها , أمر بكسوة الباطن بالطعام والشراب ~~لتوقف القدرة عادة عليها فقال : { وكلوا واشربوا } وحسن ذلك أن بعضهم كان ~~يتدين في الحج بالتضيق في ذلك ولما أمر بالملبس والمطعم , نهى عن الاعتداء ~~فيهما فقال : { ولا تسرفوا } بوضع PageV03P025 شيء من ذلك فيما لا يكون أحق ~~مواضعه ولو بالزيادة على المعاء , ومن ذلك أن يتبع السنة في الشرب فيسير ~~لأن العكر يرسب في الإناء فربما أذى من شربه , ولذك نهى عن النفس , وأما ~~الطعام فليحسن إناءه والصابع لنيل البركة وهو أنظف , ثم علل ذلك بقوله : { ~~إنه ms1614 لا يحب المسرفين } أي لا يكرمهم , ولا شك أن من لا يحصل له شيءمن الخير ~~فيحيط به كل شر , ومن جملة السرف الكل في جميع البطن , والاقتصاد الاقتصار ~~على الثلث كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( حسب ابن آدم لقيمات يقمن ~~صلبة فإن كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس ) و ( وما ملأ ابن ~~آدم وعاء شرا من بطن ) و ( الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي ~~واحد ) أخرجه البخاري عن ابن عمر رضى اله عنهما , قال الطباء , المعاء سبعة ~~, فالمعنى حينئذ أن الكافر ياكل شعبا فيملأ الأمعاء السبعة , والمؤمن يأكل ~~تقوتا فياكل في معى واحد , وذلك سبع بطنه وإليه الإشارة بلقيمات , فإن لم ~~يكن ففي معاءين وشيء وهوالثلث - والله أعلم - وسبب الاية أنهم كانوا يطرحون ~~ثيابهم إذا أرادوا الطواف , يقولون : لا نطوف في ثياب إذ بتنا فيها , ~~ونتعرى منها لنتعرى من الذنوب إلا الحمس وهم قريش ومن ولده , وكانوا لا ~~يأكلون من الطعام إلا قوتا ولا يأكلون دسما , فقال المسلمون : يارسول الله ~~! فنحن أحق أن نفعل ذلك - فانزلت . | < < # | الأعراف : ( 32 - 34 ) قل من حرم . . . . . # > > ^ ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي ~~للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعلمون * قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير ~~الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون * ولكل أمة أجل فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) ^ } ~~) | PageV03P026 ولما كان من المعلوم أن ما كانوا الفوه واتخذوه دينا ~~يستعظمون تركه , لأن الشيطان يوسوس لهم بأنه توسع الدنيا , والتوسع فيها ~~مما ينبغي الزهد فيه كما دعا غليه كثير نت الآيات , اكد سبحاته الإذن في ~~ذلك بالإنكار على من حرمه , فقال منكرا عليهم إعلاما بأن الزهد الممدوح ما ~~كان مع صحة الإعتقاد في الحلال والحرام وأما ما كان مع تبديل شيء من الدين ~~بتحليل ms1615 حرام أو عكسه فهو مذموم : { قل } منكرا موبخا { من حرم زينة الله } ~~أ ي الملك الذي لا امر لأحد معه { التي أخرج لعباده } أي ليتمتعوا بها من ~~الثياب والمعادن وغيرها . ولما ذكر الملابس التي هي شرط في صحة العبادة على ~~وجه عم غيرها من المراكب وغيرها , أتبعها المآكل والمشارب فقال : { ~~والطيبات } اب من الحلال المستلذ { من الرزق } كالبحائر والسوائب ونحوها ؛ ~~ولما كان معنى الإنكار : لم يحرمها من يعتبر تحريمه بل أحلها , وكان ربما ~~غلا في الدين غال تمسكا بالآيات المنفرة عن الدينا المهونة لشأنها مطلقا ~~فضلا عن زينة وطيبات الرزق , قال مستأنفا لجواب من يقول : لمن ؟ : { قل هي ~~} أي زينة والطيبات { للذين آمنوا } وعبر بهذه العبارة ولم يقل : ولغيرهم , ~~تنبيها على أنها لهم بالأصالة { في الحياة الدنيا } في التمتع بها أكثر , ~~فهي غير خالصة لهم وهي للذين آمنوا { خالصة } أي لا يشاركهم فيها أحد , هذا ~~على قراءة نافع بالرفع , والتقدير على قراءة غيره : حال كونها خالصة { يوم ~~القيامة } وفي هذا نأكد لما مضى منإحلالها بعد تاكد ومحور الشكوك , وداعية ~~للتأمل في الفصل بين المقامين لبيان أن الزهد المأمور به إنما هو بالقلب ~~بمعنى أنه لا يكون للدنيا عنده قدر ولا له إليها التفات ولا هي اكبر همه , ~~وأما بالقلب بمعنى انه لا يكون للدنيا عنده قدر ولا له إليها التفات ولا هي ~~أكبر همه , واما كونها ينتفع بها فيما أذن الله فيه وهي محقورة غير مهتم ~~بها فذلك من المحاسن ولما كان هذا المعنى من دقائق المعاني ونفائس المباني ~~, أتبعه تعالى قوله جوابا لمن يقول : إن هذا التفصيل فائق فهل يفصل غيره ~~هكذا ؟ { كذلك } أي مثل هذا التفصيل البديع { نصل الايات } أي نبين أحكامها ~~ونميز بعض المشبهات من بعض { لقوم يعلمون } أي لهم ملكة وقابلية للعلم ~~ليتوصلوا به إلى الإعتقاد الحق والعمل الصالح PageV03P027 غيره فقال : { قل ~~إنما حرم ربي } اي المحسن إلي بجعل ديني احسن الديان { الفواحش } أي كل فرد ~~منها وهي ما زاد قبحه ؛ ولما كانت الفاحشة ما يتزايد ms1616 قبحه فكان ربما ظن أن ~~افسرار بها غير مراد بالنهي قال : { ما ظهر منها } بين الناس { وما بطن } ~~ولما كان هذا خاصا بما عظمت شناعته قال : { والإثم } أي مطلق الذنب الذي ~~يوجب الجزاء , فظغن الإثم الذنب والجزاء ؛ ولما كان البغي زائد القبح ~~مخصوصا بانه من اسرع الذنوب عقوبة خصة بالذكر فقال : { والبغي } وهو ~~الاستعلاء على الغير ظلما , ولكنه لما كان قد يطلق على مطلق الطلب , حقق ~~معناهاالعرفي الشرعي فقال : { بغير الحق } أي الكامل الذي ليس فيه شائبة ~~باطل كان بغيا , ولعله يخرج العلو بالحق بالانتصار من الباغي فإنه حق كامل ~~الحقيقة , وتكون تسمية بغيا على طريق المشاكلة تنفيرا - بإدخال تحت اسم ~~البغي - من تعاطيه وندبا إلى العفو كما تقدم مثله في { يحب الله الجهر ~~بالسوء من القول إلا من ظلم } [ النساء : 148 ] ويمكن أن يكون تقييده ~~تأكيدا لمنعه بأ ، ه لا يتصور إلا موصوفا بأنه بغير الحق كما قال تخصيصا { ~~ما لم ينزل به سلطانا } فإنه ل يوجد ما يسميه أحد شريكا إلا وهو مما لم ~~ينزل إرشادا إلى أن أصول الدين لا يجوز أعتمادها إلا بقاطع فكيف بأغظمها ~~وهو التوحيد ولذلك عقبه بقوله : { وأن } أي وحرم أن { تقولوا على الله } أي ~~الذي لا أ ‘ ظم منه ولا كفوء له { ما لا تعلمون } أي ما ليس لكم به علم ~~بخصوصه ولا هو مستند إلى علم أعم من أن يكون من ألأصول أو لا . | ولما تقدم ~~أن الناس فريقان : مهتد زضال ، وتكرر ذم الضال باجترتئه على الله بفعل ما ~~منعه منه وترك ما أمره به ، وكانت العادة المستمرة للملوك أنهم لا يمهلون ~~من تكرر مخالفته لهم ، كان كأنه قيل : فلم لا يهلك من يخالفه ؟ فقيل وعظا ~~وتحذيرا : إنهم لا يضرون بذلك إلا أنفسهم ، ولا يفعلون شيئا منه إلا ~~بإرادته ، فسواه عندهم بقاؤهمك وهلاكهم ، إنما يستعجل من يخاف الفوت أو ~~يخشى الضرر ، ولهم أجل لا بد من استيفائه ، وليس ذلك خاصا بهم بل { ولكل ~~أمة أجل } وهو عطف على { فيها تحيون وفيها ms1617 تموتون } [ ألأعراف : 25 ] { ~~فإذا جاء أجلهم } . | ولما كان نظرهم إلى الفسحة في الأجل ، وكان قطع ~~رجائهم منه من جملة عذابهم ، قدمه فقال : { لا يستأخرون } أي من الأجل { ~~ساعة } عبر بها والمراد أقل ما PageV03P028 يمكن ، لأنها أقل ألأوقات في ~~الاستعمال في العرف ، ثم عطف على الجملة الشرطية بكمالها لا على جزائها ~~قوله : { ولا يستقدمون } أو على ألأجل المحتوم ، لأن الذي ضربه لهم ما ضربه ~~إلا وهو عالم بكل ما يكون من أمرهم ، لم يتجدد له علم ، لم يكن يتجدد شيء ~~من أحوالهم ، ويجوز أن يكون معطوفا على قوله { ولكم في الأرض مستقر ومتاع ~~إلى حين } [ الأعراف : 24 ] وتكون الآية معلمة بأنهم ستناسلون فيكثرون حتى ~~يكونوا أمما ، ولا يتعرضون جملة بل يكون لكل أمة وقت . | < < # | الأعراف : ( 35 - 37 ) يا بني آدم . . . . . # > > ^ ( يابني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى ~~وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنهآ ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو ~~كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جآءتهم رسلنا يتوفونهم ~~قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم ~~أنهم كانوا كافرين ) ^ } ) | ولما كان استشراف النفس إلى السؤال عما يكون ~~بعد حين المستقر والمتاع أشد من استشرافها إلى هذا لكونه أخفى منه , فهو ~~أبعد من خطوره في البال ؛ قدم قوله ^ ( { قال فيها تحيون } ) ^ [ الأعراف : ~~25 ] ولما كان ذكر الدواء لداء هتك السوءة أهم قدم ^ ( { أنزلنا عليكم ~~لباسا } ) ^ [ الأعراف : 26 ] ثم ما بعده حتى كان الأنسب بهذه الاية هذا ~~الموضع فنظمت فيه . | ولما تقدمت الإشارة إلى الحث على اتباع الرسل بآيات ~~المقصد الأول من مقاصد هذه السورة كقوله تعالى ^ ( { كتاب أنزل إليك } ) ^ ~~[ الأعراف : 2 ] و ^ ( { لتنذر } ) ^ [ الأعراف : 2 ] و ^ ( { اتبعوا ما ~~أنزل إليكم } ) ^ [ الأعراف : 3 ] وقوله ^ ( { فلنسئلن الذين أرسل لهم } ) ~~^ [ الأعراف : 6 ] وقوله ^ ( { قل أمر ربي بالقسط } ) ^ [ الأعراف : 29 ] ^ ~~( { ولا تتبعوا من دونه أولياء } ) ^ [ الأعراف : 3 ] وبقوله ^ ( { لأقعدن ms1618 ~~لهم صراظك المستقيم } ) ^ [ الأعراف : 16 ] ^ ( { لا يفتننكم الشيطان } ) ^ ~~[ الأعراف : 27 ] وغيره فتحرر أنه لا سبيل إلى النجاة إلا بالرسل , وختم ~~ذلك بالأحل حثا على العمل في أيام المهلة ؛ أتبع ذلك قوله حاثا على التعلق ~~بأسباب النجاة باتباع الدعاة الهداة قبل الفوت بحادث الموت ببيان الجزاء ~~لمن احسن الأاتباع في الدارين { يابني آدم } ولما كان له سبحانه أن يعذب من ~~خالف داعي العقل من غير إرسال رسول , وكان إرسال الرسل جائزا له وفضلا منه ~~سبحانه إذ لا يوجب عليه , أشار إلى ذلك PageV03P029 بحرف الشك فقال : { إما ~~} هي إن , الشرطية وصلت بها ما تأكيدا { ياتينكم رسل } ولما كانت زيادة ~~الخبرة بالرسول أقطع للعذر واقوى في الحجة قال : { منكم } أي من نوعكم من ~~عند ربكم . ولما كان الأغلب على مقصد هذه السورة العلم كما تقدم في < # > 77 ( { فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين } ) 77 < # > [ الأعراف : 7 ] ويأتي في < # > 77 ( { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم } ) 77 < # > الأعراف : 52 ] وغيرها , كان التعبير بالقص - الذي هو تتبع الأثر كما ~~تقدم في الأنعام اليق فقال { يقصون عليكم آياتي } أي يتابعون ذكرها لكم على ~~وجه مقطوع به , ويتبع بعضهم بها أثر بعض لا يتخالفون في أصل واحد من الأصول ~~ولما لقاء الرسل حتما والهجرة إليهم واجبة لأن العمل لا يقبل إلا بالاستناد ~~إليهم مهما وجد إلى ذلك سبيل , ربط الجزاء بالفاء فقال : { فمن اتقى } أي ~~خاف مقامي وخاف وعيدي بسبب التصدق بالرسل والتلقي عنهم { وأصلح } أي عمل ~~صالحا باقتفاء آثارهم { فلا خوف } أي { عليهم } أي بسبب ذلك من شيء ~~يتوقعونه { ولا هم } أي بضمائرهم { يحزنون } أي يتجدد لهم في وقت ما حزن ~~على شيء فاتهم , لأن الله يعطيهم ما يقر به أعينهم , وكأنه غاية في التعبير ~~لأن إجلالهم لله تعالى وهيبتهم له يمكن أن يطلق عليهما خوف . | ولما ذكر ~~المصدق , اتبعه المكذب فقال { والذين كذبوا بآيتنا } اي على ما لها من ~~العظمة بإضافتها إلينا ؛ ولما كان التكذيب قد يكون عن شبهة أو نوع من العذر ~~, نفي ذلك ms1619 بقواه : { واستكبروا عنها } أي أوجدوا الكبر إيجاد من هو طالب له ~~عظيم الرغبة فيه , متجاوزين عنها إلى أضداد ما دعت إليه . | ولما ذلك ليس ~~سببا حقيقيا للتعذيب , وإنما هو كاشف عمن ذرأه الله لجهنم لإقامة الحجة ~~عليه , أعري عن الفاء قوله : { أولئك } أي البعداء البغضاء { اصبحت النار } ~~ولما كان صاحب الشيء هو الملازم له المعروف به , قال مصرحا بذلك : { هم } ~~تصدق بكل طبقة من طبقاتها { خالدون } فقد تبين أن إثيات الفاء أولا للترغيب ~~في الاتباع وتركها ثانيا للترهيب من شكاسة الطباع , فالمقام في الموضعين ~~خطر , ولعل من فوائده الإشارة إلى أنه إذا بعث رسول وجب على كل من سمع به ~~أن يقصده لتحرير امره , فإذا بان له صدقه تبعه , وإن تخلف عن ذلك كان مكذبا ~~- الله الموافق . | ولما كان تكذيب الرسل تارة يكون بشرع شيء لم يشرعوه , ~~وتارة برد ما شرعوه PageV03P030 قولا وفعلا , واخبر أن المكذبين أهل النار ~~, علل ذلك بقوله : { فمن اظلم } اي أشنع ظلما { ممن افترى } أي تعمد { على ~~الله } أي الملك الأعلى { كذبا } أي كمن شرع في المطاعم والملابس غير ما ~~شرع , أو ادعىأنه يوحي إليه فحكم بوجود ما لم يوجد { أو كذب بآيته } اي برد ~~ماأخبر به الرسل فحكم بإنكار ما وجد ولما كان الجواب لا أحد أظلم من هذا , ~~بل هو أظلم الناس , وكان مما علم أن الظالم مستحق للعقوبة فكيف بالظلم قال ~~: { أولئك } اي البعداء من الحضرات الربانسة { ينالهم نصيبهم من الكتاب } ~~أي الذي كتب حين نفخ الروح أو من الآجال التي ضربها سبحانه لهم والأرزاق ~~النتي قسمها , تاكيدا لرد اعتراض من قال : إن كنا خالقنا فما له لا يهلكا ؟ ~~ثم غيي نيل النصيب بقوله : { حتى إذا جاءتهم رسلنا } أي الذين قسمنا لهم من ~~عظمتنا ما شئنا حال كونهم { يتوفونهم } اي يقبوضون ارواحهم كاملة من جميع ~~أبدانهم { قالوا أين ما كنتم } عنادا كمن هو في جبلته { تدعون } أي دعاء ~~عبادة { من دون الله } أي تزعمون أنهم واسطة لكم عند الملك الأعظم وتدعونهم ~~حال كونكم ms1620 معرضين عن الله , ادعوهم الآن ليمنعونهم من عذاب الهوان نذيقكم { ~~قالوا ضلوا } أي غابوا { عنا } فلا ناصر لنا ولما كان افله لا يغيب فعملوا ~~ضلالهم بغيب فعملوا ضلالهم عنهم , قال مترجما عن ذلك : { وشهدوا علة أنفسهم ~~} اي بالغوا في الاعتراف { أنهم كانوا كافرين } أي ساترين عنادا لما لهم ~~عنه نور العقل فلا مانع منه إلا خظوظ النفوس ولزوم البؤس | < < # | الأعراف : ( 38 - 39 ) قال ادخلوا في . . . . . # > > ^ ( قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما ~~دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا ~~هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون * ~~وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكسبون ) ^ } ) | ولما كان كانه قبل : لقد اعترفوا , والاعتراف - كما قيل - ~~إنصاف , فهل ينفعهم ؟ قيل : هيهات ! فات محله بفوات دار العمل لا حرم ! { ~~قال } أي الذي جعل الله إليه { ادخلوا } كائنين { في أمم } اي في جملة ~~جماعات وفرق أم بعضها بعضا ؛ ثم وصفهم دالا بتاء التانيب على ضعف عقولهم ~~فقال : { قد خلت } ولما كان في الزمن الماضي من آمن أدخل الجار فقال { من ~~قبلكم } ولما كان الجن الأصل في الإغواء قدمهم فقال : { من الجن والإنس } ~~ثم ذكر محل الدخول فقال : { في النار } ولما جرت الرفاق بأنهم يتكالمون ~~وحين الاجتماع يتسالمون تشوف السامع PageV03P031 إلى حالهم في ذلك فقال ~~مجيبا له : { كلما دخلت أمه } أي منهم في النار { لعنت أختها } اي القريبة ~~منها في الدين والملة التي قضيت ىثارها واتبعت منارها , يلعن اليهود اليهود ~~والنصارى النصارى - وهكذا , واستمر ذلك منهم { حتى إذا اداركوا } اي ~~تداركوا وتلاحقوا , يركب بعضهم بعضا - بما يشير أليه افدغام { فيها جميعا } ~~لم يبق منهم أمة ولا واحد من أمة { قالت أخراهم } اي في الزمن والمنزلة , ~~وهم الأتباع والسفل { لأولاهم } أي لأجلهم مخاطبين لله خطاب المخلصين { ~~ربنا } أي الذي ما قطع إحسانه في الدنيا عنا على ما كان منا من مقابلة ~~إحسانه ms1621 بالإساءة { هؤلاء } أي الأولون { اضلونا } أي لكونهم أول من سن ~~الضلال { فاتهم } أي أذقهم بسبب ذلك { عذابا ضعفا } أي يكون بقدر عذاب ~~غيرهم مرتين لأنهم ضلوا وأضلوا لأنهم سنوا الضلال ( ومن سن سيئة كان عليه ~~وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ) ومنه ( لا تقتل نفس ظلما إلا على ~~آدم الأول كفل من دمها ) لأنه أول من سن القتل , ثم أكدوا شدة العذاب ~~بقولهم : { من النار } ولما كان كانه قيل : لقد قالوا ماله وجه , فبم ~~أجيبوا ؟ قيل : { قال } أي جوابا لهم { لكل } أي من السابق واللاحق ~~والمتبوع والتابع { ضعف } وإن لم يكن الضعفاء متساويين لأن المتبوع وإن كان ~~سببا لضلال التابع فالتابع أيضا كان سببا لتمادي المتبوع في ضلاله وشدة ~~شكيمته فيه بتقويته بالاتباع وتاييده بالمناضله عنه والدفاع ؛ ولما كانوا ~~جاهلين باستحقاقهم لسبب هذه الدقيقة قال : { ولكن لا تعلمون } أي بذلك ولما ~~ذكر ملام الآخرين على الولين , عطف عليه جواب الأولين فقال { وقالت اولاهم ~~} أي أولى الفرق والأمم { لأخراهم } مسببين عن تاسيسهم لهم الضلال ودعئهم ~~إليه { فما كان لكم علينا } أي بسبب انقيادكم لنا واتباعكم في الضلال { من ~~فضل } أي لنحمل عنكم بسببه شيئا من العذاب لنه لم يعد علينا من ضلالكم نفع ~~وقد شاركتمونا في الكفر { فذوقوا } أي بسبب ذلك { العذاب } في سجين { بما } ~~اي بسبب ما { كنتم تكسبون } لا بسبب اتباعكم لنا في الكفر | < < # | الأعراف : ( 40 - 42 ) إن الذين كذبوا . . . . . # > > ^ ( إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السمآء ~~ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين * لهم من ~~جهنم مهاد ومن PageV03P032 فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين * والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ~~) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما جرت العادة بأن أهل الشدائد يتوقعون الخلاص , أخبر ان هؤلاء ~~ليسوا كذلك , لأنهم أنجاس فلييسوا أهلا لمواطن القداس , فقال مستأنفا لجواب ~~من كأنه قال : أما لهؤلاء خلاص ؟ واظهر موضع افضمار تعميقا للحكم بالوصف : ~~{ إن الذين كذبوا ms1622 بآيتنا } أي وهي المعروفة بالعظمة بالنسبة إلينا { ~~واستكبروا عنها } أي واوجدوا الكبر متجاوزين عن اتباعها { لا تفتح لهم } أي ~~الصعود أعمالهم ولا دعائهم ولا ارواحهم ولا لنزول البركات عليهم { ابواب ~~السماء } لأنها طاهرة عن الأرجاس الحسية والمعنوية فإذا صعدت أرواحهم ~~الخبيثة بعد الموت مع الملا ئكة العذاب اغلقت الأبواب دونها ثم ألقيت من ~~هناك إلى سجين { زلا يدخلون الجنة } أي التي هي أطهر المنازل واشرفها { حتى ~~} يكون ما لا يكون بان { يلج } أي يدخل ويجوز { الجمل } على كبره { افي سم ~~} أي في خرق { الخياط } أي افبرة اي حتى يكون ما لا يكون إذا فهو تعليق على ~~محال , فإن الجمل مثل في عظم الجرم عند العرب , وسم الإبره مثل في ضيق ~~المسلك , يقال : اضيق من خرق الإبر ؛ وعن ابن مسعود رصى الله عنه أنه سئل ~~عن الجمل فقال : زوج الناقة - اسجهالا للسائل وإشارة إلى طلب معنى آخر غير ~~هذا الظاهر تكلف ولما هذا للمكذبين المستكبرين أخبر أنه لمطلق القاطعين ~~ايضا فقال : { وكذلك } أي ومثل الجزاء بهذا العذاب وهو أن دخولهم الجنة ~~محال عادة { نجزي المجرين } أي القاطعين لما امر الله به ان يوصل وإن كانوا ~~أذنانا مقلدين للمستكرين المكذبين ؛ ثم فسر جزاء الكل فقال : { لهم من جهنم ~~مهاد } أي فرش من تحتهم , جمع مهد , ولعله لم يذكره لأن المهاد كالصريخ فيه ~~{ اومن فوقهم غواش } اي أغطية - جمع غاشية - تغشيهم من جهنم ؛ وصرح في هذا ~~بالفوقيه لأن الغاشية ربما كانت عن يمين أو شمال , أو كانت بمعنى مجرد ~~الوصول والإدراك , ولعله إنما حذف الول لن لآية من الاحتياك فذكر جهنم أولا ~~دليلا على إرادتها ثانيا , وذكر الفوق ثانيا دليلا على إرادة الحت أولا ~~ولما كان بعضهم ربما لا تكون له أهلية قطع ولا وصل , قال لجميع انواع ~~الضلال , { وكذلك } اي ومثل ذلك الجزاء { نجزي الظالمين } ليعرف أن المدار ~~على الوصف والمجرم : المذنب ومادته ترجع إلى القطع والظالم الواضع للشيء في ~~PageV03P033 غير موضعه كفعل من يمشي في الظلام , يجوز أن يكون نبه سبحانه ms1623 ~~بتغاير الأوصاف على تلازمها , فمن كان ظالما لزمه الإجرام والتكذيب ~~والاستكبار وبالعكس ولما أخبر عن أحوالهم ترهيبا ؟ أتبعه الإخبار عن أحوال ~~المؤمنين ترغيبا فقال { والذين آمنوا } في مقابلة { الذين كذبوا } ولما قال ~~: { وعملوا } أي تصديقا في مقابلة { الذين استكبروا } { الصالحات } وكان ~~ذلك مظنة لتوهم أن عمل جميع الصالحات - لأنه جمع محلى بالألف واللام - شرط ~~في دخول الجنة ؛ خلل ذلك بجملة اعتراضية تدل على التخفيف فقال : { لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها } وترغيبا في اكتساب مالا يوصف من النعيم بما هو في الوسع { ~~أولئك } أي العاتلوا الرتبه { أصحاب الجنة } ولما كانت الصحبة تدل على ~~الدوام , صرح به فقال : { هم فيها خالدون . } | < < # | الأعراف : ( 43 - 46 ) ونزعنا ما في . . . . . # > > ^ ( ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد ~~لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جآءت رسل ربنا ~~بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون * ونادى أصحاب الجنة ~~أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ~~قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن ~~سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون * وبينهما حجاب وعلى الأعراف ~~رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم ~~يطمعون ) ^ } ) | ولما كانت الدار لا تصب إلا بحسن الجوار قال : { ونزعنا } ~~أي بما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء { ما } كان في الدنيا { في صدورهم ~~من غل } أي ضغينة وحقد وغش من بعضهم على بعض يغل أي يدخل بلطف ألى صميم ~~القلب ومن الغلول , وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة ويقال : غل في ~~الشيء وتغلغل فيه إذا دخل فيه بلطافة كالحب يدخل في صميم الفؤاد , حتى أن ~~صاحب الدرجة السالفة لا يحسد صاحب العاليه ولما كان حسن الجوار لا يلذ إلا ~~بطيب القرار باحكام الدار وكان الماء سبب العمارة وطيب المنازل , وكان ~~الجاري من اعم نغعا وأشد استجلابا للسرور قال تعالى { تجري من ms1624 } وأشار إلى ~~علومهم بقوله : { تحتهم الأنهار } فلما تمت لهم النعمة بالماء الذي به حياة ~~كل حياة كل شيء فعرف أنه يكون عنه الرياض والشجار وكل ما به حسن الدار , ~~أخبر عن تعاطيهم الشكر لله ولرسوله المستجلب للزيارة بقوله : { وقالوا ~~الحمد } الإحاطة بأوصاف الكمال { لله } أي المحيط بكل شيء علما وقدرة لذاته ~~لا لشيءآخر ؛ PageV03P034 ثم وصفوه بما يقتضي ذلك له له لأوصافه أيضا , ~~فقالوا معلمين أنه لا سبب لهم في الوصول إلى النعيم غير النعيم غير فضله في ~~الأولى والأخرى : { الذي هدنا } اي بالبيان والتوفيق , وأ وقعوا الهداية ~~على ما وصلوا إليه إطلاقا للمسبب على السبب { لهذه } اي للعمل الذي أوصلنا ~~إليه { وما } أي والحال أنا ما { كنا لنهتدي } أصلا لبناء جبلاتنا على خلاف ~~ذلك { لولا أن هدانا الله } أي الذي له الأمر كله , وقراءة ابن عامر بغير ~~واو على أن الجملة موضحة لما قلبها والقراءتان دامغتان للقدرة ولما كان ~~تصديقهم للرسل في الدنيا إيمانا بالغيب من باب علم اليقين اخبروا في الآخرة ~~بما وصلوا إليه من عين اليقين سرورا وتبججا لا تعبدا , وثناء على الرسل ومن ~~أرسلهم بقولهم مفتتحين بحرف التوقع لأنه محله : { لقد جاءت رسل ربنا } اي ~~المحسن إليينا { بالحق } أي الثابت الذي يطابقه الواقع الذي لا زوال له . ~~ولما غبطوا أنفسهم وحقروها واثبتوا الفضل لأهله عطف على عطف قولهم قوله ~~مانا عليهم بقبول اعمالهم ولما كان السار الإخبار عن الإيراث لا كونه من ~~معين , بني للمفعول قوله : { ونودوا } أي إتماما لنعيمهم { أن } هي المخففة ~~من الثقيلة أو هي المفسرة { تلكم الجنة } العالية { أورثتموها } أي صارت ~~إليكم من غير تعب ولا منازع { بما } اي بسبب ما { كنتم تعلمون } لأنه ~~سبحانه جعله سببا ظاهريا بكرمه , والسبب الحقيقي هو ما ذكره هم من توفيقه ~~ولما استقرت بهم الدار , ونودوا بدوام الاستقرار , ظاخبر سبحانه أنهم ~~اقبلوا متبججين على اهل النار شامتين بهم في إحلالهم دارالبوار تلذيذا ~~لأنفسهم بالنعيم وتكديرا على الأشقياء في قوله : { ونادى أصحاب الجنة } اي ~~بعد دخول كل من الفريقين ms1625 إلى داره { أصحاب النار } يخبرونهم بما أسبغ عليهم ~~من النعم ويقرورنهم بما كانوا يتوعدونهم به من حلول النقم ؛ ثم فسر ما وقع ~~له النداء بقوله : { أن } أو هي مخففة من القيلة وذكر حرف التوقع لأنه محله ~~فقال : { قد وجدنا } أي بالعيان كما كنا واجدين له بالإيمان { ما وعدنا ~~ربنا } أي المحسن إلينافي الدارين من الثواب { حقا } أي وجدنا جميع ما ~~وعدنا ربنا لنا ولغيرنا حقا كما كنا نعتقد { فهل وجدتم } اي كذلك { ماوعد } ~~وأثبت المفعول الول تلذيذا وحذفه هنا احتقارا للمخاطبين وليشملما للفريقين ~~فيكون وجد بمعنى العلم وبمعنى اللقى وفي التعبير بالوعد دون الوعيد مع ذلك ~~تهكم بهم { ربكم } اي الذي احسن إليكم فقابلتم إحسانه بالكفران من العقاب { ~~حقا } لكونكم وجدتم ما توعدكم به ربكم حقا ؛ قال سيبويه نعم عدة أي في جواب ~~اتعطيني كذا وتصديق في مثل قد كان PageV03P035 كذا , والاية من الاحتباك ~~أثبت المفعول الثاني أولا دليلا على حذف مثله ثانيا وحذفه ثانيا دليلا على ~~إثبات مثله أولا - والله اعلم ولما حبوا من النعم بما تقدم وكان منه الجار ~~الحسن , وكان العيش مع ذلك لا يهنأ إلا بإبعاد جار السوء أخبروا ببعده ~~وزيدوا سرورا بإهانته في قوله : { فأذن } أي بسبب ماأقربه أهل النار على ~~انفسهم { مؤذن بينهم } اي بين الفريقين { أن } مخففه أو مفسرة في قراءة ~~نافع وأبي عمرو وعاصم وشددها الباقون ونصبوا { لعنة الله } أي طرد المللك ~~الأعظم وإبعاده على وجه الغضب { على الظالمين } أي الذين كانوا مع البيان ~~الواضح يضعون الأشياء في غير مواضعها كحال من لم ير نورا اصلا { الذين ~~يصدون } أي لهم فعللمن أراد الإيمان ولمن آمن ولغيرهما بالإضلال بالإرغاب ~~والإرهاب والمكر والخداع { عن سبيل الله } أي طريق دين الملك الذي لا كفوء ~~له الواضح الواسع { ويبغونها } أي يطلبون لها { عوجا } بإلقاء الشكوك ~~والشيهات وقدم تقدم ما فيه في آل عمران { وهم بلآخرة كافرون } اي ساترون ما ~~ظهر لعقولهم من دلائلها فمتى وجدت هذه الصفات الأربع حققن اللعنة { وبينهما ~~} أي وحال الفريقين عند هذه ms1626 المنادة أنه بينهما أو بين الدارين { رجال } ~~استوت حسناتهم وسيئاتهم فوفقوا هنالك حتى يقضي الله فيهم ثم يدخلهم الجنة ~~بفضل رحمته كما جاء مفسرا في مسند ابن أبي خثيمة من حديث جابر رضى الله عنه ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم { يعرفون كلا } أي { ونادوا } اي أصحاب ~~االأعراف { أصحاب الجنة } أي بعد دخولهم إليها واستقرارهم فيها { أن سلام ~~عليكم } أي سلامة وامن من كل ضار ولما كان هذا السلام ربما أشعر أنه بعد ~~دخول اهل الأعراف الجنة فكأنه قيل أكان نداؤهم بعد مفارقتهم الأعراف ~~ودخولها ؟ فقيل لا , { لو يدخلوها } اي الجنة بعد { وهم } اي الحال أنهم { ~~يطمعون } في دخولها , وعبر بالطمع لأنه لا سبب للعبادة إلى الله من أنفسهم ~~وإن كانت لهم أعمال فضلا عن هؤلاء الذين لا أعمال لهم | PageV03P036 < < # | الأعراف : ( 47 - 51 ) وإذا صرفت أبصارهم . . . . . # > > ^ ( وإذا صرفت أبصارهم تلقآء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع ~~القوم الظالمين * ونادى أصحاب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا مآ ~~أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون * أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله ~~برحمة ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون * ونادى أصحاب النار ~~أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله ~~حرمهما على الكافرين * الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا ~~فاليوم ننساهم كما نسوا لقآء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون ) ^ } ) | ~~ولما دل ما تقدم على انهم مقبلون على الجنة وأهلها , قال مرغبا مرهبا : { ~~وإذا صرفت } بناه للمفعول لأن المخيف لهم الصرف لا كونه من معين { ابصارهم ~~} أي صرفها صارف من قبل الله بغير اختيار منهم { تلقاء } أي وجاه { أصحاب ~~النار } أي بعد استقرارهم فيها فرأوا ما فيها من العذاب { قالوا } اي أصحاب ~~الأعراف حال كونهم لم يدخلوها وهم يخافون مستعيذين منها { ربنا } اي أيها ~~المحسن إلينا في الدنيا بكل إحسان وفي الآخرة بكونك لم تدخلنا إلى هذا ~~الوقت إلى النار { لا تجعلنا مع القوم الظالمين } بان تدخلنا مدخلهم ولما ~~تقدم كلامهم لأهل الجنة ms1627 بالسلام أخبرهم أنهم يكلمون أهل النا بالتوبيخ ~~والملام فقال : { ونادى } وأظهر الفاعل لئلا يلبس باهل الحنة فقال { أصحاب ~~الأعراف } أي الحال صرف وجوهم إلى جهة أهل النار { رجالا } اي من أهل النار ~~{ يعرفونهم } اي بأعينهم وأما معرفتهم إجمالا فتقدم وإنما قال هنا : { ~~بسيماهم } لأن النار قد أكلتهم وغيرت معلمهم مع تغيرهم بالسمن وسواد الوجوه ~~وعظم الجثث ونحوه { قالوا } نفيا أو استفهاما توبيخا وتقريعا { ما أغنى ~~عنكم جمعكم } أي للمال والرجال { وما كنتم تستكبرون } اي تجدون بهما هذه ~~الصفة وتوجدونها دائما في الدنيا زاعمين انه لا غالب لكم ؛ ثم زادوا في ~~توبيخهم وتقريعهم وتحزينهم وتأسفهم والإنكار عليهم بقولهم مشيرين إلى ناس ~~كانوا يستضعفون من أهل الجنة ويحقرونهم { أهؤلاء } وكأنه يكشف لهم عنهم حتى ~~يروهم زيادة في عذابهم { الذين أقسمتم } أي في الدنيا { لا ينالهم الله } ~~أي الذي له صفات الكمال { برحمة } فكيف بكمال الرحمة ولما كان التصريح ~~بأمرهم بدخول الجنة إنكاء لأهل النار لأنه أنفى لما اقسموا عليه قالوا : { ~~ادخلوا } أي قال الله لهم أو قائل من قبله ادخلوا { الجنة لا خوفهم عليكم } ~~أي من شيء يمكن توقع أذاه { ولا أنتم تحزنون } أي يتجدد لكم حزن في ~~PageV03P037 وقت من الأوقات على شيء فات لما عندكم من الخيرات التي لا تدخل ~~تحت الوصف ولما تقدم نداء أصحاب الجنة عندما حصل لهم السرور بدخولها لأصحاب ~~النار بما يؤلم وينكي , وختم بهذه الرحمة التي تطمع المحروم فيما يسر ويزكي ~~, أخبر أن أصحاب النار ينادون أصخحاب الجنة عندما حصل لهم من الغم بدخولها ~~لكن بما شأنه أن يرقق ويبكي , فقال ما يدل على أن عندهم كل ما نفي عن أهل ~~الجنة في ختام الآية السالفة من الخوف والحزن : { ونادى أصحاب النار } أي ~~بعد الاستقرار { أصحاب الجنة } بعد أن عرفهم إياهم وامر الجنة فتزحزحت فكان ~~ذلكزيادة في عذابهم ؛ ثم فسر المنادي به فقال { أن افيضوا علينا من الماء } ~~اي لأنكم اعلى منا , فإذا أفضتموه وصل إلينا وهذا من فرط ما هم فيه بلاء ~~فإن بين النار ms1628 والجنة أهوية لا قرار لها ولا يمكن وصول شيء من الدارين إلى ~~الخر معها ولما كانت الإضافة تتضمن افنزال قالوا : { أو } أي أو انزلوا ~~علينا مما رزقكم الله } اي الذي له الغنى المطلق , من أي شيء هان عليكم ~~إنزاله { حرمها } أي منعها بتلك الأهوية وغيرها من الموانع { على الكافرين ~~} اي الساترين لما دلهم عليه قويم العقل وصريح النقل { الذين اتخذوا } أي ~~تكلفوا غير ما دلهم عليه العقل الفطري حين نبه بالعقل الشرعي بأن أخذوا { ~~دينهم } بعد ما محقوا صورته وحقيقة كما يمحق الطين إذا اتخذته خزفا فصار ~~الدين { لهوا } أي اشتغلا بما من شأنه أن يغفل وينسى عن كل ما ينفع من ~~الأمور المعجبة للنفس من غير نظر في عاقبة , فجوزوا من جنس عملهم بان لم ~~ينظر لهم في إصلاح العاقبة ولما قدم ما هو أدعى إلى الاجتماع على الباطل ~~الذي هوضد مقصود السود من الاجتماع على الجد وادعى إلى الغفلة وكان من شان ~~الغفلة عن الخير أن تجر إلى استجلاب الأفراح والانهماك في الهوى حقق ذلك ~~بقوله { ولعبا } أي إقبالا على ما يجلب السرور ويقطع الوقت الحاضربالغرور , ~~ولذلك أتبعه قوله : { وغرتهم } أي في فعل ذلك { الحياة الدني } أي بما فيه ~~من العراض عنها العيش حتى صاروا بذلك محجوبين عن نظر معانيها وعما دعا إليه ~~تعالى من الإعراض عنها فلم يحسبوا حساب ما وراءها ولما كان تركهم من رحمته ~~سبحانه مؤبداأسقط الجار { فاليوم } أي سبب عن ذلك أن في هذا اليوم { ننساهم ~~} اي نتركهم ترك المنسي { اكما } فعلوا هم بأنفسهم بان { نسوا } أي تركوا { ~~لقاء يومهم PageV03P038 هذا } فلم يعدوا له عدته { وما } أي وكما { كانوا } ~~أي جبلة وطبعا { ابآيتنا } على ما لها من العظمة بنسبها إلينا { يجحدون } ~~أي ينكورن وهم يعرفون حقيقتها لأنها في غاية الظهور | < < # | الأعراف : ( 52 - 54 ) ولقد جئناهم بكتاب . . . . . # > > ^ ( ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون * هل ~~ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جآءت رسل ~~ربنا بالحق فهل ms1629 لنا من شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ~~قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون * إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه ~~حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله ~~رب العالمين ) ^ } ) | ولما ذكر نسيانهم وجحودهم ذكر حالهم عند ذلك فقال { ~~ولقد } أي فعلوا ذلك والحال أنا وعزتنا قد { جئناهم } أي على عظمتنا بإتيان ~~رسولنا إليهم عنا { بكتاب } ليس هو موضعا للجحد اصلا ؛ ثم بين ذلك في سياق ~~مرغب للوؤلف مرهب للمخالف فقال { فصلناه } أي بينا معاينة لم ندع فيها لبسا ~~, وجعلنا الاياته فواصل حال كون ذلك التفصيل { علىعلم } أي عظيم , فجاء ~~معجزا في نظمه ومعناه وسائر علمه ومغزاه , وحال كونه { هدى } اي بيانا { ~~ورحمة } أي إكرما ثم خص المنتفعين به لأن من لا ينتفع بالشيء فهو كالمعدوم ~~في حقه فقال : { لقوم يؤمنون } أي فيهم قابلية ذلك وفيه رجوع إلى وصف ~~الكتاب الذي هو أحد مقاصد السورة على أبداع وجه في احسن أسلوب ولما وصف ~~الكتاب وذكر المنتفع به , تشوقت النفس إلى السؤال عن حال من لا يؤمن به وهم ~~الجاحدون , فقال مشيرا إلى حالهم في قوتهم عن المتابعه بعد العلم بصدفه ~~بعجزهم عنه كحال من ينتظر أن يأتي مضمون وعيده : { هل ينظرون } أي ينظرون , ~~ولكنه لما لم يكن لهم قصد في ذلك بغير ما يفهمه الحال , جرد الفعل والإفادة ~~أنه بتحقيق إتيانه في غاية القرب حتى كأنه مشاهد لهم { إلا تأويله } أي ~~تصير ما فيه من وعد ووعيد إلى مقاره وعواقب أمره التي أخبره انه يصير إليها ~~ولما كان كانه قيل : ما يكون حالهم حينئذ ؟ قال : التحسر والإذغان حيث لا ~~ينفع والتصديق والإيمان حين لا يقبل وعبر عن ذلك بقوله : { يوم يأتي تاويله ~~} أي بلوغ وعيده إلى مبلغه في النيا أو في الآخرة ؛ ولما قدم اليوم اهتماما ~~به , اظتبعه العامل فيه فقال : { يقول الذين نسوه } أي تركوه ترك المنسي ms1630 , ~~ويجوز أن يكون عد ذلك نسيانا PageV03P039 لأنه ركز في الطباع ان كل ملك لا ~~بد له من عرض جنده ومحاسبتهم , فلما اعرضوا عن ذلك فيما هو من جانب الله ~~عده نسيانا منهم لما ركز في طباعهم ولما كان نسيانهم في بعض الزمان السابق ~~, أدخل الجار فقال { من قبل } اي قبل كشف الغطاء محققين للتصديق { قد جاءت ~~} أي فيما سبق من الدنيا { رسل ربنا } أي المحسن إلينا { بالحق } أي ~~المطايق لهذا الواقع الذي نراه مما كانوا يتوعدوننا بع فما صدقوا حتى رأوا ~~فلم يؤمنوا بالغيب ولا أوقعوا الإيمان في دار العمل فلذا لم ينفعهم ولما ~~وصفوه سبحانه بافحسان لما كشف الحال عنه من حلمه وطول اناته , سببوا ~~لدخولهم في جملة الناس في الشفاعة العظمى لفصل القضاء ؛ ثم سببوا عن ذلك ~~تحقيق كونهم لهم أي بالخصوص فقالوا { فهل لنا من شفعاء } أي في هذا اليوم , ~~وكأنهم جمعوا الشفعاء لدخولهم في جملة الناس في الشفاعة العظمى لفصل القضاء ~~؛ ثم سببوا عن ذلك تحقيق كونهم لهم اي بالخصوص فقال { فيشفعوا لنا } أي ~~سواء كانوا من شركائنا الذين كنا نتوهم فيهم النفع ظاو من غيرهم ليغفر لنا ~~ما تقدم من الجرائم { أو نرد } أي إن لم يغفر لنا إلى الدنيا التي هي دار ~~العمل , والمعنى أنه لا سبيل لنا إلى الخلاص إلا أحد هذين السببين ؛ ثم ~~سببوا عن جواب هذا الاستفهام الثاني قولهم : { فنعمل } اي في الدنيا { غير ~~الذي كنا } أي بجبلاتنا من غير نظر عقلى { نعمل } ولما كان من المعلوم عند ~~من صدق القرآن وعلم مواقع ما فيه من الأخبار أنه لا يكون لهم شيء من ذلك , ~~كانت نتبجة قوله : { قد خسروا أنفسهم } أي فلا أحد أخسر منهم { وضل } أي ~~غاب وبطل { عنهم ما كانوا } اي جبلة وطبعا لا يمكنهم الرجوع عنه إلا عند ~~عند رؤية البأس { يفترون } أي يتعمدون في الدنيا من الكذب في امره لقصد ~~العناد للرسل من ادعاء أن الأصنام تشفع لهم ومن غير ذلك من أكاذيبهم ولما ~~كان مدار القرىن ms1631 على تقرير الأصول الربع التوحيد والنبوة والمعاد والعلم , ~~وطال الكلام في إخباره سبحانه عن أوامره ونواهيه وأفعاله بأولياءه واعدائه ~~الدالة على تمام القدرة والعلم , وختم بأن شركاءهم تعني عنهم , علل ذلك ~~بانه الرب لا غيره , في وعلى المقصد الثاني - وهو الإعادة التي هي أعظم ~~مقاصد السورة كفيل بإظهار الحجج عليها , العقول انه اشد من الإعادة - بادلة ~~متكلفة بتمام القدرة والعلم فقال : { إن ربكم } له وحده لا صنم ولا غيره ؛ ~~ثم وصفه بما حقق ذلك فقال : { الذي خلق السموات والأرض } أي على اتساعها ~~وعظمتها PageV03P040 ولما كان ربما قال الكفار : ما له إذا كان قادرا وأنت ~~محقق في رسالتك لا يعجل لنا الإتيان يتاويله , بين أن عادته الأناه وإن كان ~~أمره وأخذه كلمح بالبصر إذا أراده ‘ فقال : { في ستة ايام } اي في مقدراها ~~؛ ولما كان تدبير هذا الخلق امرا باهرا لا تسعه العقول , ولهذا كانت قريش ~~تقول : كيف يسع الخلق إله واحد ! اشار إلى عظمته وعلو رتبته بأداة البعد ~~فقال : { ثم استوى على العرش } أي أخذ في التدبير لما أوجده واحدث خلقه ~~أخذا مستوفي مستقصى مستقلا به لأن هذا شان من يملك ملكا ويأخذ في تدبيره ~~وإظهار أنه لا منازع له في شيء منه ليكون خطاب الناس على ما ألفوه من ~~ملوكهم لتستقر في عقولهم عظمة سبحانه , وركز في فطرهم الأولى من نفي ~~التشبيه منه , ويقال : فلان جلس على سرير الملك , وإن لم يكن هناك سرير ولا ~~جلوس , وكما يقال كناية لا يلتفت فيه إلى أجراء التركيب , والألفاظ على ~~ظواهرها كقولهم للطويل : طويل النجاد , وللكريم : عظيم الوماد . | ولما كان ~~سبحانه لا يشغله شان عن شأن , ابتدأ من التدبير هو آية ذلكبمشاهدته في ~~تغطية الرض بظلامه في آن واحد , فقال على الكمال قدرته المراد بالاستواء ~~بأمر يشاهد كل يوم على كثرة منافعة التي جعل سبحانه بها انتظامهذا الوجود { ~~يغشي } اي استوى حال كونه يغشي { الليل النهار } وقال أبو حيان : قراء حميد ~~بن قبس : يغشى الليل - بفتح بن جني عنحميد بنصب الليل ورفع النهار ms1632 , وقال ~~ابن عطية : وابو الفتح أثبت , وهذا الذي قاله - من أن أبا الفتح أثبت - ~~كلام لا يصح , إذ رتبة أبي عمرو الداني أحد من أئمة القراءة فضلا عن النجاة ~~الذين ليسوامقرئين ولا رووا القراءة عن أحد ولا روى عنهم القراءة أحد , هذا ~~مع الديانة الزائدة والتثبيت في النقل وعدم التجاسر ووفور الحظ من الحظ , ~~فقد رايت له كتابا في كلا وكتابا في إدغام أبي عمرو الكبير دلا على إطلاعه ~~على ما لا يكاد يطلع عليه ائمة النجاة ولا المقرئين إلى سائر تصانيفه , ~~والذي نقله أبو عمرو الداني عن حميد امكن من حيث المعنى , لأن ذلك موافق ~~لقراءة الجماعة إذ { اليل } في قراءتهم - وإن كان منصوبا - هو الفاعل من ~~حيث المعنى , إذ همزة النقل أو التضعيف صيرة مفعولا , ولا يجوز ان يكون ~~مفعولا ثانيا من حيث المعنى , لأن المنصوبين تعدى إليهما الفعل واحدهما ~~فاعل من حيث المعنى , فليلزم أن يكون الأول منهما كما لزم ذلك في : ملكت ~~زيدا عمرا , إذ رتبة التقديم هي الموضحة أنه الفاعل من حيث المعنى كما لزم ~~ذلك في ضرب موسى عيسى - انتهى . | PageV03P041 ولما أخبر سبحانه أن الليل ~~يغطي النهار , دل على أن النهار كذلك بقوله مبينا لحال الليل { يطلبه } أي ~~الليل يجر ويطلب النهار دائما طلبا { حثيثا } أي سريعاجدا لنغطية الليل , ~~وذلك لا يكون مطلوبا إلا بعد وجوده , وإذا وجد النهار كان مغطيا لليل , ~~لأنهما ضدان , وجو احدهما ماح لوجود الآخر , وابتدأ سبحانه بذكر الليل لأن ~~إغشاءه أول كائن بعد تكمل الخلق , وحركتهما بواسطة حركة العرش , ولذاربطهما ~~به , وهي أشد الحركات سرعة وأكملهاشدة , وللشمس نوعان من الحركة : أحدهما ~~بحسب ذاتها تتم بقطع في اليوم بليلته , والليل والهنار إنما يحصلان بسبب ~~حركة السماء الأقصى الذي يقال له العرش لا بسبب حركة النيرين , واجاز ابن ~~جني ان يكون { يطلبه } حالا من النهار في قراءة الجاعة وإن كان مفعولا , أي ~~حال كون النهار يطلب الليل حثيثا ليغطيه وان يكون حالا من النهار في قراءة ~~حميد , فإن كلا منهما يكون ms1633 غاشيا للىخر قال في كتابه المحتسب في قراءات ~~الشواذ : ووجه صحة القراءتبن والتقاء معنييهما أن الليل والنهار يتعاقبان , ~~وكل واحد منهما وإن أزال صاحبه فإ ؟ ن صاحبه ايضا مزيل له , وكل واحد منهما ~~على هذا فاعل وإن كان مفعولا ومفعول وإن كان فاعلا , على الظاهر في ~~الاستحثاث هنا إنما هو النهار لأنه بسفورة وشروقه أظهر أثرا في الاستحثاث ~~من الليل ولما ذكر الملوين , اتبعها آية كل فقال : { والشمس والقمر والنجوم ~~} أي خلقها أو يغشى كل قبيل منهما ما الآخر آتية خال كون الكل { مسخرات } ~~اي للسير وغيره { بأمره } وهو إرداته وكلامه تقودها الملائكة كما روي ان ~~لله ملائكة يجرون الشمس والقمر ولما صح أن جميع ما نراه من الذوات خلقه , ~~وما نعلمه من المعاني أمره , أنتج قطعا قوله { ألاله } أي وحده , وقدم ~~المسبب على السبب ترقية - كما هو مقتضى الحكم - من المحسوس إلى المعقول ~~فقال : { الخلق } وهو مقتضى الحكم - من المحسوس إلى المعقول فقال : { الخلق ~~} وهو ما كان من الإيجاد يتسبيب وتنمية وتطوير قال الرازي فكل ما كان جسما ~~أو جسمانيا كان مخصوصا بمقدار معين فكان من عالم الخلق , فعالم الخلق ~~بتسخيره , وعالم الأمر بتدبيره , واستيلاء الروحانية على الجسيمات بتقديره ~~{ الأمر } وهو ما كان من ذلك إخراجا من العدم من غير تسبب كالروح , وما كان ~~حفظا وتدبيرا بالكلام كالأديان وكل ما يلاحظ القيومية ؛ وقال الرازي : كل ~~ما كان بريئا من الحجم والمقدار كان من عالم الأمر , وعد الملائكة من عالم ~~المر فأتنج ذلك قطعا قوله على سبيل المدح الذي ينقطع دونه الأعناق ويتقاصر ~~دون عليائه ذري ىلافاق { تبارك } أي ثبت ثبوتا لا ثبوت في الحقيقة ~~PageV03P042 غيره اليمن والبركة وكثرة الاثار الفاضلة والنتائج الشريفة { ~~الله } أي دو الجلال والإكرام ولما دل على أنه يستحق هذا الثناء لذاته , دل ~~على أنه يستحقه لصفاته فقال : { رب العالمين } أي مبدع ذلك كله ومربيه خلقا ~~وتصريفا بامره , وفي الجزء السادس من فزوائد المخلص عن سفيان بن عيينه أن ~~قال : ما يقول هذه الدوبية - يعني بشرا ms1634 المريسي ؟ قالوا : يا أبا محمد ! ~~يزعم أن القرآن مخلوق فقال : كذب , قال الله عز وجل { ألا له الخلق والأمر ~~} فالخلق خلق الله , والأمر القرىن - انتهى . | وهذا الذي فسر به مما ~~تحتمله الاية بأن يكون الأمر هو المراد بقوله { بأمره } وهو الإرادة ~~والكلام مع احتمال ما قدمته . | < < # | الأعراف : ( 55 - 57 ) ادعوا ربكم تضرعا . . . . . # > > ^ ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين * ولا تفسدوا في ~~الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين * وهو ~~الذي يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته حتى إذآ أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ~~ميت فأنزلنا به المآء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم ~~تذكرون ) ^ } ) | ولما ذكر تعالى تفرده بالخلق والمر المقتضى لتفرده ~~بالعبادة للتوجيه إلى تحصيل المعارف النفسانية والعلوم الحقيقة , أمر بهذا ~~المقتضى اللائق بتلك المعارف , وهو الدعاء الذي هو مخ العبادة فقال : { ~~ادعوا ربكم } أي الدائم الإحسان إليكم دعاء عبادة وخضوع { تضرعا } أي تذللا ~~ظاهرا { وخفية } اي وتذللاباطنا , وقد أثنى على عبده زكريا عليه السلام ~~فقال : ^ ( { إذ نادى ربه نداء خفيا } ) ^ [ مريم : 3 ] اي اجمعوا إلى خضوع ~~الظاهر خضوع الباطن , أي أخلصوا لع العبادة إنه يحب المخلصين لأن تفرده بان ~~يدعى هو اللائق بمقام عن الربوبية , والتذلل على هذه الصفة هو اللائق بمقام ~~عز الربوبية , والتذلل على هذه الصفة هو اللائق بمقام ذل العبودية , وهذا ~~هو المقصود من الدعاء لا تحويل العلم الزلي , وهو المقصود من جميع العبادات ~~فإن العبد لا يدعو إلا تحويل العلم الأزلي , وهو المقصود من جميع العبادات ~~, وقد جمع هذا الكلام على وجازته كل ما يراد تحقيقه وتحصيله من شرائط ~~الدعاء بحيث إنه لا مزيد عليه , ومن فعلخلاف ذلك فقد تجاوز الحد , وإلى ذلك ~~أوما بتعليله بقوله : { إنه لا يحب المعتدين } اي المجاوزين لما أمروا به ~~في الدعاء وغيره , قالوا فامعنى أن من ترك هذا لا يحبه الله أي لا يثيبه ~~ولا يحسن إليه , فالآية من PageV03P043 الاحتباك آخرها يدل على حذف ضده من ~~صدرها , وصدرها ms1635 يدل على أنه حذف قبل الآخر ولا تتركوا الإخلاص تكونوا ~~معتدين ولما كان ذلك من الوفاء بحق الربوبية والقيام بحق العبودية مقتضيا ~~للصلاح أمر بإدامته بالنهي عن ضده في قوله : { ولا تفسدوا } أي لا تدفعوا ~~فسادا { في الأرض } أي باشرك والظلم , فهو منع من إيقاع ماهية الإفساد في ~~الوجود , وذلك يقتضي المنع من جميع أنواعه فيتناول الكليات الخمس التي ~~اتفقت عليها الملل , وهي الديان والأبدان والعقول والأنساب والأموال { بعد ~~إصلاحها } والظاهر أن افضافة بمعنى اللام وهي إضافة في المفعول , أي لا ~~تدنسوها بفساد بعد أن أصلحها لكم خلقا بما سوى فيها من المنافع المشار ~~إليها بقوله < # > 77 ( { يغشى الليل النهار } ) 77 < # > [ الأعراف : 54 ] الدال على الوحدانية الداعي إلى الحق إقامة للأبدان , ~~وامر بما أنزل من كتبه على السنة رسله عليهم الصلاة والسلام إقامة للأديان ~~فجمع إلى الإيجاد الأول الإبقاء الأول ولما كان ذلك اقتضى الاقتصار بكمال ~~التذلل على مقام الخوف , نفي ذلك بقوله { وادعوه خوفا } أي من عدله ؛ ولما ~~كان لا سبب للعبادة من أنفسهم في الوصول إليه سبحانه , عبر بالطمع فقال : { ~~وطمعا } أي في فضله , فإن من جمع بين الخوف والرجاء كان في مقام الإحسان ~~وكأنه مشاهد للرحمن , ما زجره زاجر الجلال بسياط سطوته إلا دعاه داعي ~~الجمال إلى بساط رافته , ومن حاز مقام الإحسان كان أهلا للرحمة { إن رحمت ~~الله } أي إكرام ذي الجلال وافكرام لمن يدعوه على هذه الصفة , وفخمها ~~بالتذكير لإضافتها إلى غير مؤنث فيما قال سيبوية فقال : { قريب } وكان ~~الأصل منكم , ولكنه اظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال : { من المحسنين ~~} ولما كان دوام الصلاح لا يكون إلا يكون بالغيث , وهو من أجل أنواع الرحمة ~~, وهو لا يكون إلا بالسحاب , وهو لا يكون إلا بالريح , قال تعالى عاطفا على ~~{ إن ربكم الله } تنبيها بعد تحقيق المبدأ على تحقيق المعاد : { وهو } أي ~~لا غيره { الذي يرسل } أي بالتحريك { الرياح } هذا في قراءة الجماعة , ~~وانواعها خمس : جنوب وشمال وصبا ودبور ونكباء , وهي كل ريح انحرفت فوقعت ~~بين ريحين ms1636 , ووحد ابن كثير وحمزة والكسائي على إرادة الجنس { بشرا } بتضمين ~~في قراءة اهل الحجاز والبصرة , أي منتشرة جمع نشور من النشر , وهو بسط ما ~~كان مطويا وتفرقه في كل وجه لا لذات الريح وإلا الدام ذلك منها ولا بقوة ~~فلك أو نجم لأن نسبتها إلى الهواء واحدة { بين يدي } أي قبل { رحمته } أي ~~المطر , ولعله عبر فيه باليدين : اليمنى واليسرى , لدلالته - PageV03P044 ~~مع ما فيه من الفخامة - على انه تارة يكون رحمة وتارة يكون عذابا كما كان ~~على قوم نوح عليه السلام وإن كانت الرحمة فيه أغلب وهي ذات اليمين , وتارة ~~تكون الرياح جامعة لها لحفظ الماء , وتارة مفرقة مبطلة لها , وتارة تكون ~~مقومة للزروع والأشجار مكملة لها وهي اللواقح , وتارة تكون منمية لها أو ~~مهلكة كما يكون في الخريف , وتارة تكون طبية وتارة مهلكة إما بشدة الحرارة ~~والبرودة ؛ ثم غي الإرسال بقوله { حتى إذا أقلت سحابا } اي حملتها لقلتها ~~عندها لخفتها عليها { ثقالا } اي بالماء ؛ ولما دل على العظمة بالجمع وحقق ~~الأمر بالوصف , أفرد اللفظ دلالة على غاية العظمة بسوقه مجتمعا كأنه قطعة ~~واحدة , لا يفترق جزء منه عن سائره إذ لو تفرق لا ختل أمره فقال : { سقناه ~~لبلد } اي لأجله وإليه { ميت } اي بعد النبات { فأنزلها } أي بما لنا من ~~العظمة { به } أي البلد , أو بسبب ذلك السحاب { الماء } أي هذا الجنس , ~~واشار إلى عظمة الإنبات بالنون فقال { فأخرجنا به } أي بالماء { من كل ~~الثمرات } اي الحقيقة على الأشجار والمجازية من النبات وحبوبه ولما كان هذا ~~- مع ما فيه من التذكير بالنعمة المقتضية لتوحيده بالدعوة - دليلا ثانيا في ~~غاية الدلالة على القدرة على البعث , قال تعالى : { كذلك } اي مثل ما ~~أخرجنا هذا النبات من الأرض بعد أن لم يكن { نخرج الموتى } أي من الرض بعد ~~ان صاروا ترابا { لعلكم تذكرون } اي قلنا هذا لتكون حالكم حال من يرجي ~~تذكره هذه الآية سبحانه كما قدر على إعادة النبات بجمع الماء له من جوف ~~الأرض بعد أن كان تغيب في الرض ms1637 وصار ترابا , وأحيى الشجرة بعد أن كانت لا ~~روح لها بإيداع الثمرة التي هي روحها , فهو قادر على إعادة الأشباح ~~وإيداعها الأرواح كما كانت أول مرة , لأنه لا فرق بين الإخرجين | < < # | الأعراف : ( 58 - 60 ) والبلد الطيب يخرج . . . . . # > > ^ ( والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا ~~كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون * لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم * قال الملأ ~~من قومه إنا لنراك في ضلال مبين ) ^ } ) | ولما كانت الموت موتين : حسيا ~~ومنعنويا - كما اشير في الأنعام في آية ^ ( { إنما يستجيب الذين يسمعون ~~والموتى يبعثم الله } ) ^ [ الأنعام : 36 ] ^ ( { أو من كان ميتا فأحييناه ~~} ) ^ [ ألانعام : 122 ] كان كأنه قيل : لا فرق في ذلك عندما بين أموات ~~الإيمان وأموات الأبدان , فكما انا فاوتنا بين جواهر الراضي بخلق بعضها ~~جيدا وبعضها رديئا كذلك فاوتنا بين عناصر الناسي بجعل بعضها طيبا وبعضها ~~خبيثا , فالجيد العنصر يسهل PageV03P045 إيمانه , والخبيث الصل يعسر إذعانه ~~وتبعد استقامة وإيقانه { والبلد الطيب } اي الذي طابت ارضه فكانت كريمة ~~منتبه { يخرج نباته } اي إذا نزل عليه الماء خروجا كثيرا حسنا سهلا غزيرا { ~~بإذن } أي بتمكين { ربه } أي المربي له بما هياة له , والذي طاب في الجملة ~~ولم يصل إلى الغاية يخرج له نبات دون ذلك , والخبيث لا يخرج له نبات اصلا ~~بمنع ربه له { لا يخرج } أي نباته { إلا } أي حال كونه { نكدا } أي قليلا ~~ضعيف المنفعة , وهو - مع كونه دالا على أن ذلك ما كان على ما وصف مع استواء ~~الأراضي في الصل واستواء المياه ونسبتها إلى الأفلاك والنجوم إلا بالفاعل ~~المختار - مثل ضربة سبحانه للمؤمن والكافر عند سماعها للذكر من الكتاب ~~والسنة والآية من الاحتباك ولما استوت هذه الآيات على الذروة من بدائع ~~الدلالات , كان السامع جديرا بأن يقول : هل تبين جميع هذه الآيات هذه ~~البيان ؟ فقيل : { كذلك } أي نعم , مثل هذا التصريف , وهو الترديد مع ~~اختلاف الأنحاء لا ختلاف الدلالات وإبرازها في ms1638 قوالب الألفاظ الفائقة ~~والمعاني الرائقة في النظوم المعجزة على وجوه لا تكاد تدخل تحت الحصر : { ~~نصرف الآيات } أي كلها ؛ ولما تم ذلك على هذا المنهاج الغريب والمنوال ~~العجيب المذكر بالنعم في اسلوب دال على التفرد وتمام القدرة , كان أنسب ~~الأشياء ختمه بقوله مخصصا بها المنتفع لأنها بالنسبة إلى غيرهم كأنها لم ~~توجد : { لقوم يشكرون } أي يوجد منهم الشكر للنعم وجودا مستمرا فلا يشركون ~~بل ينتفعون بما أنعم عليهم به وحده في عبادنه وحده , وينظرون بعقولهم أنه ~~أقدرهم بنعمة على ما هم عاجزون عنه , فلا يسلبون عنه شيئا من قدرته على بعث ~~ولا غيره فإنهم يزعمون أنهم أهل معالي الأخلاق التي منها أنه جزاء التي ~~منها جزاء الإحسان إلا الإحسان ولما طال تهديده سبحانه لمن أصرع على فساده ~~, ولم يرجع عن غية وعنادة بمثل مصارع الأولين ومهالك الماضين , ونوع في هذه ~~الآيات محاسن الدلالات على التوحيد والمعاد بوجوه ظاهرة وبينات قاهرة ~~وبراهين قاطعة وحجج ساطعة , ساق سبحانه تلك القصص دليلا حسيا على أن في ~~الناس الخبيث والطيب مع الكفالة في الدلالة على تمام القدرة والغيرة من ~~الشرك على تلك الحضرة - بتفصيل احوال من سلفت الإشارلة إلى إهلاكهم وبيان ~~مصارعهم وأنه لم تغن عنهم قوتهم شيئا ولا كثرتهم بقوله تعالى < # > 77 ( { وكمة من قرية أهلكناه } ) 77 < # > [ الأعراف : 4 ] وقوله < # > 77 ( { فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة } ) 77 < # > [ الأعراف : 34 ] الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتقوية لصاحبي ~~أتباعه بالتنبيه على أن الإعراض PageV03P046 عن الآيات ليس من خواص هذه ~~الأمة بلف هي عادة الأمم السالفة , وعلى أن النعم خاصة بالشاكرين , ولذا ~~كانت النقم مقصورة على الكافرين , فقال تعالى { لقد ارسلنا } أب بعظمتنا , ~~وافتتحه بحرف التوقع لما للسامع الفطن من التشوف إلى ذكرر ما تكرر من ~~الإشارة إليه , ولأن اللام المجاب بها القسم المحذمف لا ينطقون بها غالبا ~~إلا مقترنة بقد , لأن الجملة القسمية لا تساق إلا تاكيدا للجملة المقسم ~~عليها التي هي جوابها فكانت مظنة بمعنى التوقع الذي هو معنى ( ق ) عند ms1639 ~~استماع المخاطب كلمة القسم { نوحا } يعني ابن لمك بم متوشلخ بن خنوخ , وهو ~~إدريس عليه السلام , وكان عند الإرسال أبن خميسن سنة . | ولما كان إرساله ~~صلى الله عليه وسلم قبل القبائل باختلاف اللغات قال : { إلى قومه } أي ~~الذين كانوا ملء الأرض كما في حديث الشفاعة في الصحيحين وغيرهما عن أنس رضي ~~الله عنه , ائتونا نوحا أول نبي بعثه الله إلى أهل الأرض . | وفيهم من ~~القوة على القيام بما يريدون ما لا يخفي على من تامل آثارهم وعرف أخبارهم , ~~فإن كانت آثارهم فقد حصل المراد , وإن كانت لمن بعدهم علم - بحكم قياس ~~الاستقرار - انهم أقوى على مثلها وأعلى منها , ولسوق ذلك دليلا على ما ~~ذكرجاء مجردا عن ادوات العطف , وهو مع ذلك كله منبه على أن جميع الرسل ~~متطابقون على الدعوة إلى ما دل عليه برهان { إن ربكم الله الذي خلق السموات ~~والأرض } [ الأعراف : 54 ] من التوحيد والصلاح إلى غير ذلك من بحور الدلائل ~~والحجاج المتلاطمة الأمواج - والله الهادي إلى سبيل الرشاد , وكون نوح عليه ~~السلام رسولا إلىجميع أهل الأرض - لأنهم قومه لوحده لسانهم - لا يقدح في ~~تخصيص نبينا صلى الله عليه وسلم بعموم الرسالة , لأن معنى العموم إرساله ~~إلى جميع الأقوام المختلفة باختلاف الألسن وإلى جميع من ينوس من الإنس ~~والجن والملائكة , وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الصافات لهذا مزيد ~~بيان ولما كان من المقاصد العظيمة الإعلام بان الذي دعا إليه هذا الرسول لم ~~تزل الرسل - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام - تدعو إليه ~~, وكان نوح أول رسول ذكرت رسالته عقب ذكر إرساله بذكر ما أرسل به بالفاء ~~بقوله { فقال ياقوم } اي فتجيب إليهم بهذه بالإضافة { اعبدوا الله } أي ~~الذي له جميع العظمة من الخلق والمر , فإنه مستحق لذلك وقد كلف عباده به . ~~| ولما كان المقصود إفراد بذلك , علل بقوله مؤكدا له بإثبات الجار { ما لكم ~~} وأغرق في النفي فقال : { من إله غيره } ثم قال معللا أو مستأنفا مخوفا ~~مؤكدا لأجل تكذيبهم : { إني أخاف عليكم } في الدنيا ms1640 ولآخرة , ولعلة قال هنا ~~: { عذاب يوم PageV03P047 عظيم } وفي هود ^ ( { أليم } ) ^ [ هود : 26 ] ~~وقال المؤمنون ^ ( { أفلاتتقون } ) ^ [ المؤمنون : 23 ] ترتيب السور الثلاث ~~- وإن كان الصحيح انه باجتهاد الصحابة رضي الله عنهم فلعله جاء على ترتيبها ~~في النزول , لأنها مكيات , وعلى ترتيب مقال نوح عليه السلام لهم فالان لهم ~~أولا المقال من حيث إنه اوهم أن العظم الموصوف به { اليوم } لا بسبب العذاب ~~بل الأمر آخر , فيصير العذاب مطلقا يتناول أي عذاب كان ولو قل , فلما تمادى ~~تكذيبهم بين لهم أن عظمه إنما هو من جهة إيلام العذاب الواقع فيه , فلما ~~لجوا في عتوهم قال لهم القادر إذا هدد عند مخالفة غيره له : ألا تفعل ما ~~اقول لك ؟ أي متى خالفت بعد هذا عاجلتك بالعقاب وأنت تعرف قدرتي ولما تم ~~ذلك وكان الحال مقتضيا - مع ما نصب من الألة الواضحة على الوحدانية - لأن ~~يجيبوا بالتصديق , كان كأنه قيل : فبماذا كان جوابهم ؟ فقال { قال الملأ } ~~أي الأشراف الذين يملأ العيون مرآهم عظمة , وتتوجه العيون في المحافل إليهم ~~, ولم يصفهم في هذه السورة بالكفر لأن ذلك ادخل في التسلية , لأنها أول ~~سورة قص فيها مثل هذا في ترييب الكتاب , ولأن من آمن به مطلقا كانوا في جنب ~~من لم يؤمن في غاية القلة , فكيف عند تقييدهم بالشرف ! وأكد ذمهم تسلية ~~لهذا النبي الكريم بالتعريف بقربهم منه في النسب بقوله : { من قومه } ~~وقابلوا رقته وأدبه بغلطة مؤكدا ما تضمنته من البهتان لأن حالهم مكذب لهم ~~فقالوا { إنا لنراك } اي كل واحد منا يعتقد اعتقادا هو في الثقة به كالرؤية ~~أنك { في ضلال } اي خطأ وذهاب عن الصواب , هو ظرف لك محيط بك { مبين } أي ~~ظاهر في نفسه حتى كأنه يظهر ذلك لغيره . | < < # | الأعراف : ( 61 - 68 ) قال يا قوم . . . . . # > > ^ ( قال ياقوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم ~~رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون * أو عجبتم أن جآءكم ذكر ~~من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون * فكذبوه فأنجيناه ~~والذين ms1641 معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ إنهم كانوا قوما عمين * ~~وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ~~* قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من ~~الكاذبين * قال ياقوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين * أبلغكم ~~رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين ) ^ } ) | ولما قذفوه بضلال مقيد بالوضوح , ~~نفي الضلال الذي هو الأعم وبنفية ينتفي كل اخصياته بل نفي أقل شيء من ~~الضلال , فقال تعالى مخبرا عنه { قال ياقوم } مجددا لا ستعطافهم { ليس بي ~~ضلالة } فنفي وحده غير معينة , ولا يصدق ذلك إلا بنفي PageV03P048 لكل فرد ~~, فهو أنص من نفي المصدر , ولم يصف الملا من قومه هنا بالذين كفروا ووصفهم ~~بذلك في سورة هود , إمالأنها صفة يقصد بها التقييد فلا يختل المعنى ~~بإثباتها ولا نفيها , أو لأنهم أجابوه بذلك مرتين : إحدهما قبل أن يسلم أحد ~~من أشرافهم , والثانية بعد أن أسلم بعضهم . | ولما نفى ما رموه به على هذا ~~الوجه البليغ , أثبت له ضده باشراف ما يكون من صفات الخلق , فقال مستدركا - ~~بعد نفي الضلال - إثبات ملزوم ضده : { ولكني رسول } اي إليكم بما امرتكم به ~~فانا على اقوم طريق { من رب العالمين } أي المحسن إليهم بإرسال الرسل ~~لهدايتهم بإنقاذهم من الضلال , فرد الأمر عليهم بألطف إشارة ؛ ثم استأنف ~~الإخبار عن وظيفة بيانا لرسالته فقال : { أبلغكم } وكأن ابواب كفرهم كانت ~~كثيرة فجمع باعتبارها تعدد معجزاته أو تعدد نوبات الوحي في الأزمان ~~المتطاولة والمعاني المختلفة , أو أنه جمع صحيفة عليهما السلام فقال : { ~~رسالات ربي } اي المحسن إلي من الوامر والنواهي وجميع أنواع التكاليف من ~~احوال الآخرة وغيرها , لا أزيد فيها أنقص منها كما هو شأن كل رسول مطيع ~~ولما كان االضلال من صفات الفعل , واكتفى بالجملة الفعلية الدالة على حدوث ~~في قوله : { وانصح } وقصر الفعل ودل على تخصيص النصح بهم ومحضه لهم فقال : ~~{ لكم } والنصيحة : الإرشاد إلى المصلحة مع خلوص النية من الشوائب المكروه ~~, ولما كان الضلال من ms1642 الجهل قال : { وأعلم من الله } أي من صفات الذي له ~~صفات الكمال وسائر شؤونه { ما لا تعلمون } أي من عظيم أخذه لمن يعصيه وغير ~~ذلك مما ليس لكم قابلية لعلمه بغير سفارتي فخذوه عني تصيروا علماء , ولا ~~تتركوه بنسبتي إلى الضلال تزدادوا ضلالا ولما كان الحامل لهم على هذا مجرد ~~استبعاد ان يختص عنهم بفضيلة وهو منهم كما سياتي في غير هذه السورة , أنكر ~~ذلك عليهم بقولة : { أوعجبتم } اي اكذبتم وعجبتم { أن جاءكم } وضمن جاء ~~معنى أنزل , فلذلك جعلت صلته ( على ) فقال : { ذكر } رسالة { من ربكم } أي ~~المحسن إليكم بالإيجاد والتربية منزلا { على الرجل } اي كامل في الرجولية ~~وهو مع ذلك بحيث لا تتهمونه فأنه { منكم } لقولكم : { ما سمعنا بهذا } اي ~~إرسال البشر { في آبائنا الأولين } [ المؤمنون : 24 ] { لينذركم } لتحذروا ~~ما ينذركموه { ولتتقوا } أي تجعلوا بينكم وبين ما تحذرونه وقاية لعلكم ~~تنجون { ولعلكم ترحمون } اي وليكون حالكم إذا لقيتم الله حال من ترجى رحمته ~~بان يرفعه الله في الدارين PageV03P049 ولما نسبوه أولا إلى الضلال وهوقد ~~يكون خطأ عن ذهول ونحوه , فأقام لهم الدليل على أنه على الصواب , أخبر أنه ~~لم يتسبب عن ذلك إلا تصريحهم بمكا لوحوا إليه أولا بالضلال من التكذيب فقال ~~: { فكذبوه } أي الملأ وتبعهم من دونهم ؛ ولما تسبب عن تكذبيهم له تصديق ~~الله لهم بإهلاكهم وإنجائه ومن آمن به , قال مقدما لأنجائه اهتماما به : { ~~فأنجيناه } بما لنا من العظمة من أهل الرض كلهم ومن عذابنا الذي اخذناهم به ~~: { والذين معه } أي بصحبة الأعمال الدينية { في الفلك } وهو السفينة التي ~~من الله على الناس بتعليمه عملها لتقية من الطوفان فكانت آية ومنفعة عظيمة ~~لمن أتى بعدهم { واغرقنا } أي بالطوفان , وهو الماء الذي طبق ظهر الرض فلم ~~يبق منها موضعا حتى أحاط به , واظهر موضع الإضمار تعليقا للفعل بالوصف ~~إشارة إلى ان من فعل مع الرسول شيئا فلإنما فعله مع مرسله فهو يجازيه بما ~~يستحقه فقال : { الذين كذبوا بآيتنا } أي وهي من الظهور في حد لا خفاء به ~~لما ms1643 لها من العظمة بالنسبة إلينا , وعدي هنا فعل النجاة بالهمزة وهي الأصل ~~في التعدية وقرنت ب { الذين } لأنه أخلص الموصولات واصرحها ولما أعيدت ~~القصة في سورة يونس عليه السلام , كان الأليق بكلام البلغاء والأشبه بطرائق ~~الفصحاء التفنن في العبارة , فعدي التضعيف مع ما فيه من الأبلغية بإفهام ~~مزيد الاعتناء مناسبة لما تقدم من مزيد الفويض في قوله < # > 77 ( { فاجمعوا أمركم وشركاءكم } ) 77 < # > [ يونس : 71 ] وتلاب { من } ضما للفرع فإن { من } مشترك بين الوصول ~~والشرط , وهي أيضا قد تطلق على ما لا يعقل , فناسب ذلك الحال , وزيدهناك في ~~وصف الناجين < # > 77 ( { وجعلناكم خلائف } ) 77 < # > [ يونس : 10 ] نظرا إلى قوله تعالى في في أول السورة لآ < # > 77 ( { ولقد اهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا } ) 77 < # > [ يونس : 13 ] فلوح لهم بالأهلا إن ظلموا , ثم أشار لهم - في قصة نوح ~~عليه السلام بكونه أعلمهم أن الخلائف هم الناجون الباقي ذكرهم وذريتهم - ~~إلى أنه تفصيل عليهم بالتوفيق إلى الإجابة ورحمهم بهذا النبي الكريم - عليه ~~أفضل الصلاة والتسليم - فقضى أنهم غيلار مهلكين ولما افتتحت القصة بنسبتهم ~~له إلى الضلال باطلا وهو ناشىء عن عمى البصيرة أو البصير , ناسب ان يقلب ~~الأمر عليهم على وجه الحق فقال مؤكدا لإنكارهم ذلك { إنهم كانوا } اي لما ~~جبلتهم من العوج { قوما عمين } أي مطبوعين في عمى القلب مع قوتهم يحاولون , ~~ثابت لهم ذلك , بما أشار إليه فعل دون أن يقال فاعل , وختمت القصة في يونس ~~بقوله < # > 77 ( { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين } ) 77 < # > [ يونس : 73 ] لقوله PageV03P050 اولها < # > 77 ( { إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري } ) 77 < # > [ يونس : 71 ] أي إنذاري لأنه أعلم أنه كبر عليهم ولو كان تبشيرا لما ~~عز عليهم ولما كان عاد بعدهم , ولم يكن هنا ما يقتضي تشويش الترتيب , ~~اتبعهم بهم مقدما المرسل إليه ليفيد تخصيص رسالته بهموهم بعض اهل الأرض ~~فقال : { وإلى عاد } خاصة ارسلنا { أخاهم } أي في النسب لأنهم عنه افهم ~~وبحالة في الثقة والأمانة اعرف ؛ ولما عظمه على نوح فإنهم كانوا جميع أهل ~~الأرض , لأن ms1644 القبائل لم تكن فرقت الناس ولا الألسنة إذ كان لسان الكل واحدا ~~, ولم تفرق الألسنة إذ كان لسان الكل واحدا , ولم تفرق الألسنة إلا بعد ~~الصرح , ولهذا عم الغرق جميع أهل الأرض , فكان المعنى حينئذ لا يختلف في ~~قصة بتقديم ولا تاخير , فناسب تقديم الرسالة أو المرسل لأنه اهم ولما وكانت ~~قصة نوح عليه السلام أول قصص النبياء مع قومهم , ولم يكن للعرب عهد ~~بمجاورات الأنبياء ومن يرسلون إليه , فأتى فيها بالأصل ( أرسلناه ) فقال ~~سياقا واحدا إخبارا لمن هو فارغ الذهن من كل جزء من أجزائها ؛ أتت قصة هود ~~عليه السلام بعدعلم السامعين بقصة نوح عليه السلام مما وقع من تبليغه لهم ~~ودورهم عليه , فلما ذكر إرساله تشوف السامع إلى انه هل قال لهم كما قال نوح ~~وهل ردوا عليه كرد قومه أو كان الأمر بخلاف ذلك ؟ فأجيب سؤال المتشوف بقوله ~~: { قال } كقوله نوح عليع السلام سواء { ياقوم } مذكرا لهم بانه احدهم يهمه ~~ما يهمهم { اعبدوا الله } اي لا ستحقاقه ذلك لذاته ؛ ثم علل أو أستأنف ~~بقوله : { ما لكم } وأغرق في النفي فقال : { من إله غيره } كانوا عارفين ~~بما اصاب قوم نوح قال : { افلا تتقون } اي أفلا تجعلون بينكم وبين عذاب هذا ~~الواحد الجبار وقاية ولما تشوف السامع إلى جوابهم بعد هذا الترغيب الممزوج ~~بالترهيب , أجيب بقوله { قال الملأ } أي الأشراف الذين يملؤون العيون بهجة ~~والصدور هيبة ولما كانت عاد قليلابالنسبة إلى قوم نوح عليه السلام , وكان ~~قد أسلم من أشرافهم من له غنى في الجملة , قيد بقوله : { الذين كفروا } أي ~~ستروا ما من حقه الظهور من ادلة الوحدانية , ووصفوا تسلية لهذا النبي ~~الكريم فيما يرى من جفاء قومه بأن مثل ذلك كان لإخوانه من الأنبياء بقوله { ~~من قومه } وأكدوا ما وجهوه به من الجفاء لأنهم عالمون بان حاله في عمله ~~وحكمه يكذبهم بقولهم : { إنا لنراك } اي لنعلمك علما متيقنا حتى كانه محسوس ~~{ في سفاهة } اي مظروفا لخفة العقل , فهي محيطة بك من جميع الجوانب , لا ~~خلاص PageV03P051 لك منها فلذا ms1645 أدتك إلى قول لا حقيقة له , فالتنوين ~~للتعظيم , فإن قيل : بل للتحقير , كأنهم توقفوا في وصفة بذلك كما توقفوا في ~~الجزم بالكذب فقالوا : { وإنا لنظنك من الكاذبين } أي المتعمدين للكذب , ~~وذلك لأنه كان عندهم علم من الرسل وما يأتي مخالفهم من العذاب من قصة نوح ~~عليه السلام ولم يكن العهد بعيدا وأما قوم نوح فجزموا بالضلال واكدوه بكونه ~~مبينا , لأنه لم يكن عندهم شعور بأحوال الرسل وعذاب الأمم قبل ذلك , ولهذا ~~قالوا < # > 77 ( { ما سمعنابهذا في آبائنا الأولين } ) 77 < # > [ المؤمنون : 24 ] قيل : ليس كذلك , فقد ورد في جواب قوم نوح في سورة ~~هود مثل هذا , وهو قوله < # > 77 ( { بل نظنكم كاذبين } ) 77 < # > [ هود : 27 ] ؛ فإن قيل : إنما كان هذا في ثاني الحال بعد ان نصب لهم ~~الأدلة وأقام البراهين على صحة مدعاه وثارت حظوظ الأنفس بالجدال , فإنه ~~يبعد أن يكون قومه أجابوه بذلك أول ما دعاهم , قيل والأمر كذلك في قصة هود ~~عليه السلام سواء فإنه لم يقل له ذلك إلاالكفار من قومه فيقييدهم بالوصف ~~يدل على أنه كان فيهم من اتبعه , بل وإن متبعه كان من أشرافهم هم بالظن , ~~وتعبير في الكذب لإرادتهم أنه يكفي في وصفه بالسفاهة التي زعموها غقدامه ~~على ما يحتمل معه ظنكم لكذبه , أو يكون قوله غير الحق في زعمهم مرددا بين ~~أن يكون قاله عن تعمد أو حمله عليه ما رموه به من السفه من غير تامل الحلم ~~بضده ما سموه بان { قال } معلما الأدب في مخاطبة السفهاء { ياقوم } مذكرا ~~بما بينهم من النسب الداعي إلى الود والمناصحة والعطف والملاطفة { ليس بي ~~سفاهة } فنفى أن يكون به شيء من خفة حلم , فانتقى أن يكون كاذبا لأن الداعي ~~إلى الكذب الخفة والطيش فلم يحتج إلى تخصيصه بنفي . | ولما نفى السفاهة , ~~أثبت ما يلزم منه ضدها بقوله : { ولكني رسول } وبين المرسل تعظيما للامر ~~بقوله { من رب العالمين } أي المحسن إليهم بعد نعمة الإيجاد والأرزاق ~~بإرسال الرسل إليهم ليكسبوهم معالي الأخلاق التي بها انتظام نعمة الإبقاء { ~~ابلغكم ms1646 } وجع الرسالة لما تقدم في قصة نوح عليه السلام فقال : { رسالات بي ~~} المحسن ألي ما لم اكن أعلم وتاهيلي لما لم يكن في حسابي ولما كانوا قد ~~رموه بالسفه الذي هو من غرائز النفس لأنه ضد الحلم والرزانة , عبر عنة ~~مضمون الجملة النافية له بما يقتضي الثياب فقال : { وأنا لكم ناصح } أي لم ~~يزل النصح من صفتي , وليس هو تكسبته بل عريزة في , وقد بلوتموني فيه قبل ~~الرسالة وإظهار هذه المقالة دهرا دهيرا وزماناطويلا ؛ ولما قالوا إنهم ~~يظنون كذبة زادهم صفة الأمانة فقال : { أمين } | PageV03P052 < < # | الأعراف : ( 69 - 71 ) أوعجبتم أن جاءكم . . . . . # > > ^ ( أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ ~~جعلكم خلفآء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلآء الله لعلكم ~~تفلحون * قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما ~~تعدنآ إن كنت من الصادقين * قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلوني ~~في أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم ما نزل الله بها من سلطان فانتظروا إني ~~معكم من المنتظرين ) ^ } ) | ولما كان يعرف ما يعتقدونه من امانته وعقله , ~~وظن أنه ما حملهم على هذا إلا العجب من ان يطلع على مالم يطلعوا عليه , ~~أنكر عليهم ذلك ذاكرا لما ظنه حاملا لهم ملوحا بالعطف إلى التكذيب فقال : { ~~اوعجبم } اي اكذبتم وعجبتم { ان جاءكم ذكر } أي شرف وتذكير { من ربكم } أي ~~الذي لم يقطع إحسانه عنكم قط , منزلا { لينذركم } اي يحذركم ما لمن كان على ~~ما أنتم عليه من وخامة العاقبة ولما كان التقدير : فاحذروا , عطف عليه ~~تذكيرهم بالنعمة مشيرا به إلى التحذير من عظيم النقمة في قوله : { واذكروا ~~إذ } أي حين { من بعد قوم نوح } أو يكون المحذوف ما اقتضاه الاستفهام في ~~قوله { أو عجبتم } من طلب الجواب , اي أجيبوا واذكروا , اي ولا تبادروا ~~بالجواب حتى تذكروا ما انعم بع عليكم , وفيه الإشارة إلى التحذير مما وقع ~~لقوم نوح , أو يكون العطف على معنى الاستفهام الإنكاري في { افلا تتقون } { ~~أوعجبتم } أي ms1647 اتقوا ولا تعجبوا واذكروا , أو يكون العطف - وهو احسن على { ~~اعبدوا الله } وقوله { خلفاء } قيل : إنه يقتضى أن يكونوا قاموا مقامهم , ~~ومن المعلوم أن قوم نوح كانوا ملء الرض , وأن عادا إنما كانوا في قطعة منها ~~يسيرة وهي الشجرة من ناحية اليمين فقيل : إن ذلك لكون شداد بن عاد ملك جميع ~~الأرض فكأنه قيل : جعل جعدكم خليفة في جميع الأرض , فلو حصل الشكر فيهم من ~~ملك فأطيعوا يزيدكم من فضله , وقيل : إن قصة ثمود مثل ذلك , ولم يكن فيهم ~~من ملك الأرض ولا أرض عاد , فاجيب بما طرد , وهو ان عادا لما كانوا أقوى ~~اهل الأرض ابدانا وأعظمهم أجسادا وأشدهم خلقا أشهرهم قبيلة وذكرا , كان ~~سائر الناس لهم تبعا , وكذا ثمود فيما فيما أعطوه من القدرة على نحت الجبال ~~ونحوها بيوتا , وعندي أن السؤال من أصله لا يريد فإن بين قولنا : فلان ~~خليفة فلان , وفلان خليفة من بعد فلان - من PageV03P053 الفرق ما لا يخفي , ~~فالمخلوف في الثاني لم يذكر , فكأنه قيل : جعلكم لمن كان قبلكم في هذه ~~الأرض التي أنتم بها , وخص قوم نوح وعاد بالذكر تذكيرا بما حل بهم من ~~العذاب , ولهذا زائدة على الحد عظيمة الانتشار في جميع الأقطار , ومعلوم أن ~~الله تعالى لم يترك واحدة منها بغير رسول < # > 77 ( { وما كان معذبين حتى نبعث رسولا } ) 77 < # > [ الإسراء : 15 ] وفي قصة هود في سورة الأحقاف < # > 77 ( { وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه } ) 77 < # > [ الأحقاق : 21 ] ؛ وله سر آخر وهو أن هذه الأمم كان عند العرب كثير من ~~أخبارهم فصلت لهم أحوالهم , طوي عنهم من لم يكن عندهم شعور بهم فلم يذكروا ~~إلا إجمالا لئلا يسارعوا إلى التكذيب بما ينزل فيهم من غير دليل شهودي يقام ~~عليهم . | ولما ذكرهم بمطلق الإبقاء بعد ذلك لإغراق العام , أتبعه التذكير ~~بالزيادة فقال : { وزادكم } أي على من قبلكم أو على من هو موجود في الأرض ~~في زمانكم { في الخلق } اي الخاص بكم { بسطة } اي في الحسن بطول البدان ~~والمعنى بقوة الأركان ms1648 قيل : كان طول كل واحد منهم أثتى عشر ذراعا وقيل أكثر ~~. | ولما عظمت النعمة , كرر عليهم التذكير فقال مسببا عن ذلك { فاذكروا ~~آلاء الله } اي نعم الذي استجمع صفات العظمة التي أنعم عليكم بها من ~~الاستخلاف والقوة وغيرهما , واذكروا انه لا نعمة عندكم لغيره أصلا فصار ~~مستحقا لأن تخصوه بالعبادة { لعلكم تفلحون } اي ليكون حالكم حال من يرجي ~~فلاحة وهو ظفره بجميع مراده , لأن الذكر موجب للشكر الموجب للزيادة ولما ~~كان هذا منه موجبا ولا بد لكل سامع منصف من المبادرة إلى لإذعان لهذه الحجة ~~القطعية , وهي استحقاقه للافراد بالعبادة للتفرد بالإنعام ازداد تشوف ~~المخاطب إلى جوابهم , فأجيب بقوله : { قالوا } منكرين عليه معتمدين على محض ~~التقليد { أجئتنا } أي من عند من ادعيت أنك رسوله { لنعبد الله } اي الملك ~~الأعظم { وحده } ولما كان هذا منهم في غاية العجب المستحق للإنكار , اتبعوه ~~ماهو كالعلة لإنكارهم عليه ما دعاهم إليه فقالوا : { ونذر } أي نترك على ~~غير صفة حسنة { ما كان يعبد آباؤنا } اي مواطنين على عبادته بما دلوا عليه ~~ب ( كان ) وصيغة المضارع - مع افشارة بها إلى تصوير آبائهم في حالهم ذلك - ~~ليحسن في زعمهم إنكار مخالفتهم لهم . | ولما كان معنى هذا الإنكار أنا لا ~~نعطيك , وكان قد لوح لهم بالتذكير بقوم نوح وقوله { أفلا تتقون } إلى من ~~العذاب بما لوح إليه إيماؤهم إلى التكذيب يقولهم : { إن كنت من الصادقين } ~~وتسميتهم للانذار بالعذاب وعدا من باب الاستهزاء PageV03P054 ولما كانوا قد ~~بالغوا في السفه في هذا القول , وكان قد علم من محاورته صلى الله عليه وسلم ~~لهم الحلم عنهم , اشتد التطلع إلى ما يكون من جوابه لهذا والتوقع له , فشفى ~~غليل هذا التشوف بقوله : { قال قد وقع } أي حق ووجب وقرب أن يقع { عليكم من ~~ربكم } أي الذي غربكم به تواتر إحسانه عليكم وطول إملائه لكم { رجس } أي ~~عذاب شديد الاضطراب في تتبع اقصادكم وأدناكم موجب لشدة اضرابكم { وغضب } اي ~~شدة في ذلك العذاب لا تفلتون منها . | ولما أخبرهم بذلك , بين لهم ان سببه ms1649 ~~كلامهم هذا في سياق لإنكار فقال : { اتجادلونني } ولما كانت آلهتهم تلك ~~التي يجادلون فيها لا تزيد على السماء لكونها خالية من كل معنى قال : { افي ~~اسماء } ثم بين انه لم يسمها آلهة من يعبد به فقال : { سميتموها أنتم ~~وآباؤكم } ولما كان لله تعالى أن يفعل ما يساء وان يامر بالخضوع لمن يشاء , ~~قال نافيا التنزيل فإنه يلزم من نفي الإنزال : { ما نزل الله } اي الذي ليس ~~الأمر إلاله { بها } أي بتعبدكم لها أو بتسميتكم إياها , وأغرق في النفي ~~فقال : { من سلطان } ولعله أتى بصيغة التنزيل لأن التفعيل ياتي بمعنى الفعل ~~المجدد وبمعنى الفعل بالتديج فقصد - لأنه في سياق المجادلة وفي سورة ~~مقصودها إنذار من أعراض عما دعا إليه هذا الكتاب النازل بالتدريج - النفي ~~بكل اعتبار , سواء كان تجددااو تدريجا وإشارة إلى أنه لو نزل عليهم في ~~الأمر بعبادتها شيء واحد لتوقفوا في لعدم فهمهم لمعناة حتى يكرر عليهم ~~الأمر فيه بعبادته شيء واحد لتقفوا فيه لعدم فهمهم لمعناة حتى يكرر عليهم ~~الأمر فيه مرة بعدأخرى , فيعلموا أن ذلك امر حتم لا بد منه كما فعله بنو ~~إسرائيل في الأمر بذبح البقرة لأجل القتيل أنهم لم يعقلوا معناه , دل ذلك ~~قطعا على ان المر لهم بعبادتها إنما هو ظلام الهوى لأنه عمى مخص من شأن ~~الإنسان ركوبه بلادليل اصلا . | ولما أخبرهم بوقوع العذاب وسببه , بين لهم ~~أن الوقوع ليس على ظاهرة في افنجاز وإنما معناه الوجوب الذي لا بد من فقال ~~: { فانتظروا } ثم استأنف الإخبار عن حاله بقوله : { إني } واشارة بقوله { ~~معكم } إلى أنه لا يفاركم لخشية منهم ولا غيرها { من المنتظرين } | < < # | الأعراف : ( 72 - 74 ) فأنجيناه والذين معه . . . . . # > > ^ ( فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا ~~وما كانوا مؤمنين * وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره قد جآءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض ~~الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم * واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد ms1650 ~~PageV03P055 عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال ~~بيوتا فاذكروا آلآء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان هذا ينبغي أن يكون سببا للتصديق الذي سبب الرحمة , بين أنه ~~إنما سبب لهم العذاب , وله ولمن تبعه النجاة , فبدأ المؤمنين اهتماما ~~بشأنهم بقوله : { فانجيناه } أي بما لنا من العظمة إنجاء وحيا سريعا ~~سللناهم به من ذلك العذاب كسل الشعر من العجين { والذين معه } اي في الطاعة ~~, وأشار إلى أنه لا يجب على الله بشيء بقوله : { برحمة } أي بإكرام وحياطة ~~{ منا } أي لا بعمل ولا غيره ولما قدم افنجاء اهتماما به , أتبعه حالهم ~~فقال معلما بأن أخذه على غيره أخذ الملوك الذين الإنجاء اهتماما به , اتبعه ~~حالهم فقال معلما بأن أخذه على غير أخذ الملوك الذين يعجزون عن الاستقصاء ~~في الطلب , فتوفتهم أواخر العساكر وشذاب الجنود والأتباع { وقطعنا } دابرهم ~~أي آخرهم , هكذا كان الأصل ولكنه اظهر تصريحا بالمقصود وبيانا لعلة أخذهم ~~فقال : { دابر } اي آخر , ايولم استأصلنا وجعلنا ذلك الاستئصال معجزة لهود ~~عليه السلام { الذين كذبوا بآيتنا } أي ولم يراقبوا عظمتها بالنسبة إلينا ~~وقوله : { وما كانوا } أي خلقا وجبلة { مؤمنين } عطف على صلة { الذين } وهي ~~{ كذبوا بآيتنا } وهي جارية مجرى التعليل لأخذهم مؤذنة بأنه لا يحصل منهم ~~صلاح كما ختم قصة نوح بقول < # > 77 ( { إنهم كانوا قوما عمي } ) 77 < # > [ الأعراف : 64 ] تعليلا لإغراقهم , أي أنا قطعنا دابرهم وهم مستحقون ~~لذلك , لأنهم غير قابلين للايمان لما فيهم من شدة العنادولزوم الإلحاد ~~فالمعنى : وما كان الإيمان من صفتهم , أي مآمنوا في الماضي ولا يؤمنون في ~~ىلآتي , فيخرج منه من آمن وكان قد كذب قبل إيمانه ومن لم يؤمن في حال دعائه ~~لهم وفي علم الله انه سيؤمن , ويزيده حسنا أنهم لما افتتحوا كلامهم بان ~~نسبوه إلى السفاهة كاذبين ؛ ناسب ختم القصة بان يقلب الأمر عليهم فيوصفوا ~~بمثل ذلك صدقا بكلام يبين أن اتصافهم به هو الموجب لما فعل بهم , لأن ~~الإيمان لا يصدر إلا عن كمال الثبات والرزانة وترك ms1651 الهوى وقمع رعونات النفس ~~والانقياد لواضح الأدلة وظاهر البراهين , فمن تركه مع ذلك فهو في غاية ~~الطيش والخفة وعدم العقل , وأيضا فوصفهم بالتكذيب وان أخذهم إنما كان ~~المطلق صدور التكذيب منهم , وانهم لم يبادروا إلى الإيمان قبل التكذيب , ~~ويحتمل ان تكون الجملة حالا , والمعنى على كل تقدير : قطعنا دابرهم في حال ~~تكذيبهم وعدم إيمانهم ولما أتم سبحانه ما اراد من قصة عاد , اتبعهم ثمود ~~فقال { وإلى ثمود } أي خاصة , منع من الصرف لأن المراد به القبيلة , وهو ~~مشتق من الثمد وهو اتلماء القليل , وكانت مسامنهم الحجر بين الحجار والشام ~~إلى وادي القرى , أرسلنا { أخاهم صالحا } PageV03P056 ثم استنأنف غلإخبار ~~عن قوله - كما مضى في هود عليه السلام فقال : { قال ياقوم } مستعطفا لهم ~~بالتذكير بالقرابة وعاطف النسابة { اعبدوا الله } أي الذي لا كمال إلا له { ~~ما لكم } وأكد النفي بقوله : { من إله غيره } ولما دل على صدقه في ذلك أنهم ~~دعوا أوثانهم فلم تجيبهم , ودع هو صلى الله عليه وسلم ربه سبحانه فأخرج لهم ~~الناقة , علل صحة ما دعا إليه بقوله : { قد جاءتكم بيينة } أي ظاهرة جدا ~~على صدقي في ادعاء رسالتي وصحة ما امرتكم به , وازدهم رغبة بقوله : { من ~~ربكم } اي الذي لم يزل محسنا إليكم ؛ ثم استأنف بيانها بقوله : { هذه } ~~إليها بعد تكوينها تحقيقا لها وتعظيما لشأنها وشانه في عظيم خلقها ~~وسرعةتكونها لجلة ولما أشار إليها , سماها فقال : { ناقة الله } شرفها ~~بالإضافة إلى الاسم العظم , ودل على تخصيصها بهم بقوله : { لكم } فذرها ~~أيمما أنبت الله الذي له كل سيء وهي ناقبة كما ان الأرض كلها مطلقا أرضه ~~والنبات رزقه , ولذلك أظهر لئلا يختص أكلها بارض دون أخرى . | ولما أمرهم ~~بتركها لذلك , أكد المر بنهيهم عن أذاها فقال : { ولا تمسوها بسوء } فضلا ~~عما بعد المس { فيأخذكم } أي أخذ قهر بسبب ذلك المس وعقبه { عذاب أليم * } ~~اي مؤلم ولما أمرهم ونهاهم , ذكر لهم ترغيبا مشيرا إلى ترهيب فقال : { ~~واذكوا } أي نعمة الله عليكم { إذ جعلكم خلفاء } أي فيما أنتم فيه { من بعد ms1652 ~~عاد } أي إهلاكهم { وبوأكم في الأرض } أي جعل لكم في جنسها مسامن تبوءون أي ~~ترجعون إليها وقت راحتكم , سهل عليكم من عملها في أي أرض أردنم ما لم يسهله ~~على غيركم , ولهذا فسر المراد بقولم : { تتخذون } أي بما لكم من الصنائع { ~~من سهملها قصورا } أي أبنية بالطين واللبنوالآجر واسعة عالية حسنة يقصر أمل ~~الآمل ونظر الناظر عليها مما فيها من المرافق والمحاسن { وتنحتون الجبال } ~~أي أي جبل أرتم تقدرونها { بيوتا } ولما ذكرها بهذه النعم مرغبا , كرر ذلك ~~إشارة وعبارة فقال مسببا عما ذكرهم به : { فاذكروا } اي إذعان ورغبة ورهبقة ~~{ الآء } أي نعم { الله } اي الذي له صفات الكمال فلا حاجة به إلى أحد , ~~فإحسانه هو الإحسان في الحقيقة { ولا تعثوا في PageV03P057 الأرض } من ~~العثي وهو الفساد , وهو مقلوب عن العيث - قاله ابن القطاع , وحينئذ يكون ~~قوله : { مفسدين * } بمعنى معتمدين للفساد . | < < # | الأعراف : ( 75 - 79 ) قال الملأ الذين . . . . . # > > ^ ( قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم ~~أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بمآ أرسل به مؤمنون * قال الذين ~~استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون * فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم ~~وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين * فأخذتهم الرجفة ~~فأصبحوا في دارهم جاثمين * فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ~~ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين ) ^ } ) | ولما حصل الالتفات إلى جوابهم ~~, قيل : { قال الملأ } أي الأشراف , وبينه بقول : { الذين استكبروا } أي ~~أوقعوا الكبر واتصفوا به فصار لهم خلقا فلم يؤمنوا ؛ ونبه على التأ سية ~~بقوله : { من قومه } ولما قال : { للذين استضعفوا } كان ربما فهم انهم ~~آمنوا كلهم , فنفى ذلك بقوله مبدلا منه : { لمن آمن منهم } أي المستضعفين , ~~فهو أوقع في النفس وأروع للجنان من البيان في أول وهلة مع الإشارة إلى أن ~~أتباع الحق هم الضعفاء وأنه لم يؤمن إلا يؤمن إلا لبعضهم , ففيه إيماء إلى ~~أن الضعف أجل النعم لملازمته لطرح النفس المؤدي إلى الإدعان للحق , وبناؤه ~~للمفعول دليل على أنهم في غاية ms1653 الضعف بحيث يستضعفهم كل أحد { اتعلمون } أي ~~بدؤوهم بالإنكار صدا لهم عن يرضيهم { أن صالحا } سموه باسمه جفاء وغلطة ~~وإرهابا للمسؤولين ليجيبوهم بما يرضيهم { مرسل من ربه } وكأنهم قالوه ~~ليعلموا حالهم فيبنوا عليه ما يفعلونه , لأن المستكبيرين لا يتم لهم كبرهم ~~إلا بطاعة المستضعفين . | ولما عملوا ذلك منهم , أعملوهم بالمنابذة اعتمادا ~~على الكبير المتعال الذي يضمحل كل كبر عنده ولا يعد لأحد أمر مع امره بان { ~~قالوا } منبهين لهم على غلطتهم في توسيمهم في حالهم معبرين بما دل على ~~العلم بذلك والإذعان له { إنا بما أرسل به } ونبى للمفعول إشارة إلى ~~التعميم التصديق وإلى أن كونه من عند الله أمر مقطوع به لا يحتاج إلى تعيين ~~{ مؤمنون * } اي غريقوت في الإيمان به , ولذلك { قال الذين استكبروا } اي ~~في جوابهم معبرين بما يدل على المخالفة لهم والمعاندو { إنا بالذي } ووضعوا ~~موضع ( أرسل به ) - ردا لما جعلوه معلوما واخذوه مسلما { آمنتم به } أي ~~كائنا ما كان { كافرون * } ثم سبب عن قولهم قوله { فعقروا الناقة } أي التي ~~جعلها الله لهم آية , وعبر بالعقر دون النحر لشموله كل سبب لقتلها لأن ابن ~~إسحاق ذكر أنه PageV03P058 اجتمع لها ناس منهم فرماها أحدهم بسهم وضرب ىخر ~~قوائمها بالسيف ونحرها آخر فاطلق اسم السبب على المسبب , ولكن قوله تعالى : ~~< # > 77 ( { فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقره } ) 77 < # > [ القمر : 29 ] وقوله < # > 77 ( { إذا انعث اشقاها } ) 77 < # > الشمس : 91 ] وقوله صلى الله عليه وسلم ( انبعث لها رجل عزيز عارم منيع ~~في قومه ) قالوا : هو قدار بن سالف , جعلت له امرأة من قومه ابنتها إن ~~عقرها , ففعل فكان أشقى الأولين , وأشقى الاخرين عبد الرحمن بن ملجم ~~المرادي قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه , جعلت له قطام امرأة من بني ~~عجل جميلة نفسها إن قتله , فالمناسبة بينهما أن كلا منهما ألقى نفسه في ~~المعصية العظمى لأجل شهوة فرجه في زواج امراة , وقوله صلى الله عليه وسلم ( ~~اشقى الأولين عاقر الناقة ) يدل على أن عاقرها رجل واحد , وحينئذ يكون ~~المراد به قطع ms1654 القوائم , فحيث جمع أراد الحقيقة والمجاز معا , وحيث أفراد ~~ألااد الحقبقة فقط , فالتعبير به لأنه الصل والسبب الأعظم في ذبح الإبل ؛ ~~قال البغوي : قال الأزهري : العقر هو قطع عرقوب البعير , ثم جعل النحر عقرا ~~لأن ناحر البعير يعقره ثم ينحره - انتهى . | وكأن هذا إشارة إلى أن المراد ~~بالعقر في كلامه النحر , ولا ريب في أن أصل العقر في اللغة القطع , ومادته ~~تدور على ذلك , عقر النخلة , إذا قطع راسها فيبست , والفرس : ضرب قوائهما ~~بالسيف وأكثر ما يستعمل العقر في الفساد , وأماالنحر فيستعمل غالبا في ~~الانتفاع بالمنحور لحما وجلدا وغيرهما , فلعل التعبير به دون النحر إشارة ~~إلى أنهم لم يقصدوا بنحرها إلا إهلاكهاعتوا على الله وعنادا وفعلا للسوء ~~مخالفة لنهي صالح عليه السلام , ولا يشكل ذلك بما ورد من أنهم اقتسموا ~~لحمها , لأنه لم يدع أن العقر يلزمه عدم الانتفاع بالمنحور , وعلى التنزيل ~~فهم لم يريدوا بذلك الانتفاع باللحم , وإنما قصدوا - حيث لم يمكنهم ~~المشاركة جميعا في العقر - ان يشتركوا فيما نشا عنه تعريضا برضاهم به ~~ومشاركتهمفيه بما يمكنهم { وعتوا } أي تجاوزوا الحد في الغلطة والتكبير { ~~عن أمر } اي امتثال امر { ربهم } أي المحسن أي المحسن إليهم الذي اتاهم على ~~لسان رسوله من تركها { وقالوا } زيادة في العتو { ياصالح ائتنا } ولما ~~نزلوا وعيدهم له - حيث لم يؤمنوا به - منزلة الوعد والبشارة قالوا : { بما ~~تعدنا } استخفافا منهم ومبالغة في التكذيب , كانهم يقولون : نحن على القطع ~~بانك لا تقدر أن تأتينا بشيء من ذلك , وإن كنت صادقا فافعل ولا تؤخره رفقا ~~بنا وشفقة PageV03P059 علينا , فإنا لا نتأذى بذلك , بل نتلذذ من يلقى ~~الوعد الحسن , وحاصله التهكم منهم به والإشارة إلى عدم قدرته ؛ وأكدوا ذلك ~~بقولهم بأداة الشك : { إن كنت من المرسلين * } اي الذين سمعنا أخبارهم فيما ~~مضى ؛ ثم سبب عن عتوهم قوله : { فأخذتهم الرجفة } أي التي كانت عنها أو ~~منها الصحية , أخذ من هو في القبضة على غاية من الصغار والحقارة , ولعل ~~توحيد الدار هنا مع الرجفة في قصة صالح وشعيب عليهم السلام ms1655 في قوله تعالى : ~~{ فأصبحوا في دارهم } اي مساكنهم , وجمعها في القصتين مع الصحية , في سورة ~~هود عليه السلام للإشارة إلى عظم الزلزلة والصحية في الموضعين , وذلك لن ~~الزلزلة إذا كانت في شيء واحد كانت أمكن , فتكون في المقصود من النكال أعظم ~~, والصحية من شأنها الانتشار , فظغذا عمت الأماكن المتنائية والديار ~~المتباعدة فأهلكت اهلها ومزقت جماعتها وفرقت شملها , كانت من القوة المفرطة ~~والشدة البالغة بحيث تنزعج من تأمل وصفها النفوس وتجب له القلوب , وحاصلة ~~أنه حيث عبر بالرجفة وحد الدار إشارة إلى شدة العذاب بعظم الاضطراب , وحيث ~~عبربالرجفة وحد الدارإشارة إلىشدة العذاب بعظم الاضطراب , وحيث عبر بالصيحة ~~جمع إيماء إلى عموم الموت بشدة الصوت , ولا مخالفة لأن عذابهم كان بكل منها ~~, ولعل إحداهما كانت سببا للأخرى , ولعل المراد بالرجفة اضطراب القلوب ~~اضطرابا قطعيا , أو أن الدار رجفت فرجفت القلوب وهواقرب , وخصت الأعراف بما ~~ذكر فيها , لأن مقصودها إنذار المعرضين , والرجفة أعظم قرعا لعدم الإلف لها ~~- والله اعلم { جاثمين * } أي باركين على ركبهم لازمين اماكنهم لا حراك ~~بأحد منهم , ولم يبق منهم في تلك الساعة أحد إلا رجل واحد كان في الحرم , ~~فلما خرج منه اصابه ما أصاب قومه وهو أبو رغال , ومسافة الحرم عن ارضيهم ~~تزيد على مسيرة عشرة أيام , ومن الآيات العظيمة أن ذلك الذي خلع قلوبهم ~~وأزال ارواحهم لم يؤثر في صالح عليه السلام والمستضعفين معه شيئا وذلك مثل ~~الريح التي زلزلت الأحزاب , وأنالتهم أشد العذاب ورمتهم بالحجارة والتراب ~~حتى هزمتهم وما نال النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه منها كبير أذى , ~~وكفها الله عن حذيفة , وكذا البرد الذي كان ذلك زمانه لما ارسله النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليتعرف له أخبارهم ولما أصابهم ذلك , سبب لهم الهجرة عن ~~ديارهم ديار السوء والغضب واللعنة فقال تعالى إعلاما لنا بذلك : { فتولى } ~~أي كلف نفسه الإعراض { فتولى } أي كلف نفسه الإعراض { عنهم وقال } أي لما ~~أدركه من أحوال البشر من الرقة على فوات إيمانهم وهم اصله وعشيرته { ياقوم ~~} أي PageV03P060 الذين يعز ms1656 علي ما يؤذيهم { لقد ابلغكم } ولعله وحد قوله : ~~{ رسالة بي } لكون آتيه واحدة { ونصحت } وقصر الفعل وعداه باللام فقال : { ~~لكم } دلالة على أنه خاص بهم , روي أنه خرج عنهم في مائة وعشرة من المسلمين ~~وهويبكي , وكان قومه ألفا وخمسمائه دار , وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ~~ديارهم ولما كان التقدير : ففعلت معكم ماهو مقتض لأن تحبوني لأجله , عطف ~~عليه قوله : { ولكن } لم تحبوني , هكذا كان الصل ولكنه عبر بما يفهم أن هذا ~~كان دأبهم وخلقا لهم مع كل ناصح فقال : { لا تحبون } أي حاكيا لحالهم ~~الماضية { الناصحين } أي كل من فعل فعلي من النصح التام | < < # | الأعراف : ( 80 - 85 ) ولوطا إذ قال . . . . . # > > ^ ( ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين * إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء بل أنتم قوم مسرفون * ~~وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون * ~~فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين * وأمطرنا عليهم مطرا فانظر ~~كيف كان عاقبة المجرمين * وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره قد جآءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم ~~مؤمنين ) ^ } ) | ولما أتم سبحانه ما وفى بمقصد هذه السورة في هذا السياق ~~من قصتهم , اتبعه من بعده ممن تعرفه العرب كما فعل فيما فقال : { ولوطاإذ ~~قال } ولما كانت رسالته مدن شتى , وكأنهم كانوا قبائل شتى , قيل : كانوا ~~خمسة وهي الؤتفكات , وقيل : كانوا أبعة آلاف بين الشام والمدينة الشريفة , ~~قال : { لقومه } وقد جوزوا ان يكون العامل فيه { أرسلنا } و { اذكر } ولا ~~يلزم من تقدير { أرسلنا } ان يكون إرساله في وقت تفوهه لهم بهذا القول غير ~~سابق عليه , لأنه كما أن ذلك الزمن - المنطق على أول قوله وآخره - وقت له ~~فكذلك اليوم - الذي وقع فيه القول - وقت له , بل وذلك الشهر وتلك السنة ~~وذلك القرن , فإن من شأن العرب تسمية الأيام المشتركة في ms1657 الفعل الواحد يوما ~~, قالوا : يوم القادسية , وهو أربعة ايام إن اعتبرنا مدة القتال فقط , وعدة ~~شهور إن اعتبرنا بالاجتماع له , وكذا يوم صفين , وقال تعالى في قصة بدر { ~~وإذ يعدكم الله إحدى الطافئين أنهاكم } إلى ان قال : { إذ تستغيثون ربكم } ~~إلى أن قال : { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } ^ ( { إذ يوحي إلى الملائكة } ~~) ^ [ الأنفال : 7 ] وكلها إبدال من قوله : PageV03P061 { وإذ يعدكم الله ~~إحدى الطائفين } ولا ريب في أن زمان الكل يكن متحداإلا بتأويل جميع ألايام ~~المتعلقة بالوقعة من سير وقتال وغير ذلك - والله اعلم , وعبر في قصة نوح ~~عليه السلام ب < # > 77 ( { أرسلنا نوحا إلىقومه } ) 77 < # > [ الأعراف : 59 ] ثم نسق من بعده عليه فقيل : < # > 77 ( { وإلى مدين أخاهم هودا } ) 77 < # > [ الأعراف : 65 ] < # > 77 ( { وإلى ثمود أخاهم صالحا } ) 77 < # > [ الأعراف : 73 ] < # > 77 ( { وإلى مدين أخاهم شعيبا } ) 77 < # > [ الأعراف : 85 ] وعدل عن هذا السلوب في قصة لوط فلم يقل : وإلى أهل ~~أدوما أخاهم لوطا , أو إلى أهل سدوم لوطا أو وأرسلنا لوطا إلى قومه ونحو ~~ذلك كما سيأتي في قصة موسىعليه السلام , لأن من أعظم المقاصد بسياق هذه ~~القصص تسلية النبي صلى الله عليه وسلم , في مخالفة قومه له من العذاب , ~~وقصص من عدا قوم لوطفزائده عن ذلك بأمر فظيع عظيم الشناعة شديد العار ~~والفحش فعدل عن ذلك النسق تنبيها عليه تهويلا للامر وتبشيعا له , ليكون في ~~التسلية أشد , وفي استدعاء الحمد والشكر أتم , وحينئذ يترجح أن يكون العامل ~~{ اذكر } لا { أرسلنا } أي وأذركر لوطا وما حصل عليه من قومه زيادة على ~~شركهم من رؤيته فيهم هذا الأمر الذي لم يبق للشناعة موضعا , فالقصة في ~~الحقيقة تسلية وتذكير بنعمة معافاة العرب من مثل هذا الحال وإنذارلهم سوء ~~المآل مع ما شاركت فيه اخواتها من الدلالة على سوء جبلة هواء جلبة هؤلاء ~~القوم وشرارة جوهرهم المقتضى لتفردهم عن اهل الأرض بذلك الأمر الفاحش , ~~والدليل على انه اشنع الشنع بعد الشرك - مع ما جعل الله تعالى في كل طبع ~~سليم من النفرة عنه - اختصاصه بمشاركته ms1658 للشرك في أنه لم يحل في ملة من ~~الملل في وقت من الوقات ولا مع وصف من الأوصاف , وبقية المحرمات ليست كذلك ~~, فأما قتل النفوس فقد حل في القصاص والجهاد وغير ذلك , والوطء في القبل لم ~~يحرم إلا بقيد كونه بالباطل - وكذا غير ذلك ؛ قال أبو حيان : ولما الأصل ~~فيه الحل , وما حرم إلا بقيد كونه زنى , ولولا الوصف الحل , واكل المال ~~الأصل فيه الحل , وما حرم إلا بقيد الباطل - وكذا غير ذلك ؛ قال أبو حيان : ~~ولما كان هذا الفعل معهودا قبحه ومركوزا في العقول فحشه , أتى معفا - أي في ~~قوله بعد إنكاره عليهم وتقريعه وتوبيخهلهم : { أتأتون الفاحشة } أتفعلون ~~السيئة المتمادية في القبح وإن كان بينكم وبينها مسافة بعيدة - أو تكون ( ~~أل ) فيه للجنس على سبيل المبالغة , كأنه لشدة قبحه جعل جميع الفواحش ولبعد ~~العرب عن ذلك البعد التام , وذلك بخلاف الزنى فإنه قال فيه < # > 77 ( { ولا تقربوا الزنى انه كان فاحشة } ) 77 < # > [ الإسراء : 32 ] ولما كان غير مستبعد على صفاته وجوههم ووقاحتهم ان ~~يقولون : لم تكون فعلتنا PageV03P062 منكرا موبخا عليها ؟ قال : { ما سبقكم ~~بها } وأغرق في النفي بقوله : { من أحد } وعظم ذلك بتعميمه في قوله : { من ~~العالمين } فقد اختراعهم شيئا لا يكون مثل فحشه لتذكروا أسوا ذكر , كما أن ~~ذوي الهمم العوال والفضل والكمال يستنبطون من المحاسن والمنافع ما يبقى لهم ~~ذكره وينفعهم أجره , وفي ذلك اعظم إشارة إلى تقبيح البدع والتشنيع على ~~فاعليها , لأن العقول بمعرفة المحاسن , ولما ابهم الفاحشة ليحصل التشوف إلى ~~معرفتها , عينها في استفهام آخر كالأول في إنكاره وتوبيخه ليكون أدل على ~~تناهي الزجر عنها فقال : { أئتكم لتأتون الرجال } أي تغشونهم غشاء النساء ؛ ~~ولما أبقى للتشوق مجالا , عين بقوله : { شهوة } أي مشتهين , أو لأجل الشهوة ~~, لا حامل لكم على ذلك إلا الشهوة كالبهائم التي لا داعي لها من جهة العقل ~~, وصرح بقوله : { من دون النساء } فلما لم يدع لبسا , وكان هذا ربما أوهم ~~إقامة عذر لهم وجدان النساء أو عدم كفايتهم لهم , أضرب عنه بقوله ms1659 : { بل ~~أنتم قوم } ولما كان المقصود هذه السورة الإنذار كان الأليق به افسراف الذي ~~هو غاية الجهل المذكور في سورة النمل فقال { مسرفون * } أي لم يحملكم على ~~ذلك ضرورة لشهوة تدعونها , بل اعتياد المجاوز للحدود , ولم يسم قوم لوط في ~~سورة من السور كما سميت عاد وثمود وغيرهم صونا للكلام عن تسميتهم , واما ~~قوم نوح فإنما لم يسموا لعدم تفرق القبائل إذ ذاك , فكانوا لذلك جميع أهل ~~الأرض ولذا عمهم الغرق - الله اعلم ولما كان كانه قيل : هذا التقريع يوجب ~~غاية الاستحياء , بل إنه يذهب كل من سمعه منهم إلى كمان لا يعرف فيه سترا ~~لحاله , فيما ليت شعري ما كان حالهم عنده ! فقيل : كان كانهم أجابوه بوقاحة ~~عظيمه وفجور زائد على الحد , فما كان جوابهم إلا أذى لوط عليه السلام وآله ~~بما استحقوا منهم به الإنذار الذي هو مقصود السورة , عطف عليه قوله : { وما ~~كان جواب قومه } أي الذين هم أخل قوة شديدة وعزم عظيم وقدرة على القيام بما ~~يحاولونه { إلا أن قالوا } ولما كان المقصود بيان أنهم اسرعوا إجابته بما ~~ينكيه اضمر ما لا يشكل بالإضمار , أو أنه لما كان السياق لبيان الخبيث بين ~~أنه لا اخبيث من هؤلاء الذين بلغ من رذالتهم أنهم عدوا الطاهرين المتطهرين ~~مما يصان اللسان عن ذكره فقال تعالى مشيرا ذلك في حكاية قولهم : { أخرجوهم ~~} اي المحدث عنهم , وهم لوط ومن انضم إليه { من قريتكم } والمراد ببيان ~~الإسراع في هذا تسلية النبي صلى الله عليه وسلم من رد قومه لكلامه لئلا ~~PageV03P063 يكون في صدره حرج من إنذارهم , ثم عللوا إجراجهم بقولهم : { ~~إنهم أناس } أي ضعفاء { يتطرون } وكأنهم قصدوا بالتفعيل نسبتهم إلى محبة ~~هذا الفعل القبيح , وأن تركهم له هم تصنع وجهة وإظهار له رياء بما اشار ~~إليه إظهار تاء التفعيل , وفيه مع ذلك حرف من السخرية , وحصرجوابهم في هذا ~~المعنى المؤدي بهذا اللفظ لا يتنافى آية العنكبوت القائلة < # > 77 ( { فما كان جواب قومه إلا قالواائتنا بعذاب الله } ) 77 < # > , لأن إطلاق الجواب على هذا ms1660 يجوز , والمهنى : فما كان قولهم في جوابه ~~إلا إتيانهم بما لا يصلح جوابا , وذلك مضمون هذا القول وغيره مما لا يتعلق ~~بالجواب , أو أن هذا الجواب لما كان - لما فيه من التكذيب والإيذان ~~بالإصرار والإغلاظ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مستلزما للعذب , كانوا ~~كانهم نطقوابه فقالوا { ائتنا بعذاب الله } , حعل نطقهم بالسبب نطقا ~~بالمسبب , أنهم استعملوا لكل مقام مقالا , ويؤيده أن المعنى لما اتحد هنا ~~وفي النمل حصر الجواب في هذا , اي فما كان جوابهم لهذا القول إلا هذا ؛ ~~ولمازادهم في العنكبوت في التقريع فقال : < # > 77 ( { ائتكم لتاتون الرجال وتقطعون السبيل وتاتون فيناديكم المنكر } ) ~~77 < # > [ العنكبوت : 29 ] أتوه بابلغ من هذا تكذيبا واستهزاء فقالوا { ائتنا ~~بعذاب الله } الآية . | ولما تسبب عن عنادهم إهلاكهم وإنجاؤه , وكان ~~الإعلام بإنجائه - مع كونه يفهم إهلاكهم - أهم قال : { فأنجيناه وأهله } أي ~~من اطاعه { إلا امراته } ولما كان كانه قيل : ما لها ؟ قال : { كانت من ~~الغابرين * } أي الباقين الذين لحقهم بالعذاب العبرة والتذكير إشارة إلى ~~انها أصابها مثل عذاب الرجال سواء , لم تنقص عنهم لأنها كانت كافرة مثلهم . ~~| ولما افهم هذا إهلاكهم , بينه دالا على نوعه بقوله : { وامطرنا } أي ~~حجارة الكبريت بعد أن قلعت مدائنهم ورفعت وقلبت حتى رجم بها مسافروهم ~~وشذابهم لأنه عذاب الاستئصال عمن لا يعجزه شيء ؛ واوضحه بقصره الفعل ~~وتعديته بحرف الاستعلاء فقال : { عليهم } واكد كونه من السماء لا من سطح أو ~~جبل ونحوه بقوله : { مطرا } واشار إلى عظمة مزيلا للبي أصلا بما سبب عنه من ~~قوله : { فانظر كيف كان عاقبة } أي آخر امر { المجرين - * } واظهر موضع ~~افضمار تعليقا للحكم بوصف القطع لما حقه الوصل بوصل ما حقه القطع من فاحش ~~المعصية دليلا على أن الرجم جزاء من فعل هذا الفعل بشرطه , لأن الحكم يدور ~~مع العلة , وسياتي في سورة هود عليه السلام سياق قصتهم من التوراة بعد ان ~~مضى في البقرة عند < # > 77 ( { إذ قال له ربه أسلم } ) 77 < # > PageV03P064 [ البقرة : 131 ] اوائل امرهم , وهذا كما سومت الحجارة ~~لقريش - لما اجمعوا أن ms1661 يرجعوا بعد توجههم عمن غزوة أحد من الطريق - ليفرغوا ~~من النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه على زعمهم , كما قال صلى الله عليه ~~وسلم ( والذي نفسي بيده ! لقد سومت لهم الحجارة , ولو رجعوا لكانوا كامس ~~الذاهب ) ولكنه صلى الله عليه وسلم لما كان رسول رحمة لم يقض الله برجوعهم ~~فمضوا حتى اسلم بعد ذلك كثير منهم , وكما أمطر الله الحجارة على أصحاب ~~الفيل سنة مولده صلى الله عليه وسلم حماية لبلده ببركته . | ولما انقضت هذه ~~القصة العجيبة في القصص , أعاد النسق الول فقال { وإلى مدين } أي ارسلنا ~~وهي بلد , وقيل فبيلة من اولاد مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام { أخاهم ~~} أي من النسب , وبينه بقوله : { شعيبا } وهوموصوف بأنه خطيب الأنبياءعليهم ~~السلام لحسن مراجعة قومه ؛ ثم استأنف قوله على ذلك النسق : { قال ياقوم } ~~دالا على النصيبحة والشفقة بالتذكير بالقرابة , وبدأ بالصل المعتبر في جميع ~~الشرائع المأثورة عن الأنبياء عليهم السلام فقال : { اعبدوا الله } أي الذي ~~يستحق العبادة لذاته بما له من السماء الحسنى والصفات العلى ولما كان ~~المراد إفراد بالعبادة لأنه لا يقبل الشرك لأنهغني , علل ذلك بقوله : { ما ~~لكم } وأغرق في النفي بقوله : { قد جاءتكم } أي على يدي صحة دعواه في نفسها ~~وصدقة في دعوى الرسالة بقوله : { قد جاءتكم } أي على يدي { بينه } ولما كنا ~~عالمين من قوله النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه الشيخان عن أبي هريرة ~~رضى الله عنهما ( من الأنبياء نبي إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه ~~البشر ) أن هذه البينة معجزة , مثلها كاف في صحة الدعوى ولم تدع ضرورة إلى ~~ذكرها لنا , لو تعن ؛ ثم زادهم ترغيبا بقوله : { من ربكم } أي الذي لم تروا ~~إحسانا إلا منه ولما كان إتيانه بالبينات سببا لوجوب امتثال أمره , قال ~~مسببا عنه : { فأوفوا الكيل } أي و المكيال والوزن { والميزان } أي ابذلوا ~~ما تعطون بهما وافيا فالآية من الاحتباك , وكان المحكي عنه هنا من اوئل ~~قوله لهم فترك التاكيد الرافع لمجاز المقاربة بذكر القسط ولما كان الأمر ~~بالوفاء ms1662 يتضمن النهي عن البخس , صريح به على وجه يعم غيره PageV03P065 فقال ~~: { ولا تبخسوا } أي تنقضوا وتفسدوا كما أفسد البخسة { الناس أشياءهم } أي ~~شيئا من البخس في كيل ولا وزن زلا غيرهما , والناس - قال القاموس - يكون من ~~افنس ومن الجن جمع إنس أصله أناس جمع عزيز أدخل عليه : أل ( وقال أبو عبد ~~الله القزاز : الماس أصله عند البصريين أناس , ثم أدخلوا اللف واللام على ~~ذلك وحذفوا الهمزة وبقي الناس , وكان أصله فعال من : أنست به , فكانه قيل : ~~أناس - يعني على القلب , قال : لأنه يؤنس إليهم - انتهى . | إذا علم هذا ~~علم أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن بخس الجمع الذين فيهم قوة المدافعة نهى ~~عن بخس الواحد من باب الأخرى لأن الشرائع إنما جاءت بتقوية الضعيف على حقه ~~. | ولما نهى عن الفساد بالبخس , عم كل الفساد فقال : { ولا تفسدوا } أي ~~توقعوا الفساد { في الأرض } بوضع شيء من حق الحق أو الخلق في غيره موضعه ؛ ~~ولما نهاهم عن هذه الرذائل , ذكر بنعمة الله تاكيدا للنهي بما في ذلك من ~~التخويف وحثا على التخلق بوصف السيد فقال : { بعد إصلاحها } أي إصلاح الله ~~لها بنعمة الإيجاد الول بخلقها وخلق منافعها وما فيها على هذا النظام ~~البديع المحكم ثم بنعمة الإبقاء الول بإنزال الكتب وإرسال الرسل ونصب ~~الشرائع التي بها يحصل النفع وتتم النعمة بإصلاح أمر المعاش والمعاد بتعظيم ~~أمر الله والشفقة على خلق الله , ويجمع ذلك كله التنزه عن الإساءة ولما ~~تقدم إليهم بأمر والنهي , أشار إلى عظمة ما تضمنه ذلك حثا لهم على امتثاله ~~فقال : { ذلكم } أي الأمر العظيم العالي الرتبه مما ذكر في هذه االقصة { ~~خير لكم } ولما كان الكافر ناقص المدراك كامل المهالك , أشارإلى ذلك بقوله ~~: { إن كنتم مؤمنين * } أي فلا تفسدوا أو فأنتم تعرفون صحة ما قلته , وإذ ~~عرفتم صحته عملتم به , وإذا عملتم به أفلحتم كل الفلاح , ويجوز - وهوأحسن - ~~أن يكون التقدير : فهو خير لكم , لأن المؤمن يثاب على فعله لبنائه له على ~~أساس الإيمان , والكافر أعماله فاسده فلا ms1663 يكون فعله لهذه الأشياء خيرا له ~~من جهة إسعادة في الآخرة لأنه لا ثواب له . | ولما تقدم إليهم بالأمر ~~والنهي ، أشار إلى عظمة ما تضمنه ذلك حثا لهم على امتثاله فقال { ذلكم } أي ~~الأمر العظيم العالي الرتبة مما ذكر في هذه القصة { خير لكم } ولما كان ~~الكافر ناقص المدارك كام المهالك ، أشار إلى ذلك بقوله { إن كنتم مؤمنين } ~~أي فلا تفسدوا أو فأنتم تعرفون صحة ما قلته ، وإذا عرفتم صحته عملتم به ، ~~وإذا علمتم به أفلحتم كل الفلاح ، ويجز - وهو أحسن - أن يكون التقدير : فهو ~~خير لكم / لأن المؤمن يثاب على فعله لبنائه له على \ أسا الإيمان ، والكافر ~~أعماله فاسدة فلا يكون فعله لهذه الأشياء خيرا له من جهة إسعاده في الآخرة ~~لأنه لا ثواب له . < < # | الأعراف : ( 86 - 87 ) ولا تقعدوا بكل . . . . . # > > ^ ( ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به ~~وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة ~~المفسدين * وإن كان طآئفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطآئفة لم يؤمنوا ~~فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ) ^ } ) | ولما كان للتعميم ~~بعد التخصيص والتفصيل بعد الإجمال من الموقع في النفوس PageV03P066 ما لا ~~يخفى , وكان النهي عن الإفساد بالصد عن سبيل الله هو المقصود بالذات لأنه ~~ينهي عن كل فساد , خصه باذكر إشارة إلى أنه زبدة المراد بعد التعميم فقال : ~~{ ولا تقعدوا } أي لاتفعلوا فعل المترصد المقبل بكليته { بكل صراط } أي ~~طريق من طرق الدنيا والدين من الحلال والحرام والوامر والنواهي والمحكم ~~والمتشاد والأمثال { توعدون } أي تتهددون من يسلكه بكل شريوافقهم على ما ~~تريدون . | ولما كان طريق الدين أهم , خصة بالذكر فقال : { وتصدون } أي ~~توقعون الصد على سبيل الاستمرار { عن سبيل الله } أي طريق من له الأمر كله ~~؛ ولما ذكر الصدود عنه , ذكر المصدر فقال : { من آمن به } آي بالله فسلك ~~سبيله التي لا اقوم منها ؛ ولما كانوا لا يقنعون بمطلق الصد بالتهديد ونخوه ~~, بل يبدون للمصدر شبها توهمه أنه على ضلال , قال عاطفا ms1664 : { وتبغونها عوجا ~~} أي وتطلبون السبيل حال كونها ذات عوج , أي تطلبون اع وجاجها بإلقاء ~~الشبهات والشكوك كما تقول : أريد فلانا ملكا , أي أريد ملكه , وقد تقدم في ~~آل عمران أن نصبه على الحال أرجح , وان قال قوله صلى الله عليع وسلم في ~~الصحيح ( ابغني أحجارا أستنقض بها ) يرجح نصبه على المفعولية - والله اعلم ~~. | ولما كانت أفعالهم نقص الناس إما في الأموال بالبخس وإما في الإيمان ~~والنصرة بالصد , ذكرهم أن الله تعالى فعل معهم ضذ ذلك من التكثير بعد القلة ~~في سياق منذر باجتثاثهم عن وجه الرضى وخصهم فضلا عن تقليلهم ونقصهم , فقال ~~عطفا على قوله { اعبدوا الله } وما بعده من الأوامر والنواهي : { واذكروا } ~~أي حين { كنتم قليلا } أي في العدد والمدد { فكثركم } أي كثر عددكم ~~واموالكم وكل شيءء ينسب إليكم , فلا تقابلوا النعمة بضدها , فإن ذكر النعمة ~~مرغب في الشكر ولما رغبهم بالتذكير بالنعمة , حذرهم بالتذكير بأإهل النقمة ~~فقال : { وانظروا كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { المفسدين * } أي في عموم ~~الإهلاك بأنواع العذاب لتحذروا من أن يصيبكم مثل ما أصابهم كما صرح به في ~~سورة هود لكون الحال هناك مقتضيا للبسط كما سياتي إن شاء الله تعالى ولما ~~حذرهم وخامه الفساد الذي نهاهم عنه , وعلق انتهاءهم عنه بوصف الأيمان , ~~PageV03P067 رجع إلى قسم ما شرط به الانتهاء عن الإفساد فقال : { وإن كان ~~طائفة منكم } إي جماعة فيهم كثرة بحيث يتحلقون بمن يريدون { آمنوا بالذي ~~أرسلات به } وبناه للمفعولإشارة إلى ان الفاعل معروف بما تقدم من السياق , ~~وأنه صار بحيث لا يتطرق إليه شك لما نصب من الدلالات { وطائفة } أي منكم { ~~لم يؤمنوا } أي بالذي ارسلني به من أيدني بما عملتم من البينات , وحذرهم ~~سطوته بقوله : { فاصبروا } اي أيها الفريقان { حتى يحكم الله } أي الذي له ~~جميع العظمة { بيننا } أي بين فريقنا بإعزاز المصلح وإهلاك المفسد كما أجرى ~~بذلك عادته { وهو } اي الحال انه { خير الحاكمين * } لأنه يفصل النزاع على ~~أتم وجه وأحكمه . | < < # | الأعراف : ( 88 - 89 ) قال الملأ الذين . . . . . # > > ^ ( قال الملأ الذين ms1665 استكبروا من قومه لنخرجنك يشعيب والذين آمنوا ~~معك من قريتنآ أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين * قد افترينا على ~~الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنآ أن نعود ~~فيهآ إلا أن يشآء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا ~~افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ) ^ } ) | ولما انتهى كلامه ~~عليه السلام على هذا الوجه البديع , أخبر سبحانه بما افهم أن قومه لم يجدوا ~~جوابا عنه اصلا لأنهم انتقلوا إلى الدفاع بالفعل , وهو أمارة الانقطاع , ~~فقال مستانفا : { قال الملأ } أي الأشراف { الذين استكبروا } اي اوجدوا ~~الكبرإيجاد من هو طالب له بغاية الرغبة , وخصهم ليحصل تمام التسلية بقوله : ~~{ من قومه لنخرجنك } وبين غلظهم وحفاءهم بقولهم : { ياشعيب } من غير ~~استعطاف ولا إجلال { والذين آمنوا } وبجوز أن يتعلق قوله : { معك } ب ( ~~آمنوا ) مب ( نخرج ) { من قريتنا } اي من المكان الجامع لنا لمفارقتكم ~~إيانا { أو لتعودن } اي إلا أن تعودوا , أي ليكونن آخر المرين : إما ~~الإخراج وإما العود { في ملتنا } أي بالسكوت عنا كما كنتم , ولم يريدوا منه ~~العود إلى الكفر لأنه صلى الله عليه وسلم كان محفوظا قبل النبوة كغخوانه من ~~الأنبياء عليهم السلام , بل كانوا يعدون سكوته عليه السلام - قبل إرساله ~~إليهم من دعائهنم وسب آلهتهم وعيب دينهم - كونا في ملتهم , ومرادهم الآن ~~رجوعه عليه السلام إلى تلك الحالة والقناعة ممن اتبعه بذلك , فيكون مرادهم ~~بالعود حقيقة في الجميع ولما كان من افخراج والرد مستعظما , أخبر تعالى انه ~~انكره بقوله : { قال اولو } أي اتخرجوننا أو تعيدوننا لو كنا راضين للإخراج ~~والعود ولو { كنا كارهين } ولما كان العرب ابعد الناس من مطلق الكذب واشدهم ~~له تحاميا ومنه نفرة فكيف بالكذب على الأكابر فكيف به على المكلوك فيكف به ~~على ملك الملوك ! علق الكذب PageV03P068 على الله تعالى بالعود إلى ملتهم ~~بقوله مستأنفا افخبار لمن تشوف إلى علم ما كان منه بعد هذا الكلام اللين ~~وتوقع غيره : { قد افترينا } أي تعمدنا الآن ms1666 بما نقوله لكم , أي من أن الله ~~حرم الكفر والإقرار عليه { على الله } أي الذي له جميع العظمة { كذبا ويجوز ~~أن يكون تنويه للتعظيم , ويجوز أن يكون للتحقير , ولكل وجه يدعو إليه ~~المقام لا يخفى { إن عدنا } أي ساعة من الدهر { في ملتكم } أي بسكوتنا أو ~~بسكوتي وكفر من كان ممن تبعني كافرا { بعد إذ نجانا الله } اي الملك العلى ~~خارقا للعادة بما كنا جديرين بالانغماسفيه متابعة للآباء والأجداد والعشيرة ~~بما له من القدرة والعظمة { منها } اي إن فعلنا ذلك فقد ارتكبنا أقبح ~~القبائح على بصيرة منا بذلك , فهوتعليق على محال عادة وهو من وادي قول ~~الأشتر النخعي . | بقيت وفري وانحرفت عن العلى ولقيت أضيافي بوجه عبوس إن ~~لم أشن على ابن هند غارة لم تخل يومامن نهاب نفوس | غير ان المعلق في البيت ~~تقديري , وفي الآية تحقيقي , لأنهم أخبروهم أن الله تعالى نهى عن الكفر ~~وامرهم بإنذار كل كافر , فمتى تركوا ذلك لزمهم الكذب حتما { وما يكون لنا } ~~أي يصح وما يتفق { أن نعود فيها } اي ملكتم . ولما كان الله سبحانه ان يفعل ~~ما يشاء لا واجب عليه ولا قبيح منه , أشار إلى ذلك بقوله : { إلا يشاء الله ~~} فذكر اسم الذات إشارة إلى أن له جميع الحمد لذاته ؛ ثم ذكر صفه الإحسان ~~عياذا من أن يراد بهم الهوان فقال : { ربنا } أي خرق العادة فله ذلك , فهو ~~من باب التذكر للمخاوف والإشراف على إمكان سوء العواقب للصدق في التضرع إلى ~~الله تعالى والالتجاء إليه والاستعاذه من مكره , ولذلك اتى باسم الجلالة ~~الجامع لجميع معاني السماء الحسنى وصفة الربوبية الملتمس بذكرها فعل ما ~~يفعل لمربي الشفيق , فكأنه قال : إن عودنا في ملتكم غير ممكن عادة , ~~والمحال عادة لا يقدر عليه إلا بقدر من الله , بل ولا توجه الهمم إليه , ~~والله تعالى أكرام من ان يعود فيما وهبة لنا من هذا الأمر الجليل , وينزع ~~عنا هذا اللباس الجميل , وهو صريح في ان الكفر يكون بمشيئة الله , بل ولا ~~يكون إلا بمشيئة , وقوله ms1667 : { وسع ربنا } أي المحسن إلينا { كل شيء علما } ~~زيادة في حث أمته على الالتجاء والتبري من الحول والقوة , أي لا علم لنا ~~بخواتم العمال والعلم لله فهو التام العلم الكامل القدرة , فهذه الجملة ~~كالتعليل للتعليق بالمشيئة قطعا - لما عساه أن يحدث من طمع المخاطبين في ~~عودخم , كانه قيل : وإنما علقنا العود بالمشيئة لنقص علومنا , فربما كان في ~~سعة علمه قسم ثالث , وهو أن نكون في القرية على ديننا وتكونون أنتم أو لا , ~~أو توافقوننا على ما نحن عليه , وهكذا PageV03P069 ينبغي للمربوب , ولا ~~ينبغي الجزم بأمر يستقبل إلا الله ربنا لإحاطة علمه , والآية تدل على انه ~~كان في الأزل عالما بكل شيء من الكليات والجزئيات لأن ( وسع ) ماض , وقد ~~تقدم في الأنعام أن قول الخليل عليه السلام وهذا وآية الكهف من مخبر واحد - ~~والله أعلم ولما كان المراد من هذا ما ذكر , كان مزعجا للقلوب مقلقا للنفوس ~~مزعزعا للخواطر مزلزلا للأفكار بتامل هذه الخطار المشفية على غالية الخسار ~~, فكأن المؤمنين قالوا : ما العمل وأين المفر ؟ فقال : { على الله } اي ~~الذي له الأمر كلهولا أمر لأحد معه , وحده لا على غيره { توكلنا } اي فوضنا ~~جميع امورنا إليه , وهو أكرم من ان يختار لنا غير الأرشد وقد تبرأنا من ~~حولنا وقوتنا واعتصمنا بحوله وقوته , وجعلنا جميع امورنا كلها محمولة على ~~قدرته كما يحمل الوكيل امر موكله عنه ويريحه من همه وقلقله منه . | ولما ~~جرت العادة بان الموكل يخبر الوكيل بما يريد ليفعله , أتبع ذلك الدعاء ~~بالحكم بما يقضيه ظاهر الحال من نصر المحق وخذل امبطل فقال : { ربنا } أي ~~أيها المحسن إلينا { افتح } أي احكم { بيننا } ولما كان يريد استعطافهم ~~لإسعادهم قال : { وبين قومنا } وفيه إشارة إلى ميله إلى الدعاء بهدايتهم , ~~وأدب بعدم التصريح بما لم يؤذن له فيه { بالحق } أي بالأمر الفيصل من ~~معاملة كل من المحق والمبطل بما يستحقه شرعا وعرفا بحيث يكون الكل فريق باب ~~يصل به إلى غاية أمره وهذا مقامم الإنصاف , فقد علم من إشارة قوله العناية ~~بقومه , ومن ms1668 عبارته الإنصاف من نفسه , ولو أراد ترجيح نفسه ومتبعيه لدعا ~~لهم أن يعاملوا بالفضل وأن يعامل ضدهم بالعدل , وىلآية معلمه بأن له تعالى ~~أن يفعل ما يريد من خذلان الظالم ونصر المظلوم وتعذيب العاصي وإثابة الطائع ~~وعكس ذلك , < # > 77 ( { لا يسئل عما يفغل } ) 77 < # > [ الأنبياء : 23 ] لأنه التام الملك العظيم الملك الشامل القدرة الحكيم ~~الخبير , ويجوز أن يكون المراد : لا نعود إلى ما كنا عليه من السكوت عن ~~دعائكم إلى الله ونهيكم عن أفعال الضلال لأنا أمرنا بإنذاركم إلا أن يشاء ~~الله سكوتنا بأمر يحدثه إلينا في ذلك لمصلحة اقتضاها علمه وقصرت عنها ~~علومنا , فإذا أراد ذلك وأمرنا به فعلنا , / فله الخلق والأمر ولما اشار ~~لالدعاء لقومه , أشار - بالعطف على غير معطوف عليه ظاهر - إلى أن التقدير : ~~فأنت خير الراحمين : { وانت خير الفاتحين * } أي على من سدت عليه الأبواب ~~ولم يجد مخلصا | PageV03P070 < < # | الأعراف : ( 90 - 96 ) وقال الملأ الذين . . . . . # > > ^ ( وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا ~~لخاسرون * فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * الذين كذبوا شعيبا كأن ~~لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين * فتولى عنهم وقال يقوم ~~لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين * ومآ أرسلنا في ~~قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأسآء والضرآء لعلهم يضرعون * ثم بدلنا ~~مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضرآء والسرآء فأخذناهم ~~بغتة وهم لا يشعرون * ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من ~~السمآء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ) ^ } ) | ولما انقضى ~~جواب الفصل المبني على إبطال الفضل وإظهار العدل , ذكر سبحانه قولهم بعده ~~عاطفا له على ما مضى من قولهم أو قوله , كان الأصل ان يقال : وقالوا , ~~ولكنه أظهر الوصف بالشرف إشارة إلى أنه الذي حملهم على نتيجة الاستكبار وهي ~~الكفر , ثم لم يرضوا به حتى أضافوا إليه تكفير غيرهم فقال : { وقال الملأ } ~~أي الأكابر { الذين } يملؤون العيون مراى والقلوب مهابة , فحلمهم التكبر ~~على أنهم { كفروا ms1669 } ولما كان من المستبعد ان يكون أقاربه يتنكبون عما أتاهم ~~به من الخير لحسد أو اتهام أو غيرها , فكان ربما ظن أن هؤلاء الذين ~~يعاملونه بهذه الغلطة أجانب عنه , قال : { من قومه } بيانا لأن الفضل بيد ~~الله فقد يؤتيه البغيض البعيد ويمنعه البيب القريب ^ ( { إنك لا تهدي من ~~احببت } ) ^ [ القصص : 56 ] ووطؤوا للقسم بقولهم : { لئن اتبعتم } أي أيها ~~الأتباع ممن لم يؤمن بعد { شعيبا } أو تركتم ما أنتم عليه مما أوثه لكم ~~آباؤكم ؛ واجاب القسم بما سد عن جواب الشرط بقوله : { إنكم إذا } أي وقت ~~اتباعه { لخاسرون } أي لأنكم استبدلتم بدين الآباء غيره وحرمتم فوائد البخس ~~والتطفيف وقط السبل ولما كمل إثمهم بالضلال والإضلال , استحقوا الألخذ فقال ~~: { فأخذتهم } أي فتسبب عن أقوالهم هذه وأفعالهم أنه أخذتهم { الرجفة } أي ~~الزلزلة العظيمة في القلوب أو الديار التي كانت سببا للصيحة أو مسببة عنها ~~{ فأصبحوا في دارهم } أي مساكنهم , وتقدم سر توحيدها { جاثمين * } أي ~~باركين على الركب أو لازمين أمكنتهم لا حراك بهم , وهذا دون ما كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما نزلت الملائكة بجنين , فكان الكفار يسمعون غي ~~أجوافهم مثل وقع الحصاة في الطست , ودون ما كان يجد مخالفة من الرعب من ~~مسيرة PageV03P071 شهر من ورائه وشهر من أمامه , ولكونه كان نبي الرحمة ما ~~اقتضى ذلك الهلاك بل النجاة ولما أخبر سبحانه بهلاكهم وما سببه من أقوالهم ~~وافعالهم , وكان للتخليص من العظمة في القلوب بتصوير المخلص للاذهان ما لا ~~يخفى , لخص ذلك ذاكرا لأنه حل بهم بالخصوص - ما نسبةوا إلى المؤمنين من ~~الخسارة فقال : { الذين كذبوا شعيبا } أي نسبوه إلى الكذب فيما قاله عنا ~~وايدنا فيه بالبينات { وكان } أي هم المخصصون بالهلاك حتى كأنهم { لم يغنوا ~~} أي ينزلوا ويقيموا , وبطل مقامهم لاهين بالأفراح والغناء والاستغناء من ~~المغاني وهي المنازل والاستغناء { فيها } أي الدار بسبب تكذيبهم ولما كان ~~تكذيب الصادقين لا سيما الرسل في غاية الشناعة , كرره إشارة إلى ذلك ~~وإعلاما بأنه سبب لهم أعظم من هلاك الشباح ضد ما سبب التصديق ms1670 للمؤمنين فقال ~~: { الذين كذبوا شعيبا } أي تكذيبه سببا لهلاكهم { كانوا } أي بسبب التكذيب ~~أيضا { هم } أي خاصة { الخاسرين * } أي خسروا أرواحهم كما خسروا أشباحهم ~~فهم لما سوى ذلك أخسر , وأما الذين اتبعوه فما نالهم شيء من الخسار , وفي ~~هذا الاستئناف والابتداء والتكرير مبالغة في رد مقالة الملأ لأشياعهم ~~وتسفيه لآرائهم واستهزاء بنصحهم لقومهم واستعظام لما جرى عليهم . | ولما ~~صارت تلك الدار محل الغضب , سبب ذلك أن هاجر عنها كما كانت عادة من قبله من ~~الأنبياء عليهم السلام , فقال : { فتولىعنهم } بعد نزول العذاب وقبله عند ~~رؤية مخايلةذاهبا إلى مكان غيره , يعبد ربه فيه { وقال } متأسفا على ما ~~فاته من هدايتهم { ياقوم } أي يا عشيرتي وأقرب الناس إلي { لقد أبلغتكم } ~~ولعله جمع لأجل كثرة ما أتهاهم به من المعجزات فقال : { رسالات ربي } أي ~~المحسن إلي بإنجائي ومن تبعني من عذابكم لتوفيقه لنا إلى ما يرضيه { ونصحت ~~} أي وأوقعت النصح { لكم } أي خاصة ولما كان هذا مفهما لما طبع البشر من ~~الأسف أهله وعشيرته , سبب عنه منكرا على نفسه قوله : { فكيف آسى } أي أحزان ~~حزنا شديدا { على قوم كافرين * } أي عريقين في الكفر , فعرف أنه أسف عليهم ~~من أجل قربهم وفوات الإيمان لهم غير آسف عليهم من أجل كفرهم , وتخصيص تكرير ~~هذه القصص الخمس على هذا الترتيب في كثير من سور القرىن - دون قصة إبراهيم ~~عليه السلاتم وهوأعظمهم - لانتظامهم في أنهم أقرت أعينهم بأن رأوا مصارع من ~~خالفهم , وأما إبراهيم عليه السلام فإنه وقع النص في قوله < # > 77 ( { إني ذاهب إلى ربي سيهدين } ) 77 < # > [ الصافات : 99 ] بأنه خرج من بين قومه قبل عذابهم ولم يسلك به سبيلهم ~~في إقرار عينه بإهلاك من كذبه بحضرته , وهو افضلهم لأن PageV03P072 الكائن ~~في قصته أعظم في الأفضلية , وهو طبق ما اتفق لولده أفضل البشر نبينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم , وانظر إلى قوله تعالى < # > 77 ( { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ) 77 < # > [ الأنفال : 33 ] تعرف ما في هذا المقام من الإكرام , وأن الأمر كما ~~قيل : لعين تجازي ms1671 ألف عين وتكرم . | ولما قدم سبحانه إجمال الإنذار بما ~~اشتركت فيه الأمم من الإهلاك بقوله تعالى : < # > 77 ( { وكم من قرية أهلكناها } ) 77 < # > [ الأعراف : 4 ] الآية , ثم أتبعه - بعد تقديم ما يحتاج إليه على النظم ~~الذي سبق التنبيه عليه - تفصيل ما انفردت به كل أمه من العذاب الحاث على ~~سبيل الصواب , أتبع ذلك إجمالا آخر أبسط من الأول على نمط غريب دال على ~~عادته المستمرة وسنته المستقرة في شرح حال هؤلاء الأمم الذين ذكرهم وغيرهم ~~, لئلا يظن أن غيرهم كان حاله غير حالهم , فبين أن الكل على نهج واحد وأن ~~السبب في استئصالهم واحد , وهو التكذيب والاستكبار على الحق , ليكون ~~الإجمال كالضوابط والقواعد الكلية لتنطبق على الجزيئات . | وذلك الاستبصار ~~بما يكون من نافع أو ضار وعدم الاغترار بأحوال المستدرجين الأشرار متكفل ~~بالتسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم والتأسية , متقدم على قصة موسى وهارون ~~عليهما السلام لطولها وتعجيلا بما في ذلك من مصارع الإنذار بقوله تعالى : { ~~وما } أي أرسلنا فلانا فكان كذا وفلانا فكان كذا , وما { أرسلنا } أي بما ~~لنا من العظمة { في قرية } أي من قرى أولئك وغيرهم { من نبي } أي من ~~الأنبياء الذين تقدموك { ا } إلا كان ما نخبر به من ترهيبهم من سطواتنا ~~وهوأنا { أخذنا } أي بعظمتنا { أهلها } أي أخذ قهر وسطوة , أي لأجل ~~استكبارهم عن الحق { بالبأساء } أي قهر المساءة حال من يرجى تضرعه وتذلله ~~وتخضعه لمن لا يكشف ذلك عنه غيره ولو كان التضرع في أدنى المراتب - على ما ~~أشار إليه الإدغان , لأن ذلك كاف في الإنقاذ من عذاب الإنذار الذي هذه ~~سورته بخلاف ما مضى في الأنعام ولما لم يتضرعوا صادقين من قلوبهم معترفين ~~بالحق لأهله كما يحق له , استدراجهم بإدرار النعم , فقال مشيرا إلى طول مدة ~~الابتلاء واستبعادهم لكشف ذلك البلاء : { ثم بدلنا } ومظهر العظمة يؤيد ~~الاحتمال الثاني { مكان } أي جعلنا بدل كثروا وكثرت نعمهم فلم يشكروا { ~~وقالوا } مسندين الأمر إلى غير أهله { قد مس آباءنا الضراء } أي الشدة { ~~والسراء } أي الرخاء والنعمة , معتقدين أن ms1672 هذه عادة الدهر لا فعل الفاعل ~~المختار . | ولما لم يعتبروا ويعملوا أن ذلك ممن يحب أن لا يعدل عن بابه ~~ولا يغفل عن PageV03P073 جنانه , وظنوا أن ذلك دأب الدهر وفعل الزمان , ~~واستمروا على فسادهم في حال الشدة والرخاء , سبب عنه قوله : { فأخذتهم } أي ~~بعظمتنا أشد الأخذ وأفضعه في الظاهر والباطن { بغته } أي فجأة حتى لا ~~ينفعهم التوبة , وأكد معنى البغت تحقيقا لأمره بقوله : { وهم لا يشعرون * } ~~فحق من سمع هذا أن يبادر إلى الرجوع عن كل مخالفة فيها خوفا من الأخذ بغته ~~, ولما بين تعالى ما كان قولهم مسببا له من الأخذ بغته , بين ما كان يكون ~~ضد قولهم مسببا له من البركات لو وقع بقوله : { ولو أن أهل القرى } أي هذه ~~التي قصصنا آخبارها { آمنوا } أي بما أتاهم به رسلهم { لفتحنا عليهم بركات ~~} أي خيرات ثابته لا يقدر أحد على إزالتها { من السماء } أي بالمطر الذي ~~يكون كأفواه القرب وما شبهه { والأرض } بالنبت الغليظ وما قاربه , وقراءة ~~ابن عامر بالتشديد يدل على كثرة تلك البركات وأصل البركة الموظبة على الخير ~~ولما كان الكلام بما أفهمته { لو } في قوة أنهم يؤمنوا عبر بقوله : { ولكن ~~كذبوا } أي كان التكذيب ديدنهم وشأنهم , فلذلك لم يصدقوا رسلنا في شيء , ~~ولما كان التكذيب موضع الجلافة والجمود الذي هو سبب لعدم النظر في الدليل , ~~ننن سبب عنه العذاب فقال : { فأخذناهم } أي بما لنا من العظمة { بما } أي ~~بسبب ما { كانوا يكسبون * } اي بجبلاتهم من الأعمال المناسبة لها . | < < # | الأعراف : ( 97 - 100 ) أفأمن أهل القرى . . . . . # > > ^ ( أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نآئمون * أو أمن أهل ~~القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون * أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر ~~الله إلا القوم الخاسرون * أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلهآ أن لو ~~نشآء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون ) ^ } ) | ولما كانوا ~~قد ضلوا ضلالا بعيدا في غلطهم في جعلهم السراء والضراء سببا للامن من مكر ~~الله , قال منكرا عليهم أمنهم عاطفا له على ms1673 { كذبوا } لأنه سبب الغلط وهو ~~سبب الأمن فقال : { أفامن أهل القرى } أي كذبوا ناسين أفعالنا المرهبة ~~بالمضار والمرغبة بالمسارفأمنوا { أن ياتيهم بأسنا } أي الناشىء عما لنا من ~~العظمة التي لا واحدا يغمر الحواس ينساها إلا خاسر { بياتا } أي ليلا وهم ~~قد أخذوا الراحة في بيوتهم , ولما كان النوم سيئا واحدا يغمر الحواس فيقضي ~~الاستقرار , عبر بالاسم الدال على الثبات فقال : { وهونائمون * } أي على ~~غاية الغفلة عنه . | PageV03P074 ولما كان ربما قال جاهل : لو جاءهم وهم ~~إيقاظ لأمكن أن يدافعوا ! قال : ؛ { أو أمن أهل القرى } أي مجتمعين أو ~~منفردين فأنه لا فرق عندنا في ذلك { أن يأتيهم بأسنا ضحى } أي وقت راحتهم ~~واجتماع قواهم ونشاطهم ؛ ولما كانت اليقظة موجبة للحركة , عبر بالمضارع في ~~قوله : { وهم ياعبون * } أي يتجدد لعبهم شيئا فشيئا في ذلك الوقت , وفيه ~~تقريع لهم بنسبتهم إلى أنهم صبيان العقول , لا التفات لهم إلى غير اللعب . ~~ولما كان ضلالهم - الذي نسبوا في المر إلى أهله - اشنع ضلال لتضمنه التعطيل ~~وما يجر إليه من الأباطيل , كرر الإنكار عليهم على وجه اشد من الأول فقال ~~مسببا الأنكار عما أثبت هذا الكلام من العظمة التي لا يتمارى فيها ذو لب : ~~{ أفأمنوا مكر الله } أي فعله الذي يشبه المكر بأخذ الإنسان من حيث لا يشعر ~~بالاستدراج بما يريد من النعم والنقم ؛ وسبب عن ذلك قوله : { فلا يأمن مكر ~~الله } أي الذي لا أعظم منه فلا يرد له أمر { إلا القوم الخاسرون * } أي ~~الذين كانت قواهم سببا لعراقتهم في الأفعال الضارة والخصال المهلكةولما بان ~~بما مضى حال الكفار مجملا ومفصلا , وكان المقصود من ذلك عبرة السامعين , ~~وكان أخذهم بالبأساء والضراء مع إبقاء مهجهم وحفظ أرواحهم وافهامهم بعد ~~إهلاك من قبلهم في بعض ما لحقهم من ذلك وإيراثهم الأرض من بعدهم حالا ~~يكونون بها في حيز من يرجى منه الخوف المقتضى للتضرع والعلم قطعا بان ~~الفاعل لذلك هوالله , وأنه لو شاء لأهلكهم بالذنوب أو غطى أفهامهم بحيث ~~يصيرون كالبهائم لا يسمعون إلا دعاء ونداء , ى فسماعهم ms1674 حيث لا فهم كلا سماع ~~, فجعلوا ذلك سببا للامن ؛ أنكر عليهم ذلك بقوله { أفامن } إلى آخره ؛ ثم ~~أنكر عليهم عدم الاستبدال على القدرة فقال عاطفا علىلأ { أفامن } : { أولم ~~يهد } أي يبين أخذنا الأمم الما ضية بالبأساء والضراء ثم إهلاكهم إذا ~~لميتعظوا { للذين يرثون الأرض } واظهر موضع الإضمار تعمييا وتعليقا للحكم ~~بالوصف وإشارة إلى بلادتهم لعدم البحث عن الأخبار ليعلموا منها ما يضر وما ~~ينفع فلا يكونوا كالبهائم , فإنهم لو تأملوا أحوالهم واحوال من ورثوا أرضهم ~~وأحوال الأرض لكفاهم ذلك في الهداية إلى سواء السبيل ولما كان إراثهم غير ~~مستغرق للزمان , أتى بالجار فقال : { من بعد أهلها } ثم ذكر نفعول { يهد ~~بقوله } بقوله : { إن } أي إنا { لوشاء } أي في أي وقت أردنا { أصبناهم ~~بذنوبهم } أي إصابة نمحقهم بها كما فعلنا بمن ورثوا أرضهم ؛ ولما كان هذا ~~تخويفا للموجودين بعد المهلكين , ومنهم قريش وسائر العرب الذين يخاطبون ~~بهذا القرآن , فكأن المخوف به لم يفع بعد , عطف على أصبنا قوله : { ونطبع ~~على قلوبهم } أي بإزالة PageV03P075 عقولهم حتى يكونوا كالبهائم , ولذلك ~~سبب عنه قوله : { فهم لا يسمعون * } أي سماع فهم , وعبر عن الإصابة بالماضي ~~إشارة إلى سرعة الإهلاك مع كونه شيئا واحدا غير متجزئ , وعن الطبع بالمضارع ~~إيماء إلى التجدد بحيث لا يمر زمن إلا كانوا فيه في طبع جديد . | < < # | الأعراف : ( 101 - 103 ) تلك القرى نقص . . . . . # > > ^ ( تلك القرى نقص عليك من أنبآئها ولقد جآءتهم رسلهم بالبينات فما ~~كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين * وما ~~وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنآ أكثرهم لفاسقين * ثم بعثنا من بعدهم موسى ~~بآياتنآ إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) ^ } ) ~~| ولما انقضى ذلك على هذا الوجه العظم والنظم البلغ الأحكم , وكانت هذه ~~القرى بحيث تعرفها العرب ويرونها , أشار إليهم حثا على الاعتبار بهم , ولما ~~كان أهلها جديرين بالبعد عنهم والهرب منهم , عبر عنهم باداة البعد فقال : { ~~تلك القرى } أي محال القبائل الخمس , ويجوز ان يكون البعد لعظمة ما حصل ~~لأهلها ms1675 من العذاب , ويؤيده قوله مبنيا لحالها : { نقص عليك } ولما كان ~~العاقل من يكفيه أدنى شيء هول الأمر بأن أخبارها تفوت الحصر , وأن ما قص ~~منها يمفي المعتبر , فقال : { من أنبائها } أي أخبارها العظيمة الهائلة ~~المطابقة للواقع شيئا بعد شيء كما يفعل من يتتبع الأثرب , وأنث الضمير لأن ~~لرؤية القرى أنفسها مدخلا في معرفة اخبارها أهلها ولما كان المقام العجب من ~~التكذيب بعد ذلك البيان , كان ربما تخيل متخيل أنهم لم يؤتوا بالبيان ~~الشافي , فشهد الله تعالى للرسل عليهم السلام تصديقا لمن قال مهم : ؛ قد ~~جاءتكم بينة , بقوله : { ولقد } أي والحال أنه قد { جاءتهم } أي اهل القرى ~~لأنهم المقصودون بالذات { رسلهم } أي الذين ارسلنا إليهم { بالبينات فما } ~~أي فلم يتسبب عن ذلك بسبب طبعنا على قلوبهم إلا أنهم ما { كانوا } موفقين { ~~بما } أي بالذي { كذبوا } أي به , وحذفها أدل على الزجر من مطلق التكذيب ~~واوفق لمقصود السورة ولما كان تكذبيهم غير مستغرق للزمان الماضي , أدخل ~~الجار فقال : { من قبل } أي قبل مجيء الرسل إليهم أو بتكذيبهم الواقع ~~منهمللرسل فيما أتوا به عن الله من قبل الأخذ بغته , أو من قبل مجيء الرسل ~~بالايات , فإنهم أول ما جاؤوهم فاجؤوهم بالتكذيب , فجوزوا على تكذيب الحق ~~من غير نظر في دليل بالطبع على قلوبهم فاتوهم . | PageV03P076 بالمعجزات ~~فاصبروا على ذلك التكذيب ووقفوا لذلك الطبع مع حظوظهم , ومنعتهم شماختهم ~~وشدة شكائمهم عن الإيمان لئلا يقال : إنهم خافوا أولا فيما وقع منهم من ~~التكذيب فكانوا فيه على غير بصيرة , أو إنهم خافوا ثانيا ما قرعتهم به ~~الرسل من الوعيد , فدخلوا جنبا فيما يعملون بطلانه , فكان تزيين هذا لهم ~~طبعا على قلوبهم فكأنه قيل : إن هذا العجب هليقع في مثل ذلك أحد ؟ فقيل : ~~نعم مثل ما طبعنا على قلوبهم , فكانه قيل : إن هذا العجب هل يقع في مثل ذلك ~~أحد ؟ فقيل : نعم مثل ما طبعنا على قلوبهم حتى صارت مع الفهم لا تنتفع , ن ~~فكأنها لا تفهم فكأنها لا تسمع { كذلك يطبع الله } أي الجامع لصفات الكبر ~~ونعوت ms1676 الجلال بما يجعل من الرين بما له من العظمة { على قلوب الكافرين * } ~~أي كل من يغطي ما أعطاه الله من نور العقل بما تدعوه إليه نفسه من الهوى ~~عريقا في الاتصاف بذلك فيترك آيات الله . | ولما كان نقض العهد أفظع سيء ~~ولا سيما عند العرب , قال عاطفا على ( فما كانوا ) { وما وجدنا } أي في ~~عالم الشهادة { لأكثرهم } أي الناس , أكد الاستغراق فقال : { من عهد } طبق ~~ما كان عندنا في عالم الغيب , وهذا إما إشارة إلى الميثاق يوم { ألست بربكم ~~} إن كان ذلك على حقيقة , أو إلى ما يفعلون حال الشدائد من إلاعلاق عن ~~المعاصي والمعاهدة على الشكر < # > 77 ( { لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين } ) 77 < # > [ يونس : 22 ] ( أو إلى إقامة الحجج بإضافة العقول ونصب الدلة , فصار ~~بنصبها وإيضاحها للعقول كأنه أخذ العهد على من عقل أنه يبذل الجهد في ~~التأمل ولا يتجاوز ما أبداه له صحيح النظر { وإن } أي وإنا { وجدنا } أي ~~خارجين عن دائرة العهد مارقين مما أوقفهم عند الحد عرقين في ذلك طبق ما كنا ~~نعلمه في عالم الغيب , وما أبرزناه في عالم الشهادة إلا لنقيم عليهم به ~~الحجة على ما يتعارفونه بينهم في مجاري عاداتهم ومدارك عقولهم ولما انقضى ~~بيان هذا الإجمال الخالع لقلوب الرجال , أتبعه الكشف عما كان بعد قصة شعيب ~~عليه السلام من قصة صهره موسى عليه السلام مع فرعون وقومه , وهي كالدليل ~~على آيات الإجمال كما كانت القصص الماضية كالدليل على ما في اول السورة من ~~الإجمال , فإن قصة فرعون مشتملة على الأخذ بالبأساء والضراء , ثم الإنعام ~~بالرخاء والسراء , ثم الأخذ بغته بسبب شدة الوقوف مع الضلال بعد الكشف ~~الشافي والبيان لما على قلوبهم من الطبع وما قادت إليه الحظوظ من الفسق , ~~وكانه فصلها عن القصص الماضية تنويها بذكرها وتنبيها على علي قدرها , لأن ~~معجزات من كان قبله , وجهل من عالجهم كان أعظم وأفحش من جهل تلك الأمم , ~~ولذلك عطفها بأداة البعد مع قرب زمنها من التي قبلها إشارة إلى بعد رتبتها ~~بما ms1677 فيها من PageV03P077 العجائب وما اشتملت عليه من الرغائب والغرائب , ~~ولذلك مد لها الميدان واطلق في سياقها للجواد العنان فقال : { ثم بعثنا } ~~أي على عظمتنا { من بعدهم } أي الرسل المذكورين والأمم المهلكين { موسى ~~بآيتنا } أي التي يحق لها العظمة بإضافتها إلينا فثبت بها النبوة { إلى ق ~~فرعون } هو علم جنس لملوك مصر ككسرى لملوك فارس وقيصر لملوك الروم , وكان ~~اسم فرعون عليه السلام قابوس , وقيل : الوليد بن مصعب ابن الريان { وملئه } ~~أي عظماء قومه , وخصمهم لأنهم إذا أذعنوا أذعن من دونهم , فكأنهم المقصودين ~~والإرسال إليهم إرسال إلى الكل ولما سببت لهم الظلم الظلم قال : { فظلموا } ~~أي وقعوا في مثل الظلام حتى وضعوا الشياء في غير مواضعها فوضعوا الإنكار ~~موضع الإقرار { بها } أي بسبب رؤيتها خوفا على رئاستهم ومملكتهم الفانية أن ~~تخرج من أيديهم ؛ ولما كان ذلك من اعجب العجب , وهو أن سبب العدل يكون سبب ~~الظلم , وكان هذا الظلم أعظم الفساد , سبب عنه قوله معجبا : { فا نظر } أي ~~بعين البصيرة { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { المفسدين * } فلخص في هذه ~~الآية على وجازتها جميع قصتهم على طولها , وقدم ذكر الآيات اهتمامابها ~~ولأنها الدليل على صحة دعوى البعث . | < < # | الأعراف : ( 104 - 109 ) وقال موسى يا . . . . . # > > ^ ( وقال موسى يفرعون إني رسول من رب العالمين * حقيق على أن لا أقول ~~على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل * قال إن ~~كنت جئت بآية فأت بهآ إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ~~* ونزع يده فإذا هي بيضآء للناظرين * قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر ~~عليم ) ^ } ) | ولما كانن التقدير عطفاعلى { فظلوا بها : } ووضعها موسى ~~مواضعها , عبر عنه بقوله : { وقال موسى يافرعون } خاطبه بما يعجبه امتثال ~~لمر الله تعالى له أن يلين في خطابه , وذلك لأن فرعون لقب مدح لمن ملك مصر ~~. | ولما أتاهم عليه السلام وهم وفرعون بأمانته وصدقه وعظم مكانته ومكارم ~~أخلاقه وشريف عنصره وعظيم مخبره , وفرعون أعظمهم معرفة به لأنه ربي في حجره ~~, كان ms1678 هذا حالا مقتضيا لأن يلقي إليهم الكلام غير مؤكد لكن لما كان الإرسال ~~من الله أمرا عظيما جدا , وكان المقصود به تخليه سبيل بني إسرائيل , وكان ~~فرعون ضنينا بذلك , أكده بعض التأكد فقال : { إني رسول } ثم بين مرسله ~~بقوله : { من رب العالمين * } أي المحسن إليهم أجمعين - وأنتم منهم - ~~بإيجادهم وتربيتهم , فهو تنبيه لمن سمعه على أن فرعون مربوب مقهور . ~~PageV03P078 ولما خلفه مما يدعيه من الربوبية دالا على تسويته ببقية ~~العالمين : نا طقهم وصامتهم , وكان لذلك بعيدا من الإذعان لهذا الكلام , ~~أتبعه قوله على وجه التاكد مستانفا بيان ما يلزم للرسول : { حقيق } أي بالغ ~~في الحقية , وهي الثبات الذي لا يمكن زواله { على أن أقوله على الله } أي ~~له جميع الكمال , ولا عظمة لسواه ولا جلال { إلا الحق } أي الثابت الذي لا ~~تمكن المماراة فيه اصلالما يصدقه من المعجزات , وحاصل العبارة ومآلها : حق ~~على قولي الذي أطلقه لجميع الصفات , وقراءة نافع بتشديد ياء الإضافة في { ~~على } بمعنى هذا سواء , لأن من حق عليه شيء حق على كلامه ولما كان الحال إذ ~~ذاك يقتضي توقع إقامة موسى عليه السلام البينة على صحة رسالته كان كانه قيل ~~: ما دليل صدقك ؟ فقال مفتتحا بحرف التوقع والتحقيق : { قد جئتكم } أي كلكم ~~, لا أخص أحدا منكم { ببينة } دليلا على رسالتي وقولي الحق { من ربكم } أي ~~المحسن إليكم بكل نعمة ترونها لديكم من خلقكم وزرقكم وكف الأمم عن انتزاع ~~هذا الملك منكم وإهلاككم , وتلك البينة هي المعجزة , فكرر البيان في هذا ~~الكلام على أن فرعون ليس كما يدعي لأنه مربوب , لا فرق بينة وبين بقية ~~العالمين في ذلك . | ولما كان من المعلوم أن مثله في تمام عقله وشرف خلائقه ~~لا يدعي في تلك المجامع إلا حقا مع ما نبه عليه من البيان على تفرد الله ~~بالإلهية كما تفرد بالإحسان , كان كأنه أظهر البينة التي أقلها كفهم عن ~~إهلاكهم . | فأتبع ذلك طلب النتيجة إعلاما بغاية ما يريد منهم بقوله مسببا ~~عن مجرد هذا الإخبار الذي كان قد أوقع ms1679 مضمونه : { فأرسل } أي يا فرعون { ~~معي بني إسرائيل * } أي فسبب إقامتي الدليل على صحة ما قلته أن أمر بما جئت ~~له - وهو إرسالهم معي - أمر من صار له سلطان بإقامة البينة لنذهب كلنا إلى ~~بيت المقدس موطن آبائنا التي أقسم الله لهم أن يورثها أبناءهم , وفي جعل ~~ذلك نتيجة الإرسال إليهتنبيه على أن رسالته مقصورة على قومه , فكانه قيل : ~~فماذا قال فرعون في جواب هذا الأمر الواضح ؟ فقيل : { قال } معرضا عنه ~~معميا له خوفا من غائلته نعد من يعرف موسى عليه السلام حق المعرفة معبرا ~~بإداة الشك إيقافا لهم : { إن كنت جئت بآية } أي علامة على صحة رسالتك { ~~فأت بها } فأوهك أنه لم يفهم إلا أن المراد أنه سيقيمها من غير أن يكون في ~~كلامه السابق دلاله على صدقه , وأكد الإبهام والشك بقوله : { إن كنت } أي ~~جبلة وطبعا { من الصادقين * } أي في عداد أهل الصد ق العريقين فيه لتصح ~~دعواك عندي وتثبيت . | PageV03P079 ولما ساق هذا الطلب مساقا دالا~ على أنه ~~شاك في أمره , أخبر تعالى أنه فاجأه بإظهار الآية دالا على ذلك بالفاء ~~المسببة المعقبة من غير مهلة فقال عن فعل موسى عليه السلام : { فألقى عصاه ~~} وعن فعله هوسبحانه { فإذا هي } أي العصا { ثعبان مبين * } أي ظاهر في ~~كبره وسرعة حركته بحيث إنه لشدة ظهوره كانه ينادي الناس فيظهر لهم أمره , ~~وهو موضح لصدق من تسبب عن فعله في جميع مقالته ؛ روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أنه كان ثعبانا أشعر فاغرا فاه , بين لحييه ثمانون ذراعا , ا وضع ~~لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر ثم توجه نحو فرعون فوثب ~~من سريره هاربا وأحدث , وحمل على الناس فانهزموا وصاحوا فمات منهم خمسة ~~وعشرون ألفا , قتل بعضهم بعضا , وصاح فرعون : يا موسى خذه وأنا أومن بك ~~فأخذه فعاد عصا ثم قال : هل معك آية أخرى ؟ قال : نعم { ونزع يده } أي ~~أخرجها من جيبه بعد أن أراه إياها محترقه أدما كما كانت وهو عنده { فإذا هي ~~بيضاء } ونبه ms1680 على ثبات بيضها وزيادة إعجابه بقوله : { للناظرين * } قال أبو ~~حيان : أي للنظارة , وفي ذكر ذلك تنبيه على عظم بياضها لأنه لا يعرض العجب ~~لهم إلا إذا كان بياضها خارجا عن العادة , وقال ابن عباس : صارت نورا ساطعا ~~يضيء ما بين السماء والأرض , له لمعان مثل لمعان البرق فخروا على وجوههم , ~~وما أعجب أمر هذين الخارقين العظيمين : أحدهما في نفسه وذلك اليد البيضاء , ~~والآخر في غير نفسه وهى العصا التي يمسكها بيده , وجمع بذينك تبديل الذوات ~~من الخشبية إلى الحيوانية , وتبديل الأعراض من السمرة إلى البياض الساطع , ~~فكانا دالين على جواز المرين - انتهى . | ولما أتى بالبيان وأقام واضح ~~البرهان , اقتضى الحال السؤال عما أبرزوه من المقال في جوابه فقال : { قال ~~الملأ } أي الأكبار { من قوم فرعون } ما تلقفوه من فرعون واحدا بعدج واحد , ~~يلقيه أكبرهم إلى أصغرهم { إن هذا لساحر } أي فهذا الذي رايتموه أيها الناس ~~من تخيله ما لا حقيقة له , فلا تبادروا إلى متابعته ولما كان ذلك خارجا عما ~~ألفوه السحرة قالوا : { عليم * } أي بما هم فيه , بالغ في علمه إلى حد عظيم ~~, فذلك جاء ما ريتم منه فوق العادة , فكأن فرعون قال ذلك أبتداء - كما في ~~سورة الشورى - فتلقفوه منه وبادروا إلى قوله , يقوله بعضكم لبعض إعلاما ~~بأنهم على غاية الطواعية له خوفا على رئاستهم تحقيقا لقوله , تعالى < # > 77 ( { فاستخف قومه فاطاعوه } ) 77 < # > [ الزخرف : 54 ] واختير هنا إسناده إليهم , لأن السياق للاستدلال على ~~فسق الكثر , وأما هناك فالسياق لأنه إن أراد سبحانه انزل آية خضعوا لها كما ~~خضع فرعون عند رؤية ما رأى من موسى عليع السلام حتى رضي لنفسه بأن يخاطب ~~عبيده - PageV03P080 على ما يزعم - بما يقضي أن يكون لهم عليه أمر , فلذا ~~إسناد القول إليه أحسن , لأن النصرة في مقارعة الرأس أظهر وخضوع عنقه أضخم ~~واكبر . | < < # | الأعراف : ( 110 - 117 ) يريد أن يخرجكم . . . . . # > > ^ ( يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون * قالوا أرجه وأخاه وأرسل ~~في المدآئن حاشرين * يأتوك بكل ساحر عليم * وجآء السحرة فرعون قالوا إن لنا ms1681 ~~لأجرا إن كنا نحن الغالبين * قال نعم وإنكم لمن المقربين * قالوا يموسى إمآ ~~أن تلقي وإمآ أن نكون نحن الملقين * قال ألقوا فلمآ ألقوا سحروا أعين الناس ~~واسترهبوهم وجآءوا بسحر عظيم * وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ~~ما يأفكون ) ^ } ) | ولما خيلوهم حتى أوقفوهم عما فهموا عنهم من المبادرة ~~إلى المتابعة بادعاء أنه ساحر ؛ نفروهم من ذلك وخوفوهم بأنه يريد أن يحكم ~~فيهم قومه الذين كانوا عبيدا لهم ويزوحهم من ديارهم التي هي لأشباحهم ~~لأرواحهم بقوله : { يريد أن يخرجوكم } أي أيها القبط { من أرضكم } أي هذه ~~التي أثلها لكم آباؤكم وبها قوامكم ؛ ولما كان السياق لبيان فسقهم , أسقط ~~قولهم في الموضع الاخر { بسحره } إفهاما لعجلتهم في إبرام الأمر في ضره ~~إشارة إلى تغاليهم في الفسق بعلمهم أنه محق وليس بساحر ولما كان المقصود ~~بهذا : فعلى أي شيء استقر رأيهم ؟ فقيل : على تاخير المر إلى حشر السحرة ~~للمعارضة , أخبر تعالى , دلالة على أن أصل قول الملأ منه , أنهم أقبلوا ~~عليه مخاطبين له مفلتين من أبلغهم عنه تعظيما له مسندين المر إليه بقوله : ~~{ أرجه } أي موسى عليه السلام { وأخاه } أي أخرهما تنفيسا لنا من هذا ~~الخناق إلى وقت ما حتى ننظر في أمرهما { وارسل في المدائن } أي من ملك مصر ~~{ حاشرين * } يحشرون لك السحرة ويجمعونهم من كل فج عميق , والحشر : الجمع ~~بكره { يأتوك بكل } ولما كانت دلالة السياق على رغب فرعون أقل مما في ~~الشعراء لما اقتضاه الحال في كل منهما , قرأ الجمهور : { ساحر عليم * } أي ~~بالغ العلم في السحر , وفي قرلءة حمزه والكسائي { سحار } زيادة مبالغة أيضا ~~لما رأوا من قلق فرعون في الجملة , وهذا يدل على أن PageV03P081 السحرة ~~كانوا في ذلك الزمان عندهم في غاية الكثرة , ويدل على أن في طبع الناس ~~المعارضة , فمهما أمكنت بطلت دعوى النبوة , وإذا تعذرت صحت الدعوى ولما كان ~~التقدير , فاخر أمرهما وارسل كما قالوا , فجمعوا من وجدوه منهم , عطف عليه ~~قوله : { وجاء السحرة فرعون } ولما تشوف السامع إلى خبرهم , قال مجيبا له ms1682 ~~استئنافا : { قالوا } أي لفرعون حضروا بين يديه متوثقين لنفع أنفسهم مفهمين ~~له أنهم غالبون , لا مانع لهم من ذلك إلا عدم إنصافهم , سائقين للكلام في ~~قراءة الجماعة مساق الاستفهام أدبا معه في طلب الإكرام : { أئن لنا لأجرا } ~~وأكدوا طلبا لإخراج الوعد على حال التكذيب { إن كنا نحن } أي خاصة { ~~الغالبين * } ومن أخبر أراد الاستفهام وهم نافع وابن كثير وحفص عن عاصم { ~~قال } أي فرعون { نعم } أي لكم أجر مؤكد الخبر به , وزاد بيان التاكيد بما ~~زادهم به رغبة في قوله : { وإنكم } أي زيادة على ذلك { لمن المقربين * } أي ~~عندي في الحضرة . | ولما فرغوا من محاورته , تشوف السامع إلى قولهم لموسى ~~عليه السلام , فاستأنف قوله جوابا : { قالوا } بادئين باسمه { ياموسى } ~~مخبرين له أدبا معه كما هي عادة عقلاء الخصام قبل وقوع الخصام في سياق مفهم ~~أن قصدهم الإلقاء أولا , وذلك قولهم : { وإما أن نكون نحن } أي خاصة { ~~الملقين * } أي لما معنا أولا ولما فهم موسى عليه السلام مرادهم مما عبر ~~هذا النظم عن حقيقة معناه من تاكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر ~~وإقحام الفصل , وكان واثقا من الله تعالى بما وعده به جاريا مع مراده , لا ~~فرق بين أن يتقدم أو يتاخر ؛ أجابهم إلى سؤالهم . | وهو أوقع في ازدراء ~~شأنهم , فاستانف سبحانه الخبر عنه بقوله : { قال ألقوا } أي أنتم أيها ~~السحرة ما تريدون إلقاءه , وهو أمر تعجيز ولما أذن لهم بادروا إلى ذلك كما ~~أفهمه العطف بالفاء في قوله : { فلما ألقوا } أي ماأعدوه للسحر { سحروا ~~أعين الناس } أي عن صحة إدراكها حتى خيلوا إليها ما لا على بعض , وبعثوا ~~جماعة ينادون : أيها الناس احذروا { واسترهبوهم } أي وأوجدوا رهبتهم إيجاد ~~راغب فيها طالب لها غاية الطلب ولما قيل ذلك , كان ربما ظن أنهم خافوا مما ~~لا يخاف من مثله , فقال تعالى مبينا أنهم معذورن في خوفهم : { وجاؤوا بسحر ~~عظيم * } قال صاحب كتاب الزينة : PageV03P082 والسحر على وجوه كثيرة , منه ~~الأخذ بالعين , ومنه الأخذ بالعين , ومنه ما يفرق به بين المرء وزوجه , ~~ومنه غير ms1683 ذلك , وأصله ماخوذ من التعليل بالباطل وقلب المر عن وجهه كما ~~ذكرنا من لغة العرب . | ولما تناهى الأمر واشتد التشوق إلى ما صنغ موسى ~~عليه السلام , قال معلما عنه عطفا على { وجاءو } : { واوحينا } أي مظهرين ~~لعظمتنا على رؤوس الأشهاد بما لا يقدر أحد أن يضاهيه { إلى موسى أن ألق ~~عصاك } أي فالقاها { فإذا هي } من حين إلقائه لها { تلقف } أي تلتقم ~~التقاما حقيقيا شديدا سريعا جدا بما دل عليه حذف التاء , ودل على كثرة ما ~~صنعوا بقوله : { ما يأفكون * } أي يجدرون حين إلقائهم في نزويره وقلبه عن ~~وجهه , فابتلعت ما كان ملء الوادي من الصي والحبال , ثم أخذها موسى عليه ~~السلام فإذا هي كما كانت لم يزيد شيء من مقدارها على ما كانت عليه , وفي ~~هذا السياق المعلم بتثبت موسى السلام بعد عظيم ما رأى من سحرهم إلى الإيحاء ~~إليه بيان لأدبه عليه السلام في ذلك المقام الضنك وسكونه تحت المقاربة مع ~~مرسله سبحانه إلى بروز أوامره الشريفة . | < < # | الأعراف : ( 118 - 124 ) فوقع الحق وبطل . . . . . # > > ^ ( فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون * فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين ~~* وألقي السحرة ساجدين * قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون * قال ~~فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا ~~منهآ أهلها فسوف تعلمون * لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم ~~أجمعين ) ^ } ) | ولما علم ان ما صنعوه إنما هم خيال , وما صنعه موسى عليه ~~السلام أثبت من الجيال , سبب معقبا قوله : { فوقع الحق } أي الذي لا شيء ~~أثبت منه , فالواقع يطابقه لأن باطن الأمر مطابق لما ظهر منه من ابتلاعها ~~لأمتعتهم فلإخبار عنه صدق , وفيه تنبيه على أن فعلهم إنما هو خيال بالنسبة ~~إلى ظاهر الأمر , وأما في الباطن والواقع فلا حقيقة له , فالأخبار عن تحريك ~~ما القوه كذب . | ولما أخبر عن ثبات الحق , أتبعه زوال الباطل فقال : { ~~وبطل } بحيث عدم أصلا ورأسا { ما كانوا يعملون * } فدل بكان والمضارع على ~~أنهم - مع بطلان ما عملوا - نسوا عملهم بحيث إنه أسند عليهم ms1684 باب العمل بعد ~~أن كان لهم به ملكة كملكة ما هو كالجبلة - والله أعلم ؛ ثم سبب عن هذا قوله ~~: { فغلبوا هنالك } أي عند هذا الأمر العظيم العالي الرتبه { وانقلبوا } أي ~~جزاء على قلبهم لتلك الحقائق عن وجوهها حال كونهم { صاغرين } أي بعد أن ~~كانوا - عند أنفسهم ومن يقول بقولهم وهوالأغلب - PageV03P083 عالين , ولا ~~ذل ولا صغار اعظم في حق المبطل من ظهور بطلان قوله على وجه لا يكون فيه ~~حيلة ولما كان الأدب وذل النفس لا يأتي إلا بخير , لأنه اللائق بالعبيد , ~~قاد كثيرا منهم إلى السعادة الأبدية , فالذلك قال : { وألقى السحرة } أي ~~ألقاهم ملقى الخوف من الله والشوق إلى الخضوع بين يديه والذل لديه حين ~~عرفوا أن ما فعله موسى عليه السلام أمر سماوي , صدق الله تعالى به موسى ~~عليه السلام في انه رسوله , ولم يتاخروا بعد ذلك أصلا حتى كانهم خروا من ~~غير اختيار { ساجدين * } شكرا لله تعالى وانسلاخا عن الكفر ودليلا على أقصى ~~غايات الخضوع , فعل الله ذلك بهم حتى تبهر به فرعون وملأه وتحير عقولهم ~~ولما كانوا بمعرض التشوق العظيم إلى معرفة قولهم بعد فعلهم , أخبر عنذلك ~~سبحانه بقوله : { قالوا } أي حال إلقائهم للسجود { آمنا } أي كلنا { برب ~~العالمين } أ ي الذي خلق فرعون ومن قبله وما يعيشون به ؛ خصوا من هداهم ~~الله على أيديهم تصريحا بالمراد وتشريفا لهما فقالوا : { رب موسى } ثم ~~أزالو الشبهة بحدذافيرها - لأن فرعون ربما ادعى بتربية موسى عليه السلام ~~أنه المراد - بقولهم : { وهارون * } وفي الآية دليل على أن ظهور الآية موجب ~~للإيمان عند ظهرت له , ولو أن الرسول غير مرسل إليه . | ولما صرحوا بالذي ~~آمنوا به تصريحا منع فرعون أن يدلس معه بما يخيل به على قومه , شرع في ~~تهديدهم على وجه يمكر فيه بقومه ويلبس عليهم إيقافا لهم عن المبادرة إلى ~~الإيمان - كما بادر السحرة - إلى وقت ما , فاستانف الخبر عنه سبحانه بقوله ~~مصرحا باسمه غير مضمر له كما في في غير هذه السورة لأن مقصود السورة ~~الإتذار , وهو أحسن الناس ms1685 بالمناداة عليه في ذلك المقام , وقصته مسوفة ~~لبيان فسق الأكثر , وهو أفسق أهل ذلك العصر : { قال فرعون } منكرا عليهم ~~موبخا لهم بقوله : { آمنتم } أي صدقتم { به } أي موسى تصديقا آمنه من ~~روجوعكم عنه , ومن أخبر أراد من دلائل صدق موسى عليه السلام واقتداء ~~بالسحرة بقوله : { قبل أن آذن لكم } ليوقفهم من خطر المخالفة له بما رجاهم ~~فيه من إذنه , فلما ظن أنهم وقفوا خليهم بما يذهب عنهم ذلك الخاطر أصلا ~~ورأسا بقوله مؤكدا نفيا لما أرادوا وتنسية لخاطر الإيمان فقال : { مكرتموه ~~في المدينة } أي على ميعاد بينكم وبين موسى , وحيلة احتلموها قبل اجتماعكم ~~, وليس إيمانكم لأن صدقه PageV03P084 ظهر لكم ؛ ثم علل بما يتعلق به فكرهم ~~وتشوش قلوبهم فقال : { لتخرجوا } أي أنتم وموسى عليه السلام { منها أهلها } ~~وتسكنوها أنتم وبنو إسرائيل ولما استتب له ما من دقيق المكر , شرع في ~~تهديدهم بما يمنع غيرهم وربما ردهم , فقال عن ذلك : { فسوف تعلمون * } أي ~~بوعد لا خلف فيه ما أفعل بكم من عذاب لا يحتمل , ثم فسر ما أجمل من هذا ~~الوعيد بقوله : { لأقطعن أيديكم } أي اليمنى مثلا { وارجلكم } أي اليسرى , ~~ولذلك فسره بقوله : { من خلاف } أي يخلاف الطرف - الذي تقطع منه اليد - ~~الطرف الذي تقطع منه الرجل . | ولما كان مقصود هذه السورة الإنذار , فذكر ~~فيها ما وقع لموسى عليه السلام والسحرة على وجه يهول ذكر ما كان من أمر ~~فرعون على وجه يقرب من ذلك , فعبر بحرف التراخي لأن فيه - مع الإطناب ~~الذييكون شاغلا لأصحابه عما أدهشهم مما رأوه - تعظيما لأمر الصلب . | فيكون ~~أرهب للسحرة ولمن تزلزل بهم من قومه فقال : { ثم لأصلبنكم } أي أعلقنكم ~~ممدوة أيديكم لتصيروا على هيئة الصليب أو حتى يتقاطر صليبكم وهو الدهن الذي ~~فيكم { أجمعين * } أي لا أترك منكم أحدا لأجعلكم نكالا لغيركم | < < # | الأعراف : ( 125 - 128 ) قالوا إنا إلى . . . . . # > > ^ ( قالوا إنآ إلى ربنا منقلبون * وما تنقم منآ إلا أن آمنا بآيات ~~ربنا لما جآءتنا ربنآ أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين * وقال الملأ من قوم ~~فرعون أتذر موسى ms1686 وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبنآءهم ~~ونستحيي نسآءهم وإنا فوقهم قاهرون * قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا ~~إن الأرض لله يورثها من يشآء من عباده والعاقبة للمتقين ) ^ } ) | ولما كان ~~حالا يشوق النفوس إلى جوابهم , استأنفه بقوله : { قالوا } أي أجمعون , لم ~~يرتع منهم إنسان ولا تزلزل عما منحه الله به من رتبه الإيمان { إنا إلى ~~ربنا } أي الذي ما زال يحسن إلينا بنعمة الظاهرة والباطنة حتى جعل آخر ذلك ~~أعظم النعم , لا إلى غيره { منقلبون * } أي بالموت انقلابا ثابتا لا انفكاك ~~لنا عنه إن صلبتنا أو تركتنا , لا طمع لنا في البقاء في الدنيا , فنحن لا ~~نبالي - بعد علمنا بأنا على حالة السعداء بالموت على أي حالة كاتن , أو ~~المراد أنا ننقلب إذا قتلنا إلى من يحسن إلينا بما منه الانتقام منك , ~~ولذلك اتبعوه بقولهم : { وما تنقم } أي تنكر { منا } أي فعلك ذلك بنا وتعيب ~~علينا { إلا ان آمنا } أي إلا ما هو أصل المفاخر كلها وهو الإيمان { بآيات ~~ربنا } أي التي عظمت بكونها صادرة عنه ولم يزل محسنا إلينا فوجب علينا شكره ~~{ لما } أي حين PageV03P085 { جاءتنا } لم نتأخر عن معرفة الصدق المصدق , ~~وهذا يوجب الإكرام لا الانتقام ؛ ثم آذنوه بأنهم مقدمون على كل ما عساه أن ~~يفعل به فقالوا : { ربنا } أي أيها المحسن إلينا القادر على خلاصنا { أفرغ ~~} أي صب غامرا { علينا } أي فيما تهددنا به هذا الذي قويته به { وتوفنا } ~~أي اقبض أرواحنا وافية حال كوننا { مسلمين * } أي عريقين في الانقياد ~~بالظاهر والباطن بدلائل الحق , والظاهر أن الله تعالى اجابهم فيما سألوه ~~تلويحا بذكر الرب فلم يقدره عليهم لقوله تعالى < # > 77 ( { أنتما ومن اتبعكما الغالبون } ) 77 < # > [ القصص : 35 ] ولم يات في خير يعتمد أنه قلتهم , وسياتي في آخر الحديد ~~, عن تاريخ ابن عبد الحكم ما هو صريح في خلاصه ولما قنع في ذلك الوقت الذي ~~بهرت قومه تلك المعجزة الظاهرة بالانفصال على هذا الوجه الذي لم يدع فيه ~~حيلة إلا خيل بها , وخلص موسى عليه السلام ms1687 بقومه متمكنا منهم بعض المتكن , ~~وكان السياق لبيان أن أكثر الخلق فاسق , أخبر تعالى بما قال قوم فرعون ~~بعدما رأوا من المعجز القاهر دليلا على ذلك فقال عاطفا على { وألقي السحرة ~~ساجدين } وما بعده , أو على قول فرعون : { وقال الملأ } أي الأشراف { من ~~قوم فرعون } أي ظالين أن فرعون متمكن مما يريد بموسى عليه السلام من الذى ~~منكرين لما وصل إليه الحال من أمر موسى عليه السلام حين فعل ما فعل وآمن به ~~السحرة , وما عمل فرعون شيئا , لا قتله ولا حبسه , لأنه كان لا يقدرعلى ذلك ~~ولا يعترف به لقومه { أتذر موسى وقومه } ولما كان ما كان في أول مجلس من ~~إيمان السحرة جديرا بأن يجر إليه أمثاله , سموه فسادا وجعلوه مقصودا لفرعون ~~إحماء له واستغضابا فقالوا : { ليفسدوا } أي يوقعوا الفساد وهو تغير الدين ~~{ في الأرض } أي التي هي الأرض كلها , وهي أرضنا هذه أو الأرض كلها , لكون ~~مثل هذا الفعل جديرا برد أهل الأرض كلهم عن عقائدهم { ويذرك وآلهتك } قيل : ~~كان أمر قومه أن يعبدوا الأصنام تقريبا إليه , وقال الإمام . | الأقرب أنه ~~كان دهريا منكرا لوجود الصانع , وكان يقول : مدبر هذا العالم للخلق السفلي ~~هو الكواكب , وأنه المخدوم في العالم للخلق أو لتلك الطائفة والمربي لهم ؛ ~~ثم قال : وإذا كان مذهبه ذلك لم يبعد أن يقال : إنه كان قد اتخذ أصناما على ~~صور الكواكب ويعبدها على ما هو دين عبده الكواكب انتهى . | ولذلك قال : < # > 77 ( { أنا ربكم الأعلى } ) 77 < # > [ النازعات : 24 ] - هكذا قيل , وهوظاهر عبارة التوارة الآتية في آية ~~القمل , ولكن إرادته غير ملائمة لهذه المعادلة , بل الظاهر أنه كان سمى ~~أمراءة آلهة , وسمى لكل أمير قوما PageV03P086 يتألهونه أي يطيعونه , فإنه ~~نقل عنهم انهم كانوا يسمون الحاكم بل والكبير إلها كما سيأتي عن عبارة ~~التوارة , فحيث وقعت الموازنة بين موسى عليه السلام وقومه وبين فرعون وقومه ~~, عبر بالآلهه تعظيما لجانبه بالإشارة إلى أنه إله أي حاكم معبوود , ليس ~~وراءه منتهى وملؤه كلهم آلهة أي حكام دونه , وموسى عليه ms1688 السلام ليس بإله ~~ولافي قومه إله بل هم محكوم عليهم فهم ضعفاء فكيف يتركون ! وحيث نفي افلهية ~~عن غيره فبالنظر إلى خطابه للملا < # > 77 ( { ما عملت لكم من إله غيري } ) 77 < # > [ القصص : 38 ] وحيث حشر الرعية ناداهم بقوله < # > 77 ( { أنا ربكم الأعلى } ) 77 < # > [ لنازعات : 24 ] وكأن ذلك كان يطلق على الحاكم مجازا , فجعلوه حقيقة ~~وصاروا يفعلون ما يختص به الالهة من التحليل والتحريم كما قال تعالى < # > 77 ( { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله } ) 77 < # > [ التوبة : 31 ] فكفروا بادعاء الربوبية بمعنى العبودية , ونفي المعبود ~~الحق بدليل آية { ما عملت } الحاصل أنهم عيروه بالرضى بان يكون رئيسا على ~~القبط وموسى عليه السلام رئيسا على بني إسرائيل فيكونوا بهذه المتاركة ~~أكفاء للقبط ولما أعجزه الله سبحانه أن يفعل أكثر مما كان يعمل قبل مجيء ~~موسى عليهالسلام لما يراد به من الاستدراج إلى الهلاك , أخبر عنه سبحانه ~~بما يفهم ذلك فقال مستأنفا : { قال } أي فرعون { سنقتل } أي تقتيلا كثيرا { ~~أبناءهم } أي كما كنا نفعل { وإنا ونستحيي نساءهم } أي الآن { قاهرون * } ~~ولا أثر لغلبة موسى لنا في هذه المناظر لءلا تتوهم العامة أنه المولود الذي ~~تحدث المنجون والنكهة بذهاب ملكهم على يده فيثبطهم ذلك عن الطاعة , موهما ~~بهذا أن تركه لأذى موسى عليه السلام لعدم التفاهه ؟ إليه , لايعجزه شيء عنه ~~, ولما كان هذا أمرا يزيد من قلق بني إسرائيل لما شموامن رائحة الفرج , ~~استأنف سبحانه الخبر عما ثبتهم به موسى عليه السلام قاائلا : { قال موسى ~~لقومه } أي بني إسرائيل الذين فيهم قوة وقيام فيما يريدون من المور لو ~~اجتمعت قلوبهم { استعينوا } أي الصقوا طلب العون { بالله } الذي لا أعظم ~~منه بما يرضيه من العبادة { واصبرو } ثم علل ذلك بانه فعال لما يريد , ولا ~~اعتراض عليه ولا مفر من حكمه فقال : { إن الأرض } أي كلها مصر وغيرها { لله ~~} أي الذيلا أمر لأحد معه , كرره تذكيرا بالعظمة وتصريحا وتبركا ؛ ثم ~~استأنف قوله : { يورثها من يشاءمن عباده } ولما أخبر أن نسبة الكل إليه ~~واحدة , أخبر بما يرفع ms1689 بعضهم على فقال : { والعاقبة } أي والحال أن آخر ~~الأمر وإن حصل بلاء { للمتقين * } أي الذين يقون PageV03P087 أنفسهم سخط ~~الله بعمل ما يرضيه فلا عبرة بما ترون في العاجل فإنه قد يكون استدراجا | < ~~< # | الأعراف : ( 129 - 132 ) قالوا أوذينا من . . . . . # > > ^ ( قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن ~~يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون * ولقد أخذنآ آل فرعون ~~بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون * فإذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ~~وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم ~~لا يعلمون * وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين ) ~~^ } ) | ولما تشوف السامع إلى ما كان من جوابهم , أشار تعالى أن قلقهم كان ~~وصل إلى حد لا صبر معه بقوله مستأنفا : { قالوت } ولما كان الوجع هو الأذى ~~, لا كونه من معين , بنوا للمفعول قولهم : { اوذينا } أي بالقتل والاستعباد ~~. | ولما كان أذاهم غير مستغرق للزمان , أثبتوا الجار فقالوا : { من قبل أن ~~تأتينا } أي كما تعلم { ومن بعد ما جئتنا } أي فما الذي إفادنا مجيئك { قال ~~} مسليا لهم وداعيا ومرجيا بما رمز إليه من قبل { عسى ربكم } اي الذي احسن ~~إلى آبائكم بما تعرفون وإليكم بإرسالي إليكم { أن يهلك عدوكم } فلا يهولنكم ~~ما ترون { وستخلفكم } أي ويوجد خلافتكم لهم متمكنين , لا يحكم عليكم غيركم ~~{ في الأرض } أي جنسها إن { فينظر } أي وأنتم خلفاء متمكنون { كيف تعملون * ~~} أي يعاملكم معاملة المختبر وهو في الأزل أعلم بما تعملون منكم بعد ~~إيقاعكم للأعمال , ولكنه يفعل ذلك لتقوم الحجة عليكم على مجاري عاداتكم ~~ولما رجاهم موسى عليه السلام بذلك , أخبر سبحانه أنه فعل ما أخبرهم به , ~~فذكر مقدماته فقال : { ولقد } أي قال لهم ما قال والحال أنا وعزتنا قد { ~~أخذنا } أي قهرنا { آل فرعون } ولينا عريكتهم وسهلنا شكيمتكم { بالسنين } ~~أي بالقحط والجوع , فإن السنة يطلق بالغلبة على ذلك كما تطلق على العام ؛ ~~ولما كانت السنة تطلق على نقص الحبوب , صرح بالثمار فقال ms1690 , { ونقص من ~~الثمرات } أي بالعاهات إن كان الماء كثيرا أو السنة للبادية والنقص للحاضرة ~~{ لعلهم يذكرون * } اي ليكون حالهم حال من يرجو الشماخة التي هي مظنة ~~الوقوف مع الخطوظ ويوجب للإنسان الرقة قيقول : هذا إنما حصل لي بسبب تكذيبي ~~لهذا الرسول وعبادتي من لا يكشف السوء عن نفسه ولا غيره PageV03P088 ولما ~~لم يتذكروا ولا لانوا , سبب عن أخذهم قوله معرفا بغباوتهم معبرا في الخير ~~بأداة التحقيق إشارة إلى أنه اغلب من الشر حثا على الشكر : { فإذا } أي فما ~~تسبب عن ذلك إلا أنهم كانوا إذا { جاءتهم الحسنة } أي الحالة الكاملة التي ~~يحبونها من الخصب وغيره , صلى الله عليه وسلم # 1548 ; ن وعرفها بعد تحقيقها إشارة إلى كمالها { قالوا لنا هذه } أي نحن ~~حقيقيون بها , ودل على أن الخير أكثر من غير بقوله بأداة الشك مع التنكير : ~~{ وإن تصبهم سيئة } أي حالة يكرهونها ولما كانت افصابة بالسيئات تخصهم ولا ~~يلحق بني إسرائيل منها شيء , فكان إظهارهم للتطير بهم ظاهرا في ردهم عليهم ~~وتكذيبهم فيه , أشار سبحانه بإدغام التاء إلى أنهم كانوا يدسونه إلى من ~~يمكنهم اختداعه من الجهلة والأغبياء على وجه الحلية والخفاء , بخلاف ما في ~~يايس فقال : { يطيروا } أي يتشاءموا { بموسى ومن معه } أي بان يقولوا : ما ~~حصل لنا هذا السوء إلا بشؤمهم , وهوتفعل من الطير , وهو تعتمد قصد الطير ~~لأن يطير للتفاؤل به خير أو شر , واصله أن العرب كانوا إذا مر الطائر من ~~ميامنهم إلى جهة مياسرهم قالوا : بارح , أي مشؤوم , من البرح وهو الشدة , ~~فإذا طار منو جهة اليسار إاى جهة اليمين عدوه مباركا , قالوا , منلي ~~بالسانح بعد البارح , أي بالمبارك بعد المشؤوم , وعرف أن المراد هنا ~~التشاؤم لاقترانه بالسيئة . | ولما كذبوا في الموضعين , قال مستانفا على ~~وجه التأكيد : { ألا إنما طائرهم } أي قدرهم الذي سبق في الأزل من الخير ~~والشر فلا يزداد ولا ينقص { عند الله } أي الملك الذي لا امر لغيره وقد قدر ~~كل سيء , فلا يقدر على المجيء به غيره أصلا { ولكن أكثرهم لا ms1691 يعملون * } أي ~~لا علم لهم أصلا فهم لا يهتدون إلى ما ينفعهم ويظنون أن للعباد مدخلا في ~~ذلك تراهم يضيقون الأشياء إلى أسباب يتوهمونها ولما كان هذا الذي قالوه يدل ~~سوء المزاج وجلافة الطباع بما لا يقبل العلاج , أتبعه ما هو شر منه , وهو ~~أنهم جزموا بانه كلما أتاهم شيء في المستقبل قابلوه بالكفرفقال : { وقالوا ~~مهما } هي مركبة من ( ما ) مرتين : الأولى الشرطية والثانية تأكيد . | قلبت ~~ألف الأولى هاء استثقالا , قيل : مه هي الصوت الذي يكون للكف وما الشرطية , ~~أي كف عنك ما انت فيه . | ثم استأنفوا ( ما ) { تأتنا به } أي في أي وقت ~~وعلى أي حالة كان ؛ ثم بينوا المأتي به بقولهم : { من آية } اي علامة على ~~صدقك , وهذا على زعمه , ولذلك عللوه بقولهم : { لتسحرنا } أي لتخيل على ~~عقولنا { بها } وتلفتنا عما نحن عليه إلى ما تريد فنحن نسميها آية ؛ ثم ~~أجابوا الشرط بقولهم : { فما نحن } أي كلنا { لك } أي خاصة { بمؤمنين * } ~~أي من أن نكذبك . | PageV03P089 < < # | الأعراف : ( 133 - 137 ) فأرسلنا عليهم الطوفان . . . . . # > > ^ ( فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات ~~مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * ولما وقع عليهم الرجز قالوا يموسى ~~ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني ~~إسرآئيل * فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون * ~~فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين * ~~وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ~~وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرآئيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون ~~وقومه وما كانوا يعرشون ) ^ } ) | زوا بهذه العظمية , استحقوا النكال فسبب ~~عن ذلك قوله : { فأرسلنا عليهم } أي عذابالهم - لما يفهمه حرف الاستعلاء { ~~الطوفان } أي الرعد والبرق والنار مع المطر والبرد الكبار الذي يقتل البقر ~~فما دونها , والظملة والريح الشديدة التي عمت أرضهم وطافت بها ؛ ولما كان ~~ذلك ربما اخصبت به الأرض , أخبر أنه أرسل ما يفسد ذلك فقال : { والجراد } ~~ولما كان الجراد ربما طار وقد أبقى ms1692 شيئا , أخبر بما يستمر لأزقا في الأرض ~~حتى لا يدع بها شيئا فقال : { والقمل } قال في القاموس : القمل كالسكر : ~~صغار الذر والبى الذي لا أجنحة له - وهوأصغر الجراد أو دواب صغار كالقردان ~~يعني يعني القراد . | وقال البخاري في بني إسرائيل من صحيحه : القمل : ~~الحمنان يشبه صغار الحلم . | ولما ربما كان عندهم شيء مخزونا لم يصل إ ‘ ~~ليه ذلك , أخبر بما يسقط نفسه في الأكل فيفسده أو ينقصه فقال : { والضفادع ~~} فإنها عمت جميع أماكنهم , وكانت تتساقط في أطعمتهم , وربما وثبت إلى ~~أفواهم حين يقتوحنها للأكل ولم تم ما يضر بالماكل , اتبعه ما أفسد المشرب ~~فقال : { والدم } فإن مياهم انقلبت كلها دمامنتنا , وعم الدم الشجروالحجارة ~~وجميع الأرض في حق القبط , وأما بنو إسرائيل فسالمون من جميع ذلك ولما ذكر ~~تعالى هذه الآيات العظيمة , نبه على عظمتها بذكر جالها فقال : { آيات } أي ~~علامات على صدقة عظميات { مفصلات } أي يتبع بعضها بعضابعضا , وبين كل واحدة ~~واختها حين يختبرون فيه مع أن مغايرة كل واحدة لأختها في غاية الظهور , ~~وكذا العلم بأنها من آيات الله التي لا يقدر عليها غيره . | PageV03P090 ~~ولما كانت حقيقة بان يتسبب عنها الإيمان عند سلامة القلب , سبب عنها قوله : ~~{ فاستكبروا } مبينا أن الذي منعهم من افيمان مرض القلب بالكبر والطغيان { ~~وكانوا قوما مجرمين * } أي في جبلتهم قطع ما ينبغي وصله مع قوتهم على ما ~~يحاولونه ولما كان هذا في الحقيقة نقصا لما اخذه اللهعلى العبادة بعهد ~~العقل , أتبعه نقضا حقيقا , فقال مبينا لحالهم عند كل آية , ولعله عبر بما ~~يشملها ولم ينص على التكرار لأن ذلك كاف فيما ذكر من النقض والفسق : { ولما ~~وقع عليهم الرجز } يعني العذاب المفصل الموجب للاضطراب { قالوا ياموسى ادع ~~لنا ربك } أي المحسن إليك , ولم بسمحوا كبرا وشماخة أن يعرفوا به ليقولوا : ~~ربنا { بما عهد عندك } أي من النبوة التي منها هذا البر الذي تراه يصنعه بك ~~؛ ثم أكدوا العهد بقولهم استئنافا أو تعليلا : { لئن كشفت عنا الرجز } أي ~~العذاب الذي اضربت قلوبنا وجميع أحولنا له ms1693 { لنؤمنن لك } أي لنجعلنك آمنا ~~من التكذيب بإيقاع التصديق , ويكون ذلك خالصا لأجلمكوخاصا بك { ولنرسلن معك ~~} اي في صحبتك , لا نجس أحدا منكم عن الآخر { بني إسرائيل * } أي كما سألت ~~؛ ودل على قرب الإجابة بالفاء في قوله : { فلما كشفنا } أي بعظمتنا { عنهم ~~الرجز } كرره تصريحا وتهويلا , ومددنا الكشف { إلى أجل } أي حد من الزمان { ~~هم بالغوه } أي في علمنا { إذا هم } أي بضمائرهم التي تجري ظواهرهم على ~~حسبها { ينكثون * } ولما أخبر أنهم فاجؤوا النكث وكرروه , سبب عنه قوله : { ~~فانتقمنا منهم } أي انتقاما ليس كذلك الذي كنا نؤذيهم به , بل انتقام إهلاك ~~عبرة لوصولهم بعد كشف جميع الشبه إلى مخص العناد ؛ ثم فسره بقوله : { ~~فانتقمنا منهم } أي انتقما ليس كذلك الذي كنا نؤذيهم به , بل انتقام إهلاك ~~عبرة لوصولهم بعد كشف جميع الشبه إلى محض العناد ؛ ثم فسره بقوله : { ~~فاغرقناهم } بما لنا من العظمة { في اليم } أي في البحر الذي يقصد لمنافعة ~~{ بأنهم } أي بسبب أنهم { كذبوا بآيتنا } أي على ما لها من العظمة بما عرف ~~من صحة نسبتها إلينا , ودل سبحانه على أنهم كذبوا بغير شبهة عرضت لهم بل ~~عنادا بقوله : { وكانوا } أي جبلة وطبعا { عنها غافلين } أي يكون حالهم ~~بعدها كحالهم قبلها فكانها لم تاتهم أصلا فاستحقوا الخذ لوقوع العلم بأن ~~الآيات لا تفيدهم ولما أخبر عن إهلاكهم عطف عليه ما صنع ببني فقال : { ~~واورثنا } أي بعد إهلاكهم بما لنا من العظمة { القوم } ولما اشار بهذه ~~العبارة - التي معناها أنه كانت فيهم قوة وكثرة وشدة عزم على ما يحاولونه ~~ويقومون به - إلى أنه هو الذي أذلهم لا فرعون أتبعه ما يدل عليه فقال : { ~~الذين كانوا يستضعفون } أي يطلب ضعفهم ويوجد بالشوكة واجتماع الكلمة بحاكم ~~قد تمكنت عظمة في القلوب التي الوهم غلب عليها , PageV03P091 وهم بنو ~~إسرائيل { مشارق الرض } أي الكاملة لبركاتها { وغاربها } أي أرض الشام من ~~الفرات إلى بحر سوف : الموضع الذي خرجوا منه من البحر وغرق فيه فرعون وآله ~~- كما كما مضى نقله في المائدة عن التوارة , يعني ms1694 حكمنا بإيراثهم ذلك ~~وأنجزناه لأبناء الذين خرجوا من مصر بعد إهلاكهم في التيه ؛ ثم وصفها تغبطا ~~بها بقوله : { التي باركنا فيها } أي في أرضها بالمياه والأشجار والثمار ~~والخصب , وفي أرزاقها بالكثرة والطيب , وفي رجالها بالعلم والنبوة وفي ~~طباعهم بالاستقامة , وفي عزائهم بالنجدة والشجاعة والمكارم , وفي جميع ~~أحوالهم بأنه لا يبغيهم ظالم إلا عوجل بالنقمة { وتمت } أي وجدت صحتها ~~لوجود مضمونها في عالم الشهادة وظهوره من ستور الغيب { كلمت ربك } أي ~~المحسن إليك بإنزال هذه الأنباء على هذه الوجوه المفيدة مع إعجازها لغاية ~~العلم والحمكة { الحسنى } مستعلية { على بني إسرائيل * } أي التي هي أحسن ~~الكلام وهي وعده سبحانه لهم بالخلاص من العبودية وإيراثهم مساكن آباثهم ~~مساكن آبائهم كما كانوا يسمعون من أسلافهم , وإذا عليهم منعت أعداءهم من ~~الوصول إليهم { بما صبروا } أي بسبب صبرهم على الاستعباد وذبح الأولاد وما ~~حصل بعد ذلك من طويل الأنكاد { ودمرنا } أي أهلكنا إهلاكا عظميا جعل يدمره ~~كالرماد , لا خير فيه أصلا { ما كان يصنع } أي صنعا بغاية افقبال عليه حتى ~~كانهم خلقوا لهم { فرعون وقومه } أي من الصنائع الهائلة المعجبة لكل من ~~يراها أو يسمع بها مع أنهم قد مرنوا عليها فصارت أسهل شيء عندهم { وما ~~كانوا } أي بما هو كالجبلة والطبع { يعرشون * } أي من الجنان والقصور ~~العالية الركان , وكفى بهذه الآية حاثة على الصبر وضامنة على كل حائز للأجر ~~بالتفريج عن المظلوم ونصره وإهلاك الظلوم وقهره شرح ما يحتاج إلى شرحه هنا ~~من التوراة الموجودة الان بين أظهر اليهود , قال مترجما في الصحاح الثالث ~~من السفر الثاني ما نصه : وقال الرب لموسى في مدين : انطلق راجعا إلى مصر ~~لأن الرجال الذين كانوا يطلبون نفسك قد هلكوا جميعا , فانطلق راجعا إلى مصر ~~لأن الرجال الذين كانوا يطلبون نفسك قد هلكوا جميعا , فانطلق موسى بامرأته ~~وبينه وحملهم على حماره واخذ بيده عصا الرب , وقال الرب الموسى : انظر كل ~~آية أجريتها على يدك فاصنعها أمام فرعون وانا اقسى قلبه فلا يرسل الشعب ~~ترسل ابني فإني اقتل ابنك ms1695 بكري , فلما صار موسى في الطريق في المبيت لقيه ~~ملاك الرب فاخذت صفورا حجرا من حجارة المروة فحشت غرلة ابنها واخذت برجليه ~~- وفي نسخة السبعين : ووقعت عند رجليه - وقالت : إن اليوم عرس الدم - تعني ~~الختان , فقال الرب لهارون : اخرج فتلق اخاك في القفر , فخرج فلقيه في جبل ~~الله في حوريب فعانقه PageV03P092 وقبله , فاخبر موسى هارون بجميع قول الرب ~~الذي أرسله فيه وما أمره من الآيات , وانطلق موسى وهارون , فجمع أشياخ بني ~~إسرائيل , فقص عليهم جميع ما قال الرب لموسى , وحرج جرائح وآيات قدام الشعب ~~- وفي نسخة السبعين : فجمعا مشايخ بني إسرائيل وتكلم هارون بجميع الكلام ~~الذي كلم الله به موسى وعمل الآيات قدام الشعب - فآمن الشعب وسمعوا أن الرب ~~قد ذكر بني إسرائيل وأبصر إلى خضوعهم , جثا الشعب وسجدوا للرب , ومن بعد ~~هذه الآيات والخطوب دخل موسى وهارون وقالا لفرعون : هكذا يقول الله رب ~~إسرائيل : أرسل شعبي يحجون إلى القفر - وفي نسخة السبعين : ليعبدوني في ~~البرية - عوض : يحجون إلى القفر , فقال فرعون : ومن هو الرب حتى أطيعه ؟ لا ~~أعرف الرب ولا أرسل بني إسرائيل , وقالا له : الرب إله العبرانيين اعتلن ~~لنا , فننطلق مسيرة ثلاثة أيام القفر ونذبح الذبائح لله ربنا لكيلا ينزل ~~بنا الحزن والوباء - وفي نسخة السبعين : لئلا يفجئنا موت أو قتل - قال ~~فرعون : ما بالكما تبطلان الشعب من أعمالهم ؟ فأمر فرعون ولاة الشعب ~~وكتبتهم وقال لهم : لا تعودوا أن تعطوا الشعب تبنا لضرب اللبن كما كنتم ~~تعطونهم , بل هم ينطلقون فيجمعون لأنفسهم التبن , وخذهم بحساب اللبن على ما ~~كنتم تاخذونهم به امس - ونسخة السبعين : في كل يوم لا تنقصونهم يوما من ~~عملهم لأنهم بطروا لذلك يصيحون فيقولون : ننطلق فنذبح للرب إلها - فليشد ~~العمل على الرجال - ونسخة السبعين - فليتضاعف عمل هؤلاء القوم - حتى يهتموا ~~به ولا يهتموا بكلام الباطل , فخرج ولاة الشعب وكتبتهم يما قال فرعون , ~~فتقرق الشعب في جميع أرض مصر في جميع لالتبن , وجعل ولاتهم يلحون عليهم ~~ويقولون : ارفعوا إلينا العمل كما كنتم ترفعون من قبل حيث ms1696 كنتم تعطون التبن ~~, فزادت كتبة بني إسرائيل وعوقبوا من الذين ولوهم عليهم وقالوا : لم لم ~~ترفعوا إلينا حساب اللبن كما كنتم ترفعون , فاتى كتبه بني إسرائيل فشكوا ~~إلى فرعون وقالوا : ما بال عبيدك يصنع بهم هذا الصنيع ؟ : فقال فرعون : ~~أنتم قوم بطرون , تقولون : ننطلق لنذبح لربنا فسار - اي الكتبه - في بني ~~إسرائيل وقالوا لهم : لا تنقصوا من لبنكم شيئا , بل ارفعوا ألينا كما كنتم ~~ترفعون كل يوم فلقوا موسى وهارون وهما واقفان أمامهم - وفي نسخة السبعين : ~~وهما يجيئان نحوهم إذخرجوا من بين يدي فرعون - فقالوا لهما : الله يحكم ~~بيننا وبينكما لأنكما حرضتما علينا فرعون وعبيده حتى ضيق علينا بان يضع ~~السلاح فينا فيلقينا , فرجع موسى إلى الرب وقال : يارب ! لم أسات بشعبك ~~وأضررت به ؟ لأني ساعة أن أتيت فرعون فذكرت اسمك أساءس بهذا الشعب وشق ~~عليهم وانت تخلص شعبك , فقال الرب لموسى : الآن ترى ما أصنع PageV03P093 ~~بفرعون لأنه سيرسلهم - وفي نسخة السبعين : وسوف ترى ما أصنع بفرعون وكيف ~~يرسلهم بيد منيعة وبذراع عظيمة بخرجهم من ارض مصر ! أنا الرب الذي اعتلنت ~~لإبراهيم وإسحاق ويعقوب وسميت بإله المواعيد ولم أعلمهم اسم الرب - وفي ~~نسخة السبعين : واسمي الرب فلم اظهره لهم - واثبت عهدي أيضا ووعدتهم أن ~~أعطيهم أرض كنعان أرض غربتهم التي سكنوها ؛ وقد سمعت ضجيج بني إسرائيل من ~~تعبد أهل مصر , وانجيكم من اعمالهم واخلصكم بيد منيعة وذراع علية وباحكام ~~عظيمة , واختصكم لي شعبا واكون لكم إلها , وتعرفون أني لأعطيهيا آباءكم ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب وأجعلها لكم ميرثا إلى الدهر , أنا الرب ! فقال موسى ~~لبنى إسرائيل هذه الأقاويل فلم يسمعوا من موسى وقال له : انطلق إلى فرعون ~~ملك مصر وقل له فيرسل بني إسرائيل - من أرض مصر , فقال موسى للرب : إن بني ~~إسرائيل لا يسمعوني ولا يطيعوني وأنا أرت المنطق ثقيل اللسان فكيف يطيعني ~~فرعون ويسمع مني ! فقال الرب لموسى : انظر , إني قد جعلتك إلها لفرعون , ~~وهارون أخوك يكلم فرعون - ليرسل بني إسرائيل من ارضه وأنا اقسى قلب فرعون ~~فأكثر آياتي وعجائبي ms1697 بارض مصر , فلا يطيعكما فرعون ولا يسمع منكما فامد يدي ~~على مصر وأخرج جميع جنودي وشعبي بني إسرائيل من ارض مصر بالأحكام العظام , ~~فيعرف أهل مصر أني أنا الرب , فصنع موسى وهارون كما امرهما الرب وانتهيا ~~إلى أمره , وكان قد أتى على موسى ثمانون سنة , وكان ابن ثلاث وثمانين سنة ~~إذ كلما فرعون , فقال الرب لموسى وهارون , إن قال لكما فرعون : أظهرا ظلألي ~~آية وجريحة , قل لهارون : خذ عصاك وألقها بين يدي فرعون فتكون تنينا عظيما ~~, فاتى موسى وهارون إلى فرعون فصنعنا كما أمرهما الرب , فألقى عصاه - وفي ~~نسخة السبعين : فألقى هارون عصاه - بين يدي فرعون وإمام أمرأئه - وفي نسخة ~~السبعين : وعبيده - فصارت تنيا عظيما , فدعا فرعون بالحكماء والسحرة , فصنع ~~سحرة مصر أيضا بسحرهم كذلك , فالقى كل امرئ منهم عصاه فصارت تنيا فصنع عصا ~~هارون عصيهم , فقسا قلب فرعون وابى أن يرسلهم كما قال الرب , وقال الرب ~~لموسى : إن قلب فرعون قد قسا وأبى أن يرسل الشعب , انطلق إلى فرعون بالغداة ~~, هو ذا يخرج ليغتسل على شاطئ البحر , وخذ العصا التي تحولت في يدك ثعبانا ~~وقل : وإن PageV03P094 الرب إله العبرانيين أرسلني إليك , يقول لك : أرسل ~~شعبي حتى يعبدني في البرية لنك حتى الآن لا تسمع ولا تطيع , هكذا يقول الرب ~~: بهذا تعلم أني أنا الرب , هاانذا اضرب ماء النهر بعصاي فيصير دما , وتموت ~~الحيتان التي في النهر وينتن - ونسخة السبعين : ولا يقدر أهل مصر أن يشربوا ~~الماء من هذا النهر - وقال الرب لموسى : مر هارون أن يأخذ عصاه , وارفع يدك ~~على ماء المصريين على أنهارهم وعلى غدرانهم وعلى آجامعهم وعلى دواليب ~~مياههم - وفي نسخة السبعين : وقال الرب لموسى : قل لهارون : خذ عصاك ومد ~~يدك على ماء مصر وعلى ماء مصر وعلى أنهارها وىجامها ونقارها وعلى كل مائها ~~المستنقع - فيتحول دما , فيصير الدم في جميع أهل مصر في الأرض والخسب ~~والحجارة , فصنع موسى وهارون كما أمرهما الرب , فرفع هارون العصا التي في ~~يده فضرب بها ماء النهر وفرعون وعبيده ينظرون , فتحول ms1698 ماء النهر فصار دما , ~~وماتت الحيتان التي بالنهر , ففسد ماء النهر وأتنن , ولم يقدر أهل مصر على ~~شرب الماء من الدم , فانصرف فرعون فدخل منزله ولم يفكر في شيء من ذلك ~~وتهاون به , وكملت سبعة أيام من بعد ما ضرب الرب النهر , وقال الرب لموسى : ~~انطلق إلى فرعون وقل له : هكذا يقول الرب : أرسل شعبي حتى يعبدوني , فإن ~~أبيت أن ترسله فإني أضرب جميع حدودك بالضفادع فتدب الضفادع فتصعد فتدخل إلى ~~بيتك وقيطونك وفي مبيتك وعلى مضجعك وأسرتك في بيوت عبيدك وشعبك ومخادعك ~~وبيوت طعامك , وتدب الضفادع عليك وعلى الأنهار وعلى الدواليب وعلى الآجام ~~فأصعد الضفادع فغشيت ارض مصر , فدعا فرعون موسى وهارون وقال لهما : صليا ~~بين يدي الرب فتنصرف الضفادع عنك وبيتك - وفي نسخة السبعين بيوتك وعن عبيدك ~~وعن شعبك ما خلا الضفادع التي في النهر - فخرج موسى , فماتت الضفادع في ~~الدور والبيوت والرياض فجمهوها أنابير أنابير فاصلت الأرض وأجنت وفي ~~نسخةالسبعين : فجمعوهاصيبا فانتنت الأض - فرأى فرعون الفرج والراحة وجفا ~~قلبه فلم يطعمهما كالذي قال الرب , فقال الرب PageV03P095 لموسى : مر هارون ~~فيرفع عصاه ليضرب ثرى الرض فيكون القمل في جميع أرض مصر , ففعل ذلك فدب ~~القمل في الناس والبهائم وصار جميع ترى الأرض قملا في جميع أرض مصر , فصنع ~~مثل ذلك السحرة بسحرهم لفرعون : إن هذا افعل رب العالمين , فسقا قلب فرعون ~~وهو ذا يخرج يغتسل - وفي نسخة السبعين : فإنه يخرج إلى الماء - فقل له : ~~هكذا يقول الرب : أرسل شعبي فيعبدوني , فإن أنت أبيت فهاأنذا مرسل - وفي ~~نسخة السبعين : فإني مرسل - عليك وعلى شعبك وعلى أهل بيتك هوام وحشرة من كل ~~جنس فتمتلىء - وفي نسخة : ذباب الكلب وانزل الهوام على بيت - وفي نسخة : ~~بيوت : فرعون وعبيده وعلى جميع أرض مصر , ففسدت الأرض فقال موسى : لا يحسن ~~بنا أن نفعل ذلك لأنا إنما نذبح للرب إلهنا من نجاسة المصريين وبدعهم , فإن ~~نحن ذبحنا أمام آلهة المصريين رجمونا , بل ننطلق مسيرة ثلاثة أيام في القفر ~~فنذبح هنالك للرب إلهنا على ما ms1699 يأمرنا ويقول لنا , فقال فرعون : أنا أرسلكم ~~فتذبحوا الذبائح للرب إلهكم في البرية , ولكن لا تنطلقوا فتتوانوا , بل ~~صلوا علي أيضا - وفي نسخة السبعين - ولكن لاتبعدوا وصلوا أيضا إلى ربكم - ~~فقال موسى لفرعون : هاأنذا أخرج من بين يديك فاصلي بين يدي فرعون أن يكذب ~~في قوله ويأبى أن يرسل الشعب ليذبحوا الذبائح , فخرج موسى من بين يدي فرعون ~~وصلى بين يدي الرب , فقبل الرب صلاة موسى وصرف الهوام فلم يوجد منها ولا ~~واحد , فقسا قلب فرعون وقل له : هكذا يقول الرب إله العبرانيين : أرسل شعبي ~~حتى يعبدوني , فإن أبيت أن ترسله - وفي نسخة السبعين : وتمسكت به , فإن يد ~~الرب تضرب ماشيتك التي في القفر من الخيول والحمير والبقر والغنم , قيقع ~~فيها الوباء العظيم الصعب الشديد , ويميز الرببين دواب بني إسرائيل وبين ~~بهائم أهل مصر , فلا يموت من بهائم آل إسرائيل ولا واحد , ووقت الرب وقتا ~~ليكمل فيه هذا القول على الأرض , فأكمل الرب هذا المر من غد ذلك اليوم , ~~فماتت PageV03P096 جميع بهائم المصريين ولم يمت من دواب بني إسرائيل ولا ~~أحد , وارسل فرعون فإذا أنه لم يمت من دواب بني إسرائيل ولا دابة , فقسا ~~قلب فرعون بعد هذا أيضا فأبى ان يرسل الشعب , فقال الرب لموسى وهارون : خذا ~~في حقيبتكما من رماد الأتون فيذره موسى إزاء السماء نحو فرعون , فيكون ~~العجاج في ارض مصر , فيضرب الناس والبهائم جميعا قروح ناتنة رخوة في ارض ~~مصركلها , فأخذوا رماد الأخدود ووفقا بين يدي فرعون فذره موسى نحو السماء ~~أمام فرعون فذره موسى نحو السماء أمام فرعون فلم يسمع لهما ولم يطعهما ~~كالذي قال الرب لموسى , فقال الرب لموسى : أدلج باكرا وقف بين يدي فرعون ~~وقل له : هكذا يقول الرب إله العبرانيين : أرسل شعبي فيعبدوني وإلا فأنا ~~مرسل في هذا الوقت ضربتي على قلبك وعلى عبيدك شعبك لتعلم أنه لا إله غيري ~~على الأرض كلها , وانت حتى الآن تمسك بالشعب وتابى أت ترسله , وغدا في هذا ~~الوقت أهبط البرد العظيم الشديد ما لم يكن ms1700 - وفي نسخة السبعين : الذي لم ~~يكن مثله - بمصر منذ اليوم الذي أسست فيه قواعدها إلى يوم الناس هذا , ~~والان أرسل فادخل جميع دوابك وكل مالك في الحقل لأن كل بهيمة أو إنسان يلقى ~~في الحقل ولا يدخل البيت يهبط عليهم البرد فيموتون , وكل من خاف كلمة الله ~~من عبيد فرعون نقل عبيده وبهائمه إلى البيوت , والذي لم يفكر في كلمة الله ~~وتهاون بها دوابه وعبيده في الحقل , وقال الرب لموسى : ارفع يدك إلى السماء ~~يهبط البرد يهبط والنار تضطرم في البرد , وكان شديداعظيما , ولم يكن مثله ~~في جميع أشجار الغياض , فأما أرض جاسان التي كانت آل إسرائيل يسكنونها فلم ~~يهبط عليها البرد , فارسل فرعون فدعا موسى وهارون فقال لهما : قد خطئت في ~~هذه المرة أيضا , والرب بار وانا وشعبي منافقون - وفي نسخة السبعين : إني ~~قد أخطأت والرب بار وأنا وشعبي فجار - فصليا بين يدي الرب فإنه ذو ~~PageV03P097 إمهال وأناة فيصرف عنا الرجفة والرعد والبرد فارسلكم فلا ~~تعودوا أن تتأخروا - وفي نسخة السبعين : وأنا أرسلكم ولا اعود أن أوخركم - ~~فقال موسى لفرعون : إذا ما خرجت من القرية أبسط يدي للرب فيصرف عنكم صوت ~~الرعد والرجفة , ولا يعود البرد يهبط أيضا لكي تعلم أن الأرض وما عليها ~~الله . | وانا أعلم أنك وعبيدك إلى الآن لم ترهبوا الله ولم تخافوا عقابه , ~~وقد هلك الكتان والشعير - وفي نسخة السبعين : ؛ وضرب البرد الشعير والكتان ~~- لأن الشعير كان قد بد أن يسبل , والكتان قد بدأ أن يبرز , فأما زرع ~~الحنطة والكثيب فلم يهلك لأنه كان متأخرا , فلما جاء موسى من القرية من بين ~~يدي فرعون بسط - وفي نسخة السبعين : فاما زرع الحنطة والذرة فإنه لم يضرهما ~~لأنهما كانا القسا , وخرج موسى من عند فرعون خارج المدينة فبسط - يديه بين ~~يدي الله نحو السماء فصرف عنهم الرعد والبرد , وانقطع المطر عن الأرض , ~~فرأى فرعون أن القطر والبرد والرعد قد انقطع وسكن فعاد وخطأ وقسا قلب فرعون ~~وعبيده - وفي نسخة السبعين : على ما تكلم به الرب على يد ms1701 موسى - فقال الرب ~~لموسى : انطلق إلى فرعون لأني أنا الذي أقسى قلبه وقلوب عبيده , فأظهر هذه ~~الآيات لتجر بينك وبني بنيك بما صنعت بأهل مصر من الآيات الكثيرة التي ~~أظهرت , فيعلموا أني أنا الرب , فأتى موسى وهارون إلى فرعون وقالا له : ؛ ~~هكذا يقول الرب إله العبرانيين : حتى متى تأبى ان تخافني وترهبني ! أرسل ~~شعبي ليعبدوني , فإن أبيت أن ترسل شعبي فهاأنذا محدر على جميع تخومك الجراد ~~- وفي نسخة السبعين : فإني أجلب عليك غدا هذا الوقت جرادا عظيما على جميع ~~حدودك - فيغطي عين الأرض فلا يقدر إنسان على النظر إلى الأرض , فمهما أبقى ~~لكم البرد اكله , ويأكل جميع الشجر التي تنبت لكم في الحقل , ويمتلىء منه ~~بيوتك وبيوت عبيدك وبيوت جميع المصريين مالم ير مثله آباؤك واجدادك من ~~اليوم الذي أسست الأرض إلى يوم الناس هذا , ورجعا من بين يدي فرعون ~~فقالفرعون لعبيده : حتى متى يكون لنا هذه العثرة ! يرسل القوم فيعبدون - ~~وفي نسخة السبعين : فقال عبيد فرعون لفرعون : حتى متى يكون لنا هذا البلاء ~~! أرسل القوم فيعبدون - الرب إلههم أما تعلم - وفي نسخة السبعين / : أو ما ~~عملت - أن مصر قد خربت , فردوا موسى وهارون إلى فرعون فقال لهم : انطلقوا ~~فاعبدوا بين يدي الرب إلهكم , ولكم من منكم ينطلق ؟ فقال له موسى : إنا ~~ننطلق بشباننا وشيوخنا وبنينا وبناتنا وبغنمنا وبقرنا , لأته عيد لنا للرب ~~, فقال لهما : ليكن كما قلتما , والله يصحبكما إذا ما ارسلتكم وحشمكم , ~~لعله أن يعرض لكم في الطريق آفة , ولكن ليس هكذا , انطلقوا الآن معاشر ~~الرجال ! اعبدوا بين يدي PageV03P098 الرب لأنكم إنما تطلبون بذلك الراحة , ~~فاخرجوهما من بين يدي فرعون , فقال الرب لموسى : ارفع يدك على أرض مصر ~~فيأتي الجراد فيصعد على ارض مصر فيأكل عشب الحقل وجميع ما نجا من البرد , ~~فرفع موسى عصاه على ارض مصر , فأذهب الرب على الأرض ريح السموم جميع ذلك ~~اليوم - ونسخة السبعين : والرب جلب ريحا قبلية على الأرض نهار ذلك اليوم - ~~وتلك الليلة , فلما كان بالغداة احتملت ريح السموم الجراد , فصعد ms1702 الجراد - ~~وفي نسخة السبعين أخذت الريح القبلية الجراد وأصعدته - على جميع أرض مصر , ~~فسقط على جميع تخوم أرض المصريين , وكان منبعا عظيما جدا , ولم يكن مثل ذلك ~~الجراد فيما خلا ولا يكون مثله فيما بعده , فغطى جميع عين الرض فأظلمت ~~الأرض , وأكل جميع عشب الحقل وجميع الشجر التي نجت من لبرد , ولم يبق في ~~الشجر غصن ولا ورق ولا في الحقل عشب في جميع ارض مصر فاستعجل فرعون ودعا ~~موسى وهارون وقال لهما : قد خطئت بين يدي الله إلهكما , والآن اعفوا عن ~~ذنبي وجهلي هذه المرة , وصليا بين يدي الرب إلهكم فيصرف عني هذه الآفة ~~والموت , فخرج موسى من بين يدي فرعون وصلى بين يدي الرب , فعاد الرب بريح ~~السموم عاصفا فاحتملت الجراد فقذفت به في بحر سوف - ونسخة السبعين : فغير ~~الرب تلك الريح بريح من البحر شديدة فاخذت الجراد وألقته في البحر الأحمر - ~~ولم يبق في جميع تخوم المصريين شيء من الجراد , فقسى الرب قلب فرعون فلم ~~يرسل بني إسرائيل , فقال الرب لموسى : ارفع يدك إلى السماء فليكن الدجى ~~والحنادس على جميع أرض مصر فتذلهم الظلمة , فرفع موسى يده إلى السماء فكانت ~~الظلمة والدجى - وفي نسخة السبعين : فصارت ظلمة وزوبعة - على جميع أرض مصر ~~, ولم يرى المرء منهم صاحبه ثلاثة أيام , فأما جميع بني إسرائيل فكان لهم ~~الضياء والنور في مساكنهم , فدعا فرعون موسى فقال له : انطلقوا فاعبدوا بين ~~يدي الرب إلهكم , فأما بقربكم وغنمكم فدعوها هاهنا , وأما حاشيتكم فانطلقوا ~~بها معكم , فقال موسى لفرعون : وأنت أيضا تعطينا من الذبائح فنذبح لله ربنا ~~, وبهائمنا أيضا تنطلق بها معنا , ولا يبقى منها هاهنا ظلف على الأرض لأنا ~~إنما نأخذ من مالنا لنذح بين يدي الرب إلهنا , ولسنا نعلم بماذا نعبد الله ~~إذا بلغنا هناك , فقسى الرب قلب فرعون وأبى أن يرسلهم , فقال فرعون لموسى : ~~اخرج من بين يدي واحذر أن تتراءى لي بين يدي تموت فيه , قال له موسى : ما ~~أحسن قولك ! لست بعائد أن أرى وجهك , قال الرب لموسى ms1703 : إني اعود أيضا فانزل ~~بفرعون والمصريبن ضربة واحدة , وعند ذلك أرسلكم من هاهنا , فإذا أرسلتكم ~~فاخرجوا كلكم , وأمر الشعب وقال لهم : ليستعر المرء PageV03P099 منكم من ~~صاحبه والمرأة من دجارتها حلي ذهب وفضة - وفي نسخة السبعين : آنية الفضة ~~وآنية الذهب - والكسوة , وجعل الرب للشعب في قلوب المصريين محبة ورحمة , ~~وموسى كانت له هيبة وكرامة عظيمة في جميع أض مصر - وفي السبعين : عند ~~المصريين وعند فرعون وعند جميع عبيده - فقال موسى : هكذا يقول الرب : إني ~~خارج نصف الليل فاجور في أرض مصر فأتوفى جميع أبكار مصر بكر فرعون الجالس ~~على منبره إلى بكر الأمة التي في بيت الرجل , وتموت جميع أبكار البهائم ~~فتسمع الولولة العظيمة والصراخ والأنين الفظيع ما لم يسمع مثله أيضا - وفي ~~نسخة السبعين : ولا يعود أيضا أن يكون مثلها - فاما آل إسرائيل فلا يصاب ~~منهم ولا الناس ولا البهائم ولا الكلب بلسانه - وفي نسخة السبعين : ولا ~~يعوي من جميع بني إسرائيل كلب بلسانه - ليعلموا أن الرب ميز بين المصريين ~~وآلا إسرائيل , فهبط جميع عبيدك هؤلاء فيسجدون لي ويقولون : اخرج أنت وجميع ~~الشعب معك , وعند ذلك أخرج , فخرج موسى من بين يدي فرعون بغضب شديد , فقال ~~الرب لموسى : إن فرعون لا يطيعكما , ذلك أني مكثر آياتي وعجائبي بأرض مصر , ~~وإن موسى وهارون جرحا هذه الجرائح واظهرا هذه الآيات كلها بين يدي فرعون , ~~فقسى الرب - لموسى وهارون بأرض مصر : هذا الشهر - أي نيسان - يكون لكم راس ~~الشهور , ويكون هذا أول شهور السنة , قل لجميع جماعة بين إسرائيل في عشر من ~~هذا الشهر فليأخذ الرجل منهم حملا - وفي نسخة السبعين : خروفا - لبيته ~~وحملا لآل أبيه , وإن كان آل البيت قليلا لا يحتاجون إلى حمل فليشرك هو ~~وجارة القريب إلى بيته على عدة الناس , وعدوا كل امرئ منهم على قدر أكله من ~~الحمل , حملا بلا عيب فيه ذكرا بينا , يكون الحمل حويلا من الخراف والجدي ~~وتأخذونه , ويكون محفوظا لكم حتى اليوم الرابع عشر من هذا الشهر , ويذبحه ~~كل جماعة من كنسة بني إسرائيل ms1704 أصيلا , ويأخذون من دمه ويضعونه على القائمين ~~والعتبة من البيت الذي تأكلون اللحم في هذه الليلة مشوبا بفطير , ولا ~~تأكلون منه نيئا ولا مطبوخا بالماء , ولاتبقوا منه شيئا لغد , ولا تكسروا ~~منه عظما , وما فضل منه إلى غد فأحرقوه بالنار , وكلوه وأنتم قيام وقد ~~شددتم أو ساطكم ونعالكم في أرجلكم وعصيكم في أيدكم وكلوه بعجله , فإنه فصح ~~للرب , وأنا فإني أعبر في أرض مصر في هذه الليلة واضرب كل بكر بأرض مصر من ~~الناس والبهائم , وأعمل نقمة من جميع آلهة المصريين , أنا الرب ! ويكون لكم ~~هذا اليوم ذكرا وتعبدونه عيدا للرب لدهوركم إلى البد وتعبدونه PageV03P100 ~~سبعة أيام , وتأكلون فطيرا وتعزلون الخمير من بيوتكم من أول يوم , وكل من ~~يأكل خميرا فإن تلك النفس تبيد من إسرائيل من اليوم الأول إلى اليوم السابع ~~, وكل عمل يعمل فلا تعملوه فيها , واحفظوا هذه الوصية , ففي هذا اليوم خرج ~~عسكركم من مصر , فاجعلوا هذا اليوم لدهوركم سنة , فإذا بدأ اليوم الرابع ~~عشر من الشهر الأول من العشي كلوا فطيرا إلى يوم إحدى وعشرين من الشهر إلى ~~العشاء , ولا يوجد خمير في بيوتكم سبعة أيام , وكل من يأكل مخمرا فإن تلك ~~النفس تبيد من جماعة بني إسرائيل من الملة والذمة ومن سكان الأرض , ما كان ~~خميرا فلا تأكلوه وكلوا فطيرا في جميع مساكنكم , فدعا موسى جميع أشياخ بني ~~إسرائيل وقال لهم : عجلوا فخذوا غنما لقبائلكم واذبحوا الفصح وخذوا حزمة من ~~ريحان الأدبان واغمسوها بدم الحمل ورشوا على معاقم أبوابكم ومعاضدها - وفي ~~نسخة السبعين : على العتبة وكلا القائمين - من الدم الذي في الإناء , ولا ~~يخرج أحد منكم من باب بيته إلى غدوة - وفي نسخة السبعين : إلى الصباح - ~~فتحفظون هذه السنة والوصية أنتم وبنوكم إلى الأبد , وإذا دخلتم الأرض التي ~~يعطيكم الرب كما وعدكم فاحفظوا هذا العمل , وإذا سأل بنوكم فقالوا لكم : ما ~~هذا الفعل ؟ فقولوا لهم : هذه ذبيحة فصح الرب إذ أفصح على بيوت بني إسرائيل ~~فصنعو ا كما أمر الله موسى وهارون , وفي بيوت بني ms1705 إسرائيل فلما كان عند نصف ~~الليل قتل الرب أبكار أرض مصر - وفي نسخة السبعين : على كرسيه - وحتى بكر ~~السبي المحبوس في السجن وجميع أبكار البهائم فوثب فرعون في تلك الليلة هو ~~وجميع عبيده وكل أرض مصر لنه لم يوجد بيت لم يكن فيه ميت , فدعا فرعون بوسى ~~وهارون في تلك الليلة وقال لهما : انهضا فاخرجا من بين شعبي أنتما وبنو ~~إسرائيل أيضا وانطلقوا فاعبدوا بين يدي الرب كقولكما , وسوقوا غنمكم وبقركم ~~أيضا قلتما , وانطلقوا وصلوا علي أيضا وادعوا ير , فألح المصريون على الشعب ~~ليخروجهم عن الأرض مسرعين لأنهم قالوا : إنا جميعا سنموت , فحمل الشعب ~~عجينهم قبل أن يختمر , والبارد من فطيرهم مشدودا في عمائمهم ملقى أعناقهم , ~~وصنع بنو إسرائيل كما أمرهم موسى , واستعاروا من المصريين حلي ذهب وفضة ~~وكسوة - وفي نسخة السبعين : آنية الفضة والذهب والكسوة - وجعل الرب للشعب ~~في أعين المصريين محبة ورحمة فاعارهم , فحروا المصريين , وظعن بنو إسرائيل ~~من رعمسيس - وعلى حاشية نسخة السبعين أنها عين شمس - يطلبون PageV03P101 ~~ساخوت ستمائة ألف رجل سوى الحشم والعيال , وصعد معهم من الغرباء أيضا من كل ~~خلط ومن البقر والغنم والماشية كثيرا جدا , فاختبروا العجين الذي أخرجوه ~~معهم من مصر رغفا - وفي نسخة السبعين : فراني - فطيرا لم يختبزوه - وفي ~~نسخة السبعين : لم يختمر - وذلك لأن المصريين أخرجهم فلم يقدروا أن يلبثوا ~~, ولم يتزودوا زادا للطريق أيضا , وكان مسكن بني إسرائيل فيأرض مصر ~~أربعمائة وثلاثين سنة , في هذا اليوم خرج جميع جنود الرب من أرض مصر - وفي ~~نسخة السبعين : ليلا - كان الرب وقت في سابق علمه حفظ تلك الليلة التي ~~خرجوا فيها من مصر , وكانت هذه الليلة محفوظة معروفة لدى الرب لهلاك أبكار ~~مصر ولإخراج جميع بني إسرائيل ليكون ذكر ذلك في جميع أحقابهم وخلوفهم , ~~وقال الرب لموسى وهارون : هذه سنة الفصح , لا يأكل منه غريب , وكل عبد لرجل ~~اشتراه إذا خنته عند ذلك فأطعمه الفصح , والأجيروالساكن فلا يأكل منه , في ~~بيت واحد فليؤكل - وفي نسخة السبعين : وكل عبد لرجل اشتراه إذا خنته ms1706 عند ~~ذلك فأطعمه الفصح , والأجير والساكن فلا يأكل منه , في بيت واحد فليؤكل - ~~وفي نسخة السبعين : وكل عبد لرجل اشتراه فليختتن ثم يأكل منه , الملجىء ~~والأخير لا يأكلان منه , وليؤكل في بيت واحد - ولا تخرجوا من اللحم خارجا ~~من البيت شيئا ولا تكسروا فيه عظما , وإذا سكن معكم غريب فختن كل ذكر في ~~بيته عند ذلك فليقترب - وفي نسخة السبعين , وليختن منهم كل ذكر ثم يدنون - ~~من بعد ذلك إلى اكل الفصح , وليكن عند ذلك بمنزلة اهل الأرض , ولا يأكل منه ~~أغرل , ولتكن سنة واحدة لأهل الأرض والغرباء الذين يسكنون معكم , وصنع جميع ~~بني إسرائي كما أمر موسى وهارون , وفي هذا اليوم اخرج الرب بني إسرائيل من ~~أرض مصر وجميع جنودهم , وقال الرب لموسى : طهر لي كل ذكر ذكر ويفتح كل رحم ~~من بني إسرائيل من الناس والبهائم يكونون لي , فقال موسى للشعب : اذكروا ~~هذا اليوم الذي خرجتم فيه من مصر من العبودية والرق , لأن الرب أخرجكم من ~~هاهنا بيد منيعة - إلى آخر ما مضى في سورة البقرة ؛ ثم ذكر في الخامس علة ~~الفصح فقال : احفظوا شهر البهار فاعملوا فصحا لله ربكم لأنه إنما أخرجكم من ~~أرض مصر في شهر البهار ليلا , فاذبحوا فصحا لله ربكم من البقر والغنم في ~~الموضع الذي يختار الله ربكم , فلأ تأكلوا فيه خميرا بل كلوا فطيرا سبعة ~~أيام خبرا يدل على التواضع لأنه إنما خرجتم من ارض مصر بعجلة لتذكروا اليوم ~~الذي أخرجتم فيه من مصر كل أيام حياتكم , ولا يرى الخمير في حدودكم سبعة ~~أيام , ولا يحل لكم أن تأكلوا الفصح في قرية من القرى التى يعطيكم الله ~~ربكم , ولكن في الموضع الذي يختار الله ربكم أن يصير فيه اسمه ففيه اذبحوا ~~الفصح , ويذبح عند غروب الشمس في الوقت الذي خرجتم من أرض مصر , ثم قال : ~~وأحصوا سبعة سوابيع من بعد عيد الفصح , ثم اعملوا عيد السووابيع وائتوا ~~بخواص PageV03P102 غلاتكم للرب , كما بارك لكم الله ربكم في الموضع الذي ~~يختار الرب أن تصيروا ms1707 اسمه فيه واذكروا أنكم كنتم عبيدا بأرض مصر , فاحفظوا ~~هذه السنن كلها واعملوا بها , واعملوا عيد المظال سبعة أيام إذا ما دخلتم ~~بيادركم وخزنتم معاصركم ليبارك الله ربكم في جميع غلاتكم وفي كل عمل إيديكم ~~, وتكونوا فرحين , ويروى ذكركم أما الله ربكم في الموضع الذي يختار ثلاث ~~مرات في السنة : عيد الفطر وعيد السوابيع وعيد المظال - انتهى . | وفيه لا ~~يجوز إطلاقه في شرعنا إضافة - الابن في قوله : ابني بكري , وهو مؤول بأنه ~~يكرمه إكرام الولد , وإطلاق الإله على غير الله سبحانه مراد به الحاكم , ~~ولا يجوز هذا الإطلاق عندنا . | < < # | الأعراف : ( 138 - 141 ) وجاوزنا ببني إسرائيل . . . . . # > > ^ ( وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم ~~قالوا يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون * إن هؤلاء ~~متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون * قال أغير الله أبغيكم إلها وهو ~~فضلكم على العالمين * وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون ~~أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) ^ } ) | ولما انقضى ~~ما أراهم سبحانه من الأفعال الهائلة التي استخلصهم بها من ذلك الجبار , شرع ~~يذكر ما قابلوه به من الجهل به سبحانه وما قابلهم به من الحلم , ثم ما أحل ~~بهم بعد طول المهلة من ضرب الذلة والمسخ بصورة القردة , فقال عاطفا على ~~قوله ( فاغرقناهم في اليم ) أو قوله ( ثم بعثنا من بعدهم موسى ) : { وجوزنا ~~} أي قطنا بما لنا من العظمة - وساقه على طريق المفاعلة تعظيما له , روي أن ~~جوازهم كان يوم عاشوراء , وان موسى عليه السلام صامه شكرا لله تعالى على ~~إنجائهم وإهلاك عدهم { ببني إسرائيل } بعد الآيات التي شاهدوها { البحر } ~~وإنما جعلته معطوفا على أول القصة لأن هذه القصص كلها بيان لأن في الناس ~~السيىء الجوهر الذي لايغنيه الآيات كما مضى عند قوله : ^ ( { والبلد الطيب ~~} ) ^ [ الأعراف : 58 ] وبيان قوله ^ ( { أخذنا أهلها بالبأساء والضراء } ) ~~^ [ الأعراف : 94 ] إلى آخرها , ويدل على ذلك - مع ما ابتدئت به القصص - ~~ختمها بقوله ^ ( { ذلك مثل القوم الذين كذبوا ms1708 بآيتنا } ) ^ [ الأأعراف : ~~176 ] وقوله : ^ ( { ولقد ذرأنا لجهنم } ) ^ [ الأعراف : 179 ] وحسن موقعها ~~بعد قوله : ^ ( { وتمت كلمت ربك الحسنى } ) ^ [ الأعراف : 137 ] لأنه لما ~~قيل ^ ( { بما صبروا } ) ^ تشوفت النفس إلى فعلهم حال الرخاء هل شكروا ؟ ~~فبين منهم كفروا تصديقا لقوله ^ ( { وما وجدنا لأكثرهم من عهد } ) ^ [ ~~الأعراف : 102 ] وما شاكله , وما أحسن تعقيب ذلك - بقوله : { فأتوا } أي ~~مروا - بفاء PageV03P103 التعقيب { على قوم } أي ذمي قوة , قيل : كانوا من ~~لخم { يعكفون } أي يدورون ويتحلقون ملازمين مواظبين { على أصنام لهم } أي ~~لا قوةفيها ولا نفع , فهم في عكفوهم عليها مثل في الغباوة , وقيل : إنها ~~كانت تماثيل بقر , وكان ذلك اول أمر العجل ولما أخبر سبحانه يذلك , علم ~~السامع أنهم بين أمرين : إما شكر وإما كفر , فتشوف إلى ما كان منهم , فأجاب ~~سبحانه من عظيمة وشكرهم لما أفاض عليهم من نعمته إلا ريثما أمنوا من عدوهم ~~بمجاوزتهم البحر وإغراقهم فيه حتى طلبوا إلها غيره بقولهم : { ياموسى } ~~سموه كما ترى باسمه جفاء وغلطة اعتمادا على ما عمهم من بره وحلمه غير ~~متأدبين بما بهرهم من جلالة حظه من الله وقسمه { اجعل لنا إلها } أي شيئا ~~نراه ونطوف به تقيدا بالوهم { كما لهم آلهة } وهذا منهم قول من لا يعد ~~الإله - الذي فعل معهم هذه الأفاعيل شئا , ولا يستحضره بوجه ولما كان هذا ~~منهم عظيما , استأنف جواب من تشوف إلى قول موسى عليه السلام لهم ما هم ~~بقوله : { قال إنكم قوم } أي ذوو قيام في شهوات النفوس , وقال : { تجلهون * ~~} مضارعا إشعارا بأن ذلك منهم كالطبع والغزيرة , لا ينتقلون عنه في ماض ولا ~~مستقبل , واعلم أنه لا تكرير في هذه القصص فإن كل سياق منها لأمر لم يسبق ~~مثله فالمقصود من قصة موسى عليه السلام وفرعون - عليه اللعنة والملام - هذا ~~الاستبدال الوجودي على قوله لآ { وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين } [ الأعراف : ~~102 ] ومن هنا تعلم أن سياق قصة بني إسرائيل بعد الخلاص من عدوهم لبيان ~~إسراعهم في الكفر ونقصهم للعهود , واستمر سبحانه في هذا الاستبدال إلى آخر ~~السورة , وامانسب < # > 77 ( { وإذأخذ ms1709 ربك من بني آدم } ) 77 < # > [ الأعراف : 172 ] ىلآية , لقوله < # > 77 ( { وما وجدنا لأكثرهم من عهد } ) 77 < # > الأعراف : 102 ] وذكر في أول التي تليها تنازعم في الأنفال تحذيرا لهم ~~من أن يكونوا من الأكثر المذمومين في هذه , هذا بخلاف المقصود من سياق قصص ~~بني إسرائيل في البقرة فإنه هناك للاستجلاب للإيمان بالتذكير بالنعم , لأن ~~ذلك في سياق خطابة سبحانه لجميع الناس بقوله : < # > 77 ( { اعبدوا ربكم الذي خلقكم } ) 77 < # > [ البقرة : 21 ] < # > 77 ( { كيف تكفرون بالله لجميع أمواتا فأحياكم } ) 77 < # > [ البقرة : 28 ] وما شاكله من الاستعطاب بتعداد النعم ودفع النقم - ~~والله أعلم . | ولما استفيد من كلامه لهم غاية الإنكار عليهم , علل هذا ~~افنكار بقوله : { إن هؤلاء } أي القوم { متبر ما هم فيه } أي مكسر مفتت ~~مهلك على وجه المبالغة , وإذا PageV03P104 فسد الظرف فسد المظروف , وإليه ~~الإشارة بجعل ( هؤلاء ) اسما لإن , وإيلائه خبر الجمله الواقعه خبرا مقدما ~~ماى مبتدئه . | ولما كان الشيء قد يهلك في الدنيا أو في الاخرة - وهوحق , ~~أعملهم بأن هذا الهلاك إنما هو الهلاك عند الله أعلم من كونه في الدنيا أو ~~في الآخرة لبطلان ما هم فيه , فقال معبرا بالاسمية إشارة إلى أنه الآن كذلك ~~, وإن رئي بخلافه : { وباطل } أي مضمحل زائل { ما كانوا } أي جبلة وطبعا { ~~يعملون * } أي مواظبين عليه من الأصنام والعكوف وجميع أعمالهم لأجله , لا ~~وزن لشيء منها أصلا ولا اعتبار , و - فيه إشارة إلى أن العبادة لا تنبغي ~~إلا للباقي الذي لا يجوز عليه التغير , فإذا كان كذلك كان العمل له أيضا ~~ثابتا باقيا لا يجوز عليه البطلان , وفي تعقيبها لتدمير آل فرعون إشارة إلى ~~موجب ذلك , وأن كل من كان على مثل حالهم من عبادة غير الله كانت عاقبته ~~الدمار ولما كان هذا استدلالا على ان مثل هذه الأصنام التي مروا عليها لا ~~تلح لأن تعبد , كان ذلك غير كاف لهم لما - تقرر من جهلهلم , فربما ظنوا أن ~~غيرها مما سوى الله تجوز عبادته , فكانه قيل : هذا لايكفي جوابا لمثل هؤلاء ~~فهل قال لهم غير ms1710 ذلك ؟ فقيل : نعم ! { قال } منكرا معجبا { أغير الله } أي ~~الذي له جميع العظمة , فهو المستحق للعبادة { ابغيكم } أي أطلب لكم { إلها ~~} فأنكر أن يتأله غيره , وحصر الأمر فيه ثم بينه بقوله : { وهو } أي والحال ~~أنه هو وحده { فضلكم دون غيركم ممن هو في زمانكم أو قبله { على العالمين * ~~} أي لو لم يكن لوجوب اختصاصهم له بالعبادة سبب سوى اختصاصه لهم بالفصيل ~~على سائر عباده الذين بلغهم علمهم ممن هو أقوى منهم حالا واكثر عددا وأمولا ~~لكان كافيا ولما اثبت أن الإلهية لا تصلح لغيره , وأن غيره لم يكن يقدر على ~~تفضيلهم , وكان المقام للعظمة , وكان كأنه قيل إيذانا بغلط أكبادهم وقله ~~فطنتهم وسوء مقابلتهم للمنعم : اذكروا ذلك , أي تفصيله لكم باصطفاء آبائكم ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب وما تقدم له عندهم وعند أولادهم من النعم لا سيما ~~يوسف عليه السلام الذي حكمه في جميع الأرض التي استذلكم أهلها ؛ عطف عليه ~~إشارة إليه قوله التفاتا إلى مظهر العظمة تذكيرا بعظمة مدخوله : { وإذا } ~~أي واذكروا إذ { أنجيناكم } أي على ما نحن عليه من العظمة التي أنتم لها ~~عارفون , ولها في - كل وقت في تلك ىلآيات مشاهدون { من آل فرعون } وما ~~أفضنا عليكم بعد الإنجاء من النعم الجسام وأريناكم من ىلآيات العظام تعرفوا ~~أنا فضلناكم على جميع الأنام , ثم استأنف بيان ما أنجاهم منه بقوله : { ~~يسومونكم } أي ينزلون بكم دائما { سوء العذاب } PageV03P105 ولما كان ~~السياق - كما مضى - لبيان إسراعهم في الكفر وشدة علوتهم في قوتهم وجلافتهم ~~, وكان مقصود السورة إنذار المعرضين وتحذيرهم من القوارع التي أحلها ~~بالماضين , بين سوء العذاب عادلا في بيانه عن التذبيح - لأنه لا يكون عند ~~الانذباح , وهو في الأصل لمطلق الشق - إلى التعبير بالقتل لأنه أدل على ~~الإماتة وأهز , لأنه قد يكون على هيئة شديدة بشعة كالتقطيع والنخس والخبط ~~وغير ذلك مع أنه لا بد فيه من تفويت ذلك فقال : { يقتلون } أي تقتيلا كثيرا ~~- { أيناءكم } ودل على حقيقة القتل بقوله : { ويستحيون } ولما كان المعنى ~~انهم لا يعرضون للإناث صغارا ولا كبارا ms1711 , وكان إنكار ما يكون إبقاء النساء ~~بلا رجال لما يخشى من الضياع والعار , وكان مظنة العار أكبر - عبر عنهن ~~بقولة : { نساءكم } وتنبيها على أن قتل الأبناء إنما هو للخوف من صيرورتهم ~~رجالا لءلا يسلبهم واحد منهم أعلمهم به كهانهم ملكهم ؛ وأشار إلى شدة ذلك ~~بقوله : { من ربكم } أي المحسن إليكم في حالي الشدة والرخاء , فأنه أخفى ~~عنهم الذي قصدوا القتل لأجله , وأنقذكم به بعد أن رباه عند الذي هو مجتهد ~~في ذبحه { عظيم } . | < < # | الأعراف : ( 142 - 144 ) وواعدنا موسى ثلاثين . . . . . # > > ^ ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ~~ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين * ~~ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن ~~انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا ~~وخر موسى صعقا فلمآ أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين * قال ~~يموسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ مآ آتيتك وكن من ~~الشاكرين ) ^ } ) | ولما ذكرهم بنعمة إنحاء الأبدان , أتبعها التذكير بأكبر ~~منها إذ كانت لحفظ الأديان وصيانة جوهر الإيمان بما نصب لهم من الشرع ~~الهادي في التوارة , فقال معجبا من حالهم إذ كان في الإنعام عليهم بنصب ~~الشرع الهادي لهم من الضلال واختصاصه نبيهم بمزيد القرب بالمناجاة , وهم في ~~اتخاذ إله سواه , لا نفع فيه أصلا , ولا يرضى قلب أو عقل أن يعبده , عاطفا ~~له على ما يبق تعجيبه به منهم في قوله : ^ ( { وجاوزنا ببني إسرائيل } ) ^ ~~[ الأعراف : 138 ] { ووعدنا } أي على ما لنا من باهر العظمة { موسى ثالثين ~~} أي مناجاة ثلاثين { ليلة } أي عقبها { وأتممناها } أي المواعدة { بعشر } ~~أي ليال , وذلك لأنه لما مضت ثلاثون ليلة , وهو شهر ذي العقدة فيما قيل , ~~وكان موسى عليه السلام قد صامها PageV03P106 ليلها ونهارها , أدرك من فمه ~~خلوفا فاستاك , فأعلمه الله أنه قد افسد ريح فمه , وأمره بصيام عشرة أيام ~~أخرى و - هي عشرة ذي الحجة ليرجع ماأزاله من ذلك ms1712 , وذلك لأن موسى عليه ~~السلام كان وعد بني إسرائيل - وهو بمصر - أنه إذا أهلك الله عدوهم سأل موسى ~~عليه السلام الكتاب , فامره بصوم ثلاثين يوما ثم أمره بالعشر . | ولما كان ~~من الممكن أن يكون الثلاثون هي النهاية , وتكون مفصلة إلى عشرين ثم عشر , ~~أزال هذا الاحتمال - بقوله : { فتم ميقات ربه } أي الذي قدره في الأزل لأن ~~يناجيه بعده - بالفاء { أربعين } ولما كانت العشر غير صريحة في الليالي , ~~قال : { ليلة } فانتفى أن تكون ساعات مثلا , وعبر بالميقات لأنه ما قدر فيه ~~عمل من الأعمال , وأما الوقت فزمان الشيء سواء كان مقدرا أم لا , وعبر ~~بالرب إشارة إلى اللطف به والعطف عليه بالرحمة له , والميقات هو الأربعون - ~~قاله الفارسي في الحجة , وقدر انتصاب أربعين ب ( معدودا هذا العدد ) كما ~~تقول : تم القوم عشرين , أي معدودين هذا العدد وأجمل سبحانه الأربعين في ~~البقرة لأن المراد بذلك السياق تذكيرهم بالنعم الجسام والمت إليهم بالإحسان ~~والإكرام , ليكون ذلك أدعى إلى رجوعهم إلى الإيمان وامكن في نزوعهم عن ~~الكفران بدليل ما سبق قصتهم من قوله : < # > 77 ( { يأيها الناس اعبدوا ربكم } ) 77 < # > [ البقرة : 21 ] < # > 77 ( { كيف تكفرون بالله } ) 77 < # > [ البقرة : 28 ] وما اكتنفها أولا وآخرا من قوله : < # > 77 ( { يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } ) 77 < # > [ البقرة : 40 ] الآيتين المبدوءبها والمختوم بها , وفصل هنا الأربعين ~~إلى ثلاثين وعشر , لأن المراد بهذا السياق - كما تقدم - بيان كفرهم ومرودهم ~~على خزيهم ومكرهم وأنه لم ينفعهم سؤال المعجزات , ولا أغنى عنهم شيئا تواتر ~~النعم والآيات , كما كان ذلك في قصص المم الخالية والقرون الماضية ممن ذكر ~~في هذه الصورة استدلالا - كما تقدم - على أن المفسد أكثر من المصلح - إلى ~~غير ذلك مما أجمل في قوله تعالى : < # > 77 ( { وما أرسلنا في قرية من بني إلا أخذنا أهلها } ) 77 < # > [ الأعراف : 94 ] إلى آخرة , وتسلية لهذا النبي الكريم وترهيبا لقومه ~~لما وقع لهم من العقاب الأليم , والفصل بين الساقين يدق إلا عن أولي ~~البصائر - والله أعلم , فيكون المراد بتفصيل الأربعين هنا بيان أن ms1713 إبطاء ~~موسى عليه السلام عما عملوه من المعياد إنما كان لعشرة أيام , فارتكبوا ~~فيها هذه الجريمة التي هي أعظم الجرائم , وأشار تعالى إلى عظيم جرأتهم ~~وعراقتهم في السفه بقوله عاطفا على { وعدنا } { وقال موسى } أي لما واعدناه ~~{ لأخيه } ثم بينه تصريحا باسمه فقال : { هارون أخلفني } أي كن خليفي فيهم ~~تفعل ما كنت افعل , وأكد الارتسام بما يجده له بقوله : { في قومي } ~~PageV03P107 وأشار إلى حثه على الإجتهاد بقوله : { وأصلح } أي كن على ما ~~أنت عليه من إيقاع الإصلاح ولما كان عالما بأنه صلى الله عليه وسلم مبرأ من ~~السوء غير أن عنده لينا قال : { ولا تتبع } أي تكلف نفسك غير ما طبعت عليه ~~بأن تتبع { سبيل المفسدين * } أي استصلاحا لهم وخوفا من تنفيرهم , فاختلفوا ~~عن الطريق كما تفرس فيهم موسى عليه السلام ولم يذكروا عاقبة فلا هم خافوا ~~بطش من بطش بمن كان يسومهم سوء العذاب , ولا هم سمعوا لأخيه في الصلاح , ~~ولا هم انتظروا عشرة أيام , فلا أخف منهم احلاما ولا أشد على المعاصي ~~إقداما ولما ذكر سبحانه مواعدته واحتياطه في إصلاح قومه , شرح أمره حال ~~المواعدة وحالهم بعد غيبته فقال : { ولما جاء موسى ليمقاتنا } أي عند أول ~~الوقت الذي قدرناه للمناخاة ؛ ولما كان مقام الجلال مهمولا لا يستطاع وعي ~~الكلام معه , التفت إلى مقام الإكرام فقال : { وكلمه } أي من غير واسطه { ~~ربه } أي المحسن إليه بأنواع الإحسان المتفضل على قومه بأنواع الامتنان , ~~والذي سمعه موسى عليه السلام عند أهل السنة من الأشاعرة هو الصفة الأزلية ~~من غير صوت ولا حرف , ولا بعد في ذلك كما لا بعد رؤية ذاته سبحانه وهي ليست ~~بجسم ولا عرض لا جوهر , وليس كمثله شيء وعن ابن عباس رضي الله عنهما اأنه ~~سبحانه كلمه في جميع الميقات وكتب له الألواح , وقيل : إنما كلمه في أول ~~الربيعين , والأول أولى ولما كلمه بصفة الربوبية الناظر إلى العطف واللطف , ~~وكانت الرؤية جائزة , اشتاق إلى الرؤية شوقا لو يتماللك معه لما استحلاه من ~~لذاذة الخطاب فسألها لعمله أنها ms1714 جائزة { قال } مسقطا الأداة كعادة أهل ~~القرب - { رب أرني } أي ذاتك الأقداس بأن ترفع عني الحجاب فتجعلني متمكنا ~~من النظر , وهو معنى قول الحبر ابن عباس : اعطني وحقق أنها رؤية العين ~~بقوله في جواب الأأمر - { أنظر } أي أصوب تحديق العين وأشار إلى عظمته ~~سبحانه وعلة شأنه علو العظمة لا المسافة - بالتعدية بحرف النهاية بحرف ~~النهايةة بعد أن أشار بحذف أداة النداء إلى غاية القرب بالإحسان - فقال : { ~~إليك } أي فأراك ولما كان سبحانه قد قضى أنه عليه السلام لا يراه في الدنيا ~~{ قال } نافيا المقصود , وهو الرؤية لا مقدمتها , وهو النظر الذي هو ~~التحديق بالعين { لن تراني } ودل سبحانه بهذه العبارة على جواز رؤيته حيث ~~لو يقل : لن أرى , أو لن يراني أحد ؛ ثم زاد ذلك بيانا بتعلقه بممكن فقال : ~~{ ولكن انظر إلى الجبل } إشارة جبل بعهده , وهو أعظم جبل هناك , وزاد في ~~الإشارة إلى الرؤية بالتعبير بأداة الشك وإتباعها بأمر PageV03P108 ممكن ~~فقال - : { فإن استقر مكانه } أي وجد قراره وجودا تاما , واشار إلى بعد ~~الرؤية أاايضا وجلالة المطلوب منها بقوله : { فسوف تراني } أي بوعد لا خلف ~~فيه { فلما تجلى ربه } أي المحسن إليه بكل عطاء ومنع وبين بتعبيره باللام ~~أنه تجلى قربه وخصوصيته , ولو عبر بعلى مثلا لكان أمر آخر فقال - : { للجبل ~~} أي بأن كشف للجبل عما شاء من حجب عظمته { جعله دكا } أي مدكوكا , والدك ~~والدق أخوان { وخر } أي وقع { موسى صعقا } أي مغشيا عليه مع صوت هائل , ~~فعلم أن معنى الاستدراك أنك لن تثبت لرؤيتي في هذه الدار ولا تعرف ذلك الآن ~~, ولكنك تعرفه بمثال أريكة وهوالجبل , فإن الفاني - كما نقل عن الإمام مالم ~~- لا ينبغي له أن يرى الباقي - { فلما أفاق } أي من غشيته { قال سبحانك } ~~أي تنزيها لك عن أن أطلب منك ما لم تأذن فيه { تبت إليك } أي من ذلك { وانا ~~أول المؤمنين * } أي مبادر غاية المبادرة إلى الإيمان بكل ما أخبرت به كل ~~ما تضمنته هذه الآيات , فتعبيره بالإيمان في غاية المناسبة لعدم الرؤية لأن ms1715 ~~شرط الإيمان أن يكون بالغيب , فقد ورد في نبينا صلى الله عليه وسلم آيتان : ~~إحدهما يمكن أن تشير إلى الرؤية بالتعبير بالمسلمين دون المؤمنين في قوله { ~~وأنا أول المسلمين } [ المائدة : 163 ] والثانية تومي إلى عدمها وهي { آمن ~~الرسول } [ البقرة : 285 ] إلى قوله : { كل آمن بالله } [ البقرة : 285 ] - ~~والله أعلم - , وكل هذا تكيت على قومه وتبكيت لهم في عبادتهم العجل وردع ~~لهم عن ذلك , وتنبيه لهم على ان الإلهية مقرونة بالعظمة والكبر بعيدة جدا ~~عن ذوي الجسام لما يعلم سبحانه من انهم سيكررون عبادة الأصنام , فاثبت ~~للإله الحق الكلام والتردي عن الرؤية بحجاب الكبر والعظمة واندكاك الجبل ~~عند تجليه ونصب الشرع الهادي إلى أقوم تعريضا بالعجل , وإلى ذلك يرشد قوله ~~تعالى : { ألم يروا انه لا يكلمهم } الآية . | ولما منعه الرؤية بعد طلبه ~~إياها , وقابل ذلك بمحاسن الأفعال والأقوال , تشوف السامع إلى ما قوبل به ~~من الإكرام , فاستأنف سبحانه الإخبار بما منحه به تسلية له عما منعه وأمرا ~~بشكره بقوله : { قال ياموسى } مذكرا له نعمة في سياق دال على عظيم قدرها ~~وإيجاب شكرها مسقطا عنه مظهر العظمة تأنيسا له ورفقا به - { إني اصطفيتك } ~~أي اخترتك اختيارا بالغا كما يختار ما يصفى من الشيء عن كل دنس { على الناس ~~} أي الذين في زمانك { رسالتي } أي الآيات المستكثرة التي أظهرنها على يديك ~~من اسفار التوارة وغيرها { وبكلامي } أي من غير واسطة وكانه أعاد حرف الجر ~~للتنبيه على ذلك , كما اصطفى محمدا صلى الله عليه وسلم على الناس عامة في ~~كل زمان برسالته العامة وبكلامه المعجز ويتكلمه من غير واسطة في السماء ~~التي قدست دائما ونزهتت عن التدنيس بمعصية . PageV03P109 ولما كان ذلك ~~مقتضيا لغاية افقبال والنشاط , سبب عنه قوله : { فخذ ما آتيتك } آي مخصصا ~~لك به { وكن من الشاكرين * } أي العريقين في صفة الشكر المجبولين عليها . | ~~< < # | الأعراف : ( 145 - 148 ) وكتبنا له في . . . . . # > > ^ ( وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها ~~بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين * سأصرف عن آياتي ms1716 ~~الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا ~~سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم ~~كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين * والذين كذبوا بآياتنا ولقآء الآخرة ~~حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون * واتخذ قوم موسى من بعده من ~~حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه ~~وكانوا ظالمين ) ^ } ) | ولما انقضى ما أنسه سبحانه به لفت مفصلا به لفت ~~الكلام - في الإخبار لنا عن عظيم ما آتاه - لي مظهر العظمة , فقال مفصلا ~~لتك الرسالة ومبينا بعض ما كان من الكلام { وكتبنا } أي بعظمتنا { له في ~~الألواح } عرفها لعظمتها تنبيها على أنها لجلالة ما اختصبت به كانها ~~المختصبة بهذا الاسم , وأعظم من هذا جعل قلب النبي الأمي لوحا قابلا لما ~~يلقى إليه جامعا لعلوم الولين والآآخرين { من كل شيء } أي يحتاجه بنو ~~إسرائيل , وذلك هو العشر الآيات التي نسبتها إلى التوارة نسبة الفاتحة إلى ~~القران , ففيها أصوال الدين وأصول الحكام والتذكير بالنعم والأمر بازهد ~~والورع ولزوم محاسن الأعمال والبعد قعن مساويها , ولذا قال مبدلا : { موعظة ~~وتفصيلا } أي على وجازتها بما كانت سببا { لكل شيء } أي لأنها - مع كونها ~~أمهات وجوامع - مفصلة ترجع إليها بحور العلم وتنشق منها ينابيعها . ولما ~~كان هذا هكذا تسبب عنه حتما قوله تعالى التفافا إلى خطاب موسى عليه السلام ~~بخطاب التانيس إشارة إلى ان التزام التكاليف صعب : { فخذها } أي الألواح { ~~بقوة } أي بجد وعزيمة في العلم والعمل { وأمر قومك } أي القوياء على محاواة ~~ما يراد { يأخذوا باحسنها } كانه سبحانه اطلق لموسى عليه السلام الأخذ بكل ~~ما فيها لما عنده من الملكة الحاجزة له عن شيء من المجاوزة , ولذلك قالله { ~~بقوة } وقيدهم بالأحسن ليكون الحسن جدا مانعا لهم من الوصول إلى القبيح , ~~وذلك كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر ولما كان كأنه قيل : وهل يترك ~~الأحسن أحد ؟ فقيل : نعم , الفاسق يتركه , بل PageV03P110 ويتجاوز الحسن ~~إلى القبيح , بل وإلى أقبح القبيح , ومن ms1717 تركه اهلكته وإن جل آلهوعظمت جنوده ~~وأمواله , قال كالتعليل لذلك : { سأوريكم دار الفاسقين * } أي الذين ~~يخرجونعن أوامري إلى ما انهاهم عنه فانصركم عليهم وأمكنكم بفسقهم من رقابهم ~~وأموالهم من الكنعانيين والحاثانيين وغيرهم من سكان الراضي المقدسه لتعلموا ~~أن من أغصبني وترك أمري أمكنت منه , وإنما ذكر الدار لئلا تغرهم منعتها إذا ~~استقروا بها فيظنوا أن لا غالب لهم فيها بوعورة أرضها وشهوق جبالها وإحكام ~~أسوارها , وإذا تأملت ما سيأتي في شرح هذه الآيات من التوراة لاح لك هذا ~~المعنى , وكذا ما ذكر من التوراة عند قوله في المائدة < # > 77 ( { قل هو أنبئكم بشر من ذلكم مثوبة عند الله } ) 77 < # > [ المائدة : 60 ] وفي هذه الجملة المختصرة بشارة يإتمام الوعد بنصرتهم ~~عليهم بطاعتهم ونذارة على تقدير معصيتهم , فكأنه قيل : إن أخذوا بالأحسن ~~أريتهم دار الفاسقين , وأتممت عليهم النعمة ما دامو على الشكر , وإن لم ~~ياخذوا اهلكتهم كما أهلك الفاسقين من بين يديهم , فحذرهم لئلا يفعلوا ~~افعالهم إذا استقرت بهم الدار , وزالت عنهم الكدار , ويؤيد كون المراد ~~القدس لا مصر وبعث موسى عليه السلام , ولا ينفي ذلك تاحتمال مصر أيظا - ~~الله أعلم ولما انقضى ذلك , كان كأنه قيل : وكيف يختار عاقل ذلك ؟ فكيف بمن ~~رأى الآيات وشاهد المعجزات ؟ فقال : { ساصرف عن آياتي } أي المسموعة ~~والمرئية على عظمتها بما أشارت إليه الإضافة بالصرف عن فهمها واتباعها ~~والقدرة على الطعن فيها بما يؤثر في إبطالها { الذين يتكبرون } أي يطلبون ~~الكبر بما ليس لهم ويعملون قواهم فيه { في الأرض } أي جنسها الذي امرت ~~بالتواضع فيه ولما كان من رفعه الله بصفة فاضلة فوضع نفسه موضعها ولم يهنها ~~نظرا لما أنعم الله به عليه ومنحه إياه ربما سمى ذلك كبرا , وربما سمى طلبه ~~لتلك الأخلاق التي توجب رفعته تكبرا , وليس كذلك وإن وافقه في الصورة , ~~لمفارقتها له في المعنى فإنه صيانه النفس عن الذل , وهو إنزال النفس دون ~~منزلتها صنعة لا تواضعا , والكبر رد الحق واحتقار الناس , ففي التقييد هنا ~~إشارة خفية لإثبات العزة بالحق والوقوف على ms1718 حد التواضع من غير انحراف إلى ~~الصنعة وقوفا على شرط العزم المنصوب على متن نار الكبر ؛ قال الإمام ~~السهروردي : ولا يؤيد في ذلك ويثبت عليه غلاقدام العلماء الراسخين - قال ~~تعالى احترازا عنه ومدخلا كل كبر خلا عن الحق الكامل : { بغير الحق } أي ~~إنما يختار غير الأحسن من يختاره بقضائي الذي لا يرد وأمري العالي على ~~PageV03P111 أمر كل ذي جد فأزين لمن علمت خباثة عنصره ورداءة جوهره ما أريد ~~حتى يرتكبوا كل قبيحة ويتركوا كل مليحة , فينصرون عن الآيات ويعمون عن ~~الدلالات الواضحات ولما أخبر بتكرهم في الحال , عطف عليه فعلهم في المآل ~~فقال : { وإن يروا كل آية أي مرئية أو مسموعة { لا يؤمنوا بها } أي لتكبرهم ~~عن الحق { وإن يروا سبيل } أي طريق { الرشد } أي الصلاح والصواب الذي هو ~~أهل للسلوك { لا يتخذوه سبيلا } أي فلا يسلكونه بقصد منهم ونظر وتعمد , بل ~~إن سلكوه فعن غير قصد { وإن يروا سبيل الغي } أي الضلال { يتخذوهة سبيلا } ~~أي بغاية الشهوة والتعمد والاعتمال لسلوكه . | ولما كان هذا محل عجب , أجاب ~~من يسأل عنه بقوله : { ذلك } أي الصرف العظيم الذي زاد عن مطلق الصرف ~~بالعمى عن افيمان واتخاذ الرشاد { كذبوا بآيتنا } أي فلم يعتبروا عظمتها { ~~ولقاء الآخرة } أي ولقائهم إياها أو لقائهم ما وعدوا به فيها , اللازم من ~~التكذيب بالآيات الحامل التصديق بها على معالي الخلاق { حبطت } أي فسدت ~~فسقطت { أعمالهم } والاية من الاحتباك : إثبات الغفلة أولا يدل على إرداتها ~~ثانيا واللقاء ثانيا يدل على إرادته أولا ولما كان كانه قيل : لم بطلت ؟ ~~قيل : { هل يجزون إلا ما } أي جزاء ما { كانوا يعملون أي بإبطال أعمالهم ~~وإن عملوا كل حسن سوى الإيمان بسبب أنهم أبطلوا الآيات والآخرة بتكذيبهم ~~بها , أي عدوها باطلة , والجزاء من جنس العمل , والحاصل أنهم لما عموا عن ~~الآيات لأنهم لم ينظروا فيها ولا انقادوا مع ما دلت عقولهم عليه من أمرها , ~~بل سدوا باب الفكر فيها ؛ زادهم الله عمى فختم على مداركهم , فصارت لاينتفع ~~بها فصاروا لا يعون , وهذه الآيات ms1719 أعظم زاجر عن التكبر , فإنها بينت انه ~~يوجب الكفر والإصرار عليه والوهن في جميع الأمور , ولما كان ذلك كله مما ~~يتعجب الموفق من إرتكابه , أعقبه تعالى مبينا ومصورا ومحققا لوقوعه ومقررا ~~قوله عطفا على < # > 77 ( { فأتوا على قوم يعكفون } ) 77 < # > [ الأعراف : 138 ] مبينا لإسراعهم في الكفر : { واتخذ } أي بغاية ~~الرغبة { قوم موسى } أي باتخاذ السامري ورضاهم , ولم يعتبروا شيئا مما ~~أتاهم به من تلك الآيات التي لم يررمثلها { من بعده } أي بعد إبطائه عنهم ~~بالعشرة الأيام التي PageV03P112 أتممنا بها الأربعين { من حليهم } أي التي ~~كانت معهم من مالهم ومما استعاروه من القبط { عجلا } ولما كان العجل اسما ~~لولد البقر , بين أنه إنما يشبه صورته فقط , فقال مبدلا منه : { جسدا } ~~ولما كان الإخبار جسد مفهما لأنه خال مما يشبه الناشىء عن الروحم , قال { ~~له خوار } أي صوت كصوت البقر , والمعنى أنه لا أضل ولا أعمى من قوم كان ~~معهم حلي أخذوه ممن كانوا يستعبدونهم ويؤذونهم وهم مع ذلك أكفر الكفرة فكان ~~جديرا بالبغض لكونه من آثار الظالمين الأعداء فاعتقدوا انه بالصوغ صار إلها ~~وبالغوا في حبه والعبودية له وهو جسد يرونه ويلمسونه , ونبيهم الذي هداهم ~~الله به واصطفاه لكلامه يسأل رؤية الله فلا يصل إليها . | ولما لم يكن في ~~الكلام نص باتخاذه إلها , دل على ذلك بالإنكار عليهم في قوله : { ألم يروا ~~} أي الذين اتخذوا إلها { أنه لا يكلمهم } أي كما كلم الله مسى عليه السلام ~~{ ولا يهديهم سبيلا } كما هداهم الله تعالى إلى سبيل النجاة , منها سلوكهم ~~في البحر الذي كان سببا لإهلاك عدوهم كما كان سببا لنجاتهم ؛ قال أبو حيان ~~: سلب عنه هذين الوصفين دون باقي أوصاف الإلهية لأن انتقاء التكلم يستلزم ~~انتفاء العلم , وانتفاء الهداية إلى سبيل يستلزم انتفاء القدرة , وانتفاء ~~هذين الوصفين يستلزم انتفاء باقي الأوصاف . | ولما كان هذا امرا عظيما جدا ~~مستعبد الوقوع ولا سيما من قوم نبيهم بينهم ولا سيما وقد أراهم من النعم ~~والآيات ما ملات أنواره الآفاق , كان جديرا بالتأكد فقال تعالى : { اتخذوه ms1720 ~~} أي بغاية الجد والنشاط والشهوة { وكانوا } أي جلبة وطبعا مع ما أثبت لهم ~~من النوار { ظالمين * } أي حالهم حال من يمشي في الظلام , أو أن المقصود أن ~~الظلم وصف لهم لازم , فلا بدع إذا فعلوا امثال ذلك . | < < # | الأعراف : ( 149 - 151 ) ولما سقط في . . . . . # > > ^ ( ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ~~ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين * ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال ~~بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره ~~إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعدآء ~~ولا تجعلني مع القوم الظالمين * قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك ~~وأنت أرحم الراحمين ) ^ } ) | ولما كان هذا في سياق { ذلك بأنهم كذبوا ~~بآيتنا وكانوا عنها غافلين } فأنتج أن من كذب على هذه الصفة اهلك , فانتظر ~~السامع الإخبار بتعجيل هلاكهم , أخبر بأنه منعهم PageV03P113 من ذلك وحرسهم ~~المبادرة بالتوبة , ولما اشتد من تشوف السامع إليه , قدمه على سببه وهو ~~رجوع موسى عليه السلام إليهم وإنكاره عليهم , ولأن السياق في ذكر إسراعهم ~~في وهو رجوع موسى عليه السلام إليهم وإنكاره عليهم , ولأن السياق في ذكر ~~إسراعهم في الفسق لم يذكر قبول توبتهم كما في البقرة ؛ ولما كان من المعلوم ~~انهم تبين لهم عن قرب سوء موتكبهم لكون نبيهم فيهم , عبر بما كان من أنهم ~~تبين لهم عن قرب سوء مرتكبهم لكون نبيهم فيهم , عبر بما أفهم أن التقدير : ~~فسقط في إيدهم , وعطف عليه قوله سائقا مساق ما هو معروف : { ولما سقط } أي ~~سقطت أسنانهم { في أيديهم } بعضها ندما سقوطا كأنه بغير اختيار لما غلب فيه ~~من الوجد والأسف الذي أزال تأملهم ولذلك بناه للمفعول { ورأوا أنهم قد ضلوا ~~} أي عن الطريق الواضح { قالوا } توبة ورجوعا إلى الله كما قال أبوهم آدم ~~عليه السلام { لئن لم يرحمنا ربنا } أي الذي لم يقط قط إحسانه عنا فكيف ~~غضبه ويديم إحسانه { ويغفر لنا } أي يمحو ذنوبنا عينا وأثرا لئلا ms1721 ينتقم منا ~~في المستقبل { لنكونن من الخاسرين * } أي فينتقم من بذنوبنا . | ولما أخبر ~~بالسبب في تأخير الانتقام عنهم مساواتهم لمن اوقعت بهم النقمة في موجب ~~الانتقام , أخبر سبحانه بحال موسى عليه السلام معهم عند رجوعه إليهم من ~~الغضب لله والتكبيت لمن خالفه مع ما اشتمل عليه من الرحمة والتواضع فقال : ~~{ ولما رجع موسى } أي من المناجاة { إلى قومه غضبان } اي في حال رجوعه لما ~~أخبره الله تعالى عنهم من عبادة العجل { أسفا } أي شديد الغضب والحزن { قال ~~بئسما } أي خلافة خلافتكم التي { خلفتموني } أي قمتم مقامي وفعلتم مقامي ~~وفعلتم خلفي . ولما كان هذا ربما أوهم انهم فعلوه من روائه وهو حاضر في طرف ~~العسكر , قال : ؛ { من بعدي } أي حيث عبدتم غير الله أيها العبدة , وحيث لم ~~تكفوهم أيها الوحدون بعد ذهابي غلى الجبل للمواعدة الإلهية وبعد ما سمعتم ~~مني من التوحيد لله تعالى وإفراده عن خلقه بالعبادة ونفي الشركاء عنه , وقد ~~ريتم حين كففتم وزجرتكم عن عبادة غير حين قلتم { اجعل لنا إلهاكما لهم آلهة ~~} ومن حق الخلفاء أن يسروا سيرة المستخلف ولا يخالفوه في شيء ولما كان قد ~~أمرهم ان لا يحدثوا حدثا حتى يعود إليهم , أنكر عليهم عدم انتظاره فقال : { ~~اعجلتم } قال الصغاني في المجمع : سبقتم , وقال غيره : عجل عن الأمر - إذا ~~تركه غير تام , ويضمن معنى سبق , فالمعنى : سابقين { أمر ربكم } أي ميعاد ~~الذي ما الأيامبرجوعي إليكم إلى حده , فنظننتم أني مت فغيرتم كما غيرت المم ~~بعد موت أنبيائها , قال الإمام أبو عبد القزاز أيضا : عجلتم : سبقتم , ومنه ~~تقول : عجلت فلانا سبقته , وأسنده ابن التياني إلى الصمعي { وألقى الألواح ~~} أي التي فيها التوراة PageV03P114 غضبا لله لقومه , ودل هذا على أن الغضب ~~بلغ منه حدا لم يتمالك معه , وذلك في الله تعالى { واخذ برأس أخيه } أي ~~بشعره { يجره إليه } أي بناء على أنه قصر وإعلاما لهم بأن الغضب من هذا ~~الغضب من هذا الفعل قد بلغ منه مبلغا يجل عن الوصف , لأنه اجتثاث للدين من ~~اصله ولما كان ms1722 هارون عليه السلام غير مقصر في نهيهم , أخذ في إعلام موسى ~~عليه السلام بذلم مخصصا الأم وإن كان شقيقه - تذكيرا له بالرحم الموجبه ~~للعطف والرقة ولا سيما وهي مؤمنه وقد قاست فيه المخاوف , فاستأنف سبحانه ~~الإخبار عن ذلك بقوله : { قال ابن أم } وحذف أداة النداء وياء الإضافة لما ~~يقتضيه الحال من الإيجاز , وفتح الجمهور الميم تشبها له بخمسة عشر وعلى حذف ~~الألف المبدلة من ياء لإضافة , وكسر الميم ابن عامر وحمزه والكسائي وأبو ~~بكر عن عاصم بتقدير حذف ياء افضافة تخفيفا { إن القوم } أي عبدة العجل ~~الذين يعرف قيامهم في الأمور التي يريدونها { استضعفوني } أي ضعيفا وأوجدوا ~~ضعفي بإرهابهم لي { وكادوا يقتلونني } أي قاربوا ذلك لإنكاري ما فعلوه فسقط ~~عني الوجوب ولما تسبب عن ذلك إطلاقه , خاف أن يمنعه الغضب من ثبات ذلك في ~~ذهنه ةتقرره في قلبه فقال : { فلا تشمت بي الأعداء } أي لا تسرهم بما تفعل ~~بي فأكون ملوما منهم ومنك ؛ ولما استعطفه بالتذكير بالشماته التي هي شماتة ~~به ايضا , أتبعه ضررا يخصه فقال : { ولا تجعلني } أي بمؤاخذتكلي { مع القوم ~~الظالمين * } أي فنقطعن بعدك لي معهم وجعلي في زمرتهم عمن أحبه من الصالحين ~~, وتصلنيبمن أبغضه من الفاسدين الذين فعلوا فعل من هو في الظلام , فوضعوا ~~العبادة في غير موضعها من غير شبهة ولا لبس أصلا ولما تبين له ما هو اللائق ~~بمنصب أخيه الشريف من انه لم يقصر في دعائم إلى الله ولا ونى في نهيهم عن ~~الضلال , ورأىأن ما ظهر من الغضب مرهب لقومه وازرع لهم عما ارتكبوا , دعاء ~~له ولنفسه مع الأعتراف بالعجز وأنه لا يسع أحدا إلا العفو , وساق سبحانه ~~ذلك مساق الجواب لسؤال بقوله : { قال رب } أي أيها المحسن إلي { اغفر لي } ~~أي ما حملني عليه الغضب لك من إيقاعي باخي { ولأخي } أي في كونه لما يبلغ ~~ما كنت أريده منه من جهادهم ولما دعا بمحو التقصير , أتبعه الإكرام فقال : ~~{ ولأخي } أي في كونه لما يبلغ ما كنت أريده منه من جهادهم ولما بمحو ms1723 ~~التقصير , أتبعه الإكرام فقال : { وأدخلنا } أي أنا واخي وكل من انتظم معنا ~~{ في رحمتك } لتكون غامرة لنا محيطة بنا ؛ ولما كان التقدير : فانت خير ~~PageV03P115 الغافرين , عطف عليه { وأنت أرحم الرحمين * } أي لأنك تنعم بما ~~لا يحصره الجد ولا يحصيه العد من غير نفع يصل إليك ولا أذى يلحقك بفعل ذلك ~~ولا تركه . | < < # | الأعراف : ( 152 - 154 ) إن الذين اتخذوا . . . . . # > > ^ ( إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة ~~الدنيا وكذلك نجزي المفترين * والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها ~~وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم * ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح ~~وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون ) ^ } ) | ولما كان له ولأخيه ~~وهما معصومان من الذنوب , طوى ما يتعلق بالمغفرة وذكر متعلق الرحمة بخلاف ~~ما ياتي في السؤال له وللسبعين من قومه فإنه عكس فيه ذلك ؛ ولما صحت براءة ~~الخليغة , وأشير إلى أنه مع ذلك فقير إلى المغفرة , التفتت النفس إلى ~~المفسدين إلى حال المفسدين فقال مخبرا عن ذلك : { إن الذين اتخذوا العجل } ~~أي رغبوا رغبة تامه في أخذهم إلها مع المخالفة لما ركز في الفطرة الولى ~~ودعاهم إليه الكليم عليه السلام { سينالهم } أي بوعد لا خلف فيه { غضب } أي ~~عقوبة فيها طرد أو إبعاد , ولعله ما أمروا به من قتل أنفسهم , واشار إلى ~~انه فيه رفق بهم وحسن تربية لتوبة من يبقى منهم بقوله : { من ربهم } أي ~~الذي لا محسن إليهم غيره , يلحقهم في الدنيا ويتبعهم في الاخرة { وذلة في ~~الحياة الدنيا } أي جزاء لهم على افترائهم وكذلك من رضي فعلهم ولا سيما إن ~~كان من أولادهم كقريظة والنضير واهل خيبر { وكذلك } أي ومثل جزائهم { نجرى ~~المفترين * } أي المعتدين للكذب , وهذا نص في ان كل مفتر ذليل , كما هو ~~المشاهد - وإن أظهر الجراءة بعضهم ولما المصرين علىالمعصية , عطف عليه ~~التائبين ترغبا في مثل حالهم فقال : { والذين عملوا السيئات } عبربالعمل ~~إشارة إلى بالعفو وإن أقدموا عليها على علم , وجمع إعلاما بأنه لا يتعاظمه ~~ذنب وإن عظم ms1724 وكثر وإن طال زمانه , ولذلك عطف بأداة البعد فقال : { ثم تابوا ~~} وحقق الأمر ونفي المجازبقوله : { من بعدها } ثم ذكر الأساس الذي لا يقبل ~~عمل لم يبين عليه على وجه يفهم أنه لا فرق بين ان يكون في السيئات ردة أو ~~لا فقال { وآمنوا } ثم أجاب المبتدا بقوله : { إن ربك } أي المحسن إليك ~~بقبول توبة التائبين لما سيرك من ذلك لأنك بهم رؤوف رحيم { من بعدها } أي ~~التوبة { لغفور } أي محاء لذنوب الئبين عينا واثر وإن عظمت وكثرت { رحيم * ~~} أي فاعل بهم فعل الرحيم من البر والإكرام واللطف والإنعام , وكأن المصرين ~~هم الذين قتلوا لما أمرهم موسى عليه السلام بقتل أنفسهم , فلما أهلك المصر ~~وتاب الباقي , PageV03P116 وصحت براءة أخية وبقاؤه على رتبته من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والاجتهاد في امر الله , زال موجب الغضب فأخبر ~~سبحانه عما يعقبه فقال : { ولما سكت } اي كف , شبه الغضب بمتكلم كان يحث ~~موسى عليه السلام ويعزيه على ما يوجبه ويقتضيه , فلما شفى غيظه سكن وقطع ~~كلامه فخلفه ضده وهوالرضى { عن موسى الغضب } وهو غليان القلب بما يتاذى به ~~النفس { اخذ الألواح } أي التي جاء بها من عند الله بعدما ألقاها { وفي } ~~أي والحال أنه في { نسختها } أي الأمر المكتوب فيها , فعلة بمعنى مفعولة , ~~وعن ابن عباس أنه لما ألقاها صام - مثل ما كان صام للمناجاة - أربعين يوما ~~أخرى , فردت عليه في لوحين مكان ما تكسر . | { هدى } أي شيء موضح للمقاصد { ~~ورحمة } أي سبب للإكرام { للذين هم لربهم } أي لا لغيره { يرهبون * } أي هم ~~أهل لأن يخافون خوفا عظيما مقطعا للقلوب موجبا للهرب ويستمرون على ذلك شرح ~~ما في هذه الآيات مكن عند قوله { سأوريكم دار الفاسقين } من البدائع من ~~التوراى - قال المترجم في السفر الخامس منها بعد أن بكتهم ببعض ما فعلوه ~~مما أوجب لهم الغضب والعقوبة بالتيه وحثهم على لزوم أمر الله لينصرهم : ~~واما الوصايا التي آمركم بها اليوم فاحفظوها واعلموا بها لتحيوا وتكثروا ~~وترثوا الأرض التي اقسم الله لآبائكم فتذكروا كل الطريق ms1725 الذي سيركم الله ~~ربكم فيه , ودبركم منذ أربعين سنة في البرية ليواضعكم ويجربكم وليعلم ما في ~~قلوبكم هل تحفظون وصاياه أوم لا , فواضعكم واجاعكم واطعمكم منا لم تعرفوا ~~أنتم ولا آبائكم ليبين لكم انه ليس إنما يعيش الإنسان بالخبر فقط , بل إنما ~~يعيش بما يخرج من فم الله , ولم تبل ثيابكم ولم تجف أقدامكم منذ الربعين ~~سنة , احفظوا وصايا الله ربكم وسيروا في طرقة واتقوه , لأن الله ربكم هو ~~الذي يدخلكم إلى الأرض المخصبة , أرض كثيرة الأدوية والينابيع والعيون التي ~~تجري في الصحارى والجبال , أرض الحنطة والسعير , فيها الكروم والتبن ~~والرمان والزيتون والدهن والعسل , أرض لايحتاجون فيها ولا تأكلون خبزكم ~~بالفقر , ولا يعوزكم فيها شيء , أرض حجارتها حديدتستخرجون النحاس من جبالها ~~, فاحتفظوا , لا تنسوا الله ربكم , واحفظوا وصاياه وشرائعه التي آمركم بها ~~اليوم , لا تبطروا , فإذا اكلتم وشبعتم وبنيتم بيوتا وسكنتموها وكثرغنمكم ~~وبقركم وكثرت أموالكم فتعظم قلوبكم وتنسوا الله ربكم الذين أخرجكم من أرض ~~مصر وانقذكم من العبودية ودبركم في البرية المرهوبة العظيمة حيث الحيات ~~الحردات والعقارب وفي مواضع العطش وحيث لم يكن لكم ماء أخرج لكم من ماء ~~الظران , واطعمكم منا لم يعرفه آبائكم ليواضعكم ويجربكم ويحسن إليكم آخر ~~ذلك , وانظروا , لا تقولوافي قلوبكم إنا إنما استفدنا هذه الأموال ~~PageV03P117 بقوتنا وعزة قوبنا , ولكن اذكروا الله ربكم الذي قواكم أن ~~تستفيدوا هذه الأموال ليثبت العهد الذي اقسم لآبائكم , وإن أنتم نسيتم الله ~~ربكم وتبعتم آلهة أخرى وعبدتموها وسجدتم لهااشهدت عليكم اليوم فاعلمتكم ~~أنكم تهلكون هلاك سوء , كما أهلكت الشعوب التي أباد الرب بين أيديكم كذلك ~~تهلكون , اسمعوا يا بني إسرائيل ! بل أنتم تجوزون اليوم نهر الأردن ~~وتنطلقون لتمتلكوا الشعوب التي هي أقوى وأعظم منكم وتظفروا بالقرى الكبار ~~المشيدة إلى السماء وبشعب كبير عظيم بني الجبابرة , وقد علمتم وسمعتم أنه ~~ما يقدرإنسان ان يقوم بين يدي الجبابرة , وتعلمون يومكم هذا ان الله ربكم ~~يجوز أمامكم وهونار محرقة , وهو يهلكهم ويهزمهم أمامكم , ولا تقولوا في ~~قلوبكم انه إنما أدخلنا الرب ليرث هذه ms1726 الأرض من اجل برنا , لأنه إنما يهلك ~~الرب هذه الشعوب من اجل خطاياهم , وليثبت الأقوال التي وعد بها آباءكم ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب , فاعلموا أنه ليس من اجل بركم يورثكم الله هذه ~~الأرض المخصبة , لأنكم صلاب الرقاب , اذكروا ولا تنسوا أنكم أسخطتم الله ~~ربكم في البرية منذ يوم خرجتم من ارض مصر حتى انتهيتم إلى هذه البلاد , ولم ~~تزالوا مسخطين لله ربكم ونحوريت أيضا أغضبتم الرب , وغضب الرب عليكم وأراد ~~هلاككم حيث صعدت إلى الجبل وأخذت لوحي العهد الذي عاهدكم الرب , ومكثت في ~~الجبل اربعين يوما بلياليها لم أذق خبزا ولم أشرب ماء , وأعطاني الرب لوحين ~~من حجارة مكتوب عليهما بأصبع الله , وكانت كل ىلآيات التي كلمكم الرب : قم ~~فانزل من هاهنا سريعا , لأن شعبك الذي أخرجته من ارض مصر قد فسدوا ومالوا ~~عن الطريق الذي امرتهم عاجلا , وعملوا لهم إلها مسبوكا , وقال لي الرب : ~~رأيت هذا الشعب فإذا هو شعب قاسي القلب , فدعني الآن حتى اهلكهم وأبيد ~~أسماءهم من تحت السماء واصيرك مدبرا لشعب أعظم واعزة منهم , وأقبلت فنزلت ~~من الجبل والجبل يشستعل ناراولوحا العهد بيدي , ورأيت أنكم أذنبتم أمام ~~الله ربكم سريعا , وعمدت إلى لوحي الحجارة فرميت بهما من يدي وكسرتهما ~~قدامكم , وصليت أمام الرب كما صليت أولا أربعين يوما بلياليها , لم أذق ~~طعاما ولم أشرب شرابا من أجل جميع الخطايا التي ارتكيتم وما عملتم من الشر ~~بين يدي الرب واغضبتموه : لأني فرقت وخفت غضب الله وزجره انه أراد إهلاككم ~~, واستجاب الله لي في ذلك الزمان , أما عجل خطاياكم الذي عملتموه فاخذته ~~واحرقته بالنار وسحقته وطحنته جدا حتى صار مثل التراب وطرحت ترابه في ~~الوادي الذي ينزل في الجبل , وبالحريق والبلايا وبقبور اصحاب الشهوة , ~~أغضبتم الرب , وإذ ارسلكم ربكم من رقام الحي وقال لكم : PageV03P118 اصعدوا ~~ورثوا الأرض التي اعطيكم , اجتنبتم قول الربوأغضبتموه ولم تؤمنوا به ولم ~~تسمعوا قوله , ولم تزالوا الله مسخطين منذ يوم عرفتكم , وصليت أما الرب ~~أربعين يوما بلياليها , لأنالرب أمر بهلاككم , وقلت في صلاتي , يارب ! لا ms1727 ~~تهلك شعبك ميراثك الذي خلصته بعظمتك وأخرجتهم من أرض مصربيد عزيزة , ولكن ~~اذكر عبيدك إبراهيم وإسحاق ويعقوب , ولا تنظر إلى معصية هذا الشعب وإثمه ~~وخطاياه , لئلا يقول سكان تلك الأرض التي أخرجتهم منها : إن الرب لم يقو ان ~~يدخلهم الأرض التي قال لهم , وإنما أخرجهم من عندنا لبعضه لهم ليضلهم في ~~البرية , وهو شعبك وميراثك الذي اخرجتهم بقوتك العظيمة وذراعك العزيزة , ~~فقال لي الرب في ذلك الزمان أن أنقر لوحين من حجارة مثل اللوحين الأولين ~~واصعد إلى الجبل إلي واعمل تابوتا من خشب الشمشاد - وفي نسخة : السنط - ~~ونقرت اللوحين من الحجارة مثل اللوحين الأولين وصعدت إلى الجبل واللوحات في ~~يدي , وكتب على اللوحين الكتاب الأول , وهي العشر الآيات التي كلمكم الرب ~~بها من الجبل من الناريوم الجماعة , ودفعها الرب إلي فأقبلت نازلا من الجبل ~~ووضعت اللوحين في التابوت الذي عملت وتركتها فيه كما فيه أمر الرب , وراتجل ~~بنو إ سرائيل من ثروات بني يعقان وموسار , وتوفي هارون هناك , وصار أليعازر ~~ابنه حبرا مكانه , وارتحلوا من هناك إلى جدجد , ومن جدجد إلى يطبت أرض ~~مسايل الماء , في ذلك الزمان إفرز الرب سبط لأوي ليحملوا تابوت عهد الرب , ~~وأن يقوموا أمام الرب ويخدموه وأن يبركوا باسم الرب إلى اليوم , ولذلك ليس ~~لبني لاوي حصة مع بني إسرائيل في ميراثهم , لأن ميراثهم لله ربهم كما قال ~~لهم , وأنا قمت بين يدي الرب في الجبل مثل الأيام الأولى أربعين يوما ~~بلياليها , واستجاب لي الرب في ذلك الزمان أيضا , ولم يخذلكم الله ربكم ولم ~~يفسدكم , وقال لي الرب في وسر امام الشعب ليخلوا ويرثوا الأرض التي أقسمت ~~لآبائهم أن أعطيهم , والآن يابني إسرائيل ما الذي يطلب الله ربكم منكم ! ما ~~يطلب الآن إلا أن تتقوا الله ربكم من كل قلوبكم وتسيروا في طرقه وتحبوه , ~~وأن تعبدوا الله ربكم من كل قلوبكم وأنفسكم , وأن تحفظوا وصايا الله ربكم ~~التي آمركم بها اليوم ليحسن إليكم لأن السماء وسماء السماء هما لله ربكم ~~والأرض وجميع ما فيهاغ , وبآبائكم ms1728 وحدهم سر الرب وأحبهم وانتحت نسلهم من ~~بعدهم وفضلهم على جميع الشعوب كاليوم , ااختتنوا غلفة قلوبكم , ولا تقسوا ~~رقابكم أيضا , لأن الله ربكم هو إله الآلهة ورب الأرباب , إله عظيم جبار ~~مرهوب لا يحابي ولا يرتشي , ينصف للأيتام والأرامل , ويحب الذي يقبل إليه ~~برزقه طعاما وكسوة , فاحبوا الذين يقبلون إليه واذكروا أنكم كنتم سكانا ~~بأرض مصر , فاتقوا الله PageV03P119 ربكم واتبعوه واعبدوه وأقسموا باسمه , ~~لأنه إلهكم ومريحكم , وهو الذي أكمل لديكم العجائب التي رأت اعينكم , ~~واعلموا أنه إنما أنزل آبائكم إلى مصر سبعين رجلا , ولآن فقد كثركم الله ~~ربكم مثل نجوم السماء , أحبوا الله ربكم واحفظوا سننه واحكامه كل الأيام , ~~واعلموا يومكم هذا أنه ليس لنبيكم الذين لم يعاينوا ولم يعملوا ما رب الرب ~~وعظمته ويده المنيعة وذراعه العظيمة وآياته واعماله التي عمل بمصر وبفرعون ~~ملك مصر وكل أرضه وما صنع بأجناد ملك مصر وما فعل بالخيل والمراكب وفرسانها ~~الذين قلب عليهم ماء بحر سوف حيث خرجوا في طلبكم واهلكم الرب إلى اليوم ~~وجميع ما صنع بكم في البرية حيث انتهيتم إلى هذه البلاد وما صنع بداثان ~~وابيرم ابني اليب بن روبيل اللذين فتحت الأرض فاها وابتلعتها وبيتها , ~~وخيامهم وكل شيء هو لهم إذ كانوا قياما على أرجلهم بين يدي جميع بني ~~إسرائيل , ولكن قد رات أعينكم جميع أعمال الله العظيمة التي عمل , فاحفظوا ~~جميع الوصايا التي أمركم الله بها اليوم لتدخلوا الأرض التي تجوزون إليها ~~لترثوها وتطول أعماركم في الأرض التي أقسم الله لآبائكم أن يعطيهم ويرثها ~~نسلهم - وستاتي تتمة إن شاء الله تعالى عند ^ ( { ولقد بوأنا بني إسرائيل ~~مبوأصدق } ) ^ [ يونس : 93 ] , وفيه من المتشضابهقوله : فم الله , وإصبع ~~الله , والأول - لكونه لا يجوز إطلاقة في شرعنا - مؤول بالكلام , والثاني ~~بالقدرة . | < < # | الأعراف : ( 155 - 156 ) واختار موسى قومه . . . . . # > > ^ ( واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب ~~لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهآء منآ إن هي إلا فتنتك ~~تضل بها من تشآء وتهدي من تشآء أنت ms1729 ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير ~~الغافرين * واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنآ إليك قال ~~عذابي أصيب به من أشآء ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون ~~الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ) ^ } ) | ولما فرغ سبحانه من ذكر الوعد ~~بالميقات المقصود به سعي الكليم عليه السلام فيما يهديهم إلى صراط الله , ~~وذكر سعيهم فيما اضلهم عن الطريق ياتخاذهم العجل وكان ختام ذلك ما بدا من ~~موسى عليه السلام من الشقفة على أخيه ثم على الكافة بأخذ الألواح عند ~~الفراغ مما يجب من الغضب لله , رد الكلام على ذكر شيء فعله في الميقات مراد ~~به عصمتهم في صراط الله بنقلهم - بمشاركته في سماعهم لكلام الله - من علم ~~اليقين إلى عين اليقين بل حق اليقين شفقة عليهم ورحمة لهم , ليكون ~~إخبارهمعما رأوا مؤيدا لما يخبر به , فيكون ذلك سببا لحفظهم من مثل ما ~~وقعوا فيه من عبادة PageV03P120 العجل , ومع ذلك وقع منهم العصيان بطلب ما ~~لا ينبغي لهم من الرؤية على وجه التعنت , فقال : { واختار } أي اجتهد في ~~أخذ الخيار { موسى قومه } ثم أبدل منهم قوله : { سبعين رجلا } إشارة إلى أن ~~من عداهم عدم , لا يطلق عليهم اسم القوم في المعنى الذي أراده , وهونحو ما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما ( الناس كالإبل المائة , لا تكاد تجد فيها راحلة ) ثم ذكر علة ~~الاختيار فقال : { لميقاتنا } أي فما أختار إلا من رأى أنه يصلح لما نريد ~~من عظمتنا في الوقت الذي حددناه له , ودنا بهم من الحضرة الخطابية في الجبل ~~هو وهارون عليهما السلام , واستخلف على بني إسرائيل يوشع بن نونة عليه ~~السلام , كل ذلك عن امر الله له , وفي هذا الكلام عطف على قوله < # > 77 ( { ووعدنا موسى ثالثين ليلة } ) 77 < # > [ الأعراف : 142 ] فيكون الميقات هو الأول وهو ظلاهر التوارة كما مر ~~بيانه في البقرة , ويجوز ان يكون عطفا على قوله < # > 77 ( { واتخذ قوم موسى } ) 77 < # > [ الأعراف : 148 ] أو على ms1730 قوله < # > 77 ( { أخذ الأولواح } ) 77 < # > [ الأعراف : 154 ] وحينئذ يكون هذا الميقات غير الميقات الأول , ويؤيده ~~ما نقل من أن هارون عليه السلام كان معهم , وكأنهم لما سمعوا كلام الله طلب ~~بعضهم الرؤية جاعليها شرطا لإيمانهم فقالوا : < # > 77 ( { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ) 77 < # > [ البقرة : 55 ] كما فعل النقباء الاثنا عشر حين أرسلهم لجس أحوال ~~الجبارين فنقص أكثرهم , فأخذتهم الرجفة فماتوا فخشى موسى عليه السلام ان ~~يتهمه بنو إسرائيل في موتهم كنفس واحدة { فلما اخذتهم } أي أخذ قهر وغلبة { ~~الرجفة } أي التي سببتها الصاعقة التي تقدمت في البقرة , فزلزلت قلوبهم ~~فأماتتهم , وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن هؤلاء غير السبعين الذين قالوا ~~< # > 77 ( { أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة } ) 77 < # > [ النساء : 153 ] وأن أولئك كانوا قبل هؤلاء , فالظاهر أن سبب الرجفة ~~ما رأوا عند سماع الكلام من جلال الله وعظيم هيبته من الغمام الذي تغشي ~~الجبل والقتار والبروق واصوات القرون وغير ذلك بخحيث كادت الرجفة - وهي ~~رعدة - تفرق اوصالهم بعضها من بعض { قال } أي موسى تملقا لربه سبحانه { رب ~~} أي أيها المحسن إلي { لو شئت اهلكتهم } أي أمتهم ولما لم يكن إهلاكهم ~~مستغرقا للماضي , أخل الجارفقال : { من قبل وإياي } أي قدرتك علي وعليهم ~~قبل أن نقترب من هذه الحضرة المقدسة ونحن بحضرة قومنا كقدرتك علينا حين ~~تشرفنا بها , وقد أسبلت علينا ذيل عفوك واسبغت علينا نعمتك PageV03P121 ~~ونحن في غيرالحضرة فلم تهلكنا , فإنعامك علينا ونحن في حضرة القدس وبساط ~~القرب والأنس أولى ثم لما كان الحال مقتضيا لأن يقال : ألم تر إلى ما ~~اجترؤوا عليه , وكان كأنه قال : إنما قال ذلك قوم منهم سفهاء , دل على ذلك ~~بقوله استعطافا : { اتهلكنا } وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان رجفتهم كانت ~~بسبب أنهم لم ينهوا عن عبادة العجل مع انهم لم يرضوا بذلك . | وكأن موسى ~~عليه السلام عبر بهذه العبارة المقتضية لإهلاك الجميع لأنه جوز أنه كما ~~أهلك هؤلاء يهلك غيرهم لتقصير آخر بسبب ذلك كعدم الجهاد مثلا حتى يعمهم ~~الهلاك { بما ms1731 فعل السفهاء منا } فكأنه صلى الله عليه وسلم رضي أنه إن لم ~~يشملهمالعفو أن يخص العفو بمن لم يذنب بالفعل ويعفو عمن قصر بالسكوت , وعلى ~~تقدير كون الميقات غير الأول يجوز أن يكون بعد اتخاذهم العجل كما تقدم عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما , فيكون موسى عليه السلام خاف ان يكون إهلاكهم ~~فتنة لبني إسرائيل وسببا لكفرهم كما كان إبطاؤه عنهم بزيادة عشرة ايام ~~الثلاثين في الميقات الأول سببا لاتخاذهم العجل , ويجوز حيئذ أن يراد بفعل ~~السفهاء اتخاذ العجل , ويؤيده التعبير بالفعل دون القول وقد تقدم نقله عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما ولما كان قوله هذا ربما أفهم رضاه بهلاك المذنبين ~~, قال معرضا بالسؤال في العفو عن الجميع : { إن هي } أي الفتنة التي أوقعها ~~السفهاء { إلا فتنتك } أي ابتلاؤك واختياك { تضل بها من تشاء } أي تظهر في ~~عالم الشهادة من ضلاله ما كان معلوما لك في عالم الغيب { وتهدي من تشاء } ~~أي تظهر ما في علمك من ذلك ولما اثبت ان الكل بيده , استأنف سؤاله في ان ~~يفعل لهم الأصلح فقال : { أنت } اي وحدك { ولينا } أي نعتقد انه لا يقدر ~~على عمل مصالحنا غيرك , وأنت لا نفع لك في شيء من الأمرين ولا ضر , بل الكل ~~بالنسبة إليك على حد سواء , ونحن على بصيرة من أن افعالك لا تعلل بالأغراض ~~, وعفوك عنا ينفعنا وانتقامك من يضرنا , ونحن في حضرتك قد انقطعنا إليك ~~وحططنا رحال افتقارنا لديك . | ولما اثبت أنه الفعال لما يشاء وأنه لا ولي ~~لهم غيره , وكان من شأن الولي جلب النفع ودفع الضر , سبب عن كونه الولي ~~وحده قوله بادئا بدفع الضرر : { فاغفر لنا } أي امح ذنوبنا { وارحمنا } أي ~~ارفعنا ؛ ولما كان التقدير : فأنت خير الراحمين , عطف عليه دفعا للصفة ~~الخسيسة وهي صفة الحقد ونحوه , وانت منزه عن ذلك , وكأنه أحسن العفو عنهم ~~فقال عاطفا على سؤاله فيه : { واكتب لنا } أي في مدة إحيائك لنا { في هذه ~~PageV03P122 الدنيا } أي الحاضرة والدنية { حسنة } أي عيشة راضية طيبة { ~~وفي ms1732 } الحياة { الآخرة } أي كذلك ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنا هدنا } أي ~~تبنا { إليك } أي عما لا يليق بحنانك كما أمرتنا ان نخبر ما عساه يقع منا ~~بالمبادرة إلى التوبة , فبدأ بذكر عزة الربوبية وثنى بذلة العبودية وهما ~~أقوى اسباب السعادة , وهذا تلقين لهم وتعليم وتحذير من مثل ما وقعوا فيه ~~وحث على التسليم , وكأنه لما كان ذنبهم الجهر بما لا يليق به سبحانه من طلب ~~الرؤية , عبر بهذا اللفظ أو ما يدل على معناه تنبيها لهم على أن اسمهم يدل ~~على التوبة والرجوع إلى الحق والصيرورة إلى الصلاح واللين والضعف في الصوت ~~والاستكانه في الكلام والسكوت عما لا يليق , وأن يهودا الذي أخذ اسمه من ~~ذلك إنما سموا به ونسبوا إليه تفاؤلا ليتبادروا إلى التوبة ولما كان في ~~كلامه عليه السلام إنكار إهلاك الطائع بذنب العاصي وإن كان ذلك إ نما كان ~~على سبيل الاستعطاف منه والتملق مع العلم بأنه عدل منه تعالى وله أن يفعل ~~ما يشاء بدليل قوله < # > 77 ( { ولو شئت أهلكتهم من قبل وإياي } ) 77 < # > [ الأعراف : 155 ] استأنف سبحانه الإخبار عن الطجواب عن كلاوه على وجه ~~منبه للجماهير على ان له التصرف المطلق بقوله : { قال عذابي } أي انتقامي ~~الذي يزيل كل عذوبه عمن وقع به { أصيب به } أي في الدنيا والآخرة { من أشاء ~~} أي اذنب أو لم يذنب { ورحمتي } ولما كان الإيجاد من الرحمة فإنه خير من ~~العدم فهو إكرام في الجملة , قال : { وسعت كل شيء } أي هذا شأنها وصفتها في ~~نفس الأمر وإن بلغ في القبائح ما عساه أن يبلغ , وهذا معنى حديث أبي هريرة ~~في الصحيح ( إن رحمتي سبقت ) وفي رواية : غلبت - ( غضبي ) سواء قلنا : إن ~~السبق بمعنى الغلبة , أو قلنا إنه على بابه , إما الأول فلأن تعلق الرحمة ~~اكثر , لأن كل ما تعلق به الغضب تعلقت به الرحمة بإيجاد وإضافة الرزق عليه ~~, ولا عكس كالحيونات العجم والجمادات وأهل السعادة من المؤمنين والملائكة ~~والحور وغيرهم من جنود الله التي لا تحصى . | ولما أعلم ان رحمته ms1733 واسعة ~~وقدرته شاملة , وكان ذلك موسعا للطمع , سبب عن ذلك قوله ذاكرا شرط إتمام ~~تلك الرحمة ترهيبا لمن يتوانى عن تحصيل ذلك الشرط : { فسأكتبها } اي اخص ~~بدوامها بوعد لا خلف فيه لجل تمكني بتمام القدرة مما أريد مبتوتا أمرها ~~بالمتابة { للذين يتقون } أي يوجد لهم هذا الوصف الحامل على كل خير ولا يخل ~~بوسعها أن أمنع PageV03P123 دوامها بعد الإيجاد من غيرهم , فإن الكل لو ~~دخلوا فيها ما ضاقت بهم , فهي في نفسها واسعة ولكني أفعل ما أشاء ولما ذكر ~~نظرهم إلى الخالق بالانتهاء عما عنه والاتئمار بما أمر به , أتبعه النظر ~~إلى الخلائق فقال : { ويؤتون الزكاة } ولعله خصها لأن فرضها كان في هذا ~~الميقات كما تقدم في البقرة ولأنها أمانة فيما بين الخلق والخالق كما ان ~~صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي كتبها لهم وشرط قبول أعمالهم باتباعه ~~كذلك ؛ ثم عمم بذكر ثمرة التقوى فقال مخرجا لمن يوجد منه ذانك الوصفان في ~~الجملة على غير جهة العموم : { والذين هم بآباتنا } اي كلها { يؤمنون } أي ~~يصدقون بالقلب ويقرون باللسان ويعملون تصديقا لذلك بالأكارن , فلا يكفرون ~~ببعض ويؤمنون ببعض . | < < # | الأعراف : ( 157 ) الذين يتبعون الرسول . . . . . # > > ^ ( الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين ~~آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون ) ^ ~~} ) | ولما كان اليهود ربما ادعوا ذلك ذلك مكابرة , وأضح غاية افيضاح بقوله ~~: { الذين يبتغون } اي بغاية جهدهم { الرسول } ولما كان هذا الوصف وحده غير ~~مبين للمراد ولا صريح في الرسالة عن الله ولا في كونه من البشر , قال : { ~~النبي } أي الذي يأتيه الوحي من الله فبدأ بالأشراف وثنى بما خصه برسالة ~~الله وكونه من الآدمين لا من الملائكة . | ولما لم يتم المراد , قال مبينا ~~لأعظم المعجزات , وهي أ ؟ ن علمه بغير مفلم من البشر : { الأمي } أي الذي ~~هومع ذلك العلم المحيط على صفة الأم ms1734 , وأمه العرب لا يكتب ولا يقرأ ولا ~~يخالط العلماء العلماء للتعليم منهم بل لتعليمهم , فنطبق الوصف على الموصوف ~~مع التنوية بجلالة الأوصاف والتشويق إلى الموصوف , ولم يعطف لئلا يوهم ~~تعداد الموصوف - والمعنى أني لا أغفر لأحد من بني إسرائيل ولا من غيرهم إلا ~~إن اتبع محمد صلى الله عليه وسلم , وهذا الاتباع تارة يكون بالقوة فقط لمن ~~تقدم موته على زمانه وتارة يخرج منة القوة إلى الفعل ممن لحق زمانه دعوته , ~~فمن علم الله منه أنه لا يتبعه إذا أدركه لا يغفر له ولو عمل جميع الطاعات ~~غير ذلك , وعرفه لهم بجميع خواصه حتى لا يتطرق إليه عند مجيئه ولا ريب ~~يتعلل في أمره بعلة , ولذلك أتبعه بقوله : { الذي يجدونه } أي علماء بني ~~إسرائيل ؛ ولما اشتد تشوف بذكر الوجدان , قال : { مكتوبا } ثم قرب الأمر ~~بقوله : { عندهم } ثم بين أنه مما لا يدخله شك بقوله : { في التوارة ~~والإنجيل } أي PageV03P124 اللذين يعلمون أتهما من عند الله بصفته البينة ~~كما تقدم بيانه عما عللوا عن تبديله منهما في البقرة < # > 77 ( { وإذا ابتلى إبراهيم ربه } ) 77 < # > [ البقرة : 124 ] وفي آل عمران عند < # > 77 ( { إن الله اصطفى أدم ونوحا } ) 77 < # > [ آل عمران : 33 ] وفي النساء عند < # > 77 ( { ما قتلوه يقينا } ) 77 < # > [ النساء : 157 ] وفي التوارة أيضا من ذلك في الفصل الحادي عشر من ~~السفر الخامس : وإذا دخلتم الأرض التي يعطيكم الله ربكم فلا تعملوا مثل ~~أعمال تلك الشعوب ولا يوجد فيكم من يطلب تعليم العرافين , ثم قال لأن هذه ~~الشعوب التي ترثونها كانت تطيع العرافين والنمجمين , فأما أنتم فليس هكذا ~~يعطيكم الله ربكم , يل يقيم لكم نبيا من إخوانكم مثلي , فأطيعوا ذلك النبي ~~كما طلبتم إلى الله ربكم في حوريب يوم الجماعة وقلتم : لا تسمع صوت الله ~~ربنا ولا تعاين هذه النار العظيمة لئلا نموت , فقال الرب : ما احسن ما ~~تكلموا , إني سأقيم لهم نبيا من إخوانهم مثلك , اجعل كلامي في فيه ويقول ~~لهم ما آمره به , والذي لا يقبل قول ذلك النبي الذي يتملم ms1735 باسمي أنا أنتقم ~~منه ومن سبطه - انتهى هكذا رايته مترجما مترجما في بعض نسخ التوارة , ثم ~~رأيت السموأل بن يحي المغربي ترجمه في كتابه الذي ذكر فيه سبب إسلامه وكان ~~من أكابر علمائهم بل العلماء فقال : نبيا أقيم لهم من وسط إخوانهم مثلك , ~~بع فليؤمنون - انتهى . | وهو يعني أن يكون هذا النبي محمدا صلى الله عليه ~~وسلم لأنه من بني إسماعيل أخي إسحاق وقد أتى بشريعة مستقله لا تعلق لها ~~بشريعةقبلها ولا توقف لها عليها , وذلك أن في العبارة كلمتين : مثل وإخوة , ~~وحقيقة الأ خ ابن أحد الأبوين , وهو إسماعيل عليه السلام , فأقرب المجاز ~~إلى حقيقة الحمل على أخي الأب , وهوإسماعيل عليه السلام , والشائع في ~~الاستعمال في نحو ذلك على تقدير إرادة أحد منهم أن يقال : ؛ من أنفسهم , لا ~~من إخوانهم , وحقيقة المثل المشارك في أخص الصفات , واخص الصفات , واخص ~~صفات موسى عليه السلام الرسالة والكتاب بشريعة مستقلة ولم يأتي منهم بعده ~~من هو بهذه الصفة , لأن عيسى عليه السلام لم ينسخ من شريعة موسى عليه ~~السلام إلا بعض الأحكام , وعلى تقديره دعوى ذلك فيه لكونه نسخ في الجملة ~~وتسليم ذلك لا يتأتى قصده بهذا النص لوجهين : أحدهما أنه ليس من رجالهم إلا ~~بواسطة أمه فحق العبارة : من بني أخواتهم : أحدهما أنه ليس من رجالهم ~~المجاز فيهم ابعد من المجاز في بني إسماعيل لما تقدم , ولا ينتقل إلى ~~الأبعد إلا بقرينة تصرف عن الأأقرب - والله أعلم . قال السمؤال بن يحي أحد ~~اخبارهم في سبب إسلامه : إن اليهود يقولون : إن هذه البشارة نزلت في حق ~~سمؤال أحد أنبيائهم الذين بعد موسى لأنه كان السلام في أنه من سبط لاوي , ~~وقال : إنه رأى سمؤال عليه السلام في المنام وأنه دفع إليه كتابا فوجد فيه ~~هذه البشارة فقال له : هنيئا PageV03P125 لك يانبي الله ما خصك الله به ! ~~فنظر مغضبا وقال : أوإياي أراد الله بهذا يا ذكي ! ما أفدتك إذن البراهين ~~الهندسية , فقلت : يابني الله ! فمن أراد الله بهذا ؟ قال : الذي أراد في ~~قوله ms1736 : هوفيع ميهار فاران , وتفسيره إشارة إلى نبوة وعد بنزولها على جبال ~~فاران , فعرفت أنه يعني المصطفى صلى الله عليه وسلم , لأنه المبعوث من جبال ~~فاران وهي جبال مكة , ثم قال : أو ما عملت ان الله لم يبعثني بنسخ شيء من ~~التوارة , وإنما بعثني أذكرهم بها واحيي شرائعها واخلصهم من أهل فلسطين , ~~فلت بلى يابني الله ! قال : فأي حاجة بهم إلى أن يوصيهم بقبول نبوة دانيال ~~أو يرميا أو حزقيل ؟ قلت : لا لعمري ! فأخذ الكتاب من يدي وانصراف مغضبا ~~فارتعبت لغضبه وازدجرت لموعظته واستيقظت مذعورا . قال في كتابه غاية ~~المقصود في الرد على النصارى واليهود : إن الله يطلق الإخوة على غير بني ~~إسرائيل كما قال في بني العيص بن إسحاق عليه السلام في الجزء الأول من ~~السفر الخامس ما تفسره : أنتم عابرون في تخم إخوتكم بني العيص فإذا كانوا ~~بنوالعيص إخوة لبني إسرائيل لأن العيص وإسرائيل ولدا إسحاق , فكذلك بنو ~~إسماعيل إخوة على غير إبراهيم عليهم السلام , قال : وفي الجزء الثالث من ~~السفر الأول من التوراة في ذكر البشارة لإبراهيم عليه السلام ما تفسره : ~~وأما في إسماعيل فقد قبلت دعاءك , هاقد باركت فيه واثمره واكثره جدا جدا ~~وقال : إن جدا جدا بلسان العبراني مفسر ( بما ماد ) وهاتان الكلمتان إذا ~~عددنا حروفها بحساب الجمل كان اثنتين وتسعين , وذلك عدد حساب حروف اسم محمد ~~صلى الله عليه وسلم يعني فتعين أن يكون مرادا بها لأنها في البشارة بتكثير ~~إسماعيل عليه السلام , وليس في أولاده من كثره الله به وعدد اسمه هذا العدد ~~غير محمد صلى الله عليه وسلم , قال : وإنما جعل ذلك في هذا الموضع ملغزا , ~~لأنه لو صرح به لبدلته اليهود أو أسقطته من التوراة كما عملوا في غيره - ~~انتهى . | وفي آخرة فصول التوارة : دعا موسى عبد الله لبني إسرائيل قبل ~~وفاته قال : أتى ربنا من سيناء وشرق لنا من جبل ساعير وظهر لنا من جبل - ~~وفي نسخة : جبال فاران , معه ربوات الأطهار على يمينه , أعطاهم وحببهم إلى ~~الشعوب وبارك على جميع ms1737 اطهار - وهم يتبعون آثارك ويتناقلون كلماتك . | وفي ~~نسخة بدل : معه ربوات الأطهار - إلى آخره : واتى من ربوات القدس بشريعة ~~نوره من يمنه لهم , واصفى ايضا شعبا فجيع خواصه في طاعتك وهم يقفون آثارك ~~وسيتناقلون كلماتك انتهى . | فالذي ظهر من جبال فاران هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم , لأنهم معترفون أنها مكة , ومهخ ربوات , أي جماعات الأطهار , ~~وأمته حببت إلى الشعوب , لأن كلا من فريقي أهل الكتاب يقدمهم على الفريق ~~الآخر , ولم يقبل أحد جميع كلام موسى عليه السلام PageV03P126 ويتبع جميع ~~آثاره في بشارته ممن يأتي بعد غيرهم - هذا وأما الإنجيل فالبشارة فيه أكثر ~~وقد تقدم كثير منها , وهي تكاد أن تكون صريحة في سورة النساء في قصة رفعه ~~عليه السلام , مما فيه أيضا ما في إنجيل متى وغيره وأغلب السياق له : كثيرا ~~أولون يصيرون آخرون وآخرون يصيرون أولين , يشبه ملكوت السماوات إنسانا رب ~~بيت حرج بالغداة يستأخر فعلة الكرمه فشارط الأكرة على دينار واحد في اليوم ~~وأرسلهم إلى كرمه , ثم خرج في ثالث ساعة فأبصر آخرين قياما في السوق بطالين ~~, فقال لهم : امضوا أنتم إلى كرمي وأنا أعطيكم ما تستحقون , فمضوا خرج أيضا ~~في الساعة السادسة والتاسعة فصنع كذلك , وخرج في الحادية عشرة فوجد آخرين ~~قياما فقال لهم : ما قيامكم كل النهار بطالين ؟ فقالوا له : لم يستأجرنا ~~أحد , فقال لهم : امضوا أنتم بسرعة إلى الكرم وانا اعطيكم ما تستحقون , ~~فلما كان المساء قال رب الكرم لوكيله : ادع الفعلة وأعطهم الأخرة وابدأ بهم ~~من الآخرين إلى الأولين , فجاء أصحاب الساعة الحادية عشرة فأخذوا دينار كل ~~واحد , فجاء الأولون فظنوا أنهم يأخذون أكثر فأخذوا دينار كل واحد , لما ~~أخذوا تعمقوا على رب البيت وقالوا إن هؤلاء الآخرين عملوا ساعة واحدة , ~~جعلتهم أسوتنا ونحن حملنا ثقل النهار وحره ! فقال لواحد منهم : ياصاحب ! ما ~~ظلمتك , ألست بدينار شارطتك , خذ شيئك وامض , أريد أن أعطي هذا الأخير مثلك ~~, أو ما لي أن افعل ما أردت بمالي ؟ وأن عينك شريره , كذلك يكون الآخرون ~~اولين , والأولون آخرين ms1738 , ما أكثر المدعوين وأقل المنتخبين , وقال : ودخل ~~إلى الهيكل فجاء إليه رؤساء النكهة وشيوخ الشعب وقالوا له وهويعلم : بأي ~~سلطان تغعل هذا ؟ ومن اعطاك هذا السلطان ؟ اجاب يسوع وقال لهم : أنا أسألكم ~~عن كلمة واحدة , فإن أنتم قلتم لي قلت لكم بأي سلطان أفعل هذا , معمودية ~~يوحنا من اين هي ؟ من السماء أو من الناس ؟ ففكروا في نفوسهم قائلين : إن ~~قلنا : من السماء قال لنا : لماذا لم تؤمنوا به ؟ وإن قلنا : من الناس , ~~خفنا من الجمع , وقال لوقا : وإن قلنا من الناس فإن جميع الشعب يرجمنا ~~لأنهم قد تيقنوا أن يوحنا نبي ؛ وقال لوقا : وإن قلنا من الناس فإن جميع ~~الشعب يرجمنا لأنهم قد تيقنوا أن يوحنا نبي ؛ وقال متى : لأن يوحنا كان ~~عندهم مثل نبي ؛ وقال مرقسس : لأن جميعهم كان يقول : إن يوحنا نبي ؛ قال ~~متى فقالوا : لا نعلم , فقال , وقال أنا أيضا اعلمكم باي سلطان أفعل هذا . ~~| قال مرقس : وبدأ يكلمهم بأمثال قائلا ؛ قال متى : ماذا تظنون بإنسان كان ~~له ابنان فجاء إلى الأول فقال له : يابني ! ذهب اليوم واعمل في الكرم , ~~فأجاب وقال : ماأريد - وبعد ذلك ندم ومضى , جاء إلى الثاني وقال له مثل هذا ~~فاجاب وقال : نعم يارب ! أنا امضى - و - لم يمض , من منهما فعل غرادة الأب ~~؟ فقالوا له : الول , فقال لهم يسوع : الحق أقوال لكم ! إن العشارين والزنا ~~PageV03P127 يسبقونكم غلى ملكوت الله , جاءكم يوحنا بطريق العدل فلم تؤمنوا ~~به , والعشارون والزناة آمنوا به , فأما أنتم فرأيتم ذلك ولم تندموا أخيرا ~~لتؤمنوا به . | اسمعوا مثلا آخر : إنسان رب بيت غرس كرما واحاط به سياجا ~~وحفر فيه معصرة وبني فيه برجا ودفعه إلى فعلة وسافر - قال لوقا : زمانا ~~كثيرا - فلما قرب زمان الثمار أرسل عبيده إلى الفعلة ليأخذوا ثمرته , فاخذ ~~الفعلة عبيده , ضربوا بعضا ورجموا بعضا , فأرسل أيضا عبيدا آخرين أكثرمن ~~الأولين فصنعوا بهم كذلك , وفي الآخرة أرسل إليهم ابنه وقال : لعلهم ~~يستحيون من ابني , فلما رأى الفعلة الابن قالوا : هذا هو الوارث تعالوا ~~نقلته وناخذ ms1739 ميراثه , فاخذه واخرجوه خارج الكرم وقتلوه , فإذا جاء رب البيت ~~ماذا يفعل بهؤلائك الفعلة ؟ قالوا له : يهلكهم ويدفع الكرم إلى فعلة آخرين ~~ليعطوه ثمرته في حينه , قال لهم يسوع : أما قراتم قط في الكتب أن الحجر ~~الذي رذله البناؤون صار رأس الزاوية , هذا كان من قبل الرب وهو عجب في ~~اعيننا , من هذا أقول لكم : إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطي لأمم يصنعون ~~ثمرتها , ومن سقط على هذا أقول لكم : إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطي لأم ~~يصنعون ثمرتها , ومن سقط على هذا الحجر ترضض , ومن سقط عليه طحنه . | فلما ~~سمع رؤساء الكهنة والفرنسيين امثاله أعلموا انه يقول من اجلهم , فهموا أن ~~يمسكوه وخافوا من الجموع لأنه كان عندهم مثل نبي . | وقال أيضا : يشبه ~~ملكوت السماء رجلا صنع عرسا لابنه , فأرسل عبيده ليدعوا المدعوين إلى العرس ~~, فلم يريدوا أن ياتوا , ثم أرسل عبيدا آخرين وقال : قولوا المدعوين : إن ~~طعا مي معد , وعجولي المعلوفة قد ذبحت وكل شيء معد , فتعالوا إلى العرس , ~~فتكاسلوا وذهبوا فمنهم إلى حقله ومنهم إلى تجارته والبقية أمسكوا عبيده ~~وشتموهم وقتلوهم , فلما أبلغ الملك غضب وأرسل جنده واهلك هؤلائك القتله ~~واحرق مدينتهم ؛ حينئذ قال لعبيده : أما العرس فمستعد , والمدعوون فغير ~~مستحق , اذهبوا إلى مسالك الطريق وكل من وجدوا أشرارا وصالحين , فامتلأ ~~العرس من المتكئين , فلما دخل الملك لينظر إلى المتكئين , فلما دخل الملك ~~لينظر إلى المتكئين رأى هناك رجلا ليس عليه ثياث العرسفقال : يا هذا ! كيف ~~دخلت هاهنا وليس عليك ثياب العرس ؟ فسكت , حينئذ قال الملك للخدام : شدوا ~~يديه ورجليه وأخرجوه إلى الظلمة البرانية , هناك يكون البكاء وصرير الأسنان ~~, ما أكثر المدعوين وأقل المنتخبين وعبارة لوقا عن ذلك : إنسان صنع وليمه ~~عظيمه ودعا كثيرا فأرسل عبده يقول للمدعوين يأتون فهو ذا كل شيء معد , ~~فبدؤوا بأجمعهم يستعفون , فالأول قال : قد اشتريت كرما والضرورة تدعوني إلى ~~الخروج ونظره , فاسألك أن تعفني فما أجيء , وقال آخر : قد اشتريت خمسة ~~أزواج بقر وأنا ماض أجربها , أسألك أن تعفيني فما أجيء ms1740 , وقال آخر : ~~PageV03P128 قد تزوجت امرأة , لأجل ذلك ما أقدر أجي , فاتي العبد وأخبره ~~سيده , فحينئذ غضب رب البيت وقال لعبده : اخرج مسرعا إلى الطريق وشوارع ~~المدينة وادع المساكين والعور والعميان والمقعدين , اخرج إلى الطريق ~~والسياجات وألح عليهم حتى يدخلوا ويمتلئ بيتي ولا أجد من هؤلائك يذوق لي ~~عشاء . | وقال يوحنا : الحق اقول لكم ! إن من لا بدخل من الباب إلى حظيرة ~~الخراف , بل يتسور من موضع آخر فإن ذلك لص , الذي يدخل من الباب هو راعي ~~الخراف , والبواب يفتح له , ولاخراف تسمع له , وكباشه تتبعه لأنها تعرف ~~صوته , والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف , فأما الآخر الذي ليس براع ~~وليست الخراف له , فإذا راى الذئب قد اقبل يدع الخراف ويهرب , فيأتي الذئب ~~ويخطف ويبدد الخراف , وإنما يهرب الأجير لأنه مستأجر وليس وليس يشفق على ~~الخراف أنا الراعي الصالح , ولي كباش أخر ليست من هذا القطيع , فينبغي لي ~~أن ىتي بهم ايضا فتكون الرعية واحدة , فوقع ايضا بين اليهود خلف ليست من ~~هذا القطيع , فينبغي لي أن آتي بهم ايضا إن به شيطانا قد جن , فما استماعكم ~~منه ! وقال آخرون : إن هذا القول وقا كثير منهم : وفي اوائل السيرة ~~الهشامية : قال ابن إسحاق : وقد كان فيما بلغني عما كان وضع عيسى ابن مريم ~~فيما جاءه من الله في الإنجيل من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ~~أثبت يحنس الحواري لهم حين نسخ لهم الإنجيل إنه قال : من أبغضني فقد أبغض ~~الرب , ولولا أني صنعت بحضرتهم صنائع لمن يصنعها أحد قبلي ما كانت لهم ~~خطيئة , ولكن من الآن بطروا وظنوا أنهم يعزوني وأيضا للرب , ولكن لابد من ~~أن تتم الكلمة التي في الناموس أنهم ابغضوني مجانا - أي باطلا , فلو قد جاء ~~المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب روح القدس , هذا الذي ~~يرسله الله إليكم من عند الرب روح القدس , هذا الذي من عند الرب خرج , فهو ~~شهيد علي وأنتم أيضا لأنكم قديما كنتم معي , هذا قلت لكم ms1741 لكيما لا تشكو . | ~~فالمنحمنا بالسريانية محمد , وهو بالرومية البارقليطس - انتهى . | ولما دل ~~سبحانه صلى الله عليه وسلم بأوصاوفه في نفسه وفي الكتب الإلهيه , دل عليه ~~بشريعته فقاال : { بأمرهم بالمعروف } أي بكل ما يعرفونه من التوراة ~~والإنجيل وما يعرفونه فيهما أنه ينسخ شرعهم ويأتي من عند الله بهذا المذكور ~~{ وينهاهم عن المنكر } اي عن كل ما ينكرونه فيهما , فثبت بذلك رسالته , ~~فأنه لكونه أميا لا يعرف المعروف والمنكر فيهما إلا وهو صادق عن علام ~~الغيوب , ثم شرع بعد ثبوت رسالته يبين لهم ما في رسالته من المنة عليهم ~~بالتخفيف عنهم بإباحة ما كانوا قد حملوا ثقل تحريمه , فكانوا لا يزالون ~~يعصون الله بانتهاك حرماته والإعراض عن تبعاته فقال : { ويحل لهم الطيبات } ~~أي التي كانت حرمت عليهم عقوبة لهم كالشحوم { ويحرم عليهم } وعبر بصيغة ~~الجموع إشارة PageV03P129 إلى أن الخبيث أكثر من الطيب في كل مائي الأصل ~~فقال : { الخبائث } أي كل ما يسنخبثه الطبع السليم أو يؤدي إلى الخبث ~~كالخمر المؤدية إلى الإسكار والشى المؤدية إلى النار بعد قبيح العار { وضع ~~عنهم إصرهم } اي ثقلهم الذي كان حمل عليهم فجعلهم لثقلة كالمحبوس الممنوع ~~من الحركة { والأغلال التي كانت عليهم } أي جميع ماحملوهمن الأثقال التي هي ~~لثقلها وكراهة النفوس لها كالغل الذي يجمع اليد إلى العنق فيذهب القوة { ~~فالذين آمنوا به } اي اجدوا بسببه الأمان من التكذيب بشيء من آيات الله { ~~وعزروه } أي منعوه من كل من يرده بسوء وقووا يده تقوية عظيمة على كل من ~~يكيده : قال القاموس : والتعزير : ضرب دون الحد أو هو أشد الضرب , والتفخيم ~~والتعظيم ضد , والإعانة كالعزر والتقوية والنصر - انتهى . | وقال عبد الحق ~~: العزر : النمع , تقول : عزرت فلانا عن كذا , أي منعته - انتهى فالمادة ~~كلها تدور على هذا المعنى والضرب واضح فيه التعظيم وما في معنها منع من ~~يكيده { ونصروه } أي أيدوه وقمعوا مخالفة { واتبعوا النور } أي الوحي ~~المقتدي به بيان طريق الحق كالماشي في ضوء النهار { اولئك هم } أي خاصة { ~~المفلحون * } اي الفائزو بكل مأمول ولما تراسلت الآي ms1742 وطال المدى في اقاصيص ~~موسى عليه السلام وبيان مناقبه العظام ومآثره الجسام , كان ذلك ربما أوقع ~~في بعض النفوس أنه أعلى المرسلين منصبا واعظمهم رتبة , فساق سبحانه هذه ~~الآيات هذا السياق على هذا الوجه الذي بين أن أعلاهم مراتب وأزكاهم مناقب ~~الذي خص برحمته من يؤمن به من خلقه قوة أو فعلا , وجعل سبحانه ذلك في أثناء ~~قصة بني إسرائيل اهتماما به وتعجيلا له مع ما سيذكرمما يظهر أفضليته ويوضح ~~اكمليته بقصة مع قومه في مبدإ أمره وأوسطه ومنتهاه في سورتي الأنفال وبراءة ~~بكمالها . | ذكر شيء من الآصار التي كانت عليهم وخففت عنهم لو دخلوا في ~~الإسلام ببركة صلى الله عليه وسلم غير ماأسلفته في آخر البقرة عند قوله ~~تعالى < # > 77 ( { ولا تحمل علينا إصرا } ) 77 < # > [ البقرة : 286 ] وفي المائدة عند قوله تعالى < # > 77 ( { وليحكم أهل الإنجيل } ) 77 < # > [ المائدة : 47 ] قال في السفر الثاني من التوراة : وقال الرب لموسى : ~~اعمد فخذ طيبا - - إلبى أن قال : وليكن مجونا طيبا للقدس ودقة واسحقه وبخر ~~منه قداق تابوت الشهادة في قبة الزمان لأوعدك إلى هناك , ويكون عندكم طهرا ~~مخصوصا , وأيما رجل اتخذ مثله ليتبخر به فليهلك ذلك الرجل من شعبه ؛ وقال ~~الثالث : ثم كلم الرب موسى قال له ؛ كلم هارون وبنيه وجماعة بني إسرائيل ~~وقل لهم ؛ هذا ما أمرني به الرب ان أخبركم , أي رجل من بني PageV03P130 ~~إسرائيل يذبح في محلة بني إسرائيل أو يذبح خارجا من العسكر ولا يجيء ~~بقربانه إلى باب قبة الزمان ليقربه يعاقب ذلك الرجل عقوبة من قتل قتيلا ؛ ~~وكلم الرب موسى وقال له : كلم هارون وقل له : من كان عيب من نسلك - أي من ~~الأحبار - في جميع الأحقاب لا يدنو من مقدسي , لا يقرب قربانا مثل الرجل ~~الأعراج والأعمى والأفطس والأصمع الأذن أو رجل مسكور اليد أو رجل قيصر أو ~~منحن أو رجل له أاشتر حاجباه أو أجهر العين أو من في عينه بياض أإو أبرص أو ~~أحدب أو رجل له خصية واحدة , أي رجل كان فيه عيب ms1743 من نسل هارون الكاهن لا ~~يدنو من المذبح ليقرب قربان الرب لأن فيه عيبا ؛ وقال في السفر الرابع ~~وهومن الحجج على أن التوراة لم ينزل جملة : وكلم الرب موسى في برية سيناء ~~في السنة الثانية لخروج بني إسرائيل من مصر في الشهر الأول وقال : وعملوا ~~الفصح , والقوم الذين تنجسوا بأنفس الناس لم يقدروا أن يعملوا الفصح فقالوا ~~: قد تنجسنا بأنفس الناس , أي مسسنا ميتا , فهل يحرم علينا عمل الفصح ؟ ~~فقال لهم موسى : قوموا في مواضعكم حتى تسمعوا ما يأمر الرب فيكمم , وكلم ~~الرب موسى وقال له : قل لهم : الرجل إذا تنجس منكم لميت أو كان في مكان ~~بعيد يعمل فصحا للرب في أربعة عشر يوما من الشهر الثاني , ومن كان زكيا ولم ~~يكن مسافرا ولم يعممل الفصح في وقته تهلك تلك النفس من بين بني إسرائيل , ~~وقال قبل ذلك : وكلم الرب موسى وقال له : مر بني إ ‘ سرائيل أن يخرجوا من ~~عسكرهم كل من به برص أو سلس وكل من كان نجسا بنفسه ذكرا كان أو أنثى , ~~يخرجونهم خارج العسكر , ولا تنجسوا عساكركم لأني نازل بينكم ؛ ثم ذكر : ~~الرجل إذا غار على امرأته واتهمها , إنه يأتي الكاهن فيقيمها ويلقنها لعنا ~~, فإذا قالته كتبه وأخذ ماء مقدسا في وعاء فخار ووضع فيه من الترب الذي ~~أسفل المذبح وسقاه لها , فإن كانت خانت انتفخ بطنها وفسد فخذاها وتصير لعنة ~~في شعبها , وإن كانت لم تخن تطهرت وولت ذكرا , ثم أمرهم بذبح بقرة وإحراقها ~~حتى تصير رمادا , ويغسل الحبر الذي ذبحها ثيابه ويديه , فكل من يقترب ~~إلىميت أو ميته يكون نجسا سبعة أيام , وينضح عليه من ذلك الماء في اليوم ~~الثالث واليوم السابع ويتطهر , وإن لم يرش عليه كذلك فلا يتطهر , وكل من ~~دنا من إنسان ميت ولا ينضح عليه من ذلك الماءفقد نجس جناب الرب , فلتهملك ~~تلك النفس لأنه لم ينضج عليه من ماء الرش شيء , فلذلك يكون نجسا ولا يفارقه ~~نجاسته , وهذه سنة الإنسان إذا مات في قبة الزمان , فكل من ms1744 كان هناك في ~~القبة وكل من يخلها يكون نجسا سبعة أيام , وكل وعاء يكون مكشوفا غير مغطى ~~نجسا , وكل من دنا من PageV03P131 قتيل أو يمس عظم إنسان أو يدخل القبر ~~يكون نجسا سبعة أيام ويؤخذ للمنتخبين من رماد البقرة ويصيب في وعاء ماء عذب ~~وينضح منه - على كيفية ذكرها - ليكون زكيا , ومن تنجس ولم يرش عليه من ذلك ~~الماء تهلك نفسه من جماعتها , ومن دنا ماء الرش يكون نجسا إلى الليل , ومن ~~اقترب إلى ذلك الذي تنجس يكون نجسا إلى الليل ثم قال : ثم كلم الرب موسى ~~وقال له : مر بني إسرائيل وقل لهم : قرابتي يكون محفوظة في أوقاتها - ثم ~~ذكر له كثيرا من أمر القرابين , ثم ذكر من أوقاتها يوم السبت ورؤوس الشهور ~~, ثم قال : وفي اربع عشرة ليلة من الشهر الأول هو فصح الرب , ويوم خمسة عشر ~~اتخذوه عيدا وكلوا الفطير سبعة أيام , وصيروا أول يوم من السبعة مميزا ~~مطهرا لا تعملوا فيه عملا , واليوم السابع يكون مميزا مطهرا لا تعملوا فيه ~~عملا وأول يوم من الشهر السابع يكون مختصا مطهرا , لا تعلموا فيه عملا مما ~~يعمل , بل صيروه يوما يهتف فيه بالقرون , وقربوا ذبائح كاملة - ثم وصفها ~~وكذا غيره من الأيام ثم قال : وكذلك فافعلوا في اول الشهر أبدا , وفي عشر ~~من الشهر السابع اجعلوه يوما مختصا , مطهرا لا تعلموا فيه عملا , ولكن ~~قربوا , ويوم خمسة عشر من هذا الشهر السابع , ويكون مدعوا , لا تعملوا فيه ~~عملا , بل اتخذوه عيداللرب سبعة أيام ؛ ثم قال : حتى إذا كان اليوم الثامن ~~فاختلفوا بأجمعكم , ولا تعملوا شيئا مما يعمل بها في غاية المشقة ؛ ثم قال ~~قربوا للب في أيام أعيادكم غير نذوركم وغير خواصكم التي يختصون للرب ؛ ثم ~~قال مخاطبا للمجاهدين في مدين : واما أنتم فانزلوا خارجا من العسكر سبعة ~~أيام , كل من قتل نفسا أو مس قتيلا ينضح عليه من ماء التطهير في الثالث ~~والسابع - وأمرهم بأشياء من الآصار ثم قال : وتطهروا بالماء في اليوم ~~السابع , ثم بعد ذلك ms1745 تدخلون العسكر ؛ ثم قال في الخامس : هذه السنن ~~والأحكام التي يجب عليكم ان تعملوها وتحفظوها في الأرض التي يعطيكم الله ~~ربكم ميراثا كل أيام حياتكم , خربوا كل البلدان التي ترثونها , والآلهة ~~التي عبدها اهلها فيها على الجبال الرفيعة والآكام وتحت كل شجرة كبيرة تظل ~~, واستأصلوا مذابحهم وكسروا أنصابهم , واحرقوا أصنامهم المصنوعة وأثانهم ~~المنحوته , ولا تصنعوا أنتم مثل ما صنع أولئك في عبادتكم الله ربكم , / ~~ولكن المواضع التي يختار الله ربكم أن تصيروا اسمه فيها من جميع قبائلكم , ~~وافجصوا عن محتله , وانطلقوا بجمعكم بقرابينكم الكاملة , كلوا هناك أمام ~~الله ربكم أنتم وأهاليكم , ولا تعكلوا كما يعمل هاهنا اليوم أي قبل الوصول ~~إلى أرض الميراث ؛ ثم قال : انظروا لا تقربوا قرابينكم في المواضع التي ~~تريدون , لكن في المواضع الذي يختار الرب , في حد PageV03P132 سبط من ~~اسباطكم ؛ ثم قال : وإذا بينت بيتا جديدا فحجر على البيت لئلا يقع إنسان من ~~فوقه فليلزمك دمه , ولا تزرعن في حرثك خلطا لئلا تفسد غلة زرعك وكرمك , لا ~~تحرث بالثور والحمار جميعا , ولا تنسج ثوبا من قطن وصوف جميعا , اعمل خيوطا ~~في اربعة أطراف ردائك الذي تلبس ؛ ثم قال : وإن وجد رجل فتاة عذراء لم تملك ~~, فيظفر بها ويضاجعها ويوجد , يدفع إلى أبيها خمسين مثقالا من فضة , وتصير ~~امرأته لأنه فضحها , ولا يقدر أن يطلقها ختى تموت . | ولا يدخل ولد الزنا ~~إلى بيت الرب , ولا يدخل نسلهما من بعدهما إلى عشرة أحقاب , لأنهم اكتروا ~~بلعام بن بعور من فتورام من وقلب الله لعنة إلى الدعاء , لأن الله ربكم ~~أحبكم , فلا تريدون لهم الخير أيام حياتكم لا تدفعوا الأدومي عنكم لأنه ~~أخوكم , ولا تعبدوا المصري أيضا لأنكم كنتم سكانا بأرض مصر , وإن كان في ~~معسكركم رجل أصابته جنانة , يخرج خارج العسكر , ولا يجلس بين أصحابه في ~~العسكر , وليكن لكم موضع معروف خارج العسكر تخرجون إليه الخلاء , ويكون على ~~سلاحكم وتد من حديد , فإذا جلستم للخلاء احفروا موضعا للخلاء وغطوا رجيعكم ~~, لأن الله ربكم معكم في العسكر لينقذكم ويدفع ms1746 عنكم عنكم ولا يصحبكم ؛ ثم ~~قال : وإن سكن أخوان جميعا ومات أحدهما ولم يخلف ولدا , لئلا يبيد اسمه من ~~بني إسرائيل , وإن لم يعجب الرجل أن يتزوج امرأة أخيه , ترتفع امرأة اخيه ~~إلى المشيخة فيدعونه , فإن ثبت على قوله تتقدم إليه المرأة بين يدي المشيخة ~~وتخلع خفيه من قدميه وتبصق في وجهه وتقول : كذلك يصنع بالرجل الذي لا يحب ~~أن يبني بيتا لأخيه , ويدعي اسمه بين بني إسرائيل : صاحب خلع الخفين , وإن ~~شاجر الرجل صاحبه فدنت امرأة أحدهما لتخلص زوجها من الذي يقاتله , فتمد ~~يدها إلى مذاكير الرجل , يقطع يدها ولا يشفق عليهما ولا يترحم - انتهى . | ~~وكل هذه الآصار على النصارى أيضا ما لم يرد في الإنجيل نسخها . | < < # | الأعراف : ( 158 - 159 ) قل يا أيها . . . . . # > > ^ ( قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات ~~والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي ~~يؤمن بالله PageV03P133 وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون * ومن قوم موسى أمة ~~يهدون بالحق وبه يعدلون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص من جواهر أوصاف هذا النبي ~~الكريم حثا على الإيمان به وإيجابا له على وجه علم منه أنه رسول الله إلى ~~كل مكلف تقدم زمانه أو تأخرا ؛ أمره سبحانه ان يصرح بما تقدم التلويح إليه ~~, ويصرح بما اخذ ميثاق الرسل عليه تحقيقا لعموم رسالته وشمول دعوته فقال : ~~{ قل } وأتى باداة البعد لأنه محلها { يأيها الناس } وقد مضى في الأنعام أن ~~اشتقاقهم من النوس , وأن الإمام السبكي قتا : إن ذلك يقتضي دخول الجن ~~والكملائكة فيهم . | وتقدم عند { ولا تبخسوا الناس أشياءهم } في هذه السورة ~~ما ينفع هنا { إني رسول الله } أي الذي له جميع الملك { إليكم جميعا } أي ~~لا فرق بين أدركني ومن تاخر عني اوتقدم علي في ان الكل يشترط عليهم الإيمان ~~بي والاتباع لي ؛ وهذا المراد بقوله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان ~~وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه حين رفع إليه الذراع فنهش ms1747 منها فقال : ( ~~أنا سيد الناس يوم القيامة ) وللدرامي في اوائل مسنده عن جابر رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أنا قائد المرسلين ولا فخر , وأنا خاتم ~~النبيين ولا فخر , وانا أول شافع وأول مشفع ولا فخر ) وللترمذي في المناقب ~~عن أنس رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ؛ ( أنا أول الناس ~~خروجا إذا بعثوا , وانا قائدهم إذا فدوا , وانا خطيبهم إذا أنصتوا , وأنا ~~مستشفعهم إذا حبسوا , وأنا مبشرهم إذا ايسوا لواء الحمد يومئذ بيدي , وأنا ~~أكرم ولد على ربي ولا فخر ) وقال حديث حسن غريب , وله في المناقب أيضا عن ~~أبي بن كعب رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ألا ! وأنا ~~حبيب الله ولا فخر , وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامه تحته آدم فمن دونه ~~ولا فخر , وأنا أول شافع وأول مشفع يوم القيامه ولا فخر , PageV03P134 وانا ~~أكرم الأولين والآخرين ولا فخر ) وللترمذي وقال : حسن - عن أبي سعيد الخدري ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أنا سيد ولد آدم يوم ~~القيامه ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر , وما من نبي يومئذ آدجم فمن ~~سواه إلا تحت لوائي ) الفخر : ادعاء العظمة والكبر والشرف , أي لا أقوله ~~تبججا , ولكن شكرا وتحديثا بالنعمة ؛ وما اجتمع بهم في مجمع إلا كان إمامهم ~~قبل موته وبعده , اجتمع بهم ليلة الإسراء في بيت المقدس فصلى بهم إماما , ~~ثم اجتمع بهم في السماء فصلى بجميع أهل السماء إماما , وأما يوم الجمع ~~الأكبر والكرب الأعظم فيحمل الكل عليه ويؤمنون بالرسالة , وما أحال بعض ~~الكابر على بعض إلا علما منهم بان الختام يكون به . | ليكون اظهر للاعتراف ~~بامانته والانقياد لطاعته , لأن المحيل على المحيل على الشيء محيل على ذلك ~~الشيء , ولو أحال أحد ممن قبل عيسى عليه السلام لطرقه احتمال , والحاصل أنه ~~صلى الله عليه وسلم يظهر في ذلك الموقف رسالته بالفعل غلى الخلق كافة , ~~فيظهر سر هذه الآية { الذين يتبعون الرسول } والله ms1748 الموفق . | ولما دل ~~بالإضافة إلى اسم الذات الدال على جميع الصفات على عموم دعوته شمول رسالته ~~حتى للجن والملائكة , أيد ذلك بقوله : { الذي له } أي وحده { ملك السموات ~~والأرض } ولما كان مما بالغة في الدنيا انه ربما في مملكة الملك من يناظره ~~أو يقرب منه من ولي عهد أو نحوه , فربما رد بعض امره في صورة نصح أو غيره ؛ ~~نفي ذلك بقوله مبينا تمام ملكه : { لا إله إلاهو } أي فالكل منقادون لأمره ~~خاضعون له , لأنه لا موجود بالفعل ولا بالإمكان من يصلح للإلهية سواه , ؛ ~~ثم علل ذلك بقوله { يحيي ويميت } أي له هاتان الصفتان مختصا بهما , ومن كان ~~كذلك كان منفردا بما ذكر , وإذا راجعت ما يأتي إن شاء الله تعالى في اول ~~الفرقان مع ما مضى في اوائل الأنعام , لم يبق عندك شك في دخول الملائكة ~~عليهم السلام في عموم الدعوة ولما تقرر انه لا منازع له , تسبب عن ذلك ~~توجيه الأمر بالانقياد لرسوله فقال : { فآمنوا بالله أي لما ثبت له من ~~العظمة والإحاطة بأوصاف الكمال وبكل شيء فإن الإيمان به أساس لا ينبني شيء ~~من الدين إلا عليه . | PageV03P135 ولما كان اقرب الفروع الأصلية إليه ~~الرسالة قال : { ورسوله } أي لأنه رسوله ؛ ثم وصفه بما دل على قربه فثقال : ~~{ النبي } أي الذي يخبره بما يريد من الأمور العظيمة غبيا وشهادة , ويعليه ~~عن كل مخلوق بإخباره بإرساله ؛ ولما كان علوه على كل عالم - مع أنه ثم ~~يتعلم من آدمي - أدل شيء على صدقه قال : { الأمي } أي الذي هو - مع كونه لا ~~يحسن كتابه ولا قراءة , بل هو على الفطرة الأولى السليمة التي لم يخالطها ~~هوى , ولا دنسها حظ ولا شهوة - بحيث يؤم ويقصد للاقتداء به , لما حوى من ~~علوم الدنيا والآخرة والتخلق باوصاف الكمال ولما أشارة بهذه الصفة إلى أن ~~سبب الإيمان الخلاص من الهوى بالكون على الفطره الأولى , قال منبها على ~~وجوب الإيمان به , لكونه أول فاعل لما يدعو إليه : { الذي يؤمن بالله } أي ~~لأجل ما يقتضية ذاته سبحانه من ms1749 التعبد له لما له من العظمة , فكلما تجدد له ~~علم الذات بحسب ترقية في رتب الكمال من رتبة كاملة إلى اكمل منها إلى ما لا ~~نهاية له , جدد له إيمانا بحسبه , لا تعتريه غفلة ولا يخالطه سهو ولا شائبة ~~فتور { وكلماته } كذلك أيضا , كلما تجدد له علم بصفة منها جدد لها إيمانا , ~~ومنها المعجزات التي جرت على يديه , كل واحدة منها كلمة لأن ظهور بالكمة , ~~كما سمى عيسى عليه السلام كلنة لذلك . | ولما تقرر أنه امتثل ما أمر به , ~~فثبتت بذلك رسالته , استحق أن يكون قدوة فقال ( { واتبعوه } أي في كل ما ~~يقول ويفعل مما ينهى عنه أو يأمر به أو ياذن فيه { لعلكم تهتدون * } أي ~~ليكون حالكم حال من يرجى له حصول ما سأل في الفاتحة من الاهتداء , أي خلق ~~الهداية في القلب مع دوامه ولما كثر عد مثالب إسرائيل , وختم بتخصيص المتبع ~~لهذا النبي الكريم بالهداية والرحمة المسببة عنها , وكان فيهم المستقيم على ~~ما شرعه له ربه , المتمسك بما لزمه أهل طاعته وحزبه , سواء كان من صفات ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو غيرهما , مع افذعان لذلك كله ؛ نبه عليه عائدا ~~إلى تتميم أخبارهم , ثم ما وقع في ايام موسى عليه السلام وبعدها بعده من ~~ادله < # > 77 ( { سأصرف عن آياتي } ) 77 < # > [ الأعراف : 146 ] فقال تعالى عاطفا على < # > 77 ( { واتخذ قو موسى من بعده } ) 77 < # > [ الأعراف : 148 ] { ومن قوم موسى أمه } أي قوم يستحقون أن يؤموا لأنهم ~~لا يتكبروا في الأرض بغير الحق , بل { يهدون } اي يوقعون الهداية وهي ~~البيان { بالحق وبه } أي خاصه { يعدلون * } أي يجعلون القضايا المختلفة ~~المتنازع فيها PageV03P136 معادلة الرضى بها , لا يقع منهم جور في شيء منها ~~, ومنهم الذين اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن سلام وخيريق ~~رضي الله عنهما | < < # | الأعراف : ( 160 - 163 ) وقطعناهم اثنتي عشرة . . . . . # > > ^ ( وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه ~~قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس ~~مشربهم وظللنا ms1750 عليهم الغمام وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون * وإذ قيل لهم اسكنوا هذه ~~القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم ~~خطيئاتكم سنزيد المحسنين * فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم ~~فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء بما كانوا يظلمون * وسئلهم عن القرية التي ~~كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم ~~لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون ) ^ } ) | ولما مدحهم , ~~شرع يذكرهم شيئا مما اسبغ عليهم من النعم لجل هؤلاء المهتدين من التكثير بع ~~القلة والإعزاز بعد الذلة بجعلهم ممن يؤم استعطافا لغيرهم , ويذكر بعض ~~عقوباتهم ترهيبا فقال : { وقطعناهم } أي فرقنا بينهم بالأشخاص بعد ان كانوا ~~ماء واحدا من شخص واحد , وهو إسرائيل عليه السلام ؛ وصرح بالكثرة بعد أن ~~لوح بها بالتقطيع بقوله : { اثنتي عشرة } وميزه - موضع المفرد الذي هو مميز ~~العشرة - بالجمع للأشارة إلى ان كل سبطيشتمل لكثرته على عدة قبائل بقولة : ~~{ أسباطا } والسبط - بالكسر : ولد الولد , والقبيلة من اليهود , وهذه ~~المادة تدور على الكثرة والبسط ؛ وبين ععظمتهم وكثرة انتشارهم وتشعبهم ~~بقوله : { أمما } أيهم أهل لن يقصدونهم الناس لما لهم من الكثرة والقوة ~~والدين , أو أن كل أمة منهم تؤم خلاف ما تؤمه الأخرى من غيرهم دينا ولما ~~وصفهم بهذه الكثؤرة , وكان ذلك مجرى لذكر الإنعام عليهم بالكفاية في الكل ~~والشرب , ذكر نعمة خارقة للعادة في الماء , وبدأ به لأنه الأصل في الحياة , ~~وهي من نوع تقسيمهم من نفس واحدة مشيرة إلى ظلمتهم وإسراعهم في المروق فقال ~~: { واوحينا إلة موسى إذ } أي حين { استسقاه قومه } أي طلبوه منه برية لا ~~ماء بها أن يسقيهم , وذلك في التيه , والتعبير بالقوم إشارة إلى تبكيتهم ~~بكونهم أهل قوة ولم يتاسوا بموسى عليه السلام في الصبر إلى أن يأتي الله ~~الذي امرهم بهذا المسير بالفرج , بل PageV03P137 طلبوا منه ذلك عاى الوجه ~~المذطور في البقرة من إظهار القلق والدمدمة { أن اضرب ms1751 بعصاك } أي التي ~~جعلهنا لك آية وضربت بها البحر فانفلق { الحجر } أي أي حجر أردته من هذا ~~الجنس ؛ وبين سبحانه سرعة امتثال موسى عليه السلام التأثر عن ضربه بحذف : ~~فضربه , وقوله مشيرا : { فانبجست } أي فانشقت وظهرت ونبعت , وذلك كاف في ~~تعنيفهم وذمهم على كفرهم بعد المن به , وهذا السياق الذي هو لبيان إسراعهم ~~في المروق هو لا ينافي أن يكون على وجه الانفجار , ويكون التعنيف حينئذ أشد ~~{ منه اثنتا عشرة عينا } على عدد السباط , وأشار إلى شدة تمايزها بفوله ؛ { ~~مشربهم } ولما لم يتقدم للأكل ذكر ولا كان هذا سياق الامتنان , لم يذكر ما ~~اتم هذه الاية به في البقرة ولما ذكر تبريد الأكباد بالماء , أتبعه تبريدها ~~بالظل فقال : { وظللنا } أي في التيه { عليهم الغمام } أي لئلا يتأذوا ~~بالشمس ؛ ولما أتم تبريد الأكباد , اتبعه غذاء الجساد فقال : { وانزلنا ~~عليهم المن } أي خبرا { والسلوى } أي إداما ؛ وقال السؤال بن يحي : وهوطائر ~~صغير يشبه السماني , وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية , يموت إذا ~~سمع صوت الرعد كما ان الخطاف يقتله البرد , فليهمه الله عز وجل أن يسكن ~~جزائر البحر التي لا يكون بها مطر ولا رعد إلى انفصال أوان المطر والرعد , ~~فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض ولما ذكر عظمته في ذلك نتيجته فقال : { ~~كلزا من طيبات ما رزقناكم } اي بصفة العظمة القاهرة لما نريد مما لم ~~تعالجوه نوع معالجة , ودل على أنهم قابلوا هذا الإحسان بالطغيان والظلم ~~والعدوان بقوله عطفا على ما تقديره : فعدلوا عن الطبيات المأذون فيها , ~~واكلوا اخبائث التي حرمناها عليهم بالاصطياد يوم السبت - كما ياتي وفعلوا ~~غير ذلك من المحرمات , فظلملوا أنفسهم بذلك : { وما ظلمونا } أي بشيء مما ~~قابلوا فيه الإحسان بالكفران { ولكن كانوا } أي دائما جبلة وطبعا { انفسهم ~~} أي خاصة { يظلمون * } وهو - مع كونه من أدلة { سأصرف عن آياتي } الآية - ~~دليل على صحة وصف هذا الرسول بالنبي , فإن من علم هذه الدقائق من اخبارهم ~~مع كونه أميا ولم يخلط أحدا من أخبارهم , كان صادقا عن علام الغيوب ms1752 من غير ~~مؤيد وكذا ما بعده ولما ذكر ما حباهم في القفار , أتبعه إنعامه عليهم عند ~~الوصول غلى الدار فقال : { وإذا } أي اذكر لهم هذا ليصدقوك أو يصيروا في ~~غاية الظلم كأصحاب السبت فيتو قعوا مثل عذابهم , واذكر لهم ما لم تكن حاضره ~~ولا اخذته عنهم , وهو وقت إذ , وعدل عن الإكرام بالخطاب ونو العظمة , لأن ~~السياق للأسراع في الكفر فقال : { قيل لهم PageV03P138 اسكنوا } أي ادخلوا ~~مطمئنين على وجه الإقامة , ولا يسمى ساكنا إلا بعد التوطن بخلاف الدخول , ~~فإنه يكون بمجرد الولوج في الشيء على أي وجه كان { هذه القرية } فهو دليل ~~آخر على الأمرين : الصرف والصدق ؛ وعبر هنا بالمجهول في { قيل } إعراضا عن ~~تلذيذهم بالخطاب إيذانا بأن هذا السياق للغضب عليهم بتساقطهم في الكفر ~~وإعراضهم عن الشكر , من اي قائل كان وبأي صيغة ورد القول وعلى أي حالة كان ~~, وإظهار للعظمة حيث كانت , أ ] نى إشارة منه كافية في سكناهم في البلاد ~~واستقرارهم فيها قاهرين لأهلها الذين ملؤوا قلوبهم هيبة حتى قالوا < # > 77 ( { إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها } ) 77 < # > [ المائدة : 24 ] ولما خلت نعمة الأكل في هذا السياق عما دعا إليه سياق ~~البقرة من التعقيب وهو الاستعطاف , ذكرت بالواو الدالة على مطلق الجمع , ~~وهي لا تنافي تلك , فقال : { وكلوا منها } أي القرية { حيث شئتم } وأسقط ~~الرغد لذلك , وقدم { وقولوا حطة } ليكون أول قارع للسمع مما أمروا به من ~~العبادة مشعرا بعظيم ما تحملوه من الآثام إيذانا بما سقيت له هذه القصص في ~~هذه السورة المقام . | ولما أمروا بالحطة قولا , أمروا أن يشفعوها بفعل , ~~لتحط عنهم ذنوبهم , ولا ينافي التقديم هنا التأخير في البقرة , لأن الواو ~~لا ترتب , فقال : { وادخلوا الباب } اي باب بيت المقدس حال كونكم { سجدا ~~نغفرلكم } ولما كان السياق هنالبيان إسراعهمفي الكفر , ناسب ذلك جمع الكثرة ~~في قوله : { خطاياكم } في قؤاءة أبي عمرو , واما قراءة ابن عامر { خطيتكم } ~~بالإفراد وقراءة غيرهما { خطاياكم } جمع قلة فللإشارة إلى إنها قليل في جنب ~~عفوة تعالى , وكذا بناء { تغفر ms1753 } للمجهول تأنيثا وتذكيرا , كل ذلك ترجيه ~~لهم واستعطافا إلى التوبة , ولذلك ساق سبحانه مابعده مساق السؤال لمن كانه ~~قال : هذا الرجاء قد حصل , فهل مع مع المغفرة من كرامة ؟ فقال : { سنزيد } ~~أي بوعد لا خلف فيه عن قريب , وهو لا ينافي إثبات الواو في البقرة { ~~المحسنين * } أي العريقين في هذا الوصف , وللسياق الذي وصفت قيد قوله : { ~~فبدل الذين ظلموا } بقوله : { منهم } لئلا يتوهم أنهم من الدخلاء فيهم { ~~قولا غير الذي } ولما كان من المعلوم ان القائل من له إلزامهم , بناه ~~للمجهول فقال : { قيل لهم } وقال : { فأرسلنا } أي بما لنا من العظمة { ~~عليهم } بالإضمار تهويلا لاحتمال العموم بالعذاب { رجزا من السماء } ولفظ ~~الظلم - في قوله : { بما كانوا يظلمون * } بما يقتضيه من أنهم لا ينفكون عن ~~الكوتن في الظلام إما مطلقا وإما مع تجديد فعل فعل من PageV03P139 هو فيه - ~~من لفظ الفسق المقتضي لتجديد الخروج مما ينبغي الاستقرار فيه , كما أن لفظ ~~الإسال المعدي ب { على } كذلك بالنسبة إلى لفظ الإنزال ولما فرغ من هتك ~~أستارهم فيما عملوه أيام موسى عليه السلام وما يليها , أتبعه خزنا أشد مما ~~قبله , كان بعد ذلفك بمدة لا يعلمه أحد إلا من جهتهم أو من الله , وإذا ~~انتفى الأول ثبت الثاني , فقال : { وسئلهم } أي بني إسرائيل مبكتا لهم ~~ومقررا { عن القرية } اي البلد الجامع { التي كانت حاضرة البحر } أي على ~~شاطئه وهي أيله , ولعله عبر بالؤال , ولم يقل : وإذ تعدو القرية التي - إلى ~~آخره , ونحو ذلك , لأن كراهتهم للإطلاع على هذه الفضيحة اشد مما مضى , وهي ~~دليل على الصرف والصدق . | ولما كان السؤال عن خبر أهل القرية قال مبدلا ~~بدل اشتمال من القرية { إذ } أي حين { يعدون } أي يجوزون الحد الذي أمرهم ~~الله به { في السبت إذ } أي العدو حين { حيتانهم } إيماء إلى انها مخلوقة ~~لهم , فلو صبروا نالوها وهم مطيعون , كما في حديث جابر رضي الله عنه رفعه ( ~~بين العبد وبين رزقه حجاب , فإن صبر خرج إليه , وإلا هتك الحجاب ولم ينل ~~إلا ما قدر ms1754 له ) { يوم سبتهم } أي الذي يعظمونه بترك الاشتغال فيه بشيء غير ~~العبادة { شرعا } أي قريبة مشرفة لهم ظاهرة على وجه الماءبكثرة , جميع ~~شارعة وشارع أي دان { ويوم لا يسبتون } أي لا يكون سبت , ولعله عبربهذا ~~إشارة إلى أنهم لو عظموا الأحد على أنه سبت جاءتهم فيه , وهو من : سبتت ~~اليهود - إذا عظمت سبتها { لا تأتيهم } أي ابتلاء من الله لهم , ولو أنهم ~~صبروا أزال الله هذه العادة فاكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولما كان هذا ~~بلاء عظيما , قال مجيبا لسؤال من كأنه قال لشدة ما بهره من هذا الأمر : هل ~~وقع مثل هذا ؟ مشيرا إلى أنه وقع , ولم يكتف به , بل وقع لهم أمثاله لأظهار ~~ما في عالم الغيب منهم إلى عالم الشهادة : { كذلك } أي مثل هذا البلاء ~~العظيم { نبلوهم } أي نجدد اختيارهم كل قليل { بما } أي سبب ما { كانوا } ~~أي جبلة وطبعا { يفسقون * } أي يجددون في علمنا من الفسق , وهو الخروج ~~مماهو أهل للتوطن من الطاعات | < < # | الأعراف : ( 164 - 167 ) وإذ قالت أمة . . . . . # > > ^ ( وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا ~~شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون * فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا ~~الذين ينهون عن السوء وأخذنا PageV03P140 الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا ~~يفسقون * فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين * وإذ تأذن ~~ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع ~~العقاب وإنه لغفور رحيم ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما أخبر أن الفسق ديدنهم , أكده بقوله عطفا على < # > 77 ( { إذ يعدون } ) 77 < # > [ الأعراف 163 ] { وإذ } أي واسألهم عن خبرهم حين { قالت أمة منهم } أي ~~جماعة ممن يعتبر ويقصد من الواعظين الصالحين الذين وعظوا حتى أيسوا لأمة ~~أخرى منهم لا يقلعون عن الوعظ تخوفا للموعوظين بما ينجاوزن به { لم تعظون ~~قوما } أي معتمدين على قوتهم { الله } أي الذي له الملك كله { مهلكهم } أي ~~لا محالة لأنهم لا ينتهون عن الفساد ولا يتعظون بالمواعظ { أو معذبهم عذابا ~~شديدا ms1755 } أي بعظيم ما يرتكبوه وتماديهم فيه { قالوا } أي الأمة الأخرى من ~~الواعظين : وعظنا { معذرة إلى ربكم } أي المحسن إليكم بالحفظ عما وقعوا فيه ~~من الذنب والإقبال على الوعظ حتى إذا سئلنا عن أمرنا في عصيانهم نقول : ~~فعلنا في أمرهم جهدنا , هذا إن لم يرجعوا { ولعلهم يتقون * } أي وليكون ~~حالهم حال من يرجى خوفه لله فيرجع عن غيه ولما تراجعوا بهذا الكلام ليكون ~~زاجرا للعاصين فلم يرجعوا , أخبر أنه صدق ظنهم بإيقاع الأمرين معا : العذاب ~~الشديد والإهلاك فقال : { فلما نسوا ما ذككوا به } اي فعلوا في اعراضهم عنه ~~فعل الناسي وتركوه ترك المنسي , وهو أن الله لا يهملهم كما أن الإنسان لا ~~يمكن أن يهمل أحدا تحت يده , ليفعل ما يشاء من غير اعتراض { أنجينا } أيب ~~بعظمتنا { الذين ينهون } أي استمروا على النهي { بعذاب بئيس * } أي شديد ~~جدا { بما كانوا } أي جبلة وطبعلا { يفسقون * } أي بسبب استمرارهم على ~~تجديد الفسق ولما ذكر ما هددهم بهمن العذاب الشديد , أتبعه الهلاك فقال : { ~~فلما عتوا } أي تكبروا جلافة ويبسا عن الانتهاء { عن ما نهوا عنه } أي بعد ~~الأخذ بالعذب الشديد , وتجاوزوا إلى الاجتراء على جميع المعاصي عنادا ~~وتكبرا بغاية الوقاحة وعدم المبالاة , كان مواقعتهم لذلك الذنب وإمهالهم مع ~~الوعظ أكسبتهم ذلك وغلطت أكبادهم عن الخوف بزاجر العذاب , من عتا يعتو عتوا ~~- إذا قيل على الاثام , فهو عات , قال عبد الحق في كتابة الواهي : وقيل إذا ~~أقدم على كل اموره , ومنه هذه الآية , وقيل : العاتي هو المبالغ في ركوب ~~المعاصي , وقيل : المتمرد الذي لا ينفع فيه الوعظ والتنبيه , ومنه قوله ~~سبحانه < # > 77 ( { فعتوا عن أمر ربهم } ) 77 < # > [ الذاريات : 44 ] أي جاوزوا المقدار والحد في PageV03P141 الكفر - ~~انتهى . | وحقيقة : جاوزوا الأمر إلى النهي , أو جاوزوا الائتمار بأمره , ~~والمادة ترجع إلى الغلظ والشدة والصلابة { قلنا لهم } أي بما لنا من القدرة ~~العظيمة { كونوا قردة } أي في صورة القردة حال كونكم { خا سئين * } أي ~~صاغرين مطرودين بعدين عن الرحمة كما يبعد الكلب . | ولما تبين بما مضى من ~~جرأتهم على ms1756 المعاصي وإسراعهم فيها استحقاقهم لدوام الخزي والصغار , أخبر ~~أنه فعل بهم ذلك على وجه موجب للقطع بأنهم مرتكبون في الضلال , مرتكبون سيئ ~~الأعمال , ما دام عليهم ذلك النكال , فقال : { وإذ } وهو عطف على { وسئلهم ~~} أي واذكر لهم حين { تأذن } أي اعلم إعلاما عظيما جهرا معتنى به { ربك } ~~أي المربي لك والممهد لأدلة شريعتك والناصر لك على من خالفك . | ولما كان ~~ما قيل جاريا مجرى القسم , تلقى بلامه , فكان كانه قيل : تاذن مقسما بعزته ~~وعظمته وعلمه وقدرته : { ليبعثن } أي من مكان بعيد , وأفهم أنه بعث عذاب ~~بأداة الاستعلاء المفهمه لأن المعنى : ليسلطن { عليهم } أي اليهود , ومد ~~زمان التسليط فقال : { إلى يو القيامة } الذي هو الفيصل الأعظم { من يسومهم ~~} أي ينزظل بهم دائما { سوء العذاب } بالإذلال والاستصغار وضرب الجزية ~~والاحتقار , وكذا فعل سبحانه فقد سلط عليهم المم ومزقهم في الأرض كل ممزق ~~من حين أنكروا رسالة المسيح عليه السلام , كما اتاهم به الوعد الصادق في ~~التوارة , وترجمة ذلك موجودة بين أيديهم الآن في قوله في آخر السفر الأول : ~~لا يزول القضيب من آل يهودا , لا يعدم سبط يهودا ملكا مسلطا واتخاذه نبيا ~~مرسلا ختى ياتي الذي له الملك - وفي نسخة : الكل - وإياه تنتظر الشعوب , ~~يربط بالحلبة جحشه ؛ وقال السمؤال في اوائل كتابه غاية المقصود : نقول لهم ~~: فليس في التوارة التي في ايديكم ما تفسره : لا يزول الملك من آل يهودا ~~والراسم بين ظهرانيهم إلى أن يأتي المسيح فلا يقدرون على جحده , فنقول لهم ~~: إذا علمتم انكم كنتم اصحاب دولة وملك إلى ظهور المسيح ثم انقضى ملككم - ~~انتهى . | ومن أيام رسالة المسيح سلط الله عليهم الأمم ومزقهم في الأرض , ~~فكانوا مرة تحت حكم البابليين , وأخرى تحت أيدي المجوس , وكرة تحت قهر ~~الروم من بني العيص , واخرى في أسر غيرهم إلى أن اتى لالنبي صلى الله عليه ~~وسلم فضرب عليهم الجزية هو وامته من بعده ولما كان السياق وموجباته , علل ~~ذلك مؤكا بقوله : { إن ربك } اي المحسن إليك بإذلال أعدائك الذين هم أشد ~~الأمم ms1757 لك ولمن آمن بك عداوة { لسريع العقاب } اي يعذب عقب الذنب بالانتقام ~~باطنا بالنكته السوداء في القلب , وظاهرا - إن أراد - بما يريد , وهذا ~~بخلاف ما في الأنعام فإنه في سياق الإنعام بجعلهم خلائف PageV03P142 ولما ~~رهب , رغب بقوله : { وإنه لغفور } أي محاء للذنوب عينا وأثرا لمن تاب وآمن ~~{ رحيم * } أي مكرم منعم بالتوفيق لما يرضاه ثم بما يكون سببا له من ~~الإعلاء في الدينا والآخرة | < < # | الأعراف : ( 168 - 169 ) وقطعناهم في الأرض . . . . . # > > ^ ( وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم ~~بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون * فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون ~~عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ ~~عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار ~~الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون ) ^ } ) | ذكر سيء مما هددوا به ~~التوارة على العصيان والبغي والعدوان غير ما تقدم في المائدة عند ^ ( { من ~~لعنة الله وغضب عليه } ) ^ [ المائدة : 60 ] وغيرها من الايات - قال في ~~السفر الخامس : وإن لم تحفظ وتعمل بجميع الوصايا والسنن التي كتبت في هذا ~~الكتاب وتتق الله ربك وتهب اسمه المحمود المرهوب , يخصك الرب بضربات موجعة ~~ويبتليك بها , ويبتلي نسلك من بعدك وتدوم عليك , ويبقى من نسلك عدد قليل من ~~بعد كثرتهم التي كانت قد صارت مثل نجوم السماء , وتجلون عن الأرض التي عملت ~~من الحجارة والخشب , ولا تسكنون أيضا بين تلك الشعوب , ولكن يصير الله ~~قلوبكم هناك فزهة مرتجفة بالغداة تقولون : متى نمسي ؟ وبالعشي تقولون : متى ~~نصبح ؟ وذلك من فزع قلوبكم وخوفكم وقلة حيلتكم , ويردكم الله إلى ارض مصر ~~في الوف في الطريق الذي قال الرب : لا تعودوا أن تروه , وتباعون هناك عبيدا ~~وإماء , ولا يكون من يشتريكم - هذه أقوال العهد التيي أمر الله بها موسى أن ~~يعاهد بني إسرائيل في ارض مؤاب سوى العهد الذي عاهدهم بحوريب ؛ ثم دعا موسى ~~جميع بني إسرائيل وقال لهم : قد رأيتم ما صنع الله بأرض مصر بفرعون وجميع ~~عبيده وكل شعبه ms1758 والبلايا العظيمه التي رات اعينكم وتلآيات والأعاجيب التي ~~شهدتموها , ولم يعطكم الرب قلوبا تفهم وتلعم , ولا أعينا تبصر ولا آذانا ~~تسمع إلى يومنا هذا , ودبركم في البرية أربعين سنة , لم تبل ثيابكم عليكم ~~ولم تخلق خفافكم أيضا ولم تأكلون خبزا , لتعلموا أني أنا الله ربكم , وانا ~~الذي أتيت بكم إلى هذه البلاد , فاحفظوا وصايا هذه التوارة واعلموا بها ~~وأتموا جميع الأعمال في طاعة الله وأكملوها , لأنكم قد عرفتم جميعا أن كنا ~~سكانا بأرض مصر وجزنا بين الشعوب , ورأيتم نجاستهم واصنامهم , ولعل فيكم ~~اليوم رجلا أو امرأة أو قبيلة أو سبطا PageV03P143 يميل قبلة عن عبادة الله ~~ربنا ويطلب عبادة آلهة تلك الشعوب , فيسمع هذها العهد فيقول : يكون لي ~~السلام فاتبع مسرة قلبي , هذا لا يريد الرب أن يغفر له , ولكن هناك يشتد ~~غضب الرب وزجره عليه وينزل به كا اللعن الذي في هذا الكتاب , ويستاصل الرب ~~اسمه من تحت السماء ويفرزه الرب من جميع أسباط بني إسرائيل للشر والبلايا ~~ويقول الحقب الآخر بنوكم الذين يقومون من بعدكم والغرباء , وينظرون إلى ~~ضربات تلك الأرض والأوجاع أنزل الله بها ويقول الشعب : لماذا صنع الرب هكذا ~~؟ ولماذا اشتد غصبة على هذا الشعب العظيم ؟ ويقولون : لأنهم تركوا عهد الله ~~إله آبائهم , فاشتد غضب الرب عن بلادهم بغضب وزجحر شديد ويبعدهم إلى أرض ~~غريبه كما ترى اليوم , فأما الخفايا والسرائر فهي لله ربنا , والأمور ~~الظاهر المكشوفة هي لنا ولما أخبر سبحانه بالتأذن , كان كأمه قيل : فاسرعنا ~~في عقابهم بذنوبهم وعثنا عليهم من سامهم سوء العذاب بالقتل والسبي , فعطف ~~عليه قوله : { وقطعناهم } أي بسبب ما حصل لهم من السبي المترتب على العذاب ~~بما لنا من العظمة تقطيعا كثيرا بأن أكثرنا تفريقهم { في الأرض } حال كونهم ~~{ أمما } يتبع بعضهم بعضا , فصار في كل بلدة قليل منهم ليست لهم شوكة ولا ~~يدفعون عن أنفسهم ظلما ولما كان كأنه قيل : فهل أطبقوا بعد هذا العذاب على ~~الخير ؟ قيل : لا , بل فرقتهم الأديان نحو فرقة الأدبدان { منهم الصالحون } ~~أي الذين ثبتوا ms1759 على دينهم إلى أن جاء الناسخ له فتبعوه امتثالا لدعوة ~~كتابهم { ومنهم دون ذلك } أي بالفسق تارة وبالكفر أخرى { وبلوناهم } أي ~~عاملناهم معاملة المبتلي ليظهر للناس ما نحن به منهم عالمون { بالحسنات } ~~اي النعم { والسئات } اي النقم { لعلهم يرجعون } أي ليكون حالهم حال من ~~يرجى رجوعه عن غبة أو رهبة ولما كان العذاب الذي وقع التاذن بسببه ممتدا ~~إلى يوم القيامه , تسبب عنه قوله : { فخلف } أي نشأ , ولما كانوا غير ~~مستغرقين لزمان البعد , أتى بالجار فقال : { من بعدهم خلف } أي قوم هم أسوأ ~~حالا منهم { ورثوا الكتاب } اي الذي هونعمة , وهو التوراة , فكان لهم نقمة ~~لشهادته عليهم بقبح أفعالهم , لأنه بقي في أيديهم بعد أسلافهم يقرؤنه ولا ~~يعلمون بما فيه ؛ قال ابن فارس : والخلف ما جاء من بعد , أي سشواء كان ~~محركا أو ساكنا , وقال أبو عبيد الهروي في الغريبين : ويقال : ؛ خلف سوء - ~~أي بالسكون - وخلف صدق , وقال الزبيدي في مختصر العين : والخلف : خلف السوء ~~بعد أبيه , والخلف : الصالح , وقال ابن القطاع في الأفعال : وخلف خلف سوء : ~~صاروا بعد قوم PageV03P144 صالحين , وخلف سوء , قال الأخفش : هما سواء , أي ~~بالسكون , منهم من يسكن ومنهم من يحرك فيهما جميعا , ومنهم من يقول : خلف ~~صدق - اي بالتحريك - وخلف سوء - أي بالسكون - يريدبذلك الفرق بينهما , وكل ~~إذا أضاف , يعني فإذا لم يضف كان السكون - للفساد , والتحريك للصلاح ؛ وقال ~~القاموس : خلف نقيض قدام , والقرن بعد القرن , ومنه : هؤلاء خلف سوء , ~~والرديء من القول , وبالتحريك الولد الصالح , فإذا كان فاسدا أسكنت اللام , ~~وربما استعمل كل منهما مكان الآخر , يقال : هو خلف صدق من أبيه - إذا قام ~~مقامه , أو الخلف بالسكون وبالتحريك سواء , الليث : خلف للاشرار خاصة , ~~وبالتحريك ضده . | والمادة ترجع إلى الخلف الذي هو نقيض قدام , كما بنيت ~~ذلك في فن المضطرب من حاشيتي على الشرح ألفية العراقي ولما كان المظنون بمن ~~يرث الكتاب الخير , فكان كأنه قيل : ما فعلوه من الخير فيما ورثوه ؟ قال ~~مستانفا : { يأخذون } أو يجدون الأخذ دائما , وحقر ما أخذوه بالإعلام بأنه ms1760 ~~مما يعرض ولا يثبت بل هو زائل فقال : { عرض } وزاده حقارة بإشارة ~~الحاضرفقال { هذا } وصرح بالمراد بقوله : { الأدنى } أي من الوجودين , صلى ~~الله عليه وسلم # 1548 ; وهو الدنيا { ويقولون } أي دائما من غير توبة . | ولما كان النافع ~~الغفران من غير نظر إلى معين , بنوا للمفعول قولهم : { سيغفرلنا } أي من ~~غير شك , فأقدموا على السوء وقطعوا بوقوع ما يبعد وقوعه في المستقبل حكما ~~على من يحكم ولا يحكم عليه , وصرح بما افهمه ذلك من إصرارهم معجبا منهم في ~~جزمهم بالمغفرة مع ذلك بقوله : { وإن } اي والحال أنه إن { يأتهم عرض مثله ~~} في الدناءة ولخسة - والحرمة كالرشى { يأخذوه } ولما كان هذا عظيما , أنكر ~~عليهم مشددا - للنكير بقوله مستأنفا { ألم يؤخذ عليهم } بناه للمفعول إشارة ~~إلى أن العهد يجب الوفاء به على كل حال , ثم عظمه بقوله : { ميثاق الكتاب } ~~اي الميثاق المؤكد في التوارة { أن لا يقولوا } أي قولا من الأقوال وإن قل ~~{ على الله } أي الذي له الكمال العظمة { إلا الحق } أي المعلوم ثباته , ~~وليس من المعلوم ثباته إثبات المغفرة على القطع بغير توبة , بل ذلك خروج عن ~~ميثاق الكتاب ولما كان ربما وقع في الوهم أنه أخذ على أسلافهم ولم يعلم ~~هؤلاء به , نفى ذلك بقوله : { ودرسوا ما فيه } أي ما في ذلك الميثاق بتكرير ~~القراءة للحفظ { والدار الآخرة } أي فعلوا ما تقدم من مجانبة التقوى والحال ~~أن الآخرة { خير } أي مما يأخذون { للذين يتقون } أي هم يعملون ذلك بإخبار ~~كتابهم , ولذلك أنكر عليهم بقولة : { أفلا PageV03P145 تعقلون * } أي حين ~~أخذوا ما يشقيهم وينفى بدلا مما يسعدهم ويبقى , وعلى قراءة نافع وابن عامر ~~وحفص بالخطاب يكون المارد الإعلام بتناهي الغضب . | < < # | الأعراف : ( 170 - 173 ) والذين يمسكون بالكتاب . . . . . # > > ^ ( والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين ~~* وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا مآ آتيناكم بقوة ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون * وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنآ ms1761 أن تقولوا يوم القيامة إنا ~~كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ~~أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) ^ } ) | ولما بين ما للمفسدين من كونهم قالوا ~~على الله غير الحق فلا يغفر لهم , بين ما للصالحين المذكورين في قوله ^ ( { ~~ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون } ) ^ [ الأعراف : 159 ] فقال ~~عاطفا على تقديره : أولئك حبطت أعمالهم فيما داسوا من الكتاب , ولا يغفر ما ~~أتوا من الفساد : { والذين يمسكون } اي يمسكون إمساكا شديدا يتجدد على كل ~~وجه الا ستمرار , وهوإشارة إلى إن التمسك بالسنة في غاية الصعوبة لا سيما ~~عند ظهور الفساد { الكتاب } أي فلا يقولوعلى الله إلا الحق , ومن جملة ~~تمسيكهم المتجدد انتقالهم عن ذلك الكتاب عند إتيان الناسخ لأنه ناطق بلك ~~والله الموفق . | ولما كان من تمسيكهم بالكتاب عند نزول هذا الكلام ~~انتقالهم عن دينهم إلى الإسلام كما وقع الأمر به في المواضع التي تقدم ~~بيانها , عبر عن إقامة الصلاة المعهودة لهم بلفظ الماضي دون المضارع لئلا ~~يجعلوه حجة في الثبات على دينهم . | فيفيد ضد المراد فقال : { وأقاموا ~~الصلاة } وخصها إشارة إلى أن الأولين توكوها كما صرح به في آية مريم , ~~وتنويها بشأنها بيانا لأنها من أعظم شعائر الدين , ولما كان التقدير ~~إخباراعن المبتدإ : سنؤتيهم أجورهم لإصلاحهم , وضع موضعه للتعميم قوله : { ~~إنا لا نضيع } أي بوجه من الوجوه { أجر الصالحين * } ولما ذكر الكتاب أنه ~~رهبهم من مخالفته ورغبهم في مؤالفته , وكان عذاب الآخرة مستقبلا وغائبا , ~~وكان ما هذا شأنه يؤثر في الجامدين , أمره أن يذكرهم بترهيب دنيوي مضى ~~إيقاعه بهم , لياخذوا مواثيق الكتاب لغاية الجد مع أنه لا يعلمه إلا ~~علماؤهم , فيكون علم الأمي له من أعلام نبوته الظاهرة فقال : { وإذ } أي ~~اذكر لهم هذا , فإن لمن يتعظوا اذكر لهم إذ { نتقنا } أي قلعنا ورفعنا , ~~واتى بنون العظمة لزيادة الترهيب { الجبل } عرفه لمعرفتهم به , وعبر لدلالة ~~لفظه على الصعوبة والشدة دون PageV03P146 الطور - كما في البقرة - لأن ~~السياق لبيان نكدهم بإسراعهم في المعاصي الدالة على ms1762 غلط القلب ولما كان ~~مستغفرا لجميع الجهة الموزية لعساكرهم , حذف الجار فقال : { فوقهم } ثم بين ~~أنه كان أكبر منهم بقوله : { كأنه ظلة } أي سقف , وحقق أنه صار عليهم ~~موازيا لهم من جهة الفوق كالسقف بقوله : { وظنوا } هو على حقيقة { أنه واقع ~~} ولما كان ما تقدم قد حقق العلو , لم يحتج إلى حرف الاستعلاء , فقال مشيرا ~~إلى السرعة واللصوف : { بهم } أي إن لم يأخذوا عهود التوارة , قالوا : ولما ~~رأوا ذلك خر كل منهم ساجدا على حاجبه الأيسر , وصار ينظر بعينه اليمنى إلى ~~الجبل فزعا من سقوطه , وهي سنة في سجودهم إلى الآن , يقولون : هذه السجدة ~~التي رفعت عنا بها العقوبة ولما كان كأنه قيل : فقالوا : أخذنا يارب عهودك ~~, قال مشيرا إلى عظمته ليشتد إقبالهم عليه إشارة إلى أنه علة رفع الجبل : { ~~خذوا ما آتيناكم } أي بعظمتنا , فهو جدير بالإقبال عليه وإن يعتقد فيه ~~الكمال , وأكد ذلك بقوله : { بقوة } أي عزم عظيم على احتمال مشاقة ؛ ولما ~~كان الأخذ للشيء بقوة ربما نسبة في وقت , قال : { واذكروا فيه } أي من ~~الأوامر والنواهي وغيرهما - فلا تنسوه { بقوة } أي عزم عظيم على احتمال ~~مشاقة ؛ ولما كان الأخذ للشيء بقوة ربما نسبة في وقت , قال : { واذكروا فيه ~~} اي من الأوامر والنواهي وغيرها - فلا تنسوه { لعلكم تتقون * } أي ليكون ~~حالكم حال من يرجى تقواه , فدل سبحانه بهذا على تأكيد المواثيق عليهم في ~~أخذ جميع مافي الكتاب الذي من جملته ألا تقولوا على الله إلا الحق ولا ~~تكتموا شيئا منه , قالوا : ولما قرأة موسى عليه السلام الأولواح وفيها كتاب ~~الله لم يبق على الأرض شجر ولا جبل ولا حجر إلا اهتز , فلذلك لا ترى يهوديا ~~يسمع التوارة إلا اهتز وأنقض راسه ولما ذكر أنه ألزمهم أحكام الكتاب على ~~هذه الهيئة القاهرة الملجئة القاسرة التي هي من أعظم المواثيق عند أهل ~~الأخذ وأنه أكد عليهم المواثيق في كثير من فصول الكتاب , وكان ذلك كله خاصا ~~بهم ؛ أمره أن يذكر لهم أنه ركب لهم في عموم هذا النوع الآدمي من ms1763 العقول ~~ونصب من الأدلة الوضحة للأمر إيضاح المشهود للشاهد ما لو عذب تاركه ~~والمتهاون به لكان تعذيبه جاريا على المناهج ملائما للعقول , ولكنه لسبق ~~رحمته وغلبة رأفته لم يؤاخذ بذلك حتى ضم إليه الرسل , وأنزل معهم الكتب ~~وأكثر فيها من المواثيق , وزاد في الكشف والبيان , وإلى ذلك الإشارة باسم ~~الرب , فكأن من عنده علم أشد ملامة من الجاهل , فقال : { وإذ } أي واذكر ~~لهم إذ { أخذ } أي خلق بقوله وقدرته { ربك } أي المحسن إليك بالتمهيد ~~لرسالتك كما يؤخذ القمل بالمشط من الرأي PageV03P147 ولما كان السياق لأخذ ~~المواثيق والأخذ بقوة , ذكر أخذ الذرية من أقوى نوعي الآدمي , وهمالذكور ~~فقال : { من بني آدم } وذكر أنه من أمتن الأعضاء فقال : { من ظهورهم } كل ~~واحد من ظهر أبيه { ذرياتهم } إشارة إلى أنه أكد عليهم المواثيق وشددها لهم ~~وأمرهم - بالقوة في أمرها , أعطاهم من القوة في التركيب والمزاج ما يكونون ~~به مطيعين لذلك , فهو تكليف بما في الوسع , وجعل لهم عقولا عند من قال : هو ~~على حقيقته كمنلة سليمان عليه الصلاة والسلام { وأشهدهم على أنفسهم } أي ~~أوضح لهم من البراهين من الإنعام بالعقول مع خلق السماوات والأرض وما ~~فيهماعلى هذا المنوال الشاهد له بالوحدانية وتمام العلم والقدرة , ومن ~~إرسال الرسل المؤيدين بالمعجزات ما كانوا كالشهود بأنه لا رب غيره ؛ وقد ~~ذكر معنى هذا الإمام حجة الإسلام الغزالي في الكلام على العقل من باب العلم ~~من الإحياء فإنه قال معنى هذه الآية : والمراد إقرار نفوسهم , لا إقرار ~~الألسنة , فإنهم انقسموا في إقرار الألسنة حيث وجدت الألسنة والأشخاص ؛ ثم ~~ذكر أن النفوس فطرت على معرفة الأشياء على ما هي عليه لقرب الاستعداد ~~للإدراك ولما تبين أنه فرد لا شريك له فلا راد لأمره , وأنه رب فلا أرأف ~~منه ولا أرحم , كان ذلك أدعى إلى طاعته خوفا من سطوته ورجاء لرحمته , ~~فكانوا بذلك بمنزلة من سئل عن الحق فأقر به , فلذلك قال : { ألست بربكم } ~~أي المحسن إليكم بالخلق والتربية بالرزق وغيره { قالوا بلى شهدنا } أي كان ~~علما شهوديا , وذلك ms1764 لأنهم وصلوا بعد البيان إلى حد لا يكون فيه الجواب إلا ~~ذلك فكأنهم قالوه ؛ فهو - والله أعلم - من وادي قوله تعالى < # > 77 ( { ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها } ) 77 < # > الرعد : 15 ] - الآية و < # > 77 ( { لله ما في السموات والأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون } ~~) 77 < # > [ النحل : 49 ] . | ولما كان كأنه قيل : لم فعل ذلك ؟ قيل : دلالة على ~~أن المتقدم إنما هو على طريق التمثيل يجعل تمكينهم من الاستدلال كالإشهاد , ~~فعلة كراهة { أن يقولوا يوم القيامة } أي إن لم ينصب لهم الأدلة { إنا كنا ~~هن هذا } أي وحدانيتك وربوبيتك { غافلين * } أي لعدم الأدلة فلذلك أشركنا { ~~أو يقولوا } أي لو لم نرسل إليهم الرسل { إنما أشرك آباؤنا من قبل } أي من ~~قبل أن نوجد { وكنا ذرية من بعدهم } فلم نعرف لنا مربيا غيرهم فكنا لهم ~~تبعا فشغلنا اتباعهم عن النظر ولم يأتنا رسول منبه , فيتسبب عن ذلك إنكارهم ~~في قولهم : { أفتهلكنا بما فعل المبطلون * } أي من آبائنا ؛ قال أبو حيان : ~~والمعنى أن PageV03P148 الكفرة لو لم يؤخذ عليهم عهد ولا جاءهم رسول بما ~~تضمنه العهد م توحيد الله وعبادته لكانت لهم حجتان : إحدهما ( كنا غافلين ) ~~والأخرى ( كنا تبعا لأسلافنا ) فكيف والذنب إنما هو لمن طرق لنا وأضلنا - ~~انتهى . | ومما يؤيد معنى التمثيل حديث أنس في الصحيح ( يقول الله لأهون ~~أهل النار عذابا : لو أن لك ما في الأرض من شيء كنت تفتدي به ؟ قال : نعم , ~~قال : فقد سألتك ما هو أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك شيئا , ~~فأبيت إلا الشرك ) وذلك لأن التصريح بالآباء ينافي كون الإقرار على حقيقته ~~, والأخذ وهو في الصلب إنما هو بنصب الأدلة وتقرير الحق على و جه مهيئ ~~للاستدلال بتركيب العقل على القانون الموصل إلى المقصود عند التخلي من ~~الخطوط والشوائب , وهذا الذي وقع تأويل الآية به لا يعارضه حديث الاستنطاق ~~في عالم الذر على تقدير صحته , فإنه روي من طرق كثيرة جدا ذكرتها في كتابي ~~سر الروح , منها في الموطأ ms1765 ومسند أحمد وإسحاق بن راهويه ومحمد بن نصر ~~المروزي وأبي يعلى الموصلي ومستدرك الحاكم وكتاب المائتين لأبي عثمان ~~الصابوني عن صحابة وتابعين مرفوعا وموقوفا - منهم عمر وأبي بن كعب وأبو ~~هريرة وحكيم بن حزام وعبداللهبن سلام وعبد الله بن عمرو وابن عباس وابن ~~مسعود رضي الله عنهم , وعن محمد بن كعب وعطاء بن يسار وسعيد بن المسيب وأبي ~~العالية رحمهم الله , وإنما كان لا يعارضه لأن في بعض طرقه عن أبي بن كعب ~~رضي الله عنه أنه سبحانه قال بعد أن استنطقهم : ( فإني أشهد عليكم السماوان ~~السبع والأرضين السبع , وأشهد عليكم أباكم آدم أن تقولوا يوم القيامة : إنا ~~كنا عن هذا غافلين , فلا تشركوا بي شيئا , فإني إليكم رسلي يذكرونكم عهدي ~~وميثاقي , وأنزل عليكم كتبي , فقالوا : نشهد أنك ربنا وإلهنا , لا رب لنا ~~غيرك ) فالاستنطاق في الحديث على بابه , عبرة لأبينا آدم عليه السلام ومن ~~حضر ذلك من الخلق , وإيقافا لهم على بديع قدرته وعظيم علمه , وإشهاد من ~~المخلوقات بمعنى أنه نصب فيها من الأدلة ما يكون إقامة الحجة به عليهم ~~بالنقص إن أشركوا كشهادة الشاهد الذي لا يرد , وليس في شيء من الروايات ما ~~ينافي هذا ؛ والحاصل أنه أخذ علينا عهدان : أحدهما حالي تهدى إليه العقول , ~~وهو نصب الآدلة والآخر مقالي اخبرت به الرسل , كل ذلك للإعلام بمزيد ~~الاعتناء بهذا النوع البشري لما له من الشرف الكريم ويراد به من الأمر ~~العظيم - والله الموفق | PageV03P149 < < # | الأعراف : ( 174 - 178 ) وكذلك نفصل الآيات . . . . . # > > ^ ( وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون * واتل عليهم نبأ الذي آتيناه ~~آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين * ولو شئنا لرفعناه بها ~~ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو ~~تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون * ~~سآء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون * من يهد الله ~~فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون ) ^ } ) | ولما كان كأنه قيل ~~تبيها على جلالة هذه الآيات : ؛ انظر كيف فصلنا ms1766 هذه الآيات هذه التفاصيل ~~الفائقة وأبرزناها في هذه الأساليب الرائقة , قال : { وكذلك } أي ومثل ذلك ~~التفصيل البديع الجليل الرفيع { نفصل الآيات } أي كلها لئلا يواقعوا ما لا ~~يليق بجانبنا جهلا لعدم الدليل { ولعلهم يرجعون * } أي ليكون حالهم حال من ~~يرجى رجوعه عن الضلال إلى ما تدعو إليه الهداة من الكمال عن قرب إن حصلت ~~غفلة فواقعوه , وذلك من أدلة ^ ( { والذي خبث لا يخرج إلا نكدا } ) ^ [ ~~الأعراف : 58 ] و ^ ( { ما وجدنا لأكثرهم من عهد } ) ^ [ الأعراف : 102 ] و ~~^ ( { سأصرف عن آياتي } ) ^ [ الأعراف : 146 ] ولما ذكر لهم ما أخذ عليهم ~~في كتابهم من الميثاق الخاص الذي انسلخوا منه , واتبعه الميثاق العام الذي ~~قطع بع الأعذار , أتبعها بيان ما يعرفونه من حال من انسلخ من الآيات , ~~فأسقطه الله من ديوان السعداء , فأمره صلىالله عليه وسلم أن يتلو عليهم , ~~لأنه - مع الوفاء بيبكيتهم - من أدلة نبوته الموجبة عليهم اتباعه , فذكره ~~ما وقع له في نبذ العهد والانسلاخ من الميثاق بعد أن كان قد اعطى الآيات ~~وأفرغ عليه من الروح فقال : { واتل } أي اقرأ شيئا بعد شيء { عليهم } أي ~~اليهود وسائر الكفار الخلق كلهم { نبأ الذي } وعظم ما عطاه بمظهر العظمة ~~ولفظ الإيتاء بعد ما عظم خبره بلفظ الإنباء فقال : { آتيناه } ولما كان ~~تعالى قد أعطاه من إجاه الدعاء وصحة الرؤيا وغيرذلك مما شاء سبحانه ~~أمراعظيما بحيث دله تعالى دلالة لا شك فيها , وكانت الآيات كلها متساوية ~~الأقدام في الدلالة وإن كان بعضها أقوى من بعض , قال تعالى : { آياتنا } ~~وهو بلعام من غير شك للسباق واللحاق , وقيل : وهو رجل بعثه موسى عليه ~~السلام إلى ملك مدين فرشاه فتبع دينه فافتتن به الناس , هو أمية بن أبي ~~الصلت الثقفي الذي قال PageV03P150 فيه النبي صلى الله عليه وسلم ( آمن ~~شعره وكفرقلبه ) قال عبدالله بن عمرو وسعيد بن المسيب وزيد ابن أسلم وقيل : ~~هو أبو عامر الراهب الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاسق , وقيل : ~~نزلت في منافقي أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم ولما ms1767 كان ~~الذي جرأهم على عظمته سبحانه ما أنعم عليهم به من إعطاء الكتاب ظنا منهم ~~أنه لا يشقيهم بعد ذلك , رهبهم ببيان أن الذي سبب له هذا الشقاء هو إتياء ~~الآيات فقال : { فانسلخ منها } أي فارقها بالكيلة كما تنسلخ الحية من قشرها ~~, وذلك بسبب أنه لما كان مجاب الدعوة سأله ملك زمانه الدعاء على موسى وقومه ~~فامتنع فلم يزل يرغبه حتى خالف أمر الله اتباعا لهوى نفسه , فتمكن من ~~الشيطان وأشار عليه أن يرسل إليهم النساء مزينات ويأمرهن أن لا يمتنعن من ~~أحد , فأشقاه الله , وهذا معنى { فأتبعه الشيطان } أي فأدركه مكره فصار ~~قرينا له { فكان } أي فتسبب عن إدراك الشيطان له أن كان { من الغاوين * } ~~أي الضالين الراكبين هوى نفوسهم , وعبر في هذه القصة بقوله : { اتل } دون < # > 77 ( { وأسألهم عن } ) 77 < # > [ الأعراف : 163 ] نحو ما مضى في القرية , لأن هذا الخبر مما يحبون ~~ذكره لأن سلخه من الآيات كان لأجلهم , فهو شرف لهم , فلو سألهم عنه لبادروا ~~إلى الإخبار به ولم يتعلثموه فلا تكون تلاوته صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ~~لما أنزل في شأنه واقعا موقع موقع ما لو أخبرهم به قبل , ولعل المقصود ~~الأعظم من هذه الآية والتي قبلها الاستدلال على كذب دعواهم في قولهم < # > 77 ( { سيغفر لنا } ) 77 < # > [ الأعراف : 169 ] بما هم قائلون به , فيكون من باب الإلزام , وكأنه ~~لتقولون < # > 77 ( { ليس علينا في الأميين سبيل } ) 77 < # > آل عمران : 75 ] لذلك , فما لكم توسعون المغفرة لكم في ترك ما أخذ ~~عليكم به الميثاق الخاص وقد ضيقتموها على غيركم في ترك ما أخذ عليهم فلا ~~يقاس عليه , قيل لكم ؛ أليسي المعبود قد حرم الجميع ؟ وعلى التنزيل فمن ~~المسطور في كتابكم أمر بالعام وأنه ضل , وقد كان أعظم من أخباركم , فإنا ~~آتيناه الآيات من غير واسطة رسول , وكان سبب هلاكه - كما تعلمون - وخروجه ~~من ربقة الدين وإحلاله دمه مشورته على ملك زمانه بأن يرسل النساء ~~PageV03P151 إلى عسكر بني إسرائيل متزينات غير ممتنعات ممن أرادهن , وذلك ~~من الفروع التي ms1768 هي أخف من باب الأموال , فقد بحتم كذبكم في قولكم { سيغفر ~~لنا } وأنكم لم تتبعوا فيه إلا الهوى كما تبعه بلعام فانظروا ما فعل به ~~ولما كان هذا السياق موهما لمن لم يرسخ قدمه في الإيمان أن الشيطان له ~~تأثير مستقبل في الإغواء , نفى ذلك غيره على هذا المقام في مظهر العظمة ~~فقال : { ولو شئنا } أي أن نرفعه بها على ما لنا من العظمة التي من دنا ~~ساحتها بغير إذن محق { لر فعناه } أي في المنزلة رفعه دائمة { بها } أي ~~الآيات حتى لا يزال عاملا بها ولما علق الأمر بالمشيئة تنبيها على أنها هي ~~السبب الحقيقي وإن ما لم يشأه سبحانه لا يكون , وكان التقدير : ولكنا لم ~~نشأ ذلك وشئنا له الكفر فأخلدناه - إلى آخره , عبر عنه تعليما للأدب في ~~إسناد الخير إلى الله والشر إلى غيره وإن كان الكل خلقه حفظا - لعقول ~~الضعفاء من إيهام نقص أو إدخال لبس بقوله مسندا نقصه إليه : { ولكنه أخلد } ~~أي فعل فعل من أوقع الخلد - وهو الدوام - وأوجده { إلى الأرض } أي رمى ~~بنفسه إلى الدنيا رميا , تهالكا على ما فيها من الملاذ الحيوانية والشهوات ~~النفسانية { واتبع } أي اتباعا شديدا { هواه } فأعرض عن التمسك بما آتاه من ~~الله من الآيات مقدما لداعي نفسه على داعي روحه , لأن القلب الذي هو ~~نتيجتها في عالم المناسبة للعلو ؛ ووجه إلى النفس التي هي العلوي الحيواني ~~الذي هو الأب , وله الذكورة المناسبة للعلو ؛ ووجه إلى النفس التي هي الروح ~~الحيواني التي هي الأم ولها المناسبة للأض بالأنوثة وبأن لم نشأ رفعه بما ~~أعطيناه من الايات , وإنما جعلناه وبالا عليه , فلا يغتر أحد بما أوتي من ~~المعارف , وما حاز من المفاخر واللطائف , فإن العبرة بالخواتيم , ولنا بعد ~~ذلك أن نفعل ما نشاء ولما كان هذا حاله , تسبب عنه أن قال تعالى : { فمثله ~~} أي مع ما أوتى من العلم في اتباعه لمجرد هواه من غير دليل بعد الأمر ~~بمخالفة الهوى { كمثل الكلب } أي في حال دوام اللهث ولما كان كأنه ms1769 قيل : ~~مثله في أي أحواله ؟ قال : في كونه { إن تحمل عليه } أي لتضربه { يلهث أو ~~تتركه يلهث } فإن أوجب الحمل عليه ظن أن لهثه لما حاول من ذلك التعب ردك ~~عنه لهثه في الدعة , فتعلم حينئذ أنه ليس له سبب إلا اتباع الهوى , فتابع ~~الهوى مثل الكلب كما بين , ومثال هذا المنسلخ الجاهل الذي لا يتصور أن يتبع ~~غير الهوى , لأنه يتبع الهوى مع إيتاء الآيات فبعد الانسلاخ منها أولى , ~~فقد وضح تشبيه PageV03P152 مثله بمثل الكلب , لا تشبيه مثله بالكلب ؛ وهذه ~~القصة تدل على أن من كانت نعم الله في حقة أكثر , كان عن الله إذا أعرض عنه ~~أعظم وأكبر ولما تقرر المثلان , وكان منهما منطبقا على حاله كل مكذب , كانت ~~النتيجة قوله : { ذلك } أي كل من المثلين { مثل القوم } أي الأقوياء ما ~~يحاولونه { الذين كذبوا بآيتنا } أي في أن تركهم لها إنما هو بمجرد الهوى , ~~لأن لها من الظهور والعظمة نسبتها إلينا ما لا يخفي على من له أدنى بصيره { ~~فاقصص القصص } أي فأخبر الإخبار العظيم الذي تتبعت به مواقع الوقائع وآثار ~~الأعيان حتى لم تدع في شيء منها لبسا على كل من يسمع لك من اليهود وغيرهم , ~~وهو مصدر قص الشيء - إذا تبع أثره واستقصى في ذلك { لعلهم يتفكرون * } أي ~~ليكون حالهم حال من يرجى تفكره في هذه الآيات , فيعلمون أنه لا يأتي بمثلها ~~من غير معلم من الناس إلانبي فيردهم ذلك إلى الصواب حذرا من مثل حال هذا ~~ولما ظهر بهذا أن مثل الكلب الذي اكتبس من ممثوله من السوء والقذارة مالا ~~يعلمه حق علمه إلا الله تعالى مثل المكذبين بالآيات , أنتج ذلك قوله تأكيدا ~~لذمهم وزجرهم : { ساء مثلا القوم } أي مثل القوم { الذين كذبوا بآيتنا } أي ~~فلو لم يكن عيهم درك في فعلهم أن لا تنزل هذا المثل عليهم لكان أعظم زاجرا ~~له أدنى مروءة , لأنهم نزلوا عما لمن يتبعها من العظمة إلى ما ظهر بهذا ~~المثل من الخسة , فكيف وهم يضرون أنفسهم بذلك ولا يضرون ms1770 إلا إياها , وذلك ~~معنى قوله : { وأنفسهم } أي خاصة { كانوا يظلمون * } أي كان ذلك في طبعهم ~~جبلة لهم , لا يقدر غير الله على تغييره ولما كان ذلك محل عجب ممن يميل عن ~~المنهج بعد إيضاحه هذا الإيضاح الشافي , قال جوابا لمن كأنه قال : فما لهم ~~لا يؤمنون ؟ مفصلا لقوله { ولوشئنا لرفعناهبها } [ الأعراف : 176 ] : { من ~~يهد الله } أي يخلق الهداية في قلبه الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه { ~~فهو المهتدي } أي لا غيره ولما كان في سياق الاستدلال على أن أكثر الخلق ~~هالك بالفسق ونقض العهد , وحد { المهتدي } [ الأعراف : 177 ] نظرا إلى لفظ ~~{ من } وجمع الضال نظرا إلىمعناها فقال : { ومن يضلل فأولئك هم } أي ~~البعداء البغضاء خاصة لا غيرهم { الخاسرون * } إذ لا فعل لغيره أصلا , ~~والآية من فذلكة ما مضى , وما أحسن ختمها بالخسران في وعظ من ترك الآخرة ~~بإقباله على أرباح الدنيا واعرضها الفانية , ثم تعقيبها بذرء جهنم الذين لا ~~أخسر منهم . PageV03P153 ذكر قصة بلعام من التوراة - قال في السفر الرابع ~~منها بعد أن ساق قتالهم لسيحون ملك الأمورانبيين : وفرق المؤابيون من الشعب ~~فرقا شديدا لأنهم رأوه شعبا عظيما , فاضطرب المؤابيون ورجفت قلوبهم خوفا من ~~بني إسرائيل , وقال ملك مؤاب لأشباح مدين : اعملوا أن هذا الجمع يرتعي ~~حرثنا , ولا يدع أحدا إلا أهلكه , ويرتعي كل من حولنا كما يرتعي الثور عشب ~~الأرض , وكان ملك المؤابيين في ذلك الزمان بالاق بن صفور , فأرسل رسلا إلى ~~بلعام بن بعور العراف المعبر للأحلام الذي كان ينزل على شاطئ النهر قريبا ~~من أرض بني عمن ليدعوه إليه فيستعين به : أخبرك أنه قد خرج شعب من أرض مصر ~~, فغشى وجه الأرض كلها , وقد نزلوا جبالنا , فأطلب إليك أن تأتي وتلعن هذا ~~الشعب لأنه أقوى وأعز منا , لعلنا نقدر أن نحاربه ونهلكه عن جديد الأرض , ~~لأني عارف أن الذي تباركه هو مبارك , والذي تلعنه هو ملعون , وانطلق أشياخ ~~مؤاب وأشياخ مدين ومعهم هدايا وجوائز , فأتوا بلعام فقالوا له قو بالاق , ~~فقال لهم : بيتوا هاهنا ليلتكم هذه ms1771 فأخبركم بما يقول الرب , فأقام أشراف ~~مؤاب عند بلعام , فأتى ملك الله بلعام وقالله : من القوم الذين أتوك ؟ قال ~~بلعام للملاك : بالاق بن صفور ملك مؤاب أرسل إلي وقال : خرج شعب من أرض مصر ~~فملأ وجه الأرض , فأقبل إلينا حتى تلعنه , لعلي أقدر أن أجاهده وأهلكه , ~~وقال الملاك لبلعام : لا تنطلق مع القوم ولا تلعن الشعب لأنه مبارك , فقال ~~بلعامبكرة لعظماء بالاق : انطلقوا إلى صاحبكم , لأن الرب لم يحب أن يدعني ~~أنطلق معكم , ونهض عظماء مؤاب فأتوا بالاق وقالوا له : لم يهو بلعام إتيانك ~~معنا , فعاد بالاق أيضا فأرسل رسلا أعظم وأكرم من الأولين , فأتوا بلعام ~~وقالوا له : هكذا يقول بالاق بن صفور : لا تمتنع أن تأتيني لأني سأعظمك ~~وأكرمك جدا , وما قلت لي من شيء فعلت , وأقبل إلينا لتعلن لي - هذاالشعب , ~~فرد بلعام على رسل بالاق قائلا : لو أن بالاق أعطاني ملء بيته ذهبا وفضة لم ~~أقدر أن أتعدى قول ربي وإلهي , ولا أحيد عن قول صغير ولا كبير من أقوله , ~~فعرجوا أنتم أيضا عندنا ليلتكم هذه حتى أنظر ما يخبروني ملاك الله من أمركم ~~, فنزل وحي الله على بلعام ليلا , وقال له : إن كان هؤلاء القوم إنما أتوك ~~ليدعوك فقم فانطلق معهم , ولكن إياك أن تعمل إلاماأقول فنهض بلعام بكرة ~~وأسرج أتانه وانطلق مع عظماء مؤاب , فقال ملاك الرب في الطريق ليكون له ~~لددا , فرات الأتان ملاك الله قائما في الطريق مخترطا سيفه ممسكه في يده , ~~فحادت عن الطريق وسارت في الحرث , فضربها بلعام ليردها إلى الطريق , فقام ~~ملاك الرب في طريق ضيق بين كرمين فرأت الأتانه ملك الرب فزحمت الحائط وضفطت ~~رجل بلعام في الحائط فعاد يضربها أيضا , ثم عاد ملاك الرب وقام في ~~PageV03P154 موضع ضيق حيث ليس لها موضع تحيد منه يمنة ولا يسره , فبصرت ~~بملاك الب وربضت تحت بلعام , وضرب الأتان بالعصا , وفتح الرب فم الأتان ~~وقالت لبلعام : ما الذي صنعت بك حتى ضربتني ثبلث مرات ؟ قال بلعام : لأنك ~~زريت بي , ولو أنه كان في ms1772 يدي سيف كنت قد قلتلك الآن , فقالت : ألست أتانتك ~~التي تركبني منذ صباك إلى اليوم ؟ هل صنعتمثل هذا الصنع قط ؟ قال لها : لا ~~وحلى الرب عن بصر بلعام فرأى ملك الله قائما في الطريق مخترطا سيفه ممسكه ~~بيده , فجثا وخر على وجهه ساجدا , فقال له ملاك الرب : ما بالك ضربت أتانك ~~ثلاث مرات أنا الذي خرجت لأكون لك لدادا , لأنك اخذت في طريق خلافا لأمري , ~~فلما راتني الأتان حادت عني ثلاث مرات , ولو أنها لم تحد عنيكنت قتلتك ~~وأبقيت عليها , قال بلعام لملاك الرب : أسأت وأجرمت , لم أعلم أنك قائم ~~بإزائي في الطريق , فالآن إن كان انطلاقي مما تكرهه رجعت , قال ملاك الرب ~~لبلعام : انطلق مع القوم وإياك أن تفعل شيئا إلا ما أقول لك ! فانطلق بلعام ~~, فسمع بالاق فخرج ليتلقاه وقال بالاق : لم تأتني ؟ قال : قد أتيتك الآن ~~لعلك تظن أني أقدر أن أقول شيئا إلا القول الذي يجريه اللهعلى لساني به ~~أنطق , فلما كان الغد عمد بالاق إلى بلعام وأصعده إلى بيتبعل الصنم , فراى ~~من هناك أقاقي منازل شعب إسرائيل , وقال بلعام لبالاق : ابني لي هاهنا سبعة ~~مذابح , وهيئ لي سبعة ثيران وسبعة كباش , وفعل بالاق كما قال له بلعام , ~~ورفع بالاق الكباش والثيران على المذبح قربانا , وقاللبالاق : قم هاهنا عند ~~قرابينك حتى أنطلق أنا , لعل الرب يوحي إلي ما أهواه , وأنا مظهر لك ما ~~يوحي به , فانطلق فظهر الله والهمه قولا وفال له : انطلق إلى بالاق وقل له ~~هذا القول , فأتاه وهو قائم عند قرابينه وجميع قواد مؤاب معه , ورفع بلعام ~~صوته بأمثاله وقال : ساقني بالاق ملك المؤابيين من أرام التي في المشرق , ~~وقال لي : أقبل حتى تلعن يعقوب وتهلك آل إسرائيل , فكيف ألعنه ولم يلعنه ~~الله , وكيف اهلكه والرب لا يريد هلاكه , رأيته من رؤوس الجبال , ونظرت ~~إليه من فوق الآكام وإذا هو شعب وحده لا يعد مع الشعوب , ومن يقدر يحصي ~~جميع عدد يعقوب , أو من يقدر يحصي عدد ربع بني إسرائيل , تموت نفسي موتا ms1773 ~~ويكون آخرى إلى آخرهم , قال بالاق لبلعام : دعوتك لتلعن أعدائي فإذا أنت ~~تباركهم وتدعوا لهم , فرد بلعام قائلا : الذي يلهمني الرب ويجري على لساني ~~إياه أحفظ , وبه انطق : قال له بالاق : مر معي إلى موضع آخر لنراهم من هناك ~~, وإنما أسوقك لترى آخرهم ولا تراهم أجمعين , وانطلق به إلى حقل الربيه ~~وأقامة على رأس الأكمة , وابتنى هناك سبعى مذابح , وقرب عليها الثيران ~~والكباش , قال بلعام : قف هاهنا عند قرابينك حتى أنطلق أنا الآن , ~~PageV03P155 فانظر ما الذي يقال ؟ وتجلى الرب على بلعام وأجرى على فيه قولا ~~وقال له : انطلق إلى بالاق فأخبلاه بهذا القول , فأتاه وهو قائم عند ~~قرابينه ومعه اشراف مؤاب , فرفع بلعام صوته بأمثاله وقال ؛ انهض بالاق ~~واسمع قولي وأصع لشهادتي يا ابن صفور ! اعلم أن الله ليس مثل الرجل يحلف ~~ويكذب ؛ إذا قال الرب قولا فعله , وكلامه دائم إلى الأبد , ساقني لأعود ~~وأبرك , ولا أرد البركة ولا أخالف ما أمرت به , لست أرى في آل يعقوب إثما ~~ولا غدرا عند بني إسرائيل ولا ظلما , لأن الله ربه معه الله الذي أخرجهم من ~~مصر بعزة وعظمه قوية , ولست أرى في آل يعقوب طيرة , ولا حساب نجوم أوعراف ~~بين بني إسرائيل , كيف أقول والشعب قائم مثل الضرغام لا يربض حتى يفترس ~~فريسته ويشربدم القتل , فقال بالاق لبلعام : أطلب أن لا تلعنه ولا تدعوا له ~~, فرد بلعام على بالاق قائلا : ألست قلت لك : إني إنما أنطق بما يقول لي ~~الرب , فقال بالاق : انطلق بنا إلى موضع آخر , لععل الله يرضى بغير هذا ~~فتلعنه لي هناك , فأصعده إلى رأس فغور الذي بإزاء إستيمون , فأمره بمثل ما ~~تقدم من الذبح والقربان , فرأى بلعام أن الرب يحب أن يدعو لبني إسرائيل , ~~ولم ينطلق كما كان ينطلق في كل وقت ليطلب الوحي , ولكن أقبل بوجهه إلى ~~البرية ومد بصره , فرأى بني إسرائيل نزولا قبائل قبائل فحل عليه روح الله , ~~ورفع صوته بأمثاله وقال : قل يابلعام بن بعور , قل أيها الرجل الذي أجلى عن ~~بصره , قل ms1774 أيها الذي سمع قول الله ورأى رؤيا الله وهوملقى وعيناه مفتوحتان ~~, ما أحسن منزلك يايعقوب ومنازلك يا إسرائيل ! وخيمك كالأدوية الجارية , ~~ومثل الفراديس التي على شاطئ النهر , ومثل الجنى الذي ركزه الله , ومثل شجر ~~الأرز على شاطئ النهر يخرج رجل من بينه وذريته أكثر من الماء الكثير , ~~ويعظم على الملك , وذلك بقوة الله الذي أخرجكم من أرض مصر بغير توقف رثما , ~~يأكل خيرات الشعوب أعدائه ويكسر عظامهم ويقطع ظهوهم , رتع وربض الأسد ومثل ~~شبل اليث , ومن يقدر أن يبعثه , يبارك مباركون ويلعن لاعنوك , فاشتد ~~غضببالاق على بلعام وصفق بيديه متلهفا وقال : دعوتك للعن أعدائي , فماذا ~~أنت تباركهم وتدعو لهم ثلاث مرات , انصرف الان إلى بلادك , قد كنت عزمت على ~~إكرامك وإجازتك فإذا الرب قد أحرمك ذلك , فرد بلعام على بالاق قائلا : قد ~~كنت قلت لرسلك الذين أرسلهم إلي أنه لو وهب ليبالاق ملء بيته من ذهب وفضة ~~لم أقدر أتعدى عن قول الرب , ولكن إنما انطق ما يلهمني الرب , فأنا أنطلق ~~الآن إلى أراضي , فأسمع ما أشير عليك وأخبرك ما يصنع هذا الشعب بشعبك آخر ~~الأيام , ثم رفع صوته بأمثله وقال : قل يابلعام بن بعور قل أيها الرجل ~~المجلى عن بصره ! قل أيها الذي سمع قول الله وعلم علم العلي ورأى رؤيا الله ~~إذ هو ملقى وعيناه PageV03P156 مفتوحتان ! فإني رأيته وإذا ليس ظهوره الآن ~~وإن كان متدانفا , ونظرت في أمره وإذا ليس بقريب , يشرق نجم من آل يعقوب , ~~ويقوم رئيس من بني إسرائيل , ويهلك جبابرة من مؤاب ويبيد جميع بني شيث , ~~وتثير أدوم ميراثه , وساعير وراثة أعدائه يصير له , ويستفيد بنو إسرائيل ~~قوة بقوته - ونحو ذلك من الكلام الذي فيه ما يكون سببا لا نسلاخه من الآيات ~~, لكنذكر المفسرون أنه أشار عليه باختلاط نساء بلاده ببني إسرائيل متزينات ~~غير ممتنعات ممن أرادهن منهم ليزنوا بهن فيحل بهم الرجز , فوقع بهم ذلك , ~~وهو الصواب لأنه ستأتي الإشارة إليه في التوارة عند فتح مدين بقوله : لماذا ~~أبقيتم على الإثاث وهن كن عثرة ms1775 لبني إسرائيل عن قول بلعام ومشورته - وسيأتي ~~ذلك قريبا , وما فيه من ذكر الوحي فهو محمول على المنام أو غير ذلك مما ~~يليق ؛ ثم قال : وقام بلعام ورجع منصرفا إلى بلاده وبالاق أيضا رجع إلى ~~بيته , وسكن بنو إسرائيل شاطيم , وبدأ الشعب أن يسفح مع بنات مؤاب , ودعون ~~الشعب إلى ذبائح آلهتهم , وأكل الشعب - من ذبائحهم وسجدوا الآلهتهم , وكمل ~~بنو إسرائيل لعباده بعليون الصنم , فاشتد غضب الله على بني إسرائيل , فقال ~~الرب لموسى اعمد إلى جميع بني إسرائيل فافضحهم , فقال موسى : يقتل كل رجل ~~منكم كل من أخطأ وسجد لبعليون , وإذا رجل من بني إسرائيل قد أتى بجرأة أمام ~~إخوته من غير أن يستحي , فدخل على امرأة مدينية وموسى وبنو إسرائيل يبكون ~~في باب قبة الآمد , فرآه فنحاس بن اليعازربن هارون الحبر فنهض من الجماعة ~~غضبا لله واخذ بيده رمحا ودخل إلى بيت الذي كانا فيه فطعنها بالرمح فقتلهما ~~, فكف الموت الفاشي عن بني إسرائيل , كان اسم المرأة المدينية كزبى بنت صور ~~, وكان أبوها - من رؤساء أهل مدين , وقال بعض المفسرين : أنه خرج رافعا ~~الحربة إلى السماء , قد اعتمد بمرفقه على خاصرته , وأسند الحربة إلى لحيته ~~, فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاس من كل ذبيحة القبة والذراع واللحي ~~والبكر من كل أموالهم وأنفسهم لأنه كان بكرا لعيزار بن هارون , ثم كلم الرب ~~موسى وقال له : ضيق على أهل مدين وأهلكهم كما ضيقوا عليكم ولحسوكم , ثم قال ~~: ثم كلم الرب موسى وقال له : إني لمنتقم من المدنيين ما صنعوا بين بني ~~إسرائيل , ثم كلم الرب موسى وقال له : إني لمنتقم من المدنيين ما صنعوا بين ~~بني إسرائيل , ثم تقتص إلى شعبك , ثم قال موسى للشعب : ينسلح منكم قوم ~~للحرب لينتقموا للرب من المدنيين , وليكونوا اثنى عشر ألفا , فانتخب موسى ~~من بني إسرائيل ألفا من كل سبط , اثنى عشر أبطالا متسلحين PageV03P157 ~~وأرسلهم , وصير قائدهم فنحاس بن العازر الحبر ومعه أوعيه القدس وقرون ينفخ ~~بها , وتقووا على مدين كما أمر الرب موسى ms1776 وقتلو كل ذكر فيها وقتلو ملوك ~~مدين مع القتلى , وقتل بلعام بن بعور معهم في الحرب , وسبى بنو إسرائيل ~~نساء مدين وانتبهوا مواشيهم وسلبوا جميع دوابهم وأموالهم وأخبروا جميع قرى ~~مساكنهم وأتو بما انتهبوه إلى موسى , وخرج موسى وجميع عظماء الجماعة ~~فتلقوهم خارج العسكر , وغضب موسى على رؤساء الأحبار ورؤساء الألوف والمئين ~~الذي أتوه من الحرب فقال لهم : لماذا أبقيتم على الإناث وهن كن عثرة لبني ~~إسرائيل عن قول بلعام ومشورته , وفتنوا وغدروا وتمردوا على الرب في أمر ~~فغور - وفي نسخة السبعين : فإن هؤلاء كن شيئا لبني إسرائيل لقوم بلعام أن ~~يتباعدوا ويتهاونوا بكلمة الرب من أجل فغور - فواقعت السخطة جماعة الرب - ~~وفي النسخة الأخرى : وتسلط الموت على جماعة الرب - بغته , فاقتلوا الآن ~~جميع الذكورة من الصبيان , وكل امرأة أدركت وعلقت وعرفت الرجال فاقتلوها ~~وأبقوا على جميع النساء اللواتي لم يعرغن الرجال وأما أنتم فانزلوا خارجا ~~عن العسكر سبعة أيام - إلى آخر ما مضى قريبا في الآصار | < < # | الأعراف : ( 179 - 184 ) ولقد ذرأنا لجهنم . . . . . # > > ^ ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ~~ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بهآ أولئك كالأنعام بل هم أضل ~~أولئك هم الغافلون * ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في ~~أسمآئه سيجزون ما كانوا يعملون * وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق وبه يعدلون * ~~والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي لهم إن كيدي متين ~~* أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين ) ^ } ) | ولما ~~انقضت هذه القصص فأسفرت عن أن أكثر الخلق هالك , صرح بذلك فقال مقسما لأنه ~~لا يكاد يصدق أن الإنسان يكون - أضل من البهائم , عاطفا على ما تقديره : ~~هؤلاء الذين قصصنا عليكم أخباركم ذرأناهم لجهنم : { ولقد } وعزتنا وجلالنا ~~{ ذرأنا } أي خلقنا بعظمتنا وأنشأنا وبثثنا ونشرنا { لجهنم كثيرا } أي ~~ألجأناهم إليها ولم يجعل بينهم وبينها حائلا ولما كانوا يعظمون الجن ~~ويخافون ويضلون بهم , بدأ بهم فقال : { من الجن } أي بنصبهم أنفسهم آلهة ~~بإضلالهم ms1777 الإنس في تزيين عبادتهم غير الله , فهم في الحقيقة المعبودون لا ~~الحجارة , ونحوها { والإنس } أي بعبادتهم لمن لا يصلح , وعلم أن الآية ~~صالحة لأن تكون معطوفة على الجملة التي قبلها فهي من فذلكه ما تقدم ~~PageV03P158 ولما كان كأنه قيل : ما لهم رضوا لأنفسهم بطريق جهنم ؟ قيل : { ~~لهم } ولما كان السياق للتفكير , بدأ بالقلوب فقال : { قلوب لا يفقهون بها ~~} أي الفقه الذي كلفوا به , وهو النظر في أدلة التوحيد وثبوت النبوة وما ~~تفرغ عن ذلك , وههو الفقه المسعد , عد غيره عد غيره عدما لأنه لم ينفعهم ~~النفع المقصود في الحقيقة , وما أحسن التعبير بالفقه في السياق إقامه ~~الأدلة التي منها إرسال الرسل وإنزال الكتب ولما كان البصر أعم من السمع , ~~لأنه ينتفع به الصغير الذي لا يفهم القول , وكذا كل من في حكمه , قدمه فقال ~~: { ولهم أعين } ولما لم يترتب عليهما الإبصار النافع في الآخرة الباقية , ~~نفى إبصارهم وإن كانوا أحد الناس إبصارا فقال : { لا يبصرون بها } أي ~~الآيات المرئية إبصار تفكر واعتبار { ولهم آذان } ولما لم يتؤتب على سمعها ~~ما ينفعهم , نفاه على نحو ما مضى فقال : { لا يسمعون بها } أي الآيات ~~المسموعة وما يدل عليها سماع ادكار وافتكار , ولما سلبت عنهم هذه المعاني ~~كانت النتيجة : { أولئك } أي البعداء من المعاني الإنسانية { كالأنعام } أي ~~في عدم الفقه , ولما كانوا قد زادوا على ذلك تفقد نفع السمع والبصر قال : { ~~بل هم أضل } لأنهم إما معاند وإما جاهل بما يضره وينفعه , والأنعام تهرب ~~إذا سمعت صوتا منكرا فرأت بعينها أنه يترتب عليه ضرها , وتنتظر ما ينفعها ~~من الماء والمرعى فتقصده , والأنعام لا قدرة لها على ما يترتب على هذه ~~المدارك من الفقه . | وهؤلاء مع قدرتهم على ذلك أهملوا فنزلوا عن رتبتها ~~درجة كما أن من طلب الكمال وسعى له سعيه مع نزاع الشهوات علا عن درجة ~~الملائكة بما قاسى من الجهاد . | ولما تشاركوا الأنعام بهذه في الغفلة ~~وزادوا عليها , أنتج ذلك قطعا على طريق الحصر : { أولئك } أي البعداء ~~البغضاء { هم } أي خاصة ms1778 { الغافلون / * } لا الأنعام , فإنها - وإن كانت ~~غافلة عما يراد بها - غير خالدة في العذاب , فلم تشاركهم في العمى والصمم ~~عما ينفعها ولا في الغفلة عن الخسارة الدائمة , فقد أشارت الآية إلى تفصيل ~~الإنسان على الملك كما اقتضيته سورة الزيتون , لأنه جعل في خلقه وسطا بين ~~الملك الذي هو عقل صرف والحيوان الذي هو شهوة مجردة , فإن غلب عقله كان ~~أعلى بما عالجه من جهاد الشهوات فكان في < # > 77 ( { أحسن تقويم } ) 77 < # > [ التين : 5 ] وإن غلبت شهوته كان اسفل من الحيوان بما أضاع من عقله ~~فكان < # > 77 ( { أسفل سافلين } ) 77 < # > [ التين : 5 ] ولما أنتج هذا أن لهم الأسماء السوأى ولمعبوداتهم أسوأ ~~منها , عطف عليه دفعا لوهم من يتوهم بالحكم بالضلال والذرء لجهنم مالا يليق ~~, وتنبيها على أن الموجب لدخول جهنم الغفلة عن ذكر الله ودعائه - قوله : { ~~ولله } أي الملك الأعلى المحيط PageV03P159 بجميع صفات الكمال وحده { ~~الأسماء } ولما كان الاسم إذالحظت فيه الناسبه كان بمعنى الصفة , أنث في ~~قوله { الحسنى } أي كلها باتصافه دون غيره بصفات الكمال التي كل واحدة منها ~~أحسن شيء وأجمله وتنزهه عن شوائب النقص وسمات الحدث , فكل أفعاله حكمه ~~وإنما كان مختصا بذلك لأن الأشياءغيره ممكنه لتغيرها , وكل ممكن محتاج ~~وأدنى ما يحتاج إلى مرجح يرجح وجوده , وبذلك نعلم وجود المرجح ونعلم أن ~~ترجيحه على سبيل الصحة والاختيار لا الوجوب , وإلا لدام العالم بدوامه , ~~وبذلك ثبتت قدرته , وتكون أفعاله محمكه ثبت علمه فثبتت حياته وسمعه وبصره ~~وكلامه وإرادته ووحدانية , وإلالوقع التنازع فوقع الخلل , فالعلم بصفاته ~~العلى ليس في درجة واحدة بل مترتبا , وعلم بهذا أن الكمال له لذاته , وأما ~~غيره فكماله به وهو بذاته غرق في بحر الفناء واقع في حضيض النقصان { فادعوه ~~} أي فصفوه وسموه واسألوه { بها } لتنجوا من جهنم وتنالوا كل ما تحمد ~~عاقبته , فإن القلب إذا غفل عن ذكر الله أقبل على الدنيا وشهواتها فوقع في ~~نار الحرص وزمهرير الحرمان ولا يزال في رغبة إلى رغبة حتى لا يبقى له مخلص ~~, وإذا أقبل على الذكر ms1779 تخلص عن نيران الآفات واستشعر بمعرفة الله حتى تخلص ~~من رق الشهوات فيصير حرا فيسعد بجميع المرادات , وكثرة الأسماء لا تقدح في ~~التوحيد بل تدل على عظيم المسمى { وذروا } أي اتركوا على حالة ذرية { الذين ~~يلحدون } أي يميلون عما حد لهم بزيادة فيشبهوا أو نقص فيعطوا { في أسمائه } ~~أي فيطلقونها على غيره بأن يسموه إلها , فليزمهم أن يطلقوا عليه جميع أوصاف ~~الإله . | فقد ألحدوا في البعض بالفعل وفي الباقي بالزوم , أو بأن يسموه ~~بما لم يأذن فيه , وما لم يأذن فيه تارة يكون مأذونا فيه في الجملة كالضار ~~فلا يجوز ذكره إلا مع النافع , وتارة لا , مثل إطلاق الأب عليه والجسم , ~~وكذا كل ما أهم نقصا , فلم يكن أحسن , ولوروده إطلاق بعض اشتقاقاته عليه ~~مثل علم لا يجوز أن يقال لأجله : معلم , وكذا لحبهم لا يجوز لأجله أن يقال ~~: ياخالق الديدان والقردة مثلا , وكذا لا يجوز أن يذكر اسم لا يعرف ~~الذاكرمعناه ولو كان الناس يفهمون منه مدحا كما يقول البعض البدو : يا أبيض ~~الوجه ! يا أبا المكارم ! فإن ذلك كله إلحاد , وهذا الفعل يستعمل مجردا ~~فيقال : لحد في كذا وألحد فيه - بمعنىواحد , وهو العدول عن الحق والإدخال ~~فيه ما ليس منه - نقله أبو حيان عن ابن السكيت ؛ وقال الإمام أبو القاسم ~~علي بن جعفر بن القطاع في كتاب الأفعال : لحد الميت لحدا وألحده : شق له ~~القبر , وإلى الشيء وعنه وفي الدين : مال , وقرئ بهما كذلك . | ولما كان ~~كأنه قيل : فما يفعل بمن ألحد ؟ وكان المرهب إيقاع الجزاء , لاكونه ~~PageV03P160 من معين , قال بانيا للمفعول : { سيجزون } أي في الدنيا ~~والآخرة بوعد لا خلف فيه { ماكانوا } اي بجبلاتهم { يعملون * } أي فيفعل ~~بهم من أنواع الإهانة والعقوبة ما يوجب وصفهم بأقبح الأصفاف ضد ما كانوا ~~يسمعونه في الدنيا ممن يدانيهم . | ولما أخبر تعالى عن ذرء جهنم من ~~القبلتين , تشوف السامع إلى معرفة حال الباقين منهما , فقال مصرحا بالخبر ~~عنهم عاطفا على < # > 77 ( { ولقد ذرأنا } ) 77 < # > [ الأعراف : 179 ] مشيرا بمن التبعيضية إلى قتلهم تصديقا ms1780 لقوله < # > 77 ( { وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين } ) 77 < # > [ الأعراف : 102 ] { وممن خلقنا } أي بما لنا من العظمة { أمة } أي ~~جماعة عرفت من هو أهل لأن بؤم ويهتدى به فقصدته فاقتبست من أنواره فصارت هي ~~أهلا لأن تقصد ويؤم بها . | ولما أفهم لفظ الأمه هذا صرح به في قوله : { ~~يهدون بالحق } أي الثابت الذي يطابقه الواقع { وبه } اي الحق خاصه { يعدلون ~~* } أي يجعلون الأمور متعادلة , لا زيادة في شيء منها على ما ينبغي ولا نقص ~~, لأنا وفقناهم فكشفنا عن بصائرهم حجاب الغفلة التي ألزمناها أولئك , قال ~~أكثر المفسرين : هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم , ورواه بعضهم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأبهم الأمر بعد تعيين قوم موسى عليه السلام تعظيما لهم ~~ولما بين حال الهادين المهديين , وكان أصل السياق الضالين المضلين , أتبعه ~~بقية الحديث عنهم على وجه ملوح بأن علة الهداية التوفيق , فقال عاطفا على ~~تقديره : فنحن نعلي أمرهم ونطيب ذكرهم : { والذين كذبوا } أي نسبوا الرسل ~~إلى الكذب بسبب إتيانهم { بآيتنا } على ما يشاهد من عظمتها { سنستدرجهم } ~~أي نستنزلهم ونستدنيهم بوعد لا خلف فيه إلى ما نريد بهم من الشر العظيم ~~درجة درجة بسبب أنهم كلما أحدثوا جريمة أسبغنا عليهم نعمة , وإذا عملوا ~~طاعة قصرنا عنهم في الإنعام , أو ضربناهم بسوط الانتقام , فيظنون أن ~~المعاصي سبب النعم فينسلخون من الدين , ولذلك قال : { من حيث لا يعلمون } ~~أي فيرتكبون ما يتعجب من مداناته فضلا عن مباشرته ومعاناته من له أدنى ~~بصيرة حتى يكمل ما نريد منهم من المعاصي , وهو من أدلة { سأصرف عن آياتي } ~~وأتى في الاستدراج بأداة العظمة وفي الإملا ء بضمير الواحد فقال { وأملي ~~لهم } أي أمهلهم بوعد جازم زمانا طويلا وأمد لهم وهم يعصون حتى يظنون أن ~~الله يحبهم حتى يزيدون في ذلك لأنهم لا يفعلون شيئا إلا بمرادي ولا يفوتوني ~~ولم يأت بهما على نهج واحد , لأن الاستدراج يكون بواسطة وبغيرها , فكأنه ~~قال : سأستدرجبنفسي من غير واسطة تارة وبمن أتيح لهم النعم على يده من ~~عبيدي وجنودي ms1781 أخرى , وأما الإملاء وهو تطويل الأجل - فلا يتصور أن يكون إلا ~~من الله تعالى ولما كان هذا موجبا لهم - ولابد - الإصرار على المعاصي حتى ~~يصلوا إلى ما PageV03P161 حكم عليهم به من النار , قال مستأنفا { إن كيدي } ~~أي فعلي الذي ظاهرة رفعه وباطنه ضيعه - ظاهره إحسان وباطنه خذلان { متين * ~~} أي شديد قوي لا يمكن أحدا قطعه , قال الإمام بعد تأويل للمعتزله حملهم ~~عليه إيجابهم رعاية الأصلح : وأنا شديد التعجب من المعتزله , يرون القرآن ~~كالبحر الذي لاساحل له مملوءا من هذه الآيات , والدلائل العقلية القاهرة ~~مطابقة لها , ثم يكتفون في تأويلها - أي عن أنه تعالى يريد الشر - بهذه ~~الوجوه الضعيفة إلا أن علمي بما أراد الله كائن , مزيل هذا التعجب ولما كان ~~السياق من أول السورة لإنذارهم , وكان لا بد في صحة الإنذار من تصحيح ~~الرسالة , وختم بأمرالاستدراج , وكانوا قد واقعوا من المعاصي ما لايجترئ ~~عليه إلا مطموس البصيرة , وكان عندهم أن من قال : إنهم علىحال سيء , - مع ~~ماهم فيه من النعم الظاهر - مجنون , وكان التقدير دلالة على صحة الاستدراج ~~؛ ألم يروا أنهم يقدمون على مالا يرضاه لنفسه عاقل من عبادتهم للحجر ~~وشماختهم عن أكمل البشر ووصفه بالجنون ووصفهم أفضل الكلام بالسحروالكذب إلى ~~غيرذلك مما يغضب من ليس النفع والضر إلا بيده , وهو مع ذلك يوالي عليهم ~~النعم , ويدفع عنهم النقم , هل ذلك إلا استدراج ؛ قال منكرا عليهم عطفا على ~~ما أرشد السياق والعطف على غير معطوف عليه إاى تقديره : { أو لم يتفكروا } ~~أي يعملوا أفكارهم ويمنعوا في ترتيب المقدمات ليعلموا أنه لا يتوجه لهم طعن ~~يورث شبهة بوجه من الوجوه , وبين المراد من هذا التفكر وعينه بقوله : { ما ~~يصاحبهم } أي الذي طالت خبرتهم لأنه أمنتهم عقلا وأفضلهم شمائل ولم يقل : ~~ما برسولي ونحوه , لئلا يقول متعنتهم مالا يخفى , وأعرق في النفي فقال : ؛ ~~{ من جنة } أي حالة من حالات الجنون . | ولما نفى أن يكون به شيء مما نسبوه ~~إليه وافتزوه عليه فثبتت رسالته , حصر أمره في النذارة لأنها النافعة لهم ~~مع أن ms1782 المقام لها في هذه السورة فقال : { إن } أي ما { هو إلانذير } أي ~~بالغ في نذارته { مبين * } أي موضح للطريق إيضاحا لا يصل إلى غيره , ومن ~~أدلة ذلك عجز الخلق عن معارضة شيء مما يأتي به من أنه أحسن الناس خلقا ~~وأعلاهم خلقا وأفضلهم عشرة وأرضاهم طريقة وأعدلهم سيرة وأطهرهم سريرة ~~وأشرفهم عملا وأحكمهم علما وأرصنهم رأيا وأعظمهم عقلا وأشدهم أمانة وأظهرهم ~~نبلا . | < < # | الأعراف : ( 185 - 188 ) أولم ينظروا في . . . . . # > > ^ ( أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن ~~عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون * من يضلل الله فلا هادي ~~له ويذرهم في طغيانهم يعمهون * يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما ~~علمها عند ربي لا يجليها لوقتهآ إلا هو ثقلت في PageV03P162 السماوات ~~والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون * قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شآء ~~الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير ~~وبشير لقوم يؤمنون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان النظر في امر النبوة مفرعا على تقرير أدلىة التوحيد , وكان ~~المقصود من الإنذار الرجوع عن الإلحاد , قال منكرا عليهم عدم النظر في ~~دلائل التوحيد الراد عن كل حال سيئ : { أولم } ولما كان الأمر واضحا قال : ~~{ ينظرون } أي نظر تأمل اعتبار , ودل على أنه بالبصيرة لا البصر بالصلة , ~~فقال إشارة إلى كل ذرة فيها دلائل جمة { في ملكوت } وعظم الأمر بقوله : { ~~السموات والأرض } أي ملكها البالغ من حد العظمة أمرا باهرا بظاهرة الذي ~~يعرفونه وباطنه الذي يلوح لهم ولا يدركونه . | ولما كانت ادلة التوحديد ~~تفوت الحصر , ففي كل ذرة برهان قاهر ودليل ساطع باهر , قال ؛ { وما } أي ~~وفيما { خلق الله } أي على ما له من الجلال والجمال { من شيء } أي غيرهما , ~~ليعلموا أنه لا يقدر على شيء من ذلك فضلا عن ذلك غيره , ويتحققوا أن كتابه ~~سبحانه مباين لجميع مخلوقاته فيعلموا أنه ms1783 صفته سبحانه وكلامه , فلا يلحدون ~~في أسمائه فلا يسموا بشيء منها غيره لما ظهر لهم من تمام قدرته وتمام عجز ~~غيره عن كل شيء ومن شمول علمه وتناهي جهل غيره بكل شيء أنه قهار شديد , ~~وبعجزه كل شيء عن كل شيء من أمره أنه عزيز , وبإسباغه النعمة أنه رحيم كريم ~~إلى غير ذلك من أسمائه الحسنى وصفاته العلى التي تنطق الأشياء بها بألسنة ~~الأحوال وتتحدث بها صدور الكائنات وإن لم يكن لها مقال , ويشرحها كلام ~~التدبير بما له من الكمال { وأن عسى } أي وينظرون في الإشقاق والخوف من أنه ~~ممكن وخليق وجدير { أن يكون قد اقترب } أي دنا دنوا عظيما { أجلهم } أي ~~الذي لا شك عندهم في كونه بموته من موتان هذه الأمم التي أسلفنا اخبارهم ~~كنفس واحدة أو بالتدريج فيبادروا بالإيمان به خشية انخرام الأجل للنجاة من ~~أعظم الوجل , فإن كل عاقل إذا جوزخطراينبغي له ان ينظر في عاقبته ويجتهد في ~~الخلاص منه ولما كان قدم في أول السورة النهي عن التحرج من الإنذار بهذا ~~الكتاب , وبان بهذه الآيات أنه صلى الله عليه وسلم اتصف بالإنذار به حق ~~الاتصاف , وبان أن القرآن مباين لجميع المخلوقات , فثبت أنه كلام الله ؛ ~~تسبب عن ذلك الإنكار على من يتوقف عن الإيمان به , والتخويف من إحلال أجله ~~قبل ذلك فيقع فيما لا يمكنه تداركه , وذلك في أسلوب دال على أن الإيمان بعد ~~هذا البيان مما لا يسوغ التوقف فيه إلا لانتظار كلام آخر فقال : ~~PageV03P163 { فبأي حديث } أي كلام يتجدد له في كل واقعة بيان المخلص منها ~~{ بعده } أي بعد هذه الرتبة العظيمة { يؤمنون * } فقد دلت هذه الآية على أن ~~للإيمان طريقين : أحدهما سمعي , والآخر عقلي , قال الحرالي في كتاب له في ~~أصول الفقه : الحكم إنما يتلقى من خطاب الله البالغ على السنة رسله , وقد ~~اتضح واشتهر ان السمع من طرق تفهم خطاب الله الذي تبلغه الرسل , وكذلك أيضا ~~قد تحقق لقوم من أولي الألباب أن الرؤية وسائر الحواس طريق من طرق تفهم ~~خطاب ms1784 الله أيضا , يعي منه اللب العقلي معنى الإرسال في كتابه المخلوق كما ~~يعي العقل معنى الإرسال من مفهوم كلامه المنطوق , وقوم ممن فهم من مرئي ~~كتاب الله المشهود إرسال ولقن أحكاما يسمون الحنيفيين كقس ابن ساعده وزيد ~~بن عمرو بن نفيل , وقد شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن كل واحد ~~منهم ( يبعث أمه واحدة ) لاهتدائه من نفسه من غير رسالة هاد خارج عنه , بل ~~من رسول موجدته وإحساسه للعالم , ولأنه إنما أخذ بكلية حكم الإيمان ووجوب ~~المناصفه مع الخلق كم شهود خلق الله , وصار مع ذلك يترقب تأكيد ما يحصل له ~~عقلا من مسموع خطاب الله , وعلى نحو هذه الحال - وأتم هي - حال الأنبياء ~~والصديقين قبل مورد الوحي على النبي وقبل سماع صديقه وارد وحيه , وهؤلاء هم ~~- الذين لا يتوقفون عن الإيمان بالنبي عند ابتداء دعوته , وكما أن النبي لا ~~يلزم ويجكم بل يبلغ عن الله فكذلك نظر العقل لا يلزم ولا يحكم بل يبلغ عن ~~الله فيكون الحكم الذي هو تصرف الحق في أفعال الخلق بهذا على ضربين , شرعي ~~أي مأخوذ من الإرسال الشرعي , وعقلي أي مأخوذ من الإرسال العقلي , وحاصل ~~ذلك أن العالم المشهود مبين عن أمر الله , وكل مبين مبلغ , فالعلم مبلغ أي ~~بما يفهمه الفاهم من كلامه عن الله , فإن النحاة قالوا - كما ذكره ابن ~~عصفور في شرح الإيضاح لأبي علي وكذا غيره : إن الكلام في الإصلاح لا يقع ~~الإعلى اللفظ المركب وجودا أو تقديرا المفيد بالوضع , قال : واحترزوا ~~باللفظ عما يقال له كلام لغة وليس بلفظ كالخط والإشارة وما في النفس وما ~~يفهم من حال الشيء , وقال الحرالي : نحو حال الخجل والغضبان , وبالفعل نحو ~~الإشارة باليد والعقد بالأنامل وبآثار الفعل كالصنائع والأعمال , وباللفظ ~~الذي يلفظ به القلب إلى ظاهر اللسان , وبآثار رقوم يحاذي بها حذو مفهوم ~~اللفظ وهو الخط - انتهى . | PageV03P164 ولما كان ذلك كله من أعجب العجب , ~~كانت فذلكته قطعا تعليلا لما قبله من إعراضهم عما لا ينبغي الإعراض عنه ~~دليلا علىأن ms1785 الأمر ليس إلا بيد منزلة سبحانه قوله : { من يضلل الله } أي ~~الذي له جميع العظمة { فلا هادي } أصلا { له } بوجه من الوجوه ؛ ولما دل ~~بالإفراد على أن كل فرد في قبضته , وكان التقدير : بل يستمر على ضلاله , ~~وعطف عليه بضمير الجمع دلالة علىأن جمعهم لا يغني من الله شيئا فقال : { ~~ويذرهم } أي يتركهم على حالة قبيحة , وعبر بالظرف إشارة إلى إحاطة حكمه بهم ~~فقال : { في طغيانهم } أي تجاوزهم للحدود حال كونهم { يعمهون } أي يتحيرون ~~ويترددون في الضلال لا يعرفونه طريقا ولا يفهمون حجة وللما بين التوحيد ~~والنبوة والقضاء والقدر , أتبعه المعاد لتكمل المطالب الأربعة التي هي ~~أمهات مطالب القرآن , مبينا ما اشتمل عليه هذا الكلام من تبدلهم في العمه ~~وتلددهم في إشراك الشبه بقوله : { يسئلونك } أي مكررين لذلك { عن الساعة } ~~أي عن وقتها سؤال استهزاء { أيان مرساها } أي أي وقت ثبات ثقلها واستقراره ~~, والمرسى يكون مصدرا وزمانا ومكانا , من رست السفينة - إذا ثبتت بالحديدة ~~المتشبعة , وإنما كان هذا بيانا لعههم فإنهم وقعوا بذلك في الضلال من وجهين ~~: السؤال عما غيره لهم أهم , وجعله على طريق الاستهزاء مع ما قام عليه من ~~الأدلة , وسيكرره في هذه السورة , وكان اللائق بهم أن يجعلوا بدل السؤال ~~عنها اتقاءها بالأعمال الصالحة ولما كان السؤال عن الساعة عاما ثم خاصا ~~بالسؤال عن وقتها , جاء الجواب عموما عنها بقوله : { قل إنما علمها } أي ~~علم وقت إرسالها وغيره { عند ربي } اي المحسن إلي بإقامتها لينعم على تبعني ~~وينتقم ممن تركني , لم يطلع على ذلك أحدا من خلقه , ولا يقيمها إلا في أحسن ~~الأوقات وأنفعها لي , وإخفاؤها أنفع للخلق لأنه أعظم لشأنها وأهيب , فيكون ~~أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية وأقرب إلى التوبة , ثم خصصت من حيث الوقت ~~بقوله مشيرا إلى أن لها أشرطا تتقدمها : { لا يجليها } أي يبينها غاية ~~البيان { لوقتها إلا هو } ولما كان قد أشار إلى ثقل الساعة بالإساء , وكان ~~الشيء إذا جهل من بعض الوجوه أشكل وإذا أشكل ثقل , قال : { ثقلت } أي ~~الساعة فغاضت ms1786 إلى حيث لم يتغلغل إليها علم العباد فأهمهم كلهم علي شأنها , ~~ولذلك عبر بالظرف فقال : { غي السموات والأرض } أي نسبة أهلها إلى خفائها ~~والخوف منها على حد سواء لأن مالكها قادر على ما يشاء , وله أن يفعل ما ~~يشاء - ثم قرر خفاءها على الكل فقال : { لا تأتيكم } أي في حالة من الحالات ~~{ إلا بغتة } أي على حين غفلة . | PageV03P165 ولما كانوا قد ألحفوا في ~~سؤاله صلى الله عليه وسلم عنها , وكانت صفة الربوبية المذكورة في الجملة ~~الأولى ربما حملت على سؤاله طمعا في تعريفها من المحسن إليه , قطع الأطماع ~~بقوله مؤكدا للمعنى : { يسئلونك } أي عن الساعة مطلقا في وقت وقوعها وما ~~يحصل من أمورها ويحدث من شدائدها , أي ويلحفون في سؤالك كلما أخبرتهم أنه ~~لا يعلمها إلا الله { كأنك حفي } أي عالم بأمرها مستقص مبالغ في السؤال { ~~عنها قل } أي قطعا لسؤالهم { إنما علمها عند الله } أي الذي له جميع العزة ~~والعظمة والكبرياء فلا يستطاع علم شيء مما عنده إلا بإذنه , ولم يأذن في ~~علمها لأحد من الخلق { ولكن أكثر الناس } أي الذين غلبت عليهمصفة الاضطراب ~~{ لايعلمون } أي ليسوا من أهل العلم فهم بالسؤال عنها يستهزئون , ولو كانوا ~~من أهله ما كذبوك , فوقعوا ما لا يعنيهم من السؤال عنها وغيره من أنواع ~~التعنت , وتركوا ما ينجيهم ويغنيهم من المبادرة إلى الإيمان بهذا القرآن ~~خوف انخرام الآجال وهم يهيمون في أدوية الضلال ولما كان علم الغيب ملزوما ~~لجلب الخير ودفع الضير , وكانت الساعة أدق علم الغيب , أمره بنفي هذا ~~اللازم فينتفي الأعم بانتفائه الأخص , وقدم النفع لأنه أهم إلى النفس , ~~وليس في السياق ما يوجب تأخيره بخلاف ما في سورة يونس عليه السلام , فقال ~~آمرا بإظهار ذل العبودية : { قل لا أملك } أي في وقت من الأوقات أصلا { ~~لنفسي نفعا } اي شيئا من جلب النفع قليلا ولا كثيرا { ولا ضرا } كذلك , فإن ~~قدرتي قاصرة وعلمي قليل , وكل منة كان عبدا كان كذلك ولما كان من المعلوم ~~بل المشاهدة أن كل حيوان يضر وينفع ms1787 , أعلم أن ذلك إنما هو بالله فقال : { ~~إلا ما شاء الله } أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد سواه أن يقدرني عليه ~~ولما بين لهم بهذا أن سؤالهم عن الساعة وغيرها من المغيبات جهل منهم , لأن ~~حالة واضح في أنه لا يعلم من ذلك إلا ما علمه الله الذي اختص بعلم الغيب , ~~دل عليه بقوله : { ولوكنت } أي من ذاتي { أعلم الغيب } اي جنسه { لا ستكثرت ~~} أي أوجدت لنفسي كثيرا { من الخير } باستجلاب المنافع بنصب أسبابها ولما ~~كان الضر لا يحتمل منه شيء قال : { وما مسني السوء } أي هذه الجنس بإقامة ~~الموانع له عني لأن لازم إحاطة العلم شمول القدرة كما سيقرر إن شاء الله ~~تعالى في سورة طه , ولما بين أن علم الغيب رتبة الإله , ختم الآيه ببيان ~~رتبته , فقال قالبا ما أدعوه فيه من الجنون لما بان بقوله : ( يا بني عبد ~~مناف ! اتقوا الله , يا بني فلان يا PageV03P166 بني فلان ) وكذا ما لزم عن ~~إلزامهم له بعلم الساعة من أنه يكون إلها : { إن أنا إلا } ولما كانت ~~السورة للإنذار , قدمه فقال : { نذير } أي مطلقا للكافر ليرجع عن كفره , ~~والمؤمن ليثبت على إيمانه { وبشير لقوم يؤمنون * } أي خاصة , أو الصفتان ~~لهم خاصة بالنظر إلى النفع , وأما ما لا نفع فيه فعدم . | < < # | الأعراف : ( 189 - 196 ) هو الذي خلقكم . . . . . # > > ^ ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما ~~تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلمآ أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا ~~صالحا لنكونن من الشاكرين * فلمآ آتاهما صالحا جعلا له شركآء فيمآ آتاهما ~~فتعالى الله عما يشركون * أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون * ولا ~~يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ~~سوآء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون * إن الذين تدعون من دون الله عباد ~~أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين * ألهم أرجل يمشون بهآ أم ~~لهم أيد يبطشون بهآ أم لهم أعين يبصرون بهآ أم لهم آذان يسمعون بها قل ~~ادعوا ms1788 شركآءكم ثم كيدون فلا تنظرون * إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو ~~يتولى الصالحين ) ^ } ) | ولما ذكر سبحانه الساعة هنا كما ذكرها أول السورة ~~بما لم يذكره هناك من تهكمهم واستهزائهم , وختم هنا بحصر العلم والقدرة في ~~الله الموجب لتفرده بالإلهية , وكان الذي جرهم إلى ذلك الاستهزاء إشراكهم , ~~ذكر قلبها أول السورة من ابتداء الخلق على وجه الحصر المستلزم لتمام القدرة ~~الموجب لنفي الشريك واعتقاد القدرة على الساعة وغيرها والصدق في كل ما وقع ~~الإخبار به من أمرها وغيره الموجب للاستقامه في قبول بشارته ونذارته ~~والإقبال بالكلية على الخالق , فقال مقررا للتوحيد مؤكدا لأمره : { هو } أي ~~وحده { الذي خلقكم } أي ولم تكونوا شيئا { من نفس واحدة أي خلقها ابتداء من ~~تراب وهي آدم عليه السلام - كما مر بيانه , ومن قدر على اختراع من شيء ليس ~~له أصل في الحياة , كان على إعادة حيا من ذلك الشيء بعد أن صار له أصل في ~~الحياة أقدر ولما كان آدم عليه السلام بعد صيرورته لحما ودما أقرب إلى ~~السببية لخلق ذات PageV03P167 لحم ودم منه , قال معبرا بالواو لأنه كاف في ~~نفي الشرك الذي السياق للتحذير منه بخلاف الزمر فإنه للقهر , وتأجير ~~المسببات عن الأسباب مدة أدل عليه لأنه خلاف الأصل , { وجعل } لأن الجعل - ~~كما قال الحرالي - إظهار أمر عن سبب ونصيير { منها } أي لا من غيرها { ~~زوجها } أي حواء من لحمها ودمها وعظمها ولما كان المراد بالنفس آدم عليه ~~السلام وكان الزوج يقال على الذكر والأنثى , استخدم ضميره في المذكر ذكرا ~~علة الجعل بقوله : { ليسكن } أي آدم هو المراد بالنفس هنا , ولما كان الزوج ~~هنا هو المرأة أنث الضمير فقال : { إليها } وتنقلهم من ذلك السكون منه ~~إليها - لأن النفس إلى الجنس أميل وعليه أغلب وعليه أقبل , ولا سيما إن كان ~~بعضا , ألا ترى إلى محبة الوالد لولده والقريب لقريبه , وإنما منع سبحانه ~~من نكاح الأصل والفرع لما في ذلك من الضرار وغيره من الحكم الكبار , ~~فيغشاهاعند ما يسكن إليها فيحصل الحبل والولادة فتتفرع النفوس ms1789 من تلك النفس ~~ولما كان السكون هنا كناية عن الجماع , أعادة بلفظ أقرب منه - فقال مؤذنا ~~بقرب غشيلتها بعد جعلها , أو ناسقا له على ما تقديره : فسكن إليها فمالت ~~نفسه إليها فلم يتمالك أن غشيها { فلما تغشاها } أي غشيها آدم عليه السلام ~~المعبر عنه بالنفس بهمة عظيمة { حملت جحملا خفيفا } أي لأنه نطقه { فمرت به ~~} أي فعالجت به أعمالها وقامت وقعدت , لم يعقها عن شيء من ذلك , إعلاما بأن ~~أمرها فيه كان على عادة النساء التي نعرفها { فلما أثقلت } أي صارت ثقيلة ~~بكبره وتحريكه في بطنها { دعوا الله } أي آدم وحواء عليهما السلام ولما ذكر ~~الاسم الأعظم استحضارا لأن المدعو هو الذي له جميع الكمال , فهو قادر على ~~ما دعوا به لأنه قادر على كل ما يريد , ذكر صفة الإحسان رجاء القبول ~~والامتنان فقال : { ربهما } أي الذي أحسن إليهما , مقسمين { لئن آتينا ~~صالحا } أي ولدا لا عيب فيه { لنكونن من الشاكرين * } أي نحن وأولادنا على ~~نعمتك علينا , وذلك أنهما جوزا أن يكون غير سوى لقدرة الله على كل ما يريد ~~, لأنه الفاعل المختار لا الطبيعية ولا غيرها , وأشار بالفاء إلى قرب ~~الولادة من الدعاء فقال : { فلما آتاهما } أي أبويكم آدم وحواء { صالحا } ~~اي جنس الولد الصالح في تمام الخلق بدنا وقوة وعقلا , فكثروا في الأرض ~~وانتشروا في نواحيها ذكوراوإناثا { جعلا } أي النوعان من أولادها ~~الذكوروالإناث , لأن ( صالحا ) صفة لولد وهو للجنس فيشمل الذكر والأنثى ~~والفيل والكثير , فكأنه قيل : فلما آتاهما أولادا صالحي الخلقة من الذكور ~~والإناثجعل النوعان { له شركاء } أي بعضهم اصناما وبعضهم نارا وبعضهم غير ~~ذلك , هذا PageV03P168 على قراءة الجماعة , وعلى قراءة نافع وأبي بكر عن ~~عاصم بكسر الشين وإسكان الراء والتنوين التقدير : ذويشرك { فيما آتاهما } ~~أي من القوى بالعبادة والرزق بالنذور ونحوها ولما لم يضر المشركون بالإشراك ~~إلا أنفسهم , سبب عن ذلك قوله : { فتعالى الله } أي بما له من صفات الكمال ~~التي ليست لغيره تعاليا كثيريا , والدليل على إدراة النوعين قوله : { عما ~~يشركون * } بالجمع , وكذا ما بعده من ms1790 عيب عبادة الأصنام ولما ذكر علوه ~~سبحانه , شرع من أوصافه عبارة وإشارة ما يدل على ذلك ويقيم الأدلة على عدم ~~صلاحية ما أشركوا به للشركة بعجزها , بأنها من جملة خلقه ولا تصرف لها ~~تستحق به وجها من التعظيم , فقال منكرا على عبادها دالاعلى أن المراد الشرك ~~الحقيقي , لاما ذكر من قصة إبليس في التسمية بعبد الحارث ونحوه : { أيشركون ~~} أي المشركون وأولادهما في العبادة { ما لا يخلق } أي من الأصتنام ~~والطبائع والكواكب وغيرها { شيئا } أي يوجده من العدم كما يفعل الله الذي ~~أشركوها به ولما كان يلزم أن يكون ما لا يخلق شيئا مخلوقا لأنه لا يتكون ~~عاجزا بغير قادر أوجده صرح به في قوله مجريا للأوثان مجرى أولي العلم ~~لتنزيلهم منزلتهم في الإعتقاد والعبادة : { وهم } ولما كان المصنوع لا يكون ~~صانعا , اكتفى بالبناء للمفعول فقال : { يخلقون * } أي متجددا خلق أعراضهم ~~وذواتهم وأمثالهم { ولا يستطيعون } أي للمشركين الذين يعبدونها { نصرا } ~~وهو المعونة على العدو , ولعله عبر بصيغة العاقل إشارة إلى أنهم لو كانوا ~~يعقلون , وكانوا بهذه الصفات الخسيسة ما أهلوهم لأن يكونوا أحبابهم فضلا عن ~~أن يجعلوهم أربابهم ولما كان من لا ينصر غيره قد ينصر نفسه , نفي ذلك بقوله ~~: { ولا أنفسهم ينصرون * } أي في وقت من الأوقات عند يصيبهم بسوء , بل ~~عبدتهم يدافعون عنهم ولما تبين من هذا الاستفهام الإنكاري المعجب من حالهم ~~في ضلالهم في أسلوب الغيبة أن من أشركوه ليس فيه نوع قابلية لما أهلوه , ~~فإن المعبود يجب أن يكون قادرا , ومن كان عاجزا نوع عجز كان مربوبا , وكان ~~للتنبيه بالخطاب ما ليس له بالغيبة ؛ أتبع ذلك في إسلوبه تعجيبا آخر منهم ~~أشد من الأول , وذلك أن معبوداتهم التي أشركوا بها كما أنها لا تفعل من ~~تلقاء أنفسها , لا تفعله عند دعاء الداعي ولا تهتدي إليه فقال تعالى { وإن ~~تدعوهم } أي وإن تدعوا أيها المشركون أصنامكم دعاء مستمرا متجددا ~~PageV03P169 { إلى الهدى } أي إلى الذي يدل الداعي إليه قطعا , على أن ~~المختلف عنه سيئ المزاح , محتاج إلى العلاج , لكونه ms1791 تخلف عما لا يتخلف عنه ~~من له نوع صلاح لكونه أشرف الأشياء , فالمختلف عنه راض لنفسه بالدون { لا ~~يتبعوكم } أي في ذلك الهدى الذي دعوتموهم إليه ولم بالغتم في الاستتباع , ~~ولعله عبر بصيغة الافتعال إشارة إلى أنها لا يتصور منها قصد التبع فضلا عن ~~إيجاده , ثم بين أن ذلك ليس بأمر عارض , بل هو مستمر دائم بقوله مستأنفا ~~تأكيدا للمعنى : { سواء عليكم } ولما كان السواء لا يكون إلا بين أمرين , ~~تشوف السامع إليهما فقال ؛ { أدعوتموهم } أي وجد منكم ذلك الدعاء الذي أشير ~~إلى استمراره , وعبر بالاسمية إشارة إلى أنهم لا يدعونهم في وقت الشدائد , ~~بل يدعون الله فقال : { أو أنتم صامتون * } أي عن ذلك الدوام على عادتكم في ~~الإعراض عن دعائهم في أوقات الملمات , فالذين دعون معتقديهم في وقت ~~الضرورات أقبح حالافي ذلك من المشركين ويجوز أن تكون الآية من الاحتباك , ~~فيكون نظمها : أدعوتموهم مرة أو أنتم داعوهم دائما أم صمتم عن دعائهم في ~~وقت ما أم أنتم صامتون دائما عن دعائهم , حاكم في كل هذه الأجوية سواء في ~~عدم الإجابة , لا اختلاف فيه بوجه , دل بالفعل أولا على حذف مثله ثانيا , ~~وبالاسم ثانيا على حذف مثله أولا ولما كان اتباع من يدعي أنه أعقل الناس ~~وأبعدهم عن النقائص وأعرقهم في معالي الأخلاق وأرفعهم عن سفسافها لمن هذا ~~سبيله أخزى الخزي وأقبح العار , وكانوا مع العلم بهذا الذي وصفت به - ~~معبوداتهم يفعلون في الإشراك بهم وفي خوفهم ورجائهم ما هو عين الجهل ؛ كرر ~~تبكيهم باتباعهم في أسلوب آخر أوضح مما قبله في تبيين النقائص والتنبيه على ~~المعايب ملجئ إلى الاعتراف أو التصريح بالعناد أو الجنون فقال مؤكدا : { إن ~~الذين تدعون } أي أيها المشركون كون دعاء عبادة ملازمين لذلك , أو أنه أطلق ~~الدعاء على العبادة إشارة إلى أنه لا تصح عبادة من ليس فيه قابيلة أن يدعى ~~, والحاصل أن الدعاء يلازم المعبود ولما كان دعؤهم لهم إنما هو على سبيل ~~الإشراك , قال مشيرا إلى سفوك رتبتهم بإثبات الجار : { من دون الله ms1792 } أي ~~الذي له صفات الكمال والعظمه والجلال { عباد أمثالكم } أي في العجز عن كل ~~شيء لا سيما عما وقع بع التحدي من معارضة القرآن وغيرها , وأنتم تزيدون ~~عليها بالحياة والعقل , والمعبود لا يصح أن يكون مثل العابد فكيف إذا كان ؛ ~~ولما كانوا لا يسلمون أنهم أمثالهم , سبب عن ذلك أمرهم بدعائهم لبيان دعوى ~~المثلية بل الدونية فقال : { فادعوهم } أي إلى شيء من الأشياء PageV03P170 ~~ولما كان الإله الحق يجيب وليه عند التحدي من غير تخلف , أشار إلى ذلك ~~بالربط بالفاء فقال : { فليستجيبوا لكم } أي يوجدوا لكم إجابة بينة في ~~الإتيان بسورة تماثل شيئا من القرآن وفي شيء من المنافع ولما كان المقام ~~محتاجا إلة مزيد توبيخ وإلهاب , قدم ما رأيت , ثم زاد في الإلهاب فقال : { ~~إن كنتم } أي جبلة وطبعا { صادقين * } أي في دعوى أنهم آلهة , فأن رتبة ~~الإله تقتضي ذلك , وقرأ سعيد بن جبير { إن } خفيفة و { عبادا أمثالكم بنصب ~~الدال واللام , واتفق المفسرون على تخرجهاغ على أن ( إن ) هي النافية أعملت ~~عما ( ما ) الحجازية , فرفعت الاسم ونصبت الخبر , وإعمالها هذا العمل فيه ~~خلاف , أجازه الكسائي وأكثر الكوفيين , ومن البصريين ابن السراج والفارسي ~~وابن جني , ومنع منه الفراء وأكثر البصريين , واختلف النقل عن سيبوية ~~والمبرد , والصيحح أن إعمالها لغة ثبت ذلك في النظم والنثر - ذكر ذلك كله ~~أبو حيان وذكر أنه أشبع الكلام فيه في شرح التسهيل , واعترض على هذا ~~التخريج بأنه يلزم منه منافاتها للقراءة المشهورة , وإنما يسلم له ذلك لو ~~توارد النفي والإثبات على شيء واحد , وليس الأمر هنا كذلك , فالاثبات ~~لمماثلتها لهم في مطلق العجز , والنفي لمساواتها لهم فيه لزيادتهم عنها ~~بالبطش ونحوه , أو يكون الأمر - كما قال الزمخشري - أن الإثبات على سبيل ~~التنزل والنفي على الحقيقة ولما أثبت عجزهم وأنهم أمثالهم , دل عليه وعلى ~~أنهم دونهم بأسلوب إنكار وتعجب مفصلا لبعض ما نفاه عنهم - فقال مقدما الأجل ~~لأن أول ما يخشى من الشيء انتقاله : { ألهم أجل } ولما كانت لهم جوارح ~~مصنوعة , بين المراد بقوله : { يمشون بها ms1793 } ولما كان المخشي بعد الانتقال ~~مد اليد , قال : { أم لهم أيد } أي موصوفة بأنهم { يبطشون بها } أي نوعا من ~~البطش ؛ ولما كان المخوف بعد البطش باليد البصرخوفا من الدلالة قال : { أم ~~لهم أعين } أي منعوته بأنهم { يبصرون بها } أي ضربا من الإبصار ؛ ولما كان ~~الإنسان ربما خاف مما يقصد ضره فتغيب عنه فلا يصل إليه بعد من السمع ولما ~~سواها بهم ونفى عنهم ما تقدم , لزم نقصانها عنهم وأنه في الحقيقة مسلوب ~~عنهم لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا العدم , والقدرة فيما يقدرون عليه إنما ~~هي بيد الصانع لهم أشركهم معها , وقال دالا على ذلك مستأنفا : { قل } أي ~~لهولاءالمشركين { ادعوا شركاءكم } أي هذه التي تقدمت ومها شئتم غيرها , ~~واستعينوا بها في عداوتي . | PageV03P171 ولما كان هذا تحديا عظيما يحق ~~لفاعله التمدح به , نبه عليه بآداة التراخي فقال : { ثم كيدون } أي جميعا ~~أنتم وهم وأنتم أكثر من حصى البطحاء ورمل الفضاء وأنا وحدي , ولما كان ~~المعنى : وعجلوا , عطف بفاء السبب قوله : { فلا تنظرون * } أي تمهلون لحظة ~~فما فوقها لئلا تعتلوا في الإنظار بعلة , وعلل عدم المبالاة بكيدهم بقوله ~~بالأديان والأبدان , وقدم الدين إشارة إلى أنه الأهم فقال مؤكدا في مقابلة ~~إنكارهم : { إنوليي } أي ناصري ومتولي جميع أموري { الله } أي الجامع لصفات ~~الكمال { الذي نزل } أي بحسب التديج متكفلا بفصل الوقائع { الكتاب } أي ~~الجامع لعلوم الأولين والآخرين وأمر المعاش والمعاد وأحوا ل الداريم وكل ما ~~فيه صلاح من أحوال القلوب وغيرها الذي عجزتم بأجمعكم ومن دعيتم شركته عن ~~معارضة شيء منه ولما تكفل هذا التنزيل بجميع الصفات , وهي الحياة التامه ~~المستلزمه للإدراة والقدرة والعلم والسمع والبصر والكلام , وكان عجزهم عن ~~المعارضة للكتاب دليلا شهوديا قوليا على كذبهم , أتبع ذلك دليا آخر شهوديا ~~فعليا فقال : { وهو } أي وحده { يتولى } أي يلي ولاية تامه { الصالحين * } ~~أي كلهم بنصرهم على كل مناو وكفايتهم لكل مهم وقد علمتم ما قدمه في هذه ~~السورة من وقائعه بمن كذب أنبياءه واستهزأ برسله وأنه أنجى كل من والاه , ~~وأهلك جميع ms1794 من عاداه كمن عدوهم آرلهة , وهو وما بعده وما قبله متلفت إلى ~~قوله تعالى ^ ( { اتبعوا ما أنزل إليكم ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء } ) ~~^ [ الأعراف : 3 ] بالشرح , وهو دال على أنه الذي فعل ما تقدم لأجل أوليائه ~~بدليل أنه أعجزهم عن معاضة شيء من كتابه , وعن الوصول إلى جميع ما يريدون ~~من أوليائه وأحبابه . | < < # | الأعراف : ( 197 - 201 ) والذين تدعون من . . . . . # > > ^ ( والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون * وإن ~~تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون * خذ العفو ~~وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين * وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ~~إنه سميع عليم * إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم ~~مبصرون ) ^ } ) | ولما صور بهذا جلاله , وقرر عظمته وكماله , باتصافهبجيع ~~الصفات العلى التي منها القدرة التي تكفيهم عنه ؛ كرر التنفير عن أندادهم ~~في أسلوب آخر تأكيدا للمعنى السابق بزيادة بالغة في العجز وهو تصويب النظر ~~من غير إبصار , مع أن الأول للتقريع , PageV03P172 وهذا الفرق بين من يعبد ~~بحق ومن يعبد بباطل ليرجعوا عن غيهم وعنادهم , فقال مبينا أنهم ليسوا في ~~شيء من صفاته مصرحا بنفي النصرة التي أثبتها له عنهم مع المواجهة بالخطاب ~~الذي هو أفظع في الجواب : { والذين تدعون } أي تديمون دعاءهم { من دونه } - ~~فإنهم يدعونه سبحانه في بعض الأوقات - أوتدعونهم تاركين له { لا يستطعيون ~~نصركم } أي بوجه من وجوه النصرة بدليل عجزكم عني وأنا وحدي وأنتم أهل الأرض ~~{ ولا أنفسهم ينصرون * } بدليل أن الكلب يبول عليهم فلا يمنعونه . | ولما ~~كان دعاء الجماعة أقرب إلى السماع من دعاء الواحد , نسق على ما قبله قوله : ~~{ وإن تدعوهم } أي يا من هم أضل منهم وأعجز { إلى الهدى } أي إلى الذي هو ~~أشرف الخلال ليهتدوا في نصر أنفسهم بالنسبة إلى كل أحد على حد سواء , قال ~~مفردا للمخاطب : { وتراهم } أي أيها الناظر إليهم { ينظرون إليك } أي نوعا ~~من الإبصار , وما أشبه مضمون هذه الآيات بما في سفر أنبياء بني إسرائيل في ~~نبوة أشعيا ms1795 : هكذا يقول الرب ملك إسرائيل ومخلصه : أنا الأول وأنا الآخر , ~~وليس إله غيري . | ومن مثلي يدعي ويظهر قوته ويخبر بما كان منذ بسطت الدنيا ~~إلى الأبد , والآيات القديمة تظهر للشعوب , فلا يفزعون ولا يخافون , ألم ~~أسمعكم منذ أول الدهر وأظهرها لكم وأبين لكم الأمور وأنتم شهدائي أن ليس ~~إله غيري , وليس في أعمالهم منفعة , وأن الصناع الذين يعلمونها هم يشهدون ~~عليها أنها لا تبصر ولا تسمع ولا تعلم , لذلك يخزي جميع صناع الأوثان ~~المسبوكة لأن جميع ما صنعوا لا عقل له , فيجمعون كلهم وبخزون ويفتضحون لأن ~~النجار نجت بحديده وهيأ صنما بمنقاره وسدده بقوة ساعده وجاع وعطش في عمله ~~والنجار اختار خشبة وقدرها وألصق بعضها ببعض بالغراء وركبها وعملها كشبة ~~الإنسان , أقام من الخشب الذي قطع من الغيضة كشبه رجل الذي نبت من شرب ~~المطر ليصير للناس للوقود فعملوه لهم إلها وعبدوه وسجدوا له , الذي ينصفه ~~خبزوا لهم خبزا وشووا لهم لحما على جمرة وأكلوا وشربوا واصطلوا وقالوا : قد ~~حمينا لأنا قد أوقدنا نارا واصطلينا , والذي بقي منه اتخذوه إلها منحوتا ~~وسجدوا له وصلوا وقالوا : نجنا لأنك إلهنا . | ولم يخطر على بالهم فكر أن ~~يقولوا : إنا قد أقدنا نصفه بالنار , وخبزنا خبزنا وشوينا على جمره اللحم ~~وأكلنا , ولم يعلموا أن باقيه عمل منه صنم وسجدوا له , لأن قلوبهم متمرغة ~~في رماده , وضلت عقولهم فلا يقدرون ينجون أنفسهم ولا يقولون : PageV03P173 ~~إن أيادينا عملت الباطل واتخذت الكذب , ثم قال : أليس أنا الرب منذ أول , ~~وليس إله غيري ولا مخلص سواي , ادنوا إلي يا جميع الذين في أقطار الأرض ~~لتنجوا لأني أنا الرب وليس إله غيري , حلفت بيميني وأخرجت كلمة صدق ولست ~~أرجع عنها لأنه لي تنحني كل ركبة , وبي يحلف كل إنسان ويقول : إنما الرب ~~بالرب , وإليه تدنو الأعزاء ويخزى جميع المبغضين , وبي يمتدح ويتبرر , بمن ~~شبهتموني ؟ وإلى من نسبتموني ؟ بالضالين الذين أخرجوا الذهب من أكياسهم ~~ووزنوا الفضة بالميزان واكتروا الصناع حتى عملوا لهم آلهة يسجدون لها ~~ويحملونها على أكتافهم ويمشون بها ms1796 ثم يصلون لها ويدعونها لا تجيبهم ولا ~~تخلصهم من شدائدهم ثم يحملونها أيضا ويردونها إلى مواضعها , اذكروا هذه ~~الأشياء واعقلوا أيها الأثمة واخطروها على قلوبكم وتذكروا الأيام التي كانت ~~نمن الابتداء , إني أنا الله الخالق وليس إله غيري ولا مثلي , فأنا أظهر ~~العتيدات وأخبر بالذي يكون قبل أن يكون , وأثبت رأيي وأكمل إراداتي وهواي , ~~وأدعوا من في المشارق فيأتون أسرع من الطير , وأتاني الرجل الذي قد عمل ~~مسرتي من الأرض البعيدة , لأني أنا إذا تكملت بشيء فعلته . | أنا خلقت وأنا ~~أخلق ؛ وفي الزبور في المزمور الثالث عشر بعد المائه : إلهنا في الأرض , كل ~~ما يشاء يصنع , أوثان الأمم ذهب وفضة عمل أيدي البشر , لها أفواه ولا تتكلم ~~, لها أعين ولا تنظر , لها آذان ولا تسمع , وآناف ولا تشم , وأيد ولا تلمس ~~, وأرجل ولا تمشي , ولا صوت بحناجرها ولا روح في أفواهها , فليكن صانعوها ~~مثلها وجميع من يتوكل عليها - انتهى ولما كان محصل أمرهم الإعراض عما أتاهم ~~بالتكذيب والإقبال على ما لم يأتهم بالطلب والتعنت كالسؤال عن الساعة , ~~والأمر بالمنكر من الشرك وما يلزم منه من مساوي الأخلاق , والنهي عن ~~المعروف الذي هو التوحيد وما يتبعه من محاسن الشرع , وذلك هو الجهل , وختم ~~ذلك بالإخبار بأنه سبحانه أصلح له الدين بالكتاب , والدنيا بالحفظ من كل ما ~~ينتاب , وكان حالهم ربما كان موئسا من فلاحهم , مفترا عن دعائهم إلى صلاحهم ~~, كان الداعي لهم صلى الله عليه وسلم كأنه قال : فما أصبع في أمرهم ؟ ~~فأجابه بالتحذير من مثل حالهم والأمر بضد قالهم وفعالهم والإبلاغ في الرفق ~~بهم فقال : { خذ العفو } أي ما أتاك من الله والناس بلا جهد ومشقه , وهذا ~~المادة تدور على السهولة , تارة تكون من الكثرة وتارة من القلة , فعفا ~~المال , أي كثر , فصار يسهل إخراجه ويسمح به لزيادته عن الحاجة , وعفا ~~المنزل , أي درس , فسهل أمره حتى صار لا يلتفت إليه . | ولما أمره بذلك في ~~نفسه , أمره به في غيره فقال : ؛ { وأمره بالعرف } أي بكل ما عرفة الشرع ~~وأجازه , فإنه ms1797 من العفو سهولة وشرفا , وقد تضمن ذلك النهي عن المنكر ~~PageV03P174 فأغنى بذلك عن ذكره لأن السياق للمساهلة ؛ ولما أمره بالفعل في ~~نفسه وغيره , أتبعه الترك فقال : { وأعرض عن الجاهلين * } أي فلان تكافئهم ~~بخفتهم وسفههم ولا تمارهم فإن ذلك أسهل من غيره , وذلك بعد فضيحتهم بالدعاء ~~, بذلك - لأن محط حالهم اتباع الهوى فيدعوهم إلى تكلف ضد هذه الخصال , وفيه ~~إشارة إلى النهي عن يذهب نفسه عليهم حسرات مبالغة في الشفقة عليهم , وعن ~~جعفر الصادق أنه ليس في القرآن ىية أجمع لمكارم الأخلاق منها . | ولما كان ~~الشيطان بعداوته لبني آدم مجتهدا في التنفير من هذه المحاسن والترغيب في ~~أضدادها , وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نزع منه حظ الشيطان بطرح تلك ~~العلقة السوداء من قبله إذ شق جبرائيل عليه السلام صدره وغسل قلبه وقال : ~~هذا حظ الشيطان منك ؛ شرع لأمته ما يعصمهم منه عند نزعه مخاطبا له بذلك ~~ليكون أدعى لهم إلى القبول وأجدر باشتداد الخوف المقتضي للفرار المثمر ~~للنجاة , لأنهم إذا علموا قصد الشيطان لمن نزع منه حظه وعصم من كل محنة ~~علموا أنه لهم أشد قصدا وأعظم كيدا وصدا , فقال مؤكدا بأنواع التأكيد إشارة ~~إلى شدة قصد الشيطان للفتنة وإفراطه في ذلك , ليبالغ في الحذر منه وإن كان ~~بذلك في محل الإنكار لعلمه لعلمه بالعصمة - لذلك عبر بأداة الشك إشارة إلى ~~صعف كيده للنبي صلى الله عليه وسلم , لأن الله تعالى أعانه على قرينه فأسلم ~~: { وإما } أي أن , وأكدت ب { ما } إثباتا للمعنى ونفيا لضده { ينزغنك } أي ~~ينخسنك نخسا عظيما { من الشيطان نزغ } أي نخس بوسوسته من شأنه أن يزعج ~~فيسوق إلى خلاف ما تقدم من المحاسن في نحو غضب من جهل الجاهل وسفه السفينه ~~أو إفراط في بع ض أوجه كما تساق الدابة بما تنخس به , فيفسر ويجعل النخس ~~ناخسا إشارة إلى شدته { فاستعد } أي فأوجد أو اطلب العوذ وهو الاعتصام { ~~بالله } أي الذي له جميع العز والعظمة والقدرة والقهر لا نقطاعك عن الإخوان ~~والأنصار إليه فلا ولي ms1798 لك ولا ناصر إلا هو , فإنه إذا أراد إعاذتك ذكرك من ~~عزيز نعمه وشديد نقمة ما يريد عن الفساد رغبا ورهبا , والآية ناظرة إلى ~~قوله تعالى أولها < # > 77 ( { لأقعدن لهم صراطك المستقيم } ) 77 < # > [ الأعراف : 16 ] ولما أبطل تعالىأن يكون لشركائهم سمع أو علم , صار ~~إثبات ذلك له كافيا في اختصاصه به من غير حاجه إلى الحصر المتضمن لنفيه عن ~~غير لتقدمه صريحا بخلاف ما في فصلت , فقال معللا : { إنه سميع } أي بالغ ~~السمع فهو يسمع استعاذتك فيجيبك إن شاء { عليم * } شامل العلم بما تريد ~~ويريد منك عدوك , فلا يعجزه شيء , وختم بصفة العلم في الموضعين لأن الوسوسة ~~من باب ما يعلم , وختمها في سورة المؤمن بالبصير المشتق من البصر والبصيرة ~~, لأن المستعاذ منه أمر الناس ومنه ما يبصر PageV03P175 ولما كان لا يحصل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إلا شيء خفيف جدا كما نبه عليه بالنزاع , وهو ليس ~~بمحق كما نبهت عليه أداة الشك , وكان لا يستعيذ بالله إلا المتقون فكان ~~كأنه قيل : افعل ذلك عند أول نزغة لتكون من الكتقين , علله بقوله : { إن ~~الذين اتقوا } أي حصل لهم هذا الوصف , وحقق أذاه لهم باداة التحقيق - بخلاف ~~ما مضى عند إفراد الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم - فقال : { إذا مسهم ~~طائف } اي طواف على أنه فاعل كميت ومائت , ويجوز أن يكون مصدرا أيضا , وهو ~~إشارة إلى أن الشيطان دائر حولهم لا يفارقهم , فتارة يؤثرفيهم طوافه فيكون ~~قد مسهم مسا هو أكبر من النزع لكونه أطاف بهم من جميع الجوانب , وتارة لا ~~يؤثر { من الشيطان } أي البعيد من الرحمة المحترق باللعنة { تذكروا } أي ~~كلفوا أنفسهم ذكر الله بجيع ما ينفعهم في ذلك إقداما وإحجاما ولما كانوا ~~بإسراع التذكير كأنهم لم يمسهم شيء من أمره , أشاره إلى ذلك بالجملة ~~الاسمية مؤكدا لسرعة البصر بإذا الفجائية : { فإذا هم } أي بنور ضمائرهم { ~~مبصرون * } اي ثابت إبصارهم فلا يتابعون الشيطان , فإن المتقي من يشتهي ~~فينتهي , ويبصر فيقصر , وفي ذلك تنبيه على أن من تمادي مع الشيطان ms1799 عمي لأنه ~~ظالم , والظالم هومن يكون كأنه في الظلام | < < # | الأعراف : ( 202 - 206 ) وإخوانهم يمدونهم في . . . . . # > > ^ ( وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون * وإذا لم تأتهم بآية ~~قالوا لولا اجتبيتها قل إنمآ أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصآئر من ربكم ~~وهدى ورحمة لقوم يؤمنون * وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ~~ترحمون * واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو ~~والآصال ولا تكن من الغافلين * إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ~~ويسبحونه وله يسجدون ) ^ } ) | ولما وصف المفتون الذين هم العلماء ملوحا ~~إلى نصح وليهم لهم , وعرف من حالهم أنهم أعداء الشيطان , وعرف أن أضدادهم ~~أولياؤه ؛ أتبعه وصف الجاهلين وغش أوليائهم لهم والكل غير متقين , فقال : { ~~وإخوانهم } أي وإخوان الجاهلين وغش الأنس والجن { يمدونهم } أي يمدون ~~الجاهلين , من المد وهو الإمهال والإطالة على قراءة الجماعة , وهوبمعنى ~~قراءة أهل المدينة بالضم من الإمداد , وقال الواحدي : إن هذا أكثر ما يأتي ~~فيما يحمد كأمددناهم بفاكهه , فهو من استعمال الشيء في ضده نحو { فبشرهم ~~بعذاب } وكأنه يشير إلى أن الشيطان أكثر ما يأتي الإنسان في صورة الناصح ~~الشفيق , والأوجه أن يكون الإخوان الجاهلين لأنهم في مقابلة { الذين اتقوا ~~} ويكون PageV03P176 الضمير للشيطان المراد به الجنس , أي وإخوانالشياطين - ~~وهم الجاهلون الذين لا يتقون - يمدهم أولياؤهم من الشياطين { في الغي } وهو ~~ضد الرشاد , وأشار إلى مزيد اعتنائهم بالإغواء ومثابرتهم على الإضلال ~~والإغراء بأداة التراخي فقال : { ثم لا يقصرون * } أي لا يتركون إغواءهم ~~ولو لحظة لجهلهم وشرهم ولما تقررما شرعه من العفف وعدم التنطع والتكلف , ~~وكان قد أخبر أن من عمههم تكلفهم السؤال عن الساعة , والشياطين لا يفترون ~~عن إغوائهم , أخبره عن مطلق تكلفهم تعجبا منهم وإشهاد لتماديهم مع إغواء ~~شياطينهم , وأمره صلى الله عليه وسلم بما يجيبهم به فقال عاطفا على { ~~يمدونهم } : { وإذا لم تأتهم بآية } أي على حسب اقتراحهم { قالوا لولا } اي ~~هلا { اجتبيتها } والجبي : الجمع , والإجباء تركه , والاختباء : الجد في ~~الجميع , ويلزم منه الاصطفاء والاختبار , فمعنى اجتبيتها اجتلبتها , أي ms1800 ~~تكلفت من عند نفسك الإتيان بها مختاره ولما كان المقام داعيا إلى السؤال في ~~تعليم الجواب , أسعف ذلك بقوله : { قل } اي قالوا ذلك { إنما أتبع } أي ~~أتعمد وأتكلف اتباع { ما يوحي إلي } أي يأتيني به الملك { من ربي } أي ~~المحسن إلي بتعليمي ما ينفعني , لا أني آتي بشيء من عند نفسي ولا أقترح على ~~ربي ولما حصر حاله في اتباع الوحي كان كأنه قيل : ما هذا الذي يوحي إليك ؟ ~~فقال - ويجوز أن يكون تعليلا لاتباعه لأنه كاف في إثبات نبوته مغن عن ~~الآيات المقترحه قاهر في وجوب اتباعه - : { هذا } مشيرا إلى ما يوحي إليه ~~تنبيها على أنه يجب أن يكون مستحضرا في سائر الأذهان , حاضرا بين عيني كل ~~إنسان { بصائر } أي أشياء هي - على حسب ما طلبتم - مجتباه , بل هي خيار ~~الخيار , يكون بها نور القلب فيصير للعيون أيضا بصر يقربه مما يحث الكتاب ~~على نظره من الآيات المرئيات إلى علوم لم تكن لها قبل ذلك , هي حجج بينه ~~قاهر على تصديقي وقبول كل ما جئت به , وسماه بذلك لأنه سبب لبصر العقول ~~بدلائل التوحيد والنبوة والمعاد وجميع الشريعة اصولا وفروعا , فهو تسمية ~~للسبب باسم المسبب , وعلي مدحها بقولة : { من ربكم } أي الذي لم يقطع ~~إحسانه عنكم أصلا , فهو جدير بأن يلتقي ما أتى منه بكل جميل ولما كانت ~~البصائر جمعا , وكانت العادة جارية بأن مفردات الجمع تكون متفاوته , أكدها ~~بما يشير إلى أنها خارقه للعادة في أنها على حد سواء سواء في أعلى طبقات ~~الهداية فقال : { وهدى } أي بيان ؛ ولما كان البيان قد لا يكون على وجه ~~الإكرام , قال : { ورحمة } أي إكرام PageV03P177 ولما كان من لا ينتفع ~~بالشيء يصح أن ينفي عن الشيء النافع النفع بالنسبة إليه , قال : { لقوم ~~يؤمنون * } أي يوجدون هذه الحقيقة ويستمرون على تجديدها في كل وقت , وأما ~~غيرهم فقد يكون عليهم عذابا . | ولما عظم الله شأن القرآن , فكان التقدير : ~~فآمنوا به تفلحوا , عطف عليه قوله : { وإذا قريء القرآن } أي وهو هذا الذي ~~يوحي إلي , فتأدبوا ms1801 وتواضعوا لأنه صفة ربكم { فاستمعوا له } أي ألقوا إليه ~~أسماعكم مجتهدين في عدم شاغل يشغلكم عن السمع ولما كان بعض الفهاء يسمع وهو ~~يتكلم , أشار إلى أن الكتاب أعلى قدرا من أن يناله من يشتغل عنه بأدنى شغل ~~فقال : { وأنصتوا } أي للتأمل والتدبر لتنجلي قلوبكم فتعلموا حقيقة فتعلموا ~~بما فيه ولا يكون في صدوركم حرج منه ؛ ولما كان ظاهر الآية وجوب الإنصات ~~لكل قارئ على كل أحد , رغب فيه تعظيما لشأنه فقال : { لعلكم ترحمون * } أي ~~لتكون على رجاء من أن يكرمكم ربكم ويفعل بكم كل ما يفعله الراحم مع المرحوم ~~ولما تقدم الأمر بالذكر عند نزغ الشيطان , ومر إلى أن أمر بالاستماع لأعظم ~~الذكر , وكان التالي ربما بالغ في الجهر ليكثر سامعه , وربما أسر لئلا يوجب ~~على غيره الإصغاء , علمهم أدب القراءة , وأطلق ذلك في كل حال لأنه ر بما ~~فهم فاهم الاقتصار على ذكر في حالة النزغ , ورقي الخطاب منهم إلى إمامهم ~~ليكون أدعى لقبولهم مع الإشارة إلى أنه لا يكاد يقوم بهذا الأمر حق قيامه ~~غيره صلى الله عليه وسلم فقال : { واذكر } أي بكل ذكر من القرآن وغيره - { ~~ربك } أي الذي بلغ الغاية في الإحسان إليك { في نفسك } أي ذكرا يكون راسخا ~~فيك مظروفا لك لفهمك لمعانية وتخلفك بما فيه , وليكن سرا لأن ذلك أقرب إلى ~~الإخلاص واعون على التفكير , وكونه سرا دال على أشرف الأحوال , وهو ~~المراقبة مع تحقق القرب , فإذا كان كذلك أثمر قوله : { تضرعا } أي حال كونك ~~ذا والعلن وبهذا يكمل ذل العبودية لعز الربوبية . | ولما أمر بالسر , قال ~~مقابلا له : { ودون الجهر } أي لأنه أدخل في الإخلاص , ومن المعلوم انه فوق ~~السر , وإلا لم تفد الدجملة شيئا , ولما كان قد يكون في الأفعال , أكده ~~بقوله : { من القول } أي فأن ذلك يشعر بالتذلل والخضوع من غير صباح كما ~~يناجي الملوك ويستجلب منهم الرغائب , وكما قال صلى الله عليه وسلم للصحابة ~~وقد جهروا بالدعاء PageV03P178 فوق المقدار ( إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ~~) فإن المقصود حصول الذكر ms1802 اللساني ليعين الذكر القلبي , والمقصود حاصل ~~بإسماع النفس فإنه يتأثر الخيال فيتقوى الذكر القلبي , ولا تزال الأنوار ~~تتزايد فينعكس تراجع بعضها إلى بعض حتى يزداد الترقي من ظلمات عالم الأجسام ~~إلى أنوار مدبر النور والظلام ولما أمر بالذكر مكيفا بكيفية اللائقة به , ~~أمره صلى الله عليه وسلم بالمداومة عليه ذاكرا أحسن الأوقات له وأحقها به , ~~لكونها لما فيها من الشغل - أدل على إيثارة لمزيد المحبة والتعظيم فقال : { ~~بالغدو } أي أوقات البكر , ولعله أفرده علىجعله مصدر غدا , لأنه ما ثم إلا ~~وقيل : الغدو وجمع غدوة , فيراد حينئذ مع الصبح الضحى , وآخر كل نهار متصل ~~بأول ليلة اليوم الثاني فسمي آخر اليوم اصيلا لأنه يتصل بما هو أصل اليوم ~~الثاني , وخص هذين الوقتين وإن كان المراد الدوام بتسمية كل من اليوم ~~والليل باسم جزئه , ليذكر بالغدو الانتشار من الموت , وبالأصل السكون ~~بالموت والرجوع إلى حال العدم فيستحضر بذلك جلال الله عز وجل فيكون ذلك ~~حاويا على تعظيمه حق تعظيمه . | ولما كان ربما أوهم هذا الخصوص بهذين ~~الوقتين وإن ظاهرا في الدوام , قال مصرحا : { ولا تكن من الغافلين * } أي ~~في غيرهما , بل كن ذاكره في كل وقت على كل حال ؛ ثم علل الأمر بالمراقبة ~~الدالة على أعظم الخضوع بأنها وظيفة المقربين فقال : { إن الذين } وزاد ~~ترغيبا في ذلك بقوله : { عند ربك } أي المحسن إليك بتقريبك من جنابه وجعلك ~~أكرم احبابه , وهم الملائكة الكرام أولو العصمة , والقرب دنو مكانة لا مكان ~~{ لا يستكبرون } أي لا يوجدون ولا يطلبون الكبر { عن عبادته } أي الخضوع له ~~التلبس بانحاء التذلل مع مزيد قربهم وغاية طهارتهم وحبهم { ويسبحونه } أي ~~ينزهونه عن كل مالا يليق خلوصهم عن دواعي الشهوات والخظوظ . | ولما كان هذا ~~يرجع إلى المعارف , وقدمه دلالة على أنه الأصل في العبادة أعمال القلوب , ~~أردفه بقوله : { وله } أي وحده { يسجدون } أي يخضعون بإثباتهم له كل كمال , ~~وبالمباشرة لمحاسن الأعمال , وقد تضمنت الآية الإخبار عن الملائكة الأبرار ~~بثلاثة أخبار : عدم الاستكبار الذي هو أجل أنواع العبادة إذ هو الحامل ms1803 على ~~الطاعة كما أن ضده حامل على المعصية , والتسبيح الذي هو التنزيه عن كل مالا ~~يليق , وتخصيصه PageV03P179 بالسجود , ولما كانت العبادة ناشئة عن انتفاء ~~الاستكبار , وكانت على قسمين : قلبية وجسمانية , أشار إلى القلبية بالتنزيه ~~, وإلى الجسمانية بالسجود , وهو الحال الذي يكون العبد به عند ربه ~~كالملائكه قربا وزلفى ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ) نبه عليه أبو ~~حيان على أن العبادتين مرجعهما القلب , وإحدهما مدلول عليها بالقول والخرى ~~بالفعل , وقد رجع آخر السورة في الأمر باتباع القرآن إلى أولها أحسن رجوع , ~~ولوصف المقربين بعدم الاستكبار والموظبة على وظائف الخضوع إلى وصف إبليس ~~بعصيان أمر الله في السجود لآدم عليه السلام على طريق الاستكبار أي التفات ~~, بل شرع في رد المقطع على المطلع حين أتم قصص الأنبياء , فقوله < # > 77 ( { ولقد ذرأنا } ) 77 < # > [ الأعراف : 179 ] هو قوله < # > 77 ( { والذي خبث لا يخرج إلا نكدا } ) 77 < # > [ الأعراف : 58 ] يتضح لك ذلك إذا راجعت ما قدمته في المراد منها < # > 77 ( { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } ) 77 < # > [ الأعراف : 180 ] هو - { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } و < # > 77 ( { ممن خلقنا أمة يهدون بالحق } ) 77 < # > [ الأعراف : 180 ] - هو < # > 77 ( { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها اولئك ~~أصحاب الجنة } ) 77 < # > [ الأعراف : 42 ] < # > 77 ( { والذين كذبوا بآيتنا واستكبروا عنها } ) 77 < # > [ الأعراف : 36 ] < # > 77 ( { وإن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم } ) 77 < # > [ الأعراف : 185 ] هو < # > 77 ( { إذا جاء أجلهم لا يستأخرون } ) 77 < # > [ الأعراف : 34 ] و < # > 77 ( { يسئلونك عن الساعة } ) 77 < # > [ النازعات : 42 ] هو < # > 77 ( { كما بدأكم تعودون } ) 77 < # > [ الأعراف : 29 ] و < # > 77 ( { لكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } ) 77 < # > [ الأعراف : 24 ] و < # > 77 ( { هو الذي خلقكم من نفس واحدة } ) 77 < # > [ الأعراف : 189 ] < # > 77 ( { لقد خلقناكم ثم صورناكم } ) 77 < # > [ الأعراف : 11 ] < # > 77 ( { إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي } ) 77 < # > [ الأعراف : 203 ] - إلى آخرها بعد التنفير من الأنداد - هو كتاب أنزل ~~إليك فلا يكن في صدرك حرج منه - إلى قوله : < # > 77 ( { ولا تتبعوا من دونه أولياء ms1804 قليلا ما تذكرون } ) 77 < # > [ الأعراف : 3 ] فسبحان من هذا كلامه , وتعالى حجابه وعز مرامه , وعلى ~~من أنزل عليه صلاته وسلامه , وتحيته وإكرامه . | . . . . | PageV03P180 < # > سورة الأنفال < # > < < # | الأنفال : ( 1 - 3 ) يسألونك عن الأنفال . . . . . # > > ^ ( يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ~~ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين * إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم ~~يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) ^ } ) | وتسمى الجهاد ~~{ بسم الله } أي الذي له جميع الحول والقوة والطول { الرحمن } الذي أحاط ~~دائرة العقل بشموس الأدلة من كل منقول { الرحيم } الذي من على من شاء من ~~الأتباع ؛ ومقصد هذه السورة تبرؤ العباد من الحول والقوة , وحثهم على ~~التسليم لأمر الله المثمر لاجتماع الكلمة المثمر لنصر الدين وإذلال ~~المفسدين المنتج لكل خير , والجامع لذلك كله أنه لما ثبت بالسور الماضية ~~وجوب اتباع أمر الإله والاجتماع عليه لما ثبت من تفرده واقتداره , كان ~~مقصود هذه إيجاب اتباع الداعي إليه بغاية الإذغان والتسليم والرضى والتبرؤ ~~من كل حول وقوة إلى من انعم بذلك ولو شاء سلبه وأدل ما فيها على هذا قصة ~~الأنفال التي اختلفوا في امرها وتنازعوا قسمها فمنعهم الله منها وكف عنهم ~~حظوظ الأنفس وألزمهم الإخبات والتواضع , وأعطاها نبيه صلى الله عليه وسلم ~~لأنه الذي هزمهم بما رمى من الخصبات التي خرق الله فيها العادة بأن بثها في ~~أعين جميعهم وبما أرسل من جنوده , فكأن الأمر له وحده , يمنحه من يشاء , ثم ~~لما صار له النبي صلى الله عليه وسلم , رده فيهم منة منه عليهم وإحسانا ~~إليهم , واسمها الجهاد كذلك لأن الكفار دائما أضعاف المسلمين , وما جاهد ~~قوم من أهل الإسلام قط إلا أكثر منهم , وتجب مصابرة الضعف , فلو كان النظر ~~إلى غير قوته سبحانه ماأطيق ذلك , ولهذه المقاصد سنت قراءتها في الجهاد ~~لتنشيط المؤمنين للجلاد , وإن كثرت من الأعادي الجموع والأعداد , وتوالت ~~PageV03P181 إليهم زمر الأمداد من سائر العباد , كما ذكره الحافظ أبو ~~الربيع سليمان بن موسى بن ms1805 سالم الكلاعي المغربي في فتوح البلاد من كتابه ~~الاكتفاء في سيرة المصطفى وأصحابه الثلاثة الخلفاء , وكذا شيخةالخطيب أبو ~~القاسم عبد الرحمن بن محمد بن حبيش في كتابه الذي جمعه في الفتوح , قالا ~~وقعه اليرموك من فتوح الشام عن حديث سيف بن عمر وهذا لفظ ابن سالم : قال : ~~وكان القارئ يوم ذاك المقداد , قالوا : ومن السنة التي سن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بعد بدر أن نقرأ سورة الجهاد عند اللقاء , وهي سورة الأنفال ~~, ولم يزل الناس بعد على ذلك ؛ قالا في وقعه القادسية من فتوح فارس واللفظ ~~لابن سالم أيضا قالوا : ولما صلى سعد - يعني ابن أبي وقاص - رضي الله عنه ~~الظهر أمر غلاما كان عمر رضي الله عنه ألزمه إياه وكان من القراء يقرأ سورة ~~الجهاد , وكان المسلمون كلهم إذ ذاك يتعلمونها فقرأها على الكتبية التي ~~تليه , وقرئت في كل كتيبة , فهشت قلوب الناس وعرفوا السكينة مع قراءتها , ~~قال مصعب بن سعيد : وكانت قراءتها سنة يقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عند الزخرف ويستقرئها , فعمل الناس بذلك - انتهى . | ومناسبتها للأعراف انه ~~لما ذكر تعالى - كما تقدم - قصص الأنبياء عليهم السلام مع أممهم في تلك , ~~ناسب أن يذكر قصة هذا النبي الكريم صلى عليه وسلم مع قومه , وتقدم أنه لما ~~أطنب سبحانه في قصة موسى عليه السلام كان ذلك ربما أوهم تفضيله على الجميع ~~, فأتى بقصة المخاطب بهذا القرىن في سورتين كاملتين , الأنفال في أول أمره ~~وأثانه , وبراءة في ختام أمره وانتهائه , وفرق بين القصتين , وذلك أن قوم ~~مةوسى عليه السلام كانوا في سوء العذاب , وكانوا يعلمون عن اسلافهم أن الله ~~سيذكرهم وينجيهم من أيدي القبط , فلما أتاهم موسى عليه السلام وبين لهم ~~الآيات التي أمره الله بها لم يشكوا في انه الموعود به من رحمة الله لهم , ~~وإتيانه نفع لهم عاجل مع ما فيه من النفع الآجل , فأطبقوا على أتباعه , ~~وكانوا أكثر من ستمائة الف مقاتل , ومع ذلك فقد كانوا يخالفون عليه في كل ~~قليل , ولا يجدون ms1806 قلوبا يواجهون بها القبط في الإباء عن امتثال أوامرهم , ~~وأما محمد صلى الله عليه وسلم فاتى قومه ولا حس عندهم من نبوة ولا علم لهم ~~بها , ولم يكونوا تحت ذل أحد , بل كانوا ملوك العرب , فعندهم أنه جاء ~~يسلبهم عزهم ويصيرهم له تبعا فخالفوا اشد المخالفة ولم يدعوا كيدا حتى ~~باشروه في رده عما جاء به , ومع ذلك فنصره الله عليهم ولم يزل يؤيده حتى ~~دخل الناس هم وغيرهم في دين الله افواجا , واظهر دينه على الدين كله ~~كماوعده سبحانه , ثم أيد أمره من بعده ولم يزل اتباعه ظاهرين ولا يزالون ~~إلى يوم الدين , فبين القصتين فرقان لأولى الإبصار والإيقان , وأما مناسبة ~~أولها لآخر تلك فقد تبين أن آخر الأعراف آخر قصة موسى عليه السلام المختتمة ~~بقصة بلعام وأن ما بعد ذلك إنما هو PageV03P182 تتمات لما تقدم لا بد منها ~~وتتمات للتتمات حتى كان آخر ذلك مدح من أهلهم لعنديته سبحانه بالإذعان ~~وتمام الخضوع , فلما أضيفوا إلى تلك الحضرة العالية , اقتضى ذلك سؤالا عن ~~حال الذين عند المخاطب صلى الله عليه وسلم فأجيب بقوله تعالى : { يسألونك } ~~أي الذين عند ربك هم الذين هزموا الكفار في الحقيقة كما علمتم ذلك - وسيأتي ~~بيانه , فهم المستحقون للأنفال وليس لهم إليها التفات وإنما همهم العبادة , ~~والذين عندك إنما جعلنهم آلة ظاهرة ومع ذلك فهم يسألون { عن الأنفال } التي ~~توليتهم إياها بأيدي جنودي سؤال منازعة ينبغي الاستعادة بالله منها - كما ~~نبه عليه آخر الأعراف - لأن ذلك يفضي إلى افتراق الكلمة والضعف عن مقاومة ~~الأعداد , وهو جمع نفل - بالتحريك , وهو ما يعطاه الغازي زيادة على سهمه , ~~والمراد بها هنا الغنيمة , وهي المال المأخوذ من أهل الحرب قهرا , سميت هنا ~~بذلك لأن اصلها في اللغة الزيادة , وقد فضل المسلمون بها على سائر الأمم ~~ولما كان السؤال عن حكمها , كا كأنه قيل : فماذا يفعل ؟ فقال دالا على انهم ~~سألوا عن مصرفها وحكمها - ليطابق الجواب السؤال : { قل } أي لهم في جواب ~~سؤالهم { الأنفال لله } أي الذي ليس النصر غلا ms1807 من عنده لما له من صفات ~~الكمال { الرسول } أي الذي كان جازما بأمر الله مسلما لقضائه ماضيا فيما ~~أرسله به غير متخوف من مخالطة الردى بموافقة العدى ؛ قال أبو حيان : ولا ~~خلاف أن الآية نزلت في يو بدر وغنائمه , وقال ابن زيد : لا نسخ , إنما أخبر ~~أن الغنائم لله من حيث إنها ملكه ورزقه , وللرسول عليه السلام من حيث إنها ~~ملكه ورزقه , وللرسول عليه السلام من حيث هو مبين لحكم الله والصادع فيها ~~بأمره ليقع التسليم من الناس , وحكم القسمة نازل خلال ذلك - انتهى . | ولما ~~أخبر سبحانه أنه لا شيء لهم فيها إلا عن أمر الله ورسوله , وكان ذلك موحبا ~~لتوقفهم إلى بروز امره سبحانه على لسانه رسوله صلى الله عليه وسلم , وكانت ~~التقوى موجبة للوقوف خوفا حتى يأتي الدليل الذي يجسر على المشي وراءه , سبب ~~عن ذلك قوله : { فاتقوا الله } اي خافوا خوفا عظيما في جميع أحوالكم من ~~الذي لا عظمة لغيره ولا أمر لسواه , فلا تطلبون شيئا بغير أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا تتخاصموا , فإن الله تعالى الذي رحمكم بإرسال رسول ~~لنجاتكم وغنزال كتاب لعصمتكمغير مهمل ما يصلحكم , فهو يعطيكم ما سبق في ~~علمه الحكم بأنه لكم , ويمنعكم ما ليس لكم { وأصلحوا ذات بينكم } أي الحال ~~التي هي صاحبة افتراقكم واجتماعكم , فإن أغلب امرها البين الذي هو القطيعة ~~, وقد أشرفت على الفساد بطلب كل فريق الأثرة على صاحبة فأقبلوا على رعايتها ~~بالتسليم لأمر الله ورسوله الأمرين بالإعراض عن الدنيا ليقسمها بينكم على ~~سواء , القوي PageV03P183 والضعيف سواء , فإنكم إنما ترزقون وتنصرون ~~بضعفائكم , لتجتمع كلمتم فيشتد أمركم ويقوى أزركم فتقدروا على إقامة الدين ~~وقمعالمفسدين { واطيعوا الله } أي الذي له جميع العظمة { ورسوله } أي الذي ~~عظمته من عظمته في كل ما يأمرانكم به من تنتقل لمن يراه وإنفاذ شرط ووفاء ~~عهد لمن عاهده . | ولما أمر ونهى هيج وألهب فقال مبينا كون الإيمان مستلزما ~~للطاعة : { إن كنتم مؤمنين * } أي صادقين في دعوى الإيمان , فليس كل من ~~يدعي شيئا يكون ms1808 صادقا في دعواه حتى يحصل البيان بالامتحان , ولذلك وصل به ~~قوله مؤكدا غاية التأكد لأن التخلص من الأعراض الدنيوية عسر : { إنما ~~المؤمنون } أي الراسخون في وصف الإيمان { الذين } اي يقيمون الدليل على ~~دعوى الإيمان بتصديق أفعالهم لأقوالهم فيكونون { إذا ذكرالله } أي الجامع ~~لصفات الكمال من الحجلال والجمال مجرد ذكر في نحو قوله { الأنفال لله } { ~~وجلت } أي خافت خوفا عظيما يتخلل صميم عظامهم ويجول في سائر معانيهم ~~وأجسامهم { قلوبهم اي بمجرد ذكره استعظاما له { وإذا تليت } أي قرئت على ~~سبيل الموالادة والاتصال من اي تال كان { عليهم آياته } أي كما يأتي في ~~غقامة الأدلة على ذلك الحكم الذي ورد ذكره فيه { زادتهم إيمانا } اي ~~بإيمانهم بها وبما حصل لهم من نور القلب وطمأنينة اليقين بسببها , فإنها هي ~~الدالة على الله بما تبين من عظيم أفعاله ونعوت جلاله وجماله , وتظاهر ~~الأدلة اقوى للمدلول عليه , كمال قدرة الله تعالى إنما يعرف بواسطة آثار ~~حكمته في مخلوقاته , وذلك بحر لا ساحل له , ولما كانت المراتب لا نهاية لها ~~, كانت مراتب التجلي والمعرفة لا نهاية لها , فالزيادة في أشخاص التصديق { ~~وعلى } أي والحال أنهم على { ربهم } أي الدائم الإحسان إليهم وحده { ~~يتوكلون } أي يجددون إسناد أمورهم إليه مهما وسوس لهم الشيطان بالفقرة أو ~~غيره ليكفيهم من حيث لا يحتسبون , فغن خزائنه واسعة , ويده سحاء الليل ~~والنهار , كما انهم لما توكلوا عليه في القتال نصرهم وقد كانوا في غاية ~~الخوف من الخذلان , وكان حالهم جديرا بذلك لقلقهم وخوفهم وقتلهم وضعفهم . | ~~ولما وصفهم بالإيمان الحامل على الطاعة والتوكل الجامع لهم الدافع للمانع ~~منها , منتقلا من عمل الباطن إلى عمل الظاهر مبينا ان همتهم إنما هي ~~العبادة والمكارم : { الذين يقيمون الصلاة } أي يفترون عن تجديد ذلك ؛ ولما ~~كانت صلة بين الخلق والخالق , أتبعها الوصلة بين الخلائق فقال : { ومما ~~رزقناهم } أي على عظمتنا وهو لنا دونهم { ينفقون * } ولو كانوا مقلين ~~اعتمادا على ما عندنا فالإنفاق وإهانة الدنيا همتهم , لا الحرص عليها , ~~فحيمئذ يكونون كالذين عند ربك في التحلي بالعبادة ms1809 والتخلي PageV03P184 من ~~الدنيا إعراضا وزهادة , وهو تذكبر بوصف المتقين المذكور أول الكتاب بقوله : ~~{ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة وممارزقنهم ينفقون } | < < # | الأنفال : ( 4 - 9 ) أولئك هم المؤمنون . . . . . # > > ^ ( أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم * ~~كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون * يجادلونك في ~~الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون * وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق ~~الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين * ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره ~~المجرمون * إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين ) ^ } ) | ولما حققوا إيمانهم بأفعال القلوب والجوارح والأموال , ~~فاستوفوا بذلك جميع شعب الدين , عظم سبحانه شأنهم بقوله : { أولئك } أي ~~العهالو الهمم { هم } أي خاصة { المؤمنون } وأكد مضمون الجملة بقوله : { ~~حقا } ولما كانت صفاتهم الخمس المذكورة المشتملة على الأخلاق ولأعمال لها ~~تأثيراتفي تصفية القلوب وتنويرها بالمعارف الإلهية , وكلما كان المؤثرأقوى ~~كانت التأثيرات أعلى , فلما كانت هي درجات كان جزاؤها كذلك , فلهذا قال ~~سبحانه تعالى في جوابمن كأنه قال : فما جزاؤهم على ذلك ؟ { لهم درجات } ~~ولما كثرها بجمع السلامة بما دل عليه سياق الامتنان , عظمتها بقوله : { عند ~~ربهم } أي بتسليمهم لأمره ولما كان قدر الله عظيما , وكان الإنسان عن بلوغ ~~ما يجب عليه من ذلك ضعيفا حقيرا , وكان بأدنى شيء من أعماله يستفزه الإعجاب ~~, أشار سبحانه إلى أنه لا يسعه إلا العفو ولو بذل فوق الجهد فقال : { ~~ومغفرة } أي لذنوبهم إن رجعوا عن المنازعة في الأنفال وغيرها , { ورزق كريم ~~* } أي لا ضيق فيه ولا كدر بوجه ما من منازعة ولا غيرها , فهو يغنيهم عن ~~هذه الأنفال , ويملأ أيديهم من الأموال من غنائم فارس والروم وغير ذلك , ~~هذا في الدنيا , واما في الآخرة فما لا يحيط به الوصف ؛ قال أبو حيان : لما ~~تقدمت ثلاث صفات قلبية وهي الوجل وزيادة الإيمان والتوكل - وبدنية ومالية , ~~ترتب عليها ثلاثة أشياء , فقوبلت الأعمال القلبية بالدرجات والبدنية ~~بالغفران , وقوبلت ms1810 المالية بالرزق الكريم , وهذا النوع من المقابلة من بديع ~~علم البديع - انتهى . | ولما كان الإيمان عند الشافعي رحمه الله الإعتقاد ~~والإقراروالعمل جوز أن يقال : مؤمن إن شاء الله , لأن استيفتاء الأعمال ~~مشكوك فيه وإن كان الإعتقاد والإقرار يقينا , وعند أبي حنيفة رحمه الله ~~الإيمان الإعتقاد والإقرار فقط , فلم الاستثناء , فالخلاف , لفظي , هذا إذا ~~PageV03P185 كان الاستثناء للشك , وإن كان لغيره كان لكسر النفس عن التمدح ~~, وللشهادة بالجنة التي هي للمؤمن , وللحكم على حالة الموت , على أن هذه ~~الكلمة لا تنافي الجزم , فهي بمجرد التبرك كقوله تعالى < # > 77 ( { لتدخين المسجد الحرام إن شاء الله آمنيين } ) 77 < # > [ الفتح : 27 ] ذكر ذلك الإمام فخر الدين . | ولما كان ترك الدنيا ~~شديدا على النفس , وترك النزاع بعد الانتساب فيه أشد , شرع يذكر لهم ما ~~كانوا له كارهين ففعله بهم وأمرهم به لعلمه بالعواقب فحمدوا اثره , ليكون ~~ادعى لتسليمهم لأمره وازدجارهم بزجره , فشبه حال كراهتهم لترك مرادهم في ~~الأنفال بحال كراهتهم لخروجهم معه ثم بحال كراهتهم للقاء الجيش دون العير , ~~ثم إنهم رأوا أحسن العاقبة في كلا الأمرين فقال : { كما } أي حالهم في ~~كراهية تسليم الأنفال - مع كون التسليم هو الحق والأولى لهم - كما كانت ~~حالهم إذ { أخرجك ربك } أي المحسن إليك بالإشارد إلى جميع مقاصد الخير { من ~~بيتك بالحق } أي الأمر الفيصل الفاروق بين الثابت والمزلزل { وإن } أي ~~والحال أن { فريقا } عبر به لأن آراءهم كانت تؤول إلى الفرقة { من المؤمنين ~~} أي الراسخين في الإيمان { الكارهون * } ثم ذكر دليل كراهتهم فقال : { ~~يجادلونك } أي يكررون ذلك إرادة أن يفتلوك عن اللقاء للجيش إلى الرجوع عنه ~~ولما كان الجيش امرا قد حتمه الله فلا بد من وقوعه مع أنه يرضيه , قال : { ~~في الحق } أي الذي هو إيثار الجهاد { بعد ما تبين } أي وضح وضوحا عظيما ~~سهلا من غير كلفة نظر بقرائن الأحوال بفوات العير وتيسير أمر النفير ~~وبإعلام الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تارة صريحا وتارة تلويحا كقوله ( ~~والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم , هذا مصرع فلان ms1811 وذلك مصرع فلا ) ولما ~~كان سبحانه قد حكم باللقاء والنصرة تأييدا لوليه وإعلاء لكلمته مع شدة ~~كراهتهم لذلك , شبه سوقه لهم إلى مراده . | فقال بانيا للمفعول لأن المكروه ~~إليهم السوق لا كونه من معين : { كأنما يساقون } أي يسوقهم سائق لا قدرة ~~لهم على ممانعته { إلى الموت وهم ينظرون * } لأنها كانت أول غزوة غزاها ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان لقاء , كانوا غير متأهبين للقتال غاية ~~التأهب , إنما خرجوا للقاء العير , هذا مع أنهم عدد يسير , وعدد أهل النفير ~~كثير , وكانوا في غاية الهيب للقائم والرعب من قتالهم , وكل هذا تذكير لهم ~~لم ينصرهم إلا الله بلا صنع منهم , بل كانوا في يد قدرته كالآية في يد ~~أحدهم , لينتج ذلك أنه ليس لهم أن ينازعوا في الأنفال PageV03P186 ولما ~~لانوا بهذا الخطاب , وأقبلوا على الملك التواب , أقبل عليهم فقال : { وإذ } ~~أي اذكروا هذا الذي ذكره الله لكم وقد كان حالكم فيه ما ذكره , ثم أقضى إلى ~~سعادة عظيمة وعز لا يشبه عز , واذكروا إذ { يعدكم الله } أي الجامع لصفات ~~الكمال { إحدىالطائفين } : العير أو النفير , وأبدل من الإحدى - ليكون ~~الوعد بها مكررا - قوله : { إنها لكم } أي فتكرهون لقاء ذات الشوكة { ~~وتودون } أي والحال أنكم تحبون محبة عظيمة { أن غير ذات الشوكة } أي السلاح ~~والقتال والكفاح الذي به تعرف الأبطال ويميز بين الرجال من ذوات الحجال { ~~تكون لكم } أي العير لكونها لم يكن فيها إلا ناس قليل , يقال : إنهم أربعون ~~رجلا , جهلا منكم بالعواقب , ثم تبين لكم أن ما فعله الله خير لكم بما لا ~~يبلغ كنهه , فسلموا له الأمر في السر والجهر تنالوا الغنى والنصر , وقال ~~الإمام أبو جعفر بن الزبير العاصي في مناسبة تعقيب الأعراف بهذه السورة ~~ومناسبة آخر تلك لأول هذه ما نصه : لما قص سبحانه على نبيه صلى الله عليه ~~وسلم في سوة الأعراف أخبار الأمم , وقط المؤمنون من مجموع ذلك بأنه لا يكون ~~الهدى إلا بسابقه السعادة , لافتتاح السورة من ذكر الأشقياء بقصة إبليس ~~وختمها بقصة بلعام , وكلاهما كفر ms1812 على علم ولم ينفعه ما قد كان حصل عليه , ~~ونبه تعالى عباده على الباب الذي أتى منه على علم بلعام بقوله سبحانه ( ~~ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فأشار سبحانه إلى اتباع الأهواء اضل كل ~~ضلال , نبهوا على ما فيه الحزم من ترك الأهواء جملة فقال تعالى < # > 77 ( { يسألونك عن الأنفال } ) 77 < # > [ الأنفال : 1 ] الآية , فكان قد قيل لهم : اتركوا ما ترون أنه حق واجب ~~لكم , وفوضوا في أمره لله وللرسول , فذلك أسلم لكم وأحزم في درع أغراضكم ~~وقمع شهواتكم وترك أمور ربكم وقد ألف في هذه الشريعة السمحة البيضاء حسم ~~الذرائع كثيرا وإقامة مظنة الشيء مقامه كتحريم الجرعة من الخمر والقطرة , ~~والخطبة في العدة واعتداد النوم الثقيل ناقضا , فهذه مظان لم يقع الحكم ~~فيها على ما هو لأنفسها ولا بما هي كذا , بل بما هي مظان ودواع لما منع ~~لعينه أو استوجب حكما لعينة وعلته الخاصة به , ولما أمر المسلمون بحل ~~أيديهم عن الأنفال يوم بدر إذ كان المقاتلة قد هموا بأخذها وحدثوا أنفسهم ~~بالأنفراد بها ورأوا أناه من حقهم وأن من لم يباشر قتالا من الشيوخ ومن ~~انحاز منه لمهم فلا حق له فيها , ورأى الآخرون أيضا أن حقهم فيها ثابت ~~لأنهم كانوا فيه للمقاتلين عدة وملجأ وراء ظهورهم , كان ما أمرهم الله به ~~من تسليم الحكم في ذلك إلى الله رسوله من باب حسم الذرائع لأن تمشية ~~أغراضهم في ذلك - وإن تعلق كل من الفريقين بحجة - مظنة لرئاسة النفوس ~~واستسهال اتباع الأهواء , فامرهم الله بالتنزه عن ذلك والتفويض الله ~~ولرسوله فإن ذلك أسلم لهم وأوفى لدينهم وأبقى في إصلاح ذات PageV03P187 ~~البين وأجدى في الأتباع < # > 77 ( { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } ) 77 < # > [ الأنفال : 1 ] الآية , ثم ذكروا بما ينبغي لهم يلتزموا فقال تعالى < # > 77 ( { إنما المؤمنون - إلى قوله : زادتهم إيمانا } ) 77 < # > [ الأنفال : 2 ] ثم نبهوا على ان أعراض الدنيا من نفل أو غير لا ينبغي ~~للمؤمن ان يعتمد عليه اعتمادايدخل عليه ضرارا من الشرك أو التفاتا إلى غير ms1813 ~~الله سبحانه بقوله : { وعلى ربهم يتوكلون } ثم ذكروا بما وصف به المتقين من ~~الصلاة والإنفاق ثم قال { أولئك هم المؤمنون حقا } تنبيها علىأن من قصر في ~~هذه الأحوال ولم يأت بها على كمالها لم يخرج عن الإيمان ولكن ينزل عن درجة ~~الكمال بحسب تقصيره , وكان في هذا إشعار بعذرهم في كلامهم في الأنفال وأنهم ~~قد كانوا في مطلبهم على حالة من الصواب وشرب من التمسك والأتباع , ولكن ~~اعلى الدرجات ما بين لهم ومنحوه , وأنه الكمال والفوز , ثم نبههم سبحانه ~~بكيفيه أمرهم في الخروج إلى بدر وودهم أن غير ذات الشوكة تكون لهم وهو ~~سبحانه يريهم حسن العاقبة فيما اختاره لهم , فقد كانوا تمنوا لقاء العير , ~~واختاروا ذلك على لقاء العدو ولم يعملوا ما وراء ذلك < # > 77 ( { ويريد اله ان يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين } ) 77 < # > [ الأنفال : 7 ] إلى ما قصه تعالى عليهم من اكتنافهم برحمته وشمول ~~ألطافه وآلائه وبسط نفوسهم ونبههم على ما يثبت يقينهم ويزيد في إيمانهم , ~~ثم أعلم أن الخير كله في التقوى فقال : < # > 77 ( { ياأيها الذين آمنوا غن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا } ) 77 < # > [ الأنفال : 29 ] الاية , وهذا الفرقان هو الذي حرمه إبليس وبلعام , ~~فكان منهما ما تقدم من اتباع الأهواء القاطعة لهم عن الرحمة , وقد تضمنت ~~الآية حصول خير الدنيا والآخرة بنعمة الاتقاء , ثم أجمل الخيران معا في ~~قوله < # > 77 ( { والله ذو الفضل العظيم } ) 77 < # > [ الأنفال : 29 ] بعد تفصيل ما إليه إسراع المؤمنين من الفرقان ~~والتكفير والغفران , ولم يقع التصريح بخيري الدنيا الخاص بها اقتضاء الآية ~~إياه تنزيها للمؤمن في مقام إعطاء الفرقان وتكفير السيئات , والغفران من ~~ذكر متاع الدنيا التي هي لهو ولعب فلم يكن ذكر متاعها الفاني ليذكر مفصلا ~~مع ما لا يجانسه ولا يشاكله < # > 77 ( { وإن الدار الآخرة لهي الحياة } ) 77 < # > [ العنكبوت : 64 ] ثم التحمت الآي , ووجه آخر وهو أنه تعالى لما قال { ~~وإذ قرئ القرآن فاستمعوا له } بين لهم كيفية هذا الاستماع وما الذي يتصف به ~~المؤمن من ضروبه فقال < # > 77 ms1814 ( { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله } ) 77 < # > [ الأنفال : 2 ] الآية : فهؤلاء لم يسمعوا بآذانهم فقط , ولا كانت لهم ~~آذان لا يسمعون بها ولا قلوب لا يفقهون بها , ولو كانوا كذا لما وجلت وعمهم ~~الفزع والخشية وزادتهم الايات إيمانا , فإذا إنما يكون سماع المؤمن هكذ < # > 77 ( { ولا تكونوا كالذين قالواسمعنا وهم لا يسمعون } ) 77 < # > [ الأنفال : 21 ] ولما كان هؤلاء إنما أتى عليهم من اتباع أهوائهم ~~والوقوف مع اعراضهم وشهواتهم < # > 77 ( { يأخذون PageV03P188 عرض هذا الأدنى } ) 77 < # > [ الأعراف : 169 ] < # > 77 ( { ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه } ) 77 < # > [ الأعراف : 176 ] وهذه بعينها كانت آفة إبليس , رأى لنفسه المزيد ~~واعتقد لها الحق ثم اتبع هذا الهوى حين قال < # > 77 ( { لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون } ) 77 < # > [ الحجر : 33 ] فلما كان اتباع الهوى أصلا في الضلال وتنكب الصراط ~~المستقيم , أمر المؤمنين بحسم باب الأهواء , والتسليم فيم لهم به تعلق وغن ~~لم يكن هوى مجردا لكنه مظنه تيسير لا تباع الهوى , فافتتحت السورة بسؤالهم ~~عن الأنفال وأخبروا أنها لله ورسوله , يحكم فيها ما يشاء { فاتقوا الله } ~~واحذروا الأهواء التي اهلكت من قص عليكم ذكره { وأصلحوا ذات بينكم } برفع ~~التنازع , وسلموا لله ولرسوله , وإلا لم تكونوا سامعين وقد أمرتم أن تسمعوا ~~السماع الذي عنه ترجى الرحمة , وبيانه في قوله { إنما المؤمنون } - الآيات ~~, ووجه آخر وهو أن قصص بني إسرائيل عقب بوصاة المؤمنين وخصوصا بالتقوى وعلى ~~حسب ما يكون الغالب فيما يذكر من أمر بني إسرائيل / ففي البقرة أتيع قصصهم ~~بقوله < # > 77 ( { يأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا } ) ~~77 < # > [ البقرة : 104 ] ولما كان قصصهم مفتتحا بذكر تفضيلهم { يابني إسرائيل ~~اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين } افتتح خطاب هذه ~~الأمة بما يشعر بتفضليهم , وتأمل مابين { يابني إسرائيل } { ويأيها الذين ~~آمنوا } وأمر أولئك بالإيمان < # > 77 ( { وآمنوا بما أنزلت } ) 77 < # > [ البقرة : 41 ] وأمر هؤلاء بتعبد احتياطي فقيل < # > 77 ( { وقولوا انظرنا واسمعوا } ) 77 < # > [ البقرة : 104 ] ثم أعقبت بقوله تعالى ؛ < # > 77 ( { يأيها الذين آمنوا ms1815 إن تطيعوا فريقا من الذين أتوا الكتاب يردوكم ~~بعد إيمانكم كافرين } ) 77 < # > [ آل عمران : 100 ] ثم أعقبت السورة بقوله < # > 77 ( { يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة } ) 77 < # > [ النساء : 1 ] وعدل عن الخطاب باسم الإيمان للمناسبة , وذلك ان سورة ~~آل عمران خصت من مرتكبات بني بني إسرائيل بجرائم كقولهم في الكفار < # > 77 ( { هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا } ) 77 < # > [ النساء : 51 ] فهذا بهت , ومنها قولهم < # > 77 ( { الله فقير ونحن أغنياء } ) 77 < # > [ آل عمران : 181 ] إلى ما تخلل هاتين من الآيات المنبئة عن تعمدهم ~~الجرائم , فعدل عن { يأيها الذين آمنوا } إلى { يأيها الناس } ليكون أوقع ~~في الترتيب وأوضح مناسبة لما ذكر , ولما ضمنت سورة النساء قوله تعالى { ~~فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات } - إلى قوله : < # > 77 ( { وأكلهم أموالناس بالباطل } ) 77 < # > [ النساء : 160 - 161 ] أتعبت بقوله تعالى < # > 77 ( { يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } ) 77 < # > [ المائدة : 51 ] ثم ذكر لهم ما أحل لهم وحرم عليهم ليحذروا مما وقع ~~فيه PageV03P189 أولئك , فعلى هذا لما ضمنت سورة الأعرافمن قصصهم جملة , ~~وبين فيها اعتداءهم , وبناه على اتباع الأهواء والهجوم على الأغراض , طلب ~~هؤلاء باتقاء ذلك والبعد عما يشبهه جملة , فقيل في آخر السورة < # > 77 ( { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشياطين تذكروا } ) 77 < # > [ الأعراف : 201 ] ثم افتتحت السورة الأخرى بصرفهم عما لهم به تعلق ~~وإليه تشيت يقيم عذرهم شرعا فيما كان منهم , فكان قد قيل لهم : ترك هذا ~~أعلم وأبعد عن اتباع الأهواء , فسلموا في ذلك الحكم لله ورسوله واتقوا الله ~~, ثم تناسج السياق والتحمت الآي , وقد تبين وجه اتصال الأنفال بالأعراف من ~~وجوه , والحمد لله - انتهى . | ولما أخبر تعالى بما هو الحق من أن إرادتهم ~~بل ودادتهم إنما كانت منصبة إلى العير لا إلى النفير , تبين أنه لا صنع لهم ~~فيما وقع إذ لو كان لكان على ما أرادوا , فلا حظ لهم في الغنيمة إلا ما ~~تقسمه الله لهم لأن الحكم لمراده لا لمراد غيره , فقال تعالى عاطفا على { ~~وتودون } : { ويريد ms1816 الله } أي بما من العز والعظمة والعلم { أن يحق الحق } ~~اي يثبت في عالم الشهادة الثابت عنده في عالم الغيب , وهو هنا إصابة ذات ~~الشوكة { بكلماته } أي التي أوحاها إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أنهم ~~يهزمون ويقتلون ويؤسرون , وأن هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان , ليعلي دينه ~~ويظهر أمره على كل أمر { ويقطع دابر } أي آخر { الكافرين * } أي كما يقطع ~~أولهم , اي يستأصلهم بحيث لا يبقى منهم أحد ليكون ما وعدكم به من إعلاء ~~الدين وقمع المفسدين بقطع دابرهم { ليحق الحق } ي الذي هو دينه القيم وفيه ~~فوز الدارين { ويبطل الباطل } وهو كل ما خالفه { ولو كره } أي ذلك { ~~المجرمون * } اي الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويكسر قوتهم بضعفكم ~~ويفني كثرتهم بقلتكم ويمحق عزهم بذلتكم فيظهر علو أمره ويخضع الأعناق لذكره ~~{ إذ } ظرف { ليحق الحق } { تستغثون ربكم } أي تطلبون إغاثة المحسن إليكم , ~~وهو بدل من { إذ يعدكم } فهو من البيان لكرامتهم لقاء ذات الشوكة بشدة ~~جزعهم الموجب لهم الاستغاثة مع إسفار العاقبة عن أن الخير فيما كرهوه , ~~وأنه أحق الحق وأظهر الدين وأوهن أمر المشركين ولما أسرع سبحانه الإجابة , ~~دل على ذلك بقوله : { فاستجاب } اي فأوجد الإجابة إيجاد من هو طالب لها ~~شديد الرغبة فيها { لكم } بغاية ما تريدون تثبيتا لقلوبكم { إني } أي بأني ~~{ ممدكم } اي موجد المدد ( لكم ) اي بإمدادكم , ولعله حول العبارة لما في ~~التصريح بضميره من العظمة والبركة { بألف من الملائكة } حال كونهم { مردفين ~~* } أي متبعين بأمثالهم . | PageV03P190 < < # | الأنفال : ( 10 - 13 ) وما جعله الله . . . . . # > > ^ ( وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند ~~الله إن الله عزيز حكيم * إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السمآء ~~مآء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ~~* إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب ~~الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان * ذلك بأنهم ~~شآقوا الله ورسوله ومن يشاقق ms1817 الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ) ^ } ) | ~~ولما كانت نصرة المسلمين في هذه الغزوة ظاهرة جداقال : { وام جعله الله } ~~اي الإمداد والوعد به ماله سبحانه من العظمة التي من راقبها لم يهب شيئا { ~~إلا بشرى } أي لتستبشر به نفوسكم , ولم يحتج إلى تقييد بأن يقال : لكم , ~~وأما في قصة أحد فقد كان المقتول منهم اكثر من المقتول من الكفار فلولا ~~قوله ( لكم ) لربما طرق بعض الأوهام حين سماع أول الكلام أن الإمداد بشرى ~~للكفار ولما كان الذي وقع الحكم به هنا على الإمداد أنه بشرى نفسه من غير ~~قيد , علم أن العناية به أشد , فكان المحكوم به الطمأنينة كذلك , فكان أصل ~~الكلام : إلا بشرى هو وطمأنينة هو , فلذلك وبجب تقديم ضميره في قوله ( به ) ~~على القلوب تأكيدا لأمره وتفخيما لشأنه , وإشارة إلى إتمامه على عادة العرب ~~في تقديم ماهم به أعنى وهو عندهم أهم فقال : { ولتطمئن } أي وطمأنينة ~~لتطمئن { به } أي وحده من غير نظر إلى شيء من قوتكم ولا غيرها { قلوبكم } ~~فالآية من الاحتباك , وأما في قصة أحد فلما قيدت البشرى بالإمداد بلكم لما ~~تقدم , علم الطمأنينة كذلك , فكان الأنسب تأخير ضميره وتقديم القلوب ~~الملابسة لضميرهم موازنة لقوله ( لكم ) ولما كان ذلك مفهما أن النصر ليس ~~إلا بيده وأن شيئا من الإمداد أو غيره لا يوجب النصر بذاته , صرح به في ~~قوله : { وما النصر } أي حاصلا وموجودا بالملائكة وغيرهم من الأسباب { إلا ~~من عند الله } أي لأن له وحده صفات الكمال , فما عنده ليس منحصرا في ~~الإمداد بالملائكة فالنصر وإن كان بها فليس من عندها , فلا تعتمدوا على ~~وجودها ولا تهنوا بفقدها اعتمادا عليه سبحانه خاصة , فإن ما عنده من ~~الأسباب لا ييحط به علما , هذا إذا أراد النصر بالأسباب , وإن أراد بغير ~~ذلك فعل فكان التعبير بعند الإفهام ذلك ولما كانت هذه الغزوة في أول الأمر ~~, وكانوا بعد بروز الوعد الصادق لهم بإحدى الطائفتين كارهين للقاء ذات ~~الشوكة جدا , ثم وقع لهم ما وقع من النصر , كان المقام PageV03P191 مقتضيا ms1818 ~~لإثبات عزة الله وحكمته على سبيل التأكد إعلاما بأن صفات الكمال ثابتة له ~~دائما , فهو ينصر من صبر واتقى بعزته , ويحكم أمره على أتم وجه بحكمته , ~~هذا فعله دائما كما فعل في هذه الغزوة فلذلك قال معللا لما قبله مؤكدا : { ~~إن الله } أي الملك الأعظم { عزيز } أي هو في غاية الامتناع والقهر لمن ~~يريد قهره أزلا وأبد . | لا يغلب ولا يحوج وليه إلى زيادة العدد ولا نفاسه ~~العدد { حكيم } أي إذا قضى أمرا كان في غاية الإتقان والإحكام , فلا يستطيع ~~أحد نقص شيء منه , هذا له دائما فهو يفعل في نصركم هكذامهما استأنستم إلى ~~بشراه ولم تنظروا إلى قوتكم ولا غيرها مما سواه فلا تقلقوا إذا امركم ~~بالهجوم على البأس ولو كان فيه لقاء جميع الناس ولما أكد هنا , لم يحتج إلى ~~إعادة تأكيده في آل عمران فقيل < # > 77 ( { العزيز الحكيم } ) 77 < # > [ آل عمران : 126 ] أي الذي أخبركم عن عزته وحكمته في غزوة بدر بما ~~يليق بذلك المقام من التأكيد , وأخبركم أنكم إن فاديتم الأسرى قتل منها في ~~العام المقبل مثل عددهم , فوقوع الأمر على ما قال مغن عن التأكيد , ولم يكن ~~أحد من المسلمين في أحد مترددا في اللقاء ولا هائبا له الإ ما وقع من الهم ~~بالفشل نت الطائفتين والعصمة منه في الحال , وقد مضى في آل عمران لهذا مزيد ~~بيان ولما ذكر البشرى والطمأئنية بالإمداد , ناسب أن يذكر لهم أنه أتبع ~~القول العفل فألقى في قلوبهم بعزته وحكمته الطمأنينة والأمن والسكينة بدليل ~~النعاس الذي غشيهم في موضع هو أبعد الأشياء عنه وهو موطن الجلاد ومصاولة ~~الأنداد والتيقظ لمخاتلة أهل العناد , وكذا المطر وأثره , فقال مبدلا أيضا ~~من { إذ يعدكم } أو معلقا بالنصر لمخاتلة أهل قراءة ابن كثير وابي عمرو ~~فالفاعل { النعاس } وضم الباقون الياء , وأسكن نافع الغين وفتحها الباقون ~~وشددوا الشين المكسورة , فالفاعل في القراءة الأولى مفعول هنا , والفاعل ~~ضمير يعود على الله ولما ذكر هذه التغشية الغريبة الخارقة للعوائد , ذكر ما ~~فعلت لأجله فقال : { أمنة } ولما ms1819 كان ذلك خارقا للعادة , جاء الوصف بقوله : ~~{ منه } اي بجكمته لأنه لا ينام في مثل تلك الحال إلا الآمن , ويمنع عنكم ~~العدو وأنتم نائمون بعزته , ولم يختلف فاعل , الفعل المعلل في القراءات ~~الثلاث لأن كون النعاس فاعلا مجاز , ويصح عندي نصبها على الحال ولما كان ~~النعاس آية الموت , ذكر بعده آية الحياة فقال : { وينزل عليكم } وحقق كونه ~~مطرا بقوله : { من السماء ماء } ووقع في البيضاوي وأصله وكذا تفسيرا أبي ~~حيان PageV03P192 أن المشركين سبقوا إلى الماء وغلبوا عليه , وليس كذلك بل ~~الذي سبق إلى بدر وغلب على مائها المؤمنون كما ثبت في صحيح مسلم وغيره , ~~فيكون شرح القصة أنم مطروا في المنزل الذي ساروا منه إلى بدر فحصل للمسلمين ~~منه ما ملؤوا منه اسقيتهم فتطهروا من حدث أو جنانهة ولبد لهم الرمل ذلك ~~سببا لسبق المسلمين لهم إلى المنزل وتمكينهم من بناء الحياض وتغور ما وراء ~~الماء الذي نزلوا عليه من القلب كما هو مشهور في السير , ويكون رجز الشيطان ~~وسوسته لهم بالقلة والضعف والتخويف بكثرة العدو , والربط على القلوب ~~طمأنينتهم وطيب نفوسهم بما أراهم من الكرامة كما يوضح ذلك جميعية قول ابن ~~هشام { وينزل عليكم من السماء } ماء للمطر الذي أصابهم تلك الليلة , فحبس ~~المشركين أن يسبقوا إلى الماء وخلى سبيل المؤمنين إليه { ليطهركم به } أي ~~من كل درن , وابتدأ من فوائد الماء بالتطهير لأنه المقرب من صفات الملائكة ~~المقربين من حضرات القدس وعطف عليه - بقوله : { ويذهب عنكم } أي لا عن ~~غيركم { رجز الشيطان } بغير لام ما هو لازم له , وهو العبد الذي كان مع ~~الحدث الذي منه الجنابة المقربة من الخبائث الشيطانية بضيق الصدر والشك ~~والخوف لإبعاد من الحضرات اللائكة ( لا تدخل الملائكة بيتا فيه جنب ) ~~والرجز يطلق على القذر وعبادة الأوثان والعذاب والشرك , فقد كان الشيطان ~~وسوس لهم , ولا شك أن وسوسته من اعظم القذر فإنها تجر من تمادى معها غلى كل ~~ما ذكر ؛ ثم عطف عليه ما تهيأ له القلب من الحكم الإلهية وهو إفراغ السكينة ~~فقال ms1820 : { وليربط } أي بالصبر واليقين ولما كان ذلك ربطا محكما غالبا عاليا ~~, عبر فيه بأداة الاستعلاء فقال : { على قلوبكم } أي بعد إسكانها الوثوق ~~بلطفه عند كل ملمة حتى امتلأت من كل خير وثبت فيها الربط , فشبهها بجراب ~~ملئ شيئا ثم ربط رأسه حتى لا يخرج من ذلك الذي فيه شيء , وأعاد اللام إشارة ~~إلى أنه المقصد الأعظم وما قبله وسيلة غليه وعطف عليه بغير لام لازمه من ~~التثبيت فقال : { ويثبت به } أي بالربط بالمطر { الأقدام * } أي لعدم الخوف ~~فإن الخائف لا تثبت قدمه في المكان الذي يقف به , بل تصير رجله تنتقل من ~~غير اختيار أو بتلبيد الرمل ولما ذكر حكمه الإمداد وما تبعه من الآثار ~~المثبتة للقلوب والإقدام , ذكر ما أمربه المدد من التثبيت بالقول والفعل ~~فقال : { إذ } بدلا ثالثا من { إذ يعدكم } أو ظرفا ليثبت { يوحي ربك } أي ~~المحسن إليك بجميع ذلك { إلى الملائكة } وبين النصر منه لا من المدد بقوله ~~: { أني معكم } أي ومن كنت معه كان ظافرا بجميع مأموله { فثبتوا } اي ~~PageV03P193 بسبب ذلك { الذين آمنوا } أي بأنواع التثبيت من تكثير سوادهم ~~وتقوية قلوبهم وقتال اعدائهم وتقليلهم في أعينهم وتحقير شأنهم ؛ ثم بين ~~المعية بقوله : { سألقي } أي بوعد لا خلف فيه { في قلوب الذين كفروا } أي ~~اوجدوا الكفر { الرعب } فلا يكون لهم ثبات { فاضربوا } أي أيها المؤمنون من ~~الملائكة والبشر غير هائبين بسبب ذلك ولما كان ضرب العنق والراس أوحى مهلك ~~اللأنسان , وكان النق يستر في الحرب غالبا , عبر بقوله : { فوق الأعناق } ~~أي الرؤوس أو أعالي الأعناق منهم لأنها مفاصل ومذابح ولما كان إفساد ~~الأصابع أنكى ما يكون بعد ذلك لأنه يبطل قتال المضروب أو كمال قتاله , قال ~~: { اضربوا منهم كل بنان } أي فإنه لا مانع من ذلك لكوني معكم , ثم علل ~~تسليطهم عليهم بقوله : { فوق الأعناق } اي الرؤوس أو أعالي الأعناق منهم ~~لأنها مفاصل ومذابح ولما كان إفساد الأصابع أنكى ما يكون بعد ذلك لأته يبطل ~~قتال المضروب أو كمال قتاله , قال : { وأضربوا منهم كل بنان } أي ms1821 فإنه لا ~~مانع من ذلك لكوني معكم , ثم علل تسليطهم عليهم بقوله , { ذلك } اي التسليط ~~العظيم , وأخبر عنه بقوله : { بأنهم } أي الذي تلبسوا الآن بالكفر ولو ~~كانوا ممن يقضي بايمانه بعد { شاقوا الله } أي الملك الأعلى الذي لا يطاق ~~انتقامه { ورسوله } أي طلبوا ان يكونا بمخالفة الأوامر والنواهي في شق غير ~~الذي فيه حزب الهدى في مكر منهم وخداع , وشاقوه ياشتهار السيف جهرا - ثم ~~بين ما الفاعل ذلك , فقال عاطفا على تقديره : فمن شاق الله ورسوله فافعلوا ~~به ذلك , فإني فاعل به ما فعلت بهؤلاء , وأظهر الإدغام في المضارع لأن ~~القصة للعرب وأمرهم في عدواتهم كان بعد الهجرة شديدا ومهاجرة , وادغم في ~~الماضي لأن ما مضى قلبها كان ما بين مساترة بالمماكرة ومجاهرة بالمقاهرة , ~~وعبر بالمضارع ندبا إلى التوبة بتقييد الوعيد بالاستمرار , وأدغم في الحشر ~~في الموضعين لأن القصة لليهود وأمرهم كان ضعيفا ومساترة في مماكرة : { ومن ~~يشاقق الله } أي الذي له الأمر كله فلا أمر لأحد معه ويشاقه سرا أو جهرا { ~~ورسوله } بان يكون في شق غير الشق الذي يرضيانه { فغن الله } أي الذي له ~~جميع صفات الكمال { شديد العقاب * } أي له هذه الصفة , فليتوقع مشاققة ~~عذابه , فالآية من الاحتباك : ذكر الفعل المدغم أولا دليل على حذف المظهر ~~ثانيا , والمظهر ثانيا على حذف المدغم أولا . | ولما ختم الآية ببيان السبب ~~الموجب لإهانة الذين كفروا وبما له من الوصف العظيم , أتبعه ما يقول لهم ~~لبيان الحال عند ذلك بقوله التفاتا إليهم لمزيد التبكيت والتوبيخ . | < < # | الأنفال : ( 14 - 21 ) ذلكم فذوقوه وأن . . . . . # > > ^ ( ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار * يآأيها الذين آمنوا إذا ~~لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا ~~متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس ~~PageV03P194 المصير * فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن ~~الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم * ذلكم وأن الله ~~موهن كيد الكافرين * إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح وإن ms1822 تنتهوا فهو خير لكم ~~وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين * ~~يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون * ولا ~~تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ذلكم } أي هو سبحانه بما له من هذا الوصف الهائل يذيق عدوه من عذابه ~~ما لا طاقة لهم به ولا يدان , فيصير لسان الحال مخاطبا لهم نيابة عن المقال ~~: الأمر الذي حذرتكم نه الرسل واتتكم به الكتب وكنتم تستهزئون به أيها ~~الكفرة هو هذا الأمر الشديد وقعه البعيد على من ينزل عليه دفعه دهمكم , فما ~~لكم لا تدفعونه ! كلا والله شغل كلا ما قابله ولم يقدر أن يزاوله ولما كان ~~ما وقع لهم في وقعة بدر من القتل والأسر ولبقهر يسيرا جدا بالنسبة إلى ما ~~لهم في الآخرة , سماه ذوقا لأنه يكون بالقليل ليعرف به حال الكثير فقال : { ~~فذوقوه } اي باشروه قهرا مباشرة الذائق واعلموا أنه بالنسبة إلى ما ~~تستقبلونه كالمذوق بانسبة إلى المذوق لأجله { وأن } أي والأمر الذي اتتكم ~~به الرسل والكتبأن لكم مع هذا الذي ذقتموه في الدنيا , هكذا كان الأصل ~~ولكنه أظهر تعميما وتعليقا بالوصف فقال : { للكافرين } أي الذي كفرهم وإن ~~لم يظهروا المشاققة { عذاب النار * } وهو مواقعكم وهو أمبر وسترون ولما قرر ~~إهانتهم في الدنيا والآخرة بما حسر عليهم القلوب , حسن أن يتبع ذلك نهي من ~~ادعى الإيمان عن الفرار منهم وتهديد من نكص عنهم بعد هذا البيان وهو يدعي ~~الإيمان فقال : { يأيها الذين آمنوا } أي بما أتاهم من عند ربهم { إذا ~~لقيتم الذين كفروا } أي بآيات ربهم فشاققوه , وعبر عن حال لقائهم بالمصدر ~~مبالغة في التشبيه فقال : { زحفا } أي حال كونهم زاحفين محاربين وهم من ~~الكثرة بحيث لا يدرك من حركتهم - وغن كانت سريعة - إلا مثلل الزحف { فلا ~~تولوهم الأدبار * } أي هربا منهم وإن كنتم اقل منهم { ومن يولهم } ولما كان ~~الأغلب في وقوع القتال النهار , وكان التولية مما لا يكون الظرف معيارا له ~~لأنها مما ms1823 لا يمتد زمنه , فالعصيان يقع النهار , بمجرد الالتفات بقصد ~~الفرار , والتمادي تكرير بعد الفر مع عدم الالتباس , فإن الظرف لا يكون ~~معيارا للفعل إلا إذا كان ممتد الزمان كالصوم فقال { يومئذ } أي إذ لقيتم ~~على هذه الحالة في اي وقت كان من أوقات القتال من ليل كان أو نهار { دبره } ~~أي يجعل ظهره إليهم لشيء من الأشياء تولية PageV03P195 لا يريد الإقبال إلى ~~القتال منها { إلا } حال كونه { متحرفا } أو الحال التحرف , وهو الزوال عن ~~جهة الاستواء { لقتال } أي لا يتسهل له إلا بذلك يخيل إلى عدوه انه منهزم ~~خداعا له ثم يكر عليه { أو متحيزا } أي منتقلا من خيز إلى آخر ومنتجا { إلى ~~فئة } أي جماعة أخرى من أهل حزبه هم أهل لآن يرجع إليهم ليستعين بهم أو ~~يعينهم ولما كان هذا محل توقع السامع للجواب وتفريغ ذهنه له , أجاب رابطا ~~بالفاء إعلاما بان الفعل المحدث عنه سبب لهذا الجزاء فقال : { فقد باء } أي ~~رجع { بغضب من الله } اي الحائز لجميع صفات الكمال { ومأواه جهنم } أي ~~تتجهمه كما أنه هاب تجهم الكفار ولقاء الوجوه العابسه بوجه خكالح عابس { ~~وبئس المصير * } هذا إذا لم يزيد الكفار عن الضعف - كما سياتي النص به . | ~~ولما تقدم إليهم في ذلك , علل بتقرير عزته وحكمته , وأن النصر ليس إلامن ~~عنده , فمن صح إيمانه لم يتوقف عن امتثال أوامره , فقال مسببا عن تحريمه ~~الفرارل وإن كان العدو كثيرا , تذكيرا بما صنع لهم في بدر , ليجريهم على ~~مثل ذلك , ومنعا لهم من الإعجاب بما كان على أيديهم في ذلك اليوم من ~~الخوارق { فلم تقتلونهم } أي حل على المدبر الغضب لأنه تبين لكل مؤمن أنه ~~تعالى لا يأمر أحدا إلا بما هو قادر سبحانه على تطويقه له , فإنه قد وضح ~~مما يجري على قوانين العوائد أنكم لم تقتلوا قتلى بدر وإن تعاطيتم أسباب ~~قتلهم , لأنكم لم تدخلوا قلوب ذلك الجيش العظيم الرعب الذي كان سبب هزيمتهم ~~التي كانت سبب قتل من قتلتم , لضعفكم عن مقاومتهم في العادة , وفيه ms1824 مع ذلك ~~زجر لهم عن اي يقول أحد منهم على وجه الافتخار : قتلت كذا وكذا رجلا~ وفعلت ~~كذا { ولكن الله } أي الذي له الأمر كله فلا يخرج شيء عن مراده { قتلهم } ~~أي بأن هزمهم لكم لما رأوا الملائكة وامتلأت أعينهم من التراب الذي رماهم ~~به صلى الله عليه وسلم وقلوبهم جزعا حتى تمكنتم من قتلهم خرق عادة كان ~~وعدكم بها , فصدق مقاله وتمت أفعاله ولما رد ما باشره إليه سبحانه , أتبعه ~~ما باشره نبييه صلى الله عليه وسلم دلالة على ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم ~~لما راى قريشا مقبلة قال : اللهم ! هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها ~~تحادك وتكذب رسولك , فقال جبرائيل عليه السلام : خذ قبضة من تراب فارمهم ~~بها , ففعل فملأت أعينهم فانهمزوا فقال : { وما رميت } أي ياسيد المؤمنين ~~الرمل في أعين الكفار { إذ PageV03P196 رميت } أي اوقعت صورة قذفه من كفك , ~~لأن هذا الأثر الذي وجد عن رميك خارق للعادة , فمن الواضح انه ليس فعلك , ~~وهذا هو الجواب عن كونه لم يقل : فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم , لأن زهوق النفس ~~عن الجراح المثخن هو العادة , فهم الذين قتلوهم حين باشروا ضربهم , فلا يصح ~~: فلم تقتلوهم حتى قتلتموهم , والمنفي إنما هو السبب المتقدم على القتل ~~الممكن من القتل , وهوتسكين قلوبهم الناشئ عند إقدامهم وإعاب المفار الناشئ ~~عند ضعفهم اونهزامهم الممكن منهم , فالمنفي عنهم البداية والمنفي عنه صلى ~~الله عليه وسلم الغاية , أو أن الملائكة عليهم السلام لما باشرت قتل بعضهم ~~صح أن ينفي عنهم قتل المجموع مطلقا , أو أنهم لما افتخر بعضهم يقتل من قتل ~~نفاه سبحانه عنهم مطلقا لأن مباشرتهم لقتل من قتل في جنب ما أعد لهم من ~~الأسباب وأيدهم به من الجنود عدم , وأما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه فعل ~~ما أمر به من رمي الرمل ولم يعد فعله ولا ذكره , فأثبته سبحانه له مع نفي ~~تأثيره عنه وإثباته لمن إليه ترجع الأمور تأديبا منه سبحانه لهذه الأمة , ~~أي لا عالم مقر بأنه منا فليحذر الذي ms1825 أوصل أثره بما كان نسب الرمي إليه ~~بقوله : { ولكن الله } اي الذي لا راد لأمره { رمى } لأنه الذي أوصل أثره ~~بما كان هازما للكفار , فعل ذلك كله ليبلي الكفار منه بأيدي من أراد من ~~عبادة بلاء عاقبته سيئة { وليبلي المؤمنين } أي الراسخين في الإيمان { منه ~~} أي وحده { بلاء حسنا } أي من النصر والغنيمة والأجر , ومادة بلاء يائية ~~بكثرة ومحالة وعناء وهو أغلب أحوال المادة , وتارة تكون مطلقة نحو أبلاه ~~عذرا , وتارة وما أباليه بالة - اظنة من البال الذي هو الخاطر فهو من بول ~~لا بلو , أجوف لا من ذوات الأربعة , ومعناه : ما أفاعله بالبال , اي ما ~~أكثرت به فما أصرف خاطري إلى مخالطة أحواله حيث يصرف خاطره إلي أي ما أفكر ~~في أمره لهوانه علي وسيأتي بسط معاني المادة إن شاء الله تعالى في سورة ~~يوسف عليه السلام عند قوله تعالى < # > 77 ( { ما بال النسوة } ) 77 < # > [ يوسف : 50 ] وهذه المادة معناها ضد الدعة , لأن هذه يلزمها شغل ~~الخاطر الذي عنه ينشأ التعب بمدافعة الملابس , والدعة يلزمها هدوء السر ~~وفراغ البال الذي هو منشأ الراحة , لأنه يفضي بهم إلى راحة دائمة , والدعة ~~تقضي إلى تعب طويل - والله موفق . | PageV03P197 ولما ثبت بما مضى أن له ~~تعالى الأفعال العظيمة والبطشات الجسمية . | ودلت أقوال من قال من المؤمنين ~~: إنا لم نتأهت للقاء ذات الشوكة , على ضعف العزائم ؛ ختم الآية بقوله : { ~~إن الله } أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال { سميع } أي لأقوالكم من ~~الاستعانة في المعونة على النصرة وغيرها { عليم * } أي بعزائمكم وإن لم ~~تتكلموا بها , فهو يجازي المؤمن على حسب إيمانه والكافر على ما يبدي ويخفي ~~من كفرانه , الأمر { ذلكم } العظيم الشأن البعيد المتناول الذي أمركم فيه ~~بأوامره ونهاكم به عن مناهيه وأبلاكم فيه البلاء الحسن , وأراكم بأعينكم ~~توهينه لهذه الطائفة التي قصدتكم وأنتم عندها أكلة جزور وعصفور بين يدي ~~صقور , وبين لكم من علل ذلك وعجائب مقدوره مالم يبق معه عذر لمؤمن , ~~فألزمور طاعته وسابقوا في طاعة رسوله ولا تنظروا في عاقبة شيء ms1826 مما يأمر به ~~, فإنه ما ينطق عن الهوى بل إنما يأمر عنا , ونحن لم نأمر بشيء إلا بعد ~~تدبيره على أحكم الوجوه وأتقنها { وأن } أي والأمر أيضا أن { الله } أي ~~الحاوي لجميع صفات العز والعظمة { موهن } اي مضعف إضعافا شديدا ثابتا دائما ~~ابدا { كيد الكافرون * } اي الراسخين في الكفر جميعهم , فلا تهنوا في ~~ابتغاء القوم وإن نالكم قرح فإنا نجعله لكم تطهيرا وللكافرين تدميرا ~~والعاقبة للتقوى , فنطلعكم على عوراتهم ونلقي الرعب في قلوبهم ونفرق كلمتهم ~~وننقص ما أبرموا ولما تضمن ذلك إيقاع الإهانة بالكفار بهذه الوقعة , والوعد ~~بإلزامهم الإهانة فيما يأتي , كان ذلك مفصلا للالتفات إلى تهديدهم في قالب ~~استجلائهم والاستهزاء بهم وتفخيم أمر المؤمنين فقال : { إن تستفتحوا } أي ~~تسأولوا الفتح أيها الكفار بعد هذا اليوم كما استفتحتم في هذه الحزبين في ~~هذه الوقعة عند أخذكم استار الكعبة وقت خروجكم بقولكم : اللهم انصر أهدى ~~الحزبين , وأكرم الجندين , وأعلى الفئتين , وأفضل الدينين , ووقت ترائي ~~الجمعين ؛ بقول أبي جهل : اللهم اقطعنا للرحم وآتانا بما لا يعلم فأحنه ~~الغداة ؛ أتاكم الفتح كما أتاكم في هذا اليوم { فقد جاءكم } اي في هذا ~~اليوم بنصر المؤمنين { الفتح } اي الذي استفتحتم له لأنهمك الفئتين وأكرم ~~الطائفتين { وإن تنتهوا } أي بعد هذا عن مثل هذه الأقوال والأفعال المتضمنه ~~للشك أو العناد { فهو خير لكم } وقد رأيتم دلائل ذلك { وإن تعودوا } أي إلى ~~المغالبة لأنكم لم تنتهوا { نعد } أي إلى خذلانكم { ولن تغني عنكم } أي ~~أبدا { فئتكم } اي جماعتكم التي ترجعون إليها للاعتزاز بها { شيئا } أي من ~~الإغناء { ولو كثرت } لأن الله على الكافرين { وأن الله } اي الملك الأعظم ~~{ مع المؤمنين * } أي الراسخين في الإيمان , ولعله عبر المستقبل في الشرط ~~والماضي في الجزاء إشارة إلى أنكم استفتحتم في بدر وجاءكم من الفتح ما ~~رأيتم , فإن PageV03P198 كان أعجبكم فألزموه في المستقبل , فإني لا أجيئكم ~~أبدا ما دمتم على حالكم إلا بما جئتكم به يومئذ , والفتح يحتمل أن يكون ~~بمعنى النصر فيكون تهكما بهم , وأن يكون بمعنى القضاء ولما كان ms1827 سبب ما أحله ~~بالكفار - من الإعراض عن إجابتهم فيما قصدوا من دعائهم ومن خذلانهم في هذه ~~الوقعة وإيجاب مثل ذلك لهم أبدا - هو عصيانهم الرسول وتوليهم عن قبول ما ~~يسمعونه منه من الروح ؛ حذر المؤمنين من حالهم بالتمادي في التنازع في ~~الغنيمة أو غيرها فقال : { يأيها الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك { اطيعوا الله ~~} أي الذي له جميع العز والعظمة { ورسوله } تصديقالدعواتكم الإيمان ولما ~~كانت طاعة الرسول هي طاعة الله لأنه إنما يدعوه إليه وإنما خلقه القرآن , ~~وحد الضمير فقال : { ولا تولوا عنه } أي عن الرسول في حال من الأحوال , في ~~أمر من الأوامر من الجهاد وغيره , من الغنائم وغيرها , خف أو ثقل , سهل أو ~~صعب { وأنتم } اي والحال أنكم { تسمعون } أي لكم سمع لما يقوله , أو وأنتم ~~تصدقونه , لأنه ارتماب شيء من ذلك يكذب دعوى الإيمان وينطبق علىأحوال ~~الكفار , وإلى ذلك إشارة بقوله : { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا } أي ~~بآذاننا { وهم لا يسمعون * } أي لا يستجبون فكأنهم لم يسمعوا , لما انتفت ~~الثمرة عد المثمر عدما . | < < # | الأنفال : ( 22 - 24 ) إن شر الدواب . . . . . # > > ^ ( إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو علم ~~الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون * يأيها الذين آمنوا ~~استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه وأنه إليه تحشرون ) ^ } ) | ولما كانت حال من هذا شأنه مشابهة لحال ~~الأصم في عدم السماع لعدم الانتفاع به , والأبكم في عدم كلامه لعدم تكلمه ~~بما ينفع , والعادم للعقل في عدم عقله لعدم انتفاعه به , قال معللا لهذا ~~النهي معبرا بأنسب الأشياء لما وصفهم به : { إن شر الدواب } اي التي على ~~وجه الأرض , جعلهم من جنس الحشرات أو البهائم ثم جعلهم شرها ولما كان لهم ~~من يفضلهم , وكانت العبرة بما عنده سبحانه , قال تعالى : { عند الله } اي ~~الذي له جميع الكمال من إحاطة العلم والقدرة وغيرها { الصم البكم } اي ~~الطرش الخرس طرشا وخرسا بالغين { الذين لا يعقلون * } أي لا يتجدد لهم عقل ms1828 ~~, ومن لم ينتفع بسماع الداعي كان كذلك PageV03P199 ولما كان ذلك دعا السامع ~~إلى أن يقول . | ما للقادر لم بمن هذا شأنه إلى الخير ؟ أجاب بأنه جبلهم من ~~أول الأمر - وله أن يفعل في ملكه وملكه ما يريد - جبلة عريقة في الفساد , ~~وجعل جواهرهم شريرة كجوهر العقرب التي لا تقبل التأديب بوجه ولا تمر بشيء ~~إلا لبسته , فعلم سبحانه أنه لا خير فيهم فتركهم على ما علم منهم { ولو علم ~~الله } أيب الذي له الكمال كله { فيهم خيرا } أي قبولا للخير { لأسمعهم } ~~أي إسماعا هو الإسماع , وهو ما تعقبه الإجابة المستمرة ولما كان علم الله ~~تعالى محيطا , وجب أن يعلم كل ما كان حاصلا , فكان عدم علمه بوجود الشيء من ~~لوازم عدمه , فلا جرم كان التقدير هنا : ولكنه لم يعلم فيهم خيرا , بل علم ~~أنه لا خير فيهم فلم يسمعهم هذا الإسماع { ولو أسمعهم } وهم على هذه الحالة ~~من عدم القابلية للخير إسماعا قسرهم فيه على الإجابة { لتولوا } أي بعد ~~إجابتهم { وهو معرضون * } اي ثابت إعراضهم مرتدين على أعقابهم , ولم ~~يستمروا على إجابتهم لماة جلبوا عليه من ملاءمة الشر ومباعدة الخير , فلم ~~يريدوا الإسلام وأهله بعد إقبالهم إلا وهنا , وكما كان لأهل الردة الذين ~~قتلوا مرتدين بعد أن كانوا دخلوا في الإسلام خوفا من السيف ورغبة في المال ~~وهو من وادي < # > 77 ( { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } ) 77 < # > [ الأنعام : 28 ] فإن علم الله تعالى أربعة أقسام : جملة الموجودات , ~~وجملة المعدومات , وأن كل واحد من الموجودات لو كان معدوما كيف يكون حاله , ~~وأن كل واحد من المعدومات لو كان موجودا كيف يكون حاله , والقسمان الأولان ~~علم بالواقع , والآخر علم بالقدر , والآية من القسم الأخير , ولعمري إنا ~~دفعنا إلى أغلب من فيه على قريب من هذا الأمر , أجرأ الناس على الباطل , ~~وأثبتهم في المصاولة فيه , وأوسعهم حبلا في التوصيل إليه , وأجبنهم عند ~~الدعوة إلى الحق , وأسرعهم نكوصا عند الإقدام بعد جهد عليه , وألكنهم عند ~~الجدال له , فصار ما كان مقدرا مفروضا حاصلا ms1829 وموجودا , وكلمة { لو } هنا ~~يحتمل أن تكون هي التي يعلق بها أمر على آخر هو بضده أولى فيكون المراد ان ~~المعلق . | وهو الثاني - موجود دائما مثل قول عمر رضي الله عنه : نعم العبد ~~صهيب رضي الله عنه ! لو لم يخف الله لم يعصه , فالمراد هنا على هذا أنهم ~~إذا كانوا يتولون مع الإسماع والإجابة , فتوالهم مع عدمهما أولى - نبه على ~~ذلك الرازي , ويحتمل أن يكون على بابها من أن الجزءين بعدها منفيان , ~~وانتفاء التولي إنما يكون خيرا إذا نشأ عن الإسماع المترتب على علم الخير ~~فيهم , وأما عدمه لعدم إسماعهم الإسماع الموصوف لأنه لا خير فيهم فليس من ~~الخير في شيء بل هو مخص , التولي المنفي عنهم ليس هو الموجود منهم , بل هو ~~الناشئ عن الإسماع الموصوف فلا يناقض PageV03P200 ادعاؤه عنادهم وعدم ~~انقيادهم , وتحقيقه أن النفي إنما هو زيادة التولي الناشئة عن الإسماع , ~~فالمعنى : ولو أسمعهم لزادوا إعراضا , فالمنفي في هذا السياق تلك الزيادة - ~~والله الموفق ولماكان ما مضى من نكال الكافرين مسببا عن عدم الاستجابة , ~~أمر المؤمنين بها تحذيرا من الكون الكفرة في مثل حالهم فيحشروا معهم في ~~مآمهم فقال : { يأيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان بألسنتهم { استجيبوا ~~} أي صدقوا دعواكم ذلك بإيجاد الإجابة إيجاد من هو في غاية الرغبة فيها { ~~الله } أي واجعلوا إجابتكم هذه خاصة للذي له جميع صفات الكمال { وللرسول } ~~الذي أرسله إلى جميع الخلق ولما كان صلى الله عليه وسلم يدعوهم لا محالة ~~لأن الله تعالى أمره بدعائهم , وكان لا يدعوهم إلا إلى ما أمره الله به , ~~وكان سبحانه لا يدعون إلا إلى صلاح ورشد ؛ عبر بأداة التحقيق ووحد الضمير ~~وشوق بإثمار الحياة فقال : { إذا دعاكم } أي الرسول بالندب والتحريض ولما ~~كان اجتناء ثمرة الطاعة في غاية القرب , نبه على ذلك باللام دون ( إلى ) ~~فقال : { لما يحييكم } اي ينقلكم بعز الإيمان والعلم عن حال الكفرة من ~~الصمم والبكم وعدم العقل الذي هو الموت المعنوي إلى الحياة المعنوية , ولا ~~يعوقكم عن الاستجابه في أمر من الأمور ms1830 أن تقولوا : إنا استجبنا إلى الإيمان ~~وكثير من شرائعه , فلولا أن ربنا علم فينا الخير ما أسمعنا , فنحن ناجون ؛ ~~روى البخاري في التفسير وغيره عن أبي سعيد ابن المعلي رضي الله عنه قال ( ~~كنت أصلي فمر بي رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني فلم آته حتى صليت ثم ~~أتيته فقال : ما منعك أن تأتي ؟ فقلت كنت أصلي , فقال : ) ألم يقل الله { ~~يأيها الذين آمنوا استجيبوا } ( - الآية , ثم قال : ) لأعلمنك أعظم سورة في ~~القرآن قبل أن أخرج من المسجد , ( فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرج ~~فذكرت له فقال : ) هي { الحمد لله رب العلمين } [ الفاتحة : 1 ] ( هي السبع ~~المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ) وللترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~( أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على أبي بن كعب رضي الله عنه فقال رسول ~~الله صلى الله صلى الله عليه وسلم فقال : السلام عليك يارسول الله ! فقال ~~رسول صلى الله عليه وسلم : ) يا أبي ! ( وهويصلي , فالتفت ابي فلم يجبه ~~وصلى أبي فخفف , ثم انصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : السلام ~~عليك يا رسول الله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) وعليك السلام , ~~ما منعك ياأبي أن تجيبني إذ دعوتك , ( فقال : رسول الله ! إني كنت في ~~الصلاة , قال : ) فلم تجد فيما أوحي الله إلي أن { استجيبوا الله وللرسول ~~غذا دعاكم لما PageV03P201 يحييكم } ( [ الأنفال : 24 ] قال : بلى ! ولا ~~أعود إن شاء الله ! قال : ) تجب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في ~~الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها ؟ ( قال : نعم , يا رسول الله ~~! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) كيف تقرأ في الصلاة ؟ ( قال : ~~فقرأ أم القرآن , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) والذي نفسي بيده ! ~~ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها , ~~وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته ( - هذا حديث حسن صحيح ~~ولما كان الإنسان إذا كان على حالة يستعبد ms1831 جدا أن يصبر على غيرها , قال ~~تعالى مرغبا مرهبا : { واعلموا أن الله } أي الذي له جميع العظمة { يحول } ~~أي بشمول علمه وكمال قدرته { بين المرء وقلبه } فيرده إلى ما علم منه فيصير ~~فيما كشفه الحال كافرا معاندا بعد أن كان في ظاهر الحال مؤمنا مستسلما ~~فيكون ممن علم الله أنه لا خير فيه وقسره على الإجابة فلم يستمر عليها , ~~ويرد الكافر بعد عناده إلى الإيمان بغاية ما يرى من سهولة قيادة , فكنى ~~سبحانه بشدة القرب اللازم للحيلولة عن شدة الاقتدار على تبديل العزائم ~~والمرادات , وهو تحريض على المبادرة إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ما دامت القلوب مقلبة على ذلك خوفا من تغييرها ولما خوفهم عاقبة الحال , ~~حذرهم شأن المآل فقال : { وأنه } أي واعلموا أنه تعالى { إليه تحشرون } لا ~~إلى غيره , فيحشر المستجيبين في زمرة المؤمنين , والمعرضين في عداد ~~الكافرين وإن أبوا حكما واحدا , لأن الدين لا يتجرأ , وقدم علم أن ) إذا ( ~~ليست قيدا وإنما هي تنبيه على وجوب اتباعه في كل ما يدعو إليه لعصمته , ~~وحكمه الإتيان بها الإعلام بأنه ما ترك خيرا إلا دعا إليه ؛ قال الحرالي في ~~أواخر كتاب له في أصوال الفقه : ولها - أي العصمة - معنيان : أحدهما عصمة ~~الحفظ , وهومعنى ينشأ من التزام الحكم عليه بماضي شرعته , وهي العصمة ~~العامة للأنبياء , وفي هذه الرتبة يقع الكلام في الحفظ من الصغائر بعد ~~الاتفاق على الحفظ عما يخل بالتبليغ ويحط الرتبة والكبائر , وحقيقة الصغائر ~~مقدمات الذنوب التي لم تتم , فيكون تمامها كبيرتها , وعلى ذلك بنى قوم ~~احتمال وقوع الفعل محظورا من نبي , وكل ذلك - وإن كان من أحوال انبياء - ~~فإن المتحقق من أمر النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو علو عن هذا المحل ؛ ~~المعنى الثاني من العصمة رفع الحكم عن النبي صلى الله عليه وسلم بما حفظه ~~الحافظ من ماضي ظاهر شرعته وبما بلغ إليه فهمه من مبادئ التنشؤ من سننه , ~~واتخاذ فعله مبدأ للأحكام في كل آن من غير PageV03P202 التفات لما تقرر في ~~ماضي الزمان ms1832 , وهذه هي العصمة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم الجامع , ~~فلا يكون لفعله حكم إلا ما يفهمه إنباؤه عن حال وقوعه , ويكون الأحكام تبعا ~~لفعله , لا أن فعله يتبع حكما فهذا وجه عصمته الخاصة الممتنع عليها جواز ~~الخروج عنها , فمن كان يسبق إليه من أكبار الصحابة نحو من هذا المعنى لا ~~يتوقف في سيء من أمره من كالصديق رضي الله عنه وكما كان عبد الله بن عمر ~~رضي الله عنهما في اقتدائه حتى في إدارة راحلته وصبغة بالصفرة ولبسه النعال ~~السبتية ونحو ذلك من أمره من جذا منهم هذا الحذو , ومن كان يتوهم الحكم ~~عليه بمقتضى علمه وفهمه عن الله عنه لما كان يصلي بإمضاء عمل الصلاة إذ ~~دعاه حتى بين له قصور قهمه عن الله في حقه أي بقوله : ألم تسمع الله يقول { ~~استجيبوا لله وللرسول } وكالذي قال : انزل فاجدع لنا , فقال : إن عليك ~~نهارا , فقال له في الثالثة أو الرابعة : انزل فاجدع لنا ويلك أو ويحك ! ~~فإذا وضح أن فعله مبدأ الحكم ومعلم الإنباء لزم صحة التأسي به على مطلق ~~التأسي مع إبهام رتبة الحكم والاتكال على ما عنده هو صلى الله عليه وسلم من ~~العلم , فنية التأسي به على إبهام في الحكم ربما كان أتم من العمل بما تبين ~~حكمه , أحرم علي رضي الله عنه وهو باليمن , توجه إلى مكه بإحرام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولا يتطرق لشيء من أمره صلى الله عليه وسلم بما وقع من ~~كونه يفتي بأمرثم يوافق في غيره , لأن الآخذ في ذلك عن قصور في العلم ~~بمكانته من علم رحمانيهة الله وكلمته وتنزيله إلى موافقة أمر سنة الله ~~وحكمته نحو الذي أفتاه بتفكير الجهاد كل ذنب بناء على علمه برحمانية الله ~~وإمضاء كلمته , ثم ذكر له ما قال جبرائيل عليه السلام من استثناء الدين ~~الدين مما أنزل على حكم أمر الله في محكم شرعته وسنته , يعني - والله أعلم ~~- أن من صح جهاده تكفر كل ذنوبه , وأن توقف الدين على إرضاء ms1833 الله لخصمه , ~~فالإخبار بالكفارة ناظر إلى الله , وردهم , إلى وردهم غلى عادة دنياهم حين ~~حين لم يتجشموا الصبر إلى ظهور كلمة الله على مستمر عادته , فقد عمل بأول ~~فتياه غير واحد ممن لم يتسرب في نفاد حكمه وصحته فأحق ثمرات ثلاث سنين ثم ~~عاد - في غنى عن التلقيح - إلى أحسن من حاله في متقدم عادته , ولا يتقاصر ~~عن إدراك ذلك من أمره في كل نازلة من نحوه إلا من لم يسم به التأييد إلى ~~معرفة حظ من مكانته , فإذا وضح ذلك فكل فعل فعله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإن كان بياتا لواجب فهو منج من عقاب الله , وإن كان تعليما لقربي من ~~الله فهو وصلة إلى محبة الله كما قال تعالى < # > 77 ( { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } ) 77 < # > [ آل PageV03P203 عمران : 31 ] وإن لم يتضح له مجمل منهما تأسى بها على ~~إبهام بغنيه علمه وتعلموا به نيته , وما كان مختصا به فلا بد من إظهار أمر ~~اختصاصه بخطاب من الله سبحانه أو منه عليه السلام كما قال تعالى ^ ( { ~~خالصة لك من دون المؤمنين } ) ^ [ الأحزاب : 50 ] - انتهى . | < < # | الأنفال : ( 25 - 27 ) واتقوا فتنة لا . . . . . # > > ^ ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة واعلموا أن الله ~~شديد العقاب * واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم ~~الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون * يأيها الذين ~~آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ) ^ } ) | ~~ولما كان لمجيب ربما قال : ليس علي إلا الإجابة في خاصة نفسي , وليس علي ~~تعلايض نفسي اللأذى بالأحد على يد غيري , نبه سبحانه على أن ذلك منابذة ~~للدين واجتثاث له من أصله , لأن ترك العاصي على عصيانه كترك الكافر على ~~كفرانه , وذلك موجب لعموم البلاء , ومزيد القضاء فقال تعالى : { ةاتقوا ~~فتنة } أي بلاء مميلا محيلا إن لا تتقوه يعمكم , هكذا كان الأصل , لكن لما ~~كاننهي الفتنة على إصابتهم أروع من سوق ذلك مساق الشرط ومن نهيهم عن ~~التعريض لها لما فيه ms1834 من تصوير حضورها وفهمها للنهي اتى به , ولما كان نهيها ~~عن تخصيص الظالم أشد روعة لإفهامه , أمرها يأن تعم ؛ قال مجيبا للأمر : { ~~لا تصيبن } ولحقه نون التأكيد لأن فيه معنى النهي { الذين ظلموا } اي فعلوا ~~بموافقة المعصية ما لا يفعله إلا من لا نور له { منكم } أيها المأمورن ~~بالتقوى { خاصة } اي بل تعمكم , فهو نهي للفتنة والمراد نهي مباشرتها , أي ~~لا يفعل أحد منكم الذنب يصبكم أثره عموما أو لا يباشر أسباب العذاب بعضكم ~~والبعض الاخر مقر له يعمكم الله به , وذلك مثل : لا أرينك هاهنا , والمعنى ~~فكن هاهنا فأراك فالتقدير : واجعلوا بينكم وبين البلاء العام وقاية بإصلاح ~~ذات بينكم واجتماع كلنتكم على أمر الله ورد من خالف إلى أمر الله ولا ~~تختلفواكما اختلفتم في أمر الغنيمة فتفشلوا فيسلط عليكم عذاب عام من ~~أعدائكم أو غيرهم , فإن كان الطائع منكم أقوى من العاصي أو ليس أضعف منه ~~فلم يرده فقد اشترك الكل في الظلم , ذلك بفعله وهذا برضاه , فيكون العذاب ~~عذاب انتقام للجميع ؛ روى أصحاب السنن الأربعة وحسنه الترميذي عن أبي ~~الصديق رضي الله عنه أنه قال في خطبة خطبها : أيها الناس ! إنكم تقرؤن هذه ~~الآية وتأولونها على خلاف تأويلها ^ ( { يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسهم لا ~~يضركم من ضل إذا اهتديتم } ) ^ [ المائدة : 105 ] إني سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول : ( ما من قوم عملوا بالمعاصي وفيهم من يقدر أن ينكر ~~عليهم فلم يفعل إلا يوشك أن يعمهم الله PageV03P204 بعذاب من عنده ) ~~وللترمذي وحسنه عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( والذي نفسي بيد ! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله ~~أن يبعث عليكم عقابا منه ثم تدعونه فلا يستجيب لكم ) وللأمام أحمد عنه رضي ~~الله عنه أنه قال : لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتخاضن على الخير ~~أو ليسحتنكم الله جميعا بعذاب أو ليؤمرن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم ~~فلا يستجاب لكم . | وهو في حكم المرفوع لأنه لا يقال من قبل ms1835 الرأي , فإن ~~كان الطائع أضعف من العاصينزل على ما روى أبو داود والترمذي - وحسنه - وابن ~~ماجه عن أبي ثعلبه الخشني رضي الله عنه أنه قيل له : ( كيف تقول في هذه ~~الآية < # > 77 ( { عليكم أنفسكم } ) 77 < # > [ المائدة : 105 ] فقال : أما والله لقد سألت عنها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال : ) بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت ~~شحا مطاعا وهوى متبعا ودينا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بنفسك ودع ~~عنك أمر العوام , فإن من ورائكم أيام الصبر , الصبر فيهن مثل قبض على الجمر ~~, للعامل فيهن مثل أجر خميسين رجلا يعملون مثل عمله , ( قال : يارسول الله ~~! أجر خمسين رجلا منهم ؟ قال : ) أجر خمسين منكم ( والأحاديث في مثله كثيرة ~~, وحينئذ يكون العذاب للعاصي نقمة وللطائع رحمة ويبعثون على نياتهم ولما ~~حذرهم سبحانه عموم البلاء , أتبعه الإعلام بأنهه قادر مربوب ليلزموا سبيل ~~الاستقامه فقال : { واعلموا أن الله } أي الذي له الإحاطة بصفات العظمة { ~~شديد العقاب * } ولما كان من أشد العقاب الإذال , حذروهموه بالتذكير بما ~~كانوا فيه من الذل , لأنه أبعث على الشكر وأزجر عن الكفر فقال : { واذكروا ~~} وذكر المفعول به فقال : { إذ أنتم } أي في أوائل الإسلام { قليل } أي ~~عددكم PageV03P205 ولما كان وجود مطلق الاستضعاف دالا على غاية الضعف بنى ~~للمفعول قوله : { مستضعفون } أي لا منفذ عندكم { في الأرض } أطلقها والمراد ~~مكة , لأنها لعظمها كأنهات هي الأرض كلها , ولأن حالهم كان في بقية البلاد ~~كحالهم فيها أو قريبا من ذلك , ولذلك عبر الناس في قوله : { تخافون } أي في ~~حال اجتماعكم فكيف عند الانفراد { أن يتخطفكم } أي على سبيل التدريج { ~~الناس } أي كما تتخطف الجوارح الصيود , فحذرهم سبحانه - بالتنبيه على قادر ~~علىأن يعيدهم إلى ما كانوا عليه - من هذه الأحوال بالمخالفة بين كلمتهم ~~وترك التسبب إلى اجتماعها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وفي ذلك أيضا ~~إشارة إلى أنهم لما كانوا في تلك الحالة التي هي في غاية الضعف , وكانت ~~كلمتهم مجتمعه على أمر الله الذي هو توحيده وطاعة رسوله , أعقبهم ms1836 الإيواء ~~في دار منيعة , قد ايدهم بالنصر وأحسن رزقهم , وذلك معنى قوله تعالى مسببا ~~عما قلبه : { فآوكم } أي في دار الهجرة رحمة لكم { وأيدكم بنصره } أي ~~بأهلها مع الملائكة { ورزقكم من الطيبات } اي الغنائم الكاملة الطيبة ~~بالإحلال وعدم المنازع التي لم تحل لأحد قبلكم وغيرها { لعلكم تشكرون * } ~~أي ليكون حالكم حال من يرجى شكره , فيكون بعيدا عن المنازعه في الأنفال , ~~وذلك إشارة إلى أنهم مهما استمروا على تلك الحالة , كان - بإقبالهم على مثل ~~ما أتاهمبه وزادهم من فضله - أن جعلهم سادة في الدارين بما يهب لهم من ~~الفرقان الآتي في الآية بعدها والتوفيق عند إتيانه , فالآية منصبة إلى ~~الصحابه بالقصد الأول وهي صالحة للعرب عاش شقيا ومن مات منهم تردى في النار ~~معكوفين على رأس الحجرين الشديدين : فارس والروم , يؤكلون ولا يأكلون , وما ~~في بلادهم شيء عليه يحسدون حتى جاء ملوكا على قارب الناس , وبالسلام أعطى ~~الله ما رأيتم فاشكروا الله على نعمه , فإن ربكم يحب شكره والشاكر في مزيد ~~من الله تعالى ولما ختم الآية هو في غاية النصيحة منه تعالى لهم من الإيواء ~~والنصر والرزق الطيب المشار به إلى الامتنان بإحلال المنعم , وختم ذلك ~~بالحث على الشكر ؛ نهانا عن تضيع الشكر في ذلك بالخيانة في أوامره بالغلول ~~أو غيره فقال : { يأيها الذين آمنوا } الأعظم , فإن أصل الخون النقص ثم ~~استعمل في ضد الأمانه والوفاء فصارت نقصا خاصا { والرسول } بغلول ولا غيره ~~, بل أدوا الأمانه في جميع ذلك , ولعله كرر العامل PageV03P206 في قوله : { ~~وتخونوا آماناتكم } من الفرائض والحدود والنوافل وغيرها إشارة إلى أن ~~الخيانتين مختلفان , فخيانتهم لله حقيقة , وخيانتهم للأمانه استعارة , لأن ~~حاملها لما أخل بها كان كأنه خانها ؛ وخفف عنهم بقوله : { وأنتم تعلمون * } ~~حال الغفلة ونحوها , ويجوز أن يكون المفعول غير مراد فيكون المعنى : وأنتم ~~علما , ويكون ذلك مبالغة في النهي عنها بأنهم جديرون بأن لا يقبل منهم عذر ~~بجهل ولا نسيان لأنهم علماء , والعالم هو العارف بالله , والعارف لا ينبغي ~~أن ينفك عن المراقبة . | < < # | الأنفال : ( 28 - 30 ms1837 ) واعلموا أنما أموالكم . . . . . # > > ^ ( واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم * ~~ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ~~ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم * وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) ^ } ) | ولما ~~كان سبب الخيانة غالبا محبة المال أو الولد , وكان سبب التقاول المسبب عنه ~~إنزال هذه السورة - كما سلف بيانه أولها - الأموال من الأنفال , وكان من ~~أعظم الخيانة في الأنفال الغلول , وكان الحامل على الغلول المحنة بحب جمع ~~المال إما استلذاذا به أو لإنفاقه على محبوب , وكان الولد أعز محبوب ؛ حسن ~~كل الحسن إيلاء ذلك قوله : { واعملوا } وهي كلمة ينبه بها السامع علىأن ما ~~بعدها مهم جدا { أنما أموالكم } قلت أو جلت هانت أو عزت { وأولادكم } كذلك ~~{ فتنة } أي سببها , يفعل الله بها فعل المختبر لينكشف للعباد من يغتر ~~بالعاجل الفاني ممن تسمو نفسه عن ذلك , فلا يحملنكم ذلك على مخالفة أمر ~~الله فتهلكوا { وأن الله } أي الميحط بكل كمال { عنده أجر عظيم * } عاجلا ~~وآجلا لمن وقف عند حدوده , فيحفظ له ماله ويثمر أولاده ويبارك له فيهم مع ~~ما يدخر له في دار السعادة , وعنده عذاب أليم لمن ضيعها , فأقبوا بجميع ~~هممكم إليه تسعدوا , وزاد وضعها هنا حسنا سبب نزول التي قبلها من قصة أبي ~~لبابة رضي الله عنه الحامل عليها ماله وولده , وكانت قصته في قريظة سنة خمس ~~وغزوة بدر في السنة الثانية ولما ذكرهم ما كانوا عليه قبل الهجرة من الضعف ~~, وامتن عليهم بما أعزهم به , وختم هذه بالتحذير من الأموال والأولاد ~~الموقعة في الردى , ويتعظيم ما عنده الحامل على الرجاء , تلاها بالأمر ~~التقوى الناهية عن الهوى بالإشارة إلى الخوف من سطواته إشارة إلى أنه يجب ~~الجمع بينهما , وبين تعالى أنه يتسبب عنه الأمن من غيره في الأولى والنجاة ~~من عذابه في الأخرى فقال تعالى : { يأيها الذين آمنوا } تكريرا لهذا الوصف ~~PageV03P207 تذكيرا بما يلزم بادعائه { إن تتقوا الله } بإصلاح ذات بينكم ms1838 , ~~وذلك جامع لأمر الدين كله { يجعل لكم فرقانا } أي نصرا , لأن مادة ( فرق ) ~~ترجع إلى الفصل , فكأن الشيء إذا كان متصلا كان كل جزء منه مقهورا على ~~ملازمة صاحبه , فإذا جعل له قوة الفرق قدر على الاتصال والانفصال , فحقيقة ~~: يجعل لكم عزا تصيرون به بحيث تفترون ممن اردتم متى اردتم وتتصلون بمن ~~أرتم متى أردتم لما عندكم من عزة الممانعة , وتفرقون بين من أردتم متى ~~أردتم لما لديكم من قوة المدافعة , اي يجعل لكم ما يصير لكم به قوة التصرف ~~فيما تريدون من الفصل والوصل الذي هو وظيفة السادة المرجوع إلى قولهم عند ~~التنازع , لا كما كنتم في مكة , لا تأمنون في المقام ولا تقدرون على الكلام ~~- فضلا عن الخصام - إلا على تهيب شديد , ومع ذلك فلا يؤثر كلامكم اضرا يسمى ~~به فارقا والفاروق من الناس الذي يفرق بين الأمور ويفصلها , وبه سمي عمر ~~رضي الله عنه لأنه أظهر الإسلام بمكة إظهارا فيه عز وقوة , جعل فيه الإيمان ~~مفارقا للكفر لا يخافه , وفرق - بالكسر بمعنى خاف - يرجع إلى ما دارت عليه ~~المادة , فإن المراد به : تفرقت همومه من اتساع الخوف , والفرق الذي هو ~~المكيال الكبير كأنه هو الفارق بين الغني والفقير , قال الهروي : هو اثنا ~~عشر مدا : وأفرق من علته - إذا برئ , اي صارت له حالة فرقت بين صحته ومرضه ~~الذي كان به , ومنه الفريقه وهي تمر وحلبة يطبخ للنفساء ؛ وقرفت الشيء - ~~بتقديم القاف : قشرته , والقرف : الخلط , كأنه من الإزالة , لأنهم قالوا : ~~إن ( فعل ) يدخل في كل باب , ومنه : قرف الشيء واقترافه : اكتسبه , ~~والاقتراب بمعنى الجماع , ويمكن أن يرجع إلى الوعاء لأن القرف الوعاء , ~~لأنه يفصل مظروفه عن غيره , وفلان قرفني , اي موضع ظني منه كأنه صار وعاء ~~لذلك , وفرس مقرف , أي بين القرفة , أي هجين لأنه واضح التميز من العربي , ~~وقرف بسوء : رمى به , أي جعل وعاء له أو فرق همومه ؛ والقفر - بتقديم القاف ~~: المكان الخالي لانفصاله من الناس , وأقفر المكان : خلا , وأقفر الرجل من ~~أهله : انفرد عنهم , وقفر ms1839 الطعام : خلا من الأدم , ورجل قفر الرأس : لا شعر ~~عليه لانفصاله عنه , وقفر الجسد : لا لحم عليه , والقفار : الطعام لا أدم ~~له , وافتقرت الأثر : حفرتها حفرا , فصارت كل واحدة منفصلة من الأخرى , ~~والفاقرة : الداهية الكاسرة للفقار , ومنه الفقر والافتقار للحاجة , ~~وأفقرني دابته : أعارني ظهرها , وراميته من أدنى فقرة : من أدنى معلم لأن ~~المعالم منفصل بعضها عن بعض , والتفقر في رجل الدابة بياض لا نفصاله عن ~~بقية لونها , ورفقت بالأمر : لطفت به , ولا PageV03P208 يكون ذلك إلا بفصله ~~عما يضره , ومنه الرفيق للصاحب من الرفقة , والمرفق من ذلك لما يحصل به من ~~اللطف ولما كان الإنسان محل النقصان فلا يخلو من زلة أو هفوة , أشار إلى ~~ذلك بقوله : { ويكفر عنكم سيئاتكم } أي يسترها ما دمتم على التقوى { ويغفر ~~لكم } أي يمحو ما كان منكم غير صالح عينا وأثرا , وفيه تنبيه لهم على أن ~~السادات على خطر عظيم لأنهم مأمورون بالمساواة بين الناس , والنفس مجبولة ~~على ترجيح من لاءمها على من نافرها , وإشارة إلى أن الحكم بالعدل في اعلى ~~الدرجات لا يتسمنه إلا الفرد النادر , وقوله : { والله } اي المحيط بجيع ~~صفات الكمال { ذو الفضل العظيم * } مرج للزيادة على الكفارة والمغفرة من ~~فضلة , ومعلم بأنه لا يمتنع عليه شيء , فمن الممكن ان يلزم كلا منهم طريق ~~العدل وإن كانت من خرق العادة في أعلى محل , وفي الاية أعظم مناسبة لقصة ~~أبي لبابة رضي الله عنه لأنه لما كان الحامل له على ما فعل بنفسه من ~~العقوبة التقوى , فكفرت عنه خطيئته وغفر له , عقبت بها ترغيبا لغيره في ~~الإسراع بالتوبة عند مواقعة الهفوة , وختم هذه الآية بالفضل على ما كان من ~~نقص , إشارة إلى تفضيله سبحانه بما رزق أهل الإسلام من علو المنزلة وانتشار ~~الهيبة وفخامة الأمر في قلوب المخالفين كما هو مشاهد , وختم الآية المحذورة ~~من المداهنة بشديد العقاب , إشارة غلى ما ألبسهم من الأحوال المذكروة في ~~التي تليها من قلة منعتهم واستضعافهم وخوفهم من تخطف المخالفين لهم , ولكنه ~~تعالى رحمهم بأن جعل ذلك ms1840 من بعضهم ممن يشمله اسم الإسلام لبعض , لا من ~~غيرهم فلبسهم شيعا وأذاق بعضهم باس بعض , فكل خائف من الآخر , وصار المتقي ~~من كثرة المخالف لا يزال من المعاطب والمتالف خائفا يترقب , ومباعدا لا ~~يقرب , على أنهم لا يعدمون أنصارا يؤيدهم الله بهم , ولا يزال أهل الظلم ~~يختلفون فيما بينهم فيرجع الفريقان إليهم ويعولون عليهم , فمن نصره فهو ~~المنصور , فكلامهم عند المضايق هو الفرقان , ولهم في قلوب الظالمين هيبة ~~وإن نزلت بهم الحال أكثر مما لظلمة في قلوبهم من الهيبة ليتيقن الكل أنهم ~~على الحق الذي الله ناصره , وأن أهل الشر على الباطل الذي الله خاذله , قال ~~الحسن البصري رحمه الله في حق العالين في الأرض : أما واللع ! إن للمعصية ~~في قلوبهم لذلا وإن طفطف بهم اللحم , فقد انقسم الخوف بينهم نصفين وشتان ما ~~بين الحزبين , فخوفهم يزيدهم الله به أجرا ويجعله لهم ذخرا , وخوف أهل ~~الباطل يزيدهم به وزورا ويجعله لدينه أزرا , فهذه حقيقة الحال في وصف أهل ~~الحق والمحال ولما وعد سبحانه بهذا الفضل العظيم والنبأ الجسيم , ذكرهم من ~~أحوال داعيهم PageV03P209 وقائدهم وهاديهم عليه الصلاة والسلام والتحية ~~والإكرام بما يدعوهم إلى ملازمة أسبابه في سياق المخاطبة له صلى الله عليه ~~وسلم تذكيرا بنعمته وإشارة إلى دوام نصيبه فقال تعالى عاطفا على { إذ أنتم ~~} { وإذ يمكر بك } اي يدبر في أذاك على وجه الستر { الذين كفروا } اي ~~أوجدوا هذا الوصف , وفيهم من لم يكن راسخ القدم ؛ ثم بين غاية مكرهم فقال : ~~{ ليثبتوك } اي ليمنعوك من التصرف بالحبس في بينت يسدون عليك بابه - كما هو ~~واضح من قصة مشاورتهم في دار الندوة في أمره صلى الله عليه وسلم في السير , ~~ومن قرأها بالموجدة ثم التحتانية من البيات الذي معناه إهلاك العدو ليلا , ~~فعطف { أو يقتلوك } عنده بمعنى القتل نهارا جهارا , وكأنه عد البيات ~~للاستخفاء به عدما بالنسبة غلى المجاهرة { أو يخرجوك } أي من مكة { ويمكرون ~~} أي والحال أنهم يمكرون بإخفاء ما يريدون بك من فعل من يكر بإخفاء لأنه ~~الملك ms1841 الأعلى المحيط بالجلال والجمال , فالنافذ إنما هو مكره , والعالي ~~إنما هو نصره , فكأنه تعالى يقول : انظروا إلى مصداق ما وعدتكم به في أحوال ~~نبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان وحده وجميع الناس يخالفونه فثبت على أداء ~~الرسالة إليهم وإبلاغ النصيحة لهم على ما يصله منهم من الأذى ولا يزيده ~~أذاهم له إلا اجتهادا في أداء ما ينفهم إليهم . | < < # | الأنفال : ( 31 - 35 ) وإذا تتلى عليهم . . . . . # > > ^ ( وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل هذا إن ~~هذآ إلا أساطير الأولين * وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم * وما كان الله ليعذبهم ~~وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون * وما لهم ألا يعذبهم الله وهم ~~يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أوليآءه إن أوليآؤه إلا المتقون ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون * وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكآء وتصدية فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون ) ^ } ) | ولما ذكر مكرهم بالرسول , ذكر مكرهم بما ~~ارسل به , فقال عاطفا على ( إذ أنتم ) : { وإذا تتلى } أي من أي تال فرض { ~~عليهم آياتنا } أي التي هي الفرقان جلالة وعظما لم يدعوها تؤثر في تلك ~~الحالة , بل { قالوا } غظهار لعنادهم لها وتشيعا بما لم يعطوا وادعاء لما ~~لمن ينالوا { قد سمعوا } ولما لم يتأثر عن سماعهم الإذعان , تشوف السامع ~~إلى علة إعراضهم فقال معللا أو مستأنفا : { لو نشاء } اي في أي وقت أردنا ~~PageV03P210 { لقلنا مثل هذا } أي لأنه ليس قول الله كما يزعم محمد { إن } ~~أي ما { هذا } الذي يتلى عليكم { إلا أساطير } جمع سطور وأسطار جمع سطر { ~~الأولين * } اي من بني آدم , سطروافيها علومهم وأخبارهم فهو من جنس كلامنا ~~وقائله من جنسنا , وهذا غاية المكابرة لأنه قد تحداهم بقطعة من مثله إن كان ~~له - كما يزعمون - مثل , وبالغ في تقريعهم فما منعهم - من إبراز شيء مما ~~يدعون وليس بينهم وبينه بزعمهم إلا أن يشاؤوا , مع انتقالهم إلى أشد الأمور ~~: السيف الماحق على تهالكهم ms1842 على قهره صلى الله عليه وسلم وعلى ما لهم من ~~فرط الأنفه من العار والبعد مما يقضي عليهم بالغلب أو أن يوصفوا بالكذب - ~~إلا علمهم بأن ذلك فاضحهم , ومخزيهم مدى الدهر وقائحهم , والمعنى أني أثبت ~~هذا النبي الكريم على صبره على ذلك ومثابرته على أداء الأمانة بالاجتهاد في ~~النصيحة على ما يلقي إن نجيته منهم ومنعته من جميع ما كادوا به , وكنت لا ~~أزل أؤيده باتباع من أعلم فيه الخير إلى أن هيأت له دارا وخبأت له أنصارا , ~~وجعلت داره بالأصحاب منيعة , وبنيت لها أعمدة بصوارم الأحباب ثابيته رفيعة ~~, نقلته غلى ذلك مع اجتهاد أهل العناد وهم جميع أهل الأرض في المنع , فلم ~~يؤثر كيدهم , ولا أفادهم مع أيدي أيدهم , وجعلت نفس نقلته له فرقانا يفرق ~~بها بين الحق والباطل , وصار إلى ما ترون من قبول الأمر وجلالة القدر ونفاذ ~~الفصل بين الأمور وظهر دينه أي ظهور , فلا زموا التقوى ملازمته وداوموا على ~~الطاعة مدوامته أهب لكم من سيادته وأحملكم بملابس إمامته . | ولما كان ذلك ~~موضع عجب من عدم إعجال الضلا بالعذاب وإمهالهم إلى أن أوقع بهم في غزوة بدر ~~لا سيما مع قوله { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح } بين السر في ذلك وإن ~~بالغوا في استعجاله فقال : { وإذ قالوا } أي إرادة المكابر بالنخييل إلى ~~الناس أنهم على القطع من أنه باطل وإلا لما دعوا بهذا الدعاء { اللهم } أي ~~يا من له تمام الملك وعموم الملك { إن كان هذا } أي الأمر الذي أتانا به ~~محمد { هو } أي لا ما نحن عليه { الحق } حال كونه منزلا { من عندك } وقال ~~الزجاج : إنه لا يعلم أحدا قرأ { الحق } بالرفع - أفاده أبو حيان { فأمطر ~~علينا حجارة } ولعل تقييده بقوله : { من السماء } مع أن الأمطار لايكون إلا ~~منها - لإزالة وهم من يتوهم أن الإمطار مجاز عن مطلق الرجم وأنه إنما ذكر ~~لبيان أن الحجارة المرجوم بها في الكثرة مثل المطر { أو ائتنا بعذاب أليم * ~~} أي غير الحجارة , ولعل مرادهم بقولهم ذلك الإشارة إلى أن مجئ ms1843 الوحي إليك ~~منها فأتنا بحجارة منها كما أتت الحجارة منها أصحاب الفيل صونا من الله ~~لبيته الذي أراد الجيس انتهاك حرمته وإعظاما له - أشار إلى ذلك أبو حيان , ~~وهذه PageV03P211 الآية والتي قبلها في النصر بن الحارث اسره المقداد يوم ~~بدر فأمرالنبي صلى الله عليه وسلم بقتله فقال المقداد : أسيري يا رسول الله ~~! فقال : ( إنه كان يقول في كتاب الله تعالى ما يقول ) , فعاد المقداد رضي ~~الله عنه لقوله , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللهم أغن المقداد من ~~فضلك ) , فقال : ذاك الذي أردت يا رسول الله ! فقتله النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأنشد أخته قتيله أبياتا منها : | ما كان ضرك لو مننت وربما من الفتى ~~وهو المغيط المخنق | فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لو بلغني هذا الشعر ~~قبل قتله لمننت عليه ) . | وعن معاوية رضي الله عنه أنه قال لرجل من سبأ : ~~ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة ! قال : أجهل من قومي قومك قالوا < # > 77 ( { إن كان هذا هو الحق من عند } ) 77 < # > [ الأنفال : 32 ] وما قالوا : فاهدنا به , والسر الذي بينه في هذه ~~الآية في أمهالهم هو أنه ما منعه من الإسراع في إجابة دعائهم كما فعل في ~~وقعة بدر إلا إجلال مقامه صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم فقال : { وما كان ~~الله } أي مع ما له من صفات الكمال والعظمة والجلال , وأكد النفي بقوله : { ~~ليعذبهم } أي ليجدد لهم ذلك في وقت من الأوقات { وأنت } أي يا أكرم الخلق { ~~فيهم } فإنه لعين | تجازي ألف عين وتكرم | { وما كان الله } أي الذي له ~~الكمال كله { معذبهم } أي مثبتا وصف تعذيبهم بحيث يدوم { وهم يستغفرون * } ~~أي يطلبون الغفران بالدعاء أو يوجدون هذا اللفظ فيقولون : أستفغر الله , ~~فإن لفظه وإن كان خبرا فهو دعاء وطلب , فوجوده صلى الله عليه وسلم في قوم ~~أبلغ من نفي العذاب عنهم , وهذا الكلام ندب لهم إلى الاستغفار وتعليم لما ~~يدفع العذاب عنهم كما تقول : ماكنت لأضربك وأنت تطيعني , أي فاطيعني - نبه ~~عليه الإمام أبو جعفر ms1844 لبنحاس , وفي ذلك حث عظيم لمن صار صلى الله عليه وسلم ~~بين أظهرهم من المسلمين صادقهم ومنافقهم على الرغبة في مواصلته والرهبة من ~~مفارقته , وتعريف لهم بما لهم في حلول ذاته المشرقه في ساحتهم من جليل ~~النعمة ترغيبا في المحبة لطول عمره والاستمساك بعزره في نهيه وأمره إذ لمره ~~- والله أعلم - بالاستغفار طلب المغفرة بشرطه من الإيمان والطاعة , وعن أبي ~~موسى الأشعري رضي الله عنه أنه كان في هذه الأمة أمانان , أما النبي صلى ~~الله عليه وسلمفقد مضى , وأما الاستغفار فهو كائن فيكم إلى يو القيامه ولما ~~كان هذا ليس نصا في استحقاقهم العذاب , قال تعالى عاطفا على ما تقديره : ~~PageV03P212 وليعذبهم الله إذ هاجرت عنهم ولم يؤمنوا فيستغفروا : { وما لهم ~~} قال أبو حيان : الظاهر أن ( ما ) استفهامية , أي أي شيء لهم في انتفاء ~~العذاب , وهواستفهام معناه التقرير , اي كيف لا يعذبون وهم متصفون بهذه ~~الصفة المقتضية للعذاب وهي صدهم المؤمنين عن المسجد الحرام وليسوا بولاة ~~البيت - انتهى . | وتقدير الكلام : وأي حظ لهم في { ألا يعذبهم الله } أي ~~الذي له كمال العز والعظمة على الظالم والإكرام وارفق بالطائع عاجلا { وهم ~~} أي والحال أنهم مستحقون للعذاب فهو واقع بهم لا محالة وإن تأخر مدة إبانه ~~وأبطانا عنهم أوانه وقوعا ينسيهم ما نالوه من اللذات وإن عظم عندهم شأنها ~~وامتد طويلا زمانها لأنهم { يصدون } اي يوجدون الصد { عن المسجد } أي من ~~أراد تعظيمه بالصلاة التي وضع المسجد لها وغيرها { الحرام } أي العظيم ~~حرمته عند كل أحد فلا اختصاص به لشخص دون آخر , أي شأنهم فعل حقيقة الصد في ~~الماضي والحال والمآل , لا ينفكون عن ذلك , كما كانوا يمنعون من شاؤوا من ~~دخول البيت ويقولون : نحن ولاته , نفعل ما نشاء , ويصدون المؤمنين عن ~~الطواف به التعذيب والفتنة وصدوا رسول الله عليه وسلم ومن معه بالإخراج ثم ~~صدوهم عام الحديبية عن الوصول إلى البيت وعام القضية عن الإقامة بعد ~~الثلاثة الأيام { وما } اي والحال أنه لم يكن لهم ذلك لأنهم ما { كانوا ~~أولياء } أي أهلا ms1845 لولايته بحيث إن صدهم ربما يقع موقعه ؛ روى البخاري في ~~التفسير عن أنس رضي الله عنه قال : قال أبو جهل : < # > 77 ( { اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ~~أو ائتنا بعذاب أليم } ) 77 < # > [ الأنفال : 32 ] فنزلت < # > 77 ( { وما كان الله ليعذبهم } ) 77 < # > إلى < # > 77 ( { عن المسجد الحرام } ) 77 < # > [ الأنفال : 33 ] ولما نفى عنهم الولاية . | ذكر أهلها فقال ؛ { إن } ~~أي ما { أولياء } أي بالاستحقاق { إلا المتقون } أي العريقون في هذا الوصف ~~بما يجعلون بينهم وبين سخط الله من وقايات الطاعات , لا كل من آمن بل خاصة ~~المؤمنين , وهم ليسوا كذلك لتلبسهم الآن بالكفر { ولكن أكثرهم لا يعملون * ~~} اي ليس لهم علم بالأمور ليميزوا بين الحق والباطل والمتقي والفاسق وحسن ~~العواقب وسيئها , ولعله عبر بالأكثر إعلاما بأن فيهم المعاند , ولأنه كان ~~منهم من آمن بعد ذلك فصار من أولي العلم ولما كانوا يفعلون عند البيت البيت ~~ما ينزه البيت عنه مما هو غاية في الجهل , قال مبينا لجهلهم واستحقاقهم ~~للنكال وبعدهم عن استحقاق ولايته : { وما كان صلاتهم } أي التي ينبغي أن ~~تكونمبينة على الشخوع , وزاد في التبشيع عليهم بقوله : { عند البيت } أي ~~PageV03P213 فعلهم الذي يعدونه صلاة أو يبدلونها به { إلا مكاء } أي صفيرا ~~يشبه صفير الطير والدبر بريح الحدث - من مكا يمكو مكوا ومكاء - إذا صفر ~~بفيه أو شبك أصابعه ونفخ فيها , ومكت الشجرة بريحها : صوتت , والدبر بريح ~~الحدث : صوت - قال أبو حيان : وجاء على فعال اي بالضم ويكثر فعال في ~~الأصوات كالصراخ - انتهى . | { وتصدونه } أي و تصفيفا , كان أهل الجاهلية ~~يطوفون عراة ويصرفون بأفواههم ويصفقون بأيديهم مقصورة , فيكون تصويتهم ذلك ~~يشبه الذي رحع الصوت في المكان الخالي , فهو كناية عن أن صلاتهم لا معنى ~~لها , وأصله صددد - مضاعف - إذا أعرض ومال مثل التظني من ظنن - , فهذا لهو ~~لا عبادة وهزء لا جد مع أن الأمر جد وأي جد كما قال تعالى : < # > 77 ( { أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون } ) 77 ~~< # > [ النجم : 59 - 61 ms1846 ] أي ولا تبكون في حال جدكم بدأبكم في العمل الصالح ~~, فهذا الذي يعلمونه مناف لحال البيت فهو تخزين لا تعمير , قال مقاتل : كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى في المسجد قام رجلان من المشركين عن ~~يمينه يصفران ويصفقان , ورجلان كذلك عن يساره ليخلطوا عليه صلاته , وتقدير ~~الكلام على قراءة الأعمش : صلاتهم - بالنصب : وما كان شيء إلا مكاء وتصدية ~~صلاتهم , فنفى هما يجعلونه صلاة كل شيء إلا المكاء والتصدية , فالصلاة ~~مقصورة عليهما بهذا الاعتبار فقد صارت بهذا الطريق بمعنى القراءة المشهورة ~~سواء فتأمله فإنه نفيس جدا , وخرج عليه الخلاق في آية الأنعام { ثم لم تكن ~~فتنتهم } [ الأنعام : 23 ] زغيره , وقد مضى هناك ما ينفع هنا , ومما يجب أن ~~يعلم أن هؤلاء لم يذمهم الله لأنه أعلى الذم , بل ذمهم لكونهمو اتخذوا ~~العبادة لعبا لينبه بذلك على ذم من كيف إذا كان حراما , فقبح الله قوما ~~ادعوا أنهم أعرضوا عن الدنيا ثم اتخذوا الطبول الجاهلية الرقص الذي ابتدعه ~~قوم السامري لما عبدوا العجل , فأخذوا أنواعا من أفعال أنواع من الكفرة ~~وجعلوها عادتهم وشعارهم وديانتهم , فلقد انتهكوا حرمات الشريعة وبدلوها ~~واستهانوا بها واسترذلوها ولما كان مساق الكلام لبيان استحقاقهم العذاب , ~~وأنه لا مانع لهم منه وكان قد أوقع بهم في هذه الغزوة مباديه , وكانت ~~المواجة بالتعنيف وقت إيقاع مالا يطاق بالعدو إنكاء , قال مسببا عن قبيح كا ~~كانوا يرتكبونه : { فذوقوا العذاب } أي الذي توعدكم الله والذي رأيتموه ~~ببدر وطلبتموه في استفتائكم حكم الاستهانة به { بما كنتم تكفرون * } اي ~~إنكم قد صرتم بهذا الفعل أهلا لذوقه بما تسترون مما دلتكم عليه عقولكم من ~~هذا الحق الواضح . | PageV03P214 < < # | الأنفال : ( 36 - 40 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > ^ ( إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ~~ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون * ليميز الله ~~الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم ~~أولئك هم الخاسرون * قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن ms1847 ~~يعودوا فقد مضت سنة الأولين * وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير * وإن تولوا فاعلموا أن الله ~~مولاكم نعم المولى ونعم النصير ) ^ } ) | ولما أخبر سبحانه عن أحوال الكفار ~~في الأعمال البدنية , وكان غلبهم مع كثرتهم وقوتهم مستعبدا , أخبر بما ~~يقربه مبينا لأعمالهم المالية فقال : { إن الذين كفروا } أي مع كثرتهم ~~لأنهم ستروا امرائي عقولهم التي هي الإنسان بالحقيقة فنقصوا بذلك نقصا لا ~~يدرك كنهة { ينفقون أموالهم } أي يعزمون على إنفاقها فيما يأتي { ليصدون } ~~أي بزعمهم أنفسهم وغيرهم { عن سبيل الله } اي عن سلوك طريق - الذي لا يدني ~~عظمته عطمة مع اتساعه ووضوحه وسهولته { فيسنفقونها } أي بحكم قاهر لهم لا ~~يقدرون على الأنفاك عنه { ثم تكون } أب بعد إنفاقها بمدة , وعبر بعبارة ~~ظاهرة في مضرتها فقال : { عليهم } وأبلغ في ذلك بأن أوقع عليها المصدر فقال ~~: { حسرة } أي لضياعها وعدم تأثيرها { ثم يبلغون * } أي كما اتفق لهم في ~~بدر سواء , فإنهم أنفقوا مع الكثرة والقوة ولم يغن عنهم شيء من ذلك شيئا ~~مما أراد الله بهم , وهذا الكلام مكنطق على ما كان سبب نزوله الآية ~~للمؤمنين فما كانفي الحقيقة إلا لهم , وهذا الكلام منطبق على ما كان سبب ~~نزوله الآية وعلى كل ما شاكله , وذلك أنهم لما قهروا في بدر قال لهم أبو ~~سفيان : إنه ينبغي أن تنفقوا مال تلك شاكله , وذلك أنهم التي كانت معه - ~~ونحث على حرب محمد , فأجابوا وأنفقوا على غزوة أحد فحصل لهم فيها بعض ظفر ~~ثم تعقبه الحسرة والمغلوبية في بدر الموعد وكل ما بعدها ؛ ثم أظهر وصفهم ~~الذي استحقوا به ذلك تعليقا للحكم به وتعميما منذرا لهم بما هو أشد من ذلك ~~فقال : { والذين كفروا } أي حكم بدوام كفرهم عامة سواء زادوا على الكفر فعل ~~ما تقدم أم لا { إلى جهنم } أي لا إلى غيرها ولما كان المنكى هو الحشر , لا ~~كونه من معين , بني للمفعول قوله : { يحشرون * } أي بعد الموت فهم في خزي ~~دائم دنيا وأخرى ms1848 , ويجوز أن يتجوزظ بجهنم عن أسبابها فيكون المعنى أنهم ~~يستدرجون بمباشرة أسبابها إليها ويحملون في الدنيا PageV03P215 عليها , ~~وهذه الآيات - مع كونها معلمة بما لهم في الدنيا وما لهم في الآخرة من أن ~~آخر أمرهم في الدنيا الغلب كما كشف عنه الزمان علما من أعلام النبوة وفي ~~الآخرة جهنم - هي مبينة لكذبهم في قولهم < # > 77 ( { لو نشاء لقلنا مثل هذا } ) 77 < # > [ الأنفال : 31 ] فإنهم لو كانوا صادقين في دعواهم لقالوا مثله ثم ~~قالوا : لو كان هذا هو الحق لا غيره لما قلنا مثله , موضع قولهم < # > 77 ( { إن كان هذا هو الحق } ) 77 < # > [ الأنفال : 32 ] إلى آخره , وأما آية المكاء والتصدية فكأنها تقول : ~~هذا القرآن في أعلى درج البلاغة ولم تؤهلوا أنتم - مع ادعائكم السبق في ~~البلاغة - لأن تعارضوا بشيء له أهليه لشيء من البلاغة , بل نزلتم إلى أصوات ~~الحيوانات العجم حقيقة , فلا أجلى من هذا البيان على ما ادعيتم من الزور ~~والبهتان , وأما آية الإنفاق فقائله : لو قدرتم في معارضته على إنفاق ~~الأقوال لما عدلتم عنه إلى إنفاق الأموال المفضي إلى مقاساة الأهوال وفساد ~~الأشباح ونفوق ما حوت من الأرواح المؤدي إلى الذل السرمد بالعذاب المؤبد ~~ولما ذكر حشر الكافرون ذكر علته فقال معلقا بيحشرون : { ليميز الله } أي ~~الذي له صفات الكمال بذلك الحشر { الخبيث من الطيب } اي إنما جعل للكفار ~~درا يتميز بها عدلا في الكافرين وفضلا عاى المؤمنين , فيجعل الطيب في مكان ~~واسع حسن { ويجعل الخبيث } اي الفريقالمتصف بهذا الوصف { بعضه على بعض } ~~والركم : جمع الشيء بعضه فوق بعض , فكأن قوله : { فيركمه جميعا } عطف ~~تفسيره يؤكد الذي قلبه في إرادة الحقيقة مع إفهام شدة الاتصال حتى الكل ~~كالشيء الواحد كالسحاب المركوم , والنتيجة قوله : { فيجعله في جهنم } أي ~~دار الضيق والغم والتهجم والهم ولما كان هذا أمرا لا فلاح معه , استأنف ~~قوله جامعا تصريحا بالعموم : { أولئك } اي البعداء البغضاء الذين أفهمهم ~~اسم الجن في الخبيث { هم الخاسرون * } أي خاصة لتناهي خسرانهم , لأنهم ~~اشتروا بأموالهم إهلاك أنفسهم بذلك الحشر ولما بين ms1849 ضلاهم في عبادتهم ~~البدنية والمالية , وكان في كثير من العبارات السالفة القطع للذين كفروا ~~بلفظ الماضي بالشفاء , كان ذلك موهبا لأن يراد من أوقع الكفر في الزمن ~~الماضي وإن تاب , فيكون مؤيسا من التوبة فيكون موجبا للثبات على الكفر , ~~قال تعالى متلطفا بعباده مرشدا لهم إلى طريق الصواب مبينا المخلص مما هم ~~فيه من الوبال في جواب من كأنه قال : أما لهم من جبلة يتخلصون بها من ~~الخسارة { قل للذين } اي لأجل الذين { كفروا } أني أقبل توبة من تاب منهم ~~بمجرد انتهائه عن حاله { إن ينتهوا } أي يتجدد لهم وقتا ما الانتهاء عن ~~مغالبتهم بالانتهاء عن كفرهم فيذلوا الله PageV03P216 ويخضعوا لأوامره { ~~يغفر لهم } بناه للمفعول لأن النافع نفس الغفران وهو محو الذنب { ما قد سلف ~~} اي مما اجتراه كائنا ما كان فيمحي عينا وأثرا فلا عقاب عليه ولا عتاب { ~~وإن } اي وإن يثبتوا على كفرهم و { يعودوا } إي المغالبة { فقد مضت سنة } ~~أي طريقة { الأولين * } أي وجدت وانقضت ونفذت فلا مرد لها بدليل ما سمع من ~~أخبار الماضين وشوهد من حال أهل بدر مما أوجب القطع بأن الله مع المؤمنين ~~وعلى الكافرين , ومن كان معه نصر , ومن كان عليه خذل وأخذ وقسر < # > 77 ( { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } ) 77 < # > [ المجادلة : 21 ] < # > 77 ( { و لينصرن الله من ينصره } ) 77 < # > [ الحج : 40 ] < # > 77 ( { والعاقبة للمتقين } ) 77 < # > [ القصص : 128 ] وإن كانت الحرب سجالا . | ولما أشار ختم الآية قتالهم ~~إن أصروا , وكان التقدير فأقدموا عليهم حيثما عادوكم إقدام الليوث الجريئة ~~غير هائبين كثرتهم ولا قوتهم فإن الله خاذلهم , عطف عليه قوله مصرحا ~~بالمقصود : { وقاتلوهم } أي دائما { حتى لا تكون فتنة } أي سبب يوجب ميلا ~~عن الدين أصلا { ويكون الدين } ولما كانت هذه الوقعة قد سرت كتائب هيبتها ~~في القلوب فوجبت ايما وجبت , فضاقت وضعفت صدور الكافرين , وانشرحت وقويت ~~قلوب المؤمنين ؛ اقتضى هذا السياق التأكد فقال , { كله لله } اي الملك ~~الأعظم خالصا غير مشوب بنوع خوف أو إعضاء على قذى , وأصل الفتن : الخلصة ~~المحلية , ويلزم ms1850 ذلك أن يكون السبب عظيما لأن الشيء لا يحول عن حاله إلا ~~لأمرعظيم لأن مخالفة المألوف عسرة , ومنه النتف , وكذا نفت القدر , وهو أن ~~يغلي المرق فليزق بجوانبها , والتنوفه : القفر , لأنه موضع ذلك , ويلزمه ~~الإخلاص , من فتنت اذهب - إذا اذبته فتميز جيده من رديئه , وتارة يكون ~~الميل إلى جهة الردئ وهو الأغلب , وتارة إلى الجيد , ومنه < # > 77 ( { وفتناك فتونا } ) 77 < # > [ طه : 40 ] ولما كان لهم حال اللقاء حالان : إسلام وإقبال , وكفر ~~وإعراض وإخلال , قال مبينا لحكم القسمين : { فإن انتهوا } أي عن قتالكم ~~بالمواجهة بالأسلام فاقبلوا منهم وانتهوا عن مسهم بسوء ولا تقولوا : أنتم ~~متعوذون بذلك غير مخلصين , تمسكا بالتأكيد بكله , فأنه ليس عليكم إلا ردهم ~~عن المخالفة الظاهرة , وأما الباطن فإلى الله { فإن الله } اي المحيط علما ~~وقدرة , وقدم المجرور اهتماما به إفهاما لأن العلم به كالمختص به فقال : { ~~بما يعملون } أي وإن دق { بصير * } فيجاريهم عليه , وأما أنتم فلستم عالمين ~~بالظاهر والباطن معا فعليكم قول الظاهر , والله بما تعلمون أنتم أيضا - من ~~كف عنهم وقتل لله أو لحظ نفس - بصير , فيجازيكم على حائق الأمور وبواطنها ~~وإن أظهرتم للناس PageV03P217 ما يقيم عذركم , ويكمل لكل منكم أجر ما كان ~~عزم على مباشرته من قتالهم لو لم ينتهوا , وإن لم ينتهوا بل أقدموا على ~~قتالكم , هكذا كان الأصل , ولكنه سبحانه عبر بقوله : { وإن تولوا } أيعن ~~الإجابة تبشيرا لهم بهزيمتهم وقلة ثباتهم لما ألقى في قلوبهم من الرعب , ~~ويؤيد ذلك قوله : { فاعلموا أن الله } أسي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء ~~{ مولاكم } أي متولي أموركم فهو يعمل معكم ما يعمل من يتولى امر من يحبه من ~~الاجتهاد في تحصيل ما ينفعه ودفع ما يضره فهو لا محالة ناصركم ؛ ثم استأنف ~~مدحه بما هو أهله تعريفا بقدره وترغيبا في تولية فقال : { نعم المولى } ولم ~~يدخل فاء السبب هنا لأن المأمور به العلم , واعتقاد كونه مولى واجب لذاته ~~لا الشيء آخر , بخلاف ما في آخر الحج , فإن المأمور هناك الاعتصام { ونعم ~~النصير * } أي تخافون اصلا ms1851 وإن ذادت كثرتهم وقويت شوكتهم فلا تبارحوهم حتى ~~لا يكون إلا كلمة الله . | < < # | الأنفال : ( 41 - 46 ) واعلموا أنما غنمتم . . . . . # > > ^ ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله ومآ أنزلنا على عبدنا ~~يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير * إذ أنتم بالعدوة ~~الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في ~~الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي ~~عن بينة وإن الله لسميع عليم * إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم ~~كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور * وإذ ~~يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور * يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة ~~فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * وأطيعوا الله ورسوله ولا ~~تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ) ^ } ) | ولما ~~كان التقدير : فغذا اعانكم مولاكم عليهم وغلبتموهم وغنمتم فيه فلا تنسوا ~~إلى أنفسكم فعلا , بل اعلموا انه هو الفاعل وحده لأن جميع الأفعال متلاشية ~~بالنسبة إلى فعله فلا تنازعوا في المغنم تنازع من أخذه بقوته وحازه بقدرته ~~, عطف عليه قوله : { واعلموا } ابتداء بهذا الأمر إشارة إلى أن ما بعدها من ~~المهمات ليبذلوا الجهد في تفريغ أذهانهم لوعيه وتنزيله منازله ورعيه { أنما ~~} اي الذي { غنمتم } الغنيمة لغة : الفوز بالشيء , وشرعا ما دخل في أيدي ~~الملسمين من مال الكفار قهرا بالخيل والركاب , وزاد PageV03P218 في التعميم ~~حتى لأقل ما يمكن بقوله : { من شيء } أي حتى الخيط والمخيط فإنه كله له , ~~لأنه الناصر وحده وإنما أنتم آلة لا قدرة لكم على مقاومة الأعداء لأنهم ~~جميع أهل الأرض ولا نسبة لكم منهم في عدد ولا قوة أصلا , فالجاري على منهاج ~~العدل المتعارف عندكم أن يأخذه كله ولا يمكنكم من شيء منه كما كان فيمن ~~قبلكم , يعزل فتنزل نار من السماء فتأكله , ولكنه سبحانه ms1852 - علم ضعفكم فمن ~~عليكم به ورضي منكم منه بالخمس فسماه لنفسه ورده عليكم , وهو معنى قوله : { ~~فان لله } أي الذي له كل شيء { خمسه } ولما كان من المعلوم ان الله تعالى ~~اجل من أن يناله نفع أو ضر , كان من المعلوم أن ذكر اسمه سبحانه إنما هو ~~للإعلام بأن إيلام هذا الخمس والتخلي عنه لا حظ للنفس فيه , وإنما هو لمخص ~~الدين تقربا إليه سبحانه , فذكر مصرفه بقوله : { وللرسول } اي يصرف إليه ~~خمس هذا الخمس ما دام حيا ليصرفه في مصالح المسلمين , ويصرف بعده إلى ~~القائم مقامه , يفعل فيه ما كان صلى الله عليه وسلم يفعله { ولذى القربى } ~~أي من الرسول , وهم الال الذين تحرم عليهم الزكاة : بنوهم هاشم وبنوالمطلب ~~{ واليتامى } أي لضعفهم { والمساكين } لعجزهم { وابن السبيل } أي المسافر ~~لأن الأسفار مظنات الافتقار , فالحاصل انه سبحانه لم يرزأكم من المغنم شيئا ~~, فاعرفوا فضله عليكم ألا بالإنعام بالنصر , وثانيا بحل المغنم , وثالثا ~~يالإمكان من الأربعة الأخماس , ورابعا برد الخمس الخامس فيكم , فاشتعلوا ~~بشكره فضلا عن أن تفعلوا من المنازعة في المغنم فعل القاطع بالاستحاق , ~~اعلموا ذلك علم المصدق المؤمن المذعن لما علم لتنشأ عنه ثمرة العمل { إن ~~كنتم } صادقين في أنكم { آمنتم بالله } أي الذي لا امر لأحد معه { وما } اي ~~ويالذي { انزلنا } أي إنزالا واحدا سريعا لأحل التفريج عنكم من القرآن ~~والجنود والسكينة في قلوبكم وغير ذلك مما تقدم وصفه { على عبدنا } أي الذي ~~يرى دائما ان الأفعال كلها لنا فلا ينسب لنفسه شيئا إلا بنا { يوم الفرقان ~~} أي يوم بدر الذي جعلنا لكم فيه عزا ينفذ به أقوالكم وأفعالكم في فصل ~~الأمور ولما وصفه سبحانه بالفرقان تذكيرا لهم بالنعمة , بينه بما صور حالهم ~~إتماما لذلك - أو ابدال منه - فقال : { يوم التقى } أي عن غير قصد من ~~الفرقين بل بمخص تدبير الله { الجامعين } أي اللذان احدهما أنتم وكنتم حين ~~الترائي - لولا فضلنا - قاطعن بالموت , وثانيهما أعداؤكم وكانوا على اليقين ~~بأنكم في قبضتهم , وذلك هو الجاري على مناهج العوائد , ولو قيل ms1853 : يوم بدر , ~~لم يفد هذه الفوائد PageV03P219 ولما كان انعكاس الأمر في النصر محل عجب , ~~ختم الآية بقوله : { والله على كل شيء } أي من نصر القليل على الكثير وعكسه ~~وغير ذلك مت جميع الأمور { قدير * } فكان ختمها بذلم كاغشفا للسر ومزيلا ~~للعجب ومبنيا أن ما فعل هو الجاري على سنن سنته المطرد في قديم عادته عند ~~من يعلم ايامه الماضية في جميع الأعصر الخالية ولما ذكر لهم يو ملتقاهم , ~~صور لهم حالتهم الموضحه للأمر المبينة لما كانوا فيه من اعترافهم بالعجز ~~تذكيرا لهم بذلك ردعا عن المنازعة وردا إلى المطاوعة فقال مبدلا من { يوم ~~الفرقان } { إذ أنتم } نزول { بالعدوة الدنيا } اي القربى إلى المدينة { ~~وهم } اي المشركون نزول { بالعدوة القصوى } أي البعدى منها القريبة إلى ~~البحر , والقياس قلب واوه ياء , وقد جاء كذلك إلا أن هذا أكثر كما كثر ~~استوصب وقل استصاب , والعدوة - بالكسر في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب ~~, وبالضم في قراءة غيرهم : جانب الوادي وشطه , ومادتها - بأي ترتيب كان - ~~تدور على الاضطراب ويلزمه المجاورة والسكون والإقبال والرجوع والاستباق ~~والمحل القابل لذلك , فكأنها الموضع الذي علا عن محل فكان السيل موضعا ~~للعدو { والركب } أي العير الذي فيه المتجر الذي خرجتم لاقتطاعه ورئيس ~~جماعته أبو سفيان , ونصب على الظرف قوله : { اسفل منكم } اي أيها الجمعان ~~إلى جانب البحر على مدى من قرية تكادون تقعون عليه وتمدون أيديكم إليه ~~مسافة ثلاثة أميال - كما قال البغوي , وهوكان قصدهم وسؤلكم , فلو كانت لكم ~~قوة على طرقه لبادرتم إلى الطرف وغالبتم عليه الحتف , ولكن منعكم من إدراك ~~مأمولكم منه من كان جاثما بتلك العدوة جثوم الأسد واثقا بما هو فيه من ~~القوى والعدد كما قال صلى الله عليه وسلم لسلمة بن سلامة بن وقش رضي الله ~~عنه - لما قال في تحقيرهم بعد قتلهم وتدميرهم : إن وجدنا إلا عجائز صلعا , ~~ماهو إلا أن لقيناهم فمنحونا اكتافهم - جوابا له ( أولئك يا ابن أخي الملأ ~~لو رأيتم لهبتهم ولو أمروك لأطعتهم ) مع استضعافهم لأنفسهم عن مقاومتهمك ~~لولا ms1854 رسولنا يبشركم زجنزدنا تثبتكم , وإلى مثل هذه المعاني أشار تصوير ~~مكانهم ومكان الركب إيماء إلى ما كان فيه العدو من قوة الشوكة وتكامل العدة ~~وتمهد أسباب الغلبة وضعف حال المسلمين وأن ظفرهم في مثل هذا الحال ليس إلا ~~صنعا من الله , وما في البيضاوي تبعا للكشاف من أن العدوة الدنيا كانت تسوخ ~~فيها PageV03P220 الأقدام ولا ماء بها تقدم زده أول السورة بأن المشهور في ~~صحيح مسلم والسير وغيرها أن المؤمنين هم السابقون إلى الماء , وأن جميع أرض ~~ذلك المكان كانت زملا تسوخ فيه الأقدان , فأتى المسلمين به من المطر ما لبد ~~لهم الأرض , وأتى المشركين منه ما لم يقدروا معه على الحركة { ولو تواعدتم ~~} أي أنتم وهم على الموافاة إلى تلك المواضع في آن واحد { لاختلفتم في ~~الميعاد } أي لأن العادة قاضية بذلك لأمرين : أحدهما بعد المسافة التي كنتم ~~بها منها وتعذر توقيت سير كل فريق بسير صاحبه , والثاني كراهتكم للقائهم ~~لما وقر في أنفسهم من قوتهم وضعفكم , وقد كان الذي كره إليكم لقاءكم قادر ~~على أن يكره إليهم لقاءكم , فيقع الاختلاف من جهتهم كما كان في بدر الموعد ~~, وأما في هذه الغزوة فدعاهم من حماية غيرهم داع لم يستطيعوا التخلف معه , ~~وطمس الله بصائرهم وقسى قلوبهم مع قول أبي جهل الذي كان السبب الأعظم في ~~اللقاء لمن عرض عليه المدد بالسلاح والرجال : إن كنا نقاتل الناس فما بنا ~~ضعف عنهم , وإن كنا إنما نقاتل - كما يزعم محمد - الله فما لأحد بالله من ~~طاقة , وقوله أيضا في هذه الغزوة للأخنس بن شريق : غن محمدا صادق وما كذب ~~قط , فعل الله ذلك لما علم في ملاقاتهم لكم من إعلاء كلمته وإظهار دينه { ~~ولكن } أي دبر ذلك لما علم في إلى موطن اللقاء كلكم في يوم واحد من غير ~~ميعاد ولم تختلفوا في موافاة ذلك الموضع مع خروج ذلك عن العادة لكونه أتقن ~~اسبابه , فأطمعكم في العير أولا مع ما أتنم فيه من الحاجة ثم وعدكم إحدى ~~الطائفتين مبها وأخرج قريشا لحماية ms1855 عيرهم إخراجا لم يجدوا منه بدا , ولما ~~نجت عيرهم أوردهم تارياء والسمعة والبطر بما هم فيه من الكثرة والقوة كما ~~قال أبو جهل : لا نرجع حتى نرد بدرا فننحر بها الجزور ونشرب الخمور وتعزف ~~علينا القيان ونطعم من حضرنا من العرب فلا يزالون يهابوننا مدى الزمان - { ~~ليقضي الله } أي الذي له جميع الأمر من إعزاز دينه بإعرازكم زإذلالهم { ~~أمرا كان } كما تكون الجبلات والطبائع في التمكن والتمام { مفعولا } أي ~~مقدرا في الأزل من لقائهم وما وقع فيه من قتلهم وأسرهم على ذلك الوجه ~~العظيم فهو مفعول لا محالة ليتبين به إيمان من آمن باعتماده على الله ~~وتصديقه بموعده وكفر من كفر ولما علل ذلك التدبير في اللقاء بقوله : ( ~~ليقضي الله ) علل تلك العلة بقوله : { ليهلك } اي لعد رؤية ذلك القضاء ~~الخارق للعادة { من هلك } أي من القريقين : الكفار في حالة القتال وبعدها , ~~والمسلمين هلاكا متجاوزا وناشئا { عن } حالة { بينة } لما بان من صدق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في هذه الوقعة في كل ما وعد به وكذب الكفار في كل ~~ما كانوا يقولونه قاطعين به مع ان ظاهر الحال يقضي لهم , فكان ذلك من أعظم ~~المعجزات { ويحيى من حي } أي بالإسلام حياة هي في أعلى الكمال بما تشير ~~إليه قراءة نافع والبزي عن ابن كثير وأبي بكر عن عاصم بإظهار الياءين , أو ~~في أدنى الكمال بما يشيرإليه إغام الباقين تخفيفا حياة متجاوزة وناشئة { عن ~~} حالة { بينة } أي كائنة PageV03P221 بعد البيان في كون الكافرين على باطل ~~ولالمؤمنين على حق لما سيأتي من أنهم كانوا يقولون < # > 77 ( { غر هؤلاء دينهم } ) 77 < # > [ الأنفال : 49 ] فيحنئذ تبين المغرور وكشفت عجائب المقدور عن أعين ~~القلوب المستور . | ولما كان التقدير : فإن الله في فعل لعزير حكيم , عطف ~~عليه قوله : { وإن الله لسميع } أي لما كنتم تقولونه وغيره { عليم * } بما ~~كنتم تضمرونه وغيره فاستكينوا لعظمة وارجعوا عن منازعتكم لخشية , ثم أتم ~~سبحانه تصوير حالتهم بقوله مبينا ما الذي له صفات الكمال فهو يفعل ما يشاء ~~{ في ms1856 منامك قليلا } تأكيدا لما تقدم إعلامه به من أن المصادقه - فضلا عما ~~نشأ عنها - ما كان إلا منه وأنهم كانوا كالآية التي لا اختيار لها , وذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم رآهم في منامكة قليلا فحدث اصحاب رضي الله عنه ~~بذلك فاطمأنت قلوبهم وشجعهم ذلك ؛ وعين ما كان يحصل من الفساد لولا ذلك ~~فقال : { ولو أركهم } اي في منامك أو غيره { كثيرا } ولما كان الإخبار بعد ~~الوقعة بضد ما وقع فيها مما يقتضي طبع البشر التوقف فيه , اكد قوله : { ~~لفشلتم } اي جبنتم { ولتنازعتم } اي اختلفتم فنزع كل واحد منزعا خلاف منزع ~~صاحبه { في الأمر } أي فو هنتم فزادكم ذلك ضعفا وكراهة للقائهم { ولكن الله ~~} اي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما { سلم } أي ولكن لم يركهم كذلك فحصلت ~~السلامة عما كان يتسبب عنها من النكوص , ثم بين العلة في تربية ذلك وإخباره ~~بهذا الأمر المضروض بقوله : { إنه عليم } أي بالغ العلم { بذات الصدور * } ~~أي ضمائرها من الجراءة والجبن وغيرهما قبل خطورها في القلوب ولما بين ما ~~نشأ عن رؤيته صلى الله عليه والسلام من قلتهم وما كان ينشأ رؤيته الكثرة لو ~~وقعت , لأنه صلى الله عليه وسلم - لما هو عليه من النصيحة والشفقة - كان ~~يخبرهم بما رأى كما أخبرهم في غزوة أحد بالبقر المذبحة ؛ أتبعه ما فعل من ~~اللطف في رؤيتهم بأنفسهم يقظة فقال : { وإذ } أي واذكروا أيضا إذ { ~~يريكموهم } أي يبصركم إياهم { إذ } أي حين { التقيتم } ونبه على أن الرؤية ~~ليست على حقيقة ما هم عليه بقوله : { في أعينهم } أي لا في نفس الأمر حال ~~كونهم { قليلا } أي عددهم يسيرا أمرهم مصدقا لما أخبركم به النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن رؤياه لتجترئوا عليهم ؛ روي عن ابن مسعود رضي الله عنه انه ~~قال : لقد قللوا في أعينا يوم بدر ختى قلت لرجل إلى جنبي : أتراهم سبعين ؟ ~~قال : أراهم مائة , فأسرنا رجلا منهم فقلنا : كم كنتم ؟ قال : ألفا , قال ~~الحرالي في آل عمران : فجعل القليل وصفا لهم لازما ثابتا ms1857 دائماغ عليهم بما ~~أوجب فيهم من نقص ذواتهم بخفاء فطرتهم وما وراء خلق PageV03P222 الفطرة من ~~الذوات , قال تعالى : { ويقللكم } صيغة فعل واقع وقت لا وصفا لهم من حيث ~~إنه لو اراهم إياهم على الإراة الحقيقية لزادهم مضاعفين بالشعر , فكانوا ~~يرونهم ثلاثة آلاف ومائتين وثلاثين - انتهى . | { في أعينهم } قبل اللقاء ~~ليجترئوا على المصادفه حتى انهزموا حين فاجأتهم الكثرة فظنوا الظنون ؛ قال ~~الحرالي : قللهم حين لم يرهم إياهم على الإراءة - الحقيقية العشرية , ولا ~~أراهم إياهم على الصورة الحسية ؛ فكان ذلك آية للمؤمنين على قراءة ياء ~~الغائب - اي في آل عمران - وكانت آية للكفار على قراءة { ترونهم } - بتاء ~~الخطاب , فكان في ذلك في إظهار الإراءة في اعين الفئتين نحو مما كان من ~~الإراءتين الواقعة بين موسى عليه السلام والسحرة في أن موسى عليه السلام ~~ومن معه خيل إليهم من سحرهم أنها تسعى وأن فرعون ومن معه رأوا ثعبانا مبينا ~~يلقف ما يأكفون رؤية حقيقة , فتناسب ما بين الأيات الماضية القائمة لهذه ~~الآية بوجه ما , وكان هذه الآية أشرف وألطف بما هي في مدافعة بغير آلة من ~~عصى ولا حبل في ذوات الفئتين وإحساسهم - انتهى . | ولما ذكر ما أحاله ~~سبحانه من إحساس الفئتين , علله بقوله : { ليقضى الله } أي الذي له العزة ~~البالغة والحكمة الباهرة من نصركم وخذلانهم بأن تفاجئهم كثرتهم بعد رؤيتكم ~~قليلا فيشجعهم ذلك , ويهزمهم { أمرا كان مفعولا } اي من إعجابهم - بما ~~فجمعهم من الكثرة بعد القلة - عن الحذر والاستعداد لذلك وبما فعل بأيديكم ~~في هذه الغزوة من القتل والأسر والهزيمة المثمر لذل جميع أهل الكفر , كان ~~مقدرا في الأزل فلا بد من وفوعه على ما حده لأنه لا راد لأمره ولا يبدل ~~القول لديه , فعل ذلك كله وحده . | ولما كان التقدير : فيبده سبحانه ابتداء ~~الأمور بتقديره إياها في الأزل لا بيد أحد غيره , عطف عليه قوله : { وإلى ~~الله } أي الملك الأعلى الذي بيده وحده كل أمر { ترجع الأمور * } أي كلها ~~فلا ينفذ إلا ما يريد إنفذه , فلا تجري الأمور على ما يظنه ms1858 العباد , وهو من ~~قولك : هذا الأمر راجع إليك , اي مهما اردته فيه مضى , ولو فرض أن قوة ~~الرجوع بهذا الاعتبار وإن لم يكن هناك رجوع بالفعل , وفي هذا تنبيه على ان ~~أمور الدنيا غير مقصودة لذواتها , وإنما المارد منها ما يصلح ان يكون زادا ~~ليوم المعاد , ولما تقرر ذلك ويم على هذا السبيل الأحكم والنهاج الأقوم , ~~كان علة لمضمون قوله : { ياأيها الذين آمنوا } الآيتين , فكانتا نتيجة , ~~لأنه إذا علم أن الأمر كله له ولا أثر لقلة ولا كثرة أثمر لمن هو في أدنى ~~درجات الإيمان فضلا عن غيره قلة المبالاة بالظالمين وإن PageV03P223 تجاوزت ~~قواهم الحد , وزادوا كثرة على العد , والآتيان تذكرهم بحالتهم التي أوجبت ~~نصرهم ليلزموها في كل معترك ولا يتنازعوا كما تنازعوا في المغنم { إذا ~~لقيتم } أي قاتلتم لأن اللقاء اسم للقتال غالب { فئة } أي طائفة مستحقة ~~للقتال كما أغنى عن وصفها بذلك وصفهم بالإيمان { فاثبتوا } أي في لقائها ~~بقتالها كما ثبتم في بدر ولا تحدثوا أنفسكم بفرار { واذكروا الله } أي في ~~لقائها بقتالها كما ثبتم في بدر ولا تحدثوا { كثيرا } أي كما صنعتم ثم , ~~لأن ذلك أمارة الصدق في الاعتماد عليه وحده , وذلك موجب للنصر لا محالة كما ~~في الحديث القدسي ( إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه ) ولما أمر ~~بذلك , علله بأداة الترجي , ليكون أدل على أنه سبحانه لا يجب عليه شيء ~~فيكون للإيمان فقال : { لعلكم تفلحون * } أي لتكونوا على رجاء من الفلاح ~~وهو الظفر بالمراد من النصر والأجر وكما كنتم إذ ذاك { وأطيعوا الله } أي ~~الذي له الغنى المطلق فلا يقبل إلا الخالص والكمال الأكمل فلا يفعل إلا ما ~~يريد { ورسوله } أي في الإقدام والإقدام والإحجام لجهلكمبالعواقب , وتلك ~~الطاعة امارة إخلاصكم في الذكر { ولا تنازعوا } بأن يريد كل واحد نزع مال ~~صاحبه من رأى وغيره وإثبات ما له , وأشار إلى عظيم ضرر التنازع ببيان ثمرته ~~المرة فقال ؛ { فتفشلوا } أي تضعفوا ؛ قال في القاموس : فشل كفرح , فهو فشل ~~, كسل وضعف وتراخي زجبن - انتهى . | والمادة راجعة ms1859 إلى الفيشلة وهي الحشفة ~~, ومن لازمها الرخاوة وينشأ عن الرخاوة الجبن مع الصلف والخفة والطيش ولما ~~كان الفشل ربما كان الظفر لفشل في العدو أكثر منه أو غير ذلك , عطف ما ~~يلزمه غالبا بالواو دون الفاء فقال : { وتذهب ريجكم } اي غلبتكم وقوتكم , ~~واصله أن الريح إذا كانت في الحرب من جهة صف كانت في وجوه أعدائهم وقوتكم , ~~وأصله يريدون فخذلوا فصارت كأنها قوة من أتت من عنده , فصارت يكنى بها عنها ~~؛ ثم ختم هذه الأسباب بالجامع لشملها الناظم لمقاصد أهلها فقال ؛ { واصبروا ~~} أي على ما يكون من تلك المشاق فإنكم إن تكونوا تألمون فإن أعداءكم كذلك , ~~وأنتم ترجون من الله ما لا يرجون ؛ ثم علله بما يكون النصر في الحقيقة فقال ~~: { إن الله } أي الميحط PageV03P224 بصفات الكمال { مع الصابرين * } أي ~~لأنهم يصبرون إلا اعتمادا # عليه , ومن كان معه عز , وهذه الجملة فيها - كما قال الإمام شمس الدين ~~محمد بن قيم الجوزية في آخر كتاب الفروسية المحمدية - تدبير الحروب أحسن ~~جمع على أتم وجه , فأمر فيها بخمسة اشياء ما اجتمعت قط في فئة إلا انتصرت ~~وإن قلت في جنب عدوها , وخامسها ملاك ذلك وقوامه وأسامه وهو الصبر , فعلى ~~هذه الدعائم الخمس تبنى قبة النصر , ومتى زالت أو بعضها زال من النصر بحسبه ~~, وإذا اجمتعت قوى بعضها بعضا وصار لها أثر عظيم , لما اجتمعت في الصحابه ~~رضي الله عنهم لم تقم لهم امة من الأمم , ففتحوا البلاد شرقا وغربا ودانت ~~لهم العباد سلما وحربا , ولما تفرقت فيمن بعدهم وضعفت آل الأمر قليلا موجبة ~~لتأييد المطيع بقوة من هو في طاعته , وذلك سر قول أبي الدرداء رضي الله عنه ~~الذي رواه البخاري في باب ( عمل صالح قبل القتال ) : إنما تقاتلون الناس ~~بأعمالكم ؛ وهو شرع قديم , قال في أثناء السفر الخامس من التوارة : وإن ~~أنتم سمعتم قول الله ربكم وتحفظتم وعملتم بكل هذه الوصية التي آمركم بها ~~اليوم يبارك عليكم الله ربكم كما قال لكم , وترزقون إن تفرضوا شعوبا كثيرة ~~ولا تفرضون , وتسلطون على ms1860 شعوب كثيرة ولا يتسلطون عليكم . | < < # | الأنفال : ( 47 - 48 ) ولا تكونوا كالذين . . . . . # > > ^ ( ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئآء الناس ويصدون عن ~~سبيل الله والله بما يعملون محيط * وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا ~~غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه ~~وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب ) ~~^ } ) | ولما ذكرهم سبحانه ما أوجب نصرهم آمرا لهم بالثبات عليه , ذكر لهم ~~حال اعدائهم الذي أوجب قهرهم ناهيا عنه تعريضا بحال المنازعة في الأنفال ~~وأنها حال من يريد الدنيا , ويوشك - إن تمادت - أن تجر إلى مثل حال هؤلاء ~~الذي محط نظرهم الدنيا فقال : { ولا تكونوا } أي يا معشر المؤمنين { كالذين ~~} وصور قبح عملهم من أوله إلى آخره فقال : { خرجوا من ديارهم } أي كل واحد ~~من داره وهم أهل مكة , وكل من عمل مثل عملهم كان مثلهم , ولذا عبر بالوصف ~~ليعم { بطرا } أي طغيانا وتكبرا على الحق , ومادة بطر - بأي ترتيب اتفق - ~~تدور على اللين القابل للعمل حتى ربط , فإنه لولا الضعفما استوثق من ~~المربوط , ومنه بطر الجرح - وهو شقه - والبيطار , وتارة يكون PageV03P225 ~~ذلك اللين عن دهش . | ومنه أبطرت حلمه أي أدهشته عنه , وذهب دمه بطرا أي ~~باطلا للضعف عنه للحيرة في الأمر الموصل إليه , وتارة يكون عن مجاوزة الحد ~~في الصلابة , ومنه بطر النعمة - إذا لم يشكرها فتجاوز الحد في المرح , فإن ~~فاعل ذلك يمكنه الحكيم من مقاتله فيأخذه وهو يرجع إلى عدم احتمال القوى ~~للشكر , ففاعل ذلك ضعيف وإن ظهر منه خلاف ذلك ما قال عمر رضي الله عنه : ~~العدل وإن رئي لينا أكف عن الظلم من الجور وإن رئي شديدا - أو كمال قال رضي ~~الله عنه . | وأقرب من ذلك أن تكون المادة دائرة على الخلطة الناقلة من حال ~~إلى حال ولما ذكر الحامل لهم على الخروج من أنفسهم , ذكر ما أوجبه لهم من ~~غيرها فقال : { ورئاء الناس } أي خرجوا يرون الناس خروجهم وما يتأثر ms1861 عنه ~~ليروهم ما يقولون فيه , فإنهم لما قيل لهم ؛ قد نجى الله عيركم فارجعوا , ~~بطروا النعمة تبعا لأبي جهل حيث قال : والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنشرب ~~الخمور وننحر الجزور وتعزف علينا القيان فتسمع بنا العرب فلا تزال أبدا ! ~~فسقوا مكان الخمر كؤوس المنايا الحمر , وناحت عليهم نوائح الزمان مكان ~~العزف والقيان , ولما ذكر نفس الخروج وما فيه من الفساد وذكر ثمرته الخبيثة ~~الناشئة عن ذينك الخلقين , وعبر عنهما بالاسم إشارة إلى الثبات كما هو شأن ~~الأخلاق , وعن الثمرة بالمضارع تنبيها على أنهم لا يزالون يجدودنها فقال : ~~{ ويصدون } أي يوجدون الصد وهو المنع لأنفسهم وغيرهم { عن سبيل الله } اي ~~الملك الأعظم في ذلك الوجه وهم عازمون على تجديد ذلك في كل وقت , فلما كانت ~~هذه مقاصدهم كان نسجهم هلهلا وبنيانهم واهيا , فإنها من عمل الشيطان , وكل ~~عمل لا يكون لله إذا صدم بما هو لله اضمحل , بذلك سبحانه أجرى سنته ولن تجد ~~لسنته تحويلا , فإن العالمين عبيد الله { والله } أي فعلوا ذلك والحال أن ~~المحيط بكل شيء الذي عادوا أولياءه { بما } أو يكون ذلك معطوفا على تقديره ~~: فأبطل الله بجلاله وعظمته أعمالهم وهو بكل ما { يعملون محيط * } فهم في ~~قبضته , فأرادهم - إذ خرجوا يحادونه - بدرا فنحر مكان الجزور رقابهم وسقاهم ~~مكان الخمور كؤوس المنايا , وأصاح عليهم مكان القيان صوائح النوائح , ولعله ~~قدم الجار إشارة إلى أنه لشدرة إحاطته بأعمالهم كأنه لا نظر له إلى غيرها ~~فلا شاغل له عنها , ولما كان بين لهم فساد أعمالهم لفساد نياتهم تنفيؤرا ~~منها , زاد في التنفير بالإشارة إلى الأمر بدوام تذكرها بعاطف على غير ~~معطوف عليه مذكور فقال ؛ { وإذ } فعلم أن التقدير قطعا : اذكروا ذلك ~~واذكروا إذ , وزاد في التنفير بذكر العدو المبين والتنبيه على أن كل ما ~~PageV03P226 يأمر به إنما هو خيال لا حقيقة له كما كان ما سول لهم في هذا ~~الأمر فقال : { زين لهم الشيطان } اي العدو الممحترق البعيدمن الخير { ~~أعمالهم } التي اتقنوها بزعمهم في معاداة النبي صلى الله عليه ms1862 وسلم , وذلك ~~أنه تبدى لهم في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني حين خافوا من قومه بني ~~كنانة أن يخلفوهم في أهليهم بسوء لما كان بينهم مما يوجب ذلك , فكاد ذلك ان ~~يثبطهم عن الميسر { وقال } عارا لهم في انفسهم { لا غالب لكم } والجار خبر ~~{ لا } وإلا لا انتصب اسمها لكونه يكون إذ ذاك شبيها بالمضاف { اليوم من ~~الناس } وغارا لهم فيمن خلفوه بقوله : { وإني جار لكم } من أن تخلفكم كنانة ~~بشيء تكرهونه , وسار معهم إلى بدر ينشطهم وينشدهم ويسلطهم بهذا القول ~~الظاهر إلى ما يوسوس لهم به في الصدور { فلما تراءت الفئتان } أي رأت كل ~~فئة الأخرى ورأى جبريل عليه السلام في جنود الله { نكص } أي رجع يمشي ~~القهقري وبطل كيده وآثاره وسوسته { على عقبيه } أي إلى ورائه , فقالوا أين ~~اي سراق ؟ ولا يظنون إلا سراقة , فمر ولم يجبهم ولا عرج عليهم { وقال } أي ~~بلسان الحال أو القال وهو يسمعونه أو لا يسمعونه { إني بريء منكم } ثم علل ~~براءته منهم بقوله : { إني أرى } أي بعين بصري { وما لا ترون } أي من ~~الملائكة والغضب الذي هو نازل بكم , فقال له الحارث بن هشام وكانت يده في ~~يده : والله ما نرى إلا جواسيس يثرب ! فاستأنف قوله مؤكدا لإنكارهم لذلك : ~~{ إني أخاف الله } أي الملك الأعظم { شديد العقاب * } فكانوا يقولون : ~~انهزام بنا سراقة , فقال ؛ بلغني أنكم تقولونكذا ! والله ما علمت بمسيركم ~~هذا يقولون : انهزم بنا انهزامكم فكانوا يكذبونه حتى اسلموا فعملوا أن الذي ~~غرهم الشيطان , وذلك مشهور في السير , وهوأولى من أن يحمل على مجرد الوسوسة ~~, وفي الحديث ( ما رئي إبليس يوما أصغر ولا أحقر ولا أغبظ من يوم عرفة لما ~~يرى من نزول الرحمة إلا ما رئي يوم بدر ) | < < # | الأنفال : ( 49 - 52 ) إذ يقول المنافقون . . . . . # > > ^ ( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن ~~يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم * ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ~~الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق * ذلك بما قدمت أيديكم ms1863 ~~وأن الله ليس بظلام للعبيد * كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات ~~الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب ) ^ } ) | PageV03P227 ~~ولما استوفى ما كان يقطع به في حق أولئك مما هو من أنفسهم ومما هومن تزيين ~~الشيطان , أبدل منه ما كان يقطع به في حقهم من أهل الجهل بالله وبأيامه ~~الماضية وآثاره عند أوليائه وأعدائه فقال : { إذ يقول المنافقون } أي من ~~العرب وبني إسرائيل قولا يجدونه كل وقت لما لهم فيه من الرغبة { والذين في ~~قلوبهم مرض } اي ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه ممن آمن ولم يهاجر أمن اليهود ~~المصارحين بالكفر حين يرون الكفار وقوتهم وكثرتهم والمؤمنين وضعفهم وقتلهم ~~{ غر هؤلاء } مشرين إليكم { دينهم } أي في إقدامهم على ما يقطع فيه بهلاكهم ~~ظنا منهم أن الله ناصرهم وهم ثلاثمائة وبضعة عشر إلى زهاء الف ملوك العرب , ~~فيغيظكم ذلك , فكذبهم الله وصدق أمركم بتوكلكم عليه وصبركم على دينكم { ومن ~~} أي قالوا ذلك عالمين بأنكم متوكلون عليه وصبركم على دينكم { ومن } أي ذلك ~~الذي له الإحاطة الشاملة , فهو يفعل ما يشاء منكم ومن غيركم بشرطه من ~~الإيمان والسعي في الطاعة كما فعلتم فإنه معز ومكرم . | ولما كان سبحانه ~~محيطا بكل صفة كمال على الإطلاق من غير قيد توكل ولا غيره , أظهر تعالى ~~فقال عاطفا على تقديره : فإن الله قادر على نصره : { فإن الله } أي الذي له ~~كمال الكمال المطلق { عزيز } أي غالب لكا من يغالبه فهو جدير بنصره { حكيم ~~* } اي مقتن لأفعاله فهو حقيق بأن يأخذ عدو المتوكل عليه من الموضع الذي لا ~~ينفعه فيه حيلة ولما ذكر ما سرهم من حال اعدائهم المجاهرين والمساترين في ~~الدنيا مرصعا ذلك بجواهر الحكم وبدائع الكلم التي بملازمتها تكون السعادة ~~وبالإخلال بها تحل الشقاوة , أتبعه ما يسرهم من حال اعدائهم عند الموت ~~وبعده , فقال مخاطبا لمن لو كشف الغطاء لم يزدد يقينا , حاديا بتخصيصه ~~بالخطاب كل سامع على قوة اليقين ليؤهل لمثل هذا الخطاب حكاية لحالهم في ذاك ~~الوقت { ولو } أي يقولون ms1864 ذلك والحال أنك { الذين كفروا } اي من هؤلاء ~~القائلين ومن غيرهم ممن قتلتموهم ببدر ومن غيرهم بعد ذلك وقبله { الملائكة ~~} أي جنودها الذي وكلناهم بهم حال كونهم { يضربون } ولما كان ضرب الوجه ~~والدبر أدل ما يكون على الذل والخزي , قال : { وجوههم وأدبارهم } أي اعلى ~~اجسامهم وأدناها فغيره اولى { و } حال كونهم يقولون لهم : ذوقوا ~~PageV03P228 ما كنتم به تكذبون { ذوقوا عذاب الحريق * } أي لرأيتم منظرا ~~هائلا وأمرا فظيعا . | فسركم ذلك غاية السرور , وما اثر كلامهم في غيظهم , ~~فإنهم يعملون حينئذ من الذي غره دينه و ( لو ) وإن كانت تقلب المضارع ماضيا ~~فلا يخلو التعبير بالمضارع في حيزها من فائدة , وهي ما ذكر من الإشارة إلى ~~أن هذا لا يخص ميتا منهم دون ميت , بل لا فرق بين متقدمهم ومتأخرهم , من ~~مات ببدر أو غيرها وليس في الكلام ما يقتضي أن يكون القائلون { غرهؤلاء ~~دينهم } حضروا بدرا , بل الظاهر أن قائليه كانوا بالمدينة وتعبيرهم ب { ~~هؤلاء } التي هي اداة القرب للتحقير واستسهال اخذهم كما ان أداة البعد ~~تستعمل للتعظيم ببعد الرتبة , وعلىمثل هذا يتنزل قول فرعون بعد أن سار بنو ~~إسرائيل زمانا اقله ليلة وبعض يو كما حكاه الله عنهم < # > 77 ( { إن هؤلاء لشرذمة قليلون } ) 77 < # > [ الشعراء : 54 ] على أن البغوي قد نقل في تفسير قوله تعالى < # > 77 ( { يرونهم مثليهم رأي العين } ) 77 < # > [ آل عمران : 13 ] أن جماعة من اليهود حضروا قتال بدر لينظروا على من ~~تكون الدائرة . | وإذا تأملت هذا مع قوله تعالى { كدأب آل فرعون } علمت أن ~~جل المقصود من هذه الآيات إلى قوله { ذلك بأنهم قومك لا يفقهون } اليهود , ~~وفي تعبيره ب { لا يفقهون } تبكيت شديد لهم كما قال تعالى في آية الحشر < # > 77 ( { لأنتم اشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون } ) ~~77 < # > [ الحشر : 13 ] ولما عذبوهم قولا وفعلا , عللوا لهم ذلك زيادة في ~~تأسيفهم : { ذلك } أي هذا الفعل العظيم الذي يفعله بكم من العذاب الأليم { ~~بما قدمت أيديكم } اي من الجراءة على الله { وأن ms1865 } أي وبسبب أن له أن يفعل ~~ذلك وإن لم تقدموا شيئا فإن { الله } اي الذي له صفات الكمال { ليس بظلام } ~~أي بذي ظلم { للعبيد * } فإن ملكه لهم تام . | والمالك التام الملك على ما ~~يملكه الملك الذي لا شيء يخرج عن دائرة ملكه , وهو الذي جبلكم هذه الجبلة ~~الشريرة التي تأثرة عنها هذه الأفعال القبيحة , وهو لا يسال عما يفعل , من ~~الذي يسأله ! ويجوز أن يكون المعنى : وليس بذي ظلم لأنه لا يترك الظالم ~~يبغي على المظلوم من غير جزاء لكم على ظلمكم لأهل طاعته , وسيأتي في ( فصلت ~~) حكمه التعبير بصيغة تحتمل المبالغة . | ولما بين بما مضى ما يوجب ~~الاجتماع عليه والرجوع في كل أمر إليه , وبين أن من خالف ذلك هلك كائنا من ~~كان ؛ أتبعه بما يبين ان هذا من العموم والاطراد بيحيث لا يخص زمانا دون ~~زمان ولا مكانا سوى مكان فقال تعالى : { كدأب } أي عادة هؤلاء الكفار ~~وشأنهم الذي دأبوا فيه وداموا وواظبوا فمونوا عليه كعادة { آل فرعون } أي ~~الذين هؤلاء اليهود من أعلم الناس بأحوالهم { والذين } ولما كان المهلكون ~~لأجل PageV03P229 تكذيب الرسل بعض أهل الزمان الماضي , أدخل الجار فقال : { ~~من قبلهم } وهو مع ذلك من أدلة { فلم تقتلوهم } لأن هؤلاء الذين اشار إليهم ~~كان هلاكهم بغير قتال , بل بعضهم باليح وبعضهم بالصحية وبعضهم بالغرق ~~وبعضهم بالخسف الذي هو غرق في الجامد , فكأنه يقول : لا ينسب أحد لنفسه ~~فعلا , فإنه لا فرق عندي في إهلاك أعدائي بين أن يكون إهلاكهم بتسليط من ~~قتال أو غيره , لاكل بفعلي , لولا أنا ما وقع , وذلك زاجر عظيم لمن افتخر ~~بقتل نت قتله الله على يده , أو نازع في النفل , وهو راجع إلى قوله تعالى ^ ~~( { لكيلا تأسوا على ما فاتكمولا تفرحوا بما آتاك } ) ^ [ الحديد : 23 ] ~~وفي ذلك حث على التمرن على عدم الاكتراث بشيء يكون للنفس فيه أدنى حظ ليصير ~~ذلك خلقا كما هو دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم , لا يضيف شيئا من ~~محاسنه إلا إلى خالقه إلا إن كان ms1866 مأكورا فيه بالتشريع , بل يقول : قتلهم ~~الله , صرفهم الله , نصرنا الله , كفى الله , فإذا صار ذلك للمستمسكين به ~~خلقا أفضى بهم إلى مدح الخالق والمخلوق لهم كما قال كعب بن زهير رضي الله ~~عنه في مدحهم : | ليسوا مفاريح إن نالت رماحهم قوما وليسوا مجازيعا إذا ~~نيلوا | ثم بين تعالى الحال الذي شابهوا فيه من قلبهم بقوله : { كفروا ~~بآيات الله } أي ستروا ما دلتهم عليه أنوار عقولهم من دلالات الملك الأعلى ~~وغطوها لأنهم لم يعملوا بها وصدوا عن ذلك من تبعهم , فكان جزاؤهم ما تسبب ~~عن ذلك من قوله : { فأخذهم الله } اي الذي له مجامع الكبر ومقاعد العظمة ~~والعز أخذ غلبة وقهر وعقوبة { بذنوبهم } كما أخذهم فإنهم تجرؤوا على رتبة ~~الألوهية التي تخسأ دون شوامخها نوافذ الأبصار , وتظلم عند بوارق أشعتها ~~سواطع الأنوار , وتضمحل بالبعد عن أول مراقبها القوى , وتنقطع بتوهم الدنو ~~من فيافيها الأعناق , فنزلت بهم صواعق هيبتها , وأناخت عليهم صروف عظمتها , ~~فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ولا تخس إلا ملاعبهم وأمكاكنهم ولما أخبر ~~بأخذهم , علله بقوله : { إن الله } أي الذي له الإحاطة الشامله { قوي } أي ~~يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء { شديد العقاب * } | < < # | الأنفال : ( 53 - 57 ) ذلك بأن الله . . . . . # > > ^ ( ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم وأن الله سميع عليم * كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ~~ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنآ آل فرعون وكل كانوا ظالمين * إن شر الدواب ~~عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون * الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في ~~كل مرة وهم لا يتقون * فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم ~~يذكرون ) ^ } ) | PageV03P230 ولما كان كأنه قيل : فما له يمهلهم ولا ~~يعالجهم بالأخذ قبل النكاية في أوليائه وأهل وده وأصفيائه ؟ قال : { ذلك } ~~أي الأخذ على هذه الحالة { بأن الله } أي بسبب أنهم غيروا ما في أنفسهم , ~~وقد كان له سبحانه أن ياخذهم قبل أن يغيروا لعلمه بما في ضمائرهم الكمال ~~بأنه { لم يك } هكذا كان الأصل ms1867 , ولكن حذف اختصار تقريبا لبيان تعميم العلة ~~وإبعاد للسامع من مثل ذلك , وحذف نون ( يكن ) إرشاد إلى قلت أو جلت , عظيم ~~المنفعة , لأن من خالفها جدير بتعجيل الانتقام { مغيرا نعمة } أي قلت أو ~~جلت , وبين أنه لا نعمة على أحد إلا منه فقال : { أنعمها على قوم } أي من ~~أي طائفة كانوا { حتى يغيروا } أي يبدلوا { ما } يعتقدونه { مغيرا نعمه } ~~أي قلت أو جلت , حفي عنهم , يظنون اتصافهم بضده مما هو ظاهر لهم اتصافا ~~غريزيا { وأن } أي وبسبب أن { الله } أي الذي له الكمال كله { سميع } أي ~~لما يكذبون به الرسل ولأقوالهم : إن ما يظهرون وصفهم الحقيقي { عليم * } أي ~~بما تكن ضمائرهم من غيره وإن جهلوه هم فيبتليهم ببلاء يظهر به ذلك المكنون ~~ويبرز به كل سر مصون , فإذا تعلق به العلم ظاهرا علق به الحكم قاهرا لتمام ~~قيام الحجة , ولتمام علمه بحالهم أمهلهم , وإنما يستعجل من يخاف ان تخيب ~~فراسته أو يتغير علمه , وأما الذي علمه بالظواهر والضمائر على حد سواء ~~فالحالتان عنده سيان , فهو يمهل لإتمام الحكمة ولا يهمل من استحق النقمة , ~~وذلك التغيير الذي اظهره البلاء هو التكذيب بالحق عنادا والبعد عما كانوا ~~يدعونه من العدل والمشي على مهاهيج العقل والاستحياء من العناد , والتنزه ~~من طرق الفساد , هكذا كانت كل أمة أرسلت إليها الرسل تدعي وما عندهامن خلاف ~~ذلك مستور في ضمائرها مكنون في سرائرها , لا تعلمه كما تشاهد أكثر من ~~تعاشره , يظن في نفسه ما ليس فيها , وعند الامتحان يكذبه العيان , فلما ~~جاءتهم الرسل وأوضحوا لهم الأمر إيضاحا ليس معه , لبس فكذبوهم , غيروا ما ~~كان في نفوسهم مما كانوا يزعمون ؛ ثم كرر قوله : { كدأب آل فرعون } أي ~~فرعون وقومه فإنهم اتباعه فلا يخيل انهم يفعلون شيئا إلا وهو قائدهم فيه { ~~والذين من قبلهم } - لدقيقة , وهي أنه قدم تقدم أنه ما من أمة إلا ابتليت ~~بالضراء والسراء , فالأولى ينظر إليها مقام الإلهية الناظر إلى العظمة ~~والكبرياء والقهر والانتقام , والثانية ثمرة مقام البربوبية الناشئ عنه ~~التودد والرحمة والرأفه والإكرام ms1868 , لذا عبر في الأولى باسم الذات الجامع ~~لجميع الصفات الذي لفظه - عند من يقول باشتقاقه - موضع لمعنى الإلهية إشارة ~~إلى أنهم أعرضوا في حال الضراء عن التصديق وعاملوا بالتجلد PageV03P231 ~~والإصرار , ولذا عبر في هذه الثانية باسم الرب فقال : { كذبوا } أي عنادا ~~زيادة على تغطية ما دل عليه العقل بالتكذيب بالنقل { بآيات ربهم } فأشار ~~بذلك إلى بطرهم بالنعم وتكذيبهم أنها بسبب دعاء الرسل ولما أشار بالتعبير ~~به إلى أنه غرهم معاملته بالعطف والإحسان , قال : { فأهلكناهم } أي جميعا { ~~بذنوبهم واغرقنا } فاتى بنون العظمه إشارة إلى أنه أتاهم بما انساهم ذلك ~~البر { آل فرعون وإشارة إلى أنهم نسوا أن الرب كما أنه يتصف بالرحمة فلا بد ~~أن يتصف بالعظمة والنقمة وإلا لم تتم ربوبيته , وهذا واضح مما تقدم في ~~الأعراف عن التوراة في شرح < # > 77 ( { فأرسلنا عليهم الطوفان } ) 77 < # > [ الأعراف : 133 ] - إلى آخرها , من أن فرعون كان يسال موسى عليه ~~السلام عند كل نازلة الدعاء برفعها معتلا بأن الرب ذو حلم وأناة ورحمة , ~~وقدم الأولى إشارة إلى أنهم بلغوا الغاية في الجرأة , والتعبير فيها , ب { ~~كفروا } يؤيد لذلك , اي أن مجرد الستر للآيات بالإعراض عنها كاف في إيجاب ~~الانتقام ولو لم يصرح بتكذيب لعظم المقام , ومادة كفر - بأي ترتيبة كان - ~~تدور على الخلطة المميلة المحلية , وبخصوص هذا الترتيب تدور على الستر , أي ~~غطوا التصديق بآيات بآيات ربهم , ويجوز - وهوالأحسن - أن يكون دورانها - ~~مطلقا لا بقيد ترتيب - على الفكر , وهو إرسال عين البصيرة في طلب أمر ~~ويلزمه الكشف والستر لأنه تارة يرفع اذيال الشبه عن ذلك الأمر فينجلي ~~ويتحقق , وتارة يسلط قواطع الأدلة عليه فينعدم ويمتحق , وربما أرخى أذيال ~~الشبه عليه فأخفى بعد أن كان جليا كما كان شمرها عنه فألقى وقد كان خفيا . ~~| ولما أخبر سبحانه بهلاكهم , أخبر بالوصف الجامع لهم بالهلاك فقال : { وكل ~~} اي من هؤلاء ومن تقدمهم من آل فرعون ومن قبلهم { كانوا } أي جبلة وطبعا { ~~ظالمين * } أي لأنفسهم وغيرهم واضعين الآيات في غير مواضعها وهم يظنون ~~بأنفسهم العدل ؛ ثم علل ms1869 اتصافهم بالظلم أو استأنف بيانا له بقوله : { إن شر ~~الدواب } أي ظلموا لأنهم كفروا بآيات ربهم الذي تفرد بالإحسان إليهم وشر ~~الدواب { عند الله } أي في حكم الحكم العدل الذي له الأمر كله وفي علمه { ~~الذين كفروا } أي منهم ومن غيرهم , أي حكم عليهم بلزوم الكفر لما ركب فيهم ~~من فساد الأمزجة لعدم الملاءمة للخير , فكانوا بذلك قد نزلوا عن رتبة ~~الإنسان إلى رتبة مطلق الحيوان , ثم إلى دركه الحشرات والديدان بل العجلان ~~, لأن شر الناس الكفار , وشر الكفار المصرون منهم , وشر المصرين الناكثون ~~للعهود { فهم } أي بسبب ذلك { لا يؤمنون * } اي لا يتجدد منهم إيمان ~~يستمرون عليه لما سبق من علم الله فيهم , فلم ينتفعوا بما أتاهم من صفة ~~الربوبية PageV03P232 فمحقتهم صفة الإلهية , ولعله إنما خص آل فرعون تذكيرا ~~- لأكثر من كان يقول { غر هؤلاء دينهم } وهم - اليهود - بأنهم كانوا ~~بالنسبة غلى فرعون وآلة اضعف من الصحابة رضوان الله عليهم بالنسبة إلى قريش ~~وأتباعهم , فإن اليهود مع قلتهم عندهم كانوا قد دانوا لهم بذل العبيد ~~لمواليهم بل أعظم , ومع ذلك فإنهم نصروا عليهم لما كان الله معهم , وإعلاما ~~لهم بأنهم الآن كآل فرعون في العناد مع ما هم من القلة والذلة , فقد جوعوا ~~من كل قوم أخس صفاتهم وأردأ حالاتهم , ولذلك أبدل من عموم { الذين كفروا } ~~{ الذين عاهدت منهم } وهم اليهود بلا شك , إما بنو قينقاع أو النضير أو ~~قريظة أو الجميع بحسب التوزيع , فكل منهم نقض ما كان اخذ عليه صلى الله ~~عليه وسلم من العهود , وأخلف ما كان أكده من الوعود . | ولما كان العهد ~~جديرا بالوفاء ولا سيما من العلماء , عبر بقوله : { ثم ينقضون عهدهم } اي ~~يجدون نقضه كلما لاح لهم خلب برق أو زور بطل يغير في وجه الحق ؛ ثم عظم ~~الشناعة عليهم بقوله : { في كل مرة } ثم نبه على رضاهم من رتبة الشرف ~~العلية القدر وهدة السفه والسرف بعدم الخوف من عاقبة الغدر بقوله : { وهم ~~لا يتقون * } اي الناس في الذم لهم على ذلك ولا ms1870 الله في الدنيا بأن يمكن ~~منهم , ولا في الآخرة بأن يخرجهم ثم يركسهم بعد المناداة بالعار في النار ~~ولما أيأسه من تقواهم بما اشتملوا عليه من تكرير النقض الناشئ عن غاية ~~الحسد وصلابة الرقاب وقساوة القلوب والقساوة على الكفر , أمره بما يوهن ~~قواهم ويحل عراهم من إلياس اليأس بإنزال البأس كما جرت عادته سبحانه أنه ~~يوصيه بالرفق ببعض الناس لعلمه أن عمله يزكو لبنيانه على أحسن أساس , فقال ~~مؤكدا لأجل ما جبل عليه صلى الله عليه وسلم من محبة الرفق : { فإما تثقفهم ~~} أي تصادفنهم وتظفرن بهم { في الحرب } اي التي من شأنها أن يحرب فيها ~~المبطل , ويربح المحق المجمل { فشرد بهم من خلفهم } أي فنكل بهم تنكيلا ~~يصدع ويفرق عن محاربتك من وراءهم ممن هو على مثل رأيهم في المنافرة لك ولا ~~تتركنهم اصلا لأن أتباعك أمهر منهم وأحذق , فهم لذلك أثبت وأمكن , فإذا ~~أوقعت بهم ذلك لم يجسر عليك أحد بعده اتعاظا بهم واعتبارا بحالهم ؛ ومادة ~~شرد بكل ترتيب تدور على النفوذ , فإن كان على قصد وسنن فهو رشد ويلزمه ~~الاجتماع , وإن كان غير سنن وجامع استقامة فهو شرود , فأما قوله لجاحة ~~يلزمه التفرق ؛ قال ابن فارس : شرد البعير شرودا وشردت به تشؤيدا , فأما ~~قوله { فشرد بهم فالمراد نكل بهم وسمع , قال القزاز : شردت الرجل تشريدا - ~~إذا طردته , وشردت به - إذا سمعت به وذكرت عيوبه للناس , وقوله تعالى { ~~فشرد بهم } أي اجعلهم PageV03P233 مطردين - انتهى . | فالمراد المبالغة في ~~الإيقاع بهم لأنهم إذا ضربوا ضربة تفرقوا فيها على غير وجه ولا انتظام علم ~~من شردوا إليه ممن وراءهم انه قد تناهى بهم الذعر فذعر هو فوقع في الشرود ~~قوة أو فعلا , فعلى قراءة من جعل ( من ) حرف جر يكون المفعول محذوفا , ~~والتقدير : أوقع - بما سمعوا أو رأوا من حال هؤلاء حين واجهوك للقتال , ~~وعلى قرلءة من جعلها اسما موصولا تكون هي المفعول , فالمعنى : شرد الذين ~~خلفهم من أمكانهم إما بالفعل أو بالقوة بأن تفترق قلوبهم بما تفعل بهولاء ~~فتصير - بما ترى ms1871 من قبيح حالهم - قابلة للشرود , ويكون اختلاف المعنى ~~بالتبعيض في جعل ( من ) حرف جر والتعميم في جعلها موصولا بالنظر إلى القوة ~~أو الفعل . | ولما ذكر الحكم , ذكر ثمرته بأداة الترجي إدارة له على الرجاء ~~فقال : { لعلهم } أي المشردين والمشرد بهم { يذكرون * } ما يبق من أيام ~~الله فيعلموا أن هذه أفعاله , وهؤلاء رجاله , فينفعهم ذلك فلا ينقضوا عهدا ~~بعده ولقد بهم صلى الله عليه وسلم ذلك فإنهم إن كانوا بني قريظة فقد ضربهم ~~صلى الله عليه وسلم ضربة لم يفلت منهم مخبر , بل ضرب أعناقهم في حفائر في ~~سوق المدينة وكانوا نحو سبعمائة على دم واحد . | إلا من أسلم منهم وهم يسير ~~, وسبى ذراريهم ونساءهم وغنم أموالهم , وإن كانوا قينقاع فقد نزل بساحتهم ~~بعد نقضهم وإظهارهم غاية الاستخفاف والعناد فلم يكبتهم الله أن جعلهم في ~~قبضته وما بقي إلا ضرب أعناقهم كما وقع لبني قريظة فسأله فيهم عبد الله بن ~~أبي المنافق وألح عليه صلى الله عليه وسلم في أمرهم وكان يألفه ويتألف به ~~فتركهم له صلى الله عليه وسلم وأجلاهم من المدينة , وكانت واقعتهم أول ~~وقائع اليهود بالمدينة , وإن كانوا بني النضير فقد نقضوا ايضا فأحاط بهم , ~~ومناهم المنافقون الغرور فقذف الله الرعب في قلوبهم فسألوه صلى الله عليه ~~وسلم ان يجليهم ويكف عن دمائهم ففعل , ثم أتم الله له الأمر فيهم في خيبر ~~ووادي القرى وغيرهما إلى أن لم يدع منهم في جزيرة العرب فريقا إلا ضربه ~~بالذل وأجرى عليه الهوان والصغار , ووقائعه فيهم مشهورة الخبر معروفه في ~~السير . | < < # | الأنفال : ( 58 - 63 ) وإما تخافن من . . . . . # > > ^ ( وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سوآء إن الله لا يحب ~~الخائنين * ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون * وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم ~~لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم ~~لا تظلمون * وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه ms1872 هو السميع ~~العليم * وإن يريدوا أن يخدعوك فإن PageV03P234 حسبك الله هو الذي أيدك ~~بنصره وبالمؤمنين * وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت ~~بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما أمره بما يفعل تحقق نقضه , أرشده إلى ما يفعل خاف غدره فقال : { ~~وإما تخافن } وأكده إشارة ظهور القرائن ووضوح الأمارت { من قوم } أي ذوي ~~قوة , بينك وبينهم عهد { خيانة } أي في ذلك العهد { فانبذ } أي اطرح طرح ~~مستهين محتقر { إليهم } اي ذلك العهد نبذا كائنا { على سواء } أي أمر مستو ~~في العلم بزواله بينكم وبينهم وعدل ونصفه ولا تناجزوهم وهم على توهم من ~~بقاء العهد , وهذا إشارة إلى يكونوا على غاية الحدذر والفحص عن أخبار العدو ~~بيحيث لا يتركونه إلى أن ينقض ثم يعملون ميله إلى النقض فينبذون إليه عهده ~~لأن ذلك أردع له , فهو أدعى إلى السلم ؛ ثم علل جواز النبذ ووجوب النصفة ~~بقوله : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { لا يحب الخائنين * } أي لا ~~يفعل بهم فعل المحب لا منكم ولا من غيركم . | ولما كان بنذ العهد مظنة ~~الخوف من تكثير العدو وإيقاظه , وكان الإيقاع أولى بالخوف , أتبع سبحانه ~~ذلك ما يجري عليه ويسلي عن فوت من هرب من الكفار في غزوة بدر فلم يقتل ولم ~~يؤسر فقال : { ولا يحسبن } بالياء غيبا على قراءة الباقين بالخطاب أن أمر ~~الرئيس ونهبه أوقع في نفوس الأتباع وأدعى لهم إلى السماع { الذين كفروا } ~~اي عامة من نبذ ومن لم ينبذ { سبقوا } أي وقع لهم السبق , وهو الظفر في وقت ~~ما , فإنهم لم يفوتوا شيئا من أوامرنا ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنهم لا ~~يعجزون * } اي لا يفوتون شيئا مما يزيد تسليطه عليهم , أي لا يغرنك علوهم ~~وكثرتهم وجرى كثير من الأمور على مرادهم فكل ذلك بتدبيرنا , ولا يخرج شيء ~~عن مرادنا , ولا بد أن نهلكهم فإنهم في قبضتنا , لم يخرجوا منها ولا يخرجون ~~فضلا عن أن يفوتوها فاصبر ولما كان هذا ربما أدى ms1873 إلى ترك المناصبة ~~والمحاربة والمغالبة اعتمادا على الوعد الصادق المؤيد بما وقع لهم في بدر ~~من عظيم النصر مع نقص دعوى العدة والعدة , أتبعه ما يبين أت اللازم ربط ~~الأسباب بمسبباتها , وليتبين الصادق في دعوى الإيمان من غيره فقال : { ~~وأعدوا لهم } أي للأعداء { ما استطعتم } أي دخل في طاعتكم وكان بقوة جهدكم ~~تحت مقدروكم وطاقتكم { من قوة } أي قوة كانت , وفسرها النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالرمي إشارة إلى أنه أعظم عدده على نحو ( الحج عرفة ) وفي أمرهم ~~بقوله { ومن رباط PageV03P235 الخيل } إيماء إلى باب من الامتنان بالنصر في ~~بدر لأنهم لم يكن معهم فيه غير فرسين , والرباط هو الخيل التي تربط في سبيل ~~الله الخمس منها فما فوقها , وخصها مع دخولها فيما قبل إشارة إلى عظيم ~~غنائها , والرباط أيضا ملازمة تغر العدو وربط الخيل به إعدادا للعدو ؛ ثم ~~أجاب من كأنه قال : لم نفعل ذلك وما النصر إلا بيدك ؟ بقوله : { ترهبون } ~~بذلك الذي أمرتكم به من المستطاع أو من الرباط { عدو الله } أي الذي له ~~العظمة كلها لأنه الملك الأعلى { وعدوكم } أي المجاهدين , والأليق بقوله - ~~: { وآخرين } أي وترهبون بذلك آخرين { منن دونهم } - أي يحمل على المنافقين ~~لوصفهم بقوله : { لا تعلمونهم } كما قال تعالى < # > 77 ( { وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردواعلى النفاق ~~لا تعلمهم } ) 77 < # > [ التوبة : 101 ] ولأنهم لا يكونون دونهم إلا إذا لم يكونوا في العدواة ~~مثلهم , وكل من فرض غير المنافقين مظهرون للعدواة , وأما المنافقون فإنهم ~~مدعون بإظهار الإسلام أنهم أولياء لا أعداء { الله } أي المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما { يعلمهم } أي فهو يكفيكم ما يظن من أمرهم , وليس عليكم إلا ~~الجهد بحسب ما تعلمون , والآية بالنسبة إلى ما تقدمها من باب ( اعقلها ~~وتوكل ) والمعنى لا تظنوا أن الكفار فاتونا وأفلتوا من عذابنا بامتناعهم ~~منكم فإنهم يحملنكم الاتكال على قوتنا على ترك أسباب مغالبتهم بما أعطيناكم ~~من القوى بل ابذلوا جهدكم وطاقتكم في إعداد مكايد الحرب وما يتعلق بالرمي ~~من القوة وبالخبل من الطعن والضرب ms1874 والفروسيه لنلقي بذلك رعبكم في قلوب ~~عدوكم القريب والبعيد من تعلمونه منهم ومن لا تعلمونه . | ولما كان أغلب ~~معاني هذه الآية الإنفاق , لأن مبنى إعداد القوة عليه , رغب فيه بقوله : { ~~وما تنفقوا من شيء } أي من الأشاء وإن قل { في سبيل الله } أي طريق من له ~~صفات الكمال من الجهاد وغيره { يوف إليكم } أي آجره كاملا في الدنيا ~~والآخرة أوفي ما يكون مضاعفا أحوج ما تكونون إليه { وأنتم لا } PageV03P236 ~~ولما كان المخوف مطلق النقص , بنى للمفعول قوله : { تظلمون * } أي لا ~~تنقصون شيئا منه , وأما الزيادة فلا بد منها وهي على قدر النية . | ولما ~~كان ضمان النصر والحلف في النفقة موجبا لدوام المصادمة والبعد من المسالمة ~~, أتبعه قوله أمرا بالاقتصاد : { وإن جنحوا } اي مالوا وأقبلوا في نشاط ~~وطلب حازم { للسلم } أي المصالحة , والتعبير باللام دون ( إلى ) لا يخلو عن ~~إيماء إلى التهالك على ذلك ليتحقق صدق الميل { فاجنح } ولما كان السلم ~~مذكرا يجوز تأنيث غشارة إلى أنه يقتصر فيه على أقل ما يمكن من المدة بحسب ~~الحاجة , هذا إذا كان الصلاح للمسلمين في ذلك بأن يكون بهم ضعف , وأقصى مدة ~~الجواز عشر سنين اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تجوز الزيادة ~~ولما كان ذلك مظنة أن يقال : إنه قد عهد منهم من الخداع ما أعلم انهم ~~مطبوعون منه على ما لا يؤمنون معه فمسالمتهم خطر بغير نفع , لوح إلى ما ~~ينافي ذلك بقوله : { وتوكل على الله } أي الذي له مجامع العظمة فيما تعهده ~~من خداعهم فإنه يكفيك أمره ويجعله سببا لدمارهم كما وقع في صلح الحديبية ~~فإن غدرهم فإنه يكفيك أمره وحرف الاستعلاء في هذا وأمثاله معلم بأنه يفعل ~~مع المتوكل فعل الحامل لما وكل إليه المطيق لحمله ؛ ثم علل الأمر بالتوكل ~~الذي معناه عدم الخوف من عاقبة أمرهم في ذلك بقوله : { إنه هو } اي وحده { ~~السميع } أي البالغ السمع , فهو يسمع كل ما أبرموه في ذلك وغيره سرا كما ~~يسمعه علانية { العليم * } أي البالغ العلم وحده فهو يعلم ms1875 كل ما أخفوه كما ~~أنه يعلم ما أعلنوه ؛ ثم صرح بالاستهانة بكيدهم فقال : { وإن يريدوا } اي ~~الكفار { أن يخدعوك } اي بما يوقعونمن الصلح أو بغيره { فإن حسبك } أي ~~كافيك { الله } أي الذي له صفات العز كلها , ثم علل كفايته أو استأنف ~~بيانها بقوله : { هو } اي وحده { الذي أيدك بنصره } أي إذ كنت وحدك { ~~وبالمؤمنين * } أي بعد ذلك في هذه الغزوة التي كانت العادة قاضية فيها بأن ~~من معك لا يقومون للكفار فواق ناقة , ولعل هذا تذكير بما كان من الحال في ~~أول الإسلام , أي إن الذي أرسلك مع وحدتك في مكة بين جميع الكفار وغربتك ~~فيهم - وإن كانوا بني عمك - بسبب دعوتك إلى هذا الدين وعلوك عن أحوالهم ~~البهيمية إلى الأخلاق الملكية , هو الذي قواك وحده بالنصر عليهم حتى لم ~~يقدروا على أذى يردك عن الدعاء إلى الله مع نصب جميعهم لك ولمتبعيك شباك ~~الغدر ومدهم إليكم أيدي الكيد ثم سلكم من بين أظهرهم كما تسل الشعرة من ~~العجين مع اجتهادهم في منعكم من ذلك , وأيدكم بالأنصاروجمع بين كلمتهم بعد ~~شديد PageV03P237 العدواة { وألف بين قلوبهم } بعد غاية التباغض , فصار ~~البعيد منهم قريبا والبغيض حبيبا والعدو صديقا , وكانوا على قلب واحد ؛ ثم ~~استأنف الإخبار بما دل على تعذر ألفتهم لولا هو فقال : { لو أنفقت } أي ~~وأنت أتقن الخلق لما تصنعه { ما في الأرض جميعا } أي في إرادة ذلك { ما ~~ألفت بين قلوبهم } ثم أكد ذلك بقوله : { ولكن الله } أي وهو الذي له جميع ~~صفات الكمال { ألف بينهم } ثم علل نفوذ فعله وأمره فيه بقوله : { إنه عزيز ~~حكيم * } اي لأنه لولا عزته التي تغلب كل شيء ولا يغلبها شيء وحكمته التي ~~يتقن بها ما أراد بحيث لا يمكن لأحد أن يغير شيئا منه لما تألفوا بعد أن ~~كان قبل كل أحد من فريقهم للآخر أشهى من لذيذ الحياة وصافي العيش لما بينهم ~~من الإحن التي لا تزال تثور فتغلي لها الصدور حتى تفور بقتل الأحباب من ~~الوالدين والأولاد والقهر بأنواع الأذى مع ms1876 المجاورة المقتضية لدوام المنتشر ~~مع ما لهم من الحمية والأنفة الحاملة على الانتقام . | والذي امدك بهذه ~~الألطاف حي لا يموت باق على ما كان عليه من القدرة والقوة , فهو الكفيل ~~بحراستك ممن يريد خداعك , فإذا امركم بأمركم بأمر فامثلوه غير مفكرين في ~~عاقبته , فإنه قد بينه بعزته وأتقنه بحكمته وستعلمون . | < < # | الأنفال : ( 64 - 67 ) يا أيها النبي . . . . . # > > ^ ( يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين * يأيها النبي حرض ~~المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ~~مئة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون * الآن خفف الله عنكم ~~وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف ~~يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين * ما كان لنبي أن يكون له أسرى ~~حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ) ~~^ } ) | ولما صرح بأن الله كافيه , وكانت كفاية الله للعبد اعظم المقاصد , ~~والتفتت الأنفس إلى أنه هل يكفيه مطلقا أو هو فعل مع المؤمنين أيضا مثل ذلك ~~, فأتبعها بقوله معبرا بوصف النبوة الذي معناه الرفعه والاطلاع من جهة الله ~~على ما لا يعلمه العباد , لأنه في سياق الإخبار ببعض المغيبات والتصرف في ~~الملكوت : { يأيها النبي } أي العالي القدر الذي نعلمه بعواقب أموره { حسبك ~~} أي كافيك { الله } أي الذي بيده كل شيء { ومن } أي مع من { اتبعك من ~~المؤمنين * } يجوز أن يكون الميعه من ضميره صلى الله عليه وسلم فيكون ~~المؤمنون مكفيفين , وأن يكون من الجلالة فيكونوا كافين , حتى يكون المعنى : ~~فهو كافيهم أيضا وهم كافوك لأنه معهم , وساق سبحانه هذا هكذا تطبيقا لقوبهم ~~وجبرا PageV03P238 لخواطرهم وبالمعنى الثاني - لتضمنه الأول وزيادته عليه - ~~قال ابن زيد والشعبي : حسبك الله وحسبك من اتبعك , وساقها سبحانه على وجه ~~مكرر لفكاية نبيه صلى الله عليه وسلم محتمل لأن فيمن كان على اتباعه في ذلك ~~الوقت لئلا يستقلوا بالنسبة إلى كثرة أعدائهم . | ولما بين أنهم كافون ~~مكفيون , وكان ذلك مشروطا الكيس ms1877 والحزم وهو الهيبة للأبطال في حال من ~~الأحوال , فقال معبرا بالوصف الناظر إلى جهة التلقي عن الله ليشتد وثوق ~~السامع لما يسمعه : { يأيها النبي } أي الغريقين في الإيمان { على القتال } ~~أي بالغ في حثهم عليه وندبهم بكل سبيل إليه , ومادة حرض - بأي ترتيب كان - ~~حرض , حضر , رحض , رضح , ضرح ؛ ترجع إلى الحضور ويلزمه الخفض والدعة , ~~ويلزم الكسل فيلزمه الضعف فيلزمه الفساد , ومنه الحرض الذي اشفى على الهلاك ~~, اي حضر هلاكه وحضر هو موضعه الذي هو فيه فصار لما به لا يزايله ما دام ~~حيا , ورخص الثوب , اي غسله , من الدعه التي هي شأن الحضور غير المسافرين , ~~والرحضاء عرق الحمى تشبيه بالمغسول , والمرضاح الحجر الذي لا يزال حاضرا ~~لرضح النوى , والضريح شق مستطيل يوضع فيه الميت فيكون حاضره لازما له دائما ~~إلى الوقت المفلوم , ويلزمه الرمي والطول , ومنه المضرحي للطويل الجناحين ~~من الصقور لأن كل صيد عنده حاضر لقوة طيرانه , والرجل الكريم لعلو همته , ~~وأحضرت الدابة : عدت فجعلت الغائب حاضرا , والتحريض الحث على حضور الشيء , ~~فحضر على القتال : حث على الطيران إليه بتعاطي أسبابه والاستعداد لحضوره ~~حتى يصير المحثوث كانه حاضر , متى قيل : يا صباحاه ! طار إلى المنادي , ~~وكان اول حاضر إلى النادي , لأنه لا مانع له من شيء من الأشياء بل استعداده ~~استعداد الحاضر في الصف ؛ وقال الإمام أبو الحسن علي ابن عيسى الرماني في ~~تفسيره : والتحريض : الدعاء الوكيد لتحريك النفس على امر من الأمور , والحث ~~والتحريض والتحضيض نظائر , ونقيضه التفسير , والتحريض ترغيب في الفعل بما ~~يبعث على المبادرة إليه مع الصبر عليه - انتهى . | فهذه حقيقته , لا ما قال ~~في الكشاف وتبعه عليه البيضاوي . | ولما ندبهم إلى القتال , أعلمهم بأنهم ~~منصورون فيه إن لازموا آلة النصر , فقال استئنافا جوابا لمن قال : ما ~~عاقبتهم إذا رغبوا فبادروا إلى ذلك ؟ : { إن يكن } ولما كان لذة الخطاب ~~تثير الهمم وتبعث العزائم وتوجب غاية الوثوق بالوعد , عدل عن الغيبة فقال : ~~{ منكم عشرون } أي رجلا : { صابرون } أي الصبر المتقدم { يغلبوا مائتين } ~~اي PageV03P239 من الكفار , والآية ms1878 من الوعد الصادق الذي حققه وقائع ~~الصحابه رضي الله عنهم { وإن يكن منكم مائة } اي صابرة { يغلبوا ألفا } أي ~~كائنين { من الذين كفروا } فالآية من الاحتباك : أثبت في الأول وصف الصبر ~~دليلا على حذفه ثانيا , وفي الثاني الكفر دليلا على حذفه اولا ؛ ولعل ما ~~أوجبه عليهم من هذه المصابرة علة للأمر بالتحريض , أي حرضهم أولا ؛ ولعل ما ~~أوجبه عليهم من هذه المصابرة علة للأمر بالتحريض , اي حرضهم لأني اعنت كلا ~~منهم على عشرة , فلا عذر لهم في التواني ؛ وعلل علوهم عليهم وغلبتهم لعن ~~على هذا الوجه بقوله : { بأنهم } أي هذا الذي أوجبته ووعدت بالنصر عنده ~~بسبب انهم , أي الكفار { قوم لايفقهون * } اي ليس لهم فقه يعلمون به علم ~~الحرب الذيدربه اهل الإيمان وإن كنتم ترونهم أقوياء الأبدان فيهم كفاية ~~للقيام بما ينوبهم من أمر الدنيا لأنهم ابدان بغير معان , كما أن الدنيا ~~كذلك صورة بلا روح , لأنهم لم يبنوا مصادقتهم على تلك الدعائم الخمس التي ~~قدمتها لكم وألهمتكم إياها في بدر , فمن لم يجمعها لم يفقه الحرب , لأن ~~الجيش إن لم يكن له رئيس يرجع إليه لم يفلح , وذلك الرئيس إن لم يكن أمره ~~مستندا إلى الملوك كان قلبه ضعيفا , وعزمه - وإن كثرت جموعه - مضطربا , ~~فإنهم يكونون صورا لا معاني لها , والصور منفعله لا فعالة , والمعاني هي ~~الفعالة , ةالمعتمد على الله صورته مقترنه بالمعنى , فأقل ما يكون في ~~مقابلة اثنين من أعدائه كما حط عليه الأمر في الجهاد , ولعل هذا هو السر ~~فيانتصار الخوارج - من أتباع شبيب وأنظاره على قلتهم - على الجيوش التي ~~كانوا يلقونها عن ملوك زمانهم على كثرتهم , فإن الخوارج معتقدون أن قتالهم ~~لله مستندين في هذا الإعتقاد إلى ظلم أولئك الملوك وخروجهم عن أمر الله , ~~والذين يلقونهم عن أولئك الملوك وإن اعتقدوا أنهم أهل طاعة لطاعتهم الإمام ~~الواجب طاعته , لكنهم يعلمون أن استناد إمامهم إلى الله ضعيف لمخالفته ~~لمنهاج الاستقامه , وذلك الرئيس نفسه معتقد ذلك وأن ولا يته مفسدة , وأن ~~تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لقتاله ms1879 إنما هو درء لأعظم المفسدين , فصار ~~استناد الخوارج إلى الملك الملوك اعظم من استناد ألئك , ولهذا نشأ عن ~~استناد الخوارج الزهد الذي هو أعظم الموجبات للخذلان , مصداق ذلك أنهم لما ~~خرجوا على علي رضي الله عنه فسار فيهم بسنة الله من اللطف بهم وتقديم وعظهم ~~والإعذار إليهم وردهم إلى الله فلما لم يقبلوا قصدهمم في ساعة , قال له بعض ~~من كان يعتني بالنجوم : إنها ساعة نحس , أن سار فيها حذل , فقال : سيروا ~~فيها فإنه ما كان النبي صلى الله عليه وسلمك منجون , فلما لقي الخوارج لم ~~يوافقوهحلب ناقه ولا أفلت منهم أحد ولا قتل من جماعته إنسان ؛ وفهم الإيجاب ~~في قوله تعالى { إن يكن منكم عشرون } - الآية وأن الخبر فيه بمعنى الأمر من ~~قوله : { الآن PageV03P240 خفف الله } أي الملك الذي الذي له الغنى المطلق ~~صفات الكمال { عنكم } أي رحمه لكم ورفقا بكم { وعلم } أي قبل التخفيف وعده ~~{ أن فيكم ضعفا } أي في العدد والعدد , ولكنه أوجب عليكم ذلك ابتلاء , فبعد ~~التخفيف علم ضعفهم واقعا وقبله علم أنه سيقع , وتصديره هذه الجملة ب { الآن ~~} يشير إلى ان النسخ كان قبل أن تمضي مدة يمكن فيها غزو , وفائدة الأمر ~~المعقب بالنسخ حيازة الأجر بقبوله والعزم على امتثاله , وقيل : ما كان ~~النسخ إلا بعد مدة بعد أن سألوا في التخفيف ؛ وروى البخاري في التفسير عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مائتين } شق ذلك على المسلمين حين فرض عليهم ألا يفر واحد من عشرة , فجاء ~~التخفيف فقال : { الآن خفف الله عنكم } - الآية ؛ فلما خفف الله عنهم من ~~العدة نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم , والمعنى أنه كان كتب مقدرا من الصبر ~~لكل مؤمن , فلما خفف أزال ذلك بالنسبة إلى المجموع , وهذا لا يمنع استمرار ~~البعض على ما كان كما فعل سبحانه بالصحابة رضوان الله عليهم في غير موضع ~~منها غزوة مؤته , فقد كانوا فيها ثلاثة آلاف , وكان من لقوا من جموع هرقل ~~مائتي الف ms1880 : مائة من الروم ومائة من العرب المستنصرة , فصبروا لهم ونصروا ~~عليهم كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مخبرا عنهم في هذه ~~الغزوة ( ثم أخذ الراية عن غير إمرة سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح ~~الله عليه ) ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ارتد عامة الناس حتى لم ~~يثبت على الإسلام عشر العشر فصبر الصحابة رضوان الله لهم ونصروا عليهم , ~~بلالذي صبر في الحقيقية أبو بكر رضي الله عنه وحده , ثم أفاض الله من صبره ~~ونوره على جميع الصحابة رضي الله عنهم فصبروا , ثم جهز الجيش وأميرهم الذي ~~سماه النبي صلى الله عليه وسلم سيف الله , فأخمد الله به نار الشرك وقطع ~~بصبره وحسن نيته جاذرة الكفر فلم تمض سنة وفي بلاد العرب مشرك . | فلما جمع ~~الله العرب بهذا الدين على قلب رجل واحد قصدوا الأعاجم من الفرس والروم ~~والقبط , فقاتلوا اهل فارس في عدة وقائع منها القادسية , وكان الصحابة رضي ~~الله عنهم فيها دون أربعين ألفا , وكان المجوس أكثر من أربعمائة ألف - إلى ~~غير ذلك من الوقائع وقد صروا في أكثرها ونصروا , ثم كانت لهم العاقبة ~~فطردوا الشرك وأهله , وأظهر الله لهم دينه كما وعد به سبحانه , وما اجتمع ~~أهل الإسلام وأهل الضلال قط في معرك إلا كانت قتلى المسلكين غير أن الله ~~تعالى جده وتبارك اسمه وتمت كلمته ألطف بالعرب علما منه بأنهم خلاصة الناس ~~بما طبعهم PageV03P241 سبحانه عليه من الخصال الحميدة والأخلاق السديدة ~~فاسلم كل من اشتملت عليه جزيرتهم بعد وقائع في زمان النبي صلى الله عليه ~~وسلم وزمان الردة , ولم تبلغ قتلاهم فيما أظن عشرة الآف إنسان , ثم لما ~~جاهدوا الأعاجم من فارس والروم وغيرهم كانت قتلى الكفار تبلغ في المعركة ~~الواحدة مائة ألف ومائتي الف - كما هو مشهور في كتب الفتوح للمدائني وسيف ~~وابن عبد الحكم والبلاذري وغيرهم , وقد جمع أشتات ذلك الحافظ أبو الربيع بن ~~سالم الكلاعي وشيخة ابن حبيش , ولعله حذف في الثانية التقييد بالكفار ليشمل ~~كا ms1881 ما استحق القتال من البغاة وغيرهم , فقال تعالى مسببا عن التخفيف ~~المذكور رادا الأمر من إيجاب مصابرة عشرة إلى الأمر بمصابرة الضعف , فإن ~~زاد العدد على الضعف جاز الفرار والصبر أحسن : { فإن يكن منكم مائة صابرة } ~~أي الصبر هو كل التنبيه عليه { يغلبوا مائتين } أي من غيركم بإذن الله { ~~وإن يكن منكم الف } أي على النعت المذكور وهو الصبر { يغلبوا الفين } ثم ~~ارشد إلى ان المراد بالصبر هو كل المأمور به في آية < # > 77 ( { إذا لقيتم فئة فاثبتو } ) 77 < # > [ الأنفال : 45 ] فقال : { بإذن الله } أي بإرادة الذي له جميع الأمر , ~~ذلك وإباحة لكم وتمكينه , فإن لم يقع الإذن دليلا على حذفه أولا ؛ ثم نبه ~~على عموم الحكم بقوله : { والله } أي المحيط بصفات الكمال { مع الصابرين * ~~} اي بنصره ومعونتع , ومن ثم قال ابن شبرمة : وأنا أرى الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر كذلك . | زمادة ( إذن ) - مهموزة وغير مهموزة وواوية ~~ويائية بتقاليبها الأربعة : إذن ذان ذون ذين - ترجع إلى العلم الناشئ عن ~~حاسة السمع المتعلق بجارحة الأذن , وتارة يثمر الإباحة وتارة المنع , فأذن ~~بالشيء - كسمع : علم به ( فأذنوا بحرب ) أي كونوا على علم من أن حربكم أبيح ~~. | وأذن له بالشيء - كسمع أيضا : أباحه له , وآذنه الأمر وبه : اعلمه - ~~وزنا ومعنى , فجعله مباحا له أو ممنوعا منه , وأذن فلانا تاذينا : عرك أذنه ~~, وأذنه : رده عن الشرب فلم يسقه , كأن التفعيل فيه للإزالة , وآذن النعل ~~وغيرها : جعل لها أذنا , وفعله بإذني : بعلمي وتمكني , وأذن إليه وله - ~~كفرح : استمع باذنه , اي أباح ذلك سمعه وقلبه , وأذن لراتحة الطعام : ~~اشتهاه كأنه أباحه لنفسه , وآذنه إيذانا : أعجبه , مثل ذلك سواء , وآذنه ~~ايضا : منعه , كأنه الهمزة للإزالة , والأذن : الجارحة المعروفة - بضمة ~~وبضمتين - والمقبض والعروة من كل شيء وجبل , لأن كلا من ذلك سبب للتمكن من ~~حمل ما هو فيه , والأذن : الرجل المستمع القابل كل ما يقال له كأنه لما ~~قبله اباحه ومكنه منه , والأذان : النداء إلى الصلاة لأنه إعلام بإباحتها ~~والمكنةمنها , وتأذن : أقسم وأعلم , وتارة يتأثر عنه إباحة ومكنه ms1882 من الشيء ~~وتارة منع PageV03P242 وحرمة , فيكون من الإزالة , وآذن العشب : بدأ يجف ~~فبعضه رطب وبعضه يابس كأنه أمكن من جره وجمعه ببدو صلاحه , والآذن : الحاجب ~~, لأنه للتمكن والنمع , والأذنة محركة : صغار الإبل والغنم كأنها تبيح كل ~~أحد ما يريد منها , وطعام لا أذنة له : لا شهوة لريحة , فكأنه ممنوع منه ~~لعدم اشتهائه , وتأذن الأمير في الناس : نادى فيهم بتهدد , فهو يرجع إلى ~~المنع والزجر عن شيء تعزيرا , والذين - بالكسر والياء : العنب , وكذا الذان ~~- بالألف منقلبة عن واو : العنب , كأنه لسهولة تناوله ولذة مطعمه أمكن من ~~نفسه , والتذون - ب بالواو مشددة : الغنى والنعمة , كأنهما سبب للإمكان مما ~~يشتهي , والذؤنون - مهموزا كزنبور : نبت من نبات الأرض ؛ والمعنى أنه إنما ~~أذن لكم في ذلك إذا فعلتم الشرط المذكور لأنكم فقهتم على الحرب وبنيتم ~~أمركم فيه على دعائمها الخمس التي ملاكها والداخل في كل منها الصبر , فكان ~~الله معكم , وهو مع كل صابر هذا الصبرالمثبت في الدعائم الخمس في كل أوان , ~~ومما يسأل عنه في الآية أنه ابتدئ في العشرات بثاني عقودها , وفي المئات ~~والآلاف بأولها . | سالت شيخا الإمام انتفى وعلم محقق زمانه شمس الدين محمد ~~بن علي القاياتي قاضي الشافعية بالديار المصرية : ما حكمته ؟ فقال : الأصل ~~الابتداء بأول العقود , لكن لو قيل : إن يكم منكم عشرة صابرة يغلبوا مائة , ~~لربما توهم انه لا تجب مصابرة الواحد للعشرة إلا عند بلوغ المؤمنين هذا ~~العقد , فعدل إلى الابتداء بثاني عقود هذه المرتبة لينتقي هذا المحذور , ~~فلما انتقى وعلم أنه يجب مصابرة كل واحد لعشرة , ذكر باقي المراتب في ~~الباقي على الأصل المعتاد , وأما تكرير المعنى الواحد وهو مقاومة الجماعة ~~لأكثر منها مرتين : قبل التخفيف وبعده فللدلالة - كما قال في الكشاف - على ~~أن الحال مع القلة والكثرة واحدة لا تتفاوت وإن كان قد يظن تفاوته , وكأنه ~~لم يذك الآحاد بشارة بكثرة هذه الأمة واجتماعها وبدأ بالعشرات وختم بالألوف ~~ليستوفي مراتب الأعداد الأصلية - والله أعلم ولما تقدم الأمر بالإثخان في { ~~فشردبهم } ثم بإعداد القوة , ثم التحريض على ms1883 القتال بعد الإعلام بالكفاية ~~ثم إيجاب ثبات الواحد لعشرة ثم إنزال التخفيف إلى اثنين ؛ كذن ذلك مقتضيا ~~للإمعان في الإثخان , فحس عتاب الأحباب في اختيار غير ما أفهمه هذا الخطاب ~~, لكون ذلك أقعد في الامتنان عليهم بالعفو والغفران بسبب أن أكثرهم مال إلى ~~الفداء الأساري فإن النبي صلى الله عليه وسلم استشارهم فيهم فاشار أبو بكر ~~رضي الله عنه بالمفاداة ومال معه الأكثر , وأشار عمر رضي الله عنه بضرب ~~أعناقهم , وروري أنه قال صلى الله عليه وسلم ( لو نزل من السماء عذاب - اي ~~في هذا - ما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ ) رضي الله PageV03P243 عنهما . ~~| فقال تعالى استئنافا واستنتاجا : { ماكان } أي ما صح وما استقام { لنبي } ~~اي في شرع نبي الأنبياء مستقل ولا مقر , ولعله عبر بوصف النبوة ليفيد مع ~~العموم أن كلا من رفعه القدر والإخبار من الله يمنع من الإقدام على فعل ~~بدون إذن خاص { أن يكون له أسرى } أي أن ياح له أسر العدو { حتى يثخن في ~~الأرض } أي يبالغ فيقتل أعدائه , فهو عتاب لمن أسر من الصحابة غير من نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن قتله من المشركين أو رضي بذلك , وإنما أسند ~~إلى نبي - وقرئ شاذا بالتعريف - ولم يقل : ما كان في شرع نبي , تهويلا ~~للأسر تعظيما للعفو للمبالغة في القيام بالشكر , وهذا كان يوم بدر ~~والمسلمون يومئذ قليل , فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله سبحانه وتعالى ~~^ ( { فإما منا بعد وإما فداء } ) ^ [ محمد : 4 ] قاله ابن عباس رضي الله ~~عنهما , ومادة ثخن تدور على الضخامة , وتارة يلزمها اللين والضعف , وتارة ~~الصلابة والقوة , فحقيقته : يبالغ في القتل فيغلط أمره فيقوى , ويلين له ~~أعداؤه ويضعفوا ؛ ثم بين لهم ان الميل عن ذلك إنما هو لإرداة الأعراض ~~الدنيوية المبكت به اليهود في آخر التي قبلها بقوله تعالى ^ ( { يأخذون عرض ~~هذا الأدنى } ) ^ [ الأعراف : 196 ] كما ان النزاع في الأنفال ميل إلى ~~الدنيا , وكل ذلك بمعزل عن معالي الأخلاق وكرائم السجايا , معللا لعدم ~~الكون المذكور بما تقديره : لأن ms1884 الأسر إنما يراد به الدنيا , هكذا الأصل ~~ولكنه ابرز في اسلوب الخطاب لأنه أوقع في النفس فقال : { تردون } أي أنها ~~المؤمنون المرغبون في الأنفاق لا في الجمع , باستبقائهم { عرض الدنيا } قال ~~الراغب : العرض ما لا ثبات له , ومنه استعارة المتكلمون لما لا ثبات له إلا ~~بالجوهر كاللون , وقال ابن هشام في تهذيب السيرة , أي المتاع الفداء بأخذ ~~الرجال { والله } أي الذي له الكمال كله { يريد } أي لكم { الاخرة } اي ~~جوهرها لأنه يأمر بذلك لأمرا هو في تأكيده ليمتثل كالإدراة التي لا يتخلف ~~مرادها , وذلك بالإثخان في قتلهم لظهور الدين الذي تريدون إظهاره والذي به ~~تدرك الآخرة , ولا ينبغي للمحب أن يريد إلا ما يريد حبيبه { والله } أي ~~الملك العظم { عزيز } أي منزه جنابه العلي عن لحاق شيء مما فيه ادنى سفول { ~~حكيم * } أي لا يصدر عنه فعل إلا وهو في غاية الإتقان فهو يامر بالإثخان ~~عند ظهوره قوة المشركين , فغذا ضعفت وقوي المسلمون فأنتم بالخيار , ولا يصح ~~ادعاء ولا يته إلا لمن ترقى في معارج صفاته , فيكون عزيزا في نفسه فلا ~~يدنسها بالأطماع الفانية , وفعله فلا يحطه عن أوج المعالي إبى حضيض المهاوي ~~, وحكيما فلا ينشأ عنه فعل إلا وهو في غاية الإتقان . | < < # | الأنفال : ( 68 - 71 ) لولا كتاب من . . . . . # > > ^ ( لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم * فكلوا مما ~~غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم * يأيها النبي قل لمن في ~~أيديكم من PageV03P244 الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا ممآ ~~أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم * وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من ~~قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما علم من الآية ما أشرت إليه , فكان كأنهم قالوا رضي الله عنهم : ~~تقتضي عزته وحكمته سبحانه من تطهيرنا عما تدنسنا به ؟ استأنف تعالى الجواب ~~عن ذلك ممتنا غاية لا متنان ومحذرا من التعرض لمواقع الخسران فقال : { لولا ~~كتاب } اي قضاء حتم ثابت مبرم { من الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة ms1885 بكل ~~شيء قدرة وعلما { سبق } أي في أم الكتاب من الحكم بإسعادكم , ومن أنه لا ~~يعذب التقدم إليه بالنهي , ومن أنه سيحل لكم الفداء والغنائم التي كانت ~~حراما على من قبلكم تشريفا لكم - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما { لمسكم ~~فيما أخذتم } اي من الأسرى المراد بهم الفداء { عذاب عظيم * } ولكن سبق ~~حكمي بأن المغنم - ولو بالفداء - لكم حل وإن تعجلتم فيه أمري . | ولما سبق ~~سبحانه هذه البشارة في النذارة , سبب عنها قوله : { فكلوا مما غنمتم } أي ~~من الفدية وغيرها حال كونه { حلالا } أي لا درك ولا تبعة فيه من جهتي { ~~طيبا } أي شهيا لكم ملائما لطباعكم , وهذا إذا كان مع الشرط التي اقمتها ~~لكم من عدم الغلول والخيانة بوجه من الوجوه والاستثار وشديد الرغبة السائقة ~~إلى ما لا يليق من التنازع وغيره , ذلك فيما تقدمت فيه إليكم { واتقوا الله ~~} أي الذي له جميع صفات الكمال في جميع ذلك فلا تغلوا ولا تنازعوا ولا ~~تقدموا إلا على ما يبيحه لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله } أي ~~المتصف بالجلال والإكرام { غفور } أي لمن يعلم من قبله أنه من أهل التقوى { ~~رحيم * } أي له , فلأجل ما علم في قلوبكم من الخير غفر لكم فلم يعذبكم ~~بتسرعكم إلى غسار من لم يامركم به الرسول صلى الله عليه وسلم للمفاداة دون ~~توقف على غذانه , ورحمكم فأحسن إليكم فأحل لكم الغنائم , انظر إلى قوله ~~تعالى { ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سياتكم ويغفر لكم } تعرف ~~حسن تعليل الأمر بالتقوى بالمغفرة وارحمة , ويجوز ان يكون علة اللأكل , اي ~~كلوا فإن الله قد غفر لكم ما عاتبكم عليه , وفائدة الأمر بالتقوى التحذير ~~من العود اعتمادا على سعة الحلم , وايضا فقد تقدم تهديد ومغفرة فناسب ان ~~يدلهم على أن علة المغفرة التقوى , فكان ترجمة ذلك انه لما رهبهم بمس ~~العذاب عند اخذ الفداء لولا سبق الكتاب , رغبهم بأنه كلما صدهم عن جنابه ~~صارف ذنب فردهم إليه عاطف تقوى , أسبل عليهم ذيل المغفرة ms1886 والرحمة , ولما ~~علم من هذا إباحة ما يؤخذ من السر من الفداء , وكان ما يؤخذ منهم تعظم ~~مشقته عليهم , PageV03P245 أقبل عليهم مستعطفا لهم ترغيبافي الإسلام , ~~فأقبل على نبيه صلى الله عليه وسلم بالأمر بمخاطبتهم تنبيها على أنهم ليسوا ~~لخطابه سبحانه بما أبعدوا أنفسهم عنه من اختيارهم الكون في زمرة الأعداء ~~على الكون في عداد الأولياء , فقال معبرا بالوصف الناظر إلى تلقي العلم ~~ترغيبا في التلقي منه صلى الله عليه وسلم { يأيها النبي } أي الذي أنبئه ~~بكل معنى جليل , يظهر دينه ويزكي أمته مع رفع مقداره وإتمام أنواره { قل ~~لمن في أيديكم } أي في أيدي أصحابك وأهل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ~~{ من الأساري } ترغيبا لهم فيما عند الله { إن يعلم الله } بما له من صفات ~~الجلال والجمال { في قلوبكم خيرا } أي شيئا من تقواه الحاملة على الإيمان ~~الذي هو رأس الخير وعلى كل خير { يؤتكم خيرا مما أخذ منكم } أي مما يفتح به ~~عليكم من المغانم في الدنيا ويدخره لكم من الثواب في الأخرى { ويغفر لكم } ~~أي ما سلف من ذنكوبكم { والله } أي الذي بيده كل شيء { غفور رحيم } أي من ~~شأنه ذلك , والمعنى على ما علم من قصة العباس الآتيه رضي الله عنه أنه ~~سبحانه يعاملكم وأمثالكم في غير ما ياخذ منكم جنده بالكرم , وأما إنه يحكم ~~بإسقاط الفداء عنكم ويأمركم بتركه وإطلاقكم مجانا بما يعلم في قلوبكم من ~~خير وإيمان كنتم تكتمونه فلا تطمعوا فيه لأن ذلك يفتح باب الدعاوى الباطلة ~~المانعة من الغنائم الموهنة للدين ؛ قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر في ~~سيرته : قال ابن عباس وسعيد المسيب : ( كان العباس رضي الله عنه في الأسرى ~~فقال له الرسول صلى الله عنه وسلم : ) افد نفسك وابني أخيك عقيلا ونوفلا ~~وخليتك فإنك ذو مال , ( فقال : يارسول الله ! إني كنت مسلما ولكن القوم ~~استكرهوني , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) الله أعلم بإسلامك , إن ~~كان حقا ما تقول فالله يجريك به , وأما ظاهر أمرك فقد كان علينا ms1887 , ( قال : ~~ليس لي مال , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) وأين المال الذي ~~وضعت عند أم الفضل حين خرجت وليس معك أحد ؟ ثم قلت : إن أصبت في سفري هذا ~~فأعطي الفضل كذا وعبد الله كذا ! ( فقال : والذي بعثل بالحق ! ما علم بهذا ~~أحد غيري وغيرها , فقدى نفسه بمائة أوقية وكل واحد بأربعين اوقية وقال : ~~تركتني أسأل الناس , وأسلم وأمر عقيلا فأسلم , ولم يسلم من الأساري غيرهما ~~) . | ولما كان التقدير : فإن صدقوك وقلبوا - بشرىالله , وفي لهم , عطف ~~عليه قوله : { وإن يريدوا } أي الأسرى والكفار كلهم أو واحد منهم كأبي عزة ~~{ خيانتك } أي وأنت أعلى الخلق في عهد من إسلام أو غيره يوثقونه لك ترضى به ~~في المن على أحد PageV03P246 منهم , بغير فداء , يرد الله أن يكون وبال ذلك ~~راجعا إليهم فيمكن منهم , فلا تخشمن أمرهم { فقد خانوا الله } أي الملك ~~الأعظم ؛ ولما كانت خيانتهم غير مستغرقة للزمن , أدخل الجار فقال : { من ~~قبل } أي من قبل هذا الوقت بالكفر وغيره من أنواع الفسق { فأمكن } أي فأوجد ~~الإمكان منهم , وقصره ليدل على أنهم صاروا سلما لكل أحد { منهم } أي يوم ~~بدر بسبب خيانتهم , فمثل ما أمكن منهم عند وقوع الخيانة سيمكنك منهم إذا ~~أرادوا الخيانة , فإن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون { والله } أي الذي له ~~الإحاطة بكل شيء { عليم } أي بالغ العلم مطلقا فهو الأشياء كلها التي منها ~~أحوالهم { حكيم * } أي بالغ الحكمة فهو يتيقن كل ما يريده فهو يوهن كيدهم ~~ويتقن ما يقابلهم به فيلحقهم لا محالة , وكذا فعل سبحانه في أبي عزة الجمحي ~~فإنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم في المن عليه بغير شيء لفقره وعياله ~~وعاهده على أن لا يظاهر عليه أحدا ومدحه ثم خان ضظهر به في غزوة حمراء ~~الأسد عقب يوم أحد أسيرا , فاعتذر له وسأله في العفو عنه فقال : ألا تسمح ~~عارضيك بمكة وتقول : سخرت بمحمد مرتين , لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين ~~, وأمر به فضربت عنقه , وقال أبو حيان في الخيانه ms1888 : هي كونهم اظهر بعضهم ~~الإسلام رجعوا إلى دينهم . | < < # | الأنفال : ( 72 - 73 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > ^ ( إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ~~والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أوليآء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما ~~لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر ~~إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير * والذين كفروا ~~بعضهم أوليآء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) ^ } ) | ولما ~~بين للأسرى أن الخير الذي لم يطلع عليه من قلوبهم غير الله لا ينفعهم في ~~إسقاط الفداء عنهم لأنه لا دليل عليه , وكل ما لا دليل عليه فحكمه حكم ~~العدم , لأن مبنى الشرع على ما يمكن المكلف معرفته وهو الظواهر , وختم ~~بصفتي العلم والحكمة , شرع يبين الخير الخبر الذي يفيد القرب الذي تنبني ~~عليه المناصرة وكل خير , فقال مقسما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أربعة ~~أقسام : قسم جمع الإيمان والهجرة أولا والجهاد , وقسم آوى , وقسم آمن ولم ~~يهاجر , قسم هاجر من بعد : { إن الذين آمنوا } أي بالله ورسوله PageV03P247 ~~{ وهاجروا } أي واقعوا الهجرة من بلاد الشرك , وهم المهاجرون الأولون , ~~هجروا أوطانهم وعشائرهم وأحبابهم حبا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم { ~~واجاهدوا } أي واقعوا الجهاد , وهو بذل الجهد في توهين الكفر وأهله . | ~~ولما كانت الآيات المتقدمه في آلات الجهاد من النفس والمال تارة بالحث على ~~إنفاقه وأخرى بالنهي عن حبه وتارة بالتسلية للأسرى عند فقده , كان الأنسب ~~تقديم قوله : { بأموالهم } أي بإنفاقهم لها في الجهاد وتضييع بعهضها ~~بالهجرة من الديار والنخيل وغيرها { وأنفسهم } بإقدامهم على القتال مع شدة ~~الأعداء وكثرتهم ؛ وقدم المال لأنه سبب قيام النفس , وكان في غاية العزة في ~~أول الأمر , وأخر قوله : { في سبيل الله } أي الملك الأعظم لذلك , ( وفي ) ~~سببية أي جاهدوا بسببه حتى لا يصد عنه صاد فتظهر محاسنه ويسهل المرور فيه ~~من غير قاطع , ولعله عبر ب ( في ) إعلاما بأنه ينبغي أن يكون متمكنا من ~~السبيل تمكن المظروف من ظرفه حتى يكون ms1889 الدين غالبا عليه لا يخرج عنه بوجه ~~من الوجوه , وأما في سةرة نزلت في أوائل الأمر بعد وقعه بدر في السنة ~~الثانية من الهجرة , وكان الحال إذ ذاك شديدا جدا , والأموال في غاية القلة ~~, والأعداد لا يحصون , فناسب الاهتمام بشأن المال والنفس فقدما ترغيبا في ~~بذلهما , وأما براءة فنزلت في غزوة تبوك في أواخر سنة تسع , فكان المال قد ~~اتسع , والدين قد عز وضخم وقي وعظم , وأسلم غالب الناس , فبعدت مواضع ~~الجهاد فعظمت المشقة , وتواكل الناس بعضهم على بعض ورغبوا في الإقبال على ~~إصلاح الأموال , فناسب البداءة هناك بالسبيل . | ولما ذكر أهل الهجرة ~~الأولى , أتبعهم أهل النصرة , وهم القسم الثاني من المؤمنين الذين كانوا ~~على زمنه صلى الله عليه وسلم فقال : { والذين آمنوا } أي من هاجر إليهم من ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم فأسكنوهم في ديارهم , ~~وقسموا لهم من أموالهم , وعرضوا عليهم أن ينزلوا لهم عن بعض نسائهم ~~ليتزوجوهن , وأنما قصر الفعل إشارة إلى تعظيم فعلهم بحيث كأنه لا إيواء في ~~الوجود غير ما فعلوا , وكذا قوله : { ونصروا } أي الله ورسوله والمؤمنين , ~~وهم الأنصار رضي الله عنهم , حازوا هذين الوصفين الشريفين فكانوا في الذروة ~~من كليتي الحسنيين , ولولا إيواؤهم ونصرهم لما تم المقصود , والمهاجرون ~~الأولون أعلى منهم لسبقهم في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل ولحملهم الأذى ~~من الكفار زمانا طويلا وصبرهم على فرقة الأوطان والعشائر . | وأشار إلى ~~القسمين بأداة البعد لعلو مقامهم وعز مرامهم فقال : { اولئك } أي العالو ~~الرتبة PageV03P248 { بعضهم أولياء بعض } أي في الميراث دون القرب العارى ~~عن ذلك , فبين أن الإيمان إن لم يقترن بشهيدين هما الهجرة والجهاد من الغرب ~~عن المدينة وشهيدين هما الإيواء والتصرة من أهل المدينة , كان عائقا عن ~~عائقا عن مطلق القرب بل مانعا من نفوذ لحمه النسب كل النفوذ , فكأن من آمن ~~ولم يهاجر لم يرث ممن هاجر قاله ابن عباس رضي الله عنهما , ومادة ولي بجميع ~~تصاريفها ترجع إلى الميل , ويلزم منه القرب والبعد , وربما نشأ عن كل ms1890 منهما ~~الشدة , وترتيب ولي بخصوصه يدور على القرب والبعد , وربما النصرة , فالمعنى ~~بعضهم أقرباء بعض , يلزم كلا منهم في حق الآخر من المناصرة وغيره ما يلزم ~~القريب لقربيه , فمتى جمعهم وصف جعلهم شركاء فيما يثمره , فوصف الحضور في ~~غزوة يشرك بينهم في الغنائم , لأن أنواع الجهاد كثيرة , وكل واحد منهم باشر ~~بعضها , فعن حضور الكل نشأت النصرة , والمهاجر فب الأصل من فارق الكفار ~~بقلبه ولاواهم , ورافق المؤمنين بحبه ولبه ووالاهم , لكن لما كان هذا قد ~~يخفى , نيط الأمر بالمظنة وهي الدار , لأنها أمر ظاهر , فصار المهاجر من ~~باعد دار المشركين فرارا بدينه , ثم صار شرط ذلك بعد هجرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن تكون النقلة إلى دار هجرته : المدينة الشريفة هذا حكم كل ~~مهاجر إلا ما كان من خزاعة فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد علم من ~~مؤمنهم وكفرهم حبه ونصحه وبغض عدوه فلم يلزم مؤمنهم النقلة ؛ قال الحافظ ~~أبو عمر ابن عبد البر في كتاب المدخل إلى الاستيعاب ؛ ويقال لخزاعة حلفاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم حلفاء بني هاشم وقد ادخلهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في كتاب القضية عام الحديبية - إلى ان قال : وأعطاهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم منزلة لم يعطها أحدا من الناس أن جعلهم مهاجرين ~~بارضهم وكتب لهم بذلك كتابا - انتهى . | وقال شاعرهم نجيد بن عمران الخزاعي ~~يفخر بذلك وغيره مما خصم الله به على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم : | ~~وقدأنشأ الله السحاب بنصرنا ركام سحاب الهيدب المتراكب وهجرتنا في أرضنا ~~عندنا بها كتاب أتىمن خير ممل وكاتب ومن اجلنا حلت حرمة لندرك ثأرا بالسيوف ~~القواضب | ذكر ذلك الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي في غزوة الفتح من ~~سيرته , والذي تولى حلفهم أولا هو عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم ~~, قال الواقدي في اول غزوة الفتح : وكانت خزاعة حلفاء لعبد المطلب , وكان ~~رسول صلى الله عليه وسلم بذلك عارفا , لقد جاءته يومئذ - يعني يوم الحديبية ms1891 ~~- خزاعة بكتاب عبد المطلب فقرأه وهو ( باسمك اللهم هذا حلف عبد المطلب بن ~~هاشم لخزاعة إذ قدم عليه وسراتهم وأهل الراي , غائبهم مقر بما قضى عليه ~~شاهدهم , إن بيننا وبينكم عهد الله وعقوده , ما لا ينسى ابدا , اليد واحدة ~~والنصر واحد , PageV03P249 ما أشرف ثبير حراء وما بل بحر صوفة , لا يزداد ~~فيما بينهما وبينكم إلا تجددا أبدا ابدا , الدهر سرمدا ) فقرأة عليه أبي بن ~~كعب رضي الله عنه فقال : ( ما أعرفني بحلفكم وأنتم على ما اسلمتم عليه من ~~الحلف , وكل حلف كان في الجاهلية فلا يزيده الإسلام إلا شدة ولا حلف في ~~الإسلام ) ؛ قال الواقدي : ( وجاءته أسلم هو بغدير الأشطاط ) جاء بهم بريده ~~بن الحصيب فقال : يارسول الله هذه أسلم وهذه محالها وقد هاجر إليك من هاجر ~~منها وبقي قوم منهم في مواشيهم ومعاشهم , فقال النبي صلى اله عليه وسلم : ( ~~أنتم مهاجرون حيث كنتم ) ودعاء العلاء بن الحضرمي فأمره أن يكتب لهم كتابا ~~فكتب ( هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسلم آمن منهم ~~بالله وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله , فإنه آمنبامان الله ~~, وله ذمة الله وذمة رسوله , وإن أمرنا وأمركم واحد على من دهمنا من الناس ~~بظلم , اليد واحدة والنصر واحد , ولأهل باديتهم مثل ما لأهل قرارهم وهم ~~مهاجرون حيث كانوا ) زكتب العلاء بن الحضرمي فقال أبو بكر الصديق رضي الله ~~عنه : يا رسول الله ! نعم الرجل بريدة بن الحصيب لقومه عظيم البركه أسلم , ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نعم الرجل بريده لقومه وغير قومه يا ~~أبا بكر إن خير القوم من كان مدافعا عن قومه ما لم يأثم , فإنة الإثم لا ~~خير فيه ) انتهى . وأسلم معه منقومه من ألابعة شعوب من خزاعة . | ولما فتحت ~~مكة , انقطعت الهجرة لظهور الدين وضعف المشركين , وقام مقام الهجرة النية ~~الخالصة المدلول عليها بالجهاد كما قال صلى الله عليه وسلم ( لا هجرة بعد ~~الفتح ولكن جهاد ونية ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( المهاجر ms1892 من هجر ما نهى ~~الله عنه ) فإن كان المؤمن لا يتمكن من إظهار دينه وجبت عليه النقلة . | ~~ولما بين سبحانه تعالى امر من جمع الشروط , شرع يبين حكم من قعد عن بعضها ~~وهو القسم الثالث فقال ؛ { والذين آمنوا } أي اشتهر إيمانهم { ولم يهاجروا ~~} أي قبل الفتح بل استمروا في بلادهم { ما لكم من ولايتهم } واغرق في النفي ~~فقال : { من شيء } أي في التوراث ولا في غيره ؛ ورغبهم في الهجرة بقوله : { ~~حتى يهاجرون } أي PageV03P250 يواقعوا الهجرة لدار الشرك ومن فيها { وإن ~~استنصرهم } أي طلبوا نصركم { في الدين } أي بسبب امر من أموره وهم متمكنون ~~من الدين تمكن المظروف من الظرف { فعليكم النصر } أي واجب عليكم ان تنصروهم ~~على المشركين , فالمعنى انه ليس لهم عليكم حق القريب إلا في الإستنصار في ~~الدين , فإن ترك نصرهم يجر إلى مفسده كما أن موالاتهم تجر إلى مفاسد ؛ ثم ~~استثنى من الوجوب فقال : { إلا على قوم } وقع وكان { بينكم وبينهم ميثاق } ~~أي لأن استنصارهم يوقع بين المفسدين : ترك نصرة المؤمن ونقض العهد وهو ~~اعظمهما فقدمت مراعاته وتركت نصرتهم , فإن نصرهم الله على الكفار فهو ~~المراد من غير أن تدنسوا بنقض , وغن نصر الكفار حصل لمن قتل من إخوانكم ~~الشهادة ولمن بقي الضمان بالكفاية , وكان ذلك داعيا لهم إلى الهجرة , ومن ~~ارتد منهم أبعده الله ولن يضر إلا نفسه والله غنى حميد , فقد وقع - كما ترى ~~- تقسيم المؤمنين إلى ثلاثة اقسام : أعلاها المهاجر , ويليه الناصر , ~~وادناها القاعد القاصر , وبقي قسم رابع ياتي ؛ قال أبو حيان : فبدأ ~~بالمهاجرين - أي الأولين - لأنهم أصل الإسلام وأول من استجاب لله تعالى , ~~فهاجر قوم إلى المدنية , وقوم إلى الحبشة , وقوم إلى ابن ذي يزن , ثم ~~هاجروا إلى المدينة وكانوا قدوة لغيرهم في الإيمان وسبب تقوية الدين ( من ~~سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يو القيامه ) وثنى بالأنصار ~~لأنهم ساووهم في الإيمان وفي الجهاد بالنفس والمال , لكنه عادل بالهجرة ~~الإيواء والنصرة , وانفراد المهاجرين بالسبق , وذكر ثالثا من آمن ولم ms1893 يكن ~~له بالمدينة ولي مهاجرين , ولا توارث بينه قربية المسلم غير المهاجرين , ~~قال ابن زيد : واستمر امرهم كذلك بوقعه بدر أولى للآية الآتية آخر السورة ~~مع ما يؤيد ذلك من ىية الأحزاب ولما كان التقدير : فالله بمصالحهم خبير , ~~وكان للنفوس دواع إلىى مناصرة الأقارب والأحباب ومعاداة غيرهم خفية , ولها ~~دسائس تدرك , حذرمن ذلك بقوله عاطفا على هذا المقدر : { والله } أي المحيط ~~علما وقدرة , ولما كان السياق لبيان المصالح التي تنظم الدين وتهدم ما عداه ~~, وكان للنفوس - كما تقدم - أحوال , اقتضى تأكيد العلم بالخفاوة فقدم الجار ~~الدال على الاختصاصالذي هو هنا كناية عن إحاطة PageV03P251 العلم فقط مرهبا ~~: { بما تعلمون بصير * } وفي ذلك ايضا ترغيب في العمل بما حث عليه من ~~الإيمان والهجرة والنصرة والإنفاق والتحري في جميع من ذلك وترهيب من العمل ~~بأضدادها , وفي ( البصير ) إشارة إلى العلم بما يكون من ذلك خالصا أو مشوبا ~~, ففيه مزيد حث على الإخلاص . | ولما بين شرط موالاة المسلم , بين مولاة ~~الكافر وما يجب من مناظرتهم ومبارتهم فيها , وأنه لا شرط لها غير مطلق ~~الكفر فإنه وإن اختلفت انواعه وتباعدت انحاؤه - يجمعه عداوه الله و ولاية ~~الشيطان فقال : { والذين كفروا } أي أوجدوا هذا الوصف على أي حال كانوا فيه ~~{ بعضهم أولياء بعض } أي في الميراث والنصرة وغيرهما , وهو خبر محض مشير ~~إلى نهي المسلم عن موالاتهم , وأما الذي مضى في حق المؤمنين فهو أمرصورة ~~الخبر وصيغته , يعني ان في كل من الكفار قوة الموالاة للآخر عليكم والميل ~~العظيم الحاث وهم حزب , يجمعهم داعي الشيطان بوصف الكفران كما يجمعكم داعي ~~الرحمن بوصف الإيمان , قال أبو حيان : كانوا قبل بعثة النبي صلى الله عليه ~~وسلم يعادي أهل الكتاب منهم قريشا ويتربصون بهم الدوائر , فصاروا بعد بعثه ~~النبي صلى الله عليع وسلم يوالي الأثر { إلا تفعلوه } اي مثله من تولي ~~المؤمنين ومعاداة االكافرين كما يفعل الكفار بالتعاضد والتعاون بالنفس ~~والمال كما ارصدوا مال العير الذي فاتكم حتى استعانوا به على قتالكم في أحد ~~, فاللائق بكم أن تكونوا أعظم ms1894 منهم في ذلك , لأنهم يريدون بذلك رم واهي ~~دنياهم الفانية وأنتم تبنون آخرتكم الباقية , وداعيكم ولي غنى وداعيهم عدو ~~دنى فضلا عن ان تنزلوا إلى حضيض التنازع في الغنائم { تكن فتنة } أي عظيمة ~~{ في الأرض } اي خلطة مميلة للمقاصد عن وجوهها { وفساد كبير * } أي ينشأ عن ~~تلك الفتنة , والكبير ناظر إلى العظم , وقرئ شاذا بالمثلثة فيكون عظمة ~~حينئذ مخصوصا بالأنواع , وبيان الفسادأنه غذا قارب المؤمن الكافر والكافر ~~المؤمن وتناصروا أو ترك المؤمنون التناصر فيما بينهم انخل النظام فاختل كل ~~من النقض والإبرام , فاختلف الكلام فتباعدت القلوب , فتزايدت الكروب , ~~فالواجب عليكم أن تكونوا إلبا واحدا ويدا واحدة في الموالاة وتقاطعوا ~~الكفار بكل اعتبار ليقوم أمركم وتطيب حياتكم , وتصلح غاية الصلاح دنياكم ~~وآخرتكم , والآية شاملة لكل ما يسمى توليا حتى في الإرث وقتال الكفار ~~ومدافعة المسلمين بالأمر والإنكار , ولما ترك بعض العلماء إعانة بعض فئة ~~حصل ما خوف الله تعالى منه من الفتنة والفساد حتى صار الأمر إلى ما ترى من ~~علو المفسدين PageV03P252 وضعف أهل الدين , فالأمر بالمعروف فيهم في غاية ~~الذل والغربة , يرد عليه أدنى الناس فلا يجد له ناصرا , ويجد ذلك الآخر له ~~على الرد أعوانا كثيرة , وصار أحسن الناس حالا مع الأمراء وأعظمهم له محبة ~~من يقنع بلومه على فعله ظنا منه أن ذلك شفقة عليه - واللع المستعان . | < < # | الأنفال : ( 74 - 75 ) والذين آمنوا وهاجروا . . . . . # > > ^ ( والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا ~~أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم * والذين آمنوا من بعد وهاجروا ~~وجاهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن ~~الله بكل شيء عليم ) ^ } ) | ولما تقدمت انواع المؤمنين : المهاجر والنصر ~~والقاعد , وذكر أحكام موالاتهم , اخذ يبين تفاوتهم في الفضل فقال : { ~~والذين آمنوا } أي بالله وما أتى منه { وهاجروا } أي فيه من يعاديه سابقين ~~مع نبيه صلى الله عليه وسلم { وجاهدوا } أي بما تقدم من المال والنفس أو ~~بأحدهما { في سبيل الله } أي الذي له صفات الكمال فبذلوا الجهد في ms1895 إذلالهم ~~كما بذل الأعداء الجهد في إذلالهم , ولم يذكر آلة الجهاد لأنها - مع تقدم ~~ذكرها لازمة { والذين آووا } أي من هاجر إليهم { ونصروا } أي حزب الله , ~~وأعلم بقوله : { أولئك } أي الصنفين الأولين خاصة { هم المؤمنين حقا } أي ~~حق الإيمان , لأنهم حققوا إيمانهم : المهاجر بالانسلاخ من كل ما يحبه من ~~الأمور الدنيوية , والناصر من جميع أهل الكفر بإيواء أهل الله ونصرتهم . | ~~ولما بين وصفهم , بين ما حباهم به بقوله دالا على أن الإنسان محل النقصان , ~~فهو - وإن اجنهد حتى كان من القسم الأعلى - لا ينفك عن مواقعه ما يحتاج فيه ~~إلى الغفران : { لهم مغفرة } أي لزلاتهم وهفواتهم , لأن مبنى الآدمي على ~~العجز اللازم عنه التقصير وإن اجتهد , والدين متين فلن يشاده أحد إلا غلبه ~~؛ _ ولما ذكر تطهيرهم بالمغفرة , ذكر تزكيتهم بالرحمة فقال : { ورزق } أي ~~من الغنائم وغيرها في الدنيا والآخرة { كريم * } أي لا كدر فيه بوجه , لا ~~في قطعه ولا في نقصانه ولا في شيء من شأنه . | ولما حصر المؤمنين حقا في ~~الموصفين , بين أن من ترك ماهو عليه من لزوم دار الكفر والقعود عن الجهاد , ~~لحق بمطلق درجنهم وإن كانوا فيها أعلى منه فقال ذاكرا القسم الرابع : { ~~والذين آمنوا } ولما كانوا قد تأخروا عن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم مدة ~~, ادخل للسابقين , وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم من هاجر بعد الحديبة , ~~قال : وهي الهجرة الثانية { وجاهدوا معكم } أي من تجاهدوا من حزب الشيطان { ~~فأولئك منكم } PageV03P253 أي لهم ما لكم وعليهم ما عليكم من المواريث ~~والمغانم وغيرها , لأن الوصف الجامع هو المدار للأحكام وإن تأخرت رتبتهم ~~عنكم كما أفهمته أداة البعد . | ولما بين أنهم , بين أنه متى جمعهم الوصف ~~المحصل للولاية , كان القرب في الرحم أولى من غيره فقال : { وألو الأرحام } ~~أي من المؤمنين الموصوفين { بعضهم أولى بعض } أي في الإرث وغيره من ~~المتصفينبولاية الدين الخالية عن الرحم { في كتاب الله } أي القرآن أو في ~~حكمه وقسمة الذي أنزله إليكم الملك الأعظم في آيات الإرث , وهي مقيدة ms1896 ~~بالعصبات فنسخت الولاية فبل دلالة على توريث غيرهم , وذكر ابن عبد البر في ~~الاستيعاب في ترجمة النمذر بن عمرو أن بدرا قطعت المواخاة بين الصحابة رضي ~~الله عنهم , يعني فتمون هذه الآية ناسخة آية { بعضهم أولياء بعض } وتكون ~~تلك حينئذ مبينة أمر ما كان قبل غزوة بدر - وهوحسن , والآية التي في سورة ~~الأحزاب مؤيدة له , ثم علل سبحانه ما ذكر بما يرغب فيه فقال : { إن الله } ~~أي الذي له صفات الكمال كلها { بكل شيء عليم } فهو يعلم أن هذا هو الذي ~~تدور عليه المصلحة وتدوم به الألفة كما علم في أول الأمر أن نوط الإرث ~~وغيره من لوازم القرب بالأخوة الإسلامية أولى لما في ذلك من تكثير قلتكم ~~ونصر ذلتكم وجمع شتاتكم وجعل ما بينكم من الأخوة كلحمة النسب , فاما الآن ~~فقد ضرب الدين بجزانه , وثبت بقواعده وأركانه , وولى الكفر بسلطانه , ونكص ~~مدبرا بأعوانه , فتورثوا بالإسلام والقرابة وتقاطعوا الكفار , وقربوا ~~وبعدوا , وانحازوا عنهم كما انحازو عنكم , وتبرؤوا منهم كما تبرؤوا منكم , ~~فقد انطبق آخر السورة بالإعراض عن الدنيا وإصلاح ذات البين وبيان المؤمنين ~~حقا وتقليد العليم في جميع الأعمال من غير اعتراض - على أولها , وببيان من ~~يوالي ومن يعادي على أول براءة - والله الموفق . | PageV03P254 < # > 70 ( سورة التوبة ) 70 < # > مقصودها معاداة من أعرض عما دعت إليه السورة الماضية من اتباع الداعي ~~إلى | الله في توحيده وأتباع ما يرضيه ، وموالاة من أقبل عليه ، وأدل ما ~~فيها على الإبلاغ في هذا المقصد فصة المحلفين فإنهم - لاعترافهم بالتخلف عن ~~الداعي بغير عذر في غزوة تبوك المحتمل على وجه بعيد منهم رضي الله عنهم ~~للاعراض بالقلب - هجروا ، وأعرض عنهم بكل اعتبار حتى بالكلام ، فذلك معنى ~~تسميتها بالتوبة ، وهو يدل على البراءة لأن البراءة منهم 0 بهجرانهم حتى رد ~~السلام ، كان سبب التوبة ، فهو من إطلاق المسبب على السبب وتسميتها براءة ~~واضح أيضا فيما ذكر من مقصودها ، وكذا الفاضحة لأن من افتضح كان أهلا ~~للبراءة منه ، والبحوث لأنه لا يبحث إلا عن حال البغيض ، والمبعثرة هو ms1897 ~~المنفرة والمثبرة والحفارة والمخزية والمهلكة والمشردةة والمدمدمة والمنكلة ~~لأنه لا يبعثر إلا حال وكذا بعده ، والمشردة عظيمة المناسبة مع ذلك عظيمة ~~المناسبة مع ذلك لما أشارت إليه الأنفال في { فشرد بهم من خلفهم [ الأنفال ~~: 57 ] وسورة العذاب أيضا واضحة في مقصودها ، وكذا المقشقشة لأنهم قالوا : ~~إن معناه المبرئة من النمفاق ، من تقشقشت قروحه ، إذا تقشرت للبرء ، ~~وتوجيهه أن من عرف أن الله برئ منه ورسوله والمؤمنون لأمر فهو جدير بأن ~~يرجع عن ذلك الأمر | ، وعندي أيضا أنه مضاعف القش الذي معناه الجمع ، لأنها ~~جمعت أصناف المنافقين وأحوالهم وعليه خرج ما في وصف أبي جهم بن حذيفة لمن ~~أراد نكاحها : أخاف عليك قشقاشته ، أي تتبعه لمذاق الأمور ، أخذا من القش ~~الذي هو تطلب المأكول من هنا هنا وها هنا ، أو عصاه التي هي غاية ذلك ، ~~ومادة قش ومقلوبها شق ةمضاعفهما قشقش وشقشق تدور على الجمع وتلازمه الفرقة ~~فإنه لا يجتمع إلا ما كان مفرقا ولا يفرق إلا ما كان مجتمعا ، وقد اقتسم ~~هذان المثالان المعنيين إلا قليلا ، فقش القوم : صلحوا وأحبوا بعد الهزال ~~يجمع اللحم ، والرجل : أكل من ها هنا ولف ما قدر عليه مما على الخوان ، ~~واضح في ذلك ، PageV03P255 وأفشوا وانفشوا - إذا انطلقوا فجفلوا ومروا ~~ذاهبين - وقد انقشوا إذا مروا وذهبوا مسرعين لاجتماعهم في ذلك وجمعهم ما ~~قدروا عليه من متاعهم ، والقش والإقشاش : طلب المأكول من ها هنا وها هنا ~~لجمعه ، والقشة - بالكسر : القردة كأنها لجمعها ما رأت مما يؤكل في فيها ، ~~والصبية الصغيرة الجثة التي لا تكاد تثبت كأنها لاجتماعها في نفسها ، وكذا ~~القشيش : الصغير من الصبيان ، ودويبة كالجعل إما لاجتماعها في نفسها أو ~~لجمعها القاذورات ، والقشيش كأمير : الفقاطة لأنها بجمعها اللقاطون ، وصوت ~~جلد الحية يحك بعضها ببعض ، لأنه لا يكون إلا عند التثني والتجمع ، وقش من ~~الجدري : برئ منه كتقشقش يصلح أن يكون من الفرقة لآنه فارقه ، ومن الجمع ~~لأن البرء جمعه كله فأزاله ، ويمكن أن تكون همزته للإزالة ، وتقششت القروح ~~وتقشقشت - إذا تقشرت للبرء ، إما من الجمع ms1898 لاجتماع القوى للصحة ، وإما من ~~الفرقة والزوال ، وكذا تقشقش البعير - إذا برئ من الجرب ، ويقال : قششهم ~~بكلامه - إذا تكلم بقبيح الكلام وآذاهم ، أي لجمعه همومهم على بغضه أو ~~معايبهم ، وكذا قش الشيء : جمعه بيده حتى يتحات ، أي قشره جميعه ، فهو يصلح ~~للفرقة والجمع ، وقش : مشى مشى المهزول أي اضطرب ، وهو يوجب الإسراع ~~والتثني فيصلح للجمع ةالفرقة ، وقش : أكل مما يلقيه الناس على المزابل أو ~~أكل كسر الصدقة ، لأن ذلك غاية في الجمع ، وقش النبات : يبس ، فاستحق أن ~~يمجع ، والقش : ردئ التمر كالدقل ونحوه لأنه ، يجمع في نفسه ، والدلو الضخم ~~لكثرة ما يجمع ، وفي الحديث { قل يا أيها الكافرون } و { قل هو الله أحد } ~~المقشقشان ، أي المبرئتان من الشرك لما في الحديث : اقرأ { قل يا أيها ~~الكافرون } عند منامك فإنها براءة من الشرك ، فالمعنى أنهما تجمعان كل شركط ~~ونفاق دقيق أو جليل فتنزيلاته ، والقشقشة يحكى بها الصوت قبل الهدير في محض ~~الشقشقة قبل أن نرعد بالهدير ، لأن مبادئ صوت الهدير زائد الضخامة ، فكأنه ~~جامع ، فكذا ما يحكيه ، والقشقاشة : العصا ، لجمعها ما يراد بها أو لأنها ~~يقشر عنها لحاؤها كما يقشر جلد الحية وأما مقلوبة فيقال فيه : شقة : صدعة ~~أي فرقة ، وقال الخليل : الصدع ربما كان في أحد الوجهين غير نافذ ، والشق ~~لا يكون إلا نافذا ، وشق ناب البعير : طلع ، لأنه فرق اللحم ، PageV03P256 ~~وشق العصا : فرق باثنيتين وفرق بين الجماعة ، وشق عليه الأمر : صعب ففرق ~~نفسه ، وشق عليه : أوقعه في مشقة ، وشق بصر المحتضر : نظر إلى شيء لا يرتد ~~إليه طرفه ، لأنه لتصويبه إلى جهة واحدة مفترق من بقية الجهات ، والشق واحد ~~الشقوق ، والصبح لأنه يفرق جيش الظلام ، وجوبة ما بين الشفرين من جهاز ~~المرأة ، والتفريق ومنه شق عصا المسلمين ، واستكالة البرق إلى وسط السماء ~~من غير أن يأخذ يمينا وشمالا لأنه يشق السحاب مستقيما كما يشق اللوح والعصا ~~، - بالكسر : الجانب لأنه مفارق للجانب الآخر ، واسم لما نظرت إليه لأنه في ~~جانب واحد ، وجنس من أجناس الجن لأنه فرقة منهم ، ومن كل ms1899 شيء نصفه - ويفتح ~~- ويفتح ، والمال بيني وبينك شق الشعرة - ويفتح : نصفان سواء ، والشقة - ~~بالكسر : شظية من لوح ، ومن العصا والثوب وغيره ما شق مستطيلا ، والشقية : ~~ضرب من الجماع كأنه على شق واحد ، والشقة بالضم والكسر : البعد والناحية ~~يقصدها المسافرؤ ، والسفر البعيد ، وكله واضح في الفرقة ، والمشقة أيضا ~~لأنها تأخذ أحد شقى النفش ، والفرس البعيد ما بين الفروج والطويل ، كأن ~~أجزاءه تفرقت فطال ضد ما تقدم في الصبية الصغيرة ، والأشق أيضا : العجل إذا ~~استحكم كأنه لما تأهل من شق الأرض بالحراثة ، وكل ما اشتق نصفين ، والشقيقة ~~كسفينة : الفرجة بين الجبلين تنبت العشب ، لأنها فرقت بين الجبلين وفرقت ~~عشبها بين ملتم أرضها ، والمطر ، الوابل المتسع لأن الغيم نشقق عنه ، ومن ~~البرق ما نتشر من الأفق لأنه يشق السحاب ، ووجع يأخذ نصف الرأس والوجه ، ~~وشقائق النعمان معروف سميت لحمرتها تشبيها بشقيقة البرق ، كذا قالوا ، ~~وعندي أنها سميت لتفرق أوراقها وتصفقها فكأنها مشققة مع التجمع ، والشقاق ~~كغراب : تشقق يصيب أرساغ الدواب - والشقشقة بالكسر : شيء كالرثة يخرجه ~~البعير من فيه إذا هاج ، كأنه بشق حلقه فيخرج ويوجب هديره الذي يشق الطباق ~~تجويفه ليصوت ، ومنه شقشق الفحل : هذر ، والعصفور : صوت ، وشقق الكلام : ~~أخرجه أحسن مخرج ، وشقق الحطب : فرق كل واحدة باثنتين أو أكثر ، وانشقت ~~العصا : تفرق الأمر ، والاشتقاق : أخذ شق الشيء والأخذ في الكلام وفي ~~الخصومة يمينا وشمالا مع ترك القصد ، لأنه يشق جهات المعاني ، وه أيضا أخذ ~~الكلمة من الكلمة ، فكأنه فرق بين أجزائها ، وهذا أخي وشق نفسي وشقيقي كأنه ~~يشق نسبه من نسبه أو كأنه شقه منه ، وهذه السورة آخر سورة نزلت روى البخاري ~~في التفسير وغيره من صحيحه عن البراء رضي الله عنه قال : آخر آية نزلت { ~~يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة } وآخر سورة نزلت براءة . PageV03P257 ~~ولما كانت مناسبة أولها - الداعي إلى البراءة مم ن يخشى نقضه - لآخر ~~الأنفال المبين لمن يصلح للولاية المختتم بشمول العلم في حد عظيم من الظهور ~~مع ما تقدم من بيان مناسبة آخر الأعراف لأول الأنفال ، قدمت ms1900 الأنفال مع ~~قصرها على براءة مع طولها واشتباه أمرها على الصحابة في كونها سورة مستقلة ~~أو بعض سورة كما قدمت آل عمران مع قصرها على النساء لمثل ذلك من المناسبة ، ~~فكان ما ذكر في براءة من البراءة والتولي شرحا لآخر الأنفال ، روى الإمام ~~أحمد يفي المسند وأبو داود في السنن والترمذي في الجامع وحسنه وابن ماجه ~~وابن حبان في صحيحه وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى والبزار والبيهق يوالإمام ~~أبو محمد إسحاق بن إبراهيم البستس القاضي في تفسيره - بسند الترمذي ~~والبيهقي - والإمام أبو جعفر النحاس بغير سند عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال : قلت لعثمان بن عفان رضي الله عنه : ما حملكم على أن عندتم إلى ~~الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا ~~بينهما سطرا بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموهما في السبع الطول ؟ ما حملكم ~~على ذلك ؟ فقال عثمان رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ~~- وقال الستي : ربما - يأتي عليه الزمان وهو تنزل عليه السور ذوات العدد ، ~~فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول : ضعوا هذه الآيات في ~~السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ~~، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا ، وكانت فصتها شبيهة بقصتها ، فظننت ~~أنها منها ، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها ، ~~قال النحاس : وذهب عني أ ، أسأله عنعا ، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب ~~بينهما سطر { بسم الله الرحمن الرحيم } فوضعتها في السبع الطول - زاد ابن ~~راهويه : وكانتا تدعيان القرينتين - انتهى . فبين أنهما اشتبها عليه وأنه ~~وضعهما في الطول لمناسبتهما لها على تقدير كونها سورة واحدجة ، قال في ~~القاموس : والسبع الطول - كصرد - من البقرة إلى الأعراف ، والسابعة سورة ~~يونس أو الأنفال وبراءة جميعا لأنهما سورة واحدة - انتهى . وقال في الكشاف ~~: وقيل : سورة الأنفال والتوية سورة واحدة كلتاهما نزلت في القتال تعدان ~~اتلسابعة من الطول ةبعدها المئون ، وهذا قول ظاهر ms1901 لأنهما معا مائتان وست ~~فهما بمنزلة سورة واحدة ، وقال بعضهم : هما سورتان فتركت بينهما فرجة لقول ~~من يقول : هما سورتان ، وتركت ' بسم ' PageV03P258 لقول من يقول : هما سورة ~~واحدة . انتهى . وعن أبي كعب رضي الله عنه أنه قال : إنما توهموا ذلك لأن ~~في الأنفال ذكر العهود ، وفي براءة نبذ العهود ، ووضعت إحداهما بجنب الأخرى ~~، والمراد بالمثاني هنا ما دون المئين وفوق المفصل ، قال أبو عبيد الهروي : ~~قيل لها مثاني لأن المئين جعلت مبادئ والتي تليها مثاني - انتهى . والأحسن ~~كون ذلك بالنسبة إلى اغلمفصل من وجهين : الأول أن المفصل أول لقب جامع ~~للسور باعتبار القصر وفوقه المثاني ثم المئون ثم الطول ، فالمثاني ثانية له ~~حقيقة ، وما هي ثانية للمئين إلا أن ألفينا البداءة بالطول من الطرف الآخر ~~، الثاني أنها لما زادت على المفصل كانت قسمة السورة منها في ركعتين من ~~الصلاة كقراءة سورتين من المفصل فكانت مثاني لتثنيتها في مجموع الصلاة ~~باعتبار قراءة بعضها في كل من الركعتين ، قال أبو جعفر النحاس : قال أبو ~~إسحاق : جدثني بعض أصحابنا عن صاحبنا محمد بن يزيد أنه قال : لم تكتب في ~~أولها بسم الله ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : سألت عليا رضي الله ~~عنه : لم تكتب ' بسم الله الرحمن الرحيم ' ها هنا ؟ قال : لأن بسم الله ~~الرحمن الرحيم ' أمان - انتهى . وبهذا أخذ الإمام أبو القاسم الشاطبي في ~~قصيدته حيث قال : | # % ومهما تصلها أو بدأت براءة % % تنزيلها بالسيف لست مبسملا % % وقال في ~~الكشاف : وسئل ابن عيينة فقال : اسن الله سلام وأمان ، فلا يكتب في النبذ ~~والمحاربة ، قال الله تعالى { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ~~} [ النساء : 94 ] قيل : فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد كتب إلى أهل ~~الحرب ' بسم الله الرحمن الرحيم ' قال : إنما ذلك ابتداء ، يدعوهم ولم ينبذ ~~إليهم ، ألا تراه يقول ' سلام على من اتبع الهدى ' فمن دعى إلى الله فأجاب ~~ودعى إلى الجزية فأجاب فقد اتبع الهدى ، وأما النبذ فإنما هو البراءة ~~واللعنة - انتى . ولا يعارض هذا خبر ms1902 ابن عباس عن عثمان رضي الله عنهما ، بل ~~هو شبيه لما نزلت من غير بسملة للمعنى المذكور ، اشتبه أمرها على الصحابة ~~رضوان الهل عليهم ، ولم يقع سؤال عنها حتى توفي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فكانت موافقتهم للسور في تسميتها باسم يخصها دليلا على أنها سورة ~~برأسها ، ومخلفتهعم في ترك إنزال البسملة في أولها مع احتمال أنها تركت ~~للمعنى المذكور أو لغيره دليلا على أنها بعض سورة ، فقد روى أبو داود ~~والحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يعرف فصل السورة - وفي رواية : لا يعلم انقضاء السورة ~~PageV03P259 حتى ينزل عليه { بسم الله الرحمن الرحيم } قال الحافظ أبو شامة ~~: هذا حديث حسن وللحاكم في المستدرك أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهعما قال ~~: كان المسلمون لا يعلمون انقضاؤء السورة حتى ينزل ' : بسم الله الرحمن ~~الرحيم ' فلما نزل علم أن السورة قد انقضت فلما اشتبه أمرها تركوا كتابة ~~البسملة في أولها وفصلوها عن الأنفال قليلا - والله الموفق . هذا وقد مضى ~~بيان تشابه فصتيهما في أول الأنفال وأثناء الأعراف إجمالا ، وأما تفصيلا ~~فلما في كل منهمت من نبذ العهد إلى من خيف نقضه ، وأن المسجد الحرام لا ~~يصلح لولايته إلا المتقون ، وأن المشركين نجس لا صلاحية فيهم لقربانه ، وأن ~~قلة حزب الله لا تضرهم إذا لزموا دعائم النصر الخمس وكثرتهم لا تغنيهم إذا ~~حصل في ثباتهم لبس ، والحث على الجهاد في غيبر موضع ، وضمان الغنى كما أشار ~~إليه في الأنفال بقوله { لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم } [ الأنفال ~~: 4 ] وذك أحكام الصدقات التي هي من وادي الغنائم ، وعد أصناف كل ، والأمر ~~بالإنفاق المشار إليه في الإنفاق وغيره كما فعلوا في مال التجارة الذي ~~أرصدوه حتى به على غزوة أحد المشار إليهفي الأنفال بقوله { { والذين كفروا ~~ينفقون أموالهم } [ الأتفال : 73 ] أي بالتناصر في الأنفال وغيره كما فعلوا ~~في مال التجارة الذي أرصدوه حتى استعانوا به على غزوة أحد المشار إليه بآية ~~{ إن ms1903 الذين كفروا ينفقون أموالهم } [ الأنفال : 36 ] مع آية { إلا تفعلوه } ~~[ الأنفال : 49 ] والأمر الجامع للكل أنهما معا في بيان حال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في أول أمره وأثنائه ومنتهاه ، وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير ~~في كتابه : اتصالها بالأنفال أوضح من أن يتكلف بتوجيهه حتى أن شدة المشابهة ~~والالتئام - مع أن الشارع عليه السلام لم يكن بين انفصالهما - أوجب أن لا ~~يفصل بينهما [ { بسم الله الرحمن الرحيم } ، وذلك أن الأنفال قد تضمنت ~~الأمر بالقتال { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } [ الأنفال : 39 ] وبين أحكام ~~الفرار من الزحف وحكم النسبة المطلوب فيها بالثبوت ولحوق التأثيم للفار ~~وأنها على حكم الضعف وحكم الأسرى وحكم ولاية المؤمنين وما يدخل تحت هذه ~~الولاية ومن يخرج عنها ، ثم ذكر يفي السورة الأخرى حكم من عهد إليه من ~~المشركين والبراءة منهم إذا لم يوفوا ، وحكم من استجار منهم إلى ما يتعلق ~~بهذا ، وكله باب واحد ، وأحكام متواردة على قصة واحدة ، وهو تحرير حكم ~~المخالف ، فالتحمت السورتان PageV03P260 أعظم التحام ، ثم عاد الكلام إلى ~~حكم المنافقين وهتك أستارهم ، انتهى . وأما تطابق آخر الأنفال مع أولها فقد ~~ظهر مما مضى ، وأيضا فلما ذكر في آخر التي قبلها أمر العهد تارة بنبذه إلى ~~من خيفت خيانته كائنا من كان يفي قوله { فانبذ إليهم على سواء } [ الأنفال ~~: 58 ] وتارة بالتمسك به عند الأمن من ذلك في وقه { إلا على قوم بينكم ~~وبينهم ميثاق } [ الأنفال : 72 ] وبين من يصلح للموالاة ومن لا يصلح ، ~~وختمت بالإخبار بشمول علمه ، ابت | ئت هذه السورة بالأمر بالنبذ إى ناس ~~بأعيانهم نقضوا أو خيف منهم ذلك وذلك تصريح بما أفهمته آيات الموالاة في ~~التي قبلها من أن إحدى الفرقتين لا تصلح لموالاة الأخرى فقال تعالى : < < # | التوبة : ( 1 - 2 ) براءة من الله . . . . . # > > ^ ( برآءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين * فسيحوا في ~~الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين ) ^ ~~} ) | براءة } أي عظيمة , ثم وصفها بقوله : { من } أي حاصلة واصلة من { ~~الله } المحيط ms1904 بصفات الكمال , فهو العالم بمن يستحق الولاية ومن يستحق ~~البراءة { ورسوله } اي المتابع لمر لعلمه به . | ولما كانوا قد توقفوا في ~~الحديبة كلهم أو كثير منهم تارة في نفس العهد وتارة في التأخر عن الأمر ~~بالحلق , ثم تابعوا في كل منهما , وكان الكفار بمحل البعد عن كل خير , أشار ~~إلى ذلك بأداة الغاية , وجعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الله إشارة إلى ~~أنه لا يخالفه أصلا , وأسندت المعاهدة إليهم إشارة إلى ذلك التوقف تحذيرا ~~من أن يقع مثله , فقال مخبرا عن النبذ الموصوف : { إلى الذين عاهدتم } أي ~~أوقعتم العهد بينكم وبينهم { من المشركين * } أي وإن كانت معاهدتكم لهم ~~إنما كانت بإذن من الله ورسوله , فكما فعلتم المعاهدة بإذنهما فافعلوا ~~النقض تبعا لهما , ودل سياق الكلام وما حواه من بديع الانتظام ان العهد ~~إنما هو لأجل المؤمنين , وأما الله ورسوله لأنه ما فعل ذلك به إلا وهو قادر ~~على نصره بسبب وبغير سبب , وعلم أن ذلك فيمن نقض أو قارب من قوله بعد { ~~الاالذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقضوكم شيئا } - الآية ؛ قال البغوي : ~~لما خرج رسو الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك كان المنافقون يرجفون ~~الأراجيف , وجعل المشركون ينقضون عهودا كانت بينهم وبين رسول الله صبى الله ~~عليه وسلم , فأمر الله بنقض عهودهم وذلك قوله تعالى ^ ( { وإماتخافن من قوم ~~خيانة فانبذ إليهم } ) ^ الأنفال : 58 ] انتهى . | وذكر ذلك ابن غسحاق ~~وغيره , ولعله اطلق هنا ولم يقيد ممن خيخ نقضه ليكون ذلك اول السورة مؤذنا ~~بان الخيانة وهو النقض سأن أكثرهم ولا سيما مشركو قريش , وهم - لكون قريش ~~رؤوس PageV03P261 الناس والناس تبع لهم في الخير والشر - يستحقون أن يعبر ~~عنهم بما يفهم الكل ومبني هذه السورة على البراءة من المشركين والموالاة ~~للمؤمنين الدال على إيمانهم طاعة الله بالصلاة والزكاة والجهاد لمن أمر ~~بالبراءة منه قل أو كثر قرب أو بعد في المنشط والمكره والعسر واليسر . | ~~ولما كان ظاهر الحال وقت تكامل نزولها - وهوشوال أو ذو العقدة أو ذو الحجة ~~سنة ms1905 تسع بعد مرجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك - أن الحرب قد وضعت ~~أوزارها وأطفئت نارهم ببسط الإسلام في الخاص والعام , ومابين اليمن والشام ~~, وانتشار ألويته وأعلامه , وتأيد رئيسه وإمامه بقهر جيوش الكفار , وقصد ~~الناس له بالاتباع من جميع الأمصار , أكد أمر الجهاد ومصادقة الأنداد في ~~هذه السورة تأكيدا لم يؤكد في غيرها ؛ ذكر الواقدي في أواخر غزوة تبوك ~~كلاما ثم قال : قالو : وقدم رسول الله صلى لله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك ~~وقال : ( لا تزال عصابة من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الدجال ) وإنما ~~قلت : إن تكامل نزولها كان في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة لأن ~~البغوي نقل عن الزهري أن أولها نزل في شوال , وقال ابن اسحاق - ونقله عنه ~~البيهقي في دلائل النبوة - : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~منصرفه من تبوك بقية شهر رمضان وشوالا وذا القعدة ثم بعث أبا بكر رضي اله ~~عنه أميرا على الحج في سنة تسع ليقيم للمؤمنين حجهم والناس من أهل الشرك ~~على منازلهم من حجهم - وأسند البيهقي في دلائله إلى عروة قال : فلما أنشأ ~~الناس الحج تمام سنة تسع بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر اميرا ~~على الناس وكتب له سنن الحج - انتهى . | فخرج أبو بكر والمؤمنون رضي الله ~~عنهم ونزلت براءة في نقض ما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ~~المشركين من العهد الذي كانوا عليه فيما بينهم وبينه أن لا يصد عن البيت ~~أحد جاءه ولا يخاف أحد في الشهر الحرام ؛ وكان أمانا مستيقضا من بعضهم لبعض ~~على غير مدة معلومة ؛ رجع إلى ما رأيته أنا في سيرته : وكانت بين ذلك عهود ~~بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قبائل من العرب خصائص إلى آجال ~~مسماة فنزلت فيه PageV03P262 وفيمن تخلف من المنافقين عنه في تبوك وفي قول ~~من قال منهم , فكشف الله فيها سرائر أقوام كانوا يستخفون بغير ما يظهرون ؛ ~~ثم قال ابن هشام ms1906 : قال ابن اسحاق : وحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن ~~أبي جعفر محمد بن علي أنه قال : ( لما نزلت براءة على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم , وقد كان بعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه ليقيم للناس الحج قيل ~~له : يارسول الله ! لو بعثت بها إلى أبي بكر ! فقال : ) لا يؤدي عني إلا ~~رجل من أهل بيتي , ( ثم دعا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له : ) اخرج ~~بهذه القصة من صدر براءة فأذن في الناس يوم النحر إذا اجتمعوا بمنى أنه لا ~~يدخل الجنة كافر , ولا يجح بعد العام مشرك , ولا يطوف بالبيت عريان , ومن ~~كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فهو له إلى مدته ( . | فهذا ~~فيه أنها نزلت بعد سفر أبي بكر رضي الله عنه , وإنما قيدت أنا بتكامل ~~نزولها لأنه ورد ان الذي في النقض فبعث به عليا رضي الله عنه , ففي زيادات ~~مسند الإمام أحمد عن علي رضي الله عنه قال : ) لما نزلت عشر آيات من براءة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر رضي الله عنه فبعثه بها ليقرأها ~~على أهل مكة , ثم دعاني النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أدرك أبا بكر , ~~فحيث ما لحقته فخذ الكتاب منه فاذهب به إلى أهل مكة فاقرأه عليهم ) فذكره , ~~وفيه أن أبا بكر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم بعدما رجع : ~~أنزل في شيء ؟ قال : ( لا , ولكن جبريل عليه السلام جاءني فقال : لن يؤدي ~~عنك إلا أنت أو رجل منك ) ونقل البغوي عن ابن إسحاق انه صلى الله عليه وسلم ~~بعث مع أبي بكر بأربعين آية من صدر سورة براءة ليقرأها على أهل الموسم , ثم ~~بعث بعده عليا على نافته الغضباء ليقرأ على الناس صدر براءة وأمره أن يؤذن ~~بمكة ومنى وعرفة . | وفيه أن أبا بكر رضي الله عنه قال : يارسول الله ! ~~أنزل في شأني شيء ؟ قال : ( لا , ولكن لا ينبغي لأحد أن يبلغ ms1907 هذا الأمر إلا ~~رجل من أهلي ) . | فتبين أن الأول من إطلاق الكل على الجزء لا سيما وهو ~~الذي فيه البراءة , وما سميت السورة براءة إلا به ؛ وأن المعنى : لا يؤدي ~~عني في العهود , لا مطلقا , فقد أرسل رسلا للأداء إلا به ؛ وأن أهل بيته ؛ ~~وقالالمهدوي في تقسير { فسيحوا في الأرض } : وروي ان هذه الآية نزلت على ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد خروج أبي بكر PageV03P263 بالناس ليحج بهم ~~سنة تسع , فبعث بها النبي صلى الله صلى عليه وسلم عليا رضي الله عنه ~~ليتلوها على الناس بالموضع الذي يجتمع فيه افريقان وهو منى , وأمره أن أن ~~ينادي : أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان , فنادى علي أعانه ~~أبو هريرة وغيره رضي الله عنهم , وكان على مكة حينئذ عتاب بن أسيد رضي الله ~~عنه , استخلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو عام ثمان , وكان ~~حج عتاب وأبي بكر سنة تسع في ذي العقدة - كذا قال وسيأتي بيان بطلانه , ~~وتقدم خلافه عن ابن اسحاق في دلائل النبوة ؛ وقال الإمام أبو محمد إسحاق بن ~~إبراهيم البستي القاضي في تفسيره : حدثنا قتيبة عن الحجاج عن ابن جريج عن ~~مجاهد قال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغ من تبوك فأراد الحج ~~فقال : إنه يحضر البيت المشركون يطوفون عراة فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ~~ذلك , فأرسل أبا بكر وعليا رضي الله عنهما , فطافا في الناس بذي المجاز ~~وبأمكنتهم التي كانوا يتابعون بها كلها وبالمواسم كله , وآذنوا اصحاب العهد ~~بأن يأمنوا أربعة أشهر - يعني اشهر الحرم المنسلخات المتواليات : عشرون من ~~آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من ربيع الآخر , ثم لا عهد لهم , فآذن الناس ~~كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا , فآمن الناس اجمعون . | وفي سيرة ابن اسحاق : ~~حدثنا يونس - يعني ابن كثير - عن اسباط بن نصر الهمداني عن إسماعيل بن عبد ~~الرحمن السدي { فسيحوا في الأرض أربعة اشهر } قال : عشرين من ذي الحجة إلى ~~عشر من ربيع ms1908 الآخر ثم لا أمان لأحد ولا عهد إلى السيف أو الإسلام ؛ وقال ~~ابن هشام : حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأذن ~~في الناس بالذي امره به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجل الناس أربعة ~~اشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم ؛ وللترمذي عن زيد بن أثيع ~~قال : سألت عليا رضي الله عنه : بأي شيء بعثت ؟ قال : باربع : لا يدخل ~~الجنة إلا نفس مسلمة , ولا يطوف بالبيت عريان , فعهده إلى مدته ومن لا مدة ~~له فأربعة أشهر ونقل ابن سيد الناس عن ابن عائذ انه لما ضرب للمشركين هذا ~~الأجل قالوا : بل تلآن لا ينبغي تلك المدة , نبرأ منك ومن ابن PageV03P264 ~~عمك إلا بالضرب والطعن ؛ فحج الناس عامهم ذلك , فلما رجعوا رغب الله ~~المشركين فدخلوا في الإسلام طوعا وكرها . | وصدق الله ورسوله فلم يحج بعد ~~ذلك العام مشرك ولم يطف بالبيت عريان . | وقد وردت نصوص وظواهر في كثير من ~~سورة براءة أنهنزل قبل الرجوع عن تبوك أو قبل الاعتذار , فمن النصوص قوله ~~تعالى { لو كان عرضا قريبا وسفر قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ~~وسيحلفون بالله لو ستطعنا لخرجنا معكم } وقوله { فإن رجعك الله إلى طائفة ~~منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخروجوا معي أبدا } إلى أن قال : < # > 77 ( { سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم } ) 77 < # > [ التوبة : 94 ] أما الظواهر فإن الواقدي قال في سيرته فأنزل من القرآن ~~في غزوة تيوك , ثم ذكر اكثر سورة براءة وقال هو وغيره من اصحاب السير : ~~وكان رهط من المنافقين يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم في تبوك منهم ~~وديعة بن ثابت - فذكر القصة التي فيها ان بعضهم قال ترهيبا للمؤمنين : ~~اتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم ؟ والله لكأنا بكم غدا مقرنين في ~~الحبال , وقال كل منهم شيئا إلى أن قال : فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لعماربن ياسر ( أدرك القوم فإنهم قد احترقوا فسلهم عما قالوا , فإن ~~أنكروا فقل : بلى ms1909 , قلتم كذا وكذا ) إلى ان قال : ( إن بعضهم ) قال : إنما ~~كنا نخوض ونلعب ! فأنزل الله فيه { ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ~~- إلى قوله - بأنهم كانوا مجرمين } ثم قال : وجاء الجلاس إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فحلف ما قال من ذلك شيئا , وكان قد قال : إن كان محمد صادقا ~~فنحن شر من الحمير , فأنزل الله عزل وجل فيه { يحلفون بالله ما قالوا ولقد ~~قالوا كلمة الكفر } - إلى آخرها , فاعترف الجلاس حينئذ وتاب وحسنت توبته , ~~وذكر فاعتذر إليهم بشغله بالسفر ووعدهم أن يصلي فيه إذا رجع ‘ فلما نزل صلى ~~اله عليه وسلم بذي أوان - قال ابن هشام : بلد بينه وبين المدينة ساعة من ~~نهار - اتاه خبره وخبر أهله من السماء , فدعا اثنين من اصحابه فأمرهما به ~~فأحرقاه , وتفرق أهله ونزل فيه من القرآن ما نزل { والذين اتخذوا مسجدا ~~ضرارا وكفرا } - إلى آخر القصة ؛ قال الواقدي : وكان عاصم ابن عدي يقول : ~~كنا نتجهز إلى تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فرايت عبد الله بن نبتل ~~وثعلبة بن حاطب قائمين على المسجد الضرار - إلى ان قال : فو الله ما رجعنا ~~من سفرنا حتى نزل القرآن بذمه وذم أهله < # > 77 ( { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا } ) 77 < # > [ التوبة : 107 ] - إلى آخرها , ومن ذلك تسميتها بالفاضحة , فلولا ~~نزولها قبل معرفة اخبارهم لم تكن فاضحة , وهي في PageV03P265 الظاهر ~~للمعاهدين وفي الباطن مشيرة إلى أهل الردة وأن لا يقبل منهم إيمان ما لم ~~يجمعوا بين الصلاة والزكاة كما فهم أبو بكر رضي الله عنه , وأقيمت على ذلك ~~قرائن منها تكرير الجمع بين الصلاة والزكاة في سياق الإيمان تكريرا لم يكن ~~في غيرها من السور , فهي من أعلام النبوة ؛ وروى أبو محمد إسحاق بن إبراهيم ~~القاضي البستي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن هذا الإسلام ~~ثلاثون سهما : عشر منها في براءة , وعشر في الأحزاب , وعشر في المؤمنين ~~وسأل سائل ولما أعلمهم سبحانه بأنه رد إليهم عهدهم , وكانوا مختلطين مع أهل ~~الإسلام , جعل ms1910 لهم مخلصا إن آثروا البقاء على الشرك مع إعلامهم بأنه لا ~~خلاص لهم لأنهم في قبضته , فقال مخاطبا لهم ولكل مشرك مسببا عن البراءة : { ~~فسيحوا } والسياحة : الاتساع في السير ةالبعد عن المدن والعمارة مع الإقلال ~~من الطعام , والشراب , ولذلك يقال للصائم : سائح : والمراد هنا مطلق السير ~~ولما كانت السياحة تطلق على غيره , حقق المعنى بقوله : { في الأرض } اي في ~~اي جهة شئتم { أربعة أشهر } أي من أيام الحج , فيكون آخرها عاشر شهر ربيع ~~الآخر , تأمنون فيها امنا لا نعرض لكم بسوء , بل تذهبون فيها حيث شئتم , أو ~~ترمون حصونكم وتهيئون سلاحكم وتلمون شعثكم لا نغدركم , لأنديننا مبني على ~~المحاسن , ولولا أن الأمر يتعلق بنفوسنا ما نبذل عهدكم ولا نقضنا عقدكم , ~~ولكن الخطر في النفس وقد ظهرت منكم أمارات الغدر ولوائح الشر ( وعن أي بعد ~~نفسي اقاتل ) فإذا نقضت الأربعة الشهر فتهيؤوا لقتالنا وتدرعوا لنزالنا ~~ولما كان الإسلام قد ظهر بعد أن كان خفيا , وقوي بعد أن كان ضعيفا , افتتح ~~وعظهم بالكلمة التي تقال اولا لمن يراد تقريع سمعه وإيقاض قلبه وتنبيهه على ~~أن ما بعدها أمر مهم ينبغي مزيد الاعتناء به فقال : { واعلموا أنكم } أي ~~أيها الكفرة وإن كثرتم { غير معجزي الله } لأن علمه محيط بكل شيء فهو قادر ~~على كل ممكن { وأن الله } اي لما له من الإحاطة بالجلال والإكرام { مخزي ~~الكافرين * } أي كلهم منكم ومنوغيركم في الدنيا والآخرة لأن قوله قد سبق ~~بذلك , ولا يبدل القول لديه , والإخزاء : الإذلال مع إظهار الفضيحة والعار ~~- وأظهر الوصف موضع الضمير تعميما وتعليقا للحكم به ؛ ولعل الالفات إلى ~~الخطاب إشارة إلى أن من ترك أمر الله حدبا على قريب أو عشير فهو منهم , وقد ~~برئت منه الذم ’ , فلينج بنفسه ولا نجاء له , أو يكون لا ستعطاف الكفار ~~تلذيذ الخطاب وترهيبهم بزواخر العقاب . | PageV03P266 < < # | التوبة : ( 3 - 5 ) وأذان من الله . . . . . # > > ^ ( وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من ~~المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم ms1911 غير معجزي ~~الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم * إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ~~ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله ~~يحب المتقين * فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ~~وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ) ^ } ) | ولما أنزل البراءة , أمر ~~بالإعلام بهافي المجمع لأعظم ليقطع الحجج , فقال عاطفا ظهرة الجملة إلى ~~مضمونها : الإخبار بوجوب الإعلام بما ثبت بالجملة الأولى المعطوفة عليها من ~~البراءة : { وأذان } أي وهذا إعلام وإعلان واقع وواصل { من الله } أي ~~المحيط بجميع صفات العظمة { ورسوله } أي الذي عظمته من عظمته , فلا يوجهه ~~إلى شيء إلا أعلاه عليه ؛ ولما كان المقصود الإبلاغ الذي هو وظيفة الرسول , ~~عداه بحرف الانتهاء فقال : { إلى الناس } اي كلهم من اهل البراءة وغيرهم { ~~يوم الحج الأكبر } قيده لأن العمرة تسمى الحج الأصغر . | ولما كان كأنه قيل ~~: ماهذا الأعلام ؟ قال مفسرا له مصرحا بما هو المقصود لئلا يقع فيه نوع لبس ~~حاذفا الصلة إعلاما بأن هذا مستأنف على تقدير سؤال سائل , لا معمول الأذان ~~: { إن الله } اي الذي له الغنى المطلق والقوة الباهرة { بريء من المشركين ~~* } أي الذين لا عهد لهم خاص فلا مانع من قتالهم , قبل : والذين وقعت ~~البراءة منهم صنفان : أحدهما كانت مدته دون أربعة اشهر فرفع إليها , والآخر ~~مدته بغير حد فقصر عليها , ومن لم يكن له عهد فهو أولى , ومن كان عهده ~~محدودا بأكثر من أربعة أشهر ولم يحدث شرا أمر بإتمام عهده إلى مدته { ~~ورسوله } أي بريئ منهم , فهو موفوع عطفا على المنوي في ( بريء ) أو على محل ~~{ أن } أو لأن الواو بمعنى مع , وبالجر على الجوار , وقيل : على القسم - ~~قال في الكشاف , قال : ويحكى أن أعرابيا سمع رجلا يقرؤها فقال : إن كان ~~الله بريئا من رسوله فأنا منه بريء , فلببه الرجل إلى عمر رضي الله عنه ~~فحكى الأعرابي قراءته فعندما أمر عمر رضي الله عنه بتعليم العربية , وروى ms1912 ~~الإمام أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري في مقدمة كتاب الوقف ~~والابتداء بسنده عن ابن أبي ملكية قال : قدم أعرابي في زمان عمر رضي الله ~~عنه فقال : من يقرئني مما أنزل PageV03P267 الله على محمد صلى الله عليه ~~وسلم ؟ فأقرأه رجل براءة فقال : { أن الله بريء من المشركين ورسوله } بالجر ~~, فقال : أوقد بريء الله من رسوله ؟ إن يكن الله بريء من رسوله فأنا أبرأ ~~منه , فبلغ عمر رضي الله عنه مقالة الأعرابي فدعاه - يعني فسأله فأخبره - ~~فقال عمر رضي الله عنه : ليس هكذا يا أعرابي ! قال : فكيف هي يا أمير ~~المؤمنين ؟ فقال { أن الله بريء من المشركين ورسوله } فقال الأعرابي : وأنا ~~والله أبرأ مما برئ الله ورسوله منه , فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ان ~~لا يقرئ القرآن إلا عالم باللغة . | وأمر أبا الأسود فوضع النحو , ونحو ذلك ~~في الاهتمام بشأن العربية ما حكاه الشريف محمد بن أسعد الجواني النسابة في ~~كتابه في الأنساب في ترجمة أبي الأسود الؤلي بسنده إليه أنه قال : دخلت على ~~امير المؤمنين علي رضي الله عنه فرايته مطرقا مفكرا فقلت : فيم تفكر يا ~~أمير المؤمنين ؟ فقال : إني سمعت ببلدكم هذا بقيت فينا هذه اللغة , ثم ~~أتيته بعد أيام فألقى إلي صحيفة فيها : بسم الله الرحمن الرحيم , الكلام ~~كله اسم وفعل وحرف , فالاسم ما انبأ عن المسمى , الفعل ما أنبأ عن حركة ~~المسمى , والحرف نا أنبأ عن معنى ليس باسم ولا فعل : ثم قال : تتبعه وزد ~~فيه ما وقع لك , واعلم أن الأشياء ثلاثة : ظاهر ومضمر وشيء ليس بظاهر ولا ~~مضمر , وإنما يتفاضل الناس في معرفة ما ليس بمضمر ولا ظاهر , قال أبو ~~الأسود الدؤلي : فجمعت اشياء فعرضتها عليه , فكان من ذلك حروف النصب , ~~فذكرت منها إن وأن وليت ولعل وكأن ولم أذكر لكن , فقاللي : لم تركتها ؟ ~~فقلت : لم أحسبها فيها , فقال بل هي منها فزدها فيها , وقال أبو بكر محمد ~~بن الحسن الزبيدي في طبقات النحويين : وقال أبو العباس محمد بن زيد : سئل ms1913 ~~أبو الأسود الدؤلي عمن فتح له الطريق إلى الوضع في النحو وأرشده إليه , ~~فقال : تلقنته من علي بن أبي طالب , وفي حديث آخر : ألقى إلي اصولا احتذيت ~~عليها ؛ وفي مختصر طباقهم للحافظ محمد بن عمران المرزباني : كان علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه قد رسم لأبي الأسود الدؤلي حروفا يعلمها الناس لما فسدت ~~ألسنتهم فكان لا يحب أن يظهر ذلك ضنا به بعد علي رضي الله عنه , فلما كان ~~زياد وجه إليه أن عمل شيئا تكون فيه إماما وينتفع به الناس فقد كنت شرعت ~~فيه لتصلح ألسنة الناس , فدافع بذلك حتى مر يوما بكلإ البصرة وإذا قارئ ~~يقرأ { ان الله بريء من المشركين ورسوله } وحتى سمع رجلا قال : سقطت عصاتي ~~, فقال : لا يحل لي بعد هذا ان اترك الناس ! فجاء إلى زياد فقال : ~~PageV03P268 أنا أفعل ما أمر به الأمير فليبتغ لي كا تبا حصيفا ذكيا يعقل ~~ما أقول , فاتي بكاتب من عبد القيس فلم يرضيه , فأتي بآخر من ثقيف ؛ وقال ~~ابن الأنباري في كتاب الوقف : حدثني أبيقال : حدثنا أبو عكرمه قال : قال ~~العتبي : كتب معاوية إلى زياد يطلب عبيد الله ابنه , فلما قدم عليه كلمه ~~فوجده يلحن , فرده إلى زياد وكتب إليه كتابا يلومه فيه ويقول : أمثل عبيد ~~الله يضيع ؟ فبعث زياد إلى أبي الأسود فقال : يا أبا الأسود ! إن هذه ~~الحمراء قد كثرت وأفسدت من ألسن العرب , فلو وضعت شيئا يصلح به الناس ~~كلامهم ويعربون به كتاب الله , فأبى ذلك أبو الأسود وكره إجابة زياد إلى ما ~~سأل , فوجه زياد رجلا فقال له : اقعد في طريق أبي الأسود , فإذا مر بك ~~فاقرأ شيئا من القرآن وتعتمد اللحن فيه , ففعل ذلك . | فلما مر به أبو ~~الأسود رفع الرجل صوته يقرأ { أن الله بريء من المشركين ورسوله } فاستعظم ~~ذلك أبو الأسود وقال : عز وجه الله أن يبرأ من رسوله , ثم رجع من فوره إلى ~~زياد فقال : يا هذا , قد أجببتك إلى ما سألت , ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن ~~, فابعث إلي ms1914 ثلاثين رجلا , فأحضرهم زياد فاختار منهم أبو الأسود عشرة , ثم ~~لم يزل يختارهم حتى اختار منهم رجلا من عبد القيس , فقال : خذ المصحف وصبغا ~~يخالف لون المداد , فإذا فتحت شفتي فانقط واحده فوق الحرف , وغذا ضممتها ~~فاجعل النقطة إلى جانب الحرف , وإذا كسرتها فاجعل النقطة في أسفله , فإن ~~أتبعت شيئا من هذه الحركات غنة فانقط نقطتين , فابتدأ بالمصحف حتى أتى على ~~آخره , ثم وضع المختصر المنسوب إليه بعد ذلك - انتهى . | ويوم الحج المذكور ~~هنا للجنس , أي في جميع أيام الحج - قاله سفيان الثوري - كيوم صفين والجمل ~~بعاث يراد به الحين والزمان الذي كان فيه ذلك , ولذلك نادى علي رضي الله ~~عنه بنفسه ومن ندبه لذلك في جميع تلك الأيام , وقال أبو حيان : الظاهر أنه ~~يوم واحد فقال عمر رضي الله عنه وجماعة : ؛ هو يو عرفة , وروي مرفوعا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقال أبو موسى رضي الله عنه وجماعة : هو ~~يوم عرفة , النحر , وقيل : أيام الحج كلها - قاله سفيان بن عيينة قال ابن ~~عطية : والذي تظاهرت به الأحاديث ان عليا رضي الله عنه أذن بتلك الآيات يوم ~~عرفة إثر خطبة أبي بكر رضي الله عنه , ثم رأى أنه لم يعم الناس بالإسماع ~~فتتبعهم بالأذان بها أيضا يوم أيضا يوم النحر , وفي ذلك اليوم بعث أبو بكر ~~رضي الله عنه من يعينه بها كأبي هريرة وغيره رضي الله عنهم ويتبعوا ايضا ~~أسواق العرب كذي المجاز وغيره ؛ وبهذا يترجح قول سفيان - انتهى . | وروى ~~عبد الرزاق عن علي رضي الله عنه أن يو النحر , وقال في تفسيره أيضا : ~~أخبرنا معمر عن PageV03P269 الحسن قال : إنما سمي الحج الأكبر لأنه حج أبو ~~بكر رضي الله عنه الحجة التي حجها , واجتمع فيها المسلمون والمشركون , ~~ووافق ذلك عيد اليهود والنصارى - ولما أعلم سبحانه بالبراءة عنها , سبب ~~عنها مرغبا مرهبا قوله التفاتا إلى الخطاب : { فإن تبتم } أي عن الكفر ~~والغدر { فهو } اي ذلك الأمر العظيم وهو المتاب { خير لكم } أي لأنكم ~~تفوزون في الوفاء بالأمان في ms1915 الدنيا , وفي الإسلام بالسلامة في الدارين . | ~~ولما كانت التوبة محبوبة بالطبع لما لها من النفع قال : { وإن توليتم } أي ~~كلفتم أنفسكم خلاف ما يشتهي من التوبة موافقة للفطرة الأولى , وأصررتهم على ~~الكفر والغدر اتباعا للهوى المكتسب من خباثة الجبلة ورداءة الأخلاط التي ~~قعدت بالوح عن أوجها الأول غلى لأنكم الحضيض الأسفل { فأعلموا } أي علما لا ~~شبهة فيه { أنكم غير معجزيالله } أي لأن له صفات الكمال من الجلال والجمال ~~, والالتفات هنا مثله في { فسيحوا } والإشارة به إلى ما ذكر في ذلك . | ~~ولما واجههم بالتهديد , أعرض عنهم وجه الخطاب تحقيرا لهم مخاطبا لأعلى خلقه ~~مبشرا له في أسلوب التهكم بهم , فقال عاطفا على ما تقديره : فبشر الغادرين ~~بالخدلان , أو فبشر التائبين بنعيم مقيم : { وبشر الذين كفروا } أي أوقعوا ~~هذا الوصف { بعذاب أليم * } أي في الدنيا والآخرة أو فيهما . | ولما أعلمهم ~~بالبراءة وبالوقت الذي يؤذن بها فيه , وكان معنى البراءة منهم أنه لا عهد ~~لهم , استثنى بعض المعاهدين فقال : { إلا الذين عاهدتم } أي أوقعتم بينكم ~~وبينهم عهدا { من المشركين ثم } أي بعد طول المدة اتصفوا بأنهم { لم ~~ينقصوكم شيئا } أي لخزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم { ولم يظاهروا } ~~أي يعانوا معاونة تظهر { عليكم أحدا } أي من أعدائكم كما ظاهرت قريش ~~حلفاءهم من بني الدليل على حلفائكم من خزاعة { فاتموا } واشار إلى بعدهم عن ~~الخير بحرف الغاية فقال : { إليهم عهدهم إلى مدتهم } أي وإن طالت ؛ قال ~~البغوي : وهم بنو ضمرة حي من كنانة , وكان قد بقي من عهدهم تسعة أشهر , ~~وكان السبب فيه أنهم لم ينقضوا ؛ وقال النحاس : ويقال : إن هذا مخصوص يراد ~~به بنو ضمرة خاصة ؛ وقال أبو محمد البستي : حدثنا قتيبة قال : ثنا الحجاج ~~عن ابن PageV03P270 جريج عن مجاهد قال : كان بين بني مدلج وخزاعة عهد , وهم ~~الذين قال الله { فاتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم } ولما كانت محافظتهم على ~~عهدهم من افراد التقوى , وكان الأمر بالإحسان إلى شخص من أفعال المحب , قال ~~تعالى معللا : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال ms1916 { يحب المتقين * } أي ~~يفعل بهم وبكم افعال المحب , فهو قول حاث للكل على التقوى , وكل ينزله على ~~ما يفهم , فهو من الإعجاز الباهر . | ولما قرر أمر البراءة إثباتا ونفيا , ~~أمر بما يصنع بعد ما ضربه لهم من الأجل فقال : { فإذا } أي فتسبب عن ذلك ~~انه إذا { انسلخ } أي انقضى وانجرد وخرج ومضى { الأشهر الحرم } أي التي ~~حرمت عليكم فيها قتالهم وضربتها أجلا لسياحتهم , والتعريف فيها مثله < # > 77 ( { فارسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول } ) 77 < # > [ المزمل : 16 ] { فاقتلوا المشركين } أي الناكثين الذين ضربتم لهم هذا ~~الأجل إحسانا وكرما ؛ قال البغوي : قال الحسن بن الفضل : هذه الاية تنسخ كل ~~آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء - انتهى . | ومعنى ~~{ حيث وجدتموهم } أي في حل أو حرم في المسجد والتصرف في بلاد الإسلام وكل ~~مقصد { واقعدوا لهم } أي لأجلهم خاصة فغن ذلك من افضل العبادات { كل مرصد } ~~اي ارصدوهم وخذوهم بكل طريق يمكن ولو على غرة أو غتيالا من غير دعوة , ~~وانتصابه على الظرف لأن معنى اقعدوا لهم : ارصدوهم , ومتى كان العامل في ~~الظرف المختص عاملا من لفظه أو من معناه جاز أن يصل إليه بغير واسطة ( في ) ~~فكما يتعدى الفعل إلى المصدر من غير لفظه إذا كان الترصد فكذلك إلى الظرف - ~~ذكره أبو حيان , والتعبير بالقعود للارشاد إلى التأني , وفي الترصد ~~والاستقرار والتمكن وإيصال الفعل إلى الظرف إشارة إلى أن يشغلوا في الترصد ~~كل جزء من أجزاء كل مرصد إن قدروا على ذلك بخلاف ما لو عبر ب ( في ) فإنه ~~إنما يدل على شغل كل مرصد الصادق بالكون في موضع واحد منه أي موضع كان . | ~~ولما أمر تعالى بالتضييق عليهم , بين ما يوجب الكف عنهم فقال : { فإن تابوا ~~} أي عن الكفر { وأقاموا } أي وصدقوا دعواهم التوبة بالبينه العادلة بأن ~~أقاموا { الصلاة وآتوا الزكاة } أي فوصلوا ما بينهم وبين الخالق وما بينهم ~~وبين الخلائق خضوعا لله تعالى وتركا للفساد ومباشرة للصلاح على الوجه الذي ~~امر به رسول الله صلى الله ms1917 عليه وسلم , فإذا وجد هذان الشاهدان العدلان { ~~فخلوا } أي بسبب ذلك { سبيلهم } أي بأن لا تعرضوا لشيء PageV03P271 مما ~~تقدم لأن الله يقبل ذلك منهم ويغفر لهم ما سلف { إن } أي لأن { الله } أي ~~الذي له الجلال والإكرام { غفور رحيم * } أي بليغ المحو للذنوب التي تاب ~~صاحبها عنها والاتباع له بالإكرام . | < < # | التوبة : ( 6 - 9 ) وإن أحد من . . . . . # > > ^ ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه ~~مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون * كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند ~~رسوله إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم ~~إن الله يحب المتقين * كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة ~~يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون * اشتروا بآيات الله ثمنا ~~قليلا فصدوا عن سبيله إنهم سآء ما كانوا يعملون ) ^ } ) | ولما سد عليهم ~~طريق مخالطتهم ما لم يتصفوا بالتوبة المدلول عليها بالشهيدين المذكورين سدا ~~مطلقا , وفتحه عند الاتصاف بها فتحا مطلقا , عطف على ذلك طريقا آخر وسطا ~~مقيدا فقال : { وإن أحد من المشركين } أي الذين أمرناكم بقتالهم { استجارك ~~} أي طلب أن تعامله في الإكرام معاملة الجار بعد انقضاء مدة السياحة { ~~فأجره } أي فآمنه ودافع عنه من يقصده بسوء { حتى يسمع كلام الله } أي الملك ~~الأعظم بسماع التلاوة الدالة عليه , فيعلم بذلك ما يدعو إليه من المحاسن ~~ويتحقق انه قد ذكر , بين ما يفعل به إن أصر فقال : { ثم أبلغه } أي إن أراد ~~الانصراف ولم يسلم { مأمنه } أي الموضع الذي يأمن فيه ثم قاتله بعد بلوغه ~~المأمن إن شئت من غير غدر ولا خيانه ؛ قال الحسن : هي محكمة إلى يوم ~~القيامة ؛ ثم علل ذلك بما يبين غدرهم بقوله : { ذلك بأنهم } أي الأمر ~~بالإجازة للغرض المذكور بسبب أنهم { قوم لا يعلمون * } أي لا علم لهم لأنه ~~لا عهد لهم بنبوة ولا رسالة ولا كتاب , فإذا علموا أوشك أن ينفعهم العلم . ~~| ولما كان الأمر بالنبذ مظنة لأن يعجب منه , عجب فقال : فمن يتعجب منه ؟ ~~وأنكر عليه فقال ms1918 : { كيف يكون للمشركين } أي اهل العراقة في الشرك الذين ~~توجب عراقتهم فيه ومحبتهم لظهوره نكث العهد الذي لا أقبح منه عند العرب ولا ~~أشنع { عهد عند الله } أي المستجمع لصفات الكمال , فهو لا يحب النقض من ~~أوليائه فكيف به من اعدائه { وعند ورسوله } أي الذي هو أكمل الخلق واوفاهم ~~وأحفظهم للعهود وأرعاهم فهم أضداده فأعمالهم اضداد اعماله , وقد بدا منهم ~~الغدر . | PageV03P272 ولما كان استفهام الإنكار في معنى النفي , صح ~~الاستثناء منه , فكأنه قيل : لا يكون للمشركين عهد { إلا الذين عاهدتم } أي ~~منهم كما تقدم { عند المسجد الحرام } أي الحرم يوم الحدبية , وهذا مما يدل ~~على أن الاستثناء المتقدم من { الذين } في قوله { براءة من الله ورسوله إلى ~~الذين عاهدتم من المشركين } ؛ قال البغوي ؛ قال السدي والكلبي وابن اسحاق : ~~هم من قبائل بكر : بنو خزيمة وبنو مدلج وبنو ضمرة وبنو الديل وهم الذين ~~كانوا قد دخلوا في عهد قريش يوم الحديبية , فلم يكن نقض العهد إلا قريش ~~وبنو الديل من بني بكر فأمر بإتمام العهد لمن لم ينقض , ولما استثنى , بين ~~حكم المستثني فقال : { فما استقاموالكم } أي ركبوا الطريق الأقوام في ~~الوفاء بعهدهم { فاستقيموا لهم } والقول في { إن الله } أي المحيط بالجلال ~~والجمال { يحب المتقين * } كما سبق . | ولما انكر سبحانه ان يكون للمشركين ~~غير المستثنين عهد , بين السبب الموجب للانكار مكررا أداة الإنكار تأكيدا ~~للمعنى فقال : { كيف } أي يكون لهم عهد ثابت { وإن } أي والحال أنهم مضمرون ~~لكم الغدر والخيانة فهم إن { يظهروا عليكم } أي ان يعل أمر لهم على أمركم ~~بان يظفروا بكم بعد العهد والميثاق { لا يرقبوا } أي لا ينظروا ويرعوا { ~~فيكم } أي في أذانكم بكل جليل وحقير { إلا } أي قرابة محققة { ولا ذمة } أي ~~عهدا , يعني أن الأمر المبيح للنبذ خوف الخيانة , وعلام الغيوب يخبركم أنهم ~~في غاية الخيانة لكم , والإل هذا : القرابة - وهو قول ابن عباس , والمادة ~~تدور على الألة وهي حربة في نصلها عرض , ويلزمها الصفاء والرقة والبريق , ~~ويشبه به الإسراع في العدو , والثبات في نفسها ms1919 , ومنه القرابة والعهد ~~والتغير في وصفها , ومنه تغير رائحة الإناء وفساد الأسنان والصوت , ومنه ~~الأنين والجؤار في الدعاء مع البكاء وخرير الماء والطعن والقهر - ومنه : إن ~~هذا - أي كلام مسيلمة - ما يخرخ من إل , أي من ربوبية , وفي إل الله , أي ~~قدرته وإلهيته . | ولما كان ذلك مظنة لأن يقال : قد أكدوا لنا الأيمان ~~وأوثقوا العهود , ولم يدعوا بابا من ابواب الاستعطاف , قال معللا لما مضى ~~مجيبا لمن استبعده : { يرضونكم } وعبر باقصى ما يمكن الكلام به من القلوب ~~تحقيقا لأنهم ليس في قلوبهم شيء منه فقال : { بافواههم } أي بذلك التأكيد , ~~وصرح بالمقصود بقوله : { وتابى قلوبهم } أي العمل بما ابدته ألسنتهم , ~~وقليل منهم من يحمله الخوف ونحوه على الثبات أو يرجع عن الفسق ويؤمن { ~~وأكثرهم فاسقون * } أي راسخوا الأقدام في الفسق خارجون - لمخالفة الفعل ~~للقول - عما تريدونه , وإذا نقض الأكثر الأقل إلى موافقتهم . | PageV03P273 ~~ولما دام ما ترى من كشف سرائرهم , شرع سبحانه يقيم لهم الدليل على فسقهم ~~وخيانتهم ما بدا من بعضهم من النقض بعد أن أثبت فيما مضى انهم شرع واحد ~~بعضهم أولياء بعض , وفيما يأتي أنهم بعضهم من بعض , فقال معبرا بما يفيد ~~انهم تمكنوا من ضد الإيمان تمكناصار به كأنه في حوزتهم : { اشتروا } أي ~~لجوا في أهويتم بعد قيام الدليل الذي لا يشكون فيه فاخذوا { بآيات الله } ~~اي الذي لجوا في اهويتهم جلال ولا جمال على مالها من العظم في انفسها ~~وبإضافتها إليه { ثمنا قليلا } من أعراض الدنيا فرفضوا بها مع مصاحبة الكفر ~~, وذلك وأداهم إلى أن صدوا { عن سبيله } أي من يريد السير عليه ومنعوا من ~~الدخول في الذين أنفسهم ومن قدروا على منعه . | ولما دل على ما اخبر به من ~~فساد قلوبهم , استأنف بيان ما استحقوا من عظيم الذم بقوله معجبا منهم : { ~~إنهم ساء ما } وبين عراقتهم في القبائح وأنها في جبلتهم بذكر الكون فقال : ~~{ كانوا يعملون * } أي يجدون عمله في كل وقت , وكأنه سبحانه يشير بهذا إلى ~~ما فعلت عضل والقارة بعاصم بن ثابت وخبيب بن ms1920 عدي , ذكر ابن اسحاق في السيرة ~~عن عاصم بن عمر رضي الله عنه - والبخاري في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه - , كل يزيد على صاحبه وقد جمعت بين حديثيهما أنه قدم على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا : يارسول الله إن ~~فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من ستة - وقال البخاري : عشرة - وأمر عليهم ~~عاصم هذيلا , فلما أتوهم أخذوا أسيافهم ليقاتلوهم , فقالوا : إنا والله لا ~~نريد قتلكم , ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئا من اهل مكة , ولكن عهد الله ~~وميثاقه أن لا نقتل منكم أحدا , فأما عاصم فلم يقبل وقاتل حتى قتل هو ناس ~~من اصحابه , ونزل منهم ثلاثة نفر على العهد والميثاق , فلما استمكنوا منهم ~~أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها , فقال رجل منهم : هذا اول الغدر , والله ~~لا أصحبكم , إن لي بهؤلاء أسوة - يريد القتلى , فجروره وعالجوه فابى ان ~~يحبهم فقتلوه ؛ فانطلقوا بخيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بمكة فقتلوهما . ~~| وقصة العرنيين الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاظهروا ~~الإسلام ثم خرجوا إلى لقاح النبي صلى الله عليه وسلم فقتلوا الراعي ~~واستاقوا اللقاح بعد ما راوا من الآيات , فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في ~~آثارهم فقتلهم PageV03P274 وفي تاريخ ابن الفرات عن القتبي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعث عبد الله بن عوسجة البجلي إلى بني حارثة بن عمرو بن قرط ~~بكتاب فرقعوا دلوهم بالكتاب فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما له ! أذهب ~~الله عقولهم , فهم أهل رعدة وكلام مختلط ؛ ولما خرج أهل مكة بعد أن عاملهم ~~صلى الله عليه وسلم بغاية الإحسان اعتقهم وعفا عنهم بعد تلك الحروب والأذى ~~في المبالغة في النكايات التي لا يعفو عن مثلها إلا الأنبياء , خرجوا معه ~~إلى حنين غير مريدين لنصره ولا محبين لعلو أمره , بل هم الذين انهزموا ~~بالناس - كما نقلة البغوي عن قتادة ؛ وقال أبو حيان ويقال : إن الطلقاء من ~~أهل مكة فروا وقصدوا إلقاء الهزيمة في المسلمين ms1921 وبلغ فلهم مكة - انتهى . | ~~وقال الواقدي : وخرج رجال مكة مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتغادر منهم ~~أحد على غيرد دين ركبانا ومشاة , ينظرون لمن تكون الدائرة فيصيبون من ~~الغنائم , ولا يكرهون أن تكون الصدمة بمحمد واصحابه , وقال هو وغيره : فلما ~~كانت الهزيمة حيث كانت والدائرة على المسلمين تكلم قوم بما في أنفسهم من ~~الكفر والضغن ما غدر فيه كفار العرب , وأما اليهود فكلهم نقض : بنو قينقاع ~~ثم النضير ثم قريظة ثم أهل خيبر , حتى كان ذلك سبب إخراجهم منها وإجلائهم ~~إلى بلاد الشام , ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى أنهم قد تلبين لهم مثل الصبح ~~جميعا ما اخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم , فلما لم يرجعوا لمجرد ~~أهوائهم قد تبين لهم مثل الصبح جميعا ما اخبرهم به النبي صلى الله عليه ~~وسلم , فلما لم يرجعوا لمجرد صاروا إليه من سفول الكلمة وإبار الأمر , فمن ~~قاده هواه إلى ترك السعادة العظمى لهذا العرض الزائل اليسير كان غير مأمون ~~على شيء لأنه رهينة داعي الهوى وأمر الشيطان , لأنه أول ما بدأ بنفسه فغدر ~~بها وغشها غير ناظر في مصلحة ولا مكفر في عاقبة . | < < # | التوبة : ( 10 - 14 ) لا يرقبون في . . . . . # > > ^ ( لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون * فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون * ~~وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم ~~لا أيمان لهم لعلهم ينتهون * ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج ~~الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين * ~~قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ) ~~^ } ) | PageV03P275 ولما أخبر تعالى بعراقتهم في الفسق , دل عليه بأن ~~خيانتهم ليست خاصة بالمخاطبين , بل عامة لكل من اتصف بصفتهم من الإيمان , ~~فمدار خيانتهم على الوصف , فقال : { لايرقبون في مؤمن إلا } أي قرابة وأصلا ~~خيدا ثابتا { ولاذمة } أي عهدا أكيدا { وأولئك } أي البعداء من كل خير { هم ~~} أي خاصة ms1922 لتناهي عدوانهم { المعتدون * } أي عادتهم المبالغة في حمل أنفسهم ~~على ان يعدوا الحدود لعدم ما يردهم عن ذلك من وازع إلهي ورادع شرعي كما فعل ~~عامر بن الطفيل بأهل بئر معونة مع أنهم في جوار عمه وكان من خبرهم أن عمه ~~أبا براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة قدم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال له : لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا ~~لك , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أخشى عليهم أهل نجد , قال ~~أبوبراء : أنا لهم جار . | فبعث رسول اله صلى الله عليه وسلم : المنذر بن ~~عمرو أخا بني ساعدة المعنق ليموت في سبعين رجلا من اصحاب من خيار المسلمين ~~, فما نزلوا بئر معونه بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى عامر بن الطفيل فلم ينظر في كتابه وعدا عليه فقتله , ثم استصرخ ~~عليهم بني عامر فابوا وقالوا : لن نخفر أب براء , فاستصرخ عليهم قبائل من ~~بني سليم : عصية ورعلا وذكوان فقتلوهم فلم يفلتمنهم إلا ثلاثة نفر عمرو بن ~~أمية الضمري أحدهم , فعظم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ودعا على قتلتهم ~~شهرا ؛ قال البغوي : وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إن أهل الطائف أمدوهم ~~- يعني قريشا - بالأموال ليقووهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم , ~~فهذا الذي أحكمه تعالى من نبذ العهد نظر للدين , لأنه نظر لجميع أهله الذين ~~لا يوجد إلا بهم . | ولما بين ما أوجب بعدهم منهم ومعادتهم لهم , بين ما ~~يصيرون به أهلا فقال { فإن تابوا } أي بالإيمان بسبب ما أبديتم لهم من ~~الغلطة { وأقاموا } أي أيدوا ذلك بأن أقاموا { الصلاة } أي بجميع حدودها { ~~وآتواالزكاة } أي كما حدة رسول الله صلى الله عليه وسلم { فإخوانكم } أيهم ~~, وبين أنها ليست أخوة النسب فقال : { في الدين } لهم ما لكم وعليهم ما ~~عليكم , فلا تعرضوا لهم بما يكرهونه . | ولما كان كأنه قيل بعثا وتحريضا ~~على تأمل ما فصل : قد فصلنا لكم ms1923 أمرهم في هذه الآيات تفصيلا , عطف عليه ~~قوله : { ونفصل } أي في كلأمر يحتاجون جميع { الآيات } وعظم هذه الآيات ~~وحثم على تدبرها بقوله : { لقوم يعلمون * } أي صار العلم لهم صفة فلهم ملكة ~~يتصرفون بها في أصوله وفروعه , لا يغترون بمجرد كلام من شأنه الرداءة ~~والمخالفة بين القول والعمل , والاعتراض بهذا بين هذه الجمل المتلاحمة ~~PageV03P276 إشارة إلى عظم الأمر الذي نبه عليه وتحريض على إنعام النظر فيه ~~ليعلم أن مدخوله جليل الأمر عظيم القدر لئلا يظن أنه تكرار ولما بين السبب ~~الموجب لمجازاتهم بجنس عملهم , وهو البراءة منهم وما يتبع ذلك إلى أن ختم ~~بتقدير توبتهم , رجع إلى قسم قوله { فما استقاموا لكم } فقال : { وإن نكثوا ~~أيمانهم } أي التي حلفوها لكم ؛ ولما كان النقض ضارا وغن قصر زمنه , اتى ~~بالجار فقال : { من بعد عهدهم } أي الذي عقدوه { وطعنوا } أي اوقعوا الطعن ~~{ في دينكم } أي بقول أو فعل ولما كان هذا الفعل لا يستقل به في الأغلب إلا ~~الرؤساء , اشار إلى ذلك بقوله : { فقاتلوا } ووضع موضع ضميرهم تحريضا على ~~قتالهم وإشارة إلى أنهم ما نكثوا واقدموا على هجنة الكذب ولم يستهجنوا ~~الخروج عن عادات الكرام إلا وقد رسخوا في الكفر فقال : { أئمة الكفر } ثم ~~أشار - بقوله معللا لجواز المقاتله : { إنهم لا أيمان لهم } إلى أن ذلك ولو ~~فعله الأتباع ولم يكفهم الرؤساء فهو عن تمال منهم فابدؤوا بالرؤوس فاقطعوها ~~تنقطع الأذناب , وقراءة ابن عامر بالكسر معناها : لا امان لهم لأنهم قد ~~نقضوا العهد الموجب له بما وقع منهم , ومن طعن من أهل الذمة في الإسلام ~~طعنا ظاهرا جاز قتله , فإن العهد مأخوذ عليه أن لا يطعن , ثم علل المقاتله ~~بقوله : { لعلهم ينتهون * } أي اجعلوا قصدكم لقتالهم أن يكون حالهم حال من ~~ينتهي عن غيه بما يرى منكم من صادق الجد بماضي الحد , روى البخاري في ~~التفسير عن حذيفة رضي الله عنه قال : ما بقي من اصحاب هذه الآية إلا ثلاثة ~~ولا من المنافقين إلا أربعة احدهم شيخ كبير لو شرب الماء البارد لما ms1924 وجد ~~برده . | ولما نفى ايمانهم بنفي إيمانهم , شرع يقيم الدليل على ذلك بأمور ~~ارتكبوها , كل منها بسبب باعث على الإقدام عليهم , ويحث على قتالهم في صورة ~~تعجيب ممن يتواني فيه فقال : { الا } وهو حرف عرض , ومعناه هنا الحض لدخول ~~همزة الإنكار على النافي فنفته فصار مدخولها مثبتا على سبيل الحث عليه فهو ~~ابلغ مما لو اثبت بغير هذا الأسلوب { تقاتلون قوما } أي وإن كانوا ذوي منعة ~~عظيمة { نكثوا ايمانهم } أي في قصة عاصم واصحاب والمنذر واصحاب والإعانة ~~على خزاعة وغير ذلك , فكان النكث لهم عادة وخلقا , وهذا يدل على أن قتال ~~الناكثين أولى من قتال غيرهم ليكون ذلك زاجرا عن النقض , وكانت قصة خزاعة ~~أنه كان كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة قتل PageV03P277 في ~~الجاهلية , وكانت خزاعة قد دخلت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبة ~~لما كان لهم فيه من المجبة من مسلمهم وكافرهم لما بينهم من الحلف - كما ~~تقدم آخر الأنفال , ودخلت بنو بكر في عهد قريش فمرت على ذلك مدة , ثم إن ~~أنس بن زنيم الديلي هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعه غلام من خزاعة ~~فوقع به فشجه فخرج إلى قومه فاراهم شجته فثار الشر مع ما كان بينهم , وما ~~تطلب بنو بكر من خزاعة من دمائها , فكلمت بنو نفاثة من بني بكر أشراف قريش ~~فوجدوا القوم إلى ذلك سراعا فاعانوهم بالسلاح والكراع والرجال , فخرج نوفل ~~بن معاوية الديلي وهو يومئذ قائدهم ؛ قال ابن إسحاق : وليس كل بني بكر ~~بايعة - وقال الوافدي : اعتزلت بنو مدلج فلم ينقضوا العهد - حتى بيت خزاعة ~~وهم على الوتير ماء لهمن فأصبوا منهم رجلا وتجاوزوا واقتتلوا وقاتل معهم من ~~قريش من قاتل بالليل مستخفا متنكرين منتقبين : صفوان بن أمية ومكرز بن حفص ~~بن الأحنف وحويطب بن عبد العزى وعكرمة بن أبي جهل وأجلبوا معهم أرقابهم , ~~وكانت خزاعة آمنة لمكان العهد والموادعة ولما ذكرهم بمطلق نكثهم في حقهم ~~عامة , وذكرهم بما خصوا به سيدهم بل سيد ms1925 الخلق كلهم فقال : { وهموا بإخراج ~~الرسول } أي من مكة في عمرة القضاء , بل أمروه بالخروج عند انقضاء الثلاثة ~~الأيام وألحو في ذلك وهو وإن كان قاضاهم على ذلك , لكن قد نقل ابن اسحاق ~~وغيره في قصة النداء بسورة براءة أنه كان في القضية والعهد الذي كان بينه ~~وبينهم أن لا يمنع من البيت أحد جاءه زائرا , ولعلهم هموا بإخراجه قبل ~~الثلاثة الأيام لما داخلهم من الحسد عند ما عاينوا من نشاط أصحابه وكثرتهم ~~وحسن حالهم , وذلك غير بعيد من أفعالهم , وإظهارهم التبرؤ به صلى الله عليه ~~وسلم حتى اجترؤوا - وهو أعلى الخلق مقدارا , وأظهرهم هيئة وأنوارا وأطهرهم ~~رسوما وآثارا - على الإلحاح عليه في الخروج من بلد آبائه وأجداده الذين هم ~~أحقهم بها ومسقط رأسه وموضع مرباه , ولكن لم أراه مصرحا به , وهوعنمدي على ~~ما فيه أولى مما ذكروه من الهم بإخراجه عند الهجرة على ما لا يخفي , أو ~~يكون المراد ما هم به ابن أبي المنافق ومن تابعه من اصحابه من إخراج النبي ~~صلى الله عليه وسلم من المدينة حيث قال في غزوة المريسيع : لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الذل بعد إعطائهم العهود على الإيواء والنصرة ~~والإسلام , وذلك لتذكير المؤمنين بمسارعتهم إلى النقض بعد أن أثبت أنهم في ~~الالتحام في كيد الإسلام كالجسد الواحد , فكأنه يقول : إذا ترك هؤلاء ~~إيمانهم فاولئك أحرى أن ينقضوا أيمانهم , وهو بعث للمؤمنين على التبرؤ من ~~الكافرين منافقين كانوا أو مجاهرين مقاربين أو مباعدين PageV03P278 ولما ~~ذكرهم بالخيانة عامة وخاصة , أتبعها ما حققها بالقتال فقال : { وهم بدؤوكم ~~} اي بتطابق من ضمائرهم وظواهرهم { أول مرة } اي بالقتال والصد في الحديبية ~~بعد إخباركم إياهم بأنكم لم تجيئوا للقتال وأنكم ما جئتم إلا زوارا للبيت ~~الحرام الذي الناس فيه سواء وأنتماحق به منهم , وذلك أول بالنسبة إلى هذا ~~الثاني مثل قوله { أنكم رضيتم بالعقود أول مرة } وقال بعض المفسرين : ~~المراد بأول مرة قتالهم خزاعة , وهو واضح لأنه بعد عقد الصلح , وقيل : في ~~بدر بعد ما سلمت عيرهم ms1926 وقالوا : لا نرجع حتى نستأصل محمدا واصحابه , وقيل : ~~المراد به مطلق القتال لأن النبي صلى الله عليه وسلم جاءهم بالكتاب المنير ~~ودعاهم بغاية اللين , وتحداهم به عند التكذيب , فعدلوا عن ذلك إلى القتال ~~فهم البادئ أظلم . | ولما أمرهم بالقتال وكان مكرها إلى النفوس على كل حال ~~. | شرع يبين الأسباب الحاملة على التواني عن قتالهم , وحصرها في في الخشية ~~والعاطفة , وقسم العاطفة إلى ما سببه القرب في محاسن الأفعال وإلى ما سببه ~~القرب في النسب والصهر , ونقض الكل وبين أنه لا شيء منها يصلح للسببية , ~~فقال بادئا بالخشية لأنها السبب الأعظم في ترك المصادمة منكرا عليهم موبخا ~~لهم ليكون أبلغ في الحث على قتالهم منبها على أن التواني عنهم مصحح للوصف ~~بالجبن ورقة الدين : { أتخشونهم } أي أتخافون أن يظفرون بكم في القتال بان ~~يكونوا على باطلهم أشد منكم على حقكم { فالله } أي الذي له مجامع العظمة { ~~أحق } أي منهم { ان تخشوة } أي بأن يكون مخشيا لكم لما تعلمون من قدرته في ~~أخذه لمن خالفه ولو بعد طول الأناة { إن كنتم مؤمنين * } أي فإن من صدق ~~بانه الواحد الذي تفرد بصفات العظمة لم ينظر إلى غير هيبته ولما بكت في ~~التواني عنهم , وعدهم بما يزيل خشيتهم منهم , بل يوجب إقدامهم عليهم ~~ورغبتهم فيهم , فقال مصرحا فيهم , فقال مصرحا بما تضمنه الاستفهام الإنكاري ~~في { ألاتقاتلون } من الأمر : { قاتلوهم } أي الله لا لغرض غيره { يعذبهم ~~الله } أي الذي أنتم مؤمنون بانه المتفرد بصفات الجلال والجمال { بأيديكم } ~~أي بأن تقتلوهم وتأسروهم وتهزموهم { ويخزهم } اي بالذل في الدنيا والفضيحة ~~والعذاب في الأخرى . | ولما كان ذلك قولا لا يقتضي النصر الذي هو علو ~~العاقبة قال : { وينصركم عليهم } اي فترضوا ربكم بذلك لإذلالة من يعاديه ~~بكم ؛ ولما كان نكالهم بما بعد ثباته على لبعض المؤمنين سرورا لهم فيه حظ , ~~بين تعالى أنه لا يؤثر في العمل بعد ثباته على أساس افخلاص فقال : { ويشف } ~~أي بذلك { صدور قوم مؤمنين * } اي راسخين في PageV03P279 الإيمان , أسلفوا ~~إليهم مساوئ أوجبت ضغائن وإحنا ms1927 كخزاعة وغيرهم ممن أعانوا عليه أو اساؤوا ~~إليه . | < < # | التوبة : ( 15 - 18 ) ويذهب غيظ قلوبهم . . . . . # > > ^ ( ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشآء والله عليم حكيم * أم ~~حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ~~ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون * ما كان للمشركين أن ~~يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار ~~هم خالدون * إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة ~~وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين ) ^ } ) | ~~ولما كان الشفاء قد لا يراد به الكمال ، أتبعه تحقيقا لكماله قوله { ويذهب ~~غيظ قلوبهم } أي يثبت بها من اللذة ضد ما لقوه منهم من المكروه ، وينف ~~يعنها من الألم بفعل من يريد سبحانه من أعدائهم وذل الباقين م كان قد برح ~~بها ، ولقد وفى سبحانه بما وعد به ، فكانت الآية من ظواهر الدلائل . | ولما ~~كان التقدير : قاتلوهم فإنكم إن قاتلتموهم كان كذا ، عطف سبحانه على أصل ~~هذه الجملة قوله : { ويتوب عليهم } أي الملك الذي له صفات الكمال { على من ~~يشاء } أب منهم فيصيروا إخوانا لكم أولياء ، والمعنى قاتلوهم يكن القتال ~~سببا لهذه الخمسة الأشياء ، وأما التوية فتارة تسبب عنه وتارة عن غيره ، ~~ولأجل احتما لتسببها عنه قرئ شاذا بالنصب على أن الواو للصرف ، ولما كان ما ~~تضمنه هذا الوعد الصادق يدور على القدرة والعلم وكان - العلم يستلزم القدرة ~~، فكان التقدير فالله على كل شيء قدير ، عطف عليه قوله { والله } أي الذي ~~له الإحاطة بكل شيء علما وقدرة { عليم } أي بكل شيء وبمن يصلح للتوبة ومن ~~لا يصلح وما في قلوبكم من الإقدام والإحجام لو برز إلى الخارج كيف كان يكون ~~{ حكيم } أي أحكم جميع أموره ، ولم يعلق الأحكاك الشرعية من أفعالكم ~~الكسبية إلا بما تعلق العلم به في حال ظهوره . | ولما كاتن التقدير - لما ~~أرشد إليه تقاعدهم عن القتال وإدخال ' أم ' المرشد ‘ إلى ا ، مدخوله وسط ~~الكلام فإن الابتداء ms1928 له الألف وحدها : وهل حسبتم أنه تعالى لا يعلم ذلك أو ~~لا يقدر على نصركم ؟ بنى عليه قوله موبخا لمن تثاقل عن ذلك بنوع تثاقل : { ~~أم حسبتم } أي لنقص في العقل أنه يبني الأمر فيه على غير الحكمة ، وذلك هو ~~المراد بقوله : { أن تتركوا } أي قارين غلى ما أنتم عليه من غير أن تبتلوةا ~~بما يظهر به المؤمن من المنافق { ولما } عبر بها لدلالتها . مع استغراق ~~الزمان الماضي - على أن يتبين ما PageV03P280 بعدها متوقع كائن { يعلم الله ~~} أي المحيط بجميع صفات الكمال { الذين جاهدوا منكم } أي علما ظاهرا تقوم ~~به الحجة عليكم يفي مجاري عاداتكم على مقتضى عقولكم بأن يقع الجهاد في ~~الواقع بالفعل . | ولما كان المعنى : جاهدوا مخلصين ، ترجمه وبسطه بقوله : ~~{ ولم } أي ولما يعلم الذين لم يتخذوا } ويجوز أن يكون حالا ، ودل على ~~تراخي الرتب عن مكانته سبحانه بقوله : { من دون الله } أي الذي لا يعدل عنه ~~ويرغب في غيره من له أدنى بصيرة - كما دل عليه الافتعال - لأنه المنفردج ~~بالكمال ، وأكد النفي بتكرير { لا } فقال : { ولا رسوله } أي الذي هو خلاصة ~~خلقه { ولا المؤمنين } أي الذين أصطفاهم من عباده { وليجة } أي بطانة ~~تباطنونها وتسكنون إليها فتلج أسراركم وأسرارها إليكمن ن فإن الوليجة كل ~~شيء أدخلته في شيء ليس منه ، والرجل يكون في قوم وليس منهم وليجة ، فوليجة ~~الرجل من يختصه بدخيلة أرمه دون الناس ، يقال : هو وليجتي وهم وليجتي ~~للواحد والجمع نقل ذلك البغوي عن أبي عبيدة وقال أبن هشام وليجة : دخيلا ، ~~وجمعها ولائج ، يقول : لم يتخذوا دخيلا من دونه يسرون إليهفير ما يظهرون ~~نحو ما يصنع المنافقون ، يظهرون الإيمان للذين آمنوا وإذا خلوا إلى ~~شياطينهم قالوا : إنا معكم ، والحاصل أنه لا يكون الترك بدون علم الأمرين ~~حاصلين ، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم ، فالمعنى : ولما يكن مجاهدون ~~مخلصون . | ولما كان ظاهر ذلك مظنة أ ، يتمسك به من لم يرسخ قدمه في ~~المعارف ، ختم بقوله : { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { خبير بما ~~تعلمون } أي سواء برز إلى ms1929 الخارج أو لا . | ولما حذرهم من اتخاذ وليجة من ~~دونه ، شرع يبين أن الوليجة التي يتخذها بعضهم لا تصلح للعاطفة بما اتصفت ~~به محاسن الأعمال ما لم توضع تلك المحاسن على الأساس الذي هو الإيمان ، ~~فقال سائقا له مساق جواب قائل قال : إن فيهم من أفعال الخير ما يدعو إلى ~~الكف عنهم من عمارة من عمارة المسجد الحرام وخدمته وتعظيمه { ما كان ~~للمشركين } عبر بالوصف دون الفعل لأن جماعة ممن أشرك أسلم بعد ذلك فصار ~~أهلا لما نفي عنهم { أن يعمروا مساجد الله } أي وهو المنزه بإحاطته بصفات ~~الكمال ، قال البغوي : قال الحسن : ما كالن للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل ~~المسجد الحرام ، ثم قال في توجيه قراءة الجمع : قال الحسن : إنما قال : ~~مساجد الله ، لأنه قبلة المساجد كلها - يعني فعامره عامر جميع المساجد ، ~~ويجوز أن يراد الجنس ، وإذا لم يصلحلوا لعمارة الجنس دخل المسجد الحرام ~~لأنه صدر الجنس ، وذلك آكد لأنه PageV03P281 بطريق الكناية - قال الفراء : ~~وربما ذهب العرب بالواحد إلى الجمع وبالجمع إلى الواحد ، ألا ترى أن الرجل ~~يركب البرذون فيقول ، أخذت في ركوب البراذين ، ويقال : فلان كثير الدرهم ~~والدينار - انتهى . | فتحرر أن المعنى : منعهم من إقامة شعائره بطواف أو ~~زيارة أو عبر ذلك لأنهم نجس - كما ياتي { شاهدين على أنفسهم } أي التي هي ~~معدن الأرجاس والأهوية { بالكفر } أي بإقرارهم ، لأنه بيت الله وهم يعبدون ~~غير الله وقد نصبوا فيه الأصنام بغير إذنه وادعوا أنها شركاؤه ، فإذن ~~عمارتهم تخريب لتنافي عقدهم وفعلهم ، قال البغوي : قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما ، شهادتهم سجودهم للأصنام ، وذلك أنهم كانوا نصبوا أصنامهم خارج ~~البيت الحرام عند القواعد وكانوا يطوفون بالبيت عراة ، كلما طافوال شوطا ~~سجدوا لأصنامهم . | ولما نفي قبيح ما يفعلون حسن ما يعتقدون ، أشار إلى ~~بعدهم عن الخير بقوله : { أولئك حبطت أعمالهم } أي من العمارة والحجابة ~~والسقاية غي ذلك ، فسدت ببطلان معانيها لبنائها على غير أساس { وفي النار ~~هم } أي خاصة ومن فعل كطفعلهم فهو منهم { خالدون } أي يجعلهم الكفر مكان ~~الإيمان . | ولما ms1930 نفي عنهم أهلية العمارة ، بين من يصلح فقال : { إنما يعمر ~~مساجد الله } أي إنما يؤهل لذلك القرب ممن له الأسماء الحسنى والصفات العلى ~~حسا بإصلاح الذات ومعنى بالتعظيم بالقربات من قمها وتنظيفها ورم ما تهدم ~~منها وتنويرها بالمصابيح الحسية وبالمعنوية من الذكر والقراءة - ودرس العلم ~~أجل ذلك - وصيانتها مما لم تبن له من أحاديث الدنيا { من آمن بالله } أي ~~الملك الأعلى الذي له الأمر كله { واليوم الآخر } أي فكان من أهل المعرفة ~~الذين تصح عبادتهم وتفيدهم ، فإنها إنما تفيد في ذلك اليوم ، ولم يذكر ~~الإيمان بالرسول لأنه هذه البراءة عن لسانه أخذت ، فالإيمان بها إيمان به ~~لا محالة ، فعدم أقعد في إيجاب الإيمان به { وأقام الصلاة وآتى الزكاة } أي ~~وايد دعغواه الإيمان بهذين الشاهدين ، وذلك أن عمارة المساجد ليست مقصودة ~~لذاتها ، بل الدلالة على رسوخ الإيمان ، والصلاة أعظم عمارتها ، والزكاة هي ~~المعين لعمدتها على عمارتها . | ولما كان ربما فهم من قوله : { آمن } أنه ~~يكفي في الإيمان مجرد الإقرار باللسان ، أعلم أنه لا بد في ذلك من إيجاد ~~التصديق حقيقة المثمر لخشية الله فلذلك قال : { ولم يخش } أي الأعمال ~~الدينية { إلا الله } أي ولم يعمل بمقتضى خشية غير الملك الأعظم من كف عما ~~يرضي الله بما فيه سخطه ، بل تقدم على ما انحصر رضي الله فيه PageV03P282 ~~ولو أن فيه تلفه ، وحاصله أنه يقدم خشيته من الله على خشيته من غيره ، فهو ~~يرجع إلى قوله { فالله أحق أن تخشوه } ولكن هذا أبلغ لكونه نفي نفس الخشية ~~وإن كان المراد نفي لازمها عادة ، وفيه تعريض لهم بأنهم لا يصلحون لخدمته ~~لأنهم يخافون الأصنام ويفعلون معها بعبادتها فعل من يخافها ، ولما سبب عما ~~مضى نفيا وإثباتا أن المتصف بهذه الأوصاف يكون جديرا بالهداية وحقيقا بها ، ~~قال تعالى : { فعسة أولئك } أي العالو الهمم { أن يكونوا } أي جبلة ورسوخا ~~{ من المهتدين } فأقامهم - مع ما قدم لهم من الكمال بالمعارف والأفعال - ~~بين الرجاء والخوف مع الإشارة بإفراد الخشية إلى ترجيح الخوف على الرجاء ~~إيذانا بعلو أمره وعظيم ms1931 كبره إشارة إلى أنه لا حق لأحد عليه وأنه إن شاء ~~أثاب ، وإن أراد حكم - وهو الحكم العدل - بالعقاب ، لا يسأل عما يفعل ، ~~وكرر الاسم الأعظم لمزيد الترغيب لخطر المقام وعزة المرام ، ومادة عسى ~~بجميع تصاريفها تدور على الحركة ، وهذه بخصوصها للأطماع ، والحاصل أن من ~~اتصف بالأوصاف الأربعة كان صالحا وخليقا وجديرا وحقيقا بأن يتحرك طعمه ~~ويمتد أمله إلى أن يكون من جملة أهل الهدى ، فكيف توجبون أنتم لمن لم يتصف ~~بواحد منها ما يختص به المهتدون من الموالاة ، هكذا كان ظهر لي أولا في ~~مدار المادة ، ثم ظهر لي أن ذلك في أكثر تقاليبها ، مع إمكان أن يكون غيره ~~للإزالة ، وأن الشامل لها - يائية وواوية بتقاليبها العشر : عسى ، عيس ، ~~سعى يسع ، عسو ، عوس ، سعو ، سوع ، وسع ، وعس - أنها لما يمكن أن يكون ، ~~وهوجدير وخليق بأن يكون ، من قولهم : أعس به - أي أخلق . وبالعسى أن يفعل - ~~أي بالحري ، وأنه لمعساة بكذا - أي مخلقة ، وبهذا فسرها سيبويه : قال ابن ~~هشام الخضراوي في شرح الإيضاح لأبي علي : وقال سشيبويه : إن عسى بمنزلة ~~اخلولق ، والمعساء كمكسال : الجارية المراهقة لأنها جديرة بقبول النكاح ، ~~ومن ثم أتت للطمع والإشفاق ، وقد يزيد الرجاء فيطلق على القرب فيكون مثل ~~كاد ، وقد يشتد فيصل إى اليقين فنستعمله حينئذ في معنى كان ، ومنه : عسى ~~الغوير ابؤسا لكن قال الرضى : وأنا لا أعرف عسى في غير كلامه تعالى لليقين ~~. وقد يضعف الرجاء فيصير شكا ، ومنه المعسية كمحسنتة للناقة ، قد شك أبها ~~لبن أن لا ، وعسى النبات - كفرح ودعا : غلظ ويبس ، أي صار خليقا لأن يرعى ~~وأن يقطع ، واليد | من العمل مثله ، أي قصارت جديرة بالصبر على المشاق ، ~~والعاسي ، النخل : لأنه جدير بكمال ما يطلب منه من المنافع ، وعسى السيخ ~~كرضي عساء وعسا كدعا يعسو : كبر ، أي صار خليقا بالموت وبأن لا يتعلم ما لم ~~يكن في غريزته ، وكذا عسى وعسا عن الأدب ، أي كبر عنه ، والعود يبس وصلب ~~واشتد أي فصار خليقا لما يراد منه ، والليل : اشتدت ظلمته ، فصار ~~PageV03P283 جديرا ms1932 بمطابقة لمسماه وبتغطية الأمور ، والعسو : الشمع ، كأنه ~~لإزالته ظلمته الليل بنوره إذا أحرق ، وعسى بالشيء كفرح : لزمه ، أي فصار ~~جديرا بإضافته إليه ، والعيس - بالفتح : ضراب الفحل ويقال : ماؤه لأنه جدير ~~بالإنتاج ، والعيس - بالكسر ، بالإبل البيض يخالط بياضها شقرة ، وجمل وظبي ~~أعيس وناقة عيساء ، لأنها خليقة بكل محمدة لحسن لونها ، وتعيست الإبل صارت ~~بياضا في سواد كذلك أيضا وعيساء : امرأة والأنثى من الجراد ، والعوس - ~~بالفتح - والعوسان ا : الطوفان بالليل ، لأنه جدير ببلوغ المقاصد ، وبالضم ~~: ضرب من الغنم وهو كبش عوسي ، إلحاقا لها بالعيس لكنها لصغرها اختير لها ~~الضم جبرا لها وتقوية وتفاؤلا بالكبر ، واختير بللإبل الكسر تفاؤلا بسهولة ~~القياد ، وبالتحريك : دخول الشدقين عند الضحك وغيره : تشبيها بالغنم ، ~~فكأنه جدير بأن يترك ما يحدث منه ذلك من الضحك وغيره ، والنعت أعوس وعوساء ~~، وعاس على عياله : كد عليهم وكدح ، وعياله : قاتهم ، وماله عوسا وعياسة : ~~أحسن القيام عليه فعمل بما هو الأليق به في كل ذلك والعواسة - بالضم : ~~الشربة من اللبن وغيره ، لأنها جديرة بالري ، والأعوس : الصيقل والوصاف ~~للشيء ، لأنه جدير بإظهار الخبء ، والعواساء كبراكاء : الحامل من الخنافس ، ~~لأنها يفي تلك الحالة أجدر بما تفهمه مادتها من الكراهة فإنه يقال : خنفس ~~عن القوم : كرههم وعدل عنهم ن والخنافس - بالضم : الأسد ، لأنه جدير بأن ~~يكره ويعدل عنه ، والسعي : عدو دون الشد وكل عمل سعي ، قال في القاموس : ~~سعى كرعى : قصد وعمل ومشى وعدا ونم وكسب ، وكل ذلك يكون جديرا بدرك حاجته ، ~~والسعاية : مباشرة عمل الصدقات التي بها يدرك الإمام أخذ الحقوق ، فيكون ~~خليقا بإغناء الفقراء ، وسعت الأمة : بغت ، فكانت خليقة بعمل الإماء عند ~~العرب وساعاها : طلبها للبغاء وأسعاه : جعله يسعى ، والمسعاة : المكرمة ~~والمعلاة في أنواع المجد ، لأنها جديرة بأن يسعى لها ، واستسعى العبد : ~~كلفه من العمل ما يؤدي به عن نفسه إذا اعتق بعضه ليعتق به ما بقي لأنه جدير ~~بذلك ، والسعاية - بالكسر : ما كلف من ذلك ، والسيع : الماء الجاري على وجه ~~الأرض ، وقد انساع - إذا جرى ، لأن الماء خليق بالجري والحركة ، ساع الماء ~~والشراب ms1933 : اضطرب على وجه الأرض ، وسيعاء من الليل وكسيراء : قطع منه ، كأنه ~~ينظر إلى الساعة وهي جزء ، هو لنفاسته خليق بأن يحفظ ولا يضيع وأن يتدارك ~~إن ضيع ، والسياع - بالفتح : ما يطين به ، والشحم تطلى به المزادة ، كأنه ~~يمنع ما هو خليق بالجري ، وقد سيعت الجب - إذا طينته بطين أو جص ، وكذلك ~~الزق والسفن إذا طليت بالقار ، والمسيعة : خشبة مملسة يطين بها تكون مع ~~حذاق PageV03P284 الطيانين ، والتسييع : التطيين بها تكون مع حذاق التدهين ~~، وقال القزاز : والسياع : تطيينك بالجص أو الطين أو القير ، تسيع به السفن ~~، والسياع : شجر العضاه له ثم ركهيءة الفستق وشجر اللبان ، وكل منها خليق ~~بالرغبة فيه ، والمسياع ، الناقة تذهب إلى المرعى ، كأنها شبهت بالماء ~~الجاري ، وهي أيضا خليقة السمن ، والتي تحمل الضيعة ، وسوء القيام عليها ، ~~والتي يسافر عليها ويعاد ، لأنها خليقة بأن يرغب فيها وأساعه : أهمله ، أي ~~أزال ما هو خليق به من الحفظ فصار خليقا بالهلاك ، والسعوة - بالكسر : ~~الساعة كالسعواء بالكسر والضم - وقد تقدم تخريجها - والمرأة البذية الخالعة ~~، كأنها جديرة بسرعة الفراق كالساعة ، والساعي : الوالي على أي أمر وقوم ~~كان ، ولليهود والنصارى : رئيسهم ، لأنه خليق بان يسعى عليهم ويذب عنهم ، ~~والسعاة : التصرف ، لأن الإنسان جدير به ، وسعية علم للعنز لأنها خليقة ~~بالسعي ، والسعاوي - بالضم : الصبور على السهروالسفر ، نسبة إلى السعي على ~~وجه بليغ وه خليق بأن يرغب فيه ، وأسعوا به ، أي طلبوه بقطع همزتها ، ~~والسعة : جزء من أجزاءها الجديدين والوقت الحاضر والقيامة ، لأن كل ذلك ~~جدير وحقيق بالاحتفاظ من إضاعته ، والهالكون كالجاعة للجياع ، كأنهم أضاعوا ~~ساعتهم فكانوا جديرين بما حصل لهم ، وساعة سوعاء : شديدة ، وساعت الإبل ~~تسوع : بقيت بلا راع ، فصارت جديرة بالهلاك والضياع ، وأساعه : أهمله وضيعه ~~، فصار كذلك ، ومنه ناقة مسياع : تدع ولدها حتى تأمله السباع ، وبعد سوع من ~~الليل وسواع أي هدوئه ، وأسوع : انتقل من ساعة إلى ساعة فصار جديرا بأن ~~يتحفظ فيتدارك في الثانية ما فاته في الأولى ، وأسوع الحمار : أرسل غرموله ~~، فصار جديرا بالنزوان ، وسواع : اسم صنم عبد في عهد نوح عليه السلام ms1934 ، ~~غرقه الطوفان فاستثار إبليس حتى عبد أيضا ، لأنه كان خليقا - عندهم وفي ~~زعمهم - بما أهلوه له - تعالى الله عن ذلك ، والوسع المثلثة : الجدة ~~والطاقة كالسعة ، ومعناها الخلاقة بالاحتمال ، وسعة الشيء بالكسر - يسعه ~~كيضعه سعة كدعة وزنة : كان جديرا باحتماله ، واللهم سع علينا ، أي وسع ، ~~وليسعك بيتك ، أمرا بالقرار فيه ، وهذا الإناء يسع عشرين كيلا ، أي يتسع ~~لها ، والواسع : ضد الضيق - كالوسيع ، وفي الأسماء الحسنى : الكثير العطاء ~~الذي يسع لما يسأل ، أو المحيط بكل شيء أوالذي وسع رزقه جميع خلقه ورحمته ~~كل شيء ، والوساع كسحاب : الندب ، وه الخفيف في الحاجتة الظريف النجيب ، ~~لأنه جدير بما يندب له ، ومن الخيل : الجواد أ , الواسع الخطو والدرع ~~كالوسيع ، وقد وسع ككرم وساعة وسعة وأوسع : صار ذا سعة ، والله عليه : ~~أغناه ، توسعوا في المجلس تفسحوا ، فصاروا جديرن باحتمال الداخل بينهم ، ~~ووسعهخ توسيعا ضد ضيقه ، ورحمة PageV03P285 الله وسعت كل شيء ، أي أحاطت به ~~، ووسع كل شيء علما ، أي أحاط به وأحصاه ، والوعس كالوعد : شجر تعمل منه ~~البرابط والعيدان ، لأنه أحق الأشجار بذلك ، والرمل السهل يصعب فيه المشي ، ~~لأنه يرى لسهولته خليقا بأن يمشي فيه ، وإذا حقق النظر كان خليقا بصعوبة ~~المشي لكونه رملا ، وأوعس ركبه ، والوعساء : رابية من رمل لينة تنبت أحرار ~~البقول ، لأنها للينها حقيقة من بين رواب يالرمل بالنبت ، ومكان أوعس ~~وأمكنة وعس ، والميعاس : ما تنكب عن الغلظ ، فهو جدير بالمشي فيه ، والأرض ~~، لم تؤطا ، فهي جديرة بالكف عن سلوكها ، والطريق ، لأنه جدير بأن يسلك ، ~~قال في القاموس : كأنه ضد ، والمواعسة : ضرب من سير الإبل ، كأنه وسط فهو ~~جدير بالخير والمباراة في السير ، أو لا تكون إلا ليلا ةقال القزاز : توعست ~~في وججه حمرة أو صفرة ، أي كانت خليقة بالظهور ، قال : وإذذكروا الرملة ~~قالوا : وعساء ، وإذا ذكروا الرمل قالوا : أوعس ، هذا ما في تنزيل الجزيئات ~~من اللغة على مدار هذه المادة ، وأما كلام أهل العربية يفي قواعد ' عسى ' ~~الكلية فقال أبو عبد الله القزاز : هو فعل لا ينصرف فلا تقول ، يعسى ، ولا ~~هو عاس ms1935 ، وقال عبد الحق الإشبيلي : ولا يأتي منه مستقبل ولا فاعل ولا مفعول ~~ولا مصدر قال القزاز : ويصحبه ' أن ' ويجوز حذفها ، و ' أن ' وما بعدها ~~بمعنى المصدر وهي في موضع نصب ، ولا يقع بعدها المصدر ولا اسم الفاعل ، ~~وإنما جاء هذا في مثل العرب : عسى الغوير أبؤسا ، وأبؤس جمع بأس ، وهذا يدل ~~على أن خبر عسى في موضع نصب ، وقال في القاموس : والأبؤس : الداهية ، ومنه ~~عسى الغوير أبؤسا ، أي داهية ، قال أبو عبيد في الغريب : كأنه أراد : عسى ~~الغوير أن يحدث أبؤسا وأن يأتي بأبؤس ، فهذا طريق النصب ، ومما يبينه قول ~~الكميت : | # % قالوا أساء بنو كرز فقلت لهم % % عسى الغوير بإبآس وإغوار % # وقال شارح الجزولية أبو محمد بن الموفق : لما كانت للرجاء دخلها معنى ~~الإنشاء فلم تتصرف ، لأن تصرفها ينافي الإنشاء لأنها إذا تصرفت دلت على ~~الخبر فيما مضى والحال والاستقبال ، وذلم يناف معنى الإنشاء الذي لا يصلح ~~لماض ولا مستقبل ، وقال بعض المتأخرين : عسى موضوعة لفعل يتوهم كونه في ~~الاستقبال وهو على حرف لعدم تصرفها ولا معناها في غيرها ، والصحيح أنها فعل ~~لفظا ومعنى ، أما لفظا فظاهر ، أي للحاق الضمائر وتاء التأنيث الساكنة ، ~~وأما معنى فلأنه إخبار عن طمع وقع للمتكلم وجعل لفظها بلفظ الماضي لأن ~~الطمع قد وقع ، وإنما المطموع هو الذي يتوقع وينتظر ، وأدخل ' أن ' على ~~المطموع يفيه لأنه لم يقع بعد ، وجردت أخواتها عن ' أن ' لأن خبرها محقق ~~PageV03P286 في الحال إذ قد شرع فيه إلا ' كاد ' للمقارنة في الجملة ، وقال ~~ابن هشام المصري في توضيحه : ويجب كونه مفردا نحو عسى الغوير أبؤسا ، ويكون ~~الاسم مرفوعا بعسى وأن ، والفعل في موضع نصب على الخبر ، وقال الرضي : إنما ~~لم يتصرف في عسى لتضمنها معنى الحرف ، أي إنشاء الطمع والرجاء ، وقوله : ~~أبؤسا وصائما ، لتضمن عسى معنى الحرف ، أي إنشاء الطمع والرجاء ، وقوله : ~~أبؤسا وصائما ، لتضمن ، عسى معنى كان فأجرى مجراه ومذهب المتأخرين أن عسى ~~ترفع الاسم وتنصيب الخبر ككان ، وقال أبو طالب العبدي في شرح الإيضاح ~~للفارسي : الأفعال موضوعة للتصرف ms1936 من حيث كانت مقسمة بأقسام الزمان ، ولولا ~~ذلك لأغنيت المصادر عنها ، ولهذا قال سيبويه فأما الأفعال فأمثلة فأخذت من ~~لفظ أحداث الأسماء فبنيت لما مضى ولما يكون ولما هو كائن لم ينقطع ، ولما ~~خالفت هذه الأفعال - يعني عسى ونعم وبئس وفعل التعجب - سائر الأفعال في ~~الدلالة ترك تصرفها أبدا بما أريدت له من المبالغة فيما جعلت دالة عليه ، ~~فمعنى عسى الطمع والإشفاق ، كذا قال سبيويه ، ولما اختصت بهذا المعنى ترك ~~تصرفها ، وقال الرمان ي : منعت ذلك حملا على ' لعل ' كما حملت ' ما ' على ' ~~ليس ' والأول أولى لأنه ليس ينبغي أن يحمل باب الأفعال على الحروف ، ولأن ~~الأفعال في بابها بمنزلة الحروف في بابها في لزوم البناء ، وإنما الأسماء ~~تحمل عليها كما تقول في قطام وحزام : إنه بنى لوقوعه موقع الفعل ، وأن ~~أسماء الاستفهام بينيت لوقوعها موقع الحرف ولا تقول في الأفعال إنها بنيت ~~حملا على الحروف ولا الحروف بينت حملا على الأفعال ، بل كل منهما أصل فكذلك ~~التصرف ، ليس امتناعه لحمله على الحرف وجريه مجراه ، وعسى من أخوات ' كان ' ~~وإنما لم تذكر معها للمخالفة بترك التصرف وبلزوم ' أن ' الخبر وبكونه فعلا ~~، ويدل على أنها من أخوات ' كان ' عسى الغوي رأبؤسا ، فقد انكشف الأصل كما ~~انكشف أصل أقام وأطال ونحوه بقوله : | # % صددت وأطولت الصدود وقلما % % وصل على طول الصدود يدوم % % ولزوم الفعل ~~بخبرها لجعله عوضا من التصرف الذي كان ينبغي أن يكون لها ، وأما لزوم ' أن ~~' فلما أريد من صرف الكلام إلى تأويل الاستقبال لأن ' أن ' تخلص إليه ، ~~والبيت الممثل به فيه شيء طريف ، وهو مصدر مجموع واقع موقع مصدر واقع موقع ~~فعل ، والمصادر في أصلها لا تجمع ولكنه ضرورة ومثل فالأصل أن ' بأس ' ثنم ~~أبؤسا ، انتهى كلام العبدي ، وعنجي أنه عند ما يقوى المعنى الذي سبقت له من ~~طمع أو إشفاق يجعل خبرهااسما تنبيها على أنها الآن بمنزلة كان لما اشتد من ~~شبهها لها بذلك ، قال PageV03P287 أبو طالب : وإذا وليها ' أن ' والفعل كان ~~في موضع رفع ، وسد طول الكلام مسد ms1937 الخبر ومعناها الذي هزو الإشفاق والطمع ~~قريب من المقاربة في كاد ، فلذلك حذف ' أن ' من خبرها حملا لها على كاد كما ~~جوزوا دخول ' أن ' في خبر كاد حملا على عسى ، وقال شارح الجزولية : وحذف ' ~~أن ' من خبر عسى أكثر من إلحاق ' أن ' في خبر ' كاد ' لمقاربة كاد ذات ~~الفعل ، و ' أن ' تنافي ذلك ، قال : ومن الفرق بينهما أن عسى ا يضمر فيها ~~ضمير الشأن والقصة لشبهها بالحرف لعدم تصرفها وتضمر في كاد لتصرفها ، ثم ~~رجح أنه يضمر فيها وإن لم تتصرف كما أضمر في نعم وبئس وقال ابن هشام ~~الخضراوي في شرح الإيضاح أيضا : إن سبيويه قدر عسى بقارب ، أي فترفع وتنصب ~~لأن قار بمتعد ، وقدرها بقرب ، أي يفلا تنصب لعدم تعديه ، قال : ولا تدخل ~~عسى على الماضي ، قال أبو علي : لأنها للاستقبال المحض ولذلك وقع بعدها ' ~~أن ' فلا تصلح للماضي بوجه ، وقال شارح الجزولية : عسى لها الظاهر مذهبان : ~~أحدهما أن تكون ناقصة بمعنى كان الناقصة ، تحتاج إلى اسم وخبر إلا أنه ~~يشترط في خبرها أن يكون فعلا ، وأصله أن يكون اسما مثل خبر كان إلا أنه عدل ~~عنه إلى الفعل تنبيها على الدلالة على ما هو المقصود من ارجاء وتقوية لما ~~يفيده الرجاء من الاستقبال ، وشبهت في هذا الوجه ، ب ' قارب زيد الخروج ' ~~تحقيقا لبيان الإعراب لا في المعنى ، لأن ' قار بزيد الحروج ' ليس فيه ~~إنشاء رجاء ولا غيره ، وإنماهو تمثيل لتقدير الإعراب اللفظي لأنه أصلها أن ~~تكون كذلك وإنما طرأ عليها إنشاء الرجاء كما كان ذلك في التعجب ونعم وبئس ~~وغيرهما ، والمذهب الثاني أن تأتي تامة فتستعمل استعمال ' قرب ' فتدخل على ~~' أن ' مع الفعل فتقول : عسى أن يقوم زيد ، واستغنى فيها - بأن والفعل - عن ~~الخبرين كما استغنى في ' ظننت أن يقوم زيد ' عن المفعولين ، وذلك لاشتماله ~~على مسند ومسند إليه ، وهو المقصوج بهذه الأفعال ، فإذا قلت : زيد عسى أن ~~يقوم احتمل أن تكون ناقصة فيكون فيها ضمير يعود على زيد هو اسمها و ' أن ' ~~مع الفعل خبرها ، ويحتمل ms1938 أن تكون التامة فلا يكون فيها ضمير وتكون ' أن ' ~~مع الفعل فاعلها ، وقال ابن الخباز الموصلي في كتابه النهاية في شرح كفاية ~~الكفاية ، عسى للطمع للمبالغة في الطمع ، فلا يكون خبرها ماضيا لأن معناها ~~الرجاء والطمع ، والماضي لا يطمع فيه ولا يرجى حصوله ، واستدل على أنها لا ~~تستعمل إلا في المستقبل بقول بعض شعراء الحماسة : | # % عسى طيئ من طيئ بعد هذه % % ستطفئ غلات الكلى و الجوانح % % فإنى ~~بالسين لأنه لم يمكنه الإتيان ب ' أن ' في الشعر ، وقال شارح الجزولية ما ~~معناه : إنه التزم في خبرها الفعل للدلالة على الاستقبال وألزم ' أن ' ~~تقوية لذلك ، ولهذا PageV03P288 لم يكن خبرها اسما إذا لا دلالة للاسم على ~~الزمان ، ولم يوضع مكانها السين وسوف لأنهما يدلان على تنفيس في الزمان ~~والغرض هنا تقريبه ، وقد يجئ في الشعر قليلا - وأنشد البيت المذكور ، وقال ~~ابن الخباز : دخول الاستفهام عليها يؤذن بأنها ليست للطمع لأت الاستفهام لا ~~يدخل على الطمع ولاعلى ما ليس بخبر ، فدخول هل على مما يؤذن بأنها خبر - ~~انتهى . فتفسيرها بما ذكرته - من أنها لما يمكن أن يكون وهو خليق بأن يكون ~~- أول ، ويكون الطمع لازما لمضمون الكلام لا أنه مدلولها بالمطابقة والله ~~الموفق < < # | التوبة : ( 19 - 24 ) أجعلتم سقاية الحاج . . . . . # > > ^ ( أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم ~~الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ~~* الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة ~~عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم ~~فيها نعيم مقيم * خالدين فيهآ أبدا إن الله عنده أجر عظيم * يأيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا آبآءكم وإخوانكم أوليآء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن ~~يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون * قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونهآ ~~أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ~~والله لا يهدي القوم الفاسقين ) ^ } ) | ولما بين سبحانه الصالح لذلك ms1939 من ~~غيره , أنكر على لم يفرق بين الصنفين فقال : { اجعلتم سقاية الحاج } أي ~~مجردة عن الإيمان { وعمارة المسجد الحرام } اي كذلك كالإيمان بالله واليوم ~~الآخر والجهاد , وأهل السقاية والعمارة من غير إيمان في موالاتهم والكف عن ~~معادتهم { كمن من بالله } أي الحامل اعتقاد كماله على كل كمال { واليوم ~~الآخر } أي الحاث خوفه على كل خير { وجاهد في سبيل الله } أي الملك الأعلى ~~المحيط بكل شيء , فالآية على قراءة الجماعة من الاحتباك : حذف أولا المشبه ~~به لدلالة المشبه عليه وثانيا المشبه لدلالة المشبه به عليه , وأما على ~~رواية نسي بن وردان عن أبي جعفر شاذا : سقاة وعمرة - بالجمع فلا يحتاج إلى ~~تقدير ولما كان كأنه قيل : كنا نظن ذلك فماا حالهم ؟ قال : { لا يستون عند ~~الله } أي الذي له الكمال كله لأن المشركين ظلموا بترك الإيمنا { والله } ~~أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه { لا يهدي الظالمين * } أي الذين ~~وضعوا الأشياء في غير مواضعها , والكفر أعظم الظلم , فلا توجبوا لهم ~~الهداية ولا المساواة بالمهتدين وإن PageV03P289 باشروا جميع افعال ~~المهتدين ما عدا الإيمان , ومن فعل ذلك منكم كان ظالما وخيف عليه سلب موجب ~~الهداية . | ولما نفى عنهم المساواة من غير تصريح بأهل الترجيخ ليشتد ~~التشوف إلى التصريح فيكون اثبت في النفس وأوقر في القلب , كان كأنه قيل : ~~فمن الراجح ؟ فقال : { الذين آمنوا } أي وقعوا هذا الفعل , وهو إيمان ~~المخاطب من ان يكذبوه بشيء مما يخبر به عن الله , وقصر الفعل وهوفي الأصل ~~متعد ليفيد أنه لا إيمان غير هذا , وإن وجد غيره فهو عدم بالنسبةإليه , ~~وكذا كل فعل قصر فهو على هذا المنوال ليشار به إلى أنه لعظيم نفعه لا فعل ~~من جنسه غيره { وهاجروا واجاهدوا } ولما كان المحدث عنه فيما قبل المجاهد ~~في سبيل الله , اقتضى المقام تقديمه على الآلة بخلاف ما في آخر الأنفال فغن ~~المقام اقتضى هناك تقديم المال والنفس لما تقدم من موجبه في غيرآية - كما ~~سلفت بيانه , وأيضا ففي هذا الوقت كان المال قد كثر ms1940 , ومواضع الجهاد قد بت ~~, فناسب الاهتمام بالسبيل فلذا قدم { في سبيل الله } أي مخلصين له لأنه ~~الملك الذي لا كفؤ له , ثم أتبعه قوله : { باموالهم وأنفسهم } فصرح بالنفس ~~ترغيبا في المباشرة بها { أعظم درجة } أي من جهة ارتفاع الدرجة , وهي ~~الفضيلة المقربة غلى الله . | ولما لم يكن العبرة إلا بما عنده سبحانه , لا ~~بما عند الناس , قال تعالى : { عند الله } اي الملك الأعظم من أهل السقاية ~~وما معها من غير إيمان مدلول عليه بشواهده , حملة المدلول عليه , وكرر ~~الاسم الأعظم لمزيد الترغيب لخطر المقام وصعوبة المرام ؛ وأفهم هذا أت تلك ~~الأفعال شريفة في نفسها , فمن باشرها كان على درجة عظيمة بالنسبة إلى من لم ~~يباشرها , ومن بناها على الأساس كان أعظم ؛ ثم بين ما يخص أهل حزبه فقال : ~~{ وأولئك } أي العالو التربة { هم } أي خاصة لا أنتم أيها المفاخرون مع ~~الشرك { الفائزون * } أي بالخير الباقي في الدارين دون من عداهم وإن فعل من ~~الخيرات ما فعل , لأنهم ترقوا من العبدية إلى العندية . | ولما بين أن جزاء ~~أولئك الخلود في النار , بين ما لهؤلاء , فقال مفسرا لفوزهم : { يبشرهم ~~ربهم } أي المحسن إليم بهدايتهم واجتبائهم . وناهيك بهذه البشارة الدالة ~~على علو مقامهم لأنها بلا واسطة , وكون البشارة على قدر المبشر دال أنه هذه ~~البشارة بشارة عظيمة لا نهاية لها ولا يحاط بمعرفة مقدارها { برحمة } اي ~~عظيمة , وزادها عظما بقوله : { منه } وذلك إشارة إلى أنه لا نجاة بدون ~~العفو ؛ ثم أخبر بان الرحمة كما اثمرت PageV03P290 العفو الذي هو أدنى ~~المنازل أسعدت بأعلاها فقال : { ورضوان } أي بأن يكون راضيا عن الله للرضى ~~بقضاء الله وذلك يكون إذا قصر نظره على الله فإنه لا يتغير أبدا بقضاء من ~~أقضيته كما أن الله - الذي هو راحمه - لا يتغير , ومن كان نظره لطلب حظ له ~~كان أبدا في تغير من الفرح غلى الحزن ومن السرور إلى الغم ومن الراحة إلى ~~الجراحة ومن اللذة إلى الألم , فثبت أن الرحمة التانة لا تحصل إلا للراضي ~~بقضاء الله ويكون الله ms1941 راضيا عنه فتكون نفسه راضية مرضية , ولهذا لم يقيده ~~ب ( منه ) وهذان في الدنيا والآخرة ولما ذكر هذه الجنة الروحانية المنعم ~~بها في الدنيا , أتبعه بيان الجنة الروحانية البدنية الخاصة بالدار التي ~~فيها القرار فقال : { وجنات } أي بساتين كثيرة الأشجار والثمار { لهم فيها ~~نعيم } أي عظيم جدا خالص عن كدر ما , ودل على الخلود بقوله : { مقيم * } ثم ~~صرح بخلودهم فيها بلفظ الخلود ليكون أقر للنفس فقال : { خالدين فيها } وحقق ~~أمره بقوله : { أبدا } ثم استأنف المدح لذلك مؤذنا بالمزيد بقوله : { إن ~~الله } أي الذي له الغنى المطلق والقدرة الكاملة { عنده أجر عظيم * } ~~وناهيك بما يصفيه العظيم دالا بالعظم , وخص هؤلاء المؤمنين بهذا الثواب ~~المعبر عن دوامه بهذه العبارات الثلاث المقرونه بالتعظيم والاسم الأعظم , ~~فكان أعظم الثواب , لأن إيمانهم أعظم الإيمان . | ولما فرغ من العاطفة ~~بمحاسن الأعمال , شرع في العاطفة بالأنساب والأموال , وقدم الأول إشارة إلى ~~أن المجانسة في الأفعال مقدمة على جميع الأحوال , ولما كان محط الموالاة ~~المناصرة , وكانت النصرة بالآباء والإخوان اعظم من النصرة بغيرهم , لأن ~~مرجعها إلى كثرة الأعوان والأخدان , اقتصر عليها فقال : { يأيها الذين ~~آمنوا } أي أقروا بألسنتهم بالإيمان بربهم معرضين عما سواه من الأنداد ~~الظاهرة ! صدقوا ادعاءكم ذلك بأن { لا تتخذوا } أي تتعمدوا وتتكلفوا أن ~~تأخذوا { آباءكم وإخوانكم أولياء } أي على ما يدعو إليه الطباع وتقوية ~~الأطماع فتلقوا إليهم أسراركم وتؤثروا رضاهم والمقام عندهم { استحبوا } اي ~~طلبوا وأوجدوا ان أحبوا { الكفر } وهو تغطية الحق والتكذيب { على الإيمان } ~~نبه بصيغة الاستفعال على أن الإيمان لكثرة محاسنه وظهور دلائله معشوق ~~بالطبع , فلا يتركه أحد إلا بنوع معالجة ومكابرة لعقله ومجاهدة . | ولما ~~كان أعز الأشياء الدين , وكان لا ينال إلا بالهداية , وكان قد تقدم سلبها ~~عن الظالم , ورهبهم من انتزاعه بقوله : { ومن يتوالهم } أي يتكلف أن يفعل ~~في أمرهم ما يفعل القريب مع قريبه { منكم } أي بعد ما أعلمكم الله في أمرهم ~~مما أعلم { فأولئك } أي المعبدون عن الحضرات الربانية { هم الظالمون * } أي ~~لوضعهم الموالاة في غير موضعها بعد تقدم ms1942 إليهم سبحانه بمثل هذه الزواجر , ~~وهذا رجوع بالاحتراس إلى PageV03P291 < # > 77 ( { وأولو الأرحام بعضهم أولى بعض } ) 77 < # > [ الأنفال : 75 ] - الآية الوالية لبيان المؤمنين حقا وإشارة إلى أنه ~~يضلهم ولا يهديهم لما تقدم من الخبر بأنه لا يهدي الظالمين . | ولما كانت ~~الأنفس مختلفةالهمم متباينة السجايا والشيم , كان هذا غير كاف في التهديد ~~لكلها , فأتبعه تهديدا أشد منه بالنسبة إلى تلك النفوس فقال متنقلا من ~~أسلوب الإقبال إلى مقام الإعراض المؤذن بزواجر الغضب : { قل } أي يا أعظم ~~الخلق شفقة ورفقا ونصيحة لمن لم يزعمه ما تقدم من الزواجر أنه يجب تحمل ~~جميع هذه المضار في الدنيا ليبقى الدين سالما ولا ينثلم { إن كان آباؤكم } ~~أي الذين أنتم أشد شيء توقيرا لهم { وأبناؤكم } أي الذين هم اعز الناس ~~لديكم وأحبهم إليكم { وإخوانكم } اي الذين هم من اصولكم فهم كأنفسكم { ~~وأزواجكم } أي اللاتي هن سكن لكم { وعشيرتكم } أي التي بها الراحة وقيام ~~العز والمنعة وهم أهل الإنسان الأدنون الذين يعاشرونه . | ولما تقدم سبحانه ~~ما هو مقدم على المال عند أولي الهمم العوال قال : { وأموال اقترفتموها } ~~أي اكتسبتموها بالمعالجة من الأسفار وغيرها لمعاشكم { وتجارة تخشون كسادها ~~} أي لفوات أوقات نفاقها بسبب اشتغالكم بما ندب الله سبحانه إليه فيفوت - ~~على ما تتوهمون - ما به قوامكم { ومساكن ترضونها } أي لأنها مجمع لذلك كله ~~, ولقد رتبها سبحانه أحسن ترتيب , فإن الأب أحب المذكورين لما هنا من شائبة ~~النصرة , وبعده الابن ثم الأخ ثم الزوج ثم العشير الجامع بالمسكن لأنه ~~الغاية التي كل ما تقدم أسباب للاسترواح فيه والتجمل به { أحب إليكم من ~~الله } أي الجامع لصفات الكمال الذي أنعم عليكم بجميع ماذكر , ومتى شاء ~~سلبكموه { ورسوله } أي الذي أتاكم بما به حفظ هذه النعم في الدارين { وجهاد ~~في سبيله } أي الرد الشارد من عباده إليه وجمعهم عليه , وفي قوله - : { ~~فتربصوا } أي انتظروا متربيصين - تهديد بليغ { حتى يأتي الله } أي الذي له ~~الإحاطة بكل شيء { بأمره } أي الذي لا تبلغه اوصافكم لا تحتمله قواكم . ~~ولما كان من آثر حب شيء ms1943 من ذلك على حبه تعالى , كان مارقا من دينه راجعا ~~إلى دين من آثره , وكان التقدير : فيصيبكم بقارعة لا تطيقونها ولا تهتدون ~~إلى دفعها بنوع حلية , لأنكم اخترتم لأنفسكم منابذة الهداية ومعلوم أن من ~~كان كذلك فهو مطبوع في الفسق , عطف عليه قوله : { والله } أي الجامع لصفات ~~الكمال { لا يهدي القوم } اي لايخلق الهداية في قلوب { الفاسقين * } اي ~~الذين استعملوا ما عندهم من قوة القيام فيما يريدون من الفساد حتى صار ~~الفسق - وهو الخروج مما حقه لالمكث فيه و التقيد به وهو هنا الطاعة - خلقا ~~من أخلاقهم ولازما من لوازمهم , بل يكلمهم إلى نفوسهم فيسخروا الدنيا ~~والآخرة . | PageV03P292 < < # | التوبة : ( 25 - 27 ) لقد نصركم الله . . . . . # > > ^ ( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم ~~تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا ~~وذلك جزآء الكافرين * ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشآء والله غفور رحيم ~~) ^ } ) | في بعض النفوس من الغرور بالكثرة ما يكسبها سكرة تغفلها عن بعض ~~مواقع القدرة , ساق قصة حنين دليلا على ذلك الذي أبهمه من التهديد جوابا ~~لسائل كان كأنه قال : ما ذاك الأمر الذي يتربص لإتيانه ويخشى من عظيم شأنه ~~؟ فقيل : الذل والهوان والافتقار والانكسار , فكأنه قيل : وكيف يكون ذلك ؟ ~~فقيل : بأن يسلط القدير عليكم - وإن كنتم كثيرا - أقوياء غيركم وإن كانوا ~~قليلا ضعفاء كما سلطكم - وقد كنتم كذلك - حتى صرتم إلى ما صرتم إليه : { ~~لقد نصركم الله } أي الملك الأعلى مع شدة ضعفكم { في مواطن أي مقامات ~~ومواقف وأماكن توطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم { كثيرة } اي من الغزوات ~~التي تقدمت لكم كبدر وقريظة والنضير وقينقاع والحديبية وخيبر وغيرها من ~~مخاصمات الكفار , وكنتم من الذلة والقلة والانكسار بحال لا يتخيل معها ~~نصركم وظهوركم على جميع الكفار وأنتم فيهم كالشعرة البيضاء في جلد الثور ~~الأسود , وما وكلكم إلى مناصرة من تقدم أمره لكم بمقاطعتهم , فدل ms1944 ذلك على ~~أن من أطاع الله ورجع الدين على الدنيا ىتاه الله الدين والدنيا على أحسن ~~الوجوه وإن عاداه الناس أجمعون , ودل بما بعدها من قصة حنين على أن من ~~اعتمد على الدنيا فاته الدين والدنيا إلا يتداركه الله برحمته منه فيرجع به ~~. فقال تعالى : { ويوم } أي ونصركم بعد أن قواكم وكثركم هو وحده , لا كثركم ~~وقوتكم يوم { حنين } وهو واد بين مكة والطائف إلى جانب ذي المجاز , وهو إلى ~~مكة أقرب , وراء عرفات إلى الشمال ولما كان سلمة بن سلامة بن وقش الأنصاري ~~رضي الله عنه قد قال حين التقى الجمعان وأعجبته كثرة الناس : لن نغلب اليوم ~~من قلة ! فساء النبي صلى الله عليه وسلم كلامه وأن يعتمد إلا على الله , ~~وكان الإعجاب سما قاتلا للأسباب , أدبنا الله سبحانه في هذه الغزوة بذكر ~~سوء اثر لنحذره , ثم عاد سبحانه بالإنعام لكون الذي قاله شخصا واحدا كره ~~غيره مقاتله . فقال : { إذ } أي حين { أعجبتم كثرتكم } أي فقطعتم لذلك أنه ~~لا يغلبها غالب , وأسند سبحانه الفعل للجمع إشارة إلى أنهم لعلو مقامهم ~~ينبغي ان لا يكون منهم من يقول مثل ذلك { فلم تغن عنكم شيئا } أي من ~~الإغناء { وضاقت عليكم الأرض } أي الواسعة { بما رحبت } اي مع اتساعها ~~فصرتم لا ترون ان فيها مكانا يحصنكم مما PageV03P293 أنتم فيه لفرط الرعب , ~~فما ضاق في الحقيقة إلا ما كان من الآمال التي سكنت إلى الأموال والرجال , ~~ولعل عطفه - لتوليهم بأداة التراخي في قوله : { ثم وليتم } أي تولية كثيرة ~~ظهوركم الكفار , وحقق ذلك بقوله : { مدبرين * } أي انهزاما مع أن الفرار ~~كان حين اللقاء لم يتأخر - إشارة إلى ما كان عندهم من استعباده اعتمادا على ~~القوة والكثرة { ثم أنزل الله } أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال { سكينته ~~} أي رحمته , وهي الأمر الذي يسكن القلوب عن أن تتأثر يدهمها من البلاء من ~~الوثوق به سبحانه ومشاهدة جنابة الأقدس والغناء عن غيره . | ولما كان ~~المقام للرسالة , وكان تأييد مدعيها من أمارات صدقه في دعوى أنه رسول , وأن ms1945 ~~مرسله قادر على ما يريد لا سيما إن كان تأييده على وجه خارق للعادة , عبر ~~به دون وصف النبوة فقال : { على رسوله } أي زيادة على ما كان به من السكينة ~~التي لم يحز مثلها أحد , ثبت بها الثلاثين ألفا أو عشرين أو أربعة آلاف على ~~اختلاف الروايات في عشرة أنفس أو مائة أو ثلاثمائة - على الاختلاف ايضا , ~~لم يكن ثباتهم إلا به , ثم لم يزده ذلك إلا تقدما حتى أن كان العباس عمه ~~وأبو سفيان بن الحارث ابن عمه رضي الله عنهما ليكفيان بغلته عن بعض التقدم ~~, ولعل العطف ب ( ثم ) إشارة إلى علو رتبة ذلك الثبات واستبعاد أن يقع مثله ~~في مجاري العادات { وعلى المؤمنين } أي أما من كان منهم ثابتا فزيادة على ~~ما كان له من ذلك , وأما غيره فأعطي ما لم يكن في ذلك الوقت له , وذلك انه ~~صلى الله عليه وسلم قال لعمه العباس رضي الله بعدما فر الناس : ناد فيهم يا ~~عباس ! فنادى وكان صيتا : ياعباد الله ! يا اصحاب الشجرة ! يا أصحاب سورة ~~البقرة ! فكروا عنقا واحدا يقولون : لبيك لبيك ! ويحتمل أن يكون ذكر الرسول ~~عليه السلام لمجرد التبرك كما في ذكر الله في قوله : < # > 77 ( { فإن الله خمسة } ) 77 < # > [ الأنفال : 41 ] وزيادة في تعظيم الامتنان به لأن النفوس إلى ما أعطى ~~منه الرسول أميل والقلوب له اقبل لاعتقاد جلاله وعظمته وكماله { وأنزل } أي ~~من السماء { جنودا لم تروها } أي من الملائكة عليهم السلام { وعذب } أي ~~بالقتل والأسر والهزيمة والسبي والنهب { الذين كفروا } عبر بالفعل لأن فيهم ~~من آمن بعد ذلك . | ولما كان ما عذب به من اوجد مطلق هذا الوصف عظيما , ~~اتبعه بيان جزاء العريق في ذلك ترهيبا لمن آثرحب شيء مما مضى على حب اله ~~فقال : { وذلك } أي العذاب PageV03P294 الذي منه ما عذب به هؤلاء وغيره { ~~جزاء الكافرين * } اي الراسخين في وصف الكفر الذين آثروا حب من تقدم من ~~الاباء وغيرهم على الله فثبتوا على تقليد الآباء في الباطل بعدما رأوا من ~~الدلائل ms1946 ما بهر الشمس ولم يدع شيئا من لبس , وأما الذين لم يكن كفرهم راسخا ~~فكان ذلك صلاحا لهم لنه قادهم إلى الإسلام , فقد تبين أن المنصور من نصره ~~الله قليلا كان أو كثيرا , وأن القلة والكثرة والقوة والضعف بالنسبة إلى ~~قدرته سواء , فلا تغتروا بما الزمكم من النعم فإنه قادر على نزعها , لا ~~تستحق أحد عليه شيئا , ولا يقدر أحد على رد قضائه , وفي ذلك إعلام بأنه لا ~~يرتد بعد إيمانه إلا من كان عريقا في الكفر , وفيه أبلغ تهديد لأنه إذا عذب ~~من أوجد الكفر وقتا ما فكيف بمن رسخ فيه ! الكفر , وفيه ابلغ تهديد لأنه ~~إذا عذب من اوجد الكفر وقتا ما فكيف بمن رسخ فيه ! ولما بين أن العذاب جزاء ~~الكافرين , بين أنه يتوب على من يريد منهم , وهم كل من علم منه قابيلة ~~للإيمان وإن كان شديدا وصف الكفران , فقال عاطفا على { وعذب } : { ثم يتوب ~~الله } أي الذي له الإحاطة علما وقدرة , ولما لم يكن أحد تستغرق توبته زمان ~~البعد أدخل الجار فقال : { من بعد ذلك } أي العذاب العظيم { على من يشاء } ~~اي فيهديه إلى الإسلام ويغفر له جميع ما سلف من الآثام { والله } أي الذي ~~له صفات الكمال { غفور رحيم * } أي محاء للخطايا عظيم افكرام لمن تاب , وفي ~~ذلك إشارة إلى أنه جعل هذه الوقعة , لحكمته التي اقتضت ربط المسببات ~~يأسبابها - سببا لإسلام من حضرها من كفار قريشوغيرهم من المؤلفة بما قسم ~~فيهم صلى الله عليه وسلم من غنائم هوزان وبما رأوا من عز الإسلام وعلوه , ~~فكان في ذلك ترغيب لهم بالمال , وترهيب بسطوات القتال , ولإسلام وفد هوزان ~~بما حصل لهم من القهر وما شاهدوا للنبي صلى اله عليه وسلم من عظيم النصر , ~~ولإسلام غيرهم من العرب بسبب علم كل منهم بهذه الوقعة أنهم اضعف ناصرا وأقل ~~عددا , كل ذلك رحمة منه سبحانه لهم ورفقا لهم , وقد كان جميع ذلك كما اشار ~~إليه سبحانه , فاسلم الطلقاءوحسن إسلامهم , وقدم وفد هوزان وسألوا النبي ~~صلى الله عليه ms1947 وسلم جبرهم برد ما أخذ لهم فقال لهم : إني استأنيت بكم , ~~فلما ابطأتم قسمت بين الناس فيئهم , فاختاروا المال أو السبي ! فاختاروا ~~السبي فشفع لهم عند الناس فاجابوه فرد إليهم ابناءهم ونساهم رحمة منه لهم , ~~وذل العربى لذلك فدخلوا في الدين أفواجا , وختم هذه الآية بالمغفرة والرحمة ~~على ما هو النسب لسياق التوبة بذلك على انه ما عدل إلى ختم الأولى ب ( عليم ~~حكيم ) إلا لما قررته من جعل أم في { أم حسبتم معادلة للهمزة . والله أعلم ~~| PageV03P295 < < # | التوبة : ( 28 - 29 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ~~بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شآء إن الله عليم ~~حكيم * قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم ~~الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية ~~عن يد وهم صاغرون ) ^ } ) | ولما تقدم في الأمر والنواهي وبيان الحكم ~~المرغبة والمرهبة ما لم يبق لمن عنده أدنى تمسك بالدين شيئا من الالتفات ~~إلى المفسدين , بين أن العلة في مدافعتهم وشديد مقاطعتهم أنهم نجس وأن ~~الواضع - التي ظهرت فيها انوار عظمته وجلالته واشرقت عليها شموس ~~نبوتهورسالته , ولمعت فيها بروق كبره وجالت صوارم نهية وأمره - مواضع القدس ~~ومواطن الأنس , من دنا إليها من غير أهلها احترق بنارها , وبهرت بصره أشعة ~~أنوارها , فقال مستخلصا مما تقدم ومستنتجا : { يأيها الذين آمنوا } اي ~~أقروا بألسنتهم بالإيمان وهم ممن يستقبح الكذب { إنما المشركون } أي ~~العريقون في الشرك بدليل استمرارهم عليه . | ولما كانوا متصفين به , وكانوا ~~لا يغتسلون - ولا يغسلون - ثيابهم من النجاسة , بولغ في وصفهم بها بأن ~~جعلواعينها فقال : { نجس } أي وأنتم تدعون أنكم أبعد الناس عن النجس حسا ~~ومعنى , فيجب أن يقذروا وأن يبعدوا ويحذروا كما يفعل بالشيء النجس لما ~~اشتملوا عليه من خلال الشر واتصفوا به من خصال السوء , وأما أبدانهم فاتفق ~~الفقهاء على طهارتها لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرب من أوانيهم ولم ينه ~~عن ms1948 مؤاكلتهم ولا أمر بالغسل منها ولو كانت نجسة ما طهرها الإسلام . ولما ~~تسبب عن ذلك إبعادهم , قال : { فلا تقربوا } أي المشركون , وهذا نهي ~~للمسلمين عن تمكنهم من ذلك , عبر عنه بنهيهم مبالغة فيه { المسجد الحرام } ~~أي الذي أخرجوكم منه وأنتم أطهر الناس , واستغرق الزمان فأسقط الجار ونبههم ~~على حسن الزمان واتساع الخير فيه بالتعبير بالعام فقال : { بعد عامهم } ~~وحقق الأمر وأزال اللبس بقوله : { هذا } وهو آخر سنة تسع سنة الوفود مرجعه ~~صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك , فعبربقربانه لا بإتيانه بعد التقدم ~~إليهم بان لا يقبل من مشرك إلا الإسلام أو القتل إشارة غلى إخراج المشركين ~~من جزيرة العرب وانها لا يجتمع بها دينان لأنها محل النبوة العربية وموطن ~~الأسرار الإلهية , فمن كان فيها - ولو في أقصاها - فقد قارب جميع ما فيها , ~~وتكون حينئذ بالنسبة إلى الحرم كأفنية الدور ورحاب المساجد ؛ وفي الصحيح عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أبا بكر رضي الله ~~عنه أميرا على الحج بعد رجوعه من تبوك ثم أردفه بعلي رضي الله عنه ~~PageV03P296 فأمره ان يؤذن ببراءة , قال أبو هريرة : فاذن معنا علي يوم ~~النحر في أهل منى ببراءة وان لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ~~. وهذه سنة قديمة فقد امر الله تعالى بني إسرائيل في غير موضع من التوارة ~~بأن لا يبقوا في جميع بلاد بيت المقدس احدا من المشركين بخلاف غيرها من ~~البلاد التي يفتحها الله عليهم , منها ما قال المترجم في أواخر السفر ~~الخامس : وإذا تقدمتم إلى قرية أو مدينة لتقابلوا اهلها ادعوهم إلى الصلح , ~~فإن قبلوه وفتحوا لكم من كان فيها من الرجال يكونوا عبيدا لكم يؤدوا إليكم ~~الخراج , وإن لم يقبلوا الصلح وحاربوكم فحاربوهم وضيقوا عليهم فإن الله ~~ربكم يدفعها إليكم وتظفرون بمن فيها , فإذا ظفرتم بمن فيها فاقتلوا الذكور ~~كلهم بالسيف , كذلك اصنعوا بجميع القرى البعيدة النائية التي ليست من قرى ~~هذه الشعوب فأما قرى هذه الشعوب التي يعطيكم ms1949 الله ميراثا فلا تبقوا من ~~أهلها احدا ولكن اقتلوهم قتلا كالذي أمركم الله ربكم لئلا يعلموكم النجاسة ~~التي يعلمونها لآلهتهم , ومثل ذلك كثير فيها , وقد مضى بعده فيما ذكرته عن ~~التوارة . | والله الموفق , وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة اقسام : ~~احدها الحرم , فلا يجوز للكافر أن يدخله بحال لظاهر هذه الآية , الثاني ~~الحجاز وما في حكمه وهو جزيرة العرب , فيدخله الكافر بالإذن ولا يقيم أكثر ~~من مقام السفر ثلاثة أيام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أخرجوا ~~المشركين من جزيرة العرب , وهي من اقصى عدن أبين , وهي في الجنوب إلى أطراف ~~الشام وهي في الشمال طولا , ومن جدة وهي أقصى الجزيرة غربا على شاطئ بحر ~~الهند إلى ريف العراق وهوفي المشرق عرضا , والثالث سائر بلاد الإسلام يجوز ~~للكافر الإقامة فيها بذمة وأمان ما شاء , ولكن لا يدخل المساجد إلا بإذن ~~مسلم . ذكر ذلك البغوي , قال ابن الفرات في تاريخه عند غزو بخت نصر لبني ~~إسرائيل ولأرض العرب : إنما سميت بلاع العرب جزيرة لإحاطة البحار والأنهار ~~بها , فصارت مثل الجزيرة من جزائر البحر , وذلك ان الفرات أقبل من بلاد ~~الروم وظهر من ناحية قنسرين ثم انحط على الجزيرة وسواد العراق حتى وقع في ~~البحر من نحاحية البصرة والأبلة وامتد البحر من ذلك الموضع مطيفا ببلاد ~~العرد , فأتى منه عنق على كاظمة وتعدى إلى القطيف وهجر وعمان والشجر , ومال ~~منه عنق إلى حضرموت وناحية أبهر وعدن , واستطال ذلك العنق فطعن في تهامة ~~اليمن ومضى إلى ساحل جدة , وأقبل النيل في غربي هذا العنق من أعلى بلاد ~~السودان مستطيلا معارضا PageV03P297 للبحر معه حتى وقع في بحر مصر والشام , ~~ثم اقبل ذلك البحر من مصر حتى بلغ بلاد فلسطين فمر بعسقلان وسواحلها , واتى ~~على بيروت ونفد إلى سواحل حمص وقنسرين حتى خالط الناحية التي أقبل منها ~~الفرات منحطاعلى أطراف قنسرين والجزيرة إلى سواد العراق , واقبل جبل السراة ~~من قعرة اليمن حتى بلغ أطراف الشام فمسته العرب حجازا لأنه حجز بين الغور ~~ونجد ms1950 فصار ما خلف ذلك الجبل في غربيه الغور وهو تهامة , وما دونه في شرقيه ~~نجدا . | انتهى . | ولما كان ماوالاها من ارض الشام ونحوها كله انهارا أو ~~جداول , جعل كأنه بحر لأنه في حكم شاطئه , ولما كان قوامهم بالمتاجر , وكان ~~قوام المتاجر وانعدام الرباح المفضي إلى الحاجة وكان قد أمر بنفيهم رعاية ~~لأمر الدين , وكان سبحانه عالما بأن ذلك يشق على النفوس لما ذكر من العلة ~~ولا سيما وقد قال بعضهم لما أقرأ علي رضي الله عنه آيات البراءة على اهل ~~الموسم : يأهل مكة ! ستعلمون ما تلقونه من الشدة بانقطاع السبيل وبعد ~~الحمولات , وعد سبحانه - وهو الواسع العليم - بما يغني عن ذلك , لأن من ترك ~~الدنيا لأجل الدين اوصله سبحانه إلى مطلوبه من الدنيا مع ما سعد به من أمر ~~الدين ( من ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه ) فقال : { وإن خفتم } اي بسبب ~~منعهم به قربان المواطن الإلهية { علية } أي فقراوحاجة { فسوف يغنيكم الله ~~} أي هو ذو الجلال والإكرام { من فضله } وهو ذو الفضل والطول والقوة والحول ~~ولما كان سبحانه الملك الغني القادر القوي الذي لا يجب لحد عليه شيء وتجب ~~طاعته على كل شيء , نبه على ذلك بقوله : { إن شاء } ولما كان ذلك عندهم ~~مستعبدا , علل تقريبا بقوله : { إن الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { ~~عليم } اي بوجوه المصالح { حكيم * } اي في تدبير استجلابها وتقدير إدرارها ~~ولقد صدق سبحانه ومن اصدق منه قيلا فإنه اغناهم - بالمغانم التي انتثلها ~~بأيديهم بعد نحو ثلاث سنين من إنزالها من كنوز كسرى وقيصر - غنى لم يطرق ~~أوهامهم قط , ثم جعل ذلك سببا لاختلاط بعض الطوائف من جميع الناس ببعض ~~لصيرورتهم إخوانا في الدين الذي كان سببا لأن يجتمع في سوق منى وغيره في ~~ايام الحج كل عام من المتاجر مع الغرب والعجم ما لا يكون مثله في بقعة من ~~الأرض , والعلية : الفاقة والافتقار , ومادتها بهذا الترتيب تدور على ~~الحاجة وانسداد وجوه الحلية وقد تقدم أول النساء انها - لا بقيد ترتيب - ~~تدور تقاليبها الثمانية ms1951 على الارتفاع ويلزمه الزيادة زالميل , ومنه تأتي ~~الحاجة , وبرهن على ذلك في جميع الجزيئات . | PageV03P298 ولما كان ذلك ~~موضع تعجب يكون سببا لأن يقال : من اين يكون ذلك الغنى ؟ أجاب بقوله : { ~~قاتلوا } أي أهل الأموال والغنى { الذين لا يؤمنون بالله } اي الذي له جميع ~~صفات الكمال إيمانا هو على ما أخبرت به عنه رسله , ولو آمنوا هذا الإيمان ~~ما كذبوا رسولا من الرسل , وايضا فالنصارى مثلثة وبعض اليهود مثنية { ولا ~~باليوم الآخر } الملك الأعلى الذي له الأمر كله { ورسوله } أي من الشرك ~~واكل الأموال بالباطل وغير ذلك وتبديل التوراة والإنجيل { ولا يدينون } أي ~~يفعلون ويقيمون , واشتق من الدين فعلا ثم اضافة إلى صفته إغراقا في اتخاذه ~~بذلك الوصف فقال : { الدين الحق } اي الذي اخذت عليهم رسلهم العهود ~~والمواثيق باتباعه , ثم بين الموصل مع صلته فقال : { من الذين } ودل على ~~استهانته سبحانه بهم وبراءته منهم بأن بني للمفعول قوله : { اوتوا الكتاب } ~~أي من اليهود والنصاري ومن ألحق بهم { حتى يعطوا الجزية } أي هي ما قرر ~~عليهم في نظر سكناهم في بلاد الإسلام آمنين , فعله من جزى يجزي . إذا قضى ~~ما عليه { عن يد } أي قاهرة إن كانت يد الآخذ أو مقهورة إن كانت يد المعطي ~~, من قولهم : فلان أعطى بيده { وهم صاغرين * } ففي ذلك غنى لا يشبه ما كنتم ~~فيه من قتال بعضكم لبعض لتغنم ما في يده من ذلك المال الحقير ولا ما كنتم ~~تعدونه غنى من قتال بعضكم لا يبلغ أكبرها واصغرها ما أرشدناكم إليه مع ما ~~في ذلك العز الممكن من الإصلاح والطاعة وسترون , وعبر باليد عن السطوة التي ~~ينشأ عنها الذل والقهر لأنها الآلة الباطشة , فالمعنى عن يد قاهرة لهم , اي ~~عن قهر منكم لهم وسطوة بأفعالهم التي أصغرتهم عظمتها وألتهم شدتها , قال ~~أبو عبيدة : يقال لكل من اعطى شيئا كرها عن غير طيب نفس , اعطاه عن يد . | ~~انتهى . وعبرب ( عن ) التي هي للمجاوزة لأن الإعطاء لا يكون إلا بعد البطش ~~المذل , هذا إذا اريد باليد يد الآخد ms1952 , ويمكن أن يراد بها يد المعطي , ~~وتكون كناية عن النفس لأن مقصودالجزية المال , واليد أعظم أسبابه , فالمعنى ~~حتى يعطي كل واحد منهم الجزية عن نفسه . | < < # | التوبة : ( 30 - 33 ) وقالت اليهود عزير . . . . . # > > ^ ( وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك ~~قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون * ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم ومآ أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون * يريدون أن ~~يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم PageV03P299 نوره ولو كره ~~الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو ~~كره المشركون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان المراد التعمييم أتى بها نكرة لتفيد ذلك , ويؤيد هذا ما نقل ~~العلماء عن الوارة لفتوح البلاد منهم الحافظ أبو الربيع بن سالم الكلاعي , ~~قال في كتابه الاكتفاء في وقعة جلولاء من بلاد فارس : قالوا : قال بعضهم : ~~فكان الفلاحون للطرق والجسور والأسواق والحرث والدلالة مع الجزي عن ايديهم ~~على قدر طاقتهم , وكانت الدهاقين للجزية عن أيديهم والعمارة , وإنما أخذوا ~~الجزية من المجوس لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر وأخذها ~~منهم لأنهم أهل كتاب في الأصل , قال الشافعي في بابالمجمل والمفسر من كتاب ~~اختلاف الحيث : والمجوس اهل كتاب غير التوراة والإنجيل وقد نسوا كتابهم ~~وبدلوه , فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في اخذ الجزية منهم ؛ أخبرنا ~~سفيان عن أبي سعد بن مرزبان عن نصر بن عاصم قال : قال فروة بن نوفل الأشجعي ~~: علام تؤخذ الجزية من المجوس وليسوا بأهل كتاب ؟ فقالم إليه المستورد فأخذ ~~بلببه فقال : ياعو الله ! تطعن على أبي بكر وعلى عمر وعلي أمير المؤمنين - ~~يعني عليا - البدا ! البدا ! فجلسا في ظل القصر فقال علي : أنا أعلم الناس ~~بالمجوس , كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه , وإن ملكهم سكر فوقع على ~~ابنته أو اخته فاطلع عليه بعض أهل مملكته , فلما صحا جاؤوا يقيمون عليه ~~الحد فامتنع ms1953 عليهم فدعا أهل مملكته فقال : تعلمون دينا خيرا من دين آدم وقد ~~كان آدم ينكح بينه من بناته , فأنا على دين آدم , فبايعوه قاتلوا الذين ~~خالفوا حتى قتلوهم فأصبحوا وقد أسري على كتابهم فرفع من بين أظهرهم وذهب ~~العلم الذي في صدورهم , وهم أهل كتاب وقد اخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما منهم الجزيةز . | ولما امر بقتالهم ووصفهم ~~بما هو السبب الباعث على ذلك , عطف عليه بعض أقوالهم المبيحة لقتالهم ~~الموجبة لنكالهم فقال : { وقالت } أي قاتلوا أهل الكتاب لأنهم كفروا بما ~~وصفناهم به وقالت { اليهود } منهم كذبا ويهتانا { عزير } تنوين عاصم ~~والكسائي له موضح لكونه مبتدأ , والباقون منعوه نظرا إلى عجمته مع العلمية ~~وليس فيه تصغير , والخبر في القراءة قولهم : { ابن الله } أي الذي ~~PageV03P300 له العلو المطلق فليس كمثله شيء , وعزير هذا هو المسمى عندهم ~~في سفر الأنبياء ملاخيا , ويسمى أيضا العازر وهو الأصل والعزير تعريبه , ~~وأما الذي جمع لهم هذه التوراة التي بين ايديهم فقال السمؤال بن يحيى ~~المغربي الذي كان يهوديا فأسلم : إنه شخص آخر اسمه عزرا , وإنه ليس بنبي . ~~ذكر ذلك في كتابه غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود - وهو كتاب حسن ~~جدا , وكان السموأل هذا مع تمكنه من المعرفة بشريعة اليهود واخبارهم متمكنا ~~من علوم الهندسة وغيرها , وكان فصيحا بليغا وكان حسن الإسلام يضرب المثل ~~بعقله , ورأيت اليهود في غاية النكاية منه , وأراني بعضهم رسالته إليه لبعض ~~أحبارهم يسفه فيها رايه في إسلامه ويشبه عليه بأشياء خطابيه وشعرية , ~~فأجابه بجواب بديع افتتحه بقوله تعالى : < # > 77 ( { سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليه } ) ~~77 < # > [ البقرة : 142 ] ثم رد كلامه احسن رد ثم قال له ما حاصله : دع عنك مثل ~~هذه الخرفات , وأجب عن الأمور التي ألزمتكم بها في كتاب غاية المقصود , فما ~~أحار جوابا , ثم القائل لهذا القول منهم روى عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنهم أربعة , وقيل : قائله واحد وأسند إلى الكل كما ms1954 يقال : فلان يركب ~~الخيول وقد لا يكون له إلا فرس واحد , وهو كقوله تعالى < # > 77 ( { الذين قال لهم الناس } ) 77 < # > [ آل عمران : 173 ] وقيل : كان فاشيا فيهم فلما عابهم الله به تركوه ~~وهم الآن ينكرونه , والله تعالى أصدق حديثا { وقالت النصارى } اي منهم إفكا ~~وعدوانا { المسيح } وأخبروا عنه بقولهم : { ابن الله } أي مع أن له الغنى ~~المطلق والكمال الأعظم , والمسيح هذا هو ابن الله مريم بنت عمران ؛ ثم ~~استأنف قوله مترجما قولي فريقيهم : { ذلك } أي القول البعيد من وهو مع ذلك ~~قول لا تجاوز حقيقته الأفواه إلى العقول لأنه لا يتصوره عاقل , بل هو قول ~~مهمل كأصوات الحيوانات العجم لا يتحقق له المعنى ؛ قال : وعناه الحال ان ~~قائله لا عقل له , ليس له معنى وراء ذلك , ولبعده عن أن يكون مقصودا لعاقل ~~عبر فيه بالأفواه التي هي ابعد من الألسنة إلى القلوب ولما كان كأنه قيل : ~~فما لهم إذا كان هذا حالهم قالوه ؟ قال ما حاصلة : إنهم قوم مطبوعات على ~~التشبه بمن يفعل المفاسد كما أنهم تشبهوا بعبدهة الأوثان , فعبدوها غير مرة ~~والأنبياء بين أظهرهم يدعونهم إلى الله وكتابهم ينادي بمثل ذلك وينذرهم اشد ~~الإنذار { يضاهئون } أي حال كونهم يشابهون بقولهم هذا { قول الذين كفروا } ~~أي بمثله وهو العرب حيث قالوا : الملائكة بنات الله , كما أنهم لما رأوا ~~الذين يعكفون على أصنام لهم قالوا : { يا موسى اجعل لنا غلها كما لهم آلهة ~~} PageV03P301 ولما كان لا يمتنع أن يكون الذين شابهوهم إنما كانوا بعدهم ~~أو في زمانهم من قبل أن يبين فساد قولهم , نفى ذلك بقوله مشيرا بحرف الجر ~~إلى أن كفرهم لم يستغرق زمن القبل : { من قبل } أي من قبل ان يحدث منهم هذا ~~القول , وهذا دليل على أن العرب غيروا دين إسماعيل عليه السلام , اجترؤوا ~~على مثل هذا القول قبل إيقاع بخت نصر باليهود أو في حدوده , وليس ذلك ببعيد ~~مع طول الزمان وإغواء الشيطان , فقد كان بين زمان إبراهيم وعزير عليهما ~~السلام نحو ألف وخمسمائة سنة - هذا على ms1955 ما ذكره بعض علماء أهل الكتاب عن ~~كتبهم وأيده ما ذكره المسعودي من مروج الذهب في تاريخ ملوك بابل من نمرود ~~إلى بخت نصر : وذكر بعض المؤرخين ان بين الزمنين زيادة على ألفي سنة ~~علىأنهم قد نقلوا ما هو صريح في كفر العرب إلى أرض العراق الذين لا أغلاق ~~لبيوتهم ويطأ بلادهم بالجنود فيقتل مقاتلتهم ويسبي ذراريهم ويستبيح أموالهم ~~وأعلمه بكفرهم بي واتخاذهم الآلهة دوني وتكذيبهم أنبيائي ورسلي , وعن غير ~~ابن الكلبي أنه نظم ما بين أبلة والايلة خيلا ورجالا ثم دخلوا على العرب ~~فاستعرضوا كل ذي روح قدروا عليه , وأوصى الله برخيا وإرميا بمعد بن عدنان ~~الذي من ولده نمحمد المختوم به النبوة , وكان ذكر مشابهتهم لأهل الشرك ~~تحقيرا لشأنهم تجرئة على الإقدام عليهم إذ جعلهم مشابهين لمن دربوا قتالهم ~~وضربوا عليهم فاذلوهم بعد ان كانوا في عزة لا يخشون زوالها , وعزائم شديدة ~~لا يخافون انحلالها , كل ذلك بطاعة الله في قتالهم وطلب مرضاته بنزالهم ~~لأنه عليهم , ومن كان عليه لم يفلح , وإلى مثل ذلك إشارة بقوله في حق هؤلاء ~~: { قاتلهم الله } أي أهلكهم الملك الأعظم , لأن من قاتله لم ينج منه , ~~وقيل : لعنهم ؛ روي عن ابن عباس قال : وكل شيء في القرآن مثله فهو لعن { ~~أنى يؤفكون * } أي كيف ومن أين يصرفون عن الحق مع قيام الأدلة القاطعة عليه ~~, ثم زادهم جرأة عليهم بالإشارة إلى ضعف مستندهم حيث كان مخلوقا مثلهم ~~بقوله : { اتخذوا } أي كلفوا أنفسهم العدول عن الله القادر على كل شيء ~~وأخذوا { أحبارهم } أي من علماء اليهود , والحبر في الأصل العالم من أي ~~طائفة كان { ورهبانهم } اي من زهاد النصارى , واراهب في الأصل من تمكنتة ~~الرهبة في قلبه فظهرت آثارها على وجهه ولباسه , فاختص في العرف بعلماء ~~النصارى أصحاب الصوامع { أربابا } اي آلهة لكونهم يفعلون ما يختص به الرب ~~من تحريم ما حرموا وتحليل ما حللوا ؛ وأشار إلى سفول أمرهم بقوله : { من ~~دون الله } أي الحائز لجميع صفات الجلال , فكانوا يعولون PageV03P302 عليهم ~~ويسندون أمرهم إليهم حتى ms1956 أن كانوا ليتبعونهم في الحلال والحرام { المسيح } ~~أي المبارك الذي هو أهل لأن المسيح بدهن القدي وأن يمسح غيره { ابن مريم } ~~اي اتخذوه كذلك لكونهم جعلوه ابنا فأهلوه للعبادة بذلك مع كونه والشرب وغير ~~ذلك من أحوال البشر الموجبة للحاجة المنافية للإلهية , ومع تصريحه لهم بأنه ~~عبد الله ورسوله , فتطابق العقل والنقل على أنه ليس بإله . | ولما قبح ~~عليهم ما اختاروه لأنفسهم , قبحه عليهم من جهة كخالفة لأمره تعالى فقال : { ~~وما } أي فعلوا ذلك والحال انهم ما { أمروا } أي من كل من له الأمر من أدلة ~~العقل والنقل { إلا ليعبدوا } اي ليطيعوا على وجه التعبد { إلها واحدا } أي ~~لا يقبل القسمة بوجه لا بالذات ولا بالمماثلة , وذلك معنى وصفة بأنه { عما ~~يشركون * } في كونه معبودا أو مشروعا ؛ ذكر أبو محمد إسحاق بن إبراهيم ~~البستي القاضي في تفسيره وغيره عن عدي ابن حاتم رضي الله عنه قال : أتيت ~~رسول الله صلى اله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال : اقطعه , فقطعته ~~ثم اتيته وهويقرأ سورة براءة { اتخذوا احبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ~~المسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه ~~عما يشركون } قلت : يا رسول ! إنا لم نكن نعبدهم ! قال : أجل . | أليس ~~كانوا يحلون لكم ما حرم الله فتستحلونه ويحرمون عليكم ما أحل الله فتحرمونه ~~؟ قلت : بلى , قال : تلك عبادتهم . | ولما هي سبحانه أمرهم من جهة استنادهم ~~, زاد توهية من جهة مرادهم بالإعلام بأنهم بقتالهم لأهل الطاعة إنما ~~يقاتلون الله وأنه لا ينفذ غرضهم بل يريد غير ما يريدون , ومن المقرر أنه ~~لا يكون إلا ما يريد , فقال مستأنفا أو معللا لما مضى من أقوالهم وأفعالهم ~~: { يريدون أن يطفئوا } اي بما مضى ذكره من أحوالهم { نور الله } اي دين ~~الملك الأعلى الذي له الإحاطة العظمى , وشرعه الذي لعباده على ألسنة ~~الأنبياء PageV03P303 والرسل , كل ذلك ليتمكنوا من العمل بالأغراض والأهوية ~~, فأن اتباع الرسل حاسم للشهوات , وهم أبعد الناس عن ذلك ولما حقر شانهم , ~~هدمه ms1957 بالكلية بقوله : { بأفواههم } اي بقول خال عن شيء يثبته أو يمضيه ~~وينفذه , وفي تسمية دينه نورا ومعاندتهم إطفاء بالأفواه تمثيل لحالهم بحال ~~من يريد إطفاء نور الشمس بنفخه { ويأبى } أي والحال أنه يفعل فعل الأبي وهو ~~أنه لا يرضي { الله } أي الذي له جميع العظمة والعز ونفود الكلمة { إلا أن ~~يتم نوره } اي لا يقتصر على مجرد إشراقه , بل وعد - وقوله الحق - بأنه لا ~~بد من إكماله وإطفائه لكل ما عداه وإحراقه . | ولما في ( يابى ) من معنى ~~الجحد والاستمرار { ولو كره الكافرون * } أي العريقون في الكفر فكيف بغيرهم ~~. | ولما اخبر انه معل لقوله ومكمل , ومبطل لقولهم مسفل , علل ذلك بما ~~حاصله أنه شأن الملوك , وهو أنهم إذا برز لهم أمر شيء لم يرضوا أن يرده أحد ~~فإن ذلك روح الملك الذي لا يجازي الطاعن فيه إلا بالهلك فقال : { هو } أي ~~وحده { الذي ارسل رسوله } أي محمدا صلى الله عليه وسلم { بالهدى } أي لبيان ~~الشافي بالمعجزات القولية والفعلية { ودين الحق } أي الكامل في بيانه ~~وثباته كمالا ظاهرا لكل عاقل ؛ ثم زادهم جرأة على العدو بقوله معللا ~~لإرساله : { ليظهره } أي الرسول صلى الله عليه وسلم والدين - أدام الله ~~ظهوره { على الدين كله } وساق ذلك كله الجواب لمن كأنه قال : كيف نقاتلهم ~~وهم في الكثرة والقوة على ما لا يخفي ؟ فقال : لم لا تقاتلونهم وأنتم لا ~~تعتمدون على أحد غير من كل شيء تحت قهره , وهم إنما بعتمدون على مخاليق ~~مثلكم , كيف لا تجسرون عليهم وهم في قتالكم إنما لينصركم ويظهر آياته ؟ ~~ولعل الختم بقوله : { ولو كره المشركون * } أبلغ لأن الكفر قد لا يكون فيه ~~عناد , والشرك مبناه على العناد باتخاذ الأنداد , اي لا بد من نصركم خالف ~~من خالف مجرد مخالفة أو ضم إلى ذلك العناد بالاستعانة بمن أراد . | < < # | التوبة : ( 34 - 36 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال ~~الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ms1958 أليم * يوم يحمى عليها في نار جهنم ~~فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم ~~تكنزون * إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق ~~PageV03P304 السماوات والأرض منهآ أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كآفة كما يقاتلونكم كآفة واعلموا أن الله مع ~~المتقين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما حقر أمرهم بتقسيم اعتمادهم على رؤسائهم , وحالهم معروف في أنه ~~لا نفع عندهم ولا ضر , وأعلى أمر أهل الله باجتماعهم عليه وهو القادر على ~~كل شيء , وكان الإقبال على الدنيا أعظم أمارة على الخذلان ولو أنه بحق فكيف ~~إذا بالباطل ! أقبل سبحانه وعز شأنه على أهل وده مستعطفا متلطفا مناديا ~~باسم الإيمان الذي بنى أمره في اول هذا الكتاب على الإنفاق لا على التحصيل ~~ولو كان بحق , فكيف إذا كان بباطل , ويؤتون الزكاة وممارزقناهم ينفقون , ~~منبها على سفه من ترك من لا يسأله على بذل الهدى والدعوة إلى دين الحق أجرا ~~وهو سفير محض لا ينطق عن الهوى , ولم يعتقده رسولا واتخذ مربوبا مثله وهو ~~يأخذ ماله بالباطل ربوا , وذلك من لا يسأله على بذل لمطلق تعظيمهم فضلا عن ~~الرتبة التي أنزلوهم بها وأهلوهم لها مع الترفع عليهم لقصد أكل أموالهم ~~بالباطل فقال : { يأيها الذين آمنوا } أي أقروا بإيمان داعيهم من التكذيب ~~ومما يؤول إليه { إن كثيرا من الأحبار } اي من علماء اليهود { والرهبان } ~~أي من زهاد النصارى { ليأكلون } أي يتناولون , ولكنه عبر به لأنه معظم ~~المراد من المال , وإشارة إلى تحقير الأحبار والرهبان بأنهم يفعلون ما ~~ينافي مقامهم الذي أقاموا أنفسهم فيه { أموال الناس بالباطل } أي بأخذها ~~بالرشى وأنواع التصيد بإظهار الزهد والمبالغة في التدين المستجلب لها ~~بالنذور ونحوها فكنزونها ولا ينفقونها في سبيل الله من أتاهم بها بالإقبال ~~بقلوب عبادة إليهم ولما أخبر عن إقبالهم على الدنيا , أتبعه الإخبار عن ~~إعراضهم عن الآخرة فقال : { يصدون } أي يحتالون في صرف من يأتيهم بتلك ~~الأموال وغيرهم { عن سبيل الله } ا ؟ ي ms1959 دين الملك الذي له الأمر كله ~~بإبعادهم عنه بإخفاء الآيات الدالة عليه عنهم خوفا على انقطاع دنياهم بزوال ~~رئاستهم لو أقبل أولئك على الحق ولما كان أكثرهم يكنزون تلك الأموال , شرع ~~سبحانه على مطلق الكنز , ففهم من باب الأولى الصد الذي هو سبب الجمع الذي ~~هو سبب الكنز فقال : { والذين } اي يفعلون ذلك والحال أنهم يعلمون أن الذين ~~{ يكنزون } أي يجمعون تحت الأرض أو فوقها من قولهم للمجتمع اللحم : مكتنز { ~~الذهب والفضة } أي منهم ومن غيرهم من غير تزكية . | ولما كان من المعلوم ~~أنهما أجل ما الناس , وكان الكنز دالا على المكاثرة PageV03P305 فيهما , ~~أعاد الضمير عليهما بما يدل على الأنواع الكثيرة فقال : { ولا ينفقونها } ~~أي ينفقون ما وجب عليهم من هذه الأموال التي جمعوها من هذين النوعين ~~مجتمعين أو منفردين , ولو ثنى لأوهم أن اجتماعها شرط للترهيب , وإنما أعاد ~~الضمير عليها من غير ذكر ( من ) - وهي مرادة - لمزيد الترغيب في الإنفاق ~~والترهيب من تركه , ويجوز أن يعود الضمير إلى الفضة لأن الذم على كنزها , ~~والحاجة إليها لكثرتها أقل , فالذم على كنز الذهب من باب الأولى لأنه أعلى ~~منها وأعز بخلاف الذم على كنز الذهب ؛ وقال الحرالي في آل عمران : فأوقع ~~الإنفاق عليهما ولم يخصه من حيث لم يكن , ولا ينفقون منها كما قال في ~~المواشي [ خذ من أموالهم ] لأن هذين الجوهرين خواتم ينال بها أهل الدنيا ~~منافعهم وقد صرف عنهم الانتفاع بهما فلم يكن لوجودهما فائدة إلا بإنفاقهما ~~لأنهما صنما هذه الأمة , فكان كسرهما بإذهابهما - انتهى . | { في سبيل الله ~~} أي الوجه الذي أمر الملك الأعلى بإنفاقها فيه { فبشرهم } أي نقول فيهم ~~بسبب ذلك تهكما بهم : بشرهم { بعذاب أليم * } عوضا عما أرادوا من السرو ~~بإنجاح المقاصد ولما كان السياق دالا دلالة واضحة على أن هذا العذاب يحصل ~~لهم ويقع بهم , فنصب بذلك قوله : { يوم يحمى } أي يحصل الإحماء وهو الإيقاد ~~الشديد { عليها } أي الأموال التي جمعوها { في نار جهنم } أي التي لا ~~يقاربها ناركم , وتلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما كان يلقى ms1960 بذلك الفقراء ~~وغيرهم من أهل الله لا سيما من منعه ما يجب له من النفقة { فتكوى بها } أي ~~بهذه الأموال { جباههم } التي هي أشرف أعضائهم لأنها مجمع الوجوه والرؤوس ~~وموضع الجاه الذي يجمع المال لأجله لتعبيسهم بها في وجوه الفقراء { وجنوبهم ~~} التي يحوونه لملئها بالمآكل المشتهاة والمشارب المستلذة ولازورارهم بها ~~الفقراء { وظهورهم } التي يحوونه لتقويتها وتحميلها بالملابس وتجليتها ~~ولتوليتهم إياها إذا اجتمعوا مع الفقراء في مكان . | ثم يقال لهم : { هذا ~~ما كنزتم } وأشار إلى الحامل على الجمع المنافي للعقل بقوله : { لأنفسكم } ~~أي لتنافسوا به وتلتذوا فلم تنفقوه فيما أمر الله { فذوقوا ما } أي وبال ~~وعذاب ما { كنتم تكنزون * } أي تجددون جمعه على سبيل الاستمرار حريصين عليه ~~, وأشار بفعل الكون إلى أنهم مجبولون على بالربذة قلت : ما أنزلك بهذه ~~الأرض قال : كنا بالشام فقرأت { والذين يكنزون الذهب والفضة } - الآية , ~~قال معاوية : ماهذه فينا , ما هذه إلا في أهل الكتاب ! قلت : إنها لفينا ~~وفيهم ؛ وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أه قال : هذا قبل ان تنزل الزكاة , ~~فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال , يعني فما أعطى صاحبه ما وجب عليه فيه ~~فليس بكنز PageV03P306 ولما تقدم كثير مما ينبني عى التاريخ : الحج في غير ~~موضع والأشهر وإتمام عهد من له مدة إلى مدته والزكاة والجزية , وختم ذلك ~~بالكنز الذي لا يطلق شرعا إلا على ما لم تؤد زكاته , وكان مشركو العرب - ~~الذين تقدم الأمر بالبراءة منهم والتأذين بهذه الآيات يوم الحج الأكبر فيهم ~~- قد أحدثوا في الأشهر - بالنسيء الذي أمروا أن ينادوا في الحج بإبطاله - ~~ما غير السنين عن موضوعها الذي وضعها الله عليه , فضاهوا به فعل أهل ~~الكتاببالتدين بتحليل أكابرهم وتحريمهم كما ضاهى أولئك قول أهل الشرك في ~~النبوة والأبوة , قال تعالى : { إن عدة الشهور } اي منتهى عدد الشهور السنة ~~{ عند الله } أي كلام الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما , وحكمه الذي هو ~~مجمع الهدى , فهو الحقيق بأن يكتب , وليست الشهور الشهور ثلاثة عشر ولا ~~أكثر كما كان يفعل من أمرتكم ms1961 بالبراءة منهم كائنين منة كانوا في النسيء { ~~يوم } أي كان ذلك وثبت يوم { خلق السموات والأرض } أي اللذين نشأ عنهما ~~الزمان . | والمعنى أن الحكم بذلك كان قبل ان يخلق الزمان { منها } أي ~~الشهور { أربعة حرم } أي بأعيانها لا بمجرد العدد { ذلك } أي الأمر العظيم ~~والحكم العالي الرتبة في الإتقان خاصة { الدين القيم * } اي الذيلا عوج فيه ~~ولا مدخل للعباد , وإنما هو بتقدير الله تعالى للقمر ؛ روى البخاري عن أبي ~~بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال - يعني في حجة الوادع : ~~( إن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض , السنة اثنا ~~عشر شهرا , منها أربعة حرم : ثلاث تواليات : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم , ~~ورجب مضر الذي بين جمادي وشعبان ) . | ولما بين الأمر سبب عنه قوله : { فلا ~~تظلموا فيهن } اي الأشهر الحرم { أنفسكم } أي بسبب إنساء بعضها وتحريم غيره ~~مكانة لتوافقوا العدد - لا العين - اللازم عنه إخلال كل منها بإيقاع الظلم ~~فيه وتحريم كل من غيرهل , قال قتادة : العمل الصالح واالفاسد فيها اعظم منه ~~في غيرها وإن كان ذلك في نفسه عظيما فإن الله تعالىلعظم من أمره ما شاء ؛ ~~وقال أبو حيان ما حاصله : إن العرب تعيد الضمير على جمع الكثرة كالواحدة ~~المؤنثة فلذا قال : ( منها أربعة ) أي من الشهور , وعلى جمع القلة لما لا ~~يعقل بنون جمع المؤنث فلذا قال { فلا تظلموا فيهن } أي في الأربعة ولما كان ~~إنساؤهم هو لتحل لهم المقاتلة على زعمهم قال : { وقاتلوا PageV03P307 ~~المشركين كافة } اي كلكم في ذلك سواء , في الائتلاف واجتماع الكلمة { كما ~~يقاتلونكم } أي كلهم في ذلك سواء وذلك الحكم في جميع السنة , لا أنهاكم عن ~~قتالهم في شهر منها , فأنتم لا تحتاجون إلى تغيير حكمي فيها لقتال ولا غيره ~~إن اتقيتم الله , فلا تخافوهم وإن زادت جموعهم وتضاعفت قواهم لأن الله يكون ~~معكم { واعلموا ان الله } أي الذي له جميع العظمة معكم , هكذا كان الأصل ~~ولكنه اظهر الوصف تعليقا للحكم به وتعميما فقال : { مع المتقين * } جميعهم ~~, وهم ms1962 الذين يثبتون تقواهم على ما شرعه لهم , لا على النسيء ونحوه , ومن ~~كان الله معه نصر لا محالة . | < < # | التوبة : ( 37 ) إنما النسيء زيادة . . . . . # > > ^ ( إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء ~~أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين ) ^ } ) | ولما فهم من هذا إبطال ~~النسيء لنه فعل أهل الجاهلية فلا تقوى فيه , كان كأنه قيل : أفما في النسيء ~~تقوى فإن سببه إنما هو الخوف من انتهاك حرمة الله بالقتال في الشهر الذي ~~جرمه ؟ وذلك أنهم كانوا أصحاب غارات وحروب , وكانوا يحترمون الأشهر الحرم ~~عن القتال حتى لو رأى الإنسان قاتل أبيه لا مانع منه لم يعرض له , فكان إذا ~~جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم تركه , وكان يشق عليهم ترك ذلك ~~ثلاثة أشهر متوالية , فجعلوا النسيء لذلك , فقيل تصريحا بما أفهمه ما مضى : ~~ليس نسيئا - إذا أخره , أو هو اسم مفعول , اي الشهر الذي تؤخر العرب حرمته ~~من الأشهر الحرم عن وقتها { زيادة في الكفر } اي لأنه على خلاف ما شرعه ~~الله , ستر تحريم ما أظهر الله تحريمه ولما بين ما في النسيء من القباحة , ~~تحرر أنهم وقعوا على ضد مرادهم فإنهم كانوا لو قاتلوا في الشهر الحرام ~~قاتلوا وهم معتقدون الحرمة خائفون عاقبتها فكانوا غير خارجين عن دائرة ~~التقوى بالكلية , فإذا هم بتحليله قد صاروا خارجين عن دائرتها بمراحل ~~لارتكابهم فيه كل عظيمة مع الأمن لاعتقاد الحل بتحليل ذلك الذي اعتقدوه ربا ~~, فكان يقول : إني لا أجاب ولا أعاب , وإنه لا مراد لقضائي , وإني حللت ~~المحرم وحرمت صفرا - إلى غير ذلك من الكلام الذي لايليق إلا بالإله ؛ وذلك ~~الذي معنى قوله تعالى بيانا لما قبله : { يضل به } أي بهذا التأخير الذي هو ~~النسيء { الذين كفروا } اي يحصل لهم بذلك ضلال عما شرعه الله - هذا على ~~قراءة الجماعة والمعنى على قراءة حمزة والكسائي وحفص - بالبناء للمفعول : ~~يضلهم مضل من قبل الله , وعلى قراءة يعقوب ms1963 - بالضم : يضلهم الله ؛ ثم بين ~~ضلالهم بقوله : { يحلونه } أي ذلك الشهر , وعبر PageV03P308 عن الحول بلفظ ~~يدور على معنى السعة إشارة إلى أنهم يفعلونه ولو لم يضطرهم إلى ذلك جدب سنة ~~ولا عض زمان , بل بمجرد التشهي فقال : { عاما ويحرمونه عاما } هكذا دائما ~~كلما أرادوا . وليس المراد أنهم كل سنة يفعلون ذلك من غير إجلال لسنة من ~~السنين , وهذا الفعل نسخ منهم مع أنهم يجعلون النسخ من معايب الدين { ~~ليواطئوا } أي يوافقوا { عدة ما حرم الله } أي المحيط بالجلال والإكرام في ~~كون الأشهر الحرم اربعة { فيحلوا } أي فيتسبب عن هذا الفعل ان يحلوا { ما ~~حرم الله } أي الملك الأعظم منها كلها , فلا يدع لهم هذا الفعل شهرا إلا ~~انتهكوا حرمته فأرادوا بذلك عدم انتهاك الحرمة فإذا هم لم يدعوا حرمة غلا ~~انتهكوها , فما ابعده من ضلال ! ولما انهتكت بهذا البيان قباحة فعلهم , كان ~~كأنه قيل : إن هذا لعجب ! ما حملهم على ذلك ؟ فقيل : { زين } أي زين مزين , ~~وقرئ شاذا الفعل إلى الله { لهم سوء اعمالهم } علم من طبعهم على الكفر فلم ~~يهدهم { والله } أي الذي له صفات الكمال { لا يهدي } اي يخلق الهداية في ~~القلوب { القوم الكافرين * } أي الذي طبعهم على الكفر فهم عريقون فيه لا ~~ينفكون عنه ؛ والنسيء - قال في القاموس - : الاسم من نسا الشيء بمعنى زجره ~~وساقه وأخره , قال : وشهر كانت تؤخر العرب في الجاهلية فنهى الله عزوجل عنه ~~؛ وقال ابن الأثير في النهاية ؛ والنسيء فعول بمعنى مفعول , وقال ابن فارس ~~في المجمل : والنسيء في كتاب الله التأخير , وكانوا إذا صدروا عن منى يقوم ~~رجل من كنانة فيقول : أنا الذي لا يرد لي قضاء ! فيقولون : أنسئنا شهرا , ~~اي أخر عنا حرمة المحرم واجعلها في صفر - انتهى . | ومادة نسأ تدور على ~~التغريب , وسبب فعلهم هذا انهم كانوا ربما أرادوا قتالا في شهر حرام ~~فيحلونه , ويحرمون مكانه شهرا من أشهر الحل ويؤخرون ذلك الشهر ؛ قال ابن ~~فارس : وذلك أنهم كانوا يكرهون أن يتوالى عليهم ثلاثة أشهر لا يغيرون فيها ~~, لأن معاشهم ms1964 في الغارة فيحل لهم الكناني المحرم - انتهى . وكان النسأة من ~~بني فقيم من كنانة , وكان أول من فعل ذلك منهم القلمس وهو حذيفة بن عبد بن ~~فقيم , وآخرهم الذي قام عليه الإسلام أبو ثمامة جنادة بن عوف بن امية بن ~~قلع بن عباد بن حذيفة بن عبد فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن ~~مالك بن كنانة ابن خزيمة . نسأ اربعين سنة , كانت العرب إذا فرغت من حجها ~~اجتمعت إليه , فحرم الأشهر الحرم الأربعة , فإذا ارادوا ان يحل منها شيئا ~~أحل المحرم فأحلوه , وحرم مكانه صفرا فحرموه , ليواطئوا عدة الأربعة الشهر ~~الحرم , فغذا أرادوا الصدر قام فيهم فقال : اللهم إني قد أحللت لهم أحد ~~الصفرين الصفر الأول , ونسأت الاخر للعام المقبل - ذكر ذلك اهل السير , وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما ان أول من نسأ عمرو بن لحي . | PageV03P309 وتحقيق ~~معنى ما كانت العرب تفعله واختلاف اسماء الشهور به حتى يوجب دوران السنين ~~فلا تصادف أسماء الشهور مسمياتها إلا الحين بعد الحين عسر قل من اتى فيه ~~بما يتضح به قول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الواداع كما مضى ( إن ~~الزمان قد استدار كهيئته بوم خلق الله السماوات والأرض ) وها أنا أذكر فيه ~~ما لا يبقى بعده لبس إن شاء الله تعالى , فمعنى قوله : ونسأت الآخر للعام ~~المقبل , أنه إذا أحل المحرم وسماه صفرا ابتدأ السنة بعده بالمحرم ثم صفر ~~إلى آخرها فيصير بين صفر وذي الحجة الذي وقع النسيء فيه شهران , وقد كان ~~ينبغي ان يكون بينهما شهر واحد , فاخر هذا الذي ينبغي إلى العام المقبل , ~~فالمعنى : وأخرت الصفرالآخر عن محله , ويمكن أن يتنزل على هذا مما تمسكت به ~~من ملة إبراهيم عليه السلام , فربما احتاجوا إلى تحليل المحرم للحرب تكون ~~بينهم , فيحرمون ويستجلون المحرم , وهذا هو النسيء الذي قال الله < # > 77 ( { إنما النسيء } ) 77 < # > [ براءة : 37 ] الاية , وكان ذلك في كنانة هم الذين كانوا ينسؤون ~~الشهور على العرب , والنسيء هو التاخير , فكانوا يمكثون بذلك ms1965 زمانا يحرمون ~~صفرا وهم يريدون بذلك المحرم ويقولون : هو أحد الصفرين , وقد تأول بعض ~~الناس قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لاصفر ) على هذا , ثم يحتاجون ايضا ~~إلى تأخير صفر إلى الشهر الذي بعده كحاجتهم إلى تأخير المحرم فيؤخرون ~~تحريمه إلى ربيع , ثم يمكثون بذلك ما شاء الله ثم يحتاجون إلى مثله ثم كذلك ~~, فكذلك يتدافع شهر بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلها , فقام ~~الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه الذي وضعه الله به , وذلكبعد دهر طويل , ~~فذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الزمان قد استدار كهيئته يمو خلق ~~الله السماوات والأرض ) يقول : رجعت الأشهر الحرم إلى موضعها وبطل النسيء , ~~وقد زعم بعض الناس أنهم كانوا يستحلون المحرم عاما , فإذا كان من قابل ردوه ~~إلى تحريمه , قال أبو عبيد : الأول أحب إلي لقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~( إن الزمان قد استدار ) وليس في التفسير الأخير استدارة , PageV03P310 ~~وعلى هذا التفسير الذي فسرناه قد يكون قوله { يحلونه عاما ويحرمونه عاما } ~~مصدقا له لأنهم إذا حرموا العام المحرم وفي قابل صفرا ثم احتاجوا بعد ذلك ~~إلى تحليل صفر أيضا أحلوه وحرموا الذي بعده , فهذا تاويل قوله في التفسير , ~~يحلونه عاما ويحرمونه عاما . وقال أبو حيان في النهر ما حاصله : كانت العرب ~~لا عيش لأكثرها إلا من الغارات , فيشق عليهم توالي الأشهر الحرم , وكان بنو ~~فقيم أهل دين وتمسك بشرع إبراهيم عليه السلام , فانتدب منهم القلمس وهو ~~حذيفة بن عبيد بن فقيم , فنسأ الشهور للعرب , ثم خلفه علىذلك ابنه عباد ثم ~~خلفه ابنه قلع ثم خلفه ابنه أمية ثم خلفه ابنه عوف ثم ابنه جناده بن عوف ~~وعليه قام الإسلام , كانوا إذا فرغوا من حجهم جاء إليه من شاء منهم مجتمعين ~~فقالوا : انسئنا شهرا , فيحل المحرم , ثم يلزم حرمة صفر ليوافقوا عدة ~~الأشهر الأربعة ويسمون ذلك الصفر المحرم ويسمون ربيعا الأول صفرا وربيعا ~~الآخر ربيعا الأول - وهكذا سائر الشهور , فيسقط على هذا حكم المحرم الذي ~~حلل لهم , وتجيء السنة ms1966 من ثلاثة عشر شهرا أولها المحرم الذي هو في الحقيقة ~~صفر ؛ وقال البغوي : قال مجاهد : كانوا يحجون في كل شهر عامين وكذلك في ~~الشهور , فوافقت حجة أبي بكر السنة الثانية من ذي القعدة , ثم حج النبي صلى ~~الله عليه وسلم في العام المقبل حجة الوادع , فوافق حجه اشهر الحج المشروع ~~وهو ذو الحجة , وقال عبد الرزاق في تفسيره : اخبرنا معمرعن ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد في قوله { إنما النسيء زيادة في الكفر } قال : فرض الله الحج في ذي ~~الحجة , فكان المشركون يسمون الشهر : ذا الحجة والمحرم وصفر وربيع وربيع ~~وجمادى وجمادى ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذا القعدة وذا الحجة , ثم يحجون ~~فيه مرة أخرى , ثم يسكتون عن المحرم ولا يذكرونه , فيسمونه - أحسبه قال - ~~المحرم صفر , ثم يسمون رجب بجمادى الآخرة , ثم يسمون شعبان رمضان , ورمضان ~~شوالا . | ثم يسمون ذا القعدة شوالا . | ثم يسمون ذا الحجة ذا القعدة , ثم ~~يسمون المحرم ذا الحجة ثم يحجون فيه , واسمه عندهم ذو الحجة , ثم عادوا ~~كمثل هذه الصفة فكانوا يحجون عامين في كل شهر حتى وافق حجة أبي بكر الاخر ~~من العامبين في ذي القعدة , ثم حج النبي صلى الله عليه وسلم حجته التي حج , ~~فوافق ذلك ذا الحجة , فلذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبيته ( إن ~~الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض ) وقال ابن إسحاق في ~~السيرة ؛ سألت ابن أبي نجيح عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ؛ ~~كانت قريش يدخلون في كل سنة شهرا , وإنما كانوا يوافقون ذا الحجة كل اثنتي ~~عشر سنة مرة , PageV03P311 فوفق الله عز وجل الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~حجته التي حج ذا الحجة , فحج فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن ~~الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض ) فقلت لابن أبي نجيح ~~: فكيف بحجة أبي بكر وعتاب بن اسيد ؟ فقال : على ما كان الناس يحجون عليه , ~~حتى يبلغوا اثنى عشر شهرا - انتهى . | وقوله هذا يوهم ms1967 أن في حج أبي بكر ~~وعتاب رضي الله عنهما اختلالا , وتقدم عن المهدوي وغيره التصريح بانه كان ~~في ذي القعدة - وفيه نظر - لت السنة التي حج فيها أبو بكر رضي الله عنه ~~نودي فيها بتحريم النسيء وغيره من أمور الجاهلية , فلا شك أنه لم يكن في ~~ذلك العام غنساء , ولما مضى من الشهر الذي حج فيه عشرة أشهر , وكان الحادي ~~عشر وهو ذو القعدة سار النبي صلى الله عليه وسلم في اواخره إلى الحج موافيا ~~لهلال ذي الحجة , فلما وقف بعرفة أخبر أن الزمان قد استدار , فعلم قطعا ~~بالمسلمين , وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه رضي الله عنهم لم ~~يكونوا يعتبرون حساب أهل الجاهلية لا نسأتهم , لأنه يلزم من القول بأنهم ~~اعتبروا امر النسأة أنهم اعتبروا ماهو زيادة من الكفر , وهذا ما لا يقوله ~~ذو مسكة , وقد تقدم النقل ان االنبي صلى الله عليه وسلم ارسل أبا بكر رضي ~~الله عنه غلى الحج في أواخر ذي القعدة أو بعد انقضائه من سنة تسع , ووافاه ~~العرب في ذي الحجة : الكفار وغيرهم , فوقع إعلامهم ببراءة في أيام الحج ~~وأماكنه , فلو كان حصل في سنة عتاب اختلال في ذي القعدة بنسيء لكان ذو ~~الحجة بحساب الكفار وهو المحرم بحساب الإسلام , فكان يتأخر مجيء الكفار ~~للحج عن مجيء المسلمين , فثبت بهذا ايضا ان حجه رضي الله عنه كان في ذي ~~الحجة , فحفظ الله أهل الإسلام من أن يقع في حجهم اختلال في سنة من السنين ~~, وما هي بأول نعمة عليهم - والله الموفق ؛ وقال الإمام أبو العباس أحمد بن ~~أبي أحمد المشهور بابن القاص من أكابر متقدمي اصحاب الشافعي رحمه الله في ~~كتابه دلائل القبلة في باب معرفة عدد أيام السنة : فالسنة اثنا عشر شهرا ~~بالأهلية , وربما كان الشهر ثلاثين وربما كان تسعا وعشرين , فمبلغ السنة ~~الهلالية ثلاثمائة وأربعة وخمسون يوما وثماني ساعات واربعة أخماس وقالت ~~الهند : السنة ثلاثمائة وخمسة وستون يوما وست ساعات وخمس ساعة وجزء من ~~أربعمائة جزء من ساعة , وذلك ms1968 من دخول الشمس برأس الحمل إلى ان تدخل فيه من ~~قابل , ففضل ما بين الستة الهلالية والسنة الشمسية عشرة أيام وإحدى وعشرون ~~ساعة وخمسا ساعة , فغذا زيدت عليها هذه الساعات والأيام استقام حسابه مع ~~دوران الشمس , وكانت العرب تزيده في الجاهليه , وكان الذي أبدع لهم ذلك ~~PageV03P312 رجل من كنانة يقال له القلمس , وذلك انه يجمع هذه الزيادة فإذا ~~تمت شهرا زاده في السنة وجعل تلك السنة ثلاثة عشر شهرا , وسماه بسيئا , ~~ويحج بهم تلك السنة في المحرم , فأنزل الله تعالى { إنما النسيء زيادة في ~~الكفر } فلما كانت السنة التي حج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة ~~الوداع وافق الحج في تلك االسنة ذا الحجة لما أراد الله تعالى بإثبات الحج ~~في تلك السنة , فخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال ( : أيها الناس ! ألا ~~إن السنة قد استدارت كهيئتها يوم خلق الله السموات والأرض ) { منها اربعة ~~حرم ذلك الدين القيم } يعنى به الحساب القيم , فاالحرم رجب جمادى وشعبان , ~~وذو القعدة , وذو الحجة , والمحرم , فسمي ذلك الحج الأقوم , وقال الشاعر : ~~| وأبطل ذو العرش النسي وقلسما وفاز رسول الله بالحج الأقوم | انتهى ~~والقلمي بفتح اللام وتشديد الميم , فالنسيء في البيت متروك الهمز ليصح ~~الوزن , والأقوام منقول حركة الهمزة , وقوله : إن علة النسيء التطبيق بين ~~السنة الشمسية والقمرية - فيه نظر , والظاهر أن علته ما ذكر في السير من ~~اضطرارهم إلى القتال , وأمر الاستدارة في كل من هذه الأقوال واضح الاستنارة ~~, وليس المراد بها مصادفة كل فصل من فصول السنة لموضعه من الحر والبر , ~~ومصادفة اسم كل شهر لمسماه بحسب اشتقاقه حتى يكون رمضان في شدة الحر مثلا ~~وكذلك غيره وإن كان الواقع أن الأمر كان في هذه الحجة كذلك , لما تقدم من ~~أن غزوة تبوك كان ابتداؤها في شهر رجب , وكان ذلك كما تقدم في شدة الحر ~~وحين طابت الثمار , وإنما المراد الأعظم بالاستدارة مصادفة اسم كل شهر آخر ~~لأجل الدوران بالنسيء بدليل انه صلى الله عليه وسلم ما ذكر إلا لأجله ms1969 , ~~فقال في بعض طرق حديث جابر الطويل رضي الله عنه ( إن النسيء زيادة في الكفر ~~, وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض , السنة اثنا ~~عشر شهرا ) . | فانظر إلى تعقيبه بحصر الأشهر في الاثنى عشر نفيا لجعلهم ~~إياها سنة النسيء ثاثة عشر شهرا , وقال : منها اربعة حرم , وعينها وقال : ~~أي شهر هذا ؟ فلما سكتوا قال : ذو الحجة شهر حرام , كل هذا لبيان أن المراد ~~بالاستدارة رجوع كل شهر PageV03P313 عما غيره اهل الجاهلية إلى موضعه الذي ~~وضعه الله به موافقا اسمه لمسماه , وجعلت أشهرنا هلالية مع المنع من النسيء ~~لتحصيل الاستدارة فيحصل بسببها كل عبادة تعبدنا بها من صوم وعيد وحج وغيره ~~في كل فصل من فصول السنة بخلاف من شهوره بالحساب , فغن عباداتهم خاصة بوقت ~~من السنة لا تتعداه - والله الموافق له , وقال القاضي أبو محمد إسحاق بن ~~إبراهيم البستي في تفسيره , حثنا ابن أبي عمر ثنا سفيان عن عمرو بن دينار ~~عن طاوي قال ؛ الشهر الذي انتزعه الله من الشيطان المحرم . | والحاصل أنه ~~لا شك في أن النسيء لم يكن قط إلا للمحرم لما تقدم , وان الحج لم يكن قط في ~~جاهلية ولا إسلام إلا في شهر يسمى ذا الحجة لما قاله نقلة اللغة والحديث ~~والأخبار , قال ابن الأثير في النهاية ونشوان اليمني في شمس العلوم والقزاز ~~في ديوانه وابن مكتوم في ترتيب العباب والمحكم : ذو الحجة بالكسر : شهر ~~الحج , زاد المحكم : سمي بذلك للحج , وقال القزاز ؛ إن الفتح فيه أشهر , ~~وفي النهاية : يوم التروية هو الثامن من ذي الحجة , سمى به لأنهم كانوا ~~يرتوون فيه من الماء لما بعده , أي يستقون ويسقون ؛ وقال المجد في القاموس ~~: يوم عرفة التاسع من ذي الحجة , وفي كتاب اسواق العرب لأبي المنذر هشام بن ~~محمد الكلبي رواية أبي سعيد السكري أن عكاظ كانت من اعظم اسواق العرب . | ~~فإذا أهل أهلها هلال ذي الحجة ساروا بأجمعهم إلى ذي المجاز وهي قريب من ~~عكاظ , وعكاظ في أعلى نجد , فأقاموا بها حتى التروية ms1970 , ووافاهم بمكة حجاج ~~العرب ورؤوسهم ممن أراد الحج بمن لم يكن شهد تلك الأسواق . | قال الأزرقي ~~في تاريخ مكة : فإذا رأوا هلال ذي الحجة انصرفوا إلى ذي المجاز فأقاموا بها ~~ثماني ليال أسواقهم قائمة , ثم يخرجون يوم التروية في ذي المجاز إلى عرفة ~~فيتروون ذلك اليوم من الماء بذي المجاز , وإنما سمي يوم التروية لترويتهم ~~الماء بذي المجاز , ينادي بعضهم بعضا : ترووا من الماء , إنه لا ماء بعؤفة ~~ولا بالمزدلالفة يومئذ , ثم ذكر أنه لا يحضر ذلك إلا التجار , قال : ومن لم ~~يكن له تجارة فإنه يخرج من أهله متى أراد , ومن كان منن أهل مكة ممن لا ~~يريد التجارة خرج من مكة يوم التروية . | ورور البيهقي في دلائل النبوة ~~بسندة عن عروة وموسى بن عقبة - فرقهما - قالا : وأهل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالعمرة من الجعرانة في ذي القعدة , ثم أسند عن ابن إسحاق انه ~~قال : فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمرته انصرف راجعا إلى ~~المدينة , واستخلف عتاب بن اسيد على مكة وخلف معه معاذ بن جبل يفقه الناس ~~في الدين ويعلمهم , فكانت عمرة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذي القعدة ~~أو في الحجة , وحج الناس تلك السنة على ما كانت العرب يحج عليه , وحج تلك ~~السنة عتاب بن أسيد سنة ثمان , وحديث PageV03P314 اعتماره صلى الله عليه ~~وسلم في ذي العقدة رواه الشيخان ومضى على ما كانت العرب من الطواف عراة ~~ونحوه ؛ وذكره الواقدي عن مشايخ قالوا : وانتهى رسول اله صلى الله عليه ~~وسلم إلى الجعرانه ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة , فأقام ~~بالجعرانة ثلاث عشرة ليلة , فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج من ~~الجعرانة ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا فأحرم - ~~فذكرعمرته ثم قال : واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على ~~مكة , وخلف معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما يعلمان الناس ~~القرآن والقفقه في الدين , وأقام للناس الحج ms1971 عتاب بن أسيد رضي الله عنه عن ~~تلك السنة وهي سنة ثمان , وحج ناس من المسلمين والمشركين على مدتهم , وقدم ~~رسول اله صلى الله عليه وسلم المدينة يمو الجمعه لثلاث بقين من ذي القعدة , ~~قال الواقدي : فأقام بقية ذي القعدة وذا الحجة , فلما رأى هلال المحرم بعث ~~المصدقين - انتهى . | إذا تقرر هذا علم أن الحج لم يكن قط إلا في شهر ~~يسمونه ذا الحجة , وهو مما لا يدور في خلد ولا يقع في وهم فيه تردد , ولا ~~يحتاج إلى تطويل بذكره ولا إطناب في أمره , وتارة يوافق اسمه مسماه وتارة ~~لا يوافقه لأجل النسيء , وعلم ايضا أن حج عتاب بن أسيد كان في ذي الحجة بعد ~~رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانه إلى المدينة الشريفة , أنه ما ~~تأخر عن ذي الحجة إلا لنقل , وان حج أبي بكر رضي الله عنه سنة تسع كان ذي ~~الحجة لذلك ولما تقدم من أن سفره له من المدينة الشريفة كان آخر ذي القعدة ~~أو أول ذي الحجة ولقولهم : إن الأربعة الأشهر التي ضربت للمشركين من يوم ~~النحر ولقولهم : إن الأربعة الأشهر كان آخرها عاشر ربيع الآخر , وعلم ان ذا ~~الحجة تلك السنة لو كان وافق مسمى ذي القعدة لم يقع ذو الحجة سنة عشر شهرا ~~بنسيء أو غيره , وكل من الأمرين باطل , أما الأول فلأن الله تعالى ابطل ~~النسيء في تلك السنة فيما ابطله من أمور الجاهلية في هذه السورة , وأرسل ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالمناداة بها كما مر , وأما الثاني فهو أمر خارق ~~للعادة لم يكن مثله من حين خلق الله السماوات والأرض , والخارق مما تتوفر ~~الدواعي [ على ] نقله , ولا ناقل لهذا أصلا فبطل , وإذا بطل ثبت أن سنة عشر ~~كانت اثنى عشر شهرا ولا سيما بعد إنزال الله تعالى في ذلك ما أنزل في هذه ~~السورة , وإذا كان الأمر كذلك كان الشهر الذي وقف فيه النبي صلى الله عليه ~~وسلم في موضع الشهر الذي وقف فيه الصديق رضي الله ms1972 عنه سواء PageV03P315 ~~بسواء , وقد ثبت ان الزمان كان فيه قد استدار كهيئته يو خلق الله السماوات ~~والأرض , فثبت من غير مرية أن شهر الصديق رضي الله عنه كذلك كان , وثبت ~~أيضا أن سنة عتاب ابن أسيد رضي الله عنه كذلك كانت بما قدمت من أنه لم يكن ~~فيها نسيء لتوافق حج المسلمين والمشركين في سنة تسع . | فدل ذلك على أنها ~~كانت اثنى عشر شهرا , فكان ذو الحجة فيها في موضع الذي وضعه الله به كما ~~كانت سنة تسع , بل ظاهر قوله أبي عبيد : فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى ~~موضعه - كما مضى - ان الله حفظ زمن الإسلام كله عن نسيء , وهو الذي اعتقده ~~, وقد لاح بذلك أن السبب في قول من قال : إن حج الصديق رضي الله عنه وافق ~~ذا العقدة , أنه فهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم ( إن الزمان قد ~~استدار ) أن الاستدارة لم تكن إل في تلك السنة وليس ذلك مدلول هذا التركيب ~~مالا يخفي والله الوفق : ثم وجدت النقل الصريح في زوائد معجمي الطبراني : ~~الأوسط والأصغر للحافظ نور الدين الهيثمي بمثل ما فهمته , قال في تفسير ~~براءة : حدثنا إبراهيم - يعني ابن هشام - البغوي ثنا الصلت بن مسعود ~~الجحدري ثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ثنا دواد بن أبي هند عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده يعني عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : كانت ~~العرب يحلون عاما شهرا وعاما شهرين ولا يصبون الحج إلا في كل ست وعشرين سنة ~~مرة , وهو النسيء الذي ذكره الله عز وجل في كتابه , فلما كان عام حج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل الناس الأهلة فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ~~) . | لم يروه عن عمرو إلا داود تفرد به الصلت - انتهى . | وهو حديث حسن إن ~~شاء الله تعالى , ثم رايت الهيثمي في مجمع الزوائد قال : رجاله ثقات , فأكد ~~ذلك الجزم بما فهمت ms1973 من أنه حسن , وإنما أطلت هذا بما قد لا يحتاج في إيضاحه ~~إليه لكثرة جدال المجادلين المعاندين ومحال المماحلين الجامدين . | < < # | التوبة : ( 38 - 41 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله ~~اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا ~~في الآخرة PageV03P316 إلا قليل * إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل ~~قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير * إلا تنصروه فقد نصره ~~الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا ~~تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة ~~الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم * انفروا خفافا ~~وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ~~) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما أوعز سبحانه في امر الجهاد , وأزاح جميع عللهم وبين أن حسنه لا ~~يختص به شهر دون شهر وأن بعضهم كان يحل لهم ويحرم فيتبعونه بما يؤدي إلى ~~تحريم الشهر الحلال وتحليل الشهر الحرام بالقتال فيه , عاتبهم الله سبحانه ~~على تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآمر لهم بالنفر في غزوة تبوك ~~عن امره سبحانه , وكان ابتداؤها في شهر جب سنة تسع , فقال تعالى على سبيل ~~الاستعطاف والتذكير بنعمة الإيمان بعد ختم التي قبلها بأنه لا يهدي ~~الكافرين - الذي يعم الحرب وغيره الموجب للجرأة عليهم [ لأن لا هداية له ~~أعمى , والأعمى لا يخشى ] : { يايها الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك { ما لكم } ~~اي ما الذي يحصل لكم في أنكم { إذا قيل لكم } أي من أي قائل كان { انظروا } ~~أي اخرجوا مسرعين بجد ونشاط جماعات ووحدانا إمدادا لحزب الله ونصرا لدينه ~~تصديقا لدعواكم الإيمان , والنفر : مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاج على ذلك ~~{ في سبيل الله } أي بسبب تسهيل الطريق إلى الملك الذي له جميع صفات الكمال ~~, وقال أبو حيان ( بني ) قيل ( للنفعول والقائل النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولم ms1974 يذكر إغلاظا ومخاشنة لهم وصونا لذكره إذ اخلد غلى الهوينا والدعة من ~~أخلد وخالف أمره - انتهى . | { اثاقلتم } أي تثاقلتم تثاقلا عظيما , وفيه ~~ما لم يذكروا له سببا ظاهرا بما اشار إليه الإدغام إخلادا وميلا { إلى ~~الأرض } أي لبرد ظلالها وطيب هوائها ونضج ثمارها , فكنتم أرضيين في سفول ~~الهمم , لا سائيين بطهارة الشيم . | ولما لم يكن - في الأسباب التي تقدم ~~انها كانت تحمل على التباطؤ عن الجهاد - ما يحتمل القيامبهم في هذه الغزوة ~~إلا الخوف من القتل والميل إلى الأموال الحاضرة وثوقا بها والإعراض عن ~~الغنى الموعود به الذي ربما يلزم على ذلك - ولا بد - من الزهد في الأجر ~~المثمر لسعادة العقبى بهذا الشيء الخسيس ؛ قال مبينا خسة ما اخلدوا إليه ~~تزهيدا فيه PageV03P317 وشرف ما أعرضوا عنه ترغيبا منبها على أن ترك الخير ~~الكثير لأجل الشر اليسير شر عظيم منكرا على من تثاقل موبخا لهم : { أرضيتم ~~بالحياة النيا } اي بالخفض والدعة في الدار الدنية الغارة { من الآخرة } أي ~~الفاخرة الباقية ؛ قال أبو حيان : و ( من ) تظافرت اقوال المفسرين انها ~~بمعنى بدل , وأصحابنا لا يثبتون أن من تكون للبدل - انتهى . | والذي يظهر ~~لي أنهم لم يريدوا أنها موضوعة للبدل , بل إنه يطلق عليها لما قد يلزمها في ~~مثل هذه العبارة من ترك ما بعدها لما قبلها فإنها لا بتداء الغاية , فإذا ~~قلت : رضيت بكذا من زيد , كان المعنى أنك اخذت ذلك أخذا مبتدئا منه غير ~~ملتفت إلى ما عداه , فكأنك جعلت ذلك بدل كل شيء يقدر أنه ينالك منه من غير ~~ذلك الماخوذ . | ولما كانوا قد أعطوا الآخرة على الأتباع فاستبدلوا به ~~الامتناع , كان إقبالهم على الدنيا كانه مبتدئ مما كانواقد توطنوه من ~~الآخرة مع الإعراض عنها , فكأنه قيل : أرضيتم بالميل إلى الدنيا من الاخرة ~~؟ ويؤيد ما فهمته ان العلامة علم الدين أبا محمد القاسم بن الموفق الأندلسي ~~ذكر في شرح الجزولية انهم عدوا ل { من } خمسة معان كلها ترجع إلى ابتداء ~~الغاية عند المحققين , وبين كيفية ذلك حتى البيانة , فمعنى < # > 77 ms1975 ( { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } ) 77 < # > [ الحج : 30 ] الذي ابتداؤه من الأوثان , لأن الرجس جامع للأوثان ~~وغيرها . | ولما كان الاستفهام إنكاريا كان معناه النهي , فكان تقدير : لا ~~ترضوا بها فإن ذلك أسفه رأي وأفسده ! فقال تعالى معللا لهذا النهي : { فما ~~} اي بسبب أنه ما { متاع الحياة الدنيا في } أي مغمورا في جنب { الآخرة إلا ~~قليلا * } والذي يندب هم المتجر ويدعي البصر به ويحاذر الخلل فيه يعد فاعل ~~ذلك سفيها . | ولما كان طول الاستعطاف ربما كان مدعاة للخلاف وترك الإنصاف ~~, وتوعدهم بقوله : { إلا تنفروا } أي فب سبيله { عذابا اليما * } أي في ~~الدارين { ويستبدل } أي يوجد بدلا منكم { قوما غيركم } أي ذوي بأس ونجدة ~~مخالفين لكم في الخلال التي كانت سببا للاستبدال لولايته ونصر دينه . | ~~ولما هددهم بما يضرهم , أخبرهم انهم لا يضرون بفتورهم غير انفسهم فقال : { ~~ولا تضروه } أي الله ورسوله { شيئا } لأنه متم امره ومنجر وعده ومظهر دينه ~~؛ ولما اثبت بذلك قدرته على ضره لهم وقصورهم عن الوصول غلى ضره , كان ~~التقدير : لأنه قادر على نصر دينه ونبيه بغيركم , فعطف عليه تعميما لقدرته ~~ترهيبا من عظيم سطوته قوله : { والله } أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة { ~~على كل شيء قدير * } ولما وصف سبحانه نفسه الأقدس بما هو له أهل من شمول ~~القدرة وعظيم البأس والقوة , أتبع ذلك بدليل يتضمن أن المستنفر لهم - وهو ~~نبيه صلى الله عليه وسلم - غير محتاج إليه PageV03P318 ومتوقف نصره عليهم ~~كما لم يحتج إليهم - بحياطة القادر له - فيما مضى من الهجر التي ذكرها , ~~وأن نفع ذلك إنما هو لهم باستجلاب ما عدوه واستدفاع ما اوعدوه في الدارين ~~المشار إلى ذلك كله بقوله { فما متاع الحياة الدنيا } الاية وقوله { إلا ~~تنفروا } - الآية , فقال : { إلا تنصروه } أي أنتم طاعة لأمر الله , ~~والضمير للنبي صلى الله عليه وسلم إما على طريق الاستخدام من سبيل الله ~~لأنه الموضح له الداعي إليه , أو لتقدم اسمه الشريف إضمارا في قوله { إذا ~~قيل لكم } أي من رسول الله صلى عليه وسلم استنصارا منه لكم , وإظهارا ms1976 في ~~قوله تعالى < # > 77 ( { هو الذي أرسل رسوله } ) 77 < # > [ التوبة : 34 ] الاية وقوة ما في كل جملة من المناسبة المقتضية لأن ~~تعانق التي بعدها ولا تنفك عنها قصر الفصل بين الظاهر وضميره , وذكر الغاز ~~والصاحب اوضح الأمر . وذلك أنه سبحانه لما عابهم باتخاذالرؤساء أربابا ~~اشتدت الحاجة إلى بيان أنهم في البعد عن ذلك على غاية لا تخفى على متأمل , ~~فوصفهم بالأكل المستلزم للجسمية المستلزمة للحاجة , وبأن مأكولهم أموال ~~غيرهم باطلا , بأنهم يغشونهم لصدهم إياهم عن السبي التي لا يخفى حسنها على ~~من له أدنى نظر ؛ ولما كان ذلك شديد الإثارة لتشوف النفوس إلى السؤال عن ~~العرب : هل فعلوا فعلهم واتبعوا سنتهم ؟ أجاب بأن عملهم في تحليل النسأة ~~لهم بعض الأشهر الحرم وتحريم بعض أشهر الحل والزيادة في عدة أشهر السنة ~~كعملهم سواء ولما أمر بقتال المشركين كافة وحثم على التقوى , وكان بعضهم قد ~~توانى في ذلك , اشتد اقتضاء الحال لمعاتبة على التثاقل عن النفر , فلما تم ~~ذلك في هذا الأسلوب البديع والطراز الرفيع حث على نصر الرسول الذي ارسله ~~ليظهره على الدين كله فقال جوابا للشرط : { فقد } أي غن لم يتجدد منكم له ~~نصر فإن الله قادر على نصره وسينصره ويغنيه عنكم ولا تضرون إلا أنفسكم فقد ~~{ نصره الله } أي الملك الأعظم وحده والأمر في غاية الشدة , ولا شك عند ~~عاقل ان المستقبل عنده كالماضي { إذ } أي حين { أخرجه الذين } وعبر بالماضي ~~لأن فيهم من أسلم بعد ذلك فقال : { كفروا } أي من مكة وهم في غاية التمالؤ ~~عليه حين شاوروا في قتله أو إخراجه أو إثباته , فكان ذلك سببا لإذن الله له ~~في الخروج من بينهم حال كونه { ثاني اثنين } أي احدهما أبو بكر رضي الله ~~عنه ولا ثالث لهما ينصرهما إلا الله { إذ هما في الغار } اي غار ثور الذي ~~في أعلى الجبل المواجه للركن اليماني بأسفل مكة على مسيرة ساعة منها لما ~~كمنا به ثلاث ليال لفتر عنهما الطلب , وذلك قبل ان يصلا إليكم أو يعولا في ~~النصر ms1977 عليكم { إذ يقول } أي رسول اله صلى الله عليه وسلم { لصاحبه } اي أبي ~~بكر الصديق رضي الله عنه وثوقا بربه غير منزعج من شيء { لا تحزن } والحزن : ~~هم غليظ بتوجع يرق له القلب , حزنه واحزنه PageV03P319 بمعنى ؛ وقال في ~~القاموس : أو أحزنه : جعله حزينا , وحزنه : جعل فيه حزنا ؛ ثم علل نهيه ~~لصاحبه بقوله معبرا بالاسم الأعظم مستحضرا لجميع ما جمعه من الأسماء الحسنى ~~والصفات العلى التي تخضع دونها صلاب الرقاب وتندك بعظمتها شوامخ الجبال ~~الصلاب { إن الله } أي الذي له الأمر كله { معنا } أي بالعون والنصرة , وهو ~~كاف لكل مهم , قوي على دفع ملم , فالذي تولى نصره بالحراسة في ذلك الزمان ~~كان قادرا على أن يأمر الجنود التي أيده بها أن تهلك الكفار في كل موطن من ~~غير ان يكون لكم في ذلك أمر أو يحصل لكم به أخر , وكما أنه كان موجودا في ~~ذلك الزمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى هو على ذلك في هذا الزمان وكل زمان ~~, فتبين كالشمس ان النفع في ذلك إنما هو خاص بكم , وأنه سبحانه ما رتب هذا ~~كله على هذا المنوال إلا لفوزكم , وفي هذه الآية من التنويه بمقدار الصديق ~~وتقدمه وسابقته في الإسلام وعلو منصبه وفخامة امره ما لا يعلمه إلا الذي ~~اعطاه إياه ؛ قال أبو حيان وغيره : قال العلماء : من انكر صحبة أبي بكر رضي ~~الله عنه كفر لإنكاره كلام الله , وليس ذلك لسائر الصحابة . | ولما كان رضي ~~الله عنه نافذ البصيرة في المعارف الإلهية , راسخ القدم في ذلك المقام لذلك ~~لم يتلعثم من أول الأمر في عناد جميع العباد بخاع الأنداد , ثم تدرب فيه ~~متر قيا لثلاث عشرة سنة , وكان الذي به من القلق إنما هو الخوف من أن يحصل ~~للنبي صلى الله عليه وسلم أذى فيدركه من الحزن لذلك ما يهلكه قبل سروره ~~بظهور الدين وقمع المعتدين , ولم يكن جنبا ولا سوء ظن , لما كان ذلك كذلك ~~كان رضي الله عنه حقيقا لحصول السكينة له عند سماع أسم الشريف الأعظم الدال ms1978 ~~على ذلك المقام المذكر بتلك العظمة التي يتلاشى عندها كل عظيم , ويتصاغر في ~~جنبها كل كبير , ولذلك ذكر هذا الاسم الأعظم وقدم , وأشرك الصديق في المعية ~~وبدأ بالنهي عن الحزن لأنه المقصود بالذات ومابعده علة له . | وأما بنو ~~إسرائيل فلم يكن عندهم من المعرفة إلا ما شاهدوا من مما كانوا فيه , ومنع ~~موسى عليه السلام مع وحدته من سطوات فرعون على عظمته وما كان يواجهه به من ~~المكروه , فلما رأوا جموعه مقبله كان حالهم مقتضيا للسؤال عن ذلك المحسن ~~بإظهار تلك الآيات : هل هو مع موسى عليه السلام على ما كان عليه فيمنعهم أم ~~لاظ فلذلك قد إنكار الإدراك ثم إثبات المعية على سيبل الخصوص به , وعبر عن ~~افله باسم الرب الدال على ذلك الإحسان المذكر به فقال < # > 77 ( { كلا إن معي ربي } ) 77 < # > [ الشعراء : 62 ] فكأن قيل : ماذا يفعل والبحر امامنا والعدو وراءنا ؟ ~~فقال ( سيهدين ) أي PageV03P320 إلى ما أفعل , يعرف ذلك من كان متضلعا ~~بالسير وقصص بني إسرائيل على ما ذكرتها في الأعراف عن التوارة , مستحضرا ~~لأن الصديق رضي الله عنه كان في صعودها إلى الغار يذكر الرصد فيتقدم النبي ~~صلى الله عليه وسلم يذكر الطلب فيتأخر ثم يذكر ما عن اليمين والشمال فينتقل ~~إليهما , ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم : إن قتلت أنا فأنا رجل واحد , إن ~~قتلت انت هلكت الأمة , وأنه كان عافا بأن الله تعالى تكفل بإظفار الدين على ~~يد رسول الله صلى الله عليه وسلم المتضمن لحراسة نفسه الشريفة قبل ذلك , ~~ولذلك كان به في هذا اليوم من القلق ما ذكر , وكان عند وفاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم اثبت الناس , ولذلك أتى بالفاء المعقبة في قوله . | { فأنزل الله ~~} أي الملك الأعظم { سكينته } اي السكون المبالغ فيه المؤثر للنسك { عليه } ~~أي الصديق - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما - لأن السكينة لم تفارق ~~النبي صلى الله عليه وسلم , ثم عطف على نصره الله قوله : { وأيده } اي ~~النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف الضمائر هنا لا ms1979 يضر لأنه غير مشتبه { ~~بجنود لم تروها } أي من الملائكة الكرام { وجعل كلمة } أي دعوة { الذين ~~كفروا } أي أوقعوا الكفر من آمن منهم بعد ذلك وغيره { السفلى } فخيب سعيهم ~~ورد كيدهم , ثم ابتدأ الإخبار بما له سبحانه على الدوام من غير انقطاع أصلا ~~في يعقوب عطفا على ماسبق { هي العليا } أي وحدها , لايكون إلا ما يشاءه ~~دائما ابدا , فالله قادر على ذلك { والله } أي المحيط يكل شيء قدرة وعلما { ~~عزيز } اي مطلقا يغلب كل شيء من ذلك وغيره { حكيم * } لا يمكن أن ينقض شيء ~~من مراده لما ينصب من الأسباب التي لا مطمع لأحد في مقاومتها فلا محيص عن ~~نفوذها ولما بلغت هذه الماعظ من القلوب الواعية مبالغا هيأها به للقبول , ~~اقبل عليها سبحانه بالأمر فقال : { انفروا خفافا وثقالا } والمراد بالخفة ~~كل ما يكون سببا لسهولة الجهاد والنشاط إليه , وبالثقل كل ما يحمل على ~~الإبطاء عنه ؛ وقال أبو حيان : والخفة والقل هنا مستعار لمن يمكنه السفر ~~بسهولة ومن يمكنه بصعوبة , وأما من لا يمكنه كالأعمى ونحوه فخارج عن هذا - ~~انتهى . | قال البغوي : قال الزهري : خرج سعيد بن المسيب رحمه الله الغزو ~~وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له : إنك عليل صاحب ضرر فقال : استنفر الله ~~الخفيف والثقيل , فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع ؛ وروى أبو ~~يعلى الموصلي في مسند بسند صحيح عن أنس ان أبا طلحة رضي الله عنهما قرأ ~~سورة براءة فأتى على هذه الآية فقال : لا أرى ربي يستنفرني شابا وشيخا ! ~~جهزوني , فمات فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة ايام فما تغير ~~, { وجاهدوا } أي أوقعوا جهدكم ليقع جهد الكفار PageV03P321 ولما كانت هذه ~~الآية في سياق المعاتبة لمن تثاقل إلى الأرض عن الجهاد عند الاستنفار في ~~غزوة تبوك , وكان سبب التثاقل ما كان في ذلك ما كان في ذلك الوقت امن ~~العسرة في المال والشدة بالحر وما كان من طيب الظلال في أراضي الجنان وقت ~~الأخذ في استواء الثمار - كما هو مشهور في السير ؛ اقتضى ms1980 المقام هنا تقديم ~~المال والنفس بخلاف ما مضى فإن الكلام كان في المفاضلة بين الجهاد في سبيل ~~الله وخدمة البيت ومن يحجه في هذه السورة التي صادف وقت نزولها بعد مواطن ~~الجهاد وطول المفارقة للاموال , والأولاد وقدم المال لأن النظر إليه من ~~وجهيين : قتله , ومحبة الإقامة في الحدائق إيثار للتمتع بها وخوفا من ~~ضياعها مع ان بها قوام الأنفس , فصار النظر إليها هو الحامل على الشح ~~بالأنفس فقال تعالى : { بأموالكم وأنفسكم أي بهما معا على ما امكنكم أو ~~باحدهما { في سبيل الله } أي الملك الأعلى اي حتى لا يبقى منه مانع { ذلكم ~~} أي الأمر العظيم { خير } أي في نفسه حاصل { لكم } أي خاص بكم , ويجوز ان ~~يكون أفعل تفضيل بمعنى أن عبادة المجاهد بالجهاد خير من عبادة القاعد بغير ~~كائنا ما كان , تفتر وتصوم فلا تفطر ؟ وختم الآية بقوله : { إن كنتم تعلمون ~~* } إشارة إلى ان هذا الأمر وغن كان عاما فإنما ينتفع به ذوو الأذهان ~~الصافية والمعالم الوافية , فإن العلم - ولا يعد علما إلا النافع - يحث على ~~العمل وعلى إحسانه باخلاص النية وتصحيح المقاصد وتقوية العزم وغير ذلك وضده ~~يورث ضده . | < < # | التوبة : ( 42 - 43 ) لو كان عرضا . . . . . # > > ^ ( لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة ~~وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم ~~لكاذبون * عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم ~~الكاذبين ) ^ } ) | ولما كان هذا العتاب مؤذنا فيهم من تباطأ عن الجهاد ~~اشتغالا بنحو الأموال والأولاد , وكان ما اشتملت عليه هذه الآيات من ~~الأوامر والزواجر والمواعظ جدير : بأن يخفف كل متثاقل وينشط كل متكاسل , ~~تشوفت النفوس إلى ما اتفق بعد ذلك فأعلم سبحانه به في أساليب البلاغة ~~المخبرة عن أحوال القاعدين وأقاصيص الجامدين المفهمة ان هناك من غلب عليه ~~الشقاء فلم ينتفع بالمواعظ , فالتفت من لطف الإقبال إلى تبكيت المتثاقلين ~~بأسلوب الإعراض المؤذن الغضب المحقق للسخط المبين لفضائحهم المبعثر ~~لقبائحهم المخرج لهم ما دخلوا فيه من عموم الدعاء باسم ms1981 الإيمان فقال : { لو ~~كان } اي ما تدعوا إليه { عرضا } اي متاعا دنيويا { قريبا } أي سهل التناول ~~{ وسفرا قاصدا } أي PageV03P322 وسطا عدلا مقاربا { لا تبعوك } أي لأجل ~~رجاء العرض مع سهولة السفر لأن هممهم قاصرة ومنوطة بالحاضر { ولكن } أي لم ~~يتبعوك تثاقلا إلى الأرض ورضي بالفاني الحاضر من الباقي الغائب لأنها { ~~بعدت عليهم الشقة } أي المسافة التي تطوى بذرع الأرجل بالمسير فيحصل بها ~~النكال والمشقة فلم يواز ما يحصل لهم بها من التعب ما يرجونه من العرض , ~~فاستأذنوك , وفي هذا إشارة إلى ذمهم بسفول الهمم ودناءة الشيم بالعجز ~~والكسل والنهم والثقل , وإلى أن هذا الدين متين لا يحمله إلا ماضي الهم ~~صادق العزم كما قال الشاعر : | إذا هم ألقى بين عينيه عزمه وأعرض عن ذكر ~~العواقب جانبا | فلله در اولي العزائم والصبر على الشدائد والمغارم ! ولما ~~ذمهم بالشح بالدنيا , أتبعه وصمهم بالسماح بالدين فقا مخبرا عما سيكون منهم ~~علما من أعلام النبوة : { وسيحلفون } أي المختلفون باخبار محقق لا خلف فيه ~~{ بالله } أي الذي لا أعظم منه عند رجوعكم إليهم جمعا إلى ما انتهكوا من ~~حرمتك بالتخلف الذي يريدون به حياتها لأنهم كذبوا فيه فانتهكوا حرمة اسم ~~الله { والله } أي والحال ان الملك الأعظم المحيط علما وقدرة سبحانه { يعلم ~~إنهم لكاذبون * } فقد جمعوا بين إهلاك انفسهم والفضيحة عند الله بعلمه ~~بكذبهم في انهم غير مستطيعين , وجزاء الكاذب في مثل ذلك الغضب المؤيد ~~الموجب للعذاب الدائم المخلد . | ولما بكتهمعلى وجه الإعراض لأجل التخلف ~~والحلف عليه كاذبا , اقبل إليه صلى الله عليه وسلم بالعتاب فبي لذيذ الخطاب ~~على الاسترسال في اللين لهم والائتلاف وأخذ العفو وترك الخلاف إلى هذا الحد ~~, فقال مؤذنا بأنهم ما تخلفوا إلا بإذنه صلى الله عليه وسلم لأعذار ادعوها ~~كاذبين فيها كما كذبوا في هذا الحلف , مقدما للدعاء على العتاب لشدة ~~الاعتناء بشأنه واللطف به صلى الله عليه وسلم : { عفا الله } أي ذو الجلال ~~والإكرام { عنك } وهذا كما كانت عادة العرب في مخاطبتهم لأكابرهم بأن ~~يقولوا : أصلح الله الأمير , والملك ms1982 - ونحو ذلك ولما كان من المعلوم أنه لا ~~يأذن إلا لما يرى أنه يرضي الله من تألفهم ونحوه , بين أنه سبحانه يرضى منه ~~ترك الإذن فقال كناية عن ذلك : { لم اذنت لهم } أي في التخلف عنك تمسكا بما ~~تقدم من الأمر باللين لهم والصفح عنهم موافقا لما جلبت عليه من محبة الرفق ~~, وهذا إنما كان في أول الأمر لخوف التنازع والفتنة , وأما الآن فقد علا ~~PageV03P323 الدين وتمكن أمر المؤمنين فالمأمور به الإغلاط على المنافقين ~~فهلا تركت الإذن لهم { حتى يتبين لك } أي غاية البيان { الذين صدقوا } أي ~~في التزام الأوامر بما أقروا به من كلمة التوحيد { وتعلم الكاذبين * } أي ~~فيما اظهروا من الإيمان باللسان , فإنك إن لم تأذن لهم لقعدوا بلا إذن غير ~~مراعين ميثاقهم الذي واثقوك عليه بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره ~~؛ قال أبو حيان : و { حتى } غاية الاستفهام - انتهى . | وذلك لأنه وإن كان ~~داخلا على فعل مثبت فمعناه النفي , أي ما لك لم تحملهم على الغزو معك ~~ليتحقق بذلك الحمل من يطيع ومن يعصي , فالحاصل ان الذي فعله صلى الله عليه ~~وسلم حسن موافق لما أمره الله به فإنه لا ينطبق عن الهوى بل عن أمر الله ~~إما بإيحاء واصل جديد , أو استناد إلى وحي سابق حاصل عتيد , والذي اشار ~~إليه سبحانه احسن مثل < # > 77 ( { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك } ) 77 < # > [ الفتح : 2 ] من باب ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) ومن باب ~~الترقية من مقام عال إلى مقام اعلى تسييرا فيهم بالعدل لما انكشف انهم ~~ليسوا بأهل الفضل ؛ قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في آخر كتاب العروة في ~~تفاوت وجه الخطاب فيما بين ما انزل على وفق الوصية أو أنزل على حكم الكتاب ~~: اعلم ان الله سبحانه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالرحمة لجميع ~~العالمين وخلقه بالعفو والمعروف , كما ورد في الكتب السابقة من قوله تعالى ~~: ( وأجعل العفو والمعروف خلقه ) وبذلك وصاه كما ورد عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : ( أوصاني ربي من غير ms1983 ترجمان ولا واسطة بسبع خصال : بخشية ~~الله في السر والعلانية , وأن أصل من قطعني , وأصفح عمن ظلمني , وأعطي من ~~حرمني , وأن يكون نطقي ذكرا , وصمتي فكرا , ونظري عبرة ) فكان فيما أوصاه ~~به ربه تبارك وتعالى من غير ترجمان ولا واسطة أن يصل من قطعة ويصفح عمن ~~ظلمه , ولا أقطع له ممن كفر به وصد عنه , فكان هو صلى الله عليه وسلم - ~~يحكم ما بعث به وجبل عليه ووصى به - ملتزما للعفو عمن ظلمه والوصل لمن قطعه ~~إلا أن يعلن عليه بالإكراه على ترك ذلك والرجوع إلى حق العدل والاقتصاص ~~والانتصاف المخالف لسعة وصيته الموافق لما نقل من أحكام سنن الأولين في ~~مؤاخذتهم بالحق والعدل إلى جامع شرعته ليوجد فيها نحو مما تقدم من الحق ~~والعدل وإن قل , ولتفضل شرعته بما اختص هو به صلى الله عليه وسلم من البعثة ~~بسعة الرحمة والفضل < # > 77 ( { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } ) 77 < # > [ النحل : 9 ] , < # > 77 ( { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ) 77 < # > [ الأنفالك 33 ] فمن القرآن ما أنزل PageV03P324 على الوجه الذي بعث له ~~وجبل عليه ووصى به نحو قوله تعالى : < # > 77 ( { ادفع بالتي هي احسن السيئة } ) 77 < # > [ المؤمنون : 96 ] وقوله تعالى : < # > 77 ( { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم ~~وشاورهم في الأمر } ) 77 < # > [ آل عمران : 159 ] وقوله تعالى : < # > 77 ( { فاصفح الصفح الجميل } ) 77 < # > [ الحجر : 85 ] وقوله تعالى < # > 77 ( { فاصفح عنهم وقلم سلام } ) 77 < # > [ الزخرف : 89 ] وأصل معناه في مضمون قوله تعالى : < # > 77 ( { لقد جاءكم رسول من انفسكم عزير عليه ما عنتم حريص عليكم } ) 77 ~~< # > [ التوبة : 128 ] فما كان من المنزل على هذا الوجه تعاضدت فيه الوصية ~~والكتاب وقبله هو صلى الله عليه وسلم جبلة وحالا وعملا ولم تكن له عنه وقفة ~~لتظافر الأمرين وتوافق الخطابين : خطاب الوصية , وخطاب الكتاب ؛ وهذا الوجه ~~من المنزل خاص بالقرآن العظيم الذي هو به صلى الله عليه وسلم , لم يؤته أحد ~~قبله < # > 77 ( { ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم } ) 77 < # > [ الحجر : 87 ms1984 ] ومن القرآن ما أنزل على حكم العدل والحق المتقدم فضله ~~في سنن الأولين وكتب المتقدمين وإمضاء عدل الله سبحانه في المؤاخذين ~~والاكتفاء بوصل وإبعاد المستغني وإلاقبال على القاصد والانتقام من الشارد , ~~وذلك خلاف ما جبل الله عليه نبيه وما وصى به حبيبه صلى الله عليه وسلم ؛ ~~فكان صلى الله عليه وسلم إذا انزل حتى يعلن عليه بالإكراه في أخذه والتزام ~~حكمه فحينئذ يقوم لله به ويظهر عذره في إمضائه فيكون له في خطاب ~~التشديدعليه في أخذه أعظم مدح وأبلغ ثناء من الله ضد ما يتوهمه الجاهلون , ~~فمما انزل إنباء عن مدحه بتوقفه على إمضاء حكم العدل والحق رجاء تدارك ~~الخلق واسنعطاف الحق ما هو نحو قوله تعالى : < # > 77 ( { فلعلك باخع نفسك عل آثارهم إن لم بهذاالحديث أسفا } ) 77 < # > [ الكهف : 6 ] ونحو قوله تعالى < # > 77 ( { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين } ) 77 < # > [ الشعراء : 3 ] نحو قوله تعالى : < # > 77 ( { ولقد نعلم انك يضيق صدرك بما يقولون } ) 77 < # > [ الحجر : 97 ] ومما انزل على وجه الإعلان عليه بما هو عليه من ارحمة ~~وتوقفه على الأخذ بسنن الأولينحتى يكره عليه ليقوم عذره ليقوم عذره في ~~الاقتصار على حكم الوصية وحال الجبلة ما هو نحو قوله تعالى : < # > 77 ( { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلاتك في مرية منه أنه ~~الحق من ربك } ) 77 < # > [ هود : 17 ] ونحو قوله تعالى : < # > 77 ( { ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى ~~حتى يكونوا مؤمنين } ) 77 < # > [ يونس : 99 ] ونحو قوله تعالى : < # > 77 ( { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من ~~قلبك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين } ) 77 < # > [ يونس : 94 ] أي لا تتوقف لطلب الرحمة لهم كما - يتوقف الممتري في ~~الشيء أو الشاك فيه لما PageV03P325 قد علم أنه لا بد لأمته من حظ من مضاء ~~كلمة العدل فيهم وحق كلمة العذاب عليهم وإجراء بعضهم دون كلهم على سنة من ~~تقدمهم من اهل الكتب الماضية فب المؤاخذة بذنوبهم وإنفاذ ms1985 حكم السطوة فيهم ~~فأخذهم الله بذنوبه < # > 77 ( { فكلا أخذنا بذنبه } ) 77 < # > [ العنكبوت : 40 ] ولم ينفعهم الرجوع عند مشاهدة الآيات < # > 77 ( { الأن وقد عصيت قبل } ) 77 < # > [ يونس : 91 ] < # > 77 ( { لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم } ) 77 < # > [ الأنبياء : 13 ] وذلك أن كل مطالع بالعذاب راجع - ولا بد - عن باطله ~~حين لا ينفعه < # > 77 ( { وحرام على قرية أهلكناها إنهم لا يرجعون } ) 77 < # > [ الأنبياء : 95 ] < # > 77 ( { إلا قوم يونس لما آمنوا كسفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ~~} ) 77 < # > [ يونس : 98 ] لما أبطن تعالى في قلب نبيهم عليه السلام عزما على ~~هلاكهم , أظهر تعالى رحمة عليهم , ولما ملأ نبيه صلى الله عليه وسلم رحمه ~~لأمته : كافرهم ومؤمنهم ومنافقهم , أشار بآي من إظهار مؤاخذاتهم وأعلم بكف ~~نبيه صلى الله عليه وسلم عن تألفهم وأحسبه بمؤمنهم دون كافرهم ومنافقهم < # > 77 ( { يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين } ) 77 < # > [ الأنفال : 64 ] وكل ذلك معلوم عنده صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه ~~بمضمون قوله تعالى : { سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا } < # > 77 ( { سنة الله التي قد خلت من قبل } ) 77 < # > [ الفتح : 23 ] , < # > 77 ( { فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل } ) 77 < # > [ يونس : 94 ] , < # > 77 ( { كذلك نسلكه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين ~~} ) 77 < # > [ الحجر : 12 - 13 ] ولذلك قال صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه < # > 77 ( { فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك } ) 77 < # > [ يونس : 94 ] : ( أما أنا فلا أشك ولا أسأل ) , لأنه قدعلم جملة أمر ~~الله أن منهم من يتداركه الرحمة ومن يحق عليه كلمة العذاب , ولكنه لا يزال ~~ملتزما لتألفهم واستجلابهم حتى يكره على ترك ذلك بعلن خطاب نحو قوله تعالى ~~: < # > 77 ( { عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه ~~الذكرى أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك إلا يزكى وأما من جاءك يسعى ~~وهو يخشى فأنت عنه تلهى كلا إنها تذكره فمن شاء ذكره } ) 77 < # > [ عبس : 1 - 12 ] ونحو قوله تعالى ms1986 : < # > 77 ( { ما كان لنبي أنة يكون له أسرى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا ~~والله فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم } ) 77 < # > [ الأنفال : 67 - 69 ] فهذه الآي ونحوها يسمعها العالم بموقعها على ~~إكراه لنبي الرحمة حتى يرجع إلى عدلنبي الملحمة من جملة امداح القرآن له ~~والشهادة بوفائه بعهد ووصية حتى تحقق له تسميته بنبي الرحمة ثابتا على ~~الوصية ونبي الملحمة إمضاء في وقت لحكم الحق وإظهار العدل , فهو صلى الله ~~عليه وسلم بكل القرآن ممدوح وموصوف بالخلق العظيم جامع لما تضمنته كتب ~~PageV03P326 الماضين ولما اختصه الله به من سعة القرآن العظيم , فهذا وجه ~~تفاوت ما بين الوصية والكتاب في محكم الخطاب ؛ والله سميع عليم - انتهى . | ~~< < # | التوبة : ( 44 - 47 ) لا يستأذنك الذين . . . . . # > > ^ ( لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم والله عليم بالمتقين * إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون * ولو أرادوا الخروج لأعدوا له ~~عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين * لو خرجوا ~~فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم ~~والله عليم بالظالمين ) ^ } ) | ولما فاته صلى الله عليه وسلم معرفتهم بهذا ~~الطريق , شرع العالم بما في الضمائر يصفهم له بما يعوض عن ذلك , فقال على ~~طريق الجواب للسؤال : { لا يستأذنك } اي يطلب إذنك بغاية ارغبة فيه { ~~ثالذين يؤمنون بالله } أي يجدون الإيمان كل وقت حقا من أنفسهم بالملك الذي ~~له صفات الكمال { واليوم الآخر } أي الذي يكون فيه الجزاءبالثواب والعقاب { ~~أن } أي في أن { يجاهدون بأموالهم وأنفسهم } بل يبادرون إلى الجهاد عند ~~إشارتك إليه وبعثك عموما عليه فضلا عن ان نستأذنه صلى الله عليه وسلم ابدا ~~في الجهاد فإن ربنا ندبنا إليه مرة بعد مرة فأي فائدة في الاستئذان ! ~~ولنجاهد معه بأموالنا وأنفسنا , وكانوا بحيث لو امرهم صلى الله عليه وسلم ~~بالعقود شق عليهم كما وقع لعلي رضي الله عنه غزوة تبوك حتى قال له رسول ~~الله ms1987 صلى الله عليه وسلم : ( ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ) ~~! ولما كان التقدير : فمن اتصف بذلك فاعلم أنه متق بأخبار الله , عطف عليه ~~قوله : { والله } اي الذي له الإحاطة الكاملة { عليم بالمتقين * } اي الذين ~~يخافون الله كلهم . | ولما أخبر بالمتقين , عرف بغيرهم على وجه الحصر ~~تأكيدا لتحقيق صفة العلم بما أخبر به سبحانه , فصار الاستئذان منفيا عن ~~المؤمنين مرتين , فبثت للمنافقين على أبلغ وجه { إنما يستأذنك } أي في مثل ~~ذلك فكيف بالاستئذان في التخلف ! { الذين لا يؤمنون } اي يتجدد لهم إيمان { ~~بالله } أي الملك الأعلى الذي له نهاية العظمة إيمانا مستجمعا للشرائط { ~~واليوم الاخر } لأنهم لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا وإن ادعوا ذلك ~~بألسنتهم PageV03P327 ولما كانت [ هذه ] صفة المصارحين بالكفر , بين أن ~~المراد المنافقون بقوله : { وارتابت قلوبهم } أي تابعت الوساوس وتعمدت ~~المشي معها حتى تخلفت بالشك ؛ ولما كان الشاك لا يزال يتجاذبه حسن الفطرة ~~وسوء الوسوسة , قال : { فهم } أي فتسبب عن ذلك أنهم { في ريبهم يترددون * } ~~أي بين النفي والإثبات دأب المتحير لا يجزمون بشيء منهما وإن صدقوا ان الله ~~موجود فإن المشركين يصدقون بذلك ولكنه لا ينفعهم للإخلال بشرطه , وليس ~~استئذانهم في أن يجاهدوا لإدارة الجهاد بل توطئة لأن يقولوا إذا أمرتهم به ~~: إنه لا عدة لنا في هذا الوقت فائذن لنا في التخلف حتى نستعد ! وقد كذبوا ~~, ما ذلك بهم , إنما أنهم لا يريدون الخروج معك { ولو أرادوا الخروج لأعدوا ~~له } أي قبل حلوله { عدة } أي قوة واهبة من المتاع والسلاح والكراع بحيث ~~يكونون متصفين بما قدمت إليهم من التحريض على نحو ما وقع الأمر به في ~~الأنفال فيكونون كالحاضرين في صلب الحرب الواقفين في الصف قد استعدوا لها ~~بجميع عدتها { ولكن } لم يريدوا ذلك قط فلم يعدوا له عدة , فملا أمرت به ~~شرعوا يعتلون بعدم العدة وما ذاك بهم , إنما مانعم كراهتهم للخروج وذلك ~~بسبب أن { كره الله } أي ذو الجلال والإكرام بأن فعل فعل الكاره فلم يرد { ~~انبعاثهم } أي سيرهم معك مطاوعة ms1988 لأمرهم بذلك لما علم من عدم صلاحيتهم له { ~~فثبطهم } أي حسبهم عنه حسبا عظيما بما شغلهم بما بما حبب إليهم من اتكاب ~~المشقات بسبب انهم لا البهيمية , فلما استولت عليهم الشهوات وملكتهم الأنفس ~~الدنيات نودوا من قبلها : إلى أين تخرجون ؟ { وقيل } أي لهم لما أسرعوا ~~الإقبال إليها { اقعدوا } أي عن جندي لا تصحبوهم , وفي قوله - : { مع ~~القاعدين * } أي الذين شانهم ذلك كالمرضى والزمنى والصبيان والنساء - من ~~التبكيت مالا يعلم مقداره إلا أولو الهمم العلية والأنفس الأبية , وعبر ~~بالمجهول إشارة إلى أنهم يطيعون الأمر بالقعود حقيقة ومجازا كائنا من كان ~~كما انهم يعصون الأمر بالنفر كائنا من كان لأن انفسهم قابلة للدناياغير ~~صالحة للمزايا بوجه . | ولما كان كأنه قيل : ما له ثبطهم وقد كنا قاصدين ~~سفرا بعيدا وعدوا كثيرا شديدا فنحن محتاجون إلى الإسعاد ولو بتكثير السواد ~~! قيل : { ولو } أي فعل ذلك بهم لأنهم لو { خرجوا فيكم } اي كانوا قليلا ~~معمورين بجماعاتكم { ما زادوكم } أي بخروجهم شيئا من الاشياء { إلا خبالا } ~~أي ما أتوكم بشيء زائد على ما عنكم من الأشياء غير الخبال , والاستثناء ~~مفرغ والمستثنى منه - المقدر الثابت لهم الاتصاف به - هو الشيء , ~~PageV03P328 وذلك لا يقتضي اتصاف أحد منهم بالخبال قبل خروج المنافقين , ~~والخبال : الفساد , وهو ينظر على الخداع والأخد على غزوة { ولأوضعوا } أي ~~اوقعوا الإيضاع , حذف المفعول إشارة إلى أن مرادهم الأيضاع نفسه لا بقيد ~~دابة , وعبر بالإيضاع لأنه للراكب وهو اسرع من الماشي { خلالكم } أي ~~لأسرعوا في السير ذهابا وإيابا بينكم في تتبع عوراتكم وانتظار زلاتكم ~~ليجدوا منها مدخلا إلى الفساد بالنميمة وغيرها إن لم يجدوها , والإيضاع في ~~السير يكون برفق ويكون بإسراع , والمراد به هنا الإسراع , ومادة وضع بجميع ~~تراكيبها تدور على الحركة , وتارة تكون إلى علو وتارة إلى سفول , ويلزم ذلك ~~السكون والمحل القابل لذلك , وعلى ذلك يتمشى العضو والعوض , وعوض الذي هو ~~بمعنى الدهر , وضوع الريح والتصويت بالبكاء , والضعة لشجرة في البادية , ~~والوضع للطرح في مكان والسير اللين والسريع ؛ والخلال جمع الخلل وهو الفرجة ~~{ يبغونكم ms1989 } أي حال كونهم يريدون لكم { الفتنة } أي بتشتيت الشمل وتفريق ~~الأصحاب وتقدم عند ^ ( { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } ) ^ [ الأنفال : 39 ] ~~أنها الخلطة المميلة المحلية , أي يريدون لكم الشيء الذي يصيبكم فغي حالتكم ~~إلى ما يسوءكم فيسرهم { وفيكم } أي والحال أنه فيكم { سامعون لهم } أي في ~~غاية القبول لكلامهم لضعف معارفهم وآرائهم . | وربما كان سماعهم منهم مؤديا ~~إلى مطلوبهم { والله } أي الذي أخبركم بهذا من حالهم وله الإحاطة بكل شيء { ~~عليم } بهم , فثقوا بأخبارهم . | هكذا كان الأصل وإنما قال : { بالظالمين * ~~} إشارة إلى الوصف الذي اوجب لهم الشقاء بمنعهم عن موطن الخير , وتعميما ~~للحكم بالعلم بهم وبمن سمع لهم ظالم , والحاصل انه شبه سعيهم فيهم بالفساد ~~بمن يوضع بعيره في أرض فيها أجرام شاخصة متقاربة , فهو في غاية الالتفات ~~إلى معرفة ما فيها من الفرج والتأمل لذلك حذرا من أن يصيبه شيء من تلك ~~الأجرام فيسقيه كأس الحمام , فلا شغل لهم إلا بغية فسادكم بعدم وصولكم إلى ~~شيء من مرادكم . | < < # | التوبة : ( 48 - 51 ) لقد ابتغوا الفتنة . . . . . # > > ^ ( لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جآء الحق وظهر ~~أمر الله وهم كارهون * ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة ~~سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين * إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة ~~يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون * قل لن يصيبنآ إلا ما كتب ~~الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ^ } ) | PageV03P329 ولما ~~أخبر سبحانه بذلك , وحث على قبول أخبارهم بما وصف به ذاته الأقدس من إحاطة ~~العلم , شرع يقيم الدليل على ما قال بتذكيرهم بأشياء تقدمت مشاهدتها منهم , ~~فقال معللا لما أخبر به : { لقد ابتغوا } أ أي طلبو طلبا عظيما كلهم لكم { ~~الفتنة } أي لتشتيتكم { من قبل } أي قبل هذه الغزوة في يوم أحد بكسر قلوب ~~بكسر العسكر بالرجوع عنه حتى كاد بعضهم أن يفشل وفي المريسيع بما قال ابن ~~أبي < # > 77 ( { ليخرجن الأعز منها الأذل } ) 77 < # > [ المنافقون : 8 ] وفي غزوة الخندق بما وقع منهم من ms1990 التكذيب في أخذ ~~كنوز كسرى وقيصر والإرجاف بكم في نقض بني قريظة وغير ذلك كما صنعوا قبله في ~~غزوة قينقاع والنضير في قصدهم تقوية كل منهم عليكم وفي غير ذلك من ايام ~~الله التي عكس فيها قصودهم وأنعكس جدودهم { وقلبوا } اي تقليبا كثيرا { لك ~~الأمور } أي التي لك فيها اذى ظهرا لبطن بإحالة الآراء وتدبير المكايد ~~والحيل لعلهم يجدون فرصة في نقض امرك ينتهزونها أو ثغرة في حالة يوسعونها , ~~وامتد بهم الحال في هذا المحال { حتى جاء الحق } أي الثابت الذي لا مراء في ~~مزاولته مما تقدم به وعده سبحانه من إظهار الدين وقمع المفسدين { وظهر امر ~~الله } أي المتصف بجميع صفات الكمال من الجلال ةالجمال حتى لا مطمع لهم في ~~ستره { وهم كاهرون * } أي لجميع ذلك فلم يبق لهم مطمع في محاولة بمواجهة ~~ولا مخاتلة فصار همهم الآن الاعتزال والمبالغة في إخفاء الأحوال وستر ~~الأفعال والأقوال . | ولما أجملهم في هذا الحكم , وكان قد اشار إلى منهم من ~~كان قد استأذن في الخروج توطئة للاعتذار عنه , شرع فصلهم , وبدأالمفصلين ~~بمن صرح بالاستئذان في القعود فقال عاطفا على ( لقد ابتغوا ) : { ومنهم من ~~يقول } أي في جبلته نتجديد هذا فتنتى بالحزم بالأمر بالنفر فأفتتن إما بأن ~~أتخلف فأكون مصارحا بالمعصية أو أسافر فأميل إلى نساء بني الأصفر فأرتد عن ~~الدين فأنه لا صبر لي عن النساء , وقائل ذلك هو الجد ابن قيس , كان من ~~الأنصار منافقا . | ولما أظهروا أنهم قصدوا البعد من شيء فغذا هم قد ~~ارتكبوا فيه , انتهزت فرصة الإخبار بذلك على أبلغ وجه بإدخال ناف على ناف ~~لتحصيل الثبوت الأكيد بإقرار المسؤول فقيل : { ألا في الفتنة سقطوا } أي ~~بما قالوا وفعلوا , فصارت ظرفا لهم فوضعوا انفسهم بذلك في جهنم , وفي ~~التعبير بالسقوط دلالة على انتشابهم في أشراك الفتنة انتشابا سريعا بقوة ~~فصار يعسر خلاصهم معه { وإن جهنم لمحيطة } اي بسبب PageV03P330 إحاطة ~~الفتنة - التي اسقطوا انفسهم فيها - بهم , وإنما قال : { بالكافرين * } ~~تعميما وتنبيها على الوصف الذي حملهم على ذلك . | ولما كان ms1991 كأنه قيل : ما ~~الفتنة التي سقطوا فيها فاحاطت بهم جهنم بسببها ؟ قيل : { إن } أي هي كونهم ~~أن , ويجوز أن يكون علة لإحاطة جهنم بهم , وكأنهم - لأجل أنهم من الأوس ~~والخزرج فالأنصار إقاربههم - خصوا النبي صلى الله عليه وسلم بالعدواة وشديد ~~الحنق , وكذا ايضا كان لا يسوءهم ويسرهم من الحسنة والسيئة إلا ما له وقع - ~~بما اذن له التعبير بالإصابة دون المس - لا ما دونه , حفظا لقلوب أقاربهم ~~ورعيا لأسرار نسائهم , فقال إشارة إلى ذلك : { تصبك } أي بتقدير الله ذلك { ~~حسنة } أي بنصر أو غيره { تسؤهم } أي لما في قلوبهم من الضغن والمرض { قد ~~اخذنا أمرنا } أي عصينا الذي امرنا ولم نسلم قيادنا لأحد فنكون كالأعمه , ~~لأن الأمر الحادثة وضد النهي , ومنه الأمير , رجل إمر وإمرة - بتشديد الميم ~~المفتوحة مع كسر الهمزة وتفتح : ضعف الرأي , يوافق كل أحد على ما يريد من ~~امره كله , وهو الأعمه وزنا ومعنى { من قبل } أي قبل ان تكون هذه المصيبة , ~~فلم نكن مؤتمرين بأمر فيصيبنا بيد الآمر , فلما عصوه كانوا كأنهم قد أخذوه ~~منه . | ولما كان قولهم هذه بعيدا عن الاستقامة , فكانجديرا بأن لا يقال , ~~وإن قيل كان حقيقا بأن يستقال بالمباراة إلى الرجوع عنه والاستغفار منه , ~~اشار تعالى إلى تماديهم فيه فقال : { ويتولوا } أي عن مقامهم هذا الذي ~~قالوا فيه ذلك وإن طال إلى أهاليهم { وهم فرحون * } أي لمصيبتهم لكفرهم ~~ولخلاصهم منها . | ولما كان قولهم هذا متضمنا لتوهم القدرة على الاحتراس من ~~القدر , قال تعالى معلما بجوابهم مخاطبا للرأس لعلو المقام : { قل } أي إنا ~~نحن لا نقول مقالتكم لمعرفتها بأنا لا نملك ضرا ولا نفعا , بل نقول : { لن ~~يصيبنا } اي من الخير والشر { إلا ما كتب } أي قدر { الله } أي المحيط بكل ~~شيء قدرة وعلما , ولما كان قضاء الله كله خيرا للمؤمن إن اصابته سراء شكر ~~وإن اصابته ضراء صبر , عبر باللام فقال : { لنا } أي لا يقدر على رده عنا ~~إلا هو سبحانه { هو } أي وحده { لنا } أي لا جميع امورنا , لا قريب منا ms1992 ~~سواه , فلو أراد لدفع عنا كل مصيبة لأنه أقرب إلينا منها , لا نصل إلينا ~~بدون علمه وهو قادر , فنحن نعلم ان له في ذلك لطيف سرية تتضاءل دونها ثواقب ~~الأفكار وتخسأ عن الإحاطة بتحقيقها نوافذ الأبصار فنحن لا نتهمه في قضائه ~~لأنا PageV03P331 قد توكلنا عليه وفوضنا امورنا إليه , والموكل لا يتهم ~~الوكيل { وعلى الله } أي الملك الأعلى لا غيره { فليتوكل المؤمنون } أي ~~كلهم توكلا عظيما جازما لا معدل عنه , فالفصيل بين المؤمن والكافر هو إسلام ~~النفس إليه وحده بلا اعتراض عليه يقلبها كيف يشاء ويحكم فيها بما يريد . | ~~< < # | التوبة : ( 52 - 54 ) قل هل تربصون . . . . . # > > ^ ( قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم ~~الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون * قل أنفقوا طوعا ~~أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين * وما منعهم أن تقبل منهم ~~نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ~~ينفقون إلا وهم كارهون ) ^ } ) | ولما تضمن ذلك ان سراءهم وضراءهم لهم خير ~~من حيث إن الرضى بمر القضاء موجب لإقبال القاضي على المقتضي عليه بالرأفة ~~والرحمة , صرح بذلك في قوله : { قل هل تربصون } اي تنتظرون انتظارا عظيما { ~~بنا إلا إحدى الحسنيين } أي وهي أن نصيب أعداءنا فنظفر ونغنم ونؤخر أو ~~يصيبونا بقتل أو غيره فنؤجر , وكلا الأمرين حسن : أما السراء التي ~~توافقوننا على حسنها فأمرها واضح , وأما الضراء فموجبة لرضى الله عنا ~~ومثوته لنا بالصبر عليها ورضانا بها إجلالا له وتسليما لأمره فهي حسنى كما ~~نعلم لا سوأى كما تتوهمون { ونحن نتربص بكم } أي ننتظر إحدى السوأيين وهي { ~~إن يصيبكمالله } أي الذي له جميع القدرة ونحن من حزبه { بعذاب من عنده } أي ~~لا تسبب لنا فيه كما أهلك القرون الأولى بصائر للناس { أو بأيدينا } أي ~~بسببنا من قتل أو نهب وأسر وضرب وغير ذلك لأن حذركم لا يمنعكم من الله , ~~وكل ذلك مكروه عندكم . | ولما تسبب عن هذا البيان ان السوء خاصة بحزب ~~الشيطان ms1993 , حسن ان يؤمروا تهكما بهم بما أداهم إلى ذلك تخسيسا لشأنهم فقال : ~~{ فتربصوا } أي أنتم { إنا } أي نحن { معكم متربصون * } أي بكم , نفعل كما ~~تفعلون , والقصد مختلف , والآية من الاحتباك : حذف اولا الإصابة للدلالة ~~عليها بما أثبت ثانيا , وثانيا إحدى السوأيين للدلالة عليها إثبات الحسنيين ~~أولا . | ولما كان جملة ما يصبيهم منهم من العذاب الإتفاق بتزكية ما طهر من ~~أموالهم بالإعانة في سبيل الله خوفا من اتهامهم بالنفاق في اقوالهم ليفتدوا ~~أإنفسهم به من السفر , قال : { قل أنفقوا } أي أوجدوا الإنفاق لكل ما يسمى ~~إنفاقا { طوعا أو كرها } أي مظهرين الطواعية أو مظهرين الكراهية ؛ ولما كان ~~الإعراض عنهم غنما سببه كفرهم لا PageV03P332 إنفاقهم , لم يربط الجواب ~~بالفاء بل قال : { لن ينتقل منكم } أي يقع تقبل لشيء يأتي من قبلكم أصلا من ~~أحد له أن يتقبل كائنا من كان , ولذلك بناه للمفعول , لأن قلوبكم كارهة ~~ليست لها نية صالحة في الإنفاق ولا في غيره , فانقسام إنفاقكم إلى طوع وكره ~~إنما هو باعتبار الظاهر , وكأنه عبر بالتفعل إشارة إلى قبوله منهم ظاهرا ~~ولما كان غير مقبول باطنا على حال من الأحوال علل بقوله : { إنكم كنتم } أي ~~جبلة وطبعا { قوما فاسقين * } أي عريقين في الفسق بالغين انهى غاياته . | ~~ولما علل بالعراقة في الخروجعن الطاعة , بينه في قوله : { وما منعهم أن ~~تقبل } اي باطنا , ولذا عبر بالمجرد , ولذا بناه للمفعول لأن النافع القبول ~~في نفس الأمر لا كونه من معين { منهم نفقاتهم } أي وإن جلت { إل أنهم كفروا ~~بالله } أي الذي له جميع صفات الكمال من الجلال والجمال لفساد جبلاتهم وسوء ~~غرائزهم . | ولما كان قبول النفقات مهيئا للطهارة التي تؤثرها الصلاة , كان ~~السياق لعدم قبولها - ليتسبب عنه النهي عن الصلاة عليهم - أبلغ لأنه أدل ~~على الخبث , فأكدج كفرهم بزيادة الجار إشعارا بأن الكفر بكل منهما على ~~حياله مانع فقال : { وبرسوله } أي فسقهم بانهم غير مؤمنين وهو السبب المانع ~~بمفرده من القبول : ثم قدح في شاهدي ما يظهرون من الإيمان وهما الصلاة ~~والزكاة وغيرهما من ms1994 الإنفاق في الخيرات بما هو لازم للكفر ودال عليه فقال : ~~{ ولا يأتون الصلاة } أي المفرضة وغيرها { إلا هم كسالى } أي في حال كسلهم ~~, لا يأتونهم قط بنشاط { ولا ينفقون } أي نفقة من واجب أو غيره { إلا هم ~~كاهرون * } أي في حال الكراهة وإن ظهر لكم خلاف ذلك , وذلك كله لعدم النية ~~الصالحة واعتقاد الآخرة , وهذا لا ينافي طوعا لأن ذلك بحسب الفرض أو الظاهر ~~وهذا بحسب الواقع . | < < # | التوبة : ( 55 - 59 ) فلا تعجبك أموالهم . . . . . # > > ^ ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في ~~الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون * ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم ~~منكم ولكنهم قوم يفرقون * لو يجدون ملجئا أو مغارات أو مدخلا لولوا إليه ~~وهم يجمحون * ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا ~~منها إذا هم يسخطون * ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا ~~الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنآ إلى الله راغبون ) ^ } ) | ولما ~~انتفى عن أموالهم النفع الأخرن الذي هو النفع , تسبب عن ذلك الزهد فيها ~~الموجب لعدم الالتفات إليها وعدم اعتقاد أن فيها بركة ودلالة على خير , ~~فقال - مبينا ما PageV03P333 فيها من الفساد الذي يظن أنه صلاح : { فلا } - ~~بفاء السبب , فالسياق ابلغ من سياق الآتية بعد النهي عن الصلاة عليهم { ~~تعجبك أموالهم } أي وإن أنفقوها في سبيلي وجهزوا بها الغزاة . فإن ذلك عن ~~غير إخلاص منهم ولا حسن نية ولا جميل طوية , وإنما هو لما اذلهم من عزة ~~الإسلام واخافهم من سطوة الانتقام فهو من جملة العذاب , وعطف عليها الأولاد ~~لمشاركتها لها في الملاذ والقوة والاستعمال في الجهاد , فقال مؤكدا للنفي ~~بإعادة النافي : { ولا أولادهم } فكأنه قيل : فماذا يراد بإعطائهم ذلك ؟ ~~ولو منعوها واعطيها المخلصون لكان قوة للدين , فقال : { إنما يريد الله } ~~اي يوقع الإرادة لهم بها الملك الذي له الإحاطة بجميع الحكمة كما أن له ~~الإحاطة بتمام القدرة , وأبلغ في الحصر بإدخال اللام في قوله : { ليعذبهم } ~~أي لأجل ان يعذبهم { بها في الحياة } أي ms1995 وإن كان يتراءى أنها لذيذة , لأن ~~ذلك من شأن الحياة فإنما هي لهم موت في الحقيقة { الدنيا } أي تارة بجمعها ~~وتربتها وتارة ببذلها كرها في سبيل الله أو في تزكيتها وتارة بغيرذلك { ~~وتزهق } أي وغنما يريد بتمكنهم منا لأجل أن يخرج وقت الموت بغاية الصعوبة { ~~أنفسهم } أي بسببها { وهم } اي والحال انهم { كافرون * } اي عريقون في ~~الكفر , وهكذا كل من اراد استدراجه سبحانه فإنه في الغالب يكثر اموالهم ~~وأولادهم لنحو هذا لأنهم إذ رأوا زيادتهم بها على بعض المخلصين ظنوا لدليله ~~وأوضح لسبيله ؛ فالحاصل أنه ظهر لهم أنهم اكرموا بها وخفي عنهم أنها سبب ~~لعذابهم في الحياة باتكالهم عليها , وفي الممات بصعوبته عليهم المشار إليه ~~بالزهوق , وفي الآخرة بسبب موتهم على حال الكفر باستدراجهم بها , وأما ~~المؤمن فلا يموت حتى يرى من الثواب ما يسليه عن كل شيء فيشتاق غلى لقاء ~~الله وتخرج نفسه وهو في غاية المحبة لخروجها لأن البدن عائق له عما يرى . | ~~ولما وضح بهذه الأمور منابذتهم للمؤمنين وخروجهم من ربقة الدين المصحح ~~لوصفهم بالفسق , أوضح لبسا آخر من احوالهم يقيمونه بالأيمان الكاذبه فقال : ~~{ ويحلفون } أي طلبوا لكم الفتنة والحال انهم يجدون الإيمان { بالله } أي ~~على ما له من تمام العظمة { إنهم } أي المنافقين { لمنكم } أي أيها ~~المؤمنون على اعتقادكم ياطنا كما هم ظاهرا { وما } أي والحال انهم ما { هم ~~} صادقين في حلفهم انهم { منكم ولاكنهم } أي مع أن لهم قوة وقياما يحاولونه ~~{ يفرقون * } أي يخافون منكم على دمائهم خوفا عظميا يفرق همومهم فهو الملجئ ~~لهم غلى الحلف كذبا على PageV03P334 التظاهر بالإسلام , فكأنه قيل : فما ~~لهم يقيمون بيننا والمبغض لا يعاشر من يبغضه ؟ فقيل : لأنهم لا يجدون ما ~~يحميهم منكم { لو يجدون ملجأ } أي شيئا يلجؤون إليه من حصن أو جبل أو قوم ~~يمنعونهم منكم { أو مغارات } في الجبال تسعهم , جمع مغارة - مفعلة من غار ~~في الشيء - غذا دخل فيه , والغور : ما انخفض من الأرض ولما كانت الغيران - ~~وهي النقوب في الجبال - واسعة والوصول إليها سهلا , قال ms1996 : { أو مدخلا } أي ~~مكانا يدخلونه يغاية العسر والصعوبة لضيقه أو لمانع في طريقه أو قوما ~~يداخلونهم وإن كانوا يكرهونهم - بما أرشد إليه التشديد : { لولوا إليه } أي ~~لا شتدوا في الدابة اليت كانت مسرعة في ظواعية راكبها فإذا هي قد نكصت على ~~عقبها ثم أخذت في غير قصده بغاية الإسرلع ونهاية الرغبة والدعية لا يردها ~~بئر تقع فيه ولا مهلكة ولا شيء . | ولما قرر حال من يتخلف عن الجهاد , ~~وربما بذل ماله افتداء لسفره , شرع في ذكر من يشاركه في الإنفاق ولالنفاق ~~ويخالفه فقال : { ومنهم من يلمزك } اي يعيبك عند مشاكليه على طريق الملازمة ~~في ستر وخفاء أو تظاهر وقلة حياء { في الصدقات } اي اللاتي تؤتيها لأتباعك ~~, ولما اخبر عن اللمز , أخبر انه لحظ نفسه لا للدين فقال : { فإن أعطوا ~~منها رضوا اي عنك { وإن لم يعطوا منها } فاجؤوا السخط الذي يتجدد في كل ~~لحظة ولم يتخلفوا عنه أصلا , وعبر عن ذلك بقوله : { إذا هم يسخطون * } ~~فوافقوا الأولين في جعل الدنيا همهم , وخالفوهم في أن أولئك أنفقوا ~~ليتمتعوا بالتخلف وهؤلاء طلبوا ليتنعموا بنفس المال الذي يأخذون ؛ قيل : ~~إنها نزلت في ذي الخويصره لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم غنائم ~~حنين : اعدل يامحمد ! فإني لم ارك تعدل , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ~~: ( ويلك ! ومن يعدل غذا لم أعدل ؟ ) وسيأتي حديثة . | ولما أخبر تعالى عن ~~حالهم السيئ الدنيء الذي لا يجديهم في الدنيا ويهلكهم في الأخرى , نبههم ~~على ما هو الأصلح لهم من الحال الشريف السني فقال : { ولو أنهم } أي ~~المنافقين { رضوا ما آتاهم الله } أي المنعم بجميع النعم لن له جميع الكمال ~~اي مع الرضى { حسبنا الله } الذي عظمته من عظمته قل ذلك الؤتى أو كثر طال ~~زمنه أو قصر { وقالوا } اي مع الرضى { حسبنا الله } أي كافينا لأن له جميع ~~العظمة فهو الغنى المطلق ولما كانت الكفاية تارة بالتنجيز العاجل وتارة ~~بالوثوق بالوعد الاجل , بين PageV03P335 أن الثاني هو المراد لأنه أدل على ~~الإيمان فقال : { سيؤتينا الله ms1997 } اي الملك الأعظم بوعد لا خلف فيه واعتقدوا ~~أن لا حق لأحد فقالوا : { من فضله ورسوله } اي الذي لا يخالف أمره , على ما ~~قدر لنا في الأزل ؛ ثم عللوا ذلك بقولهم : { إنا إلى الله } أي المستنتج ~~لصفات الكمال وحده { راغبون * } أي عريقون في الرغبة , فلذلك نكتفي بما ~~يأتي من قبله كائنا ما كان , أي لكان ذلك خيرا لهم لأنه لا ينالهم إلا ما ~~قسم سبحانه لهم شاؤوا أو أبوا | < < # | التوبة : ( 60 - 62 ) إنما الصدقات للفقراء . . . . . # > > ^ ( إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ~~وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم ~~حكيم * ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم يؤمن بالله ~~ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب ~~أليم * يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا ~~مؤمنين ) ^ } ) | لما أخبر عن لمزهم في الصدقات وقرر ما هو خير لهم إرشاد ~~إلى النجاة , علل فعل رسول الله عليه وسلم فيها وبين أنه لا يفعل غيره لأنه ~~الحق الذي لا يجوز في شرعه الأكمل غيره لمزوا أو تركوا زهدوا أو رغبوا فقال ~~معبرا باداة القصر على ما ذكر : { إنما الصدقات } أي هذا الجنس بجميع ما ~~صدق من أفراده , والظاهر أنه قدم الأهم فالأهم , فلذا قال الشافعي : إن ~~الفقير اشدهم حاجة لكونه ابتدأ به , والظاهر أنه قدم الأهم , فلذا قال ~~الشافعي : إن الفقير أشدهم حاجة لكونه ابتدأ به , فقال : { للفقراء } اي ~~الذين لا شيءء لهم أو لهم شيء يقع موقعا من كفايتهم { والمساكين } أي الذين ~~لا كفاية لهم بدليل ^ ( { أما السفينة } ) ^ [ الكهف : 79 ] وأما ^ ( { ~~مسكينا ذا متربة } ) ^ [ البلد : 16 ] فتقييده دل على أن المطلق بخلافة { ~~والعالمين عليها } اي المؤتمنين في السعاية والولاية على روى البخاري في ~~التفسير وغيره عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : ( بعث إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بشيء فقسمه بين اربعة وقال : أتألفهم , فقال رجل : ما عدلت ! ~~فقال : ) يخرج من ضئضىء ms1998 هذا اليوم يمرقون من الدين ( . | وفي رواية : ~~فاستأذنه رجل في ضرب عنقه فقال : ( لا , دعه فإن له اصحابا يحقر احدكم ~~صلاته مع صلاتهم ) - الحديث . ( ولئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ) ولا يقال ~~: إن العلة مقتضية لا للكف عنهم فإن عمله بالمقام PageV03P336 الخضري - كما ~~تقدم - انه ما من كرامة لنبي إلا وله صلى الله عليه وسلم مثلها أو أعلى ~~منها بنفسه أو بأحد من أمته ولما فرغ من هذه الأصناف الأربعة الذين يعطون ~~الصدقة في أيديهم يتصرفون فيها كيف شاؤوا , كما دل عليه التعبيرباللام , ~~ذكر الذين يعطون الصدقة لقضاء ما بهم كما دل عليه التعبيرب ( في ) فقال : { ~~وفي الرقاب } أي والمكاتبين بسبب فك رقابهم من الرق { والغامرين } أي الذين ~~استدانهوا في غير معصية , يصرف ما يعطونه إلى قضاء ديونهم فقط { وفي } اي ~~والمجاهدين في { سبيل الله } أي الذي له الأمر كله بالنفقة والحمل والإعانة ~~بالسلاح وغير ذلك , ونقل القفال عن بعض الفقهاء انه عمم السبيل فأجاز صرفه ~~إلى جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وعمارة المساجد ونحوها { وابن السبيل ~~} وهو المسافر المنقطع عن بلده , يعطى ما يوصله غليه , ففيه إشارة إلى ان ~~رسولنا صلى الله عليه وسلم لم يفعل ما أدى إلى لمزهم له بسببه إلا بأمر حقا ~~, فإنا قد عينا له أهل الصدقات فهو لا يعدل عنهم لشيء من الأشياء لأنه واقف ~~عند ما يرضينا , فإن كانوا منهم أعطاهم وإلا منعهم رضي من رضي وسخط من سخط ~~, وقد فرض ذلك , أو ثابته لفقراء حال كونها { فريضة } كائنة { من الله } أي ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما لعلمه بان في ذلك اعظم صلاح , وهذا كالزجر عن ~~مخالفة الظاهر { والله } اي الذي له جميع صفات الكمال { عليم } أي بالغ ~~العلم بما يصلح الدين والدنياويؤلف بين قلوبالمؤمنين { حكيم * } اي فهو ~~يجعل افعاله من الإحكام بحيث لا يقدر غيره على نقضها ؛ قال أبو حيان : ( ~~إنما ) إن كانت وضعت للحصر فالحصر مستفاد من لفظها , وإن كانت لم توضع ~~للحصر فالحصر مستفاد من الأوصاف إذ مناط الحكم بالوصف ms1999 يقتضي التعليل به , ~~والتعليل بالشيء يقتضي الاقتصار عليه . | وحكمه الزكاة من جهة المالك ان ~~المال محبوب لأنه يحصل المحبوب والتمادي في حبه يوجب الإعراض عن الله ~~المعطي له , فكان من الحكمة تذكير المالك له بالمالك الحقيقي في أنه اوجب ~~عليه إخراج طائفة منه ليكف منه انصباب النفس بالكلية إليه ويطهر النفس عن ~~محبتها له ويطهره عن محض الإنفاق في الشهوات , ومن جهة الآخذ أنه لما ~~اجتمعت حاجته إليه وحاجة المالك - ولو احتملا - كان هناك سببان للتسلط على ~~المال : احدهما اكتساب المالك له , والثاني احتياج الآخذ إليه , فروعي ~~السببان بقدرالإمكان , ورجح المالك بغبقاء الكثير , وصرف إلى الآخذ اليسير ~~. وأجرى الشافعي الآية على ظاهرها فقال : إن اخراجها ذو المال سقط سهم ~~العامل مع سهم المؤلفة وصرف غلى الستة الأصناف , وإن قسم الإمام فعلى سبعة ~~, ويجب أن يعطى من كل صنف ثلاثة أنفس , ومن لم يوجد من الأصناف رد نصيبه ~~على PageV03P337 الباقين ويستوي بين الصناف لا بين آحاد الصنف . | وقال أبو ~~حنيفة : يجوز صرف الكل لواحد من الأصناف لأن الآية اوجبت ان ل تخرج الصدقة ~~عنهم , لا ان تكون في جميع الأصناف - وهو قول عمر بن الخطاي وحذيفة وابن ~~علباس رضي الله عنهم وسعيد بن جبير وعطاء وأبي العالية وميمون بن مهران . | ~~ولما بين الصنفين السالفين , وختم امرهما بصفتي العلم والحكمة , أتبعهما ~~بصنف آخر يؤذي بما يجعله نقصا في صفات الرسول صلى الله عليه وسلم فليزم ~~الطعن في علم مرسله وحكمته فقال : { ومنهم الذين يؤذون النبي } أي الذي ~~أعلى الله مقداره , فهو ينبئه بما يريد سبحانه من خفايا الأسرار ؛ ولما ~~أخبر بمطلق الأذى الشامل للقول والفعل , عطف عليه قوله : { ويقولون هو } أي ~~من فرط سماعه لما يقال له { أذن } ومرادهم أنه يصدق كل ما يسمع ويقبل قول ~~كل أحد - كما سمي الجاسوس عينا ؛ قال أبو حيان : كان خذام بن خالد وعبيد بن ~~هلال والجلاس بن سويد في آخرين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~بعضهم : لا تفعلوا فإنا نخاف ان يبلغه ms2000 فيوقع بنا , فقال الجلاس : بل نقول ~~ما شئنا فإن محمدا اذن سامعة , ثم نأتيه فيصدقنا , فنزلت , وقيل غير ذلك . ~~| رجل أذن - أذا كان يسمع مقال كل أحد , يستوي فيه الواحد والجمع - انتهى . ~~ومرادهم انه صلى الله عليه وسلم لا يعرف مكر من يمكر به وخداع من يخادعه ~~وكذبوا , وهو اعرف الناس بذلك , ولكنه يعرض عند المصالح , لا يليق بمحاسن ~~الدين يأتونه بمحاسن الدين غيرها , بينها تعالى بقوله : { قل أذن خير } ثم ~~بين ان نفع ذلك عائد إليهم بقوله : { لكم } ثم فسر ذلك بقوله : { يؤمن } اي ~~يوقع الإيمان للملائكة الذين يأتونه عن الله من التكذيب بأن يصدقهم معترفا ~~{ بالله } أي بسبب ما يخبرونه عنه به حق الإيمان لما له من كمال العلم بما ~~له سبحانه من صفات الجلال والإكرام ؛ وحاصله ان فعل افيمان ضمن فعل التصديق ~~ثم حذف وانتزعت منه حال أقيمت مقامه ثم حذفت واتى بصلة تدل عليها كما قالوا ~~في قوله تعالى < # > 77 ( { ولتكبوا الله على ما هداكم } ) 77 < # > [ البقرة : 185 ] أن التقدير : حامدين على ما هداكم , فالتقدير هنا : ~~يؤمن مصدقا بالله , فهدذا حقيقته وهويثمر محبة المؤمنين وولايتهم , ولذا ~~اتبعه قةله : { ويؤمن للمؤمنين } أي الراسخين , يوقع الإيمان لهم من ~~التكذيب بأن يصدقهم في كل ما يخبرونه به مما يحتمل التصديق , وذلك لأجل ~~مصالحهم والتأليف بينهم مع ما ثبت من صدقهم , فإنه لو حملهم على عقله ومبلغ ~~علمه يحبه الكاذب وعاقب الخائن بمجرد علمه وتفرسه , لقصرت عن ذلك غالب ~~الأفهام وتاهت بسببه اكثر الأوهام , فنفرت القلوب ووقع من الأغلب الاتهام . ~~| ولما كان التصديق بوجود الإله على ما له من صفات الكمال المقتضي للأمر ~~والنهي عدي بالباء , وهنا كان التصديق إنما هو للإخبار بأي PageV03P338 شيء ~~كان عدي باللام وأشير - بقصر الفعل وهو معتد - إلى مبالغة في التصديق بحيث ~~كأنه لا تصديق غيره . | ولما بين سبحانه أن تصديقه ظاهرا وباطنا إنما ~~هوللراسخين في الإيمان , بين ان تصديقه لغيرهم إنما هو الظاهر فقال : { ~~ورحمة } أي هو رحمته { للذين آمنوا } أي اظهروا الإيمان بألسنتهم ms2001 { منكم } ~~فهو - والله أعلم - إشارة إلى المنافقين ومن في حكمهم ممن جزم لسانه وقلبه ~~مزلزل , أي أن إظهار تصديقهم قبولا لما ظهر منهم وستر قبائح اسرارهم سبب ~~للكف عن دمائهم , وإظهار تصديقهم قبولا لما ظهر منهم وستر قبائح أسرارهم ~~سبب للكف عن دمائهم , وإظهار المؤمنين لمقتهم ربما كان ذلك سببا لصدق ~~إيمانهك بما يرون من محاسن الإيمان بتمادي الزمان , ولا تستبعد كون التعبير ~~بالماضي إشارة إلى المنافقين لا سيما بعد التعبير باسم الفاعل , فقد قال ~~الإمام أبو الحسن احرالي في كتابه المفتاح ما نصه : الباب الرابع في رتب ~~البيان عن تطور الإنسان بترقيه في درج الإيمان وترديه في درك الكفران : ~~اعلم أن الله محيط بكل شيء خلقا وأمرا اولا وآخرا ظاهرا وباطنا وهو حمده , ~~وله علو في ظهور أمره وكبير خلقه , واحتجاب في مقابل ذلك من خلقه وأمره بما ~~أبداه من حكمته وأسباب هداه وفتنته , وذلك العلو هو إلهيته , والاحتجاب هو ~~ملكه , وبينهما إقامة كل خلق لما خلق له تأييد كل أمر من الأكرين لما أقيم ~~له , وذلك هو ربانيته ولكل أقرب في مدد الحجاب اختصاص وذلك هي نقمة , ولكل ~~من تنزلاته العلية ظاهرا وباطنا أمر خاص , ولكل امر خلق , يرد بيان القرآن ~~بناء على جملة ذلك , فاردأ الأحوال لهذا المشستخلف المحل الذي سمي فيه ~~بالإنسان , وهو حيث أنس بنفسه وغيره ونسي عهد ربه , فيرد لذلك بناؤه بالذم ~~في القرآن < # > 77 ( { قتل الإنسان ما أكفره } ) 77 < # > [ عبس : 17 ] < # > 77 ( { إت الأنسان لربه لكنود } ) 77 < # > [ العاديات : 6 ] ثم المحل الذي تداركه فيه تنبه لسماع الزجر من ربه , ~~وهو له بمنزلة سن الميز لابن سبع , ولا يقع غلا عن اجتماع وتراء , وذلك هو ~~السن المسمون فيه بالناس لنوسهم , أي ترددهم بين سماع الزجر من ربهم وغلبة ~~أهوائهم عليهم , فيرد لذلك بناؤهم بذم اكثرهم في القرآن < # > 77 ( { ولكن أكثر الناس لا يعلمون - ولا يشكرون } ) 77 < # > [ الأعراف : 187 ] ثم المحل الذي يتحقق لهم قبول وسماع وإيمان لغائب ~~الأمر والخلق , لكنهم يتزلزلون عنه كثيرا عند ms2002 كل عارضة نيل خادعةرفعة , وهو ~~لهم بمنزلة سن المحتلم الذي قد ذاق طعم بدو النطفة من باطنه PageV03P339 ~~الناجم العقل للنظر في حقائق المحسوسات , وذلك هو السن الذي يسعون فيه { ~~الذينآمنوا } وهوأول سن التلقي , فلذلك جميع آداب القرىن وتعليمه إنما ~~مورده أهل هذا السن , كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول : إذا سمعت الله عزل ~~وجل يقول { يأيها الذين آمنوا } فأعرها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهي ~~عنه , وكما ان ما يخص البالغ , كذلك خطاب { الذين آمنوا } لم يصل إليه ~~الناس بعد , وخطاب الناس قد جاوزه { الذين آمنوا } لأنهم قد انزجروا بما ~~قبلت قلوبهم عما ينزجر عنه الناس , وقد ائتمروا بما يأتمر به الناس ؛ وهذه ~~الأسنان الخالية عند اولي البصائر , وخاص خطابها أشد ظهورا من اسنان ~~الأبدان عند أصحاب الأبصار , وعدم التبصرة بهذه المراتب في الأحوال والبيان ~~هي أقفال القلوب المانعة من تدبر القرآن , وكذلك ما فوق سن ( الذين آمنوا ) ~~من سن { الذين يؤمنون } وهم في أول حد القرب منزلة بلوغ الأشد , وسن { ~~الذين آمنوا } و { الناس } في مدد حد البعد ولذلك يخاطبون بحرف ( يا ) ~~المرسلة إلى حد البعد : < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب اليم ~~تؤمنون بالله ورسوله } ) 77 < # > [ الصف : 10 ] وفوق ذلك سن المؤمنين وأدنى قربا , ولذلك لم يرد في ~~القرآن في خطابهم { يا } البعد , وهذا السن بمنزلة الاكتهال وسن الشيب , ~~وتمام سنهم { المؤمنون حقا } وكذلك إلى سن { المحسنين } إلى غيب سن { ~~الموقنين } إلى ما وراء ذلك , فإن أسنان الجسم أرابيع , وأسنان القلب ~~اسابيع , يعرفها من تطور فيها , ويجهلها من نبت سن قلبه على الجهل وتطور سن ~~جسمه إلى الهرم ( يهرم ابن آدم ويشيب منه اثنتان : الحرص والأمل ) فالحرص ~~فقره ولو ملك الدنيا , والأمل همه وتعبه , فمن لم يتحقق اسنان القلب وتفاوت ~~خطابها لم ينفتح له الباب إلى فهم القرآن , ومن لم يتضح له انتهى . | ولما ~~بين ما لمن صدقه باطنا أو ظاهرا من الرحمة , بين ما على من كذبه فآذاه ms2003 من ~~النفقه فقال : { والذين يؤذون } أي هؤلاء ومن غيرهم { رسول الله } أي الذي ~~اظهر - وهوالملك الأعلى - شرفه وعظمته بالجمع بين الوصفين وأعلاه بإضاففته ~~إليه , وزاد في رفعته بالتبير باسمه الأعظم الجامع , وهو واسطة بين الحق ~~والخلق في إصلاح أحوالهم فغنما يستحق منهم الشكر والإكرام لا الأذى ~~والإيلام ولما كان أذاهم مؤلما جعل جزاءهم من جنسه فقال : { لهم عذاب أليم ~~* } ثم علل ذلك باستهانتهم بالله ورسوله , واخبر يخشون على دمائهم فيصلحون ~~ظواهرهم PageV03P340 حفظا لها بالإيمان الكاذبة فقال : { يحلفون بالله } أي ~~الذي له تمام العظمة { لكم } اي انهم ما آذوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~خصوصا ولا أولادكم بالمخالفة عموما ؛ وبين غاية مرادهم بقوله : { ليرضوكم } ~~ولما كان الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بأذن بالمعنى الذي أرادوه , بين ~~أنه لم يكن راضيا بإيمانهم لعدم وقوع صدقتهم في قلبه ولكنه اظهر تصديقهم ~~لما تقدم من الإصلاح فقال : { الله } أي الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد ~~معه { ورسوله } أي الذي هو اعلى خلقه , وبلغ النهاية في تعظيمة بتوحيد ~~الضمير الدال على وحدة الراضي لأن كل ما يرضي أحدهما يرضي الآخر فقال : { ~~أحق ان } أي بأن { يرضوه } ولما كان مناط الإرضاء الطاعة ومدار الطاعة ~~الإيمان , قال معبرا رالوصف لأنه مجزأه : { إن كانوا مؤمنين * } اي فهم ~~يعلمون انه أحق بالإرضاء فيجتهدون فيه , وذلك إشارة إلى أنهم إن جددوا ~~إرضاء كل وقت كان دليلا على إيمانهم , وإن خالفوه كان قاطعا على كفرانهم . ~~| < < # | التوبة : ( 63 - 67 ) ألم يعلموا أنه . . . . . # > > ^ ( ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها ~~ذلك الخزي العظيم * يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في ~~قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون * ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا ~~نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون * لا تعتذروا قد كفرتم ~~بعد إيمانكم إن نعف عن طآئفة منكم نعذب طآئفة بأنهم كانوا مجرمين * ~~المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ~~ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين ms2004 هم الفاسقون ) ^ } ) | ولما ~~بين أن حلفهم هذا إنما هو لكراهة الخزي عند المؤمنين عند المؤمنين وبين من ~~هو الأحق بأن يرضوه , أقام الدليل على ذلك في استفهام إنكار وتوبيخ مبينا ~~أنهم فروا من خزى منقض فسقطوا في خزي دائم , والخزي : استحياء في هوان , ~~فقال : { ألم يعلموا } اي لدلاتهم على الأحق بالإرضاء . ولما كان ذكر الشيء ~~مبهما ثم مفسرا أضخم , أضمر للشأن فقال : { أنه } أي الشأن العظيم { من ~~يحادد الله } وهو الملك الأعظم , ويظهر المحاددة - بما أشار إليه الفك { ~~ورسوله } أي الذي عظمته , بأن يفعل معهما فعل من يخاصم في حد أرض فيريد أن ~~يغلب على حد خصمه , يلزمه أن يكون في حد غير حده { فإن له نار جهنم } اي ~~فكونها له جزاء له على ذلك حق لا ريب فيه { خالدا فيها } أي دائما من غير ~~انقضاء كما كانت نيته المحادة ابدا ؛ ثم نبه على عظمة PageV03P341 هذا ~~الجزاء بقوله : { ذلك } أي الأمر العبيد الوصف العظيم الشأن { الخزي العظيم ~~* } ولما علل فعل المسنهينين , اتبعه تعليل أمر صنف آخر أخف منهم نفاقا بما ~~عندهم مما يقارب التصديق فقال : { يحذر المنافقون } وعبر بالوصف الدال على ~~الرسوخ تحذيرا لهم من أدنى النفاق فإنه يجر إلى اعلاه { أن تنزل } ولما ~~كانت السورة الفاضحة لهم داهية ونائبة من نوائب الدهر وشدائده , عدى الفعل ~~بعلى فقال : { عليهم سورة } أي قطعة من القرآن شديدة الانتظام { تنبئهم } ~~أي تخبرهم إخبار عظيما مستقصي { بما في قلوبهم } لم يظهروا عليه أحدا من ~~غيرهم أو أحدا مطلقا , لعل هذا الصنف كانوا يسلفون الأيمان لعلها تشكك بعض ~~الناس أو تخفف عنهم إذا نزل ما يهتكهم , روي أنهم كانوا يقولون ما يؤدي ~~ويدل على النفاق ويقولون : عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا , وقال بعضهم ~~بعد كلام قالوه : والله إني لأرانا شر خلق الله ولوددت أني قدمت فجلدت مائة ~~جلدة وأنه لا ينزل فينا شيء يفضحنا . | ولما كان حذرهم مع العمل ينافه من ~~كلام النفاق فعل المستهزئ , قال مهددا : { قل استهزءوا } أي افعلوا فعل ~~المستهزئ ms2005 بغاية الرغية { إن الله } أي المحيط بكمال العلم وتمام القدرة { ~~مخرج } اي كانت له وصف إخراجه { ما تحدون * } اي إخراجه من قبائحكم ؛ وعن ~~الحسن : كان المسلمون يسمون هذه السورة الحفارة , حفرت ما في قلوب ~~المنافقين وأظهرته . | ولما وصفهم بالنفاق , حققه بعدم مبادرتهم إلى التوبة ~~التي هي فعل المؤمنين , وباجترائهم على الإنكار مع كون السائل لهم من بلغ ~~الغاية في الجلال والوقار والكمال فقال : { ولئن سألتهم } أي وأنت من يجب ~~أن يصدفه مسؤوله عماعما أخرجت السورة مما أظهروا بينهم من الكفر , وذلك حين ~~قال بعضهم : انظروا إلى هذا ارجل يظن انه يفتح قصور الشام وحصونها ! هيهات ~~! فأعلمه الله فقال : احسبوا علي الركب فسألهم { ليقولن إنما } أي ما قلنا ~~شيئا من ذلك , إنما { كنا نخوض } أي نتحدث على غير نظام { ونلعب } أي بما ~~لا خرج علينا فيه ويحمل عنا ثقل الطريق , فكأنه قيل : فماذا يقال لهم إذا ~~حلفوا على ذلك على العادة ؟ فقال : { قل } اي لهم تقريرا على استهزائهم ~~متوعدا لهم معرضا عما اعتذروا إعلاما بانه غير أهل لأن يسمع جاعلا لهم ~~كأنهم معترفونبالاستهزاء حيث جعل المستهزأ به يلي حرف التقرير , وذلك إنما ~~يستقيم PageV03P342 بعد وقوع الاستهزاء وثيوته تكذيبا لهم في قولهم : إنك ~~إذن , بالمعنى الذي أرادوه , وبيانا لما في إظهارك لتصديقهم من الرفق بهم { ~~أبالله } أي هو المحيط بصفات بصفات الكمال { وآياته } أي التي لا يمكن ~~تبديلها ولا تخفى على ذي بصر ولا بصيرة { ورسوله } أي الذي عظمته من عظمته ~~وهو مجتهد في إصلاحكم وتشرفكم وإعلائكم { كنتم } أي دائما { تستهزءون * } ~~ولما حقق استهزاءهم , أنتج قوله : { لا تعتدروا } أي لا تبالغوا في إثبات ~~العذر , وهو ما ينفي الملام , فإن ذلك لا يغنيكم وإن اجتهدتم لأن القطع ~~حاصل بأنكم { قد كفرتم } أي بقولكم هذا , ودل - على أن كفرهم احبط ما كان ~~لهم من عمل - بنزع الخافض تشديدا على من نكث منهم تخويفا له تحقيقا بحال من ~~أصر فقال : { بعد إيمانكم } أي الذي ادعيتموه بألسنتكم صدقا من بعضكم ~~ونفاقا من غيره . | ولما كان الحال ms2006 مقتضيا لبيانما صاروا إليه بعد إكفارهم ~~من توبتهم أو إصرارهم , بين أنهم قسمان : أحدهما مطبوع على قلبه ومقضي ~~توبته وحبه , وهذا الأشرف هو المراد بقوله بانيا للمفعول إعلاما بأن ~~المقصود الأعظم هو الفعل , لا بالنظر إلى فاعل معين : { إن يعف } لأن كلام ~~الأعلى والأدنى { عن طائفة منكم } أي لصلاحيتها للتوبة { تعذب طائفة } أي ~~قوم ذوو عدد فيهم أهلية الاستدارة , وقرأ عاصم ببناء الفعلين للفاعل على ~~العظمة { بأنهم } أي بسبب أنهم { كانوا مجرمين * } أي كسبهم للذنوب القاطعة ~~عن الخير صفة لهم ثايته لا تنفك , فهم غير من المنافقين : اثبان يستهزئان ~~بالقرآن والرسول , والآخر يضحك , قيل : كانوا يقولون : إن محمدا يزعم أنه ~~يغلب الروم ويفتح مدائنهم , ما أبعده من ذلك ! وقيل : كانوا يقولون : إن ~~محمدا يزعم أنه نزل في أصحابنا المقيمين في المدينة قرآن , وإنما هو ~~قولهوكلامه , فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فقال : احسبوا ~~الركب علي , فدعاهم وقال لهم : قلتم كذا وكذا ؟ فقالوا : { إنما كنا نخوض ~~ونلعب } اي كنا نتحدث ونخوض في الكلام كما يفعل الركب لقطع الطريق باحديث ~~واللعب , قال ابن اسحاق : والذي عفى عنه رجل واحد وهو مخشي بن حمير الأسجعي ~~, يقال : هو الذي كان يضحك , ولا يخوض زكان يمشي مجانبا لهم وينكر بعض ~~مايسمع , فلما نزلت هذه الآية تاب . قال : اللهم ! لا أزال أسمع آية تقرأ , ~~تقشعر PageV03P343 منها الجلود , وتجب منها القلوب , اللهم اجعل وفاتي قتلا ~~فيب سبيلك ! لا يقول أحد : أنا غسلت أنا دفنت , فأصيب يوم اليمامة , فما ~~أحد من المسلمين إلا عرف مصرعه غيره رضي الله عنه . | ولعل إطلاقا الطائفة ~~عليه تعظيما له وسترا عليه وتبشيرا بتوبة غيره , ولعل مخشيا كان مؤمنا ولكن ~~كان إيمانه مزلزلا فلذا عبر هنا بقوله { أكفرتم بعد إيمانكم } والتعبير ~~بذلك أشنع في الذم ولا سيما عند العرب لأنهم يتمادحون بالثبات على أي أمر ~~اختاروه ويتذامون بالطيش , ولعل الجلاس المعني بالقصة الآتية وحده أو مع ~~غيره لم يكن آمن كغيره ممن عنى بها , وما آمن إلا حين تاب , فلذا ms2007 عبر هناك ~~بقوله : { وكفروا بعد إسلامهم } ؛ قال أبو حيان : قال ابن عمر : رأيت وديعة ~~بن ثابت متعلقا بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يماشيها والحجارة ~~تنكته وهو يقول { إنما كنا نخوض ونلعب } والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ~~( أبالله وآياته ) - الآية . | ولما بين سبحانه افعالا واقوالا الطوائف من ~~المنافقين - منهم من كان معه صلى الله عليه وسلم في العسكر - هي في غاية ~~الفساد , كان ذلك ربما اقتضى ان يسأل عن المختلفين لو خرجوا ما كان يكون ~~حالهم ؟ فقال جوابا عن ذلك واستدلالا على أن إجرام الذين لم يعف عنهم ما ~~كان يكون حالهم ؟ فقال جوابا عن ذلك واستدلالا على أن إجرام الذين لم يعف ~~عنهم منهمو خلق لازم : { المنافقون والمنافقات } اي الذين أظهروا الإيمان ~~وابطنوا الكفران { بعضهم } ولما كان مرجعهم الجمود على الهوى والطبع ~~والعادة والتقليد من التابع منهم للمتبوع , قال : { من بعض } أي في صفة ~~النفاق هم فيها كالجسد الواحد , أمورهم متشابهة في أقوالهم وافعالهم وجميع ~~احوالهم , والقصد ان حالهم يضاد حال أهل الإيمان ولذلك بينه بقوله : { ~~يأمرون بالمنكر } أي مما تقدم من الخبال والإيضاع في الخلال وغير ذلك من ~~سيء الخصال { وينهون عن المعروف } اي من ما يكون فيه تعظيم الإسلام وأهله , ~~يبغون بذلك الفتنة { ويقبضون أيديهم } أي يحشون فلا ينفقون إلا وهم كارهون ~~. | ولما كان كأن قيل : اما خافوا بذلك من معالجة العقاب ؟ أجاب بقوله : { ~~نسوا الله } أي الملك الأعلى الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد معه , ويصلح ~~ان يكون علة لما تقدم عليه ؛ ولما اقدموا على ذلك , سبب عنه قوله { فنسبهم ~~} أي فعل بهم فعل الناسي لما استهان به بأن تركهم من رحمة , فكان ذلك الترك ~~سببا لحلول نقمته ؛ ولما PageV03P344 تطبعوا بهذه النقائض كلها , اختصوا ~~بكمال الفسق فشرح ذلك في اسلوب التعجب من حالهم فقال مظهرا موضع الإضمار ~~وتعليقا للحكم بالوصف : { المنافقين هم } أي خاصة { الفاسقون * } أي ~~الخارجون عن دائرة ما ينفعهم من الطاعة الراسخون في ذلك , فقد علم أنهم لو ~~غزوا فعلوا ms2008 هؤلاء سواء لأن الكل من طينة واحدة . | < < # | التوبة : ( 68 - 69 ) وعد الله المنافقين . . . . . # > > ^ ( وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي ~~حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم * كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة ~~وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع ~~الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة وأولئك هم الخاسرون ) ^ } ) | ولما بين كثيرا من احوالهم فاشتد ~~التشوق إلى مآلهم وكان مقصودها بإظهار الإيمان والاعتذار عن النقائض بتأكد ~~الأيمان إنما هو التقرب غلى المؤمنين والتحبب طمعا في العيش في اكنافهم ~~وفرقا من المعالجة بما يستحقون من إتلافهم , بين أن لهم على هذا الخداع ~~العذاب الدائم والطرد اللازم , وجمع معهم امصارحين بالكفر إعلاما بأنهم إن ~~لم يكونوا أعظم عنادا منهم فهم سواء , فقال : { وعد الله } وساقه بصيغة ~~البشارة تهكما بهم وإبلاغا في مساءتهم { المنافقين والمنافقات } اي ~~المساترين باعتقادهم { والكفار } أي المجاهرين في عنادهم ولما كانوا ~~مجبولين على تجهم المؤمنين والانقاض عنهم , وإن اظهروا خلاف ذلك فهو تصنع , ~~قال : { نار جهنم } أي النار التي من شأنها تجهم أهلها ولقاؤهم بالعبوسة ~~الزائدة { خالدين فيها } اي لا براح لهم عنها { هي حسبهم } أي كافيتهم في ~~العذاب , لكن لما كان الخلود قد يتجوز به عن الزمن الطويل فيكون بعده فرج , ~~قال : { ولعنهم الله } أي طردهم وأبعدهم من رحمته وهو الملك العليم الحكيم ~~الذي لا أمر لأحد معه فأفهم أنه لا فرج لهم , ثم نفي كل احتمال بقوله : { ~~ولهم } أي بالأمرين { عذاب مقيم * } اي لا وصف له غير الإقامة في الدنيا ~~بما هم مقهورون به من سطوة الإسلام وجنوده الكرام الأعلام , وفي الآخرين ~~بما لا تعلمه حق عليمه إلا الله الملك العلام . | ولما كان حالهم غفي ~~الإقبال على العالجة لكونها حاصلة والإعراض عن العاقبة لأنها غائبة متشابها ~~لحال من كان قبلهم من الأمم الخالية والقرون الماضية , بين لهم ذلك وختم ~~ببيان سوء أحوالهم وقبح مآلهم بتلاشي اعمالهم فقال ملتفتا إلى أسلوب الخطاب ~~PageV03P345 لأنه أوقع في باب ms2009 العتاب وأقعد في استجلابالمصالح للمتاب : { ~~كالذين } اي حاصل ما مضى من أمركم أيها المنافقون أنكم مثل الذين ؛ ولما ~~كان فاعل ما يذكر إنما هو بعض من مضى اثبت الجار فقال : { من قبلكم } أي من ~~الأمم اخالية , ثم شرع في شرح حالهم وذكر وجه الشبه فقال : { كانوا اشد ~~منكم قوة } لأن الزمان كان إذ ذاك أقرب إلى سن الشباب { وأكثر أموالا ~~وأولادا } وهذا ناظر إلى قوله : ( فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم { ~~فاستمعوا } اي طلبوا المتاع والانتفاع في الدنيا بغاية الرغبة معرضين عن ~~العقبى { بخلاقهم } أي نصيبهم الذي قدره الله وخلقه لهم , وكان الأليق بهم ~~أن يتبلغوا به في السفر الذي لا بد منه إلى الآخره { فاستمتعتم بخلاقكم } ~~أي كالمقتفين لآثارهم والقاصدين لنارهم { كما استمتع } وفي الإتيان بقوله : ~~{ الذين } ولما كانوا لم يستغرقوا الزمن الماضي , أثبت الجار فقال : { من ~~قبلكم بخلافكم } ظاهرا غير مضمر تنبيه على ذمهم بقلة النظر لنفسهم المستلزم ~~لقلة عقولهم حيث كانوا دونهم في القوة ابدانا وأموالا وأولادا لم يكفوا عن ~~الاستمتاع والخوض خوفا مما محق أولئك الأحزاب على قوتهم من العذاب من غير ~~ان ينفعهم سبب من الأسباب { وخضتم } أي ذهبتم في أقوالكم وافعالكم خبطا على ~~غير ان سببسنن قويم { كالذي } أي كخوضهم الذي من الخوض فب الماء ولا يستعجل ~~غلا في الباطل لأن التصرف في الحق إنما هو على ترتيب ونظام , وأمور الباطل ~~إنما هي خوض , ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ) رب متخوض في مال الله له ~~النار يوم القيامة ( ولما آذن هذا النظم لهم بالخسارة , حصل التشوف إلى ~~عاقبة امرهم فأخبر عن ذلك بقوله : { اولئك } أي البعداء من الخير , والظاهر ~~أنه إشارة إلى الذين وصفهم بالشدة وكثرة الأموال والأولاد { حبطت } أي فسدت ~~فبطلت { اعمالهم في الدنبا } اي بزوالها عنهم ونسان لذاتها { والآخرة } اي ~~في الدار البااقية لأنهم لم يسعوا لها سعيها ؛ وزاد في التنبيه على بعدهم ~~مما قصدوا لأنفسهم من النفع فقال : { وأولئك هم } أي خاصة { الخاسرون * } ~~أي لا خاسر في الحقيقة غيرهم لأنهم خسروا ms2010 خلاقهم في الدارين فخسروا أنفسهم ~~فلا أخسر ممن تشبه بهم , ولعل في الالتفات إلى مقام الخطاب PageV03P346 ~~أيضا إشارة غلى تحذير كل سامع من مثل هذه الحال لصحة أن يكون مرادا بهذا ~~المقال , فإن من أسرار القرآن في إعجازه ان تكون عبارته متوجهة إلى شيء ~~وإشارته شاملة لغيره من حيث اتصافه بعلة ذلك الحال أو غير ذلك من الخلال ؛ ~~قال الإمام أبو الحسن الحرالي في آخر عروة المفتاح في بيان تناول كلية ~~القرآن لكلية الآية ولكل قارئ يقرؤه من أهل الفهم والإيقان : اعلم ان الله ~~سبحانه وتعالى انزل القرآن نبأ عن جميع الأكوان , وأن جميع ما أنبا عنه من ~~أمر آدم إلى زمان محمد عليهما السلام من أمر النبوات والرسالات والخلافات ~~وأصناف الملوك والفراعنة والطغاة وأصناف الجناة وجميع ما اصابهم من ~~المثوبات والمثلات في يوم آدم عليه السلام إلى زمان محمد صلى الله عليهوسلم ~~الذي هو ستة الآف سنة ونحوها كل ذلك يتكرر بجملته في يوم محمد صلى الله ~~عليه وسلم الذي هو ألف سنة أو نحوها اعدادا باعداد وأحوال في خير أو شرف , ~~لكل من الماضين مثل يتكرر في هذه الأمة الخاتمة كما قال صلى الله عليه وسلم ~~) لكل نبي قبلي في امتي نظير ( ثم ذكر صلى الله عليه وسلم نظراء ) مثل عيسى ~~كأبي ذر ( وقال صلى الله عليه وسلم : ) إني لأعرف النظراء من أمتي بأسمائهم ~~وأسماء آبائهم وعشائرهم كافرهم ومؤمنهم ممن كان وممن كان وممن هو كائن وممن ~~سيكون بعد , ولو شئت أن اسميهم لفعلت ( فما صد اكثر هذه الأمة عن فهم ~~القرآن ظنهم أن الذي فيه من قصص الأولين وأخبار المثابين والمعاقبين من أهل ~~الأديان اجمعين ان ذلك إنما مقصوده الأخبار والقصص فقط , كلا وليس كذلك ! ~~إنما مقصوده الاعتبار والتنبيه لمشاهدة متكررة في هذه الأمة من نظائر جميع ~~أولئك الأعداد وتلك الأحوال والآثار حتى يسمع السامع جميع القرآن من أوله إ ~~؟ لى خاتمته منطبقا على هذه الأمة وأئمتها هداتها وضلالها , فحينئذ ينفتح ~~له باب الفهم ويضيء له نور ms2011 العلم ويتجه له حال الخشية ويرى في اصناف هذه ~~الأمة ما سمع من أحوال القرون الماضية وإنه كما قيل في مثل السائر . | إياك ~~اعني واسمعي ياجرة ثم إذا شهد انطباق القرآن على كلية الأمة فكان بذلك ~~عالما ينفتح له باب ترق , PageV03P347 فيرتقي سمعه إلى أن يجد جميع كلية ~~القرآن المنطبق على كلية الأمة منطبقا على ذاته في احوال نفسه وتقلباته ~~وتصرفاته افعاله وازدحام خواطره حتى يسمع القرآن منطبقا عليه فينتفع بسماع ~~جميعه ويعتبر بأي آية سمعها منه فيطلب موقعها في نفسه فيجدها بوجه ما رغبة ~~كانت أو رهبة تقريبا كانت أو تبعيدا إلى أرفع الغايات أو إلى أنزل الدركات ~~, فيكون بذلك عارفا , هذا مقصود التنبيه في هذا الفصل جملة , ولنتخذ لذلك ~~مثالا يرشد لتفهم ذلك الانطباق على كلية الأمة علما وعلى خصوص ذات القارئ ~~السامع عرفانا , فاعلم أن اصول الأديان المزدوجه التي لم تترق غلى ثبات ~~حقائق المؤمنين فمن فوقهم من المحسنين والموقنين التي جملتها تحت حياطة ~~الملك والجزاء والمدانية , الذين تروعهم رائعة الموت اولا ثم رائعة القيامة ~~ثانيا حقائق المؤمنين فمن فوقهم المواقف الخمسين التي كل موقف منها ألف من ~~السنين في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة , فعدد هذه الأديان سبعة , ما من ~~دين منها إلا ويوجد في صنف من أصناف هذه الأمة , وتجده المعتبر في نفسه في ~~وقت ما بقلة أو كثرة بدوام أو خطرة بضعف أو شدة على إثر دين غالب أو عن لمح ~~عين زائل , وهذه الأديان السبعة هي دين { الذين آمنوا } من هذه الأمة ولم ~~يتحققوا لحقيقة الإيمان فيكونوا من المؤمنين الذين صار الإيمان وصفا ثابتا ~~في قلوبهم , الموحدين المتبرئين من الحول والقوة , المتحققين لمعناه , ~~إقدارا لله عليهم بما شاء لا بما يشاؤون < # > 77 ( { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذتا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون - أولئك هم المؤمنون حقا } ) 77 < # > [ الأنفال : 2 - 4 ] , وأما الذين ىمنوا فهم الذين لا يثبتون على حال ~~غيمانهم ولكن تارة وتارة , ولذلك هم المنادون والمنهيون ms2012 والمأمورون في جميع ~~القرآن الذين يتكرر عليهم النداء في السورة الواحدة مرات عديدة من نحو بين ~~قوله تعالى < # > 77 ( { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } ) 77 < # > [ التوبة : 119 ] إلى قوله تعالى < # > 77 ( { يأيها الذين آمنوا من ترتد منكم عن دينه } ) 77 < # > [ المائدة : 54 ] إلى ما بين ذلك من نحو قوله تعالى < # > 77 ( { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا } ) 77 < # > [ النساء : 137 ] فهؤلاء هم أهل دين ثابت ينتظمون به مع من ليس له ثبات ~~من ماضي الأيان المنتظمين مع من له أصل في الصحة من الأديان الثلاثة في نحو ~~قوله تعالى < # > 77 ( { إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصائبين من آمن بالله ~~واليوم الاخر } ) 77 < # > [ البقرة : 62 ] المنتظمين ايظا مع المغيرين لأديانهم والمفترين لدين ~~لم ينزل الله به من سلطان في نحو قوله تعالى : < # > 77 ( { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصائبين والمجوس والذين اشركوا } ~~) 77 < # > [ الحج : 17 ] فهذا هو الدين الأول ؛ وأما الدين الثاني فهو دين الذين ~~هادوا والذين منهم الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها والذين ورثوا الكتاب ~~ياخذون عرض PageV03P348 هذا الأدنى ويقولون : سيغفرلنا , وإن يأتهم عرض ~~مثله يأخذوه يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون : هذا من عند الله , والذين ~~يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله , والذين يأكلون الربا وقد نهوا ~~عنه , والذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابامن دون الله والمسيح ابن مريم ~~, وأما الدين الثالث فدين الذين قالوا : إنا نصارى , الذين منهم الذين ضلوا ~~عن سواء السبيل الذين غلوا في دينهم وقالوا على الله غير الحق واتخذوا ~~رهبانهم أربابا من دون الله والمسيح بن مريم , وأما الدين الرابع فدين ~~الصابئة الذين منهم متألهو النجوم عباد الشمس والقمر والكزاكب ومغيروهم , ~~وهم بالترتيب أول من عبد محسوسا سماويا ؛ وأما الدين الخامس فدين المجوس ~~الثنوية الذين جعلوا إلهين اثنين : نورا وظلمة , وعبدوا محسوسا آفاقيا , ~~وأما الدين الساد فدين الذين أشركوا وهم الذين عبدوا محسوسا أرضيا غيرمصور ~~, وهم الوثنية أومصورا وهم الصنمية - فهذه الأديان الستة الموفية لعد الست ~~لما جاء ms2013 فيه ؛ وأما الدين السابع فاعلم أن الله سبحانه حعل السابع أبدا ~~جامعا لستة خيرا كانت أو شرا , فالدين السابع هو دين المنافقين الذين ~~ظاهرهم مع الذين إذا لقوا الذين ىمنوا قالوا : ىمنا واذا خلوا إلى شياطينهم ~~قالوا : إنا معكم - فهذه الأديان السبعة متكررة بكليتها في هذه الأمة بنحو ~~مما وقع قبل في الأمم الماضية , وهو مضمون الحديث الجامع لذكر ذلك في قوله ~~صلى الله عليه وسلم ( لتأخذن كما اخذت الأمم من قبلكم ذراعا بذراع وشبرا ~~بشبر وباعا بباع حتى لو أن احدا من أولئك دخل في حجر ضب لدخلتموه , قالوا : ~~يارسول الله ! كما صنعت فارس والروم ؟ قال : فهل الناس إلا هم ) وما بينه ~~النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث هو من مضمون قوله تعالى { كالذين ~~من قبلكم كانوا اشد منكم قوة وأكثر امولا وأولادا فاستمعوا بخلاقهم ~~فاستمعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا } , ~~وأهل هذه الأديان السبعة - أو منهم - عمرة دركات جهنم السبع على ترتيبهم , ~~والناجون بالكلية الفائزون هم المؤمنون فمن فوقهم من المحسنين والموقنين , ~~ومزيد تفضيل في ذلك وتثنية قول بما ينبه عليه بحول الله تعالى من جهات تتبع ~~طوائف من هذه الأمة سنن من تقدمهم في ذلك , اما وجه تكرار دين الذين أشركوا ~~في هذه الأمة فباتخاذهم اصناما وآلهة يعبدونها من دون الله محسوسة جمادية ~~كما اتخذ المشركون الأصنام والأوثان من الحجارة والخشب واتخذت هذه الأمة ~~بوجه ألطف وأخفى أصناما PageV03P349 وأوثانا فإنها اتخذت الدينار والدرهم ~~اصناما والسبائك والنقر اوثانا من حيث إن الصنم هو ما له صورة والوثن ما ~~ليس له صورة , قال صلى الله عليه وسلم : ( صنم أمتي الدينار والدرهم ) وقال ~~صلى الله عليه وسلم : ( لكل أمة عجل وعجل امتي الدينار والدرهم ) فلا فرق ~~بين ظن المشرك أن الصنم الذي صنعه بيده ينفعه وظن المفتونين من هذه الأمة ~~ان ما اكتسبوا من الدينار والدهم ينفعهم حتى يشير مثلهم : ما ينفعك إلا ~~درهمك { يحلفون بالله ماقالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد ms2014 إسلامهم } ~~[ التوبة : 74 ] فما من آية نزلت ف ي المشركين في ذكر أحوالهم وتبيين ~~ضلالهم وتفاصيل سرهم وإعلانهم إلا وهي منطبقة على كل مفتون بديناره ودرهمه ~~, فموقع قول المشركين في أصنامهم { ما نعبدهم إلا لقربونا إلى الله زلفى } ~~[ الزمر : 3 ] مثله موقع نظيره من قول المفتون : ما أحب المال إلا لأعمل ~~الخير وأستعين به على وجوه البر , ولو أراد البر لكان ترك التكسب والتمول ~~له أبر : قال صلى الله عليه وسلم ( إنما أهلك من كان قبلكم الدينار والدرهم ~~وهما مهلكاكم ) فكل من أحبهما وأعجب بجمعها فهو مشرك هذه الأمة وهما لاته ~~وعزاه اللتان تبطلان عليه قول لا إله إلا الله لأنه تأله ماله ؛ قال صلى ~~الله عليه وسلم ( لا إله إلا الله نجاة لعباد الله من عذاب الله ما لم ~~يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم ) فمن وجد من هذا مسة فليسمع جميع ما أنزل في ~~المشركين من القرآن منطبقا عليهومنزلا إليه وحافابه حتى يخلصه الله من ~~المشرك بما له من ظلمته التي غشيت ضعيف إيمانه إلى صفاء نور الإيمان في ~~مضمون قوله تعالى < # > 77 ( { ليخرج الذين ىمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور } ) 77 ~~< # > [ الطلاق : 11 ] فهذا وجه تفضيل يبين نحوا من تكرر دين الشرك في هذه ~~الأمة , وأما وجه وقوع المجوسية , ونظيرها في هذه الأمة فإطباق الناس على ~~رؤية الأفعال من أنفسهم خيرها وفلانا فاعل شر وفلانا يعطي وفلانا يمنع ~~وفلانا خير مني وفلنا اعطاني , حتى ملؤوا الدواوين من الأشعار والخطب ~~والرسائل أمداحا لخلق الله على ما لم يفعلوا وذما لهم على ما لم يمنعوا ~~يحمدون الخلق على رزق الله ويذمونهم على ما لم يؤته الله ويلحدون في أسمائه ~~حتى يكتب بعضهم لبعض ( سيدي وسندي وأسنى عددي عبدك ومملوكك ) يبطلون بذلك ~~أخوة الإيمان PageV03P350 ويكفرون تسوية خلق ارحمن ويدعون لأنفسهم افعال ~~الله فيقولون : فعلنا وصنعنا واحسنا وعاقبنا - كلمة نمرودية , آتاهم ما لم ~~يشعروا باختصاص الله فيه بأمر كالذي حاج إ براهيم في ربه ان آتاه الله ~~الملك حين قال : أنا ms2015 أحيي وأميت , هذه هي المجوسية الصرف والقدرية المخضة ~~التي لا يصح دين الإسلام معها , لأن المسلم من أسلم الخلق والأمر لربه < # > 77 ( { أسلمت وجهي لله ومن اتبعن } ) 77 < # > [ آل عمران : 20 ] , < # > 77 ( { ألا له الخلق والأمر } ) 77 < # > [ الأعراف : 54 ] وما سوى ذلك قدرية وهي مجوسية هذه الأمة حيث جعلوا ~~للعبد شركة في قعل الرب وجعلوا له معه تعالى هو يدبر الأمر من السماء إلى ~~الأرض ؛ قال صلى الله عليه وسلم ( القدرية مجوس هذه الأمة ) فكل ما انزل ~~الله عز وجل في القرآن الجامع لذكر جميع الملل والأديان مما عزاه لمن وزع ~~الأفعال بين الحق والخلق من كلام ذي فرعنة أو نمرودية أو ذي سلطان فللمعتقد ~~المدح والذم حظ منه على حسب توغلهم واستغراقهم في الذين زعموا أنهم فيهم ~~شركاء فخافوهم ورجوهم , فكل خائف من الخلق أو راج منهم من عداد الذين آمنوا ~~والذين اسلموا في هذه الأمة فهم من مجوس هذه الأمة , فليسمع السامع ما ~~يقرؤه من ذلك حجة عليه ليسأل الله تعالى التخلص منها وليعلم ان ذلك لم يزل ~~حجة عليه وإن كان لم يشعر به قبل . | فهذا وجه من وقوع المجوسية في هذه ~~الأمة , وأما وجه وقوع الصائبة ونظيرها في هذه الأمة - فما غلب على أكثرهم ~~وخصوصا ملوكها وسلاطينها وذوو الرئاسة منها من النظر في النجوم والعمل بحسب ~~ما تظهره هيئتها عندهم من سعد ونحس والاستمطار بانجوم والاعتماد على ~~الأنواء وإقبال القلب على الآثار الفلكية قضاء بها وحكما بحسب ما جرى عليه ~~الخليون الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون - من ~~العناية بها , قال صلى الله عليه وسلم : ( أربعة من أمتى هن بهم كفر وليسوا ~~بتاركيهن ) - فذكر منها الاستمطار بالنجوم فالمتعلق خوفهم ورجاؤهم بالآثار ~~الفلكية هم صائبة هذه الأمة كما أن المتعلق خوفهم ورجاؤهم بدرهمهم ودينارهم ~~هم مشركو هذه الأمة وما انطوى عليه سر كل طائفة منهم مما تعلق به خوفهم ~~PageV03P351 ورجاؤهم فهو ربهم ومعبودهم الذي غليه تصرف جميع اعمالهم , وايم ~~كل امرئ مكتوب ms2016 على وجه ما اطمأن به قلبه فكل ما أنزل في القرآن من تزييف ~~أراء الصائبة فهو حجة عليه وجه يقؤه أو يسمعه من حيث لا يشعر حتى يقرأ قوم ~~القرآن وهو نذير لهم بين يدي عذاب شديد وهم لا يشعرون ويحسبون انهم يرحمون ~~به وهم الأخسرون < # > 77 ( { ولا يزيد الظالمين إلا خسارا } ) 77 < # > [ الإسراء : 82 ] فمما يختص بهذه الطائفة المتصبئة ما هو نحو قوله ~~تعالى < # > 77 ( { وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السوات والأرض وليكون من الموقنين } ) ~~77 < # > [ الأنعام : 75 ] - الآيات في ذكر الكوكب والقمر والشمس إلى آيات ذكر ~~التسخير لهن نحو قوله تعالى < # > 77 ( { وهوالذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ~~والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره وسخر لكم الشمس والقمر دائبين } ) 77 < # > [ إبراهيم : 33 ] < # > 77 ( { هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد ~~السنين والحساب ما خلق الله ذلك الإ بالحق } ) 77 < # > [ يونس : 5 ] < # > 77 ( { وإنه هو رب الشعرى } ) 77 < # > [ النجم : 49 ] كل ذلك ليصرف تعالى خوف الخلق ورجاؤهم عن الأفلاك ~~والنجوم المسخرة إلى المسخر القاهر فوق عبادة الذي استوى على جميعها , فهذا ~~وجه من قوع الصائبة في الذين آمنوا والذين أسلموا في هذه الأمة , وأما وجه ~~وقوع ما غلب على هذه الأمة وكثر فيها وفشا في أعمالها وأحوالها من تمادي ~~طوائف منهم على نظير ما كان عليه اليهود والنصارى في اختلافهم وغلبة ~~أحوالهم - ملوكهم وسلاطينهم - على أحوال أنبيائهم وعلمائهم وأوليائهم فهو ~~الذي حذرته هذه الأمة وأشعر أولو الفهم بوقوعه فيهم بنحو ما في مضمون قوله ~~تعالى : < # > 77 ( { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات } ) ~~77 < # > [ آل عمران : 105 ] وما انبأ به صلى الله عليه وسلم ( لتتبعن سنن من ~~كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو ذخلوا حجر ضب لا تبعتموهم ) وفي ~~بعض طرقة ( حتى لو كان فيهم من أتى امه جهارا لكان فيكم ذلك , قلنا : ~~يارسول الله ! اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ ) وإنما قوي وكثر في هذه ~~الأمة حال هاتين الملتين ms2017 لما آتاهما الله من الكتاب والعلم والحكمة ~~فاختلفوا فيها بالأغراض والأهواء وإثيار عرض الدنيا , وسامحوا الملوك ~~والولاة وحللوا لهم ما حرم الله وحرموا لهم ما حلل الله , وتوصلوا بهم إلى ~~اغراضهم في الاعتداء على من حسدوه من اهل الصدق والتقوم , وكثر البغي بينهم ~~فاستقر حالهم PageV03P352 على مثل حالهم , وسلطت عليهم عقوبات مثل عقوباتهم ~~, وتمادى ذلك فيهم منذ تبدلت الخلافة ملكا إلى أن تضع الحرب اوزارها وتصير ~~الملل كلها ملة واحدة ويرجع الافتراق إلى ألفة التوحيد , فكل من اقتطع ~~واقتصر من هذه الشريعة المحمدية الجامعة للظاهر والباطن حظا مختصا من ظاهر ~~أو باطن ولم يجمع بينهما في علمه وحاله وعرفانه فهو بما لزم الظاهر الشرعي ~~دون حقيقة باطنه من يهود هذه الأمة كالمقيمين لظاهر الأحوال الظاهر التي ~~بها تستمر الدنيا على حسب مايرضى ملوك الوقت وسلاطينهم , المضيعين لأعمال ~~السرائر , المنكرين لأحوال أهل الحقائق الشاهد عليهم تعلق خوفهم ورجائهم ~~بأهل الدنيا , المؤثرين لعرض هذا الأدنى , فبهذا ظهرت أحوال اليهود في هذه ~~الأمة , مر الأعراب مع النبي صلى الله عليه وسلم بسدره خضراء نضرة , وكان ~~لأهل الجاهلية سدره يعظمونها ويجتمعون عندها وينيطون بها أسلحتهم ويسمونها ~~ذات أنواط فقالوا : يا سول الله ! اجعل لنا هذه السدرة ذات أنواط كما لهم ~~ذات أنواط ! فقال صلى الله عليه وسلم : ( قلتموها ورب الكعبة كما قالت بنو ~~إسرائيل : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ! إنها السنن ) . | فحيث ظهرت أحداث ~~اليهود من البغي والحسد وتعظيم ما ظهر تعظيمه من حيث الدنيا واستحقار ضعفاء ~~المؤمنين فهنالك أعلام اليهودية ظاهرة , وكذلك ايضا من اقتصر من هذه ~~الشريعة الجامعة وتعاضد الإسلام واكتفى بما استبطن وتهاون بما استظفر فهو ~~من نصارى هذه الأمة , ليس بصاحب فرقان فكيف ان يكون صاحب قرآن , ذلك أن هذا ~~الدين الجامع إنما يقوم بمعالم إسلام ظاهرة وشعار إيمان في القوب وأحوال ~~نفس باطنه وحقائق إحسان شهودية , لا يشهد المحسن مع الله سواه ولا يؤمن ~~المؤمن مع الله بغيره , ولا يخضع المسلم إلى شيء دونه , فبذلك يتم , وقد ~~التزم ms2018 بمعالم الإسلام طوائف يسمون المتفقهة , والتزم بشعائر الإيمان طوائف ~~يسمون الأصوليين والمتكلميين , وترامى إلى الإحسان طوائف يسمون المتصوفه , ~~فمتى كان المتفقه منكرا لصدق أحوال الصوفية لما لعله يراه من خلل في أحوال ~~المتصوفه , فمتى كان المتفقه منكرا لصدق أحوال الصوفية لما لعله يراه من ~~خلل في أحوال المتصوفة فقد تسنن بسنن اليهودية , ومتى كان المتصوف غير مجل ~~للفقهاء لما لعله يراه من خلل في أحوال المتفقه فقد تسنن بسنن النصارى , ~~وكذلك حال المتكلم بين الفرقتين لأيهما مال , وإنما أئمة الدين الذين جمع ~~الله لهم PageV03P353 إقامة معالم الإسلام وإيمان أهل الإيمان وشهود أهل ~~الإحسان , تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله فتألم بهم الصوفية , وتظهر ~~انوار قلوبهم على ظلم المتشابهات فيأتم بهم أهل الإيمان , وتبدو في أعمالهم ~~معالم الإسلام تامة فيأتم بهم أهل الإسلام < # > 77 ( { عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما } ) 77 < # > [ الفرقان : 63 ] ( أفضل الناس مؤمن في خلق حسن وشر الناس كافر في خلق ~~سيء ) فأولو الفرقان جامعون ومستبصرون فمن اقتصر على ظاهر وأنكر باطنا ~~لزمته مذام اليهود فيما أنزل من القرآن فيهم بحسب توغله واقتصاره , ومن ~~اقتصر على باطن دون ظاهر لزمته مذام النصارى فيما أنزل من القرآن فيهم ؛ ~~يذكر أن رجلا من صلحاء المسلمين دخل كنيسة فقال لراهبفيها : دلني على موضع ~~طاهر اصلي فيه , فقال الراهب : طهر قلبك مما سواه وقم حيث شئت , قال ذلك ~~الصالح المسلم : فخجلت منه , فالعلم ان كل واحد من هذين الحالين ليس حال ~~صاحب فرقان ولا حال صاحب قرآن لأن صاحب القرآن لا يخجل لهذا القول لأنه ~~حاله , وقلبه مطهر مما سوى الله , ومع ذلك لابد أن ينظف ظاهره , لأن الله ~~سبحانه كما أنه الباطن فيجب صفاء باطن اجاب ولم يتعلثم وغذا دعي إلى صلاح ~~ظاهر اجاب ولم يتلكأ لقيامه بالفرقان وحق القرآن , يذكر أم ملكا رحمه الله ~~دخل المسجد بعد العصر وهو ممن لا يرى اركوع ولم يحاجه بما يراه مذهبا , ~~فقيل له في ذلك فقال : خشيت ms2019 أن أكون من < # > 77 ( { الذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون } ) 77 < # > [ المرسلات : 48 ] ووقف النبي صلى الله عليه وسلم على سقاية زمزم وقد ~~خاضوا فيه بأيديهم , فأهوى النبي صلى الله عليه وسلم يشرب من شرابهم , فقال ~~له العباس رضي الله عنه : يارسول الله ! ألا نسقينك من شراب لنا في اسقية ؟ ~~فقال صلى الله عليه وسلم : ( أشرب من هذه ألتمس بركة أيدي المسلمين ) فشرب ~~منه صلى الله عليه وسلم فصاحب القرآن يعبد الله تعالى بقلبه وجسمه لا يقتصر ~~على ظاهر دون باطن , ولا على باطن دون ظاهر , ولا على أول دون آخر ولا على ~~آخر دون اول ؛ قال صلى الله عليه وسلم ( أمتي كالمطر لا يدري أوله خير أو ~~آخره ) فمن حق القارئ ان يعتبر القرآن نفسه ويلحظ PageV03P354 مواضع مذامه ~~للفرق ويزن به أحوال نفسه من هذه الأديان الستة في هذه الأمة , وأما وجه ~~وقوع النفاق وأحوال المنافقين فهي داهية القراء وآفة الخليفة ؛ قال صلى ~~الله عليه وسلم ( أكثر منافقي أمتى قراؤها ) وقال بعض كبار التابعين : ~~أدركت سبعين ممن رأى النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه . ~~| وأصل مداخله على الخلق من إيثار حرمة الخلق على حرمة الحق جهلا بالله عز ~~وجل واغترارا بالناي , فليزم لذلك محاسنة أولى البر والصدق ظاهرا وتكرههم ~~بقلبه باطنا , ويتبع ذلك من الذبذبة بين الحالين ما وصف الله تعالى من ~~احوالهم وما بينه النبي صلى الله عليه وسلم من علاماتهم حتى قال صلى الله ~~عليه وسلم : ( بيننا وبين المنافقين شهود العتمة والصبح لا يستطيعونهما ) ~~وكما قال تبارك وتعالى { لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم ~~كارهون } ينظر المنافق غلى ما يستسقط يه فضائل أهل الفضل ويتعامى عن ~~محاسنهم , كما روي أن الله يبغض التارك لحسنه المؤمن الآخذ لسيئته , ~~والمؤمن فيما بقي إلا وإلى جنبه منافق يكره عمله , وعن ذلك المنافق غماز ~~لماز بخيل جبان مرتاع , مستثقل في مجامع الخير أجنبي منها , مستخف في مواطن ~~الشر متقدم فيها , طلق اللسان ms2020 بالغيبة والبهتان , ثقيل اللسان عن مداومة ~~ذكر الله تبارك وتعالى , عم عن ذكر الله عز وجل في كل حال , ناظر إلى الناس ~~بكل وجه , وهو مع ذلك يصانعهم ولا يصادقهم , يأخذ م الدين ما ينفعه في ~~الدنيا ولا يأخذ ما ينفع في العقبى , ويجتنب في الدين ما يضر في الدنيا ولا ~~يجتنب ما يضر , في في العقبى مما لا يضر في الدنيا , فهذا وجه من وقوع شياع ~~النفاق في هذه الأمة , فلذلك من حق القارئ ان يستشعر مواقع آي القرآن من ~~نفسه في ذات قلبه وفي أحوال نفسه وأعمال بدنه وفي سره مع ربه وفي علانبيته ~~مع خلقه , فإنه بذلك يجد القرآن كله منطبقا عليه خاصا به حتى كأن جميعه لم ~~PageV03P355 ينزل إلا إليه حتى إذا رغب في أمر رغب هو فيه من وجه ولا يقول ~~: هذا إنما أنزل في كذا , وغذا رهب القرآن من أمر رهبه من وجه ماظن وإذا ~~أعلى فكذلك وإذا أسفل فكذلك , ولا يقول : هذا إنما أنزل في كذا حتى يجد لكل ~~حتى يجد لكل القرآن موقعا في عمله أي عمل كان ومحلا في نفسه أي حال كان ~~ومشعرا لقلبه أي ملحظ كان , فيستمع القرآن بلاغا من الله سبحانه وتعالى ~~إليه بلا واسطة بينه وبينه , فعند ذلك يوشك أن يكون ممن يقشعر له جلده ~~ابتداء ثم تلين له جلده وقلبه انتهاء , وربما يجد من الله سبحانه وتعالى ~~نفخ رحمة يفتح له بابا إلى التخلق بالقرآن أسوة بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت , ~~كانخلق القرآن وبذلك هو ذو الخلق العظيم - والله واسع عليم - انتهى . | < < # | التوبة : ( 70 - 71 ) ألم يأتهم نبأ . . . . . # > > ^ ( ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم ~~وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون * والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ~~ورسوله أولئك ms2021 سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ) ^ } ) | ولما قرر سبحانه ~~بهذه الآية تشابههم في التمتع بالعاجل , وختمها بهذا الختام المؤذن ~~بالانتقام , اتبع ذلك بتخويفهم من متشابهنهم فيما حل بطوائف منهم ملتفتا ~~إلى مقام الغيبة لأنه أوقع في الهيبة , فقال مقررا لخسارتهم : { ألم يأتهم ~~} أي هؤلاء الأخابث من أهل النفاق { نبأ الذين من قبلهم } أي خبرهم العظيم ~~الذي هو جدير بالبحث عنه ليعمل بما يقتضيهة حين عصوا رسلنا ؛ ثم أبدل من ~~ذلك قوله : { قوم نوح } أي في طول اعمارهم وامتداد آثارهم وطيب قرارهم بحسن ~~التمتع في أرضهم وديارهم , أهلكهم بالطوفان , لم يبق عن عصاتهم إنسان , ~~وعطف على قوم القبيلة فقال ؛ { وعاد } أي في قوة أبدانهم وعظيم شأنهم ~~ومصانعهم وبنيانهم وتجبرهم في عظيم سلطانهم , أهلكهم بالريح الصرصر , لم ~~يبق ممن كفر منهم بشر { ثمود * } أي في تمكنهم من بلاد الحجر عرضها وطولها ~~, جبال ها وسهولها , أهلكوا بالرجفة لم يبق من الكفار منهم ديار { قوم ~~إبراهيم } أي في ملك جميع الأرض بطولها والعرض , سلب الله منهم الملك بعد ~~شديد الهلك { وأصحاب مدين } أي في جمع الأموال ومد الآمال إلى أخذها ~~PageV03P356 من حرام وحلال ونقص الميزان والمكيال فعمهم الله بالنكال { ~~والمؤتفكات } اي في إعراضهم عن صيانة أعراضهم في اتباع لذائذ أغراضهم , ~~فأثمر لهم فعلهم بعد الخسف عموم انقراضهم . | ولما كان كأنه قيل : ما نبأهم ~~؟ قال : { أتتهم رسلهم } أي أتى كل أمة منهم رسولها { بالبينات } أي ~~المعجزات الواضحات جدا بسبب أنهم ارتكبوا من القبائح ما أوجب دمارهم { فما ~~} أي فتسبب عن ذلك أنه { ما } { كان الله } أي مع ما له من صفات الكمال ~~مريدا { ليظلمهم } أي لأن يفعل بهم في الإهلاك قبل الإنذار وإنارة البينات ~~فعل من تعدونه فيما بينكم ظالما , ولكنه أرسل إليهم الرسل فكذبوا ما أتوهم ~~به من البينات , فصار العالم بحالهم غذا سمع بهلاكهم وبزوالهم يقول : ما ~~ظلمهم الله { ولكن كانوا } أي دائما في طول أعمارهم { أنفسهم } أي لاغيرها ~~{ يظلمون * } أي بفعل ما يسبب هلاكها , فإن لم ترجعوا أنتم فنحن نحذركم مثل ~~عذابهم ms2022 , ولعله خص هؤلاء بالذكر من بين بقية الأمم لما عند العرب من ~~أخبارهم وقرب ديارهم من ديارهم مع أنهم كانوا أكثر الأمم عددا , وأنبياؤهم ~~أعظم الأنبياء - نبه على ذلك أبو حيان . لعله قدم أصحاب مدين على قوم لوط ~~وهم فيه بعدهم في الزمان لأن هذا في شأن من وصفوا بأنهم لم يجدوا ما يحميهم ~~مما هم فيه من العذاب بمشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم من ملجأ أو مغارات ~~أومدخل كما أن من قبل المؤتفكات جمعهم هذا الوصف , فقوم نوح عليه السلام لم ~~يمنعهم لما أتاهم الماء معقل منيع ولا جبل رفيع مع أنه يقال ؛ إنهم هم ~~الذين بنوا الأهرامات , منها ما هو بالحجارة ليمنعهم من الحادث الذي هددوا ~~به إن كان ماء , ومنها ما هو بالطوب التي لتحميهم منه إن كان نارا , ~~وعادلما أتتهم الريح بادروا إلى البيوت فقلعت الأبواب وصرعتهم في أجواف ~~بيوتهم , ولم يغنهم ما كانوا يبنون من المصانع المتقنة والقصور المشيدة ~~والحصون الممنعة , وحال ثمود معروف في توسعهم في البيوت جبالا وسهولا فما ~~منعتهم من الصيحة التي اعقبت الرجفة , وقوم إبرهيم عليه السلام بنوا الصرح ~~, ارتفاعه خمسة آلاف ذراع أو فرسخان ليتوصل به نمرود كما زعم - إلى السماء ~~فأتى الله بنيانهم من القواعد , ألقت الريح رأسه في البحر وخر عليهم الباقي ~~وهم تحته , وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون , وأصحاب مدين لما أتاهم العذاب ~~فأخذتهم الرجفة الرجفة لما تغن عنهم مدنيتهم , وإن كانوا هم أصحاب الأيكة ~~فإنهم لما اشتد عليهم الحر يوم الظلة قصدوا المغارات فوجدوها أحر من وجه ~~الأرض فخرجوا منها هاربين , فجمعتهم الظلة بنسيم بارد خليته إليهم ولبست به ~~عليهم , فلما اجتمعوا تحتها أحراقتهم نارها وبقي عليهم عارها , وأما قوم ~~لوط فأتاهم الأمر بغته , لم يشعروا PageV03P357 حتى قلبت مدائنهم بعد أن ~~رفعت إلى عنان السماء , واتبعت حجارة الكبريت تضطرم نارا , ولعله خص قوم ~~لوط بالذكر من بين من ليس له هذا اوصف لأن العرب كانوا يمرون على مواضع ~~مدائنهم ويشاهدونها , وعبر عنهم بالمؤتفكات لأن ms2023 القصص للمنافقين الذين مبنى ~~أمرهم على الكذب وصرف الأمور عن ظواهرها وتقليبها عن وجوهها , فالمعنى أن ~~أولئك لما قلبوا فعل النكاح عن وجهه عوقبوا بقلب مدائنهم فهؤلاء جديرون ~~بمثل هذه العقوبة لقلب القول عن وجهه , ومادة ( إفك ) بكل ترتيب تدور على ~~القلب , فإذا كافأت الرجل فكأنك قلبت فعله فرددته إليه وصرفته عنك , وأكاف ~~الدابة شبه بالإناء المقلوب , والكذب صرف الكلام عن وجهه فهو إفك لذلك - ~~والله أعلم . | ولما بين سبحانه أن المنافقين بعضهم من بعض وما تواعدهم بعه ~~وما استتبعه من تهديدهم بإهلاك من شابهوه , وختم بما سبب هلاكهم من إصرارهم ~~وعدم اعتبارهم , عطف ببيان حال المؤمنين ترغبيا في التوبة طعما في مثل ~~حالهم فقال : { والمؤمنون } { والمؤمنات } أي بما جاءهم عن ربهم { بعضهم ~~اولياء } ولم يقل : من , كما قال في المنافقين : من { بعض } دلالة على ان ~~أحدا منهم لم يقلد أحدا في أصل الإيمان ولا وافقة بحكم الهوى , بل كلهم ~~مصوبون بالذات وبالقصد الأول إلى اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالدليل القطعي على حسب فهم كل أحد منهم , فذلك دليل على صحة إيمانهم ~~ورسوخهم في تسليمهم وإذعانهم ؛ ثم بين ولا يتهم بأنهم يد واحدة على من ~~سواهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ~~فقال : { يأمرون } أي كلهم على وجه التعاضدد والتناصر { بالمعروف } وهو كل ~~ما عرفه الشرع وأجازه { وينهون } أي كذلك { عن المنكر } لا يحابون أحدا . | ~~ولما ذكر الدليل القطعي على صحة الإيمان , أتبعه أفضل العبادات فقال : { ~~ويقيمون الصلاة } أي يوجدونها على صفة تقتضي قيامها بجميع أركانها وشروطها ~~وحدودها مراقبة لربهم واستعانة بذلك على جميع ما ينوبهم { ويؤتون الزكاة } ~~أي مواساة منهم لفقرائهم صلة للخلائق بعد خدمة الخالق , وذلك مواز لقوله في ~~المنافقين { ويقبضون أيديهم } ولما خص أمهات الدين , عم بيانا لأنهم لا ~~ينسون الله طرفق عين بل يذكرونه في كل حال بقوله : { ويطيعون الله } أي ~~الملك الأعظم الذي لا ملك سواه { ورسوله } إشارة إلى حسن سيرتهم وجميل ~~عشرتهم . | ولما ذكر مكارم ms2024 أفعالهم , أتبعه حسن مآلهم فقال : { أولئك } أي ~~العظماء الشأن { سيرحمهم الله } أي المستجمع لصفات الكمال بوعد لا خلف فيه ~~, وهذا مع الجملة PageV03P358 قبله مواز لقوله في المنافقين { نسوا الله ~~فنسيهم } وهو إشارة إلى أن الطريق وعر والأمر شديد عسر , فالسائر مضطر إلى ~~الرحمة , وهي المعاملة بعد الغفران بالإكرام , لا قدرة له على قطع مفاوز ~~الطريق إلا بها , ولا وصول له أصلا من غير سببها ولما بين ان حال المؤمنين ~~مبني على المولاة وكانت المولاة فقيرة إلى الإعانة قال : { إن الله } أي ~~الذي له الإحاطة الكاملة { عزيز } أي غالب غير مغلوب بوجه , فهو قادر على ~~نصر من يوالي حزبه وأن ينيله من ثمرات الرحمة ما يريد من غير أن يقدر أحد ~~على أن يحول بينه وين شيء من ذلك { حكيم * } أي فلا يقدر أحد على نقض ما ~~يحكمه وحل يبرمه , وفي ذلك أن المؤمنين لا يزالون منصوورين على كل مفسد ما ~~داموا على هذه الخلال من الموالاة وما معها من حميد الخصال . | < < # | التوبة : ( 72 - 74 ) وعد الله المؤمنين . . . . . # > > ^ ( وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم * ~~يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ~~* يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا ~~بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك ~~خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في ~~الأرض من ولي ولا نصير ) ^ } ) | ولم ختم الآية بوصف العزة والحكمة المناسب ~~لافتتاحها بالمولاة وتعقيبها بآية الجهاد , وذلك بعد الوعد بالرحمة إجمالا ~~, أتبعها بما هو أشد التئاما بها بيانا للرحمة وتفصيلا لها ترغيبا للمؤمنين ~~بالإنعام عليهم بكل ما رامه المنافقون بناقهم في الحياة الدنيا , وزادهم ~~بأنه دائم , وأخبر بأن ذلك هو الفوز لا غير فقال : { وعد الله } أي الصادق ~~الوعد الذي له الكمال كله { المؤمنين والمؤمنات } اي ms2025 الراسخين في التصديق ~~بكل ما أتاهم به الرسول صلى الله عليه وسلم { جنات تجري من تحتها الأنهار } ~~أي فهى لا تزال خضرة ذات بهجة نضرة ؛ ولما كان النعيم لا يكمل إلا بالدوام ~~, قال : { خالدين فيها } كانت الجنان لا تروق إلا بالمنازل والدور الفسيحة ~~والمعازل قال : { ومساكن طيبة } ولما كان بعض الجنان أعلى من بعض , وكان ~~أعلاها ما شرف بوصف العندية المؤذن بالقربمن بنائه مما يؤكد معنى الدوام , ~~قال : { في جنات عدن } أي إقامة دائمة وهناء وصحة جسم وطيب مقر وموطن ومنبت ~~, وذلك كما قال في حق أضدادهم { عذاب مقيم } وما أنسب ذكر هذه الجنة في ~~سياق التعبير بالوصف المؤذن بالرسوخ فإنه ورد في الحديث أنها خاصة بالنبيين ~~والصديقيين والشهداء . | ولما كان ذلك لا يصفو عن الكدر مع PageV03P359 ~~تجويز نوع من الغضب قال مبتدئا إشارة إلى نهى التعظيم - : { ورضوان } أي ~~رضى لا يبلغه وصف واصف بما تشير إليه صيغة المبالغة ولو كان على أدنى ~~الوجوه بما أفاده التنوين - { من الله } أي الذي لا أعظم منه عندهم { أكبر ~~} اي مطلقا , فهو أكبر من ذلك كله لأن رضاه سببب كل فوز , ولا يقع السرور ~~الذي هو اعظم النعيم إلا برضى السيد , وإذا كان القليل منه أكبر فما ظنك ~~بالكثير . | ولما تم ذلك على ا ؟ حسن مقابلة بما وصف به أضدادهم , قال يصفه ~~زيادة في الترغيب فقه : { ذلك } أي الأمر العالي الرتبة { هو } أي خاصة لا ~~غيره { الفوز العظيم * } أي الذي يستصغر دونه كل شيء من أمور الدنيا ~~والآخرة , وفي كون ذلك وعدا لمن اتصف لأجل ما اتصف به ترغيب في الجهاد ~~المأكور به بعدها لكونه من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والداعي ~~الأعظم إلى الموالاة . | ولما ثبتت موالاة المؤمنين ومقاطعتهم للمنافقين ~~والكافرين , وكان ما مضى من الترغيب والترهيب كافيا في الإنانة , وكان من ~~لم يرجع بذلك عظيم الطغيان غريقا في الكفران , أتبع ذلك الأمر بجادهم بما ~~يليق بعنادهم فقال آمرا بالمعروف والنهي عن المنكر : { يأيها النبي } أي ~~العالي المقدار بما لا يزال ms2026 يتجدد له منا من الأنباء وفينا من المعارف ؛ ~~ولما كان الجهاد أعرف في المصارحين , وكانوا أولى به لشدة شكائمهم وقوة ~~نفوسهم وعزائمهم بدأ بهم فقال ؛ { جاهد الكفار } أي المجاهرين { والمنافقين ~~} أي المسائرين كلا بما يليق به من السيف واللسان ولما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم مطبوعا على الرفق موصى به , قال تعالى : { واغلط عليهم } اي في ~~الجهادين ولا تعاملهم بمثل ملا عاملتهم به من اللين عند استئذانهم في ~~العقود , وهذا بخلاف ما مضى في وعيد المنافقين حيث قدمهم فقال { المنافقين ~~زالمنافقات والكفار } فقدم في كل سياق الأليق به ؛ ولما كان المعنى : فإنك ~~ظاهر عليهم وقاهر لهم وهم طعام السيف وطوع العصا , عطف عليه قوله : { ~~ومأواهم } اي في الآخرة { جهنم وبئس المصير * } ولما أتى بالدليل العام على ~~إجرمهم , اتبعه الدليل الخاص عليه وهو ايضا دليل على دليل فقال : { يحلفون ~~بالله } اي لملك الأعلى الذي لا شيء اعظم منه قدرا { ما قالوا } أي ما وقع ~~منهم قول , فقصر الفعل تعميما للمفعول إعلاما بأنهم مهما عنفوا على قول ~~كائنا ما كان بادروا إلى الحلف على نفيه كذبا لنهم مردوا على النفاق ~~فتطبعوا بأعلى الكذب ومرنوا على سيء الأخلاق , فصار حاصل هذا أنهم اطعموا ~~في العفو . | PageV03P360 وحذروا من عذاب الباقين بسبب إجرامهم لأنهم ~~يأمرون بالمنكر وما يلائمه مقتفين ىثار من قبلهم في الانهماك في الشهوات ~~غير مقلعين خوفا من الله أن يصيبهم بمثل ما اصابهم ولا رجاء له أن ينيلهم ~~مما أعد للمؤمنين مجترئين على الإيمان الباطلة بأعظم الحلف على أي شيء فرض ~~سواء كان يستحق اليمين أو لا غير خائفين من الله أن يتهكم كما هتك غيرهم ~~ممن فعل مثل أفعالهم ؛ ثم دل على عظيم إجرامهم وما تضمنه قوله { المنافقون ~~والمنافقات بعضهم من بعض } - الآية , من كبائر آثامهم , ويجوز ان تكون هذه ~~الاية واقعة موقع التعليل للآية التي قبلها بأنهم يقدمون على ما يستحقون به ~~الجهاد والغلطة والنار من الحلف كذبا على نفي كل ما ينقل عنهم استخفافا به ~~وبأسمائه < # > 77 ( { اتخذوا ms2027 إيمانهم جنة } ) 77 < # > [ المجادلة : 6 ] فتكون جوابا لمن كأنه قال : أما جهاد الكفار فالأمر ~~فيه واضح , وأما المنافقون فكيف يجحاهدون وهم يتكلون بلفظ الإيمان ويظهرون ~~أفعال اهل الإسلام فقال : لأنهم يحلفون { ولقد } أي والحال أنهم كاذبون لقد ~~{ قالوا كلمة الكفر } أي الذي لا أكبر في الكفر منه , وهي تكذيب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولما كان هذا السيافق لصنف يجددون الاستخفاف بالله تعالى - ~~بما دل عليه الكمضارع كل وقت , دل على أن إقرارهم بالإيمان كذب وأفعالهم ~~صور لا حقائق لها , فعبر بالإسلام فقال : { وكفروا } أي اظهروا الكفر { بعد ~~إسلامهم } أي بما ظهر من أفعالهم وأقوالهم , وذلك غاية الفجور ؛ ولما كان ~~أعلى شغف الإنسان بشيء ان تحدثه نفسه فيه بما لا يصل إليه , فيكون ذلك ضربا ~~من الهرس قال : { وهموا بما لم ينالوا } اي من قتل الرسول صلى الله عليه ~~وسلم أو إخراجه من المدينة , فجمعوا بين أنواع الكفر القول والفعل ~~والاعتقاد , ويجوز أن يكون حالا من الضمير في { مأوهم } والتقدير على هذا : ~~يدخلون جهنم حالفين بالله : ما قالوا كلمة الكفر , ولقد قالوها , فيكون ~~كقوله < # > 77 ( { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين } ) 77 ~~< # > [ الأنعام : 23 ] ولما بين من أحوالهم التي لا يحمل علىفعلها إلا أمر ~~عظيم , قال : { وما } أي قالوا وفعلوا والحال انهم ما { نقموا } أي كرهوا ~~شيئا من الأشياء التي أتتهم من الله { إلا أن أغناهم الله } أي الذي له ~~جميع صفات الكمال وهو غني عن العالمين { ورسوله } أي الذي هو أحق الخلق بأن ~~يجوز عظمة الإضافة إليه سبحانه , وكان أذاهم هذا النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهمهم بقتله مع إعطائه لهم ما أغناهم بخلاف الآية السابقة , فكان الأقعد في ~~ذمهم تأخير قوله : { من فضله } فهو من باب : ولا عيب فيهم ولما نبه على أن ~~هذه المساوئ قابلوا بها المحسن إليهم , رغبهم بانه قابل المتاب PageV03P361 ~~عليهم , ورهبهم بأنه لا مرد لما يريد من العذاب بقوله : { فإن يتوبوا } ~~ولما كان المقام جديرا بأن يشتد تشوف ms2028 السامع إلى معرفة حالهمفيه , حذف نون ~~الكون اختصارا تبيهيا على ذلك فقال { يك } اي ذلك { خيرا لهم } من إصرارهم ~~. | ولما كان للنفوس من اصل الفطرة الأولى داعية شديدة إلى المتاب , وكان ~~القرآن في وعظه زاجرا مقبول العتاب عظيم الأخذ بالقلوب والعطف للألباب , ~~أشار إلى ذلك بصيغة التفعيل فقال : { وإن يتولوا } أي يكلفوا أنفسهم ~~الإعراض عن المتاب { يعذبهم الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما بحوله ~~وقوته { عذابا أليما } أي لا صبر لهم عليه { في الدنيا } أي بما هم فيه من ~~الخوف والخزي والكلف وغيرها { والآخرة } أي بالعذاب الأكبر الذي لا خلاص ~~لهم منه { وما لهم في الأرض } أي التي لا يعرفون غيرها لسفول هممهم { من ~~ولي } أي يتولى أمورهم فيصلح ما أفسد العذاب منهم أو يشفع لهم { ولا نصير * ~~} أي ينقذهم ؛ وأما السماء فهم أقل من أن يطمعوا منها بشيء ناصر أو غيره ~~وأغلط أكبادا من أن يرتقي فكرهم إلى ما لها من العجائب وما بها من الجنود ؛ ~~وسبب نزول الآية على ما قال ابن عباس رضي الله عنهما ان النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان جالسا في ظل شجرة فقال : سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني ~~شيطان , فإذا جاء فلا تكلموه , فلم يلبثوا أن طلع رجل أرزق فدعاه رسول الله ~~صلى اله عليه وسلم فقال : علام تشتمني انت وأصحابك ؟ فانطلق الرجل فجاء ~~بأصحابه فحلفوا بالله . | ما قلوا , فأنزل الله الآية ؛ وقال الكلبي : نزلت ~~في الجلاس بن سويد , وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم ~~بتبوك فذكر المنافقين فسماهم رجسا وعابهم فقال الجلاس : لئن كان محمدا ~~لصادق وأنتم شر من الحمير , فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ! إلى ~~المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قاله الجلاس , فقال الجلاس : كذب علي ~~يا رسول الله ! فأمرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحلفا عند المنبر ~~فقام الجلاس عند بعد العصر فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما قاله ولقد كذب ~~علي عامر , وقام عامر ms2029 فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما قاله ولقد ثم رفع ~~عامر رضي الله عنه يديه إلى السماء فقال : اللهم ! انزل على نبيك تصديق ~~الصادق منا , فقال النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون آمنين ! فنزل جبريل ~~عليه السلام قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ { فغن تبوبوا يك } اي التوب ~~{ خيرا لهم } فقام الجلاس فقال : يا رسول الله ! اسمع الله قد عرض علي ~~التوبة , صدق عامر بن قيس فيما قاله , لقد قلته , PageV03P362 وانا أستغفر ~~الله وأتوب إليه , فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ثم تاب وحسنت ~~توبته ولا مانع من أن يكون كل ذلك سببا لها كما تقدم ويأتي , والأوفق لها ~~في السببية الخبر الأول للتعبير في الكفرب ( أل ) المؤذنة بالكمال , ومن ~~شتم نبينا صلى الله عليه وسلم فقد ارتكب كل كفر , وفي الاية دليل على قبول ~~توبة الزندقة المسر للكفر المظهر للايمان - كما قال أبو حيان وقال : وهو ~~مذهب أبي حنيفة والشافعي , وقا لمالك : لا تقبل , فإن جاء تائبا من قبل ~~نفسه من قبل أن يعثر عليه قبلت توبته . | < < # | التوبة : ( 75 - 80 ) ومنهم من عاهد . . . . . # > > ^ ( ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين * فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا ~~في قلوبهم إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون * ~~ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب * الذين يلمزون ~~المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم ~~سخر الله منهم ولهم عذاب أليم * استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين ) ^ } ) | ولما اقام سبحانه الدليل على ما ذكر بهذه الآية ~~التي ختمها بانه أغناهم من فضله , أتبها بإقامة الدليل عليها وعاى أنهم ~~يقبضون أيديهم وعلى اجترائهم على اقبح الكذب فقال : { ومنهم من عاهد الله } ~~أي الذي لا اعطم منه { لئن ms2030 آتانا } أي من خير ما عنده , واعتراف بأنه لا حق ~~لأحد عليه بقوله : { من فضله } أي باي طريق كان من تجارة أو غنيمة أو زراعة ~~أو غيرها , وأكد لأنه كاذب يظن أن الناس يكذبونه , وهكذا كل كاذب فقال : { ~~لنصدقن } اي مما ىتانا من غير رياء - بما يشير إليه الإدغام { ولنكونن } أي ~~كونا هو الدال على أنا مجبولون على الخير { من الصالحين * } أي لكل خير ~~نندب إليه { فلما آتاهم } وكرر قوله : { من فضله } تقريرا لما قاله المعاهد ~~تأكيدا للإعلام بأنه لا حق عليه لأحد ولا صنع فيما ينعم به ولا قدرة عليه ~~بوجه { بخلوا به } أي كذبوا فيما عاهدوا عليه وأكدوه غاية التأكد , فلم ~~يتصدقوا بل منعوا الحق الواجب إظهاره فضلا عن صدقة السر { وتولوا } أي ~~كلفوا أنفسهم الإعراض عن الطاعة لمن تفضل عليهم مع معرفتهم بقبح نقض العهد ~~؛ ولما كان التولي قد يحمل على ما الجسد فقط قال : { وهم PageV03P363 ~~معرضون * } اي بقلوبهم , والإعراض وصف لهم لازم لم يتجدد لهم , بل كان ~~غزيرة فيهم ونحنة عالمون بها من حين أوقعوا العهد ؛ قال أبو حيان : قال ~~الضحاك : هم نبتل ابن الحارث وجد بن قيس ومعتب بن قشير وثعلبة بن خاطب ~~وفيهم نولت الآية - انتهى . | وحسن تعقيبها بها ايضا أن في الأولى كفران ~~نعمة الغني من غير عهد , وفي هذه كفرانها مع العهد فهو ترق من الأدنى إلى ~~الأعلى , ودل عظيم شأن العهد بتعظيم الجزاء على خيانته بقوله : { فأعقبهم } ~~أي الله والتمادي على البخل جزاء علىذلك { نفاقا } متمكنا { في قلوبهم } أي ~~بأن لا يزالوا يقولون ما لايفعلون { إلى يوم يلقونه } أي بالموت عند فوت ~~الفوت { بما أخلفوا الله } ايوهو الملك الأعظم { ما وعدوه } لأن الجزاء من ~~جنس العمل ؛ ولما كان إخلاف الوعد شديد القباحة , وكان مرتكبه غير متحاش من ~~مطلق الكذب , قال : { وبما كانوا يكذبون * } أي يجدون الكذب دائما مع ~~الوعدد ومنفكا عنه , فقد استكملوا النفاق : عاهدوا غدروا ووعدوا فأخلفوا ~~وحدثوا فكذبوا ولما كانت المعاهدة هسببا للإغناء في الظاهر , وكان ذلك ربما ~~كان ms2031 مظنة لأن يتوهم من لا علم له أن ذلك لخفاء أمر البواطن عليه سبحانه , ~~وكان الحكم هنا واردا على القلب يالنفاق الذي هو أقبح الأخلاق مع عدم ~~القدروة لصاحبه على التخلص منه , كان ذلك ادل دليل على أنه تعالى أعلم بما ~~في كل قلب من صاحب ذلك القلب , فعقب ذلك بالإنكار على من لا يعلم ذلك ~~والتوبيخ له والتقريع فقال : { ألم يعلموا أن الله } أي الذي له صفات ~~الكمال { يعلم سرهم } وهو ما أخفته صدورهم { ونجواهم } أي ما فاوض فيه ~~بعضهم بعضا , لا يخفى عليه شيء منه { وأن الله } أي الذي له الإحاطة ~~الكاملة { علام الغيوب * } أي كلها , أي ألم يعلموا أنه تعالى لا يخادع ~~لعلمه بالعزاقب فيخشوا عاقبته فيوفوا بعهده , وفائدة الإعطاء مع علمه ~~بالخيانة إقامة الحجة ؛ قال أبو حيان : وقرأ علي وأبو عبد الرحمن والحسن { ~~ألم تعلموا } بالتاء , وهو خطاب للمؤمنين على سبيل التقرير - انتهى . | ~~وفائدة الالتفات الإشارة إلى أن هذا العلم إنما ينفع من هيىء للإيمان ولما ~~أخبر تعالى أنه لم يكفهم كفران نعمة الغنى من غير معاهدة حتى ارتكبوا ~~الكفران بمنع الواجب مع المعاهدة , أخبر أنه لم يكفهم أيضا ذلك حتى تعدوه ~~إلى عيب الكرماء الباذلين بصفة حبهم لربهم ما لم يوجبه عليهم , فقال تعالى ~~معبرا بصيغة تصليح لجميع ما مضى من أقسامهم إفهاما لأنهم كلهم كانوا ~~متخلقين بذلك وإن لم يقله إلا بعضهم : { الذين يلمزون } أي يعيبون في خفاء ~~{ المطوعين } أي الذين ليس عليهم PageV03P364 واجب في أموالهم فهم يتصدقون ~~ويحبون إخفاء صدقاتهم - بما يشير إليه الإدغام { من المؤمنين } أي الراسخين ~~في الإيمان { في الصدقات } ولما كان ما مضى شاملا للموسر والمعسر , نص على ~~المعسر لزيادة فضله وإشارة إلى أن الحث على قليل الخير كالحث على كثيره ~~فقال عاطفا على { المطوعين } : { والذين لا يجدون } أي من المال { إلا ~~جهدهم } أي طاقتهم التي اجهدوا وأنفسهم فيها حتى بلغوها . | ولما كان اللمز ~~هو العيب , وهو ينظر إلى الخفاء كالغمز , ومادته بكل ترتيب تدور على اللزوم ~~, والمعنى : يلزمون المطوعين ms2032 عيبا ولا يظهرون ذلك لكل أحد وإنما يتخافتون ~~به فيما بينهم , وهو يرجع إلى الهزء والسخرية , سبب عنه قوله : { فيسخرون ~~منهم } ولما كان لا شيء أعظم للشخص من أن يتولى العظيم الانتقام له ظالمه , ~~قال : { سخر الله } اي وهو الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره { منهم } أي ~~جازهم على فعلهم بأهل حزبه , وزادهم قوله : { ولهم عذاب أليم * } أي بما ~~كانوا يؤلمون القلوب من ذلك وإذا حوققوا عليه دفعوا عن أنفسهم ما يردعهم ~~عنه بالإيمان الكاذبة , روى البخاري في التفسير عن أبي مسعود رضي الله عنه ~~قال : لما أمرنا بالصدقة كنا نتحامل , فجاء أبو عقيل بنصف صاع , وجاء إنسان ~~بأكثر منه , فقال المنافقون : إن الله لغني عن صدقة هذا , وما فعل هذا ~~الآخر إلا رياء , فنزلت { الذين يلمزون } - الآية ولما كان صلى الله عليه ~~وسلم معروفا بكثرة الاحتمال وشدة المشير إليه { عفا الله عنك لم اذنت لهم } ~~للمبالغة في استجلابهم والحرص على نجاة جميع الخلق فكان معروفا بالاستغفار ~~لهم تارة على وجه الخصوص بسؤالهم عند اعتذارهم وحلفهم وتارة على وجه العموم ~~عند استغفاره لجميع المسلمين , اخبره تعالى من عاقبة أمره بما يزهده منهم ~~ليعرض عنهم اصلا ورأسا , لأنهم تجاوزوا حق الله في ترك الجهاد ومنع الصدقة ~~وحقه صلى الله هليه وسلم في لمزه في الصدقات ووصفه بما يجل عنه إلى حقوق ~~المجاهدين الذين هو سبحانه خليفتهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم مع ما سبق ~~في علمه للمنافقين من أنه لا يغفرلهم خليفتهم في أنفسهم وأهليهم وأموالهم ~~مع ما سبق في علمه للمنافقين من أنه لا يغفر لهم فقال : { استغفر } أي اطلب ~~الغفران { لهم أو لا تستغفر لهم } أي استوى في أمرهم استغفارك لهم وتركه { ~~إن تستغفر } اي تسأل الغفران { لهم سبعين مرة } أي على سبيل الحقيقة أو ~~المبالغة ؛ ولما كان الإخبار باستواء الأمرين : الاستغفار وتركه ربما كان ~~مسببا عن الغفران وربما كان مسببا عن الخسران , عينه في هذا الثاني فقال : ~~{ فلن يغفر الله } اي الذي قضى بشقائهم وهو الذي لا يرد ms2033 أمره { لهم } وهو ~~يحتمل أن يكون جوابا للأمر , وجواب الشرط محذوف لدلالته عليه , والمراد ~~بالسبعين على ما ظهر في المآل PageV03P365 المبالغة في أنه لا يغفر لهم ~~لشيء من الأشياء ولو غفر لهم لشيء لكان لقبول شفاعة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم , والعرب تبالغ بما فيه لفظ السبعة لأنها مستقصاة جامعه لأكثر أقسام ~~العدد , وهي تتمة عدد الخلق كالسماوات والأرض والبحار والأقاليم والأعضاء . ~~| ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على رشدهم ونفعهم , وكان حقيقة ~~نظم الآية التخبير في الاستغفار وتركه زنفي المغفرة بالاستغفار بالعدد ~~المحصور في سبعين , جعل صلى الله عليه وسلم الآية مقيدة لما في سورة ~~المنافقين فاستغفر لابن أبي وصلى عليه وقام على قبره وصرح بأنه لو يعلم انه ~~لو زاد على السبعين قبل لزاد , واستعظم عمر رضي الله عنه ذذلك منه صلى الله ~~عليه وسلم وشرع يمسكه بثوبه ويقول : أتصلي عليه وقد نهاك الله عن ذلك ! ~~لأنه لم يفهم من الآية غير المجاز لما عنده من بغض المنافقين , وأما النبي ~~صلى الله عليه وسلم فرأى التمسك بالحقيقة لما في الرفق بالخليفة من جميل ~~الطريقة بتحصيل الائتلاف الواقع للخلاف وغيره من افوائد وجليل العوائد , ~~ولذلك كان عمر رضي الله عنه يقول لما نزل النهي الصريح : فعجبت بعد من ~~جراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم . | اي نفطنت بعد هذا الصريح أن ~~ذلك الأول كان محتملا وإلا لأنكر الله الصلاة عليه , وفي موافقة الله تعالى ~~لعمر رضي الله عنه منقبة شريفة له , وقد وافقه الله تعالى مع هذا في أشياء ~~كثيرة , روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عمررضب الله عنه - إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم , فسأله ان يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه , ثم ~~سأله أن يصلي عليه ؛ وفي رواية في اللباس , فأعطاه قميصه وقال : إذا فرغت ~~فآذنا , فلما فرغ آذنه فجاء , وفي رواية : فقام رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليصلي عليه فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ms2034 : ~~يا رسو الله ! تصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي عليه ! فقال رسول الله صلى ~~الله عليه عليه وسلم : إنما خيرني الله فقال : { استغفر لهم أو لا تستغفر ~~لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة } وسأزيده على السبعين ؛ وفي رواية ؛ لو أعلم ~~أني زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها , قال : إنه منافق , فصلى عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : فأنزل الله عز وجل { ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا ولا تقم على قبره } إلى { وهم فاسقون } فترك الصلاة عليهم , ~~قال : فعجيب بعد من جراءتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم والله ورسوله ~~أعلم : وله في أواخر الجهاد عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه عنهما قال : ~~لما كان يوم بدر أتى يالأساري وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب فنظر النبي ~~صلى الله عليه وسلم قميصا فوجدوا قميص عبد الله بن أبي يقدر عليه فكساه ~~النبي صلى الله عليه وسلم إياه , فلذلك نزع النبي صلى الله عليه وسلم قميصه ~~PageV03P366 الذي ألبسه , قال ابن عيينة : كانت له عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم يد فأحب أن يكافئه , وفي رواية عنه في اللباس أنه قال : أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ابن أبي بعد ما أدخل قبره فأمر به رضي الله عنه على ركبتيه ~~ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه - انتهى . | فكأن ابنه رضى الله عنه استحى ~~من أن يؤذن النبي صلى اله عليه وسلم به لما كان يعلم من نفاقه , أو آذنه ~~صلى الله عليه وسلم به فصادف منه شغلا فدفنه فجاء رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد إدخاله القبر وقبل تمام الدفن فأخرجه تطييبا لخاطر ابنه الرجل ~~الصالح ودفعا لما قد يتوهمه من إحنة عليه وتأليفا لغيره , قد روي أنه قال ~~صلى الله عليه وسلم : إني أؤمل من الله أن يدخل في الإسلام كثير بهذا السبب ~~, فأسلم ألف من الخزرج لما رأوه طلب الاستشفاء بثوب النبي صلى الله عليه ~~وسلم ففي بعض الروايات انه هو ms2035 الذي طلب من النبي صلى الله لعيه وسلم أن ~~يكفنه في قميصه , وتعطفه عليه , أدعى إلى تراحم المسلمين وتعاطف بعضهم على ~~بعض , وقوله : وألبسه قميصه - بالواو لا ينافي الرواية الأولى , وتحمل ~~الرواية الأولى على أنه وعده إعطاء القميص لمانع كان من التنجيز وقت السؤال ~~, فحمل الجزم بالإعطاء على الوعد الصادق ثم أنجزه بعد إخراجه من القبر - ~~والله أعلم ؛ ووردت هذه الآية أو لحق الرسول صلى اله عليه وسلم , ولم يرد ~~فيه أنه يهينهم بالإماتة على النفاق , فكان يكفي فيه استغفار لهم ؟ فكأنه ~~قيل : استوى الاستغفار وعدمه في أنه لا ينفعهم , وختمها بعلة عدم النغفرة ~~في قوله : { ذلك } أي الأمر الذي يبعد فعله من الحكيم الكريم { بأنهم كفروا ~~بالله } أي وهو الملك الأعظم { ورسوله } أي فهم لا يستأهلون الغفران لأنهم ~~لم يهتدوا لإصرارهم على الفسق وهو معنى قائم بهم في الزيادة على السبعين ~~كما هو قائم بهم في لاقتصار على السبعين { والله } أي المحيط علما وقدرة { ~~لا يهدي القوم الفاسقين } أي أنه لا يهديهم لأنه جبلهم على الفسق , وكل من ~~لا يهديه لأنه جلبه على الفسق لا يغفر له , فهو لا يغفر لهم لما علم منهم ~~مما لا يعلمه غيره , فهو تمهيد لعذر النبي صلى الله عليه وسلم في استغفاره ~~قبل العلم بالطبع الذي لا يمكن معه رجوع . | < < # | التوبة : ( 81 - 85 ) فرح المخلفون بمقعدهم . . . . . # > > ^ ( فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو ~~كانوا يفقهون * PageV03P367 فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزآء بما كانوا ~~يكسبون * فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي ~~أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين ~~* ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله ~~وماتوا وهم فاسقون * ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم ~~بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) 73 < # > } ) 71 < # > | لما ms2036 علل سبحانه عدم المغفرة بفسقهم , وأتى بالظاهر موضع المضمر إشارة ~~إلى اتصافهم به وتعليقا للحكم بالوصف , علل رسوخهم في الفسق بعد أن قدم أن ~~المنافقين بعضهم من بعض فهم كالجسد الواحد بقوله : { فرح المخلفون } أي ~~الذين وقع تخليفهم بإذنك لهم وكراهة الله لانبعاثهم { بمقعدهم } أي قعودهم ~~عن غزوة تبوك , ولعله عبر بهذا المصدر لصلاحيته لموضع القعود ليكون بدلالته ~~على الفرح اعظم دلالة على الفرح بالموضوع , وهو مروي عن ابن عباس رضى اله ~~عنهما , صلى الله عليه وسلم # 1548 ; وأظهر الوصف بالتخلف موضع الضمير زيادة في تهجين ما رضوا به ~~لأنفسهم , وزاده تهجينا أيضا بقوله : { خلف } أي بعد وخلف أو لأجل خلاف { ~~رسول الله } أي الملك الأعظم الذي من تخلف عن حزبه هلك { زكرهوا أن يجاهدوا ~~} ولما كان هذا في سياق الأموال تارة بالرضى بنيلها والسخط بحرمانها , ~~وتارةبقبض اليد عن بذلها , وتارة بالخلاف الذي هو النصب أعم من أن يكون ~~بالمال أو النفس , وتارة بعيب الباذلين وغير ذلك من شأنها قدم قوله : { ~~بأموالهم و أنفسهم } على قوله : { في سبيل الله } اي طريق الملك الذيله ~~صفات الكمال , لأنه ليس فيهم باعث الإيمان وداعي الإيقان الذي بعث المؤمنين ~~, ودل ذلك على عراقتهم في الفسق بأن الإنسان قد يفعل المعصية ويحزن على ~~فعلها وهؤلاء سروا بها مع ما فيها من الدناءة , وقد يسر الإنسان بالمعصية ~~ولا يكره أن يكون بدلها أو معها طاعة وهؤلاء ضموا إلى سرورهم بها كراهية ~~الطاعة , وقد يكره ولا ينهى غيره وهؤلاء جمعوا إلى ذلك كله نهي غيرهم , ~~ففعلوا ذلك كله { وقالوا } أي لغيرهم { لا تنفروا في الحر } بعدا من ~~الإسلام وعمى عن سيد الأحكام , لأن غزوة تبوك كانت في شدة الحر ولما كان ~~هذا قول من لم تخطر الآخرة على باله , أمره تعالى ان يحذر من يصغي إليهم أو ~~يقبل عليعم بقوله : { قل } أي يا أعلم بخلقنا استجهالا لهم { نار جهنم } اي ~~التي أعدها الله لمن خالف أمره { أشد حرا } ولفت الكلام إلى الغيبة يدل على ~~أن أعظم المراد ms2037 بهذا الوعظ ضغفاء المؤمنين لئلا يشتبهوا بهم طعما في الحلم ~~فقال تعالى : { ولو PageV03P368 كانوا } أي المنافقون { يفقهون * } أي لو ~~كان لهم فهم يعلمون به صدق الرسول وقدرة مرسله على ما توعد به لعلموا ذلك ~~فما كانوا يفرون من الحر إلى أشد حرا منه , لأن من فر منحر ساعة إلى حر ~~الأبد كان أجهل الجهال , وقال أبو حيان : لما ذكر تعالى ما ظهر من النفاق ~~والهزء من الذين خرجوا معه إلى غزوة تبوك من المنافقين ذكر حال المنافقين ~~الذين لم يخرجوا معه , بعني في قوله { فرح المخلفون } - انتهى . فتكون ~~الآية حيئنذ جوابا لمن كأنه قال : هذه أحوال من خرج فما حال من قعد ؟ وقد ~~خرج بما في هذه الآية من الأوصاف كعب بن مالك ورفيقاه رضي الله عنهم ونحوهم ~~ممن لم يفرح بالقعود ولا اتصف بما ذكر معه من أوصافهم . | ولما كان غاية ~~السرور الضحك , وكان اللازم لهم في الآخرة البكاء في دار الشقاء الذي هو ~~غاية الحزن لهم , فيها زفير وشهيق وهم يصطرخون فيها , قال تعالى مهددا لهم ~~مسببا عن قبيح ما ذكر من فعلهم مخبرا في صورة الأمر إيذانا بأنه أمر لا بد ~~من وقوعه : { فليضحكوا قليلا } اي فليتمتعوا في هذه الدار بفرحتهم بمقعدهم ~~التمتع الذي غاية السرور به الضحك - يسرا , فإنها دار قلعة وزوال وانزعاج ~~وارتحال { وليبكوا كثيرا } أي في نار جهنم التي أغفلوا ذكر حرورها وأهملوا ~~الاتقاء من شديد سعيرها بدل ذلك الضحك القليل كما استبدلوا حرها العظيم بحر ~~الشمس الحقير { جزاء بما كانوا يكسبون * } أي من الفرح بالمعاصي والسرور ~~بالشهوات والانهماك في اللذات ولما كان المسرور بشيء الكاره لضده الناهي ~~عنه لا يفعل الضد إلا تكلفا ولا قلب له , إليه وكان هذا الدين مبنيا على ~~العزة والغنى , أتبع ذلك بقوله مسببا عن فرحهم بالتخلف : { فإن رجعك الله } ~~أي الملك الذي له العظمة كلها فله الغنى المطلق عن سفرك هذا { إلى طائفة ~~منهم } أي وهم الذين يمد الله في اعمارهم إلى أن ترجع إليهم , وهذا يدل على ms2038 ~~أنه أهلك سبحانه في غيبته بعضهم , فأردت الخروج إلى سفر آخر { فاستأذنوك } ~~اي طلبوا ان تأذن لهم { للخروج } أي معك في سفرك ذلك { فقل } عقوبة لهم ~~وغنى عنهم وعزة عليهم ناهيا لهم بصيغة الخبر ليكون صدقك في علما من اعلام ~~النبوة وبرهانا من براهين الرسالة { لن تخرج معي أبدا } أي في سفر من ~~الأسفار لأن الله قد أغناني عنكم وأحوجكم إلي { ولن تقابلوا معي عدوا } ~~لأنكم جعلتم أنفسكم في عداد ربات الحجال ولا تصلحوا لقتال ؛ والتقييد ~~بالنعية كما يؤذن باستثقالهم يخرج ماكان بعده صلى اله عليه وسلم مع أصحابه ~~رضي اله عهنم من سفرهم وقتالهم ولما أخزاهم سبحانه بما أخزوا به أنفسهم ؟ , ~~علله بقوله : { إنكم رضيتم بالقعود } أي عن التشرف بمصاحبتي , ولما كانت ~~الأوليات أدل على تمكن الغرائز من الإيمان PageV03P369 والكفران وغيرها قال ~~: { أول مرة } أي في غزوة تبوك , ومن فاتنا يكفيه أنا نفوته ؛ قال أبو حيان ~~: فعلل بالمسبب وهو الرضى الناشىء عن السبب وهو النفاق - انتهى . | ولما ~~أنهى الحكم والعلة , سبب عنه قوله : { فاقعدوا مع الخالفين * } أي الذين ~~رضوا لأنفسهم بهذا الوصف الذي من جملة معنيه : الفاسد فهم لا يصلحون لجهاد ~~ولا يلفون أبدا في مواطن الامجاد , وقال بعضهم : المراد بهم الذين تخلفوا ~~بغير عذر في غزوة تبوك , أو النساء والصبيان أو أدنياء الناس أو المخالفون ~~أو المرضى والزمنى أو أهل الفساد , والأولى الحمل على جميع , أي لأن المراد ~~تبكيتهم وتوبيخهم , ولما أتم سبحانه سببا لترك الصلاة على الشهيد تشريفا له ~~, جعل الموت الواقع في القعود المرضي به عن الجهاد سببا لترك الصلاة إهانة ~~لذلك القاعد , فقال عاطفا عاى ما أفهمت جملة : { استغفر لهم أو لا تستغفر ~~لهم } الآية , من نحو : فلا تستغرق لهم أصلا : { ولا تصل } أي الصلاة التي ~~شرعت لتشريف لبمصلى عليه والشفاعه فيه { على أحد منهم } ثم وصف الأحد بقوله ~~: { مات } وقوله { أبدا } متعلق بالنهي لا بالموت { ولا تقم علىقبره } أي ~~لأن قيامك رحمة وهم غير أهل لها , ثم علل ذلك بقوله : { إنهم كفروا بالله } ~~أي ms2039 الذي له العظمة كلها ولما كان الموت على الكفر مانعا من الصلاة على ~~الميت بجميع معانيها لم يحتج إلى التأكد ياعادة الجار فقبل - : { ورسوله } ~~أي الذي هو أعظم الناس نعمة عليهم بما له من نصائحهم بالرسالة , والمعنى ~~أنهم لعظم ما أرتكبوا من ذلك لم يهدهم الله فاستغفر على الضلالة حتى ماتوا ~~على صفة من وقع النهي على الاستغفار لهم المشار إليها بقوله { والله لا ~~يهدي القوم الفاسقين } وذلك المارد من قوله معبرا بالماضي والمعنى على ~~المضارع تحقيقا للخبر وأنه واقع لا محالة : { وماتوا وهم } أي والحال أنهم ~~بضمائرهم وظواهرهم { فاسقون * } أي غريقون في الفسق . | ولما كان ابن ابي ~~سبب النهي عن الاستغفار لهم , وكان ابنه عبد الله بن عبد الله من خيار ~~المؤمنين وخلص المحسنين وكان لبعض المنافقين انباء مثله , وكان من طبع ~~البشر أن يذكر في كثير من مقاله غلطا ما يندم عليه , وكان شديد الوقوف لما ~~حف به من العلائق البدنية وشمله من العووائق بالأوهام النفسانية مع أوهامع ~~وعوائقه قاصرا على قيوده وعلائقه , فكان لإعادة الكلام وتكريره وترديده ~~ومزيد تقريره تأكيد في النفوس وتعزية وتثبيت في القلوب , كرر آية الإعجاب ~~لهذه الأسباب لأن يكون حكمها على بال من المخاطب لا ينساه لاعتقاد ان العمل ~~به مهم جدا يفتقر إلى فضل عناية , وأن ذلك شبيه بما أوهم صاحبه فهو يتكلم ~~فيه ثم ينتقل إلى غيره لغرض صحيح ثم يرجع إليه في أثناء PageV03P370 حديثة ~~لشدة اهتمامه به تنبيها على ذلك , ولا يرجع إليه إلا على غاية ما يكون من ~~حسن الربط وبراعة التناسب , وعطفها بالواو دون الفاء لأن ذلك ليس مسببا عما ~~قلبه كما سبق في الآية الأولى , اي لا تستغفر لهم ولا تصل عليهم ولا تعجبك ~~قولهم : مستعطفين لك في طلب محبتك وإن زخرفوه وأكدوه بالإيمان التي اتخذوها ~~جنة { ولا تعجبك أموالهم } وأسند النهي إليها إبلاغلا فيه . | ولما لم يكن ~~هنا ما اقتضى تأكيد النفي مما مضى في الآية الأولى , لم يعد النافي ولا ~~أثبت اللام ولا الحياة فقال ms2040 : { وأولادهم } أي وإن أظهروا أنهم يجاهدون بها ~~معك ويتقربون إلى الله فإن الله لا يريد بهم ذلك فلا ييسره لهم لما علم من ~~مباعدتهم للخير وعدم قابليتهم له فلا يحملك الإعجاب بشيء من ذلك علىفعل شيء ~~مما تقدم النهي عنه تأليفا لأمثالهم للمساعدة بأولادهم وأموالهم وتطيبلا ~~لقلوب المؤمنين من أولادهم , فإنهم إن كانوا مؤمنين للمساعدة بأولادهم ~~وأموالهم وتطيبا لقلوب المؤمنين من أولادهم , فإنهم إن كانوا مؤمنين لم ~~يضرهم ترك ذلك وإلا فبعدا لهم وسحقا { إنما يريد الله } أي بعزه وعظمته ~~وعلمه وإحاطته { أن يعذبهم } أي تعذيبهم { بها } فالفعل واقع بخلافة في ~~الاية السابقة { في الدنيا } أي بجمعها ومحبة الإخلاد إليها وإلى الأولاد ~~إن كانوا مثلهم في الإعتقاد وغلا كانوا زيادة عذاب لهم في الدارين { وتزهق ~~} أي تخرج بغاية العسر { أنفسهم وهم } لاغترارهم بها { كافرون * } ولا شك ~~ان خطاب الرأس بشيء اوقع في قلوب اصحابه فلذلك وقع خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم والمراد غيره من أتباعه وجماعته وأشياعه ممن قد يجنح إلى الأسباب ~~ويقف عنده كما هو طبع النفوس في تأمل ما شهد ونسيان ما غاب وعهد تدريبا لهم ~~على الحب في الله والبغض فيه لأنه من أدق ابواب الدين فهما وأجلها قدرا , ~~وعليه تبتنى غالب ابوابه , ومنه تجتنى أكثر ثمراته وآدابه , وذلك أنه ربما ~~ظنه الناظر فيمن بسطت عليه الدنيا أنه من الناجين فيواده لحسن قوله غافلا ~~عن سوء فعله , أو يظن أن أهل الدين فقراء إلى مساعدته لهم في جهاد أو غيره ~~بما له وذويه روية فيداريه , فأعلمهم تعالى ان ما هذا سبيله مقطوع البركة ~~نهيا عن النظر إلى الصور وتنبيها على قصر الأتظار على المعاني ^ ( { قل لا ~~يستوي الخبيث والطيب يقولوا اعجبك كثرة الخبيث } ) ^ [ المائدة : 100 ] - ~~الآية ^ ( { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم } ) ^ [ ~~المنافقون : 41 ] | < < # | التوبة : ( 86 - 93 ) وإذا أنزلت سورة . . . . . # > > ^ ( وإذآ أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا ~~الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين * رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع ms2041 ~~على قلوبهم فهم لا يفقهون * لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم PageV03P371 وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون * أعد الله لهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم * وجآء المعذرون ~~من الأعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم ~~عذاب أليم * ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ~~ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ~~* ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا ~~وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون * إنما السبيل على الذين ~~يستأذنونك وهم أغنيآء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم ~~لا يعلمون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما افتتحت قصتهم بأن المتقين لا يتوقفون في الانتداب إلى الجهاد ~~على أمر جديد ولا استئذان , بل يكتفون بما سبق من عموم الحث عليه والندب ~~إليه فيبادروا إليه الطرف ولا يحاذرون الحتف , وأن من المنافقين من يستأذن ~~في الجهاد جاعلا استئذانه فيه بابا للاستئذان في التخلف عنه , ومنهم من ~~يصرح بالاستئذان في العقود ابتداء من غير تستر , وعقب ذلك بالنهي عن ~~الإعجاب باموالهم وأولادهم ثم مر في ذكر اقسامهم وما لزمهم من فضائحهم ~~وآثامهم , إلى أن ختم القصة بأن أموالهم إنما هي لفتنتهم لا لرحمتهم , ~~ولمحنتهم لا لمنحتهم , أتبع ذلك بدليله من انهم لا يتوصلون بها إلى جهاد , ~~ولا يتوسلون إلى دار المعاد , فقال عاطفا على ما أفهمه السياق من نحو ان ~~يقال لأنهم لا يفعلون بها خيرا ولا يكسبون اجرا , أو بانيا حالا من الكاف ~~في ( تعجبك ) : { وإذا أنزلت سورة } أي وقع إنزال قطعة من القرآن . | ولما ~~كان الإنزال يدل على النزل حتما , فسره بقوله : { ان ىمنوا بالله } اي الذي ~~له الكمال كله { وجاهدوا } اي أوقعوا الجهاد { مع رسوله استأذنك } اي في ~~التخلف من لاعذر له وهم { أولوا الطول } أي اهل الفضل من الأموال والسعة ~~والثروة في غالب الأحوال { منهم ms2042 } وخصهم بالذكر لأن الذم لهم ألزم ولا سيما ~~بعد سماع القرآن , ويجوز أن يكون معطوفا على خبر { أن } في قوله { ذلك ~~بأنهم كفروا بالله ورسوله } هذا مع ما تضمن اشتئذانهم من رذائل الأخلاق ~~ودنايا الهممم المحكي بقوله : { وقالوا ذرنا } اي اتركنا ولو على حالة سيئة ~~{ نكن } أي بما يوافق جبلاتنا { مع القاعدين * } أي بالعذر المتضمن - ~~لاسيما مع التعبير بذرنا الذي مادته تدور على ما يكره دون ( دعنا ) - لما ~~استأنف به أو بين من قوله { رضوا بأن يكونا } اي كونا كأنه جبلة لهم { مع ~~الخوالف } اي النساء { وطبع } أي وقع الطبع المانع { على قلوبهم } أي حتى ~~رضوا PageV03P372 لأنفسهم بالتخلف عن سبب السعادة مع الكون في عداد ~~المخدرات بما هو عار في الدنيا ونار في العقبى . | ولما أبهم فاعل الطبع , ~~نفى دقيق العلم فقال : { فهم } أي بسبب هذا الطبع { لا يفقهون * } أي لا ~~فقه لهم يعرفون به ما في الجهاد من العز والسعادة في الدارين , وما في ~~التخلف من الشقاء والعار فلذلك لا يجاهدون , فلاشيء اضر من هذه الأموال ~~والأولاد التي أبعدت وألزمت المذام والقوادح , فقد اكتنفت آية الأموال في ~~اول قصة وآخرها ما يدل على مضمونها . | ولما افتتح القصة بمدح المتقين ~~لمسابقتهم إلى الجهاد من دون استئذان ختمها بذلك وذكر ما أعد لهم فقال ~~معلما بالغنى عنهم بمن هو الخير المحض تبكيتا لهم وتقريعا : { لكن الرسول } ~~أي والذي بعثه لرد العباد عن الفساد إلى السداد { والذين آمنوا } أي إيمانا ~~عظيما كائنا أو كائنين { معه } أي مصاحبين له ذاتا وحالا في جميع ما ~~ارسلناه إليهم به { جاهدوا بأموالهم وأنفسهم } أي بذلوا كلا من ذلك في حبه ~~صلى الله عليه وسلم فتحققوا بشرط الإيمان و ( لكن ) واقعة موقعها بين ~~متنافسين لأن ما مضى من حالهم كله ناطق بأنهم لم يجاهدوا ولما كان السياق ~~لبخلهم بالنفس والمال , ولسلب النفع من اموالهم وأولادهم , اقتصر في مدح ~~أوليائه على الجهاد بالنفس والمال ولم يذكر السبيل وقال : { أولئك } دالا ~~على أنه معطوف على ما تقديره : فأولئك الذين ms2043 نورت قلوبهم فهم يفقهون , ~~وقوله : { لهم } أي لا لغيرهم { الخيرات } تعرض بذوي الأموال من المنافقين ~~لأن الخير يطلق على المال وتحليته ب ( ال ) على استغراقه لجميع منافع ~~الدارين , والتعبير بأداة البعد إشارة إلى علو مقام أوليائه وبعد مناله إلا ~~بفضل منه تعالى , وكذا التعريض بهم بقوله : { وأولئك هم } أي خاصة { ~~المفلحون * } أي الفائزون بجميع مرادهم , لا غيرهم ؛ ثم بين الإفلاح الأعظم ~~بقوله : { أعد الله } أي الذي له صفات الكمال { لهم } أي الآن لينعمهم بها ~~بعد موتهم وانتقالهم من هذه الدار التي هي معدن الأكدار { جنات تجري } اي ~~دائما { من تحتها } اي مع قربها { الأنهار } ثم عرض بهذه الدنيا لسريعة ~~الزوال فقال : { خالدين فيها } ثم رغب فيها بقوله : { ذلك } اي الأمر ~~العالي الرتبة { الفوز العظيم * } أي لا غيره . | ولما ختم قصص أهل المدر ~~بذم أولي الطول منهم بتخلفهم , وكان ذمهم إنما هو لكونهم قادرين على الخروج ~~في ذلك الوجه , وقدمهم لكثرة سماعهم للحكمة , وكان اهل الوبر أقدر الناس ~~على السفر لأن مبنى أمرهم على الحل والارتحال , فهم أجدر PageV03P373 بالذم ~~لأنهم في غاية الاستعداد لذلك , تلاهم بهم فقال : { وجاء المعذرون } اي ~~المبالغون في إثبات الخفايا من الأعذار المانعة لهم من الجهاد - بما أشار ~~إليه الإدغام , وحقيقة المعذر أن يتوهم أن له عذرا ولا عذر له , والعذر : ~~إيساع الحيلة في وجه يدفع ما ظهر من التقصير { من الأعراب } قيل : هم رهط ~~عامر بن الطفيل من بني عامر , وقيل : اسد وغطفان , قيل : رهط من غفار { ~~ليؤذن } أي ليقع الإذن من أي آذن كان في تخلفهم عن الغزو { لهم } أي ~~فاعتذروا بما كذبوا فيه وقعدوا عن الغزو معك , هكذا كان الأصل فوضع موضعة : ~~{ وقعد الذين كذبوا الله } أي وهو المحيط علما وقدرة { ورسوله } تنبيها على ~~وصفهم وليكون اظهر في شمول الأعراب وغيرهم . | ولما كان منهم المحتوم بكفره ~~وغيره قال : { سيصيب } أي بوعد لا خلف فيه { الذين كفروا } أي حتم بكفرهم { ~~منهم عذاب اليم * } اي في الدارين . | ولما كان من القاعدين من أهل المدر ~~والوبر من ms2044 له عذر , استثناهم سبحانه وساق ذلك مساق النتيحة من المقدمات ~~الظاهرة فقال : { ليس على الضعفاء } أي بنحو الهرم { ولا على المرضى } أي ~~بنحوالحمى والرمد { ولا على الذين لايجدون } ولو بدين يؤدونه في المستقبل { ~~ماينفقون } أي لحاجتهم وفقرهم { حرج } إي غثم يميل عن الصراط المستقيم ~~ويخرج دينهم . | ولما كان ربما كان أحد من المنافقين بهذ الصفة احترز عنه ~~بقوله : { إذا نصحوا } أي في تخلفهم وجميع احوالهم { لله } اي الذي له ~~الجلال والإكرام { ورسوله } أس سرا وعلانية , فإنهم حيئنذ محسنون في نصحهم ~~الذي منه تحسرهم على القعود على هذا الوجه وعزمهم على الخروج مى قدروا , ~~وقوله : { ما على المحسنين } في موضع ( ما عليهم ) لبيان إحسانهم بنصحهم مع ~~عذرهم { من سبيل } أي طريق إلى ذمهم أو لومهم , والجملة كلها بيان ل { ~~نصحوا لله ورسوله } وقوله : { والله } أي الذي له صفات الكمال { غفور } اي ~~محاء للذنوب { رحيم * } أي محسن مجمل إشارة غلى ذمهم أو لومهم , التقصير ~~والعجز وإن اجتهد , لا يسعه إلا العفو ؛ ثم عطف على ذلك قوله : { ولا على ~~الذين إذا } وأكد المعنى بقوله : { ما أتوك } أي ولم يأتوا بغير قصدك ~~راغبين في الجهاد معك { لتحملهم } وهم لا يجدون محملا { قلت } اي أتوك ~~قائلا أو حال قولك : ( قد ) مضمرة كما قالوا في < # > 77 ( { حصرت صدورهم } ) 77 < # > [ النساء : 90 ] { لا أجد ما } أي شيئا { احملكم عليه } وأجاب { إذا } ~~بقوله ويجوز ان يكون استئنافا و ( قلت ) هو الجواب { تولوا } أي عن سماع ~~هذا القول منك { وأعينهم تفيض } أي تمتلئ فتسيل , وإسناد الفيض غليها أبلغ ~~من حيث أنها كلها دمعا : ثم بين الفائض بقوله : { من الدمع } PageV03P374 ~~أي دمعا والأصل : يفيض دمعها , ثم علل فيضها بقوله ؛ { حزنا } ثم علل ~~حزنهمبقوله : { ألا يجدون } أي لعدم وجدانهم { ما ينفقون } فحزنهم في ~~الحقيقة على فوات مرافقتك والكون في حزبك , وهذه قصة الكبائين صرح بها وإن ~~كانوا داخلين في { الذين لا يجدون } إظهارا لشرفهم وتقريرا لأن الناصح - ~~وإن اجتهد - لا غنى له عن العفو حيث بين أنهم - مع اجتهادهم الأسباب ~~وتحسرهم ms2045 عند فواتها بما أفاض أعينهم - ممن لا سبيل عليه أو ممن لا حرج عليه ~~المغفور له . | ولما نفى السبيل عمن وصفه كر على دم من انتفى الوصف فقال ~~تعالى : { إنما السبيل } أي باللوم وغيره { على الذين يستأذنونك } أي ~~يطلبون إذنك في التخلف عنك راغبين فيه { وهم أغنياء } أي فلا عذر لهم في ~~التخلف عنك وعدم مواساتك , وتضمن قوله تعالى مستأنفا : { رضوا بان يكونوا } ~~أي كونا كأنه جبلة لهم { مع الخوالف } انتفاء الضعف والمرض عنهم من حيث إنه ~~علل فعلهم برضاهم بالتخلف فأفهم ذلك أنه لا علة لهم سواه , وأفهم أيضا أن ~~كل من كان كذلك كان مثلهم ولو أنه ضعيف أو مريض , وكرر ذكر الخوالف تكريرا ~~لعيبهم برضاهم بالكون في عداد النساء إذ كان ذلك من أعظم المعايب عند العرب ~~, وسمى الفاعل للطبع حيث حذفه من الأولى : ( رضوا ) : { وطبع الله } أي له ~~القدرة الكاملة والعلم المحيط { على قلوبهم } ثم سبب عن ذلك الرضى والطبع ~~قوله : { فهم لا يعلمون * } أي لاعلم له فلذلك جهلوا ما في الجهاد من منافع ~~الدارين لهم فلذلك رضوا بما لا يرضى به عاقل , وهو أبلغ من نفى الفقه في ~~الأولى , وزاد المناسبة حسنا ضم الأعراب في هذه الايات إلى أهل الحاضرة وهم ~~بعيدون من الفقه جديرون بعدم العلم . | < < # | التوبة : ( 94 - 98 ) يعتذرون إليكم إذا . . . . . # > > ^ ( يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد ~~نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون * سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم ~~لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزآء بما كانوا يكسبون * ~~يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ~~* الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود مآ أنزل الله على رسوله ~~والله عليم حكيم * ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر ~~عليهم دآئرة السوء والله سميع عليم ) ^ } ) | PageV03P375 ثم شرع يخبر عن ~~أشياء تقع منهم عند ms2046 الرجوع دلالة على أن هذا كلامه وأنه عالم بالمغيبات ~~كليها وجزئيها , يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون , ~~فقال مبينا لعدم علمهم : { يعتذرون } أي يثبتون الأعذار لأنفسهم : وأشار ~~إلى بعدهم بالقلوب بقوله : { إليكم } اي عن التخلف { إذا رجعتم إليهم } أي ~~من هذه الغزوة , كأنه قيل : فماذا يقال في جوابهم ؟ فقال للرأس الذي لا ~~تأخذه في الله لومة لائم : { قل لا تعتذرون } أي فإن أعذاركم كاذبة , ولذلك ~~علل النهي بقوله : { لن نؤمن لكم } اي نصدقكم في شيء منها , ثم علل عدم ~~تصديقهم بماأوجب لهم القطع بذلك فقال : { من نبأنا الله } أي اعلمنا الملك ~~الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء غعلاما جليلا { من أخباركم } اي التي ~~ظننتم جهلا بالله انها تخفى فقد علمناها ؛ ثم هددهم بقوله : { وسيرى الله } ~~أي لأنه عالم بكل شيء وإن دق قادر على كل شيء { عملكم } أي بعد ذلك ~~اتتبينون أم تثبتون على حالكم هذا الخبيث كما رأى الذي قبل { ورسوله } أي ~~بمايعلمه به سبحانه وحيا أو تفرسا , ولما كان الكلام في لمنافقين , فكانت ~~ارؤية لنفاقهم الذي يجتهدون في إخفائه , وكان المؤمنون لا اطلاع لجميعهم ~~عليهم , لم يذكرهم بخلاف من ياتي بعد فإنهم مؤمنون . | ولما كان هذا ربما ~~أوهمهم انه لا يعلم إلا ما أوقعوه بالفعل , نفى ذلك بإظهار وصفه في موضع ~~افضمار مهددا بقوله مشيرا بأداة التراخي إلى استبعادهم لقيامهم إلى معادهم ~~: { إلى عالم الغيب } وهو ما غاب عن الخلق { والشهادة } وهو ما اطلع عليه ~~أحد منهم . | فصار بحيث يطلعون عليه وهذا ما غاب عن الخلق { والشهادة } وهو ~~ما اطلع عليع أحد منهم . | فصار بحيث يطلعون عليه وهذا ترجمة عن الذي يعلم ~~الشيء قبل كونه ما يعلم بعد كونه { فينبئكم } أي يخبركم إخبارا عظيما جليلا ~~مستوعبا { بما كنتم } أي بجبلاتكم { تعلمون * } أي مما أبرزتموه إلى الخارج ~~ومما كان في جبلاتكم , ولو تأخرتم لبرز , وهو تهديد عظيم , ووقع تربيتهم ~~للاعتذار على الأسهل فالأسهل على ثلاث مراتب : الأولى مطلق الاعتذار وقد ~~مضى ما ms2047 فيها ؛ الثانية تأكيد ذلك بالحلف للإعراض عنهم فقال سبحانه : { ~~سيحلفون بالله } أي الذي لا أعظم منه { لكم إذا انقليتم إليهم } أي جهد ~~إيمانهم أنهم كانوا معذورين في التخلف كذبا منهم إرادة أن يقبلوا قلوبكم ~~عما اعتقدتم فيهم { لتعرضوا عنهم } أي إعراض الصفح عن معاتبتهم PageV03P376 ~~{ فأعرضوا عنهم } إعراض المقت ؛ روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا ~~تجالسوهم ولا تكلموهم ) ثم علل وجوب الإعراض بقوله { إنهم رجس } أي لا ~~يطهركم العتاب فهو عبث . | ولما كان من المقرر انه لا بد لهم من جزاء , وأن ~~النفس تتشوف إلى معرفته , قال : { ومأواهم } اي في الآخرة { جهنم جزاء } أي ~~لأجل جزائهم { بما كانوا يكسبون * } أي فلا تتكلفوا لهم جزاء غير ذلك ~~بتوبيخ ولا غيره ؛ المرتبة ؛ الثالثة الحلف للرضى عنهم فقال : { يحلفون لكم ~~} أي مجتهدون في الحلف بمن تقدم أنهم يحلفون به وهو الله { لترضوا عنهم } ~~خوفا من غائلة غضبكم { فإن ترضوا عنهم } أي لمجرد أيمانهم المبني على عدم ~~إيمانهم { فإن الله } أي الذي له الغنى المطلق { لا يرضى } عنهم , هكذا كان ~~الأصل ولكنه قال : { عن القوم الفاسقين * } إشارة إلى تعليق الحكم بالوصف ~~وتعميما لكل من اتصف بذلك , والمعنى أنه لا ينفعهم رضاكم وتكونون به ~~مخالفين الله , فهو في الحقيقة نهي للمؤمنين عن الرضى عنهم , أبرز في هذا ~~الأسلوب العجيب المرقص , وفي ذلك رد على من يتوهم أن رضى المؤمنين لو رضوا ~~عنهم يقتضي رضى الله , فإن ذلك رد نزعة مما يفعل الأخبار والرهبان في رضاهم ~~وغضبهم وتحليلهم ونحرسيمهم الذي يعتقد أتباعهم أنه عن الله تعالى . | ولما ~~ترتب سبحانه الاستئذان في العقود والرضى بما فيه من الدناءة على عدم الفقه ~~تارة والعلم اخرى وختم بصنف الأعراب , بين أن الأعراب أولى بذلك لكونهم ~~أعرق في هذا الوصف وأجرأ على الفسق لبعدهم عن معدن العلم وصرفهم أفكارهم في ~~غير ذلك من أنواع المخازي لتحصيل المال الذي كلما داروا عليه طار عنهم ~~فأبعد . | فهم لا يزالون في همه قد شغلهم ذلك عن كل هم وهم يحسبون انهم ms2048 ~~يحسبون صنعا فقال تعالى : { الأعراب } أي اهل البدو { اشد } اي من اهل ~~المدر { كفرا ونفاقا } لبعدهم عن دار الهجرة ومعدن العلم وجفائهم بأن مرائي ~~قلوبهم لم تصقل بأنوار الكتاب والسنة { وأجدر أن } أي وأحق بأن { لا يعلموا ~~} ولما كان الإحجام أصعب من الإقدام , وأطراف الأشياء المختلطة في غاية ~~الإلباس , قال : { حدود ما أنزل الله } أي المحيط علما وحكمة بكل شيء { على ~~رسوله } أي الذي أعلم الخلق من القرآن والشرائع والأحكام لعدم إقبالهم عليه ~~شغلا بغيره فإن الله يعلم ذلك منهم { والله } أي الذي له PageV03P377 جميع ~~صفات الكمال { عليم } أي بالغ العلم بكل شيء { حكيم * } أي بالغ الحكمة فهو ~~يضع الأشياء في أتم محالها . | ولما أثبت هذا الوصف لهذا الصنف بين أن ~~أفراده انقسموا إلى من ثبت على ما هو الأليق بحالهم , وقسم نزع إلى ما هو ~~الأليق باهل المدر , كما انقسم أهل المدر إلى مثل ذلك , وبدأبالخبيث لأنه ~~الأصل فيهم فقال : { ومن الأعراب } أي المذكروين { من يتخذ } أي يتكلف غير ~~ما تدعو إليه الفطرة الأولى من الأريحية والهمم العلية بأن يعد { ما ينفق ~~مغرما } اي فلا يبذله إلا كرها ولا يرى له فائدة أخروية بل يراه مثل ~~الصنائع بالنهب ونحوه { ويتربص } أي يكلف نفسه الربص , وهو أن يسكن ويصبر ~~وينتظر { بكم الدوائر } اي الدواهي التي تدور بصاحبها فلا يتخلص منها , ~~وذلك ليستريح من الإنفاق وغيره مما ألزمه به الدين . | ولما تربصوا هذا ~~التربص , دعا عليهم بمثل ما تربصوا فقال : { عليهم دائرة السوء } أي دائما ~~لا تنفك إما لا تنفك إما بإذلال الإسلام وإما بعذاب الاصطلام , فهم فيما ~~أرادوه بكم على الدوام , وقراءة ابن كثير عمرو بضم السين على أن معناه الشر ~~والضر , وقراءة الباقين بالفتح على أنه مصدر , فهو ذم للدوائر . | ولما كان ~~الانتقام من الأعداء وإيقاع البأس ببهم لا يتوقف من القادر غالبا إلا على ~~سماع اخبارهم والعلم بها , جرت سنته تعالى في ختم مثل بقوله : { والله } أي ~~الملك الأعلى الذي له الإحاطة الكاملة { سميع } يسمع ما يقولون { عليم ms2049 * } ~~أي فهو يعلم ما يضرون عطفا على نحو أن يقال : فالله على كل شيء قدير , ~~ونحوه قوله { إنني معكما أسمع وأرى } | < < # | التوبة : ( 99 - 100 ) ومن الأعراب من . . . . . # > > ^ ( ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند ~~الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور ~~رحيم * والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ~~ذلك الفوز العظيم ) ^ } ) | ولما افتتح الاية الثانية بقوله : { ومن ~~الأعراب من يؤمن } اي لا يزال يجدد إيمانه آثار الدين { بالله واليوم الآخر ~~} علم ان القسم الول غير مؤمن بذلك , وإنما وقع منهم الإقرار باللسان من ~~غير إذعان , والإيمان هو الأصل الذي يترتب عليه الإنفاق عن طيب نفس لما ~~يرجى من ثوابه في اليوم الآخر الذي لولا هو انتفت الحكمة من هذا الخلق ~~PageV03P378 على هذا الترتيب : ثم عطف عليه ما يثمره الإيمان فقال : { ~~ويتخذ } أي يحث نفسه ويجاهدها أن عرضت له الوساوس الشيطانية على أن يعد { ~~ما ينفق } أي فيما امر الله به { قربات } جمع قربة لما تقرب إليه سبحانه { ~~عند الله } اي الذي وظيفته التبليغ فهو لا يقول لهم شيئا إلا عن الله , ~~واطلق القربة والصلاة على سببها . | ولما أخبر عن أفعالهم , أخبر عن ~~عاقبتهم ومآلهم ؛ قال مستأنفا محققا لرجائهم ترغيبا في الصدقة بأبلغ تأكيد ~~لما لأعدائهم من التكذيب : { ألا إنها } أي نفقاتهم { قربة لهم } أي كما ~~أرادوا ؛ ثم بين ثمرة كونها قربة بقوله : { سيدخلهم الله } أي الذي له صفات ~~الكمال بوعد لا خلف فيه { في رحمته } أي إكرامه فتكون محيطة بهم ثم علل ذلك ~~بقوله معبرا بالاسم الأعظم تنبيها على انه لا يسع الإنسان إلا العفو وإن ~~أعظم الاجتهاد : { إن الله } اي الذي الذي لا يقدر أحد على أن يقدره حق ~~قدره { غفور } اي بليغ الستر لقبائح من تاب { رحيم * } أي بليغ الإكرام , ~~ذلك وصف له ثابت , يجلله كل من يستأهله . | ولما ذكر ms2050 القسم الصالح منهم ~~وكانوا متفاوتين فمنهم السابق وأكثرهم التابع اللاحق , أتبعه السابقين على ~~وجه شامل حاصر لصنفي البادي والحاضر إشارة إلى أنه - وإن أجره - أصله فقد ~~قدمه وصفه بحيث ساوى أهل الكمال في مطلق الانخراط في ملكهم والفوز بدرجتهم ~~لإحسانه في اتباعه ترغيبا لأهل القدرة والرحمة في اتباع أهل الرضوان ~~والنعمة فقال : { والسابقون } ولما دل على سبقهم بالعلو في مراتبه دل على ~~قديم دخولهم فيه فقال : { الأولون } أي إلى هذا الدين القيم { من المهاجرين ~~} أي الدار الكفر فضلا عن أهلها { والأنصار } أي الذين آووا نصروا { والذين ~~اتبعوهم } أي الفريقين { بإحسان } أي في اتباعهم فلم يحولوا عن شيء من ~~طريقهم { رضي الله } اي الذي له لاكمال كله { عنهم } اي بافعالهم هذه التي ~~هي وفق ما أمر به { ورضوا عنه } اي بما أتاهم عنه من البشرى وقذف في قلوبهم ~~من النور بلطيف الوعظ والذكرى { وأعد لهم } اي جزاء على فعلهم { جنات تجري ~~} ونبه على عموم ريها وكثرة مائها بنزع الجار على قراءة الجماعة فقال : { ~~تحتها الأنهار } أي هي كثيرة المياه . | فكل موضع أردته نبع منه ماء فجرى ~~منه نهر ؛ ولما كان المقصود من الماء إنما هو السهولة في إنباطه بقربه ويسر ~~جريه وانبساطه أثبته ابن كثير دلالة على ذلك كسائر المواضع , ولعل تخصيص ~~هذا PageV03P379 الموضع بالخلاف لنه يخص هذه الأمة , فلعلها تخص بجنة هي ~~أعظم الجنان ريا وحسنا وزيا . | ولما كان أعظم العيوب الانقطاع , نفاه ~~بقوله : { خالدين فيها } وأكد المراد من الخلود بقوله : { أبدا } ثم استأنف ~~مدح هذا الذي أعده لهم بقوله : { ذلك } أي الأمر العالي المكانة خاصة { ~~الفوز العظيم * } | < < # | التوبة : ( 101 - 104 ) وممن حولكم من . . . . . # > > ^ ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق ~~لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم * وآخرون ~~اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن ~~الله غفور رحيم * خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن ~~صلواتك سكن لهم والله سميع عليم * ألم ms2051 يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن ~~عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم ) ^ } ) | ولما استوفى ~~الأقسام الأربعة : فسمى الحضر وقسمي البدو ثم خلط بين قسمين منهم تشريفا ~~للسابق وترغيباللاحق , خلط بين الجميع على وجه آخر ثم ذكر منهم فرقا منهم ~~من نجز الحكم بجزائه بإصرار أو متاب . | ومنهم من أخر أمره إلى يوم الحساب ~~عالم بالخفايا وابتدأ الأقسام بالمستور عن غير علمه ليعلم أهل ذلك القسم ~~أنه سبحانه عالم بالخفايا فلا يزالوا أذلاء خوفا مما هددهم به فقال مصرحا ~~بما لم يتقدم التصريح به من نفاقهم : { وممن حولكم } أي حول بلدكم المدينة ~~{ من الأعراب } أي الذين قدمنا أنهم أشد كفرا لما لهم من الجفاء { منافقون ~~} أي راسخون في النفاق , وكأنه قدمهم لجلافتهم وعتوهم , وأتبعهم من هو أصنع ~~منهم في النفاق فقال : { من أهل المدينة } أي منافقون أيضاح ثم بين أنهم لا ~~يتوبون بوصفهم بقوله : { مردوا } أي صلبوا وداموا وعتوا وعسوا وعصوا وصار ~~لهم به دربة عظيمة وضراوة حتى ذلت لهم فيه جميع أعضائهم الظاهرة والباطنة ~~وصار لهم خلقا { على النفاق } أي استعلوا على هذا الوصف بحيث لك من عظيم ~~الفطنة وصدق الفراسة لفرط توقيهم وتحامي ما يشكل من أمره ؛ ثم PageV03P380 ~~هددهم وبين خسارتهم بقوله : { نحن } أي خاصة { نعلمهم } ثم استأنف جزاءهم ~~بقوله : { سنعذبهم } أي بوعد لا خلف فيه { مرتين } أي إحداهما برجوعك سالما ~~وشفوف أمرك وعلو شأنه وضخامة أركانه وعز سلطانه وظهور برهانه , فإنهم قطعوا ~~لغباوتهم وجلافتهم وقسلوتهم كما أشرت إليه بقولي { ويتربص بكم الدوائر } - ~~انك لا ترجع هذه المرة من هذه السفرة لما يعرفونه من ثباتك للأقران , ~~وإقدامك على الليوث الشجعان , واقتحامك للأهوال , إذا ضاق المجال , ونكص ~~الضراغمة الأبطال , ومن عظمة الروم وقوتهم وتمكنهم وكثرتهم , وغاب عن ~~الأغبياء وخفى عن الأشقياء الأغنياء أن الله الذي خلقهم أعظم منهم وأكبر , ~~وجنوده أقوى من جنودهم وأكثر ؛ والثانية بعد وفاتك بقهر أهل لردة ومحقهم ~~ورجوع ما أصلته بخليفتك الصديق رضي الله عنه إلى ما كان عليه في أيامك من ~~الظهور ms2052 وانتشار الضياء والنور والحكم على خالفه بالويل والثبور , وسيأتي ~~أنه يمكن أن تكون المرة الثانية إخراب مسجد الضرار والإخبار بما أضمروا في ~~شأنه من خفي الأسرار { ثم يردون } أي بعد الموت { إلى عذاب عظيم * } أي لا ~~يعلم عظمة حق علمه إلا الله تعالى , وهو العذاب الأكبر الدائم الذي لا ينفك ~~أصلا . | ولما ذكر هذا القسم المارد الجافي , ثنى بمقابلة اللين الصافي , ~~وهي الفرقة التي نجز المتاب عليها والنظر بعين الرحمة إليها فقال : { ~~وآخرون } أي ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة آخرون { اعترفوا بذنوبهم ~~} أي كلفوا أنفسهم ذكرها توبة منهم ندما وإقلاعا وعزما ولم يفزعوا إلى ~~المعاذير الكاذبة وهو المتقصدون . | ولما كان الخلط جمعا في امتزاج , كان ~~بمجرد ذكره يفهم أن المخلوط امتزاج بغيره , فالإتيان بالواو في { آخر } ~~يفهم أن المعنى : { خلطوا عملا صالحا } بسيئ { وآخر سيئا } بصالح , فهو من ~~ألطف شاهد لنوع الاحتباك , ولعل التعبير بما أفهم ذلك إشارة إلى تساوي ~~العلمين وأنه ليس أحدهما بأولى أحدهما بأولى من الآخر أن يكون أصلا , وقد ~~فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في أناس رآهم في المنام شطر منهم حسن ~~وشطر منهم قبيح PageV03P381 كما رواه البخاري في التفسير عن سمرة رضي الله ~~عنه ثم أوجب تحقيق توبتهم الملزومة للاعتراف بقبولها بقوله : { عسى الله } ~~أي بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال { إن يتوب عليهم } فإن { عسى } منه ~~سبحانه وتعالى واجبه لأن هذا دأب الملوك ولعل التعبير بها يفيد - مع ~~الإيذان بأنه لا يجب عليه لأحد شيء وأن كل إحسان يفعله فإنما هو على سبيل ~~الفضل إشارة إلى أنهم صاروا كغيرهم من خلص المؤمنين غير المعصومين في ~~مواقعه التقصير وتوقع الرحمة من الله بالرجوع بهم إلى المراقبة , فكما ان ~~أولئك معدودون في حزب الله مع هذا التقصير المرجو له العفو فكذلك هؤلاء ؛ ~~ثم علل فعله بهم مرجيا للمزيد بقولع : { إن الله } أي ذا الجلال والإكرام { ~~غفور رحيم * } أي لم يزل موصوفا بقبول المعرض إذا أقبل وإبدال سئية بحسن ~~فضلا منه وإكراما ؛ روى ms2053 البخاري في صحيحه في التفسير عن سمرة بن جندب رضي ~~الله عنه قال : قال رسو الله صلى الله عليه وسلم لنا : ( أتاني الللية ~~آتيان فاتبعثاني فانتهيا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة فتلقانا رجال ~~شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راء وشطر كأقبح ما أنت راء , قالا لهم : اذهبوا ~~فقعوا في ذلك النهر , فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء عنهم ~~فصاروا في أحسن صورة , قالا لي : هذه جنة عدن , وهذاك منزلك , قالا : أما ~~القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح فإنهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا عفا الله عنهم ) ولما كان من شأن الرضوان قبول القربان , أمره ~~صلى الله عليه وسلم تطهيرا لهم وتطيبا لقلوبهم بقوله : { خذ } ورحمهم ~~بالتبعيض فقال : { من أموالهم صدقة } أي تطيب أنفسهم بإخراجها { تطهرهم } ~~أي هي من ذنوبهم وتجري بهم مجرى الكفارة { وتزكيهم } أي أنت تزيدهم وتنميهم ~~{ بها } بتكثير حسناتهم { وصل } اي اعطف { عليهم } وأظهر فتكون موصلة لهم ~~إلى الله { سكن لهم } أي تطمئن بها قلوبهم بعد قلق الخوف من عاقبة الذنب ~~لما يعملون من أن القبول لا يكون إلا ممن حصل له الرضى عنهم ومن أن الله ~~سمع قولك إجابة لك ويعلم صدقك في صلاحهم { والله } أي المحيط بكل شيء { ~~سميع عليم * } اي لكل ما يمكن ان يسمع وما يمكنأن يعلم منك ومنهم ومن غيركم ~~, فهو جدير بالإجابة والإثابة , وذلك ان هذا الصنف لما اشتد ندمهم على ~~التخلف اوثقوا أنفسهم بسواري المسجد فسأل عنهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حين قدم فقيل : PageV03P382 ندموا هلى التخلف عنك فحلفوا : لا يطلقهم ~~إلا أنت , فقال : وأنا أطلقهم حتى أومر بذلك , فأنزل الله سبحانه وتعالى ~~هذه الآيات فقالوا : يارسول الله ! هذه أموالنا التي خلفتنا عنك فتصدق بها ~~! فقال : ما أمرت بذلك , فلما أنزل الله هذه الآية أخذ الثلث فتصدق به . | ~~ولما ساق توبتهم سبحانه في حيز { عسى } , وكان الأصل فيها الترجمة في ~~المحبوب والإشفلق في المكروه , وأمر سبحانه بالأخذ من أموالهم لذلك ms2054 , وكان ~~إخراج المال شديدا على النفوس لا سيما في ذلك الزمان , كان ربما استوقف ~~الشيطان من لم يرسخ قدمه في الإيمان عن التوبة وما يترتب عليها من الصدقة ~~لعدم الجزم بأنها تقبل , فأتبع ذلك سبحانه بقوله : { ألم تعلموا } أي ~~المعترفون بالذنوب حتى تسمح أنفسهم بالصدقة أو غيرهم حتى يرغبوا في التوبة ~~والصدقة { أن الله } أي الذي له الكمال كله { هو } أي وحده { ويأخذ } أي ~~يقبل { التوبة } تجاوزا { عن عبادة } اي التائبين المخلصين { ويأخذ } أي ~~يقبل قبول الآخذ لنفسه { الصدقات } أي ممن يتقرب بها إليه بنية خالصة { وأن ~~الله } أي المحيط بصفتي الجلال والإكرام { هو } أي وحده { التواب الرحيم * ~~} اي لم يزل التجاوز والإكرام من شأنه وصفته , وفي ذلك إنكار على غيرهم من ~~المختلفين في كونهم لم يفعلوا مثل فعلهم من الندم الحامل على أن يعذبوا ~~أنفسهم بالإيثاق في السواري ويقربوا بعض أموالهم كما فعل هؤلاء أو نحو ذلك ~~مما يدل على الاعتراف والندم . | < < # | التوبة : ( 105 - 108 ) وقل اعملوا فسيرى . . . . . # > > ^ ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون * وآخرون مرجون لأمر الله إما ~~يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم * والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا ~~وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن ~~أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون * لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على ~~التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب ~~المطهرين ) ^ } ) | ولما أمره من تطهيرهم بما يعيدهم إلى ما كانوا عليه قبل ~~الذنب , عطفعلى قوله { خذ } قوله تحذيرا لهم من مثل ما وقعوا فيه : { وقل ~~اعلموا } اي بعد طهارتكم { فسيرى الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { ~~عملكم } أي بما له من إحاطة العلم PageV03P383 والقدرة فاعلموا عمل من يعلم ~~انه بعين الله { ورسوله } أي بإعلام الله له . ولما كان هذا القسم من ~~المؤمنين فكانت اعمالهم لاخفاء فيها , قال { المؤمنون } فزينوا أعمالكم ~~جهدكم وأخلصوا , وفي الأحاديث ( لو أن جلا ms2055 عمل في صخرة لا باب لها لأظهر ~~الله علمه للناس كائنا ما كان ) . | ولما كان هذا السياق للمؤمنين حذف منه ~~( ثم ) لكنه لما كان للمذنبين , أكد بالسين فقال : { وستردون } اي بوعد لا ~~خلف فيه { إلى عالم الغيب والشهادة } أي بعد الموت والبعث { فينبئكم } أي ~~بعلمه بكل شيء { بما كنتم تعلمون * } أي ما أظهرتم عمله وما كان في غرائزكم ~~, فلو تأخرتم تظهرتم , يجاريكم على حسنة ويزيد من فضله , وعلى سيئة عدلا غن ~~شاء ولا يظلم مثقال ذرة . | ولما ذكر القسمين المنجز عذابهم ومثابهم , ذكر ~~المؤخر امرهم وهو القسم الظالم لنفسه في الذي بدأ به في سورة الحشر الآخر , ~~ولا يبعد أن تكون هذه سورة الحشر الأول لأنه صلى الله عليه وسلم ساق الناس ~~إلى أرض المحشر فقال : { وآخرون } أي ومنهم ىخرون { مرجون } أي مؤخرون بين ~~الرجاء والخوف { لأمر الله } أي لما يأمر به فيهم الملك الأعظم الذي له ~~الأمر كله لا يدرون أيعذبهم أو يرحمون ؛ وقدم قوله - : { وإما يتوب عليهم } ~~اي تابوا ترجية لهم وترقيقا لقلوبهم بالتذكير بمنزل الأنس الذي أخرجوا ~~أنفسهم منه ومنعوها من حلوله وطيب مستقره ومقيله وحلي أوقاته وعلي مقاماته ~~وشهي أقواته . | ولما كان ربما قال قائل : ما فائدة التأخير وما المانع من ~~التنجير ؟ قال : { والله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { عليم حكيم * } ~~ترهيبا وترغيبا وتبعيدا وتقريبا واحتراسا مما قد يوهمه الترديد من الشك ~~وتدريبا , وقراءة غفور رحيم للزيادة في الترجمة . | ولما ذكر الذين أقامهم ~~في مقام الخطر أتبعه تعيين طائفة من القسم الأول المستور PageV03P384 ~~الموصوف بالمرود , فألحق الضرر فقال : { والذين } وهو معطوف في قراءة من ~~أثبت الواو على قوله { وآخرون } وخبره على ما يليق بالقصة : منافقون ماردون ~~, وأما على قراءة المدنيين وابن عامر بحذفها فيكون على تقدير سؤال سائل , ~~وذلك أنه لما قال تعالى { لا تعلمهم نحن نعلمهم } تشوفت النفس إلى الإعلام ~~بهم , فلما قال { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } اشتغل السامع بتفهمه , ورما ظن ~~أنه يأتي في آخر الكلام من تسميتهم ما يغنيه عن السؤال , فلما إنتقل ms2056 بقوله ~~{ وىخرون مرجون } إلى قسم آخر , وختم الآية بصفتي العلم والحكمة ليعلم ان ~~التردد للتقسيم وأنه كان شك فهو بالنسبة إلى العباد وأما الله نعالى فمنزه ~~عنه فذكر السامع بالصفتين ما كان دار في خلده ومال إليه قلبه من الإعلام ~~بالماردين على النفاق , فاشتد تشوفه غليه فكان كأنه قال : من من الماردين ~~منهم ؟ فقال تعالى الذين { اتخذوا مسجدا } أي من الماردين وهم من اعظمهم ~~مهارة في النفاق وإخفاء الكيد والشقاق لأنهم توصلوا إلى ذلك بأن كلفوا ~~أنفسهم الأخذ لأعظم عرى الدين مع المنازعة للفطرة الأولى والحذر من أن ~~يفضحوا , فكان ختام هذه الآية من بديع الختام فإن احتراس عما يتوهم فيما ~~قلبه ودليل على ما بعده , ولذلك ختم قصتهم أيضا بصفتي العلم والحكمة , ولاح ~~من هذا أن قوله { سنعذبهم مرتين } يمكن أن يراد به : مرة برجوعك , ومرة ~~بإخرابك مسجدهم وتفريقك لشملهم بعد هتك سرائرهم بكشف ضمائرهم , وبين سبحانه ~~علة اتخاذهم بقوله : { ضرارا } أي لأهل مسجد قباء أو لحزب الله عامة { ~~وكفرا } أي بالله لاتخاذ دينه هزؤا { وتفريقا } اي ماما يبيتونه من المكايد ~~باستجلابهم لبعض من يخدعونه من المؤمنين ويطعمون فيه ليأتي مسجدهم ويترك ~~المسجد المؤسس على التقوى { بين المؤمنين } اي الراسخين في الإيمان بما جاء ~~من عند الله , لأنهم كانوا يجتمعون في مسجد قباء فيغتص بهم { وإرصادا } أي ~~إعدادا وانتظارا { لمن حاب الله } اي الملك الأعظم { ورسوله } ولما لم تكن ~~محاربتهم مستغرقة للزمن الماضي , أدخل الجار فقال : { من قبل } أي قبل ~~اتخاذهم لهذا المسجد بزمن قريب وهو أبو عامر الفاسق ليأتي إليهم فيزيدهم ~~قوة على نفاقهم بأن يصير كهفا يأوون إليه ورأسا لهم كان من خيار الصحابة , ~~وكان أبو عامر قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح , فلما قدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم المدينة قال له : ما هذا الدين الذي جئت به ؟ قال : ( الحنيفية ~~دين إبراهيم ) , قال : أبو عامر : أنا عليها , قال صلى الله عليه وسلم : ( ~~لست عليها ) , قال : بلى ولكنك ادخلت فيها ماليس منها , قال : ما فعلت , ~~ولكني جئت ms2057 بها بيضاء نقية , قال أبو عامر : أمات الله الكاذب من طريدا ~~شريدا وحيدا غريبا ! فقال صلى الله عليه وسلم : ( آمين ! ) وسماه ~~PageV03P385 الفاسق , ثم تحيز إلى قريش وقاتل النبي صلى الله عليه وسلم ~~معهم يوم أحد وقال : لا أجد قوما يقاتلونك إلا قاتلتك معهم , فلما قاتل يوم ~~حنين مع هوازن وانهزموا أيس وهرب إلى الشام , وأرسل إلى المنافقين أن ~~استعدوا فإني ذاهب إلى قيصر فآت بجنود ومخرج محمدا ! وكانوا قد حسدوا ~~إخوانهم بني عمرو بن عوف على مسجد قباء لما بنوه , وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يأتيه ويصلي فيه , فنبوامسجد الضرار وأرسلوا إليه صلى الله عليه ~~وسلم لياتيهم فيصلي فيه , وكان يتجهز لنتبوك فقال : ( انا على جناح سفر ~~وحال شغل , وغذا قدمنا صلينا فيه ان شاء الله ! ) فلما قدم فكان قريبا من ~~المدينة نزلت الآية , فدعا مالك بن الدخشم وجماعة وقال لهم : ( انطلقوا إلى ~~هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ) ففعلوا , وأمر صلى الله عليه ~~وسلم ان يتخذ مكانه كناسه يلقي فيها الجيف والقمامه ؛ ومات أبو عامر بالشام ~~وحيدا غريبا طريدا وقيل : كل مسجد بني مباهاة أو الغرض ليس به إخلاص أو ~~بمال مشتبه فهو لاحق بمسجد الضرار . | ولما أخبر عن سرائرهم , اخبر عن ~~نفاقهم في ظواهرهم بقوله : { وليحلفن } أي جهد إيمانهم { إن } أي ما { ~~اردنا } اي باتخاذ { إلا الحسنى } أي من الخصال ؛ ثم كذبهم بقوله : { والله ~~} أي الذي له الإحاطة الكاملة { يشهد } أي يخبر إخبار الشاهد { إنهم ~~لكاذبون * } وقد بان بهذا كله ان سبب فضيحتهم ما تضمنه فعلهم من عظيم الضرر ~~للغسلام وأهله ؛ ثم قال ناهيا عن غجابتهم إلى ما ارادوا به من التلبيس ~~إنتاجاعن هذا الكلام الذي أمضى من السهام : { لا تقم فيه } أي مسجد الضرار ~~{ أبدا } أي سواء تابوا أو لا , وأراد بعض المخلصين ان يأخذه أولا , اي لا ~~بد من إخرابه ومحو أثره عن وجه الأرض . | ولما ذمه وذم أهله , مدح مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم , إما الذي بالمدينة الشريفة وغما الذي ببني عمرو ~~بن ms2058 عوف بقباء على الخلاف في ذلك . وهو الذي اتخذ في أول الإسلام مسجدا ~~إحسانا وإيمانا وجمعا بين الؤمنين وغعدادا لمن صادق الله ورسوله , ومدح ~~أهله غرشاج لكل من كلن مال إليه من المؤمنين لقرب أو غيره إلى العوض عنه , ~~ولعله أبهم تعيينه وذكر وصفه ليكون صالحا لكل من المسجدين . | لما اتصف ~~بهذا الوصف من غيرهما فقال مؤكدا تعريفا بما له من الحق ولما للمنافقين من ~~التكذيب : { لمسجد أسس } أي وقع تاسيسه { على التقوى } أي فأحاطت التقوى به ~~لأنها إذا أحاطت بأوله أحاطت بآخره ؛ ولما كان التأسيس قد تطول مدة ايامه ~~PageV03P386 فيكون أوله مخالفا لآخره , قال : { من أول يوم } أي من أيام ~~تأسيسه , وفيه إشارة إلى ما تقدم من احتمال أن يريد أحد من اهل الإخلاص أن ~~يتخذه مصلى , فبين انه لايصلح لذلك لأن تأسيسه كان لما هو مباعد له { احق ~~أن تقوم فيه } أي بالصلاة والوعظ وغيره من مسجد لم يقصد به التقوى على ~~التقدير فرض محال إلا في ثاني الحال . | ولما مدحه مدح أهله بقوله : { فيه ~~رجال } أي لهم كمال الرجولية { يجبون أن يتطهروا } أي في أبدانهم وقلوبهم ~~كمال الطهارة - بما اشار إليه الإظهار , فهم دائما في جهاد أنفسهم في ذلك ~~فأحبهم الله { والله } أي الذي له صفات الكمال { يحب } أي يفعل ما يفعل ~~المحب من الإكرام بالفضل والإحسان , ولإثبات ما أفهم الاجتهاد حصل الغنى عن ~~إظهار تاء التفعيل أو للندب إلى الطهارة ولو على ادنى الوجوه المجزئة فقال ~~: { المطهرين * } أي قاطبة منهم ومن غيرهم . | < < # | التوبة : ( 109 - 111 ) أفمن أسس بنيانه . . . . . # > > ^ ( أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه ~~على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين * لا ~~يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم ~~* إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في ~~سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن ~~أوفى بعهده ms2059 من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ~~) ^ } ) | ولما علم من هذا بطريق افشارة والتلويح أن التأسيس مثل ابتداء ~~خلق الحيوان , فمن جبل من اول مرة جبلة شر لا يصلح للخير ابدا ولا يقبله ~~كما قال تعالى ^ ( { ولو اسمعهم لتولوا وهم معرضون } ) ^ [ الأنفال : 23 ] ~~ذكره على سبيل التصريح فسبب عما مضى قوله ممثلا الباطل ببناء على حرف واد ~~واه جدا على شفير جهنم : { افمن اسس بنيانه } أي كما اشرت إليه في المسجد ~~المحثوث بالإقبال عليه { على تقوى من الله } اي الملك الأعلى { ورضوان } ~~فكان كمن بنى بنيانه على جبل لا تهدمه الأمطار ولا تؤثر فيه السيول { خير ~~من أسس بنيانه } على فسق وفجور وعدم اكتراث بالأمور فكان كمن بنى بنيانه { ~~على شفا } أي حرف , ومنه الشفه { جرف } أي مكان جفرة السيل وجرفه فصار ~~مشرفا على السقوط , ولذلك قال : { هار } أي هائر , من هار الجرف - إذا أشرف ~~لتخريق السيول على السقوط { فانهار } أي فكان بناؤه لذلك سببا لأنه سقط ~~سقوطا لا تماسك معه { به } اي وهو فيه آمنا من سقوطه بقلة عقله وسفاهة رايه ~~{ في نار جهنم } فالجواب : لا شك الأول خير بل , لا خير في الثاني اصلا , ~~والعجب كل العجب من PageV03P387 كونه بنى هذا البناء هكذا , فأجيب بانه لا ~~عجب لأن الأمر بيد الله , لا مفر من قضائه , وهو قد هدى الأول غلى ما فيه ~~صلاحه , ولم يهد الثاني لما علم فيه من عدم قابلية الخير { والله } الذي له ~~صفات الكمال { لا يهدي القوم } أي الذين لهم قوة المحاولة لما يريدون { ~~الظالمين * } أي المطبوعين على ظلام البصائر , فهم لا يكفرون في شيء إ لا ~~جاء في غير موضعه وعلى غير نظام كخطوات الماشي في الظلام , وقد علم ان ~~الاية من ثانيا , واثبت ثانيا ضعف البناء حسا لن مسجد الضرار أولى به , فدل ~~على حذف ضده أولا , فذكر النهاية المعقولة لأهلها والبداية المحسوسة ~~للناظرين لها ؛ وروي عن جابر رضي الله عنه قال : رأيت الدخان من مسجد ~~الضرار ؛ وحكي ms2060 عن خلف بن يسار انه راى فيه حجرا يخرج منه الدخان في اول ~~دولة بني العباس . | ولما كان ما تقدم غير قاطع في إخرابه لما ثبت للمساجد ~~من الحرمة , استأنف الإخبار عن أنه لا يعد في عداد المساجد بوجه , وإنما هو ~~في عداد بيوت الأنام فهو واجب الإعدام فقال : { لا يزال بنيانهم } نفس ~~المبنى وهو المسجد { الذي بنوا ريبة } أي شكا ونفاقا { في قلوبهم } كما ~~بيوت الصنام كذلك لأهلها , فكان ذلك حثا على إخرابه ومحوه وقطع اثره . | ~~والمعنى انه جامع لهم على الريبة في كل زمان يمكن أن يكون { إلا أن } ولما ~~كان القطع محصلا للمقصود من غير نظر إلى قاطع معين , قال بانيا للمفعول : { ~~تقطع قلوبهم } أي إلا يوجد فيه القطع البليغ الكثير لقلوبهم وعزائمهم ~~ويباعد بينهم ويفرق شملهم بإخراجه , وقراءة يعقوب ب ( إلى ) الجارة واضحة ~~في المراد , أو يكون المراد أنه لايزال حاملا لهم على التصميم على النفاق ~~إلى أن يموتوا , فهو كناية عن عدم توبتهم . | ولما كان التقدير : فالله ~~عليم بما اخبركم به فلا تشكوا فيه , عطف عليه تعميما للحكم وتعظيما للأمر ~~قولهك { والله } اي الذي له الإحاطة بكل شيء { عليم } أي بالغ العلم بكل ~~معلوم { حكيم * } فهو يتقن ما يأمر به . | ولما تقدم افنكار على المتثاقلين ~~عن النفر في سبيل الله في قوله تعالى < # > 77 ( { ما لكم إذا قيل لكم انفروا } ) 77 < # > [ التوبة : 38 ] ثم الجزم بالأمر بالجهاد بالنفس والمال في قوله < # > 77 ( { انفروا خفافا وثقالا } ) 77 < # > [ لبتوبة : 41 ] وكان امره تعالى كافيا للمؤمن الذي صدق إيمانه بافسلام ~~في امتثاله لذلك في منشطه ومكرهه , وكان كثير منهم قد فعلوا بتثاقلهم ما ~~يقدح في غيمانهم طعما في ستره بمعاذيرهم وإيمانهم , اقتضى المقام تبكيت ~~المتثاقلين وتأنيب المنافقين على وجه مهتك لأستارهم مكشف لأسرارهم , فلما ~~استوفى تعالى في PageV03P388 ذلك اقسامهم , ونكس الويتهم وأعلامهم وختمهم ~~بهذه الطائفة التي ظهر فيها امتثاله صلى اله عليه وسلم لقوله تعالى { جاهد ~~الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } بأن هد مسجدهم وحرقة بالنار وأزال بنيانه ~~وفرقة ms2061 , وقد اديمه عن جديد الأرض ومزقه , اتبع ذلك سبحانه بتذكير المؤمنين ~~ما أمرهم به في قوله تعالى { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر } وقوله { انفروا خفافا وثقالا } ليفعلوا فيه ما فعله رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيما امره به , فساق مساق الجواب لسؤال من كأنه قال : لقد ~~طال المدى وعظم الخطب في هذه السورة في إبانة الفضائح وهتك السرائر وإظهار ~~القبائح , فلم فعل ذلك وقد جرت عادته بالأمر بالستر واخذ العفو ؟ قوله : { ~~إن الله } اي الملك الذي لا ملك في الحقية غيره ولا يخشي إلا عذابه ولا ~~يرجى إلا خيره { اشترى } أي بعهود اكيدة ومواثيق اكيدة ومواثيق غليظة شديدة ~~, ولذلك عبر بما يدل على اللجاج فيها فقال : { من المؤمنين } أي بالله وما ~~جاء من عنده , وقدم النفس إشارة إلى المبايعة سابقة على امتساب المال فقال ~~مقدما للأعز : { أنفسهم } أي التي تفرد بخلقها { وأموالهم } أي التي تفرد ~~برزقها وهويملكها دونهم . | ولما ذكر المبيع اتبعه الثمن فقال : { بأن لهم ~~الجنة } أي خاصة بهم مقصورة عليهم , لا يكون لغير مؤمن , فيميزهم حتى يقابل ~~كل ما يستحقه , فكأنه قيل : اشترى منهم ذلك بماذا ؟ فقيل : { يقلتلون في ~~سبيل الله } اي الملك الأعلى بسبب دينه الذي لا يرضي غيره , قتالا يكون ~~الدين محيطا به وظرفا , فلا يكون فيه شائبا لغيره ؛ ثم سبب عن ذلك ما هو ~~حقيق به , فقال : { فيقتلون و يقتلون } أي الملك الأعلى من يكون ذلك بالقوة ~~أو بالفعل , فيخصمهم بالحنة كما وعدهم , وقراءة حمزة ةاكسائي بتقديم المبني ~~للمفعول أمدح , لأن من طلب الموت - لا يقف له خصمه فيكون المعنى : فطلبوا ~~ان يكونوا مقتولين فقتلوا اقرانهم , ويجوز أن يكون النظر إلى المجموع فيكون ~~المعنى انهم يقاتلون بعد رؤية مصارع اصحابهم من غير ان يوهنهم ذلك , وعن ~~بعض الأعراب انهلما سمع هذه الاية قال : بيع والله مربح ! لا نقيل ولا ~~نستقيل , فخرج إلى الغزو فاستشهد . | ولما كان القتل لكونه سببا للجنة ~~بشارة ووعدا , أكد ذلك بقوله : { وعدا } وزاده بحرف افيجاب فقال : { عليه ms2062 } ~~واتم التأكيد بقوله : { حقا } ولما أكد هذه المبايعة الكريمة هذه التأكيدات ~~العظيمة , زاد ذلك بذكره في جميع الكتب القديمة فقال : { في التوراة } كتاب ~~موسى عليه السلام { والإنجيل } كتاب عيسى عليه السلام { والقرآن } اي ~~الكتاب الجامع لكل ما قبله ولكل خير , وهؤلاء المذكورون في ذه السورة كلهم ~~ممن ادعى الإيمان وارتدى به حلل الأمان , ثم إنهم فعلوا بتخلفهم عن الإقباض ~~وتوقفهم عن الإسراع والإيقاض وغير ذلك من اقوالهم ومساوئ أفعالهم فعل ~~الكاذب في دعواه أو PageV03P389 الشاك أعم من أن يكون شك في وعد الله ~~بإيراثهم إياها بتخصيصهم بها , وجوز أن يدخلها غيرهم وطمع ان يكون هو ممن ~~يدخلها مع التكذيب , والله تعالى منزه عن جميع ذلك وهو وفي بعهده { ومن } ~~أي وعد بذلك والحال أنه أوفى المعاهدين فهو مقول فيه على طريق الاستفهام ~~افنكاري : من { اوفى بعهده من الله } أي الذي له جميع صفات الككمال لأن ~~الإخلاف لا يقدم عليه الكرام من الناس فكيف بخالقهم الذي له الغنى المطلق . ~~| ولما كان ذلك سببا للتبشير , لأنه لا ترغيب في الجهاد أحسن منه , قال ~~مهنئا لهم : { فاستبشروا } أي فأوجدوا في نفوسكم غايةالبشر يا معشر ~~المجاهدين ولما ذكره في ابتداء العقد يدل على التأكيد , ذكره في آخر بلفظ ~~يدل على السعة إشارة إلى سعة الجزاء فقال : { ببيعكم الذي بايعتم } أي ~~اوقعتم لله { به } فإنه موفيكم لا محالة فذلك حو الأجر الكريم { وذلك } أي ~~إيراثكم الجنة وتخصيصكم بها { هو } أي خاصة لا غيره { الفوز العظيم * } ~~فالحاصل أن هذه الاية واقعة موقع واقعة موقع التعليل للأمر بالنفر بالنفس ~~والمال . | < < # | التوبة : ( 112 - 114 ) التائبون العابدون الحامدون . . . . . # > > ^ ( التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون ~~بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين * ما كان ~~للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما ~~تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم * وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ) ^ } ~~) | ولما ثبتت المعاقدة ms2063 وأحكامها , وصف المعاقدين على طريق المدح للحث على ~~اوصافهم فقال : { التآئبون } مبتدئا أوصافهم بالتوبة التي هي أساس العمل ~~الصالح , ثم ابتدأ المؤسس بمطلق العبادة الشاملة لجميع انواع الدين من ~~العلم وغيره فقال : { العابدون } أي الذين أقبلوا على العبادة فأخلصوها لله ~~؛ ولما كان التزام الدين لا يعرف إلا بالإقرار باللسان , أتبع ذلك الحمد ~~الذي تدور مادته على بلوغ الغاية الذي من جملته الثناء اللساني بالجميل ~~الشامل للتوحيد وغيره فقال : { الحامدون } ي المثنون عليه سبحانه ثناء ~~عظيما , تطابقت عليه السنتهم وقلوبهم فتبعته آثاره ؛ ولما كان الإقرار ~~باللسان لا يقبل إلا عند مطابقة القلب , نلاه بالسياحة التي تدور بكل ترتيب ~~على الاتساع الذي منه إصلاح القلب ليتسع للتجرد عن ضيق المألوفات إلى فضاء ~~الخضرات الإلهيات PageV03P390 فقال : { السائحون } ولما كانت الصلاة نتيجة ~~ذلك لكونها لعمل القلب واللسان وغيرهما من الأركان , وهي أعظم موصل إلى ~~بساط الأنس في حضرات القدس وأعلى مجرد عن الوقوف مع المألوف . | وكان أول ~~مراتب التواضع للعادة إلا الركوع والسجود , أشار وغايتها السجود , وكان ~~جميع أشكال الصلاة مووافقا للعادة إلا ركوع فيها , وأتمها { الراكعون } ~~فبين أن تمام هذه البشرى لهذه الأمة ان صلاة غيرهم لا ركوع فيها , وأتمها ~~بقوله : { الساجدون } ولما كان الناصح لنفسه بتهذيب لسانه وقبه وجميع ~~جوارحه لا يقبل إلا إذا بذل الجهد في نصيحه غيره كما صرح به مثال السفر في ~~السفينة ليحصل المقصود من الدين وهو جمع الكل على الله المقتضي للتعاضد ~~والنتناصر الموجب لدوام العبادة والنصرة وبذلك يتحقق التجرد عن كل مألوف ~~مجانس وغير مجانس , أتبع ذلك قوله : { الآمرون بالمعروف } أي السنة . | ~~ولما كان الدين متينا فلن يشاده أحد إلا غلبة , كان المراد من المأمورات ~~مسماها دون تمامها ومنتهاها ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) ~~والمراد من المنبهات تركها كلها , ومن الحدود الوقوف عندها من غير مجاوز ( ~~وإذا نيتكم عن شيء فاجتنبوه ) رواه البخاري في الاعتصام من صحيحه ومسلم ~~ايضا عن أبي هريرة رضي الله عنه , وكانت العرب - كما تقدم في البقرة عند ~~قوله تعالى ms2064 < # > 77 ( { الصلاة الوسطى } ) 77 < # > [ البقرة : 238 ] وفي آل عمران عند قوله < # > 77 ( { الصابرين والصادقين } ) 77 < # > [ آل عمران : 17 ] عن الأستاذ أبي الحسن الحرالي - إذا أتبعت بعض ~~الصفات بعضا من غير عطف علم أنها غير تامة , فإذا عطفتها أردت التمكن فيها ~~والعراقة والتمام , فأعلم سبحانه ان المراد فيما تقدم من الأوصاف الإتيان ~~بما أمكن منها , فأتى بها اتباعا دون عطف لذلك , وأشار إلى ان الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر والوقوف عند الحدود لا يقنع منه إلا بالتمام لأن ~~المقصر في شيء من ذلك إما راض بهدم الدين وغما هادم بنفسه , فيجب التجرد ~~التام فيه لأن النهي أصعب أقسام العبادة لأنه متعلق بالغير وهو مثير للغضب ~~موجب للحمية وظهور الخصومة , فربما كان عنه ضرب وقتل , فلذلك عطفها ولم ~~يتبعها فقال : PageV03P391 { والناهون } أي بغاية الجد { عن المنكر } أي ~~البدعة . | ولما كان فاعل الخير لا ينفعه فعله إلا باستمراره عليه إلى ~~الموت أتبعه قوله : { والحافظون } أي بغاية العزم والقوة { لحدود الله } اي ~~الملك العظم التي حدها في هذا الشرع القيم فلم يتجاوزوا شيئا منها , فختم ~~بما به بدأ مع قيد الدوام بالرعي والقوة , والحاصل أن الوصف الأول للتجرد ~~عن ربقة مألوف خاص وهو شرك المعصية بشركه أو غيره , والثاني للتجرد عن قيود ~~العادات إلى قضاء العبادات , والثالث لبلوغ لاغاية في تهذيب الظاهر . | ~~والرابع للتوسع إلى التجرد عن قيود الباطن , والخامس والسادس للجمع بين ~~كمال الباطن والظاهر , والسابع للسير إلى إفاضة ذلك على الغير , والثامن ~~للدوام على تلك الحدود بترك جميع القيود . | فمقصود الآية العروج من الحضيض ~~الجسماني إلى الشرف اروحاني ؛ ثم أمره صلى الله عليه وسلم بتبشير المتخلق ~~بهذه الأوصاف عاطفا لأمره به على محذوفتقدره - والله أعلم : فأنذر من تخلى ~~منها بكل ما يسءه بعد سجنه في دار الشقاوة فإنه كافر وبشرهم , أي هؤلاء ~~الموصوفين , هكذا كان الأصل الإضمار , ولكنه أظهر ختاما بما به بدأ وتعليقا ~~يالوصف وتعميما فقال : { وبشر المؤمنين * } أي المتخلقين بها بكل ما يسرهم ~~بعد تخصيصهم بدار السعادة , وفي الآيتين بالبشارة ms2065 تارة من الخالق وتارة من ~~أكمل الخلائق أعظم مزية للمؤمنين , وفي جعل الأولى من الله أعظم ترغيب في ~~الجهاد واعلى حث على خوض غمرات الجلاد , وفي ابتداء الأيتين بالوصف المعشر ~~بالرسوخ في الإيمان الذي هو الوصف المتمم للعشر وختمهما بمثله إشارة إلى أن ~~هذه مائدة لا يخلس عليها طفيلي , وأن من عدا الراسخين في درجة الإهمال لا ~~كلام معهم ولا التفات بوجه إليهم . | ولما كثرت في هذه السورة الأوامر ~~بالبراءة من أحياء المشركين وجاء الأمر أيضا بالبراءة من أموات المنافقين ~~بالنهي عن الدعاء لهم , جاءت هذه الآية مشيرة إلى البراءة من كل مشرك فوقع ~~التصريح بعدها بما أشارت إليه , وذلك أنه لما ثبت بهذه الآية في تقديم ~~الجار أن المبايعة وقعت على تخصيص الجنة بالمؤمنين وأنه تعالى أوفى من عاهد ~~, ثبت أنه لا يجوز أن يدخل غيرهم الجنة وأن غيرهم أصحاب النار , لأنه قد ~~علم أن الآخرة داران : جنة ونار : ولما ثبت هذا كله علم قطعا علم النتيجة ~~من المقدمات الصحيحة أنه { ما كان } أي في نفس الأمر { للنبي } أي الذي لا ~~ينطق إلا بما عنده فيه بيان من الله { والذين آمنوا } أي أقروا بأنهم صدقوا ~~بدعوته فلا يفعلون إلا ما عندهم منه علم { ان يستغفروا } أي يطلبون المغفرة ~~ويدعوا بها { للمشركين } أي الراسخين في الإشراك في عبادة ربهم { ولو كانوا ~~} اي المشركين { أولي قربى } اي للذين آمنوا { من PageV03P392 بعد ما تبين ~~لهم } أي بموتهم على الشرك وإنزال هذه الآية للختم بالتخصيص بالجنة { أنهم ~~أصحاب الجحيم * } أي لا أهلية لهم لجنة . | فإن الاستغفار معناه محو الذنوب ~~حتى ينجو صاحبها من النار ويدخل الجنة وما ينبغي لهم أن يكون لهم إليهم ~~التفات فإن ذلك ربما جر إلى ملاينة تفتر عن القتال الواقع عليه المبايعة , ~~فما ينبغي إلا محض المقاطعة والمخاشنة والمنازعة . | وتقييد النهي بالتبيين ~~يدل على جواز الدعاء للحي فإن القصد بالاستغفار الإقبال به إلى الإيمان ~~الموجب للغفران . | ولما أنكر أن يكون لهم ذلك . | وكان الخليل عليه السلام ~~المأمور بالاقتداء به ms2066 واللزوم بملته قد استغفر لأبيه , بين أنه كان أيضا ~~قبل العلم بما في نفس الأمر من استحقاقه للتأبيد في النار , فقال دالا بواو ~~العطف على التقدير : فما استغفرلهم بعد العلم أحد من المؤمنين : { وما كان ~~استغفار إبراهيم } أي خليل الله { لأبيه } أي بعد أن خالفه في الدين { ث } ~~إلا عن موعده أي وهي قوله < # > 77 ( { لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء } ) 77 < # > [ الممتحنة : 4 ] وأكد صدور الوعد بقوله : { وعدها إياه } أي الخليل ~~لأبيه قبل أن يعلم أنه أبدى الشقاوة , والذي يدل على أنه كان قبل علمه بذلك ~~قوله : { فلما تبين له } اي بيانا شافيا قاطعا { أنه عدو لله } أي الملك ~~الأعلى أنهمؤبد العداوة له بموته على الكفر أو بالوحي بأنه يموت عليه { ~~تبرأ } اي أكره نفسه على البراءة { منه } ثم علل ما أفهمته صيغة التفعل من ~~الشفقة على العباد ؛ قال الزجاج : والتأوه أن يسمع للصدر صوت من تنفس ~~الصعداء { حليم * } أي شديد التحمل والأغضاء عن المؤذى له , هكذا خلقه في ~~حد ذاته فكيف في حق أبيه ولو قال له < # > 77 ( { لأرجمنك واهجرني } ) 77 < # > [ مريم : 46 ] وأضعاف ذلك ؛ قال الإمام أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن ~~إسماعيل البستي القاضي في تفسيره : حدثنا حرملة الله مسعود رضي الله عنه ( ~~ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يوما وخرجنا معه حتى انتهى إلى ~~المقابر فأمرنا فجلسنا ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها فجلس إليه ~~فناجاه طويلا ثم ثم ارتفع نجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم باكيا فبكينا ~~لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل ~~إلينا فتلقاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : ما الذي أبكاك يا نبي الله ~~فقد فقد ابكانا وأفزعنا , فأخذ بيد عمر رضي الله عنه ثم أقبل إلينا فأتيناه ~~فقال : ) أفزعكم بكائي ؟ ( قلنا : نعم يا رسول الله ! قال : ) إن القبر ~~الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب وإني استأذنتربي في الاستغفار لها ~~فلم ياذن ms2067 لي ونزل علي { ما كان للنبي والذين ىمنوا ان يستغفروا PageV03P393 ~~للمشركين ولو كانوا أولى قربى } حتى ختم الآية { وما كان استغفار إبراهيم ~~لأبية إلا عن موعده وعدها إياه } فأخذني ما يأخذ الولد من الرقة فذلك الذي ~~أبكاني ( وهذا سند حسن , ولمسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه في الجنائز ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر امه ~~فبكى وأبكى من حوله وقال : ) استأذنت ربي في أستغفر لها فلم يأذن لي ~~واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي , فزوروا القبور فإنها تذكر الموت ( . | ~~وللبخاري في التفسير وغيره ابن المسيب عن أبيه رضي الله عنه قال : لما حضرت ~~أبا طالب الوفاة دخل النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن ~~أبي أمية فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أي عم ! قل : لا إله إلا الله ~~, أحاج لك بها عند الله , ) فقال أبو جهل وعبدالله بن أبي أمية : يا أبا ~~طالب ! أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ - وفي رواية : فكان آخر ما كلمهم أن قال ~~: هو على ملة عبد المطلب - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لأستغفرن لك ~~ما لم أنه عنك , ) فنزلت { ماكان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين ~~} وأنزل الله في أبي طالب ^ ( { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشاء } ) ^ [ القصص : 56 ] ولعله استمر له ما بين موته وغزوة تبوك حتى نزلت ~~, وروي في سبب نزولها غير هذا أيضا , وقد تقدم أنه يجوز أن تتعدد الأسباب . ~~| < < # | التوبة : ( 115 - 117 ) وما كان الله . . . . . # > > ^ ( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن ~~الله بكل شيء عليم * إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من ~~دون الله من ولي ولا نصير * لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ~~الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب ~~عليهم إنه بهم رءوف رحيم ) ^ } ) | ولما كان الاستغفار للمشركين أمرا عظيما ~~, وكان ms2068 فيه نوع ولاية لهم , أظهر سبحانه للمؤمنين مامن عليهم به من عدم ~~المؤاخذة الإقدام عليه تهويلا لذلك وقطعا PageV03P394 لما بين اوج الإيمان ~~وحضيض الكفران بكل اعتبار فقال تعالى { وما كان الله } اي الذي له صفات ~~الكمال ؛ ولما كان الضلال سبب الهلاك , وكان من شرع شريعة ثم عاقب ملتزمهت ~~من غير بيان كمن دل على طريق غير موصل فهلك صاحبه فكان الدال بذلك مضلا , ~~قال : { ليضل قوما } أي يفعل بهم ما يفعل بالضالين من العقوبة لأجل ~~ارتكابهم لما ينهي عنه بناسخ نسخة { بعد إذ هداهم } أي بشريعة نصبها لهم { ~~حتى يبين لهم } أي بيانا شافيا لداء العي { ما يتقون } أي مما هو جدير بأن ~~يحذروه ويتجنبوه خوخا من غائلته بناسخ ينسخ حال الإباحة التي كانوا عليها . ~~| ولما كان الذي يأمر بسلوك طريق ثم يترك فيها ما يحتاج إلى البيان إنما ~~يؤتي عليه من الجهل أو النسيان . | نفي ذلك سبحانه عن نفسه فقال معللا لعدم ~~الإضلال : { إن الله } أي المحيط بصفات الكمال { بكل شيء عليم * } أي بالغ ~~العلم فلا يتطرق إليه خفاء بوجه من الوجوه في حين من الأحيان فهو يبين لكم ~~جميع ما تأتون وتذرون وما يتوقف عليع الهدى , وما تركه فهو إنما يتركه رحمة ~~لكم { لا يضل ربي ولا ينسى } [ طه : 52 ] فلا تبحثوا عنه ؛ ثم علل علمه بكل ~~شيء فهو خبير بكل ما ينفعكم ويضركم وهو وليكم , يبينه لكم , ومن كان له ~~جميع الملك كان بحيث لا يستعصي على أمره شيء : علم ولا غيره , لأن العلم من ~~أعظم القوى والقدر , ولا يكون الملك إلا عالما قادرا ؛ ثم علل قدرته وعلمه ~~بما يشلهد متكررا من فعله في الحيوان والنبات وغير ذلك فقال : { يحي ويميت ~~} أي بكل معنى فهو الذي احياكم وغيركم الحياة الجسمانية وخصم أنتم بالحياة ~~الإيمانية , وكما جعل غيركم بعضهم أولياء بعض وجمعهم كلهم على ولاية عدوهم ~~الشيطان جعلكم أنتم أولياء ربكم الرحمن فهو وليكم وناصركم { وما } أي ~~والحال أنه ما { لكم } ولما كان ليس لأحد أن يجوز كل ms2069 ما دون رتبته سبحانه , ~~اثبت الجار فقال . | { من دون الله } أي الملك الذي له الأمر كله , وأغرق ~~في النفي بقوله : { من ولي } أي قريب يفعل معكم من الحياطة والنصح ما يفعل ~~القريب من النصرة وغيره . | ولما كان الإنسان قد ينصره غير قريبة قال . | { ~~ولا نصير * } أي فلا توالوا إلا من كان من حزبه وأهل حبه وقربه , وفيه ~~تهديد لمن أقدم على ما ينبغي أن يتقي لا سيما الملاينة لأعداء الل من ~~المساترين والمصارحين , فإن غاية ذلك موالاتهم وهي لا تعني PageV03P395 ~~ولما أشار إلى أنه هو وليهم أحياهم بروح منه مبين لهم ما يصلحهم وأنه لا ~~ولي لهم غيره , أقام الدليل على ذلك بقوله : { لقد تاب الله } اي الذي له ~~الجلال والإكرام { على النبي } أي الذي لا يزال عنده من الله خبر عظيم ~~يرشده إلى ما يؤذن بتقوية حياته برفع درجاته , فما من مقام يرقيه إليه إلا ~~رأى أنه لمزيد علوه وتقربه للمقام الذي كان دونه , فهو في كل لمحة في ~~ارتفاع من كامل إلى أكمل إلى ما لا نهاية له . | ولما أخبر تعالى بعلو رتبة ~~النبي صلى الله عليه وسلم بترقيته في رتب الكمالات والأكمليات إلى ما لا ~~نهاية له على وجه هو في غاية البعث لكل مؤمن على المبادرة إلى التوبة , أكد ~~ذلك بقوله : { والمهاجرين والأنصار } بمحو هفواتهم ورفع درجاتهم { الذين ~~اتبعوه } أي النبي صلى اله عليه وسلم { في ساعة العسرة } أي أزمنة عزوة ~~تبوك , كانوا في عسرة من الزمان بالجدب والضيقة الشديدة والحر الشديد , ~~وعسرة من الظهر ( يعتقب العشرة ) على بعير واحد . | وعسرة من الزاد ( ~~تزودوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنجية ) وبلغت بهم الشدة أن ~~اقتسم التمر اثنان , وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء , وفي عسرة من ~~الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها ؛ وسماها ساعة تهوينا لأوقات الكروب ~~وتشجيعا على مواقعة المكاره من حالهم قبلها , وأشار سبحانه إلى تفاوتهم في ~~الثبات على مقامات عالية , ترقوا بالتوبة إلى أعلى منها , وفي قبول وساوس ~~أبعدتهم التوبة عن قبولها بقوله ms2070 : { من بعد ما كاد } أيقرب قربا عظيما { ~~تزيغ } أي تزول عن أماكنها الموجبة المقام للزلازل , ناسب التعبير بما منه ~~الانقلاب والفرقة فقال : { قلوب فريق } أي هم بحيث تحصل منهم الفرقة لما ~~هناك من الزلازل المميلة { منهم } أي من عظيم ما نالهم من الشدائد إلى بني ~~الأصفر الملوك الصيد الأبطال الصناديد , وهم ملء الأرض كثرة وقدر الحصى عدة ~~ومثل الجبال شدة , ثم عزم الله له فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فرجع ~~سبحانه بالجميع إلى ما كانوا عليه قبيل مقاربة الزيغ من مباعدته , ولما ~~صاروا كمن لم يقارب الزيغ . أعلاهم إلى مقام آخر عبرعن عظمته بأداة التراخي ~~فقال : { ثم تاب عليهم } أي كلهم تكريرا للرفعة , أو على من كاد يزيغ ~~بالثبات على مباعدة الزلات وبالترقي في أعالي الدرجات إلى الممات ؛ ونقل ~~أبو حيان عن الحسن أن زيغها همها بالانصراف لما PageV03P396 لقيت من المشقة ~~, قال وقيل : ساء ظنها من شدة العسرة وقلة الوفر وبعد الشقة وقوة العدو ~~المقصود - انتهى . | ويجوز أن يكون عبرب { ثم } لوصولهم إلى حالة يبعد معها ~~الثبات فضلا عن مباعدة مواقع الزلات فثبتها حتى عادت كالحديد من غير سبب ~~ظاهر من ( جيش أو غيره ) فثبت بذلك أنه مالك الملك متمكن من فعل كل ما ~~يريده وأنه لا ولي لهم سواه : ثم علل لطفه بهم بقوله : { إنه بهم رؤوف رحيم ~~* } والرأفة : شدة الرحمة , بإسباغ جلائل النعم ودفع جلائل النقم , ويرحمهم ~~أيضا النفع , ومادة رأف تدور مع السعة على ما أشير إليه في سورة سبحان على ~~شدة الوصلة . | فالرأفة - كما قال الحرالي في البقرة - عطف العاطف على من ~~يجد عنده منه وصلة , فهي رحمة ذي الصلة بالراحم , والرحمة تعم من لاصلة له ~~بالراحم - انتهى . | فتكون الرأفة حينئذ للثابتين والرحمة لمن قارب الزيغ . ~~| فيصير الثابت مرحوما مرتين لأنه منظور إليهبالصفتين , وتقدم عند الحزبين ~~من البقرة ما ينفع هنا . | < < # | التوبة : ( 118 - 120 ) وعلى الثلاثة الذين . . . . . # > > ^ ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ~~وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ms2071 ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ~~ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم * يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا ~~مع الصادقين * ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن ~~رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا ~~مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا ~~إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ) ^ } ) | ولما صرح ~~بالتوبة على من قارب الزيغ وخلط معهم أهل الثبات إشارة إلى أن كل أحد فقير ~~إلى الغني الكبير وليكون اقترانهم بأهل المعالي , وجعلهم في حيزهم تشريفا ~~لهم وتأنيسا لئلا يشتد إنكارهم , أتبعه التوبة على من وقع منه الزيغ فقال ~~غير مصرح بالزيغ تعليما للأدب وجبرا للخواطر المنكسرة . | { وعلى } أي ولقد ~~تاب الله على { الثلاثة الذين } ولما كان الخلع للقلوب مطلق التخليف , بني ~~للمفعول قوله : { خلفوا } أي PageV03P397 خلفهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالهجران ونهى الناس عن كلامهم , وأخر الحكم فيهم ليأتي أمر الله في ~~بيان أمرهم واستمر تخليفهم { حتى إذا ضاقت } اشار إلى عظيم الأمر بأداة ~~الاستعلاء فقال : { عليهم الأرض } اي كلها { بما رحبت } اي مع شدة اتساعها ~~, أي ضاق عليهم ووسعها . | ولما كان هذا قد يراد به الحقيقة , وكان ضيق ~~المحل قد لا يستلزم الصدر , أتبعه الدلالة على أن المراد المجاز فقال : { ~~وضاقت عليهم } بالهم المزعج والغم المقلق { أنفسهم } أي من شدة ما لاقوا من ~~الهجران حتى بالكلام حتى برد السلام ؛ ولما كان ذلك لا يقتضي التوبة إلا ~~بالمراقبة , أتبعه ذلك للتخلف بها قوله : { وظنوا } أي أيقنوا , ولعله عبر ~~بالظن إيذان بأنهم لشدة الحيرة كانت قلوبهم لا تستقر على حال ‘ فكان يقينهم ~~لشدة الخواطر كأنه ظن , أو يقال - وهو حسن - : إن التعبير به عن يقين ~~المخلصين إشارة إلى أن أعلى اليقين في التوحيد لا يبلغ الحقيقة على ما هي ~~عليه أن لا يقدر أحد ان يقدر لله حق قدره - كما قال صدق ms2072 الخلق صلى الله ~~عليه وسلم ( لا أحصى ثناء عليك , أنت كما أثنيت على نفسك ) وهذا من النفائس ~~فاستعمله في أمثاله { إلا إليه } اي بما يرضيه , وهو مثل لتحيرهم في أمرهم ~~, وجواب { إذا } محذوف دل عليه صدر الكلام تقديره : تداركهم بالتوبة فردهم ~~إلى ما كانوا عليه قبل مواقعة الذنب . | ولما كان ما عملوه من التخلف عن ~~أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عظيما بمجرد المخالفة ثم يترك المواساة ثم ~~بالرغبة عنه صلى الله عليه وسلم ثم بأمور عظيمة شديدة القبح وخيمة فكان ~~يبعد معه الزيادة عن رتبة التوبة , أعلم سبحانه أنه رقاهم في رتب الكمال ~~بأن جعل ذلك سببا لتطهيرهم من جميع الأدناس وتنقيتهم من سائر الأردان ~~المقتضي لمزيد القرب بالعروج في مصاعد المعارف - كما أشار إليه قوله صلى ~~الله عليه وسلم لكعب رضي الله عنه ( أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ) ~~أتبع ذلك سبحانه الإعلام به بقوله - مشيرا إلى ما بعده لولا فضل الله - ~~بأداة الاستبعاد : { ثم تاب عليهم } أي رجع بهم بعد التوبة إلى مقام من ~~مقامات سلامة الفطرة الذي هو أحسن تقويم يعلو لعلوه بالنسبة إلى ما دونه , ~~توبة { ليتوبوا } أي ليرجعوا إلى ما تقتضيه الفطرة الأولى من الثبات على ما ~~كانوا عليه من PageV03P398 الإحسان في الدين والتخلق بإخلاق السابقين , ~~ولعله عبر بالظن موضع العلم إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من جلاله للانقطاع ~~إليه مجرد الظن بأنه لا سبب إليه إلا منه لأنه محيط بكل شيء لا يعجزه شيء , ~~ويمكن أن يكون التعبير - { ثم } إشارة إلى عظيم ما قاسوا من الأهوال وما ~~تراقبوا إليه من مراتب الخوف , وامتنان عليهم بالتوبة من عظيم ما ارتكبوا , ~~إنما خصوا عن رفائقهم بأن أرجئوا لأمر الله لعلو مقامهم بما لهم من السابقة ~~ورسوخ القدم في الإسلام , فالمخالفة اليسيرة منهم أعظم من الكثير من غيرهم ~~لأنهم لأنهم أئمة الهدى ومصابيح الظلم , ومن هذا البارق - حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين - ثم علل التوبة بأمر يعم غيرهم ترغيبا فقال معبرا بما يشير ~~مع ms2073 أعلى مقامهم إلى نزوله عن مقام من قبلهم : { إن الله } أي الذي له ~~الكمال كله { هو } أي وحده { التواب } أي البليغ التوبة على من تاب وإن عظم ~~جرمه وتكررت توبته ذنوبه { الرحيم * } أي المكوم لمن اراد من عباده بأن ~~يحفظه على ما يرتضيه فلا يزيغ , ويبالغ في افنعام عليه . | ولما كان الذي ~~نالوا الإقبال من موالاهم عليهم - مما وصفهم به من الضيق وما معه - هو ~~التقوى والصدق في الإيمان كما كان ما يجده الإنسان في نفسه مما الموت عنده ~~والقذف في النار أحب إليه من التلفظ به صرييح الإيمان بشهادة المصطفى صلى ~~الله عليه وسلم , رغب سبحانه في الصدق فقال : { يأيها الذين آمنوا } أي ~~ادعوا ذلك { اتقوا الله } أي خافوا سطوة من له العظمة الكاملة تصديقا ~~لدعواكم فلا تفعلوا إلا ما يرضيه { وكونوا } أي كونا صادقا بجميع الطبع ~~والجبلة { مع الصادقين * } أي في كل أمر يطلب منهم , ولعله اخرج الأمر مخرج ~~العموم ليشمل كل مؤمن , فمن كان مقصرا كانت آمره له باللحاق , ومن كان ~~مسابقا كانت حاثة له على حفظ مقام الاستباق , ولعله عبر ب { مع } ليشمل ~~أدنى الدرجات , وهو الكون بالجثت , وقد روى ابخاري توبة كعب أحد هؤلاء ~~الثلاثة رضي الله عنهم في مواضع من صحيصه منها التفسير , وكذا رواه غيره عن ~~غزوتين : غزوة العسرة - يعني هذه - وغزوة بدر , وأن تخلفه ببدر إنما كان ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يندب الناس إليها ولا حثهم عليها لأنه ما ~~خرج أولا إلا لأجل العير , قال : فأجمعت صدق رسول اله صلى الله عليه وسلم , ~~كان قل ما يقدم من سفر سافره إلا ضحى , وكان يبدأ بالمسجد فيركع ركعتين ~~ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كلامي وكلام صاحبي - يعني مرارة بن ~~الربيع العمري وهلال بن أمية الواقفي - ولم ينه عن كلام أحد من المختلفين ~~غيرنا , فاجتنبت الناس PageV03P399 كلامنا فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر , ~~وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي علي النبي صلى الله عليه وسلم ms2074 أو ~~يموت النبي صلى الله عليه وسلم فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد ~~منهم ولا يصلي علي , فأنزل الله عز وجل توبتنا على نبيه صلى الله عليه وسلم ~~حين بقي الثلث الآخر من الليل ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند أم سلمة ~~رضي الله عنها , وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية في أمري فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ( ياأم سلمة ! تيب على كعب , ) قالت : أفلا أرسل إليه ~~فأشره ؟ قال : ( إذن يحطكم الناس فيمنعوكم النوم سائر الللية ) حتى إذا صلى ~~الله عليه وسلم صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا , وكان إذا استبشر استنار ~~وجهه كتى كأنه قطعة من القمر , وكنا - أيها الثلاثة الذين خلفوا - خلفنا عن ~~الأمر الذي قبل من هؤلاء الذين اعتذروا حين أنزل الله لنا التوبة , فلما ~~ذكر الذين كذبوا رسول اله صلى الله عليه وسلم من المختلفين واعتذروا ~~بالباطل ذكروا بشر ما ذكر به أحد , قال الله عز وجل { يعتذرون إليكم إذا ~~رجعتم إليهم } . | ولما كان ما نالهم من الأهوال إنما نالهم بتخلفهم عن ~~أشرف الخلق , والذي التفت بهم إلى مرابع الإقبال إنما هو الصدق , قال تعالى ~~ناهيا بصيغة الخبر ليكون أبلغ , جامعا إليهم من كان على مثل حالهم في مطلق ~~التخلف : { ما كان } أي ما صح وما انبغى بوجه من الوجوه { لأهل المدينة } ~~أي التي هي سكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي دار الهجرة ومعدن النصرة ~~{ ومن حولهم } أي في جميع نواحي المدينة الشريفة { من الأعراب } أي من سكان ~~البوادي الذين أقسموا بالإسلام { أن يتخلفوا } اي في أمر من الأمور { عن ~~رسول الله } أي الملك الأعلى , ومن شأن المرسل إليه أن لا يبرح عن جنان ~~الرسول لا سيما وهو رأس الصادقين الذين وقع الأمر بالكون معهم { ولا يرغبون ~~} اي وما كان لهم أن يرغبوا , لعله قللهم بصيغة القلة بالنسبة غلى من أيده ~~به صلى الله عليه وسلم جنوده فقال تعالى : { بأنفسهم عن نفسه } أي التي هي ~~أشرف النفوس مطلقا ms2075 بأن يصونوا نفوسهم عما باشره صلى الله عليه وسلم بل ~~يلقونها في المتالف دونه وصيانة لنفسه الشريفة عن أدنى الأذى , فهى ~~كالتعليل للأمر بالتقوى أي خافوا الله وأصدقوه كما صدق هؤلاء ليتوب عليكم ~~كما تاب عليهم فإنه لم يكن لكم التخلف فهو نهي بليغ مع تقبيح وتوبيخ وإلهاب ~~. | PageV03P400 ولما علل الأمر بالتقوى , علل النهي عن التخلف بما يدل على ~~صدق الإيمان فيصير نقيضه دالا على نقيضه فقال : { ذلك } اي النهي العظيم عن ~~التخلف في هذا الأسلوب النافي للكون { بأنهم لا يصيبهم ظمأ } أي عطش شديد { ~~ولانصب } اي تعب بالغ { ولا مخمصة } اي شدة مجاعة { في سبيل الله } أي طرق ~~دين الملك الأعظم المتوصلة به إلى الجهاد أعدائه , ورتبت هذه الأشياء ~~ترتيبها في الوجود فإن مطلق الحركة يهيج الحرارة فينشأ العطش وتماديها يورث ~~التعب , والأغلب أن يكون قبل الجوع . | ولما كان المقصود من إجهاد النفس ~~بما ذكر إرغام الكفار باقتحام أرضهم المتوصل به إلى إيمانهم بالنيل منهم , ~~أتبع ذلك قوله : { ولا يطؤون موطئا } اي وطأ أو مكانا وطؤه { يغيظ الكفار } ~~اي وطؤهم له بأرجلهم أو دوابهم { ولا ينالوا من عدو نيلا } أي كائنا ما كان ~~صغيرا أو كبيرا { غلا كتب لهم به } اي في صحائف الأعمال , بني للمفعول لأن ~~القصد إثباته لا من معين { عمل صالح } اي ترتب لهم عليه أجر جزيل . | ولما ~~كان فاعل هذه الأشياء مقدما على المعاطب في نفسه ومحصلا لعرض الجهاد , أشير ~~على وجه التأكيد في جملة اسمية إلى أنه محسن , أما في حق نفسه فبإ قامة ~~الدليل بطاعته على صدق إيمانه . | وأما في غيره من المؤمنين فبحمايتهم عن ~~طمع الكافرين . | وأما في حق الكفار فبحملهم على الإيمان بغاية الإمكان , ~~فقال تعالى معللا للمجازاة : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { لا يضيع ~~} أي لا يترك تركه ما من شأنه الإهمال { أجر المحسنين * } وأظهر موضع ~~الإضمار تعميما وتعليقا بالوصف . | < < # | التوبة : ( 121 - 122 ) ولا ينفقون نفقة . . . . . # > > ^ ( ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ms2076 ~~ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون * وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا ~~نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم لعلهم يحذرون ) ^ } ) | ولما كانت المشقة بالإنفاق العائد ضرره غلى ~~المال , ووطئ مطلق الأرض الذي قد لا يلزم منه وصول إلى ما يغيظ العدو دون ~~المشقة الحاصلة في النفس بالظمأ وما معه من فعل ما يغيظ العدو وينقصه , قدم ~~ذلك على قوله : { ولا تنفقون } ولما كان القليل قد يحتقر , ابتدأ به ترغيبا ~~في قوله : { نفقة صغيرة } ولما كان ربما تعنت متعنت PageV03P401 فجعل ذكرها ~~قيدا , قال : { ولا كبيرة } إعلاما بأنه معتد به لئلا يترك , وفيه إشارة ~~إلى آية اللمز للمطوعين في الصدقات { ولا يقطعون واديا } اي من الأودية ~~بالسير في الجهاد , والوادي : كل منفرج بين جبال وآكام ينفذ فيه السيل , ~~وهو في الأصل فاعل من ودى - بالكتابة مطلقا { ليجزيهم الله } أي ذو الجلال ~~والإكرام , أي بذلك من فضله { أحسن ما كانوا } أي جبلة وطبعا { يعلمون * } ~~مضاعفا على قدر الثبات , وأكدت فاصلة الأولى دون هذه لزيادة تلك في المشقة ~~والنفع , ولذا صرح فيها الأجر والعمل الصالح - نبه على ذلك الإمام أبو حيان ~~. | ومن هنا بل من عند { إن الله اشترى } شرع في عطف الآخر على الأول الذي ~~مضمونه البراءة من المشركين والاجتهاد في قتالهم بعد انقضاء مدتهم حيث ~~وجدوا - إلى ان قال { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله } - إلى أن قال { ما لكم إذا قيل لكم انفروا في ~~سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } ثم قال { انفروا خفافا وثقالا } ثم أتبع ذلك ~~قصص المنافقين كما أنه فعل هنا كذلك أن ختم بقوله { قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار } الآية ثم أتبعها ذكر المنافقين . | ولما تواترت النواهي للمتخلفين ~~وتواصلت الزواجر وتعاظم الت التبكيت والتهديد , طارت القوب وأشفقت النفوس , ~~فكان ذلك مظنة أن لا يتخلف بعدها أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمن ~~يقوم مقامه فيتمكن حينئذ الأعداء من الأموال والذراري ms2077 والعيال , فأتبع ذلك ~~قوله تعالى : { وما كان المؤمنون } اي الذين حثهم على النفر الرسوخ في ~~الإيمان { لينفروا كآفة } اي جميعا فإن ذلك بخل بكثير من الأغراض الصالحة , ~~وهو تعليم لما هو الأنسب بالدين والدنيا من انقسام الناس قسمين : قسما ~~للجهاد , وقسما للنفقة وحفظ الأموال والأولاد , كل ذلك بأمره عليه الصلاة ~~والسلام والعمل بما يرضاه , ولا يخفى ذلك على المخلص , ولعل التعبير بالفعل ~~الماضي في قوله مسببا عما قبله : { فلولا نفر } ليفهم تبكيت من قصد تبكيته ~~من المختلفين في جميع هذه السورة بأنه كان عليهم أن يقع على ثلاثة { منهم ~~طائفة } اي ناس لا ينفكون حافين بالنبي صلى الله عليه وسلم يلزمونه , قيل : ~~والطائفة واحد واثنان , فالآية حجة على قبول خبر الواحد ووجوب العمل به , ~~وكأنه عبر اي ليكلف النافرون كما هو أصل مدلولها الأغلب فيه { ليتفقهوا } ~~أقواله ويرونه من جميل افعاله ويصل إلى قلوبهم من مستنير احواله , وهذا ~~غاية الشرف للعلم حيث جعل غاية الملازمة له صلى الله عليه وسلم للجهاد , ~~هذا إن كان هو صلى الله عليه وسلم النافر في تلك الغزاة , وغن كان غيره كان ~~ضمير { يتفقهوا } للباقين معه صلى الله عليه وسلم PageV03P402 ولما كان من ~~العلم بشارة ومنه نذارة , وكان الإنسان - لما فيه من النقصا - أحوج شيء إلى ~~النذارة , خصها بالذكر فقال عطفا على نحو : ليخافوا في أنفسهم فيعملوا في ~~خلاصها : { ولينذروا قومهم } أي يحذروهم ما أمامهم من المخاوف إن فرطوا في ~~جانب التقوى { إذا رجعوا إليهم } أي ما أنذرهموه الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ويبشرهم بما بشرهم به ؛ ثم بين غاية العلم مشيرا إلى أن من جعل له غاية ~~غيرها من ترفع أو افتخار فقد ضل ضلالا كبيرا , فقال موجبا لقبول خبر لقبول ~~خبر من بلغهم : { لعلهم } اي كلهم { يحذرون * } أي ليكون حالهم حال أهل ~~الخوف من الله بما حصلوا من الفقه لأنه أصل كل خير , به تنجلي القلوب فتقبل ~~على الخير وتعرض عن الشر , فإن الحذر تجنب الشيء لما فيه من الضرر , ~~والمراد بالفقه هنا ms2078 حفظ الكتاب والسنة وفهم معانيها من الأصول والفروع ~~والآداب والفضائل , وقال الرماني : الفقه موجبات المعاني المضمنة بها من ~~غير تصريح بالدلالة عليها . | < < # | التوبة : ( 123 - 125 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم ~~غلظة واعلموا أن الله مع المتقين * وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم ~~زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما ~~الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ) ^ } ) | ~~ولما عملت المقاصد وتهيأت القلوب لقبول الفوائد , وأمر بالإنذار بالفقه , ~~وكان من الناس من لا يرجع إلا بشديد البأس , أقبل على الكل مخاطبا لهم ~~بأدنى أسنان القلوب ليتوجه إلى الأدنى ويتناول الأعلى منه من باب الأولى ~~فقال : { يأيها الذين آمنوا } أي ادعوا بألسنتهم الإيمان { قاتلوا } اي ~~تصديقا لدعواكم ذلك { الذين يلونكم } أي يقربون منكم { من الكفار } فالذين ~~يلونهم إن لم تروا غيره أصلح لمعنى يعرض لما في ذلك من حسن الترتيب ومقتضى ~~الحكمة ولأن الجهاد معروف وإحسان , والأقربون أولى بالمعروف , ولتبعدوا ~~العدو عن بلادكم فيكثر صلاحهم ويقل فسادكم وتكونوا قد جمعتم بالتفقه ~~والقتال بين الجهادين : جهاد الحجة وجهاد السيف مع الاحتراس بهذا الترتيب ~~من أن يبقى وراءكم إذا قاتلتم من تخشون كيده . | ولما كانت الملاينة أولى ~~بالمسالمة , والمخاشنة أولى بالمصارمة , قال : { وليجدوا } من الوجدان { ~~فيكم غلطة } أي شدة وحمية لأن ذلك اهيب في صدورهم . | واكف عن فجورهم , ~~وحقيقة الغلطة في الأجسام , استعيرت هنا للشدة في الحرب , وهي تجمع الجراءة ~~والصبر على القتال وشدة العدواة , فإذا فعلوا ذلك كانوا جامعين بين جهاد ~~الحجة والسيف كما قيل : | PageV03P403 من لا يعدله القرآن كان له من الصغار ~~وبيض الهند تعديل | نبه على ذلك أبو حيان . | ولما كان التقدير : وليكن كل ~~ذلك مع التقوى لا بسبب مال ولا جاه فإنها ملاك الأمر كله , قال منبها على ~~ذلك بقوله : { واعلموا أن الله } أي الذي له الكمال كله { مع المتقين * } ~~فلا تخافوا ان يؤدي شيء من مصاحبتها إلى وهن فإن العبرة بمن كان ms2079 الله معه . ~~| ولما ذكر هذه السورة أي الطائفة الحاضة بصيغة ( لولا ) على النفر مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الآمرة بجهاد الكفار والغلطة عليهم , وكان لا يحمل ~~على ذلك إلا ما أشار إليه ختم الآية السالفة من التقوى بتجديد الإيمان كلما ~~نزل شيء من القرآن , وكان قد ذكر سبحانه المخالفين لأمر الجهاد بالتخلف دون ~~أمر الإيمان حين قال { وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله ~~استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين } التفت إلى ذلك ~~ليذكر القسم الآخر وهو القاعد عن الإيمان فقال : { وإذا } وأكد بزيارة ~~النافي تنبيها على فضل الإيمان فقال : { ما } ولما كان المنكى لهم مطلق ~~النزول , للمفعول قوله : { أنزلت سورة } أي قطعة من القرآن , أي في معنى من ~~المعاني { فمنهم } أي من المنزل إليهم { من يقول } أي إنكارا واستهزاء , ~~وهم المنافقون { أيكم } أي أيها العصابة المنافقة { زادته هذه إيمانا } ~~إيهاما لأنهم متصفون بأصل الإيمان , لأن الزيادة ضم الشيء إلى غير مما ~~يشاركه في صفت , هذا ما يظهرون تسترا , وأما حقيقة حالهم عند أمثالهم ~~فالاستهزاء استبعادا لكونها تزيد أحدا في حاله شيئا , وسبب شكهم واستفهامهم ~~أن سامعيها انقسموا إلى قسمين , مؤمنين ومنافقين , ولذلك أجاب تعالى بقوله ~~مسببا عن إنزالها : { فأما الذين آمنوا } أي أوقعوا الإيمان حقيقة لصحة ~~أمزجة قلوبهم { فزادهم } أي تلك السورة { إيمانا } أي إيمانهم بها إلى ما ~~كان لهم من الإيمان بغيرها وبتد برها ورقة القلوب بها وفهم ما فيها من ~~المعارف الموجبة لطمأنينة القلوب وثلج الصدور . | ولما كان المراد بالإيمان ~~الحقيقة وكانت الزيادة مفهمة لمزيد عليه , استغنى عن أن يقول : إلى إيمانهم ~~, لذلك ولدلالة { الذين آمنوا } عليه { وهم يستبشرون * } أي يحصل لهم البشر ~~بما زادتهم من الخير الباقي الذي لا يعدله شيء { وأما الذين } وبين أن أشرف ~~ما فيهم مسكن الآفة فقال : { في قلوبهم مرض } فمنعهم الإيمان وأثبت لهم ~~الكفران فلم يؤمنوا . | ولما كان المراد بالمرض الفساد المعنوي المؤدي إلى ~~خبث العقيدة , عبر عنه PageV03P404 بالرجس فقال : { فزادهم رجسا } أي ~~اضطرابا ms2080 موجبا للشك , وزاد الأمر بيانا بأن المراد المجاز بقوله : { إلى ~~رجسهم } أي شكهم الذي كان في غيرها { وماتوا } أي واستمر بهم ذلك لتمكنه ~~عندهم إلى أن ماتوا { وهم كافرون * } أي عريقون في الكفر , وسمي لبشك في ~~الدين مرضا لأنه فساد في الروح يحتاج إلى علاج كفساد البدن في الاحتياج , ~~ومرض القلب أعضل , وعلاجه أعسر وأشكل , ودواءه أعز وأطباؤه أقل . | ولما ~~زاد الكفار بالسورة رجسا من أجل كفرهم بها , كانت كأنها هي التي زادتهم , ~~وحسن وصفها بذلك كما حسن : كفى بالسلامة داء , وكما قال الشاعر . | ارى ~~بصري قد رابني بعد نصحه وحسبك داء أن تصح وتسلما | قاله الرماني , ~~فالمؤمنون يخبرون عن زيادة إيمانهم وهؤلاء يخبرون عن عدمه في وجدانهم , ~~فهذا موجب شكهم وتماديهم في غيهم وإفكهم , ولو أنهم رجعوا إلى حاكم العقل ~~لأزال شكهم وعرفهم صدق المؤمنين بالفرق بين حالتيهم , فإن ظهور الثمرات ~~مزيل للشبهات , والآية من الاحتباك : إثبات الإيمان أولا دليل على حذف ضده ~~ثانيا , وإثبات المرض ثانيا دليل على حذف الصحة أولا . | < < # | التوبة : ( 126 - 129 ) أو لا يرون . . . . . # > > ^ ( أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا ~~هم يذكرون * وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم ~~انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون * لقد جآءكم رسول من أنفسكم ~~عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم * فإن تولوا فقل حسبي ~~الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ) ^ } ) | ولما كان ~~التقدير تسبيبا عما جزم به من الحكم بعراقتهم في الرجس وازديادهم منه : ~~أفلا يرون إلى تماديهم في النفاق وثباتهم عليه ؟ عطف عليه تقريرهم بعذاب ~~الدنيا والإنكار عليهم في قوله : { أولا يرون } اي المنافقون , قال الرماني ~~: والرؤية هنا قلبية لن رؤية العين لا تدخل على الجملة لأن الشيء لا يرى من ~~وجوه مختلفة { أنهم } أي المنافقين ؛ ولما كان مطلق وقوع الفتنة من العذاب ~~, بنى للمفعول قوله : { يفتنون } أي يخالطون من حوادث الزمان ونوازل ~~الحدثان ms2081 بما يضطرهم إلى بيان أخلاقهم بإظهار سرائرهم في نفاقهم { في كل عام ~~} أي وإن كان الناس أخصب ما يكونون وأرفعه عيشا PageV03P405 { مرة أو مرتين ~~} فيفضحون بذلك , وذلك موجب للتوبة للعلم بأن من علم سرائرهم - التي هم ~~مجتهدون في إخفائها - عالم بكل شيء قادر على كل مقدور , فهو جدير بأن تمتثل ~~أوامره وتخشى زواجره . | ولما كان عدم توبتهم مع فتنتهم على هذا الوجه ~~مستبعدا , أشار إليه بأداة التراخي فقال : { ثم لا يتوبون } أي لا يجددون ~~توبة { ولاهم } أي بضمائرهم { يذكرون * } أي أدنى تذكر بما أشار إليه ~~الإدغام , فلولا أنه حصلت لهم الزيادة في الرجس لأوشك تكرار الفتنة أن يوهي ~~رجسهم إلى أن يزيله ولكن كلما أوهى شيئا خلقه مثله أو أكثر بسبب الزيادات ~~المترتبة على وجود نجوم القرآن , والتذكر طلب الذكر للمعنى بالكفر فيه , ~~فالآية ذامة لهم على عدم التوبة بإصابة المصائب لعدم تذكر أنه سبحانه ما ~~أصابهم بها إلا بذنوبهم < # > 77 ( { ويعفو عن كثير } ) 77 < # > [ الشورى : 34 ] كما أن أحدهم لا يعاقب فتاة إلا بذنب وما لم يتب فهو ~~يوالي عقابه . | ولما ذكر ما ما يحدث منهم من القول استهزاء , أتبعه تأكيدا ~~لزيادة كفرهم وتوضيحا لتصويره ما يحدث من فعلهم استهزاء من الإيمان ~~والتغامز بالعيون فقال { وإذا } وأكد بانافي فقال : { ما } ولما كان الغرض ~~نفس الإنزال لا تعيين المنزل , بني للمفعول قوله { أنزلت سورة } أي طائفة ~~من القران { نظر بعضهم } أي المنافقين { إلى بعض } أي متغامزين سخرية ~~واستهزاء قائلين : { هل يراكم } وأكدوا العموم فقالوا : { من أحد } أي من ~~المؤمنين إن انصرفتم , فإن يشق علينا سماع مثل هذا , ويشق علينا أن يطلع ~~المؤمنون على هذا السر منا . | ولما كان انصرافهم عن مثل هذا المقام ~~مستهجنا , أشار إلى شدة قبحه بأداة التراخي فقال : { ثم انصرفوا } أي إن لم ~~يكن أحد يراهم , وإن رآهم أحد من المؤمنين تجشموا المشقة وثبتوا ؛ ولما ~~كانوا مستحقين لكل سوء , أخبر عنهم في أسلوب الدعاء بقوله : { صرف الله } ~~أي الذي له الغنى المطلق والكمال كله { قلوبهم } أي عن ms2082 الإيمان ؛ ثم علل ~~ذلك بقوله : { بأنهم قوم } وإن كانوا ذوي قوة على ما يحاولونه فإنهم { لا ~~يفقهون * } أي قلوبهم مجبولة على عدم الفهم لما بها من الغلطة , وهذا دليل ~~على ختام الآية قبلها , وهاتان الآيتان المختتمتان - ب { لا يفقهون } ~~التاليتان للأمر بالجهاد في قوله { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } ~~الموازي - { انفروا خفافا وثقالا } الآية - قد احتوتا مع وجازتهما على حاصل ~~أوصاف المنافقين التالية لآية ( انفروا ) المختتم ما هو العام منها في أهل ~~الحاضرة في قوله { استأذنك أولوا الطول منهم } ب { يفقهون } ثم عند إعادة ~~ذكرهم ب { لا يعملون } وتصويب هاتين الآيتين إلى أهل الحاضرة ظاهر لكونهم ~~PageV03P406 ممن يحضر نزول الذكر كثيرا مع احتمالها للعموم , والختم هناب { ~~لا يفقهون } أنسب لأن المقام - وهو النظر في زيادة الإيمان بالنسبة إليهم - ~~يقتضي فكرا وتأملا وإن كان بالنظر إلى المؤمنين في غاية الوضوح . | ولما ~~أمر صلى الله عليه وسلم أن يبلغ هذه الأشياء الشاقة جدا من أمر هذه السورة ~~, وكان من المفلوم أنه لا يحمل ذلك إلا من وفقه الله تعالى , وأما ~~المنافقون فيكرهون ذلك وكان انصرافهم دالا على الكراهة , عرفهم أن الأمر ~~كان يقتضي توفر دواعيهم على محبة هذا الداعي لهم المقتضي لملازمته والبعد ~~عما يفعلونه به من الانصراف عنه , وأن أحواله الداعية لهم إلى محبته أعظم ~~من أحوال آبائهم التي أوجبت لهم منهم من المحبة وعليهم من الحقوق ما هم ~~مفتخرون بالتلبس به والمغالاة فيه , وأن كل ما يحصل بهذا القرآن من العز ~~والشرف في الدنيا فهو لكل من آمن به فقال : { لقد جاءكم رسول } ولما كان ~~الرسول يجب إكرامه والوقوف في خدمته لأجل مرسله ولو تجرد عن غير ذلك الوصف ~~, شرع يذكر لهم من وصافه ما يقتضي لهم مزيد إكرامه فقال : { من أنفسكم } أي ~~ترجعون معه إلى نفس واحدة بأنكم لأب قريب , وذلك أقرب إلى الألفة وأسرع إلى ~~فهم الحجة وأبعد من المحل واللجاجة { عزيز } أي شديد جدا { عليه ما عنتم } ~~والعزة : امتناع الشيء بما يعتذر معه ما يحاول منه بالقدرة ms2083 أو بالقلة أو ~~بالصعوبة , والعنت : لحاق الأذى الذي يضيق الصدر به ولا يهتدي للمخرج منه { ~~حريص } أي بليغ الحرص { عليكم } أي على نفعكم , والحرص : شدة طلب الشيء على ~~الاجتهاد فيه , وقدم الجار لإفادة الاختصاص فقال : { بالمؤمنين } أي ~~العريقين في هذا الوصف كافة خاصة , ولما ذكر الوصف المقتضي للرسوخ , قدم ما ~~يقتضي العطف على من يتسبب له بما يقتضي الوصلة فقال : { رءوف } اي شديد ~~الرحمة لمن له منه عاطفة وصلة لما تقدم من معنى الرأفة قريبا . | ولما كان ~~المؤمن يطلق مجازا على من يمكن منه الإيمان فوصلته الان ليست بالفعل بل ~~الإمكان , قال تعميما لرحمته صلى الله عليه وسلم كما هو اللائق بشريف منصبه ~~وعظيم خلقه : { رحيم * } ولأجل مثل هذه الأغراض النفسية رتب سبحانه هذين ~~الوصفين هكذا , ولكن المعاني المراده تارة يظهرها الله نعالى لعبده منحة له ~~وإكراما , وتارة يخفيها إظهارا لعجزه ونقصانه ثم يظهرها له في وقت آخر إن ~~صدق في التضرع وإظهار الافتقار والتذلل وأدام الطلب , أو لغيره ممن هو أقل ~~منه علما وأضعف نظرا وفهما , وإذا تاملت كتابي هذا ظهر لك أن كثيرا من ~~الآيات فسرها على غير المراد منها قطعا أكابر العلماء , فعلى الأنسان - إذا ~~خفي عليه أمر - أن يقول : لا أعلم , ولا يظن أنه رتب شيء من هذا ~~PageV03P407 الكتاب العزيز لأجل الفواصل , فلذلك لا يليق بكلام الله تعالى ~~, وقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم السجع , لأن الساجع يكون محط نظره ~~الألفاظ , فيدير المعاني عليها ويتبعها إياها , فرربما عجز اللفظ عن توفية ~~المعنى ؛ روى البخاري في الطب وغيره من صحيحه ومسلم في الديات وأبو داود ~~والنسائي وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قضى في الجنين يقتل في بطن امه بغرة عبد أو وليدة , فقال الذي قضى ~~عليه : كيف أغرم من لاشرب ولا أكل , ولا نطق ولا استهل , فمثل ذلك بطل ؛ ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما هذا من إخوان الكهان ) من اجل سجعه ~~الذي سجع , وفي رواية ms2084 : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( سجع كسجع ~~الأعراب ) وذلك - والله أعلم - أنه لو كان نظره إلى المعنى وتصحيحه لأغنى ~~عن هذا السجع ان يقال : كيف اغرم من لاحياة له , ولوقصد السجع وتهذيب ~~المعنى لتى مما يدل على نفي الحياة التي جعلها محط أمره فإن ما أتى به لا ~~يستلزم نفيها , ولو تقيد بالصحة لاغتنى بنفي النطق عن نفي الاستهلال , فصح ~~بهذا انه دائر مع تحسين اللفظ صح المعنى أم لا , وينطبع في عقل عاقل أن ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم يذم السجع وهو ياتي به ويقصده في القرآن أو ~~في السنة , ولو كان ذلك لأسرعوا الرد عليه , وذكر اصحاب فتوح البلاد في فتح ~~مكران من بلاد فارس أن الحكم بن عمرو لما فتحها ارسل بالأخماس مع صحار ~~العبدي , فلما قدم على عمر رضي الله عنه سأله عن مكران وكان لا يأتيه أحد ~~إلا سأله عن الوجه الذي يجيء منه فقال : ياأمير المؤمنين ! أرض سهلها جبل , ~~وماءها وشل وثمرها دقل , وعدوها بطل , وخيرها قليل , وشرها طويل , والكثير ~~بها قليل , والقليل بها ضائع , وما وراءها شر منها ؛ فقال , اسجاع أنت أم ~~مخبر ؟ فقال : لا بل مخبر , قال : لاوالله ! لا يغزوها جيش لي ماأطعت . | ~~فقد جعل الفاروق السجع قسيما للخير فدل على أن التقيد به عيب لإخلاله ~~بالفائدة أو بتمام الفائدة , ولعله غنما جوز أن يكون مخبرا لنه إنفك عن ~~السجع في آخر كلامه وكرر لفظ ( قليل ) فكان ما ظنه , لأنه لو أراد السجع ~~لأمكنه أن يقول والكثير بها ذليل , والقليل بها ضائع كليل , وما وراءها شر ~~منها بأقوم قيل ؛ وقد نفى سبحانه عن هذا القرآن المجيد تصويب النظر إلى ~~السجع كما نفى عنه الشعر فإنه تعالى قال < # > 77 ( { وما هو بقول شاعر قليلا PageV03P408 ماتؤمنون ولا بقول كاهن ~~قليلا ما تذكرون } ) 77 < # > [ الحاقة : 24 , 41 ] فكما أن قول الشاعر غتيانه بالكلام موزونا , ~~فكذلك قول الكاهن إتيانه بالكلام مسجوعا والقرآن ليس من هذا ولا من هذا . | ~~وإن وقع فيه كل من الأمرين ms2085 فغيرر مقصود إليه ولا معول عليه , بل لكون ~~المعنى انتظم به على اتم الوجوه فيؤتي به لذلك , ثم تبين أنه غير مقصود ~~بالانفكاك عنه في كثير من الأماكن بقرينة ليس لها مجانس في اللفظ لتمام ~~المعاني المرادة عندها فيعلم قطعا عن تكميل المشاكلة ونقصا - تعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا , ومما يوجب لك القطع بأن ترتيب هذين الاسمين الشريفين هكذا ~~لغير مراعاة الفواصل قوله تعالى في سورة الحديد < # > 77 ( { وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة } ) 77 < # > [ الحديد : 27 ] وسيأتي إن شاء الله في سورة طه عن الفخر الرازي ~~والقاضي أبي بكر الباقلاني منع النظر إلى السجع في الكتاب العزيز نقلا عن ~~جميع الأشاعرة , وإذا تأملت الفواصل في الإتيان بها تارة بكثرة وتارة بقلة ~~, وتارة تترك بالكلية ويؤتى في كل آية بفصاصلة لا توافق الأخرى , عملت أن ~~هذا المذهب هو الصواب ولا سيما آخر سورة { اقرأ } وإذا تأملت كتب اهل العدد ~~أتقنت علم هذا المستند , وإذا تأملت ما قلته في هذا النحو من كتابي مصاعد ~~النظر للاشراف على مقاصد السور لم يبق عندك شك في شيء من هذا , فإياك ان ~~تجنح لهذا القول فتكون قد وقعت في أمر عظيم وأنت لا تشعر , وأورد سبحانه ~~هذه الآية إيراد المخاطب المتلطف المزيل لما عندهم من الريب يالقسم , فكأنه ~~قال : ما لكم تنصرفون عن حضرته الشماء وشمائله العلى ! الله لقد جاءكم - ~~إلى آخره , ثم أقبل عليه مسليا له مقابلا لإعراضهم إن أعراضوا بالأعرتض ~~عنهم والبراءة منهم ملتفتا إلى السورة الآمر بالبراءة من كل مخالف , قائلا ~~مسببا عن النصيحة بهذه الآية التي لا شك عاقل في مضمونها : { فإن تولوا } ~~أي اجتهدوا في تكليف فطرهم الأولى أو ولوا مدبرين عنك بالانصراف المذكور أو ~~غيره بعد النصيحة لهم بهذه الآية { فقل } اي استعانة بالله تفويضا إليه { ~~حسبي } اي كافي ؛ قال الروماني : وهو من الحساب لأنه جل ثناه يعطى بحسب ~~الكفاية التي تعني عن غيره , ويزيد من نعمته مالا يبلغ إلى حد ونهاية إذ ~~نعمه دائمة ومتنه ms2086 متظاهر { الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفؤ له , وإنما ~~كان كافيا لأنه { لا إله إلا هو } فلا مكافئ له فلا راد لأمره ولا معقب ~~لحكمه . | ولما قام الدليل على أنه كفؤ له , وجب قصر الرغائب فقال : { عليه ~~} اي وحده { توكلت } لأن أمره نافذ في كل شيء { وهو رب } اي مالك ومخترع ~~ومدبر ؛ ولما كان في سياق القهر والكبرياء بالبراءة من الكفار والكفاية ~~للأبرار , كان المقام PageV03P409 بالعظمة أنسب كآية النمل فقال : { العرش ~~العظيم * } اي المحيط بجميع الأجسام الحاوي لسائر الأجرام الذي ثبت بآية ~~الكرسي وغيرها أن ربه أعظم منه لأن عظمته على الأطلاق فلا شيء إلا هو في ~~قبضته وداخل في دائرة مملكته , وإذا كان كافي فأنا بريء ممن تولى عني وبعد ~~مبتدأها وتأكد ما فهمته من سر الالتفات في { فسيحوا } وفي { فإن تبتم فهو ~~خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله } والله تعالى أعلم . | . ~~. . . . | PageV03P410 < # > سورة يونس < # > < < # | يونس : ( 1 - 3 ) الر تلك آيات . . . . . # > > ^ ( الر تلك آيات الكتاب الحكيم * أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل ~~منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون ~~إن هذا لساحر مبين * إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم ~~فاعبدوه أفلا تذكرون ) ^ } ) | وهي أولى المئين إن جعلها براءة مع الأنفال ~~من الطول , وإلا فبراءة أولاهن , مقصودها وصف الكتاب بأنه من عند الله من ~~عند الله لما اشتمل عليه من الحكمة وأنه ليس إلا من عنده سبحانه لأن غيره ~~لا يقدر على شيء منه , وذلك دال ريب على أنه واحد في ملكه لا شريك له في ~~شيء من أمره , وتمام الدليل على هذا قصة قوم يونس عليه السلام بأنهم لما ~~آمنوا عند المخايل كشف عنهم , فدل قطعا على ان الآتي به هو الله الذي آمنوا ~~به غذ لو كان غيره لكان إيمانهم به موجبا للإيقاع بهم , ولو عذبوا ms2087 كغيرهم ~~ليقل : هذه عادة الدهر , كما قالوا : قد مس آباءنا الضراء والسراء ودل ذلك ~~على أن عذاب غيرهم من الأمم إنما هو من عند الله لكفرهم لما اتسق من ذلك ~~طردا بأحوال سائر الأمم من أنه كلما وجد الإصرار على التكذيب وجد العذاب , ~~وعكسا منه كلما انتفى في وقت يقبل قبول التوبة انتفى - والله الموفق { بسم ~~الله } اي الذي لا أمر لأحد سواه فلا كلبام يشبه كلامه فلا كفوء له { ~~الرحمن } الذي عم بكلامه جميع خلقه فأوضح البيان { الرحيم * } الذي أتم ~~لمطيعهم نعمة الامتنان { آلر } فخم اراء ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم , ~~وأمالها ورش عن نافع بين بين , والباقون بالإمالة المحضة , والأصل في ذلك ~~الفتح , وكذا ما كان من أمثالها مما ألفاتها ليست منقلبة عن ياء نحو ما ولا ~~, وإمالتها للتنبيه على أنها أسماء للحروف وليست حروفا - نقل ذلك عن ~~الواحدي . | لما قدم في أول الأعراف الحث على إبلاغ النصيحة بهذا الكتاب ~~وفرغ مما اقتضاه PageV03P411 السياق من التحذير من مثل وقائع الأولين ~~ومصارع المامضين ومما استتبع ذلك من توصيل القول قي ترجمة هذا النبي الكريم ~~مع قومه في أول أمره وأثنائه وآخر في سورتي الأنفال وبراءة , وختم ذلك بأن ~~سور الكتاب تزيد كل أحد مماهو ملائم له متهيئ لقبوله وتبعده عما منافر له ~~بعيد من قبول ملاءمته . | وأن الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك قد حوى من ~~الأوصاف والحلي والأخلاق العلى ما يوجب الإقبال عليه والإسراع إليه . | ~~والإخبار بأن توليهم عنه لا يضره شيئا لأن ربه لامثل له وأنه ذو العرش ~~العظيم ؛ لما كان ذلك كذلك , اعاد سبحانه القول في شأن الكتاب الذي افتتح ~~به الأعراف وختم سورة التوبة , وزاده وصف الحكمه وأشار بأداة البعد إلى ~~رتبته فيها بعيدة المنال بديعة المثال فقال : { تلك } أي الآيات العظيمة ~~جدا التي اشتملت عليها هذه السورة , أو السور التي تقدمت هذه السورة أو هذا ~~القرآن الذي وافق كل ما فيه من القصص كل ما في التوارة والإنجيل من ذلك , ~~فدل ذلك على ms2088 صدق الآتي به قطعا لأنه لم يكن يعرف شيئا مما في في الكاتبين ~~ولا جالس أحدا يعلمه { الحكيم * } فكان فيما مضى - أن كونه من عند الله كاف ~~في وجوب اتباعه , وفيما هنا تأكيد الوجوب بكونه مع ذلك حكيما والآية : دليل ~~كالناطق بالحكمة لأنه يؤدي إلى النعرفة التي يميز بها طريق النجاة من طريق ~~الهلاك , وهو حاكم يبين الحق من الباطل في الأصول والفروع ويحكم بالعدل ~~الذي لا جور فيه بوجه في كل نازلة , ومحكم لما أتى به , مانع طريق النجاة ~~من طريق الهلاك , وهو حاكم يبين الحق من الباطل في الأصول والفروع ويحكم ~~بالعدل الذي لا جور فيه بوجه في كل نازلة , ومحكم لما أتى به , مانع له من ~~الفساد , لا يمحوه الماء ولا تحرقه النار ولا تغيره الدهور , وهذا ما ظهر ~~لي في التحامها بما قبلها ؛ وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت ~~سورة براءة قوله تعالى < # > 77 ( { إلا تنصروه فقد نصره الله } ) 77 < # > [ براءة : 40 ] وقوله < # > 77 ( { عفا الله عنك لما أذنت لهم } ) 77 < # > وقوله < # > 77 ( { ورحمة للذين آمنوا منكم والذينيؤذون رسول الله لهم عذاب اليم } ~~) 77 < # > [ براءة : 61 ] وقوله : < # > 77 ( { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } ) 77 < # > [ براءة : 128 ] إلى آخر السورة إلى ما تخلل أثناء ىي هذه السورة ~~الكريمة مما شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بتخصيصه بمزايا السبق ~~والقرب والاختصاص والملاطفة في الخطاب ووصفه بالرأفة والرحمة , هذا ما ~~انطوت هي والأنفال عليه من قهره أعداءه وتأييده ونصره عليهم وظهوره دينه ~~وعلو دعوته وإعلاء كلمته إلى غير هذا من نعم الله سبحانه عليه , وكان ذلك ~~كله مظنة لتعجيب المرتاب وتوقف الشاك ومثيرا لتحرك PageV03P412 ساكن الحسد ~~من العدو العظيم ما منحه عيه السلام , قال تعالى { أكان لناس عجبا أن ~~أوحينا إلى رجل أن أنذر الناس } إلى قوله : { لسحر مبين } ثم قال { إن بكم ~~الله } الآيات , فبين انفراده تعالى بالربوبية والخلق والاختراع والتدبير , ~~فكيف تعترض أفعاله أو يطلع البشر على وجه الحكمة في كل ما يفعله ويبديه ms2089 , ~~وإذا كان الكل ملكه وخلقه فيفعل في ملكه ما يشاء ويحكم في خلقه بما يريد { ~~ذلكم الله ربكم فاعبدوه } { ما خلق اله ذلك إلا بالحق } ثم توعد سبحانه ~~الغافلين عن التفكر في عظيم آياته حتى ادتهم الغفلة إلى مرتكب سلفهم في ~~العجب والإنكار حتى قالوا < # > 77 ( { لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا } ) 77 < # > [ الفرقان : 7 ] وقالوا < # > 77 ( { قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا } ) 77 < # > [ يس : 15 ] < # > 77 ( { قالوا انؤمن لبشرين مثلنا } ) 77 < # > [ المؤمنون : 47 ] < # > 77 ( { ما هذا إلا رجل يريد ان يصدكم عما كان يعبد آباؤكم } ) 77 < # > [ سبأ : 43 ] فقال تعالى متوعدا للغافلين { إن الذين لا يرجون لقاءنا ~~ورضوا بالحياة الدنيا } , ثم وعد المعتبرين فقال { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم } , وكل هذا بين الالتحام جليل الالتئام , ~~تناسجت آي السور - انتهى . | ولما كان كونه من عند الله مع كونه حكيما - ~~موجبا لقبوله بادئ بدء والسرور به لما تقرر في العقول وجبلت عليه الفطر من ~~أنه تعالى الخالق الرازق كاشف الضر ومدبر الأمر , كان ذلك موضع أن يقال : ~~ما كان حال من تلي عليهم ؟ فقيل : لم يؤمنوا , فقيل : ماشبهتهم ؟ هل قدروا ~~على معارضته والطعن في حكمته ؟ فقيل : لا ! بل تعجبوا من إنزاله على محمد ~~صلى الله عليه وسلم وليس بأكثرهم مالا ولا بأقدمهم سنا , فرجع حاصل تعجبهم ~~إلى ما قاله تعالى إنكارا عليهم . | فإنه لو أسل ذا سن قالوا مثل ذلك , وهل ~~مثل ذلك محل العجب ! { أكان } اي بوجه من الوجوه { للناس عجبا } اي الذين ~~فيهم اهلية التحرك غلى المعالي , والعجب : تغير النفس بما لا يعف سببه مما ~~خرج عن العادة ؛ ثم ذكر الحامل على العجب وهو اسم ( كان ) فقال بعد ما حصل ~~لهم شوق إليه : { أن أوحينا } أي ألقينا أوامرنا بما لنا من العظمة بواسطةو ~~رسلنا في خفاء منهين { إلى رجل } اي هو في غاية الرجولية , وهو مع ذلك { ~~منهم } بحيث إنهم يعرفون جميع أمره كما فعلنا بمن قبلهم والملك العظيم ~~الملك المالك التام الملك لا اعتراض ms2090 عليه فيما به تظهر خصوصيته من إعلاء من ~~شاء . | ولما كان في افيحاء معنى القول , فسره بقوله { ان أنذر الناس } أي ~~عامة , وهم الذين تقدم نداءهم أول البقرة , ما أمامهم من البعث وغيره إن لم ~~يؤمنوا أصلا أو إيمانا PageV03P413 خالصا ينفي كل معصية صغيرة أو كبيرة وكل ~~هفوة جليلة أو حقيرة على اختلاف الرتب وتباين المقامات { وبشر } أي خص { ~~الذين آمنوا } أي اوجدوا هذا الوصف وعملوا تصديقا لدعواهم له الصالحات , اي ~~من الأعمال اللسانية وغيرها , بالبشارة بقبول حسناتهم وتكفير سيئاتهم ~~والتجاوز عن هفواتهم وترفع درحجاتهم كما كان إرسال الرسل قبله وكما هو ~~مقتضى العدل في إثابة الطائع الطائع وعتاب العاصي , والإنذار : افعلام بما ~~ينبغي ان يحذر منه , والتبشير : التعريف بما فيه السرور , واضاف القدم - ~~الذي هو السابقة بالطاعة - إلى الصدق في قوله تعالى موصلا لفعل البشارة إلى ~~المبشر به دون حرف جر : { أن لهم } أي خاصة { قدم صدق } اي عمالا حقة ثابته ~~قدموها لأنفسهم صدوا فيها وأخلصوا فيما يسروا له لأنهم خلقوا له وكان مما ~~يسعى إليه بالإقدام , وزاد في البشارة بقوله : { عند ربهم } ففي إضافة ~~القدم تنبيه على أنه يجب أن يخلص له الطاعة كإخلاص الصدق من شوائب الكذب , ~~وفي التعبير بصفة الإحسان إشارة إلى المضاعفة . | ولما ثبت أن الرسول وام ~~أرسل به على وفق اعادة , انتفى أن يكون عجبا من هذه الجهة , فصار المحل ~~قابلا لأن يتعجب منهم فيقال : ما قالوا حين اظهروا العجب ؟ ومن أي وجه رأوه ~~عجبا ؟ فقيل : { قال الكافرون } اي الراسخون في هذا الوصف منهم وتبعهم ~~غيرهم مؤكدين ماحق قولهم من الإنكار { إن هذا } أي القول وما تضمنه من ~~الإخبار بما لا يعرف من البعث وغيره { لسحر } اي محمد لساحر - كما في قراءة ~~ابن كثير وحمزة والكسائي { مبين * } اي ظاهر في نفسه , وهو من شدة ظهوره ~~مظهر لكل شيء أنه كذلك , فجاؤوابما هو في غاية البعد عن وصفه , فإن السحر ~~قد تقرر لكل ذي لب انه - مع كونه تمويها لا حقيقة له - شر محض ليس ms2091 فيه شيء ~~من الحكمة فضلا عن ان يمتطي الذروة منه مع أن في ذلك ادعاءهم أمرا متنافضا ~~, وهو أنه من قول البشر كما هي العادة في السحر , وانهم عاجزون عنه , لأن ~~السحر فعل تخفي الحيلة فيه حتى يتوهم الإعجاز به , فقد اعترفوا بالعجز عنه ~~وكذبوا في ادعاء أنه لسحر لأن الآتي به منهم لم يفارقهم قط وما خالط عالما ~~لا بسحر ولا غيره حتى يخالطهم فيه شبهة , فهم يعلمون ان قولهم في غاية ~~الفساد , فشرع سبحانه يقيم الدليل على بطلان قولهم من أنه - مع ما تضمنه من ~~البعث - سحر , وعلى حقيقة انه من عنده من غير شبهة , وعلى أن الرسالة لا ~~عجب فيها , لأنه سبحانه خلق الوجود كله وهو نافذ الأمر فيه وقد ابتلى من ~~فيه من العقلاء ليردهم إليه ويحاسبهم فإنه لم يخلقهم سدى لأنه حكيم , فلا ~~بد من رسول يخبرهم بما يرضيه وما يغضبه لتقوم بذلك الحجة فقال : { إن ربكم ~~} أي الموجد لكم PageV03P414 والمربي والمحسن { الله } أي من ربى شيئا ~~ينبغي أن يكون حكيما وقادرا على أسباب صلاحه , فأيقظوا أنفسكم من سنة ~~غفلتها تعلموا أن هذا الكتاب من عند لذي له العظمة كلها قطعا , وأنه قادر ~~على بعثكم لأنه ربكم { الذي } على اتساعها وكثرة ما فيها من المنافع { في ~~ستة أيام } لحكمه أرادها على أن ذلك وقت يسير لا بفعل مثل ذلك في مثله إلا ~~من لا يعجزه شيء . | ولما أوجد سبحانه هذا الخلق الكثير المتباعد الأقطار ~~الواسع الانتشار المفتقر إلى عظيم التدبير ولطيف اتصريف والتقدير , عبر ~~سبحانه عن علمه فيه عمل الملوك في ممالكهم بقوله مشيرا إلى عظمته بأداة ~~التراخي : { ثم استوى } أي عمل في تدبيره وإتقان ما فيه وإحكامه عمل ~~المعتني بذلك { على العرش } المتقدم وصفه بالعظمة , وليست ( ثم ) للترتيب ~~بل كناية عن علو الرتبة وبعد منالها ؛ ثم بين ذلك الاستواء بقوله : { يدبر ~~} لأن التدبير أعدل أحوال الملك فالاستواء كناية عنه { الأمر } كله فلا ~~يخفي عليه عاقبة أمر من الأمور , فحصل الأمن بهذا من أن يفعل ms2092 شيء بغير علمه ~~, لأن التدبير تنزل الأمور في مراتبها على إحكام عواقبها , وهو مع ذلك منزه ~~عما تعرفونه من أحوال الملوك من أنه يكون في ممالكهم من يقضي بعض الأمور ~~بغير إذن منهم وإن علموا به لعجزهم عن المجاهرة بإدامة دفعه , بل هو متصف ~~بأنه { ما من شفيع } اي وغن كان بليغ الاتصاف بذلك . | ولما كان تمام قهره ~~وعظيم سلطانه لا يفيد احدا عند إنه له إذنا عاما لجميع الأزمان والأماكن , ~~أتى بالجار فقال : { إلا من بعد إذنه } فإذا لم يقدر شفيع على الكلام في ~~الشفاعة إلا بإذنه فكيف يقدر أحد أن يأتي بشء من الأشياء بغير إذنه فكيف ~~ياتي بكتاب حكيم ليس من عنده يعجز الخلق عن معارضته , فحصل الأمن ان يكون ~~غيره قاله أو شفع فيمن ابلغه من غير إرادة منه سبحانه , فتحرر أنه ليس إلا ~~من عنده وأنه أمر بإبلاغه , وقد عرف من هذا أن { ما من شفيع } في موضع ~~الدلالة على أنه لا يخرج عن تدبيره أمر من الأمور ولا يغلبه شيء اصلا فبطل ~~ما كانوا يقولون في الأصنام من الشفاعة وغيرها والشفيع : السائل في غيره ~~بتبليغ منزلة من عفو أو زيادة منزلة , وقد وقع ذكر الكتاب والرسول والعرش ~~مرتبا في أول هذه على ما رتب آخر تلك ؛ فلما تقرر ما وصف به من العظمة التي ~~لا يشاركه فيها أحد , وجب ان يعبد عبادة لا يشاركه فيها شيء , فنبه على ذلك ~~بقوله : { ذلكم } أي العظيم الشأن العالي المراتب { الله } أي الملك الأعلى ~~{ ربكم } الذي تقرر له من الغعظمة والإحسان بالإيجاد والتربية ما لا يبلغه ~~PageV03P415 وصف { فاعبدوه } أي فخصوه بالعبادة فإن عبادتكم مع الإشراك ~~ليست عبادة , ولولا فضله لم يكن لمن زل ادنى زلة طاعة . | ولما سبب سبحانه ~~عن أوصافه العلى ما وجب له من الأمر بالعبادة , تسبب عن ذلك الإنكار عليهم ~~في التوقف عنها ةالاحتياج فيها إلى بروز الأمر بها قام على استحقاقه ~~للأفراد بها من من الأدلة التي فيهم شواهدها فقال : { أفلا تذكرون * } أي ~~ولو ms2093 بأدنى انواع التذكير بما أشار إليه الإدغام , ما أخبركم سبحانه به ~~ونبهكم عليه بما يعمله كل أحد من نفسه من أنه لا يقدر أحد أن يعمل كل ما ~~يريد , ويعمل كثيرا مما لا غرض له فيه ويعلم أنه يضره إلى غيرذلك من الأمور ~~ليعلم قطعا أن الفاعلالحقيقي غيره وأنه لا بد لهذا الوجود من مؤثر فيه هو ~~في غاية العظمة لا يصح بوجه أن يشاركه شيء ولو كان أعظم ما يعرف من الأشياء ~~فكيف بجماد ا يضر ولا ينفع ! | < < # | يونس : ( 4 - 5 ) إليه مرجعكم جميعا . . . . . # > > ^ ( إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب ~~أليم بما كانوا يكفرون * هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا وقدره منازل ~~لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم ~~يعلمون ) ^ } ) | فلما تقرر انه هو الذي بدأ الخلق , تقرر بذلك أنه قادر ~~على إعادته فقال : { إليه } اي خاصة { مرجعكم } أي رجوعكم وموضع رجوعكم ~~ووقته حال كونكم { جميعا } لا يتخلف منكم أحد , تقدم وعده لكم بذلك { وعد ~~الله } أي الذي له الكمال كله { حقا } فهو تعليل لعبادته لعبادته لوحدانيته ~~, فيحيون بعد اموت ويحشرون إلى موضع جزاء الله تعالى لهم زمانه الذي قدره ~~له , ويرفع ما كان لهم من المكنة في الدنيا , فعلم قطعا أنه لا بد من ~~الرسول , فاستعدوا للقاء هذا الملك الأعظم بكل ما أمركم به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ؛ ثم أوضح التنبيه على قدرته مضمنا له بيان حكمته فقال معللا ~~لوجوب المرجع إليه مؤكدا عدا لهم في عداد المنكر للابتداء لأجل إنكارهم ما ~~يلزم عنه من تمام القدرة على البعث وغيره : { إنه يبدؤا الخلق } أي ينشئه ~~النشأة الأولى , له هذه الصفة متجددة التعلق على سبيل الاستمرار { ثم يعيده ~~} ليقيم العدل في خلقه بأن ينجزه لمن عبده , وعده بأن يعزه ويذل عدوه وذلك ~~معنى قواه : { ليجزي } . | ولما كان في سياق البعث , قدم أهل الجزاء ms2094 وبدأ ~~بأشرافهم فقال : { الذين آمنوا } أي وجدوا هذا الوصف الذي هو الأساس المتقن ~~لكل عمل صالح { وعملوا } أي وصدقوا إيمانهم بأن عملوا { الصالحات } جزاء ~~كائنا { بالقسط } واقتصر على العدل PageV03P416 دون الفضل ليفهم أن ترك ~~الحشو مخل بالعمل الذي هو محط الحكمةالتي هي اعظم مصالح السورة , والجزاء : ~~الإعطاء بالعمل ما يقتضيه العمل لم يكن جزاء مطلقا والقسط : العدل { والذين ~~كفروا } اي أوجدوا هذا الوصف { لهم } أي في الجزاء على جهة الاستحقاق { ~~شراب من حميم } اي مسخن بالنار أشد الإسخان { عذاب أليم } أي بالغ الإيلام ~~{ بما كانوا } اي جبلة وطبعا { يكفرون * } فإن عذابهم من أعظم نعيم ~~المؤمنين الذين عادوهم فيه سبحانه < # > 77 ( { فاليوم الذي من آمنوا من الكفار يضحكون على الأرائك ينظرون هل ~~ثوب الكفار ما كانوا يفعلون } ) 77 < # > [ سورة المطففين : 34 - 36 ] وكأنه قال : { يبدأ } مضارعا لا كما قال ~~في آية أخرى < # > 77 ( { كما بدأكم تعودون } ) 77 < # > [ الأنفال : 29 ] حكاية للحال وتصويرا لها تنبيها على تأمل ما يتجدد ~~إنشاءه ليكون أدعى لهم إلى تصور القدرة على الإعادة ؛ قال الروماني : وقد ~~تضمنت الآية البيان عما يوجبه التمكين في الدنيا من تجديد النشأة للجزاء ~~لأنه لا بد - مع التمكين من الحسن والقبيح - من ترغيب وترهيب لا يؤمن معه ~~العذاب على الخلود ليخرج المكلف بالزجر عن القبيح عن حال الإباحة له يرفع ~~التبعة عليه - انتهى . | فقد لاح بما ذكر ما تعين في اثناء السورة بتكريره ~~لتوضيحه وتقريره - أن مقصودها وصف الكتاب بما يدل قطعا على أنه من عنده ~~سبحانه وبإذنه , لأنه لا غائب من علمه ولا مدني لقدرته ولا مجترء على عظمته ~~, وأنه تام القدرة متفرد بالخلق والأمر فهو قادر على الإعادة كما قدر على ~~الابتداء , وأن المراد بالكتاب البشارة والنذارة للفوز عند البعث والنجاة ~~من غوائل يوم الحشر مع أنه سبحانه نافذ القضاء , فلا تغنى الآيات والدلالات ~~البينات عمن حكم بشقاوته وقضى بغوايته , وأن ذلك من حكمته وعدله فيجب ~~التسليم لأمره وقطع الهمم عن سواه ؛ ثم شرع سبحانه يقرر امر بدئه للخلق ~~وغعادته ms2095 في سياق مذكر بالنعم التي يجب شكرها , ويسمى المعرض عن شكره كافرا ~~فقال : { هو } أي غيره { الذي جعل } أي بما هيأ من الأسباب { الشمس } . | ~~ولما كان النور كيفية قابلة للشدة والضعف , خالف سبحانه في الأسماء مما يدل ~~على ذلك فقال نور الشمس { ضياء } اي ذات نور قوي ساطع وقدها منازل , هكذا ~~التقدير , لكن لما كانت في تقلبها بطيئة بالنسبة إلى القمر ذكره دونها فقال ~~: { والقمر } أي وجعل القمر { نورا } أي ذا نور من نورها { وقدره } أي ~~وزاده عليها بأن قدره مسيرة { منازل } سريعا يقبله فيها , وباختلاف حاله في ~~زيادة نوره ونقصانه تختلف أحوال الرطوبات والحرارات التي دبر الله بها هذا ~~الوجود - إلى غير ذلك من الأسرار التي هي فرع وجود الليل والنهار { لتعلموا ~~} بذلك علما سهلا { عدد السنين } أي PageV03P417 المنقسمة إلى الفصول ~~الأربعة وما يتصل بذلك من الشهور وغيرها ليمكن لكم تدبير المعاش في أحوال ~~الفصول وغيرها { والحساب } أي ذلك مما يدل على بعض تدبيره سبحانه . | ولما ~~كان ذلك مشاهدا لا مرية فيه , وصل به قوله : { ما خلق الله } أي الذي له ~~الكمال كله { ذلك } أي الأمر العظيم جدا { إلا بالحق } أي خلقا ملتبسا ~~بالحق الكامل في الحقية لا مرية فيه , فعلم أنه قادر على إيجاد الساعة كذلك ~~إذ لا فرق , وإذا كان خلقه كذلك فكيف يكون أمره الناشئ عنه الخلق غير الخلق ~~بأن يكون من السحر الذي مبناه على التمويه والتخييل الذي هو عين الباطل , ~~أو ما خلقه إلا بسبب إظهار الحق من العدل بين العباد بإعزاز الطائع وإذلال ~~العاصي , فإنه لا نعيم كالانتصار على المعادي والانتقام من المشانئئ , ~~والجعل : وجود ما به يكون الشيء على صفة لم يكن عليها , والشمس : جسم عظيم ~~النور فإنه يكون ضياء النهار ؛ والقمر : جسم نير يبسط نوره على جميع الظاهر ~~من الأرض ويكسفه نور الشمس ؛ والنور : شعاع فيه ما ينافي الظلام ؛ والحساب ~~: عدد يحصل به مقدار الشيء من غيره . | ولما كان النظر في هذه الآيات من ~~الوضوح بحيث لا يحتاج إلى كثير من ms2096 الاتصاف بقابلية العلم , ختم الآية بقوله ~~: { يفصل } أي الله في قراءة ابن كثير وأبيعمرو وحفص عن عاصم بالياء التحية ~~, وبالالتفات إلى أسلوب العظمة تعظيما للبيان في قراءة الباقين بالنون { ~~الآيت } أي يبين الدلائل الباهرة واحدة في إثر واحدة متفاصلة بيانا شافيا . ~~| ولما كان البيان لمن لا علم له كالعدم , قال : { لقوم } أي لهم قوة ~~المحاولة لما يريدون { يعملون } أي لهم هذا الوصف على سبيل التجدد ~~والاستمرار ؛ ولما كانت لهم المعرفة التامة والنظر الثاقب في منازل القمر ~~عدت من الجلي . | < < # | يونس : ( 6 - 9 ) إن في اختلاف . . . . . # > > ^ ( إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض ~~لآيات لقوم يتقون * إن الذين لا يرجون لقآءنا ورضوا بالحياة الدنيا ~~واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون * أولئك مأواهم النار بما كانوا ~~يكسبون * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من ~~تحتهم الأنهار في جنات النعيم ) ^ } ) | ولما اشار سبحانه إلى الاستدلال ~~على فناء العالم بتغيره وإلى القدرة على البعث PageV03P418 بإيجاد كل من ~~الملوين بعد إعدامهفي قوله - مؤكدا له لإنكارهم أن يكون في ذلك دلالة : { ~~إن في اختلاف الليل } أي على تباين اوصافه { والنهار } اي كذلك { وما } اي ~~وفيما { خلق الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { في السموات والأرض } من ~~أحوال السحاب والأمطار وما يحدث من ذلك الخسف والزلازل والمعادن والنبات ~~والحيونات وغير ذلك من أحوال الكل التي لا يحيط البشر بإحصائها ؛ لما أشار ~~إلى ذلك ختمها بقوله : { لآيات } أي دلالات بينة جدا { لقوم يتقون * } أي ~~أن من نظر في هذا الاختلاف وتأمل فيتقي الله ليعلمه قطعا بأن أهل هذه الدار ~~غير مهملين , فلا بد لهم من أمر ونهي وثواب وعقاب ؛ والاختلاف : ذهاب كل من ~~الشيئين في غير جهة الآخر , فاختلاف الملوين : ذهاب هذا في جهة الضياء وذاك ~~في جهة الظلام ؛ والليل : ظلام من غروب لشمسإلى طلوع الفجر الثاني إلى غروب ~~الشمس ؛ والخلق : فعل الشيء على ما تقتضيه الحكمة , وأصله التقدير ؛ ونبه ~~بما خلق في السماوات والأرض على وجوه الدلالات . | لأن الدلالة ms2097 في الشيء قد ~~تكون من جهة خلقه أو اختلاف صورته أو حسن منظره أو كثرة نفعه أو عظم امره ~~أو غير ذلك . | ولما أشير بالآية إلى انقراض الدنيا بأن الحادث لا ثبات له ~~, وقام الدليل القطعي على المعادن , ناسب تعقيبهابعيب من اطمأن إليها في ~~سياق مبين أن سبب الطمأنيية إنكار الطمأنينة اعتقادا أو حالا ؛ ولما كانت ~~ختم تلك ب { يتقون } لاح ان ثم من يتقى ومن لا يتقي ؛ ولما كان الغرور اكثر ~~, بدأ به تنفيرا عن حاله , لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح , فقال ~~مؤكدا لأجل إنكارهم : { إن الذين } ولما كان الخوف والرجاء معدن السعادة , ~~وكان الرجاء اقرب إلى الحث على الإقبال , قال مصرحا بالرجاء ملوحا إلى ~~الخوف : { لا يرجون لقاءنا } بالعبث بعد الموت ولا يخافون ما لنا من العظمة ~~{ ورضوا } أي عوضا عن الاخرة { بالحياة الدنيا } أي فعملوا لها عمل المقيم ~~فيها مع ما إشتملت عليه مما يدل على حقارتها { واطمأنوا } إليها مع الرضى { ~~بها } طمأنينة من لا يزعج عنها مع ما يشاهدونه مع سرعة زوالها { والذين هم ~~} أي خاصة { عن آياتنا } أي على ما لها من العظمة لا عن غيرها من الأحوال ~~الدنية الفانية { غافلون } اي غريقون في الغفلة , وتضمن قوله تعالى ~~استئنافا : { أولئك } اي البعداء البغضاء { مأوهم النار PageV03P419 بما } ~~أي بسبب ما { كانوا } اي جبلة وطبعا { يكسبون } فإن كسبهم ضلال - أنه لا ~~يعالجهم بالعقاب على تأخير المتاب , وجعلت ملاقاة ما لا يقدر إلا الله ~~تفخيما لشأنها كما جعل إتيان جلائل آيات الله في قوله : ^ ( { إلا يأتيهم ~~الله في ظلل من الغمام } ) ^ [ البقرة : 210 ] ونحوه , والاطمئنان : الركون ~~إلى الشيء على تمكن فيه , فهؤلاء مكنوا الأحوال للدنيافصار فرحهم وسخطهم ~~لها ؛ والغفلة : ذهاب المعنى عن القلب بما يضاد حضوره إياه , واليقضة ~~نقيضها . | ولما انقضى هذا القسم حالاومآلا , أتبعه سبحانه القسم الآخر ~~بقوله مؤكدا لإنكار الكفار هدايتهم : { إن الذين آمنوا } أي أوجدوا هذا ~~الوصف بما لهم من القوة النظرية التي كمالها معرفة الأشياء وسلطانها معرفة ~~الله تعالى { وعلموا } أي وصدقوا ms2098 دعواهم الإيمان بأن عملوا { الصالحات } ~~بالقوة العلمية التي سلطانها عبودية الله تعالى , والصالح : ما جاء بالحث ~~عليه الأنبياء عليهم السلام { يهديهم } اي على سبيل التجدد والاستمرار { ~~ربهم } اي المحسن إليهم { بإيمانهم } أي بسبب تصديقهم وإذعانهم لمعرفة ~~الآيات التي غفل عنها الذين يأملون البقاء ولا يرجون اللقاء , فقادتهم إلى ~~دار السلام , وهذا كما كان كثير من الصحابة رضي الله عنهم بعد إسلامهم يشتد ~~تعجبهم مما كان من تباطئهم عن الإسلام , وكما ترى انك تخنق على بعض الكلمة ~~فلا يدعك حظ النفس ترى له حسنة , ثم إنك قد ترضى عنه فتراه كله محاسن . | ~~ولما ذكر أم مآل القسم الأول النار , ذكر هذا القسم في معرض سؤال من يقول : ~~ماذا تورثهم هدايتهم ؟ فقيل له : { تجري } وأشار إلى قرب منال المياه ~~وانكشافها عن كل ما ينتفع به في غير ذلك بإثبات الجار فقال : { من تحتهم } ~~أي تحت غرفهم وأسرتهم وغير ذلك من مشتهياتهم كقوله تعالى ^ ( { قد جعل ربك ~~تحتك سريا } ) ^ [ مريم : 14 ] وكذا قول فرعون ^ ( { وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي } ) ^ [ الزخرف : 51 ] { الأنهار } كائنين { في جنات النعيم } اي التي ~~ليس فيها من غيره . | < < # | يونس : ( 10 - 11 ) دعواهم فيها سبحانك . . . . . # > > ^ ( دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن ~~الحمد لله رب العالمين * ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي ~~إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقآءنا في طغيانهم يعمهون ) ^ } ) | ولما ~~كان الواجب على العباد أولا تنزيهه تعالى عن النقائض التبي اعظمها الإشراك ~~. | وكان من فعل ذلك سلم من غوائل الضلال فربح نفسه فعرف ربه وفاز في شهود ~~حضرته بمشاهدة اوصاف الكمال , أشار التسليك في ذلك بقوله : { دعواهم } ~~PageV03P420 أي دعاؤهم العظيم الثابت الكثير الذي يقولونه فيها لا على وجه ~~التكليف , بل يلهمونه إلهام النفس في الدنيا { فيها } وأشار إلى مجامع ~~التنزيه عن كل شائبة نقص فقال : { سبحانك اللهم } إشارة إلى الأمر الأول هو ~~الأساسوهو المعراج في الآخرة { وتحيتهم } اي لله وفيما بينهم { فيها سلام } ~~إشارة غلى أول نتائج الأساس بأنه لا عطب معه ms2099 بوجه وهو نزول عن المعراج ~~بالنظر في أحوال الخلق { وآخر دعواهم } أيدعائهم العظيم وهو المعراج ~~الكمالي { أن الحمد } أي الكمال { لله } أي المحيط بجميع اوصاف الجلال ~~والجمال يعني أن التنزيه عن النقص أوجب لهم السلامة ؛ ولما سلموا من كل نقص ~~وصلوا إلى الحضرة فغرقوا في بحار الجلال وانكشفت لهم سمات الكمال ؛ والدعوى ~~: قول يدعى به أمر ؛ والتحية : التكرمه بالحال الجلية , وأصله من قولهم : ~~أحياك الله حياة طيبة , وأشار بقوله : { رب العالمين } إلى نعمة الإيجاد ~~إرشادا بذلك إلى القدرة على المعاد , وفيه هبوط عن المعراج الكمالي إلى ~~الخلق , وذلك إشارة إلى أن الإنسان لا ينفك عن الحاجة والنقصان . | ولما ~~أشير في هذه الآية إلى تنزهه تعالى وعلوه وتفرده بنعوت الكمال , ودل بختمها ~~بالحمد على إغحاطته وبرب العالمين على تمام قدرته وحسن تدبيره في ابتدائه ~~وإعادته , اتبعت بما يدل على ذلك من لطفه في معاملته من أنه لا يفعل شيئا ~~قبل أوانه لأن الاستعجال من سمات الاحتياج . بل وروى أبو يعلى وأحمد بن بن ~~منيع عن أنس رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ( التأني من ~~الله والعجلة من الشيطان ) قال شيخنا ابن حجر : وفي الباب عن سهل وسعد رضي ~~الله عنهما فقال تعالى عاطفا على قوله { يدبرالأمر } ما معناه أنه تعالى ~~يفعل فعل من ينظر في ادبار فلا يفعل إلا ما هو في غاية الإحكام , فهو لا ~~يعاجل العصاة بل يمهلهم ويسبغ عليهم النعم وهم في حال عصيانهم له أضل من ~~النعم يطلبون خبراته ويستعجلونه بها : { ولو يعجل الله } اي المحيط بصفات ~~الكمال { للناس } اي الذين اتخذوا القرآن عجبا لما لهم من صفة الاضطراب { ~~الشر استعجالهم } اي عاملا في إرادته لإيقاع الشر بهم مثل عملهم في إرادتهم ~~وطلبهم العجلة { بالخير لقضى } اي حتم وبت وأدى , بناه للمفعول في قراءة ~~PageV03P421 الجماعة دلالة على هوانه عنده , ولأن مجرد فراغه لا كونه من ~~معين . وبناه ابن عامر للفاعل ونصب الأجل { إليهم } إي الناس خاصة { أجلهم ~~} أي عمرهم أو آخر لحظة تكون ms2100 منه , فأهلك من في الأرض فاختل النظام الذي ~~دبره , ولكنه لا يفعل إلا ما تقدم من إمهاله لهم إلى ما سمي من الآجال ~~المتفاوتة . | وذلك سبب إضلال من يريد ضلاله . | ولعل التعبير بنون العظمة ~~في { فنذر } إشارة إلى أن الأمر في غاية الظهور ؛ فكان القياس هداهم لكثرة ~~ما عليه من الدلائل الظاهرة ولكنه تعالى أراد ضلالهم وهو من العظمة بحيث لا ~~يعجزه شيء . | ويجوز ان يكون معطوفا على قوله { أولئك مأواهم النار } لأن ~~معناه : أولئك يمهلهم الله إلى انقضاء ما ضرب لهم من الآجال مع مبالغتهم في ~~الإعراض . | ثم يكون مأواهم النار ولا يعجل لهم ما يستحقونه من الشر { ولو ~~يعجل الله للناس الشر } أي ولو يريد عجلة الشرللناس إذا خالفوه أو إذا ~~استعجلوه به في نحو قولهم ^ ( { فأمطر علينا حجارة من السماء } ) ^ [ ~~الأنفال : 32 ] ودعاء الإنسان على ولده وعبده , مثل استعجالهم أي مثل ~~إرادتهم تعجيل الخير . | وعدل عن أن يقال : ولو يستعجل الله للناس الشر { ~~استعجالهم بالخير } أي يعجل , دفعا لإيهام النقص بأن من يستعجل الشيء ربما ~~يكون طالبا عجلته من غير لعدم قدرته , وتنبيها على أن الأمر ليس إلا بيده { ~~لقضي إليهم اجلهم } فإنه إذا أراد شيئا كان ولم يتخلف أصلا . | ولما كان ~~التقدير لأن ( لو ) امتناعه : ولكنه سبحانه لا يفعل ذلك لأنه لا يفوته عادة ~~بل يهمل الظالمين ويدر آباءنا الضراء والسراء , سبب عن قوله : { فنذر } اي ~~على أي حالة كانت , ووضع موضع الضمير تخصيصا وتنبيها على ما أوجب لهم ~~الإعراض والجرأة قوله : { الذين } وأشار بنفي الرجاء إلى نفي الخوف على ~~الوجه الأبلغ فقال : { لا يردون لقآنا } اي بعد الموت بهذا الاستدراج على ~~ما لنا من العظمة التي من أمنها كان أضل من الأنعام { في طغيانهم } اي ~~تجاوزهم للحدود تجاوزا لا يفعله من له ادنى روية { يعمهون } أي يحكم ~~مشيئتنا السابقة في الزل عميا عن رؤية الآيات صما عن سماع البينات ؛ ~~والتعجيل : تقديم الشيء على وقته الذي هو أولى به ؛ والشر : ظهور ما فيه ~~الضر , وأصله الإظهار ms2101 من قولهم : شررت الثوب - إذا اظهرته للشمس , ومنه شرر ~~النار - لظهوره بانتشاره ؛ والطغيان : الغلو في ظلمهم العباد ؛ والعمه , ~~شدة الحيرة . | < < # | يونس : ( 12 - 14 ) وإذا مس الإنسان . . . . . # > > ^ ( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما فلما كشفنا ~~عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون * ~~ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجآءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ~~ليؤمنوا كذلك نجزي القوم PageV03P422 المجرمين * ثم جعلناكم خلائف في الأرض ~~من بعدهم لننظر كيف تعملون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما بين تعالى دأبهم استعجالهم بالخير , وكان منه استكشاف الضر , ~~بين أن حالهم عندهالاعتراف , وشكرهم على النجاة منه افنكار الآراء وسلامة ~~الطباع , فالحاصل أن الانسان عند البلاء غير شاكر , فكأنه قيل : فإذا مس ~~الإنسان منهم الخير كان في غفلة بالفرح والأشر والمرح { وإذا مس الإنسان } ~~منهم { الضر } وإن كان من جهة يتوقعها لطغيان هو فيه ولا ينزع عنه خوفا مما ~~يتوقعه من حلول الضر لشدةة طغيانه وجهله { دعانا } مخلصا معترفا بحقنا ~~عالما بما لنا من كمال العظمة عاملا بذلك معرضا عما ادعاه شريكا لنا كائنا ~~{ لجنبه } أي مضطجعا حال إرادته للراحة , وكأنه عبر باللام إشارة إلى أن ~~ذلك أسر أحواله إليه { أو قاعدا } أي متوسطا في احواله { أو قآئما } أي في ~~غاية السعي في مهماته , لا يشغله عن ذلك شيء في حال من الأحوال , بل يكون ~~ظرف المس بالضر , قال : لجنبيه , إشارة إلى استحكام الضر وغلبته بحيث لا ~~يستطيع جلوسا كما يقال : فلان لما به , وأشار بالفاء إلى قرب زمن الكشف ~~فقال : { فلما كشفنا } أي بما لنا من العظمة { عنه ضره } أي الذي دعانا ~~لأجله { مر } أي في كل ما يريده لاهيا عنا بكل اعتبار { كأن } أي كأنه { لم ~~يدعنآ } أي على ما كان يعترف به وقت الدعاء من عظمتنا ؛ ولما كان المدعو ~~يأتي إلى الداعي فيعمل ما دعاه لأجله قال : { إلى } أي كشف { ضر مسه } أي ~~كأن لم يكن له نبا معرفة أصلا فضلا عن ان يعترف ms2102 بانا نحن كشفنا عنه ضره , ~~فهذه الآية في بيان ضعف الإنسان وسوء عبوديته , والتي قبلها في بيان قدرة ~~الله وحسن ربوبيته ؛ والمس : لقاء من غير فصل ؛ والدعاء : طلب الفعل من ~~القادر عليه ؛ والضر : إيجاب الألم أو السبب المؤدي إليه . | ولما كان هذا ~~من فعل الإنسان من أعجب العجب . كان كأنه قيل : لم يفعل ذلك ؟ فقيل : لما ~~يزين له من الأمور التي يقع بها الاستدراج لإسرافه . | وهذا دأبنا أبدا { ~~كذلك } أي مثل هذا التزيين العظيم الرتبة ؛ ولما كان الضار مطلق التزيين , ~~بنى للمفعول قوله : { زين للمسرفين } أي كلهم العريقين في هذا الوصف { ما ~~كانوا } أي بجبلاتهم { يعملون } أي يقبلون عليه على سبيل التجديد ~~والاستمرار من المعصية بالكفر وغيره مع ظهور فساده ووضوح ضرره ؛ والإسراف : ~~الإكثار من الخروج عن العدل . | ولما كان محط نظرهم الدنيا , وكان هذا ~~صريحا في الإمهال للظالمين والإحسان إلى المجرمين , اتبعه بقوله تعالى ~~مهددا لهم رادعا عما هم فيه من اتباع الزينة مؤكدا PageV03P423 لأنهم ~~ينكرون أن هلاكهم لأجل ظلمهم : { ولقد أهلكنا } أي بما لنا من العظمة { ~~القرون } أي على ما لهم من الشدة والقوة ؛ ولما كان المهلكون هلاك العذاب ~~المستأصل بعض من تقدم , أثبت الجار فقال : { من قلبكم لما ظلموا } أي تكامل ~~ظلمهم إهلاكا عم آخرهم وأولهم كنفس واحدة دفعا لتوهم أنه سبحانه لا يعم ~~بالهلاك , وقال تعالى عطفا على { أهلكنا } : { وجآءتهم رسلهم } أي إلى كل ~~أمة رسولها { بالبينات } أي التي بينت بمثلها الرسالة { وما } أي والحال ~~أنهم ما { كانوا } أي بجبلاتهم , وأكد النفي بمن ينكر أن يتأخر إيمانهم عن ~~البيان فقال : { ليؤمنوا } ولو جاءتهم كل آيى , تنبيها لمن قد يطلب أنه ~~سبحانه يريهم بوادر العذاب أو ما اقترحوه من الآيات ليؤمنوا , فبين سبحانه ~~أن ذلك لا يكون سببا لإيمان من قضى بكفره , بل يستوي في التكذيب حاله قبل ~~مجيء الأيات وبعدها ليكون سببا لهلاكخ . | فكأنه قيل : هل يختص ذلك بالأمم ~~الماضية ؟ فقيل : بل { كذلك } اي مثل ذلك الجزاء العظيم { نجزي القوم } أي ~~الذين لهم قوة على حاولة ms2103 ما يريدونه { المجرمين } لأن السبب هو العراقة ~~فيما لا يتخلص منه من العذاب ؛ والقرن : أهل العصر لمقارنة بعضهم لبعض . | ~~ولما صرح بأن ذلك عام مجرم , أتبعه قوله : { ثم جعلناكم } أي أيها المرسل ~~إليهم أشرف رسلنا { خلائف في الأرض } أي لا في خصوص ما كانوا فيه : ولما ~~كان زماننا لم يستغرق ما بعد زمان المهلكين أدخل الجار فقال : { من بعدهم } ~~اي القرونوإنما ذلك لنراه في عالم الشهادة لإقامة الحجة { كيف تعملون } ~~فيتعلق نظرنا باعمالكم موجودة تخويفا للمخاطبين من أن يجرموا فيصيبهم ما ~~أصاب من قبلهم . | < < # | يونس : ( 15 - 17 ) وإذا تتلى عليهم . . . . . # > > ^ ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت ~~بقرآن غير هذآ أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن أتبع إلا ~~ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل لو شآء الله ما تلوته ~~عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون * فمن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون ) ^ } ) | ~~PageV03P424 ولما تقدم أن من قضى بشقاوته لا يتأتى إيمانه بأية من الآيات ~~حتى تنزل به سطوته وتذيقه بأسه ونقمته . | وكان القرآن أعظم آية أنزلت إلى ~~الناس لما لا يخفى . | أتبع ذلك عطفا على قوله { قال الكافرون إن هذا لسحر ~~مبين } بقوله بيانا لذلك : { وإذا تتلى } بناه للمفعول إيذانا بتكذيبهم عند ~~تلاوة أي تال كان . | وأبداه مضارعا إشارة إلى أنهم يقولون ذلك ولو تكررت ~~التلاوة { عليهم } أي على هؤلاء الناس { آياتنا } أي على ما لها من العظمة ~~بإسنادها إلينا { بينات } فإنه مع ما اشتمل عليه مما لزمهم به الإقرار ~~بحقيقة قالوا فيه ما لامعنى له إلا التلاعب والعناد , ويجوز عطفه على { ثم ~~جعلناكم خلائف } - الآية - والالتفات إلى مقام الغيبة للإيذان بأنهم ~~للإعراض لإساءتهم الخلافة , والموصول بصلته في قوله : { قال الذين لا يرجون ~~لقآءنا } في موضع الضمير تنبيها على أن هذا الوصف علة قولهم , ولعله عبر ~~بالرجاء ترغيبا لهم لأن الرجاء ms2104 محط أمرهم في طلب تعجيله للخير ودفعه للضمير ~~. فكان من حقهم أن يرجوا لقاءه تعالى رغبة في مثل ما أعده لمن أجابه , ولوح ~~إلى الخوف بنون العظمة ليكون ذلك أدعى لهم إلى الإقبال { ائت } أي من عندك ~~{ بقرآن } أي كلام مجموع جامع لما تريد { غير هذا } في نظمه ومعناه { أو ~~بدله } أي بألفاظ أخرى والمعاني باقية وقد كانوا عالمين صلى الله عليه وسلم ~~مثلهم في العجز عن ذلك ولكنهم قصدوا أنه يأخذ في التعبير حرصا على إجابة ~~مطلوبهم فيبطل مدعاه أو يهلك . | ولما كان كأنه قيل : فماذا أقول لهم ؟ قال ~~: { قل ما يكون } أي يصح ويتصور بوجه من الوجوه { لي } ولما كان التبديل ~~يعم القسمين الماضيين قال : { أن أبدله } وقال : { من تلقاء } أي عند وقبل ~~{ نفسي } إشارة إلى الرد عليهم في إنكار تبديل الذي أنزله بالنسخ بحسب ~~المصالح كما أنزل أصله لمصلحة العباد مع نسخ الشرائع الماضية به , فأنتج ~~ذلك قطعا قوله : { أن أتبع } أي بغاية جهدي { إلا ما } ولما كان قد علم أن ~~الموحي إليه الله قال { يوحى إلي } اي سواء كان بدلا أو أصلا ؛ ثم علل ذلك ~~بقوله مؤكدا لإنكارهم مضمونه : { إني أخاف } أي على سبيل التجدد والاستمرار ~~{ إن عصيت ربي } أي المحسن إلي والموجد لي والمربي والمدبر بفعل غير ما شرع ~~لي { عذاب يوم عظيم } فإني مؤمن به غير مكذب ولا شاك كغيري ممن يتكلم من ~~الهذيان بما لا يخاف عاقبته في ذلك اليوم , وإذا خفته - مع تم ما دفع به ~~مكرهم في طعنهم , اتبعه بعذره صلى الله عليه وسلم في الإبلاغ على وجه يدل ~~قطعا على انه كلام الله وما تلاه إلا بإذنه فيجتث طعنهم من أصله ويزيله ~~بحذافيره فقال : { قل } اي لهم معلما أنه سبحانه إما أن يشاء PageV03P425 ~~الفعل وإما أن يشاء عدمه وليست ثم حالة أصلا { لوشآء الله } أي الذي له ~~العظمة كلها أن لا أتلوه عليكم { ما تلوته } أي تابعت قراءته { عليكم ولآ ~~أدركم } اي أعلمكم على وجه المعالجة هو سبحانه { به } على ms2105 لساني ؛ ولما كان ~~ذكر ذلك أتبعه السبب المعرف به فقال : { فقد لبثت فيكم عمرا } ولما كان ~~عمره لم يستغرق زمان القبل قال : { من قبله } مقدار اربعين سنة بغير واحد ~~من الأمرين لكون الله لم يشأ واحدا منهما إذ ذاك , ثم أتيتكم بهذا الكتاب ~~الأحكم المشتمل على حقائق علم الأصول ودقائق علم الفروع ولطائف علم الأخلاق ~~وأسرار قصص الأولين في عبارة قد عجزتم - وأنتم افصح الناس وأبلغهم - عن ~~معارضة آية منها , فوقع بذلك العلم القطعي الظاهر جدا أنه من عند الله ~~فلذلك سبب عنه إنكار العقل فقال : { أفلا تعقلون } إشارة إلى أنه يكفي - في ~~معرفة أن القرآن منة عند الله وأن غير عاجز عنه - كون الناظر في أمره وأمري ~~من أهل العقل , أي أفلا يكون لكم عقل عرفتم أنكم عاجزون عن ذلك مع التظاهر ~~, فأنا وحدي - مع كوني اميا - أعجز , ومن انه تعالى لو شاء ما بلغكم , ومن ~~أني مكثت فيكم إتياني به زمنا طويلا لا أتلو عليكم شيئا ولا أدعي فيكم علما ~~ولا أتردد إلى عالم ؛ وتعرفوا ان قائل ما قلتم مكذب بآيات الله , وفاعل ما ~~طلبتم كاذب على الله , وكل من ذلك أظلم الظلم { فمن } اي فهو سبب لأن يقال ~~: من { أظلم ممن افترى } اي تعمد { على الله } اي الذي حاز جميع العظمة { ~~أو كذب بآياته } كما فعلتم أنتم , وذلك من أعظم الكذب ولما كان التقدير : ~~لا أحد أظلم منه فهو لا يفلح لأنه مجرم , علله بقوله مؤكدا لأجل إنكارهم : ~~{ إنه لا يفلح } أي بوجه من الوجوه { المجرمون } فد وضح أن المقصود نفي ~~الكذب عن نفسه صلى الله عليه وسلم وإلحاق الوعيد حيث كذبوا بالآيات بعد ~~ثبوت أنها من عند الله والإعلام بأنه لا أحد اظلم منهم لأنهم كذبوا على ~~الله في كل ما ينسبونه إليه مما نهى عنه وكذبوا يآياته , والإتيان بالغير ~~قد يكون مع وجود الأول والتبديل لا يكون إلا برفع الأول ووضع غيره مكانه ؛ ~~والتلقاء : جهة مقابلة الشيء , اتبعه بمجيئه بعده ؛ والمشيئة خاصة تكون ~~سببا مؤديا ms2106 إلى وقوع الشيء , ومرتبا له على وجه قد يمكن أن يقع خلافه , ~~والإرادة نظيرها ؛ والعقل : العلم الغريزي الذي يمكن به الاستدلال بالشاهد ~~على الغائب , ويجوز ان يكون { ويعبدون } حالا من { الذين لا يرجون لقاءنا } ~~أي قالوا ذلك PageV03P426 عابدين { من دون الله } أي الملك الأعلى الذي له ~~جميع صفات الكمال الذي ثبت عندهم أن هذا القرآن كلامه لعجزهم عن معارضة شيء ~~منه وهو ينهاهم عن عبادة غير وهم يعلمون قدرته على الضر والنفع . | ولما ~~كان السياق للتهديد والتخويف , قدم الضر لذلك وتنبيها لهم على انهم مغمورون ~~في نعمه التي لا قدرة لغيره على منع شيء منها , فعليهم ان يقيدوها بالشكر ~~فقال : { مالا يضرهم } اي أصلامن الأصنام وغيرها { ولا ينفعهم } في معارضة ~~القرآن معاقبا على المعصية وإلا كانت عبادته عبثا , معرضين عما جاءهم من ~~الآيات البينات من عند من يعلمون أنه يضرهم وينفعهم ولا يملك شيئا من ذلك ~~أحد سواه , وقد أقام الأدلة على ذلك غير مرة , وفي هذا غاية التبكيت لهم ~~بمنابذة العقل مع غدعائهم رسوخ الأقدام فيه وتمكن المجال منه ؛ والعبادة : ~~خضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع ؛ ثم عجب منهم تعجبا آخر فقال : { ~~ويقولون } أي لم يكفهم قوله ذلك مرة من الدهر حتى يجددوا قوله مستمرين عليه ~~: { هؤلاء } أي الأصنام أو غيرهم { شفعاؤنا } أي ثابته شفاعتهم لنا { عند ~~الله } أي الملك الأعظم الذي لا يمكن الدنو من شيء من حضرته إلا بإذنه , ~~وقد تخجيلهم في العجز عن تبديل القرآن أو الإتيان بشيء من مثله حيث لم ~~تنفعهم فيذلك فصاحتهم ولا أغنت عنهم شيئا بلاغتهم , وأعوزهم في شأنه ~~فصحاءهم , وضل عنهم شفعاءهم , فدل ذلك قطعا على أنه ما من شفيع إلا بإذنه ~~من بعد , فكأنه قال : بماذا أجيبهم ؟ فقال : { قل } منكرا عليهم هذا العلم ~~{ أتنبئون } أي تخبرون إخبارا عظيما { الله } وهو العالم بكل شيء المحيط ~~بكل كمال { بما لا يعلم } أي لا يوجد له به علم في وقت من الأوقات { في ~~السموات } ولما كان الحال مقتضيا لغاية الإيضاح , كرر النافي تصريحا ms2107 فقال : ~~{ ولا في الأرض } وفي ذلك من الاستخفاف بعقولهم مما لا يقدرون على الطعن ~~فيه بوجه ما يخجل الجماد , فإن ما لا يكون معلوما لله لا يكون له وجود اصلا ~~, فلا نفى أبلغ من هذا كما أنك إذا بالغت في نفي شيء عن نفسك تقول : هذا ~~شيء ما عمله الله مني . | ولما بين تعالى هنا ما هم عليه من سخافة ~~العقولوركاكة الآراء , ختم ذلك بتنزيه نفسه بقوله : { سبحانه } اي تنزه عن ~~كل شائبة نقص تنزها لا يحاط به { وتعالى } أي وفعل بما له من الإحاطة ~~بأوصاف الكمال فعل المبالغ في التنزه { عما يشركون * } أي يوجدون الإشراك ~~به | PageV03P427 < # > 71 ( < # > 72 ( س 10 # 18 < # > 20 < # > < # > > ^ ( وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لقضي بينهم فيما فيه يختلفون * ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما ~~الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين ) ^ ) | ولما بين شرارتهم بعبادة ~~غير الله وختم بتنزيهه وكماله ، بين أن هذا الدين الباطل حادث / وبين ~~نزاهته وكماله ببيان أن الناس كانوا أولا مجتمعين على طاعنه ثم خالفوا أمره ~~فلم يقطع إحسانه إليهم با استمر في إمهالهم مع تماديهم في سوء أعمالهم ما ~~سبق في علمه ومضى به قضاءه فقال تعالى : { وما كان الناس } أي كلهم مع ~~مالهم من الإضطراب لآإلا أمة } ولما أفهم ذلك وحدتهم غب القصد حققه وأكده ~~فقال : { واحدة } أي حنفاء متفقين عل ىطاعة الله { فاختلفوا } في ذلك على ~~عهد نوح عليه السلام - كما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما - عقب وحدتهم ~~بسبب ما لهم من النوس فاستحق كافرهم تنجيز العقاب { ولولا كلمة } أي عظيمة ~~{ سبقت } أي في الأزل { من ربك } أي المحسن إليك برحمة أمتك بإمهالهم ، ~~وبين التأكيد بما دل على القسم لأجل إنكارهم أن يكون تأخيرهم لأجل ذلك فقال ~~: { لقضى بينهم } أي عاجلا بأيسر أمر { فيما } ولما لم يبين الكلام على ~~الاتخاذ الذي محط أمره معالجة بالباطن ، لم يذكر الضمير بخلاف الرمز فقال { ~~فيه } أي لا غيره بأن ms2108 يعجل جزاءهم : { يختلفون } وأشار ذلك إلى أن هذا ~~الأمر الذي دعوا إليه ليس أمرا طارئا حادثا فيكون بحيث يتوقف فيه للنظر في ~~عواقبه والتأمل في مصادره وموارده ، بل هو مع ظهور دلائلة واستقامة مناهجة ~~وصحة مذاهبه وإلقاء الفطر أزمة الانقياد إليه - أصل ما كان العباد عليه ، ~~وما هم فيه الآن هو الطارئ الحادث مع ظهور فساده ووضوح سقمه ، وهو ناظر ~~إلأى قوله تعالى { أكان للناس عجبا } لأن قوله { قال الكافرون إن هذا لسحر ~~مبين } دال على أنهم قسمان : كافر ومؤمن ، والأمة : الجماعة على معنى واحد ~~في خلق واحد كأنها تؤم - أي تقصد - شيئا واحدا لما أتتهم البنات قالوا : ~~ائت بقرآن غير هذا ، كافرين بمنزلها عابدين من دونه ما لا يرضى عاقل ~~بتسويته بنفسه فكيف بعبادته قائلين بفرط عنادهم وتماديهم في التمرد { لولا ~~} أي هلا ولم لا { أنزل } أ ] بأي وجه كان { عليه آية } أي واحدة كائنة ~~وآتية { من ربه } أي المحسن إليع غير ما جاء به وذلك إما لطلبهم آية ملجئة ~~لهم إلأى الإيمان أو لكونهم لم يعدوا ما أنزل عليه عداد الآيات فضلا عن ~~كونها بينات بالقرآن PageV03P428 وحده آية باقية على وجه الدهر بديعة في ~~الآيات دقيقة المسلك بين المعجزات مع عجزهم عن معارضته بتبديل أو غيره ، ~~فأي عناد أعظم من هذا . | ولما كان في شوب من الاستفهام ، قال مسببا عن ~~قولهم : { فقل } قاصرا قصرا حقيقيا { إنما الغيب } أي الذي عناه عيسى عليه ~~السلام بقوله { ولا أ ‘ لم ما في نفسك } [ المائدة : 116 ] وهو ما لم يطلع ~~عليه مخلوق أصلا { لله } أي الذي له الإحاطة الكاملة وحده ، لا علم اي بعلة ~~عدم إنزال الآيات من الممكنات ، سبب عنه قوله : هذا الأمر { فانتظروا } ثن ~~أجاب من كأنه يقول له : فما تعمل أنت ؟ بقوله { إني معكم } أي في هذا الأمر ~~غير مخالف لكم في التشوف إلى آية تحصل بها هدايتكم ، ثم حقق المعنى وأكده ~~فقال : { من المنتظرين } أي لما يردعلى من آية وغيرها . | < < # | يونس : ( 21 - 23 ) وإذا أذقنا الناس . . . . . # > > ^ ( وإذآ أذقنا ms2109 الناس رحمة من بعد ضرآء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا ~~قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون * هو الذي يسيركم في البر ~~والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح ~~عاصف وجآءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له ~~الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين * فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون ~~في الأرض بغير الحق يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا ~~ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ) ^ } ) | ولما كان طلبهم محركا ~~لنفوس الخيرين إلى ترجى إجابة سؤالهم , أتبعه سبحانه بما يبين أن ذلك غير ~~نافع لهم لأنه محض تعنت . | فقال تعالى عاطفا على قوله { قال اكافرون إن ~~هذا لسحر مبين } أو { وإذا مس الإنسان الضر } مبينا أن رحمته محققة الوجود ~~كثيرة الورود إليهم مبينا أن لهم آية عظمى من أنفسهم لا يحتاجون معها إلى ~~التعنت بطلب آية وهي دالة على نتيجة مقصود السورة الذي هو الوحدانية وأن ~~إشراكهم إنما هو بما لهم من نقص الغرائز الموجب لكفران الإحسان , وذلك انهم ~~عامة إذا أكرموا بنعمة قابلوها بكفر جعلوا ظرفه على مقدار ظرف تلك النعمة ~~بما اشار إليه التعبير ب ( إذا ) ثم بنعمة قابلوها بكفرجعلوا ظرفه على ~~مقدار ظرف تلك النعمة بما اشار إليه التعبيرب ( إذا ) ثم إذا مسهم الضر ~~ألجأهم إلى الحق فأخلصوا , لم يختلف حالهم في هذا قط , وهذا الإجماع من ~~الجانبين دليل واضح على كلا الأمرين ؛ الكفر ظلما بما جر إليه من البطر . | ~~والتوحيد حقا بما دعا إليه من الفطرة القويمة الكائنة في أحسن تقويم بما ~~زال عنها إلحاق الضرر من الخطوط والشهوات والفتور , وهذا كما وقع في سورة ~~الروم المافقة لهذه في الدلالة على الوحدانية فلذا عبر في كل منهما بالناس ~~ليكون إجماعهم دليلا كافيا عليها وسلطانا جليلا مضطرا إليها - والله الهادي ~~: { وإذا أذقنا } أي على ما لنا من العظمة { الناس } اي الذين PageV03P429 ~~لهم وصف الاضطراب { رحمة } اي نعمة ms2110 رحمناهم بها من غير استحقاق . | ولما ~~كان كان وجود النعمة لا يستغرق الزمان الذي يتعقب النقمة , أدخل الجار فقال ~~: { من بعد ضراء } أي قحط وغيره { مستهم } فاجأوا المكر وهو معنى { إذا لهم ~~مكر } أي عظيم بالمعاصي التي يفعلون في الاستخفاء بأغلبهافعل الماكر { في ~~آياتنا } إشارة إلى انهم لا ينفكون عنآياته العظام , فلو كانوا منتفعين ~~بالآيات اهتدوا بها , فإذا أتتهم رحمة من بعد نقمة لم يعدوها آية دالة على ~~من أرسلها لهم لخرقها لما كانوا فيه من عادة النقمة مع أنهم يعترفون بأنهلا ~~يقدر على إرسالها وصرف الشدةإلا هو سبحانه , بل يعملون فيها عمل الماكرين ~~بأن يصرفوها عن ذلك بأنواع الصوارف كأن ينسبوها إلى السباب كنسبة المطر ~~للأنواء ونحو ذلك غير خائفين من إعادة مثل تلك الضراء أو ما هو اشد منها . ~~| ولما كانت هذه الجملة دالة على إسراعهم بالمكر من ثلاثة أوجه : التعبير ~~بالذوق الذي هو أول المخالطة ولفظ ( من ) التي هي للابتداء و ( إذا ) ~~الفجائية , كان كأنه قيل : أسرعوا جهدهم في المكر فقيل : { قل الله } أي ~~الذي له له الإحاطة الكاملة بكل شيء { أسرع مكرا } ومعنى اوصف بالأسرعة أنه ~~قضى بعقابهم قبل تدبيرهم مكايدهم - نبه عليه أبو حيان ولما كان المكر إخفاء ~~الكيد , بين لهم سبحانه أنهم غير قادرين على مطلق المكر في جهته عز شأنه ~~وتعالى كبرياءه وسلطانه , لأنه عالم بالسر وأخفى , بل لا يمكرون مكرا إلا ~~ورسله سبحانه مطلعون عليه فكيف به سبحانه ! فقال تعالى مؤكدا لأجل إنكارهم ~~: { إن رسلنا } أي على ما لهم من العظمة بإضافتهم إلينا { يكتبون } أي ~~كتابة متجددة على سبيل الاستمرار باستمرار المكتوب { ما تمكرون * } لأنهم ~~قد وكلوا بكم قبل كونكم نطفا ولم يوكلوا بكم إلا بعد علم موكلهم بكل ما ~~يفعلونه ولا يكتبون مكركم إلا بعد اطلاعهم عليه , واما هو سبحانه فإذا قضى ~~لا يمكن أن يطلع عليه رسله إلا باطلاعه فكيف بغيرهم ! وإذا تبين انه عالم ~~بأمورهم وهم جاهلون بأموره , علم أنه لا يدعهم يدبرون كيدا إلا وقد سبب له ~~ما ms2111 يجعله في نحورهم ؛ والمكر : فتل الشيء إلى غير وجهه على طريق الحيلة فيه ~~؛ والسرعة ؛ الشيء في وقته الذي هو أحق به , وقد تضمنت الآ ؟ ية البيان عما ~~يوجبه حال الجاهل من تضييع حق النعمة والمكر فيها وإن جلت منزلتها وأتت على ~~فاقة إليها وشدة حاجة إلى نزولها مع الوعيد بعائد الوبال على الماكر فيها , ~~ثم أخذ سبحانه يبين ما يتضح به أسرعية مكره في مثال دال على ما في ~~PageV03P430 الاية قبلها من نقله سبحانه لعباده من الضر إلى النعمة ومن ~~سرعة تقلبهم فقال : { هو } أي لا غيره { الذي يسركم } أي في كل وقت تسيرون ~~فيه سيرا عظيما لا تقدرون على الانفكاك عنه { في البر والبحر } أي بسبب لكم ~~أسبابا توجب سيركم فيهما ويقدركم على ذلك ويهديكم من بين سائر الحيونات إلى ~~ما فيه من أصصناف المنافع مع قدرته على إصابتكم في البر بالخسف وما بالخسف ~~وما دونه وفي البحر بالغرق وما أشبهه . | ولما كان العطب بأحوال البحر اظهر ~~مع ان السير فيه من اكبر الآيات وأوضح البينات , بينه معرضا عن ذكر البر ~~فقال : { حتى إذا كنتم } أي كونا لا براح لكم منه { في الفلك } اي السفن , ~~يكون واحدا وجمعا ؛ وأعرض عنهم بعد الإقبال لما سيأتي فقال : { وجرين } أي ~~الفلك ؛ { بهم } ولما ذكر جريها وهم فيها , ذكر سببه فقال : { بريح طيبة } ~~ثم أوضح لهم عدم علمهم بالعواقب بقوله : { وفرحوا بها } أي بتلك الريح ~~وبالفلك الجارية بها { جاءتها ريح عاصف } فأزعجت سفنهم وساءتهم { وجاءهم ~~الكوج } أي المعروف لكل أحد بالرؤية أو الوصف { من كل مكان } اي يعتاد ~~الإتيان منه فأرجف قلوبهم { وظنوا انهم } ولما كان المخوف الهلاك , لا كونه ~~من معين , بيني للمفعول ما هو كناية عنه لأن العدو إذا أحاط بعدوه أيقن ~~بالهلاك فقال : { احيط بهم . } ولما كان ما تقدم من حالهم الغربية التي تجب ~~لها القلوب وتضعف عندها القوى - مقتضيا لأن يسأل عما يكون منهم عند ذلك , ~~أتى المقال على مقتضى هذا السؤال مخبرا عن تركهم العناد وإخلاصهم الدال على ms2112 ~~جزعهم عند سطواته وانحلال عزائمهم في مشاهدة ضرباته , وعبارة لرماني : ~~اتصال الأجوبة , كأنه قيل : لما ظنوا انهم احيط بهم { دعواالله } أي الذي ~~له صفات الكمال بالرغبة إليه في الخلاص والعبادة له بالإخلاص { مخلصين } أي ~~عن كل شرك { له الدين * } أي التوحيد والتصديق بالظاهر والباطن , وقد تضمنت ~~الآية البيان عما يوجبه بديهة العقل من الفزع عند الشدة إلى واهب السلامة ~~ومسبغ النعمة في كشف تلك البلية ؛ ثم أتبع سبحانه ذلك حكاية حالهم في وعدهم ~~الشكر على النجاة ثم كذبهم في ذلك مع إدعائهم أنهم أطهر الناس ذيولا عن ~~الكذب وأشدهم استقباحا له وأبعد الناس من كفران الإحسان , فقال تعالى حاكيا ~~قولهم الذي دلوا بتأكيدهم له أنهم قالوه بغاية الرغبة نافين ما يظن بهم من ~~الرجوع إلى ما كانوا فيه قبل تلك الحال من الكفر : { لئن أنجيتنا } أي أيها ~~الملك الذي لا سلطان لغيره { من هذه } اي الفادحه { لنكونن } أي كونا لا ~~ننفك عنه { من الشاكرين * } اي المديمين لشكرك العريقين في الاتصاف به . | ~~ولما أعلم سبحانه أنهم اكدوا هذا الوعد هذا التأكيد , أتبعه بيان أنهم ~~أسرعوا في PageV03P431 نقضه غاية الإسراع فقال : { فلما انجاهم } ولما ~~أبانت الفاء عن الإسراع في النقض , أكد مناجاتهم لذلك بقوله : { إذا هم ~~يبغون } أي يتجاوزون الحدود { في الأرض } اي جنسها { بغير الحق } أي الكامل ~~, فلا يزال الباغي مذموما حتى يكون على الحق الكامل الذي لا باطل فيه بوجه ~~, وجاء الخطاب أولا في { يسيركم } ليعم المؤمنين لأن التسيير يصلح للامتنان ~~, ثم التفت إلى الغيبة عند صدور ما لا يليق بهم - نبه على ذلك أبو حيان , ~~وأحسن منه أن يقال : إنه سبحانه أ ؟ قبل عليهم تنبيها على أنه جعلهم - بما ~~هيأ فيهم من الوى - اهلا لخطابه ثم أعر عنهم إشارة إلى أنهم استحقوا ~~الإعراض لإعراضهم اغترارا بما أتاحهم ؛ والتسيير : التحريك في جهة تمتد ~~كالسير ؛ والبر : الأرض الواسعة التي تقطع من بلد , ومنه البر لاتساع الخير ~~به ؛ والبحر : مستقر الماء الواسع حتى لا يرى من وسطه حافتاه ؛ والفلك : ~~السفن التي تدور ms2113 في الماء , وأصله الدور , فمنه فلكة المغزل , والفلك الذي ~~يدور في النجوم ؛ والحق : وضع الشيء في موضعه على ما يدعو إليه العقل ؛ ثم ~~بين أن ما هم فيه من الإمهال إنما هو متاع الدنيا وأنها دار زوال فقال ~~تعالى : { يأيها الناس } أي الذي غلب عليهم وصف الاضطارب { إنما بغيكم } أي ~~كل بغي يكون منكم { على أنفسكم } لعود الوبال عليها خاصة وهو على تقدير ~~انتفاعكم به عرض زائل { متاع الحياة الدنيا } ثم يبقى عاره وخزنه بعد الموت ~~{ ثم إلينا } اي خاصة { مرجعكم } بعد البعث { فننبئكم } على ما لنا من ~~العظمة إنباء عظيما { بما كنتم } أي كونا هو كالجبلة { تعلمون * } ونجازيكم ~~عليه . | < < # | يونس : ( 24 ) إنما مثل الحياة . . . . . # > > ^ ( إنما مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من السمآء فاختلط به نبات ~~الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلهآ ~~أنهم قادرون عليهآ أتاهآ أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن ~~بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ) ^ } ) | ولما كان الياق لإثبات ~~البعث وتخويفهم به وكانوا ينكرونه ويعتقدون بقاء الدنيا وأنها إنما هي ~~أرحام تدفع وأرض تبلغ دائما بلا انقضاء فهي دار يرضى بها فيطمئن غليها , ~~وللتنفير من البغي والتعزز بغير الحق , وكانت الأمثال أجلى لمحال الأشكال , ~~قال تعالى ممثلا لمتاعها قاصرا امرها على الفناء ردا عليهم في اعتقاد ~~دوامها من غير بعث : { إنما } فهو قصر قلب { مثل الحياة الدنيا } التي ~~تتنافسون فيها في سرعة انقضائها PageV03P432 وانقراض نعيمها بعد عظيم ~~إقباله { كماء أنزلناه } أي بما لنا من العظمة وحقق أمره وبينه بقوله : { ~~من السماء } فشبهه بأمر النبات وانه قليل يبلغ منتهاه فتصبح الأرض منه ~~بلاقع بعد ذلك الاخضرار والينوع , وفي ذلك إشارة إلى البعث وإلى أنه تعالى ~~قادر على ضربة قبل نهايته أو بعدها ببعض الآفات كما يوجد في بعض السنين , ~~فيقفرون منه ويفتقرون إليه , وفي ذلك تحذيرعظيم { فاختلط } أس بسبب إنزالنا ~~له { به } اي بسبب تلبية ولطافته { نبات الأرض } عموما في بطنها { مما يأكل ~~الناس } أي كافة { والأنعام } من ms2114 الحبوب والثمار والبقول فظهر على وجهها { ~~حتى } ولم يزل كذلك ينمو ويزيد في الحسن والجرم ؛ ولما كان الخصب هو الأصل ~~, عبر عنه بأداة التحقيق فقال : { إذا } ولما كانت بهجة النبات تابعة للخصب ~~, فكان الماء كأنه يعطيها إياها فتأخذه , قال : { أخذت الأرض } أي التي لها ~~أهلية النبات { زخرفها وازينت } بأنواع ذلك النبات زينة منها الجلي ومنها ~~الخفي - بما يفهمه الإدغام { وظن أهلها } أي ظنا مؤكدا جدا بما أفاده ~~العدول عن ( قدرتهم ) إلى { انهم قادرون } أي ثابته قدرتهم { عليها } ~~باجتناء الثمرة من ذلك النبات وغاب عنهم لجهلهم علم العاقبة , فلما كان ذلك ~~{ أتاها امرنا } اي الذي لا يرد من البرد أو الحر المفرطين { ليلا أو نهارا ~~فجعلناها } أي زرعها وزينتها بعظمتها بسبب ذلك الأمر وتعقيبه بالإهلاك { ~~حصيدا } وعبر بما فهمه فعيل من المبالغة والثبات بقوله : { كأن } اي كأنها ~~{ لم تغن } أي لم تكن غانية أي ساكنة حسنة غنية ذات وفر مطلوبة مرغوبة فيها ~~أي زرعها وزينتها { بالأمس } فكان حال الدنيا في سرعة انقضائها وانقراض ~~نعيمها بعد عظيم إقباله كحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاما بعد ما التف ~~وزين الأرض بخضرته والوانه وبهجته . | ولما كان هذا المثل في غاية المطابقة ~~للساعة , هز السامع له فازداد عجبه من حسن تفصيله بعد تأصيله فقيل جوابا له ~~: { كذلك } اي مثل هذا التفصيل الباهر { نفصل } اي تفصيلا عظيما { الآيات ~~لقوم } أي ناس أقوياء فيهم قوة المحاولة لما يريدون { يتفكرون * } أي يجدون ~~الفكر على وجه الاستمرار والمبالغة ؛ والمثل : قول سائر يشبه فيه الحال ~~الثاني بالأول ؛ والاختلاط : تداخل الأشياء بعضها في بعض ؛ والزخرف : حسن ~~الألوان . | < < # | يونس : ( 25 - 29 ) والله يدعو إلى . . . . . # > > ^ ( والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشآء إلى صراط مستقيم * ~~للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون * والذين كسبوا السيئات جزآء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما ~~لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت PageV03P433 وجوههم قطعا من الليل مظلما ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * ويوم نحشرهم جميعا ms2115 ثم نقول للذين ~~أشركوا مكانكم أنتم وشركآؤكم فزيلنا بينهم وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا ~~تعبدون * فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما قرر سبحانه هذه الآيات التي حذر فيها من أنواع الآفات , بين أن ~~الدار التي رضوا بها وأطمأنوا إليها دار المصائب ومعدن الهلكات والمعاطب ~~وأنها ظل زائل تحذيرا منها وتنفيرا عنها , بين تعالى ان الدار التي دعا ~~إليها سالمه من كل نصب وهم ووصب , ثابته بلا زوال , فقال تعالى عاطفا على ~~قوله { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض } ترغيبا في الآخرة وحثا عيها ~~: { والله } أي الذي له الجلال والإكرام { يدعوا } أي يعلق دعاءه على سبيل ~~التجدد والاستمرار بالمدعوين { إلى دار السلام } عن قتادة انه سبحانه ~~أضافها إلى اسمه تعظيما لها وترغيبا فيها , يعني بأناه لا عطب فيها أصلا , ~~والسلامة فيها دائمة , والسلام فيها فاش من بعضهم على بعض ومن الملائكة ~~وغيرهم ؛ والدعاء : طلب الفعل بما يقع لأجله , والدواعي إلى الفعل خلاف ~~الصوارف عنه . | ولما أعلم - بالدعوة بالهداية بالبيان وأفهم ختم الآية ~~بقوله : { ويهدي من يشاء } اي بما يخلق في قلبه من الهداية { غلى صراط ~~مستقيم * } ان من الناس من يهديه ومنهم من يضله . | وأن الكل فاعلون لما ~~يشاء - كان موضع أن يقال : هل هم واحد في جزائه كما هم واحد في الانقياد ~~لمراده ؟ فقيل : لا , بل هم فريقان : { لذين أحسنوا } أي الأعمال في الدنيا ~~منهم وهم من هداه { الحسنى } أي الخصلة التي هي في غاية الحسن من الجزاء { ~~وزيادة } أي عظيمة من فضل الله فالناس : مزيد خرجت هدايته من الجهاد < # > 77 ( { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ) 77 < # > [ العنكبوت : 69 ] ومراد خرجت هدايته من المشيئة , فالدعوة إلى الجنة ~~يالبيان عامة , والهداية إلى الصارط خاصة لأنها الطرق إلى المنعم . | ولما ~~كان النعيم لا يتم إلابالدوام بالأمن من المضار قال : { ولا يرهق } أي يغشي ~~ويلحق { وجوهرهم قتر } أي غبره كغيره الموت وكربة , وهو تغير في الوجه معه ~~سواد وعبوسة تركيبها غلبة { ولا ذلة } أي كآبةوكسوف ms2116 يظهر منه الاكسار ~~والهوان . | ولماكانهذا واضحا في أنهم اهل السعادة , وصل به قوله : { أولئك ~~} أي العالو الرتبة { أصحاب الجنة } ولما كانت الصحبة جديرة بالملازمة , ~~صرح بها في قوله : { هم } أي لا غيرهم { فيها } اي خاصة { خالدون } أي ~~مقيمون لا يبرحون , لأنهم لا يريدون ذلك لطيبها ولا يراد بهم . | ~~PageV03P434 ولما بين حال الفضل فيمن احسن , بين حال العدل فيمن أساء فقال ~~: { والذين كسبوا } أي منهم { السيئات } أي المحيطة بهم { جزآء سيئة } أي ~~منهم { بمثلها } عدل الله من غير زيادة { وترهقهم ذلة } أي من جملة جزائهم ~~, فكأنه قيل : أما لهم انفكاك عن ذلك ؟ فقيل جوابا : { ما لهم من الله } اي ~~الملك الأعظم ؛ وأغرق في النفي فقال : { من عاصم } اي يمنعهم من شيء يريده ~~بهم . | ولما كان من المعلوم أن المعلومأن ذلك مغير لأحوالهم , وصل به قوله ~~: { كأنما } ولما كان المكروه مطلق كونها بالمنظر السيئ , بني للمفعول قوله ~~: { أغشيت وجوههم } أي اغشاها مغش لشدة سوادها لما هي فيه من السوء { قطعا ~~} ولما كان ذلك ظاهرا في أنهم أهل الشقاوة , وصل به قوله : { أولئك } اي ~~البعداء البغضاء { اصحاب النار } ولما كانت الصحبة الملازمة , بينها بقوله ~~: { هم فيها } أي خاصة { خالدون } أي لا يمكنون من مفارقتها ؛ والرهق : لحق ~~الأمر , ومنه : راهق الغلام - إذا لحق حال الرجال ؛ والقتر : الغبار , ومنه ~~الإقتار في الإنفاق لقتله ؛ والذلة : صغر النفس بالإهانة ؛ والمكسب : الفعل ~~لاجتلاب النفع إلى النفس أو النفس أو استدفاع الضر . | ولما بين سبحانه مآل ~~الفريقين , نبه على بعض مقدمات ذلك المانعة ان يشفع أحد من غير إذنه بقوله ~~: { ويوم } أي وفرقنا بينهم لأنه لا أنساب هناك ولا أسباب فلا تناصر يوم { ~~نحشرهم } اي الفريقين : الناجينوالهالكين العابدين منهم والمعودين حال ~~كونهم { جميعا } ثم يقطع ما ين المشركين وشركائهم فلا يشفع فيهم شيء مما ~~يعتقدون شفاعته ولا ينفعهم بنافعة , بل يظهرون الخصومة ويبارزون بالعدولاة ~~وهو ناظر إلى قوله تعالى < # > 77 ( { إنه يبدئ الخلق ثم يعيده } ) 77 < # > [ يونس : 4 ] وإلى قوله < # > 77 ( { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ms2117 ينفعهم } ) 77 < # > [ يونس : 18 ] والحشر : الجمع بكره من كل جانب إلى موقف واحد ؛ وأشار ~~سبحانه إلى طول ووفهم بقوله : { ثم نقول للذين أشركوا } أي بنا من لم يشارك ~~في خلقهم ؛ وقوله : { مكانكم } نقل أبو حيان عن النحوين أنهم جعلوه اسما ~~لأثبتوا , ورد على الزمخشري تقديره بألزموا لأنه متعد ويجب ان يساوي بين ~~الاسم والمسمى في التعدي واللزوم , أي إظهار لضعف معبوداتهم التي كانوا ~~يترجونها وتحسيرا لهم , فلا يمكنهم مخالفة ذلك ولما كان التقدير : فوقفوا ~~مواقفة للأمر على حسب الإدارة , عطف عليه مسببا عنه PageV03P435 قوله : { ~~فزيلنا } أي أزلنا إزالة كثيرة مفرقة ما كان { بينهم } في الدنيا من الوصلة ~~والألفة حتى صارت عداوة ونفرة فقال الكفار : ربنا هؤلاء الذين اضلونا , ~~وكنا ندعو من دونك { وقال شركاؤهم } لهم مبترئين منهم بما خلق لهم سبحانه ~~من النطق { ما كنتم } اي أيها المشركون , وأضاف الشركاء إليهم لأنهم هم ~~الذين نصبوهم بغير أمر ولا دليل ولأنهم جعلوا لهم نصيبا من أموالهم { إيانا ~~تعبدون } اي تخصوننا بالعبادة لأنل لا نستحق ذلك إشارة لى أنه لا يعبد إلا ~~من يستحق الإخلاص في ذلك بأن يعبد وحده من غير شريك , ومن لا يستحق ذلك لا ~~يستحق مطلق العبادة ولا يصلح لها , وكل عبادة فيها شرك لا تعد اصلا ولا ~~يرضى بها جماد لو نطق , فمتى نفى المقيد بالخلوص نفي المطلق لأنه لا اعتداد ~~به أصلا , ومن المعلوم أن ما كان بهذه الصفة لا يقدم عليه أحد , فنحن نظن ~~أنه لم يعبدنا عابد فضلا عن أن يخصنا بذلك , والشخص يجوز له أن ينفي ما يظن ~~نفيه ونحن لم نعلم شيئا من ذلك . | ولما نفوا ذلك عطفوا عليه مسببين عنه ~~قولهم : { فكفى بالله } اي المحيط علما وقدرة { شهيدا } اي هو يكفينا كفاية ~~عظيمة جدا من جهة الشهادة التي لا غيبة فيه بوجه ولا ميل اصلا { بيننا ~~وبينكم } في ذلك يشهد لنا وعلينا ؛ ثم استأنفوا خبرا يصحح نفيهم فقالوا ~~مؤكدين لأنهم كانوا يعتقدون علمهم : { إن } اي إنا { كنا } أي كونا هو جبلة ms2118 ~~لنا { عن عبادتكم } لنا أو لغيرنا مخلصة أو مشوبة ؛ ولما كانت ( إن ) هي ~~المخففة من الثقيلة تلقيت باللام الفارقة بينها وبين النافية فقيل : { ~~الغافلين } لنه لا أرواح فينا , فلم تكن بحيث نأمر بالعبادة ولانرضاها ~~فاللوم عليكم دوننا , وذلك افتداء من موقف الذل أو انهم لما تخيلوا في ~~الشركاء صفات لا وجود لها في الأعيان , وأيضا فإنهم ما عبدوا إلا الشياطين ~~التي كانت تزين لهم ذلك وتغويهم , ويكون التقدير على ما دل عليه السياق : { ~~فزيلنا بينهم } أي منعناهم مما كانونا فيه من التواصل والتواد لمقتضي ~~للتناصر بعبادة الأوثان , فقال المشركون لشركائهم لما أبطأ عنهم نصرهم : ~~إنا كنا نعبدكم من دون الله فأغنوا عنا كما كنا نذب عنكم وننصر دينكم { ~~وقال شركاؤهم كا كنتم إيانا تعبدون } اي كشف لنا اليوم بتفهيم الله أنه ليس ~~الأمر كما زعمتم وأنكم لم تخصونا بالعبادة حتى يلزمنا منعكم على أنكم لو ~~خصصتمونا ما قدرنا على ذلك قال الشيطان < # > 77 ( { ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي } ) 77 < # > [ إبراهيم : 22 ] { فكفى } اي فتسبب عن نفينا لذلك على ما كشف لنا من ~~العلم ان نقول : كفى { بالله شهيدا بيننا وبينكم } في ذلك , يشهد أنكم لم ~~تختصوا أحدا منه ومنا بعبادة بل كنتم مذبذبين , وهذا كله إشارة إلى أن ~~العبادة PageV03P436 المشوبة لا اعتداد بها ولا يرضاها جماد لو نطق , وإنمن ~~استحق العبادة استحق الإخلاص فيها وأن لا يشرك به أحد وأنه لا يستحق ذلك ~~إلا القادر على كشف الكرب والمنع من أن يقطع بينه وبين متوليه وعابده قاطع ~~؛ ولما كانت فائدة الشاهدة ضبط ما قد ينساه المتشاهدون , عللوا اكتفاءهم ~~بشهادة الله بقوله : { إن كنا عن عبادتكم } في تلك الأزمان { لغافلين } ~~فأقروا لهم بما هو الحق مما كان يعلمه من له تأمل صحيح انهم لم يشعروا ~~بعبادتهم ساعة من الدهر قبل ساعتهم هذه , فهم أجدر الخلق بالاكتفاء بشهادة ~~الشهيد لأنهم أسوأ حالا ممن يعلم المشهود به ويخشى النسيان , أو يقال : ~~فقالالمشركون لشركائهم : إنا كنا نعبدكم فهل أنتم ناصرونا أو شافعون لنا ms2119 ~~فنجونا مما وقعنا فيه { وقال شركاؤهم ماكنتم إيانا } وحدنا { تعبدون } أي ~~ما كنتم تخلصون لنا العبادة { فكفى } أي فتسبب عن ذلك أنه كفى { بالله ~~شهيدا بيننا وبينكم } في ذلك , فكأن المشركين قالوا : قد تضمن كلامهم أن ~~عبدناكم على غير منهج الإخلاص , أفليس قد عبدناكم ؟ أفلا تغنون عنا شيئا ؟ ~~فأجاب الشركاء بقولهم : { بالله شهيدا بيننا وبينكم } في ذلك , فكأن ~~المشركين قالوا : تغنون عنا شيئا ؟ فأجاب الشركاء بقولهم : { إن كنا عن ~~عبادتكم } خالصة كانت أو مشوبة { لغافلين } فلا نقر لكم بعبادة اصلا وإن ~~تيقنا الإخلاص لسلب العلم عنا بما كنا فيه من الجمادية فضلا عن أن نأمركم ~~أو نرضى بعبادتكم على أنه لا غناء عندنا على تقدير من التقادير ؛ أو يقال - ~~وهو أحسن مما مضى - : { وقال شركاؤهم } لما تحققوا العذاب طلقا لأن يخفف ~~عنهم منه بتوزيعه عليهم وعلى كل من عبدوه من غيرهم { ما كنتم } ايها ~~العابدون لنا { إيانا } أي خاصة { تعبدون } بل كنتم تعبدون ايضا غيرنا , ~~وهذا يعم والله كل من يرائيه غيره بعمل وهو يعلم أنه يرائيه فيقره ولا ~~ينكره عليه ؛ ولما افهموا بنفي العبادة بقيد الخصوص انهم كانوا يعبدون معهم ~~غيرهم , وكن المخلوق قاصر العلم غير محيطه بوجهه بأحوال نفسه فكيف يعبدون ~~بأحوال غيره , سببوا عن ذلك قولهم : { فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن } ~~أي في أنا { كنا عن عبادتكم } أي في الجملة { الغافلين } والحاصل ان هذا ~~ترجمة كلام الكفار وه ناشئ منهم عن محض غلبة ودهش وفرط غم وندم وقلق , فلا ~~يشترط ان يكون معناه على الوجه الأسد والطريق الأبلغ , فالإعجاز في نظمه , ~~ومرادهم به أن يخفف عنهم من العذاب ولو بمشاركة من كانوا يعبدونهم معهم , ~~فهو من وادي قوله تعالى < # > 77 ( { فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء } ) 77 < # > [ إبراهيم : 21 ] < # > 77 ( { فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار } ) 77 < # > [ غافر : 47 ] < # > 77 ( { فآتاهم عذابا ضعفا من النار } ) 77 < # > [ الأعراف : 38 ] ونحوه < # > 77 ( { فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب } ) 77 < # > [ الأعراف : 39 ] - والله ms2120 أعلم . | PageV03P437 < < # | يونس : ( 30 - 33 ) هنالك تبلو كل . . . . . # > > ^ ( هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق وضل ~~عنهم ما كانوا يفترون * قل من يرزقكم من السمآء والأرض أمن يملك السمع ~~والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله فقل أفلا تتقون * فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا ~~الضلال فأنى تصرفون * كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون ) ~~^ } ) | ولما أخبر عن حال المشركين , تشوفت النفس إلى الاطلاع على حال ~~غيرهم فقال مستأنفا مخبرا عن كلا الفريقين : { هنالك } أي في ذلك الموقف من ~~المكان والزمان العظيم الأهوال المتوالي الزلزال { تبلوا } اي تخبر وتخالط ~~مميلة محلية { كل نفس } طائعة وعاصية { مآاسلفت } أي قدمت من العمل فيعرف ~~هل كان خيرا أو شرا وهل كان يؤدي إلى سعادة أو شقاوة . | ولما كان مطلق ارد ~~- وهو صرف الشيء إلى الموضع الذي ابتدأ منه - كافيا في الرهبة لمن له اب , ~~بني للمفعول قوله : { وردوآ } أي بالبعث بالإحياء كما كانوا أولا { إلى ~~الله } أي الملك الأعظم { مولهم الحق } فلم يكن لهم قدرة على قصد غيره ولا ~~الالتفات إلى سواه من تلك الأباطيل , بل انقطع رجاءهم من كل ما كانوا ~~يدعونه في الدنيا , وهو المراد بقوله : { وضل عنهم } أي بطل وذهب وضاع { ما ~~كانوا } اي كونا هو جبلة لهم { يفترون } أي يتعمدون كذبه من أن معبوداتهم ~~شركاء , وتيقنوا في ذلك المقام ان توليهنم لغير الله كان باطلا غير حق ؛ ~~والتنزيل : تفريق يزول به كل واحد عن مكانه , وهو من تفريق الجثث , وليس من ~~الواوي , بل من اليائي , يقال : زلته عن الشيء أزيله - إذا فرقت بينه وبينه ~~؛ والكفاية : بلوغ مقدار الحاجة في دفع الأذية أو حصول المنفعة ؛ والإساف : ~~تقدم أمر لما بعده ؛ والرد : الذهاب إلى الشيء بعد الذهاب عنه كالرجع ؛ ~~والمولى : من يملك تولى أمر مولاه . | ولما تقدم سبحانه ان شركاءهم مربوبون ~~مقهورون , لا قدرة لهم إلا على ما يقدرهم الله عليه , وأنه وحده المولى ~~الحق ms2121 , وبانت بذلك فضائحهم , أتبعه ذكر الدلائل على فساد مذهبهم , فوبخهم ~~بأن وجه السؤال إليهم عما هم معترفون بأنه مختص به ويدل قطعا على تفرده ~~بجميع الأمر الموجب من غير وقفة لاعتقاد تفرده بالإلهية فقال : { قل } اي ~~يا أكرم خلقنا وأرفقهم بالعباد { من يرزقكم } أي يجلب لكم الخيرات ايها ~~المنكرون للبعث المدعون للشركة { من السمآء } أي بالمطر وغيره من المنافع { ~~والأرض } بالنبات وغيره لتعيشوا { أمن يملك السمع } اي الذي تسمعون به ~~الآيات , PageV03P438 ووحده للتساوي فيه في الغالب { والأبصار } التي ~~تبصرون بها ما أنعم عليكم به في خلقها ثم حفظها في المدد الطوال على كثرة ~~الآفات فيفيضها عليكم لتكمل حيتكم الحسية ببقاء الروح , والمعنوية بوجود ~~العلم ؛ روي عن علي رضي الله عنه انه قال : سبحانه من بصر بشحم , وأسمع ~~بعظم , وأنطق بلحم . | فلما سألهم عن أوضح ما هم فيه وقربه , نبههم على ما ~~قبله من بدء الخلق فقال : { ومن يخرج الحي } من الحيوان والنبات { من الميت ~~} أي من النطفة ونحوها { ويخرج الميت } أي من النطفة ونحوها مما لا ينمو { ~~من الحي } اي فينقل من النقص إلى الكمال ؛ ثم عم فقال : { ومن يدبر الأمر } ~~أي كله التدبير العام . | ولما كانوا مقرين بالرزق وما معه من الخلق ~~والتدبير , أخبر عن جوابهم إذا سئلوا عنه بقوله : { فسيقولون الله } اي ~~مسمى هذا الاسم الذي له الكمال كله بالحياة والقيومية بخلاف ما سيأتي من ~~الإعادةوالهداية { فقل } اي فتسبب عن ذلك أنا نقول لك : قل لهم مسببا عن ~~جوابهم هذا الإنكار عليهم في عدم التقوى : { فقل } أي فتسبب عن ذلك انا ~~نقول لك : قل لهم مسببا عن جوابهم هذا الإنكار عليهم في عدم التقوى : { ~~أفلا تتقون } أي تجعلون وقاية بينكم وبين عقابه على اعترافكم بتوحده في ~~ربوبيته وإشراككم غيره في إلهيته ؛ ثم علل إنكار عدم تقواهم بقوله : { ~~فذالكم } اي العظيم الشان { الله } اي الذي له الجلال والإكرام , فكانت هذه ~~قدرته وأفعاله { ربكم } أي الوجد لكم المدبر لأموركم الذي لا إحسان عندكم ~~لغيره { الحق } أي الثابته ربوبيته ثباتا لا ms2122 ريب فيه لاجتماع الصفات ~~الماضية له لا لغيره لأنه لا تكون الربوبية حقيقية لمن لم تجتمع له تلك ~~الصفات { فما } اي فتسبب عن ذلك أن يقال لكم : ما { ذا بعد الحق } أي الذي ~~له أكمل الثبات { إلا الضلال } فغنه لا واسطة بينهما - بما أنبأ عنه إسقاط ~~الجار , ولا يعدل عاقل عن الحق إلى الضلال فانى تصرفون أنتم عن الحق إلى ~~الضلال ؛ ولذلك سبب عنه قوله : { فأنى } أي فكيف ومن أيجهة { تصرفون } أي ~~أنتم من صارف ما كائنا ما كان , عن الحق إلى الضلال . | ولما كانوا جديرين ~~عند تقديرهم بهذه الآية وإقرارهم بمضمونها يقولوا : سلمنا فأسلمنا ولا نصرف ~~عن الحق أبدا , لم يقولوا , كانوا حقيقين بأن يقال لهخم : حقت عليكم كلمة ~~اللله لفسقكم وزغانكم عن الحق : فقيل : هل خصوا بذلك ؟ فقيل : بل { كذلك } ~~أي مثل ذلك الحقوق اعظيم { حقت كلمت ربك } أي المحسن إليك بإهلاك أعدائك : ~~الكلمة الواحدة النافذة التي لا تردد فيها , ومعنى الجمع في قراءة نافع ~~فالمراد عامر أنه لا شيء من كلماته يناقض الكلمة التي أوجبت عذابهم , بل ~~كلها توافقها فالمراد واحد , أو يكون ذلك كناية عن أن عذابهم دائم فإن ~~كلماته لا تنفذ { على } كل PageV03P439 { والذين } غعلوا فعلهم لأنهم { ~~فسقوا } أي أوقعوا الترك لأمر الله وأوجدوا عصيانه وفعلوا الخروج عن طريق ~~الحق والخروج عن دائرة الصلاح , وهو كونهم امة واحدة غلى دين ابيهم ىدم صفي ~~الله عليه السلام ؛ ثم علل ذلك الحقوق بقوله : { أنهم لا يؤمنون * } أي لا ~~يتجدد منهم إيمان أصلا , وعبر بالفسق مراد به اكفر لأن السياق للخروج عن ~~دائرة الدين الحق في قوله { وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا } وهذا ~~المعنى احق بالتعبير لفس الذي أصله الخوج عن محيط في قولهم : فسقت الرطبة ~~عن قشرها - أي خرجت , أو يكون المعنى : حقت الربوبية له سبحانه بهذا الليل ~~, وهو فعل هذه الأمور المختتمة بالتدبير المقتضي للوحدانية له سبحانه قطعا ~~لأنه لو كان قادر يساويه في مقدوره لأمكن أن يمانعه , وبطل أن يكون قادرا , ~~وحق أن ms2123 من زاغ عن الحق كان في الضلال كما حق هذا { كذلك حقت } أي ثبتت ~~ثباتا عظيما { كلمت ربك على } كل { الذين } قضى بفسقهم منهم . | { أنهم لا ~~يؤمنون } تفسير لكلمته التي حقت ؛ والرزق : جعل العطاء الجاري . | < < # | يونس : ( 34 - 36 ) قل هل من . . . . . # > > ^ ( قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده قل الله يبدأ الخلق ثم ~~يعيده فأنى تؤفكون * قل هل من شركآئكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق ~~أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف ~~تحكمون * وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئا إن الله ~~عليم بما يفعلون ) ^ } ) | ولما علم أنهم معترفون بأمر الهداية وما يتبعها ~~من الرزق والتدبير أعاد سبحانه السؤال عنها مقرونة بالإعادة تنبيها لهم على ~~ما يتعارفون من أن الإعادة أهون , فإنكارها مع ذلك إما جمود أو عناد , ~~وإنكار المسلمات كلها هكذا , وسوقه على الطريق الاستفهام ابلغ وأوقع في ~~القلب فقال : { قل } أي على سبيل الإنكار عليهم والتوبيخ لهم { هل من ~~شركائكم } أي الذين زعمتموهم شركاء لي وأشركتموهم في أموالكم من أنعامكم ~~وزروعكم { من يبدؤا الخلق } كما بدأته ليصح لهم ماادعيتم من الشركة { ثم ~~يعيده } . | ولما كان الجواب قطعا من غير توقف . | ليس فيهم من يفعل شيئا ~~من ذلك , وكان لجاجهم في إنكار الإعادة وعنادهم لا يدعهم انة يجيبوا بالحق ~~, أمره بجوابهم بقوله : { قل الله } اي الذي له الأمركله { يبدؤا الخلق } ~~أي مهما أراد { ثم يعيده } وأتى هنا بجزئي الاستفهام وكذا ما يأتي في ~~السؤال عن الهداية تأكيدا للأمر بخلاف ما اعترفوا به , فإنه اكتفى فيه بأحد ~~الجزأين في قوله { فسيقولون الله } ولم يقل : يرزقنا - إلى آخره ؛ ثم زاد ~~في تبكيتهم على عدم الإذعان لذلك بالتعجب منهم في قوله : { فأنى تؤفكون * } ~~PageV03P440 أي كيف ومن اي جهة تصرفون بأقبح الكذب عن وجه الصواب من صارف ~~ما , وقد استنارت جميع الجهات , ورتب هذه الجمل أحسن ترتيب , وذلك أنه ~~سألهم أولا عن سبب دوام ms2124 حياتهم وكمالها بالرزق والسمع والبصر وعن دء الخلق ~~في إخراج الحي من الميت وما بعده , وكل ذلك تنبيها على النظر في احوال ~~أنفسهم مرتبا على الأوضح فالأوضح , فلما اعترفوا به كله اعاد السؤال عن بدء ~~الخلق ليقرن به الإعادة تنبيها على أنهما بالنسبة إلى قدرته على حد سواء , ~~فلما فرغ مما يتعلق بأحوال الجسد امره ان يسألهم عن غاية ذلك , والمقصود ~~منه من أحوال الروح في الهداية التي في سبب السعادة إمعانا في الاستدلال ~~بالمصنوع على الصانع على وجه مشير إلى التفصيل فقال : { قل } أي يا أفهم ~~العباد وأعرفهم بالمعبود { هل من شركائكم } أي الذين زعمتم أنهم شركاء لله ~~, فلم تكن شركتهم إلا لكم لأنكم جعلتم لهم حظا من أموالكم وأولادكم { من ~~يهدي } أي بالبيان أو التوفيق ولو بعد حين { إلى الحق } فضلا عن أن يهدي ~~للحق على أقرب نما يكون من الوجود إعلاما . | ولما كانوا جاهلين بالجواب ~~الحق في ذلك أو معاندين , أمره أن يجيبهم معرضا عن انتظار جوابهم آتيابجزئي ~~الاستفهام ايضا فقال : { قل الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { يهدي } ~~ولما كان قادرا على غاية الإسراع , عبر باللام فقال : { للحق } إن أراد , ~~ويهدي إلى الحق من يشاء , لا أحد ممن زعموهم شركاء , فالاشتغال بشيء منها ~~بعبادة أو غيرها جهل محض واختلال في المزاج كبير , فالآية من الاحتباك : ~~ذكر { إلى الحق } اي الكامل الذي لا زيغ فيه بوجه ولو على ابعد الوجوه { ~~احق أن يتبع } أي بغاية الجهد { أم من لا يهدي } اي يهتدي فضلا عن أن يهدي ~~غيره إلى شيء من الأشياء أصلا ورأسا ؛ وإدغام تاء الافتعال للإيماء إلى ~~انتفاء جميع أسباب الهداية حتى أدانيها , فإن التاء عند ارباب القوب معنها ~~انتهاء التسبب غلى أدناه { إلا أن يهدي } اي يهديه هاد غيره كائنامن كان , ~~وهذا يعم كل ما عبد من دون الله من يعقل وممن لا يعقل ؛ فلما اتم ذلك ~~علىهذا النهج القويمن كان كانه قيل : أتجيبون أم تسكتون ؟ وإذا أجبتم ~~أتؤثرون الحق فترجعون عن الضلال أم تعاندون ms2125 , تسبب عن ذلك سؤالهم عى وجه ~~التوبيخ بقوله : { فما } اي أيشيء ثبت { لكم } في فعل غير الحق من كلام أو ~~سكوت ؛ ثم استأنف تبكيتا آخر فقال : { كيف تحكمون * } فيما سألناكم عنه ~~ممالا ينبغي ان يخفى على عاقل , أبالباطل أم بالحق ؟ فقد تبين الرشد من ~~الغي ؛ والبدء : العقل الأول ؛ والإعادة : إيجاد الشيء ثانيا ؛ والهداية : ~~التعريف بطريق الرشد من الغي . | PageV03P441 ولما اخبر بإقرارهم عن بعض ما ~~يسألون عنه ثم عقبه بما لوح إلى إنكارهم أو سكوتهم عن بعضه مما يتعلق ~~بشركائهم , عطف على ما صرح به من قولهم { فسيقولون } وما لوح إليه من ( ~~فستنكون ) أو ( فسيسكتون ) قوله : { وما يتبع } اي بغاية الجهد { أكثرهم } ~~أي نطقه أو سكوته في عبادته للأصنام وقوله : إنها شفعاء , وغير ذلك { إلا ~~ظنا } تنبيها على أنهم إنما هم مقلدون وتابعون للأهواء . | ولما كان الظن ~~لا ينكر استعماله في الشرائع , نبه على أن محله إنما هو حيث لا يوجد نص على ~~المقصود , فيقاس حينئذ على النصوص بطريقة , وأما إذا وجد القاطع في حكم ~~فإنه لا يجوز العدول عنه بوجه من الوجوه فقال تعالى في جواب من يقول : أو ~~ليس الظن مستعملا في كثير من الأحكام ؟ : { إن الظن لا يغني } أي أصلا { من ~~الحق } أي الكامل { شيئا } أي بدله , ولايكون بدل الحق إلا إذا كان تابعه ~~مخالفا فيه لقاطع يعمله . | ولما صار ظهور الفرق ضروريا , أوقع تهديد ~~المتمادي في غيه في جواب من كأنه قال : إن ذلك غير خفي عنهم ولكنهم ~~يستكبرون فلا يرجعون , فقال : { إن الله } أي المحيط بكل شيء { عليم } أي ~~بالغ العلم { بما يفعلون * } فاصبر فلسوف يعملون . | < < # | يونس : ( 37 - 40 ) وما كان هذا . . . . . # > > ^ ( وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين ~~يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون افتراه قل فأتوا ~~بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * بل كذبوا بما ~~لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف ms2126 كان ~~عاقبة الظالمين * ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم ~~بالمفسدين ) ^ } ) | ولما قدم في هذه السورة قولهم { لولا أنزل عليه آية من ~~ربه } وأتى فيها ردا عليهم ووعظا لهم من الآيات البالغة في الحكمة جدا ~~يتجاوز قوى البشر ويضمحل دونه من الخلق القدر , وكان آخر ذلك التنبيه على ~~أن شركاءهم لا يهتدون إلا أن هداهم الهادي فضلا عن أن يهدوا , وإقامة ~~الدليل على أن مذاهبهم ليبست مستندة إلى علم بل هى تابعة للهوى , أتبع ذلك ~~دليلا قطعيا في أمر القرآن من أنه لا يصح أصلا أن يؤتى به من دون امره ~~سبحانه ردا قولهم : إنه مفترى , لأنه من وادي ما ختم به هذه الآيات من ~~اتباعهم للظنون لأنه لا سند لهم في ذلك بل ولا شبهة اصلا , وإنما هو مجرد ~~هوى بل وأكثرهم عالم بالحق في أمره , فنفى ذلك بما يزيح الظنون ويدمغ ~~الخصوم ولا يدع شبهة لمفتون , واثبت أنه هو الآية الكبرى والحقيق بالاتباع ~~لنه هدى , فقال تعالى : PageV03P442 { وما كان } عاطفا له على قوله { ما ~~يكون لي أن أبدله } إلى آخره , فهو حينئذ مقول القول , اي قل لهم ذاك ~~الكلام وقل لهم { ما كان } اي قط بوجه من الوجوه , وعينه تعينا لا يمكن معه ~~لبس , فقال : { هذا القرآن } أي الجامع لكل خير مع التأدية بأساليب الحكمة ~~المعجزة لجميع الخلق { أن يفترى } أي أن يقع في وقت من الأوقات تعتمد نسبته ~~كذبا إلى الله من أحد من الخلق كائنا من كان ؛ وعرف بتضاؤل رتبتهم دون شامخ ~~رتبته سبحانه بقوله : { من دون الله } أي الذي تقرر أنه يدبر الأمر كله , ~~فما من شفيع إلا من بعدإذنه وما يعزب عنه شيءفسبحان المتفصل على عبادة ~~بإيضاح الحجج وإزالة الشكوك والدعاء إلى سبل الرشاد مع غناه عنهم وقدرته ~~عليهم ؛ والافتراء : الإخبار على القطع بالكذب , لأنه من فرى الأديم وهو ~~قطعه بعد تفزيره . | ولما طكان إتيان الأمي - الذي لم يجالس عالما - ~~بالأخبار والقصص الماضية على اتحرير دليلا قطعا على صدق الآتي ms2127 في ادعائه ~~أنه لا معلم له إلا الله ‘ عبر بأداة العناد فقال : { ولكن } أي كان كونا ~~لا يجوز غيره { تصديق الذي } أي تقدم { بين يديه } أي قبله من الكتب , ~~والدليل على تصادقه شاهد الوجود مع أن القوم كانوا في غاية العدواة له صلى ~~الله عليه وسلم وكان أهل الكتابين عندهم في جزيرة العلرب على غاية القرب ~~منهم مع أنهم كانوا يتجرون إلى بلاد الشام وهم متمكنون من السؤال عن كل ما ~~يأتي به , فلو وجدوا مغمرا ما لقدحوا به , فدل قدحهم على التصادق قطعا . | ~~ولما كان ذلك سلطانا قاهرا صلى الله عليه وسلم , زاده ظهورا بما اشتمل ~~الكتاب الآتي به عليه من التفصيل الذي هو نهاية العلم فقال : { وتفصيل ~~الكتاب } أي الجامع المجموع فيه الحكم والأحكام وجوامع الكلام من جميع ~~الكتب السماوية في بيان مجملاتها وإيضاح مشكلاتها , فهو الحقيق بالاتباع ~~والتفصيل بتبيين الفصل بين المعاني الملتبسة حتى تظهر كل معنى على حقه , ~~ونظيره التقسيم , ونقضيه التخلط والتلبيس , وبيان تفصيله انه أتى من العلوم ~~العلمية الاعتقادية من معرفة الذات والصفات بأقسامها , والعلمية التكليفية ~~المتعقة بالظاهر وهي علم الفقه وعلم الباطن ورياضة النفوس بما لا مزيد عليه ~~و لا يدانيه فيه كتاب , وعلم الأخلاق كثير في القرآن مثل < # > 77 ( { خذ العفو } ) 77 < # > [ الأعراف : 199 ] < # > 77 ( { إن الله يأمر بالعدل } ) 77 < # > [ النحل : 90 ] وأمثالهما . | ولما كان - مع الشهادة بالصدق بتصديق ما ~~ثبت حقيقة - معجزا بالجمع والتفصيل لجميع العلوم الشريفة : عقليها ونقليها ~~إعجازا لم يثبت لغيره , ثبت أنه مناقض للافتراء حال كونه { لا ريب فيه } ~~وأنه { من رب العالمين * } اي موجدهم ومدبر PageV03P443 أمرهم والمحسن ~~إليهم لأنه - مع الجميع لجميع ذلك - لا اختلاف فيه بوجه , وذلك خارج عن طوق ~~البشر . | ولما كان هذا موضع أن يذعنوا لأن هذا القرآن لس إلا من عند الله ~~وبأمره قطعا , كان كأنه قيل : ارجعوا عن غيهم فآمنوا واستقاموا { أم } ~~استمروا على ضلالهم { يقولون } على سبيل التجديد والاستمرار عنادا { افتراه ~~} أي تعتمد نسبته كذبا إلى الله , فكأنه قيل , تمادوا على ms2128 عتوهم فقالوا ذلك ~~فكانوا كالباحث عن حتفه بظلفه , لأنهم أصلوا أصلا فاسدا لزم عليه قطعا ~~إمكان ان يأتوا بمثله لأنهم عرب مثله , بل منهم من قرأ وكتب وخالط العلماء ~~واشتد اعتناءه بأنواع البلاغة من النظم والنثر والخطب وتمرنه فيها بخلافه ~~صلى الله عليه وسلم في جميع ذلك , فلهذا أمره في جوابهم بقوله { قل } أي ~~لهم يا أبلغ خلقنا وأعرفهم بمواقع الكلام لجميع انواعه , أتى بالفاء ~~السببية في قوله : { فأتوا } أي أنتم تصديقا لقولكم هذا الذي تبين وأنكم ~~فيه معاندو ؛ ولما كانوا قد جزموا في هذه السورة بأنه افتراه , وكان مفصلا ~~إلى سور كل واحدة منها لها مقصد معين يستدل فيها عليه , وتكون خاتمتها ~~مرتبطة بفاتحتها متحدة بها , اكتفى في تحد يهم بالإتيان بقطعه واحدة غير ~~مفصلة إلى مثل سورة لكن تكون مثل جميع القرآن في الطول والبيان وانتظام ~~العبارة والتئام المعاني فلذلك قال : { بسورة } قال الرماني : والسورة ~~منزلة محيطة بآيات من أجل الفاتحة والخاتمة كإحاطة سور البناء , وهذا نظرا ~~إلى أن المتحدي به سورة اصطلاحية والصواب أنها لغوية , وهي كما قال الحرالي ~~تمام جملة من المسموع تحيط بمعنى تام بمنزلة غحاطة السور بالمدنية ؛ ووصفها ~~بقوله : { مثله } اي قي البلاغة وحسن النظم وصحة المعاني ومصادقة الكتب ~~وتفصيل العلوم لأنكم مثلي في العربية وتزيدون بالمكتابة ومخالطة العلماء - ~~من غير إتيان ب ( من ) لما تقدم من أن المراد كونها مثل القرآن كله , ولذلك ~~وسع لهم في الاستعانة بجميع من قدروا عليه ووصلت طاقتهم إليه ولم يقصرهم ~~على من بحضرتهم فقال : { وادعوا } أي لمعاونتكم { من استطعتم } أي قدرتم ~~على طاعته ولو ببذل الجهد من الجن والإنس وغيرهم للمعاونة , وحقق أن هذا ~~القرآن من عنده سبحانه باستثنائه في قوله : { من دون الله } أي الذي له ~~الكمال كله , ونبه على أنهم معتمدون لما نسبوه إليه - وحاشاه من تعمد الكذب ~~- وأنهم معاندون بقوله : { إن كنتم } أي جبلة وطبعا { صادقين * } أي في أنه ~~أتى به من عنده , لأن العاقل لا يجزم بشيء إلا إذا كان عنده منه مخرج ms2129 , ~~وذلك لا يكون إلا عن دليل ظاهر وسلطان قاهر باهر , وقد مضى في البقرة ويأتي ~~في هود إن شاء الله تعالى ما يوضح هذا المعنى ؛ والاستطاعة : حالة تتطاوع ~~بها الجروح والقوى للفعل لأنه مأخوذ من الطوع ؛ ثم كان PageV03P444 كأنه ~~قيل : فقال لهم ذلك فلم يأتوا لقومهم بشبهة شكا فضلا عن مصدق , لأنه معجز ~~لكونه كلاما في أعلى طبقات البلاغة بحسن النظام والجزالة منزلا من عند الله ~~المحيط علما وقدرة , فهو مشتمل من كل معنى على ما علا كل العلو عن مدان { ~~بل } وأحسن من ذلك أنه لما أقام الدليل على أن القرآن كلامه , وكان الدليل ~~إنما من شأنه أن يقام على من عرض له غلط أو شبهة , وكان قولهم { افتراه } ~~لا عن شبهة وإنما هو مجرد عناد , نبه سبحانه على ذلك وعلى أنه إنما أقام ~~الدليل لإظهار عنادهم لا لأن عندهم شبهة في كونه حقا بالإضراب عن قولهم ~~فقال : { بل } أي لم يقولوا { افتراه } عن اعتقاد منهم لذلك بل { كذبوا } ~~أي أوقعوا التكذيب الذي لا تكذيب أشنع منه مسرعين في ذلك من غير ان يتفهموه ~~مستهينين { بما لم يحيطوا بعلمه } اي في نظمه أو معناه من غير شبهة أصلا بل ~~عنادا وطغيانا ونفورا مما يخالف دينهم وشرادا , فهو من باب ( من جهل شيئا ~~عاداه ) والإحاطة : إرادة ما هو كالحائط حول الشيء , فإحاطة العلم ~~بالشيءالعلم به من جميع وجوهه . | ولما كان لا بد من وقوع تأويله , وهو ~~إتيان ما فيه من الإخبار بالمغيبات على ما هي عليه , قال : { ولما يأتهم } ~~اي غلى زمن تكذيبهم { تأويله } أي ترجيعنا لأخباره إلى مراجعها وغاياتها ~~حتى يعلموا أصدق هي أم كذب , فإنه معجز من جهة نظمه ومن جهة صدقه في أخباره ~~؛ والتأويل : المعنى الذي يؤول التفسير , وهو منتهى التصريح من التضمين . | ~~ولما كان كأنه قيل : إن فعلهم هذا لعجب , فما حملهم على التمادي فيه ؟ فقيل ~~: تبعوا في ذلك من قبلهم لموافقتهم في سوء الطبع , قا مهددا ومسليا له صلى ~~الله عليه وسلم : { كذلك } أي مثل ms2130 تكذيبهم العظيم في الشناعة قبل تدبير ~~المعجز { كذب الذين } ولما كان المكذبون بعض السافلين , أثبت الجار افقال : ~~{ من قبلهم } أي من كفار الأمم الخالية فظلموا فأهلكناهم بظلمهم ؛ ولما كان ~~التكذيب خطرا لما يثير من السرور , سبب عنه - تحذيرامنه - النظر في عاقبة ~~امره فقال : { فانظر } اي بعينك ديارهم وبقلبك أخبارهم . | ولما كان من نظر ~~هذا النظر وجد فيه أجل معتبر وأعلى مزدجر , وجه السؤال إليه بقوله : { كيف ~~كان عاقبة } أي آخر أمر { الظالمين * } أي الذين رسخت أقدامهم في وضع ~~الأشياء في غير مواضعها حتى كذبوا من ايجوز عليه الكذب بوجه , ومن المقطوع ~~به به أن هذا المسؤول يقول من غير تعلثم ولا تردد : عاقبة وخيمة قاصمة ~~ذميمة ؛ والعاقبة سبب تؤدي غليه البادئة , فالذي أدى إلى إلى هلاكهم بعذاب ~~الاستئصال ما تقدم من ظلمهم لأنفسهم وعتوهم في كفرهم . PageV03P445 ولما ~~ذكر سبحانه تكذيبهم , كان ذلك ربما أيأس من إذعانهم وتصديقهم , وآذن ~~باستئصالهم لتكمل المشابهة للأولين , وكان صلى اله عليه وسلم شديد الشفقة ~~عليهم والحرص على إيمانهم , فأتبعه تعالى بقوله بيانا لأن علمه بانقسامهم ~~أوجب عدم استئصالهم عاطفاعلى { كذبوا } : { ومنهم } أي قومك { من يؤمن به } ~~أي في المستقبل { ومنهم من لا يؤمن به } أي القرآن أصلا ولو رأى كل آية { ~~وربك } أي المحسن لإليك بالرفق بأمتك { اعلم بالمفسدين * } اي الذين هم ~~عريقون في الإفساد فسيعاملهم بما يشفي صدرك . | < < # | يونس : ( 41 - 45 ) وإن كذبوك فقل . . . . . # > > ^ ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون ممآ أعمل وأنا ~~بريء مما تعملون * ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا ~~يعقلون * ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون * إن ~~الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون * ويوم يحشرهم كأن لم ~~يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقآء الله ~~وما كانوا مهتدين ) ^ } ) | ولما قسمتهم هذه الآية قسمين , وتليت بذكر ~~القسم الثاني بالواو , عرف انه معطوف على مطوى القسم الأول , فكان كأنه قيل ~~: فإن صدقوك فقل ms2131 : الله ولى هدايتكم ولي مثل أجوركم بنسبتي فيها فضلا من ~~ربي : { وإن كذبوك فقل } أي قول منصف معتمد على قادر عالم { لي علمي } ~~بالإيمان والطاعة { ولكم عملكم } ما لأحد من ولا عليه من جزاء الآخر شيء ؛ ~~ثم صرح بالمقصود من ذلك بقوله محذرا لهم : { أنتم بريئون مما أعمل } أي فإن ~~كان خيرا لم يكن لكم منه شيء وإن كان غيره لم يكن عليكم منه شيء { وأنا ~~بريء مما تعملون * } لا جناح علي في شيء منه لأني لا أقدر على ردكم عنه ؛ ~~والبراءة : قطع القلعة الذي يوجب رفع المطالبة , ولا حاجة إلى ادعاء نسخ ~~هذه الآية بىية السيف , فإنه لا منافاة بينهما , لأن هذه في رفع لحاق الإثم ~~وهو لا ينافي الجهاد . | ولما قسمهم إلى هذين القسمين , قسم القسم الأخير ~~إلى قسمين فقال : { منهم } أي المكذبين { من } ولما كان المستمع إليه أكثر ~~لأنهم أشهى الناس إلى تعرف حاله , وكان طريق ذلك السمع والبصر , وكان تحديق ~~العين غليه لا يخفى , فكان أكثرهم يتركه إظهار لبعضه وخوفا من إنكار من ~~يراه عليه , وكان إلقاء السمع بغاية الجهد يمكن إخفاءه بخلاف الإبصار , عبر ~~هنا بالافتعال , وجمع دالا على كثرتهم نظراإلى معنى ( من ) وأفرد في النظر ~~اعتبارا للفظها ودالا على قلة الناظر بما ذكر فقال : { يستمعون } وضمن ~~الاستماع الإصغاء ليؤدي الفعلين , ودل على الإصغاء بصلته معلقة بحال ~~PageV03P446 انتزعت منه فكأنه : قال مصغين { إليك } أي عند قراءة القرىن ~~وبيانه بالسنة , ولكنهم وإن كانوا قسمين بالنسبة إلى الاستماع والنظر فهم ~~قسم واحد بالنسبة إلى الضلال , فكان تعقب ذلك بحشرهم بعد قصر الهداية عليه ~~سبحانه كذكر حشرهم فيما مضى تقسيمهم إلى قسمين بعد قوله { ويهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم } . | ولما كان صلى الله عليه وسلم يريد - بإسماعه لهم ما ~~أنزل الله - هدايتهمبه , سبب عن استماعهم إنكار إسماعهم الإسماع المرتب ~~عليه الهدى فقال : { أفأنت } أي وحدك { تسمع الصم } اي في آذان قلوبهم لنهم ~~يستمعون إليك وقد ختم على اسماعهم فهم لا ينتفعون باستماعهم لأنهم يطلبون ~~السمع للرد والفهم ms2132 ؛ والسمع إدراك الشيء بما يكون به مسموعا , فكانوا بعدم ~~انتفاعهم كأنهم هم مجانين , لأن الأصم العاقل ربما فهم بالتفرس في تحريك ~~الشفاه وغيرها فلذا قال : { ولو كانوا } اي جبلة وطبعا { لا يعقلون * } أي ~~لا يتجدد لهم عقل أصلا فصاروا بحيث لا يمكن إسماعهم لنه لا يمكن إلا بسماع ~~الصوت الدال على المعنى وبفهم المعنى , والمانع من الأول الصمم , ومن ~~الثاني عدم العقل , فصاروا شرامن البهائم لأنها وإن كانت لا تعقل فهي تسمع ~~, والأصم : المنسدالسمع بما يمنع من إدراك الصوت { ومنهم ينظر } محدقا أو ~~راميا ببصره من بعيد { إليك } فهو من التضمن كما سبق في { يستمعون } ؛ نقل ~~عن التفتازاني أنه قال في حاشية الكشاف : وحقيقة التضمن أن يقصد بالفعل ~~معناه الحقيقي مع فعل آخر يناسبه وهو كثير في كلام العرب , وذلك مع حذف حال ~~مأخوذ من الفعل الآخر بمعنوية القرينة اللفظية , ويتعين جعل الفعل المذكرو ~~أصلا والمذكور حاله تبعا , لأن حذفه والدلالة عليه بصلته يدل على اعتباره ~~في الجملة لا على زيادة القصد إليه , ومن أمثلته : أحمد إليك الله , أي ~~منهيا إليك حمده , ويقلب كفيه على كذا , أي نادما عليه , < # > 77 ( { ولاتعد عيناك عنهم } ) 77 < # > [ الكهف : 28 ] أي مجاوزتين عنهم إلى غيرهم , { ولا تأكلون أموالهم } - ~~ضاميها < # > 77 ( { إلى أموالكم } ) 77 < # > [ النساء : 2 ] , < # > 77 ( { الرفث - مفضين - إلى نسائكم } ) 77 < # > [ البقرة : 187 ] , < # > 77 ( { ولا تعزموا } ) 77 < # > [ البقرة : 235 ] اي على النكاح وأنتم تنوون عقدته { ولا يسمعون } ~~مصغين < # > 77 ( { إلى الملا الأعلى } ) 77 < # > [ الصافات : 8 ] سمع الله - أي مستجيبا - لمن حمده , < # > 77 ( { والله يعلم المفسد } ) 77 < # > [ البقرة : 220 ] مميزاله - { من المصلح } , { والذين يؤلون } - ممتعين ~~{ من } وطء < # > 77 ( { نسائهم } ) 77 < # > [ البقرة : 226 ] . | ولما كان المعنى أنك يا أكرم الخلق تريد بنظر هذا ~~الناظر إليك ان ينظر إلى ما تأتي به من باهر الآيات فيهتدي وهو غير منتفع ~~بنظره لما جعل عليه من الغشاوة فكان كالأعمى الذي زاد على عدم بصره عدم ~~العقل فلا بصرولا بصيرة , قال منكرالذلك : PageV03P447 { أفأنت تهدي العمي ~~} أي عيونا وقلوبا { ولو كانوا ms2133 } أي بما جبلوا عليه { لا يبصرون * } أي لا ~~يتجدد لهم بصر ولا بصيرة , فلا تمكن هدايتهم , لأن هداية الطريق الحسي لا ~~تمكن إلا بالبصر , وهاية الطريق المعنوي لا تمكن إلا بالبصيرة ؛ والنظر : ~~طلب الرؤية بتقليب البصر , ونظر القلب طلب العلم بالفكر ؛ والعمى : آفة ~~تمنع الرؤية عن العين والقلب ؛ والإبصار : إدراك الشيء بما به يكون مبصرا , ~~فكأنه قيل : ما له فعل بهم هذا والأمر بيده ؟ فقيل : لأنه تام الملك ~~والملكوهو متفضل في جميع نعمة لا يجب عليه لأحد شيء فهوا يسأل عما يفعل , ~~وبنى عليه قوله : { إن الله } وأحسن منه ان يقال : ولما كان التقدير : إذا ~~علمت ذلك فخفف عنك بعض ما أنت فيه , فإنك لا تقدر على إماعهم ولا ~~هدايتهملأن الله تعالى أراد ما هم عليه منهم لاستحقاقهم ذلك لظلمهم أنفسهم ~~, علله بقوله : { إن الله } أي المحيط بجميع الكمال { لا يظلم الناس شيئا } ~~وإن كان هو الذي جبلهم على الشر { ولكن الناس } أي لما عندهم من شدة قواهم ~~فيه باختيارهم مع زجرهم عن ذلك وحجبهم عما جبلوا عليه وإن كان الكل بيده ~~سبحانه ولا يكون إلا بخلقه . | ولما كان في هذه الآيات ما ذكر من أفانين ~~جدالهم في أباطيلهم وضلالهم , وكان فهل ذلك - ممن لا يرى حشرا ولا جزاء ~~ولانعيما وراءا نعيم هذه الدار - فعل فارغ السر مستطيل للزمان آمن من نوازل ~~الحدثان , حسن تعقيبه بأنهم يرون يوم الحشر من الأهوال ما يستقصرون معه مدة ~~لبثهم في الدنيا , فقد خسروا إذن دنياهم بانزاع , وآخرتهم بالعذاب الذي لا ~~يستطاع , وليس له انقطاع , فقال تعالى مهددا لهؤلاء الكفار الذين يعاندون ~~فلا يسمعون ولا يبصرون عاطفاعلى { ويوم الحشر } الأولى : { ويوم نحشرهم } ~~اي واستقصروا مدة لبثهم في الدنيا يوم الحشر لما يستقبلهم من الأهوال ~~والزلازل الطوال , فكأنه قيل : إلى أي غاية ؟ فقيل : { كأن } اي كأنهم { لم ~~يلبثوا } في دنياهم , والجملة في موضع الحال من ضمير { نحشرهم } البارز اي ~~مشبهين بمن لم يلبثوا { إلا ساعة } أي حقيرة { من النهار } وقوله : { ~~يتعارفون بينهم } حال ثانية , أي ms2134 لم بفدهم تلك الساعة أكثر من أن عرف فيها ~~بعضهم بعضاليزدادوا بذلك حسرة في ذلك اليوم بعدم القدرة على التناصر ~~والتعاون والتظافر كما كانوا يفعلون في الدنيا . | ولما كانت حالهم هذه هي ~~الخسارة التي ليس معها تجارة , فكان السامع متوقعا للخبر عنها , قال متعجبا ~~منهم موضع : ما أخسرهم : { قد خسر } اي حقا { الذين كذبوا } اظهر موضع ~~الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف مستهنين { بلقاء الله } أي ~~PageV03P448 الملك الأعلى بما أخذوا من الدنيا من الخسيس الفاني وتركوا مما ~~كشف لهم عنه البعث من النعيم الشريف الباقي ؛ ولما كان الذي وقع منه تكذيب ~~مرة في الدهر قد يفيق بعد ذلك فيهتدي , قال عاطفا على الصلة : { وما كانوا ~~} أي جبلة وطبعا { مهتدين * } مشيرا إلى تسفيههم فيما يدعون البصر فيه من ~~أمر المتجر والمعرفة بأنواع الهداية . | < < # | يونس : ( 46 - 49 ) وإما نرينك بعض . . . . . # > > ^ ( وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله ~~شهيد على ما يفعلون * ولكل أمة رسول فإذا جآء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم ~~لا يظلمون * ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين * قل لا أملك لنفسي ضرا ~~ولا نفعا إلا ما شآء الله لكل أمة أجل إذا جآء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون ) ^ } ) | ولما كان إخبار الصادق بهلاك الأعداء مقرا لعين , وكانت ~~مشاهدة هلاكهم أقر لها , عطف على قوله { قد خسر } : { وإما نرينك } أي ~~إراءة عظيمة قبل وفاتك { بعض الذي نعدهم } أي في الدنيا بما نا من العظمة ~~فهو اقر لعينك { أو نتوفينك } قبل ذلك { فإلينا مرجعهم } فنريك فيما هنلك ~~ما هو أقر لعينك وأسر لقلبك , فالآية من الاحتباك : ذكر أولا الإراءة دليلا ~~على حذفها ثانيا , والوفاة ثانيا دليلا على حذفها أولا ؛ و ( ثم ) في قوله ~~: { ثم الله } اي المحيط بكل شيء { شهيد } أي بالغ الشهادة { على ما يفعلون ~~* } في الدارين - يمكنأن يكون على بابها , فتكون مشيرة إلى التراخي بين ~~ابتداء رجوعهم بالموت وآخره إلى بالقيامة , ليس المراد بقوله { شهيد } ~~ظاهره , بل العذاب الناشئ عن الششهادة في الآخرة إلى أن ms2135 الله يعاقبهم بعد ~~مرجعهم , فيريك ما بعدهم لأنه عالم بما يفعلون . | ولما كان في هذه الآية ~~التهديد بالعذاب إما في الدنيا أو في الآخرة غير معين له صلى الله عليه ~~وسلم واحدة منهما , أتبعها بما هو صالح للأمرين بالنسبة إلى رسول إشارة إلى ~~أن أحوال الأمم على غير نظام فلذلك لم يجزم بتعيين واحدة من الدارين للجزاء ~~, وجعل الأمر منوطا بالقسط , ففي أي دار أحكم جعله فيها , فقال تعالى : ~~دالا على أنه نشر ذكر الإسلام وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسوله ~~واليوم الآخر من عهد آدم عليه السلام إلى آخر الدهر على وجه لم يحصل له ~~اندراس في دهر من الدهور , فمن تركه استحق العذاب سواء كان ممن بين عيسى ~~ومحمد عليهما السلام أم لا , فلا تغتر بما يقال من غير هذا : { ولكل أمة } ~~أي من الأمم التي خلت قبلك { رسول } يدعوهم إلى الله ؛ ثم سبب عن إتيان ~~رسولهم بيان القضاء فيهم فقال : { فإذا جاء } أي إليهم { رسولهم } في ~~الدنيا بالبينات والهدى ؛ وفي الآخرة في الموقف بالإخبار بما صنعوا به ~~PageV03P449 في الدنيا من تكذيب أو تصديق { قضى بينهم } أي في جميع الأمور ~~بما أفاده نزع الخافض على أسهل وجه من غير شك بم أفاده البناء للمفعول ؛ ~~ولما كان السياق بالترهيب أجدر , قال { بالقسط } أي أظهر خفيا من استحقاقهم ~~في القضاء بالعدل والقسمة المنصفة بينهم كلهم بالسوية فأعطى كل أحد منهم ~~مقدار ما يخصه من تعجيل العذاب وتأخيره كما فعل معك ؛ ولما كان ذلك لا ~~يستلزم الدوام , قال : { وهم لا يظلمون * } أي لا يتجدد لهم ظلم منه سبحانه ~~ولا من غيره . | ولما تقدم في هذه الآيات تهديدهم بالعذاب في الدنيا أو في ~~الآخرة , حكى سبحانه جوابهم عن ذلك عطفا على قوله : { ويقولون لولا أنزل ~~عليه آية من ربه } فقال : { ويقولون } أي هؤلاء امشركون مجددين لهذا القول ~~مستمرين على ذلك استهزاء : { متى هذا الوعد } أي بالعذاب في الدنيا أو في ~~الآخرة , وألهبوا وهيجوا بقولهم : { إن كنتم } أي أنت ومن قال بقولك { ~~صادقين ms2136 * } والقول كلام مضمن في ذكره بالحكاية وقد يكون كلام لا يعبر عنه ~~فلا يكون له ذكر بالحكاية - قاله الرماني , ولتضمين جعل الشيء في وعاء ؛ ~~والوعد : خبر بما يعطي من الخير , والوعيد : خبر بما يعطى من الشر , وقد ~~يراد الإجمال كما هنا فيطلق الوعد على المعنيين : وعد المحسن بالثواب ~~والمسيء بالعقاب ؛ والصدق : الخبر عن الشيء على ما هو به ؛ والكذب : الخبر ~~عنه على خلا ما هو به . | ولما تضمن قولهم هذا استعجاله صلى الله عليه وسلم ~~بما يتوعدهم به , أمره بأن يتبرأ من القدرة على شيء لم يقدره الله عليه ~~بقوله : { قل } أي لقومك المستهزئين { لا أملك لنفسي } فضلا عن غيري ؛ لما ~~كان السيااق للنقمة , قدم الضر منبها على أن نعمه أكثر من نقمة ؛ وأنهم في ~~نعمه , عليهم أن يقيدوها بالشكر خوفا من زوالها فضلا عن أن يتمنوه فقال : { ~~ضرا ولا نفعا } . | ولما كان من المشاهد أن كل حيوان يتصرف في نفسه وغيره ~~ببعض ذلك قال : { إلا ما شاء الله } أي المحيط علما وقدرة أن أملكه من ذلك ~~, فكأنه قيل : فما لك لا تدعوه بأن يشاء ذلك ويقدرك عليه ؟ فقيل : { لكل ~~أمة أجل } فكأنه قيل : وماذا يكون فيه ؟ فقيل : { إذا جاء أجلهم } هلكوا ؛ ~~ولما كان قطع رجائهم من الفسحة في الأجل من الشرطية بكمالها { ولا يستقدمون ~~* } فلا يستعجلوه فإن الوفاء بالوعد لا بد منه . والسين فيهما بمعنى ~~الوجدان , أي لا يوجد لهم المعنى الذي صيغ منه الفعل مثل : استشكل الشيء ~~واواسثقله , ويجوز كون المعنى : لايوجدون التأخر ولا التقدم وإن اجتهدوا في ~~PageV03P450 الطلب , فيكون في السين معنى الطلب والملك قوة يتمكن بها من ~~تصريف الشيء أتم تصريف , والنفع : إيجاب اللذة بفعلها والتسبب المؤدي إليها ~~؛ والضر : إيجاب الألم بفعله أو التسبب إليه ؛ والأجل : الوقت المضروب ~~لوقوع أمر . | < < # | يونس : ( 50 - 53 ) قل أرأيتم إن . . . . . # > > ^ ( قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه ~~المجرمون * أثم إذا ما وقع آمنتم به الآن وقد كنتم به تستعجلون * ثم قيل ~~للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد ms2137 هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون * ويستنبئونك ~~أحق هو قل إي وربي إنه لحق ومآ أنتم بمعجزين ) ^ } ) | ولما كان جل قصدهم ~~بذلك الاستهزاء , وكان وقوعه أمرا ممكنا , وكان من شأن العاقل أن يبعد عن ~~كل خطر ممكن , أمره صلى الله عليه وسلم بجواب آخر حذف منه واو العطف لئلا ~~يظن أنه لا يكفي في كونه جوابا إلا بضمنه إلى ما عطف عليه قال : { قل } أي ~~لمن استبطأ وعيدنا بالعذاب في الدنيا أو في الآخرى , وهو لا يكون إلا بعد ~~الأخذ في الدنيا إعلاما بأن الذي يطلبونه ضرر لهم محض لا نفع فيه بوجه , ~~فهو مما لا يتوجه إليه قصد عاقل { أرءيتم } وهي من رؤية القلب لأنها ~~دخلتعلى الجملة من الاستفهام { إن أتاكم عذابه } في الدنيا . | ولما كان ~~أخذ الليل أنكى وأسرع , قدمه فقال : { بيانا } أي في الليل بغته وأنتم ~~نائمون كما يفعل العدو ؛ ولم كان الظفر ليلا لا يستلزم الظفرنهارا مجاهرة ~~قال : { أو نهارا } أي مكاشفة وأنتم مستيقظون , أتستمرون على عنادكم فلا ~~تؤمنوا ؟ فكأنهم قالوا : لا , فليجعل به ليرى , فقيل : إنكم لا تدرون ما ~~تطلبون ! إنه لا لمخلوق بنوع منه , ولا يجترئ على مثل هذا الكلام إلا مجرم ~~{ ماذا } اي ما الذي ؟ ويجوز أن يكون هذا جواب الشرط { يستعجل } أي يطلب ~~العجله { منه } أي من عذابه , وعذابه كله مكروه لا يحتمل شيء منه { ~~المجرمون * } إذ سنة الله قداستمرت بأن المكذب لا يثبت إلا عند مخايله , ~~وأما إذا برك بكلكه وأناخ بثقله فإنه يؤمن حيث لا ينفعه الإيمان { ولن تجد ~~لسنة الله تحويلا } [ فاطر : 43 ] وهذا معنى التراخي في قوله : { أثم إذا ~~ما وقع } أي عذابه وانتفى كل ما يضاده { آمنتم به } وذلك أنه كانت عادتهم ~~كمن قبلهم العذاب يتراخى إيمانهم بعد مجئ مقدماته وقبل اجتثاثهم بعظائم ~~صدماته لشدة معاندتهم فيه وتوطنهم عليه كما وقع للأولين من الأمم بغيا ~~وعتوا كقوم صالح لما تغيرت وجوههم بألوان مختلفة في اليوم الأول ثم الثاني ~~ثم الثالث وأيقنوا بالهلكة وودع بعضهم بعضا ولم يؤمنوا ms2138 , وجرت PageV03P451 ~~بأنهم إذا ذاقوا مس العذاب وأخذتهم فواجئه الصعاب شغلتهم دواهيه عن العناد ~~واضطرتهم أهواله إلى سهل الانقياد , فكان في غاية الحسن وضع تقريعهم على ~~الاستعجال عقب الوعيد , ثم وضع التراخي عن الإيمان بالعناد بعد الإشراف على ~~الهلاك ومعانيه التلف , فكان كأنه قيل : أخبروني على تقدير ان يأتيكم عذابه ~~الذي لا عذاب أعظم منه - كما دل ذلك إضافته إليه - فبيتكم أو كاشفكم , ما ~~تفعلون ؟ ألا تؤمنون ؟ فقالوا لا , فليعجل به ليرى , فناسب لما كان ~~استعجالهم بعد هذا الإنذار تسفيههم على ذلك فقيل { ماذا } أي أي نوع منه ~~يطلب عجلته { المجرون } , ولا نوع منه الإ وهو فوق الطاقة ووراء الوسع , إن ~~هذا لمنكر من الآراء , أفبعد تراخي إيمانكم عن مخايل صدمته ومشاهدة مبادئ ~~عظمته وشدته أوجدتم الإيمان به عند وقوعه ؟ يقال لكم حين اضطرتكم فواجئه ~~إلى الإيمان وحملتكم قوارعه على صيورة الإذعان : { آلئن } تؤمنون به - أي ~~بسببه - بعد أن أزال بطشا قواكم وحل عزائم هممكم وأوهاكم { وقد كنتم } أي ~~كونا كأنكم مجبولون عليه { به يستعجلون * } أي تطلبون تعجيله طلبا عظيما ~~حتى كأنكم لاتطلبون عجله شيء غيره تكذيبا وعزما علىالثبات على العناد , لو ~~وقع فلم نقبل إيمانكم هذا منكم ولا كف عذابنا عنكم , بل صيركم كأمس الدابر ~~. | ولما كان ما ذكر هو العذاب الدينوي , أتبعه ما بعده إعلاما بأنه لا ~~يقتصر عليه في جزائهم فقال : { ثم قيل } أي من أيقائل كان استهانه { للذين ~~ظلموا } أي وبعد أزكم في الدنيا والبرزخ بالعذاب وهزكم بشديد العقاب قيل ~~لكم بوم الدين بظلمكم بالآيات وبما أمرتم به فيها بوضعكم كلا منذلك في غير ~~موضعه : { ذوقوا عذاب الخلد } فالإتيان ب ( ثم ) إشارة إلى تراخي ذلك عن ~~الإهلاك في الدنيا بالمكث في البرزخ أو إلى أن عذابه أدنى من عذاب يوم ~~الدين { هل تجزون } بناه للمفعول لأن المخيف مطلق الجزاء ؛ ولما كان ~~الاستفهام الإنكاري بمعنى النفي , وكان المعنى : بشيء , استثنى منه فقال : ~~{ إلا بما كنتم } أي بجبلاتكم { تكسبون * } أي في الدنيا من العزم على ~~الاستمرار على الكفر ولو ms2139 طال المدى لاتنفكون عنه بشيء من الأشياء وإن عظم , ~~فكان جزاءكم الخلود في العذاب طبق النعل بالنعل ؛ والعذاب : الألم المستمر ~~, وأصله طلب الطعم بالفم في ابتداء الأخذ . | ولما انقضى ما اشتملت عليه ~~الآية من التهديد وصادع الوعيد , أخبر تعالى أنهم صاروا إلى ما هو جدير ~~بسامع ذلك من النزول عن ذلك العناد إلى مبادئ الانقياد بقوله تعالى : { ~~ويستنبئونك } عطفا على قوله ( ويقولون متى هذا الوعد ) أي ويطلبون منك ~~PageV03P452 الإنباء وهو الإخبار العظيم عن حقيقة هذا الوعد الجسيم , ويمكن ~~أن أن يكون ذلك منهم على طريق الاستهزاء كالأول , فيكون التعجب ولتوبيخ فيه ~~بعد ما مضى من الأدلة أشد { أحق هو } أي أثابت هذا الذي تتوعدنا به أم هو ~~كالسحر لا حقيقية له كما تقدم أنهم قالوه { قل } أي في جوابهم { إي وربي } ~~أي المحسن إلي المدبرلي والمصدق لجميع ما آتى به ؛ ولما كانوا منكرين , أكد ~~قوله : { إنه لحق } أي كائن ثابت لا بد من نزوله بكم . | ولما كان الشيء قد ~~يكون حقا , ويكون الإنسان قادرا على دفعه فلا يهوله , قال نفيا ذلك : { وما ~~أنتم } أي لمن توعدكم { بمعجزين * } فيما يراد بكم . | < < # | يونس : ( 54 - 57 ) ولو أن لكل . . . . . # > > ^ ( ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما ~~رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون * ألا إن لله ما في السماوات ~~والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون * هو يحيي ويميت وإليه ~~ترجعون * يأيها الناس قد جآءتكم موعظة من ربكم وشفآء لما في الصدور وهدى ~~ورحمة للمؤمنين ) ^ } ) | ولما أخبرهم بحقيقة , أخبرهم بما يكون منهم من ~~الظلم ايضا عند معياينتهبالسماح ببذل جميع ما في الأرض حيث لا ينفع البذل ~~بعد ترك لمأمور به وهو من أيسر الأشياء وأحسنها فقال : { ولو أن لكل نفس ~~ظلمت } أي عند المعاينة { مافي الأرض } أي كلها من خزائنها ونفائسها { لا ~~فتدت به } أي جعلت فدية لها من العذاب لكنه ليس لهم ذلك , لو كان من قبل ~~منهم , فإذا وقع ما يوعدون ms2140 استسلموا { وأسروا الندامة } أي اشتد ندمهم ولم ~~يقدروا على الكلام { لما رأوا العذاب } لأنهم بهتوا لعظم ما دهمهم فكان ~~فعلهم فعل المسر , لأ ؟ نهم لم يطيقوا بكاء ولا شكاية ولا شيئا مما يفعله ~~الجازع ؛ والاستنباء : طلب النبأ كما أن الاستفهام طلب الفهم ؛ والنبأ : ~~خبر عن يقين في أمر كبير ؛ والحق : عقد على المعنى على ماهو به تدعو لحكمة ~~إليه , وكل ما بنى على هذا والقوة فيما طريقة الب الأمر , وذلك فيما يحتمل ~~أمرين احدهما أشبه بألاصل الذي جاء به النص ؛ والافتداء : إيقاع الشيء بدل ~~غيره لرفع المكروه , فداه فديه وأفداه وافتداه افتداء وفاداه مفاداة وفداه ~~تفدية وتفادي منه تفاديا ؛ والإسرار : إخفاء الشيء في النفس ؛ والندامة : ~~الحسرة على ما كان يتمنى أنه لم يكن أوقعها , وهي حال معقولة يتأسف صاحبها ~~على ما وقع منها ويود أنه لم يكن أوقعها . | ولما اشتملت الآيات الماضيات ~~على تحتم إنجاز الوعد والعدل في الحكم , PageV03P453 وختمت بقوه : { وقضي } ~~اي وأوقع القضاء على أيسر وجه وأسهله ؛ ولما ستغرق القضاء جميع وقائعهم . | ~~دل بنزع الجار فقال : { بينهم } اي الظالمين والمظلومين والظالمين ~~والأظلمين { بالقسط } أي العدل ؛ ولما كان وقوع ذلك لا ينفي وقوع الظلم في ~~وقت آخر قال : { وهم } أي والحال أنهم { لا يظلمون * } أي لات يقع فيهم ظلم ~~من أحد أصلا كائنا من كان في وقت ما . | ولما كان السبب الحامل لملوك ~~الدنيا على الكذب والجور والظلم العجز أو طلب التزيد في الملك , أشار إلى ~~التنزهه عن ذلك بقوله مؤكدا سوقا لهم مساق المنكر لن فعلهم في عبادة ~~الأصنام فعل من ينكر مضمون الكلام : { ألا إن الله } اي الملك الأعظم وحده ~~{ ما في السموات } بدأ بها لعلوهامعنى وحسا وعظمتها ؛ ولما كان المقام لغنى ~~عن الظلم لم يحوج الحال إلى تأكيد بإعادة النافي فقال : { والأرض } أي من ~~جوهر وعرض صامت وناطق , فلا شيء خارج عن ملك يحوجه إلى ظلم أو خلاف وعد ~~لحيازته , والحاصل أنه لا يظلم إلا ناقص الملك وأما من له الملك كله فهو ~~الحكم العدل : لأن ms2141 جميع الأشياء بالنسبة إليه على حد سواء , ولا يخلف لوعد ~~إلا ناقص القدرة وأما من له كل شيء ولا يخرج عن قبضته شيء فهو المحق في ~~الوعد العدل في لقدرة وأما من له كل شيء ولا يخرج عن قبضته شيء فهو المحق ~~في الوعد إلا ناقص القدرة وأما من له كل شيء ولا يخرج عن قبضته شيء فهو ا ~~لمحق في الوعد العدل في الحكم , وفي الآية زيادة تحسير وتندم للنفس الظالمة ~~حيث أخبرت بأن ما تود ان تفتدي به ليس لها منه شيء ولا تقدر على التوصل ~~إليه , ولو قدرت ما قبل منها , وإنما هو لمن لارضي منها بالقليل منه فضلا ~~منه عليها على ما أمر به على لسان رسله , وعلى هذا فيجوز ان يكون التقدير : ~~لو أن لها ذلك لافتدت به , لكنه ليس لها بل لله ؛ فلما ثبت بذلك حكمه ~~بالعدل وتزهه عن غخلاف الوعد . | صرح بمضمون ذلك بقوله مؤكدا لإنكارهم : { ~~الا إن وعد الله } أي الذي له الكمال كله { حق } لنه تام القدرة والغنى , ~~فلا حامل له على الإخلاف { ولكن أكثرهم } اي الذين تدعوهم وهم يدعون دقة ~~الأفهام وسعة العقول { لا يعلمون * } أي لا علم لهم فهم لا يتدبرون ما ~~نصبنا من الأدلة فلا ينقادون لما أمرنا به االشريعة فهم باقون على الجهل ~~معدودون مع البهائم ؛ و { ألا } مركبة من همزة الاستفهام و ( لا ) وكانت ~~تقريرا وتذكيرا فصارت تنبيها , وكسرت إن بعدها لأنها استئنافيه ينبه بها ~~على معنى يبتدأ به ولذا يقع بعدها الأمر والدعاء بخلاف ( لو ) و ( إلا ) ~~للاستقبال فلم يجز بعدها إلا كسر ( إن ) ( إما ) قد تكون بمعنى ( حقا ) في ~~قولهم : أما إنه منطلق , وهي للحال فجاز في ( أن ) بعدها الوجهان - ذكره ~~الرماني ؛ السماوات طبقات مرفوعه اولها سقف مزين بالكواكب . وهي من سما ~~بمعنى علاز ولما تقرر أنه لا شيء خارج عن ملكه , وأنه تام القدرة لأنه لا ~~منجي من عذابه , PageV03P454 شامل العلم لقضائه بالعدل , صادق الوعد لأنه ~~لا حامل له على غيره , وثبت تفرده ms2142 بأنه يحي ويميت ؛ ثبت أنه قادر على ~~الإعادة كما قدر على الابتداء , فثبت أنه لا يكون الرد إلا إليه فنبه على ~~ذلك بقوله : { هو } أي وحده { يحيي } اي كما أنتم به مقرون { ويميت } كما ~~أنتم له مشاهدون { وإليه } أي لا إلى غيره { ترجعون * } لأنه وعد بذلك في ~~قوله : < # > 77 ( { إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا } ) 77 < # > [ يونس : 4 ] وفي قوله : < # > 77 ( { فإلينا مرجعهم } ) 77 < # > [ يونس : 46 ] وفي قوله < # > 77 ( { أي وربي إنه لحق } ) 77 < # > [ يونس : 53 ] وغير ذلك ولا مانع له منه ؛ والحياة معنى يوجب صحة العلم ~~والقدرة ويضاد الموت , هو يحل سائرأجزاء الحيوان فيكون بجميعه حيا واحدا , ~~والحي هو الذي يصح أن يكون قادرا , والقادر هو الذي يصح أن يذم ويحمد بما ~~فعل , والموت معنى يضاد الحياة على البينة الحيوانية , وليس كذلك الجمادية ~~. # ولما ثبت أن ذلك كله حق مباين للسحر الذي مبناه على التخييل , أقبل على ~~الذين تقدم الإخبار عنهم في أول السورة في قوله : أكان للناس عجبا أنهم ~~قالوا إنه سحر , فقال : { يأيها الناس } أي الذين قالوا : إن وعدنا ~~والإخبار به سحر ؛ ولما كان بين الأرواح والأبدان حب غريزي بالتعلق , والتذ ~~الروحلذلك بمشتهيات هذه الحياة الدنيا بما انطبع فيه بمظاهر الحس فلم يأته ~~نور العقل حتى تعود النقائض بقوة التعلق فحدثتله أ خلاق ذميمة هي أمراض ~~روحانية , فأرسل ربه الذي أوجده ودبره وأحسن غليه طبيبا حاذقا هو الرسول ~~صلى الله عليه وسلم لعلاج هذه الأمراض . | وأنزل كتابه العزيز لوصف الأدوية ~~, فكان احكم الطب منع المريض عن أسباب المرض , قال تعالى : { قد جاءتكم ~~موعظة } أي زاجر عظيم عن التخلي عن كل ما يشغل القلب عن الله من المحظورات ~~وغيرها من كل ما لا ينبغي , وذلك هو الشريعة . | ولما كان تناول المؤذي ~~شديد الخطر , وهو لذيذ غلى النفس بينهما من ملاءمة النقص , وكان الانكفف ~~عنه أشق شيء عليها , رغبها في القبول بقوله : { من ربكم } أي المحسن إليكم ~~المدبر لمصالحكم بهذا القرآن ؛ ولما كان أليق ما يعمل بعد الحمية تعاطي ms2143 ~~الدواء المزيل للأخلاط الفاسدة من الباطن سالما عن العقائد الفاسدة ~~والأخلاق الناقصة كما سلم البدن من الأفعال الدينة , وهذا هو الطريق . | ~~ولما كانت الروح إذا انصقلت مرآتها فصارت قابلة لتجلي الأنوار عليها بفيض ~~PageV03P455 البروق الإلهية والنفخات القدسية والمواهب الملكوتية لأنها ~~اللمعان كما قال صلى اله عليه وسلم فيما رواه الطبراني عن محمد بن مسلمة ~~رضي الله عنه : ( إن لربكم أيام دهركم نفحات , ألا فعترضوا له ) الحديث . ~~وليس المانع من نزولها في كل قلب إلا عدم القابلية من بعضها لتراكم الظلمات ~~فيها من صداء المخالفة ودين الإعراض والغفلة , فيكون بذلك كالمرايا الصديئة ~~لا تقبل انطباع الصور بها , قال تعالى : { وهدى } إلى الحق لأنه نور عظيم ~~يقود صاحبه - ولابد - إلى الطريق الأقوم , وهذا للصديقين وهو الحقيقة . | ~~ولما كان هذا النور إذا زاد عظمه وانتشر غشراقه يفيض - بعد الوصول إلى هذه ~~الدرجات الوحانية والمعارج الربانية - على أرواح الناقصين فيض النور من ~~جوهر الشمس على أجرام العالم فينير كل قابل له مقبل عليه , قال تعالى : { ~~ورحمة } أي إكرام عظيم بالإمامية بالغ في الكمال والإشراق إلى حد لا مزيد ~~عليه , وهذا للأنباء عليهم السلام ؛ ولما كان لا ينتفع بأنوارهم إلا من ~~توجه إليهم , ثم إن الانتفاع بهم يتفاوت بتفاوت درجات التوجه إليهم ~~والإقبال عليهم , قال : { للمؤمنين * } الذين اتبعوه وهم راسخون في التوجه ~~إلى المرشدين والاستسلام لهم فكان ذلك سببا لنجاتهم - أشار إلى هذا الإمام ~~وقال : فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الكلمات الأربع ~~القرآنية على وجه لا يمكن تأخير شيء منها عن موضعه ولا تقديمه , وهذا بخلاف ~~ما نسبوه إليه صلى الله عليه وسلم من السحر فإنه داء كله وضلال يجر غلى ~~الشقاء , والموعظة : إبانة تدعو إلى الصلاح بطريق الرغبة والرهبة , والوعظ ~~ما دعا إلى الخشوع والنسك وصرف عن الفسوق والإثم ؛ والشفاء : إزالة الداء , ~~وداء الجهل أضر من داء البدن وعلاجه أعسر وأطباؤه أقل , والشفاء منه أجل ؛ ~~والصدر : موضع القلب , وهو أجل موضع في الحي لشرف القلب ؛ والهدى : بيان عن ~~معنى يؤدي إلى ms2144 الحق , وهو دلالة تؤدي إلى المعرفة ؛ والرحمة : نعمة على ~~المحتاج . | PageV03P456 < < # | يونس : ( 58 - 60 ) قل بفضل الله . . . . . # > > ^ ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون * قل ~~أرأيتم مآ أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم ~~أم على الله تفترون * وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن ~~الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون ) ^ } ) | ولما ثبت ذلك , ~~حثهم عليه لبعده عن السحر بثباته وعدم القدرة على زلزلته فضلا عن إزالته ~~وبأن شفاء وموعظة وهدى ورحمة فهو جامع لمراتب القرب الإلهي كلها , وزهدهم ~~فيما هم عليه مقبلون من الحطام : لمشاركته للسحر في سرعة التحول والتبدل ~~بالفناء والاضمحلال فهو أهل للزهد فيه والإعراض عنه فقال تعالى : { قل بفضل ~~الله } الآية , وحسن كل الحسن تعقيب ذلك لقوله : { هو يحيي ويميت } لما ذكر ~~من سرعة الرحيل عنه , ولأن القرآن محيي لميت الجهل , من أقبل عليه أفاده ~~العلم والحكمة , فكان للقلب كالحياة للجسد , ومن أعرض عنه صار في ضلال وخبط ~~فوصل غلى الهلاك الدائم , فكان إعراضه عنه مميتا له , وجعل أبو حيان متعلق ~~الباء في بفضل محذوفا تقديره : { قل } ليفرحوا { بفضل الله } اي الملك ~~الأعلى { وبرحمته } ثم عطف قصر الفرح على ذلك { فبذلك } أي الأمر العظيم ~~جدا وحده إن فرحوا يوما ما بشيء { فليفرحوا } فهما جملتان وقال : { هو } أي ~~المحدث عنه من الفضل والرحمة { خير مما يجمعون * } اي من حطام الدنيا وإن ~~كان أشرف ما فيها من المتاع دائبين فيه على تعاقب الأوقات , والعاقل يختار ~~لتعبه الأفضل ؛ والفضل : الزيادة في النعمة ؛ والفرح : لذة في القلب بنيل ~~المشتهى . | ولما وصف القرآن العظيم بالشفاء وما معه المقتضي لاستقامة ~~المناهج وسداد الشرائع ووضوح المذاهب , وأشار إلى أن العاقل ينبغي له أن ~~يخصه بالفرح لبقاء آثاره وما يدعو إليه وزهده فيما يجمعون لفنائه ولأنه ~~يدعو غلى رذائل الأخلاق فيحيط من أوج المعالي , أشار إلى أنهم كما خبطوا في ~~الفرح فخصوه بما ينفي معرضين عما يبقى فكذلك خبطوا في ms2145 طريق الجمع فوعدوها ~~على أنفسهم بأن حرموا بعض ما أحله , فمنعوا انفسهم ما هم به فرحون دون أمر ~~من الله تعالى فنقصوا بذلك حظهم في الدنيا بهذا المنع وفي الآخرة بكذبهم ~~على ربهم في تحريمه حيث جعلوه شرعا مرضيا وهو في غاية الفساد والبعد عن ~~الصواب والقصور عن مراقي السداد فقال تعالى : { قل } أي لهؤلاء الذين ~~يستهزرون بك استهزاء قاضيا عليهم بأنهم لا عقول لهم مستهزئا بهم وموبخا لهم ~~PageV03P457 توبيخا هو في أحكم مواضعه , وساقه على طريق السؤال بحيث إنهم ~~لا يقدرون على الجواب أصلا بغير الإقرار بالافتراء فقال : { أرءيتم } أي ~~أخبروني , وعبر عن الخلق بالإنزال تنبيها علىأنه لا يمكن ادعاءه لأصنامهم ~~لنزول أسبابه من موضع لا تعلق لهم به بوجه فقال : { ما أنزل الله } أي الذي ~~له صفات الكمال التي منها الغنى المطلق { لكم } اي خاصا بكم { من رزق } أي ~~أي رزق كان { فجعلتم منه } أي ذلك الرزق الذب خصكم به { حراما وحلالا } على ~~النحو الذي تقدم في الأنعام وغيرها قصته وبيان فساده على أنه جلي الفساد ~~ظاهر العوج ؛ ثم ابتدأ أمرا آخر تأكيدا للإنكار عليهم فقال : { قل } أي من ~~أذن لكم في ذلك ؟ { الله } أي الملك الأعلى { أذن لكم } فتوضحوا المسنتند ~~به { أم } لم يأذن لكم فيه مع نسبتكم إياه إليه لأنكم فصلتموه إلى حرام ~~وحلال ولا محل ومحرم إلا الله , فأنتم { على الله } أي المحيط بكل شيء عظمة ~~وعلما { تفترون * } مع نسبتكم الافتراء إلي في هذا القرآن الذي أعجز ~~الأفكار والشرع الذي بهر العقول وادعائكم أنكم أبعد الناس عن مطلق الكذب ~~وأطهرهم ذيولا منه , وتقديم الجار للإشارة إلى زيادة التشنيع عليهم من حيث ~~إنهم أشد الناس تبؤرا من الكذب وقد خصوا الله - على تقدير التسليم لهم - ~~بأن تعمدوا الكذب عليه . | ولما كان قد مضى من أدلة المعاد ما صيره كالشمس ~~, وكان افتراءهم قد ثبت بعدم قدرتهم على مستند بإذن الله لهم في ذلك , قال ~~مشيرا إلى أن القيامة مما هو معلوم لا يسوغ إنكاره : { وما ظن الذين ms2146 يفترون ~~} أي يتعمدون { على الله } أي الملك الأعظم { الكذب } أي أنه نازل بهم { ~~يوم القيامة } أي هب أنكم لم يحاسبكم فيكون حينئذ قد فعل ما لا يفعله رب مع ~~مربوبه . | ولما كان تعالى يعاملهم بالحلم وهم يتمادون في هذاالعقوق , قال ~~: { إن الله } أي الذي له الكمال كله { لذو فضل } أي عظيم { على الناس } أي ~~بنعم منها إنزال الكتب مفصلا فيها ما يرضاه وما يسخطه وإرسال الرسل عليهم ~~السلام لبيانها بما يحتمله عقول الخلق منها , ومنها طول إمهالهم على سوء ~~أعمالهم فكان شكره واجبا عليهم { ولكن أكثرهم } أي الناس لاضطراب ضمائرهم { ~~لا يشكرون } أي لا يتجدد منهم شكر فهم لا يتبعون رسله ولا كتبه , فهم ~~يخبطون خبط عشواء فيفعلون ما يغضبه سبحانه ؛ والتحريم : عقد معنى النهي عن ~~الفعل ؛ والتحليل : حل معنى النهي بالإذن ؛ والشكر : حق يجب بالنعمة من ~~الاعتراف به والقيام فيما تدعو إليه على قدرها ؛ وافتراء الكذب : تزويره ~~وتنميقه فهو أفحش من مطلق الكذب . | PageV03P458 < < # | يونس : ( 61 - 63 ) وما تكون في . . . . . # > > ^ ( وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا ~~كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين * ألا إن أوليآء الله ~~لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون ) ^ } ) | ولما وصف ~~القرآن بماوصفه به من الشفاء وما معه بعد إقامة الدليل على إعجازه , وأشار ~~إلى أن ماتدينوا به في غاية الخبط وأنه مع كونه كذبا يقدر كل واحد على ~~تغييره بأحسن منه لكونه غير مبني على الحكمة , وختم ذلك بتهديدهم على ~~افتراء الكذب في شرع ما لم يأذن به مع اعائهم أن القرآن مفترى وهم عاجزون ~~عن معارضته , وبأنهم لم يشركوه على نعمه التي أجلها تخصيصهم بهذا بهذا ~~الذكر الحكيم والشرع القويم , وكان قد أكثر في ذلك كله من الأمر له صلى ~~الله عليه وسلم بمحاجتهم { قل لا أملك لنفسي } , { قل أرأيتم إن ms2147 أتاكم ~~عذابه } , { قل إي وربي إنه لحق } , { قل بفضل الله } - الآية , { قل ~~أرأيتم ما أنزل الله لكم } , { قل الله أذن لكم } , قال تعالى ناظرا إلى ~~قوله : { وما كان هذا القرآن أن يفترى } الآية , تسلية له صلى الله عليه ~~وسلم وتقويه لهمته وزيادة في تهديدهم عطفا على ما تقديره : فقد أنزلت إليهم ~~على لسانك ما هو أشرف لهم ونعمة عليهم وهو في غاية البعد عن مطلق الكذب فإن ~~كل شيء منه في أحكم مواضعه وأحسنها لا يتطرق إليه الباطل بوجه وهم يقابلون ~~نعمته بالكفر : { وما تكون } أنت { في شأن } أي أي شأن كان { وما تتلوا منه ~~} أي من القرآن المحدث عنه في جميع هذه السورة , الذي تقدم أنهم طائعكم ~~وعاصيكم , وأغرق في النفي فقال : { من عمل } صغير أو كبير { إلا كنا } أي ~~بما لنا من العظمة { عليكم شهودا } أي عاملين بإحاطة علمنا ووكالة جنودنا ~~عمل الشاهد { إذ تفيضون فيه } الآية إيذانا بأنك بعيني في جميع هذه ~~المراجعات وغيرها من شؤونك وأنا العلم بتدبيرك والقادر على نثرتك , وهي ~~كلها من كتابي الذي تتضاءل القوى دونه وتقف الأفكار عن مجاراته لأنه حكيم ~~لكونه من عندي فجل عن مطلق المعارضة لفظا أو معنى فضلا عن التغيير فضلا عن ~~الإتيان بما هو مثله فكيف بما هو أحسن منه , لا ستقامة أمره وتناسب أحكامه ~~كونها شفاء وهدى ورحمة , وما كان كذلك فهو من عندي قطعا وبإذني جزما لأني ~~عالم بالإفاضة فيه والانفصال عنه وجميع الأمور الواقعة منك ومنهم ومن غيرهم ~~. | ولما كان رما ظن ظان من إفهام { كنا } و { شهودا } للجنود أنه سبحانه ~~محتاج إليهم , نفى ذلك بقوله : { وما } أي والحال أنه ما { يعزب } أي يغب ~~ويخفى { عن PageV03P459 ربك } أي المربي لكل مخلوق بعام افضاله ولك بخاص ~~نعمه وأشرف نواله , وأغرق في النفي فقال : { من مثقال ذرة } أي وزن نملة ~~صغيرة جدا وموضع وزنها وزمانه ؛ ولما كان ( في ) بمزون أهل الأرض كان ~~تقديمها أولى فقال : { في الأرض } ولما لم يدع السياق إلى الجمع - كما ~~سيأتي في ms2148 سبأ - قال اكتفاء بالمفرد الدال على الجنسك { ولا في السماء } أي ~~ما علا عن الأرض كائنا ما كان . | ولما كان ربما أدى الجمود بعض الأغبياء ~~إلى أن يحمل المثقال على حقيقته ويجهل أن المراد به المبالغة , قال عاطفا ~~على الجملة من اولها وهو على الابتداء سواء رفعنا الراءين على قراءة حمزة ~~ويعقوب أو نصبناهما عند الباقين : { ولا أصغر من ذلك } أي من مثقال الذرة { ~~ولا أكبر } ولما أتى بهذا الابتداء الشامل الحاصر , اخبر عنه بقوله : { إلا ~~} أي لا شيء من ذلك إلا موجود { في كتاب } أي جامع { مبين * } أي ظاهر في ~~نفسه مظهر لكل ما فيه , وسيأتي في سبأ ما يتم به هذا المكان , وفي ذلك ~~تهديدا لهم وتثبيت له صلى الله عليه وسلم , ولاح بهذا أن ما بعد { إلا } ~~حال من الفاعل , أي ما يفعل شيئا إلا وأنت بأعيننا فثبت أن القرآن بعلمه , ~~فلو افتراه أحد عليه لأمكن منه ؛ والإفاضة : الدخول في العمل على جهة ~~الانصباب إليه وهو الانبساط في العمل أخذا من فيض الإناء إذا انصب ما فيه ~~من جوانبه , وأفضتم : تفرقتم كتفرق الماء الذي يتصبب من الإناء ؛ والعزوب : ~~ذهاب المعنى عن العلم , وضده الحضور ؛ والذر : صغار النمل وهو خفيف الوزن ~~جدا , ومثقاله : وزنه . | ولما تقدم أنهسبحانه شامل العلم , وعلم - من وضع ~~الأحوال ما لا يتسع من لا تسع مجرد أسمائهم الأرض في كتاب مبين أي مهما كشف ~~منه وجد من غير خفاء ولا احتياج إلى تفتيش - أنه كامل القدرة بعد أن تقدم ~~أنهم فريقان : صادق في امره , ومفت عليه , وأنه متفضل على الناس بعدم ~~المعاجلة والتأخير إلى القيامة , وخوف المفتري عواقب أمر عاجلا وآجلا , وجى ~~المطيع , كان موضع أن يقال : ليت شعري ماذا يكون تفصيل حال الفريقين في ~~الدارين على الجزم ؟ فأجيب بأن الأولياء فائزون والأعداء هالكون ليشمر كل ~~مطيع عن ساعد جده ويبذل غاية جهده فيلحاق المخلصين وتحامي جانب المفترين ~~بقوله تعالى مؤكدا لاعتقادهم أنهم يهلكون حزب اله وإنكارهم غاية الإنكار أن ~~يفوتوتهم : { ألا إن أولياء ms2149 الله } أي الذين يتولون بالطاعة من لا شيء أعز ~~منه ولا أعظم ويتولاهم { لا خوف } أي ثابت عال { عليهم } أي من شيء ~~يستقبلهم { ولا هم } أي بضمائرهم { يحزنون } اي يتجدد لهم حزن علىفائت لأن ~~قلوبهم معلقة بالله سبحانه فلا يؤثر فيهم لذلك خوف ولا حزن أثرا يقطع ~~قلوبهم كما يعرض لغيرهم , PageV03P460 وفسرهم بقوله : { الذين آمنوا } أي ~~أوجودا هذا الوصف المصحح للأعمال وبه كمال القوة العلمية { وكانوا } أي ~~كونا صار لهم جبلة وخلقا { يتقون } اي يوجدون التقوى , وهي كمال القوة ~~العلمية في الإيمان والأعمال ويجددونها فإنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق ~~قدره ؛ وانتهى الجواب بقوله : { إن الذين يفترون على الله الكذب } - الآية ~~, وهذا الذي فسر الله به الأولياء لا مزيد على حسنه , وعن علي رضي الله عنه ~~( هم قوم صفر الوجوه من السهر عمش العيون من العبر خمص البطون من الخوى ) ~~وقيل : الولي من لا يرائي ولا ينافق , وما أقل صديق من كان هذا خلقه , وصح ~~عن الإمامين : أبي حنيفة والتبيان أن كلا منهما قال : إن لم يكن العلماء ~~أولياء اله فليس لله ولي . | وهذا في العالم العامل بعلمه كما بينته عند ~~قوله في سورة الزمر ^ ( { قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ) ^ ~~[ الزمر : 9 ] . | < < # | يونس : ( 64 - 67 ) لهم البشرى في . . . . . # > > ^ ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ~~ذلك هو الفوز العظيم * ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع ~~العليم * ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من ~~دون الله شركآء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون * هو الذي جعل لكم ~~الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) ^ } ) | ~~ولما نفىعنهم الخوف والحزن , زادهم فقال مبينا لتوليه لهم بعد أن شرح ~~توليهم له : { لهم } أي خاصة { البشرى } اي الكاملة { في الحياة الدنيا } ~~أي بأن دينهم يظهر وحالهم يشتهر وعدوهم يخذل وعمله لا يقبل وبالرؤية ~~الصالحة { وفي الآخرة } بأنهم هم السعداء وأعداؤهم ms2150 الأشقياء وتتلقاهم ~~الملائكة ^ ( { هذا يومكم الذي كنتم توعدون } ) ^ [ الأنبياء : 103 ] . | ~~وما كان الغالب على أحوال أهل اللله في الدنيا الضيق ولا سيما في أول ~~الإسلام , كان السامع لذلك بمعرض ان يقول : يا ليت شعري هل يتم هذا السرور ~~! فقيل : نعم , وأكد بنفي الجنس لأن الجبابرة ينكرون ذلك لهم لما يرون من ~~أن عزهم من وراء ذل ليس فيه سوؤ ما لباطل المتكبرين من السورة والإرجاف ~~والصولة : { لا تبديل } أي بوجه من الوجوه { لكلمات الله } أي الملك الأعلى ~~الذي له الإحاطة بكل شيء علما وقدرة ؛ وقوله - : { ذلك } أي الأمر العالي ~~الرتبة { هو } ي خاصة { الفوز العظيم } في موضع البيان والكشف لمضمون هذه ~~البشرى ؛ والخوف : انزعاج القلب بما يتوقع من المكروه , ونظيره الجزع ~~والفزع , ونقيضه الأمن ؛ والحزن : انزعاجه وغلظ PageV03P461 همه مما وقع من ~~المكروه , من الحزن للأرض الغليظة , ونقيضه السرور , وهما يتعاقبان على حال ~~الحي الذاكر للمحبوب ؛ والبشرى : الخبر الأول بما يظهر سروره في بشرة الوجه ~~. | ولما تقدمت البشرى بنفي الخوف والحزن معا عن الأولياء , علم أن المعنى ~~: هذه البشرى للأولياء وأنت رأسهم فلا تخف , فعطف عليه قوله : { ولا يحزنك ~~قولهم } أي في نحو قولهم : إنهم يغلبون , وفي تكذيبك والاستهزاء بك وتهديدك ~~, فإن ذلك قول يراد به تبديل كلمات الله الغني القدير , وهيهات ذلك من ~~الضعيف الفقير فكيف بالعلي الكبير ! وإلى هذا يرشد التعليل لهذا النهي ~~بقوله : { إن العزة } أي الغلبة والقهر وتمام العظمة { لله } أي الملك ~~الأعلى حال كونها { جميعا } أي فسيذلهم ويعز دينه , والمراد بذلك التسلية ~~عن قولهم الذي يؤذونه به . | ولما بدئت الآية بقولهم , ختمها بالسمع له ~~والعلم به وقصرهما عليه لأن صفات كل موصوف متلاشية بالنسبة إلى صفاته فقال ~~: { هو } أي وحده { السميع } أي البليغ السميع لأقوالهم { العليم } أي ~~المحيط العلم بضمائرهم وجميع أحوالهم فهو البالغ القدرة على كل شيء ~~فيجازيهم بما تقتضيه , وهو تعليل لتفرده بالعزة لأنه تفرد بهذين الوصفين ~~فانتفيا عن غيره , ومن انتفيا عنه كان دون الحيوانات العجم فأنى يكون له ~~عزة ! والعزة : قدرة على ms2151 كل جبار بما لا يرام ولا يضام , والمعنى أنه يعزك ~~على من ناواك , والنهي في { ولا يحزنك } في اللفظ للقول وفي المعنى للسبب ~~المؤدي غلى التأذي بالقول , وكسرت ( إن ) هاهنا للاستئناف بالتذكر بما ينفي ~~الحزن , لا لأنها بعد القول لأنها ليست حكاية عنهم , وقرىء بفتحها على معنى ~~( لأن ) . | ولما ختمت بعموم سمعه وعلمه بعد قصر العزة عليه , كان كأنه قيل ~~: إن العزة لا تتم إلا بالقدرة فأثبت اختصاصه بالملك الذي لا يكون إلا بها ~~, فقال مؤكدا لما يستلزمه إشراكهم من الإنكار لمضمون هذا الكلام : { ألآ إن ~~الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة ؛ ولما كان بعض الناس قد أشركوا ببعض ~~النجوم , جمع فقال معبرا بأداة العقلاء تصريحا بما افهمه التعبير سابقا ~~بأداة غيرهم : { من في السماوات } أي كلها , وابتدأ بها لأن ملكها يدل ~~علىملك الأرض بطريق الأولى , ثم صرح بها في قوله مؤكدا لما تقدم : { ومن في ~~الأرض } أي كلهم عبيده ملوكهم ومن دونهم , نافذ فيهم تصريفه , منقادون لما ~~يريده , وهو أيضا تعليل ثان لقوله { ولا يحزنك قولهم } أو للتفرد بالعزة , ~~وعبر ب ( من ) التي للعقلاء والمراد كل ما في الكون لأن السياق لنفي العزة ~~عن غيره , والعقلاء بها أجدر , PageV03P462 فنفيها عنهم نفي عن غيرهم بطريق ~~الأولى , ثم غلبوا لشرفهم على غيرهم , ولذا تطلق ( ما ) التي هي لغيرهم في ~~سياق هو بها أحق ثم يراد بها العموم تغليبا للأكثر الذي لا يعقل على الأقل ~~؛ ثم نفى أن يكون له في ذلك شريك بقوله عاطفا على ما تقديره : فما له شريك ~~مما ادعاه المشكرون منهما أو من إحداهما : { وما يتبع } أي بغاية الجهد { ~~الذين يدعون } أي على سبيل العبادة { من دون الله } أي الذي له العظمة كلها ~~{ شركآء } على الحقيقة ؛ ويجوز أن تكون ( ما ) موصولة تحقيرا للشركاء ~~بالتعبير بأداة ما لا يعقل ومعطوفه على ( من ) { إن } اي ما { يتبعون } في ~~ذلك الذي هو أصل أصول الدين يجب فيه القطع وهو دعاءهم له شركاء { إلا الظن ~~} أي المخطىء على أنه لو كان صوابا ms2152 كانوا مخطئين فيه حيث قنعوا في الأصل ~~بالظن , ثم نبه على الخطأ بقوله : { وإن } اي وما { هم إلا يخرصون } أي ~~يحزرون ذلك ويقولون ما لا حقيقة له أصلا ؛ والاتباع : طلب اللحاق بالأول ~~على تصرف الحال , فهؤلاء اتبعوا الداعي إلى عبادة الوثن وتصرفوا معه فيما ~~دعا إليه , وظنهم في عبادتها إنما هو بسبيهة ضعيفة كقصد زيادة التعظيم لله ~~وتعظيم تقليد الأسلاف , ويجوز أن يكون { شركاء } مفعولا تنازعه { يتبع } و ~~{ يدعون } ؛ ثم اثبت سبحانه اختصاصه بشيء جامع للعلم والقدرة تأكيدا ~~لاختصاصه بالعزة وتفرده بالوحدانية , وأن من أشرك به خارص لا علم له بوجه ~~لكثرة الدلائل على وحدانيته ووضوحها فقال : { هو } أي وحده { الذي جعل } أي ~~بسبب دوران الأفلاك الذي أتقنه { لكم } أي نعمة منه { اليل } أي مظلما { ~~لتسكنوا فيه } راحة لكم ودلالة على درته سبحانه على الإيجاد والإعدام وأنسا ~~للمحبين لربهم { والنهار } وأعار السبب وصف المسبب فقال : { مبصرا } أي ~~لتنتشروا فيه , حذف وصف الليل وذكرت علته عكس ما فعل بالنهار ليدل على ما ~~حذف , فالآية من الاحتباك . | ولما كانت هذه الآيات من الظهور بحيث لا ~~يحتاج إلى أكثر من سماعها , قال : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم { لآيات ~~لقوم } اي لهم قوة المحاولة على ما يريدونه { يسمعون } اي لهم سمع صحيح , ~~وفي ذلك ادلة واضحات على أنه مختص بالعزة فلا شريك له , لأن الشريك لا بد ~~وأن يقاسم شريكه شيئا من الأفعال أو الأحوال أو الملك , وأما عند انتفاء ~~جميع ذلك فانتفاء الشركة أوضح من أن يحتاج فيه إلى دليل , ويجوز أن يكون ~~المعنى : لآيات لقوم يبصرون إبصارا اعتبار ويسمعون سماع تأمل وإدكار , ~~ولكنه حذف ( يبصرون ) لدلالة { مبصرا } عليه , ويزيد ذلك وضوحا وحسنا كون ~~السياق لنفي الشركاء , فهو إشارة إلى أنها لا تسمع ولا تبصر أصلا فكيف ~~بالاعتبار والافتكار ؟ فالذين عبدوهم أكمل حالا منهم . | PageV03P463 < < # | يونس : ( 68 - 73 ) قالوا اتخذ الله . . . . . # > > ^ ( قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في ~~الأرض إن عندكم من سلطان بهذآ أتقولون على الله ms2153 ما لا تعلمون * قل إن الذين ~~يفترون على الله الكذب لا يفلحون * متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم ~~نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون * واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه ~~يقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا ~~أمركم وشركآءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون * فإن ~~توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين ~~* فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا ~~بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين ) ^ } ) | ولما لم يكن شبهة على ~~ادعاء الولد لله سبحانه ولا لهم اطلاع عليه بوجه , ساق قوله : { قالوا اتخذ ~~} اي تكلف الأخذ بالتسبب على ما نعهد { الله } أي المسمى بهذا الاسم الذي ~~يقتضي تسميته به أن يكون له الكمال كله , فلا يكون محتاجا إلى شيء بوجه { ~~ولدا } مساق البيان لقوله { إن يتبعون إلا الظن } وهذا صالح لأن يكون ~~نعجيبا ممن ادعى في الملائكة أو عزيز أوا لمسيح وغيرهم . | ولما عجب منهم ~~في ذلك لمنافاته بما يدل عليه من النقص لما ثبت لله تعالى من الكمال كما مر ~~, نزه نفسه الشرية عنه فقال : { سبحانه } اي تنزه عن كل شائبة نقص التنزه ~~كله ؛ ثم علل تنزهه عنه وبينه بقوله : { هو } اي وحده { الغني } أي عن ~~الولد وغيره لأنه فرد منزه عن الإبعاض والأجزاء والمجانسة ؛ ثم بين غناه ~~بقوله : { له ما في السماوات } ولما كان سياق الاستدلال يقتضي التأكيد , ~~أعاد ( ما ) فقال : { وما في لأرض } من صامت وناطق , فهو غني بالملك ذلك عن ~~أن يكون شيء منه ولدا له لأن الولد لايملك , وعدم ملكه نقص مناف للغنى , ~~ولعله عبر ب ( ما ) لأن الغني محط نظره الصامت مع شمولها للناطق . | ولما ~~بين بالبرهان القاطع والدليل الباهر امتناع أن يكون له ولد , بكتهم بنفي أن ~~يكون لهم بذلك نوع حجة فقال : { إن } أي ما { عندكم } وأغرق في النفي فقال ~~: { من سلطان } أي حجة { بهذا } أي ms2154 الاتخاذ , وسميت الحجة سلطانا لاعتلاء ~~يد المتمسك بها ؛ ثم زادهم بها تبكيتا بالإنكار علهيم بقوله : { أتقولون } ~~أي على سبيل التكرير { على الله } أي الملك الأعظم على سبيل الاستعلاء { ما ~~لا تعلمون } لأن ما لا PageV03P464 برهان عليه في الأصول فهو جهل , فكيف ~~بما قام الدليل على خلافه ؛ والسلطان : البرهان القاهر لأنه يتسلط به على ~~صحة الأمر ويقهر به الخصم , وأصله القاهر للرعية بعقد الولاية . | ولما قدم ~~قولهم كذب , وبكتهم عليه مواجهة , أتبعه بما يشير إلى أنهم أهل للإعراض في ~~سياق مهدد على الكذب , فقال معرضا عن خطابهم مؤكدا لأن اجتراءهم على ذلك ~~دال على التكذيب بالمؤاخذة عليه : { قل } أي للذين ادعوا الولد لله وحرموا ~~ما رزقهم من السائبة ونحوها { إن الذين يفترون } اي يتعمدون { على الله } ~~أي الملك الأعلى { الكذب لا يفلحون } ثم بين عدم الفلاح بقوله : { متاع } ~~أي لهم , ونكره إشارة إلى قلته كما قال في الآية الأخرى ( متاع قليل ) وأكد ~~ذلك بقوله : { في الدنيا } لأنها دار ارتحال , وما كان إلى زوال وتلاش ~~واضمحلال كان قليلا وإن تباعد مده وتطاولت مدده وجل مدده , وزاد على الحصر ~~عدده ؛ وبين حالهم بعد النقلة بقوله : { ثم } أي بعد ذلك الإملاء لهم وإن ~~طال { إلينا } أي على ما لنا من العظمة لا إلى غيرنا { مرجعهم } بالموت ~~فنذيقهم عذابا شديدا لكنه دون عذاب الآخرة { ثم نذيقهم } يوم القيامة { ~~العذاب الشديد بما } أي بسبب ما { كانوا } أي كونا هو جبلة لهم { يكفرون } ~~ووجب كسر ( إن ) بعد القول لأنه حكاية عما يستأنف الإخبار به فعل في لام ~~الابتداء لذلك . | ولما تقدم سؤالهم الإتيان بما يقترحون من الآيات , ومضت ~~الإشارة إلى أن تسييرهم في الفلك من أعظم الآيات وإن كانوا لإلفهم له قد ~~نسوا ذلك , وتناسجت الآي كما سلف إلى أن بين هذا أن متاع المفترين الكذب ~~قليل تخويفا من شديد السطوة وعظيم الأخذ , عقب ذلك بقصة قوم نوح لأنهم ~~كانوا أطول الأمم الظالمة مدة وأكثرهم عدة , ثم أخذوا أشد أخذ فزالت آثارهم ~~وانطمست اعلامهم ومنارهم فصاروا كأنهم ms2155 لم يكونوا أصلا ولا أظهروا قولا ولا ~~فعلا , فقال تعالى عاطفا على قوله { قل إن الذين } مسليا لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لأن المصيبة إذا عمت خفت , وتخويفا للكفار ~~ليرجعوا أو يحفوا من أذاهم : { واتل } أي اقرأ قراءة متتابعة مستعلية { ~~عليهم نبأ نوح } أي خبره العظيم مذكرا بأول كون الفلك وأنه كان إذ ذاك آية ~~غريبة خارقة للعادة عجيبة , وأن قوم نوح لم ينفعهم ذلك ولا أغنى عنهم ~~افتراءهم وعنادهم مع تطاول الأمد وتباعد المدد , بل صار أمرهم إلى زوال , ~~وأخذ عنيف ونكال < # > 77 ( { كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعاوفون بينهم } ) 77 < # > [ يونس : 45 ] مع نجاة رسولهم وخيبة مأمولهم , قد لبث فيهم ما لم يلبثه ~~نبي في قولهم ولا رسلو في أمته ألف سنة إلا خمسبن عاما , وما آمن معه إلا ~~قليل { إذ قال لقومه } أي بعد أن دعاهم إلى الله فأطال دعاءهم ومتعوا في ~~الدنيا كثيرا PageV03P465 وأملى لهم طويلا فما زادهم ذلك إلا نفورا { يا ~~قوم } أي يا من يعز علي ويشق علي ما يسوءهم لتهاونهم بحق ربهم مع قوتهم على ~~الطاعة { إن كان كبر } أي شق وعظم مشقة صارت جبلة عليكم { عليكم } ولما ~~كانت عادة الوعظ والخطباء أن يكونوا حال الخطبة واقفين , قال : { مقامي } ~~اي قيامي , ولعله خص هذا المصدر لصلاحيته لموضع القيام وزمانه فيكون ~~الإخبار بكراهيته لأجل ما وقع فيه من القيام أدل علىكراهة القيام { وتذكيري ~~} اي بكم { بآيات الله } أي الذي له الجلال والإكرام , فإن ذلك لا يصدني عن ~~مجاهدتي بما يكبر عليكم من ذلك خوفا منكم لأن الله أمرني به وأنا أخاف ~~عذابه إن تركت , ولا أبالي بكراهيتكم لذلك خوف عاقبة ثصدقكم اي بالأذى { ~~فعلى } أي فإني على { الله } اي الذي له العزة كلها وحده { توكلت } فإقامة ~~ذلك المقام الجزاء من إطلاق السبب - الذي هو التوكل - على المسبب - الذي عو ~~انتفاء الخوف - مجازا مرسلا , إعلاما لهم بعظمة الله وحقارتهم بسبب أنهم ~~أعرضوا عن الآيات وهم يعرفونها , بما دل عليه ms2156 التعبير بالتذكير , فدل ذلك ~~على عنادهم بالباطل , والمبطل لا يخشى أمره لأن الباطل لا ثبات له , ودل ~~على ذلك بقوله : { فأجمعوا أمركم } أي في أذاي بالإهلاك وغيره , أهزموا على ~~أنه لا يخافهم وإن شركاءهم أحياء كائنين من كانوا وكانت كلمتهم واحدة لا ~~فرقة فيها بوجه . | ولما كان الذي ستستر بالأمور بما يفوته بعض المقاصد ~~لاشتراط التستر , أخبرهم أنه لا يمانعهم أبدوا أو أخفوا فقال : { ثم لا يكن ~~} أي بغعد التأبي وطول زمان المجاوزة في المشاورة { أمركم } أي الذي ~~تقصدونه بي { عليكم غمة } أي خفيا يستتر عليكم شيء منه بسبب ستر ذلك عني ~~لئلا أسعى في معارضتكم , فلا تفعلوا ذلك بل جاهروني به مجاهرة فإنه لا ~~معارضة لي بغير الله الذي يستوي عنده السر والعلانية ؛ والتعبير ب { ثم } ~~إشارة إلى التأني وإتقان الأمر للأمان من معارضته بشيء من حول منه أو قوة { ~~ثم اقضوا } ما تريدون , أي بتوه بتة المقضي إليه واصلا { إلي } . | ولما ~~كان ذلك ظارها في الإنجاز وليس صريحا , صرح به في قوله : { ولا تنظرون * } ~~أي ساعة ما , وكل ذلك لإظهار قلة المبالاة بهم للاعتماد على الله لأنه لا ~~يعجزه شيء ومعبوداتهم لا تغني شيئا ؛ ثم سبب عن ذلك قوله : { فإن توليتم } ~~ي كلفتم أنفسكم الإعراض عن الحق بعد عجزكم عن إهلاكي ولم ينفعكم علمكم بأن ~~PageV03P466 الذي منعني - وأنا وحدي - منكم وأنتم ملء الأرض له العزة جميعا ~~وأن من أوليائه الذين تقدم وعده الصادق بأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون { ~~فما } أي فلم يكن توليكم عن تفريط مني لأني سقت الأمر على ما يحب , ما { ~~سألتكم } أي ساعة من الدهر , وأغرق في النفي فقال : { من أجر } أي على ~~دعائي لكم يفوتني بتوليكم ولا تتهموني به في دعائكم . | ولما كان من المحال ~~أن يفعل عاقل شيئا لا لغرض , بين غرضه بقوله مستأنفا : { إن } أي ما { أجري ~~إلا على الله } اي الذي له صفات الكمال ؛ ثم عطف عليه غرضا آخر وهو اتباع ~~الأمر خوفا من حصول الضر فقال : { وأمرت } أي ms2157 الملك الأعلى الذي لا أمر ~~لغيره , وبناه للمفعول للعمل بأنه هو الآمر وليزيد في الترغيب في المأمور ~~به وتغطية بجعله عمدة الكلام بإقامته مقام الفاعل فقال { أن أكون } أي كونا ~~أتخلق به فلا أنفك عنه ؛ ولما كان في مقام الاعتذار عن مفاجأته لهم ~~بالإنذار , عبر بالإسلام الذي هو الأفعال الظاهرة فقال : { من المسلمين * } ~~أي الراسخين في صفة الانقياد بغاية الإخلاص , لي ما لهم وعلي ما عليهم , ~~أنا وهم في الإسلام سواء , لا مرية لي فيه أتهم بهام أن أستسلم لكل ما ~~يصيبني في الله , لا يردني ذلك عن إنفاذ أمره , والحاصل أنه لم يكن بدعائه ~~إياهم في موضع تهمة , لا سألهم غرضا دنيويا يزيده إن أقبلوا ولا ينقصه إن ~~أدبروا , ولا أتى بشيء من عند نفسه ليظن أنه أخطأ فيه ولا سلك به مسلكا يظن ~~به استعباده إياهم في اتباعه , بل أعملهم بأنه أول مؤتمر بما أمرهم به ~~مستسلم لما دعاهم إليه ولكل ما يصيبه في الله , ولما لم يردهم كلامه هذا عن ~~غيهم , سبب عنه قوله مخبرا بتماديهم : { فكذبوه } أي ولم يزدهم شيء من هذه ~~البراهين الساطعة والدلائل القاطعة إلا إدبارا , وكانوا في آخر المدة على ~~مثل ما كانوا عليه من التكذيب { فنجيناه } أي تنجية عظيمة بما لنا من ~~العظمة الباهرة بسبب امتثاله لأوامرنا وصدق اعتماده علينا { ومن معه } أي ~~من العقلاء وغيرهم { في الفلك } كما وعدنا أولياءنا , وجعلنا ذلك آية ~~للعالمين { وجعلناهم } أي على ضعفهم بما لنا من العظمة { خلائف } أي في ~~الأرض بعد من أغرقناهم , فمن فعل في الطاعة فعلهم كان جديرا بأن نجازيه بما ~~جازيناهم { وأغرقنا } أي بما لنا من كمال العزة { الذين كذبوا } اي مستخفين ~~مستهينين { بآياتنا } كما توعدنا يفترون على الله الكذب . | ولما كان هذا ~~أمرا باهرا يتعظ به من له بصيرة , سبب عنه أمر أعلى الخلق فهما بنظره إشارة ~~إلى أنه لا يعتبر به حق الاعتبار غيره فقال : { فانظر } وأشار إلى أنه أهل ~~لأن يبحث عن شأنه بأداة الاستفهام , وزاد الأمر عظمة بذكر ms2158 الكون فقال : { ~~كيف كان } PageV03P467 أي كونا كان كأنه جبلة { عاقبة } أي آخر أمر { ~~المنذرين * } أي الغريقين في هذا الوصف وهم الذين أنذرتهم الرسل , فلم ~~يكونوا أهلا للبشارة لأنهم لم يؤمنوا لنعلم أن من ننذرهم كذلك , لا ينفع من ~~أردنا شقاوته منهم إنزال آية ولا إيضاح حجة ؛ والتوكل : تعمد جعل الأمر إلى ~~من يدبره للتقدير في تدبيره ؛ والغمة : ضيق الأمر الذي يوجب الحزن ؛ ~~والتولي : الذهاب عن الشيء ؛ والأجر : النفع المستحق بالعمل ؛ والإسلام ~~الاستسلام لأمر الله بطاعته بأنها خير ما يكتسبه العباد . | < < # | يونس : ( 74 - 78 ) ثم بعثنا من . . . . . # > > ^ ( ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات فما كانوا ~~ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين * ثم بعثنا من ~~بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملئه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين * ~~فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين * قال موسى أتقولون للحق ~~لما جآءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون * قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا ~~عليه آباءنا وتكون لكما الكبريآء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين ) ^ } ) | ~~ولما لم يكن في قصص من بينه وبين موسى عليهم السلام مما يناسب مقصود هذه ~~السورة إلا ما شاركوت فيه قوم نوح من أنهم لم تنفع الآيات من أريدت شقاوته ~~منهم , ذكره سبحانه طاويا لما عداه فقال تعالى : { ثم } أي بعد مدة طويلة { ~~بعثنا } أي على عظمتنا ؛ ولما كان البعث لم يستغرق زمان البعد , أدخل ~~الجالر فقال : { من بعده } أي قوم نوح { رسلا } كهود وصالح وإبراهيم ولوط ~~وشعيب عليهم الصلاة والسلام . | ولما كان ربما ظن أن قوم الإنسان لا ~~يكذبونه , وإن كذبوه لم يتمادوا على التكذيب { فجاءوهم } أي فتسبب عن ~~استنادهم إلى عظمتنا أن جاؤوهم { بالبينات } لزيزول تكذيبهم فيؤمنوا { فما ~~} أي فتسبب عن ذلك ضد ما أمروا له وقامت دلائله وهو أنهم ما { كانوا } أي ~~بوجه من وجوه الكون { ليؤمنوا } أي مقرين { بما كذبوا } أي مستهنين { به } ~~أول ما جاؤوهم . | ولما كان تكذبيهم في بعض الزمن الماضي , أدخل الجار فقال ~~: { من ms2159 قبل } أي قبل مجيء البينات لأنا طبعنا على قلوبهم ؛ قال أبو حيان : ~~وجاء النفي مصحوبا بلام الحجود ليدل على أن إيمانهم في حيز الاستحالة ~~والامتناع - انتهى . | ويجوز أن يكون التقدير : من قبل مجيء الرسل إليهم , ~~ويكون التكذيب أسند إليهم لأن أباهم كذبوا لما بدلوا ما كان عندهم من الدين ~~الصحيح الذي أتتهم به الرسل ورضوا هم بما أحدث آاؤهم استحسانا له , أو لأنه ~~كان بين PageV03P468 أظهرهم على بقايا مما شرعته الرسل فكانوا يعظونهم فيما ~~يبتدعون فلا يعون ولا يسمعون كما كان قس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل ~~وورقة بن نوفل وغيرهم قبل لعث النبي صلى الله عليه وسلم , لكن المعنى الأول ~~أولى - والله أعلم . | ولما قرر عدم انتفاعهم بالآيات , بنى ما يليه على ~~سؤاله من لعله يقول : هل استمر الخلق فيمن بعدهم ؟ فكأنه قيل : نعم ! { ~~كذلك } أي مثل ما طبعنا على قلوبهم هذا الطبع العظيم { نطبع } أي نوجد ~~الطبع ونجدده متى شئنا بما لنا من العظمة { على قلوب المعتدين * } في كل ~~زمن لكل من تعمد العدو فيما لا يحل له , وهذا كما أتى موسى عليه السلام إلى ~~فرعون فدعاه إلى الله فكذبه فأخبره أن معه آية تصدقه فقال له : إن كنت جئت ~~بآية فائت بها إن كنت من الصادقين , فلما أتاه بها استمرعلى تكذبيه وكان ~~كلما رأى آية ازداد تكذيبا , وكان فرعون قد قوي ملكه وعظم سلطانه وعلا في ~~كبريائه وطال تجبره على الضعفاء , فطمست أمواله وآثاره , وبقيت أحاديثه ~~وأخباره , ولهذا أفصح سبحانه بقصته فقال : دالا على الطبع : { ثم بعثنا } ~~أي وبعد زمن طويل من إهلاكنا إياهم بعثنا , ولعدم استغراق زمن البعد أدخل ~~الجار فقال : { من بعدهم } أي من بعد أولئك الرسل { موسى و } كذا بعثنا { ~~هاورن } تأييدا له لأن اتفاق اثنين أقوى لما يقررانه وأوكد لما يذكرانه ؛ ~~ولما استقر في الأذهان بما مضى أن ديدن الأمم تكذيب نم هو منهم حدا له ~~ونفاسة عليه . | كان ربما ظن أن الرسول لو أتى غير قومه كان الأمر على غير ms2160 ~~ذلك , فبين أن الحال واحد في القريب والغريب , فقال مقدما لقوله : { إلى ~~فرعون وملائه } أي الأشراف من قومه , فإن الأطراف تبع لهم { بآياتنا } أي ~~التي لا تكتنه عظمتها لنسبتها إلينا , فطبعنا على قلوبهم { فاستكبروا } أي ~~طلبوا الكبر على قبول الآيات وأوجدوا ما يدل عليه من الرد بسبب انبعثه ~~غليهم عقب ذلك { وكانوا } أي جبلة وطبعا { قوما مجرمين * } اي طبعهم قطع ما ~~ينبغي وصله ووصل ما ينبغي قطعه , فلذلك اجترؤوا على الاستكبار مع ما فيها ~~أيضا من شديد المناسبة لما تقدم من قول الكافرين { هذا سحر مبين } في نسبة ~~موسى عليه السلام إليه وبيان حقيقة السحر في زواله وخيبته متعاطية لإفساده ~~إلى غير ذلك من الأسرار التي تدق عن الأفكار , هذا إلى ما ينظم إليه من ~~مناسبته ما بين إهلاك القبط وقوم نوح بآية الغرق , وأنه لم ينفع أحدا من ~~الفريقين معاينة الآيات ومشاهدة الدلالات البينات , بل ما آمن لموسى إلا ~~ذرية من قومه بعد تلك المعجزات الباهرة والبراهين الظاهرة , ثم اتبعهم ~~فرعون بعد أن كانت انحلت عن حسبهم عراه , وتلاشت من تجبره قواه , وشاهد من ~~الضربات ما يهد الجبال , ودخل في طلبهم البحر بحزات لا يقرب ساحتها الأبطال ~~, لما قدره عليه ذو الجلالن ولم PageV03P469 يؤمن حتى أتاه البا حيث يفوت ~~الإيمان بالغيب الذي هو شرط الإيمان , فلم ينفعه إيمانه مع اجتهاده فيه ~~وتكريره لفوات شرطه إجابة لدعوة موسى عليه السلام , ثم إن بني إسرائيل ~~كانوا قبل مجيء موسى عليه السلام على منهاج واحد . | فما اختلفوا إلا بعد ~~مجيء العلم إليهم وبيان الطريق واضحة لديهم , ولهذا المراد ذكر هنا هارون ~~عليه السلام لأن من أعظم مقاصد السورة المنع من طلب الآيات لمن بعد الإيمان ~~عند الإتيان بها , إشارة إلى أن القول من الاثنين أوكد , ومع ذلم فلم يصدقن ~~من حكم القدير بشقاوته , كل ذلك حثا على الرضا والتسليم , ووكل الأمر إلى ~~الرب الحكيم , فمهما أمر به قبل , وما أعرض عنه ترك السؤال فيه رجاء تدبيره ~~با ؛ سن التدبير وتقدره ألطف المقادير ms2161 ؛ ولما أخبر سبحلنه باستكبارهم , بين ~~أنه تسبب عنه طعنهم في معجزاته من غير تأمل , بل بغاية المبادرة والإسراع ~~بما أشعرت به الفاء والسياق , فقال تعالى : { فلما جاءهم } اي فرعون وملؤه ~~{ الحق } أي البالغ في الحقية , ثم زاد في عظمته بقوله : { من عندنا } أي ~~على ما لنا من العظمة التي عرفوا بها أنه منا , لا من الرسولين { قالوا } ~~اي غير متأملين له ولا ناظرين في أمره بل عنادا ودلالة على استكبراهم ~~مؤكدين لما علموا من تصديق الناس به { إن هذا لسحر مبين * } كما قال الناس ~~الذين أخبر عنهم سبحانه في أول السورة في هذا القرآن وما إبانه من البعث . ~~| فلما قالوا ذلك أخبر عنهم سبحانه في أول السورة في هذا القرآن وما إبانه ~~من البعث . | فلما قالوا ذلك كان كأنه قيل : فماذا أجابهم ؟ فأخبر أنه أنكر ~~عليهم , بقوله : { قال موسى } ولما كان تكريرهم لذلك القول أجدر بالإنكار , ~~عبر بالمضارع الدال على أنهم كرروه لينسخوا ما ثبت في قلوب الناس من عظمته ~~{ أتقولون للحق } ونبه هذا القول الذي قلتموه وهو أنه سحر , فإن القول يطلق ~~على المكروه , تقول : فلان قال في فلان , اي ذمه , وفلان يخاف القاة , وبين ~~الناس تقاول ؛ ثم كرر الإنكار بقوله : { أسحر هذا } أي الذي هو في غاية ~~الثبات والمخالفة للسحر في جميع الصفات حتى تقولون فيه ذلك . | فالآية من ~~الاحتباك : ذكر القول في الأول دال على حذف مثله في الثاني , وذكر السحر ~~الثاني دال على حذف مثله في الأول . | ولما كان التقدير : أتقولون هذا ~~والحال أنكم قد رأيتم فلاحه , بين عليه قوله : { ولا يفلح } أي يظفر بما ~~يريد في وقت من الأوقات { الساحرون * } أي العريقون فيه لأن حاصل أمرهم ~~تخييل وتمويه في الأباطيل , فالظفر بعيد عنهم , ويجوز أن تجعل هذه الجملة ~~معطوفه على قوله : { أسحر هذا } لأنه إنكاري بمعنى النفي , فلما أنكر عليهم ~~عليه السلام ما ظهر به الفرق الجلي بين ما أتى به في ونه أثبت الأشياء وبين ~~السحر , PageV03P470 لأنه لا ثبات له أصلا , عدلوا عن جوابه ms2162 إلى الإخبار ~~يما يتضمن أنهم لا يقرون بحقيته لأنه يلزم عن ذلك ترك ما هم عليه من العلو ~~وهم لا يتركونه , وأوهموا الضعفاء أن مراده عليه السلام الاستكبار معللين ~~لاستكبارهم عن اتباعه بما دل على أنهم لا مانع أنهم منه إلا الكبر , فقال ~~تعالى حكاية عنهم : { قالوا } اي منكرين عليه معللين بأمرين : التقليد , ~~والحرص على الرئاسة . | ولما كان هو الأصل في الرسالة . | وكان أخوه له ~~تبعا , وحدوا الضمير فقالوا : { أجئنا } اي أنت يا موسى { لتلفتنا } أي ~~لتقتلنا وتصرفنا { عما وجدنا عليه } وقالوا مستندين إلى التقليد غير ~~مستحيين من نترك الدليل { آباءنا } من عبادة الأصنام والقول بالطبيعة لنقل ~~نحن بذلك { ويكون لكما } اي لك أنت ولأخيك دوننا { الكبرياء } أي بالملك { ~~في الأرض } أي ارض مصر التي هي - لما فيها من المنافع - كأنها الأرض كلها { ~~وما } أي وقالوا أيضا : ما { نحن لكما } وبالغوا في النفي وغلب عليهم الدهش ~~فعبروا بما دل على أنهم غلبهم الأمر فعرفوا أنه صدق ولم يذعنوا فقالوا : { ~~بمؤمنين * } اي عريقين في الإيمان , فهو عطف على { أجئتنا } أي قالوا ذاك ~~وقالوا هذا , أو يكون عطفا على نحو : فما نحن بموصليك إلى هذا الغرض , ~~افردوه أولا بالإنكار عليه في المجيء ليضعف ويكف أخوه عن مساعدته , واشركوه ~~معه ثانيا تأكيدا لذلك الغرض وقطعا لطمعه ؛ والبعث : الإطلاق في أمر يمضي ~~فيه , وهو خلاف الإطلاق من عقال ؛ والملأ : الجماعة الذين هم وجوه القبيلة ~~, لأن هيبتهم تملأ الصدور عند منظرهم ؛ والاستكبار : طلب الكب من غير ~~استحقاق ؛ والمجرم من اكتسب سيئة كبيرة , من جرم التمر - إذا قطعه , فالجرم ~~يوجب به البيان في خفاء السبب ؛ والحق : ما يجب الحمد عليه ويشتد دعاء ~~الحكمة إليه ويعظم النفع به والضرر بتركه ؛ والكبياء : استحقاق صفة الكبر ~~في أعلى المراتب , وهي صفة مدح لله وذم للعباد لأنها منافية لصفة العبودية ~~. | < < # | يونس : ( 79 - 83 ) وقال فرعون ائتوني . . . . . # > > ^ ( وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم * فلما جآء السحرة قال لهم موسى ~~ألقوا مآ أنتم ملقون * فلمآ ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر ms2163 إن الله ~~سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين * ويحق الله الحق بكلماته ولو كره ~~المجرمون * فمآ آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن ~~يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين ) ^ } ) | ولما لبسوا ~~بوصفه بما هم به متصفون , أرادوا الزيادة في التلبيس بما يوهم أن ما ~~PageV03P471 أتى به سحر تمكن معارضته إيقافا للناس عن تباعه , فقال تعالى ~~حكاية عطفا على قوله : { قالوا أجئتنا } : { وقال فرعون } إرادة المناظرة ~~لما أتى به موسى عليه السلام { ائتوني بكل ساحر عليم * } اي بالغ في علم ~~السجر لئلا يفوت شيء من السحر بتأخير البعض , وقرءة حمزة والكسائي بصيغة ~~فعال دالة على زيادة لزعمه أقل من سياق الشعراء كما مضى في الأعراف . | ~~ولما كان التقدير : فامتثلوا أمره وجمعوهم , دل على قرب اجتماعهم بالفاء في ~~قوله : { فما جاء السحرة } اي كل من في أرض مصر منهم { قال لهم موسى } ~~مزيلا لهذا الإيهام { ألقوا } جميع { ما أنتم ملقون * } اي راسخون في صنعه ~~إلقائهن إشارة غلى أن ما جاؤوا به ليس اهلا لأن يلقى إليه بال { فلما ألقوا ~~} أي وقع منهم الإلقاء بحبالهم وعصيهم على إثر مقالاته وخيلوا بسحرهم لعيون ~~الناس ما زلزل عقولهم { قال موسى } منكرا عليهم { ما جئتم به } ثم بين انه ~~ما استفهم ايضا سواء قطعت الهمزة ومدت كما في قراءة أبي عمرو وأبي جعفر ~~أوجعلت همزة وصل كما في قراءة الباقسن , فإن همزة الاستفهام مقدرة , ~~والعريف إما للعهد وإما للحقيقة وهو أقرب , ويجوز في قراءة الجماعة أن يكون ~~خبرا لما يقصد به الحصر , اي هو السحر لا ما نسبوتموه إلي ؛ ثم استأنف بيان ~~ما حقره به فقال : { إن الله } أي الذي له إحاطة العلم والقدرة { سيبطله } ~~أي قريب بوعد لا خلف فيع ؛ ثم علل ذلك بما بين أنه فساد فقال : { إن الله } ~~أي الذي له الكمال كله { لا يصلح } أي وفي وقت من الأوقات { عمل المفسدين * ~~} اي العريقين في الفساد بأن لا ينفع بعملهم ولا يديمه ؛ ثم عطف ms2164 عليه بيان ~~إصلاحه عمل المصلحين فقال : { ويحق } اي يثبت إثباتا عظيما { الله } أي ~~الملك الأعظم { الحق } أي الشيء الذي له الثبات صفة لازمة ؛ ولما كان في ~~مقام تحقيرهم , دل على ذلك بتكرير الاسم الجامع الأعظم . | وأشار غلى ما له ~~من الصفات العلى بقوله : { بكلماته } أي الأزلية التي لها ثبات الأعظم , ~~وزاد في العظمة بقوله : { ولو كره المجرمون } ايالعريقون في قطع ما أمر ~~الله به أن يوصل , فكان كما قال عليه السلام بط سحرهم , واضمحل مكرهم , وحق ~~- كما بين في سورة الأعراف . | ولما حكى سبحانه أن موسى عليه السلام أبان ~~ما أبان من بطلان السحر وكونه غفسادا , فثبت ما أتى به لمخالفته له , أخبر ~~تعالى - تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وفطما عن طلب الإجابة للمقترحات - ~~أنه ما تسبب عن ذلك في أول الأمر عقب إبطال سحرهم من غير مهلة إلا إيمان ~~ناس ضعفاء غير كثير , فقال تعالى : { فما آمن } أي متبعا { لموسى } أي ~~PageV03P472 بسبب ما فعل , ليعلم أن الآيات ليست سببا إلا لمن أردنا ذلك ~~منه ؛ وبين أن الصغار أسرع إلى القبول بقوله : { إلا ذرية } أي شبانهم هم ~~أهل لأن تذر فيهم البركة { من قومه } اي قوم موسى الذين لهم القدرة على ~~القيام في المحاولة لما يريدونه , والظاهر أنهم كانوا أيتاما وأكثرهم - كما ~~قاله مجاهد { على خوف } أي عظيم { من فرعون وملائهم } اي أشراف قوم الذرية ~~؛ ولما كان إنكار الملأ إنما هو بسبب فرعون ان يسلبهم رئاستهم , انحصر ~~الخوف فيه فأشار إلى ذلك بوحدة الضمير فقال : { أن يفتنهم } وأتبعه ما يوضح ~~عذرهم بقوله مؤكدا تنزيلا لقريش منزلة من يكذب بعلو فرعون لتكذيبهم لأن ~~ينصر عليهم الضعفاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لعلوهم : { وإن ~~فرعون لعال } أي غالب قاهر متمكن بما فتناه به من طاعة الناس له { في الأرض ~~} اي ارض مصر التي هي بكثرة ما فيها من المرافق كأنها جميع الأرض { وإنه ~~لمن المسرفين * } أي العريقين في مجاوزة الحدود بظاهره وباطنه , وإذا ضممت ~~هذه الآية إلى قوله تعالى ms2165 : ^ ( { وإن المسرفين هم أصحاب النار } ) ^ [ ~~غافر : 43 ] كان قياسا بديهيا منتجا إنتاجا صريحا قطعيا أن فرعون من أصحاب ~~النار , تكذبيا لأهل الوحدة في قولهم : إنه آمن , ليهونوا المعاصي عند ~~الناس فيحلوا بذلك عقائد أهل الدين . | < < # | يونس : ( 84 - 87 ) وقال موسى يا . . . . . # > > ^ ( وقال موسى يقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين ~~* فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين * ونجنا ~~برحمتك من القوم الكافرين * وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر ~~بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين ) ^ } ) | ولما ~~ذكر خوفهم وعذرهم , اتبعه ما يوجب طمأنينتهم , وهوا لتوكل على الله الذي من ~~راقبه تلاشى عنهد كل عظيم , فقال : { وقال موسى } اي لمن آمن به موطنا لهم ~~على أن الجنة لا تنال إلا بمشقة عظيمة ( يبتلي الناس على قدر إيمانهم ) { ~~يا قوم } فاستعطفهم بالتذكير بالقرب وهوزهم إلى المعالي به فيهم من القوة ~~ثم هيجهم وألهبهم على الثبات بقوله : { إن كنتم } أي كونا هو في ثباته ~~كالخلق الذي لا يزول { آمنتم بالله } وثبتهم بذكر الاسم الأعظم وما دل عليه ~~من الصفات , واجاب الشرط بقوله : { فعليه } PageV03P473 أي وحده لما علمتم ~~من عظمته التي لا يداينها شيء سواه { توكلوا } وليظهر عليكم أثر التوكل من ~~الطمأنينة والثبات والسكينة { إن كنتم } أي كونا ثابتا { مسلمين * } جامعين ~~إلى تصديق القلب إذعان الجوارح ؛ وجواب هذا الشرط ما دل عليه الماضي من ~~قوله : { فعليه توكلوا } { فقالوا } أي على الفور كما يقتضيه الفاء { على ~~الله } أي الذي له العظمة كلها وحده { توكلنا } أي فوضنا أمورنا كلها إليه ~~{ ربنا } أي ايها الموجد لنا المحسن إلينا { لا تجعلنا فتنة } اي موضع ~~مخالطة بما يميل ويحيل { للقوم الظالمين * } اي لا تصبنا أنت بما يظنون له ~~تهاونك بنا فيزدادوا نفرة عن دينك لظنخك أنا على الباطل ولا تسلطهم علينا ~~مما يفتننا عن ديينا فيظنوا أنهم على الحق { ونجنا برحمتك } اي إكرامك لنا ~~{ من القوم } أي الأقوياء { الكافرين * } أي العريقين في تغطية الأدلة , ~~وفي دعائهم هذا إشارة إلى أن ms2166 أمر الدين أهم من أمر النفس . | ولما أجابوه ~~إلى إظهار الاعتماد عليه سبحانه وفوضوا الأمور إليه , أتبعه ما زيدهم ~~طمأنينة من التوطن في أرض العدو إشارة إلى عدم المبالاة به , لأنه روي أنه ~~كانت لهم متعبدات يجتمعون فيها , فلما بعث موسى عليه السلام أخربها فرعون , ~~فأمر الله تعالى أن تجعل في بيوتهم لئلا يطلع عليهم الكفرة فقال تعالى ~~عاطفا على قوله : { وقال موسى } { وأوحينا } أي بما لنا من العظمة البالغة ~~{ إلى موسى وأخيه } أي الذي طلب مؤازرته ومعارضته { أن تبوءا } أي اتخذا { ~~لقومكما بمصر } وهي ما بين البحر إلى أقصى أسوان والإسكندرية منها { بيوتا ~~} تكون لهم مرجعا يرجعون إليه ويأوون إليه { واجعلوا } أي أنتما ومن معكما ~~من قومكما { بيوتكم قبلة } أي مصلى لتتعبدوا فيها مستترين عن الأعداء ~~تخفيفا من أسباب الخلاف { وأقيموا الصلاة } أي بجميع حدودها وأركانها ~~مستخفين ممن يؤذيكم جمعا بين آلتي النصر : الصبر والصلاة , وتمرنا على ~~الدين وتثبيتا له في القلب . | ولما كان الاجتماع فيما تقدم أضخم وأعز ~~وأعظم , وكان واجب على الأمة كوجوبه على الإمام جمع فيه , وكان إسناده ~~البشارة عن الملك إلى صاحب الشريعة أثبت لأمره وأظهر لعظمته وأثبت في قلوب ~~أصحابه وأقر لأعينهم , أفرد في قوله : { وبشر المؤمنين * } اي الراسخين في ~~الإيمان من أخيك وغيره . | < < # | يونس : ( 88 - 89 ) وقال موسى ربنا . . . . . # > > ^ ( وقال موسى ربنآ إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة ~~الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا ~~يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم * قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعآن ~~سبيل الذين لا يعلمون ) ^ } ) | PageV03P474 ولما ختم ببشارة من دل على ~~إيمانهم إسلامهم بفعل ما يدل على هوان أمر العدو , وكان هلاك المشانىء من ~~أعظم البشائر , وكان ضلال فرعون وقومه بالزينة والمال إضلالا لغيرهم , سأل ~~موسى عليه السلام إزاله ذلك كله للراحة من شره , فقال تعالى حاكيا عنهك { ~~وقال موسى } أي بعد طول دعائه لفرعون وإظهار المعجزات لديه وطول تكبره على ~~أمر اله وتجبره على المستضعفين من عباده , ولما ms2167 كان من أعظم أهل الاصطفاء , ~~أسقط الأداة تسننا بهم , وأشار بصفة الإحسان إلى أن هلاك أعدائهم أعظم ~~إحسان إليهم فقال : { ربنا } اي أيها المحسن إلينا { إنك } أكد لما للجهال ~~من إنكار أن يكون عطاء الملك الأعظم سببا للإهانة { أتيت فرعون وملأه } أي ~~أشراف قومه على ما هم فيه من الكفر والكبر { زينة } أي عظيمة يتزينون بها ~~من الحلية واللباس وغيرهما { وأموالا } أي من الذهب والفضة وغيرهما { في ~~الحياة الدنيا } روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان لهم من فسطاط مصر ~~إلى أرض الحبشة جبال فيها معادن من ذهب وفضة وزبرجد وياقوت ؛ ثم بين غابتها ~~لهم فقال مفتتحا بالنداء باسم الرب ليعيذه وأتباعه من مثل حالهم : { ربنا } ~~أي أيها الموجد لنا المحسن إلينا والمدبر لأمورنا { ليضلوا } في أنفسهم ~~ويضلوا غيرهم { عن سبيلك } أي الطريق الواسعة التي نهجتها للوصول إلى رحمتك ~~. | ولما بين أن مآلهم الضلال , دعا عليهم فقال مفتتحا أيضا بالنداء باسم ~~الرب ثالثا لأن ذلك من أمارات الإجابة كما أشير إليه في آخر آل عمران ~~وإشارة إلى أنهم لا صلاح لهم بدون هلاكهم وهلاكها : { ربنا اطمس } أي أوقع ~~الطمس وهوالتسوية بين المطموس وبين غيره مما ليس له نفعه { على أموالهم } . ~~| ولما كان قد رأى منهم من التكبر على الله والتكذيب لآيانه والتعذيب ~~لأوليائه ما لا يشفي غيظه منه إلا إدامة شقائهم دنيا وأخرى , وكان عالما ~~بأن قدرة الله على إبقائهم على الكفر مع تحسيرهم بسلب المال كقدرته على ذلك ~~باستدراجهم إليه بالمال , قال : { واشدد } اي شدا ظاهرا لكل أحد - بما اشار ~~إليه الفك مستعليا { على قلوبهم } قال ابن عباس : اطبع عليها وامنعها من ~~الإيمان , وأجاب الدعاء بقوله : { فلا يؤمنوا } أي ليتسبب عنذلك الشد عدم ~~إيمانهم إذا رأوا مبادىء العذاب الطمس { حتى يروا } اي بأعينهم { العذاب ~~الأليم * } حيث لا ينفعهم إذا الإيمان فيكونوا جامعين ذل النفوس المطلوب ~~منهم اليوم ليفيدهم العز الدائم إلى شدة الغضب بوضع الشيء في غير موضعه ~~المنتج لدواتم ذلهم بالعقاب ؛ وهذه الآية منبه على أن ms2168 الرضى بكفر خاص لا ~~يستلزم استحسان الكفر من حيث هو كفر ؛ قال الإمام الحليمي في كتاب شعب ~~الإيمان المسمى PageV03P475 بالمنهاج : وإذا تمنى مسلم كفر مسلم فهذت على ~~وجهين : احدهما أن يتمناه له كما يتمنى الصديق لصديقه الشيء يستحسنه فيحب ~~أن يكون له فيه نصيب , فهذا كفر لأن استحسان الكف كفر , والآخر أن يتمناه ~~له كما يتمنى لعدوه الشيء يستفظعه - فيجب أن يقع فيه , فهذا ليس بكفر , ~~تمنى موسى صلوات الله عليه وسلامه بعد أن أجهده فرعون ألا يؤمن فرعون وملأه ~~ليحق عليهم العذاب , وزاد على ذلك أن دعا الله تبارك وتعالى فلم ينكر تعالى ~~ذلك عليه لعلمه أن شدته على فرعون وغلظته عليه لما رآه من عتوه وتجبره هي ~~التي حملته على ذلك , فمن كان في معناه فله حكمه ؛ وقد نقل ذلك عنه الزركشي ~~في حرف الثاء من قواعده مرتضياص له , ونقل عنه أيضا أنه قال : ولو ان في ~~قلب مسلم على كافر فاسلم فحزن المسلم لذلك وتمنى لو عاد إلى الكفر لا يكفر ~~, لأن استقباحه الكفر هو الذي حمله على تمنيه واستحسانه الإسلام هو الحالم ~~لله على كراهته ؛ ونقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أنه لو قتل عدو ~~للإنسان ظلما ففرح هل ياثم ! إن فرح بكونه عصى الله فيه فنعم , وإن فرح ~~بكونه خلص من شره فلا بأس لاختلاف سببي الفرخ - انتهتى . | ويؤيده ما روى ~~البيهقي في دلائل النبوة بسنده عن مقسم مرسلا أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~دعا عل عتبة بن أبي وقاص البيهقي يوم أحد حين كسر رباعيته ودمي وجهه فقال : ~~( اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرا ! ) فما حال عليه الحول حتى مات ~~كافرا غلى النار , ومسألة أن الرضى بالكفر كفر نقلها الشيخان عن المتولي ~~وسكتا عليها , ولكن قال الشيخ محيي الدين في شرح المهذب : إن ذلم إفراط , ~~فما تقدم من التفصيل عن الحليمي وابن عبد السلام هوالمعتمدن والمسألة في ~~أصل الروضة . | فإنه قال : لو قال لمسلم : سلبه الله الإيمان , أو لكافر ms2169 : ~~رزقه الله الإيمان , فليس بكفر لأنه ليس رضى بالكفر لكنه دعاء عليه بتشديد ~~الأمر والعقوبة ؛ قلت : ذكر القاضي حسين في الفتاوى وجها ضعيفا أنه لو قال ~~مسلم : سلبه الله الإيمان , كفر - والله أعلم , وحكى الوجهين عن القاضي في ~~الأذكار وقال : إن الدعاء بذلك معصية . | < < # | يونس : ( 90 - 92 ) وجاوزنا ببني إسرائيل . . . . . # > > ^ ( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى ~~إذآ أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا ~~من المسلمين * آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك ~~لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون ) ^ } ) | ~~PageV03P476 ولما أخبر سبحانه عن دعائه عليه السلام أخبر بإجابته بقوله ~~مستأنفا : { قال } ولما كان الموضع محل التوقع للإجابة , افتتحه بحرفه فقال ~~: { قد أجيبت دعوتكما } والبناء للمفعول أدل على القدرة وأوقع في النفس من ~~جهة الدلالة على الفاعل بالاستدلال , وثنى للإعلام بأن هارون عليه السلام ~~مع موسى عليه السلام في هذا الدعاء , لأنه معه كالشيء الواحد ا خلاف منه ~~أصلا وإن كان غائبا , وذلك كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان رضي ~~الله عنه في عمرة الحديبية فضرب بإحدى يديه على الأخرى وهو غائب في حاجة ~~النبي صلى الله عليه وسلم , وكذا ضرب له في غزوة بدر بسهمه وأجره وكان ~~غائبا . | ولما كانت الطاعة وانتظار الفرج وإن طال زمنه أعظم أسباب الإجابة ~~, سبب عن ذلك قوله : { فاستقيما } أي فاثبتا على التعبد والتذلل والخضوع ~~لربكما كما أن نوحا عليه السلام ثبت على ذلك وطال زمنه جدا واشتد أذاه ولم ~~يضجر ؛ ولما كان الصبر شديدا . | أكد قوله : { ولا تتبعان } بالاستعجال أو ~~الفترة عن الشكر { سبيل الذين لا يعلمون * } ولما أمر بالتأني الذي هو ~~نتيجة العلم , عطف على ذلك الإخبار بالاستجابة قوله : { وجوزنا } أي فعلنا ~~بعظمتنا في إجازتهم فعل المناظر للآخر المابري له , ودل بإلصاق الباء بهم ~~على مصاحبته سبحانه لهم دلالة على رضاه بفعلهم فقال : { ببني إسرءيل } أي ~~عبدنا المخلص لنا { البحر } إعلاما ms2170 بأنه أمرهم بالخروج من مصر وأنجز لهم ما ~~وعد فأهلك فرعون وملأه باتباعهم سبيل من لا يعلم بطيشهم وعدم صبرهم , ونجى ~~بني إسرائيل بصبرهم وخضوعهم ؛ والالتفات من الغيبة إلى التكلم لما في هذه ~~المجاوزة ومقدمتها ولواحقها من مظاهر العظمة ونفوذ الأوامر ومضاء الأحكام ؛ ~~وبين سبحانه كيفية إظهار استجابة الدعوة بقوله مسببا عن المجاوزة : { ~~فأتبعتهم } اي بني إسرائيل { فرعون وجنوده } أي أوقعوا تبعهم أي حملوا ~~نفوسهم على تبعهم , وهو السير في أثرهم , واتبعه - إذا سبقه فلحقه , ويقال ~~: تبعه في الخير واتبعه في الشر . | ولما أفهم ذلك , صرح به فقال : { بغيا ~~} أي تعديا للحق واستهانة بهم { وعدوا } أي ظلما وتجاوزا للحد . | ~~PageV03P477 ولما كان فاعل ذلك جديرابأن يرجع عما سلكه من الوعورة , عجب ~~منه في تماديه فقال - عاطفا على ما تقديره : واستمر يتمادى في ذلك - : { ~~حتى } ولما كانت رؤية انفراج البحر عن مواضع سيرهم مظنة تحقق رجوع الماء ~~إلى مواضعه فيغرق , عبر بأداة التحقق فقال : { إذا أدركه } اي قهره وأحاط ~~به { الغرق } اي الموت بالماء كما سأل موسى في أنه لا يؤمن حتى يرى العذاب ~~الأليم { قال آمنت } أي أوقعت إيمان الداعي لي من التكذيب ؛ ثم علل إيمانه ~~بقوله مبدلا من { آمنت } في قراءة حمزة والكسائي بالكسر مؤكدا من شدة الجزع ~~: { أنه } وعلى تقدير الباء تعليلا في قراءة الجماعة اي نعترفا بأنه { لا ~~إله إلا الذي } ويجوز أن يكون أوقع { آمنت } على { أنه } وما بعدها - أي { ~~آمنت } نفي الإلهية عن كل شيء غير من اشتثنيه من أن أعبره أو أرجع عنه . | ~~ولماكان قد تحقق الهالك وعلم أنهلا نجاة إلا بالصدق , اراد الإعلام بغاية ~~صدقه فقال : { آمنت } أي أوقعت التصديق معترفة { به بنو إسراءيل } فعينه ~~تعيينا أزال الاحتمال ؛ ثم قال : { وأنا من المسلمين * } فكرر قبول ما كان ~~دعي إليه فأباه استكبارا , وعبر بما دل على ادعاء الرسوخ فيه بيانا لأنه ذل ~~ذلا لم يبق معه شيء من ذلك الكبر ولم ينفعه ذلك لفوات شرطه , فاتصل ذله ذلك ~~بذل الخزي في البرزخ وما بعده , وقد ms2171 كانت المرة الواحدة كافيه له عند وجود ~~الشرط , وزاده تعالى ذلا بالإيئاس من الفلاح بقوله على لسان الحال أو جبريل ~~عليه السلام أو ملك الموت أو غيره من الجنود عليهم السلام : { آلئن } أي ~~أتجيب إلى ما دعيت إليه في هذا الحين الذي لا ينفع فيه الإجابة لفوات ~~الإيمان بالغيب الذي لا يصح أن يقع اسم الإيمان إلا عليه { وقد } أي والحال ~~أنك قد { عصيت } أي بالكفر { قبل } اي في جميع زمان الدعوة الذي قبل هذا ~~الوقت , ومعصية الملك توجب الأخذ والغضب كيف كانت , فكيف ومهي بالكفر ! { ~~وكنت } أي كونا جبايا { من المفسدين * } اي العريقين في الفساد والإفساد ؛ ~~ثم أكده - بدل شماتة الأعداء به الذين كانوا عنده اقل شيء وأحقره - بقوله ~~مسببا عما تضمنه ذلك الإنكار من الإذلال بالإهلاك إشارة إلى أن الماء أحاط ~~به وصار يرتفع قليلا قليلا حتى امتد زمن التوبيخ : { فاليوم ننجيك } أي ~~تنجية عظيمة . | ولما كان ذلك سارا وكانت المساءة بما يفهم السرور إنكاء , ~~قال دالا على أن ذلك يعد نزع روحه : { ببدنك } أي من غير روح وهو كامل لم ~~ينقص منه شيء حتى لا يدخل في معرفتك لبس { لتكون } اي كونا هو في غاية ~~الثبات { لمن خلقك } اي يتأخر عنك في الحياة من بني إسرائيل وغيرهم { آية } ~~في أنك عبد ضعيف حقير , لست برب فضلا عن ان PageV03P478 تكون أعلى وبعرفوا ~~أن من عصى الملك أخذ وأن كان أقوى الناس , اكثرهم جنودا , وقد ادعى بعض ~~الملحدين إيمانه بهذه الآية إرادة لما يعيذ الله منه من حل العقد الواجب من ~~أن فرعون من أكفر الكفرة بإجماه أهل الملل ليهون اللناس الاجتراء على ~~المعاصي , وادعى أنه لا نص في القرآن على أنه قوله تعالى : < # > 77 ( { وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين } ) 77 < # > [ يونس : 83 ] مع قوله تعالى : < # > 77 ( { وأن المسرفين هم أصحاب النار } ) 77 < # > [ غافر : 43 ] قياس قطعي الدلالة بديهي النص على أنه من أهل النار , ~~والآية - كما ترى - دليل على قوله : { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه ms2172 بياتا أو ~~نهارا } - الآية , لو كان فرعون مثل قريش , فكيف ولا نسبة لهم منه في شدة ~~الاستكبار التابعة لكثرة الجموع ونفوذ الكلمة بضخامة الملك وعز السلطان ~~والقوة بالأموال والأعوان , وقد وري أن جبريل عليه السلام كان أتاه بفتيا ~~في عبد نشأ في نعمة سيده فكفر نعمكته وجحد حقه وادعى السيادة دونه , فكتب ~~فرعون جزاء العبد الخارج عن طاعة سيده الكافر نعماءه أن يغرق في البحر , ~~فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطه فعرفه . | ولما لم يعمل ~~فرعون وآله بمقتضى ما رأوا من الآيات , كان حكمهم حكم الغافلين عنها , فكان ~~التقدير : ولقد غفلوا عما جاءهم من الآيات { وإن كثيرا } أكده لأن مثله ~~ينبغي - لبعده عن الصواب - أن لا يصدق أن أحدا يقع فيه { من الناس } أي وهم ~~من لم يصل إلى حد أول أسنان أهل الإيمان لما عندهم من النوس - وهو الاضطراب ~~- والأنس بأنفسهم { عن آياتنا } أي على ما لها من العظمة { لغاقلون } ~~والإصلاح : تقويم العمل على ما ينفع بدلا مما يضر ؛ وإحقاق الحق : إظهاره ~~وتمكينه بالدلائل الواضحة حتى يرجع الطاعن عنه حسيرا والمناصب له مفلولا ؛ ~~والإسراف : الإبعاد في مجاوزة الحق ؛ والفتنة : البلية , وهي معاملة تظهر ~~الأمور الباطنة ؛ والناجة : الخلاص ما فيه المخافة , ونظيرها السلامة , ~~وعلقوا النجاة بالرحمة لأنها إنعام على المحتاج بما تطلع إليه النفوس ~~العباد , فهو أوكد ما يكون من الدعاء إلى الصلاح ؛ والوحي : إلقاء المعنى ~~لى النفس في خفاء , والإيحاء والإيماء والإشارة نظائر , ولا يجوز أن تطلق ~~الصفة بالوحي إلا لنبي ؛ وتبوأ : اتخذ , وأصله الرجوع , فالمتبوأ : المنزل ~~, لأنه يرجع إليه للمقام فيه : والطمس : محو الأثر فهو تغير إلى الدثور ~~والدروس ؛ والإجابة : موافقة الدعوة فيما طلب بها لوقوعها على تلك الصفة ؛ ~~والدعوة : طلب الفعل بصيغة الأمر , وقد تكون بالماضي ؛ والمجوزة : الخروج ~~عن الحد من إحدى الجهات ؛ والبحر : مستقر الماء الواسع يحيث لا يدرك طرفيه ~~من كان في وسطه , PageV03P479 وهو مأخوذ من الاتساع ؛ والانباع : اللحاق ~~بالأول ؛ والغي : طلب الاستعلاء بغير حق ؛ والآن : فصل الزمانين الماضي ~~والمستقبل , ومع أنه إشارة ms2173 إلى الحاضر , ولهذا بنى كما بنى ( ذا ) ؛ والبدن ~~: مسكن روح الحيوان على صورته . | < < # | يونس : ( 93 ) ولقد بوأنا بني . . . . . # > > ^ ( ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما ~~اختلفوا حتى جآءهم العلم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون ) ^ } ) | ولما ذكر تعالى عاقبة أمر فرعون وقومه وأنهم لم ينتفعوا ~~بما جاءهم من البينات مع ما كان فيها من جلي البيان وفي بعضها من الشدائد ~~والامتحان حتى كان آخرها أنه لما رأى مبدأ الهلاك من النفراق البحر عن ~~لجاجه غفلة منه عن عاقبته . | وختمها بالإخيبار بكثرة الغفلة إشارة غلى أن ~~هذا الخلق في غير القبط أيضا , أتبع ذلك ذكر خاتمه أمر بني إسرائيل فيما ~~خولهم فيه بعد الإنجاء من النعم المقتضي للعلم القطعي بانه لا إله غيره , ~~وأن من خالفه كان على خطر الهلاك , وأنهم - مع مشاهدتهم الآيات ألآتيه ~~بسببهم إلى فرعون - آتاهم من الآيات الخاصة بهم المنجزة لصدق وعده سبحانه ~~لآبائهم ما فيه غاية الإحسان إليهم والإكرام لهم , وأنهم كانوا تحت يد ~~فرعون على طريق واحد , ليس بينهم خلاف , وما اختلفوا فصاروا فرقا في ~~الاعتقادات وأجزابا في الديانات حتى جاءهم العلم الموضح من الله , فكان ~~المقتضي لا جتماعهم على الله مفرقا لهم على سبيل الشيطان لخبث سرائرهم وسوء ~~ضمائرهم وقوفا مع الشاهد الزائل وجمودا مع المحسوس الفاني ونسيانا للغائب ~~الثابت والمعلوم المتيقن , كل ذلك لأنا قضينا به فالأمر تابع لما نريد , لا ~~لما يأمر به وينهى عنه , فكان أعظم زاجر عن طلب الآيات وظن أنها توجب له ~~الرد على الغوايات , فقال تعالى : { ولقد بوأنا } أي أسكنا بما لنا من ~~العظمة التي تنقطع الأعناق دون عليائها وتتضاءل ثواقب الأفكار عن إحصائها { ~~بني إسرائيل } مسكونا هو أهل لأن يرجع إليه من خرج عنه , وهو المراد بقوله ~~: { مبوأ صدق } أي في الأرض المقدسة لأن وعدنا كان قد تقدم لهم بها وعادة ~~العرب أنها إذا مدحت الشيء أضافته إلى الصدق لأنه مع ثباته حبيب إلى كل ~~نفسص ويصدق ما يظن به ms2174 من الخير . | ولما كان المنزل لا يطيب إلا بالرزق , ~~وكان التعبير عنه بالمبوإ دالا على الرزق بدلالة الالتزام , صرح به فقال : ~~{ ورزقناهم } أي بما لنا من العظمة { من الطيبات } أي الحسية حلاء واشتهاء ~~من الفواكة والحبوب والأبان والأعسال وغيرها . | والمعنوية من الشريعة ~~والكتاب والمعارف كما تقدم وعدنا لآبائهم بذلك . | ولما كانوا كغيرهم إذا ~~كانوا على أمور يتواضعون عليها تقاربوا فيها وتوافقوا , وإذا كانوا على ~~حدود حدها لهم المحسن إليهم وحده لم يلبثوا أن يختلفوا عابهم الله بذلك ~~فقال : { فما } أي فتسبب عن PageV03P480 صدقنا لهم في الوعد أنهم ما { ~~اختلفوا } أي أوقعوا الخلف المفضي إلى جعل كل منهم صاحبه خلفه ووراء ظهره . ~~| واستهان به { حتى جاءهم العلم } الموجب لاجتماعهم على كلمة واحدة لما له ~~من الضبط حتى يكون أتباعه على قلب واحد . | فكأنه قيل : فماذا يفعل بهم ؟ ~~لا هم بعقولهم ينتفعون ولا بما جاءهم من الحق يرجعون ؟ فقيل مؤكدا لإنكار ~~العرب البعث : { إن ربك } أي المحسن إليك بإصاء الأنبياء بك وزوصفك في ~~كتبهم وجعلك صاحب لواء الحمد في القايمة { يقضي بينهم } . | ولما كان هذا ~~تهديدا عظيما , زاده هولا وعظمة بقوله : { يوم القيامة } أي الذي هو أعظم ~~الأيام { فيما كانوا } أي بافعالهم الجبلية { فيه يختلفون * } فميز الحق من ~~الباطل , والصديق من الزنديق , ويسكن كلا داره . | ذكر بعض ما في التوراة ~~من المن عليهم يالأرض المقدسة : قال قي أثناء السفر الخامس : قد رأت اعينكم ~~جميع أعمال الله العظيمة التي عمل , فاحفظوا جميع الوصايا التي أمركم اله ~~بها اليوم لتدخلوا الأرض التي تجوزون إليها لترثوها وتطول أعماركم في الأرض ~~التي أقسم الله لآبائكم أن يعطيهم ويرثها نسلهم الأرض التي تغل السمن ~~والعسل . | لأن الأرض التي تدخلونها لترثوها ليست مثل ألاض مصر التي خرجتم ~~منها التي كنتم تحتاجون فيها أن تستقوا بأرجلكم وتسقوها مثل بساتين السقي , ~~ولكن الأرض التي تجوزون إليها لترثوها هي أرض الجبال والصحارى , وإنما تشرب ~~من مطر السماء . | يتعاهدها الله ربكم في كل حين , وعينا الله ربنا فيها ~~منذ أول السنة إلى ms2175 لآخر السنة . | فإن أنتم سمعتم الأحكام التي آمركم بها ~~اليوم وتتقون الله ربكم وتعبدونه من كل قلوبكم وأنفسكم يديم نظره إلأيكم , ~~ويمطر لكم في الخريف والربيع جميعا , وتستغلون طعاما وشرابا وزيتا , وينبت ~~في حرثكم عشبا لمواشيكم , وتأكلون وتعشبون , احفظوا أن لا تخدع قلوبكم ~~وتروغوا إلى الآلهة الأخرى وتسجدوا لها وتعبدوها فيشتد غضب الرب عليكم , ~~ويمنع السماء من المطر والأرض من غلاتها , وتهلكوا شريعا من الأرض التي ~~يعطيم الله ربكم , بل اجعلوا هذه الآيات في قلوبكم , وصيروها ميسما بين ~~أعينكم , وعلموها بينكم أن يتكلوموا بها في حضوركم وفي سفركم , وإذا رقدتم ~~وإذا قمتم , واكتبوها على معاقم بيوتكم وأبوابكم لتطول أعماركم وأعمار ~~أولادكم في الأرض التي اقسم الله لآبائكم أن يعطيهم . | وإن أنتم حفظتم هذه ~~الوصايا كلها وعملتم بها وأحببتم الله ربكم وسرتم في طرقه ولحقتم بعبادته ~~يهلك الرب الملوك كلها من بين أيديكم وترثون شعوبا أعظم وأعز منكم , وكل ~~بلاد تطأها أقدامكم تكون لكم بين البرية ولبنان ومن النهر إلى الفرات : ~~النهر الأكبر , وتكون تخومكم عند البحر الآخر , ولا يقدر أحد أن ~~PageV03P481 يقاومكم , ويلقي الله ربكم خوفكم وفزعكم على كل الأرض التي ~~تطؤونها كما قال لكم الرب : انظروا ! إني أتلوا عليكم دعاء ولعنا , أما ~~الدعء فتصيرون إليه إن أنتم حفظتم وصايا الله ربكم , وأما اللعن فيدرككم إن ~~أنتم لم تسمعوا وصايا الله ربكموزغتم عن الطريق التي تدخلونها اترثوها ~~اتلوا الدعاء على جبل حوريب واللعن على جبل من حيالها في مجاز الأردن خلف ~~الطريق عند مغارب الشمس في أرض الكنعانين الذين يسكنون المغرب بإزاء الجبال ~~وجبال بلوط - وفي نسخة : مرج ممري , لأنكم تجوزون الأردن لتدخلوا وترثوا ~~الأرض التي يعطيكم الله ربكم وتسكنونها وتحفظون وتعملون بجميع الوصايا التي ~~آمركم بها اليوم - انتهى . | وفي سفر يوشع بن نون عليه السلام : ولما كان ~~بعد موسى عبد الله قال الله ليوشع ابن نون خادم موسى عليهما السلام : كوسى ~~عبدي مات , والآن فقم فاعبر هذا الأردن أنت , وكل هذا الشعب إلى الأرض التي ~~أنا معطيها لبني إسرائيل ms2176 , كل موضع تطؤه أرجلكم لكم أعطيته , كما قلت لموسى ~~عبدي . | من البر وهذه اللبنان وإلى النهر الكبير نهر الفرات كل أرض ~~الذاعرين , لا يقف أحد قدامك طول ايام حياتك , كما كنت مع موسى أكون معك , ~~لا ادعك ولا أتركك , اشتد وتأيد , فإنك انت تنحل هذا الشعب الأرض التي قسمت ~~لآبائهم لإعطاء ذلك لعم , لا يزول درس كتاب هذا الشريعة من فيك . | وتلهج ~~به نهارا وليلا لكي تحفظ للعمل بجميع المكتوب . | فحينئذ تنجح طرقك . | ~~وحينئذ ترشد , أليس قد أوصيتك ؟ اشتد وتأيد , و لا ترهب ولا تنذعر , لأن ~~معك الله ربك في جميع ما تسير فيه , ووصى بوضع يوشع عرفاء القوم قائلا : ~~جوزوا في وسط العسكر ووصوا القوم قائلين لهم : أعدوا لكم زادا فإنكم بعد ~~ثلاثة أيام عابرون هذا الأردن للدخول لإرث الأرض التي الله ربكم معطيعا لكم ~~, اذكروا ذكر القول الذ أمركم به موسى عبد الله قائلا : الله ربكم مريحكم ~~لما أعطاكم هذه الأرض , نساءكم وأطفالكم ومواشيكم تجلسون في مدنكم التي ~~أعطاكم موسى عبد الله في مجاز الأردن وأنتم تجورون محزومي الخوالطر إلى أن ~~يريح الله إخوتكم كما اراحكم فترثوا أيضا الأرض التي ربكم معطيكم , حينئذ ~~ترجعون إلى أرض حوزتكم التي أعطاكم موسى عبد الله في مجاز الأردن مشرق ~~الشمس , فأجابا يوشع قائلين : جميع ما أوصينا به نعمل , كل موضع ترسلنا ~~نمضي كجيمع ما قبلنا من موسى كذاك نقبل منك . | إذا كان الله معك كما كان ~~مع موسى , كل إنسان يخالف أمرك ولا يقبل كلامك كجميع ما تأمره به يقتل . | ~~فاشتد وتأيد , فبعث يوشع بن نون من الكافرين رجلين جاسوسين في خفية قائلا : ~~PageV03P482 امضيا ! انظرا الأرض كلها مع أريحا , فمضيا ودخلا إلى بيت ~~امرأة سواقة اسمها راحاب واضطجها ثم , فقيل لملك أريحا : هو ذا أناس من بني ~~إسرائيل قد جاؤوا إلى هنا الليلة لجس البلد . | فأرسل ملك أريحا إلى راحب ~~قائلا : أخرجي القوم الجائين إليك الذين دخلوا دارك . | فإنهم لجس جميع ~~البلد جاؤوا . | فأخذت المرأة الرجلين فأخفت أمرهما وقالت : كذاك كان ms2177 القوم ~~جاؤوا إلي ولم اعلم من اين هم ؟ وكان عند إغلاق الباب في الظلام . | ثم خرج ~~القوم ولم أعلم اين مضوا ؟ اطلبوهم بسرعة فإنكم تلحقونهم ؛ ثم أصعدتهما غلى ~~السطح وظهرتهما في فش الكتان . | والقوم طلبوهما في طريق الأردن إلى ~~المعابر - وفي نسخة : إلى المخاضات - ولباب أغلقوا بعد ما خرج الطالبون ~~خلفهما . | وهما قبل ان يناما صعدت إليهما راحاب إلى السطح فقالت لهما : قد ~~علمت أن الله سلم إليكم البلد , وأنه أيبس لكم بحر القلزوم عقب خروجكم من ~~مصر وما علمتم بملكي الأمورانيين الذي في مجاز الأردن : سيحون وعوج اللذين ~~اصطلمتموهما , فعند ما سمعنا ذابت قلوبنا ولم يثبت أيضا روح في واحد منا من ~~جهتكم , فإن الله ربكم هو إله من في السموات من فوق ومن على الأرض من تحت , ~~والآن فاحلفوا باسم الله إذ قد عملت معكما فضلا , فتعملا ايضا أنتما مع أهل ~~أبي فضلا , وتعطياني علامة هي حق . | لتستبقوا أب وأمي وإخوتي وجميع من ~~التصق بهمن وتخلصوا نفسنا من القتل . | فقالا لها : نبذل أنفسنا دونكم ~~للموت إن لم تخبروا بخبرنا هذا . | فيكون عند التسليم الله النا البلد نعمل ~~معك فضلا وزأمانة فأحدرتهما بالحبل من داخل الطاقة إذ منزلها في حائط السور ~~. | وفي السورة هي ساكنة . | وقالت لهما : سيرا غلى الجبل كيلا يلقاكما ~~الطالبون , وبعد ذلك سيرا : لطريقكما , فقالا لها : أبرياء نحن من قسمك هذا ~~الذي استقسمتنا إن لم تفعلي ما نقول لك , هو ذا نحن داخلون إلى البلد ~~فاعقدي خلصة خيط من القرمز في الطاقة التي أخبرتنا منها . | وابوك وأمك ~~وإخوتك وكل بيت أبيك تضمين غليك المنزل , فيكون كل من يخرج من ابواب منزلك ~~إلى خارج دمه في عنقه ونحن ابرياء , وكل من يكون معك في المنزل دمه في ~~أعناقنا إن بطشت به يد . | وإن أخبرت بخبرنا هذا فنحن أبرياء من قسمك الذي ~~اشتقسمتنا , فقالت : كما قلتما , فأطلقتهما ومضيا , وعقدت خصلةالقرمز في ~~الطاقة , فمضيا إلى الجبل وجلسا ثم ثلاثة ايام إلى ان رجع الطالبون ولم ~~يجدوهما . | ورجع الرسولان وانحدرا ms2178 من الجبل وجازا الأردن وجاءا إلى يوشع ~~بن نون وقصا له كل ما وافاهما وفقلال ليوشع : إن الله دفع بأيدينا كل الأرض ~~, وقد ماج جميع PageV03P483 ساكانها منا ؛ وأدلج يوشع بالغداة ورحلوا من ~~الكفرين , وجاؤوا إلى الأردن هو وجميع بني إسرائيل وباتوا ثم قبل أن يجوزوا ~~. | فلما كان بعد ثلاثة أيام جاز النقباء في وسط العسكر وأمروا القوم ~~قائلين لهم : عند نظركم صندوق عهد الله ربكم والأئمة اللاويين حاكملين له ~~أنتم ترحلون من موضعكم وتمشن خلفه , لكن بينكم وبينه بعد مقدار ألقفي ذارع ~~بالمساحة , لا تقربوا منه لأجل أن تعرفوا الطريق التي تمسون فيها إذ لم ~~تمشوا فيها أمس وأول أمس . | و قال يوشع للقوم : استعدوا فإن غدا يعمل الله ~~في وسطكم عجائب , وقال يوشع للأئمة : احملوا صندوق العهد وجوزوا قدام القوم ~~. | فحملوا صندوق العهد وساروا قدام القوم , وقال الله ليوشع : هذا اليوم ~~ابتدىء بتعظيم اسمك بحضرة جميع إسرائيل لكي يعلموا أنني كما كنت مع موسى ~~أكون معك ؛ وقال يوشع لبني غسرائيل : تقدموا هاهنا وأسمعوا الله ربكم ؛ قال ~~يوشع : بهذه الخلة تعرفون أن قادرا حيا لذاته في وسطكم , وأن قارضا يقرض من ~~قدامكم قبائل الأمم : الكنعانيين وزوالذاعيرين - وفي نسخة : الحاثبين ~~المنسوبين إلى حاث جدهم - والحويين أي الفصحاء البلغاء - وفي نسخة : ~~المجتمعين غلى الحي - والربضيين والفلاحين والأمورانيين - أي الرؤساء - ~~واليبوسيين - أي الجبارين القاهرين , ها هو ذا صندوق العهد , سيد كل الأرض ~~جائز قدامكم في الأردن والآن خذوا لكم اثني عشر رجلا من أسباط إسرائيل : ~~رجلا واحدا من كل سبط , ويكون عند قرار اقدام ارجل الأئمة حاملي صندوق ~~العهد سيد كل الأرض في مياه الأردن من الأمر العظيم أنه تنقطع مياه الأردن ~~المنحدرة من فوق وتقف طودا واحدا كأنها في زق محصورة . | ولما ارتحل الشعب ~~وقطعوا خيمه ليجوزوا الأردن سار الكهنة الذين حملوا التابوت أمام الشعب , ~~فملا انها إلى الأردن وكان ممتلئا يفيض كل ايام الحصاد انشق الأردن وقام ~~الماء الذي كان ينحدر من فوق كأنه في زق ناحيته , وتباعد عم قرية إدام ms2179 التي ~~عند صريم جدا , والذي كان يجري إلى البحر العربي الذي يدعى بحر الملح انشق ~~وحار وانقطع , وجاز الشعب حيال اريحا , وقام الكهنة الذيم حملوا تابوت ~~العهد في الأردن يابسا حتى عبر جميع الشعب بحر الأردن ؛ فلما جاز الشعب ~~جميعا قال الرب ليوشع : اعمد غلى اثني عشر رجلا من تحت اقدام الكهنة اثني ~~عشر حجرا وعبروهما معكم وانصبوها في موضع المبيت الذي تبيتون فيه الليلة , ~~فأمرهم يوشع بذلك وأن يحمل كل PageV03P484 رجل حجره على عاتقه , فاخذوها ~~إلى موضع مبيتهم ونصبوها هناك , فمكثت الحجارة - التي أخذوها من الأردن من ~~تحت أقدام الكهنة الذين حملوا التابوت - موضوعة هناك إلى اليوم ؛ والكهنة ~~الذين حملوا التابوت كانوا قياما حتى تمت جميع أقوال ألتي امر بها الرب ~~يشوع ان يقص على الشعب كما أوصى موسى يشوع , وعجل الشعب على المجاز وجازوا ~~, فما جاز جميع الشعب وجاز الكهنة الذين كانوا حاملين التابوت أمام الشعب ~~ودجاز بنو روبال وبنو جاد ونصف سبط منسا , وهم متسلخون امام إخوتهم - كما ~~أمر موسى - أربعون ألفا دوو قوة , جازوا أمام الرب إلى قاع اريحا للمحاربة ~~. | في ذلك اليوم عظم يشوع عند جميع بني إسرائيل وفرقوه كفرقهم من موسى طول ~~ايام حياته , وقال الرب ليشوع : مر الكهنة الذين حملوا تابوت الشهادة ~~يصعدوا من الأردن , فأمرهم , فلما صعدوا رجع ماء الأردن إلى مواضعه أول ما ~~استقرت اقدام الكهنة في الشط وجرى في سواحل الأردن كما كان أولا , فصعدوا ~~من الأردن في عشر خلت من الشهر الأول - قلت : وهو نيسان على ما قال بعض ~~فضلاء اليهود - ونزلوا الجلجال اقصى مشارق أريحا , فأما الاثنا عشر حجرا ~~التي أخذوها من الأردن فنصبها يشوع في الجلجال , وقال يشوع لبني إسرائيل : ~~إذا سألكم بنوكم غدا وقالوا لكم : ما هذهاالحجارة ؟ قولوا لهم : إن بني ~~إسرائيل فلق له هذا الأردن فجازوه يابسا , لأن الله ربكم يبس ما الأردن ~~أمامهم حتى جازوه كما فعل الله ربكم ببحر سوف الذي سيبسه امان \ منا حتى ~~جزناه ليعلم جميع شعوب الأرض أن يد الرب ms2180 قوية , وتتقوا الله ربكم كل الأيام ~~. | فلما شمع جميع ملوك الأمورانيين الذين في جانب الأردن الغربي وجميع ~~ملوك الكنعانيين الذين على شاطىء البحر يبس ماء الأردن أمام بني إسرائيل ~~حتى جازوا , فزعت قلوبهم ولم يبق فيهم رمق فزعا من بني إسرائيل وفي ذلك ~~الزمان قال الرب ليشوع : تخذ سيفا من طوران واختن بني غسرائيل ثانيى , فختن ~~بني إسرائيل ثانية في أكمة الغلف , والذي ختن يشوع جميع الذكروة الذين ~~كاتنوا ولدوا في البرية حين خرجوا من ارض مصر , لأن جميع الرجال الأبطال ~~المقاتلة هلكوا في البرية لأنهم لم يطيعوا الله ربهم وكانوا كلهم مختتنين , ~~فأقسم الرب عليهم أن لا يريهم الأرض التي وعد آباءهم أن يعطيهموها الأرض ~~التي تغل السمن والعسل , فبنوهم الذين كانوا من بعدهم هم الذين ختن يشوع ~~لأنهم كانوا غلفا . | فلما ختن جميع الشعب مكثوا مواضعهم في المعسكر حتى ~~برئوا , وقال الرب ليشوع : اليوم صرفت عنكم عار أهل مصر , ودعا اسم ذلك ~~الموضع جلجالا , ونزل بنو إسرائيل الجلجال وعلموا فصحا في أربعة عشر يوما ~~من الشهر الأول عند المساء في قاع اريحا وأكلوا من بر الأرض بعد الفصح ~~وأكلوا PageV03P485 في ذلك اليوم فطيرا وسنبلا مقلوا . | وارتفع المن عن ~~بني إسرائيل منذ ذلك اليوم حيث أكلوا من بر الأرض ولم ينزل المن لبني ~~غسرائيل بعد ذلك اليوم وأكلوا من بر الأرض وغلات أرض كنعان في تلك السنة . ~~| وبينا كان يشوع في قاع اريحا قائما إذ نظر رجلا قائما إزاءه مخترطا سيفه ~~ممسكه بيده , فاقبل يشوع إليه وقال له : أنت منا أم من أعدائنا ؟ قال : أنا ~~سيد أجناد الرب , الآن أتيتك , فخر يشوع ساجدا على وجهه على الأرض وقال : ~~ما الذي يقول السيد لعبده ؟ قال : اخلع خفيك عن قدميك , فإن الموضع الذي ~~أنت قائم فيه طاهر , ففعل يشوع ذلك ؛ وكان بنو إسرائيل قد حاصروا أريحا , ~~ولم يكن يقدر أحد من أهلها يدخل ولا يخرج , قال ارب ليشوع : انظر ! إني قد ~~دفعت في يدك أريحا وملكها وكل أجنادها , فليحط بالمدينة جميع ms2181 رجال المقاتلة ~~, وذوروا حول المدينة مرة في اليوم , وافعلوا ذلك ستة ايام , ويحمل سبعة من ~~الكهنة سبعة أبواق ويهتفون امام التابوت , حتى إذا كان اليوم السابع دوروا ~~حول المدينة سبع مرات ويهتف الكهنة بالقرون , فإذا هتفت الأبواق وسمعتهم ~~اصواتها يهتف جميع الشعب باعلى اصواتهم صوتا شديدا , فيقع سور المدينة ~~مكانه , ويصعد الشعب كل إنسان حياله , فدعا يشوع الكهنة وقال لهم : احملوا ~~تابوت الرب , فحمل سبعة من الكهنة سبعة قرون وهتفوا أمام تابوت الرب فلم ~~يزالوا ينفخون في القرون , والذين كانوا يحملون التابوت يتبعون أصحاب ~~الأبواق والمتسلخون يسيرون أمام الكهنة الذي يهتفون بالقون ويسيرون أمام ~~التابوت . | وقال يشوع للشعب : لا تهتفوا , ولا تسمعةوا أصواتكم , ولا تخرج ~~كلمة من أفواهكم إلى اليوم الذي ىمركم أن تهتفوا . | فدارت الجماعة ~~بالتابوت كل يوم مرة كما امرهم يشوع , فلما كان اليوم السابع أدلجوا سحرا ~~وأحاطوا بالمدينة كسنتهم ولكن في ذلك اليوم السابع داروا حولها سبع مرات , ~~وفي المرة السابعة هتف الكهنة بالقرون وقال يشوع للشعب : اهتفوا لأن الرب ~~قد دفع المدينة في أيديكم , ولكن صيروا هذه المدينة وكل ما فيها حريمة للرب ~~, لا يمسه إنسان منكم , وأبقوا غلى راحاب الزانية - يعني القندقانية كما ~~أخبرني بعض فضلائهمن ويؤيده التعبير عنها فيما مضى بالسواقة والله أعلم - ~~وعلى كل من معها في بيتها لأنها غيبت الدسيسين اللذين ارسلنا , فأما أنتم ~~فاحتفظوا من الحرام , ولا تنجسوا أنفسكم بأكل الحرام , فتصيروا عسكر بني ~~إسرائيل حراما , فنغخوا في القرون فلما سمع الشعب صوت الأبواق ضجوا كلها ~~واحدة شديدة جدا , فوقع سور المدينة فصعد الشعب إلى المدينة كل إنسان حياله ~~, فافتتحوها وقتلوا كل من فيها PageV03P486 رجالها ونساءها والمشيخة ~~والصبيان والثيران والحمير والغنم , قتلوها بالسيف , وأما الرجلان اللذان ~~اجتسا الأرض فقال لهم يشوع : ادخلا إلى بيت المرأة الزانية - بعني ~~الفندقانية كما مضى - فأخرجاها وأخرجا كل من معها في البيت كما حلفتما لها ~~, ففعلوا وأنزلوهم خارج عسكر بني إسرائيل وأحرقوا المدينة وكل من فيها ~~بالنار , وأحيى يشوع الزانية ووالديها وكل من معها , واقسم يشوع ms2182 في ذلك ~~الزمان ولعن وقال : ملعونا يكون أمام الرب الرجل الذي يقوم يبني مدينة ~~أريحا هذه , وكان الرب بعونه مع يشوع ونصره , وشاع خبره في الأرض كلها , ~~واثم بنو إسرائيل وتناولوا من الحرام , وذلك لأن عاجار ابن كرمي بن زبدي بن ~~زرح من قبيلة يهودا نحر وأخذ من الحرام وغيب في خيمته , فاشتد غضب الرب على ~~بني إسرائيل , ثم أرسل يشوع رجالا إلى عاي التي عند بيت آون من مشارق بيت ~~إل ليجتسوها , فقالو له : غنه يجزىء في أخذها الفان أو ثلاثة لأن اهلها ~~قليل , فصعدوا فحاربوهم عند باب المدينة فانهزم بنو إسرائيل وجرح منهم جرحى ~~كثير - فذكر القصة في سجود يشوع وانزعاجه وإخبار الله تعالى غياه أن قومه ~~غلوا , ثم مثقال فضة وسبيكة من ذهب فيها خمسون مثقالا , فأخرجه يشوع مع كل ~~شيء هو له , وقد مضى ذلك في البقرة عند ^ ( { أولئك الذين اشتروا الحياة ~~الدنيا بالآخرة } ) ^ [ البقرة : 98 ] وتقدم في المائدة فتح بعض بلاد بيت ~~المقدس بأعجوبة اخرى واستمروا هكذا يفتحونها بلدا بعد بلد , ويقتلون من ~~جبابرتها عددا بعد عدد , ويرون في ذلك من عجائب الأمور وبدائع المقدور ما ~~يبقي على كر الآباد مر الدهور , وهم في أثناء ذلك كل قليل يكفرون وينقضون ~~العهود ولا يشكرون كما هو مبين في سفر يوشع بن نون , وقد مضى شيء منه في ~~المائدة عند قوله تعالى ^ ( { فعموا وصموا } ) ^ [ المائدة : 71 ] - الآية ~~, كل ذلك بعد أن جاءهم من العلم ما لا تدخله مرية لا يخالطه شك ولا يدنو ~~منه لبس , فتبارك من له الأمر كله , لا مضل لمن هدى ولا هادي لمن يضله . | ~~< < # | يونس : ( 94 - 97 ) فإن كنت في . . . . . # > > ^ ( فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من ~~قبلك لقد جآءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين * ولا تكونن من الذين ~~كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين * إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا ~~يؤمنون * ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) ^ } ) | ولما كان ما ~~مضى - من ms2183 الآيات هذه السورة المبينة أن من أريدت شقاوته لا ينفعه مشاهدة ~~الآيات - سببا لنفي الشك عنها وإثبات اليقين بمضامينها بما سلف من الأدلة ~~على تلك المضامين غلى أن ختم ذلك بذم من عمل عمل الشاك بعد أن جاء ما يوجب ~~اليقين PageV03P487 من العلم , وكان صلى الله عليه وسلم كما نمضى في اخر ~~التي قبلها أشفق الخلق لا سينا على العرب لا سيما على قومه منهم , وكانت ~~الوصية قد برزت من الجناب الإلهي له بما يوافق طبعه من بذل الجهد في ~~ملاطفتهم , كان ذلك جديرا بأن يحرك طبع البشر لتمني الإجابة لما يقترحون , ~~وكان طلب ذلك بعد الفطام عنه من أفعال الشك في الجملة فاريد صرف النفس عنه ~~بالكلية ولو بالخطورة في البال فقيل مسببا عما قبله : { فإن كنت } أي يا ~~ارحم الخلق { في شك } ولم يرد بهذا الكلام حقيقته - والله أعلم - بل تقوية ~~اليقين وتأكيده ورسخوه وتأييده بأن هذا أمر قد عزم عليه وفرغ منه فلا يحتمل ~~مراجعة , وذلك لأن المعنى أن ثباتهم على الشقاوة أمر لا يعلم إلا من قبلنا ~~, وذلك بأحد أمرين : إما بواسطة الأمين جبرئيل بما يأتي به من الوحي عنا ~~غضا طريا محفوظا من الغير فلا تحريف فيه لا تبديل , وإما بواسطة أهل الكتاب ~~عن أنبيائهم - وفي ذلك نزول درجتين مع تجويز التخويف والتبديل , وهذا ما لا ~~يرضاه ذو همة علية ونفس ابية - فالمعنى : انا قد اخبرتك بأن الآيات لا تزيد ~~المقتضي بشقائه إلا ضلالا وأنا خبير بذلك { ولا ينبئك مثل خبير } فلا تطلب ~~إجابتي إياهم إلى ما يقترجحون عليك رجاء إيمانهم فإنهم لا يؤمنون بذلك { ~~فإن كنت } اي في وقت من الأوقات { في شك } اي ولو قل { ممآ أنزلنا } أي ~~بعظمتنا واصلا على لسان الواسطة { إليك } في ذلك { فسئل } اي بسبب ذلك الشك ~~{ الذين يقرءون } أي متتابعين لذلك { الكتاب } اي السماوي من اليهود ~~والنصارى , فإنهم من الإحاطة بصحة ما أنزلنا إليك على حج عظيم . | ومن آمن ~~منهم أو كان منصفا جدير بأن يزداد من فاوضه ms2184 في ذلك إيمانا ؛ ولما كانوابعض ~~من أوتي الكتاب في الزمن السالف , أثبت الجار فقال : { من قبلك } ةوهم عن ~~ذلك الخر بمراحل , فلا تجنح إلى سؤال غيري , وهذا مضمون قوله تعالى مؤكدا ~~آتيا بحرف التوقع لأن كلا من الأمرين في أحق مواضعه : { لقد جآءك الحق } أي ~~الثابت الكامل ثباته وهو إمضاء العدل فيهم ؛ وزاده تشريفا وترغيبا فيه ~~بقوله : { من ربك } اي المحسن إليك باصطفائك لذلك , فلذا سيق مساق البيان ~~له من غير واو , فإذا ثبت أنه الحق اي الثابت أعلى الثبات تسبب عنه البعد ~~من تزلزل من جاءه , فناسب أتباعه بقوله : { فلا تكونن } اكده لأنه حقيق بأن ~~لا ينثني عنه احد PageV03P488 بوجه من الوجوه { من الممترين } أي الغافلين ~~عن آيات الله فتطلب الفضل لأهل العدل ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا ~~والله ! ما شك طرفة عين ولا سأل أحدا منهم . | ولما نهى عن ذلك لم يبق مما ~~اقتضته القسمة العقلية إلا النعاد ممن يمكن منه كما فعل بنو إسرائيل بعد ~~مجيء العلم فأتبعه النهي عن مثل حالهم بقوله : { ولا تكونن } أي بوجه من ~~الوجوه , والمراد بهذا اتباعه { من الذيمن كذبوا } اي فعلوا فعل المكذب ~~مستهينين { بآيات الله } أي التي لا أعظم منها بإضافتها إلى من لا أعظم منه ~~{ فتكون } اي كونا راسخا { من الخاسرين } بل اثبت على ما أنت عليه من ~~اليقين والطمأنينة والثقة بالله والسكينة , وهذا ونحوه مما غلظت فيه ~~العبارة دلالة على مزيد قرب المخاطب وإن كان المراد غيره وعظيم منزلته ~~ولطيف خصوصيته كما مضى بيانه عن الإمام أبي الحسن الحرالي رحمه الله في ~~سورة براءة عند قوله تعالى ^ ( { عفا الله عنك } ) ^ [ براءة : 43 ] - ~~الآية , وتغليظ العبارة فيه تديب عظيم لتابعيه ؛ والشك : الوقوف بين ~~النقيضين , وهو من شك العود فيما ينفذ فيه , لأنه يقف بذلك الشك بين جهتيه ~~؛ والإنزال : نقل الشيء من علو إلى سفل ؛ والامتراء ؛ طلب التشكك مع ظهور ~~الدليل , من مري الضرع وهو مسحه ليدر . | ولما كان ما مضى من هذه الآيات ~~وما كان من ظرازها ms2185 قاضيا بأنه لا تغني الآيات عنهم . | صرح به قوله تعالى : ~~{ إن الذيم حقت } اي وجبت وثبتت { عليهم } اي بأنهم أشقياء , وعبر بالاسم ~~المفهم للإحسان إعلاما بأنه ما أوجب عليهم العذاب إلا إحسانا غليه بما ~~يقاسي من معالجتهم وغير ذلك من الحكمة فقال : { كلمت ربك } اي المحسن غليك ~~في جميع امرك { لا يؤمنون } اي لا قبول لهم لتجدد الإيمان { ولو جآتهم كل ~~آية } ونسبتها إلى قوله { لقد جاءك الحق } إلى { فإن كنت في شك } الآية في ~~البيان المستفاد من حذف العاطف , وإذا كان الكام في معنى واحد كان بمنزلة ~~الكلمة الواحدة فسمي بها ^ ( { سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة ~~الله تحويلا } ) ^ [ الأحزاب : 92 ] . | < < # | يونس : ( 98 - 100 ) فلولا كانت قرية . . . . . # > > ^ ( فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها إلا قوم يونس لمآ آمنوا ~~كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين * ولو شآء ربك ~~لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين * وما كان ~~لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ) ^ } ) | ~~ولما كان هذا موضع أن يقال : إنما تطلب الآيات لما يرى من تسبب الإيمان ~~عنها , تسبب عنه أن يجاب بقوله تعالى : { فلولا } اي فهلا { كانت قرية } اي ~~واحدة من قرى الأمم الماضية التي أهلكناها { آمنت } اي آمن قومها عند إتيان ~~الآيات أو عند رؤية اسباب العذاب { فتفعهآ } أي فتسبب عن إيمانها ذلك أنه ~~نفعها - { إيمانها } ولما PageV03P489 كان المعنى ( لولا ) النفي , كان ~~التقدير : لكن لم تؤمن قرية منهم إلا عند صدم العذاب كما فعل فرعون , لو ~~آمن عند رؤية البحر عل حال الفلق أو عند توسطه وقبل انسيابه عليه قبل , ~~ولكنه ما آمن إلا بعد انهماره ومسه . | وذلك حين لا ينفع لفوات شرطه من ~~الإيمان بالغيب { إلا قوم يونس } فإنهم آمنوا عند المخايل وقت بقاء التكليف ~~فنفعهم ذلك فإنهم { لمآ آمنوا } ودل على أنه قد كان أظلهم بقوله : { كشفنا ~~} اي بعظمتنا { عنهم } أي حين إيمانهم , روي أنه لم يبق ms2186 بينهم وبين العذاب ~~إلا قدر ميل { عذاب الخزي } أي الذي كان يوجب لهم لو برك عليهم هوان ~~الدارين { في الحياة الدنيا } أي فلم يأخذهم وقت رؤيتهم له { ومتعناهم } أي ~~تمتيعا عظيما { إلى حين } وهو انقضاء آجالهم مفرقة كل واحد منهم في وقتها ~~لمضروب له , وما ذكرته في معنى الآية نقله القاضي أبو محمد إساحاق بن ~~إبراهيم البستي في تفسيره المسند عن ابن أبي عمر قال : قال شفيان الثوري : ~~{ فلولا كانت قرية آمنت } قال : فلم تكن قرية آمنت , وهذا تفسير معنى ~~الكلام , وأما ( لولا ) فهو بمعنى هلا , وهي على وجوه تحضيض وتأنيث , اي ~~توبيخ , وهي هنا للتوبيخ . | ويجوز ئان تكون استفهامية بمعنى ( لولا ) , ~~ويلزم كلا من المعنيين النفي ؛ والنفع : إيجاب اللذة بفعلها أو ما يؤدي ~~إليها كالدواء الكريه المؤدي إلى اللذة ؛ والخزي هو أن يفضح صاحبه , وهو ~~وضع من القدر للغم الذي يلحق به , وأصله التعب . | ولما كن ما مضى ربما ~~أوجب اعتقاد أن غيمان مثل أولئك محال هذه الآية في مقام الاحتراس منه مع ~~البيان لأن حرض الرسول صلى الله عليه وسلم على غيمانهم لا ينفع ومبالغته في ~~إزالة الشبهات وتقرير الدلائل لا تفيد إلا بمشيئة الله تعالى لتوفيقهم ~~وهدايتهم , ولو كان ذلك وحده كافيا لآمنوا بهذا السورة فإنها أزالت شبهاتهم ~~وبينت ضلالاتهم وحققت بقصتي نوح وموسى عليهما السلام ضعفهم ووهن مدافعاتهم ~~فقال تعالى : { ولو شآء } أي إيمان الناس { ربك } أيالمحسن غليك بإقبال من ~~اقبل لعلمه الخير فيه وإدبار من أدبر لعدم قابليته لخير { لآمن من في الأرض ~~} من الكفار . | ولما كن هذا ظاهرا في الكل , صرح به مؤكدا لأن المقام ~~يقتضيه فقال : { كلهم جميعا } اي مجتمعين فيآن واحد لا يختلفون في شيء منه ~~, ولكن لم يشأ ذلك وأنت لحرصك على امتثال أوامري ووصيتي لك باللطف بخلقي ~~الموافق لما جلبتك عليه من الخير تريد ذلك { أفأنت تكره الناس } أي الذين ~~لم يرد الله إيمانهم مع كا طبعهم عليه من الاضطراب { حتى يكونوا } أي كونا ~~جبليا { مؤمنين } اي راسخين في الإيمانن ms2187 وإيلاء الاستفهام الاسم مقدما عل ~~الفعل للإعلام بأن الفعل - وهو هنا الإكراه - ممكن من غير ذلك الاسم وهو ~~هنا الله وحده القادر على تحويل الطباع فإن قدرته قاهرة لكل شيء ~~PageV03P490 ومشيئته نافذة في كل شيء مع الدلالة على أن وقوع المشيئة ~~مستحيل لا يمكن لغيره تعالى بإكراه ولا غير , والمشيئة معنى يكون به الفعل ~~مرادا آخذت من الشيء , والمراد بالآية تخفيف ما يلحق النبي صلى الله عليه ~~وسلم من التحسر للحرص على إيمانهم { وما كان } اي وما ينبغي ولا يتأتى { ~~لنفس } أي واحدة فما فوقها { أن تؤمن } اي يقع منها إيمان في وقت ما { إلا ~~بإذن الله } أي بإرادة الملك الأعلى الذي له الخلق والأمر وتمكينه , فيجعل ~~الثبات والطمأنينة - اللازمين للإيمان الذي هو ابعد شيء عن السحر - على ~~الذين ينتفعون بعقولهم فيلزمون معالي الأخلاق التي هي ثمرات للإيمان { ~~ويجعل الرجس } اي الاضطراب والتزلزل الذي يلزمه التكذيب الذي هو أشبه شيء ~~بالسحر لأنه تخييل ما لا حقيقة له والقذر والقباحة والغضب والعقاب الناشىء ~~عنه . | ولما كان ما في هذه السورة من الدلائل قد وصل في البيان إلى حد لا ~~يحتاج فيه إلى غير مجر العقل قال : { على الذين لا يعقلون } أي لا يوجد لهم ~~عقل , فهم لذلك لا ينتفعون بالآيات وهم يدعون أنهم اعقل الناس فيتساقطون في ~~مساوىء الأخلاق وهم يدعون أنهم ابعد الناس عنها , فلا تذهب نفسك عليهم ~~حسرات ؛ والنفس : خاصة الشيء التي لو بطل ما سواها لم يبطل ذلك الشيء , ~~ونفسه وذاته واحد . | < < # | يونس : ( 101 - 105 ) قل انظروا ماذا . . . . . # > > ^ ( قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن ~~قوم لا يؤمنون * فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا ~~إني معكم من المنتظرين * ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج ~~المؤمنين * قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من ~~دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين * وأن أقم ~~وجهك للدين حنيفا ms2188 ولا تكونن من المشركين ) ^ } ) | ولما تقرر ما مضى من ~~النهي عن الإضغاء إليهم في طلب الآيات , وختم بتعليق الأمر بمجرد المشيئة , ~~كان كأنه قيل : فماذا يقال لهم إذا طلبوا ؟ فقال : { قل } أي يا أشرف الخلق ~~لهم غير مهتم بأمرهم ومنبها لهم على إبطال مذهب الجبر المتعلق أصحابه بنحو ~~هذه الآية , لأن المشيئة مغيبة والعبد مأمورببذل الجهد في الطاعة بما له من ~~القدرة والاختبار . | ولما أمر بهذا الفكر فكان ربما ظن لأجله أن للإنسان ~~قدرة مستقلة , نبه على مذهب أهل السنة القائل بالكسب الذي هو - كما قال ~~الإمام علي رضي الله عنه - أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض , فقال معلما أن ~~من حكم بشقائه لا ينفعه شيء : { انظروا } PageV03P491 أي بأبصاركم وبصائركم ~~لتخرجوا بالانتفاع بالعقل عن عداد البهائم ؛ قال الإمام : ولو أن الإنسان ~~تفكر ي كيفية حكمه الله تعالى في خلق جناح بعوضة لانقطاع فكره قبل أن يصل ~~إلى أول مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد , فلذلك أبهم في قوله : { ماذا ~~} أي الذي { في السماوات والأرض } أي من الآيات وواضح الدلالات التي ~~أخرجتموها - فإلفكم لها - عن عداد الآيات , وهي عند التأمل من أعظم خوارق ~~العادات , وقال الإمام : فكأنه سبحانه نبه على القاعدة الكليه حتى يتنبه ~~لأقسامها , وقال أبو حيان أخذا من الإمام : السبيل إلى معرفته تعالى هو ~~بالتفكر في مصنوعاتهن ففي العالم العلوي في حركات الأفلاك ومقاديرها ~~وأوضاعها والكواكب وما يختص بذلك من المنافع والفوائد , وفي العالم السفلي ~~في أحوال العناصر والمعادن والنبات والحيوان وخصوصا حال الإنسان - انتهى . ~~| ولما كان ما فيها من الآيات في غايه الدلالة , نبه سبحانه على أن التوقف ~~عن الإيمان بعد التنبيه على كيفية الاستدلال معاندة فقال : { وما } وهي ~~نافية أو استفهامية { تغني الآيات } اي وإن كانت في غاية الوضوح { والنذر } ~~أي الإنذارات أو الرسل المنذرون { عن قوم } أي وإن كانت فيهم قوة { لا ~~يؤمنون * } أي للحكم بشقائهم , فكان ذل سببا لتهديدهم بقوله : { فهل ~~ينتظرون } أي بجميع قواهم في تكذيبهم للرسول وتخلفهم عن الإيمان { إلا } أي ~~أياما ms2189 أي وقائع { مثل أيام } اي وقائع { الذين خلوا } ولما كان أهل الأيام ~~الهائلة بعض من كان من قبل , أتى بالجار فقال : { من قبلهم } أي من مكذي ~~الأمم وهم القبط وقوم نوح ومن طوي بينهما من الأمم , أي من حقوق الكلمة ~~عليهم فنحل بهم باسنا ثم ننجيكم لإيمانكم كما كنا نحل بأولئك إذا كذبوا ~~رسلنا , ثم ننجي الرسل ومن آمن بهم حقا علينا ذلك للعدل بين العباد . | ~~ولما تقدمت الإشارة إلى أن الكلمة حقت على الكافرين بعدم الإيمان والرجس ~~الذي و العقاب , زاد في تهديدهم بالاعتراض بما سببه عن فعلهم فعل من ينتظر ~~العذاب بقوله : { قل فانتظروا } اي بجميع جهدكم ما ترونه واقعا بكم بسبب ما ~~تقرر عندكم مما كا يقع بالماضين في أيام اللهن وزاد التحذير استءنافه قوله ~~مؤكدا لما لهم من التكذيب : { إني } وأعملهم بالنصفة بقوله : { معكم من ~~المنتظرين * } . | ولما كان التقدير فإنا كنا في ايام الذين خلوا نوقع ~~الرجس بالمكذبين , عطف عليه بيانا لم كان يفعل بالرسل واتباعهم إذا أهلك ~~الظالمين قوله : { ثم ننجي } أي تنجية عظيمة وننجيهم إنجاء عظيما وجاء به ~~مضارعا خكايى للأحوال الماضية وتصويرا لها تحذيرا لهم من مثلها وإعلاما ~~بأنه كذلك يفعل بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه رضي الله ~~PageV03P492 عنهم , وأشار بأداة التراخي إلى طول زمان الابتلاء وعظيم رتبة ~~التنجية , وحذف مقابل الإنجاء لأن المقام بعد آية { ألا إن أولياء الله } ~~ناظر غلى البشارة أكثر من النظر غلى النذارة { رسلنا } أي الذين عظمتهم من ~~عظمتنا { والذبن آمنوا } اي بالرسل وهم معهم في زمانهم ولو كانوا في أدنى ~~درجات الإيمان تشريفا للراسخين وترغيبا في مثل حالهم قوله : { كذلك } اي ~~كما حق علينا إهلاك الكافرين هذا الإهلاك العظيم { حق علينا } أي بما ~~أوجبناه على جنابنا الأعظم { ننج المؤمنين } أي العريقين في الإيمان وو ~~كاوا بعد موت الرسل تنجية عظيمة وتنجيهم إنجاء عظيما , فالآية من الاحتباك ~~لما أشارت إليه القراءتان بالتخفيف والتثقيل , أو يكون ذلك بني على سؤال من ~~لعله يقول : هل حقوق النجاة مختص ms2190 بالرسل ومن معهم ؟ فقيل : لا , بل { كذلك ~~} أي الحقوق { حقا علينا } على ما لنا من العظمة { ننج المؤمنين } في كل ~~وزمن وإن لم يكن بين ظهرانيهم رسول , لأن العلة الاتصاف بالإيمان الثابت , ~~فيكون الكاف مبتدأ ( وننج ) خبره ؛ والنظر : طلب المعنى بالقلب من جهة ~~الذكر كما يطلب إدراك المحسوس بالعين ؛ والغنى : حصول ما ينافي الضر وصفة ~~النقص , ونقيضه الحاجة ؛ والنذر : جمع نذير , من النذارة وهي الإعلام بموضع ~~المخافة ليقع به السلامة ؛ والانظار : الثبات لتوقع ما يكون من الحال ؛ ~~والمثل إن كان من الجنس فهو ما سد مسد غيره من الحس , وإن كن من غيره ~~فالمراد ما كان فيه معنى يقرب به من غير كقربه منجنسه كتشبيه أعمال الكافر ~~بالسراب ؛ والنجاة من النجوة وهي الارتفاع من الهلاك . | ولما تقدم الفطام ~~عن الميل يطلب الآيات , وكان طلبهم لها إنما هو على وجه الشك , وإن لم يكم ~~على ذلك الوجه فإنه فعل الشاك غالبا وتقدمت أجوبة لهم , وختم ذلك بتهديدهم ~~وبشارة المؤمنين الموجبة لثباتهم , ناشبة كل المناسبة أن أتبعت الأمر بجواب ~~آخر دال على ثباته صلى الله عليه وسلم وأنه مظهر دينه رضي من رضي وسخط من ~~سخط , لأن البيان قد وصل إلى غايته في قوله تعالى : { قل يا أيها الناس } ~~أي الذين هم في حيز الاضطراب , لم ترقهم هممهم إلى رتبة الثبات { إن كنتم } ~~أي كونا هو كالجبلة منغمسيين { في شك } كائن { من } جهة { ديني } تطلبون ~~لنزوله - بعد تكفل العقل بالدلالة عليه - إنزال الآيات , فأنا لست على شك ~~من صحة ديني وبطلان دينكم فاعرضوه على عقلوكم وانظروا ما فيه من الحكم ~~مستحضرين ما لدينكم من الوهي الذي تقدم بيانه في قوله تعالى < # > 77 ( { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق } ) 77 < # > [ يونس : 59 ] ونحوه { فلا أعبد } أي الآن ولا في المستقبل الزمان { ~~الذين تعبدون } أي الآن أو بعد الآن { من PageV03P493 دون الله } أي الملك ~~الأعظم لعدم قدرتهم على شيء من ضري , فلا تطمعوا في أنه يحصل لي شك بسبب ~~حصول الشك لكم ms2191 , فإذا لا أعبد غير الله أصلا . | ولماكان سلب عبادته عن ~~غيره ليس صريحا في إثباتها له قال : { ولكن أعبد الله } ايالجامع لأوصاف ~~الكمال عبادة مسستمرة ؛ ثم وصفه بما يوجب الحذر منه ويدل على كمال قدرته { ~~الذي يتوفاكم } بانتزاع أرواحكم التي لا شيء عندكم يعدلها . | فلا تطمعون - ~~عند إرادنه لنزعها - في المحاولى لتوجيه دفاع عن ذلك . | وفي هذا الوصف - ~~مع ما فيه من الترهيب - إشارة غلى الدلاة على الإبداء والإعادة , فكأنه قيل ~~: الذي اوجدكم من عدم كما أنتم به مقرون بعدمكم بعد هذا الإيجاد وأنتم ~~صاغرون , فثبت قطعا أنه قادر على إعادتكم بعد هذا الإعدام بطريق الأولي ~~فاحذروه لتعبدوه كما أعبده فإن قد أمرني بذلك وأنتم تعرفون غائلة الملك إذا ~~خولف , وقال { إن كنتم في شك } مع أنهم يصرحون ببطلان دينه , لأنهم في حكم ~~الشاك لاضطرابهم عند ورود الآيات , أو اأن فيهم الشاك فغلب لأنه أقرب إلى ~~الحيز ؛ والشك : وقوف بين المعنى ونيضه , وضده الإعتقاد فإنه قطع بصحة ~~المعنى دون نقيضه , وعبر ب ( من ) إشارة إلى أن فعلهم ذلك ابتدأ من الدين , ~~ولو عبر ب ( في ) لأفهم أنهم دخلوا فيه لأنهم في الشك والشك في الدين , ~~والظرف لظرف الشيء ظرف لذلك الشيء , وترك العطف إشارة إلى أن كل جواب منا ~~كاف على حياله . | ولما قرر ما هو الحقيق بطريق العقل , اتبعه بما رود من ~~النقل بتأييده وإيجابه بقوله : { وأمرت } أي بأمر جازم ماض ممن لا أمر لأحد ~~معه , وعظم المأمور به بجعله عمدة الكلام بإقامته مقام الفاعل فقال : { أن ~~أكون } أي دائما كونا جبليا , ولما كان السياق لما يحتمل الشك من امر ~~الباطن , عبر بالإيمان الذي هو للقلب فقال : { من المؤمنين } أي الراسخين ~~في هذا الوصف { وأن اقم } اي أيها الرسول { وجهك } أي كليتك على سبيل ~~الإخلاص الذي لا شوب فيه { للدين } فوصل أولا كلمه ( أن ) بمعنى الأمر أي { ~~أن أكون } دون ( أكن ) وثانيا بلفظه وهو { أقم } جمعا بين الأسلوبين , ~~وكلاهما بمعنى المصدر , وخص الثاني بذلك لطوله لأنه كالتفصيل للأول فالخطاب ms2192 ~~فيه أوكد وألذ , وقوله : { حنيفا } حال من فاعل ( أقم ) ومعناه : مسليا ~~ميالا مع الدليل - كما اوضحته في البقرة , اي أجمع بين الإيمان بالقلب ~~والإسلام بالجوارح { ولا تكونن } أي في وقت من الأوقات { من المشركين * } ~~الذين هم على ضد صفة الإسلام من الجفاء والغلظة والجمود والقسوة . | ~~PageV03P494 < < # | يونس : ( 106 - 109 ) ولا تدع من . . . . . # > > ^ ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من ~~الظالمين * وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد ~~لفضله يصيب به من يشآء من عباده وهو الغفور الرحيم * قل يأيها الناس قد ~~جآءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ~~ومآ أنا عليكم بوكيل * واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير ~~الحاكمين ) ^ } ) | ولما نهاه عن الشرك , أكده بما هو كالتعليل له بما ~~يلزمه من العبث بالخضوع لما ل ضر فيه ولا نفع بقوله تعالى : { ولا تدع } اي ~~في رتبة الكائنة { من دون الله } أي الذي بيده كل شيء { ما لا ينفعك } أي ~~إن فعلت شيئا من ذلك فأتاك بأسنا { ولا يضرك } اي إن أقمت على طاعاتنا مع ~~نصرنا { فإن فعلت } أي شيئا مما نهيناك عنه { فإنك إذا } غذا دعوت ذلك ~~الغير بسبب ذلك { من الظالمين * } أي العريقين في وضع الدعوة في غير محلها ~~لأن ما هو كذلك في غاية البعد عن منصب الإلهية ؛ ثم قال تعالى عاطفا على ~~قوله { فإن فعلت } : { وإن يمسسك الله } أي الذي لا راد لأمره { بضر } أي ~~أي ضر كان على أي وجه كان وإن كان ظاهرا جدا بما أنبأ عنه الإظهار { فلا ~~كاشف له } أي أصلا بوجه من الوجوه { إلا هو } لأنه أراده وما أراده لا يكون ~~غيره فلا ترج سواه في أن يبذله بخير , وعبر بالمس لأنه أخوف { وإن يردك } ~~اي مطلق إرادة { بخير فلا } اي أصابك لا محالة فإنه لا { رآد } ونبه على ~~أنه لا يجب عليه سبحانه شيء بأن وضع ms2193 مكان الضمير قوله : { لفضله } اي عمن ~~يريده به كما يفعل بعض العاتين من أتباع ملوك الدنيا في رد بعض ما يريدون , ~~بل هو بحيث لا ينطق أحد غلا بإذنه فلا تخش غيره , فالآيه من الاحتباك : ذكر ~~المس أولا دليلا على إرادته ثانيا , والإرادة ثانيا دليلا على حذفها أولا , ~~ولم يستثن في الإرادة كما استثنى في الكشف لأن دفع المراد محال , وعبر ~~بالإرادة في الخير وبالمس في الضير تنبيها على أنه صلى الله عليه وسلم مراد ~~باخير بالذات وبالضر بالعرض تطييبا لقلبه لما تكرر في هذه السورة من ~~الإخبار بإحقاق العذاب على الفاسقين والإيئاس من الظالمين , فلما تقرر ذلك ~~حسن موقع قوله مكبينا لحال ذلك الفضل : { يصيب به } أي بذلك الفضل أو بالذي ~~تقدم من الخير والضير { من يشاء } اي كائنا من كاتن من أدنى وأعلى , وبين ~~العلة في كونهم مقهورين بقوله : { من عباده } وهذا كله إشارة غلى أن ما ~~أوجب الإعراض عن معبوداتهم بانسلاله عنها أوجب الإقبال عليه بثبوته له ~~واختصاصه به , وختم الآية بقوله : { وهو الغفور } أي البليغ الستر للذنوب { ~~الرحيم * } اي البالغ في الإكرام إشارة إلى أن إصابته بالخير لا يمكن أن ~~يكون إلا فضلا منه بعد الستر للذنوب والرحمة للضعف , فهو حقيق بأن يعبد ؛ ~~والمسك اجتماع PageV03P495 التباين من غير نقص , ونظيره المطابقة , ~~والمجامعة نقيضها المباينة ؛ والكشف : رفع الستار , جعل الضر كأنه مانع من ~~إدراك الإنسان وساتر له . | ولما كثرت في هذه السورة الأوامر والنواهي ~~والأجوبة بسبب ما يقترحونه على وجه التعنت , وختم بأن من دعا غيره كان ~~راسخا في الظلم لا مجير له منه , ختم ذلك بجواب معلم بأن فائدة الطاعة ليست ~~راجعة إلا إليهم , وضرر النفور ليس عائدا إلا عليهم فقال تعالى : { قل يا ~~ايها الناس } اي غاية كل من له قابلية التحرك والاضطراب { قد جاءكم الحق } ~~أي الكامل بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا الكتاب , وذلكم خير عظيم ~~أصابكم الله به , وزاد الرغبة فيه بقوله : { من ربكم } أي المحسن إليكم { ~~فمن } أي فتسبب عن ms2194 ذلك أنه من { اهتدى } أي آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وعمل بما في الكتاب { فإنما يهتدي لنفسه } اي لأنه تبع الحق الثابت وترك ~~الباطل الزائل فأنقذ نفسه من النار وأوجب لها الجنة { ومن ضل } اي كفر بهما ~~أو بشيء منهما { فإنما يضل عليها } لأنه ترك الباقي وتمسك بما ليس في يده ~~منه شيء لأنه فان فقد عر نفسه { وما أنا } ولما كان السياق لنفي تصرفه فيهم ~~وأن ذلك غنما هو إلى الله تعالى , كان تقديم ضميرهم أهم فقال : { عليكم ~~بوكيل * } فيطلب مني حفظكم مما يؤدي إلى الهلاك ومنه عنكم كما يطلب من ~~الوكيل . | ولما كان أكثر ذلك وعظا لهم وتذكيرا ختمه بأمره صلى الله عليه ~~وسلم بما يفعله في خاصة نفسه أجابوا اولمن يجيبوا , فقال عطفا على قوله { ~~قل يا أيها الناس } : { واتبع } أي بجميع جهدك { ما يوحي إليك } وبناه ~~للمفعول لأن ذلك كان بعد أن تقررت عصمته صلى الله عليه وسلم وعلم أن كل ما ~~يأتيه من عند الله , وفكان ذلك أمكن في أمره باتباع كل ما يأتيه منه سبحانه ~~وفي الإيذان بأنه لا ينطق عن الهوى { واصبر } في تبليغ الرسالة على ما ~~أصابك في ذلك من عظيم الضرر وبليغ الخطر من ضلال من لم يهتد وإعارضه وجفوته ~~وأذاه { حتى يحكم الله } ايالملك الأعظم بين من ضل من أمتك ومناهتدى { وهو ~~} أي وحده { خير الحاكمين } لأنه يوقع الحكم في أولى مواقعه واحقها وأحسنها ~~وأعدلها , وهو المطلع على السرائر فعنل أنت بما تؤمر به وبشر وأنذر وأخبر ~~وادع إلى الله بجيمع ما أمرك به واترك المدعوين حتى يأمرك فيهم بامره ؛ قال ~~الزمخشري : وروى أنها لما نزلت هذه الآية جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الأنصار قال : ( إنكم ستجدون بعدي اثره فاصبروا حتى تلقوني ) وتبعه على ذلك ~~أبو حيان وغيره , فإن صح فالسر فيه - والله أعلم - أنه لما PageV03P496 ~~أعلمت هذه الآية أن من اتبع الوحي ابتلى بما ينبغي الصبر عليه وأفهمت أن من ~~كان له اشد اتباعا كان اشد ms2195 بلاء , وكان الأنصار رضي الله عنهم أجمعين أحق ~~بهذا الوصف من غيرهم من حيث إنهم كانوا أول قبيلة جمعها الإيمان ومن حيث ~~كانوا له أسهل قيادا والين عريكة مع كونهم لم يتقدم لهم عشرة بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا خبرة بأحواله توجب لهم من اتباعه ما يوجب لمن كان من ~~بني عمه قريش يخالطه ويأنس به ويرى منه معالي الأخلاق وكريم الشمائل ما ~~يوفر داعيته على اتباعه , فلما كان كذلك , خص النبي صلى الله عليه وسلم ~~الأنصار رضي الله عنهم لهذا الأمر , فتفضيلهم في ذلك من الجهتين المذكورتين ~~فلا مع أن أكثرهم له من قرب النسب من رسول الله صلى الله عليه وسلم والسبق ~~في الإسلام حظ وافر . | هذا ما ظهر لي من مناسبته على تقدير الصحة . | ~~والذي في الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد ان ~~يقطع للأنصار من البحرين فقالت الأنصار : حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين ~~مثل الذي تقطع لنا , وقال : ( سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني ) فهذا ~~فيه أن السبب حرصهم على الإنصاف وهو يدل على أن المنصف يقل إنصاف الناس له ~~وهو أمر مستقرى : والوحي : إلقاء المعنى غلى النفس في خفاء . | وهو هنا ما ~~يجيء به الملك غلى النبي عليهما السلام عن الله تعالى فيلقيه إليه على ~~اختصاصه به من غير أن يرى ذلك سواه من الناس ؛ والصبر : تجرع مرارة ~~الامتناع من المشتهي إلى الوقت الذي ينبغي فيه تعاطيه ويعين عليه العلم ~~بعاقبته وكثرة الفكر في الخبر الذي ينال به , واعتياد الصبر في خصلة يصير ~~له ملكة تدعوه إلى ما شاكلها , وقد ختم سبحانه السورة بما دل عليه أو اشار ~~إليه غلى أن ينجلي الحكيم الذي انوله للحكم في الدنيا أو في الآخرة بما لا ~~مرد له مما برزت به مواعيده الصادقة في كلماته التامة , وهذا لعينه هو أول ~~التي بعدها , فكان ختم هذه السورة وسطا بين أولها وأول التي تليها , ففيه ~~رد المقطع على المطلع وتتبع لما استتبع ms2196 والله الموفق . | . . . . | ~~PageV03P497 < # > سورة هود < # > < < # | هود : ( 1 - 3 ) الر كتاب أحكمت . . . . . # > > ^ ( الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير * ألا تعبدوا إلا ~~الله إنني لكم منه نذير وبشير * وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم ~~متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم ~~عذاب يوم كبير ) ^ } ) | مقصودها وصف الكتاب بالإحكام والتفصيل في حالتي ~~البشارة والنذارة المقتضي ذلك لمنزلة سبحانه وضع كل شيء في أتم محاله ~~وإنفاذه مهما أريد الموجب للقدرة على كل شيء , وأنسب ما فيها لهذاالمقصد ما ~~ذكر في سياق قصة هو عليه السلام من أحكام البشارة والنذارة بالعاجل والآجل ~~والتصريح بالجزم بالمعالجة بالمبادرة الناظر إلى أعظم مدارات السورة { ~~فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } والعناية بكل دابة والقدرة على كل شيء من ~~البعث وغيره المقتضي للعلم بكل معلوم اللازم منه التفرد بالملك . | وسيأتي ~~في الأحاف وجه اختصاص كل منهما باسمهما { بسم الله } أي الذي له تمام العلم ~~وكمال الحكمة وجميه القدرة { الرحمن } لجميع خلقه بعموم البشارة والنذارة { ~~الرحيم * } لأهل ولايته بالحفظ في سلوك سبيله { الر } . | لما ختمت السورة ~~التي قبلها - كما ترى - بالحث على اتباع الكتاب ولزومه والصبر على ما يتعقب ~~ذلك من مرائر الضير المؤدية إلى مفاوز الخير اعتمادا على المتصف بالجلال ~~والكبرياء والكمال . | ابتدئت هذه بوصفه بما يرغب فيه , فقال بعد الإشارة ~~غلى إعادة القرع بالتحدي على ما سلف في البقرة : { كتاب } اي عظيم جامع لكل ~~خيرن ثم وصفه بقوله : { أحكمت } بناه للمفعول بيانا لأن إحكامه أمر قد فرغ ~~منه على أيسر وجه عنه سبحانه وأتقن إتقانا لا مزيد عليه { آياته } أي أتقنت ~~إتقاناص لا نقص معه فلا ينقصها الذي أنولها بنسخها كلها بكتاب آخر ولا غيره ~~, ولا يستطيع غيره نقص شيء منها ولا الطعن في شيء من بلاغتها أو فصاحتها ~~بشيء يقبل , والمراد ب { محكمات } في آل عمران عدم التشابه . | ولما كان ~~للتفصيل رتبة هي في غاية العظمة , أتي بأداة التراخي فقال : { ثم } أي ~~PageV03P498 وبعد هذه الرتبة ms2197 العالية التي ل يشاركه في مجموعها كتاب وذلك ~~أنه { فصلت } اي جعلت لها - مع كونها مفصلة إلى حلال وحرام وقصص وأمثال - ~~فواصل ونهايات تكون بها مفارقة لما بعدها وما قبلها , يفهم منها علوم جمة ~~ومعارف مهمة وإشارات إلى أحوال عالية , وموارد عذبة صافية , ومقامات من كل ~~علة شافية , كما تفصل القلائد بالفرائد , وهذا التفصيل لم يشاركه في شيء ~~منه شيء من الكتب السالفة , بل هي مدمجة إدماجا لا فواصل لها كما يعرف ذلك ~~من طالعها , ويكفي في معرفة ذلك ما سقته منها في تضاعيف هذا الكتاب , وما ~~أنسب ختام هذه الآية للإحكام والتفصيل بقوله : { من لدن } أي نزلت آياته ~~محكمة مفصلة حال كونها مبتدئة من حضرة هي أغرب الحضرات الكائنة من إله { ~~حكيم خبير } منهية إليك وأنت أعلى الناس في كل وصف فلذلك لا يلحق إحكامها ~~ولا تفصيلها , أرسلناك به قائلا : { ألا تعبدوا } أي بوجه من الوجوه { إلا ~~الله } أي الإله الأعظم . | ولما كان هذا معظم ما أرس به صلى الله عليه ~~وسلم ومداره , استأنف الإخبار بأنه ارسله سبحانه مؤكدا له لأجل إنكارهم ~~فقال : { إنني } ولما كان إرساله صلى الله عليه وسلم لأجل رحمة للعالمين , ~~قدم ضميرهم فقال : { لكم منه } اي خاصة , ثم أجمل القرآن كله في وصفيه صلى ~~الله عليه مسلم بقوله : مفدما ما هو أنسب لختام التي قبلها بالصبر : { نذير ~~وبشير } كامل في كل من الوصفين غاية الكمال , وهذا التقدير يرشد إليه قوله ~~تعالى أول التي قبلها < # > 77 ( { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس } ) 77 < # > [ يونس : 2 ] مع إيضاحه لما عطف عليه قوله تعالى : < # > 77 ( { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه أن } ) 77 < # > [ هود : 25 ] عطفناه عليه , وإظهاره لفائدة عطفه كما سيأتي إن شاء الله ~~تعالى , ويرجح أن ( لا ) ناهية جازمة ل { تعبدوا } عطف { أن استغفروا } ~~عليه , فقد ظهر من تلويح هذا وتصريحه وتصريح ما في بقية السورة أن مقصودها ~~وصف الكتاب بالإحكام والتفصيل بما يعجز كما بدأهم للعمل فوجب إفراده ~~بالعبادة وأن يمتثل ms2198 جميع أمره , ولا يترك شيء منه رجاء غقبال أحد ولا خوف ~~إدباره , ولا يخشى غيره . | ولا يركن إلى سواه , على ذلك مضى جميع النبيين ~~ودرج سائر المرسلين صلى الله عليه وسلم أجمعين . | ولما تقدم أنه نذير ~~وبسير . | أتبع ذلك بما يشمل الأمرين بقوله عطفا على { ألا تعبدوا } مشيرا ~~إلى أنه لا قيقدر الله حق قدره : { وأن استغفروا ربكم } أي اطلبوا مع ~~الإخلاص في العبادة أن يغفر لكم المحسن إليكم ما فرطتم فيه ؛ وأشار بأداة ~~التراخي إلى علو رتبة التوبة وأن لا سبيل غلى طلب الغفران إلا بها فقال : { ~~ثم توبوا إليه } اي ارجعوا بالظاهر والباطن رجوعا لا جعة فيه وإن كان ~~المراد بها الدوام فجليل PageV03P499 رتبته غير خفي { يمتعكم } اي يمد في ~~تلذيذكم بالعيش مدا , من متع النعار : ارتفع , والضحى : بلغ غايته , وأمتعه ~~الله بكذا : ابقاه وأنشأه غلى ان يبلغ شبابه ؛ ولما , كان التمتيع - وهو ~~المتاع البالغ فيه حتى لا يكون فيه كدر - لا يكون إلى في الجنة فلذلك جعل ~~المصدر { متاعا } وأنه وضع موضع ( تمتيعا ) , هذا المصدر ووصفه بقوله : { ~~حسنا } ليدل على أنه أنهى ما يليق بهذه الدار , ولقد كان ما أوتيه الصحابة ~~رضي الله عنهم في زمن عمر رضي الله عنه من الظفر بالإهداء وسعة الدنيا ورغد ~~العيش كذلك { إلى } اي ممتدا إلى { أجل مسمى } أي في علمه إما بالموت لكل ~~واحد أو بانقضاء ما ضربه من الأجل ما قصد بعمله على وجه التفضيل منه سبحانه ~~فإنه لا يجب لأحد عليه شيء , وهومع ذلك على حسب التفضيل : الحسنة بعشرة ~~أمثالها ؛ قال ابن مسعود : وهلك من غلبت آحاده عشراته . | ولما انقضى ~~التبشير مجزوما به , اتبعه التحذير مخوفا منه لطفا بالعباد واستعطافا لهم ~~فقال : { وإن تولوا } اي تلكفوا أنفسكم ضد ما طبعها الله عليه من سلامة ~~الفطرة وسهولة الانقياد من الإعراض ولو أدنى درجاته بما اشار إليه حذف ~~التاء { فإني أخاف عليكم } أي والعاقل من أبعد عن المخاوف { عذاب يوم كبير ~~* } أي لكبر ما فيه من العذاب ممن قدر على ms2199 إثباتكمن وخص اسم الرب تذكيرا ~~بما له من النعم في الإيجاد والإنشاء والتربية ؛ ولماكان الاستغفار - وهو ~~طلب الغفران - مطلوبا في نفسه لكنه لا يعتبر إلا إذا قرن بالتوبة , عطف ~~عليه ب { ثم } إشارة إلى عظيم رتبتها وعلى منزلتها وإت كان المراد بها ~~الدوام عليها فجليل رتبته غير خفي , وفي التعبير عن العمل بالفضل إشارة إلى ~~أنه لم يقع التكليف غلا بما في الوسع مع أنه من معالي الأخلاق , لأن الفضل ~~في الأصل ما فضل عن الإنسان وتعانيه من كريم الشمائل , وما كان كذلك فهو في ~~الذروة من الإحكام , لأنه منع الفعل من الفساد ؛ والحكيم من الحكمة وهي ~~العلم بما يجمع عليه مما يمنع الفعل من الفساد والنفص , وبها يميز الحسن من ~~القبيح والفاسد من الصحيح , وقد أشارت الآية إلى أن الاستغفار والتوبة سبب ~~السعة < # > 77 ( { ولو أنهم اقاموا التوارة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } ) 77 < # > [ المائدة : 66 ] وأن الإعارض سبب الضيق كما قال صلى الله عليه وسلم : ~~( إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ) { ويؤت كل ذي فضل فضله } إشارة إلى ~~ثواب الآخرة , فالتوبة سبب طيب العيش في الدنيا والآخرة . | وقال الإمام ~~أبو جعفر ابنالزبير في كتابه في مناسبة هذه السورة للتي قبلها . | ولما ~~كانت سورة يونس عليه السلام قد تضمنت - من آي التنبيه والتحريك للفطر ومن ~~العظات والتخويف والتهديد والترهيب والترغيب وتقريع المشركين الجاحدين ~~والقطع بهم PageV03P500 والإعلام بالجريان علىحكم السوابق ووجوب التفويض ~~والتسليم - ما لم تشمل على مثله سورة لتكرر هذه الأغراض فيها , وسبب تكرر ~~ذلك فيها - والله أعلم - أنها أعقبت بها السبع الطوال , وقد مر التنبيه على ~~أن سورة الأنعام بها وقع استيفا بيان حال المتنكبين عن الصراط المستقيم على ~~اختلاط أحوالهم , ثم استوفت سورة الأنعام ما وقعت الإحالة عليه من احوال ~~الأمم السالفة كما تقدم وبسطت ما أجمل من أمرهم , ثم اتبع ذلك بخطاب ~~المستحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحذروا وأنذروا , وكشف عن حال من ~~تلبس بهم من عدوهم ms2200 من المنافيقين , وتم المقصود من هذا في سورتي الأنفال ~~وبراءة , ثم عاد الخطاب إلى طريقة الدعاء غلى الله ولتحذير من عذابه بعد ~~بسط ما تقدمن فكان مظنة تأكيد التخويف والترهيب لإتيان ذلك بعد بسط حال ~~وإيضاح أدلة , فلهذا كانت سورة يونس مضمنة من هذت ما لم يضمن غيرها , ألا ~~ترى افتتاحها بقوله : < # > 77 ( { إن ربكم الله } ) 77 < # > [ يونس : 3 ] . | ومناسبة هذا الافتتاح دعاء الخلق إلى الله في سورة ~~البقرة بقوله تعالى : < # > 77 ( { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } ) 77 < # > [ البقرة : 21 ] ثم قد نبهوا هنا كما نبهوا هناك فقال تعالى : < # > 77 ( { أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله } ) 77 < # > [ يونس : 38 ] ثم تاكدت المراعظ والزواجر والإشارات إلى أحوال المكذبين ~~والمعاندين , فمن التنبيه < # > 77 ( { إن ربكم الله } ) 77 < # > [ يونس : 3 ] , < # > 77 ( { هو الذي جعل الشمس } ) 77 < # > [ سورة يونس , آية : 5 ] , < # > 77 ( { إن في اختلاف الليل والنهار } ) 77 < # > [ سورة يونس , آية : 6 ] , < # > 77 ( { قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده } ) 77 < # > [ يونس : 34 ] , < # > 77 ( { قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق } ) 77 < # > [ سورة يونس , آية : 35 ] , < # > 77 ( { قل انظروا ماذا في السماوات والأرض } ) 77 < # > [ سورة يونس , آية : 101 ] - إلى غير هذا , وعلى هذا السنن تكررت ~~العظات والأغراض المشار إليها في هذه السورة إلى قوله : < # > 77 ( { ياأيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم } ) 77 < # > [ سورة يونس , آية : 108 ] فحصل مما تقدم تفصيل أحوال السالكين ~~والمتنكبين , فلما تقررب هذا كله أتبع المجموع بقوله : { كتاب أحكمت آياته ~~ثم فصلت من لدن حكيم خبير } وتأمل مناسبة الإتيان بهذين الاسمين الكريمين ~~وهما { الحكيم الخبير } ثم تأمل تلاؤم صدر السورة بقوله : < # > 77 ( { يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم } ) 77 < # > [ سورة يونس , آية : 108 ] وقد كان تقدم قوله تعالى : < # > 77 ( { قد جاءتكم موعظة من ربكم } ) 77 < # > [ يونس : 57 ] فأتبع قوله : { قد جاءكم الحق من ربكم } بقوله في صدر ~~سورة هود < # > 77 ( { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت } ) 77 < # > [ هود : 41 ] فكأنه في معرض بيان الحق والموعظة ms2201 , وإذا كانت محكمة ~~مفصلة فحق لها أن تكون شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين , وحق ~~توبيخهم في قوله تعالى : < # > 77 ( { بل PageV03P501 كذبوا بما لم يحيطوا علمه } ) 77 < # > [ يونس : 39 ] والعجب في عمههم مع إحكامه وتفصيله ولكن < # > 77 ( { الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون } ) 77 < # > [ يونس : 96 ] وتأمل قوله سبحانه آخر هذه السورة < # > 77 ( { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } ) 77 < # > [ هود : 120 ] , و < # > 77 ( { جاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين } ) 77 < # > [ هود : 120 ] فكل الكتاب حق وموعظة وذكرى , وإنما الإشارة - والله ~~أعلم - بما أراد إلى ما تقرر الإيماء إليه من كمال بيان الصراط المستقيم ~~وملتزمات متبعية أخذا وتركا , وذكر أحوال المنتكبين على شتى طرقهم , ~~واختلاف أهوائهم وغاياتهم وشرهم إبليس فإنه متبعهم والقائل لجميعهم في ~~إخبار الله تعالى < # > 77 ( { إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم } ) 77 < # > [ إبراهيم : 22 ] وقد بسط من أمره وقصته في البقرة والأعراف ما يسر على ~~المؤمنين الحذر منه وعرفهم به وذكر اليهود والنصارى والمشركون والصابئون ~~والمنافقون وغيرهم , وفصل مرتكب كل فريق منهم كما استوعب ذكر أهل الصراط ~~المستقيم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين , وفصل أحوالهم ابتداء ~~وانتهاء والنزاما وتركا ما أوضح طريقهم , وعين حزبهم وفريقهم < # > 77 ( { أولئك الذي هدى الله } ) 77 < # > [ الأنعام : 90 ] وذكر أحوال الأمم مع أنبيائهم وأخذ كل من الأمم بذنبه ~~مفصلا , وذكر ابتداء الخلق في قصة آدم عليه السلام وحال الملائكة في ~~التسليم والإذعان وذكر فريق الجن من مؤمن وكافر وأمر الآخرة وانتهاء حال ~~الخلائق واستقرارهم الأخروي وتكرير دعاء الخلق إلى الله تعالى طمعا فيه ~~ورحمة وإعلام الخلق بما هو علبه سبحانه وما يجب له من الصفات العلى ~~والأسماء الحسنى , ونبه العباد على الاعتبار وعملوا طرق الاستدلال ورغبوا ~~ورهبوا وبشروا وأنذروا وأعلموا بافتقار المخلوقات بجملتها إليه سبحانه كما ~~هو المتفرد بخلقهم إلى ما تخلل ذلك مما يعجز الخلائق عن حصره والإحاطة به < # > 77 ( { والله يقول الحق وهو يهدي السبيل } ) 77 < # > { الأحزاب : 4 ] فما تقدم هذا كله ms2202 في السبع الطوال وما تلاها . | أعقب ~~ذلك بقوله : { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } [ هود : 1 ] ثم ~~اتبع هذا بالإيماء غلى فصول ثلاثة عليها مدار آي كتب , وهي فصل الإلهية , ~~وفصل الرسالة , وفصل التاكليف , أما الأول فاشار إليه قوله : { إلا تعبدوا ~~إلا الله } [ هود : 2 ] وأما فصل الرسالة فأشار إليه قوله سبحانه : { إنني ~~لكم منه نذير وبشير } [ هود : 2 ] وأما فصل التالكيف فأشار إليه قوله ~~سبحانه { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } [ هود : 3 ] . | وهذه الفصول ~~الثلاثة هي التي تدور عليها آي القرآن وعليها مدار السورة الكريمة , فلما ~~حصل استيفاء ذلك كله فيما تقدم ولم يبق وجه شبهة للمعاند ولا تعلق للجاحد ~~واتضح الحق وبان قال سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { وجاءك في هذه الحق } ) 77 < # > [ هود : 120 ] إشارة إلى كمال المقصود وبيان PageV03P502 المطلوب ~~واستيفاء التعريف بوضوح الطريق وقد وضح من هذا تلاء السورة الكريمة لما ~~تقدمها , ومما يشهد لهذا - والله أعلم - قوله تعالى : ^ ( { أفمن كان على ~~بينة من ربه ويتلوه شاهد منه } ) ^ [ هود : 17 ] وقوله تعالى : ^ ( { ~~فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا } ) ^ [ هود : 112 ] فقد وضح طريقك ~~وفاز بالفلاح حزبك وفريقك ^ ( { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا } ) ^ [ هود : ~~113 ] فقد عرفتم سبيلهم ومصيرهم فقد بان طريق الحق , وكيف ينكب من جزم ~~سلوكه من الخلق ! ونظيره قوله سبحانه ^ ( { وجاءك في هذه الحق } ) ^ [ هود ~~: 120 ] عقب ما ذكر سبحانه ^ ( { لمن الملك اليوم } ) ^ [ غافر : 16 ] ~~وقوله : ^ ( { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله } ) ^ [ ~~الانفطار : 19 ] فتأمل ذلك والله المستعان - انتهى . | < < # | هود : ( 4 - 6 ) إلى الله مرجعكم . . . . . # > > ^ ( إلى الله مرجعكم وهو على كل شيء قدير * ألا إنهم يثنون صدورهم ~~ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم ~~بذات الصدور * وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ~~ومستودعها كل في كتاب مبين ) ^ } ) | ولما خوف المنذرون باليوم الكبير ~~كانوا كأنهم قالوا : ما هذا اليوم ؟ فكان الجواب : يوم يرجعون إليه , ولما ~~كانوا ربما ms2203 حملوا الرجوع على مجرد الموت والصيرورة ترابا , نبههم على أنه ~~بغير المعنى الذي يتوهمه بل بمعنى إعادتهم كما كانوا فقال : { إلى الله } ~~اي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما وحده { مرجعكم } أي رجوعكم ووقته ~~ومكانه لأجل الحساب لا إلى التراب و لا غيره , وهو بكل شيء عليم , ومنه ~~بدؤكم لأخذ الزاد للمعاد , وجعل فاصلة الآية حمكما على المراد فقال : { وهو ~~} أي وحده { على كل شيء } اي ممكن { قدير * } اي بالغ القدرة لأنهم يقرون ~~بقدرته على أشياء هي أعظم من الإعادة , فهو قادر على الإعادة كما قدر على ~~البداءة , فالآية من الاحتباك : ذكر المرجع أولا دليلا على المبدأ ثانيا , ~~وتمام القدرة ثانيا دليلا على تمام العلم أولا لأنهما متلازمان . | ولما ~~تقدم من التخويف والإطماع ما هو مظنة لإقبالهم ورهبهم على التولي بخصوصه , ~~فكان موضع ان يقال : هل أقبلوا ؟ فقيل : لا قال مبينا أن التولي باطنا ~~كالتوالي ظاهرا لأن الباطن هو العمدة , مؤكدا لأنه امر لا يكاد أن يصدق , ~~والتأكيد أقعد في تبكيتهم : { ألا أنهم } اي الكفار المعاندين { يثنون ~~صدروهم } اي يطوونها وينحرفون عن الحق على غل من غير إقبال لأن من أقبل على ~~الشيء عليه بصدره { ليستخفوا منه } أي يريدون أن يوجدوا إخفاء سرهم على ~~غاية ما يكون من أمره . | فإن PageV03P503 كان مرادهم بالثني الاسستار من ~~الله تعالى فالأمر في عود الضمير غيه سبحانه واضح , وإن كان من النبي صلى ~~الله عليه وسلم فالاستخفاء منه استخفاء ممن أرسله , ثم أعلم أن ذلك غير مغن ~~عنهم لأنه يعلم سرهم وعلنهم في أخفى أحوالهم عندهم , وهو حين استغشاهم ~~ثيابهم , فيغطون الوجوه التي تستقر عن بعض ما في القلوب للمتوسمين فقال : { ~~ألا حين يستغشون ثيابهم } اي يوجدون غشيانها أي تغطيتها لرؤوسهم , لاستخفاء ~~كراهية لسماع كلام الله وأخبار رسوله صلى الله عليه وسلم { يعلم ما يسرون } ~~أي يوقعون إسراره في أي وقت كان ومن أي نوع كان من غير بطء لتدبر أو تأمل , ~~ولما لم يكن بين علم السر والعلن ملازمة لاختصاص العلن بما يكون ms2204 لغيبة أو ~~اختلاف بأصوات ولفظ أو اختلاف لغة ونحو ذلك قال تصريحا : { وما يعلنون } أي ~~يوقعون إعلانه لا تفاوت في علمه بين إسرار وإعلان , فلا وجه لاستخفائهم ~~نفاقا , فإن سوق نفاقهم غير نافق عنده سبحانه . | ثم علله بما هو أدق من ~~ذلك كله مع شموله للنوعين فقال : { إنه عليم } أي بالغ العلم جدا { بذات ~~الصدور * } أي بضمائر قلبوهم التي في دواخل صدورهم التي يثنونها من قبل أن ~~يقع لهم إضمارها , بل من قبل ان يخلقهم ؛ وأصل الثني العطف , ومنه الاثنان ~~- لعطف احدهما على الآخر , والثناء - لعطف المناقب في المدح . | ولهذا لما ~~قال العبد في الفاتحة { الرحمن الرحيم } بعد الجمد قال الله تعالى : أثنى ~~علي عبدي - كما في حديث ( قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ) و الاستثناء ~~- لعطف الثاني على الأول بالاستخراج منه ؛ والاستخفاء : طلب خفاء الشيء : ~~ثم اتبع ذلك بما يدل على شمول العلم والقدرة معا فقال : { وما } وأغرق في ~~العموم بقوله : { من دآبة } ودل على أن الانتفاع بالأموال مخصوص بأهل ~~العالم السفلي بقوله : { في الأرض } اي صغرت أو كبرت { إلا على الله } اي ~~الملك الأعلى الذي , له الإحاطة وحده لا على غيره { رزقها } اي قوتها وما ~~تنتفع وتعيش به بمقتضى ما أوجبه على نفسه , تحقيقا لوصوله وحملا على التوكل ~~فيه , لأن الإفصال على كل نفس بما لا تعيش إلا به ولا يلائمها إلا هو مدة ~~حياتها أدق مما مضى في العلم مع تضمنه لتمام القدرة , والآية مع ذلك ناظرة ~~إلى ترغيب آية { وأن استغفروا ربكم } فالمراد : أخلصوا العبادة له ولا ~~تفتروا عن عبادته للاشتغال بالرزق فإنه ضمنه لكم وهو عالم بكل نفس فلا ~~تخشوا من أنه ينسى أحدا , وقال : { وفي الأرض } ليعم ما يمشي على وجهها وما ~~في أطباقها من الديدان ونحوها مما لا يعلمه إلا هو , لقد شاهدت داخل حصاة ~~من شاطىء بحر قبرس شديدة الصلابة كأنها العقيق الأبيض دودة عندها ما تأكل , ~~وأخبرني الفاضل عز الدين محمد بن أحمد PageV03P504 التكروري الكتبي أنه ~~شاهد غير مرة في دواخل ms2205 حجارة تقطع من جبل مصر الدود عنده ما يأكل من الحشيش ~~الأخضر وما يشرب من الماء ؛ ونبه بقوله : { ويعلم مستقرها } أي مكانها الذي ~~تستقر فيه { ومستودعها } أي موضعها الذي تودع فيه قبل الاستقرار من صلب أو ~~رحم أو بيضة أو بعده من قبر أو فلاة أو غير ذلك على ما يحيط به علمه من ~~تفاصيلالسكانات والحركات ما كان منها وما يكون من كل ذلك مما يحير الفكر ~~ويدهش الألباب , ثم جعل فاصلة الآية ما هو في غاية العظمة عند الحق وهو { ~~كل } أي من ذلك { في كتاب مبين * } فغنه ليس كل ما يعلمه العبد يقدر على ~~كتابته ولا كل ما يكتبه يكون مبينا بحيث إنه كلما أراد الكشف منه وجد ما ~~يريده , وإذا وجده كانمفهما له ؛ والدابة : الحي الذي من شانه الدبيب ؛ ~~والمستقر : الموضع الذي يقر فيه الشيء , وهو قراره ومكانه الذي يأوي إليه ؛ ~~والمستودع : المعنى المجعول في قرارة كالولد الذي يكون في البطن والنطفة ~~التي في الظهر , وقد جعل سبحانه في كتابه ما ذكر حكما منها ما للملائكة فيه ~~من العبرة عند المقابلة بما يكون من الأمور المكتوبة قبل وجودها . | < < # | هود : ( 7 - 8 ) وهو الذي خلق . . . . . # > > ^ ( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على المآء ~~ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين ~~كفروا إن هذآ إلا سحر مبين * ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ~~ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤون ) ~~^ } ) | ولما كان خلق ما منه الرزق أعظم من خلق الرزق وتوزيعه في شمول ~~العلم والقدرة معا , تلاه بقوله : { وهو } أي وحده { الذي خلق } أي أوجد ~~وقدر { السماوات والأرض } وحده لم يشركه في ذلك أحد كما أنتم معترفون { في ~~ستة ايام } ولما كان خلق العرش اعظم من ذلك كله فإن جميع السماوات والأرض ~~بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة . | وأعظم من ذلك أن يكون محمولا على ~~الماء الذي لا يمكن حمله ms2206 في العادة إلا في وعاء ضابط محكم , تلاه بقوله : { ~~وكان } اي قبل خلقه لذلك { عرشه } مستعليا { على الماء } ولا يلزم من ذلك ~~الملاصقة كما ان السماء على الأرض من غير ملاصقة . | وقد علم من هذا السياق ~~انه كان قبل الأرض خلق فثبت ان وما تحته محمولان بمحض القدرة من غير سبب ~~آخر قريب أو بعيد , فثبت بذلك أن قدرته في درجات من العظمة لا تتناهى , ~~وهذا زيادة تفصيل لما ذكر في سورة يونس عليه السلام من أمر العرش لأن هذه ~~السورة التفضيل ونبه بقوله تعالى معلقا ب ( خلق ) : { ليبلوكم } اي أنه خلق ~~ذلك كله لكم سكنا كاملا بمهده وسقفه من أكله وشربه وكل ما تحتاجونه فيه وما ~~يصلحكم وما يفسدكم ومكنكم من جميع ذلك والحكمة في خلق ذلك أنه يعاملكم ~~معاملة المختبر , PageV03P505 ودل على شدة الاهتامام بذلك بسوقه مساف \ ق ~~الاستفهام في قوله : { ايكم } أي أيها العباد { أحسن عملا } على أنه فعل ~~هذه الأفعال الهائلة لأجل هذه الأمور التي هم لها مستهينون وبها مستهزئون , ~~وعلق فعل البلوى عن جملة الاستفهام لما فيه من معنى العلم لأنه طريق إليه , ~~روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الل ~~عليه وسلم قال : قال الله عز وجل : أنفق أنفق عليك , صلى الله عليه وسلم # 1548 ; وقال : ( يد الله ملأى لا تغيضها نفقة , سحاء الليل والنهار , ~~وقال : أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض فإنه لم يغض ما في يده , وكان ~~عرشه على الماء , . | ويده الميزان يخفض ويرفع ( وفي الآية حث على محاسن ~~الأعمال والترقي دائماص في مراتب الكمال من العلم الذي هو عمل القلب والعمل ~~الظاهر الذي هو وظيفة الأركان . | ولما ثبت - بيده الخلق الذي هم به ~~معترفون - القدرة على إعادته , وثبت بالابتلاء أنه لا تتم الحكمة في خلق ~~المكلفين إلا باعادتهم ليجازي كلا من المحسن والمسيء بفعلاه وأنهم ما خلقوا ~~إلا لذلك . | عجب من إنكارهم له وأكده لذلك فقالك { ولئن قلت } اي لهؤلاء ~~الذين ما خلقت ms2207 هذا الخلق العظيم غلا لابتلائهم { إنكم مبعوثون } أي موجودون ~~, بعثكم قطعا لا بد منه . | ولما كان زمن البعث بعض الزمن قال : { من بعد ~~الموت } الذي هو في غاية الابتداء { ليقولن } أكده دلالة على العلم ~~بالعواقب علما من أعلام النبوة { الذين كفروا إن } اي ما { هذا } اي القول ~~بالبعث { إلا سحر مبين * } أي شيء مثل السحر تخييل باطل لا حقيقة له أو ~~خداع يصرف الناس عن الانهماك في اللذات للدخول ي طاعة الأمر . | ولما كان ~~ما تقدم عنهم من الأفعال ومضى من الأقوال مظنة لمعاجلتهم بالأخذ , وكان ~~الواقع أنه تعالى يعاملهم بالإمهال فضلا منه وكرما , حكى مقالتهم في مقابلة ~~رحمته لهم فقال : { ولئن أخرنا } اي بما لنا من العظمة التي لا يفوتها شيء ~~{ عنهم } اي الكفار { العذاب } اي المتوعد به { إلى أمة } اي مدة من الزمان ~~ليس فيها كدر { معدودة } أي محصورة الأيام أي قصيرة معلومة عندنا حتى تعد ~~الأنفاس { ليقولن } على سبيل التكرار { ما يحبسه } أي العذاب عن الوقوع ~~استعجلا له تكذيبا واستهزاء , وهو تهديد لهم بأنه آتيهم عن قريب فليعتدوا ~~لذلك . | ولما كان العاقل لا ينبغي أن يسأل عن مثل ذلك إلا بعد قدرته على ~~الدفع , PageV03P506 أعرض عن جوابهم وذكر لهم أنهم عاجزون عن دفاعه عند ~~إيقاعه إعلاما بأنهم عكسوا في السؤال , وتحقيقا لأن ما استهزؤوا به لا حق ~~بهم لا محالة , فقال مؤكدا لشديد إنكارهم : { ألا يوم } وهو منصوب بخبر ) ~~ليس ( الدال على جواز تقدم الخبر { يأتيهم ليس } اي العذاب { مصروفا عنهم } ~~اي بوجه من الوجوه ؛ وقدم الماضي موضع المستقبل تحقيقا ومبالغة في التهديد ~~فقال : { وحاق بهم } اي أدركهم إذ ذاك على سبيل الإحاطة { ما كانوا } أي ~~بجبلاتهم وسيىء طبائعهم , وقدم الظرف إشارة إلى شدة إقبالهم على الهزء به ~~حتى كأنهم لا يهزؤون بغيره فقال : { به } ولما كان استعجالهم استهزاء , وضع ~~موضع يستعجلون قوله : { يستهزءون } اي يوجدون الهزء به غيجادا عظيما حتى ~~كأنهم يطلبون ذلك . | < < # | هود : ( 9 - 12 ) ولئن أذقنا الإنسان . . . . . # > > ^ ( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها ms2208 منه إنه ليئوس كفور * ~~ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور * ~~إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير * فلعلك تارك ~~بعض ما يوحى إليك وضآئق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جآء معه ~~ملك إنمآ أنت نذير والله على كل شيء وكيل ) ^ } ) | ولما كان قولهم ذلك ~~ناشئا عن طبع الإنسان على الوقوف مع الحالة الراهنة والعمى عن الاستضاءة ~~بنور العقل فيما يزيلها في العاقبة , بين ذلك ليعلم أن طبعه مناف لما تضمنه ~~مقصود السورة من الإحكام الذي هو ثمرة العلم . | وبعلم ذلك يعلم مقدار ~~نعمته على من حفظه على ما فطره عليه من أحسن تقويم بقوله مؤكدا لأن كل أحد ~~ينكر ان يكون طبعه كذلك : { ولئن أذقنا } اي بما لنا من العظمة { الإنسان } ~~أي هذا النوع المستأنس بنفسه ؛ ولما كان من أقبح الخلال استملاك المستعار . ~~| وكانت النعم عواري من الله يمنحها من شاء من عباده , قدم الصلة دليلا على ~~العارية فقال : { منا رحمة } أي نعمة فضلا منا عليه لا بحوله ولا بقوته من ~~جهة لا يرجوها بما دلت عليه أداة الشك ومكناه من التلذذ بها تمكين الذائق ~~من المذوق { ثم نزعناها } اي بما لنا من العظمة وإن كره ذلك { منه } أخذا ~~لحقنا { إنه ليؤس } أي شديد اليأس من ان يعود له مثلها { كفور * } اي عظيم ~~الستر لما سلفه له من الإكرام لأن شأنه ذلك وخلقه إلا من رحم ربك { ولئن ~~أذقناه نعماء } من فضلنا . | ولما كان استملاكه العارية طبعا له , لا ينفك ~~عنه إلا بمعونة شديد من الله . | دل عليه بما أفهم أنه لو كان طول عمره في ~~الضر ثم نال حالة يرضاها عقب زمن الضر سواء PageV03P507 بادر إلى اعتقاد ~~أنها هي الحالة الأصلية له وأنها لا تفارقه أصلا ولا يشوبها نوع ضرر ولا ~~يخالط صفوها شيء من كدر . | فقال دالا على اتصال زمن الضر بالقول بنزع ~~الخافض من الظرف : { بعد ضراء } أي فقر شديد مضر ببدنه , ولم ms2209 يسند المس ~~إليه سبحانه كما فعل في انعماء تعليما للأدب فقال : { مسته } اي بما كسبت ~~يداه { ليقولن } مع قرب عهده بالضراء خفة وطيشا { ذهب السيئات } أي كل ما ~~يسوءني { عني } وقوله { إنه } الضمير فيه للإنسان , المعنى أن الإنسان . | ~~فهي كلية مشهورة بمستغرق , اي أن كل إنسان { لفرح فخور } اي خارج عن الحد ~~في فرحه شديد الإفراط في فخره على غيره بكل نعمة تفضل الله عليه بها . | لا ~~يملك ضر نفسه ومنعها من ذلك فلذا اتصل بها قوله مستثنيا من الإنسان المراد ~~به اسم الجنس : { إلا الذين صبروا } في وقت الشدائد وزوال النعم رجاء ~~لمولاهم وحسن ظن به بسبب إيمانهم الموجب لتقيدهم بالشرع { وعملوا الصالحات ~~} اي من اقوال الشكر وأفعاله عند حلول النعم , وخلقهم في أحسن تقويم . | ~~وهم أقل من القليل لعظيم جهاده لنفوسهم فيما جبلت عليه من الحظوظ والشهوات ~~وغيرها وشياطينهم . | ولما كان كأنه قيل : فما لهم لم يكونوا كذلك ! أنتج ~~السياق مدهم فقال : { أولئك } أي العالو المراتب { لهم مغفرة } إذا وقعت ~~منهم هفوة { , اجر كبير * } على صبرهم وشكرهم ؛ والذوق : تناول الشيء بالفم ~~لإدراك الطعم كما أن الشم ملابسة الشيء الأنف لإدراك الرائحة ؛ والنزع : ~~رفع الشيء عن غيره مما ان مشابكا له كالقلع والقشط ؛ واليأس : القطع بأن ~~الشيء لا يكون , وهو ضد الرجاء , ويؤوس : كثير اليأس , وهو ذك لأنه للجهل ~~بسعة الرحمة الموجبة لقوة الأمل في كل ما يجوز في الحكمة فعله ؛ والنعماء : ~~إنعام يظهر اثره على صاحبه , كما أن الضراء مضرة تظهر الحال بها , لأنها ~~أخرجت مخرج الأحوال الظاهرة من حمراء وعوراء مع ما في مفهوما من المبالغة ؛ ~~والسيئة : مايسوء من جهة نفور طبع أو عقل , ووهي هنا المرض والفقر ونحوه ؛ ~~والفرح : انفتاح القلب بما يلتذ به ؛ وعبارة البغوي : هو لذة في القلب بنيل ~~المشتهى وهو أعظم من ملاذ الحواس ؛ والفخر : التطاول بتعديد المناقب ؛ ~~والصبر : حبس النفس عن المشتهى من المحارم ونحوها , والصبر على مر الحق ~~يؤدي إلى الفوز في الآخرة مع ما فيه من جمال في الدنيا ؛ والكبير ms2210 واحد يقصر ~~مقدار غيره عنه ؛ والكثير : جمع يزيد على عدد غيره . | ولما استثنى سلحانه ~~من الجارين مع الطبع الطائشين في الهوى من تحلى برزانة PageV03P508 الصبر ~~الناشىء عن وقار العلم المثمر لصالح العمل , وكان صلى الله عليه وسلم رأس ~~الصابرين , وكان ما مضى من أقوالهم وأفعالهم مثل قولهم { ما يحبسه } ~~وتثنيهم صدورهم اسبابا لضيق صدره صلى الله عليه وسلم , فربما كانت مظنة ~~لرجائهم تركه صلى الله عليه وسلم بعض ما يوحى إليه من عيب آلهتهم وتضليل ~~آبائهم وتسفيه أحلامهم , وغير ذلك مما يشق عليهم طمعا في إقبالهم أو خوفا ~~من إدبارهم فإنهم كانوا يقولون : ما نراه يذكر من خالف دينه من اليهود ~~والنصارى بمثل الذي يذكرنا به من الشر , قال تعالى مسببا عن ذلك ناهيا في ~~صيغة الخبر : { فلعلك تارك } اي إشفاقا أو طمعا { بعض ما } ولما كان الموحى ~~قد صار معلوما لهم وإن نازعوا فيه بنى للمفعول قوله : { يوحى إليك } ~~كالإنذار وتسفيه أحلام آبائهم { وضآئق به } أي بذلك البعض { صدرك } مخافة ~~ردهم له إذا بلغته لهم ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إن } اي مخافة أو لأجل أن { ~~يقولوا } تعنتا ومغالبة إذ لو كانوا مسترشدين لكفتهم آية واحدة { لولا } أي ~~هلا ولم لا { أنزل عليه كنز } يستغني به ويتفرغ لما يريد , وبنوه للمفعول ~~لأن المقصود مطلق حصوله وكانوا يتهاونون بالقرآن لعلمهم أنه الآية العظمى ~~فكانوا لا يعدونه آية عنادا ومكابرة { أو جاء معه ملك } أي ليؤيد كلامه ~~وليشهد له , فكان النبي صلى الله عليه وسلم يضيق صدره بمثل أقوالهم هذه ~~ويثقل عليه أن يلقي إليهم ما لا يقبلونه ويضحكمون منه فحركه الله بهذا ~~لأداء االرسالة كائنا فيها ما كان , فكان المعنى : فإذا تقرر أن الإنسان ~~مطبوع على نحو هذا من التقلبات , فلا تكن موضع رجائهم في أن تكون تاركا ما ~~يغيظهم مما نأمرك به , بل كن من الصابرين ؛ قال أهل السير : فلما بادى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه ~~قومه ولم يردوا ms2211 عليه حتى ذكر آلهتهم وعابها , فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه ~~وأجمعوا خلافه غلا من عصمه الله ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أم المشركين ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ائتنا بكتاب ليس فيه سب آلهتنا . | ولما ~~أفهم هذا السياق الإنكار لما يفتر عن الإنذار , كان كأنه قيل له : هذا ~~الرجاء المرجو منكر , والمقصود الأعظم من الرسالة النذارة لأنها هي الشاقة ~~على النفوس , وأما البشارة فكل من قام يقدر على إبلاغها فلذا قال : { إنما ~~أنت نذير } فبلغعهم ما أرسلت به فيقولون لك ما يقدره الله لهم فلا يهمنك ~~فليس عليك إلا البلاغ وما أنت عليهم بوكيل تتوصل إلى ردهم إلى الطاعة ~~بالقهر والغلبة بل الوكيل الله الفاعل لما يشاء { والله } أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة . | ولما كان السياق لإحاطته سبحانه , قدم قوله : { على كل ~~شيء } منهم ومن غيره ومن قبولهم وردهم ومن حفظك منهم ومن غيره { وكيل * } ~~فهو يدبر الأمور PageV03P509 على ما يعلمه من الحكم , فإنشاء جاء بما سالوا ~~وإن لم يشأ لم يأت به ولا اعتراض عليه فتوكل عليه في كل أمر وإن صعب , ~~ولعله اقتصر على النذارة لأن المقام يقتضيها من أجل أنهم أهل لها وأنها هي ~~التي يطعمون في تركها بإطماعهم في المؤالفة بالإعراض عما يوجب المخالفة ؛ ~~والصدر : مسكن القلب , يشبه به رئيس القوم والعالي المجلس لشرف منزلته على ~~غيره من الناس ؛ والكنز : المدفون , وقد صار في الدين صفة ذم لكل مال لم ~~يخرج منه الواجب من الزكاة وإن لم يكن مدفونا , والآية من الاحتباك : نفي ~~أولا قدرته صلى الله عليه وسلم على الإتيان بما سألوا دليلا على قدرة مرسله ~~على ذلك وغيره ثانيا . | وأثبت الوكالة ثانيا دليلا على نفيها أولا . | < < # | هود : ( 13 - 15 ) أم يقولون افتراه . . . . . # > > ^ ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنمآ أنزل ~~بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون * من كان يريد الحياة الدنيا ~~وزينتها ms2212 نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون ) ^ } ) | ولما كانوا ~~ذوو الهمم العوال , لا يصوبون إلى الكنوز والأموال , وكان الملك إنما يراد ~~لتطييب النفس بتثبيت الأمر . | وكان فيما يشهد به إعجاز القرآن ببديع نظمه ~~وباهر حكمه وحكمه وزاجر غرائبه ووافر علمه ما يغني عن ذلك , وكان في كل آية ~~منه ما يبين للفهم سفساف قدحهم في الرسالة , كان موضع الإنكار له , فكان ~~كأنه قيل : أيقولون ذلك تعنتا منهم واقتراحا وإعارضا عن معجز القرآ فأعرض ~~عنه فإنه لا يضر في وجه الدليل { أم يقولون } اي مكررين { افتراه } فكان ~~ذلك موضع ان يقال : نعم , إنهم ليقولون ذلك فيقدحون في الدليل فماذا يقال ~~لهم ؟ فقيل : { قل } أي لهم على سبيل التنزل { فأتوا } يا معاشر العرب ~~فإنكم مثلي في العربية واللسان والمولد والزمن وفيكم من يزيد علي بالكتابة ~~والقراءة ومخالطة العلماء والتعلم من الحكماء ونظم الشعر واصطناع الخطب ~~والنثر وتكلف الأمثال وكل ما يكسب الشرف والفخر { بعشر سور } اي قطع , كل ~~قطعة منها تحيط بمعنى تام يستدل فيها عليه { مثله } أي تكون العشر مثل جميع ~~القرآن في طوله وفي مثل احتوائه على أساليب البلاغة وأفانين العذوبة ~~والمتانة والفحولة والرشاقة حال كونها { مفتريات } اي أنكم قد عجزتم عن ~~الإتيان بسورة اي قطعة واحدة آية أو آيات من مثله فيما هو عليه من البلاغة ~~والإخبار بالمغيبات والحكم والأحكام والوعد والوعيد والأمثال وادعيتم ~~مكابرة أنه مفترى فارغ عن الحكم فأتوا بعشر مثله في مجرد البلاغة غير ~~ملزمين بحقائق المعني وصح المباني - ذكره البغوي عن المبرد , وقد مضى في ~~البقرة عند { فأتوا بسورة من مثله } عن الجاحظ وغيره ما PageV03P510 يؤيده ~~؛ قال أبو حيان : وشان من يريد تعجيز شخص ان يطالبه اولا بان يفعل أمثالا ~~مما يفعل هو , ثم إذا تبين عجزه قال : افعل مثلا واحدا - انتهى . | فكأنهم ~~تحدوا أولا بجميع القرآن في مثل قوله : < # > 77 ( { فليأتوا بحديث مثله } ) 77 < # > [ الطور : 34 ] أي في التحتم والتطبيق على الوقائع وما يحدث ويتجدد ~~شيئا في إثر شيء ثم قطع بعد عجزهم ms2213 بدوام عجزهم في قوله تعالى : < # > 77 ( { قل لو اجتمعت الإنس والجن } ) 77 < # > [ الإسراء : 88 ] تبكيتا لهم وإخزاء وبعثا على ذلك وإغراء , ثم تحدوا ~~في سورة يونس عليه السلام بسورة واحدة مثل جميع القرآن غير معتنين فيها ~~بالتفصيل إلى السور تخفيفا عليهم واستهانة بأمرهمن فلما عجزوا تحدوا بعشر ~~مفتراه , ولما خفف عنهم التقيد بصدق المعنى وحقيقة المباني , ألزمهم بما ~~خففه عنهم في يونس من التفضيل ولم يخلهم من التخفيف إشارة إلى هوان أمرهم ~~واحتقار شانهم بأن جعلها غلى عشر فقط , فلما عجزوا أعيد في المدينة الشريفة ~~لأجل أهل الكتاب تحديهم بسورة , أي قطعة واحدة مقرونا ذلك بالإخبار بدوام ~~عجزهم عن ذلك في قوله تعالى في البقرة < # > 77 ( { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا } ) 77 < # > [ البقرة : 24 ] , فالمتحدى به في كل سورة غير المتحدى به في الأخرى , ~~وقد مضى في يونس ولابقرة ويأتي في سبحان والطور إنشاء الله تعالى ما يتم به ~~فهم هذا المقام , والبلاغة ثلاث طبقات فأعلاها معجز , وأوسطها وأدناها ممكن ~~, والتحدي وقع بالعليا , وليس هذا أمرا بالافتراء لأنه تحد فهو للتعجيز ~~وقوله : { وادعوا من استطعتم } أي طلبتم أن يطيعكم ففعل , ولما كانت الرتب ~~كلها تحت رتبته تعالى والعرب مقرة بذلك قال : { من دون الله } أي الملك ~~الأعلى . | وأشار غلى عجزهم بقوله : { إن كنتم صادقين * } وفي ذلك زيادة ~~بيان وتثبيت للدليل , فإن كل ظهير من سواهم دونهم في البلاغة , فعجزهم عجز ~~لغيرهم بطريق الأولى . | ولما كان أدنى درجات الافتراء إتيان الإنسان بكلام ~~غيره من غير علمه , وكان عجزهم عن المعارضة دليلا قاطعا على أنهم لم يصلوا ~~إلى شيء من كلامه تعالى بغير علمه ولا وجدوا مكافئا له يأتيهم يمثله ثبت ~~قطعا أن هذا القرآن غير مفترى , فقال تعالى مخاطبا للجميع بخلاف ما في ~~القصص إشارة غلى وضوح الأمر لا سيما في الافتراء عند كل أحد وان المشركين ~~قد وصلوا من ذل التبكيت بالتحدي مرة بعد مرة وزورهم لأنفسهم في ذلك المضمار ~~كرة في اثر كرة غلى حد من العجز لا يقدرون ms2214 معه على النطق في ذلك ببنت شفة : ~~{ فإن لم يستجيبوا لكم } اي يطلبوا إججابتكم ويوجدوها { فاعلموا } ايها ~~الناس كافة { إنما أنزل } أي ما وقع إنزال هذا القرآن خاصة إلا ملتبسا { ~~بعلم الله } اي المحيط بكل شيء قدرة وعلما بمقتضى ان محمدا واحد منهم تمع ~~العادة أن يعثر دون جميع أهل الأرض على ما لم يأذن فيه ربه من كلامه فضلا ~~عن أن يكون مخترعا PageV03P511 له , ويجوز أن يكون ضمير { يستجيبوا } ل ( ~~من ) { استطعتم } و { لكم } للمشركين , وكذا في قوله : فاعلموا و { أنتم } ~~{ وأن } أي واعلموا أن { لا غله إلا هو } فإنه لو كان معه إله آخر لكافأة ~~في الإتيان بمثل كلامه وفيه تهديد وإقناط من أن يجيرهم من باس الله آلهتهم ~~. | ولما كان هذا دليلا قطعيا على ثبوت القرآن , سبب عنه قوله مرغبا مرهبا ~~: { فهل أنتم مسلمون * } أي منقادون أتم انقياد . | ولما كان في هذا من ~~الحث على الثبات على الإسلام والدخول فيه والوعيد على التقاعس عنه ما من حق ~~السامع أن يبادر إليه , وكان حق المسلم الإعراض عن الدنيا لسوء عاقبتها , ~~وكان أعظم الموانع للمشركين من التصديق اسستيلاء أحوال الدنيا عليهم , ~~ولذلك تعنتوا بالكنز , أشار غلى عواقب ذلك بقوله : { من كان يريد } أي ~~بقصده وأعماله من الإحسان إلى الناس وغيره { الحياة الدنيا } أي ورضي بها ~~مع دناءتها من الآخرة على علوها وشرفها { وزينتها } فأخلد إليه ا لحضورها ~~ونسي ما يوجب الإعراض عنها من فنائها وكدرها { نوف } موصلين { إليهم أعملهم ~~} أي جزاءها { فيها } أي الدنيا بالجاه والمال ونحو ذلك { وهم فيها } أي في ~~الأعمال أو الدنيا { لا يبخسون * } أي لا ينقص شيء من جزائهم فيها , واما ~~ابدانهم وأرواحهم وأديانهم فكلها بخس في الدارين معا , وفي الجملتين بيان ~~سبب حبس العذاب عنهم في مدة إمهالهم مع سوء أعمالهم . | < < # | هود : ( 16 - 19 ) أولئك الذين ليس . . . . . # > > ^ ( أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها ~~وباطل ما كانوا يعملون * أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن ~~قبله ms2215 كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار ~~موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون * ومن ~~أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء ~~الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل ~~الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون ) ^ } ) | ولما بين حالهم في ~~الدنيا , بين حالهم في الأخرى مشيرا بأداة البعد إلى أنهم أهل البعد ~~واللعنة والطرد في قوله تنيجة لما قبله : { أولئك } أي البعداء البغضاء { ~~الذين ليس لهم } أي شيء من الأشياء { في الآخرة إلا النار } اي لسوء ~~أعمالهم واستيفائهم جزاءها في الدنيا { وحبط } أي بطل وفسد { ما صنعوا فيها ~~} أي مصنوعهم أو صنعهم أي لبنائه على غير اساس ؛ ولما كان التقييد الحبوط ~~بالآخرة ربما أوهم أنه شيء في نفسه قال : { وباطل } أي ثابت البطلان في كل ~~من الدارين { ما كانوا يعملون * } أي معمولهم أو عملهم وإن دأبوا فيه دأب ~~من هو مطبوع عليه لأنه صورة لا معنى لها لبنائه PageV03P512 على غير أساس ؛ ~~والزينة : تحسين الشيء بغيره من لبسه أو حلية أو هيئة ؛ والتوفية : تأدية ~~الحق على تمام ؛ وحبوط العمل : بطلانه , من قولهم : حبط بطنه - إذا فسد ~~بالمأكل الرديء . | ولما اتضحت الحجج وانتهضت الدلائل فأغرقتهم عوالي اللجج ~~, كان ذلك موضع الإنكار على من يسوي بين المهتدي والمعتدي , فكيف يفصل إما ~~باعتبار النظر إلى الراسة الدنيوية غفلة من حقائق الأمور أو عنادا كمن قال ~~من اليهود للمشركين : أنتم أهدى منهم , فقال : { أفمن كان على بينة } أي ~~برهان وحجة { من ربه } بما آتاه من ونر البصيرة وصفاء العقل فهو يريد ~~الآخرة ويبني أفعاله على أساس ثابت { ويتلوه } أي ويتبع هذه البينة { شاهد ~~} هو القرآن { منه } أي من ربه , أو تأيد ذلك البرهان برسالة رسول عربي ~~بكلام معجز وكان { من قبله } أي هذا الشاهد مؤيدا له { كتاب موسى } أي شاهد ~~ايضا وهو التوارة حال كونه { إماما } يحق الاقتداء به ms2216 { ورحمة } أي لكل من ~~اتبعه . | ولما كان الجواب ظاهرا حذفه , وتقديره - والله أعلم : كمن هو على ~~الضلالة فهو يريد الدنيا فهو يفعل من المكارم ما ليس مبنيا على أساس صحيح , ~~فيكون في دار البقاء والساعدة هباء منثورا ؛ ولما كن هذا الذي على البينة ~~عظيما , ولم يكن يراد به واحدا بعينه , استأنف البيان لعلو مقامه بأداة ~~الجمع بشارة لهذا النبي الكريم بكثرة أمته فقال : { أولئك } أي العالو ~~الرتبة بكونهم على هدى من ربهم وتأيد هداهم بشاهد من قبله وشاهد من بعده ~~مصدق له { يؤمنون به } أي بهذا القرآن الذي هو الشاهد ولا ينسبون ىلآتي به ~~إلى أنه افتراه { ومن يكفر به } أي بهذا الشاهد { من الاحزاب } من جميع ~~الفرق وأهل الملل سواء , سوى بين الفريقيين جهلا أو عنادا { فالنار موعده ~~أي وعيده } وموضع وعيده يصلى سعيرها ويقاسي زمهريرها . | ولما عم بوعيد ~~النار , اشتد تشوف النفس لما سبب عنه فقرب إزالة ما حملت من ذلك بالإيجاز , ~~فاقتضى الأمر حذف نون ( تكن ) فقيل : { فلا تك } أي أيها المخاطب الأعظم { ~~في مرية } اي شك عظيم ووهم { منه } أي من القرآن ولا يضيق صجرك عن إبلاغه , ~~أو من الوعد الذي هو النار والخيبة وإن أنعمنا على المتوعد بذلك ونعمناه في ~~الدنيا ؛ ثم علل النهي بقوله : { إنه } القرآن أو الموعد { الحق } اي ~~الكالمل , وزاد في الترغيب فيه بقوله : { من ربك } أي المحسن إليك بانزاله ~~عليك . | PageV03P513 ولما كان كونه حقا سببا يعلق الأمل بإيمان كل من ~~سمعهن قال : { ولكن أكثر الناس } اي الذين هم في حيز الاضطراب { لا يؤمنون ~~} بأنه حق لا لكون الريب يتطرق غليه بل لما على قلوبهم من الرين ويؤولون ~~إليه من العذاب المعد لهم ممن لا يبدل القول لديه ولا ينسب الظلم إليه , ~~والقصد بهذا الاستفهام الحث على ما حث عليه الاستفهام في قوله { فهل أنتم ~~مسلمون } من الإقبال على الدين الحق على وجه مبين لسخافة عقول الممترين ~~وركاكة آرائهم . | ولما كان الكافرون قد كذبوا على الله بما أحدثوه من الدي ~~من غير ms2217 دليل وما نسبوا إليه النبي صلى الله عليه وسلم من الافتراء , أتبع ~~ذلكك سبحانه قوله : { ومن أظلم } أي لا أحد أظلم { ممن افترى } أي تعمد أن ~~اختلق متكبرا { على الله } اي الملك الأعظم { كذبا } الآية , وهو موضع ضمير ~~لو أتى به لقيل : لا يؤمنون ظلما منهمن ومن أظلم منهم أي هم أظلم الظالمين ~~, فاتى بهذا الظاهر بيانا لما كفروا به لأنه إذا علق الحكم بالوصف دل على ~~أنه علته . | ولما بين أنهم أظبمن اتبعه جزاءهم بقوله استئنافا : { أولئك } ~~المستحقو البعد ؛ ولما كان نفس العرض نخوفا , بنى للمجهول قوله : { يعرضون ~~} أي لذلك ولدلالة على أنهم على صفة الهوان ومستسلمون لكل عارض , فعرضهم في ~~غاية السهولة { على ربهم } أي الذي أحسن إليهم فلم يشكروه , العالم ~~بالخفايا فيفتضحون بين يديه بما قابلوا به إحسانه من اللوم { ويقول } على ~~سبيل التكرار { الأشهاد } وهم الذين آمنوا بالكتب الشاهد بعضها لبعض المشار ~~إليه بقوله { ويتلوه شاهد منه } والملائكة الذين شهدوا أعمالهم ومن أعضائهم ~~حين يختم على افواههم { هؤلاء } إشارة بأداة القرب غلى تحقيرهم { الذين ~~كذبوا } متكبرين { على ربهم } في ادعاء الشريك والولد والتحليل والتحريم ~~وغير ذلك بما عراهم من إحسانه وطول حلمه , وفي الإتيان بصفة الربوبية غاية ~~التشنيع عليهم , فتكررت بها القول فضيحتهم عند جنسهم وبعدهم عن كل من سمع ~~هذا الكلام لأنه لا أبعد عن القلوب من الكاذب فكيف بالمجترىء بالكذب على ~~الؤساء فكيف بملك الملوك الذي رباهم ولك من أهل الموقف مرتقب بره خائف من ~~انتقامه , وكأنه قيل : فما لهم بعد هذا العذاب العظيم بهذه الفضيحة ؟ فقيل ~~: { آلا لعنة الله } وهي طرد الملك الأعظم وإبعادهن انظر إلى تهويل الأمر ~~باسم الذات ما اشده { على الظالمين } فكيف بأظلم الظالمين , ثم فصل ظلمهم ~~بقوله : { الذين يصدون } اي يعرضون في أنفسهم ويمنعون غيرهم { عن سبيل } أي ~~دين { الله } أي الملك الذي له الكمال كله مع أنه الولي الحميد { ويبغونها ~~} اي يريدون بطريق الدين الواسعة السهلة { عوجا } بإلقاء الشبهات والطعن في ~~الدلائل مع كونها في غاية الاستقامة . | PageV03P514 ولما ms2218 كان النظر شديدا ~~إلى بيان كذبهم وتكذيبهم , بولغ في تأكيد قوله : { وهم } اي بضمائرهم ~~وظواهرهم ؛ ولما كان تكذيبهم بالآخرة شديدا , قدم قوله : { بالآخرة } وأعاد ~~الضمير تأكيدا لتعيينهم وإثبات غاية الفساد لبواطنهم واختصاصهم بمزيد الكفر ~~فقال : { هم كافرون } ايعريقون في هذا الوصغ ؛ والعرض : إظهار الشيء بحيث ~~يرى للتوقيف على حالة , والصد : المنع بالإغراء الصارف عن الأمر ؛ والبغية ~~: طلب أمر من الأمور , وهي إرادة وجدان المعنى بما يطمه فيه ؛ والعوج : ~~العدول عن طريق الصواب , وهو في المعنى كالدين بالكسر , وفي غيره كالعود ~~بالفتح فرقا بين ما يرى وما لا يرى , جعلوا السهل للسهل والصعب للصعب ؛ روى ~~البخاري في التفسير عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال في النجوى : ( يدنى المؤمن من ربه حتى يضع كنفه عليه فيقرره بذنوبه : ~~تعرف ذنب كذا ؟ يقول : أعرف رب أعرف - مرتين , ويقول : سترتها عليك في ~~الدنيا وأغفرها لك اليومظن ثم يطوي صحيفة حسناته , وأما الآخرون أو الكفار ~~فينادي على رؤوس الأشهاد { هؤلاء الذين كذبوا على بهم إلا لعنة الله على ~~الظالمين } . | ) | < < # | هود : ( 20 - 22 ) أولئك لم يكونوا . . . . . # > > ^ ( أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من ~~أوليآء يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون * أولئك ~~الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون * لا جرم أنهم في الآخرة هم ~~الأخسرون ) ^ } ) | ولما هددهم بأمور الآخرة , أشار إلى بيان قدرته على ذلك ~~في الدارين بقوله : { أؤلئك } أي البعداء عن حضرة الرحمة { لم يكونا } أي ~~بوجه من الوجوه { معجزين } وأشار غلى عجزهم بأنهم لا يقدرون على بلوغ ~~العالم العلوي بقوله : { في الأرض } أي ما كان الإعجاز - وهو الامتناع من ~~مراد الله - لهم ولا هو في قدرتهم , لأن قدره على جميع الممكنات على حد ~~سواء . | ولما نفى التعذر بأنفسهم , نفاه من جهة غيرهم فقال : { وما كان ~~لهم } ولما كانت الرتب التي هي دون عظمته سبحانه متكاثرة جدا , بين أنهم ~~معزولون عن كل منها بإثبات الجار فقال : { من دون ms2219 الله } أي الملك الأعظم , ~~وأغرق في النفي بقوله : { من أولياء } PageV03P515 أي يفعلون معهم ما يفعل ~~القريب من تولي المصالح والحماية من المصائب , ومن لم يقدر على الامتناع ~~وهو حي لم يمتنع بعد موته فكأنه قيل : ماذا يفعل بهم ؟ فقيل : { يضاعف } أي ~~يفعل يه فعل من يناظر آخر في الزيادة , وبناه للمفعول لأنالمرجع وجود ~~المضاعفة مطلقا { لهم العذاب } اي لما كانوا يضاعفون المعاصي ؛ ثم علل سبب ~~المضاعفة بأنه خلق لهم سمعا وبصرا فضيعوهما بتصامهم عن الحق وتعاميهم عنه , ~~فكأن لا فرق بينهم وبين فاقدهما فقال : { ما كانوا } اي بما لهم من فساد ~~الجبلات { يستطيعون السمع } اي يقدرون لما غلب على فطرهم الأولى السليمة ~~بانقيادهم للهوى من التخلق بنقائص الشهوات على أن توجد طاعته لهم فمما ~~كانوا يسمعون { وما كانوا } يستطيعون , الإبصار فما كانوا { يبصرون } حتى ~~يعرضوا عن الشهوات فتوجد استطاعتهم للسمع والإبصار , وهو كناية عن عدم ~~قبولهم للحق وأن شدة إعراضهم عنه وصلت إلى حد صارت فيه توصغ بعد الاستطاعة ~~كما يقول الإنسان لما تشتد كراهته له : هذا مما لا أستطيع أن أسمعه , وتكون ~~المضاعفة بالكفر والصد , ونفي الاستطاعة أعرق في العيب وأدل على النقص سواء ~~كان للعين أو للقلب , هذا إن لم تخرج الآية على الاحتباك , وإن خرجت عليه ~~استوى الأمران , وصار نفي الاستطاعة أولا دالا على نفيها ثانيا , ونفي ~~الإبصار يدل على نفي السمع أولا . | ولما ثبت أنهم لا سمع ولا بصر , ثبت ~~أنهم لا شيء فقال : { أولئك } اي البعداء البغضاء { الذين خسروا أنفسهم } ~~اي بتضييع الفطرة الأولى التي هي سهولة الانقياد للخير وصعوبة الانقياد ~~للشر ؛ ولما كان العاجزز ربما نفعه من كان يخدمه فيكسبه قوة بعد الضعف ~~ونشاطا بعد العجز , نفى ذلك بقوله عائدا إلى نفي النفع ممن عذرهم أولا على ~~أحسن وجه : { وضل عنهم ما كانوا } أي كونا جبلوا عليه فصاروا لا ينفكون عنه ~~{ يفترون } أي يتعمدون كذبه مما ادعوا كونهم آلهة , ولا شك أن من خسر نفسه ~~ومن خسرها من أجله بادعاء أنه شريك لخالقه ونحو ms2220 ذلك كان أخسر الناس , فلذلك ~~قال : { لا جرم } اي لا شك { أنهم } أي هؤلاء الذي بالغلوا في إنكار الآخرة ~~{ في الآخرة } ولما كان المقام جديرا بالمبالغة في وصفهم بالخسارة , أعاد ~~الضمير فقال : { هم } أي خاصة { الأخسرون } أي الأكثرون خسرانا من كل من ~~يمكن وصفه بالخسران ؛ والإعجاز : الامتناع من المراد بما لا يمكن معه ~~إيقاعه ؛ والمضاعفة : الزيادة على المقدار بمثله أو أكثر ؛ والاستطاعة : ~~قوة ينطاع بها الجوارح للفعل ؛ وأما ( لا جرم ) فقد اضطرب علماء العربية في ~~تفسيرها , قالالرضي في شرح الحاجبية والبرهان السفاقسي في إعرابه ~~PageV03P516 ما حاصله : والغالب بعد { لا جرم } الفتح , أي في { أن } , ف { ~~لا } إما رد الكلام السابق - على ما هو مذهب الخليل - أو زائدة كما في { لا ~~اقسم } لأن في جرم معنى القسم , وهي فعل ماض عند سيبويه والخليل مركبة مع ( ~~لا ) , وجعلها سيبويه فعلا بمعنى حق , ف ( أن ) ( فاعله , وقيل : ) جرم ( ~~بمعنى حق , وهو اسم لا و ) أنهم ( خبره ؛ وقال الكسائي معناها : لا صد ولا ~~منع ؛ وعن الزجاج أنها غير مركبة , ولا نفي لما قيل من أن لهم أصناما ~~تنفعهم , وجرم - فعل ماض بمعنى كسب وفاعله مضمر معبر به عن فعلهم , و { ~~أنهم } مفعولة ؛ وقال الفراهي : كلمة كانت في الأصل بمعنى لا بد ولا محالة ~~, لأنه يروي عن العرب ) لا جرم ( - يعني بضم ثم سكون , والفعل - يعني هكذا ~~, والفعل - يعني محركا , يشتركان في المصادر كالرشد والرعد والبخل ؛ والجرم ~~: القطع , أي لا قطع من هذا كا أنه لا بد بمعنى لا قطع , فكثرت وجرت على ~~ذلك حتى صارت بمعنى القسم , فلذلك يجاب بما يجاب به القسم , فيقال : لا جرم ~~لآتينك , ولا جرم أنك قائم , فمن فتح فللنظر إلى أصل { لا جرم } كما نقول : ~~لا بد أن نفعل كذا وأنك تفعل , اي من أن ومن أنك تفعل , ومن كسر فلمعنى ~~القسم العارض في { لا جرم } - انتهى . | فتفسيره لها بالقطع نظر منه إلىأن ~~مادة ( جرم ) بخصوصها دائرة على القطع , والأصنع تفسيرها بالظن نظرا إلى ما ~~تدور عليه المادة من ms2221 حيث هي - باي ترتيب كان - من جرم وجمر ورجم ورمج ومجر ~~ومرج , وإنما جعلتها كذلك لأنهم قالوا جرم النخل : خرصها , وأجمر النخل ~~أيضا : خرصها , ورجم - إذا ظن , والمجر : العقل , ويلزم الظن اتقاد الذهن ~~ومنه حمرة النار , والجرم - للأرض الشديدة الجر , ويلزم الظن أيضا اجتماع ~~الفكر , ومنه الجمرة للقلبية وكل ما شاكلها في الجمع , ومنه الجرم بالكسر ~~وهو الجسد فإنه بالنظر إلى جميعه , والصوت أو جهارته فإنه يجمع فيه الحلق ~~لقطعه , ويلزم الاجتماع ايضا العظمة , ومنه أجرم - إذا عظم , والجمير كأمير ~~: مجتمع القوم , ومن الجمع الرياء والعقل , فينشأ منه الصفاء , ومنه { مارج ~~من نار } اي لا دخان فيه , ومنه أجرم لونه : صفا , ومن الاجتماع المجر - ~~بالتحريك , وهو أن يملأ بطنه من الماء ولم يرون والكسب , جرم لأهله - إذا ~~كسب , ومنه الذنب فإنه كسب خاص , ويمكن أن يكون من القطع لأنه يقطع صاحبه ~~عن الخير , ويلزم الاجتماع أيضا الاستتار ومنه أجمرت الليلة - استتر فيها ~~الهلال , والمجر لما في بطون الحوامل من الإبل والغنم , أو يجعل هذا مما ~~يلزم نفس الظن من الخفاء , ومن الاجتماع الصلابة والتمام , ومنه حول مجرم ~~كمعظم : تام , فينشأ الافتراق , ومنه تجرم الليل : ذهب , وابنا جمير كأمير ~~: الليل PageV03P517 والنهار , أو يكون ذلك من لوازم القطع كما يأتي ؛ ومن ~~الاجتماع الرجم الذي هو الخليل والنديم , ويلزم الظن الفصل بين الأشياء , ~~ومنه جرام النخل لصرامها ؛ والجمرة : الحصاة , فيلزم مكلق الرمي فينشأ ~~الرمي بالجمار , وهي الحجارة فينشأ القتل للمرجوم , وهو يرجع أيضا إلى نفس ~~القطع , فإنه قطع النفس عما كانت عليهن ويلزم الفصل القذف والعيب ؛ والماج ~~كسحاب : كعوب الرمح لانفصال بعضها عن بعض , والرمج بالفتح وهو إلقاء الطير ~~ذرقه , ويلزم الظن المبالغة في النظر فتأتي المبالغة في الكلام والعزيمة , ~~ومنه المرجام للماد عنقه في السير من الإبل , وأجمر : أسرع في السير , وقد ~~يلزم الظن الحيرة , ومنه حديث مرجم كمعظم : لا يوقف على حقيقته , فيلزم ~~حينئذ الذنب والفساد والقلق والاضطراب تدور مادة ( مرج ) بخصوص هذا الترتيب ~~, أو الترميج : إفساد سطور بعد كتبتها , ويلزم ms2222 الظن الاختلاطن ومنه الجرم ~~للون لأنه لا يخلو عن شوب , وأجرم الدم به : لصق , والإجرام : متاع الراعي ~~, أو هي من الكسب , والجرام كرمان : السمك ؛ والمرج : موضع الرعي , وقد علم ~~من هذا أن جميع تصاريف المادة تدور على الاضطراب وهو بين في غير العقل , ~~وأما فيه فإنه يقدر العقل يكون اضطراب الرأي لأن العاقل كلما أنعم النظر ~~انفتح له ما كان مغلقا فيعدل إليه , فإذا ظهر هذا ظهر أن معنى ( لا جرم ) ~~أنهم لا ظن ولا اضطراب في أنهم , ويكون نفي الظن في مثل هذا السياق نفيا ~~لجميع ما يقابله إلا العلم الذي هو بمعنى لمجموع الكلمتين لأنه إذا نفي في ~~مثل هذا السياق الظن ثبت اليقين والقطع , وإليه يرجع تفسير سيبويه لا حق ~~لأنه يريد - والله أعلم - أن لا صلة , وموضوعها في الأصل النفي , فهي نافية ~~لضد ما دخلت عليه , فكأنه قيل : حق وثبت أنهم كذا وانتفى كل ما يضاده , ~~فهذا وجه كونها صلة مؤكدة , وقريب من ذلك ما قيل في ( إنما ) نحو إنما زيد ~~قائم , أي أن زيدا قائم , ما هو إلا كذلك , فقد بان أن النافي مثل ذلك مؤكد ~~- والله الموفق . | < < # | هود : ( 23 - 27 ) إن الذين آمنوا . . . . . # > > ^ ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون * مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل ~~يستويان مثلا أفلا تذكرون * ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين * ~~أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم * فقال الملأ الذين ~~كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا ~~بادي الرأي وما نرى لكم علينا PageV03P518 من فضل بل نظنكم كاذبين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما توعد الكافرين وأخبر عن مآلهم بسببه , كان موضع ان يسال عن حال ~~المؤمنين فقال : { إن الذين آمنوا } أي أوجدوا هذه الحقيقة { وعملوا ~~الصالحات } ولما كان الحاصل ما مضى من وصف الكافرين بعد مطلق الأعمال ~~السيئة الإعراض عن ربهم والنفرة عن المحسن غليهم جلافة وغلظة ms2223 , وصف ~~المؤمنين بالإقبال عليه والطمأنينة إليه فقال : { وأخبتوا } أس خشعوا ~~متوجهين منقطعين { إلى ربهم } أي المحسن إليهم فشكروه فوفقهم لاستطاعة ~~السمع والبصر . | ولما ذكر وصفهم ذكر جزاءهم عليه بقوله : { أولئك } اي ~~العالو الرتبة { أصحاب الجنة } ولما كانوا مختصين بها أول أو بالخلود من ~~أول الأمر , أعاد الضمير فقال : { هم فيها } اي خاصة لا في غيرها { خالدون ~~} . | ولما استوفى أوصاف الحزبين وجزائهم , ضرب ببكل مثلا بقوله : { مثل ~~الفريقين } اي الكافرين والمؤمنين , وهو من باب اللف والنشر المرتب , فإن ~~الكافر ذكر فيما قبل أولا { كالأعمى } أي العام العمى في بصره وبصيرته { ~~والأصم } في سمعه كذلك , فهذا للكافرين { والبصير } بعينه وقلبه { والسميع ~~} على أتم أحوالهما , وهذا للمؤمنين , وفي أفراد المثل طباق أيضا { هل ~~يستويان } أي الفريقان { مثلا } أي من جهة المثل . | ولما كان الجواب ~~قطعالمن له أدنى تأمل : لا يستويان مثلا فلا يستويان ممثولا , حسن تسبب ~~الإنكار عنه في قوه : { أفلا تتذكرون } اي يحصل لكم أدنى تذكر بما اشار ~~إليه الإدغام فتعلموا صدق ما وصفوا به بما ترونه من أحوالهم , وذلك ما قدم ~~في حق الكفار من قوله : { ما كانوا يستطيعون السمع } الآية ؛ والإخبات : ~~الخشوع المستمر على استواء فيه , وأصله الاستواء من الخبت , وهو الأرص ~~المستوية الواسعة , ولعله وصله بإلى في موضع اللام إشارة إلى الإخلاص أي ~~إخباتا ينتهي غلى ربهم من غير أن يحجب عنه ؛ والمثل قول سائر يشبه فيه حال ~~الثاني بحال الأول , والأمثال لا تغير عن صورتها . | ولما تم ذلك على أوضح ~~المسالك , وختم بالحث على التذكر , وكان تقديم ذكر كتاب موسى محركا لتوقع ~~ذكر نبئه ونبأ غيره من الرسل , عطف - مقرونا بحرف التوقع على العامل الذي ~~قدرته في قوله : { ألا تعبدوا إلا الله } أو على قوله : { إنما أنت نذير } ~~وهو أحسن وأقرب - قوله : { ولقد أرسلنا } اي بما لنا من العظمة { نوحا إلى ~~قومه } أي الذين هم على لسانه ؛ وما بعد ذلك من القصص تقريرا لمضمون هذا ~~المثل وتثبيتا وتسلية وتأييدا وتعزية لهذا النبي الكريم لئلا يضيق صدره ~~بشيء مما ms2224 أمر بإبلاغه حرصا PageV03P519 على إيمان أحد وإن كان أقرب الخلائق ~~إليه وأعزهم عليه كما تقدمت الإشارة إليه في قوله تعالى : { فلا يكن في ~~صدرك حرج منه } وقوله : { وضائق به صدرك } ويأتي في قوله : { وكلا نقص عليك ~~من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } فوضح أن هذه القصص لهذا المعنى سيقت , ~~وأن سياقها في الأعراف وغيرها كان لغير ذلك كما تقدم وأن تضمن هذا الغرض ~~بيان إهلاك من كانوا أشد من العرب قوة وأكثر جمعا وأمكن أمرا واقوى عنادا ~~وأعظم فسادا وأحد شوكة وما اتفق في ديارهم من الطامات والأهوال المفظعات ~~تحذيرا من مثل حالهم بارتكاب افعالهم , ففرق بين ما يساق للشيء وما يلزم ~~منه الشيء , ولهذا الغرض المقصود هنا طولت قصة نوح في هذه السورة ما لم ~~يطوله في غيرها , وصدرت بقوله : { إني } اي قائلا على قراءة الجمهور بالكسر ~~, والتقدير عند ابن كثير وأبي عمرو والكسائي : ملتبسا بأني { لكم } أي خاصة ~~{ نذير مبين } اي مخوف بليغ التحذير , أبين ما أرسلي له غاية البيان , وذكر ~~فيها أنه طالت مجادلته لهم وأنه لما اوضح له أمر الله تعوذ من السؤال فيه ~~وفي كل ما يشبهه , وخللت قصته بقوله : { أم يقولون افتراه } خطابا لهذا ~~النبي الكريم وختمت بقوله : { فاصبر إن العاقبة للمتقين } وذكرت قصة ~~إبراهيم عليه السلام لما ضمنته من أنه بشر الولد بما لم يجر بمثله عادة فلم ~~يتردد فيه , وأنه جادل الرسل في قوم ابن أخيه لوط , وأنه لما تحقق حتم ~~الأمر وبت الحكم سلم لربه مع كونه حليما أواها منيبا إلى غير ذلك مما يؤمىء ~~إليه سياق القصص , فكأنه قيل : إنما أنت نذير أرسلناك لتبلغ ما أرسلت به من ~~الإنذار وإن شق عليهم وعزتنا لقد ارسلنا من قبلك رسلا منذرين فدعوا إلى ما ~~أمرت بالدعوة إليه وأنذروهم ما يششق عليهم من بأسنا امتثلا لأمرنا وما ~~تركوا شيئا منه خوفا من إعراض ولا رجاء في إقبال على أن أممهم قالوا لهم ما ~~قالت لك أمتك كما يشير إليه قوله تعالى عن ms2225 نوح : { ولا اقول لكم عندي خزائن ~~الله } - الآية , وقد كان في المخالفين من أممهم القريب منهم نسبه والعزيز ~~عليهم أمره من ابن وصاحبة وغيرهما , هذا مع أن قصصهم دليل على قوله تعالى : ~~{ ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم } وزجر لهم عن مثل قولهم : { ما يحبسه } ~~وتأييد لقوله : { ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة } - وغير ذلك مما تقدم , ~~فقد علم من هذا الوجه في تكرير هذه القصصن وأنه في كل سورة لمقصد يخالف ~~المقصد في غيرها وإن كان يستفاد من ذلك فوائد أخر : منها إظهار القدرة في ~~بيان الإعجاز بتصريف المعنى في الوجوه المختلفة لما في ذلك من علو الطبقة ~~في البلاغة لأنه ربما قال متعنت عند التحدي : قد استوفى اللفظ البليغ إلى ~~الأسلوب الأكمل البديع في هذه القصص فلم تبق لنا ألفاظ نعبر بها عن هذه ~~المعاني حتى نأتي بمثل هذه القصة ؛ فأتى بها ثانيا PageV03P520 إظهارا ~~لعجزه وقطعا لحجته , وربما كررت ثالثا ورابعا توكيدا لذلك وتمكينا للاعتبار ~~بضروب البيان وتصييرا للنبي صلى الله عليه وسلم على أذى قومه حالا فحالا , ~~فإن قيل : فما بالها تاتي تارة في غايةالبسط وتارة في غاية الإيجاز وتارة ~~على الوسط ؟ قيل : هذا من أعلى درجات البلاغة وأجل مراتب الفصاحة والبراعة ~~, فإن قبل : فإنا نرى القصة تبسط في بعض السور غاية البسط ثم توجز في غيرها ~~غاية الإيجاز ويؤتي فيها ما لم يؤت في المبسوطة كما في العنكبوت فإنه عين ~~فيها مقدار لبثه وأنه كان ألف سنة إلا خمسين عاما , فلم لا استوعبت جميع ~~جميع الماني في الموضوع المبسوط كما هو الأليق بمقام البسط لا سيما لمن لا ~~يخفى عليه شيء ولا ينسى , وإذا وقع حذف كان في الموجزة , قيل : قال شيخنا ~~حافظ العصر أبوا لفضل بن حجر : إن الإمام أبا حاتم بن حبان البستي ذكر في ~~كتابه التقاسيم والأنواع : إنما لم يرتبه ليحفظ إذ لورتبه ترتيبا سهلا ~~لاتكل من يكون عنده على سهولة الكشف منه فلا يتحفظه , وإذا وعر طريق الكشف ~~كان أدعى إلى حفظه ms2226 ليكون على ذكر من جميعه , وذكر أنه فعل ذلك اقتداء ~~بالكتاب العزيز فإنه ربما أتى بالقصص غير مرتبة , قال شيخنا : ومن هنا يظهر ~~أن من أسرار تخصيص بعض الموجزات بما ليس فيالمبسوط الحث على حفظ الجميع - ~~انتهى . | وهذه فوائد ينبغي إهمالها بل تستعمل حيث أمكن , والعمدة في ~~المناسبة الوجه الأول وهو أنها في كل سورة لمناسبة تخص تلك السورة , ثم ~~يراعي في البسط وغيره الماني المناسبة للمقصد الذس سيقت له القصة - والله ~~الموفق . | واللام في ( لقد ) للقسم : قال الإمام أبو الحسن على بن عيسى ~~الرماني : لأنها تدخل على الفعل والحرف الذي يختص بالفعل مما يصح معناه معه ~~. | ولام الابتاء للاسم خاصة , ومعنى ( قد ) توقع الخبر للتقريب من الحال , ~~يقال : قد ركب الأمير - لقوم يتوقعون ركوبه فعلى هذا القول جرى { ولقد ~~أرسلنا } والإبانة : إظهار المعنى للنفس بما يمكن إدراكه . | واصله القطع , ~~فالإبانة قطع المعنى من غيره ليظهر في نفسه - انتهى . | والمقصود من ~~الرسالة قوله سبحانه ( { أن } أي تنذير لأجل أن { لا تعبدوا } أي شيئا اصلا ~~{ إلا الله } أي الملك الأعظم - ومعنى النذارة قوله : { إني أخاف عليكم } ~~وعظم العذاب المحذر منه بقوله : { عذاب يوم أليم * } وإذا كان اليوم مؤلما ~~فما الظن بما فيه من العذاب ! فهو إسناد مجازي مثل نهاره صائم , ولم يذكر ~~بشارة كما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : < # > 77 ( { إنني لكم منه نذير وبشير } ) 77 < # > [ هود : 2 ] إرشادا إلى ما سيقت له القصة من تقرير معنى < # > 77 ( { إنما أنت نذير } ) 77 < # > [ هود : 12 ] ولذلك صرح باللام بخلاف الأعراف , وكذا ما أمر به النبي ~~صلى الله عليه وسلم أول هذه من عذاب يوم كبير , وهما متقاربان ؛ ثم ساق ~~سبحانه جواب قومه على وجه هو في غاية التسلية والمناسبة للسياق PageV03P521 ~~بقوله : { فقال } أي فتسبب عن هذا لنصح العظيم أن قال ؛ ولما كان هذا بعد ~~أن تبعه بعضهم قال : { الملأ } وبين الجدال مع الضلال بعد أن بين أنهم هم ~~الأشراف زيادة في التسلية بقوله : { الذين كفروا } وبين أنهم اقارب ms2227 أعزة ~~بقوله : { من قومه } اي الذين هم في غاية القوة لما يريدون محاولة القيام ~~به { ما نراك } أي شيئا من الأشياء { إلا بشرا } اي آدميا { مثلنا } اي في ~~مطلق البشرية , لست بملك تصلح لما لا تصلح له من الرسالة , وهذا قول ~~البراهمة , وهو منع نبوة البشر على الإطلاق , وهو قول من يحسد على فضل الله ~~ويعمى عن جلي حكمته فيمنع أن يكون النبي بشرا ويجعل الإله حجرا . | ولما ~~كانت العظمة عندهم منحصرة في عظمة الأتباع قالزا : { وما نراك } ولما انفوا ~~الرؤية عنه فتشوف السامع إلى ما يقع عليه من المعاني , بينوا أن مرادهم ~~رؤية من اتبعه فقالوا : { اتبعك } أي تكلف اتباعك { إلا الذين هم } أي خاصة ~~{ اراذلنا } أي كالحائك ونحوه , وليس منا رذل غيرهم , وهو جمع أرذل كأكلب ~~جمع رذل ككلب , والرذل : الخسيسي الدنيء , وهذا ينتج أنه لم يتبعك أحد له ~~قدر ؛ قالوا : و { اتبعك } عامل في قوله : { بادى الرأي } وهو ظرف اي ~~اتبعوك بديهة نم غير تأمل , فاتباعهم لا يدل على سداد لما اتبعوه من وجهين ~~: رذالتهم في أنفسهمك , وأنهم لم يفكروا فيه , لكن يضعفه إيراد الاتباع ~~بصيغة الافتعال التي تدل على علاج ومجاذبة , فالأحسن إسناده - كما قالواه ~~أيضا - إلى أراذل . | أي أنهم بحيث لا يتوقف ناظرهم عند أول وقوع بصره ~~عليهم أنهم سفلة أسقاط , ويجوز أن يكون المراد ( بادى رايك ) أي أنك تظن ~~أنهم اتبعوك , ولم يتبعوك . | ولما كانوا لا يعظون إلا بالتوسع في الدنيا , ~~قالوا : { وما نرى لكم } اي لك لومن تبعك { علينا } وأغرقوا في النفي ~~بقولهم : { من فضل } أي شرف ولا مال , وهذا - مع مامضى من قولهم - قول من ~~يعرف الحق بالرجال ولا يعرف الرجال بالحق , وذلك أنه يستدل على كون الشيء ~~حقا بعظمته في الدنيا , وعلى كونه باطلا بحقارته فيها , ومجموع قولهم يدل ~~على أنهم يريدون : لو صح كون النبوة في البشر لكانت في واحد ممن أقروا له ~~بالعلو في الأرض , وعمل { اتبعك } في { بادي } يمنعه تمادي الاتباع على ~~الإيمان , فانتفى الطعن بعدم التأمل { بل ms2228 نظنكم كاذبين * } أي لكم هذا ~~الوصف لازما دائما لأنكم لم تتصفوا بما جعلناه مظنة الاتباع مما يوجب ~~العظمة في القلوب والانقياد للنفوس بالتقدم في الدنيا بالمال والجاه ؛ فكان ~~داؤهم بطر الحق وغمط الناس , وهو احتقارهم , وهذا قد سرى إلى أكثر أهل ~~الإسلام , فصاروا لا PageV03P522 يعظمون إلا بذلك , وهو أجهل الجهل لأن ~~الرسل أتت للتزهيد في الدنياوانظر إلى رضاهم لأنفسهم بالعدول عن البينة إلى ~~اتباع الظن ما أردأه ! وهذا افظع مما حكى هنا من قوله قريش { لولا أنزل ~~عليه كنز أو جاء معه ملك } وأبشع ؛ والبشر : الإنسان لظهور بشرته أي ظاهر ~~جلده لأن الغالب على غيره في الحس بمعنى أنه لو ظهر للمشاهدة لسد مسده ؛ ~~والرذل : الحقير بما عليه من صفات النقص وجمعه ؛ والفضل : الزيادة من الخير ~~, والإفصال : مضاعفة الخير التي توجب الشكر . | < < # | هود : ( 28 - 30 ) قال يا قوم . . . . . # > > ^ ( قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده ~~فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون * ويقوم لا أسألكم عليه مالا إن ~~أجري إلا على الله ومآ أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم ~~قوما تجهلون * ويقوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون ) ^ } ) | ~~ولما كان ختام جوابهم أشده , بدأ في جوابه برده مبينا لضلالتهم مغضبا عن ~~شناعاتهم شفقة عليهم ومحبة لمجاتهم , فقال تعالى حكاية عنه : { قال يا قوم ~~} وشرع يكرر هذه اللفظة كل قليل تذكيرا لهم أنه منهم لتعطفهم الأرحام ~~وتردهم القرابات عن حسد أو اتهامه إلى قبول ما يلقي إليهم من الكلام , ~~وأشار بأداة البعد - مع قربهم - إلى مباعدتهم فيما يقتضي غاية القرب { ~~أرأيتم } أي أخبروني { إن كنت } على سبيل الفرض منكم والتقدير { على بينة } ~~أي برهان ساطع , وزاد ترغيبا فيه بقوله : { من ربي } أي الذي أوجدني وأحسن ~~إلي بالرسالة وغيرها يشهد بصحة دعواي شهادة لا يتطرق إليها عند المنصفق ~~شبهة فكيف بالظن ! { وآتاني } فضلا منه غلي لا لمعنى في أزيد عليكم به , بل ~~{ رحمة } أي إكراما بالرسالة بعد النبوة , وعظمها بقوله : { من عنده ms2229 } فيها ~~فضل عظيم النور واضح الظهور . | ولما كانت البينة من الرحمة , وحد الضمير ~~فقال : { فعميت } أي فتسبب عن تخصيصي بها أن أظلمت , ووقع ظلامها { عليكم } ~~اي فعميتم أنتم عنها لضعف عقولكم ولم يقع عليكم شيء من نورها , وذلك أن ~~الدليل إذا كان أعمى عاد ضرره على التابع بالحيرة والضلال , وهو معنى قراءة ~~حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالبناء للمفعول مشددة { أنلزمكموها } وقوله : ~~{ وأنتم لما كارهون } مع تسمية لها بينة - إشاره إلى أنها لم تعم ولا خفيت ~~عليهم لقوة نورها وشدة ظهورها , وإنما هم معاندون في نفيهم لفضله وفضل من ~~تبعه , والتعبير عن ذلك بالجملة الاسمية واسم الفاعل إشارة إلى PageV03P523 ~~أن أفعالهم أفعال من كراهته لها ثابتة مستحكمة , وكأنه لم يكن مأمورا ~~بالقتال كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم في أول الأمر , والآية ناظرة إلى ~~قوله تعالى : < # > 77 ( { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } ) 77 < # > [ يونس : 99 ] ويجوز أن يكون ذلك كناية عن أنهم معاندون مع قطع النظر ~~عن الجهاد وغيره فإن الأنبياء عليهم السلام مأمرون بالمجادلة للمعاندين غلى ~~أن يلزموهم الحجة , وهي لا تفيد إلا الإلزام في ا لظاهر مع الإنكار ~~والكراهة في الباطن , والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة للكاملين , وبالموعظة ~~والخطابة للمنافقين الذي لا يعاندون ويحسنون الظن في الداعي , فيكون المعنى ~~أن البينة لم تنفعكم لشكاسة وإعوجاج في طباعكم , فلم يبق غلا الموعظة وهي ~~لا تفيد إلا مع حسن الظن , وأما مع الكراهة فلا ينفعكم النصح , فلا فائدة ~~في المجادلة إلا الإلزام , وهو مع الكراهة غير نافع لكم . | ولما كان نفي ~~ذلك عاما للفضل الدنيوي , وكان الاتصاف بقلة ما في اليد إنما يكون ضارا إذا ~~كان صاحبه يسأل غيره , نفى عنه هذا اللازم العائب فقال مجيبا عن نفيهم ~~الفضل عنه وعن أتباعه بأنه قد يرد منهم على ذلك ثوابا دنيويا : { وياقوم } ~~استعطافا لهم { لا أسئلكم } أي في وقت من الأوقات { عليه } أي الإنذار كما ~~يأخذ منكم من ينذركم أمر من يريد منكم نم ينذركم أمر من يريد بكم ms2230 بعض ما ~~تكرهون في أمور دنياكم حتى تكون عاقبة ذلك أن تتهموني { مالا إن } أي ما { ~~أجري إلا على الله } أي الذي له الجلال والإكرام فبيده الخزائن كلها , ونبه ~~بهذا على أنه لا غرض له من عرض دنيوي ينفر المدعو عنه فوجب تصديقه , وفيه ~~تلقين للجواب عن قول قريش : لولا ألقي إليه كنز - كما سيأتي بابين من ذلك ~~عقب قصة يوسف عليه السلام في قوله : { وما تسئلهم عليه من أجر } لأن هذه ~~القصص كالشيء الواحد متتابعة في بيان حقية هذا القرآن والتأسية في الاقتداء ~~بالرسل في الصبر على أداء جميع الرسالة مع ما يلزم من جليل العبر وبديع ~~الحكم , فلما اتحد الغرض منها مع تواليها اتحدت متفرقاتها . | ولما كان ~~التعبير برذالة المتبع مما ينفر أهل الدنيا عن ذلك التابع , بين لهم أن ~~شأنه غير شانهم وأنه رقيق على من آمن به رفيق به رحيم له وإن كان متأخرا في ~~الدنيا محروما منها خوفا من الله الذي اتبعوه فيه فقال : { وما أنا } وأغرق ~~في النفي بقوله : { بطارد الذين آمنوا } اي أقروا بالسنتهم بالإيمان ؛ ثم ~~علل ذلك بقوله مؤكدا لإنكارهم { إنهم ملاقوا ربهم } أي المحسن إليهم بعد ~~إيجادهم وترتيبهم لهدايتهم , فلو طردتهم لشكوني إليه فلا ارى لكم لكم وجها ~~في الإشارة إلى طردهم ولا في شيء مما أجبتموني به { ولكني أراكم } اي ~~أعلمكم علما هو كالرؤية { قوما تجهلون * } اي تفعلون افعال أهل الجهل ~~فتكذبون الصادق وتعيرون المؤمنين بما لا يعنيهم وتنسون لقاء الله وتوقعون ~~PageV03P524 الأشياء في غير مواقعها , وفي تعبيره ب { تجهلون } دون { ~~جاهلين } إشارة إلى أن الجهل متجدد لهم وهو غير عادتهم استعطافا لهم إلى ~~الحلم , ثم عطف إلى صريح الاستعطاف في سياق محذر من سطوات الله فقال : { ~~ويا قوم } أي الذين هم أعز الناس علي { من ينصرني من الله } أي الذي له ~~جميع العظمة { إن طردتهم } ولو لم يشكوني إليه لاطلاعه على ما دق وجل : ~~ولما تم الجواب عن ازدرائهم , سبب عنه الإنكار لعدم تذكرهم ما قاله لهم بما ~~يجدونه ms2231 في أنفسهم فقال : { أفلا تذكرون * } أي ولو أدنى تذكر - بما يشير ~~إليه الإدغام - فتعلموا أن من طرد صديقا لكم عاديتموه وقصدتموه بالأذى , ~~فترجعوا عما طرأ لكم من جهل إلى عادتكم من الحلم الباعث على التأمل الموقف ~~على الحق ؛ والطرد : إبعاد الشيء على جهة الهوان ؛ والقوم : الجماعة الذين ~~يقومون بالأمر , اسم جمع لا واحد له من لفظه ؛ والتذكير : طلب معنى قد كان ~~حاضرا للنفس , والتفكر طلبه وإن لم يكن حاضرا . | < < # | هود : ( 31 - 34 ) ولا أقول لكم . . . . . # > > ^ ( ولا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ~~ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم ~~إني إذا لمن الظالمين * قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما ~~تعدنآ إن كنت من الصادقين * قال إنما يأتيكم به الله إن شآء ومآ أنتم ~~بمعجزين * ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم ~~هو ربكم وإليه ترجعون ) ^ } ) | ولما كن نفيهم للفضل شاملا للأموال وعلم ~~الغيب , أقرهم على ذلك منبها على خطئهم فيه بأنه لم يقل بينهم قط ما يكون ~~سببا له , فقال عاطفا على قوله { لا أسئلكم عليه أجرا } ؛ { ولا أقول لكم } ~~أي في وقت من الأوقات { عندي خزائن الله } اي الملك الأعظم فأتفضل عليكم ~~بها ؛ ولماكان من الجائز ان يمكن الله من يشاء من خزائن الأرزاق ونحوها ~~فيسوغ له أن يطلق ملك ذلك مجازا , ولا يجوز أن يمكنه من علم الغيب , وهو ما ~~غاب عن الخلق كلهم , لأنه خاصته سبحانه , قال عاطفا على { أقول } لا على ~~المقول : { ولا اقول إني ملك } فتكون قوتي افضل من قوتكم أو خلقي أعظم قدرا ~~من خلقكم ونحو ذلك من الفضل الصوري الذي جعلتموه هو الفضل , فلا تكون الآية ~~دليلا على افضلية الملائكة , وتقدم في الأنعام سر إسقاطه { لكم } . | ولما ~~كان تعريضهم بنفي الملكية عنه من باب الإزراء , أتبعه تأكيد قبوله لمن آمن ~~PageV03P525 كائنا من كان وإن ازدروه بقوله : { ولا أقول للذين } أي لأجل ms2232 ~~الذين { تزدري } أي تحتقر { أعينكم } أي تقصرون به عن الفضل عند نظركم له ~~وتعيبونه { لن يؤتيهم الله } أي الذي له الكمال كله { خيرا } ولماكان كأنه ~~قيل : ما لك لا نقول ذلك ؟ أجاب بما تقديره : لأني أعلم ضمائرهم ولا أحكم ~~إلا على الظاهر : { الله } أي المحيط بكل شيء { أعلم } اي حتى منهم { بما ~~في أنفسهم } ومن المعلوم أنه لا يظلم أحدا , فمن كان في نفسه خير جازاه ~~عليه , ويجوز أن يكون هذا راجعا إلى { بادي الرأي } بالنسبة إليه صلى الله ~~عليه وسلم كما تقدم ؛ ثم علل كفه عن ذلك بقوله مؤكدا لإنكارهم ظلمه على ذلك ~~التقدير : { إني إذا } أي إذا قلت لهم ذلك { لمن الظالمين } اي العريقين في ~~وضع الشيء في غير موضعه ؛ والخزائنك أخبية لالمتاع الفاخرة , وخزائن الله ~~مقدوراته لأنه يوجد منها ما يشاء , وفي وصفها بذلك بلاغة ؛ والغيب : ذهاب ~~الشيء عن الإدراك , ومنه الشاهد خلاف الغائب , وإذا قيل : علم غيب , كان ~~معناه : علم من غير تعليم ؛ والازدراء : الاحتقار , وهو افتعال من الزراية ~~, زريت عليه - إذا عبته , وأزريت عليه - إذا قصرت به ؛ والملك أصله مألك من ~~الألوكة وهي الرسالة . | فلما استوفى نقض ما أبرموه في زعمهم من جوابهم على ~~غاية الإنصاف واللين والاستعطاف , استأنف الحكاية عنهم بقوله : { قالوا } ~~اي قوله من لم يجد في رده شبهة يبديها ولا مدفعا يغير به : { يا نوح قد ~~جادلتنا } أي اردت فتلنا وصرفنا عن آرائنا بالحجاج وأردنا صرفك عن رأيك ~~بمثل ذلك { فأكثرت } اي فتسبب عن ذلك وعن تضجرنا أنك أكثرت { جدالنا } أي ~~كلامنا على صورة الجدال { فأتنا } أي فتسبب عن ذلك وعن تضجرنا أن نقول لك : ~~لم يصح عندنا دعواك , ائتنا { بما تعدنا } من العذاب { إن كنت } اي ككونا ~~هو جبلة لك { من الصادقين * } أي العريقين في الصدق في أنه يأتينا فصرحوا ~~بالعناد لامبعد من الإنصاف والاتصاف بالسداد وسموه باسمه ولم يسمحوا بأن ~~يقولوا له : يا ابن عمنا , مرة واحدة كما كرر لهم : يا قوم , فكان المعنى ~~أنا غير قابلين لشيء مما تقول ms2233 وإن أكثرت وأطلت - بغير حجة منهم بل عنادا ~~وكبرا فلا تتعب , بل قصر الأمر مما تتوعدنا به , وسموه وعدا سخرية به , اي ~~أن هذا الذي جعلته وعيدا هو عندنا وعد حسن سار باعتبار أنا نحب حلوله , ~~المعنى أنك لست قادرا عل ذلك ولا أنت صادق فيه , فإن كان حقا فانبئنا به , ~~فكأنه قيل : ماذا قال لهم ؟ فقيل : { قال } جريا على سنن قوله { ولا اقول ~~لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب } : { إنما يأتيكم به الله } أي الذي ~~له الإحاطة بكل شيء فتبرأ من الحول والقوة ورد ذلك إلى من هو له , وأشار ~~بقوله : { أن شاء } إلى أنه مخير في إيقاعه وإن كان قد تقدم قوله به إرشادا ~~إلى PageV03P526 أنه سبحانه لا يجب عليه شيء ولا يقبح منه شيء , بل ولا ~~يسأل عما يفعل وإن كان لا يقع غلا ما أخبر به ؛ ثم بين لهم عجزهم وخطأهم في ~~تعرضهم للهلاك فقال : { وما أنتم بمعجزين 8 } أي في شيء من الأوقات لشيء ~~مما يريده بكم سبحانه ؛ والإكثار : الزيادة على مقدار الكفاية ؛ والمجادلة ~~: المقابلة بما يفتل الخصم عن مذهبه بحجة أو شبهة , وهو من الجدل وهو شدة ~~الفتل والمطلوب به الرجوع عن المذهب , والمطلوب بالحجاج ظهور الحجة , فهو ~~قد يكون مذموما كالمراء , وذلك حيث يكون للتشكيك في الحق بعد ظهوره , وحيث ~~قيد الجدال ب ^ ( { التي هي أحسن } ) ^ [ العنكبوت : 46 ] فالمراد به إظهار ~~الحق . | ولما بين أنهم إنما هم في قبضته سبحانه , زاد في بيان عظمته وأن ~~إرادته تضمحل معها كل إرادة في سياق دال على أنه بذلك ناصح لهم وأن نصحه ~~خاص بهم , فقال جوابا لما وهموا من أن جداله لهم كلام بلا طائل : { ولا ~~ينفعكم نصحي } وذكر إرادته لكا يريد أن يذكره من إرادة الله فقال : { إن ~~أردت } اي جمعت إلى فعل النصح إرادة { أن أنصح لكم } بإعلام موضع الغي ~~ليتقى والرشد ليتبع , وجزاءه محذوف تقديره : لا ينفعكم نصحي { إن كان الله ~~} أي الذي له المر كله { يريد أن يغويكم } أي يضلكم ms2234 ويركبكم غير الصواب ~~فإنه إرادته سبحانه تغلب إرادتي وفعلي معا لا ينفعكم شيء إشارة إلى أنكم لا ~~تقدرون على دفع العذاب بقوة فتكونوا غالبين , ولا بطاعة فتكونوا محبوبين ~~مقربين إن كان الله يريد إهلاككم بالإغواء , وأن أردت أنا نجاتكم , ولم يقل ~~: ولا ينفعكم نصحي إن نصحت لكم , إشارة إلى أني لا أملك إلا إرادتي لنصحكم ~~, فإذا أردته فغاية ما يترتب عليه من فعلي وقوع النصح وإخلاصه لكم , وأما ~~النفع به فلا شيء منه إلي , بل هوتابع لمراد الله , فإن أراد غوايتكم حصلت ~~لا محالة , ولم يقع ما قد يترتب على النصح من عمل المنصوح بمقتضاه المستجلب ~~لنفع المستدفع للضر ؛ ثم رغبهم في إحسانه ورهبهم من انتقامه معللا لعدم ما ~~لا يريده : { هو ربكم } أي الموجد لكم المدبر لأموركم فهو يتصرف وحده لما ~~يريد . | ولما كان التقدير : فمنه مبدؤكم , عطف عليه قوله : { وإليه } أي ~~لا إلى غيره { ترجعون * } أي بايسر أمر وأهونه بالموت ثم البعث فيجازيكم ~~على أعمالكم كما هي عادة الملوك مع عمالهم . | < < # | هود : ( 35 - 40 ) أم يقولون افتراه . . . . . # > > ^ ( أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما ~~تجرمون * وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما ~~كانوا يفعلون * PageV03P527 واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في ~~الذين ظلموا إنهم مغرقون * ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا ~~منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون * فسوف تعلمون من يأتيه ~~عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم * حتى إذا جآء أمرنا وفار التنور قلنا احمل ~~فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ومآ آمن معه ~~إلا قليل ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان مضمون هذه الآية نحو مضمون قوله : { إنما أنت نذير والله ~~على كل شيء وكيل } فإن النذير من ينصح المنذر , والوكيل هو المرجوع غليه في ~~أمر الشيء الموكول إليه , وما قبلها تعريض بنسبة نوح عليه السلام غلى ~~الافتراء , تلاه بما تلا به ذاك ms2235 من النسببة إلى الافتراء وإشارة إلى أن هذه ~~القصص كلها للتسلية في أمر النذارة والتأسية فكأنه قيل : ايقولون لك مثل ~~هذه الأقوال فقد قالوها لنوح كما ترى , ثم والى عليهم من الإنذار ما لم ~~يطعموا معه في ترك شيء مما أمرناه به اعجبهم أو أغضبهم , فلك به أسوة وحسبك ~~به قدوة في أن تعد كلامهم عدما وتقبل على ما ارسلناك به من بذل النصيحة ~~بالنذارة : { أم يقولون } في ا لقرآن { افتراه } إصرارا على ما تقولوه ~~فدمغه الدليل وأدحضته الحجة فكأنه قيل : نعم , إنهم يقولون ذلك , فقيل : لا ~~عليك فإنه قول يقصدون به مجرد العناد وهم يعلمون خلافه بعد ما قام عليهم من ~~الحجج التي وصلوا معها إلى عين اليقين فلا يهمنك قولهم هذا , فإنهم يجعلونه ~~وسيلة إلى تركك بعض ما يوحى إليك فلا تفعل , بل { قل } في جواب قولهم هذا { ~~إن افتريته } أي قطعت كذبه { فعلي } أي خاصا بي { إجرامي } أي وباله وعقابه ~~دونكم وإذا استعلى علي الإجرام عرف ذلك لأرباب العقول وظهر ظهورا أفتضح به ~~وأنتم أعرف الناس بأني ابعد من ذلك مما بين اجتماع الضدين وارتفاع النقيضين ~~لما تعلمون مني من طهارة الشيم وعلو الهمم وطيب الذكر وشريف القدر وكريم ~~الأمر , هذا لو كنت قادرا على ذلك فكيف وأنا وأنتم في العجز عنه سواء { ~~وأنا بريء } أي غاية البراءة { مما تجرمون * } اي توجدون إجرامه , ليسعلي ~~من إجرامكم عائد ضرر بعد أن أوضحته لكم وكشقت عنكم غطاء الشبه , إنما ضرره ~~عليكم فاعملوا على تذكر هذا المعنى فإن سوق جوابهم على هذا الوجه أنكى لهم ~~من إقامة حجة أخرى لأنهم يعلمون منه أنه إلزام لهم بالفضيحة لانقطاعهم لدى ~~من له وعي , ويمكن أن يكون التقدير : هل انتبه قومك يا محمد فعلموا قبح مثل ~~هذه الحال وأنها حال المعاندين , فرجعوا تكرما وتماديا في البعاد كما تمادى ~~قوم نوح فيحل بهم ما حل بهم , أي هل رجعوا بهذا المقدار من قصة قوم نوح أم ~~هم PageV03P528 مستمرون على ما نسبوك إليه في أولئل ms2236 السورة من افترائه ~~فيحتاجون إلى تطميل القصة بما وقع من عذابهم ليخافوا مثل مصابهم ؛ وافتراء ~~الكذب : افتعاله من قبل النفس فهو أخص من مطلق الكذب لأنه قد يكون تقليدا ~~للغير . | ولما فرغ نم هذه الجملة التي هي من هذه الجملة التي هي المقصود ~~بهذا السياق كله وإن كانت اعتراضية في هذه القصة , رجع غلى إكمالها بيانا ~~لأن نوحا عليه السلام كان يكاشف قومه بجميع ما أمر به وإن عظمت مشقته عليهم ~~بحيث لم يكن قط موضع رجاء لهم في أن يترك شيئا منه وتحذيرا لكل من سمع ~~قصتهم من أن يحل به ما حل بهم فقال : { وأوحي } أي من الذي لاموحي إلا هو ~~وهو ملك الملوك { إلى نوح } بعد تلك الخطوب { أنه لن يؤمن } بما جئت به { ~~من قومك إلا من } ولما كان الذي يجيب الإنسان إلى ما يسأله فيه يلوح عليه ~~مخايل قبل الإجابة يتوقع السائل بها الإجابة , قال : { قد آمن فلا } اي ~~فتسبب عن عملك بأنه قد تم شقاءهم أنا نقول لك : لا { تبتئس } أي يحصل لك ~~بؤس , أي شدة يعظم عليك خطبها بكثرة تأملك في عواقبها { بما كانوا } أي بما ~~جبلوا عليه { يفعلون * } فإنا نأخذ لك بحقك منهم قريبا , وكأنه كان أعلمه ~~أنهم إن لم يجيبوه أغرقهم وأنجاه ومن معه في فلك يحملهم فيه على متن الماء ~~فقال : { واصنع الفلك } حال كونك محفوظا { بأعيننا } نحفظط أن تزيغ في ~~عملها , وجمع مبالغة في الحفظ واللعاية على طريق التمثيل { ووحينا } فنحن ~~نلهمك أصلح ما يكون من عملها وأنت تعلم ما لنا من العظمة التي تغلب كل شيء ~~ولا يتعاظمها شيء , فلا تهتم بكونك لا تعرف صنعتها ؛ وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن الل أوحى إليه أن يصنعه مثل جؤجؤ الطائر - أي صدره . | وأشار إلى ~~شفقته على قومه وحبه لنجاتهم كما هو حال هذا النبي الكريم مع أمته فقال : { ~~ولا تخاطبني } اي بنوع مخاطبة وإن قلت { في الذين ظلموا } أي أوجدوا الظلم ~~واستمروا عليه في أن أنجيهم ؛ ثم علل ms2237 النهي بأن الحكم فيهم قد انبرم فقال : ~~{ إنهم مغرقون * } قد انبرم الأمر بذلك ؛ والابتئاس : حزن في استكانة , لأن ~~أصل البءس الفقر والمسكنة ؛ والوحي : إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء , وقد ~~يكون إفهاما من غير كلام بإشارة ونحوها , وقد يكون بكلام خفي ؛ والفلك : ~~السفينة , يؤنث ويذكر , واحده وجمعه سواء , وأصله الإدارة من الفلكة . | ~~ولماأمر تعالى ونهاه , أخبر أنه امتثل ذلك بقوله عاطفا على ما تقديره : ~~فايس من إيمان أحد منهم فترك دعاءهم وشرع يسلي نفسه : { ويصنع } أي صنعة ~~ماهر جدا , له ملكة عظيمة بذلك الصنع { الفلك } فحلى فعله حال علمه بأنه ~~سبحانه بت الأمر بأنه كان يعمل ما أمره به سبحانه ولم يخاطبه فيهم ولا أسف ~~عليهم , وأشار إلى أنهم ازدادوا PageV03P529 بغيا بقوله : { وكلما } أي ~~والحال أنه كلما { مر عليه ملأ } أي اشراف { من قومه } وأجاب ( كلما ) ~~بقوله : { سخروا منه } أي ولم يمنعهم شرفهم من ذلك , وذلك أنهم رأوا يعاني ~~ما لم يروا قبله مثله ليجري على الماء وهو في البر وهو على صفة من الهول ~~عظيمة فعن الحسن أن طوالها ألف ذراع ومائتا ذراع وعرضها ستمائة , فقالوا : ~~يانوح ! ما تصنع . | قال : أبني بيتا على الماء , ويجوز أن يكون { سخروا } ~~: صفة لملإ , وجواب { كلما } { قال } , ولما أيأسه الله من خيرهم , ترك ما ~~كان من لينه لهم واستعطافهم فعلم أن ذلك ما كان إلا له سبحانه , فقال حاكيا ~~عنه استئنافا : { قال إن تسخروا منا } ولما كانوا يظنون أنه غائب في عمله ~~كان عندهم موضعا لخزي والسخرية , وكان هو صلى الله عليه وسلم عالما بأن ~~عملهم سبب لخزيهم بالعذاب المستأصل , فكان المعنى : إن تسخروا منا - أي مني ~~وممن يساعدني - لظن أن عملنا غير مثمر { فإنا نسخر } ي نوجد السخرية { منكم ~~} جزاء لكم { كما تسخرون } منا الآن لأن عملنا منج وعملكم ليس مقتصرا على ~~الضياع بل هوموجب لما توعدون من العذاب فأنتم المخزيون دوني . | ولما كان ~~قوله { نسخر منكم } واقعا موقع الإخبار , حسن الإتيان بالفاء المؤذنة بتسبب ~~العلم المذكور عنه في قوله : { فسوف تعلمون ms2238 } أي بوعد لا خلف فيه { من ~~يأتيه عذاب يخزيه } أي يفضحه فيذله , وكأن المراد به عذاب الدنيا { ويحل ~~عليه } أي حلول الدين الذي لا محيد عنه { عذاب مقيم * } وهو عذاب الآخرة , ~~وقد مضى نحوه في الأنعام عند قوله { فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار } ~~؛ والسخرية : إظهار ما يخالف الإبطان على جهة تفهم استضعاف العقل , من ~~التسخير وهو التذليل استضعافا بالقهر , وهي تفارق اللعب بأن فيها خدعة ~~استنفاض , فلا تكون إلا بحيوان , واللعب قد يكون بجماد لأنه مطلق طلب الفرح ~~؛ والخزي : العيب الذي تظهر فضيحته والعار به , ونظيره الذل والهوان ؛ ~~واستمر ذلك دابه ودابهم { حتى إذا جاء أمرنا } أي وقت إرادتنا لإهلاكم { ~~وفار } أي غلا وطفح { التنور } وعن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن ومجاهد ~~أنه الحقيقي الذي يخبز فيه , وهذا هو الظاهر فلا يعدل عنه إلا بدليل , لأن ~~صرف اللفظ عن ظاهره بغير دليل عبث كما قاله أهل الأصول { قلنا } بعظمتنا { ~~احمل } ولما كان الله تعالى قد أمره أن يجعل لها غطاء - كما قاله أهل ~~التفسير - لئلا تمتلىء من شدة الأمطار , كانت الظرفية فيها بخلاف غيرها من ~~السفن واضحة فلذلك قال : { فيها } أي السفينة { من كل زوجين } من الحيوانات ~~, والزوج فرد يكون معه آخر لا يكمل نفعه إلا به { اثنين } ذكرا وأنثى { ~~وأهلك } أي احملهم , والأهل : العيال { إلا من سبق } غالبا { عليه القول } ~~بأني أغرقه وهو امرأته وابنه كنعان { ومن } أي واحمل فيها من { آمن } ~~PageV03P530 قال أبو حيان : وكانت السفينة ثلاث طبقات : السفلى للوحوش , ~~والوسطى للطعام والشراب , والعليا له ولمن آمن معه ؛ ثم سلى المخاطب بهذه ~~القصص صلى الله عليه وسلم وذكره نعمته بكثرة من اتبعه مع صدعهم بمؤلم ~~الإنذار على قصر الزمان دون نوح عليهم السلام مع تطاول الزمن فقال : { وما ~~} أي والحال أنه ما { آمن } كائنا { معه } أي بإنذاره { إلا قليل * } بسبب ~~تقديرنا لا باغضائهم بما كوفحوا به من الإنذار ؛ والتنور - قال أبو حيان : ~~وزنه فعول عند أبي علي وهو أعجمي , وقال ثعلب : وزنه تفعول من النور ms2239 , ~~وأصله تنوور , همزت الواو ثم خففت وشدد الحرف الذي قبلهان والزوج قد كثر ~~على الرجل الذي له امرأة ؛ قال الرماني : وقال الحسن في ^ ( { ومن كل شيء ~~خلقنا زوجين } ) ^ [ الذاريات : 49 ] : السماء زوج والأرض زوج , والشتاء ~~زوج , والصيف زوج , والليل زوج , والنهار زوج , حتى يصير الأمر إلى الله ~~الفرد الذي لا يشبهه شيء , ومعنى ذلك في صحيح البخاري وأقل ما قيل فيمن كان ~~في السفينة ثمانية : نوح وامرأة له , وثلالة بنين : سام وحام ويافث , ~~ونساؤهم ؛ وأكثر ما قيل أنهم ثمانون - روي عن ابن عباس رضي الله عنهما . | ~~< < # | هود : ( 41 - 44 ) وقال اركبوا فيها . . . . . # > > ^ ( وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم * ~~وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يبني اركب معنا ~~ولا تكن مع الكافرين * قال سآوي إلى جبل يعصمني من المآء قال لا عاصم اليوم ~~من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين * وقيل يأرض ~~ابلعي مآءك ويسمآء أقلعي وغيض المآء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل ~~بعدا للقوم الظالمين ) ^ } ) | ولما أتاه الأمر بذلك , بادر الامتثال فجمع ~~من أمره الله به إلى السفينة لعد أن هيأها لهم { وقال } اي لمن أمر بحمله { ~~اركبوا } ولما كنت الظرفية أغلب على السفينة قال : { فيها } أي السفينة ؛ ~~ولما أمرهم بالركوب فركبوا , استأنف قوله , أو أمرهم بالركوب قائلين : { ~~بسم الله } اي الذي له الإحاطة الكاملة { مجراها ومرساها } أي إجرائها ~~وإرساءها ومحلهما ووقتهمانوقرأ الحسن وقتادة وحميد العرج وإسماعيل بن مجالد ~~عن عاصم بكسر الراء والسين كسرا خالصا بعده ياءان خالصتان على أن الاسمين ~~صفتان للجلالة ؛ ثم علل نجاتهم بالإجراء والإرساء اعترافا بأنه لا نجاة إلا ~~بعفوه بقوله : { إن ربي } اي المحسن إلي بما دبر مني هذا الأمر وغيره , ~~وزاد في التأكيد تطبيقا لقلوب من معه معرفا لهم بأن أحداص لن يقدر الله حق ~~قدره وأن العبد لا يسعه إلا الغفران فقال : PageV03P531 { لغفور } أي بالغ ~~الستر للزلات والهفوات { رحيم * } أي بالغ الإكرام لم يريد , فركبوها ms2240 ~~واستمروا سائرين فيها يقولون : بسم الله { وهي } أي والحال أنها { تجري بهم ~~} . | ولما كان الماء مهيئا للإغراق , فكان السير على ظهره من الخوارق , ~~وأشار إلى ذلك بالظرف فقال : { في موج } ونبه على علوه بقوله : { كالجبال } ~~اي في عظمه وتراكمه وارتفاعه , فالجملة حال من فركبوها , المقدر لأنه ~~لظهوره في قوة الملفوظ , وكان هذه الحال مع أن استدامة الركوب ركوب إشارة ~~إلى شرعة امتلاء الأرض من الماء وصيرورته فيها أمثال الجبال عقب ركوبهم ~~السفينة من غير كبير تراخ , قالوا : وكان أول ما ركب معه الذرة , وآخر ما ~~ركب معه الحمار , وتعلق إبليس بذنبه فلم يستطيع الدخول حتى قال له نوح عليه ~~السلام : ادخل ولو كان الشيطان معك - كذا قالوا , وقيل : إنه منع الحية ~~والعقرب وقال : إنكما شبب الضر , فقالا : احملنا ولك أن لا نضر أحدا ذكرك , ~~فمن قال < # > 77 ( { سلام على نوح في العالمين * إنا كذلك نجزي المحسنين إنه من ~~عبادنا المؤمنين } ) 77 < # > [ الصافات : 79 - 80 ] لم تضراه . | ولما كان ابتداء الحال في تفجر ~~الأرض كلها عيونا وانهمار السماء انهمارا - مرشدا إلى أن الحال سيصير إلى ~~ما أخبر الله به من كون الموج كالجبال لا ينجي منه إلا السب الذي اقامه ~~سبحانه , تلا ذلك بأمر ابن نوح فقال عاطفا على قوله { وقال اركبوا } { ~~ونادى نوح ابنه } أي كنعان وهو لصلبه - نقله الرماني عن ابن عباس وسعيد بن ~~جبير والضحاك { وكان } أي الابن { في معزل } أي عن أبيه في مكانه وفي دينه ~~لأنه كان كافرا , وين أن ذلك المعزل كان على بعض البعد بقوله : { يا بني } ~~صغره تحننا وتعطفا { اركب } كائنا { معنا } أي في السفينة لتكون من الناجين ~~{ ولا تكن } أي بوجه من الوجوه { مع الكافرين * } أي في دين ولا مكان إشارة ~~إلى أن حرص الرسل عليهم السلام وشفقتهم - وإن كانت مع رؤية الآيات العظام ~~والأمور الهائلة - ليست سبا للين القلوب وخضوع النفوس ما لم يأذن الله , ~~انظر إلى استعطاف نوح عليه السلام بقوله { يابني } مذكرا له بالنبوة مع ~~تصغير التحنن والتراؤف وفظاظة ms2241 الابن مع عدم سماحه بأن يقول : يا أبت , ولم ~~يلن مع ما رأى من الآيات العظام ولا تناهى لشيء منها عن تقحم الجهل بدلا من ~~العلم وتعسف الشبهة بدلا من الحجة . | ولما كان الحال حال دهش واختلال . | ~~كان السامع جديرا بأن لا يصبر بل يبادر إلى السؤال فيقول : فما قال ؟ فقيل ~~: { قال } قول من ليس له عقل تبعا لمراد الله { سآوي إلى جبل يعصمني } أي ~~بعلوه { من الماء } أي فلا أغرق { قال } أي نوح عليه السلام { لا عاصم } أي ~~لا مانع نم جبل ولا غير موجود { اليوم } أي لأحد { من أمر الله } ~~PageV03P532 أي الملك الأعظم المحيط أمره وقدرته وعلمه , وهو حكمه بالغرق ~~على كل ذي روح لا يعيش في الماء { إلا من رحم } أي إلا مكان من رحمة الله ~~فإنه مانع من ذلك وهو السفينة , أو لكن من رحمه الله فإن الله يعصمه . | ~~ولما ركب نوح ومن أمره الله به وأراده . | ولم تبق حاجة في تدرج ارتفاع ~~الماء , فعلا وطما وغلب وعتا فهال الأمر وزاد على الحد والقدر , قال تعالى ~~عاطفا على ما تقديره : فلم يسمع ابنه ذلك منه بل عصى اباه كما عصى الله ~~فأوى إلى الجبل الذي أراده فعلا الماء عليه ولم يمكنه بعد ذلك اللحاق بأبيه ~~ولا الوصول إليه : { وحال بينهما } أي بين الابن والجبل أو بينه وبين أبيه ~~{ الموج } المذكور في قوله { في موج كالجبال } { فكان } أي الابن بأهون أمر ~~{ من المغرقين * } وهم كل من لم يركب مع نوح عليه السلام من جميع أهل الأرض ~~؛ قال أبو حيان : قل كانا يتراجعان الكلام فما استتمت لمراجعة حتى جاءت ~~موجة عظيمة وكان راكبا على فرس قد بطر وأعجب بنفسه فالتقمه وفرسه وحيل بينه ~~وزبين نوح عليه السلام فغرق - انتهى . | والركوب : العلو على ظهر الشيء , ~~ركب الدابة والسفينة والبر والبحر ؛ والجري : مر سريع ؛ يقال : هذه العلة ~~تجري في أحكامها , أي تمر من غير مانع , والموج جمع موجة - لقطعة عظيمة من ~~الماء الكثير ترتفع عن حملته , وأعظم ما يكون ذلك ms2242 إذا اشتدت الريح ؛ والجبل ~~: جسم عظيم الغلظ شاخص من الأرض هو لها كالوتد ؛ والعصمة : المنع من الأفة ~~{ وقيل } أي بأدنى إشارة بعد هلاك أهل الأرض وخلوها من الكافرين وتدمير من ~~في السهول والجبال من الخاسرين , وهو من إطلاق المسبب - وهو القول - على ~~السبب - وهو لإرادة - لتصوير أمر ومأمور هو في غاية الطاعة فإنه أوقع في ~~النفس . | ولما كان كل شيء دون مقام الجلال والكبرياء والعزة بأمر لا يعلمه ~~إلا الله , دل على ذلك بأداة البعد فقال { يا أرض ابلعي } اي اجذبي من غير ~~مضغ إلى مكان خفي بالتدريج , وعين المبلوع لئلا يعم فتبتلع كل شيء على ~~ظهرها من جبل وغيره , ولذلك أفرد ولم يجمع فقال : { ماءك } أي الذي تجدد ~~على ظهرك للإغراق ليكون كالغذاء للآكل الذي يقوي بدنه فيقوي به على الإنبات ~~وسائر المنافع وجعله ماءها لاتصاله بها اتصال الملك بالمالك { ويا سماء ~~أقلعي } اي أمسكي عن الإمطار , ففعلتا مبادرتين لأمر الملك الذي لا يخرج عن ~~مراده شيء { وغيض الماء } اي المعهود , حكم عليه بالدبوب في أعماق الأرض , ~~من المتعدي فإنه يقالك غاض الماء وغاضه الله , كما يقال : نقض الشيء ونقضته ~~أنا { وقضي الأمر } أي فرغ وانبت وانبرم في إهلاك نم هلك ونجاة من نجا كما ~~أراد الجليل على ما تقدم به وعده نوحا عليه السلام , لم يقدر PageV03P533 ~~أحد أن يحبسه عنهم ولا أن يصرفه ولا أن يؤخره دقيقة ولا اصغر منها . | ~~فليحمد الله من أخر عنه العذاب ولا يقل ما ( يحبسه ) لئلا يأتيه مثل ما أتى ~~هؤلاء أو من بعدهم { واستوت } ي استقرت واعتدلت السفينة { على الجودي } ~~إشارة باسه إلى أن الانتقام العام قد مضى , وما بقي إلا الجود بالماء ~~والخير والخصب والرحمة العامة , وهو الجبل بالموصل بعد خمسة أشهر ؛ قال ~~قتادة : استقلت بهم لعشر خلون من رجب وكانت في الماء خمسين وماءئة يوم , ~~واستقرت بهم على الجودي شهرا , وهبط بهم يوم عاشوراء { وقيل } أي إعلاما ~~بهوان المهلكين والراحة منهم { بعدا } هو من بعد - بالكسر مرادا به البعد ن ms2243 ~~حيث الهلاك , فإن حقيقته بعد بعيد لا يرجى منه عود , ثم استعير للهلاك وخص ~~بدعاء السوء , وعبر بالمصدر لتعليقه باللام الدالة على الاستحقاق والختصاص ~~{ للقوم } أي المعهودين في هذه القصة التي كان فيها من شدة القيام فيما ~~يحاولونه ما لا يعلمه أحد إلا الله { الظالمين * } أي العريقين في الظلم , ~~وهذه الآية تسع عشرة لفظة فيها أحدوعشرون نوعا من البديع - عدها أبو حيان ~~وقال : وروي أن أعرابيا سمعها فقال : هذا كلام القادرين . | وذكر الرماني ~~عدة من معانيها , منها إخراج الأمر على جهة التعظيم لفاعله من غير معاناة ~~ولا لغوب , ومنا حسن تقابل المعاني , ومنها حسن ائتلاف الألفاظ , ومنها حسن ~~البيان في تصوير الحال , ومنها الإيجاز من غير إخلالن ومنها تقبل الفهم على ~~أتم الكمال ؛ والبلع : إجراء الشيء في الحلق إلى الجوف ؛ والإقلاع : إذهاب ~~الشيء من أصله حتى لا يبقى له أثر ؛ والغيض : غيبة المار في ألأرض على جهة ~~النشف وإبراز الكلام على البناء للمفعول أدل على الكبرياء والعظمة للفاعل ~~للإشارة إلى أنه معلوم لأنه لا يقدر على مثل هذه الأفعال غيره , ونقل ~~الأصبهاني عن صاحب المفتاح فيها كلاما أغلى من الجوهر . | < < # | هود : ( 45 - 48 ) ونادى نوح ربه . . . . . # > > ^ ( ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم ~~الحاكمين * قال ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألني ما ليس ~~لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين * قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ~~ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين * قيل ينوح اهبط بسلام ~~منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم ) ^ ~~} ) | ولما كان الاستثناء من أهله في قوله : { إلا من سبق عليه القول } ~~يجوز أن يراد به امرأته فقط , فتكون نجاة ابنه جائزة , وكان ما عند ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من فرط الشفقة على الخلق لا سيما الأقارب ~~يحملهم على السعي في صلاحهم ما كان PageV03P534 لذلك وجه كما تقدم مثل ms2244 ذلك ~~في قوله تعالى < # > 77 ( { إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } ) 77 < # > [ التوبة : 80 ] لأن أجنحة الخلق كسيرة وأيديهم قصيرة وأمرهم ضعيف ~~وحالهم رث , فادنى هوان يورثهم الخسران , وأما جناب الحق ففسيح وشأنه عظيم ~~وأمره علي , فلا يلحقه نفص بوجه ولا يداينه ضرر ولا يعتري أمره وهن , لما ~~كان ذلك كذلك , سال نوح عليه السلام نجاة ولده كما أخبر عنه تعالى في قوله ~~: { ونادى نوح ربه } اي الذي عوده بالإحسان الجزيل , ودل سبحانه بالعطف ~~بالفاء دون أن يأتي بالاستئناف المفسر للنداء على أن ما ذكر هنا من نداء ~~نوح عليه السلام بعض ندائه وأن هذا المذكور مرتب معقب على شيء منه سابق ~~عليه أقربه أن يكون ما أرشده إليه سبحانه في سورة المؤمنين ويشعر به قوله ~~تعالى بعد هذا جوابا له { يا نوح اهبط منها بسلام منا } فيكون تقدير الكلام ~~قال : رب أنزلني منزلا مباركا - وما قدر له من الكلام { فقال } اي عهقبة ~~لما حمله على ذلك من رحمة النبوة وشفقة الأبوة وسجية البشر متعرضا لنفحات ~~الرحمة وعواطف العفو ؛ أو الفاء تفصيل لمجمل ( نادى ) مثل ما في : توضأ ~~فغسل { رب إن ابني } أي الذي غرق { من أهلي } أي وقد أمرتني بحمل أهلي , ~~وذلك الأمر محتمل للإشارة إلى إرادة نجاتهم { وإن وعك الحق } أي الكامل في ~~نجاتهم إلا من سبق عليه القول , وقد علمت ذلك في المرأة الكافرة { وأنت ~~أحكم الحاكمين * } لأنك أعلمهم , ومن كان أعلم كان أحكم فتعلم أن قولك { ~~إلا من سبق عليه القول } يصح باستثنائها وحدها , فإن كان ابني ممن نجا ~~فأتني به ؛ وإن كان هذا الدعاء عند حيلولة الموج بينهما فالمعنى : فلا ~~تهلكه { قال يا نوح } وأكد في نفي ما تقدم منه إثباته فقال : { إنه ليس من ~~أهلك } أي المحكوم بنجاتهم لإيمانهم وكفره , ولهذا علل بقوله : { إنه عمل } ~~أي ذو عمل , ولكنه جعله نفس العمل في قراءة الجماعة مبالغة في ذمه , وذلك ~~لأن الجواهر متساوية الأقدام في نفس الوجود لا تشرف إلا بآثارها , فين ms2245 أنه ~~ليس فيه أثر صالح أصلا , ويثبت قراءة يعقوب والكسائي بالفعل أن من باشر ~~السوء مطلق مباشرة وجبت البراءة منه , ولا سيما للأمر فلا يواصل إلا بإذن , ~~وعبر بالعمل دون الفعل لزعمه أن أعماله مبنية على العلم , وأكده لما لا يخص ~~من سؤال نوح عليه السلام هذا { غير صالح } بعلمي , وقد حكمت في هذا الأمر ~~أني لا أنجي منه إلا من اتصف بالصلاح وأنا عليم بذات الصدور , وأنت يخفي ~~عليك كثير من الأمور فربما ظننت الإيمان بالصلاح وأنا عليم بذات الصدور , ~~وأنت يخفي عليك كثير من الأمور فربما ظننت الإيمان بمن ليس بؤمن لبنائك ~~الأمر على ما نراه من ظاهره ؛ وقد نقل الرماني عن الحسن أنه كان ينافق ~~بإظهار الإيمان , وهذا يدل على أن الموافق في الدين ألصق ما يكون وإن ان في ~~غاية البعد في النسب , والمخالف فيه ابعد ما يكون وإن كان في غاية القرب في ~~النسب . | PageV03P535 ولما تسبب عن هذا الجواب أن ترك السؤال كان أولى , ~~ذكر أمرا كليا يندرج فيه فقال : { فلا تسألن } أي بنو ع من أنواع السؤال { ~~ما ليس لك به علم } فلا تعلم أصواب السؤال فيه أم لا , لأن اللائق بأمثالك ~~من أولى القرب بناء أمورهم على التحقيق وانتظار الإعلام منا , انظر إلى قول ~~موسى عليه السلام في حديث الشفاعة في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله ~~عنه : { وإني قد قتلت نفسا لم أومر بقتلها } . | ومن المعلوم أن تلك النفس ~~كانت كافرة من آل فرعون { إني أعظك } بمواعظي كراهية { أن تكون } أي كونا ~~تتخلق به { من الجاهلين * } أي في عداد الذين يعملون بالظن لأنهم لا سبيل ~~لهم إلى الوقوف على حقائق الأمور من قبلنا فتسأل مثل ما يسألون . | ولما ~~انجلى للسامع ما هو فيه صلى الله عليه وسلم من علو المقام وعظيم الشأن ~~الموجب للعقاب على كثير من الصواب فتشوف للجواب , استأنف بقوله : { قال } ~~أي مبادرا على ما يقتضيه له من كمال الصفات { رب } أي أبيها المحسن إلي , ~~وأكد دلالة للسامعين على ms2246 عظيم رغبته فقال : { إني أعود بك أن } أي من أن { ~~اسألك } أي في شيء من الأشياء { ما ليس لي به علم } تأدبا بإذنك واتعاظا ~~بموعظتك وارتقاء لما رقيتني إليه من علو الدرجة ورفيع المنزلة { وإلا تغفر ~~لي } أي الآن وفي المستقبل { وترحمني } أي تستر زلاتي وتمحها وتكرمني { أكن ~~من الخاسرين * } أي العريقين في الخسارة فكانه قيل : ماذا أجيب عن ذلك ؟ ~~فقيل : { قيل } بالبناء للمفعول دلالة على العظمة والجلال الذي تكون الأمور ~~العظيمة لأجله بأدنى إشارة { يا نوح أهبط } أي من السفينة { بسلام } أي ~~عظيم { منا } أي ومن سلمنا عليه فلا هلك يلحقه { وبركات } أي خيرات نامية ~~عظيمة صالحة { عليك } أي خاصة بك { وعلى أمم } ناشئة { ممن معك } لكونهم ~~على ما يرضينا ولا نمتعهم بالدنيا إلا قليلا , ولهم إذا رجعوا إلينا نعيم ~~مقيم , وقد دخل ي هذا الكلام كل مؤمن مؤمنة إلى يوم القيامة { وأمم } أي ~~منهم { سنمتعهم } في الدني بالسعة في الرزق والخفض في العيش على وفق علمنا ~~وإرادتنا ولا بركات عليهم منا ولا سلام , فالآية من الاحتباك : ذكر البركات ~~والسلام أولا دليلا على نفيهما ثانيا , والمتاع ثانيا , دليلا على حذفه ~~أولا { ثم يمسهم منا } أي في الدارين أو في الآخرة أو فيهما { عذاب أليم * ~~} لجريهم على غير هدينا وجرأتهم على ما يسخطنا , ويجوز أن يكون { وأمم } ~~مبتدأ من غير تقدير صفة محذوفة , فيكون المسوغ للابتداء كون المقام مقام ~~التفضيل ؛ PageV03P536 والعياذ : طلب النجاة بما يمنع من الشر ؛ والبركة : ~~ثبوت الخير بنمائه حالا بعد حال , وأصله الثبوتن ومنه البروك والبركة لثبوت ~~الماء فيها . | ذكر قصة نوح عليه السلام من التوراة وهو نوح بن لمك بن ~~متشولح بن خنوخ بن يارد بن مهلاليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه ~~السلام , وذلك لأنه في أوائل السفر الأول منها : وإن آدم طاف نحو حليلته ~~فحبلت وولدت ابنا فسماه شيث وقال : الآن أخلف الله علي نسلا آخر بدل هابيل ~~الذي قتله قابيل , وذلك بعد أن عاش آدم مائة وثلاثين سنة , وكان جميع ms2247 حياة ~~آدم تسعمائة وثلاثين سنة , وعاش شيث مائة وخمس سنين فولد له أنوش , وكان ~~جميع حياة شيث تسعمائة واثنتي عشرة سنة , فعاش أتوش تسعينن سنة فولد له ~~قينان وكان جيمع حياة أنوش تسعمائة وخمس سنة , وعاش قينان سبعين سنة فولد ~~له مهلاليل وكان جميع حياة قينان تسعمائة وعشرين سنة , وعاش مهلاليل خمسا ~~وستين سنة فولد له يارد وكانت مائة واثنتين وستين سنة فولد به خنوخ فكانت ~~جميع حياة يارد تسعمائة واثنين وستين سنة , وعاش خنوخ خمسا وستين سنة فولد ~~له متوشلح واكنت جميع حياة خنوخ ثلاثنائة وخمسا وستين سنة , وعاش متوشلح ~~مائة وسبعا وثمانين سنة فولد له لمك وكانت جميع حياة متوشلح تسعمائة وتسعا ~~وستين سنة , وعاش لمك مائة واثنين وثمانين سنة فولد له ابن فسماه نوحا , ثم ~~قال : هذا يريحينا من أعمالنا , وكد أيدينا في ألأرض التي قد لعنها الله , ~~وكانت جميع أيام حياة لمك سبعمائة وسبعا وسبعين سنة , وتوفي ونوح ابن ~~خمسمائة سنة . | فولد لنوح بنون : سام وحام ويافث , فلما بدأ الناس أن ~~يكثروا على وجه الأرض وولد لهم البنات نظر بنو الأشارف منهم بنات العامة ~~حسانا جدا فأخذوا منهم النساء لأنهم يتبعون أهواء الجسد واللحم وكانت على ~~الأرض جبابرة في تلك الأيام ومن بعدها , لأن بني الأشراف دخلوا على بنات ~~العامة فولد لهم جبابرة مذكرون , فرأى الرب أن شر الناس قد كثر على الأرض ~~هوىء فكرهم وحقدهم ردىء في جميع الأيام , فقال الرب : أمحق الذين خلقت ~~وأبيدهم عن جديد الأرض من الناس والبهائم حتى الهوام وطير السماء ؛ وظفر ~~نوح من اله برحمة ورأفة , وكان نوح رجلا بارا تقيا في حقبه فأرضى الله , ~~وفسدت الأرض بين يدي اله وامتلأت إثما وفجورا , فرأى الرب الإله أن ا { ض ~~قد فسدت وقال الله لنوح : قد وصل إلى أمر جميع الناس وسء أعمالهم لأن الأرض ~~قد امتلأت إثما وفجورا بسوء سيرتهم . | فهأنذا مفسدهم مع الأرض فاتخذ لك ~~أنت تابوتا مربعا من خشب الساج - وفي نسخة : الشمشار - وأجعل في التابوت ~~علالي . | واطلها ms2248 بالقار من داخلها وخارجها , PageV03P537 وليكن طول الفلك ~~ثلاثمائة ذراع . | وعرضه خمسين ذراعا , وسمكه ثلاثين ذراعا , واجعل في ~~التابوت كوى وليكن عرضها من أعلاها ذراعا واحدا , واجعل باب الفلك في جانبه ~~, واجعل فيه منازل أسفل وأوساط وعلالي . | وهأنذا محدر ماء الطوفان على ~~الأرض لأفسد به كل ذي لحم فيه نسمة الحياة من تحت السماء , ويبيد كل ما على ~~الأرض , واثبت عهدي بيني وبينك . | وتدخل التابوت أنت وبنوك وامرأتك ونياء ~~بنيك معك , ومن كل حي من ذوي اللحوم من كل صنف اثنان لتحيى معك , ولتكن ~~ذكروا وإناثا , من كل الطيور كأجناسها . | ومن الأنعام لأصنافها , ومن كل ~~الهوام التي تدب على الأرض لجواهرها , اثنين اثنين أدخل معك من كلها ~~لتستحييها ذكرا وانثى , واجعل من كل ما يؤكل فاخزنه معك , وليكن مأكلك ~~ومأكلها ؛ فصنع نوح كل شيء كما أمر الله ثم قال الله انوح : ادخل أنت وكل ~~أهل بيتك إلى التابوت لأني إياك وجدت بارا تقيا في هذا الحقب , ومن كل ~~الأنعام الزكية أدخل معك سبعة سبعة من الذكور والإناث , ومن الأنعام التي ~~ليست بزكية أدخل معك اثنين ذكورا وإناثا . | ومن الطير الزكي سبعة سبعة ~~ذكروا وإناثا , ومن الطير الذي ليس بزكي اثنين اثنين ذكورا وإناثا , ليحي ~~منها نسل على وجه الأرض , لأني من الآن إلى سبعة أيام أهبط القطر على وجه ~~الأرض اربعين يوما ولياليها , وأبيد كل ما خلقت على وجه الأرض ؛ فصنع نوح ~~كما أمره الرب الإله . | فلما كان بعد بعد ذلك بسبعة ايام نزلت مياه ~~الطوفانن تفجرت مياه الغمر وتفتحت مثاعب السماء . | وأقبلت الأمطار على وجه ~~الأرض أربعين نهارا وأربعين ليلة , وفي هذا اليوم دخل نوح وسام وحام ويافث ~~بنو نوح وامرأة نوح ونساء بنيه الثلاث معه الفلك هم وجميع السباع لجناسها ~~وجميع الدواب لأصنافها وكل حشرة تدب على الأرض بجوارها وجميع الطيور ~~لأجناسها , ودخل مع نوح التابوت منكل عصفور ومن كل ذي جناحين اثنان اثنان , ~~ومن كل ذي لحم فيه روح الحياة وكل شيء دخل من ذوي اللحوم دخلوا ذكروا ms2249 ~~وإناثا كما أمر الله نوحا , ثم أغلق الله الرب الباب عليه , وكان الطوفان ~~على الأرض أربعين يوما وأربعين ليلة , وكثرت المياه حتى احتملت التابوت ~~فارتفع عن الأرض , وعزرت المياه وكثرت على الرض جدا وجعل التابوت يسير على ~~وجه الماء واشتدت المياه على وجه الأرض جدا جدا . | وتوارت جميع الجبال ~~العالية الشاهقة التي تحت السماء , وارتفعت المياة من فوق كل جبل خمسة عشر ~~ذراعا , وباد كل ذي لحم على الأرض من الطيور أجمع والسباع والدواب وجميع ~~الحشرة التي تدب على ألرض وجميع الناس والبهائم , ومات كل شيء كان فيه نسمة ~~الحياة ما في PageV03P538 اليبس . | وبقي نوح ومن معه في الفلك , واشتدت ~~المياه على الأرض مائة وخمسين يوما ؛ وإن الله ذكر نوحا وكل السباع والدواب ~~وجميع الطيور التي معه في التابوت . | فأهاج الله ريحا على وجه الأرض فسكنت ~~المياه والأمطار . | واشتدت ينابيع الغمر وميازيب وغاضت المياه بعد مائة ~~وخمسين يوما , وسكن التابوت ووقف في الشهر السابع لثلاث عشرة ليلة بقيت من ~~الشهر على جبال قودي وجعلت المياه تنصرف وتنتقص إلى الشهر العاشر , وظهرت ~~رؤوس الجبال في أول يوم اشهر العاشر , فلما كان بعد ذلك بأربعين يوما فتح ~~نوح الكوة التي عملها في التابوت فارسل الغراب , فخرج الغراب من عنده فلم ~~يعد غليه حتى يبست المياه عن وجه الأرض , ثم ارسل الحمامة من بعده ليرى هل ~~قلت المياه عن وجه الأرض فلم تجد الحمامة موضعا لموطىء رجليها فرجعت إلى ~~التابوت لأن المياه كانت بعد على وجه الأرض , فمد يده فأخذها وأدخلها إليه ~~وانتظر سبعة أيام أخرى , ثم عاد فأرسل الحمامة فعادت عند المساء وفي ~~منقارها ورقة زيتون , فعلم أن الماء قد غاض عن وجه الأرض فصبر أيضا سبعة ~~ايام أخر , ثم أرسل الحمامة فلم تعد إليه أيضا , ففتح نوح باب الفلك فرأى ~~فإذا وجه الأرض قد ظهر وجفت الرض . | فكلم الرب الإله نوحا وقال له : اخرج ~~من التابوت أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك معك وكل السباع التي معك منكل ذي ~~لحم والطيور والدواب ms2250 , وأخرج كل الهوام التي تدب على الأرض معك , ولتتولد ~~وتنمو في ألأرض وتكثر وتزداد على الأرض . | فخرج نوح ومن ذكر وبنى للرب ~~مذبحا وأخذ من جميع الدواب والطيور الزكية فأصعد منها على المذبح قربانا ~~للرب الإله , فقال الرب الإله : لا أعود ألعن الأرض أبدا من أجل أمال الناس ~~لأن هوى قلب الإنسان وحقده رديء منذ صباه ولا أعود ايضا ابيد كل حي كما ~~فعلت , ومن الآن جميع ايام الأرض يكون فيها الزرع والحصاد والبرد والحر ~~والقيظ والشتاء , فبارك الله على نوح وبنيه وقال لهم : انموا واكثروا ~~واملؤوا الأرض , وليغش رعبكم وخوفكم جميع السباع وبهائم الأرض وكل طيور ~~السماء وكل دابة تدب على الأرض , وجميع حيتان البحور تكونن تحت أيديكم , ~~وكل الدواب الطاهرة الحية تكون لأكلكم , وقد جعلت الأشياء كلها حلالا لكم ~~مثل عشب البرية خضرها , وأما المخنوق الذي دمه فيه فلا تأكلوه فإن دمع نفسه ~~, وأما دماؤكم من أنفسكم فأطلها بالنهي من يد جميع الحيوان ومن يد جميع ~~الناس , أي إنسان قتل أخاه طالبته بدمه , ومن سفك دم الإنسان سفك دمه لأن ~~الل خلق آدم بصورته , وأنتم فانموا واكثروا وولدوا في الأرض وأكثروا فيها ؛ ~~وقال الله لنوح ولبنيه معه : هأنذا مثبت عهدي بينس وبينكم ومع أنسالكم من ~~بعدهم ومع كل نفس حية منكم , PageV03P539 ومع الطيور والدواب ومع كل سباع ~~الأرض جميع الذين خرجوا من الفلك . | وأثبت عهدي بيني وبينكم فلا يبيد كل ~~ذي لحم أيضا بماء الطوفان ولا يهبط الطوفان أيضا ليفسد جميع الأرض , قال ~~الله انوح : هذه علامة لعهدي الذي أجعله بيني وبينكم وبين كل نفس حية معكم ~~في جميع أحقاب العالم , قد أظهرت قوسي في السحاب في الأرض وأظهرت قوس ~~السحاب فاذكروا العهد الذي بيني وبينك وبين أهل الأرض , فإذا أنشأت السحاب ~~في الأرض وأظهرت قوس التابوت سام وحام ويافث , وحاتم يكنى أبا كنعان , ~~هؤلاء الثلاثة ثم بنو نوح , وتفرق الناس من هؤلاء في الأرض كلها ؛ ثم ذكر ~~ان نوحا عليه السلام نام فرأى حام عريه فأظهر ذلك ms2251 لأخويه , فتناول سام ~~ويافث رداء فألقياه على أكتافهما ثم سعيا على أعقابهما مدبرين فواريا عررى ~~أبيهما , فلما علم نوح ما صنع ابنه الأصغر دعا عليه أن يكون عبدا لأخويه , ~~وكانت جميع ايام حياة نوح تسعمائة سنة وخمسين سنة , ثم توفي عليه الصلاة ~~ولاسلام والتحية والإكرام ؛ ثم ذكر أن الناس بعده أرادوا أن يبنوا صرحا ~~لاحقا بالسماء , واجتمع جميعهم على ذلك لأن لغتهم كانت واحدة ورايهم واحد ~~ففرق الله ألسنتهم وفرقهم من هنالك على وجه الأرض ولم يبنوا القرية التي ~~هموا بها , ولذلك سمين بابل وبوبال معناه بالعبراني : الشتات , وما في ~~تفسير الغوي وغيره من أن عوج ابن عوق - بضمهما كما في القاموس - كان في زمن ~~نوح وسلم من الطوفان , وأن الماء لم يجاوز ركبتيه ونحو هذا كذب بحت منابذ ~~لقوله تعالى : ^ ( { ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } ) ^ [ هود : ~~27 ] وقوله : ^ ( { ا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } ) ^ وقوله : ^ ( ~~{ رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } ) ^ [ نوح : 26 ] ونحوها , فإن ~~كل من ذكر ذلك ذكر أن موسى عليه السلام قتله كافرا . | < < # | هود : ( 49 - 52 ) تلك من أنباء . . . . . # > > ^ ( تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك من ~~قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين * وإلى عاد أخاهم هودا قال يقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون * يقوم لا أسألكم عليه أجرا إن ~~أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون * ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ~~يرسل السمآء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين ) ^ } ) ~~| ولما تمت هذه القصة علىالنحو الوافي ببيان اجتهاد نوح علبه السلام في ~~إبلاغ الإنذار من غير مراعاة إقبال ولا إدبار , وكانت مع ذلك دالة على علم ~~تام واطلاع على دقائق لا سبيل غليها إلا من جهة الملك العلام , فهي على ~~إزالة اللبس عن أمره صلى الله عليه وسلم PageV03P540 أوضح من الشمس , قال ~~تعالى منبها على ذلك : { تلك } أي هذه الأنباء البديعة الشأن الغريبة الأمر ms2252 ~~البعيدة عن طوق المعارض , العلية الرتب عن يد المتناول { من أنباء الغيب } ~~اي أخباره العظيمة , ثم أشار إلى انه لا يزال يجدد له امثالها بالمضارع في ~~قوله : { نوحيها إليك } فكأنه قيل : إن بعض أهل الكتاب يعلم بعض تفاصيلها , ~~فأشار غلى ان ذلك مجموعة غيب وبما يعلمونه غيب نسبي بقوله : { ما كنت ~~تعلمها } أي على هذا التفصيل { أنت } ولما كان خفاءها عن قومه دليلا على ~~خفائها عنه لأنه لم يخالط غيرهم قال : { ولا قومك } اي وإن كانوا أهل قوة ~~في القيام على ما يحاولونه وعددا كثيرا , ومنهم من يكتب ويخالط العلماء . | ~~ولما كان زمان خفاء ذلك عنهم - وإن كان عاما لهم - بعض الزمان الماضي , ~~أدخل الجار فقالك { من قبل هذا } اي من إيحائي إليك حتى يطرق الوهم حينئذ ~~أنك تعلمتها من أحد منهم وإن كان يعلم كثيرا منها أهل الكتاب كما رأيت عن ~~نص التوراة فبان أن لا عرض لقومك إلا العناد { فاصبر } على ذلك ولا تفتر عن ~~الإنذار فستكون لك العاقبة كما كانت لنوح لأجل تقواه { إن العاقبة } أي آخر ~~الأمر من الفوز والنصر والسعادة { للمتقين * } أي العريقين في مخافة الله ~~في ل زمنن وقد تضمنت القصة البيان عما يوجبه حال أهل الخير والإيمان وأهل ~~الشر والطغيان من الاعتبار بالنبأ عن الفريقين ليجتبي حال هؤلاء ويتقي حال ~~أولئك لسوء العاقبة في الدنيا والآخرة . | ولما تم من ذلك ما هو كفيل بغرض ~~السورة , وختم بأن العاقبة دائما للمتقين , أتبع بالدليل على ذلك من قصص ~~الأنبياء مع الوفاء بما سيقت له قصة نوح - على جميعهم السلام - من الحث على ~~المجاهرة بالإنذار فقال تعالى : { وإلى } أي ولقد ارسلنا غلى { عاد أخاهم } ~~وبينه فقال : { هودا } ولما تقدم أمر نوح مع قومه , استشرف السامع غلى ~~معرفة ما قال هود عليه السلام هل هو مثل قوله أو لا ؟ فاستأنف الجواب بقوله ~~: { قال يا قوم } الذين هم أعز الناس لدي { اعبدوا الله } أي ذا الجلال ~~والإكرام وحده ؛ ثم صرح وعلل فقال : { ما لكم } وأغرق في النفي فقال ms2253 : { من ~~إله } أي معبود بحق { غيره } فدعا إلى أصل الدين كما هو دأب سائر النبين ~~والمرسلين ؛ ثم ختم ذلك بمواجهتهم بما يسوءهم من الحق وما ثناه عن ذلك رجاء ~~ولا خوف فقال : { إن } أي ما { أنتم إلا مفترون * } أي نتعمدون الكذب على ~~الله في إشراككم به سبحانه لأن ما على التوحيد من أدلة العقل غير خاف على ~~عاقل فكيف مع تنبيه النقل ! وذلك مكذب لمن اشرك , أي فاحذروا عقوبة المفتري ~~؛ ثم نفى ان يكون له في ذلك غرض غير نصحهم بقوله موضع { إني ناصح لكم بهذا ~~الأمر فلا يسوءكم مواجهتي لكم فيه بما تكرهون } PageV03P541 { يا قوم } ~~مكررا لاستعطاف { لا أسألكم } أي في المستقبل كما لم أسالكم في الماضي { ~~عليه } أي على هذا الإنذار { أجرا } أي فلست موضع تهمة { إن } اي ما ؛ { ~~أجري } ثم وصف من توكل عليه سبحانه بما يدل على الكفاية فعلي وجوب شكره ~~فقالك { إلا على الذي فطرني } اي أبتدأ خلقي ولم يشاركه في أحد فهو الغني ~~المطلق لا أوجه رغبتي غلى غيره كما يجب على كل أحد لكونه فطرة . | ولما كان ~~الخلاف الذي لا حظ فيه جهة الدنيا لا يحتاج الإنسان في الدلاة على أنصاحبه ~~ملجأ غليه من جهة الله , وأنه لا نجاة إلا به غلى غير العقلن سبب عن قوله ~~هذا الإنكار عليهم في قوله : { أفلا تعقلون * } . | ولما دعاهم مشيرا غلى ~~ترهيبهم مستدلا على الصدق بنفي الغرض , رغبهم في إدامة الخوف مما مضى بقوله ~~: { ويا قوم } ومن هم أعز الناس علي ولهم قدرة على ما طلب منهم { استغفروا ~~ربكم } أي اطلبوا غفرانه بطاعتكم له لما يجب له بإحسانه إليكم . | واشار ~~إلى علو رتبة التوبة بأداة التراخي فقال : { ثم توبوا إليه } أي تسموا عالي ~~هذه الرتبة بأن تطلبوا ستر الله لذنوبكم ثم ترجعوا إلى طاعته بالندم ~~والإقلاع والاستمرار { يرسل السماء } اي الماء النازل منها أو السحاب ~~بالماء { عليكم مدرارا } أي هاطله بمطر غزبر متتابع { ويزدك قوة } أي عظيمة ~~مجموعة { إلى قوتكم } ثم عطف على قوله { استغفروا } قوله ms2254 : { ولا تتولوا } ~~أي تكلفوا انفسكم غير ما جلبت عليه من سلامة الانقياد فتبالغوا في الإعراض ~~- بما اشار إليه إثبات التاء { مجرمين * } اي قاطعين لأنفسكم - ببناء أمركم ~~على اظنون الفاسدة عن خيرات الدنيا والآخرة . | < < # | هود : ( 53 - 56 ) قالوا يا هود . . . . . # > > ^ ( قالوا يهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما ~~نحن لك بمؤمنين * إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله ~~واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * إني ~~توكلت على الله ربي وربكم ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ إن ربي على صراط ~~مستقيم ) ^ } ) | ولما محض لهم النصح علىغاية البيانن مان جوابهم إلا أن { ~~قالوا } اي عاد بعد أن أظهر لهم هود عليه السلام منا لمعجزات ما مثله آمن ~~عليه البشر { يهود } نادوه باسمه غلظة وجفاء { ما جئتنا ببينة } فأوضحوا ~~لكل ذي لب أنهم مكابرون لقويم العقل وصريح النقل , فهم مفترون كما كان ~~العرب يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أتاهم من الآيات على يده ما ~~يفوت الحصر { لولا أنزل عليه آية من ربه } { وما نحن } وأغرقوا في النفي ~~فقالوا : { بتاركي آلهتنا } مجاوزين لها أو صادرين { عن قولك } وتركهم ~~للعطف بالفاء - PageV03P542 المؤذنة بأن الأول سبب الثاني اي الواو في ~~قولهم : { وما نحن لك } اي خاصة , وأغرقوا في التفي فقالزا : { بمؤمنين * } ~~- دليل على أنهم تركوا إتباعه عنادا , لا أنهم يعتقدون أنه لم يأت ببينة ؛ ~~وإلى ذلك يرشد ايضا تعبيرهم ابالسمية التي تدل على الثبات فإذا نفي لم ينتف ~~الصل ؛ والبينة : الحجة الواضحة في الفصل بينا لحق والباطل , والبيان : فصل ~~المعنى من غيره حتى يظهر للنفس محررا مما سواه , والحامل على ترك البينة ~~بعد ظهورها صد الشبهة عنها أو تقليد الرؤساء في دفعها واتهام موردها أو ~~اعتقاد أصول فاسدة تدعو إلى جحدها أو العناد للحسد ونحوهن والجامع له كله ~~وجود الشبهة . | ولما قالوا هذا الكلام البين الفساد من غير تعرض لنقض ما ~~قال لهم بنوع شبهة , ان كأنه قيل ms2255 لهم : هذا الذي قلته لكم وهو لا ابين منه ~~ولا أعدل , افرضوا أنه ما ظهر لكم صحته فما تقولون إنه حملني عليه مع أن ~~فيه منابذتكم وأنتم أولاد عمي وأعز الناس علي ؟ فقالوا : { إن نقول إلا ~~اعتراك } اي أصابك وغشيك غشيانا التصق بك التصاق العروة بما هي فيه مع ~~التعمد والقوة { بعض إلهتنا بسوء } من نحو الجنون والخبال فذاك الحامل لك ~~على النهي عن عبادتها . | ولما كان الطبع البشري قاضيا بأن الإنسان يخشى ~~ممن مسه بسوء وهو يتوهم أنه قادر على ضرره فلا يواجهه بما يكره , وكان ~~قولهم محركا للسامع إلى الاستعلام عن حوابه لهم , استأنف سبحانه الإخبار ~~عنه بقوله : { قال } نافيا لما قالوا مبينا أن آلهتهم لا شيء ضاما لهم معها ~~, وأكد لأنهم بحيث لا يظنون أن أحدا لا يقول ما قاله { إني أشهد الله } أي ~~الملك الأعظم ليقوم عذري عنده وعدل أدبا مع الله عن أن يقول : وأشهدكم - ~~لئلا يتوهم تسوية 0 إلى صيغة الأمر تهاونا بهم فقال : { واشهدوا } أي أنتم ~~لتقويم الحجة عليكم لأيكم ويبين عجزكم ويعرف كل أحد أنكم بحيث يتهاون بكم ~~وبدينكم ولا يبالي بكم ولا به { أني بريء مما تشركون * } وبين سفولها بقوله ~~: { من دونه } كائنا ما كان ومن كان , فكيف إذا لم يكن إلا جمادا { فكيدوني ~~} حال كونكم { جميعا } أي فرادى إن شئتم أو مجتمعين أنتم وآلهتكم . | ولما ~~كانت المعاجلة في الحرب أهول , وكان شأنها أصعب وأخطر , بين عظمها بأداة ~~التراخي فقال : { ثم لا تنظرون * } والكيد : طلب الغيظ بالسر في مكر , وهذه ~~الآية من أعلام النبوة الواضحة لهود عليه السلام , فكأنه قيل : هب أن ~~آلاهتنا لا شيء , فما حملك على الاجتراء على مخالفتنا نحن وأنت كثرتنا ~~وقوتنا وأنت لا تزيد على أن تكون واحدا منا فقال : { إني } أي جسرت على ذلك ~~لأني { توكلت } معتمدا { على الله } الملك المرهوب عقابه الذي لا ملك سواه ~~لا رب غيره ؛ وبين إحاطة ملكه بقوله : PageV03P543 { ربي وربكم } أي الذي ~~أوجدنا ودبر أمورنا قبل أن يخلقنا فعلم ما بعمل ms2256 كل منا في حق الآخرة لأنه { ~~ما من دابة } أس صغرت أو كبرت { إلا هو آخذ } أي أخذ قهر وغلبة { بناصيتها ~~} أي قادر عليها , وقد صار الأخذ بالناصية عرفا في القدرة , لأن الكل جارون ~~مع مراده بل لا ينفك أحد عن كراهة لبعض ما هو فيد فدل ذلك قطعا على أنه ~~بغير مراده فاهر قهره على ذلك وهو الملك الأعلى سبحانه ؛ والناصية : شعر ~~مقدم الرأس , ومن أخذ بناصيته فقد انقاد لأخذه لا يستطيع ميلا { إن } أي ~~لأن { ربي } أي المحسن إلي بما أقامني فيه { على الصراط } أي طريق واسع بين ~~{ مستقيم * } ظاهر أمره لكل أحد لا لبس فيه أصلا ولا خلل ولا اضطراب ولا ~~اعوجاج بوجه , فلذلك كان كل من في الكون يتألهه ويدعو ويخافه ويرجوه وإن ~~اتخذ بعضهم من دونه شركاء , وأما ما يعبد من دونه فلا يعظمه غلا عابده , ~~وأما غير عابده فإنه لا يقيم له وزنا ؛ فصح بهذا غالب على كل شيء غلبة ~~يعلمها كل موجود من غير خفاء أصلا , فهو مرجو مروب بإجماع القلاء بخلاف ~~معبوداتكم , والحاصل أنه يلزم الصراط المستقيم الظهور , فيلزم عدم الاختلاف ~~لانتفاء اللبس , فمن كان عليه كان علي القدر شهير الأمر , بصيرا بما يريد , ~~مع الثبات والتمكن , مرهوب العاقبة , مقصودا بالاتباع والمحبة , من لم يقبل ~~إليه ضل , ومن أعرض عنه أخذ لكثرة أعوانه وعز سلطانه , فظهرت قدرته على ~~عصمة من يتوكل عليه وعجز معبوداتهم معهمن لأن نواصي الكل بيده وهو ربها ~~وربهم ورب كل شيء , فقد انطبقختام الآية على قولهم { ما جئتنا ببينة } ردا ~~له لأن من كان على صراط مستقيم لم يكن شيء أبين من أمره , وعلى جوابه في ~~توكله وما في حيزه أتك انطباق ؛ والناصية : مقدم الشعر من الرأس , واصلها ~~الاتصال من قولهم : مفازة تناصي مفازة - إذا كانت متصلة بها . | < < # | هود : ( 57 - 60 ) فإن تولوا فقد . . . . . # > > ^ ( فإن تولوا فقد أبلغتكم مآ أرسلت به إليكم ويستخلف ربي قوما غيركم ~~ولا تضرونه شيئا إن ربي على كل شيء حفيظ * ولما جآء أمرنا ms2257 نجينا هودا ~~والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ * وتلك عاد جحدوا بآيات ~~ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد * وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ~~ويوم القيامة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود ) ^ } ) | ولما ~~استوفى تشييده أمره وهدم قولهم , أخذ يحذرهم فقال مبينا أن العدول عما جاء ~~به لا يكون إلا بمعالجة الطبع السليم : { فإن تولوا } ولو أدنى تولية بما ~~يسير إليه حذف التاء , فعليكم اللوم دوني , لأني فعلت ما علي { فقد } أي ~~بسبب أني قد PageV03P544 { أبلغتكم ما } أي كل شيء { أرسلت } أي تقدم ~~إرسالي من عند من لا مرسل في الحقيقة غيره { به إليكم } كاملا لم أدع منه ~~شيئا رجاء لإقبالكم ولا خوفا من إعراضكم , فأبيتم غلا التكذيب لي ~~والاستكبار عما جئت به , فالذي أرسلني ينتقم منكم فيهلككم { ويستخلف ربي } ~~اي يوجد المحسن غلي بإقامتي يما يرضيه { قوما غيركم } يخلفونكم في دياركم ~~وأوالكم , فتكونون أعداءه , ويكون المستخلفون متعرضين لأن يكونوا أولياء مع ~~كونهم ذوي بأس وقوة فيختص الضرر بكم { ولا تضرونه } أي الله بإعراضكم { ~~شيئاص } ثم علل وعيده لهم بقوله مؤكدا لأن العاصي فاعل بعصيانه فعل من يظن ~~أن الله غافل عنه : { إن ربي } أي المحسن غلي المدبر لمصالحي . | ولما كان ~~الأهم في هذا السياق بيان استعلائه وقدرته , قدم قوله : { على كل شيء } ~~صغيرا أو كبيرا جليل أو حقير { حفيظ * } أي عالم بكل شيء وقادر على كل شيء ~~وبالغ الحفظ له , فيعلم ما يعمل محفوظه فيجازيه بما يستحق من نعمه ونقمه , ~~فهو تعليل لاستخلاف غيرهم وتنزهه عن لحوق ضرر , لأن الحفظ : الحراسة , ~~ويلزمها العلم والقدرة , فمن القدرة حافظ العين , أي لا يغلبه نوم , ~~والحفيظة - اللحمية والغضب , ومنهما معا المحافظة - للمواظبة على الشيء ؛ ~~والتوالي عن الشيء : الذهاب إلى غير جهته إعارضا عنه ؛ والإبلاغ : إلحاق ~~الشيء نهايته ؛ ولالستخلاف : جعل الثاني بدلا من الأول يقوم مقامه ؛ والضر ~~: إيجاب الألم بفعله أو التسبب له . | ولما تم ذلك كان كأنه قيل : فلم ~~يرجعوا لوم يرهووا لبينة ولا ms2258 رغبة ولا رهبة فأنزلنا بهم أمرنا { ولما جاء ~~أمرنا } أي وقت إرادتنا لإهلاك عاد { نجينا } أي تنجية عظيمة بما لنا من ~~العظمة { هودا والذين آمنوا } كائنين { معه } في الإيمان ووالنجاة من قومهم ~~فلم يقدروا أن يصلوا إليهم بسوء مع اجتهادهم في ذلك وإعجابهم بقواهم زيقال ~~: إن الذين آمنوا كانوا أربعة آلاف . | ولما كان سبحانه بحيث لا يجب عليه ~~لأحد شيء لأنه لا يقدر أحد أن يقدره حق وإن اجتهد في طاعته , فإن طاعته ~~نعمة منه عليه , أشار إلى ذلك بقوله : { برحمة منا } تحيقيقا لتوكل عبدنا ؛ ~~ولما بين إنجاءهم من قومهم بين إنجاءهم مما أهلكهم به فقال مكررا ذكر ~~التنجية دلالة على أن عذابهم كان في غاية الفظاعة : { ونجيناهم } أي بما ~~لنا من العظمة , وبين فظاعة ما أهلك به أعداءهم بقوله : { من عذاب غليظ * } ~~أي أهلكنا به مخالفيهم وهو الريح الصرصر , وهذا أولى من حمله على عذاب ~~الآخرة لما يأتي من قوله { ومن خزي يومئذ } كأنهم كانوا إذا رأوا مخايل ~~العذاب قصدوا نبيهم ومن آمن به ليهلكوهم قبلهم كما صرح به في قصة صالح ؛ ~~والنجاة : السلامة من الهلاك ؛ وحقيقة الغلظة عظم الجثة , فاستعير للعذاب ~~لثقله على النفس وطول مكثه . | PageV03P545 ولما تمت قصتهم على هذا الوجه ~~لابديع والأسلوب المطرب , قال تعالى عاطفا على قوله { تلك من أنباء الغيب } ~~: { وتلك عاد } أي قصة القوم البعداء البغضاء , ما كنت تعلمها على هذا ~~التفصيل أنت ولا قومك ولا أهل الكتاب , وإنما نفيت عن أهل الكتاب لأنهم لا ~~يعلمون إلا ما له أصل ‘ ن أنبيائهم , وهذه وقصة ثمود ليستا في التوراة ولا ~~شيء من أسفار أنبيائهم , وسألت بعض علمائهم فلم أجد عنده شيئا من علمها ولا ~~حرفا واحدا ولا سمع بعاد ولا هود , وتلخيص قصتهم أنهم { جحدوا } أي كذبوا ~~عنادا واستهانة { بآيات ربهم } المحسن إليهم { وعصوا رسله } فإن من عصى ~~واحدا منهم فقد عصى الكل لاتفاقهم على أمر واحد مع التساوي في مطلق المعجزة ~~{ واتبعوا } أي بغاية جهدهم { أمر كل جبار } ي قاهر بليغ القهر يجبر ms2259 غيره ~~على ما يريد , وهذا يدل على أنه لا عذر في أصل الدين بوجه فإن الضمائر لا ~~يعلمها إلاالله فيمكن كل أحد مخالفة الجبار فيه { عنيد * } أي طاغ باغ لا ~~يقبل الحق بوجه , فأهلكوا ولم يمنعهم تجبرهم ولا أغنى عنهم عنادهم وتكبرهم ~~{ وأتبعوا } جميعا بعد إهلاكهم بأيسر وجه لعظيم قدرة المتبع { في هذه ~~الدنيا } حقرها في هذها لعبارة بما أشارت غليه الإشارة مع التصغير , وبمادل ~~على الدنو وبأن من اغتر بها فهو ممن وقف مع الشاهد لما له من الجمود { لعنة ~~} أي طردا وبعدا وإهلاكا { ويوم القيامة } أي كذلك بل اشد , فكأنه قيل : ~~أفما لمصيبتهم من تلاف ؟ فقيل : لا , { ألا } مفتتحا للإخبار عنهم بهذه ~~الأداة التي لا تذكر إلا بين يدي كلام يعظم موقعه ويجل خطبه , والتأكيد في ~~الإخبار بكفرهم تحقيق لحالهم , وفيه من أدلة النبوة وأعلام الرسالة الرد ~~على أغناهم بأن قالوا : إنهم من المقربين إلى الله وإ , هم بعين الرضى منه ~~, فالله المسؤول في الإدالة عليهم وشفاء الصدور منهم , وهم أتبع ابن عربي ~~الكافر العنيد أخهل الاتحاد , المجاهرون بعظيم الإلحاد , المستخفون برب ~~العباد , بل عداه إعظاما لطغيانهم فقال : { ربهم } أي غطوا جميع أنوار ~~الظاهر الذي لا يصح أصلا خفاءه لأنه لا نعمة على مخلوق غلا منه , فكان ~~كفرهم أغلظ الكفر , ومع ذلك فلم ينثن هود عليه السلام عن إبلاغهم جميع ما ~~أمر به ولا ترك شيئا مما أوحي إليه فلك به أسوة حسنة وفيهم قدوة , ومن كفر ~~من أحسن إليه بعد بعدا لا قرب معه . | ولما كان الأمر عظيما والخطب جليلا , ~~كرر الأداة التي تقال عند الأمور الجليلة فقال : { الا بعدا لعاد } هو من ~~بعد - بكسر العين إذا كان بعده بالهلاكن وبينهم بقوله : { قوم هود } تحقيقا ~~لهم لأنهم عادان : الأوى والآخرة , وإيماء إلى أن استحقاقهم PageV03P546 ~~للإبعاد بما جرى لهو عليه السلام معهم من الإنكار والدعاء عليهم بعد الهلاك ~~كناية عن الإخبار بأنهم كانوا مستحقين للهلاك ؛ والجحد : الخبر عما يعلم ~~صحته أنه لا يعلمها , وهو ضد الاتارف كما أن ms2260 النفي ضدالإثبات , فهو خبر ~~بمجرد العدم فهو أعم ؛ والعصيان خلاف ما أمر به الداعي على طريق الإيجاب ؛ ~~واللعنة : الدعاء بالإبعاد , وأصلها الإبعاد من الخير ؛ والإتباع : جعل ~~الثاني على أثر الأول , والإبلاغ أخص منه , والمراد هنا بلوغها لهم لأن ~~الذي قضى بذلك قادر وقد ألحق بهم عذاب الدنيا المبعد لهم من مظان الرحمة . ~~| < < # | هود : ( 61 - 62 ) وإلى ثمود أخاهم . . . . . # > > ^ ( وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب ~~مجيب * قالوا ياصالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانآ أن نعبد ما يعبد ~~آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونآ إليه مريب ) ^ } ) | ولما انقضت قصة عاد ~~على ما أراد سبحانه , أتبعها قصة من كانوا عقبهم في الزمن ومثلهم في سكنى ~~أرض العرب وعبادة الأوثان والمناسبة في الأمر المعذب به لأن الموصل للصيحة ~~غلى الأسماع هو الريح وفي خفاء أمرهم , مفصلا على أهل ذلك الزمان فقال : { ~~* وإلى } أي ولقد أرسلنا إلى { ثمود أخاهم } وبينه بقوله : { صالحا } ثم ~~أخرج قوله صلى الله عليه وسلم على تقدير سؤال فقال : { قال يا قوم } أي يا ~~من يعز علي أن يحصل لهم سوء { اعبدوا الله } اي الملك الأعظم وحده لأن ~~عبادتكم له مع غيره ليست بشيء ؛ ثم استأنف تفسير ذلك فقال : { ما لكم } ~~أغرق في النفي فقال : { من إله غيره } جريا على منهاج الدعاة غلى الله في ~~أصل الدين , وهو إفراد المنعم بالعبادة . | ولما أمرهم بذلك , ذكرهم قدرته ~~ونعمته مرغباص مرهبا فقال : { هو } أي وحده { أنشأكم } أي ابتدأ خلقكم { من ~~الأرض } بخلق آدم عليه السلام منها بغير واسطة وبخلقكم من المني من الدم ~~وهو من الغذاء وهو من النبات وهو من الأرض كما أنشأ أوثانكم منها { و } وفع ~~مقداركم عليه بأن { استعمركم } اي أهلكم لما لم يؤهل له الأوثان من أن ~~تكونا عمارا { فيها } فلا تنسوا حق إلهكم وما فضلكم به من حق أنفسكم ~~بخضوعكم لما لا يساويكم فكيف بمن أنشأكم ms2261 وإياها ؛ والإنشاء : الابتداء ~~بالإيجاد من غير استعانة بشيء من الأسباب . | ولما بين لهم سبحانه عظمته , ~~وكان الشيطان قد شبه عليهم لأنه لعظمته لا يوصل إليه بوسيلة كما هو حال ~~الملوك وألقى إليهم أن الأوثان وسائل , نفى ذلك مبينا طريق الرجوع إليه ~~بقوله : { فاستغفروه } أي فاقبلوا بكل قلوبكم عليه طالبين أن يستر ذنوبكم ؛ ~~PageV03P547 وذكر شرط المغفرة بقوله مشيرا بأدا البعد إلى عظيم المنزلة : { ~~ثم توبوا } أي ارجعوا بجميع قلوبكم { إليه } ثم علل ذلك بلطفه وعطفه ترغيبا ~~في الإقبال إليه فقال مؤكدا لأن من يرى إمهاله للعصاة يظن الظنون ومن عصاه ~~كان عمله عمل من ينكر قربه وإجابته : { إن ربي } الذي أخلصت له العبادة ~~لإحسانه إلي وأدعوكم إلى الإخلاص له لإحسانه إليكم { قريب } من كل من أقبل ~~إليه من غير حاجة إلى معاناة مشي ولا حركة جاحة { مجيب * } لكل من ناداه لا ~~كمعبوداتكم في الأمرين معا . | ولما دعاهم ‘ لى الحق ونصب لهم عليه من ~~الأدلة ما هم به معترفون وذكرهم نعمه مؤمئا إلى التحذير من نقمه , وسهل لهم ~~طريق الوصول إليه , ما كان جوابهم إلا ان سلخوه من طور البشرية لمحض ~~التقليد , فلذلك استأنف الإخبار عن جوابهم بقوله : { قالوا } اي ثمود { يا ~~صالح } نادوه باسمه قلة أدب منهم وجفاء { قد كنت فينا } أي فيما بينا إذا ~~تذاكرنا أمرك { مرجوا } أي في حيز من يصح أن يرجى أن يكون فيه خير وسؤدد ~~ورشد وصلاح , واستغرقوا الزمان فحذفوا الجار وقالوا : { قبل هذا } أي الذي ~~دعوتنا إليه فأما بعد هذا فانسلخت من هذا العداد ؛ ثم بينوا ما أوجب سقوطه ~~عندهم بقولهم منكرين إنكار محترق { أتنهانا } أي مطلق نهي { أن نعبد } أي ~~دائما { ما يعبد أباؤنا } وعبروا بصيغة المضارع تصويرا للحال كأن آباءهم ~~موجودون فلا تمكن مخالفتهم إجلال لهم , فأجلووا من يرونه سبا قريا في ~~وجودهم ولم يهابوا من أوجدهم وآباءهم أولا من الأرض وثانيا من النطف , ثم ~~خولهم فيما هم فيه , ثم فزعوا - في أصل الدين بعد ذكر الحامل لهم على الكفر ~~المانع لهم من ms2262 تركه - إلى البهت بأن ما يوجب القطع لكل عاقل من آيته ~~الباهرة لم يؤثر عندهم إلا ما هو دون الظن في ترك إجابته , فقالوا مؤكدين ~~لأن شكهم حقيق بأن ينكر لأنه في امر واضح جدا لا يحتمل الشك أصلا : { وإننا ~~لفي شك } وزادوا التأكيد بالنون واللام وبالإشارة بالظرف إلى إحاطة الشك ~~بهم { مما } ولما كان الداعي واحدا وهو صالح عليه السلام لم يلحق بالفعل ~~غير نون واحدة هي ضميرهم بخلاف ما في سورة إبراهيم عليه السلام فلذلك قالوا ~~: { تدعونا إليه } من عبادة الله وحده { مريب * } أي موقع في الريبة وهو ~~قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين ؛ والرجاء : تعلق النفس لمجيء الخير ~~على جهة الظن , ونظيره الأمل والطمع ؛ والنهي : المنع من الفعل بصيغة لا ~~تفعل . | < < # | هود : ( 63 - 68 ) قال يا قوم . . . . . # > > ^ ( قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة فمن ~~ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير * ويقوم هذه ناقة الله لكم ~~آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب * فعقروها ~~فقال PageV03P548 تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب * فلما جآء ~~أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو ~~القوي العزيز * وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين * كأن لم ~~يغنوا فيهآ ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما أبرزوا له أمرهم في قالب الشك على سبيل الجزم , قابلهم بمثله ~~على سبيل الفرض إنصافا لهملئلا يلائم الخطاب حال المخاطبين , فاستأنف ~~سبحانه الإخبار عنه بذلك في قوله : { قال } أي صالح ناديا لهم إلى النظر في ~~امره برفق { يا قوم أرءيتم } اي أخبروني { إن كنت } أورده بصيغة الشك لأن ~~خطابه للجاحدين { على بينة من ربي } أي المحسن إلي , لا شك عندي فيها { ~~وآتني منه رحمة } أي أوامر هي سبب الرحمة { فمن ينصرني } وأظهر موضع ~~الإضماؤ وعبر بالاسم الأعظم لاقتضاء المقام التهويل فقال : { من الله } أي ~~الملك الأعظم { إن عصيته } أي إن ms2263 وقوعكم في الشك على رعكمكم حملكم على هيئة ~~افباء في التلبس بأعمالهم مع زوالهم واضمحلالهم لو كانوا موجودين وعصيتموهم ~~لم تبالوا بهم , وأما أنا فالذي امرني بعبادته حي قادر على جزاء من يطيعه ~~أو يعصيه , وأقل ما يحمل على طاعته الشك في عقوبته , وهو كاف للعاقل في ترك ~~الخطر { فما } أي فتسبب عن نهيكم لي عن الدعاء إليه سبحانه أنكم ما { ~~تزيدونني } بذلك شيئا في عملي بما ترمونه مني من عطفي عنه باتباعكم في ~~عملكم أو الكف عنكم لأصير في عادا من يرجى عندكم ممن له عقل { غير تخسير * ~~} أي إيقاعي في الخسارة على هذا التقدير : فلا تطمعوا في تركي لشيء من ~~مخالفتكم ما دمتم على ما أنتم عليه , والآية كما ترى ناظرة إلى قوله تعالى ~~{ فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } . | ولما أخبرهم أن معصية الله خسران , ~~ذكرهم أمر الناقة التي أخرجها اسبحانه لهم من الأرض شاهدا على كونهم مساوين ~~للأوثان في كونهم منها مفضلين عليها بالحياة محذرا لهم من شديد انتقامه ~~فقال : { ويا قوم } إشارة غلى حاضر , وذلكم بعد أن أخرجها لهم سبحانه عندما ~~دعاه صالح عليه السلام ؛ وبين الإشارة بقوله : { ناقة الله } أي الملك ~~الأعلى , ثم بني حالا من { آية } مقدما عليها لئلا يكون صفة لها فقال : { ~~لكم } أي خاصة لنظركم إياها عندما خرجت ولكل من سمع بها بعدكم , وليس الخبر ~~كالمعاينة , أشير إليها حال كونها { آية } بكون الل تعالى أخرجها لكم من ~~صخرةن وهي عشراء على حسب ما اقترحتم وأنتم تشاهدون وبونها تنفرد بشرب يوم , ~~وتنفردون كلكم بشرب يوم وتنفرد برعي يوم , وتنفرد جميع الحيوانات من دوابكم ~~ووحوش PageV03P549 بلادكم برعي يوم إلى غير ذلك مماأنتم له مبصرون وبه ~~عارفون { فذروها } اي اتركوها على أي حالة كان ترككم لها { تأكل } اي مما ~~أرادت { في ارض الله } أي الملك الذي له الأمر كله التي خلقها منها { ولا ~~تمسوها بسوء } والأكل : مضغ يقع عند بلع ؛ والمس مطلق الإصابة ويكون بين ~~الحيوان وغيره , واللمس أخص منه لما فيه من الإدراك ms2264 { فيأخذكم } أي فيتسبب ~~عن ذلك أن يأخذكم { عذاب قريب * } أي من زمن إصابتكم لها بالسوء ؛ ثم اشار ~~إلى قرب مخالفتهم لأمره فيها بقوله مسببا عن أوامره ونواهيه ومعقبا : { ~~فعقروها } أي الناقة { فقال } أي عند بلوغه الخبر { تمتعوا } اي أنتم ~~تعيشون { في داركم } أي داركم هذه , وهي بلدة الحجر { ثلاثة ايام } أي بغير ~~زيادة عليها , فانظروا ماذا يغني عنكم تلذذكم وترفهكم وإن اجتهدتم فيه . | ~~ولماكان كأنه قيل : هل في هذا الوعيد مثنوية , قال مجيبا : { ذلك } اي ~~الوعد العالي الرتبة في الصدق والغضب { وعد غير مكذوب * } أي فيه ؛ والتمتع ~~: التلذذ بالمدركات الحسان من المناظر والأصوات وغيرها مما يدرك بالحواس , ~~وسميت البلاد دارا لأنه جامعة لأهلها كما تجمع الدار - ويدار فيها , وأشار ~~غلى تعقب العذاب للأيام وتسببه عن الوعيد المعين بقوله : { فلما جاء أمرنا ~~} بالفاء بخلاف ما في قصة هود وشعيب عليهما السلام , أي مع مضي الأيام كان ~~أول ما فعالنا أن { نجينا } بنا لنا من العظمة أولياءنا { صالحا والذين ~~آمنوا معه } من كيد قومهم , وبين أن إحسانه سبحانه لا يكون إلا فضلا منه ~~بقوله : { برحمة منا } وذلك أنه عليه السلام قال لهم : تصبحون غدا يوم مؤنس ~~- يعني الخميس - ووجوهكم مصفرة , ثم تصبحون يوم عروبة - يعني الجمعة - ~~ووجوهكم محمرة , ثم تصبحون يوم شبار ووجوهكم مسودة , ثم يصبحكم العذاب يوم ~~أول - أي الأحد - فقال التسعة رهط الذين عقروا الناقة : هلم فلنقتل صالحا , ~~فإن كان صادقا عجلناه قبلنا , وإن كان كاذبا قد كنا ألحقناه بناقته , فأتوه ~~ليلا ليبيتوه في أهله فدمغتهم الملائكة بالحجارة , فلما أبطروا على أصحابهم ~~أتوا منزل صالح فوجدهم قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح : والله لا تقتلونه ~~ابدا فقد وعدكم أن العذاب يكون بكم بعد ثلاث , فإن كان صادقا لم تزيدوا ~~ربكم عليكم إلا غضا , وإن كان كاذبا فأنتم وراء ما تريدون , فانصرفوا فلما ~~أصبحت وجوههم مصفرة عرفوا أنه قد صدقهم , فطلبوه ليقتلوه فجاء إلى بطن منهم ~~يقال له ( بنو غنم ) فنزل على سيدهم رجل فغيبه عنده , فعدوا على أصحاب صالح ~~يعذبونهم ليدلوهم ms2265 عليه قالوا : يا نبي الله ! إنهم يعذبوننا لندلهم عليك , ~~أفندلهم ؟ قال : نعم , فدلوهم عليه فأتوه فقال الغنمي : نعم عندي ولا سبيل ~~إليه , فتركوه وشغلهم عنه ما أنزل الله بهم كذا ذكر ذلك البغوي عن ابن ~~اسحاق ووهب وغيرهما مطولا . | PageV03P550 ولما ذكر نجاتهم من كل هلكة , ~~ذكر نجاتهم من خصوص ما عذب به قومهم فقالك { ومن } أي ونجيناهم من { خزي } ~~أي ذل وفضيحة { يومئذ } اي يوم إذجاء أمرنا بإهلاكهم بالصيحة وحل بهم دونهم ~~فرقا بين أوليائنا وأعدائنا , وحذف ( نجينا ) هنا يدل على أن عذابهم دون ~~عذاب عاد ؛ ثم عقب ذلك بتعليله إهلاكا وإنجاء باختصاصه بصفات القهر والغلبة ~~والانتقام فقال : { إن ربك } اي المحسن إليك كما أحسن إلى الأنبياء من قبلك ~~{ هو } أي وحده { القوي } فهو يغلب كل شيء { العزيز * } اي القادر على منع ~~غيره من غير أن يقدر احدعليه أو على الامتناع منه , من عز الشيء اي امتنع , ~~ومنه العزاز - للأرض الصلبة الممتنعة بذلك عن التصرف فيها ؛ والخزي : العيب ~~الذي تظهر فضيحته ويستحي من مثله ؛ ثم بين إيقاعه بأعدائه بعد إنجائه ~~لأوليائه فقال معظما للأخذ بتذكير الفعل : { وأخذ الذين ظلموا الصيحة } ~~وأشار إلى عظمة هذه الصيحة بإسقاط علامة التأنيث وسبب عنها قوله : { ~~فأصبحوا في ديارهم جاثمين * } اي ساقطين على وجوههم , وقيل : جاثين على ~~الركب موتى لا حراك بهمن وتقدم سر التعبير بالديار مع الصيحة والدار مع ~~الرجفة في الأعراف , وخصت هود بما ذكر فيها لأن مقصودها أعظم نظر إلى ~~التفصيل , وكل من الديار والصيحة أقرب إلى ذلك . | ولما كان الجثوم كناية ~~عن الموت أوضحه بقوله : { كأن } أي كأنهم { لم يغنوا } أي يقيموا أغنياء ~~لاهين بالغناء { فيها } ثم نبه - على ما استحقوا به ذلك لمن لعله يغفل ~~فيسأل - بقوله مفتتحا بالأداة التي لا تقال إلا عندالأمور الهائلة : { ألا ~~إن ثمودا } قراءة الصرف دالة علىالاستخفاف بهم لطيشهم في المعصية { كفروا ~~ربهم } أي أوقعوا التغطية والستر على المحسن غليهم بالخلق والرزق والإرسال ~~وهو الظاهر وبصفاته وأفعاله , فلا يخفى على أحد أصلا , فإيصال الفعل دون ms2266 ~~قصره كما في أكثر أضرابه بيان لغلظة كفرهم ؛ ثم كرر ذلك تأكيدا له وإعلاما ~~بتأبيد هلاكهم بقوله : { ألا بعدا لثمود * } ترك صرفهم في قراءة غير ~~الكسائي إيذانا بدوام لبثهم في الطرد والبعد ؛ والصيحة : صوت عظيم من فم حي ~~, والجثوم لدوام مكان واحد أو السقوط على الوجه , وقيل : القعود على الركب ~~؛ وقال { أصبحوا } زيادة في التخويف والتأسيف بما وقع لهم ن التحسير لو ~~أدركه أحد منهم لأن الإنسان يفرح إذا أصبح بقيامه من نومه مستريحا قادرا ~~على ما يريد من الحركات للاستمتاع بها بما يشتهي من التصرفات , فأصبح هؤلاء ~~- بعد هذه الصفة على ما قص الله - خفوتا أجمعين كنفس واحدة رجالا ونساء ~~صغارا وكبارا كأنهم بم يكونوا أصلا , ولا أصدروا فصلا ولا وصلا كأنهم لم ~~يكونوا للعيون قرة , ولم يعدوا في الأحياء مرة كأن لم يغنووا أي يقيموا ~~لانقطاع آثارهم إلا ما بقي من أجسادهم الدالة PageV03P551 على الخزي ؛ ~~والمغاني : المنازل , وأصل الغناء الاكتفاء ؛ ومعنى ( ألا ) التنبيه ؛ قال ~~الرماني : وهي ألف الاستفهام دخلت على ( لا ) فالألف تقتضي معنى , و ( لا ) ~~تنفي معنى , فاقتضى الكلام بهما معنى التنبيه مع نفي الغفلة - انتهى . | ~~وكان حقيقته - والله أعلم - أن ( لا ) دخلت على ما بعدها فنفته , ثم دخلت ~~عليها همزة الإنكار فنفتها , ومن المعلوم أن نفي النفي إثبات فرجع المعنى ~~كما كان على أتم وجوه التنبيه والتأكيد , لأن إثبات المعنى بعد نفيه آكد من ~~إثباته عريا عن النفي ولا سيما إذا كان المفيد لذلك الإنكار , وهذا المعنى ~~مطرد مدلولها في اللغة ثن تتصرف بما يقتضيه الحال والله الهادي ! ولما جاز ~~الصرف في ثمود باعتبار أنه اسم أبي القبيلة وعدمه باعتبار إطلاقه على ~~القبيلة اختير الصرف في النصب فقط لخفته . | < < # | هود : ( 69 - 76 ) ولقد جاءت رسلنا . . . . . # > > ^ ( ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث ~~أن جآء بعجل حنيذ * فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ~~قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط * وامرأته قآئمة فضحكت فبشرناها ~~بإسحاق ومن ورآء إسحاق ms2267 يعقوب * قالت يويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا ~~إن هذا لشيء عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت إنه حميد مجيد * فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجآءته البشرى يجادلنا في ~~قوم لوط * إن إبراهيم لحليم أواه منيب * يإبراهيم أعرض عن هذآ إنه قد جآء ~~أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ) ^ } ) | ولما انقضت القصة على هذا ~~الوجه ارائع , أتبهعا قصة لوط عليها لسلام إذ كانت أشهر الوقائع بعدها وهي ~~أفظع منها وأروع , وقدم عليها ما يتعلق بها من أمر إبراهيم عليها لسلام ذكر ~~بشراه لما في ذلك كله من التنبيه لمن تعنت بطلب إنزال الملائكة في قولهم { ~~أو جاء معه ملك } على أن ذلك ليس عزيزا عليه . | وقد أكثر من فعله ولكن ~~نزولهم مرهب , وأمرهم عند المكاشفة مرعب , وأما مع الستر فلا يقطع تعنتهمن ~~هذا مع ما في ذلك من مناسبة أمر هذا الولد لأمر الناقة في تكوين كل منهما ~~بخارق للعادة إشارة إلىتمام القدرة واكمال العلم المبني عليه أمر السورة في ~~إحكان الكتاب وتفصيله وتناسب جدالي نوح وإبراهيم عليهما السلام في أن كلا ~~منهما شفقة على الكافرين ورجاء لنجاتهم من العذاب بحسن المثاب , ولعله ~~سبحانه كرر ( لقد ) في صدرها عطفا على ما في قصة نو للتنبيه على مثل ~~الأغراض , لأن ( قد ) للتوقع فجاءت لتؤذن بأن السامع في حال توقع لذلك لأنه ~~إذا انقضت قصة الخبر عما بعدها فقال تعالى : { ولقد } قال PageV03P552 ~~الرماني : ودخلت اللام لتأكيد الخبر كما يؤكد القسم { جاءت رسلنا } أي ~~الذين عظمتهم من عظمتنا , قيل : كانوا جبرئيل وميكائيل وإسرافيل عليهم ~~السلام { إبراهيم } هو خليل الله عليه السلام { بالبشرى } أي التي هي من ~~أعظم البشائر وهي إكرامه بإسحاق عليه السلام ولدا له من زوجته سارة رضي ~~الله عنها , جاءوه في الصفة التي يحبها وهي صفة الأضياف , فلم يعرفهم مع ~~أنه الخليل بل إنكارهم كما قال تعالى في الذريات < # > 77 ( { قال سلام قوم منكرون } ) 77 < # > [ الذريات : 25 ] فيحمل إنكاره أولا على الاستغراب بمعنى ms2268 أنه لم ير ~~عليهم زي اهل تلك البلاد ولا أثر سفر , فكأنه قيل : ما كان من أمرهم ؟ فقيل ~~: { قالوا سلاما } أي سلمنا عليك سلاما عظيما { قال سلام } أي ثابت دائم ~~عليكم لا زوال له أبدا , فللرفع مزية على النصب لأنه إخبار عن ثابتن والنصب ~~تجديد ما لم يكن , فصار مندرجا في < # > 77 ( { فحيوا بأحسن منها } ) 77 < # > [ النساء : 86 ] ثم أكرم نزلهم وذهب يفعل ما طبعه الله عليه من سجايا ~~الكرم وأفعال الكرام في أدب الضيافة من التعجيل مع الإتقان { فما لبث } اي ~~فتسبب عن مجيئهم وتعقبه أنه ما تأخر { أن جاء بعجل حنيذ * } أي مشوي على ~~حجارة محماة في أخدود وفوقه حجارة محماة ليشتد نضجهن فكان بعد الشي يقطر ~~دسمه لأنه سمين , كل ذلك وهو لا يعرف أنهم ملائكة , بل هو قاطع بأنهم ممن ~~يأكل , وهذا ناظر غلى قول قوم نوح { وما نرى لكم علينا من فضل } وقوله { ~~ولا أقول للذين تزدري أعينكم } الآية , أي إن الله جعل المعاني في القلوب ~~وناط بها السعادة والشقاوة , وقد تخفي تلك المعاني كما خفي على أكمل أهل ~~ذلك الزمان أن ضيفه ملائكة حتى خاف منهم وقد أتوه بالبشرى , فلا ينبغي لأحد ~~أن يحتقر أحدا إلا بما أذن الله فيه . | ولما وضع الطعام بين أيديهم لم ~~يلموا به { فلما رأى ايديهم } اي الرسل عقب الوضع سواء { لا تصل إليه } أي ~~إلى العجل الذي وضعه ليأكلوه { نكرهم } أي اشتدت نكارته لهم وانفعل لذلك , ~~وهذا يدل على ما قال بعض العلماء : إن نر أبلغ من أنكر { وأوجس } اي أضمر ~~مخفيا في قلبه { منهم خيفة } أي عظيمة لما رأى من أحوالهم وشاهد من جلالهم ~~, وأصل الوجوس : الدخول , والدليل - على أن خوفه كان لعلمه بالتوسم أنهم ~~ملائكة نزلوا لأمر يكرهه من تعذيب من يعز عليه أو نحو هذا - أنهم { قالوا ~~لا تخف } ثم عللوا ذلك بقولهم { إنآ أرسلنآ } أي ممن لا يرد أمره { إلى قوم ~~لوط } فإنهم نفوا الخوف عنه بالإعلام بمن أرسلوا إليه , لا بكونهم ملائكة , ~~قالوا ms2269 ذلك وبشروه بالولد { وامرأته } أي جاءته الرسل بالبشرى أي ذكروها له ~~والحال أن زوجة إبراهيم التي هي كاملة المروءة وهي سارة { قآئمة } قيل : ~~على باب الخيمة لأجل ما لعلها تفوز به من المعاونة على خدمتهم , فسمعت ~~البشارة بالولد التي دل عليها فيما مضى قوله PageV03P553 { بالبشرى } { ~~فضحكت } أي تعجبت من تلك البشرى لزوجها مع كبره , وربما طنته من غيرها ~~لأنها - مع أنها كانت عقيما - عجوز , فهو من إطلاق المسبب على السبب إشارة ~~إلى أنه تعجب عظيم { فبشرناها } أي فتسبب عن تعجبها أنا أعدنا لها البشرى ~~مشافهة بلسان الملائكة تشريفا لها وتحقيقا أنه منها { بإسحاق } تلده { ومن ~~وراء إسحاق يعقوب } أي يكون يعقوب ابنا لإسحاق , والذي يدل على ما قدرته - ~~من أنهم بشروه بالولد قبل امرأته فسمعت فعجبت - ما يأتي عن نص التوراة , ~~والحكم العلد على ذلك كله قوله تعالى في الذريات < # > 77 ( { قالوا لا تخف وبشروه بلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهه ~~} ) 77 < # > [ الذاريات : 28 - 29 ] - الآية . | ولما شافهوها بذلك , صرحت بوجه ~~العجب من أنه جامع بين عجبين في كونه منه ومنا بأن { قالت يا ويلتي } وهي ~~كلمة تؤذن بأمر فظيع تخف على أفواه النساء ويستعملنها إلى اليوم , لكنهن ~~غيرن في لفظها كما غير كثير من الكالم ؛ والويل : حلول الشر ؛ والألف في ~~آخره بدل عن ياء الإضافة , كنى بها هنا عن العجب الشديد لما فيه من الشهرة ~~ومراجمة الظنون ؛ وقالالرماني : إن معناها الإيذان بورود الأمر الفظيع كما ~~تقول العرب : يا للدواهي ! أي تعالين فإنه من أحيانك فحضور ما حضر من ~~أشكالك . | ولما كان ما بشرت به منكرا في نفسه بحسب العادة قالت : { ءألد ~~وأنا } أي والحال أني { عجوز وهذا } أي من هة حاضري { بعلي شيخا } ثم ترجمت ~~ذلك بما هو تنيجة فقالت مؤكدة لأنه - لما له من خرق العوائد - في حيز ~~المنكر عندالناس : { إن هذا } أي الأمر المبشر به { لشيء عجيب } فكأنه قيل ~~: فماذا قيل لها ؟ فقيل : { قالوآ } اي الملائكة متعجبين من تعجبها { ~~أتعجبين من أمر الله } اي الذي ms2270 له الكمال كله , وهو لا ينبغي لك لأنك ~~معتادة من الله بما ليس لغيركم من الخوارق , والعجب إنما يكون مما خرج عن ~~أشكاله وخفي سببه , وأنت - لثبات علمك بالسبب الذي هو قدرة الله على كل شيء ~~وحضوره لديك مع اصطفاء الله لكم وتكرر خرقه للعوائد في شؤونكم - لست كغيرك ~~ممن ليس كذلك ؛ ثم عللوا إنكارهم لتعجبها بقولهم : { رحمت الله } أي كرامة ~~الذي لع الإحاطة بصفات الجلال والإكرام { وبركاته } أي خيراته النامية ~~الثابتة { عليكم } وبينوا خصوصيتهم بإسقاط أداة النداء مدحه لهم فقال : { ~~أهل البيت } قد تمرنتم على مشاهدة العجائب لكثرة ما ترون من آثاره بمثل ذلك ~~وغيره ؛ ثم علل إحسانه إليهم مؤكدا تثبيتا لأصل الكلام الذي أنكرته فقال : ~~{ إنه } أي بخصوص هذا الإحسان { حميد مجيد } أي كثير التعرف إلى من يشاء من ~~جلائل التعمم وعظيم المقدور بما يعرف أنه مستحق الحمد على المجد , وهو ~~الكرم الذي ينشأ عنه الجود , فلما سمعوا ذلك PageV03P554 واطمأنوا , أخذ في ~~قص ما كان بعدهن فقال مشيرا بالفاء إلى قلة زمن اللإنكار الذي هو سبب الفزع ~~: { فلما ذهب } بانكشاف الأمر { عن إبراهيم الروع } أي الخوف والفزع الشديد ~~{ وجآته البشرى } فامتلأ سرورا { يجادلنا } أي أخذ يفعل معنا بمجادلة رسلنا ~~فعل المجادل الذي يكثر كلامه إرادة الفتل مخاطبه عما يقوله { في قوم لوط } ~~أي يسألنا في نجاتهم سؤالا يحرص فيه حرص المجادل في صرف الشيء , من الجدل ~~وهو الفتل , ووضع المضارع موضع الماضي إشارة إلى تكرر المجادلة مع تصوير ~~الحال , أي جادلنا فيهم جدالا كثيرا ؛ ثم علل مجادلته بقوله : { إن إبراهيم ~~لحليم } أي بليغ الحلم , وهو إمهال صاحب الذنب على ما يقتضيه العقل { أواه ~~} أي رجاع للتأوه خوفا من التصير { منيب } أي راجع إلى الله بالسبق في ~~ارتقاء درج القرب , فهو - لما عنده هذه المحاسن - لا يزال يتوقع الإقلاع من ~~العصاة . | ولما كان أكثر المجادلة لما عنده من الشفقة على عباد الله لما ~~له بعد طول المجادلة منادين بالأداة التي هي أم الباب إعلاما بأن ما بعدها ~~عظيم الشأن ms2271 عالي المنزلة : { يا إبراهيم أعرض } اي بكليتك { عن هذا } أي ~~السؤال في نجاتهم ؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لأنه بمجادلته في حيز من ينكر ~~بت الأمر : { إنه قد } افتتحه بحرف التوقع لأنه موضعه { جآء أمر ربك } أي ~~الذي عوك بإحسانه الجم , فلولا أنه حتم الأمر بعذابهم لأمهلهم لأجلك , ولذا ~~عطف على العة قوله مؤكدا إعلاما بأنه أمر قد انبرم ومضى : { وإنهم آتيهم } ~~أي إتيانا ثابتا { عذاب غير مردود } اي بوجه من الوجوه من أحد كائنا من كان ~~؛ الإعراض : الانصراف , وحقيقة الذهاب عن الشيء في جهة العرض ؛ والرد : ~~إذهاب الشيء غلى ما جاء منه كالرجع ؛ والدفع اعم لأنه قد يكون إلى جهة ~~القدام ؛ فلما علم مراد الله فيهم , قدمه على مراده ولم ينطق بعده ببنت شفة ~~. | ذكر هذه القصة من التوراة : قال في السفر الأول : واستعلن الله ~~لإبراهيم في مرج - وفي نسخة : بين بلوط ممرى الأموراني - وكان جالسا على ~~باب خيمته إذ اشتد النهار , فرفع عينيه فنظر فإذا هو بثلاثة رجال وقوف على ~~رأسه , فلما رآهم أحضر إليهم من باب الخيمة وسجد على الأرض وقالك يا رب - ~~وفي نسخة : يا ولي الله - إن كان لي عندك مودة فلا تبعد عن عبدك حتى آتي ~~بما أغسل به أرجلكم , واتكئوا تحت الشجرة وأصيبوا شيئا من الطعام تقرون به ~~أنفسكم , ثم حينئذ تجوزون لأنكم مررتم بعبدكم بغتة فقالوا له : اصنع كما ~~قلت , فاستعجل إبراهيم فأحضر إلى الخيمة إلى سارة وقال : عجلي بثلاثة آصع ~~من درمك - وفي نسخة : دقيق سميد - فاعجنيه واخبزي منه مليلا , PageV03P555 ~~وسعى إلى قطيع البقر فأخذ عجلا سمينا شابا فدفعه إل الغلام وأمر بتعجيل ~~صنعته وأخذ سمنا ولبنا والعجل الذي صنع له ايضا فقربه إليهم , وكان هو ~~واقفا بين أيديهم تحت الشجرة وقالوا له : أين سارة امرأتك ؟ فقال : في ~~الخيمة , فقال له : إني أرجع إليك في مثل هذا الحين من قابل وهي في الحياة ~~ولها منك ابن , فسمعت سارة وهي على باب الخيمة مستترة وكان هو خلفها , وكان ~~إبراهيم وسارة قد شاخا ms2272 وقدم سنهما وانقطععن سارة سبيل النساء , فضحكت سارة ~~في قلبها وقالت : أني ي بالولد وقد شخت ؟ أيعسر هذا على الله ؟ إني ارجع ~~إليك في مثل هذا الحين من قابل وهي حية ولها ابن , فجحدت سارة وقالت : كلا ~~ما ضحكت , لأنها فزعت , فقال : كلا ! ولكنك قد ضحكت , ثم قام الرجال وعمدوا ~~طريق سدوم وعامورا , وانطلق معهم إبراهيم ليشيعهم . | وقال الله : أأكتم ~~عبدي إبراهيم شيئا مما أصنع ؟ وإبارهيم يكون رئيسا لشعب عظيم كبير , ~~وتتبارك به شعوب الأرض , لأني عالم أنه يوضي بنيه وأهل بيته من بعده أن ~~يحفظوا طرق الرب ليعملوا بالبر والعدل , لأن الرب يكمل لإبراهيم جميع ما ~~وعده به . | فقال الرب لإبراهيم : لقد وصل إلي حديث سدوم وعامورا وقد كثرت ~~خطاياهم جدا , ثم ولى القوم ومضوا إلى سدوم , وكان إبراهيم بعد واقفا قدام ~~الرب , فدنا إبراهيم وقال : يا رب ! تهلك الأبرار مع الفجار بغضب واحد ؟ إن ~~كان في القرية خمسون بارا أهلكهم بغضب واحد ؟ حاشاك يا رب أن تصنع هذا ~~الصنيع وتهلك البريء مع السقيم , ويكون البريء بحال السقيم , حاشا لك يا ~~حاكم الأرض كلها ! لا يكون هذا من صنيعك ! فقال الرب : إن وجدت بسدوم خمسين ~~بارا في القرية عفوت عن جميع البلد من أجلهم , فأجاب إبراهيم وقال : إني قد ~~بدأت بالكلام بين يدي الرب , وإنما أنا تراب ورماد , فإن نقص من الخمسين ~~بارا خمسة تخرب القرية كلها من أجل الخمسة ؟ فقال : لا أخربها إن وجدت بها ~~خمسة وأربعين بارا , فعاد إبراهيم وقال له : فإن وجد فيها أربعون ؟ فقال : ~~لا أخربها إن وجدت فيها أربعين , فقال : لا يمكن الرب كلامي فأتكلم , فإن ~~كان هناك ثلاثون ؟ فقالك لا أخربها إن وجدت فيها ثلاثين , فقال : إني قد ~~أمعنت في الكلام بين يدي الرب , فإن وجد بها عشرون ؟ فقال : لا أخربها من ~~أجل العشرين , فقال لانشقن على الرب , فأتكلم هذه المرة يارب فقط , فإن وجد ~~بها عشرة رهط ؟ فقال : لا أفسدها من أجل العشرة ؛ فارتفع استعالن الرب عن ~~إبراهيم لما فرغ إبراهيم من ms2273 كلامه ورجع إبراهيم إلى موضعه - انتهى . | وقد ~~مضى أمر حبل سارة وولادها في البقرة . | PageV03P556 < < # | هود : ( 77 - 80 ) ولما جاءت رسلنا . . . . . # > > ^ ( ولما جآءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب * ~~وجآءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يقوم هؤلاء بناتي ~~هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد * قالوا لقد ~~علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد * قال لو أن لي بكم قوة أو ~~آوي إلى ركن شديد ) ^ } ) | ولما انقضى أمر إنبائهم ببشارة الأولياء وهلاك ~~الأعداء , وعلم من ذلك أنهم لا ينزلون إلا للأمور الهائلة والأحوال المعجبة ~~, أخذ يقص أمرهم مع لوط عليه السلام , فقال عاطفا على ما تقديره : فعلوا مع ~~إبراهيم انفصالهم عن إبراهيم عليه السلام ما ذكر , ثم فارقوه نحو لوط , ولم ~~يذكر الحرف المصدري لأن سياقه ومقصود السورة لا يقتضي ذلك كما نشير غليه في ~~العنكبوت : { ولما جآءت رسلنا } على ما قارنهم من عظمتنا { لوطا } بعد ~~انفصالهم عن إبراهيم عليه السلام , وبين البلدين ثمانية أميال , وقيل : ~~أربعة فراسخ , استضافوه فلم يجد بدا من قبولهم على ما أوصى الله بالضيف ~~مطابقا لعوائد أهل المكارم , فقبلهم وأزمع المقاتلة عنهم لما رأى من حسن ~~أشكالهم ورونق جمالهم مع ما يعلم من قبح أفعال قومه وخبث سرائرهم , ولما ~~جاؤوه على هذه الصفة { سيء بهم } أي حصلت له المساءة بسبب نجيئهم إلى قريته ~~لما يعلم من لؤم أهلها , والتعبير عن هذا المعنى بالمبني للمفعول أحضر ~~وأوقع في النفس وأرشق { وضاق بهم ذرعا } أي ذرعه أي اتساعه في كل وقت قوة ~~أوتيها , وهو مثل يقال لمن لم يجد من المكروه مخلصا , وكادة ذرع - باي ~~ترتيب كان - تدور على الاتساع لأنه لا يذرع إلا الكثير , وذرع الرمل : اتسع ~~, وموت ذريع : فاس , والمذرع : الذي أمه عربية وأبوه غير عربي , فهو أكثر ~~أنتشارا ممن انحصر في أحدهما ؛ والذريعة : ما يتخلى به الصيد , فهو يوسع له ~~من الأمل ما يحمله على الإقدام ms2274 , وحلقة يتعلم عليه الرمي , والوسيلة لأنها ~~توصل المتوسل ؛ والذعر : الخوف , لاتساع الفكر فيه وتجويز أدنى احتمال ؛ ~~والعذر : إيساع الحيلة في وجه يزيل ما ظهر من التقصير , من العذور - للحمار ~~الواسع الجوف , وهو أضا الملك لسعته , والعذار : أوسع ما في الوجه , وأعذرت ~~الغلام : ختنته , أي أوسعت أكرته , والإعذار - لطعام الختان ونحوه منه , ~~وعذرة الجارية موجبة لعذرها في النفرة للخوف على نفسها , والعذرة : وجع في ~~الحلق , وهو سقوطه حتى يغمز , كأنه شبه بعذره البكر في سده الحلق بما يوجب ~~الغمز , وكذا العذرة - للناصية لبذل الجهد في المدافعة عنها , PageV03P557 ~~والعذراء : نجم إذا طلع اشتد الحر فاتسع بساط الأرض , والعذرة - بفتح ثم ~~كسر : فناء الدار , وبه سمي الحدث , والعذراء : شيء من حديد يعذب به ~~الإنسان , كأنه سمي لأنه يوسع بها , وأما عذر - بالتشديد - إذا قصر فهو ~~للسلب , أي فعل ما لا يوجد له عذر , وكذا تعذر الأمر أي صعب , يعني أنه ~~تحنب العذر فلم يبق لسهولته وجه , وأعذر - إذا كثرت عيوبه , أي دخل فيما ~~يطلب له العذر كأنجد . | ولما ذكر حاله , ذكر قاله بقوله : { وقال } اي لوط ~~{ هذا } أي اليوم { يوم عصيب * } أي شديد جدا لما أعلم من جهالة من أنا بين ~~ظهرانيهم , وهو مشتق من العصب وهو أطناب المفاصل وروابطها , ومدراه على ~~الشدة { وجاءه قومه } أي الذين فيهم قوة المحاولة { يهرعون } أي كأنهم ~~يحملهم على ذلك حامل لا يستطيعون دفعه { إليه } اي في غاية الإسراع فعل ~~الطامع الخائف فوت ما يطلبه , فهو يضطرب لذلك , أو لأجل الرعب من لوط عليه ~~السلام أو من الملائكة عليهم السلام . | ولما كان وجدانهم - فكيف عصيانهم - ~~لم يستغرق زمن القبل , أدخل الجار فقال : { ومن قبل } اي قبل هذا المجيء { ~~كانوا } أي جبلة وطبعا { يعملون } أي مع الاستمرار { السيئات } اي الفواحش ~~التي تسوء غاية المساءة فضربوا بها ومرنوا عليها حتى زال عندهم استقباحها , ~~فهو يعرف ما يريدون , وكأنهم كانوا لا يدعون مليحا ولا غيره من الغرباء , ~~فلذلك لم يذكر أن الرسل عليهم السلام كانوا على هيئة المرد الحسان , ولا ms2275 ~~قيد الذكران في قصتهم في موضع من المواضع بالمرودية . | فكأنه قيل : فما ~~قال لهم ؟ فقيل : { قال يا قوم } مستعطفا لهم { هؤلاء بناتي } حاديا لهم ~~إلى الحياء والكرم . | ولما كان كأنه قيل : ما نفعل بهن ؟ قال : { هن } ~~ولما كان في مقام المدافعة باللين , قال إرخاء للعنان في تسليم طهارة ما ~~يفعلونه على زعمهم مشيرا بلطافة إلى خبث ما يريدونه : { أطهر لكم } وليس ~~المراد من هذا حقيقته , بل تنبيه القوم على أنهم لا يصلون غليهم إلا إن ~~وصلوا إلى بناته لأن الخزي فيهما على حد سواء أو في الضيف أعظم , وزمثل هذا ~~أن يشفع الإنسان فيمن يضرب , فإذا عظم الأمر ألقى نفسه عليه فصورته أنه ~~فعله ليقيه الضرب بنفسه , ومعناه احترامه باحترامه , وعلى هذا يدل قوله في ~~الآية الأخرى { إن كنتم فاعلين } وهنا قوله : { فاتقوا الله } أي الملك ~~الأعظم في هذا الأمر الذي تريدونه { ولا تخزون } أي توقعوا بي الفضيحة التي ~~فيها الذل والهوان والعار { في ضيفي } إذ لا يشك ذو مسكة من أمره في أن ~~التقوى إذا حصلت منعت من الأمرين , وأن الخزي على تقدير عدمها في البنات ~~أعظم لأنه عار لازم للزوم البنات PageV03P558 للأب , وكل هذا دليل على أنه ~~لا يشك أنهم آدميون ولم يلم بخاطر أنهم ملائكة , فهو تنبيه للكفار على أنه ~~لا ينتفع بإنزال الملائكة إلا البار الراشد التابع للحق ؛ ثم أنكر أشد ~~الإنكار حالهم في أنهم لا يكون منهم رشبد حثا على الإقلاع عن الغي ولزوم ~~سبيل الرشد فقال : { أليس منكم رجل } اي كامل الرجولية { رشيد * } كامل ~~الرشد ليكفكم عن هذا القبيح , فلم يكن منهم ذلك , بل { قالوا لقد علمت } أي ~~يا لوط مجرين الكلام على حقيقته غير معرجين على ما كني به عنه { ما لنا في ~~بناتك } وأغرقوا في ا لنفي فقالوا : { من حق } أي حاجة ثابتة , ولم يريدوا ~~به ضد الباطل لأن البنات والضيف في نفي حقهم عنهم سواء , وأكدوا معلمين بما ~~لهم من الرغبة في الفجور وقاحة وجرأة فقالوا : { وإنك لتعلم } إي علما لا ms2276 ~~تشك فيه { ما نريد * } وهو إتيان الذكور للتطرق والتطرف , فحملوا عرضه ~~لبناته على الحقيقة خبثا منهم وشرعوا يبنون على ذلك بوقاحة وعدم مبالاة ~~بالعظائم , فأخبر تعالى عن قوله لهم على طريق الاستئناف بقوله : { قال } اي ~~متمنيا أن يكون له بهم طاقة ليروا ما يصنع من الإيقاع بهم متفجعا على فوات ~~ذلك { لو أن لي بكم } أي في دفعكم { قوة } بنفسي { أو } لو أني { آوي } من ~~الأعوان والأنصار { إلى ركن شديد * } أي جماعة هم كالركن الموصوف بالشدة ~~لحلت بينكم وبين ما جئتم له , وحذفه ابلغ لذهاب النفس فيه كل مذهب ؛ والسوء ~~: ما يظهر مكروه لصاحبه ؛ والعصيب : الشديد في الشر خاصة كأنه التف شره ؛ ~~والقوة خاصة يمكن أن يقع بها الفعل أن لا يقع ؛ والركن : معتمد البناء بعد ~~الأساس , واركن هنا من هو مثله ؛ والشدة : مجمع يصعب معه الإمكان , ووصفه ~~الركن بالشدة وهو يتضمنها تأكيد يدل على أن قومه كانوا في غاية القوة ~~والجلاة , وأنه كان يود معاجلتهم لو قد . | وذلك أن كادة ( ركن ) بكل ترتيب ~~تدور على الرزانة , من ركن - بالضم بمعنى رزن , ويلزمهما القوة , ومنه ~~الركن للجانب الأقوى والأمر العظيم وما يتقوى به من ملك وجند وغيره والعز ~~والمنعة , ومن ذلك النكر بالضم للدهاء والفطنة , والنكر للمنكر والأمر ~~الشديد وما يخرج من الزخير من دم أو قيح , نكر الأمر : صعب وطريق ينكور : ~~على غير قصد , والمنكر ضد المعروف لأن الشيء إذا جهل صعب أمره , وتناكر ~~القوم : تعادوا , والتنكر : الغير من حال يسر إلى حال يكره , والمكنر - ~~كمحدث : الضخم السمج , ويلزم الرزانة أيضا الميل والسكون , ومنه ركن إليه - ~~بالفتح : مال وسكن , وركن بالمنزل - بالكسر : أقام ؛ والكنارة - بالكسر ~~والتشديد : الشقة من ثياب الكتان , لأنه يمال إليه لبهجته , وكذا الكنارات ~~للعيدان والطبول , والكران ككتاب للعود أو الصنج , أو يكون ذلك من الشدة ~~لقوة أصواتها - والله أعلم . | PageV03P559 < < # | هود : ( 81 - 83 ) قالوا يا لوط . . . . . # > > ^ ( قالوا يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ~~ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ms2277 مآ أصابهم إن موعدهم الصبح أليس ~~الصبح بقريب * فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من ~~سجيل منضود * مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد ) ^ } ) | فما عظم ~~الشقاق وضاق الخنق كان كأنه قيل : ما قال له الرسل ؟ فقيل : { قالوا } ~~ودلوا بحرف النداء الموضوع للبعد على انه كان قد خرج عن الدار وأجاف بابها ~~وأن الصياح كان شديدا { يا لوط } إنك لتأوي غلى ركن شديد ؛ ثم عللوا ذلك ~~بقولهم : { إنا رسل ربك } اي المحسن إليك بإحسانك وكل ما ترى مما يسوءك ~~ويسرك ؛ ثم لما ثبت له ذلك كان من المحقق أنه سبب في إلا يداينه معه سوء ~~فأوضحوه بقولهم : { لم يصلوا إليك } من غير احتياج إلى الربط بالفاء , أي ~~ونحن مهلكوهم وقالبوا مدنهم بهم { فأسر } اي سر بالليل ماضيا { بأهلك } ~~موقعا ذلك السير والإسراء { بقطه } أي بطائفة , أي والحال أنه قد بقي عند ~~خروجك جانب { من اليل ولا يلتفت } أي ينظر إلى ورائه ولا يتخلف { منكم أحدا ~~} أي لا تلتفت أنت ولا تدع أحدا من أهلك يلتفت { إلا امرأتك } استثناء من ( ~~أحد ) بالرفع والنصب لأن المنهي كالمنفي في جواز الوجهين , والنهي له صلى ~~الله عليه وسلم , فالفعل بالنسبة إليه منهي , وبالنسبة إليهم منفي . | ~~ويمكن أن يكون أخرجها معه لأن معنى الاستثناء أنه غير مأمور بالإسراء بها ~~إلا أنه منهي عنه , واستثناءها من الالتفات معهم مفهم أنه لا حجر عليه في ~~الإسراء بها , أو أنه خلفها فتبعتهم والتفتت , فيكون قراءة النصب من { أهلك ~~} , وقراءة الرفع من { أحد } ولا يلزم من ذلك أمرها بالالتفات بل مخالفتها ~~للمستثنى منه في عدم النهي , ولذلك عللوا ما أفهمه إهمالها من الإسراء ~~والنهي من أنها تلتفت بقولهم مؤكدين لأن تعلق الأمل بنجاتها شدبد رحمة لها ~~: { إنه } أي الشأن { مصيبها } لا محالة { ما أصابهم } سواء التفت أو لا , ~~تخلفت أو لا , ثم ظهر لي من ا لتعبير في حقها باسن الفاعل وفي حقهم بالماضي ~~أنه حكم بإصابة العذاب لهم عند هذا القول للوط عليه السلام ms2278 لأن ذنوبهم تمت ~~, وأما هي قإنما يبرم الحكم بذلك في حقها عند تمام ذنوبها التي رتبت عليها ~~الإصابة وذلك عند الالتفات . | ولما عبروا بالماضي تحقيقا للوقوع وتنبيها ~~علىأنه تقدم دخولها معهم في أسباب العذاب , كان منبها لأن يقالك كان ~~الإيقاع بهم قد دنا بهم جدا ؟ فقيل : نعم , وأكد تحقيقا للوقوع تلذيذا به ~~ولأنه - لقرب الوقت - بحيث ينكر : { إن موعدهم } أي لابتداء الأخذ { الصبح ~~} وكأن لوطا عليه السلام أبطأ في جميع أهله وما يصلحهمن فكان فعله ~~PageV03P560 فعل من يستبعد الصبح , فأنكروا ذلك بقولهم : { أليس الصبح ~~بقريب * } أي فأسرع الخروج بمن أمرت بهم ؛ والإسراء : سير الليل كالسرى . | ~~ولما انقضى تسكين لوط عليه السلام والتقدم إليه فيما يفعل , أخبر تعالى عن ~~حال قومه فقال : { فلما جاء أمرنا } بالفاء لما مضى في قصة صالح عليه ~~السلام من التسبيب والتعقيب , أي فلما خرج منها لوط بأهله جاءنا أمرنا , ~~ولما جاء أمرنا الذي هو عذابنا والأمر به { جعلنا } بما لنا من العظمة { ~~عاليها } أي عالي مدنهم وهم فيها { سافلها وأمطرنا عليها } أي على مدنهم ~~بعد قلبها من أجلهم وسيأتي في سورة الحجر سر الإتيان هنا بضمير ( ها ) دون ~~ضمير ( هم ) { حجارة من سجيل } أي مرسلة من مكان هو في غاية العلو { منضود ~~} بالحجارة هي فيه متراكبة بعضها على بعض حال كونها { مسومة } أي معلمة ~~بعلامات تدل على أنها معدة للعذاب من السيما والسومة وهي العلامة تجعل ~~للإبل الشائمة لتتميز إذا اختلطت في المرعى , وفي الذريات < # > 77 ( { حجارة من طين } ) 77 < # > [ الذاريات : 33 ] وذلك أن الحجارة اصلها تراب يجعل الله فيه بواسطة ~~الماء قابلية للاستحجار كما جعل فيه قابلية التحول إلى المعدن من الذهب ~~والفضة والحديد وغيرها , فباعتبار أصله هو طين , وباعتبار أوله حجر وكبريت ~~ونار , ولعل حجر الكبريت أثقل الحجارة مع ما فيه من قوة النار وقبح الريح ؛ ~~ثم فخمها بقوله : { عند ربك } وعبر بالرب إشارة إلى كثرة إحسانه وإليه وا , ~~ه إنما أمره صلى الله عليه وسلم بالإنذار وحمة لأمته التي جعلها خير الأمم ~~وسيجعلها ms2279 أكثر الأمم , ولا يهلكها كما أهلكهم ؛ ومادة سجل - بأي ترتيب كان ~~- تدور على العو , من الجلس للغيظ من الأرض والجمل الوثيق , ويلزم ~~العلوالتصويب ومن جلس - إذا قعد ؛ والسجل للدلو العظيمة , ويكون غالبا في ~~مقابلتها أخرى , كلما نزلت واحدة طلعت الأخرى , فتاتي المساجلة بمعنى ~~المبادرة والمفاخرة , والسجل : الضرع العظيم , والسجل - بالكسر وشد اللام : ~~الكتاب لنه يذكر فيه ما يكون به المفاخرة والمغالبة ؛ وسلج الطعام : بلعه , ~~والسلجان : نبات رخو , كأنه سمي بذلك لأن أغصانه تأخذ إلى أسفل لرخاوتها , ~~وقد دل على هذا المعنى في هذه الآية بثلاثة أشياء : الإمطار , وافظ ( على ) ~~, وسجيل . | ولما كان المعنى أنها من مكان هو في غاية العلو ليعظم وقعها , ~~حسن كل الحسن اتباع ذلك قوله : { وما هي } على شدة بعد مكانها { من ~~الظالمين } أي من أحد من العريقين في الظلم في ذلك الزمان ولا هذا ولا زمن ~~من الأزمان { ببعيد } لئلا يتوهم الاحتياج في وصولها إلى المرمى بها إلى ~~زمن طويل . | PageV03P561 ذكر هذه القصة من التوراة : قال في السفر الأول ~~بعد ما مضى في قصة بشرى إبراهيم عليه السلام : فأتى الملكان إلى سدوم عشاء ~~, وكان لوط جالسا على باب سدوم , فنظر إليهما لوط فتلقاهما , ثم خر على ~~وجهه ساجدا على الأرض وقال : إني طالب إليكما يا سيدي , اعدلا إلى منزل ~~عبدكما فبيتا فيه واغسلا اقدامكما وبكرا فانطلقا في طريقكما , فقالا : كلا ~~! ولكنا نبيت في السوق , فألح عليهما لوط إلحاحا شديدا فانصرفا معه ودخلا ~~منزله فأعد لهما طعاما , ومن قبل وقت الهجوع إذا أهل القرية أهل سدوم قد ~~أحاطوا بالباب من الشبان إلى المشايخ جميع إلينا فنعرفهما - وفي نسخة : حتى ~~نواقعهما - فخرج لوط إليهم وأغلق الباب خلفهن فقال لهم لوط : لا تسيئوا بي ~~يا إخوة ! هذا لي بنتان لم يمسهما رجل , أخرجهما إليكم فاصنعوا بهما ما حسن ~~في أعينكم , ولا ترتكبوا من هذين الرجلين شيئا لأنهما ولجا ظلال بيتي , ~~فقالوا له : تنح عنا , إن واحدا أتى ليسكن بيتنا فصار يحكم فينا , فالآن ~~نسيء إليك أكثر منهما , فجاهد لوط ms2280 القوم جدا فدنوا ليكسروا الباب فمد ~~الرجلان أيديهما فأدخلا لوطا إليهما إلى منزله , ثم إن القوم الذين كانوا ~~بالباب ضربوا بالعشى من كبيرهم حتى صغيرهم فأعيوا في طلب الباب , فقال ~~الملكان للوط : ماتصنع هاهنا ؟ اعند إلى أختانك وبينك وبناتك وجميع ما لك ~~في هذه القرية فأخرجهم من هذه البلدة لأنا نريد الخسف بالبلدة لأن فعالهم ~~وخبث صنيعهم قد بلغ الرب , فارسلنا الرب لنفسدها , فخرج لوط وكلم أختانه ~~وأزواج بناته وقال لهم : قوموا فاخرجوا من هذه القرية فإن الرب مزمع ~~لخرابها , وكان عند أختانه كالمستهزىء بهم , فلما كان عند طلوع الصبح ألح ~~الملكان على لوط قالا له : قم فأخرج امرأتك وابنتيك اللتين معك لكيلا تبتلي ~~بخطايا أهل هذه القرية , فابطأ لوط فأخذ الملكان بيده وبيد امرأته وابنتيه ~~لأن الله رحمه فأخرجاه وصيراه خارجا عن القرية , فلما أخرجاهم خارجا قالا ~~له : انج بنفسك ولا تلتفتن غلى خلفك ولا تقف في شيء من جميع القاع , ~~والتجىء إلى جبل وخلص نفسك , فقال لهما لوط : أكلب إليكما يا سيدي أن أظفر ~~الآن لأن عبدكما برحمة ورأفة كثرت نعماكما إلي لتحيي نفسي , لست اقدر أن ~~انجو إلى الجبل , لعل الشر يرهقني فأموت , وهذه القرية هي قريبة للهرب ~~إليها وهي صغيرة , أتأذنان لي بالهرب إليها لأنها حقيرة , فلتحييا نفسي , ~~فقال له : قد شفعتك في هذا أيضا فلا أقلب هذه القرية التي سألت , أسرع فانج ~~نفسك إلى هناك , لأنا لسنا نقدر أن نعمل شيئا حتى تدخلها , ولذلك سميت تلك ~~القرية صاغار - وفي نسخة : زغر - فشرقت الشمس على الأرض وقد دخل لوط صاغار ~~, وفي نسخة : زغر - فأهبط الرب على PageV03P562 سدوم وعامورا نارا وكبريتا ~~من بين يدي الرب من السماء فقلب هذه القرى والقاع بأسره , وأهلك جميع ~~سكانها وجميع من فيها وجمع نبت الأرض , فالتفتت امرأته إلى خلفها لتنظر ~~فصارت نصبة ملح , فأدلج إبراهيم باكرا غلى المرضع الذي كان يقف فيه بين يدي ~~الرب ؛ فمد بصره نحو سدوم وعامورا وإلى جميع أرض القاع فنظر فإذا دخان ~~القرية يرتفع كدخان الأخدود ms2281 , فلما خسف الله قرى القاع ذكر الله إبراهيم ~~فارسل لوطا من المأفوكة إذ قلب الله القرى التي كان ينزلها لوط فطلع لوط من ~~صاغار - وفي نسخة : زغر - فسكن الجبل هو وابنتاه معه لأنه تخوف أن يسكن ~~صاغار , فجلس في مغارة . | < < # | هود : ( 84 - 85 ) وإلى مدين أخاهم . . . . . # > > ^ ( وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ~~* ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشيآءهم ولا تعثوا ~~في الأرض مفسدين ) ^ } ) | ولما انتهت القصة معلمة لما قام به لوط عليه ~~السلام من أمر الله غير وان لرغبة ولا رهبة وبما في إنزال الملائكة من ~~الخطر , أتبعت أقرب القصص الشهيرة إليها في الزمن فقال تعالى : { * وإلى } ~~أي ولقد أرسلنا إلى { مدين } وهم قبيلة أبيهم مدين بن إبراهيم عليه السلام ~~{ أخاهم شعيبا } فكأن قائلا قال : ما قال لهم ؟ فقيل : { قال } ما قال ~~إخوانه من الأنبياء في البداءة بأصل الدين : { يا قوم } مستعطفا لهم مظهرا ~~غاية الشفقة { اعبدوا الله } أيا لملك الأعلى غير مشركين به شيئا لأنه واحد ~~{ ما لكم } وأغرق في النفي فقال : { من إله غيره } فلقد اتفقت - كما ترى - ~~كلمتهم واتحدت إلى الله وحده دعوتهم , وهذا وحده قطعي الدلالة على صدق كل ~~منهم لما علم قطعا من تباعد أعصارهم وتنائي ديارهم وأن بعضهم لم يلم ~~بالعلوم ولا عرف أخبار الناس إلا من الحي القيوم ؛ قال الإمام شهاب الدين ~~عمر بن محمد السهروردي في كتابه ( رشف النصائح الإيمانية وكشف الفضائح ~~اليونانية ) في ذكر الأنبياء : اتحدت مصادرهم كأنهم بينان مرصوص , عبروا ~~بألسنة مختلفة تنتهي إلى بحر متصل بالقلوب متحد بها يستمد من البحر المحيط ~~بعالمي الشهادة والغيب , واختلفت الموارد من الشرائع بحسب ما اقتضت الحكمة ~~الإلهية من مصلحة أهل كل زمان وكل ملة , فما ضر اختلافهم في الفروع مع ~~اتحادهم في الأصول , وقال قبل ذلك : إن الفلاسفة لما لم يغترفوا من بحار ~~الأنبياء وقفت بهم أفراس أفكارهم في ms2282 عالم الشهادة , فلما حاولوا الخوض في ~~الإلهيات انكشفت عورة جهلهم وافتضحوا باضطرابهم واختلافهم ^ ( { تحسبهم ~~جميعا وقلوبهم شتى } ) ^ [ الحشر : 14 ] القطع بهم سير الفكر في منتهى عالم ~~الملك والشهادة ولم يدخل PageV03P563 إسكندر نظرهم ظلمات عالم الغيوب حتى ~~يظفروا بعين الحياة التي من شرب منها لا يموت - انتهى . | ولما دعا إلى ~~العدل فيما بينهم وبين الله , دعاهم إلى العدل فيما بينهم وبين عبيده في ~~اقبح ما كانوا قد اتخذوه بعد الشرك ديدنا فقال : { ولا تنقصوا } اي بوجه من ~~الوجوه { المكيال والميزان } لا الكيل ولا آلته ولا الوزن ولا آلته ؛ ~~والكيل : تعديل الشيء بالآلة في القلة والكثرة ؛ والوزن : تعديله في الخفة ~~والثقلن فالكيل للعدل في الكمية والوزن للعدل في الكيفية ؛ ثم عل ذلك بقوله ~~: { إني أراكم بخير } أي بسعة تغنيكم عن البخس - مرهبا ومرغبا بالإشارة ~~للنقمة كما أن الشكر موجب للنعمة . | ولما كان كأنه قيل : فإني أخاف عليكم ~~الفقر بالنقص , عطف عليه مؤكدا لإنكارهم : { وإني أخاف عليكم } به وبالشرك ~~{ عذاب يوم محيط * } بكم صغارا وكبارا وبأموالهم طيبا وخبيثا , اي مهلك ~~كقوله < # > 77 ( { وأحيط بثمره } ) 77 < # > [ الكهف : 42 ] وأصله من إحاطة العدو , ووصف اليوم بالإحاطة أبلغ لأنه ~~محيط بما فيه من عذاب وغيره , والعذاب محيط بالمعذب فذكر المحيط بالمحيط ~~أهول , وهو الدائر بالشيء من كل جانب , وذلك يكون بالتقاء طرفيه ؛ والنقصان ~~: أخذ شيء من المقدار كما أن الزيادة ضم شيء إليه , وكلاهما خروج عن ~~المقدار ؛ والوزن , تعديل الشيء بالميزان , كما أن الكيل تعديله بالمكيال , ~~ومن الإحاطة ما رواه ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لم ينقص قوم ~~المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم , ولم ~~يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء , ولولا البهائم لم يمطروا ~~. | ولماكن عدم النقص قد يفهم منه التقريب , أتبعه بما ينفي هذا الاحتمال ~~وللتنبيه على أنه لا يكفي الكف عن تعمد التطفيف , بل يلزم السعي في الإيفاء ~~ولو بزيادة لا يتأتى بدونها , ولأن التصريح بالأمر بالشيء بعد النهي عن ضده ~~أوكد , فقال ms2283 مستعطفا لهمبالتذكير بأنه منهم يسوءه ما يسءهم وبأنهم لما ~~عطاهم الله من القوة جديرون بأن يعرضوا عن تعاطي سفساف الأخلاق ورذائلها : ~~{ ويا قوم } أي أيها الذين لهم قوة في القيام فيما ينوبهم { أوفوا } اي ~~أتموا إتماما حسنا { المكيال والميزان } أي , المكيل PageV03P564 والموزون ~~وآلتهما ؛ وأكده بقوله : { بالقسط } أي العدل السوي , فصار الوفاء مأمورا ~~له في هاتين الجملتين مرارا تأكيدا له وحرصا عليه لعموم نفعه وشمول بركته , ~~فزال بالمجموع توهم المجاز على أبلغ وجه , وقد مضى في الأنعام ويأتي في هذه ~~االسورة عند { غير منقوص } أن الشيء يطلق مجازا على ما قاربه ؛ ثم أكده ~~أيضا بتعميم النهي عن كل نقص بذلك وغيره في جميع الأموال فقال : { ولا ~~تبخسوا } أي تنقصوا على وجه الجحد والإهانة { الناس أشياءهم } ثم بين أن ~~أفعالهم ثمرة الهجوم عن غير فكر لأنها ليست ناشئة عن شرع فاولها سفه وآخرها ~~فساد فقال : { ولا تعثوا في الأرض } أي تتصرفوا وتضطربوا فيها عن غير بصسرة ~~ولا تأمل حال كونكم { مفسدين * } أي فاعلين ما يكون فسادا في المعنى كما ~~كان فسادا في الصورة , فهو دعاء إلى تقديم التأمل والتروي على كل فعل وذلك ~~لأن مادة ( عثى ) بكل ترتيب دائرة على الطلب عن غير بصيرة , من العيث - ~~للأرض السهلة , فإنها لسهولتها يغتر بها فيسلكها الغبي بلا دليل فيأتي ~~الخفاء والجهل , ومنه التعييت - لطلب الأعمى الشيء ؛ والأعثى : الأحمق ~~التقيل , واللون إلى السواد , والكثير الشعر , ويلزم ذلك اتباع الهوى فيأتي ~~الإفساد والمسارعة فيه , وذلك هو معنى العثى ؛ قال أئمة اللغة ( عثى وعاث , ~~: أفسد , وفي مختصر العين للزبيدي : عثى في الأرض بمعنى عاث يعيث عيثا , ~~وهو الإسراع في الفساد , المعنى على ما قا لالجمهور : ولا تفعلوا الفساد ~~عمدا وهو واضح , وعلى ما قدرته من أصل المعنى الذي هو للمدار أوضح , وعلى ~~ما قال الزبيدي : ولا تسرعوا فيه , فلا يزن أنه يكون الإسراع حينئذ يدا حتى ~~ينصب النهي إليه , بل هو إشارة غلى أنه لا يكون الإقدام بلا تأمل إلا كذلك ~~لملاءمته للشهوة - والله أعلم ؛ والوفاء : تمام ms2284 الحق ؛ والبخس : النقص , ~~فهو اخص من الظلم لأنه وضع الشيء في غير موضعه . | < < # | هود : ( 86 - 88 ) بقية الله خير . . . . . # > > ^ ( بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ومآ أنا عليكم بحفيظ * قالوا ~~يشعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد ءاباؤنآ أو أن نفعل في أموالنا ما ~~نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد * قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ~~ورزقني منه رزقا حسنا ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه إن أريد إلا ~~الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ) ^ } ) | ~~ولما كان نظرهم بعد الشرك مقصورا على الأموال , وكان نهيه عما نهيه عما نهى ~~عنه موجبا لمحقها في زعمهم , كاوا كأنهم قالوا : إنا إذا اتبعناك فيما قلت ~~فنيت أموالنا أو قات فتضعضعت أحوالنا , فلا يبقى لنا شيء ؟ فقال : { بقيت ~~الله } أي فضل الملك الأعلى PageV03P565 المستجمع لصفات الكمال , وبركته في ~~أموالكم وجميع أحوالكم وإبقائه عليكم نظره إليكم الموجب لعفوه الذي هو ثمرة ~~اتباع أمره { خير لكم } مما تظنونه زيادة بالنقص والظلم , وذلك أن بقية ~~الشيء ما فضل منه , وتكون أيضا بمعنى البقيا , من أبقى عليه يبقي إبقاء , ~~واستبقيت فلانا - إذا عفوت عن ذنبه , كأن ذلك الذنب أوجب فناء وده أو فناه ~~عندك , فإذا استبقيته فقد تركت ما كان وجب , ويقولون : أراك تبقي هذا ببصرط ~~- إذا كان ينظر إليه - قاله الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه الجامع , ~~وسيأتي في آخر السورة بيان ما تدور عليه المادة . | ولما كلانت خيرية ما ~~يبقيه العدل من الظهور بمحل لا يخفى على ذي لب , تركها وبين شرطها بقوله : ~~{ إن كنتم } أي جبلة زطبعا { مؤمنين } أي راسخين في الإيمان إشارة إلى أن ~~خيرتها لغير المؤمن مبينة على غير اساس , فهي غير مجدية إلا في الدنيا , ~~فهي عدم لسرعة الزوال والنزوح عنها والارتحال , ودلت الواو العاطفة على غير ~~مذكور أن المعنى : فآمنوا فاعلين ما أمرتكم به لتظفروا بالخير فإنما أنا ~~نذير { وما أنا } وقدم ما يتوهموننه من قصده للاستعلاء نافيا له فقال ms2285 : { ~~عليكم } وأعرق في النفي فقال : { بحفيظ * } أعلم جميع أعمالكم وأحوالكم ~~وأقدر على كفكم عما يكون منها فسادا ؛ وأصل البقية ترك شيء من شيء قد مضى . ~~| ولما كان الحاصل ما دعاهم إليه ترك ما كان عليه آباؤهم من السفه في حق ~~الخالق بالشرك والخلائق بالخيانة , وكان ذلك الترك عندهم قطيعة وسفها , كن ~~ذلك محكا للعقول ومجزا للآراء يعرف به نافذها من جامدها , فكان كأنه قيل : ~~ما قالوا ؟ فقيل : { قالوا يا شعيب } سموه باسمه جفاء وغلظة وانكروا عليه ~~مستهزئين بصلاته { اصلاتك تأمرك } أي تفعل معك فعل من كان يأمر دائما ~~بتكليفنا { أن تنرك ما يعبد } أي على سبيل المواظبة { آباؤنا أو } نترك { ~~أن نفعل } أي دائما { في أموالنا ما نشاء } من قطع الدهم والدينار وإفساد ~~المعاملة والمقامرة ونحوها مما يكون إفسادا للمال , يعنون أن ما تأمرناا به ~~لا يمشي عل منهاج العقل , فما يأمرك به إلا ما نواك تفعله من هذا الشيء ~~الذي تسميه صلاة , أي أنه من وداي : فعلك للصلاة ؛ ومادة صلا - واوية ~~ويائية مهموزة وغير مهموزة بجميع تقاليبها - تدور على الوصلة , فالصلاة ~~لصلة العبد بربه , وكذا الدعاء والاستغفار , وصلوات اليهود : كنائسهم ~~اللاتي تجمعهم , والصلا : وسط الظهر ومجمعه وما حول الذني أيضا , والمصلى ~~من الخيل : التابع للسباق , وصال الفحل - إذا حمل على العنة , ولصوت الرجل ~~واصيته : عبته , كأنك ألصقت به العيب , والواصلة واضحة في ذلك , وكأنها ~~الحقيقة التي تفرعت منها جميع معاني المادة , وسيأتي شرح ذلك عند ~~PageV03P566 قوله تعالى < # > 77 ( { بالغدو الآصال } ) 77 < # > في سورة الرعد إن شاء الله , فمعنى الآية حينئذ : أما تعانيه من ~~الصلوات : الحقيقية ذات الأركان , والمعنوية من الدعاء والاستغفار وجميع ~~أفعال الر الحاملة على أنواع الوصل الناهية عن كل قطيعة تامرك بمجاهرتنا ~~لآبائنا بالقطيعة مع تقدير حضوركم ومشاهدتهم لما نفعل مما يخالف أغراضهم ~~وبترك التنمية لأموالنا بالنقص وهو مع مخالفة افعال الآباء تبذير فهو سفه - ~~فدارت شبهتهم في الأمرين على تلقيد الآباء وتنزيههم عن الغلط لاحتمال أن ~~يكون لأفعالهم وجه من الصواب خفي عنهم , وزادت في ألأموال ms2286 بظن التبذير - ~~فقد صرت بدعائنا إلى كل من الأمرين حينئذ داعيا إلى ضد ما أنت متلبس به { ~~إنك } إذا { لأنت } وحدك { الحليم } في رضاك بما يغضب منه ذوو الأرحام { ~~الرشيد * } في تضييع الأموال , يريدون بهذا كما زعموا - سلخه من كل ما هو ~~متصف به دونهم من هاتين الصفتين الفائقتين بما خيل غليهم سفههم أنه دليل ~~عليه قاطع , وعنوا بذلك نسبته إلى السفه والغي على طريق التهكم . | ولما ~~اتهموم بالقطيعة والسفه , شرع في إبطال مكا قالوا ونفي التهمة فيهن وأخرج ~~مخرج الجواب لمن كأنه قا : ما أجابهم به ؟ فقيل : { قال يا قوم } مستعطفا ~~لهم بما بينهم من عواطف القرابة منبها لهم على حسن النظر فيما ساقه على ~~سبيل الفرض والتقدير ليكون أدعى غلى الوفاق والإنصاف { أرءيتم } أي أخبروني ~~{ إن كنت } أي كونا هو في غاية الثبات { على البينة } أي برهان { من ربي } ~~الذي أحسن غلي بما هو إحسان إليكم , وعطف على جملة الشرط المستفهم عنه فوله ~~: { و } قد { رزقني } وعظم الرزق بقوله : { منه رزقا حسنا } جليلا ومالا ~~جما حلالا لم أظلم فيه أحد , والجواب مجذوف لتذهب النفس فيه كل مذهب , ~~ويمكن أن يقال فيه : هل يسع عاقلا أن ينسبني غلى السفه بتبذير المال بترك ~~الظلم , أو يسعني أن أحلم عنم عبد غيره وأترك دعاءكم إلى الله , فقد بان ~~بهذا أني ما أمرتكم بما يسوءكم من ترك ما ألفتم وتعرضت لغضبكم كلكم , وتركت ~~مثل أفعالكم إلا خوفا من غضبه ورجاء لرضاه , فظهر أن لا تهمة في شيء من ~~أمري ولا خطأ , ما فعلت قط ما نهيتكم عنه فيما مضى { وما أريد } أي في وقت ~~من الأوقات { أن أخالفكم } أي بأن أذهب وحدي { إلى ما أنهاكم عنه } في ~~لالمستقبل , وما نقص مال بترك مثل أفعالكمن فهو إرشاد إلى النظ في باب : | ~~لا تنه عن خلق وتأتي بمثله عار عليك إذا فعلت عظيم فإبدأ بنفسك فانهها عن ~~غيها فإذا انتهيت عنه فأت حكيم | وقد نبهت هذه الأجوبة الثلاثة على أن ~~العقل يجب ان يراعي ms2287 في كل ما يأتي ويذر أحد حقوق ثلاثه أهمها وأعلاها حق ~~الله وثانيها حق النفس وثالثها حق العباد على PageV03P567 وجه الإخلاص في ~~الكل فثبت ببعده عن التهمة مع سداد الأفعال وحسن المقاصد - حلمه صلى الله ~~عليه وسلم ورشده , فلذلك أتبعه بما تضمن معناه مصرحا به فقال : { إن } أي ~~ما { أريد } أي شيئا من الأشياء { إلا الإصلاح } وأقر بالعجز فقال : { ما ~~استطعت } أي مدة استطاعتي للاصلاح وهو كما أردت فإن مالي - مع اجنتابي ما ~~أنتم عليه - صالح , ليس بدون مال أحد منكم , فعلم , مشاهدة أن لا تبذير في ~~العدل , وأما التوحيد فهو - مع انتفاء التهمة عنى فيه - دعاء إلى القادر ~~على كل شيء الذي لا خير إلى منه ولا محيص عن الرجوع إلأيه ؛ ثم تبرأ من ~~الحول والقوة , وأسند الأمر إلى من هو له فقال : { وما توفيقي } إي فيما ~~استطعت من فعل الإصلاح { إلا بالله } أي الذي له الكمال كله ؛ ثم بين أنه ~~الأهل لأن يرجى فقال مشيرا إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مرتب العلم ~~بالمبدأ { عليه } أي وحده { توكلت } ولما طلب التوفيق لإصابة الحق فيما ~~يأتي ويذر من الله والاستعانة به في مجامع أمره وأقبل عليه بكليته وحسم ~~أطماع الكفار عنه وأظهر الفراغ عنهم وعدم المبالاة بهم , وكان في قوله { ما ~~استطعت } إقرار بأنه محل التقصير , أخبر بأنه لا يزال يجدد التوبة لعظم ~~الأمرن وعبر عن ذلك بعبارة صالحة للتحذير من يوم البعث تهديدا لهم فقال ~~منبها على معرفة المعاد ليكمل الإيمان وحسا تيقني بالبعث بعد الموت ؛ ~~والوفيق : خلق قدرة ما هو وفق المر من الطاعة , من الموافقة للمطابقة ؛ ~~والتوكل على الله : تفويض الأمر إليه على الرضاء بتدبيره مع التمسك بطاعته ~~. | < < # | هود : ( 89 - 91 ) ويا قوم لا . . . . . # > > ^ ( ويقوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل مآ أصاب قوم نوح أو قوم ~~هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد * واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ~~ربي رحيم ودود * قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ms2288 ~~ولولا رهطك لرجمناك ومآ أنت علينا بعزيز ) ^ } ) | ولما بين لهم عذره بما ~~انتفت به تهمته , تبعه بما يدلهم على أن الحق وضح لهم وضوحا لم يبق معه إلا ~~المعاندة , فحذرهم عواقبها وذكرهم أمر من ارتكابها فقال : { ويا قوم } وأعز ~~الناس علي { ولا يجرمنكم } أي يحملنكم { شقاقي } أي شقاقكم لي على { أن ~~يصيبكم } من العذاب { مثل ما } أي العذاب الذي { أصاب قوم نوح } بعد طول ~~أعمارهم وتنائي أقطارهم { أو قوم هود } على شدة أبدانهم وتمادي أمانهم { أو ~~قوم صالح } مع نحتهم البيوت من الصخور وتشييدهم عوالي القصور . | ولما كان ~~للمقاربة أثر المشاكلة والمناسبة , غير الأسلوب تعظيما للتهويل PageV03P568 ~~فقال : { وما قوم لوط } أي على قبح أعمالهم وسوء حالهم وقوة أخذهم ووبالهم ~~{ منكم ببعيد * } أي لا في الزمان ولا في المكان فأنتم أجد الناس بذكر ~~حالهم للاتعاظ بها , وإنما فسرت جرم بحمل لأن ابن القطاع نقل أنه يقال : ~~جرمت الرجل : حملته على الشيء , وقد عزا الرماني تفسيرها بذلك للحسن وقتادة ~~, ويجوز أن تفسر بما تدور عليه المادة من القطع , أي لا يقطعنكم شقاقي عن ~~اتباع ما أدعوكم إليه خوف أن يصيبكم , وقد جوزه الرماني . | ولما رهبهم , ~~أتبعه الترغيب في سياق مؤذن بأنهم إن لم يبادروا إلى المتاب بادرهم العذاب ~~, بقوله عاطفا لهذا الأمر على ذلك النهي المتقدم : { واستغفروا ربكم } أي ~~اطلبوا ستر المحسن إليكم , ونبه على مقدار التوبة بأداة التراخي فقال : { ~~ثم توبوا إليه } ثم علل ذلك مرغبا في الاقبال عليه بقوله : { إن ربي } أي ~~المختص لي بما ترون من الإحسان دينا ودنيا { رحيم ودود * } أي بليغ الإكرام ~~لمن يرجع إليه بأن يحفظه على ما يرضاه بليغ التحبب إليه , ولم يبدأه ~~بالاستعطاف على عادته بقوله : يا قوم , إشارة إلى أنه لم يبق لي وقت آمن ~~فيه وقوع العذاب حتى اشتغل فيه بالاستعطاف , فربما كان الأمر أعجل من ذلك ~~فاطلبوا مغفرته بأن بأن تجعلوها غرضكم ثم توصلوا إليها بالتوبة ؛ فثم على ~~بابها في الترتيب , وأما التراخي فباعتبار عظم مقدار التوبة وعلو رتتها لأن ~~الغفران ms2289 لا يحصل بالطلب إلا إن اقتران بها , هذا الشأن في كل كبيرة في جنس ~~الطاعات يقابله تكرر المعاصي فلا تقوى الطاعة على محوها وتكرر الطاعات ~~يقابله تكرر المعاصي بالإصرار الذي هو بمنزلة تكرير المعصية في كل حال , ~~فلما رأوه لا ينزع عنهم ولم يقدروا لكلامه على جواب , ايأسوه من اللرجوع ~~غليه بأن أنزلوا أنفسهم عنادا في الفهم لهذا الكلام الواضح جدا إلى عداد ~~البهائم , وهددوه فأخبر تعالى عنهم بذلك استئنافا في جواب من يقول : ما ~~قالوا بعد هذا الدعاء الحس ؟ بقوله : { قالوا يا شعيب } منادين له باسمه ~~جفاء وغلظة { ما نفقه } أي الآن لأن ( ما ) تخص بالحال { كثيرا مما تقول } ~~وإذا لم يفهم الكثير من الكلام لم يفهم مقصوده , يعنون : خفض عليك واترك ~~كلامك فإنا لا نفهمه تهاونا به كما يقول الإنسان لخصمه إذا نسبه إل الهذيان ~~: أنا لا أدري ما تقول , ولما كان غرضهم مع العناد قطع الأمر , خصوا عدم ~~الفهم بالكثير ليكون أقرب إلى ألإمكان , وكأنهم - والله أعلم أشاروا إلى ~~أنه كلام غير منتظم فلا حاصل له ولا لمضمونه وجود في الخارج . | ولما كان ~~في ذلك إشارة إلى أنه ضعيف العقل لأن كلامة مثل كلام المجانين , ~~PageV03P569 أتبعوه قولهم : { وإنا لنراك } أي رؤية مجددة مستمرة { فينا ~~ضعيفا } اي في البدن وغيره , فلا تتعرض لسخطنا فإنك لا تقدر على الامتناع ~~من مكروه نحله بك بقوة عقل ولا جسم ولا عشيرة , وأشاروا غلى ضعف العشيرة ~~بتعبيرهم بالرهط في قولهم : { ولولا رهطك لرجمناك } أي قتلناك شر قتلة - ~~فإن الرهط من ثلاثة غلى عشرة وأكثر ما قيل : إن فخذه أربعون - فما أنت ~~علينا بممتنع لضعفك وقلة قومك { وما أنت } اي خاصة , لأن ( ما ) لنفي الحال ~~اختصاص بالزمان , والقياس أن يكون مدخولها فعلا أو شبهه , وحيث أوليت الاسم ~~لا سيما الضمير دل على أن التقديم للاهتمام والاختصاص { علينا بعزيز * } ~~بكريم مودود , تقول : أعززت فلانا - إذا كان له عندك ود , بل قومك هم العزة ~~عندنا لموافقتهم لنا , ولو كان المراد : ما عززت علينا , لكان الجواب ms2290 : لم ~~لا أعز وقد شرفني اله - أو نحو هذا , ويصح أن يراد بالعزيز القوي الممتنع , ~~ويصير إفهامه لا متناع رهطه محمولا على أن المانع لهم موافقتهم لهم لا ~~قوتهم ؛ والفقه : فهم الكلام على ما تضمن من المعنى , وقد صار اسما لضرب من ~~علوم الدين , وأصل الرهط : الشدة , من الترهيط لشدة الأكل , ومنه الراهطاء ~~: حجر اليربوع لشدته وتوثيقه ليخبأ فيه ولد . | < < # | هود : ( 92 - 95 ) قال يا قوم . . . . . # > > ^ ( قال يقوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه ورآءكم ظهريا إن ربي ~~بما تعملون محيط * ويقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل سوف تعلمون من يأتيه ~~عذاب يخزيه ومن هو كاذب وارتقبوا إني معكم رقيب * ولما جآء أمرنا نجينا ~~شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ~~ديارهم جاثمين * كأن لم يغنوا فيهآ ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ) ^ } ) | ~~ولما كان تخصيصهم نفي العزة به يفهم أن رهطه عليهم أعزة , أنكر عليهم ذلك ~~في سياق مهدد لهم فقال تعالى حاكيا عنه استئنافا : { قال } اي عيب { يا قوم ~~} ولم يخل الأمر من جذب واستعطاف بذكر الرحم العاطفة { أرهطي } اي أقاربي ~~الأقربون منكم { أعز عليكم من الله } أي المحيط بكل يء علما وقدرة حتى ~~نظرتم غليهم في لقرابتي منهم ولم تنظروا إلى الله في قربي منه بما ظهر علي ~~من كرامته { واتخذتموه } اي بما كلفتم به أنفسكم مما هو خلاف الفطرة الولى ~~{ وراءكم } أي أعرضتم عنه إعارض من جعل الشيء وراءه ؛ وحقق معنى الوراء ~~بقوله : { ظهريا } أي جعلتموه كالشيء الغائب عنكم المنسي عندكم الذي لا ~~يعبأ به , ولم تراقبوه في لنسبتي إليه بالرسالة والعبودية . | ولما كان ~~معنى الكلام لأجل الإنكار : إنكم عكستم في الفعل فلم تعرفوا الحق لأهله إذ ~~كان ينبغير لكم أن لا تنسوا الله بل تراقبوه في كل أموركم , حسن تعليل هذا ~~PageV03P570 المفهوم بقوله : { إن ربي } أي المحسن إلي ؛ ولما كان المراد ~~المبالغة في إحاطة عمله تعالى بأعمالهم قدم قوله : { بما تعملون محيط * } ~~من جليل وحقير , فهو مقتدر في كل فعل ms2291 من أفعالكم على إنفاذه وإبطاله , فهو ~~محيط بكم لا يرده عن نصرتي منكم والإيقاع بكم مراعاة أحد لعزة ولا قوة , بل ~~لكم عنده أجل هو مؤخركم إليه لأنه لا يخشى الفوت ؛ والاتخاذ : أخذ الشيء ~~لأمر يستمر في المستأنف كاتخاذ البيت ؛ والمحيط : المدير على الشيء كالحائط ~~يحصره بحيث لا يفوته منه شيء . | ولما ختم الآية بتهديدهم بما بين أن ~~تهديدهم له عدم لا يبالي به , أتبع ما يصدقه من أنه ليس بتارك شيئا من عمله ~~مما جبلوا به , وزاد في التهديد فقال : { ويا قوم اعملوا } أي أوقعوا العمل ~~لكل ما تريدون قارين مستعلين { على مكانتكم } أي حالكم الذي تتمكنون به من ~~العمل { إني عامل } على ما صار لي مكانة , أي حالا أتمكن به من العمل لا ~~أنفك عنه ما أنا عامل من تحذيري لمن كفر وتبشيري لمن آمن وقيامي بكل ما ~~أوجب علي الملك غير هائب لكم ولا خائف منكم ولا طامع في مؤالفتكم ولا معتمد ~~على سواه . | ولما كانت ملازمتهم لأعمالهم سببا لوقوع العذاب المتوعد به ~~ووقوعه سببا للعلم بمن يخزي لمن يعلم أي هذين الأمرين يراد , ذكره بعد هذا ~~التهديد فحسن حذف الفاء من قوله : { سوف تعلمون * } أي بوعد لا خلف فيه وإن ~~تأخر زمانه , وسوقه مساق الجواب لمن كأنه قال : ما المراد بهذا الأمر ~~بالعمل المبالغ قبل في النهي عنه ؟ وقد تقدم في قصة نوح عليه السلام ما ~~يوضحه . | وأحسن منه نهم لما قالوا { ما نفقه كثيرا مما تقول } كذبهم - في ~~إخراج الكلام على تقدير سؤال من هو منصب الفكر كله إلى كلامه - قائل : ماذا ~~يكون إذا عملنا وعملت ؟ فهذا وصل خفي مشير إلى تقدير السؤال ولو ذكر الفاء ~~لكان وصلا ظاهرا , وقد ظهر الفرق بين كلام العالم بالإسباب وما يتصل بها من ~~المسبباب المأمور بها اشرف خلقه صلى الله عليه وسلم في سورة الأنعام والزمر ~~والكلام المحكي عن نبيه شعيب عليه السلام في هذه السورة { من } أي أينا أو ~~الذي { يأتيه عذاب يخزيه } ولما كان من مضمون ms2292 قولهم { ما نفقه كثيرا مما ~~تقول } النسبة إلى الكذب لأنه التكلم بما ليس له نسبة في الواقع تطابقه , ~~قال : { ومن هو كاذب } أي مني ومنكمن فالتقدير إن كانت ( من ) موصولة : ~~ستعلمون المخزي بالعذاب والكذب أنا وأنتم , وإن كانت استفهامية : أينا ~~يأتيه عذاب يخزيه وأينا هو كاذب , فالزموا مكانتكم لا تتقدموا عنها { ~~وارتقبوا } أي انتظروا ما يكون من عواقبها . | ولما كانوا يكذبونه وينكرون ~~قوله , أكد فقال : { إني معكم رقيب * } لمثل ذلك , PageV03P571 وإنما قدرت ~~هذا المعطوف عليه لفصل الكلام في قوله رسوف } ويجوز عطفه على { اعملوا } ~~وجرد ولم يقل : مرتقب , إشارة إلى أن همه الاجتهاد في العمل بما أمره الله ~~لأنه مبالغ في ارتقاب عاقبته معهم استهانة بهم . | ولما كان كأنه قيل : ~~فأخذوا الكلام على ظاهره ولم ينتفعوا بصادع وعيده وباهره , فاستمروا على ما ~~هم عليه من القبيح غلى أن جاء أمرنا في ألأجل المضروب له , قال عاطفا عليه ~~, وكان العطف بالواو لأنه لم يتقدم وعيد بوقت معين - كما في قصتي صالح ولوط ~~عليهما السلام - يتسبب عنه المجيء ويتعقبه : { ولما جاء أمرنا } اي تعلق ~~إرادتنا بالعذاب { نجينا } بما لنا من العظمة { شعيبا } أي تنجية عظيمة { ~~والذين آمنوا } كائنين { معه } منهم ومما عذبناهم به , وكا إنجاءنا لهم { ~~برحمة منا } ولما ذكر نجاة المؤمنين , أتبعه هلاك الكافرين فقال : { وأخذت ~~الذين ظلموا } أي أوقعوا الظلم ولم يتوبوا { الصيحة } وكأنها كانت دون صيحة ~~ثمود لأنهم كانوا أضعف منهم فلذلك أبرز علامة التأنيث في هذه دون تلك . | ~~ولما ذكر الصيحة ذكر ما تسبب عنها فقال : { فأصبحوا } اي في الوقت الذي ~~يتوقع الإنسان فيه السرور وكل خير { في ديارهم جاثمين * } اي ساقطين لازمين ~~لمكانهم . | ولما كان الجثوم قد لا يكون بالموت , أوضح المراد بقوله : { ~~كأن لم يغنوا فيها } أي لم يقيموا في ديارهم أغنياء متصرفين مترددين مع ~~الغواني لاهين بالغناء ؛ ولما كان مضمون ذلك الإبعاد أكده بقوله : { ألا ~~بعدا لمدين } بعدا مع أنه بمعنى ضد القرب معه هلاك , فهو من بعد بالكسر ~~وأيد ما فهمته من أن أمرهم ms2293 كان أخف من أمر ثمود بقوله : { كما بعدت ثمود } ~~. | < < # | هود : ( 96 - 99 ) ولقد أرسلنا موسى . . . . . # > > ^ ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون وملئه فاتبعوا ~~أمر فرعون ومآ أمر فرعون برشيد * يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس ~~الورد المورود * وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود ) ^ } ~~) | ولما كان شعيب ختن موسى عليهما السلام , كان ذكر قصته هنا متوقعا مع ما ~~حرك إلى توقعها من ذكر كتابه أول السورة وما في عصا موسى ناقة من ختم ~~بالتسبيه بحالهم , فذكرها بعدها مفتتحا له ابحرف التوقع فقال مؤكدا تنبيها ~~على أن فرعون فعل فعل قريش في الإدبار عن الآيات العظيمة ولم يترك موسى ~~عليه السلام شيئا مما أوحي إليه من إنذاره : { ولقد أرسلنا } أعاد العل ~~وأبرزه في مظهر العظمة إشارة إلى PageV03P572 باهر معجزاته { موسى بآياتنا ~~} أي المعجزات التي أظهرها { وسلطان } أي أمر قاهر للقبط , والظاهر أنه ~~حكاية موسى عليه السلام منه على ما كان له من السطوة والتحرق عليه { مبين * ~~} اي بين بنفسه , وهو في قوة بيانه كأنه مبين لغيره ما فيه من الأسرار , ~~والآية تعم الأمارة والدليل القلاطع , و السلطان يخص القاطع , والمبين يخص ~~ما فيه جلاء { إلى فرعون } طاغية القبط { وملئه } أي أشراف قومه الذين ~~تتبعهم الأذناب , لأن القصد الأكبر رفع أيديهم عن بني إسرائيل . | ولما كان ~~الناصح لنفسه من لا يتبع أحدا فيما يعلم أنه صواب , قال معجبا من الملأ ~~مشيرا إلى سرعة تكذيبهم بالبينات وإتباعهم فيما ضلاله لا يخفى على من له ~~مسكة : { فاتبعوا } اي فتسبب عن هذا الأمر الباهر أن عصى فرعون وحمل ملؤه ~~أنفسهم على أن تبعوا لإرادتنا ذلك منهم { أمر فرعون } أي كل ما يفهمون عنه ~~أنه يهواه ويأمره به وتبعهم السفلة فأطبقوا على المنابذة إلا من شاء الله ~~منهم { وما } أي والحال أنه ما { أمر فرعون برشيد * } أي سديد , مع أن في ~~هذا التعقيب بعد ذكر ثمود من التذكير بآياتي الناقة والعصا إشارة إلى ~~القدرة على البعث المذكو أول السورة الموجب خوفه ms2294 لكل خير كما أن ذلك أيضا ~~كان من فوائد تعقيب قصة إبراهيم لقصة صالح عليهما السلام , واقتصر هنا على ~~ذكر فرعون وقومه لأن المقصود من هذه القصص - كما تقدم - التثبيت في ~~المكافحة بإبلاغ الإنذار وإن اشتدت كراهية المبلغين وقل المتبع منهم , وأن ~~لا يترك شيء منه خوف إصرارهم أو إدبارهم ولا رجاء إقبالهم وكثرة مؤمنيهم , ~~وهذه حال آلا فرعون , وأما بنو إسرائيل فإنهم لم يتوقفوا إلا خوفا من فرعون ~~في أول المر , ثم أطبق كلهم على الإتباع , ثم صاروا بعد ذلك كل قليل يبدلون ~~لا كراهية للإنذار بل لغير ذلك من الأمور وعجائب المقدو كما بين في قصصهم ؛ ~~والملأ : الأشراف الذين تملأ الصدور هيبتهم عند رؤيتهم ؛ والإتباعن طلب , ~~طلب الثاني للتصرف بتصرف الأول في أي جهة أخذ , وقد يكون عن كره بخلاف ~~الطاعة ؛ والأمر : الإيجاب بصيغة ( أفعل ) وهو يتضمن إرادة المأمور به في ~~الجملة , وقد لا يراد امتثال عين المأمورح والرشيد : القائد إلى الخير ~~الهادي إليه ؛ ثم أوضح عدم رشد أمر فرعون بقوله : { يقدم قومه } أي الذين ~~كان لهم قوة المدافعة { يوم القيامة } ويكونون له تبعا كما كانوا في الدنيا ~~, واشار بإيراد ما حقه المضارع ماضيا إلى تحقق وقوعه تحقق ما وقع ومضى فقال ~~: { فأوردهم النار } اي كما أوردهم في الدنيا غطاءها وهو البحر . | ولماكان ~~التقدير : فبئس الواردون , عطف عليه بيان الفعل والمفعول فقال : { وبئس ~~الورد المورود * } كما ان البحر إذ وروده اقبح ورد ورده الإنسان , لأن ~~الورد يراد لتسكين العطش وتبريدالأكباد , وهذا يفيد ضد ذاك . | PageV03P573 ~~ولما كان فرعون موصوفا بعظم الحال وكثرة الجنود والأموال وضخامة المملكة , ~~حقر تعالى دنياه بتحقير جميع الدنيا التي هي منها بإسقاطها في الذكر اكتفاء ~~بالإشارة إليها ولم يثبتها كما في قصة عاد فقال : { وأتبعوا } ببنائه ~~للمفعول لأن المنكي الفعل لا كونه من معين { في هذه } أي الحياة الخسيسة { ~~لعنة } فهم يلعنون يها من كل لاعن من المسلمين وغيرهم من أهل الملل فلعنة ~~الله على من حسن حالهم وارتضى ضلالهم لإضلال العباد من أهل الإلحاد ms2295 بفتنة ~~الاتحاد { ويوم القيامة } أيضا يلعنهم اللاعنون , حتى أهل الاتحاد الأخلاء ~~يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ؛ ثم بين ما يحق أن يقوله سامع ذلك بقوله ~~: { بئس الرفد المرفود * } اي التبع المتبوع والعون المعان , فإن اللعنة ~~تابعة لعذابهم في الدنيا ومتبوعة باللعنة في الآخرة والعذاب رفد لها وهي ~~رفد له , ومادة ( رفد ) تدور على التبع , أو يكون المراد أن لعنهم لا يزال ~~مترادفا تابعا بعضه لبعض , فكل لعنة تابعة لشيء من الخزي : عذاب أو لعن , ~~متبوعة بلعنة مضافة إليها , وسمي ذلك رفدا وهو حقيقة العون من باب قولهم : ~~تحية بينهم ضرب وجيع ومعنى { يقدم } أنه يكون قدامهم غير سائق لهم , بل هم ~~على أثره متلاحقين , فيكون دخولهم إلى النار معا ؛ والقيامة : القومة من ~~الموت للحساب ؛ والإتباع : طلب الثاني للحاق بالأول كيف تصرف ؛ واللعن من ~~الله : الإبعاد من الرحمة بالحكم بذلك , ومن العباد : الدعاء به . | < < # | هود : ( 100 - 103 ) ذلك من أنباء . . . . . # > > ^ ( ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك منها قآئم وحصيد * وما ظلمناهم ~~ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما ~~جآء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب * وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ~~إن أخذه أليم شديد * إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له ~~الناس وذلك يوم مشهود ) ^ } ) | ولما كانت هذه الأخبار على غاية منا لتحذير ~~, لا يعرفه إلا بالغ في العلم , كان من المعلوم قطعا أنه صلى الله عليه ~~وسلم لم يئات بها إلا من عند الله للعمل المشاهد بأنه لم يعان علما ولا ألم ~~بعالم يوما , هذا مع ما اشتملت عليه من أنواع البلاغة وتضمنته من أنحاء ~~الفصاحة وأومأت إليه بحسن سياقتها من صروف الحكم وإفادة تفصيلها من فنون ~~المعارف , فلذلك استحقت أن يشار إليها بأداة إيماء غلى بعد المرتبة وعلو ~~الأمر فقال تعالى : { ذلك } أي النبأ العظيم والخطب الجسيم { من أنباء ~~القرى } وأكد هذا المعنى بلفظ النبأ لأنه الخبر فيه عظيم الشأن , ومنه ~~النبي ms2296 , وأشار بالتعبير بالمضارع PageV03P574 في قوله : { نقصه عليك } إلى ~~أنا كما قصصناها عليك في هذا الحا للمقصد المتقدم سنقصها عليك لغير ذلك ~~منالأغراض في فنون البلاغة وتصاريف الحكم كما سترى عند قصه ؛ ثم اشار - بما ~~اخبر من حلها بقوله : { منها } أي القرى { قائم وحصيد * } إلى أنك مثل ما ~~سمعت ما قصصنا عليك من أمرها بأذنك ووعيته بقلبك تحسها بعينك بمشاهدة ~~ابنيتها وآثارها ومستحصدة , اي متهدمة لم يبق من بنيانها إلا بعض جدرانها . ~~| ولما كان فيما تقدم في هذه السورة من القصص أشد تهديد وأعظم وعيد لمن له ~~تبصرة , صرح الأكباد بأن الموجب للايقاع بهم إنما هو الظلم , فقال تعالى ~~عاطفا على نحو أن يقال : فعلنا بهم وأنبأناك به : { وما ظلمناهم } في شي ~~منه { ولكن ظلموا أنفسهم } واعتمدوا على أدادهم معرضين هن جنابنا آمنين من ~~عذابنا فأخذناهم { فما } اي فتسبب عن اعتمادهم على غيرنا أنه ما { أغنت ~~عنهم } اي بوجه من الوجوه { آلهتهم التي } وصور حالهم الماضية فقال : { ~~يدعون } أي دعواها واستمروا على دعائهم لها إلى حين الأخذ , وين خسة رتبتها ~~فقال : { من دون الله } أي الذي له جميع صفات الكمال ؛ وذكر مفعول ( اغنت ) ~~معرقا في النفي فقال : { من شيء } أي وإن قل { لما جاء أمر } أي عذاب { ربك ~~} أي المحسن إليك بتأخير العذاب المستأصل عن أمتك وجعلك نبي الرحمة { وما ~~زادوهم } في أحوالهم التي كانت لهم قبل عبادتهم إياها { غير تتبيب * } إي ~~إهلاك وتخسير , فإنهم كانوا في عداد من يرجى فلاحه , فلما تورطوا في ~~عبادتها ونشبوا في غوايتها وبعدوا عن الاستقامة بضلالتها خسروا أنفسهم التي ~~هي رأس المال فكي لهم بعد بالأرباح ؛ والقص : إتباع الأثر , فهو هنا ~~الإخبار بالأمور التي يتلو بعضها بعضا ؛ والدعاء : طلب الطالب الفعل من ~~غيرهن ونداء الإخبار باسمه بحرف النداء , وكلا الأمرين مرادان ؛ و { من دون ~~الله } : من منزلة أدنى نم منزلة عبادة الله لأنه من الأدون , وهو الأقرب ~~إلى جهة السفل ؛ والتب : الهلك والخسر . | ولما كان المقصود من ذلك رمي ~~قلوب العرب بما فيه من سهام ms2297 التهديد ليقلعوا عما تمكنوا فيه من عمى التقليد ~~, قال تعالى معلما بأن الذي أوقع بأولئك لظلمهم وه و لكل ظالم بالمرصاد ~~سواء ظلم نفسه أو غيره : { وكذلك } أي ومثل ذلك الأخذ العظيم { أخذ ربك } ~~ذكره بوصف الإحسان ما له إليه من البر لئلا يخاف على قومه من مثل هذا الأخذ ~~{ إذ أخذ القرى } أي أهلها وإن كانوا غير من تقدم الإخبار عنهم وإن عظموا ~~وكثروا , ولكن الإخبار عنها أهول لأنه يفهم أنه ربما يعمها الهلاك لأجلهم ~~بشدة الغضب من فعلهم كقرى قوم لوط عليه السلام { وهي ظالمة } روى البخاري ~~في التفسير عن أبي PageV03P575 موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ) ثم قرأ { ~~وكذلك أخذ ربك } الآية . | ولما كان مثل هذا الآخذ لا يداينه مخلوق ولا ~~يقدر عليه ملك , حسن كل الحسن إتباع ذلك قوله : { إن أخذه أليم } أي مؤلم ~~قاطع للآمال مالىء البدن والروح والنفس بالنكال { شديد * } أي صعب مفتت ~~للقوى , ولعله عبر هنا باسم الرب مضيفا له غلى المنبأ بهذه الأنباء مكررا ~~لذلك في هذا المقام الذي ربما سبق فيه الوهم إلى أنه باسم الجبار والمنتقم ~~مثلا أليق , إشارة إلى أنه سبحانه يربيك أحسن تربية في إظهارك على الدين ~~كله وانقياد العظماء لأمرك وذل الأعزة لسطوتك وخفض الرؤوس لعلو شانك , فلا ~~تتكلف أنت شيئا نم قصد إجابتهم إلى إنزال آية أو ترك ما يغيظ من إنذار ونحو ~~ذلك - والله الموفق . | ولما كام مما جر هذه القصص وهذه المواعظ تكذيبهم ~~لما يوعدون من العذاب الناشىء عن إنكار البعث المذكور في قوله تعالى : { ~~ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت } , أشار تعالى إلى تحقق أمر الآخرة ~~وأنه مما ينبغي الاهتمام به ردا للمقطع على المطلع , وإعلاما بأنه لا فرق ~~بينه وبين ما تحقق إيقاعه من عذاب هذه الأمم في القدرة عليه بقوله مؤكدا ~~لأجل جحودهم أن يكون في شيء مما مضى دلالة عليه بوجه من الوجوه : { إن ms2298 في ~~ذلك } أي النبأ العظيم والقصص والوعظ بما يذكر { لآية } أي لعلامة عظيمة ~~ودلالة بتة ولما كان وجود الشيء عدما بالنسبة إلى ما لا نفع له به , قال : ~~{ لمن خاف عذاب } يوم الحياة { الآخرة } لأنه نفع خاص به , وإنما كان آية ~~له لأنه إذا نظر إلى إهلاكه للظالمين إهلاكا عاما بسبب ظلمهم وإنجائه ~~للمؤمنين , علم أنه قادر على ما يريد , وأنه لا بد أن يجازي كلا بما فعل , ~~فإذا رأىى أن ظلمه كثيرين يموتون بغير انتقام , علم أنه لا بد من يوم ~~يجازيهم فيه , وهو اليوم الذي أخبرت به عنه رسله , وزاد في الإشارة إلى ~~تهويله بإعادة اسم الإشارة في قوله : { ذلك } أي اليوم العظيم الذي يكون ~~فيه عذاب الآخرة { مجموع له } أي لإظهار العدل فيه والفضل { الناس } أي كل ~~من فيه اهلية التحرك والاضطراب وما ثم يوم غيره يكون بهذه الصفة اصلا . | ~~PageV03P576 ولما لم يسبقه يوم اجتمع فيه جميع الخلق من الجن والإنس ~~والملائكة وجميع الحيوانات أحياء , وكان ذل مسوغا لأن تعد شهادة غيره عدما ~~فقال تعالى : { وذلك } أي اليوم العظيم { يوم مشهود * } اي هو نفسه لهم ~~ولغيرهم من جميع الخلق , فيكون تنوينه للتعظيم بدلالة المقام , أو يكون ~~المعنى أنه أهل لأن يشهد , وتتوفر الدواعي على حضوره لما فيه من عجائب ~~الأمور والأهوال العظام والمواقف الصعبة , فلا يكون ثم شغل غلا نظر ما فيه ~~والإحاطة بحوادثه خوف التلاف ورجاء الخلاص ؛ والآية : العلامة العظيمة لما ~~فيها من البيان عن الأمر الكبير ؛ والخوف : انزعاج النفس بتوقع الشر , وضده ~~الأمن وهو سكون النفس بتوقع الخير ؛ والعذاب : استمرار الألم . | < < # | هود : ( 104 - 107 ) وما نؤخره إلا . . . . . # > > ^ ( وما نؤخره إلا لأجل معدود * يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم ~~شقي وسعيد * فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق * خالدين فيها ~~ما دامت السماوات والأرض إلا ما شآء ربك إن ربك فعال لما يريد ) ^ } ) | ~~ولما تقدم قولهم { ما يحسبه } كان كأنه قيل في الرد عليهم : نحن قادرون على ~~تعجيله , وهو - كما أشرنا إليه ms2299 في هذه الآية - عندنا متى شئنا في غاية ~~السهولة : { وما نؤخره } أي اليوم أو الجزاء مع ما لنا من العظمة والقدرة ~~التامة على إيجاده لشيء من الأشياء { إلا لأجل } أي لأجل انتهاء أجل { ~~معدود * } سبق في ألأزل تقديره ممن لا يبدل القول لديه وكل شيء في حكمه , ~~فهو لا يخشى الفوت ؛ ومادة ( أجل ) بتراكيبها الأربعة : أجل وجأل وجلأ تدور ~~على المدة المضروبة للشيء , فالأجل - محركة : مدة الشيء وغاية الوقت في ~~الموت وحلول الدين من تسمية الجز باسم الكل , والتأجيل : تحديد الأجل , ~~ويلزمه التأخير , ومنه أجل الشيء كفرح - إذا تأخر , والآحلة : الآخرة , ~~واجل الشيء بالفتح : حبسه ومنعه , لأن الأجل حابس يحبس الراعي فيه , وأجل ~~الشر عليهم : حناه وأثاره وهيجه , ولأهله : كسب وجمع واحتال , لأن ذلك كله ~~من لوازم ذي الأجل , أو المعنى أنه أوجد أجل ذلك , وكمقعد ومعظم : مستنفع ~~الماء , لأنه محيط به إحاطة الأجل بالمؤجل , وأجله فيه تأجيلا : جمعه فتأجل ~~, والمأجل : الحوض يحبس فيه الماء , , اجلوا ما لهم : : حبسوه في المرعى , ~~والاجل - بالكسر : قطيع من بقر الوحش , تشبيها له في اجتماعه من حيث إنه ~~أحصن له بالأجل لأنه - كما قيل - حصن حصين , والاجل - بالكسر ايضا : وجع في ~~العنق , لأنه من أسباب حلول الأجل , وأجله : داواه منه , وبالضم جمع أجيل ~~للمتأخر وللمجتمع من الطين يجعل حول النخلة , لإحاطته بها إحاطة الأجل ~~وتحصينه لها , وتأجل القوم : تجمعوان لأن التجمع PageV03P577 أحصن لهم , ~~وأجل - بفتحتين ثم سكون : جواب كنعم وزنا ومعنى إلا أنه احسن منه في ~~التصديق , ونعم منه في الاستفهام , وحقيقة ذلك الإخبار بأن أجل - اي وقت - ~~ذلك الفعل الموجب أو المستفهم عنه قد حضر , وفعلت ذلك من أجلك - من غير ( ~~من ) - ومن أجلك , ومن أجلاك ومن أجلالك ويكسر في اكل , أي من جللك - قاله ~~في القاموس , وقال في فصل الجيم : وفعلته من جلك - بالضم - وجلالك وجللك - ~~محركة - وتجلتك وإجلالك - بالكسر , ومن أجل إجلالك ومن أجلك بمعنى - انتهى ~~. | وحقيقة أن فعلي مبتدىء من أجلك - بالتحريك , أو تكون ( من ) سببية , اي ~~أجلك سبب فيه ms2300 , ولولا وجودك ما فعلته فهو لتعظيمك ؛ والملجأ واللجأ - محركة ~~: المعقل والملاذ , كأنه شبه بالأجل , ومنه لجأ إليه - كمنع وفرح : لاذ , ~~وألجأ أمره إلى الله : اسنده , وألجأ فلانا غلى كذا : اضطره , والتلجئة : ~~الإكراه , واللجأ - محركا : الضفدع , لالتجائها إلى الماء ؛ ومن ذلك الجيأل ~~- كصقيل , وجيأل وجيالة ممنوعين , وجيل بلا همز كله اسم الضبع لكثرة لجائها ~~غلى وجارها , ومنه جئل - كفرح - جألانا : عرج , كأنه تشبيه بمشيتها , لأن ~~من أسمائها العرجاء , أو تشبيه بمشية الراقي في درج الملجأ , أي الحصن , ~~وكذا الأجل - كقنب وقبر - وهو ذكر الأوعال , لأن قرونه كالحصن له , وجيالأة ~~الجرح : غثيثه , وهو مرية , لأنه من أسباب قرب الأجل , وكذا الاجئلال - أي ~~الفزع - ربما كان سببا لذلك , وربما كان سببا للمبادرة إلى الحصن , وجأل - ~~كمنع : ذهب وجاء , والصوف : جمعه واجتمع - لازم متعد , كله من لوازم الأجل ~~بمعنى المدة , وجلأ بالرجل - كمنع : صرعته , وبثوبه : رماه , كأنه جعله في ~~قوة من حضر أجله , وإن شئت قلت في ضبط ذلك : إنالمادة - مع دورانها على ~~المدة - تارة تنظر إلى نفس المدة , وتارة إلى آخرها , وتارة إلى امتدادها ~~وتأخرها , وتارة إلى ما يدني منه , وتارة إلى منفعتها , وتارة إلى ما يلزم ~~فيها , فمن النظر إلى نفس المدة : التأجيل بمعنى تحديد الأجل , وهو مدة ~~الشيء , وفعلت هذا من أجلك , اي لو لا وجودك ما فعلته , وأجل بمعنى نعم , ~~أي حضرت مدة الفعل , ومن النظر إلى الآخر : دنا الأجل - في ا لموت والدين , ~~ومن النظر إلى التأخر : أجل الشيء - إذا تأخر , والآجلة : الآخرة , ومن ~~النظر إلى السبب المدني : الأجل - بالكسر - لوجع في العنق , وجيألة الجرح - ~~لغثيثه اي مريه , وجلأ بالرجل : صرعه وبثوبه : رماه , وأجل الشر عليهم : ~~جناه , أو اثاره وهيجه , والاجئلال : الفزع , ومن النظر إلى المنفعة وهي أن ~~التأجيل الذي هو تحديد الأجل للشيء مانع من أخذه دون ما ضرب له من المدة : ~~الاجل - بالكسر - للقطيع من بقر الوحش , وأجل الشيء : حبسه ومنعه , وأجلى ~~كجمزي : مرعي لهم معروف , وتأجل القوم : تجمعوا , وجأل الصوف PageV03P578 ~~جمعه , واللجأ والملجأ : المعقل والملاذ , والضفدع ms2301 للزومها ملجأها من الماء ~~, والجيأل للضبع للزومها وجارها , ولذلك تسمى أم عامر , وجئل - كفرح : عرج ~~, كأنه شبه بمشيتها لأنها تسمى العرجاء , والأجل كقنب وقبر - لذكر الأوعال ~~, لتحصنه بقرونه , والأجل - بالضم : المجتمع من الطين يجعل حول النخلة , ~~والمآجل : الحوض يحبس فيه الماء , ومستنقع الماء مطلقا , وأجله تأجيلا : ~~جمعه , ومن النظر غلى ما يلزم في المدة : أجل لأهله : كسب وجمع وجلب واحتال ~~, وجأل - كمنع : جاء وذهب ؛ فقد تبين أن المراد بالأجل هنا الحين . | ولما ~~كان كأنه قيل : يا ليت شعري ماذا يكون حال الناس إذا اتى ذلك الأجل وفيها ~~الجبابرة والرؤساء وذوو العظمة الكبراء ! أجيب بقوله : { يوم يأت } أي ذلك ~~الأجل لا يقدرون على الامتناع بل ولا على مطلق الكلام , وحذف ابن عامر ~~وعاصم وحمزة الياء اجتزاء عنها بالكسرة كما هو فاش في لغة هذيل , وكان ذلك ~~إشارة إلى أن شدة هوله تمنع أهل الموقف الكلام اصلا في مقدار ثلثية , ثم ~~يؤذن لهم في الكلام في الثلث الآخر بدلالة المحذوف وقرينة الاستثناء , فإن ~~العادة أنيكون المستثنى أقل من المستثنى منه { لا تكلم } ولو أقل كلام ~~بدلالة حذف التاء { نفس } من جميع الخلق في ذلكاليوم الذي هو يوم الآخرة , ~~وهو ظرف هذا الأجل وهو يوم طويل جدا ذو ألوان وفنون وأهوال وشؤون , تارة ~~يؤذن فيه الكلام , وتارة يكون على الأفواه الختامن وتارة يسكتهم الخوف ~~والحسرة والآلامن وتارة ينطقهم الجدال والخصام { إلا بإذنه } أي بإذن ربك ~~المكرر ذكره في هذه الآيات إشارة غلى حسن التربية وإحكام التدبير . | ولما ~~علم منهذا أنه يوم عظمة وقهر , سبب عن تلك العظمة تقسيم الحاضرين فقال : { ~~فمنهم } أي الخلائق الحاضرين لأمره { شقي } ثبتت له الشقاوة فيسر في الدنيا ~~لأعمالها { وسعيد * } ثبتت له السعادة فمشى على منوالها ؛ والتأخير : ~~الإذهاب عن جهة الشيء بالإبعاد منه , وضده التقديم ؛ والأجل : الوقت ~~المضروب لوقوع أمر من الأمور ؛ واللام تدل على العلة والغرض والحكمة بخلاف ~~( إلى ) ؛ والشقاء : قوة أسباب البلاء . | ولما كان أكثر الخلق هالكا مع أن ~~المقام تهديد وتهويل , بدأ تعالى بالأشقياء ترتيبا للنشر ms2302 على ترتيب اللف ~~فقال : { فأما الذين شقوا } أي أدركهم العسر والشدة { ففي النار } أي محكوم ~~لهم بأنهم يدخلون الناء التي هي النار لو علمتم { لهم فيها زفير } أي عظيم ~~جدا { وشهيق * } من زفر - إذا أخرج نفسه بعد مده إياه , وشهيق - إذ ~~ترددالبكاء في صدره - قاله في القاموس ؛ وقال ابن كثير في تفسير سورة ~~الأنبياء : PageV03P579 الزفير خروج أنفاسهم , والشهيق : ولوج أنفسهم ؛ وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما : الزفير : الصوت الشديد , والشهيق : الصوت الضعيف ~~, وعن الضحاك ومقاتل : الزفير أول نهيق الحمار , والشهيق آخره حين يفزع من ~~صوته إذا رده في جوفه , وسيأتي كلام الزماني في ذلك { خالدين فيها } أي بلا ~~انقطاع , وعبر عنه بقوله جريا على أساليب العرب : { ما دامت السماوات ~~والأرض } . | ولما كان له شيء لا يقبح منه شيء وهو قادر على كل شيء , دل ~~على ذلك بقوله : { إلا ما شاء } اي مدة شاءها فإنه لا يحكم بذلك فيها فلا ~~يدخلونها . | ولما كان الحلا في هذه السورة مقتضيا - كما تقدم - لتسلية ~~النبي صلى الله عليه وسلم عما أخبر به سبحانه في قوله { فلعلك تارك بعض ما ~~يوحى إليك } - الآية , من ضيق صدره , ولذلك أتى بهذه القصص كما مضى بيان ~~ذلك , عبر باسم الرب إشارة إلى أنه يحسن إليه بكل ما يسر قلبه ويشرح صدره ~~فقال : { ربك } وقد جرى الناس في هذا الاستثناء على ظاهرة ثم أطالوا ~~الاختلاف في تعيين المدة المستثناة , والذي ظهر لي - والله أعلم - أنه لما ~~تكرر الجزم بالخلود في الدارين وأن الشرك لا يغفر والإيمان موجب للجنة فكان ~~ربما ظن أنه لا يمكن غير ذلك كما ظنه المعتزلة لا سيما إذا تؤم القطع في ~~مثل قوله { أن الله لا يغفر أن يشرك به } مع تقييد غيره بالمشيئة في قوله { ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } جاء هذا الاستثناء معلما أن الأمر فيه إلىالله ~~تعالى كغيره من الأمور , له ان يفعل في كلها ما يشاء وإن جزم القولفيه , ~~لكنه لا يقع غير ما أخبر به , وهذا كما تقول : اسكن ms2303 هذه الدار عمرك إلا ما ~~شاء زيد , وقد لا يشاء زيد شيئا , فكما أن التعليق بدوام السماوات والأرض ~~غير مراد الظاهر كذلك الاستثناء لا يشاء الله قطع الخلود لأحد من الفريقين ~~, وسوقه هكذا أدل على الدرة وأعظم في تقليد المنة , ثم رأيت الإمام ابا ~~أحمد البغوي قد ذكر معنى هذا آخر ما أورده في تفسيره من الأقوال في الآية ~~وحكي نحوه عن الفراء , ومثله بأن تقول : والله لأضربنك إلا إن أرى , ~~وعزيمتك أن تضربه , وعزاه الطحاوي في بيان المشكل إلى أهل اللغة منهم ~~الفراء . | ولما كان تخليد الكفار من الحكم بالقسط بين الفريقين لأنه من ~~أكبر تنعيم المؤمنين الذين عادوهم في الله كما تقدم التنبيه عليه أول سورة ~~يونس عليه السلام عند قوله { ليجزي ال 1 ين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط } ~~كان ربما توهم أن الاستثناء لو أخذ على ظاهرة لم يكن إخراجهم منالنار حينا ~~, نفى هذا التوهم بقوله : { إن ربك } اي المحسن إليك { فعال لما يريد } اي ~~لا يجوز عليه البدء بالرجوع عما أراد ولا لالمنع عن مراده ولا يتعذر عليه ~~شيء منه مع كثرة المرادات فلا اعتراض عليه ولا يلزمه لأحد PageV03P580 شيء ~~, بل له أن يخلد العاصين في الجنة ويخلد الطائعين في النار , ولكنه كما ثبت ~~ذلك ليعتقد لكونه من صفة الكمال ثبت أنه لا يفعل ذلك سبحانه ولا يبدل القول ~~لديه لأن ذلك من صفات الكمال ايضا مع أن في ختم الآية بذلك ترجية لأهل ~~النار في إخراجهم منها زيادة في عذابهم . | < < # | هود : ( 108 - 112 ) وأما الذين سعدوا . . . . . # > > ^ ( وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ~~إلا ما شآء ربك عطآء غير مجذوذ * فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون ~~إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص * ولقد آتينا ~~موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك ~~منه مريب * وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير * فاستقم ~~كمآ أمرت ms2304 ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير ) ^ } ) | ولما تم أمر ~~الأشقياء , عطف عليه قسيمهم فقال : { وأما الذين سعدوا } أي فازوا بمطالبهم ~~وتيسر أمرهم { ففي الجنة } أي التي صارت معلومة من الدين بالضرورة { خالدين ~~فيها } دائما ابدا { ما دامت السموات والأرض } على ما جرت به عادة العرب في ~~إرادة التأبيد لا آخر بمثل هذا { إلا ما شآء ربك } وأدل دليل على ما قلت في ~~الاستثناء قوله : { عطاء } هو نصب على المصدر { غير مجذوذ } اي مقطوع ولا ~~مكسور ولا مفصول - لعطاء من الأعطية ولا مفرق ولا مستهان به : لأنهملة ~~انفكوا من النعيمحقيقة أو معنى ولو لحظة لكان مقطوعا أو منقوصا ؛ وفي الختم ~~بذلك من الجزم بالدوام طمأنينة لأهل الجنة زيادة في نعيمهم عكس ما كان لأهل ~~النار ؛ قال أبو الحسن الرماني : والزفير : ترديد النفس مع الصوت حتى تنتفخ ~~الضلوع , وأصله الشدة من المزفور الخلق , والزفر : الحمل على الظهر , لشدته ~~, والزفر : السيد لأنه يطيق حمل الشدائد , وزفرت النار - إذا سمعت لها صوتا ~~في شدة توقدها , والشهيق : صوت فظيع يخرج من الجوف بمد النفس , واصله الطول ~~المفرط من قولهم : جبل شاهق اي ممتنع طولا ؛ والخالد : الكائن في الشيء ~~ابدا , والدائم : الباقي ابدا , ولهذا يوصف الله تعالى بالدائم دون الخالد ~~. | ولما أخبره تعالى بوقوع القضاء بتمييز الناس في اليوم المشهود إلى ~~القسمين المذكورين على الحكم المشروح مرهبا ومرغبا , كان ذلك كافيا في ~~الثبات على أمر الله والمضي لإنفاذ جميع ما أرسل به وإن شق اعتمادا على ~~النصرة في ذلك اليوم بحضرة تلك الجموع , فكان ذلك سببا للنهي عن القلق في ~~شيء من الأشياء وإن جل وقعه وتعاظم خطبه , فقال تعالى : { فلا } ولماكان ما ~~تضمنه هذا التقسيم أمرا عظيما وخطبا PageV03P581 جسيما , اقتضى عظيم تشوف ~~النفس وشديد شوقها لعلم ما سبب عنه , فاقتضى ذلك حذف النون من ( كان ) ~~إيجازا في الكلام للإسراع بالإيقاف على المراد والإبلاغ في نفي الكون على ~~أعلى الوجوه فقال : { تك } أي في حالة من الأحوال { في مرية } والمرية : ~~الشك مع ظهور ms2305 الدلالة للتهمة - قاله الرماني { مما يعبد هؤلاء } أي لا تفعل ~~فعل من هو في مرية بأن تضرب من أجل ما يعبدون مواظبين على عبادتهم مجددين ~~ذلك في كل حي فتنجع نسك في إرادة مبادرتهم إلى امتثال الأموامر في النزوع ~~عن ذلك بالكف عن مكاشفتهم بغائظالإنذار والطلب لإجابة مقترحاتهم رجاء ~~الأزدجار كما مضى في قوله تعالى { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } - الآية , ~~وذلك أن مادة مرى - بأي ترتيب كان - تدور على الإضطراب , وقد يلزمه الطرح ~~والفصل : رمى يرمي رميا , والمرماة : ظلف الشاة لأنه يطرح , والرمي : قطع ~~من السحاب رقاق ؛ والريم : البراح , ما يريم يفعل كذا : ما يزال , والريم : ~~ا لدرج للضطراب فيها , والقبر لنبذه في جاتب من الأرض وطرح الميت فيه , ~~وريم فلان بالمكان : أقام به مجاوزا لغيره منفصلا عنه كأنه رمى بنفسه فيه , ~~وريمت السحابة - إذا دامت فلم تقلع , لأن من شأنها رمي القطر , ومرى الضرع ~~: مسحة الشك , أي تزلزل الإعتقاد , والميرة : جلب الطعام ؛ ثم استأنف تعالى ~~خبرا هو بمنزلة العلة لذلك فقال : { ما يعبدون } أي يوقعون العبادة على وجه ~~الاستمرار { إلا كما يعبد آباؤهم } ولما كانت عبادتهم في قليل من الزمن ~~الماضي أدخل الجار فقال : { من قبل } أي أنهم لم يفعلوا ذلك لشبهة إذا كشف ~~عنها القاناع رجعوا , بل لمحض تقليد الآباء مع استحضراهم لتلبسهم بالعبادة ~~كأنهم حاضرون لديهم يشاهدونهم مع العمى عن النظر في الدلائل والحجج كما كان ~~من قصصنا عليك أخبارهم من ألمم في تقيد الآباء سواء بسواء مع عظيم شكيمهم ~~وشدة عصبتهم للأجانب فكيف بالأقارب فكيف بالآباء ! فأقم عليهم الحجة بإبلاغ ~~جميع ما , أمرك به كما فعل من قصصنا عليك أنباءهم من إخوانك من الرسل غير ~~مخطر في البال شيئا مما قد يترتب عليه إلى أن ينفذ ما نريد من أوامرنا كما ~~سبق في العلم فلا تستعجل فإنا ندبر الأمر في سفول شأنهم وعلو شأنك كمت نريد ~~{ وإنا } بما لنا من العظمة { لموفوهم نصيبهم } من الخير والشر من الآجال ~~وغيرها وما هو ثابت ثباتا لا ms2306 يفارق أصلا ؛ ولما كانت التوفية قد تطلق على ~~مجر الإعطاء وقد يكون ذلك على التقريب , نفى هذا الحتمال بقوله : { غير ~~منقوص } والنصيب : القسم المجعول لصاحبه كالحظ ؛ والمنقوص : المقدار ~~المأخوذ جزء منه ؛ والنقص : أخذ جزء من المقدار . | PageV03P582 ولما ذكر ~~في هذه الآية إعراضهم عن الإتباع مع ما أتى به من المعجزات وأنزل عليه من ~~الكتاب , سلاه بأخيه عليهما السلام لأن الحال إذا عم خف , وابتدأ ذكره بحرف ~~التوقع بما دعا إلىتوقعه من قرب ذكره مع فرعون مع ذكر كتابه أول السورة ~~فقال تعالى : { ولقد آتينا } أي بما لنا من العظمة { موسى الكتاب } أي ~~التوراة الجامعة للخير . | ولما كان الضار والمسلي نفس الاختلاف , بني ~~للمفعول قوله : { فاختلف فيه } فآمن به قوم وكفر به آخرون مع أنه إمام ~~ورحمة وكتب سبحانه له قيه من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء , وكان معجبا ~~لأهل ذلك الزمان كما اختلف في كتابك مع إعجابه لأهل هذا الزمان وبيانه ~~للهدى أتم بيان , إشارة إلى أن الخلق مهما جاءهم عن الله , وهو لا يكون إلا ~~مصحوبا بالأدلة القاطعة نأوا عنه واختلفوا فيه , ومهما تلقفوه عن آبائهم ~~تلقوه بالقبول وناضلوا عنه و سمحوا فيه بالمهج وإن كان منابذا للعقول , ~~فكان قوم موسى باختلافهم في الكتاب كل قليل يأبى فريق منهم بعض أحكامه ~~ويريدون نقض إبرامه كما سلف بيانه غير مرة عن نص التوراة وسفر يوشع إلى أن ~~آل أمرهم الآن إلى أن صاروا ثلاث فرق : ربانين , وقرابين , وسامرة ؛ يضلل ~~بعضهم بعضا , ومع ذلك فلم يعالجهم بالأخذ مع قدرته على ذلك كما فعل بمن قص ~~أمره من الأمم لما سبق من حكمة بتأخيرهم إلى الأجل المعدود , وفصل بين هذا ~~وبين قصة موسى عليه السلام مع فرعون ليكون مع ما دعا إلى تقديم ما تقدم من ~~الآيات أوقع في التسلية وأبلغ في التعزية ولاتأسية كما هو شأن كل ما ألقى ~~إلى المحتاج شيئا فشيئا { ولولا كلمة } أي عظيمة لا يمكن تغييرها لأنها من ~~كلام الملك الأعظم { سبقت من ربك } أي المحسن ms2307 إليك وإليهم بإرسالك رحمة ~~للعالمين { لقضي } أي لوقع القضاء { بينهم } أي بي من اختلف في كتاب موسى ~~عاجلا , ولكن سبقت الكلمة أن القضاء الكامل إنما يكون يوم القيامة كما قال ~~في سورة يونس < # > 77 ( { فما اختلفوا حتى جاءهم العلم } ) 77 < # > - الآية . | ولما كانا لاختلاف قد يكون بغير الكفر بين أنه به , فقال ~~مؤكدا لأن كل طائفة من اليهود تنكر شكها فيه وفعلها فعل الشاك : { وإنهم ~~لفي شك } أي عظيم محيط بهم { منه } أي من القضاء أو الكتاب { مريب } أي ~~موقع في اريب والتهمة والضطراب مع ما رأوا من الآيات التي منها سماع كلام ~~الله ورؤية ما كان يتجلى في جبل الطور من الجلال ويبتدى لهم في قبةالزمان ~~من خارق الأحوال { وإن كلا } من المختلفين في الحق من قوم موسى وغيرهم هو ~~على الحق وممن هو على الباطل ؛ و { ان } عند نافع وابن كثير وأبي بكر عن ~~عاصم عاملة مع تخفيفها من الثقيلة في قراءة غيرهم اعتبارا PageV03P583 ~~بأصلها { لما } هي في قراءة ابن عامر وحمزة وعاصم بالتشديد الجازمة حذف ~~فعلها - قال ابن احلاجب : وهو شائع فصيح , وفي قراءة غيرهم بالتخفيف مركبة ~~من لام الابتداء و { ما } المؤكدة بنفي نقيض ما أثبته الكالم ليكون ثبوته ~~مع نفي نقيضه على أبلغ وجه . | ولما كان الشرط في حذف الفعل بعد ( لما ) ~~الجازمة أن يكون مما يتوقع بوقوع فعل قبلها يدل عليه , كان التقدير : يقض ~~بينهم , وسيقضي وهو معنى ما قرن بعدها بلام القسم من قوله : { ليوفينهم ربك ~~} أي المحسن إليك بإقامتك على المنهاج والأعدل والفضل من العباد { أعمالهم ~~} لا يدع منها شيئا لأ , ه لا يخفى عليه منها شيء , والسياق يقتضي أن يكون ~~{ ما } في { لما } في قراءة التخفيف للتأكيد على النحو الذي مر غير مرة أن ~~النافي إذا زيد في سياق الإثبات كان كأنه نفي النقيض تأكيدا لمثبت { إنه ~~بما يعملون } قدم الظرف لتأكيد الخبر { خبير } فإذا علمت أن شأنك في أمتك ~~لمثبت { إنه بما يعملون } قدم الظرف لتأكيد الخبر { خبير } فإذا علمت ms2308 أن ~~شأنك في أمتك شأن الرسل في أممهم وأنه لا بد من الاختلاف في شأن الرسول ~~والكتاب كما جرت بذلك السنة الإلهية وأن الجزاء بالأعمال كلها لا يد منه { ~~فاستقم } أي أوجد القوم بغاية جهدك بسبب أنك لا تلكف إلا نفسك وأن الذي ~~ارسلك لا يغفل عن شيء , ومن استقام استقيم له . | ولما كان من المقطوع به ~~أن الآمر له صلى الله عليه وسلم من له الأمر كله , بني للمفعول قوله : { ~~كمآ أمرت } أي كما استقام إخوانك من الأنبياء في جميع الأصول والفروع سواء ~~كان في نفسك أو في تبليغ غيرك معتدلا بين الإفراط والتفريط ولا يضيق صدرك ~~من استهزائهم وتعنتهم واقتراحهم للآيات وإرادتهم أن تترك بعض ما يوحى إليك ~~من التشنيع عليهم والعيب لدينهم بل صارحهم بالأمر واتركهم وأهواءهم , نحن ~~ندبر الأمر كما نريد على حسب ما نعلم . | ولما كان الفاصل بين المعطوف ~~والمعطوف عليه يقوم مقام تأكيد الضمير المستتر , عطف عليه قوله : { ومن } ~~أي وليستقم أيضا من { تاب } عن الكفر مؤمنا { معك } على ما أمروا تاركين ~~القلق من استبطائهم للنصرة كما روى البخاري وابو داود والنسائي عن خباب بن ~~الأرت رضي الله عنه قال : شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~متوسد بردة في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلنا : ألا تدعو الله ~~لنا , فقعد وهومحمر وجهه فقال ( كان الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض ~~فيجعل فيه فيجاء بالمنشار فيوضع فوق رأسه فيشق باثنين , وما يصده ذلك عن ~~دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه ~~والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف ~~إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم PageV03P584 تستعجلون ) ؛ وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما : ما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية اشد ولا أشق من ~~هذه الآية . | والاستقامة : الاستمرار في جهة واحدة . | ولما كانت وسطا بين ~~إفراط وتفريط وكان التفريط لا يكاد يسلم ms2309 منه إلا الفرد النادر , وهو في ~~الأغلب يورث انكسار النفس واحتقارها والخوف من الله , وكان الإفراط يورث ~~إعجابا , وربما أفضى بالإنسان إلى ظن أنه شارع فينسلخ لذلك من الدين , طوى ~~التفريط ونهى عن الإفراط فقال : { ولا تطغوا } أي تتجاوزوا الحد فيما أمرتم ~~به أو نهيتم عنه بالزيادة إفراطا , فإن الله تعالى إنما أمركم ونهاكم ~~لتهذيب نفوسكم لا لحاجته إلى ذلك ولن تطيقوا أن تقدروا الله حق قدره , ~~والدين متين لن يشاده أحد إلا غلبه , فقد رضي منكم سبحانه الاقتصاد في ~~العمل مع حسن المقاصد , ويجوز أن يكون المعنى : ولا تبطركم النعمة فتخرجكم ~~عن طريق الاستقامة يمنة أو يسرة . | ولما نهي عن الإفراط وهو الزيادة ~~تصريحا , فأفهم النهي عن التفريط , وهو النفص عن المأمور تلويحا من باب ~~الأولى , على ذلك مؤكدا تنزيلا لمن يفرط أو يفرط منزلة المنكر فقال : { إنه ~~بما تعملون } قدم الظرف لما تقدم من تأكيد الإبصار { بصير * } ومادة ( طغى ~~) واوية ويائية بكل ترتيب تدور على مجاوزة الحد مع العلو , فالغطاء : ما ~~ستر به الشيء عاليا عليه , ولا يكون ساترا لجميعه إلا إذا فضل عنه فتجاوز ~~حده , وغطى الليل - إذا غشي , وكل شي ارتفع فهو غاط . | وطغى السيل - إذا ~~جاء بماء كثير , والبحر : هاجت أمواجه , والطغيان : مجاوزة الحد في العصيان ~~, والغائط والغيط : المطمئن من الأرض , لأن ما كان كذلك وكانت أرضه طيبة ~~كانت لا تزال ريا فيعلو ما نبت فيها ويخصب فيتجاوز الحد في ذلكن ومنه ~~الغوطة - لموضع بالشام كثير الماء والشجر . | < < # | هود : ( 113 - 117 ) ولا تركنوا إلى . . . . . # > > ^ ( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من ~~أوليآء ثم لا تنصرون * وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات ~~يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين * واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين * ~~فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا ~~قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا مآ أترفوا فيه وكانوا مجرمين * ~~وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها ms2310 مصلحون ) ^ } ) | PageV03P585 ولما ~~نهي عن الإفراط في الدين , أتبعه النهي عن التفريط بالتقصي فيه بسفول الهمم ~~على وجه عام , وكان الحب في الله والبغض منه أوثق عرى الإيمان , إشارة إلى ~~ضده الذي هو أوثق عرى الشيطان فقال : { ولا تركنوا } أي شيئا من ركون , ~~وقال : { إلى الذين ظلموا } أي وجد منهم الظلم ولم يقل الظالمين , أي ~~بالميل إليهم بأن تثاقل أنفسكم نحوهم للميل إلى أعمالهم ولو بالرضى به ~~والتشبه بهم والتزنيي بزيهم , وحاصل الآيتين : لا تظلموا بأنفسكم ولا ~~تستحسنوا أفعال الظالمين , وفسر الزمخشري الركون بالميل اليسير , وهو حسن ~~من جهة المعنى لكني لن اره لغيره من أهل اللغةن وقال الرماني - وهو أقرب : ~~الركون : السكون إلى الشيء بالمحبة والانصباب إليه , ونقيضه النفور عنه , ~~وهو على التفسير الثاني في { تطغوا } من عطف الخاص على العام , والآية ~~ملتفتة إلى قوله تعالى { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } { فتمسكم النار } ~~أي فتسبب عن ركونكم إليهم مسه الكم فلا تقدروا على التخلص منها بنوع حيلة ~~من أنفسكم ؛ ومن إجلال النبي صلى الله عليه وسلم إفراده بالخطاب في الأمر ~~بأفعال الخير , والإتيان بضمير الجمع في النهي عن أفعال الشر - نبه على ذلك ~~الإمام أبو حيان . | ولما كان كل موجود سوى الله في قهره وتحت أمره , قال ~~تعالى : { وما لكم } ولما كان دون رتبته تعالى من الرتب والذوات ما لا ~~يحصيه غيره سبحانه , أدخل الجار تبعيضا فقال : { من دون الله } أي الملك ~~لأعظم , وأعرق في النفي فقال : { من أولياء } أي يخلصونكم من عذابه لما ~~تقرر أن { دون } من الأدون وهو الأقرب إلى جهة السفل ؛ والوي : المختص بأن ~~من شأنه تولي المعونة عند الحاجة , وأشار إلى أن نصر من لا ناصر له من الله ~~محال بأداة البعد وبناء للمفعول فقال : { ثم لا تنصرون * } اي ثم إذا فإنكم ~~هذا وذاك فما أبعدكم من النصرة ! ولما كان العلم حاصلا بما سبق من الحكم من ~~أن الآدمي محل العجز والتقصير , أتبع ذلك بأعلى مكفر لما يوجبه العجز ويقضي ~~به الفتور والوهن من الصغائر ms2311 وأعمه وأجلبه للاستقامة , وذلك يدل على أنها ~~بعد الإيمان افضل العبادات , فقال تعالى : { وأقم الصلاة } أي اعملها على ~~استواء { طرفي النهار } بالصبح والعصر كما كان مفروضا بمكة في أول الأمر ~~قبل الإسراء , ويمكن أن يراد مع ذلك الظهر لأنها من الطرف الثاني { وزلفا } ~~أي طوائف ودرجا وأوقات , جمع زلفة { من الليل } يمكن أن يكون المراد به ~~التهجد , فقد كان مفروضا في أول الإسلام , ويمكن أن يراد المغرب والعشاء مع ~~الوتر أو التهجد ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إن الحسنات } أي الطاعات كلها ~~الصلاة وغيرها المبنية على أساس الإيمان { يذهبن السيئات } أي الصغائر , ~~وأما الكبائر PageV03P586 التي يعبر عنها بالفواحش ونحوه فقد تقدم في قصة ~~شعيب عليه السلام عند قوله { ثم توبوا إليه } أنه لا يكفرها إلا التوبة لما ~~فيها من الإشعار بالتهاون بالدين , واجتنابها لا يكفر إلا إذا كان عن نية ~~صالحة كما أفهمه صيغة الافتعال من قوله < # > 77 ( { إن تجتنبوا } ) 77 < # > [ النساء : 30 ] ؛ روى البخاري في التفسير عن ابن مسعود رضي الله عنه ~~أم رجلا أصاب من امرأة قبلة , فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ~~ذلك فأنزل الله عليه { أقم الصلاة طرفي النهار } - الآية , قال ارجل : ألي ~~هذه ؟ قال : ( لمن عمل بها من أمتي ) وهذا الحديث يؤيد قول ابن عباس رضي ~~الله عنهما : إن هذه الآية من هذه السورة المكية المدنية . | ولما تم هذا ~~على هذا الوجه الأعلى والترتيب الأولى , قال تعالى مادحا له ليعرف مقداره ~~فيلزم : { ذلك } اي الأمر العالي الرتبة الذي تقدم من الترغيب والترهيب ~~والتسلية وتعليم الداء والدواء للخلاص من الشقاء { ذكرى } أي ذكر عظيم { ~~للذاكرين * } أي لمن فيه أهلية الذكر والانتباه به بحضوزر القب وصفاء الفكر ~~ونقفوذ الفهم . | ولما كن الصبر لله على المكاره أعلى الطاعة , أتبع ذلك ~~قوله : { واصبر } أي ليكن منك صبر على الطاعات وعن المعاصي ولا تترك ~~إنذارهم بما أمرت به مهما كان ولا تخفهم , فإن العاقبة لك إذا فعلت ؛ ولما ~~كان المقام الصبر صعبا والاستقامة على المحمود منه خاصة خطرا ms2312 , وكانت النفس ~~- لما لها من الجزع في كثير من الأحوال - كالمنكرة , أكد قوله : { فإن } ~~الصبر هو الإحسان كل الإحسان وإن { الله } أي المحيط بصفات الكمال { لا ~~يضيع } أي بوجه من الوجوه { أجر المحسنين * } أي العريقين في وصف الإحسان ~~بحيث إنهم يعبدون الهكأنهم يرونه , فلذلك يهون عليهم الصبر , ولذلك لأن ~~الطاعة كلفة فلا تكون إلا بالصبر , وكل ما عداها فهو هوى النفس لا صبر فيه ~~, فلادين كله صبر ( حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات ) ولذا فضل ثواب ~~الصابر < # > 77 ( { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ) 77 < # > [ الزمر : 10 ] والصبر المحمود : حبس النفس عن الخروج إلى ما لا يجوز ~~من ترك الحق , ونقيضه الجزع , قال الشاعر : | إن تصبر فالصبر خير مغبة وإن ~~تجزعا فالأمر ما تريان | PageV03P587 وهو من الصبر الذي هو المر المعروف ~~لأنه تجرع مرارة الق بحبس النفس عن الخروج غلى المشتهى مع الزاجر المعتبر ~~من الشرع والعقل , فهو أكره شيء إلى النفس , والمعين عليه ما في استشعار ~~لزوم الحق من العز والأجر بالطاعة والعم بما يعقب من الخير في كل وجه وعادة ~~النفس له , وقد غلب إطلاقه على االحق حتى لا يجوز إطلاقه إلا فيه - قاله ~~الرماني . | ولما كان ما تقدم كله مشيرا إلى استبعاد إيمان المعاندين بشي ~~من تدبير آدمي كما تكاد القصص تنطق به , وكذا الإعلام بأن عبادتهم إنما هي ~~للتقليد وباختلاف قوم موسى في كتابه الذي هو هدى ورحمة , وكل ذلك فطما عن ~~طلب ما قد يهجس في الخاطر من تمني إجابتهم إلى ما يقترحون أو الكف عن بعض ~~ما يغيظ من الإنذار , وكان من طبع البشر البعد عن الانتهاء عن الخواطر إلا ~~بعد التجربة , كان ذلك ربما أوجب أن الرشاد , فتسبب عنه أن يقال دفعا له : ~~{ فلولا كان } ويجوز أن يكون مناسبتها أنه لما ذكر إهلاك القورن الماضية ~~والأمم السالفة بما مضى غلى أن ختم بالأمر بالصبر على الإحسان من الأمر ~~بالمعروف والنهي عن النمكر , كان من الجائز أن يقع في فكر الاعتراض بأن ~~يقال : ما الموجب ms2313 لذلك ؟ فبين أن سبب الهلاك الإعارض عن نهي منتهك الحرمات ~~والمجترىء على هتك الأستار الجليلة والرتع في الحمى مع تمكنهم بما أودع ~~فيهم سبحانه من القوى والقدرة على اختيار جانب الخير والإعراض عن جانب الشر ~~فقال تعالى : { فلولا } بصيغة تحتمل التخصيص , وفيها معنى التفجع والتاسف ~~لاعتبار كل من كان على مثل حالهم { من القرون } أي المهلكين الأشداء ~~الكائنين في زمان ما . | ولما كان المراد القرون التي تقدم ذكر إهلاكها , ~~وكانت أزمتهم بعض الزمان الماضي , أتى بالجار فقال : { من قبلكم أولوا } أي ~~أصحاب { بقية } أي حفظ وخير ومراقبة لما يصلحهم , لأن مادة ( بقي ) تدور ~~على الجمع , ويلزمه القوة والثبات والحفظ , من قولهم : ابقه بقوتك مالك - ~~وزن ادعه - أي احفظه حفظك مالك , ويلزمه النظر والمراقبة : بقيت الشيء - ~~إذا نظرت إليه ورصدته , ويلزمه الثبات : بقي بقاء - إذا دام , والخير ~~والجودة ؛ قال الزمخشري : لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وافضله , ويقال ~~: فلان من بقية قوم , اي من خيارهم , وسيأتي شرح ذلك مستوفى عند قوله تعالى ~~{ وجعلنا بينهم موبقا } إن شاء الله تعالى { ينهون } أي يجددون النهي في كل ~~حين إشارة غلى كثرة المفسدين { عن الفساد } الكائن { في الأرض } و ( لولا ) ~~هنا كالتي في يونس توبيخية أو استفامية كما جوزهما الرماني , ويجوز ان تكون ~~تخصيصية كما قال PageV03P588 الزمخشري , ويكون للسامع لا للمهلك , لأن ~~الآية لما تضمنت إهلاك المقر على الفساد كان في ذلك أقوى حث لغيرهم على ~~ألأمر والنهي وأوفى تهديد زاجر عن ارتكاب مثل حالهم الموقع في أضعاف ~~ناكلهمن وفي تعقيب هذه الآية لآية الصبر إشارة غلى قوله تعالى { إنما أنت ~~نذير } . | ولما كانتالمعاني الثلاثة متضمنة للنفي , كان المعنى : لم يكن ~~من يفعل ذلك , فاتصل الاستثناء في قوله : { إلا قليلا } أي صالحين { ممن ~~أنجينا منهم } والظاهر أن ( من ) بيانية , اي هم الذين أنجينا فإنهم نهوا ~~عن الفساد , عبر بالإنجاء لأنه الدال على الخير الحامل للنهي عن الفساد دون ~~التنجية الدالة على التدريج والإبلاغ في الإنجاء فلو عبر بها فسد المعنى { ~~واتبع } الأكثر وهم { الذين ms2314 ظلموا } أي أوقعوا الظلم بترك النهي عن الفساد ~~, وما أحسن إطلاقها عن التقييد ب { منهم } { ما } ولما كان المبطر لهم نفس ~~الترف , بني للمفعول قوله : { أترفوا فيه } فأبطرتهم النعمة حتى طغوا ~~وتجبروا { وكانوا مجرمين * } أي متصفين على سبيل الرسوخ بالإجرام , وهو قطع ~~حبل الله على الدوام , فأهلكهم ربك لإجرامهم , ولوا ذلك لما فعل , فإن ~~إهلاكهم على تقدير الانفكاك عن الإجرام يكون ظلما على ما يتعارفون . | ولما ~~لاح بما مضى أن العبرة في الإهلاك والإنجاء للاكثر , قرره وأكده وبينه ~~بقوله : { وما كان ربك } ذكر سبحانه بالوصف المفهم للإحسان تثبيتا له ~~وتأمينا { ليهلك القرى } أي إهلاكا عاما { بظلم } أي أي ظلم كان , صغير أو ~~كبير { وأهلها مصلحون * } أي في حال ظلم بأن يوقع إهلاكهم في حال إصلاحهم ~~الذي هم عريقون فيه , فيكون الإهلاك في غير موقعه على ما يتعارف العباد مع ~~العلم بأن له أن يفعل ذلك في نفس الأمر لأنه لا يسأل عما يفعل ؛ والإهلاك : ~~إيجاب ما يبطل الإحساس , والهالك : ضياع الشيء وهو حصوله بحيث لا يدري اين ~~هو ؛ والإصلاح : إيجاب ما يستقيم له الأمر على ما يدعو إليه العقل . | < < # | هود : ( 118 - 123 ) ولو شاء ربك . . . . . # > > ^ ( ولو شآء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين * إلا من ~~رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين * ~~وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجآءك في هذه الحق وموعظة ~~وذكرى للمؤمنين * وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون * ~~وانتظروا إنا منتظرون * ) ^ } ) PageV03P589 ولما كان مثل هذه الآيات ربما ~~أوهم أن إيمان مثل هؤلاء مما لا يدخل تحت المشيئة , نفى ذلك الوهم مبينا ~~انفكاك المشيئة عن الأمر بقوله : { ولو شاء ربك } اي المحسن إليك بكل إحسان ~~يزيدك رفعة { لجعل الناس } أي كلهم { أمة واحدة } على الإصلاح , فهو قادر ~~على أن يحعلهم كلهم مصلحين متفقين على الإيمان فلا يهلكهم , ولكنه لم يشأ ~~ذلك , بل شاء اختلافهم والأمر تابع لمشيئة فاختلفوا { ولا يزالون مختلفين } ~~اي ثابتا ms2315 اختلافهم لكونهم على أديان شتى { إلا من رحم ربك } أي المحسن إليك ~~بالتأليف بينهم في جعلهم من أهل طاعتك فإنهم لا يختلفون في أصول الحق . | ~~ولما كان ما تقدم رما أوجب أن يقال : لم لم يقبل بقلوبهم إلى الهدى ويصرفهم ~~عن موجبات الردى إذا كان قادرا ؟ قال تعالى مجيباص عن ذلك : { ولذلك } أي ~~الاختلاف { خلقهم } أي اختراعهم وأوجدهم من العدم وقدرهم , وذلك أنه لما ~~طبعهم سبحانه على خلائق نم الخير والشر تقتضي الاختلاف لتفاوتهم فيها , ~~جعلوا كأنهم خلقوا له فجروا مع القضاء والقدر , ولم يمكنهم الجري على ما ~~تدعو إليه العقول في أن الاتفاق رحمة والاختلاف نقمة , فاستحق فريق منهم ~~النار وفريق جنة , وليس ذلك مخالفا لقوله تعالى : < # > 77 ( { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ) 77 < # > [ الذريات : 56 ] بل هومن شكله , اي أنه تعالى لما ركبهم على العجز ~~ومنحهم العقول مع نصب الأدلة , كان ذلك مهيئا للعبادة فكانوا كأنهم ما ~~خلقوا إلا لها اي ما خلقتهم إلا ليعرفون بنفوذ أقضيتي وتصاريفي فيهم ~~فيعبدون , أي خاضعا للأمر لنفوذه فيه وعجزه عن الامتناع كما قال تعالى < # > 77 ( { ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها } ) 77 < # > [ الرعد : 15 ] , فقد بان أن خلقهم للعبادة فقط ينافي خلقهم للاختلاف , ~~لأن جريهم في قضائه بالاختلاف عبادة وسود لغة , وذلك أن مادتي عبد وسجد ~~تدوران على الخضوع والذل والانقياد , وبذلك كان الكل عبيد الله , أو ~~الإشارة إلى مجمع الاتفاق والاختلاف ليظهر فضله على من ثبتهم ويظهر عدله ~~فيمن خذلهم . | ولما كان هذا الاختلاف سبب الكفر الذي ارسل رسله بالقتال ~~عليه , كان ربما ظن أنه بغير مشيته , فين أنه هو بمراده ولا اعتراض عليه ~~فقال : { وتمت } أي فبادروا إلى ما خلقهم لهم معرضين عن أوامره ولم تغن ~~عنهم عقولهم , وتمت حينئذ { كلمت ربك } أي المحسن إليك بقهر أعدائك التي ~~سبقت في الأزل وهي وعزتي { ملأن جهنم } أي لتي تلقى المعذب فيها بالتجهم ~~والعبوسة { من الجنة } أي قبيل الجنن قدمهم لأنهم اصل في الشر , ثم عم فقال ~~: { والناس ms2316 أجمعين * } فمشوا على ما أراد PageV03P590 ولم يمكنهم مع عقولهم ~~الجيدة الاستعدد وقواهم الشداد غير إلقاء القياد , فمن قال : إنه يخلق فعله ~~أو له قدرة على شيء فليفعل غير ذلك بأن يخبر باتفاقهم ثم يفعله ليتم قوله . ~~| وإلا فليعلم أنه مربوب مقهور فيسمع رسالات ربه بقالبه وقلبه . | ولما ~~أخبر سبحانه بما فعل بالقرى الظالمة , وحذر كل من فعل افعالهم بسطواته في ~~الدنيا والآخرة , وامر باتباع أمره والاعراض عن اختلافهم الذي حكم به ~~وأراده , عطف على قوله { نقصه عليك } قوله : { وكلا نقص } اي ونقص { عليك } ~~كل نبأ اي خبر عظيم جدا { من أنباء الرسل } مع أممهم : صالحيهم وفاسديهم , ~~فعم تفخيما للأمر , ولما كان الذي جر هذه القصص ما مضى من قوله : { فلعلك ~~تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك } , وكان ساكن الصدر القلب , وهو ~~الفؤاد الذي به قوام الإنسان بل الحيوان , وهو أحر ما فيه , ولذا عبر عنه ~~بما اشتق من الفأد وهو الحرف , وكان من لازم الحرارة الاضطراب والتقلب الذي ~~اشتق منه القلب فيضيق به الصدر , أبدل من { كلا } قوله : { ما نثبت } أي ~~تثبيتا عظيما { به فؤادك } أي فيسكن في موضعه ويطمئن أو يزداد يقينه فلا ~~يضيق الصدر من قولهم { لو لا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك } ونحوه , وبهذا ~~تبين أن المراد بذلك العام خاص لحصوله المقصود له , وهو التسلية نظرا إلى ~~قوله تعالى { وضائق به صدرك } لأن المشاركة في الأمور الصعبة تهون على ~~الإنسان ما يلقى من الأذى , والإعلام بعقوبات المكذبين فيها تأنيس للمكروب ~~؛ والتثبيت : تمكين إقامة الشيء ؛ والفؤاد : العضو الذي من شأنه أن يحمى ~~بالغضب الحال فيه , من المفتأد وهو المستوي . | ولما بين أن كل ما قص عليه ~~من أخبارهم يستلزم هذا المقصود , بين أنه ليس كما يعلل به غالبا من الأخبار ~~الفارغة والأحاديث المزخرفة الباطلة ولا مما ينقله المؤرخون مشوبا بالتحريف ~~فقال : { وجاءك في هذه } أي الأخبار { الحق } أي الكامل في الثبات الذي لا ~~مرية فيه , وفائدة الظرف التأكيد لعظم المقصود من آية { فلعلك } وصعوبته ms2317 . ~~| ولما كان الحق حقا بالنسبة إلى كل أحد عرفه ونكر ما هو خاص بقوم دون قوم ~~فقال : { وموعظة } أي مرقق للقلوب { وذكرى } اي تذكير عظيم جدا { للمؤمنين ~~* } أي الراسخين في الإيمان , وقد تضمنت الآية الاعتبار من قصص الرسل بما ~~فيها من حسن صبرهم على أممهم واجتهادهم على دعائهم إلى عبادة الل بالحق ~~وتذكير الخير والشر وما يدعو إليه كل منهما من عاقبة النفع والضر للثبات ~~على ذلك جميعه اقتداء بهم . | ولمكا ذكر نفع هذا الحق , كان كأنه قيل : ~~فعطهم بذلك وذكرهم به , فعطف عليه PageV03P591 قوله : { وقل } ويجوز أن ~~يكون معطزفا على قوله { واصبر } اي اصبر على ما أمرناك من تبليغ وحينا ~~وامتثاله , وقل { للذين } اي لم تؤثر فيهم هذه المرعظة فهم { لا يؤمنون } ~~أي لا يتجدد لهم إيمان منذرا لهم { اعملوا } متمكنين { على مكانتكم } أي ~~طريقتكم التي تتمكنون من العمل عليها . | ولما كان العمل واجبا عليه صلى ~~الله عليه وسلم وعلى كل من تبعه فهم عاملون لا محالة سواء عمل الكفار أو لا ~~, قال مؤكدا لأجل إنكار الكفار أن يدوموا على العمل المخالف لهم مع ما يصل ~~إليهم لأجله من الضر , معريا له عن فاء السبب لذلك والاستئناف : { إنا } أي ~~أنا ومن معي { عالمون * } أي ثابت عملنا لا نحول عنه لأن ما كان لله فهو ~~دائم بدوامه سبحانه , وحذف النون الثانية اكتفاء بمطلق التأكيد لأنه كاف في ~~الإعلام بالجزم في النية , وفيه تأدب بالإشارة إلى أن المستقبل أمر لا ~~اطلاع عليه لغير الله فينبغي أن لا يبلغ في التأكيد فيه غيره , وهذا بخلاف ~~ما في سورة فصلت مما هو جار على ألسنة الكفرة { وانتظروا } أي ما أنتم ~~منتظرون له من قهرنا { إنا منتظرون * } أي ما وعدنا الله في أمركم , فإن ~~الله مهلكهم ومنجيك لأنه عالم بغيب حالك وحالهم وقادر عليكم ؛ والانتظار : ~~طلب الإدراك لما يأتي من الأمر الذي يقدر النظر إليه ؛ والتوقع : طلب ما ~~يقدر نه يقع , وهما يكونان في الخير والشر ومع العلم والشك , والترجي لا ~~يكون إلا مع ms2318 الخير والشك . < < # | هود : ( 118 - 123 ) ولو شاء ربك . . . . . # > > ^ ( ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل ~~عليه وما ربك بغافل عما تعملون ) ^ } ) | ولما تضمن هذا التهديد العلم ~~والقدرة ، قال عاطفا على ما تقديره : فلله كل ما شوهد من أمرنا وأمركم ~~وأمنر عالم الغيب والشهادة كله ما كان من ابتداء أمورنا { ولله } أي المحيط ~~وحده بكل شيءموات والأرض } أي جميع ما غاب علمه عن العباد فهو تام العلم ، ~~ومنه ما ينهى عنه وإن ظن الجهلة أنه خارج عن قدرنه لما أظهر من الزجر عنه ~~ومن كراهيته . | ولما كان السياق هنا لأنه سبحانه خلق ذواتهم ومعانيهم ~~للاختلاف ، وكان تهديدهم على المعاصي ربما أوهم أنه بغير إرادته ، فكان ~~ربما قال جاهل : أنا برئ من المخالفين لأوليائه كثيرا جدا ، وعادة الخلق أن ~~من خالفهم خارج عن أمرهم ، كان الجواب على تقدير التسليم لهذا الأمر الظاهر ~~: فله كان الأمر ظاهرا وباطنا { وإليه } أي وحده { يرجع } بعد أن كان ~~للجاهل أن خرج عنه ، والرجوع : ذهاب الشيء PageV03P592 إلى حيث ابتدأ منه { ~~الأمر كله } في الحال على لبس وخفاء ، وفي المال على ظهور واتضاح وجلاء فهو ~~شامل القدرة كما هو شامل العلم ، فلا بد من أن يرجع إليه أمرك وأم رأعدائك ~~، أي يعمل فيه عمل من يرجع إليه الأمر فيجازي المحسن بإحسانه والمسئ بإساته ~~، ولذلك سبب عن إسناد الأمور كلها إليه قوله : { فاعبده } أي وحده عبادة لا ~~شوب فيها { وتوكل } معتمدا في أمورك كلها { عليه } فإنه القوي المتين ، وفي ~~تقديم الأمر بعبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع العابد . | ولما ~~كانت العادة الجارية بأن العالم قد يعفل ، نزه عن ذلك سبحانه وتعالى نفسه ~~مرغبا مرهبا : { وما ربك } أي المحسن إليك بما يعلمه بإحاطة علمه إحسانا ، ~~وأغرق في النفي فقال : لآآ بغافل عما تعملون } ولا تهديد أبلغ من العلم ، ~~وهذا بعينه مضمون قوله تعالى { كتب أحكمت آياته ثن فصلت من لدن حكيم خبير ~~الا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير } [ هو 1 - 2 ] . | . . . . | ~~PageV03P593 < # > سورة ms2319 يوسف < # > < < # | يوسف : ( 1 - 3 ) الر تلك آيات . . . . . # > > مقصودها وصف الكتاب بالإبانة لكل ما يوجب الهدى لما ثبتفيما مضى ~~ويأتي في هذه السورة من تمام علم منزله غيبا وشهادة وشمول قدرته قولا وفعلا ~~، وهذه القصة - كما ترى - أنسب الأشياء لهذا المقصود ، فلذلك سميت سورة ~~يوسف - والله أعلم . ^ ( الر تلك آيات الكتاب المبين * إنآ أنزلناه قرآنا ~~عربيا لعلكم تعقلون * نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن ~~وإن كنت من قبله لمن الغافلين ) ^ } ) | { بسم الله } الذي وسع كل شيء قدرة ~~وعلما { الرحمن } الذي لم يدع لبسا لعموم رحمته في طريق الهدى { الرحيم } ~~الذي خص حزبه بالإبعاد عن موطئ الردى . | لما خلل سبحانه تلك مما خللها به ~~من القصص والآيات القاطعة بأن القرآن من عنده وبإذنه نزل , وأنه لا يؤمن ~~إلا من شاء إيمانه , وأنه مهما شاءه كان , وبين عظيم قدرته على مثل ما عذب ~~به الأمم وعلى التأليف بين من أراد وإيقاع الخلاف بين من شاء , وأشار إلى ~~أنه حكم بالنصرة لعابدية فلا بد أن يكون ما أراد لأنه إليه يرجع الأمر كله ~~, تلاها بهذه السورة لبيان هذه الأغراض بهذه القصة العظيمة الطويلة التي ~~لقي فيها يوسف علية الصلاة والسلام ما لقي من أقرب الناس إليه ومن غيرهم ~~ومن الغربة وشتات الشمل , ثم كانت له العاقبة فيه على أتم الوجوه لما تدرع ~~به من الصبر على شديد البلاء والتفويض لأمر الله جل وعلا تسلية لهذا النبي ~~الأمين وتأسية بمن مضى من إخوانه المرسلين فيما يلقى في حياته من أقاربه ~~الكافرين وبعد وفاته ممن دخل منهم في الدين PageV04P003 في آل بيته كما وقع ~~ليوسف عليه السلام من تعذيب عقبه وعقب إخوته ممن بالغ في الإحسان إليهم , ~~وقد وقع ليوسف عليه السلام بالفعل ما هم الكفار من أقارب النبي صلى الله ~~عليه وسلم بفعله به كما حكاه سبحانه في قوله < # > 77 ( { ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } ) 77 < # > [ الأنفال : 30 ] فنجا منهم أن يكون شيء منه بأيديهم إلا ما كان من ~~الحصر في ms2320 شعب أبي طالب ومن الهجرة بأمر الحكيم العليم , ثم نصر الله يوسف ~~عليه السلام على إخواته الذين فعلوا به ذلك وملكه قيادتهم , فكان في سوق ~~قصيه عقب الإخبار بأن المراد بهذه القصص تثبيته صلى الله عليه وسلم وتسلية ~~فؤاده إشارة إلى البشارة بما وقع له صلى الله عليه وسلم يوم الفتح من ملك ~~قيادهم ورد عنادهم ومنه عليهم وإحسانه إليهم , وفي إشارتها بشارة بأن ~~المحسود يعان ويعلى إن عمل ما هو الأحرى به والأولى , ومن فوائد ذكرها ~~التنبيه على أن الحسد داء عظيم شديد التمكن في النفوس حتى أنه بعزم تمكنه ~~وكثرة مكانه وتعدد كائنه ربما غلب أهل الصلاح ألا من بادر منهم بالتوبة ~~داعي الفلاح , وتركت إعادتها دون غيرها من القصص صونا للأكابر عن ذكر ما ~~ربما أوجب اعتقاد نقص , أو توجيه طعن أو غمص , أو هون داء الحسد , عند ذي ~~تهور ولدد , وخللها سبحانه ببليغ الحكم وختمها بما أنتجت من ثبوت أمر ~~القرآن ونفي التهمة عن هذا النبي العظيم . | هذا مناسبة ما بين السورتين , ~~وأما مناسبة الأول للآخر فإنه تعالى لما أخبر في آخر تلك بتمام علمه و شمول ~~قدرته , دل على ذلك أهل السبق من الفصاحة والفوت في البلاغة في أول هذه بما ~~فعل في كلامه من أنه تعالى يقدر على أن يأتي بما تذهب الأفهام والعقول - ~~على كرة الأزمان وتعاقب الدهور وتوالي الأيام وتمادي الليالي - في معناه كل ~~مذهب وتطير كل مطار مع توفر الدواعي وستجماع القوى , ولا تقف من ذلك على ~~أمر محقق ولا مراد معلوم وعلى أن يأتي بما يفهم به أوائل النظر أدنى معناه ~~إلى حد يعلم أنه معجوز عن كل ما فيه من جليل معانيه ولطيف مبانيه فقال ~~تعالى : { الر } قال الروماني : لم تعد الفواصل لأنها لا تشاكل رؤوس الآيات ~~لأنها على حرفين , فأجريت مجرى الأسماء الناقصة , وإنما يؤم بالفواصل ~~التمام , وأما ( طه ) فيعد لأنه يشبه رؤوس آيها - انتهى . | وهذا قول من ~~ذهب سهوا إلى أن السجع مقصود في القرآن , وهو قول ms2321 مردود غير معتد به كما ~~مضى القول فيه في آخر سورة براءة , فإنه لا فرق بين نسبته إلى شعر وبين ~~نسبته إلى أنه سجع , لأن السجع صنع الكهان فيؤدي ذلك إلى ادعاء أنه كهانة ~~PageV04P004 وذلك كفر لا شك فيه , وقد أطنبت فيه في كتابي مصاعد النظر , ~~وبينت مذاهب العادين للآيات وأن مرجعها التوفيق مثل نقل القراءات سواء - ~~والله الهادي . | ولما ابتدئت السورة الماضية بأن هذا الكتاب محكم , وختمت ~~بالحكمة المقصودة من قص أنباء الرسل , وكان السياق للرد عليهم في تكذيبهم ~~به في قوله < # > 77 ( { أم يقولون افتراه } ) 77 < # > [ سجدة : 3 ] ودل على أنه أنزل بعلمه , ابتدئت هذه لإتمام تلك الدالة ~~بالإشارة إلى ما له من علو المحل وبعد الرتبة , فعقب سبحانه هذه المشكلة ~~التي ألقاها بالأحرف المقطعة وبان أنها مع إشكالها عند التأمل واضحة بقوله ~~مشيرا إلى ما تقدم من القرآن وإلى هذه السورة : { تلك } أي الآيات العظيمة ~~العالية { آيات الكتاب } أي الجامع لجميع المرادات . | ولما تقدم أول سورتي ~~يونس وهود وصفة بالحكمة والإحكام والتفصيل , وصف هنا بأخص من ذلك فقال ~~تعالى : { المبين } أي البين في نفسه أنه جامع معجز لا يشتبه على العرب ~~بوجه , والموضح لجميع ما حوى , وهو جميع المرادات لمن أمعن التدبر وأنعم ~~التفكير , ولأنه من عند لله < # > 77 ( { ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه } ) 77 < # > [ يوسف : 111 ] و < # > 77 ( { موعظه وذكرى للمؤمنين } ) 77 < # > [ هود : 120 ] ؛ والبيان : إظهار المعنى للنفس بما يفصله عن غيره وهو ~~غرض كل حكيم في كلامه , ويزيد عليه البرهان بأنه إظهار صحة المعنى بما يشهد ~~به , وأبان - لازم متعد ؛ ثم علل المبين بقوله معبرا بالإنزال لأنه في سياق ~~تكذيبهم به بخلاف ما عبر فيه بالجعل كما يأتي في الزخرف : { إنا أنزلناه } ~~بنون العظمة أي الكتاب المفسر بهذه السورة أو بالقرآن كله { قرءنا } سمي ~~بعضه بذلك لأن القرآن اسم جنس يقع على الكل والبعض { عربيا } وعلل إنزاله ~~كذلك بقوله : { لعلكم تعقلون } أي لتكونوا على رجاء من أن تكونوا من ذوي ~~العقل ms2322 أو من أن تعقلوا ما يراد منكم ؛ قال : أبو حيان و ( لعل ) ترج فيه ~~معنى التعليل . | وهذه الآية تدل على أن اللسان العربي أفصح الألسنة ~~وأوسعها وأقوامها وأعدلها , لأن من المقرر أن القول - وإن خص بخطابه قوم - ~~يكون عاما لمن سواهم . | ولما بين أنه يقص عليه من أنباء الرسل ما يثبت به ~~فؤاده , قال مثبتا ومعللا بأنه الكتاب بعلة أخرى مشاهدة هي أخص من الأول : ~~{ نحن نقص عليك } وعظم هذه القصة بمظهر العظمة وأكد ذلك بقوله تعالى : { ~~أحسن القصص } أي الاقتصاص أو المقصوص بأن نتبع بعض الحديث كما نعلمه بعضا ~~فنبينه أحسن البيان - لأنه من PageV04P005 قص الأثر - تثبيتا لفؤادك ~~وتصديقا لنبوتك وتأييدا على أحسن ترتيب وأحكم نظام وأكمل وأوفى تحرير وأبدع ~~طريقة مع ما نفصلها به من جواهر الحكم وبدائع المعاني من الأصول والفروع , ~~وهي قصة يوسف عليه السلام قصة طويلة هي في التوراة في نيف وعشرين ورقة لا ~~يضبطها إلا حذاق أخبارهم , من تأمل اقتصاصها فيها أو في غيرها من تواريخهم ~~ذاق معنى قوله تعالى < # > 77 ( { أحسن القصص } ) 77 < # > [ يونس : 3 ] حتى لقد أسلم قوم من اليهود لما رأوا من حسن اقتصاصها , ~~روى البيهقي في أواخر الدلائل بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أن ~~حبرا من اليهود دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وكان قارئا ~~للتوراة فوافقه وهو يقرأ سورة يوسف عليه السلام كما أنزلت على موسى عليه ~~السلام في التوراة فقال له الحبر : يا محمد من علمكها ؟ قال : ) الله ~~علمنيها ( فرجع إلى اليهود فقال لهم : أتعلمون والله أن محمدا ليقرأ القرآن ~~كما أنزل في التوراة ! فانطلق بنفر منهم حتى دخلوا عليه فعرفوه بالصفة ~~ونظروا إلى خاتم النبوة بين كتفيه , فجعلوا يستمعون إلى قراءته لسورة يوسف ~~, فتعجبوا منه وقالوا : يا محمد ! من علمكها ؟ فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ) علمنيها الله ( فأسلم القوم عند ذلك ) . | وقد منها سبحانه من ~~النكت والعبر والحكم أمرا عظيما , وذكر فيها حسن مجاورة يوسف عليه الصلاة ~~والسلام ms2323 لإخوته وصبره على أذاهم وحلمه عنهم وإغضاءه عند لقائهم عن تبكيتهم ~~وكرمه في العفو , والأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والإنس والجن ~~والأنعام والطير وسائر الملوك والمماليك والتجار والعلماء والجهال والرجال ~~والنساء ومكرهن والتوحيد والنبوة والإعجاز والتعبير والسياسة والمعاشرة ~~وتدبير المعاش وجميع الفوائد التي تصلح للدين والدنيا , وذكر الحبيب ~~والمحبوب , ولم يدخل فيها شيئا من غيرها دون سائر القصص , وكان عقابها إلى ~~خير وسلامة واجتماع شمل وعفو من الله وتجاوز عن الكل { بما اوحينا } أي ~~بسبب إيحائنا { إليك } . | ولما كان إنزال القرآن مجمع الخيرات , عين ~~المراد بالإشارة واسم العلم فقال : { هذا القرآن } الذي قالوا فيه : إنه ~~مفترى , فنحن نتابع فيه القصص بعد قصة PageV04P006 والحكم حكمة في أثر حكمة ~~حتى لا يشك شاك ولا يمتري ممتر في أنه من عندنا وبإذننا ويكون أمره في ~~البعد من اللبس أظهر من الشمس . | ولما كانوا مع معرفتهم به صلى الله عليه ~~وسلم عارفين بأنه كان مباعدا للعلم والعلماء , وكان فعلهم في التكذيب فعل ~~من ينكر ذلك , قال : { وإن } أي وإن الشأن والحديث { كنت } ولما كان كونه ~~لم يستغرق الزمان الماضي , أثبت الجار فقال : { من قبله } أي هذا الكتاب أو ~~إيحائنا إليك به { لمن الغافلين } أي عن هذه القصة وغيرها , مؤكدا له ~~بأنواع التأكيد , وهو ناظر إلى قوله آخرها { وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم ~~وهم يمكرون } بعد التفاته عن كثب إلى آخر التي قبلها ل { وما ربك بغافل عما ~~تعملون } والحسن : معنى يتقبله العقل ويطرق إلى طلب المتصف به أنواع الحيل ~~, ومادة , غفل , بكل ترتيب تدور على الستر والحجب , من الغلاف الذي يوضع ~~فيه الشيء فلا ينظر منه شيئا ولا ينظره شيء ما دام فيه , ومنه الغفلة - ~~للجلدة التي التي على الكمرة , والغفل - بالضم : ما لا علاقة له من الأرض , ~~ودابة غفل , لا سمة لها , لأن عدم العلامة مؤد إلى الجهل بعا فكأنها في ~~غلاف لا ينظر منه , ومنه رجل غفل : لا حسب عنده , لأن ذلك أقرب إلى جهله , ~~والتغفل : الختل , أي أخذ الشيء من غير ms2324 أن يشعرن فقد ظهر أن مقصود السورة ~~وصف الكتاب بعد الحكمة والتفصيل بالإبانة عن جميع المقاصد المنزل لها ؛ ~~وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : هذه السورة من جملة ما قص عليه صلى الله ~~عليه وسلم من أنباء الرسل وأخبار من تقدمه مما فيه التثبيت الممنوح في قوله ~~سبحانه وتعالى < # > 77 ( { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } ) 77 < # > [ هود : 120 ] ومما وقعت الإحالة عليه في سورة الأنعام - كما تقدم - ~~وإنما أفردت على حدتها ولم تنسق على قصص الرسل مع أنهم في سورة واحدة ~~لمفارقة مضمونها تلك القصص , ألا ترى أن تلك قصص إرسال من تقدم ذكرهم عليهم ~~الصلاة والسلام وكيفية تلقي قومهم لهم وإهلاك مكذبيهم , أما هذه القصة ~~فحاصلها فرج بعد شدة وتعريف بحسن عاقبة الصبر , فإنه تعالى امتحن يعقوب ~~عليه الصلاة والسلام بفقد ابنيه وبصره وشتات بنيه , وامتحن يوسف عليه ~~الصلاة والسلام بالجب والبيع وامرأة العزيز وفقد الأب والإخوة والسجن , ثم ~~امتحن جميعهم بشمول الضر وقلة ذات اليد < # > 77 ( { مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا ~~} ) 77 < # > [ يوسف : 88 ] ثم تداركهم الله بالفهم وجمع شملهم ورد بصر أبيهم ~~وائتلاف قلوبهم ورفع ما نزع به الشيطان وخلاص يوسف عليه الصلاة والسلام من ~~كيد كاده PageV04P007 واكتنافه بالعصمة وبراءته عند الملك والنسوه , وكل ~~ذلك مما أعقبه جميل صبره وجلالة اليقين في حسن تلقي الأقدار بالتفويض ~~والتسليم على توالي الامتحان وطول المدة , ثم انجر في أثناء هذه القصة ~~الجليلة إنابة امرأة العزيز ورجوعها إلى الحق وشهادتها ليوسف عليه الصلاة ~~والسلام بما منحه الله من النزاهة عن كل ما يشين , ثم استخلاص العزيز إياه ~~- إلى ما انجر في هذه القصة الجليلة من العجائب والعبر < # > 77 ( { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب } ) 77 < # > [ يوسف : 111 ] فقد انفردت هذه القصة بنفسها ولم تناسب ما ذكر من قصص ~~نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم الصلاة والسلام وما جرى في أممهم , ~~فلهذا فصلت عنهم , وقد أشار في سورة برأسها ms2325 إلى عاقبة من صبر ورضى وسلم ~~ليتنبه المؤمنون على ما في طي ذلك , وقد طرح لهم مما أجملته هذه السورة من ~~الإشارة في قوله تعالى < # > 77 ( { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ~~} ) 77 < # > - إلى قوله < # > 77 ( { آمنا } ) 77 < # > [ النور : 55 ] وكانت قصة يوسف عليه الصلاة والسلام بجملتها أشبه شيء ~~بحال المؤمنين في مكابدتهم في أول الأمر وهجرتهم وتشققهم مع قومهم وقلة ذات ~~أيديهم إلى أن جمع الله شملهم < # > 77 ( { اذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم ~~بنعمته إخوانا } ) 77 < # > [ آل عمران : 103 ] وأورثهم الله الأرض وأيدهم ونصرهم , ذلك بجليل ~~إيمانهم وعظيم صبرهم , فهذا ما أوجب تجرد هذه القصة عن تلك القصص - والله ~~أعلم , وأما تأخر ذكرها عنها فمناسب لحالها ولأنها إخبار بعاقبة من آمن ~~واتعظ ووقف عند ما حد له , فلم يضره ما كان , ولم تذكر إثر قصص الأعراف لما ~~بقي من استيفاء تلك القصص الحاصل ذلك في سورة هود ؛ ثم إن ذكر أحوال ~~المؤمنين مع من كان معهم من المنافقين وصبرهم عليهم مما يجب أن يتقدم ويعقب ~~بهذه القصة من حيث عاقبة الصبر والحض عليه - كما مر , فأخرت إلى عقب سورة ~~هود عليه الصلاة والسلام لمجموع هذا - والله تعالى أعلم ؛ ثم ناسبت سورة ~~يوسف عليه الصلاة والسلام أيضا أن تذكرإثر قوله تعالى < # > 77 ( { إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين } ) 77 < # > [ هود : 114 ] , وقوله < # > 77 ( { واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ) 77 < # > [ هود : 115 ] وقول < # > 77 ( { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } ) 77 < # > - [ هود : 118 ] الآية , وقوله < # > 77 ( { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظرونا ~~إنا منتظرون } ) 77 < # > [ هود : 121 ] فتدبر ذلك , غما نسبتها للأولى فإن ندم إخوة يوسف عليه ~~الصلاة والسلام واعترافهم بخطاء فعلهم وفضل يوسف عليه الصلاة والسلام عليهم ~~< # > 77 ( { لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين } ) 77 < # > [ يوسف : 91 ] وعفوه عنهم < # > 77 ( { لا تثريب عليكم اليوم يغفرالله لكم } ) 77 < # > [ يوسف : 92 ] وندم امرأة ms2326 العزيز وقولها < # > 77 ( { الآن حصحص الحق } ) 77 < # > [ يوسف : 51 ] - PageV04P008 الآية , كل هذا من باب إذهاب الحسنة ~~السيئة , وكأن ذلك مثال لما عرف المؤمنون من إذهاب الحسنة السيئة ؛ وأما ~~نسبة السورة لقوله تعالى { واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين } فإن هذا ~~أمر منه سبحانه لنبيه عليه الصلاة والسلام بالصبر على قومه , فأتبع بحال ~~يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام وما كان من أمرهما وصبرهما مع طول المدة ~~وتوالى امتحان يوسف عليه الصلاة والسلام بالجب ومفارقة الأب والسجن حتى ~~خلصه الله أجمل خلاص بعد طول تلك المشقات , ألا ترى قول نبينا وقد ذكر يوسف ~~عليه الصلاة والسلام فشهد له بجلالة الحال وعظيم الصبر فقال ( ) ولو لبثت ~~في السجن ما لبث اخي يوسف لأجبت الداعي ( فتأمل عذره له عليهما الصلاة ~~والسلام وشهادته بعظيم قدر يوسف عليهما الصلاة والسلام < # > 77 ( { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } ) 77 < # > [ هود : 120 ] . | لما قيل له < # > 77 ( { واصبرفإن الله لا يضيع أجر المحسنين } ) 77 < # > [ هود : 115 ] أتبع بحال يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام من ~~المحسنين < # > 77 ( { ووهبنا له إسحاق ويعقوب } ) 77 < # > إلى قوله < # > 77 ( { وكذلك نجزي المحسنين } ) 77 < # > [ الأنعام : 84 ] وقد شملت الآية ذكر يعقوب ويوسف عليهما الصلاة ~~والسلام , ونبينا عليه أفضل الصلاة والسلام قد أمر بالاقتداء في الصبر بهم ~~, وقيل له < # > 77 ( { فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل } ) 77 < # > [ الأحقاف : 35 ] ويوسف عليه الصلاة والسلام من أولي العزم ؛ ثم إن حال ~~يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام - في صبرهما ورؤية حسن عاقبة الصبر في ~~الدنيا مع ما أعد الله لهما من عظيم الثواب - أنسب شيء لحال نبينا عليه ~~الصلاة والسلام في مكابدة قريش ومفارقة وطنه , ثم تعقب ذلك بظفره بعدوه ~~وإعزاز دينه وإظهار كلمته ورجوعه إلى بلده على حالة قرت بها عيون المؤمنين ~~وما فتح الله عليه وعلى أصحابه - فتأمل ذلك , ويوضح ما ذكرنا ختم السورة ~~بقوله تعالى < # > 77 ( { حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاء نصرنا } ) 77 < # > [ يوسف : 110 ] الآيه ms2327 فحاصل هذا كله الأمر بالصبر وحسن عواقب أولياء ~~الله فيه ؛ وأما النسبة لقوله < # > 77 ( { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين } ) 77 < # > [ هود : 118 ] فلا أنسب لهذا ولا أعجب من حال إخوة فضلاء لأب واحد من ~~أنبياء الله تعالى وصالحي عباده جرى بينهم من التشتت ما جعله الله عبرة ~~لأولي الألباب ؛ وأما النسبة لآية التهديد فبينة , وكأن الكلام في قوة < # > 77 ( { اعملوا على مكانتكم - وانتظروا } ) 77 < # > PageV04P009 [ هود : 121 ] فلن نصبر عليكم مدة صبر يعقوب ويوسف عليهما ~~الصلاة والسلام , فقد وضح بفضل الله وجه ورود هذه السورة عقب سورة هود - ~~والله أعلم . | انتهى . | < < # | يوسف : ( 4 - 5 ) إذ قال يوسف . . . . . # > > ^ ( إذ قال يوسف لأبيه يأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ~~رأيتهم لي ساجدين * قال يبني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن ~~الشيطان للإنسان عدو مبين ) ^ } ) | ولما تم ما أراد تعالى من تعليل الوصف ~~بالمبين أبدل من قوله ( أحسن القصص ) قوله : { إذ } أي نقص عليك خبر إذ , ~~أي خبر يوسف إذ { قال يوسف } أي ابن يعقوب إسرائيل الله عليهما الصلاة ~~والسلام { لأبيه } ومن بين أدبه بقوله - مشيرا بأداة البعد إلى أن أباه ~~عالي المنزلة جدا , وإلى أن الكلام الآتي مما له وقع عظيم , فينبغي أن يهتم ~~بسماعه والجواب عليه , وغير ذلك من أمره : { يأبت } تاءه للتأنيث لأنه يوقف ~~عليها عند بعض القراء بالهاء , وكسرتها عند من كسر دالة على ياء الإضافة ~~التي عوض عنها تاء التأنيث , واجتماع الكسرة معها كاجتماعها مع الياء , ~~وفتحها عند من فتح عوض عن الألف القائمة مقام ياء الإضافة . | ولما كان ~~صغيرا , وكان المنام عظيما خطيرا , اقتضى المقام التأكيد فقال : { إني رأيت ~~} أي في منامي , فهو من الرؤيا التي هي رؤية في المنام , فرق بين حال النوم ~~واليقظة في ذلك بألف التأنيث { أحد عشر كوكبا } أي نجما كبيرا ظاهرا جدا ~~مضيئا براقا , وفي عدم تكرار هذه القصة في القرآن رد على من قال : كررت قصص ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تمكينا لفصاحتها ms2328 بترادف السياق , وفي تكرير ~~قصصهم رد على من قال : إن هذه لم تكرر لئلا تفتر فصاحتها , فكأن عدم ~~تكريرها لأن مقاصد السور لم تقتض ذلك - والله أعلم . | ولما كان للنيرين ~~اسمان يخصمانهما هما في غاية الشهرة , قال معظما لهما : { والشمس والقمر } ~~ولما تشوفت النفس إلى الحال التي رآهم عليها , فكان كأنه قيل : على أي حال ~~؟ وكانت الرؤيا باطن البصر الذي هو باطن النظر , فكان التعبير بها للإشارة ~~إلى غرابة هذا الأمر , زاد في الإشارة إلى ذلك بإعادة الفعل , وألحقه ضمير ~~العقلاء لتكون دلالته على كل من عجيب أمر الرؤيا ومن فعل المرتى الذي لا ~~يعقل فعل العقلاء من وجهين فقيل : { رأيتهم لي } أي خاصة { ساجدين } أجراهم ~~مجرى العقلاء لفعل العقلاء . | فكأنه قيل : ماذا قال له أبوه ؟ فقيل : { ~~قال } عالما بأن إخوته سيحسدونه على ما تدل عليه هذه الرؤيا إن سمعوها { ~~يانبي } فبين شفقته عليه , وأكد النهي بإظهار PageV04P010 الإدغام فقال : { ~~لا تقصص رؤياك } أي هذه { على إخوتك } ثم سبب عن النهي قوله : { فيكيدوا } ~~أي فيوقعوا { لك كيدا } أي يخصك , فاللام للاختصاص . | وفي الآية دليل على ~~أنه لا نهي عن الغيبة للنصيحة , بل هي مما يندب إليه ؛ قال الرماني : ~~والرؤيا : تصورالمعنى في المنام على توهم الإبصار , وذلك أن العقل مغمور ~~بالنوم , فإذا تصور الإنسان المعنى توهم أنه يراه ؛ وقال الإمام الرازي في ~~اللوامع : هي ركود الحواس الظاهرة عن الإدراك والإحساس , وحركة المشاعر ~~الباطنة إلى المدارك , فإن للنفس الإنسانية حواس ظاهرة ومشاعر باطنة , فإذا ~~سكنت الحواس الظاهرة استعملت الحواس الباطنية في إدراك الأمور الغائبة , ~~فربما تدركها على الصورة التي هي عليها , فلا يحتاج إلى تعبير , وربما ~~تراها في صورة محاكية مناسبة لها فيحتاج إلى التعبير , مثال الأول رؤيا ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل المسجد الحرام , والثاني كرؤيا يوسف عليه ~~الصلاة والسلام هذه . | وقال الرماني : والرؤيا الصادقة لها تأويل , ~~والرؤيا الكاذبة لا تأويل لها - انتهى . | وهذا لمن ينام قلبه وهم من عدا ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . | ولما كانت العادة جارية بأن شفقة ms2329 الإخوة ~~تمنع من مثل ذلك , علله تقريبا له بقوله : { إن الشيطان } أي المحترق ~~المبعد { للإنسان } أي عامة ولا سيما الأكابر منهم { عدو مبين أي واضح ~~العداوة وموضحها لكل واع فيوقع العداوة بما يخيله من فوت الحظوظ بتركها , ~~وفي الآية دليل على أن أمر الرؤيا مشكل , فلا ينبغي أن تقص إلا على شفيق ~~ناصح . | < < # | يوسف : ( 6 - 8 ) وكذلك يجتبيك ربك . . . . . # > > ^ ( وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى ~~آل يعقوب كمآ أتمهآ على أبويك من قبل إبراهيم وإسحاق إن ربك عليم حكيم * ~~لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين * إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى ~~أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين ) ^ } ) | ولما علم يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام من هذه الرؤيا ما سيصير إليه ولده من النبوة والملك قال : { ~~وكذلك } أي قد اجتباك ربك للإطلاع على هذه الرؤيا العظيمة الدالة على شرف ~~وعز , ومثل ما اجتباك لها { يجتبيك } أي يختارك ويجمع لك معالي الأمور { ~~ربك } المربي لك بالإحسان للملك والنبوة { ويعلمك من } أي بعض { تأويل ~~الاحاديث } من الرؤيا وغيرها من كتب الله وسنن الأنبياء وغوامض ما تدل عليه ~~المخلوقات الروحانية والجسمانية , لأن الملك والنبوة لا يقومان إلا بالعلم ~~والتأويل المنتهي الذي يصير إليه المعنى , وذلك فقه الحديث الذي هو حكمة ~~لأنه إظهار ما يؤول PageV04P011 إليه أمره مما عليه معتمد فائدته , وأكثر ~~استعماله في الرؤيا { ويتم نعمته } بالنبوة { عليك } بالعدل ولزوم المنهج ~~السوي { وعلى آل يعقوب } أي جميع إخوتك ومن أراد الله من ذريتهم , فيجعل ~~نعمتهم في الدنيا موصولة بنعمة الآخرة , لأنه عبر عنهم في هذه الرؤيا ~~بالنجوم المهتدي بها , ولا يستعمل الآل إلأ فيمن له خطر وشرف , وإضافته ~~مقصورة على إعلام الناطقين , قال الراغب : وأما آل الصليب إن صح نقله فشاذ ~~, ويستعمل فيمن لا خطر له الأهل { كما أتمها على أبويك } . | ولما كان ~~وجودهما لم يستغرق الماضي , أدخل الجار فقال : { من قبل } أي من قبل هذا ~~الزمان ؛ ثم بين الأبوين بجده وجد أبيه فقال : { إبراهيم } أي ms2330 بالخلة ~~وغيرها من الكرامة { و } ولده { إسحاق } بالنبوة وجعل الأنبياء والملوك من ~~ولده , وإتمام النعمة : الحكم بدوامها على خلوصها من شائب فيها بنقصها . | ~~ولما كان ذلك لا يقدر عليه إلا بالعلم المحيط بجميع الأسباب ليقام منها ما ~~يصلح , والحكمة التي بها يحكم ذلك السبب عن أن يقاومه سبب غيره , وكان ~~السياق بالعلم أولى لما ذكر من علم التأويل مع ما تقدم من قوله آخر تلك < # > 77 ( { ولله غيب السماوات والأرض } ) 77 < # > [ هود : 123 ] الآية بليغ الحكمة , وهي وضع الأشياء في أتقن مواضعها . ~~| ولما كان ذلك , توقع السامع له ما يكون بينه وبين إخوته هل يكتمهم الرؤيا ~~أو يعلمهم بها ؟ وعلى كلا التقديرين ما يكون ؟ فقال جوابا لمن كأنه قال : ~~ما كان من أمرهم ؟ - مفتتحا له بحرف التوقع والتحقيق بعد لام القسم تأكيدا ~~للأمر وإعلاما بأنه على أتقن وجه - : { لقد كان } أي كونا هو في أحكم ~~مواضعه { في يوسف وإخوته } أي بسبب هذه الرؤيا وما كان من تأويلها وأسباب ~~ذلك { آيات } أي علامات عظيمة دالات على وحدانية الله تعالى ونبوة محمد صلى ~~الله عليه وسلم وغير ذلك مما تضمنته القصة { للسائلين } أي الذين يسألون ~~عنها من قريش واليهود وغيرهم , وآيات عظمة الله وقدرته في تصديق رؤيا يوسف ~~عليه الصلاة والسلام ونجاته ممن كاده وعصمته وإعلاء أمره , والمراد بإخوته ~~هنا العشرة الذين هم من أبيه وهم : روبيل وشمعان - بمعجمة اوله , ولاوي , ~~ويهوذا , وزيلون - بزاي وموحدة , وإيساخار , بهمزة مكسورة وتحتانية وسين ~~مهملة وخاء معجمة , ودان - بمهملة , وجاد بجيم . | بينها وبين الكاف , ~~وآشير - بهمزة ممدودة وشين معجمة ثم تحتانية ومهملة . | ونفتالي - بنون ~~مفتوحة وفاء ساكنة ومثناة فوقانية ولام بعدها ياء . | وشقيقة بنيامين - بضم ~~الموحدة , هكذا ذكرهم في التوراة , وحررت التلفظ بهم من العلماء بها , وقد ~~تقدم ذلك في البقرة بزيادة . | والآية : الدلالة على ما كان من PageV04P012 ~~الأمور العظيمة , ومثلها العلامة والعبرة , والحجة أخص منها , لأنها معتمد ~~البينة التي توجب الثقة بصحة المعنى الذي فيه أعجوبة . | ولما تقرر ذلك , ~~ابتدأ بذكر الآيات الواقعة في ظرف ms2331 هذا الكون فقال : { إذ قالوا } أي كان ~~ذلك حين قال الإخوة بعد أن قص الرؤيا عليهم وسول لهم الشيطان - كما ظن ~~يعقوب عليه الصلاة والسلام - مقسمين دلالة على غاية الاهتمام بهذا الكلام , ~~وأنه مما حركهم غاية التحريك , أو هي لام الابتداء المؤكدة المحققة لمضمون ~~الجملة { ليوسف وأخوه } أي شقيقه بنيامين { أحب } وحددا لأن أفعل ما يستوي ~~فيه الواحد وما فوقه مذكرا كان أو مؤنثا إذا لم يعرف أو يضف { إلى أبينا ~~منا } أي يحبهما أكثر مما يحبنا ؛ والحب : ميل يدعوإلى إرادة الخير والنفع ~~للمحبوب بخلاف الشهوة , فإنها ميل النفس ومنازعتها إلى ما فيه لذتها { و } ~~الحال أنا { نحن عصبة } أي أشداء في أنفسنا ويشد بعضنا بعضا , وأما هما ~~فصغيران لا كفاية عندهما ؛ والعصبة من العشرة إلى الأربعين , فكأنه قيل : ~~فكان ماذا ؟ - على تقدير أن يكونا أحب إليه , فقالوا مؤكدين لأن حال أبيهما ~~في الاستقامة والهداية داع إلى تكذيبهم : { إن أبانا لفي ضلال } أي ذهاب عن ~~طريق الصواب في ذلك { مبين } حيث فضلهما علينا , والقرب المقتضي للحب في ~~كلنا واحد , لأنا البنوة سواء , ولنا مزية تقتضي تفضيلنا , وهي أنا عصبة , ~~لنا من النفع له والذب عنه والكفاية ما ليس لهما ؛ قال الإمام أبو حيان : ~~وأحب أفعل التفضيل , وهو مبني من المفعول شذوذا , ولذلك عدي ب ( إلى ) لأنه ~~إذا كان ما تعلق به فاعلا من حيث المعنى عدي إليه ب ( إلى ) وإذا كان ~~مفعولا عدي إلية ب ( في ) , تقول زيد أحب إلى عمرو من خالد , فالضمير في ( ~~أحب ) مفعول من حيث المعنى , وعمرو هو المحب , وإذا قلت : زيد أحب عمرو من ~~خالد , كان الضمير فاعلا وعمرو هو المحبوب , ومن خالد - في المثال الأول ~~محبوب , وفي المثال الثاني فاعل , قال : والضلال هنا هو الهدى - قاله ابن ~~عباس رضي الله عنهما - انتهى . | < < # | يوسف : ( 9 - 11 ) اقتلوا يوسف أو . . . . . # > > ^ ( اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده ~~قوما صالحين * قال قآئل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه ~~بعض ms2332 السيارة إن كنتم فاعلين * قالوا يأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا ~~له لناصحون ) ^ } ) | ولما كان ذلك , وكان عندهم أن الشاغل الأعظم لأبيهم ~~عنهم أنه هو حب يوسف عليه الصلاة والسلام , وحب أخيه إنما هو تابع , كان ~~كأنهم تراجعوا فيما بينهم فقالوا : قد تقرر هذا , فما أنتم صانعون ؟ فقالوا ~~أو ما شاء الله منهم : { اقتلوا يوسف } أصل القتل : إماتة الحركة بالسكون { ~~أو اطرحوه أرضا } أوصلوا الفعل بدون حرف PageV04P013 ونكروها دلالة على ~~أنها منكورة مجهولة بحيث يهلك فيها , وعنى قائلهم بذلك : إن تورعتم عن ~~مباشرة قتله بأيديكم . | ولما كان التقدير : إن تفعلوا ذلك , اجابه بقوله : ~~{ يخل لكم } أي خاصا بكم { وجه أبيكم } أي قصده لكم وتوجهه إليكم وقصدكم ~~ونيتكم . | ولما كان أهل الدين لا يهملون إصلاح دينهم لأنه محط امرهم , ~~قالوا : { وتكونوا } أي كونا هو في غاية التمكن , ولما كانواعالمين أن ~~الموت لا بد منه . | فهو مانع من استغراقهم للزمان الآتي , أدخلوا الجار ~~فقالوا : { من بعده } أي يوسف عليه الصلاة والسلام { قوما } أي ذوي نشاط ~~وقوة على محاولة الأمور { صالحين } أي عريقين في وصف الصلاح مستقيمين على ~~طريقة تدعو إلى الحكمة بوقوع الألفة بينكم واستجلاب محبة الوالد بالمبالغة ~~في بره وبالتوبة من ذنب واحد يكون سببا لزوال الموجب لداء الحسد الملزوم ~~لذنوب متصلة من البغضاء والمقاطعة والشحناء , فعزموا على التوبة قبل وقوع ~~الذنب فكأنه قيل : إن هذا لمن أعجب العجب من مطلق الأقارب فضلا عن الإخوة , ~~فماذا قالوا عند سماعه ؟ فقيل : { قال } ولما كان السياق لأن الأمركله لله ~~, فهو ينجي من يشاء بما يشاء , لم يتعلق القصد ببيان الذي كانت على يده ~~النجاة , فقال مبهما إشعارا بأنه يجب قول النصح من أي قائل كان , وأن ~~الإنسان لا يحقر نفسه ببذل النصح على أي حال كان : { قائل } ثم عينه بعض ~~التعيين فقال : { منهم } أي إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام { لا تقتلوا ~~يوسف } لا بأيديكم ولا بالإلقاء في المهالك , فإن القتل أكبر الكبائر بعد ~~الشرك , وكأنه لم يكن في ناحيتهم تلك غير ms2333 جب واحد فعرفه فقال : { وألقوه } ~~وكأنه كان فيه ماء ومكان يمكن الاستقرار فيه ولا ماء به , فأراده بقوله : { ~~في غيابت الجب } أي غوره الغائب عن الأعين , فإن ذلك كاف في المقصود , ~~وإنكم إن تفعلوا { يلتقطه بعض السيارة } جمع سيار , وهو المبالغ في السير , ~~هذا { إن كنتم } ولا بد { فاعلين } ما أردتم من تغيبه عن أبيه ليخلو لكم ~~وجهه ؛ والجب : البئر التي لم تطو , لأنه قطع عنها ترابها حتى بلغ الماء , ~~وعن أبي عمرو : إن هذا كان قبل أن يكونوا أنبياء , فكأنه قيل : إن هذا لحسن ~~من حيث إنه صرفهم عن قتلهن فهل استمروا عليه أو قام منهم قائم في استنزالهم ~~عنه بعاطفة الرحم وود القرابة ؟ فقيل : بل استمروا لأنهم { قالوا } إعمالا ~~للحيلة في الوصول إليه , مستفهمين على وجه التعجب لأنه كان أحسن منهم الشر ~~, فكان يحذرهم عليه { ياأبانا ما لك } أي أي شيء لك في حال كونك { لا تأمن ~~على يوسف } لحال { إنا له لناصحون } والنصح دليل الأمانة وسببها , ولهذا ~~قرنا في قوله < # > 77 ( { ناصح أمين } ) 77 < # > [ الأعراف : 68 ] والأمن : سكون النفس إلى انتفاء الشر , وسببه ~~PageV04P014 طول الإمهال في الأمرالذي يجوز قطعة بالمكروة فيقع الاغترار ~~بذلك الإمهال من الجهال , وضده الخوف , وهو انزعاج النفس لما يتوقع الضر ؛ ~~والنصح : إخلاص العمل من فساد يتعمد , وضده الغش , وأجمع القراء علىحذف ~~حركة الرفع في تأمن وإدغام نونه بعد إسكانه تبعا للرسم , بعضهم إدغاما محضا ~~وبعضهم مع الإشمام , وبعضهم مع الروم , دلالة على نفي سكون قلبه عليه ~~عليهما الصلاة والسلام بأمنه عليه منهم على أبلغ وجه مع أنهم أهل لأن يسكن ~~إليهم بذلك غاية السكون , ولو ظهرت ضمة الرفع عند أحد من القراء فات هذا ~~الإيماء إلى هذه النكتة البديعة . | < < # | يوسف : ( 12 - 15 ) أرسله معنا غدا . . . . . # > > ^ ( أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون * قال إني ليحزنني أن ~~تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون * قالوا لئن أكله الذئب ~~ونحن عصبة إنآ إذا لخاسرون * فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة ms2334 ~~الجب وأوحينآ إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ) ^ } ) | ولما كان ~~هذا موضع أن يقال : لأي غرض يكون ذلك ؟ قالوا في جوابه : { أرسله معنا غدا ~~} إلى مرعانا , إن ترسله معنا { يرتع } أي نأكل ونشرب في الريف ونتسع في ~~الخصب { ويلعب } أي نعمل ما تشتهي الأنفس من المباحات تاركين الجد , وهو كل ~~ما فيه كلفة ومشقة , فإن ذلك له سار { وإنا له لحافظون } أي بليغون في ~~الحفظ ؛ قال أبو حيان : وانتصب { غدا } على الظرف , وهو ظرف مستقبل يطلق ~~على اليوم الذي يلي يومك وعلى الزمن المستقبل من غير تقييد , وأصل غد غدو , ~~فحذفت لامه - أنتهى . | فكأنه قيل : ماذا قال لهم ؟ فقيل : { قال } ما زاد ~~صدورهم توغرا لأن ما قالوه له هو بحيث يسر به السرور يوسف عليه الصلاة ~~والسلام به { إني ليحزنني } أي حزنا ظاهرا محققا - بما أشار إليه إظهار ~~النون وإثباته لا الابتداء { أن تذهبوا به } أي يتجدد الذهاب به مطلقا - ~~لأني لا أطيق فراقه - ولا لحظة , وفتح لهم باب يحتجون به عند فعل المراد ~~بقوله جامعا بين مشقتي الباطن , والبلاء - كما قالوا - مؤكل بالمنطق : { ~~وأخاف } أي إذا ذهبتم به واشتغلتم بما ذكرتم { أن يأكله الذئب } أي هذا ~~النوع كأنه كان كثيرا بأرضهم { وأنتم عنه } أي خاصة { غافلين } أي عريقون ~~في الغفلة لإقبالكم على ما يهمكم من مصالح الرعي ؛ والحزن : ألم القلب مما ~~كان من فراق المحبوب , ويعظم إذا مان فراقه إلى ما يبغض ؛ والأكل : تقطيع ~~الطعام بالمضغ الذي بعد البلع ؛ فكأنه قيل : إن تلقيهم لمثل هذا العجب , ~~فماذا قالوا ؟ فقيل : { قالوا } مجيبين عن الثاني بما يلين الأب لإرساله , ~~مؤكدين ليطيب خاطره , دالين على القسم بلامه : { لئن أكله الذئب ونحن } أي ~~والحال أنا { عصبة } أي أشداء تعصب بعضنا لبعض ؛ وأجابوا القسم بما أغنى عن ~~PageV04P015 جواب الشرط : { إنا إذا } أي إذا كان هذا { لخاسرون } أي ~~كاملون في الخسارة لأنا إذا ضيعنا أخانا فنحن لما سواه من أموالنا أشد ~~تضييعا , وأعرضوا عن جواب الأول لأنه لا يكون إلا بما يوغر صدره ويعرف ms2335 منه ~~أنهم من تقديمه في الحب على غاية من الحسد لا توصف , وأقله أن يقولوا : ما ~~وجه الشح بفراقه يوما والسماح بفراقنا كل يوم , وذلك مما يحول بينهم وبين ~~المراد , فكأنه قيل : إن هذا الكيد عظيم وخطب جسيم , فما فعل أبوهم ؟ فقيل ~~: أجابهم إلى سؤلهم فأرسله معهم { فلما ذهبوا } ملصقين ذهابهم { به وأجمعوا ~~} أي كلهم , وأجمع كل واحد منهم بأن عزم عزما صادقا ؛ والإجماع على الفعل : ~~العزم عليه بإجتماع الدواعي كلها { أن يجعلوه } والجعل : إيجاد ما به يصير ~~الشيء على خلاف ما كان عليه , ونظيره التصيير والعمل { في غيبات الجب } ~~فعلوا ذلك من غير مانع , ولكن لما كان هذا الجواب في غاية الوضوح لدلالة ~~الحال عليه ترك لأنهم إذا أجمعوا عليه علم أنهم لا مانع لهم منه ؛ ثم عطف ~~على هذا الجواب المحذوف لكونه في قوة الملفوظ قوله : { وأوحينا } أي بما ~~لنا من العظمة { إليه } أي إلى يوسف عليه الصلاة والسلام . | ولما كان في ~~حال النجاة منها بعيدة جدا , أكد له قوله : { لتنبئنهم } أي لتخبرنهم ~~إخبارا عظيما على وجه يقل وجود مثله في الجلالة { بأمرهم هذا } أي الذي ~~فعلوه بك { وهم لا يشعرون } - لعلو شأنك وكبر سلطانك وبعد حالك عن أوهامهم ~~, ولطول العهد المبدل للهيئات المغير للصور والأشكال - أنك يوسف - قاله ابن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن وابن جريج على ما نقله الرماني ؛ والشعور ~~: إدراك الشيء مثل الشعرة في الدقة , ومنه المشاعر في البدن , وكان يوسف ~~عليه الصلاة والسلام حين ألقوه في الجب ابن اثنتي عشرة سنة - قاله الحسن , ~~قالوا : وتصديق هذا أنهم لما دخلوا عليه ممتارين دعا بالصواع فرضعه على ~~يديه ثم نقره فطن , فقال : إنه ليخبروني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم ~~يقال له يوسف , وكان أبوكم يدنيه دونكم , وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في ~~غيابة الجب وقلتم لأبيكم : أكله الذئب . | < < # | يوسف : ( 16 - 18 ) وجاؤوا أباهم عشاء . . . . . # > > ^ ( وجآءوا أباهم عشآء يبكون * قالوا يأبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا ~~يوسف عند متاعنا فأكله الذئب ومآ أنت بمؤمن لنا ms2336 ولو كنا صادقين * وجآءوا ~~على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان ~~على ما تصفون ) ^ } ) | ولما كان من المعلوم أنه ليس بعد هذا الفعل إلا ~~الاعتذار , عطف على الجواب PageV04P016 المقدر قوله : { وجاؤوا أباهم } دون ~~يوسف عليه الصلاة والسلام { عشاء } في ظلمة الليل لئلا يتفرس أبيهم في ~~وجوههم إذا رآها في ضياء النهار ضد ما جاؤوا به من الاعتذار , وقد قيل : لا ~~تطلب الحاجة بالليل فإن الحياء في العينين , ولا تعتذر بالنهار من ذنب ~~فتتلجلج في الاعتذار . | والآية دالة على أن البكاء لا يدل على الصدق ~~لاحتمال التصنع { يبكون } والبكاء : جريان الدمع في العين عند حال الحزن , ~~فكأنه قيل : إنهم إذا بكوا حق لهم البكاء خوفا من الله وشفقة على الأخ , ~~ولكن ماذا يقولون إذا سألهم أبوهم عن سببه ؟ فقيل : { قالوا يأبانا } . | ~~ولما كانوا عالمين بأنه عليه الصلاة والسلام لا يصدقهم لما له من نور القلب ~~وصدق الفراسة ولما لهم من الريبة , أكدوا فقالوا : { إنا ذهبنا نستبق } أي ~~نوجد المسابقة بغاية الرغبة من كل منا في ذلك { وتركنا يوسف } أخانا { عند ~~متاعنا } أي ما كان معنا مما نحتاج إليه في ذلك الوقت من ثياب وزاد ونحوه { ~~فأكله } أي فتسبب عن انفراده أن أكله { الذئب وما } أي والحال أنك ما { أنت ~~بمؤمن لنا } أي من التكذيب , أي بمصدق { ولو كنا } أي كونا هو جبلة لنا { ~~صادقين } أي من أهل الصدق والأمانة بعلمك , لأنك لم تجرب علينا قط كذبا , ~~ولا حفظت عنا شيئا منه جدا ولا لعبا . | ولما علموا أنه لا يصدقهم من وجوه ~~منها ما هو عليه من صحة الفراسة لنور القلب وقوة الحدس , ومنها أن الكذب في ~~نفسه لا يخلو عن دليل لعى بطلانه , ومنها أن المرتاب يكاد يعرب عن نفسه , ~~أعملوا الحيلة في التأكيد بما يقرب قولهم . | فقال تعالى حاكيا عنهم : { ~~وجاؤوا على قميصه } أي يوسف عليه الصلاة والسلام { بدم كذب } أي مكذوب , ~~أطلق عليه المصدر مبالغة لأنه غير مطابق للواقع , لأنهم ادعوا أنه ms2337 دم يوسف ~~عليه الصلاة والسلام والواقع أنه دم سخلة ذبحوها ولطخوه بدمها - نقله ~~الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مجاهد . | قال : والدم : جسم أحمر ~~سيال , من شأنه أن يكون في عروق الحيوان , وله خواص تدرك بالعيان من ترجرج ~~وتلزج وسهوكه , وروي أن يعقوب عليه الصلاة والسلام أخذ القميص منهم وألقاه ~~على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال : تالله ما رأيت كاليوم ذئبا ~~أحلم من هذا , أكل ابني ولم يمزق قميصه , وكان القميص ثلاث آيات : دلالته ~~على كذبهم , ودلالته على صدق يوسف عليه الصلاة والسلام في قده من دبر , ~~وعود البصر إلى أبيه به , فكأنه قيل : هل صدقهم ؟ فقيل : لا ! لأن العادة ~~جرت في مثله أنه لا يأكله كله , فلا PageV04P017 بد من أن يبقى منه شيء ~~يعرف معه أنه هو , ولو كان كذلك لأتوا به تبرئة لساحتهم وليدفنوه في ~~جبانتهم مع بقية أسلافهم , وقد كان قادرا على مطالبتهم بذلك , ولكنه علم ~~أنهم ما قالوا ذلك إلا بعد عزم صادق على أمور لا تطاق , فخاف من ان يفتح ~~البحث من الشرور أكثر مما جاؤوا به من المحذور , بدليل قوله بعد ذلك < # > 77 ( { فتحسسوا من يوسف وأخيه } ) 77 < # > [ يوسف : 87 ] ونحو ذلك , فكأنه قيل : فماذا قال ؟ فقيل : { قال بل } ~~أي لم يأكله الذئب , بل { سولت } أي زينت وسهلت , من السول وهو الاسترخاء { ~~لكم أنفسكم أمرا } أي عظيما أبعدتم به يوسف { فصبر } أي فتسبب عن ذلك ~~الفادح العظيم أنه يكون صبر { جميل } منى , وهو الذي لا شكوى معه للخلق { ~~والله } أي المحيط علما وقدرة { المستعان } أي المطلوب منه العون { على } ~~احتمال { ماتصفون } من هلاك يوسف عليه الصلاة والسلام , ولا يقال : إنهم ~~بهذا أجمعوا أوصاف المنافق ( إذا وعد أخلف , وإذا حدث كذب , وإذا اؤتمن خان ~~) لأن هذا وقع منهم مرة , والمنافق يكون ذلك فعله دائما أو في أغلب أحواله ~~, ومادتا سول بتقاليبها الخمسة : ولس وسلا ووسل ولوس وسول , وسيل بتقاليبها ~~الخمسة : لسي ويسل وسيل وسلي وليس , تدوران على ما يطمع فيه ms2338 من المراد , ~~ويلزمه رغد العيش والزينة وبرد القلب والشدة والرخاوة والعلاج والمخادعة ~~والملازمة , فمن الرجاء للمراد : السول - بالواو , وقد يهمز , وهو المطلوب ~~؛ والوسيلة : الدرجة والمنزلة عند الملك , قال القزاز : وقيل : توسلت ~~وتوصلت - بمعنى , والوسيلة : الحاجة , ووسل فلان - إذا طلب الوسيلة ؛ ~~واللؤس : الظفر ؛ ومن العمل والعلاج : توسل بكذا - أي تقرب , واللوس : ~~الأكل , ولاس الشيء في فيه بلسانه - إذا اداره , وولست الناقة في مشيتها ~~تلس ولسانا : تضرب من النعق ؛ ومن رغد العيش : فلان في سلوة من العيش , أي ~~رغد يسليه الهم , ومنه السلوى , وهي طائر معروف , وهي أيضا العسل , وأسلي ~~القوم : إذا أمنوا السبع : ومن الزينة : سولت له نفسه كذا , أي زينته فطلبه ~~؛ ومن برد القلب : سلوت عن الشيء : إذا تركه قلبك وكان قد صبا به , وسقيتني ~~منك سلوة , أي طيبت نفسي عنك , والليس - محركا : الغفلة , والأليس : الديوث ~~لا يغار , والحسن الخلق , وتلايس عنه : أغمض ؛ ومن الخاوة : السلي الذي ~~يكون فيه الولد , وهو يائي تقول منه : سليت الشاة كرضى سلي : انقطع سلاها , ~~ومنه السول , وهو استرخاء في مفاصل الشاة , والسحاب الأسول : الذي فيه ~~استرخاء لكثرة مائه , والأسول : المسترخي , ومنه : ليس أخت كان - لأن الشيء ~~إذا زاد في الرخاوة ربما عد عدما , ومنه : سال - بمعنى : جرى , والسائلة من ~~الغرر : المعتدلة في قصبة الأنف , وأسال غرار النصل : أطاله , والسيلان - ~~بالكسر : سنخ قائم السيف , و PageV04P018 السيالة : نبات له شوك أبيض طويل ~~, إذا نزع خرج منه اللبن , أو ما طال من السمر ؛ ومن المخادعة : الولس , ~~وهي الخيانة , والموالسة : المداهنة , والتوسل : السرقة ؛ ومن اللزوم : ~~الليس - محركا والمتلايس : البطيء , وهو الشجاعة , وهو الرخاوة , والأليس : ~~من لا يبرح منزله ؛ ومن الشدة : الليس - محركا وهو الشجاعة , وهو أليس , ~~والأليس : البعير يحمل ما حمل , والأسد , ووقعوا في سلي جمل : أمر صعب , ~~لأن الجمل لا سلي له , وانقطع السلي في البطن مثل كبلغ السكين العظم , ~~ويمكن أن يكون من الشدة أيضا : اليسل - بفتح وسكون - وهم يد أي جماعة من ~~قريش الظواهر , والبسل - بالباء الموحدةك اليد الأخرى , ولسا : أكل أكلا ~~شديدا . | < < # | يوسف : ( 19 ms2339 - 21 ) وجاءت سيارة فأرسلوا . . . . . # > > ^ ( وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يبشرى هذا غلام ~~وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون * وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا ~~فيه من الزاهدين * وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ~~ينفعنآ أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث ~~والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ^ } ) | ولما تم أمرهم ~~هذا وشبوا على أبيهم عليه السلام نار الحزن , التفتت النفس إلى الخبر عن ~~يوسف عليه الصلاة والسلام فيما أشار إليه قوله : ^ ( { لتنبئنهم } ) ^ [ ~~يوسف : 15 ] الآية , فقال تعالى مخبرا عن ذلك في أسبابه : { وجاءت سيارة } ~~أي قوم بليغو السير إلى الأرض التي ألقوا يوسف عليه الصلاة والسلام في جبها ~~{ فأرسلوا واردهم } أي رسولهم الذي يرسلونه لأجل الإشراف على الماء إلى ~~الجب ليسقي لهم { فأدلى } فيه { دلوه } أي أرسلها في البئر ليملأها - وأما ~~( دلى ) فأخرجها ملأى - فاستمسك بها يوسف عليه الصلاة والسلام فأخرجه , ~~فكأنه قيل : ماذا قال حين أدلى للماء فتعلق يوسف بالحبل فأطلعه فإذا هو ~~بإنسان أجمل ما يكون ؟ فقيل : { قال } أي الوارد يعلم أصحابه بالبشرى { ~~يابشرى } أي هذا أوانك فاحضري , فكأنه قيل : لم تدعوا البشرى ؟ فقال : { ~~هذا غلام } فأتى به إلى جماعته فسروا به كما سر { وأسروه } أي الوارد ~~وأصحابه { بضاعة } أي حال كونه متاعا بزعمهم يتجرون فيه { والله } أي ~~المحيط علما وقدرة { عليم } أي بلغ العلم { بما يعملون } وإن أسروه ؛ قال ~~أبو حيان ونعم ما قال : وتعلقه بالحبل يدل على صغره إذ لو كان ابن ثمانية ~~عشر أو سبعة عشر لم يحمله الحبل غالبا , ولفظة ( غلام ) ترجع ذلك إذ تطلق ~~عليه ما بين الحولين إلى البلوغ حقيقة , وقد تطلق على الرجل الكامل - انتهى ~~. | PageV04P019 ولما كان سرورهم به - مع ما هو عليه من الجمال والهيبة ~~والجلال - مقتضيا لأن ينافسوا في أمره ويغالوا بثمنه , أخبر تعالى أنهم لم ~~يفعلوا ذلك ليعلم أن جميع أموره على نسق واحد في خرقها للعوائد فقال : { ~~وشروه } أي تمادي السيارة ولجوا في ms2340 إسرارهم أياه بضاعة حتى باعوه من العزيز ~~, ولمعنى التمادي عبر ب ( شرى ) دون ( باع ) , ويمكن أن يكون ( شرى ) بمعنى ~~اشترى , أي واشتراه السيارة من إخوته { بثمن } وهو البدل من الذهب أو الفضة ~~, وقد يقال على غيره تشبيها به { بخس } أي قليل , ومادة ( شرى ) - يائية ~~بتقاليبها الثلاثة : شرى , وشير , وريش , وواويه بتراكيبها الستة : شور , ~~وشرو , ووشر , وورش , ورشو , وروش , ومهموزة بتراكيبها الثلاثة : أرش , ~~وأشر , ورشأ - تدور على اللجاجة , وهي التمادي في الانتشار , ويلزمه تبيين ~~ذلك الأمر , ويلزمها القوة تارة والضعف أخرى , فمن مطلقة : شريت الشيء , ~~بمعنى ملكته بالبيع , وشريته , بمعنى : أزلت ملكي عنه به , وكذا اشتريت ~~فيهما , والاسم الشراء بالمد ويقصر , فحصل التمادي والانتشار تارة بالإزالة ~~وتارة بالتحصيل , وكل من ترك شيئا وتمسك بغيره فقد اشتراه , وشاراه مشاراه ~~: بايعه , وشروى الشيء : مثله واوه مبدلة من ياء كأنه مأخوذ من بدل المبيع ~~لأنه يتحرى فيه المماثلة , وهو أوسع مما لم يوجد له مثل , وشرى البرق : ~~استطار , وزيد : غضب ولج حتى استطار غضبا , والفرس في سيره : بالغ , ~~واشتسرى الرجل : لج , والبرق : لمع , والمشاراة : الملاحة والمجادلة ~~والمبايعة , والشرية - كغنية : الطريقة والطبيعة , وكأن هذا أصل المعنى ~~الذي عنه تفرعت أغصانه , لأن الطبع مظنة الدجاج , وشرى الثوب واللحم والإقط ~~: شرره , أي وضعها على خصفة أو غيرها منشورة لتجف , وشرى فلانا : سخر به أو ~~أرغمه , كأنه تمادى معه حتى قهره , وشرى بنفسه عن القوم : تقدم بين أيديدهم ~~فقاتل عنهم , أو إلى السلطان فتكلم عنهم , والشرى - كعلي : الجبل - ~~لانتشاره علوا , والطريق - للانتشار فيه , وطريق بسلمى كثيرة الأسد , وجبل ~~بتهامه كثير السباع - لانتشارها فيه أو لأن الساتر فيه أقوى الناس وألجهم , ~~وجبل بنجد لطيىء , والناحية , ويمد , وأشراه : ملاه , وأماله - لما يلزم من ~~انتشار ما فيه , وأشرى الجمل : تفلقت عقيقته , أي صوفه , وبينهم : أغرى , ~~وشرى البعير في سيره ؛ أسرع , وشرى الفرس في لجامه - إذا جذبه , والشرية ~~كغنية : من النساء اللاتي يلدن الإناث , كأنها تمادت في الميل مع طبعها : ~~الأنوثة , فلجت فيه , أو هو راجع إلى الضعف اللازم للحاجة , والمشتري : نجم ms2341 ~~لتلألؤه , وطائر - للمعه بجناحه وانتشاره , واشرورى : اضطرب , وشرى زمام ~~الناقة : كثر اضطرابه , هو من الانتشار ومن الضعف , واستشرت الأمور : ~~تفاقمت وعظمت , وشرى جلده : أصابه بثور صغار PageV04P020 حمر حكاكة مكربة ~~تحدث دفعة غالبا وتشتد ليلا , كأنها سميت لانتشارها في جميع البدن وقوتها , ~~وتشرى القوم : افترقو , وتشرى السحاب : تفرق , والشرى : شجر الحنظل أو ~~الحنظل نفسه , والنخل ينبت من النواة , كأنه لنباته بغير سبب آدمي لجوج , ~~والشريان من شجر القسي , كأنه لقوته ونشره السهام إذا رميت عنه , وواحد ~~الشرايين للعروف النابضة , لقوتها وانتشارها ؛ وشيار - بالكسر : يوم السبت ~~, لأنه أول يوم ابتدئت فيه الخلائق , فكأنها انتشرت عنه ؛ والريش بالكسر - ~~من الطائر معروف كالراش - لأنه منتشر في جميع بدنه , وله قوة نشره متى شاء ~~, وهو سبب صلاحه وقوته على الانتشار في الهواء , ومنه الريش والرياش : ~~اللباس الفاخر , والخصب والمعاش , وذات الريش : نبات كالقيصوم , وراش ~~الصديق : أطعمة وسقاه وكساه وأصلح حاله , وكلا ريش - كهين وهين : كثير ~~الورق , والريش - محركا : كثره الشعر في الأذنين والوجه , والمريش - كمعظم ~~: البعير الأزب , ورشت السهم : فوقته , أي ألزقت عليه الريش عند فوقه , ~~فكان له بذلك قوة الانتشار , ورمح راش : خوار شبه بالريش صعفا , والمريش : ~~الرجل الضعيف الصلب , وهو أيضا : البرد الموشى , لتلونه كالريش , وهو أيضا ~~: القليل اللحم , وناقة مريشة : قليلة اللحم , لأن ذلك أقوى لها على السير ~~, والمريش أيضا الهودج المصلح بالقد , لأن ذلك سبب قوته , وهو له كالريش ~~والعصب , والشوار والشورة والشارة : الحسن والجمال والهيئة واللباس والسمن ~~والزينة , واستشار فلان : لبس لباسا حسنا , كأنه من الريش , ولأنها ملزومة ~~اللجاج والانتشار غالبا , واستشارات الإبل وأخذت مشوارها : سمنت , والمشوار ~~- بالكسر : المكان تعرض فيه الدواب , وشارها : راضها , أي انتشر بها لتقوى ~~على ما يراد منها , وشار العسل واستشاره : استخرجه من الوقبة - للمبالغة في ~~ذلك , والشرو - مقدم الراء بالفتح ويكسر : العسل , والمشوار : ما شارة به , ~~وما أبقت الدابة من علفها - معرب , كأنه شبه بما يبقى من مشار العسل مما لا ~~يعتد به , أو أصله : نشوار - بالنون , فأبدلت منها الميم لتقاربهما , فإن ~~كان كذلك فهو ms2342 نشر , والشوار - مثلثة : متاع البيت , لانتشاره فيه , وذكر ~~الرجل وخصياه واسته , لما ينتشر من كل منها , وشور بفلان : فعل به فعلا ~~يستحي منه , كأنه لج في ذلك حتى قطع انتشاره في الاعتذار , وتشور الرجل : ~~خجل , كأنه مطاوع شورته , وشور إليه : أومأ كأشار - لنشر ما أشار به , ~~وأشار النار : رفعها , والشوران : العصفر - للمعه , وجبل قرب عقيق المدينة ~~, فيه مياه سماء كثيرة , لقوته على إمساكها وقوة من يقيم فيه بها على ~~الانتشار فيه , وخيل شياء : سمان حسان , والشورة - بالضم الناقة السمينة , ~~لقوتها على الانتشار , وبالفتح : الخجلة , لانتشارها وعلوها , وأشرت عليه ~~بكذا : أمرته PageV04P021 للانتشار في الكلام قبل الإشارة للوقوع على الرأي ~~, والاسم : المشورة , أو هو من الإشارة التي هي تحريك اليد أو الحاجب ~~ونحوهما نحو المشار إليه , والرشوة - مثلثة : الجعل , ورشاه : اعطاه إياها ~~, فنشره للفعل , ولا يفعل ذلك إلا من لج في الأمر , ويمكن رده إلى الضعف , ~~والرائش : السفير بين الراشي والمرتشي , واسترشى : طلب الرشوة , والفصيل : ~~طلب الرضاع , وأرشية اليقطين والحنظل : خيوطهما , لانتشارها , وشبهها ~~بالرشاء - بالكسر والمد , وهو الحبل , والرشى كغنى , الفصيل والبعير يقف ~~فيصيح الراعي : ارشه ارشه , أو أرشه أرشه , فيحك خورانه , أي مبعره بيده ~~فيعدو , وقال ابن فارس : والخوران : مجرى الروث في الدابة , وأرشى : فعل ~~ذلك , والقوم في دمه : شركوا , لأن ذلك انتشار , وبسلاحهم فيه : اشرعوه , ~~والرشاة : نبت يشرب للمشي ؛ ومن مهموزه : رشأ : جامع , ولا ألج من المتهيىء ~~للجماع , وفيه الانتشار أيضا , ورشأت الظبية : ولدت , والرشأ بالتحريك اسم ~~للظبي إذا قوي ومشى مع أمه , فيكون حينئذ أهلا للانتشار واللجاج في الجري , ~~والرشأ أيضا : شجرة تسمو فوق القامة , وعشبة كالقرنوة , بالقاف , كأنها ~~شديدة الحرافة فشبهت باللجوج , لأن القرنوة يدبغ بها - انتهى المهموز . | ~~ووشر الخشبة بالميشار - غير مهموز , لغة في : اشرها - إذا نشرها , أي فرقها ~~باثنين أو أكثر , والوشر أيضا : تحديد المرأة أسنانها وترقيقها , وهو من ~~القوة واللمعان والتفريق , والمؤتشرة التي تسأل أن يفعل بها ذلك , وموشر ~~العضدين - ويهمز : الجعل , لأن أعضاده كالمنشرحزوزا ؛ ومن مهموزه : أشر - ~~بالكسر , أي مرح , أي ازدارى الخلق وعاملهم ms2343 معاملة المستهين بهم , فظلمهم ~~ولج في عتوه , وناقة مئشير : نشيطة , وأشر الاسنان : تحريزها - تشبيها لها ~~بأسنان المئشار الذي يقطع به الخشب ونحوه قطعا سريعا , فهو كفعل اللجوج - ~~انتهى المهموز ؛ وورش الطعام : تناوله وأكل شديدا حريصا , وطمع وأسف لمداق ~~الأمور , لأن ذلك لا يكون إلا عن تماد ولجاج , وورش فلان بفلان : أغراه , ~~وورش عليهم : دخل وهم يأكلون ولم يدع , وورش اسم شيء يصنع من اللبن , لأنه ~~انتشر عن أصل خلقته , والورش - بالتحريك : وجع في الجوف , وككتف : النشيط ~~الخفيف من الإبل وغيرها , وهي بهاء , والتوريش : التحريش , والورشان : طائر ~~. | ومن مهموزه الأرش , وهي الدية , لأنها يلج في طلبها والرضى بها وأكثر ~~ما يتعاطى من أمرها , وهو أيضا الرشوة , وما نقص العيب من الشيء - قال في ~~القاموس , لأنه سبب للارش والخصومة , وبينهما أرش , أي اختلاف وخصومة , ~~والأرش : الإغراء والإعطاء , لأن المعطي يغلب نفسه , فكأنه خاصمها فلج حتى ~~غلبها , والأرش : الخلق , لأنه منشأ اللجاج , يقال : ما أدري أي الأرش هو ؟ ~~أي PageV04P022 الخلق , والمأروش : المخلوق , وآرش - كصاحب : جبل - انقضى ~~المهموز . | والروش : الأكل الكثير , والأكل القليل - ضد , وفهو من التمادي ~~والضعف الذي ربما نشأ من التمادي مع شبهه بالريش , وجمل راش : كثير شعر ~~الأذن ؛ ومن التبيين : شار الدابة - إذا ركبها عند العرض على مشتريها , ~~وشورها : نظر كيف مشوارها , أي سيرها , أو بلاها ينظر ما عندها أو قلبها ~~وكذا الأمة , واستشار الفحل الناقة : كرفها فنظر إليها ألاقح هي أم لا ؟ ~~واستشار أمر فلان : تبين , والمستشير : من يعرف الحائل من غيرها , وهو يرجع ~~إلى التمادي , لأنه لولاه ما عرف الأمر ؛ ومن الضعف : راشاه : حاباه وصانعه ~~, وترشاه : لاينه , وإنك لمسترش لفلان : مطيع له تابع لمسرته , وهو من ~~الرشوة , وجمل راش : ضعيف الصلب , وكذا رمح راش , وهي بهاء , وراشه المرض : ~~صعفه , كأنه من الريش , وكل ذلك يرجع بعد التأمل إلى التمادي - والله أعلم ~~. | ومادة ( بخس ) بكل ترتيب من بخس وخبس وسبخ وسخب تدور على القلة , ~~ويلزمها الأخذى بالكف : بخسته حقه : نقصته فجعتله أقل مما كان , والبخس : ~~فقء العين , فهو نقص خاص ms2344 , والبخس : أرض تنبت بلا سقي , كأنه لقلة ما نبت ~~بها بالنسبة إلى أرض السقي , والبخس : المكس , وسبخت عن فلان : خففت عنه , ~~والسبخة : أرض ملحة , لقلة نبتها ونفعها , وسبخت القطن - إذا قطعته , فصارت ~~جملته قليلة ؛ و التسبيخ : ما يسقط من ريش الطائر - لنقصه منه , والتسبيخ : ~~النوم الشديد - لنقصه صاحبه وتخفيفه ما عنده من الثقل ؛ ومن ذلك الخبس , ~~وهو الأخذ بالكف - وهو لازم للقلة , ومنه قيل للأسد : الخابس , لأخذه ما ~~يريده بكفه ؛ والسخاب : قلادة من قرنفل ليس فيها جوهر ولا لؤلؤ . | ولما ~~كان البخس القليل الناقص , أبدل منه - تأكيدا للمعنى تسفيها لرأيهم وتعجينا ~~من حالهم - قوله : { دراهم } أي لا دنانير { معدودة } أي أهل لأن تعد , ~~لأنه لا كثره لها يعسر معها ذلك , روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها ~~كانت عشرين درهما { وكانوا } أي كونا هو كالجبلة { فيه } أي خاصة دون بقية ~~متاعهم , انتهازا للفرصة فيه قبل أن يعرف عليهم فينزع من أيديهم { من ~~الزاهدين } أي كمال الزهد حتى رغبوا عنه فباعوه بما طف , والزهد : انصراف ~~الرغبة عن الشيء إلى ماهو خير منه عند الزاهد , وهذا يعين أن الضمير ~~للسيارة لأن حال إخوته في أمره فوق الزهد بمراحل , فلو كان لهم لقيل : ~~وكانوا له من المبعدين أو المبغضين , ونحو ذلك . | PageV04P023 ولما كانت ~~العادة جارية بأن القن يمتهن , أخبر تعالى أنه أكرمه عن هذه العادة فقال ~~منبها على أن شراءه كان بمصر : { وقال الذي اشتراه } أي أخذه برغبة عظيمة , ~~ولو توقفوا عليه غالى في ثمنه { من مصر } أي البلدة المعروفة , والتعبير ~~بهذا دون ما هو أخصر منه للتنبيه على أن بيعه ظلم , وأنه لم يدخل في ملك ~~أحد أصلا { لامرأته } آمرا لها بإكرامه على أبلغ وجه { أكرمي مثواه } أي ~~موضع مقامه , وذلك أعظم من الأمر بإكرامه نفسه , فالمعنى : أكرميه إكراما ~~عظيما بحيث يكون ممن يكرم كل ما لابسه لأجله , ليرغب في المقام عندنا . | ~~ولما كانت كأنها قالت : ما سبب إيصائك لي بهذا دون غيره ؟ استأنف قوله : { ~~عسى أن } أي أن حاله خليق ms2345 وجدير بأن { ينفعنا } أي وهو على اسم المشتري { ~~أو نتخذه } أي برغبة عظيمة إن رأيناه أهلا { ولدا } فأنا طامع في ذلك ولما ~~أخبرتعالى بمبدأ أمره , وكان من المعلوم أن هذا إنما هو لما مكن له في ~~القلوب مما أوجب توقيره وإجلاله وتعظيمه , أخبر تعالى بمنتهى أمره , مشبها ~~له بهذا المضمون المعلم به فقال : { وكذلك } أي مثل ما مكنا ليوسف بتزهيد ~~السيارة : أهل البدو تارة , وإكرام مشتريه ومنافسته فيه أخرى { مكنا ليوسف ~~في الأرض } أي أرض مصر التي هي كالأرض كلها لكثرة منافعها بالملك فيها ~~لتمكنه من الحكم بالعدل { و } بالنبوة { لنعلمه } بما لنا من العظمة { من ~~تأويل الأحاديث } أي بترجيعها من ظواهرها إلى بواطنها , فأشار تعالى إلى ~~المشبه به مع عدم التصريح به لما دل عليه من السياق , وأثبت التمكين في ~~الأرض ليدل على لازمه من الملك والتمكين من العدل , وذكر التعليم ليدل على ~~ملزومه وهو النبوة , فدل أولا بالملزوم على اللازم , وثانيا باللازم على ~~الملزوم , وهو كقوله تعالى : < # > 77 ( { فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة } ) 77 < # > [ آل عمران : 13 ] فهو احتباك أو قريب منه . | ولما كان من أعجب العجب ~~أن من وقع له التمكين من أن يفعل به مثل هذه الأفعال يتمكن من أرض هو فيها ~~مع كونه غريبا مستبعدا فردا لا عشيرة له فيها ولا أعوان , قال تعالى نافيا ~~لهذا العجب : { والله } أي الملك الأعظم { غالب على أمره } أي الأمر الذي ~~يريده , غلبه ظاهر أمرها لكل من له بصيرة : أمر يعقوب يوسف عليهما الصلاة ~~والسلام أن لا يقص رؤيا حذرا عليه من إخوته , فغلب أمره سبحانه حتى وقع ما ~~حذره , فأراد إخوته قتله فغلب أمره عليهم , وأرادوا أن يلتقطه بعض السيارة ~~ليندرس اسمه فغلب أمره سبحانه وظهراسمه واشتهر , ثم باعوه ليكون مملوكا ~~فغلب أمره تعالى حتى صار ملكا وسجدوا بين يديه , ثم أرادوا أن يغيروا أباهم ~~ويطيبوا قلبه حتى يخلو لهم وجهه فغلب أمره تعالى فأظهره على مكرهم , ~~واحتالت عليه امراة العزيز لتخدعه عن PageV04P024 نفسه فغلب أمره ms2346 سبحانه ~~فعصمه حتى لم يهم بسوء , بل هرب منه غاية الهرب , ثم بذلت جهدها في إدلاله ~~وإلقاء التهمة عليه فأبى الله إلا إعزازه وبراءته , ثم أراد يوسف عليه ~~الصلاة والسلام ذكر الساقي لع فغلب أمره سبحانه فأنساه ذكره حتى مضى الأجل ~~الذي ضربه سبحانه , وكم من أمر كان في هذه القصة وفي غيرها يرشد إلى أن لا ~~أمر لغيره سبحانه ! { ولكن أكثر الناس } أي الذين هم أهل الاضظراب { لا ~~يعلمون } لعدم التأمل أنه تعالى عال على كل أمر , وأن الحكم له وحده , ~~لاشتغالهم بالنظر في الظواهر للأسباب التي يقيمها , فهو سبحانه متحجب عنهم ~~بحجاب الأسباب . | ذكر ما مضى من قصة يوسف عليه الصلاة والسلام من التوراة ~~: قال في أواخر السفر الثاني منها : كان يوسف بن يعقوب ابن سبع عشرة سنه , ~~وكان يرعى الغنم مع إخوته , وكان أسرائيل يحب يوسف أكثر من حبه إخوته , ~~لأنه ولد على كبر سنه , فاتخذ له قميصا ذا كمين , فرأى إخوته أن والدهم أشد ~~حبا له منهم , فأبغضوه ولم يستطيعوا أن يكلموه بالسلام , فرأى رؤيا قصها ~~على إخوته فقال لهم : اسمعوا هذه الرؤيا التي رأيت , رأيت كأنا نحزم حزما ~~من الزرع في الزراعة , فإذا حزمتي قد انتصبت وقامت , وإذا حزمكم قد أحاطت ~~بها تسجد لها , قال له إخوته : أترى تملكنا وتتسلط علينا ؟ وازدادوا له ~~بغضا لرؤياه وكلامه , فرأى رؤيا أخرى فقال : إني رأيت رؤيا أخرى , رأيت كأن ~~الشمس والقمر وأحد عشر كوكبا يسجدون لي , فقصها على أبيه وإخوته , فزجره ~~أبوه وقال له : ما هذه الرؤيا ؟ هل آتيك أنا وأمك وإخوتك فنسجد لك على ~~الأرض ؟ فحسده إخوته , وكان أبوه يحفظ هذه الأقاويل . | وانطلق إخوة يوسف ~~يرعون غنمهم في نابلس فقال إسرائيل ليوسف : هو ذا إخوتك يرعون في نابلس , ~~هلم أرسلك إليهم ! فقال : هأنذا ! فقال أبوه : انطلق فانظر كيف إخوتك وكيف ~~الغنم ؟ وائتني بالخبر , فأرسله يعقوب عليه الصلاة والسلام من قاع حبرون , ~~فأتى إلى نابلس , فوحده رجل وهو يطوف في الحقل فسأله الرجل وقال : ما الذي ~~تطلب في ms2347 الحقل ؟ فقال أطلب إخوتي , دلنيى عليهم أين يرعون ؟ قال له الرجل : ~~قد ارتحلوا من هاهنا , وسمعتهم يقولون : ننطلق إلى دوثان , فتبع يوسف إخوته ~~فوجدهم بدوثان / فرأوه من بعيد , ومن قبل أن يقترب إليهم هموا بقتلهن فقال ~~بعضهم لبعض : هو ذا حالم الأحلام قد جاء , تعالوا نقتله ونطرحه في بعض ~~الجباب , ونقول : قد افترسه سبع خبيث , فننظر ما يكون من أحلامه ! فسمع ~~روبيل فأنقذه من أيديهم وقال لهم : لا تقتلوا نفسا , ولا تسفكوا دما , بل ~~ألقوه في هذا الجب الذي في البرية , ولا تمدوا أيديكم إليه , وأراد أن ~~ينجيه من أيديهم ويرده إلى أبيه . | PageV04P025 فلما أتى يوسف إخوته خلعوا ~~عنه القميص ذا الكمين الذي لابسه , وأخذوه فطرحوه في الجب فارغا لا ماء فيه ~~, فجلسوا يأكلون خبزا فمدوا أبصارهم فرأوا فإذا رفقه من العرب مقبله من ~~جلعاد - وفي نسخة : من الجرش - وكانت إبلهم موقرة سمنا ولبنا وبطما , ~~وكانوا معتمدين إلى مصر فقال يهوذا لإخوته : ما متعتنا بقتل أخينا وسفك دمه ~~؟ تعالوا نبيعه من العرب , ولا نبسط أيدينا إليه لأنه أخونا : لحمنا ودمنا ~~, فأطاعه إخوته , فمر بهم قوم تجار مدينيون , فأصعدوا يوسف من الجب وباعوه ~~من الأعراب بعشرين درهما , فأتوا به إلى مصر . | فرجع روبيل إلى الجب فإذا ~~ليس فيه يوسف , فشق ثيابه ورجع إلى إخوته وقال لهم : أين الغلام ؟ إلى أين ~~أذهب أنا الآن ؟ فأخذوا قميص يوسف عليه الصلاة والسلام فذبحوا عتودا من ~~المعز ولوثوا القميص بدمه وأرسلوا به مع من أتى به أباهم وقالوا : وجدنا ~~هذا , أثبته هل هو قميص ابنك أم لا ؟ فعرفه وقال : القميص قميص ابني , سبع ~~خبيث افترس ابني يوسف افتراسا , فحزن على ابنه أياما كثيرة , فقام جميع ~~بنيه وبناته ليعزوه فأبى أن يقبل العزاء وقال : أنزل إلى القبر وأنا حزين ~~على يوسف , فبكى عليه أبوه . | وباع المدينيون يوسف من قوطيفر الأمير صاحب ~~شرطة فرعون - انتهى , وفيه ما يخالف ظاهرة القرآن ويمكن تأويله - والله ~~أعلم . | < < # | يوسف : ( 22 - 24 ) ولما بلغ أشده . . . . . # > > ^ ( ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك ms2348 نجزي المحسنين * وراودته ~~التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ~~ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون * ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى ~~برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشآء إنه من عبادنا المخلصين ) ^ } ) | ~~ولما أخبر تعالى يوسف عما يريد بيوسف عليه الصلاة والسلام بما ختمه ~~بالإخبارعن قدرته , أتبعه الإعلام بإيجاد ذلك الفعل دلالة على تمام القدرة ~~وشمول العلم فقال : { ولما بلغ أشده } أي مجتمع قواه { آتيناه } أي بعظمتنا ~~{ حكما } أي نبوة أو ملكة يكف بها النفس عن هواها , من حكمه الفرس , فلا ~~يقول ولا يفعل إلا أمرا فصلا تدعوا إليه الحكمة ؛ قال الرماني : والأصل في ~~الحكم تبيين ما يشهد به الدليل , لأن الدليل حكمة من أجل أنه يقود إلى ~~المعرفة { وعلما } أي تبيينا للشيء على ما هو عليه جزاء له لأنه محسن { ~~وكذلك } أي مثل ذلك الجزاء الذي جزيناه به { نجزي المحسنين } أي العريقين ~~في الإحسان كلهم الذين رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم الذي أسرى به فأعلاه ~~ما لم يعل غيره ؛ وعن الحسن : من أحسن عبادة الله في شبيبته آتاه الله ~~الحكمة في اكتهاله , PageV04P026 والأشد : كمال القوة , وهو جمع شدة عند ~~سيبوبه مثل نعمة وأنعم , وقال غيره : جمع شد ؛ قال ابن فارس في المجمل : ~~وبعضهم يقول : لا واحد لها , ويقال : واحدها شد - انتهى . | قيل : وهذا هو ~~القياس نحو ضب وأضب , وصك وأصك , وحظ وأحظ , وضر وأضر , وشر وأشر قال ~~الرماني : قال الشاعر : | هل غير أن كثر الأشر وأهلكت حرب الملوك أكاثر ~~الأموال | انتهى . | واختلفوا في حد الأشد فقيل : هو من الحلم , وروي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه من عشرين سنة , وروى غير ذلك , والمادة تدور ~~على الصعوبة , وهي ضد الرخاوة , ويلزمها القوة , فالشد على العدو منها , ~~وشد الحبل وغيره : أحكم فتله , والشديد والمتشدد : البخيل - لصعوبة البذل ~~عليه , والشدة : صعوبة الزمان , وشد النهار : ارتفاعه , وهو قوته , وشددت ~~فلانا : قويت يده ودبرت أمره , وأشد القوم - إذا كانت دوابهم ms2349 شدادا فهم ~~مشدون ضد مضعفين . | ولما أخبر تعالى أن سبب النعمة عليه إحسانه , أتبعه ~~دليله فقال : { وراودته } أي راجعته الخطاب ودارت عليه بالحيل , فهو كناية ~~عن المخادعة التي هي لازم معنى راد يرود - إذا جاء وذهب { التي } هي متمكنة ~~منه غاية المكنة بكونه { هو في بيتها } وهو في عنفوان الشباب { عن نفسه } ~~أي مراودة لم تكن لها سبب إلا نفسه , لأن المراودة لا يمكن أن تتجاورز نفسه ~~إلا بعد مخالطتها - كما تقول : كان هذا عن أمره , وذلك بأن دارت عليه بكل ~~حيلة ونصبت له أشراك الخداع وأقامت حينا تفتل له في الذروة والغارب , وذلك ~~لأن مادة ( راد ) واوية ويائية بجميع تقاليبها السبعة : رود , ودور , وورد ~~, ( ودير ) وردي , وريد , ودري - تدور على الدوران , وهو الرجوع إلى موضع ~~الابتداء , ويلزم منه القصد والإتيان والإقبال والإدبار والرفق والمهلة ~~وإعمال الحيلة وحسن النظر , وربما يكون عن غير قصد فتأتي منه الحيرة فيلزم ~~الفساد والهلاك , يقال : دار فلان يدور - إذا مشى على هيئة الخلقة , والدهر ~~دواري - لدورانه باهله بالرفع والحط , والدوار : شبه دوران في الرأس , ~~ودارة القمر معروفة , والدائرة : الحلقة والدار تجمع العرصة والبناء - ~~لدوران بنائها وللدوران فيها وللذهاب منها والرجوع إليها , والداري : ~~الملاح الذي يلي الشرع , وهو القلع - لأنه يديره على عمود المركب , أو لأنه ~~يلزم دار السفينة ؛ والرائد : الذي يرتاد الكلأ , أي يذهب ويجيء في طلبه - ~~لما لم يكن PageV04P027 له مقصد من الأرض معين كأنه يدور فيها , والذي لا ~~يكذب أهله , وكل طالب حاجة - قاله ابن دريد . | وراودت الرجل : أردته على ~~فعل ؛ ورائد الرحى : يدها , أي العود الذي تدار به ويقبض عليه الطاحن , ~~والرياد : اختلاف الإبل في المرعى مقبلة ومدبرة , ورادت المرأة - إذا ~~اختلفت إلى بيوت جاراتها , وراد وساده - إذا لم يستقر , والرود : الطلب ~~والذهاب والمجيء , وامش على رود - بالضم , أي مهل , وتصغيره رويد , والمرود ~~: الذي يكتحل به , لأنه يدار في العين , وحديدة تدور في اللجام , ومحور ~~البكرة من حديد , والدير : معروف , ويقال لرجل إذا كان رأس أصحابه : هو رأس ~~الدير - كأنه من ms2350 إرادة أصحابه به , وترديت الرداء وارتديت - كأنه من ~~الإدارة , والرداء : السيف - لأنه يتقلد به في موضع الردى , والرديان - ~~محركا : مشى الحمار بين آريه ومتمعكه , وراديت فلانا , مثل : راودته , وردت ~~الجارية - إذا رفعت إحدى رجليها وقفزت بواحدة , لأت مشيها حينئذ يشبه ~~الدوران , والريد - بالكسر : الترب , لأنه يراودك , أي يمشي معك من أول ~~زمانك ؛ ومن الإتيان : الورود , وهو إتيان المورد من ماء وطريق , والوارد : ~~الضائر إلى الماء للاستقاء منه , وهو الذي ينزل إلى الماء ليتناول منه , ~~والورد معروف , ونور كل شجرة ورد , لأنه يقصد للشم وغيره , ويخرج هو منها ~~فهو وارد أي آت , وهو أيضا مع ذلك مستدير , والورد - بالكسر : يوم الحمى ~~إذا أخذت صاحبها لوقت لأنها تأتيه , وهو أرنبة واردة , أي مقبلة على السبلة ~~, والريد : أنف الجبل - قاله ابن فارس , وقال ابن دريد : والريد : الحيد ~~الناتىء من الجبل , والجمع ريود ؛ وفي القاموس : الحيد من الجيل شاخص كأنه ~~جناح , ويسمى الشجاع الوارد , لإقباله على كل كا يريده واستعلائه عليه , ~~والوريدان : عرقان مكتنفا صفحتي العنق مما يلي مقدمة غليظان , والورد : ~~النصيب من القرآن , لأنه يقصد بالقراءة ويقبل عليه ويدار عليه , ودريت ~~الشيء : علمته , فأنت مقبل عليه وارد إليه , والدرئة - وهموزة : حلقة يتعلم ~~عليها الطعن والرمي , والدرية - مهموزة وغير مهموزة : دابة يستتر بها رامي ~~الصيد فيختله , فهي من الإقبال والخداع , وإن بنى فلان أدوارا مكانا , أي ~~اعتمدوا بالغزو والغارة , والدري : شبيه بمدرى الثور وهو قرنه , لأنه يقصد ~~به الشيء ويقبل به على مراده فيصلحه به , وما أدري أين ردي ؟ أي أين ذهب ؟ ~~والإرواد : المهلة في الشيء ؛ وامش رويدا : على مهل , والرادة والريدة : ~~السهلة من الرياح , فكأنها تأتي على مهل ؛ ومن الحيرة والفساد والهلاك : ~~ردي الرجل - غذا هللك , وأراده الله , وتردى في هوة : تهور فيها , ورديته ~~بالحجارة : رميته , والرداة : الصخرة , يكسر بها الشيء , والمرادي : ~~PageV04P028 المرامي ؛ ومن حسن النظر : أرديت على الخمسين : زدت , لأنه ~~يلزم حسن النظر الزيادة , وأراد الشيء على غيره , أي ربا عليه , وسيأتي ~~بيان المهموز من هذه المادة في < # > 77 ( { سنراود } ) 77 < # > [ يوسف ms2351 : 61 ] من هذع السورة إن شاء الله تعالى { وغلقت } أي تغليفا ~~كثيرا { الأبواب } زيادة في المكنة , قالوا : وكانت سبعة ؛ والإغلاق : ~~إطباق الباب بما يعسر معه فتحه { وقالت هيت } أي تهيأت وتصنعت { لك } خاصة ~~فأقبل إلي وامتثل أمري ؛ والمادة - على تقدير إصالة التاء وزيادتها بجميع ~~تقاليبها : يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة - تدور على إرادة امتثال الأمر ~~: هيت لك - مثلثة الآخر وقد يكسر أوله , أي هلم , وهيت تهييتا : صاح ودعاه ~~, وهات - بكسر التاء أعطني - قال في القاموس , والمهاياة مفاعلة منه , ~~والهيت : الغامض من الأرض , كأنه يدعو ذا الهمة إلى إلى الوقوف على حقيقته ~~, والتيه - بالكسر : الكبرياء والصلف , فالتائه داع بالقوة إلى امتثال أمره ~~, والمفازة , فإنها تقهر سالكها , والضلال من المفارزة - تسمية للشي باسم ~~موضعه , ومنه : تها - بمعنى غفل , ومنه : مضى تهواء من الليل - بالكسر , أي ~~طائفة , لأنها محل الغفلة , أو لأنها تدعو ساهرها إلى النوم ونائمها إلى ~~الانتباه , وهذا على تقدير إصالة التاء , وأما على تقدير أنها زائدة فهاء ~~بنفسه إلى المعالي : رفعها , فهو يراه أهلا لأن يمتثل أمرها , والهوء : ~~الهمة والأمرالماضي , والهو أيضا : الظن , ويضم , وهؤت به : فرحت , ولا ~~يكون ذلك إلا لفعل ما يشتهي , فكأنه دعاه إلى رؤيته , وتهيأ للشيء : أخذ له ~~هيئته , فكأنه صار قابلا للأمر , أو لأن يمتثل أمره , وهيأه : أصلحه , ~~والهيء - بالفتح والكسر : الدعاء إلى الطعام والشراب ودعاء الإبل للشرب , ~~وإيه - بكسر الهمزة : كلمة استزاده واستنطاق , وبإسكان الهاء : زجر بمعنى ~~حسبك , وهأهأ : قهقه في ضحكه , ولا يكون ذلك إلا بمن امتثل مراده . | ولما ~~قالت ما قالت وفعلت ما فعلت , مع ما هي عليه من القدرة في نفسها ولها عليه ~~من التسلط وهو عليه من الحسن والشباب , كان كأنه قيل : إن هذا لموطن لا ~~يكاد ينجو منه أحد , فماذا كان منه ؟ فقيل : { قال } أي يوسف مستعملا للحكم ~~بالعلم { معاذ } أي أعوذ من هذا الأمر معاذ { الله } أي ألزم حصن الذي له ~~صفات الكمال وهو محيط بكل شيء علما وقدرة , وملجأة الذي ينبغي الاعتصام به ~~واللجاء إليه ؛ ثم علل ms2352 ذلك بقوله : { إنه } أي الله { ربي } أي موجدي ~~ومدبري والمحسن إلي في كل أمر , فأنا PageV04P029 أرجو إحسانه في هذا { ~~أحسن مثواي } بأن جعل لي في قلب سيدك مكانة عظيمة حتى خولني في جميع ما ~~يملك وائتمنني على كل ما لديه , فإن خالفت أمر ربي فخنت من جعلني موضعا ~~للأمانة كنت ظالما واضعا للشيء في غير موضعه , وهذا التقدير - مع كونه أليق ~~بالصالحين المراقبين - أحسن , لأنه يستلزم نصح العزيز , ولو أعدنا الضمير ~~على العزيز لم يستلزم التقوى . | ولما كان من المعلوم أن لسان حالها يقول : ~~وإذا كان ظلما كان ماذا ؟ قال ما تقديره : إني إذن لا أفلح , وعلله بقوله : ~~{ أنه لا يفلح } أي لا يظفر بمراده أصلا { الظالمون } أي العريقون في الظلم ~~- وهو وضع الشيء في غير موضعه - الذين صرت في عدادهم على تقدير الفعل , فيا ~~له من دليل على إحسانه وحكمه وعلمه , فإنه لما رأى المقام الدحض بادر إلى ~~الاعتصام بمن بيده ملكوت كل شيء , ثم استحضر إحسانه إليه الموجب للشكر عليه ~~المباعد عن الهفوات ثم مقام الظلم وما يوجب لصاحبه من الحزن بعدم الفلاح . ~~| ولما كان هذا الفعل لا يتم حسنه إلا غذا كان عند غلبة الهوى وترامي ~~الشهوة كما هو شأن الرجولية , قال تعالى ردا على من يتوهم ضد ذلك : { ولقد ~~همت به } أي أوقعت الهم , وهو القصد الثابت والعزم الصادق المتعلق بمواقعته ~~, ولا مانع لها من دين ولا عقل ولا عجز فاشتد طلبها { وهم بها } كما هو شأن ~~الفحول عند توفر الأسباب { لولا أن رءآ } أي بعين قلبه { برهان ربه } الذي ~~آتاه إياه من الحكم والعلم , أي لهم بها , لكنه لما كان البرهان حاضرا لديه ~~حضور من يراه بالعين , لم يغطه وفور شهوة ولا غلبة هوى , فلم يهم أصلا مع ~~كونه في غاية الاستعداد لذلك لما آتاه الله من القوة مع كونه في سن الشباب ~~, فلولا المراقبة لهم بها التوفر الدواعي غير أن نور الشهود محاها أصلا , ~~وهذا التقدير هو اللائق بمثل مقامه مع أنه هو الذي ms2353 تدل عليه أساليب هذه ~~الآيات من جعله من المخلصين والمحسنين المصروف عنهم السوء , وأن السجن أحب ~~إليه من ذلك , مع قيام القاطع على كذب ما تضمنه قولها < # > 77 ( { ما جزاء من أراد بأهلك سوءا } ) 77 < # > [ يوسف : 25 ] - الآية , من مطلق الإرادة , ومع ما تحتم تقدير ما ذكر ~~بعد ( لولا ) في خصوص هذا التركيب من أساليب كلام العرب , فإنه يجب أن يكون ~~المقدر بعد كل شرط من معنى ما دل عليه ما قبله , وهذا مثل قوله تعالى < # > 77 ( { إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها } ) 77 < # > [ القصص : 10 ] أي لأبدت به , وأما ما ورد عن السلف مما يعارض ذلك فلم ~~يصح منه شيء عن أحد منهم مع أن الأقوال التي رويت عنهم إذا جمعت تناقضت ~~فتكاذبت , ولا يساعد على شيء منها كلام العرب لأنهم قدروا جواب ( لولا ) ~~PageV04P030 المحذوف بما لا دليل عليه من سابق الكلام ولا لاحقه - نبه على ~~ذلك الإمام أبو حيان , وسبقه إلى ذلك الإمام الرازي وقال : إن هذا قول ~~المحققين من المفسرين , وأشبع في | < < # | يوسف : ( 25 - 29 ) واستبقا الباب وقدت . . . . . # > > ^ ( واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما ~~جزآء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم * قال هي راودتني عن ~~نفسي وشهد شاهد من أهلهآ إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين * ~~وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين * فلما رأى قميصه قد من دبر ~~قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم * يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت ~~من الخاطئين ) ^ } ) | ثم ذكر سبحانه وتعالى مبالغته في الامتناع بالجد في ~~الهرب دليلا على إخلاصه وأنه لم يهم أصلا فقال : { واستبقا الباب } أي أوجد ~~المسابقة بغاية الرغبة من كل منهما , هذا للهرب منها , وهذه لمنعه , فأوصل ~~الفعل إلى المفعول بدون ( إلى ) , دليلا على أن كلا منهما بذل أقصى جهده في ~~السبق , فلحقته عند الباب الأقصى مع أنه كان قد سبقها بقوة الرجولية وقوة ms2354 ~~الداعية إلى الفرار إلى الله , ولكن عاقة اتقانها للمكر بكون الأبواب كانت ~~مغلقة , فكان ييشتغل بفتحها فتعلقت بأدنى ما وصلت إليه من قميصه , وهو ما ~~كان من ورائه خوف فواته , فاشتد تعلقها به مع إعراضه هو عنها وهربه منها , ~~PageV04P031 ففتحه وأراد الخروج فمنعته { و } لم تزل تنازعه حتى { قدت ~~قميصه } وكان القد { من دبر } أي الناحية منه , وانقطعت منه قطعة فبقيت في ~~يدها { وألفيا } أي وجدا مع ما بهما من الغبار والهيئة التي لا تليق بهما { ~~سيدها } أي زوجها , ولم يقل : سيدهما , لأن يوسف عليه الصلاة والسلام لم ~~يدخل في رق - كما مضى - لأن المسلم لا يملك وهو السيد { لدا } أي عند ذلك { ~~الباب } أي الخارج , على كيفية غريبة جدا , هكذا ينبغي أن يفهم هذا المقام ~~لأن السيد لا يقدر على فتحه فضلا عن الوصول إلى غيره لتغليق الجميع . | ~~ولما علم السامع أنهما ألفياه وهما على هذاه الحالة كان كأنه قيل : فما ~~اتفق ؟ فقيل : { قالت } مبادرة من غير حياء ولا تلعثم { ما } نافية , ويجوز ~~أن تكون استفهامية { جزاء من أراد } أي منه ومن غيره كائنا من كان , لما لك ~~من العظمة { بأهلك سوءا } أي ولو أنه غير الزنا { إلا أن يسجن } أي يودع في ~~السجن إلى وقت ما , ليحكم فيه بما يليق { أو عذاب أليم } أي دائم ثابت غير ~~السجن ؛ والجزاء : مقابلة العمل بما هو حقه , هذا كان حالها عند المفاجأة , ~~وأما هو عليه الصلاة والسلام فجرى على سجايا الكرام بأن سكت سترا عليها ~~وتنزها عن ذكر الفحشاء , فكأنه قيل : فماذا قال حين قذفته بهذا ؟ فقيل { ~~قال } دافعا عن نفسه لا هاتكا لها { هي } بضمير الغيبة لاستيحائه عن ~~مواجهتها بإشارة أو ضمير خطاب { راودتني عن نفسي } وما قال ذلك إلا حين ~~اضطرته إليه بنسبته إلى الخيانة , وصدقه لعمري فيما قال لا يحتاج إلى بيان ~~أكثر من الحال الذي كانا فيه , وهو أنهما عند الباب , ولو كان الطلب منه ~~لما كانا إلا في محلها الذي تجلس فيه , وهو صدر البيت وأشرف ms2355 موضع فيه { ~~وشهد } ولما كان كل صالح للشهادة كافيا , فلم تدع ضرورة إلى تعيينه , قال : ~~{ شاهد } أي عظيم { من أهلها } لأن الأهل أعظم في الشهادة , رضيع براءته - ~~نقله الرماني عن ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما وسعيد ابن جبير , كما ~~شهد للنبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع صبي من أهل اليمامة يوم ولد ~~بأنه رسول الله , فكان يدعي : مبارك اليمامة . | فقال ذلك الشاهد { إن كان ~~} أي حال المراوغة { قميصه } أي فيما يتبين لكم { قد } أي شق شقا مستاصلا { ~~من قبل } أي من جهة ما أقبل من جسده { فصدقت } ولا بد من تقدير فعل التبين ~~, لأن الشروط لا تكون معانيها إلا مستقبلة ولو كانت ألفاظها ماضية . | ولما ~~صدقها ليس قاطعا في منع صدقه , قال : { وهو من الكاذبين } لأنه لولا إقباله ~~- وهي تدفعه عنها أو تهرب منه وهو يتبعها ويعثر في قميصه - ما كان القد من ~~القبل { وإن كان } أي فيما يظهركم لكم { قميصه } أي يوسف عليه الصلاة ~~والسلام { قد PageV04P032 من دبر } أي من جهة ما أدبر منه , وبنى ( قد ) ~~للمجهول للنزاع في القاد { فكذبت } ولما كان كذلك كذبها في إرادته السوء لا ~~يعين صدقه في إرادتها له , قال : { وهو من الصادقين } لأنه لولا إدباره ~~عنها وإقبالها عليه لما وقع ذلك , فعرف سيدها صحة ذلك بلا شبهة , لأن معنى ~~( إن ) هنا الشرط في جهة القرير للمعنى الذي يوجب غيره لا على الشك , وقدم ~~أمارة صدقها لأنه مما يحبه سيدها , فهو في الظاهر اهتمام بها , وفي الحقيقة ~~تقرير لكذبها مرتين : الأولى باللزوم , والثانية بالمطابقة . | ولما كان ~~المعنى : فنظر , بنى عليه قوله : { فلما رءا } أي سيدها { قميصه } أي يوسف ~~عليه الصلاة والسلام { قد من دبر قال } لها وقد قطع بصدقه وكذبها , مؤكدا ~~لأجل إنكارها { إنه } أي هذا القذف له { من كيدكن } معشر النساء ؛ والكيد : ~~طلب الإنسان بما يكرهه { إن كيدكن عظيم } والعظيم : ما ينقص مقدار غيره عنه ~~حسا أو معنى , فاستعظمه لأنه أدق من مكر الرجل وألطف وأخفى , لأن الشيطان ~~عليهن ms2356 لنقصهن أقدر , وكيدهن الذي هو من كيد الشيطان أضعف ضعيف بالنسبة إلى ~~ما يربره الله عز وجل في إبطاله ؛ ثم قال العزيز آمرا له عليه السلام مسقطا ~~لحرف النداء دلالة على أن قربه من قلبه على حاله : { يوسف أعرض } أي انصرف ~~بكليتك مجاوزا { عن هذا } أي اجعله بمنزلة ما تصرف وجهك عنه إلى جهة العرض ~~بأن لا تذكره لأحد ولا تهتم به , فإني لم أتأثر منك بوجه , لأن عذرك قد بان ~~, وأقبل إليها فقال : { واستغفري } أي اطلبي الغفران { لذنبك } في أن لا ~~يحصل لك عقوبة مني ولا من الله ؛ واستأنف بيان ما بغاية القوة , يقال : ~~خطىء يخطأ - إذا أذنب متعمدا . | < < # | يوسف : ( 30 - 34 ) وقال نسوة في . . . . . # > > ^ ( وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها ~~حبا إنا لنراها في ضلال مبين * فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن ~~متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن ~~أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم * قالت فذلكن الذي ~~لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل مآ آمره ليسجنن ~~وليكونا من الصاغرين * قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف ~~عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه ~~هو السميع العليم ) ^ } ) ولما كان في هذا من شرف العفة ما يدل على كمال ~~العصمة ، أكده تعالى بما يدل على تسامي حسنه وتعالى جماله ولطفه ، لأن ~~العادة جرت بأن ذلك إذا كان بعضه لأحد PageV04P033 كان مظنة لميله لتوف ~~رالدواعي على الميل إليه ، فقال تعالى { وقال نسوة } أي جماعة من النساء ~~لما شاع الحديث ، ولما كانت البلدة كلما عظمت كان أهلها أعقل وأقرب إلى ~~الحكمة ، قال : { في المدينآ } أي التي فيها امرأة العزيز ساكنة { امرأت ~~العزيز } فأضفتها إلى زوجها إرادة الإشاعة للخبر ، لأن النفس إلى سماع ~~أخبار أولي الأخطار أميل ، والعزيز : المنيع بقدرته من أن يضام ، فالعزة ~~أخص من مطلق القدرة ، وعبرن ms2357 بالمضارع في { تراود فتاها } أي عبدها نازلة من ~~افتراش العزيز إلأى افتراشه { عن نفسه } إفهاما لأن الإصرار على المراودة ~~صار لها كالسجية ، والفتى : الشاب ، وقيده الرماني بالقوي ، قال : وقال ~~الزجاج : وكانوا يسمون المملوك فتى شيخا كان أو شابا ففيه اشتراك على هذا { ~~قد شغفها } ذلك الفتى { حبا } أي من جهة الحب ، قال الرماني : شغاف القلب ~~غلافه ، وهو جلدة عليه ، يقال : دخل الحب الجلد حتى أصاب القلب ، عن السدى ~~وأبي عبيدة وعن الحسن أنه باطن القلب ، وعن أبي علي : وسط القلب - انتهى . ~~والذي قال في المجمل وغيره أنه غلاف القلب ، وأحسن من توجيه أبي عبيدة له ~~أن حبه صار شغافا لها ، أي حجابا ، أ ] ظرفا محيطا بها ، وأما شغفها - ~~بالمهملة فمعناه : غشى شغفه قلبها ، وهي رأسه عند معلق النياط ، وقال ~~الرماني : أي ذهب بها كل مذهب ، من شغف الجبال ، وهي رؤوسها . | ولما قيلف ~~ذلك ، كان كأنه قد قيل : فكان ماذا ؟ فقيل - وأكد لأن من رآه عذرها وقطع ~~بأنهن لو كن يفي محلها عملن عملها ولم يظللن فعلها : { إنا لنراها } أي ~~نعلم أمرها علما هو كالرؤية { في ظلال } أي محيط بها { مبين } لرضاها ~~لنفسها بعد عز السيادة بالسفول عن رتبة العبد ، ودل بالفاء على أن كلامهن ~~نقل إليها بسرعة فقال { فلما سمعت } أي امرأة العزيز { بمكرهن } وكأنهن ~~أردن بهذا الكلام أن يتأثر عنه ما فعلت امرأة العزيز ليرنيه ، فلذلك سماه ~~مكرا { أرسلت إليهن } لتريهن ما يعذرنها بسببه فتسكن قالتهن { واعتدت } أي ~~هيأت وأحضرت { لهن متكئا } اي ما يتكئن عليه من الفرش اللينة والوسائد ~~الفاخرة ، فأتينها فأجلستهن على ما أعدته لهن { وأتت كل واحدة } على العموم ~~{ منهن سكينا } ليقطعن بها ما يحتاج إلأى القطع مما يحضر من الأطعمة يفي ~~هذا المجلس ، قال أبو حيان : فقيل : كان لحما ، وكانوا لا ينهشون اللحم ، ~~إنما كانوا يأكلونه حزا بالسكاكين ، وقال الرماني : ليقطعن فاكهة قدمت ~~إليهن . انتهى ، هذا اغلظاهر من علة إتيانهن وباطنة إقامة الحجة عليهن بما ~~لا يجدن له مدفعا مما يتأثر عن ذلك { وقالت } ليوسف ms2358 فتاها عليه الصلاة ~~والسلام { اخرج عليهن } فامتثل له ما أمرته به كما هو دأبه معها في كل ما ~~لا معصية فيه ، وبادر الخروج عليهن { فلما رأينه } PageV04P034 أي النسوة { ~~أكبرنه } أي أعظمن يوسف عليه الصلاة والسلام جدا إعظاما كرهن { وقطعن } أي ~~جرحن جراحات كثيرة { أيديهن } وعاد لومهن عذرا ، والتضعيف يدل على التكثير ~~، فكأن السكين كانت تقع على يد إحداهن فتجرحها فترفعها عن يدهابطبعها ، ثم ~~يغلبها الدهس فتقع على موضع آخر وهكذا { وقلن حاش } أي تنزيها عظيما جدا { ~~لله } أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال التي خلق بها مثل هذا . | ولما ~~كان المراد بهذا التنزيه تعظيمه ، بينه بقولهن { ما هذا بشرا } لأنه فاق ~~الشر في الحسن جدا ، وأعرض عن الشهوة من غير علة نراها مانعة له لأنه في ~~غاية القوة والفحولية ، فكأنه قيل : فما هو ؟ فقلن : { إن } أي ما هذا { ~~هذا } أي في هذا الحسن والجمال ، وأعدن الإشارة دفعا لإمكان الغلط { إلا ~~ملك كريم } وذلك لما ركز في الطباع من نسبة كل معنى فائق إلى الملائكة من ~~الحسن والعفة وغيرهما وإن كانال غي مرئيين ، كما ركز فيها نسبة ضد ذلك إلى ~~الجن والشياطين ، فكأنه قيل : فما قالت لهن امرأة العزيز ؟ فقيل ك { قالت ~~فذلكن } أي الفتى العالي جدا { الذي لمتني فيه } | ولما علمت أنهن عذرنها ، ~~قالت مؤكدة استلذاذا بالتهتك في حبه { ولقد } أي أقول هذا الحال أني والله ~~لقد تحقق أني { راودته عن نفسه } أي لأصل إليه بما أريد { فاستعصم } أي ~~فأوجد العصمة ولاامتناع علي فاشتد اعتصامه ، وما أنا براجعة عنه ، ثم ~~توعدته وهو يسمع ليلين ، فقالت لهن مؤكدة لأن حالهاحبها يوجب الإنكار لأن ~~تفعل ما يؤذي المحبوةب : { ولئن لم يفعل } أي هذا الفتى الذي قام عذري ~~عندكن فيه { ما أمره } أي أمري { ليسجنن } أي ليمنعن من التصرف بالحبس ~~بأيسر سعي مني ، ولما كان عزمها على السجن أقوى من العزم على إيقاع الصغار ~~به ، أكدتهع بالنون الثقيلة وقالت : { وليكونا } بالنون الخفيفة { من ~~الصاغرين } أي الأذلاء ، أو أن الزيادة في تأكيد السجن ms2359 لأنه يلزم منه ~~إبعاده ، وإبعاد الحبيب أولى بإنكار من إهانته ، فقال له النسوة : أطعها ~~لئلا تسجنك وتهينك ، فكأ ، ه قيل : فما قال ؟ فقيل : { قال } يهتف بمن فنى ~~بشهوده عن كل مشهود ، دافعا عن نفسه ما ورد عليه من وسوسة الشيطان يفي أمر ~~جمالها وأمر رئاستها ومالها ، ومن النسوة اللاتي نوعن له القول يف يالترغيب ~~والترهيب عالما بأن القوة البشرية تضعف عن حمل مثل هذا إلا بتأييد عظيم ، ~~مسقطا للأداة على عادة أهل القرب { رب السجن } وهو محيط مانع من الاضطراب ~~فيما خرج عنه { أحب إلي } أي أقل بغضا { ما يدعونني } أي هؤلاء النسوة كلهن ~~{ إليه } لما علم من سوء عاقبة المعصية بعد سرعة انقضاء اللذة ، وهذه ~~العبارة بدل على غاية البغض لموافقتها ، فإن السجن لا يتصور حبه عادة ، ~~وإنما المعنى أنه لو كان يتصور الميل إليه كان ميلي إليه أكثر ، لكنه ل ~~يتصور الميل إليه لأنه شر محض ، ومع ذلك فأنا PageV04P035 أوثره على ما ~~ندعونني إليه إليه ، لأنه أخف الضررين ، والحاصل أنه أطلق المحبة على ما ~~يضادها في هذا السياق من البغض بدلالة الالتام ، فكأنه قيل : السجن أقل ~~بغضا إلى ما تدعونني إليه ، وذلك هو ضد ' أحب ' الذي معناه أكثر حبا ، ولكن ~~حولت العبارة ليكون كدعوى الشيء مقرونا بالدليل ، وذلك أنه لما فوضل في ~~المحبة بين شيئين أحدهما مقطوع ببغضه ، فهم قطعا أن المراد هو أن بغض حبه ~~أبغض هذا البغيض دون بغض المفضول ، فعلم قطعا أن ذلك الذي يظن حبه أبغض من ~~هذا المقطوع ببغضه ، وكذا كل ما فوضل بينهما في وصف يمنع من حمله على ~~الحقيقة كون المفضل متحققا بذده - والله الموفق ، والدعاء : طلب الفعل من ~~المدعو ، وصيغته كصيغة الأمر إلا أن الدعاء لمن فوقك ، والأمر لمن دونك { ~~وإلا تصرف } أ ] أنت يا رب الآن وفيما يستقبل من الزمان ، مجاوزا { عن ~~كيدهن } أي ما قد التبس من مكرهن وتدبيرهن الذي يردن به الخبث احتيالا على ~~الوصول إلى قصدهن خديعة وغرورا { أصب } أي أمل ميلا عظيما { إلأيه ، } لما ~~جبل ms2360 الآدمي عليه من الميل النفساني إلأى مثل ذلك ، ومتى انخرق سياج صيانته ~~بواحدة تبعها أمثالها ، واتسع الخرق على الرافع ، ولذلك قال : { وأكن } أي ~~كونا هو كالجبلة { من الجاهلين } أي الغريقين في الجهل بارتكاب مثل أفعالهم ~~{ فاستجاب له ربه } أي أوجد المحسن إليه إيجادا عظيما إجابة دعائه الذي ~~تضمنه هذا الثناء ، لأن الكريم يغنيه التلويح عن التصريح - كما قيل : | # % إذا أثنى عليك المرء يوما % % كفاه من تعرضه الثناء % % وفعل ذلك ~~سبحانه إكراما له وتحقيقا لما سبق من وعده في قوله : { كذلك لتصرف عنه ~~السوء } [ يوسف : 24 ] للآية { فصرف عنه كيدهن } ثم علل ذلكط بقوله : { إنه ~~هو السميع } أي للأقوال { العليم } بالضمائر والنيات ، فيجيب ما صح فيه ~~القصد وطاب منه العزم . | < < # | يوسف : ( 35 - 38 ) ثم بدا لهم . . . . . # > > ^ ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين * ودخل معه ~~السجن فتيان قال أحدهمآ إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق ~~رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين * قال لا ~~يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ~~ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملة ~~آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل ~~الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) ^ } ) | PageV04P036 ~~ولما كانت هذه الأمور موجبة لرفعته , فكان حينئذ أبعد شيء عن السجن لو كان ~~الناس متمكنين من جري أمورهم على حسب السديد من عقولهم , أخبر تعالى أنهم ~~خالفوا داعي السداد واستبدلوا الغي بالرشاد , لحكمه بأن السجن سبب عظيم ~~لصرف كيدهن عنه وإثبات العز والمكنة له , ففعلوا - مع علمهم بأن ذلك ظلم ~~وسفه - إجابة لغالب أمر الله وإظهار لعلي قدرة بمخالفة العوائد مرة بعد مرة ~~, وهدم سداد الأسباب كرة أثر كرة ؛ فقال : { ثم } لهذا المعنى , وهو أنهم ~~كان ينبغي أن يكونوا من سجنه في غاية البعد { بدا } أي ظهربعد الخفاء كما ~~هي عادتهم { لهم } والبداء في ms2361 الرأي : التلون فيه لظهور ما لم يكن ظهر منه ~~. | ولما كان ذلك الظهور في حين من الدهرتلونوا بعده إلى رأي آخر , أدخل ~~الجار ما ظهر له المانع منه : { ليسجننه } فيمكث في السجن { حتى حين } أي ~~إلى أن تنسى تلك الإشاعة , ويظهر الناس أنها لو كانت تحبه ما سعت في سجنه , ~~وقيل : إن ذلك الحين سبع سنين , قيل : كان سبب ذلك أنها قالت للعزيز : إن ~~هذا قد فضحني في الناس وهو يعتذر إليهم ويصف الأمر كما يحب , وأنا محبوسة , ~~فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر كما يعتذر , وإما أن تسويه بي في السجن ؛ قال ~~أبو حيان : قال ابن عباس رضي الله عنهما : فأمر به فحمل على حمار وضرب ~~أمامه بالطبل , ونودي عليه في أسواق مصر أن يوسف العبراني أراد سيدتهن فهذا ~~جزاءه أن يسجن ! قال أبو صالح : ما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما هذا الحديث ~~إلا بكى - انتهى . | وهذا دليل على قوله < # > 77 ( { إن كيدكن عظيم } ) 77 < # > [ يوسف : 28 ] . | قال الإمام فخر الدين الرازي في كتاب اللوامع : وعلى ~~الجملة فكل أحوال يوسف عليه الصلاة والسلام لطف في عنف , ونعمة في طي بلية ~~ونقمة , ويسر في عسر , ورجاء في يأس , وخلاص بعد لات مناص , وسائق القدر ~~ربما يسوق القدر إلى المقدور بعنف , وربما يسوقه بلطف , والقهرو العنف أحمد ~~عاقبة وأقل تبعة - انتهى . | ولما ذكر السجن , وكان سببا ظاهرا في الإهانة ~~, شرع سبحانه يقص من أمره فيه ما حاصله أنه سبب الكرامة , كل ذلك بيانا ~~للغلبة على الأمر والاتصاف بصفات القهر , مع ما في ذلك من بيان تحقق ما ~~تقدم به الوعد الوفي ليوسف عليه الصلاة والسلام وغير ذلك من الحكم , فقال ~~تعالى : { ودخل } أي فسجنوه كما بدا لهم ودخل PageV04P037 { معه السجن ~~فتيان } : خباز الملك وساقيه , ورفع إليه أن الخباز أراد أن يسمه , وظن أن ~~الساقي مالأه على ذلك , و ( مع ) تدل على الصحبة واستحداثها , فهي تدل على ~~دخول الثلاثة السجن في آن واحد - قاله أبو حيانز فلما دخلوا السجن كان يوسف ms2362 ~~عليه الصلاة والسلام يحسن إلى أهله فيسلي حزينهم , ويعود مريضهم , ويسأل ~~لفقيرهم , ويهديهم إلى الخير , ويذكرهم بالله , فمالت إليه القلوب وكلفت به ~~النفوس لحسن حديثه ولطيف تأتيه وما جباه الله به من الفضل والنبل وحسن ~~الخلق والخلق , وكان في السجن ناس قد انقطع رجاءهم واشتد بلاءهم , فلم يزل ~~يرفق بهم حتى قالوا : بارك الله فيك ! ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وأحسن حديثك ~~! لقد بورك لنا في جوارك , ما نحب أنا كنا في غير هذا لما تخبرنا به من ~~الأجر والكفارة والثواب والطهارة , من أنت يا فتى ؟ فأخبرهم بنسبه الشريفن ~~فقال عامل السجن : لو استطعت لخليت سبيلك ! ولكن سأحسن جوارك وإيثارك , ~~وأحبه الفتيان ولزماه فقال : أنشد كما الله أن تحباني , فوالله ما أحبني ~~أحد قط إلا دخل على من جهته بلاء ! لقد أحبتني عمتي فدخل علي من جهتها بلاء ~~, ثم أحبني أبي فدخل علي من جهته بلاء , ثم أحبتني زوجة صاحبي هذا فدخل علي ~~من جهتها بلاء , فلا تحباني , فأبيا إلا حبه , فكأنه قيل : أي شيء اتفقى ~~لهما بعد الدخول معه ؟ فقيل : { قال أحدهمآ } ليوسف عليه الصلاة والسلام , ~~ولعل التأكيد إما لأنه كانت عادتهما المزح , وإما لأنهما ما رأيا شيئا - ~~كما قال الشعبي - وإنما صنفا هذا ليختبراه به { إني أراني } حكى الحال ~~الماضية في المنام { أعصر } والعصر : الاعتماد على ما فيه مائية ليحتلب منه ~~{ خمرا } أي عنبا يؤل إلى الخمر { وقال الآخر } مؤكدا لمثل ما مضى { إني ~~أراني أحمل } والحمل : رفع الشيء بعماد نقله { فوق رأسي خبزا } أي طعاما ~~مهيأ للأكل بالخبز , وهو عمل الدقيق المعجون بالبسط واللرزق في حام بالنار ~~حتى يصلح للأكل { تأكل الطير منه } وسيأتي شرح الرؤيا من التوراة , فكأنه ~~قيل : فماذا تريدان من الإخبار بهذا ؟ فقالا : { نبئنا } أي أخبرنا إخبارا ~~عظيما { بتأويله } أي ما يرجع أمره ويصير إليه , فكأنه قيل : وما يدريكما ~~أني أعرف تأويله ؟ فقالا : { إنا نراك } على حال علمنا بها علما هو كالرؤية ~~أنك { من المحسنين } أي العريقين في وصف الإحسان لكل أمرتعانيهن فلذلك لاح ms2363 ~~لنا أنك تحسن التأويل قياسا , فلما رآهما بصيرين بالأمور { قال } إشارة إلى ~~أنه يعرف ذلك وأدق منه , ليقبلا نصحه فيما هو أهم المهم لكل أحد , - وهو ما ~~خلق العباد له من الاجتماع على الله - لتفريغهما للفهم لكلامه والقبول لكل ~~ما يلقيه لاحتياجهما إلى إفتائهما , مؤكدا ما وصفاه به من الإحسان بما ~~اتبعه من وصف نفسه بالعلم , انتهازا لفرصة النصيحة عند هذا الإذغان بأعظم ~~ما يكون النصح به PageV04P038 من الأمر بالإخلاص في عبادة الخالق والإعراض ~~عن الشرك , فعلى كل ذي علم إذا احتاج إلى سؤاله أحد أن يقدم على جوابه نصحه ~~بما هو الأهم له , ويصف له نفسه بما يرغبه في قبول علمه إن كان الحال ~~محتاجا إلى ذلك , ولا يكون ذلك من باب التزكية بل من الإرشاد إلى الإئتمام ~~به بما يقرب إلى الله فيكون له مثل أجره : { لا يأتيكما } أي في اليقظة { ~~طعام } وبين أنه خاص بهما دون أهل السجن بقوله : { ترزقنه } بناه للمفعول ~~تعميما { إلا نبأتكما } أي أخبرتكما إخبارا جليلا عظيما { بتأويله } أي به ~~وبما يؤل ويرجع إليه أمره . | ولما كان البيان في جميع الوقت الذي بينه ~~وبين الطعام الذي قبله , نزع الخافض فقال : { قبل أن يأتيكما } أي أخبرتكما ~~بأنه يأتيكما طعام كذا , فيكون سببا لكذا , فإن المسبب الناشىء عن السبب هو ~~المال . | ولما وصف نفسه من العلم بما يدعو كل ذي همة إلى السعي في الأسباب ~~التي حصل له ذلك بها ليصير مثله أو يقرب منه , وكان محل أن يقال : من علمك ~~ذلك ؟ قال مرشدا إلى الله داعيا إليه أحسن دعاء بما تميل إليه النفوس من ~~الطمع في الفضل : { ذلكما } أي الأمر العظيم ؛ ونبه على غزارة علمه ~~بالتبعيض في قوله : { مما علمني ربي } أي الموجد لي والمربي لي والمحسن إلي ~~, ولم أقله عن تكهن ولا تنجم , فكأنه قيل : ما لغيرك لا يعلمه مثل ما علمك ~~؟ فقال معللا له مطمعا كل من فعل فعله في فضل الله , مؤكدا إعلاما بأن ذلك ~~أمر عظيم يحق لمثله أن يفعل : { إني ms2364 تركت ملة قوم } أي وإن كانوا أقوياء ~~على محاولة ما يريدون , فلذلك قدروا على أذاي وسجني بعد رؤية الآيات ~~الشاهدة لي , نبه على أن ذلك لا يقدم عليه إلا من لا يحسب العاقبة بوجه , ~~فقال : { لا يؤمنون } أي يجددون الإيمان لما لهم من العراقة في الكفر { ~~بالله } أي الملك الأعظم الذي لا يخفي أمره على ذي لب من أهل مصر وغيرهم ؛ ~~ثم لوح إلى التحذير من يوم الجزاء الذي لا يغني فيه أحد عن أحد , منبها على ~~أن الكفر به هو القاطع عن العلم وعن كل خير , فقال مؤكدا تأكيدا عظيما , ~~إشارة إلى أن أمرهم ينبغي أن ينكره كل من يسمعه , ولا يصدقه , لما على ~~الآخرة من الدلائل الواضحة جدا الموجبة لئلا يكذب به أحد : { وهم بالآخرة } ~~أي الدار التي لا بد من الجمع إليها , لأنها محط الحكمة { هم } أي بضمائرهم ~~كما هم بظواهرهم , وفي تكرير الضمير تنبيه على أن هؤلاء اختصوا بهذا الجهل ~~, وأن غيرهم وقفوا على الهدى { كافرون } أي عريقون في التغطية لها , فلذلك ~~أظلمت قلوبهم فكانوا صورا لا معاني لها ؛ والملة : مذهب جماعة يحمي بعضها ~~لبعض في الديانة , وأصله من المليلة , وهي حمى تلحق PageV04P039 الإنسان - ~~قاله الرماني . | وفي القاموس إن المليلة : الحر الكامن في العظم . | وعبر ~~ب { تركت } موضع ( تجنبت ) مثلا مع كونه لم يلابس تلك الملة قط , تأنيسا ~~لهما واستدراجا إلى تركهما ؛ ثم اتبع ذلك بما يدل على شرف اصله وقدم فضله ~~بأنه من بيت النبوة ومعدن الفتوة , ليكون ذلك أدعى إلى قبول كلامه وإصابة ~~سهامه وإفضاء مرامه , فقال : { واتنبعت } أي بغاية جهدي ورغبتي { ملة آباءي ~~إبراهيم } خليل الله , وهو جد أبيه { وإسحاق } ابنه نبي الله وهو جده { ~~ويعقوب } أبيه إسرائيل : الله . | وهو أبوه حقيقة , وتلك هي الحنفية السمحة ~~التي هي الميل مع الدليل من غير جمود مع هوى بوجه من الوجوه ؛ روى البخاري ~~في التفسير وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أي الناس أكرم ؟ قال : ) سئل ms2365 رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: أي الناس أكرم ؟ قال : ( أكرمهم عند الله أتقاهم , ) قالوا : ليس عن هذا ~~نسالك . | قال : ( فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله : ~~ابن خليل الله , ) قالوا : ليس عن هذا نسألك , قال : ( نعن معادن العرب ~~تسألوني ؟ ) قالوا : نعم , قال : ( فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ~~إذا فقهوا ) . | ( فكأنه قيل : ما تلك الملة ؟ فقال : { ما كان لنا } أي ما ~~صح وما استقام بوجه من الوجوه , لما عندنا من نور العلم الذي لم يدع عندنا ~~لبسا بوجه أصلا { أن نشرك } أي نجدد في وقت ما شيئا من إشراك { بالله } أي ~~الذي له الأمر كله , وأعرق في النفي فقال : { من شيء } أي بما شرعه لنا من ~~الدين القويم كانت ملتنا التوحيد , ومن التأكيد العموم في سياق النفي , ~~ليعم ذلك كل شيء من عاقل ملك أو إنسي أو جنى أو غيره ؛ ثم علل ذلك بما يعرف ~~بع أنه كما وجب عليهم ذلك وجب على كل أحد فقال : { ذلك } أي كان هذا ~~الانتفاء أو ذلك التشريع - للملة الحنيفية وتسهيلها وجعل الفطر الأولى ~~منقادة لها مقبلة عليها - العلي الشأن العظيم المقدار { من } أجل { فضل ~~الله } أي المحيط بالجلال والإكرام { علينا } خاصة { وعلى الناس } الذين هم ~~إخواننا في النسب عامة , فنحن وبعض الناس شكرنا الله , فقلبنا ما تفضل به ~~علينا , فلم نشرك به شيئا ؛ والفضل : النفع الزائد على مقدار الواجب , فكل ~~عطاء الله فضل , فإنه لا واجب عليه , فكان لذلك واجبا على كل أحد إخلاص ~~التوحيد له شكرا على فضله لما تظافر عليه دليلا العقل والنقل من أن شكر ~~المنعم واجب { ولكن أكثر الناس } أي لما لهم من الاضطراب مع الهوى عموا عن ~~هذا الواجب , فهم { لا يشكرون } فضله بإخلاص العمل له ويشركون به إكراها ~~لفطرهم PageV04P040 الأولى , فالآية من الاحتباك : ذكر نفي الشرك أولا يدل ~~على وجوده ثانيا , وذكرنفي الشكر ثانيا يدل على حذف إثباته أولا . | < < # | يوسف : ( 39 - 40 ) يا صاحبي السجن . . . . . # > > ^ ( يصاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله ms2366 الواحد القهار * ما ~~تعبدون من دونه إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطان ~~إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون ) ^ } ) | ولما أقام لهم الدليل على ما هو عليه من الدين الحنفي ~~تبعا لخلاصة الخلق , بما تقرر في الأذهان من أن الله تعالى هو المنعم وحده ~~سبحانه فيجب شكره , بعد أن قرر لهم أمر نبوته وأقام دليلها بما يخبرهم به ~~من المغيبات , ودعاهم إلى ما يجب عليهم من التوحيد وهو الإسلام , وكان ~~أكثرالخلق إلا الفذ النادر يقرون بالإله الحق , ولكنهم يشركون به بعض خلقه ~~, أتبعه برهان التمانع على فساد كل ملة غير الإسلام الذي يطابق عليه ~~الأنبياء والرسل كلهم , تأييدا لأدلة النقل بقاطع العقل , فقال مناديا لهما ~~باسم الصحبة بالأداة التي تقال عند ما له وقع عظيم في النفوس في المكان ~~الذي تخلص فيه والمودة , وتمحض فيه النصيحة , وتصفي فيه القلوب , ويتعمد ~~الإخلاص رجاء الخلاص - : { ياصاحبي السجن } والصحبة : ملازمة اختصاص كأصحاب ~~الشافعي مثلا , لملازمة الاختصاص بمذهبه , وهي خلاف ملازمة الاتصال . | ~~ولما فرغ أفهامهما بالنداء لما يلقيه , قرع أسماعهما بالإنكار مع التقرير ~~فقال : { أرباب } أي آلهة { متفرقون } متباينون بالذوات والحقائق تشاهدونه ~~محتاجين إلى المكان مع كونهم جمادا , ولو كانوا أحياء لأمكن تمانعهم , فأدى ~~إلى إمكان عجز كل منهم القاطع بعدم صلاحيته للإلهية { خير } أي أعظم في صفة ~~المدح وأولى بالطاعة { أم الله } أي الملك الأعلى { الواحد } بالذات , فهو ~~لا يحتاج إلى شيء أصلا { القهار } لكل شيء , لا يزال قهره يتكرر أبدا , ~~فهذا برهان لا خطأ به كما ظن , وأبرزه صلى الله عليه وسلم على وحه ~~الاستفهام استجلابا للسامع برد العلم إليه , وسماها أربابا لمثل ذلك بناء ~~على زعمهم , وكذا المشاركة في أفعل التفضيل , لأن ذلك أقرب إلى الإنصاف , ~~لكونه ألين في القول , فيكون أدعى إلى القبول . | ولما كان الجواب لكل من ~~يعقل : الله خير , أشار إلى ذلك بجزم القول بعد ذلك الاستفهام في سلب ~~صلاحيتهم قبل هذا الإمكان ms2367 بعدم حياتهم , وعلى تقدير حياتهم بعجزهم , فقال : ~~{ ما تعبدون } والعبادة : خضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع , PageV04P041 ~~وبين حقارة معبوداتهم وسفولها بقوله : { من دونه } أي الله الذي قام برهان ~~التمانع - الذي هو البرهان الأعظم - على إلهية وعلى اختصاصه بذلك { إلا ~~أسماء } وبين ما يريد وأوضحه بقوله : { سميتموها } أي ذوات أوجدتم لها ~~أسماء { أنتم وآباؤكم } لا معاني لها , لأنه لا أرواح لها فضلا عن أن تتحقق ~~معنى ما سميتموها به من الإلهية , وإن كان لها أرواح فهي منتف عنها خاصة ~~الإلهية , وهي الكمال المطلق الذي يستلزم إحاطة العلم والقدرة . | ولما كان ~~مقصود السورة وصف الكتاب بالإبانة للهدى , وكان نفي الإنزال كافيا في ~~الإبانة , لأن عبادة الأصنام باطلة , ولم يكن في السياق كالأعراف مجادلة ~~توجب مماحكة ومماطلة ومعالجة ومطاولة , قال نافيا للإنزال بأي وصف كان : { ~~ما أنزل الله } أي المحيط علما وقدرة . | فلا أمر لأحد معه { بها } وأعرق ~~في النفي فقال : { من سلطان } أي برهان تتسلط به علىتعظيمهما , فانتفى ~~تعظيمها لذاتها أو لغيرها , وصار حاصل الدليل : لوكانوا أحياء يحكمون لم ~~يصلحوا للإلهية , لإمكان تمانعهم المؤدي إلى إمكان عجز كل منهم الملزوم ~~لأنهم لأ صلاحية فيهم للإلهية , لكنهم ليسوا أحياء , فهم أجدر بعدم ~~الصلاحية , فعلم قطعا أنه لا حكم لمقهور , وأن كل من يمكن أن يكون له ثان ~~مقهور ؛ فأنتج هذا قطعا أن الحكم إنما هو لله الواحد القهار , وهو لم يحكم ~~بتعظيمها ؛ وذلك معنى قوله : { إن } أي ما { الحكم إلا لله } أي المختص ~~بصفات الكمال ؛ والحكم : فصل الأمر بما تدعو إليه الحكمة . | ولما انتفى ~~الحكم عن غيره , وكان ذلك كافيا في وجوب توحيده , رغبة فيما عنده , ورهبة ~~مما بيده , أتبعه تأكيدا لذلك وإلزاما به أنه حكم به , فقال : { أمر ألا ~~تعبدوا } أي أيها الخلق في وقت من الأوقات على حال من الأحوال { إلا إياه } ~~أي هو النافذ لأمرالمطاع الحكم . | ولما قام هذا الدليل علىهذا الوجه البين ~~, كان جديرا بالإشارة إلى فضله , فأشار إليه بأداة البعد , تنبيها على علو ~~مقامه وعظيم شأنه فقال : { ذلك ms2368 } أي الشأن الأعظم , وهو توحيده وإفراده عن ~~خلقه { الدين القيم } أي الذي لا عوج فيه فيأتيه الخلل من جهة عوجه , ~~الظاهر أمره لمن كان له قلب { ولكن أكثر الناس } أي لما لهم الاضطراب مع ~~الحظوظ { لا يعلمون } أي ليس لهم علم , لأنهم لا نتفعون بعقولهم , فكأنهم ~~في عداد البهائم العجم , فلأجل ذلك هم لا يفردون الله بالعبادة . | ~~PageV04P042 < < # | يوسف : ( 41 - 42 ) يا صاحبي السجن . . . . . # > > ^ ( يصاحبي السجن أمآ أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل ~~الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان * وقال للذي ظن أنه ناج منهما ~~اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين ) ^ } ) | ~~ولما تم نصحه وعلا قدحه بإلقائه إليهما ما كان أهم لهما لو علما لمآله إلى ~~الحياة الأبدية والرفعة السرمدية . | أقبل على حاجتهما تمكينا لما ذكره ~~وتأكيدا للذي قرره , فناداهما بالأداة الدالة على أن ما بعدها كلام له موقع ~~عظيم لتجتمع أنفسهما لسماع ما يلقى إليهما من التعبير , فقال : { ياصاحبي ~~السجن } أي الذي تزول فيه الحظوظ ويحصل الانكسار للنفس والرقة في القلب ~~فتتخلص فيه المودة . | ولما كان في الجواب ما يسوء الخباز , أبهم ليجوز كل ~~واحد أنه الفائز , فإن ألجأه إلى التعيين كان ذلك عذرا له في الخروج عن ~~الأليق فقال : { أما أحدكما } وهو الساقي فيلخص ويقرب { فيسقي ربه } أي ~~سيده الذي في خدمته { خمرا } كما كان { وأما الآخر } وهو الخباز . | ولما ~~كان الذي له قوة أن يصلب إنما هو الملك , بنى للمفعول قوله : { فيصلب } ~~ويعطب { فتأكل } أي فيتسبب عن صلبه أنه تأكل { الطير من رأسه } والآية من ~~الاحتباك : ذكر ملزوم السلامة والقرب أولا دليلا على العطب ثانيا أولا , ~~وسيأتي شرح تعبيره من التوراة , فكأنه قيل : انظر جيدا ما الذي دليلا على ~~السلامة أولا , وسيأتي شرح تعبيره من التوراة , فكأنه قيل : انظر جيدا ما ~~الذي تقول ! وروى أنهما قالا : ما رأينا شيئا , إنما كنا نلعب , فقال مشيرا ~~بصيغة البناء للمفعول إلى عظمة الله وسهولة الأمور عليه : { قضي الأمر } ~~وبينه بقوله : { الذي ms2369 فيه } أي لا في غيره { تستفتيان } أي تطلبان الإفتاء ~~فيه عملا بالفتوة , فسألتما عن تأويله , وهو تعبير رؤياكما كذبتما أو ~~صدقتما , لم أقله عن جهل ولا غلط . | وما أحسن إيلاء هذا العلم الثابت لختم ~~الآية السالفة بنفي العلم عن الأكثر , والأحد : المختص من المضاف إليه ~~بمبهم له مثل صفة المضاف , ولا كذلك ( البعض ) فلا يصدق : رأيت أحد الرجلين ~~- ألا برجل منهما , بخلاف ( بعض ) والفتيا : الجواب بحكم المعنى , وهو غير ~~الجواب بعلته - ذكره الرماني . | ولعل رؤيتهما تشيران إلى ما تشير إليه ~~رؤيا الملك , فالعصير يشير إلى السنابل الخضر والبقر السمان , لأنه لا يكون ~~إلا عن فضل , والخبز - الذي طارت به الأطيار , وسارت بروح صاحبه الأقدار - ~~يشير إلى اليابسة والعجاف - والله أعلم . | ولما كان كل علم بالنسبة إلى ~~علم الله عدما , عبر عن علمه بالظن , ويمكن أن يكون الظن على بابه لكونه ~~قال ما مضى اجتهادا بقرائن فيؤخذ منه أنه يسوغ الجزم بما PageV04P043 أدى ~~إلى ظن , فقال : { وقال } أي يوسف عليه الصلاة والسلام { للذي ظن } مع ~~الجزم بأنه أراد به العلم لقوله : { قضى الأمر } , ويجوز أن يكون ضمير ( ظن ~~) للساقي , فهو حينئذ على بابه { انه تاج منهما } وهو الساقي { اذكرني عند ~~ربك } أي سيدك ملك مصر , بما رأيت مني من معالي الأخلاق وطهارة الشيم ~~الدالة على بعدي مما رميت به , والمراد بالرب هنا غير المراد به في قوله : ~~< # > 77 ( { أرباب متفرقون } ) 77 < # > [ يوسف : 39 ] . | فنجا الساقي وصلب صاحبه وفق ما قال لهما يوسف عليه ~~الصلاة والسلام { فأنساه } أي الساقي { الشيطان } أي البعيد من الرحمة ~~المحترق باللعنه { ذكر } يوسف عليه الصلاة والسلام عند { ربه } أي بسبب ~~اعتماده عليه في ذلك { فلبث } أي يوسف عليه الصلاة والسلام بسبب هذا ~~النسيان { في السجن } من حين دخل إلى أن خرج { بضع سنين } ليعلم أن جميع ~~الأسباب إنما أثرها بالله تعالى , وحقيقة البضع من الثلاث إلى التسع , ~~والمروي هنا أنه كان سبعا . | ذكر ما مضى من هذه القصة من التوراة قال بعد ~~ما مضى : فأهبط المدينيون يوسف ms2370 إلى مصر , فاشتراه قوطيفر الأمير صاحب شرطة ~~فرعون - رجل مصري - من يد الأعراب الذين اهبطوه إلى هناك , فكان الرب ~~سبحانه وتعالى بعونه مع يوسف , وكان رجلا منجحا , وأقام في منزل المصري ~~سيده , فرأى سيده أن الرب بعونه معه , وأن الرب ينجح جميع أفعالهن فظفر ~~يوسف منه برحمة ورأفة فخدمه , وسلطه على بيته , وخوله جميع ما له , ومن ~~اليوم الذي سلطه على بيته وخوله جميع ما له بارك الرب في بيت المصري من أجل ~~يوسف وفي سببه , فحلت بركة الرب في جميع ما له في البيت والحقل , فخول كل ~~شيء له , ولم يكن يعلم بشيء مما له في يده لثقته به ما خلا الخبز الذي كان ~~يأكله , وكان يوسف حسن المنظر صبيح الوجه . | فلما كان بعد هذه الأمور لمحت ~~امرأة سيده بنظرها إلى يوسف فقالت له : ضاجعني : فأبى ذلك وقال لامرأة سيده ~~: إن سيدي لثقته بي ليس يعلم ما في بيته , وقد سلطني على جميع ما له , وليس ~~في هذا البيت اعظم مني , ولم يمنعني شيئا ما خلاك أنت لأنك امرأته , فكيف ~~أرتكب هذا الشر العظيم , فأخطئي بين يدي الله , وإذا كانت تراوده كل يوم لم ~~يطعها ليضاجعها ويصير معها , فبينا هو ذات يوم دخل يوسف إلى البيت ليعمل ~~عملا ولم يكن أحد من أهل البيت هناك , فتعلقت بقميصه وقالت له : ضاجعني , ~~فترك PageV04P044 قميصه في يدها وهرب , فخرج إلى السوق , فلما رأت أنه قد ~~ترك قميصه في يدها وخرج هاربا إلى السوق , دعت بأهل بيتها وقالت لهم : ~~انظروا , إنه أتانا رجل عبراني ليفضحنا , لأنه دخل علي يريد مضاجعتي , ~~وهتفت بصوت عال , فلما رآني قد رفعت صوتي وهتفت , ترك قميصه في يدي وهرب ~~إلى السوق . | فصيرت قميصه عندها حتى دخل سيدها البيت , فقالت : له مثل هذه ~~الأقاويل : دخل علي هذا العبد العبراني الذي جلبته علينا يريد يفضحني , ~~فلما رفعت صوتي فصحت ترك قميصه في يدي وهرب فخرج إلى السوق ؛ فلما سمع سيده ~~كلام امرأته استشاط غيظا , فأمر به سيده فقذف في الحبس ms2371 الذي كان أسرى الملم ~~فيه محبوسينن فمكث هناك في السجن , وكان الرب يبصره , ورزقه المحبة والرحمة ~~, وألقى له في قلب السجان رحمة , فولى يوسف جميع المسجونين الذين في الحبس ~~, وكل فعل كانوا يفعلونه هناك كان عن أمره , ولم يكن رئيس السجن يضرب على ~~يديه في شيء , لأن الرب كان بعونه معه , وكل شيء كان يفعله ينجحه الرب . | ~~فلما كان بعد هذه الأمور , اذنب صاحب شراب ملك مصر والخباز - وفي نسخة موضع ~~الخباز : ورئيس الطباخين - بين يدي سيدهما ملك مصرن فغضب فرعون على خادميه ~~: على رئيس أصحاب الشراب ورئيس الخبازين - وفي نسخة : الطباخين - فأمر ~~بحبسهما في سجن صاحب الشرط في الحبس الذي كان فيه يوسفن فسلط صاحب السجن ~~يوسف عليهما فخدمهما , فلبثا في السجن أياما , فرأيا رؤيا جميعان كل واحد ~~منهما رئيا بكل في ليلة واحدة , وكل واحد منهما أحب تعبير حلمه , : الساقي ~~وخباز - وفي نسخة : وطباخ - ملك مصر , فدخل عليهما يوسف بالغداة , فرآهما ~~عابسين مكتئبين فسألهما وقال : ما بالكما يومكماهذا عابسي مكتبئين ؟ فقالا ~~له : إنا رأينا رؤيا وليس لها معبر , فقال لهما يوسف : إن علم التعبير عند ~~الله , قصا علي . | فقص رئيس أصحاب الشراب على يوسف وقال له : إني رأيت في ~~الرؤيا كأن حبلة بين يدي , في الحلبة ثلاثة قضبان , فبينا هي كذلك إذ فرعت ~~وبنت ورقها , وأينعت عناقيدها , فصارت عنبا , وكأن كأس فرعون في يدين ~~فتناولت من العنب , فعصرته في كأس فرعون , وناولت الكأس فرعون , فقال له ~~يوسف عليه السلام : هذا تفسير رؤياك : الثلاثة قضبان هي ثلاثة أيام , ومن ~~بعد ثلاثة أيام يذكرك فرعون فيردك على عملك , وتناول فرعون الكأس في يده ~~على العادة الأولى التي لم تزل تسقيه , فاذكرني حينئذ إذا أنعم عليك , ~~وأنعم علي بالنعمة والقسط , فاذكرني بين يدي فرعون , وأخرجني من هذا الحبس ~~, لأني إنما سرقت من أرض العبرانين سرقة , وحصلت في الحبس هاهنا أيضا بلا ~~جرم جاء مني . | فرأى رئيس الخبازين - وفي نسخة : الطباخين - أنه قد فسر ~~تفسيرا PageV04P045 حسنا فقال يوسف : رأيت أنا أيضا في ms2372 منامي كأن ثلاثة ~~أطباق فيها خبز درمك على رأسي , وفي الطبق الأعلى من كل مآكل فرعون مما ~~يصنعه الخباز - وفي نسخة : عمل طباخ حاذق - وكان السباع والطير تأكلها من ~~الطبق من فوق رأسي ؛ فأجاب يوسف وقال له : هذا تفسير رؤياك : ثلاثة أطباق ~~هي ثلاثة أيام , وبعد ثلاثة أيام يأمر فرعون بضرب عنقك وصلبك على خشبة , ~~ويأكل الطير لحمك . | فلما كان اليوم الثالث 0 وهو يوم ولاد فرعون - اتخذ ~~فرعون وليمة , فجمع عبيده وافتقد رئيس أصحاب الشراب ورئيس الخبازين - وفي ~~نسخة : الطباخين - فأمر برد رئيس أصحاب الشراب على موضعه , وسقى فرعون ~~الكأس كعادته , وأمر بصلب رئيس الخبازين كالذي فسر لهما يوسف عليهما الصلاة ~~والسلام , فلم يذكر رئيس أصحاب الشراب يوسف عليه الصلاة والسلام ونسيه . | ~~< < # | يوسف : ( 43 - 44 ) وقال الملك إني . . . . . # > > ^ ( وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات ~~خضر وأخر يابسات يأيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون * ~~قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ) ^ } ) | ولما بطل هذا ~~السبب الذي أمر به يوسف عليه الصلاة والسلام , وهو تذكير الشرابي به , اثار ~~الله سبحانه سببا ينفذ به ما أراد من رئاسته وقضى به من سجود من دلت عليه ~~الكواكب فقال دالا على ذلك : { وقال الملك } وهو شخص قادر واسع المقدور ~~إليه السياسه والتدبير , لملاه وهم السحرة والكهنة والحزرة والقافة ~~والحكماء , وأكد ليعلم أنه محق في كلامه غير ممتحن : { إني أرى } عبر ~~بالمضارع حكاية للحال لشدة ما هاله من ذلك { سبع بقرات سمان } والسمن : ~~زيادة البدن من اللحم والشحم { يأكلهن سبع } أي بقرات { عجاف } والعجف : ~~يبس الهزال { و } إني أرى { سبع } ولما كان تأويل المنام الجدب والقحط ~~والشدة , أضاف العدد إلى جمع القلة بخلاف ما كان في سياق المضاعفة في قوله ~~^ ( { أنبتت سبع سنابل } ) ^ [ البقرة : 261 ] فقال : { سنبلات خضر و } إني ~~أرى سبع سنبلات { أخر يابسات } التوت على الخضر فغلبت عليها , وكأنه حذف ~~هذا لدلالة العجاف عليه ؛ والسنبلة : نبات كالقصبة حملة حبوب منتظمة , ~~وكأنه قيل : فكان ms2373 ماذا ؟ فقيل : قال الملك : { ياأيها الملأ } أي الأشراف ~~النبلاء الذين تملأ العيون مناظرهم والقلوب مخابرهم ومآثرهم { أفتوني } أي ~~أجيبوني وبينوا لي كرما منكم بقوة وفهم ثاقب . | ولما كان مراده أن لا ~~يخرجوا بالجواب عن القصد ولا يبعدوا به , عبر بما يفهم PageV04P046 الظرف ~~فقال : { في رؤياي } ومنعهم من الكلام بغير علم بقوله : { إن كنتم للرؤيا } ~~أي جنسها { تعبرون } وعبارة الرؤيا : تأويلها بالعبور من علنها إلى سرها ~~كما تعبر , من عبر النهر - أي شطه - إلى عبره الآخر , ومثله أولت الرؤيا - ~~إذا ذكرت مالها ومرجعها المقصود بضرب المثال . | والمادة - بتراكيبها الستة ~~: عرب , وعبر , ورعب , وربع , وبعر , وبرع - تدور على الجواز من محل إلى ~~محل ومن حال إلى حال , وأكثر ذلك إلى أجود , فالعرب سموا لأن مبنى أمرهم ~~على الارتحال لاستجادة المنازل , وأعرب - إذا أفصح , أي تكلم بكلام العرب ~~فأبان عن مراده , أي أجازه من العجمة والإبهام إلى البيان , وأعرب الفرس - ~~إذا خلصت عربيته , فكأنه جاز مرتبة الهجن إلى العرب , وكذا الإبل العراب , ~~والعروبة : يوم الجمعة - لعلو قدرها عن بقية الأيام , والعروب : المرأة ~~الضاحكة العاشقة لزوجها المتحببه إليه المظهرة له ذلك , وهي أيضا العاصية ~~لزوجها - لأن كل ذلك أفعال العرب , فهم أعشق الناس وأقدرهم على الاستمالة ~~بالكلام العذب , وهم أعصى الناس وأجفاهم إذا أرادوا , والعرب - ويحرك : ~~النشاط - لأنه انتقال عن الكسل , وقد عرب - كفرح - إذا نشط وإذا ورم , لأن ~~الوارم يتجاوز هيئة غيره , وعربت البئر : كثر ماءها فارتفع , وعرب - كضرب : ~~أكل , والعربة , محركة : النهر الشديد الجري , والنفس - لكثرة انتقالها ~~بالفكر , والعربون : ما عقد به المبايعة من الثمنم فنقل السلعة من حال إلى ~~حال , واستعربت البقر : اشتهت الفحل , إما من العروب العاشقة لزوجها , وإما ~~لنقل الشهوة لها م حال إلى أخرى , وتعرب : أقام بالبادية , مع الأعراب ~~الذين لا يوطنون مكانا , وإنما هم مع الربيع , وعروباء : اسم السماء ~~السابعة - لارتفاعها عن جميع السماوات , فكأنها جازت الكل , ولأن حركتها ~~حركة للكل , والعرب - بالكسر : يبيس البهمي , لأنه صار أهلا للنقل ولو ~~بتطيير الهواء , والعربي : شعير أبيض سنبله حرفان ms2374 - كأنه نسب إلى العرب ~~لجودته , والإعراب : إجراء الفرس ومعرفتك بالفرس العربي من الهجين - ~~لانتقال حال الجهل بذلك إلى حال العلم , وأن لا يلحن في الكلام - كأنه ~~انتقل بذلك من العجمة إلى العربية , وعرب الرجل - بالكسر - إذا أتخم , وكذا ~~الفرس من العلف , ومعدته : فسدت , وجرحه : بقي به أثر بعد البرء , كل ذلك ~~ناقل من حال إلى غيرها , والتعريب : تهذيب المنطق من اللحن - كأنه رفع نفسه ~~إلى العرب , وقطع سعف النخل - لأنه نقلها عن حالها إلى اصلح منه , وأن تكون ~~الدابة على أشاعرها ثم تبزع بمبزع , والتعريب أيضا والإعراب : ما قبح من ~~الكلام , وتقبيح قول القائل كأنه حكم بزوال عربيته , وهما أيضا الرد عن ~~القبيح , وذلك إدخاله في خصال العرب التي هي PageV04P047 معالي الأخلاق , ~~وهما أيضا النكاح , أو التعريض به لأن نقله من حال إلى حال وفعل إلى فعل ~~قولا وعملا , والتعريب : الإكثار من شرب الماء الصافي , واتخاذ فرس عربي , ~~وسما بها عريب , أي أحد يعرب ؛ وعبر الرؤيا - إذا فسرها وأخبر بما يؤول ~~إليه أمرها , كأنه جاز ظاهرها إلى بطن منها , وعبرت الكتاب أعبره عبرأ : ~~تدبرته ولم ترفع به صوتك , وعبرت النهر : قطعته من عبره - أي شطه - إلى ~~عبره , والعبر أيضا : الجانب , لأنه يعبر منه وإليه , والمعبر : سفينة يعبر ~~عليها النهر وشط هيىء للعبور , وعبر القوم : ماتوا , والعبرة - بالكسر : ~~العجب , وبالفتح : المعة قبل أن تفيض - كأن لها قوة الجري , أو هي تردد ~~البكاء في الصدر أو الحزن بلا بكاء , لأن ذلك مبدأ جري الدمع ؛ وفي مختصر ~~العين : وعبرة الدمع : جريه , والعبرة : الدمع نفسه . | والعبر - بالضم ~~ويحرك : سخة العين , والكثير من كل شيء , وبالجماعة - لأن ذلك جوازعن حد ~~القلة , ولأنهم يجيزون ما شاؤوا , ومجلس عبر - بالكسر والفتح : كثير الأهل ~~- من ذلك , وأيضاهو أهل لأن يعبر بجماعته من حال إلى حال , وبامرأة مستعبرة ~~- وتفتح الباء : غير محظية , أي هي أهل لجري العبرة , وناقة عبر أسفار - ~~مثلثة قوية , وعبرت عن الرجل فتكلمت عنه - كأنك عبرت من خاطره إلى خاطر ~~المخاطب , وعبرت الدنانير تعبيرا : وزنتها ولم ms2375 تبالغ في وزنها - كأنك عبرت ~~من الجهل بمقدارها إلى الظن , أو عابر سبيل , أحي مار ؛ والشعري : العبور : ~~نجم خلف الجوزاء , والعبور : الجذعة من الغنم - لأنها جازت سنة وتأهلت ~~العبورمع الغنم وكانت في عدادها , والعبور : لأقلف - لأن كمرته عابرة في ~~قلفته , وغلام معبر : لم يختن , ورجل عبر : كاد أن يحتلم ولم يختن بعد , أي ~~كاد أن يصيرإلى خذ البالغين على هذه الحال , وهي أن كمرته عابرة في قلفته , ~~وعبر به الأمر تعبيرا : اشتد عليه - كأنه جاز من حالة الرخاء إلى الشدة ~~وعبرت به أهلكته , والمعبرة - بالتخفيف : ناقة لم تنتج ثلاث سنينن فيكون ~~أصلب لها - لأنها صارت أهلا لأن يعبر عليها في الأسفار , والعبير ضرب من ~~الطيب - لعبور ريحه , والزعفران - لعبور لونه وريحه , والعبرى : السدر ~~النهري - لنباته في عبر النهر , والمعبر من الجمال : الكثير الوبر , ومن ~~الشاء : التي لم تجز - كأنه لجواز الصوف عن حد جلدهما , وسهم معبر وعبير : ~~كثير الريش - كأنه عبر عن حد العادة , والعبر - بالضم : الثكلى , لأنها أهل ~~لإرسال العبرة , والسحاب التي تسير شديدا , والعقاب - لقوتها على قطع ~~المسافات , ونبات عبر : الكذب والباطل - لسرعة زواله ؛ ورعبت فلانا : ~~أفزعته , فهو مرعوب - لأنك أجزته من الأمن إلى الخوف , وسيل راعب : أي يملأ ~~الوادي , وراعب : أرض , منها الحمام الراعبية , والحمام أيضا لها قوة ~~العبور بالرسائل من مكان إلى مكان , PageV04P048 ورعبت الحمامة في صوتها ~~ترعيبا : رفعته , ورعبت السنام : قطعته , والرعبوبة : قطعة منه - لأنها ~~جازت مكانها , وجارية رعبوبة ورعبوب : حسنة القوام تامة - كأنها جازت ~~أقرانها حسنا , والرعب : القصار , واحدهم رعيب وأرعب , تشبيه بالقطعة من ~~السنام ؛ والبعر : رجيع الخف والظلف إلا البقر الأهلية , لأنها تخثى , ~~والوحشية تبعر بعرا - لأنه يجوز من مكانه من غير أن يلوثه , فلا يبقى منه ~~به شيء , والمعبر , مكانه , والبعير : الجمل البازل أو الجذع , وقد يكون ~~الحمار وكل ما يحمل ؛ وفي مختصر العين : وإذا رأت العرب ناقة أو جملا من ~~بعيد قالوا : هذا بعيرن فإذا عرفوا قالوا للذكر : جمل , وللأنثى : ناقة , ~~والبعرة - بالتحريك : الكمرة , تشبيها بها , والربع : المنزل والدار بعينها ~~, والمحلة ms2376 - لأنها يخرج منها ويدخل إليها , ولذلك سميت متبوأ , لأنها يتبوأ ~~إليها , أي يرجع , وربع يربع : أقام , وأربع على نفسك : انتظر , كأنه من ~~الربع , أي المنزل , لأنه يقام فيه : وربع - إذا أخصب - للانتقال من حال ~~إلى حال أخرى , وهم على ربعاتهم , أي استقامتهم وأمرهم الأول - كأنه من ~~المنزل , و الروبع - كجوهر : الضعيف الدنيء - كأن ذلك يلزم من الإقامة في ~~المنزل , وبهاء : قصير العرقوب , والرجل القصير - كأنه تشبيه بالربعة في ~~مطلق القصر عن الطويل , وربع الحجر : رفعه , والحمل : رفعه على الدابة , ~~والمربوع : المنعوش المنفس عنه - لتحول الحال في كل ذلك , والمربعة : خشبة ~~يرفع بها العدل , والمرابعة : أن تأخذ يد صاحبك وترفعا الحمل على الدابة - ~~كأنه مع النقل مأخوذ من الأربعة , وهي أيضا المعادلة بالربيع , ومنه تربعت ~~الناقة سناما طويلا , أي حملته , وربيع الشهور : شهران بعد صفر , وربيع ~~الفصول اثنان الذي فيه النور والكمأة , والذي تدرك فيه الثمار - للانتقال ~~في كل منهما , والربع - كصرد : الفصيل ينتج في الربيع , وناقة مربع : ذات ~~ربع , وأربع القوم : صاروا أربعة , ودخلوا في الربيع , وأقاموا في المربع , ~~وربعت الأرض : أصابها مطر الربيع , والمرابيع : الأمطار أول الربيع , وأربع ~~الرجل - إذا ولد له في شبابه , تشبيها للشباب بالربيع , وناقة مرباع - إذا ~~كانت عادتها أن تنتج في ربعية القيظ , والربعية : أول الشتاء , والربيع : ~~الجدول - لجريه وإنبات ما حوله , وجمعه أربعاء , والحجر يشيلونه لتجربة ~~القوى , والرابع تلو الثالث - لأنه جاز الجمع , ووتر وحبل مربوع : مفتول ~~على أربع قوى , وربعت القوم أربعهم : صرت رابعهم , والأربعاء : يوم , ~~والمرباعك ربع الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس , والرباعية - كثمانية : السن ~~بين الثنية والناب , وعدتها أربع , وكل ما بلغ الأربعة رباع كثمان , ويقول ~~للغنم في الرابعة وللبقر والحافر في الخامسة وللخف في السابعة : أربعت , ~~كأنه لا يجوز في كل نوع من حد الصغرإلى الكبرإلا بذلك , وأربع الفرس : ~~PageV04P049 ألقى رباعيته , وحمى ربع : تأتي في اليوم الرابع , وقد ربع ~~الرجل وأربع , وهو معنى ما قال في القاموس : روبعته الحمى : أخذته الحمى ~~يوما بعد يومين , لأن يومها الثاني هو رابع يومها ms2377 الأول , والرابعة - ~~بالفتح : جونة العطار - لتضوع ريحها , والرجل بين الطويل والقصير - ويحرك - ~~كالمربوع , لجوازه حد كل منهما , هذا إلى الطول , وهذا إلى القصر , وارتبع ~~: صار ربعة , والربعة - محركة : أشد عدو الإبل , والمسافة بين أثافي القدر ~~- لعبور كل منهما عن محل صاحبتهما , وأربع ماء الركية : كثر , فجاز عن محله ~~الأول , وعلى فلان : سأله ثم ذهب ثم عادوه , وعلى المرأة : كر إلى جماعها , ~~والقوم إبلهم مكان كذا : رعوها وأرسلوها على الماء ترد متى شاءت , ويجوز أن ~~يكون هذا أيضا من الربيع , وأربعت الناقة - إذا استغلقت رحمها فلم تقبل ~~الماء , كأنها أزالت العبور , أي الانتقال من حال إلى أخرى , والربيعة : ~~البيضة من السلاح - لنقلها صاحبها إلى الحصانة , والروضة - لجواز النبت ~~فيها عن حد الأرض , والمربع : شراع السفينة - لأنه آلة السير , والمربع : ~~الرجل الكثير النكاح - لعبوره عن حالة الأولى , ولجلوسه بين الشعب الأربع , ~~وتربع في جلوسه ضد جثا , إما لأنه صار على شكل المربع , وإما أخذا من الربع ~~إلى المنزل , لأنها جلسة المقيم في منزله , وتربعت النخيل : خرقت وصرمت - ~~لتحول حالها , واستربع الرمل : تراكم , إما لجوازه عن حاله الأولى , وإما ~~من الإقامة في الربع , واستربع الغبار , ارتفع , والبعير للمسير : قوى عليه ~~وصبر , والرجل بالأمر : استقل وصبر , وفلان يقيم رباعة قومه , أي شأنهم ~~وحالهم أي يجيزهم من حال إلى أخرى , ومضى من بني فلان ربوع بعد ربوع , أي ~~أحياء بعد أحياء , إما لأن ذلك جواز من دار إلى دار وحال إلى حال , وإما ~~على حذف مضاف , أي أهل ربوع منازل , واليربوع : دابة كالفأرة , إما لشدة ~~جريها , وإما لجعلها نافقاءين تهرب من أيهما شاءت , فهي عبارة منتقلة ~~بالقوة وإن كانت ساكنة , واليربوع : لحمة المتن - كأنه مشبه بالدابة ؛ وبرع ~~الرجل - مثلثة : فاق أصحابه في علم أوغيره , أو تم في كل فضيلة وجمال , ~~وهذا أبرع منه : أضخم - لأنه جاز مقداره , والبارع : الأصيل الجيد الرأي , ~~وتبرع بالعطاء : تفضل بما لا يجب عليه من عند نفسه كأنه جاز رتبة الواجب - ~~والله أعلم . | وفي الآية ما يوجبه حال العلماء من حاجة ms2378 الملوك إليهم , ~~فكأنه قيل : فما قالوا ؟ فقيل : { قالوا } هذه قبضه حشيش مختلطة الرطب ~~باليابس { أحلام } مختلفة مشتبهة , جمع حلم . | بضم الحاء وإسكان اللام ~~وضمه , وهو الرؤيا - فقيدوها بالأضغاث , وهو ما يكون من الرؤيا باطلا - ~~لكونه من حديث النفس أو سوسة الشيطان , لكونها تشبه أخلاط النبات ~~PageV04P050 التي لا تناسب بينها , لأن الرؤيا تارة تكون من الملك وهي ~~الصحيحة , وتارة تكون من تحريف الشيطان وتخليطاته , وتارة من حديث النفس ؛ ~~ثم قالوا : { وما نحن } أي بأجمعنا { بتأويل } أي ترجيع { الأحلام } أي ~~مطلق الأضغاث وغيرها , وأعرقوا في النفي بقولهم : { بعالمين } فدلسوا من ~~غير وجه , جمعوا - وهي حلم واحد - ليجعلوها أضغاثا لا مدلول لها , ونفوا عن ~~أنفسهم ( العلم المطلق ) المستلزم لنفي ( العلم بالمقيد ) بعد أن أتوا ~~بالكلام على هذه الصورة , ليوهموا أنهم ما جهلوها إلا لكونها أضغاثا - ~~والله أعلم ؛ والقول : كلام متضمن بالحكاية في البيان عنه , فإذا ذكر أنه ~~قال , اقتضى الحكاية لما قال , وإذا ذكر أنه تكلم , لم يقتض حكاية لما تكلم ~~به , ومادة ( حلم ) بجميع تقاليبها تدور على صرف شيء عن وجهه وعادته وما ~~تقتضيه الجبلة - كما يأتي في الرعد في قوله : ^ ( { شديد المحال } ) ^ [ ~~الرعد : 13 ] . | < < # | يوسف : ( 45 - 47 ) وقال الذي نجا . . . . . # > > ^ ( وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون * ~~يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر ~~وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون * قال تزرعون سبع سنين دأبا ~~فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ) ^ } ) | ولما كان هذا ~~حالا مذكرا للساقي بيوسف عليع الصلاة والسلام - أخبر سبحانه بأنه ذكره بعد ~~نسيانه , فقال عادلا عن الفاء إيذانا بأنه من الملا : { وقال الذي نجا } أي ~~خلص من الهلاك { منهما } أي من صاحبي السجن , وهو الساقي { و } الحال أنه { ~~ادكر } - بالمهملة , أي طلب الذكر - بالمعجمة , وزنه افتعل { بعد أمة } من ~~الأزمان , أي أزمان مجتمعة طويلة { أنا أنبئكم } أي أخبركم إخبارا عظيما { ~~بتأويله } أي بتفسير ما يؤول إليه معنى هذا الحلم وحده كما ms2379 هو الحق , وسبب ~~عن كلامه قوله : { فأرسلون } رضي الله عنهما : ولم يكن السجن في المدينة , ~~فأتاه فقال الساقي المرسل بعد وصوله إليه مناديا له بالنداء القرب تحببا ~~إليه : { يوسف } وزاد في التحبب بقوله : { أيها الصديق } أي البليغ في ~~الصدق والتصديق لما يحق تصديقه بما جربناه منه ورأيناه لائحا عليه { أفتنا ~~} أي اذكر لنا الحكم { في سبع } وميز العدد بجمع السلامة الذي هو للقلة - ~~كما مضى لما مضى - فقال : { بقرات سمان } أي رآهن الملك { يأكلهن سبع } أي ~~من البقر { عجاف } أي مهازيل جدا { و } في { سبع سنبلات } جمع سنبلة , وهي ~~مجمع الحب من الزرع { خضر و } في سبع { أخر } أي من السنابل { يابسات } ~~وساق جواب السؤال سياق الترجي إما جريا على العوائد العقلاء في عدم البت في ~~الأمور المستقبلة , PageV04P051 وإما لأنه ندم بعد إرساله خوفا من أن يكون ~~التأويل شيئا لا يواجه به الملك , فعزم على الهرب - على هذا التقدير , وإما ~~استعجالا ليوسف عليه الصلاة والسلام بالإفتاء ليسرع في الرجوع , فإن الناس ~~في غاية التلفت إليه , فقال : { لعلي أرجع إلى الناس } قبل مانع يمنعني . | ~~ولما كان تصديقهم ليوسف عليه الصلاة والسلام وعلمهم بعد ذلك بفضله وعملهم ~~بما أمرهم به مظنونا , قال : { لعلهم يعلمون } أي ليكونوا على رجاء من أن ~~يعلموا فضلك أو ما يدل ذلك عليه من خير أو شر فيعلموا لكل حال ما يمكنهم ~~عمله , فكأنه قيل : فما قال له ؟ فقيل : { قال } : تأويله أنكم { تزرعون } ~~أي توجدون الزراعة . | فهو إخبار بمغيب , فهو أقعد في معنى الكلام , ويمكن ~~أن يكون خبرا بمعنى الأمر { سبع سنين دأبا } أي دائبين مجتهدين - والدأب : ~~استمرار الشيء على عادته - كما أشارت إليه رؤياك بعصر الخمر الذي لا يكون ~~إلا بعد الكفاية , ودلت عليه رؤيا الملك للبقرات السمان و السنابل الخضر , ~~والتعبير بذلك يدل على أن هذه السبع تكون - كما تعرفون - من أغلب أحوال ~~الزمان في توسطه بخصب أرض وجدب أخرى , وعجز الماء عن بقعة وإغراقه لأخرى - ~~كما أشار إليه الدأب : ثم أرشدهم إلى ما يتقوون به ms2380 على ما يأتي من الشر , ~~فقال : { فما حصدتم } أي من شيء بسبب ذلك الزرع - والحصد : قطع الزرع بعد ~~استوائه - في تلك السبع الخصبة { فذروه } أي اتركوه على كل حال { في سنبه } ~~لئلا يفسد بالسوس أو غيره { إلا قليلا مما تأكلون } قال أبو حيان : أشار ~~برأي نافع بحسب طعام مصر وحنطتها التي لا تبقى عامين بوجه إلا بحيلة ~~إبقائها في السنبل - انتهى . | < < # | يوسف : ( 48 - 51 ) ثم يأتي من . . . . . # > > ^ ( ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما ~~تحصنون * ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون * وقال الملك ~~ائتوني به فلما جآءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم * قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن ~~حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته ~~عن نفسه وإنه لمن الصادقين ) ^ } ) | ولما أتم المشورة , رجع إلى بقية ~~عبارة الرؤيا , فقال : { ثم يأتي } ولما كانت مدة الإتيان غير مستغرقة ~~لزمان البعد , أتى بالجار فقال : { من بعد ذلك } أي الأمرالعظيم , وهي ~~السبع التي تعلمون فيها هذا العمل { سبع } أي سنون { شداد } بالقحط العظيم ~~, وهن ما أشارت إليه رؤيا صاحبك الذي طار برزقه الطيور , وسار بروحه غالب ~~المقدور , PageV04P052 ودلت عليه رؤيا الملك من البقرات العجاف والسنابل ~~اليابسات { يأكلن } أسند الأكل إليهن مجازا عن أكل أهلهن تحقيقا للأكل { ما ~~قدمتم } أي بالادخار من الحبوب { لهن } والتقديم : التقريب إلى جهة القدام ~~, وبشرهم بأن الشدة تنقضي ولم يفرغ ما أعدوه , فقال : { إلا قليلا مما ~~تحصنون } والإحصان : الإحراز , وهو إلقاء الشيء فيما هو كالحصن المنيع - ~~هذا تعبير الرؤيا , ثم زادهم على ذلك قوله : { ثم يأتي } وعبر بالجار لمثل ~~ما مضى فقال : { من بعد ذلك } أي الجدب العظيم { عام } وهو اثنا عشر شهرا , ~~ونظيره الحول والسنة , وهو مأخوذ من العلوم - لما لأهله فيه من السبح ~~الطويل - قاله الرماني . | والتعبير به دون مرادفاته إشارة إلى أنه ms2381 من ~~المعلوم أنه لا يقدر عليها إلا الله , قال بانيا للمفعول : { يغاث الناس } ~~من الغيث وهو المطر , أو من الغوث وهو الفرج , ففي الأول يجوز بناءه من ~~ثلاثي ومن رباعين يقال غاث الله الأرض وأغاثها : أمطرها , وفي الثاني هو ~~رباعي خاصةن يقال : استغاث به فأغاثه , من الغوث وهو واوي , ومعناه النفع ~~الذي يأتي على شدة حاجته بنفي المضرة , والغيث يائي وهو المطر الذي يأتي في ~~وقت الحاجة { وفيه } أي ذلك العام الحسن . | ولما كان العصر للأدهان وغيرها ~~لا يكون إلا عن فضله , قال : { يعصرون } أي يخرجون عصارات الأشياء ~~وخلاصاتها , وكأنه أخذ من انتهاء القحط ابتداء الخصب الذي دل عليه العصر في ~~رؤيا السائل , والخضرة والسمن في رؤيا الملك فإنه ضد القحط , وكل ضدين ~~انتهاء أحدهما ابتداء الآخر لا محالة , فجاء الرسول فأخبر الملك بذلك , ~~فأعجبه ووقع في نفسه صدقه { وقال الملك } أي الذي العزيز في خدمته { ائتوني ~~به } لأسمع ذلك منه وأكرمه , فأتاه الرسول ليأتي به إلى الملك { فلما جاءه ~~} أي يوسف عليه الصلاة والسلام عن قرب من الزمان { الرسول } بذلك وهو ~~الساقي { قال } له يوسف : { ارجع إلى ربك } أي سيدك الملك { فاسأله } بأن ~~تقول له مستفهما { ما بال النسوة } ولوح بمكرهن به ولم يصرح , ولا ذكر ~~امرأة العزيز كرما وحياء فقال : { التي قطعن أيديهن } أي ما خبرهن في مكرهن ~~الذي خالطني , فاشتد به بلائي فإنهن يعلمن أن امرأة العزيز ما دعتهن إلا ~~بعد شهادتين بأنها راودتني , ثم اعترفت لهن بأنها راودتني , وأني عصيتها ~~أشد عصيان , فإذا سألهن بان الحق , فإن ربك جاهل بأمرهن . | ولما كان هذا ~~موطنا يسأل فيه عن علم ربه سبحانه لذلك , قال مستأنفا مؤكدا لأنهم عملوا في ~~ذلك الأمر بالجهل عمل المكذب بالحساب الذي هو نتيجة العلم : { إن ~~PageV04P053 ربي } أي المدبر لي والمحسن إلي ما أتقلب فيه من شدة ورخاء { ~~بكيدهن } لي حين دعونني إلى طاعة امرأة العزيز { عليم } وأنا لا أخرج من ~~السجن حتى يعلم ربك ما خفي عنه أمرهن الذي علمه ربي , لتظهربراءتي على ms2382 رؤوس ~~الأشهاد مما وصموني به من السجن الذي من شأنه أن لا يكون إلا عن جرم , وإن ~~لم تظهر براءتي لم ينقطع عني كلام الحاسدين , ويوشك أن يسعوا في حط منزلتي ~~عند الملك , ولئلا يقولوا : ما لبث هذا السجن إلا لذنب عظيم فيكون في ذلك ~~نوع من العار لا يخفي , وفي هذا دليل على أن السعي في براءة العرض حسن , بل ~~واجب , وأخرج الكلام على سؤال عن علم ما لم يعلم يهيجه ويلهبه إلى البحث ~~عنه , بخلاف سؤاله في أن يفتش لغيره , ليعلم ذلك الغير , فأراد بذلك حثه ~~لأن يجد في السؤال حتى يعلم الحق , ليقبل بعد ذلك جميع ما حدثه به ؛ والكيد ~~: الاحتيال في إيصال الضرر . | وإنما فسرت ( بال ) بذلك لأن مادته - يائية ~~بتراكيبها الخمسة : بلى , وبيل , ولبى , وليب , ويلب , وواوية بتراكيبها ~~الستة : بول , وبلو , وولب , ووبل , ولوب , ولبو , ومهموزة - بتراكيبها ~~الأربعة : لبأ , وبأل , وأبل وألب - تدور على الخلطة المحيلة المميلة , ~~وكأن حقيقتها البلاء بمعنى الاختبار والامتحان والتجربة , ويكون في الخير ~~والشر , أي خالطه بشيء يعرف منه خفي أمره ؛ قال القزاز : والفتنة تكون في ~~الشر خاصة , والبلاء : النعمة , من قولك : أبليته خيرا - إذا اصطنعته عنده ~~, وقد تقدم في سورة الأنفال شيء من معاني المادة , وناقة بلو سفر وبلى سفر ~~- إذا أنضاها السفر , وإذا كانت قوية عليه , والبلوى : البلية , وأبليت ~~فلانا عذرا , أي جئت فيما بيني وبينه ما لا لوم فيه , أي خالطته بشيء أزال ~~اللوم , والبلية : دابة كانت تشد في الجاهليةة عند قبر صاحبها ولا تعلف ولا ~~تسقي حتى تموت , ويقال : الناس بذي بلى وبذي بليان , أي متفرقين , كأن ~~حقيقته أنه حل بهم صاحب خلطة شديدة فرقت بينهم , وبلى الشيء - بالكسر بلى ~~مقصورا وبلاء ممدودا - إذا فنى وعطب , وبلى فلان بكذا - مبينا للمفعول , ~~وابتلى به - إذا أصابه ذلك ؛ والبول : ولد الرجل , والعدد الكثير , ~~والانفجار , وضد الغائط , ولا ريب أن كلا من ذلك إذا خالطه الحيوان أحال ~~حاله ؛ والبال : الاكتراث والفكروالهم , ومن ذلك عندي : ما باليت به : لم ~~أكترث به ms2383 , وكذا ما أباليه بالة , وهي مصدر منه , ولم أبال به , ولم أبل , ~~ولكنهم قلبوه من : باولت به , لئلا يلتبس بالبول - والله أعلم , وحقيقتهما ~~: ما استعملت بالي الذي هو فكري فيه وإن أعمل هو فكره في أمري , أي إنه أقل ~~من أن يفكر في أمره , ومن المعلوم أن الفكر محل الخلطة المميلة , والبال : ~~المر الذي يعتم به في أرض الزرع - لمشقة العمل به , والبال : سمكة غليظة ~~تسمى جمل PageV04P054 البحر - لأن من خالطته أحالت أمره , والبال : رخاء ~~العيش , والحال , والبالة : القارورة - كأنها من البول , والجراب , ووعاء ~~الطيب , والولب : الوصل , ولبت الشيء : وصلته , وولب هو : وصل ودخل وأسرع , ~~والوالب : الذاهب في وجهه - كأنه خالطه من الهم ما حمله على ذلك , وولب ~~الزرع - إذا صارت له والبة , وهي أفراخ تولدت من أصوله , والوالبة : نسل ~~القوم , ونسل المال , والوالبة : سريع النبات ؛ ولاب يلوب - إذا عطش , ~~واللابهك الحرة , وهي مكان ذو حجارة سود كبيرة متصلة صلبة حسنة , فمن ~~خالطها أتعبته وأعطشته / وبها سميت الإبل السود المجتمعة , والصمان , ~~واللابة : شقشقة البعير , وهي شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج - ~~كأنها هي التي أهاجته , والملاب : ضرب من الطيب , والزعفران , والملوب - ~~كمعظم - من الحديد : الملوى , واللوب - بالضم : البضعة التي تدور في القد - ~~لأنها تغير ما في القدربدورانها , واللواب أيضا : اللعاب , والأب : عطشت ~~إبله , واللبوة : أنثى الأسد ؛ والوابل : المطر الكثير الشديد الوقع الضخم ~~القطر , والوابلة : نسل الإبل والغنم , ورأس العضد الذي في الحق , وما التف ~~من لحم الفخذ , والموابلة : نسل الإبل والغنم , ورأس العضد الذي في الحق , ~~وما تضرب به الإبل , ووبل الصيد : طرد حثيث شديد , بالنعجة وبلة شديدة - ~~إذا أرادت الفحل , والوبال : الشدة وسوء العاقبة , وهو من الشدة والثقل , ~~وأصابه وبل الجوع , أي جوع شديد , والوبيل : المرعى الوخيم , واستوبلت ~~الأرض - إذا لم توافقك في مطمعك وإن كنت محبا لها , وهي من الوبيل - للطعام ~~الذي لا يشتهي , والوبيل من العقوبة : الشديدة , وهو أيضا العصا , وخشبة ~~القصار التي يدق بها الثياب بعد الغسل , وخشبة صغيرة يضرب بها الناقوس , ~~والحزمة من ms2384 الحطب ؛ وبلى : حرف يجاب بها الكلام الداخل على كلام منفي ~~فتحيلة إلى الإثبات بخلاف ( نعم ) فإنه يجاب بها الكلام الموجب , وتأتي ( ~~بلى ) في النفي من غير استفهام , يقال : ما أعطيتني درهما , فنقول : بلى ؛ ~~ولبى من الطعام - كرضى : أكثرمنه , واللباية - بالضم : شجر الأمطى ؛ ~~واللياب - بتقديم التحتانية وزن سحاب : أقل من ملء الفم ؛ واليلب - محركة : ~~الترسة , ويقال : الدرق , والدروع من الجلود , أو جلود يخرز بعضها إلى ~~البعض , تلبس على الرؤوس خاصة , والعظيم من كل شيء , والجلد ؛ والأبيل - ~~كأمير : العصا , والحزين - بالسريانية , ورئيس النصارى , أو الراهب , أو ~~صاحب الناقوس , صنيع مختصر العين يقتضي أن همزته زائدة , وصيغ القاموس أنها ~~أصلية , وعلى كلا التقديرين هو من مدار المادة , فإن من خالطته العصا غيرته ~~, وكذا الرئيس ؛ ومن مهموزة اللبأ - كضلع : أول اللبن , وهو أحق الأشياء ~~بالإحالة , وألبأ الفصيل : شدة إلى رأس الخلف - أي حلمة ضرع الناقة - ~~PageV04P055 ليرضع اللبأ , ولبأت وهي ملبئ : وقع اللبأ في ضرعها , ولا ذلك ~~إلا بما يخالطها , فيحيل ذلك منها , واللبء - بالفتح : أول السقي , وهو أشد ~~مما في الأثناء في الخلطة والإحالة , وبهاء : الأسدة , وخلطتها محيلة ~~للذكور من نوعها , ولغيرها بالنفرة منها , وكذا اللبوة - بالواو , وعشار ~~ملابي - كملاقح : دنا نتاتجها , وهو واضح في الإحالة : ولبأت الشاة ولدها ~~وألبأته : أرضعته اللبأ , ولبأت الشاة والتبأتها : حلبت لبأها ؛ والبيئل - ~~كأمير : الصغير الضعيف , بؤل - ككرم , ويقال ضئيل بئيل ؛ والإبل - بكسرتين ~~وتسكن الباء - معروف , واحد يقع على الجمع , ليس بجمع ولا اسم جمع , جمعه ~~آبال , الإحالة في خلطتها بالركوب والحمل وغيرهم واضحة , والإبل : السحاب ~~الذي يحمل ماء المطر , وهو ظاهر في ذلك , وتأبل عن امرأته : امتنع عن ~~غشيانها - من الإزالة , ونسك : أي امتنع عن خلطة الدنيا المحيلة , وبالعصا ~~: ضرب , ومن خالطته العصا أحالته , وأبل العشب أبولا : طال , فاستمكن منه ~~الإبل , وهو ظاهر في الإحالة , والإبالة - كالإجانة : القطعة من الطير ~~والخيل والإبل أو المتتابعة منها , من نظر شيئا من ذلك أحاله عن حاله , ~~وكأمير : العصا , ورئيس النصارى , أو الراهب , أو صاحب الناقوس , وكل ذلك ~~واضح في الإحالة , والإبل ms2385 - بالضم الباء : الحزمة من الحشيش , وخلطتها ~~محيلة لما يأكلها , والإبالة - ككتابة : السياسة , وهي في غاية الإحالة لمن ~~خولط بها , والأبلة - كفرحة : الحاجة والطلبة , وهي معروفة في ذلك , ~~والمباركة في الإبل , وإنه لا يأتبل : لا يثبت على رعية الإبل ولايحسن ~~مهنتها , أو لا يثبت عليها راكبا , أي إنه سريع التأثير والإحالة من خلطتها ~~, وتأبيل الإبل : تسمينها , أي مخالطتها بما أحالها , والإبلة - بالكسر : ~~العداوة , وإحالتها معروفة , بالضم - العاهة , وهي كذلك , وبالفتح أو ~~بالتحريك : الثقل والوخامة والإثم كذلك , وتأبيل الميت : تأبينه , أي ~~الثناء عليه بعد موته , وهو يهيج الحزن عليه , وجاء في إبالته - بالكسر , ~~وأبلته - بضمتين مشددة : أصحابه , ولا شك أن من جاء كذلك أحال من أتاه , ~~وضغث على إبالة كإجانة ويخفف : بلية على أخرى , أو خصب على خصب - كأنه ضد , ~~وهو واضح الإحالة , وأبلت الإبل تأبل أبولا وأبلا : جزأت - أي اكتفت - ~~بالرطب عن الماء , والرطب بضمتين : الإخضر منالبقل والشجرأو جماعة العشب ~~الأخضر , والأبول : الإقامة في المرعى , ولاشك في أن من خالطه ذلك أحاله ؛ ~~وألب إليه القوم : أتوه من كل جانب , وذلك محيل , وألب الإبل : ساقها , ~~والإبل : انساقت وانضم بعضها إلى بعض , والحمار طريدته : طردها شديدا , ~~وجمع , واجتمع , وأسرع , وعاد , والإحاة في كل ذلك ظاهرة , والسماء : دام ~~مطرها , أي فأحال الأرض وأهلها , والتألب كثعلب : المجتمع منا PageV04P056 ~~ومن حمر الوحش والوعل , وهي بهاء , وما كان كذلك أحال ما خالطه , والإلب - ~~بالكسر : الفتر , وشجرة كالأترج سم , وذلك ظاهر في الإحالة , وبالفتح : ~~نشاط الساقي , وميل النفس إلى الهوى , والعطش , والتدبير على العدو من حيث ~~لا يعلم , ومسك السخلة , والسم , والطرد الشديد , وشدة الحمى والحر , ~~وابتداء برء الرمل , وكل ذلك ظاهر الإحالة , وريح ألوب : باردة تسفي التراب ~~, ورجل ألوب : سريع إخراج الدلو , أو نشيط , فمن خالطه أحاله , وهم عليه ~~ألب وإلب واحد : مجتمعون عليه بالظلم والعداوة , وذلك محيل لا شك فيه , ~~والإلبة بالضم : المجاعة , وبالتحريك : اليلبة , والتأليب : التحريض ~~والإفساد , وكل ذلك ظاهر في الإحالة , وكذا المئلب - للسريع , والألب : ~~الصفو , وهو محيل , والألب - بالتحريك : اليلب , وقد مضى أنها ms2386 الترسة - ~~والله أعلم . | ولما قال يوسف عليه الصلاة والسلام ذلك وأبى أن يخرج من ~~السجن قبل تبين الأمر , رجع الرسول إلى الملك فأخبره بما قال عليه الصلاة ~~والسلام فكأنه قيل : فما فعل الملك ؟ فقيل : { قال } للنسوة بعد أن جمعهن : ~~{ ما خطبكن } أي شأنكن العظيم ؛ وقوله : { إذ راودتن } أي خادعتن بمكر ~~ودوران ومراوغة { يوسف عن نفسه } دليل على أن براءته كانت متحققة عند كل من ~~علم القصة , فكأن الملك وبعض الناس - وإن علموا مراودتهن وعفته - ما كانوا ~~يعرفون المراودة هل هي لهن كلهن أو لبعضهن , فكأنه قيل : ما قلن ؟ فقيل : ~~مكرن في جوابهن إذ سألهن عما عملن من السوء معه فأعرضن عنه وأجبن بنفي ~~السوء عنه عليه الصلاة والسلام , وذلك أنهن { قلن حاش لله } أي عياذا ~~بالملك الأعظم وتنزيها له من هذا الأمر , فأوهمن بذلك براءتهن منه ؛ ثم ~~فسرن هذا العياذ بأن قلن تعجبا من عفته التي لم يرين مثلها , ولا وقع في ~~أوهامهن أن تكون لآدمي وإن بلغ ما بلغ : { ما علمنا عليه } أي يوسف عليه ~~الصلاة والسلام , وأعرقن في النفي فقلن : { من سوء } فخصصنه بالبراءة , ~~وهذا كما تقدم عند قول الملأ { أضغاث أحلام } هذا هو جواب للملك الذي تبهر ~~رؤيته وتخشى سطوته , فكان من طبع البلد عدم الإفصاح في المقال - حتى لا ~~ينفك عن طروق احتمال فيكون للتفصي فيه مجال - وعبادة الملوك إلا من شاء ~~الله منهم . | ولما تم ذلك , كان كأنه قيل : فما قالت التي هي أصل هذا ~~الأمر ؟ فقيل : { قالت امرأت العزيز } مصرحة بحقيقة الحال : { الئان حصحص ~~الحق } أي حصل على أمكن PageV04P057 وجوهه , وانقطع عن الباطل بظهوره , من ~~: حص شعره . | إذا استأصل قطعه بحيث ظهر ما تحته , ومنه الحصة : القطعة من ~~الشيء , ونظيره : كب وكبكب , وكف وكفكف , فهذه زيادة تضعيف , دل عليه ~~الاشتقاق وهو قول الزجاج - قاله الرماني . | ووافقه الرازي في اللوامع وقال ~~: وقال الأزهري : هو من حصحص البعير : أثرت ثفناته في الأرض إذا برك حتى ~~تستبين آثارها فيه { أنا راودته } أي خادعته وراودته { عن نفسه } وأكدت ms2387 ما ~~أفصحت به مدحا ونفيا لكل سوء بقولها مؤكدا لأجل ما تقدم من إنكارها : { ~~وإنه لمن الصادقين } أي العريقين في هذا الوصف ف نسبة المراودة إلي وتبرئة ~~نفسه , فقد شهد النسوة كلهن ببراءته , وإنه لم يقع منه ما ينسب به شيء من ~~السوء إليه , فمن نسب إليه بعد ذلك هما أو غيره فهو تابع لمجرد الهوى في ~~نبي من المخلصين . | < < # | يوسف : ( 52 - 56 ) ذلك ليعلم أني . . . . . # > > ^ ( ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين * ~~ومآ أبرىء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم * ~~وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين * قال اجعلني على خزآئن الأرض إني حفيظ عليم * وكذلك مكنا ليوسف في ~~الأرض يتبوأ منها حيث يشآء نصيب برحمتنا من نشآء ولا نضيع أجر المحسنين ) ^ ~~} ) | ولما انجلى الأمر , أمر الملك بإحضاره , ليستعين به فيما إليه من ~~الملك , لكن لما كانت براءة الصديق أهم من ذلك - وهي المقصود من رد الرسول ~~- قدم بقية الكلام فيها عليه , وليكون كلامه في براءته متصلا بكلام النسوة ~~في ذلك , والذي دل على أن ذلك كلامه ما فيه من الحكم التي لا يعرفها في ذلك ~~الزمان غيره , فقال - بناء على ما تقديره : فلما رجع الرسول إلى يوسف عليه ~~الصلاة والسلام فأخبره بشهادتين ببراءته قال - : { ذلك } أي الخلق العظيم ~~في تثبتي في السجن إلى أن تبين الحق { ليعلم } العزيز علما مؤكدا { أني لم ~~أخنه } أي في أهله ولا في غيرها { بالغيب } أي والحال أن كلا منا غائب عن ~~صاحبه { و } ليعلم بإقرارها وهي في الأمن والسعة , وتثبتي وأنا في محل ~~الضيق والخوف ما من شأنه الخفاء عن كل من لم يؤيده الله بروح منه من { إن ~~الله } أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال { لا يهدي } أي يسدد وينجح بوجه ~~من لوجوه { كيد الخائنين } أي العريقين في الخيانة , بل لا بد أن يقيم سببا ~~لظهور الخيانة وإن اجتهد الخائن في التعمية ms2388 ؛ والخيانة : مخالفة الحق بنقض ~~العهد العام . | وضدها الأمانة , والغدر : نقضه حاصا , والمعنى أني لما كنت ~~بريئا سدد الله أمري , وجعل عاقبتي إلى خير كبير وبراءة تامة , ولما كان ~~غيري خائنا , أنطقه الله بالإقرار بها . | PageV04P058 ولما كان ذلك ربما ~~جر إلى الإعجاب , قال : { وما ابرىء } أي تبرئة عظيمة { نفسي } عن مطلق ~~الزلل وإن غلبه التوفيق والعصمة , أي لم أقصد بالبراءة عما تقدم مجرد ~~التزكية للنفس , وعلل عدم التبرئة بقوله - مؤكدا لما لأكثر الناس من ~~الإنكار , أو لأن اتباعهم لأهويتهم فعل من ينكر فعل الأمارة - : { ن النفس ~~} أي هذا النوع { لأمارة } أي شديدة الأمر { بالسوء } أي هذا الجنس دائما ~~لطبعها على ذلك في كل وقت { إلا ما } أي وقت أن { رحم ربي } بكفها عن الأمر ~~به أو بستره بكفها عن فعله بعد إطلاقها على الأمر به , أو إلا ما رحمة ربي ~~من النفوس فلا يأمر بسوء ؛ ثم علل ذلك بقوله مؤكدا دفعا لظن من يظن أنه لا ~~توبة له : { إن ربي } أي المحسن إلي { غفور } أي بليغ الستر للذنوب { رحيم ~~} أي بليغ الإكرام لمن يريد . | ولما أتم ما قدمه مما هو الأهم - من نزاهة ~~الصديق , وعلم الملك ببراءته وما يتبعها - على ما كان قلبه من أمر الملك ~~بإحضاره إليه , أتبعه إياه عاطفا له على ما كان في نسقه من قوله { قال ما ~~خطبكن } فقال : { وقال الملك } صرح به ولم يستغن بضميره كراهية الإلباس لما ~~تخلل بينه وبين جواب امرأة العزيز من كلام يوسف عليه الصلاة والسلام , ولو ~~كان الكل من كلامها لا ستغنى بالضمير ولم يحتج إلى إبرازه { ائتوني به ~~أستخلصه } أي أطلب وأوجد خلوصه { لنفسي } أي فلا يكون لي فيه شريك , قطعا ~~لطمع العزيز عنه , ودفعا لتوهم أنه يرده إليه , ولعل هذا هو مراد يوسف عليه ~~الصلاة والسلام بالتلبث في السجن إلى إنكشاف الحال , خوفا من أن يرجع إلى ~~العزيز فتعود المرأة إلى حالها الأولى فيزداد البلاء . | ولما كا ن التقدير ~~: فرجع رسول الملك إليه فأخبره أن الملك سأل النسوة فقلن ms2389 ما مضى , وأمر ~~بإحضاره ليستخلصه لنفسه , فقال يوسف عليه الصلاة والسلام ما تقدم من تلك ~~الحكم البالغة , وأجاب أمر الملك فأتى إليه بعد أن دعا لأهل السجن فقال : ~~اللهم ! عطف عليهم قلوب الأخيار ولا تعم عليهم الأخبار , وكتب على باب ~~السجن : هذه منازل البلوى , وقبور الأحياء , وبيوت الأحزان , وتجربة ~~الأصدقاء , وشماتة الأعداء . | ثم اغتسل وتنظف ولبس ثيابا جددا وقصد إليه , ~~عطف عليه بالفاء - دليلا على إسراعه في ذلك - قوله : { فلما كلمه } وشاهد ~~الملك فيه ما شاهد من جلال النبوة وجميل الوزارة وخلال السيادة ومخايل ~~السعادة { قال } مؤكدا تمكينا لقوله دفعا لمن يظن أنه بعد السجن وما قاربه ~~لا يرفعه هذه الرفعة : { إنك اليوم } وعبر بما هو لشدة الغرابة تمكينا ~~للكلام أيضا فقال : { لدينا مكين } أي شديد المكنة , من المكانة , وهي حالة ~~يتمكن بها صاحبها من مراده { أمين } من الأمانة , وهي حال يؤمن معها نقض ~~العهد , وذلك أنه PageV04P059 قيل : إن الملك كان يتكلم بسبعين لسانا فكلمه ~~بها , فعرفها كلها , ثم دعا للملك بالعبراني , فلم يعرفه الملك فقال له : ~~ما هذا اللسان ؟ قال : لسان آبائي , فمعظم عنده جدا , فكأنه قيلك فما قال ~~الصديق ؟ فقيل : { قال } ما يجب عليه من السعي في صلاح الدين والدنيا { ~~اجعلني } قيما { على خزائن الأرض } أي أرض مصر التي هي لكثرة خيرها كأنها ~~الأرض ؛ ثم علله بما هو مقصود الملوك الذي لا يكادون يقفون عليه فقال : { ~~إني حفيظ } أي قادر عل ضبط ما إلي أمين فيه { عليم } أي بالغ العلم بوجوه ~~صلاحه واستنمائه فأخبر بما جمع الله له من أداتي الحفظ والفهم , مع ما يلزم ~~الحفظ من القوة والأمانة , لنجاة العباد مما يستقبلهم من السوء , فيكون ذلك ~~سببا لردهم عن الدين الباطل إلى الدين الحق . | ولما سأل ما تقدم , قال ~~معلما بأنه بتسخير الله له : { وكذلك } أي مثل ما مكنا ليوسف في قلب الملك ~~من المودة والاعتقاد الصالح وفي قلوب جميع الناس , ومثل ما سأل من التمكين ~~{ مكنا } أي بما لنا من العظمة { ليوسف في الأرض } أي مطلقا ms2390 لا سيما أرض ~~مصر بتولية ملكها إياه عليها { يتبوأ } أي يتخذذ منزلا يرجع إليه , من باء ~~- إذا رجع { منها حيث يشاء } بإنجاح جميع مقاصده , لدخولها كلها تحت سلطانه ~~. | لتبقى أنفس أهل المملكة وما ولاها على يدهن فيجوز الأجر وجميل الذكر مع ~~ما يزيد يه من علو الشأن وفخامة القدر , فكأنه قيل : لم كان هذا ؟ فقال : ~~لأمرين : أحدهما أن لنا الأمر كله { نصيب } على وجه الاختصاص { برحمتنا } ~~بما لنا من العظمة { من نشاء } من مستحق فيما ترون وغيره , لا نسأل عما ~~نفعل , وقد شئنا إصابة يوسف بهذا , والثاني أنه محسن يعبد الله فانيا عن ~~جميع الأغيار { و } نحن { لا نضيع } بوجه { أجر المحسنين } أي العريقين في ~~تلك الصفة وإن كان لنا أن نفعل غير ذلك ؛ روى أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد ~~الحكم في أول فتوح مصر من طريق الكلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ~~فأتاه الرسول فقال : ألق عنك ثياب السجن , والبس ثيابا جددا , وهو يومئذ ~~ابن ثلاثين سنة , فلما أتاه رأى غلاما حدثا فقال : أيعلم هذا رؤياي ولا ~~يعلمها السحرة والكهنة ! وأقعده قدامه ثم قال : قال عثمان - يعني ابن صالح ~~- وغيره في حديثهما : فلما استنطقه وسايله عظم في عينه , وجل أمره في قلبه ~~, فدفع إليه خاتمة وولاه ما خلف بابه - ورجع إلى ابن عباس قال : وضرب ~~بالطبل بمصر أن يوسف خليفة الملك ؛ وعن عكرمة أن فرعون قال ليوسف : قد ~~سلطتك على مصر غير أني أريد أن أجعل كرسي أطول من كرسيك بأربع أصابع ! قال ~~يوسف : نعم . | PageV04P060 < < # | يوسف : ( 57 ) ولأجر الآخرة خير . . . . . # > > ^ ( ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ) ^ } ) | ولما كان ~~هذ مما يستعظمه الناس في الدنيا , وكان عزها لا يعد في الحقيقة إلا إن كان ~~موصولا بنعيم الآخرة , نبه على ما له في الآخرة مما لا يعد هذا في جنبه ~~شيئا , فقال مؤكدا لتكذيب الكفرة بذلك : { ولأجر الآخرة خير } ولما كان ~~سياق الأحكام على وجه عام لتعليقها بأوصاف يكون السياق مرغوبا فيها أو ~~مرهبا منها أحسن وأبلغ ms2391 , قال : { للذين آمنوا } أي أوجدوا هذا الوصف { ~~وكانوا } أي بجبلاتهم { يتقون * } أي يوجدون الخوف من الله واتخاذ الوقايات ~~منه إيجادا مستمرا , وهو من أجلهم حظا وأعلاهم كعبا - كما تقدم بيانه مما ~~يدل على كمال إيمانه وتقواه . | ولما كان من المعلوم أن من هذه صفاته يقوم ~~بما وليه أتم قيام وينظر فيه أحسن نظر , كان كأنه قيل : فجعله الملك على ~~خزائن الأرض فدبرها بما أمره الله به وعلمه حتى صلح الأمر وجاء الخير وذهب ~~الشر , وإنما طوى هذا للدلالة عليه بلوازمه من قصة إخوته التي هي المقصودة ~~بالذات - كما سيأتي , وقد فهم من هذه القصة أن الغالب على طبع مصر الرداءة ~~: بغض الغريب , واستذلال الضعيف , والخضوع للقوي , فإنهم أساؤوا إليه ~~بالسجن بعد تحقق البراءة , ثم عفا عنهم وأحسن إليهم بما استبقى به مهجهم , ~~ثم أعتقهم بعد أن استرقهم , ورد إليهم أموالهم بعد أن استأصلها بما عنده من ~~الغلال , فجزوره على ذلك بأن استعبدوا أولاده وأولاد إخوته بعده وساومهم ~~سوء العذاب , وأدل دليل على أن هذا طبع البلد أن بني إسرائيل لما خرجوا مع ~~موسى عليه الصلاة والسلام وخلصهم من جميع ذلك الذل وشرفهم بما شرفهم الله ~~به من الآيات العظام والكتاب المبين , كانوا كل قليل ينكثون مجترئين على ما ~~لا يطاق الاجتراء عليه , وإذا أمرهم عن الله بأمر جنبوا عنه - كما مضى ذلك ~~عن التوراة في الأعراف والبقرة وغيرهما , فعاقبهم الله بالتيه , وكان ~~يسميهم الجيل المعوج - لما علم من سوء طباعهم , حتى مات كل من نشأ بأرض مصر ~~, ثم صار أولادهم يمثلون الأوامر حتى ملكوا ما وعد الله به آباءهم من ~~البلاد , وقد ذكر ذلك في زبور داود عليه الصلاة والسلام في غير موضع , منها ~~في المزمور الرابع والتسعين : هلموا نسجد ونركع ونخضع أمام الرب خالقنا , ~~لأنه إلهنا ونحن شعب رعيته , وضأن ماشيتهن اليوم إذا سمعتم صوته فلا تقسو ~~قلوبكم وتسخطوه كمثل السخط يوم التجربة في البرية حيث جربني آباؤكم , ~~فأحصوا أعمالي ونظروها , أربعين سنة مقت ذلك الجيل وقلت : هو شعب ms2392 في كل حين ~~يطغون بقلوبهم , فلم يعتدوا لسلبي كما أقسمت بزجزي أنهم لا يدخلون راحتي . ~~| آباؤنا بمصر لم يفهموا عجائبك , ولم يذكروا كثرة رحمتك حين أغضوك وهم ~~صاعدون من البحر الأحمر , PageV04P061 فنجيتهم باسمك لتظهر عجائبك , زجر ~~البحر الأحمر فجف , أجازهم في اللجج كأنهم في البر , خلصهم من أيدي الأعداء ~~, وأنقذهم من أيدي المبغضين , وأطلق الماء على مبغضيهم فلم يبق منهم واحد , ~~فآمنوا بكلامه , ومجدوا بسبحته . | ثم أسرعوا فنسوا أعماله , ولم ينتظروا ~~إرادته , اشتهوا شهوة في البرية , جربوا الله حيث لا ماء , فأعطاهم سؤلهم , ~~وأرسل شبعا لنفوسهم , أغضبوا موسى في المعسكر وهارون قديس الرب , انفتحت ~~الأرض , وابتلعت داثان , وانطبقت على جماعة بيرون , واشتعلت النار في ~~محافلهم , وأحرق اللهيب الخطأة , صنعوا عجلا في حوريب , وسجدوا للمنحوت , ~~وبدلوا مجدهم بشبه عجل يأكل عشبا , ونسوا الله الذي نجاهم , وصنع العظائم ~~بمصر والعجائب في أرض حام , والمهولات في البحر الأحمر , قال : إنه يهلكهم ~~لولا موسى صفيه قام بين يديه ليصرف سخطه , لئلا يستأصلهم , ورذلوا الأرض ~~الشهيه , ولم يؤمنوا بكلمته , وتقمقموا في مضاربهم , ولم يسمعوا قول الرب , ~~فرفع يده عليهم ليهلكهم في البرية , ويفرق ذريتهم في الأمم , ويبددهم في ~~البلدان , لأنهم قربوا لباعل فاغور , وأكلوا ضحايا ميتة , وأسخطوه بأعمالهم ~~, وكثر الموت فيهم بغتة , فقام فنحاس واستغفر لهم , فارتفع الموت عنهم , ~~فحسب ذلك برا لجيل بعد جيل إلى الأبد , ثم أسخطوه على ماء الخصام , وتألم ~~موسى لأجلهم , وأغضبوا روحه , وخالفوا كلام شفتيه , ولم يستأصلوا الأمم ~~الذين أمرهم الرب , واختلطوا بالشعوب وتعلموا أعمالهم , فكانت عشرة لهم , ~~ذبحوا بنيهم وبناتهم للشياطين , وضحوا لأصنام كنعان , ودنسوا الأرض بالدماء ~~, وتنجسوا بأعمالهم , وزنوا بأفعالهم , فاشتد غضب الرب على شعبه , ورذل ~~ميراثه , فأسلمهم في أيدي الشعوب , وسلط عليهم شناتهم , واستعبدهم أعداؤهم ~~وخضعوا تحت أيديهم , مرارا كثيرة بجاهم , وهم يسخطونه بأفكارهم , وذلوا ~~بسيئاتهم - انتهى ؛ على أنك إذا تأملت وجدت أن الله تعالى يعلي كعب الغريب ~~الذي يستذلونه ويحل سعده ويؤثل مجده - كما فعل بيوسف عليه الصلاة والسلام ~~بعد السجن وببني إسرائيل بعد الاستعباد , وهو ms2393 نعم المولى ونعم النصير ! ~~فليحذر الساكن بها من أن يغلب عليه طبعها فيتصف بكل ذلك من قلة الغيرة وبغض ~~الغريب , والجرأة في الباطل استصناعا ومداهنة , والجبن في الحق , وكمال ~~الذل للجبارين , والمجمجة في الكلام , بأن لا يزال يتعهد نفسه بأوامر الله ~~ويحملها على طاعته , واتباع رسوله ومحبته , والنظر في سيرته وسير أتباعه , ~~والتعشق لذلك كله , حتى يصير ه طبعا يسلخه من طبع البلد , كما فعل عبادها , ~~وأهل الورع منها وزهادها - أعاذنا الله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا , ~~ونسأله أن يختم لنا بالصالحات , وأن يجعلنا من الذين لا خوف عليهم أبدا . | ~~PageV04P062 ذكر ما مضى بعدما تقدم من هذه القصة من التوراة : قال : فلما ~~كان بعد سنتين رأى فرعون رؤيا كأنه واقف على شاطىء البحر , وكأن سبع بقرات ~~صعدن من بحر النيل حسنات المنظر سمينات اللحوم , يرعين في المرج , وكأن سبع ~~بقرات صعدن خلفهن من النيل قبيحات المنظر وحشيات مهزولات اللحوم , فوقفن ~~إلى جانب البقرات السمان على شاطىء النهر , فابتلع البقرات القبيحات ~~الحسنات المنظر السمينات , فهب فرعون من سنته , ورقد أيضا فرأى ثاني مرة ~~كأن سبع سنبلات طلعن في قصبة واحدة ممتلئة سمانا , وكأن سبع سنبلات مهزولات ~~ضربهن ريح السموم - وفي نسخة : القبول - نبتن بعدهن , فبلغ السنبل المهزول ~~السبع سنبلات الممتلئات , فاستيقظ فرعون فآذته رؤياه , فلما كان بالغداة ~~كربت نفس فرعون , فأرسل فدعا جميع السحرة وكل حكماء مصر , فقص عليهم رؤياهن ~~فلم يوجد إنسان يفسرها لفرعون . | فتكلم رئيس أصحاب الشراب بين يدي فرعون و ~~قال : إني ذكرت يومي هذا ذنبي عند غضب فرعون على عبده , فقذفني في محبس ~~صاحب الشرطة , فحبست أنا ورئيس الخبازين - وفي نسخة : الطباخين - فرأينا ~~جميعا رؤيا في ليلة واحدة , رأى كل أمرىء منا كتفسير رؤياه , وكان معنا ~~هناك في الحبس فتى عبراني عند صاحب الشرطة فقصصنا عليه ففسر أحلامنا , وعبر ~~لكل منا على قدر رؤياه , وكل الذي فسر لنا كذلك أصابنا , أما أنا فردني ~~الملك إلى موضعي , وأما ذلم فأمر بصلبه . | فأرسل فرعون فدعا يوسف عليه ~~الصلاة والسلام ms2394 , فأحضروه من السجنن فحلق شعره وغير ثيابه , ودخل فوقف بين ~~يدي فرعون , فقال فرعون ليوسف عليه الصلاة والسلام : إني رأيت رؤيا وليس لي ~~من يفسرها , وقد بلغني عنك أنك تسمع الرؤيا فتفسرها بأحسن تأويل ! فأجاب ~~يوسف عليه الصلاة والسلام فقال لفرعون : ألعلك تخال إني أجيب فرعون بسلام ~~عن غير أمر الله تعالى . | فقال فرعون ليوسف : إني رأيت في الرؤيا كأني ~~واقف على شاطىء النهر , وكأن سبع بقرات طلعن من النهر حسنات المنظر بعدهن ~~سمجات قبيحات المنظر مهزولات اللحم جدا , لم أر على هزالها في جميع أرض مصر ~~, فابتلعت البقرات المهزولات الضعيفات القبيحات أولئك السبع بقرات السمان , ~~فدخلهن أجوافهن , فلم يتبين دخولهن , وكأن منظرهن قبيحا كالذي كان من قبل , ~~فانتبهت فاضطجعت فرأيت أيضا في الرؤيا كأن سبع سنبلات حسنات في قصبة واحدة ~~ممتلئة سمانا حسانا , وكأن سبع سنبلات مهزولات ضربهن ريح السموم نبتن خلفهن ~~, فابتلع السنبل المهزول الضعيف السبع سنبلات الممتلئات الحسان , فقصصت ذلك ~~على السحرة , فلم أجد من يبين . | PageV04P063 فقال يوسف عليه الصلاة ~~والسلام لفرعون : الرؤيا يا فرعون واحدة , أطلع الله فرعون على ما هو مزيع ~~أن يفعله , السبع بقرات الحسان والسبع سنبلات الحسان هي سبع سنين : خير , ~~الرؤيا واحدة , والسبع بقرات الضعيفات المهزولات اللاتي صعدان بعدهن والسبع ~~سنبلات المهزولات اللاتي ضربها ريح السموم تكون سبع سنين : جوع , وهذا ~~القول الذي قلت لفرعون . | إن الله أظهر ما هو مزمع عتيد أن يفعله , وها ~~هذه سبع سنين يأتي الشبع والخصب العظيم جميع أرض مصر , ويأتي بعدها سبع ~~سنين أخر يكون فيها الجوع , وينسى جميع الشبع , والخصب الذي كان في جميع ~~أرض مصر , فيبيد أهل الأرض من الجوع من أجل الغم الذي يأتي من بعد لكثرته ~~وشدته , وإنما أعيدت الرؤيا لفرعون ثاني مرة , لأن الأمر معد بين يدي الرب ~~, والله معجل فعله . | والآن فلينظر فرعون رجلا حكيما فهما . | فيوليه أرض ~~مصر , فيقاسم أهل مصر على الخمس في السبع السنين , فيجمعوا جميع أفقال هذه ~~السنين الخصبة الآتية , ويخزنوا الأفقال تحت يدي فرعون , ويحفظ ms2395 القمح في ~~القرى , وليكن الفقل معدا محفوظا لأهل مصر لسبع سني الجوع المزمع أن يكون ~~في جميع أرض مصر , ولا يبيد أهل الأرض بالجوع . | فحسن هذا القول عند فرعون ~~وعند عبيده , فقال فرعون لقواده : هل يوجد مثل هذا الرجل الذي روح الله حال ~~فيه ؟ ثم قال فرعون ليوسف عليه الصلاة والسلام : إذا أطلعك الله على هذا ~~كله , ليس أحد منها مثلك , أنت المسلط على بيتي , وعن أمرك وقولي فيك يقبل ~~جميع الشعب , وإنما أنا أعظم منك بالمنبر فقط , وقال فرعون ليوسف : انظر ~~فقد وليتك جميع أرض مصر , وخلع فرعون خاتمه من خنصره , فوضعه في خنصر يوسف ~~عليه الصلاة والسلام , وألبسه ثياب كتان , وطوقه بطوق من ذهب , وحمله على ~~بعض مراكبه , ونادى بين يديه : هذا أب ومسلط , وسلطانه على جميع أرض مصر , ~~ثم قال فرعون ليوسف عليه الصلاة والسلام : إني قد أمرت أن لا يكون أحد يشير ~~بيديه أو يخطو بقدميه دون أمرك في جميع أرض مصر . | ودعا فرعون اسم يوسف : ~~موضح الخفايا , زوجه بأسنة - وفي نسخة : بأسنات - بنت قوطفيرع إمام ~~إسكندرية - وفي نسخة : حبر وان - فخرج يوسف عليه واليا على جميع أرض إمام ~~مصر , وكان قد أتى على يوسف ثلاثون سنة إذ وقف بين يدي فرعون , فطاف في ~~جميع أرض مصر . | وأغلت الأرض في جميع السبع سني الخصب , ملأ الخزائن وجمع ~~الأقفال في القرى , جمع قمح حقول كل قرية وما أحاط بها فخزنة فيها , وخزن ~~يوسف عليه الصلاة PageV04P064 والسلام من الأققال مثل كثيب - وفي نسخة : ~~رمل البحر - كثيرا جدا حتى أعيى إحصاء ذلك فصار غير محصى . | فولد ليوسف ~~عليه الصلاة والسلام ابنان قبل دخول سنة الجوع , ولدت له أسنة - وفي نسخة : ~~أسنات - نبت قوطيفرع حبر وان - وفي نسخة : إمام إسكندرية - فدعا يوسف عليه ~~الصلاة والسلام اسم ابنه بكر منشا , لأنه قال : إن الله أنساني حميع تعبي - ~~وفي نسخة : شقائي - وما كان منه في بيت أبي , وسمى الآخر أفراثيم , وقال : ~~لأن الله كثرني في أرض تعبدي , فنفدت سنو الشبع الذي كان ms2396 في أرض مصر , ~~وبدأت سنو الجوع ليأتي كما قال يوسف عليه الصلاة والسلام , فكان الجوع في ~~جميع أرض مصر , ولم يوجد الخبز في جميع أرض مصر , فجاع جميع أهل مصر , فضج ~~الشعب على فرعون من أجل الخبز , فقال فرعون لجميع المصريين : انطلقوا إلى ~~يوسف عليه الصلاة والسلام فافعلوا جميع ما يأمركم به . | < < # | يوسف : ( 58 - 66 ) وجاء إخوة يوسف . . . . . # > > ^ ( وجآء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون * ولما جهزهم ~~بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير ~~المنزلين * فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون * قالوا سنراود ~~عنه أباه وإنا لفاعلون * وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم ~~يعرفونهآ إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون * فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا ~~يأبانا منع منا الكيل فأرسل معنآ أخانا نكتل وإنا له لحافظون * قال هل ~~آمنكم عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم ~~الراحمين * ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يأبانا ما ~~نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك ~~كيل يسير * قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن ~~يحاط بكم فلمآ آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل ) ^ } ) | ولما كان ~~المعنى - كما تقدم : فجعل إليه خزائن الأرض , فجاءت السنون المخصبة , ~~فدبرها بما علنه الله , ثم جاءت السنون المجدبة فأجدبت جميع أرض مصر وما ~~والاها من بلاد الشام وغيرها , فأخرج ما كان ادخره من غلال سبع سنين ~~بالتدريج أولا فأولا - كما حد له { العليم الحكيم } فتسامع به الناس فجاؤوا ~~للامتيار منه من كل أوب { وجاء إخوة يوسف } العشرة لذلك , وحلف أبوهم ~~بنيامين أخا يوسف عليه السلام لأمه عنده , ودل على تسهيله إذنهم بالفاء ~~فقال : { فدخلوا عليه } أي لأنه كان PageV04P065 يباشر الأمور بنفسه كما هو ~~فعل الكفاة الحزمة , لا يثق فيه بغيره { فعرفهم } لأنه كان مرتقبا لحضورهم ~~لعلمه بجدب بلادهم وعقد همته بهم . | مع ms2397 كونه يعرف هيئاتهم في لباسهم وغيره ~~, ولم يتغير عليه كبير من حالهم . | لمفارقته إياهم رجالا { وهم له منكرون ~~* } ثابت إنكارهم عريق فيهم وصفهم به , لعدم خطورة ببالهم لطول العهد , مع ~~ما تغير عليهم من هيئته بالسن وانضاف إليه من الحشم والخدم واللباس وهيئة ~~البلد وهيبة الملك وعز السلطان , وغير ذلك مما ينكر معه المعروف , ويستوحش ~~لأجله من المألوف , وفق ما قال تعالى < # > 77 ( { لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون } ) 77 < # > [ يوسف : 15 ] والدخول : الانتقال إلى محيط , والمعرفة : تبين الشيء ~~بالقلب بما لو شوهد لفرق بينه وبين غيره مما ليس على خاص صفته . | ولما كان ~~المعنى في قوة أن يقال : فطلبوا منه الميرة فباعهم بعد أن استخبرهم عن ~~أمرهم , وقال لهم : لعلكم جواسيس ؟ وسألهم عن جميع حالهم . | فأخبروه ~~بأبيهم وأخيهم منه , ليعلم صلاحهم ولا يظن أنهم جواسيس , عطف عليه قوله : { ~~ولما جهزهم } أي يوسف عليه الصلاة والسلام { بجهازهم } الذي جاؤوا له وقد ~~أحسن إليهم ؛ والجهاز : فاخر المتاع الذي يحمل من بلد إلى بلد { قال } أي ~~لهم { ائتوني } أيها العصابة { بأخ لكم } كائن { من أبيكم } يأتي برسالة من ~~أبيكم الرجل الصالح حتى أصدقكم , أو أنهم طلبوا منه لأخيهم حملا , فأظهر ~~أنه لم يصدقهم , وطلب إحضاره ليعطيه , فإنه كان يوزع الطعام على قدر ~~الكفاية ؛ ثم رغبهم بإطماعهم في مثل ما فعل بهم من الإحسان , وكانقد أحسن ~~نزلهم , فقال مقررا لهم بما رأوا منه : { ألا ترون } أي تعلمون علما هو ~~كالرؤية { أني أوفي الكيل } أي أتمه دائما على ما يوجبه الحق { وأنا خير ~~المنزلين * } أضع الشيء في أولى منازله . | ولما رغبهم , رهبهم فقال : { ~~فإن لم تأتوني به } أي بأخيكم أول قدمة تقدمونها { فلا كيل لكم } وعرفهم ~~أنه لا يمنعهم من غيره فقال : { عندي ولا تقربون * } ومع ذلك فلم يخطر ~~ببالهم أنه يوسف , فكأنه قيل : فما قالوا ؟ فقيل : { قالوا سنراود } أي ~~بوعد لا خلف فيه حين نصل { عن أباه } أي نكلمه فيه وننازعه الكلام ونحتال ~~عليه فيه , ونتلطف في ذلك , ولا ندع جهدا ؛ ثم أكدوا ms2398 ذلك - بعد الجملة ~~الفعلية المصدرة بالسين - بالجملة الاسمية المؤكدة بحرفي التأكيد , فقالوا ~~: { وإنا لفاعلون * } أي ما أمرتنا به والتزامناه , وقد مضى عند { وراودته ~~} أن المادة - يائية وواوية بهمز وبغير همز - تدور على الدوران , ومن ~~لوازمه القصد والإقبال والإدبار والرفق والمهلة , وقد مضى بيان غير مهموز , ~~وأما المهموز فمنه درأه , أي دفعه - لأن المدفوع PageV04P066 يرد إلى ~~الموضع الذي أتى منه , والمدارأة : المدافعة والمنازعة مطلقا , أي سواء ~~كانت برفق أو بعنف , ثم فقصرت على الملاينة , ويلزم من الدفع حلول المدفوع ~~في موضع لا يريده بغتة , ومنه : درأ علينا , أي خرج مفاجأة , قال القزاز : ~~وأصله من قولهم : جاء السيل درأ , أي يدرأ بعضه بعضا , وهو الذي يأتي من ~~مكان لا يعلم به , واندرأ فلان علينا بالشر - إذا أتى به من حيث لم ندر , ~~والدرء : النشوز , وهو من الدفع , وكوكب دريء : متوقد متلألىء - كان نوره ~~يدفع بعضه بعضا , ومنه درأت النار : أضاءت , واندرأ الحريق : انتشر , ودرأ ~~الشيء : بسطه - لأن المبسوط لا يخلو عن دفع , وتدارؤوا : تدافعوا في ~~الخصومة . | ودرأ البعير : أغد , ومع الغدة ورم في ظهره , وناقة دارىء : ~~مغدة , وذلك لأن الغدة ملزومة للدفع , لا تنفك عنه بالقتب والركب وغيرهما , ~~وكل ناتىء في الجسد هذا شأنه , ومنه الدرء : لقطعة من الجبل مشرقة , وناقة ~~مدرىء : أنزلت اللبن وأرخت ضرعها عند النتائج - كأنها دفعتهما , وادرأت ~~الصيد - على ( افتعلت ) : اتخذت له دريئة , وقد تقدمت ( الدرية ) في الواوي ~~, ومنه : ادرأت فلانا - ذا اعتمدته , والدرء : الميل والعوج - لأنه أهل لأن ~~يدفع ليقوم , وطريق ذو دروء , أي كور وأخاقيق أي شقوق - فكأنها صاحبها عن ~~القصد , وتدرؤوا عليهم : تطاولوا - لأن ذلك لا يخلو عن مدافعة كالنشوز , ~~ويلزم الدفع القوة , ومنه رجل ذو تدرا , أي منعه وقوة , ورادته بكذا - ~~بتقديم الراء : جعلته قوة له وعمادا يدافع عنه , والردء : العون والمادة ~~والعدل الثقيل - لأنه يدافع ليعتدل , وردأ الحائط : دعمه , وردأه بحجر : ~~رماه به , لأنه إذا أصابه دفعه , والإبل : أحسن القيام عليها , لأن ذلك لا ~~يكون إلا بالمدافعة , وأردأ الستر : أرخاه , بدفعه له من ms2399 المكان الذي كان ~~به , وأردأه الولد : سكنه وأنسه , فدفع الهم عنه , وأردأ الشيء : أقره - ~~كأنه لسلب الدفع , وكذا أردأه أي أفسده , إما بأنه لم يدافعه بإحسان القيام ~~عليه فأفسده , أو أنه زاد في الدفع حتى فسد , ومن ذلك أردأ - إذا فعل رديئا ~~, أي فعلا فاسدا ليس بجيد , وكأن من ذلك الأدارة - بالضم ساكنة وتحرك - وهي ~~عظم الخصيتين في الناس والخيل ؛ ومن التدافع : ترأدت الحية : اهتزت في ~~انسيابها ورفعت رأسها , والريح : اضطربت - فكأن بعضها يدفع بعضا , ومنه رأد ~~الضحى : ارتفاعه , وترأد الضحى : ارتفع , وكذلك الجارية الرأدة والرؤد - ~~بالضم , أي الناعمة , وقال القزاز : السريعة الشباب مع حسن غذاء , وقال ابن ~~دريد : جارية رأدة - غير مهموز : كثيرة المجيء والذهاب , فإذا قلت : جارية ~~رؤدة فهي الناعمة . | فإذا فسرت بالذهاب والمجيء فهو من الدوران الذي هو ~~المدار , وإذا فسرت بالناعمة فهو من الاضطراب اللازم له , وغصن رؤد - بالضم ~~: رطب - من ذلك , قال القزاز : وأحسب PageV04P067 الجارية الناعمة إنما ~~سميت رؤدا من هذا , وترأد : اهتز نعمة , وزيد : قام فأخذته رعدة , والغصن : ~~تفيأ , والعنق : التوى - كله من الدوران وما يلزمه من الاضطراب , ورئد ~~الإنسان : صديقه , لأنه يراوده ويداوره , والرأدة : أصل اللحى , وهو أصول ~~منبت الأسنان , وهو العظم الذي يدور فيه طرفا اللحيين مما يلي الصدغين ؛ ~~ومن الرفق والمهلة : الرؤدة - بالضم , وهي التؤدة . | ولما أعلمنا سبحانه ~~أنه رغبهم في شأن أخيه , ورهبهم بالقول , أعلمنا بأنه رغبهم فيه بالفعل , ~~فقال عاطفا على قوله الماضي لهم : { وقال } أي يوسف عليه الصلاة والسلام ~~شفقة على إخوته وإرادة لنصحهم فيما سألهم فيه : { لفتيانه } أي غلمانه , ~~وأصل الفتى : الشاب القوي , وسيأتي شرحه عند قوله تعالى : { تفتؤا تذكر ~~يوسف } { اجعلوا بضاعتهم } أي ما بضعوه أي قطعوه من مالهم للتجارة وأخذناه ~~منهم ثمنا لطعامهم الذي دفعناه لهم { في رحالهم } أي عدولهم ؛ والرحل : ما ~~أعد للرحيل من وعاء أو مركب { لعلهم يعرفونها } أي بضاعتهم ؛ وعبر بأداة ~~التحقق تفاؤلا لهم بالسلامة , أو ظنا , أو علما بالوحي , فقال : { إذا ~~انقلبوا } راجعين { إلى أهلهم } أي يعرفون أنها هي بعينها , رددتها ms2400 عليهم ~~إحسانا إليهم , ويجزمون بذلك , ولا يظنون أن الله أخلف عليهم مثلها نظرا ~~إلى حالهم وكرامة لأبيهم , ويعرفون هذه النعمة لي { ولعلهم يرجعون * } أي ~~ليكون حالهم وحال من يرجع إلينا إذا عرفوها , لردها تورعا , أو للميرة بها ~~إن لم يكن عندهم غيرها , أو طمعا في مثل هذا , وإنما لم يبادر إلى تعريفهم ~~بنفسه والتعجيل بإدخال السرور على أبيه , لأن ذلك غير ممكن عادة - لما يأتي ~~من الحكم البالغة والتدبير المتين , ودل على إسراعهم في الرجوع بالفاء فقال ~~: { فلما رجعوا } أي إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام { إلى أبيهم } حملهم ما ~~رأوا - من إحسان الصديق وحاجتهم إليه وتبرئتهم لأنفسهم عن أن يكونوا جواسيس ~~- على أن { قالوا ياأبانا } . | ولما كان المضار لهم مطلق المنع , بنوا ~~للمفعول قولهم : { منع منا الكيل } لأخينا بنيامين على بعيره لغيبته , ولنا ~~كلنا بعد هذه المرة إن لم نذهب به معنا ليظهر صدقنا ؛ والمنع : إيجاد ما ~~يتعذر به على القادر الفعل . | وضده : التسليط , وأما العجز فضده القدرة { ~~فأرسل } أي بسبب إزالة هذا المنع { معنا أخانا } إنك إن ترسله معنا { نكتل ~~} أي لنفسه كما يكتال كل واحد منا لنفسه - هذا على قراءة حمزة والكسائي ~~بالتحانية , ولنؤوله على قراءة الجماعة بالنون - من الميرة ما وظفه العزيز ~~, وهو لكل واحد حمل , وأكدوا لما تقدم من فعلهم بيوسف عليه الصلاة والسلام ~~مما يوجب الارتياب بهم , فقالوا : { وإنا له } أي خاصة { لحافظون * } أي عن ~~أن يناله مكروه حتى ندره إليك , PageV04P068 عريقون في هذا الوصف , فكأنه ~~قيل : ما فعل في هذا بعد ما فعلوا إذ أرسل معهم يوسف عليه الصلاة والسلام ؟ ~~قيل : عزم على إرساله معهم , ولكنه أظهر اللجاء إلى الله تعالى في أمره غير ~~قانع بوعدهم المؤكد في حفظه , لما سبق منهم من مثله في يوسف عليه الصلاة ~~والسلام بأن { قال هل آمنكم } أي أقبل منكم الآن وفي مستقبل الزمان تأمينكم ~~لي فيه مما يسوءني تأمينا مستعليا { عليه } أي بنيامين { إلا كما آمنتكم } ~~أي في الماضي { على أخيه } أي يوسف عليه الصلاة والسلام . | ولما ms2401 كان لم ~~يطلع يوسف عليه الصلاة والسلام على خيانة قبل ما فعلوا به , وكان ائتمانه ~~لهم عليه إنما هو زمان يسير , أثبت الجار فقال : { من قبل } فإنكم أكدتم ~~غاية التأكيد فلم تحفظوه لي ولم تردوه إلي - والأمن : اطمئنان القلب إلى ~~سلامة النفس - فأنا في هذا لا آمن عليه إلا الله { فالله } أي المحيط علما ~~وقدرة { خير حافظا } منكم ومن كل أحد { وهو } أي باطنا وظاهرا { أرحم ~~الراحيمن * } فهو أرحم بي من أن يفجعني به بعد مصيبتي بأخيه ؛ فأرادوا ~~تفريغ ما قدموا به من الميرة { ولما فتحوا } أي أولاد يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام { متاعهم } أي أوعيتهم التي حملوها من مصر { وجدوا بضاعتهم } أي ما ~~كان معهم من كنعان بشراء القوت . | ولما كان المفرح مطلق الرد . | بنى ~~للمفعول قوله : { ردت إليهم } والوجدان : ظهور الشيء للنفس بحاسة أو ما ~~يغني عنها , فكأنه قيل : ماقالوا ؟ فقيل : { قالوا } أي لأبيهم { ياأبانا ~~ما } أي أي شيء { نبغي } أي نريد , فكأنه قال لهم : ما الخبر ؟ فقالوا ~~بيانا لذلك وتأكيدا للسؤال في استصحاب أخيهم : { هذه بضاعتنا } ثم بينوا ~~مضمون الإشارة بقولهم : { ردت إلينا } هل فوق هذا من إكرام . | ولما كان ~~التقدير : فنرجع بها إليه بأخينا , فيظهر له نصحنا وصدقنا , بنى عليه قوله ~~: { ونمير أهلنا } أي نجلب إليهم الميرة برجوعنا إليه ؛ والميرة : الأطعمة ~~التي تحمل من بلد إلى بلد { ونحفظ أخانا } فلا يصيبه شيء مما يخشى عليه , ~~تأكيدا للوعد بحفظه وبيانا لعدم ضرر في سفره , ويدل على ما في التوراة - من ~~أنه كان سجن أحدهم ليأتوا بأخيهم الأصغر - قوله : { ونزداد كيل بعير } أي ~~فيكون جملة ما نأتي به بعد الرجوع إليه اثني عشر حملا , لكل منا حمل , ~~وللمسجون حملان - لكرته الإولى والثانية , وذلك أنه كان لا يعطي إلا حملا ~~لكل رأس , فكأنه ما أعطاهم لما جهزهم غير تسعة أحمال , فكأنه قيل : وهل ~~يجيبكم إلى ذلك في هذه الأزمة ؟ فقالوا : نعم , لأن { ذلك كيل يسير * } ~~بالنسبة إلى ما رأينا من كرم شمائله وضخامه ملكه وفخامه همته , فكأنه قيل : ~~فما قال ms2402 لهم ؟ فقيل : { قال } أي يعقوب عليه الصلاة والسلام { لن أرسله } ~~PageV04P069 أي بنيامين كائنا { معكم } أي في وقت من الأوقات { حتى تؤتون } ~~من الإيتاء وهو الإعطاء , أي إيصال الشيء إلى الأخذ { موثقا } وهو العقد ~~المؤكد . | ولما كان مراده موثقا ربانيا , وكان الموثق الرباني - وهو ما ~~كان بأسمائه تعالى لكونه أذن سبحانه فيه وأمر بالوثوق به - كأنه منه , قال ~~: { من الله } أي الملك الاعظم بأيمان عظيمة : والله { لتأتنني } كلكم { به ~~} من الإيتان , وهو المجيء في كل حال { إلا } في حال { أي يحاط } أي تحصل ~~الإحاطة بمصيبة من المصائب , لا طاقة لكم بها { بكم } فتهلكوا من عند آخركم ~~, كل ذلك زيادة في التوثيق , لما حصل له من المصيبة بيوسف عليه الصلاة ~~والسلام وإن كان الاعتماد في حفظه إنما هو على الله , وهذا من باب { اعقلها ~~وتوكل } فأجابوه إلى جميع ما سأل { فلما آتوه } أي أعطاه بنوه { موثقهم قال ~~الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { على ما نقول وكيل * } هو القادر على ~~الوفاء به المرجو للتصرف فيه بالغبطة , لا أنتم . | < < # | يوسف : ( 67 - 68 ) وقال يا بني . . . . . # > > ^ ( وقال يبني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ومآ ~~أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل ~~المتوكلون * ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من ~~شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس ~~لا يعلمون ) ^ } ) | ولما سمح لهم بخروجه معهم , أتبع تعالى ذلك الخبر عن ~~أمره لهم بالاحتياط من المصائب لأنهم أحد عشر رجلا إخوة أهل جمال وبسطة , ~~وكانوا قد شهروا عند المصريين بعض الشهرة , بسبب ما دار بينهم وبين يوسف ~~عليه الصلاة والسلام من الكلام في المرة الأولى , فكانوا مظنة لأن ترمقهم ~~الأبصار ويشار إليهم بالأصابع , فيصابوا بالعين , ولم يوصهم في المرة ~~الأولى , لأنهم كانوا مجهولين , مع شغل الناس بما هم فيه من القحط , فقال ~~حكاية عنه : { وقال } أي يعقوب عليه الصلاة والسلام لبنيه ms2403 PageV04P070 ~~عندما أرادوا السفر : { يابني } محذرا لهم من شر الحسد والعين - { لا ~~تدخلوا } إذا قدمتم إلى مصر { من باب واحد } من أبوابها ؛ والواحد على ~~الإطلاق : الذي لا ينقسم , وأما المقيد بإجرائه على موصوف كباب واحد , فهو ~~ما لا ينقسم في معنى ذلك الموصوف { وادخلوا من أبواب } واحترز من أن تكون ~~متلاصقة أو متقاربة جدا , فقال : { متفرقة } أي تفريقا كبيرا , وهذا حكم ~~التكليف لئلا يصابوا بالعين - كما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~والحسن وقتادة والضحاك والسدي , فإن العين حق , وهي من قدر الله , وقد ورد ~~شرعنا بذلك , ففي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال ( العين حق ) وفي رواية عند أحمد وابن ماجه : ( يحضرها ~~الشيطان وحسد بن آدم ) ولمسلم والترمذي والنسائي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( العين حق , ولو شيء سابق القدر ~~لسبقته العين , وإذا استغسلتم فاغسلوا ) ولأبي نعيم في الحيلة عن جابر رضي ~~الله عنه أن النبي قال : ( إن العين لتدخل الجمل القدر والرجل القبر ) ~~ولأبي داود عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( وإنما لتدرك الفارس فتدعثره ) ولأحمد والترمذي عن أسماء بنت ~~PageV04P071 عميس رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو ~~كان شيء سابق القدر لسبقته العين ) . | قال الإمام الرازي : ومنشأ إصابة ~~العين توهم النفس الخبيثة هلاك من تصيبه . | وقد تقدم معنى ذلك في رواية ~~أحمد وابن ماجه من حديث أبي هريرة مع انضمام حضور الشيطان , وهذا الاحتياط ~~من باب الأخذ بالأسباب المأمور بها , لأنها من القدر , لا من من باب التحرز ~~من القدر , كما روى مسلم وأحمد وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من ~~الضعيف , وفي كل خير احرص على ما ينفعك , واستعن بالله ولا تعجز , وإن ~~اصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كذا ms2404 وكذا , ولكن قل : قدر الله وما شاء ~~فعل , فإن ) لو ( تفتح عمل الشيطان ) . | معناه - والله أعلم : افعل فعل ~~الأقوياء , ولا تفعل فعل العجزة , وذلك بأن تنعم النظر , تمعن في التأمل ~~وتتأنى , حتى تعلم المصادر والموارد , فلا تدع شيئا يحتمل أن ينفعك في ~~الأمر الذي أنت مقبل عليه ولا يضرك إلا فعلته , ولا تدع أمرا يمكن أن يضرك ~~إلا تركته واحترزت منه جهدك , فإنك إذا فعلت ذلك وأتى أمر من عند الله ~~بخلاف مرادك كنت جديرا بأن لا تقول في نفسك : لو أني فعلت كذا , فإنك لم ~~تترك شيئا , وأما إذا فعلت فعل العجزة , وتركت الجزم فما أوشك أن تؤتى من ~~قبل ترك الأسباب , فما أقربك إلى أن تقول ما يفتح عمل الشيطان من ( لو ) . ~~| ولما أخاف أن يسبق من أمره هذا إلى بعض الأوهام أن الحذر يغني من القدر , ~~نفى ذلك مبينا أنه لم يقصد غير تعاطي الأسباب على ما أمر الله وأن الأمر ~~بعد ذلك إليه : إن شاء سبب عن الأسباب مسبباتها , وإن شاء أبطل تلك الأسباب ~~وأقام أسبابا تضادها ويتأثر عنها المحذور , فقال : { وما أغني } أي أجزي ~~وأسد وأنوب { عنكم من الله } أي بعض أمر الملك الأعظم , وعمم النفي فقال : ~~{ من شيء } أي إن أراد بكم , سواء كنتم مفترقين أو مجتمعين , وهذا حكم ~~التقدير , ثم علل ذلك بقوله : { إن } أي ما { الحكم } وهو فصل الأمر بما ~~تدعو إليه الحكمة { إلا الله } أي الذي له الأمر كله , لا يقدر أحد سواه ~~على التفصي عن شيء من مراده والفرار من شيء من قدره , ولهذا المعنى - وهو ~~أنه لا ينفع أصلا سبب إلا بالله - أنزل الله التسمية مقرونة بهاء السبب أول ~~PageV04P072 كتابه , وأمر بها أول كل شيء ؛ وروى أبو نعيم في الحيلة في ~~ترجمة إمامنا الشافعي بسنده إليه ثم إلى علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه ~~خطب الناس يوما فقال في خطببته : وأعجب ما في الإنسان قلبه , ولو مواد من ~~الحكمة وأضداد من خلافها , فإن سنح له الرجاء أولهه ms2405 الطمع . | وإن هاج به ~~الطمع أهلكه الحرص , وإن ملكه اليأس قتله الأسف , وإن عرض له الغضب اشتد به ~~الغيظ , وإن أسعد بالرضى نسي التحفظ وإن ناله الخوف شغله الحزن , وإن ~~أصابته مصيبة قصمه الجزع , وإن أفاد مالا أطغاه الغنى , وإن عضته فاقة شغله ~~البلاء , وإن أجهده الجوع قعد به الضعف , وإن أجهده الجوع قعد به الضعف , ~~وإن أفرط به الشبع كظته البطنة , فكل تقصير به مضر . | وكل إفراط له مفسد . ~~| قال : فقام إليه رجل ممن كان شهد معه الجمل , فقال : يا أمير المؤمنين ؟ ~~اخبرنا عن القدرن فقال : بحر عميق فلا تلجه , فقال : يا أمير المؤمنين ! ~~أخبرنا عن القدر , فقال بيت مظلم فلا تدخله , فقال : يا أمير المؤمنين ! ~~أخبرنا عن القدر , فقال : سر الله فلا تتكلفه , فقال : يا أمير المؤمنين ! ~~اخبرنا عن القدر , فقال : أما إذا أبيت فإنه أمر بين أمرين , لا جبر ولا ~~تفويض , فقال : يا أمير المؤمنين ! إن فلانا يقول بالاستطاعة وهو حاضرك , ~~فقال : علي به ! فأقاموه , فلما رآه سل من سيفه قدر أربع أصابع فقال : ~~الاستطاعة تملكها مع الله أو من دون الله ؟ وإياك أن تقول أحدهما فترتد ~~فأضرب عنقك ! فقال : فما أقول يا أمير المؤمنين ؟ قال : قل : أملكها بالله ~~الذي إن شاء ملكنيها . | وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الحج عند < # > 77 ( { إن الله يفعل ما يشاء } ) 77 < # > [ الحج : 17 ] ما يتصل بهذا . | ولما قصر الأمر كله عليه سبحانه , وجب ~~رد كل أمر إليه , وقصر النظر عليه , فقال منبها على ذلك : { عليه } أي على ~~الله وحده الذي ليس الحكم إلا له { توكلت } أي جعلته وكيلي فرضيت بكل ما ~~يفعله { وعليه } أي وحده { فليتوكل المتوكلون * } أي الثابتون في باب ~~التوكل , فإن ذلك من أعظم الواجبات , من فعله فاز , ومن أغفله خاب , ثم إنه ~~سبحانه صدق يعقوب فيما قال , مؤكدا لما أشار إلى اعتقاده , فقال : { ولما } ~~وعطفه بالواو يدل على أنهم ما أسرعوا الكرة في هذه المرة خوفا من أن يقول ~~لهم : لم يفرغ ما عندكم حتى تضطروا ms2406 إلى الاستبدال به , والزمان زمان رفق , ~~لا زمان تبسط { دخلوا } أي أخوة يوسف عليه الصلاة والسلام عند وصولكم إلى ~~مصر { من حيث أمرهم } أي به { أبوهم } من أبواب متفرقة , قالوا : وكان لمصر ~~أربعة أبواب { ما كان } ذلك الدخول { يغني } أي يدفع ويجزي { عنهم من الله ~~} أي الملك الأعلى الذي لاراد لامره , وأعرق في النفي فقال : { من شيء } ~~كما تقدم من قول يعقوب عليه الصلاة والسلام { إلا حاجة } أي شيئا غير أتم ~~حاجة { في نفس يعقوب } وهو الدخول PageV04P073 على ما أمر به شفقة عليهم { ~~قضاها } يعقوب , وأبرزها من نفسه إلى أولاده , فعملوا فيها بمراده فأغنى ~~عنهم ذلك الإخلاص من عقوق أبيهم فقط , فإنهم ابتلوا في هذه السفرة بأمر ~~عظيم لم يجدوا منه خلاصا , وهو نسبهم إلى السرقة , وأسر أخيهم منهم , قال ~~أبو حيان : وفيه حجة لمن زعم أن ( لما ) حرف وجوب لوجوب , لا ظرف زمان ~~بمعنى ( حين ) , إذا لو كان ظرف زمان ما جاز أن يكون معمولا لما ( بعد ) ما ~~النافية - انتهى . | ولما كان ذلك ربما أوهم أنه لا فائدة في الاحيتاط , ~~أشار تعالى إلى رده بمدح يعقوب عليه الصلاة والسلام , حثا على الاقتداء به ~~في التسبب مع اعتقاده أن الأمر بيد الله فقال : { وإنه } أي يعقوب عليه ~~الصلاة والسلام مع أمره لبنيه بذلك { لذو علم } أي معرفة بالحكمين : حكم ~~التكليف , وحكم التقدير , واطلاع على الكونين عظيم { لما } أي للذين { ~~علمناه } إياه من أصول الدين وفروعه , ويجوز أن يكون المعنى : لذو علم لأجل ~~تعليمنا أياه . | فاقتدوا به في الاحتياط في تعاطي الأسباب , مع اعتقاد أنه ~~لا أثر لها إلا أن أمضاها الواحد القهار , فبهذا التقدير يتبين أن ~~الاستثناء متصل , وفائدة إبرازه - في صورة الأستثناء عند من جعله منقطعا - ~~الإشارة إلى تعظيم يعقوب عليه الصلاة والسلام , وأنه جدير بأن يكون ما يأمر ~~به مغنيا , لأنه من أمر الله , فلو كان كل شيء يغني من قدر الله لأغنى ما ~~أشار به , وإنما فسرت ( يغنى ) ب ( يدفع ) لأن مادة ( غنى ) - بأي ترتيب ~~كان - تدور ms2407 على الإقامة , فيكون أغنى للسلب , وهو معنى للدفع , بيانه أن ~~غنى بمعنى أقام , وعاش , ولقي , ومغنى الدار : موضع الحلول , ويلزم من ~~الإقامة الكفاية والتمول , لأن الفقير منزعج مضطرب , والغني - كإلى : ~~التزوج , وإذا فتح مد , والاسم الغنية - بالضم , وذلك لأن التزوج الإقامة , ~~والغانية : المرأة تطلب ولا تطلب , أو الغنية بحسنها عن الزينة , أو الشابة ~~المتزوجة , أو الشابة العفيفة ذات زوج كانت أم لا , ومثلها يلزم المنزل ~~ويقصر في الخيام , وأغنى عنه غناء فلان : ناب عنه منابه وأجزأ مجزأه , ~~وحقيقته جعل إقامة كذا متجاوزة عنه , فالمفعول محذوف , فإذا قال مثلا : ~~فلان أغنى عني في الحرب , كان المعنى : أغنى عني ضرب الأبطال أو شدة الحرب ~~, أي أزال إقامة ذلك عني فجعله متجاوزا , ولا شك أن معنى ذلك : دفعه عني , ~~وكذا كل ما كان من ذلك , وما فيه غناء ذاك , أي إقامته والاضطلاع به , ~~ويلزم أيضا - من الإقامة التي هي المدار والكفاية التي هي سببها - الغناء - ~~بالكسر والمد , وهو التطريب بالصوت , والغناء أيضا : الرمل - لإقامته , ~~وغنى بالمرأة : تغزل , أي نظم فيها الغزل , وغنى بزيد : مدحه أو هجاه - من ~~لوازم الإقامة والكفاية , ومنه غنى الحمام : صوت ؛ ونغى - كرمى : تكلم ~~بكلام يفهم - لأن ذلك يسكن الخاطر عن القلق , ومنه المناغاة - وهي تكليم ~~الصبي بما يهوى , PageV04P074 ونغيت إليه نغية , أي ألقيت كلمة , والنغية - ~~كالنغمة : أول الخبر قبل أن تستثبته , من تسمية الجزء باسم الكل , وناغاه : ~~داناه , ومنه الموج يناغي السماء - إذا ارتفع , وناغاه : باراه أي عارضه , ~~والمرأة : غازلها , أي حادثها - كل ذلك من لوازم الإقامة ؛ والغين : حرف ~~هجاء مجهور مستعل - كأنها لقوتها مقيمة في مخرجها غير متزعزعة عنه كالراء ~~والحروف الهوائية وغيرها , والغين : العطش - لأنه الأصل لاقتضاء الحرارة له ~~والري حادث , والغين : الغيم - لإقامته في الهواء , والغنية : أرض - لأنها ~~موضع الإقامة , والأشجار الملتفة بلا ماء , هي أيضا موضع لذلك , لأنها ~~ظليلة ولا ماء بأرضها يمنع من الانتفاع بشيء من ظلها , والغيناء : الخضراء ~~من الشجر , وبئر , وبالقصر : قنة ثبير من الأثبرة السبعة - لأن ذلك كله ~~موضع للإقامة , ولعل ms2408 قنة هذا الجبل كثيرة الشجر فترجع إلى الشجرة , والأغين ~~: الطويل - إما تشبيه بقنة الجبل , أو بالشجرة , والغانة : حلقة رأس الوتر ~~في القوس , وغين على قلبه : غطى عليه أي أقام عليه ساترا له فصار كالسماء ~~بالنسبة إلى الغيم , ومنه غين عليه - إذا تغشته الشهوة وألبس أو غشي عليه , ~~أو أحاط به الرين وهو الطبع والدنس , والغينة - بالكسر : الصديد وما سل من ~~الميت - كأنه من سلب الإقامة , وكذا الغين بالكسر - لموضع كثير الحمى , ~~وغانت نفسي تغين : غيث , والإبل : غامت , أي حصل لها داء كالقلاب غير أنه ~~لا يقتل - انتهى . | ولما كان قد يظن أن كل أحد يكون كذلك , أي يعلم ما ~~علمه , نفى ذلك سبحانه بقوله : { ولكن أكثر الناس } أي لأجل ما لهم من ~~الاضطراب { لا يعلمون * } أي ليسوا بذوي علم لما علمناهم لإعراضهم عنه ~~واستفرغ قواهم في الاهتمام بما وقع التكفل لهم به من أحوال الدنيا , ~~ومغالبة فطرهم القويمة السليمة بردها إلى ما تدعو إليه الحظوظ والشهوات حتى ~~لا يكون فيها طب مخلوق . | < < # | يوسف : ( 69 - 76 ) ولما دخلوا على . . . . . # > > ^ ( ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس ~~بما كانوا يعملون * فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن ~~مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون * قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون * قالوا ~~نفقد صواع الملك ولمن جآء به حمل بعير وأنا به زعيم * قالوا تالله لقد ~~علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين * قالوا فما جزآؤه إن كنتم ~~كاذبين * قالوا جزآؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين * فبدأ ~~بأوعيتهم قبل وعآء أخيه ثم استخرجها من وعآء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ~~ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشآء الله نرفع درجات من نشآء وفوق كل ذي ~~علم عليم ) ^ } ) | PageV04P075 ولما أخبر تعالى عن دخولهم إلى البلد , ~~أخبرعن دخولهم لحاجتهم إلى يوسف عليه الصلاة والسلام فقاتل : { ولما دخلوا ~~} أي بنوه عليه الصلاة والسلام { على يوسف } في هذه القدمة الثانية { آوى ~~إليه أخاه ms2409 } شقيقه بنيامين بعد أن قالوا له : هذا أخونا الذي أمرتنا به قد ~~أحضرناه , فقال : أصبتم , وستجدون ذلك عندي ؛ والإيواء : ضم النفس بالتصيير ~~إلى موضع الراحة , وسبب إيوائه إليه أنه أمر كل اثنين منهم أن يأكلوا على ~~حدة , فبقي بنيامين بلا ثان , فقال : هذا يأكل معي , ثم قال ليا : وكل ~~اثنين منكم في بيت من خمسة أبيات أفردها لهم , وهذا الوحيد يكون معي في ~~بيتي , وهذا التفريق موافق لما أمرهم به أبوهم في تفريق الدخول , فكأنه قيل ~~: ماذا قال له , هل أعلمه بنفسه أو كتم ذلك عنه كما فعل بسائر إخوته ؟ فقيل ~~: بل { قال } معلما له , لأنه لا سبب يقتضي الكتم عنه - كما سيأتي بيانه , ~~مؤكدا لما للأخ من إنكاره لطول غيبته وتغير أحواله وقطع الرجاء منه : { إني ~~أنا أخوك } يوسف : ثم سبب عن ذلك قوله : { فلا تبتئس } أي تجتلب البؤس . | ~~وهو الكراهة والحزن { بما كانوا } أي سائر الإخوة , كونا هم راسخون فيه { ~~يعلمون * } مما يسوءنا وإن زعموا أنهم بنوا ذلك العمل على علم , وقد جمعنا ~~له خير ما يكون عليه الاجتماع , ولا تعلمهم بشيء من ذلك , ثم إنه ملأ لهم ~~أوعيتهم كما أرادوا . | وكأنه في المرة الأولى أيضا في تجهيزهم ليتعرف ~~أخبارهم في هذه المرة من حيث لا يشعرون , ولذلك لم يعطف بالفاء , وأسرع في ~~تجهيزهم في هذه المرة قصدا إلى انفراده بأخيه من غير رقيب بالحيلة التي ~~دبرها . | فلذلك أتت الفاء في قوله : { فلما جهزهم } أي أعجل جهاز وأحسنه { ~~بجهازهم } ويؤيده < # > 77 ( { فلما جاء أمرنا } ) 77 < # > [ هود : 66 و 82 ] في قصتي صالح ولوط عليهما الصلاة والسلام - كما مضى ~~في سورة هود عليه الصلاة والسلام { جعل } أي بنفسه أو بمن أمره { السقاية } ~~التي له . | وهي إناء يسقي به { في رحل أخيه } شقيقه , ليحتال بذلك على ~~إبقائه عنده مع علمه بأن البصير لا يقضي بسرقته بذلك , مع احتمال أن يكون ~~الصواع دس في رحله بغير علمه كما فعل ببضاعتهم في المرة الأولى , وأما غير ~~البصير فضرر ثبوت ذلك في ذهنه ms2410 مفتقر لأنه يسير بالنسبة إلى ما يترتب عليه ~~من النفع من ألف إخوته بيوسف عليه الصلاة والسلام وزوال وحشتهم منه بإقامته ~~عنده - كما سيأتي مع مزيد بيان - هذا مع تحقق البراءة عن قرب , فهو من باب ~~ارتكاب أخف الضررين , ثم أمهلهم حتى انطلقوا , ثم أرسل إليهم فحبسوا { ثم } ~~أي بعد انطلاقهم وإمعانهم في السير { أذن } أي أعلم فيهم بالنداء { مؤذن } ~~قائلا برفيع صوته وإن كانوا في غاية القرب منه - بما يدل عليه إسقاط الأداة ~~: { أيتها العير } أي أهلها , وأكد لما لهم من PageV04P076 الإنكار { إنكم ~~لسارقون * } أي ثابت لكم ذلك لا محالة حقيقة بما فعلتم في حق يوسف عليه ~~الصلاة والسلام , أو مجازا بأنكم فاعلون فعل السارق - كما سيأتي بيانه آنفا ~~, مع أن هذا النداء ليس من قول يوسف عليه الصلاة والسلام , ويحتمل أن لا ~~يكون بأمره حتى يحتاج إلى تصحيحه , بل يكون قائله فهم ذلك من قوله عليه ~~السلام : صواعي مع الركب , أو كأنهم أخذوا صواعي فاذهب فآتني به أو بهم - ~~ونحو ذلك مما هو حق في نفسه ؛ والعير : القافلة التي فيها الأحمال , والأصل ~~فيها الحمير , ثم كثر حتى أطلق على كل قافلة تشبيها بها , وقد تضمنت الآية ~~البيان عما يوجبه التلطف في بلوغ المراد من إيقاع الأسباب التي تؤدي إليه ~~وتبعث عليه بظاهر جميل وباطن حق مما يخفى على كثير من الناس موقعه , ويشكل ~~عليه وجهه , لأنه أنفذ له وأنجح للمطلوب منه , فكأنه قيل : إن هذه لتهمة ~~عظيمة , فما قالوا في جوابها ؟ فقيل : { قالوا } في جواب الذين لحقوهم { و ~~} الحال أن آل إسرائيل { أقبلوا } ودل - على أن الذين لحقوهم كانوا جماعة ~~المؤذن أحدهم , كما هو شأن ذوي الرئاسة إذا أرسلوا في مهم - بالجمع في قوله ~~: { عليهم } أي على جماعة الملك : المنادي وغيره { ماذا تفقدون * } مما ~~يمكننا أخذه { قالوا نفقد } وكأن السقاية كان لها اسمان , فعبروا هنا ~~بقولهم : { صواع الملك } والصواع : الجام يشرب فيه { ولمن جاء به } أي ~~أظهره ورده من غير تفتيش ولا عناء { حمل بعير } وهو بالكسر : قدر ms2411 من المتاع ~~مهيأ لأن يحمل على الظهر , وأما الحمل في البطن فبالفتح { وأنا به زعيم * } ~~أي ضامن وكفيل أدويه إليه , وإفراد الضمير تارة وجمعه أخرى دليل على أن ~~القاتل واحد , وأنه نسب إلى الكل لرضاهم به , وفي الآية البيان عما يوجبه ~~حال بهت الإنسان للتثبيت في الأمر وترك الإسراع إلى ما لا يجوز من القول , ~~فكأنه قيل : فما قال إخوة يوسف ؟ قيل : { قالوا } قول البريء { تالله } أي ~~الملك اوعظم فأقسموا قسما مقرونا بالتاء , لأنها يكون فيها التعجب غالبا , ~~قال الرماني : لأنها لما كانت نادرة في أدوات القسم جعلت للنادر من المعاني ~~, والنادر من المعاني يتعجب منه , وقال : إنها بدل من الواو , والواو بدل ~~من الباء , فهي بدل من بدل , فلذلك ضعفت عن التصريف في سائر الأسماء , ثم ~~أكدوا براءتهم بقولهم : { لقد علمتم } أي بما جربتم من أمانتنا قبل هذا في ~~كرتي مجيئنا { ما جئنا } وأكدوا النفي باللام فقالوا : { لنفسد } أي نوقع ~~الفساد { وفي الأرض و } لقد علمتم { ما كنا } أي بوجه من الوجوه { سارقين * ~~} أي موصوفين بهذا الوصف قط , بما رأيتم من أحوالنا : من ردنا بضاعتنا التي ~~وجدناها في رحالنا وغير ذلك مما عاينتم من شرف فعالنا مع علمنا بأنها خلق ~~لنا لا تصنع يظهر لبعض الأذكياء بأدنى تأمل , فكأنه قيل : فما قال الذين من ~~جهة العزيز ؟ PageV04P077 قيل : { قالوا } قول واثق بأنه في رحالهم : { فما ~~جزاؤه } أي الصواع { إن كنتم كاذبين * } في تبرئكم من السرقة ؛ والجزاء : ~~مقابلة العمل بما يستحق عليه من خير أو شر { قالوا } وثوقا منهم بالبراءة ~~وإخبارا بالحكم عندهم { جزاؤه } أي الصواع { من } . | ولما كان العبرة بنفس ~~الوجدان , بنوا للمفعول قولهم : { وجد في رحله } ولتحققهم البراءة علقوا ~~الحكم على مجرد الوجدان لا السرقة ؛ ثم أكدوا ذلك بقولهم : { فهو جزاءه } ~~أي ليس غير , فكأنه قيل : هل هذا أمر أحدثتموه الآن أو هو مشروع لكم ؟ ~~فقالوا : { كذلك } أي بل هو سنة لنا , مثل ذلك الجزاء الشديد { نجزي ~~الظالمين * } أي بالظلم دائما , نرقه في سرقته ؛ فحينئذ فتش أوعيتهم { فبدأ ~~} أي ms2412 فتسبب عن ذلك أنه بدأ المؤذن أو غيره ممن أمر بذلك { بأوعيتهم } . | ~~ولما لم يكن - بين فتح أوعيتهم وفتح وعاء أخيه - فاصل يعد فاصلا , فكانت ~~بداءته بأوعيتهم مستغرقة لما بينهم من الزمان , لم يأت بجار , فقال { قبل ~~وعاء أخيه } أي أخي يوسف عليه الصلاة والسلام شقيقه , إبعادا عن التهمة { ~~ثم } أي بعد تفتيش أوعيتهم والتأني في ذلك { استخرجها } أي أوجد إخراج ~~السقاية التي تقدم أنه جعلها في وعاء أخيه { من وعاء أخيه } . | ولما كان ~~هذا كيدا عظيما في أخذ أخيه بحكمهم , مع ما توثق منهم أبوهم , عظمه تعالى ~~بالإشارة إليه بأداة البعد والإسناد إليه قال : { كذلك } أي مثل هذا الكيد ~~العظيم { كدنا ليوسف } خاصة بأن علمناه إياه جزاء لهم على كيدهم بيوسف عليه ~~الصلاة والسلام , ولذلك صنعنا جميع الصنائع التي أعلت يوسف عليه الصلاة ~~والسلام وألجأت إخوته الذين كادوه بما ظنوا أنه أبطل أمره إلى المجيء إليه ~~إلى أن كان آخرها حكمهم على أنفسهم بما حكموا , ثم علل ذلك بقوله : { ما ~~كان } أو هو استئناف تفسير للكيد , وأكد النفي باللام فقال : { ليأخذ أخاه ~~} . | ولما كان الأخذ على جهات مختلفة , قيده بقوله : { في دين الملك } ~~يعني ملك مصر , على حالة من الحالات , لأن جزاء السارق عندهم غير هذا { إلا ~~أن يشاء الله } أي الذي له الأمر كله , ذلك بسبب يقيمه كهذا السبب الذي هو ~~حكم السارق وأهله على أنفسهم , فلا يكون حينئذ من الملك إلا تخليتهم وما ~~حكموا به على نفوسهم . | ومادة ( سرق ) بتراكيبها الأربعة : سرق , وسقر , ~~وقسر , وقرس - تدور على الغلبة المحرقة والموجعة , وتارة تكون بحر , وتارة ~~ببرد , وتارة بغير ذلك , وتلازمها القوة والضعف والكثرة والقلة والمخادعة , ~~فيأتي الخفاء والليل , فمن مطلق الغلبة : القسر , وهو الغلبة والقهر , وقال ~~ابن دريد : القسر : الأخذ بالغلبة والاضظهاد , والقسورة : PageV04P078 ~~الأسد , والعزيز كالقسور , والرماة من الصيادين , واحده قسور , ونبات سهلي ~~- كأنه يكثر فيه الصيد , فتنتابه القساورة , وقسور النبت : كثر , وركز ~~الناس , أي صوتهم الخفي وحسهم - لأن الصيادين يتخافتون ؛ والسقر لغة في ~~الصقر - لطير يصيد ؛ وقسر ms2413 : جبل السراة - كأنه موضع الصيد والقسر والغلبة , ~~والقيسري : الكثير - لأنه ملزوم من النجاسات , والقيسري - أيضا من الإبل : ~~العظيم أو الصلب أو الضخم الشديد : وجمل قراسية - بالضم وتخفيف الياء : ضخم ~~, والقرس - بالكسر : صغار البعوض ؛ والقسورة أيضا من الغلمان : الشاب القوي ~~, والرامي - لأنه أهل لأن يغلب , والقسور أيضا : الصياد مطلقا ؛ ويلزمه ~~المخادعة والاستخفاء , ومنه القسورة : نصف الليل أو أوله أو معظمه - لأنه ~~محل الاستخفاء والمقاهرة ؛ ومنه السرق , وهوالأخذ في خفية , وعبارة القزاز ~~: في ختل وغفلة , وسرق - كفرح : خفي , والسوارق : الزوائد في فراش القفل - ~~لغرابتها وخفاء أمرها , أو لسلبها السرقة بمنعها السارق من فتح القفل , ~~والمسترق : المستمع مختفيا , وانسرق عنهم : خنس ليذهب , ويلزم المخادعة ~~والاختفاء نوع ضعف , ومنه : سرقت مفاصله - كفرح : ضعفت , والمسترق : الناقص ~~الضعيف الخلق ؛ وانسرق : فتر وضعف - إما منه وإما من السلب , لأن من فتر أو ~~ضعف يكف عن السرقة والأذى ؛ وقسور الرجل : أسن , وكان منه القارس والقريس ~~أي القديم , ومسترق العنق : قصيرها - كأنه سرق منها شيء , وهو يسارق النظر ~~إليه , أي يطلب غفلته لينظر إليه , وتسرق : سرق شيئا فشيئا , وسرق - كسكر - ~~كان اسمه الحباب فابتاع من بدوي راحلتين , ثم أجلسه على باب دار ليخرج إليه ~~بثمنهما فخرج من الباب الآخر فهرب بهما , فسماه النبي صلى الله عليه وسلم ~~سرقا , وكان لا يحب أن يسمى بغيره , والسرق - محركا : أجود الحرير أو ~~الحرير الأبيض , أو الحرير عامة , فارسي معرب أصله سره , قال القزاز : ~~ومعناه : جيد , لأنه أهل لأن يقصد بالسرقة لخفة محملة وكثرة تمنه , ~~والسرقين معرب سركين يمكن أن يكون من الضعف , ولعل المعرب يكون خارجا عن ~~أصل المادة , لأنه لا أصل له في العربية ؛ ومن الاذى بالحر السفر : حر ~~الشمس وأذاه , يقال : سقرته الشمس - بالسين والصاد - إذا آلمت دماغه , ومنه ~~اشتقاق سقر , وهو اسم إحدى طبقات النار , والسقر : القيادة على الحرم , ~~والسقر : ما يسيل من الرطب - من التسمية باسم السبب , لأن الحر سببه , ~~والقوسرة : القوصرة - ويخففان - لأنه يوضع فيه التمر الذي قد يكون من السقر ~~, PageV04P079 والساقر : الكافر واللعان لغير المستحقين - لكثرة ms2414 الأذى , أو ~~الاستحقاق الكون في سقر , والساقور : الحرو الحديدة يكوى بها الحمار ؛ ومن ~~الأذى بالبرد : القرس - وهو البرد الشديد والبارد , والقرس - ويحرك : أبرد ~~الصقيع وأكثفه , والقرس - بالتحريك : الجامد , وأقرس العود جمد ماءه , ومنه ~~القريس - لسمك طبخ وترك حتى جمد , وقرس الماء : جمد , والبرد : اشتد كقرس ~~كفرح , وآل قرايس ويقال : نبات قراس - كسحاب : أجبل باردة أو هضاب بناحية ~~السراة , وقرسنا الماء : بردناه . | إذا تقرر ذلك فتصحيح قول المؤذن ( إنكم ~~لسارقون ) إن نظرإلى الغلبة في خفاء فلا شك أنهم متصفون بذلك لأخذهم يوسف ~~من أبيه عليهما السلام على هذه الحالة , وإن نظر إلى مطلق الأخذ في خفاء ~~فيكون إطلاق ذلك عليهم مجازا , لأن معهم - في حال ندائه لهم وهم سائرون - ~~شيئا ليس هو لهم هم ذاهبون به في خفاء , أي أنتم في هذه الحالة فاعلون فعل ~~السارق , ويقوي إرادة الأول قوله تعالى { لتنبئهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ~~} وقوله تعالى : { من وجدنا متاعنا عنده } كما سيأتي . | ولما كان يوسف ~~عليه الصلاة والسلام إنما تمكن من ذلك بعلو درجته وتمكنه ورفعته , بعد ما ~~كان فيه عندهم من الصغار , كان ذلك محل عجب , فقال تعالى - التفاتا إلى ~~مقام التكلم تقوية للكلام بمقام الغيبة والتكلم , وزاده إشعارا بعظمة , هذا ~~الفعل بصوغه في مظهر العظمة منبها لمن قد يغفل : { نرفع } أي لنا من العظمة ~~, وكان الأصل : درجاته , ولكنه عمم لأنه أدل على العظمة , فكان أليق ~~بمظهرها , فقال منبها على أنه كان حصل ليوسف عليه الصلاة والسلام من الهضم ~~ما ظن كما ظن أنه لا يرتفع بعده : { درجات من نشاء } أي بالعلم . | ولما ~~كان سبب الرفعة هو الأعلمية بالأسباب , وذلك ان الخلق لو اجتهدوا في خفض ~~أحد فنصبوا له كل سبب علموه وقدروا عليه , وأراد الله ضد ذلك , لقيض بعلمه ~~سببا واحدا إن شاء فأبطل جميع تلك الأسباب وقضى برفعته , نبه تعالى على ذلك ~~بقوله : { وفوق كل ذي علم } أي من الخلق { عليم } عظيم العلم , لا تكتنه ~~عظمة علمه العقول , ولا تتخيلها الفهوم , فهو يسبب من الأسباب ms2415 ما تطيح له ~~أسباب العلماء وتحير له ألباب العقلاء البصراء , وهو الله تعالى - كما نقله ~~الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما والحسن وسعيد بن جبيرن فالتنوين ~~للتعظيم . | < < # | يوسف : ( 77 - 79 ) قالوا إن يسرق . . . . . # > > ^ ( قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم ~~يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون * قالوا يأيها العزيز إن ~~PageV04P080 له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين * قال ~~معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنآ إذا لظالمون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما تم ذلك , كان كأنه قيل : إن انتزاع أخيهم منهم - بعد تلك ~~المواثيق التي أكدوها لأبيهم - لداهية تطيش لها الحلوم , فماذا كان فعلهم ~~عندها ؟ فقيل : { قالوا } تسلية لأنفسهم ودفعا للعار عن خاصتهم { إن يسرق } ~~فلم يجزموا بسرقتهن لعلهم بأمانته , وظنهم هذا الصواع دس في رحله وهو لا ~~يشعر , كما دست بضاعتهم في رحالهم وإنما أوهى ظنهم هذا سكوت أخيهم عن ~~الاعتذار به , على أنه قد ورد أنهم لامواه فقال لهم : وضعه في رحلي الذي ~~وضع البضاعة في رحالهم { فقد سرق أخ } أي شقيق { له } ولما كان ما ظنوه ~~كذلك في زمن يسير , أدخلوا الجار فقالوا : { من قبل } يعنون يوسف عليه ~~الصلاة والسلام , وذلك أنه قيل : إن عمته كانت لا تصبر عنه , وكان أبوه لا ~~يسمح بمكثه عندها , لأنه لا يصبرعنه , فحزمته من تحت ثيابه بمنظقة أبيها ~~إسحاق عليه السلام وكانت عندها , ثم قالت : فقدت منطقة أبي , فاكشفوا أهل ~~البيت , فوجدوها مع يوسف عليه الصلاة والسلام , فسمح يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام حينئذ لها ببقائه عندها { فأسرها } أي إجابتهم عن هذه القولة ~~القبيحة { يوسف في نفسه } على تمكنه مما يريد بهم من الانتقام . | ولما كان ~~ربما ظن ظان أنه بكتهم بها بعد ذلك , نفى هذا الظن بقوله تعالى : { ولم ~~يبدها } أي أصلا { لهم } فكأنه قيل : فما قولته التي أسرها في نفسه ؟ فقيل ~~: { قال أنتم شر مكانا } أي من يوسف وأخيه , لأن ما نس إليهما ms2416 من الشر إنما ~~هو ظاهرا لأمر خير اقتضاه , وأما أنتم ففعلتم بيوسف شر مقصود منكم ظاهرا ~~وباطنا , ونسبة الشر إلى مكانهم أعظم من نسبته إليهم , وإنما قدم الإخبار ~~بالإسرار مع اقترانه بالإضمار قبل الذكر , لئلا يظن بادىء بدء أنهم سمعوا ~~ما وصفهم به من الشر { الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { أعلم بما تصفون ~~} منكم , وأنه ليس كما قلتم ؛ والوصف : كلمة مشتقة من أصل من الأصول لتجري ~~على مذكور فتفرق بينه وبين غيره بطريق النقيض كالفرق بين العالم والجاهل ~~ونحوهما , فكأنه قيل : إن ذلك القول على فحشه ليس مغنيا عنهم ولا عن أبيهم ~~شيئا , فهل اقتصروا عليه ؟ فقيل : لا , بل { قالوا } التماسا لما يغنيهم : ~~{ ياأيها العزيز } فخاطبوه بما يليق بالأكابر ليرق لهم { إن له } أي هذا ~~الذي وجد الصواع في رحله { أبا شيخا كبيرا } أي في سنه وقدره وهو مغرم به , ~~لا يقدر على فراقه ولا يصبر عنه { فخذ أحدنا مكانه } وأحسن إلى أبيه ~~بإرساله إليه { نا نراك } أي نعلمك علما هو كالرؤية أو بحسب ما رأيناه { من ~~المحسنين * } أي العريقين في صفة PageV04P081 الإحسان فأجر في أمرنا على ~~عادة إحسانك , فكأنه قيل : فما أجابهم ؟ قيل : { قال معاذ الله } أي نعوذ ~~بالذي لا مثل معاذا عظيما { أن نأخذ } أي لأجل هذا الأمر { إلا من } أي ~~الشخص الذي { وجدنا متاعنا عنده } ولم يقل : سرق متاعنا , لأنه - كما أنه ~~لم يفعل في الصواع فعل السارق - لم يقع منه قبل ذلك ما يصحح إطلاق الوصف ~~عليه ؛ علل ذلك بقوله : { إنا إذا } أي أخذنا أحدا مكانه { لظالمون * } أي ~~عريقون في الظلم في دينكم , فلم تطلبون ما هو ظلم عندكم . | ذكر ما بعد ما ~~سلف من هذه القصة من التوراة قال : وكان القهم - وفي نسخة : الجوع - ~~والإرجاف على جميع وجه الأرض , ففنح يوسف الأهراء , وأقبل يبيع المصريين , ~~واشتد الجوع بأرض مصر , وأقبل جميع أهل الأرض يأتون للامتياز من يوسف . | ~~فبلغ يعقوب عليه الصلاة والسلام أن بمصر طعام ميرة , فقال يعقوب عليه ~~السلام لبنيه : لا خوف عليكم ms2417 , لأنه قد بلغني أن بمصر ميرة فاهبطوا إلى ~~هناك , فامتاروا لنا فنحيى ولا نموت . | فهبط بنو يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام العشرة ليمتاروا ميرة من مصر , فأما بنيامين أخو يوسف فلم يرسله ~~يعقوب مع إخوته , لأنه قال : لعله أن يعرض له عارض , فأتى بنو إسرائيل ~~ليمتاروا مع الذين كانوا ينطلقون , لأن الجوع اشتد في أرض كنعان , وكان ~~يوسف هو المسلط على الأرض , وكان يميز جميع شعب الأرض , فأتى إخوة يوسف ~~عليه الصلاة والسلام فخروا له سجدا على الأرض , فرأى يوسف إخوته فأثبتهم ~~وتناكر عليهم وكلمهم بفظاظة وقساوة , وقال لهم : من أين أنتم ؟ فقالوا : ~~أتينا من أرض كنعان لنمتاز ميرة , فذكر يوسف عليه الصلاة والسلام الرؤيا ~~التي قصها عليهم وقال لهم : إنكم جواسيس , وإنما أتيتم لتفحصوا وتطلعوا ~~الأرض . | فقالوا : كلا يا سيدنا ! إن عبيدك إنما أتوا ليمتاروا , نحن ~~أجمعون بنو رجل واحد , ونحن أبرياء , وليس عبيدك بطلائع , فقال لهم يوسف : ~~ليس الأمر كما تقولون , بل إنما أتيتم لتجسسوا أرضناز فقالوا له : نحن اثنا ~~عشر رجلا إخوة عبيدك بنو رجل واحد بأرض كنعان , والآخر هو عند أبينا يومنا ~~هذا , والآخر فقدناه , فقال لهم يوسف : إني إنما قلت لكم : إنكم جواسيس , ~~من أجل هذا بهذه تمتحنون , وحق فرعون ! لا أخرجنكم من هاهنا حتى يأتي أخوكم ~~الأصغر إلى هاهنا . | فنفحص عن أقاويلكم إن كنتم نطقتم بالحق والقسط , وإلا ~~وحق فرعون ! إنكم طلائع , فقذفهم عن أقاويلكم إن كنتم نطقتم بالحق والقسط , ~~وإلا وحق فرعون ! إنكم طلائع , فقذفهم في الحبس ثلاثة أيام , ودعا بهم ~~PageV04P082 يوسف عليه الصلاة والسلام في اليوم الثالث , وقال لهم : افعلوا ~~ما آمركم به فتحيوا , فإني أراقب الله فيكم , إن كنتم أبرياء فليحبس أحدكم ~~في محبسكم وانطلقوا أنتم بالميرة للجوع الذي في بيوتكم , فأتوني بأخيكم ~~الأصغر فأصدق قولكم ولا تموتوا , ففعلوا كما أمرهم , فقال كل امرىء منهم ~~لصاحبه : حقا إنا قد استوجبنا السجن على أخينا إذ رأينا كرب نفسه إذا كان ~~يتضرع إلينا فلم نرحمه ولم نتراءف عليه , فمن أجل ذلك نزلت بنا هذه ms2418 البلية ~~والشر , فأجاب روبيل وقال لهم : ألم أقل لكم : لا تأثموا بالغلام , فلم ~~تقبلوا , وهو ذا الآن نحن مطالبون بدمه . | ولم يعلموا أن يوسف يفهم كلامهم ~~, لأنه أوقف ترجمانا بينه وبينهم , فتنحى عنهم فبكى , ثم رجع إليهم يكلمهم ~~, ثم أخذ منهم شمعون فأوثقه تجاههم . | وأمر يوسف بملء أوعيتهم ميرة , وأمر ~~برد ورق كل امرىء منهم في وعائه , وأن يزودوا زادا للطريق , ففعل ذلك بهم ~~كما أمر يوسف عليه السلام , فحملوا ميرتهم على حميرهم وانطلقوا , ففتح ~~بعضهم وعاءه ليلقي قضيما لحماره في مبيتهم . | فرأى ورقه موضوعا على طرف ~~حمولته . | فقال لإخوته : ورقي رد إلي وهو ذا على طرف حمولتي , فارتجفت ~~قلوبهم وفزعت نفوسهم , وتعجب كل امرىء منهم , فقالوا : ياليت شعري ما هذا ~~الذي صنعه الله بنا ! فأتوا يعقوب أباهم إلى أرض كنعان , فأخبروه بجميع ما ~~عرض لهم وقالوا : إن الرجل سيد الأرض كلمنا بفظاظة وقساوة . | وحسبنا ~~بمنزلة الجواسيس أتينا لنطالع الأرض , فقلنا : إنا أبرياء عدول , فلسنا ~~بطلائع , فنحن اثنا عشر أخا بنو أب واحد , فقد واحد منا والآخر عند أبينا ~~يومنا هذا بأرض كنعان , فقال لنا الرجل سيد الأرض ورئيسها : بهذا أعلم ~~بأنكم أبرارعدول , خفلوا عندي أحد إخوتكم , واحملوا ميرة للجوع الذي في ~~بيوتكم . | وانصرفوا فأتوني بأخيكم الأصغر معكم , فأعلم حينئذ أنكم لستم ~~بطلائع , بل أنتم أبرياء عدول , وآمر بدفع أخيكم إليكم , وتتجرون في الأرض ~~, فبينما هم يفرغون أوعيتهم فإذا هم بصرة كل امرىء منهم على طرف وعائه ~~فرأوا ورقهم مصروا ففزعوا هم وأبوهم . | فقال لهم أبوهم : إنكم قد ~~أثكلتموني ولدي وأفقدتموني إياهما , لأن يوسف فقدته . | وشمعان محبوس , ~~وتنطلقون بنيامين أيضا وقد كملت علي المصائب كلها , فقال روبيل لأبيه : ~~ثكلت ابني جميعا إن لم آتك به ! ادفعه إلي وأنا أرده إلأيك , فقال : لا ~~تهبط ابني معكم , لأن أخاه يوسف توفي وهو وحده الباقي لأمه , فتعرض له آفة ~~في الطريق الذي تسلكونه فتنزلون شيبتي إلى الجدث بالشقاء والشحب . | ~~PageV04P083 فاشتد الجوع على الأرض , ما أكلوا الذي أتوا به من مصر وأفنوه ~~قال لهم ms2419 يعقوب أبوهم عليه السلام : اهبوط فامتاروا لنا شيئا من قمح , فقال ~~له يهوذا : إن الرجل أنذرنا وتقدم إلينا وقال : لا تعاينوا وجهي إلا وأخوكم ~~معكم , فإن أنت أرسلت أخانا معنا فإنا نهبط فنمتاز , وإن لم تبعثه لم ننطلق ~~, فقال لهم أبوهم : ولم أسأتم إلي فأخبرتم الرجل أن لكم أخا ؟ فقالوا : ~~الرجل سأل عنا وعن رهطنا وقال : إن أباكم في الحياة بعد ؟ وهل لكم أخ ؟ ~~فأخبرناه من أجل هذا الكلام , أكنا نعلم أنه يقول : اهبوط معكم بأخيكم ؟ ~~وقال يهوذا لإسرائيل أبيه : سرح الغلام فننطلق فنحيى ولا نموت نحن وأنت ~~أيضا وحشمنا , أنا أكفل به . | فإن لم آتك به فأقيمه بين يديك فأنا مخطىء ~~بين يدي أبي جميع الأيام . | فقال أبوهم إسرائيل : إذا كان الأمر هكذا ~~فافعلوا ما آمركم به : احملوا في أوعيتكم من ثمار هذه الأرض شيئا من صنوبر ~~وعسل وعلك البطم وخروب وحب السرو وبطم ولوز , وخذوا من الورق ضعف الذي في ~~أوعيتكم , لعل ذلك أن يكون وهما منهم , وانطلقوا بأخيكم إلى الرجل , ~~وارجعوا إلي كلكم , وإله المواعيد يظفركم من الرجل برحمة ورأفة , فيرسل ~~بأخيكم الآخر معكم بنيامين أيضا , فأخذ القوم هذه الهدية وضعفا من الفضة , ~~وانطلقوا معهم ببنيامين وأتوا يوسف فوقفوا بين يديه . | فرأى يوسف بنيامين ~~معهم فقال لحاجبه : أدخل القوم إلى المنزل , واذبح ذبيحا , وهيىء الغذاء , ~~لأن القوم يتغدون معي ظهرا , ففعل العبد كما أمره يوسف عليه السلام , وأدخل ~~القوم إلى منزل يوسف عليه السلام وقالوا : إنهم إنما يدخلوننا لسبب الورق ~~الذي وجدنا في أعدالنا من قبل , فيريدون أن يتطاولوا علينا ويمكروا بنا , ~~فيجعلونا عبيدا ودوابنا ملكا , فدنوا من الرجل حاجب - وفي نسخة : خازن - ~~يوسف عليه السلام . | فكلموه على باب المنزل , وقالوا له : إنا نطلب إليك ~~يا سيدنا أنا هبطنا أولا إلى هاهنا فامترنا قمحا , فلما طلعنا وصرنا في ~~البيت إذا نحن بورق كل واحد منا في عدله , فقد رددنا أوراقنا بوزنها معنا ~~وأتينا معها بأوراق أخر لنمتار بها , ولا نعلم من الذي صير أوراقنا في ~~أوعيتنا ؟ فقال ms2420 لهم : السلام لكن , لا تخافوا ولا تستوفضوا , إلهكم إله ~~المواعيد إله أبيكم ذخر لكم هذه الذخيرة في أوعيتكم , لأن ورقكم قد صار في ~~قبضتي , وأخرج إليهم شمعون , فأدخل العبد القوم إلى منزل يوسف عليه السلام ~~, وأتاهم بماء فغسلوا أيديهم وأقدامهم , وألقى قضميا لدوابهم , فأعد القوم ~~هديتهم قبل دخول يوسف عليه السلام وقت القائلة لأنه بلغهم أن غداءهم يكون ~~هناك , فدخل يوسف إلى منزله , فأدخلوا هديتهم فوضعوها بين يديه في منزله , ~~وخروا له سجدا على الأرض , فسألهم PageV04P084 عن سلامتهم وقال : أسالم هو ~~؟ أبوكم الذي أخرتموني عنه أنه الحياة هو بعد ؟ فقالوا : إن أبانا عبدك ~~سالم , ثم جثوا فسجدوا فرفع بصره فأبصر بنيامين أخاه ابن أمه فقال لهم : ~~هذا أخوكم الذي أخبرتموني عنه ؟ فقالوا : نعم ؟ فقال له : الله يترأف عليكم ~~يابني , فاستعجل يوسف عليه السلام لأنه رق له وتحنن عليه فأراد البكاءن ~~فدخل إلى مكانه فبكى هناك , ثم غسل وجهه وخرج فصبر نفسه , فأمر أن يأتوهم ~~بالغداء , فوضعوا بين يديه وحده , وقربوا إليهم وحدهم , لأنه لا يستطيع أهل ~~مصر أن يأكلوا مع العبرانيين , لأن هذه نجاسة عند المصريينن فأمر فاتكأ ~~الأكبر على قدر سنه والأصغر على قدر سنه , فتعجب القوم ومكثوا محيرين ~~مشدوهين , فأعطى كل واحد منهم من بين يديه جزءا , وأعطى بنيامين أكثر منهم ~~: خمسة أنصبة , فشربوا . | فأمر خازنه وقال له : أقر أوعية القوم من البر ~~ما أمكنهم حمله , وصير ورق كل امرىء منهم على طرف وعائه , وخذ طاسي طاس ~~الفضة وصيره في وعاء الأصغر مع ورق ميرته , ففعل العبد كما أمر يوسف عليه ~~السلام , فلما كان من الغد سرح القوم لينطلقوا هم وحميرهم , فخرجوا من ~~القرية , وقبل أن يخرجوا منها قال يوسف لخازنه : قم فامض في طلب القوم ~~وألحقهم وقل لهم : لم كافيتم الشر بدل الخير , فأخذتم الطاس الذي يشرب فيه ~~سيدي ويعتاف فيه اعتيافا , فأسأتم فيما جاء منكم , فلحقهم وقال لهم هذه ~~الأقاويل , فقالوا له : لا تقولنى يا سيدنا هذه الأقاويل , معاذ الله أن ~~يفعل عبيدك هذه الفعال ! نحن ms2421 رددنا أوراقنا التي وجدنا في أوعيتنا من أرض ~~كنعان , فكيف نسرق من بيت سيدك ذهبا أو فضة , من وجد عنده من عبيدك فليمت ~~ونكن نحن عبيدا لسيدنا ! قال لهم : هو على ما تقولون , من وجد عنده من ~~عبيدك فليمت ونكن نحن عبيدا تكونين فلحين طاهن , فاستعجل كل منهم وعاءه , ~~ففتشوا ابتداء بالأكبر وانتهاء إلى الأصغر , فوجدوا الطاس في وعاء بنيامين ~~, فمزقوا ثيابهم وخرقوها . | وحمل كل امرىء منهم وعاءه على حماره , ورجعوا ~~إلى القرية , فدخل يهوذا وإخوته على يوسف وكان في منزله بعد , فخرجوا بين ~~يديه على الأرض , فقال لهم يوسف : ما هذا الفعل الذي جاء منكم ؟ أما تعلمون ~~أن رجلا مثلي يعتاف - وفي نسخة : يمتحن - بكأس اعتيافا ؟ لم تتعدون عليه ~~وتأخذونه ؟ فقال يهوذا : بماذا نكلم سيدنا ! وبماذا ننطق ! وبماذا نفلح - ~~وفي نسخة : نحتج - من عند الله نزلت هذه الخطيئة بعبيدك , هو ذا نحن عبيد ~~لسيدنا نحن ومن أصيب الكأس عنده , فقال : معاذ الله أن أفعل هذا ! بل الرجل ~~الذي وجد الكأس عنده يكون لي عبدا , وأنتم فاصعدوا بسلام إلى أبيكم . | ~~فدنا منه يهوذا فقال : أنا أطلب إليك يا سيدي أن تأذن لعبدك بالكلام بين ~~يديك , PageV04P085 يا سيد ! ولا تشعل غضبك على عبيدك , لأنك مثل فرعون , ~~سأل سيدي عبيده فقال لهم : هل لكم أب أو أخ ؟ فقلنا لسيدنا : إن لنا أبا ~~سيخا وابنا له صغيرا ولد على كبر سنه , وإن أخاه مات , وهو الباقي وحده ~~لأمه , وأبوه يحبه , وأمرت عبيدك وقلت : اهبطوا به إلي حتى أعرفه وأعاينه , ~~فقلنا لسيدنا : لا بقدر الغلام على مفارقة أبيه , لأنه إن فارقه أبوه توفي ~~, فقلت لعبيدك : إنه لم يهبط أخوكم الأصغر معكم فلا تعودوا أن تعاينوا وجهي ~~, فلما صعدنا إلى عبدك أبينا أخبرناه بقول سيدنا فقال لنا عبدك أبونا : ~~ارجعوا فامتاروا شيئا من بر , فقلنا لأبينا : لا نقدر على الهبوط إلى أن ~~نهبط بأخينا الأصغر معنا , لأنا لا نقدر على معاينة وجه الرجل إن لم يكن ~~أخونا معنا , فقال لنا عبدك أبونا : أنتم تعلمون أن ms2422 امرأتي ولدت لي ابنين , ~~فخرج واحد من عندي فقلتم : إنه قتل قتلا , فلم أعاينه إلى يوم الناس هذا , ~~فتحملون أيضا هذا من عندي فيعرض له صيد فتهبطون بشيخوختي بحزن وشر القبر , ~~والآن إذا نحن انطلقنا إلى عبدك أبينا وليس الغلام معنا ونفسه حبيبة إليه , ~~فإذا علم أن الغلام ليس هو معنا يموت فيهبط عبدك شيبة أبينا بالشقاء ~~والتشحيب , لأن عبدك ضمن الغلام لأبينا , وقلت : إني إذا لم آتك به أخطىء ~~باقي جميع الأيام , والآن فليبق عبدك بدل الغلام معي كيلا أعاين الشر الذي ~~ينزل بأبي . | < < # | يوسف : ( 80 - 84 ) فلما استيأسوا منه . . . . . # > > ^ ( فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد ~~أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن ~~لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين * ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يأبانا ~~إن ابنك سرق وما شهدنآ إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين * واسأل القرية ~~التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون * قال بل سولت لكم ~~أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم ~~* وتولى عنهم وقال يأسفا على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ) ^ } ) ~~| ولما أياسهم بما قال عن إطلاق بنيامين , حكى الله تعالى ما أثمر لهم ذلك ~~من الرأي فقال : { فلما } دالا بالفاء على قرب زمن المراجعات { استيئسوا ~~منه } أي تحول رجاءهم لتخلية سبيله لما رأوا من إحسانه ولطفه ورحمته يأسا ~~شديدا بما رأوا من ثباته على أخذه بعينه وعدم استبداله { خلصوا } أي ~~انفردوا من غيرهم حال كونهم { نجيا } أي ذوي نجوى يناجي بعضهم بعضا , من ~~المناجاة وهي رفع المعنى من كل PageV04P086 واحد إلى صاحبه في خفاء , من ~~النجو وهو الارتفاع عن الأرض - قاله الرماني , أو تمحضوا تناجيا لإفاضتم ~~فيه بجد كأنهم صورة التناجي , فكأنه قيل : فما قالوا ؟ فقيل : { قال كبيرهم ~~} في السن وهو روبيل : { ألم تعلموا } مقرا لهم بما يعرفونه مع قرب الزمان ~~ليشتد توجههم في ms2423 بذل الجهد في الخلاص من غضب أبيهم { أن أباكم } أي الشيخ ~~الكبير الذي فجعتموه في أحب ولده إليه . | ولما كان المقام بالتقرير ومعرفة ~~صورة الحال لتوقع ما يأتي من الكلام , قال : { قد اخذ عليكم } أي قبل أن ~~يعطيكم هذا الولد الآخر { موثقا } ولما كان الله تعالى هو الذي شرعه - كما ~~مضى - كان كأنه منه , فقال : { من الله } أي إيمان الملك الأعظم : لتأتنه ~~به إلا أن يحاط بكم { ومن قبل } أي قبل هذا { ما فرطتم } أي قصرتم بترك ~~التقدم بما يحق لكم في ظن أبيكم أو فيما ادعيتم لأبيكم تفريطا عظيما , فإن ~~زيادة ( ما ) تدل على إرادته لذلك { في } ضياع { يوسف } فلا يصدقكم أبوكم ~~أصلا , بل يضم هذه إلى تلك فيعلم بها خيانتكم قطعا , وأصل معنى التفريط , : ~~التقدم , من قوله صلى الله عليه وسلم : ( أنا فرطكم على الحوض ) ولما كان ~~الموضع موضع التأسف والتفجع والتلهف , أكده ب ( ما ) النافية لنقيض المثبت ~~كما سلف غير مرة , أي أن فعلكم في يوسف ما كان إلا تفريطا لا شك فيه { فلن ~~أبرح } أي أفارق هذه { الأرض } بسبب هذا , وإيصاله الفعل بدون حرف دليل على ~~أنه صار شديد الالتصاق بها { حتى يأذن لي أبي } في الذهاب منها { أو يحكم ~~الله } أي الذي له الكمال كله ووثقنا به { لي } بخلاص أخي أو بالذهاب منها ~~بوجه من الوجوه التي يعلمها ويقدر على التسبب لها { وهو } أي ظاهرا وباطنا ~~{ خير الحاكمين * } إذا أراد أمرا بلغه بإحاطة علمه وشمول قدرته , وجعله ~~على أحسن الوجود وأتقنها , فكأنه قيل : هذا ما رأى أن يفعل في نفسه , فماذا ~~رأى لإخوته ؟ فقيل : أمرهم بالرجوع ليعلموا أباهم لإمكان أن يريد القدوم ~~إلى مصر ليرى ابنه أو يكون عنده رأي فيه فرج , فقال : { ارجعوا إلى أبيكم } ~~أي دوني { فقولوا } أي له متلطفين في خطابكم PageV04P087 { ياأبانا } ~~وأكدوا مقالتكم فإنه ينكرها لكم فقولوا : { إن ابنك } أي شقيق يوسف عليه ~~الصلاة والسلام الذي هو أكملنا في النبوة عندك { سرق } . | ولما كانوا في ~~غاية الثقة من أن أحدا منهم ms2424 لا يلم بمثل ذلك , اشاروا إليه بقولهم : { وما ~~شهدنا } أي في ذلك { إلا بما علمنا } ظاهرا من رؤيتنا الصواع يخرج من وعائه ~~؛ والشهادة : الخبر عن إحساس قول أو فعل , وتجوز الشهادة بما أدى إليه ~~الدليل القطعي { وما كنا للغيب } أي الأمر الذي غاب عنا { حافظين * } فلعل ~~حيلة دبرت في ذلك غاب عنا علمها كما صنع في رد بضاعتنا { واسأل القرية } أي ~~أهلها وجدرانها إن كانت تنطق { التي كنا فيها } وهي مصر , عما أخبرناك به ~~يخبروك بصدقنا , فإن الأمر قد اشتهر عندهم { و } اسأل { العير } أي أصحابها ~~وهم قوم من كنعان جيران يعقوب عليه الصلاة والسلام { التي أقبلنا فيها } ~~والسؤال : طلب الإخبار بأداته من الهمزة وهل ونحوهما , والقرية : الأرض ~~الجامعة لحدود فاصلة , وأصلها من قريت الماء , أي جمعته , وسيأتي شرح لفظها ~~آخر السورة , والعير : قافلة الحمير , من العير - بالفتح , وهو الحمار , ~~هذا الأصل - كما تقدم ثم كثر حتى استعمل في غير الحمير . | ولما كان ذلك ~~جديرا بالإنكار لما يتحقق من كرم أخيهم , أكدوه بقولهم : { وإنا } أي والله ~~{ لصادقون * } فكأنه قيل : فرجعوا إلى أبيهم وقالوا ما قال لهم كبيرهم , ~~فكأنه قيلك فما قال لهم ؟ فقيل : { قال بل } أي ليس الأمر كذلك , لم تصح ~~نسبة ابني إلى السرقة ظاهرا ولا باطنا , أي لم يأخذ شيئا من صاحبه في خفاء ~~بل { سولت } أي زينت تزيينا فيه غي { لكم أنفسكم أمرا } أي حدثتكم بأمر ~~ترتب عليه ذلك , والأمر : الشيء الذي من شأنه أن تأمر النفس به , وكلا ~~الأمرين صحيح , أما النفي فواضح , لأن بنيامين لم يسرق الصواع ولا هم بذلك ~~, ولذلك لم ينسبه يوسف عليه الصلاة والسلام ولا مناديه إلى ذلك بمفرده , ~~وأما الإثبات فأوضح , لأنه لولا فعلهم بيوسف عليه الصلاة والسلام لما سولت ~~لهم فيه أنفسهم لم يقع هذا الأمر لبنيامين عليه السلام { فصبر جميل } مني , ~~لأن ظني في الله جميل , وفي قوله : { عسى الله } أي المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما { أن يأتيني بهم } أي بيوسف وشقيقه بنيامين وروبيل { جميعا } ما يدل ~~الفطن على ms2425 أنه تفرس أن هذه الأفعال نشأت عن يوسف عليه الصاة والسلام , وأن ~~الأمر إلى سلامة واجتماع ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنه هو } أي وحده { العليم ~~} أي البليغ العلم بما خفي علينا من ذلك , فيعلم أسبابه الموصلة إلى ~~المقاصد { الحكيم * } أي البليغ في إحكام الأمور في ترتيب الأسباب بحيث لا ~~يقدر أحد على نقض ما أبرمه منها , وترتيب الوصفين على غاية الإحكام - كما ~~ترى - لأن الحال داع إلى العلم بما PageV04P088 غاب من الاسباب أكثر من ~~دعائه إلى معرفة حكمتها ؛ قال هذه المقالة { وتولى } أي انصرف بوجهه { عنهم ~~} لما تفاقم عليه من الحزن , وبلغ به من الجهد , وهاج به باجتماع حزن إلى ~~حزن من الحرق كراهية لما جاؤوا به وإقبالا على من إليه الأمر { وقال } ~~مشتكيا إلى الله لا غيره , فهو تعريض بأشد التصريح والدعاء : { ياأسفي } أي ~~يا أشد حزني , والألف بدل عن ياء الإضافة لتدل على بلوغ الأسف إلى ما لا حد ~~له , وجناس ( الأسف ) مع ( يوسف ) مما لم يتعمدن فيكون مطبوعا , فيصل إلى ~~نهاية الإبداع , وأمثاله في القرآن كثير { على يوسف } هذا أوانك الذي ملأني ~~بك فنادني كما أنادمك , وخصه لأنه قاعدة إخوانه , انبى عليها وتفرع منها ما ~~بعدها { وابيضت عينه } أي انقلب سوادهما إلى حال البياض كثرة الاستعبار , ~~فعمى البصر { من الحزن } الذي هو سبب البكاء الدائم الذي هو سبب البياض , ~~فذكر السبب الأولن يقال : بلغ حزنه عليه السلام حزن سبعين ثكلى وما ساء طنه ~~قط . | ثم علل ذلك بقوله : { فهو } أي بسبب الحزن { كظيم * } أي شديد الكظم ~~لامتلائه من الكرب , مانع نفسه من عمل ما يقتضيه ذلك من الرعونات بما آتاه ~~الله من العلم والحكمة , وذلك أشد ما يكون على النفس وأقوى ما يكون للحزن , ~~فهو فعيل بمعنى مفعول , وهو أبلغ منه , من كظم السقاء - إذا شده على ملئه . ~~| ومادة ( كظم ) تدور على المنع من الإظهار , يلزمه الكرب - لأنه من شأن ~~الممنوع مما قد امتلأ منه , ويلزمه الامتلاء , لأن ما دونه ليس فيه قوة ~~الظهور , كظم غيظه - غذغ ms2426 سكت بعد امتلائه منه , وكظمت السقاء - إذا ملأته ~~وسددته , وكظم البعير جرته - إذا ردها وكف , والكظم : مخرج النفس , لأنه به ~~يمنع من الجري في هواه ؛ الكظامة : حبل يشد به خرطوم البعير , لمنعه مما ~~يريد , وأيضا يوصل بوتر القوس العربية ثم يدار بطرف السية العليا , منعا له ~~من الانحلال وأيضا قناة في باطن الأرض يجري فيهما الماء , لأنه يمنع الماء ~~من أن يأخذ في هواه فيرتفع في موضع النبع فيظهر على وجه الأرض , وخرق يجري ~~فيه الماء من بئر إلى بئر , لأنه لا يصنع إلا عند ضعف إحدى البئرين , ~~فلولاه لفاضت القوية , فهو تصريفة لمائها في غير وجهه , وكظامة الميزان : ~~المسمار الذي يدور فيه اللسان , لأنه يربطه فيمنعه من الانفكاك , ويقال : ~~مازلت كاظما يومي كله , اي ممسكا عن الأكل وقد امتلأت جوعا , وقد يطلق على ~~مطلق النبع , ومنه كاظمة - لقرية على شاطىء البحر , لأن البحر قد كظمها عن ~~الانفساخ وكذا هي منعته عن الانسياح . | PageV04P089 < < # | يوسف : ( 85 - 88 ) قالوا تالله تفتأ . . . . . # > > ^ ( قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين * ~~قال إنمآ أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون * يبني ~~اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح ~~الله إلا القوم الكافرون * فلما دخلوا عليه قالوا يأيها العزيز مسنا وأهلنا ~~الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينآ إن الله يجزي ~~المتصدقين ) ^ } ) | فلما رأوا أنه قد فاتهم ما ظنوا أنه يكون بعد ذهاب ~~يوسف من صلاح الحال مع أبيهم بقصر الإقبال عليهم , ووقع لأبيهم هذا الفادح ~~العظيم , تشوف السامع إلى قولهم له , فاستأنف الإخبار عنه بقوله : { قالوا ~~} أي حنقا من ذلك { تالله } أي الملك الأعظم , يمينا فيها تعجب { تفتئوا } ~~أي ما تزال { تذكر يوسف } حريصا على ذكره قويا عليه حرص الفتى مشرفا عليه ~~متهيئا له بدنف الجسم وخبل العقل - كما مضى بيانه في الأنفال عند { حرض ~~المؤمنين على القتال } { أو تكون } أي كونا لازما هو كالجبلة { من ms2427 الهالكين ~~* } ولما تشوفت النفس إلى ما كان عنه بعد ما رأى من غلطة بنيه , شفى عيها ~~بقوله : { قال إنما } أي نعن لا أزال كذلك لأنه من صفات الكمال للإنسان , ~~لدلالته على الرقة والوفاء , وإنما يكون مذموما إذا كان على وجه الشكاية ~~إلى الخلق وأنا لا أشكو إلى مخلوق , إنما { أشكوا بثي } والبث أشد الحزن , ~~سمي بذلك لأنه من صعوبته لا يطاق حمله فيباح به وينشر { وحزني } مطلقا وإن ~~كان سببه خفيفا يقدر الخلق على إزالته { إلى الله } أي المحيط بكل شيء علما ~~وقدرة تعرضا لنفحات كرمه , لا إلى أحد غيره , وهذا - الذي سمعتموه مني ~~فقلقتم له - قليل من كثير . | ولما كان يجوز أن يكونوا صادقين في أنهم لم ~~يجدوا إلا قميص يوسف ملطخا دما , وأن يكون قطعهم بأكل الذئب له مستندا إلى ~~ذلك , وكان يعقوب عليه السلام يغلب على ظنه أن يوسف عليه السلام حي ويظن في ~~الله أن يجمع شمله به , قال : { وأعلم من الله } أي الملك الأعلى من اللطف ~~بنا أهل هذا البيت ومن التفريج عن المكروبين والتفريج للمغمومين { ما لا ~~تعلمون * } ومادة ( فتا ) يائية وواوية مهموزة وغير ومهموزة بكل ترتيب وهي ~~فتأ , وفأت وتفأ وأفت , وفتى وفوت وتوف وتفو تدور على الشباب , وتلزمه ~~القوة و شدة العزيمة وسلامة PageV04P090 الانقياد : ما فتأ يفعل كذا - ~~مثلثة العين : ما زال كما أفتا , أي إنه ما زال فاعلا في ذلك فعل الشاب ~~الجلد الماضي العزم , وما فتىء أن فعل , ما برح أي أنه بادر إلى ذلك بسهولة ~~انقياد وشدة عزيمة , وحقيقته : ما فتىء عن فعل كذا , أي ما تجاوزه إلى غيره ~~وما نسيه بل قصر فتاءه وهمته وجلده عليه , وعن ابن مالك في جمع اللغات ~~المشكلة وعزاه للفراء - وصححه في القاموسك فتأ - كمنع : كسر وأطفأ , وهو ~~واضح في القوة , وفتىء عنه - كسمع : نسيه وانقذع عنه , أي انكف أو خاص ~~بالجحد , أي بأن يكون قبله حرف نفي , ومعناه أن قوته تجاوزته فلم تخالطه ؛ ~~ومن يائيه : الفتاء - كسماء : الشاب , وكأنه أصل المادة , والفتى ms2428 - بالقصر ~~؛ السخي والكريم , أي الجواد الشريف النفس , والفتى : السيد الشجاع - لأن ~~ذلك يلزم الشباب , والفتى : المملوك وإن كان بخيلا أو شيخا - لأنه غالبا لا ~~يشتري إلا الشباب , والفتى : التلميذ , والتابع كذلك , والفتى - كغنى : ~~الشاب أيضا , والفتوة : الكرم , وقد تفتى وتفاتى , وفتوتهم : غلبتهم فيها , ~~وأفتاه في الأمر : أبانه له , والفتيا - بالضم والفتوى - ويفتح : ما أفتى ~~به الفقيه , وهو يرجع إلى الجود وحسن الخلق , والفتيان : الليل والنهار , ~~ولذلك يسميان الجديدين , وفتيت البنت تفتية : منعت اللعب مع الصبيان , فهو ~~من سلب الشباب , أي فعله ومن مقلوبه مهموزا : افتأت على الباطل : اختلقه , ~~وبرأيه : استبد , وكلاهما يدل على جرأة وطيش , وهو بالشاب الذي لم يحنكه ~~الدهر أجدر , وافتئت - على البناء للمفعول : مات فجأة - كأن ذلك أشد الموت ~~؛ ومن واوية : فات الشيء فوتا وفواتا : ذهب فسبق فلم يدرك , وفاته وافتاته ~~: ذهب عنه فسبقه , وذلك يدل على قوة السابق , وبينهما فوت , أي بون - كأن ~~كلا منهما سابق للآخر , وتفاوت الشيئان وتفوتا : تباعد ما بينهما , ويلزم ~~ذلك الاختلاف والاضطراب , ويلزمه العيب { فما ترى في خلق الرحمن من تفوت } ~~: من عيب , يقول الناظر : لو كان كذا كان أحسن , وموت الفوات : الفجأة , ~~وهو فوت رمحه ويده , أي حيث يراه ولا يصل إليه , والفوت : الفرجة بين ~~إصبعين , وافتأت عليه برأيه : سبقه به , وفاته به وعليه : غلبه , ولا يفتات ~~عليه أي لا يعمل دون أمره , أي لا أحد أشد منه فيسبقه , وافتات الكلام : ~~ابتدعه - كما تقدم في المهموز , وافتات عليه : حكم - لقوته , والفويت - ~~كزبير : المنفر برأيه - للمذكر والمؤنث , وذلك لعدة نفسه شديدا , وتفوت ~~عليه في ماله : فاته به ؛ ومن مقلوبه مهموزا : تفىء كفرح : احتد وغضب - ~~وذلك لشدته , وتفيئة الشيء : حينه وزمانه , وذلك أحسن أحواله , ودخل على ~~تفيئته أي أثره أي لم يسبقه بكثير , وذلك أشد له ؛ ومن واوية : التفة كقفة ~~: عناق الأرض وهي تصيد , وفيها خلاف يبين إن شاء الله تعالى في قوله : { ~~جزاء موفورا } من سورة سبحان ؛ ومن مقلوبه PageV04P091 واويا : تاف بصره ~~يتوف : تاه - كأنه لسلب الشدة أو المعنى أنه وقع ms2429 في توقة , أي شدة , وما ~~فيه توفة - بالضم - ولا تافة : عيب أو مزيد أو حاجة وأبطأ وكل ذلك يدل على ~~شدته , وطلب علي توفة بالفتح , : عثرة وذنبا - من ذلك لأن العثرة والذنب لا ~~يصيبان شيئا إلا عن شدتهما وضعفه ؛ ومن مقلوبه مهموزا : الأفت - بالفتح : ~~النافة التي عندها من الصبر والبقاء ما ليس عند غيرها , والسريع الذي يغلب ~~الإبل على السير , والكريم من الإبل - ويكسر - والداهية والعجب , وكل ذلك ~~واضح في القوة , والإفت - بالكسر : الأول - لأنه أصل كل معدود , وأفته عن ~~كذا : صرفه . | ولما أخبرهم عليه السلام أن علمه فوق علمهم , أتبعه ~~اشتئنافا ما يدل عليه فقال : { يابني اذهبوا } ثم سبب عن هذا الذهاب وعقب ~~به قوله : { فتحسسوا } أي بجميع جهدكم { من يوسف وأخيه } أي اطلبوا من ~~أخبارهم بحواسكم لعلكم تظفرون بهما , وهذا يؤكد ما تقدم من احتمال ظنه أن ~~فاعل ذلك يوسف - عليهم الصلاة والسلام . | ولما لم يكن عندهم من العلم ما ~~عنده , قال : { ولا تيأسوا } أي تقنطوا { من روح الله } أي الذي له الكمال ~~كله ؛ والروح - قال الرماني - يقع بريح تلذ , وكأن هذا أصله فالمراد : من ~~رحمته وفرجه وتيسره ولطفه في جمع الشتات وتيسير المراد ؛ ثم علل هذا النهي ~~بقوله : { إنه لا يبأس } أي لا يقنط { من روح الله } أي الذي له جميع صفات ~~الجلال والإكرام { إلا القوم } أي الذين لهم قوة المحاولة { الكافرون * } ~~أي العريقون في الكفر , فأجابوه إلى ما أراد , قتوجهوا إلى مصر لذلك ولقصد ~~الميرة لما كان اشتد بهم من القحط , وقصدوا العزيز ؛ وقوله : { فلما دخلوا ~~عليه } بالفاء يدل على أنهم أسرعوا الكرة في هذه المرة { قالوا } منادين ~~بالأداة التي تنبه على أن ما بعدها له وقع عظيم { يا أيها العزيز } . | ~~ولما تلطفوا تعظيمه , ترققوا بقولهم : { مسنا } أي أيتها العصابة التي ~~تراها { وأهلنا } أي الذين تركناهم في بلادنا { الضر } أي لابسنا ملابسة ~~نحسها { وجئنا ببضاعة مزجاة } أي تافهة غير مرغوب فيها بوجه , ثم سببوا عن ~~هذا الاعتراف - لأنه أقرب إلى رحمة أهل الكرم - قولهم : { فأوف لنا ms2430 } أي ~~شفقة علينا بسبب ضعفنا { الكيل وتصدق } أي تفضيل { علينا } زيادة على ~~الوفاء كما عودتنا بفضل ترجو ثوابه . | ولما رأوا أفعاله تدل على تمسكه ~~بدين الله , عللوا ذلك بقولهم : { إن الله } أي الذي له الكمال كله { يجزي ~~المتصدقين * } أي مطلقا وإن أظهرت - بما أفاد الإظهار - وإن كانت على غنى ~~قوي , فكيف إذا كانت على أهل الحاجة والضعف . | PageV04P092 < < # | يوسف : ( 89 - 92 ) قال هل علمتم . . . . . # > > ^ ( قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون * قالوا أإنك ~~لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينآ إنه من يتق ويصبر فإن ~~الله لا يضيع أجر المحسنين * قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا ~~لخاطئين * قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ) ^ } ~~) | فلما رأى أن الأمر بلغ الغاية ولم يبق شيء يتخوفه , عرفهم بنفسه ~~فاستأنف تعالى الإخبار عن ذلك بقوله حكاية : { قال هل علمتم } مقررا لهم ~~بعد أن اجترؤوا عليه واستأنسوا به , والظاهر أن هذا كان بغير ترجمان { ما } ~~أي قبح الذي { فعلتم بيوسف } أي أخيكم الذي حلتم بينه وبين أبيه { وأخيه } ~~في جعلكم إياه فريدا منه ذليلا بينكم , ثم في قولكم له لما وجدوا الصواع في ~~رحله : لا يزال يأتينا البلاء من قبلكم يا بني راحيل ! وأعلمهم بأن ظنه ~~فيهم الآن جميل تسكينا لهم فقال : { إذ } أي حين { أنتم جاهلون * } أي ~~فاعلون فعلهم - تلويحا لهم إلى معرفته وتذكيرا بالذنب ليتوبوا , وتلطفا ~~معهم في ذلك المقام الذي يتنفس فيه المكروب , وينفث فيه المصدور , ويشتفي ~~فيه المغيظ المحنق , ويدرك ثأره الموتور , بتخصيص جهلهم - بمقتضى ( إذا ) - ~~بذلك الزمان إفهاما لهم أنهم الآن على خلاف ذلك , فكأنه قيل : إنه قد قرب ~~لهم الكشف عن أمره , لأنه لا يستفهم ملك مثله - لم ينشأ بينهم ولا تتبع ~~أحوالهم وليس منهم - هذا الاستفهام ولا سيما وقد روى أنه لما قال هذا تبسم ~~, وكان في تبسمه أمر من الحسن لا يجهله معه من رآه ولو مرة واحدة , فهل ~~عرفوه ؟ فقيل : ظنوه ظنا غالبا ms2431 , ولذلك { قالوا } مستفهمين { أإنك } وأكدوا ~~بقولهم : { لأنت يوسف } . | ولما كان المتوقع من مثله فيما هو فيه من ~~العظمة أن يجازيهم على سوء صنيعهم إليه , استأنف بيان كرمه فقال : { قال ~~أنا يوسف } وزادهم قوله : { وهذا أخي } أي بنيامين شقيقي لذكره لهم في قوله ~~{ وأخيه } وليزيدهم ذلك معرفة له , وثبتها في أمره بتصديقه له مع مكثه عنده ~~مدة ذهابهم وإيابهم , وليبني عليه قوله : { قد من الله } أي الذي له الجلال ~~والإكرام { علينا } بأن جمع بيننا على خير حال تكون ؛ ثم تعليله بقوله : { ~~إنه من يتق } وهو مجزوم لأنه فعل الشرط , وأثبت قنبل - بخلافه عنه - ياءه ~~في الحالين معاملا له معاملة الصحيح إشارة إلى وصف التقوى بالصحة الكاملة ~~والمكنة الزائدة والملازمة لها في كل حال { ويصبر } أي يوفه الله أجره ~~لإحسانه { فإن الله } أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال { لا يضيع } أي ~~أدنى إضاعة - أجره , هكذا كان الأصل , ولكنه عبر بما يعرف أن التقوى والصبر ~~والإحسان , فقال : { أجر المحسنين * } PageV04P093 والتقوى : دفع البلاء ~~بسلوك طريق الهدى ؛ والصبر : حبس النفس بتجرع مرارة المنع عما يشتهي , ~~ولعله إنما ستر أمره عنهم إلى هذا الحد لأنه لو أرسل إلى أبيه يخبره قبل ~~الملك لم يأمن كيد إخوته , ولو تعرف إليهم بعده أو أول ما رآهم لم يأمن من ~~أن تقطع أفئدتهم عند مفاجأتهم بانكشاف الأمر وهو فيما هو فيه من العز , ~~فإنهم فعلوا به فعل القاتل من غير ذنب قدمه إليهمن فهم لا يشكون في أنه إذا ~~قدر عليهم يهلكهم لما تقدم لهم إليه من سوء الصنيعة , وعلى تقدير سلامتهم ~~لا يأمنونه وإن بالغ في إكرامهم , فإن الأمور العظام - إن لم تكم بالتدريج ~~- عظم خطرها , وتعدى ضررها , فإن أرسلهم ليأتوا بأبيهم خيف أن يختلوا ~~أباهما من ملك مصر ويحسنوا له الإبعاد عن بلاده , فيذهبوا إلى حيث لا يعلمه ~~, وإن أرسل معهم ثقات من عنده لم يؤمن أن يكون بينهم شر , وإن سجنهم وأرسل ~~إلى أبيه من يأتي به لم يحسن موقع ذلك من أبيه , ويحصل له وحشة ms2432 بحبس أولاده ~~, وتعظم القاله بين الناس من أهل مصر وغيرهم في ذلك , ففعل معهم ما تقدم ~~ليظهر لهم إحسانه وعدله ودينه وخيره , وكفه عنهم وعفوه عن فعلهم بالتدريج , ~~ويقفوا على ذل منه قولا وفعلا من أخيه الذي ربى معهم وهم به آنسون وله ~~ألفون , فتسكن روعتهم , وتهون زلتهم , ومما يدل على ذلك أنه لما انتفى عن ~~أخيه بنيامين ما اتصفوا به مما ذكر , تعرف إليه حين قدم عليه ونهاه أن ~~يخبرهم بحقيقة الأمر , وشرع يمد في ذلك لتستحكم الأسباب التي أرادها , فلما ~~ظن أن الأمر قد بلغ مداده , لوح لهم فعرفوه وقد أنسهم حسن عقله وبديع جماله ~~وشكله ورائع قوله وفعله , فكان موضع الوجل والخجل , وموضع اليأس الرجاء , ~~فحصل المراد على وفق السداد - والله الموفق ؛ وذلك تنبيه لمن قيل لهم أول ~~السورة < # > 77 ( { لعلكم تعقلون } ) 77 < # > [ يوسف : 2 ] على الاقتداء بأفعال الهداة المهديين في التأني والاتئاد ~~وتفويض الأمور إلى الحكيم , وأن لا يستعجلوه في أمر , وأن يعلموا أن سنته ~~الإلهية جرت بأن الأمور الصعاب لا تنفذ إلا بالمطاولة لترتب الأسباب شيئا ~~فشيئا على وجه الإحكام , وفي ذلك فوائد من أجلها امتحان أولى الطاعة ~~والعصيان - كما ستأتي الإشارة إليه آخر السورة بقوله ؛ < # > 77 ( { حتى إذا استيئس الرسل } ) 77 < # > [ يوسف : 110 ] الآية والله أعلم . | ولما كان ما ذكر , كان كأنه قيل : ~~لقد أتاهم ما لم يكونوا يحتسبون فما قالوا ؟ فقيل : { قالوا } متعجبين غاية ~~التعجب . | ولذلك أقسموا بما يدل على ذلك : { تالله } أي الملك الأعظم { ~~لقد آثرك الله } أي الذي له الأمر كله { علينا } أي جعل لك أثرا يغطي ~~آثارنا بعلوه فالمعنى : فضلك علينا أي بالعلم والعقل والحكم والحسن والملك ~~والتقوى PageV04P094 وغير { وإن } خففوها من الثقيلة تأكيدا بالإيجاز ~~للدلالة على الاهتمام بالإبلاغ في الاعتذار في أسرع وقت { كنا } أي كونا هو ~~جبلة لنا { لخاطئين * } أي عريقين في الخطأ , وهو تعمد الإثم , فكأنه ~~الكرام اقتداء بإخوانه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام { لا تثريب ~~} أي لا لوم ولا تعنيف ولا هلاك { عليكم اليوم } وإن ms2433 كان هذا الوقت مظنة ~~اللوم والتأنيب , فإذا انتفى ذلك فيه فما الظن بما بعده ! ومادة ( ثرب ) ~~تدور على البرث - بتقديم الموحدة , وهو أسهل الأرض وأحسنها ؛ ولثبرة - ~~بتقديم المثلثة : أرض ذات حجارة بيض , فإنه يلزمه الإخلاد , ومنه : ثابر ~~على الأمر : دوام , والمثبر - كمنزل : لمسقط الولد أي موضع ولادته , ~~والمقطع والمفصل , فيأتي الكسل واللين فيأتي الفساد , ومنه الثبور للهلاك , ~~والبثر بتقديم الموحدة : خراج معروف : والماء البثر : الذي بقى منه على ~~الأرض شيء قليل ؛ والربث - بتقديم الموحدة أيضا : حبس الإنسان , وهو يرجع ~~إلى الإقامة والدوام ايضا ؛ والتثريب : التقرير بالذنب , فهو إزالة ما على ~~الإنسان من ساتر العفو , من الثرب وهو شحم يغشى الكرش والأمعاء ويسترهما , ~~وهو من لوازم الأرض السهلة لما يلزم من خصبها , فالتثريب إزالته , وذلك ~~للقحط الناشىء عنه الهلاك , فأغلب مدار المادة الهلاك . | ولما أعفاهم من ~~الترثيب , كانوا في مظنة السؤال عن كمال العفو المزيل للعقاب من الله , ~~فأتبعه الجواب عن ذلك بالدعاء لهم بقوله : { يغفر الله } أي الذي له صفات ~~الكمال { لكم } أي ما فرط منكم وما لعله يكون بعد هذا ؛ ولعله عبر في هذا ~~الدعاء بالمضارع إرشادا لهم إلى إخلاص التوبه , ورغبهم في ذلك ورجاهم ~~بالصفة التي هي سبب الغفران , فقال : { وهو } أي وحده { ارحم الراحمين * } ~~أي لجميع العباد ولا سيما التائب , فهو جدير بإدرار النعم بعد الإعاذة من ~~النقم , وروى أنهم أرسلوا إليه أنك لتدعونا إلى طعامك وكرامتك بكرة وعشيا ~~ونحن نستحي لما فرط منا , فقال : إن أهل مصر ينظروني - وإن ملكت فيهم - ~~بعين العبودية فيقولون : سبحان من بلغ عبدا بيع بعشرين درهما ما بلغ , ولقد ~~شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي , وأني من ذرية ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام . | < < # | يوسف : ( 93 - 98 ) اذهبوا بقميصي هذا . . . . . # > > ^ ( اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم ~~أجمعين * ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن PageV04P095 ~~تفندون * قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم * فلمآ أن جآء البشير ألقاه على ~~وجهه فارتد ms2434 بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون * قالوا ~~يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ إنا كنا خاطئين * قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو ~~الغفور الرحيم ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما أقر أعينهم بعد اجتماع شملهم بإزالة ما يخشونه دنيا وأخرى , بقي ~~ما يخص أباهم من ذلك , فكأنه وقع السؤال عنه فأجيب بقوله : { اذهبوا بقميصي ~~} ولما كان قوله هذا ربما أوقع في أفهامهم قميصه الذي سلبوه إياه , احترز ~~عن ذلك بقوله : { هذا فألقوه } أي عقب وصولكم { على وجه أبي يأت } أي يرجع ~~إلى ما كان { بصيرا } أو يأت إلى حالة كونه بصيرا , فإنه إذا رد إليه بصره ~~وعلم مكاني لم يصبر عن القصد الي لما عنده من وفور المحبة وعظيم الشوق , ~~وكونه قميصا من ملابس يوسف المعتادة أدخل في الغرابة وأدل على الكرامة ؛ ~~والقميص ألصق الثياب بالجسم , فإظهار الكرامة به أدل على كمال دين صاحبه ~~وعراقته في أمور الإيمان , وهو يؤول في المنام بالدين , وذلك أدخل في كمال ~~السرور ليعقوب عليه الصلاة والسلام { وأتوني } أي بأبي وأنتم { بأهلكم } أي ~~مصاحبين لهم { أجمعين * } لا يتخلف منهم أحد , فرجعوا بالقميص لهذا القصد , ~~قيل : كان يهوذا هو الذي حمل قميصه لما لطخوه بالدم , فقال : لا يحمل هذا ~~غيري لأفرحه كما أحزنته , فحمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما ~~ثمانون فرسخا { ولما فصلت العير } من العريش آخر بلاد مصر إلى بلاد الشام { ~~قال أبوهم } لولد ولده ومن حوله من أهله , مؤكدا لعلمه أنهم ينكرون قوله : ~~{ إني لأجد } أي لأقول : إني لأجد { ريح يوسف } وصدهم عن مواجهته بالإنكار ~~بقوله : { لولا أن تفندون * } أي لقلت غير مستح ولا متوقف , لأن التنفيذ لا ~~يمنع الوجدان , وهو كما تقول لصاحبك : لولا أن تنسبني إلى الخفة لقلت كذا , ~~أي إني قائل به مع علمي بأنك لا توافقني عليه , ( وفصل ) هنا لازم يقال : ~~فصل من البلد يفصل فصولا , والفصل : القطع بين الشيئين بحاجز , والوجدان : ~~ظهور من جهة إدراك يستحيل معه انتفاء الشيء , والريح : عرض يدرك بحاسة ~~الأنف ms2435 أي الشم , والتنفيذ : تضعيف الرأي بالنسبة إلى الفند , وهو الخوف ~~وإنكار العقل من هرم , يقال : شيخ مفند , ولا يقال : عجوز مفندة , لأنها لم ~~تكن في شبيبتها ذات رأي فيفندها كبرها ؛ ثم استأنف حكاية جوابهم فقال : { ~~قالوا } أي السامعون له ما ظنه بهم , مقسمين بما دل على تعجبهم , وهو { ~~تالله } أي الملك الأعظم , وأكدوا لمعرفتهم أنه ينكر كلامهم وكذا كل من ~~يعرف كماله { إنك لفي ضلالك } أي بحيث صار ظرفا لك { القديم * } أي خطئك في ~~ظن PageV04P096 حياة يوسف ؛ قال الرماني : و الضلال : الذهاب عن جهة الصواب ~~. | فصحح الله قوله وحقق وجدانه , وعجلوا إليه بشيرا فأسرع بعد الفصول , ~~ولذلك عبر بالفاء في { فلما } وزيدت { أن } لتأكيد مجيئه على تلك الحال ~~وزيادتها قياس مطرد { جاء البشير } وهو يهوذا بذلك , معه القميص { ألقاه } ~~أي القميص حين وصل إلى يعقوب عليه الصلاة والسلام من غير فاصل ما بين أول ~~المجيء وبينه كما أفادته زيادة ( أن ) لتأكيد ما تفيده ( لما ) من وقوع ~~الفصل الثاني وهو هنا الإلقاء عقب الأول وترتبه عليه وهو هنا المجيء { على ~~وجهه } أي يعقوب عليه الصلاة والسلام { فارتد } من حينه { بصيرا } ~~والارتداد : انقلاب الشيء إلى حال كان عليها , فالتفت الخاطر إلى حاله مع ~~فنده , فأخبر تعالى عن ذلك بقوله مستأنفا : { قال } أي يعقوب عليه الصلاة ~~والسلام { ألم أقل لكم } : إني أجد ريحه ؛ ثم علل هذا التقرير بقوله مؤكدا ~~لأن قولهم قول من ينكر : { إني أعلم من الله } أي المختص بصفات الكمال { ما ~~لا تعلمون * } لما خصني به تعالى من أنواع المواهب , وهو عام لأخبار يوسف ~~عليه الصلاة والسلام وغيرها , وهو من الحديث بنعمة الله . | ولما كان ذلك ~~تشوفت النفس إلى علم ما يقع بينه وبين أولاده في ذلك , فدفع عنها هذا ~~العناء بقوله : { قالوا ياأبانا } منادين بالأداة التي تدل على الاهتمام ~~العظيم بما بعدها لما له من عظيم الوقع : { استغفر } أي اطلب من الله أن ~~يغفر { لنا ذنوبنا } ورد كل ضمير من هذه الضمائر إلى صاحبه في غاية الوضوح ~~, فلذلك لم يصرح ms2436 بصاحبه . | ولما سألوه الاستغفار لذنوبهم , عللوه ~~بالاعتراف بالذنب , لأن الاعتراف شرط التوبة - كما قال صلى الله عليه وسلم ~~: ( إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ) فقالوا مؤكدين تحقيقا ~~للإخلاص في التوبة : { إنا كنا خاطئين * } أي متعمدين للإثم بما ارتكبنا في ~~أمر يوسف علية الصلاة والسلام ؛ ثم حكى جوابه بقوله مستأنفا : { قال } أي ~~أبوهم عليه السلام مؤكدا لكلامه : { سوف أستغفر } أي أطلب أن يغفر { لكم ~~ربي } أي الذي لم يزل يحسن إلي ويربيني أحسن تربية , فهو الجدير بأن يغفر ~~لبني حتى لا يفرق بيني وبينهم في دار البقاء ؛ والربوبية : ملك هو أتم ~~الملك على الإطلاق , وهو ملك الله تعالى لإنشاء الأنفس باختراعها وتصريفها ~~أتم التصريف من الإيجاد والإعدام والتقليب من حال إلى حال في جميع الأمور ~~من غير تعب ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنه هو } أي وحده { الغفور الرحيم * } ~~كل ذلك تسكينا لقلوبهم وتصحيحا لرجائهم ليقوى أملهم , فيكون تعالى عند طنهم ~~بتحقيق الإجابة وتنجيزا لطلبه ؛ ولعله عبرب ( سوف ) لتقديم هاتين الجملتين ~~على المسألة لما ذكرته من الأغراض , وقيل : لأنه أخر الدعاء إلى صلاة ~~PageV04P097 الليل , وقيل : إلى ليلة الجمعة ؛ وقيل : يؤخذ منها أن طلب ~~الحوائج إلى الشباب أسهل منه إلى الشيوخ . | < < # | يوسف : ( 99 - 100 ) فلما دخلوا على . . . . . # > > ^ ( فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شآء الله ~~آمنين * ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يأبت هذا تأويل رؤياي من ~~قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجآء بكم من البدو من ~~بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشآء إنه هو العليم ~~الحكيم ) ^ } ) | ما ذكر , وكان قد أرسل معهم من الدواب والمال والآلات ما ~~يتجهزون به , أقبلوا على التجهيز كما أمرهم يوسف عليه الصلاة والسلام , ثم ~~قدموا مصر وهم اثنان وسبعون نفسا من الذكور والإناث , وكأنهم أسرعوا في ذلك ~~فلذلك قال : { فلما } بالفاء { دخلوا على يوسف } في المكان الذي تلقاهم ~~إليه في وجوه أهل مصر ms2437 وضرب به مضاربه { آوى إليه أبويه } إكراما لهما بما ~~يتميزان به , قيل : هو المعانقة , والظاهر أنها أمه حقيقة , وبه قال الحسن ~~وابن إسحاق - كما نقله الرماني وأبو حيان , وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنها خالته , وغلب الأب في هذه التثنية لذكورته كما غلب ما هو مفرد في أصله ~~على المضاف في العمرين { وقال } مكرما للكل { ادخلوا مصر } أي البلد ~~المعروف , وأتى بالشرط للأمن لا للدخول , فقال : { إن شاء الله } أي الملك ~~الأعلى الذي له الأمر كله { آمنين * } من جميع ما ينوب حتى مما فرطتموه في ~~حقي وحق أخي . | ولما ذكر الأمن الذي هو ملاك العافية التي بها لذة العيش , ~~اتبعه الرفعة التي بها كمال النعيم , فقال : { ورفع أبويه } أي بعدما ~~استقرت بهم الدار بدخول مصر مستويين { على العرش } أي السرير الرفيع ؛ قال ~~الرماني : أصله الرفع . | { وخروا } أي انحطوا { له سجدا } الأبوان والإخوة ~~تحقيقا لرؤياه ممن هو غالب على كل أمر , والسجود - وأصله : الخضوع والتذلل ~~- كان مباحا في تلك الأزمنة { وقال } أي يوسف عليه الصلاة والسلام { ياأبت ~~} ملذذا له بالخطاب بالأبوة { هذا } أي الذي وقع من السجود { تأويل رؤياي } ~~التي رأيتها , ودل على قصر الزمن الذي رآها فيه بالجارفقال : { من قبل } ثم ~~استأنف قوله : { قد جعلها ربي } أي الذي رباني بما أوصلني إليها { حقا } أي ~~بمطابقة الواقع لتأويلها , وتأويل ما أخبرتني به أنت تحقق أيضا من اجتبائي ~~وتعليمي وإتمام النعمة علي ؛ والتأويل : تفسير بما يؤول إليه معنى الكلام ؛ ~~وعن سلمان رضي الله عنه أن ما بين تأويلها رؤياها أربعون سنة . | { وقد ~~أحسن } أي أوقع إحسانه { بي } تصديقا لما PageV04P098 بشرتني به من إتمام ~~النعمة , وتعدية { أحسن } بالباء أدل على القرب من المحسن من التعدية ب ( ~~إلى ) وعبر بقوله : { إذا أخرجني من السجن } معرضا عن لفظ ( الجب ) حذرا من ~~إيحاش إخوته مع أن اللفظ يحتمله احتمالا خفيا { وجاء بكم } وقيل : إنهم ~~كانوا أهل عمد وأصحاب مواش , ينتقلون في المياه والمناجعن فلذلك قال : { من ~~البدو } من أطراف بادية فلسطين , وذلك من أكبر النعم ms2438 كما ورد في الحديث ( ~~من يرد الله به خيرا ينقله من البادية إلى الحاضرة ) والبدو : بسيط من ~~الأرض يرى فيه الشخص من بعيد , وأصله من الظهور , وأنس إخوته أيضا بقوله ~~مثبتا الجار لأن مجيئهم في بعض أزمان البعد : { من بعد أن نزغ } عبر ~~بالماضي ليفهم أنه انقضى { الشيطان } أي أفسد البعيد المحترق بوسوسته التي ~~هي كالنخس { بيني وبين إخوتي } حيث قسم النزع بينه وبينهم ولم يفضل أحدا من ~~الفريقين فيه , ولم يثبت الجار إشارة إلى عموم الإفساد للبنين , كل ذلك ~~إشارة إلى تحقق ما بشر به يعقوب عليه الصلاة والسلام من إتمام النعمة وكمال ~~العلم والحكمة ؛ ثم علل الإحسان إليهم أجمعين بقوله : { إن ربي } أي المحسن ~~إلي على وجوه فيها خفاء { لطيف } - أي يعلم دقائق المصالح وغوامضها , ثم ~~يسلك - في إيصالها إلى المستصلح - سبيل الرفق دون العنف , فإذا اجتمع الرفق ~~في الفعل واللطف في الإدراك فهو اللطيف - قاله الرازي في اللوامع . | وهو ~~سبحانه فاعل اللطف في تدبيره ورحمته { لما يشاء } لا يعسرعليه أمر ؛ ثم علل ~~هذه العلة بقوله : { إنه هو } أي وحده { العليم } أي البليغ العلم للدقائق ~~والجلائل { الحكيم * } أي البليغ الإتقان لما يصنعه طبق ما ختم به يعقوب ~~عليه الصلاة والسلام بشراه في أول السورة , أي هو منفرد بالاتصاف بذلك لا ~~يداينه أحد في علم ليعترض إلى أبطال ما يقيمه من الأسباب , ولا في حكمه ~~ليتوقع الخلل في شيء منها . | < < # | يوسف : ( 101 ) رب قد آتيتني . . . . . # > > ^ ( رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات ~~والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين ) ^ } ) ~~| ولما ذكر هاتين الصفتين , تذكر ما وقع له بهما من الأسباب , فغلب عليه ~~مقام الشهود وازدادت نفسه عن الدنيا عزوفان فقال مخاطبا : { رب قد آتيتني } ~~وافتتح ب ( قد ) لأن الحال حال توقع السامع لشرح مآل الرؤيا { من الملك } ~~أي بعضه بعد بعدي منه جدا , وهو معنى روحه تمام القدرة { وعلمتني } وقصر ~~دعواه تواضعا بالإتيان بالجار فقال : { من تأويل الأحاديث } طبق ما بشرني ~~به ms2439 أبي وأخبرت به أنت من التمكين والتعليم قبل قولك , والله غالب على أمره ~~؛ ثم ناداه بوصف جامع للعلم والحكمة فقال : { فاطر السماوات والأرض } ثم ~~أعلمه بما هو أعلم من منه من أنه لا يعول على غيره في PageV04P099 شيء من ~~الأشياء فقال : { أنت وليي } أي الأقرب إلي باطنا وظاهرا { في الدنيا ~~والآخرة } أي لا ولي لي غيرك , والولي يفعل لمولاه الأصلح والأحسن , فأحسن ~~بي في الآخرة أعظم ما أحسنت بي في الدنيا . | ولما كان توليه لله لا يتم ~~إلا بتولي الله له , أتبعه بما يفيده فقال : { توفني } أي اقبض روحي وافيا ~~تاما في جميع أمري حسا ومعنى حال كوني { مسلما } ولما كان المسلم حقيقة من ~~كان عريقا في الإخلاص , حققه بقوله : { وألحقني بالصالحين * } فتوفاه الله ~~كما سأل ؛ قالوا : وتخاصم أهل مصر فيه , كلهم يرجوا أن يدفن في محلته يرجو ~~بركته , ثم اصطلحوا على أن عملوا له صندوقا من رخام ودفنوه في وسط النيل , ~~ليفترق الماء على جميع الأرض فتنالها بركته وتخصب كلها على حد سواء , ~~ويكونوا كلهم في الماء سواء . | ذكر ما بقي من القصة عن التوراة : قال ~~بعدما مضى : فلم يقدر يوسف على الصبر - يعني على ترفق إخوته - فأمر بإخراج ~~جميع من كان عنده , فلم يبق عنده أحد حيث ظهر يوسف لإخوتهن فرفع صوته فبكى ~~حتى سمع المصريون فأخبروا في آل فرعون , فقال يوسف لإخوته : أنا أخوكم يوسف ~~, هل أبي باق ؟ فلم يقدر إخوته على إجابته لأنهم رهبوه , فقال يوسف لإخوته ~~: ادنوا مني فدنوا فقال لهم : أنا يوسف الذي بعتموني لمن ورد إلى مصر , ~~والآن فلا تحزنوا , ولا يشقن عليكم ذلك , ولا يشتدن عليكم بيعكم إياي إلى ~~ما هنا , لأن الله أرسلني أمامكم لأعد لكم القوت , لأن للجوع مذ أتى سنتين ~~, وستأتي خمس سنين أخر لا يكون فيها زرع ولا حصادن فأرسلني الرب أمامكم ~~لأصير لكم بقاء في الأرض وأخلصكم وأستنقذكم , لتحيوا وتستبشروا على الأرض , ~~والآن فلستم أنتم الذين بعثتموني إلى هاهنا بل الله أرسلني وجعلني أبا ~~لفرعون وسيدا لجميع ms2440 أهل بيته , ومسلطا على جميع أرض مصر , فاصعدوا الآن ~~عجلين علي بأبي وقولوا له : هكذا يقول ابنك يوسف : إن الله جعلني سيدا ~~لجميع أهل مصر , فاهبط إلي ولا تتأخر , وانزل إلى أرض السدير - وفي نسخة : ~~خشان - فكن قريبا مني أنت وبنوك وأهل بيتك وعمتك وبقرك وجمع مالك , فأمونكم ~~هناك , لأنه قد بقي خمس سنين جوعا , لئلا تهلك أنت وأهل بيتك وكل مالك , ~~وهذه أعينكم تبصر وعينا أخي بنيامين , إني أكلمكم مشافهة , وأخبروا أبي ~~بجميع كرامتي ووقاري في أرض مصر , وبجميع ما رأيتم , وأسرعوا واهبطوا بأبي ~~إلى هاهنا , فاعتنق أخاه بنيامين أيضا وبكى , وقبل جميع إخوته وبكى , ومن ~~بعد ذلك كلمه إخوتهن فبلغ ذلك فرعون وقيل له : إن إخوة يوسف قد أتوه , فسر ~~ذلك فرعون , PageV04P100 عبده - وفي نسخة : وجميع قواده - فقال فرعون ليوسف ~~: قل لإخوتك فليفعلوا هكذا , أوقروا دوابكم ميرة , وانطلقوا بها إلى أرض ~~كنعان , وأقبلوا بأبيكم وأهل بيوتاتكم وأئتوني فأنحلكم خيرات أرض مصر ~~وخصبها , وكلوا خصب الأرض , وهذا أنت المسلط , فأمر إخوتك أن يفعلوا هذا ~~الفعل , احملوا من أرض مصر عجلا لنسائكم وحشمكم , وأظعنوا بأبيكم بأبيكم ~~فأقبلوا , ولا تشفقن على أمتعتكم , لأن جميع خيرات مصر وأرضها وخصبها هو ~~لكم , ففعل بنو إسرائيل كما أمر فرعون , ودفع إليهم يوسف عجلا عن أمر فرعون ~~, وزودهم جميع أزودة الطريق , وخلع على كل أمرىء منهم خلعة , فأما بنيامين ~~فأجازه بثلاثمائة درهم - وفي نسخة : مثقال فضة - وخلع عليه خمس خلع , وبعث ~~إلى أبيه بمثل ذلك أيضا وعشرة حمير موقرة من البر والطعام وأزودة لأبيه ~~للطريق وأرسلهم , فانطلقوا , وتقدم لهم : لا تقع المشاجرة فيما بينكم في ~~الطريق , فظعنوا من مصر فأتوا أرض كنعان إلى يعقوب أبيهم , فأخبروه وقالوا ~~له : إن يوسف بعد في الحياة , أنطلق الآن فأنظر إليه قبل الموت . | فظعن ~~إسرائيل وجميع ما له , فأتى بئر السبع , وقرب قربانا لإله إسحاق أبيه , ~~فكلم الله إسرائيل في الرؤيا وقال له : يا يعقوب ! فقال : هأنذا ! فقال : ~~إني أنا إيل إله أبيك , لا تخف من الحدور إلى مصر ms2441 , لأني أجعلك هناك إلى ~~شعب عظيم - وفي نسخة : لأني أصير منك أمة عظيمة - أنا أهبط معك , وأنا ~~أصعدك , ويوسف يضع يده على عينيك , فنهض يعقوب من بئر السبع وظعن بنو ~~إسرائيل بيعقوب أبيهم وبحشمهم ونسائهم على العجل الذي بعث فرعون لحمله , ~~وساقوا دوابهم ومواشيهم التي استفادوها بأرض كنعانن فأتوا بها مصر يعقوب ~~وجميع نسله وبنوه معه وبنو بنيه وبناته وبنات بناته , وأدخل إلى مصر كل ~~نسله , ثم سماهم واحدا , ثم قال : فجميع بني يعقوب الذين ادخلوا مصر سبعون ~~إنسانا , ثم بعث يعقوب يهوذا بين يديه إلى يوسف عليه الصلاة والسلام ليدله ~~على السدير - وفي نسخة : خشان - فألجم يوسف مراكبه , وصعد للقاء أسرائيل ~~أبيه إلى خشان - وفي نسخة : السدير - فتلقاه واعتنقه وبكى إذ اعتنقه , فقال ~~إسرائيل ليوسف : أتوفى الآن بعد نظري إليك يابني , فأنت في الحياة بعد , ~~فقال يوسف لإخوته وآل أبيه : أصعد فأخبر فرعون وأقول : إن إخوتي وآل أبي ~~الذين كانوا بأرض كنعان قد أتوني والقوم رعاء غنم , لأنهم أصحاب مواش وقد ~~أتوا بغنمهم وبقرهم وبكل شيء لهم , فإذا PageV04P101 دعاكم فقولوا له : إنا ~~عبيدك أصحاب ما شية منذ صبانا , وحتى الآن نحن آباؤنا من قبل أيضا , لكي ~~تنزلوا أرض خشان - وفي نسخة : السدير - لأن رعاة الغنم هم مرذولون عند ~~المصريين . | فأتى يوسف فأخبر فرعون وقال له : إن أبي وغخوتي أتوني وغنمهم ~~وبقرهم وجميع ما لهم في أرض كنعان , وهو ذا هم حلول بأرض السدير , وحمل من ~~إخوته خمسة رهط , فأدخلهم على فرعون فرقفوا بين يديه , فقال فرعون لإخوة ~~يوسف : ما صنعتكم ؟ فقالوا : إن عبيدك رعاء غنم نحن منذ صبانا , وآباؤنا ~~أيضا من قبل . | وقالوا لفرعون : إنا أتينا لنسكن هذه الأرض لأنه فقد ~~الحشيش والعشب والكلأ من مرابع غنم عبيدك , وذلك لأن الجوع اشتد في أرض ~~كنعان , فأمر عبيدك أن ينزلوا بأرض السدير , فقال فرعون ليوسف : إن أباك ~~وإخوتك قد أتوا , وهذه أرض مصر بين يديك , فأسكن أباك وإخوتك في أحسن الأرض ~~وأخصبها لينزلوا أرض السدير , وإن كنت تعلم أن فيهم ms2442 قوما ذوي قوة وبطش ~~ونفاذ فولهم جميع مالي , فأدخل يوسف عليه السلام أباه يعقوب عليهم الصلاة ~~والسلام على فرعون فأقامه بين يديه , فقال فرعون ليعقوب عليه الصلاة ~~والسلام : كم عدد سني حياتك ؟ فقال يعقوب عليه السلام لفرعون : مبلغ حياتي ~~مائة وثلاثون سنة , وإن أيام حياتي الناقصة , ولم أبلغ سني حياة آبائي في ~~أيام حياتهم , فبارك يعقوب فرعون ودعا له , وخرج من بين يديهن فأسكن يوسف ~~عليه السلام أباه يعقوب عليه السلام وإخوته وأعكاهم وراثة في أرض مصر في ~~أخصب الأرض وأحسنها في أرض رعمسيس - وفي نسخة : أرض عين شمش - كما أمر ~~فرعونن فقات يوسف أباه وإخوته وجميع أهل بيته بالميرة على قدر الحشم , ولم ~~تكن ميرة في جميع الأرض كلها لأن الجوع اشتد جدا , فخرجت جميع أرض مصر وأرض ~~كنعان , فصار إلى يوسف عليه الصلاة والسلام كل ورق ألفي في أرض مصر وأرض ~~كنعان , وذلك ثمن البر الذي كانوا يبتاعونه , فأورد يوسف الورق بيت مال ~~فرعون , ونفد الورق من أرض مصر وأرض كنعان , فأتى جميع المصريين إلى يوسف ~~عليه الصلاة والسلام فقالوا له : أعطنا من القمح حاجتنا فنحيى ونموت , لأن ~~ورقنا قد نفذ , فقال لهم يوسف : ادفعوا إلي مواشيكم إن كانت الأوراق قد ~~نفدت , فأقوتكم بمواشيكم , فأتوه بمواشيهم فأعطاهم يوسف من الميرة بخيلهم ~~ومواشي الغنم وماشية البقر والحمير , وقاتهم سنتهم تيك بجميع مواشيهم , ~~فأتوه في السنة الأخرى وقالوا له : لسنا نكتم سيدنا أمرنا , لأنن أوراقنا ~~وماشيتنا ودوابنا قد نفدت وصارت عند سيدنا , ولم يبق بين يدي سيدنا غير ~~أنفسنا وأرضنا , فلم نهلك بين يديك ؟ فابتعنا وأراضينا بإطعامك إيانا الخبز ~~, فنصير نحن عبيدا لفرعون وأرضنا ملكا له , وأعطنا البذر فنحيا ولا نموت , ~~ولا تخلو الأرض وتخرب PageV04P102 لفقد سكانها , فاتباع يوسف لفرعون جميع ~~أرض مصرن فصارت الأرض لفرعونن فنقل الشعب من قرية إلى قرية وحولهم من أقاصي ~~الأرض نحو مصرإلى أقطارها ما خلا أرض الأجناد - وفي نسخة : أئمتهم - فإن لم ~~يبتعها , لأنه كان يجري على الأجناد - وفي رواية : أئمتهم - وظيفة ونزلا من ms2443 ~~عند فرعون , وكانوا يأكلون برهم الموظف لهم من قبل فرعون , ولذلك لم يبيعوا ~~أرضهم , فقال يوسف للشعب : إني قد اشتريتكم اليوم وأرضكم لفرعون , وهاأنذا ~~معطيكم البذر لتزرعوا في الأرض , فإذا دخلت الغلة فأعطوا فرعون الخمس منها ~~, وتكون لكم لزراعة الحقل أربعة أخماس , ولمأكل أهل بيوتاتكم وإطعام جشمكم ~~, فقالوا له : لقد أحييتنا , فلنظفر من سيدنا برحمة ورأفة , ونكون عبيدا ~~لفرعون , فسن يوسف هذه السنة على أرض مصر إلى يوم الناس هذا , فصار الخمس ~~لفرعون ما خلا أرض أئمتهم - وفي رواية : الأجناد - فإنها لم تكن لفرعون . | ~~فسكن إسرائيل أرض مصر وأرض السدير , فعظموا واعتزوا فيها واستيسروا ~~وتماجدوا , وعاش يعقوب في أرض مصر سبع عشرة سنة , وكانت جميع أيام حياة ~~يعقوب مائة وسبعا أربعين سنة , ودنت أيام وفاة إسرائيل عليه السلام , فدعا ~~يوسف ابنه عليه السلام وقال له : إن ظفرت منك برحمة ورأفة , فضع يدك تحت ~~ظهري حتى أستحلفك بالله وأقسم عليك به , وأنعم علي بالنعمة والقسط , ~~لاتدفني بمصر , بل أضطجع مع آبائي , احملني من مصر فادفني في مقبرتهم , ~~فقال يوسف : أنا فاعل ذلك كقولك وأمرك , فقال له : أقسم لي , فأقسم له ~~فتوكأ إسرائيل على عصاه وسجد شكرا . | فلما كان بعد هذه الأقاويل بلغ يوسف ~~عليه السلام أن أباه قد مرضن فانطلق بابنيه معه : منشا وإفرايم , فبلغ ~~يعقوب وقيل له : إن ابنك يوسف قد أتاك , فتقوى إسرائيل وجلس على أريكته , ~~فقال إسرائيل ليوسف : إن إله المواعيد اعتلن لي بلوز في أرض كنعان , ~~فباركني وقال لي : هاأنذا مباركك ومكثرك , وأجعلك أبا لجميع الشعوب , وأعطي ~~نسلك من بعدك هذه الأرض ميراثا إلى الأبد , وأنا إذ كنت مقبلا من فدانة ~~أرام توفيت عني راحيل أمك في أرض كنعان في الطريق , وكان بيني وبين الدخول ~~إلى إفراث قدر مسيرة ميل - وفي نسخة : - فرسخ - فدفنتها هناك في طريق إفراث ~~- وهي بيت لحم - ونظر إسرائيل إلى ابني يوسف فقال له : من هذان ؟ فقال : ~~ابناي اللذان رزقني الله هاهنا , فقال أدنهما مني , فقبلهما واعتنقهما وقال ~~: ما كنت أرجو النظر إلى ms2444 وجهك فقد أراني الله نسلك أيضان وقال إسرائيل ~~ليوسف عليهما الصلاة والسلام : هاأنذا متوف , يكون الله بنصره وعونه معكم , ~~ويردكم إلى أرض آبائكم , وهأنذا قد فضلتك على إخوتك بسهم من الأرض التي ~~غلبت عليها الأمورانيون بسيفي وقوسين ثم إن يعقوب PageV04P103 دعا بنيه ~~وقال ؛ اجتمعوا إلي فأبين لكم ما هو كائن من أمركم في آخر الأيام , فذكر ~~ذلك ثم قال : وهذا ما أخبرهم به يعقوب أبوهم , نبأهم بذلك وبارك عليهم كل ~~امرىء منهم على قدره , ثم حقل عفرون الحيثاني , في المغارة التي في الروضة ~~المضاعفة إلى جانب ممري بأرض كنعان التي ابتاعها إبراهيم : روضة عفرون ~~الحيثاني وراثة المقبرة , هنالك دفن إبراهيم وسارة حليلته , وفيها دفن ~~إسحاق ورفقا حليلته , وهنالك دفنت ليا في الروضة المبتاعة والمغارة التي ~~فيها بني حاثز فلما فرغ يعقوب من وصيته لبنيه بسط رجليه على أريكته فمات ~~ونقل إلى شعبه . | فوقع يوسف عليه فقبله وبكى عليه , فأمر عبيده الأطباء ~~بتحنيطه , فحنط الأطباء إسرائيل وتمت لع أرعون ليلة , لأنه هكذا تكمل أيام ~~المحنطين , وناح المصريون عليه سبعين يوما , فقال يوسف لآل فرعون : إن ظفرت ~~منكم برحمة ورأفة فأخبروا فرعون أن أبي أحلفني وأقسم علي وقال لي : هاأنا ~~متوف , فاقبرني في القبر الذي ابتعته في أرض كنعان , فيأذن لي فأصعد فأدفن ~~أبي ثم أرجع , فقال له فرعون : اصعد فادفن أباك كما أقسم عليك , فصعد يوسف ~~ليدفن أباه , وصعد معه جميع عبيد فرعون وأشياخ بيته وجميع أشياخ مصر وجميع ~~أهل بيت يوسف , وصعد معه إخوته وآل أبيه , وأما حشمهم وبقرهم وغنمهم ~~فخلفوها بأرض خشان - وفي نسخة : السدير - وأصعد المراكب والفرسان أيضا , ~~فصار في عسكرعظيم منيع , فأتوا إلى بيادر أطرا - وفي نسخة : أندر العوسج - ~~التي في مجاز الأردن , فرنوا هناك وناحوا نوحا عظيما مرا , فنظر سكان أرض ~~كنعان إلى التأبل والنواح في أجران العوسج , فقالوا : إن هذا التأبل عظيم ~~للمصريين , ولذلك دعي ذلك الموضع ( تأبل مصر ) , الذي في مجاز الأردنن ففعل ~~بنو إسرائيل كما أمرهم , وحملوه وانطلقوا به إلى أرض كنعان فدفنوه ms2445 ثم في ~~المغارة المضاعفة التي في الروضة التي ابتاعها إبراهيم وراثة المقبرة من ~~عفرون الحيثاني وهي إمام ممري . | ثم رجع يوسف إلى مصر هو وإخوته وجميع من ~~صعد معه في دفن أبيه , ومن بعد ما دفن أباه نظر إخوة يوسف إلى أبيهم قد ~~توفى , ففرقوا وقالوا : لعل يوسف أن يؤذينا وينكأنا ولعله أن يكافئنا على ~~جميع الشر الذي ارتكبنا منه , فدنوا من يوسف وقالوا له : إن أباك أوصى قبل ~~وفاته وقال : هكذا قولوا ليوسف : تطلب إليك أن تعفو عن جهل إخوتك وعن ~~خطاياهم بارتكابهم الشر منك , فالآن نطلب إليك أن تعفو عن PageV04P104 ذنب ~~عبيد إله أبيك , فبكى يوسف لما قالوا ذلك , فدنا إخوته فخروا بين يديه سجدا ~~وقالوا له : هوذا نحن لك عبيد , فقال لهم : لا تخافوني لأني أخاف الله , ~~أما أنتم فهممتم بي شرا فصيره الله لي خيرا كما فعل بي يومنا هذا , فأحيي ~~على يدي خلقا عظيما , والآن فلا خوف عليكم , أنا اقوتكم وحشمكم , فعزاهم ~~وملأ قلوبهم خيرا . | ثم أقام يوسف بمصر هو آل بيته , فعاش يوسف مائة وعشر ~~سنين ورأى يوسف ولد ولده , فقال يوسف لإخوته : هاأنذا متوف , والله سيذكركم ~~ويخرجكم من هذه الأرض إلى الأرض التي أقسم بها لإبراهيم وإسحاق ويعقوب , ~~فأقسم يوسف على بني أسرائيل وقال : إن الله سيذكركم , فأصعدوا عظامي معكم , ~~فتوفي يوسف وهو ابن مائة وعشر سنين , فحنطوه ووضعوه في صندوق بأرض مصر - ~~وسيأتي ما بعد ذلك من استعبادهم وما يتبعه في سورة القصص إن شاء الله تعالى ~~. | وهذا الذي ذكر من القصة في التوراة مصدق لما في القرآن وشاهد بإعجازه , ~~غير أنه لم يذكر شرح قوله تعالى : ^ ( { فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا } ) ~~^ [ يوسف : 80 ] في أنه بعد أخذ الصواع من رحل أخيه تركهم من غير تعريف لهم ~~بنفسه فمضوا إلى أبيهم فأخبروه بذلك , ثم عادوا مرة أخرى لميرة الثالثة , ~~فكأنهم أسقطوا ما في التوراة من ذلك تدليسا وتلبيسا , وهو لا يضر غيرهم , ~~فإن ما صار في كتابهم لا يتمشى على قوانين العقل ms2446 لمن تدبر , فلم يفدهم ذلك ~~غير التحقق لخيانتهم وجهلهم - والله الهادي إلى الصواب . | < < # | يوسف : ( 102 - 106 ) ذلك من أنباء . . . . . # > > ^ ( ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم ~~وهم يمكرون * ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين * وما تسألهم عليه من أجر إن ~~هو إلا ذكر للعالمين * وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم ~~عنها معرضون * وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ^ } ) | ولما تم ~~الذي كان من أمرهم على هذا الوجه الأحكم الصراط الأقوام من ابتدائه إلى ~~انتهائهن قال مشيرا إلى أنه دليل كاف في تصحيح دعوى النبوة مخاطبا لمن لا ~~يفهم هذا الحق فهمه غيره , مسليا له مثبتا لفؤاده وشارحا لصدره , منبها على ~~أنه مما ينبغي السؤال عنه : { ذلك } أي النبأ العالي الرتبة الذي قصصناه ~~قصا يعجز البلغاء من حملته ورواته فكيف بغيرهم { من أنباء الغيب } أي ~~أخباره التي لها شأن عظيم { نوحيه إليك } وعبر بصيغة المضارع تصويرا لحال ~~الإيحاء الشريف وإشارة إلى أنه لا يزال معه يكشف PageV04P105 له ما يريد { ~~و } الحال أن { ما كنت لديهم } أي عند إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام في ~~هذا النبأ الغريب جدا { إذ } أي حين { أجمعوا أمرهم } على رأي واحد في ~~إلقاء يوسف عليه الصلاة والسلام في الجب بعد أن كان مقسما { وهم يمكرون * } ~~أي يدبرون الأذى في خفية , من المكر وهو القتل - لتعرف ذلك بالمشاهدة , ~~وانتفاء تعلمك لذلك من بشر مثل انتفاء كونك لديهم في ذلك الحين , ومن ~~المحقق لدى كل ذي لب انه لا علم إلا بتعليمن فثبت أنه لا معلم لك إلا الله ~~كما علم إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , فيا له من دليل جل عن ~~مثيل , وهذا من المذهب الكلامي , وهو إيراد حجة تكون بعد تسليم المقدمات ~~مستلزمة للمطلوب , وهو تهكم عظيم ممن كذب النبي صلى الله عليه وسلم . | ~~ولما سألت قريش واليهود رسول الله صلى الله عليه السلام - كما نقله أبو ~~حيان عن ابن الأنباري - عن قصة يوسف عليه الصلاة والسلام ms2447 فنزلت مشروحة هذا ~~الشرح الشافي , مبينة هذا البيان الوافي , فأمل صلى الله عليه وسلم أن يكون ~~ذلك سبب إسلامهم فخالفوا تأميله , عزاه الله بقوله : { وما } أي نوحيه إليك ~~على هذا الوجه المقتضي لإيمانهم والحال أنه ما { أكثر الناس } أي كلهم مع ~~ذلك لأجل ما لهم من الاضطراب { ولو حرصت } أي على إيمانهم { بمؤمنين * } أي ~~بمخلصين في إيمانهم واصفين الله بما يليق به من التنزه عن شوائب النقص , ~~فلا تظن أنهم يؤمنون لإنزال ما يقترحون من الآيات , أو لترك ما يغيظهم من ~~الإنذار ؛ والكثير - قال الرماني : العدة الزائدة على مقدار غيرها , ~~والأكثر : القسم الزائد على القسم الآخر من الجملة , ونقيضه الأقل ؛ والناس ~~: جماعة الإنسان , وهو من ناس ينوس - إذا تحرك يمنيا وشمالا من نفسه لا جر ~~غيره . | ولما ذكر تعالى ما هم عليه من الكفر , ذكر ما يعجب معه منه فقال : ~~{ وما } أي هم على ذلك والحال أن موجب إيمانهم موجود , وذلك أنك - مع ~~دعائهم إلى الطريق الأقوم وإيتانك عليه بأوضح الدلائل مت { تسئلهم عليه } ~~أي هذا الكتاب الذي أوحيناه إليك , وأعرق في النفي فقال : { من أجر } حتى ~~يكون سؤالك سببا لأن يتهموك أو يقولوا : لولا أنزل عليه كنز ليستغنى به عن ~~سؤالنا . | ولما نفي عنهم سؤالهم الأجر , نفي عن هذا الذكر كل غرض دنيوي ~~فقال : { إن هو } أي هذا الكتاب { إلا ذكر } أي تذكير وشرف { للعالمين * } ~~قال الرماني : والذكر : حضور المعنى للنفس , والعالم : جماعة الحيوان ~~الكثيرة التي من شأنها أن تعلم , لأنه أخذ من العلم , وفيه معنى التكثير , ~~وقد يقال : عالم الفلك وما حواه على طريق التبع للحيوان الذي نتنفع به وهو ~~مجعول لأجله . | PageV04P106 ولما كان القرآن العظيم أعظم الآيات بما أنبأ ~~فيه عن الإخبار الماضية والكوائن الآتية على ما هي عليه مضمنة من الحكم ~~والأحكام , في أساليب البلاغة التي لا ترام , وغير ذلك ما لا يحصر بنظام , ~~كما أشار إليه أول السورة , كان ربما قيل : إن هذا ربما لا يعلمه إلا ~~الراسخون في العلوم الإلهية , عطف عليه الإشارة إلى ms2448 أن له تعالى غيره من ~~الآيات إلا لا تحتاج لوضوحها إلى أكثر من العقل ما لايحيط به الحصر , ومع ~~ذلك فلم ينتفعوا به , فقال : { وكأين من آية } أي علامة كبيرة دالة على ~~وحدانيته { في السماوات } أي كالنيرين وسائر الكواكب والسحاب وغير ذلك { ~~والأرض } من الجبال والشجر والدواب وغير ذلك مما لا يحصه العد - كما سيأتي ~~بيانه في سورة الرعد مفصلا { يمرون عليها } مشاهدة بالحس ظاهرة غير خفية { ~~وهم عنها } أي خاصة لا عن ملاذهم وشهواتهم بها { معرضون * } أي عن دلالتها ~~وهم يعتقدون أن الله فاعل تلك الآيات , بين أن إشراكهم مسقط لذلك , فقال : ~~{ ما يؤمن أكثرهم } أي الناس { بالله } أي الذي لا شيء إلا وه داع إلى ~~الإيمان به , لأنه المختص بصفات الكمال { إلا وهم مشركون * } به من لا يقدر ~~على شيء فضلا عن أن يأتي بآية , كانوا يقرون بأن الله خالقهم ورازقهم ~~ويعبدون غيره , وكذا المنافقون يظهرون الإيمان ويبطنون الكفران , وكذا أهل ~~الكتابين يؤمنون بكتابهم ويقلدون علماءهم في الكفر بغيره , فعلم أن إذعانهم ~~بهذا الإيمان غير تابع لدليل , وهو محض تقليد لمن زين له سوء علمه فرآه ~~حسنا , لما سبق فيه من علم الله أنه لا صلاحية له فأفسده بما شابهه به من ~~الشرك , والآية صالحة لإرادة الشرك الخفي الذي أشار إليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله : ( الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل ) وهو شرك الأسباب ~~التي قدر الله وصول ما يصل إلى العبد بواسطتها , فقل من يتخطى من الأسباب ~~إلى مسببها ! قال الرازي في اللوامع : وقال الإمام محمد بن علي الترمذي : ~~إنما هو شك وشرك فالشك ضيق الصدر عند النوائب , ومنه ثوب مشكوك , والشرك ~~بنور التوحيد , فعند هذا يتولاه الله تعالى , وقال الواسطي : إلا وهم ~~مشركون : في ملاحظة الخواطر والحركات . | < < # | يوسف : ( 107 - 109 ) أفأمنوا أن تأتيهم . . . . . # > > ^ ( أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم ~~لا يشعرون * قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان ~~الله ومآ أنا من ms2449 المشركين * ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من ~~أهل القرى أفلم PageV04P107 يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين ~~من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما أخبر الله تعالى عن ارتباكهم في أشراك إشراكهم , وأنهم يتعامون ~~عن الأدلة في الدنيا , وكان الأكثر المبهم القطع بعدم إيمانهم من توجيه ~~الأمر والنهي والحث والزجر إلى الجميع وهم في غمارهم , وكان بعض الناس ~~كالحمار لا ينقاد إلا بالعذاب , قال سبحانه وتعالى : { أفأمنوا } إنكارا ~~فيه معنى التوبيخ والتهديد { أن تأتيهم غاشية } أي شيء يغطيهم ويبرك عليهم ~~ويحيط بهم { من عذاب الله } أي الذي له الأمر كله في الدنيا كما أتى من ~~ذكرنا قصصهم من الأمم . | ولما كان العاقل ينبغي له الحذر من كل ممكن وإن ~~كان لا يقربهن قال تعالى : { أو تأتيهم الساعة } وأشار إلى أشد ما يكون من ~~ذلك على القلوب بقوله : { بغتة } أي وهم عنها في غاية الغفلة بعدم توقعها ~~أصلا ؛ قال الرماني : قال يزيد بن مقسم الثقفي : | ولكنهم بانوا ولم أدر ~~بغتة وأفظع شيء حين يفجؤك البغت | ولما كان هذا المعنى مهولا , أكده الله ~~بقوله : { وهم لا يشعرون * } أي نوعا من الشعور ولو أنه كالشعرة , إعلاما ~~بشدة جهلهم في أن حالهم حال من هو في غاية الأمن مما أقل أحواله أنه ممكن , ~~لأن الشعور إدراك الشيء بما يلطف كدقة الشعر , وإنما قلت : إنه تأكيد , ~~لأنه معنى البغتة ؛ قال الإمام أبو بكر الزبيدي في مختصر العين : البغتة : ~~المفاجأة , وقال الإمام أبو عبدالله القزاز في ديوانه : فاجأت الرجل مفاجأة ~~- إذا جئته على غفلة مغافصة , ثم قال : وفاجأته مفاجأة - إذا لقيته ولم ~~يشعربك , وفي ترتيب المحكم : فجئه الأمر وفجأه وفاجأه مفاجأة : هجم عليه من ~~غير أن يشعر به , ويلزم ذلك الإسراع وهو مدار هذه المادة , لأنه يلزم أيضا ~~التغب - بتقديم المثناة محركا وهو الهلاك , لأنه أقرب شيء إلى الإنسان إذ ~~هو الأصل في حال الحدث , والسلامة فيه هي العجب , والتغب أيضا : الوسخ ~~والدرن , وتغب - بكسر الغين : صار ms2450 فيه عيب , ويقال للقحط : تغبة - بالتحريك ~~, والتغب - ساكنا : القبيح والريبة , وكل ذلك أسرع إلى الإنسان من أضداده ~~إلا من عصم الله , وما ذاك إلا لأن هذه الدار مبينة عليه . | ولما وصف الله ~~سبحانه له صلى الله عليه وسلم أكثر الناس بما وصف من سوء الطريقة للتقليد ~~الذي منشؤه الإعراض عن الأدلة الموجبة للعلم , أمر أن يذكر طريق الخلص فقال ~~: { قل } أي يا أعلى الخلق وأصفاهم وأعظمهم نصحا وإخلاصا : { هذه } أي ~~الدعوة إلى الله على ما دعا إليه كتاب الله وسننه صلى الله عليه وسلم { ~~سبيلي } القريبة المأخذ , الجلية الأمر , الجلية الشأن , الواسعة الواضحة ~~جدا , فكأنه قيل : ما هي ؟ فقال : { أدعوا } كل من PageV04P108 يصح دعاؤه { ~~إلى الله } الحائز لجميع الكمال حال كوني { على بصيرة } أي حجة واضحة من ~~أمري بنظري الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة وترك التقليد الدال على ~~الغباوة والجمود , لأن البصيرة المعرفة التي يتميز بها الحق من الباطل دينا ~~ودنيا بحيث يكون كأنه يبصر المعنى بالعين . | ولما كان الموضع في غاية ~~الشرف , أكد الضمير المستتر تعيينا وتنبيها على التأهل لظهور الإمامة , ~~فقال : { أنا ومن } أي يدعو كذلك من { اتبعني } لا كمن هو على عمى جائر عن ~~القصد , حائر في ضلال التقليد , فهو لا يزال في غفلة هدفا للحتوف ؛ ~~والاتباع : طلب الثاني اللحاق بالأول للموافقة في مكانه أو في أمره الذي ~~دعا إليه , ومما دخل تحت { قل } عطفا على { أدعوا } قوله : منبها على أن ~~شرط كل دعوة إليه سبحانه اقترانها بتنزيهه عن كل شائبة نقص - { وسبحان الله ~~} أي وأسبح الذي اختص بصفات الكمال سبحانا , أي أقدره حق قدره فأثبت له من ~~صفات الكمال ما يليق بجلاله , وأنزهه عما هو متعال عنه تنزيها يعلم هم أنه ~~يليق بجلالة ويرضى به , وفي تخصيص الله بذلك عقب ما أثبت له ولأتباعه تلويح ~~بنسبة النقص إليهم تواضعا , اعتذارا عما يلحقهم من الوهن وطلبا للعفو عنه { ~~وما أنا } وعدل عن ( مشركا ) إلى أبلغ منه فقال : { من المشركين * } أي في ~~عداد من يشرك به شيئا بوجه من ms2451 الوجوه , لأني علمت بما آتاني من البصيرة أنه ~~منعوت بنعوت الكمال , منزه عن سمات النقص , متعال عنها , وأن ذلك أول واجب ~~لأنه الواحد الذي جل عن المجانسة , القهار الذي كل شيء تحت مشيئته , وفسرت ~~{ سبحان } بما تقدم لأن مادة ( سبح ) بكل ترتيب تدور على القدر والشدة ~~والاتساع ؛ وتارة يقتصر فيه على الكفاية ومنه الحسب : مقدار الشيء . | ~~وتارة يقتصر فيه على الكفاية فيلزمه الحصر ومنه : أحسبني الشيء : كفاني , ~~واحتساب الأجر : الاكتفاء به , والحساب : معرفة المقدار , والحسب بمعنى ~~الظن راجع إلى ذلك أيضا , والأحسب : الذي ابيضت جلدته من داء وفسدت شعرته , ~~بمعنى أن ذلك الداء كفاه في الفساد عن كل داء كأنه ما بقي يسع معه داء , ~~والتحسيب : التكفين بما يسع الميت , وهو كفاية له لا يحتاج بعده إلى شيء , ~~ومنه الحبس وهو المنع من مجاوزة الكفاية ؛ وتتجاوز الكفاية فيسبح ويتسع ~~مداه فلا ينحصر ومنه : الحسب - بالتحريك , وهو الشرف ؛ ومنه السحب وبه سمي ~~السحاب لانسياحه في الهواء ؛ ومنه السبح في الماء , ومد الفرس يديه في ~~الجري , والسبحة : صلاة التطوع - لأنه لا حد لها يحصرها , ولأنها تجاوزت ~~الفرض , والسبح : الفراغ - للتمكن معه من الانبساط , والتسبيح : التنزيه - ~~لأنه الإبعاد عن النقص , قال الرماني : وأصله البراءة من الشيء , وقال ابن ~~مكتوم في الجمع PageV04P109 بين العباب والمحكم : سبحان الله معناه تنزيها ~~لله من الصحابة والولد , وتبرئة من السوء - هذا معناه في اللغة وبذلك جاء ~~الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال سيبويه : زعم أبو الخطاب أن ( ~~سبحان الله ) كقولك براءة الله من السوء , كأنه يقول : أبرىء براءة الله من ~~السوء , وزعم أن مثل ذلك قول الأعشى : | اقول لما جاءني فخره سبحان من ~~علقمه الفاخر | أي براءة منه , وبهذا استدل على أن سبحان معرفة إذ لو كان ~~نكرة لانصرف , قال : وقد جاء في الشعر منونا نكرة , قال أمية : | سبحانه ثم ~~سبحانا يعود له وقبلنا سبح الجودي والجمد | وقال ابن جني : سبحان اسم علم ~~لمعنى البراءة والتنزيه بمنزلة عثمان وحمران , اجتمع في سبحان التعريف ~~والألف والنون , وكلاهما ms2452 علة تمنع من الصرف - انتهى . | وقال الزجاج : جاء ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قوله ( سبحان الله ) تبرئة لله من السوء , ~~وأهل اللغة كذلك يقولون من غير معرفة بما فيه من الرواية عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : ولكن تفسيره يجمعون عليه , وقد سبح الرجل : قال سبحان الله ~~, وفي التنزيل < # > 77 ( { كل قد علم صلاته وتسبيحه } ) 77 < # > [ النور : 41 ] وسبح لغة في سبح , وحكى ثعلب : سبح تسبيحا وسبحانا , ~~قال ابن سيده : وعندي أنا سبحانا ليس مصدرا لسبح , إنما هو مصدر سبح , وقال ~~النصر : سبحان الله معناه السرعة إليه والخفة في طاعته , وسبوحه - بفتح ~~السين : البلد الحرام , وسباح علم الأرض الملساء عند معدن بني سليم , ~~وسبحات وجه الله : أنواره , والسبحة : الدعاء , وأيضا صلاة التطوع - انتهى ~~. | وكله راجع إلى الإبعاد عن السوء , والسبحان : النفس , وكل أحد يبرىء ~~نفسه ويرفعها عن السوء . | ولما أوضح أبطال ما تعتنوا به من قولهم ( لو ~~أنزل عليه كنز ) أتبعه ما يوضح تعنتهم في قولهم { أو جاء معه ملك } بذكر ~~المرسلين , وأهل السبيل المستقيم , الداعين إلى الله على بصيرة , فقال : { ~~وما أرسلنا } أي بما من العظمة . | ولما كان الإرسال لشرفة لا يتأتى على ما ~~جرت به الحكمة في كل زمن كما أنه لا يصلح للرسالة كل أحد , وكان السياق ~~لإنكار التأييد بملك في قوله { أو جاء معه ملك } كالذي في النحل , لا ~~لأنكار رسالة البشر , أدخل الجار تنبيها على ذلك فقال : { من قبلك } أي إلى ~~المكلفين { إلا رجالا } أي مثل ما أ نك رجل , لا ملائكة ولا إناثا - كما ~~قاله ابن عباس رضي الله عنهما , والرجل مأخوذ من المشي على الرجل { نوحي ~~إليهم } أي بواسطة الملائكة مثل PageV04P110 ما يوحي إليك { من أهل القرى } ~~مثل ما أنك من أهل القرى , أي الأماكن المبينة بالمدر والحجر ونحوه , لأنها ~~متهيئة للإقامة والاجتماع وانتياب أهل الفضائل , وذلك أجدر بغزارة العقل ~~وأصالة الرأي وحدة الذهن وتوليد المعارف من البوادي , ومكة أم القرى في ذلك ~~لأنها مجمع لجميع الخلائق لما أمروا به ms2453 من حج البيت , وكان العرب كلهم ~~يأتونها ؛ قال الرماني : وقال الحسن : لم يبعث الله نبيا من أهل البادية ~~ولا من الجن ولا من النساء - انتهى . | وذلك لأن المدن مواضع الحكمة , ~~والبوادي مواطن لظهور الكلمة , ولما كانت مكة أو القرى مدينة , وهي مع ذلك ~~في بلاد البادية , جمعت الأمرين وفازت بالأثرين , لأجل أن المرسل إليها ~~جامع لكل ما تفرق في غيره من المرسلين , وخاتم لجميع النبيين - صلى الله ~~عليه وسلم وعليهم أجمعين . | ومادة ( قرى ) - يائية وواوية مهموزة وغير ~~مهموزة بتراكيبها الخمسة عشر - تدور على الجمع , ويلزمه الإمساك , وربما ~~كان عنه الانتشار , فالقرية - بالفتح ويكسر : المصر الجامع , وأقرى : لزم ~~القرية , والقاري : ساكنها , والقارية : الحاضرة الجامعة , وطير أخضر , إما ~~للزومها , وإما لجمع لونه للبصر , والقريتين - مثنى وأكثر ما يتلفظ به ~~بالياء : مكة والطائف , وقرية النمل : مجتمع ترابها , وقريت الماء في الحوض ~~: جمعته , والمقراة : شبه حوض , وكل ما اجتمع فيه ماء , والقري : ماء ~~مستجمع , والمدة تقرى في الجرح - أي تجتمع , والقواري : الشهود - لجمعهم ~~الأمور , والقواري : الناس الصالحون - كأنه مخفف من المهموز , وقريت الضيف ~~قرى بالكسر والقصر , وبالفتح والمد : أضفته كاقتريته , والمقراة : الجفنة ~~يقرى فيها الضيف , والمقاري : القدور , وقرى البعير وكل ما اجتر : جمع جرته ~~في شدقه , وقرت الناقة : ورم شدقاها من وجع الأسنان كأنها لا تقدر مع ذلك ~~على جمع الجرة , فيكون من السلب , وقرى البلاد : تتبعها يخرج من أرض إلى ~~أرض كاقتراها واستقرها - لجمعه بينها , وقري الماء كغني : مسيلة من التلاع ~~, أو موقعه من الربو إلى الروضة - لأنه مكان اجتماعه , وقرى الخيل : واد - ~~كأنها اجتمعت فيه , والقرية - كغنية : العصا لأن الراعي يجمع بها ما يرعاه ~~. | وبها يجمع كل ما يراد جمعه , وأعواد فيها فرض يجعل فيها رأس عمود البيت ~~, لأنه بها يقام فيجمع من يراد , وعود الشراع الذي في عرضه من أعلاه , لأنه ~~يجمع الشراع ملفوفا ومنشورا , وقريت الصحيفة لغة في قرأتها - إذا تلوتها ~~فجمعت علمها وكلامها , والقارية : أسفل الرمح , لأنه يجمع زحفه , أو أعلاه ~~, لأنه يجمع عاليته , وحد الرمح , لأنه يجمع مراد ms2454 صاحبه , وكذا حد السيف , ~~والقارية - بالتشديد : طائر أخضر إذا رأوه استبشروا بالمطر - كأنه رسول ~~الغيث أو مقدمة السحاب , جمعه قواري , كأنه سمي بذلك لأنه PageV04P111 سبب ~~جمع الهم للمطر ؛ والقير والقار : شيء أسود تطلى به السفن , والإبل , ~~والحباب , والزقاق , أو هما الزفت , وعلى كل تقدير هو ساد للشقوق والمسام ~~فكان الجامع بين أجزاء السفينة وغيرها , وهذا أقير من هذا أشد مرارة - ~~تشبيه بالقير الطعم , والمر أيضا يجمع الفم نحوه بالقبض , والقيور - كتنور ~~: الخامل النسب , شبه به أيضا لأن القير لما قل احتياج أكثر الناس إليه في ~~كثير من الأوقات صار قليل الذكر - وهذا معنى الخمول , والقيار كشداد : صاحب ~~القير , وبئر لبني عجل قرب واسط , وكأنها سميت لجمعها إياهم , وقيار اسم ~~فرس , كأنه لجودته يجمع لصاحبه ما يريد , والقارة : الدبة كذلك , والقارة : ~~حي من العرب سموا لأن ابن الشداخ أراد أن يفرقهم في كنانة فقال شاعرهم : | ~~دعونا قارة لا تجفولنا فنجفل مثل إجفال الظليم | ذكره مختصر العين هنا ~~وغيره في الواو , واقتار الحديث اقتيارا : بحث عنه - لأن ذلك سبب لجمعه , ~~والقير - كهين : الأسوار من الرماة الحاذق , لأنه يجمع بذلك ما يريد ؛ ~~ورقيت الرجل بالفتح رقية : عوذته , ونفثت في عوذته - لأن الراقي يجمع ريقه ~~وينفث , ورقيت في الشيء رقيا - إذا صعدت عليه - كأنك جمعت بين درجه , ~~والمرقاة بالفتح ويكسر : الدرجة , لأن العلو من آثار الجمع , ورقى عليه ~~كلاما ترقية : رفع , لأنه جمعه عليه , ومرقيا الأنف : حرفاه لأنهما ~~الجامعان له ؛ والرائق من الماء : الخالص , لأنه إذا خلص اشتد تلاصق أجزائه ~~لزوال ما كا يتخللها من الغبر , وراق الماء يريق - إذا انصب , إما لأنه ~~اجتمع إلى المحل الذي انصب إليه , أو يكون من السلب كأراقه بمعنى صبه , ~~وراق السراب يريق وتريق يتريق - إذا تضحضح فوق الأرض أي تردد , إما من ~~السلب , وإما تشبيه بالمجتمع , والريق : تردد الماء على وجه الأرض من ~~الضحضاح أي ليسير ونحوه , لأنه لا يتردد إلا وهو مجتمع , والريق : أول كل ~~شيء وأفضله من الرائق بمعنى الخالصن ولأن الأول يجتمع إليه غيره ms2455 , والأفضل ~~يجمع ما يراد , والريق أيضا : الباطل , كالريوق كتنور - تشبيها بالسراب , ~~وريق الفم معروف , لاجتماعه , والريق : القوة , لجمعها المراد , والريق ~~الرائق : الخالص وكل ما أكل أو شرب على الريق , ومن ليس في يده شيء , كأنه ~~خلص عن العلائق فاجتمع همه , ومن هو على الريق كريقي ككيس , وهو يريق بنفسه ~~: يجود بها عند الموت , من راق الماء : انصب , والمريق - كمعظم : من لا ~~يزال يعجبه شيء , ولعله من راقه يروقه - إذا أعجبه , فجمع همه إليه ؛ ~~واليارق : ضرب من الأسورة , لأنه يجمع المعصم , واليرقان - ويسكن : ~~الاستقامة والطريقة وآفة للزرع . | ومرض معروف , وسيذكر في ( أرق ) في أول ~~سورة الحجر إن شاء الله تعالى . | PageV04P112 ولما كان الاعتبار بأحوال من ~~سلف للنجاة مما حل بهم أهم المهم , اعترض بالحث عليه بين الغاية ومتعلقها , ~~فقال : { أفلم يسيروا } أي يوقع السير هؤلاء المكذبون { في الأرض } أي في ~~هذا الجنس الصادق بالقليل والكثير . | ولما كان المراد سير الاعتبار سبب ~~عنه قوله { فينظروا } أي عقب سيرهم وبسببه , ونبه على أن ذلك أمر عظيم ~~ينبغي الاهتمام بالسؤال عنه بذكر أداة الاستفهام فقال { كيف كان عاقبة } أي ~~آخر أمر { الذين } ولما كان الذين يعتبر بحالهم - لما حل بهم من الأمور ~~العظام - في بعض الأزمنة الماضية , وكان المخاطبون بهذا القرآن لا يمكنهم ~~الإحاطة بأهل الأرض وإن كان في حال كل منهم عظه , أتى بالجار فقال : { من ~~قبلهم } في الرضى بأهوائهم في تقليد آبائهم , وهذا كما تقدم في سورة يونس ~~من أن الآيات لا تغني عمن ختم على قلبه , والتذكير بأحوال الماضين من هلاك ~~العاصين ونجاة الطائعينن والاعتراض بين ذلك بقوله { قل انتظروا إني معكم من ~~المنتظرين } وهو يدل على أنه تعالى يغضب ممن أعرض عن تدبر آياته ؛ والسير : ~~المرور الممتد في جهة , ومنه أخذ السير , وأخذ السيور من الجلد ؛ والنظر : ~~طلب إدراك المعنى بالعين أو القلب , وأصله مقابلة الشيء بالبصر لإدراكه . | ~~ولما كان من الممكن أن يدعى مطموس البصيرة أنه كان لهم نوع خير , قال على ~~طريقة إرخاء العنان : { ولدار } أي الساعة أو ms2456 الحالة { الآخرة } أي التي ~~وقع التنبيه عليها بأمور تفوت الحصر منها دار الدنيا فإنه لا تكون دنيا إلا ~~بقصيا { خير للذين اتقوا } أي حملهم الخوف على جعل الائتمار و الانزحار ~~وقاية من حياة أهون مآلها الموت , وإن فرض فيها من المحال أنها امتدت ألف ~~عام , وكان عيشها كله رغدا من غير آلام . | ولما كان تسليم هذا لا يحتاج ~~فيه إلى أكثر من العقل , قال مسببا عنه منكرا عليهم مبتكا لهم : { أفلا ~~تعقلون * } أي فيتبعوا الداعي إلى هذا السبيل الأقوم . | < < # | يوسف : ( 110 - 111 ) حتى إذا استيأس . . . . . # > > ^ ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جآءهم نصرنا فنجي من ~~نشآء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين * لقد كان في قصصهم عبرة لأولي ~~الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون ) ^ } ) | ولما كان المعنى معلوما من هذا السياق تقديره ~~: فدعا الرجال المرسلون إلى الله واجتهدوا في إنذار قومهم لخلاصهم من ~~الشقاء , وتوعدهم عن الله بأنواع العقوبات إن لم يتبعوها , وطال عليهم ~~الأمر وتراخى النصر وهم يكذبونهم في تلك الإيعادات PageV04P113 ويبتكونهم ~~ويستهزئون بهم , واستمر ذلك من حالهم وحالهم , قال مشيرا إلى ذلك : { حتى ~~إذا استيئس الرسل } أي يئسوا من النصر يأسا عظيما كأنهم أوجدوه أو طلبوه ~~واستجلبوه من أنفسهم { وظنوا أنهم قد كذبوا } أي فعلوا فعل اليأس العظيم ~~اليأس الذي ظن أنه قد أخلف وعده من الإقبال على التحذير والتبشير والجواب - ~~لمن استهزأ بهم وقال : ما يحبس ما وعدتمونا به - بإن ذلك أمره إلى الله , ~~إن شاء أنجزه , وإن شاء أخره , ليس علينا من أمره شيء ؛ ويجوز أن يراد أنهم ~~لمن استبطؤوا النصر وضجروا مما يقاسون من أذى الأعداء , واستبطاء الأولياء ~~{ حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه } كما يقول الآئس { متى نصر الله } مع ~~علمهم بأن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء , عبر عن حالهم ذلك بما هنا - نقل ~~الزمخشري في الكشاف والرازي في اللوامع معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما , ~~هذا على ms2457 قراءة التخفيف , وأما على قراءة التشديد فالتقدير : وظنوا أنهم قد ~~كذبهم أتباعهم حتى لقد أنكرت عائشة رضي الله عنها قراءة التخفيف , روى ~~البخاري في التفسير وغيره عن عروة بن الزبير أنه سألها عن القراءة : أهي ~~بالتشديد أم التخفف ؟ فقالت : إنها بالتشديد , قال قلت : فقد استيقنوا أن ~~قومهم كذبوهم فما هو بالظن , قالت : أجل , لعمري لقد استيقنوا بذلك ! فقلت ~~لها : وظنوا أنهم قد كذبوا فما هو بالتخفيف - قالت : معاذ الله ! لم تكت ~~الرسل تظن ذلك بربها , قلت : فما هذه الآية ؟ قالت : هم أتباع الرسل الذين ~~آمنوا بربهم وصدقوهم , فطال عليهم البلاء , واستأخر عنهم النصر , حتى إذا ~~استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنوا أنهم أتباعهم قد كذبوهم جاءهم ~~نصرالله عند ذلك . | { جاءهم نصرنا } لهم بخذلان أعدائهم { فنجي من نشاء } ~~منهم ومن أعدائهم { ولا يرد بأسنا } أي عذابنا لما له من العظمة { عن القوم ~~} أي وإن كانوا في غاية القوة { المجرمين * } الذين حتمنا دوامهم من الأمم ~~, وكل ذلك إعلام بأن سنته جرت بأنه يطيل الامتحان , ويمد زمان الابتلاء ~~والاعتبار , حتا للأتباع على الصبر وزجرا للمكذبين عن التمادي في الاستهزاء ~~. | ومادة ( كذب ) تدور على ما لا حقيقة له , وأكثر تصارفها واضح في ذلك , ~~ويستعمل في غير الإنسان , قالوا : كذب البرق والحلم والرجاء والطمع والظن , ~~وكذبت العين : خانها حسها , وكذب الرأي : تبين الأمر بخلاف ما هو به , ~~وكذبته نفسه : منته غير الحق , والكذوب : النفس , لذلك , وأكذبت الناقة ~~وكذبت - إذا ضربها الفحل PageV04P114 فتشول أي ترفع ذنبها ثم ترجع حائلا , ~~لأنها أخلفت ظن حملها , وكذا إذا ظن بها لبن وليس بها , ويقال لمن يصاح به ~~وهو ساكن يرى أنه نائم : قد أكذب , أي عد ذلك الصياح عدما , والمكذوبة من ~~النساء : الضعيفة , لأنه لما اجتمع فيها ضعف النساء وضعفها عدت عدما , ~~والمكذوبة على القلب : المرأة الصالحة - كأنها لعزة الصلاح في النساء جعلت ~~عدما , وكذب الوحشي - إذا جرى ثم وقف ينظر ما وراءه , كأنه لم يصدق بالذي ~~أنفره , ومنه كذب عن كذا - إذا أحجم عنه بعد أن أراده ms2458 , أو لأنه كذب ما ظنه ~~عنه الحملة من قتل الأقران , وكذبك الحج لعظم مشقته وطول شقته تنفر النفس ~~عنه , وهو يؤول إلى الحث لأن المعنى أن الحج لعظم مشقته وطول شقته تنفر ~~النفس عنه , فيكاد أن لا يوجد , وكذا الصيد لشدة فراره وسرعة نفارة وعزة ~~استقراره يكاد أن لا يتمكن منه فيكون صيده كالكذب لا حقيقة له , فقد تبين ~~حينئذ وجه كون ( كذب ) بمعنى الإغراء ولاح أن قوله ( ثلاثة أسفار كذبن ~~عليكم : الحج والعمرة والجهاد ) معناه أنها لشدة الصعوبة لا تكاد تمكن من ~~أرادها منها , مع أنه - لقوة داعيته لكثرة ما يرى فيها من الترغيب بالأجر - ~~يكون كالظافر بها , ويؤيده ما قال ابن الأثير في النهاية عن الأخفش : الحج ~~مرفوع ومعناه نصب , لأنه يريد أن يأمره بالحج كما يقال : أمكنك الصيد , ~~يريد : ارمه , وقال أبو علي الفارسي في الحجة في قول عنترة : | كذب العتيق ~~وماء شن بارد إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي | وإن شئت قلت : إن الكلمة لما ~~كثر استعمالها في الإغراء بالشيء والعبث على طلبه وإيجاده صار كأنه قال ~~بقوله لها : عليك العتيق , أي الزميه , ولا يريد نفيه ولكن إضرابها عما ~~عداه , فيكون العتيق في المعنى مفعولا به إن كان لفظه مرفوعا , مثل ( سلام ~~عليكم ) ونحوه مما يراد به الدعاء واللفظ على الرفع , وحكى محمد بن السري ~~رحمه الله عن بعض أهل اللغة في ( كذب العتيق ) أن مضر تنصب به وأن اليمن ~~ترفع به , وقد تقدم وجه ذلك - انتهى . | وأقرب من ذلك جدا وأسهل تناولا ~~وأخذا أن الإنسان لا يزال منيع الجناب مصون الحجاب ما كان لازما للصدق فإذا ~~كذب فقد أمكن من نفسه وهان أمره , فمعنى ( ثلاثة أسفار كذبن عليكم أمكنتكم ~~من أنفسها , الحج كل سنة بزوال مانع الكفار عنه , والعمرة كل السنة بزوال ~~المفسدين بالقتل وغيره في أشهر الحل , والجهاد كل السنة أيضا لإباحته في ~~الأشهر الحرم وغيرها , وتخريج مثل : كذبتك الظهائر , وغيرها على هذا بين ~~الظهور ولا قفه فيه ولكون الكاذب يبادر إلى المعاذير ويحاول التخلص ms2459 كان ~~التعبير بهذا من باب الإغراء , أي انتهز الفرصة وبادر تعسر هذا الإمكان . | ~~ولما ذكر سبحانه هذه القصص كما كانت , وحث على الاعتبار بها بقوله : { أفلم ~~PageV04P115 يسيروا } وأشار إلى أنه بذلك أجرى سنته وإن طال المدى , أتبعه ~~الجزم بأن الجزم بأن في أحاديثهم أعظم عبرة , فقال حثا على تأملها ~~والاستبصار بها : { لقد كان } أي كونا هو في غاية المكنة { في قصصهم } أي ~~الخبر العظيم الذي تلي عليك تتبعا لأخبار الرسل الذين طال بهم البلاء حتى ~~استيأسوا من نوح إلى يوسف ومن بعده - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام ~~والتحية والإكرام { عبرة } أي عظة عظيمة وذكرى شريفة { لأولي الألباب } أي ~~د لأهل العقول الخالصة من شوائب الكدر يعبرون بها إلى ما يسعدهم بعلم أن من ~~قدر على ما قص من أمر يوسف عليه السلام وغيره قادر على أن يعز محمدا صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم ويعلي كلمته وينصره على من عاداه كائنا من كان كما ~~فعل يوسف وغيره - إلى غير مما ترشد إليه قصصهم من الحكم وتعود إليه من ~~نفائس العبر ؛ والقصص : الخبر بما يتلو بعضه بعضا , من قص الأثر , والألباب ~~: العقول , لأن العقل أنفس ما في الإنسان وأشرف . | ولما كان من أجل العبرة ~~في ذلك القطع بحقية القرآن لما بينه من حقائق أحوالهم وخفايا أمورهم ودقائق ~~أخبارهم على هذه الأساليب الباهرة والتفاصيل الظاهرة والمناهيج المعجزة ~~القاهرة , نبه على ذلك بتقدير سؤال فقال : { ما كان } أي هذا القرآن العربي ~~المشتمل على قصصهم وغيره { حديثا يفترى } كما قال المعاندون - على ما أشير ~~إليه بقوله : { أم يقولون افتراه } , والافتراء : القطع بالمعنى على خلاف ~~ما هو به في الإخبار عنه , من : فريت الأديم { ولكن } كان { تصديق الذي } ~~كان من الكتب وغيرها { بين يديه } أي قبله الذي هو كاف في الشهادة بصدقه ~~وحقيته في نفسه { و } زاد على ذلك بكونه { تفضيل كل شيء } أي يحتاج إليه من ~~أمور الدين والدنيا والآخرة ؛ والتفصيل : تفريق الجملة بإعطاء كل قسم حقه { ~~وهدى ورحمة } وبيانا وإكراما . | ولما كان الذي ms2460 لا ينتفع بالشيء لا يتعلق ~~بشيء منه , قال : { لقوم يؤمنون } أي يقع الإيمان منهم وإن كان بمعنى : ~~يمكن إيمانهم , فهو عام , وما جمع هذه الخلال فهو أبين البيان , فقد انطبق ~~هذا الآخر على أول السورة في أنه الكتاب المبين , وانطبق ما تبع هذه القصص ~~- من الشهادة بحقية القرآن , وأن الرسل ليسوا ملائكة ولا معهم ملائكة ~~للتصديق يظهرون للناس , وأنهم لم يسألوا على الإبلاغ أجرا - على سبب ما ~~تبعته هذه القصص , وهو مضمون قوله تعالى : < # > 77 ( { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك } ) 77 < # > [ هود : 12 ] الآية من قولهم < # > 77 ( { لولا ألقي عليه كنز أو جاء معه ملك } ) 77 < # > [ هود : 12 ] وقولهم : إنه افتراه , على ترتيب ذلك , مع اعتناق هذا ~~الآخر لأول التي تليه , فسبحان من أنزله معجزا باهرا , وقاضيا بالحق لا ~~يزال ظاهرا , وكيف لا وهو العليم الحكيم - والله سبحانه وتعالى أعلم . | . ~~. . | PageV04P116 < # > سورة الرعد < # > | مقصودها وصف الكتاب بأنه الحق في نفسه ، وتارة يتأثر عنه مع أن له ~~صوتا وصيتا وإرعابا وإرهابا يهدي بالفعل ، وتارة لا يتأثر بل يكون سببا ~~للضلال والعمى ، وأنسب ما فيها لهذا المقصد الرعد فإنه مع كونه حقا في نفسه ~~يسمعه الأعمى والبصير والبارز والمستتر ، وتارة يتأثر عنه البرق والمطر ~~وتارة لا ، وإذا نزل المطر فتارة ينفع إذا أصاب الأراضي الطيبة وسلمت من ~~عاهة ، وتارة يخيب إذا نزل على السباخ الخوارة وتارة يضر لإغراق أو الصواعق ~~أو البرد وغيرها - والله أعلم . < < # | الرعد : ( 1 - 2 ) المر تلك آيات . . . . . # > > ^ ( المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر ~~الناس لا يؤمنون * الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على ~~العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم ~~بلقآء ربكم توقنون ) ^ } ) | { بسم الله } الحق كل ما عداه باطل { الرحمن } ~~الذي عم بالرغبة والرهبة بعموم رحمته { الرحيم } الذي خص من شاء بما يرضاه ~~عظيم الوهية { المر } . | لما ختم التي قبلها بالدليل على حقية القرآن وأنه ~~هدى ورحمة لقوم يؤمنون , بعد أن أشار ms2461 إلى كثرة ما يحسونه من آياته في ~~السموات والأرض مع الإعراض , ابتدأ هذه بذلك على طريق اللف والنشر المشوش ~~لأنه أفصح للبداءة في نشره بالأقرب فالأقرب فقال : { تلك } أي الأنياء ~~المتلوة والأقاصيص المجلوة المفصلة بدر المعاني وبديع الحكم وثابت القواعد ~~والمباني العالية المراتب { آيات } والآية : الدلالة العجيبة في التأدية ~~إلى المعرفة { الكتاب } المنزل إليك { و } جميع { الذي } . | ولما كان تحقق ~~أن هذا الكتاب من عند الملك أمرا لا يطرقه مريه لما له من PageV04P117 ~~الإعجاز , وكذا ما تبعه من بيانه بالسنة لما له من الحق الذي لا يخفي عل كل ~~عاقل , وكان ما تحقق أنه كذلك يعلم أن الآتي به لا يكون إلا عظيما , بني ~~للمفعول قوله : { أنزل إليك } كائن { من ربك } فثبت حينئذ قطعا أنه هو { ~~الحق } أي الموضوع كل شيء منه في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة , الواضح ~~الذي لا يتخلف شيء منه عن مطابقة الواقع من بعث ولا غيره , فهو أبعد شيء عن ~~قولهم : إن وعده بالبعث سحر , فوجب لثبوت حقيته على كل من اتصف بالعقل أن ~~يؤمن به { ولكن أكثر الناس } أي الآنسين بأنفسهم المضطرين في آرائهم , { لا ~~يؤمنون * } أي لا يتجدد منهم إيمان أصلا بأنه الحق في نفسه وأنه من عند ~~الله , بل يقولون : إنه من عند محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم , وإنه ~~تخييل ليست معاينة - كما قلنا < # > 77 ( { وما أكثر الناس ولو حرصت بؤمنين } ) 77 < # > [ يوسف : 103 ] فليس هدى لهم كاملا ولا رحمة تامة , هذا التقدير محتمل ~~, ولكن الذي يدل عليه ظاهر قوله تعالى : < # > 77 ( { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق } ) 77 < # > [ الرعد : 19 ] أن { الذي } مبتدأ , و { من ربك } صلة { أنزل } والخبر ~~{ الحق } والمقصود من هذه السورة هذه الآية , وهي وصف المنزل بأنه الحق ~~وإقامة الدليل عليه , وذلك لأنه لما تم وصف الكتاب بأنه حكيم محكم مفصل ~~مبين , عطف الكلام إلى تفصيل أول سورة , والإيماء إلى أنه حان اجتناء ~~الثمرة في هذه السورة والتي بعدها , ويلتحم بذلك وصف المصدقين ms2462 بذلك - كما ~~ستقف عليه . | وقال الإمام أبو جعفر بن زبير رحمه الله في برهانه : هذه ~~السورة تفصيل لمجمل قوله سبحانه في خاتمة سورة يوسف عليه السلام < # > 77 ( { وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون * ~~وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون * أفامنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب ~~الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون * قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله ~~على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين } ) 77 < # > [ يوسف : 105 - 106 - 107 - 108 ] فبيان آي السماوات في قوله { الله ~~الذي رفع السموات بغير عند ترونها ثن استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري لأجل مسمى } وبيان آي الأرض في قوله : { وهو الذي مد الأرض وجعل فيها ~~رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } فهذه آي السماوات ~~والأرض , وقد زيدت بيانا في مواضع , ثم في قوله تعالى : { يغشي اليل النهار ~~} ما يكون من الآيات عنهن , لأن الظلمة عن جرم الأرض , والضياء عن نور ~~الشمس وهي سماوية , ثم زاد تعالى آيات الأرض بيانا وتفصيلا في قوله تعالى : ~~< # > 77 ( { وفي الأرض قطع متجاورات } ) 77 < # > [ الرعد : 4 ] إلى قوله : < # > 77 ( { لقوم يعقلون } ) 77 < # > ولما كان إخراج الثمر بالماء النازل من السماء من أعظم آية , ودليلا ~~واضحا على صحة المعاد , ولهذا قال تعالى في الآية ألأخرى < # > 77 ( { كذلك نخرج PageV04P118 الموتى } ) 77 < # > [ الأعراف : 57 ] وكان قد ورد هنا أعظم جهة في الاعتبار من إخراجها ~~مختلفات في الطعوم والألوان والروائح مع اتحاد المادة ( يسقى ) بماء واحد ~~ونفضل بعضها على بعض في الأكل لذلك ما أعقب قوله تعالى : { وفي الأرض قطع ~~متجاورات } الآية بقوله { وإن تعجب فعجب قولهم إذا كنا ترابا أئنا لفي خلق ~~جديد } ثم بين سبحانه الصنف القائل بهذا وأنهم الكافرون أهل الخلود في ~~النار , ثم أعقب ذلك ببيان عظيم حلمه وعفوه فقال < # > 77 ( { ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة } ) 77 < # > [ الرعد : 6 ] الآية , ثم أتبع ذلك بما يشعر بالجري على السوابق في ~~قوله < # > 77 ( { إنما ms2463 أنت منذر ولكل قوم هاد } ) 77 < # > [ الرعد : 7 ] ثم بين عظيم ملكه واطلاعه على دقائق ما أوجده من جليل ~~صنعه واقتداره فقال { الله يعلم ما تحمل كل انثى وما تغيض الأرحام } الآيات ~~إلى قوله : { وما لكم من دونه من وال } ثم خوف عباده وأنذرهم ورغبهم < # > 77 ( { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا } ) 77 < # > [ الرعد : 12 ] , والآيات وكل ذلك راجع إلى ما أودع سبحانه في السماوات ~~والأرض وما بينهما من الآيات , وفي ذلك أكثر آي السورة ونبه تعالى على ~~الآية الكبرى والمعجزة العظمى فقال : < # > 77 ( { ولو أن قرانا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أوكلم به الموتى ~~} ) 77 < # > [ الرعد : 31 ] والمراد : لكان هذا القرآن < # > 77 ( { لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ) 77 < # > [ النساء : 82 ] والتنبيه بعظيم هذه الآيات مناسب لمقتضى السورة من ~~التنبيه بما أودع تعالى من الآيات السماوات والأرض , وكأنه جل وتعالى لما ~~بين لهم عظيم ما اودع من السماوات والأرض وما بينهما من الآيات وبسط ذلك ~~وأوضحه , أردف ذلك بآية أخرى جامعة للآيات ومتسعة للاعتبارات فقال تعالى < # > 77 ( { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال } ) 77 < # > [ الرعد : 31 ] فهو من نحو < # > 77 ( { إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم } ) 77 < # > [ الجاثية : 3 ] أي لو فكرتم في آيات السماوات والأرض لأقلتكم وكفتكم ~~في بيان الطريق إليه ولو فكرتم في أنفسكم وما أودع تعالى فيكم من العجائب ~~لاكتفيتم ( من عرف نفسه عرف ربه ) فمن قبيل هذا الضرب من الاعتبار هو ~~الواقع في سورة الرعد من بسط آيات السماوات والأرض , ثم ذكر القرآن وما ~~يحتمل , فهذه إشارة إلى ما تضمنت هذه السورة الجليلة من بسط الآيات المودعة ~~في الأرضين والسماوات . | وأما قوله تعالى < # > 77 ( { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } ) 77 < # > [ يوسف : 106 ] فقد أشار إلى ما قوله تعالى : { ولكن أكثر الناس لأ ~~يؤمنون إنما يتذكر أولوا الألباب } وقوله تعالى : < # > 77 ( { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله لا بذكر الله تطمئن القلوب ~~} ) 77 < # > [ الرعد : 28 ] PageV04P119 فالذين ms2464 تطمئن قلوبهم بذكر الله هم أولوا ~~الألباب المتذكرون التامو الإيمان وهم القليل المشار إليهم في قوله تعالى < # > 77 ( { وقليل ما هم } ) 77 < # > [ ص : 24 ] والمقول فيهم < # > 77 ( { أولئك هم المؤمنون حقا } ) 77 < # > [ الأنفال : 4 ] ودودن هؤلاء طوائف من المؤمنين ليسوا في درجاتهم ولا ~~بلغوا يقينهم , وإليهم الإشارة بقوله : < # > 77 ( { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } ) 77 < # > [ يوسف : 106 ] قال عليه الصلاة والسلام ( الشرك في أمتي أخفى من دبيب ~~النمل ) فهذا بيان ما أجمل في قوله { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ~~} وأما قوله تعالى : < # > 77 ( { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله } ) 77 < # > [ يوسف : 107 ] فما عجل لهم من ذلك في قوله : { ولا يزال الذين كفروا ~~تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا م دارهم حتى يأتي وعد الله } القاطع ~~دابرهم , والمستأصل لأمرهم , وأما قوله تعالى : < # > 77 ( { قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة } ) 77 < # > [ يوسف : 108 ] الآية , فقد أوضحت آي سورة الرعد سبيله عليه السلام ~~بينه بما تحمليته من عظيم التنبيه وبسط الدلائل بما في السماوات والأرض وما ~~بينهما وما في العالم بجملته وما تحمله الكتاب المبين - كما تقدم , ثم قد ~~تعرضت السورة لبيان جلي سالكي تلك السبيل الواضحة المنجية فقال تعالى : < # > 77 ( { الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق } ) 77 < # > [ الرعد : 20 ] إلى آخر ما حلاهم به أخذا وتركا , ثم عاد الكلام بعد ~~إلى ما فيه من التنبيه والبسط وتقريع الكفار وتوبيخهم وتسليته عليه السلام ~~في أمرهم < # > 77 ( { إنما أنت منذر ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا ~~وذرية } ) 77 < # > [ الرعد : 38 ] , < # > 77 ( { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب } ) 77 < # > [ الرعد : 40 ] < # > 77 ( { ويقول الذين كفروا لست مرسلا } ) 77 < # > [ الرعد : 43 ] , والسورة بجملتها غير حائدة عن تلك الأغراض المجملة في ~~الآيات الأربع المذكورات من آخر سور يوسف , ومعظم السورة وغالب آيها في ~~التنبيه وبسط الدلالات والتذكير بعظيم ما أودعت من الآيات ؛ ولما كان هذا ~~الشأن أعقبت بمفتتح سور إبراهيم عليه السلام - انتهى . | فلما أثبت سبحانه ms2465 ~~لهذا الكتاب أنه المختص بكونه حقا فثبت أنه عظم الأدلة والآياتن شرع يذكر ~~ما أشار إليه بقوله : { وكأين من آية } من الآيات المحسوسة الظاهرة الدالة ~~على كون آيات الكتاب حقا بما لها في أنفسها من الثبات , والدلالة بما ~~لفاعلها من القدرة والاختيار - على أنه قادر على كل شيء , وأن ما أخبر به ~~من البعث حق لما له من الحكمة , والدالة - بما للتعبير عنها من الإعجاز - ~~على كونها من عند الله , وبدأ بما بدأ به في تلك من آيات السماوات لشرفها ~~ولأنها أدل , فقال : { الله } أي الملك الأعظم الذي له جميع صفات الكمال ~~وحده { الذي رفع السماوات } بعد أيجادها من عدم - كما أنتم بذلك مقرون ؛ ~~والرفع : وضع الشيء في جهة العلو سواء كان بالنقل أو بالاختراع , كائنه { ~~بغير عمد } جمع عماد كأهب وإهاب أو عمود , والعمود : جسم PageV04P120 ~~مستطيل يمنع المرتفع أن يميل , وأصله منع الميل { ترونها } أي مريئة حاملة ~~لهذه الأجرام العظام التي مثلها لا تحمل في مجاري عاداتكم إلا بعد تناسبها ~~في العظم , هذا على أن { ترونها } صفة , ويجوز - ولعله أحسن - أن يكون على ~~تقدير سؤال من كأنه قال : ما دليل أنها بغير عمد ؟ فقيل : المشاهدة التي لا ~~أجلى منها . | ولما كان رفع السماوات بعد خلق الأرض وقبل تسويتها , ذكر أنه ~~شرع في تدبير ما للكونين من المنافع وما فيهما من الأعراض والجواهر , ~~وأشارإلى عظمة ذلك التدبير بأداة التراخي فقال : { ثم استوى على العرش } ~~قال الرازي في لوامع البرهان : وخص العرش لأنه أعلى خلقه وصفوته ومنظره ~~الأعلى وموضع تسبيحه ومظهر ملكه ومبدأ وحيه ومحل قربه , ولم ينسب شيئا م ~~خلقه كنسبته , فقال تعالى : { ذو العرش } كما قال { ذو الجلال } و ( ذو ) ~~كلمة لحق واتصال وظهور ومبدأ , وقال الرماني : والاستواء : الاستيلاء ~~بالاقتدار ونفوذ السلطانن وأصله : استوى التدبير , كما أن أصل القيام ~~الانتصاب , ثم يقال : قائم بالتدبير - انتهى . | وعبر ب ( ثم ) لبعد هذه ~~الرتبة عن الأطماع وعلوها عما يستطاع , فليس هناك ترتيب ولا مهلة حتى يفهم ~~أن ما قبل كان علىغير ذلك ms2466 , والمراد أنه أخذ في التدبير لما خلق كما هو شأن ~~الملوك إذا استووا على عروشهم , أي لم يكن لهم مدافع , وإن لم يكن هناك ~~جلوس أصلا , وذلك لأن روح الملك التدبير وهوأعدل أحواله والله أعلم { وسخر ~~} أي ذلل تذليلا عظيما { الشمس } أي التي هي آية النهار { والقمر } أي الذي ~~هو آية الليل لما فيهما من الحكم والمنافع والمصالح التي بها صلاح البلاد ~~والعباد , ودخلت اللام فيهما وكل واحد منهما لا ثاني له لما في الاسم من ~~معتى الصفة , إذا لو وجد مثل لهما لم يتوقف في إطلاق الاسم عليه , ولا كذلك ~~زيد وعمرو . | والتسخير : التهيئة لذلك المعنى المسخر له ليكون بنفسه من ~~غير معاناة صاحبه فيما يحتاج إليه كتسخير النار للإنضاج والماء للجريان { ~~كل } أي من الكوكبين { يجري } . | ولما كان السياق للتدبير , علم أن المراد ~~بجريهما لذلك , وهو تنقلهما في المنازل والدرجات التي يتحول بها الفصول , ~~ويتغير النبات وتضبط الأوقات , وكلما كان التدبير أسرعن علم أم صاحبه أعلم ~~ولا سيما إن كان أحكم , فكان الموضع للام لا لإلى , فعلل بقوله : { لأجل } ~~أي لأجل اختصاصه بأجل { مسمى } هذي أجلها سنة , وذاك أجله شهر ؛ والأجل : ~~الوقت المضروب لحدوث أمر وانقطاعه . | ولما كان كل من ذلك مشتملا من الآيات ~~على ما يجل عن الحصر مع كونه في غاية الإحكام , استأنف خبرا هو كالتنبيه ~~على ما فيما مضى من الحكمة , فقال مبينا PageV04P121 للاستواء عل العرش بعد ~~أن أشار إلىعظمة هذا الخبر بما في صلة الموصول من الأوصاف العظيمة : { يدبر ~~الأمر } أي في المعاش والمعاد وما ينظمهما بأن يفعل فيه فعل من ينظر في ~~أدباره وعواقبه ليأتي محكما يجل عن أن يرام بنقيض , بل هو بالحقيقة الذي ~~يعلم أدبار الأمور وعواقبها , ولا يشغله شأن عن شأن , مع أن هذا العالم - ~~من أعلى العرش إلى ما تحت الثرى - محتو عل أجناس وأنواع وفصول وأصناف ~~وأشخاص لا يحيط بها سواه , وذلك دال قطعا عل أنه سبحانه في ذاته وصفاته ~~متعال عن مشابهة المحدثات واحد أحد صمد ليس ms2467 له كفوا أحد . | ولما كان هذا ~~بيانا عظيما لا لبس فيه , قال { يفصل الآيات } أي التي برز إلى الوجود ~~تدبيرها , الدالة على وحدانيته وكمال حكمته , المشتملة عليها مبدعاته , ~~فيفرقها ويباين بينها مباينة لا لبس فيها , تقريبا لعقولكم وتدريبا لفهومكم ~~, لتعلموا أنها فعل الواحد المختار , لا فعل الطبائع ولا غيرها من الأسباب ~~التي أبدعها , وإلا فكانت على نسق واحد , وجمعها لما تقدم من الإشارة إلى ~~كثرتها بقوله : { ق } وكأين من آية في السموات والأرض } فكأن هذه الألف ~~واللام لذلك المنكر هناك . | ولما كان التدبير وهذا التفصيل دالا على تمام ~~القدرة وغاية الحكمة , وكان البعث لفصل القضاء والحكم بالعدل وإظهار العظمة ~~هو محط الحكمة , علل بقوله : { لعلكم بلقاء ربكم } أي لتكون حالكم حال من ~~يرجى له بما ينظر من الدلالات الإيقان بلقاء الموجد له المحسن إليه بجميع ~~ما يحتاجه التربية { توقنون * } أي تعلمون ذلك من غير شك استدلالا بالقدرة ~~على ابتداء الخلق على القدرة على ما جرت العادة بأنه أهون من الابتداء وهو ~~الإعادة , وأنه لا تتم الحكمة إلا بذلك . | < < # | الرعد : ( 3 - 4 ) وهو الذي مد . . . . . # > > ^ ( وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل ~~فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * وفي ~~الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بمآء ~~واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) ^ } ) | ~~ولما انقضى ما أراد من آيات السماوات , ثنى بما فيما ثنى به في آية يوسف من ~~الدلالات فقال : { وهو } أي وحده { الذي مد الأرض } ولو شاء لجعلها كالجدار ~~أو الأزج لا يستطاع القرار عليها , وهذا لا ينافي أن تكون كرية , لأن الكرة ~~إذا عظمت كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح , كما أن الجبال أوتاد والحيوان ~~يستقر عليها { وجعل فيها } جبالا مع شهوقها { رواسي } أي ثوابت , واحدها ~~راسية أي ثابتة باقية في حيزها PageV04P122 غير منتقلة عن أماكنها لا تتحرك ~~, فلا يتحرك ما هي راسية فيه . | ولما ms2468 غلب على الجبال وصفها بالرواسي , ~~صارت الصفة تغني عن الموصوف فجمعت جمع الاسم كحائط وكاهل - قاله أبو حيان , ~~ولما كانت طبيعة الأرض واحدة كان حصولها الجبل في جانب منها دون آخر ووجود ~~المعادن المتخالفة فيها تارة جوهرية , وتارة خامية , وتارة نفطية , وتارة ~~كبريتية - إلى غير ذلك , دليلا على اختصاصه تعالى بتمام القدرة والاختيار ~~لأن الجبل الواحد في الطبع كما أن تأثير الشمس واحد , فقال تعالى : { ~~وأنهارا } أي وجعل فيها خارجة منها , وأكثر ما تكون الأنهار من الجبال , ~~لأنها أجسام صلبة عالية , وفي خلال الأرض أبخرة فتصاعد تلك الأبخرة ~~المتكونة في قعر الأرض , ولا تزال تخرق حتى تصل إليها فتحتبس بها فلا تزال ~~تتكامل حتى يعظم تكاثفها , فإذا بردت صارت ماء فيحصل بسببها مياه كثيرة كما ~~تنعقد الأبخرة البخارية المتكاثفة في أعالي الحمامات إذا بردت وتتقاطر , ~~فإذا تكامل انعقاد تلك المياه وعظمت شقت أسافل الجبال أو غيرها من الأماكن ~~التي تستضعفها لقوتها وقوة الأبخرة المصاحبة لها , فإن كان لتلك المياه مدد ~~من جهة الفواعل والقوابل بحيث كلما نبع الواسع من مجاري الماء , وأصله ~~الاتساع , ومنه النهار - لاتساع ضيائه . | ولما ذكر الأنهار ذكر ما ينشأ عن ~~المياه فقال : { ومن كل الثمرات } ويجوز أن يكون متعلقا بما قبله , ثم يكون ~~كأنه قيل : من ينتفع بهذه الأشياء ؟ فقيل : { جعل فيها } أي الأرض { زوجين ~~اثنين } ذكرا وأنثى من كل صنف من الحيوان ينتفع بها , ويجوز أن يكون متعلقا ~~بما بعده فيكون التقدير : وجعل فيها من كل الثمرات زوجين اثنين ذكرا وأنثى ~~تنتفع الأنثى بلقاحها من الذكر أو قربه منها فيجود ثمرها ؛ والثمرة طعمة ~~الشجرة , والزوج : شكل له قرين من نظير أو نقيض , فكأنه قيل : ما الذي ~~ينضجها ؟ فقال : { يغشى اليل النهار } أي النهار الليل , فينضج هذا بحره ~~ويمسك هذا ببرده , فيعتدل فعلمها على ما قدره تعالى لهما في السير من ~~الزيادة والنقصان للحر والبرد للإخراج والإنضاج إلى غير ذلك من الحكم ~~النافعة في الدين والدنيا الظاهر لكل ذي عقل أنها بتدبيره بفعله واختيار ~~وقهر واقتداره ms2469 . | ولما ساق سبحانه هذه الآيات مفصلة إلى أربع وكان فيها ~~دقة , جمعها وناطها بالفكر فقال : { إن في ذلك } أي الذي وقع التحديث عنه ~~من الآيات متعاطفا { لآيات } أي دلالات واضحات عجيبات باهرات على أن ذلك ~~كله مستند إلى قدرته واختياره , ونبه على أن المقام يحتاج إلى تعب بتجريد ~~النفس من الهوى وتحكيم العقل صرفا PageV04P123 بقوله : { لقوم } أي ذوي قوة ~~زائدة على القيام فيما يحاولونه { يتفكرون * } أي يجتهدون في الفكر , قال ~~الرماني : وهو تصرف القلب في طلب المعنى , ومبدأ ذلك معنى يخطره الله تعالى ~~على بال الإنسان فيطلب متعلقاته التي فيها بيان عنه من كل وجه يمكن فيه , ~~والختم بالتفكير إشارة إلى الاهتمام بإعطاء المقام حقه في الرد على ~~الفلاسفة , فإنهم يسندون حوادث العالم السفلي إلى الاختلافات الواقعة في ~~الأشكال الكوكبية , وهو كلام ساقط لمن تفكر فيما قرره سبحانه في الآية ~~السالفة من إسقاط وروده من أنه سبحانه هو الذي أوجد الأشياء كلها من عدم ثم ~~أخذ في تدبيرها , فاختصاص كل شيء من الأجرام العلوية بطبع وصفة وخاصية إنما ~~هو بتخصيص المدبر الحكيم الفاعل بالاختيار , فصار وجود الحوادث السفلية لو ~~سلم أنه متأثر عن الحوادث العلوية إنما يكون مستندا إليها باعتبار السببية ~~, والسبب والمسبب مستند إلى الصانع القديم المدبر الحكيم . | ولما كان ~~الدليل - مع وضوحه - فيه بعض غموض , شرع تعالى في شيء من تفصيل ما في الأرض ~~من الآيات التي هي أبين من ذلك دليلا ظاهرا جدا على إبطال قول الفلاسفة , ~~فقال : { وفي الأرض } أي التي أنتم سكانها , تشاهدون ما فيها مشاهدة لا ~~تقبل الشك { قطع متجاورات } فهي متحدة البقعة مختلفة الطبع , طيبة إلى سبخة ~~, وكريمة إلى زهيدة , وصلبة إلى رخوة , وصالحة للزرع لا للشجر وعكسها , ومع ~~انتظام الكل في الأرضية { وجنات } جمع جنة , وهي البستان الذي تجنه الأشجار ~~{ من أعناب } وكأنه قدمها لأن أصنافها - الشاهدة بأن صانعها إنما هو الفعال ~~لما يريد - لا تكاد تحصر حتى أنه في الأصل الواحد يحصل تنوع الثمرة ولذلك ~~جمعها . | ولما كان تفاوت ما أصله ms2470 الحب أعجب , قال : { وزرع } أي منفردا - ~~في قراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم بالرفع , وفي خلل الجنات - في ~~قراءة الباقين بالجر . | ولما كان ما جمعه أصل واحد ظاهر أغرب أخر قوله : { ~~ونخيل صنوان } فروع متفرقة على أصل واحد { وغير صنوان } باعتبار افتراق ~~منابتها وأصولها ؛ قال أبو حيان : والصنو : الفروع يجمعه وآخر أصل واحد , ~~وأصله المثل , ومنه قيل للعم : صنو وقال الرماني : والصنوان : المتلاصق , ~~يقال : هو ابن أخيه صنو أبيه أي لصيق أبيه في ولادته , وهو جمع صنو , وقيل ~~: الصنوان : النخلات التي أصلها واحد - عن البراء بن عازب وابن عباس ومجاهد ~~وقتادة رضي الله عنهم ؛ وقال الحسن رضي الله عنه : الصنوان : النخلتان ~~أصلها واحد - انتهى . | وهو تركيب لا فرق بين مثناه وجمعه إلا بكسر النون ~~من غير تنوين وإعرابها مع التنوين , وسيأتي في ياس إن شاء الله تعالى سر ~~تسمية الكرم بالعنب . | PageV04P124 ولما كان الماء بمنزلة الأب والأرض ~~بمنزلة الأم , وكان الاختلاف مع اتحاد الأب والأم أعجب وأدل على الإسناد ~~إلى الموجد المسبب , لا إلى شيء من الأسباب , قال : { ويسقى } أي أرضها ~~الواحدة كلها { بماء واحد } فتخرج اغصانها وثمراتها في وقت معلوم لا يتأخر ~~عنه ولا يتقدم بعد أن يتصعد الماء فيها علوا ضد ما في طبعه من التسفل , ثم ~~يتفرق في كل من الورق والأغصان والثمار بقسطه مما فيه صلاحه { ونفصل } أي ~~بما لنا من العظمة للطاعة { بعضها } أي بعض تلك الجنات وبعض أشجارها { على ~~بعض } ولما كان التفضيل على أنحاء مختلفة , بين المراد بقوله : { في الأكل ~~} أي الثمر المأكول , ويخالف في المطعوم مع اتحاد الأرض وبعض الأصول , وخص ~~الأكل لأنه أغلب وجوه الانتفاع , وهو منبه على اختلاف غيره من الليف والسعف ~~واللون للمأكول والطعم والطبع والشكل والرائحة والمنفعة وغيرها مع أن نسبة ~~الطبائع والاتصالات الفلكية إلى جميع الثمار على حد سواء لا سيما إذا رأيت ~~العنقود الواحد جميع حباته حلوة نضيجة كبيرة إلا واحدة فإنها حامضة صغيرة ~~يابسة . | ولما كان المراد في هذا السياق - كما تقدم - تفضيل ms2471 ما نبه على ~~كثرته بقوله : { وكأين من آية في السماوات والأرض } الآية , قال : { إن في ~~ذلك } أي الأمر العظيم الذي تقدم { لآيات } بصيغة الجمع فإنها بالنظر إلى ~~تفصيلها بالعطف جمع وإن كانت بالنظر إلى الماء مفردة , وهذا بخلاف ما يأتي ~~في النحل لأن المحدث عنه هناك الماء , وهنا ما ينشأ عنه , فلما اختلف ~~المحدث عنه كان الحديث بحسبهن فالمعنى : دلالات واضحات على أن ذلك كله فعل ~~واحد مختار عليم قادر على ما يريد من ابتداء الخلق ثم تنويعه بعد إبداعه , ~~فهو قادر على إعادته بطريق الأولى . | ولما كانت هذه المفصلة أظهر من تلك ~~المجملة , فكانت من الوضوح بحال لا يحتاجناظره في الاعتبار به إلى غير ~~العقل , قال : { لقوم } أي ذوي قوة على ما يحاولونه { يعقلون } فإنه لا ~~يمكن التعبير في وجه هذه الدلالة إلا بأن يقال هذه الحوادث السفلية حدثت ~~بغير محدث , فيقال للقائل : وأنت لا عقل لك , لأن العلم بافتقار الحادث إلى ~~المحدث ضرورة , فعدم العلم بالضروري يستلزم عدم العقل . | < < # | الرعد : ( 5 - 6 ) وإن تعجب فعجب . . . . . # > > ^ ( وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك ~~الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون * ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك ~~لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ) ^ } ) | PageV04P125 ~~ولما ثبت قطعا بما أقام من الدليل على عظيم قدرته بما أودعه من الغرائب في ~~ملكوته التي لا يقدر عليها سواه أن هذا إنما هو فعل واحد قهار مختار يوجد ~~المعدوم ويفاوت بين ماتقتضي الطبائع اتحاده , كان إنكار شيء من قدرته عجبا ~~, فقال عطفا على قوله : < # > 77 ( { ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } ) 77 < # > [ هود : 17 ] مشيرا إلى أنهم يقولون : إن الوعد بالبعث سحر لا حقيقة له ~~{ * إن تعجب } أي يوما من الأيام أو ساعة من الدهر فاعجب من إنكارهم البعث ~~{ فعجب } عظيم لا تتناهي درجاته في العظم { قولهم } بعد ما رأوا من الآيات ~~الباهرة والدلالات الناطقة بعظيم القدرة ms2472 على كل شيء منكرين : { إذا كنا ~~ترابا } واختلط التراب الذي تحولنا إليه بالتراب الأصلي فصار لا يتميز , ثم ~~كرروا التعجب والإنكار بالاستفهام ثانيا فقالوا : { إنا لفي خلق جديد } هذا ~~قولهم بعد أن فصلنا من الآيات ما يوجب أنهم بلقاء ربهم يوقنون , وهذا ~~الاستفهام الثاني مفسر لما نصب الأول بما فيه من معنى { أنبعث } , والتعجب ~~: تغير النفس بما في خفي سببه عن العادة , والجديد : المهيا بالقطع إلى ~~التكوين قبل التصريف في الأعمال , وأصل الصفة القطع ؛ قال الرماني : وقد ~~قيل : لا خير فيمن لا يتعجب من العجب , وأرذل منه من يتعجب من غير عجب - ~~انتهى , يعني : فالكفار تعجبوا من غير عجب : ومن تعجبهم فقد تعجب من العجب ~~. | ولما كان هذا إنكار المحسوس من القدرة , استحقوا ما يستحق من يطعن في ~~ملك الملك , فقال : { أولئك } أي الذين جمعوا أنواعا من البعد مع كل خير { ~~الذين كفروا بربهم } أي غطوا كل ما يجب إظهاره بسبب الاستهانة بالذي بدأ ~~خلقهم ثم رباهم بأنواع اللطف , فإذا أنكروا معادهم فقد أنكروا مبدأهم { ~~وأولئك } أي البعداء البغضاء { الأغلال } أي الحدائد التي تجمع أيدي الأسرى ~~إلى أعناقهم , ويقال لها : جوامع , وتارة تكون في الأعناق فقط يعذب بها ~~الناس ؛ ولما كان طرفا العنق غليظين , فلا تكون إحاطة الجامعة منها إذا ~~كانت ضيقة إلا بالوسط , جعل الأعناق ظروفا باعتبار أنها على بعض منها , ~~وذلك كناية عن ضيقها , فقال : { في أعناقهم } أي بكفرهم وإن لم تكن الأغلال ~~مشاهدة الآن , فهي لقدرة المهدد بها على الفعل كأنها موجودة , وهم منقادون ~~لما قدر عليهم من أسبابها كما يقاد المغلول بها إلى ما يريد قائده , والغل ~~: طوق تقيد به اليد في العنق , وأصله : انغل في الشيء - إذا انتشب فيه , ~~وغل المال - إذا خان بانتشابه في المال الحرام { وأولئك } أي الذين لا ~~خسارة أعظم من خسارتهم { أصحاب النار } . | ولما كانت الصحبة تقتضي ~~الملازمة , صرح بها فقال : { هم } أي خاصة { فيها } أي متمحضة لا يخلطها ~~نعيم { خلدون * } أي ثابت خلودهم دائما . | PageV04P126 ولما تضمنت هذه ~~الآية إثبات القدرة ms2473 التامة مع ما سبق من أدلتها المحسوسة المشاهدة , كان ~~أيضا من العجب العجيب والنبأ الغريب استهزاءهم بهان , فقال معجبا منهم : { ~~ويستعجلونك } أي استهزاء وتكذيبا ؛ والاستعجال : طلب التعجيل , وهو تقديم ~~الشيء قبل وقته الذي يقدر له { بالسيئة } من العذاب المتوعد به من عذاب ~~الدنيا وعذاب الآخرة جرأة منهم تشير إلى أنهم لا يبالون بشيء منه ولا يوهن ~~قولهم شيء { قبل الحسنة } من الخير الذي تبشرهم به { و } الحال أنه { قد ~~خلت } ولما كان المحدث عنه إنما كان في بعض الزمان , أدخل الجار فقال : { ~~من قبلهم المثلات } جمع مثله بفتح الميم وضم المثلثة كصدقة وصدقات , سميت ~~بذلك لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة , وهي العقوبات التي تزجر ~~عن مثل ما وقعت لأجله من الأمم الذين اتصلت بهم أخبارهم , وخاطبتهم بعظيم ~~ما اتفق لهم آثارهم وديارهم , وما يؤخرهم الله إلا لاستيفاء آجالهم التي ~~ضربها لهم مع قدرته التامة عليهم . | ولما كانوا ربما قالوا : ما نرى إلا ~~تهديدا لا يتحقق شيء منه : قال مؤكدا لإنكارهم واعتقادهم أن المسار ~~والمضارإنما هي عادة الدهر , عطفا على ما تقديره : فإن ربك حليم لا يخاف ~~الفوت فلا يستعجل في الأخذ : { وإن ربك } أي المحسن إليك بجعلك نبي الرحمة ~~{ لذو مغفرة } أي عظيمة ثابتة { للناس } حال كونهم ظالمين متمكنين في الظلم ~~مستقلين { على ظلمهم } وهو إيقاعهم الأشياء في غير مواضعها , فلا يؤاخذهم ~~بجميع ماكسبوا ^ ( { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من ~~دابة } ) ^ [ النحل : 61 ] فلذلك يقيم الناس دهرا طويلا يكفرون ولا يعاقبون ~~حلما منه سبحانه , والآية مقيدة بآية النساء ^ ( { ويعفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء } ) ^ [ النساء : 48 ] وإن لم يكن توبة , فإن التائب ليس على ظلمه . | ~~ولما كان يمهل سبحانه ولا يهمل وذكر إمهاله , ذكر أخذه نؤكدا لمثل ما مضى ~~فقال : { وإن ربك } أي الموجد لك المدبر لأمرك بغاية الإحسان { لشديد ~~العقاب * } للكفار ولمن شاء من غيره , فلذلك يأخذ أخذ عزيز مقتدر إذا جاء ~~الأجل الذي قدره . | < < # | الرعد : ( 7 - 9 ) ويقول الذين كفروا . . . . . # > > ^ ( ويقول ms2474 الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنمآ أنت منذر ولكل ~~قوم هاد * الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء ~~عنده بمقدار * عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ) ^ } ) | ولما بين ~~سبحانه أنهم غطوا آيات ربهم المتفضل عليهم بتلك الآيات وغيرها , عجب منهم ~~عجبا آخر في طلبهم إنزال الآيات مع كونها متساوية الأقدام في الدلالة على ~~PageV04P127 الصانع وما له م صفات الكمال , فلما كفروا بما أتاهم كانوا ~~جديرين بالكفر بما يأتيهم فقال : { ويقول } أي على سبيل الاستمرار { الذين ~~كفروا } استهزاء بالقدرة { لولا } أي هلا ولم لا { أنزل } أي بإنزال أي ~~كائن كان { عليه آية } جاحدين عنادا لما أتاه من الآيات { من ربه } أي ~~المحسن إليه تصديقا له . | ولما كان الني صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~راغبا في إجابة مقترحاتهم لشدة التفاته إلى أيمانهم , كان كأنه سأل في ذلك ~~لتحصل لهم النجاة , فأجيب بقوله تعالى - مقدما ما السياق أولى به لأنه ~~لبيان أن الأكثر لا يؤمن - : { إنما أنت منذر } أي نبي منذر هاد لهم تهديهم ~~ببيان ما أنزله عليك مما يوقع في الهلاك أو يوصل إلى النجاة , سائر فيهم ~~على حسب ما أحده لك , وأصل الإنذار الإعلام بموضع المخافة ليتقى , لا أنك ~~مثبت للإيمان في الصدور { ولكل قوم } ممن أرسلنا إليهم نبي { هاد * } أي ~~داع يهديهم إلى مراشدهم ومنذر ينذرهم من مغاويهم , أي يبين لهم ما أرسلنا ~~به من النذارة والبشارة , وأعطى كل منذر وهاد آيات تليق به وبقوله على ~~مثلها يؤمن البشر , فيهدي الله من يعلم فيه قابلية الهدى بما نصب من الآيات ~~المشاهدات , فلا يحتاج إلى شيء من المقترحات , ويضل من يعلم فيه دواعي ~~الضلال ولو جاءته كل آية , لأنه الذي جبلهم على طبائع الخير والشر < # > 77 ( { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } ) 77 < # > [ تبارك : 14 ] فهو كقوله تعالى : < # > 77 ( { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } ) 77 < # > [ فاطر : 24 ] وكقوله في هذه السورة { ويقولون لولا أنزل عليه آية من ~~ربه قل ms2475 إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب } والآية من الاحتباك : ذكر ~~المنذر أولا يدل على حذفه ثانيا , وذكر الهاد ثانيا دال على حذف مثله أولا ~~. | ولما كان ما مضى مترتبا على العلم والقدرة ولا سيما ختم هذه الآية بهاد ~~, وكان إنكارهم البعث إنكارا للنشأة الأولى , وكان سبحانه وتعالى يعلم أن ~~إجابتهم إلى ما اقترحوا غير نافع لهم , لأنهم متعنتون لا مسترشدون , شرع ~~سبحانه - بعد الإعراض عن إجابة مقترحاتهم - يقرر من أفعاله المحسوسة لهم ~~المقتضية لاتصافه من العلم والقدرة بما هو كالإعادة سواء إشارة منه تعالى ~~إلى أن إنكار البعث إن كان لاستحالة الإعادة فهي مثل البداءة , وإن كان ~~لاستحالة تمييز التراب الذي كان منه الحيوان - بعد اختلاطه بغيره وتفرق ~~أجزائه - فتمييز الماء الذي يكون منه الولد من الماء الذي لا يصلح لذلك ~~أعجب , لأن الماء أشد اختلاطا وأخفى امتزاجا , و مع ذلك فهو يعلمه فقال : { ~~الله } أي المحيط بكل شيء علما وقدرة { يعلم } أي علما قديما في الأزل بما ~~سيوجد وعلما يتجدد تعلقه بحسب حدوث الحادثات على الاستمرار { ما تحمل } أي ~~الذي تحمله في PageV04P128 رحمها { كل أنثى } أي الماء الذي يصلح لأن يكون ~~حملا { وما تغيض } أي تنقص { الأرحام } من الماء فتنشفه فيضمحل لعدم ~~صلاحيته لأن يكون منه ولد , وأصل الغيض - كما قال الرماني : ذهاب المائع في ~~العمق الغامض , وفعله متعد لازم { وماتزداد } أي الأرحام من الماء إلى ~~الماء الذي قدر تعالى كونه حملا فيكون توأما فأكثر في جماع آخر بعد حمل ~~الأول كما صرح بإمكان ذلك ابن سينا وغيره من الأطباء , وولدت في زماننا ~~أتان حمارا وبغلا , وذلك لأن الزيادة ضم شيء إلى المقدار وكثرته شيئا بعد ~~شيء فيقدر ذلك , ولا يمكن أحدا زيادته ولا نقصانه , وذلك كله يستلزم الحكمة ~~فلذا ختمه بقوله : { وكل شيء } أي من هذا وغيره من الآيات المقترحات وغيرها ~~{ عنده } أي في قدرته وعلمه { بمقدار * } في كيفيته وكميته لا يتجاوزه ولا ~~تقصر عنه , لأنه عالم بكيفية كل شيء وكميته على الوجه المفصل المبين ms2476 , ~~فامتنع وقوع اللبس في تلك المعلومات وهو قادر على ما يريد منها , فالآية ~~بيان لقوله تعالى : { الذين كفروا بربهم } من حيث بين فيها تربيته لهم على ~~الوجه الذي هم له مشاهدون ويه معترفون . | ولما كان هذا عيبا وكان علمه ~~مستلزما لعلم الشهادة , وكان للتصريح مزية لا تخفي , صرح به على وجه كلي ~~يعم تك الجزيئات وغيرها فقال : { عالم الغيب } وهو ما غاب عن كل مخلوق { ~~والشهادة } قال الرماني : الغيب : كون الشيء بحيث يخفى عن الحس , والشهادة ~~: كونه بحيث يظهر له . | ولما كان العلم والحكمة لا يتمان إلا بكمال القدرة ~~والعظمة قال : { الكبير } أي الذي يتضاءل عنده كل ما فيه صفات تقتضي الكبر ~~, قال الإمام أبو الحسن الحرالي : والكبر : ظهور التفاوت في ظاهر وباهر ~~القدر الذي لا يحتاج إلى فكر , ولذلك كان فطرة للخلق أن الله أكبر , ولما ~~كان لا ظاهر قدر للخلق لما عليهم من بادي الضروريات والحاجات المعلنة بصغير ~~بالقدر , ومن حاول منهم أن يكبر بسطوة أو تسلط وفساد زاد صغار قدره بما ~~اكتسب في أعين أرباب البصائر في الدنيا , ويبدو ذلك منه لعيون جميع الخلق ~~في الأخرى ( يحشر المتكبرون يوم القيامة كأمثال الذي يطؤهم الناس بأقدامهم ~~) فلذلك اختصاص معنى أنه لا كبير إلا الله - انتهى . | { المتعال * } أي ~~الذي لا يدنو - من أوج علوه في ذات أو صفة أو فعل - عال , وأخرجه مخرج ~~التفاعل ليكون أدل على المعنى وأبلغ فيه ؛ وقال أبوالحسن الحرالي رحمه الله ~~: والتعالي : فوت التناول والمنال PageV04P129 بحكم أو حجة , وأشعر التفاعل ~~بما يجري من توهم المحتجين في أمره بأوهام حجج داحضة ^ ( { حجتهم داحضة عند ~~ربهم } ) ^ [ الشورى : 16 ] فهو تعالى يأذن في الاحتجاج والجدال ثم يتعالى ~~بما له من الحجة البالغة ^ ( { قل فلله الحجة البالغة } ) ^ [ الأنعام : ~~149 ] فهو المتعالي علما وحكما وحجة , وحقيقة المتعالي الذي لا يتعالى إلا ~~هو - انتهى . | والحاصل أنه لما وصف نفسه مما تقدم , أشار إلى أن ذلك على ~~ما تحتمله العقول وأن الحق في وصفه الكبر المطلق والتعالي المطلق , لأن ~~العقول لا تحتمل ms2477 أكثر من ذلك . | < < # | الرعد : ( 10 - 14 ) سواء منكم من . . . . . # > > ^ ( سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب ~~بالنهار * له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا ~~يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ~~وما لهم من دونه من وال * هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشىء السحاب ~~الثقال * ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من ~~يشآء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال * له دعوة الحق والذين يدعون من ~~دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى المآء ليبلغ فاه وما هو ~~ببالغه وما دعآء الكافرين إلا في ضلال ) ^ } ) | ولما كانت العادة قاضية ~~بتفاوت العلم بالنسبة إلى السر والجهر , والقدرة بالنسبة إلى المتحفظ ~~بالحرس وغيره , أتبع ذلك سبحانه بما نفي هذا الاحتمال عنه على وجه الشرح ~~والبيان لاستواء الغيب والشهادة بالنسبة إلى علمه فقال : { سواء منكم } أي ~~في علمه { من أسر القول } أي أخفى معناه في نفسه { ومن جهر به } وفي علمه { ~~و } قدرته { من هو مستخف } أي موجد الخفاء وطالب له أشد طلب { باليل } في ~~أخفى الأوقات فسارب أو كامن فيه , يظن أن ذلك الاستخفاء يغنيه من القدرة { ~~و } من هو { سارب } أي ذاهب على وجهه الأرض ومتوجه جار في توجهه إلى قصده ~~بسرعة { بالنهار * } متجاهر بسروبه فيه , فالآية من الاحتباك : ذكر { مستخف ~~} أولا دال على ضده ثانيا , وذكر { سارب } ثانيا دال على ضده أو مثله أولا ~~{ له } أي لذلك المستخفي أو السارب - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما { ~~معقبات } أي أعوان وأنصار يتناوبون في أمره بأن يخلف كل واحد منهم صاحبه ~~ويكون بدلا منه . | ولما كان حفظ جهتي القدام والخلف يستلزم حفظ اليمين ~~والشمال وكان ملأ كل من الجهتين من الحفظة على المخلوق متعذرا , قال آتيا ~~بالجار : { من بين يديه } أي من قدامه { ومن خلفه } واستأنف بيان فائدة ~~المعقبات فقال : { يحفظونه } أي في ms2478 زعمه من كل شيء يخشاه { من أمر الله } ~~أي الذي له الإحاطة الكاملة . | PageV04P130 ولما دل هذا على غاية القدرة , ~~وجرت عادة المتمكنين من ملوك الأرض بالتعدي على جيرانهم واستلاب ممالكهم ~~والعسف في شأنهم , زيادة في المكنة وتوسعا في الملك , ولا سيما إذا كان ذلك ~~الجار ظانا مع ضعفه وعجزه أن يحفظه مانه من أخذه , أخبر تعالى من كأنه سأل ~~عن ذلك أنه غير هذا لغناه عنه , فقال : { إن الله } أي الذي له الإحاطة ~~والكمال كله { لا يغير ما بقوم } أي خيرا كان أوشرا { حتى يغيروا ما } أي ~~الذي { بأنفسهم } مما كانوا يزينونها به من التحلي بالأعمال الصالحة ~~والتخلي من أخلاق المفسدين , فإذا غيروا ذلك غير ما بهم إذا أراد وإن كانوا ~~في غاية القوة . | ولما كان ملوك الدنيا لا يتمكنون غالبا من جميع مراداتهم ~~لكثرة المعارضين من الأمثال الصالحين للملك , قال تعالى عاطفا على ما ~~تقديره : فإذا غيروا ما بأنفسهم أنزل بهم السوء : { وإذا أراد الله } أي ~~الذي له صفات الكمال { بقوم } أي وإن كانوا في غاية القوة { سوءا فلا مرد ~~له } من أحد سواه , وقد تقدم لهذه الآية في الأنفال مزيد بيان . | ولما كان ~~كل أحد دونه في الرتبة لا إمكان له أن يقوم مقامه بوجه , قال : { وما لهم ~~وبين سفول الرتب كلها عن رتبته فقال : { من دون } وأعرق في النفي فقال : { ~~من } ولما كان السياق ظاهرا في أنه لا منفذ لهم مما أراده , أتى بصيغة فاعل ~~منقوص إشارة إلى نفي أدنى وجوه الولاية فكيف بما فوقها فقال : { وال * } أي ~~من ملجأ يعيذهم , بأن الفعل معهم من الإنجاء والنصرة ما يفعل القريب مع ~~وليه الأقرب إليه , ثم أخبر تعالى بأمر هو أدلة ما قبله جامع للعلم والقدرة ~~وهو ألطف من ذلك كله , معلم بجليل القدرة في أنه إذا أراد سوءا فلا مرد له ~~, ودقيق الحكمة لأنه مظهر واحد ترجى منه النعمة وتخشى منه النقمة فقال : { ~~هو } أي وحده { الذي يريكم } أي على سبيل التجديد دائما { البرق } وهو لمع ~~كعمود ms2479 النار { خوفا } أي لأجل إرادة الخوف من قدرته على جعله صواعق مهلكة , ~~والخوف : انزعاج النفس بتوهم وقوع الضر . | ولما لم يكن لهم السبب في إنزال ~~المطر , لم يعبر بالرجاء وقال : { وطمعا } أي ولأجل إرادة طمعكم في رحمته ~~بأن يكون غيثا نافعا , ولا بد من هذا التقدير ليكونا فعل فاعل الفعل المعلل ~~, ويجوز أن يكون المعنى : يريكم ذلك إخافة وإطماعا فتخافون خوفا وتطمعون ~~طمعا , فتكون الآية من الاحتباك : فعل الإراءة دال على الإخافة والإطماع , ~~والخوف والطمع دالان على ( تخافون وتطمعون ) ويجوز أن يكونا حالين من ضمير ~~المخاطبين أي ذوي خوف وطمع { وينشىء } والإنشاء : فعل الشيء من غير سبب ~~مولد { السحاب } وهو غيم ينسحب في السماء , وهو اسم جنس جمعي , واحده سحابه ~~{ الثقال * } بأنهار الماء محمولة في الهواء على متن الريح ؛ والثقيل : ~~الاعتماد على جهة PageV04P131 الثقل بكثافة الأجزاء { ويسبح الرعد } أي ~~ينزه عن صفات النقص تنزيها ملتبسا { بحمده } أي بوصفه بصفات الكمال , ويروى ~~عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن { الرعك ملك } وإن لم يصح أنه ملك ~~فتسبيحه دلالته على أن موجده سبحانه منزه عن النقص محيط بأوصاف الكمال { ~~والملائكة } أي تسبح { من خيفته } قال الرماني : والخيفة مضمنة بالحال , ~~كقولك : هذه ركبة , أي حال من الركوب حسنة , وكذلك هذه خيفة شديدة , والخوف ~~مصدر غير مضمن بالحال . | { ويرسل الصواعق } المحرقة من تلك السحائب ~~المشحونة بالمياه المغرقة ؛ والصاعقة - قال الرازي : نار لطيفة تسقط من ~~السماء بحال هائلة . | { فيصيب بها } أي الصواعق { من يشاء } كما أصاب بها ~~أربد بن ربيعة { وهم } أي والحال أنهم مع ذلك الذي تقدم من إحاطة علمه ~~وكمال قدرته { يجادلون } والجدال : فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج { في ~~الله } أي الملك الأعظم بما يؤدي إلى الشك في قدرته وعلمه . ولما كان لا ~~يغنى من قصده بالعذاب شيء قال : { وهو شديد المحال * } لأن المحال - ككتاب ~~: الكيد وروم الأمر بالحيل والتدبير والمكر والقدرة والجدال والعذاب ~~والعقاب والعداوة والمعاداة والقوة والشدة والهلاك والإهلاك , يأتي أعداءه ~~بما يريد من إنزال العذاب بهم من ms2480 حيث لا يحتسبون , وكلها صالح هنا حقيقة أو ~~مجازا , وقال الرماني : والمحال : الأخذ بالعقاب من قولهم : ما حلت فلانا - ~~إذا فتلته إلى هلكه - انتهى . | ومادة ( محل ) بجميع تقاليبها تدور على صرف ~~الشيء عن وجهه وعادته وما تقتضيه جبلته , وذلك يستلزم القدرة والقوة والشدة ~~, فالحامل يمسك المحمول بقوته عن أن يهوي إلى جهة السفل , والحملة : الكرة ~~في الحرب , ويلزم الحمل المشقة , ومنه تحمل الشيء وحمل عنه أي حلم فهو حمول ~~: ذو حلم , والحميل - كأمير : الدعي PageV04P132 والغريب - كأنهما محمولان ~~لحاجتهما إلى ذلك , والكفيل , لأنه حامل لكل مكفول واحتمل لونه - للمفعول : ~~غضب وامتقع - كأن الغضب صرفه عما كان من عادته , والمحمل - كمحسن : المرأة ~~ينزل لبنها من غير حبل , لأن ذلك شيء على غير وجهه , والحمل - محركة : ~~الخروف - لسهولة حمله , والحليم : من يحبس غيظه بقوة حلمه - أي عقله - عن ~~أن يستخفه الغضب , والحلم - بالكسر : الأناة والعقل , والحلم - بالضم ~~وبضمتين : الرؤيا , لأنها صرف النفس عما هي عليه , وهو من شأنها من الغفلة ~~, ومنه الحلم - بالضم - والاحتلام للجماع في النوم , والاسم الحلم - كعنق , ~~وذلك يكون غالبا عند فراغ البال عن الهموم , وإليه يرجع حلم المال - بالضم ~~: سمن , والصبي وغيره : أقبل شحمه , أو هو من الحلمة - محركة : اللحمة ~~الناتئة وسط الثدي كالثؤول - لصرفها لون الثدي وهيئته عما كان عليه , وشجر ~~السعدان - لأنه مرعى جيد يسمن , والصغيرة من القردان أو الضخمة - لشبهها ~~بحلمة الثدي ودود يقع في الجلد قبل الدبغ فيأكله , لأن ذلك يغيره عن هيئته ~~, والحالوم : ضرب من الأقط , لأنه لحراقته يغير اللسان , ودم حلام : هدر , ~~لأنه خرج عما عليه عادة الدماء ؛ والملح يصرف المملوح عن الفساد , وأما ~~الماء الملح فمشبه به الطعم , وكذا الملح - محركا - للون كالبياض يخالطه ~~سواد , والملحاءك شجرة سقط ورقها , شبهت بأرض الملح في عدم الإنبات . | ~~ولما عرف الملح بالصلاح شبه به العلم فسمي ملحا , وكذا الرضاع والحسن ~~والشحم والسمن والحرمة والذمام وخفقان الطائر بجناحيه يصلح بذلك طيرانه ~~ويتملح به استرواحا إليه , وملح الشاة : سمطها , والملاح - ككتاب : الريح ~~تجري بها السفينة , وهي أيضا ms2481 تصرفها عما يقتضيه حالها من عدم السير , ~~ومعالجة حياء الناقة منه , وملحه على ركبته - أي لا وفاء له , لأن الملح لا ~~يثبت هناك , أو هو سمين أو حديد في غضبه , بمعنى أنه لا صلاح له , وملحه : ~~اغتابه , شبه بمن يتطعم الملح ليعدل مزاجه , وكذا الملاح - ككتاب , وهو ~~هبوب الجنوب عقب الشمال , وكذا الملاحي - كفرابي وقد يشدد , وهو عنب أبيض ~~طويل , ونوع من التين , ومن الأدراك ما فيه بياض وحمرة , والملح - بضم ~~الميم وفتح اللام من الأحاديث , وامتلح : خلط كذبا بحق , والملح - محركة : ~~ورم في عرقوب الفرس , صرفه عن هيئته المعتادة , والملاح ككتاب : سنان الرمح ~~, لتهيئته له بعد الوقوف للنفوذ , والسترة , لصرفها حالها التي كانت عليها ~~إلى أخرى , والملحة - بالضم : المهابة , لصرفها المجترىء عن قصده ولأن ~~سببها صرف النفس عن هواها , والملحاء : الكثيبة العظيمة , ومنه البركة , ~~لمنعها الماشي عن حاله في المشي , ومنه الملحة - بالفتح - PageV04P133 للجة ~~البحر , وملحان : الكانون الثاني لصرفه بقوة برده الزمان عما كان عليه ~~والناس عما كانوا عليه , والملحاء : لحم في الصلب من الكاهل إلى العجز , ~~لمنعه من رؤية عظام الصلب ورؤوس الأضلاع ؛ والمحل صرف ما في الزمان عن ~~عادته بعدم المطر والإنبات ورفاهة العيش , وكذا المحل للكيد والمكر والغبار ~~والشدة والمحال , لما تقدم من تفسيره , ومنه ما حله : قاواه , والمتحامل : ~~الطويل المضطرب الخلق , لخروجه عن العادة , وتمحل له : احتال , والممحل - ~~كمعظم - من اللبن : الآخذ طعم حموضة , والمحالة : البكرة العظيمة - لصرفها ~~بفتلها الشيء عن وجهه , والفقرة من فقر البعير - لمشابهتها والخشبة التي ~~يستقر عليها الطيانون - لحملها إياهم ومنعها لهم من السقوط , والمحل - ككتف ~~: من طرد حتى أعيا , لأنه صرف عما كان من عادته , ورأيته متماحلا : متغير ~~اللون ؛ واللمح : صرف البصر عما كان عليه , ولمح البرق : لمع بعد كمونه ؛ ~~واللحم من لحمة الثوب - بالضم , كأنه سد ما حصل بالهزال من فرج , ومنه : ~~لحم كل شيء : لبه ؛ ولحم الأمر - كمنع : أحكمه , والصائغ الفضة : لأمها , ~~وكذا كل صدع , ولحم - كعلم : نشب في المكان , كأنه وقع فيما يشبه اللحم ~~فالتصق به فأدخله ms2482 وشغله , وهذا لحيم هذا , أي وفقه وشكله - وهو يرجع إلى ~~لحمة الثوب , واستلحم الطريق : تبعه أو تبع أوسعه - كأنه جعل نفسه مثل لحمة ~~السدى , واستلحم الطريق : اتسع , كأنه طلب ما يلحمه أي يسده , وحبل ملاحم - ~~بفتح الحاء : شديد الفتل , لأنه سدت فرجه كما تسد اللحمة فرج الثوب , ونبي ~~الملحمة - من القتال , لأنه ضرب اللحم بالسيف , ومن التأليف كما يكون عن ~~لحمة الثوب , لأن غاية قتاله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعظم خير وألفة , ~~والتحم الجرح للبرء : التأم - من ذلك ومن اللحم أيضا لأنه به التأم - والله ~~أعلم . | ولما بين تعالى تصديقا لقوله < # > 77 ( { وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } ~~) 77 < # > [ يوسف : 105 ] ما له من الآيات التابعة لصفات الكمال التي منها التنزه ~~عما لا يليق بالجلال وأنه شديد المحال , شرع يبين ضلالهم في اشتراكهم ~~المشار إليه في قوله : { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون } بما هو ~~علة لختم ما قبلها من أنه لا كفؤ له , فقال : { له } أي الله سبحانه { دعوة ~~الحق } إن دعاه أحد سمعه فأجابه - إن شاء - بما يشاء , وإن دعا هو أحدا ~~دعوة أمر , بين الصواب بما يكشف الارتياب , أو دعوة حكم لبى صاغرا وأجاب { ~~والذين يدعون } أي يدعو الكافرون , وبين سفول PageV04P134 رتبتهم بقوله : { ~~من دونه } أي الله { لا يستجيبون } أي لا يوجدون الإجابة { لهم } أي ~~الكافرين { بشيء } والاستجابة : متابعة الداعي فيما دعا إليه بموافقة ~~إرادته { إلا كباسط } أي إلا إجابة الماء لباسط { كفيه } تثنيه كف , وهو ~~موضع القبض باليد , وأصله من كفه - إذا جمع أطرافه { إلى الماء ليبلغ } أي ~~الماء { فاه } دون أن يصل كفاه إلى الماء - بما يدل عليه التعدية ب ( إلى ) ~~, فما الماء بمجيب دعاءه في بلوغ فيه { وما هو } أي الماء { ببالغه } أي ~~فيه , فللكافرين بذلك دعوة الباطل كما أن الماء جماد لا يحس بدعوة هذا فلا ~~يجيبه , فأصنامهم كذلك . | ولما كان دعاؤهم منحصرا في الباطل , قال في موضع ~~( وما دعاؤهم ) مظهرا تعميما وتعليقا للحكم بالوصف ms2483 : { وما دعاء الكافرين } ~~أي الساترين لما دلت عليه أنوار عقولهم بمعبوداتهم أو غيرها { إلا في ضلال ~~* } لأنه لا يجد لهم نفعا , أما معبوداتهم فلا تضر ولا تنفع , وأما الله ~~فلا يجيبهم لتضييعهم الأساس . | < < # | الرعد : ( 15 ) ولله يسجد من . . . . . # > > ^ ( ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو ~~والآصال ) ^ } ) | ولما كانت دعوة الأمرواضحة السبل جلية المناهج في جميع ~~كتبه , وكلها إلى الناظرين وبين دعوة الحكم بقوله : { ولله } أي الملك ~~الأعلى { يسجد } أي يخضع وينقاد ويتذلل كما بين عند قوله { ولايزالون ~~مختلفين إلا من رحم ربك } [ هود : 119 ] { من في السماوات والأرض } لجميع ~~أحكامه النافذة وأقضيته الجارية { طوعا } والطوع : الانقياد للأمر الذي ~~يدعى إليه من قبل النفس { وكرها } قال الرازي رحمه الله : والكافر في حكم ~~الساجد وإن أباه لما به من الحاجة الداعية إلى الخضوع , واعلم أن سجود كل ~~صنف هو تذلله وتسخره وانقياده لما أريد له , فكل موجود جماد وحيوان عاقل ~~وغير عاقل وروحاني وغير روحاني مسخر لأمر من له الخلق والأمر ؛ وقال الشيخ ~~محيي الدين النووي رضي الله عنه فس شرح المهذب : أصله - أي السجود - الخضوع ~~والتذلل , وكل من تذلل وخضع فقد سجد , وسجود كل موات في القرآن طاعته لما ~~سخر له - هذا أصله في اللغة , ثم قيل لمن وضع جبهته في الأرض : سجد , لأنه ~~غاية الخضوع . | ولما كانت الظلال مسخرة لما أراد سبحانه , لا قدرة لأحد ~~على تغيير ذلك بوجه , قال : { وضلالهم } أي أيضا تسجد له بامتدادها على ~~الأرض , تقصر تارة بارتفاع الشمس وتطول أخرى بانحطاطها , لا يقدرون على منع ~~ظلالهم من ذلك حيث يكون ظلال , وذلك { بالغدو } جمع غداة , وهي البكرة : ~~أول النهار { والآصال } جمع أصيل , دائما في جميع البلاد , وفي وسط النهار ~~في بعض البلاد ؛ والظل : ستر الشخص ما بإزائه , والفيء : الذي يرجع بعد ~~ذهاب ضوئه , والأصيل : العشي ما بين العصر إلى المغرب - كأنه أصل الليل ~~الذي ينشأ منه . | PageV04P135 ومادة ( صلا ) - واوية ويائية مهموزة وغير ~~مهموزة بتراكيبها الأحد عشر , وهي : صلو , صول , لصو , لوص , وصل , صلي ms2484 , ~~صيل , لصي , ليص , أصل , صأل - تدور على الوصالة , فالصلاة وصلة بين العبد ~~وربه سواء كانت دعاء أو استغفارا أو رحمة أو حسن الثناء من الله على رسوله ~~, أو ذات الأركان , وصلوات اليهود لمتعبداتهم من ذلك في الأصل , والصلا : ~~وسط الظهر منا , أو من كل ذي أربع , أو ما انحدر من الوركين , أو الفرجة ~~بين الجاعرة والذنب - يجوز أن يكون من ذلك , لأنه يقرب من غيره من الأعضاء ~~إذا انثنى الحيوان , ويجوز أن يكون شبه بالعود المعوج الذي يقوم بإصلائه ~~النار , وأصلت الناقة وصليت - إذا استرخى صلواها لقرب نتاجها , والمصلي من ~~خيل الحلبة : الذي يجيء عل إثر السابق , فإنه يواصله , وصلى الحمار أتنه : ~~طردها وقحمها الطريق - فكأنه بذلك قومها بعد أن كانت معوجة , أو أراد ~~مواصلتها ؛ صال الرجل صولة - إذا سطا واستطال , لأن ذلك مواصلة على وجه ~~القهر والغلبة , وكذا صال الفحل على الإبل - إذا قاتلها , والعير - إذا حمل ~~على العانة فشلها , وصال على كذا : وثب , وصاوله : واثبه , والتصويل : ~~إخراجك الشيء بالماء , لأن ذلك سبب الخلوص , وإذا خلص الشيء تواصلت أجزاءه ~~, لأن ذلك المخرج كان حائلا بينها , والتصويل - أيضا : كنس نواحي البيدر , ~~لأنه سبب لتواصل ما كان متفرقا , ومن ذلك المصول - كمنبر : شيء ينقع فيه ~~الحنظل لتذهب مرارته , وبهاء : المكنسة , والصيلة - بالكسر : عقدة العذبة - ~~لتواصل محل العقد بعضه ببعض وبه يتماسك اتصال بعض العمامة ببعض , والجراد ~~يصول في مشواه , من التصويل , أي يساط , بمعنى يخلط بالتقليب فيتواصل منه ~~ما كان متفرقا , وصال يصيل - لغة في يصول , وصيل له - كذا بالكسر : قيض ~~وأتيح , لأنه صار مقارنا له , ولصوت الرجل عبته وقذفته - لأنك وصلت به ~~العيب , وفلان لا يلصوا إلى ريبة , أي لا ينضم إليها ولا ينضاف ؛ واللوص : ~~اللمح من خلل باب ونحوه كالملاوصة - كأنه وصلة بالنظر من موضع غير معهود , ~~أو لأنه سبب الوصلة إلى ما يراد , ولاص : نظر كأنه يختل ليروم أمرا , ~~والشجرة : أراد أن يقطعها بالفأس , فلاوص في نظره يمنة ويسرة كيف يأتيها ~~وكيف يضربها - لأن حاصل ذلك المواصلة على ms2485 وجه الشدة كما تقدم في صال عليه , ~~وتلوص : تلوى وتقلب , ومنه أليص - أي أرعش , وألاصه على الشيء : أداره عليه ~~وأراده منه - كأنه طلب منه مواصلته , واللواص - كسحاب : الفالوذ كالملوص ~~كمعظم , والعسل الصافي - لأنه أهل للمواصلة , ولوص : أكل , واللوص : وجمع ~~الأذن والنحر , واللوصة ؛ وجمع الظهر - كأنه لشدته لا مواصل للبدن سواه , ~~ولاص : حاد - أي سلب الوصلة ؛ والوصلة - التي هي مدار المادة وكأنها ~~الحقيقة التي تشعبت منها فروعها - PageV04P136 هي الضم وهي التئام الشيء ~~بالشيء , وكل ما اتصل بشيء فالذي بينهما وصلة , وضدها الفرقة , والوصل : ضد ~~القطع , والأوصال المفاصل ومجتمع العظام , لأنها موضع اتصال العظم بالآخر , ~~والوصلان - بالكسر والضم : طبقا الظهر , ويقال : هما العجز والفخذ , ~~والوصيلة : الشاة تلد ذكرا ثم تلد أنثى , فتصل الظهر , ويقال : هما العجز ~~يدور على الوصلة , ووصل الشيء بالشيءك لأمه , ووصل الشيء وإلى الشي : بلغه ~~وانتهى إليه , وأوصله واتصل : لم ينقطع , ووصله وواصله - كلاهما يكون في ~~عفاف الحب ودعارته , والوصائل جمع وصيلة - لثياب حمر مخططة يمنية يتخذها ~~الناس دروعا يشق من جانبها , كأنه لأنها توصل بغيرها أو يقطع بعضها ثم يوصل ~~بها لتصير دروعا , والوصيلة : العمارة والخصب والرفقة والسيف - لأن ذلك أهل ~~لأن يوصل , والوصيلة : كبة الغزل لشدة التباس بعضها ببعض , والأرض الواسعة ~~- لأن اتصالها لم يحل بينه جبال , وليلة الوصل : آخر ليالي الشهر , لأنها ~~تصل بين الشهرين , وحرف الوصل : الذي بعد الروي - لأنه وصل حركة حرف الروي ~~, ووصيلك : من يدخل ويخرج معك , وتصل : بئر ببلاد هذيل , واتصل الرجل - إذا ~~انتسب , لأنه وصل نفسه بمن انتسب إليهم , والموصول : دابة كالدبر تلسع ~~الناس , كأنه من السلب ؛ وصليت اللحم : شويته - لأنك وصلته بالنار , وصليته ~~: ألقيته في النار للإحراق , والصلاء - ككساء : الشواء أو النار كالصلى ~~فيهما , وكأن منه : صلىعصاه على النار , أي أحماها ليقومها - لأن كلا منهما ~~وصله بالنار للإصلاح , وأصليته النار : أدخلته إياها وأثويته فيها , وصلى ~~يده بالنار : سخنها - لأنه وصلها بها , وهلي النار - كرضي : قاسى حرها , ~~وصليت فلانا : درايته وخاتلته وخدعته - كل ذلك لإرادة مواصلته لأمر , ~~والصلاية - ويهمز : الجبهة , لكثرة ms2486 مباشرتها الأرض في الصلاة , ومدق الطيب ~~- لمواصلة الدق , وصليت للصيد تصلية - إذا نصبت له شركا ليقع فيه فتصل إليه ~~, ومنه الحديث ( إن للشيطان مصالي وفخوخا ) جمع مصلاة وفخ , والصليان - ~~بكسر ثم تشديد - قال في مختصر العين : نبت معروف , وقال القزاز : وهو شجر ~~له جعثن ضخم , ربما جرد وسطه ونبت ما حوله , وهو من أفضل المراعي وهو خبز ~~الإبل , وقيل : إن الخيل تأكله ولونه أصهب - انتهى . | فسمي بذلك لكثرة ~~مواصلة الإبل له ؛ ولصيت الرجل كرميت ورضيت - إذا عبته وقذفته بالفجور , ~~وقال القزاز : وقيل : هو أن يضيفه إلى ربية , ولصي إليه : انضم إليه لريبة ~~؛ ولاص يليص : حاد , ولصته أليصه وألصته - إذا أزعجته أو حركته لتنتزعه - ~~كأنه من السلب , وألصته عن كذا - إذا راودته عنه , يمكن أن يكون سلبا وأن ~~يكون إيجابيا ؛ والأصل : أسفل كل شيء - لأن جميع الأشياء واصله إليه , وأصل ~~- ككرم : صار ذا PageV04P137 أصل أو ثبت أو رسخ كتأصل , والرأي : جاد - كل ~~ذلك تشبيه بالأصل , والأصيل : من له أصل - ككرم , والأصي : العشي - لأنه ~~وصلة ما بين النهار والليل , أو الليل , أو لأنه لما آذن بتصرم النهار كان ~~كأنه اجتثه من أصله , ومنه الأصيل - للهلاك والموت كالأصيلة فيهمان ولقيتهم ~~مؤصلا أي بالأصيل , وأخذه بأصلته - محركا , وأصيلته أي كله بأصله , وأصيلتك ~~: جميع مالك أو نخلتك , والأصل - ككتف : المستأصل , وأصله علما : قتله - ~~كأنه أدام مواصلته حتى أتقنه , والأصلة - محركة : حية قصيرة تساورالإنسان - ~~قاله في مختصر العين , وفي القاموس : حية صغيرة أو عظيمة تهلك بنفخها , فإن ~~نظرت إلى المساورة فهو من المواصلة - كما تقدم في صال عليه , وإن نظرت إلى ~~الهلاك فهو من الاستئصال , وأصل الماء - كفرح : أسن من حمأة , واللحم : ~~تغير , يجوز أن يكون من الوصلة أي لشدة مواصلة الحمأة للماء والهواء للحم , ~~وأن يكون من الأصيل أي الهلاك بجملته وأصله , وأن يكون من سلب المواصلة ؛ ~~وصؤل البعير - ككرم صآلة : واثب الناس أو صار يقتل الناس ويعدو عليهم , ~~وصئيل الفرس : صهيله - لمواصلة نغماته , وهذا وقد مضى عند قوله تعالى وفي ~~سورة هود عليه السلام ms2487 { صلاوتك تأمرك } إشارة إلى هذا - والله سبحانه ~~وتعالى أعلم . | < < # | الرعد : ( 16 ) قل من رب . . . . . # > > ^ ( قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أوليآء لا ~~يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي ~~الظلمات والنور أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله ~~خالق كل شيء وهو الواحد القهار ) ^ } ) | فلما تبين قطعا أنه سبحانه المدبر ~~للسماوات والأرض القاهر لمن فيهما , وتبين قطعا أنه المختص بربوبيتهما ~~فأمره تعالى أن يوجه السؤال نحوهم عن ذلك - ردا على عبدة الأصنام وغيرهم من ~~الملحدين - بقوله : { قل } أي بعد أن أقمت هذه الأدلة القاطعة , مقررا لهم ~~{ من رب } أي موجد ومدبر { السماوات والأرض } أي وكل ما فيهما . | ولما مضى ~~في غير آية أنهم معترفون بربوبيته مقرون بخلقه ورزقه ثم لم يزعهم ذلك عن ~~الإشراك , جعلوا هنا كأنهم منكرون لذلك عنادا , فلم ينتظر جوابهم بل أمره ~~أن يجيبهم بما يجيبون به , إشارة إلى أنهم لا يتحاشون من التناقض في اتباع ~~الهوى ولا تصونهم عقولهم الجليلة وآراؤهم الأصلية - بزعهما - عن التساقط في ~~مهاوي الردى , فقال : { قل الله } أي الذي له الأمر كله , فثبت حينئذ أن لا ~~ولي إلا هو , فتسبب عن ذلك توجه الإنكار عليهم في اعتماد غيره , فأمره ~~بالإنكار في قوله : { قل أفاتخذتم } أي PageV04P138 فتسببتم عن انفراده ~~بربوبيتكم أن أوجدتم الأخذ بغاية الرغبة , فتسببتم الإشراك عما يجب أن يكون ~~سبب التوحيد , وبين سفول رتبتهم بقوله : { من دونه أولياء } لا يساوونكم في ~~التسبب في الضر والنفع , بل { لا يملكون لأنفسهم } فكيف بغيرهم { نفعا } ~~ونكره ليعم , وقدمه لأن السياق لطلبهم منهم , والإنسان إنما يطلب ما ينفعه ~~. | ولما كان من المعلوم أنه لا قدرة لأحد على أن يؤثر في آخره أثرا لا ~~يقدر على مثله في نفسه قال : { ولا ضرا } فثبت أن من سواهم بالله أضل ~~الضالين , لأنه يلزمه أن يسوي بين المتضادات , فكان معنى قوله : { قل هل ~~يستوي } والاستواء : استمرار الشيء في جهة واحده { الأعمى } في عينه أو ms2488 في ~~قلبه { والبصير * } كذلك { أم هل تستوي } بوجه من الوجوه { الظلمات والنور ~~* } : هل أدتهم عقولهم إلى أن سووا بين هذه المتضادات الشديدة الظهورلغباوة ~~أو عناد حتى سووا من يخلق بمن لا يخلق , فجعلوا له شريكا كذلك لغباوة أو ~~عناد { أم جعلوا لله } أي الذي له مجامع العظمة { شركاء } ثم بين ما يمكن ~~أن يكون به الشركة , فقال واصفا لهم : { خلقوا كخلقه } وسبب عن ذلك قوله : ~~{ فتشابه } والتشابه : التشاكل بما يلتبس حتى لا يفصل فيه بين أحد الشيئين ~~والآخر { الخلق عليهم } فكان ذلك الخلق الذي خلقه الشركاء سبب عروض شبهة ~~لهم , وساق ذلك في أسلوب الغيبة إعلاما بأنهم أهل للإعراض عنهم , لكونهم في ~~عداد البهائم لقولهم ما لايقل بوجه من الوجوه , وهذا قريب مما يأتي قريبا ~~في قوله : < # > 77 ( { أم بظاهر من القول } ) 77 < # > [ الرعد : 33 ] . | أي بشبهة يكون فيها نوع ظهور لبعض الأذهان . | ولما ~~كان من المعلوم قطعا أن جوابهم أن الخلق كله لله . | ولم يمنعهم ذلك من ~~تأله سواه , أمره أن يجيبهم معرضا عن جوابهم فقال { قل الله } أي الملك ~~الأعلى { خالق كل شيء } إشارة إلى أنهم في أحوالهم كالمنكر لذلك عنادا أو ~~خرقا لسياج الحياء وهتكا لجلباب الصيانة , وإذ قد ثبت أنه المنفرد بالخلق ~~وجب أن يفرد بالتأله فقال : { وهو الواحد } الذي لا يجانسه شيء , وكل ما ~~سواه لا يخلو عن مجانس يماثله , وأين رتبة من يماثل من رتبة من لا مثل له { ~~القهار * } الذي لكل شيء غالب , وهذا إشارة - كما مضى في مثله له { القهار ~~* } الذي كل شيء تحت قهره بأنفسهم وظلالهم , وهو القادر بما لا يمكن أن ~~يغلبه غالب وهو لكل شيء غالب , وهذا إشارة - كما مضى في مثله غير مرة في ~~سورة يوسف وغيرها - إلى برهان التمانع , فإن أربابهم متعددون , فلو كانمت ~~لهم حياة وكانوا متصرفين في الملك لأمكن بينهم تمانع وكان منهم معرضا لأن ~~يكون مقهورا , فكيف وهم جماد ! فثبت قطعا أنه لا شيء منهم يصلح للإلهية على ~~تقدير من التقادير ؛ قال الرماني : والواحد ms2489 على وجهين : شيء لا ينقسم أصلا ~~, وشيء لا ينقسم في معنى كالدنيا . | PageV04P139 < < # | الرعد : ( 17 ) أنزل من السماء . . . . . # > > ^ ( أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ~~ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله ~~الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ~~كذلك يضرب الله الأمثال ) ^ } ) | ولما كان حمل الماء في العلو لا يمكن إلا ~~عن قهر , وإنزاله في وقت دون غيره كذلك , أتبع هذا الختم قوله دليلا مشاهدا ~~عليه : { أنزل } ولما كان الإنزال قد يتجوز به عن إيجاد ما يعظم إيجاد ما ~~يعظم إيجاده , حقق أمره بقوله : { من السماء } ولما كان المنزل منها أنواعا ~~شتى قال : { ماء فسالت } أي فتسبب عن إنزاله لكثرته أن سالت { أودية } أي ~~مياهها منها الكبير والصغير ؛ والوادي : سفح الجبل العظيم الذي يقابله جبل ~~أو تل فيجمع فيه المطر , فيجري في فضائه , ومنه أخذت الدية - لجمع المال ~~العظيم الذي يؤدي عن القتل { بقدرها } والقدر : اتزان الشيء بغيره من غير ~~زيادة ولا نقصان , فالمعنى أن المياه ملأت الأودية مع ما ذلك من الدلالة ~~على التفرد بالربوبية مما هو مثال للحق والباطل , وهو قوله : { فاحتمل } ~~والاحتمال : رفع الشيء على الظهر بقوة الحامل له { السيل } وهو ماء المطر ~~الجاري من الوادي بعظم { زبدا رابيا } أي عاليا بانتفاخه : والزبد : الرغوة ~~التي تعلو الماء , ومدار المادة على الخفة , ويلزمها العلو , ومنه زبد ~~البحر والبعير - للرغوة الخارجة من شدقه , والغضبان , وزبدت المرأة القطن - ~~إذا نفشته , والزباد - كرمان : ضرب من النبت تنفرش أفنانه , وشاة مزبدة أي ~~سمينة , ومنه الزباد - للطيب المعروف وهو وسخ يشبه الرغوة يجتمع تحت ذنب ~~نوع من السنانير , ومنه الزبد - بضم وسكون - لخالص اللبن فإنه أخفه , يقال ~~منه : زبدت فلانا أزبده - إذا أطعمته الزبد , ثم اتسع فيه حتى قيل لمطلق ~~العطية , ومنه : ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم عم زبده ~~اللبن الزباد للنبت , فإنه مرعى ناجع , كأنه شبه به أو لأنه سببه , وكذا ms2490 ~~شاة مزبدة أي سمينة ويلزم الخفة الإسراع , يقال : تزبد اليمين - إذا أسرع ~~إليها , أو إنها شبهت بالزبد في سهولة التقامه . | ولما الزبد أحسن مثل ~~لمعبوداتهم , وكان لا يختص بالماء الذي هو مائع بطبعه بجمع الأوضار ~~والأقذار بجريه , وذكر معه ما يشبهه في النفع من الجوامد الصلبة التي تزبد ~~عند الإذابة مع كونها في حال الجمود في غاية الصفاء والخلوص عن الشوائب على ~~ما يظهر , فقال : { ومما يوقدون } أي إيقادا مستعليا { عليه } أي للإذابة { ~~في النار } من المعادن { ابتغاء حلية } تتحلون بها من الأساور والحلق ~~ونحوها { أو } ابتغاء { متاع } تتمتعون به من الدراهم والدنانير والسيوف ~~والأواني ونحوها , وأصل المتاع : PageV04P140 التمتع الحاضر , فهذا تقسيم ~~حاصر لأنواع الفلز المنوه إليها مع إظهار التهاون به وإن تنافس الناس فيه ~~كما هو شأن الملوك يظهرون المجد والفخار بالاستهانة بما يتنافس الناس فيه { ~~زبد مثله } أي مثل زبد الماء يكشط عن وجهه أو يعلق بأطراف الإناء فيذهب ~~ويبقى ذلك الجوهر خالصا كالحق إذا زالت عنه الشكوك وانزاحت الشبه . | ولما ~~كان هذا في غاية الحسن والانطباق على المقصود , كان سامعه جديرا بأن يهتز ~~فيقول : هذا مما لا يقدر على سوقه هكذا إلا الله تعالى , فيا له من مثل ! ~~فأجيب قوله : { كذلك } أي مثل هذا الضرب , لعلى الرتب , الغريب العجب , ~~المتين السبب { يضرب الله } أي الذي له الأمر كله { الحق والباطل } أي ~~مثلهما ؛ وضرب المثل : تسييره في البلاد يتمثل به الناس . | ولما نبه بهذا ~~الفصل على علو رتبه هذا المثل , شرع في شرحه , فقال مبتدئا بما هو الأهم في ~~هذا المقام , وهو إبطال الباطل الذي أضلهم , وهو في تقسيمه على طريق النشر ~~المشوش , فقال : { فأما الزبد } أي الذي هو مثل للباطل المطلق { فيذهب } ~~متعلقا بالاشجار وجوانب الأودية لأنه يطفو بخفته ويعلق بالأشياء الكثيفة ~~بكثافته { جفاء } قال أبو حيان : أي مضمحلا متلاشيا لا منفعة فيه لا بقاء ~~له ؛ وقال ابن الأنباري : متفرقا , من جفأت الريح الغيم - إذا قطعته , ~~وجفأت الرجل : صرعته - انتهى . | فهذا مثل الباطل من الشكوك والشبه وما ms2491 ~~أثاره أهل العناد , لا بقاء له وإن جال جولة - يمتحن الله بها عباده ليظهر ~~الثابت من المزلزل - ثم ينمحق سريعا ؛ وقال الرماني : والجفاء : بنو مكان ~~الشيء به حتى يهلك { وأما ما ينفع الناس } من الماء والفلزالذي هو مثل الحق ~~{ فيمكث في الأرض } ينتفع الناس بالماء الذي به حياة كل شيء , والفلز الذي ~~به التمام , فالماء والمعدن مثل القرآن لما فيه من حياة القلوب وبقاء الشرع ~~كما أن الماء يحيى الأراضي الميتة , والمعادن تحيي موات العيش وتنظم ~~المعاملات المقتضية لاختلاط بعض الناس ببعض وائتلافهم بالحاجة , والأودية ~~والأواني مثل القلوب يثبت منه فيها ما تحتمله على قدر سعة القلب وضيقه بحسب ~~الطهارة وقوة الفاهمة . | ولما انقضى هذا المثل على هذا البيان الذي يعجز ~~دونه الثقلان , لأنه أحسن شيء معنى بأوجرعبارة وأوضح دلالة , كان كأنه قيل ~~: هل يتبين كل شيء هذا البيان ؟ فقيل : نعم , { كذلك } أي مثل ذلك الضرب { ~~يضرب الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة علما وقدرة { الأمثال } فيجعلها في ~~غاية الوضوح وإن كانت في غاية الغموض . | PageV04P141 ومادة ( جفا ) - ~~واوية ويائية مهموزة وغير مهموزة بكل ترتيب , وهي جفأ جأف فجأ , جفي جيف ~~فيج , جفو جوف فوج , فجو وجف - تدور على الطرح : جفأ الوادي والقدر : رميا ~~بالجفاء أي الزبد وجفأ القدر والوادي : مسح غثاءه أي فطرحه - وجفأه : صرعه ~~, والبرمة في القصعة : كفاها - أي طرح ما فيها - والباب : أغلقه وفتحه - ضد ~~, لأنه في كليهما كالمرمي به , والبقل : قلعه من أصله , والجفاء - كعزاب : ~~الباطل , لأنه أهل للقذف به والطرح , والسفينة الخالية , لأنا بمعرض قذف ~~الماء لها . | وأجفا ماشيته : أتعبها بالسير ولم يفعلها أي سيرها سيرا ~~كأنها يقذف بها , وجفأ به : طرحه , وجفات البلاد : ذهب خيرها , فكانت طرحته ~~أو صارت هي أهلا لأن تطرح وتبعد , والعام جفأة إبلنا , وهو أن ينتج أكثرها ~~, لأنها طرحت أجنتها . | ومن يائيه : جفيته أجفيه : صرعته , والجفاية - ~~بالضم : السفينة الفارغة , والمجفي : المجفو . | ومن واويه : جفا الشيء ~~يجفو - إذا لم يلزم مكانه , كأنه فصل من مكانه فطرح به , والجفاء والجفوة : ~~ترك الصلة , واجتفيته ms2492 : أزلته عن مكانه , وجفا عليه كذا : ثقل , فصار أهلا ~~لطرحه والانفصال منه , ورجل جافي الخلقة والخلق : كز غليظ , لأن الشيء إذا ~~غلظ لم يلتصق التصاق اللطيف , وأجفى الماشية : أتبعها ولم يدعها تأكل , ~~وفيه جفوة أي هو جاف , فإن كان مجفوا قيل : به جفوة . | ومن مقلوبه مهموزا ~~: جافة : صرعه وذعره أي قذف في قلبه رعبا : والشجرة : قلعها من أصلها , ~~والجآف - كشداد : الصياح , كأنه يقذف بصوته , ورجل مجأف : لا ثبات له - ~~كأنه يقذف به من مكانه , والمجؤوف : الجائع والمذعور , كأنه من الجوف , ~~وإنما همزت واوه الأولى لانضمامها مع أنه يمكن تنزيله على أنه قذف فيه ذلك ~~. | ومن يائيه : الجيفة : جثة الميت وقد أراح , والجياف - كشداد : النباش , ~~وجافت تجيف : أنتنت فصارت متهيئة للطرح والتغيب , وجيفه : ضربه , لما رأه ~~أهلا للبعد , وجيف فلان في كذا وجيف أي فزع و أفزع أي طرح في قلبه الرعب , ~~فصار لا تسعه أرض , بل يقذف بنفسه من مكان إلى آخر . | ومن واوية : الجوف : ~~المطمئن من الأرض , لأنه يسع ما يطرح فيه ويمسكه , ومهما طرح من الجبال من ~~شيء استقر به , والجوف منك : بطنك , لافتقار إلى طرح الغذاء فيه , وأهل ~~الأغوار يسمون فساطيط عمالهم الأجواف - لطرح أنفسهم وأمتعتهم فيها - وجوف ~~الليل : وسطه - تشبيه بالجوف , والأجوفان : البطن والفرج , والجوف - ~~PageV04P142 محركة السعة , والجوفاء من الدلاء : الواسعة , ومن القنا ~~والشجر : الفارغة , والجائفة : جراحة تبلغ الجوف , وتلعه جائفة : قعيرة - ~~لأنها لقعرها بالجوف أشبه منها بالجبل , وجوائف النفس : ما تقعر من الجوف ~~في مقار الروح , والمجوف - كمعظم : من لا قلب له - كأن قلبه طرح من جوفه ~~فصار خاليا . | والجوفان - بالضم : أير الحمار - لسعة جوفه , وأجفت الباب : ~~رددته - كأنه من السلب , لأنك سددت جوف البيت , أو أنه شبه الإغلاق بطرح ~~الباب . | ومن مقلوبه مهموزا : فجئه الأمر - كسمعه ومنعه : هجم عليه من غير ~~أن يشعر , كأنه قذف به إليه , وفجئت الناقة - كفرح : عظم بطنها , كأنه قذف ~~فيه بشيء , فجأ - كمنع : جامع , لأنه طرحها وطرح نفسه عليها , والمفاجىء : ~~الأسد , لأنه يخرج بغتة فيثب من غير توقف . | ومن ms2493 مقلوبه واويا : الفجوة : ~~المتسع من الأرض والفرجة - لتهيئها لما يطرح فيها , والفجوة - أيضا : ساحة ~~الدار وما بين حوافي الحوافر , أي ميامنها ومياسرها , وفجا قوسه : رفع ~~وترها عن كبدها فهي فجواء , وفجا بابه : فتحه , فصار كالجوف , والفجا : ~~تباعد ما بين الركبتين أو الفخذين أو الساقين أو عرقوبي البعير ؛ فجي - ~~كرضي فهو أفجى , وعظم بطن الناقة , والفعل كالفعل , والتفجية : الكشف , ~~لأنك طرحت الغطاء , والتفجية - أيضا : التنحية , وهي واضحة في الطرح , ~~وأفجى : وسع النفقة على عياله - كأنه يقذف بها قذفا . | ومن مقلوبه يائيا : ~~أفاج الرجل - إذا أسرع , ومنه الفيج - لرسول السلطان على رجليه - كأنه ~~لسرعته يطرح به في الأرض - هذا هو الصحيح الذي صححه صاحب العباب , لأنه ~~معرب بيك , وقيل : إنه واوي , أصله : فيوج , ثم قيل : فيج - ككيس , ثم خفف ~~, وجمعه الفيوج , وقيل : الفيوج : الذين يدخلون السجن ويخرجون ويحرسون , ~~وأفاج في الأرض : ذهب , والقوم : ذهبوا وانتشروا - كأنه قذف بهم , والفيج : ~~الوهد المطمئن من الأرض , لأنه موضع لطرح ما في الأعالي . | ومن مقلوبه ~~واويا : الفوج : الجماعة , كأنهم اقتطعوا من الجمهور فقذف بهم , وفاج المسك ~~: فاح وسطع , أي انتشرت رائحته , والنهار : برد , إما بمعنى طرح برده على ~~ما فيه , وإما لإحواجه الحيوان إلى أن يطرح عليه ما يدفئه , وأفاج : أسرع ~~وعدا وأرسل الإبل على الحوض قطعة قطعة , والفاتج : البساط الواسع من الأرض ~~, لتهيئه لما يطرح فيه , وإما لإحواجه الحيوان إلى أن يطرح عليه ما يدفئه , ~~وأفاج في عدوه : أبطأ . | فهو للسلب , فاجت PageV04P143 الناقة برجيلها : ~~نفحت بهما من خلفها , والفائجة : متسع ما بين كل مرتفعين , كأنه محل طرح ما ~~ينزل منهما . | ومن مقلوبه : وجف يجف وجيفا : اضطرب , والوجف ضرب من سير ~~الإبل والخيل , وجف يجف وأوجفته واستوجف الحب فؤاده : ذهب به , كأنه طرحه ~~منه . | < < # | الرعد : ( 18 - 19 ) للذين استجابوا لربهم . . . . . # > > ^ ( للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما ~~في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم ~~وبئس المهاد * أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق كمن ms2494 هو أعمى إنما ~~يتذكر أولوا الألباب ) ^ } ) | ولما تم ما للحق والباطل في أنفسهم من ~~الثبات والاضطراب , ذكر ما لأهلهما من الثواب والعقاب جوابا لمن كأنه قال : ~~ما لمن تدبر هذه الأمثال , وأبعد عما أشارت إليه من الضلال , أو حاد عما ~~دعت إليه ومال ؟ فأجيب بقوله : { للذين استجابوا } أي طلبوا من أنفسهم ~~الإجابة وأوجدها { لربهم } أي المحسن إليهم شكرا له , الحالة { الحسنى } أي ~~العظيمة في الحسن , وهي القرار في الجنة فهو جزاءهم ؛ قال أبوحيان : وذلك ~~هو النصر في الدنيا وما اختصوا به من نعمه تعالى ودخول الجنة في الآخرة - ~~انتهى . | وقد تقدم في سورة يونس عليه الصلاة والسلام أنهم يزادون ما لا ~~يعلم قدره إلا الذي فعلوا ذلك خوف عقابه ورجاء ثوابه . | ولما ذكر ما ~~للطائعين , أتبعه جزاء العاصين , فقال مبتدئا : { والذين لم يستجيبوا } أي ~~يرغبوا في إيجاد الإجابة { له } وأخبر عن هذا الابتداء قوله معلما بأن ~~استعجالهم بالعذاب باستعجالهم بالسيئة قبل الحسنة جراءة منهم ناشئة عن جهل ~~صرف تزول عند رؤيتهم عذابه سبحانه , فيبلغون حينئذ بالافتداء غاية الذل فلا ~~يقبل منهم - : { لو أن لهم } أي في ملكهم وتحت قدرتهم { ما في الأرض } وأكد ~~بقوله : { جميعا ومثله } وأوضح بقوله : { معه لافتدوا به } أي جعلوا فكاك ~~أنفسهم بغاية جهدهم , وأكده لادعاء الكفرة أنهم لا يذلون لشيء ولا يوهن ~~قواهم شيء , والافتداء : جعل أحد الشيئين بدلا من الآخرعلى جهة الاتقاء به ~~, فكأنه قيل : ما الذي دهاهم حتى كان هذا حالهم ؟ فقيل - دلالة على أنه لا ~~يقبل منهم الفداء ولو عظم - : { أولئك } أي البعداء البغضاء { لهم سوء ~~الحساب * } والحساب : إحصاء ما على العبد وله , وسوء المؤاخذة , وعدم العفو ~~عن شيء { ومأواهم } أي مستقرهم { جهنم } أي الطبقة التي تلقى داخلها ~~بالتجهم والعبوسة . | ولما كان المأوى إنما يأوى إليه صاحبه للراحة فيه ~~بالاتكاء على فرش ونحوه , قال معبرا بمجمع المذام : { وبئس المهاد * } . | ~~PageV04P144 ولما افترق حال ما أجاب ومن أعرض في الجزاء , وكان ما مضى ~~مستوفيا طرق البيان بإيضاح الأمر بالجزيئات والأمثلة مع الترغيب والترهيب . ~~| فكان جديرا ms2495 بترتيب الأثر عليه , تسبب عنه الإنكار على من سوى بين العالم ~~العامل وغيره التفاتا إلى قوله { هل يستوي الأعمى والبصير } وسوى بين الحق ~~والباطل التفاتا إلى قوله { كذلك يضرب الله الحق والباطل } فحسن قوله : { ~~أفمن } بفاء السبب { يعلم } علما نافعا هو عامل به { إنما } أي الذي { أنزل ~~} أي مجد إنزاله وفرغ منه { إليك من ربك } أي المحسن إليك بأحسن التدبير { ~~الحق } أي الكامل في الحقية , فهو نير العين للبصر والقلب للاستبصار ~~والاعتبار , يهتدي بما يعلم إلى طريق الرشد فيسلكها , وإلى طريق الغي ~~فيركها , ويفهم الأشارات , وينتفع بالأمثال السائرات , كما يبصر بالبصر ~~طريق النجاة من طريق الهلاك { كمن هو أعمى } لا بصر له ولا بصيرة , لأنه لا ~~يعمل وإن كان عالما , فهو لا ينتفع بالأمثال , فكأنه قيل : لا يستويان مثلا ~~أصلا , ثم علل هذا الإنكاربقوله : { إنما } أي لأنه إنما يعلم ذلك بالتذكر ~~, وإنما { يتذكر } أي يطلب الذكر طلبا عظيما فيعمل { أولوا } أي أصحاب { ~~الألباب * } أي العقول الصافية الخالصة القابلة للتذكر بالتفكر في أن ما ~~أنزل من عند الله ثابت الأركان راسي القواعد , لا قدر لأحد على إزالة معنى ~~من معانيه ولا هدم شيء من مبانيه وأن ما عداه هلهل النسج رث القوى , مخلخل ~~الأركان , دارس الرسم , منطمس الأعلام , مجهول المسالك , مظلم الأرجاء , جم ~~المهالك , وأما القلب الذي لا يرجع عن غيه لمثل هذا البيان فكأنه غير قابل ~~للذكرى , فاستحق أن يعد عدما , وأن يخص التذكر بالقلب , ومن المعلوم أنه لا ~~يستوي من له لب ومن لا لب له ؛ واللب والقلب : أجل ما في الشيء وأخلصه ~~وأجوده . | < < # | الرعد : ( 20 - 24 ) الذين يوفون بعهد . . . . . # > > ^ ( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق * والذين يصلون مآ أمر ~~الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب * والذين صبروا ابتغاء وجه ~~ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة ~~السيئة أولئك لهم عقبى الدار * جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم ~~وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما ~~صبرتم فنعم ms2496 عقبى الدار ) ^ } ) | ولما منح سبحانه من فيهم أهلية التذكر ~~بالعقول الدالة على توحيده والانقياد لأوامره , كان كأنه عهد في ذلكن فقال ~~يصف المتذكرون بما يدل قطعا على أنه لا لب لسواهم : { الذين يوفون } أي ~~يوجدون الوفاء لكل شيء { بعهد الله } أي بسبب العقد المؤكد من الملك الأعلى ~~بأوامره ونواهيه , فيفعلون كلا منهما كما رسمه لهم ولا PageV04P145 يوقعون ~~شيئا منهما مكان الآخر ؛ والعهد : العقد المتقدم على الأمر بما يفعل أو ~~يجتنب , والإيفاء : جعل الشيء على مقدار غيره من غير زيادة ولا نقصان . | ~~ولما كان الدليل العقلي محتما للثبات عليه كما أن الميثاق اللفظي موجب ~~للوفاء به , قال تعالى : { ولا ينقضون الميثاق * } أي الإيثاق ولا الوثاق ~~ولا مكانه ولا زمانه ؛ والنقض : حل العقد بفعل ما ينافيه ولا يمكن أن يصح ~~معه , والميثاق : العقد المحكم وهو الأوامر والنواهي المؤكدة بحكم العقل . ~~| ولما كان أمر الله جاريا على منهاج العقل وإن كان قاصرا عنه لا يمكن نيله ~~له من غير مرشد , قال : { والذين يصلون } أي من كل شيء على سبيل الاستمرار ~~{ ما أمر الله } أي الذي له الأمر كله ؛ وقال : { به أن يوصل } دون ( يوصله ~~) ليكون مأمورا بوصله مرتين , ويفيد تجديد الوصل كلما قطعه قاطع على ~~الاستمرار لما تظافر على ذلك من دليلي العقل والنقل ؛ والوصل : ضم الثاني ~~إلى الأول من غير فرج . | ولما كان الدليل يرشد إلى أن الله تعالى مرجو ~~مرهوب قال : { ويخشون ربهم } أي المحسن إليهم , من أن ينتقم منهم إن خالفوا ~~بقطع الإحسان . | ولما كان العقل دالا بعد تنبيه الرسل على القدرة على ~~المعاد بالقدرة على المبدأ , وكان الخوف إيجاد مستمرا { سوء الحساب * } وهو ~~المناقشة فيه من غير عفو , ومن أول السورة إلى هنا تفصيل لقوله تعالى أول ~~البقرة < # > 77 ( { ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب } ) 77 ~~< # > [ البقرة : 1 ] مع نظره إلى قوله آخر يوسف < # > 77 ( { ما كان حديثا يفترى } ) 77 < # > [ يوسف : 111 ] . | ولما كان الوفاء بالعهد في غاية الشدة على النفس , ~~قال مشيرا إلى ذلك ms2497 مع شموله لغيره : { والذين صبروا } أي على طاعات الله ~~وعن معاصيه وفي كل ما ينبغي الصبر فيه , والصبر : الحبس , وهو تجرع مرارة ~~المنع للنفس عما تحب مما لا يجوز فعله { ابتغاء } أي طلب { وجه ربهم } أي ~~المحسن إليهم , وكأنه ذكر الوجه إثارة للحياء وحثا عليه لا ليقال : ما ~~أجلده ! ولا لأنه يعاب بالجزع , ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ولا خوف ~~الشماتة . | ولما كانت أفراد الشيء قد تتفاوت في الشرف , خص بالذكر أشياء ~~مما دخل في العهد والميثاق تشريفا لها فقال : { وأقاموا الصلاة } لأنها في ~~الوصلة بالله كالميثاق في الوصلة بالموثق له , وقال - : { وأنفقوا } وخفف ~~عنهم بالبعض فقال : { مما رزقناهم } - لأن الإنفاق من أعظم سبب يوصل إلى ~~المقاصد , فهذا إنفاق من المال , وتلك إنفاق من PageV04P146 القوى , وقال : ~~{ سرا وعلانية } إشارة إلى الحث على استواء الحالتين تنبيها على الإخلاص , ~~ويجوز أن يكون المراد بالسر ما ينبغي فيه الإسرار كالنوافل , وبالعلانية ما ~~يندب إلى إظهاره كالواجب إلا أن يمنع مانع , وهذا تفصيل قوله تعالى ^ ( { ~~ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } ) ^ [ البقرة : 3 ] ^ ( { واستعينوا ~~بالصبر والصلاة } ) ^ [ البقرة : 45 ] وقال : { ويدرؤون } أي يدفعون بقوة ~~وفطنة { بالحسنة } أي من القول أو الفعل { السيئة } إشارة إلى ترك المجازاة ~~أو يتبعونها إياها فتمحوها , خوفا ورجاء وحثا على جميع الأفعال الصالحة , ~~فهي نتيجة أعمال البر ودرجة المقربين . | ولما ختم تلك بما يدل على ما بعد ~~الموت ترهيبا , ختم هذه بمثل ذلك ترغيبا فقال : { أولئك } أي العالو الرتبة ~~{ لهم عقبى الدار * } وبينها بقوله : { جنات عدن } أي إقامة طويلة - ومنه ~~المعدن وهي أعلن الجنان ؛ ثم استأنف بيان تمكنهم فيها فقال : { يدخلونها } ~~. | ولما كانت الدار لا تطيب بدون الحبيب , قال عاطفا على الضمير المرفوع ~~إشارة إلى أن النسب الخالي غير نافع : { ومن صلح } والصلاح : استقامة الحال ~~على ما يدعو إليه العقل والشرع { من آبائهم } أي الذين كانوا سببا في ~~إيجادهم { وأزواجهم وذرايتهم } أي الذين تسببوا عنهم ؛ ثم زاد في الترغيب ~~بقوله سبحانه وتعالى : { والملائكة يدخلون عليهم } لأن الإكثار من ترداد ~~رسل الملك ms2498 أعظم في الفخر وأكثر في السرور والعز . | ولما كان إتيانهم من ~~الأماكن المعتادة مع القدرة على غيرها أدل على الأدب والإكرام , قال : { من ~~كل باب * } يقولون لهم : { سلام عليكم } والسلام : التحية بالكرامة على ~~انتفاء كل شائب من مضرة , وبين أن سبب هذا السلام الصبر فقال : { بما صبرتم ~~} أي بصبركم , والذي صبرتم له , والذي صبرتم عليه , إشارة إلى أن الصبر ~~عماد الدين كله . | ولما تم ذلك . | تسبب عنه قوله : { فنعم عقبى الدار * } ~~وهي المسكن في قرار , المهيأ بالأبنية التي يحتاج إليها والمرافق التي ~~ينتفع بها ؛ والعقبى : الانتهاء الذي يؤدي إليه الابتداء من خير أو شر . | ~~< < # | الرعد : ( 25 - 29 ) والذين ينقضون عهد . . . . . # > > ^ ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله به أن ~~يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار * الله يبسط الرزق ~~لمن يشآء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا ~~متاع * ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من ~~يشآء ويهدي إليه من أناب * الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر ~~الله تطمئن القلوب * الذين آمنوا وعملوا الصالحات PageV04P147 طوبى لهم ~~وحسن مآب ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما ذكر ما للناجحين , ذكر مآل الهالكين فقال : { والذين ينقضون عهد ~~الله } أي الملك الأعلى فيعلمون بخلاف موجبه ؛ والنقض : التفريق الذي ينفي ~~تأليف البناء . | ولما كان النقض ضارا ولو كان في أيسر جزء , أدخل الجار ~~فقال : { من بعد ميثاقه } أي الذي أوثقه عليهم بما أعطاهم من العقول ~~وأودعها من القوة على ترتيب المقدمات المنتجة للمقاصد الصالحة الدالة على ~~صحة جميع ما أخبرت به رسله عليهم الصلاة والسلام والتحية والإكرام ؛ ~~والميثاق : إحكام العقد بأبلغ ما يكون في مثله { ويقطعون ما } أي الشيء ~~الذي { أمر الله } أي غير ناظرين إلى ما له من العظمة والجلال , وعدل عن أن ~~يوصله لما تقدم قريبا فقال : { به أن يوصل } أي لما له من المحاسن الجلية ~~والخفية التي هي عين الصلاح { ويفسدون } أي يوقعون الإفساد { في الأرض ms2499 } أي ~~في أي جزء كان منهم بوصل ما أمر الله به أن يقطع اتباعا لأهوائهم , معرضين ~~عن أدلة عقولهم , مستهينين بانتقام الكبي المتعال . | ولما كانوا كذلك , ~~استحقوا ضد ما تقدم للمتقين , وذلك هو الطرد والعقاب والغضب والنكال وشؤم ~~اللقاء , فقال سبحانه وتعالى : { أولئك } أي البعداء البغضاء { لهم اللعنة ~~} أي الطرد والبعد { ولهم سوء الدار * } أي أن يكون دارهم الآخرة سيئة ~~بلحاق ما يسوء فيها دون ما يسر . | ولما تقدم الحث العظيم علىالإنفاق , ~~وأشير إلى أنه من أوثقى الأسباب في الوصلة لجميع أوامر الله , وختم بأن ~~للكافر البعد والطرد عن كل المؤمن مع وصله واتصاله , وما له لا يبسط له ~~رزقه ليتمكن من إنفاذ ما أمر به إن كان ذلك حقا ؟ فقيل : { الله } أي الذي ~~له الكمال كله { يبسط الرزق } ودل على تمام قدرته سبحانه وتعالى بقوله - ~~جلت قدرته - : { لمن يشاء } فيطيع في رزقه أو يعصي { ويقدر } على من يشاء ~~فيجعل رزقه بقدر ضرورته فيصبر أو يجزع لحكم دقت عن الأفكار , ثم جعل ما ~~للكافر سببا في خذلانه , وفقر المؤمن موجبا لعلو شأنه , فليس الغنى مما ~~يمدح به , ولا الفقر مما يذم به , وإنما يمدح ويذم بالآثار . | ولما كانت ~~السعة مظنة الفرح إلا عند من أخلصه الله وهم أقل من القليل , قال عائبا لمن ~~اطمأن إليها : { وفرحوا } أي فبسط لهؤلاء الرزق فبطروا وكفروا وفرحوا { ~~بالحياة الدنيا } أي بكمالها ؛ والفرح : لذة في القلب بنيل المشتهى . | ~~ولما كانت الدنيا متلاشية في جنب الدار التي ختم بها للمتقينن قال زيادة في ~~الترغيب والترهيب : { وما PageV04P148 الحياة الدنيا في الآخرة } أي في ~~جنبها { إلا متاع * } أي حقير متلاش ؛ قال الرماني : والمتاع : ما يقع به ~~الانتفاع في العاجل , وأصله : التمتع وهو التلذذ بالأمر الحاضر . | ولما ~~كان العقل أعظم الأدلة , وتقدم أنه مقصور على المتذكرين , إشارة إلى أن من ~~عداهم بقر سارحة , وعرف أن ما دعا إليه الشرع هو الصلاح , وضده هو الفساد , ~~وكان العقل إنما هو لمعرفة الصلاح فيتبع , والفساد فيجتنب , وكان الطالب ~~لإنزال آية إلى غير ms2500 ذلك لا سيما بعد آيات متكاثرة ودلالات ظاهرة موضعا لأن ~~يعجب منه , قال على سبيل التعجب عطفا على قوله { وفرحوا } مظهرا لما من ~~شأنه الإضمار تنبيها على الوصف الذي أوجب لهم التعنت : { ويقول الذين كفروا ~~} أي ستروا ما دعتهم إليه عقولهم من الخير وما لله من الآيات عنادا { لولا ~~} أي هلا ولم لا . | ولما كان ما تحقق أنه من عند الملك لا يحتاج إلى ~~السؤال عن الآتي به , بني للمفعول قوله : { أنزل عليه } أي هذا الرسول صلى ~~الله عليه وسلم { آية } أي علامة بينة { من ربه } أي المحسن إليه بالإجابة ~~لما يسأله لنهتدي بها فنؤمن به , وأمره بالجواب عن ذلك بقوله : { قل } أي ~~لهؤلاء المعاندين : ما أشد عنادكم حيث قلتم هذا القول الذي تضمن إنكاركم ~~لأن يكون نزل إلى آية مع أنه لم يؤت أحد من الآيات مثل ما أوتيت , فعلم ~~قطعا أنه ليس إنزال الآيات سببا للايمان بل أمره إلى الله { إن الله } أي ~~الذين لا أمر لأحد معه { يضل من يشاء } إضلاله ممن لم ينب , بل أعرض عن ~~دلالة العقل ونقض ما أحكمه من ميثاق المقدمات المنتجة للقطع بحقية ما دعت ~~إليه الرسل لما جبل عليه قلبه من الغلظة , فصار بحيث لا يؤمن ولو نزلت عليه ~~كل آية , لأنها كلها متساوية الأقدام في الدعوة إلى ما دعا إليه العقل لمن ~~له عقل , وقد نزل قبل هذا آيات متكاثرة دالات أعظم دلالة على المراد { ~~ويهدي } عند دعاء الداعين { إليه } أي طاعته . | بمجرد دليل العقل من غير ~~طلب آية { من أناب } أي من كان قلبه ميالا مع الأدلة رجاعا إليها لأنه شاء ~~إنابته كأبي بكر الصديق وغيره ممن تبعه من العشرة المشهود لهم بالجنة ~~وغيرهم , ثم أبدل منهم { الذين آمنوا } أي أوجدوا هذا الوصف { وتطمئن ~~قلوبهم } أي تسكن وتستأنس إلى الدليل بعد الاضطراب بالشكوك لإيجادهم ~~الطأنينة بعد صفة الإيمان إيجادا مستمرا دالا على ثبات إيمانهم لترك العناد ~~, وهذا المضارع في هذا التركيب مما لا يراد به حال ولا استقبال , إنما ms2501 يراد ~~به الاستمرار على المعنى مع قطع النظر عن الأزمنة { بذكر الله } الذي هو ~~أعظم الآيات في أن المذكور مستجمع لصفات الكمال , فالآية من الاحتباك : ذكر ~~المشيئة أولا دال على حذفها ثانيا , وذكر الإنابة ثانيا دال على حذف ضدها ~~أولا . | ولما كان ذلك موضع أن يقول المعاند : ومن يطمئن بذلك ؟ فقال : { ~~ألا بذكر PageV04P149 الله } أي الذي له الجلال والإكرام , لا بذكر غيره { ~~تطمئن القلوب * } فتسكن عن طلب غيره آية غيره , والذكر : حضور المعنى للنفس ~~, وذلك إشارة إلى أن من لم يطمئن به فليس له قلب فضلا عن أن يكون في قلبه ~~عقل , بل هو من الجمادات , أو إلى أن كل قلب يطمئن به , فمن أخبر عن قلبه ~~بخلاف ذلك فهو كاذب معاند , ومن أذعن وعمل بموجب الطمأنينة فهو مؤمن , ثم ~~أخبر عما لهذا القسم بقوله : { الذين آمنوا } أي أوجدوا وصف الإيمان { ~~وعملوا } أي تصديقا لدعواهم الإيمان { الصالحات } لطمأنينة قلوبهم إلى ~~الذكر { طوبى لهم } أي خير وطيب وسرور وقرة عين { وحسن مآب * } فكان ذلك ~~مفهما لحال القسم الآخر , فكأنه قيل : ومن لم يطمئن أو اطمأن قلبه ولم يذعن ~~بؤسي لهم وسوء مآب . | < < # | الرعد : ( 30 - 31 ) كذلك أرسلناك في . . . . . # > > ^ ( كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلهآ أمم لتتلو عليهم الذي ~~أوحينآ إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه ~~متاب * ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل ~~لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشآء الله لهدى الناس جميعا ~~ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى ~~يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ) ^ } ) | ولما كان في ذلك فطم عن ~~إنزال المقترحات , وكان إعراض المقترحين قد طال , وطال البلاء بهم والصبر ~~على أذاهم , كان موضع أن يقال من كافر أو مسلم عيل صبره : أولست مرسلا ~~يستجاب لك كما كان يستجاب للرسل ؟ فقيل : { كذلك } أي مثل إرسال الرسل الذي ms2502 ~~قدمنا الإشارة إليه في آخر سورة يوسف عليه الصلاة والسلام في قولنا ^ ( { ~~وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم } ) ^ [ الأنبياء : 7 ] الآية , ~~وفي هذه السورة في قولنا { ولكل قوم هاد } ومثل هذا الإرسال البديع الأمر ~~البعيد الشأن , والذي دربناك عليه غير مرة من أن المرجع إلى الله والكل ~~بيده , فلا قدرة لغيره على هدى ولا ضلال , لا بإنزال الآية ولا غيره { ~~أرسلناك } أي بما لنا من العظمة { في أمة } وهي جماعة كثيرة من الحيوان ~~ترجع إلى معنى خاص لها دون غيرها { قد خلت } . | ولما كانت الرسل لمن تعم ~~بالفعل الزمان كله , قال : { من قبلها أمم } طال أذاهم لأنبيائهم ومن آمن ~~بهم واستهزاءهم في عدم الإجابة إلى المقترحات وقول كل أمة لنبيها عنادا بعد ~~ما جاءهم من الآيات { لولا أنزل عليه آية } حتى كأنهم تواصوا بهذا القول ~~حتى فعل الرسل وأتباعهم في إقبالهم على الدعاء وإعراضهم عمن يستهزىء بهم - ~~فعل الآئس من الإنزال { لتتلوا } أي أرسلناك فيهم لتتلو { عليهم } أي تقرأ ~~؛ والتلاوة : جعل PageV04P150 الثاني يلي الأول بلا فصل { الذي أوحينا إليك ~~} من ذكر الله الذي هو أعظم الآيات { وهم } أي والحال أنهم { يكفرون } لا ~~تمل تلاوته عليهم في تلك الحال فإن لنا في هذا حكما وإن خفيت , وما ارسلناك ~~ومن قبلك من الرسل إلا لتلاوة ما يوحى , لا لطلب الإجابة إلى ما يقترح ~~الأمم من الآيات ظنا أنها تكون سببا لإيمان أحد , نحن أعلم بهم , وهذا كله ~~تسلية لرسول الله صلىالله عليه وسلم , وقوله : { بالرحمن } إشارة إلى كثرة ~~حلمه وطول أناته , وتصوير لتقبيح حالهم في مقابلتهم الإحسان بالإساءة ~~والنعمة بالكفر بأوضح صورة وهم يدعون أنهم أشكرالناس للإحسان وأبعدهم من ~~الكفران . | ولما تضمن كفرهم بالرحمن كفرهم بالقرآن ومن أنزل عليه , وكان ~~الكفر بالمنعم في غاية القباحة , كان كأنه قيل : فماذا أفعل حينئذ أنا ومن ~~اتبعني ؟ لا نتمنى إجابتهم إلى مقترحاتهم إلا رجاء إيمانهم , وكان جوابهم ~~عن الكفر بالموحى أهم , بدأ به فقال : { قل } عند ذلك إيمانا به { هو } أي ~~الرحمن الذي ms2503 كفرتم به { ربي } المربي لي بالإيجاد وأدرار النعم , والمحسن ~~إلي لا غيره , لا أكفر إحسانه كما كفرتموه أنتم , بل أقول : إنه { ل إله ~~إلا الله } أنا في أن سبب كفرتم إنكار يوم الدين . | ولما فرغ من الجواب عن ~~الكفر بالموحى , عطف على ( هو ربي ) الجواب عن الكفر بالوحي فقال : { ولو } ~~إشارة إلى أنه يعتقد في القرآن ما هو أهله بعد ما أخبر عن اعتقاده في ~~الرحمن , أي وقل : لو { أن قرأنا } كانت به الآيات المحسوسات بأن { سيرت } ~~أي بأدنى إشارة من مشير ما { به الجبال } أي فأذهبت على ثقلها وصلابتها عن ~~وجه الأرض { أو قطعت } أي كذلك { به الأرض } أي على كثافتها فشققت فتفجرت ~~منها الأنهار { أو كلم به الموتى } فسمعت وأجابت لكان هذا القرآن , لأنه ~~آية لا مثل لها , فكيف يطلبون آية غيره ! أو يقال : إن التقدير : لو كان ~~شيء من ذلك بقرآن غيره لكان به - إقرارا لأعينكم - إجابة إلى ما تريدون , ~~لكنه لم تجر عادة لقرآن قبله بأن يكون به ذلك , فلم يكن بهذا القرآن , لأن ~~الله لم يرد ذلك لحكمه علمها , وليس لأحد غير الله أمر في خرق شيء من ~~العادات , لا لولي ولا لنبي ولا غيرهما حتى يفعل لأجلكم بشفاعة أو بغيرها ~~شيئا لم يرده الله في الأزل { بل } ويجوز أن يكون التقدير : لو وجد شيء من ~~هذا بقرآن يوما ما لكان بهذا القرآن , فكان حينئذ يصير كل من حفظ منه ~~PageV04P151 شيئا فعل ما شاء من ذلك , فسير له ما شاء من الجبال إلى ما ~~أراد من الأراضي لما رام من الأغراض , وقطع به ما طلب من الأرض أنهارا ~~وجنانا وغيرها , وكلم به من اشتهى من الموتى , ثم إذا فتح هذا الباب فلا ~~فرق بين القدرة على هذا والقدرة على غيره , فيصير من حفظ منه شيئا قادرا ~~على شيء , فبطلت حينئذ حكمة اختصاص الله سبحانه بذلك من أراد من خلص عباده ~~, وأدى ذلك إلى أن يدعي من أراد من الفجرة أن أمر ذلك بيده , يفعل فيه ms2504 ما ~~يشاء متى شاء , فيصير ادعاءه مقرونا بالفعل شبهة في الشرك , وليعلم قطعا ~~أنه ليس في يد أحد أمر , بل { الله } أي الذي له صفات الكمال وحده { الأمر ~~} وهو ما يصح أن يؤمر فيه وينهى { جميعا } في ذلك وغيره , لا لي ولا لأحد ~~من الأنبياء الذين قلتم إني لست أدنى منزلة منهم , وأما الخوارق التي كانت ~~لهم فلولا أن شاءها لما كانت , فالأمر إليه وحده , مهما شاء كان , وما لم ~~يشأ لم يكن , وكأن هذا جواب لما حكي في السيرة النبوية أن الكفار تفتنوا به ~~؛ قال ابن إسحاق : ثم إن الإسلام جعل يفشو بمكة في قبائل قريش في الرجال ~~والنساء , فاجتمع أشرافهم فأرسلوا إليه صلى الله عليه وسلم فكلموه في الكف ~~عنهم وعرضوا عليه أن يملكوه عليهم وغير ذلك فأبى وقال : ( ) إن الله بعثني ~~إليكم رسولا , وأنزل علي كتابا , وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا , ( ~~فقالوا : فإنك قد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلدا ولا أقل ماء ولا أشد ~~عيشا منا , فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي ~~قد ضيقت علينا , وليبسط لنا بلادنان وليخرق فيها أنهارا كأنهار الشام ~~والعراق - زاد البغوي : فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخر له ~~الجبال تسبح معه , أو سخر لنا الريح فنركبها إلى الشام لميرتنا , ونرجع في ~~يومنا فقد سخرت الريح لسليمان كما زعمت - رجع إلى ابن إسحاق : وليبعث لنا ~~من مضى من آبائنا , وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي ن كلاب , فإنه كان شيخ ~~صدق , فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل ! فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك ~~وعرفنا به منزلتك من الله , وأنه بعثك إلينا رسولا كما تقدم - زاد البغوي : ~~فإن عيسى كان يحيي الموتى , ولست بأهون على ربك منه ) فكان PageV04P152 ~~سؤالهم هذا متضمنا لا دعائهم أن دعواه إنزال القرآن لا تصح إلا أن فعل هذه ~~الاشياء . | ولما كان هذا كله إقناطا من حصول الإيمان لأحد بما يقترح , ~~تسبب عنه الإنكار ms2505 على من لم يفد فيه ذلك فقال تعالى : { أفلم } بفاء السبب ~~{ ييئس الذين آمنوا } من إيمان مقترحي الآيات بما يقترحون لعلمهم { أن } أي ~~بأنه { لهدى الناس } وبين أن اللام للاستغراق بقوله : { جميعا } أي بأيسر ~~مشيئة , والعلم بالشيء يوجب اليأس من خلافه , لكنه لم يهدهم جميعا فلم يشأ ~~ذلك , ولا يكون إلا ما شاءه , فلا يزال فريق منهم كافرا , فقد وضح أن { ~~ييئس } على بابها , وكذا في البيت الذي استشهدوا به على أنها بمعنى ( علم ) ~~يمكن أن يكون معناه : ألم تيأسوا عن أذاي أو عن قتلي علما منكم بأني ابن ~~فارس زهدم , فلا يضيع لي ثأر , وكذا قراءة علي ومن معه من الصحابة رضوان ~~الله عليهم أجمعين - أفلم - يتبين الذين آمنوا - أي أن أهل الضلال لا ~~يؤمنون لآية من الآيات علما منهم بأن الأمر لله جميعا , وأن إيمانهم ليس ~~موقوفا على غير مشيئته . # ولما علم من ذلم أن بعضهم لا يؤمن , ضاقت صدور المؤمنين لذلك لما ~~يعاينونه من أذى الكفار فأتبعه ما يسليهم عاطفا على ما قدرته من نتيجة عدم ~~المشيئة , فقال : { ولا يزال الذين كفروا } أي ستروا ضياء عقولهم { تصيبهم ~~بما صنعوا } أي مما مرنوا عليه من الشر حتى صار لهم طبعا { أو تحل } أي ~~تنزل نزولا ثانيا تلك القارعة { قريبا من دارهم } أي فتوهن أمرهم { حتى ~~يأتي وعد الله } أي الملك الأعظم بفتح مكة أو بالنصر على جميع الكفرة في ~~زمن عيسى عليه السلام فينقطع ذلك , لأنه لا يبقي على الأرض كافرا , وفي غير ~~ذلك من الأزمان كزمن فتح مكة المشرفة , فيكون المعنى خاصا بالبعض { إن الله ~~} أي الذي له مجامع الكمال { لا يخلف الميعاد } أي الوعد ولا زمانه ولا ~~مكانه ؛ والوعد : عقد الخبر بتضمن النفع , والوعيد : عقده بالزجر والضر , ~~والإخلاف : نقض ما تضمن الخبر من خير أو شر . | PageV04P153 < < # | الرعد : ( 32 - 34 ) ولقد استهزئ برسل . . . . . # > > ^ ( ولقد استهزىء برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف ~~كان عقاب * أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركآء ms2506 قل سموهم أم ~~تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم ~~وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد * لهم عذاب في الحياة الدنيا ~~ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق ) ^ } ) | ولما تم الجواب عن ~~كفرهم بالموحي وما أوحاه إليه وما اشتد تعلقه به , عطف على ذلك تأسية ~~بالموحى إليه صلى الله عليه وسلم , لأن الحاث على تميز الإجابة إلى الآيات ~~المقترحات استهزاء الكفار , فقال : { ولقد استهزىء } أي من أدنى الخلق ~~وغيرهم { برسل } . | ولما كان الأرسال لم يعم جميع الأزمان فضلا عن ~~الاستهزاء , أدخل الجار فقال : { من قبلك } لعدم إتيانهم بالمقترحات ؛ ~~والاستهزاء : طلب الهزوء , وهو الإظهار خلاف الإضمار للاستصغار { فأمليت } ~~أي فتسبب عن استهزائهم ذلك أني أمليت { للذين كفروا } أي أمهلتهم في خفض ~~وسعة كالبهيمة يملى لها , أي يمد في المرعى , ولم أجعل ذلك سببا لإجابتهم ~~إلى ما اقترحوا ولا معاجلتهم بالعذاب فعل الضيق الفطن { ثم } بعد طول ~~الإملاء { أخذتهم } أي أخذ قهر وانتقام { فكيف } أي فكان أخذي لهم سببا لأن ~~يسأل من كان يستبطىء رسلنا أو يظن بنا تهاونا بهم , فيقال له : كيف { كان ~~عقاب * } فهو استفهام معناه التعجب مما حل بالمكذبين والتقرير , وفي ضمنه ~~وعيد شديد . | فلما تقرر - بما مضى من قدرته تعالى على الثوب والعقاب وخفضه ~~الأرضين ورفعه السماوات ونصبه الدلالات بباهر الآيات البينات - أن ليس لأحد ~~غيره أمر ما , وتحرر أن كل أحد في قبضته , تسبب عن ذلك أن يقال : { أفمن هو ~~قائم } ولما كان القيام دالا على الاستعلاء أوضحه بقوله : { على كل نفس } ~~أي صالحة وغيرها { بما كسبت } - يفعل بها ما يشاء من الإملاء والأخذ ~~وغيرهما - كمن ليس كذلك , مثل شركائهم التي ليس لها قيام على شيء أصلا . | ~~ولما كان الجواب قطعا : ليس كمثله شيء , كان كأنه قيل استعظاما لهذا السؤال ~~: من الذي توهم أن له مثلا ؟ فقيل : الذين كفروا به { وجعلوا لله } أي ~~الملك الأعظم { شركاء } ويجوز أن يقدرل ( من ) خبر معناه : لم ms2507 يوحده , ~~ويعطف عليه { وجعلوا } , فكأنه قيل : فماذا يفعل بهم ؟ فقيل : { فقيل سموهم ~~} بأسمائهم الحقيقية , فإنهم إذا سموهم وعرفت حقائقهم أنها حجارة أو غير ~~ذلك مما هو مركز العجز ومحل الفقر , PageV04P154 عرف ما هم عليه من سخافة ~~العقول وركاكة الآراء , ثم قل لهم : أرجعتم عن ذلك إلى الإقرار بأنهم من ~~جملة عبيده { أم تنبئونه } أي تخبرونه إخبارا عظيما { بما لا يعلم } وعلمه ~~محيط بكل شيء { في الأرض } من كونها آلهة ببرهان قاطع . | { أم بظاهر من ~~القول } أي بحجة إقناعية تقال بالفم , وكل ما لا يعلمه فليس بشيء , وهذا ~~قريب مما مضى في قوله < # > 77 ( { أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه } ) 77 < # > [ الرعد : 16 ] في أنه لو كان كذلك كان شبهه فيها ظهور ما , وهذه ~~الأساليب منادية على الخلق بالعجز , وصادحة بأنه ليس من كلام الخلق . | ~~ولما كان التقدير : ليس على شيء من ذلك برهان قاطع ولا قول ظاهر , بنى عليه ~~قوله : { بل زين } أي وقع التزيين بأمر منلا يرد أمره على يد من كان { ~~للذين كفروا } أي لهم , وعبر بذلك تنبيها على الوصف الذي دلاهم إلى اعتقاد ~~الباطل , وهو ستر ما أدى إليه برهام العقل المؤيد بدليل النقل { مكرهم } أي ~~أمرهم الذي أرادوا به ما يراد بالمكر من إظهار شيء وإبطان غيره , وذلك أنهم ~~أظهروا أن شركاءهم آلهة حقا , وهم يعلمون بطلان ذلك , وليس بهم في الباطن ~~إلا تقليد الآباء , وأظهروا أنهم يعبدونها لتقربهم إلى الله زلفى ولتشفع ~~لهم , أو أنهم غيروا في وجه الحق بما ختلوا به الضعفاء وتمادى بهم الحال ~~حتى اعتقدوه حقا . | ومادة مكر بأي ترتيب كان : مكر , ركم , رمك , كرم , ~~كمر ؛ تدور على التغطية والستر , فالمكر : الخديعة , قالوا : وهو الاحتيال ~~بما لايظهرن فإذا ظهر فذلك الكيد , ويلزم منه الاجتهاد في ضم أشتات الأمر ~~لستر ما يراد , فمن الضم المكرالذي هو حسن خدالة الساق أي امتلائها , ويلزم ~~منه خصب البدن ونعمته , وكان منه المكر - لضرب من النبات , والواحدة مكرة , ~~سميت مكرة لارتوائها , أبو حنيفة : المكر من عشب القيظ ms2508 , وهي عشبة غبراء ~~ليس فيها ورق , وهو ينبت في السهل والرمل - كأنه شبه بالساق لخلوه من الورق ~~أو لأنهة لغبرته وتجرده كالمستور , والمكر : طين أحمر يشبه بالمغرة - كأنه ~~سمي بذلك لما فيه من الكدارة , والمكرة من البسر : التي ليست برطبة ولكن ~~فيها لبن - كأنها سميت به لكون لونها حينئذ يأخذ في الكدارة ؛ والركم : ~~إلقاء الشيء بعضه على بعض فهو مركوم وركام , وتراكم الشيء - إذا تكاثف بعضه ~~على بعض , وذلك مظنة الخفاء , والركمة : الطين المجموع وكذا التراب المجموع ~~, وقال : وجز عن مرتكم الطريق - يريد المحجة , لأن ترابها تلبد فاشتد تلبده ~~, والرمك والرمكة - بالضم - من ألوان الإبل وهو أكدر من الروقة وهو لون ~~خالطت غبرته سوادا , فهو أرمك - لأنه مظنة PageV04P155 لخفاء ما فيه , ومنه ~~اشتقاق الرامك , وهو أخلاط تخلط بالمسك فتجعل سكا , ورمك الرجل بالمقام - ~~إذا أقام به , لأنه يستره بنفسه وأمتعته ويستتر هو فيه , وأرمكت غيري - إذا ~~ألزمته مكانا يقيم فيه , والرمكة : الأنثى من البراذين - فارسي معرب , ~~لأنها تستر أصالة العربي إذا ولدته , ورمكان : موضع معروف - معرفة , ويقال ~~: رمك الرجل - إذا هزل وذهب ما في يده فستر عنه أو صار هو مستورا بعد أن ~~كان بحسن حاله مشهورا , ورمكت البازي والصقر ترميكا - إذا أشرت إليه بالطير ~~لأنك سلبت عنه الستر ؛ واليرموك : مكان به لهب عظيم , يستر ما يكون فيه ؛ ~~والكريم : ضد اللئيم , وهو البخيل المهين النفس , والخسيس الآباء , فإذا ~~كان شحيحا ولم تجتمع له هذه الخصال قيل له : بخيل , ولم يقل : لئيم , ~~فالكريم إذن من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها , تكرم - إذا تنزه عن ~~الدناءة ورفع نفسه عنها , وأصل الكرم في اللغة : الفصل والرفعة , فإذا ~~قالوا : فلان كريم , فإنما يريدون رفيعا فاضلا , فيلزم الكرم ستر العيوب , ~~والله الكريم أي الفاضل الرفيع - كذا قال بعض أهل اللغة , وقيل : الصفوح عن ~~الذنوب , وقيل : الذي لا يمن إذا أعطى , وإذا قالوا : فلان أكرم قومه , ~~فإنما يريدون : أرفعهم منزلة وأفضلهم قدرا , وكل هذا يلزم منه السخاء وستر ~~الذنوب , ومن هذا قيل : فرس كريم , وشجرة كريمة ms2509 - إذا كانت أرفع من نظائرها ~~وأفضل , < # > 77 ( { إني ألقي إلي كتاب كريم } ) 77 < # > [ النحل : 29 ] أي رفيع شريف - كأنه أطلق هنا على ما فيه مجرد فضل ~~تشبيها بالكريم في جزء المعنى , وكارمت الرجل : فعل كل منا في حق صاحبه ~~مقتضى الكرم , والكرم : شجر العنب ولا يسمى به غيره , والكروم : قلائد ~~تتخذها النساء كالمخانق , لدلالتها على قدر صاحبتها , والكرامة : طبق يوضع ~~على رأس الحب - لأنه غطاءه , ولا يغطي إلا ما له فضل , ومنه يقولون : لك ~~الحب والكرامة , والكرم : القصير من الرجال - كأنه شبه بطبق الحب ؛ والكمرة ~~- محركة : طرف قضيب الإنسان خاصة , سميت بذلك لسترها القلفة , ورجل مكمور - ~~إذا قطع الخاتن كمرته , وتكامر الرجلان - إذا تكابرا بأيريهما , وقال في ~~القاموس : وتكامرا : نظرا أيهما أعظم كمرة , والكمري : الرطب ما لم يرطب ~~على شجره , بل سقط بسرا فأرطب في الأرض - كأنه سمي بذلك لأنه يكون أكدر مما ~~يرطب على الشجر , وهو أيضا يشبه الكمرة في تكوينها , والكمري عن ابن دريد : ~~الرجل القصير , كأنه شبه بالرطبة , وقال غيره : وهو اسم مكان . | ولما ذكر ~~تزيين مكرهم , أتبعه الدلالة عليه فقال : { وصدوا } أي فلزموا ما زين لهم , ~~أو فمكروا به حتى ضلوا في أنفسهم وصدوا غيرهم { عن السبيل } الذي لا يقال ~~لغيره سبيل وهو المستقيم , فإن غيره وتيه وحيرة فهو عدم , بل العدم أحسن ~~منه , PageV04P156 فلم يسلكوا السبيل ولا تركوا غيرهم يسلكه , فضلوا وأضلوا ~~, ليس ذلك بعجب فإن الله أضلهم { ومن يضلل الله } أي الذي له الأمركله ~~بإرادة ضلاله { فما له من هاد * } فكأنه قيل : فماذا لهم على ما فعلوا من ~~ذلك ؟ فقيل : { لهم } أي الذين كفروا { عذاب } وهو الألم المستمر , ومنه ~~العذب لأنه يستمر في الحلق { في الحياة الدنيا } شاق , بممانعة حزب الله ~~لهم في صدهم عن السبيل إلى ما يتصل بذلك من قتل وأسر , ولهم في الآخرة إن ~~ماتوا على ذلك عذاب { ولعذاب الآخرة أشق } أي أشد في المشقة , وهي غلظ ~~الأمر على النفس بما يكاد يصدع القلب { وما لهم من الله } أي الملك الأعظم ms2510 ~~{ من واق * } أي مانع يمنعهم إذا أراد بهم سوءا في الدنيا ولا في الآخرة , ~~والواقي فاعل الوقاية , وهي الحجر بما يدفع الأذية . | < < # | الرعد : ( 35 - 37 ) مثل الجنة التي . . . . . # > > ^ ( مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دآئم ~~وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار * والذين آتيناهم الكتاب ~~يفرحون بمآ أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ~~ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب * وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت ~~أهواءهم بعد ما جآءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق ) ^ } ) | ولما ~~توعدهم على تفريطهم في جانب الله , تشوفت النفس إلى ما لأضدادهم , فكان ~~كأنه قيل : فما لمن عاداهم في الله ؟ فقيل : الجنة , فكأنه قيل : وماهي ؟ ~~فقيل : إنها في الجلال , وعلو الجمال , وكرم الخلال , مما تعالى عن المنال ~~, إلا بضرب الأمثال , فقيل : ما مثلها ؟ فقيل : { مثل الجنة التي } ولما ~~كان المقصود حصول الوعد الصادق ولا سيما وقد علم أن الوعد هو الله , بنى ~~للمفعول قوله : { وعد المتقون } والخبر محذوف تقديره : ما أقص عليكم , وهو ~~أنها بساتين : قصور وأشجار , فقال الزجاج : الخبر جنة مخبر عنها بما ذكر ~~ليكون تمثيلا لما غاب عنا بما نشاهد { تجري } . | ولما كانت - لو عمها ~~الماء الجاري - بحرا لا بساتين , أدخل الجار للدلالة على أنه خاص ببعض ~~أرضيها فقال : { من تحتها } أي قصورها وأشجارها { الأنهار } وقيل : هذا ~~المذكور هو الخبر كما تقول : صفة زيد أسمر . | ولما كان ريا حقيقيا في أرض ~~هي في غاية الخلوص والطيب , كان سببا لدوام ثمرها واستمساك ورقها , فلذلك ~~أتبعه قوله : { أكلها } أي ثمرها الذي يؤكل { دائم } لاينقطع أبدا { وظلها ~~} ليس كما في الدنيا , لا ينسخ بشمس ولا غيرها , قال أبو حيان : تقول : ~~مثلت الشيء - إذا وصفته وقربته للفهم , وليس هذا ضرب مثل , فهو PageV04P157 ~~كقوله < # > 77 ( { ولله المثل الأعلى } ) 77 < # > [ النحل : 60 ] , أي الصفة العليا - كذا قال , ويمكن أن يكون ذلك حقيقة ~~, ويكون هناك محذوف , وهو جنة من جنان الدنيا تجري من ms2511 تحتها الأنهار - إلى ~~آخره , وهو من قول الزجاج . | ثم ابتدأ إخبارا آخر تعظيما لشأنها وتفخيما ~~لأمرها في قوله تعالى : { تلك } أي الجنة العالية الأوصاف { عقبى } أي آخر ~~أمر { الذين اتقوا } ثم كرر الوعيد للكافرين فقال : { وعقبى } أي منتهى أمر ~~{ الكافرين } بالرحمن , المتضمن للكفر بالوحي والموحى إليه { النار * } . | ~~ولما وصف العالمين بأن المنزل إليه هو الحق برجاحة العقول وأصالة الأداء ~~المؤدية إلى الصلاح الموجب لكل سعادة , والكافرين به بضعف العقول الدافع ~~إلى الفساد الموصل إلى سوء الدار , ومر فيما يلائمه إلى أن ختمه بمثل ما ~~ختم به ذلك , عطف على ذلك قوله - ويمكن أن يكون اتصاله بما قبله أنه معطوف ~~على محذوف هو علة لختم الآية السالفة , تقديره : لأنهم ساءهم ما أنزل إليه ~~حسدا وجهلا - : { والذين آتيناهم } أي بما لنا من العظمة التي استنفذتهم من ~~الضلال { الكتاب } ولم يكفروا بالرحمن ولا بما أنزل ولا بمن أرسل { يفرحون ~~بما } ولما كان المنزل دالا بإعجازه على المنزل , بنى للمفعول قوله : { ~~أنزل إليك } أي من هذا الكتاب الأعظم لموافقته تلك الكتب لأن كلام الله كله ~~من مشكاة واحدة , وتخصيصهم لأنهم هم المنتفعون بالكتاب دون غيرهم , فكأنه ~~ما أنزل إلا إليهم , وهذا العطف يرجح أن يكون الموصول هناك مرفوعا ~~بالابتداء { ومن الأحزاب } من أهل الأوثان والكتاب الذين تحزبوا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم { من ينكر بعضه } كالتوحيد ونعت الإسلام ونبوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وما يتبع ذلك مما حرفوه وبدلوه , ويريد أن يكون ~~الأمر تابعا فيه لغرضه , فالمشركون يريدون أن يمدح آلهتهم في بعض الآيات أو ~~أن يسقط وصفها بالعيب , واليهود يريدون أن ينزل ما يوافق فروع التوراة كما ~~أنزل ما وافق الأصول , وينكرون النسخ , وأهل الإنجيل يريدون أن ينزل في ~~المسيح ما يهوون ونحو ذلك ؛ قال المفسرون : كانوا لا ينكرون الأقاصيص وبعض ~~الأحكام والمعل مما هو ثابت في كتبهم غير محرف , فلكفرهم بذلك البعض أمره ~~أن يعلمهم باعتقاده كفروا أو شكروا فقال : { قل إنما أمرت } أي وقع الأمر ~~الجازم الذي لا ms2512 شك فيه لا تغير ممن له الأمركله { أن أعبد الله } أي الذي ~~لا شك مثله وحده , ولذلك قال : { ولا أشرك به } لا أفعل إلا ما يأمرني به ~~من غير نظر إلى سواه , ديني مقصور على ما أنكرتموه { إليه } وحده { أدعوا ~~وإليه } أي إيابي ومكانه وزمانه , معنى بالتوبة عند الفتور عن القيام بحقه ~~, وحسا بالبعث للجزاء ؛ PageV04P158 والكتاب : الصحيفة التي فيها الخط - ~~وهو الكتابة , وهي تأليف الحروف التي تقرأ في الصحيفة , والفرح : لذة القلب ~~التي تجلي الهم بنيل المشتهى , والحزب : الجماعة التي تقوم بالنائبة . | ~~ولما بينت هذه الآيات من مراتب الإعجاز ما بينت , أتبع تعالى ذكر ما أنزل ~~قوله : { وكذلك } أي ومثل هذا الإنزال , البديع المثال , البعيد المنال ؛ ~~ولا يبعد أن يكون عطفا على { كذلك أرسلناك } أو ممتلئا حكمة تقضي بالحق , ~~فائقا لجميع الكتب بهذا الوصف ؛ والحكم : القطع بالمعنى على ما تدعوا إليه ~~الحكمة , وهو أيضا فصل الأمر على الحق ؛ فالمعنى أنه لا يقدر أحد على نقض ~~شيء منه , فإن ذلك في الحقيقة هو الحكم , وما ليس كذلك فليس بحكم , والعربي ~~: الجاري على مذاهب العرب في كلامها , فلا تلتفت إلى ما تدعوهم إليه ~~أهويتهم فيقترحونه من تأييدك بملك أو إتحافك بكنز أو تركك لبعض ما يوحى ~~إليك من سبب آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم أو غير ذلك من طلباتهم ~~التي لو أتيتهم بها لم يكونوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله - هذا في عباد ~~الأوثان , وكذا في أهل الكتاب فيما يدعون إليه من العود إلى قبلتهم ونحوه { ~~ولئن اتبعت أهواءهم } في شيء من ذلك من النسخ أو غيره في القلبة أو غيرها ~~ولا سيما مما يطلبونه من الآيات المقترحة كما قال تعالى : < # > 77 ( { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت ~~بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم } ) 77 < # > [ البقرة : 451 ] . | ولما كان المراد التعميم في الزمان , نزع الجار , ~~وأتى ب ( ما ) لأنها أعم من ( الذي ) وأشد إبهاما , فهي الخفي معنى , فناسب ~~سياق الوحي الذي هو ms2513 غيب , ومعناه غامض - إلا لبعض الأفراد - في الأغبياء ~~بخلاف آية البقرة الأولى فإنها في الملة الإبراهيمية المدركة بنور العقل ~~الناشىء عن نظر المحسوسات فقال : { بعدما جاءك } ولما كان قد أنعم عليه صلى ~~الله عليه وسلم غير العلم , بين المراد بقوله : { من العلم } أي بالوحي بأن ~~ذلك الاتباع لا يردهم سواء كان ذلك الاتباع في أصول الشريعة أو فروعها خفية ~~كانت أو جلية . | ولما كان المشروط استغراق جميع زمان البعد باتباع الأهواء ~~, قال : { ما لك } حينئذ { من الله } أي الملك الأعلى وأعرق في النفي فقال ~~: { من ولي } أي ناصر يتولى من نصرك وجميع أمرك ما يتولاه القريب مع قريبه ~~. | ولما كان مدلول ( ما ) أعم من مدلول ( الذي ) لشمولها الظاهر والخفي , ~~وكان من خالف الخفي أعذر ممن خالف الظاهر , نفى الأخص من النصير فقال : { ~~ولا واق * } أي يقيك بنفسه فيجعلها دون PageV04P159 نفسك , وقد يوجد من ~~الأنصار من لايسمع بذلك , وهذا بعث للأمة وتهيج على الثبات في الدين ~~والتصلب فيه , والهوى - مقصورا : ميل الطباع إلى الشيء بالشهوة , والعلم : ~~تبين الشيء على ما هو به . | < < # | الرعد : ( 38 - 40 ) ولقد أرسلنا رسلا . . . . . # > > ^ ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول ~~أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب * يمحو الله ما يشآء ويثبت وعنده ~~أم الكتاب * وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ ~~وعلينا الحساب ) ^ } ) | ولما حسمت الأطماع عن إجابتهم رجاء الاتباع أو ~~خشية الامتناع , وكان بعضهم قد قال : لو كان نبيا شغلته نبوته عن كثرة ~~التزوج , كان موضع توقع الخبر عما كان للرسل في نحو ذلك , فقال تعالى : { ~~ولقد أرسلنا } أي بما لنا من العظمة { رسلا } ولما كانت أزمان الرسل غير ~~عامة لزمان القبل , أدخل الجار فقال : { من قبلك } أي ولم نجعلهم ملائكة بل ~~جعلناهم بشرا , { و } أثقلنا ظهورهم بما يدعو إلى المداراة والمسالمة ~~بإرضاء الأمم في بعض أهوائهم , أو فصل الأمر عند تحقق المصارمة بإنجاز ~~الوعيد بأن { جعلنا } أي بعظمتنا { لهم أزواجا } أي نساء ms2514 ينكحونهن ؛ والزوج ~~: القرين من الذكر والأثى , وهو هنا الأنثى { وذرية } وهي الجماعة المتفرقة ~~بالولادة عن أب واحد في الجملة , وفعل بهم أممهم ما يفعل بك من الاستهزاء , ~~فما اتبع أحد منهم شيئا من أهواء أمته { و } لم نجعل إليهم الإتيان بما ~~يقترح المتعنتون من الآيات تالفا لهم , بل { ما كان لرسول } أي رسول كان { ~~أن يأتي بآية } مقترحة أو آية ناسخة لحكم من أحكام شريعته أو شريعة من قبله ~~أو غير ذلك { إلا بإذن الله } أي المحيط بكل شيء علما وقدرة , فإن الأمور ~~عنده ليست على غير نظام ولا مفرطا فيها ولا ضائعا شيء منها بل { لكل أجل } ~~أي غاية أمر قدرة وحده لأن يكون عنده أمر من الأمور { كتاب * } قد أثبت فيه ~~أن أمر كذا من الثواب والعقاب والأحكام والإيتان بالآيات وغيرها , إثباتا ~~ونسخا على ما تقتضيه الحكمة , والحكمة اقتضت أن النبوة يكفي في إثباتها ~~معجزة واحدة , وما زاد على ذلك فهو إلى المشيئة ؛ ثم علل ذلك بقوله : { ~~يمحوا الله } أي الملك الأعظم { ما يشاء } أي محوه من الشرائع والأحكام ~~وغيرها بالنسخ فيرفعه { ويثبت } ما يشاء إثباته من ذلك بأن يقره ويمضي حكمه ~~كما قال تعالى : ^ ( { ما ننسخ من آية أو ننساها } ) ^ [ البقرة : 106 ] ~~إلى قوله تعالى : ^ ( { ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير } ) ^ [ البقرة : ~~106 ] كل ذلك بحسب المصالح التابعة لكل زمن , فإنه العالم بكل شيء , وهو ~~الفعال لما يريد لا اعتراض عليه , وقال الشافعي رحمه الله تعالى في الرسالة ~~: يمحو فرض ما يشاء ويثبت فرض ما يشاء . | وإثبات واو ( يمحوا ) في جميع ~~PageV04P160 المصاحف مشير - بما ذكر أهل الله من أن الواو معناه العلو ~~والرفعة - إلى أن بعض الممحوات تبقى آثارها عالية , فإنه قد يمحو عمر شخص ~~بعد أن كانت له آثار جميلة , فيبقيها سبحانه وينشرها ويعليها , وقد يمحو ~~شريعة ينسخها ويبقى منها آثارا صالحة تدل على ما أثبت من الشريعة الناسخة ~~لها , وأما حذفها باتفاق المصاحف أيضا في { يمح الله الباطل } في الشورى مع ~~أنه مرفوع ms2515 أيضا , فللبشارة بإزهاق الباطل إزهاقا هو النهاية - كما سيأتي إن ~~شاء الله تعالى , وذلك لمشابهة الفعل بالأمر المقتضي لتحتم الإيقاع بغاية ~~الاتقان والدفاع , وقال : { وعنده } مع ذلك { أم } أي أصل { الكتاب * } لمن ~~وهمه مقيد بأن الحفظ بالكتابة , وهو اللوح المحفوظ الذي هو أصل كل كتابن ~~وقد تقدم غير مرة أنه الكتاب المبين الذي هو بحيث يبين كل ما طلب علمه منه ~~كلما طلب ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : هما كتابان : كتاب سوى أم الكتاب ~~, يمحو منه ما يشاء ويثبت , وأم الكتاب الذي لا يغير منه شيء - انتهى . | ~~والمراد - والله أعلم - أنه يكون في أم الكتاب أنا نفعل كذا - وإن كان في ~~الفرع على غير ذلك , فإنه بالنسبة إلى شريعة دون أخرى , فإذا نقضت الشريعة ~~الأولى فإنا نمحوه في أجل كذا , أو يكون المعنى : يمحو ما يشاء من ذلك ~~الكتاب بأن يعدم مضمونه بعد الإيجاد , ويثبت ما يشاء بأن يوجده من العدم ~~وعنده أم الكتاب ؛ قال الرازي في اللوامع : وقد أكثروا القول فيها , وعلى ~~الجملة بالنسبة إلى الصورة التي ارتفعت , إثبات بالنسبة إلى الصورة الثانية ~~, والقضاء الأزلي , والمشيئة الربانية مصدر هذا المحو والإثبات , فلذلك هو ~~القضاء وهذا هو القدر , فالقضاء مصدر القدر , والقدر مظهر القضاء , والله ~~تعالى وصفاته منزه عن التغير . | ولما تم ما أراد مما يتعلق بتألفهم , وختم ~~بأنه سبحانه يفعل مايشاء من تقديم وتأخير ومحو وإثبات , وكان من مقترحاتهم ~~وطلباتهم استهزاء استعجال السيئة مما توعدوا به , وكانت النفس ربما تمنت ~~وقوع ذلك للبعض وإثباته ليؤمن غيره تقريبا لفصل النزاع , قال سبحانه وتعالى ~~: { وإن ما نرينك } أكدة لتأكيد الإعلام بأنه لا حرج عليه في ضلالة من ضل ~~بعد إبلاغه , نفيا لما يحمله عليه صلى الله عليه وسلم شدة رحمته لهم وشفقته ~~عليهم من ظن أنه عليه أن يردهم إلى الحق حتما { بعض الذي نعدهم } وأنت حي ~~مما تريد أو يريد أصحابك , فصل الأمر به فثبت وقوعه إقرارا لأعينكم قبل ~~وفاتك ؛ والوعد : الخبر عن خير مضمون , والوعيد : الخبر عن شر ms2516 مضمون , ~~والمعنى هاهنا عليه , وسماه وعدا لتنزيلهم إياه في طلب نزوله منزله الوعد { ~~أو نتوفينك } قبل أن نريك ذلك , وهو ممحو الأثر لم يتحقق , فالذي عليك ~~والذي إلينا مستو بالنسبة إلى كلتا الحالتين { فإنما عليك PageV04P161 ~~البلاغ } وهو إمرار الشيء إلى منتهاه , وهو هنا الرسالة ؛ وليس عليك ان ~~تحاربهم ولا أن تأتيهم بالمقترحات { وعلينا الحساب * } وهو جزاء كل عامل ~~بما عمل في الدنيا والآخرة , ولنا القوة التامة عليه ؛ والآية من الاحتباك ~~- كما مضى بيان ذلك في مثلها من سورة يونس عليه السلام . | < < # | الرعد : ( 41 - 43 ) أو لم يروا . . . . . # > > ^ ( أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب ~~لحكمه وهو سريع الحساب * وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما ~~تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار * ويقول الذين كفروا لست مرسلا ~~قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب ) ^ } ) | ولما أرشد ~~السياق إلى أن التقدير في تحقيق أنه سبحانه قادر على الجزاء لمن أراد : ألم ~~يروا أنا أهلكنا من قبلهم وكانوا أقوى منهم شوكة وأكثر عدة ؟ عطف عليه قوله ~~: { أولم يروا أنا } أي بما لنا من العظمة { نأتي الأرض } التي هؤلاء ~~الكفرة بها , فكأنه قيل : أي إتيان ؟ فقيل : إتيان البأس إذا أردنا , ~~والرحمة إذا أردنا { ننقصها } والنقص : أخذ شيء من الجملة تكون به أقل { من ~~أطرافها } بما يفتح الله على المسلمين مما يزيد به في أرض أهل الإسلام بقتل ~~بعض الكفار واستسلام البعض حتى يبيد أهلها على حسب ما نعلمه حكمه من تدبير ~~الأمور وتقليبها حالا إلى حال حتى تنتهي إلى مستقرها بعد الحساب في دار ~~ثواب أو عقاب , وذلك أن المسلمين كانوا يغزون ما يلي المدينة الشريفة من ~~أطراف بلاد الكفار كما أرشد تعالى إليه بقوله : { قاتلوا الذين يلونكم من ~~الكفار } فيفتحونها أولا فأولا حتى دان العرب كلهم طوعا أوكرها بعد قتل ~~السادة وذل القادة - ولله غالب على أمره ؛ والطرفك المنتهى , وهو موضع من ~~الشيء ليس وراءه منه شيء , وأطراف الأرض : جوانبها ms2517 , وكان يقال : الأطراف : ~~منازل الأشراف , يطلبون القرب على الأضيافح ثم أثبت لنفسه تعالى أمرا كليا ~~يندرج ذلك فيه , فقال لافتا الكلام من أسلوب التكلم بالعظمة إلى غيبة هي ~~أعظم العظمة بالاسم الأعظم : { والله } أي الملك الأعلى { يحكم } ما يريد ~~لأنه { لا معقب } أي أراد , لأن التعقيب : رد الشيء بعد فصله { لحكمه } وقد ~~حكم للإسلام بالغلب والإقبال , وعلى الكفر بالانتكاس والإدبار , وكل من حكم ~~على غيره هذه الصفة فليس بحاكم , وذلك كاف في الخوف من سطوات قدرته { وهو } ~~مع تمام القدرة { سريع الحساب * } جزاءه محيط بكل عمل لا يتصور أن يفوته ~~شيء فلا بد من لقاء جزائه , وكل ما هو آت سريع , وهو مع ذلك يعد لكل عمل ~~جزاءه على ما تقتضيه الحكمة من عدل أو فضل حين صدوره , لا يحتاج إلى زمان ~~ينظر فيه ما جزاءه ؟ ولا : هل أو لا ؟ لأنه لا تخفي عليه خافية ؛ ~~PageV04P162 والسرعة : عمل في قلة المدة على ما تحده الحكمة , والإبطاء : ~~عمله في طول مدة خارجة عن الحكمة , والسرعة محمودة , والعجلة مذمومة , وهو ~~تعالى قادر على الكفرة وإن كانوا كالقاطعين بأنهم يغلبون , لما لهم من ~~القوة والكثرة , مع جودة الآراء وحدة الأفكار والقدرة بالأموال وإن اشتد ~~مكرهم , فهو لا يغني عنهم شيئا , فقد مكروا بك غير مرة ثم لم أزدك إلا علوا ~~{ وقد مكر الذين } ولما كان المراد بالمكرة إنما هو بعض الناس في بعض ~~الزمان قال : { من قبلهم } أي بالرسل وأتباعهم , فكان مكرهم وبالا عليهم , ~~فطوى في هذه الجملة مكرهم الذي اجتمعوا عليه غير مرة وأتقنوه بزعمهم , فكان ~~سبب الرفعة للإسلام وأهله وذل الشرك وأهله , ودل على ذلك المطوي بواو العطف ~~في قوله { وقد } وطوى في الكلام السابق إهلاك الأمم الماضية في الاستدلال ~~على قدرته على الجزاء الذي هو روح الحساب ودل عليه بواو العطف في { أولم ~~يروا } فتأمل هذا الإبراز في قوالب الإعجاز . | ولما كان ذلك كذلك , تسبب ~~عنه أن يقال : { فلله } أي الملك الأعظم المحيط علمه وقدرته خاصة { المكر ~~جميعا } والمكر : الفتل عن ms2518 البغية بطريق الحيلة , ويلزمه الستر - كما مضى ~~بيانه , ولا شيء أستر عن العباد من أفعاله تعالى : فلا طريق لهم إلى علمها ~~إلا من جهته سبحانه , وسمي فعله مكرا مجازا لأنه ناشىء عن مكرهم جزاء لهم ؛ ~~ثم علل ذلك بقوله : { يعلم } ويجوز أن يكون تفسيرا لما قبله , لأن علم ~~المكر من الماكر مكن حيث لا يشعر أدق المكر { ما تكسب كل نفس } أي من مكر ~~وغيره , فيجازيهم إذا أراد بأن ينتج عن كل سبب أقاموه مسببا يكون ضد ما ~~أرادوا , ولا تمكنهم إرادة شيء إلا بإرادته , فستنظرون ماذا يحل بهم من ~~بأسه بواسطتكم أو بغيرها حتى تظفروا بهم فتبيدوهم أجمعين { وسيعلم الكافر } ~~أي كل كافر بوعد لا خلف فيه , إن كان من الجهل بحيث لا يعلم الأشياء إلا ~~بالتصريح أو الحس { لمن عقبى الدار * } حين نأتيهم ضد مرادهم ؛ والكسب : ~~الفعل لاجتلاب النفع أو دفع الضر . | ولما تقدم قوله تعالى : { ويقول الذين ~~كفروا لولا أنزل عليه آية } عطف عليه - بعد شرح ما استتبعه - قوله : { ~~ويقول الذين كفروا } أي أوجدوا الكفر ولو على أدنى الرتب , قولا على سبيل ~~التكرار : { لست مرسلا } لكونك لا تأتي بمقترحاتهم مع أنه لم يقل يوما : ~~إنه قادر عليها , فكأنه قيل : فما أقول لهم ؟ فقال : { قل كفى } والكفاية : ~~وجود الشيء على مقدار الحاجة ؛ ومعنى الباء في { بالله } أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة - التأكيد , لأن الفعل جاز أن يضاف إلى غير فاعله إذا أمر ~~به أزيل هذا الاحتمال من وجهين : جهة الفاعل وجهة صرف الإضافة { شهيدا } أي ~~بليغ العلم في شهادته PageV04P163 بالاطلاع على ما ظهر وما بطن { بيني ~~وبينكم } يشهد بتأييد رسالتي وتصحيح مقالتي بما أظهر لي من الآية وأوضح من ~~الدلالة بهذا الكتاب , ويشهد بتكذيبكم بادعائكم القدرة على المعارضة وترككم ~~لها عجزا , وهذا على مراتب الشهادة , لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن ~~الأمر كما شهد به , والمعجزة فعل مخصوص يوجب القطع بأن ما جاءت لأجله كما ~~هو { ومن عنده علم الكتاب } مما أنزله فيه من الأصول والفروع والخبر ms2519 عما ~~كان يكون على نحو من الأساليب ونمط من المناهيج أخرس الفصحاء , وأبكم ~~البلغاء , وأبهت الحكماء , وهو الله تعالى , تأييدا وتحقيقا لدعواي , ويؤيد ~~أن المراد به ( الله ) قراءة { من } على أنها جارة , وفي سوقه هكذا على ~~طريق الإبهام من ترويع النفس بهزها إلى تطلب المتصف بهذا الوصف ما ليس في ~~التعيين , فهو إذن كدعوى الشيء مقرونا بدليله , فقد انطبق هذا الآخر على ~~أول السورة في أن المنزل حق من عنده وأنهم لا يؤمنون - والله الموفق . | . ~~. . . . | PageV04P164 < # > سورة إبراهيم < # > < < # | إبراهيم : ( 1 - 2 ) الر كتاب أنزلناه . . . . . # > > ^ ( الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ~~ربهم إلى صراط العزيز الحميد * الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ~~وويل للكافرين من عذاب شديد ) ^ } ) | بسم الله الرحمن الرحيم سورة إبراهيم ~~مكية - آياتها اثنان وخمسون { بسم الله } الذي تفرد بالكمال , وعز عن أن ~~يكون له كفو أو مثال { الرحمن } لجميع خلقه بكتاب هو الغاية في البيان { ~~الرحيم * } الذي اختار من عباده من ألزمهم روح وداده { الر } مقصود السورة ~~التوحيد , وبيان أن هذا الكتاب غاية البلاغ إلى الله , لأنه كافل ببيان ~~الصراط الدال عليه المؤدى إليه . | ناقل - بما فيه من الأسرار - للخلق من ~~طور إلى طور - بما يشير إليه حرف الراء , وأدل ما فيها على هذا المرام قصة ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام , أما التوحيد فواضح , وأما أمر الكتاب فلأنه ~~من جملة دعائه لذريته الذين أسكنهم عند البيت المحرم من ذرية إسماعيل عليه ~~السلام ^ ( { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك وبعلمهم الكتاب ~~والحكمة ويزكيهم } ) ^ [ البقرة : 129 ] . | ولما ختم الرعد بأنه لا شهادة ~~تكافىء شهادة من عنده علم الكتاب إشارة إلى أن الكتاب هو الشاهد بإعجازه ~~ببلاغته وما حوى من فنون العلوم , وأتى به في ذاك السياق معرفا لما تقدم من ~~ذكره في البقرة وغيرها ثم تكرر وصفه في سورة يونس وهود ويوسف والرعد بأنه ~~حكيم محكم مفصل مبين , وأنه الحق الثابت الذي تزول الجبال الرواسي وهو ثابت ~~لا يتعتع شيء منه . | ولا ms2520 يزلزل معنى من معانيه , ذكره في أول هذه السورة ~~منكرا تنكير التعظيم فقال : { كتاب } أي عظيم في درجات من العظمة . | لا ~~تحتمل عقولكم الإخبار عنها بغير هذا الوصف , ودل تعليل وصفه بالمبين بأنه ~~عربي على أن التقدير : { أنزلناه } أي بما لنا من العظمة { إليك } بلسان ~~قومك لتبين لهم . | PageV04P165 ولما استجمع التعريف بالأوصاف الموجبة ~~للفلاح المذكورة أول السورة المستدل عليها بكل برهان منير وسلطان مبين , ~~فصار بحيث لا يتوقف عن اجتناء ثمرته من وقف على حقائق تلك النعوت , شوق إلى ~~تلك الثمرة بعد تفصيل ما في أول البقرة في التي قبلها كما مضى بما يحث عليه ~~ويقبل بقلب كل عاقل إليه فقال : { لتخرج الناس } أي عامة قومك وغيرهم ~~بدعائك إياهم به وإن كانوا ذوي اضطراب { من الظلمات } التي هي أنواع كثيرة ~~من الضلالات التي أدت إليها الجهالات { إلى النور } الذي هو واحد , وهو ~~سبيل الله المدعو بالهداية إليه في الفاتحة , أو لتبين للعرب قومك لأنه ~~بلسانهم بيانا شافيا , فتجعلهم - بما تقيم عليهم من الحجج الساطعة , وتوضح ~~لهم من البراهين القاطعة , وتنصب لهم من الأعلام الظاهرة , وتحكم لهم من ~~الأدلة الباهرة - في مثل ضوء النهار بما فتح من مقفل أبصارهم , وكشف عن ~~أغطية قوبهم , فيكونوا متمكنين من أن يخرجوا من ظلمات الكفر التي هي طرق ~~الشيطان إلى نور الإيمان الذي هو سبيله < # > 77 ( { ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله } ) 77 < # > [ الأنعام : 153 ] وشبه الإيمان وما أرشد إليه بالنور , لأنه عصمة ~~العقل من الخطأ في الطريق إلى الله كما أن النور عصمة البصر من الضلال عن ~~الطريق الحسي , وإذا خرجوا إلى النور كانوا جديرين بأن يخرجوا جميع الناس { ~~بإذن ربهم } أي المحسن إليهم ؛ والإذن : الإطلاق في الفعل بقول يسمع بالأذن ~~, هذا أصله - قاله الرماني . | ولما كان النور مجملا , بينه على سبيل ~~الاستئناف أو البدل بتكرير العامل فقال : { إلى صراط العزيز } الذي تعالى ~~عن صفات النقص فعز عن أن يدخل أحد صراطه الذي هو ربه , أو يتعرض أحد إلى ~~سالكه بغير إذنه { الحميد ms2521 } المحيط بجميع الكمال , فهو المستحق لجميع ~~المحامد لذاته وبما يفيض على عباده من النعم التي يربيهم ويتحمد إليهم بها ~~على كل حال , فكيف إذا سلكوا سبيله الواضح الواسع السهل ! . | ولما أضاف ~~طريق النجاة إلى وصفين يجوز إطلاق كل منهما على الخلق , بينهما باسمه ~~الشريف العلم على الاستئناف في قراءة نافع وابن عامر بالرفع . | وعلى أنه ~~عطف بيان في قراءة الباقين بالجر لأنه جرى مجرى الأسماء الأعلام لاختصاصه ~~بالمعبود بحق ووصفه بما اقتضى توحيده , فقال : { الله } أي المحيط علما ~~وقدرة { الذي له ما في السماوات } أي الأجسام العالية من الأراضي وغيرها . ~~| ولما كان في سياق الدلالة على الخالق وإثبات توحيده , أكد بإعادة الموصول ~~مع صلته فقال : { وما في الأرض } أي فويل لمن أشرك به شيئا منهما أو فيهما ~~, فإنه لا أبين من أن ما كان مملوكا لا يصلح لأن يكون شريكا . | ويجوز أن ~~يكون التقدير : فوأل ونجاة وسلامة لمن اهتدى به فخرج من PageV04P166 ظلمات ~~الكفر { وويل } مصدر بمعنى الهلاك , ينصب نصب المصادر ثم يرفع رفعها لإفادة ~~أن معنى الهلاك - وهو ضد الوأل الذي هو النجاة - ثابت { للكافرين } الذين ~~ستروا أدلة عقولهم { من عذاب شديد } تتضاعف آلامه وقوته ؛ والشدة : تجمع ~~يصعب معه التفكيك . | < < # | إبراهيم : ( 3 - 4 ) الذين يستحبون الحياة . . . . . # > > ^ ( الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ~~ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد * ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ~~ليبين لهم فيضل الله من يشآء ويهدي من يشآء وهو العزيز الحكيم ) ^ } ) | ~~ولما أشار إلى ما للكافرين , وصفهم بما عاقهم عن قبول الخير وتركهم في ~~أودية الشر فقال : { الذين يستحبون } أي يطلبون أن يحبوا أو يوجدون المحبة ~~بغاية ارغبة متابعة للهوى { الحياة الدنيا } وهي النشأة الأولى التي هي دار ~~الارتحال , مؤثرين لها { على الآخرة } أي النشأة الأخرى التي هي دار المقام ~~, وذلك بأن يتابعوا أنفسهم على حبها حتى يكونوا كأنهم طالبون لذلك , وهذا ~~دليل على أن المحبة قد تكون الإرادة ؛ والمحبة : ميل الطباع إلى الشيء ~~بالشهوة , فهم يمتنعون خوفا على ms2522 دنياهم التي منها رئاستهم عن سلوك الصراط { ~~و } يضمون إلى ذلك أنهم { يصدون } أي يعرضون بأنفسهم ويمنعون غيرهم { عن ~~سبيل الله } أي طريق الملك الأعظم ؛ والسبيل : المذهب المهيأ للسلوك { و } ~~يزيدون على ذلك أنهم { يبغونها } أي يطلبون لها , حذف الجار وأوصل الفعل ~~تأكيدا له { عوجا } والعوج : ميل عن الاستقامة , وهو بكسرالعين في الدين ~~والأمر والأرض , وبالفتح في كل ما كان قائما كالحائط والرمح ونحوهما { ~~أولئك } أي البعداء البغضاء { في ضلال بعيد * } أي عن الحق , إسناد مجازي , ~~لأن البعيد أهل الضلال بميلهم عن الباقي إلى الفاني وبطلبهم العوج فيما ~~قومه الله المحيط بكل شيء قدرة وعلما . | ولما قدم ما أفهم أنه أرسله صلى ~~الله عليه وسلم بلسان قومه إلى الناس كافة لأن اللسان العربي أسهل الألسنة ~~وأجمعها وأفصحها وأبينها , فكان في غاية العدالة , وختم بأن السبيل إليه في ~~غاية الاستقامة والاعتدال , دل على شرف هذا اللسان لصلاحيته لجميع الأمم ~~وخفته عليهم بخصوص لسان كل من الرسل بقومه , فلذلك أتبعه قوله : { وما ~~أرسلنا } أي بما لنا في العظمة , وأعرق في النفي فقال : { من رسول } أي في ~~زمن من الأزمان { إلا بلسان } أي لغة { قومه } أي الذين فيهم قوة المحاولة ~~لما يريدون { ليبين } أي بيانا شافيا { لهم } كما تقدم أنا أرسلناك بكتاب ~~عربي بلسان قومك لتبين لهم ولجميع الخلق , فإن لسانك أسهل الألسنة وأعذبها ~~, فهو معطوف على { أنزلناه } بالتقديرالذي PageV04P167 تقدم , فإذا تقرر ~~ذلك علم أنه لا مانع حينئذ لأمة من الأمم عن الاستقامة على هذا الصراط إلا ~~إذن الله ومشيئته { فيضل } أي فتسبب عن ذلك أنه يضل { الله } أي الذي له ~~الأمر كله { من يشاء } إضلاله , وقدم سبحانه هذا اهتماما بالدلالة على أنه ~~سبحانه خالق الشر كما أنه خالق الخير مع أن السياق لذم الكافرين الذين هم ~~رؤوس أهل الضلال { ويهدي من يشاء } هدايته فإنه سبحانه هو المضل الهادي , ~~وأما الرسل فمبينون ملزمون للحجة تمييزا للضال من المهتدي { وهو } أي وحده ~~{ العزيز } الذي لا يرام ما عنده إلا به , ولا يمتنع عليه شيء ms2523 أراده { ~~الحكيم * } الذي لا ينقض ما دبره , فلذلك دبر بحكمته إرساله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم إلى الخلق كافة باللسان العربي , لأن المقصود جمع الخلق ~~علىالحق , فجمعهم على لسان واحد أنسب ما يكون لذلك , ولو أنزل بألسنة كلها ~~لكان منافيا لهذا المقصود , وإن كان مع الإعجاز بكل لسان كان قريبا من ~~الإلجاء فيفوت الإيمان بالغيب , ويؤدي أيضا إلى ادعاء أهل كل لسان أن ~~التعبيرعنه بلسانهم أعظم , فيؤدي ذلك إلى المفاخرة والعصبية المؤدي إلى أشد ~~الفرقة , وأنسب الألسنة لسان قوم الرسول لأنهم , أقرب إليه , فيكون فهمهم ~~لأسرار شريعته ووقوفهم على حقائقها أسهل , ويكونون عن الغلط والخطأ أبعدن ~~فإذا فهموا عنه دعوا من يليهم بالتراجمة وهلم جرا , فانتشر الأمر وعم سهل , ~~وكان مع ذلك أبعد من التحريف وأسلم من التنازع . | وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير : لما كانت سورة الرعد على ما تمهد بأن كانت تلك الآيات والبراهين ~~التي سلفت فيها لا يبقى معها شك لمن اعتبر بها لتعظيم شأنها وإيضاح أمرها , ~~قال تعالى : < # > 77 ( { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } ) 77 < # > [ إبراهيم : 1 ] أي إذا هم تذكروا به واستبصروا ببراهينه وتدبروا آياته ~~< # > 77 ( { ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض } ) 77 < # > [ الرعد : 31 ] . | ولما كان هذا الهدى والضلال كل ذلك موقوف على ~~مشيئته سبحانه وسابق إرادته وقد قال لنبيه عليه السلام { إنما أنت منذر ولك ~~قوم هاد } قال تعالى هنا { بإذن ربهم } , إنما عليك البلاغ . | ولما قال ~~تعالى : < # > 77 ( { وكأين من آية من السماوات والأرض } ) 77 < # > [ يوسف : 105 ] تم بسطها في سورة الرعد , أعلم هنا أن ذلك كله له وملكه ~~فقال : < # > 77 ( { الذي له ما في السماوات وما في الأرض } ) 77 < # > [ إبراهيم : 2 ] فالسماوات والأرض بجملتها وما فيهما من عظيم ما أوضح ~~لكم الاعتبار به , كل ذلك له ملكا وخلقا واختراعا , < # > 77 ( { وله أسلم من في السماوات وما في الأرض طوعا وكرها } ) 77 < # > [ آل عمران : 83 ] < # > 77 ( { وويل للكافرين من عذاب شديد } ) 77 < # > [ إبراهيم ms2524 : 2 ] لعنادهم مع وضوح الأمر وبيانه < # > 77 ( { ويصدون عن سبيل الله } ) 77 < # > [ التوبه : 34 ] وع وضوح السبيل PageV04P168 وانتهاج ذلك الدليل , ثم ~~قال تعالى : < # > 77 ( { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ) 77 < # > [ إبراهيم : 4 ] وكأن هذا من تمام قوله سبحانه < # > 77 ( { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } ) 77 < # > [ الرعد : 38 ] وذلك أن الكفار لما حملهم الحسد والعناد وبعد الفهم بما ~~جبل على قلوبهم وطبع عليها على أن أنكروا كون الرسل من البشر حتى قالوا : < # > 77 ( { أبشر يهدوننا } ) 77 < # > [ التغابن : 6 ] , و < # > 77 ( { ما أنتم إلا بشر مثلنا } ) 77 < # > [ يس : 15 ] وحتى قالت قريش : < # > 77 ( { لولا أنزل عليه ملك } ) 77 < # > [ الأنعام : 8 ] , { ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } < # > 77 ( { وقالوا لولا أنزل هذا القرآن على رجلمن القريتين عظيم } ) 77 < # > [ الزخرف : 31 ] فما كثر هذا منهم وتبع خلفهم في هذا سلفهم , رد تعالى ~~أزعامهم وأبطل توهمهم في آيات وردت على التدريج في هذا الغرض شيئا فشيئا , ~~فأول الوارد من ذلك في معرض الرد عليهم وعلى ترتيب سور الكتاب قوله تعالى : ~~< # > 77 ( { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم } ) 77 < # > [ يونس : 2 ] , الآية ثم أتبع ذلك بانفراده تعالى بالخلق والاختراع ~~والتدبير والربوبية , وفي طي ذلك أنه يفعل ما يشاء لأن الكل خلقه وملكه , ~~وأنه العليم بوجه الحكمة في إرسال الرسل وكونهم من البشر , فأرغم الله ~~تعالى بمضمون هذة الآي كل جاحد معاند ؛ ثم ذكر تعالى في سورة هود قول قوم ~~نوح < # > 77 ( { ما نراك إلا بشرا مثلنا } ) 77 < # > [ هود : 27 ] , الآية وجوابه عليه السلام < # > 77 ( { أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم ~~أنلزمكمومها وأنتم لها كارهون } ) 77 < # > [ هود : 63 ] أي أني وإن كنت في البشرية مثلكم فقد خصني الله بفضله ~~وآتاني رحمة من عنده وبرهانا على ما جئتكم به عنه , وفي هذه القصة أعظم عظة ~~, ثم جرى هذا لصالح وشعيب عليهما السلامن وديدن الأمم أبدا مع أنبيائهم ~~ارتكاب هذه المقالات , وفيها ms2525 من الحيد والعجز عن مقاومتهم ما لا يخفي وما ~~هو شاهد على تعنتهم , ثم زاد سبحانه تعالى نبيه صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تعريفا بأحوال من تقدمه من الأنبياء عليهم السلام ليسمع ذلك من جرى له ~~مثل ما جرى لهم فقال مثل مقالتهم , فقال تعالى : < # > 77 ( { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } ) 77 < # > [ الرعد : 38 ] وأعلم سبحانه أن هذا لا يحط شيئا من مناصبهم , بل هو ~~واقع في قيام الحجة على العباد . | ثم تلا ذلك بقوله : < # > 77 ( { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } ) 77 < # > [ إبراهيم : 4 ] أي ليكون أبلغ في الحجة وأقطع للعذر , فربما كانوا ~~يقولون عند اختلاف الألسنة : لا نفهم عنهم , إذ قالوا ذلك مع اتفاق اللغات ~~, فقد قال فوم شعيب عليه السلام < # > 77 ( { وما نفقة كثيرا مما تقول } ) 77 < # > [ هود : 91 ] هذا هو عليه السلام يخاطبهم بلسانهم فكيف لو كان على خلاف ~~ذلك بل لو خالفت الرسل عليهم السلام الأمم في التبتل وعدم اتخاذ الزوجات ~~والأولاد واستعمال الأغذية وغيرها من مألوفات البشر لكان منفرا , فقد بان ~~وجه الحكمة في كونهم من البشر ولو كانوا من الملائكة لوقع النفار ~~PageV04P169 والشرود لافتراق الجنسية , وإليه الإشارة بقوله تعالى : ^ ( { ~~ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون } ) ^ [ الأنعام : 9 ~~] أي ليكون أقرب إليهم لئلا يقع تنافر فكونهم من البشر أقرب وأقوم للحجة . ~~| ولما كانت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم عامة , كان عليه الصلاة والسلام ~~يخاطب كل طائفة من طوائف العرب بلسانها ويكملها بما تفهم , وتأمل كم بين ~~كتابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنس رضي الله عنه في الصدقة وكتابه إلى ~~وائل بن حجر مع اتحاد الغرض , وللكتابين نظائر يوقف عليها في مظانها , وكل ~~ذلك لتقوم الحجة على الجميع , واستمر باقي سورة إبراهيم عليه السلام على ~~التعريف بحال مكذبي الرسل ووعيد من خالفهم وبيان بعض أهوال الآخرة وعذابها ~~- انتهى . | < < # | إبراهيم : ( 5 - 6 ) ولقد أرسلنا موسى . . . . . # > > ^ ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ أن أخرج قومك من الظلمات ms2526 إلى النور ~~وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور * وإذ قال موسى لقومه ~~اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون ~~أبنآءكم ويستحيون نسآءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) ^ } ) | ولما ذكر ~~سبحانه الرسل بما ذكره , توقع السامع تفصيل شيء من أخبارهم , فابتدأ بذكر ~~من كتابه أجل الكتاب بعد القرآن هدى للناس دليلا على أنه يفعل ما يشاء من ~~الإضلال والهداية , وتسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم , وتثبيتا ~~وتصبيرا على أذى قومه , وإرشادا إلى ما فيه الصلاح في مكالمتهم , فقال ~~مصدرا بحرف التوقع : { ولقد أرسلنا } أي بعظمتنا { موسى بآياتنا } أي ~~البينات ؛ ثم فسر الإرسال بقوله : { إن أخرج قومك } أي الذين فيهم قوة على ~~مغالبة الأمور { من الظلمات } أي أنواع الجهل { إلى النور * } بتلك الآيات ~~{ وذكرهم } أي تذكيرا عظيما { بأيام الله } أي الذي له الجلال والإكرام من ~~وقائعه في الأمم السالفة وغير ذلك من المنح لأوليائه والمحن لأعدائه كما ~~أرسلناك لذلك { إن في ذلك } أي التذكير العظيم { لآيات } على وحدانية الله ~~وعظمته { لكل صبار } أي بليغ الصبر بلاء الله , قال في العوارف : وقال أبو ~~الحسن بن سالم : هم ثلاثة : متصبر , وصابر , وصبار , فالمتصبر من صبر في ~~الله , فمرة يصبر ومرة يجزع , والصابر من يصبر في الله ولله ولا يجزع ولكن ~~يتوقع منه الشكوى , وقد يمكن منه الفزع , فأما الصبار فذلك الذي صبره الله ~~في الله ولله بالله , فهذا لو وقع عليه جميع البلايا لا يجزع ولا يتغير من ~~جهة الوجوب والحقيقة , لا من جهة الرسم والخليقة , وأشارته في هذا ظهور حكم ~~العلم فيه مع ظهور صفة الطبيعة . | { شكور * } أي عظيم الشكر لنعمائه , فإن ~~أيامه عند أوليائه لا تخلو من نعمة أو نقمة , وفي صيغة PageV04P170 ~~المبالغة أشارة إلى أن عادته تعالى جرت بأنه إنما ينصر أولياءه بعد طول ~~الامتحان بعظيم البلاء ليتبين الصادق من الكاذب < # > 77 ( { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله } ) 77 < # > [ البقرة : 214 ] < # > 77 ( { حتى إذا استيئس ms2527 الرسل } ) 77 < # > [ يوسف : 110 ] , < # > 77 ( { الم أحسب الناس أن يتركوا } ) 77 < # > [ العنكبوت : 2 ] وذلك أنه لا شيء أشق على النفوس من مفارقة المألوف لا ~~سيما إن كان دينا ولا سيما إن كان قد درج عليه الأسلاف , فلا يقوم بالدعاء ~~إلى الدين إلا من بلغ الذروة في الصبر . | ولما ذكر ما أمربه موسى عليه ~~السلام , وكان قد تقدم أمره في الشريف إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~بالاقتداء بالأنبياء الذين هو من رؤوسهم وأولي عزمهم , كان كأنه قيل : فبين ~~أنت للناس ما نزل إليهم وذكرهم بأيام الله اقتداء بأخيك موسى عليه السلام { ~~و } اذكر لهم خبره فإن أيامه من أعظم أيام الله : أشدها محنة وأجلها منحة { ~~إذ قال موسى } امتثالا لما أمرناه به { لقومه } مذكرا لهم بأيام الله معهم ~~ثم أيامه مع غيرهم . | ولما كان المراد بالتذكير بالأيام زيادة الترغيب ~~والترهيب , أشار إلى أن مقام الترهيب هنا أهم للحث على تركهم الضلال بترك ~~عادته في الترفق بمثل ما في البقرة والمائدة من الاستعطاف بعاطفة الرحم ~~بقوله : { ياقوم } فأسقطها هنا إشارة إلى أن المقام يقتضي الإبلاغ في ~~الإيجاز في التذكير للخوف من معاجلتهم بالعذاب فقال : { ذكروا نعمة الله } ~~أي ذي الجلال والإكرام , وعبر بالنعمة عن الإنعام حثا على الاستدلال بالأثر ~~على المؤثر { عليكم } ثم أبدل من ( نعمة ) قوله : { إذ } وهو ظرف النعمة . ~~| ولما كانوا قد طال صبرهم جدا بما طال من بلائهم من فرعون على وجه لا يمكن ~~في العادة خلاصهم منه , وإن أمكن على بعد لم يكن إلا في أزمنة طوال جدا ~~بتعب شديد , أشار إلى أسراعه بخلاصهم بالنسبة إليه لوجرى على مقتضى العادة ~~جزاء لهم على طول صبرهم , فعبر بالإفعال دون التفعيل الذي اقتضاه سياق ~~البقرة فقال : { أنجاكم من } بلاء { آل فرعون } أي فرعون نفسه وأتباعه ~~وأوليائه ؛ قال في القاموس : ولا يستعمل إلا لما فيه شرف غالبا , فكأنهم ~~قالوا : من أي بلائهم ؟ فقال : { يسومونكم } أي يكلفونكم ويولونكم على سبيل ~~الاستهانة والقهر { سوء العذاب } بالاستعباد . | ولما كان السياق للصبر ~~البليغ ms2528 , اقتضى ذلك العطف في قوله : { ويذبحون } أي تذبيحا كثيرا مميتا - ~~بما أفاده تعبير الأعراف بالقتل , ومعرفا بإعادة التعبير بالذبح أن الموت ~~بالسكين { أبناءكم ويستحيون } أي يطلبوا أن يحيوا { نساءكم } لإفادة أن ذلك ~~PageV04P171 بلاء آخر { و } الحال أن { في ذلكم } أي الأمر الشديد المشقة ~~من العذاب المتقدم أو الإنجاء أو هما { بلاء من ربكم } أي المربي لكم ~~المدبر لأموركم { عظيم * } . | < < # | إبراهيم : ( 7 - 9 ) وإذ تأذن ربكم . . . . . # > > ^ ( وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد * ~~وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد * ألم ~~يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم ~~إلا الله جآءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا ~~بمآ أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننآ إليه مريب ) ^ } ) | ولما ذكرهم ~~بنعمة الأمن رغبهم فيما يزيدهم , ورهبهم مما يزيلها فقال : { وإذ } أي ~~واذكروا إذ { تأذن ربكم } أي أعلم المحسن إليكم إعلاما بليغا ينتفي عنه ~~الشكوك قائلا : { لئن شكرتم } وأكده لما للأنفس من التكذيب بمثل ذلك ~~لأعتقاها أن الزيادة بالسعي في الرزق والنقص بالتهاون فيه { لأزيدنكم } من ~~نعمتي , فإن الشكر قيد الموجود وصيد المفقود ( إن عطائي لعتيد فأرجوه ) { ~~ولئن كفرتم } النعمة فلم تقيدوها بالشكر لأنقصنكم ولأعذبنكم { إن عذابي } ~~بإزالتها وغيرها { لشديد * } فخافوه , فالآية - كما ترى - من الاحتباك . | ~~ولما كان من حث على شيء وأثاب عليه أو نهى عنه وعاقب على فعله يكون لغرض له ~~, بين أن الله سبحانه متعال عن أن يلحقه ضر أو نفع , وأن ضر ذلك ونفعه خاص ~~بالعبد فقال تعالى حاكيا عنه : { وقال موسى } مرهبا لهم معلما أن وبال ~~الكفران خاص بصاحبه { إن تكفروا } والكفر : تضيع حق النعمة بجحدها أو ما ~~يقوم في العظم مقامه { أنتم ومن في الأرض } وأكد بقوله : { جميعا } فضرره ~~لاحق بكم خاصة غير عائد على الله شيء منه { فإن الله } أي الملك الأعظم { ~~لغني } أي في ذاته وصفاته عن كل أحد , والغنى هنا المختص بما ينفي لحاق ms2529 ~~الضرر أو النقص , والمختص بأنه قادر لا يعجزه شيء , عالم لا يخفي عليه شيء ~~, وذلك بنفسه لا بشيء سواه , ومن لم يكن كذلك لم يكن غنيا { حميد * } أي ~~بليغ الاستحقاق للحمد بما له من عظيم النعم وبما له من صفات الكمال , وكل ~~مخلوق يحمده بذاته وأفعاله وجميع أقواله كائنة ما كانت , لأن إيجاده لها ~~ناطق بحمده سبحانه . | ذكر التأذن بذلك المذكر به من التوراة : قال في ~~السفرالخامس : واختاركم الله ربكم أن تكونوا له شعبا حبيبا من جميع الشعوب ~~التي على وجه الأرض , وليس لأنكم أكثر من جميع الشعوب أحبكم الرب ~~PageV04P172 واختاركم , ولكن ليثبت الأيمان التي أقسم لآبائكم , لذلك ~~أخرجكم الرب بيد منيعة , وأنقذكم من العبودية , وخلصكم من يدي فرعون ملك ~~مصر , لتعلموا أن الله ربكم هو إله الحق , إله مهيمن يحفظ النعمة والعهد ~~لأوليائه الذين يحفظون وصيته لألف حقب , ويكافىء شنأته في حياتهم ويجزيهم ~~بالهلاك والتلف , احفظوا السنن والأحكام والوصايا التي آمركم بها اليوم ~~فافعلوها يحفظ الله الرب العهد والنعمة التي أقسم لآبائكم , ويحبكم ويبارك ~~عليكم ويكثركم , ويبارك في أولادكم وفي ثمرة أرضكم وفي بركم وخبزكم وزيتكم ~~, وفي أقطاع بقركم وجفرات غنمكم , وتكونوا مباركين من جميع الشعوب , ولا ~~يكون فيكم عاقرولا عقيم ولا في بهائمكم , ويصرف الله عنكم كل وجع , وجميع ~~الضربات التي أنزل الله بأهل مصر - كما تعلمون - لا ينزلها بكم بل ينزلها ~~بجميع شنأتكم , وتأكلون جميع خيرات الشعوب التي يعطيكم الله ربكم , ولا ~~تشفق أعينكم عليهم , ولا تعبدوا آلهتهم لأنهم فخاخ لكم , وإن قلتم في ~~قلوبكم : إن هذه الشعوب أكثرمنا فكيف نقدر أن نهلكها ! فلا تفرقوا منها ~~ولكن اذكروا جميع ما صنه الله ربكم بفرعون ملك مصر وكل أصحابه , والبلايا ~~العظيمة التي رأيتم بأعينكم , والآيات والأعاجيب واليد المنيعة والذراع ~~العظيمة , وكيف أخرجكم الله ربكم ! كذلك يفعل الله ربكم بجميع الشعوب التي ~~تخافونها . | ويسط الله ربكم عليهم عاهات حتى يهلكهم , والذين يبقون ~~ويختفون منكم لا تخافوهم لأن الله ربكم بينكم . | الإله العظيم المرهوب , ~~فيهلك الله ربكم هذه الشعوب من ms2530 بين أيديكم رويدا رويدا , لأنكم لا تقوون أن ~~تهلكوهم سريعا لئلا يكثر السباع , ولكن يدفعهم الله ربكم إليكم وتضربونهم ~~ضربة شديدة حتى تهلكوهم , ويدفع ملوكهم في أيديكم وتهلكون أسماءهم من تحت ~~السماء , لا يقدر أحد أن يقوم بين أيديكم حتى تهلكوهم وتحرقوا آلهتهم ~~المنحوتة بالنار , ولا تشتهوا الفضة والذهب الذي عليها وتأخذوه منها لئلا ~~تتنجسوا بها , لأنها مرذولة عند الله ربكم , فلا تدخلوا نجاسة إلى بيوتكم ~~لئلا تكونوا منفيين مثلها , ولكن أرذلوها ونجسوها وصيروها نفاية بخسة لأنها ~~حرام . | ثم قال : انظروا ! إني أتلو علكم دعاء ولعنا , أما الدعاء فتصيرون ~~إليه إن أنتم حفظتم وصايا الله ربكم , وأما اللعت فيدرككم إن أنتم لم ~~تسمعوا وصايا الله ربكم , وزغتم عن الطريق الذي أمركم به اليوم - وقد مضى ~~كثير من أمثال هذا عن التوراة , ولا ريب في أن هذا الترغيب والترهي ~~والتذكير للتحذير كما أنه كان لبني إسرائيل , فهو لكل من سمعه من المكلفين ~~. | PageV04P173 ولما حذرهم انتقام الله إن كفروا , ذكرهم أيامه في الأمم ~~الماضية , وعين منهم الثلاثة الأولى لأنهم أشدهم أبدانا , وأكثرهم أعوانا , ~~وأقواهم آثارا , وأطولهم أعمارا , لأن البطش إذا برز إلى الوجود كان أهول , ~~لأن النفس للمحسوس أقبل , فقال دالا على ما أرشدهم إليه من غناه سبحانه ~~وحمده مخوفا لهم من سطوات الله سبحانه : { ألم يأتكم } أي يابني إسرائيل { ~~نبأ الذين } ولما كان المراد قوما مخصوصين لم يستغرقوا الزمان قال : { من ~~قبلكم } ثم أبدل منهم فقال : { قوم } أي نبأ قوم { نوح } وكانوا ملء الأرض ~~{ و } نبأ { عاد } وكانوا أشد الناس أبدانا وأثبتهم جنانا { و } نبأ { ثمود ~~} وكانوا أقوى الناس على نحت الصخور وبناء القصور { و } نبأ { الذين } ولما ~~كان النراد لبعض , أدخل الجار فقال : { من بعدهم } أي في الزمن حال كونهم ~~في الكثرة بحيث { لا يعلمهم } أي حق العلم على التفصيل { إلا الله } أي ~~الذي له الإحاطة الكاملة , كفروا فأهلكهم الله ولم يزل غنيا حميدا عند ~~أخذهم وبعده كما كان قلبه , وكان ابن مسعود رضي الله عنه إذا قرأ هذه الآية ms2531 ~~قال : كذب النسابون . | ثم فصل سبحانه خبرهم , فقال - جوابا لمن كأنه قال : ~~ما كان نبأهم ؟ { جاءتهم رسلهم بالبينات } وترك عطفه لشدة التباسه ~~بالمستفهم عنه { فردوا } أي الأمم عقب مجيء الرسل من غيرتأمل جامعين في ~~تكذيبهم بين الفعل والقول { أيديهم في أفواههم } وهو أشارة إلى السكوت عن ~~ذلك والتسكيت , كأنه لا يليق أن يتفوه ولو على سبيل الرد ؛ قال الرازي في ~~اللوامع : حكى أبو عبيد : كلمته في حاجتي فرد يده في فيه - إذا سكت ولم يجب ~~. | { و } بعد أن فعلوا ذلك لهذه الأغراض الفاسدة { قالوا } أي الأمم { إنا ~~كفرنا } أي غطينا مرائي عقولنا مستهينين { بما } ولما كان رد الرسالة جامعا ~~للكفر , وكانوا غير مسلمين أن المرسل لهم هو الله , بنوا للمفعول قولهم : { ~~أرسلتم به } أي لأنكم لم تأتونا بما يوجب الظن فضلا عن القطع , فلذا لا ~~يحتاج رده إلى تأمل . | ولما كان ما أتى به الرسل يوجب القطع بما يعلمه كل ~~أحد , فكانوا بما قالوه في مظنة الإنكار , أكدوا : { وإنا لفي شك } أي محيط ~~بنا , وهو وقوف بين الضدين من غير ترجيح أحدهما , يتعاقب على حال الذكر ~~ويضاد العلم والجهل . | ولما كان الدعاء مسندا إلى جماعة الرسل , أثبت نون ~~الرفع مع ضمير المتكلمين بخلاف ما مضى في هود , فقالوا { مما } أي شيء { ~~تدعوننا } أهيا الرسل { إليه } أي من الدين { مريب } أي موجب للتهمة وموقع ~~في الشك والاضطراب والفزع , من أراب الرجل : صار ذا ريبة أي قلق وتزلزل . | ~~PageV04P174 < < # | إبراهيم : ( 10 - 12 ) قالت رسلهم أفي . . . . . # > > ^ ( قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم ~~من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن ~~تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا فأتونا بسلطان مبين * قالت لهم رسلهم إن نحن ~~إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده وما كان لنآ أن نأتيكم ~~بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون * وما لنآ ألا نتوكل على ~~الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على مآ آذيتمونا وعلى الله فليتوكل ms2532 المتوكلون ~~) ^ } ) | ولما كان سامع الكلام يشتد تشوفه إلى جوابه , وكان أصل الدعوة في ~~كل ملة التوحيد , وكان الشاك فيه شاكا في الله , وكان أمر الله من الظهور ~~بحيث لا يشك فيه عاقل حكم عقله مجردا عن الهوى , ساغ الإنكار وأيراد الكلام ~~على تقدير سؤال معرى من التقييد مبهم في قوله : { فاطر السماوات } ولما كان ~~المقام لادعاء أنه في غاية الظهور , لم يحتج إلى تأكيد بإعادة العامل , ~~فقال : { والأرض } أي على هذا المثال البديع والنمط الغريب المنتظم الأحوال ~~, والجميل العوائد , والمتسق الفصول ؛ فلما أوضحوا لهم الأدلة على وحدانيته ~~بينوا لهم بأن ثمرة الدعوة خاصة لهم , إنه لا يأباها من له أدنى بصيرة , ~~فقالوا : { يدعوكم } أي على ألسنتنا { ليغفر لكم } . | ولما كان الكافر ~~إنما يدعى أولا إلى الإيمان , وكان الإيمان إنما يجب ما كان قبله من الذنوب ~~التي معهم بينهم وبينه دون المظالم , قال : { من ذنوبكم } ولو عم بالغفران ~~لأفهم ذلك أنهم لا يدعون بعد الإيمان إلى عمل أصلا { و } لا يفعل بكم فعل ~~من تعهدون من الملوك في المعاجلة بالإهلاك لمن خالفهم , بل { يؤخركم } وإن ~~أخطأتم أو تعمدتم وتبتم { إلى أجل مسمى } عنده سبق علمه به , وهو آجالكم ~~على حسب التفريق , ولا يستأصلكم بالعذاب في آن واحد كما فعل بمن ذكر من ~~الأمم . | فلما بين لهم الأصيل بدليله فروع عليه ما لا ريب فيه في قصر نفعه ~~عليهم , علموا أنه لا يتهيأ لهم عن ذلك جواب فأعرضوا عنه إلى أن { قالوا } ~~عنادا { إن } أي ما { أنتم } أي أيها الرسل { إلا بشر } وأكدوا ما أرادوا ~~من نفي الاختصاص فقالوا : PageV04P175 { مثلنا } يريدون : فما وجه تخصيصكم ~~بالرسالة دوننا ؟ ثم كان كأنه قيل : فكان ماذا ؟ فقالوا : { تريدون أن ~~تصدونا } أي تلفتونا وتصرفونا { عما كان } أي كونا هو كالجبلة , وأكدوا هذا ~~المعنى للتذكير بالحال الماضية بالمضارع فقالوا : { يعبد آباؤنا } أي أنكم ~~- لكونكم من البشر الذين يقع بينهم التحاسد - حسدتمونا على ابتاع الآباء ~~وقصدتم تركنا له لنكون لكم تبعا { فأتونا } أي فتسبب - عن كوننا لم نر لكم ms2533 ~~فضلا وإبدائنا من إرادتكم ما يصلح أن يكون مانعا - أن نقول لكم : ائتونا ~~لنتيعكم { بسلطان مبين * } أي حجة واضحة تلجئنا إلى تصديقكم مما نقترحه ~~عليكم , وهذا تعنت محض فإنهم جديرون بأن يعرضوا عن كل سلطان يأتونهم به ~~كائنا ما كان كما ألغوا ما أتوا هم به من البينات فلم يعتدوا به , فكأنه ~~قيل : فما كان جواب الرسل ؟ فقيل : { قالت } . | ولما أرادوا تخصيصهم برد ~~ما قالوا , قيد بقوله : { لهم رسلهم } مسلمين أول كلامهم غير فاعلين فعلهم ~~في الحيدة عن الجواب { إن } أي ما { نحن إلا بشر مثلكم } ما لنا عليكم فضل ~~بما يقتضيه ذواتنا غير أن التماثل في البشرية لا يمنع اختصاص بعض البشر عن ~~بعض بفضائل ؛ والمثل : ما يسد مسد غيره حتى لو شاهده مشاهد ثم شاهد الآخر ~~لم يقع فصل { ولكن الله } أي الذي له الأمر كله فضلنا عليكم لأنه { يمن ~~الله من يشاء } أي أن يمن عليه { من عباده } رحمة منه له , بأن يفضله على ~~أمثاله بما يقسمه له من المزايا كما أنتم به عارفون , فلم يصرحوا بما ~~تميزوا به من وصف النبوة , ولم يخصوا أنفسهم بمن الله بل أدرجوها في عموم ~~من شاء الله , كل ذلك تواضعا منهم واعترافا بالعبودية ؛ والمن : نفع يقطع ~~به عن بؤس , وأصله القطع , ومنه { غير منون } , والمنة قاطعة عن الدنيا . | ~~ولما بينوا وجه المفارقة , عطفوا عليه بيان العذر فيما طلبوه منهم فقالوا : ~~{ وما } أي فما كان لنا أن نتفضل عليكم بشيء من الأشياء لم يؤذن لنا فيه , ~~وما { كان } أي صح واستقام { لنا أن نأتيكم بسلطان } مما تقترحونه تعنتا , ~~وهو البرهان الذي يتسلط به علىإبطال مذهب المخالف للحق غير المعجزة التي ~~يثبت بها النبوة { إلا بإذن الله } أي بإطلاق الملك الأعظم وتسويفه , فنحن ~~نتوكل على الله في أمركم إن أذن لنا في الإتيان بسلطان أو لم يأذن وافقتم ~~أو خالفتم { وعلى الله } أي الذي له الأمر كله ولا أمرلأحد معه وحده { ~~فليتوكل } أي بأمر حتم { المؤمنون * } فكيف بالأنبياء ؛ ثم بينوا سبب وجوب ms2534 ~~التوكل بقولهم : { وما } أي وأي شيء { لنا } في { ألا نتوكل علىالله } أي ~~ذي الجلال والإكرام { و } الحال أنه { قد هدانا سبلنا } فبين لنا كل ما ~~نأتي وما نذر , فلا محيص لنا عن شيء من ذلك , فلنفعلن جميع أوامره , ~~ولننتهين عن جميع مناهيه PageV04P176 { ولنصبرن } أكدوا لإنكار أن يصبر ~~الرسول - مع وحدته - على أذاهم مع كثرتهم وقوتهم { على ما } وعبر بالماضي ~~إشارة إلى أنهم عفوا عن أذاهم في الماضي فلا يجازونهم به , فهو استجلاب إلى ~~توبة أولئك المؤذين , وعدلوا عن المضارع لأنهم ينتظرون أمر الله في ~~الاستقبال فقد يأمرهم بالصبر , فقال : { آذيتمونا } أي في ذلك الذي أمرنا ~~به كائنا فيه ما كان لأنا توكلنا على الله ونحن لا نتهمه في قضائه { وعلى ~~الله } أي الذي له جميع صفات الكمال وحده { فليتوكل المتوكلون * } الذين ~~علموا من أنفسهم العجز سواء كانوا مؤمنين أولا , فوكلوا أمرا من أمورهم إلى ~~غيرهم ليكفيهم إياه , فإنه محيط العلم كامل القدرة , وكل من عداه عاجز , ~~والصبر مفتاح الفرج , ومطلع الخيرات المطلق من الكرب , والحق لا بد وأن ~~يصير غالبا قاهرا , والباطل لا بد وأن يصير مغلوبا مقهورا وإن طال الابتلاء ~~. | < < # | إبراهيم : ( 13 - 18 ) وقال الذين كفروا . . . . . # > > ^ ( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنآ أو لتعودن في ملتنا ~~فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين * ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف ~~مقامي وخاف وعيد * واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد * من ورآئه جهنم ويسقى من ~~مآء صديد * يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ~~ورآئه عذاب غليظ * مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في ~~يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد ) ^ } ) | ولما ~~انقضت هذه المحاورة وقد علم منها كل منصف ما عليه الرسل من الحلم والعلم ~~والحكمة , وما عليه مخالفهم من الضلال والجهل والعناد , وكان في الكلام ما ~~ربما أشعر بانقضائه , ابتدأ تعالى عنهم محاورة أخرى , عاطفا لها على ما مضى ~~, فقال : { وقال الذين كفروا لرسلهم } مستهينين بمن ms2535 قصروا التجاءهم عليه , ~~مؤكدين لاستشعارهم بإنكار من رأى مدافعة الله عن أوليائه لقولهم : والذي ~~يحلف به ! ليكونن أحد الأمرين : { لنخرجنكم من أرضنا } أي التي لنا الآن ~~الغلبة عليها { أو لتعودن في ملتنا } بأن تكفوا عن معارضتنا كما كنتم دعوى ~~الرسالة , فإطلاق ملتهم على السكوت عنهم من إطلاق اسم الكل على الجزء على ~~زعمهم مثل ^ ( { جعلوا أصابعهم في آذانهم } ) ^ [ نوح : 7 ] وهو مجاز مرسل ~~, فصبروا على ذلك أخبروا به توكلا على ربهم واستمروا على نصيحتهم لهم ~~بدعائهم إلى الله { فأوحى إليهم } أي كلمهم في خفاء بسبب توعد أممهم لهم , ~~مختصا لهم بذلك { ربهم } المحسن إليهم الذي توكلوا عليه , PageV04P177 ~~تسكينا لقلوبهم وتسلية لنفوسهمن وأكد لما - لمن ينظر كثرة الكفاروقوتهم - ~~من التوقف في مضمون الخبر ولا سيما إن كان كافرا , قائلا : { لنهلكن } بما ~~لنا من العظمة المقتضية لنفوذ الأمر ؛ والإهلاك : إذهاب الشيء إلى حيث لا ~~يقع عليه الإحساس { الظالمين * } أي العريقين في الظلم , وربما تبنا على ~~بعض من أخبرنا عنه بأنه كفر , وهو من لم يكن عريقا في كفره الذي هو أظلم ~~الظلم { ولنسكننكم } أي دونهم { الأرض } أي مطلقها وخصوص أرضهم , وأشار إلى ~~عدم الخلود بالجار فقال : { من بعدهم } بأن نورثكموها سواء قدرناهم على ~~إخراجكم أم لا , فكأنه قيل : هل ذلك خاص بهم ؟ فقيل : لا , بل { ذلك } أي ~~الأمر العالي المرام { لمن خاف مقامي } أي المكان الذي يقوم فيه من أحاسبه ~~: ماذا تكون عاقبته فيه , وهو أبلغ من : خافني , { وخاف وعيد * } لا بد أن ~~أهلك ظالمه وأسكنه أرضه بعده , فاستبشروا بذلك الوعد من الله تعالى { ~~واستفتحوا } على أعدائهم فأفلحوا وأنجحوا { وخاب كل جبار عنيد } فأهلكناهم ~~كلهم , وكان لنا الغنى والحمد بعد إهلاكهم كما كان قبله ؛ والعناد : ~~الامتناع من الحق مع العلم به كبرا وبغيا , من عند عن الحق عنودا , ~~والجبرية : طلب علو المنزلة بما ليس وراءه غاية في الصفة , فهو ذم للعبد من ~~حيث إنه طالب ما ليس له ؛ ثم أتبعه ما هو كدليل على خيبته من أن سيره إلى ~~ما أمامه من ms2536 العذاب , فهو واقع فيه لا محالة وهو يشعر , وعبر عن غفلته عنه ~~بقوله : { من ورائه جهنم } أي لا بد أنه يتبوأها . | ولما كان المرجع وجود ~~السقي للصديد مطلقا , بني للمفعول قوله : { ويسقى } أي فيها { من ماء صديد ~~} وهو غسالة أهل النار كقيحهم ودمائهم { يتجرعه } أي يتكلف بلعه شيئا فشيئا ~~لمرارته وحرارته , فيغص به ويلقى منه من الشدة ما لا يعلم قدرة الله إلا ~~الله { ولايكاد يسيغه } ولا يقرب من إساغته , فإن الإساغة جر الشيء في ~~الحلق على تقبل النفس { ويأتيه الموت } أي أسبابه التي لو جاءه سبب منها في ~~الدنيا لمات { من كل مكان } والمكان : جوهر مهيأ للاستقرار , فهو كناية عن ~~أنه يحصل له من الشدائد ما يميت من قضى بموته { وما هو بميت } أي بثابت له ~~الموت أصلا . | لأنا قضينا بدوام حياته زيادة في عذابه , والموتك عرض يضاد ~~الإدراك في البنية الحيوانية { ومن ورائه } أي هذا الشخص , بعد ذلك في يوم ~~الجزاء الذي لا بد منه , وما خلقنا السماوات والأرض إلا من أجله { عذاب ~~غليظ * } يأخذه في ذلك اليوم - مع ما قدمته له في الدنيا - وهو غافل عنه ~~أخذ ما يكون من وراء , فيكون أشد كما هو الحال الآتي بغتة , أو يكون المعنى ~~أن من بعد هذا العذاب في جهنم عذابا آخر , لا تحتمل عقولكم وصفه بأكثر من ~~الغلظ . | فلما فرغ من محاوراتهم , وما تبعها مما بين فيه أنه لا يغنيهم من ~~بطشه شيء , PageV04P178 ضرب لهم في ذلك مثلا فقال : { مثل } وهو مستعار هنا ~~للصفة التي فيها غرابة { الذين كفروا } مستهينن { بربهم } مثل من قصد أمرا ~~ثم لم ينظر لنفسه في السلوك إليه بل اغتر بمن جار به عن الطريق , فأبعد كل ~~البعد حتى وصل إلى شعاب لا يمكن فيها المقام , ولا يتأتى منها الرجوع فهلك ~~ضياعا . | ولما كان الفرق بين الإنسان والعدم إنما هو بالعملن ذكر ما علم ~~منه أن المثل لأعمالهم على طريق الجواب لمن كأنه قال : ما مثلهم ؟ فقال : { ~~أعمالهم } أي المكارم التي كانوا يعلمونها في ms2537 الدنيا من الصلة والعتق وفداء ~~الأسرى والجود ونحو ذلك , في يوم الجزاء , ويجوز أن يكون مبتدأ ثانيا - كما ~~قال الحوفي وابن عطية . | وهو وخبره خبر المبتدأ الأول , ولا يحتاج إلى ~~رابط لأنه نفس المثل الذي معناه الصفة { كرماد } وهو ما سحقه الاحتراق سحق ~~الغبار { اشتدت به الريح } أي أسرعت بالحركة على عظم القوة ؛ والريح : جسم ~~رقيق مثبت في الجو من شأنه الهبوب , والرياح خمس : شمال وجنوب وصبا ودبور ~~ونكباء { في يوم عاصف } أي شديد الريح , فأطارته في كل صوب , فصاروا بحيث { ~~لا يقدرون } أي يوم الجزاء ؛ ولما كان الأمر هنا متمحصا للأعمال , قدم قوله ~~: { مما كسبوا } في الدنيا من أعمالهم في ذلك اليوم { على شيء } بل ذهب ~~هباء منثورا لبنائه على غير أساس , فثبت مقتضى ذلك أن الذين كفروا بربهم ~~واستحبوا الحياة الدنيا على الآخرة في ضلال بعيد , بل { ذلك } أي الأمر ~~الشديد الشناعة { هو } أي خاصة { الضلال البعيد * } الذي لا يقدر صاحبه على ~~تداركه . | < < # | إبراهيم : ( 19 - 21 ) ألم تر أن . . . . . # > > ^ ( ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت ~~بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز * وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين ~~استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا ~~لو هدانا الله لهديناكم سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص ) ^ } ) ~~| ولما ذكرالآخرة في أول السورة , ذكر ما هو ثابت لا نزاع فيه , ثم جر ~~الكلام إليه هنا على هذا الوجه الغريب , وأتبعه مثل أعمال الكفار في الآخرة ~~, أتبع ذلك الدليل عليه وعلى أنه لا يسوغ في الحكمة في أعمال الضلال إلا ~~الإبطال فقال : { ألم تر أن الله } أي الذي أحاط بكل شيء علما وقدرة { خلق ~~السماوات } على عظمها وارتفاعها { والأرض } على تباعد أقطارها واتساعها { ~~بالحق } بالأمر الثابت من وضع كل شيء منها في موضعه على ما تدعوا إليه ~~الحكمة لا بالخيالوالتمويه كالسحر , ومن المعلوم أنهما ظرف , ولايكون ~~المظروف الذي هو المقصود بالذات إلا مثل ظرفه أو ms2538 أعلى منه , PageV04P179 ~~فكيف يظن أنه يخلق شيئا فيهما سدى بأن يكون باطلا فلا يبطله , أو حقا فلا ~~يحقه , أم كيف يتوهم أنه - مع القدرة على إخراجهما من العدم وهما أكبر ~~خلقاوأعظم شأنا - لا يقدر على إعادة من فيهما وهم أضعف أمرا وأصغرقدرا , أو ~~خلقهما بسبب الحق وهو إعادة الناس إعادة يثبتون بها ويبقون بقاء لا فناء ~~بعده , فتسبب عن ذلك أنه عظيم القدرة , فهو بحيث { أن يشأ يذهبكم } أي بنوع ~~من أنواع الإذهاب : الموت أو غيره { ويأت بخلق جديد } غيركم أو يأت بكم بعد ~~أن فنيتم بحيث تعودون - كما أنتم - خلقا جديدا ؛ والجديد : المقطوع عنه ~~العمل في الابتداء , وأصله القطع , فالجد أب الأب , انقطع عن الولادة بالأب ~~, والجد ضد الهزل , يقطع به المسافة حسا أو معنى { وما ذلك } الإذهاب ~~والإتيان على عظمه { على الله } أي الملك الأعلى { بعزيز * } وهو الممتنع ~~بوجه من وجوه الامتناع لأنه ليس مثل خلق السماوات والأرض فضلا عن أن يكون ~~أعظم منه , فلا وجه لقولكم < # > 77 ( { هل ندلكم على رجل ينبئكم } ) 77 < # > [ سبأ : 7 ] , الآية لأن من قدر على جميع الممكنات لا اختصاص له بمقدور ~~دون مقدور , فثبت بهذا إبعادهم في الضلال الموجب لهلاك أعمالهم - التي هي ~~أسبابهم - الموجب لهلاكهم . | ولما ثبت بهذا البرهان قدرته على الإعادة بعد ~~الموت , عطف على قوله : < # > 77 ( { ا يقدرون مما كسبوا على شيء } ) 77 < # > [ إبراهيم : 18 ] قوله - بيانا لهو أن البعث عنده وسهولته عليه - : { ~~وبرزوا } أي في ذلك اليوم , عبر بصيغة المضي الذي وجد وتحقق , لأن أخبار ~~الملوك يجب تحقيقها وغناهم عن الكذب , فكيف بملك الملوك ! وفيه من هز النفس ~~وروعتها ما ليس في العبارة بالمضارع لمن تأمل المعنى حق التأمل { لله } أي ~~الملك الأعظم { جميعا } فكانوا بحيث لا يخفي منهم خافية على ما هومتعارفهم ~~, لأنه لا ساتر لهم , فإن البروز خروج لشيء عما كان ملتبسا به إلى حيث يقع ~~عليه الحس في نفسه , وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون من العذاب , ~~فتقطعت بهم الأسباب { فقال الضعفاؤا } أي ms2539 الأتباع من أهل الضلال بسبب علمهم ~~أنهم في القبضة لا ملجأ لهم , تبكيتا لرؤسائهم وتوبيخا , تصديقا لقوله ~~تعالى : < # > 77 ( { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين } ) 77 < # > [ الزخرف : 67 ] { للذين استكبروا } أي طلبوا الكبر وادعوه فاستتبعوهم ~~به حتى تكبروا على الرسل وأتباعهم ولم يكن لهم ذلك . | { إنا كنا } أي كونا ~~هوكالجبلة { لكم بتعا } أي تابعين أو ذوي تبع فكنتم سبب ضلالنا , وقد جرت ~~عادة الأكابر بالدفع عن أتباعهم المساعدين لهم على أباطيلهم { فهل أنتم ~~مغنون } أي دافعون { عنا من عذاب الله } أي الذي له العظمة كلها فلا يطاق ~~انتقامه , وأبلغوا بعد التبعيض ب ( من ) الأولى في التقليل , فقالوا : { من ~~شيء } كأن العذاب كان محتاجا إلى أخذهم PageV04P180 فأغنوه بشيء غيرهم حتى ~~يجاوزهم لو دفعوه عنهم , فكأنه قيل : إن ذلك لعادة الرؤساء , فماذا قالوا ؟ ~~فقيل : { قالوا } علما منهم بأنه لا طاقة لهم على نوع من أنواع التصرف : لا ~~نغني عنكم شيئا , بل كل مجزي بما فعل , علينا إثم ضلالنا في أنفسنا ~~وإضلالنا لكم , وعليكم ضلالكم وذبكم عنا وتقويتكم لجانبنا حتى استكبرنا ~~فاستغرقنا في الضلال , ولو أن الله هداكم حتى تبعتم الأدلة التي سمعتموها ~~كما سمعناها وتركتمونا , لكسر ذلك من شدتنا وأوهى من شوكتنا , فكان ربما ~~يكون سببا لهدايتنا كما أنه { لو هدانا الله } أي المستجمع لصفات الكمال { ~~لهديناكم } فكان يكون لنا جزاء اهتدائنا وهدايتنا لكم , ولكم جزاء اهتدائكم ~~وتقويتكم لنا على ذلك , ولكنه لم يهدنا فضللنا وكنتم لنا تبعا فأضللناكم . ~~| ولما كان الموجب لقولهم هذا الجزع , قالوا : { سواء علينا } أي نحن وأنتم ~~{ أجزعنا } والجزع : انزعاج النفس بورود ما يغم { أم صبرنا } لا فائدة لنا ~~في واحد منهما لأن الأمر أطم من ذلك فإنه { ما لنا من محيص } يصلح للمصدر ~~والزمان والمكان , أي محيد وزوال عن المكروه على كلا التقديرين , فلم يبق ~~في الجزاء إلا زيادة العذاب بسوء القالة وانتشارالسبة , وهذا الاستفهام ليس ~~على بابه , بل المراد به التنبيه علىأنه حالهم مما ينبغي السؤال عنه وترديد ~~الأمر فيه لينتهي عن مثله . | < < # | إبراهيم : ( 22 ms2540 - 23 ) وقال الشيطان لما . . . . . # > > ^ ( وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ~~ولوموا أنفسكم مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي إني كفرت بمآ أشركتمون من ~~قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم * وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام ) ^ } ) | ~~ولما كان الشيطان أعظم المستكبرين , خص بالإفراد بالجواب فقيل : { وقال } ~~أول المتبوعين في الضلال { الشيطان } الذي هو رأس المضلين المستكبرين ~~المقضي ببعده واحتراقه { لما قضي الأمر } بتعين قوم للجنة وقوم للنار , ~~جوابا لقول الأتباع مذعنا حيث لا ينفع الإذعان , ومؤمنا حيث فات نفع ~~الإيمان : { إن لله } أي الذي له صفات الكمال { وعدكم وعد الحق } بأن الرسل ~~إليكم رسلا وأنزل معهم براهين وكتبا أخبركم فيها بأنه ربكم الواحد القهار , ~~ودعاكم إليه بعد أن أخابتكم الشياطين , وبشر من أجاب , وحذر من أبى , بما ~~هو قادر أتم القدرة , فكل ما قاله طابقه الواقع - كما ترون - فصدقكم فيه ~~ووفى لكم { ووعدتكم } أنا بما زينت لكم به المعاصي من الوساوس وعد ~~PageV04P181 الباطل { فأخلفتكم } فلم أقل شيئا إلا كان زيغا , فاتبعوني مع ~~كوني عدوكم , وتركتم ربكم وهو ربكم ووليكم ؛ فالآية من الاحتباك : ذكر { ~~وعد الحق } أولا دليلا على حذف ضده ثانيا , و { أخلفتكم } ثانيا دليلا على ~~حذف ( صدقكم ) أولا . | ولما بين غروره , بين سهولة اغترارهم زيادة في ~~تنديمهم فقال : { وما كان } لي إليكم في ذلك من ذنب لأنه ما كان { لي عليكم ~~} وأبلغ في النفي فقال : { من سلطان } أي تسلط كبير أو صغير بشيء من ~~الأشياء { إلا أن } أي بأن { دعوتكم } بالوسوسة التي كانت سببا لتقوية ~~دواعيكم إلى الشر { فاستجبتم } أي أوجدتم الإجابة إيجاد من هو طالب لها , ~~راغب فيها { لي } محكمين الشهوات , معرضين عن مناهيج العقول ودعاء النصحاء ~~, ولو حكمتم عقولكم لتبتعم الهداة لما في سبيلهم من النور الداعي إليها وما ~~في سبل غيرهم من الظلام الساد لها , والمهالك الزاجرة ms2541 عنها دنيا وأخرى , ~~وساقه على صورة الاستثناء - وإن لم يكن دعاءه من السلطان في شيء - لأن ~~السلطان أخص من البرهان إذ معناه برهان يتسلط به على إبطال مذهب الخصم ~~إشارة إلى أنهم تبعوه ولا قدرة له على غير هذا الدعاء الذي لا سلطان فيه , ~~وتركوا دعاء من أنزل إليهم من كل سلطان مبين , مع تهديدهم بما هو قادر على ~~عليه وضربهم ببعضه , وفاعل مثل ذلك لا لوم له على غير نفسه { فلا } أي فاذ ~~قد تقرر هذا تسبب عنه أني أقول لكم : لا { تلوموني ولوموا أنفسكم } لأنكم ~~مؤاخذون بكسبكم , لأنه كانت لكم قدرة واختيار فاخترتم الشر على الخير , ~~وعلم منه قطعا أن كلا منا مشغول عن صاحبه بما جزي به , فعلم أني { ما أنا ~~بمصرخكم } أي بمغيثكم فيما يخصكم من العذاب , فآتيكم بما يزيل صراخكم منه { ~~وما أنتم بمصرخي } فيما يخصني منه لتقطع الأسباب , بما دهى من العذاب , ثم ~~علل ذلك بقوله : { إني كفرت } مستهينا { بما أشركتمون } أي باتخاذكم لي ~~شريكا مع الله . | ولما كان أشراكهم لم يستغرق الزمان , أتى بالجار فقال : ~~{ من قبل } لأن ذلك ظلم عظيم , ثم علل هذه العلة بقوله : { إن الظالمين } ~~أي العريقين في هذا الوصف { لهم عذاب أليم * } مكتوب لكم منهم مقداره , لا ~~يغني أحد منهم عن الآخر شيئا , بل كل مقصور على ما قدر له , وحكاية هذه ~~المحاورة لتنبيه السامعين على النظر في العواقب والاستعداد لذلك اليوم قبل ~~أن لا يكون إلا الندم وقرع السن وعض اليد . | ولما ذكر الظالمين . | أتبعه ~~ذكر المؤمنين , فقال بانيا للمفعول لأن الدخول هو المقصود بالذات : { وأدخل ~~} والإدخال : النقل إلى محيط - هذا أصله { الذين آمنوا } أي أوجدوا الإيمان ~~{ وعملوا الصالحات } أي تصديقا لدعواهم الإيمان { جنات تجري } PageV04P182 ~~وبين أن الماء غير عام لجميع أرضها بإدخال الجار فقال : { من تحتها الأنهار ~~} فهي لا تزال ريا , لا يسقط ورقها ولا ثمرها فداخلها لا يبغي بها بدلا { ~~خالدين فيها } . | ولما كانت الإقامة لا تطيب إلا بإذن المالك قال : { بإذن ~~ربهم } الذي أذن لهم ms2542 - بتربيته وأحسانه - في الخروج من الظلمات إلى النور , ~~وقرىء ( وأدخل ) على التكلم فيكون عدل عن أن يقول ( بإذني ) إلى { بإذن ~~ربهم } للإعلام بالصفة المقتضية للرحمة كما قال تعالى ^ ( { إنا أعطيناك ~~الكوثر فصل لربك } ) ^ [ الكوثر : 1 ] ولم يقل : لنا - سواء , ومن شكله ^ ( ~~{ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله } ) ^ [ الفتح : 1 ] فلا ينبغي ~~المسارعة إلى أنكار شي يمكن توجيهه , بل يتعين إمعان النظر , فإن الأمر كما ~~قال الإمام أبو الفتح بن جني في كتابه المحتسب في توجيه ^ ( { لما يهبط من ~~خشية الله } ) ^ [ البقرة : 74 ] أن كلام العرب لمن عرفه - ومن الذي يعرفه ~~؟ - ألطف من السحر , وأنقى ساحى من مشوف الفكر , وأشد تساقطا بعضا على بعض ~~, وأمس تساندا نفلا إلى فرض { تحيتهم } أي فيما بينهم وتحية الملائكة لهم ؛ ~~والتحية : التلقي بالكرامة ف المخاطبة , فهي إظهار شرف المخاطب { فيما سلام ~~* } أي عافية وسلامة وبقاء , وقول من كل منهم للآخر : أدام الله سلامتك , ~~ونحو هذا من الإخبار بدوام العافية , كما أن حال أهل الباطل في النار عطب ~~وآلام . | < < # | إبراهيم : ( 24 - 26 ) ألم تر كيف . . . . . # > > ^ ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت ~~وفرعها في السمآء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس ~~لعلهم يتذكرون * ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من ~~قرار ) ^ } ) | ولما تقرر بما مضى أن الحق ما قاله الله أو فعله أو أذن فيه ~~, وأن الباطل ما كان على غير أمره مما ينسب إلى الشيطان أو غيره من قول أو ~~فعل , وأنه لا يصلح في الحكمة أن ينفي الحق ولا أن يبقى الباطل ^ ( { إن ~~الله لا يصلح عمل المفسدين } ) ^ [ يونس : 81 ] , { ويحق الله الحق بكلماته ~~} , ^ ( { ليحق الحق ويبطل الباطل } ) ^ [ الأنفال : 8 ] , وقص سبحانه كلام ~~أوليائه الذي هو من كلامه , فهو أثبت الأشياء وأطيبها وأعظمها ثمرة , وكلام ~~أعدائه الذي هو من كلام الشيطان , فهو أبطل الأشياء وأخبثها , قرب سبحانه ~~ذلك بمثل يتعارفه المخاطبون فقال : { ألم تر } أي يا من لا ms2543 يفهم عنا هذا ~~المثل حق الفهم سواه ! { كيف ضرب الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { ~~مثلا } أي سيره بحيث يعم نفعه ؛ والمثل : قول سائر يشبه فيه حال الثاني ~~بالأول ؛ ثم بينه بقوله : { كلمة طيبة } أي جمعت أنواع الكرم فليس فيها شيء ~~من الخبث , وتلك الكلمة { كشجرة طيبة } . | PageV04P183 ولما كانت لا تسر ~~إلا بالثبات , قال : { أصلها ثابت } أي راسخ في الأرض آمن من الاجتثاث ~~بالرياح ونحوها { وفرعها } عال صاعد مهتز { في } جهة { السماء * } لحسن ~~منبتها وطيب عنصرها ؛ فالآية من الاحتباك : ذكر ( ثابت ) أولا دال على عال ~~صاعد ثانيا , وذكر ( السماء ) ثانيا دال على الأرض أولا . | ولما ذكر حالها ~~, ذكر ثمرتها فقال : { تؤتي أكلها } أي ثمرتها بحسن أرضها ودوام ريها { كل ~~حين } على أحسن ما يكون من الإيتاء , لأن علوها منعها من عفونات الأرض ~~وقاذورات الأبنية , فكانت نقية من شوائب الأدناس . | ولما كان الشيء لا ~~يكمل إلا بكمال مربيه قال : { بإذن ربها } فهي بحيث لا يستجيز عاقل أن ~~يتسبب في إفسادها , ومن سعى في ذلك منعه أهل العقول ولو وصلوا إلى بذل ~~النفوس ؛ روى البخاري في التفسير وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ( ~~كنا عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال ) أخبروني بشجرة ~~كالرجل المسلم لا يتحات ورقها [ . . . . ] , تؤتي أكلها كل حين , ( قال ابن ~~عمر رضي الله عنهما : فوقع في نفسي أنها النخلة , ورأيت أبا بكر وعمر لا ~~يتكلمانن فكرهت أن أتكلم , فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم : ) هي النخلة , ( فلما قمنا قلت لعمر : يا أبتاه ! ~~والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة , فقال : ما منعك أن تكلم ؟ قال : ~~لم أركم تكلمون فكرهت أن أتكلم , قال عمر : لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا ~~وكذا ) . | ثم نبه سبحانه على عظم هذا المثل ليقبل على تدبره ليعلم المراد ~~منه فيلزم , فقال : { ويضرب الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { الأمثال ~~للناس } أي الذين يحتاجون إلى ذلك لاضطراب آرائهم , لأن في ms2544 ضربها زيادة ~~إفهام وتصوير للمعاني , لأن المعاني الصرفة إذا ذكر مناسبها من المحسوسات ~~ارتسمت في الحس والخيال والوهم , وتصورت فتركت هذه القوى المنازعة فيها , ~~فيحصل الفهم التام والوصول إلى المطلوب { لعلهم يتذكرون * } أي ليكون حالهم ~~حال من يرجى له غاية التذكر - بما أشار إليه الإظهار , فهذا مثل كلام ~~الأولياءن فكلمتهم الطيبة كلمة التوحيد التي لا أطيب منها , وهي أصل كل ~~سعادة راسخة في قلوبهم , معرقة في كل عرق منهم أوجب إعراقها أن بسقت فروعها ~~التي هي الأعمال الدينية من أعمال القلوب والجوارح , فصارت كلما ~~PageV04P184 هزت اجتنى الهاز ثمراتها التي لا نهاية لها , عالما بأنها من ~~فتح مولاه لا صنع له فيها بوجه , بل له سبحانه المن عليه في جميع ذلك وكما ~~أن الشجر لا تتم إلا بعرق راسخ وأصل قائم وفروع عالية , فكذلك الإيمان لا ~~يتم إلا بمعرفة القلب وقول اللسان وعمل الأركان , ثم أتبعه مثل حال الأعداء ~~فقال : { ومثل كلمة خبيثة } أي عريقة في الخبث لا طيب فيها { كشجرة خبيثة } ~~. | ولما كان من أنفع الأمور إعدامها والراحة من وجودها على أي حالة كانت , ~~بنى للمفعول قوله : { اجتثت } أي استؤصلت بقلع جثتها من أصلها { من فوق ~~الأرض } برأي كل من له راي ؛ ثم علل ذلك لقوله : { ما لها } وأعرق في النفي ~~بقوله : { من قرار * } أي عند من له أدنى لب , لأنه لا نفع لها بل وجودها ~~ضار ولو بشغل الأرض , فكذلك الكلمة الخبيثة الباطلة لا بقاء لها أصلا وإن ~~علت وقتا , لأن حجتها داحضة فجنودها منهزمة . | < < # | إبراهيم : ( 27 - 29 ) يثبت الله الذين . . . . . # > > ^ ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي ~~الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشآء * ألم تر إلى الذين بدلوا ~~نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار * جهنم يصلونها وبئس القرار ) ^ } ~~) | فلما برز الكلام إلى هذين المثالين , حصل التعجب ممن يترك ممثول الأول ~~ويفعل ممثول الثاني , فوقع التنبيه علىأن ذلك بفعل القاهر , فقال تعالى - ~~جوابا لمن كأنه قال : إن الصريح الحق , ثم إنا نجد النفوس ms2545 مائلة إلى الضلال ~~, وطائشة في أرجاء المحال , فكيف لنا لامتثال ؟ { يثبت الله } أي الذي له ~~بالجلال والجمال { الذين آمنوا } أي أوجدوا هذه الحقيقة ولو على أقل ~~درجاتها { بالقول الثابت } أي الذي هو متابعة الدليل { في الحياة الدنيا } ~~بمثل ما تقدم م مجاولات أنبيائه { وفي الآخرة } ويهديهم عند كل سؤال إلى ~~أحسن الأقوال حيث تطيش العقول وتده الأفكار لشدة الأهوال { ويضل الله } أي ~~الذي له الأمر كله { الظالمين } أي العريقين في الظلم , ويزلزلهم لتقلبهم ~~في الظلمات التي من شأن صاحبها الضلال والخبط , فيفعلون ما لا يرضاه عاقل , ~~فالآية من الاحتباك : ذكر الثبات أولا دليلا على ضده ثانيا , والإضلال ~~ثانيا دليلا على الهدى أولا { ويفعل الله } أي الذي له الأمر كله , فلا ~~يسأل عما يفعل { ما يشاء } لأن الكل بحكمه وقضائه وهو القادر القاهر , فلا ~~يتعجب من شيء , وفي هذا إرشاد إلى الإقبال عليه وإلقاء أزمة الافتقار إليه ~~؛ روى البخاري في التفسير وغيره ومسلم في أواخر صفة الجنة والنار عن البراء ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى PageV04P185 آله وسلم قال : ~~( المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله , وأن محمدا رسول الله ~~) , فذلك قوله تعالى { يثبت الله } الآية . | ولما أخبر سبحانه أنه هو ~~الفاعل وحده , أتبعه الدليل عليه إضلال الذين بدلوا الكلمة الطيبة من ~~التوحيد بالإشراك وزلزلتهمواجتاث كلمتهم فقال : { ألم تر } وأشار إلى بعدهم ~~عن مقامه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله : { إلى الذين بدلوا } ~~والتبديل : جعل الشيء مكان غيره { نعمت الله } أي المستجمع لصفات الكمال ~~التي أسبغها عليهم من كلمة التوحيد , وما أورثهم من دين أبيهم إسماعيل عليه ~~السلام ومن جميع النعم الدنيوية من أمن البلد وتيسير الرزق وغير ذلك , بأن ~~جعلوا مكان شكرها { كفرا } وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان , وأعلاهم ~~همما في الوفاء , وأبعدهم عن الخناء { وأحلوا قومهم } بذلك { دار البوار * ~~} أي الهلاك , مع ادعائهم أنهم أذب الناس عن الجار فضلا عن الأهل , روى ~~البخاري في التفسير أنهم كفار أهل مكة ms2546 . | والبوار : الهلاك الزائد , ~~والإحلال : جعل الشيء في محل , فإن كان جوهرا فهو إحلال مجاورة . | وإن كان ~~عرضا فهو إحلال مداخلة . | ولما أفاد أنها مهلكة , بينها بما يفهم أنها ~~تلقاهم بالعبوسة كما كانوا يلقون أولياء الله من الرسل وغيرهم بذلك فقال : ~~{ جهنم } حال كونهم { يصلونها } أي يباشرون حرها مع انغماسهم فيها ~~بانعطافها عليهم ؛ ولما كان التقدير : فبئس الإحلال أحلوه أنفسهم وقومهم , ~~عطف عليه قوله : { وبئس القرار * } ذلك المحل الذي أحلوهم به . | < < # | إبراهيم : ( 30 - 31 ) وجعلوا لله أندادا . . . . . # > > ^ ( وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى ~~النار * قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال ) ^ } ) | ولما كان هذا ~~الفعل من لا عقل له , بينه بقوله : { وجعلوا الله } الذي لا يعلمون أنه لا ~~شريك له في خلقهم ولا في رزقهم لان له الكمال كله { أندادا } وقال : { ~~ليضلوا } أي بأنفسهم على قراءة ابن كثير وأبي عمرو , ويعموا غيرهم على ~~قراءة الباقين { عن سبيله } لأنهم إن كانوا عقلاء فإنهم يعلمون أن هذا لاوم ~~لفعلهم فهم قاصدون له , وإلا فلا عقول لهم , لأنه لا يقدم على ما لا يعلم ~~عاقبته إلا أبله , وهم يقولون : إنهم أبصر الناس PageV04P186 قلوبا , ~~وأصفاهم عقولا . | وأنفذهم أفكارا , وأمتنهم آراء , فمن ألزم منهم بطريق ~~النجاة ومن أحذر منهم لطرق الهلاك ؟ مع ما أوقعوا أنفسهم فيه من هذا الداء ~~العضال . | ولما تقرر أنهم علىالضد من جميع ما يدعونه فكانوا بذلك أهلا ~~للإعراض عنهم , وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمعرض أن يقول : فماذا ~~افعل بهم وقد امرتني بإخراجهم إلى صراطك ؟ أمره أن يدق أعناقهم بإخبارهم أن ~~ما أضلهم من النعم إنما هو استدراج , فقال : { قل } أي تهديدا لهم فإنهم لا ~~يشكون في قولك وإن عاندوا : { تمتعوا } وبالغوا في فعل البهائم مهما قدرتم ~~, فإن ذلك ضائركم غير نافعكم { فإن مصيركم } أي صيرورتكم { إلىالنار * } ~~بسبب تمتعكم على هذا الوجه . | ولما ذكر كفرهم وضلالهم عن السبيل وما أمره ~~صلى ms2547 الله عليه وعلى آله وسلم بأن يقول لهم , وكان ذلك محركا لنفس السامع ~~إلى الوقوف على ما يقال لمن خلع الأنداد وكان أوثق عرى السبيل بعد الإيمان ~~وأعمها الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر , والنفقة الشاملة لوجوه البر , ~~أمرة تعالى أن يندب أولياءه إلى الإقبال إلى ما أعرض عنه أعداؤه , والإعراض ~~عما أقبلوا بالتمتع عليه من ذلك , فقال { قل لعبادي } فوصفهم بأشرف أوصافهم ~~, وأضافهم إلى ضميره الشريف تحبيبا لهم فيه , ثم أتبع هذا الوصف ما يناسبه ~~من إذعانهم لسيدهم فقال : { الذين آمنوا } أي أجدوا هذا الوصف . | ولما كان ~~قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحسن قول , فهو جال لصدأ القلوب , وموجب ~~لتهذيب النفوس , قال جازما : { يقيموا الصلاة } التي هي زكاة القوة وصلة ~~العبد بربه { وينفقوا } وخفف عنهم بقوله : { مما رزقناهم } أي بعظمتنا , ~~فهو لنا دونهم , من أنواع النفقات المقيمة لشرائعه من الصدقات وغيرها , ~~إتقانا لما بينهم وبينه من الأسباب لينقذوا أنفسهم من النار , واقتصر على ~~هاتين الخلتين لأنه لم يكن فرض في مكة غيرهما مع ما تقدم من فضلهما ~~وعمومهما , ولعله سيق سياق الشرط تنبيها لهم على أن مجرد قوله صلى الله ~~عليه وسلم وعلى آله وسلم أقوى الأسباب فيجب عليهم ألا يتخلفوا عنه أصلا ؛ ~~ثم أشار إلى المداومة على هاتين الخصلتين بقوله : { سرأ وعلانية } ويجوز أن ~~يراد بالسر النافلة , وبالعلانية الفرض ؛ ثم رهب من تهاون في خدمته من ~~اليوم الذي كان الإعراض عنه سبب الضلال , فقال مشيرا بالجار إلى قصر مدة ~~أعمالهم : { من قبل أن يأتي يوم } أي عظيم جدا ليس هو كشيء من الأيام التي ~~تعرفونها { إلا بيع فيه } لأسير بفداء { ولا خلال * } أي مخالات وموادات ~~يكون عنها شفاعة أو نصر , جمع خلة كقلة وقلال , أو هو مصدر , وذلك إشارة ~~إلى أنه لا يكون شيء منهما سببا لخلاص هالك . | PageV04P187 < < # | إبراهيم : ( 32 - 34 ) الله الذي خلق . . . . . # > > ^ ( الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السمآء مآء فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر ms2548 لكم الأنهار * ~~وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين وسخر لكم الليل والنهار * وآتاكم من كل ما ~~سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ) ^ } ) | ~~ولما نفى جميع الأسباب النافعة في الدنيا في ذلك اليوم , كان كأنه قيل : ~~فمن الحكم فيه حتى أنه يسير سيرة لا نعرفها ؟ فقيل : { الله } أي الملك ~~الأعلى المحيط بكل شيء ؛ ثم أتبعه بصفات تدل على ما دعا إليه الرسل من ~~وحدانيته وما أخبروا به من قدرته على كل شيء فلا يقدر أحد على مغالبته , ~~وعلى المعاد وعلى غناه فلا يبايع , فقال : { الذي خلق السماوات والأرض } ~~وهما أكبر خلقا منكم وأعظم شأنا , ثم عقبه بأدل الأمور على الإعادة مع ما ~~فيه من عظيم المنة بأن به الحياة , فقال : { وأنزل من السماء ماء } ولما ~~كان ذلك سبب النمو قال : { فأخرج به } أي بالماء الذي جعل منه كل شيء حي { ~~من الثمرات } أي الشجرية وغيرهما { رزقا لكم } بعد يبس الأرض وجفاف نباتها ~~, وليس ذلك بدون إحياء الموتى ؛ ثم أتبعه ما ادخره في الأرض من مياه البحار ~~والأنهار , وذكر أعم ما يظهر من البحار فقال : { وسخر لكم الفلك } وعلل ذلك ~~بقوله : { لتجري في البحر } ولما كان ذلك أمرا باهرا للعقل , بين عظمته ~~بقوله : { بأمره } ولما كانت الأنهار من النعم الكبار بعد نعمة البحار , ~~قال : { وسخر لكم الأنهار * } ثم أتبعه ما جعله سببا لكمال التصرف وإنضاج ~~الثمار المسقية بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض فقال : { وسخر ~~لكم الشمس والقمر } حال كونهما { دائبين } أي في سيرهما وإنارتهما وما ينشأ ~~عنهما من الإصلاح بالطبخ والإنضاج في المعادن والنبات والحيوان ؛ قال ~~الرماني : والدؤوب : مرور الشيء في العمل على عادة جارية فيه ؛ ثم ذكر ~~تعالى ما ينشأ عن وجود الشمس وعدمها فقال : { وسخر لكم اليل } أي الذي ~~القمر آيته { والنهار * } أي الذي الشمس آيته , يوجد كل منهما بعد تصرمه , ~~ولو كان أحدهما سرمدا لاختل الحال بعدم النبات والحيوان كما هو كذل حيث لا ~~تغرب الشمس في الجنوب وحيث لا تطلع في الشمال ms2549 ؛ ثم عم بعد أن خص فقال : { ~~وآتاكم } . | ولما كان الكمال لا يكون إلا في الجنة قال : { من كل ما ~~سألتموه } أي ما أنتم محتاجون إليه فأنتم سائلوه بالقوة ؛ ثم حقق وجه العظم ~~بفرض ما يوجب العجز فقال : { وإن تعدوا } أيها الناس كلكم { نعمت الله } أي ~~تروموا عد إلغاء الملك الأعلى الذي له الكمال المطلق أو تأخذوا في عده , ~~وعبر عنه بالنعمة إرشادا إلى الاستدلال بالأثر على المؤثر { لا تحصوها } أي ~~لا تحيطوا بها ولا تعرفوا عد الحصى المقابلة لها إن PageV04P188 عددتموها ~~بها كما كانت عادة العرب , أو لاتجدوا من الحصى ما يوفي بعددها , هذا في ~~النعمة الواحدة فكيف بما زاد ! فهذا شرح قوله أول السورة { الله الذي له ما ~~في السماوات وما في الأرض } وقد ظهر به أنه لا يوجد شيء إلا هو ملك الله ~~فضلا عن أن يوجد شيء يداينه فضلا عن شيء يماثله , فثبت أنه لا بيع ولا خلال ~~يوم دينونة العباد , وتقريب العجز عن العد للإفهام أن السلامة من كل داء ~~ذكره الأطباء في كتبهم - على كثرتها وطولها - نعمة على العبد , وذلك متعسر ~~الحصر , وكل ما ذكروه صريحا في جنب إليه , هذا في الجسم , وأما في العقل ~~فالسلامة من كل عقد زائغ , ودين باطل وضلال مائل , وذلك لا يحصيه إلا خالق ~~الفكر وفاطر الفطر سبحانه , ما أعزه وأعظم شأنه ! . | ولما كان أكثر هذه ~~السورة في بيان الكفرة وما لهم , وبيان أن أكثر الخلق هالك معرض عما يأتيه ~~من نعمة الهداية على أيدي الرسل الدعاة إلى من له جميع النعم للحياة الطيبة ~~بسعادة الدارين , ختم الآية ببيان ما اقتضى ذلك من صفات الإنسان فقال : { ~~إن الإنسان } أي هذا النوع لما له من الأنس بنفسه , والنسيان لما ينفعه ~~ويضره , والاضطراب بسبب ما يغمه ويسره { لظلوم كفار } أي بليغ الظلم والكفر ~~حيث يهمل الشكر , ويتعداه إلى الكفر , وختم مثل ذلك في سورة النحل ب { غفور ~~رحيم } لأن تلك سورة النعم , بدئت بالنهي عن استعجال العذاب , لأن الرحمة ~~أسبق , ومن الرحمة ms2550 إمهال الناس وإمتاعهم بالمنافع , فالتقدير إذن هناك : { ~~وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار } ولكن ربه لا يعاجله ~~بالعقوبة لأنه غفور رحيم , وأما هذه السورة فبدئت بأن الناس في الظلمات . | ~~< < # | إبراهيم : ( 35 - 37 ) وإذ قال إبراهيم . . . . . # > > ^ ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد ~~الأصنام * رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك ~~غفور رحيم * ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ~~ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم ~~يشكرون ) ^ } ) | ولما انقضى المأمور به من القول لكافر النعمة وشاكرها ~~وسبب ذلك والدليل عليه , وبان أنه خالق الموجودات كلها وربها , فلا يصح ~~أصلا أن يكون شيء منها شريكا . | أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ~~يذكروهم بأيام الله عند أبيهم إبراهيم عليه PageV04P189 السلام للدلالة على ~~تبديلهم النعمة ظلما منهم وكفرا , في أسلوب دال على البعث , مشير إلى وجوب ~~براءتهم من الأصنام حيث كان محط حالهم فيها تقليد الآباء وهو أعظم آبائهم , ~~وإلى ما سنه لهم من إقامتهم الصلاة وشكرهم لنعمه بالانفاق وغيره , فقال ~~ناعيا عليهم - مع المخالفة لصريح العقل وقاطع النقل عقوق أبيهم الأعظم , ~~عطفا على { قل لعبادي الذين آمنوا } أو على { وإذ قال موسى لقومه } : { ~~وإذا } أي واذكر لهم مذكرا بأيام الله خبر إبراهيم إذ { قال إبراهيم رب } ~~أي أيها المحسن إلي بإجابة دعائي في جعل القفر الذي وضعت به ولدي بلدا ~~عظيما . | ولم كان السياق لإخراج الرسل من محالهم , وكان ذلك مفهما لأن ~~المحل الذي يقع الإخراج منه بلد يسكن فيه , واتبعه سبحانه بأن المعترضين ~~نعمة الله - بما أسكن فيه من الأمن بعد جعله له بلدا - بما أحدثوا فيه من ~~الإخافة لخير أهله , ومن الإنذار لمن أنعم عليهم بكل ما فيه من الخير , كان ~~الأنسب تعريفه فقال : { اجعل هذا البلد } أي الذي يريدون إخراج الرسول منه ~~{ آمنا } أي ذا أمن بأمان أهله , وكأن هذا الدعاء ms2551 صدر منه بعد أن سكن الناس ~~مكة وصارت مدينة , والذي في البقرة كان حيث وضع ابنه مع أمه وهي خالية عن ~~ساكنن فدعا أن يجعلها الله بلدا , وأن يجعلها بعد ذلك موصوفة بالأمن , وهو ~~سكون النفس إلى زوال الضر . | ولما دعا بالأمن من فساد الأموال والأبدان , ~~أتبعه بالدعاء بالأمن من فساد الأديان , فقال : { واجنبني } أي اصرفني { ~~وبني } أي لصلبي , وأسقط البنات إشارة إلى الاستقلال , وإنما هن تابعات ~~دائما { أن نعبد } أي عبادة مستمرة تكون موجبة للنار { الأصنام * } أي ~~اجعلنا في جانب غير جانب عبادتها , والصنم : المنحوت على خلقة البشر , وما ~~كان منحوتا على غير خلقة البشر فهو وثن - قاله الطبري عن مجاهد ؛ تم بين ~~زيادة الاهتمام بأمر الأصنام بإعادة النداء , وأسقط الأداة - زيادة في ~~التملق بكونه من أهل القرب والانقطاع إليه سبحانه معللا لما قبله - في قوله ~~: { رب } بإفراد المضاف إليه ليكون الكلام الواحد على نظام واحد { إنهن ~~أضللن } إسنادا مجازي علاقته السببية { كثيرا من الناس فمن } أي فتسبب عن ~~بغضي لهن أن أقول : من { تبعني } من جميع الناس في تجنبها { فإنه مني } أي ~~من حزبي لكونه على طريقتي وديني , فأتني ما وعدتني فيه من الفوز { ومن ~~عصاني } فضل بها فقد استحق النار , فإن عذبته فهو عبادك , وإن PageV04P190 ~~غفرت له فأنت لذلك , لأن أن تفعل ما تشاء { فإنك غفور } أي بليغ الستر { ~~رحيم * } أي بليغ الإكرام بعد ستر الذنوب ؛ وأكد للإعلام بزيادة رغبته في ~~العفو لأنه لا ينقص به شيء من عزته سبحانه ولا حكمته - كما أشار إليه دعاء ~~عيسى عليه السلام في المائدة . | ولما دعا بدرء المفاسد الناشئة من من نوعي ~~الإنسان والشيطان بأمن البلد وإيمانه ذكر السبب الحامل له على تخصيصه بذلك ~~مستجلبا للمصالح , فقال : { ربنا } أي يا رب ورب من قضيت أنه يتبعني ~~بتربيتك لنا أحسن تربية { إني أسكنت } وكأن الله سبحانه كان قد أخبره أنه ~~يكثر نسله حتى يمونوا كالنجوم , وذلك بعد البشارو بإسحاق عليه السلام فقال ~~: { من ذريتي } وساقه مؤكدا تنبيها على أنه - لكونه على ms2552 وجه لا يسمح به أحد ~~- لا يكاد يصدق , وللإعلام بأنه راغب فيه { بواد } هو مكة المشرفة لكونها ~~في فضاء منخفض بين جبال تجري به السيول { غير ذي زرع } . | ولما نفي الرفد ~~الدنيوي , أثبت له الأخروي , إشارة إلى أن الدارين ضرتان لا تجتمعان , وكأن ~~هذا الدعاء كان بعد بنائه البيت - كما تقدمت الإشارة إليه أيضا بتعريف ~~البلد , فقال : { عند بيتك المحرم } أي الذي حرمت التعرض إليه ومنعته ~~بالهيبة فلم يملكه أحد سواك , وجعل له حريم يأمن فيه الوحش والطير ؛ ~~والكسنى : اتخاذ مأوى يسكن إليه متى شاء , والوادي : سفح الجبل العظيم , ~~ومنه قيل للأنهار : أودية , لأن حافاتها كالجبال لها , والزرع : نبات ينفرش ~~من غير ساق ؛ ثم بين غرضه من أسكانهم هناك فقال : { ربنا } أي أيها المحسن ~~إلينا { ليقيموا الصلاة } ما أسكنتهم في هذا الوادي الموصوف إلا لهذا الغرض ~~المنافي لعبادة غيرك , ولأن أولى الناس بإقامتها حاضرو البيت المتوجه بها ~~إليه . | ولما كان اشتغالهم بالعبادة وكونهم في ذلك الوادي أمرين بعيدين عن ~~أسباب المعاش , تسبب عنه قوله : { فاجعل أفئدة } أي قلوبا محترقة بالأشواق ~~{ من الناس } أي من أفئدة الذين هم أهل للاضطراب , بكون احتراقها بالشوق ~~مانعا من اضطرابها { تهوي } أي تقصدهم فتسرع نحوهم برغبة وشوق إسراع من ~~ينزل من حالق ؛ وزاد المعنى وضوحا وأكده بحرف الغاية الدال على بعد لأن ~~الشيء كلما بعد مدى مرماه اشتد وقعه فقال : { إليهم } ولما دعا لهم بالدين ~~, دعا لهم بالرزق المتضمن للدعاء لجيرانهم فقال : { وارزقهم } أي على يد من ~~يهوي إليهم { من الثمرات } أي التي أنبتها في بلادهم ؛ وبين العلة الصالحة ~~بقوله : { لعلهم يشكرون * } أي ليكون حالهم حال من يرجى شكرهم لما يرون من ~~نعمك الخارقة للعوائد في ذلك الموضع البعيد عن الفضل PageV04P191 لولا ~~عنايتك فيشتغلوا بعبادتك لإعنائك لهم وإحسانك إليهم , وقد أجاب الله دعوته ~~؛ فالآية لتذكير قريش بهذه النعم الجليلة عليهم ببركة أبيهم الأعظم الذي ~~نهى عن عبادة الأوثان . | < < # | إبراهيم : ( 38 - 40 ) ربنا إنك تعلم . . . . . # > > ^ ( ربنآ إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله ms2553 من شيء في ~~الأرض ولا في السمآء * الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ~~ربي لسميع الدعآء * رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعآء ) ^ } ~~) | ولما فرغ من الدعاء بالأهم من الإبقاء على الفطرة الأولى المشوقة ~~للعزائم إلى العكوف في دارة الأنس , ومن الكفاية لهم المعاش , المنتج للشكر ~~بإنفاق الفضل , وتبين من ذلك أنهم خالفوا أعظم آبائهم في جميع ما قصده لهم ~~من المصالح , أتبعه ما يحث على الإخلاص في ذلك وغيره له ولغيره ليكون أنجح ~~للمراد بضمان الإسعاد ولا سيما مع تكرير النداء الدال على مزيد التضرع فقال ~~: { ربنا } أي أيها المحسن إلينا المالك لجميع أمورنا { إنك تعلم ما } أي ~~جميع ما { نخفي وما نعلن } ثم أشار إلى عموم علمه فقال : { وما يخفى على ~~الله } أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما . | وبالغ في النفي فقال : { من ~~شيء } من ذلك ولا غيره { في الأرض } ولما كان في سياق المبالغة , أعاد ~~النافي تأكيدا فقال : { ولا في السماء * } أي فهو غير محتاج إلى التعريف ~~بالدعاء , فالدعاء إنما هو لإظهار العبودية , واسم الجنس شامل لما فوق ~~الواحد , ومن فوائد أحدهما عن الآخر , كان محيطا بغيرهما كذلك من غير فرق . ~~| ولما تم ما دعا به من النزاهة عن رجاسة الشرك وتبين بتقديمه أن أهم ~~المهمات البراءة منه , أتبعه الحمد على ما رزق من النعم وما تبع ذلك من ~~الإشارة إلى وجوب الشكرفقال : { الحمد لله } أي المستجمع لصفات الكمال { ~~الذي وهب } والهبة : هبة تمليك من غير عقد , منا منه { لي } حال كوني ~~مستعليا { على الكبر } ومتمكنا منه على يأس من الولد { إسماعيل } الذي ~~أسكنته هنا { وإسحاق } وهذا يدل على ما تقدم فهمي له من أن هذا الدعاء كان ~~بعد بناء البيت وطمأنينته بإسحاق عليه السلام , عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أن سنه كان عند ولادة إسماعيل عليه السلام تسعا وتسعين سنة , وعند ولادة ~~إسحاق عليه السلام كان مائة سنة واثنتي عشرة سنة . | ولما كان إتيان الولد ~~له في سن ms2554 لا يولد فيه لمثله , وجميع ما دعا به من الخوارق فوجوده لا يكاد ~~يصدق , أشار إلى ذلك بتأكيد قوله : { إن ربي } أي المحسن إلي PageV04P192 { ~~لسميع الدعاء * } أي من شأنه إجابة على الوجه الأبلغ تعريضا بالأنداد ~~وإشارة إلى ما تضمنه تأسفه على العقم , فقد تقدم في سورة البقرة عن التوراة ~~أنه لما خلص ابن أخيه لوطا من الأسر قال له الله : يا إبراهيم ! أنا أكانفك ~~وأساعدك لأن ثوابك قد جزل , فقال إبرم : اللهم ربي ! فقال له الرب : لا ~~يرثك هذا , بل ابنك الذي يخرج من صلبك فهو يرثك , وقال له : انظر إلى ~~السماء وأحص النجوم إن كنت تقدر أن تحصيها , فكذلك تكون ذريتك , فآمن إبرم ~~بالله . | ولما تم الحمد على النعمة بعد الدعاء بالتخلي من منافي السعادة ~~وختمه بالحمد على إجابة الدعاء , انتهز الفرصةفي إتباعه الدعاء بالتحلي ~~بحلية العبادة التي أخبر أنها قصده بإسكانه من ذريته قم إقامتها , إشارة ~~إلى صعوبتها على النفس إلا بمعونة الله فقال : { رب } أي أيها الموجد لي ~~المالك لأمري { اجعلني مقيم الصلاة } أي هذا النوع الدال على غاية الخضوع , ~~دائم الإقامة لها , وكأن الله تعالى أعلمه بأنه يكون من ذريته من يكفر فقال ~~أدبا : { ومن ذريتي } . | ولما كانت أعظم الأركان بعد الإيمان , أفراد ~~الضمير للدعاء بها متملقا لله تعالى بما عليه من النعم التي لم ينعمها على ~~أحد كان في ذلك الزمان غيره , كما أشار إلى ذلك باسم الربن ثم زاد في ~~التضرع بقوله : { ربنا } أي أيها المحسن إلينا , وجمع الضمير المضاف إليه ~~بالنظر إلى من تبعه من ذريته لأن ما بعده كلام آخر , أي رب ورب من وفقته ~~بتربيتك وإحسانك لإقامة لاصلاة من ذريتي { وتقبل دعاء * } كله بذلك وغيره , ~~بأن تجعله مقبولا جعل من كأنه راغب فيه مفتن به . | < < # | إبراهيم : ( 41 - 46 ) ربنا اغفر لي . . . . . # > > ^ ( ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب * ولا تحسبن ~~الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار * مهطعين ~~مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هوآء ms2555 * وأنذر الناس يوم يأتيهم ~~العذاب فيقول الذين ظلموا ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل ~~أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال * وسكنتم في مسكن الذين ظلموا ~~أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال * وقد مكروا مكرهم وعند ~~الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال ) ^ } ) | ولما كان الإنسان ولو ~~اجتهد كل الاجتهاد - محل العجز الموجب للتقصير المفتقر للستر , قال مشيرا ~~إلى ذلك : { ربنا } أي أيها المالك لأمورنا المدبر لنا { اغفر لي } ثم ~~PageV04P193 أشرك معه أقرب الناس إليه وأحقهم بشكره فقال : { ولوالدي } وقد ~~كان اسغفاره لهما قبل أن يعلم أن أباه مات كافرا , وقد علم من السياق أنه ~~إذا كان وحده أضاف إلى ضميره , وإذا تقدم ما يحسن جمعه معه جمع إن كان ما ~~بعده مستقلا , ثم كل من تبعه في الدين من ذريته وغيرهم فقال : { وللمؤمنين ~~} أي العريقين في الوصف { يوم يقوم } أي يظهر ويتحقق على أعلى وجوهه { ~~الحساب * } . | ولما ختمم دعاءه بيوم الحساب الموجب ذكره لكل سعادة ونسيانه ~~لكل شقاوة , ذكر بعض ما يتفق فيه رجوعا إلى ما مضى من أحوال يوم القيامة ~~على أحسن وجه , فقال - عاطفا على قوله { قل لعبادي } وجل المقصد تهديد أهل ~~الظلم بالإشراك وغيره , وخاطب الرأس الذي لا يمكن ذلك منه ليكون أوقع في ~~قلب غيره - : { ولا تحسبن الله } أي الملك الأعظم الذي هو أحكم الحاكمين . ~~| ولما كان اعتقاد ترك الحساب يلزم منه نسبة الحاكم إلى العجز أو السفه أو ~~الغفلة , وكان قد أثبت قدرته وحكمته في هذه السورة وغيرها نزهة عن الغفلة ~~لينتبه المنكرون للبعث من غفلتهم فقال : { غافلا } والغفلة : ذهاب المعنى ~~عن النفس { عما يعمل الظالمون * } الذين بدلوا نعمة الله كفرا , فكانوا ~~عريقين في الظلم وإن كان مستند ظلمهم شبها علمية يقيمونها , فكأنه قيل : ~~فما الذي يفعل بهم ؟ فقال : { إنما يؤخرهم } أي يؤخر حسابهم على النقير ~~والقطمير سواء عذبوا في الدنيا أو لا { ليوم تشخص } أي تفتح فتكون بحيث لا ~~تطرف { فيه } منهم { الأبصار * } أي ms2556 حال كونهم { مهطعين } أي مسرعين غاية ~~الإسراع إلى حيث دعوا خوفا وجزعا , مع الإقبال بالبصر نحو الداعي لا ~~يلفتونه إلى غيره { مقنعي رؤوسهم } أي رافعيها وناصبيها ناظرين في ذل وخشوع ~~إلى جهة واحدة , وهي جهة الداعي , لا يلتفتون يمينا ولا شمالا , وهذا كناية ~~عن أشد الذل والصغار , ثم أتبعه ما يؤكده فقال مصرحا بمعنى الشخوص : { لا ~~يرتد إليهم } ولما كانوا في هيئة الأعين في الطرف والسكون قريبا من السواء ~~, وحد فقال : { طرفهم } بل أعينهم شاخصة دائمة الفتح لا تطرف كالمختصر لما ~~بأصحابها من الهول { وأفئدتهم } جمع فؤاد , وهو العضو الذي من شأنه أن يحمى ~~بالغضب ؛ قال في القاموس : والتفؤد : التحرق والتوقد , ومنه الفؤاد للقلب ~~مذكر , جمعه أفئدة . | { هواء * } أي عدم فارغة لا شيء فيها من الجرأة ~~والأنفة التي يظهرونها الآن كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه : | ألا ~~أبلغ أبا سفيان عني فأنت مجوف نخب هواء | والهواء : الخلاء الذي لم تشغله ~~الأجرام , والنخب : الجبان , وكذا الهواء - قاله في القاموس . | فأنذرهم ~~أهوال ذلك اليوم فإنه لا يبقى معهم فيه شيء مما هم فيه من PageV04P194 ~~الإباء والاستكبار { وأنذر } أي يا محمد { الناس } جميعا , ما يحل بهم { ~~يوم يأتيهم العذاب } وينكشف عنهم الغطاء بالموت أو البعث . | ولما كانوا ~~عند إتيان العذاب قبل الموت لا ينكسرون بالكلية , بين أنهم إذ ذاك على غير ~~هذا , فقال عاطفا على ( يأتيهم ) : { فيقول الذين ظلموا } أي أوجدوا هذا ~~الوصف ولو على أدنى الوجوه منهم ومن غيرهم بسبب إتيانه من غير تمهلن وقد ~~زال عنهم ما يفتخرون به من الأنفة والحمية والشماخة والكبر لما رأوا من ~~الأهوال التي لا قبل لهم بها ولا صبر عليها : { ربنا } أي أيها المحسن ~~إلينا بالخلق والرزق والتربية { أخرنا } أي أمهلنا { إلى أجل قريب } فإنك ~~إن تؤخرنا إليه { نجب دعوتك } أي استدراكا لما فرطنا فيه ؛ والإجابة : ~~القطع على موافقة الداعي بالإرادة { ونتبع } أي بغاية الرغبة { الرسل } ~~فيقال لهم : إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر , أولم تكونوا تقولون : إن عرى ~~صبركم لا تنحل ms2557 , وحد عزائمكم لا يفل ؟ { أولم تكونوا } أي كونا أنتم فيه في ~~غاية المكنة { اقسمتم } أي جهلا وسفها أو أشرا وبطرا . | ولما لم يكن وقت ~~إقسامهم مستغرقا للزمان قال : { من قبل } وبين الجواب المقسم عليه بقوله - ~~حاكيا معنى قولهم لا لفظه - ليكون صريحا في المراد من غير احتمال لتعنت لو ~~قيل : ما لنا ؟ : { ما لكم } وأكد النفي فقال : { من زوال } عما أنتم عليه ~~من الكفران وعدم الإذعان للإيمان , أو من هذه الدار إلى الدار الآخرة , أو ~~من منازلكم التي أنتم بها , كناية عن ثبات الأمر وعدم المبالاة بالمخالف ~~كائنا من كان { و } الحال أنكم { سكنتم } أي في الدنيا { في مساكن الذين ~~ظلموا } أي بوضع الأشياء في غير مواضعها كما فعلتم أنتم { أنفسهم } فأحلوا ~~قومهم مثلكم دار البور { وتبين } أي غاية البيان { لكم } بالخبر والمشاهدة ~~. | ولما كان حال أحدهم في غاية العجب , بنه بالاستفهام على أنه أهل لأن ~~يسأل عنه فقال : { كيف فعلنا } أي على ما لنا من العظمة { لكم الأمثال * } ~~المبينة أن سنة الله جرت - ولن تجد لسنة الله تبديلا - أن الظالمين كما ~~جمعهم اسم الظلم يجمعهم ميسم الهلاك , فجمعنا لكم بين طريقي الاعتبار : ~~السمع والبصر , ثم لم تنتفعوا بشيء منهما { و } الحال أنه بان لكم أنهم حين ~~فعلنا بهم ما فعلنا { قد مكروا مكرهم } أي الشديد العظيم الذي استفرغوا فيه ~~جهدهم بحيث لم يبق لهم مكر غيره في تأييد الكفر وإبطال الحق ؛ والمكر : ~~الفتل إلى الضرر على وجه الحيلة { و } الحال أنه { عند الله } أي المحيط ~~علما وقدرة { مكرهم } هو وحده به عالم من جميع وجوهه وإن دق , وعلى ~~PageV04P195 إبطاله قادر وإن جل { وإن كان مكرهم } من القوة والضخامة { ~~لتزول } أي لأجل أن تزول { منه الجبال * } والتقدير على قراءة فتح اللام ~~الأولى ورفع الثانية : وإن كان بحيث إنه تزول منه الجبال , والمعنيان ~~متقاربان , وقيل : ( إن ) نافية , واللام لتأكيد النفي ؛ والجبال : الآيات ~~والشرائع , بل هي أثبت . | < < # | إبراهيم : ( 47 - 52 ) فلا تحسبن الله . . . . . # > > ^ ( فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ms2558 ذو انتقام * يوم ~~تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار * وترى المجرمين ~~يومئذ مقرنين في الأصفاد * سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار * ليجزي ~~الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب * هذا بلاغ للناس ولينذروا به ~~وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب ) ^ } ) | ولما تقرر ذلك ~~من علمه سبحانه وقدرته , تسبب عنه أن يقال وهو كما تقدم في أن المراد الأمة ~~لبلوغ الأمر كل مبلغ , خوطب به الرأس ليكون أوقع في قلوبهم : { فلا تحسبن ~~الله } أي الذي له الكمال كله , فإن من ظن ذلك كان ناقص العقل { مخلف وعده ~~رسله } في أنه يعز أوليائه ويذل أعداءه ويهلكهم بظلمهم , ويسكن أولياءه ~~الأرض من بعدهم ؛ ثم علل ذلك بقوله - مؤكدا لأن كثرة المخالفين وقوتهم على ~~تمادي الأيام تعرض السامع للإنكار : { إن الله } أي ذا الجلال والإكرام { ~~عزيز } أي يقدرولا يقدر عليه { ذو انتقام * } ممن يخالف أمره . | ولما ~~تقررت عظمة ذلك اليوم الذي تشخص فيه الأبصار , وكان أعظم يوم يظهر فيه ~~الأنتقام , بينه بقوله : { يوم تبدل } أي تبديلا غريبا عظيما { الأرض } أي ~~هذا الجنس { غير الأرض } أي التي تعرفونها { والسماوات } بعد انتشار ~~كواكبها وانفطارها وغير ذلك من شؤونها ؛ والتبديل : تغيير الشيء أو صفته ~~إلى بدل { وبرزوا } أي الظالمون الذين كانوا يقولون : إنهم لا يعرضون على ~~الله للحساب ؛ والبروز : ظهور الشخص مما كان ملتبسا به { لله } أي الذي له ~~صفات الكمال { الواحد } الذي لا شريك له { القهار * } الذي لا يدافعه شيء ~~عن مراده , فصاروا بذلك البروز بحيث لا يشكون أنه لا يخفى منهم خافية , ~~وأما المؤمنون فلم يزالوا يعلمون ذلك : روى مسلم والترمذي عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت : سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن قوله ~~تعالى : { يوم تبدل الأرض } الآية قلت : يارسول الله فأين يكون للناس يومئذ ~~؟ قال : على الصراط . | ولما ذكر بروزهم له ذكر حالهم في ذلك البروز فقال : ~~{ وترى المجرمين } أي PageV04P196 وتراهم , ولكنه أظهر لتعدد صفاتهم التي ~~أوجبت لهم الخزي ؛ والإجرام : قطع ما ms2559 يجوز من العمل بفعل ما لا يجوز { ~~يومئذ } أي إذ كانت هذه الأمور العظام { مقرنين } أي مجموعا كل منهم إلى ~~نظيره , أو مجموعة أيديهم إلى أعناقهم جمعا فيه شدة وضيق { في الأصفاد * } ~~أي القيود , والمراد هنا الأغلال , أي السلاسل التي تجمع الأيدي فيها إلى ~~الأعناق ويقربون فيها مع أشكالهم ؛ ثم بين لباسهم بقوله : { سرابيلهم } أي ~~قمصهم السابغة { من قطران } وهو ما يهنأ به الإبل , ومن شأنه أنه سرع فيه ~~اشتعال النار , وهو أسود اللون منتن الريح . | ولما كان هذا اللباس مع نتنه ~~وفظاعته شديد الانفعال بالنار , بين أنه يسلطها عليهم فقال : { وتغشى } ~~ولما كان الوجه أشرف ما في الحيوان , فإهانته إهانة عظيمة لصاحبه , ذكره ~~وقدمه تعجيلا لإفهام الإهانة فقال : { وجوههم النار } أي تعلوها باشتعالها ~~, فعلم أنه يلزم من غشيانها لها اضطرابها فيما ضمخ بالقطران من باب الأولى ~~؛ ثم بين علة هذه الأفعال في ذلك اليوم , فقال معبرا بالجزاء والكسب الذي ~~هو محط التكليف وظن النفع , لاقتضاء سياق القهر لهما : ب { ليجزي الله } أي ~~الذي له الكمال كله { كل نفس } طائعة أوعاصية . | ولما عظم الأمر بإسناد ~~الجزاء إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال , اقتضى ذلك أن يكون نفس ~~الكسب هو الجزاء , لأن ذلك أبدع وأدق في الصنع وأبرع بأن يصور بما يحق من ~~الصور المليحة عند إرادة الثواب , والقبيحة عند إرادة العقاب , فلذلك أسقط ~~الباء - التي ستذكر في ( حم المؤمن ) وقال : { ما كسبت } والجزاء : مقابلة ~~العمل بما يقتضيه من خير أو شر ؛ والكسبك فعل ما يستجلب به نفع أو يستدفع ~~به ضر , ومن جزاء المؤمن عقوبة من عاداه في الله . | ولما كان حساب كل نفس ~~جديرا بأن يستعظم , قال : { إن الله } أي الذي له الإحاطة المطلقة { سريع ~~الحساب * } أي لا يشغله حساب نفس عن حساب أخرى ولا شأن عن شأن . | ولما ~~اشتملت هذه السورة على ما قرع سمعك من هذه المواعظ والأمثال والحكم التي ~~أبكمت البلغاء , وأخرست الفصحاء , وبهرت العقول , ترجمها سبحانه بما يصلح ~~عنوانا لجميع القرآن فقال : { هذا } أي ms2560 الكتاب الذي يخرج الناس من الظلمات ~~إلى النور { بلاغ } أي كاف غاية الكفاية في الإيصال { للناس } ليصلوا به ~~إلى الله بما يتحلون به من المزايا في سلوك صراطه القويم , فإن مادة ( بلغ ~~) بأي ترتيب كان - تدور بما يتحلون به من وتارة تلزمها القوة وتارة الإعياء ~~الناشئ عن الضعف : بلغ المكان بلوغا : وصل إليه ؛ وبلغ الرجل - كعني : جهد ~~, والبليغ : الفصيح يبلغ PageV04P197 بعبارته كنه ضميره , والبلاغ - كسحاب ~~: الكفاية , لأنها توصل إلى القصد , وبالغ مبالغة - إذا اجتهد ولم يقتصر , ~~وتبلغت به العلة : اشتدت . | والغلباء : الحديقة المتكاثفة , ومن القبائل : ~~العزيزة الممتنعة , والأغلب : الأسد . | ولغب : أعيا - لاجتهاده في البلوغ ~~, واللغب : ما بين الثنايا من اللحم , واللغب - ككتف : الكلام الفاسد - ~~يرجع إلى الإعياء , وكذا الضعيف الأحمق , والسهم الذي لم يحسن بريه كاللغاب ~~- بالضم , والتغلب : طول الطرد . | والبغل من أشد الحيوان وأبلغها للقصد , ~~وبغل تبغيلا : بلد وأعيا , والإبل : مشت بين الهملجة والعنق . | ولما كان ~~متعلق البلاغ الذي قدرته بالوصول يتضمن البشارة , عطف عليه النذارة بانيا ~~للمفعول , لأن النافع مطلق النذارة , وكل أحد متأهل لأن يكون واعظا به ~~مقبولا , لأن من سمعه فكأنما سمعه من الله لتميزه بإعجازه عن كل كلام , ~~فقال : { ولينذروا } أي من أي منذر كان فيقوم عليهم الحجة { به } فيحذروا ~~عقاب الله فيتخلوا عن الدنايا . | ولما أشار إلى جميع الفروع فعلا وتركا , ~~مع إشارته إلى أن أدلة الوحدانية الوصول , صرح به على حدته لجلالته في قوله ~~: { وليعلموا أنما هو } أي الإله { إله واحد } فيكون همهم واحدا . | ولما ~~تمت الإشارة إلى الدين أصلا وفرعا , نبه على المواعظ والأمثال بتذكر ما له ~~من الآيات والمصنوعات , والبطش بمن خالفه من الأمم , وأشار إلى أن أدلة ~~الوحدانية والحشر لا تحتاج إلى كبير تذكر , لأنها في غاية الوضوح ولا سيما ~~بعد تنبيه الرسل , فأدغم تاء التفعل , فقال : { وليذكر } أي منهم { أولوا ~~الألباب * } أي الصافية , والعقول الوافيةن فيفتحوا عيون بصائرهم فيعلموا ~~أنه لا وصول لهم مع الغفلة فيلزموا المراقبة فلا يزالوا في رياض المقاربة . ~~| ويعلموا - بما ركز في طبائعهم وجرى من ms2561 عوائدهم - أن أقل حكامهم لا يرضى ~~بأن يدع رعيته يتهارجون لا ينصف بينهم ولا يجزى أحدا منهم بما كسب , فيكون ~~ذلك منه انسلاخا من رتبة الحكم التي هي خاصتهن فكيف يدعون ذلك في أحكم ~~الحاكمين , فقد تكلفت هذه الآية على وجازتها بجميع علم الشريعة أصولا ~~وفروعا , وعلم الحقيقة نهايات وشروعا , على سبيل الإجمال وقد انطبق آخر ~~السورة على أولها , لأن هذا عين الخروج من الظلمات إلى النور بهذا الكتاب ~~الحامل على كل صواب - والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب وحسن المآب . | . ~~. . . | PageV04P198 < # > سورة الحجر < # > | مقصودها وصف الكتاب بأنه في الذروة من الجمع للمعاني الواضحة للحق من ~~غير اختلاف أصلا ، وأشكل ما فيها وأمثلة في هذا المعنى قصة أصحاب الحجر ، ~~فإن وضوح آيتهم عندهم وعند كل من شاهدها أو سمع بها كوضوح ما دل عليه مقصود ~~هذه السورة في أمر الكتاب عند جميع العرب لا سيما قريش ، وأيضا آيتهم في ~~غاية الإيضاح للحق والجمع لمعانيه الدائرة على التوحيد المقتضي للاجتماع ~~على الداعي ، ومن يتضح ويتأيد ما اخترته من الإعراب لقوله تعالى { كما ~~أنزلنا على المقتسمين } ، ومن هنا تعليقي له ب { كانوا عنا معرضين } ~~المقتضي لشدة الملابسة بين شأنهم في كفرهم وشأن قريش في مثل ذلك - كما ~~ستراه ، على أن لفظ الحجر يدل على مادل عليه مقصود السورة من الجمع ~~والاستدارة التي روحها الإحاطة المميزة للمحاط به من غيره بلا لبس أصلا - ~~والله أعلم . < < # | الحجر : ( 1 - 7 ) الر تلك آيات . . . . . # > > ^ ( الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين * ربما يود الذين كفروا لو كانوا ~~مسلمين * ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون * ومآ أهلكنا من ~~قرية إلا ولها كتاب معلوم * ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون * وقالوا ~~يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون * لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من ~~الصادقين ) ^ } ) | { بسم الله } الواحد الأحد الجامع لما شتت من بدد { ~~الرحمن } الذي جمع خلقه في رحمة البيان { الرحيم * } الذي خص الأبرار بما ~~أباحهم الرضوان . | لما ختم التي قبلها بعنوان الكتاب , ابتدأ هذه بشرح ذلك ms2562 ~~العنوان , وأوله وصفه بأنه جامع والخير كله في الجمع والشر كله في الفرقة , ~~فقال تعالى : { الر تلك } أي هذه الآيات العالية المقام , التفسية المرام { ~~آيات الكتاب } أي الكامل غاية الكمال الذي لا PageV04P199 كتاب على الحقيقة ~~غيره , الجامع لجمع ما يقوم به الوجود من الخيرات , القاطع في قضائه من غير ~~شك ولا تردد , الغالب بأحكامه القاهرة في وعده ووعيده وأحكامه في إعجازه ~~لجميع من يعانده . | ولما كان الغالب في هذه السورة القطع الذي هو من لوازم ~~الكتاب قدمه , وذلك أنه قطع بأمر الأجل والملائكة , وحفظ الكتاب والرمي ~~بالشهب , وكفاية المستهزئين , فكان كما قال سبحانه { و } آيات { قرآن } أي ~~قرآن جامع ناشر مفصل واصل , إذ التنوين للتعظيم { مبين * } لجميع ما يجمع ~~الهمم على الله فيوصل إلى السعادة , وهذه الإبانة - التي لم تدع لبسا - هو ~~منتصف بها , مع كونه جامعا للأصول ناشرا للفروع لا خلل فيه يدخل منه عليه , ~~ولا فصم يؤتى منه إليه , فأعجب لأمر حاو لجميع وفرق وفصل ووصل : والإبانة : ~~إظهار المعنى للنفس بما يميزه عن غيره , لأن أصل الإبانة الفصل : فهذا شرح ~~كونه بلاغا , فمقصود هذه السورة اعتقاد كون القرآن بلاغا جامعا للأمور ~~الموصلة إلى الله , مغنيا عن جميع الأسبابن فلا ينبغي الالتفات إلى شيء ~~سواه { ذرهم يأكلوا } , { لا تمدن عينيك } { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ~~وكان الجمع بين الوصفين الدال كل منهما على الجمع إشارة إلى الرد عليهم في ~~جعلهم القرآن عضين , وأن قولهم شديد المباعدة لمعناه . | مع أن المفهومين - ~~مع تصادقهما على شيء واحد - متغايران , فالكتاب : ما يدون في الطروس , ~~والقرآن : ما يقرأ باللسان , فكأن الأول إشارة إلى حفظه في الطروس بالكتابة ~~, والثاني إلى حفظه في الصدور بالدراسة , سيأتي قوله { وإنا له لحافظون } ~~مؤيدأ لذلك , وكل من مادتي كتب وقرأ بجميع التقاليب تدور على الجمع . | أما ~~( كتب ) - وتنقلب إلى كبت وتبك وبكت وبتك - فقال في المجمل : كتبت الكتاب ~~أكتبه وهو من الجمع , والكتاب أيضا : الدواة - تسمية للشيء باسم ما هو آلته ~~, والمكتب 0 كمعظم : العنقود أكل بعض مافيه ms2563 - تشبيها له بالمكتوب , ~~والكتيبة : الجيش والجماعة المستحيزة من الخيل إذا أغارت من المائة إلى ~~الألف - انتهى . | وكتبت البغلة - إذا جمعت بين شفري رحمها بحلقة ؛ وقال ~~القزاز : وأصله - أي الكتاب - ضمك الشيء إلى الشيء , فكأنه سمي بذلك لضم ~~الحروف بعضها إلى بعض , كتبت المزادة - إذا خرزتها , يعني : فضممت بعضها ~~إلى بعض . | والكتبة - بالضم : السير يخرز به , وما يكتب به حياء الناقة ~~لئلا ينزي عليها , والإكتابك شد رأس القربة , والكتيبة : جماعة تكتبوا , أي ~~تجمعوا , وتكتب الرجل - بتقديم الموحدة - إذا تقبض , ومنه الكتاب - بضم ~~الكاف وتخفيف التاء الفوقانية لسهم صغير يتعلم به الصبيان الرمي - كذا قال ~~القزاز إنه PageV04P200 مخفف , وفي القاموس : وزنه كرمان - وزاد أنه مدور ~~الرأس , وكتبت الناقة تكتيبا : صررتها , واكتتب بطنه : أمسك , والمكتوتب : ~~الممتلىء والمنتفخ ؛ ويلزم الجمع القطع والغلبة التي هي من لوازم القدرة , ~~فمن القطع : الكتاب بمعنى الفرض والحكم والقدر ؛ والبتك : القطع ولذلك قيل ~~للسيف : باتك , أي قاطع , ومن الغلبة والقدرة : الكتاب بمعنى القدر , قال ~~ابن الاعرابي : والكاتب عندهم العالم , وقال القزاز : والكاتب : الحافظ , ~~وهذان يرجعان أيضا إلى نفس الجمع - لجمع الحافظ المحفوظ والعالم المعلوم ؛ ~~وكبت الله العدو - بتقديم الموحدة : صرفه ذليلا , وهو من تكبت الرجل - إذا ~~تقبض , وعبارة القزاز : كبت أعداءه : ردهم بغيظهم , أي فانقمعوا وانجمعوا ~~عما كانوا انتشروا له , وكبت الرجل - إذا صرعه على وجهه , وبكته تبكيتا - ~~إذا أنبه أو ضربه بعصى أو سيف ونحوهما , لما يلزمه من تصاغر نفسه وتقبضها . ~~| وأما قرأ , مهموزا - وينقلب إلى رقأ , وأرق , وأقر , وغير مهموز يائيا ~~وتراكيبه خمسة : قري , وقير , ورقي , وريق , وواويا وتراكيبه ستة : قرو , ~~وقور , ورقو , وروق , ووقر , وورق - فهو للجمع أيضا , ويلزمه الإمساك , ~~وربما كان عنه الانتشار , فمن الجمع : قرأت القرآن , أي تلوته فجعلت بعض ~~حروفه وكلماته وآياته تاليا لبعض متصلا به مجموعا معه , ويلزم القراءة ~~النسك , ومنه القارئ والمتقرئ والقراء - كرمان . | أي الناسك , ويلزم عنه ~~الفقه , ولذا قيل : تقرأ - إذا تفقه , وهو من الجمعى نفسه أيضا لأن الناسك ~~جمع النسك إلى القراءة وانجمع همه , والفقيه جمع الفقه إليها ms2564 ؛ قال فيد ~~المجمل : والقرآن من القرء وهو الجمع , أي وزنا ومعنى , وفي القاموس : وقرأ ~~عليه السلام : أبلغه كأقرأه , ولا يقال : أقرأه , إلا إذا كان السلام ~~مكتوبا ؛ وقال الزبيدي في مختصر العين : وقرأت المرأة قرءا , إذا رأت دما , ~~وأقرأت - إذا حاضت فهي مقرىء - انتهى . | فكأنه عبر بذلك عند رؤية الدم ~~لأنه لا يعرف أن المرأة جمعته إلا برؤيته , وهو من الانتشار الذي قد يلزم ~~الجمع , أو يكون فعل هنا للإزالة , فمعناه : أزالت إمساك الدم كما أن هذا ~~معنى أقرأت فإن فعل - لخفته وكثرة دروه - يتصرف في معاني جميع الأبواب , ~~وقال في المجمل : وأقرأت المرأة : خرجت من طهر إلى حيض أو حيض إلى طهر , ~~قلت : فالأول يكون فيه أفعل للإزالة , والثاني للدخول في الشيء كما تقول : ~~اتهم الرجل وأنجد - إذا دخل في تهامة أو نجد , قال : والقرء : وقت يكون ~~للطهر مرة وللحيض مرة , قلت : فالأول للجمع نفسه , والثاني لأنه دليل الجمع ~~, قال : والجمع قروء , ويقال : { القروء } هو الطهر , وذلك أن المرأة ~~الطاهرة كان الدم اجتمع وامتسك في بدنها فهو من : قريت الماء , وقرى الآكل ~~الطعام في شدقه , وقد يختلف اللفظان PageV04P201 فيهمز أحدهما ولا يهمز ~~الآخر , والمعنى واحد إذا كان الأصل واحدان , وقوم يذهبون إلى أن القرء : ~~الحيض , وفي القاموس : والقرء - ويضم : الحيض والطهر ضد - وقد تقدم تخريج ~~ذلك , والوقت - لأنه جامع لما فيه , والقافية - لأنها جامعة لشمل الأبيات , ~~جمعه أقرؤ وقروء , وجمع الحيض أقراء , وكأن العلة في ذلك أنه لما كان جمع ~~الكثرة هو الأصل في الجمع , لأن المراد بالجمع نفسه لكثرة , فكلما كان أكثر ~~كان به أجدر , لما كان الأصل كذلك , وكان القرء بمعنى الطهر هو الأصل في ~~مدلول الجمع , كان أحق بجمع الكثرة الذي هو أعرق في الجمع , ولما كان القرء ~~بمعنى الحيض فرعا , كان له جمع القلة الذي هو أعرق في الجمع ؛ وأقرأت : ~~حاضت وطهرت , وأقرأت : حاضت وطهرت , وأقرأت الرياح : هبت لوقتها - لأن ~~هبوبها دال على اجتماعها كظهور دم الحيض , وقرأ الشيء : جمعه وضمه , ~~والحامل : ولدت - لأن ظهور الولد ms2565 هو المحقق لجمعها إياه في بطنها , وأقرأ : ~~رجع ودنا وأخر واستأخر وغاب وانصرف وتنسك كتقرأ , بعضه للإيجاب وبعضه للسلب ~~, والمقرأة - كمعظمة : التي ينتظر بها انقضاء أقرائها , وقد قرئت : حبست ~~لذلك , وأقراء الشعر : أنواعه وانحاؤه - لأنها جامعة للأجزاء , والقرءة - ~~بالكسر : الوباء - لجمعه الهم , واستقرأ الجمل الناقة : تاركها لينظر ألقحت ~~أم لا - من التتبع والسبر , وهو بمعنى جمع الأدلة , وقرأت الناقة - إذا ~~حملت , فهي قارىء , أي جمعت في بطنها ولدا , وأقرأت - إذا استقر الماء في ~~رحمها ؛ ومن الإمساك : رقأ الدم والدمع رقوءا - إذا انقطعا , قال أبو زيد : ~~والرقوء - أي بالفتح : ما يوضع على الدم فيسكن , ورقأ بينهم : أصلح وأفسد , ~~وفي الدرجة : صعد , وهي المرقاة وتكسر , ورقأ العرق : ارتفع - منه ما هو ~~بمعنى الجمع ومنه ما هو بمعنى الانتشار والعلو الذي ربما لزماه , ومن ~~الإمساك : الأرق , وهو السهر لأنه يمسك النوم , والإرقان : دود يكون في ~~الزرع - فكأنه يوجب الهم الذي يكون عنه الأرق , ويمكن أن يكون من الانتشار ~~الذي ربما يلزم الجمع , ويمكن أن يكون من الجمع نفسه , لأنه يجمع الهم - ~~والله أعلم ؛ وفي القاموس : والإرقان بالكسر : شجر أحمر , والحناء , ~~والزعفران , ودم الأخوين - كأنه سبب للعكوف عليه بالاسترواح إليه , أو أنه ~~يجمع بصبغه لونا إلى لون , والإرقان أيضا : آفة تصيب الزرع والناس كالأرقان ~~محركة وبكسرتين وبفتح الهمزة وضم الراء , والأرق والأرقان - بفتحهما , ~~والأراق - كغراب , واليرقان - محركة , وهذه أشهر داء يتغير منه لون البدن ~~فاحشا إلى صفرة أو سواد - كأن ذلك لما كان سبب الأرق كان هو الأرق البليغ , ~~وزرع مأروق وميروق : مؤوف , والأقر - بضمتين : واد واسع مملوء حمضا ومياها ~~, وهو واضح في معنى الجمع , قد مضى من هذه لمادة جملة في آخر سورة يوسف ~~عليه السلام عند قوله PageV04P202 تعالى < # > 77 ( { إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى } ) 77 < # > [ يوسف : 109 ] وتأتي بقيتها إن شاء الله تعالى في سورة سبحان عند قوله ~~< # > 77 ( { وفي آذانهم وقرا } ) 77 < # > [ الكهف : 57 ] . | ولما وصف سبحانه هذا القرآن بما وصفه من العظمة ~~والإبانة لجميع المقاصد التي منها سؤال ms2566 الكفرة عند رؤية العذاب التأخير ~~للطاعة في قوله تعالى { وانذر الناس يوم يأتيهم العذاب } كان كأنه قيل : ما ~~له لم يبين للكفرة سوء عاقبتهم بيانا يردهم ؟ فقال سبحانه باسطا لقوله { ~~ولينذروا به } { ربما يود } أشار تعالى بكونه مضارعا إلى أن ودهم لذلك يكون ~~كثيرا جدا متكررا , وإيلاءه لربما - وإنما يليها في الأغلب الماضي - معلم ~~بأنه مقطوع به كما يقطع بالماضي الذي تحقق ووقع { الذين كفروا } أي لو وقتا ~~ما والود : التمني وهو تقدير المعنى في النفس للاستمتاع , وإظهار ميل ~~الطباع له إليه , وفيه اشتراك بين التمني والحب - قال الرماني , وهو هنا ~~للتمني فإنه بين مودودهم بقوله : { لو كانوا } أي كونا جبليا { مسلمين * } ~~أي عريقين في وصف الإسلام من أول أمرهم إلى آخره ؛ قال الرماني : والإسلام ~~: إعطاء الشيء على حال سلامة كإسلام الثوب إلى من يقصره , وإسلام الصبي إلى ~~من يعلمه , فالإسلام الذي هو الإيمان - إعطاء معنى الحق في الدين بالإقرار ~~والعمل به - انتهى . | وقد كان ما أخبر الله به فقد ندم كل من أسلم من ~~الصحابة على تأخير إسلامه لما علموا فضل الإسلام ورأوا فضائل السابقين - ~~كما هو مذكور في السير وفتوح البلدان وسيكون ما شاء من ذلك في القيامة وما ~~قبلها , فالمعنى أنكم إن كذبتم في القطع - في نحو قوله < # > 77 ( { فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا } ) 77 < # > [ إبراهيم : 44 ] , الآية - بأنكم ترجعون عن هذا الشمم وتتبرؤون من هذه ~~السجايا والهمم فتسألون الله تعالى في الطاعة , وقد فات الفوت بحلول حادث ~~الموت إلى غيرهن فلا أقل من أن يكون عندكم شك في الأمور التي يجوز كونها , ~~ولا ينبغي حينئذ للعاقل ترك الاهتمام بالاستعداد على تقدير هذا الاحتمال , ~~هذا - أعني التقليل - مدلول ( رب ) , وقال بعضهم : إنها قد ترد للتكثير , ~~وقال الجمال ابن هشام في كتاب المغني : إنه أغلب أحوالها , واستدل بشواهد ~~لا تدل عند التأمل . | ولا يصح قول من نسب إلى الكشاف ذلك , فإن كلامه ~~مأخوذ من الزجاج , وعبارة الزجاج - كما نقلها الإمام جنال الدين محمد بن ~~المكرم في كتابه لسان ms2567 العرب ومن خطة نقلت : من قال : إن رب يعني بها ~~التكثير فهو ضد ما تعرفه العرب , فإن قال قائل : فلم جازت في قوله { ربما ~~يود الذين كفروا } و { رب } للتقليل ؟ فالجواب أن العرب خوطبت بما تعلمه في ~~التهدد , والرجل يتهدد الرجل فيقول : لعلك ستندم على فعلك ؟ وهو لا يشك أنه ~~يندم , ويقول : ربما ندم الإنسان على ما صنعت , وهو يعلم أن الإنسان يندم ~~كثيرا , ولكن مجازه أن هذا لو كان PageV04P203 مما يود في حال واحدة من ~~أحوال العذاب , أو كان الإنسان يخاف أن يندم على الشيء لوجب عليه اجتنابه , ~~والدليل عل أنه معنى التهدد قوله تعالى { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } انتهى . | ~~فقد علم من هذا أنهم يطلقونها بمعنى القلة فيما يعلمون أنه كثير إرخاء ~~للعنان وتنبيها على وجوب الأخذ بالأحوط , وذلك واقع في التهديد , وفرق كبير ~~بين ما يعلم أنه كثير من أمر خارج عن العبارة المخبر بها عنه وبين ما تعرف ~~كثرته من تلك العبارة , وزيدت ما فيها تأكيدا من حيث إنها تفهم أن الأمرلا ~~يكون إلا كذلك , ولتهيئتها لمجيء الفعل بعدها ؛ قال الإمام أبوم حيان : ~~والظاهر أن ما في رب , مهيئة , وذلك أنها من حيث هي حرف جر - على خلاف فيه ~~- لا يليها إلا الأسماء , فجيء بها مهيئة لمجيء الفعل بعدها , وعلى كثرة ~~مجيء رب في كلام العرب لم تجىء في القرآن إلا في هذا الموضع - انتهى . | ~~ودخلت ههنا على المضارع - وهي للماضي - لأنه لصدق الوعد كأنه عيان قد كان , ~~أو لأن ( ما ) إذا لحقتها سوغت دخولها على المستقبل كما تدخل على المعرفة - ~~قال الرماني . | ولما طرق لهم سبحانه الاحتمال , كان كأنه قيل : هل جوزوه ~~فأخذوا في الاستعداد له ؟ فقيل : بل استمروا على عنادهم , فقال - مستأنفا ~~ملتفتا إلى ما أشار إليه في أول سورة إبراهيم في قوله < # > 77 ( { الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة } ) 77 < # > [ إبراهيم : 3 ] من المانع لهم عن الإذعان - : { ذرهم } يا أعز الخلق ~~عندنا ! كالبهائم { يأكلوا ويتمتعوا } والتمتع : التلذذ , وهو طلب اللذة ~~حالا بعد حال كالتقرب ms2568 في أنه طلب القرب حالا بعد حال { ويلههم } أي يشغلهم ~~عن أخذ حظهم من السعادة { الأمل } أي رجاءهم طول العمر وبلوغ ما يقدره ~~الوهم من الملاذ من غير سبب مهيئ لذلك ولما كان هذا امرا لا يشتغل به إلا ~~الأحمقن سبب عنه التهديد بقوله : { فسوف يعلمون * } أي ما يحل بهم بعد ما ~~فسحنا لهم من زمن التمتع . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : ~~لما تقدم من وعيد الكفار ما تضمنه الآي المختتم بها سورة إبراهيم من لدن ~~قوله سبحانه < # > 77 ( { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } ) 77 < # > [ إبراهيم : 42 ] إلى خاتمتها , أعقب ذلك بقوله : { ربما يود الذين ~~كفروا لو كانوا مسلمين } أي عند مشاهدة تلك الأحوال الجلائل , ثم قال تعالى ~~تأكيدا لذلك الوعيد { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون } ثم ~~أعقب تعالى : هذا ببيان ما جعله سنة في عباده من ارتباط الثواب والعقاب ~~معجلة ومؤجلة بأوقات وأحيان , لا انفكاك لها عنها ولا تقدم زوا تأخر , إذ ~~استعجال البطش في الغالب إنما يكون ممن يخاف الفوت , والعالم بجملتهم لله ~~تعالى وفي قبضته لا يفوته أحد منهم ولا يعجزه , PageV04P204 وقال تعالى : { ~~وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } وكان هذا يزيد أيضاحا قوله عز ~~وجل : < # > 77 ( { إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار } ) 77 < # > [ إبراهيم : 42 ] وقوله : [ وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب } وقوله : < # > 77 ( { يوم تبدل الأرض غير الأرض } ) 77 < # > [ إبراهيم : 48 ] الآية ؛ وتأمل نزول قوله : { ربما يود الذين كفروا لو ~~كانوا مسلمين } على هذا وعظيم موقعه في اتصاله به ووضوح ذلك كله , وأما ~~افتتاح السورة بقوله : { الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين } فإحالة على ~~أمرين واضحين : أحدهما ما نبه به سبحانه من الدلائل والآيات كما يفسر , ~~والثاني ما بينه القرآن المجيد وأوضحه وانطوى عليه من الدلائل والغيوب ~~والوعد والوعيد وتصديق بعض ذلك بعضا , فكيف لا يكون المتوعد به في قوة ~~الواقع المشاهد , لشدة البيان في صحة الوقوع فالعجب من التوقف والتكذيب ! ~~ثم أعقب هذا بقوله { ربما يود ms2569 الذين كفروا لو كانوا مسلمين } انتهى . | ~~ولما هددوا بآية التمتع وإلهاء الأمل , وكان من المعلوم جدا من أحوالهم ~~الاستعجال بالعذاب تكذيبا واستهزاء , كان الكلام في قوة أن يقال : فقالوا : ~~يا أيها الذي نزل عليه الذكر ! عجل لنا ما تتوعدنا به , وكان هذا غائظا ~~موجعا حاملا عل تمني سرعة الإيقاع بهم , فقيل في الجواب : إن لهم أجلا ~~بكتاب معلوم لا بد من بلوغهم له , لأن المتوعد لا يخاف الفوت فهو يمهل ولا ~~يهمل , لأنه لا يبدل القول لديهن فليستعدوا فإن الأمر غيب , فما من لحظة ~~إلا وهي صالحة لأن يتوقع فيه العذاب , فإنا لا نهلكهم إلا إذا بلغوا كتابهم ~~المعلوم { وما } جعلنا هذا خاصا بهم , بل هو عادتنا , ما { أهلكنا } أي على ~~ما لنا من العظمة للإهلاك واستعجالهم واستهزائهم به , وكان تقديره سبحانه ~~وكتبه من علام الغيب , اقتضى الحال التأكيد بما يدل على أنه محتوم مفروغ ~~منه سابق تقديره على زمن الإهلاك , فأتى بالواو لأن الحال بدون الواو ~~كالجزء من سابقها كالخبر والنعت الذي لا يتم المعنى بدونه , والتي بالواو ~~هي زيادة في الخبر السابق , ولذلك احتيج إلى الربط بالواو كما يربط بها في ~~العطف , فقال : { إلا ولها } أي والحال أنه لها في الإهلاك أو لإهلاكها { ~~كتاب معلوم * } أي أجل مضروب مكتوب في اللوح المحفوظ , أو يكون التقدير : ~~فسوف يعلمون إذا جاءهم العذاب في الأجل الذي كتبناه لهم : هل يودون الإسلام ~~أم لا ؟ ثم بين الآية السابقة بقوله : { ما تسبق } وأكد الاستغراق بقوله : ~~{ من أمة } وبين أن المراد بالكتاب الأجل بقوله : { أجلها } أي الذي قدرناه ~~لها { وما يستأخرون * } أي عنه شيئا من الأشياء , ولم يقل : تستأخر - حملا ~~على اللفظ كالماضي , لئلا يصرفوه إلى خطابه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~تعنتا . | PageV04P205 ثم لما أجابهم بهذا الجواب الدال على تمام القدرة ~~وكمال العلم الدالين على الوحدانية , عطف على ما تقدم أنه في قوة الملفوظ ~~قوله دالا على تركهم الجواب إلى التعنت والسفه : { وقالوا } أي لم يجوزوا ~~أنهم يودون ذلك , بل استمروا على ms2570 العناد وقالوا : { يأيها الذي } ولما كان ~~تكذيبهم بالتنزيل نفسه , بني للمفعول قوله : { نزل عليه } أي بزعمه { الذكر ~~} وبينوا أنهم ما سموه تنزيلا إلا تهكما , فقالوا مؤكدين لمعرفتهم بأم ~~قولهم منكر : { إنك لمجنون } أي بسبب ادعائك أن الله أنزل عليك ذكرا والذي ~~تراه جني يلقى إليك تخليطا , فكان هذا دليلا علة عنادهم , فإنهم أقاموا ~~الشتم مقام الجواب عما مضى صنعه المغلوب المقطوع في المناظرة , تم أتبعوه ~~ما زعموا أنه دليل على قولهم فقالوا : { لو ما } أي هلا ولم لا { تأتينا ~~بالملائكة } دليلا على صدقك إما للشهادة لك وإما لإهلاك من خالفك { إن كنت ~~} أي جبلة وطبعا { من الصادقين * } فيما تقول , أي ما وجه اختصاصك عنا ~~بنزول الملائكة عليك ورؤيتك إياهم وأنت مثلنا في الإنسانية والنسب والبلد ؟ ~~هذا بعد أن قامت على صدقه الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة التي أعظمها ~~القرآن الداعي لهم إلى المبارزة كل حين المبكت لهم بالعجز عن المساجلة كل ~~وقت . | < < # | الحجر : ( 8 - 15 ) ما ننزل الملائكة . . . . . # > > ^ ( ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين * إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون * ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين * وما ~~يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون * كذلك نسلكه في قلوب المجرمين * لا ~~يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين * ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه ~~يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ) ^ } ) | ولما كان ~~في قولهم أمران , أجاب عن كل منهما على طريق الاستئناف على تقدير سؤال من ~~كأنه قال : ربما إذا أجابهم ؟ فقيل : أجاب عن الثاني لأنه أقرب بقوله : { ~~ما تنزل الملائكة } أي هذا النوع { إلا } تنزلا ملتبسا { بالحق } أي بسبب ~~عمل الأمر الثابت , وهو معنى ما قال البخاري في كتاب التوحيد : قال مجاهد : ~~بالرسالة والعذاب , وأما على الرسل فبالحق من الأقوال , وأما على المنذرين ~~فبالحق من الأفعال من الهلاك والنجاة , فلو نزلوا عليهم كما اقترحوا لقضي ~~الأمر بينك وبينهم فهلكوا { وما كانوا } أي الكفار { إذا } أي إذ تأتيهم ~~الملائكة { منظرين * } أي حاصلا لهم ms2571 على الإنظار على تقدير من التقادير , ~~لأن الأمر الثابت يلزمه نجاة الطائع وهلاك العاصي في الحال من غير إمهال , ~~وكان حينئذ يفوت ما قضينا به من تأخيرهم وإخراج من أردنا إيمانه من ~~PageV04P206 أصلابهم , وأجاب سبحانه عن الأول بقوله مؤكدا لتكذيبهم : { إنا ~~نحن } أي على ما لنا من العظمة لا غيرنا من جن ولا إنس { نزلنا } أي ~~بالتدريج على لسان جبريل عليه السلام { الذكر } أي الموعظة والشرف { وإنا ~~له } أي بعظمتنا وإن رغمت أنوف الحاسدين { لحفظون * } أي دائما , بقدرتنا ~~وعلمنا , لما في سورة هود من أن ذلك لازم للحفظ فانتفى حينئذ جواز أن ينزل ~~على مجنون مخلط لا سيما هود علىهذه الأساليب البديعة والمناهيج الرفيعة , ~~فكأن المعنى : أرسلناك به حال كونك بشرا لا ملكا قويا سويا , يعلمون أنك ~~أكملهم عقلا , وأعلاهم همة , وأيقنهم فكرا , وأتقنهم أمرا وأوثقهم رأيا , ~~وأصلبهم عزيمة ؛ روى البخاري في التفسير والفتن عن زيد بين ثابت رضي الله ~~عنه قال : أرسل إلي أبو بكر رضي الله عنه مقتل أهل اليمامة وعنده عمر رضي ~~الله عنه , فقال أبو بكر : إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد استحر يوم ~~اليمامة بالناس - وفي رواية : بقراء القرآن - وإني أخشى أن يستحر القتل ~~بالقراء في الموطن , فيذهب كثير من القرآن , إلا أن تجمعوه , وإني لأرى أن ~~تجمع القرآن , قال أبو بكر : فقلت لعمر : كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؟ فقال عمر : هو والله خير ! فلم يزل عمر ~~يراحعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري , ورأيت الذي رأى عمر . | قال زيد بين ~~ثابت : وعمر جالس عنده لا يتكلم , فقال أبو بكر : إنك رجل شاب عاقل ولا ~~نتهمك , كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم , فتتبع ~~القرآن فاجمعه , فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما ~~أمرني به من جمع القرآن , قلت : كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم , فتتبع القرآن فقال أبو بكر ms2572 : هو والله خير ! فلم ~~أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر , فقمت ~~فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال , حتى وجدت من ~~سورة التوبة آيتين مع خزيمة - أو أبي خزيمة - الأنصاري , لم أجدهما - أي ~~مكتوبتين - عند أحد غيره { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } - إلى آخرها , وكانت ~~الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله تعالى ثم عند عمر ~~حتى توفاه الله , ثم حفصة بنت عمر - رضي الله عنهم . | وساق هذا الأثر أيضا ~~في PageV04P207 فضائل القرآن , وروي بعده عن أنس رضي الله عنه أن حذيفة بن ~~اليمان رضي الله عنه قدم على عثمان رضي الله عنه , وكان يغازي أهل الشام في ~~فتح أرمينية وآذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة رضي الله اختلافهم في ~~القراءة , فقال حذيفة لعثمان رضي الله عنهما : يا أمير المؤمنين ! أدرك هذه ~~الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى , فأرسل عثمان إلى ~~حفصة - رضي الله عنهما أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها ~~إليك , فأرسلت بها حفصة إلى عثمان , فأمر زيد بن هشام رضي الله وعبد الله ~~بن الزبير , وسعيد بن العاص , وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله عنهم ~~, فنسخوها في المصاحف ؛ وقال عثمان رضي الله عنه للرهط القرشيين الثلاثة : ~~إذا اختلفتهم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش , ~~فإنما نزل بلسانهمن ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف مما نسخوا , وأمربما سواه ~~من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق . | وله عن خارجه بن زيد بن ثابت ~~أنه سمع زيد بن ثابت رضي الله عنه قال : لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت ~~آية من سورة الأحزاب كنت كثيرا أسمع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~يقرأها , لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة الأنصاري - وفي رواية : فالتمسناها ~~فوجدناها مع خزيمة - الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~شهادته شهادة رجلين < # > 77 ( { من ms2573 المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } ) 77 < # > [ الأحزاب : 23 ] فألحقنا في سورتها في المصحف . | وفي الأثر الأول ~~دلالة على أنه كان - لما أمره الصديق رضي الله عنه - لا يكتب شيئا إلا إذا ~~وجد ما كان قد كتب منه بحضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأمرهن ~~وقابله مع ذلك علىالمحفوظ في صدور الرجال ؛ وفي الأخير دليل من قوله : ~~نسخنا المصحف في المصاحف - إلى آخره , أنه أعاد التتبع كما فعل أولا ليصح ~~قوله : فقدت آية من سورة الأحزاب . | لأن افتقادها فرع العلم بها , ومن ~~أبعد البعيد أن يكون سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كثيرا يقرأها ~~ولا يحفظها , ولا سيما وهو مذكور فيمن جمع القرآن في حياة النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم كما رواه البخاري من غير وجه عن أنس رضي الله عنه , ~~والظاهر من مثل هذا التتبع الذي لا يجوز لمن PageV04P208 مارس أمثال هذه ~~الهمم أن يفهم غيره أن يكون لا ينقل آية إلا إذا وجد من حفاظها على حسب ما ~~هي مكتوبة عدد التواتر والله أعلم . | ولما كان هذا الكلام الذي قالوه عليه ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم شاقا وله غائطا موجعان قال تسلية له على وجه ~~راد عليهم : { ولقد أرسلنا } أي على ما لنا من العظمة والجلال والهيبة ؛ ~~ولما كان الإرسال بالفعل غير عام للزمان كلهن قال : { من قبلك } أي كثيرا ~~من الرسل { في شيع } أي فرق , سموا شيعا لمتابعة بعضهم بعضا في الأحوال ~~التي يجتمعون عليها في الزمن الواحد من مملكة أو عمارة أو ديانة أو نحو ذلك ~~من الأمور الجارية في العادة { الأولين * } كلهم , فما أرسلنا إلا رجالا من ~~أهل القرى مثلك يوحى إليهم , ولم نرسل مع أحد منهم ملائكة تراها أممهم , بل ~~جعلنا مكاشفة الملائكة أمرا خاصا بالرسل , فكذبوا رسلهم { وما يأتيهم } عبر ~~بالمضارع تصويرا للحال , إيذانا بما يوجب من الغضب , فإن ما تجعل المضارع ~~حالا والماضي قريبا منه , وأكد النفي فقال : { من رسول } أي على أي وجه ms2574 كان ~~{ إلا كانوا به } أي جبلة وطبعا { يستهزئون * } مكررين لذلك دائما , فكأنهم ~~تواصوا بمثل هذا , ولم ينقص هذا من عظمتنا شيئا , فلا تبتئس بما يفعلون بك ~~؛ والاستهزاء في الأصل : طلب الهزوء , والمراد به هنا - والله أعلم - الهزء ~~, وهو إظهار ما يقصد به العيب على إيهام المدح كاللعب والسخرية , ولعله ~~عبرعنه بالسين المفهمة للطلب إشارة إلى أن رغبتهم فيه لا تنتقضي كما هو شأن ~~الطالب للشيء , مع أنهم لا يقعون على مرادهم في حق أهل الله أصلا , لأنهم ~~لا يفعلون من ذلك فعلا إلا كان ظاهر البعد عما يريدون , لظهور ما يدعوا ~~إليه حزب الله وثباته , فكانوا لذلك كطالب ما لم يقع , وإنما كان الناس إلى ~~ما يوجبه الجهل من الاستهزاء ونحوه أسرع منهم إلى ما يوجبه العلم من الأخذ ~~بالحزم والنظر في العواقب , لما في ذلك من تعجل الراحة واللذة وإسقاط ~~الكلفة بإلزام النفس الانتقال من حال إلى حال - قاله الرماني . | ولما كانت ~~قلوب أهل الضلال موصوفة بالضيق والحرج , كان الداخل إليها لا يدخل إلا ~~بغاية العسر , فلذلك قال جوابا لمن كأنه قال : أهذا خاص بهؤلاء ؟ فقيل : لا ~~, بل { كذلك } أي مثل هذا السلك العجيب الشأن , وعبر بالمضارع الدال مع ~~التجدد على الاستمرار , لاقتضاء المقام له كما تقدم في أولها فقال : { ~~نسلكه } أي الذكر { في قلوب PageV04P209 المجرمين * } أي العريقين في ~~الإجرام في كل زمن كما يسلك الخيط والرمح ونحوه فيما ينظر فيه من مخيط ~~وغيره بغاية العسر , فلا يتسع له المحل فلا ينفع , حال كونهم { لا يؤمنون ~~به } لشيء من الأشياء , لأن صدورهم لا تنشرح له كما رأيت سنتنا بذلك في ~~قومك { وقد خلت } أي مضت من قبل هذا { سنة } أي طريقة { الأولين * } بذلك , ~~ونحن قادرون على فعل ما نريد من تلك السنة بهذه الأمة من إهلاك وتيسير ~~إيمان وغير ذلك , فهو ناظر إلى قوله { وقرآن مبين } والغرض بيان أنه تعالى ~~يعمي بغض الأبصار على الجلي , ويبصر بعضها بالخفي , إظهارا للقدرة ~~والاختيار بإنفاذ الأمر على خلاف القياس . | ولما أخبره بهذه ms2575 الأسرار منبئة ~~عن أحوالهم , وكانت النفس أشد شيء طلبا لقطع حجة المتعنت بإجابة سؤله , قال ~~تعالى مخبرا بتحقيق ما ختم به من أنهم لا يؤمنون للخوارق ولو رأوا أعجب من ~~الإيتان بالملائكة : { ولو فتحنا } أي بما لنا من العظمة { عليهم } أي على ~~من قال : لو ما تأتينا بالملائكة { بابا } يناسب عظمتنا { من السماء } ~~وأشار إلى أن ذلك حالهم - ولو كانوا في أجلى الأوقات وهو النهار - بقوله : ~~{ فظلوا } أي الكفار { فيه } أي ذلك الباب العالي { يعرجون * } أي يصعدون ~~ماشين في الصعود مشية الفرح { لقالوا } عنادا وإبعادا عن الإيمان : { إنما ~~سكرت } أي سدت وغشيت { أبصارنا } أي حتى ظننا ما ليس بواقع واقعا { بل نحن ~~قوم } أي وإن كا لنا غاية القوة على ما نريد محاولته { مسحورين * } أي ثابت ~~وقوع السحر علينا حتى صرنا نرى الأشياء على خلاف ما هي عليه ونثبت ما لا ~~حقيقة له ؛ والسكر : السد بإدخال اللطيف في المسام فيمنع الشيء كمال ما كان ~~عليه , ومنه السكر بالشراب , والسحر : حيلة خفية توهم معنى المعجزة من غير ~~حقيقة . | < < # | الحجر : ( 16 - 22 ) ولقد جعلنا في . . . . . # > > ^ ( ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين * وحفظناها من كل ~~شيطان رجيم * إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين * والأرض مددناها ~~وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون * وجعلنا لكم فيها معايش ~~ومن لستم له برازقين * وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر ~~معلوم * وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السمآء ماء فأسقيناكموه ومآ أنتم ~~له بخازنين ) ^ } ) | ولما كان ذكر هذه الآية السماوية على سبيل الفرض في ~~الجواب عن إنكارهم النبوة , دليلا على مرودهم على الكفر , وكان من المعلوم ~~أن ثبوت النبوة مترتب على ثبوت الوحدانية , توقع السامع الفهم الإخبار عما ~~له تعالى من الآيات المحققة الوجود PageV04P210 المشاهدة الدالة على قدرته ~~, فأبتعها بذلك استدلالا على وحدانيته بما له من المصنوعات شرحا لقوله < # > 77 ( { وليعلموا أنما هو إله واحد } ) 77 < # > [ إبراهيم : 52 ] ودليلا على عدم إيمانهم بالخوارق , وابتدأ لظهورها ~~لكل أحد وشرفها وظهور أنها ms2576 من الخوارق بعدم ملا بستها والوصول إليها , فقال ~~مفتتحا بحرف التوقع : { ولقد حعلنا } أي بما لنا من العظمة التي لا يقدر ~~عليها سوانا مما هو مغن عن فتح باب ونحوه { في السماء بروجا } أي منازل ~~للقمر , جمع برج , وهو في الأصل القصر العالي أولها الحمل وآخرها الحوت , ~~سميت بذلك لأنها للكواكب السيارة كالمنازل لسكانها , وهي مختلفة الطبائع , ~~فسير الشمس والقمر بكل منها يؤثر ما لا يوثره الآخر , فاختلافها في ذلك - ~~مع أن نسبتها إلى السماء واحدة - دليل على الفاعل المختار الواحد , والعرب ~~أعرف الناس بها وباختلافها . | ومادة ( برج ) بكل تقليب تدور على الظهور ~~الملزوم للعلو الملزوم للقوة , وقد يفرط فيلزمه الضعف , فمن مطلق الظهور : ~~بروج السماء , قال القزاز : سميت بروجا لأنها بيوت الكواكب , فكأنها بمنزلة ~~الحصون لها , وقيل : سميت لارتفاعها , وكل حصن مرتفع فهو برج , والبرج - أي ~~محركا : سعة بياض العين وصفاء سوادها , وقيل : البرج في العين هو أن يكون ~~البياض محدقا بالسواد , يظهر في نظر الإنسان فلا يغيب من سواد العين شيء , ~~وتبرجت المرأة : أبدت محاسنها , والجربياء : الشمال - لعلوها , والجريب : ~~الوادي - لظهوره , والجريب : مكيال أربعة أقفزة , وجريب الأرض معروف , وهو ~~ساحة مربعة كل جانب منها ستون ذراعا , ومنه الجراب - لوعاء من جلود , ~~والجورب - للفافة الرجل , لأنهما ظاهران بالنسبة إلى ما فيهما , وكذا ~~الجربان - لغلاف السيف , وجرب البئر : جوفها ؛ والأجارب : الأمعاء - شبها ~~بالجراب ؛ والبارجة : سفينة من سفن البحر تتخذ للقتال , والبجرة : كل عقدة ~~في البطن , والعجرة : كل عقدة في الجسد , والبجرة : السرة الناتئة , وسرة ~~البعير عظمت أولا , والبجر والبجري : الأمر العظيم , وجاء فلان بالبجارة , ~~وهي الداهية : وفيه ما جمع إلى الظهور القوة ؛ ومن ذلك رجب : اسم شهر , ~~ورجبت الرجل : عظمته , والرجبة من وصف الأدوية , والرجب : الحياء والعفو , ~~والرجب : الهيبة ؛ والمجرب : الذي بلي بالشدائد ؛ ورجبت النخل ترحيبا : ~~بنيت من جانبها بناء لئلا يسقط ؛ والجبر : خلاف الكسر , والملك - لوجود ~~الجبر به لقوته , وجبرت العظم , والجبارة : ما يوضع على الكسر لينجبر , ~~وجبرت الرجل : أحسنت إليه , وأجبرته : ضممته إلى ما يريد , وأجبرته على كذا ms2577 ~~: قهرته عليه , أي أزلت جبره , والجيرية : العانة من الحمير , وهي أيضا ~~الأقوياء من الناس , والجبار PageV04P211 من النخل : الطويل الفتي , ~~والجبار اسم من أسماء الله تعالى , والجبار : كل عات , وكل ما فات اليد , ~~والعظيم القوي الطويل , والمتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقا والمتجبر : ~~الأسد , وجبار بالضم مخففا : يوم الثلاثاء - لأن الله تعالى خلق المكروه ~~فيه - كما في الصحيح , ومن الضعف : الجبار - بالضم مخففا , وهو الهدر من ~~الدماء والحروب وغيرها , وقد يكون من جبر الكسر , لأنه جبر به المهدر عنه ~~وقوي به وأحسن إليه , وكل ما أفسد وأهلك فهو جبار - كأنه شبه بالجبيرة التي ~~تفسد لإصلاح الكسر , والجبر : العبد - لضعفه واحتياجه إلى التقوية ؛ ومن ~~الضعف أيضا الجرب بالنسبة إلى من يحل به , وهو من القوة بالنسبة إلى نفسه , ~~ومن الظهور والانتشار أيضا , والجرباء : السماء - تشبيها بالأجرب , وأرض ~~جرباء : مقحوطة ؛ والتربج : التجبر , والروبج : درهم صغير ؛ قال الزبيدي : ~~وهو دخيل , ومادة ( جبر ) منها بخصوص ترتيبها تدور على النفع , وتارة تنظر ~~إلى ما يلزمه من عدم الضر مثل الجبار بالضم مخففا لما هدر , وتراة تنظر إلى ~~ما يلزم النفع من التكبر والقهر . | ولما ذكر البروج , وصف سبحانه السماء ~~المشتملة عليها فقال : { وزيناها } أي السماء لأنها المحدث عنها بالكواكب { ~~للناظرين } أي لكل من له أهبة النظر , في دلائل الوحدانية , لا عائق له عن ~~معرفة ذلك إلا عدم صرفه النظر إليه بالبصر أو بالبصيرة { وحفظناها } أي بما ~~لنا من العظمة { من كل شيطان } أي بعيد من الخير محترق { رجيم } مستحق ~~للرجم وهو رمي الشيء بالاعتماد من غير آلة مهيأة للإصابة كالقوس فإنها ~~للرمي لا للرجم ومستحق للشتم , لأنه قوال بالظن وما لا حقيقة له { إلا من ~~استرق السمع } منهم فإنا لم نرد تمام الحفظ منه { فأتبعه } أي تبعه تبع من ~~هو حاث لنفسه سائق لها { شهاب } وهو عمود من نور يمتد بشدة ضيائه كالنار { ~~مبين * } يراه من فيه أهلية الرؤية حين يرجم به ؛ روى البخاري في التفسير ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه يبلغ به النبي ms2578 صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال ~~: ( إذا قضي الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله , كأنه ~~سلسلة على صفوان ينفذه ذلك , فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم ؟ ~~قالوا للذي قال : الحق وهو العلي الكبير , فيسمعها مسترقي السمع ومسترقوا ~~السمع , هكذا واحد فوق آخر - ووصف سفيان بيده بن أصابعه اليمنىن نصبها ~~بعضها فوق بعض - فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه ~~فيحرقه وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه ~~حتى بلغوها إلى الأرض , وربما ) قال سفيان : حتى ينتهي إلى الأرض , فتلقى ~~على فم الساحر فيكذب معها مائة كذبه فيصدق فيقولون : ألم يخبرنا يوم كذا ~~وكذا يكون كذا وكذا PageV04P212 فوجدناه حقا للكلمة الني سمعت من السماء . ~~| قال المفسرون رضي الله عنهم : كانت الشياطين لا تحجب عن السماوات فيلقون ~~ما يسمعون منها إلى الكهنة , فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاث ~~سماوات , فلما ولد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم منعوا من السماوات ~~كلها هكذا رأيت ولد ولعله ( بعث ) فإن في الصحيح أن الذي منعهم نزول القرآن ~~. | ولما ذكر آية السماء , ثنى بآية الأرض فقال : { والأرض مددناها } أي ~~بما لنا من العظمة , في الأبعاد الثلاثة : الطول والعرض والعمق , على الماء ~~{ وألقينا } أي بعظمتنا { فيها } أي الأرض , جبالا { رواسي } أي ثوابت , ~~لئلا تميل بأهلها وليكون لهم علامات ؛ ثم بنه على إحياء الموتى بما أنعم به ~~في الأرض بقياس جلي بقوله : { وأنبتنا فيها } أي الأرض ولا سيما الجبال ~~بقوتنا الباهرة { من كل شيء موزون * } أي مقدر على مقتضى الحكمة من المعادن ~~والنبات { وجعلنا لكم } أي إنعاما منا عليكم { فيها معايش } وهي بياء صريحة ~~من غير مد , جمع معيشة , وهي ما يحصل به العيش من المطاعم والملابس ~~والمعادن وغيرها { ومن لستم } أي أيها الأقوياء الرؤساء { له برازقين * } ~~مثلكم في ذلكن جعلنا له فها معايش من العيال والخدم وسائر الحيوانات التي ~~تنتفعون بها وإن ظننتم أنكم ترزقونهم , فإن ذلك باطل لأنكم ms2579 لا تقدرون على ~~رزق أنفسكم فكيف بغيركم ؟ فلما ظهر كالشمس كمال قدرته وأنه واحد لا شريك له ~~, بين أنه - كما كانت هذه الأشياء عنده بحساب قدرة على حكمة دبرها - كان ~~غيرها كذلك , فذلك هو المانع من معاجلتهم بما يهزؤون به من العذاب , فقال : ~~{ وإن } أي وما { من شيء } أي مما ذكر وغيره من الأشياء الممكنة , وهي لا ~~نهاية لها { إلا عندنا } أي لما لنا من القدرة الغالبة { خزائنه } أي كما ~~هو مقرر عندكم , لا تنازعون فيه , قال في الكشاف : ذكر الخزائن تمثيل { وما ~~ننزله } أي مطلق ذلك الشيء لا بقيد عدم التناهي , فإن كل ما يبرز إلى ~~الوجود متناه , فهو استخدام { إلا بقدر معلوم * } على حسب التدريج كما ~~ترونه ؛ وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : ليس عام بأمطر من عام , ولكن ~~الله يقسمه ويقدره في الأرض كيف يشاء , عاما ههنا وعاما ههنا , وربما كان ~~في PageV04P213 البحر . | فهذا دليل قطعي على أن الفاعل المخصص له بوقت دون ~~وقت وأرض دون أخرى فاعل واحد مختار . | فلما تم ما أراد من آيتي السماء ~~والأرض , وختمه بشمول قدرته لكل شيء , أتبعه ما ينشأ عنهما مما هو بينهما ~~مودعا ف خزائن قدرته فقال : { وأرسلنا } أي بما لنا من التصريف الباهر { ~~الرياح } جمع ريح , وهي جسم لطف منبث في الجو سريع المر { لواقح } أي حوامل ~~تحمل الندى ثم تمجه في السحاب التي تنشئها , فهي حوامل للماء , لواحق بالجو ~~, قوته على ذلك عالية حسا ومعنى ؛ والريح : هواء متحرك , وحركته بعد أن كان ~~ساكنا لا بد لها من سبب , وليس هونفس كونه هواء ولا شيئا من لوازم ذاته , ~~وإلا دامت حركته . | فليست إلا بتحريك الفاعل الواحد المختار { فأنزلنا } ~~أي بعظمتنا بسبب تلك السحائب التي حملتها الرياح { من السماء } أي الحقيقية ~~أو جهتها أو السحاب , لأن الأسباب المتراقية بسند الشيء تارة إلى القريب ~~منها وتارة إلى البعيد وأخرى إلى الأبعد { ماء } وهو جسم مائع سيال , به ~~حياة كل حيوان من شأنه الاغتذاء { فأسقيناكموه } جعلناه لكم سقيا , يقال : ~~سقيته ms2580 ماء أي ليشربه , وأسقيته أي مكنته منه ليسقى به ماشيته ومن يريد . | ~~ونفي سبحانه عن غيره ما أثبته أولا لنفسه فقال { وما أنتم له } أي ذلك ~~الماء { بخازنين * } والخزن : وضع الشيء في مكان مهيأ للحفظ , فثبت أن ~~القادر عليه واحد مختار . | ومادة ( لقح ) بتقاليبها الست تدور على اللحاق ~~, وتلزمه القوة والعلو حسا أو معنى , فاللقاح اسم ماء الفحل - لأنه يلحق ~~الأنثى فتحمله , وقد ألقح الفحل الناقة , ولقحت لقاحا : حملت , والملقوح : ~~ما لقحته من الفحل , أي أخذته , وهي الملاقيح - يعني الأجينة , واللقحة : ~~الناقة الحلوب - لأنها أهل لأن يلحقها جائع , وألقح القوم النخل ولقحوها - ~~إذا ألحقوها بالفحالة فعلقوها عليها . | والقاحل : اليابس من الجلود , لأن ~~أجزاءه تلاحق بعضها ببعض فضمرت , ومنه شيخ قاحل . | واللحق : كل شيء لحق ~~شيئا أي أدركه , والملحق : الدعي - لأنه متهيئ لأنه يستلحقه كل من يريده , ~~والملحاق : الناقة التي لا يفوتها الإبل : قال الزبيدي في مختصر والحقل : ~~القراح الطيب - لتهيئها لمن يلحق بها , وقيل : هو الزرع إذا تشعب ورقة , ~~وهو من ذلك أيضا ومن لحوقه بالحصاد فيصير كالمحلوق , والحقيل : نبت , ~~PageV04P214 والحقيلة : الماء الرطب , أي الاخضر من البقل والشجر في ~~الأمعاء منه , والحقيلة : حشافة التمر - للحاق كل من أرداه به , والحوقلة : ~~الغرمول اللين - كأنه مشبه بالنبت الأخضر , أو لإمكان تثبيته كل وقت ولحوق ~~بعض أجزائه ببعض , والحوقل : الشيخ الضعيف النكاح - كأنه منه , والحوقلة : ~~سرعة المشي , وحقل الفرس - إذا وجع من أكل التراب - كأنه مأخوذ من الحقل , ~~وحوقل الشيخ : اعتمد بيديه على خصره إذا تمشى - كأنه للحاق يديه خصره . | ~~والحلق مساغ الطعام والشراب , وحلوق الأرض : أوديتها ومجاريها - للحاق ~~المياه بها , ولشبيهها بالحلوق , والحلقك حلق الشعر بالموسى , من اللحاق ~~والقوة , والمحالق : الأكسية الخشنة التي تحلق الشعر من خشونتها , والحالق ~~: المشؤوم الذي يحلق قومه ؛ والحلق : ضرب من النبات , لورقه حموضة - كأنه ~~لسرعة لحاق الماشية به لأنه كالفاكهة لها , والحلقة : الخاتم بلا فص - ~~لتلاحق أجزائها بعضها ببعض , ومنه حلقة القوم , والحلقة : السلاح كله , إما ~~من هذا لأن منها الدروع ذات الحلق , تسمية للشيء باسم جزئه ms2581 , وإما من القوة ~~والعلو المعنوي لما يلزم عنها , والحلق : المال الكثير , إما من ذلك وإما ~~من لحاق صاحبه بمراده , والحالق : الجبل المنيف - لظهوره وعلوه ولحاقه ~~بالجو , والحوقلة : القارورة الطويلة العنق , وحلق الطائر : ارتفع في ~~الهواء , من هذا ؛ واللقحة : الغراب ؛ والحالق من الكرم والشرى : ما تعلق ~~منه بالقضبان , فهو ظاهر في اللحاق , وحلق الضرع - إذا ارتفع إلى البطن ~~وانضم , فهو من العلو واللحاق , وقيل : إذا كثر لبنه فهو إذا من اللحاق , ~~وتحلق القمر : صارت حوله دارة , وحلق قضيب الفرس حلقا - إذا تقشر , كأنه ~~شبه بما حلق شعره , وحي لقاح : لم يمكوا قط كأنه من القوة والعلو المعنوي ؛ ~~والقلح : صفرة تعلو الأسنان , فهو من اللحاق مع العلو , ويسمى الجعل أقلح ~~من هذا . | < < # | الحجر : ( 23 - 26 ) وإنا لنحن نحيي . . . . . # > > ^ ( وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون * ولقد علمنا المستقدمين ~~منكم ولقد علمنا المستأخرين * وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم * ولقد ~~خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون ) ^ } ) | فلما تقرر تفصيل الخبر عما ~~هو سبب للاحياء في الجملة , فتهيأت النفس للا نتقال منه إلى الإحياء ~~الحقيقي قياسا , قال تعالى : { وإنا لنحن نحيي } أي لنا هذه الصفة على وجه ~~العظمة , فنحيي بها ما نشاء من الحيوان بروح البدن , ومن الروح بالمعارف , ~~ومن النبات بالنمو , وإن كان أحدها حقيقة , والآخرون مجاز إلا أن الجمع ~~بينهما جائز { ونميت } أي لنا هذه الصفة , فنبرز بها من عظمتنا ما نشاء { ~~ونحن الوارثون * } أي PageV04P215 الإرث التام إذا مات الخلائق , البارقون ~~بعد كل شيء كما كنا ولا شيء , ليس لأحد فينا تصرف بإماتة ولا إحياء , فنثبت ~~بذلك الوحدانية والفعل بالاختيار , فلما ثبت بهذا كمال قدرته , وكانت آثار ~~القدرة لا تكون محكمة إلا بالعلم , قال تعالى : { ولقد علمنا } أي بما لنا ~~من الإحاطة المعجزة { المستقدمين منكم } وهم من قضينا بموته أولا , فيكون ~~في موته كأنه يسارع إلى التقدم وإن كان هو وكل من أهله مجتهدا بالعلاج في ~~تأخيره { ولقد علمنا } بعظمتنا { المستأخرين * } أي الذين نمد في أعمارهم ~~فنؤخر موتهم حتى يكونوا كأنهم ms2582 يسابقون إلى ذلك وإن عالجوا الموت بشرب سم ~~وغيره , أو عالجه لهم غيرهم بضربهم بالسيف أو غيرهن فعرف بذلك قطعا أن ~~الفاعل واحد مختار , وكذا كل متقدم ومتأخر في وصف من الأوصاف غير الموت , ~~والمعنى على الأول : فنحن لا نميت أحدا قبل أجله فلا تستعجلونا بالوعيد ~~وتهيؤوا لدفاعه إن كنتم رجالا , فإنه لا بد أن يأتي لأنه لا يبدل القول لدي ~~. | ولما تم الدليل على تمام القدرة وشمول العلم , ثبت قطعا إحياء الموتى ~~لانتفاء المانع من جهة القدرة , واقتضاء الحكمة له من جهة العلم للعدل بين ~~العباد بالمقابلة على الصلاح والفساد , فقال تعالى مؤكدا لإنكارهم : { وإن ~~ربك } أي المحسن إليك بالانتقام لك ممن يعاديك , وإقرار عينك من مخالفيك { ~~هو } أي وحده { يحشرهم } أي يجمعهم إلى أرض القيامة بعد إعادتهم ؛ قال ~~الرماني : وأصله جمع الحيوان إلى مكان ؛ ثم علل ذلك فقال مؤكدا لأجل ~~اعتقادهم ما يستلزم الإنكار : { إنه حكيم } أي يفعل الأشياء في أتم مواضعها ~~بحيث لا يقدر أحد على نقضها { عليم * } بالغ العلم فلا يخفي عليه شيء , وهو ~~يريد أن ترى حكمته بكشف الغطاء عند تمييز أهل السعادة والشقاء ؛ والحكمة : ~~العلم الذي يصرف عما لا ينبغي , وأصلها المنع . | ولما جرت سنته الإلهية ~~أنه يذكر ابتداء الخلق دليلا على الإعادة سابقا ولاحقا , وابتدأ هنا بذكر ~~الحشر لما قام عليه من الدليل بإحياء الأرض , توقع السامع تفصيل ابتداء ~~الخلق الذي هو أدل دليل على البعث بعد إجماله في قوله { وإنا لنحن نحيي } ~~فقال مفتتحا بحرف التوقع : { ولقد خلقنا } أي بالعظمة الباهرة { الإنسان } ~~أي الآنس بنفسه , الناسي لغيره { من صلصال } أي طين يابس , له عند النقر ~~صلصلة أي صوت شديد متردد في الهواء , فإن كان فيه مد من غيرر ترجيع فهو صلل ~~, فالمراد شديد يبسه ولكنه غير مطبوخ , وأما المطبوخ فهو فخار : ثم بين أصل ~~الصلصال فقال : { من حمإ } أي طين أسود منتن { مسنون * } أي مصبوب مهيأ ~~لعمل ما يراد منه بالدلك والتحسين من الذهاب والإضطراب والجعل على طبع ~~وطريقة مستوية , وكل ذلك ms2583 على غاية السهولة PageV04P216 والطواعية والهوان , ~~فذكر أصل الإنسان وما وقع له من إبليس - الذي هو أصل الجن كما أن آدم عليه ~~السلام أبو البشر - من الكيد حتى أخرجه من دار الصفاء إلى دار الكدر , ~~ليحذره العقلاء من بني آدم , وفي التنبيه بابتداء الخلق على وصول البشر إلى ~~أصل كان بمحض القدرة مخالف لهم في التكوين بين أبوين , وانتهاء الجن إلى ~~أصل ليس خلقه كخلقهم تنبيه عظيم على انتهاء الموجودات إلى موجود لا يجانسهم ~~, بل هو خالق غير مخلوق , فاعل بالاختيار , واحد لا شريك له , ولا اعتراض ~~عليه , قادر على ما يريد سبحانه , وفي خلقه من الماء - الذي هو كالأب - ~~والطين - الذي هو كالأم - بمساعدة النار والهواء من الحكمة أن يكون ملائما ~~لما في هذا العالمن فيكون بقاءه بذلك الذي خلق منه في مأكله ومشربه وملبسه ~~وسائر أموره , وذلك أدل على حكمة الخالق وعلمه ووحدانيته . | ومادة ( صل ) ~~تدور على الصلصال الذي هو الطين مطلقا , أو الطين الحر يخلط بالرمل , أو ~~الطين ما لم يجعل خزفا , ويتفرغ جميع معاني المادة منه , لأن من لوازمه في ~~أوله الماء واللين بنداوته وسهولة خلطه لغيره , فيأتي الخفاء لأنه يغرز فيه ~~بغير صوت , ومنها قبول التصفية من الغش , ومنها في آخره الصلابة لشدة اليبس ~~, فيلزم تضامى الأجزاء وتضايقها على انتظام أو غير انتظام , والصوت , وشدة ~~الانفصال بالتشقق , ومن لوازمه التغير بالنتن , فيأتي الخبث والفساد , ومن ~~لوازمه شدة الاختلاط بحيث إذا نشب فيه شيء عسر خلاصه , ومن لوازمه تميزه ~~عما عداه , ومحل يصنع فيه . | فمن الصوت واليبس : صليل الحديد والإبل ونحو ~~ذلك , يقال : صل الحديد واللجام : امتد صوته , فإن توهم ترجيع الصوت قيل : ~~صلصل , وصل البيض : سمع له طنين عند القراع , والمسمار صليلا : ضرب فأكره ~~أن يدخل في الشيء , والإبل صليلا : يبست أمعاؤها من العطش فسمع لها صوت عند ~~الشرب . # ومن الصوت : صلصل : أوعد وتهدد , وقتل سيد العسكر - لظهور الصيت بذلك , ~~وصلصل الرعد : صفا صوته , والكلمة : أخرجها متحذلقا , وطائر أو الفاختة , ~~والراعي الحاذق , والمصلل - كمحدث : السيد الكريم ms2584 الحسيب , والخالص النسب , ~~والأسكف وهو الإسكاف عند العامة , وتصلصل الغدير : جفت حمأته , فتهيأ لأن ~~يصوت يبسه , والحلي : صوت , وحمار صلصل وصلاصل - بضمها , وصلصال ومصلصل : ~~مصوت . | ومن النتن : صلول اللحم والماء , يقال : صل اللحم صلولا : أنتن , ~~والماء : أجن , والصليان - بكسرتين مشددة اللام : ما تغير من اللحم , ~~والصلة - بالضم : الريح المنتنة . | PageV04P217 ومن اليبس : الصلة , وهي ~~الجلد اليابس قبل الدباغ , والنعل , والأرض , أو اليابسة - وصل السقاء ~~صليلا : يبس . | أو أرض لم تمطر بين ممطورتين , والصل - بالكسر : القرن , ~~وشجر , والسيف القاطع . | ومن النداوة : الصلة , وهي التراب الندي ؛ ومن ~~الماء أعم من أن يكون كثيرا أو قليلا : الصلة للمطرة الواسعة والمتفرقة ~~القليلة , والصلة - بالضم : بقية الماء وغيره , وكذا الصلصلة والصلصل - ~~بضمهما : بقية الماء في الغدير , وكذا من الدهن والزيت , وأما التفرق فمن ~~التشقق , والصلة : القطعة من العشب , سميت باسم المطر تسمية للمسبب باسم ~~السبب . | ومن اللين : الصلالة - بالكسر - لبطانة الخف أو ساقها , والصلصل ~~- كهدهد : ناصية الفرس ويفتح , أو بياض في شعر معرفته , وما ابيض من شعر ~~ظهره , وهذا من التمييز أيضا ؛ ومن المحل : القدح أو الصغير منه , والمصلة ~~- بالكسر : الإناء يصفي فيه الشراب ؛ ومن الخبث : الصل - بالكسر للحية ~~مطلقا , أو الدقيقة الصفراء , والداهية , والتسيف القاطع - شبه بذلك ~~لإهلاكه , وإنه لصل أصلال : داه منكر في الخصومة وغيرها , وصلتهم الصالة : ~~أصابتهم الداهية , وهذا أيضا من شدة الانتشاب , ومن التشقق : الصال وهو ~~الماء يقع على الأرض فتشقق . | ومن التصفية : صللنا الحب المختلط بالتراب : ~~صببنا فيه ماء فعزلنا كلا على حياله , وصل الشراب صلا صفاه , والمصلة - ~~بالكسر : الإناء يصفي فيه . | ومن تضام الأجزاء وتضايقها , وقد يكون مع ~~الانتظام ومنه : تلصيص البينان , أي ترصيصه , وقد لا يشترط فيه الانتظام ~~ومنه : التص بمعنى التزق , واللص وهو تقارب المنكبين , وتقارب الأضراس , ~~وتضام مرفقي الفرس إلى زروه , واللصاء من الجباه : الضيقة , والمرأة ~~الملتزقة الفخدين لا فرجة بينهما , والزنجي : ألص الأليتين , وإغلاق الباب ~~؛ ومن إطلاقه على ما ليس منتظما وإن لم يكن تقارب : اللصاء من الغنم , وهي ~~ما أقبل أحد قرينها وأدبر الآخر , ومن ms2585 الخفاء الذي هو من لوازم الطين وهو ~~ندي : اللص - بالفتح , وهو فعل الشيء في ستر , والسارق , ويثلث . | ومادة ( ~~سن ) تدور على الدلك , ويلزمه التحسين , فمن الدلك : السن - بالكسر , وهو ~~الضرس والخبة من الثوم - تشبه به , والثور الوحشي , وسنان الرمح , ومكان ~~البري من القلم , والأكل الشديد , والقرن , وشعبه المنجل , ومقدار العمر - ~~لأنه لما مرعلى صاحبه كان كأنه دلكه , والمسان من الإبل : الكبار , وسن ~~السكين وغيره فهو مسنون , PageV04P218 والمسن - بالكسر : آلة السن , وسنن ~~رمحه إليه : سدده , وسن الأضراس : سوكها , والإبل : ساقها سريعا - لتدالكها ~~عند الازدحام , وسن الأمر : بينه - فكأنه هيأه لأن يركب فيدلك بالأفكار أو ~~غيرها , وسن الطين : عمله فخارا , وفلانا : طعنه بالسنان أو عضه بالأسنان , ~~والفحل الناقة : كبها على وجهها , وعليه الدرع أو الماء : صبه , والطريقة : ~~سارها , واستن : استاك . والفرس : قمص , والسراب : اضطرب , والسنة - بالكسر ~~: الفأس لها خلفان , والسنة - بالضم : السيرة أو الطبيعة - كأنها عولجت حتى ~~انقادت , والسنة من الله : حكمه وأمره ونهيه , وسنن الطريق - مثلثة بضمتين ~~: نهجه وجهته , وجاءت الريح سناسن : على طريقة واحدة , والحمأ المسنون : ~~المنتن - لأنه تهيأ لأن يدلك بالآية جبلا حتى يصلح لما يستعمل فيه , والفحل ~~يسان الناقة : يكدمها ويطردها حتى ينوخها ليسفدها , والسنين - كأمير : ما ~~يسقط من الحجر إذا كححته , والأرض التي أكل نباتها كالمسنونة , والسنسن - ~~بالكسر : العطش - كأنه سن الأمعاء حتى أحرقها , ورأس المحالة , أي البكرة ~~العظيمة , وحرف فقار الظهر كالسن والسنسنة , ورأس عظام الصدر , أو طرف ~~الضلع التي في الصدر , والمستسن : الطريق المسلوك , والمستن : الأسد , ~~والسنن - محركة : الإبل تستن في عدوها , والسنينة - كسفينة : الرمل المرتفع ~~المستطيل على وجه الأرض , وهو من المسنون بمعنى المصبوب : وسنني هذا الشيء ~~: شهى إلي الطعام - كأنه سن المعدة حتى قطعت بعد كلالها , وتسانت الفحول : ~~تكادمت , والنس : سرعة الذهاب , ويلزمه تدالك الأعضاء , ونسيس الإنسان : ~~مجهوده - لأن ذلك لا يكون إلا بعد أشد الاضطراب , والنسيسة : الحشاشة , وهي ~~بقية الروح من المريض والجريح - كأنها صدمت حتى ذهب أكثرها , ونس اللحم : ~~ذهب بلله من شدة الطبخ - لأن إحراق النار أعظم دلك , وكذا نس ms2586 الحطب - إذا ~~أخرجت النار زبده على رأسه - لقيام الإحراق مقام الرضخ فيما يستخرج دهنه , ~~ونس من العطش : جف , من ذلك ؛ ومن التحسين : سنن المنطق - إذا حسنه , وسن ~~الأمر : بينه , والطين : عمله فخارا , والمال : أرسله في الرعي أو أحسن ~~القيام عليه حتى كأنه صقله , والشيء : صوره , والسنة - بالضم : الوجه , أو ~~حره , أو دائرته , أو لصورة أو الجبهة , ورجل مسنون الوجه : مملسه حسنه ~~سهله , أو في وجهه وأنفه طول , وكل ذلك يرجع إلى الدلك أيضا - والله أعلم . ~~| وقال أبو حيان : قال ابن عباس رضي الله عنهما : المسنون : الرطب , ومعناه ~~المصبوب , لأنه لا يكون مصبوبا إلا وهو رطب ؛ وقال الرازي في اللوامع : ~~وهذا إشارة إلى درجات خلق آدم عليه السلام ومراتبه , وأشار الله تعالى إلى ~~ذلك في مواضع مختلفة حسبما اقتضته الحكمة فقال في موضع < # > 77 ( { خلقه من تراب } ) 77 < # > [ آل PageV04P219 عمران : 59 ] إشارة إلى المبدإ الأول , وفي آخر { من ~~طين } إشارة إلى الجمع بين الماء والتراب , وفي آخر { من حمإ مسنون } إشارة ~~إلى الطين المتغير المستقر على حالة من الاعتدال تصلح لقبول الصورة , وفي ~~آخر { من صلصال } إشارة إلى يبسه وسماع صلصلة منه , وفي آخر ^ ( { من صلصال ~~كالفخار } ) ^ [ الرحمن : 14 ] وهو الذي قد أصلح بأثر من النار فصار كالحذف ~~, وبهذه القوة النارية حصل في الإنسان أثر من الشيطنة - انتهى . | وقال ~~الرماني : وقد تضمنت الآيات البيان عما يوجبه تقليب الحيوان من حال إلى حال ~~من جاعل قادر قلبه من أصل هو أبعد شيء من حال الحيوان إلى الحيوان , وقال : ~~إن الحكمة في جعله من الحمأة العبرة في أنه قلب من تلك الحال الحقيرة في ~~الصفة إلى هذه الحال الجليلة . | < < # | الحجر : ( 27 - 30 ) والجان خلقناه من . . . . . # > > ^ ( والجآن خلقناه من قبل من نار السموم * وإذ قال ربك للملآئكة إني ~~خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون * فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ~~ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) ^ } ) | ولما ذكر سبحانه خلق الإنسان ~~أتبعه ذكر ما خلقه قبله من الجنان فقال : { والجان } أي الذي ms2587 هو للجن كآدم ~~عليه السلام للناس : وقيل : هو إبليس { خلقناه } وعبر عن تقليل زمان سبق ~~خلقه وتقريبه بإثبات الجار فقال : { من قبل } أي قبل خلق الإنسان { من نار ~~السموم * } أي الحر الشديدن قيل : هي نار لا دخان لها , يكون منها الصواعق ~~, وهي بين السماء وبين الحجاب , فإذا أراد الله تعالى خرقت الحجاب , فهدت ~~إلى ما أمرت به , فالهداة التي يسمعها الناس هي خرق ذلك الحجاب ؛ وقال ~~الرازي في اللوامع : نار لطيفة تناهت في الغليان في أفق الهواء , وهي ~~بالإضافة إلى النار التي جعلها الله تعالى متاعا كالجمد إلى الماء والحجر ~~إلى التراب - انتهى . | وقال عبد الله : هذه السموم جزء من سبعين جزءا من ~~السموم التي خلق الله منها الجان , وهي مأخوذة من دخولها بلطفها في مسام ~~البدن , ومنه السم القاتل - انتهى . | ولما كانت نعمة الإيجاد كافية في ~~إخلاص العبادة للموجد , ثم لم يعتبرها أهل الضلال , أشار تعالى إلى نعمة هي ~~أكبر منها , وهي التفضيل على جميع المخلوقات على وجه مبين لسبب الضلال , ~~فقال عاطفا على ما تقديره : اذكر هذا فإنه كاف في المراد لكل ذي لب : { وإذ ~~} أي واذكر قول ربك إذ { قال ربك } أي المحسن إليك بتشريف أبيك آدم عليه ~~السلام لتشريفك { للملائكة } ولما كان مما يتوقف فيه , أكده فقال : { إني ~~خالق بشرا } أي حيوانا غير ملبس البشرة بما جعله عليه من الطبيعة على ~~الصورة الإنسانية { من صلصال } أي طين شديد اليبس { من حمإ } أي طين أسود ~~منتن PageV04P220 { مسنون * } أي مصور بصورة الآدمي في تجويفه وأعضائه كأنه ~~مصبوب في قالب ؛ قال الرماني : وأصله الاستمرار في جهة من قولهم : على سنن ~~واحد { فإذا سويته } أي عدلته وأتممته وهيأته لنفخ الروح تهيئة قريبة من ~~الفعل { ونفخت فيه من روحي } أي خلقت الحياة فيه كما تعلق النار بالفتيلة ~~بالنفخ , وهو تمثيل , وأضاف الروح إليه تشريفا , وهو ما يصي به الجسم حيا , ~~وأشرف منه ما يصير به الروح عالما , وأشرف منه ما يصير به العالم عاملا ~~خاشعا { فقعوا له } أي تعظيما , حال كونكم ms2588 { ساجدين * } أي اسجدوا له سجود ~~من كان في مبادرته به وسهولة انقياده كأنه وقع من غير اختياره { فسجد ~~الملائكة } أي بسبب هذا الأمر من غير توقف لما جاء الوقت الذي أمرتهم فيه ~~لذلك البشر , وهو أبوكم آدم عليه السلام وأنتم في صلبه { كلهم أجمهون * } . ~~| < < # | الحجر : ( 31 - 35 ) إلا إبليس أبى . . . . . # > > ^ ( إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين * قال يإبليس ما لك ألا تكون ~~مع الساجدين * قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون * قال ~~فاخرج منها فإنك رجيم * وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين ) ^ } ) | ولما أبلغ ~~في تأكيد ما أفهمه الجمع , استثنى فقال : { إلا إبليس } قيل : هو من قوم من ~~الملائكة , و قيل : بل - لكونه كان واحدا بينهم منضافا إليهم عاملا ~~بأعمالهم - كان معمورا فيهم , فكان كأنه منهم , فصح استثناءه لذلك , فكأنه ~~قيل : ما فعل . | فقيل استعظاما لمخالفته : { أبى أن يكون } أي لشكاسة في ~~جبلته { من الساجدين * } أو إنه لم يقلك فأبى - بالعطف , لأن الاستثناء ~~منقطع , فإن إبليس من نار والملائكة من نور , و هم لا يأكلون ولا يشربون ~~ولا ينكحون بخلافة , فكأنه قيل : فما فعل به الملك ؟ فقيل : لم يعاجله ~~بالعقوبة , بل أخره إلى أجله المحكوم به في الأزل كما أنه لم يعاجلكم لذلك ~~, فكأنه قيل : فما قال له ؟ فقيل : { قال } له ليقيم الحجة عليه عند ~~الخلائق ظاهرا كما قدمت عليه الحجة في العلم باطنا : { يا إبليس } اختار ~~هذا الاسم هنا لأن الإبلاس معناه اليأس من كل خير , والسكون والانكسار , ~~والحزن والتحير , وانقطاع الحجة والندم { مالك } أي شيء لك من الأعذار في { ~~ألا تكون } أي بقلبك وقالبك { مع الساجدين * } لمن أمرتك بالسجود له وأنت ~~تعلم مما أنا عليه من العظمة والجلال ما لا يعلمه كثير من الخلق { قال لم ~~أكن } وأكد إظهارا للإصرار والإضرار بالكبر فقال : { لأسجد لبشر } أي ظاهر ~~البدن , لا قدرة له على التشكل والتطور { خلقته من صلصال } أي طين يابس لا ~~منعة فيه , بل إذا نقر أجاب بالتصويت { من حمإ } أي طين متغير ms2589 أسود كدر { ~~مسنون * } أي مصور بصورة الفخار متهيئ للدلك , لا يرد يد لامس , وأنا خي ~~منه لأنك خلقتني من نار نافعة بالإشراق , ممتنعة ممن يريدها PageV04P221 ~~بالإحراق , فخضوعي له مناف لحالي وممتنع مني , و إلزامي به جور , فكأنه قيل ~~: فماذا أجيب ؟ فقيل : { قال فاخرج } أي تسبب عن كبرك أني أقول لك : اخرج { ~~منها } أي من دار القدس , قيل : السماءن وقيل : الجنة { فإنك رجيم * } أي ~~مطرود إذ الرجم لا يكون إلا لمن هو بعيد يراد الزيادة في إبعاده بل إهلاكه ~~, وعلة الإخراج أنها دار لا يقيم بها متكبر عاص بمخالفة أمري , فإن لي ~~الحاكم النافذ والعظمة التامة المقتضية لوجوب الطاعة , لا ينبغي لمن أمرته ~~بما مر أن يتخلف عن أمري فضلا عن أن يضرب لي الأمثال , ويواجهني بالجدال , ~~طاعنا فيما لي من الجلال والجمال ؛ ثم أكد بعده بالإخبار باستمراره فقال : ~~{ وإن عليك } أي خاصة { اللعنة } أي الكاملة للقضاء بالمباشرة لأسباب البعد ~~{ إلى يوم الدين * } أي إلى يوم انقطاع التكليف وطلوع صبح الجزاء بفناء ~~الخلق أجمعين وفوات الأمد التي تصح فيه التوبة التي سبب القربن فذلك إيذان ~~بدوام الطرد , وتوالي البعد والمقتن فلا يتمكن في هذا الأمد من عمل يكون ~~سببا للقرب من حضرة الأنس , وجناب القدس , ومن منع من التوبةعن الكفر في ~~وقتها يعلم قطعا أنه لا يغفر له , فهو معذب أبدا . | < < # | الحجر : ( 36 - 45 ) قال رب فأنظرني . . . . . # > > ^ ( قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون * قال فإنك من المنظرين * إلى يوم ~~الوقت المعلوم * قال رب بمآ أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ~~* إلا عبادك منهم المخلصين * قال هذا صراط علي مستقيم * إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين * وإن جهنم لموعدهم أجمعين * لها سبعة ~~أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم * إن المتقين في جنات وعيون ) ^ } ) | ولما ~~علم من هذا دوام لعنه , لأنه منع التقرب في دار العمل , وما بعد ذلك محل ~~الجزاء لا العمل , وكان ذلك مفهما لإنظاره إلى ذلك الحد , وكان ظاهره أن ~~لعنه معني به , كان ms2590 كأنه قيل : فماذا قال حين سمع ذلك ؟ فقيل : { قال } ~~ذاكرا صفة الإحسان والتسبب في سؤال الإنظار : { رب } فاعترف بالعبودية ~~والإحسان إليه , ولم يحمله ذلك على التوبة للحكم بدوام لعنه فلا يطمع طامع ~~في إيمان من ختم بكفره بالإجابة إلى ما يقترح , وأتى بفاء السبب لما فهم من ~~الإملاء فقال : { فأنظرني } والإنظار : تأخير المحتاج للنظر في أمره { إلى ~~يوم يبعثون * } فحمل يوم الدين على حقيقته , وأراد التصريح بالإنظار إليه ~~ليأمن الموت . | فكأنه قيل : ماذا قيل له ؟ فقيل : { قال } له ربه : { فإنك ~~} أي بسبب ما تقدم من الحكم { من المنظرين * } وقطع عليه ما دبج به من ~~المكر فقال : { إلى } ولما كان اليوم ما يتم فيه أمر ظاهر , وكانت الأيام ~~الهائلة ثلاثة : PageV04P222 زمان موت الأحياء الخارجين من دار الخلد , ثم ~~بعث الأموات , ثم الفصل بينهم بإحلال كل فريق في داره , قال : { يوم } ولما ~~كان الوقت أدل ألفاظ الزمان على الأجل , قال : { الوقت } ولما كان قد دبج ~~في سؤاله هذا تدبيجا أوهم تجاهله بتحتم الموت على كل مكلفن بين تعالى أنه ~~مما لا يجهل فقال : { المعلوم * } أي الذي قارت عليك الموت فيه , وهو ~~النفخة الأولى وما يتبعها من موت كل مخلوق لم يكن في دار الخلد . | ولما ~~أفهم ما تقدم - كما قلنا - الحكم بإغوائه , كان السامع كأنه قال : فماذا ~~قال ؟ فقيل : { قال } منسوبا نفسه بالمعبود العلي - الذي لا يسأل عما يفعل ~~, وكل أفعاله عدل وحكمة - بعد أن رفع نفسه على العبد البشري : { رب } أي ~~أيها الموجد والمربي لي وعزتك { بما أغوتني } أي بسبب إغوائك لي من أجلهم , ~~وللاهتمام بهذا السبب قدمه على جواب القسم الدال على المقسم به , وهو قوله ~~: { لأزينن لهم } أي تزيينا عظيما , المعاصي والمباحات الجارة إليها ~~الشاغلة عن الطاعة الصارفة عنها { في الأرض } أي التي هي محل الغفلة وهم ~~منها , والشيء إلى ما هو منه أميل , فهي بهذا التقدير مساوية لآية ( ص ) ( ~~فبعزتك ) ؛ والتزيين : جعل الشيء متقبلا في النفس من جهة الطبع والعقل بحق ~~أو بباطل { ولأغوينهم } أي بالإضلال عن الطريق ms2591 الحميدة { أجمعين } انتقاما ~~لنفسي { إلا عبادك منهم } أي المشرفين بالإضافة إليك , فهم لذلك لا يميلون ~~عنك إلى شيء سواك , فلذلك أبدل منهم { المخلصين * } فزاد بهذا الكلام في ~~الضلال , ولم يقدر أن يقول بدل ذلك : رب علي - ونحوه من الاستعطاف كما قال ~~آدم عليه السلام لما حفه اللطف وداركه العفو , فارعوا هذه النعمة ! ~~والإخلاص : إفراد الشيء عما يشربه من غيره , فكأنه قيل : فبماذا أجيب ؟ ~~فقيل : { قال } الله في جوابه , رادا على ما أوهمه كلامه من أن له فعلا ~~بستقل به , مكذبا له : { هذا } أي الذي ذكرته من حال المستثنى والمستثنى ~~منه { صراط علي مستقيم * } لأني قضيت به ولو لم تقله أنت وحكمت به عليك ~~وعليهم , فلا محيص لكم عنه , فكأنه قيل : علي إقامته , أو هو وارد علي ألا ~~عوج لسالكيه عن الرجوع إلي - يعني أنه لا يقدر أحد أن يعمل شيئا بغير ~~إرادتي , فإني بالمرصاد ؛ ثم شرح ذلك بقوله - مضيفا جميع العباد إليه كما ~~هو الحقيقة , نافيا ما قد يوهمه الكلام من أن لإبليس عملا مستقلا - : { إن ~~عبادي } أي عامة { ليس لك } أي بوجه من الوجوه { عليهم سلطان } أي لتردهم ~~كلهم عما يرضيني { إلا من اتبعك } أي بتعمد منه ورغبة في اتباعك { من ~~الغاوين } ومات عن غير توبة ؛ فإني جعلت لك عليهم سلطانا بالتزيين والإغواء ~~, وقيل وهو ظاهر : إن الإضافة للتشريف , فلا تشمل إلا الخلص , فحينئذ يكون ~~الاستثناء منقطعا , وفائدة سوقه بصورة الاستثناء - PageV04P223 على تقدير ~~الانقطاع - الترغيب في رتبة التشرف بالإضافة إليه والرجوع عن اتباع العدو ~~إلى الإقبال عليه , لأن ذوي الأنفس الأبية والهمم ينافسون في ذلك المقام , ~~ويرونه - كما هو الحق - أعلى مرام { وإن جهنم لموعدهم } أي الغاوين من ~~إبليس ومن شايعه { أجمعين * } ثم بين أنهم متفاوتون فيها فقال : { لها سبعة ~~أبواب } قال الرماني : وهي أطباق بعضها فوق بعض - عن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه والحسن وقتادة وابن جريح رحمهم الله { لكل باب منهم } أي الغاوين ~~خاصة , لا يشاركهم فيه مخلص { جزء مقسوم * } معلوم لنا من القدم لتقديرنا ms2592 ~~إياه , لا يزيد شيئا ولا ينقض شيئا , فلا فعل فيه بغير التسبب الذي أظهرناه ~~, لنربط به الأحكام على ما يقتضيه عقولكم ومجاري عاداتكم , وعن ابن جريح أن ~~العليا جهنم , ثم لظى , ثم الحطمة , ثم السعير , ثم سقر , ثم الجحيم , ثم ~~الهاوية , وفي نسخة تقديم سقر على لظى , وعن الضحاك أن العليا لأهل التوحيد ~~, ثم يخرجون , والثانية للنصارى , والثالثة لليهود , والرابعة للصابئة , ~~والخامسة للمجوس , والسادسة لمشركي العرب , والسابعة للمنافقين , والسبب في ~~تصاعدها اختلاف أنواع الكفر في الغلط والخفة < # > 77 ( { ولا يظلم ربك أحدا } ) 77 < # > [ الكهف : 49 ] رحمة منه سبحانه , ولعلها كانت سبعة باعتبار أصناف ~~الكفار , لأنهم إما معطلة أو مثبتة , والمثبتة إما يهود أو صابئة أو نصارى ~~أو أو مجوس أو عباد أوثان , والكل إما مصارحون أو منافقون , ولما كان ~~المنافق لا يعرف ظاهرا من أيها هو ؟ عد قسما واحدا ووكل أمره في ميزه إلى ~~العليم الخبير , ولما كان الكل عاملين بما لم يأذن به الله كانوا في حكم ~~المعطلة , لوصفهم الله بغير صفته , فرجعت الأقسام إلى ستة , فأضيفت إليها ~~العصاة من كل فرقة فجعلت جزء الطبقة العليا من النار مقابلة لقسم المنافقين ~~من كل أمة , لعملهم أعمال الكفار مع الإيمان , كما أن عمل المنافقين عمل ~~المؤمنين مع الكفران , فكانوا أخفى الكفار فكان لهم الدرك الأسفل من النار ~~, ثم رأيت في ( رشف النصائح الإيمانية وكشف الفضائح اليونانية ) للعارف ~~بالله تعالى شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي رحمه الله أنها جعلت سبعة ~~على وفق الأعضاء السبعة من العين , والأذن , واللسان , والبطن , والفرج , ~~واليد , والرجل , لأنها مصادر السيئات , فكانت مواردها الأبواب السبعة - ~~وهو مأخوذ من كتاب المحاسبة من كتاب الإحياء للإمام الغزالي - ولما كانت هي ~~بعينها مصادر الحسنات بشرط النية , والنية من أعمال القلب , زادت الأعضاء ~~واحدا , فجعلت أبواب الجنان ثمانية هذا معنى قوله , قال : وأعمال القلوب من ~~السيئات غير مؤاخذ بها . | ولما ذكر الكافرين وما جرهم إلى الضلال , وجرأهم ~~على قبائح الأعمال , ذكر PageV04P224 المخلصين فقال : مؤكدا لإنكار ~~المكذبين بالبعث : { إن المتقين } أي ms2593 العريقين في هذا الوصف ؛ والمتقي : من ~~جعل الإيمان بإخلاصه حاجزا بينه وبين العقاب { في جنات وعيون } . | < < # | الحجر : ( 46 - 52 ) ادخلوها بسلام آمنين # > > ^ ( ادخلوها بسلام آمنين * ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين * لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين * نبىء عبادي أني أنا ~~الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم * ونبئهم عن ضيف إبراهيم * إذ ~~دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون ) ^ } ) | ولما كان المنزل لا ~~يحسن إلا بالسلامة والأنس والأمن , قال تعالى : { ادخلوها } أي يقال لهم ~~ذلك { بسلام } أي سالمين من كل آفة , مرحبا بكم ومسلما عليكم حال الدخول { ~~آمنين * } من ذلك دائما . | ولما كان الأنس لا يكمل إلا بالجنس مع كمال ~~المودة وصفاء القلوب عن الكدر , قال : { ونزعنا } أي بما لنا من العظمة { ~~ما في صدورهم من غل } أي حقد ينغل أي ينغرز في القلب حال كونهم { إخوانا } ~~أي متصافين , حال كونهم { على سرر } جمع سرير , وهو مجلس رفيع موطأ للسرور ~~{ متقابلين * } لا يرى بعضهم قفا بعض ؛ في آخر الثقفيات عن الجنيد رحمة ~~الله أنه قال : ما أحلى الاجتماع مع الأصحاب ! وما أمر الاجتماع مع الأضداد ~~! ولما كان النظر في الدوام والمآل بعد ذلك , قال : { لا يمسهم فيها نصب } ~~أي إعياء وتعب وجهد ومشقة { وما هم منها } ولما كان المنكى في كل شيء إنما ~~هو الإكراه , بني للمفعول قوله : { بمخرجين * } . | ولما كان المفهوم من ~~هذا السياق أن الناجي إنما هو المتقي المخلص الذي ليس للشيطان عليه سلطان , ~~وكان مفهوم المخلص من لا شائبة فيه , وكان الإنسان محل النقصان , وكان ~~وقوعه في النقص منافيا للوفاء بحق التقوى والإخلاص , وكان ربما أيأسه ذلك ~~من الإسعاد , فأوجب له التمادي في البعاد , قال سبحانه - جوابا لمن كأنه ~~قال : فما حال من لم يقم بحق التقوى ؟ { نبئ عبادي } أي أخبرهم إخبارا ~~جليلا { أني أنا } أي وحدي { الغفور الرحيم * } أي الذي أحاط - محوه للذنوب ~~وإكرامه لمن يريد - بجميع ما يريد , لا اعتراض لأحد عليه . | ولما كان ذلك ~~ربما سببا ms2594 للاغترار الموجب للإصرار , قال تعالى : { وأن عذابي هو } أي وحده ~~{ العذاب الأليم * } أي الكامل في الإيام , فعلم أن الأول لمن PageV04P225 ~~استغفر , والثاني لمت أصر , وعرف من ذلك أن المتقين إنما دخلوا الجنة بعفوه ~~, والغاوين إنما عذبوا بعدله , فهو لف ونشر مشوش - على ما هو الأفصح . | ~~ولما أتم سبحانه شرح قوله : { وليعلموا أنما هو إله واحد } وما تبعه من ~~الدلالة على البعث , شرع في شرح { وليذكر أولوا الألباب } بقصة الخليل عليه ~~السلام وما بعدها مع الوفاء بذكر المعاد , تارة تلويحا وتارة تصريحا , ~~والرجز عن الاجتراء على طلب الإتيان بالملائكة عليهم السلام , والالتفات ~~إلى قوله : ^ ( { الحمد لله الذي وهب لي على الكبر اسماعيل واسحاق } ) ^ [ ~~إبراهيم : 39 ] في أسلوب شارح لما تعقبه هذه القصة , فإن حصول القنوط سبب ~~لآية المغفرة , والإخبار بعذاب الأمم تمثيل لآية العذاب ليزدجر المخاطبون , ~~وأفراد لهم ذكر من هو أقرب إلى بلادهم ممن يعرفونه من المعذبين لأنه أوقع ~~في النفس , فقال تعالى : { ونبئهم } أي أخبرهم إخبارا عظيما { عن ضيف ~~إبراهيم * } والضيف هو المنضم إلى غيره لطلب القرى , فهؤلاء سموا بهذا ~~الاسم لأنهم على صورة الضيف , فهو من دلالة التضمن { إذ دخلوا عليه } أي ~~إبراهيم عليه السلام { فقالوا } أي عقب الدخول { سلاما } . | ولما كان ~~طلبهم في هذه الصورة للملائكة على وجه أوكد مما في سورة هود عليه السلام , ~~أشار لهم إلى ما في رؤية الملائكة من الخوف ولو كانوا مبشرين وفي أحسن صورة ~~من صور البشر - بقوله : { قال } بلسان الحال أو القال : { إنا } أي أنا ومن ~~عندي { منكم وجلون * } وأسقط ذكر جوابه بالسلام , ولا يقدح ذلك فيما في ~~سورة هود وغيرها من ذكره , فإن إذ ظرف زمان بمعنى حين , والحين قد يكون ~~واسعا , فيذكر ما فيه تارة جميعه على ترتيبه , وأخرى علىغير ذلك , وتارة ~~بعضه مع إسقاط البعض مع صدق جميع وجوه الإخبار لكونه كان مشتملا على الجميع ~~, وتكون هذه التصرفات على هذه الوجوه لمعان يستخرجها من أراد الله . | < < # | الحجر : ( 53 - 58 ) قالوا لا توجل . . . . . # > > ^ ( قالوا لا توجل إنا نبشرك ms2595 بغلام عليم * قال أبشرتموني على أن مسني ~~الكبر فبم تبشرون * قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين * قال ومن يقنط ~~من رحمة ربه إلا الضآلون * قال فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنآ أرسلنآ ~~إلى قوم مجرمين ) ^ } ) | ولما أخبر أنه أخبرهم بوجله منهم , تشوف السامع ~~إلى جوابهم فقال : { قالوا } مريدين أمنه : { لا توجل } والوجل : اضطراب ~~النفس لتوقع ما يكره ؛ ثم عللوا ذلك بقولهم مؤكدين لقلع ما في نفسه من ~~الوجل المنافي للبشرى { إنا نبشرك بغلام } أي ولد PageV04P226 ذكر هو في ~~غاية القوة وليس هو كالأولاد الشيوخ ضعيفا . | ولما كان خوفه لخفاء أمرهم ~~عليه , كان للوصف بالعلم في هذا السياق مزيد مزية فقالوا : { عليم * } ~~فكأنه قيل : فما قال ؟ فقيل : { قال } مظهرا للتعجب إرادة تحقيق الأمر ~~وتأكيده : { أبشرتموني } أي بذلك { على أن مسني الكبر } أي الذي لا حركة ~~معه يأتي منها ولد , أم على أن أعود شابا ؟ ولذلك سبب عنه قوله : { فبم ~~تبشرون * } بينوا لي ذلك بيانا شافيا { قالوا بشرناك بالحق } أي الأمر ~~الثابت المقطوع به الواقع لا محالة الذي يطابق خبرنا { فلا تكن } أي بسبب ~~تبشيرنا لك بالحق { من القانطين * } أي الآئسين الذين ركنوا إلى يأسهم , ~~لقولك نحو أقوالهم . | فلما ألهبوه بهذا النهي { قال } منكرا لأن يكون من ~~القانطين : { ومن يقنط } أي ييأس هذا اليأس { من رحمة ربه } أي الذي لم يزل ~~إحسانه دارا عليه { إلا الضالون * } أي المخطئون طريق الإعتقاد الصحيح في ~~ربهم من تمام القدرة وأنه لا تضره معصية ولا تنفعه طاعة , وهذا إشارة إلى ~~أنه ما كان قانطا , وإنما كان مريدا لتحقيق الخبر , وفي هذا تلويح إلى أمر ~~المعاد . | فلما تحقق البشرى ورأى إتيانهم مجتمعين على غير الصفة التي يأتي ~~عليها الملك للوحي , وكان هو وغيره من العارفين بالله عالمين بأنه ما تنزل ~~الملائكة إلا بالحق , كان ذلك سببا لأن يسألهم عن أمرهم ليزول وجله كله , ~~فلذلك { قال فما } بفاء السبب { خطبكم } قال أبو حيان : والخطب لا يكاد ~~يقال إلا في الأمر الشديد - انتهى . | وقال الرماني : إنه الأمر الجليل ms2596 { ~~يا أيها المرسلون * } فإنكم ما جئتم إلا لأمر عظيم يكون فيصلا بين هالك ~~وناج { قالوا إنا } ولما كان عالما بمرسلهم , بنوا للمفعول قولهم : { ~~أرسلنا } أي بإرسال العزيز الحكيم الذي أنت أعرف الناس في هذا الزمان به { ~~إلى قوم } أي ذوي منعة { مجرمين } أي عريقين في الإجرام كلهم . | < < # | الحجر : ( 59 - 62 ) إلا آل لوط . . . . . # > > ^ ( إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين * إلا امرأته قدرنآ إنها لمن ~~الغابرين * فلما جآء آل لوط المرسلون * قال إنكم قوم منكرون ) ^ } ) | ولما ~~كان إرسالهم للعذاب , قالوا مستثنين من الضمير في { مجرمين } أي قد أجرموا ~~كلهم عظيما { إلا آل لوط } فاستثنوهم من أن يكونوا مجرمين , المستلزم ~~لكونهم ما أرسلوا لتعذيبه , فكان ذلك محركا للنفس إلى السؤال عن حالهم , ~~فإنهم ممن وقع الإرسال بسببه , فأجابوا بقولهم : { إنا لمنجوهم } أي تنجية ~~عظيمة بتدريج الأسباب على العادة { أجمعين إلا امرأته } . | PageV04P227 ~~فلما استثنوها من أن ينجوها فكان أمرها محتملا لأن تعذب ولأن ينجيها الله ~~تعالى بسبب غيرهم , تشوفت النفس للوقوف على ما قضى الله به من ذلك , فقيل ~~بإسناد الفعل إلى أنفسهم لما لهم من الاختصاص بالمقدر سبحانه : { قدرنا } ~~ولما كان فعل التقديرمتضمنا للعلم , علقه عن قوله : { إنها } أي امرأته , ~~وأكد لأجل ما أشير إليه هنا من عظيم تشوف الخليل عليه السلام إلى معرفة ~~أمرهم وتشديد سؤاله , في نجاة لوط عليه السلام وجميع آله - كما مضى التصريح ~~به في هود - فطما له عن سؤال في نجاتها بخلاف ما في النمل , فإن سياقها عار ~~عن ذلك { لمن الغابرين } أي الباقين الذين لا ينجون مع لوط عليه السلام , ~~بل تكون في الهلاك والعبرة ؛ والآل - قال الرماني : أهل من يرجعون إلى ~~ولايته , ولهذا يقال : أهل البلد , ولا يقال آل البلد , والتقدير : جعل ~~الشيء على مقدار غيره لتظهر المساواة والمباينة , والغابر : الباقي فيمن ~~يهلك . | فلما تم ما أريد الإخبار عنه من تحاورهم مع إبراهيم عليه السلام , ~~أخبر عن أمرهم مع لوط عليه السلام , فقال : { فلما } بالفاء الدالة على ~~سرعة وصولهم إليه , وكأنه ما اشتد إنكاره لهم ms2597 إلا تشبه أحوال البشر فلذا ~~قال : { جاء آل لوط } أي في منزله { المرسلون * } أي لإهلاك قومه { قال ~~إنكم قوم } أي أقوياء { منكرون * } لا بد أن يكون عن إتيانكم إلى هذه ~~البلدة شر كبير لأحد من أهل الأرض , وهو معنى < # > 77 ( { سيء بهم } ) 77 < # > [ العنكبوت : 33 ] الآية , فقدم حكاية إنكاره إياهم وإخبارهم عن العذاب ~~لمثل ما تقدم في قصة إبراهيم عليه السلام من الزجر عن قولهم { لو ما تأتينا ~~بالملائكة } المحتمل لإرادة جميع الملائكة { إن كنت من الصادقين } تعريفا ~~لهم بأن بعض الملائكة أتوا من كانا أكمل أهل ذلك الزمان على أجمل صور البشر ~~, مبشرين لهما , ومع ذلك خافهم كل منهما , فكيف لو كان منهم جمع كثير ؟ أم ~~كيف لو كانوا على صورهم ؟ أم كيف لو كان الرائي لهم غيرهما ؟ أم كيف لو كان ~~كافرا < # > 77 ( { يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا ~~} ) 77 < # > [ الفرقان : 22 ] ويجوز أن يكون قوله لهم هذه المقالة إنما كان عند ~~إخبارهم به بأنهم رسل الله , ويكون المعنى حينئذ أنكم لستم على صفة الآتي ~~بالوحين فقد اشتد على أمركم , لكوني لا أعرفكم مع الاستيحاش منكم , وذلك ~~بعد محاورته لقومه ثم مقارعتهم عنهم , فكان خائفا عليهم , فلما أخبروه أنهم ~~ملائكة خاف منهم أن يكونوا أتوا بشيء يكرهه , وقد تقدم آنفا أن الإخبار عما ~~كان في حين من الأحيان لا يضر تقديم بعضه على بعض ولا إسقاط بعض وذكر آخر , ~~ولم يزد هنا الحرف الذي أصله المصدر , وهو ( أن ) كما في العنكبوت , لأن ~~استنكاره لهم وإن كان مرتبا على مجيئهم إلا أنه ليس متصلا بأوله بخلاف ~~المساءة . | PageV04P228 < < # | الحجر : ( 63 - 66 ) قالوا بل جئناك . . . . . # > > ^ ( قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون * وآتيناك بالحق وإنا ~~لصادقون * فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد ~~وامضوا حيث تؤمرون * وقضينآ إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلآء مقطوع مصبحين ) ^ ~~} ) | ولما كانت حقيقة المنكر ما خرج عن عادة أشكاله , ولم يكن على طريقة ~~أمثاله , أضربوا عن قوله , وكان ms2598 جوابهم أن { قالوا بل } أي لسنا منكرين ~~لأنا { جئناك } لنفرج عنك أن نأتي بمثله من العذاب الذي كانوا يشكون فيه ~~شكا عظيما , يحملون نفوسهم عليه ويكذبون به , والجاهل يوصف بالشك وإن كان ~~مكذبا من جهة ما يعرض له منه , من حيث إنه لا يرجع إلى ثقة فيما هو عليه { ~~وأتيناك بالحق } الفاصل بينك وبينهم , الواقع بهم مطابقا لإخبارنا ؛ ~~والإتيان : الانتقال إلى جهة الشيء , والذهاب : الانتقال عنه { وإنا ~~لصادقون * } في الإخبار بما يطابق الواقع . | ولما أخبروه بوقوع العذاب بهم ~~, أمروه بما يكون سببا فيما أمروا به من إنجائه , فقالوا : { فأسر } فأتو ~~بالفاء لأن ما بعدها مسبب عما قبلها { بأهلك بقطع } أي طائفة { من الليل ~~واتبع } أي كلف نفسك أن تتبع { أدبارهم } لتكون أقربهم إلينا وإلى محل ~~العذاب , لأنك أثبتم قلبا وأعرفهم بالله , والشر من ورائكم , وقد جرت عادة ~~الكبراء أن يكونوا أدنى جماعتهم إلى الأمر المخوف سماحا بأنفسهم وتثبيتا ~~لغيرهم , وعلما منهم بأن مداناة ما فيه وجل لا يقرب من أجل , وضده لا يغني ~~من قدر , ولا يباعد من ضرر , ولئلا يشتغل قلبك بمن خالفك , وليحتشموك فلا ~~يلتفتوا , أو يتخلف أحد منهم - وغير ذلك من المصالح ؛ والدبر : جهة الخلف ~~وهو ضد القبل { ولا يلتفت } أي أصلا { منكم أحد } إذ لا فائدة فيه لأن ~~الملتفت غير ثابت , لأنه إما غير مستيقين لخبرنا أو متوجع لهم , فمن التفت ~~ناله العذاب , وذلك أيضا أجد في الهجرة , وأسرع في السير , وأدل على إخراج ~~ما خلفوه من منازلهم وأمتعتهم من قلوبهم , وعلى أنهم لا يرقون لمن غضب الله ~~عليهم مع أنهم ربما رأوا ما لاتطيقه أنفسهم { وامضوا حيث } وتعبيره ~~بالمضارع يشعر بأنه يكون معهم بعض الملائكة عليهم السلام في قوله : { ~~تؤمرون * } . | ولما تقرر بهذا أمر إهلاكهم من غير تصريح ولا تعيين لوقت , ~~قال تعالى : { وقضينا } أي بما لنا من العظمة , موحين { إليه } أي خاصة { ~~ذلك الأمر } وأشار إلى تعظيمه بالإشارة إليه بأداة البعد , ثم فسره بقوله : ~~{ أن دابر } أي آخر { هؤلاء } أي الحقيرين عند قدرتنا , وأشار ms2599 بصيغة ~~المفعول إلى عظمته سبحانه وسهولة الأمر عنده فقال تعالى : { مقطوع } حال ~~كونهم { مصبحين * } ولا يقطع الدابر حتى يقطع ما دونه , لأن PageV04P229 ~~العدو يكون مستقبلا لعدوه , فهو كنايةعن الاستئصال بأن آخرهم وأولهم في ~~الأخذ سواء , لأن الآخذ قادر , لا كما يفعل بعض الناس مع بعض من أنهم يملون ~~في آخر الوقائع فيفوتهم البعض . | < < # | الحجر : ( 67 - 72 ) وجاء أهل المدينة . . . . . # > > ^ ( وجآء أهل المدينة يستبشرون * قال إن هؤلآء ضيفي فلا تفضحون * ~~واتقوا الله ولا تخزون * قالوا أولم ننهك عن العالمين * قال هؤلآء بناتي إن ~~كنتم فاعلين * لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) ^ } ) | فلما تم ما دار بينه ~~وبين الرسل مقدما لما بين , أتبعه البيان عن حال قومه إشارة إلى أن ~~الملائكة إن كانوا بصفات البشر لم يعرفهم الكفرة , وإن كانوا بصفاتهم أو ~~بإظهار شيء من خوارقهم لم تحتمله قواهم , فلا نفع لهم في مكاشفتهم في حالة ~~من الحالات , فسؤالهم الإتيان بهم جهل عظيم , فقال تعالى : { وجاء أهل ~~المدينة } أي التي كان هذا الأمر فيها - قالوا : وهي سدوم - لإرادة عمل ~~الفاحشة بالأضياف { يستبشرون * } أي يلوح على بشراتهم السرور , فهم يوجدونه ~~لأنفسهم إيجاد من هو شديد الرغبة في طلبه , فكان حال لوط عليه السلام أن { ~~قال } لهم : { إن هؤلاء } أي الأقرباء مني { ضيفي } . | ولما كان إكرام ~~الضيف إكراما لمن هو عنده وإهانته إهانته , سبب عن ذلك ما أشار إليه الكلام ~~فقال : { فلا تفضحون * } في إصابتهم بفاحشة , وكان ذلك قبل معرفته أنهم ~~ملائكة { واتقوا الله } أي الذي له جميع العظمة { ولا تخزون * } أي بإهانة ~~ضيفي , فيكون ذلك عارا علي مدى الدهر , فلم يكفهم ذلك بل { قالوا } بفظاظة ~~, عاطفين على ما تقديره : ألم تعلم أنا لا نترك هذا الأمر لشيء من الأسباب ~~: { أو لم ننهك } أي من قبل هذا { عن العالمين * } أن تجبر علينا أحدا منهم ~~, فما وصلوا إلى هذا الحد من الوقاحة , ذكر لهم الحريم ليحملهم ذلك على ~~الحياء , لأنه دأب من له أدنى مروءة ولا سيما ذكر الأبكار في سياق يكاد ~~يصرح بمراده , بأن { قال ms2600 هؤلاء } مشيرا إلى بيته الذي فيه بناته صلى الله ~~عليه وسلم ورضي عنهن { بناتي إن كنتم } ولا بد { فاعلين * } أي قد عزمتم ~~عزما ماضيا على هذا الفعل , إشارة بأداة الشك إلى أن هذا الفعل مما لا ~~ينبغي أن يفعل , يعني وأنتم عالمون بأني لا أسلم بناتي أبدا , فعلم من ذلك ~~ان وصولكم إلى أضيافي دون هلاكي محال . | ولما ذكر ما ذكر من أمورهم وعظيم ~~فجورهم , وهم قد فرغ من أمرهم وقضي باستئصالهم , كان كل من يعلم ذلك قاضيا ~~بأنهم لا عقول لهم , فأتبع سبحانه ذلك ما PageV04P230 يدل عليه بقوله : { ~~لعمرك } أي وحياتك يا كريم الشمائل , وأكد لأن الحال قاض في ذلك الحين ~~استبعاد ردهم , ولتحقيق أن لك ضلال منهم صرف وتعنت محضن فقال : { إنهم لفي ~~سكرتهم } أي غوايتهم الجاهلية { يعمهون * } أي يتحيرون ولا يبصرون طريق ~~الرشد , فلذلك لا يقبلون قول النصوح , فإن كان المخاطب لوطا عليه السلام , ~~كان ضمير الغيبة لقومه , وإن كان المخاطب نبينا صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم - وهو الظاهر - كان الضمير لقومه , وكان التقدير أنهم في خبط بعيد عن ~~السنن في طلبهم إتيان الملائكة كما كان قوم لوط عليه السلام يقصدون ~~الالتذاذ بالفاحشة بمن مكن من هلاكهمن فشتان ما بين القصدين ! وهيهات لما ~~بين الفعلين ! فصار المعنى أن ما قذفوك به أول السورة بهم لابك , لأن من ~~يطلب إتيان الملائكة - مع جواز أن يكون حاله حال قوم لوط عليه السلام عند ~~إتيانهم - هو المجنون ؛ والعمر - بالفتح : العمر - بالضم , وهو مدة بقاء ~~الشيء حيا , لكنه لا يقال في القسم إلا بالفتح لخفته مع كثرة دور القسم , ~~ولذلك حذفوا الذي تقديره : قسمي , والسكرة : غمور السهو للنفس . | < < # | الحجر : ( 73 - 79 ) فأخذتهم الصيحة مشرقين # > > ^ ( فأخذتهم الصيحة مشرقين * فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم ~~حجارة من سجيل * إن في ذلك لآيات للمتوسمين * وإنها لبسبيل مقيم * إن في ~~ذلك لآية للمؤمنين * وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين * فانتقمنا منهم وإنهما ~~لبإمام مبين ) ^ } ) | ولما تم ذلك , سبب عن القضاء دابرهم قوله تعالى : { ~~فأخذتهم } أي أخذ ms2601 انتقام وغلبة { الصيحة } أي التي هي لعظمها وهولها هي ~~الصيحة , وغيرها عدم بالنسبة إليها ؛ والأخذ : فعل يصير به الشيء في جهة ~~الفاعل , والصيحة : صوت يخرج من الفم بشدة ؛ وقوله : { مشرقين * } أي ~~داخلين في الإشراق , وهو ضياء الشمس عند بزوغها , وتبين به أن وقته يسمى ~~صبحا لغة , فإن الصبح والصباح والإصباح أول النهار , ولعله يطلق عليه إلى ~~وقت الغداء أو الزوال , أو تكون الصيحة وقت الإشراق آخر أمرهم , وقلع ~~المدائن من أماكنها وقت الصبح ابتداء أمرهم ؛ ثم بين سبحانه ما تسبب عن ~~الصيحة متعقبا لها فقال : { فجعلنا عاليها } أي مدائنهم { سافلها وأمطرنا } ~~. | ولما كان الزجر في هذه السورة أعظم من الزجر في سورة هود عليه السلام , ~~لطلبهم أن يأتي بجميع الملائكة , أعاد الضمير على المعذبين لا على مدنهم - ~~كما مضى في سورة هود عليه السلام - لأن هذا أصرح , فقال : { عليهم } أي أهل ~~المدائن التي قلبت المدائن لأجلهم { حجارة من سجيل } ثم حقق أن ذلك كله شرح ~~لقوله { وليذكر أولوا الألباب } بقوله : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم جدا ~~{ لآيات } أي عدة من جهة غمرها بالماء بعد خسفها , ومن جهة كونه مخالفا ~~لمياه الأرض بالنتن والخباثة , وعدم PageV04P231 عيش الحيوان فيه , وعدم ~~النفع به , ومن جهة فظاعة منظرة - وغير ذلك من أمره { للمتوسمين * } جمع ~~متوسم , وهو الناظر في السمة الدالة - وهي الأثر ذلك , فهو إلهاب لهم ~~وتبكيت ؛ ثم بين أن ذلك غير خفي عنهم ولا بعيد عمن أراد الاتعاظ به , فقال ~~جعلا لهم - لعدم اعتبارهم بها ومع رؤيتهم إياها في كل حين - في عداد ~~المنكرين : { وإنها } أي هذه المدائن { لبسبيل مقيم * } أي ثابت , وهو مع ~~ذلك مبين , فالاعتبار بها في غاية السهولة لقومك , وكانوا يمرون عليها في ~~بعض أسفارهم إلى الشام . | ولما أشار سبحانه إلى الاستدلال بالتوسم الدال - ~~مما هي عليه من المخالفة لسائر مياه الأرض العذبة الورادة إليها على ~~كيثرتها ومع أن البلاد التي هي بها من أبهج البلاد في عذوبة المياه وطراوة ~~الأرض وحسن الأشجار وغير ذلك - على أن لها نبأ ms2602 هو في غاية الغرابة , وأتبع ~~ذلك سهولة الوصول إليها حثا على إتيانها بقصد نظرها والاعتبار بها والسؤال ~~عن سبب كونها كذلك , قال تعالى مشيرا إلى زيادة الحث بالتأكيد : { إن في ~~ذلك } أي الأمر العظيم من حالها { لآية } أي علامة عظيمة في الدلالة علينا ~~{ للمؤمنين * } أي الراسخين في الصدق والتصديق , فإذا أخبروا أن سبب كونها ~~هكذا أن الله أمر بعض جنده فرفعها ثم قلبها ثم أتبعها الحجارة ثم خسف بها ~~وغمرها بهذا الماء - الذي هو في القذارة وعدم الثمرة مناسب لأفعال أهلها - ~~لأجل عصيانهم رسوله صلى الله علية وعلى آله وسلم , آمنوا حذرا من مثل هذا ~~العذاب إيمانا بالغيب . | ولما ذكر هذه القصة , ضم إليها ما هو على طريقها ~~مما عذب قومه بنوع آخر من العذاب يشابه عذاب قوم لوط في كونه نارا من ~~السماء , فقال مؤكدا لأجل إنكار الكفار أن يكون عذابهم لأجل التكذيب , أو ~~عدا لهم - لأجل تماديهم على الغواية مع العلم به - عداد المنكرين : { وإن } ~~أي وإنه { كان } أي جبلة وطبعا { أصحاب الأيكة } وهم قوم شعيب عليه السلام ~~؛ والأيكة : الشجرة - عن الحسن , وجمعه الأيك كشجرة وشجر , وقيل : الأيكة : ~~الشجر الملتف { لظالمين * } أي العريقين في الظلم { فانتقمنا منهم } أي ~~بسبب ذلك ؛ ثم أخبر عن البلدين لتقاربهما في العذاب والمكان وكونهما على ~~طريق واحدة من طرق متاجر قريش فقال : { وإنهما } أي قرى قوم لوط ومحال ~~أصحاب الأيكة { لبإمام } أي طريق يؤم ويتبع ويهتدي به { مبين * } واضح لمت ~~أراده , بحيث إنه من شدة وضوحه موضح لعظمة الله وانتصاره لأبيائه ممن ~~يكذبهم , وهو مع وضوحه مقيم في مكانه لم تندرس أعلامه , ولم تنطمس آثاره , ~~فالآية من الاحتباك : ذكر في الأولى { مقيم } دلالة على حذف مثله ثانيا , ~~وفي الثانية { مبين } دلالة على حذف مثله أولا . | PageV04P232 < < # | الحجر : ( 80 - 84 ) ولقد كذب أصحاب . . . . . # > > ^ ( ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين * وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها ~~معرضين * وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين * فأخذتهم الصيحة مصبحين * ~~فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) ^ } ) | ولما كان ربما قيل : إنه لو كان ms2603 ~~لأصحاب الأيكة بيوت متقنة لمنعتهم من العذاب ؟ عطف عليهم من هم على طريق ~~أخرى من متاجرهم إلى الشام , وكانوا قد طال اغترارهم بالأمل حتى اتخذوا ~~الجبال بيوتا , وكانت آيتهم في غاية الوضوح فكذبوا بها , تحقيقا لأن ~~المتعنتين لو رأوا كل آية لقالوا إنما سكرت أبصارنا فقال : { ولقد كذب } . ~~| ولما كان السياق للمكذبين وما وقع لهم بتكذيبهم , قدم فاعل , فقال مشيرا ~~إلى إتقان بيوتهم : { أصحاب الحجر } وهم ثمود قوم صالح عليه السلام , ~~وديارهم بين المدينة الشريفة والشام { المرسلين * } أي كلهم بتكذيب رسولهم ~~كما كذب هؤلاء المرسلين بتكذيبك , لأن الرسل يشهد بعضهم لبعض بالصدق , فمن ~~كذب واحدا منهم فقد كذب الجميع , وهم في إثبات الرسالة بالمعجزة على حد ~~سواء ؛ ثم أتبع ذلك قوله : الآيات كلها خاصة , لا عن زينة الدنيا التي تجر ~~إلى الباطل { معرضين * } أي راسخين في الإعراض , لم يؤمنوا بها , التفاتا ~~إلى قوله تعالى { ولو فتحنا عليهم بابا من السماء } - الآيتين , وتمثيلا له ~~ردا للمقطع على المطلع ؛ ثم أخبر أنهم كانوا مثل هؤلاء في الأمن من العذاب ~~والغفلة عما يراد بهم مع أنهم كانوا أشد منهم فقال : { وكانوا ينحتون } ~~والنحت : قلع جزء بعد حزء من الجسم على سبيل المسح { من الجبال } التي تقدم ~~أنا جعلناها رواسي { بيوتا ءامنين * } عليها من الإنهدام , وبها من لحاق ما ~~يكره , لا كبيوتكم التي لا بقاء لها على أدنى درجة { فأخذتهم } أي فتسبب عن ~~تكذيبهم أن أخذتهم أخذ العذاب والانتقام { الصيحة } حال كونهم { مصبحين * } ~~أي داخلين في الصبح { فما } أي فتسبب عن الصيحة أنه ما { أغنى } أي أجزأ { ~~عنهم ما كانوا } أي بجبلاتهم { يكسبون * } من البيوت والأعمال والعدد ~~والآلات الخبيثة , لأنه لا يعجزنا شيء لأنه لا كلفة علينا فيما نفعل { إنما ~~نقول له كن فيكون } وفعلنا بهم ذلك لأنهم كانوا على باطل , فكان تعذيبنا ~~لهم حقا . | < < # | الحجر : ( 85 - 87 ) وما خلقنا السماوات . . . . . # > > ^ ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق وإن الساعة ~~لآتية فاصفح الصفح الجميل * إن ربك هو الخلاق العليم * ولقد آتيناك سبعا من ms2604 ~~المثاني والقرآن العظيم ) ^ } ) | PageV04P233 ولما كان المتعنت ربما قال : ~~ما له يخلقهم ثم يهلكهم وهو عالم حين خلقهم أنهم يكذبون ؟ وكانت هذه الآية ~~ملتفتة - مع ما فيها من ذكر الأرض - إلى تلك التي أتبعها ذكر الخافقين , ~~استدلالا على الساعة , قال على ذلك النمط : { وما خلقنا } أي على عظمتنا { ~~السماوات } أي على ما لها من العلو والسعة { والأرض } على ما بها من ~~المنافع والغرائب { وما بينهما } من هؤلاء المكذبين وعذابهم , ومن المياه ~~والرياح والسحاب المسبب عنه النبات وغير ذلك { إلا بالحق } أي خلقا ملتبسا ~~بالحق , فيتفكر فيه من وفقه الله فيعلم النشأة الأولى , أوبسبب الحق من ~~إثبات ثوابت الأمور ونفي مزلزلها , لتظهر عظمتنا بإنصاف المظلوم من الظالم ~~, وإثابة الطائع وعقاب العاصي في يوم الفصل - إلى غير ذلك من الحكم كما قال ~~تعالى < # > 77 ( { ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ~~ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } ) 77 < # > [ النجم : 31 ] فمن أمهلناه في الدنيا أخذنا منه الحق بعد قيام الساعة ~~, فلا بد من فعل ذلك { وإن الساعة لآتية } لأجل إقامة الحق لا شك في ~~إتيانها لحكم علمها سبحانه فيظهر فيها كل ذلك , ويمكن أن يكون التقدير : ~~فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون , وما فعلنا ذلك إلا بالأمر من قولنا ( كن ) ~~وهو الحق { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } أي بالأمر < # > 77 ( { ألا له الخلق والأمر } ) 77 < # > [ الأعراف : 54 ] يعني أنه لا مشقة علينا في شيء من ذلك , وسنعدم ذلك ~~بالحق إذا أردنا قيام الساعة , وأن الساعة لآتيه , لأنا قد وعدنا بذلك , ~~وليس بينكم وبين كونها إلا أن نريد فتكون كما كان غيرها مما أردناه { فاصفح ~~} أي فأعرض - بسبب تحقق الأخذ بثارك - الإعراض { الجميل * } بالحلم ولإغضاء ~~وسعة الصدر , في مثل قولهم { ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } فإنه ~~لا بد من الأخذ لك منهم بالحق ولو لم يكن لك نصرة إلا في ذلك اليوم لكانت ~~كافية ؛ ثم علل هذا الأمر بقوله : { إن ربك } أي المحسن إليك الآمر لك ms2605 بهذا ~~{ هو } أي وحده { الخلاق } المتكرر منه هذا الفعل في كل وقت بمجرد الأمر , ~~فلا عجب في إيجاد ما ينسب إليه من إبداع الساعة أو غيرها , وهو لذلك عالم ~~بأحوالكم أجمعين وما يكون منها صلاحا لك على غاية الحكمة , لأن المصور أعلم ~~بالصورة من ناظرها والمتبصر فيها , وصانع الشيء أدرى به من مشتريه , وباني ~~البيت أخبر به من ساكنه , وهو الذي خلق كل ما تراه منهم فهو فعله فسلم له . ~~| ولما كان إحكام المصنوعات لا يتم إلا بالعلم , قال تعالى : { العليم * } ~~أي البالغ العلم بكل المعلومات , فلا ترى أفعالهم وأقوالهم إلا منه سبحانه ~~لأنه خالقها , وقد علمت أنه لا يضيع مثقال ذرة فاعتمد عليه في أخذ حقك , ~~فإنه نعم المولى ونعم PageV04P234 النصير , ولا يخفي عليه شيء منه ؛ ويدل ~~على ما قلته آية ياسين ^ ( { أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن ~~يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم } ) ^ [ ياسين : 81 ] أو يقال : فما أغنى ~~عنهم ما كانوا يكسبون شيئا مما أردنا من الحق , لأنا ما خلقنا عذابهم إلا ~~بالحق كما خلقناهم بالحق , فلم يمتنع علينا شيء من ذلك { وما خلقنا ~~السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق } أي بسبب إقامة الحق وإظهار أمرنا ~~في العدل , ولولا أن سلطنا بعض الناس على بعض لم يظهر لهم منا هذه الصفة ~~غاية الظهور , فنحن نعجل من الحق الذي خلقنا ذلك بسببه على قيام الساعة - ~~ما شئنا من الابتلاء و الانتقام كما فعلنا ممن قصصنا أمرهم , ونؤخر من ذلك ~~ما بقي إلى قيام الساعة { وإن الساعة لآتية } لا شك فيها , فلا ندع هناك ~~شيئا من الحقوق إلا أقمناه { فأصفح الصفح جميل } فلا بد من الأخذ لك بحقك ~~إما في الدنيا وإما في الآخرة أن أي لأن { ربك هو الخلاق } أي الفاعل للخلق ~~مرة بعد مرة , لا تنفذ قدرته ولا تهن كلمته { العليم } التام العلم , فهو ~~قادر بدأهم , ويستوفي إذ ذاك جميع الحقوق ويؤتيك في ذلك اليوم ما يقر به ~~عينك . | ولما ذكر صفة العلم لصيغة ms2606 المبالغة , أتبعها ما آتاه في هذه الدار ~~من مادة العلم بصيغة العظمة , فقال عطفا على ما قدرته مما دل عليه السياق : ~~{ ولقد آتيناك } مما يدل على علمنا { سبعا من المثاني } وهي الفاتحة ~~الجامعة على وجازتها جميع معاني القرآن فتثني في النزول فإنها نزلت مرتين , ~~وتثني في كل ركعة من الصلاة , وهي ثناء على الله والصالحين من عباده , وهي ~~مقسومة بين الله وعبده , وتثني فيه مقاصدها , ويورد كل معنى من معانيها فيه ~~بطرق مختلفة في إيضاح الدلالة عليه في قوالب الألفاظ وجواهر التراكيب ~~الهادية إليه - وغير ذلك من التثنية { والقرآن العظيم * } أي الحاوي لجميع ~~علوم الأولين والآخرين مما في جميع الكتب السالفة وغيره . | < < # | الحجر : ( 88 - 94 ) لا تمدن عينيك . . . . . # > > ^ ( لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض ~~جناحك للمؤمنين * وقل إني أنا النذير المبين * كمآ أنزلنا على المقتسمين * ~~الذين جعلوا القرآن عضين * فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون * ~~فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين ) ^ } ) | ولما كان ما أوتيه وما سيؤتاه ~~أعظم ما أوتيه مخلوق , اتصل به قوله : { لا تمدن عينيك } أي مدا عظيما ~~بالتمني والاشتهاء المصمم , ولذلك ثنى العين احتزازا عن حديث النفس { إلى ~~ما متعنا } أي على عظمتنا { به أزواجا } أي أصنافا { منهم } أي PageV04P235 ~~أهل الدنيا ؛ أو يقال : إنه لما كان المقصود لكل ذي لب إنما هو التبليغ ~~بدار الفناء إلى دار البقاء , المؤكد إتيانها في الآية السابقة , وكان ~~القرآن - كما تقدم - كفيلا بذلك , وسلاه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عما ~~يؤذونه من أقوالهم , وتبين من ذلك علو درجته , توقع السامع ذكر ما أسبغ ~~عليه من النعم فقال تعالى ؛ أو يقال : إنه لما أمره سبحانه بالصبر على ~~أذاهم , علل ذلك مما معناه أنهم خلقه , وأنه منفرد بالخلق , وهو بليغ العلم ~~بأفعالهم مريد لها , فليس الفعل في الحقيقة إلا له , وعلى المحب أن يرضى ~~بفعل حبيبه من حيث إنه فعله , ولما كان التقدير : فهو الذي خلقهم , وعلم ~~قبل خلقهم ما يفعلون , عطف عليه تسلية له ms2607 صلى عليه وعلى آله وسلم قوله { ~~ولقد آتيناك } أي بما لنا من العظمة كما أتينا صالحا ما تقدم { سبعا من ~~المثاني } يكون كل سبع منها كفيلا بإغلاق باب من أبواب النيران السبعة , ~~وهي أم القرآن الجامعة لجميع معاني القرآن التي أمرنا بإعادتها في كل ركعة ~~, زيادة في حفظها , وتبركا بلفظها , وتذكيرا لمعانيها , تخصيصا لها عن بقية ~~الذكر الذي تكلفنا بحفظه { و } آتيناك { القرآن العظيم } الجامع لجميع ~~معاني الكتب السماوية المتكفلة بخيري الدارين مع زيادات لا تحصى , المشار ~~إلى عظمته أول السورة بالتنوين ووصفه بأنه مبين للبراهين الساطعة على نبوتك ~~, والأدلة القاطعة على رسالتك , الدالة على الله الموصلة إليه , والآتيه مع ~~ذلك دليل على العلم المختتم به ما قبلها , فكأنه قيل : فماذا أعمل ؟ فقيل ~~في معنى { ذرهم يأكلوا } : { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم } ~~اكتفاء بهذا البلاغ العظيم الذي من تحلى به وأشربه قلبه أراه معايب هذه ~~الدار فبغضه فيها وأشرف به على ما أمامه { ولا تحزن عليهم } لكونهم لم ~~يؤمنوا فيخلصوا أنفسهم من النار , ويقوى بهم جانب الإسلام , وكأن هذا هو ~~الصفح المأمور به , وهو الإعراض عنهم أصلا ورأسا إلا في أمر البلاغ . | ~~ولما أمره في عشرتهم بما أمر , أتبعه أمره بعشرة أصحابه رضي الله عنهم ~~بالرفق واللين فقال تعالى : { واخفض } أي طأطئ { جناحك للمؤمنين * } أي ~~العريقين في هذا الوصف , واصبر نفسك معهم , واكتف بهم , فإن الله جاعل فيهم ~~البركة , وناصرك ومعز دينك بهم , وغير محوجك إلى غيرهم , فمن أراد شقوته ~~فلا تلتفت إليهم , وهذا كناية عن اللين , وأصله أن الطائر إذا ضم الفرخ ~~إليه بسط جناحه ثم قبضه عليه - قاله أبو حيان ؛ وفي الجزء العاشر من ~~الثقفيات عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم قال : ( المؤمن لين حتى تخاله من اللين أحمق ) . | PageV04P236 ولما ~~كان الغالب على الخلق التقصير , قال له : { وقل } أي للفريقين , مؤكدا لما ~~للكفار من التكذيب , ولما للمؤمنين به من طيب النفس : { إني أنا } أي لا ms2608 ~~غيري من المنذرين بالأعداء الدنيوية { النذير المبين * } لمن تعمد التقصير ~~إنذاري منقذ له من ورطته , لأنه محتف بالأدلة القاطعة . | ولما ذكر ما ~~التحم بقصة أصحاب الحجر المقتسمين على قتل رسولهم , وختمه بالإنذار الذي هم ~~أهله , عاد إلى تتميم أمرهم فشبههم بمن كذب من هذه الأمة فقال : { كما } أي ~~كذب أولئك وآتيناهم آياتنا فأعرضوا عنها ففعلنا بهم من العذاب ما هم أهله ~~مثل ما { أنزلنا } أي بعظمتنا من الآيات { على المقتسمين * } أي مثلهم من ~~قريش حيث اقتسموا شعاب مكة , ينفرون الناس عنك ويفرقون القول في القرآن , ~~فلا تأس عليهم لتكذيبهم وعنادهم مع رؤيتهم الآيات البينات , فإن سنتنا جرت ~~بذلك فيمن أردنا شقوته كقوم صالح ؛ ثم قال : { الذين } أي مع أنهم تقاسموا ~~على قتلك واقتسموا طرق مكة للتنفير عنك { جعلوا القرءان } بأقوالهم { عضين ~~* } أي قسموا القول فيه والحال أنه جامع المعاني , لا متفرق المباني - ~~منتظم التأليف أشد انتظام . | متلائم الارتباط أحكم التئام , كما قدمنا ~~الإشارة إليه بتسميته كتابا وقرآنا , وختمنا بأن ذلك على وجه الإبانة ~~لاخفاء فيه , فقولهم كله عناه , فقالوا : سحر , وقالوا : شعر , وقالوا : ~~كهانة , وقالوا : أساطير الأولين - وغير ذلك , أنزلنا عليهم آياتنا البينات ~~وأدلتنا الواضحات , فأعرضوا عنها واشتغلوا بما لا ينفعهم من التعنت وغيره ~~دأب أولئك فليرتقبوا مثل ما حل بهم , ومثلهم كل من تكلم في القرآن بمثل ذلك ~~مما لا ينبغي من العرب وغيرهم ؛ وروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما { ~~جعلوا القرآن عضين } قال : هم أهل الكتاب : اليهود والنصارى , جزؤوه أجزاء ~~فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه . | وسيأتي معنى هذه اللفظة { فوربك } أي فتسبب ~~عن فعلهم هذا أنا نقسم بالموجد لك , المدبر لأمرك , المحسن إليك بإرسالك { ~~لنسئلنهم أجمعين * } أي هؤلاء وأولئك { عما كانوا } أي كونا هو جبلة لهم { ~~يعلمون * } أي من تعضية القرآن وغيرها لأنا نسأل كلا عما صنع { فاصدع } أي ~~اجهر بعلو وشدة , فارقا بين الحق والباطل بسبب ذلك { بما تؤمر } به من ~~القرآن وكتاب مبين { وأعرض } أي إعراض من لا يبالي { عن المشركين * } ~~بالصفح الجميل عن الأذى ms2609 والاجتهاد في الدعاء , ويؤيد أن قوله { كما } راجع ~~إلى قصة صالح ومتعلق بها - وإن لم أر من سبقني إليه - ذكر الوصف الذي به ~~تناسبت الآيتان وهو الاقتسام , ثم وصف المقتسمين بالذين جعلوا القرآن عضين ~~, لئلا يظن أنهم الذين PageV04P237 تقاسموا في بيات صالح , أي أتينا أولئك ~~الآيات المقتضية للإيمان فما كان منهم إلا التكذيب والتقاسم كما أنزلنا على ~~هؤلاء الآيات فما كان منهم إلا ذلك , وإنما عبر في أولئك ب { ءاتيناهم } ~~لأن آياتهم الناقة وولدها والبئر , وهي معطاة محسوسة , لا منزلة معقولة , ~~وقال في هؤلاء أنزلنا إشارة إلى القرآن الذين هو أعظم الآيات , أو إلى ~~الجميع وغلب عليها القرآن لأنه أعظمها , وإلى أنهم مبطلون في جحدهم وأنه لا ~~ينبغي لهم أن يتداخلهم نوع شك في أنه منزل لأنه أعظم من تلك الآيات مع ~~كونها محسوسات , وأما اعتراض ما بينهما من الآيات فمن أعظم أفانين البلاغة ~~, فإنه لما أتم قصة صالح عليه السلام , علم أنه المتعنتين ربما قالوا : لأي ~~شيء يخلقهم ثم يهلكهم مع علمه بعدم إجابتهم ؟ فرد عليهم بأنه ما خلق { ~~السماوات والأرض وما بينهما } من هؤلاء المعاندين ومن أفعالهم وعذابهم وغير ~~ذلك { إلا بالحق وأن الساعة لآتية } فيعلم ذلك كله بالعيان من يشك فيه الآن ~~, وذلك حين يكشف الغطاء عن البصائر والأبصار فاصفح عنهم , فإنه لا بد من ~~الأخذ لك بحقك , إن لم يكن في الدنيا ففي يوم الجمع , ثم أكد التصرف ~~بالحكمة بقوله { إن ربك هو الخلاق العليم } ثم سلاه - عما يضيقون به صدره ~~من التكذيب بالساعة , وأن الوعد بها إنما هو سحر , ونحو ذلك من القول , ومن ~~افتخارهم بأموالهم ونسبته إلى الحاجة إلى المشي بالأسواق - بما آتاه من ~~كنوز القرآن , وأمره بأن يزيد في التواضع واللين للمؤمنين لتطيب نفوسهم فلا ~~يأسوا على ما فاتهم من الدنيا , وأن ينذر الجميع ويحذرهم من سطوات الله ~~أمثال ما أنزل بالأقدمين , ثم عاد إليهم فشبههم بهؤلاء في التكذيب ليعلم ~~أنهم أجدر منهم بالعذاب لأنهم مشبه بهم , والمشبه به أعلى من المشبه , وذلك ms2610 ~~لكونهم أشد كفرا لأن نبيهم أعظم وآياته أجل وأكثر , وأجلى وأبهر , فيكون ~~ذلك سبب اشتداد حذرهم , ولك أن تقول ولعله أحسن : إنه تعالى لما ذكر أن ~~ثمود سكنوا الأرض سكنى الآمنين . | فأزعجتهم عنها صيحة سلبت أرواحهم , ~~وقلبت أشباحهم , كما سيكون لأهل الأرض قاطبة بنفخة الصور , عند نفوذ ~~المقدور , وكان قد قدم ذكر كثير مما في السماوات والأرض من الآيات والعبر ~~بقوله تعالى { ولقد جعلنا في السماء بروجا } وما بعد ذلك من الجن والإنس ~~وغيرهما مما جعل ذكر اختراعه دليلا على الساعة , أتبع ذلك أن سبب خلق ذلك ~~كله وما حواه من الخافقين إنما هو الساعة فقال { وما خلقنا السماوات والأرض ~~وما بينهما إلا بالحق } أي بالأمر الثابت لا بالتمويه والسحر كما أنتم ~~تشاهدون , أو بسبب إقامة الحق وإبانته من الباطل إبانة لا شك فيها يوم ~~الجمع الأكبر , ومن إقامة الحق تنعم الطائع وتعذيب العاصي , وذلك بعد إتيان ~~الساعة بنفختي الصور { وإن الساعة لآتيه بالحق } أيضا , وليست سحرا ~~PageV04P238 كما تظنون , ولما كان إتيانها لهذا العرض مما يشفي القلب ~~لإدراك الثأر وهو حق لا بد منه , تسبب عنه قوله تعالى { فاصفح الصفح الجميل ~~} . | ولما كانت النفس بخبر الأعلم أوثق , وكان صانع الشيء أعلم به من غيره ~~فكيف إذا كان مع تام للعلم قال الله تعالى معللا لذلك { إن ربك } أي المحسن ~~إليك { وهو الخلاق } أي التام القدرة على الإيجاد والإعدام , الفعال لذلك ( ~~العليم ) البالغ العلم ؛ ولما ختم بهذين الوصفين بعد تقدم الأخبار عما أوتى ~~أهل الحجر من الآيات , وأنه خلق الوجود بالحق لا بالتمويه , وكان ذلك موجبا ~~لتوقع الإخبار عما أوتي هذا النبي الكريم منها لإرشاد أمته , وكانت الآيات ~~إما أن تكون من قسم الخلق كآية صالح , أو من قسم الأمر الذي هو مدار العلم ~~, أشار إلى تفضيله صلى الله عليه وسلم بفضل ابنه , فقال عاطفا على ذلك { ~~ولقد ءاتيناك } أي إن كنا أتينا صالحا أو غيره آية مضت فلم يبق إلا ذكرها ~~فقد آتيناك { سبعا من المثاني } وهي الفاتحة التي خصصت ms2611 بها , ثنى فيها ~~البسملة للمبادئ , والحمدلة للكمالات , والرحمانية والرحيمية فيها للإبداع ~~الأول والمرضي من الأعمال , وملك الدنيا المسمى بالربوبية لكونه مستورا , ~~وملك يوم الدين , وبينهما رحمانية الإيجاد الثاني بالمعاد ورحيمية الثواب ~~للمرضي من الأسباب , والعبادة التي لا تكون إلا مع القدرة والاختيار , ~~والاستعانة الناظرة إلى العجز عن كمال الاقتدار , والهداية بالهادي والمهدي ~~, والضلال في مقابل ذلك بالمضل والضال , وفي ذلك أسرار لا تسعها الأفكار { ~~والقرآن الكريم } الجامع لجميع الآيات مع كونه حقا ثابتا لا سحرا وخيالا , ~~بل هو باقية على وجه الدهر , مستمرا أمرها , دائما تلاوتها وذكرها , تفني ~~الجبال الرواسي وهي باقية , وتزول السماوات والأراضي وهي جديدة , إذا اصطف ~~عسكر الفجرة قالت كل آية منها هل من مبارز ؟ وإن رام عدو مطاولة لتحققه ~~بالضعف صاحت لدوام قوتها : إني أناجز فلا تقوم لها قائم , ولا يحوم حول ~~حماها حائم , ولا يروم خوض بحرها رائم . | ولما كانت هذه الآية لصاحبها ~~مغنية , ولمن فاز بقبولها معجبة مرضية , حسن كل الحسن اتباعها بقوله { لا ~~تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم } ولما كان كفرهم بعد بيانها غنما ~~هو عناد , قال تعالى ( ولا تحزن عليهم ) ولما كان الغني بها ربما طن حسن ~~أنفة الغنى , عقبه قوله { واخفض جناحك للمؤمنين } ولما كان ربما ظن أن ~~تلاوتها تغني عن الدعاء لا سيما لمن أعرض , نفي ذلك بقوله { وقل إني أنا ~~النذير المبين } تحريضا على الاجتهاد في التحذير , وتثبيتا للمؤمنين ~~وإرغاما للمعاندين , واستجلابا لمن أراد الله إسعاده من الكافرين , إعلاما ~~بأن القلوب للمؤمنين بيد الله سبحانه وتعالى , فلا وثوق مع ذلك بمقبل , ولا ~~يأمن عن مدبر . | PageV04P239 ولما تم ذلك على هذا النظم الرصين , والربط ~~الوثيق المتين , التفت الخاطرإلى حال من يندرهم , وكان كفار قريش - في ~~تقسيمهم القول في القرآن واقتسامهم طرق مكة لإشاعة ذلك البهتان , تنفيرا ~~لمن أراد الإيمان - أشبه شيء بالمقتسمين على صالح عليه السلام , قال تعالى ~~{ كما } أي آتينا أولئك المقتسمين آياتنا فكانوا عنها معرضين , مثل ما { ~~أنزلنا } آياتنا { على المقتسمين } أي الذين تقاسموا برغبة ms2612 كبيرة واجتهاد ~~في ذلك { الذين جعلوا القرآن عضين } أي ذا أعضاء أي أجزاء متفاصلة متباينة ~~مثل أعضاء الجزور إذا قطعت , جمع عضة مثل عدة وأصلها عضوة { فوربك لنسئلنهم ~~أجمعين } أي لا يمتنع علينا منهم أحد { عما كانوا يعلمون فاصدع } أي بسبب ~~أمرنا لك بالإنذار وإخبارك أنا نسأل كل واحد عماعمل { بما تؤمر وأعرض عن ~~المشركين } . | < < # | الحجر : ( 95 - 99 ) إنا كفيناك المستهزئين # > > ^ ( إنا كفيناك المستهزئين * الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف ~~يعملون * ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون * فسبح بحمد ربك وكن من ~~الساجدين * واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ) ^ } ) | ولما كان هذا الصدع في ~~غاية الشدة عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكثرة ما يلقى عليه الأذى , ~~خفف عنه سبحانه بقوله معللا له : { إنا كفيناك } أي بما لنا من العظمة { ~~المستهزءين * } أي شر الذين هم عريقون في الاستهزاء بك وبما جئت به , ~~فأقررنا عينك بإهلاكهم , وزال عنك ثقل ما آذوك به , وبقي لك أجره , وسنكفيك ~~غيرهم كما كفيناكهم , ثم وصفهم بقوله : { الذين يجعلون مع الله } أي مع ما ~~رأوا من آياته الدالة على جلاله , وعظيم إحاطته وكماله { إلها } . | ولما ~~كانت المعية تفهم الغيرية , ولا سيما مع التعبير بالجعل , وكان ربما تعنت ~~منهم باحتمال التهديد على تألهه سبحان على سبيل التجريد , أو على دعائه ~~باسم غير الجلالة , لما ذكر المفسرون في قوله ^ ( { قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن } ) ^ [ الإسراء : 110 ] الآية آخر سبحان , زاد في الصراحة بنفي ~~كمال كل احتمال بقوله : { ءاخر } قال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما ~~: سجد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمكة ذات ليلة فجعل يقول في ~~سجوده : يا الله يا رحمن , فقال أبو جهل : إن محمدا ينهانا عن آلهتنا وهو ~~يدعو إلهين ؟ فأنزل الله هذه الآية يعني آية سبحان , وتسبب عن أخذنا ~~للمستهزئين - وكانوا أعتاهم - أن يهدد الباقون بقولنا : { فسوف يعلمون } أي ~~يحيط علمهم بشدة بطشنا وقدرتنا على ما نريد , ليكون وازعا لغيرهم , أو يعلم ~~المستهزئون وغيرهم عاقبة أمورهم في ms2613 الدارين . | PageV04P240 ولما كان صدعه ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم بذلك على حد من المشقة عظيم وإن أريح من ~~المستهزئين , لكثرة من بقي ممن هو على مثل رأيهم , قال يسليه ويسخي بنفسه ~~فيه : { ولقد نعلم } أي تحقق وقوع علمنا على ما لنا من العظمة { أنك } أي ~~على ما لك من الحلم وسعة البطان { يضيق صدرك } أي يوجد ضيقه ويتجدد { بما ~~يقولون } عند صدعك لهم بما تؤمر , في حقك من قولهم : { ياأيها الذي نزل ~~عليه الذكر } إلى آخره , وفي حق الذي أرسلك من الشرك والصاحبة والولد وغير ~~ذلك { فسبح } بسبب ذلك , ملتبسا { بحمد ربك } أي نزهه عن صفات النقص التي ~~منها الغفلة عما يعمل الظالمون , مثبتا له صفات الكمال التي منها إعزاز ~~الولي وإذلال العدو { وكن } أي كونا جبليا لا انفكاك له { من الساجدين * } ~~له , أي المصلين , أي العريقين في الخضوع الدائم له بالصلاة التي هي أعظم ~~الخضوع له وغيرها من عبادته , ليكفيك ما أهمك فإنه لا كافي غيره , فلا ملجأ ~~إلى سواه , وعبر عنها بالسجود إشارة إلى شرفه وما ينبغي من الدعاء فيه لا ~~سيما عند الشدائد , فقد قال تعالى : < # > 77 ( { واستعينوا بالصبر والصلاة } ) 77 < # > [ البقرة : 45 ] وروي أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ~~إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة - ذكره البغوي بغير سند , وهو في مسند أحمد ~~وسنن أبي داود عن حذيفة رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم إذا حزبه أمر فصلى . | وفي سنن النسائي الكبرى ومسند أحمد عن علي ~~رضي الله عنه قال : لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إنسان إلا نائم إلا رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح . ~~| وفي لفظ لأحمد : لقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حاى أصبح . | ولأحمد ومسلم وأبي ~~يعلى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ms2614 وعلى آله وسلم قال ~~: ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ) . | ولما أمره بعبادة خاصة , ~~أتبعه بالعامة فقال : { واعبد ربك } أي دم على عبادة PageV04P241 المحسن ~~إليك بهذا القرآن الذي هو البلاغ بالصلاة وغيرها { حتى يأتيك اليقين } بما ~~يشرح صدرك من الموت أو ما يوعدون به من الساعة أو غيرها مما { يود الذين ~~كفروا معه لو كانوا مسلمين } قال الرازي في اللوامع : وهذا دليل على أن شرف ~~العبد في العبودية , وأن العبادة لا تسقط عن العبد بحال ما دام حيا - انتهى ~~. | وقال البغوي : وهذا معنى ما في سورة مريم عليها السلام [ مريم : 31 ] ~~فقد انطبق آخر السورة - في الأمر باتخاذ القرآن بلاغا لكل خير والإعراض عن ~~الكفار - على أولها أتم انطباق , واعتنق كل من الطرفين : الآخر والأول أي ~~اعتناق - والله الموفق للصواب , وإليه المرجع والمآب . | . . . . . | ~~PageV04P242 < # > سورة النحل < # > | مقصودها الدلالة على أنه تعالى تام القدرة والعلم ، فاعل بالاختيار ، ~~منزه عن شوائب النقص ، وادل ما فيها علىهذا المعنى أم النحل لما ذكر من ~~شأنها من دقة الفهمة في ترتيب بيوتها ورعيها وسائر أمرها من اختلاف ألوان ~~ما يخرح منها من أعسالها ، وجعله شفاء مع أكلها من الثمار النافعة والضارة ~~- وغير ذلك من الأمور ، ووسمها بالنعم واضح في ذلك - والله أعلم . < < # | النحل : ( 1 - 3 ) أتى أمر الله . . . . . # > > ^ ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون * ينزل ~~الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا ~~أنا فاتقون * خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون ) ^ } ) | { بسم ~~الله } المحيط بدائرة الكمال فما شاء فعل { الرحمن } الذي عمت نعمته جليل ~~خلقه وحقيره وصغيره وكبيره { الرحيم * } الذي خص من شاء بنعمة النجاة مما ~~يسخطه بما يرضاه . | لما ختم الحجر بالإشارة إلى إتيان اليقين , وهو صالح ~~لموت الكل , ولكشف الغطاء بإتيان ما يوعدون مما يستعجلون به استهزاء من ~~العذاب في الآخرة بعد ما يلقون في الدنيا , ابتدأ هذه بمثل ذلك سواء , غير ~~أنه ختم تلك باسم الرب المفهم للإحسان لطفا بالمخاطب ms2615 , وافتتح هذه باسم ~~الأعظم الجامع لجميع معاني الأسماء لأن ذلك أليق بمقام التهديد , ولما ~~ستعرفه من المعاني المتنوعة في أثناء السورة , وسيكرر هذا الاسم فيها ~~تكريرا تعلم منه صحة هذه الدعوى , وعبر عن الآتي بالماضي إشارة إلى تحققه ~~تحقق ما وقع ومضى , وإلى أن كل آت ولا بد قريب , فقال تعالى : { أتى أمر ~~الله } أي الملك الأعطم الذي له الأسماء الحسنى , والصفات العلى , بما يذل ~~الأعداء , ويعز الأولياء , ويشفي صدورهم , ويقر أعينهم . | PageV04P243 ~~ولما كانت العجلة نقصا , قال مسببا عن هذا الإخبار : { فلا تستعجلوه } أيها ~~الأعداء استهزاء , وأيها الأولياء استكفاء واستشفاء , وذلك مثل ما أفهمه ~~العطف في قوله تعالى { وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم } كما تقدم ~~؛ والضمير يجوز أن يكون لله وأن يكون للأمر . | ولما كان الجزم بالأمور ~~المستقبلة لا يليق إلا عند نفوذ الأمر , ولا نفوذ إلا لمن لا كفوء له , ~~وكانت العجلة - وهي الإتيان بالشيء قبل حينه الأولى به - نقصا ظاهرا لا ~~يحمل عليها إلا ضيق الفطن , وكان التأخر لا يكون إلا عن منازع مشارك , نزه ~~نفسه سبحانه تنزيها مطلقا جامعا بقوله تعالى : { سبحانه } أي تنزه عن ~~الاستعجال وعن جميع صفات النقص { وتعالى } أي تعاليا عظيما جدا { عما ~~يشركون * } أي يدعون أنه شريك له , فلا مانع له مما يريد فعله , وساقه في ~~غير قراءة حمزة والكسائي - في أسلوب الغيبة , إظهارا للإعراض الدال على على ~~شدة الغضب , وهي ناظرة إلى قوله آخر التي قبلها < # > 77 ( { وأعرض عن المشركين } ) 77 < # > [ الحجر : 94 ] وقوله : < # > 77 ( { الذين يجعلون مع الله إلها ءاخر } ) 77 < # > [ الحجر : 96 ] وقد آل الأمر في نظم الآية إلى أن صار كأنه قيل : إنه ~~لا يعجل لأنه منزه عن النقص , ولا بد من نفاذ أمره لأنه متعال عن الكفوء ؛ ~~أو يقال : لا تستعجلوه فلا بد من وقوعه , فهي واقعة موقع التعليل لصدر ~~الآية تعليل لآخر سورة الحجر . | ولما تقرر بذلك تنزهه عن كل نقص : شرك ~~وغيره , شرع يصف سبحانه بصفات الكمال من الأمر والخلق , ولما كان الأمر ms2616 ~~أقدم وأعلى , بدأ به , ولما كان من أمره إنزال الملائكة على الصورة التي ~~طلبوها في قولهم < # > 77 ( { لو ما تأتينا بالملائكة } ) 77 < # > [ الحجر : 7 ] وقص عليهم في سورة إبراهيم ولوط عليهما السلام ما يترتب ~~على إنزالهم مجتمعين , وفهم منه أن لهم في نزولهم حالة أخرى لا تنكرها ~~الرسل , وهي حالة الإتيان إليهم بالعلم الذي نسبته إلى الأرواح نسبة ~~الأرواح إلى الأشباح , وكان ذلك ربما أثار لهم اعتراضا يطلبون به الفرق ~~بينهم وبين الرسل في إنزالهم عليهم دونهم - كما تقدم في الحجر , وكان ما ~~يشركون به لا تصرف له أصلا بإنزال ولا غيره , قال تعالى مشيرا إلى ذلك وإلى ~~أن الوحي بواسطة الملك , وأن النبوة عطائية لا كسبية : { ينزل الملائكة } ~~الذين هم الملأ الأعلى { بالروح } أي المعنى الأعظم الذي هو للأرواح بمنزلة ~~الأرواح للأشباح { من أمره } الذي هو كلامه المشتمل على الأمر والنهي { ألا ~~له الخلق والأمر } وهو مما تميز به لحقيته وإعجازه عن جميع المخلوقات , ~~فكيف بما لا يعقل منها PageV04P244 كالأصنام ! { على من يشاء من عباده } ~~دون بعض , لأن ذلك نتيجة فعله بالاختيار , وأبدل من الروح أو فسر الإنزال ~~بالوحي لأنه متضمن معنى القول فقال : { أن أنذروا } أي الناس سطواتي , ~~فإنها لا محالة نازلة بمن أريد إنزالها به , بسبب { أنه لا إله إلا أنا } ~~وعبر بضمير المتكلم لأنه أدل على المراد لكونه أعرف ؛ وسبب عن وحدانيته ~~التي هي منتهى كمال القوة العلمية قوله آمرا بما هو أقصى كمال القوة ~~العملية : { فاتقون * } أي فليشتد خوفكم مني وأخذكم لما يكون وقاية لكم من ~~عذابي , فإنه لا مانع مما أريد , فمن علمت أنه أهل للنقمة أنزلتها به , ومن ~~علمته أهلا لتلقي الروح منحته أياه . | ولما وحد نفسه , دل على ذلك بقوله , ~~شارحا لإيجاده أصول العالم وفروعه على وجه الحكمة : { خلق السماوات } أي ~~التي هي السقف المظل { والأرض } أي التي هي البساط المقل { بالحق } أي ~~بالأمر المحقق الثابت , لا بالتمويه والتخييل { ألا له الخلق والأمر } . | ~~ولما كان ذلك من صفات الكمال المستلزمة لنفي النقائص ms2617 , وكان قاطعا في ~~التنزه عن الشريك , لأنه لو كان , لزم إمكان الممانعة , فلزم العجز عن ~~المراد , أو وجود الضدين المرادين لهما , وكل منهما محال , فإمكان الشريك ~~محال , ولأنهما وكل ما فيهما ملكه وفي تصرفه , لا نزاع لمن أثبت الإله في ~~ذلك , تلاه بقوله - نتيجة لذلك دالة على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام : { ~~تعالى } أي تعاليا فات الوصف { عما يشركون * } - عريا عن افتتاحه بالتنزيه ~~كالأولى . | < < # | النحل : ( 4 - 6 ) خلق الإنسان من . . . . . # > > ^ ( خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين * والأنعام خلقها لكم ~~فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ) ^ ~~} ) | ولما كان خلق السماوات والأرض غيبا لتقدمه , وكان خلق الإنسان على ~~هذه الصفة شهادة , مع كونه أدل على ذلك من حيث إنه أشرف من كل ما يعبده من ~~دون الله , ولن يكون الرب أدنى من العبد أصلا , قال معللا : { خلق الإنسان ~~} أي هذا النوع الذي خلقه أدل ما يكون على الوحدانية والفعل بالاختيار , ~~لأنه اشرف ما في العالم السفلي من الأجسام لمشاركنه للحيوان الذي هو أشرف ~~من غيره بالقوى الشريفة من الحواس الظاهرة والباطنة , والشهوة والغضب , ~~واختصاصه بالنطق الذي هو إدراك الكليات والتصرف فيها بالقياسات { من نطفة } ~~أي آدم عليه السلام من مطلق الماء , ومن تفرع منه بعد زوجه من ماء مقيد ~~بالدفق . | PageV04P245 ولما كان - مع مشاركته لغيره من الحيوان في كونه من ~~نطفة - متميزا بالنطق المستند إلى ما في نفسه من عجائب الصنع ولطائف ~~الإدراك , كان ذلك أدل دليل على كما قدرة الفاعل واختياره , فقال تعالى : { ~~فإذا هو } أي الإنسان المخلوق من الماء المهين { خصيم } أي منطيق عارف ~~بالمجادلة { مبين * } أي بين القدرة على الخصام , وموضح لما يريده غاية ~~الإيضاح بعد أن كل ما لاحس به ولا حركة اختيارية عنده بوجه , أفلا يقدر ~~الذي ابتدأ ذلك على إعادته ! ولما صار التوحيد بذلك الشمس , وكان كل ما في ~~الكون - مع أنه دال على الوحدانية - نعمة على الإنسان يجب عليه شكرها , شرع ~~يعدد ذلك تنبيها له على ms2618 وجوب الشكربالتبرؤ من الكفر , فقال مقدما الحيوانات ~~لأنها أشرف من غيرها , وقدم منها ما ينفع الإنسان لأنه أجل من غيره . | ~~مبتدئا بما هو أولاها بالذكر لأنه أجلها منفعة في ضرورات المعيشة وألزمها ~~لمن أنزل الذكر بلسانهم : { والأنعام } أي الأزواج الثمانية : الضأن والمعز ~~والإبل والبقر { خلقها } غير ناطقة ولا مبينة مع كونها أكبر منكم خلقا وأشد ~~قوة . | ولما كان أول ما يمكن أن يلقى الإنسان عادة من نعمها اللباس , بدأ ~~به , فقال على طريق الاستئناف : { لكم فيها دفء } أي ما يدفأ به فيكون منه ~~حر معتدل من حر البدن الكائن بالدثار بمنع البرد , وثنى بما يعم جميع نعمها ~~التي منها اللبن فقال : { ومنافع } ثم ثلث بالأكل لكونه بعد ذلك فقال تعالى ~~: { ومنها تأكلون * } وقدم الظرف دلالة على أن الأكل من غيرها بالنسبة إلى ~~الأكل منها مما لا يعتد به , ثم تلاه بالتجمل لأنه النهاية لكونه للرجال ~~فقال تعالى : { ولكم } أي أيها الناس خاصة { فيها } أي الأنعام { جمال } أي ~~عظيم . | ولما كان القدوم أجل نعمة وأبهج من النزوج , قدمه فقال : { حين ~~يريحون } بالعشي من المراعي وهي عظيمة الضروع طويلة الأسنمة { وحين تسرحون ~~* } بالغداة من المراح إلى المراعين فيكون لها في هاتين الحالتين من ~~الحركات منها ومن رعاتها ومن الحلب والتردد لأجله وتجاوب الثغاء والرغاء ~~أمر عظيم وأنس لأهلها كبير . | < < # | النحل : ( 7 - 8 ) وتحمل أثقالكم إلى . . . . . # > > ^ ( وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم ~~لرؤوف رحيم * والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون ) ~~^ } ) | ولما كانت الأسفار بعد ذلك , تلاه بقوله تعالى : { وتحمل } أي ~~الأنعام { أثقالكم } أي أمتعتكم مع المشقة { إلى بلد } أي غير بلدكم أردتم ~~السفر إليه { لم PageV04P246 تكونوا } - أي كونا أنتم مجبولون عليه - ~~قادرين على حملها إليه , وتبلغكم - بحملها لكم - إلى بلد لم تكونوا { ~~بالغيه } بغير الإبل { أي بشق } أي بجهد ومشقة وكلفة { الأنفس } ويجوز أن ~~يكون المعنى : لم تبلغوه بها , فكيف لو لم تكن موجودة ؛ والشق : أحد نصفي ~~الشيء , كأنه كناية عن ذهاب نصف القوة ms2619 لما يلحق من الجهد ؛ والآية من ~~الاحتباك : ذكر حمل الأثقال أولا دليلا على حمل الأنفس ثانيا , وذكر مشقة ~~البلوغ ثانيا دليلا على مشقة الحمل أولا . | ولما كان هذا كله من الإحسان ~~في التربية , ولا يسخره للضعيف إلا البليغ في الرحمة , وكان من الناس من له ~~من أعماله سبب لرضى ربه , ومنهم من أعماله كلها فاسدة , قال : { إن ربكم } ~~أي الموجد لكم والمحسن إليكم { لرؤوف } أي بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بما ~~يرضيه { رحيم * } أي بليغ الرحمة بسبب وبغير سبب . | ولما كانت الأنعام ~~أكثر أموالهم , مع أن منافعها أكثر , بدأ بها ثم ثنى بما هو دونها , مرتبا ~~له على الأشراف فالأشراف , فقال تعالى : { والخيل } أي الصاهلة { والبغال } ~~أي المتولدة بينها وبين الحمر { والحمير } أي الناهقة . | ولما كان الركوب ~~فعل المخاطبين , وهو المقصود بالنفعة , ذكره باللام التي هي الأصل في ~~التعليل فقال : { لتركبوها } ولما كانت الزينة تابعة لمنفعة , وكانت فعلا ~~لفاعل الفعل المعلل , نصبت عطفا على محل ما قبلها فقال : { وزينة } . | ~~ولما دل على قدرته بما ذكر في سياق الامتنان , دل على أنها لا تتناهي في ~~ذلك السياق , فنبه على أنه خلق لهم أمورا لوعدها لهم لم يفهموا المراد على ~~سبيل التجديد والاستمرار في الدنيا والآخرة { ما لا تعلمون * } فلا تعلمون ~~له موجدا غيره ولا مدبرا سواه . | < < # | النحل : ( 9 - 11 ) وعلى الله قصد . . . . . # > > ^ ( وعلى الله قصد السبيل ومنها جآئر ولو شآء لهداكم أجمعين * هو ~~الذي أنزل من السماء مآء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون * ينبت لكم به ~~الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون ) ^ } ) | ولما كانوا في أسفارهم واضطرابهم في المنافع بهذه ~~الحيوانات وغيرها يقصدون أسهل الطرق وأقومها وأوصلها إلى الغرض , ومن عدل ~~عن ذلك كان عندهم ضالا سخيف العقل غير مستحق للعد في عداد النبلاء , نبههم ~~على أن ما تقدم في هذه السورة قد بين الطريق الأقوم الموصل إليه سبحانه ~~بتكليفه ببيان أنه واحد قادر عالم مختار , وأنه PageV04P247 هو المنعم , ~~فوجب اختصاصه بالعبادة ms2620 , وأخبرهم سبحانه أنه أوجب هذا البيان على نفسه فضلا ~~منه فقال تعالى : { وعلى } أي قد بين لكم الطريق الأمم وعلى { الله } أي ~~الذي له الإحاطة بكل الشيء { قصد السبيل } أي بيان الطريق العدل , وعلى ~~الله بيان الطريق الجائر حتى لايشك في شيء منهما , فإن الطريق المعنوية ~~كالحسية , منها مستقيم من سلكه اهتدى { ومنها جائر } من سلكه ضل عن الوصول ~~فهلك < # > 77 ( { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم } ) 77 < # > [ التوبة : 115 ] الآية < # > 77 ( { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ) 77 < # > [ الإسراء : 15 ] فالآية من الاحتباك : ذكر أن عليه بيان القصد أولا ~~دلالة على حذف أن عليه بيان الجائر ثانيا , وذكر أن من الطرق الجائر ثانيا ~~دلالة على حذف أن منها المستقيم أولا , وتعبير الأسلوب لبيان أن المقصود ~~بالذات إنما هو بيان النافع , ومادة قصد تدور على العدل المواه , ومنه ~~القصد , أي الاستقامة , واستقامة الطريق من غير تعريج , وضد الإفراط ~~كالاقتصاد , ورجل ليس بالجسيم ولا بالضئيل , وذلك لا يكون إلا عن إرادة ~~وتوجه , فإطلاق القصد على العزم مستقيما كان أو جائرا , إذا قلت : قصدته - ~~بمعنى أتيته أوأمتعه ونويته , من دلالة الالتزام , وكذا القصد بمعنى الكسر ~~بأي وجه كان , وقيل : لا يقال : قصد , إلا إذا كان بالنصف , والقصيد : ما ~~تم شطر أبياته , لأن ذلك أعدل حالاته , قال في القاموس : ثلاثة أبيات ~~فصاعدا أو ستة عشر فصاعدا ؛ وقال الإمام أبو الفتح عثمان بن جني في آخر ~~كتابه المغرب في شرح القوافي : فالبيت على ثلاثة أضرب : قصير , ورمل , وزجر ~~, فأما القصيد فالطويل التام , والبسيط التام , والكامل التام , والمديد ~~التام , والوافر التام , والرجز التام , والخفيف التام , وهو كل ما تغنى به ~~الركبان , ومعنى قولنا : المديد اتام والوافرالتام . | نريد أتم ما جاء ~~منهما في الاستعمال , أعني الضربين الأولين منهما , فأما أن يجيئا على أصل ~~وضعهما في دائرتيهما فذلك مرفوض مطرخ ؛ والقصيد : المخ السمين أو دونه , ~~والعظم الممخ , والناقة السمينة بها نفي , والسمين من الأسنمة - لأن بهذا ~~الحال استقامة كل ما ذكر , وكذا القاصد : القريب , وبيننا ms2621 وبين الماء ليلة ~~قاصدة , أي هينة السير , لأنه أقرب إلى الاستقامة , ومنه قصدت كذا - إذا ~~اعتمدته وأممته وتوجهت إليه سواء كان ذلك عدلا أو جورا , وانقصد الرمح - ~~إذا انكسر على السواء , كأنه مطاوع قصده , والواحدة من تلك الكسر قصده ~~بالكسر , ورمح قصد - ككتف : متكسر , والقصد - بالتحريك : العوسج - لأنه ~~سريع التكسر , والجوع - لأن الجائع قاصد لما يأكله متوجه إليه , والقصد : ~~مشرة العضاه تخرج في أيام الخريف لدنة تتثنى في أطراف الأغصان , وهي خوصة ~~تخرج فيها , وفي كثير من الشجر في تلك الأيام , أو هي الأغصان , أو هي ~~الاغصان الرطبة PageV04P248 قبل أن تتلون وتشتد - سميت بذلك لخروجها ~~وتوجهها إلى منظر العين , أو توجه النظر إليها للسرور بها , والقصيد : ~~العصا - لأنها تقصد ويقصد بها , وأقصد السهم : أصاب فقتل مكانه , وأقصد ~~فلانا : طعنه فلم يخطئه , والحية : لدغت فقتلت - يمكن أم يكون ذلك من ~~الاستقامة لأن قصد فاعله القتل , فكأنه استقام قصده بنفوذه , ويمكن أن يكون ~~من السلب أي أنه أزال الاستقامة لأن من مات فقد زالت استقامة حياته , ومنه ~~المقصد كمخرج , وهو من يمرض ويموت سريعا , والقصيد بمعنى اليابس من اللحم - ~~فعيل بمعنى مفعل , أي أقصد فزالت استقامته بأن هلك جفافا يبسا . | والصدق ~~ضد الكذب , وهو من أعدل العدل وأقوم القصد , والصدق : الشدة , إذ بها يمتحن ~~الصادق من الكاذب , ومنه رجل صدق , أي يصدق ما يعزم عليه أو يقوله بفعله , ~~فهو شديد العزم سديد الأمر , والصديق - كأمير : الحبيب الذي يصدق قوله في ~~الحب بفعل , والمصادقة والصداق - بالكسر : المخالة كالتصادق , والصيدق - ~~كصقيل : الأمين - لأنه مصدق في قوله , والملك - لأن محله يقتضي الصدق لعدم ~~حاجته إلى الكذب , والقطب - لأنه أصدق النجوم دلالة لثباته , وقال أبو ~~عبدالله القزاز : هو اسم للسها , وهو النجم الخفي الذي مع بنات نعش , ~~والصدق - بالفتح : الصلب المستوي من الرماح - لأنه صدق ظن الطاعن به , وكذا ~~من الرجال , والكامل من كل شيء , ورجل صدق اللقاء والنظر , ومصداق الشيء : ~~ما يصدقه , وشجاع ذو مصدق - كمنبر : صادق الحملة , أي شديدها , والصدقة - ~~محركة : ما أعطيته في ms2622 ذات الله لأنها تصدق دعوى الإيمان لدلالتها على شدة ~~العزم فيه , والصدقة - بضم الدال وسكونها : مهر المرأة لأنه يصدق العزم فيه ~~وكسكيت : الكثير الصدق , وصدقت الله حديثا إن لم أفعل كذا - يمين لهم , أي ~~لا صدقت , وفعله غب صادقة , أي بعد ما تبين له الأمر , وصدقه تصديقا - ضد ~~كذبه , والوحشي : عدا ولم يلتفت لما حمل عليه , والمصدق - كمحدث : آخذ ~~الصدقات , والمتصدق : معطيها . | ولما كان أكثر الخلق ضالا , كان ربما توهم ~~متوهم أنه خارج عن الإرادة , فنفي هذا التوهم بقوله - عطفا على ما تقديره : ~~فمن شاء هداه قصد السبيل , ومن شاء أسلكه الجائر , وهو قادر على ما يريد من ~~الهداية والإضلال - : { ولو شاء } هدايتكم { لهداكم أجمعين * } بخلق ~~الهداية في قلوبكم بعد بيان الطريق القصد , ولكنه لم يشأ ذلك فجعلكم قسمين ~~. | ولما كان ما مضى كفيلا ببيان أنه الواحد المختار , شرع يوضح ذلك بتفصيل ~~الآيات إيضاحا يدعه في أتم انكشاف في سياق معدد للنعم مذكر بها داع إلى ~~شكرها , PageV04P249 فقال بعد ما دل به من الإنسان وما يليه في الشرف من ~~الحيوان مبتدئا بما يليهما في الشرف من النبات الذي هو قوام حياة الإنسان ~~وما به قوام حياته من الحيوان : { هو } لا غيره مما تدعى فيه الإلهية { ~~الذي أنزل } أي بقدرته الباهرة { من السماء } قيل : نفسها . | وقيل : جهتها ~~, وقيل : السحاب - كما هو مشاهد { ماء } أي واحدا تحسونه بالذوق والبصر { ~~لكم منه } أي خاصة { شراب } ظاهر على وجه الأرض من العيون والأنهار ~~والغدران وغيرها . | ولما كان أول ما يقيم الآدمي شراب اللبن الناشئ عن ~~الماء فقدمه , أتبعه ما ينشأ منه أشرف أغذيته وهو الحيواني , فقال تعالى : ~~{ ومنه شجر } لسريانه في الأرض الواحدة واختلاطه بها , فينعقد من ذلك نبات ~~{ فيه تسيمون * } أي ترعون على سبيل الإطلاق ليلا ونهارا ما خلق لكم من ~~البهائم , والشجر هنا - بما أفهمته الإسامة - عام لما يبقى في الشتاء حقيقة ~~, ولغيره مجازا ؛ قال القزاز : الشجر ما بقي له ساق في الشتاء إلى الصيف , ~~ثم يورق , والبقل ما لايبقى له ساق ms2623 , قال الخليل : جل الشجر عظامه وما يبقى ~~منه في الشتاء حقيقة , ودقه صنفان : أحدهما تبقى له أورمة في الأرض في ~~الشتاء , وينبت في الربيع , ومنه ما ينبت من الأرض كما تنبت البقلة , ~~والفرق بينه وبين البقل أن الشجر يبقى له أورمة على الشتاء ولا يبقى للبقل ~~, وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أن النبات ثلاثة أقسام : شجر وهو ما يبقى في ~~الشتاء , ولا يذهب فرعه ولا أصله , وما نبت ف برز ولم ينبت في أورمة ثابتة ~~فهو البقل , وما نبت في أورمة - أي أصل - وكان مما يهلك فرعه وأصله في ~~الشتاء فهو الجنبة , لأنه فارق الشجر الذي يبقى فرعه ولا أصله , والبقل ~~الذي يبيد فرعه وأصله , فكان جنبة بينهما . | ولما كان الشجر عاما , شرع ~~سبحانه يفصله تنويعا للنعم وتذكيرا بالتفاوت , إشارة إلى أن الفعل ~~بالاختيار , فقال مبتدئا بالأنفع في القوتية والائتدام والتفكه : { ينبت } ~~أي هو سبحانه { لكم } أي خاصة { به } مع كونه واحدا في أرض واحدة { الزرع } ~~الذي تشاهدونه من أقل الشجر مكثا وأصغره قدرا , { والزيتون } الذي ترونه من ~~أطول الأشجار عمرا وأعظمها قدرا . | ولما كانت المنافع كثيرة في شجر التمر ~~, سماه باسمه فقال تعالى : { والنخيل } ولما كانت المنفعة في الكرم بغير ~~ثمرته تافهة , قال تعالى : { والأعناب } وهما من أوسط ذلك { ومن كل الثمرات ~~} وأما كلها فلا يكون إلا في الجنة , وهذا الذي في الأرض بعض من ذلك الكل ~~مذكر به ومشوق إليه { إن في ذلك } أي الماء العظيم المحدث عنه وعن فروعه , ~~أو في إنزاله على الصفة المذكورة { لآية } بينه على أن فاعل PageV04P250 ~~ذلك تام القدرة يقدر على الإعادة كما قدر على الابتداء , وأنه مختار يفعل ~~ذلك في الوقت الذي يريده . | ولما كان ذلك ممن يحس , وكان شغل الحواس ~~بمنفعته - لقربه وسهولة ملابسته - ربما شغل عن الفكر في المراد به , فكان ~~التفطن لدلالته يحتاج إلى فضل تأمل ودقة نظر , قال تعالى : { لقوم يتفكرون ~~* } أي في أن وحدته وكثرة ما يتفرع عنه دليل على وحدة صانعه وفعله ~~بالاختيار , وأفراد الآية ms2624 لوحدة المحدث عنه , وهو الماء - كما قال تعالى في ~~آية ^ ( { تسقى بماء واحد } ) ^ [ الرعد : 4 ] وسيأتي في آية النحل كلام ~~الإمام أبي الحسن الحرالي في هذا . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : هذه ~~السورة في التحامها بسورة الحجر مثل الحجر بسورة إبراهيم من غير فرق , لما ~~قال تعالى ^ ( { فوربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون } ) ^ [ الحجر : ~~92 ] وقال تعالى بعد ذلك في وعيد المستهزئين { فسوف يعلمون } أعقب هذا بيان ~~تعجيل الأمر فقال تعالى ^ ( { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } ) ^ [ النحل : 1 ~~] وزاد هذا بيانا قوله { سبحانه وتعالى عما يشركون } فنزه سبحانه نفسه عما ~~فاهوا به في استهزائهم وشركهم وعظيم بهتهم , وأتبع ذلك تنزيها وتعظيما فقال ~~تعالى { خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون } ثم أتبع ذلك بذكر ~~ابتداء خلق الإنسان وضعف جبلته { خلق الإنسان من نطفة } ثم أبلغه تعالى حدا ~~يكون فيه الخصام والمحاجة , كل ذلك ابتلاء منه واختبار ليميز الخبيث من ~~الطيب , وأعقب هذا بذكر بعض ألطافه في خلق الأنعام وما جعل فيها من المنافع ~~المختلفة , وما هو سبحانه عليه من الرأفة والرحمة اللتين بهما أخر العقوبة ~~عن مستوجبها , وهدى من لم يستحق الهداية بذاته بل كل هداية فبرأفة الخالق ~~ورحمته , ثم أعقب ما ذكره بعد من خلق الخيل والبغال والحمير وما في ذلك كله ~~بقوله { ولو شاء لهداكم أجمعين } فبين أن كل الواقع من هداية وضلال خلقه ~~وفعله , وأنه أوجد الكل من واحد , وابتدأهم ابتداء واحدا { خلق الإنسان من ~~نطفة } فلا بعد في اختلاف غاياتهم بعد ذلك , فقد أرانا سبحانه مثال هذا ~~الفعل ونظيره في قوله { وهو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومن شجر ~~- إلى قوله : لآية لقوم يتفكرون } انتهى . | < < # | النحل : ( 12 - 13 ) وسخر لكم الليل . . . . . # > > ^ ( وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن ~~في ذلك لآيات لقوم يعقلون * وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك ~~لآية لقوم يذكرون ) ^ } ) | PageV04P251 ولما كان ربما قال بعض الضلال : إن ~~هذه الأشياء مستندة إلى تأثير الأفلاك ms2625 , نبه على أنها لا تصلح لذلك بكونها ~~متغيرة فلا بد لها من قاهر أثر فيها التغير , ولا يزال الأمر كذلك إلى أن ~~ينتهي إلى واحد قديم فاعل بالاختيار , لما تقرر من بطلان التسلسل , فقال ~~تعالى : { وسخر لكم } أي أيها الناس لإصلاح أحوالكم { اليل } للكسنى { ~~والنهار } للابتغاء ؛ ثم ذكر آية النهار فقال تعالى : { والشمس } أي لمنافع ~~اختصها بها , ثم ذكر آية الليل فقال : { والقمر } لأمور علقها به { النجوم ~~} أي لآيات نصبها لها , ثم نبه على تغيرها بقوله : { مسخرات } أي بأنواع ~~التغير لما خلقها له على أوضاع دبرها { بأمره } سببا لصلاحكم وصلاح ما به ~~قوامكم , دلالة على وحدانيته وفعله بالاختيار , ولو شاء لأقام أسبابا غيرها ~~أو أغنى عن الأسباب . | ولما كان أمرها مع كونه محسوسا - ليس فيه من ~~المنافع القريبة الأمر السهلة الملابسة ما يشغل عن الفمر فيه , لم يحل أمره ~~إلى غير مطلق العقل , إشارة إلى وضوحه وإن كان لا بد فيه من استعمال القوة ~~المفكرة , ولأن الآثار العلوية أدل على القدرة الباهرة , وأبين شهادة ~~للكبرياء والعظمة , فقال : { إن في ذك } أي التسخير العظيم { لآيات } أي ~~كثيرة متعددة عظيمة { لقوم يعقلون } وجمع الآيات لظهور تعدادها بالتحديث ~~عنها مفصلة . | ولما كان ما مضى موضعا للتفكر المنتج للعلم بوحدة الصانع ~~واخيتاره , وكان التفكر في ذلك مذكرا لما بعده من سر التفاوت في اللون الذي ~~لا يمكن ضبط أصنافه على التحرير , وكان في ذلك تمام إبطال القول بتأثبر ~~الأفلاك والطبائع , لأن نسبتها إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة ~~الواحدة واحدة , قال تعالى عطفا على الليل : { وما ذرأ } أي خلق وبث وفرق ~~التراب والماء { لكم } أي خاصة , فاشكروه واعلموا أنه ما خصكم بهذا التدبير ~~العظيم إلا لحكم كبيرة أجلها إظهار جلاله يوم الفصل { في الأرض } أي مما ~~ذكر ومن غيره حال كونه { مختلفا ألوانه } حتى في الورقة , الواحدة , فترى ~~أحد وجهيها - بل بعضه - في غاية الحمرة , والآخر في غاية السواد أو الصفرة ~~ونحو ذلكن فلو كان المؤثر موجبا بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت في الآثار ms2626 ~~, فعلم قطعا أنه إنما هو قادر مختار , ولم يذكر اختلاف الصور لأن دلالتها - ~~لأجل اختلاف أشكال النجوم من السماء وصور الجبال والروابي والوهاد من الأرض ~~- ليست على إبطال الطبيعة كدلالة اختلاف اللون . | ولما كان ذلك - وإن ~~خارجا عن الحد في الانتشار - واحدا من جهة كونه لونا , وحد الآية فقال : { ~~إن في ذلك } الذي ذرأه في هذه الحال على هذا الوجه العظيم PageV04P252 { ~~لآية } ولما نبه في التي قبلها على أن الأمر وصل في الوضوح إلى حد لا يحتاج ~~معه إلى غير بديهة العقل , نبه هنا على أن ذلك معلوم طرأ عليه النسيان ~~والغفلة , حثا على بذل الجهد في تأمل ذلك , وإشارة إلى أن دلالته على ~~المقصود في غاية الوضوح فقال : { لقوم يذكرون * } ولو لم يمنعوا - بما ~~أفاده الإدغام ؛ والتذكير : طلب المعنى بالتفكير في متعلقة , فلا بد من ~~حضور معنى يطلب به غيره , وقد رتب سبحانه ذلك أبدع ترتيب , فذكر الأجسام ~~المركبة عموما , ثم خص الحيوان , ثم مطلق الجسم النامي وهو النبات , ثم ~~البسائط من الماء ونحوه , ثم الأعراض من الألوان . | < < # | النحل : ( 14 ) وهو الذي سخر . . . . . # > > ^ ( وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) ^ } ) | ~~ولما دل على قدرته واختياره سبحانه دلالة على القدرة على كل ما أخبر به ~~لاسيما الساعة , بخلق السماوات والأرض الذي هو أكبر من خلق الناس , ثم ذكر ~~بعض ما في المكشوف من الأرض المحيط به الهواء من التفاوت الدال على تفرد ~~الصانع واختياره , وختمه باللون , أتبع ذلك بالمغمور بالماء الذي لا لون له ~~في الحقيقة , إشارة إلى أنه ضمنه من المنافع والحيوانات التي لها من ~~المقادير والكيفيات والأشكال والألوان البديعة التخطيط , الغريبة الصباغ - ~~ما هو أدل من ذلك فقال : { وهو } أي لا غيره { الذي سخر البحر } أي ذلله ~~وهيأه لعيش ما فيه من الحيوان وتكون الجواهر , وغير ذلك من المنافع , ~~والمراد به السبعة الأبحر الكائنة في الربع المرتفع عن الماء , وهو المسكون ~~من كرة الأرض ms2627 المادة من البحر المحيط الغامر لثلاثة أرباع الأرض , فجعله ~~بالتسخير بحيث يتمكن الناس من الانتفاع به بالركوب والغوص وغيرهما { ~~لتأكلوا منه } أي بالاصطياد ةغيره من لحوم الأسماك { لحما طريا } لا تجد ~~أنعم منه ولا ألين , وهو أرطب اللحوم فيسرع إليه الفساد فيبادر إلى أكله ~~عذبا لذيذا مع نشبه في ملح زعاق { وتستخرجوا منه } أي بجهدكم في الغوص وما ~~يتبعه { حلية تلبسونها } أي نساؤكم , وهن بعضكم لكم , فكأن اللابس أنتم , ~~وهي من الحجارة التي لا ترى أصلب منها ولا أصفى من اللؤلؤ وكذا من المرجان ~~وغيره , مع نسبة هذا الصلب وذاك الطري إلى الماء , فلو أنه فاعل بطبعه لا ~~ستويا . | ولما ذكر المنافع العامة مخاطبا لهم بها , وكان المخر - وهو أن ~~تجري السفينة مستقبلة الريح , فتشق الماء , فيسمع لجريها صوت معجب , وذلك ~~مع الحمل الثقيل - آية عظيمة لا يتأملها إلا أرباب القلوب خص بالخطاب أعلى ~~أولي الألباب , ومن قاربه PageV04P253 في ابتغاء الصواب , فقال : { وترى ~~الفلك } ولما كان النظر إلى تعداد النعم هنا أتم منه في سورة فاطر , قدم ~~المخر في قوله : { مواخر فيه } أي جواري تشق الماء مع صوت , لتركبوها ~~فتستدلوا - بعدم رسوبها فيه مع ميوعه ورقته وشدة لطافته - على وحدانية ~~الإله وقدرته . | ولما علل التسخير بمنفعة البحر نفسه من الأكل وما تبعه , ~~عطف على ذلك النفع به , فقال تعالى : { ولتبتغوا } أي تطلبوا طلبا عظيما ~~بركوبه { من فضله } أي الله بالتوصل بها إلى البلدان الشاسعة للمتاجر ~~وغيرها { ولعلكم تشكرون * } هذه النعم التي أنتم عاجزون عنها لولا تسخيره ؛ ~~والمخر : شق الماء عن يمين وشمال , وهو أيضا صوت هبوب الريح إذا اشتد ~~هبوبها , وقد ابتدئ فيه بما يغوص تارة ويطف أخرى بالاختيار , وثنى بما طبعه ~~الرسوب , وثلث بما من طبعه الطفوف . | < < # | النحل : ( 15 - 17 ) وألقى في الأرض . . . . . # > > ^ ( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون * ~~وعلامات وبالنجم هم يهتدون * أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ) ^ } ) | ~~ولما ذكر الأغوار , الهابطة الضابطة للبحار , أتبعها الأنجاد الشداد , التي ~~هي كالأوتاد , تذكيرا بما ms2628 فيها من النعم فقال : { وألقى في الأرض } أي وضع ~~فيها وضعا , كأنه قذفه فيها قذفا , جبالا { رواسي } مماسة لها ومزينة ~~لنواحيها , كراهة { أن تميد } أي تميل مضطربة يمينا وشمالا , أي فيحصل لكم ~~الميد , وهو دوار يعتري راكب البحر { بكم } في ثابتة لأجل ذلك الإلقاء , ~~ثابتة مع اقتضائها بالكرية التحرك . | ولما ذكر الأوهاد , وأتبعها الأوتاد ~~, تلاها بما تفجره غالبا منها , عاطفا على { رواسي } لما تضمنه العامل من ~~معنى ( جعل ) فقال : { وأنهارا } وأدل دليل على ثبات الأرض ما سبقها من ذكر ~~البحار , ولحقها من الحديث عن الأنهار , فإنها لو تحركت ولو بمقدار شعرة في ~~كل يوم لأغرقت البحار من إلى جانب الانخفاض , وتعاكست مجاري الأنهار , ~~فعادت منافعها أشد المضار , ولو زادت البحار , بما تصب فيها الأنهار , على ~~مر الليل وكر النهار , لأغرقت الأرض , ولكنه تعالى دبر الأمر بحكمته تدبيرا ~~تعجز عن الاطلاع على كنهه أفكار الحكماء , بأن سلط حرارة الشمس على الأرض ~~في جميع مدة الصيف وبعض غيره من الفصول , فسرت في أغوارها , وحميت في ~~أعماقها في الشتاء , فأسخنت مياه البحار وغيرها فتصاعدت منها بخارات كما ~~يتصاعد من القدر المغلي بقدر ما صبت فيها الأنهار , فانعقدت تلك البخارات ~~في الجو مياها لما بردت , فنزل منها المطر , فأحيا الأرض بعد موتها , وتخلل ~~أعماقها منه ما شاء الله , فأمد الأنهار , ولذلك PageV04P254 تزيد بزيادة ~~المطر وتنقص بنقصه , وهكذا في كل عام , فأوجب ذلك بقاء البحر على حاله من ~~غير زيادة , فسبحان المدبر الحكيم العزيز العليم ! ولما ذكر ذلك , أتبعه ما ~~يتوصل به إلى منافع كل منه فقال تعالى : { وسبلا } . | ولما كانت الجبال ~~والبحار والأنهار أدلة على السبل الحسية والمعنوية , قال تعالى : { لعلكم ~~تهتدون * } أي يحصل الاهتداء فتهتدوا إلى مقاصدكم . | ولما كانت الأدلة في ~~الأرض غير محصورة فيها , قال : { وعلامات } أي من الجبال وغيرها , جمع ~~علامة وهي صورة يعلم بها المعنى من خط , أو لفظ أو إشارة أو هيئة , وقد ~~تكون علامة وضعية , وقد تكون برهانية . | ولما كانت الدلالة بالنجم أنفع ~~الدلالات وأعمها وأوضحها برا وبحرا ms2629 ليلا ونهارا , نبه على عظمها بالالتفات ~~إلى مقام الغيبة لإفهام العموم لئلا يظن أن المخاطب مخصوص , وأن الأمر لا ~~يتعداه , فقال تعالى : { وبالنجم هم } أي أهل الأرض كلهم , وأولى الناس ~~بذلك أول المخاطبين , وهم قريش ثم العرب كلها , لفرط معرفتهم بالنجوم { ~~يهتدون * } وقدم الجار تنبيها على أن دلالة غيره بالنسبة إليه سافلة . | ~~ولما لم يبق - بذكر الدلائل على الوحدانية على الوجه الأكمل , والترتيب ~~الأحسن , والنظم الأبلغ - شبهة في أن الخالق إنما هو الله , لما ثبت من ~~وحدانيته , وتمام علمه وقدرته , وكمال حكمته , لجعله تلك الدلائل نعما عامة ~~, ومننا تامة , مع اتضاح العجز في كل ما يدعون فيه الإلهية من دونه , ~~واتضاح أنه سبحانه في جميع صنعه مختار , للمفاوتة في الوجود والكيفيات بين ~~ما لا مقتضى للتفاوت فيه غير الاختيار , فثبت بذلك أنه قادر على الإتيان ~~بما يريد . | قال مسببا عن ذلك : { أفمن يخلق } أي يجدد ذلك حيث أراد ومتى ~~أراد فلا يمكن عجزه بوجه لتمكن شركته { كمن } شركته ممكنة , فهو أصل في ذلك ~~بسبب أنه { لا يخلق } أي لا يقع ذلك منه وقتا ما من الأصنام وغيرها , في ~~العجز عن الإتيان بما يقوله ؛ المستلزم لأن يكون ممكنا مخلوقا , ولو كان ~~التشبيه معكوسا كما قيل لم يفد ما أفاد هذا التقدير من الإبلاغ في ذمهم ~~بإنزال الأعلى عن درجته , وعبر ب ( من ) لأنهم سموها آلهة , وأنهى أمرها أن ~~تكون عاقلة , فإذا انتفى عنها وصف الإلهية معه لعدم القدرة على شيء انتفى ~~بدونه من باب الأولى . | ولما سبب عن هذه الأدلة إنكار تسويتهم الخالق ~~بغيره في العجز , سبب عن هذا الإنكار إنكار تذكرهم , حثا لهم على التذكر ~~المفيد لترك الشرك فقال : { أفلا يتذكرون * } بما تشاهدونه من ذلك ولو من ~~بعض الوجوه - بما أفاده الإدغام - لتذكروا ما يحق اعتقاده . | PageV04P255 ~~< < # | النحل : ( 18 - 21 ) وإن تعدوا نعمة . . . . . # > > ^ ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ إن الله لغفور رحيم * والله يعلم ~~ما تسرون وما تعلنون * والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ~~* أموات غير ms2630 أحيآء وما يشعرون أيان يبعثون ) ^ } ) | ولما كانت المقدورات ~~لا تحصر , وأكثرها نعم العباد مذكرة لهم بخالقهم , قال تعالى ممتنا عليهم ~~بإحسانه من غير سبب منهم : { وإن تعدوا } أي كلكم { نعمة الله } أي إنعام ~~الملك الذي لا رب غيره , عليكم وإن كان في واحدة فإن شعبها تفوت الحصر { لا ~~تحصوها } أي لا تضبطوا عددها ولا تبلغه طاقتكم مع كفرها وإعراضكم جملة عن ~~شكرها , فلو شكرتم لزادكم من فضله . | ولما كانوا مستحقين لسلب النعم ~~بالإعراض عن التذكير , والعمى عن التبصير , أشار إلى سبب إدرارها , فقال ~~تعالى : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال بجميع صفات الإكرام والانتقام ~~{ لغفور رحيم * } فلذلك هو يدر عليكم نعمه وأنتم منهمكون فيما يوجب نقمه . ~~| ولما جرت العادة بأن المكفورإحسانه يبادر إلى قطعه عند علمه بالكفر , ~~فكان ربما توهم متوهم أن سبب مواترة الإحسان عدم العلم بالكفران , أو عدم ~~العلم بكفران لا يدخل تحت المغفرة , قال مهددا مبرزا للضمير بالاسم الأعظم ~~الذي بنيت عليه السورة للفصل بالفرق بين الخالق وغيره ولئلا يتوهم تقيد ~~التهديد بحيثية المغفرة إيماء إلى أن ذلك نتيجة ما مضى : { والله } أي الذي ~~له الإحاطة الكاملة بجميع صفات الإكرام والانتقام { يعلم } أي على الإطلاق ~~{ ما تسرون } أي كله . | ولما كان الإسرار ربما حمل على حالة الخلوة , فلم ~~يكن علمه دالا على الإعلان , قال تعالى : { وما تعلنون * } ليعلم مقدار ~~المضاعفة لموجبات الشكر وقباحة الكفر , وأما الأصنام فلا تعلم شيئا فلا ~~أسفه ممن عبدها . | ولما أثبت لنفسه تعالى كمال القدرة وتمام العلم وأنه ~~المنفرد بالخلق , شرع يقيم الأدلة على بعد ما يشركونه به من الإلهية بسلب ~~تلك الصفات فقال تعالى : { والذين يدعون } أي دعاء عبادة { من دون الله } ~~أي الذي له جميع صفات الكمال { لا يخلقون شيئا } ولما كان ربما ادعى مدع في ~~شيء أنه لا يخلق ولا يخلق , قال : { وهم يخلقون * } . | ولما كان من ~~المخلوقات الميت والحي , وكان الميت أبعد شيء عن صفة الإله , قال نافيا ~~عنها الحياة - بعد أن نفى القدرة والعلم - المستلزم لأن يكون ms2631 عبدتها أشرف ~~منها PageV04P256 المستلزم لأنهم بخضوعهم لها في غاية السفه : { أموات } ~~ولما كان الوصف قد يطلق علىغير الملتبس به مجازا عن عدم نفعه بضده وإن كان ~~قائما به عريقا فيه قال : { غير أحياء } مبينا أن المراد بذلك حقيقة سلب ~~الحياة على ضد ما عليه الله { ألا له الخلق } من كونه حيا لا يموت , ولعله ~~اقتصر على وصفهم - مع أنهم موات - بأنهم أموات لأن ذلك مع كونه كافيا في ~~المقصود من السياق - وهو إبعادهم عن الإلهية - يكون صالحا لكل مخلوق ادعى ~~فيه الإلهية وإن اتصف بالحياة , لأن حياته زائلة يعقبها الموت , ومن كان ~~كذلك كان بعيدا عن صفة الإلهية . | ولما كانوا - مع علمهم بأن الأصنام ~~حجارة لا حياة لها - يخاطبون من أجوافها بألسنة الشياطين - كما هو مذكور في ~~السير وغيرها من الكتب المصنفة في هواتف الجان , فصاروا يظنون أن لها علما ~~بهذا الاعتبار , ولذلك كانوا يظنون أنها تضر وتنفع , احتيج إلى نفي العلم ~~عنها , ولما كانوا يخبرون على ألسنتها ببعض ما يسترقونه من السمع , فيكون ~~كما أخبروا , لم ينف عنها مطلق العلم , بل نفي ما لا علم لأحد غيرالله به , ~~لأنهم لا يخبرون عنه بخبر إلا بان كذبه , فقال تعالى عادا للبعث عداد ~~المتفق عليه : { وما يشعرون } أي في هذا الحال كما هو مدلول ما { أيان } أي ~~أي حين { يبعثون * } فنفى عنهم مطلق الشعور الذي هو أعم من العلم , فينتفي ~~كل ما هو أخص منه . | < < # | النحل : ( 22 - 24 ) إلهكم إله واحد . . . . . # > > ^ ( إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم ~~مستكبرون * لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين ~~* وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ) ^ } ) | ولما كانت ~~أدلة البعث قد ثبت قيامها , واتضحت أعلامها , وعلا منارها , وانتشرت ~~أنوارها , ساق ما لا خلاف إلا في العلم بوقته مع الاتفاق على أصله , لأنه ~~من لوازم التكليف , ولما اتضح بذلك كله عجز شركائهم , أشار إلى أن منشأ ~~العجز قبول التعدد , إرشادا إلى برهان التمانع , فقال ms2632 على طريق الاستئناف ~~لأنه نتيجة ما مضى قطعا : { إلهكم } أي أيها الخلق كلكم , المعبود بحف { ~~إله } أي متصف بالإلهية على الإطلاق بالنسبة إلى كل أحد وكل زمان وكل مكان ~~{ واحد } لا يقبل التعدد - الذي هو مثار النقص - بوجه من الوجوه , لأن ~~التعدد يستلزم إمكان التمانع المستلزم للعجز المستلزم للبعد عن رتبة ~~الإلهية { فالذين } أي فتسبب عن هذا أن الذين { لا يؤمنون بالآخرة } أي دار ~~الجزاء ومحل إظهار الحكم الذي هو ثمرة الملك والعدل الذي هو مدار العظمة { ~~قلوبهم منكرة } أي جاهلة بأنه واحد , لما لها من القسوة لا لاشتباه الأمر - ~~لما تقدم في هود من أن مادة ( نكر ) تدور على القوة وهي تستلزم الصلابة ~~PageV04P257 فتأتي القسوة { وهم } أي والحال أنهم بسبب إنكار الآخرة { ~~مستكبرون * } أي صفتهم الاستكبار عن كل ما لا يوافق أهواءهم وهو طلب الترفع ~~بالامتناع من قبول الحق أنفة من أهله , فصاروا بذلك إلى حد يخفى عليهم معه ~~الشمس كما قال تعالى : ^ ( { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } ) ~~^ [ هود : 20 ] وربما دل { مستكبرون } على أن { منكرة } بمعنى ( جاحدة ما ~~هي به عارفة ) . | ولما كانوا - لكون الإنسان أكثر شيء جدلا - ربما أنكروا ~~الاستكبار , وادعوا أنه أو ظهر لهم الحق لأنابوا , قال على طريق الجواب لمن ~~كأنه قال : إنهم لا يأبون استكبارا ما لايشكون معه في أن هذا كلام الله { ~~لا جرم } أي لا ظن في { أن الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { يعلم } ~~علما غيبيا وشهاديا { ما يسرون } أي يخفون مطلقا أو بالنسبة إلى بعض الناس ~~. | ولما كان علم السر لا يستلزم علم الجهر - كما مضى غير مرة , قال : { ~~وما يعلنون } فهو أخبر بذلك إلا عن أمر قطعي لا يقبل المراء . | ولما كان ~~في ذلك معنى التهديد , لأن المراد : فليجازينهم على دق ذلك وجهل من غير أن ~~يغفر منه شيئا - كما يأتي التصريح به في قوله : ^ ( { ليحملوا أوزارهم ~~كاملة } ) ^ [ النحل : 25 ] علل هذا المعنى بقوله : { إنه } أي العالم ~~بالسر والعلن { لا يحب المستكبرين * } أي على الحق , كائنا ms2633 ما كان . | ولما ~~كان الطعن في القرآن - بما ثبت من عجزهم عن معارضته - دليل الاستكبار قال ~~تعالى عاطفا على قوله { قلوبهم منكرة } : { وإذا قيل } أي من أي قائل كان ~~في أي وقت كان ولو تكرر { لهم } أي لمنكري الآخرة : { ماذا } أي أي شيء { ~~أنزل ربكم } أي المحسن إليكم المدبر لأموركم { قالوا } مكابرين في إنزاله ~~عادين ( ذا ) موصولة لا مؤكدة للاستفهام : الذي تعنون أنه منزل ليس منزلا , ~~بل هو { أساطير الأولين } - مع عجزهم بعد تحديهم عن معارضة سورة منه مع ~~علمهم بأنه أفصح الناس وأنه لا يكون من أحد من الناس متقدم أو متأخر قول ~~إلا قالوا أبلغ منه . | < < # | النحل : ( 25 - 26 ) ليحملوا أوزارهم كاملة . . . . . # > > ^ ( ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير ~~علم ألا سآء ما يزرون * قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من ~~القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ) ^ } ) ~~| ولما كان الكتاب هو الصراط المستقيم المنقذ من الهلاك , وكان قلوبهم هذا ~~صدا عنه , فكان - مع كونه ضلالا , ومن المعلوم أن من ضل كان عليه إثم ضلاله ~~, ومن أضل كان عليه وزر إضلاله - هذا ما لايخفي على ذي عقل صحيح , فلما كان ~~هذا PageV04P258 بينا , وكانوا يدعون أنهم أبصر الناس بالخفيات فكيف ~~بالجليات , حسن جدا قوله : { ليحملوا } فإنهم يعلمون أن هذا لازم لهم قطعا ~~وإن قالوا بألسنتهم غيره , أو يقال : إنه قيل ذلك لأنه - مع أن الجهل أولى ~~لهم منه - أخف أحوالهم لأنهم إما أن يعلموا أنهم فعلوا بهذا الطعن ما ليس ~~لهم أولا , فعلى الثاني هم أجهل الناس , وعلى الأول فإما أن يكونوا ظنوا ~~أنهم يؤخذون به أو لا , فعلى الثاني يكون الخلق سدى , وليس هو من الحكمة في ~~شيء , فمعتقد هذا من الجهل بمكان عظيم , وعلى الأول فهم يشاهدون كثيرا من ~~الظلمة لا يجازون في الدنيا , فيلزمهم في الحكمة اعتقاد الآخرة , ليجازي ~~بها المحسن والمسيء , وهذا أخف الأحوال المتقدمة , ولا يخفي ما في الإقدام ~~على مثله من الغباوة المناقضة ms2634 لادعائهم أنهم أبصر الناس , فقد آل الأمر إلى ~~التهكم بهم لأنهم نسبوا إلى علم الجهل خير منه { أوزارهم } التي باشروها ~~لنكوبهم عن الحق تكبرا لا عن شبهة . | ولما كان الله من فضله يكفر عن أهل ~~الإيمان صغائرهم بالطاعات وباجتناب الكبائر فكان التكفير مشروطا بالإيمان , ~~وكان هؤلاء قد كفروا بالتكذيب بالكتاب , قال تعالى : { كاملة } لا ينقص ~~منها شيء مما أسروا ولا مما أعلنوا , لخفاء ولا ذهول بتكفير ولا غيره من ~~دون خلل في وصف من الأوصاف , فهو أبلغ من ( تامة ) لأن التمام قد يكون في ~~العدة مع خلل في بعض الوصف { يوم القيامة } الذي لا شك فيه ولا محيص عن ~~إتيانه { و } ليحملوا { من } مثل { أوزار } الجهلة الضعفاء { الذين يضلونهم ~~} فيضلون بهم كما بين أولئك الذين ضلوا { بغير علم } يحملون من أوزارهم من ~~غير أن يباشرونها لما لهم فيها من التسبب من غير أن ينقص من أوزار الضالين ~~بهم شيء وإن كانوا جهلة , لأن لهم عقولا هي بحيث تهدي إلى سؤال أهل الذكر , ~~وفطرا أولى تنفر من الباطل ( أول ) ما يعرض علهيا فضيعوها ؛ ثم استأنف ~~التنبيه على عظيم ما يحصل لهم من مرتكبهم من الضرر وعيدا لهم فقال تعالى : ~~{ ألا ساء ما يزرون * } فأدخل همزة الإنكار على حرف النفي فصار إثباتا على ~~أبلغ وجه . | ولمت كان المراد من هذا الاستكبار محو الحق وإخفاء أمره من ~~غير تصريح بالعناد - بل مع إقامة شبه ربما راجت - وإن اشتد ضعفها - على ~~عقول هي أضعف منها , وكأن هذا حقيقة المكر التي هي التغطية والستر كما بين ~~في الرعد عند قوله تعالى : < # > 77 ( { بل زين للذين كفروا مكرهم } ) 77 < # > [ الرعد : 23 ] شرع يهدد الماكرين ويحذرهم وقوع ما وقع بمن كانوا أكثر ~~منهم عددا وأقوى يدا , ويرجي المؤمنين في نصرهم عليهم , بما له من عظيم ~~القوة وشديد السطوة , فقال تعالى : { قد مكر الذين } ولما كان المقصود ~~بالإخبار PageV04P259 ناسا مخصوصين لم يستغرقوا زمان القبل , أدخل فقال ~~تعالى : { من قبلهم } ممن رأوا آثارهم ودخلوا ديارهم { فأتى الله } أي بمت ms2635 ~~له من مجامع العظمة { بنيانهم } أي إتيان بأس وانتقام { من القواعد } التي ~~بنوا عليها مكرهم { فخر } أي سقط مع صوت عظيم لهدته { عليهم السقف } . | ~~ولما كانت العرب تقول : خر علينا ووقع علينا حائط - إذا كان يملكه وإن لم ~~يكن وقع عليه كما نقله أبو حيان عن ابن الأعرابي , قال تعالى صرفا عن هذا ~~إلى حقيقة السقوط المقيد بالجار : { من قولهم } وكانوا تحته فهلكوا كما هو ~~شأن البنيان إذا زالت قواعده . | ولما كان المكر هو الضر في خفية , لأنه ~~القتل بالحيلة إلى جهة منكرة , بين أن ما حصل لهم من العذاب هو من باب ما ~~فعلوا بقوله : { وأتاهم العذاب } أي الذي اتفقت كلمة الرسل على الوعيد به ~~لمن أبى { من حيث لا يشعرون * } لأن السبب الذي أعدوه لنصرهم كان بعينه سبب ~~قهرهم , وهذا على سبيل التمثيل , وقيل : إنه على الحقيقة فيما بناه نمرود ~~من الصرح . | < # > ذكر قصته من التوراة < # > : قال في السفر الأول منها في تعداد أولاد نوح عليه السلام : وكوش - ~~يعني ابن حام بن نوح - ولد نمرود , وكان أول جبار في الأرض , وهو كان مخوفا ~~ذا صيد بين يدي الرب , ولذلك يقال : هذا مثل نمرود الجبار القناص , فكان ~~مبدأ ملكه بابل والكوش والأهوز والكوفة التي بأرض شنعار , ومن تلك الأرض ~~خرج الموصلي فابتنى نينوى ورحبوت القرية - وفي نسخة : قرية الرحبة - ~~والإيلة والمدائن ؛ ثم قال بعد أن عد أحفاد نوح عليه السلام وممالكهم : ~~هؤلاء قبائل بني نوح وأولادهم وخلوفهم وشعوبهم , ومن هؤلاء تفرقت الشعوب في ~~الأرض بعد الطوفان , وإن أهل الأرض كلهم كانت لغتهم واحدة , ومنطقهم واحدا ~~, فلما ظعنوا في المشرق انتهوا إلى قاع في أرض شنعار - وفي نسخة : العراق - ~~فسكنوه , فقال كل امرئ منهم لصاحبه : هلم بنا نلبن اللبن ونحرقه بالنار , ~~فيصير اللبن مثل الجص بدل الطين للملاط , ثم قال : هلموا ! نبن لنا قرية ~~نتخذها , وصرحا مشيدا لاحقا بالسماء , ونخلف لنا شيئا نذكر به , لعلنا ألا ~~نتفرق على الأرض كلها , فنظر الرب القرية والصرح الذي يبينه الناس , فقال ~~الرب : إني ms2636 أرى هذا الشعب رأيهم واحد ولغتهم واحدة وقد هموا أن يصنعوا هذا ~~الصنيع فهم الآن غير مقصرين فيما هموا أن يفعلوه , فلأورد أمرا أشتت به ~~لغتهم حتى لا PageV04P260 يفهم المرء منهم لغة صاحبه , ثم فرقهم الرب من ~~هنالك على وجه الأرض كلها , ولم يبنوا القرية التي هموا ببنائها , ولذلك ~~سميت بابل لأن هنالك فرق الرب لغة أهل الأرض كلها - انتهى . | قال لي بعض ~~علماء اليهود : إن بابل معرب بوبال , ومعنى بوبال بالعبراني الشتات - هذا ~~ما في التواة , وأما المفسرون فإنهم ذكروا أن الصرح بني على هيئة طويلة في ~~الطول والإحكام , وأن الله تعالى هدمه , فكانت له رجة تفرقت لعظم هولها لغة ~~أهل الأرض إلى أنحاء كثيرة لا يحصيها إلا خالقها فالله أعلم . | < < # | النحل : ( 27 - 28 ) ثم يوم القيامة . . . . . # > > ^ ( ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركآئي الذين كنتم تشاقون فيهم ~~قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين * الذين تتوفاهم ~~الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم ~~بما كنتم تعملون ) ^ } ) | ولما بين سبحانه وتعالى حال المكرة المتمردين ~~عليه في الدنيا , أخذ يذكر حالهم في الآخرة تقريرا للآخرة وبيانا لأن ~~عذابهم غير مقصور على الدنيوي , فقال تعالى : { ثم يوم القيامة يخزيهم } أي ~~الله تعالى الذي فعل بهم في الدنيا ما تقدم , خزيا يشهده جميع الخلائق ~~الوقوف في ذلك اليوم , فيحصل لهم من الذل - جزاء على تكبرهم - ما يجل عن ~~الوصف , وعطفه ب ( ثم ) لاستبعادهم له ولما من الهول والعظمة التي يستصغر ~~لها كل هول { ويقول } أي لهم في ذلك الجمع تبكيتا وتوبيخا : { أين شركاءي } ~~على ما كنتم تزعمون , وأضاف سبحانه إلى نفسه المقدس لأنه أقطع في توبيخهم ~~وأدل على تناهي الغضب { الذين كنتم } أي كونا لا تنفكون عنه { تشاقون فيهم ~~} أوليائي , فتكونون بمخالفتهم في شق غير شقهم , فتخضعون لما لا ينبغي ~~الخضوع له , وتتكبرون على من لا ينبغي الإعراض عنه , ما لهم لا يحضرونكم ~~ويدفعون عنكم في هذا اليوم ؟ وقرئ بكسر النون لأن ms2637 مشاققة المأمور مشاققة ~~الآمر . | ولما كان المقام للجلال والعظمة المستلزم لزيادة الهيبة التي ~~يلزم عنها خرس المخزي عن جوابه لو كان له جواب , وكان من أجل المقاصد في ~~تعذيبهم العدل بتفريح الأولياء وإشماتهم بهم , جزاء لما كانوا يعلمون بهم ~~في الدنيا , وكانت الشماتة أعلى محبوب للشامت وأعظم مرهوب للمشموت فيه , ~~وأعظم مسل للمظلوم , دل على سكوتهم رغبا عن المبادرة بالجواب بتأخير الخبر ~~عنه وتقديم الخبر عن شماتة أعدائهم فيهم في سياق الجواب عن سؤال من قال : ~~هل علم بذلك المؤمنون ؟ فقيل : { قال الذين } ولما كان العلم شرفا للعالم ~~مطلقا , بني للمفعول قوله : { أوتوا العلم } أي انتفعوا به في سلوك سبيل ~~النجتة من الأنبياء عليهم السلام ومن أطاعهم من أممهم , إشارة إلى أن ~~الهالك يصح سلب العلم عنه وإن كان أعلم الناس , وعدل عن أن يقول : ~~PageV04P261 أعداؤهم أو المؤمنون ونحوه , إجلالا لهم بوصفهم بالعلم الذي هو ~~أشرف الصفات لكونه منشأ كل فضيلة , وتعرضا بأن الحامل للكفار على الاستكبار ~~الجهل الذي هو سبب كل رذيلة { إن الخزي } أي البلاء المذل { اليوم } أي يوم ~~الفصل الذي يكون للفائز فيه العاقبة المأمونة { والسوء } أي كل ما يسوء { ~~على الكافرين * } أي العريقين في الكفر الذين تكيروا في غير موضع التكبر , ~~لا على غيرهم ؛ ثم رغبهم في التوبة بقوله : { الذين تتوافاهم } بالفوقية في ~~قراءة الجمهور لأن الجمع مؤنث , وبالتحتية في قراءة حمزة لأن المجموع غير ~~مؤنث , وكان وفاتهم على وجهين : وجه خفيف - بما أشار إليه التأنيث لخفة كفر ~~صاحبه , وآخر ثقيل شديد لشدة كفر صاحبه , ولم يحذف شيء من التاءين للإشارة ~~إلى نقصان حالهم لأنه لا يمكن خيرها لموتهم على الكفر بخلاف ما تقدم في ~~تارك الهجرة في النساء { الملائكة } أي المؤكلون بالموت , حال كونهم { ~~ظالمي أنفسهم } بوضعها من الاستكبار على الملك الجبار غير موضعها . | فلما ~~تم ذلك على هذا الوجه البديع , والأسلوب الرفيع المنيع , ابتدأ الخبر عن ~~جوابهم على وجه معلم بحالهم فقال : { فألقوا } أي من أنفسهم عقب قول ~~الأولياء وبسبب سؤال ذي الكبرياء { السلم ms2638 } أي المقادة والخضوع بدل ذلك ~~التكبر والعلو قائلين ارتكابا للكذب من غير احتشام : { ما كنا نعمل } ~~وأعرقوا في النفي فقالوا : { من سوء } فكأنه قيل : إن هذا لبهتان عظيم في ~~ذلك اليوم الجليل , فماذا قيل لهم ؟ فقيل : { بلى } قد علمتم أعظم السوء ؛ ~~ثم علل تكذيبهم بقوله : { إن الله } أي المحيط بكل شيء { عليم } أي بالغ ~~العلم من كل وجه { بما كنتم } أي جبلة وطبعا { تعلمون * } أي من الضلال ~~والإضلال , فلا يسعكم الإنكار , أفما آن لكم أن تنزعوا عن الجهل فيما يضركم ~~ولا ينفعكم ويخفضكم ولا يرفعكم ! | < < # | النحل : ( 29 - 32 ) فادخلوا أبواب جهنم . . . . . # > > ^ ( فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين * وقيل ~~للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ~~ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين * جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها ~~الأنهار لهم فيها ما يشآؤون كذلك يجزي الله المتقين * الذين تتوفاهم ~~الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) ^ } ) | ~~ولما كان هذا الفعل مع هذا العلم سببا لدخول جهنم من غير أن يقام لهم وزن , ~~لأنه لا وزن لما ضيع أساسه , قال معقبا مسببا : { فادخلوا } أي أيها الكفرة ~~{ أبواب جهنم } أي أبواب طبقاتها ودركاتها { خالدين } أي مقدرين الخلد { ~~فيها } أي في جهنم التي دأبها تجهم من دخلها . | PageV04P262 ولما كان هذا ~~المقام للمشاققة . | وكان أمرها زائد القباحة . | كان هذا الدخول أقبح دخول ~~, وكان سببا لأن يقال : { فلبئس } بالأداة الجامعة لمجامع الذم { مثوى ~~المتكبرين * } على وجه التأكيد وبيان الوصف الذي استحقوا به ذلك , لتقدم ~~كذبهم في قولهم { ما كنا من سوء } تعريضا بأنهم جديرون - لغاية ما لهم من ~~البلادة - أن يستحسنوا النار كما كذبوا مع العلم التام بأنه لا يروج في ذلك ~~اليوم كذب . | ولما تم الخبر عن المنكر لما أنزل الله على ألسنة الملائكة ~~من الروح من أمره على الأنبياء عليهم السلام , إنكارا لفضلهم وتكبرا بما ~~ليس لهم , بالاعتراض على خالقهم , ابتداء الخبر عن المقرين تصديقا لهداتهم ~~واعترافا بفضلهم وتسليما لمن هم عبيده في ms2639 تفضيل من يشاء , منبها على الوصف ~~الذي أوجب لهم الاعتراف بالحق , فقال حاذفا ل ( إذا ) دلالة على الرضى ~~بأيسر شيء من الخير والمدح عليه ولو لم يتكرر : { وقيل للذين اتقوا } أي ~~خافوا عقاب الله { ماذا } أي أي شيء { أنزل ربكم } أي المحسن إليكم من روحه ~~المحيي للأرواح , على رسوله { قالوا } معترفين بالإنزال , غير متوقفين في ~~تلمقال , فاهمين أن ذا مؤكدة للاستفهام لا بمعنى الذي : أنزل { خيرا } ~~وإنما أطبق القراء على نصب هذا ورفع الأول فرقا بين جوابي المقر والجاحد ~~بمطابقة المقر بين الجواب والسؤال , وعدول الجاحد بجوابه عن السؤال ؛ ثم ~~أخذ يرغب بما لهم من حسن المآل على وجه الجواب لسؤال من كأنه قال : ما لهم ~~على ذلك ؟ فقيل مظهرا موضع الإضمار مدحا لهم وتعميما لمن اتصف بوصفهم : { ~~للذين احسنوا } فبين أن اعترافهم بذلك إحسان ؛ ثم أخبر عنه بقوله : { في ~~هذه الدنيا حسنة } أي جزاء لهم على إحسانهم < # > 77 ( { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } ) 77 < # > [ الرحمن : 60 ] . | ولما كانت هذه الدار سريعة الزوال , أخبر عن حالهم ~~في الآخرة فقال : { ولدار الآخرة خير } أي جزاء ومصيرا ؛ ثم مدحها ومدحهم ~~بقوله تعالى : { ولنعم دار المتقين * } أي هي , مرغبا في الوصف الذي كان ~~سبب حيازتهم لها , وهو الخوف المنافي لما وصف به الأشرار من الاستكبار , ~~بإظهاره موضع الإضمار وحذف المخصوص بالمدح لتقدم ما يدل عليه , وهو صالح ~~لتقدير الدنيا - أي لمن عمل فيها بالتقوى - ولتقدير الآخرة , وهو واضح . | ~~ولما كان هذا المدح مشوفا لتفصيل ذلك قيل : { جنات عدن } أي غقامة لا ظعن ~~فيها { يدخلونها } حال كونها { تجري من تحتها } أي من تحت غرفها { الأنهار ~~} ثم أجيب من كأنه سأل عما فيها من الثمار وغيرها بقوله تعالى : { لهم فيها ~~} أي خاصة , لا في شيء سواها من غير أن يجلب إليهم من غيرها { ما تشاؤون } ~~ثم زاد في الترغيب PageV04P263 بقوله : { كذلك } أي مثل هذا الجزاء العظيم ~~{ يجزي الله } أي الذي له الكمال كله { المتقين * } أي الراسخين في صفة ~~التقوى , ثم حث على ملازمة التقوى بالتنبيه ms2640 على أن العبرة بحال الموت , ~~فقال تعالى : { الذين تتوافاهم } أي تقبض أرواحهم وافية من نقص شيء من ~~الروح أو المعاني - بما أشار إليه إثبات التاءين والإظهار { الملائكة طيبين ~~} أي طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر متحلين بحلية الإيمان , فكأنه قيل : ماذا ~~تقول لهم الملائكة ؟ فقيل : { يقولون } أي مكررين للتأكيد تسكينا لما جبلوا ~~عليه من تعظيم جلال الله بالتقوى { سلم عليكم } ويقال لهم لتحقيق فوزهم { ~~ادخلوا الجنة } أي دار التفكه التي لا مثل لها { بما كنتم } أي جبلة وطبعا ~~{ تعلمون * } ترغيبا لهم في الأعمال التي لا يستطعونها إلا برحمة الله لهم ~~بتوفيقهم لها . | < < # | النحل : ( 33 - 35 ) هل ينظرون إلا . . . . . # > > ^ ( هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل ~~الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون * فأصابهم سيئات ~~ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * وقال الذين أشركوا لو شآء الله ~~ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل ~~الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين ) ^ } ) | ولما أخبر تعالى ~~عن أحوال الكفار السائلين في نزول الملائكة بعد أن وهى شبههم , وأخبر عن ~~توفي الملائكة لهم ولأضدادهم المؤمنين , مشيرا بذلك إلى أن سنته جرت بأنهم ~~لا ينزلون إلا لإنزال الروح من أمره على من يختصه لذلك أو لأمر فيصل لا ~~مهلة فيه , قال منكرا عليهم : { هل ينظرون } أي هؤلاء الكفار في تقاعسهم عن ~~تصديق الرسل في الإخبار بما أنزل ربهم , وجرد الفعل إشارة إلى قرب ما ~~ينتظرونه { إلا أن تأتيهم } أي بأمر الله { الملائكة } وهم لا يأتونهم إلا ~~بمثل ما أتوا به من قبلهم ممن قصصنا أمرهم من الظالمين إن لم يتوبوا { أو ~~يأتي أمر ربك } أي المحسن إليك المدير لأمرك بأمر يفصل النزاع من غير واسطة ~~ملك أو غيره . | ولما كان هذا أمرا مفزعا , كان موجبا لمن له فهم أن يقول : ~~هل فعل هذا أحد غير هؤلاء ؟ فقيل : نعم ! { وكذلك } أي مثل هذا الفعل ~~البعيد ms2641 لبشاعته عن مناهج العقلاء , مكرا في تدبير الأذى , واعتقادا وقولا { ~~فعل الذين } ولما كان الفاعلون مثل أفعالهم في التكذيب لم يستغرقوا الزمان ~~, أدخل اجار فقال تعالى : { من قبلهم وما } أي والحال أنه ما { ظلمهم الله ~~} أي الذي له الكمال كله في تقديره ذلك عليهم , لأنه المالك المطلق التصرف ~~والملك الذي لا يسأل عما يفعل { ولكن كانوا } أي جبلة PageV04P264 وطبعا { ~~أنفسهم } أي خاصة { يظلمون * } فاستحقوا العقاب لقيام الحجة عليهم على ~~السنن الذي جرت به عوائدكم فيمن باشر سوء غير أن يكره عليه إكراها ظاهرا , ~~وهذا بعينه هو العلة في إرسال الرسل , ونصب الشرئع والملل { فأصابهم } أي ~~فتسبب عن ظلمهم لأنفسهم أن أصابهم { سيئات } أي عقوبات أو جزاء سيئات { ما ~~عملوا وحاق } أي أحاط ضابطة { بهم } من العذاب والمرسل به من الملائكة { ما ~~كانوا به } أي خاصة { يستهزؤن * } تكبرا عن قبول الحق . | ومادة حاق واوية ~~ويائية - بتراكيبها الست : حوق , حقو , قحو , قوح , وقح , حيق - تدورعلى ~~الإحاطة , ويلزمها صلابة المحيط ولين المحاط به : حاق به الشيء - إذا نزل ~~بف فأحاط , والحيق : ما يشتمل على الإنسان من مكروه فعله , وحاق فيه السيف ~~: حاك أي عمل - من التسمية باسم الجزء , ولأنه في الأغلب يكون في عمله ~~الموت المحيط بالأجل , وحاق بهم الأمر : لزمهم ووجب عليهم ونزل بهم , ~~والحيقة : شجرة كالشيح يؤكل بها التمر - كأنه يحيط بالتمرة , وحايقه : حسده ~~وأبغضه - لإحاطة ذلك . | والحوق - بالضم : ما أحاط بالكمرة من حروفها , ~~وبالضم والفتح معا : استدارة في الذكر , والحوق - بالفتح فقط : الإحاطة , ~~والأحوق والمحوق - كمعظم / الكمرة - كأنها مختصة بذلك لكبرها , ومنه فيشلة ~~حوقاء : عظيمة - كأنها لعظمها هي التي ظهر حرفها دون غيرها , وأرض محوقة - ~~بضم الحاء : قليلة النبت لقلة المطر - كأنه تشبه بالكمرة في ملاستها , ~~وتركت النخلة حوقاء - إذا أشعل في الكرانيف - لاستدارة النار بها أو لشبهها ~~بعد حريق السعف بالذكر أو رأسه , والحوقة بالفتح : الجماعة الممخرقة - لأن ~~الجماعة لها قوة الاستدارة , والممخرق إن كان من الكذب فمن لازمه العوج , ~~وإن كان من المخراق - وهو المنديل الذي يلف للعب ms2642 به - فاللعب به على هيئة ~~الاستدارة , وحوق عليه تحويقا : عوج عليه السلام , والحوق - بالفتح أيضا : ~~الكنس والدلك والتمليس لأن كلا منها ترد فيه اليد إلى قريب من مكانها فيشبه ~~الإحاطة ولو بالتعويج . | والحقو : الكشح , وهو ما بين عظم رأس الورك إلى ~~الضلع الخلف لأنه موضع إحاطة الإزار , والإزار نفسه حقو لأنه آلته أو الحقو ~~معقد الإزار , والحقو : موضع غليظ مرتفع عن السيل - من الصلابة والاستدارة ~~لأن السيل يحيط به أو يكاد , ومن السهم : موضع الريش لأنه يشبه الحقو في ~~استدارته وغلظ بعض ودقة بعض , وفي إحاطة الريش به , ومن الثنية : جانباها - ~~من الإحاطة أو مطلق العوج , والحقوة : وجع في البطن من أكل اللحم - للحوق ~~وجعه الحقو . | والأقحوان : نبت يستدير به زهرة , وأقاحي الأمر : تباشيره - ~~لأنها تحيط به غالبا , PageV04P265 وقحا المال : أخذه - لما يلزمه من ~~الإحاطة , والمقحاة : المجرفة - لأنها تحيط بالمجروف . | ومن اللين : قاح ~~الجرح يقوح : صارت فيه مدة خالصة لا يخالطها دم كقاح يقيح - واوية ويائية , ~~ولما يلزمه من الاستدارة غالبا , وقوح الجرح : انتبر - إما من الموضع ~~الغليظ المرتفع عن السيل , وإما من استدارته , وقاح البيت : كنسه كقوحه , ~~والقاحة : الساحة - لاستدارتها غالبا , وأقاح : صمم على المنع بعد السؤال - ~~إما من لإزالة - أي أزال اللين - وإما من الصلابة . | ولما تم ما هو عجب من ~~مقالهم ومآلهم , في سوء أحوالهم , وختم بتهديدهم , عطف على قوله { وإذا قيل ~~لهم ماذا أنزل ربكم } موجبا آخر للتهديد , معجبا من حالهم فيه , فقال : { ~~وقال الذين أشركوا } أي الراسخ منهم في هذا الوصف والتابع له , على سبيل ~~الاعتراض على من يدعوهم إلى التوحيد من نبي وغيره , محتجين بالقدر عنادا ~~منهم , ومعترضين على من لا يسأل عما يفعل بأنه - لقدرته على كل شيء - غير ~~محتاج إلى بعث الرسل , فإرسالهم عبث - تعالى الله الحكيم عن قولهم , فهو ~~قول من يطلب العلة في أحكامه تعالى وفي أفعاله , وهو قول باطل , لأنه ~~سبحانه الفعال لما يريد سواء أطلع العباد على حكمته أم لا : { لو شاء الله ~~} أي الملك الأعظم المحيط بكل ms2643 شيء قدرة وعلما , وعدم عبادتنا لغيره { ما ~~عبدنا } . | ولما كانت الرتب كلها مقتاصرة عن رتبته وكانت متفاوته , وكان ~~ما يعبدونه من الأصنام في أدناها رتبة , أدخلوا فقالوا : { من دونه } ~~وأعرقوا في النفي فقالوا : { من شيء } أي من الأشياء { نحن ولا ءاباؤنا } ~~من قبلنا ! ولما ذكروا الأصل أتبعوه الفرع فقالوا : { ولا حرمنا } أي على ~~أنفسنا { من دونه } أي دون أمره { ن شيء } لأن ما يشاء لا يتخلف على زعمكم ~~, لكنه لم يشأ العدم , فقد شاء وجود ما نحن عليه , فنحن نتبع ما شاءه لا ~~نتغير عنه , لأنه لا يشاء إلا ما هو حق , وضل عن الأشقياء - بكلمتهم هذه ا ~~لحق التي أرادوا بها الباطل - أن مدار السعادة والشقاوة إنما هو موافقة ~~الأمر لا موافقة الإرادة , فما كان من الفعل والكف على وفق الأمر سعد فاعله ~~, وما خالفه قامت به الحجة على فاعله على ما جرت به عوائد الناس فشقي . | ~~PageV04P266 فلما انتهك ستر هذه المقالة اللموهة , وكان كأنه قيل استبعادا ~~لها : هل قالها غيرهم ؟ فقيل : نعم ! { كذلك } أي مثل هذا البعيد من السداد ~~, والقول الخارج عن الهداية والرشاد , وهو الاعتراض على ربهم في إرسال ~~الرسل , مانعين لجواز الإرسال بهذه الشبهة الضعيفة , فإنه تعالى يريد إظهار ~~ثمرة الملك بالحكم على ما يتعارفه العباد من إقامة الحجة بالأفعال ~~الاختيارية وإن كانت بقضائه , لأن ذلك مستور عن العباد { فعل } أي كذب ~~بدليل الأنعام { الذين } ودل على عدم الاستغراق للزمان بقوله : { من قبلهم ~~} وكان تكذيبا , لان قولهم اقتضى أن يكون ما هم عليه مما يرضاه الله , ~~والرسل يقولون : لا يرضاه , ولا يرضى إلا ما أخبروا بأن صاحبه مثاب عليه أو ~~غير معاقب , فكان ذلك سببا للإنكار عليهم بقوله : { فهل } أي فما { على ~~الرسل } أي الذين لا رسل في الحقيقة غيرهم , وهم الذين أرسلهم الله لدعاء ~~العباد خلفا عن سلف ؛ ولما كان الاستفهام بمعنى النفي - كما تقدم - إلا أنه ~~صور بصورته ليكون كدعوى الشيء بدليلها فقال : { إلا البلاغ المبين * } وقد ~~بلغوكم وأوضحوا لكم , فصار وبال العصيان خاصا ms2644 بكم . | < < # | النحل : ( 36 - 38 ) ولقد بعثنا في . . . . . # > > ^ ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف ~~كان عاقبة المكذبين * إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم ~~من ناصرين * وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه ~~حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ^ } ) | ولما كان جمع الرسل مفهما ~~لتوزيعهم على الأمم , كان موضع توقع التصريح بذلك , فقال - دافعا لكرب هذا ~~الاستشراف , نافيا لطروق احتمال , دالا علا أن هذا القول السابق منصب ~~إنكاره بالذات إلى اعتراضهم على الإرسال , ومسليا لنبيه صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم , وحاثا لهم على الاعتبار , عطفا على ما تقديره : فلقد بعثناك في ~~أمتك هذه لأن يعبدوا الله وحده ويجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدينا , ومنهم من ~~حقت عليه الضلالة , فكان من غير شك بعضهم مرض لله وبعضهم مغضب له , فإنه لا ~~يكون حكم المتنافيين واحدا أبدا : { في كل أمة } أي والله لقد { بعثنا } أي ~~على ما لنا من العظمة التي من اعترض عليها أخذ { في كل أمة } من الأمم ~~الذين قبلكم { رسولا } فما بقي في الأرض أحد لم تبلغه الدعوة , ولأجل أن ~~الرسل قد تكون من غير المرسل إليهم كلوط وشعيب عليهما السلام في أصحاب ~~الأيكة وسليمان عليه السلام في غير بني إسرائيل من سائر منوصل إليه حكمه من ~~أهل الأرض لم يقيد ب ( منهم ) . | PageV04P267 ولما كان البعث متضمنا معنى ~~القول , كان المعنى : فذهبوا إليهم قائلين : { أن اعبدوا الله } أي الملك ~~الأعلى وحده { واجتنبوا } أي بكل جهدكم { الطاغوت } كما أمركم رسولنا { ~~فمنهم } أي فتسبب عن إرسال الرسل أن كانت الأمم قسمين : منهم { من هدى الله ~~} أي الذي له الإحاطة الكاملة , للحق فحقت له الهداية فأبصر الحق وعمل به ~~باتباع الدعاة الهداة فيما أمروا به عن الله , فحقت له الجنة { ومنهم من ~~حقت } أي ثبتت غاية الثبات { عليه الضلالة } بأن أضله الله فنابذ الأمر ms2645 فلم ~~يعمل به وعمل بمقتضى الإرادة , فإن الأمر قد لا يكون ما تعلق به , والإرادة ~~لا بد أن يكون ما تعلقت به , وقد يكون موافقها عاملا بالضلالة فحق عليه ~~عذابها فحقت له النار فهلك , لأنه لم تبق له حجة يدفع بها عن نفسه , فلو ~~كان كل ما شاءه حقا كان الفريقان محقين فلم يعذب أحدهما , لكنه لم يكن ~~الأمر كذلك , بل عذب العاصي ونجى الطائع في كل أمة على حسب ما قال الرسل , ~~وهذا هو معنى رضي الله , إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم , فدل ذلك قطعا ~~على صدق الرسل وكذب مخالفيهم , فالآية من الاحتباك : ذكر فعل الهداية أولا ~~دليلا على فعل الضلال ثانيا دليلا على حقوق الهداية أولا . | ثم التفت إلى ~~مخاطبتهم إشارة إلى أنه لم يبق بعد هذا الدليل القطعي في نظر البصيرة إلا ~~الدليل المحسوس للبصر فقال : { فسيروا } أي فإن كنتم أيها المخاطبون في شك ~~من إخبار الرسل فسيروا { في الأرض } أي جنسها { فانظروا } أي إذا سرتم ~~ومررتم بديار المكذبين وآثارهم , وعبر هنا بالفاء المشيرة إلى التعقب دون ~~تراخ لأن المقام للاستدلال المنقذ من الضلال الذي تجب المبادرة إلى الإقلاع ~~عنه بخلاف { ثم انظروا } في الأنعام لما تقدم , وأشار بالاستفهام إلى أن ~~أحوالهم مما يجب أن يسأل عنه للاتعاظ به فقال : { كيف كان } أي كونا لا ~~قدرة على الخلاص منه { عاقبة } أي آخر أمر { المكذبين * } أي من عاد ومن ~~بعدهم الذين تلقيتم أخبارهم عمن قلدتموهم في الكفرمن أسلافكم , فإنهم كذبوا ~~الرسل فيما أمرتهم بإبلاغه مخالفة لأمري وعملا بمشيئتي , فأوقعت بهم لأنهم ~~خالفوا أمري باختيارهم مع جهلهم بإرادتي , فقامت عليهم الحجة على ما ~~يتعارفه الناس بينهم . | ولما كان المحقق أنه ليس بعد الإيصال في الاستدلال ~~إلى الأمر المحسوس إلا العناد , أعرض عنهم ملتفتا إلى الرؤوف بهم الشفيق ~~عليهم , فقال مسليا له صلى الله عليه وعلى آله وسلم : { إن تحرص على هداهم ~~} فتطلبه بغاية جدك واجتهادك { فإن الله } أي الملك الأعظم { لا يهدي } أي ~~هو بخلق الهداية في القلب - هذا ms2646 على قراءة PageV04P268 الكوفيين بفتح الياء ~~وكسر الدال , ومن هاد ما بوجه من الوجوه على قراءة الجمهور بالبناء للمفعول ~~{ من يضل } أي من يحكم بضلاله , وهو الذي أضلهم فلا يمكن غيره أن يهديهم ~~لأنه لا غالب لأمره ؛ وقرئ شاذا بفتح الياء من ضل بمعنى نسي , أي فلا تمكن ~~هداية من نسيه , أي تركه من الهداية ترك المنسي فإنه ليس في يد غيره شيء , ~~ونقل الصغاني في مجمع البحرين أنه يقال : ضل فلان البعير أي أضله , والضلال ~~عند العرب سلوك غير سبيل القصد , فالمعنى أنه كان سببا لسلوك البعير غير ~~مقصود , فمعنى الآية : لا تهدي من يضله الله - بفتح الياء , أي يكون سببا ~~لسلوكه غير سبيل القصد , فلا تحزن ولا يضيق صدرك من عدم تأثرهم بنصحك ~~وإخلاصك في الدعاء , ولا يقع في فكرك أن في دعائك نقصا , إنما النقص في ~~مرائيهم العمياء , وليس عليك إلا البلاغ . | وقوله تعالى - : { وما لهم } ~~أي هؤلاء الذين أضلهم الله وجميع من يضله { من ناصرين * } أي ينصروكم عند ~~مجازاتهم على الضلال , لينقذوهم مما لحقهم عليه من الوبال , كما فعل ~~بالمكذبين من قبلهم - عطف على نتيجة ما قبله , وهو فلا هادي لهم ما أراد ~~الله ضلالهم , وتبكيت لهم وتقريع وحث وتهييج على أن يقوموا بأنفسهم ~~ويستعينوا بمن شاؤوا على نصب دليل ما يدعونه من أنهم أتبع الناس للحق , إما ~~بأن يبرهنوا على صحة معتقدهم أو يعينوهم على الرجوع عنه عند العجز عن ذلك , ~~أو يكفوا عنهم العذاب إذا حاق بهم . | ولما كان من حقهم - بعد قيام الأدلة ~~على كمال قدرته وشمول علمه وبلوغ حكمته في إبداع جميع المخلوقات مما نعلم ~~ومالا نعلم على أبدع ترتيب وأحسن نظام - تصديق الهداة في إعلامهم بأنه ~~سبحانه يعيدهم للبعث وأنهم لم يفعلوا ولا طرقوا لذلك احتمالا , بل حلفوا ~~على نفيه من غير شبهة عرضت لهم ولا إخبار عن علم وصل إليهم فعل الجلف ~~الجافي الغبي العاسي , أتبع ذلك سبحانه تعجيبا آخر من حالهم , فقال - عاطفا ~~على { وقال الذين أشركوا } لأن كلا من ms2647 الجملتين لبيان تكذيبهم الرسل ~~والتعجيب منهم في ذلك , دالا على ان اعتقادهم مضمون هذه الجملة هو الذي ~~جرأهم على قول الأولى وما تفرغ منها - : { وأقسموا بالله } أي الملك الأعظم ~~{ جهد أيمانهم } جعلت الأيمان جاهدة لكثرة ما بالغوا فيها : { لا يبعث الله ~~} أي الذي له الإحاطة بكل شيء { من يموت } أي يحيي أحدا بعد موته , استنادا ~~منهم إلى مجرد استبعاد مالم تجر به نفسه عندهم عادة , جمودا منهم عن حلها ~~بأن النشأة الأولى كانت من غير عادة , مع ادعائهم أنهم أعقل الناس وأحدهم ~~أذهانا وأثقبهم أفهاما . | ثم رد عليهم بقوله تعالى : { بلا } أي ليبعثهم ~~لأنه لا مانع له من ذلك وقد وعد PageV04P269 به { وعدا } وبين أنه لا بد ~~منه بقوله : { عليه } وزاده تأكيدا في مقابلة اجتهادهم في أيمانهم بقوله : ~~{ حقا } أي لأنه قادر عليه وهو لا يبدل القول لديه , فصار واجبا لهواه { ~~ولكن أكثر الناس } أي بما لهم من الاضطراب { لا يعلمون * } أي لا علم لهم ~~يوصلهم إلى ذلك لأنه من عالم الغيب لا يمكن عقولهم الوصول إليه بغير إرشاد ~~من الله , ولا هم يقبلون أقوال الدعاة إليه الذين أيدهم بروح منه لتقيدهم ~~بما توصلهم إليه عقولهم , وهي مقصورة على عالم الشهادة لا يمكنها الترقي ~~منه إلى عالم الغيب بغير وساطة منه سبحانه تعالى , فلذلك ترى الإنسان منهم ~~يأبى ذلك استعبادا لأن يكون شيء معقول لا يصل إليه بمجرد عقله وهو خصيم ~~مبين . | < < # | النحل : ( 39 - 41 ) ليبين لهم الذي . . . . . # > > ^ ( ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ~~كاذبين * إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون * والذين هاجروا ~~في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو ~~كانوا يعلمون ) ^ } ) | ولما بين أنه لا بد من ذلك لسبق الوعد به من القادر ~~, بين حكمته بأمر مبين أنه لا يسوغ تركه بوجه , وهو أنه لا يجوز في عقل ~~عاقل أن أحدا ملكا فما دونه يأمر عبيده بشيء ثم يهملهم فلا يسألهم ولا سيما ~~إن ms2648 اختلفوا ولا سيما إن أدى اختلافهم إلى المقاطعة والمقاتلة فكيف إن كان ~~حاكما فكيف إذا كان حكيما فكيف وهو أحكم الحاكمين ! فقال معلقا بما دل عليه ~~{ بلى } : { ليبين } أي فعله ووعد به فهو يبعثهم ليبين { لهم } أي للناس { ~~الذين يختلفون } أي يوجد اختلافهم { فيه } من البعث وغيره , ويجزي كلا بما ~~عمل لأن ذلك من العدل الذي هو فعله { وليعلم الذين كفروا } أي جهلوا الآيات ~~الدالة عليه , فكأنهم ستروها لأنها لظهورها لا تجهل { أنهم كانوا } أي جبلة ~~وطبعا { كاذبين * } أي عريقين في الكذب في إنكارهم للمعاد وزعمهم أنهم ~~المختصون بالمفاز علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين . | ولما بين تحتمه ~~وحكمته , بين إمكانه ويسره عليه وخفته لديه , فقال تعالى : { إنما قولنا } ~~أي بما من العظمة { لشيء } إبداء وإعادة { إذا أردناه } أي أردنا كونه { أن ~~نقول له } ثم ذكر محكى القول النفسي فقال - بانيا من ( كان ) التامة ما دل ~~على موافقة الأشياء المرادة موافقة المأمور للآمر المطاع - : { كن } أي ~~أحدث { فيكون * } أي فيتسبب عن ذلك القول أنه يكون حين تعلق القدرة به من ~~غير مهلة أصلا , فنحن خلقنا الخلق لنأمرهم وننهاهم . | PageV04P270 ولما ~~كان التقدير تفصيلا لفريقي المبين لهم وترغيبا في الهجرة لأنها بعد الإيمان ~~أوثق عرى الإسلام : فالذين كفروا واغتروا بما شاهدوه من العرض الفاني ~~لنخزينهم في الدنيا والآخرة ولنجازينهم بجميع ما كانوا يعلمون , عطف عليه ~~قوله تعالى : { والذين هاجروا } أي أوقعوا المهاجرة فرارا بدينهم فهجروا ~~آباءهم وأبناءهم وأقاربهم من الكفار وديارهم وجميع ما نهوا عنه { في الله } ~~أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال , بعدما ( تمادى ) المكذبون بالبعث ~~على إيذائهم , فتركوا لهم بلادهم . | ولما كانت هجرتهم لم تستغرق زمان ~~البعد لموت بعض من هجروه وإسلام آخرين بعد احتمالهم لظلمهم ما شاء الله , ~~قال تعالى : { من بعد ما ظلموا } أي وقع ظلمهم من الكفار , بناه للمفعول ~~لأن المحذور وقوع الظلم لا كونه من معين { لنبوئنهم } أي نوجد لهم منزلا هو ~~أهل لأن يرجع إليه , بما لنا من الملائكة وغيرهم من الجنود وجميع العظمة ms2649 { ~~في الدنيا } مباءة { حسنة } كبيرة عظيمة , جزاء لهم على هدمتنا , بأن نعلي ~~أمرهم وإن كره المشركون , كما يراه من تدبير بمعنى لأوليائي على قلتهم , ~~وسينكشف الأمر عما قريب انكشافا لا يجهله أحد , فالآية دليل على ما قبلها . ~~| ولما كان التقدير : ولنبوئنهم في الآخرة أجرا كبيرا , عطف عليه قوله ~~تعالى : { ولأجر الآخرة } المعد لهم { أكبر } مما جعلته لهم في الدنيا { لو ~~كانوا يعلمون * } أي لو كان الكفار لهم بجبلاتهم علم بأن يكون لهم عقل ~~يتدبرون به لعلموا - بإحساني إلى أوليائي في الدنيا من منعي لهم منهم في ~~عنادهم مع كثرتهم وقلتهم , وإسباغي لنعمي عليهم لا سيما في الأماكن التي ~~هاجروا إليها من الحبشة والمدينة وغيرهما مع اجتهادهم في منعها عنهم - أني ~~أجمع لأوليائي الدارين , وأن إحساني إليهم في الآخرة أعظم قال : خذ بارك ~~الله لك فيه , هذا ما وعدك الله في الدنيا , وما ادخر لك في الآخرة أكثر ~~وأفضل - ثم تلا هذه الآية . | < < # | النحل : ( 42 - 44 ) الذين صبروا وعلى . . . . . # > > ^ ( الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون * ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * بالبينات والزبر وأنزلنا ~~إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) ^ } ) | ولما نبه ~~على إحسانه إليهم , وكان فيه من أول الأمر نوع غموض لظهور الكفرة في بادي ~~الرأي , وصفهم بما يحتاج إليه في الاستجلاب لتمامه حثا وإلهابا , فقال ~~تعالى - واصفا للمهاجرين بيانا لأصل ما حملهم على ما استحقوا به هذا الأجر ~~الجزيل - : PageV04P271 { الذين صبروا } أي استعملوا الصبر على ما نابهم من ~~المكاره من الكفار وغيرهم في الإقامة بين أظهرهم مدة ثم في الهجرة بمفارقة ~~الوطن الذي هو حرام الله المشرب حبه لكل قلب , فكيف بقلوب من هو مسقط ~~رؤوسهم ومألف أبدانهم ونفوسهم , وفي بذل الأرواح في الجهاد وغير ذلك , ولفت ~~الكلام إلى وصف والإحسان تنبيها على ما يحمل على التوكل فقال تعالى : { ~~وعلى ربهم } أي المحسن إليهم بإيجادهم وهدايتهم وحده { يتوكلون * } في كل ~~حالة يريدونها رضى بقضاء الله تعالى . | ولما أخبر ms2650 تعالى أنه بعث الرسل , ~~وكان عاقبة من كذبهم الهلاك , بدلالة آثارهم , وكانوا قد قدحوا في الرسالة ~~بكون الرسول بشرا ثم بكونه ليس معه ملك يؤيده , رد ذلك بقوله - مخاطبا ~~لأشرف خلقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكونه افهمهم عنه مع أنه أجل من ~~توكل وصبر , عائدا إلى مظهر الجلال بيانا لأنه يظهر من يشاء على من يشاء - ~~: { وما أرسلنا } أي بما لنا من العظمة . | ولما كان الإرسال بالفعل إنما ~~كان في بعض الأزمنة , دل عليه بالجار فقال : { من قبلك } إلى الأمم من ~~طوائف البشر { إلا رجالا } لا ملائكة بل آدميين , هم في غاية الاقتدار على ~~التوكل والصبر الذي هو محط الرجلة { نوحي إليهم } بواسطة الملائكة , وما ~~أحسن تعقيب ذلك للصابرين , لأن الرسل أصبر الناس . | ولما كانوا قد عزموا ~~إلى سؤال أهل الكتاب في بعض الأمور , وكانوا قد أتوا علما من عند الله , ~~سبب عن هذا الإخبار الأمر بسؤالهم عن ذلك , فقال مخاطبا لهم ولكل من أراد ~~الاستثبات من غيرهم : { فسئلوا } أي أيها المكذبون ومن أراد من سواهم { أهل ~~الذكر } أي العلم بالكتاب , سمي ذكرا لأن الذكر - الذي هو ضد السهو - ~~بمنزلة السبب المؤدي إليه فأطلق عليه , كأن الجاهل ساه وإن لم يكن ساهيا , ~~وكذا الذكر - الذي هو الكلام المذكور - سبب للعلم . | ولما كان عندهم حس من ~~ذلك بسماع أخبار الأمم قبلهم , أشار إليه بقوله تعالى : { إن كنتم } أي ~~جبلة وطبعا { لا تعلمون * } أو هو التنفير من الرضى بالجهل . | ولما كانت ~~رسل الملوك تقترن بما يعرف بصدقهم , قال - جوابا لمن كأنه قال : بأي دلالة ~~أرسلوا ؟ - : { بالبينات } المعرفة بصدقهم { والزبر } أي الكتب الهادية إلى ~~أوامر مرسلهم . | ولما كان القرآن أعظم الأدلة , أشار إلى ذلك بذكره مدلولا ~~على غيره من المعجزات بواو العطف , فقال - عاطفا على ما تقديره : وكذلك ~~أرسلناك بالمعجزات PageV04P272 الباهرات - : { وأنزلنا } أي لنا من العظمة ~~{ إليك } أي وأنت أشرف الخلق { للذكر } أي الكتاب الموجب للذكر , المعلي ~~للقدر , الموصل إلى منازل الشرف { لتبين للناس } كافة بما أعطاك الله من ~~الفهم الذي ms2651 فقت فيه جميع الخلق , واللسان الذي هو أعظم الألسنة وأفحصها وقد ~~أوصلك الله فيه إلى رتبة لم يصل إليها أحد { ما نزل } أي وقع تنزيله { ~~إليهم } من هذا الشرع الحادي إلى سعادة الدارين بتبيين المجمل , وشرح ما ~~أشكل , من علم أصول الدين الذي رأسه التوحيد , ومن البعث وغيره , وهو شامل ~~لبيان الكتب القديمة لأهلها ليدلهم على ما نسخ , وعلى ما بدلوه فمسخ . | ~~ولما كان التقدير : لعلهم بحسن بيانك يعلمون ! عطف عليه بيانا لشرف العلم ~~قوله تعالى : { ولعلهم يتفكرون * } إذا نظروا أساليبه الفائقة , ومعانيه ~~العالية الرائقة , فيصلوا بالفكر فيه - بسبب ما فتحت لهم من أبواب البيان - ~~إلى حالات الملائكة , بأن تغلب أرواحهم على أشباحهم فيعلموا أنه تعالى واحد ~~قادر فاعل بالاختيار , وأنه يقيم الناس للجزاء فيطيعونه رغبة ورهبة , ~~فيجمعون بين شرفي الطاعة الداعية إليها الأرواح , والانكفاف عن المعصية ~~الداعية إليها النفوس بواسطة الأشباح . | < < # | النحل : ( 45 - 50 ) أفأمن الذين مكروا . . . . . # > > ^ ( أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم ~~العذاب من حيث لا يشعرون * أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين * أو يأخذهم ~~على تخوف فإن ربكم لرؤوف رحيم * أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ~~ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا لله وهم داخرون * ولله يسجد ما في السماوات ~~وما في الأرض من دآبة والملائكة وهم لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ~~ويفعلون ما يؤمرون ) ^ } ) | لما نبه سبحانه على التفكر , وكان داعيا ~~للعاقل إلى تجويز الممكن والبعد من الخطر , سبب عنه إنكار الأمن من ذلك ~~فقال تعالى : { أفأمن } أي أتفكروا فتابوا , أو استمروا على عتوهم ؟ أفأمن ~~{ الذين مكروا } بالاحتيال في قتل الأنبياء وإطفاء نور الله الذي أرسلهم به ~~, المكرات { السيئات أن } يجازوا من جنس عملهم بأن { يخسف الله } أي المحيط ~~بكل شيء { بهم } أي خاصة { الأرض } فإذا هم في بطنها , لا يقدرون على نوع ~~تقلب بمدافعة ولا غيرها , كما فعل بقارون وأصحابه وبقوم لوط عليه السلام من ~~قبلهم { أو يأتيهم العذاب } على غير تلك الحال { من حيث لايشعرون ms2652 * } به في ~~حالة من هاتين الحالتين شعورا ما , هم في حال سكون ودعة بنوم أو غفلة { أو ~~يأخذهم } أي الله بعذابه { في } حال { تقلبهم } وتصرفهم ومشاعرهم حاضرة ~~وقواهم مستجمعة . | ولما كانت هذه الأحوال الثلاثة مفروضة في حال أمنهم من ~~العذاب وكان الأمن PageV04P273 من العدو يكون عن ظن عدم قدرته عليه , علل ~~ذلك بقوله تعالى : { فما هم بمعجزين * } أي في حالة من هذه الأحوال , سواء ~~علينا غفلتهم ويقظتهم , ولم يعلل ما بعده بذلك لأن المتخوف مجوز للعجز , ~~فقال تعالى : { أو يأخذهم } أي الله أخذ غضب { على تخوف } منهم من العذاب ~~وتحفظ من أن يقع بهم ما وقع بمن قبلهم من عذاب الاستئصال , ويجوز أن يراد ~~بما مضى عذاب الاستئصال , وبهذا الأخذ شيئا فشيئا , فإن التخوف التنقص عند ~~هذيل , روي أن عمر رضي الله عنه سأل الناس عنها فسكتوا فأجابه شيخ من هذيل ~~بأنه التنقص , فقال عمر رضي الله عنه : هل تعرف العرب ذلك في أشعارها ؟ قال ~~: نعم ! قال شاعرنا أبو كثير الهذلي يصف ناقة : | رحل منها تامكا قردا كما ~~تخوف عود النبعة السفن | رضي الله عنه : أيها الناس ! عليكم بديوانكم لا ~~يضل , قالوا : وما ديواننا ؟ قال : شعر الجاهلية , فإن فيه تفسير كتابكم ~~ومعاني كلامكم . | ولما كان التقدير : لم يأمنوا ذلك في نفس الأمر , ولكن ~~جهلهم بالله - لطول أناته وحلمه - غرهم سبب عنه قوله التقاتا إلى الخطاب ~~استعطافا : { فإن ربكم } أي المحسن إإليكم بإهلاك من يريد وإبقاء من يريد { ~~لرءوف } أي بليغ الرحمة لمن يتوسل إليه بنوع وسيلة , وكذا لمن قاطعه أتم ~~مقاطعة , وإليه أشار بقوله تعالى : { رحيم * } أي فتسبب عن إمهاله لهم في ~~كفرهم وطغيانهم مع القدرة عليهم العلم بأن تركه لمعاجلتهم ما هو إلا لرأفته ~~ورحمته . | ولما خوفهم , دل على تمام قدرته على ذلك وغيره بقوله : عاطفا ~~على ما تقديره : أو لم يروا إلى عجزهم عما يريدون وقسره لهم على ما لا ~~يريدون , فيعلموا بذلك قدرته وعجزهم , فيعلموا أن عفوه عن جرائمهم إحسان ~~منه إليهم ولطف بهم : { أولم } ولما كان ms2653 حقهم المبادرة بالتوبة فلم يفعلوا ~~, أعرض عنهم في قراءة الجماعة تخوفا فقال تعالى : { يروا } بالياء التحتية ~~, وقرأ حمزة والكسائي بالخطاب على نسق ما قبله , أي ينظروا بعيون الأبصار ~~متفكرين بالبصائر , وبين بعدهم عن المعارف الإلهية بحرف الغاية فقال تعالى ~~: { إلى ما خلق الله } أي الذي له جميع الأمر { من شيء } أي له ظل { يتفيؤا ~~} أي تترجع إلى جهة الشاخص { ظلاله } وهو ما ستره الشاخص عن الشمس متجاوزة ~~له { عن اليمين } وهي ما على يمين المستدير للشمال , المستقبل للجنوب , ~~الذي هو ناحية الكعبة لمن في بلاد الشام التي هي مسكن الأنبياء عليهم ~~السلام , وأفراد لأن الظل يكون أول ما تشرق الشمس مستقيما إلى تلك الجهة ~~على استواء , وجمع في قوله : { والشمائل } لأن الشمس كلما ارتفعت تحول ذلك ~~الظل راجعا إلى جهة ما وراء الشاخص , ولا يزال كذلك إلى أن ينتصب عند ~~الغروب إلى جهة يساره قصدا على ضد PageV04P274 ما كان انتصب إليه عند ~~الشروق , فلما كان بعد انتصابه إلى جهة اليمين طالبا في تفيئه جهة اليسار , ~~سميت تلك الجهات التي تفيأ فيها باسم ما هو طالبه تنبيها على ذلك , وفيه ~~إشارة إلى قلة الجيد المستقيم وكثرة المنحرف الرديء . | ولما كانت كثر ~~الخاضعين أدل على القهر وأهيب , جمع بالنظر إلى معنى ( ما ) ف قوله : { ~~سجدا } أي حال كونهم خضعا { لله } أي الملك الأعلى بما فيهم من الحاجة إلى ~~مدبرهم . | ولما كان امتداد الظل قسريا لا يمكن أحدا الانفصال عنه , قال ~~جامعا بالواو والنون تغليبا : { وهم داخرون * } ذلا وصغارا , لا يمتنع شيء ~~منهم على تصريفه , وخص الظل بالذكر لسرعة تغيره , والتغير دال على المغير . ~~| ولما حكم على الظلال بما عم أصحابها من جماد وحيوان , وكان الحيوان أشرف ~~من الجماد , رقي الحكم إليه بخصوصه فقال تعالى : { ولله } أي الذي له الأمر ~~كله { يسجد } أي يخضع بالانقياد للمقادير والجري تحت الأقضية , وعبر بما هو ~~ظاهر في غير العقلاء مع شموله لهم فقال تعالى : { ما في السماوات } ولما ~~كان المقام للمبالغة في إثبات الحكم على الطائع ms2654 والعاصي , أعاد الموصول ~~فقال تعالى : { وما في الأرض } ثم بين ذلك بقوله تعالى : { من دآبة } أي ~~عاقلة وغير عاقلة . | ولما كان المقرب قد يستهين بمن يقربه , قال مبينا ~~لخضوع المقربين تخصصا لهم وإن كان الكلام قد شملهم : { والملائكة } . | ~~ولما كان الخاضع قد يحكم بخضوعه وإن كان باطنه مخالفا لظاهره , قال - دالا ~~عل أن في غيرهم من يستكبر فيكون انقياده للإرادة كرها , وعبر عن السجودين : ~~الموافق للأمر والإدارة طوعا , والموافق للارداة المخالف للأمر كرها , بلفظ ~~واحد , لأنه يجوز الجمع بين مفهومي المشترك والحقيقة والمجاز بلفظ : { وهم ~~} أي الملائكة { لا يستكبرون * } ثم علل خضوعهم بقوله دلالة على أنهم ~~كغيرهم في الوقوف بين الخوف والرجاء : { يخافون ربهم } أي الموجد لهم , ~~المدبر لأمورهم , والمحسن إليهم , خوفا مبتدئا { من فوقهم } إشارة إلى علو ~~الخوف عليهم وغلبته لهم , أو حال كون ربهم مع إحسانه إليهم له العلو ~~والجبروت , فهو المخوف المرهوب , فهم عما نهوا عنه ينتهون { ويفعلون } أي ~~بداعية عظيمة علما منهم بما عليهم لربهم من الحق مع عدم منازع من حظ أو ~~شهوة أو غير ذلك , ودل على أنهم مكلفون بقوله تعالى : { ما يؤمرون * } فهم ~~لرحمته لهم يرجون ؛ فالآية من الاحتباك : ذكر الخوف أولا دال على الرجاء ~~ثانيا , وذكر الفعل ثانيا دال على الانتهاء أولا . | PageV04P275 < < # | النحل : ( 51 - 53 ) وقال الله لا . . . . . # > > ^ ( وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون ~~* وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون * وما بكم ~~من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ) ^ } ) | ولما كان ~~التوحيد أعظم المأمورات , وكان العصيان فيه أعظم العصيان , وكان سبحانه قد ~~أكثر التخويف من عصيانه , أبلغ الأمر إلى نهايته بالإخبار بأن الملائكة ~~تخافه , وكان الملائكة من أعظم الموحدين , كما كانوا من أعظم الساجدين , من ~~أهل السماوات والأرضين , وكانت هذه الآيات من أعظم أدلة التوحيد , أتبعها - ~~عطفا على { وأنزل إليك الذكر } ليتظافر على ذلك ألدة العقل والنقل وتسليكا ~~بأحوال الملائكة - قوله تعالى : { وقال الله } فعبر لأجل تعظيم المقام ms2655 ~~بالاسم الأعظم الخاص الذي بنيت عليه السورة : { لا تتخذوا } أي لا تكلفوا ~~فطركم الأولى السليمة المجبولة على معرفة أن الأله واحد إلى أن تأخذ في ~~اعتقادها { إلهين } ويجوز أن يكون معطوفا على ما علم من المقدمات المذكورة ~~أول السورة إلى قوله : { وما يشعرون أيان يبعثون } من النتيجة وهي { إلهكم ~~إله واحد } لاحتمال أن يقول متعنت : إنه لم يأمرنا بذلك وإن دلت عليه ~~الأدلة , ويجوز وهو أقرب - أن يعطف على قوله : { وقال الذين أشركوا } ~~تبكيتا لهم بأنهم احتجوا بحكمه , ولم يبادروا إلى امتثال أمره . | ولم كان ~~قد فهم المراد من التثنية , وكان ربما قال المتعنت : إن المنهي عنه تكثير ~~الأسماء , قال مؤكدا ومحققا : { اثنين } تنبيها على أن الألوهية لأنه موضع ~~لإمكان التنازع الملزوم للعجز المنافي لتلك الرتبة مطلق العدد ينافي ~~المنيفة الشماء , وفي ذلك أيضا - مع كون معبوداتهم كانت كثيرة - إشارة إلى ~~أن ما يسمى آلهة - وإن زاد عدده - يرجع بالحقيقة إلى اثنين : خالق ومخلوق , ~~ومن المعلوم لكل ذي لب أن المخلوق غير صالح للألوهية , فانحصر الأمر في ~~الخالق , وإن لم يكن فيه الخالق كان منقسما لا محالة , وأقل ما ينقسم إلى ~~اثنين : وباب الاتخاذ إذا كان مفعوله نكره , اكتفى بواحد كما تقول : اتخذت ~~بيتا , واتخذت زوجة - ونحو ذلك , ثم علل ذلك النهي بما اقتضاه السياق من ~~الوحدانية فقال تعالى : { إنما هو } أي الإله المفهوم من لفظ { إلهين } ~~الذي لا يستحق غيره أن يطلق عليه هذا الضمير إلا مجازا , لأنه لا يطلق ~~إطلاقا حقيقيا إلا على ما وجدوه من ذاته { إله } أي يستحق هذا الوصف على ~~الإطلاق . | ولما كان السياق مفهما للوحدانية من النهي عن التثنية , وكان ~~ربما تعنت متعنت بأن المراد إثبات الإله الدال على الجنس , قال رافعا لكل ~~شبهة : { واحد } أي لا يمكن PageV04P276 أن يثني بوجه ولا أن يجزأ لغناء ~~المطلق عن كل شيء واحتياج كل شيء إليه , فكونوا ممن يسجد له طوعا ولا ~~تكونوا ممن لا يسجد له إلا كرها . | ولما كان أسلوب الغيبة لا يعين الإله ~~في ms2656 المتكلم , التفت إلى أسلوب التلكم فقال تعالى : { فإياي } أي ذلك الواحد ~~أنا وحدي لا شريك لي , فمن لم يوحدني أوقعت به بقوتي ما لا يطيقه لعجزه . | ~~ولما كانت الوحدانية مما لا يخفي على عاقل , وكانت مركوزة في كل فطرة بدليل ~~الاضطراب عند المحن , والشدائد والفتن , وكانت الرهبة - كما مضى عن الحرالي ~~في البقرة - خاصة بالخوف مما خالف العاصي فيه العلم , عبر بها فقال تعالى : ~~{ فارهبون * } مختصا بذلك ولا تخافوا شيئا غيري من صنم ولا غيره , فإنه ليس ~~لشيء من ذلك قدرة , وإن أودعته فإنه لا يتمكن من إنفاذها , فالأمر كله إلي ~~وحدي . | ولما كان أسلوب الغيبة من الحاضر دالا على التردي بحجاب الكبر ~~المؤذن بشدة البطش وسرعة الانتقام وبعد المقام , رجع إليه فقال تعالى : { ~~وله } فأعاد الضمير على الله الاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى { ما ~~في السماوات } . | ولما كان الأمر قد تأكد وتأطد , وظهر المراد منه غاية ~~الظهور , لم يحتج إلى تأكيده بإعاداة النافي , فقال تعالى : { والأرض } أي ~~مما تعبدونه وغيره , فكيف يتصور أن يكون شيء من ذلك إلها وهو ملكه , مع ~~كونه محتاجا إلى الزمان والمكان وغيرهما { وله الدين } أي الخضوع والتذلل ~~من كل ما فيهما ومن فيهما بالطوع والكره , بإنفاذ القضاء والقدر , بالصحة ~~والسقم , والغني والفقر , والحياة والموت , والإيجاد والإعدام , والإذلال ~~والإعزاز , والإقبال والإعراض - كما بين آنفا , وله الدينونة بالمجازاة { ~~واصبا } أي دائما ثابتا عاما لا كالملوك الذين تنقطع ممالكهم مع خصوصها , ~~والمعبودات التي تنقطع عبادتها في وقت من الأوقات فتصير كاسدة بعد أن كانت ~~رابحة وإن طال المدى , مع خصوصها بناس دون غيرهم , ولا يخلو يوم من الأيام ~~لملك غيره من جري أمور على غير مراده وإن عظم سلطانه , وعلا شأنه , وكثرت ~~أعوانه , فكيف يتصور من له أدنى بصر أن يكون غيره إلها , وقد تقدم في < # > 77 ( { إن ربي على صراط مستقيم } ) 77 < # > [ هود : 56 ] في هود ما ينفع استحضاره هنا . | ولما تقرر هذا الدليل ~~على هذه الصفة , وكان من مفهومات الدين الجزاء الناظر إلى الأفعال ms2657 الواقية ~~مما يضر , تسبب عنه الإنكار الشديد على من يلتفت بشيء من أفعاله إلى غيره ~~بعد علمه بأنه دائم لا يزول , وأن كل ما سواه زائل , فقال معبرا بالتقوى ~~التي PageV04P277 هي نتيجة الرهبة : { أفغير الله } أي الذي له العظمة كلها ~~{ تتقون * } وأتبع ذلك ما يوجب تعظيم الإنكار عليهم , فقال مبينا أنه لا ~~ينبغي أن يتعلق خوف ولا رجاء إلا به : { وما بكم } أي التبس بكم أيها الناس ~~عامة مؤمنكم وكافركم { من نعمة } أي جليلة أو حقيرة { فمن الله } أي المحيط ~~بكل شيء وحده لا من غيره . | ولما كان إخلاصهم له - مع ادعائهم ألوهية غيره ~~- أمرا مستبعدا , عبر بأداة التراخي والبعد في قوله تعالى : { ثم إذا مسكم ~~} أي أدنى مس { الضر } بزوال نعمة مما أنعم به عليكم { فإليه } أي وحده { ~~تجأرون * } أي تعرفون أصواتكم لما ركز في فطركم الأولية السليمة من أنه لا ~~ملجأ ولا منجى منه إلا إليه . | < < # | النحل : ( 54 - 58 ) ثم إذا كشف . . . . . # > > ^ ( ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون * ليكفروا بمآ ~~آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون * ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ~~تالله لتسألن عما كنتم تفترون * ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ~~* وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم ) ^ } ) | ولما كان ~~الرجوع إلى الإشراك بعد الإخلاص مستبعدا أيضا لا ستهجانهم سرعة الاستحالة , ~~قال تعالى : { ثم إذا كشف } سبحانه عما تشركون { الضر } أي الذي مسكم { ~~عنكم } ونبه على مسارعة الإنسان في الكفران فقال تعالى : { إذا فريق } أي ~~جماعة هم أهل فرقة وضلال { منكم } أيها العباد ! { بربهم } الذي تفرد ~~بالإنعام عليهم { يشركون * } أي يوقعون الإشراك به بعبادة غيره تغيرا منهم ~~عما كانوا عليه عند الاستغاثة به في الشدة , فكان منطبقا عليهم ما ضربوا ~~المثل بكراهته بقولهم : | وإذا تكون كريهة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى ~~جندب | وهذا أجهل الجهل . | ولما كان هذا ملزوما بجحد النعمة , وكان من شأن ~~العاقل البصير بالأمور - كما يدعونه لأنفسهم - أن يغفل عن شيء من لوازم ما ~~يقدم عليه ms2658 , قال : { ليكفروا } أي يوقعوا التغطية لأدلة التوحيد التي دلتهم ~~عليها غرائز عقولهم { بما ءاتينهم } أي من النعمة , تنبيها على أنهم ما ~~أقدموا على ذلك الشرك إلا لهذا الغرض إحلالا لهم محل العقلاء البصراء الذين ~~يزعمون أنهم أعلامهم , ورفعا لهم عن أحوال من يقدم على ما لا PageV04P278 ~~يعلم عاقبته , ولا خزي أعظم من هذا , لأنه أنتج أن الجنون خير من عقل يكون ~~هذا مآله , فهو من باب التهكم { فتمتعوا } أي فتسبب عن هذا أن يقبل على هذا ~~الفريق إقبال عالم قادر عليه قائلا : تمتعوا { فسوف } أي فإن تمتعكم على ~~هذا الحال سبب لأن يقال لكم تهديدا : سوف { تعلمون * } غب تمتعكمن فهو ~~إقبال الغضب والتهديد بسوء المنقلب , وحذف المتهدد به وأبلغ وأهول لذهاب ~~النفس في تعيينه كل مذهب . | ولما هددهم بإشراكهم المستلزم لكفر النعمة , ~~أتبعه عجبا آخر من أمرهم فقال عاطفا على قوله تعالى { وأقسموا بالله جهد ~~أيمانهم } : { ويجعلون } أي على سبيل التكرير { لما لا يعلمون } مما ~~يعبدونه من الأصنام وغيرها لكونه في حيز العدم نفسه وعدما محضا بما وصفوه ~~به كما قال تعالى < # > 77 ( { أم تنبئونه بما لا يعلم } ) 77 < # > [ الرعد : 33 ] { نصيبا مما رزقناهم } بما لنا من العظمة , من الحرث ~~والأنعام وغير ذلكن تقربا إليها كما مضى شرحه في الأنعام , ولك أن تعطفه - ~~وهو أقرب - على { يشركون } فيكون داخلا في حيز ( إذا ) أي فاجأوا مقابلة ~~نعمته في الإنجاء بالإشراك والتقرب برزقه إلى ما الجهل به خير من العلم به ~~, لأنه عدم لأنه لاقدرة له ولا نغع من الغضب فقال تعالى : { تالله } أي ~~الملك الأعظم { لتسئلن } يوم الجمع { عما كنتم } أي كونا هو في جبلاتكم { ~~تفترون * } أي تتعمدون في الدنيا من هذا الكذب , سؤال توبيخ , وهو الذي لا ~~جواب لصاحبه إلا بما فيه فضيحته . | ولما بين سفههم في صرفهم مما آتاهم إلى ~~ما هو في عداد العدم الذي لا يعلم , بين لهم سفها هو أعظم مكن ذلك بجعلهم ~~لمالك الملك وملكه أحقر ما يعدونه مما أوجده لهم , لا فتقارهم إليه وغناه ms2659 ~~عنه على وجه التوالد المستحيل عليه مع كراهته لأنفسهم , فصار ذلك أعجب ~~العجب , فقال تعالى : { يجعلون الله } أي الذي لا معلوم على الحقيقة سواه ~~لاستجماعه لصفات الجلال والإكرام . | ولما كان المراد تقريعهم , وكانت ~~الأنوثة ربما أطلقت على كرائم الأشجار , نص على المراد بقوله : { البنات } ~~فلا أعجب منهم حيث يجعلون الوجود للمعدوم المجهول , ويجعلون العدم للموجود ~~المعلوم ؛ ثم نزه نفسه عن ذلك معجبا من وقوعه من عاقل بقوله تعالى : { ~~سبحانه } . | ولما ذكر ما جعلوا له مع الغنى المطلق , بين ما نسبوا لأنفسهم ~~مع لزوم الحاجة والضعف فقال : { ولهم ما يشتهون * } من البنين , وذلك في ~~جملة اسمية مدلولها الثبات , ليكون مناديا عليهم بالفضيحة , لأنهم لا يبقون ~~لأبنائهم ولا يبقى أبناؤهم لهم , وقد يكونون أعدى أعدائهم ؛ ثم بين حالهم ~~إذا حصل لهم نوع ما جعلوه له سبحانه فقال PageV04P279 تعالى : { وإذا } أي ~~جعلوا كذا والحال أنه إذا { بشر أحدهم } ولما تعين وزال المحذور , جمع بين ~~الخساستين كما بين آخر الصافات فقال تعالى : { بالأنثى } أي قابل هذه ~~البشرى التي تستحق السرور بحصول نسمة تكون سببا لزيادة هذا النوع , وقد ~~تكون سبب سعادته , دالة على عظمة الله - بضد ما تستحق مما لا يفيده شيئا ~~بأن { ظل وجهه } وكنى عن العبوس والتكدر والغبرة بما يفوز فيه من الغيظ ~~بقوله تعالى : { مسودا } أي من الغم والكراهة , ولعله اختير لفظ ( ظل ) ~~الذي معناه العمل نهارا وإن كان المراد العموم في النهار وغيره دلالة على ~~شهرة هذا الوصف شهرة ما يشاهد نهارا { وهو كظيم * } ممتلئ غيظا على المرأة ~~ولا ذنب لها بوجه , والبشارة في أصل اللغة : الخبر الذي يغير البشرة من حزن ~~أو سرور , ثم خص في عرف اللغة بالسرور , ولا تكون إلا بالخبر الأول , ولعله ~~عبر عنه بهذا اللفظ تنبيها على تعكيسهم للأمور في جعلهم وسرورهم وحزنهم ~~وغير ذلك من أمرهم . | < < # | النحل : ( 59 - 61 ) يتوارى من القوم . . . . . # > > ^ ( يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في ~~التراب ألا سآء ما يحكمون * للذين لا يؤمنون ms2660 بالآخرة مثل السوء ولله المثل ~~الأعلى وهو العزيز الحكيم * ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من ~~دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون ) ^ } ) | ولما كان سواد الوجه والكظم قد لا يصحبه الخزي , وصل به ~~قوله تعالى : { يتوارى } أي يستخف بما يجعله في موضع كأنه الوراء لا اطلاع ~~لأحد عليه { من القوم } أي الرجال الذين هو فيهم { من سوء ما بشر به } لعده ~~له خزيا , ثم بين ما يلحقه من الحيرة في الفكر عند ذلك بقوله تعالى : { ~~أيمسكه على هون } أي ذلك وسفول أمر , ولما كانوا يغيبون الموءودة في الأرض ~~على غير هيئة الدفن , عبر عنه بالدس فقال تعالى : { أم يدسه في التراب } ~~قال ابن ميلق : قال المفسرون : كانت المرأة إذا أدركها المخاض احتفرت حفية ~~وجلست على شفيرها , فإن وضعت ذكرا أظهرته , وظهر السرور أهله , وإن وضعت ~~أنثى استأذنت مستولدها , فإن شاء أمسكها على هون وإن شاء أمر بإلقائها في ~~الحفيرة ورد التراب عليها وهي حية لتموت - انتهى . | قالوا : وكان الوأد في ~~مضر وخزاعة وتميم . | ولما كان حكمهم هذا بالغا في القباحة , وصفه بما ~~يستحقه فقال مؤكدا لقبحه : { ألا ساء ما يحكمون * } أي بجعل ما يكرهونه ~~لمولاهم الذي لا نعمة عندهم إلا منه , وجعل ما يختارونه لهم خاصا بهم . | ~~PageV04P280 ولما كان شرح هذا أنهم تكلموا بالباطل في جانبه تعالى وجانبهم ~~, بين ما هو الحق في هذا المقام , فقال تعالى على تقدير الجواب لمن كأنه ~~قال : فما يقال في ذلك ؟ مظهرا في موضع الإضمار , تنبيها على الوصف الذي ~~أوجب الإقدام على الأباطيل من غير خوف : { للذين لا يؤمنون } أي لا يوجدون ~~الإيمان أصلا { بالآخرة مثل } أي حديث { السوء } من الضعف والحاجة والذل ~~والرعونة { ولله } أي الذي له الكمال كله { المثل } أي الحديث أو المقدار ~~أو الوصف أو القياس { الأعلى } من الغنى والقوة وجميع صفات الكمال بحيث لا ~~يلحقه حاجة ولا ضعف ولا شائبة نقص أصلا , وأعدل العبارات عن ذلك لا إله إلا ~~الله ms2661 , ويتأتى تنزيل المثل على الحقيقة كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى ~~في سورة الروم . | ولما كان أمره سبحانه وتعالى أجل مما تدركه العقول , ~~وتصل إليه الأفهام , أشار إلى ذلك بقوله تعالى : { وهو } لا غيره { العزيز ~~} الذي لا يمتنع عليه شيء فلا نظير له { الحكيم * } الذي لا يوقع شيئا إلا ~~في محله , فلو عاملهم بما يستحقونه من هذه العظائم التي تقدمت عنهم لأخلى ~~الأرض منهم { ولو يؤاخذ الله } أي الملك الأعظم الذي له صفات الكمال { ~~الناس } كلهم . | ولما كان السياق للحكمة , وكان الظلم - الذي هو إيقاع ~~الشيء في غير موقعه - شديد المنافاة لها , وكان الشرك - الذي هذا سياقه - ~~أظلم الظلم , قال معبرا بالوصف الشامل لما وقع منهم منه بالفعل ولما هم ~~منطوون وهو وصف لهم ولم يباشروه إلى الآن بالفعل قال : { بظلمهم } أي ~~يعاملهم معاملة الناظر لخصمه المعامل له بمحض العدل من غير نظر إلى الفضل , ~~وعبر بصيغة المفاعلة لأن دلالتهاعلى المناقشة أبلغ { ما ترك } ولما اقتضى ~~الحال ذكر الظلم , وكان سياق هذه الآية أغلظ من سياق فاطر , عبر بما يشمل ~~كل محمول الأرض سواء كان على الظهر أو في البطن مغمورا بالماء أولا فقال ~~تعالى : { عليها } أي الأرض المعلوم أنها مستقرهم المدلول عليها التراب , ~~وأعرق في النفي فقال تعالى : { من دآبة } أي نفس تدب على وجه الأرض , لأن ~~الكل إما ظالم يعاقب بظلمه , وإما من مصالح الظالم فيهلكه عقوبة للظالم , ~~أو لأنه ما خلقهم إلا للبشر , فإذا أهلكهم أهلكهم كما وقع قريب منه في زمن ~~نوح عليه السلام { ولكن } لا يفعل بهم ذلك فهو { يؤخرهم } إمهالا بحكمته ~~وحلمه { إلى أجل مسمى } ضربه لهم في الأزل . | ولما قطع العلم بالغاية عما ~~يكون , سبب عن ذلك الإعلام بما يكون فيه فقال : { فإذا جاء أجلهم } الذي ~~حكم بأخذهم عنده { لا يستأخرون } أي عنه { ساعة } أي وقتا PageV04P281 هو ~~عام التعارف بينكم , ثم عطف على جملة الشرط من أولها قوله تعالى : { ولا ~~يستقدمون * } أي عن الأجل شيئا . | < < # | النحل : ( 62 - 64 ) ويجعلون لله ما . . . . . # > > ^ ( ويجعلون ms2662 لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم ~~أن لهم النار وأنهم مفرطون * تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من قبلك فزين لهم ~~الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم * ومآ أنزلنا عليك الكتاب ~~إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ) ^ } ) | ولما كان ~~ما تقدم أمارة على كراهتهم لما نسبوه إلى الله تعالى , أتبعه التصريح بعد ~~التلويح بقوله تعالى : { ويجعلون لله } أي وهو الملك الأعظم { ما يكرهون } ~~أي لأنفسهم , من النبات والأموال والشركاء في الرئاسة , ومن الاستخفاف ~~برسلهم وجنودهم والتهاون برسالاتهم , ثم وصف جراءتهم مع ذلك , الكائنة في ~~محل الخوف , المقتضية لعدم التأمل اللازم لعدم العقل فقال : { وتصصف } أي ~~تقول معتقدة مع القول الصفاء , ولما كان قولا لا حقيقة له بوحه , أسنده إلى ~~اللسان فقال : { ألسنتهم } أي مع ذلك مع أنه قول لا ينبغي أن يتخيله عاقل { ~~الكذب } ثم بينه بقوله : { أن لهم الحسنى } أي عنده , ولا جهل أعظم ولا حكم ~~أسوأ من أن تقطع بأن من تجعل له ما تكره يجعل لك ما تحب , فكأنه قيل : فما ~~لهم عنده ؟ فقيل : { لا جرم } أي لا ظن ولا تردد في { أن لهم النار } التي ~~هي جزاء الظالمين { وأنهم مفرطون * } أي مقدمون معجلون إليها بتقديم من ~~يسوقهم وإعجاله لهم ؛ وقال الرماني : متركون فيها , من قول العرب : ما ~~أفرطت ورائي أحدا , أي ما خلفت ولا تركت , وقرأ نافع بالتخفيف والكسر , أي ~~مبالغون في الإسراف والجراءة على الله . | ولما بين مآلهم , وكانوا يقولون ~~: إن لهم من يشفع فيهم , بين لهم ما يكون من حالهم , بالقياس على أشكالهم ~~تهديدا , وتسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم , فقال تعالى : { تالله ~~} أي الملك الأعلى { لقد أرسلنا } أي بما لنا من العظمة , رسلا من الماضين ~~{ ألى إمم } ولما كان الإرسال بالفعل لم يستغرق زمان القبل , قال : { من ~~قبلك } كما أرسلناك إلى هؤلاء { فزين لهم الشيطان } أي المحترق بالغضب . | ~~والمطرود باللعنة { أعماالهم } كما زين لهؤلاء فضلوا كما ضلوا فأهلكناهم { ~~فهو } لا غيره ms2663 { وليهم اليوم } بعد إهلاكهم حال كونهم في النار ولا قدرة له ~~على نصرهم { ولهم عذاب أليم * } فلا ولي لأنه لوقدر على نصرهم لما أسلمهم ~~للهلاك وقد أطاعوه , بل لو عدموا ولا يته كان ذلك أولى لهم , فهو نفي لأن ~~يكون لهم ولي على أبلغ الوجوه . | PageV04P282 ولما كان حاصل ما مضى الخلاف ~~والضلال والنقمة , كان كأنه قيل : فبين لهم وخوفهم ليرجعوا , فإنا ما ~~أرسلناك إلا لذلك { وما أنزلنا } أي بما لنا من العظمة من جهة العلو { عليك ~~الكتاب } أي الجامع لكل هدى . | ولما كان في سياق الدعاء والبيان عبر بما ~~يقتضي الإيجاب فقال : { إلا لتبين } أي غاية البيان { لهم } أي لمن أرسلت ~~إليهم وهم الخلق كافة { الذي اختلفوا فيه } من جميع الأمور دينا ودنيا ~~لكونك أغزرهم علما وأثقبهم فهما , وعطف على موضع ( لتبين ) ما هو فعل ~~المنزل , فقال تعالى : { وهدى } أي بيانا شافيا { ورحمة } أي وإكراما بمحبة ~~. | ولما كان ذلك ربما شملهم وهم على ضلالهم , نفاه بقوله تعالى : { لقوم ~~يؤمنون * } والتبيين : معنى يؤدي إلى العلم بالشيء منفصلا عن غيره , وقد ~~يكون عن المعنى نفسه , وقد يكون عن صحته , والبرهان لا يكون إلا عن صحته ~~فهو أخص , والاختلاف : ذهاب كل إلى غير جهة صاحبه , والهدي : بيان طريق ~~العلم المؤدي إلى الحق . | < < # | النحل : ( 65 - 67 ) والله أنزل من . . . . . # > > ^ ( والله أنزل من السمآء مآء فأحيا به الأرض بعد موتهآ إن في ذلك ~~لآية لقوم يسمعون * وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين ~~فرث ودم لبنا خالصا سآئغا للشاربين * ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه ~~سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ) ^ } ) | ولما انقضى الدليل ~~على أن قلوبهم منكرة استكبارا وما يتعلق به , وختمه بما أحيا به القلوب ~~بالإيمان والعلم بعد موتها بالكفر والجهل , وكان المقصود الأعظم من القرآن ~~تقرير أصول أربعة : الإلهيات , والنبوات , والمعاد , وإثبات القضاء والقدر ~~والفعل بالاختيار , وكان أجل هذه المقاصد الإلهيات , شرع في أدلة الوحدانية ~~والقدرة والفعل بالاخيتار المستلزم للقدرة على البعث على وجه غير ms2664 المتقدم ~~ليعلم أن أدلة ذلك أكثر من أوراق الأشجار , وأجلى من ضياء النهار فعطف على ~~قوله : { والله يعلم ما تسرون وما تعلنون } قوله جامعا في الدليل بين ~~العالم العلوي والعالم السفلي : { والله } أي الذي له الأمر كله { أنزل من ~~السماء } في الوقت الذي يريده { ماء } بالمطر والثلج والبرد { فأحيا به ~~الأرض } الغبراء . | ولما كانت عادته بذلك مستمرة , وكان السياق لإثبات ~~دعائم الدين , وكان الإحياء بالماء لا يزال أثره قائما في زرع أو شجر في ~~بعض الأراضي , أعرى الظرف من الجار لأن المعنى به أبلغ فقال : { بعد موتها ~~} باليبوسة والجدب وتفتت النبات أصلا ورأسا . | ولما كان ما أقامه على ذلك ~~في هذه السورة من الأدلة قد صار إلى حد لا يحتاج PageV04P283 معه السامع ~~العاقل إلى أكثر من السماع , قال تعالى { إن في ذلك } الماء المؤثر بتدبيره ~~هذا الأثر العظيم { لآية لقوم يسمعون * } هذا التنبيه في هذا الأسلوب ~~المتضمن لما مضى من التشبيه , فيعلمون أنه ينزل من أمره ما يريده فيحيي به ~~أجساد العباد بعد موتها كما أحيى أجساد النبات بالماء بعد موتها وأرواح ~~الأشباح بالعلم بعد موتها , والحاصل ان هذه الأدلة لا تحتاج مع الحس إلى ~~كبير عمل بالقلب غير الانقياد إلى الحق , وترك العناد والجهل , فهو من سماع ~~الأذن وما ينشأ عنه من الإجابة , استعمالا للشيء في حقيقته ومجازه , ولعله ~~لم يختمها ب ( يبصرون ) لئلا يظن أن ذلك من البصيرة , فيظن أنه يحتاج فيها ~~إلى كبير فكر فيفوت ما أريد من الإشارة إلى شدة الوضوح . | ولما ذكر سبحانه ~~هذا الأمر العام , ونبه على ما فيه من غريب الصنع الذي غفل عنه لشدة الألف ~~به , أتبعه بعض ما ينشأ عنه من تفاصيل الأمور , المحتوية على عجائب المقدور ~~, وبدأ بأعمها وأشدها ملابسة لهم , وأكثرها في نفسه وأعظمها منفعة ودخلا في ~~قوام عيشهم , فقال : { وإن لكم } أي أيها المخاطبون المغمورون في النعم ! { ~~في الأنعام } ولما كانت الأدلة يعبر بها من الجهل إلى العلم قال : { لعبرة ~~} فكأنه قيل : ما هي ؟ فقيل : { نسقيكم } بضم النون ms2665 في قراءة الجماعة من ~~أسقاه - إذا أعد له ما يشربه دائما من نهر أو لبن وغيرهما , وبالفتح في ~~قراءة نافع وابن عامر وعاصم في رواية شعبة : من سقاه - إذا ناوله شيئا ~~فشربه . | ولما كان الأنعام اسم جمع , فكان مفردا كما نقل ذلك سيبويه , ~~وذكر المسقي وهو اللبن , لما اقتضاه سياق السورة من تعداد النعم فتعينت ~~إرادة الإناث لذلك , فانتفى الالتباس مع تذكير الضمير , قال تعالى : { مما ~~} أي من بعض الذي { في بطونه } فذكر الضمير لأمن اللبس والدلالة على قوة ~~المعنى لكونها سورة النعم بخلاف ما في المؤمنون . | ولما كان موضع العبرة ~~تخليص اللبن من غيره , قدم قوله تعالى : { من بين فرث } وهو الثقيل الذي ~~ينزل إلى الكرش , فإذا خرج منه لم يسم فرثا { ودم لبنا خالصا } من مخالط ~~منهما أو من غيرهما يبغي عليه بلون أو رائحة ؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~: إذا أكلت البهيمة العلف واستقر في كرشها طبخته , فكان أسفله فرثا , ~~وأوسطه لبنا , وأعلاه دما . | والكبد مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة ~~تقسيمها , فيجري الدم في العروق , واللبن في الضرع , ويبقى الفرث في الكرش ~~. | { سائغا } أي سهل المرور في الحقل { للشاربين * } ثم عطف عليه ما هو ~~أنفس منه عندهم وأقرب إليه في المعاني المذكورة , فقال تعالى معلقا ب ( ~~نسقيكم ) { ومن الثمرات النخيل والأعناب } . | PageV04P284 ولما كان لهم ~~مدخل في اتخاذ ما ذكر منه بخلاف اللبن الذي لا صنع فيه أصلا , أسند الأمر ~~إليهم وليكون ذلك إشارة إلى كراهة السكر وتوطئة للنهي عنه في قوله مستأنفا ~~: { تتخذون } أي باصطناع منكم وعلاج , ولأجل استئناف هذه الجملة كان لا بد ~~من قوله : { منه } أي من مائه , وعبر عن السكر بالمصدر إبلاغا في تقبيحه , ~~وزاد في الإبلاغ بالتعبير بأثقل المصدرين وهو المحرك , يقال : سكر سكرا ~~وسكرا مثل رشد رشدا ورشدا , ونحل نحلا نحلا , فقال تعالى : { سكرا } أي ذا ~~سكر منشيا مطربا سادا لمجاري العقل قبيحا غير مستحسن للرزق { ورزقا حسنا } ~~لا ينشأ عنه ضرر في بدن ولا عقل من الخل والدبس وغيرهما , ولايسد ms2666 شيئا من ~~المجاري , بل ربما فتحها كالحلال الطيب , فإنه ينير القلب , ويوسع العقل , ~~والأدهان كلها تفتح سدد البدن , وهذا كما منحكم سبحانه العقل الذي لا أحسن ~~منه فاستعمله قوم على صوابه في الوحدانية , وعكس آخرون فدنسوه بالإشراك ؛ ~~قال الرماني : قيل : السكر ما حرم من الشراب , والرزق الحسن : ما أحل منه - ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير و إبراهيم والشعبي وأبي رزين ~~والحسن ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم . | والسكر في اللغة على أربعة أوجه : ~~الأول ما أسكر . | الثاني ما أطعم من الطعام . | الثالث السكون . | الرابع ~~المصدر من السكر , وأصله انسداد المجاري مما يلقي فيها , ومنه السكر - يعني ~~بكسر ثم سكون , ومن حمل السكر على السكر قال : إنها منسوخة بآية المائدة , ~~والتعبير عنه بما يفهم سد المجاري يفهم كراهته عندما كان حلالا ؛ والآية من ~~الاحتباك : ذكر السكر أولا دال على الفتح ثانيا , وذكر الحسن دال القبيح ~~أولا , فالآية أدل ما في القرآن على المعتزلة في أن الرزق يطلق على الحرام ~~, ولتقارب آيتي الأنعام والأشجار جمعهما سبحانه فقال تعالى : { إن في ذلك } ~~أي الأمرالعظيم من هذه المنافع { لآية } ولوضوح أمرهما في كمال قدرة الخالق ~~ووحدانيته قال تعالى : { لقوم يعقلون * } . | < < # | النحل : ( 68 - 69 ) وأوحى ربك إلى . . . . . # > > ^ ( وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما ~~يعرشون * ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب ~~مختلف ألوانه فيه شفآء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) ^ } ) | ولما ~~كان أمر النحل في الدلالة على تمام القدرة وكمال الحكمة أعجب مما تقدم ~~وأنفس , ثلث به وأخره لأنه أقل الثلاثة عندهم , وغير الأسلوب وجعله من وحيه ~~إيماء إلى ما فيه من غريب الأمر وبديع الشأن فقال تعالى : { وأوحى ربك } أي ~~المحسن إليك بجعل العسل في مفاوز البراري المقفرة المفرطة المرارة وغيرها ~~من الأماكن وبغير ذلك من المنافع , الدال على الفعل بالاختيار وتمام ~~الاقتدار { إلى النحل } أي بالإلهام ؛ قال PageV04P285 الرازي في اللوامع : ~~فالله تعالى أعطى كل شيء خلقه ms2667 ثم هدى , فبعضها بالتسخير المجرد كالجمادات , ~~وبعضها بالإلهام والتسخير كالنحل والسرفة - أي بضم وسكون , وهي دويبة تتخذ ~~بيتا من دقاق العيدان فتدخله وتموت - والعنكبوت , وبعضها بالتسخير والإلهام ~~والعقل المتفق على نظام واحد كالملائكة , وبعضها بكل ذلك والفكر والتمييز ~~والأعمال المختلفة المبنية على الفكر كالإنسان . | ولما كان في الإيحاء ~~معنى القول , أتى ب ( أن ) المفسرة فقال تعالى : { أن اتخذي } أي افعلي ما ~~يفعله المتكلف من أن يأخذ { من الجبال بيوتا } أي بيوت ! ما أعجبها ! { ومن ~~الشجر } أي الصالحة لذلك في الغياض والجبال والصحارى { ومما يعرشون * } أي ~~يرفع الناس من السقوف والجدران وغيرها , وبدأ بالبيوت لأنها من عجب الدهر ~~في حسن الصنعة وبداعة الشكل وبراعة الإحكام وتمام التناسب . | ولما كان أهم ~~شيء للحيوان بعد الراحة من هم المقيل الأكل , ثنى به , ولما كان عاما في كل ~~ثمر , ذكره بحرف التراخي إشارة إلى عجيب الصنع في ذلك وتيسيره لها , فقال ~~تعالى : { ثم كلي } وأشار إلى كثرة الرزق بقوله تعالى : { من كل الثمرات } ~~قالوا : من أجزاء لطيفة تقع على أوراق الأشجار من الظل , وقال بعضهم : من ~~نفس الأزهار والأوراق . | ولما أذن لها في ذلك كله , وكان من المعلوم عادة ~~أن تعاطيه لا يكون إلا بمشقة عظيمة في معاناة السير إليه , نبه على خرقه ~~للعادة في تيسيره لها فقال تعالى : { فاسلكي } أي فتسبب عن الإذن في الأكل ~~الإذن في السير إليه { سبل ربك } أي المحسن إليك بهذه التربية العظيمة لأجل ~~الأكل ذاهبة إليه وراجعة إلى بيوتك حال كون السبل { ذللا } أي موطأة للسلوك ~~مسهلة كما قال تعالى < # > 77 ( { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا } ) 77 < # > [ الملك : 15 ] وأشار باسم الرب إلى أنه لولا عظيم إحسانه في تربيتها ~~لما اهتدت إلى ذلك ؛ ثم أتبعه نتيجة ذلك جوابا لمن كأنه قال : ماذا يكون عن ~~هذا كله ؟ فقال تعالى : - { يخرج من بطونها } - بلفت الكلام لعدم قصدها إلى ~~هذه النتيجة { شراب } أي شراب ! وهو العسل لأنه مع كونه من أجل المآكل هو ( ~~مما يشرب ) { مختلف ألوانه } من أبيض وأحمر ms2668 وأصفر وغير ذلك , واختلافا دالا ~~على أن فاعله مع تمام قدرته مختار , ثم أوضح ذلك بقوله تعالى : { فيه } أي ~~مع كونه من الثمار النافعة والضارة { شقاء للناس } قال الإمام الرازي في ~~اللوامع : ذا المعجونات كلها بالعسل , وقال إمام الأولياء محمد بن علي ~~الترمذي : إنما كان ذلك لأنها ذلت لله مطيعة وأكلت من كل الثمرات : حلوها ~~ومرها محبوبها ومكروهها , تاركة لشهواتها , فلما ذلت لأمر PageV04P286 الله ~~, صار هذا الأكل لله , فصار ذلك شفاء للأسقام , فكذلك إذا ذل العبد لله ~~مطيعا , وترك هواه , صار كلامه شفاء للقلوب السقيمة - انتهى . | وكونه شفاء ~~- مع ما ذكر - أدل على القدرة والاختيار من اختلاف الألوانن لا جرم وصل به ~~قوله تعالى : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم من أمرها كله { لآية } وكما ~~أشار في ابتداء الآية إلى غريب الصنع في أمرها , أشار إلى مثل ذلك في الختم ~~بقوله تعالى : { لقوم يتفكرون * } أي في اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة ~~واللطائف الخفية بالبيوت المسدسة , والاهتداء إلى تلك الاجزاء اللطيفة من ~~أطراف الأشجار والأوراق - وغيرذلك من الغرائب حيث نا طه بالفكر المبالغ فيه ~~من الأقوياء , تأكيدا لفخامته وتعظيما لدقته وغرابته في دلالته على تمام ~~العلم وكمال القدرة , وقد كثر في هذه السورة إضافة الآيات إلى المخاطبين , ~~تارة بالإفراد وتارة بالجمع , ونوطها تارة بالعقل وتارة بالفكر , وتارة ~~بالذكر وتارة بغيرها . | وقد جعل الإمام الرباني أبو الحسن الحرالي في ~~كتابه المفتاح لذلك بابا بعد أن جعل أسنان الألباب مثل أسنان الأجساد ما ~~بين تمييز واحتلام وشباب وكهولة وغيرها كما تقدم نقله عنه في سورة براءة ~~عند قوله تعالى < # > 77 ( { ومنهم الذين يؤذون النبي } ) 77 < # > [ براءة : 61 ] فقال : الباب التاسع في وجوه إضافات الآيات واتساق ~~الأحوال لأسنان القلوب في القرآن - أي فإن لذلك مراتب في العلم والأفهام - ~~: اعلم أن الآيات والأحوال تضاف وتتسق لمن اتصف بما به أدرك معناها , ويؤنب ~~عليها من تقاصر عنها , وينفي منالها عمن لم يصل إليها , وهي أطوار أظهرها ~~آيات الاعتبار البادية لأولي الأبصار , لأن الخلق كله إنما هو ms2669 علم للاعتبار ~~منه , لا أنه موجود للاقتناع به < # > 77 ( { ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن ءاياتنا غافلون ~~أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون } ) 77 < # > [ يونس : 7 - 8 ] اتخذوا ما خلق للعبرة به إلى ربه كسبا لانفسهم حتى ~~صار عندهم وعند أتباعهم آيتهم , لا آية خالقه < # > 77 ( { أتبنون بكل ريع ءاية تعبثون } ) 77 < # > [ الشعراء : 128 ] , { والله خلقكم وما تعملون } ثم بلى آيات الاعتبار ~~ما ينال إدراك آيته العقل الأدنى ببداهة نظره < # > 77 ( { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن ~~في ذلك لآيات لقوم يعقلون } ) 77 < # > [ النحل : 12 ] جمع الآيات لتعدد وجوهها في مقصد البيان , ثم يلي ما ~~يدرك ببداهة العقل ما يحتاج إلى فكر يثيره العقل الأدنى لشغل الحواس ~~بمنفعته عن التفكر في وجه آيته < # > 77 ( { هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ~~ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك ~~لآية لقوم يتفكرون } ) 77 < # > [ النحل : 10 ] أفرد الآية لاستناد كثرته إلى وحدة الماء ابتداء ووحدة ~~الانتفاع انتهاء ؛ ثم يلي ما يدرك بفكر العقل الأدنى ما يقبل بالإيمان ~~ويكون آية أمر قائم PageV04P287 على خلق , وهو مما يدرك سمعا لأن الخلق ~~مرئي والأمر مسموع < # > 77 ( { وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ~~ورحمة لقوم يؤمنون والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن ~~في ذلك لآية لقوم يسمعون } ) 77 < # > [ النحل : 63 - 64 - 65 ] هذه آية حياة القلوب بنور العلم والحكمة الذي ~~أخذ سمعا عند تقرر الإيمان , وعند هذا الحد يتناهى العقل إلى فطرة الأشد ~~وتعلو بداهته وتترقى فطره إلى نظر ما يكون آية في نفس الناظر لأن محار غيب ~~الكون يرد إلى مجدان نقص الناظر , وكما أن الماء آية حياة القلوب صار ~~الشرابان : اللبن والخمر , آيتين على أحوال تخص القلوب بما يغذوها من الله ~~غذاء اللبن وينشيها نشوة السكر , منبعثا من بين فرث ودم ونزول الخلق المقام ~~عن الأمر ms2670 القائم عليه { وإن لكم في الأنعام لعبرة } - الآيتين إلى قوله ~~تعالى : { إن في ذلك لآية لقوم يعقلون } وهذا العقل الأعلى , وأفرد الآية ~~لانفراد موردها في وجد القلب , وكما للعقل الأدنى فكرة تنبئ عن بداهته ~~فكذلك للعقل الأعلى فكرة تنبئ عن علي فطرته { وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي ~~من الجبال بيوتا ومن الشجر - إلى قوله : لآية لقوم يتفكرون } وهذا العقل ~~الأعلى هو اللب الذي عنه يكون التذكر بالأدنى من الخلق لللأعلى من الأمر < # > 77 ( { وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ~~} ) 77 < # > [ النحل : 13 ] وفي مقابلة كل من هذه الأوصاف أضداد يرد البيان فيها ~~بحسب مقابلتها , وكذلك حكم وصف المسلمين فيها يظهر أن ( لا أنجى للعبد من ~~إسلامه نفسه لربه ) ووصف المحسنين فيما يظهر قيام ظاهر حسه < # > 77 ( { آلم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين } ) 77 < # > [ البقرة : 1 ] من استغنى بما عنده من وجد لم يتفرغ لقبول غيب < # > 77 ( { يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله } ) 77 < # > [ الحديد : 28 ] , < # > 77 ( { إذا ما اتقوا وءامنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وءامنوا ثم ~~اتقوا وأحسنوا } ) 77 < # > [ المائدة : 93 ] , { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } , { ثم ~~اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين } ( فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به , ~~وبصره الذي يبصر به ) < # > 77 ( { وفي خلقكم وما يبث من دابة ءايات لقوم يوقنون } ) 77 < # > [ الجاثية : 4 ] < # > 77 ( { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } ~~) 77 < # > [ الأنعام : 75 ] ولجملة هذه الأوصاف أيضا أضداد يرد بيان القرأن فيها ~~بحسب تقابلها ويجري معها إفهامه , وما أوصله خفاء المسمع والمرأي إلى القلب ~~هو فقهه , ومن فقد ذلك وصف سمعه بالصمم وعينه بالعمى , ونفى الفقه عن قلبه ~~, ونسب إلى البهيمية , ومن لم تنل فكرته إعلام ما غاب عيانه نفي عنه العلم ~~< # > 77 ( { الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا } ) ~~77 < # > [ الكهف : 101 ] , < # > 77 ( { ولهم قلوب لا يفقهون بها PageV04P288 ولهم أعين لا يبصرون بها ~~ولهم ms2671 ءاذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون } ) ~~^ [ الأعراف : 179 ] , ^ ( { يقولون لئن رجعنا إلى المدينة } ) ^ إلى قوله ~~: ^ ( { ولكن المنافقون لا يعلمون } ) ^ [ المنافقون : 8 ] , { يقولون لا ~~تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا } - الآية إلى قوله تعالى : { ولكن ~~المنافقين لا يفقهون } نفي العلم فيما ظهرت أعلامه والفقه فيما أخفى أمره , ~~ومراد البيان عن أضدادها هذه الأوصاف بحسب تقابلها , وهذا الباب لمن ~~يستفتحه من أنفع فواتح الفهم في القرآن - انتهى . | < < # | النحل : ( 70 - 73 ) والله خلقكم ثم . . . . . # > > ^ ( والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم ~~بعد علم شيئا إن الله عليم قدير * والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما ~~الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سوآء أفبنعمة الله ~~يجحدون * والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ~~ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون * ويعبدون من ~~دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون ) ^ } ~~) | ولما أيقظهم من رقدتهم , ونبههم على عظيم غفلتهم من عموم القدرة وشمول ~~العلم , المقتضى للفعل بالاختيار , المحقق للبعث وغيره , من كل ما يريده ~~سبحانه ببعض آياته المبثوثة في الآفاق من جماد ثم حيوان , وختم ذلك بما هو ~~شفاء , ثنى ببعض ما في أنفسهم من الأدلة على ذلك مذكرا بمراتب عمر الإنسان ~~الأربع , وهي سن الطفولية والنمو , ثم سن الشباب الذي يكون عند انتهائه ~~الوقوف , ثم سن الكهولة وفيه يكون الانحطاط مع بقاء القوة , ثم سن الانحطاط ~~مع ظهور الضعف وهو الشيخوخة , مضمنا ما لا يغني عنه دواء , حثا على التفكر ~~في آياته والتعقل لها قبل حلول ذلك الحادث , فيفوت الفوت , ويندموا حيث لا ~~ينفع الندم , فقال : { والله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { خلقكم } ~~فجعلكم بعد العدم أحياء فهما خصما { ثم يتوفاكم } على اختلاف الأسنان , فلا ~~يقدر الصغير على أن يؤخر , ولا الكبير على أن يقدم , فمنكم من يموت حال ~~قوته { ومنكم من ms2672 يرد } أي بأيسر أمر منا , لا يقدر على مخالفته بوجه { إلى ~~أرذل العمر } لأنه يهرم فيصير إلى مثل حال الطفولية في الضعف مع استقذار ~~غيره له , ولا يرجى بعده { لكي لا يعلم } . | ولما كان المقصود السورة ~~الدلالة على تمام القدرة وشمول العلم والتنزه عن كل شائبة نقص , وكان ~~السياق هنا لذلك أيضا بدليل ختم الآية , نزع الخافض للدلالة على استغراق ~~الجهل لزمن ما بعد العلم , فيتصل بالموت , ولا ينفع فيه دواء ولا تجدي معه ~~PageV04P289 حيلة فقال : { بعد علم شيئا } لا يوجد في شيء من ذلك عند ~~إحلاله شفاء , ولا يمنعه دواء : فبادروا إلى التفكير والاعتبار قبل حلول ~~أحد هذين , ثم علل ذلك بقوله تعالى : { إن الله } أي الذي له الإحاطة ~~الكاملة { عليهم قدير * } أي بالغ العلم شامل القدرة , فمهما أراد كان , ~~ومهما أراد ولم يرده هو , أحاط به علمه , فسبب له بقدرته ما يمنعه . | ولما ~~ذكر المفاوتة في الأعمار المنادية بإبطال الطبائع الموجبة للمسابقة إلى ~~الاعتبار لأولي الأبصار للخوف كل لحظة من مصيبة الموت , ثنى بالمفاوتة في ~~الأرزاق فقال تعالى : { والله } أي الذي له الأمر كله { فضل بعضكم } أيها ~~الناس { على بعض } . | ولما كانت وجوه التفضيل كثيرة , وكان التفضيل في ~~المعاش الذي يظن الإنسان أن له قدرة على تحصيله , وكانت المفاوتة فيه أدل ~~على تمام القدرة والفعل بالاختيار الذي السياق له , قال تعالى : { في الرزق ~~} أي ولربما جعل الضعيف العاجز الجاهل أغنى من القوي المحتال العالم , ~~فاتقوا الله وأجملوا في الطلب , وأقبلوا بجميع قلوبكم على ما ينفعكم من ~~الاستبصار ؛ قال الإمام أبو نعيم في الحلية : حدثنا سليمان بن أحمد ثنا ~~أحمد ثنا أحمد بن أحمد بن عمرو الخلال قال : سمعت ابن أبي عمر يقول : كنا ~~عند سفيان بن عيينه فذكروا الفضل بن الربيع ودهاءه , فأنشأ سفيان يقول : | ~~كم من قوي قوي في تقلبه مهذب الرأي عنه الرزق منحرف ومن ضعيف ضعيف العقل ~~مختلط كأنه من خليج البحر يغترف | وعن أبي علي القالي أنه قال : قال أبو ~~بكر بن الأنباري : وحدثني ms2673 أبي قال : بعث سليمان المهلبي إلى الخليل بن أحمد ~~بمائة ألف درهم وطالبه بصحبته فرد عليه المائة ألف , وكتب إليه هذه الأبيات ~~: | أبلغ سليمان أني عنه في سعة وفي غنى غير أني لست ذا مال سخي بنفسي أني ~~لا أرى أحدا يموت هزلا ولا يبقى على حال فالرزق عن قدر لا العجز ينقصه ولا ~~يزيدك فيه حول محتال والفقر في النفس لا في المال تعرفه ومثل ذاك الغنى في ~~النفس لا المال | ولما كان جعل المملوك في رتبة المالك مما يتعاظهم في ~~حقوقهم مع أنه في الحقيقة لا مالك ولا ملك , فلا يدينون لذلك ولا يدانونه ~~وإن جل الخطب وأدى إلى ذهاب الأرواح , بل من كانت أمه مملوكة حطوا رتبته ~~وإن كان أبوه من كان , وإن كانت العبرة عندهم في النسب بالأب , وهذا هو ~~الذي أحوج عنترة إلى قوله : | إني امرؤ من خير عبس منصبا شطري وأحمي سائري ~~بالمنصل | PageV04P290 إلى غير ذلك مما كان يعتذر به عن جهة أمه , نبههم ~~سبحانه على ما وقعوا فيه في حقه من ذلك بسبب الإشراك مع أنه مالك الملك ~~وملك الملوك بعد ما اجترؤوا عليه في تفضيل أنفسهم في نسبة البنات إليه , ~~فقال تعالى : { فما الذين فضلوا } أي في الرزق { برادي رزقهم } أي الذي ~~اختصوا به { على ما ملكت أيمانهم } وإن جل نفعهم وتعاظم عندهم وقعهم { فهم ~~فيه سواء } أي فيكون بذلك الرد المالك والمملوك سواء , فهو جواب للنفي - ~~نقله الرمال عن ابن عباس ومجاهد وقتادة رضي الله عنهم . | ولما وضح ذلك ~~وضوح الشمس وظهر حتى ما به أصلا نوع البس , تسبب عنه الإنكار في قوله على ~~وجه الإعراض عن خطابهم المؤذن بالمقت : { أفبنعمة الله } أي الذي لا رب ~~غيره { يجحدون * } في جعلهم له شركاء يضيفون إليهم بعض ما أنعم به عليهم , ~~فيسوون بينهم وبينه في ذلك وبنعمتهم يعترفون ولها يحفظون في إنزال ما ملكت ~~أيمانهم عنهم في المراتب والأموال . | ولما ذكر الخلق والرزق , أتبعها ~~الألذاذ بالتأنس بالجنس من الأزواج والأولاد وغيرهما اللازم له ms2674 القيام ~~بالمصالح فقال تعالى : { والله } أي الذي له تمام القدرة وكمال العلم { جعل ~~لكم } ولما كان الأزواج من الجنس , قال : { من أنفسكم } لأن الشيء آلف ~~لنوعه وأقرب إلى جنسه { أزواجا } أي تتوالدون بها ويبكون السكون إليها سببا ~~لبقاء نوعكم { وجعل لكم } أي أيها الناس الذين يوجهون رغباتهم إلى غيره ! { ~~من أزواجكم بنين } ولعله قدمهم للشرف ؛ ثم عطف على ذلك ما هو أعم فقال : { ~~وحفدة } أي من البنات والبنين وأولادهم والأصهار والأختان , جمع حافد , ~~يخفون في أعمالكم ويسرعون في خدمكم طاعة وموالاة , لا كما يفعل الأجانب ~~وبعض العاقين , وهذا معنى ما نقله الرماني عن ابن عباس رضي الله عنهما من ~~أنه فسرهم بالخدام والأعوان , وهو الصواب لأن مادة حفد تدور على الإسراع ~~والخفة . | حفد : خف في العمل وأسرع , والحفد - محركة : الخدم - لخفتهم , ~~ومشي دون الخبب , والحفدة : البنات وأولاد الأولاد أو الأصهار - لذلك , ~~وصناع الوشي - لإسراعهم فيه وإسراع لابسه إلى لبسه منبسط النفس , والمحفد - ~~كمجلس ومنبر : شيء يعلف فيه الدواب - لإسراعها إليه , وكمنبر : طرف الثوب ~~لإسراع حركته , وقدح يكال به - لخفته , وكمجلس الأصل - لدوران الأمور عليه ~~وإسراعها إليه , وسيف محتفد : سريع القطع , وأحفده : حمله على الإسراع , ~~والفادحة : النازلة , وفوادح الدهر - خطوبه - لإسراعها بالمكروه وإسراع ~~المنزول به ومن يهمه شأنه إلى مدافعتها , ومن ذلك فدحه الأمر : أثقله - لأن ~~المكروه يسرع فيثقل فيكثر اضطراب المنزول به . | PageV04P291 ولما ذكر ذلك ~~سبحانه , أتبع ما لا يطيب العيش إلا به , فقال تعالى : { ورزقكم } أي ~~لإقامة أودكم وإصلاح أحوالكم ؛ ولما كان كل النعيم إنما هو في اللجنة , بعض ~~فقال : { من الطيبات } بجعله ملائما للطباع , شهيا للأرواح , نافعا للإشباع ~~, فعلم من هذا قطعا أن صاحب هذه الأفعال , هو المختص بالجلال , ومن ~~أنكرشيئا من حقه فقد ضل أبعد الضلال , فكيف بمن أنكر خيره , وعبد غيره , ~~وهو باسم العدم أحق منه باسم الوجود , فلذلك تسبب عنه قوله معرضا عن خطابهم ~~إعراض المغضب : { أفبالباطل } أي من الأصنام وما جعلوا لهم من النصيب { ~~يؤمنون } أي على سبيل التجديد والاستمرار { وبنعمت الله } أي الملك ms2675 الأعظم ~~{ هم } وله عليهم خاصة - غير ما يشاركون فيه الناس - من المنن ما له { ~~يكفرون } حتى أنهم يجعلون مما أنعم به عليهم من السائبة والوصيلة والحامي ~~وغيرها لأصنامهم , وذلك متضمن لكفران النعمة الكائنة منه , ومتضمن لنسبتها ~~إلى غيره , لأنه لم يأذن لهم في شيء مما حرموه , ولا يحل التصرف في مال ~~المالك إلا بإذنه ؛ ثم قال عطفا على ما أنكره عليهم هناك : { ويعبدون } ~~وأشار إلى سفول المراتب كلها عن رتبته سبحانه فقال تعالى : { من دون الله } ~~أي من غير من له الجلال والإكرام مما هو في غاية السفول من الاصنام وغيرها ~~{ ما لا يملك } أي بوجه من الوجوه { لهم رزقا } تاركين من بيده جميع الرزق ~~, وهو ذو العلو المطلق الذي رزقهم من الطيبات ؛ ثم بين جهة الرزق فقال ~~تعالى : { من السماوات والأرض } ثم أكد تعميم هذا النفي بقوله - مبدلا من { ~~رزقا } , مبينا أن تنوينه للتحقير - : { شيئا } ثم أكد حقارتهم بقوله جامعا ~~لأن ما عجز عند الاجتماع فهو عند الانفراد أعجز : { ولا يستطيعون } أي ليس ~~لهم نوع استطاعة أصلا , ولك أن تجعله معطوفا على ما مضى من المعجب منه من ~~أقوالهم وأفعالهم في قوله { ويجعلون لله ما يكرهون } ونحوه . | < < # | النحل : ( 74 - 76 ) فلا تضربوا لله . . . . . # > > ^ ( فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون * ضرب الله ~~مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه ~~سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * وضرب الله مثلا رجلين ~~أحدهمآ أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل ~~يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ) ^ } ) | ولما دحض بهذه ~~الحجة جميع ما أقاموه من الشبه وضربوه من الأمثال فيما ارتكبوه من قولهم إن ~~الملك لا يتوصل إليه إلا بأعوان من حاجب ونائب ونحو ذلك , ولا يتوصل إليه ~~إلا بأنواع القربان , فعبدوا الأصنام , وفعلوا لها ماي فعل له تشبيها به عز ~~PageV04P292 شأنه , تعالى سلطانه , لأن الفرق أن ms2676 ملوك الدنيا المقيس عليهم ~~إنما أقاموا من ذكر لحاجتهم وضعف ملكهم وملكهم , فحالهم مخالف لوصف من لا ~~تأخذه سنة ولا نوم , ولا يشغله شأن عن شأن , وكل شيء في قبضته وتحت قهره ~~وعظمته , فلذلك تسبب عنها قوله تعالى : { فلا تضربوا لله } أي الذي له ~~الإحاطة الكاملة { الأمثال } أي فتشبهوه تشبيها بغيره وإن ضرب لكم هو ~~الأمثال ؛ قال أبو حيان وغيره : قال ابن عباس رضي الله عنهما : أي لا ~~تشبهوه بخلقه - انتهى . | وهو - كما قال في الكشاف - تمثيل للإشراك بالله ~~والتشبيه به , لأن من يضرب الأمثال مشبه حالا بحال وقصة بقصة - انتهى . | ~~وهذا النهي عام في كل مثل لخطر الأمر خشية أن يكون ذلك المثل غير لائق ~~بمقداره , وقد تقرر أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح , لاسيما في هذا ~~لأن الخطأ فيه كفر , ويدل على ذلك تعليل الحكم بقوله تعالى : { إن الله } ~~أي الذي له الأمر كله ولا أمر لغيره { يعلم } أي له جميع صفة العلم , فإذا ~~ضرب مثلا أتقنه بإحاطة علمه بحيث لا يقدر غيره أن يبدي فرقا ما بين الممثل ~~والممثل به في الأمر الممثل له { وأنتم لا تعلمون * } أي ليس لكم علم أصلا ~~, فلذلك تعمون عن الشمس وتلبس عليكم ما ليس فيه لبس , وهذا المقام عال ~~ومسلكه وعر , وسالكه على غاية من الخطر . | ولما ختم سبحانه بذلك تأكيدا ~~لإبطال مذهب عبدة الأصنام بسلب العلم الذي هو مناط السداد عنهم , حسن أن ~~يصل به قوله - إقامة للدليل على علمه بأن أمثاله لا يتطرق إليها الطعن , ~~ولا يتوجه نحوها الشكوك - : { ضرب الله } أي الذي له كمال العلم وتمام ~~القدرة { مثلا } بالأحرار والعبيد له ولما عبدتموه معه ؛ ثم أبدل من مثلا : ~~{ عبدا } ولما كان العبد يطلق على الحر بالنسبة إلى الله تعالى , قال تعالى ~~: { مملوكا } لا مكاتبا ولا فيه شائبة للحرية { ولا يقدر على شيء } بإذن ~~سيده ولا غيره , وهذا مثل شركائهم , ثم عطف على ( عبدا ) قوله : { ومن ~~رزقناه منا } من الأحرار { رزقا حسنا } واسعا طيبا { فهو ينفق منه } دائما ms2677 ~~, وهو معنى { سرا وجهرا } وهذا مثل الإله وله المثل الاعلى ؛ ثم بكتهم ~~إنكارا عليهم بقوله تعالى : { هل يستون } أي هذان الفرقان الممثل بهما , ~~لأن المراد الجنس , فإذا كان لا يسوغ في عقل أن يستوي بين مخلوقين : أحدهما ~~حر مقتدر والآخر مملوك عاجز , فكيف يسوي بين حجر موات أو غيره وبين الله ~~الذي له القدرة التامة على كل شيء ؟ ولما كان الجواب قطعا : لا وعلم أن ~~الفاضل ما كان مثالا له سبحانه , على أن من سوى بينهما أو فعل ما يؤول إلى ~~التسوية أجهل الجهلة . | فثبت مضمون { إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } وأن ~~غيره تعالى لا يساوي شيئا , فثبت بلا ريب أنه المختص بالمثل الأعلى , فعبر ~~عن ذلك بقوله تعالى : { الحمد لله } أي له الإحاطة بالعلم وجميع صفات ~~PageV04P293 الكمال التي منها اختصاصه بالشكر , لكونه هو المنعم وليس لغيره ~~إحاطة بشيء من ذلك ولا غيره , فكأنهم قالوا : نحن نعلم ذلك , فقيل : { بل ~~أكثرهم } أي في الظاهر والباطن - بما أشار إليه الإضمار { لا يعلمون * } ~~لكونهم يسوون به غيره , ومن نفى عنه العلم - الذي هو أعلى صفات الكمال - ~~كان في عداد الأنعام , فهم لذلك يشبهون به ما ذكر , ويضربون الأمثال ~~الباطلة , ويضيفون نعمة إلى ما لا يعد , ولعله أتى بضمير الغيبة لقصر ذلك ~~على من ختم بموته على الضلال , أو يقال وهو أرشق : لما كان الجواب قطعا : ~~لا يستووت والفاضل مثالك , فقد علم كل ذي لب أن لك المثل الأعلى , فترجم عن ~~وصفه بقوله ( الحمد لله ) أي الإحاطة بصفات الكمال للملك الأعظم , وعن ~~نسبتهم إلى علم ذلك بقوله تعالى { بل أكثرهم لا يعلمون } أي ليس لهم علم ~~بشيء أصلا , لأنهم يعلمون في هذا بالجهل , فنسبتهم إلى الغباوة أحسن في ~~حقهم من نسسبتهم إلى الضلال على علم , وسيأتي في سورة لقمان إن شاء الله ~~تعالى ما يكون نافعا في هذا المقام , وإنما فسرت الحمد بما تقدم لأنه قد ~~مضى في سورة الفاتحة أن مادة ( حمد ) تدورعلى بلوغ الغاية , ويلزم منه ~~الاتساع والإحاطة والاستدارة , فيلزمها ms2678 مطأطأة الرأس وقد يلزم الغاية الرضى ~~فيلزمه الشكر , وبيانه أن الحمد بمعنى الرضا والشكر لأنهما يكونان غالبا من ~~غاية الإحسان , ويرجع إلى ذلك الحمد بمعنى الجزاء وقضاء الحق , وحماداك - ~~بالضم , أي غايتك , ويوم محتمد : شديد الحر , وحمد النار - محركة : صوت ~~التهابها , وأما يتحمد علي - بمعنى يمتن - فأصله : يذكر ما يلزم منه حمده , ~~ومنه المدح : وهو حسن الثناء , وتمدح بمعنى تكلف أن يمدح وافتخر وتشبع بما ~~ليس عنده , فإنه في كل ذلك جهده , ودحمه - كمنع : دفعه شديدا , والمرأة : ~~نكحها - لما في ذلك من بلوغ الغاية في الشهوة وما يلزمها من الدفع ونحوه , ~~والدحم - بالكسر : الأصل - لأنه غاية الشيء الذي ينتهي إليه , وحدم النار - ~~ويحرك : شدة احتراقها وحميها , واحتدم الدم : اشتدت حمرته حتى يسود , ~~والحدمة - محركة : النار - لأنها غاية الحر , والحدمة أيضا : صوتها - ~~لدلالته على قوة التهابها , ومن ذلك الحدمة أيضا لصوت جوف الحية , أو صوت ~~في الجوف كأنه تغيظ - لأنه يدل على غاية التهاب الباطن , والحدمة - كفرحة : ~~السريعة الغلي من القدور ؛ ومن الاتساع : تمدحت الأرض أي اتسعت ؛ ومن ~~الاستدارة : الداحوم لحبالة الثعلب - لأنها بلغت الغاية من مراد الصائد , ~~ولأنه لما لم يقدر على الخلاص منها كانت كأنها قد أحاطت به , والمحمح : ~~المستدير الململم , ودمح تدميحا : طأطأ رأسه - لأن الانعطاف مبدأ الاستدارة ~~- والله سبحانه وتعالى الموفق . | ولما انقضى هذا المثل كافيا في المراد , ~~ملزما لهم لاعترافهم بأن الأصنام عبيد الله PageV04P294 في قولهم ( لبيك ~~اللهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك , تملكه وما ملك , وكان ربما كابر ~~مكابر فقال : إنهم ليسوا ملكا له , أتبعه مثلا آخر لا تمكن المكابرة فيه , ~~فقال تعالى : { وضرب الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة أيضا { مثلا } ثم ~~أبدل منه { رجلين } ثم استأنف البيان لما أجمل فقال تعالى : { أحدهما أبكم ~~} أي ولد أخرس ؛ ثم ترجم بكمته التي أريد بها أنه لا يفهم بقوله : { لا ~~يقدر على شيء } أي أصلا { وهو كل } أي ثقل وعيال , والأصل فيه الغلظ الذي ~~يمنع من النفوذ , كلت السكين كلولا - إذا غلظت شفرتها ms2679 فلم تقطع , وكل لسانه ~~- إذا لم ينبعث في القول , لغلظه وذهاب حده - قاله الرماني { على مولاه } ~~الذي يلي أمره ؛ ثم بين ذلك بقوله تعالى : { أينما يوجهه } أي يرسله ويصرفه ~~ذلك المولى { لا يأت بخير } وهذا مثل شركائهم الذين هم عيال ووبال على ~~عبدتهم . | ولما انكشف ضلالهم في تسويتهم الأنداد - الذين لا قدرة لهم على ~~شيء ما - بالله الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلما , حسن كل الحسن توبيخهم ~~والإنكار عليهم بقوله تعالى : { هل يستوي هو } أي هذا المذكور { ومن } أي ~~ورجل آخر على ضد صفتهن فهو عالم فطن قوي خبير مببارك الأمر ميمون النقيبة { ~~يأمر } بما له من العلم والقدرة { بالعدل } أي ببذل النصيحة لغيره { وهو } ~~في نفسه ظاهرا وباطنا { على صراط } أي طريق واضح واسع { مستقيم } أي عامل ~~بما يأمر به , وهذا مثال للمعبود بالحق الذي يكفي عابده جميع المؤن , وهو ~~دال على كمال علمه وتمام قدرته . | < < # | النحل : ( 77 - 79 ) ولله غيب السماوات . . . . . # > > ^ ( ولله غيب السماوات والأرض ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو ~~أقرب إن الله على كل شيء قدير * والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون * ألم يروا إلى الطير ~~مسخرات في جو السمآء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) ^ } ~~) | ولما تم هذان المثلان , الدالان على تمام علمه وشمول قدرته , والقاضيان ~~بأن غيره عدم , عطف على قوله { إن الله يعلم } قوله مصرحا بتمام علمه وشمول ~~قدرته : { ولله } أي هذاعلم الله في المشاهدات الذي علم من هذه الأدلة أنه ~~مختص به , ولذي الجلال والإكرام وحده { غيب السماوات والأرض } كما أن له ~~وحده شهادتهما , فما أراد من ذلك كانت قدرته عليه كقدرته على الشهادة من ~~الساعة التي تنكرونها استعظاما لها , ومن PageV04P295 غيرها بما فصله لكم ~~من أول السورة إلى هنا من خلق السماوات والأرض وما فيهما { وما أمر الساعة ~~} وهي الوقت الذي يكون فيه البعث , على اعتقادكم أنها لا تكون استبعادا لها ~~واستصعابا لأمرها في سرعته ms2680 عند الناس لو رأوه , ولذا عبر عنه بالساعة { إلا ~~كلمح البصر } أي كرجع الطرف المنسوب إلى البصر أي بصر كان { أو هو أقرب } ~~وإذا الخلق قد قاموا من قبورهم مهطعين إلى الداعي - هذا بالنسبة إلى علمهم ~~وقياسهم , وأما بالنسبة إليه سبحانه فأمره في الجلالة والعظم والسرعة ~~والإتقان يجل عن الوصف , وتقصر عنه العقول , ولا شك فيه ولا تردد , ولذلك ~~علله بقوله تعالى : { إن الله } أي الملك الأعظم { على كل شيء } أي ممكن { ~~قدير * } . | ولما انتقضى توبيخهم على إيمانهم بالباطل وكفرانهم بالحق وما ~~استتبعه , وختم بأمر الساعة , عطف قوله تعالى { والله جعل لكم من أنفسكم ~~أزرواجا } ما هو من أدلة الساعة وكمال القدرة والفعل بالاختيار من النشأة ~~الأولى , فقال تعالى : { والله } أي الذي له العظمة كلها { أخرجكم } بعلمه ~~وقدرته { من بطون أمهاتكم } والذي أخرجكم منها قادر على إخراجكم من بطن ~~الأرض بلا فرق بل بطريق الأولى , حال كونكم عند الإخراج { لا تعلمون شيئا } ~~من الأشياء قل أو جل , وعطف على { أخرجكم } قوله : { وجعل لكم } بذلك أيضا ~~{ السمع والأبصار والأفئدة } آلات لإزالة الجهل الذي وقعت الولادة عليه , ~~وفتق مواضعها وسواها وعدلها وأنتم في البطون حيث لا تصل إليه يده , ولا ~~يتمكن من شق شيء منه بآلة , فالذي قدر على ذلك في البطون إبداعا قادر على ~~إعادته في بطن الأرض , بل بطريق الأولى , ولعله جمعها دون السمع , لأن ~~التفاوت فيهما أكثر من التفاوا فيه بما لا يعلمه إلا الله ؛ والأفئدة هي ~~القلوب التي هيأها للفهم وإصلاح البدن بما أودعها من الحرارة اللطيفة ~~القابلة للمعاني الدقيقة { لعلكم تشكرون * } أي ليصيروا - بمعارف القلوب ~~التي وهبكموها إذا سمعتم المواعظ وأبصرتم الآيات - في حال يرجى فيها شكركم ~~لما أفاض عليكم من لطائف صنعه , بأن تعرفوا ما له من العلم والقدرة وحسن ~~التعرف , فتعترفوا له بجميع ما أتتكم به رسله , وأهمه الذي تبنى عليه جميع ~~مقاصد الأصول أو المنعم عليكم بهذه النعم إله واحد عالم بكل شيء قادر على ~~كل شيء فاعل بالاختيار , وأن الطبائع من جملة مقدوراته ms2681 , لا فعل لها إلا ~~بتصريفه . | ولما كان المقصود من تعداد هذه النعم الإعلام بأنه الفاعل ~~بالاختيار وحده ال الطبائع ولا غيرها , دلهم على ذلك مضمونا إلى ما مضى ~~بقوله مقررا لهم : { ألم يروا } بالخطاب والغيبة - على اختلاف القراءتين ~~لأن سياق الكلام وسباقه يحتمل المقبل PageV04P296 والمعرض بخلاف سياق الملك ~~فإنه للمعرض فقط , فلذا اختلف القراء هنا وأجمعوا هناك { إلى الطير مسخرات ~~} أي مذللات للطيران بما أقامهن الله فيه من المصالح والحكم بالطيران وغيره ~~{ في جو السماء } في الهواء بين الخافقين بما لا تقدرون عليه بوجه من ~~الوجوه مع مشاركتكم لها في السمع والبصر وزيادتكم عليها بالعقول , فعلم ~~قطعا ما وصل بذلك من قوله : { ما يمسكهن } أي في الجو عن الوقوع . | ولما ~~كان للسياق هنا مدخل عظيم في الرد على أهل الطبائع وهم الفلاسفة , ولهم وقع ~~عظيم في قلوب الناس , عبر بالاسم الأعظم , إشارة إلى أنه لا يقوى على رد ~~شبههم إلا من أحاط علما بمعاني الأسماء الحسنى , فكان متمكنا من علم أصول ~~الدين فقال : { إلا الله } أي الملك الأعظم , لأن نسبتكم وإياها إلى ~~الطبيعة واحدة , فلو كان ذلك فعلها لا ستويتم ؛ ثم نبههم على ما في ذلك من ~~الحكم بقوله : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم من إخراجكم على تلك الهيئة , ~~والإنعام عليكم بما ليس لها , وتقديرها على ما لم تقدروا عليه مع نقصها ~~عنكم { لآيات } ولما كان من لم ينتفع بالشيء كأنه لم يملكه , قال تعالى : { ~~لقوم يؤمنون * } أي هيأهم الفاعل المختار للإيمان . | < < # | النحل : ( 80 - 81 ) والله جعل لكم . . . . . # > > ^ ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ~~تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارهآ أثاثا ~~ومتاعا إلى حين * والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا ~~وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم ~~لعلكم تسلمون ) ^ } ) | ولما ذكرهم سبحانه بنعمة الإدراك بعد ابتداء الخلق ~~, وأتبعه ما من به على الطير من الارتفاع الحامي لها من الحر , أتبعه ms2682 ما ~~يسكنون إليه فيظلهم ويجمعهم لأنه أهم الأشياء للحيوان , فقال تعالى : { ~~والله } أي الذي له الحكمة البالغة والقدرة الشاملة { جعل لكم } أي أيها ~~الغافلون { والله } أصل البيت المأوى ليلا ثم اتسع فيه { سكنا } هو مصدر ~~بمعنى مفعول , ولم يسلط عليكم فيها الحشرات والوحوش كما سلطكم عليهم ؛ ثم ~~أتبع ما يخص الحضر مايصلح له وللسفر بما ميزهم به عن الطير وغيها من سائر ~~الحيوانات , فقال تعالى : { وجعل لكم } أي إنعاما عليكم { من جلود الأنعام ~~} التي سلطكم عليها . | ولما كانت الخيام , التي من جلود الأنعام , في ظلها ~~الظليل تقارب بيوت القرى , جمعها جمعا فقال تعالى : { بيوتا } فإنهم قالوا ~~: إن هذا الجمع بالمسكن أخص , PageV04P297 والأبيات بالشعر أخص { تستخفونها ~~} أي تطالبون بالاصطناع خفها فتجدونها كذلك { يوم ظعنكم } أي وقت ارتحالكم ~~, وعبر به لأنه في النهار أكثر { ويوم إقامتكم } ثم أتبعه ما به كمال السكن ~~فقال تعالى : { ومن أصوافها } أي الضأن منها { وأوبارها } وهي للإبل كالصوف ~~والمفارش والأخبية وغيرها { أثاثا } أي متاعا من متاع البيت كثيرا , من ~~قولهم : شهر أثيث أي كثير , وأث البنت . | إذا كثر { ومتاعا } تتمتعون به { ~~إلى حين * } أي وقت غير معين بحسب كل إنسان في فقد ذلك , وأعرض عن ذكر ~~الحرير والكتان والقطن لأنها لم تكن من صناعتهم , وإشارة إلى الاقتصاد وعدم ~~الإسراف . | ولما ذكر ما يخصهم , أتبعه ما يشاركون فيه سائر الحيوانات فقال ~~: { والله } أي الذي له الجلال والإكرام { جعل لكم } أي من غير حاجة منه ~~سبحانه { مما خلق ظلالا } من الأشجار والجبال وغيرها { وجعل لكم } أي مع ~~غناه المطلق { من الجبال أكنانا } جمع كن وهو ما يستكن به - أي يستتر - من ~~الكهوف ونحوها , ولوكان الخالق غير مختار لكانت على سنن واحد لا ظلال ولا ~~أكنانح ثم أبتع ذلك ما هداهم إليه عوضا مما جعله لسائر الحيوان فقال : { ~~وجعل لكم } أي منا منه عليكم { سرابيل } أي ثيابا { تقيكم الحر } وهي كل ~~مالبس من قميص وغيره - كما قال الزجاج . | ولما كانت السرابيل نوعا واحدا , ~~لم يكرر ( جعل ) فقال تعالى : { وسرابيل } أي ms2683 دروعا ومغافر وغيرها { تقيكم ~~بأسكم } أضافه إليهم إفهاما لأنه الحرب , وذلك كما جعل لبقية الحيوان - من ~~الأصواف ونحوها والأنياب والأظافر ونحوها - ما هو نحو ذلك يمنع من الحر ~~والبرد , ومن سلاح العدو , ولم يذكر سبحانه هنا وقاية البرد لتقدمها في ~~قوله تعالى ^ ( { لكم فيها دفء } ) ^ [ النحل : 5 ] . | ولما تم ذلك كان ~~كأنه قيل : نبهنا سبحانه بهذا الكلام على تمام نعمة الإيجاد , فهل بعدها من ~~نعمة ؟ فقال : نعم ! { كذلك } أي كما أتم انعمة الإيجاد عليكم هذا الإتمام ~~العظيم بهذه الأمور ونبهكم عليها { يتم نعمته عليكم } في الدنيا والدين ~~بالهداية والبيان لطريق النجاة والمنافع , والتنبيه على دقائق ذلك بعد ~~جلائله { لعلكم تسلمون * } أي ليكون حالكم - بما ترون من كثرة إحسانه بما ~~لا يقدر عليه غيره مع وضوح الأمر - حال من يرجى منه إسلام قياده لربه , فلا ~~يسكن ولا يتحرك إلا في طاعته . | < < # | النحل : ( 82 - 89 ) فإن تولوا فإنما . . . . . # > > ^ ( فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين * يعرفون نعمة الله ثم ~~ينكرونها وأكثرهم الكافرون * ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين ~~PageV04P298 كفروا ولا هم يستعتبون * وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف ~~عنهم ولا هم ينظرون * وإذا رأى الذين أشركوا شركآءهم قالوا ربنا هؤلآء ~~شركآؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون * وألقوا ~~إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون * الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون * ويوم نبعث في كل أمة ~~شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلآء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) 73 < # > } ) 71 < # > | فلما صار هذا البيان , إلى أجل من العيان , كان ربما وقع في الوهم ~~أنهم إن لم يجيبوا لحق الداعي بسبب إعراضهم حرج , فقال تعالى نافيا لذلك ~~معرضا عنهم بإعراض المغضب , مقبلا عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم إقبال ~~المسلي , معبرا بصيغة التفعل المفهمة لأن الفطر الأولى داعية إلى الإقبال ~~على الله فلا يعرض صاحبها عما يرضيه سبحانه ms2684 إلا بنوع معالجة : { فإن تولوا ~~} أي كلفوا أنفسهم الإعراض ومتابعة الأهواء فلا تقصير عليك بسبب توليتهم ~~ولا حرج { فإنما } أي بسبب أنه إنما { عليك البلاغ المبين * } وليس عليك أن ~~تردهم عن العناد , فكأنه قيل : فهل كان إعراضهم عن جهل أو عناد ؟ فقيل فيهم ~~وفيهم : { يعرفون } أي كلهم { نعمت الله } أي الملك الأعظم , التي تقدم عد ~~بعضها في هذه السورة وغيرها { ثم ينكرونها } بعبادتهم غير المنعم بها أو ~~بتكذيب الآتي بالتنبيه عليها , بعضهم لضعف معرفته , وبعضهم عنادا , وكان ~~بعضهم يقول : هي من الله ولكن بشفاعة آلهتنا { وأكثرهم } أي المدعوين ~~بالنسبة إلى جميع أهل الأرض الذين أدركتهم دعوته صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم { الكافرون * } أي المعاندون الراسخون في الكفر . | ولما كان من أجل ~~المقاصد بهذه الأساليب التخويف من البعث , وكان من المعلوم أنه ليس بعد ~~الإعراض عن البيان والإصرار على كفران المعروف من الإحسان إلا المجازاة لأن ~~الحكيم يمهل , قال تعالى : عاطفا على ثمرة { فإنما عليك البلاغ المبين } ~~وهي : فبلغهم وبين لهم ولا تيأس من رجوعهم : { ويوم } أي وخوفهم يوم { نبعث ~~} بعد البعث { من كل أمة شهيدا } يحكم بقوله الملك إجراء للأمر على ما ~~يتعارفون وإن كان غنيا عن شهيد . | ولما كان الإذن في الاعتذار في بعض ~~المواقف الطويلة في ذلك اليوم متعذرا , عبر عنه سبحانه بأداة البعد فقال ~~تعالى : { ثم لا يؤذن } أي لا يقع إذن على PageV04P299 تقدير من التقادير { ~~للذين كفروا } أي بعد شهادة الشهداء في الاعتذار كما يؤذن في هذه الدار ~~للمشهود عليه عند سؤال في الإعذار , لأنه لا عذر هناك في الحقيقة { ولا هم ~~} أي خاصة { يستعتبون * } أي ولا يطلب منهم الإعتاب المؤثر للرضى وهو إزالة ~~العتب وهو الموجدة المعبر بها عن الغضب المعبر به عن آثاره من السطوة ~~والانتقام , وأخذ العذاب لأهل الإجرام من قبيح ما ارتكبوا , لأن تلك الدار ~~ليست بدار تكليف ؛ ثم وصل به أن ما يوجبه الغضب يدوم عليهم في ذلك اليوم , ~~فقال تعالى عاطفا على ما بعد ( ثم ) : { وإذا رءا } وأظهر موضع ms2685 الإضمار ~~تعميما فقال تعالى : { الذين ظلموا } فعبر بالوصف الموجب للعذاب { العذاب } ~~بعد الموقف وشهادة الشهداء , وجزاء الشرط محذوف لدلالة ما قرن بالفاعلية ~~تقديره : لابسهم { فلا يخفف } أي يحصل تخفيف بنوع من الأنواع ولا بأحد من ~~الخلق { عنهم } شيء منه { ولا هم ينظرون * } بالتأخير ولا لحظة بوجه من ~~الوجوه على تقدير من التقادير من أحد ما . | ولما بين سبحانه حاصل امرهم في ~~البعث وما بعده , وما من أهم المهم أمرهم في الموقف مع شركائهم الذين كانوا ~~يترجمهم , عطف على ذلك قوله تعالى : { وإذا رءا } أي بالعين يوم القيامة { ~~الذين أشركوا } فأظهر أيضا الوصف المناسب للمقام { شركاءهم } أي الآلهة ~~التي كانوا يدعونها شركاء { قالوا ربنا } يا من أحسن إلينا وربانا ! { ~~هؤلاء شركاؤنا } أضافوهم إلى أنفسهم لأنه لا حقيقة لشركتهم سوى تسميتهم لها ~~الموجب لضرهم ؛ ثم بينوا المراد بقولهم : { الذين كنا ندعوا } أي نعبد . | ~~ولما كانت المراتب متكثرة دون رتبته سبحانه لأن علوه غيرمنحصر , أدخل الجار ~~فقال تعالى : { من دونك } ليقربونا إليك , فأكرمنا لأجلهم جريا على منهاجهم ~~في الدنيا في الجهل والغباوة , فخاف الشركاء من عواقب هذا القول والإقرار ~~عليه سطوات الغضب { فألقوا } أي الشركاء { إليهم } أي المشركين { القول } ~~أي بادروا به حتى كان إسراعه إليهم شيء ثقيل يلقى من علو ؛ وأكدوا قولهم ~~لأنه مطاعنة لقول المشركين فقالوا : { إنكم لكاذبون * } في جعلنا شركاء ~~وأنا نستحق العبادة أو نشفع أو يكون لنا أمر نستحق به أن نذكر { وألقوا } ~~أي الشركاء { إلى الله } أي الملك الأعلى { يومئذ } أي يوم القيامة إذ نبعث ~~من كل أمة شهيدا { السلم } أي الانقياد والاستسلام بما علم به الكفار أنهم ~~من جملة العبيد لا أمر لهم أصلا , فأصلد زندهم , وخاب قصدهم , وقيد بذلك ~~اليوم لأنهم كانوا في الدنيا - بتزيين الشياطين لأمورهم ونطقهم على ألسنتهم ~~- بحيث يظن عابدوهم أن لهم منعة , ويهم قوة ويجوز أن يكون ضمير ( ألقوا ) ~~للمشركين { وضل عنهم } أي عن الكفار { ما كانوا } أي بجبلاتهم { يفترون * } ~~أي يتعمدون من PageV04P300 دعوى النفع لهم والضر كذبا وفجوران فكأنه قيل : ~~هذا ms2686 للذين أشركوا , فما للذين كانوا دعاة إلى الشرك مانعين من الانتقال عنه ~~؟ فقيل : { الذين كفروا } أي أوجدوا الكفر في أنفسهم { وصدوا } مع ذلك ~~غيرهم { عن سبيل الله } أي الذي له الإحاطة كلها { زدناهم } أي بما لنا من ~~العظمة , بصدهم غيرهم { عذابا فوق العذاب } الذي استحقوه على مطلق الشرك { ~~بما كانوا } أي كونا جبليا { يفسدون * } أي يوقعون الفساد ويجددونه ؛ ثم ~~كرر التحذير من ذلك اليوم على وجه يزيد على ما افهمته الآية السالفة , وهو ~~أن الشهادة تقع على الأمم لا لهم , وتكون بحضرتهم , فقال تعالى : { ويوم } ~~أي وخوفهم يوم { نبعث } أي بما لنامن العظمة { في كل أمة } من الأمم { ~~شهيدا } أي هو في أعلى رتب الشهادة { عليهم } . | ولما كانت بعثة الأنبياء ~~السابقين عليهم السلام خاصة بقومهم إلا قليلا , قال : { من أنفسهم } وهو ~~نبيهم . | ولما كان لذلك اليوم من التحقق ما لا شبهة فيه بوجه وكذا هادة ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم , عبر بالماضي إشارة إلى ذلك , وإلى أنه ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يزل من حين بعثه متصفا بهذه الصفة العلية ~~فقال تعالى : { وجئنا } أي بما لنا من العظمة { بك شهيدا } أي شهادة هي ~~مناسبة لعظمتنا { على هؤلاء } أي الذين بعثناك إليهم وهم أهل الأرض , ~~وأكثرهم ليس من وقوعه صلى الله عليه وعلى آله وسلم , ولذلك لم يقيد بعثته ~~بشيء ؛ ثم بين أنه لا إعذار في شهدائه فإنه لا حجة في ذلك اليوم لمن خالف ~~أمره اليوم , لأنه سبحانه أزاح العلل , وترك الأمر على بيضاء نقية ليلها ~~كنهارها , لا يزيغ عنها إلا هالك , فقال عاطفا على قوله { وما أنزلنا عليك ~~الكتاب } - الآية , المتعقب لقوله { لا جرم } - الآيتين : { ونزلنا } أي ~~بعظمتنا بحسب التدريج والتنجيم { عليك الكتاب } الجامع للهدى { تبيانا } أي ~~لأجل البيان التام , قالوا : وهو اسم وليس بمصدر كتلقاء { لكل شيء } ورد ~~عليك من أسئلتهم ووقائعهم وغير ذلك , وهو في أعلى طبقات البيان كما أنه في ~~أعلى طبقات البلاغة , لأن المعنى به أسرع إلى الأفهام وأظهر , في الإدراك ms2687 , ~~والنفس أشد تقبلا له لما هوعليه من حسن النظام والقرب إلى الافهام , وإنما ~~احتيج إلى تفسيره مع أنه في نهاية البيان لتقصير الإنسان في العلم بمذاهب ~~العرب الذين هم الأصل في هذا اللسان , وتقصير العرب عن جميع مقاصده كما ~~قصروا عن درجته في البلاغةن فرجعت الحاجة إلى التقصير الفهم لا إلى تقصير ~~الكلام في البيان , ولهذا تفاوت الناس في فهمه لتفاوتهم في درجات البلاغة ~~ومعرفة طرق العرب في جميع أساليبها ؛ قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في ~~آخر خطبة الرسالة بعد أن دعا الله تعالى أن يرزقه فهما في كتابه ثم في سنة ~~نبيه صلى الله عليه وعلى آله PageV04P301 وسلم : فليست تنزل بأحد من أهل ~~دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها , واحتج ~~بآيات منها هذه , وذلك لأنه سبحانه بين فيه التوحيد والمبدأ والمعاد والأمر ~~والنهي والحلال والحرام والحدود والأحكام بالنص على بعضها , وبالإحالة على ~~السنة في الآخر , وعلى الإجماع في نحو قوله تعالى < # > 77 ( { ويتبع غير سبيل المؤمنين } ) 77 < # > [ النساء : 115 ] وعلى الاقتداء بالخلفاء الراشدين في قوله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) ~~وبالاقتداء بجميع أصحابه رضي الله عنهم في قوله صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) وقد اجتهدوا وقاسوا ووطؤوا ~~طرق القياس والاجتهاد ولم يخرج أحد منهم عن الكتاب والسنة , فهو من دلائل ~~النبوة في كونه صلى الله عليه وعلى آله وسلم شهيدا لكونه ما أخبر عنهم إلا ~~بما هم أهله . | ولما كان لتبيان قد يكون للضلال , قال تعالى : { وهدى } أي ~~موصلا إلى المقصود . | ولما كان ذلك قد لا يكون على سبيل الإكرام , قال ~~تعالى : { ورحمة } ولما كان الإكرام قد لا يكون بما هو في أعلى طبقات ~~السرور , قال سبحانه : { وبشرى } أي بشارة عظيمة جدا { للمسلمين } ويجوز أن ~~يكون التقدير { في كل أمة شهيدا عليهم } وهو رسولهم الذي أرسلناه إليهم في ~~الدنيا { وجئنا بك شهيدا على هؤلاء } لكوننا أرسلناك إليهم وجعلناك ms2688 أمينا ~~عليهم { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } فلا عذر لهم , فيكون معطوفا ~~على ما دل الكلام السابق دلالة واضحة على تقديره . | PageV04P302 < < # | النحل : ( 90 - 92 ) إن الله يأمر . . . . . # > > ^ ( إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي القربى وينهى عن الفحشاء ~~والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون * وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا ~~تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما ~~تفعلون * ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم ~~دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم ~~يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ) ^ } ) | ولما بين تعالى فضل هذا القرآن ~~بما يقطع حجتهم , وكان قد قدم فضل من يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم , ~~أخذ يبين اتصاف القرآن ببيان كل شيء , وتضمنه للك الطريق الأقوم , فقال ~~تعالى جامعا لما يتصل بالتكاليف فرضا ونفلا , وما يتصل بالأخلاق والآداب ~~عموما وخصوصا : { إن الله } أي الملك المستجمع لصفات الكمال { يأمر بالعدل ~~} وهو الإنصاف الذي لا يقبل عمل يدونه , وأول درجاته التوحيد الذي بنيت ~~السورة عليه , والعدل يعتبر تارة في المعنى فيراد به هيئة في الإنسان تطلب ~~بها المساواة , وتارة في العقل فيراد به التقسيط القائم على الاستواء , ~~وتارة يقال : هو الفضل كله من حيث إنه لا يخرج شيء من الفضائل عنه , وتارة ~~يقال : هو أكمل الفضائل من حيث إن صاحبه يقدر على استعماله في نفسه وفي ~~غيره , وهو ميزان الله المبرأ من كل زلة وبه يستتب أمر العالم , وبه قامت ~~السماوات والأرض , وهو وسط كل أطرافه جور , وبالجملة الشرع مجمع العدل , ~~وبه تعرف حقائقه , ومن استقام على نهج الحق فقد استتب على منهج العدل - ~~ذكره الرازي في اللوامع وفيه تلخيص , وفي آخر الجزء الخامس عشر من الثقفيات ~~أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال لمحمد بن كعب القرظي رضي الله عنه : ~~صفلي العدل , فقال : كن لصغير الناس أبا , ولكبيرهم ابنا , وللمثل أخا , ~~وللنساء كذلك , وعاقب الناس بقدر ذنوبهم على ms2689 قدر أجسامهم , ولا تضربن لغضبك ~~سوطا واحدا فتعدى فتكون من العادين انتهى . | { والإحسان } وهو فعل الطاعة ~~على أعلى الوجوه , فالعدل فرض , والإحسان فضل , وهو مجاوزة النصفة إلى ~~التحامل على النفس , لأنه ربما وقع في الفرض نقص فجبر بالنفل , وهو في ~~التوحيد الارتقاء عن أول الدرجات , ومن أعلاه الغنى عن الأكوان , وتكون ~~الأكوان في غيبتها عند انبساط نور الحق كالنجوم في انطماسها عند انتشارنور ~~الشمس , وغايته الفناء حتى عن هذا الغنى , وشهود الله وحده , وهو التوحيد ~~على الحقيقة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه ( الإحسان أن ~~تعبد الله PageV04P303 كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) وهو روح ~~الإنسانية , ففي الجزء الثامن من الثقفيات عن عاصم بن كليب الجرمي قال : ~~حدثني أبي كليب أنه شهد مع أبيه جنازة شهدها رسول الله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم , قال : وأنا غلام اعقل وأفهم , قال : فانتهى بالجنازة إلى القبر ~~ولما يمكن لها فجعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول ( سو ذا أو ~~خذ ذا ! ) قال : حتى ظن الناس أنها سنة , فالتفت إليهم فقال : ( أما أن هذا ~~لا ينفع الميت ولايضره , ولكن الله تعالى يحب من العامل إذا عمل أن يحسن . ~~| ( { وإيتاء ذي القربى } فإنه من الإحسان , وهو أولى الناس بالبر , وذلك ~~جامع للاحسان في صلة الرحم . | ولما أمر بالمكارم , نهى عن المساوئ ~~والملائم فقال تعالى : { وينهى عن الفحشاء } وهي ما اشتد تقصيره عن العدل ~~فكان ضد الإحسان { والمنكر } وهو ما قصر عن العدل في الجملة { والبغي } وهو ~~الاستعلاء على الغير ظلما , وقال البيضاوي في سورة الشورى : هو طلب تجاوز ~~الاقتصاد فيما يتجرأ كمية أو كيفية . | وهو من المنكر , صرح به اهتماما , ~~وهو أخو قطيعة الرحم ومشارك لها في تعجيل العقوبة ) ما من ذنب أحرى أن يعجل ~~الله لصاحبه العقوبة مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم ( رواه ~~أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي بكرة رضي الله عنه ورفعه , وأصل البغي ~~الإدارة , كأنه صار ms2690 بفهم هذا المعنى المحظور - المحذور عند حذف مفعوله , ~~لأن الإنسان - لكونه مجبولا على النقصان - لا يكاد يصلح منه إرادة , فعليه ~~أن يكون مسلوب الاختيار , مع الملك الجبار , الواحد القهار , فتكون إرادته ~~تابعة لإرادته , واختياره من وراء طاعته , وعن الحسن أن الخلقين الأولين ما ~~تركا طاعة إلا جمعاها والأخيرين ما تركا معصية إلا جمعاها . | PageV04P304 ~~ولما دعا هذا الكلام على وجازته إلى أمهات الفضائل لي هي العلم والعدل ~~والعفة والشجاعة , وزاد من الحسن ما شاء , فإن الإحسان من ثمرات العفة , ~~والنهي عن البغي الذي هو من ثمرات الشجاعة المذمومة إذن فيما سواه منها , ~~ولا يقوم شيء من ذلك إلا بالعلم وكان هذا أبلغ وعظ , نبه عليه سبحانه بقوله ~~تعالى : { يعظكم } أي يأمركم بما يرقق قلوبكم من مصاحبة ثلاثة ومجانبة ~~ثلاثة { لعلكم تذكرون * } أي ليكون حالكم حال من يرجى تذكره , لما في ذلك ~~من المعالي بما وهب الله من العقل , الداعي إلى كل خير , الناهي عن كل ضير ~~, فإن كل أحد من طفل وغيره يكره أن يفعل معه شيء من هذه المنهيات , فمن كان ~~له عقل واعتبر بعقله علم أن غيره يكره منه ما يكره هو منه , ويعلم أنه إن ~~لم يكف عن فعل ما يكره أخوه وقع التشاجر , فيحصل الفساد المؤدي إلى خراب ~~الأرض , هذا في الفعل مع أمثاله من المخلوقين , فكيف بالخالق بأن يصفه بما ~~لا يليق به سبحانه , وعز اسمه , وتعالى جده , وعظم أمره ! . | ولما تقررت ~~هذه الجمل التي جمعت - بجمعها للمأمورات والمنهيات ما تضيق عنه الدفاتر ~~والصدور , وشهد لها المعاندون من بلغاء العرب أنها بلغت قاموس البحر وتعالت ~~عن طوق البشر , عطف على ما أفهمه السياق - من نحو : فتذكروا أو فالزموا ما ~~أمرتم به ونابذوا ما نهيتم عنه - بعض ما أجملته , بدأبما هو مع جمعه أهم ~~وهو الوفاء بالعهد الذي يفهم منه العلماء بالله ما دل عليه العقل من الحجج ~~القاطعة بالتوحيد وصدق الرسل ووجوب اتباعهم , فكانت أعظم العهود , ويفهم ~~منه غيرهم ما يتعارفونه مما يجري بينهم من المواثيق ms2691 , فإذا ساروا فيها بما ~~أمر سبحانه وتحروا رضاه علما منهم بأنه العدل , قادهم ذلك إلى رتبة الأولين ~~فقال تعالى : { وأوفوا } أي أوقعوا الوفاء الذي لا وفاء في الحقيقة غيره { ~~بعهد الله } أي الملك الأعلى الذي عاهدكم عليه بأدلة العقل والنقل من ~~التوحيد وغيره من أصول الدين وفروعه < # > 77 ( { الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق } ) 77 < # > [ الرعد : 20 ] < # > 77 ( { وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } ~~) 77 < # > [ البقرة : 27 ] { إذا عاهدتم } بتقلبكم له بإذعانكم لأمثاله من الأدلة ~~فيما عرف من عوائدكم , وصرحتم به عند شدائدكم { ثم إذا مسكم الضر فإليه ~~تجأون } ثم عطف عليه ما هو من جنسه وأخص منه فقال تعالى : { ولا تنقضوا ~~الأيمان } واحترز عن لغو اليمين بقوله تعالى : { بعد توكيدها } وحذف الجار ~~لأن المنهي عنه إنما هو استغراق زمان البعد بالنقض , وذلك لا يكون إلا ~~بالكذب الشامل له كله , بعضه بالقوة وبعضه بالفعل , ولعله جمع إشارة إلى أن ~~المذموم استهانتها من غير توقف على كفارة , لأن من فعل ذلك ولو في واحدة ~~كان فاعلا ذلك في الجميع , بخلاف من ينقض ما نقضه خير PageV04P305 بالكفارة ~~فإنه ناقض للبعض لا للكل , لأنه دائر مع الخير والأول دائر مع الهوى ؛ ثم ~~حذرهم من النقض بأنه مطلع قادر , فقال تعالى مقبحا حالهم إذ ذاك : { وقد ~~جعلتم الله } أي الذي له العظمة كلها { عليكم كفيلا } أي شاهدا ورقيبا . | ~~ولما كان من شأن الرقيب حفظ أحوال من يراقبه , قال تعالى مرغبا مرهبا : { ~~إن الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { يعلم ما تفعلون * } فلم تفعلوا ~~شيئا إلا بمشيئته وقدرته , فكانت كفالته مجعولة بهذا الاعتبار وإن لم يصرح ~~بالجعل , فمتى نقضتم فعل بكم فعل الكفيل القادر بالمكفول المماطل من أحد ~~الحق والعقوبة . | ولما أمر بالوفاء ونهى عن النقض , شرع في تأكيد وجوب ~~الوفاء وتحريم النقض وتقبيحه تنفيرا منه فقال تعالى : { ولاتكونوا } أي في ~~نقضكم لهذا الأمر المعنوي { كالتي نقضت غزلها } ولما كان النقض لم يستغرق ~~زمان البعد , قال تعالى : { من ms2692 بعد قوة } عظيمة حصلت له { أنكاثا } أي ~~أنقاضا , جمع نكث وهو كل شيء نقض بعد الفتل سواء كان حبلا أو غزلا , فهو ~~مصدر مجموع من نقضت لأنه بمعنى نكثت , قال في القاموس : النكث - بالكسر أن ~~تنقض أخلاق الأكسية لتغزل ثانية . | فيكون مثل جلست قعودا , أي فتكونوا ~~بفعلكم ذلك كهذه المرأة التي ضربتم المثل بها في الخرق مع ادعائكم أنه يضرب ~~بأدناكم المثل في العقل , ثم وصل بذلك ما يعرف أنهم أسفه من تلك المرأة ~~بسبب أم ضررها لا يتعداها , وأما الضرر بفعلهم فإنه مفسد لذات البين فقال ~~تعالى : { تتخذون } أي بتكليف الفطرة الأولى ضد ما تدعو إليه من الوفاء { ~~أيمانكم دخلا } أي فيضمحل كونها أيمانا إلى كونها ذريعة إلى الفساد بالخداع ~~والغرور { بينكم } من حيث إن المحلوف له يطمئن فيفجأه الضرر , ولو كان على ~~حذرلما نيل منه ولا جسر عليه , وكل ما أدخل في الشيء على فساد فهو دخل { إن ~~} أي تفعلون ذلك بسب أن { تكون أمة } أي وهي الخادعة أو المخدوعة لأجل ~~سلامتها { هي } أي خاصة { أربى } أي أزيد وأعلى { من أمة } في القوة أو ~~العدد , فإذا لزيادتها غدرت . | ولما عظم عليهم النقض , وبين أن من أسبابه ~~الزيادة , حذرهم غوائل البطر فقال تعالى : { إنما يبلوكم } أي يختبركم { ~~الله } أي الذي له الأمر كله { به } أي يعاملكم معاملة المختبر بالأيمان ~~والزيادة ليظهر للناس تمسككم بالوفاء أو انخلاعكم منه اعتمادا على كثرة ~~أنصاركم وقلة أنصار من نقضتم عهده من المؤمنين ( أو غيرهم ) مع قدرته ~~سبحانه على ما يريد , فيوشك أن يعاقب بالمخالفة فيضعف القوي ويقلل الكثير { ~~وليبينن لكم } أي إذا تجلى لفصل القضاء { يوم القيامة } مع هذا كله { ما ~~كنتم } أي PageV04P306 بجبلاتكم { فيه تختلفون * } فاحذروا يوم العرض على ~~ملك الملوك بحضرة الرؤساء والملوك وجميع المعبودات والكل بحضرته الشماء ~~داخرون , ولديه صاغرون , ومن نوقش الحساب يهلك . | < < # | النحل : ( 93 - 102 ) ولو شاء الله . . . . . # > > ^ ( ولو شآء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشآء ويهدي من يشآء ~~ولتسألن عما كنتم تعملون * ولا تتخذوا أيمانكم ms2693 دخلا بينكم فتزل قدم بعد ~~ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم * ولا تشتروا ~~بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون * ما عندكم ~~ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون * ~~من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم ~~بأحسن ما كانوا يعملون * فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ~~* إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على ~~الذين يتولونه والذين هم به مشركون * وإذا بدلنآ آية مكان آية والله أعلم ~~بما ينزل قالوا إنمآ أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون * قل نزله روح القدس من ~~ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ) ^ } ) | ولما أمر ونهى ~~, وخوف من العذاب في القيامة , وكان ربما ظن من لا علم له - وهم الأكثر - ~~من كثرة التصريح بالحوالة على القيامة نقص القدرة في هذه الدار , صرح بنفي ~~ذلك بقوله تعالى : { ولو شاء الله } أي الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه ~~, أن يجعكم أمة واحدة لا خلاف بينكم في أصول الدين ولا فروعه { لجعلكم أمة ~~واحدة } متفقة على أمر واحد لا تؤم غيره , منفيا عنها أسباب الخلاف { ولكن ~~} لم يشأ ذلك وشاء اختلافكم , فهو { يضل من يشاء } عدلا منه , لأنه تام ~~الملك عام الملك ولوكان الذي أضله على أحسن الحالات { ويهدي } بفضله { من ~~يشاء } ولو كان على أخس الأحوال , فبذلك يكونون مختلفين في المقاصد , يؤم ~~هذا غير ما يؤمه هذا , فيأتي الخلاف مع تأدية العقل إلى أن الاجتماع خير من ~~الافتراق فالاختلاف مع هذا من قدرته الباهرة . | ولما تقرر بهذا أن الكل ~~فعله وحده فلا فعل لغيره أصلا , كان ربما أوقع في الوهم أنه لا حرج على أحد ~~في شيء يفعله بين أن السؤال يكون عن المباشرة ظاهرا على ما يتعارف الناس في ~~إسناد الفعل إلى من ظهر اكتسابه له , فقال تعالى مرغبا مرهبا مؤكدا ~~PageV04P307 لإنكارهم ms2694 البعث عما ينشأ عنه : { ولتسئلن عما كنتم } أي كونا ~~أنتم مجبولون عليه { تعلمون * } وإن دق , فيجازي كلا منكم على عمله وإن كان ~~غبيا عن السؤال , فهو بكل شيء عليم . | ولما بين أن الكذب وما جر إليه أقبح ~~القبائح , وأبعد الأشياء عن المكارم , وكان من أعظم أسباب الخلاف , فكان ~~أمره جديرا بالتأكيد , أعاد الزجر عنه بأبلغ مما مضى بصريح النهي مرهبا مما ~~يترتب على ذلك , فقال معبرا بالافتعال إشارة إلى أن ذلك لا يفعل إلا بعلاج ~~شديد من النفس لأن الفطرة السليمة يشتد نفارها منه : { ولاتتخذوا أيمانكم ~~دخلا } أي فسادا ومكرا وداء وخديعة { بينكم } أي في داخل عقولكم وأجسامكم { ~~فتزل } أي فيكون ذلك سببا لأن تزل { قدم } هي في غاية العظمة بسبب الثبات { ~~بعد ثبوتها } عن مركزها الذي كانت به من دين أو دنيا , فلا يصير لها قرار ~~فتسقط عن مرتبتها , وزلل القدم تقوله العرب لكل ساقط في ورطة بعد سلامة { ~~وتذوقوا السوء } مع تلك الزلزلة { بما صددتم } أي أنفسكم ومنعتم غيركم ~~بأيمانكم التي أردتم بها الإفساد لإخفاء الحق { عن سبيل الله } أي الملك ~~الأعلى , يتجدد لكم هذا الفعل ما دمتم على هذا الوصف { ولكم } مع ذلك { ~~عذاب عظيم } ثابت غير منفك إذا متم على ذلك . | ولما كان هذا خاصا بالأيمان ~~, أتبعه النهي عن الخيانة في عموم العهد تأكيدا بعد تأكيد للدلالة على عظيم ~~النقض فقال تعالى : { ولا تشتروا } أي تكلفوا أنفسكم لجاجا وتركا للنظر في ~~العواقب أن تأخذوا وتستبدلوا { بعهد الله } أي الذي له الكمال كله { ثمنا ~~قليلا } أي من حطام الدنيا وإن كنتم ترونه كثيرا , ثم علل قلته بقوله تعالى ~~: { إنما عند الله } أي الذي له الجلال والإكرام من ثواب الدارين { هو خير ~~لكم } ولا يعدل عن الخير إلى ما دونه إلا لجوج ناقص العقل ؛ ثم شرط علم ~~خيريته بكونهم من ذوي العلم فقال تعالى : { إن كنتم } أي بجبلاتكم { تعلمون ~~* } أي ممن يتجدد له علم ولم تكونوا في عداد البهائم , فصار العهد الشامل ~~للأيمان مبدوءا في هذه الآيات بالأمر ms2695 بالوفاء به ومختوما بالنهي عن نقضه , ~~والأيمان التي هي أخص منه وسط بين الأمر والنهي المتعلقين به , فصار الحث ~~عليها على غاية من التأكيد عظيمة ورتبة من التوثيق جليلة , ثم بين خيريته ~~وكثرته بقوله تعالى على سبيل التعليل : { ما عندكم } أي من أعراض الدنيا , ~~وهو الذي تتعاطونه بطباعكم { ينفد } أي يفنى , فصاحبه منغص العيش أشد ما ~~يكون به اغتباطا بانقطاعه أو بتجويز انقطاعه إن كان في عداد من يعلم { من ~~عند الله } أي الذي له الأمر كله من الثواب { باق } فليؤتينكم منه إن ثبتم ~~على عهده ؛ ثم لوح بما PageV04P308 في ذلك من المشقة عطفا على هذا المقدر ~~فقال تعالى مؤكدا لأجل تكذيب المكذبين : { ولنجزين } أي الله - على قراءة ~~الجماعة بالياء ونحن - على قراءة ابن كثير وعاصم بالنون التفاتا إلى التكلم ~~للتعظيم { الذين صبروا } على الوفاء بما يرضيه من الأوامر والنواهي { أجرهم ~~} ولما كان كرماء الملوك يوفون الأجور بحسب الأعمال من الأحسن وما دونه , ~~أخبر بأنه يعمد إلى الأحسن فيرفع الكل إليه ويسوي الأدون به فقال : { بأحسن ~~ما كانوا } أي كونا هو جبلة لهم { يعلمون * } . | ولما وعد بعد أن توعد , ~~أتبعه ما يبين أن ذلك لا يخص شريفا ولا وضيعا , وإنما هودائر مع الوصف الذي ~~رمز إليه فيما مضى بالعدل تارة , وبالعهد أخرى , وهو الإيمان , فقال تعالى ~~جوابا لمن كأنه قال : هذا خاص بأحد دون أحد , مرغبا في عموم شرائع الإسلام ~~: { من عمل صالحا } ولما كانت عامة , وكانت ربما خصت الذكور , بين المراد ~~من عمومها بقوله تعالى : { من ذكر أو أنثى } فعم ثم قيد مشيرا بالإفراد إلى ~~قلة الراسخين بقوله تعالى : { وهو مؤمن } . | ولما كان الإنسان كلما علا في ~~درج الإيمان , كذا جديرا بالبلاء والامتحان , بين تعالى أن ذلك لا ينافي ~~سعادته , ولذلك أكد قوله : { فلنحيينه } دفعا لما يتوهمه المستدرجون بما ~~فعل يعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا { حياة طيبة } أي في الدنيا بما ~~نؤتيه من ثبات القدم , وطهارة الشيم { ولنجزينهم } كلهم { أجرهم } في ~~الدنيا والآخرة { بأحسن ما كانوا } أي كونا ms2696 جبليا { يعلمون * } قال العلماء ~~رضي الله عنهم : المطيع في عيشه هنيئة , إن كان موسرا فلا كلام فيه , وإن ~~كان معسرا فبالقناعة والرضى بحكم النفس المطمئنة , والفاجر بالعكس , إن كان ~~معسرا فواضح , وإن كان موسرا فحرصه لا يدعه يتهنأ فهو لا يزال في عيشه ضنك ~~. | ولما تقررت هذه الأحكام على هذه الوجوه الجليلة , وأشارت بحسن ألفاظها ~~وشرف سياقها إلى أغراض هي مع جلالتها غامضة دقيقةن فلاح بذلك أن القرآن ~~تبيان لكل شيء في حق من سلم من غوائل الهوى وحبائل الشيطان , وختم ذلك ~~بالحث على العمل الصالح , وكان القرآن تلاوة وتفكرا وعملا بما ضمن أجل ~~PageV04P309 الأعمال الصالحة , تسبب عن ذلك الأمر بأنه إذا قرئ هذا القرآن ~~المنزل على مثل تلك الأساليب الفائقة يستعاذ من الشيطان لئلا يحول بوساوسه ~~بين القارئ وبين مثل تلك الأغراض والعمل بها , وحاصله الحث على التدبر وصرف ~~جميع الفكر إلى التفهم والالتجاء إليه تعالى في كل عمل صالح لئلا يفسده ~~الشيطان بوساوسه , أو يحول بين الفهم وبينه , بيانا لقدر الأعمال الصالحة , ~~وحثا على الإخلاص فيها وتشمير الذيل عند قصدها , لا سيما أفعال القلوب التي ~~هي أغلب ما تقدم هنا , فقال تعالى مخاطبا لأشرف ليفهم غيره من باب الأولى ~~فيكون أبلغ في حثه وأدعى إلى اتباعه : { فإذا قرأت } أي أردت أن تقرأ مثل < # > 77 ( { وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا } ) 77 < # > [ الأعراف : 4 ] { القرآن } الذي هو قوام العمل الصالح والداعي إليه ~~والحاث عليه , مع كونه تبيانا لكل شيء , وهو اسم جنس يشمل القليل منه ~~والكثير { فاستعذ } أي إن شئت جهرا وإن شئت سرا ؛ قال الإمام الشافعي : ~~والإسرار أولى في الصلاة , وفي قول : يجهر كما يفعل خارج الصلاة . | { ~~بالله } أي سل الذي له الكمال كله أن يعيذك { من الشيطان } أي المحترف ~~باللعنة { الرجيم * } أي المطرود عن الرحمة من أن يصدك بوساوسه عن اتباعه , ~~فإنه لا عائق عن الإذعان , لأساليبه الحسان , إلا خذلان الرحمن , بوساوس ~~الشيطان , فقل : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم , لأن ذلك أوفق للقرآن , وقد ~~ورد به بعض ms2697 الأخبار عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعا وهو المشهور ~~ونص عليه الإمام الشافعي رضي الله عنه , والصارف لهذا الأمر عن الوجوب ~~أحاديث كثيرة فيها القراءة بدون ذكر تعوذ كحديث البخاري وغيره عن أبي سعيد ~~بن المعلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له ( ما ~~منعك أن تجيبني ؟ ) قال : كنت أصلي , قال : ألم يقل الله : { استجيبوا لله ~~وللرسول إذا دعاكم } [ الأنفال : 24 ] ثم قال ( لأعلمنك سورة هي أعظم سورة ~~في القرآن { الحمد لله رب العالمين } ) وفي رواية الموطأ أنه صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم نادى أبيا وأنه قال ( كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة ؟ ) قال ~~أبي : فقرأت { الحمد لله رب PageV04P310 العالمين } حتى أتيت على آخرها . | ~~ومن طالع كتابي ( مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور ) رأى مثل هذا ~~أحاديث جدا من أحسنها حديث نزول سورة الكوثر , وقيل : التعوذ بعد القراءة ~~لظاهر الآية , وختام القرآن بالمعوذتين موافق لهذا القول بالنسبة إلى الحال ~~, والقول الأول الصحيح بالنسبة إلى ما ندب إليه المرتحل من قراءة الفاتحة ~~وأول البقرة . | ولما كان ذلك ربما هو أوهم تعظيمه , نفى ذلك بقوله جوابا ~~لمن كأنه قال : هل له سلطان ؟ : { إنه ليس له سلطان } أي بحيث لا يقدر ~~المسلط عليه على الانفكاك عنه { على الذين ءامنوا } بتوفيق ربهم لهم { وعلى ~~ربهم } أي وحده { يتوكلون * } ويجوز أن يكون المعنى أنه لما تقرر في ~~الأذهان أنه لا نجاة من الشيطان , لأنه سلط علينا بأنه يرانا من حيث لا ~~نراه ويجزي فينا مجرى الدم , وكانت فائدة الاستعاذة الإعاذة , أشير إلى ~~حصولها بقوله على سبيل التعليل ( إنه ) أي استعذ بالله يعذك منه , لأنه ليس ~~له سلطان على الذين آمنوا بالله ليردهم كلهم عما يرضى الله , وعلى ربهم ~~وحده يتوكلون , ثم وصل بذلك ما أفهمه من أن له سلطانا على غيرهم فقال تعالى ~~: { إنما سلطانه } أي الذي يتمكن به غاية التمكن بإمكان الله له { على ~~الذين يتولونه } أي تولوه وأصروا على ذلك بتجديد ولايته كل حين ms2698 { والذين هم ~~} أي بظواهرهم وبواطنهم { به } أي بالشيطان { مشركون * } دأئما لأنهم إذا ~~تبعوا وساوسه , وأطاعوا أوامره فقد عبدوه فجعلوه بذلك شريكا , فهم لا ~~يتأملون دقائق القرآن بل ولا يفهمون ظواهره على ما هي عليه لما أعماهم به ~~الشيطان من وساوسه , وحبسهم به عن هذه الأساليب من محابسه , فهم لا يزالون ~~يطعنون فيه بقلوب عمية وألسنة بذية ؛ ثم عطف على هذا المقدر - الذي دل عليه ~~الكلام - ما أنتجه تسلط الشيطان عليهم فقال تعالى : { وإذا بدلنا } أي ~~بعظمتنا بالنسخ { ءاية } سهلة كالعدة باربعة أشهر وعشر , وقتال الواحد من ~~المسلمين لاثنين من الكفار , أو شاقة كتحريم الخمر وإيجاب صلوات خمس , ~~فجعلناها { مكان ءاية } شاقة كالعدة بحول , ومصابرة عشرة من الكفار , ~~أوسهلة كالآيات المتضمنة لإباحة الخمر وإيجاب ركعتين أول النهار وركعتين ~~آخره , فكانت الثانية مكان الأولى وبدلا منها , أو يكون المعنى : نسخنا آية ~~صعبة فجعلنا مكانها آية سهلة ؛ والتبديل : رفع الشيء مع وضع غيره ~~PageV04P311 مكانه { والله } أي الذي له الإحاطة الشاملة { أعلم بما ينزل } ~~من المصالح بحسب الأوقات والأحوال بنسخ أو بغيره { قالوا } أي الكفار { ~~إنما أنت } أي يا محمد ! { مفتر } أي فإنك تأمر اليوم بشيء وغدا تنهى عنه ~~وتأمر بضده , وليس الأمر كما قالوا { بل أكثرهم } وهم الذين يستمرون على ~~الكفر { لا يعلمون * } أي لا يتجدد لهم علم , بل هم في عداد البهائم , لعدم ~~انتفاعهم بما وهبهم الله من العقول , أي لا يتجدد لهم اتباع الشيطان , حتى ~~زلت أقدامهم في هذا الأمر الواضح بعد إقامة البرهان بالإعجاز على أن كل ما ~~كان معجزا كان من عند الله , سواء كان ناسخا أو منسوخا أو لا , فصارت معرفة ~~أن هذا القرآن وهذا غير قرآن بعرضه على هذا البرهان من أوضح الأمور وأسهلها ~~تناولا لمن أراد ذلك منهم أو من غيرهم من فرسان البلاغة فكأنه قيل : فما ~~أقول ؟ فقال : { قل } لمن واجهك بذلك منهم : { نزله } أي القرآن بحسب ~~التاريخ لأجل اتباع المصالح لإحاطة علم المتكلم به { روح القدس } الذي هو ~~روح كله , ليس فيه داع إلى ms2699 هوى , فكيف يتوهم فيما ينزله افتراء لا سيما مع ~~إضافته الطهر البالغ , فهو ينزله { من ربك } أيها المخاطب الذي أحسن إليك ~~بإنزاله ثم بتبديله بحسب المصالح كما أحسن تربيتك بالنقل من حال إلى حال لا ~~يصلح في واحدة منها ما يصلح في غيرها من الظهر إلى البطن , ثم من الرضاع ~~إلى الفطام , فما بعده , فكيف تنكر تبديل الأحكام للمصالح ولا تنكر تبديل ~~الأحوال لذلك , حال كون ذلك لإنزال { بالحق } أي الأمر الثابت الذي جل عن ~~دعوى الافتراء بأنه لا يستطاع نقصه { ليثبت } أي تثبيتا عظيما { الذين ~~آمنوا } في دينهم بما يرون من إعجاز البدل والمبدل مع تضاد الأحكام , وما ~~فيه من الحكم والمصالح بحسب تلك الأحوال - مع ما كان في المنسوخ من مثل ذلك ~~بحسب الأحوال السالفة - وليتمرنوا على حسن الانقياد , ويعلم بسرعة انقيادهم ~~في ترك الألف تمام استسلامهم وخلوصهم عن شوائب الهوى ؛ ثم عطف على محل { ~~ليثبت } قوله : { وهدى } أي بيانا واضحا { وبشرى } أي بما فيه من تجدد ~~العهد بالملك الأعلى وتردد الرسول بينه وبينهم بوساطة نبيهم صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم { للمسلمين * } المنقادين المبرئين من الكبر الطامس للأفهام ~~, المعمي للأحكام , ولولا مثل هذه الفوائد لفاتت حكمة تنجيمه . | < < # | النحل : ( 103 - 107 ) ولقد نعلم أنهم . . . . . # > > ^ ( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي وهذا لسان عربي مبين * إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ~~ولهم عذاب أليم * إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم ~~PageV04P312 الكاذبون * من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم ~~* ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما نقض شبهتهم هذه إشارة وعبارة بما فضحهم , نقض لهم شبهة أخرى ~~بأوضح من ذلك وأفضح فقال تعالى : { ولقد نعلم } أي علما مستمرا { أنهم ~~يقولون } أي أيضا قولا متكررا يزالون يلهجون به { إنما يعلمه بشر } وهم ms2700 ~~يعلمون أن ذلك سفساف من القول ؛ ثم استأنف الرد عليهم فقال تعالى : { لسان ~~} أي لغة وكلام { الذين يلحدون } أي يميلون أو يشيرون { إليه } بإن علمه ~~إياه , مائلين عن القصد جائرين عادلين عن الحق ظالمين { أعجمي } أي غير لغة ~~العرب , وهو مع ذلك ألكن في النادية غير بين , وهو غلام كان نصرانيا لبعض ~~قريش اختلف في اسمه , وهذا التركيب وضع في لسان العرب للإبهام والإخفاء , ~~ومنه عجم الزبيب - لاستتاره , والعجماء : البهيمة - لأنها لا تقدر على ~~أيضاح ما في نفسها , وأما أعجمت الكتاب فهو للإزالة . | { وهذا } أي القرآن ~~{ لسان عربي مبين * } أي هو من شدة يانه مظهر لغيره أنه ذو بيان عظيم , فلو ~~أن المعلم عربي للزمهم أن لا يعجزوا عن الإتيان بمثل ما علم , فكيف وهو ~~أعجمي . | فما بانت بهذا فضيحتهم , كان كأنه قيل : إن من العجب إقدامهم على ~~مثل هذا العار وهم يدعون النزاهة ؟ فأجاب بقوله تعالى : { إن الذين لا ~~يؤمنون } أي يصدقون كل تصديق معترفين { بآيات الله } أي الذي يضلهم له ~~العظمة كلها { لا يهديهم الله } أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق , بل ~~يضلهم عن القصدن فلذلك يأتون بمثل هذه الخرافات فأبشر لمن بالغ في العناد , ~~بسد باب الفهم والسداد . | ولما كان ربما توهم أنه لكونه هو المضل لا يتوجه ~~اللوم عليهم نفى ذلك بقوله : { ولهم عذاب أليم * } أي بذلك , لمباشرتهم له ~~مع حجب المراد عنهم وخلق القدرة لهم , إجراء على عوائد بعض الخلق مع بعض . ~~| ولما زيف شبههم , أثبت لهم ما قذفوه به وهوبريء منه مقصورا عليهم , فقال ~~تعالى : { إنما يفتري } أي يتعمد { الكذب الذين لا يؤمنون } أي لا يتجدد ~~منهم الإيمان { بآيات الله } أي الذي له الكمال كله , فإن ردهم لما قام ~~الدليل على أنه حق وعجزوا عنه تعمد منهم للكذب ؛ ثم قصر الكذب عليهم فقال : ~~{ وأولئك } أي البعداء البغضاء { هم } أي خاصة { الكاذبون * } أي العريقون ~~في الكذب ظاهرا وباطنا . | PageV04P313 ولما ذكر الذين لا يؤمنون مطلقا , ~~أتبعهم صنفا منهم هم أشدهم كفرا فقال تعالى : { من } أي ms2701 أي مخلوق وقع له ~~أنه { كفر بالله } أي الذي له صفات الكمال , بأن قال أو عمل ما يدل على ~~الكفر , ولما كان الكفر كله ضارا وإن قصر زمنه , أثبت الجار فقال تعالى : { ~~ومن بعد إيمانه } بالفعل أو بالقوة , لما قام على الإيمان من الأدلة التي ~~أوصلته إلى حد لا يلبس فصار استكباره عن الإيمان ارتدادا عنه وجوب الشرط دل ~~ما قبله وما بعده على أنه : فهو الكاذب , أو فعليه غضب من الله { إلا من ~~أكره } أي وقع إكراهه على قول كلمة الكفر { وقبله } أي والحال أن قلبه { ~~مطمئن بالإيمان } فلا شيء عليه , وأجمعوا - مع إباحة ذلك له - أنه لا يجب ~~عليه التكلم بالكفر , بل إن ثبت كان ذلك أرفع درجة , والآية نزلت في عمار ~~بن ياسر رضي الله عنه أكرهوه فتابعوهم وهو كاره , فأخبر النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم بأنه كفر , فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( ~~كلا ! إن عمارا ملىء إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه , ~~) فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبكين فجعل رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم يمسح عينيه ويقول : ( إن عادوا فعد لهم بمثل ما قلت . | ~~) { ولكن من شرح } أي فتح فتحا صار يرشح به { بالكفر صدرا } أي منه أو من ~~غيره بالتسبب فيه لأن حقيقة الإيمان والكفر يتعلق بالقلب دون اللسان , ~~وإنما اللسان معبر وترجمان معرف بما في القلب لتوقع الأحكام الظاهرة { ~~فعليهم } لرضاهم به { غضب } أي غضب ؛ ثم بين جهة عظمه بكونه { من الله } أي ~~الملك الأعظم { ولهم } أي بظواهرهم وبواطنهم { عذاب عظيم * } لارتدادهم على ~~أعقابهم . | ولما كان من يرجع إلى الظلمات بعد خروجه منها إلى النور جديرا ~~بالتعجب منه , كان كأنه قيل : لم يفعلون , أو لم يفعل بهم ذلك ؟ فقال تعالى ~~: { ذلك } لارتداد أو الوعيد العظيم { بأنهم } أي بسبب أنهم { استحبوا } أي ~~أحبوا حبا عظيما { الحياة الدنيا } أي الدنيئة الحاضرة الفانية , فآثروها { ~~على الآخرة } الباقية الفاخرة لأنهم رأوا ما فيه المؤمن ms2702 من الضيق والكافر ~~من السعة { و } بسبب { أن الله } أي الملك الذي له الغنى PageV04P314 ~~الأكبر { لا يهدي القوم الكافرين * } الذين علم استمرارهم عليه , بل يخذلهم ~~ويسلط الشيطان عليهم يحتالهم عن دينهم . | < < # | النحل : ( 108 - 110 ) أولئك الذين طبع . . . . . # > > ^ ( أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم ~~الغافلون * لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون * ثم إن ربك للذين هاجروا من ~~بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) ^ } ) | ولما ~~كان استمرارهم على الكفر أعجب من ارتدادهم , أتبعه سببه فقال تعالى : { ~~أولئك } أي البعداء البغضاء { الذين طبع } أي ختم ختما هو كفيل بالعطب { ~~الله } أي الملك الذي لا أمر لأحد معه { على قلوبهم } ولما كان التفاوت في ~~السمع نادرا , وحده فقال تعالى : { وسمعهم وأبصارهم } فصاروا - لعدم ~~انتفاعهم بهذه المشاعر - كأنهم لا يفهمون ولا يسمعون ولا يبصرون { وأولئك } ~~أي الأباعد من كل خير { هم الغافلون * } أي الكاملو الغفلة ؛ ثم أتبع ذلك ~~جزاءهم عليه فقال تعالى : { لا جرم } أي لا شك { أنهم في الآخرة هم } أي ~~خاصة { الخاسرون * } أي أكمل خسارة لأنهم خسروا رأس المال وهو نفوسهم , فلم ~~يكن لهم مرجع يرجعون إليه . | ولما قدم الفاتن والمفتون , أتبع ذلك ذكر ~~حكمهما على القراءتين فقال تعالى : بحرف التراخي إشارة إلى تقاصر رتبتهما ~~عن رتبة من لم يفعل ذلك : { ثم إن ربك } أي المحسن إليك بالعفو عن أمتك ~~وتخفيف الآصار عنهم في قبول توبة من ارتد بلسانه أو قلبه { للذين هاجروا } ~~أهل الكفر بالنزوح من بلادهم توبة إلى الله تعالى مما كانوا فيه . | ولما ~~كان سبحانه يقبل اليسير من العمل في أي وقت كان , أشار إلى ذلك بالجار فقال ~~تعالى مبينا أن الفاتنة بالأذى - وإن كان بالغا - غير قادحة في الهجرة وما ~~تبعها , فيفيد ذلك في الهجرة بدونها من باب الأولى { من بعد ما فتنوا } ~~بالبناء للمجهول - على قراءة الجماعة , لأن المضر هو الفتنة مطلقا , ~~وللفاعل على قراءة ابن عامر , أي ظلموا بأن فتنوا من آمن بالله حين كانوا ~~كفارا ms2703 , أو أعطوا الفتنة من أنفسهم ففتنوها بأن أطاعوا في كلمة الكفر , أو ~~في الرجوع مع من ردهم إلى بلاد الكفر بعد الهجرة من بعد إيمانهم { ثم ~~جاهدوا } أي أوقعوا جهاد الكفار مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم توبة ~~إلى الله تعالى { وصبروا } على ذلك إلى أن ماتوا عليه { إن ربك } أي المحسن ~~إليك بتخسير من هذه صفاتهم لك . | ولما كان له سبحانه أن يغفر الذنوب كلها ~~ما عدا الشرك , وأن يعذب عليها كلها PageV04P315 وعلى بعضها , وأن يقبل ~~الصالح كله , وأن يرد بعضه , أشار إلى ذلك بالجار فقال تعالى : { من بعدها ~~} أي هذه الأفعال الصالحة الواقعة بعد تلك الفاسدة وهي الفتنة { لغفور } أي ~~بليغ المحو للذنوب { رحيم * } أي بليغ الإكرام فهو يغفر لهم ويرحمهم . | < ~~< # | النحل : ( 111 - 113 ) يوم تأتي كل . . . . . # > > ^ ( يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا ~~يظلمون * وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل ~~مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون * ~~ولقد جآءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون ) ^ } ) | ولما تقدم ~~كثير من التحذير والتبشير , وتقدم أنه لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون ~~, وختم ذلك بانحصار الخسار في الكفار , بين اليوم الذي تظهر فيه تلك الآثار ~~, ووصفه بغير الوصف المقدم باعتبار المواقف , فقال تعالى مبدلا من { يوم ~~نبعث من كل أمة شهيدا } { يوم تأتي } أي فيه { كل نفس } أي إنسان وإن عظم ~~جرمها { تجادل } أي تعتذر , وعبر بالمجادلة إفهاما للذفع بأقصى ما تقدر ~~عليه , وأظهر في قوله : { عن نفسها } أي ذاتها بمفردها لا يهمها غير ذلك ~~لما يوهم الإضمار من أن كل أحد يجادل عن جميع الأنفس . | ولما كان مطلق ~~الجزاء مخوفا مقلقا , بنى للمفعول قوله : { وتوفى كل نفس } صالحة وغير ~~صالحة { ما عملت } أي جزاء من جنسه { وهم } ولما كان المرهوب مطلق الظلم , ~~وكان البناء للمفعول أبلغ جزاء في نفيه قال تعالى : { لا يظلمون * } أي لا ~~يتجدد عليهم ms2704 ظلم لا ظاهرا ولا باطنا , ليعلم بإبدال ( يوم ) من ذلك المتقدم ~~أن الخسارة بإقامة الحق عليهم لا بمجرد أسكاتهم . | ولما عقب سبحانه ما ضرب ~~سابقا من الأمثال بقوله تعالى { ورزقكم من الطيبات } وتلاه بذكر الساعة ~~بقوله تعالى : { وما أمر الساعة } إلى آخره , واستمر فيما مضت مناسباته ~~آخذا بعضه بحجز بعض حتى ختم بالساعة وآمن من الظلم فيها , وبن أن الأعمال ~~هناك هي مناط الجزاء , عطف على ما مضى - من الأمثال المفروضة المقدرة ~~المرغبة - مثلا محسوسا موجودا , مبينا أن الأعمال في هذه الدار أيضا مناط ~~الجزاء , مرهبا من المعاجلة فيها بسوط من العذاب فقال تعالى : { وضرب الله ~~} أي الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما لكم أيها المعاندون ! { مثلا قرية } ~~من قرى الماضين التي تعرفونها كقرية هود أو صالح أو لوط أو شعيب عليهم ~~السلام كان حالها كحالهم , وعن PageV04P316 ابن عباس رضي الله عنهما أنها ~~مكة { كانت ءامنة } أي ذات أمن يأمن به أهلها في زمن الخوف { مطمئنة } أي ~~تارة بأهلها , لا يحتاجون فيها إلى نحعة وانتقال بسبب زيادة الأمن بكثرة ~~العدد وقوة المدد , وكف الله الناس عنها , ووجود ما يحتاج إليه أهلها { ~~يأتيها } أي على سبيل التجدد والاستمرار { رزقها رغدا } أي واسعا طيبا { من ~~كل مكان } برا وبحرا بتسيير الله تعالى لهم ذلك . | ولما كانت السعة تجر ~~إلى البطر غالبا , نبه تعالى لهم ذلك بالفاء فقال تعالى : { فكفرت } ونبه ~~سبحانه على سعة فضله بجمع القلة الدال على أن كثرة فضله عليهم تافهة ~~بالنسبة إلى ما عنده سبحانه وتعالى فقال : { بانعم الله } أي الذي له ~~الكمال كله كما كفرتم { فأذاقها الله } أي المحيط بكل شيئ قدرة وعلما { ~~لباس الجوع } بعد رغد العيش { والخوف } بعد الأمن والطمأنينة حتى صار لهم ~~ذلك بشموله لهم لباسا , وبشدة عركهم ذواقا , فكأن النظر إلى المستعار له , ~~وهو هنا أبلغ لدلالته على الإحاطة والذوق , ولو نظر إلى المستعار لقال : ~~فكساها , فكان يفوت الذوق , وذلك كما نظر إليه كثير في قوله : | غمر الرداء ~~إذا تبسم ضاحكا غلقت لضحكته رقاب ms2705 المال | استعار الرداء للمعروف لأنه يصون ~~صون الرداء لما يلقى عليه , ووصفه بالغمر الذي هو وصف المعروف والنوال , لا ~~وصف الرداء الذي هو المستعار , ولو نظر إليه لوصفه بالسعة أو الطول مثلا ~~كما نظر إليه من قال ذاكرا السيف الذي يصون به الإنسان نفسه : | ينازعني ~~ردائي عبد عمرو رويدك يا أخا بكر ين عمرو لي الشطر الذي ملكت يميني ودونك ~~فاعتجر منه بشطر | فنظر إلى المستعار وهو الرداء في لفظ الاعتجار , فبانت ~~فضيحة ابن الراوندي في زندقته إذ قال لابن الأعرابيك هل يذاق اللباس ؟ فقال ~~له : لا بأس يا أيها النسناس ! هب أن محمدا ما كان نبيا , أما كان عربيا ؟ ~~{ بما كانوا } أي بجبلاتهم { يصنعون * } من الكفر والكبر , قد مرنوا عليه ~~بكثرة المداومة مرون الإنسان على صنعته . | ولما كان تعالى لايعذب حتى يبعث ~~رسولا , حقق ذلك بقوله تعالى : { ولقد جاءهم } أي أهل هذه القرية { رسول ~~منهم } كما وقع لكم { فكذبوه } كما فعلتم { فأخذهم العذاب } كما سمعتم , ~~وإن كان المراد بها مكة فالمراد به الجوع الذي دعا عليهم به النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم لما قال ( اللهم أعني بسبع كسبع PageV04P317 يوسف ) ~~وأما الخوف فما كان من جهاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهم { وهم ~~ظالمون * } أي عريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها , لأنهم استمروا على ~~كفرهم مع الجوع , وسألوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الإغاثة ~~فدعا لهم . | < < # | النحل : ( 114 - 115 ) فكلوا مما رزقكم . . . . . # > > ^ ( فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه ~~تعبدون * إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به ~~فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ) ^ } ) | ولما تقرر بما مضى ~~من أدلة التوحيدن فثبت ثباتا لا يتطرق إليه شك أن الله هو الإله وحده كما ~~أنه هو الرازق وحده , ونبههم على دقائق في تقديره للأرزاق تدل على عظمته ~~وشمول علمه وقدرته واختياره , فثبت أنهم ظالمون فيما جعلوا للأصنام من رزقه ~~, وأنه ms2706 ليس لأحد أن يتحرك إلا بأمره سبحانه , وختم ذلك بهذا المثل المحذر ~~من كفران النعم , عقبه بقوله تعالى صادا لهم في أفعال الجاهلية : { فكلوا } ~~أي فتسبب عن جميع ما مضى أن يقال لهم : كلوا { مما رزقكم الله } أي الذي له ~~الجلال والجمال مما عده لكم في هذه السورة وغيرها , حال كونه { حلالا طيبا ~~} أي لا شبهة فيه ولا مانع بوجه { واشكروا نعمت الله } أي الذي له صفات ~~الكمال حذرا من أن يحل بكم ما أحل بالقرية الممثل بها { إن كنتم إياه } أي ~~وحده { تعبدون * } كما اقتضته هذه الأدلة , لأن وحده هو الذي يرزقكم وإلا ~~عاجلكم بالعقوبة لأنه ليس بعد العناد عن البيان إلا الانتقام , فصار الكلام ~~في الرزق والتقريع على عدم الشكر مكتنفا الأمثال قبل وبعد . | ولما كان ~~الإذن إنما هو في بعض الرزق في الحال المذكور فاحتيج إلى معرفته , وكانت ~~المباحات أكثر من المحظورات , حصر القليل ليعلم منه الكثير , لأن كل ضدين ~~معروفين إجمالا عين أحدهما , عرف من تعيينه الآخر , فقال تعالى : { إنما ~~حرم } أي الله الذي لا أمر لأحد معه { عليكم الميتة } التي بينت على لسان ~~الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها ميتة وإن ذكيت { والدم ولحم ~~الخنزير } خصه بالذكر بعد دخوله في الميتة لاتخاذ النصارى أكله كالدين { ~~وما أهل } أي بأي إهلال كان من من أي مهل كان . | ولما كان مقصود السورة ~~لبيان الكمال , كان تقديم غيره لتقبيح حال المعتنى به أولى فقال تعالى : { ~~لغير الله } أي الملك الأعظم الذي لا ملك سواه { به } . | PageV04P318 ولما ~~كان الإنسان قد يضطر إلى أكل كل ما يمكن أكله , بين لهم أنه رفق بهم فأباح ~~لهم سد الرمق من الحرام فقال تعالى : { فمن اضطر } أي كيفما وقع له ~~الاضطرار { غير باغ } على مضطر آخر { ولا عاد } سد الرمق . | ولما كان ~~الإذن في الأكل من هذه الأشياء حال الضرورة إنما هو رخصة , وكانت الشهوة ~~داعية إلى ما فوق المأذون فيه قال تعالى : { فإن الله } أي المختص بصفات ~~الكمال , بسبب تناوله ms2707 منها على ما حده { غفور رحيم * } فمن زاد على ما أذن ~~له فيه فهو جدير بالانتقام . | < < # | النحل : ( 116 - 119 ) ولا تقولوا لما . . . . . # > > ^ ( ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا ~~على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون * متاع قليل ولهم ~~عذاب أليم * وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون * ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ) ^ } ) | ولما تبين في هذه الآية ~~- كما مضى تقريره في الأنعام - جميع المحرم أكله من الحيوانات , فعلم بذلك ~~جهلهم فيما حرموه على أنفسهم لأجل أصنامهم , صرح بالنهي عنه إبلاغا في ~~تأكيد ذلك الحصر فقال تعالى : { ولا تقولوا } أي بوجه من الوجوه في وقت ما ~~. | ولما كان تحليلهم وتحريمهم قولا فارغا ليس له حقيقة أصلا , لأنه لا ~~دليل عليه , عبر عنه بأنه وصف باللسان لا يستحق أن يدخل إلى القلب فقال ~~تعالى : { لما تصف } أي لأجل الذي تصفه { ألسنتكم } أي من الأنعام والحروث ~~والزروع . | ولما حرك النفس إلى معرفة ما يقال لأجل ذلك , بين مقول ذلك ~~القول فقال تعالى : { الكذب } أي القول الذي هو عين الكذب . | ولما اشتد ~~التشوف إلى تعيين ذلك المقول , أبدل منه فقال تعالى : { هذا حلال وهذا حرام ~~} ويجوز أن يكون { الكذب } مفعول { تصف } فتكون { ما } مصدرية , أي لوصفها ~~إياه , فكأن حقيقة الكذب كانت مجهولة فلم تعرف إلا بوصف ألسنتهم لها , فهو ~~مبالغة في وصف كلامهم بالكذب , وما بعده مقول القول . | ولما كانوا - كما ~~تقدم يدعون أنهم أعقل الناس , فكان اللائق بهم إرخاء للعنان النسبة إلى ~~معرفة اللوازم عند الإقدام على الملزومات , قال تعالى : { لتفتروا على الله ~~} أي الملك الأعلى { الكذب } لأن من قال على أحد ما لم يأذن فيه كان قوله ~~كذبا , وكان كذبه لقصد افتراء الكذب , وإلا لكان في غاية الجهل , فدار ~~أمرهم في مثل هذا PageV04P319 بين الغباوة المفرطة أو قصد ما لا يقصده ms2708 عاقل ~~, وهذا باب من التهكم عجيب , فكأنه قيل : فما يستحقون على ذلك ؟ فأجاب ~~بقوله تعالى : { إن الذين يفترون } أي يقتطعون عمدا { على الله } أي الذي ~~له الأمر كله { الكذب } منكم ومن غيركم { لا يفلحون * } . | ولما كان ~~الفلاح عندهم هو العيش الواسع في هذه الدنيا , أجاب من كأنه قال : فإنا ~~ننظرهم بنعمة ورفاهة ؟ فقال تعالى : { متاع قليل } أي ما هم فيه لفنائه وإن ~~امتد ألف عام { ولهم } بعده { عذاب أليم * } ومن ألمه العظيم دوامه فأي ~~متاع هذا . | ولما بين لهم نعمته بتوسعته عليهم بما ضيقوا به على أنفسهم , ~~بين لهم نعمة أخرى بتمييزهم على بني إسرائيل فقال تعالى : { وعلى الذين ~~هادوا } أي اليهود { حرمنا } أي بعظمتنا عقوبة لهم بعدوانهم وكذبهم على ~~ربهم { ما قصصنا } أي بما لنا من العظمة التي كان المقصوص بها معجزا { عليك ~~} . | ولما لم يكن قص ذلك عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مستغرقا زمان ~~القبل , أدخل الجار فقال : { من قبل } أي في الأنعام { وما ظلمناهم } أي ~~الذين وقع منهم الهود بتحريمنا عليهم ما حرمنا { ولكن كانوا } أي دائما ~~طبعا لهم وخلقا مستمرا { أنفسهم } أي خاصة { يظلمون * } أي بالبغي والكفر , ~~فضيقنا عليهم معاملة بالعدل , وعاملناكم أنتم حيث ظلمتم بالفضل , فاشكروا ~~النعمة واحذروا غوائل النقمة . | ولما بين هذه النعمة الدنيوية عطف عليها ~~نعمة هي أكبر منها جدا , استجلابا لكل ظالم , وبين عظمتها بحرف التراخي ~~فقال تعالى : { ثم إن ربك } أي المحسن إليك { للذين عملوا السوء } وهو كل ~~ما من شأنه أن يسوء , وهو ما لا ينبغي فعله { بجهالة } كما عملتم وإن عظم ~~فعلهم وتفاحش جهلهم { ثم تابوا } . | ولما كان سبحانه يقبل اليسير من العمل ~~, أدخل الجار فقال تعالى : { من بعد ذلك } أي الذنب ول كان عظيما , ~~فاقتصروا على ما أذن فيه خالقهم { وأصلحوا } بالاستمرار على ذلك { إن ربك } ~~أي المحسن إليك بتسهيل دينك وتيسيره . | ولما كان إنما يغفر بعد التوبة ما ~~عدا الشرك الواقع بعدها , أدخل الجار فقال تعالى : { من بعدها } أي التوبة ~~وما تقدمها من أعمال السوء ms2709 { لغفور } أي بليغ الستر لما عملوا من السوء { ~~رحيم * } أي محسن بالإكرام فضلا ونعمة . | < < # | النحل : ( 120 - 124 ) إن إبراهيم كان . . . . . # > > ^ ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين * شاكرا ~~لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم * وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في ~~الآخرة لمن الصالحين * ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان ~~من المشركين * إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم ~~يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) ^ } ) | PageV04P320 ولما دعاهم إلى ~~مكارم الأخلاق ونهاهم عن مساوئها بقبوله لمن أقبل إليه وإن عظم جرمه , ~~إجابة لدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام في قوله < # > 77 ( { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } ) 77 < # > [ إبراهيم : 36 ] أتبع ذلك ذكره ترغيبا في اتباعه في التوحيد والميل مع ~~الأمر والنهي إقداما وإحجاما إن كانوا ممن يتبع الحق أو يقلد الآباء , فقال ~~على سبيل التعليل لما قلبه : { إن إبراهيم } أي أباكم الأعظم إمام الموحدين ~~{ كان أمة } فيه من المنافع الدنيوية والأخروية ما يوجب أن يؤمه ويقصده كل ~~أحد يمكن انتفاعه به { قانتا } أي مخلصا { لله } أي الملك الذي له الأمر ~~كله ليس فيه شيء من الهوى { حنيفا } ميالا مع الأمر والنهي بنسخ أو بغيره , ~~فكونوا حنفاء أتباعا للحق , لما قام عليه من الأدلة , واستنانا بأعظم ~~آبائكم . | ولما كان السياق لإثبات الكمال لإبراهيم عليه السلام , وكانت ~~الأوصاف الثبوتية قريبة المأخذ سريعة الوصول إلى الفهم , وأتى بعدها وصف ~~سلبي بجملةن حذف نون { يكن } منها إيجازا وتقريبا للفهم تخفيفا عليه وحفظا ~~له من أن يذهب قبل تمامها إلى غير المراد , وإعلاما بأن الفعل منفي عنه ~~عليه السلام على أبلغ وجوه النفي لا ينسب إليه شيء منه ولو قل , فقيل : { ~~ولم يك } ولما كانوا مشركين هم وكثير من أسلافهم , قبح عليهم ذلك بأن أعظم ~~من يعتقدون عظكته من آبائهم ليس من ذلك القبيل , فقال تعالى : { من ~~المشركين * } الواقفين مع الهوى , فلا تكونوا منهم ؛ ثم بين حاله فقال : { ~~شاكرا } ولما كان لله ms2710 على من جعله أمة من النعم ما لا يحصى , بين أن ذلك ~~كله قليل في جنب فضله , فقال مشيرا إلى ذلك بجمع القلة وإلى أن الشاكر على ~~القليل يشكر إذا أتاه الكثير من باب الأولى : { لأنعمه } فهو لا يزال يزيده ~~من فضله , فتقبل دعاءه لكم فاشكروا الله اقتداء به ليزيدكم , فكأنه قيل : ~~فما أثابه على ذلك ؟ أو علل ما قبل , فقال تعالى : { اجتباه } أي اختاره ~~اختيارا تاما { وهداه } أي بالبيان الأعظم والتوفيق الأكمل { إلى صراط ~~مستقيم * } وهو الحنيفية السمحة , فكان ممن يأمر بالعدل وهو على صراط ~~مستقيم , وكان مخالفا للأبكم الموصوف في المثل السابق ؛ ثم قال : { ~~وءاتيناه } أي بما لنا من العظمة { في الدنيا } بلسان الصدق والثناء الجميل ~~الذي ذللنا له ألسنة الخلق { حسنة } ونبه بالتعبير عن المعطي بنون القلوب ~~على محبته , وجعل له فيهم لسان صدق , ورزقه في أولاده من النبوة والصلاح ~~والملك والكثرة ما هو مشهور . | ولما كانت عظمة الدنيا لا تعتبر إلا مقرونة ~~بنعمة الآخرة , قال تعالى : { وإنه في الآخرة } وقال تعالى - : { لمن ~~الصالحين * } أي له ما لهم من الثواب العظيم - معبرا ب ( من ) تعظيما لمقام ~~الصلاح وترغيبا فيه . | PageV04P321 ولما قرر من عظمته في الدنيا والآخرة ~~ما هو داع إلى اتباعهن صرح بالأمر به تنبيها على زيادة عظمته بأمر متباعد ~~في الرتبة على سائر النعوت التي أثنى عليه بها , وذلك كونه صار مقتدي لأفضل ~~ولد آدم , مشيرا إلى ذلك بحرف التراخي الدال على علو رتبته بعلو رتبة من ~~أمر باتباعه فيما مهده مما أمر به من التوحيد والطريق الواضح السهل فقال ~~سبحانه : { ثم أوحينا } أي ثم زدناه تعظيما وجلالة بأن أوحينا { إليك } ~~وأنت أشرف الخلق , وفسر الإيحاء بقوله عز وجل ترغيبا في تلقي هذا الوحي ~~أحسن التلقي باقتفاء الأب الأعظم : { أن اتبع } أي بغاية جهدك ونهاية همتك ~~. | ولما كان المراد أصل الدين وحسن الاقتضاء فيه بسهولة الانقياد ~~والانسلاخ من كل باطل , والدعوة بالرفق مع الصبر , وتكرير الإيراد للدلائل ~~وكل ما يدعوا إليه العقل الصرف والفطرة السليمة , عبر ms2711 بالملة فقال تعالى : ~~{ ملة إبراهيم } ولا بعد في أن يفهم ذلك الهجرة أيضا . | ولما كانت ~~الحنيفية أشرف أخلاق إبراهيم عليه السلام , فكانت مقصودة بالذات , صرح بها ~~فقال تعالى : { حنيفا } أي الحال كونك أو كونه شديد الانجداب مع الدليل ~~الحق ؛ ورغب العرب في التوحيد ونفرهم من الشرك بقوله تعالى : { وما كان } ~~أي بوجه من الوجوه { من المشركين * } ولما دعا سبحانه فيها إلى معالي الشيم ~~وعدم الاعتراض , وختم بالأمر بالملة الحنيفية التي هي سهولة الانقياد ~~للدليل , وعدم الكون مع الجامدين , اقتداء بالأب الأعظم , وكان الخلاف ~~والعسر مخالفا لملته , فكان لا يجر إلى خير , وكان من المعلوم أن كل حكم ~~حدث بعده ليس من ملته , وكان اليهود يزعمون جهلا أنه كان على دينهم , وكان ~~السبت من أعظم شعائرهم , أنتج ذلك قوله تعالى جوابا لمن قد يدعي من اليهود ~~أنه كان على دينهم , وتحذيرا من العقوبة على الاختلاف في الحق بالتشديد في ~~الأمر . | { إنما جعل } أي بجعل من لا أمر لغيره { السبت } أي تحريمه ~~واحترامه أو وباله { على الذين اختلفوا فيه } حين أمرهم نبيهم بالجمعة فقبل ~~ذلك بعضهم وأراد السبت آخرون , فبدلوا بالجمعة السبت . | وشدد عليهم في ~~أمره انتقاما منهم بما تفهمه التعدية ب ( على ) فكان ذلك وبالا عليهم , وفي ~~ذلك تذكير بنعمة التيسير علينا ؛ قال البغوي ؛ قال الكلبي : أمرهم موسى ~~عليه السلام بالجمعة فقال : تفرغوا لله في كل سبعة أيام يوما , فاعبدوه يوم ~~الجمعة , ولا تعملوا فيه عملا لصنعتكم , وستة أيام لصناعتكم , فأبوا إلا ~~شرذمة منهم وقالوا : لا نريد إلا اليوم الذي فرغ الله فيه من الخلق يوم ~~السبت , فجعل ذلك اليوم عليهم وشدد عليهم فيه , ثم جاءهم عيسى عليه السلام ~~بيوم الجمعة فقالوا : لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا , فأخذوا الأحد , ~~فأعطى PageV04P322 الله الجمعة هذه الأمة فقبلوها وبورك لهم فيها . | وقال ~~عبد الرزاق في تفسيره : أخبرني معمر أخبرني من سمع مجاهدا يقول في قوله ~~تعالى { إنما جعل السبت } فقال : ردوا الجمعة وأخذوا السبت مكانه . | وروى ~~الشيخان عن أبي هريرة رضي الله ms2712 عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~قال : ( نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ~~وأوتيناه من بعدهم , فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه فهدانا ~~الله له . | فهم لنا فيه تبع , فاليهود غدا والنصارى بعد غد . | ) ولما كان ~~الإشراك واضحا في أمر النصارى , استغنى بنفيه عنه عن التصريح بأنه ليس على ~~دينهم ؛ ثم حذر من الاختلاف مثبتا أمر البعث فقال تعالى : { وإن ربك } أي ~~المحسن إليك بطواعية أصحابك لك { ليحكم بينهم } أي هؤلاء المختلفين { فيه ~~يختلفون * } من قبول الجمعة وردها , ومن الإذعان لتحريم الصيد وإبائه وغير ~~ذلك , فيجازي كل فريق منهم بما يستحقه . | < < # | النحل : ( 125 - 128 ) ادع إلى سبيل . . . . . # > > ^ ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ~~إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين * وإن عاقبتم فعاقبوا ~~بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين * واصبر وما صبرك إلا بالله ~~ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون * إن الله مع الذين اتقوا والذين ~~هم محسنون ) ^ } ) | ولما قدم سبحانه في هذه السورة حكاية كثير من ~~استهزائهم بوعده ووعيده , وتكذيبهم لرسله على أشبع وجه , والتفتير عن حرقة ~~الحرص عليهم , المفضي إلى شدة التأسف على ضلالهم وغير ذلك مما ربما أيأس ~~منهم فأقعد عن دعائهم , وأتبعه ضرب الأمثال , ونصب الجدال - على تلك ~~المناهيج المعجزة بما يسبق من ظواهرها إلى الفهم عند قرع السمع من المعاني ~~الجليلة , والمقاصد الجميلة - لعامة الخلق ما يجل عن الوصف , وإذا تأملها ~~الخواص وجدوا فيها من دقائق الحقائق , ومشارع الرقائق , ومحكم الدلائل , ~~ومتقن المقاصد والوسائل , ما يوضح - بتفاوت الأفهام وتباين الأفكار - أنه ~~بحر لا ساحل له ولا قرار , ولا منتهى لما تستخرج منه الأنظار , وختم باتباع ~~الأب الأعظم , PageV04P323 لما كان ذلك , وأمر سبحانه نبيه صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم وهو السميع المطيع أن يستن بآثاره , ويقتدي بإضماره وإظهاره ~~, فسر له تلك الملة التي أمره باتاعها فقال تعالى : { ادع } أي كل ms2713 من تمكن ~~دعوته { إلى سبيل ربك } أي المحسن إليك , بتسهيل السبيل الذي تدعو إليه ~~واتساعه , وهو الإسلام الذي هو الملة الحنيفية { بالحكمة } وهي المعرفة ~~بمراتب الأفعال في الحسن والقبح والصلاح والفساد , وقيل لها حكمة لأنها ~~بمنزلة المانع من الفساد وما لا ينبغي أن يختار , فالحكيم هو العالم بما ~~يمنع من الفساد - قاله الرماني , وهي في الحقيقة الحق الصريح , فمن كان ~~أهلا له دعا به { والموعظة } بضرب الأمثال والوعد والوعيد مع خلط الرغبة ~~بالرهبة والإنذار بالبشارة { الحسنة } أي التي يسهل على كل فهم ظاهرها , ~~ويروق كل نحرير ما ضمنته سرائرها , مع اللين في مقصودها وتأديتها هذا لمن ~~لا يحتمل إلا ذلك { وجادلهم } أي الذين يحتملون ذلك منهم افتلهم عن مذاهبهم ~~الباطلة إلى مذهبك الحق بطريق الحجاج { بالتي هي أحسن } من الطرق بالترفق ~~واللين والوقار والسكينة , ولا تعرض عنهم يأسا منهم , ولا تجازهم بسيئ ~~مقالهم وقبيح فعالهم صفحا عنهم ورفقا بهم , فهو بيان لأصناف الدعوة بحسب ~~عقول المدعوين , لأن الأنبياء عليهم السلام مأمورون بأن يخاطبوا الناس على ~~قدر عقولهم , وقيل : الدعوة إن كانت لتقرير الدين وتثبيت الإعتقاد في قلوب ~~أهله - وهي مع ذلك يقينية مطهرة عن احتمال نقيض - فهي الحكمة وهي لطالب ~~الحق المذعن غن كان مستعدا للقبول بفكرة الثاقب , وإن كانت مقانة لاحتمال ~~النقيض مفيدة للظن والإقناع فهي الموعظة وهي للمذعن الذي لا استعداد له , ~~وإن كانت لإلزام الجاحدين وإفحام المعاندين فهي المجادلة , فإن كانت مركبة ~~من مقدمات مسلمة عند الجمهور أو عند الخصم فقط فهي الحسنة , وإن كانت من ~~مقدمات كاذبة غير مسلمة يراد ترويجها بالحيل الباطلة والطرق الفاسدة فهي ~~السيئة التي لا يليثق بمنصف ؛ ثم علل الملازمة لدعائهم على هذا الوجه بقوله ~~تعالى : { إن ربك } أي المحسن إليك بالتخفيف عنك { هو } أي وحده { أعلم } ~~أي من كل من يتوهم فيه علم { بمن ضل عن سبيله } فكان في أدنى درجات الضلال ~~- وهو أعلم بالضالين الراسخين في الجور عن الطريق - فلا انفكاك له عن ~~الضلال , وهو أعلم بمن اهتدى لسبيله فكان ms2714 في أدنى درجات الهداية { وهو } أي ~~خاصة { أعلم بالمهتدين * } أي الذين هم في النهاية منها , فالآية من ~~الاحتباك : ذكر أولا ( من ضل ) دليلا على حذف ضده ثانيا , و { المهتدين } ~~ثانيا دليلا على حذف ضدهم أولا . | وأما أنت فلا علم لك بشيء من ذلك إلا ~~بإعلامنا , وقد ألزمناك البلاغ المبين , فلا تفتر عنه معرضا عن الحرص ~~المهلك واليأس فإنه ليس عليك هداهم . | PageV04P324 ولما بين أمر الدعوة ~~وأوضح طرقها وقدم أمر الهجرة والإكراه في الدين والفتن فيه المشير إلى ما ~~سبب ذلك من المحن والبلاء من الكفار ظلما , وختم ذلك بالأمر بالرفق بهم , ~~عم - عد ماخصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم به من الأمر بالرفق , بالأمر ~~لأشياعه بالعدل والإحسان كما تقدم ولو مع أعدى الأعداء , والنهي عن ~~مجازاتهم إلا على وجه العدل - فقال تعالى : { وإن عاقبتم } أي كانت لكم ~~عاقبة عليهم تتمكنون فيها من أذاهم { فعاقبوا بمثل ما } ولما كان الأمر ~~عاما في كل فعل من المعاقبة من أي فاعل كان فلم يتعلق بتعيين الفاعل غرض , ~~بنى للمفعول قوله تعالى : { عوقبتم به } وفي ذلك إشارة - على ما جرت به ~~عوائد الملوك في كلامهم - إلى إدالتهم عليهم وإسلامهم في يديهم , وجعله ~~بأداة الشك إقامة بين الخوف والرجاء . | ولما أباح لهم درجة العدل , رقاهم ~~إلى رتبة الإحسان بقوله تعالى : { ولئن صبرتم } بالعفو عنهم { لهو } أي ~~الصبر { خير للصابرين * } وأظهر في موضع الإضمار تعميما وتعليقا بالوصف . | ~~ولما كان التقدير : فاصبروا , عطف عليه إفرادا له صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم بالأمر , إجلالا له وتسلية فيما كان سبب نزول الآية من التمثيل بعمه ~~حمزه رضي الله عنه , وتنويها بعظم مقام الصبر زيادة في حث الأمة , لأن أمر ~~الرئيس أدعى لامتثال أتباعه , فقال تعالى : { واصبر } ثم اتبع ذلك بما يحث ~~على دوام الالتجاء إليه المنتج للمراقبة والفناء عن الأغيار ثم الفناء عن ~~الفناء , لئلا يتوهم أن لأحد فعلا مستقلا فقال تعالى : { وما صبرك } أي ~~أيها الرسول الأعظم ! { إلا بالله } أي الملك الأعظم الذي شرع لك هذا ms2715 الشرع ~~الأقوم وأنت قائم في نصره , ولقد قابل هذا الأمر صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم بأعلى مقامات الصبر , وذلك أنهم مثلوا بقتلى المسلمين في غزوة أحد إلا ~~حنظلة الغسيل رضي الله عنه فإن أباه كان معهم فتركوه له , فلما وقف النبي ~~صلى الله عليه و على آله وسلم على عمه حمزة رضي الله عنه فوجدهم قد جدعوا ~~أنفه وقطعوا أذنيه وجبوا مذاكيره وبقروا بطنه , نظر إلى شيء لم ينظر قط إلى ~~أوجع لقلبه منه فقال : ( رحمة الله عليك , فإنك كنت فعالا للخير وصولا ~~للرحم , ولولا أن تحزن صفيه لسرني أن أدعك حتى تحشر من أجواف شتى , أما ~~والله ! لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين منهم , ) وقال الصحابة رضي الله ~~عنهم : لنزيدن على صنيعهم , فلما نزلت الآية بادر صلى الله عليه وسلم ~~الامتثال , وكان لا يخطب خطبة إلا نهى عن المثلة , PageV04P325 وأحسن يوم ~~الفتح بأن نهى عن قتالهم بعد أن صاروا في قبضته - صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا . | ولما كان - بعد توطين النفس على ~~الصبر وتفريغ القلب من الأحنة , يرجع إلى الأسف على إهلاكهم أنفسهم ~~بتماديهم على العتو على الله تعالى , قال سبحانه : { ولا تحزن عليهم } أي ~~في شدة كفرهم فتبالغ في الحرص الباخع للنفس . | ولما كان سبحانه في مقام ~~التبشير , بالمحل الكبير والموطن الخطير , الذي ما حازه قبل نبينا صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم بشير ولا نذير , وذلك هو الإسراء إلى الملكوت الأعلى , ~~والمقام الأسمى من السماوات العلى , في حضرات القدس , ومحال الأنس , ووطأ ~~لذلك في سورة النعم بمقامات الكرم إلى أن قارب الوصول إليه , أوجز في ~~العبارة بحذف حرف مستغنى عنه دلالة عليه فقال : { ولا تك } بحذف النون ~~أشارة إلى ضيق الحالة عن أدنى إطالة : | وأبرح ما يكون الشوق يوما إذا دنت ~~الديار من الديار | وهذا بخلاف ما يأتي في سورة النمل إن شاء الله تعالى { ~~في ضيق } ولو قل - كما لوح إليه تنوين التحقير بما يشير إليه حذف النون ms2716 , ~~فإن أذى الكفار الذي السياق للتسلية عنه لا يضرك في المقصود الذي بعثت ~~لأجله , وهو إظهار الدين وقمع المفسدين بوجه من الوجوه { مما يمكرون * } أي ~~من استمرار مكرهم بك { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } وكأنك به , وقد أتى ~~فاصبر فإن الله تعالى معزك ومظهر دينك وإن كرهوا ؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى ~~: { إن الله } أي الجامع لصفات الكمال بلطفه وعونه { مع الذين اتقوا } أي ~~وجد منهم الخوف من الله تعالى , فكانوا في أول منازل التقوى , وهو مع ~~المتقين الذين كانوا في النهاية منها , فعدلوا في أفعالهم من التوحيد وغيره ~~عملا بأمر الله في الكتاب الذي هو تبيان لكل شيء , وهو مع الذين أحسنوا ~~وكانوا في أول درجات الإحسان { والذين هم } أي بضمائرهم وظواهرهم { محسنون ~~* } أي صار الإحسان صفة لهم غير منفكة عنهم , فهم في حضرات الرحمن , وأنت ~~رأس المتقين المحسنين , فالله معك , ومن كان الله معه كان غالبا , وصفقته ~~رابحة , وحالته صالحة , وأمره عال , وضده في أسوإ الأحوال , فلا تستعجلوا ~~قلقا كما استعجل الكفار استهزاء , تخلقا في التأني والحلم بصفة من تنزه عن ~~نقص الاستعجال , وتعالى عن ادعاء الأكفاء والأمثال , فقد عانق آخرها أولها ~~, ووافق مقطعها , وآخرها احتباك : ذكر { الذين اتقوا } أولا دليلا على حذف ~~{ الذين أحسنوا } ثانيا , { والمحسنين } ثانيا دليلا على حذف المتقين أولا ~~- والله الموفق للصواب , وإليه المرجع والمآب . | . . . . . | PageV04P326 ~~< # > سورة الإسراء < # > < < # | الإسراء : ( 1 - 5 ) سبحان الذي أسرى . . . . . # > > ^ ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ~~الذي باركنا حوله لنريه من آياتنآ إنه هو السميع البصير * وآتينآ موسى ~~الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا * ذرية من حملنا ~~مع نوح إنه كان عبدا شكورا * وقضينآ إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في ~~الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا ~~لنآ أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ) ^ } ) | بسم الله ~~الرحمن الرحيم سورة الإسراء مكية - آياتها مائة وإحدى عشرالمقصود بها ~~الإقبال على اله وحده , وخلع كل ما ms2717 سواه , لأنه وحده المالك لتفاصيل الأمور ~~, وتفضيل بعض الخلق على بعض , وذلك هو العمل بالتقوى التي أدناها التوحيد ~~الذي افتتحت به النحل , وأعلاها الإحسان الذي اختتمت به , وهو الفناء عما ~~سوى الله , وهي من أوائل ما أنزل , روى البخاري في فضائل القرآن وغيره عن ~~ابن مسعود رض الله عنه قال : بنو إسائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء إنهن ~~من العتاق الأول , وهن من تلادي . | وكل من أسمائها واضح الدلالة على ما ~~ذكر أنه مقصودها , أما ( سبحان ) , الذي هو علم للتنزيه فمن أظهر ما يكون ~~فيه , لأن من كان على غاية النزاهة عن كل نقص , كان جديرا بأن لا نعبد إلا ~~إياه , وأن نعرض عن كل ما سواه , لكونه متصفا بما ذكر , وأما بنو إسرائيل ~~فمن أحاط أيضا بتفاصيل أمرهم في سيرهم إلى الأرض المقدسة الذي هو كالإسراء ~~وإيتائهم الكتاب وما ذكر مع ذلك من أمرهم في هذه السورة عرف ذلك { باسم ~~الله } الملك المالك لجميع الأمر { الرحمن } لكل ما أوجده بما رباه { ~~الرحيم * } لمن خصه بالتزام العمل بما يرضاه . | PageV04P327 لما كان مقصود ~~النحل التنزه عن الاستعجال وغيره من صفات النقص , والاتصاف بالكمال المنتج ~~لأنه قادر على الأمور الهائلة ومنها جعل الساعة كلمح البصر أو أقرب , ~~وختمها بعد تفضيل إبراهيم عليه السلام والأمر باتباعه بالإشارة إلى نصر ~~أوليائه - مع ضعفهم في ذلك الزمان وقلتهم - على أعدائه على كثرتهم وقوتهم , ~~وكان ذلك من خوارق العادات ونواقص المطردات , وأمرهم بالتأني والإحسان , ~~افتتح هذه بتحقيق ما أشار الختم إليه بما خرقه من العادة في الإسراء , ~~وتنزيه نفسه الشريفة من توهم استبعاد ذلك , تنبيها على أنه قادر على أن ~~يفعل الأمور العظيمة الكثيرة الشاقة في أسرع وقت , دفعا لما قد يتوهم أو ~~يتعنت به من يسمع نهيه عن الاستعجال وأمره بالصبر , وبيانا لأنه مع المتقي ~~المحسن , تنويها بأمر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم , وإعلاما بأنه رأس ~~المحسنين وأعلاهم رتبة وأعظمهم منزلة , بما آتاه من الخصائص التي منها ~~المقام المحمود , وتمثيلا لما أخبر به من ms2718 أمر الساعة فقال تعالى : { سبحان ~~} وهو علم للتنزيه , دال على أبلغ ما يكون من معناه , منصوب بفعل متروك ~~إظهاره , فسد مسده { الذي أسرى } فنزه نفسه الشريفة عن كل شائبة نقص يمكن ~~أن يضفيها إليه أعداؤه بهذا اللفظ الأبلغ عقب الأمر بالتأني آخر النحل . | ~~كما نزه نفسه الشريفة بذلك اللفظ عقب النهي عن الاستعجال في أولها , وهو ~~راد لما علم من ردهم عليه وتكذيبهم له إذا حدثهم عن الإسراء , وفيه مع ذلك ~~إيماء إلى التعجب من هذه القصة للتنبيه على أنها من الأمور البالغة في ~~العظمة إلى حد لا يمكن استيفاء وصفه . | ولما كان حرف الجر مقصورا على ~~إفادة التعدية في ( سرى ) الذي بمعنى أسرى وكان أسرى يستعمل متعديا وقاصرا ~~عبر به , واختير القاصر للدلالة على المصاحبة زيادة في التشريف فقال تعالى ~~: { بعبده } أي الذي هو أشرف عباده وأحقهم بالإضافة إليه الذي لم يتعبد قط ~~لسواه من صنم ولا غيره لرجاء شفاعة ولا غيرها . | ولما كان الإسراء هو ~~السير في الليل , وكان الشيء قد يطلق على جزء معناه بدلالة التضمن مجازا ~~مرسلا , نفي هذا بقوله تعالى : { ليلا } وليدل بتنوين التحقير على أن هذا ~~الأمر الجليل كان في جزء يسير من الليل , وعلى أنه عليه الصلاة والسلام لم ~~يجتج - في الإسراء والعروج إلى سدرة المنتهى وسماع الكلام من العلي الأعلى ~~- إلى رياضة بصيام ولا غيره , بل كان مهيئا لذلك متأهلا له , فأقامه تعالى ~~من الفرش إلى العرش { من المسجد الحرام } أي من الكعبة المشرفة مسجد ~~إبراهيم عليه السلام , قيل : كان نائما في الحطيم , وقيل : في الحجر , وقيل ~~: في بيت أم هانئ - وهو قول الجمهور , فالمراد بالمسجد حينئذ الحرم لأنه ~~فناء المسجد { إلى المسجد الأقصى } أي PageV04P328 الذي هو أبعد المساجد ~~حينئذ وأبعد المسجدين الأعظمين مطلقا من مكة المشرفة , بينهما أربعون ليلة ~~, فصلى بالأنياء كلهم : إبراهيم وموسى ومن سواهما - على جميعهم أفضل الصلاة ~~والسلام , ورأى من آياتنا ما قدرناه له , ورجع إلى بين أظهركم إلى المسجد ~~الأقرب منكم في ذلك الجزء اليسير من الليل ms2719 وأنتم تضربون أكباد الإبل في هذه ~~المسافة شهرا ذهابا وشهرا إيابان ثم وصفه بما يقتضي تعظيمه وأنه أهل للقصد ~~فقال تعالى : { الذي باركنا } أي بما لنا من العظمة , بالمياه والأشجار ~~وبأنه مقر الأنبياء ومهبط الملائكة وموطن العبادات ومعدن الفواكه والأرزاق ~~والبركات { حوله } أي لأجله فما ظنك به نفسه ! فهو أبلغ من ( باركنا فيه ) ~~ثم منه إلى السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى ما لم ينله بشر غيره صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما أبدا ؛ ولعله حذف ذكر ~~المعراج من القرآن هنا لقصور فهومهم عن إدراك أدلته لو أنكروه بخلاف ~~الإسراء , فإنه أقام دليله عليهم بما شاهدوه من الأمارات التي وصفها لهم ~~وهم قاطعون بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يرها قبل ذلك , فلما بان ~~صدقه بما ذكر من الأمارات أخبر بعد ذلك من أراد الله بالمعراج ؛ ثم ذكر ~~سبحانه الغرض من الإسراء بما يزيد في تعظيم المسجد فقال : { لنريه } بعينه ~~وقلبه { من ءايتنا } السماوية والأرضية كما أرينا أباه الخليل عليه السلام ~~ملكوت السماوات والأرض , وجعل الالتفات لتعظيم الآيات والبركات ؛ روى ~~البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم ليلة أسري به بإيلياء بقدحين من خمر ولبن , فنظر إليهما فأخذ اللبن ~~فقال جبرئيل عليه السلامك الحمد لله الذي هداك للفطرة , لو أخذت الخمر غوت ~~أمتك . | وعن جابر رضي الله عنه سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~يقول : ( لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت ~~أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه . | ) ولما كان المعول عليه غالبا في إدراك ~~الآيات حس السمع والبصر , وكان تمام الانتفاع بذلك إنما هو بالعلم , وكان ~~سبحانه قد خص هذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من كمال الحس مما يعد ~~معه حس غيره عدما , عبر عن ذلك كله بقوله تعالى : PageV04P329 { إنه } أي ~~هذا العبد الذي اختصصناه بالإسراء { هو } أي خاصة { السميع } أي أذنا وقلبا ms2720 ~~بالإجابة لنا والإذعان لاوامرنا { البصير * } بصرا وبصيرة بدليل ما أخبر به ~~من الآيات , وصدقه من الدلالات , حين نعت ما سألوه عنه من بيت المقدس ومن ~~أمر عيرهم وغيرهما مما هو مشهور في قصة الإسراء مما كان يراه وهو ينعت لهم ~~وهم لا يرونه ولا يقاربون ذلك ولا يطمعون فيه , وقال من كان دخل منهم إلى ~~بيت المقدس : أما النعت والله فقد أصاب , أخبرنا عن عيرنا , فأخبرهم بعدد ~~جمالها , وأحوالها وقال : تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق , ~~فخرجوا ذلك اليوم نحو الثنية يشتدون , فقال قائل : هذه والله الشمس قد طلعت ~~, فقال آخر : وهذه والله العير قد أقبلت , يقدمها جمل أورق كما قال محمد , ~~ثم لم يؤمنوا وقالوا : إن هذا إلا سحر مبين . | قال الإمام الرازي في ~~اللوامع : وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم أبصرجميع ما في الملكوت بالعين ~~المبصرة مشاهدة لم يتسرب فيه حتى روي أنه قال : ( رأيت ليلة أسري بي إلى ~~العلى الذرة تدب على وجه الأرض من سدرة المنتهى . | ) وذلك لحدة بصره , ~~والبصر على أقسام : بصر الروح , وبصرالعقل الذي منه التوحيد , وبصر لحدة ~~الذي خص به الأولياء وهو نور الفراسة , وبصر النبوة , وبصر الرسالة . | ~~وهذه الأبصار كلها مجموعة لرسولنا صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم ~~وبجل وعظم دائما أبدا , وله زيادة بصر قيادة الرسل وسيادتهم , فإنه سيد ~~المرسلين وقائدهم , وكان مطلعا على الملك والملكوت كما قال : زويت لي الأرض ~~مشارقها ومغرابها - انتهى . | وهذا الأخي رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن ~~ثوبان رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ( إن الله تعالى ~~زوى لي الأرض فرأيت مشراقها ومغرابها ) وكان يبصر من ورائه كما يبصر من ~~أمامه - كما أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أنس رضي الله عنه , وفي كثير من ~~طرقه عدم التقييد بالصلاة , وهذا صريح في أن بصره لم يكن متقيدا بالعين , ~~بل خلق الله تعالى الأبصار في جميع أعضائه وكذا السمع , فإن كون العين محلا ~~لذلك وكذا الأذن إنما ms2721 هو بجعل الله , ولو جعل ذلك في غيرهما لكان كما يريد ~~سبحانه ولا مانع , ولم يكن الظلام يمنعه من نفود البصر ففي مسند أحمد عن ~~جابر بم عبدالله رضي الله عنهما قال : فقدت رحلي ليلة فمررت على رسول الله ~~صلى الله عليه وعلى آله PageV04P330 وسلم وهو يشد لعائشة رضي الله عنهما , ~~فقال : ما لك يا جابر ؟ فقلت : فقدت جملي أو ذهب في ليلة ظلماء , فقال لي : ~~هذا جملك , اذهب فخذه , فذهبت نحو ما قال لي , فلم أجده فرجعت إليه فقلت : ~~بأبي وأمي يا رسول الله ! ما وجدته , فقال لي : على رسلك , حتى إذا فرغ أخذ ~~بيدي فانطلق حتى أتينا الجمل فدفعه إلي , قال : هذا جملك - الحديث . | وروى ~~البيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرى بالليل في الظلمة كمل يرى بالنهار في ~~الضوء , وروي مثل ذلك عن عائشة رضي الله عنها , وقال القاضي عياض في الشفا ~~: حكى بقي بن مخلد عن عائشة رضي الله عنها قالت , كان النبي صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم يرى في الظلمة كما يرى في الضوء , وأسند عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال : لما تجلى الله ~~لموسى عليه الصلاة والسلام كان يبصر النمكلة على الصفا في الليلة الظلماء ~~مسيرة عشرة فراسخ . | وجوز أن يكون اختصاص نبينا صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم بذلك بعد الإسراء - انتهى . | وقد أخرج حديث أبي هريرة هذا الحافظ نور ~~الدين الهيثمي في زوائد المعجمين : الأوسط والأصغر للطبراني , ولعل هذا من ~~مناسبة تعقيب هذه الآية بذكر موسى عليه السلام . | وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير : لما تقدم قوله { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا } إلى قوله ~~تعالى { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } الآية , كان ظاهر ذلك ~~تفضيل إبراهيم عليه السلام على محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعلى جميع ~~الأنبياء لا سيما مع ms2722 الأمر بالاتباع , فأعقب ذلك بسورة الإسراء , وقد تضمنت ~~من خصائص نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم , وانطوت على ما حصل منه ~~المنصوص في الصحيح والمقطوع به والمجمع عليه من أنه - صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم - سيد ولد آدم , فاستفتحت السورة بقصة ~~الإسراء وقد تضمنت - حسبما وقع في صحيح مسلم وغيره - إقامته بالأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام وفيهم إبراهيم وموسى وغيرهما من الأنبياء من غير ~~استثناء , هذه رواية ثابت عن أنس رضي الله عنه , وفي حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه , أنه - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل وعظم دائما ~~أبدا - أثنى على ربه فقال : الحمد لله الذي أرسلني رحمة PageV04P331 ~~للعالمين , وكافة للناس بشيرا ونذيرا , وأنزل علي القرآن فيه تبيان كل شيء ~~, وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس , وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون , ~~وشرح لي صدري , ووضع عني وزري , ورفع لي ذكري , وجعلني فاتحا وخاتما , فقال ~~إبراهيم عليه السلام : بهذا فضلكم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ؛ وفي ~~رواية أبي هريرة رضي الله عنه من طريق الربيع بن أنس وذكر سدرة المنتهى ~~وأنه تبارك وتعالى قال له : سل ! فقال : إنك اتخذت إبراهيم خليلا , وأعطيته ~~ملكا عظيما , وكلمت موسى تكليما , وأعطيت داود ملكا عظيما , وألنت له ~~الحديد , وسخرت له الجبال , وأعطيت سليمان ملكا عظيما , وسخرت له الجن ~~والإنس والشياطين والرياح , وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده , وعلمت ~~عيسى التوراة والإنجيل , وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص , وأعذته وأمه من ~~الشيطان الرجيم , فلم يكن له عليهما سبيل , فقال له ربه تبارك وتعالى : قد ~~اتخذتك حبيبا فهو مكتوب في التوراة - ( محمد حبيب الرحمن ) وأرسلتك إلى ~~الناس كافة , وجعلت أمتك هم الأولون والآخرون . | وجعلت أمتك لا تجوز لهم ~~خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي , وجعلتك أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا , ~~وأعطيتك سبعا من المثاني ولم أعطها نبيا قبلك , وأعطيتك خواتم سورة البقرة ~~من كنز تحت العرش لم أعطها نبيا قبلك , وجعلتك فاتحا وخاتما . | وفي حديث ~~شريك ms2723 أنه رأى موسى عليه السلام في السماء السابعة قال : بتفضيل كلام الله , ~~قال : ثم علا به فوق ذلك ما لا يعلمه إلا الله , فقال موسى : لم أظن أن ~~يرفع علي أحد . | وفي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرجه البزار في ~~ذكر تعليمه عليه الصلاة والسلام الأذان وخروج الملك فقال صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم : ( يا جبريل ! من هذا ؟ ) قال : والذي بعثك بالحق ! إني ~~لأقرب الخلق مكانا , وإن هذا الملك ما رأيته قط منذ خلقت قبل ساعتي هذه . | ~~وفيه : ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقدمه , فأم ~~بأهل السماء فيهم آدم ونوح , وفي هذا الحديث قال أبو جعفر محمد بن علي بن ~~الحسين راويه : فيومئذ أكمل الله لمحمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرف ~~وكرم وبجل وعظم - الشرف على أهل السماوات والأرض ؛ قال ابن الزبير : وقد ~~حصل منه PageV04P332 تفضيله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل ~~وعظم دائما أبدا - بالإسراء وخصوصه بذلك , ثم قد انطوت السورة على ذكر ~~المقام المحمود , وهو مقامه في الشفاعة الكبرى , وذلك مما خص به حسبما ثبت ~~في الصحيح وانعقد عليه إجماع أهل السنة , ولا أعلم في الكتاب العزيز سورة ~~تضمنت من خصائصه صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم دائما ~~أبدا - الذي فضل به كافة الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام مثل ما تضمنت ~~هذه والحمد لله - انتهى . | ولما ثبت بهذه الخارقة ما أخبر به عن نفسه ~~المقدسة من عظيم القدرة على كل ما يريد , وما حباه صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم به من الآيات البينات في هذا الوقت اليسير , أتبعه ما منح في المسير ~~من مصر إلى الأرض المقدسة من الآيات في مدد طوال جدا موسى عليه السلام الذي ~~كان أعظم الأنبياء بركة على هذه الأمية ليلة الإسراء لما أرشد النبي صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم إليه من مراجعة الله تعالى في تخفيف الصلاة حتى ~~رجعت من خمسين إلى ms2724 خمس مع أجر خمسين , والذي كان أنهى العروج به إذ ناجاه ~~الله وقربه رأس جبل الطور بعد الأمر بالرياضة بالصوم والتخلي أربعين يوما , ~~والذي تقدم في آخر النحل أن قومه اختلفوا عليه في السبت , تنفيرا من مثل ~~حالهم , وتسلية عمن تبعهم في تكذيبهم وضلالهم , وذلك في سياق محذر للمكذبين ~~عظائم البلاء , فقال تعالى - عاطفا على ما تقديره , فآتينا عبدنا محمدا صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم الكتاب المفصل المعجز , وجعلناه هدى للخلق كافة , ~~وتولينا حفظه فكان آية باقية حافظا لدينه دائما : { وءاتينا } أي بعظمتنا { ~~موسى الكتاب } أي الجامع لخيري الدارين لتقواه وإحسانه , معظما له بنون ~~العظمة , فساوى بين النبيين في تعظيم الإراءة والإيتاء وخص محمدا صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم بإضافة آياته إلى مظهر العظمة , وكان إيتاء موسى عليه ~~السلام الكتاب في نيف وأربعين سنة بعد أن أخرج معه بني أسرائيل من حبائل ~~فرعون وجنوده الذين كانوا لا يحصون كثرة بتلك الآيات الهائلة التي لا يشك ~~عاقل أن من قدر عليها لا يمتنع عليه شيء أراده , وفي هذه المدة الطويلة - ~~بل بزيادة - كان وصول بني إسرائيل من مصر إلى هذا المسجد الذي أوصلنا عبدنا ~~إليه ورددناه إليكم في بعض ليلة راكبا البراق الذي كان يركبه الأنبياء قبله ~~, يضع حافره في منتهى طرفه , وبنو إسرائيل كانوا يسيرون جميع النهار ~~مجتهدين ثم يبيتون في الموضع الذي أدلجوه منه في التيه لا يقدرون أن يجوزه ~~أربعين سنة - على ما قال كثير من العلماء , أو أنهم كانوا في هذه المدة ~~يدورون حول جبل أدوم كما في التوراة , فثبت أنا إنما نفعل بالاختيار على ~~حسب ما نراه من الحكم , ثم ذكره ثمرة كتاب موسى عليه السلام فقال تعالى : { ~~وجعلناه } أي بالكتاب , بما لنا من العظمة { هدى } . | PageV04P333 ولما ~~كان هذا التنوين يمكن أن يكون للتعظيم يستغرق الهدى , بين الحال بقوله : { ~~لبني إسرائيل } بالحمل على العدل في التوحيد والأحكام , و أسرينا بموسى ~~عليه السلام وبقومه من مصر إلى بلاد المسجد الأقصى , فأقاموا سائرين إليها ~~أربعين سنة ms2725 ولم يصلوا , ومات كل من خرج منهم من خرج منهم من مصر إلا ( ~~النقيبين الموفين ) بالعهد , فقد بان الفصل بين الإسرائيلين كما بان الفصل ~~بين الكتابين , فذكر الإسراء أولا دليل على حذف مثله لموسى عليه السلام ~~ثانيا , وذكر إيتاء الكتاب ثانيا دليل على حذف مثله أولا , فالآية من ~~الاحتباك ؛ ثم نبه على أن المراد من ذلك كله التوحيد اعتقادا وعبادة بقوله ~~تعالى : { ألا } أي لئلا { تتخذوا } بالياء التحتية في قراءة أبي عمرون ~~وبالفوقانية في قراءة الباقين فنبه بصيغة الافتعال على أنه - لكثرة ما على ~~وحدانيته من الدلائل , وله إلى خلقه من المزايا والفضائل - لا يعدل عنه إلى ~~غيره إلا بتكليف عظيم من النفس , ومنازعة بين الهوى والعقل وما فطر سبحانه ~~عليه النفوس من الانقياد إليه والإقبال عليه , ونفر من له همة عليه ونفس ~~أبية من الشرك بقوله منبها بالجار على تكاثر الرتب دون رتبة عظمته سبحانه ~~وعد الاستغراق لها , تاركا نون العظمة للتنصيص على المراد من دون لبس بوجه ~~: { من دوني } وقال تعالى : { وكيلا * } أي ربا يكلون أمورهم إليه ويعتمدون ~~عليه من صنم ولا غيره , لتقريب إليه بشفاعة ولا غيرها - منبها بذكر الوكالة ~~على سفه آرائهم في ترك من يكفي في كل شيء إلى من لا كفاية عنده لشيء , ثم ~~أتبعه ما يدل على شرفهم بشرف أبيهم , وأنه لم ينفعهم إدلاءهم إليه - عند ~~إرادة الانتقام - بما ارتكبوا من الإجرام , فقال - منبها على الاهتمام ~~بالتوحيد والأمر بالإخلاص بالعود إلى مظهر العظمة حيث لا لبس , ناصباعلى ~~الاختصاص في قراءة أبي عمرو , وعلى النداء عند الباقين , تذكيرا بنعمة ~~الإيحاء من الغرق : { ذرية من حملنا } أي في السفينة بعظمتنا , على ظهر ذلك ~~الماء الذي طبق ما تحت أديم السماء , ونبه على شرفهم وتمام نعمتهم بقوله ~~تعالى : { مع نوح } أي من أولاده وأولادهم الذين أشرفهم إبراهيم الذي كان ~~شاكرا ثم إسرائيل عليهما السلام , لأن الصحيح أن من كان معه من غيرهم ماتوا ~~ولم يعقبوا , ولم يقل : ذرية نوح , ليعلم أنهم عقب أولاده المؤمنين لتكون ~~تلك ms2726 منة أخرى ؛ ثم نبه على تقواه وإحسانه حثا على الاقتداء به بقوله : { ~~إنه كان } أي كونا جبليا { عبدا شكروا * } أي مبالغا في الشكر الذي هو صرف ~~جميع ما أنعم الله به فيما خلقه له فأحسن إليه لشكره بأن جعل في ذريته ~~النبوة والكتاب كما فعل بإبراهيم عليه السلام لأنه كان شاكران فاقتدوا ~~بهذين الأبوين العظيمين في الشكر يزدكم , ولا تقلدوا غيرهما في الكفر ~~يعذبكم , وخص نوحا عليه السلام لأنه ما أملى لأحد ما أملى لقومه ولا أمهل ~~PageV04P334 أحدا ما أمهلهم , ثم أهلكهم أجمعين كما أومأ إليه قوله { حملنا ~~} إهلاك نفس واحدة , ثم أذهب الماء بعد إغراقهم بالتدريج في مدة طويلة , ~~فثبت أنه منزه عن العجلة , وأنه سبحانه تارة يفعل الأمور الكثيرة الشاقة في ~~أسرع وقت , وترة يعمل ما هو دونها في أزمان طوال , فبان كالشمس أنه إنما ~~يفعل على حسب ما يريد مما تقتضيه حكمته , وأنه البخاري في التفسير عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بلحم ~~فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال : أنا سيد الناس يوم ~~القيامة , وهل تدرون مما ذلك ؟ يجمع الله الناس : الأولين والآخرين في صعيد ~~واحد , يسمعهم الداعي , وينفذهم البصر , وتدنو الشمس , فبلغ الناس من الغم ~~والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملونن فيقول الناس : ألا ترون ما قد بلغكم ؟ ~~ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ؟ فذكر حديث الشفاعة العظمى وإتيانهم ~~الأنبياء آدم وبعده أولي العزم عليهم الصلاة والسلام , وأنهم يقولون لنوح ~~عليه السلام : وقد سماك الله عبدا شكورا , وكلهم يتبرأ ويحيل على من بعده ~~إلى أن وصل الأمر نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم قيقولون : يا محمد أنت ~~رسول الله وخاتم الأنبياء , وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر , ~~اشفع لنا إلى ربنا , ألا ترى إلى ما نحن فيه , فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ~~ساجدا لربي , ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه ms2727 ~~على أحد قبلي , ثم قال : يا محمد ! ارفع رأسك سل تعط واشفع تشفع ! فأرفع ~~رأسي فأقول : أمتي يا رب أمتي يا ربن فيقال : يا محمد أدخل من أمتك من لا ~~حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة , وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك ~~من الأبواب , ثم قال : والذي نفسي بيده ! إن ما بين المصراعين من مصاريع ~~الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى ثم أتبع ذلك ما يدل على شرف ~~كتاب موسى وصحة نسبته إليه تعالى بما يقتضي شمول العلم وتمام القدرة بما ~~كشف عنه الزمان من صدق إخبارهن وفظاظة وعيده وإنذاره , تنبيها على أن من ~~كذب بكتابه أهلكه كائنا من كان وإن طال إمهاله , فلا تغتروا بحلمه لأن ~~الملوك لا تقر على أمر يقدح في ملكها , فقال تعالى : { وقضينا } أي بعظمتنا ~~بالوحي المقطوع به , منزلين ومنهين { إلى بني إسرائيل } أي عبدنا يعقوب ~~عليه السلام الذي كان أطوع أهل زمانه لنا { في الكتاب } الذي أوصلناه إليهم ~~على لسان موسى عليه السلام { لتفسدن } أكد بالدلالة على القسم PageV04P335 ~~باللام لأنه يستبعد الإفساد مع الكتاب المرشد { في الأرض } أي المقدسة التي ~~كأنها لشرفها هي الأرض بما يغضب الله { مرتين ولتعلن } أي بما صبرتم إليه ~~من البطر لنسيان حكمتنا في الوقت الذي نريد بعد إمهال طويل ؛ والقضاء : فصل ~~الأمر على إحكام { فإذا جاء وعد أولاهما } أي وقته الذي حددناه له للانتقام ~~فيه { بعثنا } أي بعظمتنا ؛ ونبه على أنهم أعداء بقوله : { عليكم } ونبه ~~على عظمته , قدرته وسعة ملكه بقوله تعالى : { عبادا لنا } أي لا يدان لكم ~~بهم لما وهبنا لهم من عظمتنا { أولي بأس } أي عذاب وشدة في الحرب شديدة { ~~شديد فجاسوا } أي ترددوا مع الظلم والعسف وشديد السطوة ؛ والجوس : طلب ~~الشيء باستقصاء { خلال } أي بين { أولي بأس } أي عذاب وشدة في وسفولهم بعد ~~ذلك العلو الكبير ؛ والخلال : انفراج ما بين الشيئين وأكثر لضرب من الوهن { ~~وكان } أي ذلك البعث ووعد العقاب به { وعدا مفعولا * } أي لا شك في وقوعه ~~ولا ms2728 بد أن يفعل لأنه لا حائل بيننا وبينه , ولا يبدل القول إلا عاجز أو ~~جاهل ؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم جالوت وجنوده ؛ وعن سعيد بن المسيب ~~أنهم بختنصر وجنوده ؛ وعن الحسن : العمالقة ؛ وعن سعيد بن جبير : سنجاريب ~~وجنوده ؛ قال في السفر الخامس من التوراة إشارة إلى هذه المرة الأولى - ~~والله أعلم : وإن أنتم لم تسمعوا قول الله ربكم لم تحفظوا ولم تعملوا بجميع ~~سننه التي آمركم بها اليوم , ينزل بكم هذا اللعن الذي أقص عليكم كله , ~~ويدرككم العقاب , تكونوا ملعونين في القرية والسفر وفي الخصر , ويلعن نسلكم ~~وثمار أرضكم , وتكونوا ملعونين إذا دخلتم , وملعونين إذا خرجتم , ينزل بكم ~~الرب البلاء والحشرات , وينزل بكم الضربات الشديدة وبكل شيء تمدون أيديكم ~~إليه لتعلموه حتى يهلككم ويتلفكم سريعا , من أجل سوء أعمالكم وترككم ~~لعبادتي , يسلط الله عليكم الموت فيهلككم من الأرض التي تدخلونها لترثوها , ~~ضربكم الله بحيران العقل والبهق والبرص , وبالحريق باشتمال النار , ~~وباليرقان والجرب والسموم , ويسلط عليكم هذه الشعوب حتى تهلكوا , وتكون ~~السماء التي فوقكم عليكم شبه النحاس , والأرض التي تحتكم شبه الحديد , ~~ويصير الرب مطر أرضهم غبارا ويكسركم الرب بين يدي أعدائكم , تخرجون إليهم ~~في طريق واحدة وتهربون في سبعة طرق , وتكونون مثلا وفزعا لجميع مملكات ~~الأرض , وتكون جيفكم طعاما لجميع السباع وطيور السماء , ولا يذب أحد عنكم , ~~ويضربكم الرب بالجراحات التي ضرب بها أهل مصر , ويبليكم بالبرص والزحير ~~وبالحكة , ولا يكون لكم شفاء من ذلك , ويضربكم الرب بالعمى والكمه ورعب ~~القلب , وتكونون تحبسون في الظهيرة PageV04P336 مثل ما يتجسس العميان , ولا ~~يتم شيء مما تعملون , ولا يكون له تمام , وتكونون مقهورين مظلومين مغصوبين ~~كل أيام حياتكم ولا يكون لكم منقذ , تخطبون المرأة فيتزوجها غيركم , وتبنون ~~بيتا ويسكنه غيركم , وتغرسون كروما ولا تعصرون منها , وتذبحون ثيرانكم بين ~~أيديكم ولا تأكلون منها شيئان ويؤخذ حمارك ظلما ولا تقدر أن تخلصه , ويسوق ~~العدو أغنامكم ولا يكون لكم منقذ , ويسبي بينك وبناتك شعب آخر وتنظر إليهم ~~ولا تقدر لهم على خلاص , وتشقى وتغتم ms2729 نهارك كله أجمع ولا يكون لك حيلة , ~~وثمار أرضك وكل كدك يأكله شعب لا تعرفه , وتكون مضطهدا مظلوما طول عمرك , ~~ويضربك الرب بجرح رديء على ركبتيك وساقيك ولا يكون لك , ويسلط عليك ~~الجراحات من قرنك إلى قدمك ويسوقك الرب , ويسوق ملكك الذي ملكته عليك إلى ~~شعب لم يعرفه أبوك , وتعبد هناك آلهة عملت من خشب وحجارة , وتكون مثلا ~~وعجبا ويفكر فيك كل من يسمع خبرك ثم قال : ويولد لك بنون وبنات ولا يكونون ~~لك بل يسبون , وينطلق بهم مسبيين . | ثم قال : ويسلط الرب عليك شعبا يأتيك ~~وأنت جائع ظمآن , وتخدم أعداءك الذين يسلطهم الله عليك من بعيد من أقصى ~~الأرض , ويسرع إليك مثل طيران النسر شعب لا تعرف لغتهم شعب وجوههم صفيقة لا ~~تستحيي من الشيوخ , ولا ترحم الصبيان , ويضيق عليك من جميع قراك حتى يظفر ~~بسوراتك المشيدة التي تتوكل عليها وتثق بها , وتضطر حتى تأكل لحم ولدك من ~~الحاجة والضيق الذي يضيق عليك عدوك , والرجل المدلل منكم المتلذذ المفيق ~~تنظر عيناه إلى أخيه وحليلته وإلى من بقي من ولده جائعا ولا يعطيهم من لحم ~~ابنه الذي يأكل , لأنه لا يبقى عنده شيء من الاضطهاد والضيق الذي يضيق عليك ~~عدوك في كل قراك , والمرأة المخدرة المدللة المفيقة التي لم تطأ الأرض ~~قدماها من الدلال تنظر عيناها إلى زوجها وإلى ابنها وبنتها وإلى ولدها التي ~~تلد , وهي تأكلهم , وذلك من الحاجة والفقر وعدم الطعام مما يضيق عليك عدوك ~~ويضطهدك في جميع قراك . | < < # | الإسراء : ( 6 - 8 ) ثم رددنا لكم . . . . . # > > ^ ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر ~~نفيرا * إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جآء وعد الآخرة ~~ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا ~~* عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا ) ^ } ) | ~~ولما بين سبحانه أنه قادر على إذلال العزيز بعد ضخامة عزه , بين أنه مقتدر ~~على إدالته على من قهره بعد طول ذله إذا نقاه من درنه وهذبه من ms2730 ذنوبه , ~~فقال تعالى مشيرا بأداة التراخي إلى عظمة هذه الإدالة بخرقها للعوائد : { ~~قم رددنا } أي بما لنا من العظمة , PageV04P337 وعجل لهم البشرى بقوله ~~تعالى : { لكم } أي خاصة { الكرة } أي العودة والعظمة ؛ وبين أن ذلك مع ~~السطوة بقوله سبحانه : { عليهم } قال بعض المفسرين : في زمان داود عليه ~~السلام { وأمددناكم } أي أعناكم بعظمتنا { بأموال } تستعينون بها على قتال ~~أعدائكم { وبنين } أي تقوون بهم { وجعلناكم } أي بعظمتنا { أكثر } أي من ~~عدوكم { نفيرا * } أي ناسا ينفرون معكم إذا استنفرتموهم للقتال ونحوه من ~~المهمات , والظاهر أنه ليس المراد بها المرة ما كان على يدي داود عليه ~~السلام لأن الله يقول في هذه المرة الثانية { وليدخلوا المسجد كما دخلوه ~~أول مرة } وداود عليه السلام أسس المسجد ولم يكمله , إنما أكمله ابنه ~~سليمان عليهما السلام من بعده , والذي عز من قال أن بني إسرائيل كانوا ~~قهروا قبل داود عليه السلام من الفلسطينين وغيرهم , ثم كان خلاصهم على يده ~~عليه السلام - كما مضت الإشارة إليه في سورة البقرة , قال في الزبور في ~~المزمور الثالث عشر : من يعطي صهيون الخلاص لإسرائيل ؟ إذا رد الرب سبي ~~شعبه يتهلل يعقوب ويفرح إسرائيل ؛ وفي الثالث والأربعين : اللهم ! إنا قد ~~سمعنا بآذاننا وأخبرنا آباؤنا بالأعمال التي صنعت في أيامهم الأولى , ~~فلنسبحك يا إلهنا كل يوم , ونشكر اسمك إلى الدهر , الآن أضعفتنا وأقصيتنا , ~~ولم تكن يا رب تصحب جيوشنا , لكن رددتنا على أعقابنا عن أعدائنا , واختطفنا ~~مبغضونا , جعلتنا مأكلة كالغنم , مددتنا بين الشعوب , بعث شعبك بلا ثمن , ~~أقللت كثرة عددهم , صيرتنا عارا في جيرتنا , هزا وطنزا لمن حولنا , صرنا ~~مثلا في الشعوب , وهزا للرؤوس في الأمم , حزني بين يدي النهار كله , الخزي ~~غطى وجهي , من صوت المعير , اللهم ! إن هذا كله قد نالنا ولم ننس اسمك , ~~ولا نكثنا عهدك , ولا صرفنا قلوبنا عنك , عدلت بقصدنا عن سبلك , أنزلتنا ~~محال وعرة , غشيتنا بظلال الموت , ولم ننسك يا رب , وقال في المزمور الثامن ~~والسبعين والذي بعده : اللهم ! إن الأمم دخلت ميراثك ونجست هيكل قدسك , ~~جعلوا أورشليم ms2731 خرابا كالمحرس , وصيروا جثث عبيدك طعاما لطير السماء , ولحوم ~~أصفيائك لوحوش الأرض , سفكوا دماءهم كالماء حول أورشليم وليس لهم دافن , ~~صرنا عارا في جيراننا , هزءا وطنزا لمن حلولنا , حتى متى يسخط يا رب , ~~دائما يشتعل مثل النار غضبك , أفض رجزك على الأمم الذين لا يعرفونك وعلى ~~الملوك الذين لم يدعوا اسمك , فإنهم أكلوا يعقوب وأخربوا دياره , لا تذكر ~~خطايانا الأولى بل تغشانا رأفتك سريعا , لأنا قد تمسكنا جدا , فكن لنا ~~معينا يا إلهنا ومخلصنا , ونمجد اسمك يا رب , نجنا واغفر لنا خطايانا لأجل ~~اسمك الكريم , لئلا تقول الأمم : أين إلههم ؟ عند ذلك تعلم الشعوب وتنظر ~~عيوننا انتقام دماء عبيدك المسفوكة , وليدخل إليك تنهد الأساري , وكمثل ~~عظمة ذراعك أنقذ بني المقتولين , جاز جيراننا في حضنهم للواحد سبعة بالعار ~~PageV04P338 الذي عيروك يا رب ! نحن شعبك وغنم رعيتك , نشكرك إلى الأبد ~~ونخبر بتسابيحك من جيل إلى جيل . | أنصت يا راعي إسرائيل الذي هدى يوسف ~~كالخروف , انظر أيها الجالس على الكروبين استعلن قدام إفرام وبنيامين ومنشا ~~, وأظهر جبروتك وتعال لخلاصنا , اللهم ! أقبل وأشرق وجهك علينا وخلصنا , ~~اللهم ربنا القوي ! حتى متى تسخط على صلاة عبيدك , وتطعمهم الخبز بدموعهم ~~وتسقيهم الدموع بالكيل , جعلتنا عارا لجيراننا , واستهزأ بنا أعداؤنا , ~~اللهم رب القوات ! أقبل بنا وأشرق وجهك علينا وخلصنا , أنت نقلت الكرمة من ~~مصر , طردت الشعوب وغرستها , سهلت طريقا أمامها , مكنت أصولها , امتلأت ~~الأرض منها , ظلل الجبال ظلها وأغصانها على أرز الله , كذلك امتدت عروقها ~~إلى البحر وإلى الأنهار فروعها , ثم إنك هدمت سياجها , وقطعها كل عابري ~~السبيل , خنزيز الغاب أفسدها , وحيوان الوحش رعتها , اللهم رب القوات ! ~~اعطف علينا , واطلع من السماء , وانظر وتعاهد هذه الكرمة , وأصلح الغرس ~~الذي غرسته يمينك وابن الإنسان الذي قويته , ولتهلك الذين لأحرقوها بالنار ~~برجزك , ولتكن يدك على رجل يمينك وابن الإنسان الذي اصطفيته لك , لا تبعدنا ~~منك وانقذنا لنمجد اسمك , اللهم رب القوات ! اعطف علينا وأشرق وجهك علينا ~~وخلصنا ؛ وفي الرابع والثمانين : رضيت يا رب عن أرضك , ورددت سبي يعقوب , ~~غفرت ms2732 ذنوب شعبك سترت جميع خطاياهم , سكنت كل رجزك , ورددت شدة غضبك ؛ وفي ~~الثامن والثمانين : قدوس إسرائيل ملكنا بالوحي , كلمت نبيك وقلت : إني جعلت ~~عونا للقوى , رفعت مختارا من شعبي , ووجدت داود عبدي , مسحته بدهن قدسي , ~~يدي أعانته , وذراعي قوته , عدوه لا يضره , وابن الخطيئة لا يذله , وقطعت ~~أعداءه من بين يديه , ولمغضبيه قهرت , أمانتي ورحمتي معه , وباسمي يرتفع ~~قرنه , جعلت في البحار طريقه , وفي الأنهار يمينه , هو يدعوني : أنت أبي ~~وإلهي ناصري وخلاصي , وأنا أجعله بكرا رفيعا على جميع ملوك الأرض وأحفظ ~~عليه رحمتي إلى الأبد ؛ ثم قال : وأنت رفضت وأقصيت مسيحك , ونقضت عهد عبدك ~~في الأرض , ودنست قدسه , وهدمت جميع سياجه , وكل حصونه أخفت , اختطفه ~~عابروا السبيل , صار عارا في جيرته , رفعت يمين أعدائه , فرحت جيمع مبغضيه ~~, رددت نصرة سيفه , لم تعنه في الحرب , أبطلت شجاعته , طرحت في الأرض كرسيه ~~, صغرت أيام سنيه , صببت حزنا عليه , فحتى متى تسخط يا رب ؟ إلى الأبد يتقد ~~مثل رجزك , اذكر خلقك لي , فإنك لم تخلق الإنسان باطلا , من هو الإنسان ~~الذي يعيش ولا يعابن الموت أو ينجي نفسه من الجحيم ؟ اللهم ! أين رجمتك ~~القديمة التي حلفت بحقك لداود عليه السلام ؟ اللهم PageV04P339 أعداؤك ~~عيروا آثار مسيحك , تبارك الرب إلى الأبد , يكون يكون ؛ وفي الخامس بعد ~~المائة : خلصنا يا إلهنا واجمعنا من الأمم لنشكر اسمك القدوس , ونفتخر ~~بتسبيحك , تبارك الرب إله إسرائيل من الآن وإلى الأبدن يقول جميع الشعب : ~~يكون , وفي الخامس والعشرين بعد المائة : إذا رد الرب سبي صهيون صرنا ~~كالمغتربين , حينئذ تمتلئ أفواهنا فرحا وألسنتنا تهليلا , هناك يقال في ~~الأمم : قد أكثر الرب الصنيع إلى هؤلاء , أكثر الرب الصنيع إلينا فصرنا ~~فرحين , يا رب اردد سبينا كأودية اليمن , الذين يزرعون بالدموع ويحصدون ~~بالفرح , كانوا ينطلقون يبذرون زرعهم باكين ويأتون مقبلين بالتهليل حاملين ~~غلاتهم ؛ وفي السادس والثلاثين بعد المائة : على أنهار بابل جلسنا هناك ~~وبكينا حين ذكرنا صهيون , وعلقنا قيتاراتنا على الصفصاف الذي في وسطها , ~~لأن الذين سبونا سألونا هناك قول التمجيد , والذين ms2733 انطلقوا قالوا : سبحوا ~~لنا في تسابيح صهيون ! كيف نسبح لكم تسابيح الرب في أرض غريبة ؟ إن نسيتك ~~يا يروشليم فتنساني يمينين ويلصق لساني بحنكي إن لم أذكروك وإن لم أسبق ~~وأصعد إلى يروشليم في ابتداء فرحي , اذكر يا رب بني أدوم في يوم أورشليم ~~القائلين : اهدموا إلى الأساس . | يا ابنه الشقية ! طوبى لمن يجازيك جزاء ~~صنيعك بنا , طوبى لمن أخذ أطفالك وضرب بهم الصخرة . | وهذا الذي في هذا ~~المزمور إيذان بما يحل بهم من بختنصر , وقد تقدم غير مرة أن ما كان فيما ~~ينقل من هذه الكتب القديمة من لفظة توهم نقصا كالأب ونحوه فإنها على تقدير ~~صحتها عنهم لا يجوز إطلاقها في شرعنا , والظاهر أن هذه الادلة المذكورة في ~~القرآن في هذه الكرة هي التي كانت في أيام عزير عليه السلام على يد كورش ~~ملك الفرس - كما سيأتي إن شاء الله تعالى , وأن الذين كانوا قهروهم أولا هم ~~أجناد بختنصر - كما تقدم , ففي سفر أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا في ~~عناثوث في أرض بنيامين على عهد يوشيا ملك يهوذا في السنة الثالثة عشرة من ~~ملكه يتوعدهم بأنهم إن لم يرجعوا عما أحدثوا من الضلالات سلط عليهم ملك ~~بابل , ولم يزل يحذرهم مثل ذلك ويخبرهم بما يحصل لهم من الشر بذنوبهم إلى ~~أن تمت أيام يواكيم بن يوشيا , وفي غحدى عشرة سنة لصديقيا بن يوشيا إلى يوم ~~سبيت أورشليم في الشهر الخامس , وهو شهر آب وكان يخبرهم بأن ملك بابل يأسر ~~صديقيا ملك اليهود , ويسوقه مع الأسرى إلى بابل , ويستمرون في أسرهم سبعين ~~سنة ثم يردهم الله تعالى إلى بيت المقدس . | قال إرميا عليه السلام : إن ~~الله تعالى قال لي : من قبل أن أصورك في البطن عرفتك , وخصصتك لي نبيا من ~~قبل أن تخرج من الرحم وجعلتك نبيا للشعوب , PageV04P340 فقلت : أطلب إليك ~~يا رب وإلهي أن تعفني , لأني لست أعلم أن أنطق لأني حدث , فقال لي الرب : ~~لا تقل : إني حدث . | لأنك تتوجه إلى كل ما أرسلك فيه وتجمع ما ms2734 آمرك به من ~~القول , فأده ولا تخف لأني معك أنقذك من كل آفة , وإن الرب مد يده وقربها ~~إلى في وقال لي الرب : قد صيرت أقوالي في فيك , فاعلم أني قد سلطتك اليوم ~~على جميع مملكات الأمم لتهدم وتنقض وتهلك وتستأصل وتبكت وتتنبأ وتقدسني , ~~ثم أوحى إلي الرب وقال : ما الذي رأيت يا إرميا ؟ فقلت : رأيت عصنا من شجر ~~اللوز , فقال لي الرب : ما أحسن مارأيت لأن معجل فصل أقوالي ؛ ثم أوحى إلي ~~الرب ثانية : ما الذي رأيت ؟ فقلت منجلا منصوبا ووجهه إلى ناحية الجربياء - ~~أي الشمال - فقال لي الرب : من ناحية الجربياء ينفتح الشر وينزل في جميع ~~الأرض التي ليهوذا , ها أنا مرسلك أن تدعو جميع عشائر مملكات الجربياء , ~~يقول الرب . | فيأتون ويلقي كل رجل منهم كرسيه في مدخل أبواب أوشليم , ~~ويحوطون بسورها كما يدور , وبجميع قرى يهوذا , وأنتقم منهم بأحكام وقضائي ~~من أجل جميع سرورهم وبسوء أعمالهم , لأنهم اجتنبوني وبخروا لآلهة غريبة ~~بالبخور , وسجدوا لصنعة أيديهم فأمت أنت فشد على ظهرك , وقم فقل عليهم جميع ~~الأقوال التي آمرك بها ولا تخفهم ولا تحابهم لئلا أكسرك بين أيديهم وأذلك , ~~وقد جعلتك اليوم كالقرية العزيزة الممتنعة , ومثل قضيب من حديد , وصيرتك ~~مثل سور من نحاس على الأرض كلها , وعلى جميع ملوك يهوذا وعلى عظمائهم وعلى ~~أحبارهم وآبائهم , وعلى جميع شعب الأرض , فإن جاهدوك لم يقهروك لأني معك ~~وأنا منقذك منهم . | ولم يزل يقوم فيهم بمثل هذا من كلام في غاية البلاغة ~~والرقة بحيث يفتت الأكباد , ويصدع القلوب , ويفيض العيون , نحو أربع كراريس ~~, لولا خوف الملالة وكراهة الإطالة لأتيت بكثير منه , وكان المتنبئون ~~الكذبة يقومون فيهم بخلاف ذلك مما يؤمنهم إلى أن ضربوا إرميا ليترك عنهم ~~مثل ذلك , فلم يكن يستطيع تركه وقال لشخص من المتنبئين اسمه حنينا : إن ~~الرب لم يرسلك , أنت وكلت هذا الشعب على الزور , ومن أجل هذا يقول الرب : ~~هو ذا أطرحك عن وجه الأرض , وفي هذه السنة تموت , لأنك تكلمت بالإثم قدام ~~الرب , فمات حنينا النبي ms2735 الكذاب في تلك السنة في الشهر السابع . | ثم زاد ~~تحذير إرميا لهم إلى أن حبسوه , ثم إن الله تعالى أمره أن يكتب لهم ما ~~يوحيه إليه في صحيفة ويرسلها إليهم , فدعا باروخ بن ناريا الكاتب وأمره ~~بكتابة ما أنطقه به الرب وقال له ها أنا محبوس ولست أستطع أن أدخل بيت الرب ~~, فخذ هذه الصحيفة وادخل أنت إلى بيت الرب في يوم الصوم واقرأها عليهم , ~~فإنها كلام الرب , لعلهم PageV04P341 يرجعون عن طريقة السوء , ويكف الرب عن ~~الشر الذي قاله عليهم . | لأنه عظيم الرجز والغضب الذي تكلم به الرب على ~~هذا الشعب . | ففعل باروخ ذلك , فأخذوا الصحيفة من يده وأوصلوها إلى الملك ~~يواقيم بن يوشيا فشققها وأحرقها بالنار , فأمره الله أن يكتب صحيفة أخرى ~~مثلها ويزيد ما يأمره الله به , ومنه أن يواقيم ملك يهوذا لا يكون له من ~~يجلس على كرسي داود عليه السلام , وجيفته تكون مطروحة في السموم بالنهار ~~وفي الجليد بالليل , وآمر به وبذريته وبعبيده , وآتى على أورشليم وعلى ~~سكانها وعلى بيت يهوذا بكل الشر الذي قلت عليهم , لأنهم لم يسمعوا صوتي . | ~~ولما ملك صاديقيا على اليهود , وكانت السنة العاشرة من ملكه , وهي الثامنة ~~عشرة لبختنصر ملك بابل , أحاطت جيوش ملك بابل بأورشاليم , وكان إرميا النبي ~~محبوسا في دار حرس الملك , حبسه فها صديقيا ملك يهوذا , وقال له : ما لك ~~تتنبأ وتقول : هكذا يقول الرب : هوذا أدفع هذه القرية وصديقيا ملك يهوذا في ~~يدي ملك بابل ويضبطها , ولا ينجو من أيدي الكلدانيين , لأن الرب دفاع يدفعه ~~في يدي ملك بابل ويكلمه فمه لفمه وعيناه إلى عينيه , وينطلق به إلى بابل ؟ ~~فأوحى الله إلى إرميا وهو محبوس فقال : يقول تلرب : هوذا أدفع هذه القرية ~~إلى ملك بابل فيحرقها بالنار , وأنت فلا تفلت من يديه , ولكنك أخذا تؤخذ ~~وتدفع إليه وعيناك إلى عينيه تنظر , وفمك إلى فمه يكلم , وإلى بابل تذهب , ~~ولكن اسمع يا صديقيا ملك يهوذا قول الرب , هكذا يقول الرب عليك : إنك لست ~~تموت بالحرب , ولكنك موت سلامة ms2736 تموت , وكالذي ناحوا على آبائك الملوك ~~الأولين الذين كانوا قبلك ينوحون عليك ويقولون : واسيده ! لأن هذا القول ~~الذي تكلمت به قاله الرب , هذا كله , وأجناد ملك بابل تحاصر أورشليم ~~وتقاتلها . | ثم إن صديقيا أرسل إلى فرعون بمصر ليستنجد به فخرج جنده , ~~فلما سمع بهم الكلدانيون انصرفوا عن أورشليم , وحل قول الرب على إرميا أن ~~هكذا يقول الرب إله إسرائيل لملك يهوذا الذي بعث إلى جند فرعون ليعينوه : ~~هوذا الآن جند فرعون يرجعون إلى أرض مصر , ويرجع الكلدانيون ويقاتلون هذه ~~القرية ويحتوون عليها ويحرقونها بالنار , هكذا يقول الرب , لا تظنوا في ~~أنفسكم أن الكلدانيين الذين انصرفوا عنكم ليس يرجعون , بل إنهم يرجعون ~~ويحرقون القرية بالنار ثم إن اليهود اتهموا إرميا بأنه يريد أن يفر إلى ~~الكلدانيين فجلدوه وطرحوه في السجن , فأخرجه الملك صديقيا وسأله في البيت ~~سرا عن قول الرب فقال له : في يد ملك بابل تدفع , وقال له : ماذا أخطأت ~~إليك وإلى عبيدك وإلى هذا الشعب إذ طرحتموني في السجن ؟ وأين الذين كانوا ~~يتنبؤون لكم PageV04P342 أنه لا يأتي عليكم ملك بابل ولا على هذه الأرض ؟ ~~فرده إلى السجن ولم ينزله إلى الجب لأنه كان لا يقدر على مخالفة أشراف ~~مملكته . | ثم قال إرميا : هكذا يقول الرب : من يسكن هذه القرية بالحرب ~~فبالجوع والموتان يذهب , فأما من يخرج إلى الكلدانيين فإنه يحيي نفسه ويعيش ~~, هكذا يقول الرب , فقال الأشراف : يقتل هذا الرجل لأنه يسقط أيادي ~~المقاتلة الذين بقوا في القرية وأيادي الشعب إذا قال هذا الكلام , فقال ~~الملك صديقيا : هوذا منذ وقع في أيديكم لا يستطيع أن يغير هذا الكلام , ولم ~~يكن الملك يقدر يقول لهم شيئا , فأخذوا إرميا وطرحوه في جب إميلخيا بن ~~الملك في دار السجن , والجب لم يكن فيه ماء ولكن حمأة , فغرق إرميا في ~~الحمأة , وسمع عبد الملك حبشي وكان رجلا مؤمنا فقال للملك : يا سيدي ! بئس ~~ما صنع هؤلاء القوم بالنبي إذ طرحوه في جب , وهو ذا يموت , فقال الملك : خذ ~~معك من هنا ثلاثين رجلان ms2737 وانطلقوا اصعدوا إرميا من الجب قبل أن يموت , وإن ~~عبد الملك أخذ رجالا ودخل إلى الخزانة التي أسفل بيت الملك , فقال الملك : ~~خذ معك من هنا ثلاثين رجلا , وانطلقوا اصعدوا إرميا من الجب قبل أن يموت , ~~وإن عبد الملك أخذ رجالا ودخل إلى الخزانة التي أسفل بين الملك , وأخذ من ~~ثم خلقانا فسبسبها إلى إرميا بالحبل وقال له : خذ هذه الخلقان , واجعلها ~~تحت إبطيك , لئلا يعقرك الحبلن ففعل إرميا كذلك وأصعدوه من الجب وأجلسوه في ~~دار السجن , وأرسل الملك فأدخل إرميا إليه وجعله في داخل ثلاثة أبيات , ~~مخدع داخل مخدع وقال له : إني أسألك أن لا تكتمني شيئا , قال إرميا لصديقيا ~~: إني أخاف أن تقتلني , وإن أنا أشرت عليك لم تطعنين فقال صديقيا : حي هو ~~الرب الذي خلقني إني لا أقتلك ولا أدفعك إلى الناس الذين يريدون نفسك , ~~فقال إرميا : هكذا يقول الرب إله إسرائيل : لئن خرجت إلى أشراف ملك بابل ~~لتحيين نفسك , وهذه القرية إلى الكلدانيين ويحرقونها بالنار وأنت فلا تنجو ~~من أيديهم , فقال الملك لإرميا : إني أخشى من لايهود أن أخرج إلى ~~الكلدانيين فلعلهم يدفعونني في أيديهم ويهزؤون بي , قال إرميا : إنهم ليس ~~يدفعونك في أيديهم , اسمع إلى كلمة الرب لمنفعتك لتحيي نفسك . | وحل على ~~إرميا قول الرب إذ كان محبوسا في دار الحرس : انطلق فقل للعبد الحبشي الذي ~~للملك : هكذا يقول الرب القوي إله إسرائيل : هو ذا آتي على هذه القرية ~~بالشر , ويكونون قدامك في ذلك اليوم , وأنجيك , قال الرب : ولا تدفع في يد ~~القوم الذين لا يخشون الله , ولا تسقط في الحرب , ولكنك تنجو بنفسك لأنك ~~توكلت على ما قال لك الرب . | وجلس إرميا في دار السجن حتى اليوم الذي أخذ ~~فيه الكلدانيون أورشليم في السنة التاسعة لصديقيا ملك يهوذا في الشهر ~~العاشر , وفي تسعة من الشهر PageV04P343 أتى بختنصر ملك بابل في كل أجناده ~~إلى أورشليم وحلوا عليها , وفي إحدى عشرة سنة لصديقيا في الشهر الخامس ~~انثملت القرية , فأتى كل أشراف ملك بابل إلى الباب الأوسط ms2738 , فلما رأى ~~صديقيا أنهم قد جلسوا في الباب الأوسط وقد هرب المقاتلة وخرجوا بالليل , ~~خرج الملك أيضا من الباب الذي بين السورين في طريق نيسان , فلما صار إلى ~~الصحراء طلبه جند الكلدانيين على الأثر , فأدركوه في صحراء أريحا وافترق ~~عنه أجناده فساقوه حتى أصعدوه إلى بختنصر ملك بابل في ديلاب من أرض حماة ~~وذبح ملك بابل بني صديقيا وكل أشراف يهوذا , وأعمى عيني صديقيا وأوثقه في ~~السلاسل لكي يذهب به إلى بابل , وأحرق بيت الملك وبيوت الشعب بالنار , ~~واستأصل السور المحيط بأورشليم , وكذا بقية الشعب , الذين بقوا في القرية ~~والذين هربوا إليه سباهم ودفعهم إلى وازردان صاحب شرطته , فانطلق بهم إلى ~~بابل , ومساكين الشعب - الذين ليس لهم شيء - تركهم في أرض يهوذا , واستعمل ~~عليهم أخيقام بن شافان , وأمر بختنصر صاحب شرطته أن يأخذ إرميا وقال : لتكن ~~عينك عليه , ولا تفعل به بأسا , وما قال لك من شيء فافعله , فأرسل إلى ~~إرميا فأخذه من دار الحبس , ودفعه إلى أجدليا بن أخيقام بن شافان ليرده إلى ~~بيته , وقال وازردان صاحب الشرطة لإرميا : إلهك الذي قال هذا الشر على هذه ~~البلدة وفعل كالذي قال , لأنكم أخطأتم للرب ولم تسمعوا صوته , فأنزل بكم ~~هذا الأمر , وأما أنت فها أناذا قد أحللتك من السلاسل التي كانت في يديك , ~~فإن شئت أن تأتي معي إلى بابل فتعال , وإن شئت فاقم , فهذه الأرض في يديك ~~كلها , فحيثما كان خيرا لك وحيث يحسن في عينيك فانطلق إليه , وإلا فاجلس ~~عند جدليا بن أخيقام بن شافان الذي سلطه بختنصر في يهوذا , و أعطاه صاحب ~~الشرطة مواهب في الطريق وسرحه بسلام , فأتى إرميا إلى أجدليا بن أخيقام إلى ~~مسفيا , وجلس عنده مع الشعب الذين خلفهم ملك بابل في الأرض . | هذا ما دل ~~على أولي البأس الشديد الذين سلطهم الله عليهم , وأما دل على رجمة الله لهم ~~ففي تأريخ يوسف بن كريون أن الروم لما بلغهم أن بختنصر ملك بابل فتح مدينة ~~المقدس ازداد خوفهم من الكسدانيين , فأرسلوا إلى بختنصر رسلا ms2739 وهدايا , ~~وطلبوا منه الأمان والمسالمة , فآمنهم وعاهدهم على طاعته وموالاته , ~~فاطمأنوا وآمنوا وانقطعت عنهم تلك الحروب إلى زمان دارا الملك , وكان سبب ~~الحروب بين الروم وبين الكسدانيين . | أن الكسدانيين كانوا يعادون ~~اليونانيين , فأعان الروم اليونانيين فغضب الكسدانيون من ذلك فحاربوا أهل ~~روميه , واتصلت الحروب بينهم إلى هذا الحد , فلما انتقد الله العزيز على ~~الكسدانيين طول تجبرهم وحكم بزوال ملكهم وانقضاء دولتهم كما أخبرت به ~~الأنبياء عليهم السلام , أثار من ملوك الأمم ملكين PageV04P344 عظيمين : ~~أحدهما دارا ملك ماداي , والآخر كورش ملك الفرس , فتزوج كورش ملك الفرس بنت ~~دارا واتفقا على معصية الكسدانيين , وأظهر الخلاف على بلتشصار بن بختنصر ~~ملكهم , ثم سار إلى بابل في عساكر قوية , فأرسل إليهم بلتشصر عسكرا كبيرا , ~~فجرت بينهم حرب عظيمة , قتل فيها من الفريقين خلق كثير , ثم انهزم عسكر ~~بلتشصر وهربوا , فتبعهم كورش ودارا إلى مسيرة يوم عن بابل , وقتلا كثيرا ~~منهم , وأقام دارا وكورش في ذلك الموضع , ثم إن بلتشصر بعث إليهما بألف ~~قائد من قواده ومعهم جميع خاصته وجبابرته , فخرجوا من بابل آخر النهار , ~~وساروا ليلتهم فانتهوا إلى عسكر دارا وكورش عند الصباح فكبسوهم وقتلوا منهم ~~مقتلة عظيمة , فانهزم دارا وثبت كورش فقاتل الكسدانيين ومنعهم أن يتبعوا ~~عسكر دارا , وقامت الحرب بينهم طول النهار , ثم استظهر الكسدانيون على ~~الفرس وقتلوا جماعة منهم , فانهزم الفرس وعاد قواد بلتشصار إليه ظافرين ~~غانمين , فعظم سرور بلتشصار بذلك , وصنع لقواده صنيعا عظيما أحفل فيه وأحضر ~~الآلات الحسنة من الفضة والذهب , وبالغ في إكرامهم وحضر معهم مجلس الشراب , ~~فأكل وشرب وعظم سرورهم وسروره , فلما أخذ الشراب منه أراد أن يزيد في إكرام ~~أصحابه وسرورهم , فأمر بإحضار آلات الذهب والفضة التي كان جده بختنصر الملك ~~قد أخذها من هيكل بيت المقدسن ونقلها مع جالية بني إسرائيل إلى بابل , ~~فأحضرت تلك الآلات بحضرة بلتشصر فشرب فيها الخمر وسقى فيها قواده ونساءه ~~وجواريه , وأقبلوا يسبحون لأصنامهم ويحمدونها , قال : فسخط الله سبحانه من ~~ذلك وكره مكا فعله بلتشصار من ابتذال آلات القدس ولم ms2740 يخف من الله ولم يشكره ~~على ما ظفره بأعدائه , فأرسل ملاكا وأمره أن يكتب بحضرة بلتشصار ألفاظا ~~بأحمر تتضمن ذكر ما حكم الله به عليه وعلى مملكته , فحل الملاك بأمر الله ~~عز وجل وكتب الألفاظ على حائط المجلس مقابل المنارة , وكان يرى أصابع ~~الملاك وهي تكتب وما رأى بقية شخصه , وكانت تلك الأصابع شديدة البهار ~~والنور , فلما رآها ذهل ولحقه رعب شديد وفزع وارتعد جيمع جسمه رعدة شديدة , ~~ورعب جيمع جنده , ولم يفهم تلك الكتابة ولا وجد في أصحابه من يقرأها لأن ~~الخط كان كسدانيا وكان اللفظ عبرانيا . | فأمر بإحضار دانيال النبي - صلى ~~الله على نبينا محمد وعليه السلام - فقرأها وفسرها وقال : أيها الملك ! قد ~~أخطأت خطأ عظيما بابتذالك آلات قدس الله بأيدي جندك وجواريك فنجسوها , ~~ولذلك سخط الله وأرسل ملاكه حتى كتب هذه الألفاظ ليعلمك ما يريد أن يفعله , ~~فأما هذه الألفاظ المكتوبة فهي ( حسب ووزن ونقل ) وتفسيرها أن الله حسب مدة ~~دولتكم التي قد جعلها لكم فوجدها قد انقت وانتهت ولم يبق منها شيء , ووزنك ~~في الميزان فوجدك ناقصا , يريد أنه جربك بالإحسان إليك والظفر بأعدائك ~~فوجدك غير PageV04P345 شاكر لإحسانه ولم تحمده , بل سبحت الأصنام , وأما ~~تفسير ( نقل ) فإن الله قد قضى وحكم بزوال الملك عنك ونقله إلى كورش ودارا ~~؛ قال : فلما سمع بلتشصار ما قال دانيال ازداد خوفه وفزعه واضطرب قواده ~~أيضا وفزعوا فزعا شديدا وانصرفوا إلى منازلهم وهم خائفون , فلما نام بلتشصر ~~في تلك الليلة جاء إليه خادم من خدمه فقتله على فراشه , وأخذ رأسه ومضى إلى ~~داردا وكورش , وأخبرهما بخبر بلتشصار وما فعل من ابتذال آنية القدس , وخبر ~~الكتابة التي كتبها الملاك قدامه وتفسير دانيال لها , وما أخبره به من ~~انقضاء ملكه وانتقال دولته إلى ملوك مادي وفارس بسبب ابتذاله آنية القدسن ~~فلما سمع دارا وكورش ما أخبرهما به ونظرا رأس بلتشصار شكرا الله عز وجل ~~واعترفا بقدرته وأكثر تسبيحه وتمجيده , ونذر كورش أنه يبني بيت الله ~~بأورشليم , ويرد تلك الآنية , ويطلق جالية اليهود أن ms2741 يرجعوا إلى بلادهم , ~~ثم سار كورش ودارا من مواضعهما , ودخلا بابل وقتلا جميع أهلها بأشد القتل ~~وأعظم العذاب , فتم عند ذلك ما أخبرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من ~~انتقام الله تعالى من الكسدانيين وأهل بابل ومجازاتهم بما فعلوه بآنية قدسه ~~, ثم اقتسم دارا وكورش مملكة الكسدانيين فأخذ دارا مدينة بابل وأعمالها ~~وتسلم قصر بلتشصار وجلس على سريره , وأخذ كورش جميع مملكة الكسدانيين التي ~~هي غير بابل وأعمالها واستقر الأمر بينهما على ذلك , وكان أن ملكوا ذلك ~~الوقت شيخا فلم تطل مدته فلما مات اتفق عظماء مادي وفارس على أن ملكوا ~~عليهم كورش , ومنذ ذلك الوقت صار ملك مادي وفارس واحدا , وبقي الأمر على ~~ذلك ولم يتغير , ولما تسلم كورش مملكة الكسدانيين , وجلس على كرسي بابل ~~وملك على مادي وفارس حركه الله تعالى في السنة الأولى من ملكه , فذكر نذره ~~الذي كان قد نذر أنه يطلق لجالية بني إسرائيل الرجوع إلى بلدهم , وأنه يبني ~~قدس الله , ويرد آلاته إليه , فأمر بإحضار شيوخ الجالية وكبرائهم , فأخبرهم ~~بما قد عزم عليه من بناء بيت المقدس وإطلاقهم وقال لهم : من اختيار من ~~جالية اليهود أن يمضي إلى مدينة القدس لبناء الهيكل الذي أخربه بختنصر ~~فليمض ويستعن بالله عز وجل فإنه يعينه , وأنا كورش عبد الإله العظيم أطلق ~~من خزائني جميع ما يحتاج إليه من المال والعدد لعمارة بيت الرب الذي ظفرني ~~بالكسدانيين , وأعطاني ملكهم , قال : فلما سمع شيوخ الجلية مقالة كورش عظم ~~سرورهم بذلك وشكروا الله عز وجل على إحسانه , وطلعوا إلى مدينة بيت المقدس ~~, ومعهم جماعة كثيرة , ومعهم عزرا الكاهن عليه السلام ونحميا ومردخاي ويشوع ~~وسائر رؤساء الحلية ومقدميهم , فبنوا بيت الله على المقدار الذي رسم لهم ~~كورش , وبنوا المذبح على واجبه وحدوده , وقربوا القرابين على واجبها , وكان ~~كورش يطلق لهم كل سنة ما يحتاجون إليه لخدمة بيت الله من المال والحنطة ~~والزيت والخمر والغنم والبقر , PageV04P346 وأطلق لهم مالا كثيرا , ولم يزل ~~الأمر يجري على ذلك طول مملكة الفرس , قال : ثم عظم ms2742 أمر كورش وبسط الله يده ~~على جميع الأمم والممالك , وفتح له الحصون المنيعة وأعطاه كنوز الأرض ~~وذخائرها , ولم يزل مقبلا مظفرا حيثما توجه كما أخبر الله تعالى على يد ~~أشيعا النبي عليه السلام أنه يفعل ذلك بكورش من أجل إحسانه إلى بني إسرائيل ~~؛ قال في سفر الأنبياء في نبوة أشيعا بن آموص : هكذا يقول الرب : أنا الذي ~~أبطل آيات العرافين , وأصير كل تعريفهم جهلا , وأرد الحكماء إلى خلفهم , ~~وأعرف أعمالهم للناس , وأثبت كلمة عبيدي , وأتمم قول رسلي , لأنه قال ~~لأورشليم : أنها تعمر , ولقرى يهوذا : إنها تبنى وتعمر خراباتها , ويقول ~~للغور أن يخرب وتيبس أنهاره , ويقول لكورش : ارع لتتم جيمع إرادتي , وتأرم ~~ببناء أورشليم وتقييم هياكلها , هكذا يقول الرب لمسيحه وكورش الذي أخذ ~~بيمينه لتخضع له الشعوب ويظهر على الملوك أبدا : افتح الأبواب بين يديه , ~~ولا تغلق الأبواب أمامه , أنا أسير قدامه , وأسهل له العسر , أكسر أبواب ~~النحاس , وأحطم أمخال الحديد , وأعطيه الذخائر التي في الظلمات , والأشياء ~~المطمورة المستورةن ليعلم أني أنا الرب الذي دعوته قبل مولده إله إسرائيل , ~~من أجل عبدي يعقوب وإسرائيل صفي دعوتك باسمك , وكنيتك من قبل أن تعرفني , ~~أنا الرب ولا إله غيري - انتهى ما في سفر الأنبياء . | ولم يزل كورش يحسن ~~إلى بني إسرائيل حتى مات وملك بعده ابنه تمكيشه فأنفذ ما كان صنعه أبوه من ~~البر إلى اليهود وإطلاق الأموال الكثيرة لهم تعظيما لبيت الله , وكان من ~~بعده من ملوك الفرس على ذلك , ويطلقون ما كان كورش يطلقه للقرابين وغيرها , ~~ويجلون بيت الله ويعظمونه ويتبركون به , حتى كان أحشويرش - وهو أردشير ~~الملك - فتغيرت حال اليهود في زمانه بسبب وزير استوزره من العماليق يسمى ~~هامان , ثم إن الله تعالى عطفه عليهم بسبب زوجة له من اليهود , ولم يزل ~~أمرهم مستقيما وهم تحت طاعة الفرس إلى أن ملك الإسكندر الثاني , قال ابن ~~كثير في سورة الكهف : وهو الذي يؤرخ له من مملكة الروم , وقد كان قبل ~~المسيح بنحو من ثلاثمائة سنة انتهى . | وهو الماقيدوني اليوناني الرومين ~~ملك ms2743 بعد قتل أبيه فليفوس , وكان عمره حين ملك عشرين سنة , وكان حكيما عارفا ~~بسائر العلوم , وكان الذي علمه الحكمة أرسطاطاليس الحكيم , وكان الإسكندر ~~يشاوره في أموره ويرجع إلى رأيه وتيدرب بتدبيره , ولم يكن يشبه أباه ولا ~~أمه , وكان الإسكندر يشاوره موجه الأسد وعيناه مختلفتين : اليمنى سوداء ~~تنظر إلى أسفل , واليسرى صافية اللون كعين السنور تنظر إلى فوق , وأسنانه ~~دقيقة حادة كأسنان الكلب , وكان شجاعا جريئا مقداما من صباه , فلما فتح ~~بلاد المغرب ورجع منها قصد بلاد الشام وتوجه إلى بيت المقدس فلقيه ملاك ~~الرب فأمره أن يعظم القدس وأهلها , ففعل ثم قصد دارا الثاني ملك ~~PageV04P347 الفرس , فلما حاذى نابلس خرج إليه سنبلاط السامري صاحبها وحمل ~~إليه أموالا كثيرة وهدايا , ثم سار إلى دارا فقتله , ثم إلى ملك الهند ~~فكذلك , ثم إلى مطلقع الشمس , ثم أحب أن يرى أطراف الأرض فضرب فيها , ورأى ~~من الأمم والعجائب ما هو مذكور في سيره , ورجع فمات ببابل , ثم كان أمر ~~اليهود تارة وتارة وهم تحت حكم اليونان الذين ملكوا بعد الإسكندر , ثم غلب ~~الروم فكان اليهود تحت أيديهم , وكانوا يقومون ويقعدون تارة وتارة إلى أن ~~كثرت فيهم الأحداث , وعظمت المصائب والفتن , وعم الفساد , وكثرت فيهم ~~الخوارج , واتصل القتل والغدر والنهب والغارات , وقتلوا زكريا ويحيى وابنه ~~عليهما السلام , وأطبقوا على إرادة قتل المسيح ابن مريم عليهما السلام , ~~فرفعه الله تعالى إليه ثم سلط عليهم طيطوس قيصر فأهلكهم وأخرب البيت الخراب ~~الثاني - كما سيأتي ثم لم يقم لليهود أمر إلى الآن . | فلما ثبت بكون ما ~~توعد به سبحانه في أوقاته كما أخبر به بطشه وحلمه , فثبت قدرته وعلمه , ~~أشار إلى أن من سبب إذلاه لمن يريد به الخير المعصية , وسبب إعزازه الطاعة ~~, فقال تعالى : { إن أحسنتم } أي بفعل الطاعة على حسب الأمر في الكتاب ~~الداعي إلى العدل والإحسان { أحسنتم لأنفسكم } فإن ذلك يوجب كوني معكم ~~فأكسبكم عزا في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما { وإن أسأتم } أي بارتكاب ~~المحرمات والإفساد { فلها } الإساءة , وذكرها باللام تنبيها على ms2744 أنها أهل ~~الزيادة النفرة لأن كل أحد يتطير من نسبتها إليه عبارة كانت , فإذا تطير مع ~~العبارة المحبوبة فكيف يكون حاله مع غيرها . | ولما انتهزت فرصة الترغيب في ~~الطاعة والترهيب من المعصية , عطف الوعيد الثاني بالفاء إشارة إلى أنه بعد ~~نصر بني إسرائيل على أهل المرة الأولى , ولعها أيضا مؤذنة بقرب مدتها من ~~مدة الإدالة فقال تعالى : { فإذا جاء } أي أتى إتيانا هو كالملجأ إليه قسرا ~~على خلاف ما يريده الآتي إليه { وعد الآخرة } أي وقتهن فاستأهلتم البلاء ~~لما أفسدتم وأحدثتم من البلايا التي أعظمها قتل زكريا ويحيى عليهما السلام ~~والعزم على قتل عيسى عليه السلام { ليسوءوا } أي بعثنا عليكم عبادا لنا ~~ليسوءوا { وجوهكم } أي يجعل آثار المساءة بادية فيها , وحذف متعلق اللام ~~لدلالة الأول عليه { وليدخلوا المسجد } أي الأقصى الذي سقناكم إليه من مصر ~~في تلك المدد الطوال وأعطيناكم بلاده بالتدريج , وجعلناه أرواح النبيين ~~كلهم فيه وصلاته بهم ثم , وهذا تعريض بالتهديد لقريش بأنهم إن لم يرجعوا ~~أبدل أمنهم في الحرم خوفا وعزمهم ذلا , فأدخل عليهم جنودا لا قبل لهم بها , ~~وقد فعل ذلك عام لفتح لكنه فعل إكرام لا إهانة ببركة هذا النبي الكريم صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم وبجل ومجد وعظم دائما أبدا { كما ~~PageV04P348 دخلوه } أي الأعداء { أول مرة } بالسيف , ويقهروا جميع جنودكم ~~دفعة واحدة { وليتبروا } أي يهلكوا ويدمروا مع التقطيع والتفريق { ما علوا ~~} أي عليه من ذلك , وقيل : ما مصدرية , أي مدة علوهم فيكون { يتبروا } ~~قاصرا فيعظم مدلوله , وأكد الفعل وحقق الوعد فقال : { تتبيرا * } . | وقال ~~في التوراة إشارة إلى هذه المرة الأخيرة - والله أعلم - بعد ما مضى من ~~الإشارة إلى المرة الأولى سواء : وإن لم تحفظ وتعمل بجميع الوصايا والسنن ~~التي كتبت في هذا الكتاب لتتقي الله ربك وتهاب اسمه المحمود المرهوب , يخصك ~~الرب بضربات موجعة ويبتليك بها ويبتلي نسلك من بعدك , وينزل بك جميع ~~الضربات التي أنزلها بأهل مصر تدوم عليك , وكل وجع وكل ضربة لم تكتب في هذا ~~الكتاب يبتنليك الله ms2745 بها حتى تهلك وتبقى من نسلك عدد قليل من بعد كثرتهم ~~التي كانت قد صارت مثل نجوم السماء , لأنك لم تسمع قول الله ربك , فيكون ~~كما فرحكم الرب وأنعم عليكم وكثركم يستأصلكم بالعقاب والنكال , ويدمر عليكم ~~ويتلفكم , وتجلون عن الأرض التي تدخلونها لترثوها , ويفرقكم الرب بين جميع ~~الشعوب من أقطار السماء إلى أقطارها , وتعبدون هناك الآلهة الأخرى التي ~~عملت من الحجارة والخشب لم تعرفوها أنتم ولا آباؤكم , ولا تسكنون أيضا بين ~~تلك الشعوب ولا تكون راحة لأقدامكم , ولكن يصير الله قلوبكم فزعة مرتجفة , ~~ويبتليكم بظلمة العين وسيلان الأنفس , وتكون حياتكم معلقة حيالكم من بعيد ؛ ~~وتكونون فزعين الليل والنهار , ولا تقصدون أنكم تعيشون , بالغداة تقولون : ~~متى نمسي ؟ وبالعشي تقولونك متى نصبح ؟ وذلك من ذرعت قلوبكم وخوفكم ومن ~~ظلمة أبصاركم وقلة حيلتكم , ويردكم الله إلى أرض مصر في سفن على الحال ~~يشتريكم , هذه أقوال العهد التي أمر الله بها موسى أن يعاهد بني إسرائيل في ~~أرض موآب سوى العهد الذي عاهدهم بحوريب - انتهى . | وإنما قلت : إن هذا ~~إشارة إلى المرة الثانية , لأنه تكرير لذلك الذي قدمته في الأولى , فحمله ~~على أن يكون مشيرا إلى غير ما أشار إليه الأول أولى , بل ربما كان متعينا , ~~ثم أخبرني بعض فضلاء اليهود أن علماءهم قالوا كذلك , وكان الخراب في هذه ~~المرة على يد طيطوس بعد أن تملك أبوه أسفسيانوس على الروم ورجع من الأرض ~~المقدسة بعد موت ملكهم تيروس الذي كان أرسله لقتال اليهود لما خرجوا عن ~~طاعته , وكان معه يوسف بن كريون أحد أكابر اليهود , وكان أحد من ندبه ~~اليهود لقتال أسفسيانوس ومن معه , فأسروه وأحسنوا إليه فاستمر عندهم , فلما ~~مات تيروس وملكه أصحابه رجع إلى روميه وبعث ابنه للفراغ من القدس وبعث يوسف ~~معه بعد أن استمر PageV04P349 البيت عامرا م عمارة العزير عليه السلام ~~أربعمائة سنة وعشرين سنة , ولم يدخل بعد هذا الخراب في أيدي اليهود , وكان ~~هذا لثلاثمائة سنة وثمانين سنة من ولاية الإسكندر , وقال مؤرخهم في شرح هذا ~~الخراب : إن طيطوس ms2746 كان في قيسارية , فسار منها حتى انتهى إلى يالو فأخذ من ~~نقاوة عكسره ستمائة رجل , وسار إلى بيت المقدس ليقف على أحوال المدينة , ~~وينظر الحصنن ويعلم ما يحتاج إلى علمه , ويدبر الأمور بحسب ذلك , وعمل على ~~أن يراسل أهل بيت المقدس بالجميل ويدعوهم إلى المسالمة ويبذل لهم الأمان , ~~فلما قرب من المدينة وجد الأبواب مغلقة , وليس يخرج من المدينة ولا يدخل ~~إليها أحد لما بين الخوارج من الحروب المتصلة , فما وجد من خاطبه من القوم ~~, فانصرف راجعا إلى عسكره . | قال : وكان قوم من أصحاب الخوارج لما علموا ~~بمجيء طيطوس قد خرجوا من المدينة , فكمنوا له في بعض الطريق , فما اجتاز ~~بهم وهو راجع أحاطوا به وحالوا بينه وبين أصحابه , فقاتلهم قتالا شديدا حتى ~~خلص بعد أن أشرف على الهلاك , فعلم ما القوم عليه من النجدة والشر فأعد ~~لذلك عدته لما أراد الله من خراب القدس , وكان الله سبحانه وتعالى ملكه وعز ~~سلطانه قد أظهر لبني إسرائيل أمورا دلتهم على زوال أمرهم لو أنهم تبصروا , ~~منها شبه كوكب كبير له نور قوي وضوء شديد كان القدس يضيء منه البلد كله طول ~~الليل قريبا من ضوء النهار , فأقام كذلك سبعة أيام مدة عيد الفصح , ففرح به ~~الجهال واغتم العلماء , ومنها أنهم أحضروا في هذا العيد بقرة ليقربوها , ~~فولدت خروفا فاستنكر الناس ذلك , ومنها أن باب القدس الشرقي كان عظيما ~~ثقيلا لا يعالجه إلا جماعة , فلما كان في تلك الأيام كانوا يجدونه كل يوم ~~مفتوحا من غير فاتح , فيجتمع الرجال المعتادون له فيغلقونه ثم يعودون إليه ~~فيجدونه مفتوحا , فكان الجهال يفرحون والعلماء يغتمون , ومنها أنه ظهر على ~~بيت قداس الأقداس في الهواء صورة وجه الإنسان شديد الحسن عظيم البهاء ~~والنور , ومنها أنه ظهر أيضا في الجو صور ركبان من نار يطيرون في الهواء ~~قريبا من الأرض على بيت المقدس وعلى جميع أرض اليهود , ومنها أنه سمع ~~الكهنة في ليلة عيد العنصرة في القدس حس جماعة كثيرة يذهبون ويجيئون في ~~الهيكل من غير أن ms2747 يروهم بل كانوا يسمعون وطأهم فقط , ثم سمعوا صوتا عظيما ~~يقول : امضوا بنا حتى نرتحل عن هذا البيت , ومنها أنه كان قد ظهر قبل هذا ~~بأربع سنين في المدينة رجل يمشي كالمجنون ويصيح بأعلى صوت يقول : صوت من ~~المشرق , صوت من المغرب , صوت من أربع جهات الدنيا , صوت على أورشلام , ~~وصوت على الهيكل , وصوت عل الحصن , وصوت على الفروس , وصوت على جميع الناس ~~, الويل على أورشلام , الويل على أورشلام , وكان لا يهدأ من هذا الكلام , ~~PageV04P350 وكان الناس يبغضونه ويزجرونه ويتصورونه بالجنون , فلم يزل على ~~ذلك إلى أن أحاط العدو بالمدينة , فابتدأ في بعض الأيام يتكلم على عادته , ~~فأتاه حجر في رأسه فمات ووجد في حائط قدس الأقداس حجر قديم مكتوب عليه ( ~~إذا صار بنيان الهيكل مربعا ملك على أرض بني إسرائيل ملك عظيم , ويتسلط على ~~سائر الأرض ) فقال قوم : هو ملك بني إسرائيل , وقال الحكماء والكهنة : بل ~~الروم , ووجد أيضا حجر قديم مكتوب عليه ( إذا كمل بنيان القدس وصار مربعا ~~فإنه عند ذلك يخرب ) فلما وقع الحصار وانهدم أنطونيا سدوا السور فصار ~~الهيكل مربعا كما سيأتي , وأعظم الأمارات ما كان عليه خوارجهم من القتال , ~~وسفك دماء الخاص والعام , والحريق والجوع , بحيث إنه أحاط البلاء بهم ~~وبجميع الناس ولا يجدون مهربا حتى كرهوا الحياة . | ولما خلص طيطوس من ~~الخوارج بات في عسكره , ثم سار بالليل من يالو , فأصبح على بيت المقدس ونزل ~~على رأس جبل الزيتون الذي في شرقي المدينة أورشليم , ليحجز الوادي بينه ~~وبينها ولا يخفى عليه من يخرج إليه منها , ثم رتب عسكره ووصاهم بالتعاون ~~والتظافر واليقظة والحذر , وأن لا يفارق بعضهم بعضا , وقال : إنكم تقاتلون ~~قوما لم تقاتلوا مثلهم في البأس والشجاعة والصبر على القتال والبصر بالحرب ~~, فلما رآه اليهود اصطلح رؤساء الخوارج يوحانان وشمعون والعازار على أن لا ~~يحارب بعضهم بعضا ويتفقوا على محاربة الروم , واجتمعوا وفتحوا باب المدينة ~~ولقوا من كان قرب من الروم , فقاتلوهم واشتد الحرب فانهزم الروم , فردهم ~~طيطوس وشجعهم فعادوا فكانت بينهم حرب ms2748 عظيمة قتل فيها خلق كثير , وانهزم ~~اليهود فوقفوا عند السور وبعثوا جريدة من أصحابهم في عدد كثير من جهة أخرى ~~, فداروا من وراء عسكر الروم , وزحف أولئك من أمامهم , فكان الروم بين ~~العسكرين فقتل منهم خلق كثير فانهزموا , وثبت طيطوس في جمع من أصحابه فاشتد ~~الأمر حتى كاد يقتل , فقال أصحابه : امض إلى الجبلن فاختار الموت على ~~الهزيمة ولم يزل يقاتلهم حتى تخلص بعد أن استظهر عليه اليهود ثلاث دفعات , ~~ولما عاد اليهود إلى المدينة نقضوا عهودهم وحارب بعضهم بعضا كما كانوا , ~~لأن يوحانان كان يريد الرئاسة , وكان شمعون والعازار يأبيان ذلك , وحضر عيد ~~الفصح - وهو الفطير - فدخل يوحانان في أصحابه إلى القدس في اليوم الأول , ~~فليقهم الناس بالجميل وسروا بهم , فنزعوا ما ظهر من ثيابهم فإذا تحتها ~~السلاح , وأخذوا على الناس الأبوابن فقتلوا خلقا كثيرا من الكهنة وغيرهم ~~ولم يرحموا صغيرا ولا كبيرا , فقتل العازار وشمعون من كان خارج القدس من ~~جماعة يوحانان , فخرج إليهم واشتد الأمر واتصلت الحرب , فلما علم طيطوس زحف ~~إلى PageV04P351 المدينة فقال له قوم من اليهود الذين على السور : نفتح لك ~~الباب على أن تؤمننا وتريحنا من هؤلاء الخوارج , فلم يثق بهم لهم من شرهم ~~وغدرهم , وعلت الأصوات في المدينة , لأن بعضهم كان يريد أن يفتح لطيطوس ~~وبعضهم يمنع , وتبادروا إلى حفظ الأبواب والسور , فتقدم جماعة من الروم إلى ~~المدينة طمعا في أن يفتح لهم الباب فرماهم الخوارج بالحجارة والنشاب , ~~وأعانهم الذين كانوا استدعوا الروم للدخول , ثم خرج جماعة من اليهود فهزموا ~~الروم وأنكوا فيهم وتبعوهم إلى قرب عسكرهم , وشرعوا يهزؤون بهم ويعيرونهم ~~بالهزيمة , فأراد من في العسكر أن يلاقوهم فمنعهم طيطوس واشتد غضبه على ~~أصحابه وقال : لست أعجب من اليهود في غدرهم , ولكن أعجب منكم مع بصركم ~~بالحرب وكثرة تجاربكم فكيف خدعوكم ؟ فمضيتم إلى المدينة بغير أمري وخالفتم ~~وصيتي , ولذلك انهزمتم لأنه لا يجوز للرعيه أن تخالف أمر الملك , وقد علمتم ~~أن بعض ملوكنا قتل ابنه لأنه مضى إلى الحرب بغير أمره , فأنتم مستحقون ms2749 ~~للقتل بعصياني , مستوجبون لما جرى عليكم من الهزيمة , فسجد أصحاب طيطوس له ~~واعترفوا بخطئهم وقالوا : لا نعاود , فأمرهم أن يعدلوا ما حول المدينة من ~~المعاثر والوهدات , ويسدوا الآبار ليسهل عليهم القتال ويهدم السور , ففعلوا ~~ذلك وقطعوا كل ما حول المدينة من الشجر والنبات , وكان حولها من سائر ~~الجهات بساتين كثيرة فيها أنواع الأشجار والفواكه مسيرة أميال من كل جهة , ~~فكان إذا أقبل إنسان عليها يرى أحسن منظر فلم يبق الروم من ذلك شيئا , وكان ~~من يعرف تلك البساتين إذا رآها بعد إتلافها يبكي ويستوحش , واشتغل اليهود ~~بخوارجهم , واتفق شمعون والعازار على يوحانان وكان قد ملك القدس ومعه ~~ثمانية آلاف وأربعمائة رجل من الشجعان , وكان مع شمعون عشرة آلاف من اليهود ~~وخمسة آلاف من أدوم - أي النصارى - وكان الكهنة وجماعة من أهل المدينة مع ~~العازارن وحصل الناس بين هؤلاء بأسوأ حال , وكانوا إذا استظهر الروم على ~~المدينة اتفقوا وحاربوهم , فإذا دفعوهم عادوا إلى الشر فيما بينهم . | ثم ~~إن طيطوس أحضر كبش الحديد وغيره من آلات القتال ليهدم السور , وصنع أبراجا ~~عظيمة من الخشب توازي سور المدينة وتحتها بكر ليدفعها الرجال وتصعد عليها ~~المقاتلة , وأرسل إليهم رجلا من أصحابه يدعوهم إلى المسالمة فرماه بعض من ~~على السور فقتله , واصطلح الخوارج وخرجوا إلى الروم فقاتلوهم وأحرقوا الكبش ~~وجميع تلك الآلات وأبعدوهم ورجعوا إلى المدينة يتقابلون , فلما علم طيطوس ~~بذلك دفع الكبش علىالسور فهدم منه قطعة كبيرة , فهرب من كان وراءه إلى ~~السور الثاني , فأبعد الروم ما سقط من حجارة السور ليتسع لهم المجال , ~~فاصطلح الخوارج وفرقوا أصحابهم PageV04P352 على جهات المدينة , واشتدة ~~بينهم وبين الروم , وصدق الفريقان , وتولى طيطوس الحرب بنفسه , وأقبل يشجع ~~أصحابه ويعدهم بالأموال والصلات , وشجع الخوارج أصحابهم ونادى شمعون : من ~~انهزم قتل وهدم منزله . | فلما رأى طيطوس ثبات أصحاب شمعون مال إلى جهة ~~يوحانان , ولأنها معتدلة وطيئة , وأراد أن ينطح السور الثاني , فناداه رجل ~~اسمه قصطور من فوق السور : أسألك يا سيدي أن تشفق على هذه المدينة والأمر ~~يجري على ما ms2750 تحب , فظن طيطوس صدقه فتوقف وشرع يكلمه , وأطال المراجعة ~~احتيالا منه ليتمكن أصحابه من إحراق الكبش , ثم سأله أن يبعث له شخصا من ~~أصحابه ليتفق معه , فأرسل إليه شخصا من وجوه الروم فقال له : اقرب حتى ألقي ~~إليك ما لي ثم انزل , فألقى عليه صخرة فأخطأته وقتلت رجلا كان معه , فغضب ~~طيطوس ودرفع الكبش على السور الثاني فانهدم منه قطعة كبيرة , فاشتد أسف ~~قصطور فقتل نفسه , وتبادر اليهود فمنعوا الروم من الدخول من الموضع الذي ~~انثلم , وحاربوهم إلى أن أخرجوهم عن السور الأول وقتلوا جماعة منهم , ~~واتصلت الحرب بين الفريقين أربعة أيام , وورد على طيطوس في اليوم الرابع ~~عسكر كبير من أمم مختلفة تعينه على اليهود , فخرج اليهود على عادتهم ~~فقاتلوهم فلم تكن لهم بهم طاقة فانهزموا ودخلوا إلى الحصن الثالث , فأمر ~~طيطوس برفع الحرب وكف عنهم خمسة أيام , وركب في اليوم الخامس وتقدم إلى قرب ~~السور , فوجد يوحانان وشمعون وأصحابهما قد خرجوا من المدينة ليحرقوا الكبش ~~, فابتدأهم طيطوس بالسلام وخاطبهم بالجميل والملاطفة وقال : قد رأيتم ما ~~جرى من هدم هذين السورين , وليس يتعذر هدم السور الثالث , وقد علمتم أنكم ~~ما انتفعتم في هذه المدة بما فعلتموه , وكذلك لا تنتفعون أيضا بدوامكم على ~~ما أنتم عليه من اللجاج في مخالفتنا . | فارجعوا عن ذلك قبل أن أهدم هذا ~~السور الباقي , وأستبيح المدينة , وأخرب الهيكل , ولست أختار ذلك ولا أريده ~~, فإن رجعتم إلى طاعتنا كنا لكم على أفضل ما عهدتموه منا , ودامت لكم ~~السلامة , وزال عنكم ما أنتم فيه من المكروه . | وأمر يوسف بن كريون أن ~~يقرب منهم ويبلغ معهم الغاية في القول ويستدعيهم إلى المسالمة ويبذل لهم من ~~الأمان والعهود ما يثقون به ويسكنون إليه , فوقف قدام باب المدينة وقال : ~~اسمعوا مني يا معشر بني إسرائيل ما أنا مخاطبكم به , فإني إنما أخاطبكم يما ~~ينفعكم ويعدو بصلاحكم إن قبلتموه , واعلموا أن محاربة الأعداء ومقاومتهم قد ~~كانت تحسن بكم حين كانت بلدانكم عامرة , وعساكركم متوافرة , وأحوالكم ~~مستقيمة , فأما بعد أن بلغتم إلى ms2751 هذه الحال , من خراب البلدان وفناء الرجال ~~, وذهاب النعم PageV04P353 واختلال الأحوال , فكيف تطمعون في مقاومة هذه ~~الأمة العظيمة القوية التي قد قهرت الممالك والأمم والستولت عليهم , فعلى ~~أي شيء تعتمدون ؟ فإن قلتم : إنا نعتمد على الله عزوجل ونرجوا أن ينصرنا ~~كما جرت عادته مع آبائنا , فيجب أن علموا أنه هو الذي سلط عليكم هذه الأمة ~~لسوء أفعالكم وكثرة ذنوبكم , لأنكم ارتكبتم المحارم , وسفكتم الدماء , ~~ونجستم هيكل الله المقدس , قوتلتم كهنته وصلحاء أمته ظلما , فكيف ترجون من ~~الله النصر والمعونة مع هذه الأفعال القبيحة والله لا ينصر من عصاه , وإن ~~كنتم تتكلون على الحصون والعدد والعساكر فأنتم تعلمون أن جميع ذلك قد ذهب ~~أكثره , ولم يبق منه إلا القليل , وهذه المدينة قد هدم سوران من أسوارها ~~ولم يبق غير واحدد وهم مجدون في هدمه , أنتم كل يوم في نقصان وضعف وعدوكم ~~في زيادة وقوة , فإن دمتم على ما أنتم عليه هلكتم ولم يبق منكم باقية , فإن ~~قلتم : إنا نختار القتل على الذل للأمم وطاعتهم , فقد علمتم أن آباءنا ~~وأصولنا - وهم السادة الذين يجب علينا أن نقتدي بهم - لم يمتنعوا منمسالمة ~~الأمم الذين جاوروهم ومداراتهم , ولو كان أمرا مكروها لقد كانوا ولى ~~بكراهته منكم , والمتقدمون منا أطاعوا المصريين في أزمان كثيرة ملوك الموصل ~~والكسدانيين والفرس ثم اليونانيين الذين جاروا عليهم وأساؤوا إليه وصبروا ~~على ظلمهم لهم على أن أذن الله بخلاصهم منهم على أيدي بني حشمناي الكهنة , ~~صلى الله عليه وسلم # 1548 ; ثم أطاعوا بعد ذلك ملوك الروم إلى هذه الغاية , ولم يروا أن عليهم ~~نقصا في طاعتهم , وكذلك أنتم إن أطعتموهم كان ذلك أولى بكم من أن تعرضوا ~~أنفسكم للهلاك , ونعمتكم للزوال , وبلدكم للخراب , وتحصلوا بعد ذلك في ~~أضعاف ما كرهتموه من الذلن ولا يعذركم في ذلك عاقل ولا يحمد رأيكم , على أن ~~الروم ما زالوا محسنين إليكم , كفوكم أمر أعدائكم من اليونانيين , وأزالوا ~~سلطانهم عنكم , وأعانوكم على كثير من الأمم الذين يعادونكم حتى غلبتموهم ~~واستوليتم عليهم , فأنتم بطاعتهم أولى منكم ms2752 بمعصيتهم , وقد علمتم أن الله ~~عز وجل قد جعل لكل أمة دولة وسلطانا سلطها فيه , فغذا انقضى ذلك الزمان ~~زالت دولتها وسلطانها فذلت لغيرها وخضعت لمن كان يخضع لها , وقد بسط الله ~~أيديكم زمانا , وسلطكم على غيركم دهرا , ثم جعل الدولة والسطان لسواكم , ~~وأراد أن يذلكم لهم , فمتى خافتم مراد الله ولم تقبلوا حكمه هلكتم , وليس ~~يشك في أن الله أراد في هذا الزمان أن يرفع الروم ويبسط أيديهم , لأنه قد ~~أذل لهم الملوك وظفرهم بالأمم حتى أطاعهم من في سائر جهات الدنيا ممن هو ~~أشد منكم بأسا , وأكثر عددا , وأقوى سلطانا , وكيف تطمعون في أن تغلبوهم ~~وأنتم تشاهدون إقبالهم وقوة أمرهم ومعونة الله لهم , وترون أنفسكم بخلاف ~~ذلك , وليس يعيب الإنسان PageV04P354 ولا ينقصه طاعته لمن هو أقوى منه ~~وأعلى يدا , لأن الله عز وجل قد جعل أمر الخلق في الدنيا مبنيا على أن يكون ~~بعضهم تابعا لبعض , وبعضهم قاهرا لبعض , وبعضهم محتاجا إلى بعض , وكل صنف ~~يخضع لمن هو أقوى منه ويذل له ويطيعه , وذلك ظاهر موجود في الناس على ~~طبقاتهم , وفي الحيوانات على اختلافها , وليس يستغني عن ذلك أحد , ولا يذمه ~~عاقل , وإذ كان الأمر كذلك فليس ينقصكم طاعة الروم , ولا الروم بأول من ~~أطعتموهم وقد تقدمت طاعتكم لهم منذ سنين ؛ وقد ابتدؤوكم في هذا الوقت ~~بالجميل , ودعوكم إلى المسالمة , وبذلوا لكم الأمان , وضمنوا لكم الإحسان , ~~وظهر منهم الإشفاق على مدينتكم وقدسكم فاتقوا الله , وتلافوا أمركم , ~~وأحسنوا النظر لمن بقي منكم , فارجعوا إلى ما كنتم عليه من طاعتهم لتبقوا ~~وتتماسك أحوالكم , وتسلم هذه المدينة وهذا القدس الجليل قبل أن يهدم هذا ~~الحصن الباقي فتهلكوا . | فصاح الخوارج بشتم يوسف والفرية عليه ورموه ~~بالسهام والحجارة , فتباعد قليلا وأغلظ لهم في الكلام وقال : يا معشر العصا ~~! أخبروني ما الذي حملكم على قتال الروم إن كنتم تقصدون بذلك صيانة القدي ~~عن الأعداء فأنتم قد ابتذلتموه بالمعاصي نجستموه بما سفكتم فيه من الدماء ~~الكثير ظلما , وإن كنتم تريدون نصرة الأمة وإعزازها فأنتم تقتلونها ms2753 بأيديكم ~~وتبالغون في ظلمها والإساءة إليها , وهل يفعل الأعداء بكم أكثر مما فعلتموه ~~؟ أو يبلغون فيكم أثكر مما قد بلغتموه في أنفسكم ؟ أخبروني متى كان من تقدم ~~من أمتنا أو تأخر يغلبون من يحاربهم ويستظهرون على أعدائهم بالعساكر والعدد ~~دون الصلاح والتقوى ؟ وهل تخلص من تخلص من الشدائد إلا بطاعة الله والدعاء ~~له ؟ وهل كانوا يغلبون إلا بنصر الله لهم ومعونته إياهم ؟ وهل كان ينصرهم ~~إلا إذا أطاعوه واتقوه ؟ فلما عصوه سلط عليهم الأعداء ومكنهم منهم حتى ~~قهروهم وأذلوهم , ولم ينتفعوا بعددهم وسلاحهم ولا قدروا على مقاومة الأعداء ~~ببأسهم وقوتهم , وقد علمتم أن الله عز وجل كفى الصالحين في كل زمان أمر ~~أعدائهم , فمنهم من دعا الله عز وجل عند الشدائد فاستجاب له بلا حرب , ~~وأظهر الآيات العظيمة في معونتهم وكفايتهم , فبلغوا بذلك ما لم يكونوا ~~يبلغون إليه بحولهم وقتهم , ومنه من حارب الأعداء واستعان بالله عز وجل ~~فأعانه على عدوه وظفره به , ولم يفعل الله مثل ذلك مع العصاة ليظهر فضيلة ~~الصالحين , اعتبروا بأبيكم إبراهيم عليه السلام لما أخذ فرعون امرأته أمل ~~يضرب الله فرعون وأهله بالبلاء العظيم حتى خضع فانكسر ورد امرأة إبراهيم ~~عليه السلام وهي سليمة , ثم أحسن إليه وأكرمه , فهل قدر إبراهيم عليه ~~السلام على ذلك بالسيف والمحاربة أو بالصلاح والدعاء إلى الله عز وجل ؟ ~~وكذلك فعل الله مع كانوا قد رحموه قبل ذلك , وراسل يوحانان وشمعون طيطوس ~~يطلبان منه الأمان فقال : قد كنت طلبت إليكما ذلك قبل , فأما الآين فأنتما ~~في قبضتي وليس لي عذر عند الله ولا عند أحد من الناس في استبقائكما . | ~~فانحدرا ليلا إلى القدس بأصحابهما فتلوا قائدين من الروم فأمر طيطوس بقتل ~~من بقي في المدينة من اليهود ممن كان قد رحمه , فلما رأى أصحاب شمعون ذلك ~~خافوا على أنفسهم , فأرسلوا إلى طيطوس أن يؤمنهم , فقتل شمعون رؤساءهم وهرب ~~الباقون إلى طيطوس فآمنهم وكف أصحابه عمن بقي من اليهود في المدينة ؛ ثم ~~هرب شمعون ويوحانان من جبل صهيون إلى مضوع استترا ms2754 فيه , فتم استيلاء طيطوس ~~على جميع البلد وهدم سور جبل صهيون , ولما طال عليهما الاستتار واشتد بهما ~~الجوع خرجا إلى طيطوس فقتلهما , ثم رحل متوجها إلى رومية ومعه السبي ~~والغنائم , وكان كلما نزل منزلا يقدم جماعة ممن ظفر به من الخوارج غلى ~~السباع التي معه حتى أفناهم , وكان العازر لما رأى إفساد شمعون وقتله من لم ~~يكن له ذنب من اليهود قد علم أن لا مخلص لهم من البلاء , فخرج عنه قبل ~~استيلاء الروم على البلد عنها وأقام في بعض المواضع , فلما رحل طيطوس مضى ~~إلى قرية مصيرا فعمر حصنها , فسمع به طيطوس وهو بأنطاكية فرد إليه قائدا من ~~قواده فحاصره , فلما عاين الهلكة دعا أصحابه إلى قتل قتل من خلفهم من ~~العيال والاستقتال ليموتوا أعزة , فأجابوه إلى ذلك وقتلوا حتى قتلوا كلهم - ~~فسبحان القوي الشديد , الفعال لما يريد . | ولما انقضى ذلك , كان كأنه قيل ~~: أما لهذه المرة من كرة كالأولى ؟ فأطمعهم بقوله سبحانه تعالى : { عسى ~~ربكم } أي الذي عودكم بإحسانه { أن يرحمكم } فيتوب عليكم ويكرمكم ؛ ثم ~~أفزعهم بقوله تعالى : { وإن عدتم } أي بما نعلم من دبركم إلى المعصية مرة ~~ثالثة فما فوقها { عدنا } أي بما تعلمون لنا من العظمة , إلى عذابكم في ~~الدنيا , وقد عادوا غير مرة بما أشار إليه الكلام , وإن كان في سياق الشرط ~~, ليظهر الفرق بين كلام العالم ويغره , وأشار غلى ذلك قوله في التوراة عقب ~~ما مضى : وإذا تمت عليك هذه الأقوال كلها والدعاء واللعن الذي تلوت عليك ~~فتب في قلبك وأنت متفرق بين الشعوب التي يفرقك الله فيها , واقبل إلى ربك ~~واسمع قوله , واعمل بجميع ما آمرك به اليوم أنت وبنوك من كل قلبك , فيرد ~~الرب سبيك ويرحمك , ويعود فيجمعك من جميع الشعوب التي فرقك فيها , وإن كان ~~المبددون يا آل إسرائيل في أقطار الأرض يجمعك الله ربك من هناك ويقربك من ~~ثم ويردك إلى الأرض التي ورثها أبوكم وترثون , وينعم عليكم وتكثرون أفضل من ~~آبائكم , ويختن الله الرب قلبوكم وقلوب نسلكم إلى الأبد ms2755 , تتقون الله ربكم ~~من كل قلوبكم وأنفسكم لما يريحكم وينعمكم وينزل الله كل PageV04P355 إسحاق ~~عليه السلام لما أخذ أبيمالخ ملك فلسطين امرأته , وقد علمتم أن موسى عليه ~~السلام لم يستظهر على فرعون وعساكر المصريين حتى هلكوا وتخلصت أمة بني ~~إسرائيل منهم بحرب ولاعدة , بل بالدعاء وكفاية الله له , ولما حارب عماليق ~~بني إسرائيل هل غلبوه إلا بدعاء موسى عليه السلام وصلاته ؟ ويوشع بن نون ~~عليه السلام لماعبر الأردن مع بني إسرائيل قد كان في جميع كبير وقة فهل فتح ~~يريحا بالحرب أو بالآية العجيبة في سقوط الحصن ؟ ولما أخطأ عاخان بما أخذه ~~من يريحا من الغنيمة التي نهى الله عنها بني إسرائيل ألم يسخط اللهعلى ~~الأمة بسببه حتى غلبهم أهل مدينة عاي وهم قليل , فلم يقدر بنو إسرائيل مع ~~كثرتهم على مقاومتهم إلى أن صلى يوشع بن نون عليه السلام ودعا إلى الله عز ~~وجل فاستجاب الله دعاءه ونصر بني إسرائيل على عاي وجدعون لما غلب عسكر مدين ~~وعماليق مع كثرتهم هل غلبهم إلا بمعونة الله لهم ؟ واذكروا كيف انهزم عسكر ~~الأرمن العظيم عن سبسطية بصلاة اليشع النبي عليه السلام ودعائه , وقد كان ~~أهل المدينة أشرفوا على الهلاك من الجوع , فأوقع الله الخوف في قلوب الأرمن ~~فانهزموا بغير حرب ولا قتال , وخرج أهل المدينة فغنموا عسكرهم وزال عنهم ~~الجوع , واذكروا ما فعل الله مع نساء الملك ويوشافاط لما ظفرهما بأعدائهما ~~بالدعاء والصلاة , وقد علمتم أن شمشون قبل أن يخطئ كان جبارا مظفرا , فلما ~~أخطأ أسره أعداؤه فصار ذليلا في أيديهم مثل أقل الناس وأضعفهم وطحنوه ~~بالرحى مثل الإماء , وكذلك شاوول - وفي نسخة : طالوت - الملك لما كان طائعا ~~لله تعالى كان الله ينصره , فلما عصاه أسلمه الله إلى أعدائه فظفروا به , ~~ولم ينتفع بعساكره وعدده , وأمصيا لما حارب ادوم غلبهم وظفر بهم , فلما أخذ ~~اصنامهم ونصبها في بيت المقدس سخط الله عليه , فلما حارب يواش ملك بني ~~إسرائيل بعد ذلك انهزم أقبح هزيمة لخذلان الله له وتركه معونته , واذكروا ~~هلاك عسكر ms2756 سنحاريب ملك الموصل العسكر العظيم بغير حرب ولا قتال بل بصلاة ~~حزقيا الملك والأنبياء عليهم السلام ودعائهم , واعتبروا بصدقيا الملك لما ~~عصى الكسدانيين وظن أنهم يغلبهم بعساكره وبعدته وخالف الأنبياء عليهم ~~السلام في مسالمتهم , هل انتفع بذلك ؟ وهل كانت عاقبته وعاقبة الأمة إلا ~~إلى الهلاك ؟ فهذا وغيره مما لم أذكره لكم يدلكم على عناية الله بالأخيار , ~~وخذلانه للعصاة الأشرار . | وساق لهم من مثل هذا كلاما كثيرا بلغيان ثم ~~رغبهم في طاعة اسفاسيانوس بالخصوص بما اشتهر من حسن سيرته , وقال : ولو لم ~~تعلموا ذلك إلا بما عاملني به من الجميل , وقد كنت أستوجب منه غير ذلك ~~لكفاكم , لأني كنت أول من اجتهد في محاربته , وقتلت خلفا كثيرا من أصحابه , ~~ولقد كنت أعلم أني خالفت الصواب , ولكني PageV04P356 لما رأيتكم بأجمعكم قد ~~اتفقتم على محاربتهم وبعثتموني لم أخالفكم , وبذلت المجهود في مناصحتكم , ~~وثبت في حصن يودنات إلى أن فنى أصحابي , وغلبني الأمر , ولم يبق لي حيلة , ~~ثم حصلت مع الروم فما أساؤوا إلي بل أحسنوا وأجملوا وعفو عني وأنا معهم إلى ~~هذه الغاية على ما أحب , وقد كنت اجتهدت قبل حصولي معهم أن أهب إليكم فما ~~تم لي ذلك , وأنا الآن أحمد الله تعالى إذ لم يسهل لي ذلك , فإني لو كنت ~~معكم لنت إما أن أشارككم في أفعالكم هذه فأكون مخطئا , أو أخالفكم فتقتلوني ~~ظلما , فتأملوا ما خاطبتكم به ولا تظنوا أن الله ينصركم , فإنكم لا تستحقون ~~ذلك لأنكم قد أسخطتموه , واستدلواعلى ذلك بآية عين سلوان , فإنها قد كانت ~~قريبة من الجفاف قبل أن ينزل بكم هذه العساكر , فلما نزلوا غزرت فصارت ~~كالنهر لتعلموا أن الله تعالى يريد معونة أعدائكم عليكم , وأنا أعلم أن ~~كلامي لا يؤثر فيكم ليتم ما قد حكم الله به كالحجارة بل هي أقسى وأصلب من ~~الحجارة , لأن الحجر قد يؤثر فيه الماء إذا دام انصبابه عليه , وأنتم لا ~~تؤثر فيكم المواعظ الكثيرة , ولا تلين قلوبكم ولا تنكسر , ولكن قد بلغت ~~الغاية فيما يلزمني من نصيحتكم , فاقبلوا نصحي ms2757 وأشفقوا على هذا القدس ~~الجليل الذي بنته الأنبياء المقدسون والملوك العظماء , فإن بقاء عزكم وثبات ~~أمركم مقرون ببقائه وعمارته , وإن خرب لم يبق لكم عز ولا إقبال ولا دولة , ~~فاقبلوا ما بذله لكم ابن الملك من الأمان , وثقوا بعهده وما ضمنه من ~~الإحسان , وأنا الضامن لكم عنه , وإن اتهمتموني بأني أخدعكم وأريد معاونة ~~الروم عليكم فأنتم تعلمون أن أبي وأمي وزوجي الكريمة لعي وأولادي معكم , ~~فإن ظهر لكم من طيطوس بعد مسالمتكم له ما تكرهون فاقتلوهم واقتلوني فقد ~~وهبتكم دماءهم ودمي على ذلم . | ثم بكى يوسف بكاء شديدا , وكان طيطوس يسمع ~~كلامه فرق له وأمر بإطلاق من كان من السبي في عسكره , وأطلق لهم أن يمضوا ~~حيث شاؤوا فمال أكثر أهل المدينة إلى طاعة طيطوس , فمنعهم الخوارج ووكلوا ~~بأبواب المدينة من يحفظها , وأمروا الموكلين أن يقتلوا كل من أراد الخروج , ~~ولما طالب الحصار اشتد الجوع , وكان الخوارج يفتشون منازل الناس وينهبون ~~الطعام ويقتلون من مانعهم عنه , فكان الناس يموتون في المدينة بالجوع , ومن ~~أراد الخروج إلى ظاهر المدينة ليأخذ شيئا من نبات الأرض قتله الخوارجن وإن ~~قدر على الخروج قتله الروم , فأفناهم ذلك , وكان طيطوس إذا سمع ذلك رق لهم ~~واستعطفهم , فلا يزيد استعطافه الخوارج إلا قسوة , ويخاطبونه بالقبيح ليكف ~~عن ذلك لئسلا يميل معه الناس , فلما رأى ذلك جد في إخراب السور الثالث ~~ليخلص الناس من الخوارج , فقسم عسكره أربعة أقسام ونصب كباشا على الجهات ~~PageV04P357 الأربع , فخرج إليهم الخوارج فقاتلوهم قتالا شديدا , وقتلوا من ~~الروم خلقا كثيرا , وكانوا قد ندبوا أربعة من أشدائهم لإحراق الكباش إذا ~~اشتغلوا بالقتال , ولم يزالوا يقاتلونهم حتى تم لهم ما أرادوا وأحرقوا ~~الكباش وجميع آلاتها , ونظر الروم من شجاعة اليهود وبأسهم ما هالهم ~~فانهزموا , فردهم طيطوس وجعل يشجعهم وقال : أما تأنفون أن يغلبكم اليهود ~~بعد أن استظهرنا عليهم , وهدمنا سورين من أسوار المدينة , ولم يبق غير سور ~~واجد , وقد هلك أكثرهم وليس لهم من ينصرهم , ونحن فعساكرنا متوافرة , ومعنا ~~أمم كثيرة تعيننا عليهم , ثم ms2758 أمرهم أن يتركوا قتالهم حتى يهلكوا من الجوع , ~~فضبطوا جميع طرق المدينة , فضاق الأمر بهم جدا واشتد الجوع , ولم يكن أحد ~~يقدر أن يطحن قمحا لئلا ينهب , ولا يخبر لئلا يفضحه الدخان , فكان من عنده ~~شيء يستفون القمح والدقيق , فمات كثير من الناس , واشتغل الأحياء بأنفسهمن ~~فما كانوا يدفنون موتاهم , وكان الحي ربما أخذ ميته فألقاه في بئر ثم يلقي ~~نفسه بعده ليموت , وكان بعضهم يحفر له قرا ثم يضطجع فيه حتى يموت , وامتلأت ~~الشوارع بالموتى , فكان الخوارج يلقونهم من السور إلى الوادي الشرقي , فلما ~~رآهم طيطوس اغتنم ورق لهم , وكان ببيت المقدس امرأة من أهل النعم , أصلها ~~من مدينة في حيرة الأردن , فلما كثرت الفتن هناك انتقلت في جملة من انتقل ~~إلى بيت المقدس بجميع عبيدها وسائر نعمتها , ولم يكن لها غير ابن واحد صغير ~~وهي تحبه حبا شديدا , فلما قويت المجاعة , ونهب الخوارج جميع ما عندها , ~~اشتد بها الأمر وكان ابنها تضور من الجوع , فلما زاد بها الجوع وما يؤلم ~~قلبها من تضور ابنها , ارادت قتل ابنها لتأكله , فبقيت حائرة لا تدري على ~~أي الأمرين تحمل نفسها , هل تقتل ولدها العزيز عليها بيدها , وذلك من أعظم ~~الأمور وأشنعها , أم تصبر على ما تراه به وبنفسها من البلاء وقد فارقها ~~الصبر وعدمت الجلد , ثم زاد بها الدوع فزال عنها التمييز فقالت : يا ابني ~~وواحدي ! قد كنت آمل أن تعيش حتى تبرني , وكنت أخاف أن تموت قبلي فأفجع ~~بموتك , فيا ليتني كنت قد ثكلتك فدفنتك واحتسبتك عند الله , والآن يا ولدي ~~فقد أحاط بنا المكروه وأيقنا بالهلاك , فالحي لا يرجو الحياة والميت لا ~~يدفن , وأنا وأنت هالكان , وإن مت يا بني لم يدفنك أحد وكنت كغيرك ممن ~~أكلته الكلاب وطيور السماء , وقد رأيت أن أقتلك لتستريح مما أنت فيه ثم ~~آكلك فأجلع بطني التي حملتك فيها قبرا لك , وأسد بك جوعي , فيكون ذلك عوض ~~برك بي الذي كنت أرجوه , وتناف بذلك الأجر العظيم , ويكون ذلك عارا على ~~هؤلاء الخوارج الذي ms2759 أوقعونا في هذا البلاء , وزيادة في سخط الله عليهم , ~~ويذكر ذلك على ممر الدهر , PageV04P358 ويتحدث به بعدنا الأجيال , ويعتبر ~~به ذوو الألباب , ثم قبضت على ابنها بيدها الواحدي وأخذت الحديدة بالأخرى ~~وهي كالمجنونة , وحولت وجهها عنه لئلا تراه وضربته بالحديدة فمات , ثم أخذت ~~منه وشوته وأكلته , فلما شم الخوارج ريح ذلك اللحم هجموا عليها فقالوا لها ~~: من أين لك هذا اللحم ؟ ولم استأثرت به علينا ؟ فقال : ما كنت بالتي أوثر ~~نفسي عليكم فاجلسوا , فجاءت بالمائدة وأخرت ما بقي من جسم ابنها وقالت : ~~هذا ولدي وأعز الناس عندي قتلته بيدي لإفراط الجوع وأكلت من لحمه , وهذا ~~بقية جسمه عزلتها لكم , فكلوا واشعبوا ولا تكونوا أشد رحمة لولدي مني , ولا ~~تضعف قلوبكم عن ذلك فإنه قبيح لشجعان مثلكم أن تكون امرأة أقوى قلبا منكم , ~~وأنتم أحق بأن ترضوا بهذا مني , لأنكم الذي سببتم علينا البلاء حتى بلغنا ~~هذا المبلغ , ثم رفعت صوتها تبكي وتنتحب وتنوح على ابنها , فملا رأوا ذلك ~~هالهم وخرجوا مذعورين واشتهر خبرهان فقلق الناس قلقا شديدا , وتحققوا صحة ~~الوعيد الذي سبق من الله , وانكسر الخوارج لذلك واستعظموه وأطلقوا للناس ~~الخروج , فخرج في ذلك الوقت خلق كثير . | فلما اتصل ذلك بطيطوس استعظمه ~~واشتد خوفه من الله تعالى , فرفع يده إلى السماء وقال : اللهم ! أنت العالم ~~بالخفيات والمطلع على السرائر والنيات , أنت تعلم أني لم أجئ إلى هذه ~~المدينة لأسيء إلى أهلها ولقد ساءني أمر هذه المرأة فلا تؤاخذني به , وطالب ~~هؤلاء الخوارج وانتقم منهم , وظفرني بهم ولا تمهلهم . | وأمر بالإحسان إلى ~~من خرج إليه من اليهود , فكان كثير منهم لا يقدرون على فتح أفواههم , وكثير ~~منهم مات لما أكل الطعام , وكان الصبيان وغيرهم يختطفون الخبز إذا نظروه ~~وينهشونه بلا عقل , فغذا أكلوا ماتوا , فقال طيطوس ليوسف بن كريون : ما ~~الحيلة في هؤلاء حتى لا يموتوا ؟ فقال : ينبغي أن يسقوا اللبن والحساء ~~الرقيق أياما حتى تلين أمعاؤهم , ثم الطعام بعد ذلك , ففعل ذلك فسلم منهم ~~جماعة . | وتقدم الروم إلى اسلور الثالث ms2760 ليهدموه فخرج إليهم يوحانان وشمعون ~~وأصحابهما مع ما هم فيه من الضر فقاتلوهم تقالا شديدا , وقتلوا منهم جماعة ~~, فأمر طيطوس بدفع الكبش على السور , فدفع عليه في الليل فهدم , وكبر الروم ~~تكبيرا عظيما وكبر اليهود من داخل المدينة , فلم يجسر الروم على دخول ~~المدينة , فلما أصبحوا إذا سور جديد بإزاء الهدم قد بناه اليهود تلك الليلة ~~وهم قيام عليه , فاستعظم الروم ذلك وأيسوا من الفتح , فقال طيطوس : هذا رطب ~~لم يستحكم , وإذا ضربه الكبش اسرع الانهدام , فطلع الروم على السور الذي ~~هدموه , ووقف اليهود على الجديد واشتد القتال , فهزمهم اليهود بعد أن قتلوا ~~كثيرا منهم فضجر الروم وعزموا PageV04P359 على الرحيل , فجمع طيطوس أصحابه ~~وقال : اعلموا أن كل من يعمل عملا فإنما قصده إلى الغاية : ولذلك يصبر على ~~التعب ليبلغ ما أراد , وربما كان آخر العمل أشق من أوله , فإن تركه ذهب ~~تعبه ضائعا وبقي عمله ناقصا لا ينتفع به . | وضرب لهم أمثالا في ذلك ثم قال ~~: وأنتم قد صبرتم على محاربة هؤلاء القوم واستظهرتم عليهم إلى هذه الغاية ~~حتى هلك رؤساؤهم وجبابرتهم , وخربت حصونهم ونفوا بالجوع والسف , ولم يبق ~~منهم غير شرذمة يسيرة كالموتى , فأن انصرفتم كنتم قد ضيعتم تعبكم وأنتم ~~علىأنفسكم أهنتموها عند كل من يسمع خبركم , ولو كنتم انصرفتم عنهم قبل هذا ~~كان أحسن بكم , وأما الآن فلا عذر لكم في عجزكم عن محاربة قوم قد بلغ بهم ~~الضر والجوع هذا المبلغ , فإن رجعتم عنهم طمع فيكم كل أحد , واجترأ عليكم ~~كل من يخافكم , ولم لا تتأسون باليهود في الصبر والشجاعة مع فناء رجالهم , ~~واجتماع المكاره عليهم , وانقطاع رجائهم , فصبرهم إما طمعا في الظفر , أو ~~أنفة من الغلبة , أو رغبة في بقاء الذكر , فأنتم أحق بذلك منهم لتدفعوا ~~العار عن أنفسكم على أنكم قد صبرتم في أيام تيروس قيصر على محاربة هؤلاء ~~القوم , وعملتم على أن لا ترجعوا عنهم إلا بعد الظفر , فلما ملك أسفسيانوس ~~الذي هو أشجع من تيروس وأعظم بأسا , أردتم أن ترجعوا عنهم قبل أن ms2761 تظفروا , ~~فأي عذر لكم . | فلما سمعوا هذا ثبتوا . | ثم مضى جماعة منهم ليلا , فصعدوا ~~من تلك الثلمة ودخلوا إلى المدينة فكبروا , فانتبه اليهود وكانوا قد ناموا ~~لطول تعبهم وضرهم , ولزم كل منهم مكانه , ومضى طيطوس إلى أصحابه فوقف عند ~~السور إلى أن أصبحوا , فانهزم اليهود إلى القدس وتبعهم الروم فاقتتلوا في ~~الصحن البراني , ولم يكن إلا السيوف لضيق الموضع , فكان بينهما قتال لم يكن ~~فيما مضى لاستقبال الجميع , لأنهم حصلوا في موضع لا مطمع فيه بالسلامة إلا ~~بالصدق في القتال , وكان الكل رجالة , فعظمت الحرب بينهم وعلت أصواتهم ~~وضجيجهم حتى سمعت من البعد , وكثرت القتلى في الفريقين واستظهر اليهود آخرا ~~وأخرجوا الروم قرب ربع النهار , وأمر طيطوس بهدم سور مضوع متصل بالقدس يسمى ~~أنطونيا ليتسع المجال لأصحابه , فلما هدم ذلك انثلم سور القدس وسهلت الطريق ~~إليه , فبادر اليهود وبنوه وأدخلوه في جملة القدس فصار مربعا , فكان ذلك ~~تصديق ما رأوه قبل ذلك مكتوبا على الحجر القديم المقدم ذكره ( إذا كمل ~~بنيان القدس فصار مربعا فعند ذلك يخرب بيت المقدس ) وكان اليهود نسوا ذلك , ~~فلما رأوه تذكروا وعلموا أن المدة قد تمت وأنه سيخرب . | وكان يوم هذه ~~الحرب العظيمة عيد العنصرة , فقرب طيطوس من القدس وكلمهم PageV04P360 ~~ورغبهم في المسالمة ليتمكنوا من العبادة في هذا العيد , ووعدهم بالإحسان ~~إليهم وقال : قد علمتم أن ملككم بحنيا لما حاضره بختنصر ملك بابل وخرج غليه ~~مستأنفا , انتفع بذلك ونفع قومه وبلده فسلموا , وأن صدقيا الملك لما لج في ~~محاربة بختنصر ولم يسالمه كما أمرته الأنبياء , أهلك المدينة والأمة وأساء ~~إلى نفسه وإليهم , فسبيلكم أن تعبروا بهما وتهتدوا بأصوبهما فعلا وأحمدهما ~~عاقبة , فاقبلوا نصيحتي , واكتفوا بما جرى , ووعدهم أن يعفو عن جميع ما ~~تقدم ويحسن إليهم - وأطال الكلام . | وكان يوسف بن كريون يترحم لهم ويبكي ~~بكاء شديدا , ثم قال لهم يوسف : إني لست أعجب منخراب هذه المدينة , لعلمي ~~بأن مدتها قد انتهت , ولكني أتعجب منكم وأنتم تقرؤون كتاب دانيال النبي ~~عليه السلام وتعلمون ما ذكره من ms2762 بطلان القرابين وعدم الكاهن المسيح , وأنتم ~~مع ذلك لا تنكسرون ولا تخضعون لله , ولا تستسلمون لمن قد سلطه الله عليكم . ~~| فلم يقبل الخرواج ولا رجعوا غير أن جماعة من الكهنة والرؤساء تم لهم ~~الخروج إلى الروم فآمنهم وأحسن إليهم , فمنع الخوارج من بقي , وضبطوا الطرق ~~, فبكى اليهود وشكوا منع الخوارج لهم من الخروج , فأراد الخوارج قتلهم ~~فبادر الروم ليخلصوهم فهجموا إلى القدس فقاتلوهم قتالا شديدا فانهزم الروم ~~, وأدتهم الهزيمة إلى داخل القدس الأعظم قدس الأقداس , فقتلهم اليهود فيه , ~~فاختار طيطوس من عسكره ثلاثين ألفا وأمرهم أن يدخلوا إلى صحن القدس ~~لمحاربتهم , وأراد هو الدخول معهم فمنعه أصحابه وقالوا : قف على موضع عال ~~لتقوى قلوب أصحابك , ويبذلوا المجهود في القتال , ولا تخاطر بنفسك وبنا , ~~واتفق رأيهم على بيات , فعلم بذلك اليهود فلم يناموا تلك الليلة , فلما ~~أصبحوا افترق اليهود على أبواب صحن القدس وأقاموا على مقاتلة الروم سبعة ~~أيام , فقتلوا منهم جماعة كثرة وأبعدوهم عن القدس , فأمر طيطوس أصحابه ~~بالكف عنهم ليفيهم الجوع , وكان بقرب القدس قصر عظيم من بناء سليمان بن ~~داود عليهما السلام , ثم زاد فيه ملوك البيت الثاني طبقة عالية من الخشب ~~الحسن ووزروا جميع الجدر بالخشب , فطلوا جميع ما فيه من الخشب بالنفط ~~والكبريت والزفت , ثم أخفوا فيه رجلا منهم ليشعل النار في مواضع من ذلك ~~الخشب إذا دخله الروم , وكان يفه باب خفي يخرج إلى مضوع آخر لا يفطن له إلا ~~من يعرفه , ثم مضوا إلى عسكر الروم ليلا وهم في القدس فناوشوهم , فاجتمع ~~عليهم من الروم خلق كثير فقاتلوهم ساعة , ثم انهزموا فدخلوا هذا القصر , ~~فدخل الروم وراءهم فلم يجدوا أحدا منهم , فصعدوا إلى الطبقة العالية , فخرج ~~اليهودي الذي كان قد اختفى , فاختلط بهم وأطلق النار في تلك المواضع , ~~فاضطرمت النار في جميع جوانبه فبادر الروم إلى الباب PageV04P361 فوجدوا ~~اليهود قد سدوه بسيوفهم فهلكوا , وكان فيهم جماعة من وجوه الروم , فخاف ~~الروم من اليهود ولم يأمنوا أن يحتالوا عليهم بأمر آخر , فخرجوا من القدس ~~والمدينة ms2763 ورجعوا إلى معسكرهم , فأمر طيطوس بضبط الطرق والتضييق عليهم ~~ليهلكهم الجوع فمات أكثرهم , وخرج كثر من أصحاب الخوارج إلى طيطوس فقتلهم , ~~ثم دخلت الروم إلى بيت الله فلم يجدوا من يمانعهم , وكان طيطوس قد أكد على ~~أصحابه في أن لا يحرقوا القدس فقال له رؤساء أصحابه : إنك إن لم تحرقه لم ~~تتمكم من اليهود , لانهم لا يزالون يقاتلون ما كان باقيا , فغذا أحرق ذهب ~~عزهم فانكسرت قلوبهم فلم يبق لهم ما يقاتلون عنه , فقالك لا تحرقوه إلا أن ~~آمركم , وكان في طريقه باب مغشى بصفائح الفضة وهو مغلق , فأحرقه بعض الروم ~~ليأخذوا الفضة , فلما احترق وجدوا الطريق إلى القدس الأجل , فدخلوه وحملوا ~~أصنامهم فنصبوها فيه , فخرج قوم ممن بقي من اليهود في الليل إلى أولئك الذي ~~في القدس فقتلوهم , فلما بلغ ذلك طيطوس جاء إلى القدس فقتل أكثر من وجد فيه ~~من اليهود , وهرب من بقي منهم إلى جبل صهيون , فلما كان العد أحرق الروم ~~أبواب قدس الأقداس , وكانت مغشاة بالذهب , فلما سقطت كبروا وصرخوا صراخا ~~عظيما , فجاء طيطوس مسرعا ليمنع من إحراقه لم يتم له ذلك , قبل أن يحترق , ~~فلما رأى حسنه وبهجته تحير وتعجب وقال : حقا إن هذا البيت الجليل ينبغي أن ~~يكون بيت الله غله السماء ومسكن جلاله ونوره , وإنه ليحق لليهود أن يحاربوا ~~عنه ويستقلوا عليه , ولقد أصابت الأمم وأحسنت فيما كانت تفعله من إعظام هذا ~~البيت وإكرامه وحمل الهدايا إليه , وإنه لأعظم نم هيكل رومية ومن جيمع ~~هياكل الأمم التي شاهدناها وبلغنا خبرها , وما أردت إحراقه ولكن هم فعلوا ~~ذلك بشرهم ولجاجهم , وكان من بقي من الكهنة لما رأوا الحريق حاربوا الروم ~~عنه , فملا علموا أنهم عاجزون عن دفعهم قالوا : ما نريد أن نبقي بعده ~~فطرحوا أنفسهم في النار فهلكوا , ومضى عند ذلك من بقي من اليهود غلى جميع ~~ما في المدينة من القصور الجليلة والمنازل الحسنة فأحرقوها بجميع ما فيها ~~من الذخائر والآلات , وكان حريق القدس في اليوم العاشر من الشهر الخامس وهو ~~آب ms2764 , وذلك نظير اليوم الذي أحرق فيه الكسدانيون البيت الأول . | ولما كان ~~في غد هذا اليوم ظهر من اليهود رجل متنبئ فقال لهم : اعلموا أن هذا القدس ~~سيعود على قليل مبينا كما كان من غير أن يبنيه الآدميون , بل بقدرة الله ~~تعالى , فداموا على ما أنتم عليه من محارب الروم والامتناع من طاعتهم , ~~فاجتمع عليه جماعة فقاتلوا , فظفر بهم الروم فقتلوهم بأسرهم , وقتلوا كثيرا ~~من عوام اليهود وضعائفهم ممن PageV04P362 كانوا قد رحموه قبل ذلك , وراسل ~~يوحانان وشمعون طيطوس يطلبان منه الأمان فقال : قد كنت طلبت إليكما ذلك قبل ~~, فأما الآن فأنتما في قبضتي وليس لي عذر عند الله ولا عند أحد من الناس في ~~استبقائكماز فانحدر ليلا إلى القدس بأصحابهما فقتلوا قائدين من الروم فأمر ~~طيطوس بقتل من بقي في المدينة من اليهود ممن كان قدر رحمه , فلما رأى أصحاب ~~شمعون ذلك خافوا على أنفسهم , فأرسلوت إلى طيطوس أن يؤمنهم , فقتل شمعون ~~رؤساءهم وهرب الباقون إلى طيطوس فآمنهم وكف أصحابه عمن بقي من اليهود في ~~المدينة ؛ ثم هرب شمعون ويوحانان من جبل صهيون إلى موضع استتر فيه , فتم ~~استيلاء طيطوس على جميع البلد وهدم سور جبل صهيون , ولما طال عليهما ~~الاستتار واش بهما الجوع خرجا إلى طيطوس فقتلهما , ثم رحل متوجها إلى روميه ~~ومعه السبي والغنائم , وكان كلما نزل العازر لما رأى إفساد شمعون وقتله من ~~لم يكن له ذنب من اليهود قد علم أن لا مخلص لهم من البلاء , فخرج عنه قبل ~~استيلاء الروم على البلد عنها وأقام في بعض المواضع , فلما رحل طيطوس مضى ~~إلى قرية مصيرا فعمر حصنها , فسمع به طيطوس وهو بأنطاكية فرد إليه قائدا من ~~قواده فحاصره , فلما عاين الهلكة دعا أصحابه إلى قتل من خلفهم من العيال ~~والاستقتال ليموتوا أعزة , فأجابوه إلى ذلك وقاتلوا حتى قتلوا كلهم - ~~فسبحان القوي الشديد , الفعال لما يريد . | ولما انقضى ذلك , كان كأنه قيل ~~: أما لهذه المرة من كرة كالأولى ؟ فأطمعهم بقوله سبحانه وتعالى : { عسى ~~ربكم } أي الذي عودكم بإحسانه ms2765 { أن يرحمكم } فيتوب عليكم ويكرمكم ؛ ثم ~~أفزعهم بقوله تعالى : { وإن عدتم } أي بما نعلم من دبركم إلى المعصية مرة ~~ثالثة فما فوقها { عدنا } أي بما تعلمون لنا من العظمة , إلى عذابكم في ~~الدنيا , وقد عادوا غير مرة بما أشار إليه الكلام , وإن كان في سياق الشرط ~~, ليظهر الفرق بين كلام العالم وغيره , وأشار إلى ذلك قوله في التوراة عقب ~~ما مضى : وإذا تمت عليك هذه الأقوال كلها والدعاء واللعن الذي تلوت عليك ~~فتب في قلبك وأنت متفرق بين الشعوب التي يفرقك الله فيها , واقبل إلى ربك ~~واسمع قوله , واعمل بجميع ما آمرك به اليوم أنت وبنوم من كل قلبك , فيرد ~~الرب سبيك ويرحمك , ويعود فيجمعك من جميع الشعوب التي فرقك فيها , وإن كان ~~المبددون يا آل إسرائيل في أقطار الأرض يجمعك الله ربك من هناك ويقربك من ~~ثم ويردك إلى الأرض التي ورثها أبوكم وترثون , وينعم عليكم وتكثرون أفضل من ~~آبائكم , ويختن الله الرب قلوبكم وقلوب نسلكم إلى الأبد , وتتقون الله ربكم ~~من كل قلوبكم وأنفسكم لما يريحكم وينعمكم وينزل الله كل PageV04P363 هذا ~~اللعن بأعدائكم وشنأتكم الذي آذوكم . | { وجعلنا } أي بعد بعظمتنا { جهنم } ~~التي تلقى داخلها بالتهجم والكراهة { للكافرين } وهذا الوصف الظاهر موضع ~~ضمير لبيان تعليق الحكم به على سبيل الرسوخ سواء في ذلك هم وغيرهم , وفيه ~~إشارة إلى أنهم يعودون إلى الإفساد , وإلى أن منهم من يؤمن ومنهم من يكفر { ~~حصيرا * } أي محبسا يحصرهم غاية الحصر , وعن الحسن أن الحصير هو الذي يفرش ~~ويبسط , فالمعنى أنه يجعلها مهادهم . | < < # | الإسراء : ( 9 - 11 ) إن هذا القرآن . . . . . # > > ^ ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا كبيرا * وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم ~~عذابا أليما * ويدع الإنسان بالشر دعآءه بالخير وكان الإنسان عجولا ) ^ } ) ~~| ولما ثبت ان كتاب موسى عليه السلام الذي أنزل عليه فيما بين مصر وبيت ~~المقدس في تلك المدة المتطاولة هو هدى لبني إسرائيل , صادق الوعد والوعيد ~~فيما قضى فيه إليهم من أمرهم ms2766 وأمر بيت المقدس من ترقية حال من أطاعه ~~وإعلائهم وأخذ من عاداهم ومن تعكيس أحوال العصاة مرة بعد أخرى بتسليط ~~الأعداء عليهم بالقتل والأسر والنهب وتخريب البلاد , تنبيها على أن طاعة ~~الله تجلب كل خير وكرامة , ومعصيته توجب كل بلية , كما كشف عنه الزمان على ~~ما هو معروف من تواريخ اليهود وغيرها , لاح أن القرآن يزيد عليه في كل معنى ~~حسن وأمر شريف فيما أتى به من الوعود الصادقة , والأحكام المحكمة , ~~والمعاني الفائقة , في النظوم العذبة الرائقةن مع الإعجاز عن الإتيان بآية ~~من مثله لجميع الإنس والجان بنسبة ما زاد المسير المحمدي إلى بيت المقدس - ~~الذي أراه فيه من آياته - على المسير الموسوي الذي آتاه فيه الكتاب , فقال ~~- في جواب من كأنه قال : قد علم أن كتاب موسى عليه السلام الذي أنزل في ~~مسيرة لقصد محل المسجد الأقصى قيم في الهداية والوعود الصادقة , فما حال ~~الكتاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي أنزل عليه منه في سبب مسيرة ~~إليه في ذلك ؟ { إن هذا القرءان } أي الجامع لكل حق والفارق بين كل ملتبس { ~~يهدي } . | ولما كان صاحب الذوق السليم يجد لحذف الموصوف هزة وروعة , لما ~~يجد من الفخامة بإبهامه لا يجدها عند ذكره وإيضاحه , قال { للتي } أي ~~للطرائق والأحوال والسنن التي { هي أقوم } من كل طريقة وسنة وحال دعا إليها ~~كتاب من الكتب السماوية , أما في الصورة فباعتبار ما علا من البيان , وأما ~~في الوعود فباعتبار العموم لجميع الخلق في الدارين , وأما في الأصول ~~فبتصريف الأمثال وتقريب الوسائل , وحسم PageV04P364 مواد الشبه وإيضاح وجوه ~~الدلائل , وأما الفروع فباعتبار الأحسنية تارة في السهولة والخفة , وتارة ~~في غير ذلك - كما هو واضح عند من تأمل ما بين الأمرين . | ولما انقسم الناس ~~إلى مهتد به وضال , أتبع ذلك بيانه , وكان التعبير عن حالهما بالبشرى في ~~قوله تعالى : { ويبشر المؤمنين } أي الراسخين في هذا الوصف , ولهذا قيدهم ~~بيانا لهم بقوله تعالى : { الذين } يصدقون إيمانهم بأنهم { يعلمون } أي على ~~سبيل التجديد والاستمرار والبناء على العلم ms2767 { الصالحات } من التقوى ~~والإحسان { أن لهم } أي جزاء لهم في ظاهرهم وبواطنهم { أجرا كبيرا * } ~~إشارة إلى صلاح هذه الأمة وثباتهم على دينهم وأنه لا يزال أمرهم ظاهرا كما ~~كان إنذار كتاب موسى عليه السلام قومه إشارة إلى إفسادهم وتبديلهم دينهم . ~~| ولما بشرهم بما لهم في أنفسهم , أبتعه ما لهم في أعدائهم فقال تعالى : { ~~وأن } أي ويبشر المؤمنين أيضا بأن { الذين لا يؤمنون } أي لا يتجدد منهم ~~إيمان { بالآخرة } حقيقة أو مجازا , المسبب عنه أنهم لا يعلمون الصالحات ~~حقيقة لعدم مباشرتها , أو مجازا ببنائها على غير أساس الإيمان ؛ وعبر ~~بالعتاد تهكما بهم , فقال تعالى : { أعتدنا } أي أحضرنا وهيأنا ما هو في ~~غاية الطيب والنفاسة والملاءمة على سبيل الوعد الصادق الذي لا يتخلف بوجه , ~~وهو مع ذلك منظور إليه , لعظمتنا { لهم } من عندنا بواسطة المؤمنين أو بلا ~~واسطة . | ولما استشرف الأعداء إلى هذا الوعد استشرف المغتبط المسرور , ~~أتاهم في تفسيره بما خلع قلوبهم على طريقة ( تحية بينهم ضرب وجيع ) وسر ~~قلوب الأولياء سرورا عظيما , فقال تعالى : { عذابا أليما * } فإنه لا بشرى ~~لذوي الهمم أعلى ولا أسرمن الانتقام من مخالفيهم , فصار فضل الكتاب على ~~الكتاب كفضل الذهاب على الذهاب , وحذف المؤمنين الذين لا يعلمون الصالحات , ~~لتمام البشارة بالإشارة إلى أنهم من القلة في هذه الأمة الشريفة بحيث لا ~~يكادون أن يوجدوا . | ولما ذكر سبحانه ما لكلامه من الدعاء إلى الأقوام , ~~أتبعه ما عليه الإنسان من العوج الداعي له إلى العدول عن التمسك بشرائعه ~~القويمة والإقدان على ما لا فائدة فيه , تنبيها على ما يجب عليه من التأني ~~للنظر فيما يدعو إليه نفسه ووزنه بمعيار الشرع , فقال تعالى : { ويدع } حذف ~~واوه - الذي هو لام الفعل - خطأ في جميع المصاحف ولا موجب لحذفه لفظا في ~~العربية - مشير إلى أنه يدعو بالشر لسفهه وقلة عقله , وهو لا يريد علو الشر ~~عليه - بما أشير إليه بحذف ما معناه عند أهل الله الرفعة والعلو , وإلى أن ~~غاية فعله الهلاك إلى أن يتداركه الله , وقد ذكرت حكم الوقف عليه ms2768 وعلى ~~أمثاله في سورة PageV04P365 القمر { الإنسان } أي عند الغضب ونحوه على نفسه ~~وعلى من يحبه , لما له من الأنس بنفسه والنسيان لما يصلحه { بالشر } أي ~~ينادي ربه ويتضرع إليه بسبب إيقاع الشر به { دعاءه } أي مثل دعائه { بالخير ~~} أي بحصول الخير له ولمن يحبه ؛ ثم نبه على الطبع الذي هو منبع ذلك , فقال ~~تعالى : { وكان الإنسان } أي هذا النوع بما له من قلة التدبر لاشتغاله ~~بالنظر في عظفيته والأنس بنفسه , كونا هو مجبول عليه { عجولا * } أي مبالغا ~~في العجلة يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله من غير أن يتأنى ~~فيه تأني المتبصر الذي لا يريد أن يوقع شيئا إلا في أتم مواقعه , ولذلك ~~يستعجل العذاب لنفسه استهزاء , ولغيره استشفاء ؛ والعجلة : طلب الشيء في ~~غير وقته الذي لا يجوز تقديمه عليه , وأما السرعة فهي عمله في أول وقته ~~الذي هو أولى به . | < < # | الإسراء : ( 12 - 16 ) وجعلنا الليل والنهار . . . . . # > > ^ ( وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونآ آية الليل وجعلنآ آية النهار ~~مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه ~~تفصيلا * وكل إنسان ألزمناه طآئره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا ~~يلقاه منشورا * اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا * من اهتدى فإنما ~~يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا * وإذآ أردنآ أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق ~~عليها القول فدمرناها تدميرا ) ^ } ) | ولما ثبت ما لصفته تعالى من العلو , ~~ولصفة الإنسان من السفول تلاه بما لأفعاله تعالى من الإتقان , ذاكرا ما هو ~~الأقوم من دلائل التوحيد والنبوة في العالمين : العلوي والسفلي , ثم ما ~~لأفعال الإنسان من العوج جريا مع طبعه , أو من الإحسان بتوفيق اللطيف ~~المنان , فقال تعالى مبينا ما منحهم به من نعم الدنيا بعد ما أنعم عليهم به ~~من نعم الدين : { وجعلنا } أي بما لنا من العظمة { اليل والنهار آيتين } ~~دالتين على تمام العلم وشمول القدرة , آية الليل كالآيات المتشابهة , وآية ms2769 ~~النهار كالمحكمة , فكما أن المقصود من التكليف لا يتم إلا بذكر المحكم ~~والمتشابه فكذلك الزمان لا يتيسر الانتفاع به إلا بهاتين الآيتين { فمحونا ~~} أي بعظمتنا الباهرة { آية اليل } بإعدام الضياء فجعلناها لا تبصر بها ~~المرئيات كما لا يبصر الكتاب إذا محي { وجعلنا } أي بعظمتنا { ءاية النهار ~~} ولما كانت في غاية الضياء يبصر بها كل من له بصر , أسند الإبصار إليها ~~مبالغة فقال : { مبصرة } أي بالشمس التي جعلها منيرة في نفسها , فلا تزال ~~هذه الدار الناقصة في تنقل من نور إلى ظلمة ومن ظلمة إلى نور كما للإنسان - ~~بعجلته التي يدعو إليها طبعه وتأنيه الداعي إليه عقله - من انتقال من نقصان ~~إلى كمال ومن كمال إلى نقصان , PageV04P366 كما أن القمر الذي هو أنقص من ~~الشمس كذلك : ثم ذكر بعض المنافع المترتبة على ذلك , فقال تعالى : { ~~لتبتغوا } أي تطلبوا طلبا شديدا { فضلا من ربكم } أي المحسن إليكم فيهما ~~بضياء هذا تارة وبرد هذا أخرى { ولتعلموا } بفصل هذا من هذا { عدد السنين } ~~أي من غير حاجة إلى حساب , لأن النيرين يدلان على تحول الحول بمجرد تنقلهما ~~. | ولما كانا أيضا يدلان على حساب المطالع والمغارب , والزيادة والنقصان , ~~وغير ذلك من الكوائن , لمن أمعن النظر , وبالغ في الفكر , قال تعالى : { ~~والحساب } أي جنسه , فصلناهما لذلك على هذا الوجه المتقن بالزيادة والنقصان ~~, وتغير الأحوال في أوقات معلومة , على نظام لا يختل على طول الزمان مقدار ~~ذرة , ولا ينحل قيس شعرة إلى أن يريد الله خراب العالم وفناء الخلق , فيبيد ~~ذلك كله في أسرع وقت وأقرب زمن , ولولا اختلافهما لا ختلطت الأوقات وتعطلت ~~الأمور { وكل شيء } غيرهما مما تحتاجون إليه في دينكم أو دنياكم { فصلناه } ~~أي بعظمتنا , وأزلنا ألباسه , وأكد الأمر تنبيها عل تمام القدرة , وأنه لا ~~يعجرزه شيء يريده , فقال تعالى : { تفصيلا * } فانطروا بأبصاركم وبصائركم , ~~وتتبعوا في علانياتكم وسرائركم , وتجدوا أمرا متقنا ونظاما محكما < # > 77 ( { ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } ) 77 < # > [ الملك : 4 ] . | ولما كان هذا أمر دقيقا جدا , أتبعه ما ms2770 هو أدق منه ~~وأغرب في القدرة والعلم من تفاصيل أحوال الآدميين , بل كل مكلف بعضها من ~~بعض من قبل أن يخلقهم , فقال تعالى : { وكل إنسان } أي من في طبعه التحرك ~~والاضطراب { ألزمناه } أي بعظمتنا { طائره } أي عمله الذي قدرناه عليه من ~~خير وشر , ولعله عبر به لأنهم كانوا لا يقدمون ولا يحجمون في المهم من ~~أعمالهم إلا بالطائر فيقولون : جرى لفلان الطائر بكذا . | { في عنقه } أي ~~الذي محل الزين بالقلادة ونحوها , والشين بالغل ونحوه , إلزاما لا يقدر أن ~~ينفك عن شيء منه كما لا يقدر على الانفكاك عن العنق , وذلك كما ألزمنا بني ~~إسرائيل ما قضينا إليهم في الكتاب , فكان كما قلنا , وهم يعلمون نه من ~~السوء بمكان , فلم يقدروا على الاحتراز منه والانفصال عنه , فلا يمكن أن ~~يظهر في الأبد إلا ما قضى به في الأزل ( جف القم بما هو كائن ) { ونخرج } ~~أي بما لنا من العظمة وشمول العلم وتمام القدرة { له يوم القيامة } أي الذي ~~لا بد من إيجاده { كتابا } بجميع ما عمل { يلاقه } حال كونه { منشورا * } ~~تكتبه حفظتنا كل يوم , ثم إذا صعدوا قابلوا ما فيه على ما سطرناه قديما في ~~اللوح المحفوظ فيجدونه كما هو , لا خلاف فيه أصلا , فإذا لقي كتابه يوم ~~العرض قيل له : { اقرأ كتابك } أنت بنفسك غير ملزم بما يقرأه غيرك { كفى } ~~PageV04P367 وحقق الفاعل بزيادة الباء فقال تعالى : { بنفسك اليوم } أي في ~~جميع هذا اليوم الذي تكشف فيه الستور , وتظهر جميع الأمور { عليك حسيبا * } ~~أي حاسبا بليغا , فإنك تعطي القدرة على قراءته أميا كنت أو قارئا , ولا ترى ~~فيه زيادة ولا نقصا , ولا تقدر أن تنكر منه حرفا , إن أنكره لسانك شهدت ~~عليك أركانك , فيا لها من قدرة باهرة , وقوة قاهرة , ونصفة ظاهرة ! . | ~~ولما كان ما مضى , أنتج قطعا معنى ما قلنا لبني إسرائيل { إن أحسنتم } ~~الآية , لكل أحد منهم ومن غيرهم , وذلك قوله تعالى : { من اهتدى } فتبع ~~الهدى { فإنما يهتدي لنفسه } لأن ثوابه لا يتعداه { ومن ضل } بالإعراض عما ~~أنزلنا من ms2771 البيان { فإنما يضل عليها } لأن عقابه عليه , لا يتجاوزه { ولا ~~تزر وازرة } أي أي وازرة كانت { وزر أخرى } لتخفيف عنها , بل لكل جزاء عمله ~~لا تيعداه إلى غيره , فنثيب من اهتدى ونعذب من ضل { وما كنا } أي على ~~عظمتنا { معذبين } أحدا { حتى نبعث } أي بعثا يناسب عظمتنا { رسولا * } فمن ~~بلغته دعوته فخالف أمره واستكبر عن اتباعه عذبناه بما يستحقه , وهذا أمر قد ~~تحقق بإرسال آدم عليه السلام ومن بعده من الأنبياء الكرام عليهم الصلاة ~~والسلام في جميع الأمم كما قال تعالى < # > 77 ( { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا } ) 77 < # > [ النحل : 36 ] < # > 77 ( { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير } ) 77 < # > [ فاطر : 24 ] فإن دعوتهم إلى الله تعالى قد انتشرت , وعمت الأقطار ~~واشتهرت , انظر إلى قول قريش الذين لم يأتهم نبي بعد إسماعيل عليه السلام < # > 77 ( { ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة } ) 77 < # > [ ص : 7 ] فإنه يفهم أنهم سمعوه في الملة الأولى فمن بلغته دعوة أحد ~~منهم بوجه من الوجوه فقصر في البحث عنها فهو كافر مستحق للعذاب , فلا تغتر ~~بقول كثير من الناس في نجاة أهل الفترة مع إخبار النبي صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم أن آباءهم الذين مضوا في الجاهلية في النار , وأن ما يدحرج الجعل ~~خير منهم - إلى غير ذلك من الأخبار ؛ قال الإمام أبو عبد الله الحليمي أحد ~~أجلاء الشافعية وعظماء أئمة الإسلام رضي الله عنهم في أوائل منهاجه في باب ~~من لم تبلغه الدعوة : وإنما قلنا : إن من كان منهم عاقلا مميزا إذا رأى ~~ونظر إلا أنه لا يعتقد دينا فهو كافر , لأنه وإن لم يكن سمع دعوة نبينا صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم فلا شك أنه سمع دعوة أحد من الأنبياء الذين كانوا ~~قبله صلى الله عليه وعلى آله وسلم على كثرتهم , وتطاول أزمان دعوتهم , ~~ووفور عدد الذين آمنوا بهم واتبعوهم والذين كفروا بهم وخالفوهم , فإن الخبر ~~قد يبلغ علىلسان المخالف كما يبلغ على لسان الموافق , وإذا سمع آية دعوة ~~كانت إلى الله ms2772 فترك أن يستدل بعقله على صحتها وهو من أهل الاستدلال والنظر ~~, كان بذلك معرضا عن الدعوة فكفر - والله أعلم , وإن أمكن أن PageV04P368 ~~يكون لم يسمع قط بدين ولا دعوة نبي ولا عرف نبي أن في العالم من يثبت إلها ~~- وما نرى أن ذلك يكون - فإن كان فأمره على الاختلاف - يعني عند من يوجب ~~الإيمان بمجرد العقل ومن لا يوجبه إلا بانضمام النقل . | وما قاله الحليمي ~~نقل نحوه عن الإمام الشافعي نفسه رضي الله عنه ؛ قال الزركشي في آخر باب ~~الديات من شرحه على المنهاج : وقد أشار الشافعي إلى عسر قصور - أي عدم بلوغ ~~- الدعوة حيث قال : وما أظن أحدا إلا بغته الدعوة إلا أن يكون قوم من وراء ~~النهر بكوننا , وقال الدميري : وقال الشافعي : ولم يبق من لم تبلغه الدعوة ~~. | ولما أشار إلى عذاب المخالفين , قرر أسبابه وعرف أنها بقدره , وأن قدره ~~لا يمنع حقوق العذاب , لبناء الأمر على ما يتعارفه ذوو العقول بينهم فقال ~~تعالى : { وإذا } أي فنبعث الرسل بأوامرنا ونواهينا , وإذا أردنا أن نحيي ~~قرية الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة , ألقينا في قلوب أهلها أمتثال ~~أوامرنا والتقيد باتباع رسلنا , وإذا { أردنا } وإرادتنا لا تكون إلا عظيمة ~~جدا { أن نهلك } أي بعظمتنا { قرية } في الزمن المستقبل { أمرنا } أي بما ~~لنا من العظمة التي لا يقدر أحد على مخالفتها { مترفيها } الذين لهم الأمر ~~والنهي بالفسق , أي استدرجناهم بإدرار النعم ودفع النقم على ما يعلمون من ~~المعاصي , الذي كان - بكونه سببا لبطرهم ومخالفتهم - كالأمر بالفسق { ~~ففسقوا فيها } بعد ما أزال الرسول معاذيرهم بتبليغ الرسالة كما قال تعالى < # > 77 ( { فلما نسوا ما ذكروا به } ) 77 < # > - أي على ألسنة الرسل - < # > 77 ( { فتحنا عليهما أبواب كل شيء } ) 77 < # > [ الأنعام : 44 ] الآية < # > 77 ( { وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها ليمكروا فيها } ) 77 < # > [ الأنعام : 123 ] وخص المترفين لأن غيرهم لهم تبع , ولأنهم أحق الناس ~~بالشكر وأولى بالانتقام عند الكفر , ويجوز أن يكون : أمرناهم بأوامرنا ~~ففسقوا فيها , أي الأوامر بالطاعات التي يعلم قطعا أن أوامرنا تكون ms2773 بها ولا ~~تكون بغيرها , لأنا لا نأمر بالفحشاءن وقد جرت العادة بأن المترف عسر ~~الانقياد , لا تكاد تسمح نفسه بأن يصير تابعا بعدما كان متبوعا , فعصوا ~~فتبعهم غيرهم لأن الأصاغر تبع للأكابر فأطبقوا على المعصية فأهلكناهم , ~~وقرأ يعقوب : آمرنا - بمد الهمزة بمعنى كثرنا , من آمرت الشيء وأمرته فأمر ~~- إذا كثرته وفي الحديث ( خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة ) أي كثيرة ~~النتاج ؛ وروى البخاري في التفسير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : ~~كنا نقول للحي إذا كثروا في الجاهلية : آمر بنو فلان . | والكثرة راجعة إلى ~~PageV04P369 الأمر الذي هو ضد النهي , فإنه نتيجة العز الذي هو لازم الكثرة ~~, ويجوز أن يكون من المؤامرة , أي أمرناهم بأوامرنا فما امتثلوا وأمرونا ~~بأوامرهم , أي سألونا ما يريدون فأعطيناهم ذلك استدراجا فأبطرهم نيل ~~الأماني ففسقوا { فحق } أي وجب وجوبا لا شك في وقوعه { عليها القول } الذي ~~توعدناهم به على لسان الرسول بمباشرة البعض للفسق وسكوت الباقين على حسب ~~ماتتعارفونه بينكم في أن من خالف الأمر الواجب للفسق وسكوت الباقين على حسب ~~ما تتعارفونه بينكم في أن من خالف الأمر الواجب عليه استحق العقاب { ~~فدمرناها } أي أهلكناها إهلاكا شديدا بغتة غير مبالين بها فجعلناها كالمدرة ~~المفتتة , وكان أمرها على عظمتنا هينا , ولذلك أكد فقال تعالى : { تدميرا * ~~} . | < < # | الإسراء : ( 17 - 21 ) وكم أهلكنا من . . . . . # > > ^ ( وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا ~~بصيرا * من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء لمن نريد ثم جعلنا له ~~جهنم يصلاها مذموما مدحورا * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن ~~فأولئك كان سعيهم مشكورا * كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطآء ربك وما كان عطآء ~~ربك محظورا * انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلا ) ^ } ) | ولما قرر أن هذا شأنه إذا أراد ان يهلك , أخبر انه فعل ~~ذلك بمن لا يحصيهم العد من القرون , ولا يحيط بهم الحد من الأمم , لأن ~~الاعتبار بالمشاهد أوقع في القلب وأهول عند النفس , فكأنه قيل ms2774 : كم فعلنا ~~ذلك بالقرى ولم نستعجل في إهلاك قرية منهم ولا أخذناهم من غير إنذار , بل ~~أرسلنا فيهم وأملينا لهم إلى أن كان ما علمناه في الأزل , وجاء الوقت الذي ~~قدرناه , وبلغوا في الذنوب ما يستحقون به الأخذ , ولقد أهلكنا قوم نوح على ~~هذا السنن , وكانوا أهل الأرض - كما مضت الإشارة إليه ووقع التنبيه عليه , ~~وإهلاكهم كان في إبلاغ أهل الأرض ما أرسلنا به رسلنا من التوحيد لأن ذلك لم ~~يخفف على أحد بعدهم , وعطف على هذا المقدر قوله تعالى : { وكم أهلكنا } أي ~~بما لنا من العظمة , وبين مدلول ( كم ) بقوله تعالى : { من القرون } على ~~السنن . | ولما كان الإهلاك بعذاب الاستئصال لم يستغرق ما بعده , أدخل ~~الجار فقال تعالى : { من بعد نوح } الذي أنتم ذرية من أنجيناه بالحمل معه ~~بذنوبهم أمهلناهم حتى أعذرنا إليهم ثم أخذناهم في مدد متفاوتة , فكان بعضهم ~~أقصر مدة من بعض وبعضهم أنجيناه بعد أن أحطنا به مخايل العذاب , وأما من ~~قبل نوح فالظاهر من عبارة التوراة وسكوت القرآن أنهم لم يكونوا كفارا , بوه ~~صرح كثير من المفسرين في تفسير ^ ( { كان الناس أمة واحدة } ) ^ [ البقرة : ~~213 ] . | PageV04P370 ولما كان ذلك ربما أوجب ان يقال : كيف يعذب الساكت ~~مع إمكان عذره بعجز أو غيره ؟ قال دافعا لذلك تاركا مظهر العظمة , تلطفا ~~بهذا النبي الكريم , عليه أفضل الصلاة والتسليم , في جملة حالية : { وكفى ~~بربك } أي المحسن إليك بالعفو عن أمتك وأعقابهم من الاستئصال { بذنوب عباده ~~} أي لكونه خلقهم وقدر ما فيهم من جميع الحركات والسكنات { خبيرا } من ~~القدم , فهو يعلم السر وأخفى , وأما أنتم فلستم هناك , فكم من إنسان كنتم ~~ترونه من أكابر الصالحين ثم أسفرت عاقبته عند الامتحان عن أنه من أضل ~~الضالين { بصيرا * } بها , إذا وقعت لا يخفي عليه شيء منها , وأما أتم فكم ~~من شخص كنتم ترونه مجتهدا في العباردةن فإذا خلا بارز ربه بالعظائم . | ~~ولما تقرر أنه سبحانه خبير بذنوبهم بعد تزهيده في الدنيا بما ذكر من مصارع ~~الأولين , أتبعه الإخبار بأنه يعاملهم على حسب ms2775 علمه على وجه معرف بعلمه ~~بجميع طوياتهم من خير وشر , مرغب في الآخرة , مرهب من الدينا , لأنها ~~المانعة من اتباع الرسل والتقيد بطاعتهم , خوفا من نقص الحظ من الدينا ~~بزوال ما هو فيه من الرئاسة والمال والانهماك في اللذة جهلا بأن ما قدر لا ~~يكون غيره سواء كان صاحبه في طاعة أو معصيته فقال تعالى : { من كان يريد } ~~أي إرادة هو فيها في غاية الإمعان بما اقتضاه طبعه المشار إليه بفعل الكون ~~. | ولما كان مقصود السورة على الإحسان الذي هو العبادة على المشاهدة , ~~وكان ذلك منافيا لحال من يلتفت إلى الدنيا , عبر بقوله تعالى : { العاجلة } ~~أي فقط { عجلنا } أي بعظمتنا { له فيها } أي العاجلة { ما نشاء } مما يريده ~~لا جميع ما يريده ؛ ثم أبدل من ( له ) قوله تعالى : { لمن نريد } أي لا لكل ~~من أراد ذلك , تنبيها على أن ذلك بقوتنا لا بقوة ذلك المريد { ثم جعلنا } ~~أي بما لنا من العظمة { له } أي لظاهره وباطنه { جهنم } أي الدركة النارية ~~التي تلقى بالتجهم من كان يلقى الدنيا وأهلها بالتبسم { يصلاها } في الآخرة ~~{ مذموما } أي مفعولا به الذم , وهو ضد المدح { مدحورا * } مدفوعا مطرودا ~~مبعدا , فينبغي لمريد الدنيا أن لا يزال على حذر لأنه لا ينفك من عذاب ~~الآخرة , فإن لم يعط شيئا من مناه - كما أشار إليه لأ { لمن نريد } اجتمع ~~له العذابان كاملين : فقل الدنيا وعذاب الآخرة , وإن أعطى فهو لا يعطي كل ~~ما يريد - بما أشار إليه ( ما نشاء ) - فيجتمع له عذاب مامنعه مها مع عذاب ~~الآخرة . | ولما ذكر الجاهل ذكر العالم العامل فقال تعالى : { ومن أراد ~~الآخرة } أي مطلق إرادة - بما أشار إليه التجريد { من كان } { وسعى } أي ~~وضم إلى نيته العمل بأن سعى { لها سعيها } أي الذي هو لها , وهو ما كانت ~~جديرة به من العمل بما يرضي الله بما PageV04P371 شرعه في كتابه وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم , لا أي سعي بما لم يشهد ظاهر الكتاب والسنة , ~~إعلاما بأن النية لا تنفع إلا ms2776 مع العمل , إما بالفعل عند التمكن , وإما ~~بالقوة عند عدمه ؛ ثم ذكر شرط السعي الذي لا يقبل إلا به , فقال تعالى : { ~~وهو مؤمن } أي راسخ في هذا الوصف كما جاء عن بعض السلف : من لم يكن له ثلاث ~~لم ينفعه عمله : إيمان ثابت , ونية صادقة , وعمل مصيب - وتلا هذه الآية , ~~وهذا الرسوخ هو الإحسان الذي يدور عليه مقصود السورة ؛ ثم رتب عليه الجزاء ~~فقال : { فأولئك } أي العالو الرتبة لجمعهم الشرائط الثلاثة { كان } أي ~~كونا لا بد منه { سعيهم مشكورا * } أي مقبولا مثابا عليه بالتضعيف مع أن ~~بعضهم نفتح عليه الأبواب الدنيا كداود وسليمان عليهما الصلاة والسلام ~~ونستعمله فيها بما يحب , وبعضهم نزويها عنه كرامة له لا هوانا , فالحاصل ~~أنها إن وجدت عند الوالي لم تشرفهن وإن عدمت عنه لم تحقره , وإنما الشرف ~~وغيره عند الله بالأعمال . | ولمأ اخبر عن نفسه الشريفة بما يشير إلى ~~التوسعة على من يريد من أهل الباطل , أخبر بأنه قضى بذلك في الأزل تفضلا ~~فقال تعالى : { كلا } أي من الفريقين : مريد الدنيا ومريد الآخرة { نمد } ~~أي بالعطاء ؛ ثم أبدل من { كلا } قوله تعالى : { هؤلاء } أي الذين طلبوا ~~الدنيا نمد { وهؤلاء } الذين طلبوا الآخرة نمد { من عطاء ربك } أي المحسن ~~إليه بجميع قضائهن إن ضيق على مؤمن فبالحماية من الدنيا الفانية التي إنما ~~هي لهو ولعب , وإن وسع فبالاستعمال فيها على مؤمن فبالحماية من الدنيا ~~الفانية التي إنما هي لهو ولعب , أي الموجد لك المدبر لأمرك { محظورا * } ~~أي ممنوعا في الدنيا عن مؤمن ولا كافر , بل هو ملء السهل والجبل من الذهب ~~والفضة والحديد والنحاس والجواهر والثمار وأقوات الناس والبهائم , وغير ذلك ~~مما ال يحصيه إلا الله حتى لو اجتمع كل الناس على جمعه ليلا ونهارا , ولم ~~يكن لهم شغل سوى ذلك , لأعياهم ولم يقدروا عليه , فسبحان الجواد الواسع ~~المعطي المانع , ثم أمر بالنظر في عطائه هذا على وجه مرغب في الآخرة مزهد ~~في الدنيا , فقال تعالى آمرا بالاعتبار : { انظر } وبين أن حالهم لغرابته ~~أهل لأن يسأل ms2777 عنه فقال تعالى : { كيف فضلنا } أي بما لنا من العظمة القاهرة ~~{ بعضهم على بعض } في هذه الحياة الدنيا بالعطاء , فصار الفاضل يسخر ~~المفضول , والمفضول يرغب في خدمة المفضل ويتشف بالتقرب إليه , مع رزق الله ~~- وهوعطاءه - بالنبسبة إلى الكل على حد سواء , خلق ما هو موجود في هذه ~~الدنيا للبر والفاخر , وكل حريصون على أن يأخذوا فوق كفايتهم من الأرزاق ~~التي هي أكثر منهم , فما كان هذا التفاضل إلا PageV04P372 بقسر قادر قهرهم ~~على ذلك , وهو من تنزه عن النقص وحاز على كمال , فاستحق أن لا توجه رغبة ~~راغب إلا إليه . | ولما نبه على أن ما نراه من التفضيل إنما هو بمحض قدرته ~~, أخبر أن ما بعد الموت كله كذلك من غير فرق فقال : { وللآخرة } أكد ~~الإخبار عما فيها المستلزم لتأكيد الإعلام بوجودها لهم من إنكاره { أكبر ~~درجات } من هذه الحياة الدنيا { وأكبر تفضيلا * } أولا بالجنة والنار ~~أنفسهما , وثانيا بالدرجات في لاجنة والدركات في النار ؛ ولما كان العلم ~~هنا مقيدا بالذنوب , ذكر بعد المفاضلة في الدنيا , ولعل في ذلك إشارة إلى ~~أن أكثر من يزاد في الدنيا تكون زيادته نقصا من آخرته بسبب ذنب اكتسبه أو ~~تقصير ارتكبه , ولما كان العلم فيما يأتي في قوله تعالى : { وربك أعلم } ~~مطلقا , طوى بعده الرذائل , وعطف على ذلك المطوي الفضائل , فقال تعالى : { ~~ولقد فضلنا بعض , النبيين على بعض } الآيةن فمن كانت له نفس أبيه وهمة علية ~~كان عليه أن يزهد في علو فان لأجل العلو الباقي . | < < # | الإسراء : ( 22 - 25 ) لا تجعل مع . . . . . # > > ^ ( لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا * وقضى ربك ألا ~~تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ~~فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل ~~من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا * ربكم أعلم بما في نفوسكم إن ~~تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا ) ^ } ) | ولما تقرر بما مضى أن له ~~سبحانه الأمر لكه , وأنه متصف بجميع الكمال منزه عن ms2778 شوائب النقص , أنتج أنه ~~لا إله غيره , فقال تعالى يخاطب الرأس لأن ذلك أوقع في أنفس الأتباع , ~~وإشارة إلى أنه لا يوحده حق توحيده سواه , ويجوز أن يكون خطابا عاما لكل من ~~يصح أن يخاطب به : { لا تجعل مع الله } الذي له جميع صفات الكمال { إلها } ~~وسيأتي قريبا سر قوله : { ءاخر } أنه مفهوم من المعية { فتقعد } أي فيتسبب ~~عن ذلك أن تقعد أي تصير في الدنيا قبل الآخرة { مذموما } . | ولما كان الذم ~~قد يحتمله بعض الناس مع بلوغ الأمل , بين أنه مع الخيبة فقال تعالى : { ~~مخذولا * } أي غير منصور فيما أردته من غير أن يغني عنك أحد بشفاعة أو ~~غيرها . | ولما قرع الأسماع بهذا النهي المحتم لتوحيده , أتبعه الإخبار ~~بالأمر بذلك جمعا في ذلك بين صريحي الأمر والنهي تصريحا بعد التنزيه له عن ~~الشريك بالإفراد له في العبادة في أسلوب الخبر , إعلاما بعظم المقام فقال ~~تعالى : { وقضى } أي نهاك عن ذلك PageV04P373 وأمر { ربك } أي المحسن إليك ~~أمرا حتما مقطوعا به ماضيا لا يحتمل النزاع ؛ ثم فسر هذا الأمر بقوله تعالى ~~: { ألا تعبدوا } أي أنت وجميع أهل دعوتك , وهم جميع الخلق { إلا إياه } ~~فإن ذلك هو الإحسان . | ولما أمر بمعرفة الحق المحسن المطلق منبها على وجوب ~~ذلك باسم الرب , أتبعه الأمر بمعرفة الحق لأول المربين من الخلق فقال : { ~~وبالوالدين } أي وأحسنوا , أي أوقعوا الإحسان بهما { إحسانا } بالإتباع في ~~الحق إن كانا حنيفين شاكرين لأنعمه كإبراهيم ونوح عليهما السلام فإن ذلك ~~يزيد في حسناتهما , وبالبراءة منهما في الباطل فإن ذلك يخفف من وزرهما ~~واللطف بهما ما لم يجر إلى فساد ليكون الله معكم فإنه مع الذين اتقوا ~~والذين هم محسنون . | ولما كان سبحانه عليما بما في الطباع من ملال الولد ~~لهما عند أخذهما في السن , قال تعالى : { إما } مؤكدا بإدخال ( ما ) على ~~الشرطية لزيادة التقرير للمعنى اهتماما بشأن الأبوين { يبلغن عندك } أي بأن ~~يضطر إليك فلا يكون لهما كافل غيرك { الكبر } ونفى كل احتمال يتعلق به ~~المتعنت بقوله تعالى : { أحدهما أو كلاهما ms2779 } فيعجزا بحيث يكونان في كفالتك ~~{ فلا تقل لهما أف } أي لا تتضجر منهما , وفي سورة الأحقاف ما ينفع كثيرا ~~هنا ؛ ثم صرح بما ينهى عنه الكلام من باب الأولى تعظيما للمقام فقال : { ~~ولا تنهرهما } فيما لا ترضاه ؛ والنهرك زجر بإغلاظ وصياح . | وقال الأستاذ ~~أبو الحسن الحرالي رحمه الله في كتابه في أصول الفقه : وقد أولع الأصوليون ~~بأن يذكروا في جملة هذا الباب - أي باب الاستدلال بالملزوم على اللازم ~~والأدنى على الأعلى - قوله تعالى : { ولا تقل لهما أف } بناء على أن ~~التأفيف عندهم أقل شيء يعق به الأب , وذلك حائد عن سنن البيان ووجه الحكمة ~~, لأنه ليس في العقوق شيء أشد من التأفف لأنه إنما يقال للمستقذر المسترذلن ~~ولذلك عطف عليه { ولا تنهرهما } لأنه لا يلزم منه لزوم سواء ولا لزوم أحرى ~~, ولا يصلح فيما يقع أدنى أن يعطف عليه ما يلزمه سواء أو أحرى , كما لو قال ~~قائل : من يعمل ذرة خيرا يره , ومن يعمل قيراطا يره , لم يصلح عطفه عليه ~~لإفادة الأول إياه , ولعل ذلك شيء وهل فيه واهل فسلك إثره من غير اعتبار ~~لقوله - انتهى . | ولما نهاه عن عقوقهما تقديما لما تدرأ به المفسدة , أمره ~~ببرهما جلبا للمصلحة , فقال تعالى : { وقل لهما } أي بدل النهر وغيره { ~~قولا كريما * } أي حسنا جميلا يرضاه الله ورسوله مع ما يظهر فيه من اللين ~~والرقة والشفقة وجبر الخاطر وبسط النفس , كما أبتاه ويا أمتاه - ونحو هذا { ~~واخفض لهما } ولما كان الطائر يخفض جناحه عند الذل , PageV04P374 استعار ~~لتعطفه عليهما رعيا لحقوقهما قوله تعالى : { جناح الذل } أي جناح ذلك , ~~وبين المراد بقوله تعالى : { من الرحمة } أي لا من أجل امتثال الأمر ~~والنواهي وما تقدم لهما من من أجل الرحمة لهما , بأن لا تزال تذكر نفسك ~~بالأوامر والنواهي وما تقدم لهما من الإحسان إليك , فصارا مفتقرين إليك وقد ~~كنت أفقر خلق الله إليهما , حتى يصير ذلك خلقا لازما لك فإن النفس لأمارة ~~بالسوء , وإن لم تقد إلى الخير بأنواع الإرغاب والإرهاب والإمعان في النظر ~~في ms2780 حقائق الأمور وعجائب المقدور , ولذلك أتبعه قوله تعالى آمرا بأن لا ~~يكتفي برحمته التي لا بقاء لها , فإن ذلك لا يكافئ حقهما بل يلطب لهما ~~الرحمة الباقية : { وقل رب } أي أيهما المحسن إلي بعطفهما علي حتى ربياني ~~وكانا يقدماني على أنفسهما { ارحمهما } بكرمك برحمتك الباقية وجودك كما ~~برحمتهما أنا برحمتي القاصرة مع بخلي وما في من طبع اللوم { كما ربياني } ~~برحمتهما لي { صغيرا * } وهذا مخصوص بالمسلمين بآية { ما كان للنبي } لا ~~منسوخ , ولقد أبلغ سبحانه في الإيصاء بهما حيث بدأه بأن شفع الإحسان إليهما ~~بتوحيده ونظمه في سلكه , وختمه بالتضرع في نجاتهما , جزاء على فعلهما وشكرا ~~لهما , وضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى شيء من امتهانهما , مع ~~موجبات الضجر ومع أحوال لا يكاد يدخل الصبر إليها في حد الاستطاعة إلا ~~بتدريب كبير . | ولما كان ذلك عسرا جدا من التهاون به بقوله تعالى : { ربكم ~~} أي المحسن إليكم في الحقيقة , فإنه هو الذي عطف عليكم من يربكم وهو الذي ~~أعانهم على ذلك { أعلم } أي منكم { بما في نفوسكم } من قصد البر بهما وغيره ~~, فلا يظهر أحدكم غير ما يبطن , فإن ذلك لا ينفعه ولا ينجيه إلا أن يحمل ~~نفسه على ما يكون سببا لرحمتهما { إن تكونوا } أي كونا هو جبلة لكم { ~~صالحين } أي متقين أو محسنين في نفس الأمر ؛ والصلاح : استقامة الفعل على ~~ما يدعوا إليعه الدليل , وأشار إلى أنه لا يكون ذلك إلا بمعالجة النفس ~~وترجيعها كرة بهد فرة بقوله تعالى : { فإنه كان للأوابين } أي الرجاعين إلى ~~الخير مرة إثر مرة بعد جماع أنفسهم عنه { غفورا * } أي بالغ الستر , تنبيها ~~لمن وقع منه تقصيرن فرجع عنه على أنه مغفور . | < < # | الإسراء : ( 26 - 29 ) وآت ذا القربى . . . . . # > > ^ ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا * إن ~~المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا * وإما تعرضن عنهم ~~ابتغآء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا * ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما ms2781 محسورا ) ^ } ) | PageV04P375 ولما ~~حث على الإحسان إليهما بالخصوص , عم بالأمر به الكل ذي رحم وغيره , فقال ~~تعالى : { وءات ذا القربى } من جهة الأب أو الأم وإن بعد { حقه و } آت { ~~المسكين } وإن لم يكن قريبا { وابن السبيل } وهو المسافر عم ماله لتكون ~~متقيا محسنا . | ولما رغب في البذل , وكانت النفس قلما يكون فعلها قواما ~~بين الإفراط والتفريط , أتبع ذلك قوله تعالى : { ولا تبذر } بتفريق المال ~~سرفا , وهو بذله فيما لا ينبغي , وفي قوله { تبذيرا * } تنبيه على أن ~~الارتقاء نحو ساحة التبذير أولى من الهبوط إلى مضيق الشح والتقتير ؛ ~~والتبذير : بسط اليد في المال على حسب الهوى جزافا , وأما الجود فبمقدار ~~معلوم , لأنه اتباع أمر الله في الحقوق المالية , ومنها معلوم بحسب القدر , ~~ومنها معلوم بحسب الوصف كمعاضدة أهل الملة وشكر أهل الإحسان إليك ونحو ~~ذلكنة وقد سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن التبذير فقال : إنفاق المال من ~~غير حقه , وهن مجاهد رضي الله عنه : لو أنفق الإنسان ماله كله في الحق ما ~~كان تبذيرا , ولو أنفق مدا في باط كان تبذيرا . | ثم علل ذلك بقوله : { إن ~~المبذرين } أي جبلة وطبعا { كانوا } أي كونا هم راسخون فيه { إخوان ~~الشياطين } أي كلهم , البعيدين من الرحمة , المحترقين في اللعنة , فإن ~~فعلهم فعل النار التي هي أغلب أجزائهم , وهو إحراق ما وصلت إليه لنفع وغير ~~نفع , فإذا لم يجدوا أخذوا ما ليس لهم , والعرب تقول لكل ملازم سنة قوم ~~وتابع أمرهم : هو أخوهم . | ولما كان الاقتصاد أدعى إلى الشكر , والتبذير ~~أقود إلى الكفر , قال تعالى : { وكان الشيطان } أي هذا الجنس البعيد من كل ~~خير , المحترق من كل شر { لربه } أي الذي أحسن إليه بإيجاده وتربيته { ~~كفورا * } أي ستورا لما يقدر على ستره من آياته الظاهرة , ونعمه الباهرة , ~~مع الحجة . | ولما أمر بما هو الأولى في حالة الوجدان , أمر بمثل ذلك حالة ~~العدم , فقال مؤكدا تنبيها على أنه ينبغي أن يكون الإعراض عنهم في حيز ~~الاستبعاد والاستنكار : { وإما تعرضن عنهم } أي عن جميع من تقدم ms2782 ممن أمرت ~~بالبذل له , لأمر اضطرك إلى ذلك لا بد لك منه , لكونك لا تجد ما تعطيه , ~~فأعرضت حياء لا لإرادة المنع , بل { ابتغاء } أي طلب { رحمة } أي إكرام ~~وسعة { من ربك } الكثير الإحسان { ترجوها } فإذا أتتك واسيتهم فيها { فقل ~~لهم } في حالة الإعراض { قولا ميسورا * } أي ذا يسر يشرح صدورهم , ويبسط ~~رجاءهم , لأن ذلك أقرب إلى طريق المتقين المحسنين الذين أنا معهم ؛ قال أبو ~~حيان : وروي أنه عليه الصلاة والسلام كان بعد نزول هذه الآية إذا لم ~~PageV04P376 يكن عنده ما يعطي وسئل قال : يرزقنا الله وإياكم من فضله - ~~انتهى . | وقد وضع هنا الابتغاء موضع الفقر لأنه سببه , فوضع السبب . | ~~ولما أمر بالجود الذي هو لازم الكرم , نهى عن البخل الذي هولازم اللوم , في ~~سياق ينفر منه ومن الإسراف , فقال ممثلا بادئا بمثال الشح : { ولا تجعل يدك ~~} بالبخل { مغلولة } أي كأنها بالمنع مشدودة بالغل { إلى عنقك } لا تستطيع ~~مدها { ولا تبسطها } بالبذل { كل بسط } فتبذر { فتقعد } أي توجد كالمقعد , ~~بالقبض { ملوما } أي بليغ الرسوخ فيما تلام بسببه عند الله , لأن ذلك مما ~~نهى عنه , وعند الناس , وبالبسط { محسورا * } منقطعا بك لذهاب ما تقوى به ~~وانحساره عنك , وكل من الحالتين مجاوز لحد الاعتدال . | < < # | الإسراء : ( 30 - 33 ) إن ربك يبسط . . . . . # > > ^ ( إن ربك يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا * ~~ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا ~~* ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وسآء سبيلا * ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل ~~إنه كان منصورا ) ^ } ) | ولما كان سبب البخل خوف الفقر , وسبب البسط محبة ~~إغناء المعطي , قال مسليا لرسوله صلى الله عليه وسلم عما كان يرهقه من ~~الإضافة عن التوسعة على من يسأله بأن ذلك إنما هو لتربية العباد بما يصلحهم ~~, لا لهوان بالمضيق عليه , ولا لإكرام للمسوع عليه : { إن ربك } أي المحسن ~~إليك { يبسط الرزق لمن يشاء } البسط لد دون غيره ms2783 { ويقدر } أي يضيق كذلك ~~سواء قبض يده أو بسطها ^ ( { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض } ) ~~^ [ الشورى : 27 ] ولكنه تعالى لا يبلغ بالمبسوط له غاية مراده , ولا ~~بالمقبوض عنه أقصى مكروهه , فاستنوا في إنفاقكم على عباده بسنته في ~~الاقتصاد { إنه كان } أي كونا هو في غاية المكنة { بعبادة خبيرا } أي بالغ ~~الخبر { بصيرا * } أي بالغ البصر بما يكون من كل القبض والبسط لهم مصلحة أو ~~مفسدة . | ولما أتم سبحانه ما أراد من الوصية بالأصول وما تبع ذلك , وختمه ~~بما قرر من أن قبض الرزق وبسطه منه من غير أن ينفع في ذلك حيلة , أوصاهم ~~بالفروع , لكونهم في غاية الضعف وكانوا يقتلون بناتهم خوف الفقر , وكان اسم ~~البنت قد صار عندهم لطول ما استهجنوه موجبا للقسوة , فقال في النهي عن ذلك ~~مواجها لهم , إعلاما ببعده صلى PageV04P377 الله عليه وعلى آله وسلم عن هذا ~~الخلق قبل الإسلام وبعده : { ولا تقتلوا أولادكم } معبرا بلفظ الولد هو ~~داعية إلى الحنو والعطف { خشية إملاق } أي فقر متوقع لم يقع بعد ؛ ثم وصل ~~بذلك استئنافا قوله : { نحن نرزقهم وإياكم } مقدما ضمير الأولاد لكون ~~الإملاق مترقبا من الإنفاق عليهم غير حاصل في حال القتل , بخلاف آية ~~الأنعام فإن سياقها يدل على أن الإملاق حاصل عند القتل , والقتل للعجز عن ~~الإنفاق , ثم علل ذلك بما هو أعم منه فقال تعالى : { إن قتلهم } أي مطلقا ~~لهذا أو غيره { كان خطأ } أي إثما { كبيرا * } قال الرماني : والخطأ - أي ~~بكسر ثم سكون - لا يكون إلا تعمدا إلى خلاف الصواب , والخطأ - أي محركا - ~~قد يكون من غير تعمد . | ولما كان في قتل الأولاد حظ من البخل , وفي فعل ~~الزنا داع من الإسراف , أتبعه به فقال تعالى : { ولا تقربوا } أي أدنى قرب ~~بفعل شيء من مقدماته ولو بإخطاره بالخاطر { الزنى } مع أن السبب الغالب في ~~فعل النساء له الحاجة وطلب التزيد , وفيه معنى قتل الولد بتضييع نسبه , ~~وفيه تسبب في إيجاد نفس الباطل , كما أن القتل تسبب في إعدامها بالباطل , ~~وعبر بالقربان ms2784 تعظيما له لما فيه من المفاسد الجارة إلى الفتن بالقتل وغيره ~~؛ ثم علله بقوله مؤكدا إبلاغا في التنفير عنه لما للنفس من شدة الداعية ~~إليه : { إنه كان } أي كونا لا ينفك عنه { فاحشة } أي زائدة القبح , وقد ~~نهاكم عن الفحشاء في آية العدل والإحسان { وساء } الزنا { سبيلا * } أي ما ~~أسوأه من طريق ! والتعبير عنه بالسبيل يدل على كثرة متعاطيه بالدلالة على ~~سعة منهجه . | ولما أتم النهي عن هذين الأمرين المتحدين في وصف الفحش وفي ~~السبب على تقدير , وفي إهلاك الولد بالقتل وما في معناه , أتبعهما مطلق ~~القتل الذي من أسبابه تحصيل المال فقال تعالى : { ولا تقتلوا النفس } أي ~~بسبب ما جعل خالقها لها من النفاسة { التي حرم الله } أي الملك الأعلى الذي ~~له الأمر كله بالإسلام أو العهد { إلا بالحق } أي بأمر يحل الله به تلك ~~الحرمة التي كانت , فصارت الأسباب المنهي عنها بتحريم مسبباتها منع الموجود ~~بخلا ثم بذله إسرافا ثم تحصيل المفقود بغيا ؛ ثم عطف على ما أفهم السياق ~~تقديره وهو : فمن قتل نفسا بغير حق فقد عصى الله ورسوله { ومن قتل } أي وقع ~~قتله من أي قاتل كان { مظلوما } أي بأي ظلم كان , من غير أن يرتكب إحدى ~~ثلاث : الكفر , والزنا بعد الإحصان , وقتل المؤمن عمدا , عدوانا { فقد ~~جعلنا } أي بما لنا من العظمة { لوليه } أي سواء كان قريبا أو سلطانا { ~~سلطانا } أي أمرا متسلطا { فلا يسرف } الولي , أو فلا تسرف أيها الولي { في ~~القتل } بقتل غير القاتل , ولا يزد على حقه بوجه { كان منصورا * } في ~~الدنيا بما جبل الله في الطباع من PageV04P378 فحش القتلن وكراهة كل أحد له ~~, وبغض القاتل والنفرة منه , والأخذ على يده , وفي الآخرة بأخذ حقه منه من ~~غير ظلم ولا غفلة , فمن وثق بذلك ترك الإسرافن فإنه لخوف الفوت أو للتخويف ~~من العود . | < < # | الإسراء : ( 34 - 36 ) ولا تقربوا مال . . . . . # > > ^ ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا ~~بالعهد إن العهد كان مسؤولا * وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس ms2785 ~~المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا * ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا ) ^ } ) | ولما نهى عن الإغارة على ~~الأرواح والأبضاع التي هي سببها , أتبعه النهي عن نهب ما هو عديلها , لأن ~~به قوامهان وهو الأموال , وبدأ بأحق ذلك بالنهي لشدة الطمع فيه لضعف مالكه ~~فقال تعالى : { ولا تقربوا } أي فضلا عن أن تأكلوا { مال اليتيم } فعبر ~~بالقربان الذي هو قبل الأخذ تعظيما للمقام { إلا بالتي هي أحسن } من طرائق ~~القربان , وهو التصرف فيه بالغبطة تثميرا لليتيم { حتى يبلغ } اليتيم { ~~أشده } وهو إيناس الرشد منه بعد بلوغه . | ولما كانت الوصية نوعا من أنواع ~~العهد , أمر بوفاء ما هو أعم منها فقال تعالى : { وأوفوا } أي أوقعوا هذا ~~الجنس في الزمان والمكان , وكل ما يتوقف عليه الأمر المعاهد عليه ويتعلق به ~~{ بالعهد } أي بسببه ليتحقق الوفاء به ولا يحصل فيه نقص ما , وهو العقد ~~الذي يقدم للتوثق . | ولما كان العلم بالنكث والوفاء متحققا , كان العهد ~~نفسه كأنه هو المسؤول عن ذلك , فيكون رقيبا على الفاعل به , فقال تعالى ~~مرهبا من المخالفة : { إن العهد كان } أي كونا من يتأتى منه السؤال . | ~~ولما كان التقدير بالكيل أو الوزن من جملة الأمانات الخفية كالتصرف لليتيم ~~, وكان الائتمان عليه كالمعهود فيه , أتبعه قوله : { وأوفوا الكيل } أي ~~نفسه فإنه أمر محسوس لا يقع فيه إلباس واشتباه ؛ ولما كان صالحا لمن أعطى ~~ومن أخذ , قال : { إذا كلتم } أي لغيركم , فإن اكتلتم لأنفسكم فلا جناح ~~عليكم غن تقصتم عن حقكم ولم توفوا الكيل { وزنوا } أي وزنا متلبسا { ~~بالقسطاس } أي ميزان العدل الذي هو أقوم الموازين , وزاد في تأكيد معناه ~~فقال تعالى : { المستقيم } دون شيء من الحيف على ما مضى في الكيل سواء { ~~ذلك } أي الأمر العالي الرتبة الذي أمرناكم به { خير } لكم في PageV04P379 ~~الدنيا والآخرة وإن تراءى لكم أن غيره خير { وأحسن تأويلا * } أي عاقبة في ~~الدارين , وهو تفعيل من الأول وهو الرجوع , وأفعل التفضيل هنا لاستعمال ~~النصفة لإرخاء العنان , أي على ms2786 تقدير أن يكون في كل منهما خير , فهذا الذي ~~أزيد خيرا والعاقل لا ينبغي أن يرضى لنفسه بالدون . | ولما كان ذلك مما ~~تشهد القلوب بحسنه , وأضداده مما تتحقق النفوس قبحه , لأن الله تعالى جبل ~~الإنسان على ذلك كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( البر ما سكن إليه ~~القلب واطمأنت إليه النفس , والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن ~~أفتاك المفتون وأفتوك ) وقال : ( إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى ~~: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ) وكان قد جمع الضمائر سبحانه , تلاه سبحانه ~~بما يعمه وغيره فقال تعالى مفردا الضمير ليصوب النهي إلى كل من الجمع ~~والإفراد في حالتي الاجتماع والانفراد على حد سواء : { ولا } أي افعلوا ما ~~أمرتم به من ذلك , وانتهوا عما نهيتم عنه منه , لما تقرر في الجبلات من ~~العلم الضروري بخيريته وحسنه , ولا { تقف } أي تتبع أيها الإنسان مجتهدا ~~بتتبع الآثار { ما ليس لك به علم } من ذلك وغيره , كل شيء بحسبه , لا سيما ~~البهت والقذفن فما كان المطلوب فيه القطع لم يقنع فيه بدونه , وما اكتفى ~~فيه بالظن وقف عنده ؛ ثم علل ذلك مخوفا بقوله : { إن السمع والبصر } وهما ~~طريقا الإدراك { والفؤاد } الذي هو آلة الإدراك ؛ ثم هول الأمر بقوله تعالى ~~: { كل أولئك } أي هذه الأشياء العظيمة , العالية المنافع , البديعة ~~التكوين , وأولاء وجميع أسماء الإشارة يشار بها للعاقل وغيره كقوله : | ذم ~~المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام | { كان } أي بوعد لا خلف ~~فيه { عنه } أي وحده { مسؤولا * } بسؤال يخصه , هل استعمله صاحبه في طلب ~~العلم مجتهدا في ذلك , لعمل عند الوقوف على الحقائق بما يرضي الله , ويجتنب ~~ما يسخطه أو لا ؟ وأول حديث النفس السابح ثم الخاطر ثم الإرادة والعزيمة , ~~فيؤاخذ بالإرادة والعزيمة لدخولهما تحت الاختيار فيتعلق بهما التكليف , ~~ولعدم دخول الأولين خفف عنا بعدم المؤاخذة بهما , كما قال صلى الله عليه ~~PageV04P380 وعلى آله وسلم : ( إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسهم ما ~~لم تعمل به أو تكلم ms2787 ) . | ( | < < # | الإسراء : ( 37 - 40 ) ولا تمش في . . . . . # > > ^ ( ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا * ~~كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها * ذلك ممآ أوحى إليك ربك من الحكمة ولا ~~تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا * أفأصفاكم ربكم بالبنين ~~واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما ) ^ } ) | ولما كان الكبر ~~والأنفة أعظم موقف عن العلم الداعي إلى كل خير , ومرض بمرض الجهل الحامل ~~على كل شر , قال تعالى : { ولا تمش } أي مشيا ما , وحقق المعنى بقوله تعالى ~~: { في الأرض } أي جنسها { مرحا } وهو شدة الفرح التي يلزمها الخيلاء , لأن ~~ذلك من رعونات النفس بطيش الهوى وداعي الشهوة وما طبعت عليه من النقائص , ~~فإنه لا يحسن إلا بعد بلوغ جميع الآمال التي تؤخذ بالجد ولن يكون ذلك ~~لمخلوق , ولذلك علله بقوله تعالى : { إنك لن تخرق } أي ولو بأدنى الوجوه { ~~الأرض } أي تقطعها سيرا من مكانك إلى طرفها { ولن تبلغ } أي بوجه من الوجوه ~~{ الجبال طولا * } أي طول الجبال كلها بالسير فيها , فإذا كنت تعجز في ~~قدرتك أوتادها فبماذا تفخر ؟ وبأي شيء تتكبر حتى تتبخر ؟ وذلك من فعل من ~~بلغ جميع ما أمل ؛ ثم عظم جميع ما مضى من المنهيات وأضداد المأمورات بقوله ~~تعالى : { كل ذلك } أي الأمر البعيد من المكارم { كان } أي كونا غير مزايل ~~. | ولما كانت السيئة قد صارت في حكم الأسماء كالإثم والذنب وزال عنها حكم ~~الصفات , حملها على المذكر ووصفها به فقال تعالى : { سيئة } وزاد بشاعته ~~بقوله تعالى : { عند ربك } أي المحسن إليك إحسانا لا ينبغي أن يقابل عليه ~~إلا بالشكر { مكروها * } أي يعامله معاملة المكروه من النهي عنه والذم ~~لفاعله والعقاب , والعاقل لا يفعل ما يكرهه المحسن إليه حياء منه , فإن لم ~~يكن فخوفا من قطع إحسانه , وخضوعا لعز سلطانه , ويجوز أن يكون المراد بهذا ~~الإفراد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إشارة إلى أنه لا يقدر أحد غيره ~~على امتثال هذا المعنى على ما ينبغي , لأنه لا ms2788 PageV04P381 يعلم أحد العلم ~~على ما هو عليه سواء , ولأن الرأس إذا خوطب بشيء كان الأتباع له أقبل وبه ~~أعنى . | ولما تمت هذه الأوامر والزواجر على هذا الوجه الأحكن والنظام ~~الأقوم , أشار إلى عظيم شأنه ومحكم إتقانه بقوله على طريق الاستئناف , ~~تنبيها للسامع على أن يسأل عنه : { ذلك } أي الأمر العالي جدا { مما أوحى } ~~أي بعث في خفية { إليك ربك } أي المحسن إليك { من الحكمة } التي لا يستطاع ~~نقضها ولا الإتيان بمثلها من الدعاء إلى الخير والنهي عن الشر , ومن حكمه ~~هذه الأشياء المشار إليها من الأوامر والنواهي أنها لم تقبل النسخ في شريعة ~~من الشرائع , بل كانت هكذا في كل ملة . | ولما بين أن الجهل سبب لكل سوء , ~~وكان الشرك أعظم جهل , أتبعه - ليكون النهي عنه بدءا وختاما , دلالة على ~~فرط شناعته عطفا على ما مضى من النواهي - قوله تعالى : { ولا تجعل } أو ~~يقدر له ما يعطف عليه نحو : فالزمه ولا تجعل { مع الله } أي الملك الأعظم ~~الذي له الأمر كله { إلها } . | ولما كانوا لتعنتهم ربما جعلوا تعداد ~~الأسماء تعدادا للمسميات كما ورد في سبب نزول { قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن } قال تعالى مع إفهام المعية للغيرية : { ءاخر } فإن ذلك أعظم الجهل ~~الذي نهى عن قفوه { فتلقى } أي فيفعل بك في الآخرة في الحبس { في جهنم } من ~~الإسراع فيه وعدم القدرة على التدارك فعل من ألقى من عال , حال كونك { ~~ملوما } أي معنفا على ما فعلت بعد الذم { مدحورا * } أي مطرودا بعد الخذلان ~~, فهذان الوصفان أشنع من وصفي الذم والخذلان في الآية الأولى كما هي سنته ~~تعالى أن يبدأ بالأخف تسليكا لعباده , وإنما كان الشرك أجهل الجهل لأن من ~~الواضح أن الإله لا يكون إلا واحدا بالذات فلا ينقسم , وبالاعتبار فلا ~~يجانس ؛ وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الثماني عشرة آية كانت في ~~ألواح موسى عليه السلام أولها { لا تجعل مع الله إلها ءاخر } وهي عشر آيات ~~من التوراة , جعل فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك , لأن التوحيد ms2789 رأس كل ~~حكمة وملاكها , ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء , وحك ~~بيافوخه السماء , ما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم , وهم عن دين الله أضل ~~مكن النعم . | ولما كان ادعاءهم أن الملائكة بنات الله ادعاء لأن له مناسبا ~~ومجانسا في أخص الصفات وهي الإلهية , وكانت عبادتهم لهم تحقيقا لذلك , وكان ~~ذلك أزيد من مجرد الشرك في الجهل , ساقه مساق التقريع والتوبيخ تنبيها على ~~ظهور فساده متصلا بما مضى PageV04P382 من النهي عن الشرك بالعطف بفاء السبب ~~على { ما } بعد الاستئناف بهمزة الإنكار , فكان كأنه قيل : لا تفعل ذلك كما ~~فعل هؤلاء الذين أفرطوا في الجهل فنسبوا إليه من خلقه أدنى الجزءين كما ~~تقدم في النحل في قوله تعالى ^ ( { ويجعلون لله بنات } ) ^ [ النحل : 54 ] ~~ثم عبدوا ذلك الجزء وهم لا يرضونه لأنفسهم ؛ ثم التفت إليهم مخاطبا بما دل ~~على تناهي الغضب فقال : { أفأصفاكم ربكم } أي أخلق المحسن إليكم بنين وبنات ~~فأصفاكم إحسانا إليكم وأنتم تكفرون به { بالبنين } الذين هم أفضل صنفي ~~الأولاد , { و } لم يحسن إلى نفسه بأن شارككم في البنين , بل { اتخذ } عبر ~~بالافتعال لأن من عدل إلى أحد الصنفين مع التمكن من الآخر لا يكون إلا شديد ~~الرغبة فيما عدل إليه { من الملائكة } الذين هم أقرب عباده أولادا , ثم ما ~~كفاه نقص الولدية ومعالجة أسبابها حتى جعل ما اتخذه { إناثا } فرضي لنفسه - ~~وهو إلهكم الخالق الرازق - با لا ترضونه لأنفسكم , ووصلتم في كراهته في بعض ~~الحالات إلى القتل , فصار مشاركا لكم في البنات مخصصا لكم دونه بالبنين , ~~وذلك خلاف عادتكم , فإنه العبيد لا يؤثرون بالأجود ويكون الأدون للسادات , ~~وعبر أولا بالبنين دون الذكور لأن اسم الابن ألذ في السمع , مرض لمن بشر به ~~من غير نظر في العاقبة , وقد يكون أنثى الأفعال , ولأن اسم الذكر مشترك ~~المعنى , وعبر في الثاني بالإناث لإفهام الرخاوة بمدلول اللفظ , ولأنهن ~~لنفسه بالبنات , وخصكم في نوعكم الذي هو أضعف ما يكون بالذكور , واتخذ من ~~الملائكة الذين منهم من يقدر على حمل الأرض ms2790 وقلب أسفلها على أعلاها إناثا ~~في غاية الرخاوة , ولذلك استأنف الإنكار عليهم معظما لذلك بقوله تعالى : { ~~إنكم لتقولون } وأكده لما لهم من التهاون له والاجتراء عليه بقوله تعالى : ~~{ قولا } وزاد في ذلك بقوله : { عظيما * } أي في الجهل والإفك , عليه وعلى ~~ملائكة الذين لا يعصونه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون , فتضيفون إليه الأولاد ~~وهم من خصائص الأجسام ثم تفضلون أنفسكم عليه فتجعلون له ما تكرهون . | < < # | الإسراء : ( 41 - 44 ) ولقد صرفنا في . . . . . # > > ^ ( ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا * قل لو ~~كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا * سبحانه وتعالى ~~عما يقولون علوا كبيرا * تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من ~~شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ) ^ } ) | ~~ولما كان في هذا من البيان ما لا يخفى على لسان ولم يرجعوا , أشار إلى أن ~~لهم أمثال هذا الإعراض عن أمثال هذا البيان فقال تعالى : { ولقد صرفنا } أي ~~طرقنا PageV04P383 تطريقا عظيما بأنواع طرق البيان من العبر والحكم , ~~والأمثال والأحكام , والحجج والأعلام , في قوالب الوعد والوعيد , والأمر ~~والنهي , والمحكم والمتشابه - إلى غير ذلك { في هذا القرءان } من هذه الطرق ~~ما لا غبار عليه , ونوعناه من جهة إلى جهة , ومن مثال إلى مثال ؛ والتصريف ~~لغة : صرف الشيء من جهة إلى أخرى , ثم صار كناية عن التبيين - قاله أبو ~~حيان . | ولما كان ذلك مركوزا في الطباع , وله في العقول أمثال تبرز ~~عرائسها من خدورها بأدنى التفات من النفس , سمي الوعظ بها تذكيرا بما هو ~~معلوم فقال تعالى : { ليذكروا } أي نوعا من التذكير - بما أشار إليه ~~الإدغام , فإنه سبحانه كريم يرضى باليسير - هذا في قراءة الجماعة , وقرأ ~~حمزة والكسائي بإسكان الذال وضم الكاف إشارة إلى أن جميع ما في القرآن لا ~~يخرج شيء منه عن العقل , بل هو مركوز في الطباع , وله شواهد في الأنفس ~~والآفاق , يستحضرها الإنسان بأدنى إشارة وأيسر تنبيه , إذا أزيل عنها ما ~~سترها عن العقل من الحظوظ والشواغل , وأتبعه ms2791 قوله تعالى معجبا منهم : { وما ~~يزيدهم } التصريف { إلا نفورا * } عن السماع فضلا عن التذكير , لاعتقادهم ~~أن ذلك ليس ببراهين , بل هو شبه وخيل إلى صرفهم عما هم فيه مما ألفوه ~~وتلقوه عن آبائهم وتمادت عليهم الدهور في اعتقاد كونه حقا , فكأنه قيل : ~~فما يفعل بهم ؟ فقال تعالى : { قل } لهم ولا تيأس من رجوع بعضهم : { لو كان ~~معه } أي ربكم الذي تقدم وصفه بالإحسان والتنزيه { ءالهة كما يقولون } من ~~هذه الأقوال التي لو قالها أعظمكم في حق أدناكم وهو يريد بها حقيقتها لصار ~~ضحكة للعباد { إذا لابتغوا } أي طلبوا طلبا عظيما { إلى ذي العرش } أي صاحب ~~السرير الأعظم المحيط الذي مكن ناله كان منفردا بالتدبير { سبيلا * } أي ~~طريقا سالكا يتوصلون به إليه ليقهروه ويزيلوا ملكه كما ترون من فعل ملوك ~~الدنيا بعضهم مع بعض , أو ليتخذوا عنده يدا تقربهم إليه , وصرح بالعرش ~~تصويرا لعظمته وتعيينا للمبتغي والمبتغى ؛ ثم نزه نفسه تعظيما عن ذلك وعن ~~كل نقص فقال تعالى : { سبحانه } أي تنزه التنزه الأعظم عن كل شائبة نقص { ~~وتعالى } أي علا أعظم العلو بصفات الكمال { عما يقولون } من هذه النقائض ~~التي لا يرضاهخا لنفسه أحد من عقلاء حخلقه فضلا عن رئيس من رؤسائكم , فكيف ~~بالعلي الأعلى ! وأتى بالمصدر المجرد في قوله تعالى : { علوا } إيذانا بأن ~~الفعل مجرد في الحقيقة وإن أتى به على صيغة التفاعل إيذانا بالمبالغة { ~~كبيرا * } لا تحتمل عقولكم الوقوف على حقيقته ولا تدركون منه أكثر من مفهوم ~~هذا الوصف عندكم بحسب ما تتعارفونه : | والأمر أعظم من مقاله قائل إن رقق ~~البلغاء أو إن فخموا | PageV04P384 ثم استأنف بيان عظمة هذا التنزيه مقرونا ~~بالوصف بالكمال فقال تعالى : { تسبح } أي توقع التنزيه الأعظم { له } أي ~~الإله الأعظم الذي تقدم وصفه بالجلال والإكرام خاصة { السماوات السبع } ~~كلها { والأرض } أيضا { ومن فيهن } من ذوي العقول { وإن } أي وما , وأعرق ~~في النفي فقال تعالى : { من شيء } أي ذي عقل وغيره { إلا يسبح } أي ينزه له ~~ملتبسا { بحمده } أي بوصفه فقال تعالى : { من شيء } أي ذي ms2792 عقل وغيره { إلا ~~يسبح } أي ينزه له ملتبسا { بحمده } أي بوصفه بما له من صفات الكمال بما له ~~تعالى في ذلك الشيء من الآيات الدالة على كل من السلب والإيجاب , وهذا ~~تسبيح بلسان المقال ممن يصح منه , وبلسان الحال منه ومن غيره , كما قال ~~الجدار للوتد : لم تشقني ؟ فقال : سل من يدقني . | وهو تسبيح من جهات شتى ~~ليسمعها العارفون بسمع الفهم وصفاء الذهن من جهة ذاتها في خلقها ثم في معنى ~~صفتها بحاجتها من جهة حدوثها إلى صانع أحدثها قديم غير مصنوع , ومن جهة ~~إتقانها إلى كونه مدبرا حكيما , ومن جهة فنائها إلى كونه مع ذلك قادرا ~~مختارا , قاهرا جبارا - إلى غير ذلك , بخلاف ما لو قصر التسبيح على لسان ~~المقال فإنه يكون من نوع واحد , وأوضح مرشدا إلى ذلك قوله تعالى : { ولكن ~~لا تفقهون } دون ( تسمعون ) { تسبيحهم } لإعراضكم عن النظر زنفوزكم عن سماع ~~الذكر الذي هو أعظم أسبابه , على أن هذا إنما هو بالنسبة لعامة الخلق , ~~وأما الخاصة فإنهم يسمعون تسبيح الجمادات ؛ روى البخاري عن عبد الله رضي ~~الله عنه قال : كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفان كنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سفر فقل الماء فقال : اطلبوا فضلة من ~~ماء , فجاؤوا بإناء فيه ماء قليل : فأدخل يده في الإناء وقال : حي على ~~الطهور المبارك والبركة من الله , فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول ~~الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وشرف وكرم وبجل وعظم - ولقد كنا نسمع ~~تسبيح الطعام وهو يؤكل . | وتسبيح الحصى مشهور , وفي زبور داود عليه السلام ~~تكرير كثير لهذه الآية وحث على تأملها , قال في المزمور الثامن والستين : ~~تسبح له السماوات والأرض والبحار وكل ما يدب فيها . | وفي المزمور الخامس ~~والثمانين : فليس مثلك يا ربي وإلهي ولا مثل أعمالك , لأن جميع الأمم الذين ~~خلقت يأتون ويسجدون أمامك يا رب ويسبحون لاسمك , لأنك عظيم صانع الآيات . | ~~PageV04P385 وفي الثامن والثمانين : بذراعك العزيزة فرقت اعداءك , لك ~~السماوات ولك الأرض , أنت ms2793 أسست الدنيا بكمالها , خلقت البر والبحر , تابور ~~وحرمون باسمك يسبحان , لك القوة والجبروت , تعتز يدك , وتعلو يمينك , ~~بالعدل والحكم أتقنت كرسيك , الرحمة والعدل ينطلقان أمامك , طوبى للشعب ~~الذي يعرف تسبيحك . | وفي الخامس والتسعين : سبحوا الرب تسبيحا جديدا , ~~الأرض كلها تسبح الرب , اسجدوا للرب في هياكل قدسه لأن جميع الأرض تتزلزل ~~بين يديه , قولوا في الشعوب : إن الله هو الملك أتقن الدنيا لكيلا تزول , ~~يقضيبين الشعوب بالعدل , تفرح السماوات وتبتهج الأرض , ينقلب البحر في عمقه ~~, تتهلل البقاع وما فيها , هنالك يسبح جميع شجر الغياض قدام الرب . | وفي ~~السابع والتسعين : ولله تسبح كل الأرض , مجدوا وهللوا وسبحوا الرب . | وفي ~~الثامن والأربعين بعد المائة : سبحوا الرب من السماوات , سبحوه من العلى يا ~~جميع ملائكته ! وكل جنوده تسبحه , الشمس والقمر يسبحانه , وجميع الكواكب ~~والنور تسبحه , يسبح الرب سماء الدنيا والمياه التي فوق السماوات , تسبح ~~جميعا اسم الرب لأنه قال فكانوا , وأمر فخلقوا , وأقامهم إلى الأبد والدهر ~~, جعل لها مقدرا لا تتجاوزه , يسبح الرب من في الأرض : التنانين وجميع ~~الأعماق , النار والبرد والثلج والجليد والريح العاصفة عملت كلمته , الجبال ~~وكل الآكام , الشجر المثمرة وجميع الأرز , السباع وكل البهائم والوحوش وكل ~~حيوان وكل طائر ذي جناح , ملوك الأرض وسائر الشعوب العظماء وجميع حكام ~~الأرض , الشبان والعذارى والشيوخ والصبيان يسبحون اسم الرب , لأن اسمه قد ~~تعالى وحده . | وفي الخمسين بعد المائة : سبحوا الله في كل قديسيه , سبحوه ~~في جلد قوته , سبحوه كمثل جبروته , سبحوه بكثرة عظمته , سبحوه بصوت القرن , ~~وسبحوه بأصوات عالية , كل نسمة تسبح الرب . | ولما كان تسبيح جميع ~~المخلوقات أمرا واضح الفهم ظاهر الشأن , فكانوا مستحقين للعقاب في عدم فهمه ~~بعدم التأمل في المصنوعات حق التأمل , نبههم على أن عافيتهم إنما هي لحلمه ~~عنهم , فهو ينظرهم إلى المدة التي ضربها لهم لأنه لا يعجل لتنزهه عن شوائب ~~النقص الذي نطق كل شيء بتنزيهه عنها فقال تعالى : { إنه كان حليما } حيث لا ~~يعاجلكم بالعقوبة على إعراضكم عن صرف الأفكار فيما أمركم بصرفها إليه . | ~~ولما كان الغالب ms2794 على أحوال البشر أن حليمهم إذا غضب لا يغفر , وإن عفا كان ~~عفوه مكدرا , قال تعالى : { غفورا * } مشيرا بصيغة المبالغة إلى أنه على ~~غير ذلك ترغيبا في التوبة . | PageV04P386 < < # | الإسراء : ( 45 - 46 ) وإذا قرأت القرآن . . . . . # > > ^ ( وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا ~~مستورا * وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك ~~في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا ) ^ } ) | ولما قرر في سياق التوحيد ~~أنهم في الحضيض من الغباوة , التفت إلى سيد أولي الفهم , فقال مشيرا إلى ~~النبوة عاطفا على { لا تفقهون } منبها على أنهم لا يفهمون لسان القال فضلا ~~عن لسان الحال : { وإذا قرأت القرءان } الذي لا يداينه واعظ , ولا يساويه ~~مفهم , وهو تبيان لكل شيء { جعلنا } أي بما لنا من العظمة { بينك } وبينهم ~~, ولكنه أظهر هذا المضمر بالوصف المنبه على إعراضهم عن السماع على الوجه ~~لمفهم فقال تعالى : { وبين الذين لا يؤمنون } أي لا يتجدد لهم إيمان { ~~بالآخرة } أي التي هي قطب الإيمان { حجابا } مالئا لجميع ما بينك وبينهم مع ~~كونه ساترا لك عن أن يدركوك حق الإدراك على ما أنت عليه { مستورا * } عنهم ~~وعن غيرهم , لا يراه إلا من أردنا , وذلك أبلغ في العظمة وأعجب في نفود ~~الكلمة { وجعلنا } أي بما لنا من العظمة { على قلوبهم أكنة } أي أغطية , ~~كراهة { أن يفقهوه } أي يفهموا القرآن حق فهمه { وفي ءاذانهم وقرا } أي ~~شيئا ثقيلا يمنع سماعهم السماع النافع بالقصور في إدراكهم لا في بيانه , ~~فرؤيتهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حال التلاوة غير صحيحة كما أن ~~سمعهم وإدراكهم لما يقرأه كذلك كما قال تعالى ^ ( { ختم الله على قلوبهم ~~وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة } ) ^ [ البقرة : 7 ] { وإذا ذكرت ربك } أي ~~المحسن إليك وإليهم { في القرءان } حال كونه { وحده } مع الإعراض عن آلهتهم ~~{ ولوا } وحقق المعنى وصوره بما يزيد في بشاعته تنفيرا عنه فقال : { على ~~أدبارهم نفورا * } مصدر من غير اللفظ مؤكد لأنه محصل لمعناه , أو جمع نافر ~~كقاعد وقعود . | ومادة ( وقر ms2795 ) بجميع تقاليبها عشر تدور على الجمع كما مضى ~~في آخر يوسف وأول الحجر , فالوقر - بالفتح : ثقل في الأذن أو ذهاب السمع ~~كله - لأن ذلك يوجب اجتماعا في النفس وسكونا يحمل على الوقار الذي هو ~~السكينة بفقد بعض ما كان يشعب الفكر من السمع , ومن ذلك ذلك الوقر - ~~بالكسرك الحمل مطلقا أو الثقيل , أو لأن الحمل جامع لما فيه والأذن جمعت ما ~~سدها , فكأنه جمع خرقها فصيرها صلدا كالصخرة الصماء لا ينفذ فيها شيء , ~~ولذلك يسمى الطرش الصمم ونخلة موقرة , أي مستجمعة حملا , واستوقرت الإبل : ~~سمنت أي جمعت الشحم واللحم , ووقر كوعد : جلس - لاستجماع بعض أعضائه إلى ~~بعض , والوقير : القطيع من الغنم أو صغارها أو خمسمائة منها أو عام , أو ~~الغنم بكلبها وحماها وراعيها كالقرة - لاستجماع بعضها إلى البعض , والوقري ~~- محركةك راعي الوقير أو مقتني الشاء وصاحب الحمير وساكنو PageV04P387 ~~المصر , والقرة - كعدة : العيال والثقل والشيخ الكبير - لأن الكبر والثقل ~~يثمران الوقار الناشئ عن استجماع النفس والعزم وترك الانتشار بالطيش , وما ~~قبلهما واضح في الجمع , والموقر - كمعظم : المجرب العاقل قد حنكته الدهور - ~~لأن ذلك يثمر استجماع العقل , ووقرت الرجل توقيرا : بجلته ورزنته , والدابة ~~: سكنتها - فكان كأنه جمع إليها حمل ثقيل , والتيقور فيعول من الوقار تاءه ~~مبدلة من واو , يقال : وقر في بيته يقر , أي جمع نفسه فيه لاجتماع همه , ~~والمرقر - كمجلس : الموضع السهل عند سفح الجبل - لعله شبه بالرجل الوقور ~~المطمئن الساكن النفس , والحامل الذي يوطئه الحمل , والوقرة : وكتة - أي ~~حفرة - تكون في الحافر والعين والحجر - لأن من شأن الحفرة أن تجمع ما تودعه ~~, ومنه توقير الشيء : أن تصير له وقرات , أي آثارا , والوقر : الصدع في ~~الساق وكالوكتة أو الهزمة تكون في العظم والحجر والعين , وأوقر الله الدابة ~~: أصابها بوقرة , وفقير وقير , أي مكسور العظام أو الفقار , أو تشبيه بصغار ~~الشاء أو اتباع , أو المعنى أن الدين أوقره , والوقير : النقرة العظيمة في ~~الصخرة تمسك الماء - وهو واضح في الجمع . | والروق : القرن - لشدة اجتماعه ~~لصلابته واستدارته , ولأنه يجمع إقدام صاحبه وعزمه , والروق أيضا ms2796 : عوم ~~الرجل وفعاله - لجمعها أمره , والروق من الليل : طائفة - لاجتماع ساعاتها , ~~والروق من البيت : رواقه , أي شقته التي دون الشقة العليا - لأنها تكمل ~~جمعه لما يقصد منه من الستر , ورواق البيت - ككتاب وغراب . | ما أطاف به , ~~قال القزاز : وقيل : الرواق كالفسطاط يحمل على عمود واحد في وسطهن قال في ~~القاموس : أو سقف في مقدم البيت وحاجب العين - ولعله شبه بالستر , ومن ~~الليل : مقدمه وجانبه - شبه بجانب البيت , والروق من الشباب : أوله كالريق ~~بالفتح , والريق ككيس , وأصله ريوق - لأنه ينبني عليه ما بعده ويجتمع إليه ~~كأنه الأصل الذي يجمع جميع الفروع , والريق أيضا أن يصيبك من المطر شيء ~~يسير - كأنه أول المطر , الروقة : الشيء اليسير , وهي من ذلك , والروق أيضا ~~: العمر - لأنه الجامع للحال , وراقني الشيء : أعجبني - لأن الفكر يجمع ~~الخواطر لأجله فلا يظهر له وجه ما صار به معجبا , ووصيف روقة - إذا أعجبك , ~~وجارية روقة وغلمان روقة , جمع رائقن والروقة : الشيء الجميل جدا , والروق ~~- بالفتح العجب والإعجاب بالشيء , ومن الخيل : الحسن الخلق يعجب الرائي , ~~والجمال الرائق , والريق والروق والرواق : الستر - لأنه يجمع البصر والهم ~~عما وراءه , وهو أيضا موضع الصائد - لأنه يجمعه على ما يريد ويوصله إليه , ~~والروق : الرواق ومقدم البيت والشجاع لا يطاق - لاجتماع همه لما يريد , ~~والفسطاط والسيد - PageV04P388 لجمع الفضائل , والصافي من الماء وغيره - ~~لأن الصفاء أجدر باجتماع الأجزاء , والروق : الجماعة والحب الخالص ومصدر ~~راق عليه , أي زاد عليه فضلا - لأن الزيادة لا تكون إلا عن جمع , والروق : ~~البدن من الشيء - لجمعه له , والحية - لتحويها أي تجمعها , وداهية ذات ~~روقين , أي عظيمة مشبهة بالثورن ورمى بأوراقه على الدابة : ركبها , أي ~~بجميع أعضائه , ورمى بأوراقه عنها : نزل , وألقى أوراقه : عدا فاشتد عدوه - ~~كأنه خرج من جميع أعضائه - فعدا روحا بلا بدن فصار أعظم من الطائر , أي ~~غلبت روحه علىبدنه , وألقى أرواقه : أقام بالمكان مطمئناح قال في القاموسك ~~كأنه ضد - انتهى . | والمفعول فيه في هذا محذوف , كأنه قال : في مكان كذا , ~~ومن المعلوم أن بدنه إذا كان في مكان وهو ms2797 حي فقد أقام به , وألقى عليك ~~أرواقه , وهو أن تحبه شديدا , والمعنى أنه ألبسك بدنه فصارت روحك مديرة له ~~فصرت إياه . | وتعبير القزاز بقوله ( وهو أن تحبه حتى تستهلك في حبه ) يدل ~~على ذلك , وألقت السحابة أرواقها , أي مرطها ووبلها أو مياهها الصافية - ~~وذلك هو مجموع ما فيها , وأرواق الليل : أثناء ظلمته بأرواقه - إذا قام ~~وثبت , وقيل : أرواقه : مقاديمهن وأسلبت العين أرواقها : سالت دموعها , أي ~~جميه ما فيها - كأن ذلك كناية عن اشتداد البكاء , وروق الفرس : الذي يمده ~~الفارس من رمحه بين أذنيه - تشبيها بما ذكر , ولأن يكون من الجمع من أجل ~~الانثناء , ومنه أكل فلان روقه - إذا أسن فطال عمره حتى تتحات أسنانه - ~~المشبهة بالقرن , والترويق : التصفية - وقد تقدم أن الشيء إذا خلص من ~~الأغيار كانت أجزاؤه أشد تلاصقا , والترويق : أن يبيع سلعة ويشتري أجود ~~منها - مشبهة بالتصفية , والراووق : المصفاة يروق بها الشراب بلا عصر ~~والكأس بعينها , والباطية وناجود الشراب الذي يروق به - لأنها تجمع الشراب ~~. | والقروك القصد والتتبع كالاقتراء والاستقراء والطعن وهو واضح في الجمع ~~, والقرو : حوض طويل ترده الإبل , وعبارة القزاز : شبه حوض ممدود مستطيل ~~إلى جنب الحوض , يفرغ منه في الحوض الأعظم , ترده الإبل والغنم , وكذا إن ~~كان من خشب . | والقرو : الأرض لا تكاد تقطع - كأنها حمت اجتماع أجزائها عن ~~أن يفرقها أحد , والقرو : مسيل المعصرة ومثعبها - لاجتماع ما يسيل فيه , ~~وأسفل النخلة ينقر فينتبذ فيه أو PageV04P389 يتخذ منه المركن والإجانة ~~للشرب , وقدح أو إناء صغير , وميلغة الكلب , وحق عليه طبق , ومنقع الماء , ~~والعرب تقول : اصبحت الأرض قروا واحدا - إذا كثر الخصب والمطر , وكل ذلك ~~واضح في الجمع , وأن يعظم جلد البيضتين لريح أو ماء , أو نزول الأمعاء ~~كالقروة , وذلك إما لشبههما بالقدح أو لجمعهما ما أوجب كبرهما , وقرى كفعلى ~~: ماء بالبادية - لجمعه الناس , والقرى : القرع يؤكل - لأنه صالح لأن يجعل ~~إناء , والقرا : الظهر - لجمعه الأعضاء , وناقة قرواء : طويلة السنام , ~~والمقروري : الطويل الظهر , وأقرى : اشتكى - إما أن يكون من شكاية القرا , ~~وإما أن يكون للسلب , أي ms2798 أزال اجتماع همه وعزمه , والقرواء : العادة - ~~لجمعها أهلها , والدبر - لجمعها ما فيها , وأقرى : طلب القرى , ولزم القرى ~~, وأقرى الجل على الفرس : ألزمه , والمقاري : رؤوس الإكمام - لأنها تجمع , ~~وتركتهم قروا واحدا على طريقة واحدة - أي مجتمعين وشاة مقروة : جعل رأسها ~~في خشبة لئلا ترضع نفسها - أي جمع فكاها , وقروة الرأس : طرفهن , وعبارة ~~القزاز : وقروان الرأس وقروة الرأس : أعلاه - كأنه مجتمع أمره لأنه موضع ~~المفكرة , وقروة الأنف : طرفه - لأنه آخر جامع لجماله , واستقرى الدمل : ~~صارت فيه المدة - أي اجتمعت , والقيروان : معظم العسكر ومعظم القافلة - ~~وسيأتي إن شاء الله تعالى بقية المادة في ^ ( { بورقكم هذه } ) ^ في [ ~~الكهف : 19 ] . | < < # | الإسراء : ( 47 - 55 ) نحن أعلم بما . . . . . # > > ^ ( نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول ~~الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا ~~يستطيعون سبيلا * وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا * ~~قل كونوا حجارة أو حديدا * أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا ~~قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون ~~قريبا * يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا * وقل ~~لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان ~~عدوا مبينا * ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم ومآ أرسلناك ~~عليهم وكيلا * وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين ~~على بعض وآتينا داوود زبورا ) ^ } ) | ولما كانوا ربما ادعوا السمع والفهم ~~فشككوا بعض من لم يرسخ إيمانه - , أبتعه تعالى ما يؤكد ما مضى ويثبت ~~السامعين فيه فقال تعالى على طريقة الجواب مهددا ودالا على أن مداركهم ~~معروفة : { نحن أعلم } أي من كل عالم { بما يستمعون } أي يبالغون ~~PageV04P390 في الإصغاء والميل السمع { به } من الآذان والقلوب , أو بسببه ~~من إرادة الوقوع على سقطة يجعلونها موضع تكذيبهم واستهزائهم { إذ } أي حين ~~{ يستمعون } أي يصغون بجهدهم , وبين بعدهم المعنوي بقوله تعالى : { إليك ~~وإذ } أي وحين { وهم ms2799 } دوو { نجوى } أي يتناجون بأن يرفع كل منهم سره على ~~صاحبه بعد إعراضهم عن الاستماعك ثم ذكر ظرف النجوى فقال تعالى : { إذ يقول ~~} مبرزا لضميرهم بالوصف الدال على حملهم على ما تناجوا به , وهم { الظالمون ~~} ومقولهم : { إن تتبعون } أي أيها التابعون له بغاية جهدكم { إلا رجلا ~~محسورا * } مختلط العقل , فامتطوا في هذا الوصف ذروة الظلم , وسيأتي في آخر ~~السورة سر استعمال اسم المفعول موضع اسم الفاعل ؛ ثم وصل بذلك الدليل على ~~نسبته سبحانه لهم إلى الجهل الذي كان نتيجة قولهم هذا فقال تعالى : { انظر ~~} ولما كان أمرهم بما يزيد العجب منه وتتوفر الدواعي على السؤال عنه قال ~~تعالى : { كيف ضربوا } أي هؤلاء الضلال { لك الأمثال } التي هي أبعد شيء عن ~~صفتك من قولهم : ساحر وشاعر ومجنون ونحوه { فضلوا } عن الحق في جميع ذلك { ~~فلا } أي فتسبب عن ذلالهم أنهم لا { يستطيعون سبيلا * } أي يسلكون فيه , ~~إلى إصابة المحن في مثل , أو إحكام الأمر في عمل , وهذا بعد أن نهاهم الله ~~بقوله تعالى < # > 77 ( { فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } ) 77 < # > [ النحل : 74 ] فكأن هذا أول دليل على ما وصفناهم به من عدم الفهم ~~والسمع فضلا عن أن يكون لهم إلى مقاومة هذا القرآن - الذي يدعون أنه قول ~~البشر - سبيل أو يغيروا في وجهه بشبهة فضلا عن دليل . | ولما جرت عادة ~~القرآن بإثبات التوحيد والنبوة والمعاد , وقدم الدلالة على الأولين , وختم ~~جهلهم في النبوة مع ظهورهان أتبع ذلك أمرا جليا في ضلالهم عن السبيل في أمر ~~المعاد وقرره غاية التقرير , وحرره أتم تحرير , فقال تعالى معجبا منهم : { ~~وقالوا } أي المشركون المنكرون للتوحيد والنبوة والبعث مع اعترافهم بأنا ~~ابتدأنا خلقهم ومشاهدتهم في كل وقت أنا نحيي الأرض بعد موتها : { أإذا } ~~استفهاما إنكاريا كأنهم على ثقة من عدم ما ينكرونهن والعامل في { إذا } فعل ~~من لفظ { مبعوثون } لا هو . | فإن ما بعد { إن } لا يعمل فيما قبلها . | ~~فالمهنى : أنبعث إذا { كنا } أي بجملة أجسامنا كونا لازما { عظاما ورفاتا } ~~أي ms2800 حطاما مكسرا مفتتا وغبارا { إنا لمبعوثون } حال كوننا مخلوقين { خلقا ~~جديدا * } فكأنه قيل : فماذا يقال لهم في الجواب ؟ فقيل : { قل } لهم : لا ~~تكونوا رفاتا , بل { كونوا } ترابا , بل كونوا أصلب التراب { حجارة } أي هي ~~في غاية اليبس { أو حديدا * } زاد على يبس الحجارة شدة اتصال الأجزاء { أو ~~خلقا } غيرهما { مما يكبر } أي يعظم كبيرة { في صدوركم } PageV04P391 عن ~~قبول الحياة ولو أنه الموت , حتى تعلموا حال الإعادة , كيف يكون حالكم في ~~الإجابة إلى ما يريد ؟ فإن الكل أصله التراب , فالذي فضل طينكم - الذي ~~خلقتم منه على سائر الطين بالنمو ثم بالحياة ثم بالنطق وفضل بعض الناطقين ~~على بعض بمواهب لا تحصى - قادر أن ينقل تلك الفضيلة إلى الطين الذي نقله ~~طورا بعد طور إلى أن جعله حجرا أو حديدا { فسيقولون } تماديا في الاستهزاء ~~: { من يعيدنا } إذا كنا كذلك { قل الذي فطركم } أي ابتدأ خلقكم { أول مرة ~~} ولم تكونوا شيئا يعيدكم بالقدرة التي ابتدأكم بها , فكما لم تعجز تلك ~~القدرة عن البداءة فهي لا تعجز عن الإعادة { فسينغضون } أي مصوبين بوعد لا ~~خلف فيه مشيرين { إليك رؤوسهم } أي يحركونها من شدة التعجب والاستهزاء ~~كأنهم في شدة جهلهم على غاية البصيرة من العلم بما يقولون ؛ والنغض ~~والإنغاض : تحريك بارتفاع وانخفاض { ويقولون } استهزاء : { متى هو } ثم وصل ~~به قوله تعالى : { قل } قول مقتصد غير ممتعض بحالهم ولا ضيق بقولهم : { عسى ~~أن يكون } أي كونا لا انفكاك عنه { قريبا * } مطرقا إليه الاحتمال لأمكانه ~~غير جازم , ثم استأنف جازما بقوله : { يوم } أي يكون ذلك يوم { يدعوكم } أي ~~يناديكم المنادي من قبله بالنفخة أو بغيرها كأن يقول : يا أهل القبور ! ~~قوموا إلى الجزاء - أو نحو ذلك { فتستجيبون } أي توافقون الداعي فتفعلون ما ~~أراد بدعائه وتطلبون إجابته وتوجدونها , أو استعار الدعاءوالاستجابة للبعث ~~والابنعاث تنبيها على سرعتهما وتيسر أمرهما , أو أن القصد بهما الإحضار ~~للحساب { بحمده } أي بإحاطته سبحانه بكل شيء قدرة وعلما من غير تخلف أصلا , ~~بل لغاية الإذعان كما يرشد إليه صيغة استفعل , وأنتم مع سرعة الإجابة ms2801 ~~تحمدون الله تعالى , أي تثبتون له صفة الكمال { وتظنون } مع استجابتكم وطول ~~لبثكم { إن } أي ما { لبثتم } ميتين { إلا قليلا * } لشدة ما ترون من [ ~~الأهوال التي أحاطت بكم والتي تستقبلكم , أو جهلا منكم بحقائق الأمور كما ~~هي حالكم اليوم كما ترون من - جدة خلقكم وعدم تغيره . | ولما أمره سبحانه ~~بإبلاغهم هذا الكلام , وفيه من التهكم بهم والتبكيت لهم والاستخفاف بعقولهم ~~ما لا يعلم مقداره إلا مثلهم من البلغاء والعرب العرباء , وكان لكونه كلام ~~العليم بالعواقب , الخبير بما تجن الضمائر - ربما استن به المؤمنون ~~فخاطبوهم بنحوه من عند أنفسهم , نهاهم عن ذلك لئلا يقولوا ما يهيج شرا أو ~~تثير ضرا , فقال تعالى : { وقل } أي قل لهم ذلك من الحكمة والموعظة الحسنة ~~, وقل { لعبادي } أي الذين هم أهم للإضافة إلي , واعظا لهم لئلا يتجاوزا ~~الحد من شدة غيظهم من المشركين , إن تقل لهم ذلك { يقولوا } الموعظة ~~والحكمة والمجادلة { التي PageV04P392 هي أحسن } لأكون معهم لأني مع الذين ~~هم محسنون ؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى : { إن الشيطان } أي البعيد من الرحمة ~~, المحترق باللعنة { ينزغ بينهم } أي يفسد ويغري ويوسوس , وأصل النزغ الطعن ~~, وهم غير معصومين , فيوشك أن يأتوا بما لا يناسب الحال أو الوقت بأن ~~يذكروا مساوئ غيرهم أو محاسن أنفسهم فيوقع في شر ؛ ثم علل هذه العلة بقوله ~~تعالى : { إن الشيطان كان } أي في قديم الزمان وأصل الطبع كونا هو مجبول ~~عليه { للإنسان عدوا } أي بليغ العداوة { مبينا * } ثم فسر ( التي هي أحسن ~~) مما علمهم ربهم من النصفة بقوله تعالى : { ربكم أعلم بكم } ثم استأنف ~~فقال تعالى : { إن يشأ } رحمتكم { يرحمكم } بأن ييسر لكم أفعال الخير { أو ~~إن يشأ } عذابكم { يعذبكم } بأن ييسركم لأفعال الشر , فإذا قالوا لهم لك ~~كانوا جديرين بأن يعرضوا - أو من أراد الله منهم - أفعالهم على ما يعلمونه ~~من الخير والشر فينظروا أيهما أقرب إليها , وربما ردهم ذلك من أنفسهم عن ~~الفساد , لحسم مادة العناد , ويجوز - وهو - عندي أحسن - أن تكون الآية ~~استئنافا واقعا موقع التعليل للأمر بقول الأحسن ms2802 , أي { ربكم } أيها العباد ~~{ أعلم بكم } وبما يؤول أمركم إليه من سعادة وشقاوة { إن يشأ يرحمكم } ~~بهدايتكم { أو إن يشأ يعذبكم } بإضلالكم , فلا تحتقروا أيها المؤمنون ~~المشركين فتقطعوا بأنهم من أهل النار فتعيروهم بذلك , فإنه يجر إلى الإحن ~~وحر الصدور وغيظ القلوب بلا فائدة , لأن الخاتمة مجهولة , ولا تتجاوزا فيهم ~~ما آمركم به من قول وفعل فإنه الأحسن ؛ ثم رقى الخطاب إلى أعلى الخلق ورأس ~~أهل الشرع ليكون من دونه إولى بالمعني منه فقال تعالى : { وما } أي فما ~~أرسلناك إلا للدعاء بمثل ذلك على حسب ما نأمرك به , وما { أرسلناك } أي مع ~~ما لنا من العظمة الغنية عن كل شيء { عليهم وكيلا * } أي حفيظا وكفيلا ~~لغيرهم على ما يرضى الله , وإنما أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم وأمر أصحابك ~~بمداراتهم . | ولما أمرهم بأن ينسبوا الأعلمية بهم إليه سبحانه , أخبر بما ~~هو أعم من ذلك فقال تعالى عاطفا على { ربكم } إعلاما بأن علمه ليس مقصورا ~~عليهم , بل هو محيط , قاصرا الخطاب لعى أعلم الخلق به سبحانه إشارة إلى أنه ~~لا يعلم هذا حق غيره : { وربك } أي المحسن إليك بأم جعلك أكمل الخلق { أعلم ~~} أي من كل عالم { بمن في السماوات } أي كلها { والأرض } منهم ومن غيرهم , ~~بأحوالعم ومقاديرهم وآجالهم وما يستأهل كل واحد منهم , لأنه هو الذي خلقهم ~~وفاوت بينهم في أخلاقهم وهيئاتهم فكيف يستعبدون أن يكون يتيم أبي طالب - ~~على ما كانوا يقولون - نبيا , وأن يكون أصحابه العراة الجياع أفضل منهم . | ~~PageV04P393 ولما كان قد فهم من هذا السياق تفضيل بعض الأشياء على بعض حتى ~~تصير قابلة الروح الحياة بدءا وإعادة , بعد أن فهم من أول السورة وآخر التي ~~قبلها اختصاص بعض الأنبياء بفضائل من روح العلم والحكمة لم يحزها غيره , ~~صرح بهذا هنا فقال تعالى عطفا على ما أرشد إليه سياق الإخبار بالأعلمية , ~~ملتفتا إلى مقام العظمة الداعي إليه الحال , وهو الوصف بالأعلمية : { ولقد ~~} أي فميزنا بينهم بالرذائل والفضائل تفضيلا لبعضهم على بعض على حسب إحاطة ~~علمنا بهم وشمول قدرتنا لهم في ms2803 تأهلهم للسعادة والشقاوة ففضلنا بعض الناس ~~على بعض , ففضلنا العلماء على غيرهم , وفضلنا النبيين منهم على غيرهم , ~~ولقد { فضلنا } أي بما لنا من العظمة { بعض النبين } أي سواء كانوا رسلا أو ~~لا { على بعض } بعد أن جعلنا الكل فضلاء لتقوى كل منهم وإحسانه , فلا ينكر ~~أحد من العرب أو بني إسرائيل أو غيرهم تفضيلنا لهذا النبي الكريم الذي ~~صدرنا السورة بتفضيله على جميع الخلائق , فإنا نفعل ما نشاء , بما لنا من ~~القدرة اتامة والعلم الشامل , والحاصل أن من أعظم ثمرات العمل التفضيل ~~بإعطاء كل واحد بل كل شيء ما يستحقه , وبذلك يستدل على تمام - حكمته في ~~شمول علمه وكمال قدرته , فلذلك ذكر التفضيل هنا بعد ذكر العلم المطلق , ~~وصرح بتفضيل أشرف الخلائق وطوى ذكر غيرهم , كما ذكر التفضيل في الدنيا بعد ~~إثبات العلم المقيد بالذنوب في قوله : { من كان يريد العاجلة - إلى قوله ~~تعالى : انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } . | ولما كان القصد إلى بني ~~إسرائيل في هذه السورة سابقها ولا حقها ظاهرا , والتعريض بهم في كثير منها ~~بينا , وكان داود عليه السلام هو المؤسس للمسجد الأقصى الذي وقع الإسراء ~~إليه , وكان قد خص بأن ألين له الحديد الذي أمر المشركون أن يكونوه , ~~لاستبعادهم الإعادة , وكان - مع كونه ملكا - من أشد الناس تواضعا , وأكثرهم ~~بكاء , وأبعدهم من المرح في الأرض , قال تعالى : { وءاتينا } أي بما لنا من ~~العظمة { داود } أي الذي هو من أتباع موسى الذي آتيناه الكتاب وجعلناه هدى ~~لبني إسرائيل ألا يتخذوا من دوني وكيلا { زبورا * } لأنهم قاطعون بأن من ~~بين موسى وعيسى من أنبياء بني إسرائيل دون موسى في الرتبة , وكل منهم داع ~~إلى شريعته , عامل بحكم التوراة التي شرفه الله بها , غير خارج عن شيء من ~~سنتها , فكان القياس قتضي أن يكونوا في الفضيلة سواء , فلم يجر ذلك على ~~مقتضى عقول الناس , بل فاوت سبحانه بينهم على حسب علمه بأحوالهم حتى في ~~الوحي , فخص من بينهم داود عليه السلام بكتاب كله مواعظ , والمواعظ أشد شيء ~~منافاة ms2804 للمشي في الأرض مرحا , ونهيا عنه , وأعظم شيء أمرا بالقول الذي هو ~~أحسن من الإخلاص والمراقبة والإحسان , هذا إلى ما ذكر فيه من PageV04P394 ~~التسبيح من كل شيء الذي هو من أعظم مقاصد السورة كما تقدم نص الزبور به ~~قريبا , فكان ذكر تفضيله به هنا أنسب لتفضيل الأنبياء تارة بالهجرة إليه ~~كإبراهيم عليه السلام وتارة بقصد تطهيره من الشرك وتنويره بالتوحيد كموسى ~~عليه السلام , وتارة بتأسيس بنيانه وتشييد أركانه كداود عليه السلام , ~~وتارة بالإسراء إليه والإمامة بالأنبياء عليهم السلام به والعروج منه إلى ~~سدرة المنتهى والمقام الأعلى , وأما تفضيله وتفضيل ابنه سليمان - على نبينا ~~محمد وعليهما الصلاة والسلام - بالملك وسعة الأمر فدخل في قوله تعالى : { ~~انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض } وروى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خفف على داود القراءة فكان ~~يأمر بدوابه لتسرج , فكان يقرأ قبل أن يفرغ - يعني القرآن , ومن أعظم ~~المناسبات لتخصيص داود عليه السلام وزبوره بالذكر هنا ذكر البعث فلا ذكر ~~البعث هذا مقامه فيه صريحا , وكذا ذكر النار مع خلو التوراة عن ذلك , أما ~~البعث فلا ذكر له في أصلا , وأما النار فلم يذكر شيء مما يدل عليها إلا ~~الجحيم في موضع واحد , وأما الزبور فذكر فيه النار والهاوية والجحيم في غير ~~موضع , وأما البعث فصرح به , وهو ظاهر في كونه بالروح والجسد , قال في ~~المزمور الثالث بعد المائة : نفسي تبارك الرب , الرب إلهي عظيم جدا , لبس ~~المجد , وعظيم البهاء , وتجلل بالنور كالرداء , ومد السماء كالخباء , جعل ~~الماء أساسها , واستوى على السحاب , ومشى على أجنحة الرياح , خلق ملائكته ~~أرواحا وخدمه نارا واقدة , وتجلل بالغمر كالرداء , وعلى الجبال تقف المياه ~~, ومن رجزك قهرت , ومن صوت رعدك تجزع الجبال عالية , والبقاع منهبطة في ~~الأماكن التي أسست , جعلت حدا لا تتجاوزه , لا تعود تغطي الأرض , أرسل ~~الماء عيونا في الأدوية , وبين الجبال تجري المياه لتسقي حيوان البر , ~~وتروي عطاش الوحوش , يقع عليها طائر السماء إلى أن قال ms2805 : وكل بحكمة صنعتن ~~امتلأت الأرض من خليقتك , هذا البحر العظيم السعة فيه حيتان لا تحصى كبار ~~وصغار , وفيه تسلك السفن , وهذا التنين الذي خلقته ليتعجب منه , والكل إياك ~~يرجون لتعطيهم طعامهم في حينه , فإذا أنت أعطيتهم يعيشون , وعند بسط يدك ~~بالطيبات يشبعون , وحين تصرف وجهك يجزعون , تنزع أرواحهم فيموتون , وإلى ~~التراب يرجعون , ترسل روحك فيخلقون , وتجدد وجه الأرض دفعة أخرى , ويكون ~~مجد الرب إلى الأبد - انتهى . | فكأن ذلك جواب لقول من لعله يقول للعرب من ~~اليهود : إن الأمر كما تقولون في أنه لا قيامة - كما يقوله بعض زنادقتهم ~~كما ذكر عنهم في نص الإنجيل وكما نقل عنهم في سورة النساء أنهم قالوا : ~~PageV04P395 أنتم أهدى سبيلا , ودينكم خير من دين محمد , وفي الزبور - كما ~~تقدم في أول السورة عن توراة موسى عليه الصلاة والسلام - ألا تتخذوا من دون ~~الله وكيلا , وذلك من أعظم مقاصد السورة , قال في المزمور الخامس والأربعين ~~بعد المائة : لا تتوكلوا على الرؤساء ولا على بني البشر الذين ليس عندهم ~~خلاص , فإن أرواحهم تفارقهم ويعودون إلى ترابهم , في ذلك اليوم تبطل ~~أعمالهم . | < < # | الإسراء : ( 56 - 58 ) قل ادعوا الذين . . . . . # > > ^ ( قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا * وإن من قرية إلا نحن مهلكوها ~~قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا ) ^ } ) ~~| ولما أثبت أن شأنه تعالى فعل ذلك وأمثاله من التفضيل والتحويل على حسب ~~علمه وقدرته , ثبت بغير شبهة أن لا مفزع إلا إليه , فأمره صلى الله عليه ~~وسلم آله وسلم تحقيقا لذلك أن يأمرهم بما يظهر به عجز شركائهم , ردا عليهم ~~في قولهم : لسنا بأهل لعبادته استقلالا , فنحن نعبد بعض المقربين ليشفع لنا ~~عنده , فقال تعالى : { قل ادعوا الذين } وأشار إلى ضعف عقولهم وعدم تثبيتهم ~~بالتعبير بالزعم فقال تعالى : { زعمتم } أنهم آلهة ؛ وبين سفول رتبتهم ~~بقوله تعالى : { من دونه } أي من ms2806 سواه كالملائكه وعزير والمسيح والأصنام , ~~ليجلبوا لكم خيرا , أو يدفعوا عنكم ضرا { فلا } أي فإن دعوتموهم أولم ~~تدعوهم فإنهم لا { يملكون كشف الضر } أي البؤس الذي من شأنه أن يرض الجسم ~~كله { عنكم } حتى لا يدعوا شيئا منه { ولا تحويلا * } له من حالة إلى ما هو ~~أخف منها , فضلا عن أن يبدلوه بحالة حسنة أو يحولوه إلى عدوكم , والآية نحو ~~قوله تعالى : ^ ( { فما يستطيعون صرفا ولا نصرا } ) ^ [ الفرقان : 19 ] ~~فكيف يتخذ أحد منهم دوني وكيلا ؟ قالوا : وسبب نزولها شكوى قريش إلى النبي ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما نزل هم من القحط حين دعا عليهم بسبع كسبع ~~يوسف عليه السلام . | ولم ينضب { يملكون } لئلا يظن أن النفي مسبب عن ~~الدعاء فيتقيد به . | ولما بين أنه لا ضر لهم ولا نفع , بين أنهم يتسابقون ~~إلى القرب إليه رجاء أن ينفعهم وخوف أن يضرهم فقال تعالى : { أولئك } أي ~~الذين أعلوا مراتبهم بالإقبال على طاعة الله , وكان المشركون يعلون مراتبهم ~~بتألههم , وعبرعن ذلك واصفا للمبتدإ بقوله تعالى : { الذين يدعون } أي ~~يدعوهم الكفار ويتألهونهم ؛ ثم أخبر عن المبتدإ بقوله تعالى : { يبتغون } ~~أي يطلبون طلبا عظيما { إلى ربهم } المحسن إليهم وحده PageV04P396 { ~~الوسيلة } أي المنزلة والدرجة والقربة بالأعمال الصالحة { أيهم أقرب } أي ~~يتسابقون بالأعمال مسابقة من يطلب كل منهم أن يكون إليه أقرب ولديه أفضل { ~~ويرجون رحمته } رغبة فيما عنده { ويخافون عذابه } تعظيما لجنابه , المكلف ~~منهم كالملائكة والمسيح وعزيز بالفعل , وغيرهم كالأصنام بالقوة من حيث إنه ~~يعبدوه ويبتغوا إليه الوسيلة ؛ وروى البخاري في التفسير عن عبد الله رضي ~~الله عنه { إلى ربهم الوسيلة } قال : كان ناس من الإنس يعبدون ناسا من الجن ~~فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم . | ثم علل خوفهم بأمر عام فقال تعالى : { ~~إن عذاب ربك } أي المحسن إليك برفع انتقام الاستئصال منه عن أمتك { كان } ~~أي كونا ملازما له { محذورا * } أي جديرا بأن يحذر لكل أحد من ملك مقرب ~~ونبي مرسل فضلا عن غيرهم , لما شوهد من إهلاكه للقرون ومن صنائعه العظيمة . ~~| ولما ms2807 كان المعنى : فاحذرونا فإنا أبدنا الأمم السالفة ودمرنا القرى ~~المشيدة , عطف عليه قوله تعالى : { وإن } أي وما ؛ وأعرق في النفي فقال ~~تعالى : { من قرية } من القرى هذه التي أنتم بها وغيرها { إلا نحن } أي بما ~~لنا من العظمة { مهلكوها } بنوع من والطالحة بالعذاب . | ولما كان الممكن ~~ليس له من ذاته إلا العدم , وذلك مستغرق لزمان القبل , حذف الجار فقال ~~تعالى : { قبل يوم القيامة } الذي أنتم به مكذبون , كما فعلنا في بيت ~~المقدس في المرتين المذكورتين أول السورة لإفساد أهلها فاحذروا مثل ذلك { ~~أو معذبوها } أي القرية بعذاب أهلها { عذابا شديدا } مع بقائها . | ولما ~~أكد ذلك بالاسمية , زاده تأكيدا في جواب من كأنه قال : هل في ذلك من ثنيا ~~لأن مثله لا يكاد يصدق ؟ فقال تعالى : { كان ذلك } أي الأمر العظيم { في ~~الكتاب } الذي عندنا { مسطورا * } على وجه الخبر , والأخبار لا تنسخ , فلو ~~لم يكن حشر كان أمرنا جديرا بأن يمثل حذرا من سطواتنا , ولا بد من أن تفهم ~~من أن نخفيكم بعد طول أمنكم ونهلك كثيرا من أعزائكم على يد هذا الرجل ~~الواحد الذي أنتم كلكم متمائلون عليه مستهينون بأمره , مع أنا ارسلناه ~~لعزكم وعلو ذكركم , ولا بد أن ندخله إلى بلدكم هذا بجنود أولي PageV04P397 ~~بأس شديد , لإفسادكم فيه واستهانتكم به كما فعلنا ببني إسرائيل حين أفسدوا ~~في مسجدهم كما تقدم ؛ قال الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني في ~~كتاب الفتن : حدثنا عبد بن أحمد بن محمد الهروي في كتابه ثنا عمر بن أحمد ~~بن عثمان بن شاهين ثنا محمد بن هارون الحضرمي ثنا علي بن عبدالله التميمي ~~ثنا عبد المنعم بن إدريس قال : أخبرنا أبي عن وهب بن منبه قال : الجزيرة ~~آمنة من الخراب حتى تخرب إرمينية آمنة من الخراب حتى تخرب مصر , ومصر آمنة ~~من الخراب حتى تخرب الكوفة , ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة , ~~فإذا كانت الملحمة الكبرى فتحت القسطنطينية على يد رجل من بني هاشم , وخراب ~~الأندلس من قبل الزنج , وخراب إفريقية من ms2808 قبل الأندلس , وخراب مصر من ~~انقطاع النيل واختلاف الجيوش فيها , وخراب العرق قبل الجوع والسيف , وخراب ~~الكوفة من قبل عدو من ورائهم يحقرهم حتى لا يستطيعوا أن يشربوا من الفرات ~~قطرة , وخراب البصرة من قبل العراق , وخراب الأبلة من قبل عدو يحفرهم مرة ~~برا ومرة بحرا , وخراب الري من قبل الديلم , وخراب خراسان من قبل تبت , ~~وخراب تبت من قبل الصين , وخراب الصين من قبل الهند , وخراب اليمن من قبل ~~الجراد والسلطان , وخراب مكة من قبل الحبشة , وخراب المدينة من قبل الجوع ؛ ~~حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد حدثنا علي بن محمد بن نصير حدثنا ~~محمد بن خلف أخبرنا سالم بن جنادة أخبرنا أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال : رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( ~~آخر قرية من قرى الإسلام خرابا المدينة ) انتهى . | وقد أخرجه الترمذي من ~~هذا الوجه . | < < # | الإسراء : ( 59 - 60 ) وما منعنا أن . . . . . # > > ^ ( وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود ~~الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا * وإذ قلنا لك إن ربك ~~أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة ~~في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ) ^ } ) | ولما كانت كفار ~~قريش تكرر اقتراحهم للآيات بعد أن اشتد أذاهم , وكان صلى PageV04P398 الله ~~عليه وعلى آله وسلم - لشدة حرصه على إيمان كل أحد فكيف بقومه العرب فكيف ~~ببني عمه منهم - ربما أحب أن الله تعالى يجيبهم إلى مقترحهم طمعا في ~~إيمانهم وإراحة له ولأتباعه من أذاهم , وكان ما رأوه من آية الإسراء أمرا ~~باهرا ثم لم يؤمنوا , بل ارتد بعض من كان آمن منهم , كان المقام في قوة ~~اقتضائه أن يقال بعد ذكر آية العذاب : ما لهم لا يعجل عذابهم أو يجابون إلى ~~مقترحاتهم ليقضى الأمر ؟ فيقال في الجواب : ما منعنا من تعجيل عذابهم إلا ~~أنا ضربنا شيء ولا يمنعها مانع { وما منعنا } أي على ما ms2809 لنا من العظمة التي ~~لا يعجزها شيء ولا يمنعها مانع { إن نرسل } أي إرسالا يظهر عظمتنا على وجه ~~العموم { بالآيان } أي التي اقترحها قريش , فكان كأنه لا آيات عندهم سواها ~~{ إلا } علمنا في عالم الشهادة بما وقع من { أن كذب بها } أي المقترحات { ~~الأولون } وعلمنا في عالم الغيب أن هؤلاء مثل الأولين في أن الشقي منهم لا ~~يؤمن بالمقترحات كما لم يؤمن بغيرها , وأنه يقول فيها ما قال في غيرها من ~~أنها سحر ونحو هذا , والسعيد لا يحتاج في إيمانه إليها , فكم أجبنا أمة إلى ~~مقترحها فما زاد ذلك أهل الضلالة منهم إلا كفرا , فأخذناهم لأن سنتنا جرت ~~أنا لا نمهل بعد الإجابة إلى المقترحات كما لم يؤمن بغيرها , وأنه يقول ~~فيها ما قال في غيرها من أنها سحر ونحو بعدم استئصالها , لما يخرج من أصلاب ~~كفرتها برحمة هذه الأمة وتشريفها على الأمم السالفة بها نفي إجابتهم إلى ~~مقترحاتهم , ولا يجوز أخذه على ظاهره , لأنه وجود ما يتعذر معه وقوع الفعل ~~من القادر عليه , ثم عطف على ما دل عليه المقام وهو : فكم أجبنا - إلى آخر ~~ما ذكرته , قوله تعالى : { وءاتينا } أي بما لنا من العزة الباهرة { ثمود ~~الناقة } حال كونها { مبصرة } أي مضيئة , جديرة بأن يستبصر بها كل من ~~شاهدها { فظلموا بها } أي فوقعوا في الظلم الذي هو كالظلام بسببها , بأن لم ~~يؤمنوا ولم يخافوا عاقبتها , وخص آية ثمود بالذكر تحذيرا بسبب أنهم عرب ~~اقترحوا ما كان سببا لاستئصالهم , ولأن لهم من علمها وعلم مساكنهم بقربها ~~إليهم وكونها في بلادهم ما ليس لهم من علم غيرها , وخص الناقة لأنها حيوان ~~أخرجه من حجر , والمقام لإثبات القدرة على الإعادة ولو كانوا حجارة أو ~~حديدا , ول على سفههم في كلا الأمرين على طريق النشر المشوش بذكر داود عليه ~~السلام إشارة إلى الحديد , والناقة إشارة إلى الحجارة , فلله هذه الإشارة ~~ما أدقها ! وهذه العبارة ما أجلها وأحقها ! { وما نرسل } أي بما لنا من ~~الجلالة التي هي بحيث تذوب لها الجبال { بالآيات } أي ms2810 المقترحات وغيرها { ~~إلا تخويفا * } أي للمرسل إليهم بها , فإن خافوا نجوا وإلا هلكوا فإذا كشف ~~الأمر لكم في عالم الشهادة عن أنهم لا يخافونها وفق ما كان عندنا في عالم ~~الغيب , علم أنه لا فائدة لكم فيها . | PageV04P399 ولما كان التقدير ~~للتعريف بمطابقة الخبر الخبر : اذكر أنا قلنا لك { إن الذين حقت عليهم كلمت ~~ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل ءاية } [ يونس : 96 ] واذكر ما وقع من ذلك ~~ماضيا من آيات الأولين وحالا من قصة الإسراء , عطف عليه قوله تعالى : { وإذ ~~} أي واذكر إذ { قلنا } على ما لنا من العظمة المحيطة { لك إن ربك } ~~المتفضل بالإحسان إليك بالرفق بأمتك { أحاط بالناس } علما وقدرة , تجد ذلك ~~إذا طبقت بعضه على بعض أمرا سويا حذو القذة لا تفاوت فيه , واعلم أنه مانعك ~~منهم وحائطك ومظهر دينك كما وعدك ؛ ثم عطف على { وما نرسل } قوله تعالى : { ~~وما جعلنا } أي بما لنا من القوة الباهرة التي لها الغنى المطلق { الرءيا ~~التي أريناك } أي بتلك العظمة التي شاهدتها ليلة الإسراء { إلا فتنة } أي ~~امتحانا واختبارا { للناس } ليتبين بذلك في عالم الشهادة المتقي المحسن ~~والجاهل المسيء كما هو عندنا في عالم الغيب , فنقيم بها عليهم الحجة , لا ~~ليؤمن أحد من حقت عليهم الكلمة ولا لنزداد نحن علما بسرائرهم , ولا شك في ~~أن قصة الإسراء إلى بيت المقدس ثم إلى السماوات العلى كان يقظة لا مناما ~~بالدليل القطعي المتواتر من تكذيب من كذب وارتداد من ارتد , وهذا مذهب ~~الجمهور وأهل السنة والجماعة , وقد ورد في صحته ما لايحصى من الأخبار - هذا ~~النقل , وأما الإمكان العقلي فثابت غير محتاج إلى بيان , فإن كل ذرة من ~~ذرات الموجودات فيها من العجائب والغرائب والدقائق والرقائق ما يتحير فيه ~~العقول , لكن لما كان على خلاف العادة ألفته الطباع , فلم تنكره الأبصار ~~ولا الأسماع , وأما مثل هذا فلما كان على خلاف العادة استنكره ضعفاء العقول ~~الذين لا يتجاوز فهمهم المحسوسات , على ما ألفوا من العادات , وأما أولو ~~الألباب الذين سلموا من نزعات الشيطان ms2811 ووساوس العادة , ونظروا بأعين ~~البصائر إلى آثار رحمة الله في صنع المصنوعات وإحداث المحدثات في الملك ~~والملكوت , والشهادة والغيب , والخلق والأم , فاعترفوا به , وأنه من عظيم ~~الآيات , وبدائع الدلائل النيرات , وأدل دليل على ذلك قوله تعالى { فتنة } ~~لأنه لو كان رؤيا منام لم يكن بحيث يستبعده أحد فلم يكن فتنة , ولعله إنما ~~سماه رؤيا - وهي للمنام - على وجه التشبيه والاستعارة , لما فيه من الخوارق ~~التي هي بالمنام أليق في مجاري العادات , روى البخاري في التفسير عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما { وما جعلنا الرءيا التي أريناك } الآية , قال : هي ~~رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة أسري به . | ~~ولما كان كل ما خفي سببه وخرج عن العادة فتنة يعلم به في طبعه الحق ومن في ~~طبعه الباطل , ومن هو سليم الفطرة ومن هو معكوسها , وكان قد أخبر أن شجرة ~~PageV04P400 الزقوم تنبت في أصل الجحيم , وكان ذلك في غاية الغرابة , ضمه ~~إلى الإسراء في ذلك فقال تعالى : { والشجرة } عطفا على الرؤيا { الملعونة ~~في القرءان } بكونها ضارة , والعرب تسمي كل ضار ملعونا , وبكونها في دار ~~اللعنة , وكل من له عقل يريد بعدها عنه , وهي كما رواه البخاري في التفسير ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما شجرة الزقوم جعلناها أيضا فتنة للناس نقيم بها ~~عليهم الحجة في الكفر والإيمان , فنثنتهم أي من أردنا إيمانه منهم بالأول ~~وهو الإسراء { ونخوفهم } بالثاني وأمثاله { فما يزيدهم } أي الكافرين منهم ~~التخويف حال التخويفن فما بعده من أزمنة الاستقبال أجدر بالزيادة { إلا ~~طغيانا } أي تجاوزا للحد هو في غاية العظم { كبيرا * } فيقلولون في الأول ~~ما تقدم في أول السورة , وفي الثاني : إن محمدا يقول : إن وقود النار الناس ~~والحجارة , ثم يقول : إن فيها شجرا , قد علمتم أن النار تحرق الشجر , ولم ~~يقولوا ما هم أعلم الناس به من أن الذي جعل لهم من الشجر الأخضر نارا قادر ~~على أن يجعل في النار شجرا , ومن أنسب الأشياء استحضارا هنا ما ذكره ~~العلامة شيخ مشايخنا ms2812 زين الدين أبو بكر بن الحسين المراغي بمعجم العين ~~المدني في تأريخ المدينة الشريفة في أوائل الباب الراع في ذكر الأدوية فإنه ~~قال : وادي الشظاة - أي بمعجمتين مفتوحتين - يأتي من شرقي المدينة من أماكن ~~بعيدة عنها إلى أن يصل السد الذي أحدثته نار الحرة التي ظهرت في جمادى ~~الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة - يعني : وهي المشار إليها بقول النبي صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم ( لا تقوم الساعة حتى تخرج نار بالحجار تضيء لها ~~أعناق الإبل ببصرى ) قال : وكان ظهورها من واد يقال به أحيليين في الحرة ~~الشرقية , وصارت من مخرجها إلى جهة الشمال مدة ثلاثة أشهر تدب دبيب النمل , ~~تأكل ما مرت عليه من جبل وحجر ولا تأكل الشجر , فلا تمر على شيء من ذلك إلا ~~صار سدا لامسلك لإنسان فيه ولا دابة إلى منتهى الحرة من جهة الشمال - فذكر ~~القصة وهي غريبة , وأسند فيها عن المطري فيما يتعلق بعدم أذاها للخشب . | < ~~< # | الإسراء : ( 61 - 63 ) وإذ قلنا للملائكة . . . . . # > > ^ ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن ~~خلقت طينا * قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا * قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزآؤكم جزاء ~~موفورا ) ^ } ) | ولما تقدم أنهم استعبدوا الإعادة من أجل صيرورتهم بعد ~~الموت رفاتا , وأخبر PageV04P401 تعالى بقدرته على ذلك ولو صاروا إلى ما هو ~~أعسر عندهم في الإعادة من الرفات بأن يكونوا حجارة أو حديدا , وأشار إلى ~~قدرته على التصرف بخرق العادة في الحديد بإلانته لعبد من عبيده , ثم في ~~الحجارة على سبيل الترقي في النشر المشوش بما هو أعجب من ذلك , وهو إفاضة ~~الحياة عليها لعبد آخر من عبيده , أشار إلى تصرفه في التراب الذي هو نهاية ~~الرفات الذي حملهم على الاستبعاد بما هو أعجب من كل ما تقدمه , وذلك بإفاضة ~~الحياة الكاملة بالنطق عليه من غير أن تسبق له حالة حياة أصلان وذلك بخلق ~~آدم عليه السلام الذي هو أصلهم , مع ما في ذلك ms2813 من حفظ السياق ي التسلية بأن ~~الآيات لا تنفع المحكوم بشقاوته وبأن آدم عليه السلام قد سلط عليه الحاسد ~~واشتد أذاه له مع أنه صفي الله وأول أنبيائه , مع البيان لأن أغلب أسباب ~~الطغيان الحسد الذي حمل إبليس على ما فعل فقال تعالى : { إذ } أي واذكر ~~أيضا ما وقع من الطغيان مع رؤية الآيات في أول هذا الكون من إبليس الذي هو ~~من أعلم الخلق بآيات الله وعظمته , ثم ممن اتبعه من ذرية آدم عليه السلام ~~بعد تحقق عداوته في مخالفة ربهم المحسن إليهم مع ادعاء ولايته إذ { قلنا } ~~أي بما لنا من العظمة التي لا يعصي مرادها شيء { للملائكة } حين خلقنا ~~أباكم آدم وفضلناه : { اسجدوا لآدم } امتثالا لأمري { فسجدوا إلا إبليس } ~~أبى أن يسجد لكونه ممن حقت عليه الكلمة ولم ينفعه ما يعلمه من قدرة الله ~~وعظمته , وذلك معنى قوله : { قال } أي لنا منكرا متكبرا : { ءأسجد } أي ~~خضوعا { لمن خلقت } حال كون أصله { طينا * } فكفر بنسبته لنا إلى الجور ~~وعدم الحكمة , متخيلا أنه أكرم من آدم عليه السلام من حيث إن الفروع ترجع ~~إلى الأصول , وأن النار التي هي أصله أكرم من الطين , وذهب عليه إن الطين ~~أنفع من النار فهو أكرم , وعلى تقدير التنزل فإن الجواهر كلها من جنس واحد ~~, والله تعالى الذي أوجدها من العدم يفضل بعضها على بعض بما يحدث فيها من ~~الأعراض , كما تقدمت الإشارة إليه في < # > 77 ( { ولقد فضلنا بعض النبين على بعض } ) 77 < # > [ الإسراء : 55 ] . | ولما أخبر تعالى بتكبره , كان كأنه قيل : إن هذه ~~لوقاحة عظيمة واجتراء على الجناب الأعلى , فهل كان غير هذا ؟ فقيل : نعم ! ~~{ قال أرءيتك } أي أخبرني { هذا الذي كرمت علي } بم كرمته علي مع ضعفه ~~وقوتي ؟ فكأنه قيل : لقد أتى بالغاية في إساءة الأدب , فما كان بعد هذا ؟ ~~فقيل : قال مقسما لأجل استبعاد أن يجترئ أحد هذه الجراءة على الملك الأعلى ~~: { لئن أخرتن } أي أيها الملك الأعلى تأخيرا ممتدا { إلى يوم القيامة } ~~حيا متمكنا { لأحتنكن } أي بالإغواء { ذريته } أي ms2814 لأستولين عليهم بشدة ~~احتيالي كما يستولي الآكل على ما أخذه في حنكه , بتسليطك لي عليهم { إلا ~~قليلا * } PageV04P402 وهم أولياؤك الذين حفظتهم مني , فكأنه قيل : لقد ~~أطال في الاجتراء فما قال له ربه بعد الثالثة ؟ فقيل : { قال } مهددا له : ~~{ اذهب } أي امض لثباتك الذي ذكرته بإرادتي لا بأمري , فإنك لن تعدوا أمرنا ~~فيك وقد حكمنا بشقاوتك وشقاوة من أردنا طاعته لك , ولذلك سبب عنه قوله ~~تعالى : { فمن تبعك } أي أدنى اتباع { منهم } أي أولاد آدم عليه السلام , ~~ويجوز أن يراد بتجريد الفعل أن من تبعه بغير معالجة من فطرته الأولى لا ~~يكون إلا عريقا في الشر . | ولما كان التقدير : أذقته من خزيك , عبر عنه ~~بقوله تعالى : { فإن جهنم } أي الطبقة النارية التي تتجهم داخلها { جزاؤكم ~~} أي جزاءك وجزاءهم , تجزون ذلك { جزاء موفورا * } مكملا وافيا بما تستحقون ~~على أعمالكم الخبيثة . | ومادة ( وفر ) بجميع تراكيبها - وهي خمسة عشر , في ~~الواوي ستة : وفر , ورف , فور , فرو , رفو , روف , وفي اليائي ثلاثة : فري ~~, رفي , ريف , وفي المهموز ستة : رفأ , رأف , فرأ , فأر , أفر , أرف - تدور ~~على السعة , والمجاوزة للحد , والعلو على المقدار , والفضل عن الكفاية ؛ ~~فالوفر : المكان الكبير , وسقاء وفر : لم ينقص من أديمه شيء , وإداوة وفراء ~~, والوفرة : ما بلغ الأذنين من الشعر , والوافر : ضرب من العروض وزنه ~~مفاعلتن ست مرات , والوفر : الغنى , ومن المال : الكثير الواسع , والعام من ~~كل شيء , ووفره توفيرا : أكثره , ووفر له عرضه : لم يشتمهن ووفر عطاءه : ~~رده عليه وهو راض , ووفره توفيرا : أكمله وجعله وافرا - لأن الكمال لا يكاد ~~يتحقق إلا مع زيادة , والثوبك قطعة وافرا , والوافرة : ألية الكبش إذا عظمت ~~, والدنيان والحياة , وكل شحمة مستطلية , وهم متوافرون : فيهم كثرة , ~~واستوفر عليه حقه : استوفاه . | وورف النبت يرف إذا رأيت له بهجة من ريه , ~~ولا يكون ذلك إلا من نضارته واتساعه وكونه ملء العين , وورف الظل يرف ورفا ~~ووريفا ووروفا : اتسع وطال وامتد كأورف وورف والورف : ما رق من نواحي الكبد ~~- لزيادته واسترخائه , والرفة - كعدة : الناضر من النبتن وورفته توريفا : ~~مصصته ms2815 , والأرض : قسمتها - كأنه من الإزالة . | وفارت القدر - إذا غلت حتة ~~يعلو ما فيها فتفيض , وكل حار يفور فورا , وفار العرق - إذا انتفخ , زاد في ~~القاموس : وضرب , والمسك , انتشر , وفارة الإبل : فوح جلودها إذا نديت بعد ~~الورد , والفائر : المنتشر العصب من الدواب وغيرها , وأتوا من فورهم : من ~~وجههم أو قبل أن يسكنوا - لأن حركتهم توسع وانتشار فسميت فورا والفار : عضل ~~الإنسان - لأنه أثخن مما دونه , والفور - بالضم : الظباء , جمع فائر - لأنه ~~من أسرع الحيوان نفارا , وأشدها وثبا , وأوسعها عدوا , وقال القزاز : ~~والفارة والفورة : PageV04P403 ريح تكون في رسغ الفرس إذا مسحت وتجتمع إذا ~~تركت , وقال في فأر : فإذا مشى انفشت , وأعاده في القاموس في المهموز فقال ~~: والفأرة له - أي للذكر من الحيوان المعروف - وللأنثى , وريح في رسغ ~~الدابة تنفش إذا محست وتجتمع إذا تركت كالفورة بالضم , والفور : ولد الحمار ~~- لخفته وسرعة حركته ووثبه , وفوارتا الكرش : غدتان في جوف لحمتين , وقيل : ~~الفوارة : اللحمة - التي في داخلها الغدة , وقيل : تكونان لكل ذي لحم , ~~وذلك لوجوب الزيادة سواء قلنا : إنها لحمة أو غدة , وقال القزاز : وقالوا : ~~ماء الرجل إنما يقع في الكلية ثم في الفوارة ثم في الخصية , فعلى هذا سمي ~~لأنه يقذف ما فيه إلى الخصية , والفياران - بالكسر : حديدتان تكتنفان لسان ~~الميزان لاتساعهما عن اللسان , والفيرة - بالكسر بالهمز وبغيره : تمر يغلى ~~ويمرس ويطبخ بحلبة تشربها النفساء قاله القزاز , وفي مختصر العين : حلبة ~~تطبخ ؛ فإذا فارت فوارتها ألقيت في معصرة ثم صفيت وتحسيها النفساء , وأعاده ~~في القاموس في المهموز وقال : والفئرة - بالكسر - والفؤارة كثمامة والفئرة ~~كعنبة ويترك همزها : حلبة تطبخ للنفساء - سميت إما لغليانها وإما للاتساع ~~بجمع التمر والحلبة . | والفرو والفروة : لبس معروف - لخروج صوفها وزيادة ~~الرفق به , كأنها أصل المادة كلها , وفروة الرأس : جلدته بشعرها , والفروة ~~: الأرض البيضاء ليس لها نبات - لأنه أوسع لها من حيث هي , والفروة : الغنى ~~والثروة وقطعة نبات مجتمعة يابسة , وجبة شمر كماها - لأنه لولا زيادتهما ما ~~شمرا , ونصف كساء يتخذ من أوبار الإبل - كأنه شبه بالفروة لطول وبره , ~~وخريطة ms2816 يجعل السائل فيها صدقته , والتاج - لاتساعه وعلوه وكماله ولغنى ~~صاحبه , وخمار المرأة - لزيادته على كفايتها ولسبوغه وفضله عن رأسها . | ~~ورفا الثوب يرفوه : أصلحه ولأم خرقه : وقال في القاموس : في المهموز : وضم ~~بعضه إلى بعض , قال القزاز : والهمز أكثر ؛ والرفاء - ككساء : الالتحام ~~والاجتماع والاتفاق , ومنه ما يدعى به للمتزوج : بالرفاء والبنين , وأعادوه ~~في المهموز . | وقال في القاموس : أي بالالتئام وجمع الشمل , قال القزاز : ~~ومعنى رفا : تزوج , والأرفى : العظيم الأذنين في استرخاء , قال القزاز : ~~والأذن الرفواء هي التي تقبل على الأخرى حتى تكاد تماس أطرافهما ؛ ورفوت ~~الرجل : إذا سكنته من رعب , وأعاده في القاموس في المهموز - لأن ذلك أوسع ~~لفكره لأنه أقر لعينه . | والروف : السكون - وهو أوسع من الاضطراب لأنه لا ~~يكون إلا عن قرار العين , قال في القاموس : وليس من الرأفة , والروفةك ~~الرحمة , وراف يراف لغة في رأف يرأف - وستأتي بقيتها قريبا إن شاء الله ~~تعالى . | PageV04P404 < < # | الإسراء : ( 64 - 65 ) واستفزز من استطعت . . . . . # > > ^ ( واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم ~~في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا * إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا ) ^ } ) | ولما بدأ سبحانه بالوعيد لطفا ~~بالمكلفين , عطف على ( ذهب ) قوله ممثلا حاله في تسلطه على من يغويه بمغوار ~~أوقع بقوم فصوت بهم صوتا يستنفرهم من أماكنهم , ويلقعهم عن مراكزهم , وأجلب ~~عليهم بجنده من خيالة ورجالة حتى استأصلهم : { واستفزز } أي استخف , والفز ~~أصله القطع , أي استزله بقطعه عن الصواب - قاله الرماني { من استطعت منهم } ~~وهم الذين سلطناك عليهم { بصوتك } أي دعائك بالغنى والمزامير وكل ما تزينه ~~بالوساس { وأجلب } أي اجمع أوس ق بغاية ما يمكنك من الصياح { عليهم بخيلك } ~~أي ركبان جندك { ورجلك } أي ومشاتهم ؛ والمعنى : افعل جميع ما تقدر عليه , ~~ولا تدع شيئا من قوتك , فإنك لا تقدر على شيء لم أقدره لك . | ولما كان ~~الشيطان طالبا شركة الناس في جميع أمورهم بوساوسه الحاملة لهم على إفسادها ~~, فإن أطاعوه كانوا طالبين لأن يشركوه وإن كانوا لا شعور لهم بذلك , عبر ~~بصيغة ms2817 المفاعلة فقال تعالى : { وشاركهم } أي بوثوبك على مخالطتهم عند ما ~~يشاركونك بفعل ما يوافق هواك { في الأموال } أي التي يسعون في تحصيلها { ~~والأولاد } أي التي ينسلونها , إن اقتنوها بوجه محرم أو لم يذكروا اسمي ~~عليها , وكذا قرابينهم لغير الله وإنفاقهم في المحرمات وتعليمهم أولادهم ~~المعاصي والكفر مشاركة فيها { وعدهم } من المواعيد الباطلة ما يستخفهم ~~ويغرهم من شفاعة الآلهة والكرامة على الله تعالى وتسويف التوبة - ونحو ذلك ~~؛ ثم التفت إلى الصالحين من عباده فأخبرهم تثبيتا لهم وتنبيها لغيرهم على ~~أنه ليس بيده شيء , فقال تعالى مظهرا لضميره بما يدل على تحقيره , تقبيحا ~~لأمره وتنفيرا منه : { وما يعدهم الشيطان } أي المحترق المطرود باللعنه \ ة ~~من عدم البعث وطول الأجل وشفاعة الآلهة ونحو ذلك { إلا غرورا * } والغرور : ~~تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب , ثم رجع إلى مواجهته بما يحقر أمره , فإن ~~المواجهة بالتحقير أنكأ , مصرحا بنتيجة ذلك , وهي أنه غير قادر إلا بإذنه ~~سبحانه , وممنوع عنه ما لم يقدره له , دفعا لما قد يوهمه ما مضى من أنه ~~يؤثر شيئا استقلالا فقال تعالى : { إن } أي اجهد جهدك , لأن أهل الشهوات ~~سلطتم عليهم زيادة في شقائك بما أردته منهم قبل خلقك وخلقهم , لا تقدر أن ~~تتعدى شيئا منه إلى خالصتي ومن ارتضيته لعبادتي , إن { عبادي } الذين ~~أهلتهم للإضافة إلي فقاموا بحق عبودتي بالتقوى والإحسان { ليس لك } أي بوجه ~~من الوجوه { عليهم سلطان } أي فلا تقدر أن تغويهم وتحملهم على ذنب لا يغفر ~~, فإني وفقتهم PageV04P405 للتوكل علي فكفيتهم أمرك { وكفى بربك } أي ~~الموجد لك المدبر لأمرك { وكيلا * } يحفظ ما هو وكيل فيه من كل ما يمكن أن ~~يفسده . | < < # | الإسراء : ( 66 - 69 ) ربكم الذي يزجي . . . . . # > > ^ ( ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم ~~رحيما * وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم وكان الإنسان كفورا * أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم ~~حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا * أم أمنتم أن يعيدكم ms2818 فيه تارة أخرى فيرسل ~~عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا ) ~~^ } ) | ولما ذكر أنه الوكيل الذي لا كافي غيره في حفظه , لاختصاصه بشمول ~~علمه وتمام قدرته , أتبعه بعض أفعاله الدالة على ذلك فقال تعالى , عودا إلى ~~دلائل التوحيد الذي هو المقصود الأعظم بأحوال البحر الذي يخلصون فيه , في ~~أسلوب الخطاب استعطافا لهم إلى المتاب : { ربكم } أي المحسن إليكم , هو { ~~الذي يزجي } أي يسوق ويدفع وينفذ { لكم } أي لمنفعتكم { الفلك } التي حملكم ~~فيها مع أبيكم نوح عليه السلام { في البحر لتبتغوا } أي تطلبوا طلبا عظيما ~~بذلك أنواع المنافع التي يتعذر أو يتعسر الوصول إليها في البر { من فضله } ~~ثم علل فعله ذلك بقوله تعالى : { إنه } أي فعل ذلك لكم لأنه { كان } أي ~~أزلا وأبدا { بكم } أي أيها المؤمنون خاصة { رحيما * } أي مكرما يالتوفيق ~~إلى فعل ما يرضيه في المتجر وغيره , لا لشيء غير ذلك , أو يكون ذلك خطابا ~~لجميع النوع فيكون المعنى : خصكم به من بين الحيوانات . | ولما كان المراد ~~المؤمنين خاصة وإن كان خطابا للمجموع , خص المشركين كذلك فقال : { وإذا } ~~أي فإذا نعمكم بأنواع الخير كنتم على إشراككم به سبحانه , وإذا { مسكم } ~~ولم يقل : أمسكم - بالإسناد إلى نفسه , تأديبا لنا في مخاطبته بنسبة الخير ~~دون الشر إليه , مع اعتقاده أن الكل فعله , وتنبيها على أن الشر مما ينبغي ~~التبرؤ منه والبعد عنه { الضر في البحر } من هيج الماء واغتلامه لعصوف ~~الريح وطمو الأمواج { ضل } أي ذهب وبطل عن ذكركم وخواطركم { من تدعون } من ~~الموجودات كلها { إلا إياه } وحده , فأخلصتم له الدعاء علما منكم أنه لا ~~ينجيكم سواه { فلما نجاكم } من الغرق وأوصلكم بالتدريج { إلى البر أعرضتم } ~~عن الإخلاص له ورجعتم إلى الإشراك { وكان الإنسان } أي هذا النوع { كفورا * ~~} أي بليغ التغطية لما حقه أن يشهر , فأظهر في موضع الإضمار تنبيها على أن ~~هذا الوصف لا يخصهم , بل يعم هذا النوع لطبعه على النقائص إلا من أخلصه ~~الله له . | PageV04P406 ولما كان التقدير : أعرضتم بعد ms2819 إذ أنجاكم فكفرتم ~~بذلك وكان الكفر وصفا لكم لازما , فتسبب عن ذلك أنكم أمنتم , أي فعلتم بذلك ~~فعل الآمن , أنكر عليهم هذا الأمر لكونه من أجهل الجهل فقال تعالى : { ~~أفأمنتم } أي أنجوتم من البحر فأمنتم بعد خروجكم منه { أن نخسف } أي بما ~~لنا من العظمة { بكم } ودل على شدة إسراعهم بالكفر عند وصولهم إلى أول ~~الساحل بقوله تعالى : { جانب البر } أي فنغيبكم فيه في أي جانب كان منه , ~~لأن قدرتنا على التغييب في التراب في جميع الجوانب كقدرتنا على التغييب في ~~الماء سواء , فعلى العاقل أن يستوي خوفه من الله في جميع الجوانب { أو } ~~أمنتم إن غلظت أكبادكم عن تأمل مثل هذا أن { يرسل عليكم } من جهة الفوق ~~شيئا من أمرنا { حاصبا } أي يرمي بالحصباء , أي بالحصى الصغار - قاله ~~الرازي في اللوامع , وقال الرماني : حجارة يحصب بها , أي يرمي بها , حصبه - ~~إذا رماه رميا متتابعا - انتهى . | يرميكم ذلك الحاصب في وجوهكم أو فوق ~~رؤوسكم رميا يهلك مثله كما وقع لقوم لوط أنا أرسلنا عليهم حاصبا , وقيل : ~~الحاصب : الريح , ولم يقل : حاصبة لأنه وصف لزمها , ولم يكن لها , مذكر ~~تنتقل إليه في حال فكان بمنزلة حائض { ثم لا تجدوا } أيها الناس { لكم } ~~وأطلق ليعم فقال تعالى : { وكيلا * } ينجيكم من ذلك ولا من غيره كما لم ~~تجدوا في البحر وكيلا غيره { أم أمنتم } إن جاوزت بكم الغباوة حدها فلم ~~تجوزوا ذلك { أن يعيدكم فيه } أي البحر بما لنا من العظمة التي تضطركم إلى ~~ذلك فتقركم عليه وإن كرهتم { تارة أخرى } بأسباب تضطركم إلى ذلك { فنرسل ~~عليكم } أي بما لنا من صفة الجلال { قاصفا } وهو الكاسر بشدة { من الريح } ~~كما عهدتم أمثاله يا من وقفت أفكارهم مع المحسوسات فرضوا بذلك أن يكونوا ~~كالبهائم لا يفهمون إلا الجزيئات المشاهدات { فيغرقكم } أي في البحر الذي ~~أعدناكم فيه , لعظمتنا { بما كفرتم } كما يفعل أحدكم إذا ظفر بمن كفر ~~إحسانه { ثم لا تجدوا لكم } وإن أمعنتم في الطلب , وطالت أزمانكم في إتقان ~~السبب . | ولما كان إطلاق النفي ms2820 في ختام الآية الماضية - وإن كان لإرادة ~~التعميم - يحتمل أن يدعي تقييده بما يخالف المراد , وكان القصود هنا ~~التخويف بسطوته سبحانه تارة بالخسف وتارة بغيره , قيد بما عين المراد , ~~وقدم قوله تعالى : { علينا } دلالة على باهر العظمة { به } أي بما فعلنا ~~بكم { تبيعا * } أي مطالبا يطالبنا به . | < < # | الإسراء : ( 70 - 72 ) ولقد كرمنا بني . . . . . # > > ^ ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا * يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي ~~كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا * ومن كان في هذه أعمى ~~فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ) ^ } ) | PageV04P407 ولما قرر سبحانه بهذه ~~الجمل ما يسر لهم من البر , وسهل من شدائد البحر في معرض التهديد , أتبعه ~~أنه فعل ذلك تكريما لهم على سائر مخلوقاته , كما هو شأنه في القدرة على ما ~~يريد في المفاوتة بين الأمور التي كانت متساوية عند أول خلقه لها , ~~ليستدلوا بذلك على سهولة الإعادة , مشيرا إلى أنه ركب جوهر الإنسان من نفس ~~هي أشرف النفوس بما فضلها على قوى النفس النباتية من الاغتذاء والنمو ~~والتوليد بالحس ظاهرا وباطنا وبالحركة بالاختيار , وخصه على سائر الحيوان ~~بالقوة العاقلة المدركة لحقائق الأشياء كما هي , ويتجلى بها نور معرفة الله ~~, ويشرق فيها ضوء كبريائه وتطلع على عالمي الخلق والأمر , وتحيط بأقسام ~~المخلوقات من الأرواح والأجسام كما هي , فكانت بذلك النفس الإنسانية أشرف ~~نفوس هذا العالم , وبدنه كذلك باختصاصه باعتدال القامة وامتدادها والتناول ~~باليد وغير ذلك , فقال تعالى عاطفا على ما يرشد إليه السياق من مثل أن يقال ~~: فلقد كرمناكم بذلك من أزجاء الفلك وإنجائكم في وقت الشدائد , أو على : ~~ولقد فضلنا : { ولقد كرمنا } أي بعظمتنا تكريما عظيما { بني ءادم } أي على ~~سائر الطين بالنمو , وعلى سائر النامي بالحياة , وعلى سائر الحيوات ~~بالنطقنفكان حذف متعلق التكريم دالا على عمومه لجميع الخلق , وذلك كله ~~تقديرا للقدرة على البعث { وحملناهم في البر } على الدواب وغيرها { والبحر ~~} على السفن وغيرها { ورزقناهم } أي رزقا يناسب عظمتنا { من ms2821 الطيبات } أي ~~المستلذات من الثمرات والأقوات التي يأكل غيرهم من الحيوان قشها { وفضلناهم ~~} في أنفسهم بإحسان الشكل , وفي صفاتهم بالعلم المنتج لسعادة الدارين , وفي ~~رزقنا لهم بما تقدم . | ولما حذف متعلق التكريم دلالة على التعميم , وكان ~~أغلب أفراده ضالا , قال لذلك : { على كثير ممن خلقنا } أي بعظمتنا التي ~~خلقناهم بها وأكد الفعل بالمصدر إشارة إلى إعراقهم في الفضيلة فقال تعالى : ~~{ تفضيلا * } هذا ما للمجموع , وأما الخلص فهم أفضل الخلائق لما علمنا من ~~معالجتهم بالإخلاص وجهادهم لأهويتهم , لما طبعت عليه نفوسهم من النقائص , ~~ولما لها من الدسائس حتى امتطوا بعد رتبة الإيمان درجتي التقوى والإحسان , ~~وتقديم الأمر للملائكة بالسجود لآدم عليه السلام توطئة لهذه الآية أدل دليل ~~على هذا . | ولما قرر سبحانه على التفضيل في الحياة الحسية والمعنوية , ~~والمفاضلة بين الأشياء في الشيئين فثبت بذلك قدرته على البعث , وختم ذلك ~~بتفضيل البشر , وكان يوم الدين أعظم يوم يظهر في التفضيل , أبدل من قوله { ~~يوم يدعوكم } مرهبا من سطواته في ذلك اليوم , ومرغبا في اقتناء الفضائل في ~~هذا اليوم قوله تعالى : { يوم ندعوا } أي بتلك PageV04P408 العظمة { كل ~~أناس } أي منكم { بإمامهم } أي بمتبوعهم الذي كانوا يتبعونه , فيقال : يا ~~أتباع نوح ! يا أتباع إبراهيم ! يا أتباع عيسى ! يا أتباع محمد ! فيقومون ~~فيميز بين محقيهم ومبطليهم , ويقال : يا أتباع الهوى ! يا أتباع النار ! يا ~~أتباع الشمس ! يا أتباع الأصنام ! ونحو هذا , أو يكون المراد بسبب أعمالهم ~~التي ربطناهم بها ربط المأموم بإمامه كما قال تعالى { وكل إنسان الزمناه ~~طائره في عنقه } وسماها إماما لكونهم أموها واجتهدوا في قصدهان وندفع إليهم ~~الكتب التي أحصت حفظتنا فيها تلك الأعمال { فمن أوتي } منهم من مؤت ما { ~~كتبه بيمينه } فهم البصراء القلوب لتقواهم وإحسانهم , وهم البصراء في ~~الدنيا , ومن كان في هذه الدنيا بصيرا فهو في الآخرة أبصر وأهدى سبيلا { ~~فأولئك } أي العالو المراتب { يقرءون كتابهم } أي يجددون قراءته ويكررونها ~~سرورا بما فيه كما هو دأب كل من سر بكتاب { ولا يظلمون } بنقص حسنة ما من ~~ظالم ما ms2822 { فتيلا * } أي شيئا هو في غاية القلة والحقاره , بل يزادون بحسب ~~إخلاص النيات وطهارة الأخلاق وزكاء الأعمال , من أوتي كتابه بشماله فهو لا ~~يقرأ كتابه لأنه أعمى في هذه الدار { ومن كان } منهم { في هذه } الدار { ~~أعمى } أي ضالا يفعل في الأعمال فعل الأعمى في أخذ الأعيان , لا يهتدي إلى ~~أخذ ما ينفعه وترك ما يضره , ولا يميز بين عمى مما كان عليه في هذه الدار , ~~لا ينجح له قصد , ولا يهتدي لصواب , ولايقدر على قراءة كتاب , لما فيه من ~~موجبات العذاب , ولم يقل : أشد عمى , كما يقولونه في الخلق اللازمة لحالة ~~واحدة من العور والحمرة والسواد ونحوهما , لأن هذا مراد به عمى القلب الذي ~~من شأنه التزايد والحدوث في كل لحظة شيئا بعد شيء , فخالف ما لا يزيد ؛ ولم ~~يمله أبو عمرو مع إمالة الأول ليدل على أن معناه : أفعل من كذا , فهو وسط , ~~والإمالة إنما يحسن في الأواخر , ولأن هذا معناه , عطف عليه قوله تعالى : { ~~وأضل سبيلا * } لأن هذه الدار دار الاكتساب والترقي بالأسباب , وأما تلك ~~فليس فيها شيء من ذلك ؛ فالآية من الاحتباك : أثبت الإيتاء باليمين ~~والقراءة أولا دليلا على حذف ضدهما ثانيا , وأثبت العمى ثانيا دليلا على ~~حذف ضده أولا . | < < # | الإسراء : ( 73 - 76 ) وإن كادوا ليفتنونك . . . . . # > > ^ ( وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينآ إليك لتفتري علينا غيره وإذا ~~لاتخذوك خليلا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا ~~لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا * وإن كادوا ~~ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ) ^ } ) | ~~ولما قرر أن من ترك سبيل الرشد كان الأعمى , ومن تبعها كان كالبصير , أتبعه ~~PageV04P409 دليله فقال محذرا للبصراء عن الاغترار بوساوس الأشقياء : { وإن ~~} أي وأكثر هؤلاء أعمى , قد افتتن في نفسه بهواه مع بياننا لطريق الرشد بما ~~أوحينا إليك من هذه الحكمة حتى صارت أوضح من الشمس وإن الأعداء { كادوا } ~~أي قاربوا في هذه الحياة الدنيا لعماهم في أنفسهم عن عصمة الله لك ms2823 بسبب ~~عماهم عما جبلت عليه من الفطنة , وجودة الفطرة , وذكاء القريحة , وثقوب ~~الفهم , وبعد المرمى في الوقوف على خداع المخادعين , ومكر الماكرين لتجلي ~~الدقائق في مرآة قلبك الصقيلة وصافي فكرتك الشفافة . | ولما كانت ( إن ) ~~مخففة من الثقيلة أتى باللام الفارقة بينها وبين النافية فقال تعالى : { ~~ليفتنونك } أي ليخالطونك مخالطة تمليك إلى جهة قصدكم بكثرة خداعهم بإطماعهم ~~لك في الموافقة لما يعلمون من ظاهر الحياة الدنيا { عن الذي أوحينا } أي ~~بما لنا من العظمة { إليك } من الحكمة { لتفتري } أي تقطع متعمدا { علينا } ~~على عظمتنا { غيره } من طرد من أوحينا إليك الأمر بمصابرتهم , إطماعا منهم ~~في إسلام من هو بحيث يرجى إسلامه إسلام الجم الغفير منهم لشرفه ونحو ذلك ~~مما عناه الله سبحانه وهو أعلم بمراده ؛ قال الرماني : وأصل الفتنة ما يطلب ~~به خلاص الشيء مما لابسه { وإذا } أي لو ملت إليهم { لاتخذوك } أي بغاية ~~الرغبة { خليلا * } ومن كان خليل الكفار لم يكن خليل الله , ولكنك أبصرت ~~رشدك فلزمت أمر الله , واستمروا على عماهم إتماما لتفضيلنا لك على كل مخلوق ~~, وقد تقدم ما تدور عليه مادة ( فرا ) وأنه السعة , وقد بقي من تقاليبها ~~اليائي والمهموز , فمعنى فريت الأديم : شققته فاسدا أو صالحا - لأنه يتسع ~~بذلك , وقال القزاز : الفري مصدر فريت الأديم - إذا شققته للإصلاح , ~~وأفريته - إذا شققته للإفساد - كأن همزته للإزالة , وحكى أبو عبيدة : فريت ~~الشيء وأفريته : قطعته , وفرى الكذب وافتراه : اختلفه - لأنه اتساع في ~~القول وزيادة على ما يكفي من الصدق وتجاوز للحد , وفرى المزادة : خلقها ~~وصنعها , وقال القزاز : خرزها - لأنها تسع ما لا تسعه قبل الخرز , قال : ~~وأصل الفري الشق - يعني : والخرز واقع في الشق , فالعلاقة المحل , وفرى ~~الأرض : سارها وقطعها - تشبيها لها بالأديم , وفرى - كرضي : تحير ودهش - من ~~التسمية باسم السبب , لأن سبب الدهش كثرة وعظم في المحسوس , وأفراه , أصلحه ~~أو أمر بإصلاحه - لأن الإصلاح سعة بالنسبة إلى الإفساد , وأفرى فلانا : ~~لامه - لأنه يلزم منه الزيادة في الكلام لما يحاج به الملوم , والفرية : ~~الجلبة - لأنها زيادة عن الكلام المعتاد ms2824 , وبالكسر : الكذب , وكغنى : الأمر ~~المختلق المصنوع أو العظيم , والواسعة من الدلاء كالفرية , والحليب ساعة ~~تحلب - لارتفاع الرغوة , وتفرى الشيء : انشق , والعين : انبجست , وهو يفري ~~الفرى كغنى : PageV04P410 يأتي بالعجب في عمله . | وقال القزاز : وتركت ~~فلانا يفري ويقد , أي حاد في الأمر , وفلانا يفري منذ اليوم - إذا جاء ~~بالعجب , لأنه لا يعجب إلا ما زاد على الكفاية . | والرفة : التبن - لأنه ~~ما فضل عن الحب , والرفة : دويبة تصيد تسمى عناق الأرض - لأن حالها أوسع من ~~حال ما لا يصيد , ذكر هذا صاحب مختصر العين في المعتل بالياء فوزنه ثبه , ~~وساقه صاحب القاموس في الهاء وقال فيما مدلوله التبن : إنه كصرد , ثم ساقه ~~في المعتل الواوي في ورف وقال : والرفة كثبة : التبن , فاضظرب كلامه فوجب ~~قبول مختصر العين , لكن ذكره الإمام أبو غالب بن التباني - وهو من يخضع له ~~- في كتابه الموعب في مقلوب رهف فقال ناسبا له إلى كتاب العين ما نصه : ~~والرفة : التبن , قال غيره : ويقال في مثل من الأمثال : استغنت التفه عن ~~الرفة , والتفه : عناق الأرض , وهي دويبة كالثعلب خبيثة , تصيد كل شيء , ~~وذلك أنها لا تأكل إلا اللحم - أبو حنيفة مثله , كله انتهى بحروفه , وقال ~~صاحب القاموس في المعتل : والتفة ذكر في ت ف ف , وقال في الهاء : والتفه ~~كثبه : عناق الأرض , وقال في الفاء : والتفه - كقفة : دويبة كجرو الكلب أو ~~كالفأرة , واستغنت التفه عن الرفة ؛ ويخفقان , يضرب للئيم إذا شبعز فلعل ~~هذا الاختلاف لغات - والله أعلم . | قال في مختصر العين : والأرفي مثل كركي ~~: اللبن المحض الطيب - لفيضه كالغائر , جعله المختصر يائيا , والقاموس ~~واويا , ثم أعاده في المهموز فقال : والأرفي - كقمري : اللبن الخالص , وساق ~~القزازفي اليائي : رافيت الرجل أرافيه مرافاة - إذا وافقته - لأن ذلك أوسع ~~في العشرة , والريف بالكسر - الخصب , وقال في القاموس : أرض فيها زرع وخصب ~~, والسعة في المأكل والمشرب , وما قارب الماء من أرض العرب , أو حيث الخضر ~~إلا عن سعة , وأرض ريفة ككيسة : وأرافت الأرض : أخصبت . | ومن المهموز : ~~رفأ السفينة - كمنع وأرفأهاك أدناها من الشط - لاتساع من ms2825 فيها بالبر , ~~وبالنبسبة إليها يكون للسلب , والموضع مرفأ , ويضم , ورفأ بينهم : أصلح , ~~وأرفأ , جنح , وامتشط دونى وأدنى وحابى ودارأ كرافأ وإليه لجأ , وترافؤوا : ~~توافقوا وتواطؤوا , واليرفيء كاليلمعي : راعي الغنم والظليم النافر والظبي ~~القفوز المولى والمنتزع القلب فزعا - كأنه شبه بالظليم في اتساع حركته وعدم ~~ثباته , وذلك شبيه أيضا بفوران القدر في مجاوزة الحد , ورفأت العروس ترفئة ~~وترفيئا - تقدم في الواوي , والرأف : الخمر والرجل الرحيم , أو الرأفة : ~~أشد الرحمة أو أرقها , ولا شك في دخول ذلك في السعة , ورأف : موضع أو رملة ~~- ولعلهما واسعان , والفرأ - كجبل وسحاب : PageV04P411 حمار الوحش أو الفتي ~~منه - لشدة نفاره كالقدر في فورانها , وأمر فريء كفري , وكل الصيد في جوف ~~الفرا , أي كله دونه , فرأ - محركة : جزيرة باليمن - لعله بها بكثرة , ~~والفأر معروف , والواحدة فأرة , والجمع فئران - سمي لقفزه في جرية , ولأنه ~~وسع من الحشرات تصرفا بالمشي في الجدر والسقوف ونحوها , والفأرة : شجرة ~~ونافجة المسك , قال في القاموس : أو الصواب إيراد فارة المسك في ف و ر ~~لفوران رائحتها , أو يجوز همزها لأنها على هيئة الفأرة , وفأر كمنع : حفر ~~وخبأ ودفن - يمكن أن يكون من السعة ومن سلبها ؛ ولبن فئر - ككتف : وقعت فيه ~~الفأرة , وأرض فئرة ومفأرة : كثيرة الفأر , وأفرت القدر بالفتح تأفر أفرا : ~~اشتد غليانها , والإنسان : وثب وعدا , والبعير : نشط وسمن بعد الجهد كأفر ~~كفرح فيهما , وخف في الخدمة , والذي واضح في الاتساع والزيادة على الكفاية ~~, ويخدمه مئفر , والأفرة - بضمتين وتشديد الراء : الجماعة - وقيدها في ~~مختصر العين بذات الجلبة - والبلية والاختلاط , وكل ذلك أوضح في الاتساع ~~والزيادة على الكفاية , والأفرة أيضا شدة الشر - لشدة فورانه كالقدر , وشدة ~~الشتاء أو مطلق الشدة , ومن الصيف : أوله - لأنه يتسع به , قال في القاموس ~~: ويفتح أولها ويحرك في الكل ؛ والأرفة - بالضم : الحد بين الأرضين والعقدة ~~- وكأن هذا سلب الاتساع , والأرفي كقمري : الماسح , وأرف على الأرض تأريفا ~~: جعلت لها حدود وقسمت , وتأريف الحبل : عقده , وهو مؤارفي حده إلى حدي في ~~السكنى والمكان - والله الموفق . | ولما ذكره سبحانه بما كان في ذلك ms2826 من ~~رشده صلى الله عليه وعلى آله وسلم , أبتعه ببيان أنه إنما كان بعصمة الله ~~له ليزداد شكرا , فقال تعالى : { ولولا أن ثبتناك } أي بما لنا من العظمة ~~على ما أمرنا لما تقدم من أنا مع الذين اتقوا والذين هم محسنون , وأنت رأس ~~المتقين والمحسنين { لقد كدت } أي قاربت { تركن إليهم } أي الأعداء { شيئا ~~قليلا * } لمحبتك في هدايتهم وحرصك على منفعتهم , وكنا عصمناك فلم تركن ~~إليهم لا قليلا ولا كثيرا , ولا قاربت ذلك , كما أفادته { لولا } لأنها ~~تدخل على جملة اسمية فجملة فعلية لربط امتناع الثانية بوجود الأولى , ~~فامتناع قرب الركون مرتبط بوجود التثبيت , وذلك لأن { لولا } لانتفاء ~~الثاني لأجل انتفاء الأول , وهي هنا داخلة على لا النافية , فتكون لانتفاء ~~قرب الركون لأجل انتفاء التثبيت وانتفاء النفي وجود , فإذن التثبيت موجود , ~~وقرب الركون منتف . | ويجوز أن يكون المراد الدلالة على شدة مكرهم وتناهي ~~خداعهم إلى حالة لا يدرك وصفها , فيكون الفعل مسندا إليه صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم , والمراد إسناده إليهم ليكون المعنى : كادوا أن يجعلوك ~~مقاربا للركون إليهم , كما تقول لصاحبكك لقد كدت تقتل نفسك , أي فعلت ما ~~قاربت به أن يقتلك PageV04P412 غيرك لأجل فعلك , وهذه الآية من الأدلة ~~الواضحة على ما خص به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الفضائل في شرف ~~جوهره , وزكاء عنصره , ورجحان عقله , وطيب أصله , لأنها دلت على أنه صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم لو وكل إلى نفسه وما خلق الله في طبعه وجبلته من ~~الغرائز الكاملة والأوصاف الفاضلة , ولم يتداركه بما منحه من التثبيت زيادة ~~على ذلك حال النبوة لم يركن إليهم , وهم أشد الناس أفكارا , وا أصفاهم ~~أفهاما , وأعلمهم بالخداع , مع كثرة عددهم , وعظم صبرهم وجلدهم - ركونا ما ~~أصلا , وإنما كان قصاراهم أن يقارب الركون شيئا قليلا , فسبحان من يخص من ~~يشاء بما يشاء , وهو ذو الفضل العظيم { إذا } أي لو قاربت الركون الموصوف ~~إليهم { لأذقناك } أي بعظمتنا { ضعف } عذاب { الحياة وضعف } عذاب { الممات ~~} أي ذلك العذاب مضاعفا ms2827 . | وهذه المادة تدور على الوهي , ويلزمه التقوية ~~بالضعف - بكسر الضاد أي المثل وما زاد , وكل شيء له مكاثر فهو ضعيف بدونه , ~~ويلزم الضعف الذي هو المثل المضموم إلى مثله : القوة , فمن الوهي : الضعف ~~والضعف بالفتح والضم , وهو خلاف القوة , وقيل : الضعف بالفتح في العقل ~~والرأي , وبالضم في الجسد , والضعيف : الأعمى - حميرية , وأرض مضعفة ~~للمفعول : أصابها مطر ضعيف , وضعف الشيء بالكسر : مثله - لأن كل ما له مثل ~~فهو ضعيف , وضعفاه مثلاه . | ويقال : لك ضعفه , أي مثلاه , وثلاثة أمثاله , ~~لأن أصل الضعف زيادة غير محصورة , وضاعفت الشيء , أي ضممت إلى الشيء شيئين ~~فصار ثلاثة , وأضعاف الكتاب : أثناء سطوره - لأنها أمثال للسطور من البياض ~~وزيادة عليها ومن القوة التي تلزم المثل : أضعاف البدن وهي أعضاؤه - لأن ~~غالبها مثنى , أو هي عظامه - لأنها أقوى ما فيه , ومن الضعف أيضا مقلوبة ~~الذي هو ضعف - إذا أحدث وضربط , وكذا مقلوبة فضع , والضفع نجو الفيل , ~~والضفعانة : تمرة السعدانة ذات الشوك مستديرة - كأنها فلكة , فالمعنى - ~~والله أعلم : أذقناك وهي الحياة ووهي الممات مضاعفا أضعافا كثيرة . | ولما ~~كانت القوة بعد هذا في غاية البعد , عبر بأداة التراخي في قوله تعالى : { ~~ثم لا تجد لك } أي وإن كنت أعظم الخلق وأعلاهم همة { علينا نصيرا * } ~~والآية دالة على أن القبيح يعظم قبحه بمقدار عظيم شأن مرتكبه وارتفاع ~~منزلته , وعلى أن أدنى مداهنة للغواة مضادة لله وخروج عن ولايته , فعلى من ~~تلاها أن يتدبرها وأن يستشعر الخشية وعظيم التصلب في الدين . | ولما بين ~~أنهم استمالوه بالرفق حتى كادوا - لولا العصمة - أن يميلوه , دل على ~~PageV04P413 أنهم أخافوه بعد ذلك حتى كادوا أن يخرجوه من وطنه قبل الإذن ~~الخاص بالهجرة فقال تعالى : { وإن } أي وإنهم { كادوا } أي الأعداء { ~~ليستنفرونك } أي يستخفونك بكثرة الأذى الذي من شأنه ذلك فيما جرت به ~~العوائد { من الأرض } أي المكية التي هي الأرض كلها لأنها أمها { ليخرجوك ~~منها } مع أن وجودك عندهم رحمة لهم , فلا أعمى منهم ! وأصل الفو القطع بشدة ~~- قاله الرماني { وإذا } أي وإذا أخرجوك { لا يلبثون ms2828 خلافك } أي بعد إخراجك ~~لو أخرجوك { إلا قليلا * } وسيعلمون إذا أذنا لك في النزوح كيف نصب عليهم ~~العذاب بعد خروجك بقليل , برمحك الطويل , وسيفك الصقيل , وسيوف أتباعك ~~المؤمنين , لثبوت هذا الدين , وقد حقق الله سبحانه هذا الوعيد بقتل ~~صناديدهم في غزوة بدر في رمضان من السنة الثانية من الهجرة بعد ثمانية عشر ~~شهرا من مهاجرته صلى الله عليه وعلى آله وسلم , وحرم على المشركين الذين ~~أخرجوه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مكة المشرفة الدخول إليها والإقامة ~~في حريمها من جزيرة العرب , إكراما له صلى الله عليه وعلى آله وسلم , ~~وانتقاما ممن يعتقد فيها الإلغاء , لأنها متوسطة في الكلام كما أنه لا بد ~~من أن تلغي في آخر الكلام , وفي الآية بيان لأن الجاهل لا يزال ينصب للعالم ~~الحبائل , ويطلب له الغوائلن فيعود ذلك عليه بالوبال , في الحال والمآل . | ~~< < # | الإسراء : ( 77 - 80 ) سنة من قد . . . . . # > > ^ ( سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا * أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا * ~~ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا * وقل رب ~~أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ) ^ } ) | ~~ولما أخبره بذلك , أعلمه أنه سنته في جميع الرسل فقال تعالى : { سنتة } أي ~~كسنة أو سنتنا بك سنة { من قد أرسلنا } أي بما لنا من العظمة . | ولما كان ~~الإرسال قد عمت بركته بهذه العظمة جميع الأزمان بما حفه به من قويم الفطرة ~~, أسقط الجار فقال تعالى : { قبلك } أي في الأزمان الماضية كلها { من رسلنا ~~} بأن جعلنا وجودهم بين ظهراني قومهم رحمة لقومهم , فإذا أخرجوهم عاجلنا من ~~رضي بإخراجهم بالعقوبة { ولا تجد لسنتنا } أي لما لها من العظمة { تحويلا } ~~أي بمحول غيرنا يحولها , لكنهم خصوا عن الأمم السالفة بأنهم لا يعذبون عذاب ~~الاستئصال تشريفا لهم بهذا النبي الكريم . | PageV04P414 ولما قرر أمر أصول ~~الدين بالوحدانية والقدرة على المعاد , قرر أمرهم أحسن تقرير , واستعطفهم ~~بنعمه , وخوفهم ms2829 من نقمه , وقرر أنه سبحانه عصمه عليه الصلاة والسلام من ~~فتنتهم بالسراء والضراء بما أنار به من بصيرنه , وأحسن من علانيته وسريرته ~~, صار من المعلوم أنه قد تفرغ للعبادة , وتهيأ للمراقبة , فبدأ بأشرفها ~~فوصل بذلك قوله تعالى : { أقم } أي حقيقة بالفعل ومجازا بالعزم عليه { ~~الصلاة } بفعل جميع شرائطها وأركانها ومبادئها وغاياتها , بحيث تصير كأنها ~~قائمة بنفسها , فإنها لب العبادة بما فيها من خالص المناجاة بالإعراض عن كل ~~غير , وفناء كل سوى , بما أشرق من أنوار الحضرة التي اضمحل لها كل فان , ~~وفي ذلك إشارة عظيمة إلى أن الصلاة أعظم ناصر على الأعداء الذين يريدون ~~بمكرهم استفزاو الأولياء , وأدفع الأشياء للضراء , وأجلبها لكل سراء , ~~ولذلك كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ~~كما تقدم تخريجه في آخر الحجر ؛ ثم عين له الأوقات بقوله تعالى : { لدلوك ~~الشمس } أي زوالها واصفرارها وغروبها , قال في القاموس : دلكت الشمس : غربت ~~أو اصفرت أو مالت أو زالت عن كبد السماء . | فحينئذ في هذه اللفظة دلالة ~~على الظهر والعصر والمغرب من استعمال المشترك في معانيه , أما في الظهر ~~والمغرب فواضح , وأما في العصر فلأن أول وقتها أول أخذ الشمس في الاصفرار , ~~وأدل دليل على ذلك أنه غيا الإقامة بوقت العشاء فقال تعالى : { إلى } حثا ~~على نية أن يصلي كلما جاء الوقت ليكون مصليا دائما , لأن الإنسان في صلاة ~~ما كان ينتظر الصلاة , فهو بيان لأن وقت المغرب من الدلوك الذي هو الغروب ~~إلى أن يذهب الشفق { غسق اليل } فالغسق : ظلمة أول الليل , وهو وقت النوم ؛ ~~وقال الرازي في اللوامع : وهو استحكام ظلمة الليل , وقال الرماني : ظهور ~~ظلامه ؛ ثم عطف عليه بتغيير السياق قوله تعالى : { وقرءان } فكأنه قال : ثم ~~نم وأقم قرآن { الفجر } إشارة إلى الصبح , وقيل : نصب على الإغراءن وكأنه ~~عبر عنها بالقرآن لأنه مع كونه أعظم أركان الصلاة يطول فيها القراءة ما لا ~~يطول في غيرها , ويجهر به فيها دون أختها العصر وتشويقا بالتعبير به إليها ~~لثقلها بالنوم . | ولما ms2830 كان القيام من المنام صعبا , علل مرغبا مظهرا غير ~~مضمر لأن المقام مقام تعظيم فقال تعالى : { إن قراءن الفجر كان مشهودا * } ~~يشهده فريقا الملائكة , وهو أهل لأن يشهده كل أحد , لما له من اللذة في ~~السمع , والإطراب للقلب , والإنعاش للروح , فصارت الآية جامعة للصوات ؛ روى ~~البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : فضل صلاة الجميع على ~~صلاة الواحد خمس وعشرون درجة , وتجتمع ملائكة PageV04P415 الليل وملائكة ~~النهار في صلاة الفجر , يقول أبي هريرة : اقرؤوا إن شئتم { إن قرءان الفجر ~~} - الآيةز قالوا : وهذا دليل على وجوب الصلاة بأول الوقت , وأن التغليس ~~بصلاة الفجر أفضل ؛ ثم حث بعدها على التهجد لأفضليته وأشديته فقال تعالى : ~~{ ومن } أي وعليك بعض , أو قم بعض { اليل فتهجد } أي اترك الهجود - وهو ~~النوم - بالصلاة { به } أي بمطلق القرآن , فهو من الاستخدام الحسن { نافلة ~~لك } أي زيادة مختصة بك ؛ قال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب : وأصل ~~النفل الزيادة , ومنه الأنفال الزائدة على الغنائم التي أحلها الله لهذه ~~الأمة , وقال أبو عبد الله القزاز : النوافل : الفواضل , ومن هذا يقولون : ~~فلان ممن ترجى نوافله - انتهى . | فهو زيادة للنبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم في الفرض وللأمة في التطوع , وخص به ترغيبا للأمة لأنهم يعلمون أنه لا ~~يخص إلا بخير الخير , لأنه الوقت الذي كني فيه عن استجابة الدعاء بالنزول ~~إلى السماء الدنيا اللازم منه القرب الوارد في الأحاديث الصحيحة أنه يكون ~~في حوف الليل , لأن من عادة الملوكفي الدنيا أن يجعلوا فتح الباب والقرب ~~منه ورفع الستر والنزول عن محل الكبرياء أمارة على قضاء الحوائج , وكل ما ~~يعبر به عن الله تعالى مما ينزه سبحانه عن ظاهره يكون كناية عن لازمه , ~~وبين ذلك حديث رويناه في جزء العبسي عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ( إن في الليل ساهة يفتح فيها ~~أبواب السماء فينادي مناد : هل من داع فيستجاب له ؟ ) إلى آخرهن فهذا شاهد ~~عظيم لهذا ms2831 التأويل . | ولما أمره سبحانه بالتهجد والتذلل , وكان السياق ~~للعظمة رجاء في النوال بما يليق PageV04P416 بالسياق فقال تعالى : { عسى أن ~~} أي لتكون بمنزلة الراجي لأن { يبعثك } ولما كان السياق قد انصرف للترجية ~~, عبر بصفة الإحسان فقال تعالى : { ربك } أي المحسن إليك بعد الموت الأكبر ~~وقبله , كما بعث نفسك من الموت الأصغر إلى خدمته { مقاما } نصب على الظرف { ~~محمودا * } وذلك لأن ( عسى ) للترجي في المحبوب والإشفاق في المكروه , وقد ~~يضعف ذلك فيلزم الشك في الأمر , وقد يقوى فيأتي اليقين , وهي هنا لليقين , ~~قالوا : إن عسى تفيد الإطماع , ومن أطمع أحدا في شيء ثم حرمه كان عارا , ~~والله تعالى أكرم من أن يفعل ذلك , وعبر بها دون ما يفيد القطع لأن ذلك ~~أقعد في كلام الملوك لأنه أدل على العظمة , وللبخاري في التفسير عن ابن عمر ~~رضي الله عنهما قال : إن الناس يصيرون يوم القيامة جثى , كل أمة تتبع نبيها ~~, يقولون : يا فلان اشفع ! يا فلان اشفع ! حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم , فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود . | أي ~~فيظهر ما له من الحظ من اسمه أحمد ومحمد في ذلك الحين بحمد كل ذي روح ~~بإيصال الإحسان إلى كل منهم بالفعل , وله في التفسير وغيره عن جابر بن ~~عبدالله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ( من ~~قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ! آت ~~محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم ~~القيامة ) . | يعني - والله أعلم - الشفاعة الخاصة , وأما العامة فللكل ~~بغير شرط . | ولما كان هذا المقام صالحا للشفاعة ولكل مقام يقومه , وكان كل ~~مقام يحتاج إلى التوفيق في مباشرته والانفصال عنه , تلاه حاثا على دوام ~~المراقبة واستشعار الافتقار بقوله مقدما المدخل لأنه أهم : { وقل رب } أي ~~أيها الموجد لي , المدبر لأمري , المحسن إلي { أدخلني } في كل مقام تريد ~~إدخالي فيه حسي ومعنوي دنيا وأخرى { مدخل صدق } يستحق الداخل فيه أن يقال ~~له ms2832 : أنت صادق في قولك وفعلك , فإن ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها { ~~وأخرجني } من كل ما تخرجني منه { مخرج صدق } . | ولما كان الصدق في الأمور ~~قد لا يقارنه الظفر , قال تعالى : { واجعل لي } أي PageV04P417 خاصة { من ~~لدنك } أي عندك من الخوارق التي هي أغرب الغريب { سلطانا } أي حجة وعزا { ~~نصيرا * } وفيه إشعار بالهجرة وأنها تكون على الوجه الذي كشف عنه الزمان من ~~العظمة التي ما لأحد بها من يدان . | < < # | الإسراء : ( 81 - 85 ) وقل جاء الحق . . . . . # > > ^ ( وقل جآء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا * وننزل من القرآن ~~ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا * وإذآ أنعمنا على ~~الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا * قل كل يعمل على شاكلته ~~فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا * ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ومآ ~~أوتيتم من العلم إلا قليلا ) ^ } ) | ولما كان الدعاء قد لا يستجاب , قال ~~مبشرا له بأنه ليس بين دعائه وبن استجابته إلا قوله , ومحققا لتلك البشرى ~~بالأمر بأن يخبر بها : { وقل } أي لأوليائك وأعدائك : { جاء الحق } وهو كل ~~ما أمرني به ربي وأنزله إلي { وزهق } أي اضمحل وبلط وهلك { الباطل } وهو كل ~~ما خالفه ؛ ثم علل زهوقه بقوله : { إن الباطل كان } في نفسه بجبلته وطبعه { ~~زهوقا * } قضاء قضاه الله تعالى من الأزل ؛ روى البخاري في التفسير وغيره ~~عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب , فجعل يطعنها بعود في يده ويقول { جاء الحق ~~وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا } , ^ ( { جاء الحق وما يبدئ الباطل وما ~~يعيد } ) ^ [ سبأ : 49 ] ولما كان القرآن الذي نوه به في آية { أقم الصلاة ~~} هو السبب الأعظم في إزهاق الباطل الذي هو كالسحر خيال وتمويه , وهو ~~الجامع لجميع ما مضى من الإلهيات والبعث وما تبع ذلك , قال عاطفا على { ~~ولقد كرمنا } : { وننزل } أي بعظمتنا ؛ ثم بين المنزل بقوله تعالى : { من ~~القراءن } أي الجامع الفارق الذي ms2833 هو أحق الحق { ما هو شفاء } للقلوب ~~والأبدان { ورحمة } أي إكرام وقوة { للمؤمنين } أي الراسخين في الإيمان , ~~لإنارته لقلوبهم من صدإ الجهل , وحمله لهم على سبيل الرشد الذي هوسبب ~~الرحمة , ولحراسته لهم من كل شيطان ومرض ومحنة إذا وقع الصدق في الاستشفاء ~~به , هو كله كذلك وكذا جميع أبعاضه ؛ قال الرازي في اللوامع : وهو أنس ~~المحبين , وسلوة المشتاقين , وإنه النور المبين , الذي من استبصر به انكشف ~~له من الحقائق ما كان مستورا , وانطوى عنه من البوائق ما كان منشورا , كما ~~أن الباطل داء وتقمة للكافرين PageV04P418 { و } من أعجب العجب أن هذا ~~الشفاء { لا يزيد الظالمين } أي الراسخين في هذا الوصف , وهم يضعون الشيء ~~في غير موضعه , بإعراضهم عما يجب قبوله { إلا خسارا * } أي نقصانا , لأنهم ~~إذا جاءهم وقامت به الحجة عليهم , أعرضوا عنه , فكان إعراضهم ذلك زيادة في ~~كفرانهم , كما أن قبول المؤمنين له وإقبالهم على تدبره زيادة في إيمانهم , ~~وفي الدارمي عن قتادة قال : ما جالس القرآن أحد فقام عنه بزيادة أو نقصان - ~~ثم قرأ هذه الآية ؛ ثم عطف على هذا المقدر المعلوم تقديره ماهو أعم منه ~~وأبين في الفتنتة والاجتراء فقال تعالى : { وإذا أنعمنا } أي بما لنا من ~~العظمة { على الإنسان } أي هذا النوع هؤلاء وغيرهم بأي نعمة كانت , من ~~إنزال القرآن وغيره { أعرض } أي عن ذكر المنعم كإعراض هؤلاء عند مجيء هذه ~~النعمة التي لا نعمة مثلها { ونأ } أي تباعد تكبرا { بجانبه } بطرا وعمى عن ~~الحقائق { وإذا مسه الشر } أي هذا النوع وإن قل { كان يئوسا * } أي شديد ~~اليأس هلعا وقلة ثقة بما عنده من رحمة الله إلا من حفظه الله وشرفه ~~بالإضافة إليه فليس للشيطان عليه سلطان . | ولما كان المفرد المحلى باللام ~~يعم , كان هذا ربما اقتضى من بعض المتعنتين اعتراضا بأن يقال : إنا نرى بعض ~~الإنسان إذا أعطى شكر , وإذا ابتلى صبر , وكان هذا الاعتراض ساقطا لا يعبأ ~~به , أما أولا فلأنه قد تقدم الجواب عنه في سورة يونس عليه السلام في قوله ~~تعالى < # > 77 ms2834 ( { كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعلمون } ) 77 < # > [ يونس : 12 ] بأن هذا في المسرفين دون غيرهم , وبقوله تعالى في سورة ~~هود عليه السلام < # > 77 ( { إلا الذين صبروا } ) 77 < # > [ هود : 11 ] ولعله طواه في هذا المقام إشارة إلى أنه لقلة أفراده كأنه ~~عدم , وأما ثانيا فلأن المحلى باللام سواء كان مفردا أو جمعا في قوة الجزئي ~~حتى يرد ما يدل على أنه كلي , فلذلك أعرض تعالى عنه أمره بالجواب عن ~~القسمين المشار إليه والمنصوص عليه فقال تعالى : { قل } أي يا أشرف خلقنا ! ~~{ كل } من الشاكر والكافر { يعمل على شاكلته } أي طريقته التي تشاكل روحه ~~وتشاكل ما طبعنا عليه من خير أو شر { فربكم } أي فتسبب عن ذلك أن الذي ~~خلقكم ودرجكم في أطوار النمو , لا غيره { أعلم } مطلقا { بمن هو } منكم { ~~أهدى سبيلا * } أي أرشد وأقوم من جهة المذهب بتقواه وإحسانه , فيشكر ويصبر ~~احتسابا فيعطيه الثواب , ومن هو أضل سبيلا , فيحل به العقاب , لأنه يعلم ما ~~طبعهم عليه في أصل الخلقة وغرزه فيهم من الخلائق , وغيره إنما يعلم أمور ~~الناس في طرائقهم بالتجربة ؛ وقد روى الإمام أحمد - لكن بسند منقطع - عن ~~أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ( ~~إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوا , وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه فلا ~~تصدقوا به , فإنه يصير إلى ما جبل PageV04P419 عليه ) هذا كله الإعراض ~~بالفعل , وإن كان بالقوة التزمنا أنها كلية , والله أعلم بالمهتدي فيحفظه ~~من الإعراض واليأس بالفعل هو فيه بالقوة . | ولما بين سبحانه - بعد التعجيب ~~من إنكارهم البعث - جهل الإنسان , وما هو عليه من الضلال والنسيان , إلا من ~~فضله على أنباء نوعه كما فضل طينته على سائر الطين , وختم بآية المشاكلة ~~التي منها مشاكلة بعض الأرواح لبعض ومشاكلتها للطباع , وبان بذلك أنه ~~سبحانه وتعالى قادر على فعل ما يشاء عالم بكل معلوم , رجع إلى التعجب منهم ~~بما هو من شأن الأرواح التي من شأنها التشاكل فقال تعالى عاطفا على { ~~وقالوا إذا كنا عظاما } : { ويسئلونك ms2835 } أي تعنتا وامتحانا { عن الروح } ~~الذي تقدم أنها تعاد إلى أجسادهم يوم البعث ولو كانوا حجارة أو حديدا : ~~ماهي ؟ هل هي جسم أم لا ؟ وهل هي متولدة من امتزاج الطبائع التي في البدن ~~أم امتزاجه مبتدأ ؟ وهل هي قديمة أم حادثة ؟ ولما كان ذلك تعنتا , مع أنه ~~لا يفتقر إليه في صحة اعتقاده , أمره بأن يجيبهم عنه بما يليق بحالهم بقوله ~~تعالى : { قل الروح } أي هذا النوع الذي تصير به الأجسام حية { من أمر ربي ~~} أضافها إلى الأمر وهو الإرادة وإن كانت من جملة خلقه , تشريفا لها وإشارة ~~إلى أنه لا سبب من غيره يتوسط بينها وبين أمره , بل هو يبدعها من العدم , ~~أو يقال - وهو أحسن : إن الخلق قسمان : ما كان بتسبيب وتنمية وتطوير , وهو ~~الذي يترجم في القرآن بالخلق , والثاني ما كان إخراجا من العدم بلا تسبيب ~~ولا تطوير , وهو المعبر عنه بالأمر , ومنه هذه الروح المسؤول عنها وكل روح ~~في القرآن , وكذا ما هو للحفظ والتدبير كالأديان , والجامع لذلك القيومية ~~كما مضى عن الحرالي عند روح القدس في البقرة , فأفادت هذه العبارة أنها ~~محدثة , وأنها غير مطورة ولامسببة , وهي جسم لطيف سار في البدن كماء الورد ~~في الورد على الصحيح عند أهل السنة , وأمسك السلف عن الإمعان في الكلام على ~~الروح أدبا , لأنهم علموا أن في عدم الجواب لسؤالهم بغير هذا إشارة إلى أن ~~السكوت عنه أولى لهم ؛ ثم أتبعه التنبيه على جهلهم لتعكيسهم في الأسئلة ~~بتركهم الإقبال على ما لا يفهمونه بلا شك وينفعهم في الدارين من هذا الروح ~~المعنوي وهوالقرآن , وإقبالهم على ما لا يفهمونه من الروح المحسوس لقلة ~~علمهم , ومن فهمه منهم لا يفهمه إلا بعسر عظيم , وفيه أسئلة كثيرة جدا لا ~~برهان على أجوبتها , منها أنه متحيز أم لا ؟ وأنه مغاير للنفس أم لا ؟ وهل ~~تبقى بعد الموت أم لا ؟ فعلمنا به أنه إنما هو على الإجمال , ولا يلزم من ~~عدم العلم بحقيقته المخصوصة نفيه , فإن أكثر حقائق PageV04P420 الأشياء ~~مجهولة , وهي موجودة . | فالسكنجبين ms2836 خاصيته قمع الصفراء , وحقيقة تلك ~~الخاصية مجهولة , وهي معلومة الوجود , وليس وراء العلم بما سألوا عنه من ~~الروح بعد فهمه من الفائدة ما لذلك الذي تركوه ولا قريب منه , فقال تعالى ~~دالا على حدوثه بتغيره , فإنه يكون في المبدإ جاهلا ثم يحدث له العلم شيئا ~~بعد شيء , وكل متغير حادث : { وما أوتيتم } أي من أي موت كان بعد أن كنتم ~~لا تعلمون شيئا { من العلم } أي مطلق هذه الحقيقة , فكيف بالمشكل منها { ~~إلا قليلا * } ومما تجهلونه أمور ضرورية لكم , لأن تماديكم على الجهل بها ~~سبب لهلاككم في الدارين , فمن أجهل الجهل وأضل الضلال أن تسألوا عما لا ~~يضركم الجهل به , ويتوقف إثباته على أمور دقيقة , ومقدمات صعبة , وتتركوا ~~ما يضركم الجهل به في الدين والدنيا , مع كونه في غاية الوضوح , لكثرة ما ~~قام عليه من الأدلة , وله بحضرتكم من الأمثلة , والذي سألتموه منزه عن الغش ~~والضيق , فهو ينبهكم على عبثكم نصيحة لكم ويعدل عن جوابكم عنه إلى ما ~~ينفعكم رفقا بكم , ولفهم هذا سكت السلف عن الخوض في أمره , والخطاب لليهود ~~والعرب , أما العرب فواضح , وأما اليهود فإنهم وإن كانوا أهل الكتاب فذلك ~~إشارة إلى تلاشي علمهم في جنب علم الله ؛ كما ستأتي الإشارة إليه بقول ~~الخضر لموسى عليهما الصلاة والسلام في العصفور الذي نقر من البحر نقرة أو ~~نقرتين , فحيث ورد تعظيم على أحد وتكثره فهو بالنبسبة إلى غيره من الخلق , ~~وحيث ورد تقليله - كما في هذه الآية - فهو من حيث إضافته إلى علم الله ~~تعالى , وهذه الآية ورد في سبب نزولها ما يظن أنه متناقض , فإنه روي في ~~الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه كان يمشي مع النبي صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم في المدينة , فسأله اليهود عن الروح فأوحى إليه , فلما ~~انجلى عنه الوحي تلا عليهم - الآية . | وفي السيرة الهامشية والدلائل ~~للبيهقي وتفسير البغوي وغيره من التفاسير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~قريشا أرسلت إلى اليهود قبل الهجرة تسألهم عن ms2837 النبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم لأنهم أهل الكتاب الأول وعندهم من علم الأنبياء ما ليس عند قريش , ~~فأمروهم أن يسألوه عن الروح , وعن قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين , فقال لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( أخبركم بما سألتم عنه غدا ) - ~~ولم يستثن , فانصرفوا عنه , فمكث فيما يذكرون خمس عشرة ليلة , لا يحدث الله ~~إليه في ذلك وحيا , حتى أرجف به أهل مكة , وحتى حزن رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم , وشق عليه PageV04P421 ما يتكلم به أهل مكة , وروي ~~أيضا أن لبث الوحي كأن أربعين ليلة . | وروي : اثنتي عشرة ليلة , وفي مسند ~~أبي يعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قالت قريش ليهود : أعطونا شيئا ~~نسأل عنه هذا الرجل ! فقالوا : سلوه عن الروح , فسألوه , ونزلت { ويسئلونك ~~} - الآية . | وليس ذلك وأمثاله بحمد الله بمشكلن فإنه محمول على أنه نزل ~~للسبب الأول , فلما سئل عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثانيا لم ~~يجب فيه بالجواب الأول , إما لرجاء أن يؤتي بأوضح منه , أو خشية أن يكون ~~نسخ - أو نحو ذلك لأمر رآه صلى الله عليه وعلى آله وسلم , فيعيد الله ~~سبحانه إنزاله عليه تثبيتا له وإعلاما بأنه هو الجواب , وفيه مقنع , وفي ~~تأخير الجواب في هذا الأمر برهان قاطع لقريش وكل من له أدنى لب على صدق ~~النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أن هذا القرآن من عند الله , لا يقدر ~~عليه غيره , لأنه لو كان قادرا على الإتيان بشيء منه من عند نفسه أو من عند ~~أحد من الخلق لبذل جهده في ذلك , تنزيها لنفسه الشريفة , وهمته المنيفة , ~~وعرضه الطاهر , عن مثل ما خاضوا فيه بسبب إخلاف موعدهم . | ولما كانت الروح ~~من عالم الأمر الذي هو من سر الملكوت , ضمت إلى سورة الإسراء الذي هو من ~~أبطن سر الملكوت لاسيما بما علا به من المعراج الذي جعل لغرابته كالرؤيا { ~~وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } ولذلك فصلت عن ms2838 السؤالين ~~الآخرين , لأنهما من عالم الملك , وسيأتي بقية الكلام على هذا في سورة ~~الكهف إن شاء الله تعالى . | < < # | الإسراء : ( 86 - 93 ) ولئن شئنا لنذهبن . . . . . # > > ^ ( ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا ~~* إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا * قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ~~أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا * ولقد ~~صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا * وقالوا ~~لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي ~~بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السمآء ولن ~~نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل PageV04P422 سبحان ربي هل كنت ~~إلا بشرا رسولا ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما شرح إرادتهم الفتنة عما جاءهم من العلم بتبديل المنزل , وإخراج ~~المرسل , وما تبع ذلك حتى ختم بتجهيلهم إذ سألوا تعنتا عن الروح الحسي , ~~وكان الأنفع لهم سؤالهم استفادة وتفهما عن دقائق الروح المعنوي الذي أعظم ~~الله شرفهم به بإنزاله إليهم على لسان رجل منهم هو أشرفهم مجدا , وأطهرهم ~~نفسا , وأعظمهم مولدا , وأزكاهم عنصرا , وأعلاهم همة , وختم بتقليل علمهم ~~إشارة إلى أنهم لا يفهمون إلا أن يفهمهموه سبحانه وهو أعلم بما يفهمونه وما ~~لايفهمونه , قال عاطفا على { وإن كادوا ليفتنونك } تنبيها لهم على أنه لو ~~شاء لذهب بسبب هذا العلم القليل الذي وهبهموه , فعمهم الجهل كما كانوا , ~~وعلى أنه لم يكفهم بما يبيدهم ويفنيهم , فضلوا قولا وفعلا : { ولئن شئنا } ~~ومشيئتنا لا يتعاظمها شيء , ولامه موطئة للقسم , وأجاب عن القسم بما أغنى ~~عن جواب الشرط فقال تعالى : { لنذهبن } أي بما لنا من العظمة ذهابا محققا { ~~بالذي أوحينا } أي بما لنا من العظمة { إليك } مما أرادوا الفتنة فيه من ~~القرآن على أن فيه من العلم ما يغنيهم - لو أقبلوا على تفهمه - عن ms2839 شيء من ~~الأشياء فلا تبقى عندك نحن ولا وحينا , و لإفادة هذا لم يقل : لأذهبنا . | ~~{ ثم } أي بعد الذهاب به { لا تجد لك } ولما كان السياق هنا للروح الذي هو ~~الوحي , فكانت العناية به أشد , قدم قوله : { به } ولما كان السياق لمن ~~يأخذ ما يريد طوعا وكرها , قال تعالى : { علينا } أي بما لنا من العظمة ~~التي لا تعارض { وكيلا * } يأتيك به أو بشيء منه . | ولما كان لا ملجأ منه ~~سبحانه إلا إليه , قال تعالى : { إلا } أي لكن تجد { رحمة } مبتدئة وكائنة ~~{ من ربك } أي المحسن إليك بأن أوجدك ورباكن ولم يقطع إحسانه قط عنك , يعيد ~~بها إليك ويأتيك بما يقوم مقامه , وعبر عن أداة الانقطاع بأداة الاتصال ~~إشارة إلى أن رحمته سبحانه له - التي اقتضتها صفة إحسانه إليه لعظمها - ~~كالوكيل الذي يتصرف بالغبطة على كل حال . | ولما كان في إنزاله إليه ثم ~~إبقائه لديه من النعمة عليه وعلى أمته ما لا يحصى , نبه على ذلك بقوله ~~تعالى مستأنفا مؤكدا لأن كون الرحمة هكذا من أغرب الغريب , فهو بحيث لا ~~يكاد يصدق , وهو مما يتلذذ بذكره { إن فضله كان } أي كونا ثابتا { عليك } ~~أي خاصة { كبيرا * } أي بالغ الكبر , وقد ورد أنه يذهب بالقرآن في آخر ~~الزمان , يسري بما في المصاحف وبما في القلوبن وقد أفهمت ذلك هذه الآية لأن ~~كلام الملوك يفهم أصل الشيء ولو كان في سياق الشرط . | PageV04P423 ولما ~~كان بمعرض أن يقولوا : إن ذهب عليك من شيء فائت بمثله من عند نفسك ومما ~~اكتسبته منه من الأساطير , أمره أن يجيبهم عن هذا بقوله دلالة على مضمون ما ~~قبله : { قل } . | ولما أريد هنا المماثلة في كل التفصيل إلى جميع السور في ~~المعاني الصادقة , والنظوم الرائقة , كما دل عليه التعبير بالقرآن , زاد في ~~التحدي قيد الاجتماع من الثقلين وصرف الهمم للتظاهر والتعاون والتظافر ~~بخلاف ما مضى في السورالسابقة , فقال تعالى مؤكدا باللام الموطئة للقسم ~~لادعائهم أنهم لو شاؤوا أتوا بمثله , والجواب حينئذ للقسم , وجواب الشرط ~~محذوف دل عليه جواب القسم ms2840 : { لئن اجتمعت الإنس } الذين تعرفونهم وتعرفون ~~ما أتوا من البلاغة والحكمة والذين لا تعرفونهم , وقدمهم لسهولة اجتماعهم ~~بهم لأنهم عندهم الأصل في البلاغة { والجن } الذين يأتون كهانكم ويشجعون ~~لهم ويعلمونهم ببعض المغيبات عنهم , وترك الملائكة لأنهم لا عهد لهم بشيء ~~من كلامهم { على أن يأتوا } أي يجددوا إيتاء ما في وقت ما في حال اجتماعهم ~~{ بمثل هذا القرآن } أي جميعه على ما هو عليه من التفصيل , وخصه بالإشارة ~~تنبيها على أن يقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الله وحي من الله , ~~ليس فيه شيء من عند نفسه , وأن المراد في هذا السياق المتحدى به الذي اسمه ~~القرآن خاصة { لا يأتون } . | ولما كانت هذه السورة مكية , فكان أكثر ما ~~يمكن في هذه الآية أن يكون آخر المكي فيختص التحدي به , وكان المظهر إذا ~~أعيد مضمرا أمكن فيه الخصوص , وكان المراد إنما هو الشمول , ومتى أريد ~~الشمول استؤنف له إحاطة باستئناف إظهار محيط كما يأتي عن الحرالي في أواخر ~~سورة الكهف , لم يقل هنا ( به ) لذلك , ولئلا يظن أنه يعود على القرآن لا ~~على مثله , بل أظهر فقال دالا على أن المراد جميع المكي والمدني : { بمثله ~~} أي لا مع التقيد بمعانيه الحقة الحكيمة حتى يأتوا بكلام في أعلى طبقات ~~البلاغة , مبينا لأحسن المعاني بأوضح المباني , ولا مع الانفكاك عنها إلى ~~معان مفتراة ؛ ثم أوضح أن المراد الحكم لعجزهم مجتمعين ومنفردين متظاهرين ~~وغير متظاهرين فقال تعالى : { ولو } ولما كان المكلفون مجبولين على ~~المخالفة وتنافي الأغراض قال تعالى : { كان } أي جبلة وطبعا على خلاف ~~العادة { بعضهم لبعض ظهيرا * } أي معينا بضم أقوى ما فيه ألى أقوى ما في ~~صاحبه , وقد تقدم في السور المذكور فيها التحدي ما يتم هذا المعنى . | ولما ~~تمت هذه الجمل على هذا الةوجه الجميل , والوصف الجليل , نبه على ذلك ~~PageV04P424 سبحانه بقوله عطفا على نحو : صرفنا هذه الأمثال كما ترون على ~~أعلى منهاج وأبلغ سياق في أبدع انتظام : { ولقد صرفنا } أي رددنا وكررنا ~~تكريرا كثيرا بما لنا من العظمة ms2841 , ولما كان مبنى السورة على بيان العناية ~~بالناس الذين اتقوا والذين هم محسنون , اقتضى المقام لمزيد الاهتمام تقديم ~~قوله تعالى : { للناس } أي الذين هم ناس { في هذا القرءان } الهادي للتي هي ~~أقوم { من كل مثل } أي من كل ما هو في غرابته وسيره في أقطار الأرض وبلاغته ~~ووضوحه ورشاقته كالمثل الذي يجب الاعتبار به ؛ والتصريف : تصيير المعنى ~~دائرا في الجهات المختلفة بالإضافة والصفة والصلة ونحو ذلك { فأبى } أي ~~فتسبب عن ذلك الذي هو سبب للشفاء والشكر والهدى , تصديقا لقولنا { ولا يزيد ~~الظالمين إلا خسارا } أنه أبى { أكثر الناس } وهم من هم في صورة الناس قد ~~سلبوا معانيهم . # ولما كان ( أبى ) متأولا بمعنى النفي , فكان المعنى : فلم يرضوا مع الكبر ~~والشماخة , استقبله بأداة الاستثناء فقال تعالى : { إلا كفورا * } لما لهم ~~من الاضطراب . | ولما كان هذا أمرا معجبا , عجب منهم تعجيبا آخر , عاطفا له ~~على { ويسئلونك } إن كان المراد بالناس في قوله { فأبى أكثر الناس } الكل , ~~وعلى ( فأبى ) إن كان المراد بهم قريشا فقال تعالى : { وقالوا } أي كفار ~~قريش ومن والاهم تعنتا بعد ما لزمهم من الحجة ببيان عجزهم عن المعارضة ~~ولغير ذلك فعل المبهوت المحجوج المعاند , مؤكدين لما لزمهم من الحجة التي ~~صاروا بها في حيز من يؤمن قطعا من غير توقف : { لن نؤمن } أي نصدق بما تقول ~~مذعنين { لك حتى تفجر } أي تفجيرا عظيما { لنا } أي أجمعين { من الأرض ~~ينبوعا * } أي عينا لا ينضب ماءها { أو تكون لك } أي أنت وحدك { جنة من ~~نخيل و } أشجار { عنب } عبر عنه بالثمرة لأن الانتفاع منه بغيرها قليل { ~~فتفجر } أي بعظمة زائدة { الأنهار } الجارية { خلالها تفجيرا * } وهو تشقيق ~~عما يجري من ماء أو ضياء أو نحوهما ؛ فالفجر : شق الظلام من عمود الصبح , ~~والفجور : شق جلباب الحياء بما يخرج إلى الفساد { أو تسقط السماء } أي ~~نفسها { كما زعمت } فيما تتوعدنا به { علينا كسفا } أي قطعا جمع كسفه وهي ~~القطعة , ويجوزأن يكون المراد بذلك الحاصب الآتي من جهة العلو وغيره مما ~~توعدوا به في نحو ms2842 قوله < # > 77 ( { أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } ) 77 < # > [ الأنعام : 65 ] وتسمية ذلك سماء كتسمية المطر بل والنبات سماء : | ~~إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا | { أو تأتي } معك { بالله ~~} أي الملك الأعظم { والملائكة قبيلا * } أي إتيانا عيانا ومقابلة ينظر ~~إليه لا يخفى على أحد منا شيء منه , وكان أصله الاجتماع الذي يلزم منه ~~PageV04P425 المواجهة بالإقبال من قبائل الرأس الجامعة { أو يكون لك } أي ~~خاصا بك { بيت من زخرف } أي ذهب كامل الحسن والزينة { أو ترقى } أي تصعد { ~~في السماء } درجة درجة ونحن ننظر إليك صاعدا { ولن نؤمن } أي نصدق مذعنين { ~~لرقيك } أي أصلا { حتى تنزل } وحققوا معنى كونه { من السماء } بقولهم : { ~~علينا كتابا } و معنى كونه , { في رق } أو نحو قولهم : { نقرؤه } يأمرنا ~~فيه باتباعك . | فلما تم تعنتهم فكان لسان الحال طالبا من الله تعالى ~~الجواب عنه , أمره الله تعالى بجوابهم بقوله : { قل سبحان ربي } أي تنزه عن ~~أن يكون له شريك في ملكه يطلب منه ما لا يطلب إلا من الإله , فهو تنزيه لله ~~وتعجيب منه لوضوح عنادهم بطلبهم ما لا قدرة عليه إلا للإله ممن لا قدرة له ~~على شيء منه إلا بإذن الله , ولم يدع قط أنه قادر على شيء منه , فحسن ~~الاستفهام جدا في قوله تعالى : { هل كنت إلا بشرا } لا يقدر على غير ما ~~يقدر عليه البشر { رسولا * } كما كان من قبلي من الرسل , لا أتعدى ما أمرت ~~به من التبليغ , فلا آتي بشيء إلا بإذن الله , ولم أقل : إني إله , حتى ~~يطلب مني ما يطلب من الإله ورتبوا أنفسهم هذا الترتيب لأنهم حصروا حاله في ~~دعوى أن يكون عظيما بالرسالة أو غيرها ليتبعه الناس , فإن كان الأول كان ~~مقبول القول عند مرسله , وحينئذ فإما أن يسأله في نفع عام بالينبوع , أو ~~خاص به بالجنة إن بخل بالعام , أو ضر بالكشف أو يسأله في الإتيان مع جنده ~~لأن يصدقه , وإن كنت عظمته بغير ذلك فإما أن يكون ملكا ليكون له البيت ~~المذكور ms2843 بما جرت العادة أن يكون تابعا له , أو يكون ممن يجتمع بالملك الذي ~~أرسله فيرقى على ما قالوا . | < < # | الإسراء : ( 94 - 100 ) وما منع الناس . . . . . # > > ^ ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله ~~بشرا رسولا * قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السمآء ملكا رسولا * قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا ~~بصيرا * ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أوليآء من دونه ~~ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت ~~زدناهم سعيرا * ذلك جزآؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظاما ~~ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا * أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات ~~والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا ~~كفورا * قل لو أنتم تملكون خزآئن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان ~~الإنسان قتورا ) ^ } ) | ولما أمر بما تضمن أنه كإخوانه من الرسل في كونه ~~بشرا , أتبعه قوله تعالى عطفا PageV04P426 على : { فأبى } أو { فقالوا } : ~~{ وما منع الناس } أي قريشا ومن قال بقولهم لما لهم من الاضطراب { أن ~~يؤمنوا } أي لم يبق لهم مانع من الإيمان , والجملة مفعول ( منع ) { إذ ~~جاءهم الهدى } أي الدليل القاطع على الإيمان وهو القرآن وغيره من الأدلة { ~~إلا } وفاعل منع { أن قالوا } أي منكرين غاية الإنكار متعجبين متهكمين : { ~~أبعث الله } أي بما له من العظمة الباهرة من صفات الجلال والإكرام { بشرا ~~ورسولا * } وسبب اتباع الضلال - مع وضوح ضره - وترك الهدى - مع ظهور نفعه - ~~وقوع الشبهة أو الشهوة بعد ذلك , فلما أنكروا كون الرسول بشرا بعد أن جعلوا ~~الإله حجرا , علمه جوابهم بقوله تعالى : { قل } لهم : قال ربي سبحانه ~~وتعالى : { لو كان } أي كونا متمكنا { في الأرض } التي هي مسكن الآدميين { ~~ملائكة يمشون } عليها كالآدميين من غير طيران كالملائكة إلى السماء { ~~مطمئنين } باتخاذهم لها قرارا كما فعل البشر { لنزلنا } أي بما لنا من ~~العظمة { عليهم } مرة بعد مرة كما فعلنا ms2844 في تنزيل جبريل عليه السلام على ~~الأنبياء من البشر , وحقق الأمر بقوله تعالى : { من السماء ملكا رسولا * } ~~لتمكنهم من التلقي منه لمشاكلتهم لع بخلاف البشر كما هو مقتضي الحكمة , لأن ~~رسول كل جنس ينبغي أن يكون منهم , إذ الشيء عن شكله أفهم , وبه آنس , وإليه ~~أحسن , وله آلف , إلا من فضله بتغليب نفسه وعقله على شهوته فأقدره بذلك على ~~التلقي من الملك . | ولما نصب البرهان القاطع على أن القرآن الموحى إليه من ~~عند الله , ونفى شبهتهم في إنكار كون الرسول بشرا , بأنه ما خرج عن عادة من ~~قبله ممن كانوا مقرين بأنهم أنبياء , وبأن الجنس لا يفهم عن جنس آخر , ~~فالبشرلا يفهم عن الملك إلا بخارقة , ولا يكون ذلك إلا للرسل ومن أراد الله ~~من أتباعهم , لم يبق إلا محض العناد الذي لا رجوع فيه إلا إلى السيف عند ~~القدرة , وإلى الله عند فقدها , وكان في مكة المشرفة غير قادر على السيف , ~~أمره الله تعالى بالرجوع إلى السيف فقال تعالى : { قل كفى بالله } أي ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما { شهيدا } أي فيصلا يكون { بيني وبينكم } يعامل ~~كلا منا بما يستحق ؛ ثم علل كفايته لذلك بقوله تعالى : { إنه كان بعباده } ~~قبل أن يخلقهم { خبيرا } بما يؤول إليه أمرهم بعد إيجاده لهم { بصيرا * } ~~بما يكون منهم بعد وجوده . | ولما تقدم أنه سبحانه وتعالى أعلم بالمهتدي ~~والضال , وكان ختم هذه الآية مرشدا إلى أن المعنى : فمن علم منه بجوابه ~~قابلية للخير وفقه للعمل على تلك المشاكلة , ومن علم منه قابلية للشر أضله ~~, عطف عليه قوله تعالى : { ومن يهد الله } أي الذي له الأمر كله لأنه لا ~~شريك له , بخلق الهداية في قلبه , وأشار إلى قلة المهتدي على طريقة ~~PageV04P427 الإحسان بإفراد ضميره , وإلى كثرة الضال بجمعه فقال تعالى : { ~~فهو } أي لا غيره { المهتد } لا يمكن أحدا غيره أن يضله { ومن يضلل } فهو ~~الضال لا هادي له , وذلك معنى قوله تعالى : { فلن تجد لهم } أي للضالين { ~~أولياء } أي أنصارا في هذه الدنيا { من دونه } يهدونهم ms2845 ولا ينفعونهم بشيء ~~أراد الله غيره , ولذلك نفوا أصلا ورأسا , لأنهم إذا انتفى نفعهم كانوا ~~كالعدم , وإذا انتفى على الجمع انتفى عن المفرد من باب الأولى ؛ فالآية من ~~الاحتباك : خبر الأول يدل على حذف ضده ثانيان ونتيجة الثاني تدل على حذف ~~ضدها من الأول . | ولما كان يوم الفصل يوما يظهر فيه لكل أحد في كل حالة من ~~عظمته تعالى ما يضمحل معه كل عظمة قال تعالى : { ونحشرهم } بنون العظمة أي ~~نجمعهم بكره { يوم القيامة } أي الذي هومحط الحكمة { على وجوههم } يمشون أو ~~مسحوبين عليها إهانة لهم فيها كما لم يذلوها بالسجود لنا { عميا وبكما وصما ~~} كما كانوا في الدنيا لا ينتفعون بأبصارهم ولا نطقهم ولا أسماعهم , بل ~~يكون ضررا عليهم لما ينظرون من المعاطب , ويسمعون من المصائب , وينطقون به ~~من المعايب ؛ قال الرازي في اللوامع إذ يحشر المرء على ما مات عليه , فلم ~~يكن له في الآخرة شيء إلا حصل أوله ومبدأه في الدنيا وتمامه في الآخرة - ~~انتهى . | ولما كان المقام للانتقال من مقام إلى آخر , قدم البصرلأنه ~~العمدة في ذلك , وثنى بالنطق لأنه يمكن الأعمى الاسترشاد , وختم بالسمع ~~لأنه يمكن معه وحده نوع رشاد , وعطفها بالواو إن كان لتشريك الكل في كل من ~~الأوصاف فللتهويل , لأن المتكلم إذا نطق بالعاطف ظن السامع الانتقال إلى ~~شيء آخر , فإذا أتى بالوصف كان أروع للعلم بأن صاحبه عريق فيه , لما تقدم ~~في براءة , وإن كان للتنويع فلتصويرهم بأقبح صورة من حيث إنه لا ينتفع فريق ~~منهم بالآخر كبير نفع , فكأنه قيل : إلى أي مكان يحشرون ؟ فقال تعالى : { ~~مأواهم جهنم } تستعر عليهم وتتجهمهم , كل واحد منهم يقاسي عذابها وحده وإن ~~كان وجهه إلى وجه صاحبه , لأنه لا يدرك سوى العذاب العظيم على مشاعره , فيا ~~طولها من غربة ! ويا لها من كربة ! فكأنه قيل : هل يفتر عنهم عذابها ؟ فقيل ~~: لا بل هم كل ساعة في زيادة , لأنها { كلما خبت } أي أخذ لهبها في السكون ~~عند إنضاجها لجلودهم { زدناهم } أي بما لنا من العظمة { سعيرا ms2846 * } بإعادة ~~الجلود ؛ ثم بين علة تعذيبهم ليرجع منهم من قضى بسعادته فقال تعالى : { ذلك ~~} أي العذاب العظيم { جزاؤهم بأنهم } أهل الضلالة { كفروا بآيتنا } ~~القرآنية وغيرها , مع ما لها من العظمة بنسبتها إلينا , وكانوا كل يوم ~~يزدادون كفرا , وهم عازمون على الدوام على ذلك ما بقوا PageV04P428 { ~~وقالوا } إنكارا لقدرتنا { إذا كنا ورفاتا } ممزقين في الأرض ؛ ثم كرروا ~~الإنكار كأنهم على ثقة من أمرهم هذا الذي بطلانه أوضح من الشمس بقولهم : { ~~أإنا لمبعوثون } أي ثابت بعثنا { خلقا جديدا * } فنحن نريهم جزاء على هذا ~~الإنكار المكرر الخلق الجديد في جلودهم مكررا كل لحظة < # > 77 ( { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب } ) 77 < # > [ النساء : 56 ] ثم أتبعه بقاطع في بيان جهلهم فقال منبها على أنهم ~~أولى بالإنكار عاطفا على ما تقديره : ألم يروا أن الله الذي ابتدأ خلقهم ~~قادر على أن يعيدهم { أو لم يروا } أي يعلموا بعيون بصائرهم علما هو ~~كالرؤية بعيون أبصارهم لما قام عليه من الدلائل , ونادى بصحته من الشواهد ~~الجلائل { أن الله } أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء قدرة وعلما لاغيره { ~~الذي خلق السماوات } جمعها لما دل على ذلك من الحسن , ولما لم يكن للأرض ~~مثل ذلك أفردها مريدا الجنس الصالح للجمع فقال تعالى : { والأرض } على كبر ~~أجرامها , وعظم أحكامها , وشدة أجزائها , وسعة أرجائها , وكثرة ما فيها من ~~المرافق والمعاون التي يمزقها ويفنيها ثم يجددها ويحييها { قادر على أن ~~يخلق } أي يجدد في أي وقت أراد { مثلهم } بدءا فكيف بالإعادة وهم أضغف أمرا ~~وأحقر شأنا { و } أنه { جعل لهم أجلا } لعذابهم أو موتهم أو بعثهم لأنه ~~معلوم في نفسه { لا ريب فيه } بوجه من الوجوه لما تكرر لهم من مشاهدة أنه ~~لا تؤخر نفس إذا جاء أجلها , وكذا لا تقدم على أجلها , فكم ممن اجتهد ~~الضراغمة الأبطال وفحول الرجال في ضره أو قتله ؛ وهم قاطعون أنه في في ~~قبضتهم فلم يقدروا على ذلك , ثم كان ذلك بأضعف الناس أو بأوهى سبب فعلم ~~بذلك أنه المنفرد بالقدرة على ذلك , والإعدام ms2847 { فأبى } أي بلى قد علموا ذلك ~~علما كالمحسوس المرئي فتسبب عن ذلك السبب للإيمان أن أبوا - هكذا المتعنتون ~~لظلمهم { إلا كفورا * } أي جحودا لعدم الشركة . | ولما قدم في هذه السورة ~~أنه هو المعطي وأن عطاءه الجم - الذي فات الحصر , وفضل عن الحاجة , وقامت ~~به الحجة على العباد في تمام قدرته وكمال علمه - غير محظور عن أحد , وأنهم ~~يقتلون أولادهم مع ذلك خشية الإملاق , وهم يطلبون أن يظهر لهم من جنس ما ~~خلق من الينابيع والجنات والذهب والزخرف على كيفيات مخصوصة لغير حاجة ما ~~تقدم ذكره , وقد امتنعوا بخلا عن الاعتراف له بما أوجبه عليهم شكرا لنعمته ~~, واستدفاعا لنقمته , بعد قيام الدلائل وزوال الشبه فلا أبخل منهم لأنهم ~~بخلوا مما يجب عليهم من الكلام كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~: ( أبخل الناس من بخل بالسلام ) أمره أن ينبههم على سفههم في ذلك بقوله ~~تعالى : { قل لو } . | PageV04P429 ولما كان من حق ( لو ) الدخول على ~~الأفعال , علم أن بعدها فعلا من جنس ما بعد تقديره : تملكون ولكنه حذفه ~~وفصل الضمير لأن المقصود الحكم عليهم بادئ بدء فقال تعالى : { أنتم } أي ~~دون غيركم { تملكون خزائن } عبر بصيغة منتهى الجموع , لأن المقام جدير ~~المبالغة { رحمة } أي إرزاق وإكرام { ربي } المحسن إلي بإتيائي جميع ما ثبت ~~أمري وأوضحه , وهي مقدوراته التي يرحم بها عباده بإضافتها عليهم { إذا ~~لأمسكتم } أي لوقع منكم الإمساك عن الإنفاق في بعض الوجوه التي يحتاجونها { ~~خشية } عاقبة { الإنفاق } أي الموصل إلى الفقر , ثم استدل على صحة هذا ~~المفروض بالمشاهد من مضمون قوله تعالى : { وكان } أي جبلة وطبعا { الإنسان ~~} أي الذي من شأنه الإنس بنفسه , فهو لذلك لا يعقل الأمور حق عقلها { قتورا ~~* } أي بخيلا ممسكا غاية الإمساك لإمكان أن يكون فقيرا فلا تراه إلا مضيقا ~~في النفقة على نفسه , ومن تلزمه نفقته , شديدا في ذلك وإن اتسعت أحواله , ~~وزادت على الحد أمواله , لما فيه من صفة النقص اللازمة بلزوم الحاجة له , ~~طبع على ذلك فهو في غزيرته بالقوة , فكلهم ms2848 يفعله إلا من وفقه الله تعالى ~~فغلب عقله على هواه وقليل ما هم ! أي فإذا كان هذا أمركم فيما تملكونه مع ~~الحاجة إلى الوجوه المنفق فيها فكيف تطلبون من النبي صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم ما لا يملكه , ولا ادعى القدرة عليه ؟ أو من الخالق الحكيم أن ~~يفعل ما تتعنتون به عبثا بغير حاجة أصلا , لأنه إن كان لإثبات قدرته فأنتم ~~لا تمترون فيها , وإن كان لإثبات رسالة نبكم فقد ثبت بأمور أعظمها هذا ~~القرآن الذي مر آنفا إقامة الدليل عليها به , وهتك أستار شبهتكم في استبعاد ~~كون الرسول بشرا , والله تعالى قد أكرمكم بنبيكم عن أن يعاجلكم بالاستئصال ~~عند العصيان بعد كشف الغطاء كما جرت به سنته في جميع الأمم , وإن كان ~~لإثبات غناكم فهو شيء لا يغنى نفوسكم فيردها عن طلب المزيد وعن التقتير لما ~~طبعتم عليه . | بل تكونون عند حصول ذلك لكم لحصول الغنى كالمستجير من ~~الرمضاء بالنار , وهو قد قضى أنه يظهر أمره على كل من ناواه وإن كره ~~الكافرون , وقد علم من يؤمن فييسر له الإيمان ويجعله عونا لحزب الرحمن , ~~ومن لا يؤمن فخو يجعله مع أولياء الشيطان , ويذيق الكل الهوان , ويجعلهم ~~وقودا للنيران , فلم يبق بعد هذا كله في إجابتكم إلى تعنتكم إلا العبث الذي ~~هو سبحانه متعال عنه , فلا وجه يحصل به الإنسان الغني إلا اتباع السنة ~~والانسلاخ عن الهوىن فمن وصل إلى ذلك استوى عنده الذهب والحصباء . | < < # | الإسراء : ( 101 - 103 ) ولقد آتينا موسى . . . . . # > > ^ ( ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فاسأل بني إسرائيل إذ جآءهم فقال ~~له فرعون إني لأظنك يموسى مسحورا * قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض PageV04P430 بصآئر وإني لأظنك يفرعون مثبورا * فأراد أن ~~يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن معه جميعا ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما قدم سبحانه أن أكثر الناس جحد الآيات لكونه حكم بضلاله , ومن ~~حكم بضلاله لا يمكن هداه , وختم بأن من جبل على شيء لم ينفك عنه , شرع يسلي ~~نبيه عليه الصلاة والسلام بما اتفق ms2849 لمن قبله من إخوانه الأنبياء , مع ~~التنبيه على أنه يجود بالآيات على حسب المقتضيات , وعلى أن خوارق العادات ~~لا تنفع في إيمان من حكم عليه بالضلال , وتوجب - كما في سنة الله - إهلاك ~~من عصى بعد ذلك بعذاب الاستئصال , فقال عاطفا على قوله { ولقد صرفنا للناس ~~} : { ولقد ءاتينا } أي بما لنا من العظمة { موسى } بن عمران المتقي المحسن ~~عليه السلام لما أرسلناه إلى فرعون { تسع آيات بينات } وهي - كما في ~~التوراة : العصى , ثم الدم , ثم الضفادع , ثم القمل , ثم موت البهائم , ثم ~~البرد الكبار التي أنزلها الله مع النار المضطرمة , فكانت تهلك كل ما مرت ~~عليه من نبات وحيوان , ثم الجراد , ثم الظلمة , ثم موت الأبكار من الآدميين ~~وجميع الحيوان - كما مضى ذلك في هذا الكتاب عن التوراة في سورة الأعراف , ~~وكأنه عد اليد مع العصى آية , ولم يفرد اليد لأنه ليس فيها ضرر عليهم , وقد ~~نظمتها ليهون حفظها فقلت : | عصى قمل موت البهائم ظلمة جراد دم ثم الضفادع ~~والبرد وموت بكور الآدمي وغيره من الحي آتاها الذي عز وانفرد | وهي ملخصة ~~في الزبور فإنه قال في المزمور السابع والسبعين : صنع آياته وعجائبه في ~~مصارع صاعان , وجعل أنهارهم دما وصهاريجهم لكيلا يشربوا الماء : أرسل عليهم ~~الهوام وذباب الكلاب فأكلهم الضفادع وأفسدهم , أطعم القمل ثمارهم والجراد ~~كدهم , كسر بالبرد كرومهم , وبالجليد تبنهم , أسلم للبرد مواشيهم وللحريق ~~أموالهم , أرسل عليهم شدة حنقه سخطا وغضبا , أرسل ملائكة الشر , فتح طرق ~~سخطه , ولم يخلص من الموت أنفسهم , أسلم للموت دوابهم , قتل جميع أبكار مصر ~~وأول أولادهم في مساكن حام . | وقال في المزمور الرابع بعد المائة بعد أن ~~ذكر صنائع الله عند بني إسرائيل وآبائهم : بعث جوعا على الأرض , حطم زرع ~~أرضهم , أرسل أمامهم رجلا , بيع يوسف للعبودية , وأوثقوا بالقيود رجليه , ~~صارت نفسه في الحديد حتى جاءت كلمته , وقول الرب ابتلاه , أرسل الملك ~~فأطلقه , وجعله رئيسا على شعبه , وأقامه ربا على بنيه , وسلطانه على كل ما ~~له , ليؤدب أراجينه كنفسه ويفقه مشايخه , دخل إسرائيل مصر , وتغرب ms2850 يعقوب في ~~أرض حام , وكثر شعبه جدا , وعلا على أعدائه , وصرف قلبه ليبغض PageV04P431 ~~شبعه ويغدر بعبيده , أرسل موسى عبده وهارون صفيه , فصنعا فيهم آياته ~~وعجائبه في أرض حام , بعث ظلمة فصار ليلا , وأسخطوا كلامه , فحول مياههم ~~دما , وأمات حيتانهم , وانبعثت أرضهم ضفادع في قياطين ملوكهم , أمر الهوام ~~فجاء وذباب الكلب والقمل في جميع تخومهم , جعل أمطارهم بردا , واشتعلت ~~النار في أرضهم , ضرب كرومهم وتنبهم , وكسر شجر تخومهم , أذن للجراد فجاء ~~وذباب لا يحصى , فأكل جميع عشب الأرض وثمارها , وقتل كل أبكار مصر وأول ولد ~~ولد لهم غير أنه لم يذكر العصى , وكأن ذلك لشهرتها جدا عندهم , ولأن جميع ~~الآيات كانت بها , فهي في الحقيقة الآية الجامعة للكل , وإنما قلت : إن ~~الآيات هذه , لأن السياق يدل على أن فرعون رآها كلها , وعاند بعد رؤيتها , ~~وذلك إشارة إلى أنه لو أعطى كفار قريش ما اقترحوه من تفجير الينبوع وما معه ~~, لم يكفهم عن العناد , فالإتيان به عبث لا مصلحة فيه . | ولما كان اليهود ~~الذين أمروا قريشا بسؤال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الروح التي ~~مضى الجواب عنها - كما في بعض الروايات - وعن أهل الكهف وذي القرنين الآتي ~~شرح قصتيهما في الكهف , نبههم على سؤالهم - إن كانوا يقلبون كلامهم - عن ~~أمر موسى عليه السلام في كونه كهذا النبي الكريم في أنه بشر مع كونه رسولا ~~وفي كونه أتى بالخوارق فكذب بها المعاندون فاستؤصل المكذب , فقال تعالى : { ~~فسئل } أي يا أعظم خلقنا ! { بني إسراءيل } أي عامة الذين نبهوا قريشا على ~~أمر الروح عن حديث موسى عليه السلام أو المؤمنين كعبد الله بن سلام وأصحابه ~~{ إذ } أي عن ذلك حين { جاءهم } أي جاء آباءهم , فوقع له من التكذيب بعد ~~إظهار المعجزات الباهرات ما وقع لك , ولم يكذب لخلل من أمره ولا لقوة من ~~عدوه على مدافعة العذاب , وإنما كان جهلا وعنادا , ليكون ذلك مسلاة لك ~~وعلما على خبث طباعهم وحجة قاطعة عليهم { فقال } أي فذهب إلى فرعون فأمره ~~بإرسالهم معه فأبى فأظهر ms2851 له الآيات واحدة بعد أخرى فتسبب عن ذلك ضد ما ~~يقتضيه الحال , وهو أن قال { له فرعون } عتوا واستكبارا : { إني لأظنك } ~~أكد قوله لما أظهر موسى عليه السلام مما يوجب الإذعان له والإيمان والإنكار ~~لأن يكذبه أحد { يا موسى مسحورا * } أي فكل ما ينشأ عنك فهو من آثار السحر ~~الذي بك , خيال لا حقيقة له , وأنت في الحقيقة مسحور , ولوجود السحر عنك ~~ساحر , قال أبو عبيد : كما يقال : ميمون - يمعنى يأمن . | وكأنه موه على ~~جنوده لما أراهم آية اليد بهذه الشبهة , وهذا كما قالت قريش { إن تتبعون ~~إلا رجلا مسحورا } وقالوا في موضع آخر : ساحر , فإنهم ربما أطلقوا اسم ~~المفعول مريدين اسم الفاعل PageV04P432 مبالغة في أنه كالمجبر على الفعل , ~~وفي الأمر بسؤال اليهود تنبيه على ضلالهم , قال الشيخ ولي الدين الملوي : ~~ولعل منه اقتباس الأئمة في المناظرة مطالبة اليهود والنصارى ونحوهم بإثبات ~~نبوة أنبيائهم , فكل طريق يسلكون يسلك مثله في تقرير نبوة محمد صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم , وكل اعتراض يوردونه يورد عليهم مثله , وما كان جوابا ~~لهم فهو جواب لنا , ومن تفطن للآية الكريمة رأى منها العجب في ذلك - انتهى ~~ولم يؤمن فرعون على تواتر تلك الآيات وعظمها , فكأنه قيل : فما قال موسى ~~عليه السلام ؟ فقيل : { قال } لفرعون : { لقد علمت } أي أنا بضم التاء على ~~قراءة الكسائي ليفيد أن عنده العلم القطعي بأن ما أتى به منزل من ربه , فهو ~~أعقل أهل ذلك الزمان وليس على ما ادعاه فرعون , أو بفتح التاء - على قراءة ~~الباقين أي أنك يا فرعون صرت بما أظهرته أنا من الأدلة في عداد من يعلم أنه ~~{ ما أنزل } على يدي { هؤلاء } الآيات { إلا رب السماوات والأرض } أي ~~خالقهما ومدبرهما حال كون هذه الآيات { بصائر } أي بينات ثابتا أمرها عليا ~~قدرها , يبصر بها صدقي , وأما السحر فإنه لا يخفى على أحد أنه خيال لا ~~حقيقة له { وإني } أي وإن طننتني يا فرعون مسحورا { لأظنك } أكد لما كان مع ~~فرعون من ينكر قوله ويظهر القطع بسعادة ms2852 فرعون { يا فرعون مثبورا * } أي ~~ملعونا مطرودا مغلوبا مهلكا ممنوعا من الخير فاسد العقل , وظني قريب إلى ~~الصحة بخلاف ظنك لعنادك لرب العالمين , لوضوح مكابرتك للبصائر التي كشف ~~عنها وبها الغطاء , فهي أوضح من الشمس , وذلك لإخلادك إلى الحال التي أنت ~~بها وكسلك عن الانتقال عنها إلى ما هو أشرف منها , وقد بينت مدار ( ثبر ) ~~في { لا تثريب } في سورة يوسف عليه السلام , فإذا راجعتها اتضح لك ما أشرت ~~إليه { فأراد } أي فما تسبب عن هذا الذي هو موجب الإيمان في العادة إلا أن ~~فرعون أراد { أن يستفزهم } أي يستخف موسى ومن آمن معه ويخرجهم فيكونوا ~~كالماء إذا سال , من قولهم : فز الجرح : سال { من الأرض } بالنفي والقتل ~~للتمكن من استبعاد الباقين كما أراد هؤلاء أن يستفزوك من الأرض ليخرجوك ~~منها للتمكن مما هم عليه من الكفر والعناد ؛ ثم أخذ يحذرهم سطواته بما فعل ~~بمن كانوا أكثر منهم وأشد فقال : { فأغرقناه } أي فتسبب عن ذلك أن رددنا - ~~بما لنا من العظمة - كيده في نحره : فلم نقدره على مراده واستفززناه نحن ~~فلم يقدر على الامتناع , بل خف غير عالم بما نريد به حتى أدخلناه في البحر ~~حيث أدخلنا بني إسرائيل فأنجيناهم وأغرقناه { ومن معه جميعا * } كما جرت به ~~سنتنا فيمن عاند بعد أن رأى الخوارق وكفرالنعمة وأفرط في البغي بعد ظهور ~~الحق , فليحذر هؤلاء مثل ذلك ولا سيما إذا أخرجنا رسولنا من بين ظهرانيهم ~~ففي هذه الآية وأمثالها بشارة له بإسلاكنا له في PageV04P433 النصرة , ~~والتمكن سبيل إخوانه من الرسل عليهم السلام { وقلنا } أي بما لنا من العظمة ~~التي لا يتعاظمها شيء . | < < # | الإسراء : ( 104 - 109 ) وقلنا من بعده . . . . . # > > ^ ( وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جآء وعد الآخرة ~~جئنا بكم لفيفا * وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ~~* وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا * قل آمنوا به أو ~~لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ~~* ويقولون سبحان ربنآ إن ms2853 كان وعد ربنا لمفعولا * ويخرون للأذقان يبكون ~~ويزيدهم خشوعا ) ^ } ) | ولما كان هذا القول غير مستغرق لزمان البعد , أثبت ~~الجار فقال تعالى : { من بعده } أي الإغراق { لبني إسراءيل } الذين كانوا ~~تحت يده أذل من العبيد لتقواهم وإحسانهم : { اسكنوا الأرض } أي مطلق الأرض ~~إشارة إلى أن فرعون كان يريد محوهم عن الأرض أو إلى أن سكناهم مع وجوده ~~كانت عدما , لما بهم من الذل - والأرض التي أراد أن يستفزهم منها , وهي أرض ~~مصر , أي صيروا بحيث تسكنونها لا يد لأحد عليكم , ولا مانع لكم مما تريدون ~~منها , كما كان فرعون وجنوده إذا شئتم مملكين فيها بعد أن كنتم عبيدا ~~تسامون سوء العذاب { فإذا جاء } أي مجيئا محققا { وعد الآخرة } أي القيامة ~~بعد أن سكنتم الأرض أحياء ودفنتم فيها أمواتا { جئنا } أي بما لنا من ~~العظمة { بكم } منها { لفيفا * } أي بعثناكم وإياهم مختلطين , لا حكم لأحد ~~على آخر , ولا دفع لأحد عن آخر على غير الحالة التي كانت في الدنيا , ثم ~~ميزنا بعضكم عن بعض , ونعمنا الطيب منكم بإهانة الخبيث , أن يسأل بنو ~~إسرائيل الذين يقبل هؤلاء المشركون الجهلة كلامهم ويستنصحونهم في أمورهم - ~~عن هذا الذي تلوناه عليك يخبروا به كما أخبرناك , فيثبت حينئذ عندهم أمر ~~الآخرة , وإلا كان قبولهم لبعض كلامهم دون بعض بغير دليل تحكما وترجيحا من ~~غير مرجح . | ولما ثبت أمر الحشر بإثبات القدرة على كل ممكن تارة , وبإخبار ~~بني إسرائيل الذين ألزموا أنفسهم قبول كلامهم وقطع المفاوز إليهم لسؤالهم ~~عن بعض الأمور أخرى , ثبت أن هذا القرآن المخبر بذلك حق , وكانوا قد سألوه ~~عن المسائل المذكورة فأجابهم عن أولها وهي الروح بأمر مجمل وعقبه بأنهم ~~سألوه في أشياء اقترحوها وقالوا : لن نؤمن لك حتى تفعلها , وأشار تعالى ~~بالإخبار عن آيات موسى عليه السلام إلى أنه لم يترك إجابتهم بخلا ولا عجزا ~~, فإنها من جنس من التصرف في المياه تارة بإنزالهما وتارة بتبديلها دما ~~الموجب للقدرة على إنبات الأشجار بها , ومن إسقاط السماء PageV04P434 كسفا ~~بإسقاط البرد المهلك , فثبت بذلك صحة ms2854 الإخبار بتصريف الأمثال في هذا الكتاب ~~, فعطف على قوله : { ولقد صرفنا } قوله تعالى : { وبالحق } أي من المعاني ~~الثابتة التي لا مرية فيها لا بغيره { أنزلناه } نحن القرآن أو هذا الذي ~~أخبر منه بالحشر لبني إسرائيل ملتفين بالقبط وبما قبله على ما لنا من ~~العظمة { وبالحق } لا بغيره { نزل } هو ووصل إليهم على لسانك بعد إنزاله ~~عليك كما أنزلنا سواء غضا طريا محفوظا لهم يطرأ عليه طارئ , فليس فيه شيء ~~من تحريف ولا تبديل كما وقع في كتاب اليهود الذين يسألهم قومك , فأفاد هذا ~~أن القرآن معجز بكونه مع إعجازه بالبلاغة في تصريف الأمثال , وغيرها من نظم ~~المقال { وما أرسلناك } أي بما لنا من العظمة { إلا مبشرا ونذيرا * } على ~~غاية التمكن في كل من الوصفين - بما أشار إليه الواو والصيغة , تبلغهم ما ~~فيه من بشارة لمن آمن بذلك اليوم , ونذارة لمن لم يؤمن به , فإن قبلوا فهو ~~حظهم , وإن لم يقبلوا كان عليهم وزرهم , ولم يكن عليك لوم , فإنا ما ~~أرسلناك عليهم وكيلا , وسنزهق باطلهم بهذا الحق لا محالة , فلا تستعجل لهم ~~{ إن الباطل كان زهوقا } ولم نرسلك لتفجير الأنهار ولا إنبات الأشجار ؛ ثم ~~أخبر أن الحكمة في إنزال القرآن منجما فقال تعالى : { وقرءانا } أي وفصلنا ~~أو أنزلنا قرآنا { فرقناه } أي أنزلنا منجما في أوقات متطاولة وميزناه ~~بالحقيقة عن كل باطل , وبالإعجاز عن كل كلام { لتقرأه على الناس } أي عامة ~~كل من أمكنك منهم , فإنك مرسل إليهم كلهم . | ولما كانوا لما لهم من النوس ~~في غاية الزلزلة , لا يتهذبون إلا في أزمان طويلة وعلاج كبير , قال مشيرا ~~إلى ذلك : { على مكث } أي تؤده وترسل بأن تقرأ منه كل نجم في وقته الذي ~~أنزلناه فيه مدة ثلاث وعشرين سنة { ونزلناه } من عندنا بما لنا من العظمة { ~~تنزيلا * } بعضه في إثر بعض , مفرقا بحسب الوقائع لأنه أتقن في فصلها , ~~وأعون على الفهم لطول التأمل لما نزل من نجومه في مدة ما بين النجمين ~~لغزارة ما فيه من المعاني , وكثرة ما تضمنه من الحكم ms2855 , وذلك أيضا أقرب ~~للحفظ , وأعظم تثبيتا للفؤاد , وأشرح للصدر , لأن أخبار الحبيب إذا كانت ~~متواصلة كان المحب كل يوم في عيد , بهناء جديد , فعلنا بك ذلك لما تقدم من ~~أن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون , فلما طالت الدلائل , وزالت ~~الشبه , وعلم أن الله مع الذين اتقوا والذين هم أدبر , أمره أن يقول مبنها ~~لهم على ذلك مبكتا لهم بتقاعسهم عنه وعنادهم فيه بقوله تعالى : { قل آمنوا ~~به } أي القرآن { أولا تؤمنوا } فالإيمان به غير محتاج إليكم ولا موقوف ~~عليكم لأنكم إن آمنتم به كان الحظ لكم , وإلا لم تضروا إلا أنفسكم , وهو ~~احتقار لهم حيث صرف لهم من كل مثل فأبوا إلا كفورا , ثم علل ذلك بما يقبل ~~بكل PageV04P435 ذي لب إليه , فإن كان ل ( قل ) فهو تسلية له صل الله عليه ~~وعلى آله وسلم , وإن كان لما بعدها فهو تبكيت لهم وتحقير , فقال تعالى : { ~~إن الذين أوتوا العلم } وبني للمفعول دلالة على أن العلم الرباني - وهو ~~العلم في الحقيقة من أي مؤت كان , حاث على الإيمان بهذا القرآن , وتنبيها ~~على أن من كان يعلم ولا يحمله علمه على الإيمان بهذا الكتاب الذي لا شيء ~~أبين من حقيقته بمصادقته لكتب الأنبياء الذين ثبتت رسالاتهم ومضت عليها ~~الدهور , واطمأنت بها النفوس , وزيادته عليها بما أودعه الله من الإعجاز ~~والحكم - فعلمه كلا علم بل هو أجهل الجهلة , سواء كان ممن سألتموه عني أو ~~من غيرهم - كما سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في الزمر . | ولما كان ~~المراد أن من اتصف بهذا الوصف ولو زمنا يسيرا نفعه , أدخل الجار فقال مرغبا ~~في العلم ليحمل على الإيمان بالقرآن : { من قبله } أي قبل إنزاله ممن آمن ~~من بني إسرائيل الذين أمرني الله بسؤالهم تسميعا لكم وتثبيتا لكونكم أقبلتم ~~عليهم بالسؤال وجعلتموهم محط الوثوق : { اذا يتلى } أي من أي تال كان { ~~عليهم } في وقت من الأوقات , ينقلهم من حال إلى حال , فيرقيهم في مدارج ~~القرب ومعارج الكمال , إلى أعلى الرتب , بأنهم { يخرون } أي يسقطون ms2856 بسرعة ؛ ~~وأكد السرعة وأكد السرعة وأفاد الاختصاص بقوله تعالى : { للأذقان } باللام ~~دون إلى أو على , دالا بالأذقان على أنهم من شدة ما يحصل لهم من الخشوع ~~يسقطون سقوط من ليس له اختيار , وأول ما يلاقي الأرض ممن يسقط كذلك ذقنه , ~~وهو مجتمع اللحيين من منبت لحيته - فإن الإنسان مجبول بالطبع على صيانة ~~وجهه , فهو يرفع رأسه فتصير ذقنه وفمه أقرب ما في وجهه إلى الأرض حال ~~السقوط , ولهذا قال شاعرهم : فخر سريعا لليدين وللفم . | ثم بين أن ذلك ليس ~~سقوطا اضطراريا بما أوتوا من العلم السالف , وما في قلوبهم من الإذعان , ~~والخشية للرحمن { ويقولون } أي على وجه التحديد المستمر : { سبحان ربنا } ~~أي تنزه الموجد لنا , المدبر لأمورنا , المحسن إلينا , عن شوائب النقص , ~~لأنه وعدعلى ألسنة رسلنا أن يبعثنا بعد الموت ووعده الحق , فلا بد أن يكون ~~, ووعد أن يأتي بهذا الكتاب على لسان هذا النبي العربي , وأوصل هذا الوعد ~~إلينا في الكتب السالفة فأنجز ما سبق به وعده { إن } أي أنه { كان } أي ~~كونا لا ينفك { وعد ربنا } أي المحسن إلينا بالإيمان , وما تبعه من وجوه ~~العرفان { لمفعولا * } دون خلف , ولا بد أن يأتي جميع ما وعد به من الثواب ~~والعقاب , وهو تعريض بقريش حيث كانوا يستهزئون بالوعيد في قولهم { أو تسقط ~~السماء كما زعمت علينا كسفا } ونحوه مما معناه الطعن في قدرة الله ~~PageV04P436 القادر عل كل شيء { ويخرون } عند تكرار سماعه { للأذقان } مع ~~سجودهم { يبكون ويزيدهم } تكراره { خشوعا * } أي خضوعا وتواضعا وإخباتا , ~~فإن كان سؤالكم إياهم لتؤمنوا إذا أخبروكم أني عل الحق فآمنوا , وإن كان ~~لغير ذلك فقد تبين سفهكم وضعف أمركم وسوء رأيكم , وعبر في البكاء بالفعل ~~إشارة إلى تجدده في بعض الأحيان لما لهم في بعضها من السرور ببعض ما أبيح ~~من الملاذ , وفي السجود بالاسم إشارة إلى دوام ذلهم بالسجود المشروع , أو ~~بمطلق الخضوع , وسيأتي في سورة مريم ما يزيده وضوحا . | < < # | الإسراء : ( 110 - 111 ) قل ادعوا الله . . . . . # > > ^ ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا ms2857 فله الأسمآء الحسنى ~~ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا * وقل الحمد لله الذي ~~لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره ~~تكبيرا ) ^ } ) | ولما كان إيمان أهل العلم الأول به وإذعانهم له وتركهم ~~لأديانهم - التي أخذوها عن الأنبياء الآتين إليهم بالكتب لأجله بعد إقامة ~~الدليل القاطع على أنه من عند الله - موجبا لكل من له أدنى إنسانية أن يؤمن ~~به ويقبل عليه ويدعو من أنزله دون غيره دائما , لا في أوقات الشدة فقط { ~~وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه } وكانت أوقات الإجابة أولى ~~بالدعاء من غيرها , وكانت حالة السجود لا سيما مع البكاء والخشوع أولاها ( ~~أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ) كان المعاندون من العرب كأنهم قالوا ~~لأن ذلك من شأنهم ومن حقهم بعد ما قام من الأدلة : آمنا فعلمنا كيف ندعو ~~وبأي اسم نهتف ؟ ولما كان الجلالة هو الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء ~~الحسنى , وكان قد ورد في النحل من التنويه به ما لم يرد في غيرها لما تقدم ~~من الأسرار مع أنه عد فيها من النعم ما لم يعد في غيرها , ومنها تعليم ~~الإنسان البيان , وذلك أليق باسم الرحمن ^ ( { الرحمن علم القرآن } ) ^ [ ~~الرحمن : 1 ] الآيات , وكانت الرحمة دنيوية وأخروية من الخالق ومن الخلائق ~~قد كررت في هذه السورة ثماني مرات { عسى ربكم أن يرحمكم } , { جناح الذل من ~~الرحمة } , { وقل رب ارحمهما } { ابتغاء رحمة من ربك } , { ربكم أعلم بكم ~~إن يشأ يرحمكم } , { إنه كان بكم رحيما } , { إلا رحمة من ربك } خزائن رحمة ~~ربي وكان ذلك ظاهرا في إرادة عمومها , فكان اسم الرحمن به أليق , وقع ~~الجواب بقوله تعالى : { قل ادعوا الله } أي الملك الأعظم ذا الجلال ~~والإكرام في ذات إحاطته { أو ادعوا الرحمن } في معنى استغراقه بالرحمة , أي ~~سموا - أي أوقعوا الدعاء مسمين في حال دعائكم - ربكم الذي سبحتموه في ~~السجود بأي اسم أردتم مما أذن فيه , فاهتفوا بهذا الاسم الدال على ms2858 الجلال , ~~واستحقاق مسماه الدعاء لذاته , أو بهذا PageV04P437 الاسم الدال على الجمال ~~واستحقاقه الدعاء لإنعامه , مطلقا وفي حالة السجود { أيا ما تدعوا } أي به ~~من أسمائه فقد حصلتم به على القصد , فإن المسمى واحد وإن تعددت أسماؤه ~~الدالة على الشرف . | ولما كان في الرحمن جمال ظاهر في باطنه جلال , لأن ~~عموم الرحمة لبعض نعمة , ولبعض استدراج ونقمة , فكان لذلك جامعا لجميع ~~الأسماء الحسنى والصفات العلى , سبب عن ذكر كل من الاسمين : العلم الجامع , ~~والوصف الواقع موقعه , قوله : { فله } أي المسمى بهذين الاسمين وحده , وهو ~~الواحد الأحد { الأسماء الحسنى } هذان الاسمان وغيرهما مما ورد عن النبي ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو دال على التحميد والتمجيد والتقديس ~~والتعظيم , فهذا الضمير استخدام , منهما للمبالغة ؛ قال الإمام أبو الحسن ~~الحرالي رحمة الله في شرحه للأسماء الحسنى : الرحمانية استغراق الخلق ~~بالرحمة في إنشائهم , والرحيمية إجراء الخلق على ما يوافق حسهم ويلائم ~~خلقهم وخلقهم ومقصد أفئدتهم , فإذا اختص ذلك بالبعض كان رحيمية , وإذا ~~استغرق كان رحمانية ولاستغراق معنى اسم الرحمن لم يكن لتمام معناه وجود ~~الخلق , فلم يجر بحق على أحد منهم , وإنما يوجد فيهم حظ خاص من معناه يجري ~~عليهم به اسم الرحيم لا اسم الرحمن , فلذلك لحق اسم الرحمن في معنى ~~استغراقه باسم الله في ذات إحاطته فقال تعالى { قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن } فإذا تحقق القلب اختصاصه بالله علما كان أصلا للفظ به قولا فعلمت ~~أنه لا رحمن إلا الله كما أنه لا إله إلا الله , ولحق باسم الإله فقد علم ~~فقد التمام لمعناه في الخلق كما قد فقد أصل علم الاعتبار من معناه في اسم ~~إله , والتوحيد في اسم الرحمن واجب لا حق بالفرض في توحيد الإله , ولذلك ~~ولي اسم الله في موارده في الكتب وفي هذا التعديد أي الوارد في حديث ~~الترمذي والبزار وغيرهما من أسماء الله الحسنى عن أبي هريرة رضي الله عنه - ~~انتهى . | وقد مر في آخر الحجر ما ينفع هنا . | ولما ذكر السجود وعقبه ~~بالدعاء , أشار ms2859 إلى أنه في كل حالة حسن , وفي الصلاة أولى وأحسن , بعد أن ~~ذكر قريبا الصلوات الخمس , وكان ربما فهم من قوله { إن قرءان PageV04P438 ~~الفجر كان مشهودا } , ومن قوله : { إذا يتلى عليهم } قوة الهجر به قال ~~تعالى : { ولا تجهر بصلاتك } أي بقراءتك فيها , أو سمى القراءة صلاة لأنها ~~شرط فيها جهرا قويا حتى تسمعه المشركون , فإن المخالفين قد عرف عنادهم فلا ~~يؤمن سبهم للقرآن ولمن أنزله ولمن جاء به , بل كانوا يفعلون ذلك ويلغون , ~~وربما صفقوا وصفروا ليغلطوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويخلطوا ~~عليه قراءته { ولا تخافت } أي تسر { بها } إسرارا بليغا كأنك تناظر فيه آخر ~~بحيث لا تسمع من وراءك ليأخذوه عنك { وابتغ } أي اطلب بغاية جهدك { بين ذلك ~~} أي الجهر والمخافتة التي أفهمت أداة البعد عظمة شأنهما { سبيلا * } أي ~~طريقا وسطا ؛ روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه ~~الآية قال : نزلت ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مختف بمكة , كان ~~إذا صلى بأصحابه رفه صوته بالقرآن , فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن ~~أنزله ومن جاء به فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم { ~~ولا تجهر بصلاتك } أي بقراءتك , فيسمع المشركون فيسبوا القرآن { ولا تخافت ~~بها } عن أصحابك فلا تسمعهم - انتهى . | أطلق هنا اسم الكل على الجزء إشارة ~~إلى أن المقصود الصلاة وفيما تقدم اسم الجزء على الكل لأن المقصود الأعظم ~~هناك القراءة في الفجر , وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن هذه الآية ~~نزلت في الدعاء , وقد تقدم غير مرة أنه ليس ببدع أن يكون للشيء أسباب كثيرة ~~. | ولما تقدم إحاطة هذين الاسمين , أما الله فبجميع معاني الأسماء الحسنى ~~, وأما الرحمن فبالرحمانية , لمأمور بالدعاء بهما كل مخاطب , خصه صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم بالأمر بالتحميد الذي معناه الإحاطة واسمه صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم مشتق منه لاتصافه به حامدا ومحمودا , وبالتكبير عن كل ~~ما يفهمه العباد من أسمائه الحسنى فقال تعالى : { وقل ms2860 الحمد } أي الإحاطة ~~بالأوصاف الحسنى { لله } أي الملك الأعظم { الذي لم يتخذ } لكونه محيطا ~~بالصفات الحسنى { ولدا } فإن ذلك لا يكون إلا للحاجة وبالحاجة وهي من أسوأ ~~الأوصاف { ولم يكن } أي يوجد بوجه من الوجوه { له شريك في الملك } ولا ولد ~~ولا غيره فإن ذلك لا يكون إلا بالعجز { ولم يكن له ولي } ناصر أعم من أن ~~يكون ذلك الناصر ولدا أوشريكا أو غيره : ثم قيده واصفا بقوله تعالى : { من ~~الذل } إفهاما بأن له أولياء جاد عليهم بالتقريب وجعلهم أنصارا لدينه رحمة ~~منه لهم لا احتياجا منه إليهم { وكبره } عن أن يشاركه أحد في شيء من ~~الأشياء وعن كل ما PageV04P439 يفهمه فاهم , ويصفه به واصف , والتكبير أبلغ ~~لفظ للعرب في معنى التعظيم والإجلال - قاله أبو حيان . | وأكد بالمصدر ~~تحقيقا له وإبلاغا في معناه , اي فقال : { تكبيرا } عن أن يدرك أحد كنه ~~معرفته أو يجهله أحد من كل وجه , بل احتجب سبحانه بكبريائه وجلاله فلا يعرف ~~, وتجلى بإكرامه وكماله فلا ينكرن فكان صريح اتصافه بالحمد أنه تعالى متصف ~~بجميع صفات الكمال , وصريح وصفه بنفي ما ذكر أنه منزه عن شوائب النقص وأنه ~~أكبر من كل ما يخطر للعباد المطبوعين على النقص المجبولين على غزائز العجز ~~, ولذلك وغيره من المعاني العظمى سمى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~هذه الآية آية العز كما رواه الإمام أحمد عن سهل عن أبيه رضي الله عنهما , ~~وذلك عين ما افتتحت به السورة من التنزيه وزيادة - والله سبحانه وتعالى ~~أعلم بالصواب , وإليه المرجع والمآب . | . . . | PageV04P440 < # > سورة الكهف < # > < < # | الكهف : ( 1 - 8 ) الحمد لله الذي . . . . . # > > ^ ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما ~~لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم ~~أجرا حسنا * ماكثين فيه أبدا * وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا * ما لهم ~~به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا * ~~فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا * إنا ms2861 جعلنا ما ~~على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا * وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا ~~جرزا ) ^ } ) | بسم الله الرحمن الرحيم سورة الكهف مكية - آياتها مائة عشرة ~~مقصودها وصف الكتاب بأنه قيم , لكونه زاجرا عن الشريك الذي هو خلاف ما قام ~~عليه الدليل في { سبحان } من أنه لا وكيل دونه , ولا إله إلا هو , وقاصا ~~بالحق أخبار قوم قد فضلوا في أزمانهم وفق ما وقع الخبر به في { سبحان } من ~~أنه يفضل من يشاء , ويفعل ما يشاء , وأدل ما فيها على هذا المقصد قصة أهل ~~الكهف لأن خبرهم أخفى ما فيها من القصص مع أن سبب فراقهم لقومهم الشرك , ~~وكان أمرهم موجبا - بعد طول رقادهم - للتوحيد وإبطال الشرك { بسم الله } ~~الذي لا كفوء له ولا شريك { الرحمن } الذي أقام عباده على أوضح الطرق بقيم ~~الكتاب { الرحيم } بتفضيل من اختصه بالصواب . | لما ختمت تلك بأمر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بالحمد عن التنزه عن صفات النقص لكونه أعلم الخلق بذلك ~~, بدئت هذه بالإخبار باستحقاقه سبحانه الحمد على صفات النقص لكونه أعلم ~~منها البراءة عن كل نقص , منبها بذلك على وجوب حمده بما شرع من الدين على ~~هذا الوجه الأحكم بهذا الكتاب القيم الذي خضعت لجلاله العلماء الأقدمون , ~~وعجز عن معارضته الأولون والآخرون , الذي هو الدليل على ما ختمت به تلك من ~~العظمة والكمال , والتنزه والجلال , فقال ملقنا لعباده حمده , معلما لهم ~~كيف يثنون عليه , مفقها لهم في اختلاف العبارات باختلاف المقامات : { الحمد ~~} أي الإحاطة بصفات الكمال PageV04P441 { لله } أي المستحق لذلك لذاته . | ~~ولما أخبر باستحقاقه ذلك لذاته , أخبر بأنه يستحقه أيضا لصفاته وأفعاله , ~~فقال تعالى : { الذي } ولما كان المراد وصف جملة الكتاب بالإعجاز من غير ~~نظر إلى التفريق واللتدريج , عبر بالإنزال دون التنزيل فقال : { أنزل } ~~وعدل عن الخطاب بأن يقول : عليك , كما يقول : فلعلك باخع نفسك , كما في ذلك ~~من الوصف بالعبودية والإضافة إليه سبحانه من الإعلام بتشريفه صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم والتنبيه على علة تخصيصه بالإنزال عليه كما تقدم في ms2862 سورة ~~البقرة , فقال . | مقدما له على المنزل لأن المراد الدلالة على صحة رسالته ~~بما لا يحتاج فيه قريش إلى سؤال اليهود ولا غيرهم من تخصيصه بما لا يقدر ~~عليه غيره : { على عبده } وإشارة إلى أنه الذي أسرى به إلى حضرات مجده ~~ليريه من آياته { الكتاب } الجامعى المعاني الكتب المشار إليه في آخر التي ~~قبلها بما أشير إليه من العظمة كما آتى موسى التوراة الآمرة بالعدل في ~~الأحكام , وداود الزبور الحادي إلى الزهد والإحسان , على ما أشير إليه في { ~~سبحان } . | ولما كان الجامع لا يخلو من عوج أو قابلية له إلا أن كان من ~~علام الغيوب , نفى القابلية والإمكان دلالة على أنه من عنده لينتفي العوج ~~بطريق الأولى فقال تعالى : { ولم } أي والحال أنه لم { يجعل له } ولم يقل : ~~فيه { عوجا * } أي شيئا من عوج , أي بل هو مستقيم في جميع معانيه من غير ~~اختلاف أصلا , هاد إلى كل صواب , لأن العوج - بالكسر : فقد الاستقامة في ~~المعاني , وبالفتح في الأعيان ؛ وأتبعه حالا أخرى له بقوله تعالى : { قيما ~~} تصريحا باللازم تأكيدا له , ومقيدا أنه مهيمن على ما قبله من الكتب مقيم ~~لغيره , وقد مضى في الفاتحة ثم في الأنعام عن الإمام سعد الدين التفتازاني ~~الشافعي رحمة الله أن كل سورة افتتحت بالحمد فللإشارة إلى نعمة من أمهات ~~النعم التي هي إيجاد وإبقاء أولا , وإيجاد وإبقاء ثانيا , وأنه أشير في ~~الفاتحة لكونها أم الكتاب إلى الأربع , وفي الأنعام إلى الإيجاد الأول وهو ~~ظاهر , وفي هذه السورة إلى الإبقاء الأول , فإن نظام العالم وبقاء النوع ~~الإنساني يكون بالنبي والكتاب . | انتى . | ويؤيده أنه في هذه السورة ذكر ~~أنه انتظم بأهل الكهف أمر من اطلع عليهم من أهل زمانهم ثم بالخضر عليه ~~السلام كثير من الأحوال , ثم بذي القرنين أمر جميع أهل الأرض بما يسر له من ~~الأسباب التي منها السد الذي بيننا وبين ياجوج وماجوج الذين يكون بهما . | ~~إذا أخرجهم الله تعالى - فساد الأرض كلها , ثم ذكرفي التي تليهما من أهل ~~وده واصطفائه في أكثر ms2863 السور حتى ذكر السورة التي أشار فيها إلى الإيجاد ~~الثاني , وأتبعها بالتي أشار فيها إلى الإبقاء الثاني , ولما كان إبقاء ~~الأول يقتضي مهلة لبلوغ حد التكليف وإجراء القلم ثم مهلة أخرى يكون فيها ~~العمل والاستعداد لما لأجله كان هذا الوجود من العرض على PageV04P442 ~~الرحمن , للجزاء بالإساءة أو الإحسان , ومهلة أخرى يحبس فيها السابق من ~~الخلائق إلى ورود مشرع الموت لانتظار اللاحق , إلى بلوغ ما ضرب سبحانه من ~~الآجال , لأزمان الإمهال , وقيام الناس أجمعين , لرب العالمين , وهو البرزخ ~~وكان ما قبل التكليف شبيها بالعدم إلا في تعلم الكتاب والتوحيد والاجتماع ~~على أهل الدين والوفاء بما تقدموا فيه بالعهد من الأحكام , ودربوا عليه من ~~الحلال والحرام , أشير إليه بما بين الفاتحة والأنعام التي هي سورة الإيجاد ~~الأول من السور الأربع , وكأن سن الاحتلام كان أول الإيجاد من الإعدام , ~~وأشير إلى بقية العمر وهو زمان التكليف بما بين الأنعام وهذه السورة من ~~السور التي ذكر فيها مصارع الأولين وأخبار الماضين تحذيرا من مثل أحوالهم , ~~لمن نسج على منوالهم , وختمت بالتحميد مقترنا بالتوحيد إشارة إلى أنه يجب ~~الاجتهاد في أن يختم الأجل في أعلى ما يكون من خصال الدين , وأشير إلى مهلة ~~البرزخ بما بين هذه وسورة الإيجاد الثاني من السور التي ذكر في غالبها مثل ~~ذلك , وأكثر فيها كلها من ذكر الموت وما بعده من البرزخ الذي يكون لانقطاع ~~العلائق باجتماع الخلائق , لأجل التجلي في رد العظمة , والكشف البليغ عن ~~نفوذ الكلمة , والتحلي بالحكم باستقرار الفريقين في دار النعيم أو غار ~~الجحيم , وأكثر فيما بين هذه وبين سبأ من أمر البعث كثرة ليست فيما مضى حتى ~~صدر بعضها به , وبناها عليه كسورتي الأنبياء < # > 77 ( { اقترب للناس حسابهم } ) 77 < # > [ الأنبياء : 1 ] والحج < # > 77 ( { إن زلزلة الساعة شيء عظيم } ) 77 < # > [ الحج : 1 ] ولما لم يكن بين البعث وما بعده مهلة لشيء من ذلك , عقب ~~سورة الإيجاد الثاني بسورة الإبقاء الثاني من غير فاصل ولا حاجز ولا حائل - ~~والله أعلم . | ولما وصف الكتاب بما له من ms2864 العظمة في جميع ما مضى من أوصافه ~~من الحكمة والإحكام , والتفصيل والبيان , والحقية , والإخراج من الظلمات ~~إلى النور , والجمع لكل معنى والتبيان لكل شيء , أتبعه ذكر فائدته مقدما ما ~~هو الأهم من درء المفسدة بالإنذار , لأنه مقامه كما هو ظاهر من { سبحان } ~~فقال : { لينذر } وقصره على المفعول الأول ليعم كل من يصخ قبوله الإنذار ~~ولوتقديرا , وليفيد أن الغرض بيان المنذر به لا المنذر { بأسا شديدا } ~~كائنا { من لدنه } أي أغرب ماعنده من الخوارق بما في هذا الكتاب من الإعجاز ~~لمن خالف أمره من عذاب الدنيا والآخرة كوقعه بدر وغيرها المفيد لإدخال ~~الإسلام عليهم وهم كارهون , بعد ما كانوا فيه من القوة وهو من الضعف { ~~ويبشر المؤمنين } أي الراسخين في هذا الوصف { الذين يعملون الصالحات } وهو ~~ما امر به خالصا له , وذلك من أسنان مفتاح الإيمان { أن لهم } أي من حيث هم ~~عاملون { أجرا حسنا * } وهو النعيم , حال كونهم { ماكثين فيه أبدا * } بلا ~~انقطاع أصلا , فإن الأبد زمان لا آخر له , فجمعت هاتان العلتان جميع معاني ~~الكتاب فإنه لا يكون كذلك إلا وقد جمع أيضا جميع شرائع الدين وأمر المعاش ~~وأمر المعاد وما يعنيهم فعله أو تركه PageV04P443 أو اعتقاده , وما يتبع ~~ذلك , وذلك هو القيم , أي المستقيم في نفسه , المقيم لغيره . | ولما كان ~~الغالب على الإنسان المخالفة للأوامر , لما جبل عليه من النقائص , كان ~~الإنذار فأهم أعاده لذلك ولأن المقام له كما مضى , ذاكرا فيه بعض المتعلق ~~المحذوف من الآية التي قبلها , تبكيتا لليهود المضلين لهؤلاء العرب ولمن ~~قال بمقالتهم فقال تعالى : { وينذر } واقتصر هنا على المفعول الأول ليذهب ~~الفكر في الثاني الذي عبر عما يحتمل تقديره به فيما مضى ب ( لدنه ) - كل ~~مذهب فيكون أهول { الذين قالوا اتخذ الله } أي تكلف ذو العظمة التي لا ~~تضاهي كما يتكلف غيره أن أخذ { ولدا * } وهم بعض اليهود والنصارى والعرب ؛ ~~قال الأصبهاني : وعادة القرآن جارية بأنه إذا ذكر قصة كلية عطف عليها بعض ~~جزيئاتها تنبيها على كون ذلك لبعض أعظم جزيئات ذلك الكل ms2865 , ولم أجعل الآية ~~من الاحتباك لنقص المعنى , ثم استأنف معللا في جواب من كأنه قال : ما لهم ~~خصوا به الوعيد الشديد ؟ فقال تعالى : { ما لهم به } أي القول { من علم } ~~أصلا لأنه مما لا يمكن أن يعلق العلم به لأنه لا وجود له ولا يمكن وجوده , ~~ثم قرر هذا المعنى وأكد بقوله تعالى : { ولا لأبائهم } الذين هم مغتبطون ~~بتقليدهم في الدين حتى في هذا الذي لا يتخيله عاقل , ولو أخطؤوا في تصرف ~~دنيوي لمن يتبعوهم فيه , تنبيها عل أنه لا يحل لأحد أن يقول على الله تعالى ~~ما لا علم له به , ولا سيما في أصول الدين , ثم هول أمر ذلك بقوله تعالى : ~~{ كبرت } أي مقالتهم هذه { كلمة } أي ما أكبرها من كلمة ! وصور فظاعة ~~اجترائهم على النطق بها بقوله تعالى : { تخرج من أفواههم } أي لم يكفهم ~~خطورها في نفوسهم , وترددها في صدورهم , حتى تلفظوا بها , وكان تلفظهم بها ~~على وجه التكرير - بما أشار إليه التعبير بالمضارع ؛ ثم بين ما أفهمه ~~الكلام من أنه كما أنهم لا علم لهم بذلك لا علم لأحد به أصلا , لأنه لا ~~وجود له فقال تعالى : { إن } أي ما { يقولون إلأا كذبا * } أي قولا لا ~~حقيقة له بوجه من الوجوه وقال ابن الزبير في برهانه : من الثابت المشهور أن ~~قريشا بعثوا إلى اليهود بالمدينة يسألونهم في أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم , فأجابت يهود بسؤاله عن ثلاثة أشياء , قالوا : فإن أجابهم ~~فهو نبي , وإن عجز فالرجل متقول فرؤا فيه رأيكم , وهي الروح , وفتية ذهبوا ~~في الدهر الأول وهم أهل الكهف , وعن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها , ~~فأنزل الله عليه جواب ما سألوه , وبعضه في سورة الإسراء < # > 77 ( { ويسئلونك عن الروح } ) 77 < # > [ الإسراء : 85 ] الآية , واستفتح سبحانه وتعالى سورة الكهف ~~PageV04P444 بحمده , وذكر نعمة الكتاب وما أنزل بقريش وكفار العرب من البأس ~~يوم بدر وعام الفتح , وبشارة المؤمنين بذلك وما منحهم الله تعالى من النعيم ~~الدائم , وإنذار القائلين بالولد من النصارى وعظيم مرتكبهم ms2866 وشناعة قولهم { ~~إن يقولون إلا كذبا } وتسلية نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أمر ~~جميعهم < # > 77 ( { فلعلك باخع نفسك } ) 77 < # > [ الكهف : 6 ] , والتحمت الآي أعظم التحام , وأحسن التئام , إلى ذكر ~~ماسأل عنه الكفار من أمر الفتية < # > 77 ( { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آيتنا عجبا } ) 77 < # > [ الكهف : 9 ] ثم بسطت الآي قصتهم , وأوضحت أمرهم , واستوفت خبرهم ؛ ثم ~~ذكر سبحانه أمر ذي القرنين وطوافه وانتهاء أمره , فقال تعالى < # > 77 ( { ويسئلونك عن ذي القرنين } ) 77 < # > [ الكهف : 83 ] الآيات , وقد فصلت بين القصتين بمواعظ وآيات مستجدة على ~~أتم ارتباط , وأجل اتساق , ومن جملتها قصة الرجلين وجنتي أحدهما وحسن ~~الجنتين وما بينهما وكفر صاحبهما واغتراره , وهما من بني إسرائيل , ولهما ~~قصة , وقد أفصحت هذه الآي منها باغترار أحدهما بما لديه وركونه إلى توهم ~~البقاء , وتعويل صاحبه على ما عند ربه ورجوعه إليه وانتهاء أمره - بعد ~~المحاورة الواقعة في الآيات بينهما - إلى إزالة ما تخيل المفتون بقاءه , ~~ورجع ذلك كأن لم يكن , ولم يبق بيده إلا الندم , ولا صح له من جنته بعد ~~عظيم تلك البهجة سوى التلاشي والعدم , وهذه حال من ركن إلى ما سوى المالك , ~~ومن كل شيء إلا وجهه سبحانه وتعالى فان وهالك < # > 77 ( { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو } ) 77 < # > [ محمد : 36 ] < # > 77 ( { ففزوا إلى الله } ) 77 < # > [ الذريات : 50 ] ثم أعقب ذلك بضرب مثل الحياة الدنيا لمن اعتبر ~~واستبصر , وعقب تلك الآيات بقصة موسى والخضر عليها السلام إلى تمامها , وفي ~~كل ذلك من تأديب بني إسرائيل وتقريعهم وتوبيخ مرتكبهم في توقفهم عن الإيمان ~~وتعنيفهم في توهمهم عند فتواهم لكفار قريش بسؤاله عليه السلام عن القصص ~~الثلاث أن قد حازوا العلم وانفردوا بالوقوف على ما لا يعلمه غيرهم , فجاء ~~جواب قريش بما يرغم الجميع ويقطع دابرهم , وفي ذكر قصة موسى والخضر إشارة ~~لهم لو عقلوا , وتحريك لمن سبقت له منهم السعادة , وتنبيه لكل موفق ي تسليم ~~الإحاطة لمن هو العليم الخبير , وبعد تقريعهم وتوبيخهم بما أشير إليه عاد ms2867 ~~الكلام إلى بقية سؤالهم فقال تعالى { يسئلونك عن ذي القرنين } إلى آخر ~~القصة , وليس بسط هذه القصص من مقصودنا وقد حصل , ولم يبق إلا السؤال عن ~~وجه انفصال جوابهم ووقوعه في السورتين مع أن السؤال واحد , وهذا ليس من ~~شرطنا فلننسأه بجول الله إلى موضعه إن قدر به - انتهى . | وقد تقدم في سورة ~~الإسراء من الجواب عن هذا أن الروح ضمت إليها , لأنه من سر الملكوت ~~كالإسراء , وبقي أنه لما أجمل سبحانه أمرها لما ذكر من عظيم السر , وعيب ~~عليهم اشتغالهم بالسؤال وترك ما هو من عالمها , وهو أعظم منها ومن كل ما ~~برز إلى الوجود من ذلك العالم من الروح المعنوي الذي به صلاح الوجود ~~PageV04P445 كله , وهو القرآن العظيم , وعظم أمره بما ذكر في الإسراء إلى ~~أن اقتضى الحال في إنهاء عظمته أن يدل على إصلاح الوجود به بما حرره وفصله ~~وقرره من أمر السؤالين الباقيين اللذين هما من ظاهر الملك فيما ضم إليهما ~~مما تم به الأمر , واتضح به ما له من جليل القدر , كان الأكمل في ذلك أن ~~يكون ما انتظم به ذلك سورة على حدتها , ولما كان أمر أهل الكهف من حفظ ~~الروح في الجسد على ما لم يعهد مثله ثم إفاضتها , قدم الجواب عن السؤال ~~عنهم ليلي أمر الروح , وختم بذي القرنين لإحاطة أمره بما طاف من الأرض , ~~ولما جعل من السد علما على انقضاء شأن هذه الدار وختام أمرها , وطي ما برز ~~من نشرها والله سبحانه وتعالى أعلم . | ولما كان صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم شديد الحرص على إيمانهم شفقة عليهم وغيره على المقام الإلهي الذي ملأ ~~قلبه تعظيما له , خفض عليه سبحانه بقوله تعالى : { فلعلك باخع } أي فتسبب ~~عن قولهم هذا , المباين جدا لما تريد لهم , الموجب لإعراضهم عنك أنك تشفق ~~أنت ومن يراك على تلك الحالة من أتباعك من أن يكون قاتلا { نفسك } من شدة ~~الغم والوجد , وأشار إلى شدة نفرتهم وسرعة مفارقتهم وعظيم مباعدتهم بقوله ~~تعالى : { على ءاثارهم } أي حين ms2868 تولوا عن إجابتك فكانوا كمن قوضوا خيامهم ~~وأذهبوا أعلامهم { إن لم يؤمنوا } . | ولما صور بعدهم , صور قرب ما دعاهم ~~إليه ويسر تناوله بقوله تعالى : { بهذا الحديث } أي القيم المتجدد تنزيله ~~على حسب التدريج { أسفا * } منك على ذلك , والأسف : أشد الحزن والغضب ؛ ثم ~~بين علة إرشاده إلى الإعراض عنهم بغير ما يقدر عليه من التبليغ للبشارة ~~والنذارة بأنهم لم يخرجوا عن مراده سبحانه , وأن الإيمان لا يقدر على ~~إدخاله قلوبهم غيره فقال تعالى : { إنا } أي لا نفعل ذلم لأنا { جعلنا } ~~بما لنا من العظمة { ما على الأرض } من المواليد الثلاثة : الحيوان والمعدن ~~والنبات { زينة لهما } بأن حسناه في العيون , وأبهجتنا به النفوس , ولولا ~~مضرة الحيوانات المؤذية من الحشرات وغيرها كانت الزينة بها ظاهرة , والظاهر ~~أنه لو أطاع الناس كلهم لذهبت مضرتها فبدت زينتها , كما يكون على زمن عيسى ~~عليه السلام حيث تصير لعبا للولدان . | ولما أخبر بتزيينها , أخبر بعلته ~~فقال تعالى : { لنبلوهم } أي نعاملهم معاملة المختبر الذي يسأل لخفاء الأمر ~~عليه بقوله تعالى : { أيهم أحسن عملا * } أي بإخلاص الخدمة لربه , فيصير ما ~~كنا نعلمه منهم ظاهرا بالفعل تقام به عليهم الحجة على ما يتعارفونه بينهم ~~بأن أظهر موافقة الأمر فيما نال من الزينة حاز المثوبة , ومن اجترأ على ~~مخالفة الأمر بما آتيناه منها فعمل على أنها للتنعم بها فقط استحق العقوبة ~~. | ولما كان دعاء الزينة إلى حقيقة الحياة الدنيا من اللهو واللعب ظاهرا ~~لموافقته لما طبعت عليه النفوس من الهوى لم يحتج إلى التنبيه عليه أكثر من ~~لفظ الزينة . | PageV04P446 ولما كان دعاءها إلى الزهد فيها والإعراض عنها ~~جملة والاستدلال بها على تمام علم صانعها وشمول قدرته على إعادة الخلائق ~~كما ابتدأهم وغير ذلك خفيا , لكونه مستورا عن العقول بهوى النفوس , نبه ~~عليه بقوله تعالى : { وإنا لجاعلون } أي بما لنا من العظمة ثابت لنا هذا ~~الوصف دائما { ما عليها } من جميع تلك الزينة لا يصعب علينا شيء منه { ~~صعيدا } أي ترابا بأن نهلك تلك الزينة بإزالة اخضرارها فيزول المانع من ~~استيلاء التراب ms2869 عليها ثم نسلط عليها الشموس والرياح فيردها بذلك إلى أصلها ~~ترابا { جزرا * } أي يابسا لا ينبت شيئا بطبعه , وكذا نفعل بمن سبب تسليط ~~البلاء عليه من الحيوان آدميا كان أو غيره سواء . | ولما كان من المشاهد ~~إعادة النبات بإذن الله تعالى بإنزال الماء عليه إلى الصورة النباتية التي ~~هي الدليل على إحياء الموتى مرة بعد مرة ما دامت الأرض موجودة على هذه ~~الصورة , طوي ذكر ذلك سترا لهذا البرهان المنير عن الأغبياء المشغولين ~~بالظواهر , علما منه سبحانه بظهوره لأولي البصائر . | < < # | الكهف : ( 9 - 12 ) أم حسبت أن . . . . . # > > ^ ( أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا * إذ أوى ~~الفتية إلى الكهف فقالوا ربنآ آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا * ~~فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا * ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى ~~لما لبثوا أمدا ) ^ } ) | ولما كان هذا من العجائب التي تضاءل عندها ~~العجائب , والغرائب التي تخضع لديها الغرائب , وإن صارت مالوفة بكثرة ~~التكرار , والتجلي على الأبصار , هذا إلى ما له من الآيات التي تزيد على ~~العد , ولا يحصر بحد , من خلق السماوات والأرض , واختلاف الليل والنهارن ~~وتسخير الشمس والقمر والكواكب - وغيرها ذلك , حقر آية أصحاب الكهف - وإن ~~كانت من أعجب العجب - لا ضمحلالها في جنب ذلك , لأن الشيء إذا كان كذلك كثر ~~ألفه فلم يعد عجبا , فنبه على ذلك بقوله تعالى عطفا على ما تقديره : أعلمت ~~أن هذا وغيره من عجائب قدرتنا ؟ : { أم حسبت } على ما لك من العقل الرزين ~~والرأي الرصين { أن أصحاب الكهف } أي الغار الواسع المنقور في الجبل كالبيت ~~{ والرقيم } أي القرية أو الجبل { كانوا } هم فقط { من ءايتنا عجبا * } على ~~ما لزم من تهويل السائلين من الكفرة من اليهود والعرب , والواقع أنهم - وإن ~~كانوا من العجائب - ليسوا بعجب بالنسبة إلى كثرة آياتنا , وبالنسبة إلى هذا ~~العجب النباتي الذي أعرضتم عنه بإلفكم له من كثرة تكرره فيكم , فإنه سبحانه ~~أخرج نبات الأرض على تباني أجناسه , واختلاف ألوانه وأنواعه , وتضاد طبائعه ~~, من مادة واحدة ms2870 , يهتز بالينبوع , يبهج الناظرين ويروق المتأملين , ثم ~~يوقفه ثم يرده بليبس والتفرق إلى التراب فيختلط به حتى لا يميزه ~~PageV04P447 عن بقية التراب , ثم يرسل الماء فيختط بالتراب فيجمعه أخضر ~~يانعا يهتز بالنمو على أحسن ما كان , وهكذا كل سنة , فهذا بلا شك أعجب حالا ~~ممن حفظت أجسامهم مدة عن التغير ثم ردت أرواحهم فيها , وقد كان في سالف ~~الدهر يعمر بعض الناس أكثر من مقدار ما لبثوا , وهذا الكهف - قيل : هو في ~~جبال بمدينة طرسوس وهو المشهور , وقال أبو حيان : قيل : هو في الروم , وقيل ~~: في الشام , وقيل : في الأندلس , قال : في جهة جرناطة بقرب قرية تسمى لوشة ~~كهف فيه موتى ومعهم كلب رمة , وأكثرهم قد انجرد لحمه , وبعضهم متماسك وقد ~~مضت القرون السالفة ولم نجد من عرف شأنهم , ويزعم ناس أنهم أصحاب الكهف , ~~ونقل عن ابن عطية قال : دخلت إليهم سنة أربع وخمسمائة فرأيتهم بهذه الحالة ~~وعليهم مسجد وقريب منهم بناء رومي يسمى الرقيم , وهو في فلاة من الأرض , ~~وبأعلى حضرة غرناطة مما يلي القبلة آثار مدينة قديمة يقال لها مدينة دقيوس ~~, ونقل أبو حيان عن أبيه أنه حين كان بالأندلس كان الناس يزورون هذا الكهف ~~ويذكرون أنهم يغلطون في عدتهم إذا عدوهم وأن معهم كلبا , قال : وأما ما ~~ذكرت من مدينة دقيوس التي بقلبي غرناطة , فقد مررت عليها مرارا لا تحصى , ~~قال : ويترجح كون أصحاب الكهف بالأندلس - انتهى ملخصا . | قلت : وفيه نظر , ~~والذي يرجح المشهور ما نقل البغوي وغيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال : غزونا مع بلاد الأندلس والله أعلم . | ولما صغر أمرهم ~~بالنسبة إلى جليل آياته وعظيم بيناته وغريب مصنوعاته , لخص قصتهم التي ~~عدوها عجبا وتركوا الاستبصار على وحدانية الواحد القهار بما هو العجب ~~العجيب , والنبأ الغريب , فقال تعالى : { إذا أوى } أي كانوا على هذه الصفة ~~حين أووا , ولكنه أبرز الضمير لبيان أنهم شبان ليسوا بكثيري العدد فليست ~~لهم أسنان استفادوا بها من التجارب والتعلم ما اهتدوا إليه من الدين ~~والدنيا ms2871 , ولا كثرة حفظوا بها ممن يؤذيهم أيقاظا ورقودا فقال تعالى : { ~~الفتية } وهو أصحاب الكهف المسؤول عنهم , والشبان أقبل للحق وأهدى للسبيل ~~من الشيوخ { إلى الكهف } المقارب لقريتهم المشهور ببلدتهم فرارا بدينهم كما ~~أويت أنت والصديق إلى غار ثور فرارا بدينكما { فقالوا } عقب استقرارهم فيه ~~: { ربنا ءاتنا } ولما كانت الموجودات - كما مضى عن الحرالي في آل عمران - ~~على ثلاث رتب : حكيمات جارية على قوانين العادات , وعنديات خارقة للمطردات ~~ولدنيات مستغرقة في الأمور الخارقات , طلبوا أعلاها فقالوا : { من لدنك } ~~أي من مستبطن الأمور التي عندك ومستغربها { رحمة } أي إكراما تكرمنا به كما ~~يفعل PageV04P448 الراحم بالمرحوم { وهيئ لنا } أي جميعا لا تخيب منا أحدا ~~{ من أمرنا رشدا * } أي وجها ترشدنا فيه إلى الخلاص في الدارين , لا جرم ~~صارت قصتهم على حسب ما أجابهم ربهم بديعة الشأن فردة في الزمان , يتحدث بها ~~في سائر البلدان , في كل حين وأوان . | ولما أجابهم سبحانه , عبر عن ذلك ~~بقوله تعالى : { فضربنا } أي عقب هذا القول وبسببه { على ءاذانهم } أي ~~سددناها وأمسكناها عن السمع , وكان أصله ؛ ضربنا عليها حجابا بنوم ثقيل لا ~~تزعج منه الأصوات , لأن من كان مستيقظا أو نائما نوما خفيفا وسمعه صحيح سمع ~~الأصوات { في الكهف } أي المعهود . | ولما كانت مدة لبثهم نكرة بما كان ~~لأهل ذلك الزمان من الشرك , عبر بما يدل على النكرة فقال تعالى : { سنين } ~~: ولما كان ربما ظن أنه ذكر السنين للمبالغة لأجل بعد هذا النوم عن العادة ~~, حقق الأمر بأن قال مبدلا منها معرفا لأن المراد بجمع القلة هنا لكثرة : { ~~عددا } أي متكاثرا ؛ قال الزجاج كل شيء مما يعد إذا ذكر فيه العدد ووصف ~~أريد كثرته لأنه إذا قل فهم مقدار عدده بدون التقدير فلم يحتج إلى أن يعد . ~~| { ثم بعثناهم } أي نبهناهم من ذلك النوم { لنعلم } علما مشاهدا لغيرنا ~~كما كنا نعلم غيبا ما جهله من يسأل فيقول : { أي الحزبين } هم أو من عير ~~عليهم من أهل إحصاءه لمدة لبثهم فإنهم هم أحصوا لبثهم فقالوا : لبثنا يوما ~~أو بعض ms2872 يوم , ثم تبرؤوا من علم ذلك وردوه إلى عالمه وأهل البلد , أحصوا ذلك ~~بضرب النقد الذي وجد معهم أو غير ذلك من القرائن التي دلتهم عليه , ولكنهم ~~وإن صادق قولهم ما في نفس الأمر أو قريبا منه فعلى سبيل الظن والتقريب , لا ~~القطع والتحديد , بقوله تعالى ^ ( { قل الله أعلم بما لبثوا } ) ^ [ الكهف ~~: 26 ] فإذا علم الجهل كل من الحزبين بأمرهم أن الله هو المختص بعلم ذلك , ~~علم أنه المحيط بصفات الكمال , وأنه لم ينخذ ولدا , ولا له شريك في الملك , ~~وأنه أكبر من كل مايقع في الوهم . | < < # | الكهف : ( 13 - 15 ) نحن نقص عليك . . . . . # > > ^ ( نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى * ~~وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من ~~دونه إلها لقد قلنا إذا شططا * هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون ~~عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ) ^ } ) | ولما كان ~~الكلام على اختلاف وقع في مدتهم , وكان الخربان معا هم ومن PageV04P449 ~~خالفهم متقاربين في الجهل بإحصائه على سبيل القطع وكان اليهود الذين أمروا ~~قريشا بالسؤال عن أمرهم تشكيكا في الدين لايعلمون أمرهم على الحقيقة , نبه ~~على ذلك بقوله - جوابا لمن كأنه قال : أيهما أحصاه ؟ : { نحن } أو يقال : ~~ولما أخبر الله سبحانه عن مسألة قريش الثانية , وهي قصة أهل الكهف , مجملا ~~لها بعض الإجمال بعد إجمال الجواب عن المسألة الأولى , وهي قصة أهل الكهف , ~~مجملا لها بعض الإجمال بعد إجمال بيان أكثر من ذلك فيضيق صدره خشية ~~الاقتصار على ما وقع من ذلك من الأخبار , فقال جوابا لمن كأنه قال : اسأل ~~الإيضاح وبيان الحق من خلاف الحزبين : نحن { نقص } أي نخبر إخبارا تابعا ~~لآثارهم قدما فقدما { عليك } على وجه التفصيل { نبأهم بالحق } أي خبرهم ~~العظيم وليس أحد غيرنا إلا قصا ملتبسا بباطل : زيادة أو نقص , فكأنه قيل : ~~ما كان نبأهم ؟ فقال تعالى : { إنهم فتية } أي شبان { ءامنوا بربهم } ~~المحسن إليهم الناظر في مصالحهم الذي تفرد بخلقهم ورزقهم , وهداهم ms2873 بما وهب ~~لهم في أصل الفطرة من العقول الجيدة النافعة . | ولما دل على الإحسان باسم ~~الرب , وكان في فعله معهم من باهر القدرة ما لا يخفى , التفت إلى مقام ~~العظمة فقال تعالى عاطفا على ما تقيدره : فاهتدوا بإيمانهم : { وزدناهم } ~~بعد أن آمنوا { هدى } بما قذفنا في قلوبهم من المعارف , وشرحنا لهم صدورهم ~~من المواهب التي حملتهم على ارتكاب المعاطب , والزهد في الدنيا والانقطاع ~~إليه { وربطنا } بما لنا من العظمة { على قلوبهم } أي قويناها , فصار ما ~~فيها من القوى مجتمعا غير مبدد , فكانت حالهم في الجلوة كحالهم في الخلوة { ~~إذ قاموا } لله تعالى حق القيام في ذلك الجيل الكافرين بين يدي طاغيتهم ~~دقيانوس { فقالوا } مخالقين لهم : { ربنا } الذي يستحق أن نفرده بالعبادة ~~لتفرده بتدبيرنا , هو { رب السماوات والأرض } أي موجدهما ومدبرهما { لن ~~ندعوا من دونه إلها * } بعد أن ثبت عجز كل من سواه , والله { لقد قلنا إذا ~~} أي إذا دعونا من دونه غيره { شططا } أي قولا ذا بعد مفرط عن الحق جدا ؛ ~~ثم شرعوا يستدلون على كونه شططا بأنه لا دليل عليه , ويجوز أن يكونوا لما ~~قالوا ذلك عرض لهم الشيطان بشبهة التقليد فقالوا مجيبين عنها : { هؤلاء } ~~وأن يكونوا قالوا ذلك للملك إنقاذا له من ششرك الجهل , وبين المشار إليهم ~~بقولهم : { قومنا } أي وإن كانوا أسن منا وأقوى وأجل في الدنيا { اتخذوا } ~~أي مخالفين مع منهاج العقل داعي الفطرة الأولى { من دونه ءالهة } أشركوهم ~~معه لشبهة واهية استغواهم بها الشيطان ؛ ثم استأنفوا على طريق التخصيص ما ~~ينبه على أنهم من حين عبادتهم إلى الآن لم يأتوا على ذلك بدليل , فقالوا ~~منبهين على فساد التقليد في أصول الدين وأنه لا مقنع فيه بدون القطع : { ~~لولا } أي هلا { يأتون } الآن . | PageV04P450 ولما كانوا بعبادتهم لهم قد ~~أحلوهم محل العلماء , قال تعاى : { عليهم } أي على عبادتهم إياهم , وحققوا ~~ما أرادوا من الاستعلاء بقولهم : { بسلطان } أي دليل قاهر { بين } مثل ما ~~نأتي نحن على تفرد معبودنا بالأدلة الظاهرة , والبراهين الباهرة , فإن مثل ~~هذا الأمر لا يقنع ms2874 فيه بدون ذلك , وقد جمعنا الأدلة كلها في الاستدلال على ~~تفرد الله باستحقاقه للعبادة بأنه تفرد بخلق الوجودن فتسبب عن عجزهم عن ~~دليل أنهم أظلم الظالمين لافتعالهم الكذب عن ملك الملوك ومالك الملك , ~~فلذلك قالوا : { فمن أظلم ممن افترى } أي تعمد { على الله } أي الملك ~~الأعظم { كذبا * } فالآية دالة على فساد التقليد في الوحدانية . | < < # | الكهف : ( 16 - 17 ) وإذ اعتزلتموهم وما . . . . . # > > ^ ( وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ~~ربكم من رحمته ويهيىء لكم من أمركم مرفقا * وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن ~~كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات ~~الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) ^ } ) | ~~ولما استدلوا على معتقدهم , وعلموا سفه من خالفهم , وهم قوم لا يدان لهم ~~بمقاومتهم , لكثرتهم وقلتهم , تسبب عن ذلك هجرتهم ليسلم لهم دينهم , فقال ~~تعالى شارحا لما بقي من أمرهم , عاطفا على ما تقديره : وقالوا أو من شاء ~~الله منهم حين خلصوا من قومه نجيا : لا ترجعوا إلى قومكم أبدا ما داموا على ~~ما هم عليه , هذا إن كان المراد قيامهم بين يدي دقيانوس , وإن كان المراد ~~من القيام الانبعاث بالعزم الصادق لم يحتج إلى هذا التقدير : { وإذ } أي ~~حين { اعتزلتموهم } أي قومكم { وما } أي واعتزلتم ما { يعبدون إلا الله } ~~أي الذي له صفات الكمال , وهذا دليل على أنهم كانوا يشركون , ويجوز أن ~~يكونوا سموا الانقياد كرها لمشيئته والخضوع بزعمهم لاقضيته عبادة { فأوا } ~~أي بسبب هذا الاعتزال , وهذا دليل العامل في { إذ } { إلى الكهف } أي الغار ~~الذي في الجبل { ينشر } أي يحيي ويبعث { لكم وربكم } الذي لم يزل يحسن ~~إليكم { من رحمته } ما يكفيكم به من المهم من أمركم { ويهيئ لكم من أمركم } ~~الذي من شأنه أن يهمكم { مرفقا * } ترتفقون به , وهو بكسر الميم وفتح الفاء ~~في قراءة الجماعة , وبفتحها وكسر الفاء للنافع وابن عامر , وهذا الجزم من ~~آثار الربط على قلوبهم بما علموا من قدرته على ms2875 كل شيء , وحماتيه من لاذ به ~~لجأ إليه وعبده وتوكل عليه , ففعلوا ذلك ففعل الله ما رجوه فيه , فجعل لهم ~~أحسن مرفق بأن أنامهم ثم أقامهم بعد مضي قرون ومرور دهور , وهدى بهم ذلك ~~الجيل الذي أقامهم فيه { وترى } لو رأيت كهفهم { الشمس إذا طلعت } . | ~~PageV04P451 ولما كان حالهم خفيا , وكذا حال انتقال الشمس عند من لم يراقبه ~~, أدغم تاء التفاعل نافع وابن كثير وأبو عمرو , وأسقطها عاصم وحمزة ~~والكسائي , فقال تعالى : { تزور } أي تتمايل وتتحرف , ولعل قراءة ابن عامر ~~ويعقوب تزور بوزن تحمر ناظرة إلى الحال عند نهاية الميل { عن كهفهم } ~~بتقليص شعاعها بارتفاعها إلى أن تزول { ذات اليمين } إذا كنت مستقبلا ~~القبلة وأنت متوجه إليه أو مستقبلا الشمس فيصيبهم من حرها ما يمنع عنهم ~~التعفن ويمنع سقف الكهف شدة الحرارة المفسدة في بقية النهار { وإذا غربت } ~~أي أخذت في الميل إلى الغروب { تقرضهم } أي تعدل في مسيرها عنهم { ذات ~~الشمال } كذلك , لئلا يضرهم شدة الحرارة , ويصيبهم من منافعها مثل ما كان ~~عند الطلوع , فلا يزال كهفهم رطبا , ويأتيه من الهواء الطيب والنسيم ~~الملائم ما يصونهم عن التعفن والفسادن فتحرر بذلك أن باب الغار مقابل لبنات ~~نعش , وأن الجبل الذي هم في شمالي مكة المشرفة , ويجوز أن يكون المراد يمين ~~من يخرج من الكهف وشماله , فلا يلزم ذلك , وقال الأصبهاني : قيل : إن باب ~~ذلك كان مفتوحا إلى جانب الشمال إذا طلعت الشمس عن يمين الكهف , وإذا غربت ~~كانت على شماله . | ومادة ( قرض ) وليس لها إلا هذا التركيب - تدور على ~~القطع , ويلزمه الميل عن الشيء والعدول والازورار عنه , قر ضت الشيء , - ~~بالفتح - أقرضه - بالكسر : قطعته بالمقراض أو بغيره - لأنك إذا وصلت إليه ~~فقد حاذيته فإذا قطعته تجاوزته فانحرفت عنه , والرقض : قول الشعر خاصة - ~~لأنه لا شيء من الكلام يشبهه فهو مقطوع منه مائل عنه بما خص به من الميزان ~~, وهل مررت بمكان كذا ؟ فتقول : قرضته ذات اليمين ليلا , أي كان عن يميني , ~~والقرض : ما تعطيه من المال لتقضاه - لأنك قطعته من ms2876 مالك , والقرض - بالكسر ~~: لغة فيه عن الكسائي , والقرض : ما سلفت من إحسان أو إساءة - على التشبيه ~~, والتقريض : المدح والذم - لأنه يميز الكلام فيه تمييزا ظاهرا , وهما ~~يتقارضان كذا - كأن كلا منهما مقرض لصاحبه وموف له على ما أقرضه , ~~والمقارضة : المضاربة - لأن صاحب المال قطع من ماله , والعامل قطع من عمله ~~حصة لهذا المالن قرض فلان الرباط - إذا مات , لأنه إذا انقطعت حياته انقطع ~~كل رباط له في الدنيا , وجاء فلان وقد قرض رباطه - إذا جاء مجهودا قد أشرف ~~على الموت - كأنه أطلق عليه ذلك للمقاربة , والمقارضة : المشاتمة - لقطعها ~~العرض وما بين المتشاتمين , والاقتراض : الاغتياب - من ذلك ومن القرض أيضا ~~, لأن من اغتاب اغتيب , وقرض - بالكسر - إذا زال من شيء إلى شيء - لأنه ~~بوصل الثاني قطع الأول , وقرض - إذا مات , والمقارض : الزرع القليل - إما ~~للإزالة على الضد من الكثير , أو تشبيه بمواضع الاستقاء في البئر القليلة ~~الماء , فإن المقارض أيضا المواضع التي يحتاج المستقي إلى أن يقرض منها ~~الماء , أي يميح , أي PageV04P452 يدخل الدلو في البئر فيملأها لقلة الماء ~~- لأنها مواضع قطع الماء برفعه عن البئر والمقارض أيضا : الجرار الكبار - ~~كأنها لكبرها وقطعها كثيرا من الماء هي التي قطعت دون الصغار , وما عليع ~~قراض , أي ما يقرض عنه العيون فيستره لتعدل عنه العيون - لعدم نفوذها إلى ~~جلده , والقرض في السير هو أن تعدل عن الشيء في مسيرك , فإذا عدلت عنه فقد ~~قرضته , والمصدر القرض وأصله من القطع , وابن مقرض - كمنبر : ويبة تقتل ~~الحمام - كأنها سميت لقطعها حياة الحمام , وقرض البعير جرته : مضغها فهي ~~قريض - لتقطيعها بالمضع ولقطعها من بطنه بردها إلى حنكه للمضغ . | ولما بين ~~تعالى أنه حفظهم من حر الشمس , بين أنه أنعشهم بروح الهواء , وألطفهم بسعة ~~الموضع في فضاء الغار فقال : { وهم في فجوة منه } أي في وسط الكهف ومتسعه . ~~| ولما شرح هذا الأمر الغريب , والنبأ العجيب , وصل به نتيجة فقال تعالى : ~~{ ذلك } أي المذكور العظيم من هدايتهم , وما دبروا لأنفسهم , وما دبر لهم ~~من هذا الغار المستقبل للنسيم ms2877 الطيب المصون عن كل مؤذ , وما حقق به رجاءهم ~~مما لا يقدر عليه سواه { من ءايات الله } أي الملك الأعلى المحيط بكل شيء ~~علما وقدرة , وإن كان إذا قيس إلى هذا القرآن القيم وغيره مما خطت به هذه ~~الأمة كان يسيرا . | ولما كان انفرادهم بالهدى عن أهل ذلك القرن كلهم عجبا ~~, وصل به ما إذا تؤمل زال عجبه فقال تعالى : { من يهد } ولو أيسر هداية - ~~بما دل عليه حذف الياء في الرسم { الله } أي الذي له الأمر كله بخلق ~~الهداية في قلبه للنظر في آياته التي لا تعد والانتفاع بها { فهو } خاصة { ~~المهتد } في أي زمان كان , فلن تجد له مضلا مغويا { ومن يضلل } إضلالا ~~ظاهريا بما دل عليه الإظهار بإعمائه عن طريق الهدى , فهو لا غيره الضال { ~~فلن تجد له } أصلا من دونه , لأجل أن الله الذي له الأمر كله ولا لأمر أحد ~~معه أضله { وليا مرشدا * } فتجده يرى الآيات بعينه , ويسمعها بأذنه , ~~ويحسها بجميع حواسه , ولا يعلم أنها آيات فضلا عن أن يتدبرها وينتفع بها , ~~فالآية من الاحتباك : ذكر الاهتداء أولا دليلا على حذف الضلال ثاينا , ~~والمرشد ثانيا دليلا على حذف المضل أولا . | < < # | الكهف : ( 18 - 19 ) وتحسبهم أيقاظا وهم . . . . . # > > ^ ( وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم ~~باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا * ~~وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو ~~بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة ~~فلينظر أيهآ أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا ) ^ } ~~) | PageV04P453 ولما نبه سبحانه هذا التنبيه تسلية للنبي صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم وتثبيتا أن يبخع نفسه , عطف على ما مضى بقية أمرهم فقال : { ~~وتحسبهم أيقاظا } لانفتاح أعينهم للهواء ليكون أبقى لها , ولكثرة حركاتهم { ~~وهم رقود ونقلبهم } بعظمتنا في حال نومهم تقليبا كثيرا بحسب ما ينفعهم كما ~~يكون النائم { ذات } أي في الجهة التي هي صاحبة { اليمين } منهم { وذات ms2878 ~~الشمال } لينال روح النسيم جميع أبدانهم ولا يتأثر ما يلي الأرض منها بطول ~~المكث { وكلبهم باسط } وأعمل اسم الفالع هذا , لأنه ليس بمعنى الماضي بل هو ~~حكاية حال ماضية فقال : { ذراعيه بالوصيد } أي بباب الكهف وفنائه كما هي ~~عادة الكلاب , وذكر هذا الكلب على طول الآباد بجميل هذا الرقاد من بركة ~~صحبة الأمجاد . | ولما كان هذا مشوقا إلى رؤيتهم , وصل به ما يكف عنه بقوله ~~تعالى : { لو اطلعت عليهم } وهم على تلك الحال { لوليت منهم فرارا } أي حال ~~وقوع بصرك عليهم { ولملئت } في أقل وقت بأيسر أمر { منهم رعبا * } لما ~~ألبسهم الله من الهيبة , وجعل لهم من الجلالة , وتدبيرا منه لما أراد منهم ~~{ وكذلك } بما لنا من العظمة { ليتساءلوا } وأظهر بالافتعال إشارة إلى أنه ~~في غاية الظهور . | ولما كان المراد تساؤلا عن إخبار لا تعدوهم قال تعالى : ~~{ بينهم } أي عن أحوالهم في نومهم ويقظتهم فيزدادوا إيمانا , وثباتا ~~وإيقانا , بما ينكشف لهم من الأمور العجيبة , والأحوال الغريبة فيعلم أنه ~~لا علم لأحد غيرنا , ولا قدرة لأحد سوانا , وأن قدرتنا تامة , وعلمنا شامل ~~, فليعلم ذلك من أنكر قدرتنا على البعث وسأل اليهود البعداء البغضاء عن ~~نبيه الحبيب الذي أتاهم بالآيات , وأراهم البينات , فإن كانوا يستنحصون ~~اليهود فليسألوهم عما قصصنا من هذه القصة , فإن اعترفوا به لزمهم جميعا ~~الإيمان والرجوع عن الغي والعدوان , وإن لم يؤمنوا علم قطعا أنه لا يؤمن من ~~أردنا هدايته بالآيات البينات كأهل الكهف وغيرهم , لا بإنزال الآيات ~~المقترحات . | ولما كان المقام مقتضيا لأن يقال : ما كان تساؤلهم ؟ أجيب ~~بقوله تعالى : { قال قائل منهم } مستفهما من إخوانه : { كم لبثتم } نائمين ~~في هذا الكهف من ليلة أو يوم , وهذا يدل على أن هذا القائل استشعر طول ~~لبثهم بما رأى من هيئتهم أو لغير ذلك من PageV04P454 الأمارات ؛ ثم وصل به ~~الأسلوب أيضا قوله تعالى : { قالوا لبثنا يوما } ودل على أن هذا الجواب ~~مبني على الظن بقوله دالا حيث أقرهم عليه سبحانه على جواز الاجتهاد والقول ~~بالظن المخطئ , وأنه لا يسمى كذبا ms2879 وإن كان مخالفا للواقع { أو بعض يوم } ~~كما تظنون أنتم عند قيامكم من القبور إن لبثتم إلا قليلا , لأنه فرق بين ~~صديق وزنديق في الجهل بما غيبه الله تعالى : فكأنه قيل : على أي شيء استقر ~~أمرهم في ذلك ؟ فأجيب بأنهم ردوا الأمر إلى الله بقوله : { قالوا } أي قال ~~بعضهم إنكارا على أنفسهم ووافق الباقون بما عندهم من التحاب في الله ~~والتوافق فيه في الحقيقة إخوان الصفا وخلان الألفة والوفا { ربكم } المحسن ~~إليكم { أعلم } أي من كل أحد { بما لبثتم فابعثوا } أي فتسبب عن إسناد ~~العلم إلى الله تعالى أن يقال : اتركوا الخوض في هذا واشتغلوا بما ينفعكم ~~بأن تبعثوا { أحدكم بورقكم } أي فضتكم { هذه } التي جمعتموها لمثل هذا { ~~إلى المدينة } التي خرجتم منها وهي طرطوس ليأتينا بطعان فإنا جياع { فلينظر ~~أيها } أي أي أهلها { أزكى } أي أطهر وأطيب { طعاما فليأتكم } ذلك الأحد { ~~برزق منه } لنأكل { وليتلطف } في التخفي بأمره حتى لا يتفطنوا له { ولا ~~يشعرون } أي هذا المبعوث منكم في هذا الأمر { بكم أحدا * } أن فطنوا له ~~فقبضوا عليه , وإن المعنى : لا يقولن ولا يفعلن ما يؤدي من غير قصد منه إلى ~~الشعور بكم فيكون قد أشعر بما كان منه من السبب , وفي قصتهم دليل على أن ~~حمل المسافر ما يصلحه من المنفعة رأى المتوكلين لا المتآكلين المتكلين على ~~الإنفاقات على ما في أوعية القوم من النفقات , وفيها صحة الوكالة ؛ ومادة ( ~~ورق ) بجميع تراكيبها الخمسة عشر قد تقدم في سورة سبحان وغيرها أنها تدور ~~على الجمع , فالورق مثلثة وككتف وجبل : الدراهم المضروبة - تشبيها بالورق ~~في الشكل وفي الجمال , وبها جمع حال الإنسان , وحالها مقتض للجمع , والوراق ~~: الكثير الدراهم وهو أيضا مورق الكتب , وحرفته الوراقة , وما زلت منك ~~موارقا , أي قريبا مدانيا - أي كالذي يساجلك في قطاف الورق من شجرة واحدة ~~فهو يأخذ من ناحية وأنت من أخرى , والمداناة : أول الجمع والورق - محركة : ~~جمال الدنيا وبهجتها - لأنها تجمع ألوانا وأنواعا , ولعل منه الورقة , قال ~~في مختصر العين : إنها سواد ف غبرة ms2880 . | وحمامة ورقاء - أي منه , وفي ~~القاموس : والأورق من الإبل : ما في لونه بياض إلى سواد , ورأى رجل الغول ~~كسويد في أسود , والأصل وريق فقلبت واوه همزة , والأورق أيضا من الكتاب ~~والشجر معروف - لأنك لا تكاد PageV04P455 تحد واحدة منه على لون واحد , ~~ولأنه يجمع الواحدة منه إلى الأخرى ويجمع معنى ما يحمله , قال في مختصر ~~العين : والورق : أدم رقاق منه ورق المصحف , والورق أيضا : الخبط - لأنه ~~لما كانت الإبل تعلفه كان كأنه هو الورق لا غيره , والورق : الحي من كل ~~حيوان - لأن الحياة هي الجمال , وبها جماع الأمور , ولأن الورق دليل على ~~حياة الحي من الشجر , فهو من إطلاق اسم الدال على المدلول , والورق أيضا : ~~ما استدر من الدم على الأرض , أو ما سقط اسم من الجراحة - لأن الاستدارة ~~أجمع الأشكال , وهو تشبيه بورق الشجر في الشكل , والورق : المال من إبل ~~ودارهم وغيرها - لأن جماع حياة الإنسان وكمالها بذلك كما أن كمال حياة ~~الشجر بالورق , ولرعي المال من الحيوان الورق والورق : حسن القوم وجمالهم - ~~من ذلك , لأنه يجمع أمرهم ويجمع إليهم غيرهم , والورق من القوم : أحداثهم ~~أو الضعاف من الفتيان - تشبيه بالورق لأنه لا يقيم غالبا أكثر من عام , ~~ولأنه ضعيف في نفسه , وضعيف النفع بالنسبة إلى الثمر , والورقة - بهاء : ~~الخسيس والكريم , ضد - للنظر تارة إلى كونه نافعا للمرعى ودالا على الحياة ~~, وإلى كونه غير مقصود بالذات أخرى , ورجل ورق وامرأة ورقة : خسيسان أي لا ~~ثمرة لهما , ومن ذلك أورق الصائد - إذا رمى فأخطأ أي لم يقع على غير الورق ~~, أي لم تحصل له ثمرةن بل وقع على شجرة غير مثمرة , وكذا أوراق القوم : ~~أخفقوا في حاجتهم , أي رجعوا بلا ثمرة , ومن ذلك أيضا أورقوا : كثرمالهم ~~ودراهمهم - ضد , هذا بالنظر إلى أن في الورق جمال الشجر وحياته , والتجارة ~~مؤرقة للمال كمجلبة أي مكثرة ؛ ومنه قول القزاز في ديوانه : هذا رجل مؤرق ~~له دراهمن والمؤرق : الذي لا شيء له - ضد أو أنه تارة يكون للإيجاب ~~والصيرورة نحو أغد البعير , وتارة للسلب نحو ms2881 أشكيته , والوراق ككتاب : وقت ~~خروج الورق من الشجر , وشجرة وريقة وورقة : كثيرة الورق , والوراقة : ~~الشجرة الخضراء الورق الحسنته , والوراق - كسحاب : خضرة الأرض من الحشيش , ~~وليس من الورق في شيء , وذلك أن تلك الخضرة لا تخلو عن لون آخر , والرقة - ~~كعدة : أول نبات النصي والصليان وهما نباتان أفضل مراعي الإبل , لأنهما سبب ~~لجمع المال للرعي , والرقة : الأرض التي يصيبها المطر في الصفرية - أي أول ~~الخريف - أو في القيظ فتنبت فتكون خضراء - كأن ذلك النبات يكون أقل خضرة من ~~نبات الربيع , ويكون اختلاطه لغيره من الألوان أكثر مما في الربيع , وفي ~~القوس ورقة - بالفتح : عيب , والورقاء : الذئبة - من أجل أن الورق الخالي ~~عن الثمر تقل الرغبة في شجره وهو دون المثمر , ولأن الورق مختلط اللون , ~~والاختلاط في كل شيء عيب بالنسبة إلى الخالص , وتورقت الناقة : أكلت الورق ~~. | وقار الرجل يقور : مشى على PageV04P456 أطراف قدميه لئلا يسمع صوتهما - ~~لأن فاعل ذلك جدير بالوصول إلى ما أراد مما يجمع شمله , ومنه قار الصيد : ~~ختله - لأن أهل الخداع أولى بالظفر , ألا ترى الأسود تصاد به , ولو غولبت ~~عز أخذها , وقار الشيء : قطعه من وسطه خرقا مستديرا كقوره - لأن الثوب يصير ~~بذلك الخرق يجمع ما يراد منه , والاستدارة أجمع الأشكال كما سلف , والقارة ~~- كثمامة : ما قور الثوب وغيره , أو يخص بالأديم , وما قطعت من جوانب الشيء ~~, والشيء الذي قطع من جوانبه - ضد , وهو من تسميه موضع الشيء باسمه , ~~والقارة : الجبل الصغير الصلب المنقطع عن الجبال - لشدة اجتماع أجزائه ~~بالصلابة واجتماعه في نفسه بانقطاعه عن غيره مما لو خالطه لفرقه , ولم يعرف ~~حد على ما هو , والقارة : الصخرة العظيمة , والأرض ذات الحجارة السود - ~~لاجتماعها في نفسها بتميزها عن غيرها بتلك الحجارة , ودار قوراء : واسعة - ~~تشبيها بقوارة الثواب , ولأنها كلما اتسعت كانت أجمع , والقار : الإبل أو ~~القطيع الضخم منها , والاقوار : تشنج الجلد وانحناء الصلب هزالا وكبرا - ~~لأن كلا من التشنج والانحناء اجتماع , والاقوار : الضمر - لأن الضامر ~~اجتمعت أجزاؤه , والاقوار : السمن - ضد , لأن السمين جمع اللحم والشحم , ~~والاقوارك ذهاب ms2882 نبات الأرض - لأنها تصير بذلك قوراء فتصير أجدر بأن تسع ~~الجموع , ويمكن أن يكون الأقوار كله من السلب إلا ما للسمن , والقور : ~~القطن الحديث أو ما رزع من عامة لأنه يلبس فيجمع البدن , ولقيت منه ~~الأقورين - بكسر الراء , والأقوريات أي الدواهي القاطعة - تشبيها بما قور ~~من الثوب , فهي للسلب , والقور - محركة : العين - لأن محلها يشبه القوارة , ~~والمقور - كمعظم : المطلي بالقطران - لاجتماع أجزائه بذلكن واقتار : احتاج ~~, أي صار أهلا لأن يجمع , وتقور الليل : تهور , أي مضى , من القطع , وتقورت ~~الحية : تثنت أي تجمعت , والقار : شجر مر - كأنه الذي تطلى به السفنن وهذا ~~أقير من هذا : أشد مرارة - لأن المرارة تجمع اللهوات عند الذوق , والقارة ~~قبيلة - لأن ابن الشداخ أراد أن يفرقهم فقال شاعرهم : | دعونا قارة لا ~~تذعرونا فنجفل مثل إجفال الظليم | فسموا القارة بهذا وكانوا رماة , وفي ~~المثل : قد أنصف القارة من رماها . | والرقوة : فويق الدعص من الرمل , ~~ويقال رقو , بلا هاء - كأنه لجمعه الكثير من الرمل , أو لجمعه من يطلب ~~الإشراف على الأماكن البعيدة بالعلو عليه لترويح النفس - والله الموفق . | ~~< < # | الكهف : ( 20 - 21 ) إنهم إن يظهروا . . . . . # > > ^ ( إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا ~~إذا PageV04P457 أبدا * وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن ~~الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ~~ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما نهوا رسلهم عن الإشعار بهم عللوا ذلك فقالوا : { إنهم } أي أهل ~~المدينة { إن يظهروا } أي يطلعوا عالين { عليكم يرجموكم } أي يقتلوكم أخبث ~~قتله إن استمسكنم بدينكم { أو يعيدوكم } قهرا { في ملتهم } إن لنتم لهم { ~~ولن تفلحوا إذا } أي إذا عدتم فيها مطمئنين بها , لأنكم وإن أكرهتم ربما ~~استدرجكم الشيطان بذلك إلى الإجابة حقيقة { أبدا * } أي فبعثوا أحدهم فنظر ~~الأزكى وتلطف في الأمر , فاسترابوا منه لأنهم أنكروا ورقة لكونها من ضرب ~~ملك لا يعرفونه فجهدوا به فلم يشعر بهم أحدا من المخالفين , وإنما أشعر بهم ~~الملك لما ms2883 رآه موافقا لهم في الدين لأنه لم يقع النهي عنه { وكذلك } أي ~~فعلنا بهم ذلك الأمر العظيم من الربط على قلوبهم , والستر لأخبارهم ~~والحماية من الظالمين والحفظ لأجسامهم على مر الزمان , وتعاقب الحدثان , ~~ومثل ما فعلنا بهم ذلك { أعثرنا } أي أظهرنا إظهار أضراريا , أهل البلد ~~وأطلعناهم , وأصله أن الغافل عن الشيء ينظر إليه إذا عثر به نظر إليه ~~فيعرفهن فكان العثار سببا لعلمه به فأطلق اسم السبب على المسبب { عليهم ~~ليعلموا } أي أهل البلد بعد أن كان حصل لبعضهم شك في حشر الأجساد لأن ~~اعتقاد اليهود والنصارى أن البعث إنما هو للروح فقط { أن وعد الله } الذي ~~له صفات الكمال بالبعث للروح والجسد معا { حق } لأن قيامهم بعد نومهم نيفا ~~وثلاثمائة سنة مع خرق العادة بحفظ أبدانهم عن الفناء من غير أكل ولا شرب ~~مثل قيام من مات بجسمه الذي كان سواء على أن مطلق النوم دال على ذلك كما ~~قال بعض العارفين ( علمك باليقظة بعد النوم علم بالبعث بعد الموت , والبرزخ ~~واحد غير أن للروح بالجسم في النوم تعلقا لا يكون بالموت وتستيقظ على ما ~~نمت عليه كذلك تبعث على ما مت عليه ) ولما كان من الحق ما قد يداخله شك قال ~~تعالى : { وأن } أي وليعلموا أن { الساعة لا ريب فيها } مبينا أنها ليست ~~موضع شك أصلا لما قام علهيا من أدلة العقل , المؤيد في كل عصر بقواطع النقل ~~, ومن طالع تفسير ( الزيتون ) من كتابي هذا حصل له هذا ذوقا ؛ ثم بين أن ~~هذا الإعثار أتاهم بعلم نافع حال تجاذب وتنازع فقال : { إذ } أي ليعلموا ~~ذلك , وأعثرنا حين { يتنازعون } أي أهل المدينة . | ولما كان التنازع في ~~الغالب إنما يكون ما بين الأجانب , وكان تنازع هؤلاء مقصورا عليهم كان ~~الأهم بيان محله فقدمه فقال تعالى : { بينهم أمرهم } أي أمر أنفسهم في ~~PageV04P458 الحشر فقائل يقول : تحشر الأرواح مجردة : وقائل يقول : ~~بأجسادها , أو أمر الفتية فقائل يقول : ناس صالحون , وناس يقولون : لا ندري ~~من أمرهم غير أن الله تعالى أراد هدايتنا بهم ms2884 { فقالوا } أي فتسبب عن هذا ~~الإعثار أو التنازع أن قال أكثرهم : { ابنوا عليهم } على كل حال { بنيانا } ~~يحفظهم , واتركوا التنازع فيهم , ثم عللوا ذلك بقولهمك { ربهم } أي المحسن ~~إليهم بهدايتهم وحفظهم وهداية الناس بهم { أعلم بهم } أن كانوا صالحين أو ~~لا , وأما أنتم فلا طريق لكم إلى علم ذلك ؛ ثم استأنف على طريق الجواب لمن ~~كأنه قال : ماذا فعلوا ؟ فقال : { قال الذين غلبوا على } أي وقع أن كانوا ~~غالبين على { أمرهم } أي ظهروا عليه و علموا أنهم ناس صالحون فروا بدينهم ~~من الكفار وضعف من ينازعهم ؛ ويجوز - وهو أحسن - أن يكون الضمير لأهل البلد ~~أو للغالبين أنفسهم , إشارة إلى أن الرؤساء منهم وأهل القوة كانوا أصلحهم ~~إيماء إلى أن الله تعالى أصلح بهم أهل ذلك الزمان { لنتخذن عليهم } ذلك ~~البيان الذي اتفقنا عليه { مسجدا * } وهذا دليل على أنهم حين ظهروا عليهم ~~وكلموهم أماتهم الله بعد أن علموا أن لهم مدة طويلة لا يعيش مثلها أحد في ~~ذلك الزمان , وقبل أن يستقصوا جميع أمرهم , وفي قصتهم ترغيب في الهجرة . | ~~< < # | الكهف : ( 22 - 24 ) سيقولون ثلاثة رابعهم . . . . . # > > ^ ( سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما ~~بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل ~~فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا * ولا تقولن لشيء ~~إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ~~ربي لأقرب من هذا رشدا ) ^ } ) | ولما ذكر تعالى تنازع أولئك الذين هداهم ~~الله بهم , ذكر ما يأتي من إفاضة من علم قريشا أن تسأل صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم منهم في الفضول الذي ليس لهم إليه سبيل , ولا يظفرون فيه بدليل ~~علما من أعلام النبوة فقال تعالى : { سيقولون } أي أهل الكتاب ومن وافقهم ~~في الخوض في ذلك بعد اعترافهم بما قصصت عليك من بنأهم بوعد لا خلف فيه : هم ~~{ ثلاثة } أشخاص { رابعهم كلبهم } ولا علم لهم بذلك , ولذلك أعراه عن الواو ~~فدل إسقاطها ms2885 على أنها ليسوا ثلاثة وليس الكلب رابعا { ويقولون } أي ~~وسيقولون أيضا : { خمسة سادسهم كلبهم } . | ولما تغير قولهم حسن جدا قوله ~~تعالى : { رجما بالغيب } أي رميا بالأمر الغائب عنهم الذي لا اطلاع لهم ~~عليه بوجه { ويقولون } أيضا دليلا على أنه لا علم لهم بذلك : PageV04P459 { ~~سبعة وثامنهم كلبهم } وتأخير هذا عن الرجم - وإن كان ظنا - مشعر بأنه حق , ~~ويؤيده هذه الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل الواو ~~حالا عن المعرفة في نحو < # > 77 ( { إلا ولها كتاب معلوم } ) 77 < # > [ الحجر : 4 ] فإن فائدتها توكيد لصوق الصفة بالموصوف , والدلالة على ~~اتصاف الموصوف بالصفة أمر ثابت مستقر , فدلت هذه الواو على أن أهل هذا ~~القول قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس , ولم يرجموا بالظن , وفي براءة , ~~كلام نفيس عن اتباع الوصف تارة بواو وتارة مجردا عنها . | فلما ظهر كالشمس ~~أنه لا علم لهم بذلك كان كأنه قيل : ماذا يقال لهم ؟ فقيل : { قل ربي } أي ~~المحسن إلي بإعلامي بأمرهم وغيره { أعلم بعدتهم } أي التي لا زيادة فيها ~~ولا نقص , فكان كأنه قيل : قد فهم من صيغة ( أعلم ) أم من الخلق من يعلم ~~أمرهم فقيل : { ما يعلمهم إلا قليل * } أي من الخلق وهو مؤيد لأنهم أصحاب ~~القول الغالب , وهو , قول ابن عباس رضي الله عنهمان وكان يقول : أنا من ذلك ~~القليل . | { فلا } أي فتسبب عن ذلك أن يقول لك على سبيل البت الداخل تحت ~~النهي عن قفو ما ليس لك به علم : لا { تمار } أي تجادل وتراجع { فيهم } ~~أحدا ممن يتكلم بغير ما أخبرتك به { إلا مرآء ظاهرا } أدلته , وهو ما أوحيت ~~إليك به ولا تفعل فلعلهم من الرجمب بالغيب { ولا تستفت } أي تسأل سؤال ~~مستفيد { فيهم } أي أهل الكهف { منهم } أي من الذين يدعون العلم من بني ~~إسرائيل أو غيرهم { أحدا * } . | ولما كان نهيه عن استفتائهم موجبا لقصر ~~همته على ربه سبحانه فكان من المعلوم أنه إذا سئل عن شيء , التفتت نفسه إلى ~~تعرفه من قبله , فربما قال لما يعلم من إحاطة ms2886 علم الله سبحانه وكرمه لديه : ~~سأخبركم به غدا , كما وقع من هذه القصص , علمه الله ما يقول في كل أمر ~~مستقبل يعزم عليه بقوله تعالى : { ولا تقولون لشيء } أي لأجل شيء من ~~الأشياء التي يعزم عليها جليها وحقيرها , عزمت على فعله : عزما صادقا من ~~غير تردد وإن كنت عند نفسك في غاية القدرة عليه : { إني فاعل لشيء } أي ~~الشيء وإن كان مهما { غدا * } أي فيما يستقبل في حال من الأحوال { إلا } ~~قولا كائنا معه { أن يشاء } في المستقبل ذلك الشيء { الله } أي مقرونا ~~بمشيئة الملك الأعلى الذي لا أمر لأحد معه سبحانه تعظيما لله أن يقطع شيء ~~دونه واعترافا بأنه لا حول ولا قوة إلا به , وأنه إن قيل ذلك دون استثناء ~~فات قبل الفعل أو عاقه عنه عائق كان كذبا منفرا عن القائل . | ولما كان ~~النسيان من شأن الإنسان وهو غير مؤاخذ به قال تعالى : { واذكر ربك } أي ~~المحسن إليك برفع المؤاخذة حال النسيان { إذا نسيت } الاستثناء بالاستعانة ~~والتوكل عليه وتفويض الأمر كله بأن تقول : إن شاء الله , ونحوها في أي وقت ~~تذكرت ؛ PageV04P460 وأخرج الطبراني في معجمه الأوسط في ترجمة محمد بن ~~الحارث الجبيلي - بضم الجيم وفتح الموحدة - عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~هذا خاص برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وليس لأحد منا أن يستثني ~~إلا بصلة اليمين . | ثم عطف على ما أفهمه الكلام وهو : فقل إذا نسيت : إني ~~فاعل ذلك غدا إن شاء الله - ونحو ذلك من التعليق بالمشيئة المؤذن بأنه لا ~~حول ولا قوة إلا بالله ولا مشيئة لأحد معه قوله : { وقل عسى أن يهدين ربي } ~~أي المحسن إلي { لأقرب } أي إلى أشد قربا { من هذا } أي الذي عزمت على فعله ~~ونسيت الاستثناء فيه فقضاه الله ولم يؤاخذني , أو فاتني أو تعسر علي لكوني ~~لم أقرن العزم عليه بذكر الله { رشدا * } أي من جهة الرشد بأن يوفقني ~~للاستثناء فيه عند العزم عليه مع كونه أجود أثرا وأجل عنصرا فأكون كل يوم ~~في ms2887 ترق بالأفعال الصالحة في معارج القدس , و ( اقرب ) أفعل تفضيل من قرب - ~~بضم الراء - من الشيء , لازم , لا من المكسور الراء المتعدي نحو ^ ( { ولا ~~تقربوا الزنى } ) ^ [ الإسراء : 32 ] ^ ( { ولا تقربوا مال اليتيم } ) ^ [ ~~الإسراء : 34 ] الآية , والأقرب من رشد الاستدلال بقصة أهل الكهف التي ~~الحديث عنها على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم , ونحو ذلك ~~الاستدلال على وحدانية الصانع وقدرته على البعث وغيره بالأمور الكلية أو ~~الجزيئات القريبة المتكررة , ولا بهذا الأمر الجزئي النادر المتعب ونحو هذا ~~من المعارف الإلهية . | < < # | الكهف : ( 25 - 28 ) ولبثوا في كهفهم . . . . . # > > ^ ( ولبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين وازدادوا تسعا * قل الله أعلم بما ~~لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من دونه من ولي ولا ~~يشرك في حكمه أحدا * واتل مآ أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن ~~تجد من دونه ملتحدا * واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا ) ^ } ) | ولما فرغ من هذه ~~التربية في أثناء القصة وختمها بالترجمة في الهداية للأرشد , وكان علم مدة ~~لبثهم أدق وأخفى من علم عددهم , شرع في إكمالها مبينا لهذا الأخفى , عاطفا ~~على قوله ^ ( { قالوا ربكم أعلم بما لبثتم } ) ^ [ الكهف : 19 ] أو على ( ~~فأووا إليه ) الذي أرشد إلى تقديره قولهم : { فأووا إلى الكهف } كما مضى , ~~المختوم بنشر الرحمة وتهيئة PageV04P461 المرفق بعد قوله { إذ أوى الفتية } ~~المختوم بقولهم { وهيئ لنا من أمرنا رشدا } فقال بيانا لإجمال { سنين عددا ~~} محققا لقوله تعالى : { قل الله أعلم بما لبثوا } : { ولبثوا في كهفهم } ~~نياما { ثلاث } أي مدة ثلاث { مائة سنين } شمسية بحساب اليهود الآمرين بهذا ~~السؤال , وعبر بلفظ السنة إشارة إلى ذمها وقع فيها من علو أهل الكفر ~~وطغيانهم بما أوجب خوف الصديقين وهجرتهم وإن كان وقع فيها خصب في النبات ~~وسعة في الرزق , وذلك يدل على استغراق الكفر لمدة نومهم . | ولما كان ~~المباشرون ms2888 للسؤال هم العرب قال : { وازدادو تسعا * } أي من السنين القمرية ~~إذا حسب الكل بحساب القمر , لأن تفاوت ما بين السنة الشمسية والقمرية عشرة ~~أيام وإحدى وعشرون ساعة وخمسا ساعة كما تقدم في النسيء من براءة , فإذا ~~حسبت زيادة السني القمرية على الثلاتمائة الشمسية باعتبار نقص أيامها عنها ~~كانت تسع سنين , وكأن مدة لبثتم كانت عند اليهود أقل من ذلك أو أكثر , فقال ~~على طريق الجواب لسؤال من يقول : فإن قال أحد غير هذا فما يقال له ؟ { قل ~~الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة { أعلم } منكم { بما لبثوا } ثم علل ذلك ~~بقوله تعالى : { له } أي وحده { غيب السماوات والأرض } يعلمه كله على ما هو ~~عليه , ولا ينسى شيئا من الماضي ولا يعزب عنه شيء من الحاضر , ولا يعجز عن ~~شيء من الآتي , فلا ريب فيما يخبر به . | ولما كان السمع والبصر مناطي ~~العلم , وكان متصفا منهما بما لا يعلمه حق علمه غيره , عجب من ذلك بقوله ~~تعالى : { أبصر به وأسمع } ولما كان القائم بشيء قد يقوم غيره مقامه إما ~~بقهر أو شرك , نفى ذلك فانسد باب العلم عن غيره إلا جهته فقال تعالى : { ما ~~لهم } أي لهؤلاء السائلين ولا المسؤولين الراجمين بالغيب من أصحاب الكهف { ~~من دونه } وأعرق بقوله تعالى : { من ولي } يجيرهم منه أو بغير ما أخبر به { ~~ولا يشرك } أي الله { في حكمه أحدا * } فيفعل شيئا بغير أمره أو يخبر بشيء ~~من غير طريقة . | ولما تقرر أنه لا شك في قوله : ولا يقدر أحد أن يأتي بما ~~يماثله فكيف بما ينافيه مع كونه مختصا بتمام العلم وشمول القدرة , حسن ~~تعقيبه بقوله عطفا على { قل لله أعلم } : { واتل } أي اقرأ على وجه ~~الملازمة { ما أوحي إليك } وبنى الفعل للمجهول لأن الخطاب مع النبي صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم وهو على القطع بأن الموحى إليه هو الله سبحانه ~~وتعالى { من كتاب ربك } الذي أحسن تربيتك ف يقصة أهل الكهف وغيرها , على من ~~رغب فيه غير ملتفت إلى غيره واتبعوا ما ms2889 فيه واثقين بوعده ووعيده وإثباته ~~ونفيه وعلى غيرهم . | PageV04P462 ولما كان الحامل على الكف عن إبلاغ رسالة ~~المرسل وجدان من يتقضها أو عمي على المرسل , قال تعالى : { لا مبدل لكلماته ~~} فلا شك في وقوعها فلا عذر في التقصير في إبلاغها , والنسخ ليس بتبديل ~~بهذا المعنى بل هو غاية لما كان { ولن تجد } أي بوجه من الوجوه { من دونه } ~~أي أدنى منزلة من رتبته الشماء إلى آخر المنازل { ملتحدا * } أي ملجأ ~~ومتحيزا إليه فيمنعك منه إن قصرت في ذلك . | ولما كان النبي صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم شديد الحرص على إيمانهم كثيرالأسف على توليهم عنه يكاد يبخع ~~نفسه حسرة عليهم وكانوا يقولون له إذا رأوا مثل هذا الحق الذي لا يجدون له ~~مدفعا : لو طردت هؤلاء الفقراء وأبعدتهم عنك مثل عمار وصهيب وبلال فإنه ~~يؤذينا ريح جبابهم ونأنف من مجالستهم جلسنا إليك وسمعنا منك ورجونا أن ~~نتبعك , قال يرغبه في أتباعه مزهدا فيمن عداهم كائنا من كان , معلما أنه ~~ليس فيهم ملجأ لمن خالف أمر الله وأنهم لا يريدون إلا تبديل كلمات الله ~~فسيذلهم عن قريب ولا يجدون لهم ملتحدا : { واصبر نفسك } أي احبسها وثبتها ~~في تلاوته وتبيين معانيه { مع الذين يدعون ربهم } شكرا لإحسانه , واعترافا ~~بامتنانه , وكنى عن المداومة بما يدل على البعث الذي كانت قصة أهل الكهف ~~دليلا عليه فقال تعالى : { بالغداوة } أي التي الانتقال فيها من النوم إلى ~~اليقظة كالانتقال من الموت إلى الحياة { والعشي } أي التي الانتقال فيها من ~~اليقظة إلى النوم كالانتقال من الحياة إلى الموت ؛ ثم مدحهم بقوله تعالى ~~معللا لدعائهم : { يريدون } أي بذلك { وجهه } لا غير ذلك في رجاء ثواب أو ~~خوف عقاب وإن كانوا في غاية الرثاثة , وأكد ذلك بالنهي عن ضده فقال مؤكدا ~~للمعنى لقصر الفعل وتضمينه فعلا آخر : { ولا تعد عيناك } علوا ونبوءا ~~وتجاوزا { عنهم } إلى غيرهم , أي لا تعرض عنهم , حال كونك { تريد زينة ~~الحياة الدنيا } التي قدمنا في هذه السورة أنا زينا بها الأرض لنبلوهم ~~بذلكن فإنهم وإن كانوا ms2890 اليوم عند هؤلاء مؤخرين فهم عند الملك الأعلى مقدمون ~~, وليكونن عن قريب - إذا بعثنا من نريد من العباد بالحياة من برزخ الجهل - ~~في الطبقة العليا من أهل العز , وأما بعد البعث الحقيقي فلتكونن لهم مواكب ~~يهاب الدنو منها كما كان لأهل العز , وأما بعد البعث من نريد من العباد ~~بالحياة من في حياتهم قبلها هاربين مستخفين في غاية الخوف والذل , وأما إن ~~عدت العينان أحدا لما غفل عنه من الذكر , وأحل به من الشكر , فلييس ذلك من ~~النهي في شيء لأنه لم يرد به الإ الآخرة . | PageV04P463 ولما بلغ في أمره ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم بمجالسة المسلمين , نهاه عن الالتفات إلى ~~الغافلين , وأكد الإعراض عن الناكبين فقال تعالى : { ولا تطع من أغفلنا } ~~بعظمتنا { قبله } أي جعلناه غافلا , لأن الفعل فيه لنا لا له { عن ذكرنا } ~~بتلك الزينة . | ولما كان التقدير : فغفل , لأن عظمتنا لا يغلبها شيء فلا ~~يكون إلا ما نريد , عطف على فعل المطاوعة قوله تعالى : { واتبع هوه } ~~بالميل إلى ما استدرجناه به منها والأنفة من مجالسة أوليائنا الذين ~~أكرمناهم بالحماية منها لأن ذكر الله مطلع الأنوار , فإذا أفلت الأنوار ~~تراكمت الظلمة فجاء الهوى فأقبل على الخلق { وكان أمره فرطا * } أي متجاوزا ~~للحد مسرفا فيه متقدما على الحق , فيكون الحق منبوذا به وراء الظهر مفرطا ~~فيه بالتقصير فإن ربك سبحانه سينجي أتباعك على ضعفهم منهم كما أنجى أصحاب ~~الكهف , ويزيدك بأن يعليهم عليهم ويدفع الجبابرة في أيديهم لأنهم مقبلون ~~على الله معرضون عما سواه , وغيرهم مقبل على غيره معرض عنه . | < < # | الكهف : ( 29 - 31 ) وقل الحق من . . . . . # > > ^ ( وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر إنا أعتدنا ~~للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي ~~الوجوه بئس الشراب وسآءت مرتفقا * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا ~~نضيع أجر من أحسن عملا * أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون ~~فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها ms2891 على ~~الأرآئك نعم الثواب وحسنت مرتفقا ) ^ } ) | ولما رغبه في أوليائه , وزهده ~~في أعدائه , ترضية بقدره بعد أن قص الحق من قصة أهل الكهف للمتعنيتن , علمه ~~ما يقول لهم على وجه يعمهم ويعم غيرهم ويعم القصة وغيرها فقال تعالى مهددا ~~ومتوعدا - كما نقل عن علي رضي الله عنه وكذا عن غيره : { وقل } أي لهم ~~ولغيرهم : هذا الذي جئتكم به من هذا الوحي العربي العري عن العوج , الظاهر ~~الإعجاز , الباهر الحجج { الحق } كائنا { من ربكم } المحسن إلأيكم في أمر ~~أهل الكهف وغيرهم من صبر نفسي مع المؤمنين , والإعراض عمن سواهم وغير ذلك , ~~لا ما قلتموه في أمرهم , ويجوز أن يكون الحق مبتدأ { فمن شاء } أي منكم ومن ~~غيركم { فليؤمن } بهذا الذي قصصناه فيهم وفي غيرهم , فهو مقبول مرغوب فيه ~~وإن PageV04P464 كان فقيرا زري الهيئة ولم ينفع إلا نفسه { ومن شاء } منكم ~~ومن غيركم { فليكفر } فهو أهل لأن يعرض عنه ولا يلتفتت إليه وإن كان أغنى ~~الناس وأحسنهم هيئة , وإن تعاظمت هيبته لما اشتد من أذاه , وأفرط من ظلمه , ~~وسنشفي قلوب المؤمنين في الدارين بالانتقام منه , والآية دالة على أن كلا ~~من الكفر والإيمان موقوف على المشيئة بخلق الل تعالى , لأن الفعل الاختياري ~~يمتنع حصوله بدون القصد إليه وذلك القصد إن كان بقصد آخر يتقدمه لزم أن ~~يكون كل قصد مسبوقا بقصد آخر إلى غير النهاية وهو محال , فوجب أن تنتهي تلك ~~القصود إلى قصد يخلقه الله في العبد على سبيل الضرورة يجب به الفعل , ~~فإلإنسان مضطر في صورة مختار , فلا دليل للمعتزلة في هذه الآية . | ولما ~~هدد السامعين بما حاصله : ليختر كل امرئ لنفسه ما يجده غدا عند الله تعالى ~~, اتبع هذا التهديد تفصيلا لما أعد للفريقين من الوعد والوعيد لفا ونشرا ~~مشوشا - بما يليق بهذا الأسلوب المشير إلى أنه لا كفوء له من نون العظمة ~~فقال تعالى : { إنا اعتدنا } أي هيأنا بما لنا من العظمة تهيئة قريبة جدا , ~~وأحضرنا على وجه ضخم شديد تام التقدير { للظالمين } أي لمن لم يؤمن , ولكنه ms2892 ~~وصف إشارة إلى تعليق الحكم به { نارا } جعلناها معدة لهم { أحاط بهم } كلهم ~~{ سرادقها } أي حائطها الذي يدار حولها كما يدار الحظير حول الخيمة من جميع ~~الجوانب . | ولما كان المحرور شديد الطلب للماء قال تعالى : { وإن يستغيثوا ~~} من حر النار فيطلبوا الغيث - وهو ماء المطر - والغوث بإحضاره لهم ؛ وشاكل ~~استغاثتهم تهكما بهم فقال تعالى : { يغاثوا بماء } ليس كالماء الذي قدمنا ~~الإشارة إلى أنا نحيي به الأرض بعد صيرورتها صعيدا جزرا , بل { كالمهل } ~~وهو القطران الرقيق وما ذاب في صفر أو حديد والزيت أو درديه - قاله في ~~القاموس . | وشبهه به من أجل تناهي الحر مع كونه ثخينا , وبين وجه الشبه ~~بقوله تعالى : { يشوي الوجوه } أي إذا قرب إلى الفم فكيف بالفم والجوف ! ثم ~~وصل بذلك ذمه فقال تعالى : { بئس الشراب } أي هو , فإنه أسود منتن غليظ حار ~~, وعطف عليه ذم النار المعدة لهم فقال تعالى : { وساءت مرتفقا * } أي منزلا ~~يعد للارتفاق , فكأنه قيل : فما لمن آمن ؟ فقال تعالى : { إن الذين ءامنوا ~~} ولما كان الإيمان هو الإذعان للأوامر , عطف عليه ما يحقق ذلك فقال تعالى ~~: { وعملوا الصالحات } ثم عظم جزاءهم بقوله تعالى : { إنا لا نضيع } أي ~~بوجه من الوجوه لما يقتضيه عظمتنا { أجر من أحسن عملا * } مشيرا بإظهار إلى ~~أنهم استحقوا بذلك الوصف بالإحسان , فكأنه قيل : فما لهم ؟ فقال مفصلا لما ~~أجمل من وعدهم : { أولئك } أي العالو الرتبة { لهم جنات عدن } أي إقامة , ~~فكأنه قيل : ما لهم فيها ؟ PageV04P465 فقيل : { تجري من تحتهم } أي تحت ~~منازلهم { الأنهار } فكأنه قيلك ثم ماذا ؟ فقيل : { يحلون فيها } وبنى ~~الفعل للمجهول لأن القصد وجود التحلية , وهي لعزتها إنما يؤتي بها من الغيب ~~فضلا من الله تعالى . | ولما كان الله أعظم من كل شيء , فكانت نعمه لا يحصى ~~نوع منها , قال تعالى مبعضا : { من أساور } جمع أسورة جمع سوار , كما يلبس ~~ذلك ملوك الدنيا من جبابرة الكفرة في بعض الأقاليم كأهل فارس . | ولماكان ~~لمقصودها نظر إلى التفضيل والفعل بالاختيار على الإطلاق , وقع الترغيب في ~~طاعته بما هو أعلى ms2893 من الفضة فقال مبعضا أيضا : { من ذهب } أي ذهب هو في ~~غاية العظمة . | ولما كان اللباس جزاء العمل وكان موجودا عندهم , أسند ~~الفعل إليهم فقال تعالى : { ويلبسون ثيابا خضرا } ثم وصفها بقوله تعالى : { ~~من سندس } وهو ما رق من الديباج { وإستبرق } وهو ما غلظ منه ؛ ثم استأنف ~~الوصف عن حال جلوسهم فيها بأنه جلوس الملوك المتمكنين من النعيم فقال تعالى ~~: { متكئين فيها } أي لأنهم في غاية الراحة { على الأرائك } أي الأسرع ~~عليها الحجل , ثم مدح هذا فقال تعالى : { نعم الثواب } أي هو لو لم لها وصف ~~غير ما سمعتم فكيف ولها من الأوصاف ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى ! ~~وإلى ذلك أشار بقوله تعالى : { وحسنت } أي الجنة كلها , وميز ذلك بقوله ~~تعالى : { مرتفقا * } . | < < # | الكهف : ( 32 - 37 ) واضرب لهم مثلا . . . . . # > > ^ ( واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما ~~بنخل وجعلنا بينهما زرعا * كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا ~~وفجرنا خلالهما نهرا * وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك ~~مالا وأعز نفرا * ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا * ~~ومآ أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا * قال له ~~صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا ) ^ } ~~) | ولما كان إنما محط حال المشركين العاجل , وكان قد تقدم قولهم ^ ( { أو ~~يكون لك جنة من نخيل وعنب } ) ^ [ الإسراء : 91 ] الآية , وقوله تعالى : ^ ~~( { إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها } ) ^ [ الكهف : 7 ] الآية , وقوله ~~تعالى : في حق لافقراء المؤمنين الذين تقذروهم ^ ( { ولا تعد عيناك عنهم ~~تريد زينة الحياة الدنيا } ) ^ [ الكهف : 28 ] الآية واستمر إلى أن ختم بأن ~~جنات المؤمنين عظيم حسنها من جهة الارتفاق , عطف على قوله تعالى ^ ( { وقل ~~الحق من ربكم } ) ^ [ الكهف : 29 ] قوله تعالى كاشفا بضرب المثل أن ما فيه ~~الكفار من الارتفاق العاجل ليس أهلا لأن يفتخر به لأنه إلى زوال : { وضرب ~~لهم } أي لهؤلاء الضعفاء PageV04P466 والمتجبرين الذين ms2894 يستكبرون على ~~المؤمنين , ويطلبون طردهم لضعفهم وفقرهم : { مثلا } لما آتاهم الله من زينة ~~الحياة الدنيا , فاعتمدوا عليهم وركنوا إليه ولم يشكروا من آتاهم إياه عليه ~~, بل أداهم إلى الافتقار والتكبير على من زوى ذلك عنه إكراما له وصيانة عنه ~~{ رجلين } فكأنه قيل : فما مثلها ؟ فقيل : { جعلنا } أي بما لنا من العظمة ~~{ لأحدهما } وهو المجعول مثلا لهم { جنتين } أي بساتين يستر ما فيهما من ~~الأشجار من يدخلهما على أي وضع من الأوضاع كانتا , ومن جملة الأوضاع أن ~~تكون إحداهما من السهل والأخرى في الجبل , ليبعد عموم عاهة لهما لأنهما إما ~~من برد أو حر { من أعناب } لأنها من أشجار البلاد الباردة وتصبر على الحر , ~~وهي فاكهة وقوت بالعنب والزبيب والخل وغيرها { وحففناهما } أي حططناهما ~~بعظمتنا { بنخل } لأنها من أشجار البلاد الحارة , وتصبر على البرد , وربما ~~منعت عن الأعناب بعض أسباب العاهات , وثمرها فاكهة بالبسر والرطب وقوت ~~بالتمر والخل فكأن النخل كالإكليل من وراء العنب , وهو مما يؤثره الدهاقين ~~لأنه في غاية البهجة والمنفعة { وجعلنا بينهما } أي أرضي الجنتين { زرعا * ~~} لبعد شمول الآفة للكل , لأن زمان الزرع ومكانه غير زمان أثمار الشجر ~~المقدم وأفضل الأقوات , وعمارتهما متواصلة متشابكة لم يتوسطها ما يقطعها ~~ويفصل بينها , مع سعة الأطراف , وتباعد الأكناف , وحسن الهيئات والأوصاف . ~~| ولما كان الشجر قد يكون فاسدا من جهة أرضه , نفى ذلك بقوله تعالى ؛ جوابا ~~لمن كأنه قال : ما حال أرضهما المنتج لزكاء ثمرها ؟ : { كلتا } أي كل واحدة ~~من { الجنتين } المذكورتين { ءاتت أكلها } أي ما يطلب منها ويؤكل من ثمر ~~وحب , كاملا غير منسوب شيء منهما إلى نقص ولا رداءة , وهو معنى : { ولم ~~تظلم } أي تنقص حسا ولا معنى كمن يضع الشيء في غير موضعه { منه شيئا } . | ~~ولما كان الشجر ربما أضر بدوامه قلة السقي قال تعالى : { وفجرنا } أي ~~تفجيرا يناسب عظمتنا { خلالهما نهرا * } أي يمتد فيتشعب فيكون كالأنهار ~~لتدوم طراوة الأرض ويستغني عن المطر عند القحط ؛ ثم زاد في ضخامة هذا الرجل ~~فبين أن له غير هاتين الجنتين والزرع بقوله ms2895 تعالى : { وكان له } أي صاحب ~~الجنتين { ثمر } أي مال مثمر غير ما تقدم كثير , ذو أنواع ليكون متمكنا من ~~العمارة بالأعوان والآلات وجميع ما يريد { فقال } أي هذا الكافر { لصاحبه } ~~أي المسلم المجعول مثلا لفقراء المؤمنين { وهو } PageV04P467 أي صاحب ~~الجنان { يحاوره } أي يراجعه الكلام , من حار يحور - إذا رجع افتخارا عليه ~~وتقبيحا لحاله بالنسبة إليه , والمسلم يحاوره بالوعظ وتقبيح الركون إلى ~~الدنيا : { أنا أكثر منك مالا } لما ترى من جناني وثماري { وأعز نفرا * } ~~أي ناسا يقومون معي في المهمات , وينفرون عند الضرورات , لأن ذلك لازم ~~لكثرة المال { ودخل جنته } وحد لإرادة الجنس ودلالة على ما أفاده الكلام من ~~أنهما لاتصالهما كالجنة الواحدة , وإشارة إلى أنه لا جنة له غيرها لأنه ~~لاحظ له في الآخرة { وهو } أي والحال أنه { ظالم لنفسه } بالاعتماد على ~~ماله والإعراض عن ربه ؛ ثم استأنف بيان ظلمه بقوله : { قال } لما استولى ~~عليه من طول أمله وشدة حرصه وتمادي غفلته واطراحه للنظر في العواقب بطول ~~المهلة وسبوغ النعمة : { ما أظن أن تبيد } أي تهلك هلاكا ظاهرا مستوليا { ~~هذه أبدا * } ثم زاد في الطغيان والبطر بقصر النظر على الحاضر فقال : { وما ~~أظن الساعة قائمة } استلذاذا بما هو فيه وإخلادا إليه واعتمادا عليه . | ~~ولما كان الإنسان مجبولا على غلبة الرجاء عليه , فإذا حصل له من دواعي ~~الغنى وطول الراحة وبلوغ المأمول والاستدراج بالظفر بالسؤال ما يربيه , ~~ويثبت أصوله ويقويه , اضمحل الخوف فلم يزل يتضاءل حتى لا يتلاشى فكان عدما ~~, فقال تعالى حاكيا عن هذا الكافر ما أثمر له الرجاء من أمانه من سوء ما ~~يأتي به القدر مقسما : { ولئن رددت } أي ردني راد { إلى ربي } المحسن إلي ~~في هذه الدار , في السعة على تقدير قيامها الذي يستعمل في فرضه أداة الشك { ~~لأجدن خيرا منها } أي هذه الجنة ؛ وقرأ ابن كثير وابن عامر بالتثنية ~~للجنتين { منقلبا * } أي من جهة الانقلاب وزمانه ومكانه , لأنه ما أعطاني ~~ذلك إلا باستحقاقي , وهو وصف لي غير منفك في الدارين , وإن لم يقولوا نحو ~~هذا بألسنة ms2896 مقالهم فإن ألسنة أحوالهم ناطقة به , فكأنه قيل : إن هذا لفي ~~عداد البهائم حيث قصر النظر على الجزيئات , ولم يجوز أن يكون التمويل ~~استدراجا , فما قال له الآخر ؟ فقل : { قال له صاحبه وهو } أي والحال إن ~~ذلك الصاحب { يحاوره } منكرا عليه : { أكفرت } . | ولما كان كفره بإنكار ~~البعث , دل عليه بقوله تعالى : { بالذي خلقك من تراب } بخلق أصلك { ثم من ~~نطفة } متولدة من أغذية أصلها تراب { ثم سواك } بعد أن أولدك وطورك تكذيبا ~~للرسل واستقصارا للقدرة , ولم تثبت لها في الإعادة ما ثبت لها بعلمك في ~~الابتداء , ثم لم تجوزها بعد القطع بالنفي إلا على سبيل الفرض بأداة الشك , ~~وهي من دعائم أصول الدين الذي لا يقتنع فيه إلا بالقطع , ونسبته إلى البعث ~~الذي لا يرضاه PageV04P468 عاقل إذ جعلت غاية هذا الخلق البديع في هذا ~~التطوير العظيم الموت الذي لو كان غاية كما زعمت - لفوت على المطيع الثواب ~~, وعلى العاصي العقاب . | < < # | الكهف : ( 38 - 41 ) لكن هو الله . . . . . # > > ^ ( لكن هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا * ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما ~~شآء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا * فعسى ربي أن ~~يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السمآء فتصبح صعيدا زلقا * أو ~~يصبح مآؤها غورا فلن تستطيع له طلبا ) ^ } ) | ولما أنكر على صاحبه , أخبر ~~عن اعتقاده بما يضاد اعتقاد صاحبه , فقال مؤكدا لأجل إنكار صاحبه مستدركا ~~لأجل كفرانه : { لكنا } لكن أنا . | ولما كان سبحانه لا شيء أظهر منه ولا ~~شيء أبطن منه , أشار إلى ذلك جميعا بإضماره قبل الذكر فقال تعالى : { هو } ~~أي الظاهر أتم ظهور فلا يخفية أصلا , ويجوز أن يكون الضمير للذي خلقك { ~~الله } أي المحيط بصفات الكمال { ربي } وحده , لم يحسن إلي في عبادتي { ~~أحدا * } كما لم يشاركه في إحسانه إلي أحد , فإن الكل خلقه وعبيده , وأنى ~~يكون العبد شريكا للرب ! فإني لا أرى الغنى والفقر إلا منه , وأنت - لما ~~اعتمدت على مالك - كنت مشركا به . | ولما كان المؤمنون على ms2897 طريق الأنبياء ~~في إرادة الخير والإرشاد إلى سبيل النجاة وعدم الحقد على أحد بشر أسلفه ~~وجهل قدمه , قال له مصرحا بالتعليم بعد أن لوح له به فيما ذكره عن نفسه مما ~~يجب عليه : { ولولا إذ } أي وهلا حين { دخلت جنتك قلت } ما يدل على تفويضك ~~الأمر فيها وفي غيرها إلى الله تعالى كما تقدم الإرشاد إليه في آية ^ ( { ~~ولا تقولن لشي } ) ^ [ الكهف : 23 ] تاركا للافتخار بها , ومستحضرا لأن ~~الذي وهبكها قادر على سلبك إياها ليقودك ذلك إلى التوحيد وعدم الشرك , فلا ~~تفرح بها ولا بغيرها مما يفنى لأنه لا ينبغي الفرح إلا بما يؤمن عليه ~~بالزوال { ما شاء الله } أي الذي له الأمر كله , كان , سواء كان حاضرا أو ~~مستقبلا , ولذلك أعراها عن الجواب , لا ما يشاؤه غيره ولا يشاؤه هو سبحانه ~~؛ ثم علل ذلك بقوله تعالى : { لا قوة } أي لأحد على بستان وغيره { إلا ~~بالله } أي التوحيد بالكمال , فلا شريك له , وأفادت هذه الكلمة إثبات القوة ~~لله وبراءة العبد منها , والتنبيه على أنه لا قدرة لأحد من الخلق إلا ~~بتقديره , فلا يخاف من غيره , والتنبيه على فساد قول الفلاسفة في الطبائع ~~من أنها مؤثرة بنفسها . | PageV04P469 ولما قدم ما يجب عليه من نفسه منبها ~~به لصاحبه , ثم ما يجب عليه من التصريح بالإرشاد في أسلوب مقرر أن الأمر ~~كله لله , لأحد غيره , أنتج قوله تعالى : { إن ترن } أي أيها المفتخر بما ~~له علي ! { أنا } ولما ذكر مفعول ( ترى ) الثاني فقال : { أقل منك } وميز ~~القليل بقوله : { مالا وولدا * } أي من جهة المال والولد الذي هو أعز نفر ~~الإنسان . | ولما أقر المؤمن بالعجز والافتقار , في نظير ما أبدى الكافر من ~~التقوى والافتخار , سبب عن ذلك ما جرت به العادة في كل جزاء , داعيا بصورة ~~التوقع فقال تعالى : { فعسى ربي } المحسن إلي { أن يؤتين } من خزائن رزقه { ~~خيرا من جنتك } فيحسن إلي بالغنى كما أحسن إلي بالفقر المقترن بالتوحيد , ~~المنتج للسعادة { ويرسل عليها } أي جنتك { حسبانا } أي مرامي من الصواعق ~~والبرد الشديد { من ms2898 السماء } . | ولما كانت المصابحة بالمصيبة أنكى ما يكون ~~, قال تعالى : { فتصبح } بعد كونها قرة للعين بما تهتز به من الأشجار ~~والزروع { صعيدا زلقا * } أي أرضا يزلق عليها لملاستها باستئصال نباتها , ~~فلا ينبت فيها نبات , ولا يثبت فيها قدم { أو يصبح ماؤها غورا } وصف ~~بالمصدر لأنه أبلغ { فلن تستطيع } أنت { له طلبا * } . | < < # | الكهف : ( 42 - 44 ) وأحيط بثمره فأصبح . . . . . # > > ^ ( وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها وهي خاوية على ~~عروشها ويقول يليتني لم أشرك بربي أحدا * ولم تكن له فئة ينصرونه من دون ~~الله وما كان منتصرا * هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا ) ^ ~~} ) | ولما كان من المعلوم أن هذا المؤمن المخلص بعين الرضى , كان من ~~المعلوم ان التقدير : فاستجيب لهذا الرجل المؤمن , أو : فحقق له ما توقعه ~~فخيب ظن المشرك , فعطف عليه قوله : { وأحيط } أي أوقعت الإحاطة بالهلاك , ~~بني للمفعول لأن الفكر حاصل بإحاطة الهلاك من غير نظر إلى فاعل مخصوص , ~~وللدلالة على سهولته { بثمرة } أي الرجل المشرك , كله فاستؤصل هلاكا ما في ~~السهل منه وما في الجبل , وما يصبر منه على البرد والحر وما لا يصبر { ~~فأصبح يقلب كفيه } ندما , ويضرب إحداهما على الأخرى تحسرا { على ما أنفق ~~فيها } لعمارتها ونمائها { وهي خاوية } أي ساقطة مع الخلو { على عروشها } ~~أي دعائمها التي كانت تحملها فسقطت على الأرض وسقطت هي فوقها { ويقول } ~~تمنيا لرد ما فات لحيرته وذهول عقله ودهشته : { يا ليتني } تمنيا لاعتماده ~~على الله من غير إشراك بالاعتماد على الفاني { لم أشرك بربي أحدا * } كما ~~قاله له صاحبه , فندم حيث لم ينفعه الندم على ما فرط في الماضي لأجل ما ~~فاته من الدنيا , لا حرصا على الإيمان لحصول الفوز في العقبى , لقصور عقله ~~ووقوفه مع PageV04P470 المحسوسات المشاهدات { ولم تكن له فئة } أي جماعة لا ~~من نفره الذين اعتز بهم ولا من غيرهم { ينصرونه } مما وقع فيه { من دون ~~الله } أي بغير عون من الملك الأعظم { وما كان } هو { منتصرا * } بنفسه , ~~بل ليس الأمر في ذلك ms2899 إلا لله وحده . | ولما أنتج هذا المثل قطعا أنه لا ~~لغير الله المرجو لنصر أوليائه بعد ذلهم , ولإغنائهم بعد فقرهم , ولإذلال ~~أعدائه بعد عزهم وكبرهمن وإفقارهم بعد إغنائهم وجبرهم , وأن غيره إنما هو ~~كالخيال لا حقيقة له , صرح بذلك في قوله تعالى : { هنالك } أي في مثل هذه ~~الشدائد العظيمة { الولاية } أي النصرة - على قراءة الفتح , والسلطان - على ~~الكسر , وهي قراءة حمزة والكسائي , والفتح لغيرهما , وهما بمعنى واحد , وهو ~~المصدر كما صدر به في القاموس . | { لله } أي الذي له الكمال كله { الحق } ~~أي الثابت الذي لا يحول يوما ولا يزول , ولا يغفل ساعة ولا ينام , ولا ~~ولاية لغيره بوجه - هذا على قراءة الجماعة بالجر على الوصف وهو في قراءة ~~أبي عمرو والكسائي بالرفع على الاستئناف والقطع تقليلا , تنبيها على أن ~~فزعهم في مثل هذه الأزمات إليه دون غيره برهان قاطع على أنه الحق وما سواه ~~باطل , وأن الفخر بالعرض الزائل من أجهل الجهل , وأن المؤمنين لا يعيبهم ~~فقرهم ولا يسوغ طردهم لأجله , وأنه يوشك أن يعود فقرهم غنى وضعفهم قوة . | ~~ولما علم من ذلك من أنه آخذ بأيدي عبيدة الأبرار وعلى أيدي عصاته الأشرار , ~~قال تعالى : { هو خير ثوابا } لمن أثابه { وخير عقبا * } أي عاقبة عظيمة , ~~فإن فعلا - بضمه وبضمتين - من صيغ جموع الكثرة فيفيده ذلك مبالغة وإن لم ~~يكن جمعا , والمعنى أنه أي ثوابه لأوليائه خير ثواب وعقباه خير عقبى . | < ~~< # | الكهف : ( 45 - 47 ) واضرب لهم مثل . . . . . # > > ^ ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به ~~نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا * المال ~~والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~أملا * ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ) ~~^ } ) | ولما أتم المثل لدنياهم الخاصة بهم التي أبطرتهم , فكانت سبب ~~إشقائهم وهم يحسبون أنها عين إسعادهم ضرب لدار الدنيا العامة لجميع الناس ~~في قلة بقائها وسرعة فنائها , وأن من تكبر بها كان أخس منها فقال تعالى : { ~~واضرب ms2900 لهم } أي لهؤلاء الكفار امغتربين بالعرض الفاني , المفتخرين بكثرة ~~الأموال والأولاد وعزة النفر { مثل الحياة الدنيا } أي التي صفتها - التي ~~هم بها ناطقون - تدل على أن ضدها الأخرى , في ينوعها PageV04P471 ونضرتها , ~~واختلابها للنفوس ببهجتها , واستيلائها على الأهواء بزهرتها , واختداعها ~~لذوي الشهوات بزينتها , ثم اضمحلالها وسرعة زوالها , أفرح ما كانوا بها , ~~وأرغب ما كانوا فيها مرة بعد أخرى , على مر الأيام وكر الشهور , وتوالي ~~الأعوام وتعاقب الدهور , بحيث نادت على نفسها بالتحذير منها والتنفير عنها ~~للعاقل اللقن , والكيس الفطن , رغبة إلى الباقي الذي يدوم سروره , ويبقى ~~نعيمه وحبوره , وذلك المثل { كماء أنزلناه } بعظمتنا واقتدارنا بعد يبس ~~الأرض وجفاف ما فيها وزواله , وبقلعه كما تشاهدونه واستئصاله , وقال : { من ~~السماء } تنبيها على بليغ القدرة في إمساكه في العلو وإنزاله في وقت الحاجة ~~على الوجه النافع { فاختلط } أي فتعقب وتسبب عن إنزاله أنه اختلط { به نبات ~~الأرض } أي التراب الذي كان نباتا ارفت بطول العهد في بطنها , فاجتمع ~~بالماء والتف وتكاثف , فهيأنا بالتخمير والصنع الذي لا يقدر عليه سوانا حتى ~~أخرجناه من الأرض أخضر يهتز على ألوان مختلفة ومقادير متفاوتة ثم أيبسناه { ~~فأصبح هشيما } أي يابسا مكسرامفتتا { تذروه } أي تثيره وتفرقه وتذهب به { ~~الرياح } حتى يصير عما قليل كأنه بقدرة الله تعالى لم يكن { وكان الله } أي ~~المختص بصفات الكمال { على كل شيء } من ذلك وغيره إنشاء وإفناء وإعادة { ~~مقتدرا * } أزلا وأبدا , فلا تظنوا أن ما تشاهدونه من قدرته حادث . | ولما ~~تبين بهذين المثلين وغيرهما أن الدينا - التي أوردت أهلها الموارد وأحلتهم ~~أودية المعاطب - سريعة الزوال , وشيكة الارتحال , مع كثرة الأنكاد , ودوام ~~الأكدار , من الكد والتعب , والخوف والنصب كالزرع سواءن تقبل أولا في غاية ~~النضرة والبهجة , تتزايد نضرتها وبهجتها شيئا فشيئا , ثم تأخذ في الانتقاض ~~والانحطاط إلى أن تنتهي إلى الفناء , فهي جديرة لذلك بالزهد فيها والرغبة ~~عنها , وأن لا يفتخر بها عاقل فضلا عن أن يكاثر بها غيره , قال تعالى : { ~~المال والبنون } الفانيان الفاسدان وهما أجل ما في هذه الدار من متاعها { ~~زينة ms2901 الحياة الدنيا } التي لو عاش الإنسان جميع أيامها لكان حقيقا لصيرورة ~~ما هو في منها إلى زوال بالإعراض عنها والبغض لها , وأنتم تعلمون ما في ~~تحصيلهما من التعب , وما لهما بعد الحصول من سرعة العطب , وهما مع ذلك قد ~~يكونان خيرا إن عمل فيهمابما يرضي الله , وقد يكونان شرا ويخيب الأمل فيهما ~~, وقد يكون كل منهما سبب هلاك صاحبه وكدره , وسوء حياته وضرره { والباقيات ~~الصالحات } وهي أعمال الخير المجردة التي يقصد بها وجه الله تعالى التي ~~رغبنا فيها بقولنا < # > 77 ( { لنبلوهم PageV04P472 أيهم أحسن عملا } ) ^ [ الكهف : 7 ] وما ~~بعده { خير } أي من الزينة الفانية . | ولما كان أهم ما إلى من حصل النفائس ~~لكفايته من يحفظها له الوقت حاجته قال : { عند ربك } أي الجليل المواهب , ~~العالم بالعواقب , وخير من المال والبنين في العاجل والآجل { ثوابا وخير } ~~من ذلك كله { أملا * } أي من جهة ما يرجو فيها من الثواب ويرجو فيها من ~~الأمل , لأن ثوابها إلى بقاء , وأملها كل ساعة في تحقيق وعلو وارتقاء , ~~وأمل المال والبنين يختان أحوج ما يكون إليهما . | ولما ذكر المبدأ وبنه ~~على زواله , وختم بأن المقصود منه الاختيار للرفعة بالثواب أو الضعة ~~بالعقاب , وكان الخزي والصغار , أعظم شيء ترهبه النفوس الكبار , لاسيما إذا ~~عظم الجمع واشتد الأمر , فكيف إذا انضم إليه الفقر فيكف إذا صاحبهما الحبس ~~وكان يوم الحشر يوما يجمع فيه الخلائق , فهو بالحقيقة المشهود , وتظهر فيه ~~العظمة فهو وحده المرهوب , عقب ذكر الجزاء ذكره , لأنه أعظم يوم يظهر فيه , ~~فقال تعالى عاطفا على { واضرب } : { يوم } أي واذكر لهم يوم { نسير الجبال ~~} عن وجه الأرض بعواصف القدرة كما يسير نبات الأرض - بعد ان صار هشميا - ~~بالرياح ^ ( { فترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب } ) ^ [ النحل : ~~88 ] { وترى الأرض } بكمالها { بارزة } لا غار فيها ولا صدع ولا جبل ولا ~~نبت ولا شجر ولا ظل { و } الحال أنا قد { حشرناهم } أي الخلائق بعظمتنا قبل ~~التسيير بتلك الصيحة , قهرا إلى الموقف الذي ينكشف فيه المخبآت , وتظهر ~~الفضائح والمغيبات , ويقع الحساب ms2902 فيه على النقير والقطمير , والنافذ فيه ~~بصير , فينظرون ويسمعون زلازل الجبال عند زوالها , وقعاقع الأبنية والأشجار ~~في هدها وتباين أوصالها , وفنائها بعد عظيم مرآها واضمحلالها { فلم نغادر } ~~أي نترك بما لنا من العظمة { منهم } أي الأولين والآخرين { أحدا * } لأنه ~~لا ذهول ولا عجز . | < < # | الكهف : ( 48 - 50 ) وعرضوا على ربك . . . . . # > > ^ ( وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ~~ألن نجعل لكم موعدا * ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون ~~يويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا * وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ~~إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أوليآء من دوني ~~وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ) ^ } ) | ولما ذكر سبحانه حشرهم , وكان من ~~المعلوم أنه للعرضن ذكر كيفية ذلك العرض , فقال بانيا الفعل للمفعول عل ~~طريقة كلام القادرين , ولأن المخوف العرض لا PageV04P473 كونه من معين : { ~~وعرضوا على ربك } أي المحسن إليك برفع أوليائك وخفض أعدائك { صفا } لاتساع ~~والمسايقة إلى داره , لعرض أذل شيء وأصغره , وأطوعه وأحقره , يقال لهم ~~تنبيها على مقام العظمة : { لقد جئتمونا } أحياء سويين حفاة عراة غرلا { ~~كما خلقناكم } بتلك العظمة { أول مرة } منعزلين من كل شيء كنتم تجمعونه ~~وتفاخرون به منقادين مذعنين فتقولون < # > 77 ( { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون } ) 77 < # > [ يس : 52 ] فيقال لكم : { بل زعمتم } أي ادعيتم جهلا بعظمتنا { أن } ~~أي أنا { لن نجعل لكم } على ما لنا من العظمة { موعدا * } أي مكانا ووقتا ~~نجمعكم فيه هذا الجمع فننجز ما وعدناكم به على ألسنة الرسل { ووضع } بأيسر ~~أمر بعد العرض المستعقب للجمع بأدنى إشارة { الكتاب } المضبوط فيه دقائق ~~الأعمال وجلائلها على وجه بين لا يخفي على قارئ ولا غيره شيء منه { فترى ~~المجرمين } لتقر عينك منهم بشماتة لا خير بعدها { مشفقين مما فيه } من ~~قبائح أعمالهم , وسيئ أفعالهم وأقوالهم أي خائفين دائما خوفا عظيما من عقاب ~~الحق والفضيحة عند الخلق { ويقولون } أي يجددون ويكررون ms2903 قولهم : { ياويلتنا ~~} كناية عن أنه لا نديم لهم إذ ذاك إلا الهلاك { مال هذا الكتاب } أي أي ~~شيء له حال كونه على غير حال الكتب في الدنيا , ورسم لام الجر وحده إشارة ~~إلى أنهم صاروا من قوة الرعب وشدة الكرب يقفون على بعض الكتب , وفسروا حال ~~الكتاب التي أفظعتهم وسألوا عنهم بقولهم : { لا يغادر } أي يترك أي يقع منه ~~غدر , أي عدم الوفاء وهو من غادر الشيء : تركه كأن كلا منهما يريد غدر ~~الآخر , أي عدم الوفاء به , من الغدير - لقطعه من الماء يتركها السيل كأنه ~~لم يوف لهما بأخذ ما معه , وكذا الغديرة لناقة تركها الراعي { صغيرة } أي ~~من أعمالنا . | ولما هالهم إثبات جميع الصغائر , بدؤوا بها , وصرحوا ~~بالكبائر - وإن كان إثبات الصغائر يفهمها - تأكيدا لأن المقام للتهويل ~~وتعظيم التفجع , وإشارة إلى أن الذي جرهم إليها هو الصغائر - كما قال ~~الفضيل بن عياض رضي الله عنه - فقالوا : { ولا كبيرة إلا أحصاها } ولما كان ~~الإحصاء قد لا يستلزم اطلاع صاحب الكتاب وجزاءه عليه , نفى ذلك بقوله تعالى ~~: { ووجدوا ما علموا حاضرا } كتابة وجزاء من غير أن يظلمهم سبحانه أو يظلم ~~من عادوهم فيه { ولا يظلم ربك } الذي رباك بخلق القرآن { أحدا * } منهم ولا ~~من غيرهم في كتاب ولا عقاب ولا ثواب , بل يجازى الأعداء بما يستحقون , ~~تعذيبا لهم وتنعيما لأوليائه الذين عادوهم فيه للعدل بينهم ؛ روى الإمام ~~أحمد في المسند عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سافر إلى عبد الله ~~بن أنيس رضي الله عنه مسيرة شهر فاستأذن عليه قال : فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني ~~واعتنقته , قلت : حديث بلغني عنك PageV04P474 أنك سمعته من رسول الله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم في القصاص , فخشيت أن تموت قبل أن أسمعه , فقال ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول : ( يحشر الله عز وجل ~~الناس - أو قال : العباد - حفاة عراة بهما ) قلت : وما بهما ؟ قال : ( ليس ~~معهم شيء , ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب ms2904 : أنا الملك أنا ~~الديان , لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحدمن أهل ~~الجنة حق حتى أقصه منه , ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله ~~عند أحد من أهل النار حق حتى أقصه منه حتى اللطمة , ) قال : قلنا : كيف ~~وإنما نأتي الله حفاة عراة بهما ؟ قال : ( بالحسنات والسيئات ) . | ولما ~~ذكر العبث وختمه بإحسانه بالعدل المثمر لإعطاء كل أحد ما يستحقه , أتبعه - ~~بما له من الفضل - بابتداء الخلق الذي هو دليله , في سياق مذكر بولايته ~~الموجبة للإقبال عليه , وعداوة الشيطان الموجبة للإدبار عنه , مبين لما ~~قابلوا به عدله فيهم وفي عدوهم من الظلم بفعلهم كما فعل من التكبر على آدم ~~عليه السلام بأصله , فتكبروا على فقراء المؤمنين بأصلهم وأموالهم وعشائرهم ~~, فكان فعلهم فعله سواء , فكان قدوتهم وهو عدوهم , ولم يقتدوا بخير خلقه ~~وهو وليهم وهو أعرف الناس به , فقال تعالى عاطفا على { واضرب } : { وإذ } ~~أي واذكر لهم إذ { قلنا } بما لنا من العظمة { للملائكة } الذين هم أطوع ~~شيء لأوامرنا وإبليس فيهم , قال ابن كثير : وذلك أنه كان قد ترسم بأفعال ~~الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك , ولهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة { ~~اسجدوا لآدم } أبيهم نعمة منا عليه يجب عليهم شكرنا فيها { فسجدوا } كلهم { ~~إلا إبليس } فكأنه قيل : ما له لم يسجد ؟ فقيل : { كان } أي لأنه كان { من ~~الجن } المخلوقين من نار , ولعل النار لما كانت نيرة وإن كانت نورانيتها ~~مشوبة بكدورة وإحراق , عد من الملائكة لاجتماع العنصرين في مطلق النور , مع ~~ما كان غلب عليه من العبادة , فقد روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( خلقت الملائكة ~~من نور , وخلق الجان - ) وفي رواية : ( إبليس - من مارج من نار , وخلق آدم ~~مما وصف لكم ) وفي مكائد الشيطان لابن أبي الدنيا عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما أن الجن كانت قبيلة من الملائكة . | PageV04P475 ولما كان أكثر الجن ~~مفسدا , رجوعا إلى الأصل الذي هو النار ms2905 المحرقة لما لاصقها , المفسدة له , ~~سبب فسقه عن كونه منهم فقال تعالى : { ففسق } أي خرج , يقال : فسقت الفأرة ~~من حجرها - إذا خرجت للعيث والفساد . | { عن أمر ربه } أي سيده ومالكه ~~المحسن إليه بإبداعه , وغير ذلك من اصطناعه , في شأن أبيكم , إذ تكبر عليه ~~فطرده ربه من أجلكم , فلا تستنوا به في الافتخار والتكبر على الضعفاء , فإن ~~من كانت خطيئته في كبر لم يكن صلاحه مرجوا , ومن كانت خطيئته في معصية كان ~~صلاحه مرجوا , ثم سبب عن هذا ما هو جدير بالإنكار فقال تعالى في أسلوب ~~الخطاب لأنه أدل على تناهي الغضب وأوجع في التبكيت , والتكلم لأنه أنص على ~~المقصود من التوحيد : { أفتتخذونه } أي أيفسق باستحقاركم فيطرده لأجلكم ~~فيكون ذلك سببا لأن تتخذوه { وذريته } شركاء لي { أولياء } لكم { من دوني } ~~أي اتخاذ مبتدئا من غيري أو من أدنى رتبة من رتبتي , ليعم الاتخاذ استقلالا ~~وشركة , ولو كان المعنى : من دون - أي غير - اتخاذي , لأفاد الاستقلال فقط ~~, ولو كان الاتخاذ مبتدئا منه بأن كان هو الآمر به لم يكن ممنوعا , وأنا ~~وليكم المفضل عليكم { وهم لكم } ولما كان بناء فعول للمبالغة ولا سيما وهو ~~شبيه بالمغالاة في نحو القول , أغنى عن صيغة الجمع فقال : { عدو } إشارة ~~إلى أنهم في شدة العداوة على قلب واحد . | ولما كان هذا الفعل أجدر شيء ~~بالذم , وصل به قوله تعالى : { بئس } وكان الأصل : لكم , ولكنه أبرز هذا ~~الضمير لتعليق الفعل بالوصف والتعميم فقال تعالى : { للظالمين بدلا * } إذا ~~استبدلوا من ليس لهم شيء من الأمر وهم لهم عدو بمن له الأمر كله وهو لهم ~~ولي . | < < # | الكهف : ( 51 - 52 ) ما أشهدتهم خلق . . . . . # > > ^ ( مآ أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ ~~المضلين عضدا * ويوم يقول نادوا شركآئي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم وجعلنا بينهم موبقا ) ^ } ) | ولما كان الشريك لا يستأثر بفعل أمر عظيم ~~في المشترك فيه من غير علم لشريكه به , قال معللا للذم على هذا الظلم بما ~~يدل عل حقارتهم عن هذه الرتبة , عادلا في ms2906 أسلوب التكلم إلى التجريد عن مظهر ~~العظمة لئلا يتعنت من أهل الإشراك متعنت كما عدل في { دوني } لذلك : { ما ~~أشهدتهم } أي إبليس وذريته { خلق السماوات والأرض } نوعا من أنواه الإشهاد ~~{ ولا خلق أنفسهم } إشارة إلى أنهم مخلوقون وأنه لا يصح في عقل عاقل أن ~~يكون مخلوق شريكا لخالقه أصلا { وما كنت } أي أزلا وأبدا متخذهم , هكذا ~~الأصل ولكنه أبرز إرشادا إلى أن المضل لا يستعان به , لأنه مع عدم نفعه يضر ~~, فقال تعالى : { متخذ المضلين عضدا * } إشارة إلى أنه لا يؤسف على فوات ~~إسلام PageV04P476 أحد , فإن من علم فيه خيرا أسمعه , ومن لم يسمعه فهو مضل ~~ليس أهلا لنصرة الدين . | ولما أقام البرهان القاطع على بعد رتبتهم عن ~~المنزلة التي أحلوهم بها من الشرك , أتبعه التعريف بأنهم مع عدم نفعهم لهم ~~في الدنيا يتخلون عنهم في الآخرة أحوج ما يكونون إليهم تخييبا لظنهم أنهم ~~يقربونهم إلى الله زلفى , فقال تعالى عاطفا على { إذ قلنا } عادلا إلى مقام ~~الغيبة , إشارة إلى بعدهم عن حضرته الشماء وتعاليه عما قد يتوهم من قوله ~~تعالى < # > 77 ( { وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا } ) 77 < # > [ الكهف : 48 ] في حجب الجلال والكبرياء , وجرى حمزة في قراءته بالنون ~~على أسلوب التكلم الذي كان فيه مع زيادة العظمة : { ويوم } أي واذكر يوم { ~~يقول } الله لهم تهكما بهم : { نادوا شركاءي } وبين أن الإضافة ليست على ~~حقيقتها , بل هي توبيخ لهم فقال تعالى : { الذين زعمتم } أنهم شركاء { ~~فدعوهم } تماديا في الجهل والضلال { فلم يستجيبوا لهم } أي لم يطلبوا ~~ويريدوا أن يجيبوهم إعراضا عنهم استهانة بهم واشتغالا بأنفسهم فضلا عن أن ~~يعينوهم . | ولما كانوا في غاية الاستبعاد لأن يحال بينهم وبين معبوداتهم , ~~قال في مظهر العظمة : { وجعلنا بينهم } أي المشركين والشركاء { موبقا * } ~~أي هلاكا أو موضع هلاك , فاصلا حائلا بينهم , مهلكا قويا ثابتا حفيظا , لا ~~يشذ عنه منهم أحد , وإنما فسرته بذلك لأنه مثل قوله تعالى < # > 77 ( { فزيلنا بينهم } ) 77 < # > [ يونس : 28 ] أي بالقلوب أي جعلنا ما كان بينهم من الوصلة عداوة ms2907 , ~~ومثل قوله تعالى < # > 77 ( { ربنا هؤلاء أضلونا فأتهم عذابا ضعفا من النار } ) 77 < # > [ الأعراف : 38 ] < # > 77 ( { هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك } ) 77 < # > [ النحل : 86 ] ونحوه , لأن معنى ذلك كله أنه يبدل ما كان بينهم من ~~الود في الدنيا والوصلة ببغض وقطيعة كما قال تعالى < # > 77 ( { ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا } ) 77 < # > [ العنكبوت : 25 ] وأن كل فريق يطلب للآخر الهلاك , فاقتضى ذلك اجتماع ~~الكل فيه , هذا ما يرشد إلى المعنى من آيات الكتاب , ونقل ابن كثير عن عبد ~~الله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال : هو واد عميق فرق به يوم القيامة بين ~~أهل الهدى وأهل الضلالة , وقال الحسن البصري : عداوة . | وأما أخذه من ~~اللفظ فلأن مادة وبق - يائية وواوية مهموزة وغير مهموزة , ولها أحد عشر ~~تركيبا : واحد يائي : بقي , وستة واوية : قبو , قوب , بقو , بوق , وقب , ~~وبق , وأربعة مهموزة : قبأ , قأب , بأق , أبق - كلها تدور على الجمع , ~~وخصوصا ترتيب وبق يدور على الحائل بين شيئينن ويلزمه القوة والثبات والحفظ ~~والهلاك قوة أو فعلا , لأن من حيل بينه وبين شيء فقد هلك بفقد ذلك الشيء ~~بالفعل إن كان الحائل موتا , وبالقوة PageV04P477 إن كان غيره , يقال : قبل ~~الشيء : جمعه بأصابعه , والبناء : رفعه , والزعفران : جناه , والقبا - ~~بالقصر : نبت - لأنه سبب الاجتماع لرعيه والانتفاع به وهو يجمع أيضا , ~~والقبا : تقويس الشيء - لأنه أقرب إلى اجتماع بعض أجزائه ببعض , والقبوة : ~~انضمام ما بين الشفتين , ومنه القباء من الثياب , وقباه تقبية : عباه , أي ~~جمعه حتى صار كأنه في مكان مقبو , وقبى عليه تقبية : عدا عليه في أمره - ~~لأنه كان كأنه أوقعه في حفرة , والثوب : جعل منه قباء , وتقبى القباء : ~~لبسه , وزيدا : أتاه من قفاه - لأن من يريد رمي أحد في حفرة كذلك يأتيه ~~مخاتلة , وتقبى الشيء : صار كالقبة , وامرأة قابية : تلقط العصفر وتجمعه , ~~والقابياء : اللئيم - لأنه بناء مبالغة , فيدل على كثرة الجمع والحرص ~~اللازمين للؤم , وبنو قابياء : المجتمعون لشرب الخمر - لأنها حالة تظهر لؤم ~~اللئام , وقباء - بالضم ويذكر ويقصر ms2908 - موضع قرب المدينة الشريفة , وموضع ~~بين مكة والبصرة , وانقبى : استخفى , وقبى قوسين وقباء قوسين - ككساء : قاب ~~قوسين , والمقبي : الكثير الشحم - كأنه جمع لنفسه منه بالراحة ما صار ~~كالبناء , والقباية : المفازة - لأنها تجمع ما فيها كما تجمع القبة والقباء ~~والوقبة ما فيها . | ومن مهموزة : قبأ الطعام - كجمع : أكله , ومن الشراب : ~~امتلأ , والقباءة : حشيشة ترعى - لأن يجتمع على رعيها . | ومن الواوي : قاب ~~الأرض يقوبها وقوبها : حفر فيها شبه التقوير - لأن الدائرة أجمع ما يكون ~~لغيرها وفي نفسها , لأنه لا زوايا فيها فاصلة , وقوبت الأرض : آثرت فيها , ~~والقوبة : ما يظهر في الجسد ويخرج عليه - لأنه يكون غالبا على هيئة الدائرة ~~, وتقوب جلده : تقلع عنه الجرب , وانحلق عنه الشعر - إما من الإزالة , وإما ~~لأن آثاره تكون كالدوائر , وقوب الشيء : قلعه من أصله - لأن أثره إذا انقلع ~~يكون حفرا مستديرا , وتقوب هو : تقلع , والقائبة والقابة : البيضة - لأنها ~~لتدويرها تشبه ذلك الحفر , والقوب - بالفتح : فلق الطير بيضه , وبالضم : ~~الفرخ - لأنه منها , وفي المثل : تخلصت قائبة من قوب - يضرب لمن انفصل من ~~صاحبهن والقوبي : المولع بأكل الأقواب أي الفراخ , والقوب - كصرد : قشور ~~البيض , وتقوبت البيضه : انقابت أي انحفرت , وأم قوب : الداهية - لجمعها ما ~~تأتي عليه كأنهه ابتلعه حفر , وقاب : قرب - لأن القرب مبدأ الجمع , وقاب : ~~هرب , أي سلب القرب - ضد , وقاب : فلق , أي شق الجمع فهو من الإزالة أيضا , ~~وقاب قوس وقيبه , أي قدره - لأن القوس شبه نصف دائرة من ذلك الحفر , والقاب ~~: ما بين المقبض والسية - لأنه بعض ذلك , ولك قوس قابان , والأسود المتقوب ~~: الذي انسلخ جلده من الحيات - لتدور ذلك الجلد وشبهه بالحفرة , واقتاب ~~الشيء : اختاره , أي جمعه إليه , ورجل مليء قوبة - كهمزة : ثابت الدار مقيم ~~- من PageV04P478 الثبات هو لازم الجمع , وقوب من الغبار : اغبر - إما لأن ~~من يحفر ذلك بغير , وإما لأن الغبار كثر عليه حتى غطاه فصار له مثل تلك ~~الحفرة . | ومن مهموزة : قأب الطعام - كمنع أكله , والماء : شربه كقبئه - ~~كفرح , أو شرب كل ما في الإناء , وقئب من الشراب : تملأ , وهو مقأب ms2909 - كمنبر ~~: كثير الشرب للماء , وإناء قوأب : كثير الأخذ للماء - فهو كما ترى جمع ~~مخصوص بالأكل والشرب , أو أنه جمعه في وقبة بطنه . | ومن الواوي : بقاه ~~بعينه : نظر إليه - فهو من الحفظ اللازم للجمع , وابقه بقوتك مالك , ~~وبقاوتك مالك أي احفظه حفظك مالك , وبقوته : انتظرته - وهو يرجع إلى الثبات ~~والمراقبة التي ترجع إلى الحفظ , ويلزم الحفظ الثبات . | ومن اليائي : بقي ~~الشيء بقاء : ثبت ودوام ضد فني , والاسم البقوي - كدعوى , ويضم , والبقيا - ~~بالضم والبقية , وقد توضع الباقية موضع المصدر . | ومن واويه : البوقة : ~~الجمع والدفعة من المطر الشديد أو المنكرة تنباق - أنها نزلت من وقبة ~~لشدتها , والبوائق : العوائد - لأنها جامعة لمن اعتادها , والبوائق : الشر ~~- لأنه معلك , فكأنه موقع في المهالك , والبوق - بالضم : شبه منقاب ينفخ ~~فيه الطحان , أو الذي ينفخ فيه مطلقا ويرمز - لأنه لتجويفه يشبه الوقبة , ~~والوبق أيضا : الباطل والزور - لأن صوته أشبع شيء بذلك , والمبوق - كمعظم : ~~الكلام الباطل , والبوق - بالفتح : من لا يكتم السر - لأن البوق متى نفخ ~~فيه صوت , والبوقة : شجرة دقيقة - لأنها لدقتها يسرع إليها الهلاك كمن وقع ~~فيه وقبه , والبائقة : الداهية - كأنها تدفع من أتته في الوقبة , وانباقت ~~عليه بائقة : انفتقت , وباق : جاء بالشر والخصومات - من ذلك , وكذا باق , ~~أي تعدى على إنسان , وانباق به : ظلمه , والبائقة القوم : أصابتهم , ~~كانباقت عليهم , أي خرجت لشدتها من وقبة , والباقة : الحزمة من بقل - ~~لاجتماعها , وباق بك : طلع عليك من غيبة - كأنه كان في حفرة فخرج , ومنه ~~باق فلان : هجم على قوم بغير إذنهم , وباق القوم عليه : اجتمعوا فقتلوه ~~ظلما , وباق المال : فسد وبار - كحال من وقع في حفرة , ومنه متاع بائق : لا ~~ثمن له , وتبوق في الماشية : وقع فيها الموت وفشا , والحاق باق : صوت الفرج ~~عند الجماع - لأنه من الجمع , ولأن الفرج وقبة , ومن مهموزة : بأقتهم ~~الداهية بؤوقا : أصابتهم , وانبأق عليهم الدهر : هجم عليهم بالداهية . | ~~ومن الواوي , والوقبة : كوة عظيمة فيها ظل , والوقب والوقبة : نقرة في ~~الصخرة يجتمع فيها الماء , وقيل : هي نحو البئر في الصفا تكون قامة أو ~~قامتين يستنقع ms2910 فيها ماء السماء , وكل نقر في الجسد وقب كنقر العين والكتف , ~~والوقبان من الفرس : هزمتان PageV04P479 فوق عينيه , ووقب المحالة : الثقب ~~الذي يدخل فيه المحور , ووقبة الدهن : أنقوعته , وكذا وقبة الثريد , ووقب ~~الشيء : دخل في الوقب , وأوقب الشيء : أدخله فيه , وركية وقباء : غامرة ~~الماء , وامرأة ميقاب : واسعة الفرج وبنو الميقاب نسبوا إلى أمهم , يريدون ~~سبهم بذلك , والميقاب : الرجل الكثير الشرب للماء , والحمقاء أوالمحمقة , ~~وسير الميقاب : أن تواصل سير يوم وليلة - كأن ذلك سير الأحمق الذي لا يبقى ~~على ظهره , ووقب القمر وقوبا : دخل في الظل الذي يكسفه - كأنه حفرة ابتلعته ~~, ووقبت الشمس وقوبا : غابت كذلك , وقيل : كل ما غاب فقد وقب , ووقب الظلام ~~, أقبل . | أي فصار كالوقبة , فابتلع ما في الكون فحجبه عن الضياء , ورجل ~~وقب : أحمق - كأنه وعاء لكل ما يسمع , لا أهلية له في تمييز جيده من رديئه ~~, والأنثى : وقبة , وقال ثعلب : الوقب : الدنيء , أي لأنه يتبع هواها فيصير ~~كأنه الوقبة لا ترد شيئا مما يلقي فيها , ووقب الفرس وقبا وهو صوت قنبه , ~~أي وعاء قضيبه , وقيل : صوت تقلقل جردان الفرس في قنبه - لأن وعاء جردانه ~~كالوقبة , فهو من اطلاق اسم المحل على ما فيه , والقبة - كعدة : الإنفحة ~~إذا عظمت من الشاة , قال ابن الأعرابي : ولا يكون ذلك في غير الشاء - لأن ~~شبه الإنفحة بالوقبة الظاهر , والوقباء : موضع يمد ويقصر , والوقبى : ماء ~~لبني مازن - لأنه يجمعهم كما تجمع الوقبة ما فيها , والأوقاب : قماش البيت ~~كالبرمة والرحيين والعمد - لأن البيت لها كالوقبة لجمعها أو لأنها جامعة ~~لشمل من فيه , والمقيب : الودهة , وأوقب القوم : جاعوا , أي تهيؤوا لإدخال ~~الطعام في وقبة الجوف , وذكر أوقب : ولاج في الهنات - لأنها كالأوقاب أي ~~الحفر , والوقب : الأقبال والمجيء , وهو سبب الجمع . | ووبق - كوعد ووجل ~~وورث وبوقا وموبقا : هلك , أي وقع فيه وقبة , أي حفرة كاستوبق , وكمجلس : ~~المهلك والمجلس , وواد في جهنم , وكل شيء حال بين شيئين - لأن الوقبة تحول ~~بين ما فيها وبين غيره . | ومنه قيل للموعد : موبق , وأوبقة : حبسه أو ~~أهلكه . | ومن مهموزة : أبق ms2911 العبد - كسمع وضرب ومنع - أبقا ويحرك - وإباقا ~~- ككتاب : ذهب بلا خوف ولا كد عمل , أو استخفى ثم ذهب - كل ذلك يوجع إلى ~~جعله كأنه نزل في وقبة , ومن شأنه حينئذ أن يخفى , ومنه تأبق : استتر أو ~~احتبس , وتأبق الشيء : أنكره - لأن سبب الإنكار الخفاء , وتأبق : تأثم , أي ~~جانب الإثم , فهو لسلب الجمع أو لسلب الهلاك في الوقبة , والأبق - محركة : ~~القنب - لشبهه لتجويفه بالوقبة , ولأبق : قشره - لقوته اللازمة للجمع أو ~~لأنه خيوط مجمتعة . | PageV04P480 < < # | الكهف : ( 53 - 56 ) ورأى المجرمون النار . . . . . # > > ^ ( ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا * ~~ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا * ~~وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة ~~الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا * وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ~~ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا ~~) ^ } ) | ولما قرر سبحانه ما لهم مع شركائهمن ذكر حالهم في استمرار جهلهم ~~, فقال تعالى : { وراء الجرمون } أي العريقون في الإجرام { النار } أي ~~ورأوا , ولكنه أظهر للدلالة على تعليق الحكم بالوصف { فظنوا } ظنا { أنهم ~~مواقعوها ولم } أي والحال أنهم لم { يجدوا عنها مصرفا * } اي مكانا ينصرفون ~~إليه , فالموضع موضع التحقق , ولكن ظنهم جريا على عادتهم في الجهل كما ~~قالوا ^ ( { اتخذ الله ولدا } ) ^ [ الكهف : 4 ] بغير علم ^ ( { وما أظن أن ~~تبيد هذه أبدا } ) ^ [ الكهف : 35 ] , ^ ( { وما أظن الساعة قائمة } ) ^ ~~الكهف : 36 ] , ^ ( { إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين } ) ^ [ الجاثية : ~~32 ] مع قيام الأدلة التي لا ريب فيها . | ولما كان الكلام في قوة أن يقال ~~: صرفنا هذه الأخبار بما أشارت إليه من الأسرار الكبار , فقامت دلائل ~~الشريعة الجلائل , وأضاءت بها جواهر المعاني الزواهر , عطف على ذلك : { ~~ولقد صرفنا } أي لما لنا من العظمة . | ولما كانت هذه السورة في وصف الكتاب ~~, اقتضى الاهتمام به تقديمه في قوله تعالى : { في هذا القرءان } أي القيم ~~الذي لا عوج فيه , مع جمعه للمعاني ونشره الفارق بين الملبسات { للناس ms2912 } أي ~~المزلزلين فضلا عن الثابتين { من كل مثل } أي حولنا الكلام وطرقناه في كل ~~وجه من وجوه المعاني وألبسناه من العبارات الرائقة , والأساليب المتناسقة , ~~ما سار بها في غرابته كالمثل , يقبله كل من يسمعه , وتضرب به آباط الإبل في ~~سائر البلاد , بين العباد , فتبشير به قلوبهم , وتلهج به ألسنتهم , فلم ~~يتقبلوه وجادلوا فيه ؛ ثم نبه على الوصف المقتضي لذلك بقوله تعالى : { وكان ~~الإنسان } الذي جعل خصيما وهو آنس بنفسه جبلة وطبعا { أكثر شيء } وميز ~~الأكثرية بقوله تعالى : { جدلا * } لأنه لم ينته عن الجدل بعد هذا البيان , ~~الذي أضاء جميع الأكوان . | ولما بين إعراضهم , بين موجبه عندهم فقال : { ~~وما منع } ولما كان الناس تبعا لقريش قال : { الناس } أي الذين جادلوا ~~بالباطل , الإيمان - هكذا كان الأصلن ولكنه عبرعن هذا المفعول الثاني بقوله ~~تعالى : { أن يؤمنوا } ليفيد التجديد وذمهم على الترك PageV04P481 { إذ } ~~أي حين { جاءهم الهدى } بالكتاب على لسان الرسول , وعطف على المفعول الثاني ~~- معبرا بمثل ما مضى لما مضى - قوله تعالى : { ويستغفروا ربهم } أي المحسن ~~إليهم . | ولما كان الاستثناء مفرغا , أتى بالفاعل فقال تعالى : { إلا أن } ~~أي طلب أن { تأتيهم سنة الأولين } في إجابتهم إلى ما اقترحوه على رسلهم , ~~المقتضي للاستئصال لمن استمر على الضلال , ومن ذلك طلبهم أن يكون النبي ~~ملكا , وذلك نقمة في صورة نعمة وإتيان بالعذاب دبرا , أي مستورا { أو } طلب ~~أن { يأتيهم العذاب قبلا * } أي مواجهة ومعاينة ومشاهدة من غير ستر له , هو ~~في قراءة من كسر القاف وفتح الباء واضح , من قولهم : لقيت فلانا قبلا , أي ~~معاينة , وكذا في قراءة من ضمهما , من قولهم : أنا آيتك قبلا لا دبرا , أي ~~مواجهة من جهة وجهك لا من جهة قفاك , قال تعالى : < # > 77 ( { إن كان قميصه قد من قبل } ) 77 < # > [ يوسف : 26 ] , ويصح أن يراد بهذه القراءة الجماعة , لأن المراد ~~بالعذاب الجنس أي يأتيهم أصنافا مصنفة صنفا ونوعا نوعا , وقد مضى في ~~الأنعام بيانه , وهذا الشق قسيم الإتيان بسنة الأولين , فمعناه : من غير أن ~~يجابوا إلى ما اقترحوا كما ms2913 تقدم في التي قبلها < # > 77 ( { فأبى أكثر الناس إلا كفورا وقالوا لن نؤمن لك } ) 77 < # > - إلى قوله تعالى : < # > 77 ( { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا } ) 77 < # > [ الإسراء : 92 ] الآية وهذه الآية من الاحتباك : ذكر { سنة الأولين } ~~أولا يدل على ضدها ثانيا , وذكر المكاشفة ثانيا يدل على المساواة أولا . | ~~ولما كان ذلك ليس إلى الرسول , إنما هو إلى الإله , بينه بقوله تعالى : { ~~وما نرسل } على ما لنا من العظمة التي لا أمر لأحد معنا فيها { المرسلين ~~إلا مبشرين } بالخير على أفعال الطاعة { ومنذرين } بالشر على أفعال المعصية ~~, فيطلب منهم الظالمون من أممهم ما ليس إليهم من فصل الأمر { ويجادل الذين ~~كفروا } أي يجددون الجدال كلما أتاهم أمر من قبلنا { بالباطل } من قولهم : ~~لو كنتم صادقين لأتيتم بما نكلب منكم , مع أن ليس كذلك لأنه ليس لأحد غير ~~الله من الأمر شيء { ليدحضوا } أي ليزلقوا فيزيلوا ويبطلوا { به الحق } ~~الثابت من المعجزات المثبتة لصدقهم . | ولما كان لكل مقام مقال , ولكل مقال ~~حد وحال , فأتى في الجدال بصيغة الاستقبال , وكان اتخاذ الاستهزاء أمرا ~~واحدا , أتى به ماضيا فقال تعالى : { واتخذوا } أي كلفوا أنفسهم أن أخذوا { ~~ءاياتي } بالبشارات التي هي المقصودة بالذات لكل ذي روح { وما أنذروا } من ~~آياتي , بني للمفعول لأن الفاعل معروف والمخيف الإنذار { هزوا * } مع ~~بعدهما جدا عن ذلك , فلا بالرغبة أطاعوا , ولا للرهبة ارتاعوا , فكانوا شرا ~~من البهائم . | PageV04P482 < < # | الكهف : ( 57 - 58 ) ومن أظلم ممن . . . . . # > > ^ ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا ~~جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن ~~يهتدوا إذا أبدا * وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم ~~العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا ) ^ } ) | ولما حكي عنهم هذا ~~الجدال , والاستهزاء والضلال , وصفهم بما يموجب الخزي فقال - عاطفا على ما ~~تقديره : فكانوا بذلك اظلم الظالمين : { ومن أظلم } منهم - استفهاما على ~~سبيل التقريرن ولكنه أظهر للتنبيه على الوصف الموجب للإنكار على من ms2914 شك في ~~أنهم أظلم . | فقال تعالى : { ممن ذكر } أي من أي مذكر كان { بأيات } أي ~~علامات { ربه } المحسن إليه بهاح قال الأصفهاني : وهذا من أفصح التقرير أن ~~يوقف الرجل على ما لاجواب فيه إلا الذي يريد خصمه . | ولما كان التذكير ~~سببا للإقبال فعكسوا فيه قال تعالى : { فأعرض عنها } تاركا لما يعرف من تلك ~~العلامات العجيبة وما يوجبه ذلك الإحسان من الشكر { ونسي ما قدمت يداه } من ~~الفساد الذي هو عارف - لو صرف عقله إلى الفكر فيما ينفعه - أن الحكمة تقتضي ~~جزاءه عليه , وأفرد الضمير في جميع هذا على لفظ { من } إشارة إلى أن من فعل ~~مثل هذا - ولو أنه واحد - كان هكذا , والأحسن أن يقال : إنهم لما كانوا قد ~~سألوا اليهود عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما أشير إليه عند ^ ( { ~~ويسألونك عن الروح } ) ^ [ الإسراء : 85 ] فأمروهم بسؤاله عما جعلوه أمارة ~~على صدقه , فلم يؤثر ذلك فيهم , واستمروا بعد إخباره بالحق على التكذيب , ~~شرح حالهم بالتعقيب بالفاء , فكان المعنى : من أظلم منهم , لأنهم ذكروا ~~فأعرضوا ونسوا ما اعتقدوا أنه دليل الصدق , وأنه لا جدال بعده , وسيأتي ~~لموقع الفاء في آخر السجدة مزيد بيان , وإسناد الفعل في الإعراض وما بعده ~~إليهم حقيقة مما لهم من الكسب كما أن إسناد الجعل وما بعده إلى الله حقيقة ~~بما له من الخلق . | ولما كان كأنه قيل : ما لهم فعلوا ذلك ؟ أيجهل قبح هذا ~~أحد ؟ قيل : { إنا جعلنا } بما لنا من القدرة على إعماء البصائر والأبصار { ~~على قلوبهم } فجمع رجوعا إلى أسلوب { واتخذوا ءاياتي } لأنه أنص على ذم كل ~~واحد { أكنة } أي أغطية مستعلية عليها استعلاء يدل سياق العظمة على أنه لا ~~يدع شيئا من الحيز يصل إليها , فهي لا تعي شيئا من آياتنا , ودل بتذكير ~~الضمير على أن المراد بالآيات القرآن فقال تعالى : { أن } أي كراهة أن { ~~يفقهوه } أي يفهموه { وفي ءاذانهم وقرا } أي ثقلا فهم لا يسمعون حق السمع , ~~ولا يعون حق الوعي { وإن تدعهم } أي تكرر دعاءهم كل وقت { إلى الهدى ms2915 } ~~PageV04P483 لتنجيهم بما عندك من الحرص على ذلك والجد { فلن يهتدوا } أي ~~كلهم بسبب دعائك { إذا } أي إذا دعوتهم { أبدا * } لأن من له العظمة التامة ~~- وهو الذي إذا عبر عن نفسه بنونها كانت على حقيقتها - حكم عليها بالضلال , ~~أي أنه لا يكون الدعاء وحده هاديا لأكثرهم , بل لا بد معه من السيف كما ~~سنأمرك به فتقطع الرؤوس فيذل غيرهم , وقد يكون المراد أن من كان هكذا ~~معاندا على هذا الوجه مؤبد الشقاء , وقد نفى آخر هذه الآية الفعل عن العباد ~~وأثبته لهم أولها , وقلما نجد في القرآن آية تسند الفعل إليهم إلا قارنتها ~~أخرى تثبيته لله وتنفيه عنهم , ابتلاء من الله لعباده ليتميز الراسخ - الذي ~~ينسب للمكلفين الكسب المفيد لأثر التكليف , ولله الخلق المفيد لأنه سبحانه ~~لا شريك له في خلق ولا غيره - من الطائش الذي يقول بالجبر أو التفويض . | ~~ولما كان هذا مقتضيا لأخذهم , عطف على ما اقتضاه السياق مما ذكرته من العلة ~~قوله تعالى : { وربك } مشيرا بهذا الاسم إلى ما اقتضاه الوصف من االإحسان ~~بأخذ من يأخذ منهم وإمهال غيره لحكم دبرها ؛ ثم أخبر عنه بما ناسب ذلك من ~~أوصافه فقال : { الغفور } أي هو وحده الذي يستر الذنوب إما بمحوها وإما ~~بالحلم عنها إلى وقت { ذو الرحمة } أي الذي يعامل - وهو قادر - مع موجبات ~~الغضب معاملة الراحم بالإكرام ؛ ثم استشهد على ذلك بقوله تعالى : { لو ~~يؤاخذهم } أي هؤلاء الذين عادوك وآذوك , وهو عالم بأنهم لا يؤمنون لو ~~يعاملهم معاملة المؤاخذ { بما كسبوا } حين كسبهم { لعجل لهم العذاب } واحدا ~~بعد واحد , ولكنه لا يعجل لهم ذلك { بل لهم موعد } يحله بهم فيه , ودل على ~~أن موعده ليس كموعد غيره من العاجزين بقوله دالا على كمال قدرته : { لن ~~تجدوا من دونه } أي الموعد { موئلا * } أي ملجأ ينجيهم منه , فإذا جاء ~~موعدهم أهلكناهم فيه بأول ظلمهم وآخره . | < < # | الكهف : ( 59 - 63 ) وتلك القرى أهلكناهم . . . . . # > > ^ ( وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا * وإذ قال ~~موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو ms2916 أمضي حقبا * فلما بلغا مجمع ~~بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا * فلما جاوزا قال لفتاه آتنا ~~غدآءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا * قال أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة فإني ~~نسيت الحوت ومآ أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا ) ~~^ } ) | ولما كانت هذه سنته في القرون الماضية والأمم الخالية , قال تعالى ~~عاطفا على قوله ( لهم موعد ) مروعا لهم بالإشارة إلى ديارهم المصورة ~~لدمارهم : { وتلك القرى } أي الماضية من عاد وثمود ومدين وقوم لوط وأشكالهم ~~{ أهلكناهم } أي حكمنا PageV04P484 بإهلاكهم بما لنا من العظمة { لما ظلموا ~~} أي اول ما ظلموا , أو أهلكناهم بالفعل حين ظلمهم لكن لا في أوله , بل ~~امهلناهم إلى حين تناهيخ وبلوغه الغاية , فليحذر هؤلاء مثل ذلك { وجعلنا } ~~أي بما لنا من العظمة { لمهلكهم } أي إهلاكهم بالفعل { موعدا * } أي وقتا ~~نحله بهم فيه ومكانا لم نخلفه , كما أنا جعلنا لهؤلاء موعدا في الدنيا بيوم ~~بدر والفتح وحنين ونحو ذلك , وفي الآخرة لن نخلفه , وكذا كل أمر يقوله نبي ~~من الأنبياء عنا لا يقع فيه خلف وإن كان يجوز لنا ذلك , بخلاف ما يقوله من ~~نفسه غير مسند إلينا فإنه يمكن وقوع الخلف فيه , كما وقع في الوعد بالإخبار ~~عن هذه المسائل التخلف أربعين ليلة أو ما دونها على حسب فهمهم أن { غدا } ~~على حقيقته . | ولما قدم الكلام على البعث , واستدل عليه بابتداء الخلق , ~~ثم ذكر بعض أحواله , ثم عقبه بما ضرب لذلك وغيره من الأمثالن وصرف من وجوه ~~الاستدلال , وختم ذلك بأنه يمهل عند المساءة عقب ذلك بأنه كذلك يفعل عند ~~المسرة , فلكل شيء عنده كتاب , وكل قضاء بقدر حسابن فذكر قصة موسى مع الخضر ~~عليهما السلام وما اتفق له في طلبهن وجعله سبحانه له الحوت آية وموعدا ~~للقائهن ولو أراد سبحانه لقرب المدى ولم يحوج إلى عناء , مع ما فيها من ~~الخارق الدال على البعث , ومن الدليل على أن من ثبت فضله وعلمه لا يجوز أن ~~يعترض عليه إلا من كان على ثفة ms2917 مما يقوله من ربه ولا أن يمتحن , ومن ~~الإرشاد إلى ذم الجدل بغير علم , ووجوب الانقياد للحق عند بيانه , وظهور ~~برهانه , ومن إرشاد من استنكف ان يجالس فقراء المؤمنين بما اتفق لموسى عليه ~~السلام من أنه - وهو كليم الله - أتبع الخضر عليه السلام ليقتبس من علمه , ~~ومن تبكيت اليهود بقولهم لقريش لما أمروهم بسؤال النبي صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم ( إن لم يخبركم فليس بنبي ) الموهم للعرب الذين لا يعلمون شيئا أن ~~من شرط النبي أن لا يخفى عليه شيء , مع ما يعلمون من أن موسى عليه السلام ~~خفي عليه جمع ما فعله الخضر عليه السلام , وإلى نحو هذا أشار الخضر عليه ~~السلام بقوله إذ وقع العصفور على حرف السفينة ونقر من البحر نقرة أونقرتين ~~( ما نقص علمي وعلمك يا موسى من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر ~~) وبإعلامهم بما يعلمونه من أن موسى عليه السلام جعل نفسه تابعا للخضر عليه ~~السلام , تكذيبا لهم في ادعائهم أنه ليس أحدأعلى من موسى عليه السلام في ~~وصف من الأوصاف , وأنه لا ينبغي لأحد اتباع غيره , PageV04P485 ومن جوابهم ~~عما لعلهم يقولون للعرب بهتا وحسدا ( لو كان نبيا ما قال : أخبركم غدا ~~وتأخر عن ذلك ) بما اتفق لموسى في وعده الخضر عليهما السلام بالصبر , وبما ~~خفي عليه مما اطلع عليه الخضر عليهما السلام , فقال تعالى عاطفا على قوله ~~سبحانه { وإذ قلنا للملائكة } : { وإذ } أي واذكر لهم حين { قال موسى } أي ~~ابن عمران المرسل إلى بني إسرائيل , أي قوله الذي كان في ذلك الحين { لفتاه ~~} يوشع بن نون عليهما السلام : { لا أبرح } أي لا أزال سائرا في طلب العبد ~~الذي أعلمني ربي بفضله - كما دل عليه ما يأتي { حتى أبلغ مجمع البحرين } أي ~~ملتقاهما وموضع اختلاطهما الذي سبق إليه فهمي , فتعينت البداءة به فألقاه ~~ثم { أو أمضي حقبا * } إن لم أظفر بمجمع البحرين الذي جعله ربي موعدا لي في ~~لقائه ؛ والحقب - قال في القاموس - ثمانون سنة أو أكثر والدهر والسنة أو ms2918 ~~السنون - انتهى . | وما أنسب التوقيت بمجمع بحري الماء بمجمع بحري العلم ~~وتزودهما بالنون الذي قرنه الله بالقلم وما يسطرون , وعين الحياة لأن العلم ~~حياة القلوب , فسارا وتزودا حوتا مشويا في مكتل كما أمر به , فكانا يأكلان ~~منه إلى أن بلغا المجمع { فلما بلغا مجمع بينهما } أي البحرين , فلم يكن ~~هناك بين أصلا لصيرورتهما شيئا واحدا { نسيا حوتهما } فلم يعلم موسى عليه ~~السلام فنسي شيئا من حاله ونسي أن يسأل عنه , وعلم يوشع عليه السلام بعض ~~حاله فنسي أن يذكر ذلك له { فاتخذ } أي الحوت معجزة في معجزة { سبيله } أي ~~طريقه الواسع الواضح { في البحر سربا * } أي خرقا في الماء غير ملتئم , من ~~السرب الذي هو جحر الوحشين والحفير تحت الأرض , والقناة يدخل منها الماء ~~الحائطز وقد ورد في حديثه في الصحيح أن الله تعالى أحياه وأمسك عن موضع ~~جريه في الماء , فصار طاقا لا يلتئم . | ويوشع عليه السلام ينظر ذلك , وكأن ~~المجمع كان ممتدا , فظن موسى عليه السلام أن المطلوب أمامه أو ظن أن المراد ~~مجمع آخر فسار { فلما جاوزا } أي موسى وفتاه عليهما السلام ذلك الموضع من ~~المجمع تعب , ولم يتعب حتى جاوز المكان الذي أمربه معجزة أخرة , فلما جاع ~~وتعب { قال لفتاه ءاتنا } أي أحضرلنا { غداءنا } أي لنتقوى به على ما حصل ~~لنا من الإعياء , ولذلك وصل به قوله تعالى : { لقد لقينا من سفرنا } أي ~~الذي سافرناه في هذا اليوم خاصة , ولذلك أشار إليه بأداة القرب فقال تعالى ~~: { هذا نصبا * } وكان الحوت زادهم فلم يكن معه , فكأنه قيل : فما كان عن ~~أمره ؟ فقيل : { قال } لموسى عليه السلام معجبا له : { أرءيت } ما دهاني ؟ ~~{ إذ أوينا إلى الصخرة } التي بمجمع البحرين { فإني } أي بسبب أني { نسيت ~~الحوت } أي نسيت أن أذكر لك أمره الذي كان هناك ؛ ثم زاد PageV04P486 ~~التعجيب من هذا النسيان بالاعتراض بين الإخبار به مجملا وبين تفصيل أمره ~~وبإيقاع النسيان عليه ثم على ذكره فقال تعالى : { وما أنسانيه } مع كونه ~~عجيبا { إلا الشيطان } بوساوسه . | ولما كان المقام للتدريب ms2919 في عظيم تصرف ~~الله تعالى في القلوب بإثبات العلم ونفيه وإن كان ضروريا , ذكر نسيانه , ثم ~~أبدل من ضميره قوله تعالى : { أن أذكره } لك فإنه عاش فانساب من المكتمل في ~~البحر { واتخذ سبيله } أي طريقه الذي ذهب فيه { في البحر عجبا * } وذكه له ~~الآن مانع من أن يكون للشيطان عليه سلطان على أن هذا الإنساء ليس مفوتا ~~لطاعة , بل فيه ترقية لهما في معارج المقامات العالية لوجدان التعب بعد ~~المكان الذي فيه البغية , وحفظ الماء منجابا على طول الزمان وغير ذلك من ~~آيات الإيقانن وقوله تعالى { إنما سلطانه على الذين يتولونه } [ النحل : ~~100 ] مبين أن السلطان الحمل على المعاصي , وقد كان في هذه القصة خوارق ~~حياة الحوت وإيجاد ما كان أكل منه , وإمساك الماء عن مدخله , وقد اتفق ~~لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه أو أتباعه ببركته مثل ذلك . | أما ~~إعادة ما أكل من الحوت المشوي - وهو جنبه - فقد روى البيهقي في أواخر دلائل ~~النبوة عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما , قال : خرجنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم إلى الحجة التي حجها حتى إذا كنا ببطن الروحاء - ~~فذكر قصة المرأة التي أبرأ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولدها من ~~الجنون إلى أن قال : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حجته ~~انصرف حتى إذا نزل ببطن الروحاء أتته تلك المرأة بشاة قد شوتها , فأمر بأخذ ~~تلك الشاة منها ثم قال : ( يا أسيم - ) وكان إذا دعاه رخمه ! ( ناولني ~~ذراعا , ) وكان أحب الشاة إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~مقدمها , ثم قال : ( يا أسيم ناولني ذراعا ! ) فناولته , ثم قال : ( يا ~~أسيم ! ناولني ذراعا ! ) فقلت : يا رسول الله ! إنما هما ذراعان وقد ناولتك ~~, فقال : ( والذي نفسي بيده لو سكت ما زلت تناولني ذراعا ما قلت لك : ~~ناولني ذراعا ) فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لو سكت أوجد الله لها ~~ذراعا ثم ذراعا وهكذا , وقوله الحق الذي لا ms2920 فرق بينه وهو في عالم الغيب ~~وبين ما وجد في عالم الشهادة . | PageV04P487 وأما حياة الحوت المشوي فقد ~~مضى عند < # > 77 ( { والله يعصمك من الناس } ) 77 < # > [ المائدة : 67 ] ما هو أكبر من ذلك في قصة الشاة المشوية المسمومة , ~~وهو أن ذراعها أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه مسموم فهو أعظم ~~من عود الحياة من غير نطق , وكذا حنين الجذع , وسلام الحجر , وتسبيح الحصا ~~, وتأمين أسكفة الباب وحوائط البيت ونحو ذلك أعظم من عود الحياة إلى ما كان ~~حيا , فقد روى البيهقي في الدلائل عن عمرو بن سواد قال : قال لي الشافعي : ~~ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم , فقلتك أعطى ~~عيسى عليه السلام إحياء الموتى ؟ فقال : أعطى محمدا صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم الجذع - الذي كان يخطب إلى جنبه حتى هيئ له المنبر , فلما هيئ له ~~المنبر حن الجذع حتى سمع صوته - فهذا أكبر من ذاك - انتهى . | على أنه قد ~~تقدم في آل عمران وفي آخر البقرة في قصة إبراهيم عليه السلام أشياء من ~~إحياء الموتى له صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولبعض أمته . | وأما آية ~~الماء فمرجعها إلى صلابته , ولا فرق بين جموده بعدم الالتئام بعد الانخراق ~~وبين جموده وصلابته بالامتناع من الانخراق , وقد روى البيهقي في ذلك ما فيه ~~آية من الإحياء بسند منقطع عن أنس رضي الله عنه قال : كنا في الصفة عند ~~رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأتته امرأة مهاجرة ومعها ابن لها ~~قد بلغ فأضاف المرأة إلى النساء وأضاف ابنها إلينا , فلم يلبث أن أصابه ~~وباء المدينة فمرض أياما ثم قبض فغمضه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~وأمر بجهازه , فلما أردنا ان نغسله PageV04P488 قال : ائت أمه فأعلمها , ~~فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما , ثم قالت : اللهم إني أسلمت لك طوعا ~~, وخلعت الأوثان زهدا , وهاجرت إليك رغبة , اللهم لا تشمت بي عبده الأوثان ~~, ولا تحملني من هذه المصيبة ما لا ms2921 طاقة لي بحملها , قال : فوالله ما تقضي ~~كلامها حتى حرك قدميه , وألقى الثوب عن وجهه , وعاش حتى قبض الله رسوله صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم حتى هلكت أمه ؛ ثم جهز عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~- يعني جيشا , واستعمل عليه العلاء بن الحضرمي , قال : وكنت في غزاته , ~~فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد تدروا بنا , فعفوا آثار الماء , قال : وكان ~~حر شديد , فجهدنا العطش ودوانبا , وذلك يوم الجمعه فلما مالت الشمس لغروبها ~~صلى بنا ركعتين , ثم مد يده وما نرى في السماء شيئا , فوالله ما حط يده حتى ~~بعث الله ريحا وأنشأ سحابا فأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب , فشربنا وسقينا ~~واستقينا ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة , فوقف على ~~الخليج وقال : يا علي يا عظيم يا حيلم يا كريم ! ثم قال : أجيزوا باسم الله ~~! فجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا , فأصبنا العدو غيلة فقلنا وأسرنا ~~وسبينا ثم أتينا الخليج فقال مثل مقالته فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا ~~. | وأخبرنا أبو الحسين بن بشران أنا إسماعيل الصفار نا الحسن بن علي بن ~~عفان أنبأنا انب نمير عن الأعمش عن بعض أصحابه , قال : انتهينا إلى دجلة ~~وهي مادة , والأعاجم خلفها , فقال رجل من المسلمين : بسم الله , ثم أقحم ~~فرسه فاندفع على الماء , فقال الناس : بسم الله بسم الله , ثم اقتحموا ~~فارتفعوا على الماء , فلما نظر إليهم الأعاجم قالوا : ديوان ديوان , ثم ~~ذهبوا على وجوههم , فما فقدوا إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج , فلما خرجوا ~~أصابوا الغنائم فاقتسموها . | أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي أنا أبو محمد ~~عبد الله بن محمد السمذي ثنا أبو العباس السراج ثنا الفضل بن سهل وهارون بن ~~عبد الله قالا : ثنا سليمان بن المغيرة أن أبا مسلم الخولاني جاء إلى ~~الدجلة وهي ترمي بالخشب من مدها , فمشى على الماء والتفت إلى أصحابه وقال : ~~هل تفقدون من متاعكم شيئا فندعوا الله - قال البيهقي : هذا إسناد صحيح . | ~~< < # | الكهف : ( 64 - 67 ) قال ذلك ما . . . . . # > > ^ ( قال ذلك ما كنا ms2922 نبغ فارتدا على آثارهما قصصا * فوجدا عبدا من ~~عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما * قال له موسى هل أتبعك ~~على أن تعلمن مما علمت رشدا * قال إنك لن تستطيع معي صبرا ) ^ } ) | ~~PageV04P489 وفي هذا الأمر من هذه القصة قاصمة للسائلين والآمرين لهم ~~بالسؤال , لأن المراد - والله أعلم - أن هذا الأمر وقع لنبي هؤلاء المضلين ~~, فمر قريشا أن يسألوهم عن هذه القصة , فإن أخبروهم عنها بمثل ما أخبرتهم ~~فصدقوهم , لزمهم أن يؤمنوا بالبعث لأمر هذا الحوت الذي أحياه الله بعد أن ~~كان مشويا وصار كثير منه في البطون , وإن مل يصدقوهم في هذا وصدقوهم في ~~غيره مما يتعنتون به عليك فهو تحكم , وإن كانوا يتهمونهم في كل أمر كان ~~سؤالهم لهم عبثا , ليس من أفعال من يعقل , فكأنه قيل : فما قال موسى حينئذ ~~؟ فقيل : { قال } منبها على أن ذلك ليس من الشيطان , وإنما هو إغفال من ~~الله تعالى بغير واسطة ليجدا العلامة التي أخبره الله بها كما قال النبي ~~صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ( إنى لأنسى - أي ينسيني الله تعالى - لأسن ~~) : { ذلك } أي الأمر العظيم من فقد الحوت { ما كنا نبغ } أي نريد من هذا ~~الأمر المغيب عنا , فإن الله تعالى جعله موعدا لي في لقاء الخضر { فارتدا ~~على ءاثارهما } يقصانها { قصصا * } وهذا يدل على أن الأرض كانت رملان لا ~~علم فيها , فالظاهر - والله أعلم - أنه مجمع النيل والملح الذي عند دمياط , ~~أو رشيد من بلاد مصر , ويؤيده نقر العصفور في البحر الذي ركبا في سفينته ~~للتغذية - كما في الحديث , فإن الطير لا يشرب من الملح , ومن المشهور في ~~بلاد رشيد أن الأمر كان عندهم , وأن عندهم سمكا ذاهب الشق يقولون : أنه من ~~نسل تلك السمكة - والله أعلم . | فاستمرا يقصان حتى انتها إلى موضع فقد ~~الحوت { فوجدوا عبدا من عبادنا } مضافا إلى حضرة عظمتنا وهو الخضر عليه ~~السلام { ءاتيناه } عظمتنا { رحمة } أي وحيا وبنوة , وكونه نبيا قول ~~الجمهور { من عندنا } أي مما لم يجر على الأمور المستبطنة المستغربة ms2923 التي ~~عندنا مما لم يحدث عن الأسباب المعتادات , فهو مستغرب عند أهل الاصطفاء { ~~علما } قذفناه في قلبه بغير واسطة ؛ وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي : ( ~~عند ) في لسان العرب لما ظهر , و ( لدن ) لما بطن , فيكون المراد بالرحمة ~~ما ظهر من كراماته , وبالعلم الباطن الخفي المعلوم قطعا أنه خاص بحضرته ~~سبحانه , فأهل التصوف سموا العلم بطريق المكاشفة العلم اللدني , فإذا سعى ~~العبد في الرياضيات يتزين الظاهر بالعبادةن وتتخلى النفس عن الأخلاق ~~الرذيلة , وتتحلى بالأخلاق الجميلة , وتصير القوى الحسية والخيالية ~~والوهمية في غاية القوة , وحينئذ تصير القوة العقلية قوية صافية , وربما ~~كانت النفس بحسب أصل الفطرة نورانية إلهية علوية قليلة التعلق بالحوادث ~~البدنية , شديدة الاستعداد لقبول الأمور الإلهية , فتشرق فيها الأنوار ~~PageV04P490 الإلهية وتفيض عليها من عالم القدس على وجه الكمال فتحصل ~~المعارف والعلوم من غير تفكر وتأمل , فهذا هو العلم اللداني . | ثم أورد ~~سبحانه وتعالى القصة على طريق الاستئناف على تقدير سؤال سائل عن كل كلام ~~يرشد إليه ما قبله , وذلك أنه من المعلوم أن الطالب للشخص إذا لقيه كله , ~~لكن لا يعرف عين ذلك الكلام فقال لمن كأنه سأل عن ذلك : { قال له موسى } ~~طالبا منه على سبيل التأدب والتلطف بإظهار ذلك في قالب الاستئذان : { هل ~~أتبعك } أي اتباعا بليغا حيث توجهت ؛ والاتباع : الإتيان لمثل فعل الغير ~~لمجرد كونه آتيا به ؛ وبين أنه لا يطلب منه غير العلم بقوله : { على أن ~~تعلمن } وزاد في التلطف بالإشارة إلى أنه لا يطلب جميع ما عنده ليطول عليه ~~الزمان بل جوامع منه بسترشد بها إلى باقية فقال : { مما علمت } وبناه ~~للمفعول لعلم المخاطبين - لكونهم من الخلص - بأن الفاعل هو الله سبحانه ~~وتعالى , وللإشارة إلى سهولة كل أمر على الله عز وجل { رشدا * } أي علما ~~يرشدني إلى الصواب فيما أقصده , ولا نقص في تعلم نبي من نبي حتى يدعى أن ~~موسى هذا ليس موسى بن عمران عليه السلام فإنه قد ثبت كونه ابن عمران في ~~الصحيح , وأتى صلى الله عليه من الرسوخ في العلم , لأن ms2924 كل من كانت إحاطته ~~بالعلوم أكثر , كان علمه بما فيها من البهجة والسعادة أكثر , فكان طلبه لها ~~أشد , فكان تعظيمه لأرباب العلوم أكمل . | ولما أتم العبارة عن السؤال , ~~استأنف جوابه له بقوله تعالى : { قال } أي الخضر عليه السلام : { إنك لن ~~تستطيع } يا موسى { معي صبرا * } أي هو من العظمة على ما أريد لما يحثك على ~~عدم الصبر من ظاهر الشرع الذي أمرت به , فالتنوين للتعظيم بما تؤذن به تاء ~~الاستفعال , وأكد لما في سؤال موسى عليه السلام من التلطف المؤذن بأنه يصبر ~~عليه ولا يخالفه في شيء أصلا , ويؤخذ منه أن العالم إن رأى في التغليظ على ~~المتعلم ما يفيده نفعا وإرشادا إلى الخير كان عليه ذكره , فإن السكوت عنه ~~يوقع المتعلم في الغرور والنخوة , وذلك يمنعه من التعلم . | < < # | الكهف : ( 68 - 74 ) وكيف تصبر على . . . . . # > > ^ ( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا * قال ستجدني إن شآء الله صابرا ~~ولا أعصي لك أمرا * قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ~~ذكرا * فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد ~~جئت شيئا إمرا * قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا * قال لا تؤاخذني بما ~~نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا * فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال ~~أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا ) ^ } ) | PageV04P491 ولما ~~كان المقام صعبا جدا لأنه بالنسبة إلى أوامر الله تعالى , بينه على وجه ~~أبلغ من نفي الأخص , وهو الصبر البليغ , بالتعجب من مطلق الصبر معتذرا عن ~~موسى في الإنكارن وعن نفسه في الفعل , بأن ذلك بالنسبة إلى الظاهر والباطن ~~, فقال عاطفا على ما تقديره : فكيف تتبعني الاتباع البليغ : { وكيف تصبر } ~~يا موسى { على ما لم تحط به خبرا * } أي من جهة العلم به ظاهرا وباطنا , ~~فأشار بالإحاطة إلى أنه كان يجوز أن يكون على صواب , ولكن تجويزا لا يسقط ~~عنه وجوب الأمر , ويجوز أن يكون هذا تعليلا لما قبله , فيكون الصبر الثاني ~~هو الأولن والمعنى ms2925 أنك لا تستطيع الصبر الذي أريده لأنك لا تعرف فعلي على ~~ما هو عليه فتراه فاسدا { قال } أي موسى عليه السلام , آتيا بنهاية التواضع ~~لمن هو أعلم منه , إرشادا لما ينبغي في طلب العلم رجاء تسهيل الله له ~~والنفع به : { ستجدني } فأكد الوعد بالسنين ؛ ثم أخبر عنه سبحانه أنه قوى ~~تأكيده بالتبرك بذكر الله تعالى لعلمه بصعوبة الأمر على الوجه الذي تقدم ~~الحث عليه في هذه السورة في قوله تعالى { ولا تقولن لشيء إني فاعل } الآية ~~ليعلم أنه منهاج الأنبياء وسبيل الرسل , فقال تعالى : { إن شاء الله } أي ~~الذي له صفات الكمال { صابرا } على ما يجوز الصبر عليه ؛ ثم زاد التأكيد ~~بقوله عطفا بالواو على ( صابرا ) لبيان التمكن في كل من الوصفين : { ولا ~~أعصي } أي وغير عاص { لك أمرا * } تأمرني به غير مخالف لظاهر أمر الله { ~~قال } أي الخضر عليه السلام : { فإن اتبعني } يا موسى اتباعا بليغا { فلا ~~تسألني عن شيء } أقوله أو أفعله { حتى أحدث لك } خاصة { منه ذكرا * } يبين ~~لك وجه صوابه , فإني لا أقدم على شيء إلا هو صواب جائز في نفس الأمر وإن ~~كان ظاهره غير ذلك . | ولما تشارطا زتراضيا على الشرط سبب قوله تعالى : { ~~فانطلقا } أي موسى والخضر عليهما السلام على الساحل , يطلبان سفينة يركبان ~~فيها واستمرا { حتى إذا ركبا في السفينة } وأجاب الشرط بقوله تعالى : { ~~خرقها } وعرفها لإرشاد السياق بذكر مجمع البحرين إلى أن انطلاقهما كان لطلب ~~سفينة , فكانت لذلك كأنها مستحضرة في الذهن , ولم يقرن ( خرق ) بالفاء لأنه ~~لم يكن مسببا عن الركوب ولا كان في أول أحيانه ؛ ثم استأنق قوله تعالى : { ~~قال } أي موسى عليه السلام , منكرا لذلك لما في ظاهره من الفساد بإتلاف ~~المال المفضي إلى فساد أكبر منه بإهلاك النفوس , ناسيا لما عقد على نفسه ~~لما دهمه مما عنده من الله - وهو الإله العظيم - من العهد الوثيق المكرر في ~~جميع أسفار التوراة بعد إثباته في لوحي الشهادة في العشر كلمات التي نسبتها ~~من التوراة كنسبة الفاتحة من القرآن بالأمر القطعي ms2926 أنه لا يقر على منكر , ~~ومن المقرر أن النهي واجب على الفور , على أنه لا يقر على منكر , ومن ~~المقرر أن النهي واجب على الفور , على PageV04P492 أنه لو لم ينس لم يترك ~~الإنكار , كما فعل عند قتل الغلام , لأن مثل ذلك غير داخل في الوعد , لأن ~~المستثنى وضعا , ففي الأولى نسي الشرط , وفي الثانية نسي - لما دهمه من ~~فظاعة القتل الذي لم يعلم فيه من الله أمرا - أنه ينبغي تقليده لثناء الله ~~تعالى عليه : { أخرقتها } وبين عذره في الإنكار بما في غاية الخرق من ~~الفظاعة فقال : { لتغرق أهلها } والله ! { لقد جئت شيئا إمرا } أي عظيما ~~منكرا عجيبا شديدا { قال } أي الخضر عليه السلام : { ألم أقل ذلك } يا موسى ~~! { لن تستطيع معي صبرا * } فذكره بما قال له عند الشرط { قال } موسى : { ~~لا تؤاخذني } يا خضر { بما نسيت } من ذلك الاشتراط { ولا ترهقني } أي ~~تلحقني بما لا أطيقه وتعجلني عن مرادي بابتاعك على وجه القهر ناسبا لي إلى ~~السفه والخفة وركوب الشر { من أمري عسرا * } بالمؤاخذة على النسيان , فكل ~~منهما صادق فيما قال , موف بحسب ماعنده , أما موسى عليه على السلام فلأنه ~~ما خطر له قط أن يعاهد على أن لا ينهى عما يعتقده منكرا , وأما الخضر فإنه ~~عقد على ما في نفس الأمر لأنه لا يقدم على منكر , ومع ذلك فما نفي إلا ~~الصبر البليغ الذي دل عليه بزيادة تاء الاستفعال , وقد حصل ما يطلق عليه ~~صبر . | لأنه لما ذكره كف عنه لما تذكر بثناء الله عليه أنه لا يفعل باطلا ~~, ولم يحصل الصبر البليغ الذي في نفس الخضر بالكسوت في أول الأمر وآخره { ~~فانطلقا } بعد نزولهما من السفينة وسلامتها من الغرق والغصب { حتى إذا لقيا ~~غلاما } لم يبلغ الحلم وهو في غاية القوة { فقتله } حين لقيه - كما دلت ~~عليه الفاء العاطفة على الشرط . | ثم أجاب الشرط بقوله مشعرا بأن شروعه في ~~الإنكار في هذه أسرع : { قال } أي موسى عليه السلام : { أقتلت } يا خضر { ~~نفسا زكية } بكونها على الفطرة الأولى من ms2927 غير أن تدنس بخطيئة توجب القتل { ~~بغير نفس } قتلتها ليكون قتلك لها قودا ؛ وهذا يدل على أنه كان بالغا حتى ~~إذا قيل قتيلا أمكن أمكن قتله به إلا أن يكون شرعهم لا يشترط البلوغ ؛ ثم ~~استأنف قوله : { لقد جئت } في قتلك إياها { شيئا } وصرح بالإنكار في قوله : ~~{ نكرا * } لأنه مباشرة . | والخرق تسبب لا يلزم منه الغرق . | < < # | الكهف : ( 75 - 79 ) قال ألم أقل . . . . . # > > ^ ( قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا * قال إن سألتك عن شيء ~~بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا * فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل قرية ~~استطعمآ أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال ~~لو شئت لاتخذت عليه أجرا * قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم ~~تستطع عليه صبرا * أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن ~~أعيبها وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ) ^ } ) | PageV04P493 ولما ~~كانت هذه ثانية { قال } الخضر عليه السلام : { ألم أقل } وزاد قوله : { لك ~~إنك } يا موسى { لن تستطيع معي } أي خاصة { صبرا * قال } موسى عليه السلام ~~حياء منه لما أفاق بتذكر مما حصل من فرط الوجد لأمر الله فذكر أنه ما تبعه ~~إلا بأمر الله : { إن سألتك عن شيء بعدها } يا أخي ! وأعلم بشدة ندمه على ~~الإنكار بقوله : { فلا تصاحبني } بل فارقتني ؛ ثم علل ذلك بقوله { قد بلغت ~~} وأشار إلى أن ما وقع منه من الإخلال بالشرط من أعظم الخوارق التي اضطر ~~إليها فقال : { من لدني عذرا * } باعتراضي مرتين واحتمالك لي فيهما . | وقد ~~أخبرني الله بحسن حالك في غزارة علمك { فانطلقا } بعد قتله { حتى إذا أتيا ~~أهل قرية } عبر عنها هنا بالقرية دون المدينة لأنه أدل على الذم , لأن مادة ~~قرا تدور على الجمع الذي يلزمه الإمساك كما تقدم في آخر سورة يوسف عليه ~~السلام ؛ ثم وصفها ليبين أن لها مدخلا في لؤم أهلها بقوله تعالى : { ~~استطعما } وأظهر ولم يضمر في قوله : { أهلها } لأن الاستطعام لبعض من أتوه ~~, أوكل من الإتيان والاستطعام لبعض ms2928 ولكنه غير متحد , وهذا هو الظاهر , لأنه ~~هو الموافق للعادة . | قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتابه مفتاح الباب ~~المقفل لفهم القرآن المنزل : ولتكرار الأسماء بالإظهار والإضمار بيان سنين ~~الأفهام في القرآن : اعلم أن لوقوع الإظهار والإضمار في بيان القرآن وجهين ~~: أحدهما يتقدم فيه الإظهار وهو خطاب المؤمنين بآيات الآفاق وعلى نحوه هو ~~خطاب الخلق بعضهم لبعض لا يضمرون إلا بعد أن يظهروا , والثاني يتقدم فيه ~~الإضمار وهو خطاب الموقنين بآية الأنفس , ولم يصل إليه تخاطب الخلق . | ~~فإذا كان البيان عن إحاطة , تقدم الإضمار { قل هو الله أحد } وإذا كان عن ~~اختصاصن تقدم الإظهار { الله الصمد } وإذا رد عليه بيان على حدة أضمر { لم ~~يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد } أي هذا الذي عم بأحديته وخص يصمديته , ~~أو بجمع المضمر والمظهر < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله ~~إن الله سميع عليم } ) 77 < # > [ الحجرات : 1 ] < # > 77 ( { إن بطش ربك لشديد إنه هو يبدئ ويعيد } ) 77 < # > [ البروج : 12 ] < # > 77 ( { هو الله لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة } ) 77 < # > [ الحشر : 22 ] والتفطن لما اختص به بيان القرآن عن بيان الإنسان من ~~هذا النحو من مفاتيح أبواب الفهم , ومن نحوه { أتيا أهل قرية استطعما أهلها ~~} استأنف للمستطعمين إظهارا غير إظهار المأيين - انتهى . | وجعل السبكي ~~الإتيان للبعض , والاستطعام للكل , لأنه أشد ذما وأدل على شر طبعها , ومن ~~قال بالأول مؤيد بقول PageV04P494 الشافعي في كتاب الرسالة في باب ما نزل ~~من الكتاب عاما يراد به العام ويدخلها الخصوص وهو بعد البيان الخامس في قول ~~عز وجل { حتى إذا أتيا قرية استطعما أهلها } : وفي هذه الآية أدل دلالة على ~~أنه لم يستطعما كل أهل القرية وفيها خصوص - انتهى , وبيان ذلك أن نكرة إذا ~~أعيدت كانت الثانية غير الأولى , وإذا أعيدت معرفة كانت عينا في الأغلب . | ~~ولما أسند الإتيان إلى أهل القرية كان ظاهره تناول الجميع , فلو قيل : ~~استطعماهم لكان المراد بالضمير عين المأتين , فلما عدل عنه - مع ms2929 أنه أخصر - ~~إلى الظاهر ولا سيما إن جعلناه نكرة كان غير الأولى وإلا لم يكن للعدول ~~فائدة , وقد كان الظاهر أن الأول للجميع فكان الثاني للبعض , وإلا لم يكن ~~غيره ولا كان للعدول فائدة . | { فأبوا } أي فتسبب عن استطهامهما أن أبى ~~المستطعمون من أهل القرية { أن يضيفوهما } أي ينزلوهما ويطعموهما فانصرفا ~~عنهم { فوجدوا فيها } أي القرية , ولم يقل : فيهم , إيذانا بأن المراد وصف ~~القرية بسوء الطبع { جدارا } مشرفا على السقوط , وكذا قال مستعيرا لما لا ~~يعقل صفة ما يعقل : { يريد أن ينقض } أي يسقط سريعا فمسحه الخضر بيده { ~~فأقامه } . | ولما انقضى وصف القريى وما تسبب عنه أجاب ( إذا ) بقوله : { ~~قال } أي له موسى عليه السلام : { لو شئت لتخذت } لكوننا لم يصل إلينا منهم ~~شيء { عليه } أي على إقامة الجدار { أجرا * } نأكل به , فلم يعترض عليه في ~~هذه المرة لعدم ما ينكر فيها , وإنما ساق ما يترتب عليها من ثمرتها مساق ~~العرض والمشورة غيرأنه يتضمن السؤال { قال } الخضر عليه السلام : { هذا } ~~أي الوقت أو السؤال . | ولما كان ذلك سبب الفراق أو محله , سماه به مبالغة ~~فقال : { فراق بيني وبينك } يا موسى بعد أن كان البينان بينا واحدا ~~لاتصالهما فلا بين , فهو في الحقيقة فوق ما كان متصلا من بينهما , أو فراق ~~التقاول الذي كان بيننا , أي الفراق الذي سببه السؤال , وإذا نزل على ~~الاحتباك ازداد ظهورا , تقديره : فراق بيني وبينك كما أخبرت , وفراق بينك ~~من بيني كما شرطت , وقد أثبتت هذه العبارة الفراق على أبلغ وجه , وذلك أنه ~~إذا وقع فراق بيني من بينك بحائل يحول بينهما فقد وضع منك بطريق الأولى , ~~وحقيقته أن البين هو الفراغ المنبسط الفاصل بين الشيئين وهو موزع بينهما , ~~فبين كل منهما من منتصف ذلك الفراغ إليه , فإذا دخل في ذلك إلى كل منهما من ~~البينين , وحينئذ يكون بينهما مباينة , أي أن بين كل منهما غير بين الآخر ~~ومن قال : إن معنى ( هذا فراق بيننا ) زوال الفصل ووجود الوصل , كذبه أن ~~معنى ( هذا اتصال بيننا ) المواصلة ms2930 , فلو كان هذا معنى ذاك أيضا لاتحد معنى ~~ما يدل PageV04P495 على الوصل بمعنى ما يدل على الفصل , وقد نبه الله ~~سبحانه وتعالى موسى عليه السلام - كما في تفسير الأصبهاني وغيره - بما فعل ~~الخضر عليه السلام على ما وقع له هو من مثله سواء بسواء , فنبهه - بخرق ~~السفينة الذي ظاهره هلك وباطنه نجاة من يد الغاصب - على التابوت الذي أطبق ~~عليه وألقي في اليم خوفا عليه من فرعون الغاصب فكان ظاهره هلكا وباطنه نجاة ~~, وبقتل الغلام على أنه كان معصوم الحركة في نفس الأمر في قتله القبطي وإن ~~لم يكن إذ ذاك يعلمه لكونه لم ينبأ , وبأقامة الجدار من غير أجر على سقيه ~~لبنات شعيب عليهم السلام من غير أجر مع احتياجه لذلك . | ولما كان من ~~المعلوم شدة استشراف موسى عليه السلام إلى الوقوف في باطن هذه الأمور , قال ~~مجيبا له عن هذا السؤال : { سأنبئك } يا موسى بوعد لا خلف فيه إنباء عظيما ~~{ بتأويل } أي بترجيع { ما لم تستطع عليه صبرا * } لمخالفته عندك الحكمة ~~إلى الحكمة وهو أن عند تعارض الضررين يجب ارتكاب الأدنى لدفع الأقوى بشرط ~~التحقق , وأثبت إلى صعوبة ما حمل موسى من ذلك , لا مطلق القدرة على الصبر { ~~أما السفينة } التي أحسن إلينا أهلها فخرقتها { فكانت لمساكين } وهو دليل ~~للشافعي على أن الفقير أسوأ حالا من المسكين , لأن هؤلاء يملكون سفينة { ~~يعلمون في البحر } ليستعينوا بذلك على معاشهم . | ولما كان التعييب من فعله ~~, أسنده إليه خاصة , تأدبا مع الله تعالى فقال : { فأردت أن أعيبها } فإن ~~تفويت منفعتها بذلك ساعة من نهار وتكليف أهلها لوحا يسدونها به أخف ضررا من ~~تفويتهم منفعتها أخذا وأسا بأخذ الملك لها , ولم أرد إغراق أهلها كما هو ~~المتبادر إلى الفهم ؛ ثم عطف على ذلك علة فعله فقال : { وكان وراءهم } أي ~~أمامهم , ولعله عبر بلفظ ( وراء ) كناية عن الإحاطة بنفوذ الأمر في كل وجهة ~~وراتهم و واروها , وفسره الحرالي في سورة البقرة بأنه وراءهم في غيبته عن ~~علمهم وإن كان أمامهم في وجهتهم , لأنه ms2931 فسر الوراء بما لا يناله الحس ولا ~~العلم حيثما كان من المكان , قال : فربما اجتمع أن يكون الشيء , وراء من ~~حيث إنه لا يعلم , ويكون أماما في المكان . | { ملك يأخذ } في ذلك الوقت { ~~كل سفينة } ليس فيها عيب { غصبا } من أصحابها ولم يكن عند أصحابها علم به . ~~| < < # | الكهف : ( 80 - 82 ) وأما الغلام فكان . . . . . # > > ^ ( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينآ أن يرهقهما طغيانا وكفرا * ~~فأردنآ أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما * وأما الجدار فكان ~~لغلامين يتيمين في المدينة PageV04P496 وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما ~~صالحا فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن ~~أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان كل من الغصب والمسكنة سببا لفعله , قدمها على الغصب , إشارة ~~إلى أن أقوى السببين الحاملين على فعله الرأفة بالمساكين { وأما الغلام } ~~أي الذي قتلته { فكان أبواه مؤمنين } وكان هو مطبوعا على الكفر - كما يأتي ~~في حديث أبي رضي الله عنه . | ولما كان يحتمل عند الخضر عليه السلام أن ~~يكون هذا الغلام مع كفره في نفسه سببا لكفر أبويه إن كبر , وكان أمر الله ~~له بقتله مثل فعل من يخشى ذلك , أسند الفعل إليهما في قوله : { فخشينا أن ~~يرهقهما } أي يغشيهما ويلحقهما إن كبر بمحبتهما له أو بجراءته وقساوته { ~~طغيانا } أي تجاوزا في الظلم وإفراطا فيه { وكفرا * } لنعمتها فيفسد ~~دنياهما أو يحملهما حبهما له على الطغيان والكفر بالله طاعة فيفسد دينهما , ~~روى مسلم في القدر وأبو داود في السنة والترمذي في التفسير عن ابن عباس عن ~~أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ( إن ~~الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا , ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا ) ~~وهذا حديث : ( الله أعلم بما كانوا عاملين ) يدل على أن العذاب - على ما لو ~~وجد شرطه لوقع - إنما يكون على ما كان جبلة وطبعا , لا ما كان عارضا , وإلا ~~لعذب الأبوان على تقدير أن يكون المعلوم ms2932 من الكفر منهما . | ولما ذكر ما ~~يلزم علي تقدير بقائه من الفساد سبب عنه قوله : { فأردنا } أي بقتله ~~وإراحتهما من شره , ولما كان التعويض عن هذا الولد لله وحده , أسند الفعل ~~إليه في قوله : { أن يبدلهما ربهما } أي المحسن إليهما بإعطائه وأخذه { ~~خيرا منه زكاة } طهارة وبركة , أي من جهة كونه كان ظاهر الزكاء في الحال , ~~وأما في المآل فلو عاش كان فيه خبيثا ظاهر الخبث , وهذا البدل يمكن أن يكون ~~الصبر , ويمكن أن يكون ولدا آخر , وهو المنقول وأنها كانت بنتا { وأقرب ~~رحما * } برا بهما وعطفا عليهما ورحمة لهما فكان الضرر اللاحق لهما بالتأسف ~~عليه أدنى من الضرر اللاحق لهما عند كبره بإفساد دينهما أو دنياهما { وأما ~~الجدار } الذي أشرت بأخذ الأجر عليه { فكان لغلامين } ودل على كونهما دون ~~البلوغ بقوله { يتيمين } . | PageV04P497 ولما كانت القرية لا تنافي ~~التسمية بالمدينة , وكان التعبير أولا أليق , لأنها مستقة من معنى الجمع , ~~فكان ألقيق بالذم في ترك الضيافة لإشعاره ببخلهم حالة الاجتماع وبمحبتهم ~~للجمع والإمساك , وكانت المدينة بمعنى الإقامة , فكان التعبير بها أليق ~~للإشارة به إلى أن الناس يقيمون فيها , فينهدم الجدار وهم مقيمون فيأخذون ~~الكنز , قال : { في المدينة } فلذلك أقمته احتسابا { وكان تحته كنز } أي ~~مال مدخور { لهما } لو وقع لكان أقرب إلى ضياعه { وكان أبوهما صالحا } ~~ينبغي مراعاته وخلفه في ذريته بخير . | ولما كان الإبلاغ إلى حد البلوغ ~~والاستخراج فعل الله وحده , أسند إليه خاصة فقال : { فأراد ربك } أي المحسن ~~إليك بهذه التربية , إشارة إلى ما فعل بك من مثلها قبل النبوة كما بين { أن ~~يبلغا } أي الغلامان { أشدهما } أي رشدهما وقوتهما { ويستخرجا كنزهما } ~~لينتفعا به وينفعا الصالحين { رحمة } بهما { من ربك } أي الذي أحسن تربيتك ~~وأنت في حكم اليتيم فكان التعب في إقامة الجدار مجانا أدنى من الضرر اللازم ~~من سقوطه لضياع الكنز وفساد الجدار , وقد دل هذا على أن صلاح الآباء داع ~~إلى العناية بالأنباء , روي عن الحسن بن علي رضي الله عهنما أنه قال لبعض ~~الخوارج في كلام ms2933 جرى بينهما : بم حفظ الله كنز الغلامين ؟ قال : بصلاح ~~أبيهما , قال فأبي وجدي خير منه , قال أنبأنا الله أنكم قوم خصمون . | { ~~وما فعلته } أي شيئا من ذلك { عن أمري } بل عن أمر من له الأمر , وهو الله ~~. | ولما بان سر تلك القضايا , قال مقدرا للأمر : { ذلك } أي لشرح العظيم { ~~تأويل ما لم يسطع } يا موسى { عليه صبرا } وحذف تاء الاستطاعه هنا لصيرورة ~~ذلك - بعد كشف الغطاء - في حيز ما يحمل فكان منكره غير صابر أصلا لو كان ~~عنده مكشوفا من أول الأمر , وسقط - ولله الحمد - بما قررته في هذه القصة ما ~~يقال من أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخبر في قول سليمان عليه ~~السلام المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ( لأطوفن الليلة ~~على مائة امرأة كلهن تلد فارسا يجاهد في سبيل الله , فلم تلد منهن إلا ~~واحدة جاءت بشق آدمي أنه لو قال : إن شاء الله , لجاهدوا فرسانا أجمعون ) ~~فأفهم ذلك أن لك نبي استثنى في خبره صدقة الله تعالى كما وقع للذبيح أنه ~~قال : < # > 77 ( { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } ) 77 < # > [ الصافات : 102 ] فوفى , فما لموسى عليه السلام - وهو من أولي العزم - ~~فعل مع الاستثناء ما فعل ؟ فإن PageV04P498 الذبيح صبر على ما هو قاطع بأنه ~~بعينه أمر الله , بخلاف موسى عليه السلام فإنه كان ينكر ما ظاهره منكر ~~العلم بأنه من أمر الله , فإذا نبه صبر , وأما قول النبي صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم : ( يرحم الله أخي موسى ! وددنا لو أنه صبر حتى يقص علينا من ~~أمرهما ) فمعناه : صبر عن الإذن للخضر عليه السلام في مفارقته في قوله { ~~فلا تصاحبني } ويدل عليه أن في رواية لمسلم ( رحمة الله علينا وعلى موسى ! ~~لولا أنه عجل لرأى العجب ولكنه أخذته من صاحبه ذمامة ) { قال إن سألتك عن ~~شيء بعدها فلا تصاحبني } . | فتحرر أنه وفي بمقام الشرع الذي أقامه الله ~~فيه فلم يخل بمقام الصبر الذي ليس فيه ما يخالف ما يعرف ويستحضر ms2934 من الشرع , ~~وكيف لا وهو من أكابر أولي العزم الذين قال الله تعالى لأشرف خلقه في ~~التسليك بسيرهم < # > 77 ( { فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل } ) 77 < # > [ الأحقاف : 35 ] وقال تعالى : < # > 77 ( { أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده } ) 77 < # > [ الأنعام : 90 ] وقال عليه السلام فيما خرجه الشيخان عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوذي من بعض من كان معه في ~~حنين فتلون وجهه وقال : ( يرحم الله أخي موسى ! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ~~) وعلم أن في قصته هذه حثا كثيرا على المجاهرة بالمبادرة بالأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكرو المصابرة عليه , وأن لا يراعي فيه كبير ولا صغير إذا كان ~~الإمراء على ثقة من أمره في الظاهر بما عنده في ذلك من العلم عن الله ~~ورسوله وأئمة دينه , وتنبيها على أنه لا يلزم من العلم اللدني - سواء كان ~~صاحبه نبيا أو وليا - معرفة كل شيء كما يدعيه أتباع بعض الصوفية , لأن ~~الخضر سأل موسى عليهما السلام : من أنت ؟ وهل هو موسى نبي بني إسرائيل - ~~كما سيأتي . | روى البخاري في التفسير من روايات نختلفة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن أبي بن كعب رضي الله عنه حدثه قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم : ( موسى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر الناس ~~يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال : أي رسول الله ~~! هل في الأرض أحد أعلم منك ؟ قال : لا ! فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم ~~إليه , فأوحى إليه : بلى ! عبد من عبادي بمجمع البحرين , قال : أي رب ! كيف ~~السبيل إليه ؟ قال : تأخذ حوتا في مكتل فحيث ما فقدته فاتبعه - وفي رواية : ~~خذ نونا ميتا حيث ينفخ فيه الروح - فخرج ومعه فتاه يوشع بن نون حتى انتهيا ~~إلى الصخرة , فوضع موسى رأسه فنام في ظل الصخرة في مكان ثريان إذ تضرب ~~الحوت - PageV04P499 وفي رواية : وفي أصل تلك الصخرة عين يقال له الحياة لا ms2935 ~~يصيب من مائها شيء إلا حيى , فأصاب الحوت من ماء العين فانسل من المكتل ~~فدخل البحر - فأمسك الله عنه جرية البحر حتى كان أثره في حجر , فقال فتاه : ~~لا أوقظه , حتى إذا نسي أن يخبره , فذكر سفرهما وقول موسى عليه السلام { ~~لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا } قال : قد قطع الله عنك النصب , فرجعا فوجدا ~~خضرا على طنفسة خضراء على كبد البحر مسجى بثوبه , قد جعل طرفه تحت رجليه , ~~وطرفه تحت رأسه , فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال : هل بأرضي من سلام ؟ ~~من أنت ؟ قال : أنا موسى ! قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم ! قال : فما ~~شأنك ؟ قال : جئت لتعلمني , قال : أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي ~~يأتيك ؟ يا موسى ! إن لي علما لا ينبغي لك أن تعلمه , وإن لك علما لا ينبغي ~~لي أن أعلمه - أي لا ينبغي لك أن تعمل بالباطن ولا ينبغي لي أنا أن أقف مع ~~الظاهر , أطلق العلم على العمل لأنه سببه - فانطلقا يمشيان على الساحل , ~~فوجدوا معابر صغارا تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل الساحل الآخر , فعرف الخضر ~~فقالوا : عبد الله الصالح ! لا تحمله بأجر , فحملوهم في سفينتهم بغير نول : ~~بغير أجر - فركبا السفينة , ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في ~~البحر ؛ وفي رواية : فأخذ بمنقاره من البحر , وفي رواية : فنقر أو نقرتين ~~فقال : والله ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا البحر , فلم ~~يفجأ موسى إلا الخضر الأولى عمد إلى قدوم فخرق السفينة ووتد فيها وتدا فذكر ~~إنكاره وجوابه ثم قال : وكانت الأولى من موسى نسيانا , والوسطى شرطا , ~~والثالثة عمدا - فذكر القصة , وقال في آخرها : فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : وددنا أن موسى صبر حتى يقص علينا من أمرهما . | < < # | الكهف : ( 83 - 90 ) ويسألونك عن ذي . . . . . # > > ^ ( ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا * إنا مكنا له ~~في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا * فأتبع سببا * حتى إذا بلغ مغرب الشمس ~~وجدها تغرب في عين ms2936 حمئة ووجد عندها قوما قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ ~~أن تتخذ فيهم حسنا * قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه ~~عذابا نكرا * وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى وسنقول له من أمرنا ~~يسرا * ثم أتبع سببا * حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل ~~لهم من دونها سترا ) ^ } ) | PageV04P500 ولما فرغ من هذه القصة التي ~~حاصلها أنها طواف في الأرض لطلب العلم , عقبها بقصة من طاف الأرض لطلب ~~الجهاد , وقدم الأولى إشارة إلى علو درجة العلم لأنه أساس كل سعادة , وقوام ~~كل أمر , فقال عاطفا على < # > 77 ( { ويجادل الذين كفروا بالباطل } ) 77 < # > [ الكهف : 56 ] { ويسألونك عن } الرجل الصالح المجاهد { ذي القرنين } ~~سمي لشجاعته أو لبلوغه قرني مغرب الشمس ومشرقها , أو الانقراض قرنين من ~~الناس في زمانه , أو لأنه كان له ضفيرتان من الشعر أو لتاجه قرنان , وهو ~~الإسكندر الأول - نقل ابن كثير عن الأزرقي أنه كان على زمن الخليل عليه ~~السلام , وطاف معه بالبيت , ومن المناسبات الصورية أن في قصة كل منهما ~~ثلاثة أشياء آخرها بناء جدار لا سقف له , وإنما هو لأجل حفظ ما يهتم به خوف ~~المفسدن وصدرها بالإخبار عن سؤالهم إشارة إلى أنهم لم يسألوا عن التي قبلها ~~على ما فيها من العجائب وللطائف , والأسرار والمعارف , تبكيتا لليهود في ~~إغفال الأمر بالسؤال عنها إن كان مقصودهم الحق , وإن لم يكن مقصودا لهم ~~كانوا بالتبكيت أجدر , أو تكون معطوفة على مسألتهم الأولى وهي الروح , ~~وصدرها بالإخبار بالسؤال تنبيها على ذلك لطول الفصل , إشارة إلى أن ذلك كله ~~مرتبط بجوابهم ارتباط الدر بالسلك . | ولما كان من المعلوم أنه يقول صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم : فبماذا أجيبهم ؟ قال : { قل } أي لهم : { سأتلوا ~~} أي أقص قصا متتابعا في مستقبل الزمان إن أعلمني الله به { عليكم } أيها ~~المشركون وأهل الكتاب المعلمون لهم مقيدا بأن شاء الله كما سلف لك الأمر به ~~{ منه ذكرا * } كافيا لكم في تعرف أمره , جامعا لمجامع ذكره ms2937 . | ولما كانت ~~قصته من أدل دليل على عظمة الله , جلاها في ذلك المظهر فقال : { إنا } ~~مؤكدا لأن المخاطبين بصدد التعنت والإنكار { مكنا } أي بما لنا من العظمة , ~~قيل : بالملك وحده , وقيل مع النبوة , لأن ما ينسب إلى الله تعالى على سبيل ~~الامتنان والإحسان جدير بأن يحمل على النهاية لا سيما إذا عبر عنه بمظهر ~~العظمة { له في الأرض } مكنة يصل بها إلى جميع مسلوكها , ويظهر بها على ~~سائر ملوكها { وءاتيناه } بعظمتنا { من كل شيء } يحتاج إليه في ذلك { سببا ~~} قال أبو حيان : وأصل السبب الحبل , ثم توسع فيه حتى صار يطلق على ما ~~يتوصل به إلى المقصود . | فأراد بلوغ المغرب , ولعله بدأ به لأن باب التوبة ~~فيه { فأتبع } أي بغاية جهده - هذا على قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو ~~بالتشديد , والمعنى على قراءة الباقين بقطع الهمزة وإسكان الفوقانية : ألحق ~~بعض الأسباب ببعض , وذلك تفسير لقراءة التشديد { سببا * } يوصله ~~PageV04P501 إليه , واستمر متبعا له { حتى إذا بلغ } في ذلك المسير { مغرب ~~الشمس } أي الحد الذي لا يتجاوزه آدمي في جهة الغرب { وجدها } فيما يحس ~~بحاسة لمسه { تغرب } كما أحسه بحاسة بصره من حيث إنه متصل بما وصل إليه ~~بيده , لا حائل بينه وبينه { في عين حمئة } أي ذات حمأة أي طين أسود , وهي ~~مع ذلك حارة كما ينظر من في وسط البحر أنها تغرب فيه وتطلع منه وعنده القطع ~~بأن الأمر ليس كذلك { ووجد عندها } أي على الساحل المتصل بتلك العين { قوما ~~} كفارا لهم قوة على ما يحاولونه ومنعة , فكأنه قيل : ماذا أمر فيهم ؟ ~~فأجيب بقوله : { قلنا } بمظهر العظمة : { يا ذا القرنين } إعلاما بقربه من ~~الله وأنه لا يفعل إلا ما أمره به , إما بواسطة الملك إن كان نبيا وهو أظهر ~~الاحتمالات , أو بواسطة نبي زمانه , أو باجتهاده في شريعته الاجتهاد المصيب ~~, { إما أن تعذب } أي هؤلاء القوم ببذل السيف فيهم بكفرهم { وإما أن تتخذ } ~~أي بغاية جهدك { فيهم حسنا * } أمرا له حسن عظيم , وذلك هو البداءة بالدعاء ~~, إشارة إلى أن القتل ms2938 وإن كان جائزا فالأولى أن لا يفعل إلا بعد اليأس من ~~الرجوع عن موجبه { قال أما من ظلم } باستمراره على الكفر فإنا نرفق به حتى ~~نيأس منه ثم نقتله , وإلى ذلك أشار بقوله : { فيعذبه عذابا نكرا * } شديدا ~~جدا لم يعهد مثله لكفره لنعمته , وبذل خيره في عبادة غيره , وفي ذلك إشارة ~~بالتهديد الشديد لليهود الغارين لقريش , وإرشاد لقريش إلى أن يسألوهم عن ~~قوله هذا , ليكون قائدا لهم إلى الإقرار بالبعث { وأما من ءامن وعمل صالحا ~~} تصديقا لما أخبر به من تصديقه { فله } في الدارين { جزاء } طريقته { ~~الحسنى } منا ومن الله بأحسن منها { وسنقول } بوعد لا لخف فيه بعد اختباره ~~بالأعمال الصالحة { له } أي لأجله { من أمرنا } الذي نأمر به فيه { يسرا * ~~} أي قولا غير شاق من الصلاة والزكاة والخراج والجهاد وغيرها , وهو ما ~~يطيقه ولا يشق عليه مشقة كبيرة { ثم أتبع } لإرادته بلوغ مشرق الشمس { سببا ~~* } من جهة الجنوب يوصله إلى المشرق واستمر فيه لا يمل ولا تغلبه أمة مر ~~عليها { حتى إذا بلغ } في مسيره ذلك { مطلع الشمس } أي الموضع الذي تطلع ~~عليه أولا من المعمور من الأرض { وجدها تطلع على قوم } على ساحل البحر لهم ~~قوة شديدة { لم نجعل لهم } ولما كان المراد التعميم , أثبت الجار فقال : { ~~من دونها } أي من أدنى الأماكن إليهم أول ما تطلع { سترا * } يحلة بينهم ~~وبين المحل الذي يرى طلوعها منه من البحر من جبل ولا أبنية ولا شجر ولا ~~غيرها . | PageV04P502 < < # | الكهف : ( 91 - 102 ) كذلك وقد أحطنا . . . . . # > > ^ ( كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا * ثم أتبع سببا * حتى إذا بلغ بين ~~السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا * قالوا يذا القرنين إن ~~يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم ~~سدا * قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما * ~~آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا ~~قال آتوني أفرغ عليه قطرا * فما اسطاعوا أن يظهروه ms2939 وما استطاعوا له نقبا * ~~قال هذا رحمة من ربي فإذا جآء وعد ربي جعله دكآء وكان وعد ربي حقا * وتركنا ~~بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا * وعرضنا جهنم يومئذ ~~للكافرين عرضا * الذين كانت أعينهم في غطآء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون ~~سمعا * أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أوليآء إنآ أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا ) ^ } ) | ولما كان أمره مستغربا في نفسه وفي الاطلاع عليه ~~لا سيما عند القرب , قال تعالى : { كذلك } أي أمره كما ذكرنا لكم على سبيل ~~الاقتصار { وقد أحطنا } بما لنا من العظمة , { بما لديه } أي كله من الأمور ~~التي هي أغرب المستغرب { خبرا * } أي من جهة بواطن أموره فضلا عن ظواهرها , ~~فلا تستغرب إخبارنا عن ذلك ولا عن أمر أصحاب الكهف , ولا يظن أن تفضيل أمر ~~الوح خفي عنا , لأنا مطلعون على خفايا الأمور وظواهرها , شواهدها وغوائبها ~~, وكيف لا ونحن أوجدنا ولكنا لا نذكر من ذلك إلا ما نريد على ما تدعو إليه ~~الحكمة , فلو شئنا لبسطنا هذه القصة وقصة أهل الكهف وفصلنا أمر الروح ~~تفصيلا يعجز عن حفظه الألباء { ثم أتبع } في إرادته ناحية السد مخرج يأجوج ~~ومأجوج { سببا * } من جهة الشمال , واستمر أخذا فيه { حتى إذا بلغ } في ~~مسيره ذلك { بين السدين } أي الجبلين المانعين من وراءهما من الوصول منهما ~~إلى من أمامهما وهما بمنقطع أرض الترك مما يلي بلاد أرمينية وآذربيجان , ~~أملسان يزلق عليهما كل شيء ؛ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص عم عاصم بفتح ~~السين , والباقون بضمها , فقيل : هما بمعنى واحد , وقيل : المضموم من فعل ~~الله , والمفتوح من فعل الناس . | { وجد من دونهما } أي بقربهما من الجانب ~~الذي هو أدنى منهما إلى الجهة التي أتى منها ذو القرنين { قوما } أي أقوياء ~~لغتهم في غاية البعد من لغات بقية الناس لبعد بلادهم من بقية البلاد , فهم ~~لذلك { لا يكادون يفقهون قولا * } أي لا يقربون من أن يفهموه ممن ذي ~~القرنين فهما جيدا كما يفهم غيرهم , ودل وصفهم بما يأتي ms2940 على أنهم يفهمزن ~~فهما ما بعد بعد ومحاولة طويلة , لعدم ماهر بلسانهم ممن مع ذي القرنين , ~~وعدم ماهر منهم بلسان أحد ممن معه , وهذا يدل على أن بينهم وبين ~~PageV04P503 بقية سكان الأرض غير يأجوج ومأجوج براري شاسعة , وفيافي واسعة ~~, منعت من اختلاطهم بهم , وأن تطيعهم بلسان غيرهم بعيد جدا لقلة حفظهم ~~لخروج بلادهم عن حد الاعتدال , أو لغير ذلك أنهم لا يكادون يفهمون غيرهم ~~شيئا من كلامهم , وذلك معنى قراءة حمزة والكسائي بضم التحتانية وكسر القاف ~~, ودل على أن عدم فهمهم وأفهامهم مقيد بما مضى قوله : { قالوا } أي ~~مترجموهم أو جيرانهم - الذين من دونهم - كما في مصحف ابن مسعود ممن يعرف ~~بعض كلامهم , أو بالإشارة كما يخاطب إليكم : { يا ذا القرنين } مسنا الضر { ~~إن يأجوج ومأجوج } وهما قبيلتان من الناس من أولاد يافث , لا يطاق أمرهم , ~~ولا يطفأ جمرهم , وقد ثبت في الصحيح في حديث بعث النار أنهم من ذرية آدم ~~عليه السلام { مفسدون في الأرض } بأنواع الفساد { فهل نجعل لك خرجا } نخرجه ~~لك من أموالنا - هذا على قراءة الجماعة , وزاد حمزة والكسائي ألفان فقيل : ~~هما بمعنى واحد , وقيل : بل الخرج ما تبرعت به , والخراج بالألف ما لزمك . ~~| { على أن تجعل } في جميع ما { بيننا وبينهم } من الأرض التي يمكن توصلهم ~~إلينا منها بما آتاك الله من المكنة { سدا * } يصل بين هذين الجبلين { قال ~~} بعفة وديانة وقصد للخير : { ما مكني } . | ولما كان لمكنته حالتان : ~~إحداهما ظاهرة , وهي ما شوهد من فعله بعد وقوعه , وباطنه ولا يقع أحد عليها ~~بحدس ولا توهم , لأنها مما لم يؤلف مثله , فلا يقع المتوسم عليه , قرأ ابن ~~كثير بإظهار النون في { مكنني } وغيره بالإدغام , إشارة إليهما . | ولما ~~كان النظر إلى ما يقع المكنة فيه أكثر , قدم ضميره فقال : { فيه ربي } أي ~~المحسن إلي بما ترون من الأموال والرجال , والفهم في إتقان الأمور , ~~والتوصل إلى جميع المكن للمخلوق { خير } أي من خرجكم الذي تريدون بذله ~~لمكنتي كما قال سليمان عليه السلام < # > 77 ( { فما آتاني الله خيرمما ms2941 آتاكم } ) 77 < # > [ النمل : 36 ] { فأعينوني بقوة } أي آلات وعمال أتقوى بها في فعل ذلكن ~~فإن أهل البلاد أخبر بما يصلح في هذا العمل من بلادهم وما معي إنما هو ~~للقتال وما يكون من أسبابه , لا لمثل هذا { أجعل بينكم } أي بين ما تختصون ~~به { وبينهم ردما * } أي حاجزا حصينا موثقا بعضه فوق بعض , مع التلاصق ~~المتلاحم الموجب لأن لا يميز بعضه من بعض وهو أعظم من السد ؛ قال البغوي : ~~فحفر له الأساس حتى بلغ الماء وجعل حشوه الضخر وطينه النحاس يذاب فيصب عليه ~~فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض . | { ءاتوني } بفتح الهمزة بعدها ~~PageV04P504 ساكنة , ومدها على قراءة أي أعطوني وبهمزة وصل , وهمزة بعدها ~~ساكنة أي جيئوني وتعالوا إلي فقد أجبتكم إلى سؤالكم , ثم ابتدأ مغريا على ~~هذه القراءة فقال : { زبر الحديد } أي عليكم به فأحضروا إلي قطعة , فأتوه ~~بذلك فردم ما فوق الأساس بعضه على بعض صفا من الحديد وصفا من الحطب , قال ~~البغوي : فلم يزل يجعل قطع الحديد على الحطب والحطب على الحديد . | { حتى ~~إذا ساوى } أي بذلك البناء { بين الصدفين } أي أعلى منقطع الجبلين ~~الموصوفين , سميا لتصادفهما - أي تقابلهما وتقاربهما - بالبناء على تلك ~~الحالة عرضا وطولا , وقراءة من فتح الصاد والدال - وهم نافع وحمزة والكسائي ~~وحفص عن عاصم - دالة على أن تقابلهما في غاية الاستقامة , فكأنهما جدار فتح ~~فيه باب , وقراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر بضمهما دالة على أنه مع ذلك ~~في غاية القوة حتى أن أعلاه واسفله سواء , وقراءة شعبة عن عاصم بالضم ~~وإسكان الدال على أشد ثبات وأتقنه في كل منهما , فلا ينتخر شيء منهما على ~~طول الزمان بريح ولا غيرها من فساد في أحد الجانبين برخاوة من سياخ أو غيره ~~{ قال } أي للصناع : { انفخوا } في الأكوار فنفخوا فأضرم فيه النار , ~~واستمر كذلك { حتى إذا جعله } أي كله { نارا قال } للقوم : { ءاتوني } ~~بالنحاس { أفرغ عليه } أي الحديد المحمى { قطرا * } منه بعد إذابته , فإن ~~القطر : النحاس الذائب , هذا في قراءة حمزة وأبي بكر عن ms2942 عاصم بإسكان الهمزة ~~, وقراءة الباقين بفتح الهمزة ومدها بمعنى أعطوني النحاس . | ففعلوا ذلك ~~فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلا صلدا , ثم قال الله تعالى : { فما } أي ~~فتسبب عن ذلك أنه لما أكمل عمله وأحكمه ما { اسطاعوا } أي يأجوج ومأجوج ~~وغيرهم { أن يظهروه } أي يعلو ظهره لعلوه وملاسته { وما استطاعوا له نقبا * ~~} لثخنه وصلابته , وزيادة التاء هنا تدل على أن العلو عليه أصعب من نقبه ~~لارتفاعه وصلابته والتحام بعضه ببعض حتى صار سبيكة واحدة من حديد ونحاس في ~~علو الجبل , وقد حكى ابن خرداذبه عن سلام الترجمان الذي أرسله أمير ~~المؤمنين الواثق إليه حتى رآه أن ارتفاعه مد البصر , ولأنهم لو احتالوا ~~ببناء درج من جانبهم أو وضع تراب حتى ظهروا عليه لم ينفعهم ذلك لأنه لا ~~حيلة لهم على النزول من الجانب الآخر , ويؤيده أنهم يخرجون في آخر الزمان ~~بنقبه لا بظهورهن ولا ينافي نفي الاستطاعة لنقبه ما رواه الإمام أحمد ~~والترمذي في التفسير وابن ماجه في الفتن عن أبي رافع عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال : ( إن يأجوج ومأجوج ~~ليحفرن السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم : ارجعوا ~~فستحفرونه غدا , فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد ~~PageV04P505 الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس ~~قال الذي عليهم : ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله فيستثنى فيعودون إليه ~~وهو كهيئته حين توكوه فيحفرونه ويخرجون على الناس ) - الحديث . | وفي حديث ~~الصحيحين عن زينب بنت جحش رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم : ( فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا , وحلق رسول الله صلى الله ~~عليه وعلى آله وسلم ) وروياه عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه : ( مثل هذا ~~وعقد تسعين ) فكأنه قيل : فما قال حين أفرغه ؟ قيل : { قال هذا } أي السد { ~~رحمة من ربي } المحسن إلي بإقداري عليه ومنع الفساد به { فإذا جاء وعد ms2943 ربي ~~} بقرب قيام الساعة { جعله دكاء } بإقدراهم على نقبه وهدمه وتسهيل ذلك ~~عليهم , والتعبير بالمصدر المنون في قراءة الجماعة بمبالغة في دكه هو الذي ~~أشارت إليه قراءة الكوفيين بالمد ممنوعا من الصرف . | ولما كان هذا أمرا ~~مستعظما خارقا للعادة , علله بقوله : { وكان وعد ربي } الذي وعد به في خروج ~~يأجوج ومأجوج واختراقهم الأرض وإفسادهم لها ثم قيام الساعة { حقا * } كائنا ~~لا محالة , فلذلك أعان على هدمه , وعن قتادة قال : ( ذكر لنا أن رجلا - وفي ~~رواية : عن رجل من أهل المدينة قال : يا رسول الله ! قد رأيت سد يأجوج ~~ومأجوج , قال انعته لي , قال : كالبرد المحبر : طريقة سوداء وطريقة حمراء , ~~وفي وراية : طريقة حمراء من حديد وطريقة سوداء من نحاس , وفي رواية أنه قال ~~: انتهيت إلى أرض ليس لهم إلا الحديد يعلمونه ) - رواه الطبري وابن أبي عمر ~~والطبراني في مسند الشاميين وابن مردويه عنه والبزار من وجه آخر من طريق ~~أبي بكرة رضي الله عنه - ذكر ذلك شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف , ~~وفي حديث فتح الباب من سيرة الحافظ أبي الربيع بن سالم الكلاعي وشيخه ابن ~~جيش - وكان أمير تلك الجيوش التي بها عبد الرحمن بن ربيعة في أيام عمر رضي ~~الله عنه - ما نصه : وحدث مطر بن ثلج التميمي قال : دخلت على عبد الرحمن بن ~~ربيعة بالباب وشهربراز عنده - يعني : وكان ملك الباب من جهة آل كسرى فأقبل ~~رجل عليه شحوبة حتى جلس إلى شهربراز PageV04P506 فتساءلا , ثم إن شهربراز ~~قال لعبد الرحمن : أيها الأمير ! أتدري من أين جاء هذا الرجل ؟ إني بعثته ~~منذ سنين نحو السد لينظر لي ما حاله ومن دونه , وزودته مالا عظيما , وكتبت ~~له إلى من يليني وأهديت له وسألته أن يكتب إلى من وراءه , وزودته لكل ملك ~~هدية , ففعل ذلك بكل ملك بيني وبينه حتى انتهى إلى الملك الذي السد في ظهر ~~أرضه , فكتب له إلى عامله على ذلك البلد , فأتاه فبعث معه بازياره ومعه ~~عقابه , فذكر أنه أحسن إلى البازيار , قالك فتشكر لي ms2944 البازيار فلما انتهينا ~~إذا جبلان بينهما سد مسدود حتى ارتفع على الجبلين بعد ما استوى بهما , وإذا ~~دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده , فنظرت إلى ذلك وتفرست فيه , ثم ~~ذهبت لأنصرف فقال لي البازيار : على رسلك ! أكافيك أنه لا يلي ملك بعد ملك ~~إلا تقرب إلى الله تعالى بأفضل ما عنده من الدنيا فيرمي به في اللهب , فشرح ~~بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهواء وانقضت عليها العقاب وقال : إن أدركتها ~~قبل أن تقع فلا شيء , وإن لم تدركها حتى تفع فذلك شيء , فخرجت علينا باللحم ~~في مخالبها وإذا فيه ياقوتة فأعطانيها , وهي هذه , فتناولها منه شهرابراز ~~وهي حمراء فناولها عبد الرحمن فنظر إليها ثم ردها إليه فقال شهرابراز : هذه ~~خير من هذه البلدة - يعني الباب - وايم الله ! لأنتم أحب إلي من آل كسرى , ~~ولو كنت في سلطانهم ثم بلغهم خبرها لانتزعوها مني , وايم الله ! لا يقوم ~~لكم شيء ما وفيتم أو وفى ملككم الأكبر , فأقبل عبد الرحمن على الرسول وقال ~~: ما حال الردم وما شبهه ؟ فقال : هذا الثوب الذي على هذا الرجل , وأشار ~~إلى مطر بن ثلج وكان عليه قباء برود يمينه أرضه حمراء ووشية أسود , أو وشية ~~أحمر وأرضه سوداء , فقال مطر : صدق والله الرجل ! لقد نفذ ورأى , قال عبد ~~الرحمن : أجل ! ووصف صفة الحديد والصفر وقرأ { آتوني زبر الحديد } إلى آخر ~~الآية , وقال عبد الرحمن لشهرابراز : كم كانت هديتك ؟ قال : قيمة مائة ألف ~~في بلادي هذه , وثلاثة آلاف ألف أو أكثر في تلك البلدان - انتهى . | وقد ~~ظهر أن ما تعنتوا به من قصتي أصحاب الكهف وذي القرنين وما أدرج بينهما ~~تبكيتا لليهود الآمرين بذلك - دال من قصة موسى عليه السلام على قيام الساعة ~~فصار كله أعظم ملزم لهم أن قبلوه , وأوضح فاضح لعنادهم إن تركوه . | ولما ~~انقضى ما سألوا عنه على أحسن وجه في أبلغ سياق وأبدع تناسب , وأدرج في ~~خلاله ما أدرج من التذكير والوعظ , والأمر والنهي , والوعد والوعيد , ~~والترغيب والترهيب , والتبكيت للكاتمين لما ms2945 عندهم من العلم , الناكبين عما ~~استان لهم من الطريق اللاحب والمنهج الواضح صنع القادر الحكيم الذي لا ~~يستخفه ضجر فيستعجل , ولا يعيبه أمر فيستمهل , وختمه بما هو علم عظيم ~~للساعة , ذكر ما يكون إذإ ذاك وما PageV04P507 يكون بعده إلى حصول كل من ~~الفريقين في داره ومحل استقراره ؛ ولما كان ذلك أمرا عظيما , دل عليه ~~بالنون فقال عاطفا على تقديره : فقد بان أمر ذي القرنين أي بيان , وصدق في ~~قوله { فإذا جاء وعد ربي } فإنه إذا جاء وعدنا جعلناه بقدرتنا التي نؤتيها ~~ليأجوج ومأجوج دكاء فأخرجناهم على الناس بعد خروج الدجال : { وتركنا بعضهم ~~} أي بعض من خلف السد ومن أمامه { يومئذ } أي إذ جعلنا السد دكاء وخرجوا ~~مقدمتهم بالشام وساقتطهم بخراسان , وهم - كما قال الله تعالى - { من كل حدب ~~ينسلون } . | { يموج } أي يضطرب { في بعض } كما يموج البحر , فأهلكوا ما ~~مروا عليه من شيء إلا ما اراد الله , ثم أبادهم الذي خلقهم وبقرب ذلك أفنى ~~الخلائق أجمعين { ونفخ في الصور } أي النفخة الثانية لقوله : { فجمعناهم } ~~ويجوز أن تكون هذه الفاء الفصيحة فيكون المراد النفخة الأولى , أو وانفخ في ~~الصور فمات الخلائق كلهم , فبليت أجسامهم , وتفتت عظامهم , كما كان من ~~تقدمهم , ثم نفخ فيه النفخة الثانية فجمعناهم من التراب بعد تمزقهم فيه , ~~وتفرقهم في اقطار الأرض بالسيول والرياح وغير ذلك { جمعا } فأقمناهم دفعة ~~واحدة كلمح البصر , وحشرناهم إلى الموقف للحساب ثم العقاب أو الثواب { ~~وعرضنا } أي أظهرنا { جهنم يومئذ } أي إذ جمعناهم لذلك { للكافرين عرضا * } ~~ظاهرا لهم كل ما فيها من الأهوال وهم لا يجدون عنها مصرفا ؛ ثم وصفهم بما ~~أوجب سجنهم فيها وتجهمها لهم فقال : { الذين كانت } كونا كأنه جبلة لهم { ~~أعينهم } الوجهية و القلبية { في غطاء عن ذكري } بعدم النظر فيما جعلنا على ~~الأرض من زينة دليلا على الساعة بإفنائه إثر إحيائه وإعادته بعد إبدائه { ~~وكانوا } بما جبلناهم عليه { لا يستطعون } أي استطاعة عظيمة تسعدهم , لضعف ~~عقولهم , وغرق استبصارهم في فضولهم { سمعا * } لآياتي التي تسمع الصم وتبصر ~~الكمه , وهو أبلغ ms2946 في التبكيت بالغباوة والتقريع بالبلادة من مجرد نفي البصر ~~والسمع , لأن ذلك لا ينفي الاستطاعة ؛ ثم عطف على ما أفهمه ذلك قوله موبخا ~~لهم ومبكتا : { أفحسب } أي أغطوا أعينهم عن آياتي وأصموا أسماعهم عن ~~كلماتين وعبدوا عبادي فحسبوا لضعف عقولهم , وإنما قال : { الذين كفروا } ~~دلالة على الوصف الذي أوجب لهم ذلك { أن يتخذوا } أي ولو بذلوا الجهد { ~~عبادي } من الأحياء كالملائكة وعزير والمسيح , والأموات كالأصنام . | ولما ~~كان كل شيء دونه سبحانه , وكان لا يستغرق شيء من الأشياء جميع ما دون رتبته ~~من المراتب , أثبت الجار فقال : { من دوني أولياء } أي مبتدئين اتخاذهم من ~~دون إذني , والمفعول الثاني ل { حسب } محذوف تقديرهك ينصرونهم ويدفعون عنهم ~~PageV04P508 ويجعلون بعضهم ولدا ولا أعذبهم . | ولما كانت غاية اتخاذ الولي ~~أن يفعل ما يفعل القريب من النصر والحماية من كل مؤذ , جاز كون هذا سادا ~~مسد مفعولي { حسب } لأن معناه : أحسبوا اتخاذهم مانعهم مني ؟ ولما كان معنى ~~الاستفهام الإنكاري : ليس الأمر كذلك , بل أصلد زندهم : { إنا اعتدنا جهنم ~~} التي تقدم أنا عرضناها لهم { للكافرين نزلا * } نقدمها ما يحتقر بالنسبة ~~إليه كماهو شأن ما بعد النزل بالنسبة إليه . | < < # | الكهف : ( 103 - 110 ) قل هل ننبئكم . . . . . # > > ^ ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا * أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه ~~فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا * ذلك جزآؤهم جهنم بما كفروا ~~واتخذوا آياتي ورسلي هزوا * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات ~~الفردوس نزلا * خالدين فيها لا يبغون عنها حولا * قل لو كان البحر مدادا ~~لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا * قل ~~إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقآء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) ^ } ) | ولما تبين بذلك الذي ~~لا مرية فيه أنهم خسروا خسارة لا ربح معها , وخاب ما كانوا يؤملون , أمره ~~أن ينبههم على ذلك فقال : { قل هل ننبئكم ms2947 } أي نخبركم أنا وكل عبد الله ~~ليست عينه في غطاء عن الذكر , ولا في سمعه عجز عن الوعي , إخبارا عظيما ~~أيها التاركون من لا خالق ولا رازق لهم سواه , والمقلبون على من ليس بيده ~~شيء من خلق ولا رزق ولا غيره { بالأخسرين } ولما كانت أعمالهم مختلفة , ~~فمنهم من يعبد الملائكة , ومنهم من يعبد النجوم , ومنهم من يعبد الأنبياء , ~~ومنهم من يعبد الأوثان , ومنهم من يكفر بغير ذلك , جمع المميز فقال : { ~~أعمالا * } ثم وصفهم بضد ما يدعونه لأنفسهم من نجاح السعي وإحسان الصنع ~~فقال : { الذين ضل سعيهم } أي حاد عن القصد فبطل { في الحياة الدنيا } ~~بالإعراض عمن لا ينفعهم ولا يضرهم إلا هو , والإقبال على ما لا نفع فيه ولا ~~ضر { وهم } أي والحال أنهم مع ظهور ذلك كالشمس { يحسبون } لضعف عقولهم { ~~أنهم يحسنون صنعا * } أي فعلا هو في غاية الإحكام وهم في غاية الدربة به ؛ ~~وروى البخاري في التفسير عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن الأخسرين ~~اليهود والنصارى , قال : أما اليهود فكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم , ~~وأما PageV04P509 النصارى فكفروا بالجنة وقالوا : لا طعام فيها ولا شرب - ~~انتهى . | قلت : وكذا قال اليهود لأن الفريقين أنكروا الحشر الجسماني وخصوه ~~بالروحاني . | ولما كانوا ينكرون أنهم على ذلك , لملازمتهم لكثير من محاسن ~~الأعمال , البعيدة عن الضلال , بين لهم السبب في بطلان سعيهم بقوله : { ~~أولئك } أي البعداء البغضاء { الذين كفروا } أي أوقعوا الستر والتغطية لما ~~من حقه أن يظهر ويشهر , مستهينين { بأيات ربهم } من كلامه وأفعاله , وبين ~~سبب هذا الكفر بقوله : { ولقائه } أي فصاروا لا يخافون فلا يردهم شيء عن ~~أهوائهم { فحبطت } أي سقطت وبطلت وفسدت بسبب جحدهم للدلائل { أعمالهم } ~~لعدم بنائها على أساس الإيمان { فلا } أي فتسبب عن سقوطها أنا لا { نقيم ~~لهم } ما لنا من الكبرياء والعظمة المانعين من اعتراض أحد علينا أو شفاعته ~~بغير إذننا لدينا { يوم القيامة وزنا * } أي لا نعتبرهم لكونهم جهلوا أمرنا ~~الذي لا شيء أظهر منه , وآمنوا مكرنا ولا شيء أخطر منه . | ولما كان ms2948 هذا ~~السياق في الدلالة على أن لهم جهنم أوضح من الشمس قال : { ذلك } أي الأمر ~~العظيم الذي بيناه من وعيدهم { جزاؤهم } لكن لما كان حاكما بضلالهم ~~وغباوتهم , بين الجزاء بقوله : { جهنم } وصرح بالسببية بقوله : { بما كفروا ~~} أي وقعوا التغطية للدلائل { واتخذوا ءاياتي } التي هي مع إنارتها أجد ~~الجد وأبعد شيء عن الهزل { ورسلي } المؤيدين بباهر أفعالي مع ما لهم من ~~الشهامة والفضل { هزوا * } فلم يكتفوا بالكفر الذي هو طعن في الإلهية حتى ~~ضموا إليه الهزء الذي هو أعظم احتقار . | ولما بين ما لأحد قسمي أهل الجمع ~~تنفيرا عنهم , بين ما للآخر على تقدير الجواب لسؤال تقتضيه الحال ترغيبا ~~والاقتداء بهم , فقال : { إن الذين ءامنوا } أي باشروا الإيمان { وعملوا } ~~تصديقا لإيمانهم { الصالحات } من الخصال { كانت لهم } لبناء أعمالهم على ~~الأساس { جنات } أي بساتين { الفردوس } أي أعلى الجنة , وأصله البستان الذي ~~هو الجنة بالحقيقة لانخفاض ما دونه عنه , وستر من يدخله بكثرة أشجاره { ~~نزلا * } كما كان السعير والأغلال لأولئك أنزلا , بعد لهم حين الدخول { ~~خالدين فيها } بعد دخولهم { لايبغون } أي يريدون أدنى إرادة { عنها حولا * ~~} أي تحولا لأنه مزيد عليها , دفعا لما قد يتوهم من أن الأمر كما في الدنيا ~~من أن كل أحد في أي نعيم كان يشتهي ما هو أعلى منه لأن طول الإقامة قد يورث ~~السآمة , بل هم في PageV04P510 غاية الرضى بها , لما فيها من أنواع الملاذ ~~التي لا حصر لها ولا انقضاء , لايشتهي أحد منهم غير ما عنده سواء كان في ~~الفردوس أو فيما دونه , وهو تعويض بالكفرة في أنهم يصطرخون في النار < # > 77 ( { ربنا أخرجنا منها } ) 77 < # > [ المؤمنون : 107 ] وذلك عكس ما كان في الدنيا من ركون الكفار إليها , ~~ومحبتهم في طول البقاء فيها , وعزوف المؤمنين عنها , وشوقهم إلى ربهم ~~بمفارقتها . | ولما تم الجواب عن أسئلتهم على أحسن الوجوه مخللا بما تراه ~~من الحجج البينة والنفائس الملزمة لهم بفصل النزاع , وأتبع ذلك بقص الأمر ~~الذي بإغفاله تجرؤوا على الكفر , وهو أمر البعث إلى أن ختمه بمل يقتضي ms2949 أن ~~معلوماته لا تحد , لأن مقدوراته في تنعيم أهل الجنة لا آخر لها فلا تعد , ~~وكان اليهود قد اعترضوا على قوله في أولها < # > 77 ( { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } ) 77 < # > [ الإسراء : 85 ] بأنهم أوتوا التوراة , وكان لكل ما سألوا عنه من ~~الفصول الطويلة الذيول أمور تهول , وكان ربما قال قائل : ما له لا يزيد ذلك ~~شرحا ؟ قال تعالى آمرا بالجواب عن ذلك كله , معلما لهم بأنهم لا يمكنهم ~~الوقوف على تمام شرح شيء من معلوماته , وآخر استفصال شيء من مقدوراته , ~~قطعا لهم عن السؤال , وتقريبا إلى أفهامهم بضرب من المثال : { قل } أي يا ~~أشرف الخلق لهم : { لو كان البحر } أي ماؤه على عظمته عندكم { مدادا } وهو ~~اسم لما يمد به الدواة من الحبر { لكلمات } أي لكتب كلمات { ربي } أي ~~المحسن إلي في وصف ذكر وغيره مما تعنتموه في السؤال عما سألتم عنه أو غير ~~ذلك { لنفد } أي فني مع الضعف فناء لا تدارك له { البحر } لأنه جسم متناه . ~~| ولما كانت المخلوقات - لكونها ممكنة - ليس لها من ذاتها إلا العدم , ~~وكانت الكلمات من صفات الله , وصفات اله واجبة الوجود , فكان نفادها محالا ~~, فكان نفاد الممكن من البحر وما يمده بالنسبة إليها مستغرقا للأزمنة كلها ~~, جرد الظرف من حرف الجر فقال : { قبل أن تنفد } أي تفنى وتفرغ { كلمات ربي ~~} لأنها لا تتناهى لأن معلوماته ومقدوراته لا تتناهى , وكل منها له شرح ~~طويل , وخطب جليل ؛ ولما لم يكن أحد غيره يقدر على إمداد البحر قال : { ولو ~~جئنا } أي بما لنا من العظمة التي لا تكون لغيرنا { بمثله مددا * } أي له ~~يكتب منه لنفد أيضا , هذا كله كناية عن عدم النفاد , لأنه تعليق على محال ~~عادة كقولهم : لا تزال على كذا ما بل بحر صوفه وما دجى الليل , ونحو هذا , ~~ولعله عبر بجمع السلامة إشارة إلى أن قليلها بهذه الكثرة فكيف بما هو أكثر ~~منه , وذلك أمر لا يدخل تحت وصف , وعبر بالقبل دون أن يقال ( ولم تنفد ) ~~ونحوه , لأن ذلك كاف في ms2950 قطعهم عن الاستقصاء في السؤال ولأن التعبير بمثل ~~ذلك ربما فتح بابا من PageV04P511 التعنت وهو أن يجعلوا الواو للحال ~~فيجعلوا النفاد مقيدا بذلك , وأما سورة لقمان فاقتضى سياقها في تأسيس ما ~~فيها على < # > 77 ( { الغني الحميد } ) 77 < # > [ لقمان : 26 ] ومقصودها يكون التعبير فيها بغير ما ههنا , فما في كل ~~سورة أبلغ بالنسبة إلى سياقه , مع أنه ليس في إفصاح واحدة منهما ما يدل على ~~نفاد الكلمات ولا عدمه , وفي إفهام كل منهما بتدبر القرائن في السياق وغيره ~~ما يقطع بعدم نفاذها , ولاتخالف بين الآيتين وإن كان التعبير في هذه السورة ~~أدخل في التشابه , ويجاب عنه بما قالوا في مثل قول الشاعر ( على لاحب لا ~~يهتدي بمناره ) من أن ما في حيز السلب لا يقتضي الوجود , ولعل التعبير بمثل ~~ذلك من الفتن المميزة بين من في قلبه مرض وبين الراسخ الذي يرد المتشابه ~~إلى المحكم , وهو ما دل عليه البرهان القاطع من أن الله تعالى لا نهاية ~~لذاته , ولا لشيء من صفاته , بل هو الأول والآخر الباقي بلا زوال - والله ~~أعلم . | ولما كانوا ربما قالوا : ما لك لا تحدثنا من هذه الكلمات بكل ما ~~نسألك عنه حيثما سألناك ؟ وكانوا قد استنكروا كون النبي بشرا , وجوزوا كون ~~الإله حجرا , وغيوا إيمانهم به بأمور سألوه في الإتيان بها كما تقدم بعد ~~أول مسائلهم , وهي الروح آخر سبحان , وكان قد ثبت بإجابتهم عن المسائل على ~~هذا الوجه أنه رسول , أمره سبحانه أن يجيبهم عن ذلك بما يرد عليهم غلطهم , ~~ويفضح شبههم , إرشادا لهم إلى أهم ما يعينهم من الحرف الذي النزاع كله دائر ~~عليه وهو التوحيد فقال : { قل إنما أنا } أي في الاستمداد بالقدرة على ~~إيجاد المعدوم والإخبار بالمغيب { بشر مثلكم } أي لا أمر لي ولا قدرة إلا ~~على ما يقدرني عليه ربي , ولا استبعاد لرسالتي من الله فإن ذلك سنته فيمن ~~قبلي { يوحى إلي } أي من الله الذي خصني بالرسالة كما أوحى إلى الرسل قبلي ~~ما لا غنى لأحد عن علمه واعتقاده { أنما ms2951 إلهكم } وأشار إلى أن إلهيته ~~بالإطلاق لا بالنظر إلى جعل جاعل ولا غير ذلك فقال : { إله واحد } أي ~~لاينقسم بمجانسة ولا غيرها , قادر على ما يريد , لا منازع له , لم يؤخر ~~جواب ما سألتموني عنه من عجز ولا جهل ولاهوان بي عليه - هذا هو الذي يعني ~~كل أحد علمه , وأما ما سألتم عنه من أمر الروح والقصتين تعنتا فأمر لو ~~جهلتموه ما ضركم جهله , وإن اتبعتموني علمتموه الآن وما دل عليه من أمر ~~الساعة إيمانا بالغيب علم اليقين , وعلمتموه بعد الموت بالمشاهدة عين ~~اليقين , وبالمباشرة حق اليقين , وإن لم تتبعوني لم ينفعكم علمه { فمن } أي ~~فتسبب عن وحدته المستلزمة لقدرته أنه من { كان يرجوا } أي يؤمن بمجازاته له ~~على أعماله في PageV04P512 الآخرة برؤيته وغيرها , وإنما قال : { لقاء ربه ~~} تنبيها على أنه هو المحسن إلى كل أحد بالتفرد بخلقه ورزقه , ولا شريك له ~~في شيء من ذلك على قياس ما نعلمه من أنه لا مالك إلا هو قاهر لمملوكه على ~~لقائه , مصرف له في أوامره في صباحه ومسائه . | ولما كان الجزاء من جنس ~~العمل , كان الواجب على العبد الإخلاص في عمله , كما كان عمل ربه في تربيته ~~بالإيجاد وما بعده , فقال : { فليعمل } وأكده للإعلام بأنه لا يد مع ~~التصديق من الإقرار فقال : { عملا } أي ولوكان قليلا { صالحا } وهو ما ~~يأمره به من أصول الدين وفروعه من التوحيد وغيره من أعمال القلب والبدن ~~والمال ليسلم من عذابه { ولا يشرك } أي وليكن ذلك العمل مبينا على الأساس ~~وهو أن لا يشرك ولو بالرياء { بعبادة ربه أحدا * } فإذا عمل ذلك فاز فحاز ~~علوم الدنيا والآخرة , وقد انطبق آخر السورة على أولها بوصف كلمات الله ثم ~~ما يوحى إليه , وكل منهما أعم من الكتاب بالأقومية للدعاء إلى الحال الأسلم ~~, في الطريق الأقوم , وهو التوحيد عن الشريك الأعم من الولد وغيره , ~~والإحسان في العمل , مع البشارة لمن آمن , والنذارة لمن أعرض عن الآيات ~~والذكر , فبان بذلك أن لله تعالى - بوحدانيته وتمام علمه وشمول قدرته صفات ~~- الكمال ms2952 , فصح أنه المستحق لجميع الحمد - والله الموفق , والحمد لله على ~~إتمام سورة الكهف من كتاب نظم الدرر من تناسب الآي والسور . | . . . . | ~~PageV04P513 < # > 70 ( سورة مريم ) 70 < # > | بسم الله الرحمن الرحيم سورة مريم مكية - آياتها ثمان وتسعون # مقصودها بيان اتصافه سبحانه بشمول الرحمة بإفاضة النعم علىجميع خلقه ، ~~المستلزم للدلالة على اتصافه لجميع صفات الكمال ، المستلزم لشمول القدرة ~~على إبداع المستغرب ، المستلزم لتمام القدرة الموجب للقدرة على البعث ~~والتنزه عن الولد لأنه لا يكون إلا لمحتاج ، ولا يكون إلا مثل الوالد ، ولا ~~سمي له سبحانه فضلا عن مثيل ، وعلى هذا دلت تسميتها بمريم ، لأن قصتها أدل ~~ما فيها على تمام القدرة وشمول العلم ، لأن أغرب ما في المخلوقات وأجمعه ~~خلقا الآدمي ، وأعجب أقسام توليده الأربعة - بعد كونه آدميا - ما كان من ~~أنثى بلا توسط ذكر ، لأن أضعف الأقسام ، وأغرب ذلك أن يتولد منها على ضعفها ~~أقوى النوع وهو الذكر ، ولا سيما إن أوتي قوة الكلام والعلم والكتاب في حال ~~الطفولية ، وأن يخبر بسلامته الكاملة فيكون الأمر كذلك ، لم يقدر أحد - مع ~~كثرة الأعداء - على أن يسمه بشيء من أذى ، هذا إذا جمعته من إخراج الرطب في ~~غير حينه من يابس الحطب ، ومن إنباع الماء في غير موضعه ، وعلى مثل ذلك ~~أيضا دلت تسميتها بما في أولها من الحروف ، بيان ذلك أن مخرج الكاف من أقصى ~~اللسان مما يلي الحلق ويحاذيه من أسفل الحنك ، وهي أدنى من مخرج القاف ~~قليلا إلى مقدم الفم ر ، ولها من الصفات الهمس والشدة والانفتاح والاستفال ~~والخفاء ، ومخرج الياء من وسط اللسان والحنك الأعلى ، ولها من الصفات الجهر ~~والرخاوة والانفتاح والاستفال ، وه أغلب صفاتها ، ومخرج العين وسط الحلق ، ~~ولها من صفات الجهر وبين أصول الثنيتين السفليين ، وله من الصفات الهمس ~~والرخاوة والإطباق والاستعلاء والصفير ، فالافتتاح بهذه الأحرف هنا إشارة - ~~والله أعلم - إلى أن أهل الله عامة - من ذكر منهم في هذه السورة وغيرهم - ~~يكون PageV04P514 أمرهم عند المخالفين أولا - كما تشير إليه الكاف - ضعيفا ~~مع شدة انفتاح كما كان حال ms2953 النبي صلى الله عليه وسلم أول ما دعا ، فإنه ~~اشتهر أمره ولكنه كان ضعيفا بإنكار قومه إلا أنهم لم يبالغوا في الإنكار ، ~~ثم يصير الأمر فيا , ائل العراك - كما تشير إلأيه الهاء - إلى استقال ، ثم ~~يزداد بتمالؤ المستكبرين عليهم ضعفا وخفاء ، وإلى هذا تشير قراءتها ~~بالإمالة ، ولا بد مع ذلك من نوع ظهور - كما يشبر إليه انفتاح الهاء وإليه ~~تشير قراءة الفتح ، وهذا كما كان النبي صلى الله عليه وسلم حين صرح بسب ~~آلهتهم وتسفيه أحلامهم وتضليل آبائهم فقاموا عليه إلبا واحدا ، فهاجر أكثر ~~الصحابة رضي الله عنهم إلى الحبشة ، وخاف أبو طالب دهماء العرب فقال قصيدته ~~اللامية يفي ذلك ، وتمادى الحال حتى ألجاتهم قريش إلأى الشعب ، وتكون في ~~وسط أمرهم - كما تشير إليه الياءوقراءتها بالفتح ، لهم قوة مع رخاوة ~~واشتهار واستفال ، وهو الأغلب عليهم ظاهرا كما تشير إليه قراءة الإمالة ، ~~فيكون ذلهم من وراء عز وعزهم في ثوب ذل ، يعرف ذلك من عاناه ، ونظر إليه ~~بعين الحقيقة واجتلاء ، وهذا كما كان عند قيام من قام من قريش يفي نقض ~~الصحيفة الظالمة وإخراجهم من الشعب ، ثم عند موت خديجة رضي الله عنها وأبي ~~طالب ، وخرج صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فردوه - بأبي هو وأمي ونفسي ~~وودلدي وعيني ، فلما قرب من مكة المشرفة لم يستطع دخولها بغير جوار ، ~~فاختفى في غار حراء وأرسل إلى من يجيره ، ثم أرسل حتى أجاره المطعم بن عدي ~~، ولبس السلاح هو من أطاعةى وأدخله صلى الله عليه وسلم حتى طاف بالبيت ، ثم ~~قضى سبحانه أن قتل المطعم في بدر كافرا ، بعد اجتهاد النبي صلى الله عليه ~~وسلم في سلامته والإيصاء به أن لا يقتل - ليعلم أنه سبحانه مختار في عموم ~~رحمته وخصوصها ، لئلا ييأس عاص أو يأمن طائع ، ثم إذا علا أمرهم عن الوسط ~~صاعدا قوي - كما تشير إليه العين ، فصار بين الشدة والرخاوة ، وفيه انفتاح ~~بشهرة مع استفال في بعض الأمر كما كان حاله صلى الله عليه وسلم عند مبايعة ~~الأنصار رضوان الله عليهم ms2954 ، وأما آخر أمرهم فهو وإن كالن فيه نوع من الضعف ~~، وضرب من الرخاوة واللين كما كان في غزوة حنين والطائف ، فإنه تعقبه قوة ~~عظيمة بالإطباق ، واستعلاء واشتهار يملأ الآفاق ، كما يشير إليه الصغير - ~~هذا في أهل الله عامة المذكورين في هذه السورة وغيرهم ، وأما ما يخص عيسى ~~عليه الصلاة والسلام الذي هو صورة سورتها ومطمح إشارتها وسيرتها فجعل ~~الحروف اللسانية من هذه الحروف أغلبها ثلاثة أحرف منها إشارة إللا أن ~~إبراهيم عليه السلام بما أعطى في نفسه وفي ذريته ولسان الصدق المذكور به هو ~~لسان هذا الوجود ، وأن دولة آله الذين عيسى عليه السلام من أعيانهم هي وسط ~~هذا الوجود حقيقة وخيارا , فموسى عليه السلام أو أصحاب شرائعهم بمنزلة ~~القاف التي هي من أقصى اللسان وله حظ كبير PageV04P515 منها ، فإنه من أجله ~~قتل أبناء بني إسرائيل وولد في سنةالقتل ، وكان سبب هجرته وابتداء سيره إلى ~~الله تعالى قتله القبطي ، وقرب نجيا ، ومن صفاتها الجهر والشدة والانفتاح ، ~~والاستعالاء والقلقلة ، وهو عريق يفي كل من خيرات ذلك ، وداود عليه السلام ~~ثاني ذوي كتبهم بمنزلة الهمزة التي هي أبعد من مخرج الهاء إحدى هذه الحروف ~~، وهو أول من جمع من بني إسرائيل بين الملك والنبوة ، وله حظ من صفاتها : ~~الجهر والشدة والانفتاح ، بما كان فيه من الملك والظهور ، والنصر على ~~الأعداء وعجائب المقدور ، وله حظ من وصفها بالاستفال في أول أمره وفي آخره ~~بما كان من بكائه وتواضعه وإخباته لربه وصلاحه ، فالكاف هنا إشارة إلى أن ~~عيسى عليه الصلاة والسلام هو ثاني الشارعين يفي الوجود ، والهاء عبارة عن ~~أنه من عقب داود عليه السلام ، وكل منهما له حظ من صفات الحرف المشير إليه ~~الدال عليه ، والصاد التي هي من طرف اللسان وهي خاتمة هذه الحروف إشارة مما ~~فيها من الإطباق المشير إلى تطبيق الرسالة لجميع الوجوه ، ومن الاستعلاء ~~المشير إلى نهاية العطمة ، والصفير المشير إلى غاية الانتشار بما فيها من ~~الصفات إلى أن أول أمر عيسى عليه السلام يكون فيه مع الشدة ضعف ms2955 ، ثم تشير ~~أيضا الهاء - التي هي من أقصى الحلق - إلى أن أمره يبطن بعد ذلك الظهور ~~ويخفى بارتفاعه إلى السماء ، ويدل الاستفال على أنها قريبة إلى السفلى ، ~~وهو كذلك فإنه في الثانية بدلالة رتبة الكاف والهاء في مخرجيهما ، وتشير ~~الياء بجهرها إلى ظهوره بنزوله ، وتدل بكونها من وسط اللسان على تمكنه في ~~أموره ، وباعتلائها على شيء في ذلك وهو ضعف الاتباع وحصرهم في ذلك الوقت ، ~~وتدل بانفتاحها ورخاوتها على ظهوره على الدجال في أولئك القوم الذين قد ~~جهدهم البلاء عند نزوله ، ومسهم الضر قبل حلوله ، وتليح غلبة الاستفال ~~عليها إلى أمر يأجوج ومأجوج لما يوحيه الله إليه ' إني قد أخرجت عبادا لي ~~لا يدان لأحد بهم ، فجرز عبادي إلى الطور ' وتدل العين بكونها من وسط الحق ~~على انحصارهم ، ويجهرها على أنه لا سبيل للعدو عليهم ولا وصول بوجه إليهم ، ~~وبما فيها من البينية والاستفال على جهدهم مع حسن العاقبة ، وتبشر - بما ~~فيها من الانفتاح - بحصول الفتح الذي ليس وراءه 9 فتح ، وتدل الصاد بمخرجها ~~على القوة الزائدة ، وبالهمس والرخاوة على أنها قوة لا بطش فيها ، ~~وبالإطباق والاستعلاء على عموم الذين جميع الناس ، وبالصفير على أنه ليس ~~وراء ذلك إلا النفخ في الصور لعموم الهلاك لكل موجود مفطور ، ثم لبعثرة ~~القبور ، وتحصيل ما في الصدور ، وكل هذا من PageV04P516 ترتيب سنته سبحانه ~~في المصطفين من عباده على هذا النحو البديع ، وترتيب هذه الحروف على هذا ~~النظم الدال عليه دائر على القدرة التامة والعلم الشامل والحكمة الباهرة ، ~~رحمهم سبحانه بأن نكبهم طريق الجبارين التي أوصلتهم إلى القسوة ، وجنبهم ~~سنن المستكبرين التي تلجئ ولا بد إلأى الشقوة ، فجعل نصرهم في لوامع انكسار ~~، وكسرهم في جوامع انتصار ، وحماهم من فخامة دائمة تجر إلى بذح وعلو ~~واستكبار ، ومن رقة ثابتة تحمل على ذل وسفول وصغار ، فلقد انطبق الاسمان ~~على المسمى ، واتضحا غاية الاتضاح في أمره ونما ، وهذا معنى ما قال الكلبي ~~: هو ثناء أثنى الله به على نفسه . { بسم الله } المنزه عن كل شائبة نقص ، ~~القادر ms2956 على كل ما يريد { الرحمن } الذي عم نواله سائر مخلوقاته { الرحيم } ~~الذي اختص الصالحين من عباده ، بما يسعد من مراده . | ولما كان مقصود التي ~~قبلها الدلالة على أنم القرآن قيم لا عوج فيه ، وبه تمام الانتظام في نعمة ~~الإبقاء الأول ، ودل على ذلك بأنه ساق المؤول عنه من القصص أحسن سوق ، وكشف ~~عن مخبأته القناع أبدع كشف - إلى غير ذلك مما خلله به من بدائع الحكم ~~وغرائب المعاني فاضحة لمن ادعى الله سبحانه ولدا ، وختمها بمثل ذلك وصف ~~الكتاب والتوحيد - النافي لقبول التعدد بولد أوغيره بكل اعتبار - والعمل ~~الصالح ، ابتدأ هذه بالكشف عن أغرب من تلك القصص ، تحقيقا لآية { أم حسبت ~~أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا } [ الكهف : 9 ] بسياق غير ما ~~تقدم فيما مضى عن السور ، وجزئيات لم تذكر إلا فيها مع عدم المخالفة لما ~~مضى ، تأييدا لأن كلماته لا تنفذ ، وعجائبه لا تعد ولا تحد ، وأنه لو كان ~~من عند غيره لاختلف ، مع أن أهلها سادة الموحدين ، وقادة المصلحين المتقين ~~الذين عملوا الصالحاتن ، ونفوا الشرك وشرعوا ذلك للناس ، فرحمهم ربهم ~~سبحانه ، وكلهم ممن يعتقده اليهود الآمرون لقريش بالسؤال عن أصحاب الكهف ~~وذي القرنين تعنتا ، أمت من عدا عيسى عليه الصلاة والسلام فواضح ، وأما ~~عيسى عليه السلام فيعتقدون أنه ما اتى لأأنه سيأتي ، ويكون الناس في أيامه ~~على دين واحد تصديقا لوعد التوارة الآتي بيانه ، وذلك على وجه مستلزم في ~~أكثرها تنزهه تعالاى عن الوالد ، وقدرته على البعث ، وبدأها بقصة من خرق له ~~العادة في الولد على وجه مبين أنه لا يحتاجه إلا فإن حسا أو معنى يريد أن ~~يخلفه فيما تعسر عليه فعله أو تعذر ، وكان تقديم قصته أولى لأن التبكيت به ~~أعظم لمباشرتهم لقتله وقتل ابنه يحيى عليهما الصلاة والسلام ، وإشارة إلى ~~أن العمل الصالح المؤسس على التوحيد ضامن لإجابة الدعاء وإن كان فيه خرق ~~العادة ، وثنى بأمر من نسبوء إليه وافتروه عليه PageV04P517 وقصدوا قتله ~~على وجه معرب عن شأنه غاية الإعراب ، مبين فيه وجه ms2957 الصواب ، متمما لتبكيت ~~اليهود الآمرين لقريش بالتعنت بالسؤال بالإشارة إلى قتل زكريا ويحيى عليهما ~~الصلاة والسلام وإعاء صلب المسيح الذي بشرت به التوراة ، وهم الآن ينتظرونه ~~ويدعون أنهم أخص الناس به ، وقذف أمه - وحاشاها - دالا بذلك على القدرة على ~~البعث ، قال في التوراة في آخر السفر الأول : إن يعقوب عليه الصلاة والسلام ~~أخب ربقرب وفاته وقال لبنيه : اجتمعوا إلى فأبين لكم ما هو كائن من أمركم ~~في آخر الأيام ، اجتمعوا واسمعوا يا بني يعقوب انصتوا لإسرائيل أبيكم ثن ~~قال : يا يهوذا لك يعترف إخوتك بتعالى يدك على رقاب أعدائك ، وليسجد لك بنو ~~أبيك ، شبل الليث ، من ذا يقيمه عن فريسته ، لا يزول القضيب من آل يهوذا ، ~~لا يعدم سبط يهوذا ملكا مسلطا وأفخاده نبيا مرسلا حتى يأتي الذي له الملك - ~~وفي نسخة : الكل - وإياه تنتظر الشعوب ، يربط بالحبلة جحشه عيناه أشد شهولة ~~من الخمر ، وأسنانه أشد بياضا من اللبن - هذا نصه ، وعند اليهود أنه المسيح ~~، ويسمونه مع ذلك المنتظر والمهدي ، وعندهم أنه ينصرهم ويخلصهم مما هم فيه ~~من الذل ، فقلت لبعضهم : أشهد أنه المسيح ابم مريم الذي أتى وتبعه النصارى ~~وعاديتموه حتى رفعه الله تعالى ، فقال الذي في التوارة أنه يكون له الكل ، ~~وعيسىة مل كان كذلك ، فقلت : إنه يكون له الكل حين ينزل تابعا لديننا من ~~حيث إنه لا يقبل إلا الإسلام ، قيطبق أهل الأرض على إتباعهخ عليه ، ويسعد ~~به منكم من يتبعه ، ويزول عنه الذل ، هذا لا يناف كلام التوراة فإنه لم ~~يقيد ذلك بساعة إتيانه . فلم يقبل ذلك ، ثم إنه أتى إلي يوما بكتاب من ~~كتبهم في شرح سفر الأنبياء فقال في الكلام على البشائر المتعلقة بالمسيح ' ~~ولا يبعد أن يبدو لإسرائيل ثم يختقي ثم يظهر فيكون له الكل ' فقلت له : ~~انظر وتبصر هذا عين ما ذكرته لك من قبل فبهت لذلك فقلت : أطعني وأسلم ففكر ~~ثم قال : حتى يريد الله تعالى . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في ~~برهانه : لما قال تعالى { أم حسبت أن أصحاب ms2958 الكهف والرقيم كانوا من آياتنا ~~عجبا } ثم أورد خبرهم وخبر الرجلين وموسى والخضر عليهما السلام وقصة ذي ~~القرنين ، أتبع سبحانه ذلك بقصص تضمنت من العجائب ما هو أشد عجبا وأخفى ~~سببا ، فافتتح سورة مريم بيحيى بن زكريا وبشارة زكريا به بعد الشيخوخة وقطع ~~الرجاء وعقر الزوج حتى سأل زكريا مستفهما ومتعجبا { أنى يكون لي غلام وكانت ~~امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا } [ مريم : 8 ] فأجابه تعالى بأن ذلك ~~عليه هين ، وأنه يجعل ذلك آية للناس ، وأمر هذا أعجب من القصص المتقدمة ، ~~فكان PageV04P518 قد قيل : أم حسبت يا محمد أنم أصحاب الكهف والرقيم كانوا ~~من آياتنا عجيا ، نحن نخبرك بخبرهم ونخبرك بما هو أعجب وأغرب وأوضح آية ، ~~وهو قصة زكريا في ابنه يحيى عليهما الصلاة والسلام ، وقصة عيسى في كيونته ~~بغير أب ، ليعلم أن الأسباب في الحقيقة لا يتوقف عليها شيء من مسبباتها إلا ~~بحسب سنة الله ، وإنما الفعل له سبحانه لا بسبب ، وإلى هذا أشار قوله تعالى ~~لزكريا عليه والسلام { وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } ثم أتبع سبحانه ~~بشارة زكريا بيحيى بإتيانه الحكم صبيا ، ثم بذكر وابنها عليهما الصلاة ~~والسلام ، وتعلقت الآي بعد إلى انقضاء السورة انتهى . < < # | مريم : ( 1 - 15 ) كهيعص # > > ^ ( كهيعص * ذكر رحمة ربك عبده زكريآ * إذ نادى ربه ندآء خفيا * قال ~~رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا * وإني خفت ~~الموالي من ورآئي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا * يرثني ويرث من ~~آل يعقوب واجعله رب رضيا * يزكريآ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من ~~قبل سميا * قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر ~~عتيا * قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا * قال رب ~~اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا * فخرج على قومه من ~~المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا * ييحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه ~~الحكم ms2959 صبيا * وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا * وبرا بوالديه ولم يكن جبارا ~~عصيا * وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا ) ^ } ) | ولما كانت ~~هذه السورة تالية للسورة الواصفة للكتاب - الذي به نعكة الإبقاء الأول - ~~بالاستقامة البالغة , افتتحها بالأحرف المقطعة , كما افتتح السورة التي تلي ~~أم الكتاب , الداعية إلى الصراط المستقيم , الواصفة الكتاب بالهدى الضامن ~~للاستقامة , والتي تلي واصفته , والتي تلي الأنعام المشيرة إلى نعمة ~~الإيجاد الأول , فقال : { كهيعص * } وهي خمسة أحرف على عددها مع تلك السور ~~, وهي جامعة النعم , وواصفة الكتاب , وذات النعمة الأولى , وذات النعمة ~~الثانية , كما افتتحت الأعراف التالية لذات النعمة الأولى باربعة على عددها ~~مع قبلها من الأمم الجامعة والواصفة وذات النعمة الأولى , وكما افتتحت آل ~~عمران التالية للواصفة بثلاثة على عددها مع الأم والواصفة { ذكر } أي هذا ~~الذي أتلوه عليكم ذكر { رحمت ربك } أي المحسن إليك بالتأييد بكشف الغوامض ~~PageV04P519 وإظهار الخبء { عبده } منصوب برحمة , لأنها مصدر بني على التاء ~~, لا أنها دالة على الوحدة { زكريا * } أي ابن ماثان , جزاء له على توحيده ~~وعمله الصالح الذي حمله عليه الرجاء للقاء ربه , والرحمة منه سبحانه ~~المعونة والإجابة والإيصال إلى المراد ونحو ذلك من ثمرات الرحمة المتصف بها ~~العباد { إذ نادى } ظرف الرحمة { ربه } . | ولما قدم تشريفه بالذكر والرحمة ~~والاختصاص بالإضافة إليه فدل ذلك على كمال القرب , قال : { نداء خفيا * } ~~أي كما يفعل المحب القريب مع حبيبه المقبل عليه في قصد خطاب السر الجامع ~~بين شرف المناجاة ولذاذة الانفراد بالخلوة , فأطلع سبحانه عليه لأنه يعلم ~~السر وأخفى , فكأنه قيل : كما ذلك الندا ؟ فقيل : { قال رب } بحذف الأداة ~~للدلالة على غاية القرب { إني وهن } أي ضعف جدا { العظم مني } أي هذا الجنس ~~الذي هو أقوى ما في بدني , وهو أصل بنائه , فكيف بغيره ! ولو جمع لأوهم أنه ~~وهن مجموع عظامه لا جميعها { واشتعل الرأس } أي شعره مني { شيبا ولم أكن } ~~فيما مضى قط مع صغر السن { بدعائك } أي بدعائي إياك { رب شقيا * } فأجرني ~~في هذه المرة أيضا على عوائد ms2960 فضلك , فإن المحسن يربي أول إحسانه بآخره وإن ~~كان ما ادعوا به في غاية البعد في العادة , لكنك فعلت مع أبي إبراهيم عليه ~~السلام مثله , فهو دعاء شكر واستعطاف ؛ ثم عطف على ( إني وهن ) قوله : { ~~وإني خفت الموالي } أي فعل الأقارب أن يسيئوا الخلافة { من وراءي } أي في ~~بعض الزمان الذي بعد موتي { وكانت امرأتي عاقرا } لا تلد أصلا - بما دل ~~عليه فعل الكون { فهب لي } أي فتسبب - عن شيخوختي وضعفي وتعويدك لي ~~بالإجابة , وخوفي من سوء خلافة أقاربي , ويأسي عن الولد عادة بعقم امرأتي , ~~وبلوغي من الكبر حدا لاحراك بي معه - إني أقول لك يا قادرا على كل شيء : هب ~~لي { من لدنك } أي من الأمور المستبطنة المستغربة التي عندك , لم تجرها على ~~مناهج العادات والأسباب المطردات , لا من جهة سبب أعرفه , فإن أسباب ذلك ~~عندي معدومة . | وقد تقدم في آل عمران لذلك مزيد بيان { وليا * } أي من ~~صلبي بدلالة { ذرية } في السورة الأخرى { يرثني } في جميع ما أنا فيه من ~~العلم والنبوة والعمل { ويرث } زيادة على ذلك { من ءال يعقوب } جدنا مما ~~خصصتهم به من المنح , وفضلتهم به من النعم , من محاسن الأخلاق ومعالي الشيم ~~, وخص اسم يعقوب اقتداء به نفسه إذ قال ليوسف عليهما الصلاة والسلام < # > 77 ( { ويتم نعمته عليك وعلى ءال يعقوب } ) 77 < # > [ يوسف : 6 ] ولأن إسرائيل صار علما على الأسباط كلهم , وكانت قد غلبت ~~عليهم الأحداث ؛ وقد استشكل القاضي العضد في ( الفوائد الغياثية ) كون { ~~يرث } على قراءة الرفع صفة بأنه يلزم عليه عدم إجابة دعائه عليه الصلاة ~~والسلام لأن يحيى عليه السلام PageV04P520 قتل في حياته , ولا يكون وارثا ~~إلا إذا تخلف بعده , وقد قال تعالى < # > 77 ( { فاستجبنا له ووهبنا له يحيى } ) 77 < # > [ الأنبياء : 90 ] قال : فتجعل استئنافية , ولا يلزم حينئذ إلا خلف ظنه ~~عليه السلام - هكذا نقل لي عنه , وأنا أجله عن ذلك , لأنه لا يلزم تخلف ~~دعائه ولا يتجرأ على علي مقامه بإخلاف ظنه , لأن الإخبار عن قتله قبله إن ~~كان عن النبي صلى ms2961 الله عليه وسلم وصح السند , كان تسمية العلم الذي أخذه ~~عنه في حياته إرثا مجازا مرسلا باعتبار ما يؤول إليه في الجملة , لا سيما ~~مع جواز أن يكون يحيى عليه السلام علمه لمن عاش بعد أبيه عليهما الصلاة ~~والسام , وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى العلم إرثا على وجه ~~الاستعارة التبعية بقوله عليه الصلاة والسلام ( العلماء ورثة الأنبياء ) ~~ولا شك أن من ضرورة تعلم العلم حياة المأخوذ عنه , ولم يرد منع من تسميته ~~إرثا حال الأخذ , هذا إذا صح أن يحيى عليه السلام مات قبل زكريا عليه ~~السلام , وحينئذ يؤول { من وراءي } بما غاب عنه , أي عجزت عن تتبع أفعال ~~الموالي بنفسي في حال الكبر , وخفت سوء فعلهم إذا خرجوا من عندي وغابوا عني ~~, فهب لي ولدا يكون متصفا بصفاتي , فكان ما سأله , وإن لم يصح موته قبله ~~بالطريق المذكور لم يصح أصلا , وينتفي الاعتراض رأسا , فإن التواريخ ~~القديمة إنما هي عن اليهود فهي لا شيء , مع أن البغوي نقل في أول تفسير ~~سورة بني إسرائيل ما يقتضي موت زكريا قبل يحيى عليهما الصلاة والسلام , ~~فإنه قال : آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى عليهم ~~الصلاة والسلام , وكانوا من بيت آل داود عليه السلام فمات زكريا عليه ~~السلام , وقيل : قتل , فلما رفع الله عيسى عليه الصلاة والسلام من بين ~~أظهرهم وقتلوا يحيى ابتعث الله عليهم ملكا من ملوك بابل يقال له خردوش ~~فسارإليهم بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام , فلما ظهر عليهم أمر رأسا من ~~رؤوس جنوده يدعى بيوزردان صاحب الفيل فقال : إني كنت قد حلفت بإلهي : لئن ~~أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلا أن ~~لا أجد أحدا أقتله , فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم , وأن بيوزردان دخل ~~بيت المقدس فقام في البقعة اليت كانوا يقربون فيها قربانهم , فوجد فيها دما ~~يغلي فقال : يا بني إسرائيل ! ما شأن هذا الدم يغلي ؟ قالوا : هذا دم قربان ~~لنا ms2962 قربناه فلم يقبل منا , فقال : ما صدقتموني , قالوا : لو كان تأول ~~زماننا لتقبل منا , ولكن قد انقطع منا الملك والوحي فلذلك لم يقبل منا , ~~فذبح منهم بيوزردان على ذلك الدم سبعمائة وسبعين رجلا PageV04P521 من ~~رؤوسهم فلم يهدأ , فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحهم على الدم يهدأ , ~~فأمر بسبعة آلاف من شيبهم وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد , فلما رأى ~~بيوزردان أن الدم لا يهدأ قال لهم : يا بني إسرائيل ! ويلكم ! أصدقوني ~~واصبروا على أمر ربكم , فقد طال ما ملكتم الأرض تفعلون فيما ما شئتم قبل أن ~~لا أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ذكر إلا قتلته , فلما رأوا الجد وشدة القتل ~~صدقوا الخبر فقالوا : إن هذا دم بني كانوا ينهانا عن أمور كثيرة من سخط ~~الله عز وجل , فلو أطعناه فيها لكان أرشد منا , وكان يخبرنا بأمركم فلم ~~نصدقه فقتلناه فهذا دمه , فقال لهم بيوزردان : ما كان اسمه ؟ قالوا : يحيى ~~بن زكريا , قال : الآن صدقتموني , بمثل هذا ينتقم منكم ربكم , فلما رأي ~~بيوزردان أنهم صدقوه خر ساجدا وقال لمن حوله : أغلقوا أبواب المدينة ~~وأخرجوا من كان ههنا من جيش خردوش , وخلا في بني إسرائيل , ثم قال : يا ~~يحيى بن زكريا ! قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم ~~فاهدأ بإذن الله قبل أن لا أبقي من قومك أحدا , فهدأ الدم بإذن الله تعالى ~~, ورفع بيوزردان عنهم القتل وقال : آمنت بالذي آمن به بنو إسرائيل وأيقنت ~~أنه لا رب غيره , وقال لبني إسرائيل : إن خردوش أمرني أن أقتل منكم حتى ~~تسيل دماؤكم وسط عسكره , وإني لست أستطيع أن أعصيه , قالوا له : افعل ما ~~أمرت به , فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير ~~والإبل والبقر والغنمن فذبحها حتى سال الدم في العسكر , وأمر بالقتلى الذين ~~قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم , فلم يظن خردوش إلا أن ما في ~~الخندق من بني إسرائيل , فلما بلغ الدم عسكره أرسل بيوزردان أن ارفع عنهم ~~القتل ms2963 , ثم انصرف إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد . | فهذا كما ترى ~~ظاهر في أن يحيى تخلف بعد أبيه عليهما الصلاة والسلام وكذا ما تقدم في آل ~~عمران عن الإنجيل في قصة ولادته . | ولما ختم دعاءه بقوله : { واجعله رب } ~~أي أيها المحسن إلي { رضيا * } أي بعين الرضا منك دائما حتى يلقاك على ذلك ~~, قيل في جواب من كأنه قال : ماذا قال له ربه الضي أحسن الظن به ؟ : { يا ~~زكريا إنا } أي على ما لنا من العظمة { نبشرك } إجابة لدعائك ؛ وقراءة ~~الجماعة غير حمزة بالتشديد أوفق من قراءة حمزة للتأكيد الذي جيء به , لأن ~~المبشر به لغرابته جدير بالإنكار { بغلام اسمه يحيى } ثم وصفه بما عرف به ~~أن مما شرفه به أن ادخر له هذا اتلاسم فقال : { لم نجعل له } فيما مضى , ~~ولعله أتى بالجار الدال على التبعيض تخصيصا لزمان بني إسرائيل قومه فقال : ~~{ من قبل سميا * } فكأنه قيل : ما قال في جواب هذه البشارة العظمى ؟ فقيل : ~~{ قال } عالما بصدقها طالبا PageV04P522 لتأكيدها , والتلذيذ بترديدها , ~~وهل ذلك من امرأته أو غيرها ؟ وهل إذا كان منها يكونان على حالتهما من ~~الكبر أو غيرها غير طائش ولا عجل { رب } أي المحسن إلي بإجابة دعائي دائما ~~{ أنى } أي من أين وكيف وعلى أي حال { يكون لي غلام } يولد لي على غاية ~~القوة والنشاط والكمال في الذكورة { وكانت } أي والحال أنه كانت { امرأتي } ~~كانت شابة { عاقرا } غير قابلة للولد عادة وأنا وهي شابان فلم يأتنا ولد ~~لاختلال أحد السبيبن فكيف بها وقد أسنت ! { وقد بلغت } أنا { من الكبر عتيا ~~} أي أمرا في اليبس مجاوزا للحد هو غاية في الكبر ما بعدها غاية , وقد حصل ~~من ذلك من الضعف ويبس الأعضاء وقحلها ما يمنع في العادة من حصول الولد ~~مطلقا لاختلال السببين معا فضلا عن أن يصلح لأن يعبر عنه بغلام ؛ قال ~~البغوي في آل عمران : وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : كان ابن ~~عشرين ومائة سنة , وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة ؛ وقال ms2964 الرازي في ~~اللوامع : إن هذا على الاستخبار أيعطيه الله الولد بتلك الحال أم يقلبه ~~شابا ؟ ولله تعالى في كل صنع تدبيران : أحدهما المعروف الذي يسلكه الناس من ~~توجيه الأسباب إلى المسببات , والآخر يتعلق بالقدرة المحضة , ولا يعرفه إلا ~~أهل الاستبصار - انتهى . | { قال كذلك } أي الأمر ؛ ثم علله بقوله : { قال ~~ربك } أي الذي عودك بالإحسان , وذكر مقول القول فقال : { هو } أي خلق يحيى ~~منكما على هذه الحالة { علي } أي خاصة { هين } لافرق عندي بينه وبين غيره { ~~وقد خلقتك } أي قدرتك وصورتك وأوجدتك . | ولما كان القصد تشبيه حاله ~~بالإتيان منه بولد على ضعف السبب بتقديره من النطفة على ضعف سبيتها لكونها ~~تارة تثمر وتارة لا , وهو الأغلب , أتى بالجار إشارة إلى ذلك فقال : { من ~~قبل } أي قبل هذا الزمان { ولم } أي والحال أنك لم : ولما كان عليه السلام ~~شديد التشوف لما يلقى عليه من المعنى في هذه البشرى , أوجز له حتى بحذف ~~النون وليثبت أنه ليس له من ذاته إلا العدم المحض , وينفي أن يكون له من ~~ذاته وجود ولوعلى أقل درجات الكون لاقتضاء حاله في هذا التعجب لتذكيره في ~~ذلك فقال : { تلك شيئا * } أي يعتد به , ثم أبرزتك على ما أنت عليه حين ~~أردت , فتحقق بهذا أنه من امرأته هذه العاقر في حال كونهما شيخين , ثم قيل ~~جوابا لمن كأنه قال : ما قال بعد علمه بذلك ؟ : { قال رب } أي أيها المحسن ~~إلي بالتقريب ! { اجعل لي } على ذلك { ءاية } أي علامة تدلني على وقوعه { ~~قال } أي الله : { ءايتك } على وقوع ذلك { ألا تلكم الناس } أي لا تقدر على ~~كلامهم . | ولما بدئت السور بالرحمة , وكان الليل محل تنزلها ( ينزل ربنا ~~كل ليلة إلى سماء PageV04P523 الدنيا فيقول ) - الحديث , قال : { ثلاث ليال ~~} أي بأيامها - كما ذلك عليه التعبير بالأيام في آل عمران حال كونك { سويا ~~* } من غير خرس ولا مرض ولا حبسة عن مطلق الكلام , بل تناجي ربك فيها ~~بتسبيحه وتحميده وتلاوة كتابه وكل ما أردت من مثل ذلك وكذا من عدا الناس من ~~الملائكة ms2965 وغيرهم من صالح عباد الله , وجعلت الآية الدالة عليه سكوتا عن غير ~~ذكر الله دلالة على إخلاصه وانقطاعه بكليته إلى الله دون غيره { فخرج } عقب ~~إعلام الله له بهذا { على قومه } أي عاليا على العلية منهم { من المحراب } ~~الذي كان فيه وهو صدر الهيكل وأشرف ما فيه , وهو منطلق اللسان بذكر الله ~~منحبسه عن كلام الناس { فأوحى إليهم } أي أشار بشفتيه من غير نطق : قال ~~الإمام أبو الحسن الرماني في آل عمران : والرمز : الإيماء بالشفتين , وقد ~~يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين واليدين , والأول أغلب ؛ قال : وأصله ~~الحركة . | وسبقه إلى ذلك الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري فقال : وأما ~~الرمز فإن الأغلب من معانيه عند العرب الإيماء بالشفتين , وقد يستعمل في ~~الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانا , وذلك غير كثير فيهم , وقدي قال للخفي ~~من الكلام الذي مثل الهمس بخفض الصوت الرمز . | ثم نقل أن المراد به هنا ~~تحرك الشفتين عن مجاهد - انتهى . | وهو ظاهر أيضا في الوحي لأنه مطلق ~~الإشارة والكناية والكلام الخفي , فيجوز أن يكون وحيه بكل منهما , لا يقدر ~~على غير ذلك في مخاطبته للناس , فإذا توجه إلى مناجاة ربه سبحانه انطلق ~~أحسن انطلاق { أن سبحوا } أي أوجدوا التنزيه والتقديس لله تعالى بالصلاة ~~وغيرها { بكرةوعشيا * } فحملت امرأته كما قلنا فولدت ولدا فسماه يحيى كما ~~بشرناه به فكبر حتى ميز فقلنا : { يا يحيى خذ الكتاب } أي التوراة { بقوة } ~~. | ولما كانت النبوة لا يستضلع بأمرها ويقوى على حملها إلا عند استحكام ~~العقل ببلوغ الأشد , وكان التطويق على أمرها قبل ذلك من العظمة بمكان , دل ~~عليه النون في قوله : { وءاتيناه } بما لنا من العظمة { الحكم } أي البنوة ~~والفهم للتوراة { صبيا * } لغلبة الروح عليه , وهذه الخارقة لم تقتض الحكمة ~~أن تكون لنبينا صلى الله عليه وسلم لأن قومه لا عهد لهم بالنبوة , فكانوا ~~إذا كذبوا لا يكون لهم من أنفسهم ما يلزمهم من التناقض , فعوض أعظم من ذلك ~~بغرائز الصدق التي أوجبت له تسميته بالأمين ليكونوا بذلك مكذبين لأنفسهم في ~~تكذيبهم له . | وبمزيد إبقاء ms2966 معجزته القرآنيه بعده تدعو الناس إلى دينه ~~دعاء لا مرد له { و } آتيناه { حنانا } أي رحمة وهيبة ووقارا ورقة قلب ~~ورزقا وبركة { من لدنا } من PageV04P524 مستقرب المستغرب من عظمتنا بلا ~~واسطة تعليم ولا تجربة { وزكاة } أي طهارة في نيته تفيض على أفعاله وأقواله ~~{ وكان } أي جبلة وطبعا { تقيا } حوافا لله تعالى { وبرا } أي واسع الأخلاق ~~محسنا { بوالديه ولم يكن } جبلة وطبعا { جبارا } عليهما ولا على غيرهما ؛ ~~ثم قيده بقوله : { عصيا * } إشارة إلى أن يفعل فعل الجبارين من الغلظة ~~والقتل والبطش بمن يستحق ذلك كما قال تعالى لخاتم النبيين صلى الله عليه ~~وسلم < # > 77 ( { جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم } ) 77 < # > [ التحريم : 9 ] فكان مطيعا لله قائما بحقوقه وحقوق عباده على ما ينبغي ~~, فهنيئا له ما أعطاه من هذه الخلال القاضية بالكمال , والتعبير بصيغة ~~المبالغة يفهم أن المنفي الجبل عليها , وما دونها يذهبه الله بغسل القلب أو ~~غيره { وسلام } أي أي سلام { عليه } منا { يوم يولد } من كل سوء يلحق ~~بالولادة وما بعدها في شيء من أمر الدين { ويوم يموت } من كرب الموت وما ~~بعدهن ولعله نكر السلام لأنه قتل فما سلم بدنه بخلاف ما يأتي في عيسى عليه ~~الصلاة والسلام { ويوم يبعث } من كل ما يخاف بعد ذلك { حيا * } حياة هي ~~الحياة للانتفاع بها , إجابة لدعوة أبيه في أن يكون رضيا , وخص هذه الأوقات ~~لأن من سلم فيها سلم في غيرها لأنها أصعب منه ؛ أخرج الطبراني عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كل بني آدم يلقى ~~الله يوم القيامة بذنب وقد يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا ~~عليهما السلام فإنه كان سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين , ) وأهوى النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال : ( ذكره مثل هذه القذاة ) ~~قال الهيثمي : وفيه حجاج ابن سليمان الرعيني وثقه ابن حبان وغيره وضعفه أبو ~~زرعة وغيره , وبقية رجاله ثقات , وأخرجه أيضا عن عبد الله بن عمرو ابن عباس ms2967 ~~رضي الله عنهم , لكن ليس فيه ذكر الذكر , ولفظ ابن عباس رضي الله عنهما : ~~كنت في حلقة في المسجد نتذاكر فضائل الأنبياء - فذكره حتى قال : فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( ما ينبغي أن يكون أحد خيرا من يحيى بن زكريا , ~~) قلنا : يا رسول الله ! وكيف ذاك ؟ قال : ( ألم تسمعوا الله كيف نعته في ~~القرآن ؟ { يا يحيى خذ الكتاب } - إلى قوله : { حيا } , مصدقا بكلمة من ~~الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين لم يعمل سيئة ولم يهم بهم ) ورواه ~~أيضا البزار وفيه على بن زيد بن جدعان ضعفه الجمهور - وقد وثق , وبقية ~~رجاله ثقات . | وأشار سبحانه بالتنقل في هذه الأطوار إلى موضع الرد على من ~~PageV04P525 ادعى لله ولدا من حيث إن ذلك قاض على الولد نفسه وعلى أبيه ~~بالحاجة , وذلك مانع لكل من الولد والوالد من الصلاحية لمرتبة الإلهية ~~المنزهة عن الحاجة , وقد مضى في آل عمران ما تجب مراجعته . | < < # | مريم : ( 16 - 25 ) واذكر في الكتاب . . . . . # > > ^ ( واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا * فاتخذت ~~من دونهم حجابا فأرسلنآ إليهآ روحنا فتمثل لها بشرا سويا * قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا * قال إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا * ~~قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا * قال كذلك قال ربك هو ~~علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا * فحملته فانتبذت به ~~مكانا قصيا * فأجآءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يليتني مت قبل هذا وكنت ~~نسيا منسيا * فناداها من تحتهآ ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا * وهزى إليك ~~بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا ) ^ } ) | ولما كان حاصل القصة أنه ولد ~~أخرجه الله تعالى عن سبب هو في ضعفه قريب من العدم , أما من جهته فبلوغه ~~إلى حد من السن وحال في المزاج لا يقبل حركة الجماع عادة , أما من جهة ~~زوجته فلزيادتها مع يأسها ببلوغها إلى نحو ذلك السن بكونها عاقرا لم تقبل ~~حبلا قط , أتبعه بقصة هي ms2968 أغرب من قصته بكونها ليس فيها إلا سبب واحد وهو ~~المرأة , وعدم فيها سبب الذكورية أصلا , إشارة إلى أنه تعالى يخلق ما يشاء ~~تارة بسبب قوي , وتارة بسبب ضعف , وتارة بلا سبب , ومن كان كذلك كان ~~مستغنيا عن الولد ؛ ولما كان على اليهود الآمرين بالسؤال تعنتا عن قصتي ~~أصحاب الكهف وذي القرنين أني ينصحوا العرب بالإعلام بأن دينهم باطل لشركهم ~~, فلم يفعلوا فكانوا جديرين بالتبكيت , وكانمت قصة زكريا أعظم في تبكيتهم ~~بمباشرتهم لقتله وقتل ولده يحيى عليهما السلام , قدمها في الذكر , وتوطئة ~~لأمر عيسى عليه السلام كما مضى بيانه في آل عمران إلزاما لهم بالاعتراف به ~~, وللنصارى بالاعتراف بأنه عبد , كما اعترف كل منهما بأمر يحيى عيه السلام ~~, وذلك بما جمع بينهما من خرق العادة , وكانت قصة يحيى أولى من قصة إسحاق ~~عليهما السلام لما تقدم , ولمشاهدة الذين اختلفوا في عيسى عليه السلام من ~~الفريقين لأمره وأمر يحيى عليهم الصلاة والسلام لما لهما من الاتحاد في ~~الزمن مع ما لهما من قرب النسب , ولما كانت قصة عيسى عليه السلام أغرب , ~~أشار إلى ذلك بتغيير السياق فقال عاطفا على ما تقديره : اذكر هذا الهم : { ~~واذكر } - بلفظ الأمر { في الكتاب مريم } ابنة عمران خالة يحيى - كما في ~~الصحيح من PageV04P526 حديث أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة الأنصاري رضي ~~الله عنهما في حديث الإسراء : ( فلما خلصت فإذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة ~~) ثم أبدل من { مريم } بدل اشتمال قوله : { إذ } أي اذكر ما اتفق لها حين { ~~انتبذت } أي كلفت نفسها أن اعتزلت وانفردت { من أهلها } حالة { مكانا شرقيا ~~* } عن مكانهم , فكان انفرادها في جهة مطالع الأنوار إشارة إلى ما يأتيها ~~من الروح الإلهي { فاتخذت } أي أخذت بقصد وتكلف , ودل على قرب المكان ~~بالإتيان بالجار فقال : { من دونهم } أي أدنى مكان في مكانهم لانفرادها للا ~~غتسال أو غيره { حجابا } يسترها { فأرسلنا } لأمر يدل على عظمتنا { إليها ~~روحنا } جبرائيل عليه السلام ليعلمها بما يريد الله بها من الكرامة بولادة ~~عيسى عليه السلام من غير ms2969 أب , لئلا يشتبه عليها الأمر , ويتشعب بها الفكر , ~~فتقتل نفسها غما { فتمثل لها } أي تشبح وهو روحاني بصورة الجسماني { بشرا ~~سويا * } في خلقه حسن الشكل لئلا تشتد نفرتها وروعها منه ؛ ثم أخرج القصة ~~مخرج الاستئناف فقال دالا على حزمها وخلوص تعبدها لله والتجائها إليه ~~وشهودها له بحيث لا تركن إلى سواه : { قالت } . | ولما كان على أنهى ما ~~يكون من الجمال والخلال الصالحة والكمال , فكان بحيث يستبعد غاية الاستبعاد ~~أن يتعوذ منه أكدت فقالت : { إني أعوذ بالرحمن } ربي الذي رحمته عامة لجميع ~~عباده في الدنيا والآخرة , وله بنا خصوصية في إسباغ الرحمة وإتمام النعمة { ~~منك } ولما تفرست فيه - بما أنار الله من بصيرتها وأصفى من سريرتها - ~~التقوى , ألهبته وهيجته للعمل بمضمون هذه الاستعاذة بقولها : { إن كنت تقيا ~~* قال } جبرئيل عليه السلام مجيبا لها بما معناه : إني لست ممن تخشين أن ~~يكون متهما , مؤكدا لأجل استعاذتها , { إنما أنا رسول ربك } أي الذي عذت به ~~أي فأنا لست متهما , متصف بما ذكرت وزيادة الرسلية , وعبر باسم الرب ~~المتقضي للإحسان لطفا بها , ولأن هذه السورة مصدره بالرحمة , ومن أعظم ~~مقاصدها تعداد النعم على خلص عباده { لأهب } بأمره أو ليهب هو على القراءة ~~الأخرى { لك } وقدم المتعلق تشويقا إلأى المفعول ليكون أوقع في النفس ؛ ثم ~~بينه معبرا بما هو أكثر خيرا وأقعد في باب البشرى وأنسب لمقصود السورة مع ~~أنه لا ينافي ما ذكر في آل عمران بقوله : { غلاما } أي ولدا ذكرا في غايىة ~~القوة والرجولية { زكيا * } طاهرا من كل ما يدنس البش : ناميا على الخير ~~والبركة { قالت } مريم : { أنى } أي من أين وكيف { يكون لي غلام } ألده { ~~ولم يمسسني بشر } بنكاح أصلا حلال ولا غيره بشبهة ولا غيرها . | ~~PageV04P527 ولما هالها هذا الأمر , أداها الحال إلى غاية الإسراع في إلقاء ~~ما تريد من المعاني لها لعلها تستريح مما تصورته , فضاق عليها المقام , ~~فأوجزت حتى بحذف النون من ( كان ) ولتفهم أن هذا المعنى منفي كونه على أبلغ ~~وجوهه فقالت { ولم أك } . | ولما كان المولود سر من ms2970 يلده , وكان التعبير ~~عنه بما هو من مادة الغلمة دالا على غاية الكمال في الرجولية المقتضي لغاية ~~القوة في أمر النكاح نفت أن يكون فيها شيء من ذلك فقالت : { بغيا * } أي ~~ليكون دأبي الفجور , ولم يأت ( بغية ) لغلبة إيقاعه على النساء , فكان مثل ~~حائض وعاقر في عدم الإلباس ولأن بغية , لا يقال إلا للمتلبسة به { قال } أي ~~جبريل عليه السلام { كذلك } القول الذي قلت لك يكون . | ولما كان لسان ~~الحال قلائلا : كيف يكون بغير سبب ؟ أجاب بقوله : { قال } ولما بنيت هذه ~~السورة على الرحمة واللطف والإحسان بعباد الرحمن , عبر باسم الرب الذي صدرت ~~به بخلاف سورة التوحيد آل عمران المصدرة بالاسم الأعظم فقال : { ربك هو } ~~أي المذكور وهو أيجاد الولد على هذه الهيئة { علي } أي وحدي لا يقدر عليه ~~أحد غيري { هين } أي خصصناط به ليكون شرفا به لك . | ولما كان ذلك أعظم ~~الخوارق , نبه عليه بالنون في قوله , عطفا على ما قدرته مما أفهمه السياق : ~~{ ولنجعله } بما لنا من العظمة { ءاية للناس } أي علامة على كمال قدرتنا ~~على البعث أدل من الآية في يحيى عليه السلام , وبه تمام القسمة الراعية في ~~خلق البشر , فإنهه أوجده من أنثى بلا ذكر , وحواء من ذكر بلا أنثى وآدم ~~عليه السلام لا من ذكر ولا أنثى , وبقية أولاده من ذكر وأنثى معا { ورحمة ~~منا } لمن آمن به في أول زمانه , ولأكثر الخلق بالإيمان والإنجاء من المحن ~~في آخر زمانه , لا كآية صالح عليه السلام لأنها كانت آية استئصال لأهل ~~الضلال { وكان } ذلك كله { أمرا مقضيا * } أي محكوما به مبتوتا هو في غاية ~~السهولة لا مانع منه أصلا , ونبه على سرعة تسبيب الحمل عن هذا القول وإن ~~كان التقدير بما أرشد إليه في غير هذه السورة : فنفخ في درعها فوصل النفخ ~~إلى جوفها { فحملته } وعقب بالحمل قوله : { فانتبذت به } أي فاعتزلت - وهو ~~في بطنها - حالة { مكانا قصيا * } أي بعيدا من أهلها أو من المكان الشرقي , ~~وأشار إلى قرب الولادة من الحمل بفاء التعقيب في ms2971 قوله : { فأجاءها } أي ~~فأتى بها وألجأها { المخاض } وهو تحرك الولد في بطنها للولادة { إلى جذع ~~النخلة } وهو ما برز منها من الأرض ولم يبلغ الأغصان , وكان تعريفها لأنه ~~لم يكن في تلك البلاد الباردة غيرها , فكانت كالعلم لما فيها من العجب , ~~لأن النخل من أقل الأشجار صبرا على البرد , ولعلها ألجئت إليها دون غيرها ~~من الأشجار على كثرتها لمناسبة حال النخلة PageV04P528 لها , لأنها لا تحمل ~~إلا بإلقاح من ذكور النخل , فحملها بمجرد هزها أنسب شيء لإتيانها بولد من ~~غير والدن فكيف إذا كان ذلك في غير وقته ! فكيف إذا كانت يابسة ! مع ما لها ~~فيها من المنافع بالاستناد إليها والاعتماد عليها , وكون رطبها خرسة ~~للنفساء وغاية في نفعها وغير ذلك . | ولما كان ذلك أمرا صعبا عليها جدا , ~~كان كأنه قيل : يا ليت شعري ! ما كان حالها ؟ فقيل : { قالت } لما حصل ~~عندها من خوف العار : { ياليتني مت } ولما كانت كذلك أشارت إلى استغراق ~~الزمان بالموت بمعنى عدم الوجود فقالت من غير جار : { قبل هذا } أي الأمر ~~العظيم { وكنت نسيا } أي شيئا من شأنه أن ينسى { منسيا * } أي متروكا ~~بالفعل لا يخطر على بال , فولدته { فناداها من تحتها } وهو عيسى عليه ~~السلام { ألا تحزني } قال الرازي في اللوامع : والأصح أن مدة حملها له ~~وولادته ساعة لأنه كان مبدعا , ولم يكن من نطفة تدور في أدوار الخلقة - ~~انتهى . | ونقله ابن كثير وقال : صلى الله عليه وسلم أنهم أنكروا عليها زمن ~~الحمل , ولو علموا به لأنكروه ولو أنكروه لنقل كما نقل إنكار الولادة . | ~~ولما أنكروا الولادة فكأنها قالت : لم لا أحزن ؟ وتوقعت ما يعلل به ؟ قال : ~~{ قد جعل ربك } أي المحسن إليك { تحتك } في هذه الأرض التي لا ماء جاريا ~~بها { سريا * } جدولا من الماء جليلا آية لك تطيب نفسك { وهزي إليك } أي ~~أوقعي الهز وهو جذب بتحريك . | ولما كان المقصود التهويل لصرف فكرها عما ~~دهمها من الهم جعله قاصرا فكأنها قالت : ما أهز ؟ إذ لم يكن في الجذع ما ~~يتوقع نفعه بهزه , فقال ms2972 مصرحا بالمهموز : { بجدع النخلة } التي أنت تحتها ~~مع يبسها وكون الوقت ليس وقت حملها فكأنها قالت : ولم ذاك ؛ فقال : { تساقط ~~عليك } من أعلاها { رطبا جنيا * } طريا آية أخرى عظيمة تطيب النفس وتذهب ~~بالحزن , وتدل على البراءة , والتعبير بصيغة التفاعل في قراءة لاجماعة ~~وحمزة للدلالة علىأن التمر يسقط منها , ومن حقه أن يكون منتفيا لأنها غير ~~متأهلة لذلك , فهو ظاهر في أنه على وجه خارق للعادة , وقراءة الجماعة ~~بالإدغام تشير مع ذلك إلى أنه مع شدته يكاد أن يخفي كونه منها ليبسها وعدم ~~إقنائها , وقراءة حمزة بالفتح والتخفيف تشير إلى سهولة تساقطه وكثرته , ~~وقراءة حفص عن عاصم بالضم وكسر القاف من فاعل , تدل على الكثرة وأنه ظاهر ~~في كونهه من فعلها . | PageV04P529 < < # | مريم : ( 26 - 33 ) فكلي واشربي وقري . . . . . # > > ^ ( فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت ~~للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا * فأتت به قومها تحمله قالوا يمريم لقد ~~جئت شيئا فريا * يأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا * ~~فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا * قال إني عبد الله آتاني ~~الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما ~~دمت حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا * والسلام علي يوم ولدت ويوم ~~أموت ويوم أبعث حيا ) ^ } ) | ولما كان من المعلوم أنها هزت فتساقط الرطب , ~~سبب عنه قوله : { فكلي } أي فتسبب عن الإنعام عليك بالماء والرطب أن يقال ~~لك تمكينا من كل منهما كلي من الرطب { واشربي } من ماء السرى { وقري } أي ~~استقري { عينا } بالنوم , فإن المهموم لاينام , والعين لا تستقر ما دامت ~~يقظي , وعن الأصمعي أن المعنى : ولتبرد دمعتك , لأن دمعة الفرح باردة ودمعة ~~الحزن حارة , واشتقاق ( قري ) من القرور , وهو الماء البارد - انتهى . | ~~وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في ديوانه : وحكى الفراء أن قريشا ومن ~~حولهم يقولون : قررت به عينا - أي بكسر العين - أقر , وأن أسدا وقيسا ~~وتميما يقولون : قررت به عينا - أي بالفتح - أقر ms2973 , قال - يعني الفراء : فمن ~~قال : قررت - أي بالكسر - قرأ , وقرى عينا - أي بالفتح , وهي القراءة ~~المعروفة , ومن قال : قررت , - أي بالفتح قرا وقري عينا - بكسر القاف أي ~~وهي الشاذة , قال - أي القزاز : هي لغة كل من لقيت من أهل نجد , والمصدر ~~قرة وقرور . | وسيأتي في القصص ما ينفع هنا , وهو على كل حال كناية عن طيب ~~النفس وتأهلها لأن تنام بالكفاية في الدنيا بطعام البدن وغذاء الروح بكونه ~~آية باهرة , والآخرة بالكرامة وذلك على أنفع الوجوه , قيل : ما للنفساء خير ~~من الرطب ولا للمريض خير من العسل ؛ ثم سبب عن ذلك قوله مؤكدا إيذانا بأن ~~أكثر رؤيتها في تلك الأوقات الملائكة عليهم السلام { فإما ترين } أي يا ~~مريم { من البشر أحدا } لا تشكين أنه من البشر ينكر عليك { فقولي } لذلك ~~المنكر جوابا له مع التأكيد تنبيها على لابراءة لأن البريء يكون ساكنا ~~لاطمئنانه والمرتاب يكثر كلامه وحلفه : { إني نذرت للرحمن } أي الذي عمت ~~رحمته فأدخلني فيها على ضعفي وخصني بما رأيت من الخوارق { صوما } أي صمتا ~~ينجي من كل وصمة وإمساكا عن الكلام { فلن } أي فتسبب عن النذر أني لن { ~~أكلم اليوم إنسيا * } فإن كلامه يقبل الرد والمجادلة ولكن يتكلم عني ~~المولود الذي PageV04P530 كلامه لا يقبل الدفع , وأما أنا فأنزه نفسي عن ~~مجادلة السفهاء فلا أكلم إلا الملائكة أو الخالق بالتسبيح والتقديس وسائر ~~أنواع الذكر , قالوا : ومن أذل الناس سفيها لم يجد مسافها , ومن الدلالة ~~عليه بالصمت عن كلام الناس مع ما تقدم الإشارة إلى أنه ردع مجرد { فأتت } ~~أي فلما سمعت هذا الكلام اشتد قلبها , وزال حزنها , وأتت { به } أي بعيسى { ~~قومها } وإن كان فيهم قوة المحاولة لكل ما يريدونه إتيان البريء الموقن بأن ~~الله معه { تحمله } غير مبالية بأحد ولا مستخفية فكأنه قيل : فما قالوا لها ~~؟ فقيل : { قالوا يا مريم } ما هذا ؟ مؤكدين لأن حالها في إتيانها يقتضي ~~إنكار كلامهم { لقد جئت } بما نراه { شيئا فريا * } قطعيا منكرا { يأخت ~~هارون } في زهده وورعه وعفته وهو صالح كان في ms2974 زمانها أو أخو موسى عليه ~~السلام { ما كان أبوك } أي عمران ساعة من الدهر { امرأ سوء } لنقول : نزعك ~~عرق منه { وما كانت أمك } في وقت من الأوقات { بغيا * } أي ذات بغي أي عمد ~~لتتأسى بها { فأشارت } امتثالا لما أمرت به { إليه } أي عيسى ليكلموه فيجيب ~~عنها { قالوا كيف نكلم } يا مريم { من كان في المهد } أي قبيل إشارتك { ~~صبيا * } لم يبلغ سن هذا الكلام , الذي لا يقوله إلا الأكابر العقلاء بل ~~الأنبياء والتعبير ب ( كان ) يدل على أنه حين الإشارة إليه لم يحوجهم إلى ~~أن يكلموه , بل حين سمع المحاورة وتمت الإشارة بدا منه قوله خارق لعادة ~~الرضعاء والصبيان , ويمكن أن تكون تامة مشيرة إلى تمكنه في حال ما دون سن ~~الكلام , ونصب { صبيا } على الحال , فلما كانت هذه العبارة مؤذنة بذلك ~~استأنف قوله : { قال } أي وصفا نفسه بما ينافي أوصاف الأخابث , مؤكدا ~~لإنكارهم أمره فقال : { إني عبد الله } أي الملك الأعظم الذي له صفات اكمال ~~لا أتعبد لغيره , إشارة إلى الإعتقاد الصحيح فيه , وأنه لا يستعبده شيطان ~~ولا هوى { ءاتاني الكتب } أي التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الصحف على ~~صغر سني { وجعلني } أي في علمه { نبيا * } ينبئ بما يريد في الوقت الذي ~~يريد , وقيل في ذلك : فانبئكم به { وجعلني مباركا } بأنواع البركات { أين ~~ما } في أي مكان { كنت } فيه . | ولما سبق علمه سبحانه أنه يدعي في عيسى ~~الإلهية أمره أن يقول : { وأوصاني بالصلاة } له طهرة للنفس { والزكاة } ~~طهره للمال فعلا في نفسي وأمرا لغيري { ما دمت حيا } ليكون ذلك حجة على من ~~أطره لأنه لا شبهة في أن من يصلي لإله ليس بإله { وبرا } أي وجعلني برا , ~~أي واسع الخلق طاهره . | ولما كان السياق لبراءتها فبين الحق في وصفه , صرح ~~ببراءتها فقال : { بوالدتي } أي التي أكرمها الله بإحصان الفرج والحمل بي ~~من غير ذكر , فلا والد لي غيرها { ولم PageV04P531 يجعلني جبارا * } بأن ~~أفعل الجبارين بغير استحقاق , إنما أفعل ذلك بمن يستحق وفيه إيماء إلى أن ~~التجبر المذموم فعل أولاد ms2975 الزنا , وذلك أنه يستشعر ما عنده مكن النقص فيريد ~~أن يجبره بتجبره , ثم أخبر بما له من الله من الكرامة الدائمة مشيرا إلى ~~أنه لا يضره عدو , وإلى أنه عبد لا يصلح أن يكون إلها وإلى البعث فقال : { ~~والسلام } أي جنسه { علي } فلا يقدر أحد على ضرري { يوم ولدت } فلم يضرني ~~الشيطان ومن يولد لا يكون إلها { ويوم أموت } كذلك أموت كامل البدن والدين ~~, لا يقدر أحد على انتقاصهما مني كائنا من كان { ويوم أبعث حيا * } يوم ~~القيامة كما تقدم في يحيى عليه السلام , إشارة إلى أنه في البشرية مثله ~~سواء لم يفارقه أصلا إلا في كونه من غير ذكر , وإذا كان جنس السلام عليه ~~كان اللعن على أعدائه , فهو بشارة لمن صدقة فإنه منه , ونذارة لمن كذبه , ~~ولم يكن لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم مثل هذه الخارقة لئلا يلتبس ~~حاله بالكهان , لأن قومه لا عهد لهم بالخوارق إلا عندهم , وإذا تقرر ذلك ~~إنطاق الرضعاء كمبارك اليمامة وغيره , وإنطاق الحيوانات العجم , بل ~~والجمادات كالحجارة وذراع الشاة المسمومة والجذع اليابس وغيرها . | < < # | مريم : ( 34 - 37 ) ذلك عيسى ابن . . . . . # > > ^ ( ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون * ما كان لله أن ~~يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون * وإن الله ربي ~~وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم * فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا ~~من مشهد يوم عظيم ) ^ } ) | ولما كان في ذلك من أقوال عيسى وأحواله - ~~المنادية بالحاجة للتنقل في أطوار غيره من البشر والكرامة من الله - أعظم ~~البيان عن بعده عما ادعى فيه النصارى من الإليهية واليهود من أنه لغير رشده ~~, نبه على ذلك مشيرا إليه بأداة البعد فقال مبتدئا : { ذلك } أي الولد ~~العظيم الشأن , العلي الرتبة , الذي هذه أحواله وأقوالخ البعيدة عن صفة ~~الإله وصفة من ارتاب في أمره ؛ ثم بين اسم الإشارة أو أخبر فقال : { عيسى ~~ابن مريم } أي وحدها ليس لغيرها فيه بنوة أصلا , وهي من أولاد آدم , ~~فهوكذلك ؛ ثم عظم هذا ms2976 البيان تعظيما آخر فقال : { قول } أي هو - أي نسبته ~~إلى مريم فقط - قول { الحق } أي الذي يطابقه الواقع , أويكون القول عيسى ~~نفسه كما أطلق عليه في غير هذا الموضع ( كلمة ) من تسمية المسبب باسم السبب ~~وهو على هذه القراءة خبر بعد خبر أو بدل أو خبر مبتدأ محذوف , وعلى قراءة ~~عاصم وابن عامر بالنصب , هو اغراء , أي الزموا ذلك وهو نسبته إلى مريم ~~عليهما السلام وحدها ثم عجب من ضلالهم فيه بقوله : { الذي فيه يمترون * } ~~أي يشكون شكا يتكلفونه ويجادلونه به مع أن أمره في غاية الوضوح , ليس موضعا ~~PageV04P532 للشك أصلا ؛ ثم دل على كونه ابن مريم لا غيرها بقوله ردا على ~~من ضل : { ما كان } أي ما صح ولا تأتي ولا تصور في العقول ولا يصح ولا ~~يتأتيى لأنه من المحال لكونه يلزم منه الحاجة { لله } الغني عن كل شيء { إن ~~يتخذ } ولما كان المقام يقتضي النفي العام , أكده ب ( من ) فقال : { من ولد ~~} . | ولما كان اتخاذ الولد من النقائص , أشار إلى ذلك بالتنزيه العام ~~بقوله : { سبحانه } أي تنزه عن كل نقص من احتياج إلى ولد أو غيره ثم علل ~~ذلك بقوله : { إذا قضى أمرا } أي أمر كان { فإنما يقول له كن } أي يريده ~~ويعلق قدرته به { فيكون * } من غير حاجة إلى شيء أصلا , فكيف ينسب إلى ~~الاحتياج إلى الإحبال والإيلاد والتربية شيئا فشيئا كما أشار إليه الاتخاذ ~~. | ولما كان لسان الحال ناطقا عن عيسى عليه الصلاة والسلام بأن يقول : وقد ~~قضاني الله فكنت كما أراد , فأنا عبد الله وروسوله فاعتقدوا ذلك ولا ~~تعتقدوا سواه من الأباطيل , عطف عليه في قراءة الحرميين وأبي عمرو قوله : { ~~وإن الله } أي الذي له ذلك { فاعبدوه } وحده لتفرده بالإحسان كما أعبده , ~~وقراءة الباقين بالكسر على أنه مقول عيسى عليه السلام الماضي , ويكون ~~اعتراض ما تقدم من كلام الله بينهما للتأكيد والاهتمام . | ولما كان اشتراك ~~الخلائق في عبادة الخالق بعمل القلب والجوارح علما وعملا أعدل الأشياء , ~~أشارإلى ذلك بقوله : { هذا } أي الذي أمرتكم به ms2977 { صراط مستقيم * } لأنا ~~بذلنا الحق لأهله بالاعتقاد الحق والعمل الصالح , ولم يتفضل أحد منا فيه ~~على صاحبه . | ولما كان المنهج القويم بحيث يكون سببا للاجتماع عند كل صحيح ~~المزاج , عجب منهم في استثمارغير ذلك منه فقال : { فاختلف } أي فتسبب عن ~~هذا السبب للاجتماع أنه اختلف { الأحزاب } الكثيرون . | ولما كان الاختلاف ~~لم يعم جميع المسائل التي في شرعهم قال : { من بينهم } أي بني إسرائيل ~~المخاطبين بذلك خاصة لم تكن فيهم فرقة من غيرهم في هذه المقالة القويمة ~~التي لا تنبغي لمن له أدنى مسكة أن يتوقف في قبولها , فمنهم من أعلم أنها ~~الحق فاتبعها ولم يحد عن صوابها , ومنهم من أبعد في الضلال عنها بشبه لا ~~شيءأو هي منها ؛ روي عن قتادة أنه اجتمع من أحبار بني إسرائيل أربعة : ~~يعقوب ونسطوروملكا وإسرائيل , فقال يعقوب : عيسى هو الله نزل إلى الأرض ~~فكذبه الثلاثة واتبعه اليعقوبية , وقال نسطور : عيسى ابن الله فكذبه ~~الاثنان واتبعه PageV04P533 النسطورية , وقال ملكا : عيسى أحد ثلاثة : الله ~~إله , ومريم إله , وعيسى إله , فكذبه الرابع واتبعه طائفة , وقال إسرائيل : ~~عيسى عبد الله كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه , فاتبعه فريق من بني ~~إسرائيل , ثم اقتتل الأربعة فغلب المؤمنون وقتلوا وظهرت اليعقوبية على ~~الجميع - ذكر معناه أبو حيان وابن كثير ورواه عن عبد الرزاق عن معمر عن ~~قتادة { فويل } أي فتسبب عن اختلافهم أنا نقول : ويل { للذين كفروا } منهم ~~ومن غيرهم { من مشهد يوم عظيم * } في جمعه لجميع الخلائق , وما فيه من ~~الأهوال والقوارع . | < < # | مريم : ( 38 - 41 ) أسمع بهم وأبصر . . . . . # > > ^ ( أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين * ~~وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون * إنا نحن نرث ~~الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون * واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا ~~نبيا ) ^ } ) | ولما كان ذلك المشهد عظيم الجمع , شديد الزحام مستوي الأرض ~~, بعيد الأرجاء , كان حاله مقتضيا لئلا يطلعوا على غير ما يليهم من أهواله ~~, فقال في جواب من يقول : وما عسى أن يسمعوا ms2978 أو يبصروا فيه , معلما بأن ~~حالهم في شدة السمع والبصر جديرة بأن يعجب منها : { أسمع بهم وأبصر } أي ما ~~أشد سمعهم وما أنفذ بصرهم ! { يوم يأتوننا } سامعين لكل أهواله , مبصرين ~~لسائرأحواله , فيطلعون بذلك على جميع ما أدى عمله في الدنيا إلى ضرهم في ~~ذلك اليوم , وجميع ما كانم ينفعهم لو عملوه , فيندمون حيث لا ينفعهم الندم ~~, ويتمنون المحال من الرجوع إلى الدنيا ونحوه ليتداركوا فلا يجابون إلى ذلك ~~, بل يسلك بهم في كل ما يؤذيهم ويهلكهم ويرديهم , فيكونون بسلوك ذلك - وهم ~~يعلمون ضرره عميا وبكما وصما , لأنهم لا ينتفعون بمداركهم كما كانوا في ~~الدنيا كذلك , لكنهم - هكذا كان الأصل , وإنما ظهر فقال : { لكن الظالمون } ~~تنبيها على الوصف الذي أحلهم ذلك المحل { اليوم في ضلال مبين * } لايسمعون ~~ولايبصرون . | لوما كان هذا الذي تقدم إنذارا بذلك المشهد , كان التقدير : ~~أنذر قومك ذلك المشهد وما يسمعونه فيه ويبصرونه { وأنذرهم يوم الحسرة } ~~نفسه في ذلك المشهد العظيم , يوم تزل القدم , ولا ينفع الندم , للمسيء على ~~إساءته , وللمحسن على عدم ازدياده من الإحسان . | ولما كان { يوم } مفعولا ~~, لا ظرفا , أبدل منه , أو علل الإنذار فقال : { إذ } أي حين , أو لأنه , ~~وعبر عن المستقبل بالماضي , إيذانا بأنه أمر حتم لا بد منه فقال : { قضي ~~الأمر } أي أمره وفرغ منه بأيسر شأن وأهون أمر , وقطعنا أنه لا بد من كونه ~~PageV04P534 { وهم } حال من { أنذرهم } أي والحال أنهم الآن { في غفلة } ~~عما قضينا أن يكون في ذلك الوقت من أمره , لا شعور لهم بشيء منه , بل يظنون ~~أن الدهر هكذا حياة وموت بلا آخر { وهو لا يؤمنون * } بأنه لا بد من كونه ؛ ~~وفي الصحيح ما يدل على أن يوم الحسرة حين يذبح الموت فقد روى مسلم عن أبي ~~سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يجاء بالموت ~~يوم القيامة كأنه كبش أملح فيقال : يا أهل الجنة ! هل تعرفون هذا , ~~فيشرئبون وينظرون ويقولون : نعم ! هذا الموت , ويقال : يا أهل النار ! هل ~~تعرفون هذا ؟ فيشرئبون ms2979 وينظرون ويقولون : نعم ! هذا الموت , فيؤمر به فيذبح ~~, ثم يقال : يا أهل الجنة ! خلود فلا موت , ويا أهل النار ! خلود فلا موت , ~~) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي وراية : فذلك قوله { وأنذرهم ~~يوم الحسرة إذ قضي الأمر } ( الآية . | وأما الغفلة ففي الدنيا , روى ابن ~~حبان في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم { إذ قضي الأمر وهم في غفلة } ~~قال ( في الدنيا . | ) قال المنذري : وهو في مسلم بمعناه في آخر حديث . | ~~ولما كان الإرث هو حوز الشيء بعد موت أهله , وكان سبحانه قد قضى بموت ~~الخلائق أجمعين , وأنه يبقى وحده , عبر عن ذلك بالإرث مقررا به مضمون ~~الكلام السابق , فقال مؤكدا تكذيبا لقولهم : إن الدهر لا يزال هكذا , حياة ~~لقوم وموت لآخرين { إنا نحن } بعظمتنا التي اقتضت ذلك ولا بد , وأفاد ~~الأصبهاني أن تأكيد اسم { إن } أفاد أن الإسناد إليه سبحانه لا إلى أحد من ~~جنده { نرث الأرض } فلا ندع بها عامرا من عاقل ولا غيره . | ولما كان ~~العاقل أقوى من غيره , صرح به بعد دخوله فقال : { ومن عليها } أي من ~~العقلاء , بأن نسلبهم جميع ما في أيديهم { وإلينا } لا إلى غيرنا من الدنيا ~~وجبابرتها إلى غير ذلك { يرجعون * } معنى في الدنيا وحسا بعد الموت . | ~~ولما ذم الضالين في أمر المسيح , وعلق تهديدهم بوصف دخل فيه مشركو العرب , ~~فأنذرهم بصريح تكذيبهم بالبعث , وغيرهم بأنهم لسوء أعمالهم كالمكذبين به , ~~وختم ذلك بأنه الوارث وأن الرجوع إليه , ودخل في ذلك الإرث بغلبة أنبيائه ~~وأتباعهم على أكثر أهل الأرض برجوع أهل الأديان الباطلة إليهم حتى يعم ذلك ~~جميع أهل الأرض في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام , وكان إبراهيم عليه ~~السلام لكثرة أولاده من العرب والروم وأهل الكتابين وراثا لأكثر الأرض , ~~وكان مثل زكريا في هبة الولد على PageV04P535 كبر سنه وعقم زوجه , أتبع ذلك ~~قوله : { إبراهيم } أعظم آبائكم الذي نهى أباه عن المشرك يا من يكفرون ~~تقليدا للآباء ! ثم علل تشريفه بذكر له على سبيل التأكيد المعنوي بالاعتراض ~~بين البدل والمبدل ms2980 منه , واللفظي ب ( إن ) بقوله منبها على أن مخالفتهم له ~~بالشرك والاستقسام بالأزلام ونحو ذلك تكذيب بأوصافه الحسنة : { إنه كان } ~~أي جبلة وطبعا { صديقا } أي بليغ الصدق في نفسه في أقواله وأفعاله , ~~والتصديق بكل ما يأتيه مما هو أهل لأنه مجبول على ذلك ولا يكون كذلك إلا ~~وهو عامل به حق العمل فهو أبلغ من المخلص { نبيا * } أي يخبره الله ~~بالأخبار العظيمة جدا التي يرتفع بها في الدارين وهو أعظم الأنبياء بعد ~~محمد - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام كما رواه الحافظ أبو البزار ببسنده ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه وأكده وكذا أكد فيما بعده من الأنبياء عليهم ~~السلام وإن كانوا مقرين بنبواتهم تنزيلا لهم منزلة المنكر , لجريهم في ~~إنكارهم نبوة البشر على غير مقتضى عليهم . | < < # | مريم : ( 42 - 50 ) إذ قال لأبيه . . . . . # > > ^ ( إذ قال لأبيه يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك ~~شيئا * يأبت إني قد جآءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا * ~~يأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا * يأبت إني أخاف أن يمسك ~~عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا * قال أراغب أنت عن آلهتي يإبراهيم لئن ~~لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا * قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي ~~حفيا * وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعآء ربي ~~شقيا * فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا ~~جعلنا نبيا * ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا ) ^ } ) | ~~ولما تكفل ما تقدم من هذه السورة بنفي الشريك بقيد كونه ولدا , أتبع ذلك من ~~قصته ما ينفي الشريك ليفتدي به أولاده في ذلك إذ كانوا يقلدون الآباء وليس ~~في آبائهم مثله , فقال مبدلا من { إبراهيم } { إذ قال } أي اذكر وقت قوله { ~~لأبيه } هاديا له من تيه الضلال بعبادة الأصنام مستعطفا له في كل جملة ~~بقوله : { يا أبت } . | ولما كان العاقل لا يفعل فعلا إلا لثمر , نبهه على ~~عقم فعله بقوله ms2981 : { لم تعبد } مريدا بالاستفهام المجاملة , واللطف والرفق ~~واللين والأدب الجميل في نصحه له كاشفا الأمر غاية الكشف بقوله : { ما لا ~~يسمع ولا يبصر } أي ليس عنده قابلية لشيء من هذين الوصفين ليرى ما أنت فيه ~~من خدمته أو يجيبك إذا ناديته حالا أو مآلا . | ولما كان PageV04P536 ~~الأعمى الأصم قد ينفع بكلام أو غيره , قال : { ولا يغني عنك شيئا * } من ~~الإغناء . | ولما نبه على أن ما يعبده لا يستحق العبادة , بل لا تجوز ~~عبادته , لنقصه مطلقا ثم نقصه عن عابده , ولن يكون المعبود دون العابد أصلا ~~, وكان أقل ما يصل إليه بذلك مقام الحيرة , نبهه على أنه أهل للهداية , ~~فقال مكررا لوصفه المذكور بالعطف والود : { يأبت } وأكد علما منه أنه ينكر ~~أن يكون ابنه أعرف منه بشيء فقال : { إني قد جاءني } من المعبود الحق { مت ~~العلم ما لم يأتك } منه { فاتبعني } أي فتسبب عن ذلك أني أقول لك وجوبا على ~~النهي عن المنكر ونصيحة لما لك علي من الحق : اجتهد في تبعي { أهدك صراطا ~~سويا * } لا عوج فيه , كما أني لو كنت معك في طريق محسوس وأخبرتك أن أمامنا ~~مهالك لا ينجو منها أحد , وأمرتك أن تسلك مكانا غير ذلك , لأطعتني , لو ~~عصيتني فيه عدك كل أحد غاويا . | ولما بين أنه لا نفع فيما بعده , ونبهه ~~على الوصف المقتضي لوجوب الاقتداء به , بين له ما في عبادة معبوده من الضر ~~فقال : { يا أبت لا تعبد الشيطان } فإن الأصنام ليس لها دعوة أصلا , والله ~~تعالى قد حرم عبادة غيره مطلقا على لسان كل ولي له , فتعين أن يكون الآمر ~~بذلك الشيطان , فكان هو المعبود بعبادتها في الحقيقة ؛ ثم علل هذا النهي ~~فقال : { إن الشيطان } البعيد من كل خير المحترق باللعنة , وذكر الوصف ~~الموجب للإملاء للعاصي فقال : { كان للرحمن } المنعم بجنيع النعم القادر ~~على سلبها , ولم يقل : للجبار - لئلا يتوهم أنه ما أملى لعاصيه مع جبروته ~~إلا للعجز عنه { عصيا * } بالقوة من حين خلق , وبالفعل من حين أمره بالسجود ~~لأبيك آدم فأبى فهو ms2982 عدو لله وله , والمطيع للعاصي لشيء عاص لذلك الشيء , ~~لأن صديق العدو عدو . | فلما بين له أنه بذلك عاص للمنعم , خوفه من إزالته ~~لنعمته فقال : { يا أبت إني أخاف } لمحبتي لك وغيرتي عليك { أن يمسك عذاب } ~~أي عذاب كائن { من الرحمن } أي الذي هو ولي كل من يتولاه لعصيانك إياه { ~~فتكون } أي فتسبب عن ذلك أن تكون { للشيطان } وحده وهو عدوك المعروف ~~العداوة { وليا * } فلا يكون لك نصرة أصلا , مع ما يوصف به من السخافة ~~باتباع العدو الدني , واجتناب الولي العلي . | فلما وصل إلى هذا الحد من ~~البيان , كان كأنه قيل : ماذا كان جوابه ؟ فقيل : { قال } مقابلا لذلك ~~الأدب العظيم والحكمة البالغة الناشئة عن لطافة العلم بغاية الفظاظة الباعث ~~كثافة الجهل , منكرا عليه في جميع ما قال بإنكار ما بعثه عليه من تحقير ~~آلهته : { أراغب } قدم الخبر لشدة عنايته والتعجب من تلك الرغبة والإنكار ~~لها , إشارة إلى أنه لا يفعلها أحد ؛ ثم صرح له بالمواجهة بالغلظة فقال : { ~~أنت } وقال : { عن ءالهتي } PageV04P537 بإضافتها إلى نفسه فقط , إشارة إلى ~~مبالغته في تعظيمها ؛ والرغبة عن الشيء : تركه عمدا . | ثم ناداه باسمه لا ~~بلفظ النبوة المذكر بالشفقة والعطف زيادة في الإشارة إلى المقاطعة وتوابعها ~~فقال : { يا إبراهيم } ثم استأنف قوله مقسما : { لئن لم تنته } عما أنت ~~عليه { لأرجمنك } أي لأقتلنك , فإن ذلك جزاء المخالفة في الدين , فاحذرني ~~ولا تتعرض لذلك مني وانته { واهجرني } أي ابعد عني { مليا } أي زمانا طويلا ~~لأجل ما صدر منك هذا الكلام , وفي ذلك تسلية لرسول الله صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم وتأسية فيما كان يلقى من الأذى , ويقاسي من قومه من العناء , ومن ~~عمه أبي لهب من الشدائد والبلايا - بأعظم آبائه وأقربهم به شبها { قال } أي ~~إبراهيم عليه السلام مقابلا لما كان من طيش الجهل بما يحق لمثله من رزانة ~~العلم : { سلام عليك } أي أنت سالم مني ما لم أومر فيك بشيء ؛ ثم استأنف ~~قوله : { سأستغفر } بوعد لا خلف فيه { لك ربي } أي المحسن إلي بأن أطلب لك ms2983 ~~منه غفران ذنوبك بأن يوفقك للاسلام الجاب لما قبله , لأن هذا كان قبل أن ~~يعلم أنه عدو لله محتوم بشقاوته بدليل عدم جزمه بعذابه في قوله : { إني ~~أخاف أن يمسك } . | ثم علل إقدامه على ذلك إشارة إلى أنه مقام خطر بما له ~~من الإذلال لما له من مزيد القرب فقال : { إنه كان بي } أي في جميع أحوالي ~~{ حفيا * } أي مبالغا في إكرامي مرة بعد مرة وكرة إثر كرة , ثم عطف على ~~عدوه بالإحسان وعده بما سأل فيه الهجرة فقال : { وأعتزلكم } أي جميعا بترك ~~بلادكم ؛ وأشار إلى أن من شرط المعبود أن يكون أهلا للمناداة في الشدائد ~~بقوله : { وما تدعون } أي تعبدون { من دون الله } الذي له الكمال كله , فمن ~~أقبل عليه وحده أصاب , ومن أقبل على غيره فقد خاب ولم يقيد الاعتزال بزمن , ~~بل أشار إلى أنهم ما داموا على هذا الدين فهو معتزل لهم { وأدعوا } أي أعبد ~~{ ربي } وحده لا ستحقاقه ذلك مني بتفرده بالإحسان إلي , ثم دعا لنفسه بما ~~نبههم به على خيبة مسعاهم فقال غير جازم بإجابة دعوته وقبول عبادته إجلالا ~~لربه وهضما لنفسه : { عسى ألا أكون } أي كونا ثابتا كأنه احترز بذلك عما لا ~~بد للأولياء منه في الدنيا من البلاء { بدعاء ربي } المتفرد بالإحسان إلي { ~~شقيا * } كما كنتم أنتم أشقياء بعبادة ما عبدتموه , لأنه لا يجيب دعاءكم ~~ولا ينفعكم ولا يضركم . | ولما رأى من أبيه ومعاشريه ما رأى , عزم على نشر ~~شقة النوى مختارا للغربة في البلاد على غربة الأضداد , فكان كما قال الإمام ~~أبو سليمان الخطابي رحمة الله : | وما غربة الإنسان في شقة النوى ولكنها ~~والله في عدم الشكل وإني غريب بين بست وأهلها وإن كان فيها أسرتي وبها أهلي ~~| PageV04P538 وحقق ما عزم عليه ؛ ثم بين سبحانه وتعالى تحقيق رجائه وإجابة ~~دعائه فقال : { فلما اعتزلهم } أي بالهجرة إلى الأرض المقدسة { وما يعبدون ~~} أي على الاستمرار { من دون الله } الجامع لجميع معاني العظمة التي لا ~~ينبغي العبادة لغيره { وهبنا } أي على ما لنا من العظمة ms2984 { له } كما هو ~~الشأن في كل كن ترك شيئا لله { إسحاق } ولدا له لصلبه من زوجته العاقر ~~العقيم بعد تجاوزها سن اليأس وأخذه هو في السن إلى حد لا يولد لمثله { ~~ويعقوب } ولدا لإسحاق وخصهما بالذكر للزومهما محل إقامته وقيامهما بعد موته ~~بخلافته فيه وأما إسماعيل عليه السلام فكان الله سبحانه هو المتولي لتربيته ~~بعد نقله رضيعا إلى المسجد الحرام وإيحائه به تلك المشاعر العظام فأجروه ~~بالذكر جاعلا له أصلا برأسه ؛ ثم صرح بما وهب لأولاده جزاء على هجرته فقال ~~: { وكلا } أي منهما { جعلنا نبيا * } عالي المقدار , ويخبر بالأخبار كما ~~جعلنا إبراهيم عليه السلام نبيا { ووهبنا لهم } كلهم { من رحمتنا } أي شيئا ~~عظيما جدا , بالبركة في الأموال والأولاد وإجابة الدعاء , واللطف في القضاء ~~وغير ذلك من خيري الدنيا والآخرة { وجعلنا لهم } بما لنا من العظمة { لسان ~~صدق عليا } أي ذكرا صادقا رفيع القدر جدا يحمدون به ويثنى عليهم من جميع ~~أهل الملل على كر الأعصار , ومر الليل والنهار , وعبر باللسان عما يوجد به ~~, وفي ذلك ترغيب في الهجرة ثانيا بعد ما رغب فيها بقصة أهل الكهف أولا , ~~وأشار إليها بقوله في { سبحان } ^ ( { وقل رب أدخلني مدخل صدق } ) ^ [ ~~الإسراء : 80 ] الآية . | < < # | مريم : ( 51 - 55 ) واذكر في الكتاب . . . . . # > > ^ ( واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا * وناديناه ~~من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا * ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هارون نبيا ~~* واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا * وكان يأمر ~~أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا ) ^ } ) | ولما كان موسى أول من ~~نوه الله بأسمائهم , على لسانه في التوارة , وأظهر محامدهم , وشهر مناقبهم ~~, وتوارث ذلك أبناؤهم منه حتى شاع أمرهم وذاع , وملأ الأسماع , وطار في ~~الأقطار , حتى عم البراري والبحار , عقب ذكرهم بذكره فقال : { واذكر في ~~الكتاب } أي الذي لا كتاب مثله في الكمال { موسى } أي الذي أنقذ الله به ~~بني إسرائيل من العبودية والذل ختى تمكنوا من آثار آبائهم , وكان موافقا ~~لأبيه إبراهيم عليهم السلام في ms2985 أن كلا منهما أراد ملك زمانه الذي ادعى ~~الربوبية قتله خوفا على ملكه منه , فأنجاه الله منه , وأمر موسى أعجب لأنه ~~سبحانه أنجاه من الذبح بالذباح , ثم علل ذركه له بقوله : { إنه كان } أي ~~كونا عريقا فيه { مخلصا } لله تعالى في توحيده وجميع PageV04P539 أعماله ~~كما أشارت إليه قراءة الجمهور - من غير كلفة في شيء , في ذلك لأن الله ~~أخلصه له كما في قراءة الكوفيين بالفتح { وكان رسولا } إلى بني إسرائيل ~~والقبط { نبيا * } ينبئه الله بما يريد من وحيه لينبئ به المرسل إليهم , ~~فيرفع بذلك قدره , فصار الإخبار بالنبوة عنه مرتين : إحداهما في ضمن { ~~رسولا } والأخرى صريحا مع إفهام العلو باشتقاقه من النبوة , وبكون النبأ لا ~~يطلق عليه غالبا إلا على خبر عظيم , فصار المراد : رسولا عاليا مقداره ~~ويخبر بالأخبار الجليلة , وفيه دفع لما يتوهم من أنه رسول عن بعض رسله كما ~~في أصحاب يس ؛ وعطف على ذلك دليله الدال على ما صدرت به السورة من الرحمة , ~~فرحمة بتأنيس وحشته وتأهيل غربته بتلذيذه بالخطاب وإعطائه الكتاب فقال : { ~~وناديناه } أي بما لنا من العظمة { من جانب الطور } أي الجانب { الأيمن } ~~فأنبأه هنالك - حين كان متوجها إلى مصر - بأنه رسولنا , ثم واعدناه إليه ~~بعد إغراق آل فرعون , فكان لنبي إسرائيل به من العجائب في رحمتهم بإنزال ~~الكتاب , والإلذاذ بالخطاب , من جوف السحاب , وفي إماتتهم لما طلبوا الرؤية ~~, ثم إحيائهم وغير ذلك ما يجل عن الوصف على ما هو مذكور في التوراة , وتقدم ~~كثير منه في هذا الكتاب { وقربناه } بما لنا من العظمة تقريب تشريف حال ~~كونه { نجيا * } نخبره من أمرنا بلا واسطة من النجوى وهي السر والكلام بين ~~الاثنين كالسر , والتشاور كما في يوسف ويأتي في المجادلة { ووهبنا له } أي ~~هبة تليق بعظمتنا { من رحمتنا } له لما سألنا { أخاه } أي معاضدة أخيه ~~وبينه بقوله : { هارون } حال كونه { نبيا * } أو هو بدل أي نبوته شددنا به ~~أزره , وقوينا به أمره , وكان يخلفه من قومه عند ذهابه إلى ساحة المماجاة , ~~ومع ذلك فأشركوا بي صورة ms2986 عجل , فلا تعجب من غرورهم للعرب مع مباشرتهم لهذه ~~العظائم . | ولما كان إسماعيل عليه الصلاة والسلام هو الذي ساعد أباه ~~إبراهيم عليه السلام في بناء البيت الذي كان من الأفعال التي أبقى الله بها ~~ذكره , وشهر أمره وكان موافقا لموسى عليه السلام في ظهور آية الماء الذي به ~~حياة كل شيء وإن كانت آية موسى عليه السلام بانقضائه , وآيته هو باقية إلى ~~أن يرث الله الأرض ومن عليها , وهي التي كانت سبب حياته وماؤها ببركته أفضل ~~مياه الأرض , وجعل سبحانه آية الماء التي أظهرها له سبب حفظه من الجن ~~والإنس والوحش وسائر المفسدين , إشارة إلى أنه سبحانه يحيي بولده محمد صلى ~~الله عليه وسلم الذي غذاه بذلك الماء ورباه عند ذلك البيت إلى أن اصطفاه ~~برسالته , فحسدته اليهود وأمرت بالتعنت عليه - ما لم يحي بغيره , ويجعله ~~قطب الوجود كما خصه - من بين آل إبراهيم عليه السلام - بالبيت الذي هو كذلك ~~قطب الوجود , ويشفي به من داء الجهلن ويغني به من مرير الفقر , كما جعل ماء ~~زمزم طعام طعم وشفاء سقم , وكان صلى الله عليه وسلم آخر من شيد قدرهم , ~~وأعظم من أعلى ذكرهم , عقب PageV04P540 ذكره بذلك فقال : { واذكر في الكتاب ~~} أباك الأقرب { إسماعيل } ابن إبراهيم عليهما السلام الذي هم معترفون ~~بنبوته , ومفتخرون برسالته وأبوته , فلزم بذلك فساد تعليلهم إنكار نبوتك ~~بأنك من البشر , ثم علل ذكره والتنويه بقدره بقوله معلما بصعوبة الوفاء ~~بالتأكيد : { إنه كان } جبلة وطبعا { صادق الوعد } في حق الله وغيره لمعونة ~~الله له على ذلك , بسبب أنه لا يعد وعدا إلا مقرونا بالاستثناء كما قال ~~لأبيه حين أخبرهم بأمر ذبحه { ستجدني إن شاء الله من الصابرين } فكن أبي ~~كذلك ولا تقولن لشي إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله , وخصه بالمدح به - ~~وإن كان الأنبياء كلهم كذلك - لقصة الذبح فلا يلزم منه تفضيله { وكان رسولا ~~نبيا } بنأه الله بأخباره , وأرسله إلى قومه جرهم قاله الأصبهاني . | وأتى ~~أهل البراري بدين أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام فأحياها الله ms2987 بنور ~~الإيمان الناشئ عن روح العلم ووصفه بالرسالة زيادة على وصف أخيه إسحاق ~~عليهما السلام وتقدم في أمر موسى عليه السلام سر الجمع بين الوصفين ؛ وفي ~~صحيح مسلم وجامع الترمذي - عن عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن الله ( ~~اصطفى كنانة من ولد إسماعيل عليه السلام ) . | وفي رواية الترمذيأن الله ~~اصطفى من ولد إبرايهم إسماعيل . | { وكان يأمر أهله بالصلاة } التي هي طهرة ~~البدن وقرة العين وخير العون على جميع المآرب { والزكاة } التي هي طهرة ~~المال , كما أوصى الله بذلك جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , وتقدم في ~~هذه السورة أنه سبحانه وتعالى أوصى بذلك عيسى عليه السلام { وكان عند ربه } ~~لعبادته على حسب ما أقامته ربوبيته { مرضيا * } فاقتد أنت به فإنه من أجل ~~آبائك , لتجمع بين طهارة القول والبدن والمالل , فتنال رتبة الرضا . | < < # | مريم : ( 56 - 59 ) واذكر في الكتاب . . . . . # > > ^ ( واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا * ورفعناه مكانا عليا ~~* أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية ءادم وممن حملنا مع نوح ~~ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينآ إذا تتلى عليهم آيات الرحمن ~~خروا سجدا وبكيا * فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف ~~يلقون غيا ) ^ } ) | ولما كان إسماعيل عليه السلام قد رفع بالسكنى حيا إلى ~~أعلى مكان في الأرض رتبة , وكان أول نبي رمى بالسهامن وكان إدريس عليه ~~السلام - مع رفعته إلى المكان العلي - أول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار , ~~وأول من نظر في علم النجوم والحساب , وخط بالقلم , وخاط الثياب ولبس الجبة ~~وكان أغربهم قصة , وأعجبهم أمرا , وأقدمهم زمنا , ختم به هذه القصص تأييدا ~~لهذا النبي الكريمن بما بين له من القصص التي هي PageV04P541 أغرب مما أمر ~~اليهود بالتعنت فيه , وإشارة إلى أن الله تعالى يؤتي أتباعه من علوم إدريس ~~الأرضية والسماوية مما يستحق أن يحفظ بالخط ويودع بطون الكتب لضيق الصدور ~~عن حفظه ما لم يؤته أمة من الأمم , وأنه يجمع شملهم , وترهيبا للمتعنتين ~~بأنهم إن لم ينتهوا وضع فيهم السلاح كما فعل ms2988 إدريس عليه السلام بكفار زمانه ~~فقال : { واذكر في الكتاب } أي الجامع لكل ما يحتاج إليه من القصص ~~المتقدمين والمتأخرين { إدريس } أي الذي هو أبعد ممن تعنت بهم اليهود زمانا ~~, وأخفى منهم شأنا , وهو جد أبي نوح عليه السلام واسمه حنوخ بمهملة ونون ~~وآخره معجمة { إنه كان صديقا } أي صادقا في أقواله وأفعاله , ومصدقا بما ~~أتاه عن الله من آياته على ألسنة الملائكة { نبيا * } ينبئه الله تعالى بما ~~يوحيه إليه من الأمر العظيم , رفعة لقدره , فينبئ به الناس الذين أرسل ~~إليهم { ورفعناه } جزاء منا له على تقواه وإحسانه , رفعة تليق بعظمتنا , ~~فأحللناه { مكانا عليا * } أي الجنة أو السماء الرابعة , وهي التي رآه ~~النبي صلى الله عليه وسلم بها ليلة الإسراء ؛ قال ابن قتيبة في المعارف : ~~وفي التوراة أن أخنوخ أحسن قدام الله فرفعه إليه - انتهى . | وفي نسخة ~~ترجمه التوراة وهي قديمة جدا وقابلتها مع بعض فضلاء الربانيين من اليهود ~~وعلى ترجمة سعيد الفيومي بالمعنى وكان هو القارئ ما نصه : وكانت جميع حياة ~~حنوخ ثلاثمائة وخمسا وستين سنة , فأرضى حنوخ الله ففقد لأن الله غيبه , وفي ~~نسخة أخرى : لأن الله قبله , وفي أخرى : لأن الله أخذه . | وهو قريب مما ~~قال ابن قتيبة , لأن أصل الكلام عبراني , وإنما نقله إلى العربي المترجمون ~~, فكل ترجم على قدر فهمه من ذلك اللسان , ويؤيد أن المراد الجنة ما في مجمع ~~الزوائد للحافظ نور الدين الهيثمي عن معجمي الطبراني - الأوسط والأصغر إن ~~لم يكن موضوعا : حدثنا محمد بن واسط ثنا إبراهيم بن عبد الله بن خالد ~~المصيصي ثنا حجاج بن محمد بن أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد ابن أسلم عن ~~عبيد الله بن أبي رافع عن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( إن إدريس عليه السلام كان صديقا لملك الموت فسأله أن ~~يريه الجنة والنار , فصعد بإدريس فأراه النار ففزع منها , وكاد يغشى عليه ~~فالتف عليه ملك الموت بجناحه , فقال ملك الموت : أليس قد رأيتها ؟ قال : ~~بلى ! ولم ms2989 أر كاليوم قط , ثم انطلق به حتى أراه الجنة فدخلها فقال له ملك ~~الموت : انطلق ! قد رأيتها , قال : إلى أين ؟ قال ملك الموت : حيث كنت , ~~قال إدريس : لا والله ! لا أخرج منها بعد إذ دخلتهان فقيل لملك الموت : ~~أليس أنت أدخلته إياها وأنه ليس لأحد دخلها أن يخرج منها . | ) PageV04P542 ~~وقال : لا يروى عن أم سلمة إلا بهذا الإسناد , وقال الحافظ نور الدين : ~~إبراهيم المصيصي متروك . | قلت وفي لسان الميزان لتلميذه شيخنا حافظ العصر ~~ابن حجر عن الذهبي أنه كذاب , وعن ابن حبان أنه كان يسوي الحديث , أي يدلس ~~تدليس التسوية . | وفي تفسير البغوي عن وهب قريب من هذا , وفيه أنه سأل ملك ~~الموت أن يقبض روحه ويردها إليه بعد ساعة , فأوحى الله إليه أن يفعل , وفيه ~~أنه احتج في امتناعه من الخروج بأن كل نفس ذائقة الموت وقد ذاقه , وأنه لا ~~بد من ورود النار وقد وردها , وأنه ليس أحد يخرج من الجنة , فأوحى الله إلى ~~ملك الموت : بإذني دخل الجنة - يعني : فخل سبيله - فهو حي هناك . | وفي ~~تفسير البغوي أيضا عن كعب وغيره أن إدريس عليه السلام مشى ذات يوم في حاجة ~~فأصابه وهج الشمس فقال : يا رب ! فكيف بمن يحملها ؟ اللهم ! خفف عنه من ~~ثقلها , فخفف عنه فسأل ربه عن السبب فأخبره فسأل أن يكون بينهما خلة , ~~فأتاه فسأله إدريس عليه السلام أن يسأل ملك الموت أن يؤخر أجله , فقال : لا ~~يوخر الله نفسا إذا جاء أجلها , وأنا مكمله , فرفع إدريس عليه السلام فوضعه ~~عند مطلع الشمس , ثم أتى ملك الموت وكلمه فقال : ليس ذلك إلين ولكن إن ~~أحببت أعلمته أجله فيتقدم في نفسه , قال : نعم ! فنظر في ديوانه فقال : إنك ~~كلمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا , قال : وكيف ذلك ؟ قال : لا أجده يموت ~~إلا عند مطلع الشمس , قال : فإني أتيتك وتركته هناك , قال : انطلق فلا أراك ~~تجده إلا وقد مات , فوالله ما بقي من أجل إدريس - عليه السلام - شيء , فرجع ~~الملك فوجده ميتا . | ومن جيد المناسبات ms2990 أن إسماعيل وإدرس عليهما الصلاة ~~والسلام اشتركا في البيان بالعلم واللسان , فإسماعيل عليه السلام أول من ~~أجاد البيان باللسان , وإدريس عليه السلام أول من أعرب الخطاب بالكتاب , ~~فقد روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( أول من فتق لسانه بهذه العربية إسماعيل عليه السلام ) . | ولأ حمد ~~عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أول من خط ~~بالقلم إدريس عليه السلام ) . | ولما انقضى كشف هذه الأخبار , العلية ~~المقدار , الجليلة الأسرار , شرع سبحانه ينسب أهلها بأشرف نسبهم , ويذكر ~~أمتن سببهم هزا لمن وافقهم في النسب إلى الموافقة في السبب فقال : { أولئك ~~} أي العالو الرتب , الشرفاء النسب { الذين أنعم الله } بما له من صفات ~~الكمال التي بها أقام آدم عليه السلام وهمم في ظهره , مع طبعه عليه من ~~الأمور المتضادة حتى نجاه من مكر إبليس , ونجى بها نوحا عليه السلام وهم في ~~صلبه PageV04P543 من ذلك الكرب العظيم , وإبراهيم عليه السلام وهم في قواه ~~مع اضطرام النار وإطفاء السن وإصلاد العظم , وأعلى بها إسرائيل عليه السلام ~~وبنيه في سوط الفراق وامتهان العبودية وانتهاك الاتهام حتى كان أبناؤه معدن ~~الملوك والأنبياء , ومحل الأتقياء والأصفياء , إلى غير ذلك من جليل ~~الأنبياء وعظيم الأصطفاء والاجتباء { عليهم } بما خصهم به من مزيد القرب ~~إليه , وعظيم المنزلة لديه ؛ وبين الموصول بقوله : { من النبيين } أي ~~المصطفين للنبوة الذين أبنأهم الله بدقائق الحكم , ورفع محالهم بين الأمم , ~~وأنبؤوا الناس بجلائل الكلم , وأمروهم بطاهر الشيم . | ولما كانوا بعض بني ~~آدم الذين تقدم أنا كرمناهم , قال إشارة إلى ما في ذلك من النعمة عليهم وهم ~~يرونها : { من ذرية ءادم } صفينا أبي البشر الذي خلقه الله من التراب بيده ~~, وأسجد له ملائكته , وإدريس أحقهم بذلك . | ولما كان في إنجاء نوح عليه ~~السلام وإغراق قومه من القدرة الباهرة ما لا يخفى , نبه عليه بنون العظمة ~~في قوله مشيرا إلى أعظم النعمة عليهم بالتبعيض , وإلى أن نبيهم من ذريته ~~كما كان هو ms2991 من ذرية إدريس عليه السلام الذي هو من ذرية آدم , فكما كان كل ~~منهم رسولا فكذلك هو إبراهيم أقربهم إلى ذلك : { وممن حملنا مع نوح } صفينا ~~أول رسول أرسلناه بعد افتراق أهل الأرض وإشراكهم , من خلص العباد , وأهل ~~الرشاد , وجعلناه شكورا , وإبراهيم أقربهم إلى ذلك { ومن ذرية إبراهيم } ~~خليلنا الذي كان له في إعدام الأنداد ما اشتهر به من فضله بين العباد , ~~وإسماعيل وإسحاق أولاهم بذلك , ثم يعقوب { وإسراءيل } صفينا , وهم الباقون ~~: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم بنت داود - على جميعهم أفضل ~~الصلاة والسلام - فكما كان هؤلاء رسلا وهم من ذرية إبراهيم الذي هو من ذرية ~~نوح فكذا نبيكم الذي هو من ذرية إسماعيل الذي هو من إبراهيم لصلبه وهو أول ~~أولاده كما كان إسرائيل من ذريته , فالإرسال من ذرية من هو ابنه لصلبه أولى ~~من الإرسال من ذرية من بينه وبينه واسطة , وإلا كان بنو إسرائيل أشرف منكم ~~وأبوهم أشرف من أبيكم , فلا تردوا الكرامة , يا من يتنافسون في المفاخرة ~~والزعامة { وممن هدينا } إلى أقوم الطرق { واجتبينا } أي فعلنا بهم فعل من ~~يتخير الشيء وينتقيه بأن أسبغنا عليهم من النعم ما يجل عن الوصف ؛ وعطف ~~الأوصاف بالواو إشارة إلى التمكن فيها . | ولما ذكر ما حباهم به , ذكر ما ~~تسبب عن ذلك فقال مستأنفا { إذا تتلى عليهم ءايات الرحمن } العام النعمة , ~~فكيف بهم إذا أعلاهم جلال أو خصتهم رحمة من جلائل النعم , من فيض الجود ~~والكرم , فسمعوا خصوص هذا القرآن { خروا سجدا } للمنعم عليهم تقربا إليه , ~~لما لهم من البصائر المنيرة في ذكر نعمه عليهم وإحسانه إليهم PageV04P544 { ~~وبكيا * } خوفا منه وشوقا إليه , فوضعهم بسرعة الخشوع من ذكر الله الناشئ ~~عن دوام الخضوع والناشئ عنه بالإسراع بالسجود في حالة البكاء , وجعلهما ~~حالتين بالعطف بالواو لعراقة المتحلي بهما في كل منهما عل انفراده , وعبر ~~بالاسم في كل من السجود والبكاء , إشارة إلى أن خوفهم دائم كما أن خضوعهم ~~دائم لعظمة الكبير الجليل , لأن تلك الحضرة لا تغيب عنهم أصلا , وإن ms2992 حصل ~~غير البكاء فللتأنيس لمن أرسلوا إليه ليوصلوه إلى قريب من رتبتهم بحسن ~~عشرتهم على تفاوت المراتب , وتباين المطالب , وحذف ذكر الأذقان لدلالتها - ~~كما تقدم في سبحان - على نوع دهشة , فهي - وإن أعلت صاحبها عمن لم يبلغها - ~~حالة دون مقام الراسخين في حضرة الجلال , لأنهم - مع كونهم ف الذروة من ~~مقام الخوف - في أعلى درجات الكمال من حضور الفكر وانشراح الصدر - لتلقي ~~واردات الحق وإلقائها إلى الخلق , انظر إلى ثبات الصديق رضي الله عنه - ~~لعلو مقامه عن غيره - عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه أوفاهم من ~~المحبة مشربا , وأصفاهم موردا , وأوفرهم حزنا , وأكثرهم غما وهما , حتى أنه ~~اعتراه لذلك مرض السل حتى مات به وجدا وأسفا ومن هنا تعلم السر في إرسال ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأنبجانية التي ألهت في الصلاة بأعلامها في ~~الصلاة إلى أبي جهم لأنه رضي الله عنه ربما كان من أهل الجمع في الصلاة فلا ~~يرى غيره سبحانه فناء عن كل فان بخلاف النبي فإنه لكماله متمكن في كل من ~~مقامي الجمع والفرق في كل حالة ولهذا يرى من خلفه في الصلاة ولا يخفى عليه ~~خشوعهم . | ولما كان من المقاصد العظيمة تبكيت اليهود , لأنهم أهل الكتاب ~~وعندهم من علوم الأنبياء ما ليس عند العرب وقد استرشدوهم واستنصحوهم , فقد ~~كان أوجب الواجبات عليهم محض النصح لهم , فأبدى سبحانه من تبكيتهم ما تقدم ~~إلى أن ختمه بأن جميع الأنبياء كانوا لله سجدا ولأمره خضعا , عقب ذلك ~~بتوبيخ هو أعظم داخل فيه وهو أشد مما تقدم لمن خاف الله ورسله فقال : { ~~فخلف من بعدهم } أي في بعض الزمان الذي بعد هؤلاء الأصفياء سريعا { خلف } ~~هم في غاية الرداءة { أضاعوا الصلاة } الناهية عن الفحشاء والمنكر التي هي ~~طهرة الأبدان , وعصمة الأديان , وأعظم الأعمال , بتركها أو تأخيرها عن ~~وقتها والإخلال بحدودها , فكانوا لما سواها أضيع , فأظلمت قلوبهم فأعرضوا ~~عن داعي العقل { واتبعوا } أي بغاية جهدهم { الشهوات } التي توجب العار في ~~الدنيا والنار في الآخرة , فلا يقربها من ms2993 يستحق أن يعد بين الرجال , من ~~تغيير أحكام الكتاب وتبديل ما فيه مما تخالف الأهواء كالرجم في الزنا , ~~وتحريم الرشى والربا , ونحو ذلك , وأعظمه كتم البشارة بالنبي العربي الذي ~~هو من ولد إسماعيل PageV04P545 { فسوف يلقون } أي يلابسون - وعدا لا خلف ~~فيه بعد طول المهلة - جزاء فعلهم هذا { غيا * } أي شرا يتعقب ضلالا عظيما , ~~فلا يزالون في عمى عن طريق الرشاد لا يستطيعون إليه سبيلا , وهم على بصيرة ~~من أنهم على خطأ وضلال , ولكنهم مقهورون على ذلك بما زين لهم منه حتى صارت ~~لهم فيه أتم رغبة , وذلك أعظم الشر , ولم يزل سبحانه يستدرجهم بالنعم إلى ~~أن قطعوا بالظفر والغلبة حتى أناخت بهم سطوات العزة , فأخذوا على غرة , ولا ~~أنكأ من الأخذ على هذه الصفة بعد توطين النفس على الفوز , وهو من وادي قوله ~~^ ( { ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما } ) ^ [ الإسراء : ~~97 ] مع قوله { أسمع بهم وأبصر } وجزاء من كان هذا ديدنه في الدنيا والآخرة ~~معروف لكل من له أدنى بصيرة أنه العار ثم النار , وأيضا فإن من ضل أخطأ ~~طريق الفلاح من الجنة وغيرها فخاب , ومن خاب فقد هلك ؛ قال أبو علي الجبائي ~~: والغي هو الخيبة في اللعنة - انتهى . | ويجوز أن يراد بالغي الهلاك , إما ~~من قولهم - أغوية - وزن أثفية - أي مهلكة , وإما من تسمية الشيء باسم ما ~~يلزمه . | < < # | مريم : ( 60 - 65 ) إلا من تاب . . . . . # > > ^ ( إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا ~~* جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا * لا يسمعون ~~فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا * تلك الجنة التي نورث من ~~عبادنا من كان تقيا * وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا ~~وما بين ذلك وما كان ربك نسيا * رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده ~~واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا ) ^ } ) | ولما أخبر تعالى عنهم بالخيبة , ~~فتح لهم باب التوبة , وحداهم إلى غسل هذه الحوبة , بقوله : { إلا من تاب } ~~أي مما ms2994 هو عليه من الضلال , بإيثار سفساف الأعمال , على أوصاف الكمال , ~~فحافظ على الصلاة , وكف نفسه عن الشهوات { وءامن } بما أخذ عليه به العهد { ~~وعمل } بعد إيمانه تصديقا له { صالحا } من الصلوات والزكاة وغيرها , ولم ~~يؤكدهما لما أفهمته التوبة من إظهار عمل الصلاة التي هي أم العبادات { ~~فأولئك } العالو الهمم , الطاهر والشيم { يدخلون الجنة } التي وعد المتقون ~~{ ولا يظلمون } من ظالم ما { شيئا * } من أعمالهم ؛ ثم بينها بقوله : { ~~جنات عدن } أي إقامة لا ظعن عنها بوجه من الوجوه { التي وعد الرحمن } ~~الشامل النعم { عباده } الذين هو أرحم بهم من الوالدة ولدها ؛ وعبر عنهم ~~بوصف العبودية للإشعار بالتحنن , وعدا كائنا { بالغيب } الذي لا اطلاع لهم ~~عليه أصلا إلا من قبلنا , فآمنوا به فاستحقوا ذلك بفضله سبحانه على إيمانهم ~~بالغيب . | PageV04P546 ولما كان من شأن الوعود الغائبة - على ما يتعارفه ~~الناس بينهم - احتمال عدم الوقوع , بين أن وعده ليس كذلك بقوله : { إنه كان ~~} أي كونا هو سنة ماضية { وعده مأتيا * } أي مقصودا بالفعل , فلا بد من ~~وقوعه , فهو كقوله تعالى < # > 77 ( { إن كان وعد ربنا لمفعولا } ) 77 < # > [ الإسراء : 108 ] . | ولما كانت الجنة دار الحق , وكان أنكأ شيء لذوي ~~الأقدار الباطل , وكان أقل ما ينكأ منه سماعه , نفى ذلك عنها أبلغ وجه فقال ~~: { لا يسمعون فيها لغوا } أي شيئا ما من الباطل الذي لا ثمرة له . | ولما ~~كانت السلامة ضد الباطل من كل وجه , قال : { إلا } أي لكن { سلاما } لا عطب ~~معه ولا عيب ولا نقص أصلا فيه , وأورد على صورة الاستثناء من باب قول ~~الشاعر : | ولا عيب فيهم غير ان سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب | ويحسن ~~أن يراد باللغو مطلق الكلام ؛ قال في القاموس : لغا لغواك تكلم . | أي لا ~~يسمعون فيها كلاما إلا كلاما يدل على السلامة , ولا يسمعون شيئا يدل على ~~عطب أحد منهم ولا عطب شيء فيها . | ولما كان الرزق من أسباب السلامة قال : ~~{ ولهم رزقهم } أي على قدر ما يتمنونه ويشتهونه على وجه لا بد من إتيانه ~~ولا كلفة عليهم ms2995 فيه ولا يمن عليهم به { فيها بكرة وعشيا * } أي دواما , لا ~~يحتاجون إلى طلبه في وقت من الأوقات , وفي تفسير عبد الرزاق عن مجاهد : ~~وليس فيها بكرة ولا عشي , لكنهم يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا . ~~| أي أنهم خوطبوا بما يعرفون كما أشار إليه تأخير الظرف إذ لو قدم لأوهم ~~بعدهم عن ذلك بالجنة . | ولما باينت بهذه الأوصاف دار الباطل , أشار إلى ~~علو رتبتها وما هو سببها بقوله : { تلك الجنة } بأداة البعد لعلو قدرها , ~~وعظم أمرها { التي نورث } أي نعطي عطاء الإرث الذي لا نكد فيه من حين ~~التأهل له بالموت ولا كد ولا استرجاع { من عبادنا } الذين أخلصناهم لنا , ~~فخلصوا عن الشرك نية وعملا { من كان } أي جبلة وطبعا { تقيا * } أي مبالغا ~~في التقوى , فهو في غاية الخوف منا لاستحضاره أنه عبد ؛ قال الرازي في ~~اللوامع : وما تقرب أحد إلى ربه بشيء أزين عليه من ملازمة العبودية وإظهار ~~الافتقار , والعبد يكون ذليلا بأوصافه , عزيزا بأوصاف الحق تعالى - انتهى . ~~| وذلك إشارة إلى سبب إيراثها التقوى . | ولما كرر سبحانه الوصف بالتقى في ~~هذه السورة ثلاث مرات , وختمه بأنه سبب PageV04P547 للمقصود بالذات , وهو ~~الراحة الدائمة بالوراثة لدار الخلد على وجه الإقامة المستمرة , وصفة الملك ~~الذي لا كدر فيه بوجه وال تخلف عن مراد , أتبعه ما بعده إشارة إلى ما تنال ~~به التقوى , وهو الوقوف مع الأمر مراقبة للأمر على < # > 77 ( { وبالحق أنزلناه } ) 77 < # > [ الإسراء : 105 ] لأنه لما كان العلم واقعا بأن جميع سورة الكهف شارحة ~~لمسألتين من مسائل قريش , وبعض سورة سبحان شارح للثالثة , ولطول الفصل صدرت ~~قصة ذي القرنين بقوله { ويسألونك } إعلاما بعطفها على مسألة الروح المصدرة ~~بمثل ذلك , وجاءت سورة مريم كاشفة - تبكيتا لأهل الكتاب الكاتمين للحق - عن ~~أغرب من تلك القصص زأقدم زمانا وأعظم شأنا من أخبار الأنبياء المذكورين ومن ~~أسرع التبديل بعدهم بإضاعة الصلاة واتباع الشهوات , فثبت بذلك أن هذا كله ~~مرتب لإجابة سؤالهم وأنه كلام الله قطعا , إذ لو كان من عند النبي صلى الله ms2996 ~~عليه وسلم ما وعدهم الإجابة في الغد إلا وهو قادر عليها , لما هو معلوم ~~قطعا من رزانة عقله , وغزارة فطنته , ومتانة رأيه , ولو قدر على ذلك ما ~~تركهم يتكلمون في عرضه بما الموت أسهل منه , لما علم منه من الشهامة ~~والأنفة والبعد عما يقارب الشين , وبان بذلك أن الله سبحانه وعز شأنه ما ~~أجمل أمر الروح ولا أخر الإجابة خمس عشرة ليلة أو أقل أو أكثر من عجز ولا ~~جهل , وثبت بذلك كله وبما بين من صنعه لأهل الكهف ولذي القرنين وفي ولادة ~~عيسى وإسحاق عليهم الصلاة والسلام تمام قدرته المستلزم لكمال علمه , وكان ~~الإخبار عن ذلك مطابقا للواقع الذي ثبت بعضه بالنقل الصحيح وبعضه بأدلة ~~العقل القاطعة , ثبت مضمون قوله تعالى { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } وأن ~~هذا الكتاب قيم لا عوج فيه , فعطف عليه الجواب عن قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم لجبرئيل عليه الصلاة والسلام ( لقد أبطات علي يا جبرئيل حتى سؤت ظنا ) ~~ونحوه مما ذكر في أسباب النزول , فقال على لسان جبرئيل عليه الصلاة والسلام ~~: { وما نتنزل } أي أنا ولا أحد من الملائكة بإنزال الكتاب ولا غيره { إلا ~~بأمر ربك } المحسن إليك في جميع الأمر في التقديم والتأخير لئلا يقع في بعض ~~الأوهام أنه حق في نفسه , ولكنه نزل بغير أمره سبحانه , ووقع الخطاب مقترنا ~~بالوصف المفهم لمزيد الإكرام تطييبا لقلبه صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى ~~أنه محسن إليه , ولفظ التنزل مشير إلى الإكرام , وهو التردد مرة بعد مرة ~~ووقتا غب وقت , ولا يكون إلا لذلك لأن النزول للعذاب يقتضي به الأمر في مثل ~~لمح البصر , وكان هذا عقب ذكر القيامة بذكر الجنة كما كان المعطوف عليه عقب ~~< # > 77 ( { فإذا جاء وعد الآخرة } ) 77 < # > [ الإسراء : 7 ] وكما كان ختام مسائلهم بذكر الآخرة في قوله < # > 77 ( { فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء } ) 77 < # > [ الكهف : 98 ] - إلى PageV04P548 آخر السورة ليكون ذلك أشد تثبيتا ~~للبعث وأعظم تأكيدا , وإن استطلت هذا العطف مع بعد ما بين المعطوف والمعطوف ~~عليه واستعظمته ms2997 واستنكرته لذلك واستعبدته فقل : لما كشفت هذه السورة عن هذه ~~القصص الغريبة , وكان المتعنتون ربما قالوا : نريد أن يخبرنا هذا الذي ينزل ~~عليك بجميع أنباء الأقدمين وأخبار الماضين , قال جوابا عن ذلك أن قيل : ما ~~أنزلنا عليك بأخبار هؤلاء إلا بأمر ربك , وما نتنزل فيما يأتي أيضا إلا ~~بأمر ربك ؛ ثم علل ذلك بقوله : { له ما بين أيدينا } أي من المكان والزمان ~~وما فيهما { وما خلفنا } من ذلك { وما بين ذلك } وهو نحن والمكان والزمان ~~اللذان نحن بهما وما فوقه وتحته , ونحن نعلم ذلك ونعمل على حسب ما نعلم , ~~فلا نتصرف في ملكه إلا بأمره { وما كان } على تقدير من التقادير { ربك نسيا ~~* } أي ذا نسيان لشيء من الأشياء فيترك تفصيل أمر الروح , ويؤخر الجواب عن ~~الوقت الذي وعدتهم فيه لخفاء شيء من ذلك عليه , ولا ينسى ما يصلحك فيحتاج ~~إلى مذكر به , ولا ينسى أحدا منا فينزل في وقت نسيانه له بل هو دائم ~~الاطلاع على حركتنا وسكناتنا , فنحن له في غاية المراقبة , وهو سبحانه ~~يصرفنا بحسب الحكمة في كل وقت تقتضيه حكمته , لا يكون شيء من ذلك إلا في ~~الوقت الذي حده له وأراده فيه , ولا يخرج شيء من الأشياء وإن دق عن مراده . ~~| ويجوز أن يقال في التعبير بصيغة فعيل أنه لا يتمكن العبد من الغيبة عن ~~السيد بغير إذنه إلا أن كان بحيث يمكن أن يغفل وأن تطول غفلته وتعظم لكونه ~~مجبولا عليها , أو أنه لما استلبث الوحي في أمر الأسئلة التي سألوا عنها من ~~الروح وما معها خمس عشرة ليلة أو أكثر أو أقل - على اختلاف الروايات , فكان ~~ذلك موهما للأغبياء أنه نسيان , وكان مثل ذلك لا يفعله إلا كثير النسيان , ~~نفى هذا الوهم بما اقتضاه من الصيغة ونفى قليل ذلك وكثيرة في السورة التي ~~بعدها ضما لدليل العقل بقوله < # > 77 ( { ا يضل ربي ولا ينسى } ) 77 < # > [ طه : 52 ] لما اقتضاه السياقن فأتى في كل أسلوب بما يناسبه مع الوفاء ~~بما يجب من حق الإعتقاد ms2998 , وهذه الآية مع { وبالحق أنزلناه } و < # > 77 ( { قل لئن اجتمعت الإنس والجن } ) 77 < # > [ الإسراء : 88 ] مثل < # > 77 ( { قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات } ) 77 < # > [ هود : 3 ] - الآيتين في سورة هود عليه السلام , على ما قدمت في بيانه ~~غير أن ما جمع هناك فصل هنا في أول الجواب على أسئلتهم بآية { قل لئن ~~اجتمعت } وأثنائه بآية { وبالحق أنزلناه } وآخره بهذه الآية , لتكون الآيات ~~رابطة على هذه الأجوبة وتوابعها وضابطة لها كالشهب والحرس الشديد بالنسبة ~~إلى السماء , فلا يبغيها متعنت من جهة من جهاتها كيدا إلا رد خاسئا , ولا ~~يرميها بقادح ألا كان رميه خاطئا . | ولما وصف سبحانه وتعالى بنفوذ الأمر ~~واتساع العلم على وجه ثبت به ما أخبر به PageV04P549 عن الجنة , فثبت أمر ~~البعث , أتبع ذلك ما يقرره على وجه أصرح منه وأعم فقال مبدلا من { ربك } : ~~{ رب السماوات والأرض } اللتين نحن من جملة ما فيهما من عبادة { وما بينهما ~~} منا ومن غيرنا من الأحياء وغيرها { فاعبدوه } بالمراقبة الدائمة على ما ~~ينبغي له من مثلك { واصطبر } أي اصبر صبرا عظيما بغاية جهدك على كل ما ~~ينبغي الاصطبار عليه كذلك { لعبادته } أي لأجلها فإنها لا تكون إلا عن ~~مجاهدة شديدة ؛ ثم علل ذلك بقوله : { هل تعلم له سميا * } أي متصفا بوصف من ~~أوصافه اتصافا حقيقيا , أو مسمى باسمه , العلم الواقع موقع لأنه لا مماثل ~~له حتى ولا في مجرد الاسم , وإيراده بصورة الاستفهام كالدعوى بدليلها . | < ~~< # | مريم : ( 66 - 71 ) ويقول الإنسان أئذا . . . . . # > > ^ ( ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا * أولا يذكر إلإنسان أنا ~~خلقناه من قبل ولم يك شيئا * فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول ~~جهنم جثيا * ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا * ثم لنحن أعلم ~~بالذين هم أولى بها صليا * وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ) ^ ~~} ) | ن بذلك وبما ذكر في هاتين السورتين مما سألوا عنه ومن غيره شمول علمه ~~وتمام قدرته لاسيما في إيجاد البشر تارة من الترابن وتارة من ذكر وأنثى في ms2999 ~~حكم العدم , وتارة من أنثى بلا ذكرن وثبت ذلك كله , فانكشفت الشبه , ~~وتضاءلت موجبات المراء , وانقمعت مخيلات الفتن , عجب منها في إنكارهم البعث ~~وهم يشاهدون ما ذكر من قدرته وعلمه , عاطفا على التعجب في قولهم { وقالوا ~~ءاذا كنا } تعجيبا أشد من ذلك فقال : { ويقول } بلفظ المضارع المؤذن ~~بالتجدد بعد هذا البيان المقتضي حتما لاعتقاده البعث فضلا عن إنكار مرة من ~~المرات , ليخبر عنها بصيغة الماضي , فكيف بالمداومة على ذلك المشار إليها ~~بصيغة المضارع ؛ وعبر بالمفرد وإن كان للجنس لأن الإنكار على الواحد يستلزم ~~الإنكار على المتعدد فقال : { الإنسان } أي الذي خلقناه ولم يك شيئا , مع ~~ما فضلناه به من العقلن ونصبا له من الدلائلن فشغله الإنس بنفسه عن التأمل ~~في كمال ربه منكرا مستبعدا : { ءذا ما مت } ثم دل على شدة استبعاده لذلك ~~بقوله مخلصا للاستقبال : { لسوف أخرج } أي يخرجني مخرج { حيا * } أي بعد ~~طول الرقاد , وتفتت الأجزاء والمواد , وجاء بهذه التأكيدات لأن ما بعد ~~الموت وقت كون الحياة منكرة على زعمه , والعامل في { إذا } فعل من معنى { ~~أخرج } لا هو , لمنع لام الابتداء لعمله فيما قبله ؛ ثم قابل إنكاره الباطل ~~بإنكار هو الحق فقال عطفا على يقول أو على ما تقديره : ألا يذكر ما لنا من ~~تمام القدرة بخلق ما PageV04P550 هو أكبر من ذلك من جميع الأكوان : { أو لا ~~يذكر } بإسكال الذال على قراءة نافع وابن عامر وعاصم إشارة إلى أنه أدنى ~~ذكر من هذا يرشده إلى الحق , وقراءة الباقين بفتح الذال والكاف وتشديدهما ~~إلى أنه - لا ستغراقه في الغفلة - يحتاج إلى تأمل شديد { الإنسان } أي ~~الآنس بنفسه , المجترئ بهذا الإنكار على ربه وقوفا مع نفسه { أنا خلقناه } ~~وأشار الجار إلى سبقه بالعدم فقال : { من قبل } أي من قبل جدله هذا أي بما ~~لنا من القدرة والعظمة . | ولما كان المقام لتحقيره بكونه عدما , أعدم من ~~التعبير عن ذلك ما أمكن إعدامه , وهو النون , لتناسب العبارة المعتبر فقال ~~: { ولم يك شيئا * } أصلا , وإنا بمقتضى ذلك قادرون على إعادته فلا ينكر ms3000 ~~ذلك . | ولما كان كلام الكافر صورته صورة الاستفهام , وهو جحد في الحقيقة ~~وأنكار , وكان إنكار المهدد لشيء يقتدر عليه المهدد سببا لأن يحققه لما ~~مقسما عليه , قال تعالى مجيبا عن إنكاره مؤذنا بالغضب عليهم بالإعراض عنهم ~~مخاطبا لنبيه صلى الله عليه وسلم تفخيما لشأنه وتعظيما لأمره : { فوربك } ~~المحسن إليك بالانتقام منهم . | ولما كان الإنكار للبعث يلزم منه الاحتقار ~~, أتى بنون العظمة , استمر في هذا التحلي بهذا المظهر إلى آخر وصف هذا ~~اليوم فقال : { لنحشرنهم } بعد البعث { والشياطين } الذين يضلونهم بجعل كل ~~واحد منهم مع قرينه الذي أضله , في سلسلة { ثم لنحضرنهم } بعد طول الوقوف { ~~حول جهنم } التي هم بها مكذبون , يحيطون بها لضيق رأسها وبعد قعرها , حال ~~كونهم { جثيا * } على الركب من هول المطلع وشدة الذل , مستوقرين تهيؤوا ~~للمبادرة إلى امتثال الأوامر { ثم لننزعن } أي لنأخذن أخذا بشدة وعنف { من ~~كل شيعة } أي فرقة مرتبطة بمذهب واحد . | ولما كان التقدير : لننزعن أغناهم ~~, وهم الذين إذا نظرت إلى كل واحد منهم بخصوصه حكمت بأنه أغنى الناس , علم ~~أنهم بحيث يحتاج إلى السؤال عنهم لإشكال أمرهم فقال : { أيهم أشد على ~~الرحمن } الذي غمرهم بالإحسان { عتيا * } أي تكبرا متجاوزا للحد , انتزاعا ~~يعلم به أهل الموقف أنه أقل من القليل , وأوهى أمرا من القتيل , وأن له ~~سبحانه - مع صفة الرحمة التي غمرهم إحسانها وبرها - صفات أخرى من الجلال ~~والكبرياء والجبروت والانتقام . | ولما تقدم ما هو في صورة الاستفهام , ~~أتبعه ما يزيل ما قد يقع بسببه من بعض الأوهام , فقال : { ثم } وعزتنا ! { ~~لنحن } لشمول علمنا وكمال قدرتنا وعظمتنا { أعلم } PageV04P551 من كل عالم ~~{ بالذين هم } لظواهرهم وبواطنهم { أولى بها } أي جهنم { صليا * } وبالذين ~~هم أولى بكل طبقة من دركاتها من جميع الخلق من المنتزعين وغيرهم , فلا يظن ~~بنا أنا نضع أحدا في غير دركته أو غير طبقته من دركته ؛ وعطف هذه الجمل ~~بأداة البعد مقرونة بنون العظمة لبعد مرابتها وتصاعدها في ذرى العليا ~~وترقيها , تهويلا للمقام وتعظيما للأمر لاستبعادهم له , على أنه يمكن أن ~~تكون الحروف ms3001 الثلاثة للترتيب الزماني , وهو في الأولين واضح , وأما في ~~الثالث فلأن العلم كناية عن الإصلاء , لأن من علم ذنب عدوه - وهو قادر - ~~عذبه , فكأنه قيل : لنصلين كلا منهم النار على حسب استحقاقه لأنا أعلم ~~بأولويته لذلك . | ولما كانوا بهذا الإعلام , المؤكد بالإقسام , من ذي ~~الجلال والإكرام , جديرين بإصغاء الأفهام , إلى ما يوجه إليها من الكلام , ~~التفت إلى مقام الخطاب , إفهاما للعموم فقال : { وإن } أي وما { منكم } ~~أيها الناس أحد { إلا واردها } أي داخل جهنم ؛ ثم استأنف قوله : { كان } ~~هذا الورود ؛ ولما كان المعنى أنه لا بد من من إيقاعه , أكده غاية التأكيد ~~فأتى بأداة الوجوب فقال : { على ربك } الموجد لك المحسن إليك بإنجاء أمتك ~~لأجلك { حتما } أي واجبا مقطوعا به { مقتضيا * } لا بد من إيقاعه ؛ قال ~~الرازي في اللوامع : ما من مؤمن - إلا الأنبياء - إلا وقد تلطخ بخلق سوء ~~ولا ينال السعادة الحقيقية إلا بعد تنقيته , وتخليصه من ذلك إنما يكون ~~بالنار . | < < # | مريم : ( 72 - 76 ) ثم ننجي الذين . . . . . # > > ^ ( ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا * وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن ~~نديا * وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا * قل من كان في ~~الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما ~~الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا * ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ~~والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا ) ^ } ) | ولما كان الخلاص ~~منها بعد ذلك مستبعدا , قال مشيرا إليه بأداة البعد : { ثم ننجي } أي تنجية ~~عظيمة على قراءة الجماعة , ومطلق إنجاء على قراءة الكسائي , وكأن ذلك ~~باختلاف أحوال الناس مع أن المطلق لا ينافي المقيد { الذين اتقوا } أي ~~كانوا متقين منها بأن تكون عليهم حال الورود بردا وسلاما { ونذر الظالمين } ~~أي نترك على أخبث الأحوال الذين وضعوا الأشياء في غير مواضعها واستمروا في ~~على ذلك فكانوا في أفعالهم خابطين كالأعمى { فيها جثيا * } كما كانوا حولها ~~لا يهتدون إلى وجه يخلصون ms3002 به منها . | PageV04P552 ولما كان هذا جديرا ~~بالقبول لقيام الأدلة على كمال قدرة قائله , وتنزهه عن إخلاف القول , ~~لبراءته من صفات النقص , قال معجبا من منكره عاطفا على قوله { ويقول ~~الإنسان } : { وإذا تتلى عليهم } أي الناس , من أي تال كان { ءاياتنا } حال ~~كونها { بينات } لا مرية فيها , بأن تكون محكمات , أو متشابهات قد تبعها ~~البيان بالمحكمات , أو ببيان النبي صلى الله عليه وسلم فهي حال مؤكدة أو ~~كاشفة { قال الذين كفروا } بآيات ربهم البينة , جهلا منهم ونظرا إلى ظاهر ~~الحياة الدنيا الذي هو مبلغهم من العلم { للذين ءامنوا } أي لأجلهم أو ~~مواجهة لهم , إعراضا عن الاستدلال بالآيات , ووجوه دلالتها البينات , ~~بالإقبال على هذه الشبهة الواهية - وهي المفاخرة بالمكاثرة في الدنيا - من ~~قولهم : { أي الفريقين } نحن - بما لنا من الاتساع , أم أنتم - بما لكم من ~~خشونة العيش ورثاثة الحال { خير مقاما } أي موضع قيام أو إقامة - على قراءة ~~ابن كثير بضم الميم والجماعة بفتحها : { وأحسن نديا * } مجمعا ومتحدثا ~~باعتبار ما في كل من الرجال , وما لهم من الزي والأموال , ويجعلون ذلك ~~الامتحان بالإلغام والإحسان دليلا على رضى الرحمن , مع التكذيب والكفران , ~~ويغفلون عن أن في ذلك - مع التكذيب بالبعث - تكذيبا مما يشاهدونه منا من ~~القدرة على العذاب بإحلال النقم , وسلب النعم , ولو شئنا لأهلكناهم وسلبنا ~~جميع ما يفتخرون به { وكم أهلكنا } بما لنا من العظمة . | ولما كان المراد ~~استغراق الزمان , لم يأت بالجار إعلاما بأن المتقدمين كلهم كانوا أرغد عيشا ~~وأمكن حالا فقال : { قبلهم من قرن } أي شاهدوا ديارهم , ورأوا آثارهم ؛ ثم ~~وصف كم بقوله : { هم } أي أهل تلك القرون { أحسن } من هؤلاء { أثاثا } أي ~~أمتعة { ورئيا * } أي منظرا , فكأنه قيل : فما يقال لهم ؟ فقال : { قل } أي ~~لهم ردا عليهم وقطعا لمعاذيرهم وهتكا لشبههم : هذا الذي افتخرتم به لا يدل ~~على حسن الحال في الآخرة , بل على عكس ذلك , فقد جرت عادته سبحانه أنه { من ~~كان في الضلالة } مثلكم كونا راسخا بسط له في الدنيا وطيب عيشه في ظاهر ~~الحال فيها , ونعم ms3003 بأنواع الملاذ , وعبر عن أن ذلك لا يكاد يتخلف عن غير من ~~حكم بإلزامه المسكنة من اليهود بلام الأمر , إيذانا بوجوده وجود المأمور به ~~الممتثل في قوله : { فليمدد } وأشار إلى التحلي لهم بصفة الإحسان بقوله : { ~~له الرحمن } أي العام الامتنان { مدا * } في العاجلة بالبسط في الآثار , ~~والسعة في الديار , والطول في الأعمار , وإنفاقها فيما يستلذ من الأوزار ~~الكبار , فيزيده العزيز الجبار بذلك ضلالة , فيا له من خسار , وتباب وتبار ~~, لمن له استبصار , ولا نزال نمد هل استدراجا { حتى } وحقق أخذهم بأداة ~~التحقيق فقال : { إذا رأوا } أي كل من كفر بالله بأعينهم وإن ادعوا أنهم ~~يتعاضدون ويتناصرون , ولذلك PageV04P553 جمع باعتبار المعنى { ما يوعدون } ~~من قبل الله { إما العذاب } في الدنيا بأيدي المؤمنين أو غيرهم , أو في ~~البرزخ { وإما الساعة } التي هي بها مكذبون , وعن الاستعداد لها معرضون , ~~ولا شيء يشبه أهوالها , وخزيها ونكالها . | ولما كان الجواب : علموا أن ~~مكانهم شر الأماكن , وأن جندهم أضعف الجنود , عبر عنه بقوله تهديدا : { ~~فسيعلمون } إذا رأوا ذلك { من هو شر مكانا } أي من جهة المكان الذي قوبل به ~~المقام { وأضعف جندا * } هم أو المؤمنون , أي أضعف من جهة الجند الذي أشير ~~به إلى الندي , لأن القصد من فيه , وكأنه عبر بالجند لأن قصدهم المغالبة ~~وما كل من في الندي يكون مقاتلا . | ولما كان هذا لكونه استدراجا زيادة في ~~الضلال , قابله بقوله , عطفا على ما تقدم تقديره تسبيبا عن قوله { فليمدد } ~~وهو : فيزيده ضلالا , أو على موضع { فليمدد } : { ويزيد الله } وعبر بالاسم ~~العلم إشارة إلى التجلي لهم بجميع الصفات العلى ليعرفوه حق معرفته { الذين ~~اهتدوا هدى } عوض ما زوى عنهم ومنعهم من الدنيا لكرامتهم عنده مما بسطه ~~للضلال لهوانه عليه ؛ فالآية من الاحتباك : ذكر السعة بالمد للضال أولا ~~دليلا على حذف الضيق بالمنع للمهتدي ثانيا , وزيادة الهداية ثانيا دليلا ~~على حذف زيادة الضلال أولا , وأشار إلى أنه مثل ما خذل أولئك بالنوال , وفق ~~هؤلاء لمحاسن الأعمال , بإقلال الأموال فقال : { والباقيات } ثم وصفها ~~احترازا من أفعال أهل ms3004 الضلال بقوله : { الصالحات } أي من الطاعات والمعارف ~~التي شرحت لها الصدور , فأنارت بها القلوب , وسلمت من إحباط الذنوب , ~~فأوصلت إلى علام الغيوب { خير عند ربك } مما متع به الكفرة ومدوا به - على ~~تقدير التنزل إلى تسميته خيرا , وإضافة الرب إليه صلى الله عليه وسلم إشارة ~~إلى أنه يربيها تربية تبلغ أقصى ما يرضيه في كل تابعيه ؛ ثم بين جهة خيرية ~~هذا بقوله : { ثوابا } أي من جهة الثواب { وخير مردا * } أي من جهة العاقبة ~~يوم الحسرة وهو كالذي قبله , أو على قولهم : الصيف أحر من الشتاء بمعنى أنه ~~في حره أبلغ منه في برده . | فالكفرة يردون إلى خسارة وفناء , والمؤمنون ~~إلى ربح وبقاء . | < < # | مريم : ( 77 - 84 ) أفرأيت الذي كفر . . . . . # > > ^ ( أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا * أطلع الغيب أم ~~اتخذ عند الرحمن عهدا * كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا * ونرثه ~~ما يقول ويأتينا فردا * واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا * كلا ~~سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا * ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين على ~~الكافرين تؤزهم أزا * فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا ) ^ } ) | ~~PageV04P554 ولما تضمن هذا من التهديد بذلك اليوم ما يقطع القلوب , فيوجب ~~الإقبال على ما ينجي منه , عجب من حال من كفر به , موبخا له , منكرا عليه , ~~عاطفا على ما أرشد إليه السياق فقال معبرا عن طلب الخير بالرؤية التي هي ~~الطريق إلى الإحاطة بالأشياء علما وخبرة , وإلى صحة الخبر عنها : { أفرءيت ~~} أي أرأيت الذي يعرض عن هذا اليوم فرأيت { الذي } زاد على ذلك بأن { كفر ~~بآياتنا } الدالات على عظمتنا بالدلالات البينات { وقال } جراءة منه وجهلا ~~؛ أو يقال : إنه لما هول أمر ذلك اليوم . | وهتك أستار مقالاتهم , وبين ~~وهيها , تسبب عن ذلك التعجيب ممن يقول : { لأوتين } أي والله في الساعة على ~~تقدير قيامها ممن له الإيتاء هنالك { مالا وولدا * } أي عظيمين , فلم يكفه ~~في جهله تعجيز القادر حتى ضم إليه إقدار العاجز . | ولما كان ما ادعاه لا ~~علم له به إلا بأحد أمرين لا ms3005 علم له بواحد منهما , أنكر عليه قوله ذلك ~~بقوله : { أطلع الغيب } الذي هو غائب عن كل مخلوق , فهو في بعده عن الخلق ~~كالعالي الذي لا يمكن أحدا منهم الاطلاع عليه , وتفرد به الواحد القهار { ~~أم اتخذ } أي بغاية جهده { عند الرحمن } العام الرحمة بالإنعام على الطائع ~~والانتقام من العاصي ثوابا للطائع { عهدا * } عاهده عليه بأنه يؤتيه ما ذكر ~~بطاعة فعلها له على وجهها ليقف سبحانه فيه عند قوله . | ولما كان كل من ~~الأمرين : إطلاع الغيب واتخاذ العهد , وكذا ما ادعاه لنفسه , وما يلزم عن ~~اتخاذ العهد من القرب , منتفيا قال : { كلا } أي لم يقع شيء من هذين ~~الأمرين , ولا يكون ما ا دعاه فليرتفع عنه صاغرا . | ولما كان النفي هنا عن ~~الواحد مفهما للنفي عما فوقه اكتفى به , ولما رد ذلك استأنف الجواب لسؤال ~~من كأنه قال : فماذا يكون له ؟ بقوله مثبتا السين للتوكيد في هذا التهديد : ~~{ سنكتب ما يقول } أي نحفظه عليه حفظ من يكتبه لنوبخه به ونعذبه عليه بعد ~~الموت فيظهر له بعد طول الزمان أن ما كان فيه ضلال يؤدي إلى الهلاك لا ~~محالة , ويجوز أن تكون السين على بابها من المهلة , وكذا الكتابة , ~~والإعلام بذلك للحث على التوبة قبل الكتابة , وذلك من عموم الرحمة { ونمد ~~له من العذاب مدا * } باستدراجه بأسبابه من كثرة النعم من الأموال والأولاد ~~المحببة له في الدنيا , المعذبة له فيها , بالكدح في جمعها والمخاصمة عليها ~~الموجبة له التمادي في الكفر الموجب لعذاب الآخرة , وإتيان بعضه في إثر بعض ~~< # > 77 ( { إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم ~~كافرون } ) 77 < # > [ التوبة : 85 ] { ونرثه } بموته عن جميع ذلك ؛ ثم أبدل من ضميره قوله ~~: { ما يقول } أي من المال والولد فنحول بينه وبينهم بعد البعث كما فعلنا ~~PageV04P555 بالموت كحيلولة الوارث بين الموروث وبين الموروث عنه { ويأتينا ~~} في القيامة { فردا * } مسكينا منعزلا عن كل شيء لا قدرة له على مال ولا ~~ولد , قلا عز له , ولا قوة بشيء منهما ؛ روى البخاري في التفسير ms3006 عن خباب ~~رضي الله عنه قال : كنت قينا بمكة فعملت للعاص بن وائل السهمي سيفا , فجئت ~~أتقاضاه فقال : لا أعطيك حتى تكفر بمحمد , قلت : لا أكفر بمحمد حتى يميتك ~~الله ثم يحييك , وفي رواية : حتى تموت ثم تبعث , قال : وإني لمبعوث من بعد ~~الموت ؟ قلت : نعم ! قال : فذرني حتى أموت ثم أبعث فسوف أوتى مالا وولدا ~~فأقضيك , فنزلت هذه الآية { أفرأيت الذي - إلى قوله : فردا } . | ولما أخبر ~~تعالى بالبعث , وذكر أن هذا الكافر يأتيه على صفة الذل , أتبعه حال ~~المشركين مه معبوداتهم , فقال معجبا منهم عاطفا على قوله ويقول الإنسان : { ~~واتخذوا } أي الكفار , وجمع لأن نفي العز عن الواحد قد لا يقتضي نفيه عما ~~زاد { من دون الله } وقد تبين لهم أنه الملك الأعلى الذي لا كفوء له { ~~ءالهة ليكونوا لهم } أي الكافرين { عزا * } لينقذوهم من العذاب . | ولما ~~بين أنه لا يعزه مال ولا ولد , وكان نفع الأوثان دون ذلك بلا شك , نفاه ~~بقوله : { كلا } بأداة الردع , لأن ذلك طلب للعز من معدن الذل من العبيد ~~الذين من اعتز لهم ذلن فإنهم مجبولون على الحاجة , ومن طلب العز للدنيا ~~طلبه من العبيد لا محالةن فاضطر قطعا - لبنائهم على النقص - إلى ترك الحق ~~واتباع الباطل , فكانت عاقبة أمره الذل وإن طال المدى , فإن الله تعالى ~~ربما أمهل المخذول إلى أن ينتهي في خذلانه إلى أن يستحق لباس الذل ؛ ثم بين ~~سبحانه ذلك بما يكون منهم يوم البعث فقال : { سيكفرون } أي الآلهة بوعد لا ~~خلف فيه وإن طال الزمان { بعبادتهم } أي المشركين , فيقولون لهم < # > 77 ( { ما كنتم إيانا تعبدون } ) 77 < # > [ يونس : 28 ] < # > 77 ( { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } ) 77 < # > [ البقرة : 116 ] { ويكونون عليهم } أي الكفار ؛ ووحد إشارة إلى اتفاق ~~الكلمة بحيث إنهم لفرط تضامنهم كشيء واحد فقال : { ضدا * } أي أعداء ~~فيكسبونهم الذل , وكذا يفعل الكفار مع شركائهم ويقولون { والله ربنا ما كنا ~~مشركين } فيقع بينهم العداوة كما قال تعالى < # > 77 ( { ثم يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضكم بعضا } ) 77 ms3007 < # > [ العنكبوت : 25 ] . | ولما كان من المستبعد عندهم جواز رجوعهم عنهم ~~فضلا عن كفرهم بهم , دل PageV04P556 على وقوعه بما يشاهد منهم من الأفعال ~~المنافية لرزانة الحلم الناشئة عن وقار العلم , فقال : { ألم تر أنا } لما ~~لنا من العظمة { أرسلنا الشياطين } الذين خلقناهم من النار , إرسالا ~~مستعليا بالإبعاد والإحراق { على الكافرين } أي العريقين في الكفر { تؤزهم ~~أزا * } أي تحركهم تحريكا شديدا , وتزعجهم في المعاصي والدنايا التي لا ~~يشكون في قباحتها وعظيم شناعتها وهم الناس عيبا لفاعليها وذما لمرتكبيها ~~إرعاجا عظيما بحيث يكونون في تقلبهم ذلك مثل الماء الذي يغلي في القدر , ~~ومثل الشرر المتطاير الذي هو أشد شيء عما اتصفوا به من خفة السفه وطيش ~~الجهل فقال : { فلا تعجل عليهم } بشيء مما تريد به الراحة منهم . | ولما ~~كانت مراقبة ناصر الإنسان لعدوه في الحركات والسكنات أكبر شاف للولي ومفرح ~~, وأعظم غائط للعدو ومزعج ومخيف ومقلق , علل ذلك بقوله دالا على أن زمنهم ~~قصير جدا بذكر العد : { إنما نعد لهم } بإمهالنا لهم وإدرارنا النعم عليهم ~~{ عدا * } لأنفاسهم فما فوقها لا نغفل عنهم بوجه , فإذا جاء أجلهم الذي ~~ضربناه لهم , محونا آثارهم , وأخلينا منهم ديارهم , لا يمكنهم أن يفوتونا , ~~فاصبر فما أردنا بإملائنا لهم إلا إشقاءهم وإراءهم لا تنعيمهم وإعلاءهم , ~~فهو من قصر الموصوف على صفته إفرادا . | < < # | مريم : ( 85 - 93 ) يوم نحشر المتقين . . . . . # > > ^ ( يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا * ونسوق المجرمين إلى جهنم ~~وردا * لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا * وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * ~~إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ) ^ } ) | ولما بين مآل ~~حال الكافرين في آلهتهم ودليله , أتبعه بوقته فقال : { يوم } أي يكفرون ~~بعبادتهم يوم { نحشر المتقين } أي العريقين في هذا الوصف ؛ ولما تقدمت سورة ~~النعم العامة النحل , وأتبعت سورة النعم الخاصة بالمؤمنين وبعض العامة , ~~مثل ^ ( { ولقد كرمنا بني آدم } ) ^ [ الإسراء : 70 ] , ثم ms3008 سورتي الخاصة ~~بالصالحين الكهف وهذه , قال : { إلى الرحمن } فيدخلهم دار الرضوان , فذكر ~~الاسم الدال على عموم الرحمة , وكرره في هذه تكريرا دل على ما فهمته , ~~وربما أيد ذلك افتتاح النحل بنعمة البيان على هذا الإنسان التي عبر عنها ~~بالخصيم , وختام هذه بالقوم اللد من حيث رد PageV04P557 مقطع هذه التي كانت ~~بالنظر إلى النعم شيئا واحدا على مطلعها { وفدا * } أي القادمين في إسراع ~~ورفعة وعلى , كما تقدم الوفود على الملوك , فيكونون في الضيافة والكرامة . ~~| ولما ذكر ما يدل على كرامة أوليائه , أتبعه ما يدل على إهانة أعدائه فقال ~~: { ونسوق المجرمين } أي بالكفر وغيره من المعصية , كالبهائم سوقا عنيفا ~~مزعجا حثيثا { إلى جهنم } بسطوة المنتقم الجبار { وردا * } أي عطاشا { لا ~~يملكون الشفاعة } أي لا يملك أحد من القسمين أن يشفع ولا أن يشفع فيه { إلا ~~من اتخذ } أي كلف نفسه واجتهد في أن أخذ { عند الرحمن عهدا * } بما وفقه له ~~من الإيمان والطاعة التي وعده عليها أن يشفع أو أن يشفع فيه ؛ فالآية من ~~الاحتباك : ذكر الرحمن أولا دليلا على المنتقم ثانيا , وجهنم ثانيا دليلا ~~على حذف الجنة أولا . | ولما أبطل مطلق الشفعاء , وكان الولد أقرب شفيع , ~~وكانوا قد ادعوا له ولدا , أبطل دعواهم فيه لينتفي كل شفيع خاص وعام , ~~فينتفي كل عز راموه بشفاعة آلهتهم وغيرها . | فقال عاطفا على قوله : { ~~واتخذوا من دون الله آلهة } موجبا منهم : { وقالوا } أي الكفرة { اتخذ ~~الرحمن } أي الذي لا منعم غيره , فكل أحد محتاج إليه وهو غني عن كل أحد { ~~ولدا * } قالت اليهود : عزير , والنصارى : المسيح , والمشركون : الملائكة , ~~مع قيام الأدلة على استحالته عليه سبحانه ؛ ثم استأنف الالتفات إلى خطابهم ~~بأشد الإنكار , إيماء إلى تناهي الغضب فقال : { لقد } أي وعزتي ! لقد { ~~جئتم شيئا إدا * } أي عظيما ثقيلا منكرا ؛ ثم بين ثقله بقوله : { تكاد ~~السماوات } على إحكامها , مع بعدها من أصحاب هذا القول { يتفطرون } أي ~~يأخذن في الانشقاق { منه } اي من هذا الشيء الإد { وتنشق الأرض } على تحتها ~~شقا نافذا واسعا { وتخر } أي تسقط سريعا { الجبال ms3009 } على صلابتها { هدا * } ~~كما ينفسخ السقف تحت ما لا يحتمله من الجسم الثقيل , لأجل { أن ادعوا } أي ~~سموا { للرحمن } الذي كل ما سواه نعمة منه { ولدا * } هذا المفعول الثاني , ~~وحذف الأول لإرادة العموم { وما ينبغي } أي ما يصح ولا يتصور { للرحمن أن ~~يتخذ ولدا * } لأنه غير محتاج إلى الولد بوجه , ومع ذلك فهو محال , لأن ~~الولد لا يكون إلا مجانسا للوالد , ولا شيء من النعم بمجانس للمنعم المطلق ~~الموجد لكل ما سواه , فمن دعا له ولدا قد جعله كبعض خلقه , وأخرجه عن ~~استحقاق هذا الاسم , ثم أقام الدليل على غناه عن ذلك واستحالته عليه , ~~تحقيقا لوحدانيته , وبيانا لرحمانيته , فهدم بذلك الكفر بمطلق الشريك بعد ~~أن هدم الكفر بخصوص الولد فقال : { إن } أي ما { في السماوات والأرض } ~~الذين ادعوا أنهم ولد وغيرهم { إلا } . | ولما PageV04P558 كان من العبد من ~~يعصي على سيده , عبر بالإتيان فقال : { ءاتي الرحمن } العام بالإحسان , أي ~~منقاد له طوعا أو كرها في كل حالة وكل وقت { عبدا * } مسخرا مقهورا خائفا ~~راجيا , فكيف يكون العبد ابنا أو شريكا ؟ فدلت الآية على التنافي بين ~~العبودية والولدية , فهي من الدليل على عتق الولد والوالد إذا اشتريا . | < ~~< # | مريم : ( 94 - 98 ) لقد أحصاهم وعدهم . . . . . # > > ^ ( لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا * إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا * فإنما يسرناه بلسانك لتبشر ~~به المتقين وتنذر به قوما لدا * وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من ~~أحد أو تسمع لهم ركزا ) ^ } ) | ولما كان من المستبعد معرفة الخلائق كلهم , ~~أتبعه بقوله : { لقد } أي والله لقد { أحصاهم } كلهم إحاطة بهم { وعدهم } ~~ولما كان ذلك لا يكاد يصدق , أكده بالمصدر فقال : { عدا * } قبل خلقهم من ~~جميع جهات العبد ولوازمها , فلم يوجد ولم يولد , ولم يعد أو يصب أحد منهم ~~إلا في حينه الذي عده له , وقد يكون الإحصاء قبل الوجود في عالم الغيب ~~والعد بعد الوجود { وكلهم } أي وكل واحد منهم { ءاتيه يوم القيامة } بعد ~~بعثه من الموت { فردا * } على صفة ms3010 الذل , موروثا ماله وولده الذي كنا ~~أعطيناه في الدنيا قوة له وعزا , لأنه لا موجود غيره يقدر على حراسة نفسه ~~من الفناء , فهو لا شك في قبضته , فكيف يتصور في بال أو يقع في خيال أن ~~يكون شيء من ذلك له ولدا أو معه شريكا . | ولما عم بهذا الحكم الطائع ~~والعاصي , وكان ذلك محزنا لأهل الطاعة باستشعار الذل في الدارين , تحركت ~~النفس إلى معرفة ما أفادتهم الطاعة , واستأنف الجواب لذلك مبشرا لهم بقوله ~~: { إن الذين آمنوا وعملوا } تصديقا لادعائهم الإيمان , الأعمال { الصالحات ~~سيجعل } تحقيقا عما قليل عند بيعة العقبة { لهم الرحمن } الذي خصهم بالرضا ~~بعد أن عمهم بالنعمة , جزاء على انقيادهم له , لأنه كان إما باختيارهم وإما ~~برضاهم { ودا * } أي حبا عظيما في قلوب العباد , دالا على ما لهم عندهم من ~~الود ؛ قال الأصبهاني : من غير تودد منهم ولا تعرض للأسباب التي تكسب بها ~~الناس مودات القلوب من قرابة أو صدقة أو اصطناع غيره أو غير ذلك , وإنما هو ~~اختراع ابتدأ اختصاصا منه لأوليائه بكرامة خاصة كما قذف في قلوب أعدائهم ~~الرعب والهيبة إعظاما لهم وإجلالا لمكانهم - انتهى . | والمراد - والله ~~أعلم - أنه لا يجعل سبحانه في قلب أحد من عباده الصالحين عليهم إجنة , لأن ~~الود - كما قال الإمام أبو الحسن الحرالي : خلو PageV04P559 عن إرادة ~~المركوه , وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة الروم ما يزيد ذلك وضوحا ؛ روى ~~الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( إن الله إذا أحب عبدا دعا جبرئيل فقال : يا جبرئيل ! إني أحب فلانا ~~فأحبه , فيحبه جبرئيل ثم ينادي في أهل السماء : إن الله يحب فلانا فأحبوه , ~~فيحبه أهل السماء , ثم يوضع له القبول في الأرض , وإن الله إذا أبغض عبدا ~~دعا جبرئيل فقال : يا جبرئيل ! إني أبغض فلانا فأبغضه , فيبغضه جبرئيل ثم ~~ينادي في أهل السماء : إن الله يبغض فلانا فأبغضوه , فيبغضه أهل السماء ثم ~~يوضع له البغضاء في الأرض . | ( ولما كان إنزال هذا القول الثقيل ثم ms3011 تيسيره ~~حفظا وعملا سببا لما جعل لأهل الطاعة في الدنيا من الود بما لهم من التحلي ~~والتزين بالصالحات , والتخلي والتصون من السيئات , الدال على ما لهم عند ~~مولاهم من عظيم العز والقرب , وكان التقدير : والذين كفروا ليكسبنهم الجبار ~~بغضا وذلا , فأخبر كلا من الفريقين لما له بشارة ونذارة , قال مسببا عن ~~إفصاح ذلك وإفهامه : { فإنما يسرناه } أي هذا القرآن , الذي عجز عن معارضته ~~الإنس والجان , والكتاب القيم والوحي الذي لا مبدل له بسبب إنزالنا إياه { ~~بلسانك } هذا العربي المبين , العذب الرصين { لتبشر به المتقين } وهم الذين ~~يجعلون بينهم وبين ما يسخط الله وقاية , فلا يبطلون حقا ولا يحقون باطلا , ~~ومتى حصلت لهم هفوة بادروا الرجوع عنها بالمتابن بما لهم عندنا من العز ~~الذي هو ثمرة العز المدلول عليه بما لهم منه في الدنيا , لا لتحزنهم بأن ~~ينزل فيه ما يوهم تسويتهم بأهل المعصية في كلتا الدارين { وتنذر به قوما ~~لدا * } أشد في الخصومة , يريدون العز بذلك , لما لهم عندنا من الذل ~~والهوان الناشئ عن المقت المسبب عن مساوئ الأعمال , وأنا نهلكهم إن لم ~~يرجعوا عن لددهم هو الذي يتمادى في غيه ولا يرجع لدليل , ويركب في عناد ~~الحق ما يقدر عليه من الشر , ولا يكون هذا إلا ممن يحتقر من يخاصمه ويريد ~~أن يجعل الحق باطلا , تكبرا عن قبوله , فينطبق عليه ما رواه مسلم في ~~الإيمان عن صحيحه , وأبو داود في اللباس من سننه , والترمذي في البر من ~~جامعه , وابن ماجه في السنة من سننه ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ) لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال حبة من كبر , فقال ~~رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة , فقال : إن الله جميل ~~يحب الجمال , الكبر بطر الحق وغمط - ( وفي رواية : ) وغمص - الناس . | ( ~~وكلاهما بمعنى الاحتقار , ومن كان سبيله مرن على ذلك ومرد عليه , ~~PageV04P560 فكان جديرا بأن يركبه الله أبطل الباطل : الكفر عند الموتن ~~فتحرم عليه الجنة , فإن من يرتع حول ms3012 الحمى يوشك أن يواقعه < # > 77 ( { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } ) 77 < # > [ الأعراف : 49 ] فيا ذل من تكبر على الحق ! ويا عز من تشرف بالذل للحق ~~والعز على الباطل ! ولعمري لقد أجرى الله عادته - ولن تجد لسنة الله تحويلا ~~أن من تعود الجراءة بالباطل كان ذليلا في الحق , وإليه يشير قوله تعالى في ~~وصف أحبابه < # > 77 ( { أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } ) 77 < # > [ المائدة : 54 ] . | ولما كان التقدير بعدما أرشد إليه السياق من ~~مفعول { ينذر } : فإنا قادرون على إهلاكهم وجميع ما نريد منهم , عطف عليه ~~قوله : { وكم أهلكنا } بما لنا من العظمة , ولما كان المراد التعميم , أثبت ~~الظرف عريا عن الجار , وأكد الخبر بإثبات من بعده فقال : { قبلهم من قرن } ~~كانوا أشد منهم شدة , وأكثر عدة , وأوثق عدة , فلم يبق إلا سماع أخبارهم , ~~ومشاهدة آثارهم ؛ ثم قال تصويرا لحالهم , وتقريرا لمضمون ما مضى من مآلهم : ~~{ هل تحس منهم من أحد } ببصر أو لمس { أو تسمع لهم ركزا * } أي صوتا خفيا ~~فضلا عن أن يكون جليا , فقد ختمت السورة بما بدئت به من الرحمة لأوليائه , ~~والود لأصفيائه , والنعمة للذين خلفوا بعدهم من أعدائه , بعد الرحمة ~~للفريقين بهذا الكتاب بشارة ونذارة فحلت الرحمة على أوليائه , وزلت عن ~~أعدائه والله الموفق . | . . . . . | PageV04P561 < # > سورة طه < # > < < # | طه : ( 1 - 6 ) طه # > > ^ ( طه * مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * تنزيلا ~~ممن خلق الأرض والسماوات العلى * الرحمن على العرش استوى * له ما في ~~السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ) ^ } ) | مقصودها الإعلام ~~بإمهال المدعوين والحلم عنهم والترفق بهم إلى أن يكونوا أكثر الأمم , زيادة ~~في الشرف داعيهم صلى الله عليه وسلم , وعلى هذا المقصد الشريف دل اسمها ~~بطريق الرمز والإشارة , لتبيين أهل الفطنة والبصارة , وذلك بما في أولها من ~~الحروف المقطعة , وذلك أنه لما كان ختام سورة مريم حاملا على الخوف من أن ~~تهلك أمته صلى الله عليه وسلم قبل ظهور أمره الذي أمر الله به ةاشتهار ~~دعوته , لقلة من آمن ms3013 به منهم , ابتدأه سبحانه بالطاء إشارة بمخرجها الذي هو ~~من رأس اللسان وأصول الثنيتين العليين إلى قوة أمر وانتشاره , وعلوه وكثرة ~~أتباعه , لأن هذا المخرج أكثر المخارج حروفا , وأشدها حركة وأوسعها انتشارا ~~, وبما فيها من صفات الجهر والإطباق و الاستعلاء والقلقلة إلى انقلاب ما هو ~~فيه من الإسرار جهرا , وما هو فيه من الرقة فخامة , لأنها من حروف التفخيم ~~, وأنه يستعلي أمره , وينتشر ذكره , حتى يطبق جميع الوجود ويقلقل سائر ~~الأمم , ولكن يكون ذلك . | بما تشير إليه الهاء بمخرجها من أقصى الحلق . | ~~على حد بعده من طرف اللسان مع طول كبير وتماد كثير , وبما فيها من صفات ~~الهمس والرخاوة والانفتاح والاستفال والخفاء مع مخافته وضعف كبير , وهدوء ~~وخفاء عظيم , ومقاساة شدائد كبار , مع نوع فخامة واشتهار , وهو وإن كان ~~اشتهارا يسيرا يغلب هذا الضعف كله وإن كان قويا شديدا , وقراءة الإمالة ~~للهاء تشير إلى شدة الضعف , وقراءة التفخيم . | وهي الأكثر القراء . | ~~مشيرة إلى فخامة القدر وقوة الأمر , بما لهما من الانتفاخ , وإن رئي أنه ~~ليس كذلك ( إنه ليخافه PageV05P003 ملك بني الأصفر ) وإن كان معنى الحرفين ~~: يا رجل , فهو إشارة إلى قوته وعلو قدره , وفخامة ذكره , وانتشار أتباعه ~~وعموم أمره , وإن كانا إشارة إلى وطء الأرض فهو إلاحة إلى قوة التمكن وعظيم ~~القدرة وبعدد الصيت حتى تصير كلها ملكا له ولأتباعه , وملكا لأمرائه ~~واشياعه . | والله أعلم . | وذكر ابن الفرات في تأريخه أن هحر الحبشة كانت ~~قي السنة الثامنة من المبعث فالظاهر . | على ما يأتي في إسلام عمر رضي الله ~~عنه أن نزول هذه السورة أو أولها كان قرب هجرة الحبشة , فيكون سبحانه قد ~~رمز له صلى الله عليه وسلم على ما هو ألذ في محادثة الأحباب , من صريح ~~الخطاب , بعدد مسمى الطاء إلى أن وهن الكفار الوهن الشديد . | يقع في السنة ~~التاسعة من نزولها , وذلك في غزوة بدر الموعد في سنة أربع من الهجرة , ~~وبعدد اسمها إلى أن الفتح الأول يكون في السنة الحاية عشر من نزولها , وذلك ~~في عمرة الحديبية ms3014 في ذي القعدة سنة ست من الهجرة عند نزول سورة الفتح , ~~ورمز له بعدد مسمى الهاء إلى أن مبدأ النصرة بالهجرة في السنة الخامسة من ~~نزولها , وبعدد اسمها إلى أن نصرة بالفعل يعق في السنة السابعة من نزولها , ~~وذلك في غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية من الهجرة , وبعدد حرفي اسمها لا ~~بعدد اسميها إلى أنه في السنة الثالثة عشر من نزولها يكون بفتح الأكبر ~~بالاستعلاء على مكة المشرفة التي كان سببا قريبا للاستعلاء على جميع الأرض ~~, وذلك في أواخرها في رمضان سنة ثمان من الهجرة , وكان تمتمه بفتح الطائف ~~بإرسال وفدهم وإسلامهم وهدم طاغيتهم في سنة تسع , وهي السنة الرابعة عشرة , ~~وبعدد اسميهما إلى أن تطبيق أكثر الأرض بالإسلام يكون في السنة الثامنة ~~عشرة من نزولها , وذلك بخلافة عمر رضي الله عنه في السنة الثالثة عشر من ~~الهجرة . | والله أعلم . | { بسم } الواسع الحلم التام القدرة { الله } ~~الملك الأعظم { الرحمن } الذي استوى في أصل نعمته جميع خلقه { الرحيم * } ~~الذي أتم النعمة على أهل توفيقه ولطفه { طه * } أي تخلص بالغ من كل ما يخشى ~~وظهر عظيم وطيب منتشر في كل قطر إلى نهاية الوطن الذي هو التاسع , ممن له ~~الإحاطة التامة بكل غيب , وإليه يرجع الأمر كله , كما اجتمعت أسماؤه كلها ~~في غيب هو الذي جعل العزة للمهتدين والهدى للمتقين . | هذه السورة والتي ~~قبلها من أقدم السور المكية , قال هشام في تهذيب السيرة : قال ابن اسحاق : ~~حدثني محمد بن مسلم الوهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ~~المخزومي عن أم سلمة بنت أم أمية بن المغيرة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : قالت : لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي , أمنا على ~~ديننا وعبدنا الله تبارك وتعالى ال نؤذى ولا نسمع شيءا نكرهه , فلما بلغ ~~ذلك قريشا ائتمروا بينهم . | فذكر PageV05P004 إرسالهم إليه بهدايا ليردهم ~~إليه , وأن بطارقته كلموه في ذلك , وأنه أبى حتى يسمع كلامهم , وأمه طلبهم ~~فأجمع أمرهم على أن يقولوا الحق كائنا ms3015 فيه ما كان , فدخلوا وقد دعا النجاشي ~~أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله فقال لهم : ما هذا الدين الذي فارقتم به قومكم ~~ولم تدخلوا به في دين أحد من هذه الملل . | قالت : فكان الذي كلمه جعفر بن ~~أبي طالب رضي الله عنه فقال : أيها الملك ! كنا قوما أهل جاهلية , نعبد ~~الأصنام , ونأكل الميتة , ونأتي الفواحش , ونقطع الأرحام , ونسيء الجوار , ~~ويأكل القوي منا الضعيف , فكنا على ذلك حتى بعث الله غلينا رسولا منا نعرف ~~نسبه وصدقه وأمانته وعفافه , فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا ~~نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان , وأمرنا بصدق الحديث , ~~وأداء الأمانة , وصلة الرحم و حسن الجوار , الكف عن المحارم والدماء , ~~ونهانا عن الفواحش , وقول الزور , وأكل مال اليتيم . | وقذف المحصنة , ~~وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا , وأمرنا بالصلاة والزكاة ~~والصيام . | قالت : فعدد عليه أمور الإسلام . | فصدقناه وآمنا به , فعدا ~~علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان . | فلما ~~قهرونا وظلمونا خرجنا إلى بالدك , واخترناك على من سواك , ورجونا أن لا ~~نظلم عندك أيها الملك ! فقال له النجاشي : هل معك مما جاء به عن الله شيء ؟ ~~فقال له جعفر : نعم ! فقال له النجاشي : فاقرأه علي فقرأ عليه صدرا من ~~كهيعص , فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكى أساقفته حتى أخضلوا ~~مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم ؛ ثم قال النجاشي : إن هذا ةالذي جاء به ~~موسى ليخرج من مشكاة واحدة , ثم ذكر تأمينه لهم ورد هدايا قريش ورسلهم ~~خائبين . | وقال ابن هشام : وقال ابن اسحاق : فحدثني عبد الرحمن بن الحارث ~~بن عبدالله بن عياش بن أبي ربيعة عن عبد العزيز بن عبدالله بن عامر بن ~~ربيعة عن أمه أم عبدالله بنت أبي حثمة رضي الله عنها قالت : والله ! إنا ~~لنترحل إلى ارض الحبشة وقد ذهب عامر رضي الله عنه في بعض حاجاتنا غذ أقبل ~~عمر بن الخطاب حتى وقف علي وهو على شركه , وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا ~~وشدة علينا , فقال ms3016 : إنه الانطلاق يا أم عبد الله ؟ قلت : نعم ! والله ~~لنخرجن في أرض الله , آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجا , فقال : ~~صحبكم الله , ورأيت له رقة لم أكن أراها , ثم انصرف وقد أحزنه فيما أرى ~~خروجنا , فجاء عامر رضي الله عنه بحاجته تلك فقلت له : يا أبا عبد الله ! ~~لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا ! قال : أطمعت في إسالمه ؟ قلت : نعم ! ~~قال : لايسيلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب . | يأسا منه . | لما كان ~~يرى من غلظته وقسوته عن الإسلام , قال ابن إسحاق : وكان إسلام عمر فيما ~~بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب , وكانت عند سعيد PageV05P005 بن زيد بن ~~عمرو بن نفيل رضي الله عنهم , وكانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد بن زيد وهم ~~مستخفون بإسلامهم من عمر , وكان نعيم بن عبد الله بن النحام . | رجل من ~~قومه بني عدي بن كعب . | قد أسلم رضي الله عنه , وكان أيضا يستخفي بإسلامه ~~فرقا من قومه , وكان خباب بن الأرت رضي الله عنه يختلف إلى فاطمة بنت ~~الخطاب رضي الله عنها يقرئها القرآن , فخرج عمر يوما متوحشا بسيفه يريد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه رضي الله عنهم قد ذكروا له ~~أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء , ~~ومع الرسول صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب وأبو بكر بن أبي ~~قحافة الصديق وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين رضي الله عنهم أجمعين ~~ممن كان أقم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ولم يخرج فيمن خرج إلى ~~أرض الحبشة , فلقيه نعيم بن عبد الله رضي الله عنه فقال : أين تريد يا عمر ~~؟ قال أريد محمدا هذا الصابىء الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها ~~وسب آلهتها فأقتله فقال له نعيم رضي الله عنه : والله ! لقد غرتك نفسك من ~~نفسك ياعمر ! أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا ! ~~أفلا ترجع إلى ms3017 أهل بيتك فتقيم أمرهم ؟ قال : وأي أهل بيتي ؟ قال : ختنك ~~وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو وأختك فاطمة بنت الخطاب فقد والله أسلما ~~وتابعا محمدا على دينه فعليك بهما فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه وعندهما ~~خباب بن الأرت رضي الله عنه وعنهما , وعه صفيحة فيها طه يقرئها إياها , ~~فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب بن الأرت رضي الله عنه في مخدع لهم أو في بعض ~~البيت , وأخذت فاطمة بنت الخطاب رضي الله عنها الصحيفة فجعلتها تحت فخذها , ~~وقد سمع عمر حين دنا من البيت قراءة خباب عليهما , فلما دخل قال : ما هذه ~~الهينمة التي سمعت ؟ قالا له : ما سمعت شيئا ؟ قال : بلى ! والله لقد أ برت ~~أنكما تابعتما محمدا على دينه , وبطش بختنه سعيد بن زيد رضي الله عنه فقامت ~~إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها فضربها فشجها , فلما فعل ذلك ~~قالت له أخته وختنه رضي الله عنهما : نعم ! قد أسلمنا وآن آمنا بالله ~~ورسوله , فاصنع ما بدا لك ! فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع ~~فارعوى وقال لأخته : أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفا أنظر ما ~~هذا الذي جاء به محمد ؟ وكان عمر كاتبا , فلما قال ذلك قالت له أخته : إنا ~~نخشاك عليها , قال : لاتخافي , وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها , ~~فلما قال ذلك طمعت في إسلامه فقالت : يا أخي ! إنك نجس على شركك , وإنه لا ~~يمسها إلا الطاهر , فقام عمر فاغتسل فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها , فلما ~~قرأ منها صدرا قال : ما أحسن هذا الكلام وأكرمه ! فلما سمع ذلك خباب ~~PageV05P006 رضي الله عنه خرج إليه فقال له : يا عمر ! والله إني لأرجو أن ~~يكون الله قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم فإني سمعته أمس وهو يقول : ~~اللهم ! أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب فالله الله يا ~~عمر ! فقال له عمر عند ذلك : فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلمن فقال ~~له ms3018 خباب : هو في بيت عند الصفا , معه فيه نفر من أصحابه , فأخذ عمر سيفه ~~فتوحشه ثم عمد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فضرب عليهم الباب ~~, فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر من ~~خلال الباب فرآه متوحشا السيف فرحع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~فزع فقال : يا رسول الله ! هذا عمر بن الخطاب متوحشا السيف ! فقال حمزة بن ~~عبد المطلب رضي الله عنه : فأذن له , فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له , ~~وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~ائذن له , فأذن له الرجل ونهض إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه ~~في الحجرة فأخذ بحجزته أو بمجمع ردائه ثم جبذه جبذة شديدة وقال : ما جاء بك ~~يا ابن الخطاب ! فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة , فقال عمر ~~: يارسول الله ! جئتك لأومن بالله وبرسوله وبما جاء من عند الله , فكبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم , فتفرق أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من ~~مكانهم , وقد عزوا في أنفسهم حين اسلم عمر بن الخطاب مع إسلام حمزة رضي ~~الله عنهما , وعلرفوا أنهما سيمنعان رسول الله صلى الله عليه وسلم وينصتون ~~بهما من عدوهم , فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن أسلام عمر رضي الله ~~عنه حين أسلم . | وكان إسلام عمر بعد إسلام حمزة رضي الله عنهما بثلاثة ~~أيام , كما ثبت ذلك في حاشية شرح العقائد عن فوائد تمام الرازي , وصفوة ~~الصفوة لابن الجوزي ؛ قال ابن هشام : قال ابن اسحاق : وحدثني نافع مولى عبد ~~الله بن عمر رضي الله عنهما قال : لما أسلم عمر قال : أي قريش أنقل للحديث ~~؟ قال : قيل له : جميل بن معمر الجمحي , فغدا عليه , قال عبد الله بن عمر ~~رضي الله عنهما : وغدوت أتبع أثره ms3019 وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت ~~حتى جاءه فقال له : أعلمت يا جميل أني اسلمت ودخلت في دين محمد ؟ قال ~~فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه . | واتبعه عمر رضي الله عنه واتبعت أبي ~~حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ! وهم في ~~أنديتهم حول الكعبة . | ألا ! إن ابن الخطاب قد صبأ قال : يقول عمر رضي ~~الله عنه من خلفه : كذب ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله , وأن ~~محمدا عبده ورسوله , وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس ~~على روؤسهم قال : وطلح فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول : افعلوا ما بدا لكم ~~, فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها أو تركتموها لنا , قال : ~~فبينما PageV05P007 هو على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص ~~موشى حتى وقف عليهم فقال : ما شأنكم ؟ قالوا : صبأ عمر , قال : فمه ! رجل ~~اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون ؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم ؟ ~~هكذا عن الرجل ! قال : فوالله لكأنكما كانوا ثوبا كشط عنه . | وفي الروض ~~الأنف للامام أبي القاسم السهيلي أن يونس روى عن ابن اسحاق أن عمر قال حين ~~أسلم رضي الله عنه : | الحمد لله ذي المن الذي وجبت له علينا أياد ما لها ~~غير وقد بدأنا فكذبنا فقال لنا صدق الحديث نبي عنده الخبر وقد ظلمت ابنة ا ~~لخطاب ثم هدى ربي عشية قالوا قد صبا عمر وقد ندمت على ما كان من زلل بظلمها ~~حبث تتلى عندها السور لما دعت ربها ذا العرش جاهدة والدمع من عينها عجلان ~~يبتدر أيقنت أن الذي تدعوه خالقها فكاد يسبقني من عبرة درر فقلت أشهد أن ~~الله خالقنا وأن أحمد فينا اليوم مشتهر نبي صدق أتى بالحق من ثقة وافى ~~الأمانة ما في اليوم مشتهر | إذا تقرر هذا , علم أن المقصود من السورة - ~~كما تقدم - تشريف هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بإعلامه بالرفق ~~بأمته , والإقبال ms3020 بقلوبهم حتى يملؤوا الأرض كثرة , كما أنزل عليهم السكينة ~~وهم في غاية الضعف والقلة , وحماهم ممن يريد قتلهم , ولين قلب عمر رضي الله ~~عنه بعد ما كان فيه من الغلظة وجعله وزيرا , ثم حماه بعدوه , وتأمينه صلى ~~الله عليه وسلم من أن يستأصلوا بعذاب , وبأنه يموت نبيهم قبلهم لا كما وقع ~~للمهلكين منن قوم نوح وهود عليهما السلام ومن بعدهم - بما دل عليه افتتاح ~~هذه بنفي الشقاء وختم تلك بجعل الود وغير ذلك , والداعي إلى هذا التأمين ~~أنه سبحانه لما ختم تلك بإهلاك القرون وإبادة الأمم بعد إنذار القوم اللد , ~~ولم يختم سورة من السور الماضية بمثل ذلك , كان ربما أفهم أنه قد انقضت ~~مدتهم , وحل بوارهم , وأتى دمارهم , وأنه لا يؤمن منهم - لما هم فيه من ~~اللد - إلا من قد آمن , فحصل بذلك من الغم والحزن ما لا يعلم قدره إلا الله ~~, لأن الأمر كان في ابتدائه , ولم يسلم منهم إلا نفر يسير جدا , فسكن ~~سبحانه الروع بقوله : { ما أنزلنا } بعظمتنا { عليك } أي وأنت أعلم الخلق { ~~القرآن } أي أعظم الكتب , الجامع لكل خير , والدافع لكل ضير , الذي يسرناه ~~بلسانك { لتشقى * } أي بتعب قلبك بكونك من أقل المرسلين تابعا بعد استئصال ~~قومك وشقائهم بإنذارك { إلا } أي لكن أنزلناه { تذكرة } اي تذكيرا عظيما { ~~لمن يخشى * } ممن أشرنا في آخر التي قبلها إلى بشارته إيماء إلى أنه سيكون ~~فيهم من المتقين من تناسب كثرته إعجاز هذا PageV05P008 القرآن ودوامه , وما ~~فيه من الجمع المشار إليه بالتعبير بالقرآن لجميع ما في الكتب السالفة من ~~الأحكام أصولا وفروعا , والمواعظ والرقائق , والمعارف والآداب , وأخبار ~~الأولين والآخرين , ومصالح الدارين , وزيادته عليها بما شاء الله , لأن ~~كثرة الأمة على قدر جلالة الكتاب , والتعبير عن ( لكن ) بالإشارة إلى أنه ~~يمكن أن يمون من باب : | ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع ~~الكتائب | وأشار بالمصدر الجاري على غير الفعل في قوله { تنزيلا } إلى أنه ~~يتمهل عليهم ترفقا بهم ، ولا ينزل هذا القرآن إلا تدريجا ، إزالة لشبههم ، ~~وشرحا لصدورهم ms3021 ، وتسكينا لنفوسهم ، ومدا لمدة البركة فيهم بتردد الملائكة ~~الكرام إليهم ، كما أنه لم يهلكهم بمعاصيهم اكتفاء ببينة ما في الصحف ~~الأولى ، بلبل أرسل إليهم رسولا لئلا يقولوا : ربنا لولا - كما اقتضته ~~حكمته وتمت به كلمته ، ولما كان رجوعههم إلأى الدين على ما يشاهد منهم من ~~الشدة والأنفة والسماخة التي سماهم الله به قوما لدا في غاية البعد ، شرع ~~سبحانه بقدرته إشارة إلى أن القلوب بيده يقلبها كيف شاء كما صورها كيف شاء ~~، وأن شأنه الرفق والأناة ، فقال ملتفتا من التكلم إلأى الغيبة ليدل على ما ~~افتضته النون من العظمة مقدما ما اقتضى الحال تقديمه من سكن المدعوين ~~المعتنى بتذكرتهم وهداية من أريد منهم { ممن خلق الأرض } المنخفضة . | ولما ~~قدم الأرض إعلاما بالاعتناء برحمها بالترفق بسكانها ليملأها بالإيمان منهم ~~تحقيقا لمقصود السورة تشريفا للمنزل عليه ، أتبعها محل الإنزال على سبيل ~~الترقي من بيت العزة إلى ما كنزة في خزانة العرش فقال { السموات العلى } في ~~ستى أيام ، ولو شاء كانتا في لحظة . | ولما كان القادر قد لا يكون ملكا ، ~~قال دالا على ملكه مادحا له بالقطع خبرا لمبتدأ محذوف : { الرحمن } مفتتحا ~~بالوصف المفيض للنعم العامة للطائع والعاصي ، ثم ذكر خبرا ثانيا دالا على ~~عموم الرحمة فقال : { على العرش } الحاوي لذلك كله { استوى } أي أخذ في ~~تدبير ذلك منفردا ، فخاطب العباد بما يفهمونه من قولهم فلان استوى ، أي جلس ~~معتدلا على سرير الملك ، فانفرد بتدبيره وإن لم يكن هناك سرير ولا كون عليه ~~أصلا ، هذا روح هذه العبارة ، كما أن روح قوله عليه الصلاة والسلام الذي ~~رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ' القلوب بين إصبعين من ~~أصابع الله يقلبها كيف يشاء ' أنه سبحانه وتعالى عظيم القدرة على ذلك ، وهو ~~عليه PageV05P009 يسير خفيف كخفته على من هذا حاله ، وليس المراد أن هناك ~~إصبعا أصلا ، نبه على ذلك حجة الإسلام الغزالي ومنه أخذ الزمخشري أن يد ~~فلان مبسوطة كناية عن جواد وإن لم يكن هناك يد ولا بسط أصلا . | ولما ك ms3022 0 ~~ان الملك قد لا يكون مالكا ، قال مقدما الأشرف على العادة { له ما في ~~السمواوات } أي كله من عاقل وغيره { وما في الأرض } جميعه { وبينهما } أي ~~السماوات والأرض { وما تحت الثرى } وهو التراب الندي ، سواء قلنا : إنه آخر ~~العالم فما تحته العدم المحض أم لا ؟ فيكون تحته النور أو الحوت أو غيرهما ~~< < # | طه : ( 7 - 15 ) وإن تجهر بالقول . . . . . # > > ^ ( وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى * الله لا إله إلا هو له ~~الأسمآء الحسنى * وهل أتاك حديث موسى * إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني ~~آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى * فلمآ أتاها نودي ~~يموسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى * وأنا اخترتك ~~فاستمع لما يوحى * إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري ~~* إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ) ^ } ) | ولما كان ~~الملك لا ينتظم غاية الانتظام إلا بإحاطة العلم , وكان الملك من الآدميين ~~قد لا يعلم أحوال أقصى ملكه كما يعلم أحوال أدناه لا سيما إذا كان واسعا ~~ولذلك يختل بعض امره , اعلم أنه سبحانه بخلاف ذلك , فقال حثا على مراقبته ~~والإخلاص له : { وأن تجهر بالقول } أي بهذا القرآن للبشارة والنذارة أو ~~لغير ذلك أو بغيره , فإنه علام به وغير محتاج إلى الجهر , فلا يتكلف ذلك في ~~غير ما أمرت بالجهر به لغرض غير الإسماع { فإنه يعلم السر } وهو ما يناجي ~~به الثنان مخافته { وأخفى * } من ذلك , وهو ما في الضمائر مما تخيلته ~~الأفكار ولم يبرز إلى الخارج وغيره من الغيب الذي لم يعلمه غيره تعالى بوجه ~~من الوجوه , ومنه ما سيكون من الضمائر . | ولما كان من هو بهذه الأوصاف من ~~تمام العلم والقدرة ربما ظن أن له منازعا , نفى ذلك بقوله معلما أن هذا ظن ~~باطل قطعا لا شبهة له وأن ما مضى ينتج قطعا : { الله } مفتتحا بالاسم ~~الأعظم الحاوي لصفات الكبر وغيرها { لا إلى إلا هو } ثم علل ذلك بقوله : { ~~له } أي ms3023 وحده { الأسماء الحسنى * * } أي صفات الكمال التي لا يصح ولا يتصور ~~أن يشوبها نقص ما , بل هو متصف بها دائما اتصافا حقيقيا لا يمكن انفكاكه , ~~كما يكون لغيره من الاتصاف ببعض المحاسن في بعض الأحايين ثم يعجز عنه في ~~وقت آخر أو بالنسبة إلى زمان آخر . | PageV05P010 ولما اتبع ذلك قصة موسى ~~عليه الشلام مصدرة باستفهام مقترن بواو عطف , وأرشد ذلك إلى أن المعنى : هل ~~تعلم له سميا , أي متصفا بأوصافه أو بشيء منها له بذلك الوصف مثل فعله , ~~ولما كان الجواب قطعا : لا , ثبت أن لا متصف بشيء من أوصافه , فعطف على هذا ~~المقدار قصة موسى عليه السلام , ويمون التقدير : هل علمت بما ذكرناك به في ~~هذه الآيات أنا نريد ما هو علينا يسير بما لنا من القدرة التامة والعلم ~~الشامل من إسعادك في الدارين تكثير أجرك , وتفخيم أمرك , بتكثير أتباعك , ~~وعطف عليه القصة شاهدا محسوسا على ما له من التصاف بما انتفى عن غيره من ~~الأسماء الحسنى , ولاسيما ما ذكر هنا من الاتصاف بتمام القدرة والتفرد ~~بالعظمة , وأهنه يعلي هذا المصطفى بإنزال هذا الذكر عليه وإيصاله منه إليه ~~النصرة على الملوك وسائر الأضداد , والتمكين في أقطار البلاد , وكثرة ~~الأتباع , وإعزاز الأنصار والوزراء والأشياع , وغير ذلك بمقدار ما بين ~~ابتداء أمرهما من التفاوت , فإن ابتداء أمر موسى عليه السلام أنه أتى النار ~~ليقبس أهله منها نارا أو يجد عندها هدى . | فنح بذلك من هدى الدارين ~~والنصرة على الأعداء كما سيقص هنا ما منح , وهذا النبي الكريم كان ابتداء ~~أمره أنه يذهب إلى غار حراء فيتعبد الليالي ذوات العدد , ويتزود لذلك ~~اجتذابا من الحق له قبل النبوة بمدد , تدريبا له وتقوية لقلبه , فأتته ~~النبوة وهو في مضمارها سائر , وإلى أوجها بعزمه صائر بل طائر , وموسى عليه ~~السلام راى حين أتته النبوة آية العصا و اليد , ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~كان قبل النبوة لا يمر بحجر ولا شجر إلا سلم عليه , كما أسنده ابن اسحاق في ~~السيرة . | وروى مسلم وغيره عن ms3024 جابر بن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( إني لأعرف حجرا كان يسلم علي قبل أن أبعث ) فقال ~~تعالى مقررا تنبيها على أنه يذكر أه منه ما يكفي في تسليته وتقوية قلبه , ~~وتبكيت اليهود الذين توقفوا في أمره صلى الله عليه وسلم وغشوا قريشا حين ~~تكلفوا طي شقة البين إليهم ورضوا بقولهم لهم وعليهم ليكون فائدة الاستفهام ~~أن يفرغ أذنه الشريفة للسماع وقلبه للوعي العظيم : { وهل أتاك } أي يا أشرف ~~الخلق ! { حديث موسى * } نادبا إلى التأسي بموسى عليه السلام في تحمل أعباء ~~النبوة وتكليف الرسالة والصبر على مقامات الشدائد , وشارحا بذكر ما في هذه ~~السورة من سياق قصة ما أجمل منها في سورة مريم , ومقررا بما نظمه في ~~أساليبها ما تقدم أنه مقصد السورة من أنه يسعده ولا يشقيه , ويعزه على جميع ~~شانئيه بإعزازه على أهل بلده بعد إخراجهم له , كما أعز موسى عليه السلام من ~~خرج من بلادهم خائفا يترقب , ترغيبا في PageV05P011 الهجرة ثالثا بعد ما ~~رغب فيها أولا بقصة أصحاب الكهف وثانيا بقصة أبيه إبراهيم عليه السلام , ~~وأنه يعلي قومه على جميع أهل الأرض , وينقذهم به بعد ضعفهم من كل شدة ويغني ~~فقرهم ويجعلهم ملوك الأرض , يذل بهم الجبابرة , ويهلك من علم شقاوته منهم ~~كما فعل بقوم موسى , وأشار بإنحناء موسى عليه السلام على يد عدوه وإلقاءه ~~المحبة عليه وهداية السحرة دون فرعون وقومه , وعبادة بني إسرائيل العجل بعد ~~ما رأوا من الآيات والنعم والنقم , ثم رجوعهم عنها إلى عظيم قدرته على ~~التصرف في القلوب لمن كان يبخع نفسه لكفرهم بهذا الحديث أسفا , وكذا ما في ~~قصة آدم عليه السلام من قوله < # > 77 ( { فنسي ولم نجد له عزما } ) 77 < # > [ طه : 115 ] وقوله < # > 77 ( { ثم اجتباه ربه فتاب عليهه وهدى } ) 77 < # > طه : 122 ] ولعله أشار بقوله < # > 77 ( { واحلل عقدة من لساني } ) 77 < # > [ طه : 27 ] إلى ما أنعم الله به عليه من تسير هذا الذكر بلسانه , ~~وأرشد بدعاء موسى عليه السلام بشرح الصدر وتيسير الأمر ms3025 وطلب وزيرا من أهله ~~إلى الدعاء بمثل ذلك حتى دعا المنزل عليه هذا القرآن بأن يؤيد الله الدين ~~بأحد الرجلين , فأيده بأعظم ويزير : عمر بن الخطاب رضي الله عنه - كما مضى ~~هذا إلى تمام ما اشتمل عليه سياق قصة موسى عليه السلام هنا , إتماما لتبكيت ~~اليهود على تعليمهم قريشا أن يسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح , ~~وما ذكر معها من دقائق , من أمر قصة نبيهم صلى الله عليه وسلم , لا يعلمها ~~أحد منهم أو إلا حذاقهم , منها أن الموعد كان يوم الزينة , ومنها إيمان ~~السحرة إيمانا كاملا , ومنها التهديد بتصليبهم في جذوع النخل , ومنها إلقاء ~~السامري لأثر الرسول , فإني لم أر أحدا من اليهود يعرف ذلك , وأخبرني بعض ~~فضلائهم أنه لا ذكر لذلك عندهم . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في بر ~~هانه : لما ذكر سبحانه قصة إبراهيم عليه السلام وما منحه وأعطاه , وقصص ~~الأنبياء بعده بما خصهم به , وأعقب ذلك بقوله تعالى < # > 77 ( { أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبين من ذرية أدم } ) 77 < # > [ مريم : 58 ] وكان ظاهر الكلام تخصيص هؤلاء بهذه المناصب العلية , ~~والدرجات المنفية الجليلة لاسيما وقد اتبع ذلك بقوله < # > 77 ( { فخلف من بعدهم أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا } ~~) 77 < # > [ مريم : 59 ] كان هذا مظنه إشفاق وخوف فاتبعه تعالى بملاطفة نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم ملاطفة المحبوب المقرب المجتبى فقال < # > 77 ( { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ) 77 < # > وأيضا فقد ختمت سورة مريم يقوله < # > 77 ( { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } ~~) 77 < # > بعد قوله < # > 77 ( { وتنذر به قوما لدا } ) 77 < # > وقد رأى عليه الصلاة والسلام من تأخر قريش عن الإسالم ولددها ما أوجب ~~إشفاقه وخوفه عليهم . | ولا شك أنه عليه الصلاة والسلام يحزنه تأخير ~~إيمانهم , ولذلك قيل له < # > 77 ( { فلا تحزن عليهم } ) 77 < # > كأنه عليه الصلاة والسلام PageV05P012 ظن أنه يستصعب المقصود من ~~استجابتهم , أو ينقطع الرجاء من إنابتهم فيطول العناء والمشقة , فبشره ~~سبحانه وتعالى بقوله ms3026 : < # > 77 ( { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } ) 77 < # > فلا عليك من لدد هؤلاء وتوقفهمن فيستجيب من انطوى على الخشية إذا ذكر ~~وحرك إلى النظر في آيات الله كما قيل له في موضع آخر < # > 77 ( { فلا يحزنك قولهم } ) 77 < # > [ يونس : 65 ] ثم تبع ذلك سبحانه تعريفا وتأنيسا بقوله < # > 77 ( { الرحمن على العرش استوى } ) 77 < # > إلى أول قصص موسى عليه السلام , فأعلم سبحانه أن الكل خلقه ملكه , وتحت ~~قهره وقبضته لا يشذ شيء عن ملكه . | فإذا شاهد آية من وفقه لم يصعب أمره , ~~ثم اتبع ذلك بقصة موسى عليه السلام , وما كان منه في إلقائه صغيرا في اليم ~~, وما جرى بعد ذلك من عجيب الصنع والهلاك فرعون وظهور بني إسرائيل , وكل ~~هذا مما يؤكد القصد المتقدم , وهذا الوجه الثاني أولى من الأول - والله ~~أعلم , انتهى . | { إذ } أي حديثه حين { رءا نارا } وهو راجع من بلاد مدين ~~{ فقال لأهله امكثوا } أي مكانكم واتركوا ما أنتم عليه من السير ؛ ثم علل ~~أمره بقوله : { إني ءانست نارا } أي أبصرت في هذا الظلام إبصارا بينا لا ~~شبهة فيه نت إنسان العين الذي تبين به الأشياء , وهو مع ذلك مما يسر من ~~الإنس الذين هم ظاهرون ما ترك بهم { نارا } فكأنه يل , فكان ماذا ؟ فقال ~~معبرا بأداة الترجي لتخصيصه الخبر الذي عبر به في النمل بالهدى : { لعلي ~~ءاتيكم } أي أترجى أن أجيئكم { منها بقبس } أي بشعلة من النار في رأس حطبة ~~فيها جمرة تعين على برد هذه الليلة { أوأجد على } مكان { النار هدى * } أي ~~ما أهتدي به لأن الطريق كانت قد خفيت عليهم { فلما أتها } . | ولما كان في ~~الإبهام ثم تعيين تشويق ثم تعظيم , بنى للمفعول قوله : { نودي } من الهدى ~~الذي لا هدى غيره ؛ ثم بين النداء بقوله : { ياموسى * } ولما كان المقام ~~للتعريف بالأيادي تلطفا , قال مؤكدا , تنبيها له على تعرف أنه كلامه سبحانه ~~من جهة أنه يسمعه من غير جهة معينة وعلى غير الهيئة التي عهدها في مكالمة ~~المخلوقين , مسقطا الجار في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ms3027 وأبي حفص بالفتح , ~~وحاكيا بقول مقدر عند الباقين : { إني أنا ربك } أي المحسن إليك بالخلق ~~والرزق وغيرهما من مصالح الدارين { فاخلع نعليك } كما يفعل بحضرات الملوك ~~أدبا , ولتنالك بركتها ولتكون مهيأ للإقامة غير ملتفت إلى ما وراءك من ~~الأهل والولد , ولهذا قال أهل العبارة : النعل يدل على الولد . | ثم علل ~~بما يرشد إلى أنه تعالى لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان فقال : { إنك ~~بالواد المقدس } أي المطهر عن كل ما لا يليق بأفنية الملوك ؛ ثم فسره بقوله ~~: { طوى * } ولما كان المعنى : فإني اخترته تشريفا له من بين البقاع ~~لمناجاتك , عطف PageV05P013 عليه قوله : { وأنا اخترتك } أي للنبوة { ~~فاستمع } اي أنصت ملقيا سمعك معملا قلبك للسماع { لما } أي اخترتك للذي , ~~وقدم استمع اهتماما به { يوحى * } أي يقال لك مني سرا مستورا عن غيرك سماعه ~~وإن كان في غاية الجهر , كما يفعل الحبيب مع حبيبه من صيانة حديثهما عن ~~ثالث بما يجعل له من الخلوة إعلاما بعلو قدره وفخامة أمره ؛ ثم فسر الموحى ~~بأول الواجبات وهو معرفة الله تعالى ؛ فقال مؤكدا لعظم الخبر وخروجه عن ~~العادات : { إنني أنا الله } فذكر الاسم العلم لأن هذا مقامه إذ الأنسب ~~للملطوف به - بعد التعرف إليه بالإكرام - الإقامة في مقام الجلال والجمال . ~~| ولما كان هذا الاسم العلم جامعا لجميع معاني الأسماء الحسنى التي علت عن ~~أن يتصف بها أو بشيء منها حق الاتصاف غيره تعالى , حسن تعقيبه بقوله : { لا ~~إله إلا أنا } ولما تسبب عن ذلك وجوب غفراده بالعبادة , قال : { فاعبدني } ~~أي وحدي : ثم خص من بين العبادات معدن الأنس والخلوة , زآية الخضوع ~~والمراقبة وروح الدين فقال : { وأقم الصلاة } أي التي أضاعها خلوف السوء , ~~إشارة إلى أنها المقصود بالذات من الدين , لأنها أعلى شرائعه لأنها حاملة ~~على المراقبة , بما فيها من دوام الذكر والإعراض عن كل سوء , وذلك معنى { ~~لذكري * } وذلك أنسب الأشياء لمقام الجلال , بل هي الجامعة لمظهري الجمال ~~والجلال ؛ ثم علل الأمر بالعبادة بأنه لم يخلق الخلق سدى , بل لا بد من ~~إماتتهم , ثم ms3028 بعثهم لإظهار العظمة ونصب موازين العدل , فقال مؤكدا لإنكارهم ~~معبرا بما يدل على سهولة ذلك عليه جدا : { إن الساعة ءاتية } أي لاريب في ~~إتيانها , فهي أعظم باعث على الطاعة . | ولما كان بيان حقيقة الشيء مع ~~إخفاء شخصه ووقته وجميع أحواله موجبا في الغالب لنسيانه والإعراض عنه , ~~فكان غير بعيد من إخفائه أصلا ورأسا , قال مشيرا إلى هذا المعنى : { أكاد ~~أخفيها } أي أقرب من أن أجدد إخفاءها , فلذا يكذب بها الكافر بلسانه ~~والعاصي بعصيانه فالكافر لا يصدق بكونها والمؤمن لا يستعد غفلة عنها , ~~فراقبني فإن الأمر يكون بغتة , ما من لحظة إلا وهي صالحة للترقب ؛ ثم بين ~~سبب الإتيان بها بقوله : { لتجزى } أي بأيسر أمر وأنفذه { كل نفس } كائنة ~~من كانت { بما تسعى * } أي توجد من السعي في كل وقت كما يفعل من أمر ناسا ~~بعمل من النظر في أعمالهم ومجازاة كل بما يستحق . | < < # | طه : ( 16 - 32 ) فلا يصدنك عنها . . . . . # > > ^ ( فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى * وما تلك ~~بيمينك يموسى * قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى * PageV05P014 قال ألقها يموسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى * قال خذها ~~ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى * واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضآء من غير ~~سوء آية أخرى * لنريك من آياتنا الكبرى * اذهب إلى فرعون إنه طغى * قال رب ~~اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل ~~لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كانت - لما تقدم - في حكم المنسي عند أغلب الناس قال : { فلا ~~يصدنك عنها } أي إدامة ذكرها ليثمر التشمير في الاستعداد لها { من لا يؤمن ~~بها } بإعراضه عنها وحمله غيره على ذلك بتزيينه بما أوتي من المتاع الموجب ~~للمكاثرة المثمرة لامتلاء القلب بالمباهاة والمفاخرة , فإن من انصد عن ذلك ~~غير بعيد الحال ممن كذب بها , والمقصود من العبارة نهي موسى عليه السلام عن ~~التكذيب , فعبر عنه بنهي من لا يؤمن ms3029 عن الصد إجلالا لموسى عليه السلام , ~~ولأن صد الكافر عن التصديق سبب للتكذيب فذكر السبب ليدل على المسبب , ولأن ~~صد الكافر مسبب عن رخاوة الرجل في الدين ولين شكيمته فذكر المسبب ليدل على ~~السبب , فمأنه قيل : كن شديد الشكيمة صليب المعجم , لءلا يطمع أحد في صدرك ~~وإن كان الصاد هم الجم الغفير , فإن كثرتهم تصل إلى الهوى لا إلى البرهان , ~~وفي هذا حث عظيم على العمل بالدليلن وزجر بليغ عن التقليد , وإنذار بأن ~~الهلاك والردى مع التقليد وأهله نبه عليه الكشاف . | ثم بين العلة في ~~التكذيب بها والكسل عن التشمير لها بقوله : { واتبع } أي بغاية جهده { هواه ~~} فكان حاله حال البهائم التي لا عقل لها , تنفيرا عن مثل حاله ؛ ثم أعظم ~~التحذير بقوله مسببا : { فتردى * } اي فتهلك , إشارة إلى أن من ترك ~~المراقبة لحظة حاد عن الدليل , ومن حاد عن الدليل هلك . | ولما كان المقام ~~مرشدا إلى أن يقال : ما جوابك يا موسى عما سمعت ؟ وكان تعالى عالما بأنه ~~يبادر إلى الجواب بالطاعة في كا ما تقدم , طوى هذا المقال مومئا إليه بأن ~~عطف عليه قوله : { وما تلك } اي العالية المقدار { بيمينك ياموسى * } مريدا ~~- بعد تأنيسه بسؤاله عما هو أعلم به منه - إقامة البينة لديه بما يكون ~~دليلا على الساعة من سرعة القدرة على إيجاد ما لم يكن , بقلب العصا حية بعد ~~تحقق أنها عصاه يقرب النظر إليها عند السؤال عنها ليزداد بذلك ثباتا ويثبت ~~من يرسل إليهم { قال هي } أي ظاهرا وباطنا { عصاي } ثم وصل به مستأنسا ~~بلذيذ المخاطبة قوله بيانا لمنافعها خوفا من الأمر بإلقائها كالنعل : { ~~أتوكؤا } أي أعتمد وأرتفق وأتمكن { عليها } أي إذا أعييت أو أعرض لي ما ~~يحوجني إلى ذلك من زلق أو هبوط أو صعود أو طفرة أو ظلام ونحو ذلك ؛ ثم ~~PageV05P015 ثنى بعد مصلحة نفسه بأمر رعيته فقال : { وأهش } أي أخبط الورق ~~, قال ابن كثير : قال عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك : والهش أن يضع ~~الرجب المحجن في الغصن ثم يحركه حتى يسقط ms3030 ورقه وثمره ولا يكسر العود ولا ~~يخبط فهذا الهش , قال : وكذا قال ميمون بن مهران , وقال أبو حيان : والأصل ~~في هذه المادة الرخاوة . | يقال : رجل هش . | { بها على غنمي } . | ولما ~~كان أكمل أهل ذلك الزمان , خاف التطويل على الملك فقطع على نفسه ما هو فيه ~~من لذة المخاطبة كما قيل : اجلس على البساط وإياك والانبساط , وطمعا في ~~سماع كلامه سبحانه وتعالى , فقال مجملا : { ولي فيها مآرب } أي حوائج ~~ومنافع يفهمها الألباء . | ولما كان المحدث عنه لايعقل , وأخبر عنه بحمع ~~كثرة , كان الأنسب معاملته معاملة الواحدة المؤنثة فقال : { أخرى * } تاركا ~~للتفصيل , فكأنه قيل : فماذا قيل له ؟ فقيل : { قال القها } أي العصا , ~~وأنسه بقوله سبحانه وتعالى : { ياموسى * فألقاها } أي فتسبب عن هذا الأمر ~~المطاع أنه ألقاها وام يتلعثم ل { فإذا هي } أي في الحال ظاهرا وباطنا { ~~حية } عظيمة جدا يطلق عليها لعظمعا بنهاية أمرها اسم الثعبان , والحية اسم ~~جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير { تسعى * } سعيا خفيفا يطلق ~~عليها لأجله في أول أمرها اسم الجانن فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها ~~صارت حية صفراء لها عرف كعرف الفرس , وجعلت تتورم حتى صارت ثعبانا - انتهى ~~. | فهي في عظم الثعبان وسرعة الجان . | ولما كان ذلك أمرا مخيفا , استشرف ~~السامع إلى ما يمون من حاله عند مثل هذا بعد ذلك , فاستأنف إخباره بقوله : ~~{ قال } اي الله تبارك وتعالى على ما يكون منها عند فرعون لأجل التدريب : { ~~خذها ولا تخف } مشيرا إلى أنه هخاف منها على عادة الطبع البشري ؛ ثم علل له ~~النهي عنالخوف بقوله { سنعيدها } أي بعظمتنا عند أخذك لها بوعد لا خلف فيه ~~{ سيرتها } أي طريقتها { الأولى * } من كونها عصا , فهذه آية بينة على أن ~~الذي يخاطبك هو ربك الذي له الأسماء الحسنى , فنزلت عليه السكينة , وبلغ من ~~طمأنينته أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحيتها , فإذا هي عصاه , ويده بين ~~شعبيتها . | ولما أراه آية في بعض اآفاق , أراد أن يريه آية في نفسه فقال : ~~{ واضمم يدك } من جيبك الذي يخرج منه ms3031 عنقك { إلى جناحك } أي جنبك تحت العضد ~~تنضم على ما هي عليه من لونها وما بها من الحريق , وأخرجها { تخرج } فالآية ~~من باب الاحتباك , والجناح : اليد , والعضد , والأبط , والجانب - قاله في ~~القاموس , فلا يعارض هذا ما في القصص لأنه أطلق الجناح هناك على اليد وهي ~~أحق به , وهنا على الجنب الذي هو موضعها تسمية للمحل باسم الحال { بيضاء } ~~بياضا كالشمس تتعجب منه . | PageV05P016 ولما كان البرص أبغض شيء إلى العرب ~~, نافيا له ولغيره , ولم يسمه باسمه أن أسماعهم له مجاجة , ولأن نفي الأعم ~~من الشيء أبلغ من نفيه بخصوصه : { من غير سوء } أي مرض لا برص ولا غيره , ~~حال كونها { ءاية أخرى * } افعل ما أمرتك به من إلقاء العصا وضم اليد , أو ~~فعلنا ذلك من إحالة العصا واون اليد من مناداتك لناجاتك { لنرينك } في جميع ~~أيام نبوتك { من ءايتنا الكبرى * } ليثبت بذلك حنانك , ويزداد إتقانك , ~~فكأنه قيل : لماذا يفعل بي هذا ؟ فقيل : لنرسلك إلى بعض المهمات { اذهب إلى ~~فرعون } أي لترده عن عتوه : ثم علل الإرسال إلية بقوله مؤكدا لأن طغيان أحد ~~بالنسبة إلى شيء مما للملك الأعلى مما يستبعد : { إنه طغى * } أي تجاوز حده ~~من العبودية فادعى الربوبية , وأشار إلى ما حصل له من الضيق من ذلك بما عرف ~~من أنه أمر عظيم , وخطب جسيم , يحتاج معه إلى احتمال ما لا يحتمله إلا ذو ~~جأش رابط وصدر فسيح قلب ضابط كما صرح به في سورة الشعراء - بقوله { قال رب ~~اشرح } أي وسع { لي } ولما أبهم المشروح ليكون الكلام أوكد بتكرير المعنى ~~في طريقي الإجمال والتفصيل , قال رافعا لذلك الإبهام : { صدري * } للإقدام ~~على ذلك , وإلى استصعابه بقوله : { ويسر لي } ثم بين ذلك الإبهام بقوله : { ~~أمري * } وإلى اتعجازه نفسه عن الإبانة لهم عن المراد بقوله : { واحلل } ~~ولما كان المعنى هنا ما لا يحتمل غيره إذ إنه لم يسأل بقاءه في غير حال ~~الدعوة , عدل عن طريق الكالم الماضي فقال : { عقدة من لساني * } أي مما فيه ~~من الحبسة عن الإتيان بجميع المقاصد من ms3032 الجمرة التي وضعها في فيه وهو عند ~~فرعون , كما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما , ولما كان سؤاله هذا إنما هو ~~الله , ولذلك اقتصر على قدر الحاجة فلم يطلب زوال الحبسة كلها , أجابه ~~بقوله : { يفقهوا قولي * } وإلى اعتقاد صعوبة المقام مع ذلك كله بطلب ~~التأييد بنصير يهمه أمره بقوله : { واجعل لي } أي مما تخصني به ؛ وبين ~~اهتمامه بالإعانة كما يقتضيه الحال فقدم قوله : { وزيرا } أي ملجأ يحمل عني ~~بعض الثقل ويعاونني { من أهلي * } أني به أوثق لكونه علي أشفق , ثم أبدل ~~منه قوله : { هرون } وبينه بقوله : { أخي * } أي لأنه أجدر أهلي بتمام ~~مناصرتي ؛ وأجاب الدعاء في قراءة ابن عامر فقال : { اشدد } بقطع الهمزة ~~مفتوحة { به أزري * } أي قوتي وظهري { وأشركه } بضم الهمزة مسندا الفعلين ~~إلى ضميره على أنهما مضارعان , وقراءة الباقين بوصل الأول وفتح الثاني على ~~أنهما أمران مسندين إلى الله تعالى على الدعاء { في أمري * } أي النبوة . | ~~< < # | طه : ( 33 - 44 ) كي نسبحك كثيرا # > > ^ ( كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا * إنك كنت بنا بصيرا * قال قد ~~أوتيت سؤلك يموسى * ولقد مننا عليك مرة أخرى * إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * ~~أن اقذفيه في التابوت PageV05P017 فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل ~~يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني * إذ تمشي أختك ~~فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت ~~نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر ~~يموسى * واصطنعتك لنفسي * اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري * اذهبآ ~~إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما فهم سؤاله هذا أن له فيه أغراضا , أشار إلى أنها ليست مقصودة له ~~لأمر يعود على نفسه بذكر العلة الحقيقية , فقال : { كي نسبحك } أي بالقول ~~والفعل بالصلاة وغيرها { كثيرا * } فأفصح عن المراد بالمعاضدة إنما هو ~~لتمهيد الطريق إليه سبحانه . | ولما كان التسبيح ذكرا خاصا لكونه بالتنزيه ~~الذي أعلاه ms3033 التوحيد , أتبعه العم فقال : { ونذكرك } أي بالتسبيح والتحميد { ~~كثيرا } فإن التعاون والتظاهر أعون على تزايد العبادة أنه مهيج للرغبات ؛ ~~ثم علل طلبه لأخيه لأجل هذا الغرض بقوله : { إنك كنت بنا بصيرا * } قبل ~~الإقامة في هذا الأمر في أنك حبلتنا على ما يلائم ذكرك وشكرك , وأن التعاضد ~~مما يصلحنا , وكل ذلك تدريب لمن أنزل عليه الذكر على مثله وتذكير بنعمة ~~تيسيره بلسانه ليزداد ذكرا وشكرا . | ولما تم ذلك , كان موضع توقع الجواب , ~~فأتبعه قوله : { قال } أي الله : { قد أوتيت } بأسهل أمر { سؤلك } أي ما ~~سألته { ياموسى } من حل عقدة لسانك وغير ذلك ولو شئت لم أفعل ذلك ولكني ~~فعلته منة مني عليك . | ولما كان إنجاؤه من فرعون يث ولد في السنة التي ~~يذبح فيها الأبناء - قالوا : وهي الرابعة من ولادة هارون عليه السلام - بيد ~~فرعون وفي بيته أمرا عظيما , التفت إلى مقام العظمة مذكرا له بذلك تنويرا ~~لبصيرته وتقوية لقلبه , إعلاما بأنه ينجيه منه الآن , كما أنجاه في ذلك ~~الزمان , ويزيده بزيادة السن والنبوة خيرا , فيجعل عزه في هلاكه كما جعل إذ ~~ذاك عزه في وجوده فقال : { ولقد مننا } أي أنعما إنعاما مقطوعا به على ما ~~يليق بعظمتنا { عليك } فضلا منا { مرة أخرى * } غير هذه ؛ ثم ذكر وقت المنة ~~فقال : { إذ } أي حين { أوحينا } أي بما لنا من العظمة { إلى أمك } أي ~~بالالهام { ما } يستحق لعظمته أن { يوحى * } به , ولا يعلمه إلا نبي أو من ~~هو قريب من درجة النبوة ؛ ثم فسره بقوله : { ن اقذفيه } أي ألقي ابنك { في ~~التابوت } وهو صندوق , فعلوت من التوب الذي معناه تفاؤلا بهن وقال الحرالي ~~: هو وعاء ما يعز قدره , والقذف مجاز عن PageV05P018 المسارعة إلى وضعه من ~~غير تمهل لشيء أصلا , إشارة إلى أنه فعل مضمون السلامة كيف ما كان , ~~والتعريف لأنه نوع من الصناديق أشد الناس معرفة به بنو إسرائيل { فاقذفيه } ~~أي موسى عليه السلام عقب ذلك بتابوته , أو التابوت الذي فيه موسى عليه ~~السلام { في اليم } أي البحر وهو النيل . | ولما كانت سلامته ms3034 في البحر من ~~العجائب , لتعرضه للغرق بقلب الريح للتابوت , أو بكسره في بعض الجدر أو ~~غيرها , أوبجرية مستقيما مع أقوى جرية من الماء إلى البحر الملح وغير ذلك ~~من الآفات , أشار إلى تحتم تنجيته بلام الأمر عبارة عن معنى الخبر في قوله ~~, عاجلا البحر كأنه ذو تمييز ليطيع الأمر : { فليلقه } أي التابوت الذي فيه ~~موسى عليه السلام أو موسى بتابوته { اليم بالساحل } أي شاطىء النيل , سمي ~~ذلك لأن الماء يسحله , أي ينشره إلى جانب البيت الذي الفعل كله هربا من شر ~~صاحبه , وهو فرعون , وهو المراد بقوله : { يأخذه } جوابا للأمر , أي موسى { ~~عدو لي } ونبه على محل العجب بإعادة لفظ العدو في قوله : { وعدو له } فإنه ~~ما عادى بني إسرائيل بالتذبيح إلا من أجله { وألقيت عليك محبة } أي عظيمة ؛ ~~ثم زاد الأمر في تعظيمها إيضاحا بقوله : { مني } أي ليحبك كل من رآك لما ~~جبلتك عليه من الخلال الحميدة , والشيم السديدة , لتكون أهلا لما أريدك له ~~{ ولتصنع } أي تربى بأيسر أمر تربية بمن هو ملازم ك لا ينفك عن الاعتناء ~~بمصالحك عناية شديدة { على عيني * } أي مستعليا على حافظيك غبير مستخفي في ~~تربيتك من أحد ولا مخوف عليك منه , وأنا حافظ لك حفظ من يلاحظ الشيء بعينه ~~لا يغيب عنها , فكان كل ما أردته , فلما رآك هذا العدو أحبك وطلب لك ~~المراضع , فلما لم تقبل واحدة منهن بالغ في الطلب , كل ذلك إمضاء لأمري ~~وإيقافا لأمره به نفسه لا بغيره ليزداد العجب من إحكام السبب , ثم ثم ذكر ~~ظرف الصنع فقال : { إذ } أي تحين { تمشي أختك } أي في الموضع الذي وضعوك به ~~لينظروا لك مرضعة { فتقول } بعد إذ رأتك , لال فرعون : { هل أدلكم على من ~~يكفله } أي يقوم بمصالحه من الرضاع والخدمة , ناصحا له , فقالوا : نعم ! ~~فجاءت بأمك فقبلت ثديها { فرجعناك } أي فتسبب عن قولها هذا أن رجعناك { إلى ~~أمك } حين دلتهم عليها { كي تقر } أي تبرد وتسكن { عينها } وتربيك آمنة ~~عليك غير خائفة , ظاهرة غير مستخفية { ولا تحزن } بفراقك أو ms3035 بعدم تربيتها ~~لك وبذلها اجهد في نفعك { وقتلت نفسا } أي بعد أن صرت رجلا من القبط دفعا ~~عن رجل من قومك فطلبت بها وأرادوا قتلك { فنجيناك } بما لنا من العظمة { من ~~الغم } الذي كان قد نالك بقتاه خوفا من جريرته , بأن أخرجناك مهاجرا ~~لديارهم نحو مدين { وفتناك فتونا } أي خلصناك من محنة بعد نحنة مرة بعد ~~PageV05P019 مرة , على أنه جمع فتن أو فتنة , على ترك الاعتداء بالتاء , ~~ويجوز أن يكون مصدرا كالشكور , إذن الفتون ولادته عام الذبح وإبقاؤه في ~~البحر ثم منعه الرضاع من غير ثدي أمه ثم جره لحية فرعون , ثم تناوله الجمرة ~~بدل الدرة , ثم قتله القبطي , ثم خروجه إلى مدين في الطريق الهيع خائفا ~~يترقب , ثم إيجار نفسه عشر سنين , ثم إضلاله الطريق , ثم تفرق غنمه في ليلة ~~مظلمة { فلبثت سنين } أي كثيرة { في أهل مدين } مقيما عند نبينا شعيب عليه ~~السلام يربيك بآدابه , وصاهرته على ابنته { ثم جئت } أي الآن { على قدر } ~~أي وقت قدرته في الأزل لتكليمي لك , وهو بلوغ الأشد والاستواء , وإرسالك ~~إلى فرعون لأمضي فيه قدري الذي ذبح أبناء بني اسرائيل خوفا منه , فجئت غير ~~مستقدم ولا مستأخر { ياموسى * واصتنعتك } أي ربيتك بصنائع المعروف تربية من ~~يتكلف تكوين المربى على طريقة من الطرائق { لنفسي * } أي لتفعل من مرضاتي ~~في تمهيد شرائعي وإنفاذ أوامري ما يفعله من يصنع للنفس من غير مشارك , فهو ~~تمثيل لما حوله من منزلة التقريب والتكريم . | فلما تمهد 1 لك كله بعد علم ~~نتيجته , أعادها في قوله : { اذهب أنت } كما تقدم أمري لك به { اخوك } كما ~~سألت { بلآيتي } التي أريتك وغيرها مما أظهره على يديك { ولا تنيا } أي ~~تفترا وتضعفا { في ذكري * } الذي تقدم أنك جعلته غاية دعائك , بل لتكن - مع ~~كونه ظرفا محيطيا بجميع أمرك - في غاية الاجتهاد فبه وإحضار القلب له , فإن ~~ذلك أعون شيء على المراد , ثم بين المذهوب إليه بقوله , صلى الله عليه وسلم # 1548 ; مؤكدا لنفس الذهاب لأنه لشدة الخطر لا يكاد طبع البشر يتحقق ms3036 جزم ~~الأمر به فقال : { اذهبا إلى فرعون } ثم علل الإرسال إليه بقوله , مؤكدا ~~لما مضى , ولزيادة التعجيب من قلة عقله , فكيف بمن تبعه { إنه طغى } ثم ~~أمرهما بما ينبغي لكل آمر بالمعروف من الأخذ بالأحسن فالأحسن والأسهل ~~فالأسهلن فقال مسببا عن الانتهاء إليه ومعقبا : { فقولا له قولا لينا } ~~لئلا يبقى له حجة , ولا يقبل له معذرة { لعله يتذكر } ما مر له من تطوير ~~الله له في أطوار مختلفة , وحمله فيما يكره على ما لم يقدر على الخلاص منه ~~بحيلة , فيعلم بذلك أن الله ربه , وأنه قادر علر ما يريد منه , فيرجع عن ~~غيه فيؤمن { أو يخشى * } أي أو يصل غلى حال من يخاف عاقبة قولكما لتوهم ~~الصدق فيكون قولكما تذكرة له فيرسل معكما بني إسرائيل , ومعنى الترجي أن ~~يكون حاله حال من يرجى منه ذلك , لأنها من ثمرة اللين في الدعاء , جرى ~~الكلام في هذا وأمثاله على ما يتعارفه العباد في محاورتهم , وجاء القرآن ~~على لغتهم وعلى ما يعنون , فالمراد : اذهبا أنتما على رجائكما PageV05P020 ~~وطمعكما ومبلغكما من العلم , وليس لهما أكثر من ذا ما لم يعلما , وأما علمه ~~تعالى فقد أتى من وراء ما يكون - قاله سيبويه في باب من النكرة يجري مجرى ~~ما فيه الألف واللام من المصادر والأسماء . | < < # | طه : ( 45 - 54 ) قالا ربنا إننا . . . . . # > > ^ ( قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ أو أن يطغى * قال لا تخافآ ~~إنني معكمآ أسمع وأرى * فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ~~ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى * إنا قد أوحي ~~إلينآ أن العذاب على من كذب وتولى * قال فمن ربكما يموسى * قال ربنا الذي ~~أعطى كل شيء خلقه ثم هدى * قال فما بال القرون الأولى * قال علمها عند ربي ~~في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى * الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا ~~وأنزل من السمآء مآء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى * كلوا وارعوا أنعامكم ~~إن في ذلك لآيات لأولي ms3037 النهى ) ^ } ) | ولما كان فرعون في غاية الجبروت , ~~وكان حلاه حال من يهلكهما إلا أن يمنعهما الله , وأراد علم ما يكون من ذلك ~~{ قالا ربنا } أي ايها المحسن إلينا . | ولما كان مضمون إخبارهما بالخوف مع ~~كونهما من جهة الله - من شأنه أن لا يكون وأن ينكر , أكد فقالا مبالغين فيه ~~بإظهار النونالثالثة إبلاغا في إظهار الشكوى ليأتي الجبر على قدر ما يظهر ~~من الكسر : { إننا نخاف } لما هو فيه من المكنة { أن يفرط } أي يجعل { ~~علينا } بالعقوبة قبل إتمام البلاغ عجلة من يطفر ويثب إلى الشيء { ون يطغى ~~* } فيتجاوز إلى أعظم مما هو فيه من الاستكبار { قال لا تخافا } ثم علل ذلك ~~بما هو مناط النصرة والحيطة للولي والإهلاك للعدو , فقال مؤكدا إشارة إلى ~~عظم الخبر , وتنبيها لمضمونه لأنه خارج عن العوائد , وأثبت النون الثالثة ~~على وزان تأكيدهما : { إنني معكما } لا أغيب كما تغيب الملوك إذا أرسلو ~~رسلهم { سمع و أرى * } أي لي هاتان الصفتان , لا يخفى علي شيء من حال رسولي ~~ولا حال عدوه , وأنتما تعلمان ما لا يعلمه غيركما . | ولما تمهد ذلك , تسبب ~~عنه تعليمهما ما يقولان , فقا لمؤكدا للذهاب أيضا لما مضى : { فأتياه فقولا ~~} أي له ؛ ولما : ان فرعون ينكر ما تضمنه قولهما , أكد سبحانه فقال : { إنا ~~} ولما كان التنبيه على معنى المؤازرة هنا - كما تقدم مطلوبا , ثنى فقال : ~~{ رسولا ربك } الذي رباك فأحسن تربيتك بعدج أن أوجدك من العدم , إشارة إلى ~~تحقيره بأنه من جملة عبيد مرسلها تكذيبا له في ادعائه الربوبية , ثم سبب عن ~~إرسالكما إليه قولكما : { فأرسل معنا } عبيده { بني إسرائيل } ليعبدوه , ~~فإنه لا يستحق العبادة غيره { ولا تعذبهم } بما تعذبهم به من الاستخدام ~~والتذبيح ؛ ثم علل دعوى الرسالة بما PageV05P021 يثبتها , فقال مفتتحا ~~بالحرف التوقع لأن حال السامع لادعاء الرسالة أن يتوقع دلالة على الإرسال : ~~{ قد حئناك بآية } أي علامة عظيمة وحجة وبرهان { من ربك } الذي لا إحسان ~~عليك إلا منه , موجبة لقبول ما ادعيناه من العصا واليد وغيرهما , فأسلم ~~تسلم , وفي تكرير مخاطبته بذلك ms3038 تأكيد لتبكيته في ادعاء الربوبية , ونسبته ~~إلى كفرا الإحسان , فسلام عليك خاصة إن قبلت هدى الله { والسلام } أي جنسه ~~{ على } جنيع { من اتبع } بغاية جهده { الهدى * } عامة , وإذا كان هذا ~~الجنس عليهم كان من المعلوم أن العطب على غيرهم , فالمعنى : وإن أبيت عذبت ~~{ إنا } أي لأنا { قد أوحي إلينا } من ربنا { أن العذاب } أي كله , لأن ~~اللام للاستغراق أو الماهية , وعلى التقديرين يقتضي قدر ثبوت هذا الجنس ~~ودوامه لما تفهمه الاسمية { على } كل { من كذب وتولى * } أي أوقع التكذيب ~~والإعراض , وذلك يقتضي أنه إن كان منه شيئ على مصدق منقضيا , وإذا انقضى ~~كان كأن لم يوجد , وفي صرف الكلام عنه تنبيه على أنه ضال مكذب وتعليم للأدب ~~. | ولما كان التقدير : فأتياه فقولا : إنا رسولا ربك - غلى آخر ما أمر به ~~, وتضمن قولهما أن لمرسلمها القدرة التامة والعلم الشامل , فتسبب عنه سؤاله ~~عن تعينه / أستأنف الإخبار عن جوابه بقوله : { قال } أي فرعون مدافعا لهما ~~بالمناظرة لا بالبطش , لئلا ينسب إلى السفه والجهل : { فمن } أي تسبب عن ~~كلامكما هذا الذي لا يجترىء على مواجهتي به أحد من أهل الأرض أن أسألكما : ~~من { ربكما } الذي أرسلكما , ولم يقل : ربي , حيدة عن سواء النظر وصرفا ~~للكالم على الوجه الموضح لخزيه . | ولما كان موسى عليه السلام هو الأصل في ~~ذلك , وكان طمع فرعون بمكره وسوء طريقه في حبسه تحصل في لسانه , أفرده ~~بقوله : { يا موسى * قال } له موسى على الفور : { ربنا } أي موجدنا ومربينا ~~ومولانا { الذي أعطى كل شيء } مما تراه في الوجود { خلقه } أي ما هو عليه ~~مما هو به أليق في المنافع المنوطة به , والآثار التي تتأثر عنه من الصورة ~~و الشكل والمقدار واللون والطبع وغير ذلك مما يفوت الحصر , ويجل عن الوصف . ~~| ولما كان في إفاضة الروح من الجلالة والعظم ما يضمحل عنده غيره من ~~المفاوتة , أشار إلى ذلك بحرف التراخي فقال : { ثم هدى * } أي كل حيوان منه ~~مع أن فيها العاقل وغيه إلى جميع منافعه فيسعى لها , ومضاره فيحذرها , فثبت ~~بهذه ms3039 المفاوتة والمفاضلة مع اتحاد نسبة الكل إلى الفاعل أنه واحد مختار , ~~وأن ذلك لو كان بالطبيعة المستندة إلى إلى النجوم أو غيرها كما كان يعتقده ~~فرعون وغيره لم يكن هذا التفاوت . | PageV05P022 ولما لم يكن لأحد بالطعن ~~في هذا الجواب قبل لأنه لا زلل فيه ولا خلل مع رشاقته واختصاره وسبقه ~~بالجمع مضماره - صرف الكلام بسرعة خوف من الاتضاح , بزيادة موسى عليه ~~السلام في الإيضاح , فيظهر الفساد من الصلاح , إلى شيء يتسع فيه المجال , ~~ولا يقوم عليه دليل , فيمكن فيه الرد , فأخبر عنه سبحانه على طريق ~~الاستئناف بقوله : { قال فما } أي تسبب عما تضمن هذا من نسبة ربك غلى العلم ~~بكل موجود أني أقول لك : فما { بال } أي خبر { القرون الأولى * } الذي هو ~~في العظمة بحيث إنه ما خالط أحدا إلى أحاله وأماله , وهو وأن كان حيدة , هو ~~من أمارات الانقطاع , غير أنه فعل راسخ القدم في المكر والخداع . | ولما ~~فهم عنه موسى عليه السلام ما أراد أن ترتب على الخوض في ذلك مما لا طائل ~~تحته من الرد والمطاولة , ولم تكن التوراة نزلت عليه إذ ذاك , وإنما نزلت ~~بعد هلاك فرعون لم يمش معه في ذلك { قال } قاطعا له عنه : { علمها عمد ربي ~~} أي المحسن إلي بإرسالي وتلقيني الحجاج . | ولما كانت عادة المخلوقين ~~إثبات الأخبار في الكتب , وكان تعالى قد وكل بعباده من ملائكته من يضبط ذلك ~~, قال مخاطبا له بما يعرفون من أحوالهم : { في كتاب } أي اللوح المحفوظ . | ~~ولما كان ربما وقع في وهم واهم أن الكتاب لا يكون إلاخوفا من نسيان الشيء ~~أو الجهل بالتوصل إليه مع ذكر عينه , نفى ذلك بقوله : { لا يضل ربي } أي ~~الذي رباني كما علمت ونجاتي من جميع ما قصدتموه لي من الهلاك ولم يضل عن ~~وجه من وجوهه , ولا نسي وجها يدخل منه شيء من خلل { ولا ينسى * } أي لا يقع ~~منه نسيان لشيء أصلا من أخباره ولا لغيرهم , وفي ذلك إشارة إلى تبكيت ~~اليهود بأن ثبوت النبوة إن كان يتوقف على ms3040 أن يخبر النبي عن كل ما يسال عنه ~~لزم أن يتوقفوا في نبوة نبيهم عليه السلام لأنه لم يخبر فرعون عما سأله عنه ~~من أمر القرون ؛ ثم وصل بذلك ما كان فيه قبل من الدليل العقلي على وحدة ~~الصانع واختياره فقال : { الذي جعل لكم } أيها الخلائق { الأرض } أي أكثرها ~~{ مهدا } تفترشونها , وجعل بعضها جبالا لا يمكن القرار عليها , وبعضها رخوا ~~تسرح فيه الأقدام وبعضها جلدا - إلى غير ذلك مما تشاهدون فيها من الاختلاف ~~{ وسلك لكم فيها سبلا } أي سهل طرقا تسلكونها في أراضي سهلة وحزنة وسطها ~~بين الجبال والأودية والرمال , وهيأ لكم فيها من المنافع من المياه ~~والمراعي ما يسهل ذلك , وجعل فيها ما لا يمكن استطراقه أصلا , من أن نسبة ~~الكل إلى الطبيعة واحدة , فلولا أن الفاعل واحد مختار لم يكن هذا التفاوت ~~وعلى هذا النظام البديع { وأنزل من السماء ماء } تشاهدونه في اللون والطعم ~~. | PageV05P023 ولما كان ما ينشأ عنه أدل على العظمة وأجلى للناظر وأظهر ~~للعقول . | استغرق صلى الله عليه وسلم في بحار الجلال , فاستحضر أن الآمر ~~له بهذا الكالم هم المتكلم به في الحقيقة فانيا عن نفسه وعن جميع الأكوان , ~~فعبر عن ذلك , عادلا عن الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع بما له من العظمة ~~بقوله : { فأخرجنا } أي بما لنا من العظمة التي تنقاد لها الأشياء المختلفة ~~{ به أزواجا } أي أصنافا متشاكلة ليس فيها شيء يكون واحدا لا شيبه له { من ~~نبات شتى * } أي مختلفة جدا في الألوان والمقادير والمنافع والطبائع ~~والطعوم ؛ ثم أشار إلى تفصيل ما فيها من الحكمة بقوله حالا من فاعل { ~~أخرجنا } : { كلوا } أي ما دبره لكم بحكته منها { وارعوا } أي سرحوا في ~~المراعي { أنعامكم } ما أحكمه لها ولا يصلح لكم , فكان من متقن تدبيره أن ~~جعل أرزاق العباد بعملها تنعيما لهم , وجعل علفها مما يفضل عن حاجتهم , ولا ~~يقدرون على أكله , وقد دلت هذه الأوصاف على تحققه سبحانه قطعا بأنه لا يضل ~~ولا ينسى من حيث إنه تعالى أبدع هذا العالم شاملا لكل ما ms3041 يحتاجه من فيه لما ~~خلقهم له من السفر إليه والعرض عليه في جميع تقلباتهم على اختلافها , ~~وتباين أصنافها , وتباعد أوصافها , وعلى كثرتهم , وتنائي أمزجتهم , ولم ~~يدعه ناقصا من شيء من ذلك بخلاف غيره , فإنه لو عمل شيئا واجتهد كل ~~الاجتهاد في تكميله فلا لد أن يظهر له فيه نقث ويصير يسعى في إزالته وقتا ~~بعد وقت . | ولما كمل هذا البرهان القويم , دالا على العليم الحكيم , قال ~~منبها على انتشار أنواره , وجلالة مقداره , مؤكدا لأجل إنكار المنكرين : { ~~أن في ذلك } أي الإنشاء هذه الوجوه المختلفة { لآيات } على منشئه { لأولي ~~النهى * } العقول التي من شأنها أن تنهى صاحبها عن الغي , ومن عمي عن ذلك ~~فلا عقل له أصلا لأن عقله لم ينفعه , وما لا ينفع في حكم العدم , وذكر ابن ~~كثير هنا ما عزاه ابن اسحاق في السيرة لزيد بن عمرو بن نفيل , وابن هشام ~~لأمية بن أبي الصلت : | وأنت الذي من فضل من ورحمة بعثت إلى موسى رسولا ~~مناديا فقلت الا يا اذهب وهارون فادعوا ألى الله فرعون الذي كان باغيا ~~فقولا له آأنت سويت هذه بلا وتد حتى استقلت كما هيا وقولا له آأنت رفعت هذه ~~بلا عمد أرفق إذن بك بانيا وقولا له آأنت سويت وسطها منيرا إذا ما حنه ~~الليل هاديا وقولاله من يخرج الشمس بكرة فيصبح ما مست من الزرع ضاحيا وقولا ~~له من ينبت الحب في الثرى فيخرج منه البقل يهتز رابيا ويخرج منه حبه في ~~رؤوسه وفي ذاك ىيات لمن كان واعيا | PageV05P024 < < # | طه : ( 55 - 60 ) منها خلقناكم وفيها . . . . . # > > ^ ( منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى * ولقد أريناه ~~آياتنا كلها فكذب وأبى * قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يموسى * ~~فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا ~~سوى * قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى * فتولى فرعون فجمع كيده ~~ثم أتى ) ^ } ) | ولما أخبر سبحاه وتعالى عما خلق في الأرض من المنافع ~~الدالة على تمام علمه وباهر قدرته , على وجه ms3042 دال على خصوص القدرة على البعث ~~, وكان من الفلاسفة تناسخيتهم وغيرهم من يقر الله بالوحدانية ولا يقر بقول ~~أهل الإسالام : إن الروح جسم لطيف سار في الجسم سريان النار في الفحم , بل ~~يقول : إنها ليست بجسم ولا قوة في جسم ولا صورة لجسم وليست متصلة به اتصال ~~انطباع ولا حلول فيه , بل اتصال تدبير وتصرف , وأنها إذا فارقت البدن اتصلت ~~بالوحانيين من العالم العقلي الذي هو عالم المجردات وانخرطت في سلك ~~الملائكة المقربين , أو اتصلت ببعض الأجرام السماوية من كوكب أو غيره ~~كاتصلها بالبدن الأول وانقطع تعلقها به فلم تعد إليه حتى ولا يوم البعث عند ~~من يقول منهم بالحشر , وصل بذلك قوله تعالى , يرد عليهم , معبرا بالضمير ~~الذي يعبر به الهيكل المجتمع من البدن والنفس : { منها } أي الأرض لا من ~~غيرها { خلقناكم } إذ أخراجناكم منها بالعظمة الباهرة في النشأة الأولى ~~بخلق أبيكم آدم عليه السلام { وفيها } لا في غيرها منا أنت كذلك تشاهدون { ~~نعيدكم } بالموت كذلك أجساما وأرواحا , فتصيرون ترابا كما كنتم , وللروح مع ~~ذلك وأن كانت في عليين تعلق ببدنها بوجه ما , يدرك البدن به اللذة ~~بالتذاذها والألم بتألهما , وقد صح أن الميت يقعد في قبره ويجيب سؤال ~~الملكين عليهما السلام , لا يقدر أحد منكم أن يخلص من تلك العظمة المحيطة ~~بجليل عظمته ولا بدقيق حكمته { ومنها } لا من غيرها { نخرجكم } يوم البعث ~~بتلك العظمة بعينها { تارة أخرى * } كما بدأناكم أول مرة مثل ما فعنا في ~~النبات سواء , فقد علم أن هذا فعل الواحد المختار , لا فعل الطبائع , فمرة ~~جعلكم أحياء من شيء ليس له أصل في الحيوانية أصلا , وكرة ردكم إلى ما كنتم ~~عليه قبل الحياة ترابا لا روح فيه ولا ما يشبهها , فلا ريب أن فاعل ذلك ~~قادر على أن يخرجكم منها أحياء كما ابتدأ ذلك , بل الإعادة أهون في مجاري ~~العادة . | ولما كان ما ذكر مما علق بالأرض من المرافق وغيره على غاية من ~~الوضوح , ليس وراءها مطمح , فكان المعنى : أرينا فرعون هذا الذي ذكرنا ms3043 لكم ~~من آياتنا وغيره , وكان المقام لتعظيم القدرة , عطف عليه قوله : { ولقد ~~أريناه } أي بالعصا واليد وغيرهما مما تقدم من مقتضى عظمتنا { ءاياتنا } أي ~~التي عظمتها من عظمتنا { كلها } بالعين PageV05P025 والقلب لأن من قدر على ~~مثل ذلك فهو قادر على غيره من أمثاله من خوارق العادات , لأن الممكنات ~~بالنسبة إلى قدرته على حد سواء , لا سيما والذي ذكر أمهات الآيات كما سيومأ ~~إليه إن شاء الله تعالى في سورة الانبياء { فكذب } أي بها { وأبى * } أي أن ~~يرسل بني إسرائيل ؛ وهذا ابلغ من تعديد ما ذكر في الأعراف , فكأنه قيل : ~~كيف صنع في تكذيبه وإبائه ؟ فقيل : { قال } حين لم يجد مطعنا مخيلا للقبط ~~بما يثيرهم حمية لأنفسهم أنه علم حقية ما جاء به موسى وظهوره , وتقبل ~~العقول له , فخاف أن يتبعه الناس ويتركوه , ووهن في نفسه وهنا عظيما بتأمل ~~كلماته مفردة ومركبةة يعرف مقداره : { أجئتنا لتخرجنا من أرضننا } هذه التي ~~نحن مالكوها { بسحرك يا موسى * } فخيل إلى أتباعه أن ذلك سحر , فكاتن ذلك - ~~مع ما ألفوه من عادتهم في الضلال - صارفا لهم عن اتباع ما رأوا من البيان , ~~ثم وصل بالفاء السببية قوله مؤكدا إيذانا بعلمه أن ما أتى به موسى ينكر كل ~~من يراه أن يقدر غيره على معارضته : { فلنأتينك } أي وإلإله الأعظم ! بوعد ~~لا خلف فيه { بسحر مثله } تأكيدأ لما خيل به ؛ ثم أظهر النصفة والعدل ~~إيثاقا لربط قومه فقال : { فاجعل بيننا وبينك موعدا } أي من الزما والمكان ~~{ لا نخلفه } أي لا نحعله خلفنا { نحن ولا أنت } بأن تقعد عن إتيانه . | ~~ولما كان من الزمان والمكان لا ينفك عن الآخر قال : { مكانا } وآثر ذكر ~~المكان لأجل وصفه بقوله : { سوى * } أي عدلا بيننا , لا حرج على واحد منا ~~في قصده ازيد من حرج الآخر , فانظر هذا الكلام الذي زوفه وصنعه ونمقه فأوقف ~~به قومه عن السعادة واستمر يقودهم بأمثاله حتى أوردهم البحر فأغرقهم , ثم ~~في غمرات النار أحرقهم , فعلى الكيس الفطن أن ينقد الأقوال والأفعال , ~~والخواطر والأحول , ويعرضها على محك ms3044 الشرع : الكتاب والسنة , فما وافق لزمه ~~وما لا تركه . | ولما كان مجنمع سرورهو الذي اعتادوه حاويا لهذه الأغراض ~~زمانا ومكانا وغيرهما , اختاره عليه السلام لذلك , فاستؤنف الخبر عنه في ~~قوله تعالى : { قال موعدكم } أي الموصوف { يوم الزينة } أي عيدكم الذي ~~اعدتم الجتماع فيه في المكان الذي اعتدتموه , فآثر هنا ذكر الزمان وإن كان ~~يتضمن المكان لما فيه من عادة الجمع كما آثر فيما تقدم المكان لوصفه بالعدل ~~{ وأن يحشر } بناه للمفعول لأن القصد الجمع , لا كونه من معين { الناس } أي ~~إغراء ولو بكره { ضحى * } ليستقبل النهار من أوله , فيكون أظهر لما يعمل ~~وأجلى , ولا يأتي الليل إلا وقد قضي الأمر , وعرف المحق من المبطل , وأنتم ~~أجمع ما تكونون وأفرغ , فيكل حد المبطلين وأشياعهم , والمتكبرين على الحق ~~وأتباعهم , ويكثر المحدث بذلك الأمر العلم في كل بدو وحضر , ويشيع في ~~PageV05P026 جميع أهل الوبر والمدر { فتولى فرعون } عن موسى إلى تهيئة ما ~~يريد من الكيد بعد توليه عن الانقياد لأمر الله { فجمع كيده } أي مكره ~~وحيلته وخداعه , الذي دبره على موسى بجمع من يحصل بهم الكيد , وهم السحرة , ~~حشرهم من كل أوب , وكان أهل مصرأسحر أهل الأرض وأكثرهم ساحرا , وكانوا في ~~ذلك الزمان اشد اعتناء بالسحر وأمهر ما كانوا وأكثر { ثم أتى * } للميعاد ~~الذي وقع القرار عليه بمن حشره من السحرة ةالجنود ومن تبعهم من الناس , مع ~~توفر الدواعي على الإتيان للعيد , والنظر إلى تلك المغالبة التي لم يكن ~~مثلها . | < < # | طه : ( 61 - 67 ) قال لهم موسى . . . . . # > > ^ ( قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد ~~خاب من افترى * فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى * قالوا إن هذان ~~لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى * ~~فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى * قالوا يموسى إمآ أن ~~تلقي وإمآ أن نكون أول من ألقى * قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل ~~إليه من سحرهم أنها تسعى * فأوجس في نفسه خيفة موسى ) ^ } ) | ولما تشوف ~~السامع إلى ما كان ms3045 من موسى عليه السلام عند ذلك , استأنف سبحانه الخبر عنه ~~بقوله : { قال لهم } أي لأهل الكيد وهم السحرة وغيرهم { موسى } حين راى ~~اجتماعهم ناصحا لهم : { ويلكم } يا أيها الناس الذين خلقهم الله لعبادته { ~~لا تفتروا } أي لا تتعمدوا أن تصنعوا استعلاء { على الله كذبا } بحعلكم ~~آياته العظام الثابتة سحرا لا حقيقة له , وادعائكم أن ما تخيلون به حق وليس ~~بخيال , وإشراككم به ؛ وسبب عنه قوله : { فيسحتكم } أي يهلككم ؛ قال الرازي ~~. | وأصله الاستئصال { بعذاب } أي عظيم تظهر به خيبتكم { وقد خاب } كل { من ~~افترى * } اي تعمد كذبا على الله أو على غيره { فتنازعوا } أي تجاذب السحرة ~~{ أمرهم بينهم } لما سمعوا هذا الكلام , علما منهم بأنه لا يقدر أن يواجه ~~فرعون بمثله في جميع جنوده وأتباعه لم يسلم منه غلا من اللله معه { وأسروا ~~النجوى } أي كلامهم الذي تناجوا به وبالغوا في إخفائه , فإن النجوى الإسرار ~~, لئلا يظهر فرعون وأتباعه على عوراهم في اختلافهم الذي اقتضاه لفظ التنازع ~~, فكأنه قيل : ما قالوا حين انتهى تنازعهم ؟ فقيل : { قالوا } أي السحرة ~~بعد النظر وإجالة الرأي ما خيلهم به فرعون تلقنا منه وتقربا إليه بما ينفر ~~الناس عن موسى وهارون عليهما السلام ويثبطهم عن اتباعمها وإن غلبا , أنه لا ~~ينكر غلبة ساحر على ساحر آخر : { إن هاذان } أي موسى وهارون وقرىء : هاذان ~~- بالألف , على لغة من يجعل ألف المثنى PageV05P027 لازمةفي كل حال ؛ قال ~~أبو حيان : وهي لغة لطوائف من العرب لبني الحارث بن كعب وبعض كنانة خثعم ~~وزبيد وبني العنبر وبني الهجيم ومراد وعذره . | { لساحران } لاشك في ذلك ~~منهما { يريدان } أي بما يقولان من دعوى الرسالة وغيرها { أن يخرجاكم } ~~أيها الناس { من أرضكم } هذه التي ألفتموها , وهي وطنكم خلفا عن سلف { ~~بسحرهما } الذي أظهراه لكم وغيره . | ولما كان كل حزب بما لديهم فرحون ~~قالوا : { ويذهبا بطريقتكم } هذه السحرية التي تعبتم في تمهيدها , وأفنى ~~فيها أسلافكم أعمارهم , حتى بلغ أمرها الغايةن وبدينكم الذي به قوامكم { ~~المثلى * } أي التي هي أمثل الطرق , فيكونا آثر بما يظهرانه منها ms3046 عند الناس ~~منكم , ويصرفان وجوه الناس إليها عنكمن ويبطل ما لكم بذلك من الارزاق ~~والعظمة عند الخاص والعام وغير ذلك من الأغراض { فاجمعوا كيدكم } أي لا ~~تدعوا منه شيئا إلا جئتم به ولا تختلفوا تضعفوا { ثم ائتوا } غلى لقاء موسى ~~وهاروون لمباراتهما { صفا } أي متسابقين متساوين في السباق ليستعلي أمركم ~~عليهما فتفلحوا , والصطفاف أهيب في صدور الرائين . | ولما كان التقدير : ~~فمن أتى كذلك فقد استعلى , عطف عليه قولهم محققا : { وقد أفلح اليوم } في ~~هذا الجمع الذي ما اجتمع مثله قط { من استعلى * } اي غلب ووجد علوه , أي ~~ففعلوا ما تقدم وأتوا صفا , فلما أوا وكانوا خبيرين بأن يقولوا ما ينفعهم ~~في مناصبة موسى عليه السلام , استؤنف الإخبار عنه بقوله تعلاى : { قالوا } ~~أي السحرة منادين , لأن لين القول مع الخصم إن لم ينفع لم يضر : { ياموسى ~~إما أن تلقي } ما معك مما تناظرنا به أولا { وإما أن نكون } أي نحن { أول ~~من ألقى * } ما معه { قال } أي موسى مقابلا لأدبهم بأحسنن منه ولأنه فهم أن ~~مرادهم الابتداء , وليكون هو الآخر فيكون العاقبة بتسليط معجرته على سحرهم ~~فلا يكون بعدها شك : لا ألقي أنا أولا { بل ألقوا } أنتم أولا , فانتهزوا ~~الفرصة , لأن ذلك كان مرادهم بما أفهموه من تعبير السياق والتصريح بالأول , ~~فألقوا { فإذا حبالهم وعصيهم } التي ألقوها { يخيل إليه } وهو صفينا تخييلا ~~مبتدئا { من سحرهم } الذي كانوا قد فاقوا به أهل الأرض { أنها } لشدة ~~اضطربها { تسعى } سعيا , وإذا كان هذا حاله مع أنه أثبت الناس بصرا وأنفذهم ~~بصيرة فما ظنك بغيرة ! { فأوجس } أي اضمر بسبب ذلك , وحقيقته : أوقع واجسا ~~اي خاطرا وضميرا . | ولما كان المقام لإظهار الخوارق على يديه , فكان ربما ~~فهم أنه أوقعه في نفس أحد غيره , كان المقام للاهتمام بتقديم المتعلق , ~~فقال لذلك لا لمراعاة الفواصل : { في PageV05P028 نفسه } أي خاصة وقدم ما ~~المقام له والاهتمام به فقال : { خيفة موسى * } مثل ما خاف من عصاه أول ما ~~رآها كذلك على ما هو طبع البشر , وللنظر إلى الطبع عبر بالنفس لا ms3047 القلب ~~مثلا . | < < # | طه : ( 68 - 71 ) قلنا لا تخف . . . . . # > > ^ ( قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى * وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا ~~إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى * فألقي السحرة سجدا قالوا ~~آمنا برب هارون وموسى * قال آمنتم له قبل أن ءاذن لكم إنه لكبيركم الذي ~~علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ~~ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى ) ^ } ) | ولما كان ذلك , وكان المعلوم أم ~~الله معه , وأنه جدير بإبطال سحرهم , استأنف الخبر عنه بقوله : { قلنا } ~~بما لنا من العظمة : { لا تخف } من شيء من أمرهم ولا غيره , ثم علل ذلك ~~بقوله , وأكده أنواعا من التأطيد لاقتضاء الحال إنكار أن يغلب أحد ما ~~أظهروا من سحرهم لعظمه : { إنك أنت } أي خاصة { الأعلى * } أي الغالب غلبة ~~ظاهرة لا شبهة فيها { وألق } وأشار إلى يمن العصا وبركتها بقوله : { ما في ~~يمينك } أي من هذه العصا التي قلنا لك أول ما شرفناك بالمناجاة { وما تلك ~~بيمينك يا موسى } ثم أريناك منها ما أريناك { تلقف } بقوة واجتهاد مع سرعة ~~لا تكاد تدرك - بما أشار غليه حذف التاء { ما صنعوا } أي فعلوه بعد تدرب ~~كبير عليه وممارسة طويلة ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنما } أي أن الذي { صنعوا ~~} أي أن صنعهم مما رأيته وهالنا أمره . | ولما كان المقصود تحقير هذا الجيش ~~أفدر ونكر لتنكير المضاف وتحقيره فقال : { كيد ساحر } اي كيد سحري لا حقيقة ~~له ولا ثبات , سواء كان واحدا أو جمعا , ولو جمع لخيل أن المقصود العدد , ~~ولما كان التقدير : فهم لا يفلحون , عطف عليه قوله : { ولا يفلح السحر } أي ~~هذا الجنس { حيث أتى * } أي كيف ما سار وأيه { سلك } فإنه إنما يفعل ما لا ~~حقيقة له , فامتثل ما أمره به ربه من ‘ لقاء عصاه , فكان ما وعده به سبحانه ~~من تلقفها لما صنعوا من غير أن يظهر عليها زيادة في ثخن ولا غيره مع أن ~~حبالهم وعصيهم كانت شيئا كثيرا , فعلم كل من رأى ذلك حقيته وبطلان ما فعل ms3048 ~~السحرة , فبادر السحرة منهم إلى الخضوع لأمر الله ساجدين مبادرة من كأنه ~~ألقاه ملق الصلاة والسلام وحذف ذكر الإلقاء وما سببه من التلقف لأن مقصود ~~السورة القدرة على تليين القلوب القاسية : { فألقى السحرة } أي فألقاهم ما ~~رأوا من أمر الله بغاية السرعة وبأيسر أمر { سجدا } على وجوههم ؛ قال ~~الأصبهاني : سبحان الله ! ما أعظم شأنهم ! PageV05P029 القوا حبالهم وعصيهم ~~للكفر والجحود , ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة ساعة الشكر والسجود , فما أعظم ~~الفرق بين الإلقاءين . | فكأن قائلا قال : هذا فعلهم فما قالوا ؟ فقيل : { ~~قالوا آمنا } أي صدقنا . | ولما كان سياق هذه السورة مقتضيا لتقديم هارون ~~عليه السلام قال : { برب هارون وموسى * } بشارة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بأنه سبحانه لا يشقيه بهذا القرآن بل يهدي الناس به ويذلهم له , فيحعل ~~العرب على شماختها أذل شيء لوزرائه وأنصاره وخلفائه وإن كانوا أضعف الناس ~~ادعائهم بتقديم الوزيرالمترجم ترقيا في درج المعرفة ممن أوصل ذلك إليهم إلى ~~من أمره بذلك ثم إلى من أرسله شكرا للمنعمين بالتدريج ( لا يشكر الله من لم ~~يشكر الناس ) وهذا لما أوجب تقديمه هنا لا لهذا فقط , وذكروا اسم الرب ~~إشارة إلى أنه سبحانه أحسن إليهما بإعلاء شأنهما على السحرة , وعلى من ~~كانوا يقرون بالربوبية , وهو فرعون الذي لم يغن عنهم شيئا , فكانوا أول ~~النهار سحرة , وآخر شهداء بررة , وهذه الآية في امثالها من أي هذه السور ~~وغيرها مما قدم فيه ما يتبادر أن حقه التأخير وبالعكس لأنحاء من المعاني ~~دقيقة , هي التي حملت بعض من لم يرسخ إلى أن يقول : إن القرآن يراعي ~~الفواصل كما يتكلف بلغاء العرب السجع , وتبعه جمع من المتأخرين تقليدا , ~~وقد عاب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حين قال : ( سجع كسجع الجاهلية أو ~~قال : الكهان ) وقد علم مما ذكرته أن المعنى الذي بنيت عليه السورة ما كان ~~ينتظم إلا بتقديم هارون , ويؤيد ذلك أنه قال هنا { إنا رسولا } وفي الشعراء ~~{ رسول } , وقد قال الإمام فخر الدين الرازي كما حكاه عنه الشيخ أبو حيانت ~~في سورة ms3049 فاطر من النهر : لا يقال في شيء من القرآن : أنه قدم أو أخر لأجل ~~السجع , لأن معجزة القرآن ليست في مجر اللفظ , بل فيه وفي المعنى , وقال ~~القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب إعجاز القرآن : ذهب أصحابنا كلهم إلى نفي ~~السجع من القرآن وذكره أبو الحسن الأشعري في غير موضع من كتبه , ثم رد على ~~المخالف بأن قال : والذي يقدرونه أنه سجع فهو وهم , لأنه قد يكون الكلام ~~على مثال السجع وإن لم يكن سجعا لأن السجع يتبع المعنى فيه الافظ الذي يؤدي ~~السجع . | وليس كذلك ما اتفق مما هو في تقدير السجع من القرآن , لأن اللفظ ~~يقع فيه تابعأ للمعنىن وفصل بين أن ينتظم الكلام في نفسه بألفاظه التي تؤدي ~~المعنى المقصود فيه وبين أن يكون المعنى منتظما دون اللفظ . | ومتى ارتبط ~~المعنى بالسجع كان PageV05P030 إفادة السجع كإفادة غيره . | ومتى انتظم ~~المعنى بنفسه دون السجع كان مستجلبا لتحسين الكلام دون تصحيح المعنى , ثم ~~استدل على ذلك بأشياء نفيسة أطال فيها وأجاد - رحمه الله , وقد تقدم في آخر ~~سورة التوبة ما ينفع جدا في هذا المرام . | ولما كان موسى عليه السلام هو ~~المقصود بالإرسال إلى فرعون , استأنف تعالى الإخبار عن فرعون عندما فجءه ~~ذلك فقال : { قال } أي فرعون للسحرة منكرا عليهم , وأضمر اسمه هنا ولم ~~يظهره كما في الأعراف لأن مقصود السورة ارفق بالمدعوين والحلم عنهم , وهو ~~غير متأهل لذكر اسمه في هذا المقام : { ءامنتم } أي بالله { له } أي مصدقين ~~أو متبعين لموسى { قبل أن ءاذن لكم } في ذلك , إبهاما بأنه سيأذن فيه ليقف ~~الناس عن المبادرة إلى الاتباع بين خوف العقوبة ورجاء الإذن ؛ ثم استأنف ~~قوله معللا مخيلا لأتباعه صدا لهم عن الاقتداء بهم : { إنه لكبيركم } أي في ~~العلم { الذي علمكم السحر } فلم تتبعوه لظهور الحق , بل لإرادتكم شيئا من ~~المكر وافقتموه عليه قبل حضوركم في هذا الموطن , وهذا على عادته في تخييل ~~أتباعه فيما يوقفهم عن اتباع الحق . | ولما خيلهم , شرع يزيدهم حيرة بتهديد ~~السحرة فقال : { فلأقطعن } أي ms3050 سبب ما فعلتم { أيديكم } على سبيل التوزيع { ~~وأرجلكم } أي من كل يدا ورجلا { من خلاف } فإذا قطعت اليد اليمنى قطعت ~~الرجل اليسرى { ولأصلبنكم } وعبر عن الاستعلاء بالظرف إشارة إلى تمكينهم من ~~المصلوب فيه تمكين المظروف في ظرفه فقال : { في جذوع النخل } تبشيعا لقتلكم ~~ردعا لأمثالكم { ولتعلمن أينا } أنا أورب موسى الذي قال : إنه أوحى إليه أن ~~العذاب على من كذب وتولى { أشد عذابا وأبقى * } أي من جهة العذاب , أي أينا ~~عذابه اشد وأطول زمانا . | < < # | طه : ( 72 - 76 ) قالوا لن نؤثرك . . . . . # > > ^ ( قالوا لن نؤثرك على ما جآءنا من البينات والذي فطرنا فاقض مآ أنت ~~قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيآ * إنآ آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا ومآ ~~أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى * إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم ~~لا يموت فيها ولا يحيى * ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم ~~الدرجات العلى * جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزآء من ~~تزكى ) ^ } ) | ولما علمو ما خيل به على عقول الضعفاء , نبهوهم فأخبر تعالى ~~عن ذلك بوله مستأنفا : { قالوا لن نؤثرك } أي نقدم أثرك بالاتباع لك لنسلم ~~من عذابك الزائل { على ما جاءنا } به موسى عليه السلام { من البينات } التي ~~عايناها وعلمنا أنه لا يقدر أحد على مضاهاتها . | ولما بدؤوا بما يدل على ~~الخالق من الفعل الخارق , ترقوا إلى ذكره بعد PageV05P031 معرفته بفعله , ~~إشارة إلى علي قدره فقالوا : { والذي } أي ولا نؤثرك بالاتباع على الذي { ~~فطرنا } أي ابتدأ خلقنا , إشارة إلى شمول ربوبيته سبحانه وتعالى لهم وله ~~ولجميع الناس , وتنبيها على عجز فرعون عند من استحقه , وفي جميع أقوالهم ~~هذه من تعظيم الله تعالى عبارة وإشارة وتحقير فرعون أمر عظيم . | ولما تسبب ~~عن ذلك أنهم لا يبالون به , علما بأن ما فعله فهو بإذن الله , قالوا : { ~~فاقض ما } أي فاصنع في حكمك الذي { أنت قاض } ثم عللوا ذلك بقولهم : { إنما ~~تقضي } أي تصنع بنا ما تريد أن قدرك الله عليه { هذه الحياة الدنيا * } أي ~~إنما ms3051 حكمك في مدتها على الجسد خاصة , فهي ساعة تعقب راحة , ةنحن لانخاف ~~إلاممن يحكم على الروح وإن فني الجسدن فذاك هو الشديد العذاب , الداءم ~~الجزاء بالثواب أو العقاب , ولعلمه أسقطوا الجار تنزلا إلى أن حكمه لو فرض ~~أنه يمتد إلى آخر الدنيا لكان أهلا لأن لا يخشى لأنه زائل وعذاب الله باق . ~~| ثم عللوا تعظيمهم لله واستهانتهم بفرعون بقولهم : { إنا ءامنا بربنا } أي ~~المحسن إلينا طول أعمارنا مع إساءتنا بالكفر وغيره { ليغفر لنا } من غير ~~نفع يلحقه بالفعل أو ضرر يدركه بالترك { خطايانا } التي قابلنا بها إحسانه ~~: ثم خضوا بعد العموم فقالوا : { وما أكرهنتنا عليه } وبينوا ذلك بقولهم : ~~{ من السحر } لتعارض به المعجزة , فإن كان الأكمل لنا عصيانك فيه لأن الله ~~أحق بأن يتقى . | روي أم الذي كان من القبط من السحرة اثنان فقط , والباقون ~~من بني إسرائيل أكرههم فرعون على تعلم السحر , وروي أنهم رأوا موسى عليه ~~السلام نائما وعصاه تحرسه فقالوا لفرعون إن الساحر إذا نام بطل سحره , فهذا ~~لا يقدر على معارضته , فأبى عليهم وأكرههم على المعارضة . | ولما كان ~~التقدير : فربنا أهل التقوى وأهل المغفرة , عطفوا عليه مستحضرين لكماله : { ~~واله أي الجامع لصفات الكمال { خير } جزاء منك فيما وعدتنا به { وأبقى * } ~~ثوابا وعقابا , والظاهر أن الله تعالى سلمهم من فرعون , ويؤيده قوله تعالى ~~< # > 77 ( { أنتما ومن اتبعكما الغالبون } ) 77 < # > [ القصص : 35 ] - قاله أبو حيان . | وسيأتي في آخر الحديد ما هو صريح ~~في نجاتهم ؛ ثم عللو هذا الختم بقولهم : { إنه من يأت ربه } أي الذي رباه ~~وأحسن إليه بأن أوجده وجعل له جميع ما يصلحه { مجرما } أي قاطعا ما أمره به ~~أن يوصل { فإن له جهنم } دار الإهانة { لا يموت فيها } أبدا مع شدة عذابها ~~. | بخلاف عذابك الذي إن اشتد أمات فزال سريعا , وإن خف لم يخف وكان آخره ~~الموت وأن طال { ولا يحيى * } فيها حياة ينتفع بها { ومن يأته } اي ربه ~~الذي أوجده ورباه { مؤمنا } أي مصدقا به . | PageV05P032 ولما قدم أن مجرد ~~الكفر يوجب العذاب . | كان هذا ms3052 محلا يتوقع فيه الإخبار عن الإيمان بمثل ذلك ~~فقال : { قد } اي ضم إلى ذلك تصديقا لإيمانه أنه { عمل } أي في الدنيا { ~~الصالحات } التي أمر بها فكأن صادق الإيمان مستلزم لصالح الأعمال { فأولئك ~~} أي العالو الرتبة { لهم } أي لتداعي ذواتهم بمقتضى الجبلة { الدرجات ~~العلى * } التي لا نسبة لدرجاتك التي وعدتنا بها منها ؛ ثم بينوها بقولهم : ~~{ جنات عدن } أي أعدت للإقامة وهيئت فيها أسبابها { تجري من تحتها الأنهار ~~} أي من تحت غرفها وأسرتها وأرضها ؛ فلا يراد موضع منها لأن يجري فيه نهر ~~إلا جرى ؛ ثم بين بقوله : { خلدين فيها } أن أهلها هيئوا أيضا للإقامة . | ~~ولما أرشد السياق والعطف على غير معطوف عليه ظاهر إلى أن التقدير : ذلك ~~الجزاء العظيم والنعيم المقيم جزاء الموصوفين , لتزكيتهم أنفسهم , عطف عليه ~~قوله : { وذلك جزاؤا } كل { من تزكى * } أي طهر نفسه بما ذكر من الإيمان ~~والأعمال الصالحة , وفي هذا تسلية للصحابة رضوان الله عليهم فيما كان يفعل ~~بهم عند نزول هذه السورة إذ كانوا مستضعفين . | < < # | طه : ( 77 - 81 ) ولقد أوحينا إلى . . . . . # > > ^ ( ولقد أوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر ~~يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى * فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم * وأضل فرعون قومه وما هدى * يبني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم ~~وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى * كلوا من طيبات ما ~~رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى ) ^ } ) ~~| ولما بين سبحانه استكبار فرعون المدعى في قوله { فكذب وأبى } وختمه ~~سبحانه بأنه يهلك العاصي كائنا من كان , وينجي الطائع , أتبع ذلك شاهدا ~~محسوسا عليه كفيلا ببيان أنه لم يغن عن فرعون شيء من قته ولا استكباره , ~~فقال عاطفا على ( ولقد أريناه آيتنا ) : { ولقد أوحينا } أي بعظمتنا لتسهيل ~~ما يأتي من الأمور الكبار { إلى موسى } غير مكترثين لشيء من أقوال فرعون ~~ولا أفعاله , وهذا الإيحاء بعد ما تقدم من أمر السحرة بمدة مديدة جرت فيها ~~خطوب طوال كانت بسببها الأيات الكبار , وكأنها جذفت لما ms3053 تدل عليه من قساوة ~~القلوب , والمراد هنا الانتهاء لما تقدم من مقصود السورة { أن أسر } أي ~~ليلا , لأن السري سير الليل ؛ وشرفهم بالإضافة إليه فقال : { بعبادي } أي ~~بني إسرائيل الذين لفت قلب فرعون حتى أذن في مسيرهم بعد أن كانا قد أبى أن ~~يطلقهم أو يكف عنهم العذاب , فاقصد بهم ناحية بحر القلزم { فاضرب لهم } أي ~~اعمل بضرب البحر بعصاك , ولذلك سماه ضربا . | PageV05P033 ولما كان ضرب ~~البحر بالعصا سببا لوجود الطريق الموصوفة , أوقع الفعل عليها فقال : { ~~طريقا في البحر } ووصفها بالمصدر مبالغة فقال : { يبسا } حال كونها أو كونك ~~{ لا تخف } والمراد بها الجنس , فإنه كان لكل سبط طريقا { دركا } أي أن ~~يدركك شيء من طغيان البحر أو بأس العدو أو غير ذلك . | ولما كان الدرك ~~مشتركا بين اللحاق والتبعة , أتبعه بقوله : { ولا تخشى * } أي شيئا غير ذلك ~~أصلا إنفاذا لأمري وإنقاذا لمن أرسلتك لاستنقادهم , وسوقه على هذا الوجه من ~~إظهار القدرة والاستهانة بالمعاند مع كبريائه ومكنته استلالا شهوديا على ما ~~قرر أول السورة من شمول القدرة وإحاطة العلم للبشارة بإظهار هذا الدين ~~بكثرة الأتباع وإبارة الخصوم والإسعاد برد الأضداد وجعل بغضهم ودان وإن ~~كانوا قوما لدا ؛ ثم أتبع ذلك قوله عطفا على ما تقديره : فبادر امتثال ~~الأمر في الإسراء وغيره : { فأتبعهم } أي أوجد التبع والمسير وراء بني ~~إسرائيل على ذلهم وضعفهم { فرعون بجنوده } على كثرتهم وقوتهم وعلوهم وعوتهم ~~, فكانوا كالتابع الذي لا معنى له بدون متبوعه { فغشيهم } أي فرعون وقومه { ~~من اليم } أي البحر الذي من شأنه أن يؤم ؛ وأوجز فهول فقال : { ما غشيهم * ~~} اب أمر لا تحتمل العقول وصفه حق وصفه , فأهلك أولهم وآخرهم ؛ وقطع ~~دابرهمن لم يبق منهم أحدا , وما شاكت أحدا من عبادنا المستضعفين شوكة { ~~وأضل فرعون } على تحذلقه { قومه } مع ما لهم من قوة الأجساد معانيها . | ~~ولما كان إثبات الفعل لا يفيد العموم , نفى ضده ليفيده مع كونه أوكد وأوقع ~~في النفس وأروع لها فقال : { وما هدى * } أي ما وقع منه شيء من الهداية , ~~لا لنفسه ms3054 ولا لأحد من قومه , فتم الدليل الشهودي على تمام القدرة على إنجاء ~~الطائع وإهلاك العاصي . | ولما كان هذا موجبا للتشوف إلى ما وقعع لبني ~~إسرائيل بعده , قال تعالى شافيا لهذا الغليل , أقبلنا على بني إسرائيل ~~ممتنين بما مضى وما يأتي قائلين : { يابني إسرائيل } معترفين لهم أنا نظرنا ~~إلى السوابق فأكرمناهم لأجل أبيهم . | ولما كان درء المفاسد وإزالة الموانع ~~قبل جلب المصالح واستدرار المنافع قال : { قد أنجيناكم } بقدرتنا الباهرة { ~~من عدوكم } الذي كنتم أحقر شيء عنده . | ولما تفرغوا لإنفاذ ما يراد منهم ~~من الطاعة قال : { ووعدناكم } أي كلكم - كما مضى في البقرة عن نص التوراة - ~~للمثول بحضرتنا والاعتزاز بمواطن رحمتنا { جانب الطور الأيمن } أي الذي على ~~أيمانكم في توجهكم هذا الذي وجوهكم فيه إلى بيت ابيكم إبراهيم عليه السلام ~~, وهو جانبه الذي يلي البحر وناحية مكة واليمن . | PageV05P034 ولما بدأ ~~بالمنفعة الدينية , ثنى بالمنفعة الدنيوية فقال : { ونزلنا عليكم } بعد ~~إنزال هذا الكتاب في هذه المواعدة لإنعاش أرواحكم { المن السلوى * } لإبقاء ~~أشباحكم , فبدأ بالإنجاء الممكن من العبادة , ثم أتبعه بنعمة الكتاب الدال ~~عليها , ثم بالرزق المقوي , ودل على نعمة الإذن فيه بقوله : { كلوا } ودل ~~على سعته بقوله : { من طيبات ما } ودل على عظمته بقوله : { رزقناكم } من ~~ذلك ومن غيره . | ولما كان الغنى والراحة سبب السماحة , قال : { ولا تطغوا ~~فيه } بالادخار إلى غد في غير يوم الجمعة ولا بغير ذلك من البطر وإغفال ~~الشكر بصرفه في غير الطاعة { فيحل } اي ينزل ويجب في حينه الذي هو أولى ~~الأوقات به - على قراءة الجماعة بالكسر , ونزولا عظيما وبروكا شديدا - على ~~قراءة الكسائي بالضم { عليكم غضبي } فتهلكوا لذلك { و } كل { من يحلل عليه ~~غضبي } منكم ومن غيركم { فقد هوى * } أي كان حاله حال من سقط من علو . | < ~~< # | طه : ( 82 - 86 ) وإني لغفار لمن . . . . . # > > ^ ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى * ومآ أعجلك عن ~~قومك يموسى * قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى * قال فإنا قد ~~فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري * فرجع موسى ms3055 إلى قومه غضبان أسفا قال ~~يقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم ~~غضب من ربكم فأخلفتم موعدي ) ^ } ) | ولما كان الانسان محل الزلل وإن اجتهد ~~, رجاه واستعطفه بقوله : { وإني لغفار } أي ستار بإسبال ذيل العفو { لمن ~~تاب } أي رجع عن ذنوبه من الشرك وما يقاربه { وءامن } بكل ما يجب الإيمان ~~به { وعمل صالحا } تصديقا لأيمانه . | ولما كانت رتبة الاستمرار على ~~الاستقامة في غاية العلو , عبر عنها بأداة التراخي فقال : { ثم اهتدى } أي ~~استمر على العمل الصالح متحريا به إيقاعه على حسب أمرنا وعلى أقرب الوجوه ~~المرضية لنا , له إلى ذلك غاية التوجه كما يدل عليه صيغة افتعل , وكأنه لما ~~رتب الله سبحانه منازل قوم موسى عليه السلام عامة والسبعين المختارين منهم ~~خاصة في الجبل - كما مضى عن نص التوراة في سورة البقرة , وواعده الكلام بعد ~~ثلاثين ليلة ولم يعين له أولها , وكأنه لاشتياقه إلى ما رأى من التعرف إليه ~~بمقام الجمال لم يتوقف على خصوص إذن من الله تعالى في أول وقت الإتيان ~~اكتفاء بمطلق الأمر السابق في الميعاد , فتعجل بعشرة أيام عن الوقت الذي ~~علم الله أ , الكلام يقع فيه بعد الثلاثين التي ضربها لذلك , وأكر موسى ~~عليه السلام قومه عند نهوضه , وتقدم إليهم في PageV05P035 اتباعه والطكون ~~في أثره للحلول في الأماكن التي حدها الله لهم وأمر السبعين المختارة بمثل ~~ذلك , وكأنهم لما مضى تلبثوا لما رأوا من مقام الجلال , فلما مضت الثلاثون ~~بعد ذهاب موسى لم يكن أتى الوقت الذي أراد الله أن تكون المناجاة فيه , ~~فزاده عشرا فظن بنو اسرائيل الظنون في تلك العشرة , ووقع لهم ما وقع من ~~اتخاذ العجل . | ولما كان ذلك - والله أعلم بما كان , وكان أعظم ما مضى في ~~آية الامتنان عليهم والتعرف بالنعم إليهم المواعدة لهدايتهم بالآيات ~~المرئية والمسموعة , وختم ذلك بالإشارة إلى الاجتهاد في الإقبال على الهدى ~~, أتبع ذلك ذكر ضلالهم بعد رؤية ما يبعد معه كل البعد إلمام من رآه بشيء من ~~الضلال , كل ms3056 ذلك لإظهار القدرة التامة على التصرف في القلوب بضد ما يظن بها ~~, وكان تنجز المواعيد إلذ شيء للقلوب وأشهاه إلى النفوس , وكان السياق ~~مرشدا حتما إلى أن التقدير : فأتوا إلى الطور لميعادنا , وتيمموا جانبه ~~الأيمن بأمرنا ومرادنا , وتعجل مويى صفبنا الصعود فيه مبادرا لما عنده من ~~الشوق إلى ذلك المقام الشريف وتأخر مجيء قومه عن الإتيان معه , فقلنا : ما ~~أخر قومك عن الأتيان معك ؟ فعطف عليه قوله : { وما أعجلك } أي أي شيء أوجب ~~لك العجلة في المجيء { عن قومك } وإن كنت مبادرة المبالغ في الاسترضاء , ~~أما علمت أن حدود الملوك لا ينبغي تجاوزها بتقدم أو تأخر ؟ { ياموسى } فهلا ~~تيتم جمله وانتظرتم أمرا أمرا جديدا بخصوص الوقت الذي استحضركم فيه { قال } ~~موسى ظنا منه أنهم أسرعوا وراءه : { هم } وأتى باسم الإشارةواسقط منه هاء ~~التنبيه لأنه لا يليق بخطاب الله , قال ابن هبيرة : ولم أر أحدا من الأصفيء ~~خاطب ربه بذلك , وإنما خاطب به الكفار لغباوتهم < # > 77 ( { قالوا ربنا هؤالء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك } ) 77 < # > [ النحل : 76 ] في أمثالها وأما آخر الزخرف فقد ذكر التعبير بها في ~~موضعه { أولاء } أي هم في القرب بحيث يسار إليهم , كائنين { على أثري } أي ~~ماشين على آثار مشييي قبل أن ينطمس لم أسبقهم إلا بشيء جرت العادةفي السبق ~~بمثله بين الرفاق , هذا ناء منه على ما كان عهد إليهم , وأكد فيه عليهم : ~~ثم اعتذر عن فعله فقال : { وعجلت } أنا بالمبادرة { إليك } وجرى على عادة ~~أهل القرب كما يحق له فقال : { رب } أي ايها المسارع في إصلاح شأني ~~والإصلاح إلي { لترضى } عني رضى أعظم مما كان { قال } الرب سبحانه : { فأنا ~~} أي قد تسبب عن عجلتك عنهم أنا { قد فتنا } أي خالطنا بعظمتنا مخالطة ~~مميلة محيلة { قومك } بتعجلك . | ولما كانت الفتنة لم تستغرق جميع الزمن ~~الذي كان بعده , وإنما كانت في بعضه , PageV05P036 أدخل الجار فقال : { من ~~بعدك } أي خالطنهم بأمر من أمرنا مخالطة أحالتهم عما عهدتهم عليه , وكان ~~ذلك بعد تمام المدة التي ضربتها لهم , وهي ms3057 الثلاثون بالفعل وبالقوة فقط , ~~من أول ما فارقتهم بضربك لتلك المدة بمقدار ما عجلت به في أولها , فلما ~~تأخر رجوعك إليهم حصل لهم الفتون بالفعل , فظنوا مرجمات الظنون . | ولما ~~عمتهم الفتنة إلا اثني عشر ألفا من أكثر من ستمائة ألف , أطلق الضلال على ~~الكل فقال : { وأضلهم السامري } أي عن طريق الرشد بما سبب لهم ؟ روى ~~النسائي في التفسير من سننه , وأبو يعلى في مسنده وابن جرير وابن أبي حاتم ~~في تفسيرههما عن ابن عباس رضي الله عنهما في حديث الفتون أن موسى عليه ~~السلام لما وعده ربه أن يكلمه استخلف على قومه أخاه هارون عليه السلام , ~~وأجلهم ثلاثين يوما , وذهب فصامها ليلها ونهارها , ثم كره أن يكلم ربه وريح ~~فمه متغير , فمضغ شيئا من نبات الأرض فقال له ربه : أوما علمت أن ريح ~~الصائم أطيب من ريح ا لمسك ؟ ارجع فصم عشرا , فلما رأى قوم موسى أنه لم ~~يرجع إليهم ساءهم ذلك , كان هارون قد خطبهم وقال : إنكم خرجتم من مصر , ~~ولقوم فرعون عواري وودائع , ولكم فيها مثل ذلك , وأنا أرى أن تحسبوا ما لكم ~~عندهم , ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية , ولسنا براين إليهم شيئا ~~من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا , فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم من ذلك من متاع ~~أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير , ثم أوقد النار فأحرقه فقال : لا يكون ~~لنا ولا لهم , وكان السامري من قوم يعبدون البقر , جيران لبني اسرائيل ولم ~~يكن من بني إسرائيل , فاحتمل مع موسى وبني إسرائيل حين احتمالوا , فقضى له ~~أن رأى أثرا فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون عليه السلام : يا ~~سامري ! ألا تلقي ما في يدك - وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك اليوم , ~~فقال هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر , ولا ألقيها لشيء إلا أن ~~تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد , فألقاها ودعا له هارون , فقال : ~~أريد أن يكون عجلا , فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع ms3058 أوحلية أو نحاس ~~أوحديد , فصار عجلا أحوف ليس فيه الروح , له خوار , قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : لا والله ! ما كان له صوت قط , إنما كانت الريح تدخل في دبره فتخرج ~~من فيه , فكان ذلك الصوت من ذلك , فتفرق بنو إسرائيل فرقا , فقالت فرقة : ~~ياسامري ! ما هذا وأنت أعلم به ؟ قال : هذا ربكم , ولكن موسى أضل الطريق , ~~فقالت فرقة : لانكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى . | فإن كان ربنا لم نكن ~~ضيعناه وعجزنا فيه حين رأيناه , وإن لم يكن ربنا فإنا نتبع موسى , وقالت ~~فرقة : هذا عمل PageV05P037 الشيطان , وليس بربنا , ولن نؤمن به ولن نصدق , ~~وأشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به - ~~الحديث . | ثم سبب عن إخباره سبحانه له بذلك قوله : { فرجع موسى } أي لما ~~أخبره ربه بذلك { إل قومه } أي الذين لهم قوة عظيمة على ما يحاولونه { ~~غضبان أسفا } أي شديد الحزن أو الغضب ؛ واستأنف قوله : { قال } لقومه لما ~~رجع إليهم مستعطفا لهم : { ياقوم } وأنكر عليهم بقوله : { ألم يعدكم ربكم } ~~الذي إحسانه إليكم { وعدا حينا } أي بأنه ينزل عليكم كتابا حافظا , ويكفر ~~عنكم خطاياكم , وينصركم على أعدائكم - إلى غير ذلك من إكرامه . | ولما جرت ~~العادة بأن طول الزمان ناقض للعزائم , مغير للعهود , كما قال أبو العلاء ~~أحمد بن سليمان المعري في هذا البيت : | لا أنسيتك إن طال الزمان بنا وكم ~~حبيب تمادى عهده فنسي | وكان عليه الصلاة والسلام قريب العهد بهم , أنكر ~~طول العهد بقوله , مستأنفا عما تقديره : هل ترك ربكم مواعيده لكم وقطع ~~معروفة عنكم : { أفطال عليكم العهد } أي زمن لطفه بكم , فتغيرتم عما ~~فارقتكم عليه كما يعتري أهل الرذائل النحلال في العزائم لضعف العقول وقلة ~~التدبر { أم أردتم } بالنقض مع قرب العهد وذكر الميثاق { أن يحل عليكم } ~~بسبب عبادة العجل { غضب من ربكم } أي المحسن إليكم , وكلا الأمرين لم يكن , ~~أما الأول فواضح , وأما الثاني فلا يظن بأحد إرادته , والحاصل أنه يقول : ~~إنكم فعلتم ما لا يفعله عاقل { فأخلقنم } أي فتسبب ms3059 عن فعلكم ذلك أن أخلفتم ~~{ موعدي } في إجلال الله والإتيان إلى الموضع الذي ضبه لكم لكلامه لي ~~وإنزال كتابه علي إحسانا إليكم وإقبالا عليكم , وكأنه أضاف الموعد إليه ~~أدبا مع الله تعالىى وإعظاما له , أو أنه لما كان إخلاف الموعد المؤك ~~المعين الذي لا سبهة فيه , لما نصب عليه من الدلائل الباهرة , وأوضحه من ~~البراهين الظاهرة , لا يكون إلا بنسيان لطول العهد , أو عناد بسوء قصد , ~~وكا من أبلغ المقاصد وأوضح التقرير إلجاء الخصم بالسؤال إلى الاعتراف ~~بالمراد , سألهم عن تعيين أحد الأمرين مع أن طول العهد لا يمكن ادعاؤه , ~~فقال ما معناه : أطال عليكم العهد بزيادة عشرة ايام فنسيتم فلم يكن عليكم ~~في الإخلاف جناح ؟ أم أردتم أن يحل عليكم الغضب فعاندتم ؟ فكانت الآية من ~~الاحتباك : ذكر طول العهد الموجب للنسيان أولا دليب على حذف العناد ثانيا , ~~وذكر حلول الغضب ثانيا دليل على انتفاء الجناح أولا , وسر ذلك أن ذكر السبب ~~الذي هو طول العهد أدل على النسيان الذي هو المسببن وإثبات الغضب - وهو ~~المسبب - أنكأ من إثبات سببه الذي هو العناد . | PageV05P038 < < # | طه : ( 87 - 94 ) قالوا ما أخلفنا . . . . . # > > ^ ( قالوا مآ أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنآ أوزارا من زينة القوم ~~فقذفناها فكذلك ألقى السامري * فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذآ ~~إلهكم وإله موسى فنسي * أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ~~ولا نفعا * ولقد قال لهم هارون من قبل يقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن ~~فاتبعوني وأطيعوا أمري * قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى * ~~قال يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن أفعصيت أمري * قال يابنأم لا ~~تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآئيل ولم ترقب ~~قولي ) ^ } ) | ولما تشوف السامع إلى جوابهم , استأنف ذكره فقال : { قالوا ~~} : لم يكن شيء من ذلك . | ولما كان المقصود من هذا السياق كله إظهار عظيم ~~القدرة , عبر عن ذلك بقوله , حكاية عنهم للاعتراف بما قررتم موسى عليه ~~السلام به من ms3060 العناد معتذرين عنه بالقددرة , والاعتذاربه لا يدفع العقوبة ~~المرتبة على الذنب : { ما أخلفنا موعدك بملكنا } أي لقد صدقت فيما قلت , ~~ولكنا لم نفعل ذلك ونحن بملك أمرنا - هذا على قراءة الجماعة بالكسر , وعلى ~~قراءة نافع وعاصم بالفتح المعنى : ولنا ملكة نتصرف بها في أنفسنا , وعلى ~~قراءة حمزة والكسائي بالضم كأنهم قالوا : ولنا سلطان قاهر لأمورنا - على ~~انهم قد ذكروا أن القراءات الثلاث لغات لمعنى واحد , قال في القاموس : ملكه ~~يملكه ملكا مثلثة : احتاه قادرا على الستبداد به , والمعنى لأن السامري زين ~~لهم ذلك , ووسوس به الشيطان فما دورا إلا وقد تبعوه حتى كأنهم يقادون إليه ~~بالسلاسل , وقيل هذا كله إشارة إلى أنه تعالى هو المتصرف في القلوب , فهو ~~قادر على أن يرد كفار قريش والعرب من بعد عنادهم , ولددهم وفسادهم { ولكنا ~~} كنا { حملنا أوزارا } أي أثقالا من النقدين هي أسباب الآثام , كما تقدم ~~في الأعراف أن الله أمرهم في التوراة أن يستعيروها من القبط فخربوها بها , ~~وكأن هذا ما كان خيانة في ذلك الشرع , أو أن الله تعالى أباح لهم ذلكك في ~~القبط خاصة { من زينة القوم } الذين لم نكن نعرف قوما غيرهم , وغيرهم ليس ~~حقيقا بإطلاق هذا اللفظ عليه وهم القبط , فقضى لنا أن نقذفها في النار , ~~وتوفرت الدواعي على ذلك واشتدت بحيث لم نتمالك { فقذفنها فكذلك } أي فتعقب ~~هذا أنه مثل ذلك الإلقاء { لقى السامري } وهو لصيق انضم إليهم من قبط مصر , ~~ألقى ما كان معه , أما المال وإما من أثر الرسول , كما مضى ويأتي , وكأن ~~إلقاءه كان آخرا . | PageV05P039 ولما كان خروج التمثا لعقب إلقاءه , حعل ~~كأنه المتسبب في ذلكن فقيل مع العدول عن أسلوب التكلم استجانا لنسبة أمر ~~العجل إلى المتكلم : { فأخرج لهم } أي لمن شربه وعبده , وجعل الضمير للغيبة ~~يؤيد قول من جعل هذا كلام من لا يعبد العجل , والمعنى عند من جعله من كلام ~~العابدين أنهم دلوا بذلك على البراءة منه والاستقذار له . | ولما كان شديد ~~الشبه للعجول , قيل : { عجلا } وقدم قوله : { جسدا } لنعرف أن ms3061 عجليته صورة ~~لا معنى - على قوله : { له خوار } لئلا يسبق إلى وهم أنه حي , فتمر عليه ~~لمحة على اعتقاد الباطل { فقالوا } أي فتسبب عن ذلك أن السامري قال فتابعه ~~عليه من أسرع في الفتنة أول ما رآه : { هذا } مشرين إلى العجل الذي هو على ~~صورة ما هو مثل في الغباوة { إلهكم وإله موسى فنسى } اي فتسبب عن أنه إلهكم ~~أن موسى نسي - بعدوله عن هذا المكان - موضعه فذهب يطلبه في مكان غيره , أو ~~نسي أن يذكره لكم . | ولما كان هذا سببا للإنكار على من قال هذا قال : { ~~أفلا يرون } أي اقالوا ذلك ؟ فتسبب قولهم عن عماهم عن رؤية { أن } أي أنه { ~~لا يرجع إليهم قولا } والإله لا يكون أبكم { ولا يملك لكم ضرا } فيخافوه ~~كما يخافون فرعون فيقولوا ذلك خوفا من ضره { ولا نفعا } فيقولوا ذلك رجاء ~~له . | ولما كان الذنب مع العلم أبشع , والضلال بعد البيان أشنع , قال ~~عاطفا على قوله { قال ياقوم ألم يعدكم } أو على قوله ( قالوا ما أخلفنا ) : ~~{ ولقد قال هارون } أي مع أن من لم يعبده لم يملكوا رد من عبده . | ولما ~~كان قولهم في بعض ذلك الزمان , قال : { من قبل } أي من قبل رجوع موسى , ~~مستعطفا لهم : { ياقوم } ثم حصر أمرهم ليجتمع فرهم ونظرهم فقال : { إنما ~~فتنتم } أي وقع اختباركم فاختبرتم في صحة إيمانكم وصدقكم فيه وثباتكم عليه ~~{ به } أي بهذا التمثال في إخراجه لكم على هذه الهيئة الخارقة للعادة . | ~~وأكد لأجل إنكارهم فقال : { وإن ربكم } أي الذي أخرجكم من العدم ورباكم ~~بالإحسان { الرحمن } وحده الذي فضله عام ونعمة شاملة , فليس على البر ولا ~~فاجر النعمة غلا وهي منه قبل أن يوججد العجل , وهو كذلك بعده . | ومن رحمته ~~قبول التوبة , فخافوا نزع نعمه بمصيته , وارجوا إسباغها بطاعته { فاتبعوني ~~} بغية جهدكم في الرجوع إليه { وأطيعوا أمري } في دوام الشرف بالخضوع لديه ~~, ودوام الإقبال عليه , بدفع عنكم ضيره , ويفض عليكم خيره . | ولما كان هذا ~~موضع أن يسأل من جوابهم لهذا الأمر الواضح الذي لا غبار عليه ms3062 , قيل : { ~~قالوا } بفظاظة وجمود : { لن نبرح عليه } أي على هذا العجل { عاكفين } أي ~~PageV05P040 مقيمين مستديرين مجتمعين وإن حاربنا في ذلك { حتى يرجع إلينا ~~موسى } فدافعهم , فهمموا به , وكان معظمهم قد ضل , فلم يكن معه من يقوى بهم ~~, فخاف أن يجاهد بهم الكافرين فلا يفيد ذلك شيءا , ويقتل بعضهم فيحمى له ~~آخرون من ذوي رحمة الأقربين , فيصير بين بني إسرائيل فرقة يبعد ضم شتاتها ~~وتلافي دهمائها , وكانوا قد غيوا الرجوع برجوع موسى عليه السلام مع أنه لم ~~يأمره بجهاد من ضل , إنما قال له ^ ( { وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } ) ^ ~~[ الأعراف : 142 ] فرأى من الإصلاح اعتزلهم إلى أن يأتي , فلما ذكر ما قال ~~هارون عليه السلام , التفتت النفس إلى علم ما قال له موسى عليه السلام لأنه ~~خليفته عليهم , مع كونه راسا في نفسه , فدفع هذا العناء بقوله , مسقطا أخذه ~~برأس أخيه لما تقدم من ذكره ويأتي هنا من الدلالة عليه , ولم تدع إليه ~~ضرورة في هذه السورة التي من أعظم مقاصدها الدلالة على تليين القلوب : { ~~قال } أي موسى : { ياهرون } أنت نبي الله وأخي ووزيري وخليفتي فأنت أولى ~~الناس بأن ألومه , وأحقهم بأن أعاتبه { ما منعك إذ } أي حين { رايتهم ضلوا ~~} عن طريق الهدى , واتبعوا سبيل الردى , من اتباعي في سيرتي فيهم من الخذ ~~على يد الظالم طوعا أو كرها , اتباعا لا زيغ فيه عما نهجته لك بجه من ~~الوجوه شيئا من زيغ , وعبر عن هذا التأكيد بزيادة ( لا ) في قوله : { ألا ~~تتبعن } كما تقدم غير مرة أن النافي إذا زيد في الكلام كان نافيا لضد ~~مضمونه فيفيد إثباتا للمضون ونفيا لضده , فيكون ذلك في غاية التأكيد { ~~افعصيت } أي أتكبت عن اتباعي فتسبب عن ذلك أنك عصيت { أمري } وأخذ بلحيته ~~وبرأسه يجره اليه غضبا لله تعالى , فكأنه قيل : ما قال له ؟ فقيل : { قال } ~~مجيبا له مستعطفا بذكر أول وطن ضمهما بعد نفخ الروح مع ما له ن الرقة ~~والشفقة : { يا بنؤم } فذكره بها خاصة وإن كان شقيقه لأنه يسوءها ما يسوءه ~~, وهي ms3063 أرق من الأب { تأخذ بلحيتي ولا برأسي } أي بشعره ؛ ثم علل ذلك بقوله ~~: { إني خشيت ان تقول } إن اشتددت عليهم حتى يصل الأمر إلى القتال { فرقت ~~بين بين إسرائيل } بفعلك هذا الذي لم يجد شيئا لقلة من كان معك وضعفكم عن ~~ردهم { ولم ترقب قولي } { اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين } ~~ولم تقل وارددهم ولو أدى الأمر إلى السيف , وهذا كما كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم مامورا بالصفح والحلم والمدافعة باللين عند ضعف الناصر وقلة ~~المعين . | < < # | طه : ( 95 - 97 ) قال فما خطبك . . . . . # > > ^ ( قال فما خطبك يسامري * قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من ~~أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي * قال فاذهب فإن لك في الحياة أن ~~تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا ~~لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ) ^ } ) | PageV05P041 ولما فرغ من نصيحة ~~أقرب الناس إليه وأحقهم بنصيحته وحفظه على الهدى إذ كان راس الهداة , تشوف ~~السامع غلى ما من غيره , فاستأنف تعالى ذكره بقوله : { قال } أي موسى عليه ~~السلام لرأس أهل الضلال معرضا عن أخيه بعد قبول عذره . | جاعلا ما نسب إليه ~~سببا لسؤاله عن الحالمل له عليه : { فما خطبك } أي أمرك هذا العجيب العظيم ~~الذي حملك على ما صنعت وأخبرني العزيز العليم أنك أنت أضللتهم به { يا ~~سامري قال } السامري مجيبا له : { بصرت } من البصر والبصيرة { بما لم ~~يبصروا به } من أمر الرسول الذي أجاز بنا البحر { فقبضت } أي فكان ذلك سببا ~~لأن قبضت { قبضة } أي مرة من القبض , أطلقها على المقبوض تسمية للمفعول ~~بالمصدر { من أثر } فرس ذلك { الرسول } اي المعهود { فنبذتها } في الحلي ~~الملقى في النار , أو في العجل { وكذلك } أي وكما سولت لي نفسي أخذ اثره { ~~سولت } أي حسنت وزينت { لي نفسي } نبذها في الحلي فنبذتها , فكان منها ما ~~كان , ولم يدعني غلى ذلك داع ولا حملني عله حامل غير التسويل . | ولما كان ~~فعله هذا مفرقا لبني إسرائيل عن طريق الحق ms3064 التي كانوا عليها , وجامعا لهم ~~على تمثال حيوان هو من أخس الحيوانات , وعلى نفسه بكونه صار متبوعا في ذلك ~~الضلال , لكونه كان سببه , عوقب بالنفرة من الإنسان الذي هو أشرف الحيوان , ~~ليكون ذلك سببا لضد ما تسبب عن فعله , قيعاقب بالدنيا بعقوبة لا شيء اشد ~~منها وذلك أنه منع من مخالطة الناس منعا كليا فلا يتصل بأحد ولا يتصل به ~~أحد , بل يكون وحيدا طريدا ما دام حيا , فلذلك استؤنف الإخبار عن هذا بقوله ~~تعالى : { قال } أي له موسى عليه السلام : { فاذهب } اي تسبب عن فعلك أني ~~أقول لك : اذهب من بيننا , أز حيث ذهبت { فإن لك في الحياة } أي ما دمت حيا ~~{ أن تقول } لكل من رايته : { لا مساس } أي لا تمسني ولا أمسك , فلا تقدر ~~ان تنفك عن ذلك لإرادة الإله الحق ذلك بك وترغيبك فيه - بما افادته الام , ~~لتعلم أنت ومن تبعك أنكم كنتم على أعظم ضلال في ترك القادر على كل شيء , ~~واتباع ما لا قدرة له على شيء { وإن لك } بعد الممات { موعدا } للثواب إن ~~تبت , وللعقاب إن ابيت { لن تخلفه } مبنيا للفاعل وللمفعول , اي لا يكون ~~خلفك ولا تكون أنت خلفه , بل يكون كل منهما مواجها لصاحبه , لا انفكاك له ~~عنه , كما أنك في الحياة لا تقدر أن تنفك عن النفرة من الناس , فاختر لنفسك ~~ما يحلو . | ولما ذكر ما للإله الحق من القدرة التامة في الدارين , أتبعه ~~عجز العجل فقال : { وانظر إلى إلهك } أي بزعمك { الذي ظلت } اي دمت في مدة ~~يسيرة جدا بما أشار إليه PageV05P042 تخفيف التضعيف { عليه عاكفا } أي ~~مقبلا مقاربا مواظبا جهارا { لنحرقنه } أي بالنار وبالمبرد - كما سلف عن نص ~~التوراة , وكان معنى ذلك أنه أحماه حتى لان فهان على المبارد { ثم لننسفنه ~~} أي نذرينه إذا صار سحالة { في اليم } اي البحر الذي أغرق الله فيه آل ~~فرعون وهو لأن يقصد فيجمع الله سحالته التي هي من حيلهم وأموالهم فيحميها ~~في نار جهنم ويكويها ويجعلها من أشد العذاب عليهم , وأكد ms3065 الفعل إظهارا ~~لعظمة الله الذي أمره بذلك , وتحقيقا للصدق في الوعد فقال : { نسفا } . | < ~~< # | طه : ( 98 - 103 ) إنما إلهكم الله . . . . . # > > ^ ( إنمآ إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما * كذلك نقص ~~عليك من أنبآء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا * من أعرض عنه فإنه يحمل ~~يوم القيامة وزرا * خالدين فيه وسآء لهم يوم القيامة حملا * يوم ينفخ في ~~الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا * يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا ) ^ } ~~) | ولما أراهم بطلان ما هم عليه بالعيان , أخبرهم بالحق على وجه الحصر ~~فقال : { إنما إلهكم } جميعا { الله } اي الجامع لصفات الكمال ؛ ثم كشف ~~المراد من ذلك وحققه بقوله : { الذي لا إله إلا هو } أي لا يصلح لهذا ~~المنصب أحد غيره لأنه { وسع كل شيئا علما } تمييز محول عن الفاعل , أي أحاط ~~علمه بكل شيء , فكان على كل شيء ممكن قديان فكان كل شيء إليه فقيرا , وهو ~~غني عن كل شيء , وجوده يباين وجود غيره , وذاته تباين ذات غيره , وصفاته ~~تباين صفات غيره , وأما العجل الذي عبدوه فلو كان حيا كان مثلا في الغباوة ~~, فلا يصلح للإلهية بوجه ولا في عبادته شيء من حق , وكان القياس على ما ~~يتبادر إلى الذهن حيث نفى عنه العم بقوله { ألا يرجع إليهم قولا } والقدرة ~~بقوله { ولا يملك لكم ضرا ولا نفعا } أن يثبتا هنا للاله الحق , ولكنه ~~اعتنى بإثبات العلم الواسع لاستلزامه للقدرة على كل ما يمكن أن يتعلق به , ~~بإفادة الأسباب لشيء المراد , ومنع الموانع عنه فيكون لا محالة , ولو لم ~~يكن كذلك لكان التخلف للجهل إما بما يفيد مقتضيا أو يمنع مانعا , وأدل دليل ~~على ذلك قوله تعالى ^ ( { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني ~~السوء } ) ^ [ الأعراف : 188 ] ولا يستلزم إثبات القدرة المحيطة العم ~~الشامل لخروج قسم المحال الذي ليس من شأن القدرة أن تتعلق به . | ولما تمت ~~هذه القصة على هذا الأسلوب الأعظم , والسبيل الأقوم , متكلفة بالدلالة على ~~القدرة على ما وقعت إليه الإشارة من البشارة ms3066 أول السورة بتكثير هذه الأمة ~~ورد العرب عن غيهم بعد طول التمادي في العناد , والتنكيب عن سيبل الرشاد , ~~إلى ما PageV05P043 تخللها من التسلية بأحوال السلف الصالح والتأسية , ~~مفصلة من أدلة التوحيد والبعث , وغير ذلك من الحكم , بما يبعث الهمم , على ~~معالي الشيم , كان كلأنه قيل : هل يعاد شيء من القصص على هذا الأسلوب ~~البديع والمثال الرفيع ؟ فقيل : نعم { كذلك } أي مثل هذا القص العالي , في ~~هذا لانظم العزيز الغالي , لقصة موسى ومن ذكر معه { نقص عليك } أي بما لنا ~~من العظمة التي لا يعجزها شيء ؛ وأشار إلى جلالة علمه بقولله : { من أنباء ~~} أي أخبار { ما قد سبق } من الأزمان والكوائن الجليلة , زيادة في علمك , ~~وإجلالا لمقدارك , وتسلية لقلبك , وإذهابا لحزنك , بما اتفق للرسل من قبلك ~~وتكثيرا لأتباعك وزيادة في معجزاتك , وليعتبر السامع ويزداد المستبصر في ~~دينه بصيرة وتأكد الحجة على من عابه : { وقد ءاتينك } من عظمتنا تشريفا لك ~~وتعظيما لقدرك { من لدنا } أي من عندنا من الأمر الشريف بمزيد خصوصيتته بنا ~~ولطيف اتصاله بحضرتنا من غيب غيبا { ذكرا } عظيما جليلا جامعا لما أظهرناه ~~من أمرنا في التوراة , وما ابطناه من سرنا في الإنجيل , وما أودعناه من ~~سكينتنا في الزبور , مع ما خصصناه به من لطائف المزايا , وعظائم الأسرار , ~~يعرف بمجرد تلاوته أنه من عندنا لما يشهد له من الروح , ويذاق له من ~~الإخبات والسكون , ويرى له من الجلالة في الصدور مع القطع بأن أحدا لا يقدر ~~أن يعارضه , وضمناه تلك القصص مع ما دنا فيه على ذلك من المواعظ والأحكام ~~ودقائق اشارات الحقائق , متكفلا بسعادة الدارين وحسنى الحسنيين , فمن أقبل ~~عليه كان مذكرا له بكل ما يريد من العلوم النافعة . | ولما اشتمل هذا الذكر ~~على جميع أبواب الخير , فكان كل مل ليس له فيه أصل شقاور محضة وضلالا بعيدا ~~, قال يقص عليه من أنباء ما يأتي كما قص من أأنباء ما قد سبق : { من أعرض ~~عنه } أي عن ذلك الذكر , وهو عام في جميع من يمكن دخوله في معنى ( من ms3067 ) من ~~العالمين { فإنه يحمل } ولما كان المراد استغراق الوقت قال : { يوم القيامة ~~وزرا } أي حملا ثقيلا من العذاب الذي سببه الوزر وهو الذنب , جزاء لإعراضه ~~عنه واشتغلاه بغيره { خلدين فيه } وجمه هنا حملا على المعنى بعد الإفراد ~~للفظ , تنبيها على العموم لئلا يغفل عنه بطول الفصل , أو يظن أن الجماعة ~~يمكنهم المدافعة , ويمكن أن يراد بالوزر الحمل الثقيل نت الأثم , ويمون ~~الضمير في ( فيه ) للعذاب المسبب عنه فيكون استخداما كقوله : | إذا نزل ~~السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا | ولما كانوا منكرين ليوم القيامة ~~, صرح بذكره ثانيا مع قرب العهد , قارعا لأسماعهم به , مجريا له إجراء ما ~~هو بعه دير من أنه متحقق لا مرية فيه فقال : { وساء } PageV05P044 أي وبئس ~~؛ وبين أصحاب السوء فقال : { لهم } أي ذلك الحمل { يوم القيامة حملا } ثم ~~شرح لهم بعض أحوال ذلك اليوم من بتدائه , فقال مبدلا من ( يوم القيامة ) : ~~{ يوم ينفخ } أي بعظمتنا - على قراءة أبي عمرو بالنون مبنيا لفاعل , ودل ~~على تناهي العظمة بطريقة كلام القادرين في قراءة الباقين بالياء مبينا ~~للمفعول { في الصور } فيقوم الموتى من القبور { ونحشر } أي بعظمتنا { ~~المجرمين } منهم الذين قطعوا ماأمر الله به أن يوصل , وعدل عن أن يقول : ~~ونحشرهم - لبيان الوصف الذي جره لهم : الإعراض عن الذكر { يؤمئذ } أي يوم ~~القيامة , ويكون لهم ما تقدم { زرقا } أي زرق العيون والجسوم على هيئة من ~~ضرب فتغير جسمه , حال كونهم { يتخافتون } . | ولما كان التخافت - وهو ~~المسارة بالكلام - قد يكون بين اثنين من قبيلتين , فيكون كل منهما خائفا من ~~قومه أقل عارا مما لو كانا من قبيلة واحدة , لأنه يدل على أن ذلك الخوف طبع ~~لازم , قال دالا على لومه وعمومه : { بينهم } أي يتكلمون خافضي أصواتهم من ~~الهيبة والجزع . | ولما كانت الزرقة أبغض ألوان العيون ألى العرب لعدم ~~إلفهم لها , والمخافتة أبغض الأصوات إليهم لأنها تدل عندهم على سفول الهمة ~~والجبن وكانوا من الزرقة أشد نفرة لأن المخافتة قد يتعلق بها غرض . | ~~رتبهما سبحانه كذلك , ثم بين ما يتخافتون به ms3068 فقال : { إن } أي يقول بعضهم ~~لبعض : ما { لبثتم } أي في الدنيا استقصارا لمدة إقامتهم في غيب ما بدا لهم ~~من المخاوف , أو غلظا ودهشة { إلا عشرا } أي عقدا واحداص , لم يزد على ~~الآحاد إلا بواحدة , وهو ل أنه سنون سن من يبلغ الحلم , فكيف إذا كان شهورا ~~أو أياما فلم يعرفوا لذة العيش بأي تقدير كان . | < < # | طه : ( 104 - 108 ) نحن أعلم بما . . . . . # > > ^ ( نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما * ~~ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا * فيذرها قاعا صفصفا * لا ترى فيها ~~عوجا ولا أمتا * يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا ~~تسمع إلا همسا ) ^ } ) | ولما كان علم ما يأتي أخفى من علم ما سبق , أتى ~~فيه بمظهر العظمة فقال : { نحن أعلم } من كل أحد { بما يقولون } أي في ذلك ~~اليوم { إذ يقول أمثلهم طريقة } في الدنيا فيما يحسبون , أي اقربهم إلى أن ~~تكون طريقته مثل ما يطلب منه : { إن } أي ما { لبثتم } ودل على أن المعدود ~~المحذوف من الأول الأيام بقوله : { غلا يوما } أي مبدأ الآحاد , لا مبدأ ~~العقود كما قال في الاية الأخرى ^ ( { قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } ) ^ [ ~~المؤمنون : 113 ] ^ ( { يقسم المجرومون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا ~~يؤفكون } ) ^ PageV05P045 [ الروم : 55 ] فلا يزالون في إفك وصرف عن الحق ~~في الدارين , لأن الإنسان يموت على ما عاش عليه , ويبعث على ما مات عليه , ~~ويجوز أن يكون المراد أن من قال : إن لبثهم يوم واحد , أمثلهم في نفس الأمر ~~, لأن الزمان وإن طال إنما هو يوم متكرر , ليس مرادا لنفسه , وإنما هو مراد ~~لما يكون فيه فإن كان خيرا كان صاحبه محمودا ولم يضره قصره , وإن كان شرا ~~كان مذموما ولم ينفعه طوله , ويجوز أن يكون أنث أولا إرادة الليالي , لأنها ~~محل الراحة المقصودة بالذات , فكان كأنهم قالوا : لم يكن لنا راحة إلا بزمن ~~يسير جدا أكثر أول العقود , ونص الأمثل على اليوم الذي يمون الكد فيه ~~للراحة في الليل إشارة ms3069 إلى أنهم ما كان لهم في اللبث في الدنيا يستراح فيها ~~. | وإن كانت فيه راحة فهي ضمنية لا أصلية . | ولما أخبر عن بعض ما سبق ثم ~~عن بعض ما يأتي من أحوال المعرضين عن هذا الذكر فيما ينتجه لهم إعراضهم عنه ~~, وختم ذلك باستقصارهم مدة لبثم في هذه الدار , أخبر عن بعض أحوالهم في ~~الإعراض فقال : { ويسألونك عن الجبال } ما يكون حالها يوم يتفخ في الصور ؟ ~~شكا منهم في البعث وقوفا مع الوهم في أنها تكون موجودة على قياس جمودهم لا ~~محالة , لأنها أشد الأشياء قوة , وأطولها لبثا , وابعدها مكثا , فتمنع بعض ~~الناس من سماع النفخ في الصور , وتخيل للبعض بحكم رجع الهواء الحامل للصوت ~~أنه آت من غير جهته فلا يستقيم القصد إلى الداعي { فقل } أي فتسبب عن علمنا ~~بأنهم يسألونك هذا السؤال أنا نقول لك : قل , أو يكون على تقدير شرط , اي ~~فإذا سألوك فقل لهم , وهذا بخلاف ما نول بعد وقوع السؤال عنه مثل الروح ~~وقصة ذي القرنين فإن الأمر بجوابه على طريق الاستئناف لما هناك من استشراف ~~النفس للجواب { ينسفها } أي يقلعها من أماكنها ويذريها بالهواء { ربي } ~~المحسن إلي بنصري في يوم القيامة نصرا لا يبلغ كنهه { نسفا } عند النفخة ~~الأولى { فيذرها } أي أماكنها { قاعا } أي ارضا ملساء { صفصفا } أي مستويا ~~كأنه صف واحد لا اثر للجبال فيه { لا ترى } أي بالبصر ولا بالبصيرة { فيها ~~} أي مواضع الجبال { عوجا } بجه من الوجوه , وعبر هنا بالكسر هو للمعاني , ~~ولم يعبر بالفتح الذي يوصف به الأعيان , ومواضع الجبال أعبيان لا معاني , ~~نفيا للاعوجاج على أبلغ وجه , بمعنى أنك لو جمعت أهل الخبرة بتسوية الأراض ~~لا تفقوا على الحكم باستوائها , ثم لو جمعت أهل الهندسة فحكموا مقاييسهم ~~العلمية فيها لحكموا بمثل ذلك { ولا أمتا } أي شيئا مرتفعا كالكدية أو نتوا ~~يسيرا أو شقا أو اختلافا ؛ وقال البيضاوي والزمخشري : الأمت النتو اليسير , ~~قال الغزالي في الدرة الفاخرة : ينفخ في الصور فتطاير الجبال , وتفجر ~~الأنهار بعضها في بعض , PageV05P046 فيمتلئ عالم الهواء ms3070 ماء , تنتثر ~~الكواكب وتتغير السماء والأرض , ويموت العالمون فتخلو الأرض والسماء ؛ قال ~~: ثم يكشف سبحانه عنن بيت في سقر فيخرج لهيب النار فيشتعل في البحور فتنشف ~~, ويدع الأرض جمرة سوداء , والسموات كأنها عكر الزيت والنحاس المذاب , ثم ~~يفتح تعالى خزانة من خزائن العرش فيها بحر الحياة , فيمطر به الأرض , وهو ~~كمني الرجال فتنبت الأجسام على هيئتها , الصبى صبي , والشيخ شيخ , وما ~~بينهما , ثم تهب من تحت العرش نار لطيفة فتبر الأرض ليس فيها جبل ولا عوج ~~ولا أمت , ثم يحيى الله إسرافيل فينفخ في الصور من صخرة القدس , فتخرج ~~الأرواح من ثقب في الصور بعددها كل روح إلى جسدها حتى الوحش والطير فإذا هم ~~بالساهرة . | ولما أخبر سبحانه بنزول ما يكون منه العوج في الصوت قال : { ~~يومئذ } أي إذ ينفخ في الصور فتنسف الجبال { يتبعون } اي أهل المحشر بغاية ~~جهدهم { الداعي } اي بالنفخ منتصبين ليه على الاستقامة { لا عوج له } أي ~~الداعي في شيء من قصدهم إليه , لأنه ليس في الأرض ما يحوجهم إلى التعريج ~~ولا يمنع الصوت من النفوذ على السواء ؛ وقال أبو حيان : أي لا عوج لدعائه , ~~بل يسمع جميعهم فلا يميل إلى ناس دون ناس . | ولما اخبر بخشوعهم في الحديث ~~والانقياد للدعوة , أخبر بخشوع غير ذلك من الأصوات التي جرت العادة بكونها ~~عن الاجتماع فقال : { وخشعت الأصوات } أي ارتخت وخفيت وخفضت وتطامنت لخشوع ~~أهلها { للرحمن } أي الذي عمت نعمه , فيرجى كرمه , ويخشى نقمه { فلا } أي ~~فيتسبب عن رخوتها أنك { تسمع إلا همسا } أخفى مايكون من الأصوات , وقيلك ~~أخفى شيء من أصوات الأقدام . | < < # | طه : ( 109 - 112 ) يومئذ لا تنفع . . . . . # > > ^ ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا * يعلم ~~ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما * وعنت الوجوه للحي القيوم وقد ~~خاب من حمل ظلما * ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما ) ~~^ } ) | ولما تقرر ما للأصوات من الانخفات , وكان قد أشير فيما مضى إلى ~~وقوع الشفاعة من بعض أخصائه ms3071 بإذنه , وكان الحشر للحساب بمعرض التقريب لبعض ~~والتبعيد لبعض , وكانت العادة جارية بأن المقرب يشفع للمعبد , لما بين أهل ~~الجمع من الوصل والأسباب المقتضية لذلك , وكان الكفار يزعمون أن آلهتهم ~~تشفع لهم قال نافيا لأنن تقع شفاعة بغير إذنه , معظما ذلك اليوم بالإنذار ~~منه مرة بعد مرة : { يومئذ } أي إذ كان ما تقدم { لا تنفع الشفاعة } أي لا ~~تكون شفاعة ليكون لها نفع , لأنه قد ثبت بما مضى أنه لا صوتن وتقرر في ~~تحقيق المحصورات من علم الميزان أن السالبة الحقيقية لا PageV05P047 تستدعي ~~وجود الموضوع في الخارج , وإنما حول العبارة لأن المقصود بالذات النفع , ~~فنفيه بادىء بدا أفظع , وقرع السمع به أولا أهول وافزع { إلا } أي إلا ~~شفاعة { من أذن له الرحمن } العم النعمة { ورضي له قولا } ولو الإيمان ~~المجرد . | ولما نفي أن تقع الشفاعة بغير إذنه , علل ذلك - كما سلف في آية ~~الكرسي - بقوله : { يعلم ما بين ايديهم } أي الخلائق وهو كل ما يعلمونه { ~~وما خلفهم } وهو كل ما غاب عنهم علمه , أي علمه سبحانه محيط بهم , فهو يمنع ~~قلوبهم في ذلك اليوم بما يوجد من الأسباب أن تهم بما لا يرضاه { ولا يحيطون ~~به علما } ليجترزوا عما يقدره عليهم , و { علما } تمييز منقول من الفاعل , ~~أي ولا يحيط علمهم به - قال أبو حيان . | والأقرب عندي كونه منقولا عن ~~المفعول الذي تعدى إليه الفعل بحرف الجر , أي ولا يحيطون بعلمه , فيكون ذلك ~~أقرب إلى ما في آية الكرسي . | ولما ذكر خشوع الأصوات , أتبعه خضوع دونها ~~فقال : { وعنت الوجوه } اي ذلت وخضعت واستسلمت وجوه الخلائق كلهم , وخصها ~~لشرفها ولأنها أول ما يظهر فيه الذل { للحي } الذي هو مطلع على الدقائق ~~والجلائل , وكل ما سواه جماد حيث ما نسبت حياته إلى حياته { القيوم } الذي ~~لا يغفل عن التدبير ومجازاة كل نفس بما كسبت { وقد خاب } أي خسر خسارة ~~ظاهرة { من حمل } منهم أو من غيرهم { ظلما } . | ولما ذكر الظلم , أتبعه ~~الحكيم فقال : { ومن يعمل } ولما كان الإنسان محل العجز وإن اجتهد ms3072 , قال { ~~من الصالحات } أي التي أمره الله بها بحسب استطاعته , لأنه ( لن يقدر الله ~~أحد حق قدره ) ( ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ) { وهو مؤمن } ليكون بناؤها ~~على الأساس , وعبر بالفاء غشارة إلى قبول الأعمال وجعلها سببا لذلك الحال ~~فقال : { فلا يخاف } بأن ينسب إليه سوء لم يقترفه لأن الجزاء من جنس العمل ~~, وقراءة ابن كثير بلفظ النهي محققة للمباغة في النفي { ولا هضما } اي نقصا ~~من جزائه وإن كان هو لم يوف المقام حقه لأنه لا يستطيع ذلك , وأصل الهضم ~~الكسر , وأما غير المؤمن فلو عمل أمثال الجبال من الأعمال لم يكن لها وزر . ~~| < < # | طه : ( 113 - 115 ) وكذلك أنزلناه قرآنا . . . . . # > > ^ ( وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو ~~يحدث لهم ذكرا * فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرآن من قبل إن يقضى ~~إليك وحيه وقل رب زدني علما * ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي ولم نجد له ~~عزما ) ^ } ) | ولما اشتملت هذه الآية على الذروة من حسن المعاني , فبشرت ~~ويسرت , وأنذرت وحذرت , وبينت الخفايا , وأظهرت الخبايا , مع ما لها من ~~جلالة السبك وبراعة PageV05P048 النظم , كان كأنه قيل تنبيها على جلالتها : ~~أنزلناها على هذا المنوال العزيز المثال { وكذلك } أي ومثل هذا الإنزال { ~~أنزلنه } أي هذا الذكر كله بعظمتنا { قرآنا } جامعا لجميع المعاني المقصودة ~~{ عربيا } مبينا لما أودع فيه لكل من له ذوق في أساليب العرب . | ولما كان ~~أكثر هذه الآيات محذرا , قال : { وصرفنا } اي بما لنا من العظمة { فيه من ~~الوعيد } أي ذكرناه مكررين له محولا في أساليب مختلفة , وأفانين متنوعة ~~مؤتلفة . | ولما ذكر الوعيد , أتبعه ثمرته فقال : { لعلهم يتقون } أي ليكون ~~الناظر لهم بعد ذلك على رجاء من أن يتقوا ويكونوا به في عداد من يجدد ~~التقوى كل حين , بأن تكون له وصفا مستمرا , وهي الحذر الحامل على اتخاذ ~~الوقاية مما يحذر { أو } فيعداد من { يحدث } أي يجدد هذا التصريف { لهم ~~ذكرا } اي ما يستحق أن يذكر من طرق الخير , فيكون سببا للخوف الحامل على ~~التقوى ms3073 , فيردهم عن بعض ما تدعو إليه النفوس من النقائض والبؤس . | ولما ~~بلغت هذه الجمل نهاية الإعجاز , فاشتملت على غاية الحكمة , دالة على أن ~~لقائلها تمام العلم والقدرة والعدل ف أحوال الدراين , تسبب عن سوقها كذلك ~~أن بان له من العظمة ما أفهمه قوله , معظما لنفسه الأقدس بما هو له أهل بعد ~~تعظيم كتابه تعليما لعباده ما يجب له من الحق دالا بصيغة التفاعل على مزيد ~~العلو : { فتعلى الله } أي بلغ الذي لا يبلغ الواصفون وصفه حق وصفه من ~~العلو أمرا لاتحتمله العقول , فلا يلحقه شيء من غلحاد الملحدين ووصف ~~المشركين { الملك } الذي لا يعجزه شيء , فلا ملك في الحقيقة غيره { الحق } ~~اي الثابت الملك , فلا زوال لكونه ملكا في زمن ما ؛ ولعظمة ملكه وحقية ذاته ~~وصفاته صرف خلقه على ما هم عليه من الأمور المتباينة . | ولما كانت هذه ~~الآيات في ذم من أعرض عن هذا الذكر , كان تقدير : فلا تعرض عنه , بل أقبل ~~عليه لتكون من المتقين الذاكرين , ولما كان هذا الحث العظيم ربما اقتضى ~~للمسابق في التقوى المبالغة في المبادرة إليه فيستعجل بتلقفه قبل الفراغ من ~~إيحائه , قال عاطفا على هذا المقدر : { ولا تعجل بالقرآن } أي بتلاوته . | ~~ولما كان النهي عاما لجميع الأوقات القبلية , دل عليه بالجار لئلا يظن أنه ~~خاص بما يستغرق زمان القبل جملة واحدة فقال : { من قبل أن } ولما كان النظر ~~هنا إلى فراغ الإيحاء لا إلى موح معين , بنى للمجهول قوله : { يقضى } أي ~~ينهى { إليك وحيه } من الملك النازل إليك من حضرتنا به كما أنا لم نعجل ~~بإنزاله عليك جملة , بل رتلناه لك PageV05P049 ترتيلا , زنزلناه إليك ~~تنزيلا مفصلا تفصيلا , وموصلا توصيلا - كما أشرنا غليه أول السورة , فاستمع ~~له ملقيا جميع تأمك إليه ولا تساوقه بالقراءة , فإذا فرغ فاقرأه فإنا نجمعه ~~في قلبك ولا نسقيك بإنسائه وأنت مصغ إليه , ولأ بتكليفك للمساوقة بتلاوته { ~~وقل ربي } اي المحسن إلي بإفاضة العلو علي { زدني علما } أي بتفهيم ما ~~أنزلت إلي منه وإنزال غيره كما زدتني بإنزاله وتحفيظه , لتتمكن ms3074 من معرفة ~~الأسباب المفيدة لتبع الخلق لك , فإنه كما تقدم على قدر إحاطة العلم يكون ~~شمول القدرة , وفي هذا دليل على أن التاني في العلم بالتدبر وبإلقاء السمع ~~أنفع من الاستعجال المتعب للبال المكدر للحال , وأعون على الحفظ , فمن وعى ~~شيئا حق الوعي حفظه غاية الحفظ ؛ وروى الترميذي وابن ماجة والبزار عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( للهم ~~انفعني بما علمتني وعلمني ما ينفعني وزدني علما والحمد لله على كل حال , ~~وأعوذ بالله من حال أهل النار ) أفاده ابن كثير في تفسيره . | ولما قرر ~~سبحانه بقصة موسى عليه السلام ما لشلر إليه أول السورة بما هو عليه من ~~الحلم والتاني على عباده , والإمهال لهم فيما هم عليه من النقص بالنسيان ~~للعهود والنقض للمواثيق , وأتبعها ذكر مدح هذا الذكر الذي تأدت إلينا به , ~~وذم من أعرض عنه , وختمه بما عهد إليه صلى الله عليه وسلم في أمره ونهيا ~~وأمرا , أتبع ذلك سبحانه قصة آدم عليه السلام تحذيرا من الركون إلى ما يسبب ~~النسيان , وحثا على رجوع من نسي إلى طاعة . | الرحمن , وبيانا لأن ذلك الذي ~~قرره من حلمه وإمهاله عادته سبحانه من القدم , وصفته التي كانت ونحن في حيز ~~العدم , وأنه جبل الإنسان على النقص , فلو أخذهم بذنوبهم ما ترك عليها من ~~دابة , فقال عاطفا على قوله < # > 77 ( { وكذلك أنزلناه حكما عربيا } ) 77 < # > [ الرعد : 37 ] أو { كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق } مؤكدا لما ~~تقدم فيه وعهد به من أمر القرآن , ومحذرا من الإخلال بذلك ولو على وجه ~~النسيان , ومنجزا لما وعد به من قص أنباء المتقدمين مما يوافق هذا السياق : ~~{ ولقد عهدنا } بما لنا من العظمة { إلى ءادم } أبي البشر الذي أطلعناه على ~~كثير منها في النهي عن الأكل من الشجرة { من قبل } أي في زمن من الأزمان ~~الماضية قبل هؤلاء الذين تقدم في هذه السورة ذكر نسيانهم وإعراضهم { فنسي } ~~عهدنا وأكل منها مع علمه من تلك العظمة بما ms3075 لا ينبغي أن ينسى معه ذلك العهد ~~المؤكد بذلك الجلال , فعددنا عليه وقوعه في ذلك المنهي ناسيا ذنبا لعلو ~~رتبته عندنا , فهو من باب ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) فكيف بما فوق ~~ذلك ! PageV05P050 { ولم نجد } بالنظر غلى ما لنا من العظمة { له عزما } أي ~~قصدا صلبا ماضيا وإرادة نافذة لا تردد فيها كإرادات الملائكة عليهم السلام ~~, والمعنىى أنه لم يتعلق علمنا بذلك موجودا , ومع ذلك عفونا عنه ولم نزحوحه ~~عن رتبة الاصطفاء . | < < # | طه : ( 116 - 122 ) وإذ قلنا للملائكة . . . . . # > > ^ ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى * فقلنا ~~يآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى * إن لك ألا تجوع ~~فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى * فوسوس إليه الشيطان قال يآدم ~~هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى * فأكلا منها فبدت لهما سوءاتهما ~~وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى ءادم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب ~~عليه وهدى ) ^ } ) | ولما كان المقصود من السورة - كما سلف - الإعلام ~~بالحلم والأناة والتلطف بالنائي والقدرة على المعرض , ذكر فعله آدم عليه ~~السلام هذه في هذه السورة بلفظ المعصية مع التصريح بأنها وجه النسيان , ~~وذكر ذلك أولا مجملا ثم أتبعه تفصيله ليكون ذلك مذكورا مرتين , تأكيدا ~~للمعنى المشار إليه , تقيرا وتحذيرا من الوقوع في منهي , وإرشاد لمن ( غلب ~~عليه ) طبع النقص إلى المباردة إلى الندم وتعاطي أسباب التوبة ليتوب الله ~~عليه ما فعل بآدم عليه السلام فقال : { وإذ } أي اذكر هذا واذكر حين { قلنا ~~} بما لنا من لعظمة , أي اذكر قولنا في ذلك الوقت { للملائكة } أي ~~المجبولين على مضي العزم والتصميم على القصد من غير مانع تردد ولا عائع ~~فتور { اسجدوا لآدم } الذي خلقته بيدي , فلم نأمرهم بذلك إلا بعد أن ~~اصطفيناه ونحن عالمون بما سيقع منه , وأنه لا يقدح في رتبة اصطفائه , فإن ~~الحلم والكرم من صفاتنا , والرحمة من شأننا , فلا تيأس من عودنا بالفضل ~~والرحمة على من بالغ في مقاطعتنا من قومك الذين وصفناهم باللد { فسجدوا ms3076 } ~~أي الملائكة { إلا إبليس } الذي نسب الله إلى الجور والإخلال بالحكمة فكفر ~~فايس من الرحمة وسلب الخير فأصر على إضلال الخلق بالتلبيس , فكأنه قيل : ما ~~كان من حاله في عدم سجوده ؟ فقيل : { ابى } أي تكبر على آدم فعصى أمر الله ~~{ فقلنا } بسبب ذلك بعد أن حملنا عنه ولم نعاجله بالعقوبة : { ياآدم إن هذا ~~} الشيطان الذي تكبر عليك { عدو لك } دائما لأن لبكبر الناشىء عن الحسد لا ~~يزول { ولزوجك } لأنها منك { فلا يخرجانكما } أي لا تصغيا إليه بوجه ~~فيخرجكما , ووجه النهي إليه والمراد : هما , تنبيها على أن لها من الجلالة ~~ما ينبغي أن تصان عن أن يتوجه إليها نهي , وأسند الإخراج إليه لزيادة ~~التحذير والإبالغ في التنفير , وزاد في التنبيه بقوله : { من الجنة } أي ~~فإنه لا يقصر في ضركما وإرادة إنزالكما عنها . | PageV05P051 ولما نص ~~سبحانه على شركتها له في الإخراج فكان من المعلوم شركتها له في آثاره , ~~وكانت المرأة تابعة للرجل , فكان هو المخصوص في هذه الدار بالكل في الكد ~~والسعي , والذب والرعي , وكان أغلب تعبه في أمر المرأة , أفرد لاتحذير منه ~~فقال : لذلك وعدا لتعبها بالنسبة إلى تعبه عدما , وتعريفا بأن أمرها بيده , ~~وهو إن تصلب قادها إلى الخير , وغلا قادته إلى الضير , وعبر عن التعب ~~بالشقاء زيادة في التحذير منه فقال : { فتشقى } أي فتتعب , ولم يرد شقاوة ~~الآخر , لأنه لو أرادها ما دخل الجنة بعد ذلك , لأن الكلام المقدر بعد ~~الفاء خبر , والخبر لا يخلف . | ثم علل شقاوته على تقدير الإخراج بوصفها ~~بما لا يوجد في غيرها من الأقطاب التي يدور علها كفاف الإنسان , وهي الشبع ~~والري والكسوة والكن . | ذاكرا لها بافظ النفي لنقائضها ليطرق سمعه بأسماء ~~أصناف الشقوة التي حذره منها ليصير بحيث يتحامى السبب الموقع فيها كراهة ~~لها , فإذا مضت عليه القدرة الباهرة علم أنه لا يغني حذر من قدر , فقال : { ~~إنك لك } أي علينا { ألا تجوع فيها } أي يوما ما { ولا تعرى } فلا يتجرد ~~باطنك ولا ظاهرك { وإنك لا تظمؤا } بالتهاب القلب { فيها ولا تضحى } أي ms3077 لا ~~يكون بحيث يصيبك حر الشمي , والمعنى أنه لا يصيبك حر في الباطن ولا في ~~الظاهر { فوسوس } أي فتعقب تحذيرنا هذا من غير بعد في الزمان أن وسوس { ~~إليه الشيطان } المحترق المطرود , وهو إبليس , أي ألقى إليه وجه الخفاء بما ~~مكناه من الجري في هذا النوع مجرى الدم , وقذف المعاني في قلبه , وكأنه عبر ~~ب ( إلى ) , لأن المقام لبيان سرعة قبول هذا النوع للنقائض وإن أتته من بعد ~~, أو لأنه ما أنهى إليه ذلك إلا بواسطة زوجه , لذلك عدى الفعل عند ذكرهما ~~بالام , وكأنه قيل : ما دس إليه ؟ فقيل : { قال يا آدم } ثم ساق له الغش ~~مساق العرض , إبعادا لنفسه من التهمة والغرض ؛ وشوقه غليه أولا بقوله : { ~~هل أدلك } فإن النفس شديدة الطلب لعلم ما تجهله ؛ وثانيا بقوله : { على ~~شجرة الخلد } أي التي من أكل منها خلد , فإن الإنسان أحب شيء في طول البقاء ~~؛ وثالثا بقوله : { وملك لا بيلى } أي لا يخلق أصلا , فكأنه قال له بلسان ~~الحال أو القال : نعم , فقال : شجرة الخلد هذه - مشيرا غلى التي نهي عنها - ~~ما بينك وبين الملك الدائم غلا أن تأكل منها . | { فأكلا } أي فتسبب عن ~~قوله وتعقب أم أكل { منها } هو وزوجه , متعين لقوله ناسيين ما عهد إليهما { ~~فبدت لهما } لما خرقا من ستر النهي وحرمته { سوءاتهما } وقوعا لما حذرا منه ~~من إخراجهما مما كانا فيه { وطفقا } أي شرعا { يخصفن } أي يخيطان أو ~~PageV05P052 يلصقان { عليهما من ورق الجنة } ليسترا عوراتهما { وعصى ءادم } ~~وإن كان إنما فعل المنهي نسيانا , لأن عظم مقامه وعلو رتبته يقتضيان له ~~مزيد الاعتناء ودوام المراقبة مع ربط الجأش ويقظة الفكر { ربه } أي المحسن ~~إليه بما لم ينله أحدا من بنيه من تصويره له بيده وإسجاد ملائكته له ~~ومعاداة من عاداه { فغوى } من الغواية وهي الضلال , ولذلك قالوا : المعنى : ~~فضل عن طريق السداد , فأخطأ طريق التوصل إلى الخلد بمخالفة أمره , وهو صفيه ~~, لم ينزله عن رتبة الاصطفاء , لأن رحمته واسعة , وحلمه عظيم , وعفوه شامل ~~, فلا يهمنك أمر القوم اللد ms3078 , فإنا قادرون على أن نتقبل بقلوب من شءنا منهم ~~فنجعلهم من أصفى الأصفياء , ونخرج من أصلاب من شئنا منهم من نجعل قلبه معدن ~~الحكمة والعلم . | ولما كان الرضى عنه - مع هذا الفعل الذي أسرع فيه اتباع ~~العدو وعصيان الولي بشيء لا حاجة به إليه - مستبعدا جدا , أثبت ذلك تعالى ~~مشيرا إليه بأداة التراخي فقال : { ثم احتباه ربه } اي المحسن إليه { فتاب ~~عليه } أي بسبب الاجتباء بالرجع إلى ما كان عليه من طريق السداد { وهدى } ~~بالحفظ في ذلك كما هو الشأن في أهل الولاية والقرب . | < < # | طه : ( 123 - 127 ) قال اهبطا منها . . . . . # > > ^ ( قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن ~~اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى * ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره ~~يوم القيامة أعمى * قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا * قال كذلك أتتك ~~آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى * وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ~~ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) ^ } ) | ولما كانت دور الملوك لا تحتمل مثل ذلك ~~, وكان قد قدن سبحانه عنايته بآدم عليه السلام اهتماما به , وكان الخبر عن ~~زوجه وعن إبليس لم يذكر , فكانت نفس السامع لم تسكن عن تشوفها إلى سماع ~~بقية الخبر , أجاب عن ذلك بأنه أهبط من دراه المقدسة الحامل على المخالفة ~~والمحمول وإن كان قد هيأه بالاجتباء لها , فقال على طريق الاستئناف : { قال ~~} أي الرب الذي انتهكت حرمة داره : { اهبطا منها } أيها الفريقان : آدم ~~وتبعه , وإبليس { جميعا } . | ولما كان السياق لوقوع النسيان وانحلال العزم ~~بعد أكيد العهد , حرك العزم بعث PageV05P053 الهم بإيقاع العداوة التي تنشأ ~~عنها المغالبة , فتبعث الهمم وتثير العزائم , فقال في جواب من كأنه قال : ~~على أي حال يكون الهبوط : { بعضكم لبعض عدو } وهو صادق بعداوة كل من ~~الفريقين للفريق الآخر : فريق إبليس - الذين هم الجن - بالإضلال , وفريق ~~الإنس بالاحتراز منهم بالتعاويذ والرقى وغير ذلك , وبعداوة بعض كل فريق ~~لبعضه { فإما } أي فتسبب عن ذلك العلم بأنه لا قدرة لأحد منكم على التحرز ms3079 ~~من عدوه إلا بي ولا حرز لكم من قبلي إلا اتباع أمري , فإما { يأتينكم } أي ~~أيها الجماعة الذين هم أضل ذوي الشهوات من المكلفين { مني هدى } تحترزون به ~~عن اتهوا العدو واستزلاله { فمن اتبع } عبر صيغة ( افتعل ) التي فيها تكلف ~~وتتميم للتبع الناشىء عن شدة الاهتمام { هداي } الذي أسعفته به من أوامر ~~الكتاي والرسول المؤيد بدلالة العقل , وللتعبير بصيغة ( افتعل ) قال ( { ~~فلا يضل } أي بسبب ذلك , عن طريق السداد في الدنيا ولا في الآخرة أصلا { ~~ولا يشقى } أي في شيء من سعيه في واحدة منهما , فإن الشقاء عقاب الضلال , ~~ويلزم من نفيه نفي الخوف والحزن بخلاف العكس , فهو أبلغ مما في البقرة , ~~فإن المدعو غليه في تلك مطلق العبادة , والمقام في هذه للخشية والبعث على ~~الجد بالعداوة { إلا تذكرة لمن يخشى } وللإقبال على الذكر { من أعرض عنه ~~فإنه يحمل يوم القيامة وزرا } والتحفظ من المخالفة ولو بالنسيان { فنسي ولم ~~نجد له عزما } . | قال الرازي في اللوامع : والشقاء : فراق العبد من الله , ~~والسعادة وصوله غليه ؛ وقال الأصبهاني عن ابن عباس رضي الله عنهما : ضمن ~~الله عز وجل لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة { ومن ~~أعرض } اي فعل دون فعل الرضيع بتعمد الترك لما ينفعه بالمجاورة { عن ذكري } ~~الذي هو الهدى { فإن له } ضد ذلك { معيشة } حقرها سبحانه بالتأنيث ثم وصفها ~~بأفظع وصف وهو مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع وغيره فقال : { ضنكا } ~~أي ذات ضنك اي ضيق , لكونه على ضلال وإن رأى أن حاله على غير ذل في السعة ~~والراحة , فإن ضلاله لا بد أن يرديه , فهو ضنك لكونه سببا للضيق وآئلا إليه ~~, من تسمية السبب باسم المسبب , مع أن المعرض عن الله لا يشبع ولا يضل إلى ~~أن يقنع , مستول عليه الحرض الذي لا يزال أن يطيح ببال من من يريد الزدياد ~~من الدنيا , مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الانفاق , عن مناوأة الخصوم , ~~وتعاقب الهموم , مع أنه لا يرجو ثوابا , ولا يأمن ms3080 عقابا , فهو لذلك في أضيق ~~الضيق , لا يزال همه أكبر من وجده ( لو كان لابن آدم واد من ذهب لابتغى ~~إليه ثانيا , ولو أن له واديين لا بتغى لهما ثالثا , ولا يملأ جوف ابن آدم ~~إلا التراب , ويتوب الله على من PageV05P054 تاب ) متفق عليه عن أنس رضي ~~الله عنه , وهكذا حال من أتبع نفسه هواها , وأما المقبل على الذكر بكليته ~~فهو قانع راض بما هو فيه , مستكثر ن ذكر الله الشارح للصدور الجالي للقلوب ~~فهو أوسع سعة , فلا تغتر بالصور وانظر غلى المعاني . | ولما ذكر حاله في ~~الدنيا , أتبعه قوله : { ونحشره يوم القيامة أعمى } وكان ذلك في بعض أوقات ~~ذلك اليوم , قال ابن عباس رضي الله عنهما : إذا خرج من القبر خرج بصيرا , ~~فإذا سيق إلى المحشر عمي , أويكون ذلك - وهو أقرب مفهوم العبارة - في بعض ~~أهل الضلال ليجتمع مع قوله < # > 77 ( { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا } ) 77 < # > [ مريم : 38 ] وحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما في الصحيح من هذا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الظلم ظلمات يوم القيامة . | ) ثم ~~اتأنف قوله : { قال } مذكرا بالنعمة السابقة استعطافا لأن من شأن مسلف نعمة ~~أن يربيها وإن قصر المنعم عليه , وغاية ذلك إنما يمون مهما بقي للصلح موضع ~~: { رب } أي أيها المحسن إلي المسبغ نعمه علي { لم حشرتني } في هذا اليوم { ~~أعمى وقد كنت } أي في الدنيا , أو في أول هذا اليوم { بصيرا * } فكأنه قيل ~~: بم أجيب ؟ فقيل : { قال } له ربه : { كذلك } أي مثل هذا الفعل الشنيع ~~فعلت في الدنيا , والمعنى : مثل ما قلت كان ؛ ثم فسر على الأول , وعلل على ~~الثاني , فقال : { أتتك ءاياتنا } على عظمتها التي هي من عظمتنا { فنسيتها ~~} أي فعاملتها بإعراضك عنها معامله المنسي الذي لا يبصره صاحبه , فقد جعلت ~~نفسك أعمى البصر والبصيرة عنها , كما قال تعالى : < # > 77 ( { الذين كانت أعينهم في غطآء عن ذكري } ) 77 < # > [ الكهف : 101 ] أي ومثل ذلك النسيان الفظيع , وقدم الظرف ليسد سوقه ~~للمظروف ويعظم اختباره لفهمه فقال : { اليوم تنسى ms3081 * } أي تترك على ما أنت ~~عليه بالعمى والشقاء بالنار , فتكون كالشيء الذي لا يبصره أحد ولا يلتفت ~~إليه { وكذلك } أي ومثل ذلك الجزاء الشديد { نجزي من أسرف } في متابعة هواه ~~فتكبر عن متابعة أوامرنا { ولم يؤمن بآيات ربه } فكفر إحسانه إما بالتكذيب ~~وإما بفعله فعل المكذب . | ولما ذكر أن هذا الضال كان في الدنيا معذبا ~~بالضنك , وذكر بعض ما له ف الآخرة , قال مقسما لما له من التكذيب : { ~~ولعذاب اللآخرة } بأي نوع كان { اشد } من عذاب الدنيا { وابقى * } منه , ~~فإن الدنيا دار زوال , وموضع قلعة وارتحال . | PageV05P055 < < # | طه : ( 128 - 135 ) أفلم يهد لهم . . . . . # > > ^ ( أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ~~ذلك لآيات لأولي النهى * ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى * ~~فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنآء ~~الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى * ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به ~~أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى * وأمر ~~أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى * ~~وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى * ولو ~~أنآ أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع ~~آياتك من قبل أن نذل ونخزى * قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط ~~السوي ومن اهتدى ) ^ } ) | ولما كان ما مضى من هذه السورة وما قبلها من ذكر ~~مصارع الأقدمين , وأحاديث المكذبين , بسبب العصيان على الرسل , سببا عظيما ~~للاستبصار والبيان , كانوا أهلا لأن ينكر عليهم لزومهم لعماهم فقال تعالى : ~~{ أفلم يهد } أي يبين { لهم كم أهكنا قبلهم } اي كثرة إهلاكنا لمن تقدمهم { ~~من القرون } بتكذيبهم لرسلنا , حال كونهم { يمشون في مساكنهم } ويعرفون ~~خبرهم بالتورات خلفا عن سلف أنا ننصر أولياءنا ونهلك أعدائنا ونفعل ما شئنا ~~! والأحسن أن لا يقدر مفعول , ويكون المعنى : أو لم يقع لهم البيان الهادي ~~, ويكون ما بعده استئنافا عينا كما وقع البيان ms3082 بقوله استئنافا : { إن في ~~ذلك } أي الإهلاك العظيم الشأن المتوالي في كل أمة { لآيات } عظيمات البيان ~~{ لأولي النهي * } أي العقول التي من شا , ها النهي عما لا ينفع فضلا عنا ~~يضر , فإنها تدل بتواليها على عموم القدرة , وعلى أنه تعالى لا يقر على ~~الفساد وإن أمهل - إلى غير ذلك من له وازع من عقله . | ولما هددهم بإهلاك ~~الماضيين , ذكر سبب التأخير عنهم , عاطفا على ما أرشد إلى تقديره السياق , ~~وهو مثل أن يقال : فلو أراد سبحانه لعجل عذابهم : { ولا كلمة } اي عظيمة ~~ماضية نافذة { سبقت } أي في الأزل { من ربك } الذي عودك بالإحسان بأنه ~~يعامل بالحلم والأناة , وأنه لا يستأصل مكذبيك , بل يمد لهم , ليرد من شاء ~~منهم ويخرج من أصلاب بعضهم من يعبده , وإنما ذلك إكراما لك رحمة لأمتك لأنا ~~كما قلنا أول السورة { ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى } بإهلاكهم وإن كانوا ~~قوما لدا , ولا بغير ذلك , زما أنزلناه غلا لتكثر أتباعك , فيعملوا الخيرات ~~, فيكون ذلك زيادة في شرفك , وإلى ذلك الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم ( ~~وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا ) { ~~لكان } اي العذاب { لزاما } أي لازما أعظم لزوم لكل من أذنب عند ~~PageV05P056 أول ذنب يقع منه لشرفك عنده وقربك لديه { و } لولا { أجل مسمى ~~* } ضربه لكل شيء لكان الأمر كذلك أيضا , لكنه سبقت رحمته غضبه فهو لا يجعل ~~, وضرب الأجل فهو لا يأخذ قبله , وكل من سبق الكلمة وتسمية الأجل مستقل ~~بالإمهال فكيف إذا اجتمعا , فتسبب عن العلم بأنه لا بد من استيفاء الأجل ~~وإن زاد العاصي في العصيان تسليم الأمور إلى الله وعدم القلق في انتظار ~~الفرج فقال : { فاصبر على ما يقولون } لك من الاستهزاء وغيره . | ولما كان ~~الصبر شديدا على النفس منافرا للطبع , لأن النفس مجبولة على النقائص , ~~مشحونة بالوسواس , أمر منه لأجل من يحتاج إلى الكمال بما ينهض بها من حضيض ~~الجسم إلى أوج الروح بمقامي التحلي بالكمالات والتخلي عن الرعونات , وبدأ ~~بالأول لأنه العون على ms3083 الثاني , وذكر أشرف الحلي فقال : { وسبح بحمد ربك } ~~اي اشتغل بماينجيك من عذابه , ويقربك من جنابه , بأن تنزه من أحسن إليك عن ~~كل نفص , حال كونك حامدا له بإثبات كل كمال , وذلك بأن تصلي له خاصة وتذكره ~~بالذاكرين , غير ملتفت إلى شيء سواه { قبل طلوع الشمس } صلاة الصبح { وقبل ~~غروبها } صلاة العصر والظهر ؛ وغير السياق في قوله : { ومن آناء اليل } اي ~~ساعاته , جمع إنو - بكسر ثم سكون , أي ساعة , لأن العبادة حينئذ أفضل ~~لاجتماع القلب وهدوء الرجل والخلو بالرب , لأن العبادة إذ ذاك أشق وأدخل في ~~التكليف فكانت افضل عند الله { فسبح } أي بصلاة المغرب والعشاء , إيذانا ~~بعظمة صلاة الليل , وكرر الأمر بصلاتي الصبح والعصر إعلاما بمزيد فضلهما , ~~لأن ساعتيها أثناء الطي والبعث فقال : { وأطاف النهار } ويؤيد ما فهمته من ~~أن ذلك تكرير لهما ما في الصحيحين عن جرير ابن عبد الله البجلي رضي الله ~~عنه قال : كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة ~~البدر فقال : ( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته , ~~فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ) , ~~ثم قرأ هذه الاية . | وإلا لم يكن في الآية مزيد حث عليهما خاصة , على أن ~~الفظ ( آناء وأطراف ) صالح لصلاة التطوع من الرواتب وغيرها ليلا ونهارا , ~~وأفاد بذكر الجار في الآناء التبغيض , لأن الليل محل الراحة , ونزعه من ~~الأطراف لتيسير استغراقها بالذكر , لأن النهار موضع النشاط واليقظة , ويجوز ~~- وهو أحسن - أن يكون المراد بما قبل الطلوع الصبح , وما قبل الغروب العصر ~~فقط , وببعض الآناء المغرب والعشاء , وأدخل الجار لكونهما وقتين , وبجميع ~~الأطراف الصبح والظهر والعصر , لأن النهار له لربعة أطراف : أوله , وآخره ~~وآخر نصفه الأول , وأول نصفه الثاني , والكل مستغرق بالتسبيح , ولذلك ~~PageV05P057 نزع الجار , أما الأول والآخر فبالصبح والعصر , وأما الآخران ~~فبالتهيؤ للصلاة ثم الصلاة نفسها , وحينئذ تكون الدلالة على فضيلة الصبح ~~والعصر من وجهين : التقديم والتكرير , وإلى ذلك الإشارة بالحديث , وإذا ~~أريد إدخال ms3084 النوافل حمات الأطراف على الساعات - والله الهادي . | ولما كان ~~الغالب على الإنسان النسيان فكان الرجا عنده أغلب , ذكر الجزاء بكلمة ~~الإطماع لئلا يأمن فقال : { لعلك ترضى * } أي افعل هذا لتكون على رجاء من ~~أن يرضاك ربك فيرضيك في الدنيا والآخرة , بإظهار دينك وأعلاء أمرك , ولا ~~يجعلك في عيش ضنك في الدنيا والآخرة , ولا تكون كذلك إلا وقد أعطاك ربك ~~جميع ما تؤمل . | ولما كانت النفس ميالة إلى الدنايا , مرهونة بالحاضر من ~~فاني العطايا , وكان تخيلها عن ذلك هؤ الموصل إلى حريتها المؤذن بعلو همتها ~~, قال مؤكدا إيذانا بصعوبة ذلك : { ولا تمدن } مؤكدا له بالنون الثقيلة { ~~عينيك } أي لا تطول نظرهما بعد النظرة الأولى المعفو عنها قاصدا للاستحسان ~~{ إلى ما متعنا به } بما لنا من العظمة التي لا ينقصها تعظم أعدائنا به في ~~هذه الحياة الفانية { أزواجا } أي أصنافا متشاكلين { منهم } اي من الكفرة { ~~زهرة } أي تمتيع { الحياة الدنيا } لا ينتفعون به في الآخرة لعدم صرفهم له ~~في أوامر الله , فهو مصدر من المعنى مثل جلست قعودا , ثم علل تمتيعهم بقوله ~~تعالى : { لنفتنهم فيه } أي لنفعل بهم فعل المختبر , فيمون سبب عذابهم في ~~الدنيا بالعيش الضنك لما مضى , وفي الآخرة بالعذاب الأليم , فصورته تغر من ~~لم يتأمل معناها حق التأمل , فما أنت فيه خير مما هم فيه { ورزق ربك } الذي ~~عود به أولياءه - وهو في دار السفر - الكفاف الطيب المقرون بالتوفيق { خير ~~} من زهرتهم , لأنه يكفي ولا يطغي وزادك ما يدني إلى جنابه فيعلي { وأبقى * ~~} فإنه وفقك لصرفه في الطاعة فكتب لك من أجره ما توفاه يوم الحاجة على وجه ~~لا يمكن أحدا من الخلق حصره , ةتكون الدنيا كلها فضلا عما في ايديهم أقل من ~~قطرة بالنسبة إلى بحره , وإضافة رزقه دون رزقهم إليه سبحانه - وإن كان الكل ~~منه - للتشريف , وفي النعبير بالرب إيذان بالحل , وفيه إشارة إلى ظهوره ~~عليهم وحياته بعدهم كما هو الشأن في الصالحين الطالحين . | ولما أمر بتزكية ~~النفس أتبعه الإعلام بأن منها تزكية الغير , لأن ذلك أدل ms3085 على الإخلاص , ~~وأجدر بالخلاص , كما دل عليه مثل السفينة الذي ضربه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لمن PageV05P058 يأمر بالمعروف ومن يتركه فقال { وأمر أهلك ~~بالصلاة } كما كان أبوك إسماعيل عليه السلام , ليقودهم إلى كل خير < # > 77 ( { إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر } ) 77 < # > [ العنكبوت : 45 ] ولم يذكر الزكاة لدخولها في التزهيد بالآية التي ~~قبلها . | ولما كانت شديدة على النفس عظيمة النفع , قال { واصطبر } بصيغة ~~الافتعال { عليها } أي على فعلها , مفرغا نفسك لها وإن شغلتك عن بعض أمر ~~المعاش , لأنا { لا نسألك رزقا } أي نكلفك طلبه لنفسك ولا لغيرك , فإن ما ~~لنا من العظمة يأبى أن نكلفك أمرا , ولا نكفيك ما يشغلك عنه . | ولما كانت ~~النفس بكليتها مصروفة إلى أمر المعاش , كانت كأنها تقول : فمن أين يحصل ~~الرزق ؟ فقال : { نحن } بنون العظمة { نرزقك } لك ولهم ما قدرناه لكم من أي ~~جهة شئنا من ملكنا الواسع وإن كان يظن أنها بعيدة , ولا ينفع في الرزق حول ~~محتال , فاتقوا الله وأجملوا في الطلب , ولا تدأبوا في تحصيله والسعي فيه , ~~فإن كلا من الجاد فيه والمتهاون به لا يناله أكثر مما قسمناه له في الأزل ~~ولا أقل , فالمتقي لله المقبل على ذكره واثق بوعده انع راض فهو في أوسع سعة ~~, والمعرض متوكل على سعيه فهو في كد وشقاء وجهد وعناء أبدا { والعاقبة } أي ~~الكاملة , وهي التي لا عاقبة في الحقيقة غيرها , وهي الحالة الجميلة ~~المحمودةة التي تعقب الأمور , أي تكون بعدها { للتقوى * } أي لأهلها , ولا ~~معولة على الرزق وغيره توازي الصلاة , فقد كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة - أخرجه أحمد عن حذيفة وعلقه البغوي في ~~آخر سورة الحجر , وقال الطبراني في معجمه الأوسط : ثنا أحمد - هو ابن يحيى ~~الحلواني - ثنا سعيد - هو ابن سليمان - عن عبدالله بن المبارك عن معمر عن ~~محمد بن حمزة عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا نزل بأهله الضيق أمرهم بالصلاة , ثم ms3086 قرأ { وأمر أهلك بالصلاة ~~} الآية . | لا يروى هذا الحديث عن عبدالله بن سلام إلا بهذا الإسناد , ~~تفرد به معمر , وقال الحافظ عماد الدين إسماعيل بن كثير في تفسيره : وقال ~~ابن أبي حاتم : حدثنا أبي عبد الله بن أبي زياد القطران ناسيارنا جعفر عن ~~ثابت قال : كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أصابته خصاصة نادى أهله : ( ~~يأهلاه صلوا صلوا , ) PageV05P059 قال ثابت : وكان الأنباء إذا نزل بهم أمر ~~فزعوا إلى الصلاة , وقد روى الترميذي وابن ماجه كلاهما في الزهد - وقال ~~الترميذي : حسن غريب - من حديث عمران بن زائدة عن أبيه عن أبي خالد الوالبي ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ~~يقول الله تعالى : تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك , وإن لم تفعل ~~ملأت صدرك شغلا ولم أسد فقرك . | ( وروى ابن ماجة من حديث الضحاك عن الأسود ~~عن ابن مسعود رضي الله عنه : سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول : ) من ~~جعل الهموم هما واحدا هم المعاد , كفاه الله هم دنياه , ومن تشعبت به ~~الهموم أحوال الدنيا لم يبال الله في أي أوديتهاهلك . | ( وروى أيضا من ~~حديث عمر بن سليمان عن عبد الرحمن بن أبان عن أبيه عن زيد بن ثابت رضي اله ~~عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ) من كانت الدنيا همه فرق ~~الله عليه أمره , وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له , ~~ومن كانت الآخرة نيته جمع الله أمر , وجعل غناه في قلبه , وأتته الدنيا وهي ~~راغمة . | ( ولما قدم في هذه السورة ما ذكر من قصص الأولين وأخبار الماضين ~~, مبكتا بذلك من أمر قريش بالتعنت من اليهود , فلم يقدروا على إنكار شيء ~~منه ولا توجيه طعن إليه , وخلله ببدائع الحكم , وغرائب المواعظ في ارشق ~~الكلم , وختم ذلك بأعظم داع إلى التقوى , عجب منهم في كونهم لا يذعنون للحق ~~أنفة من المجاهرة بالباطل , أو خوفا من سوء العواقب , فقال : { وقالوا } ~~ولعله عطف على ما ms3087 يقدر في حيز قوله { أفلم يهد لهم إلى قوله : إن في ذلك ~~لآيات } من أن يقال : وقد أبوا ذلك ولم يعدوا شيئا منه ىية : { لولا } أي ~~هلا ولم لا { يأتينا } أي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم { بآية } أي ~~مثل الأولين { من به } المحسن إليه , دالة على صدقه . | ولما تضمن هذا أنهم ~~لم يعدوا شيئا من هذه البينات - التي أدلى بها على من تقدمه - آية مكابرة , ~~استحقوا الإنكار , فقال : { أولم } أي ألم يأتهم من الآيات في هذا القرآن ~~مما خصصتك به من الأحكام والحكم في أبلغ المعاني بأرشق النظوم ما أعجز ~~بلغاءهم , وأبكم فصحاءهم , فدل قطعا على أنه كلامي , أو لم { تأتهم بينة ما ~~} أي الأخبار التي { في الصحف الأولى * } من صحف إبراهيم وموسى وعيسى وداود ~~عليهم السلام في التوارة والإنجيل والزبور وغير ذلك من الكتب الإلهية كقصتي ~~آدم وموسى المذكورتين PageV05P060 في هذه السورة وغيرهما مما تقدم قصة لها ~~كما هي عند أهلها على وجوه لا يعلمها إلا قليل من حذاقهم من غير أن يخالط ~~عالما منهم أو من غيرهم , ومن غير أن يقدر أحد منهم على معارضته ما أتى به ~~في قصتها من النظم المنتج قطعا أنه لا معلم له إلا الله المرسل له , وأن ~~أتى به منها شاهد لما في الصحف الأولى من ذلك بالصدق , لأنه كلام الله , ~~فهو بينة على غيره لإعجازه , فجميع الكتب الإلهية مفتقرة إلى شهادته افتقار ~~المحتج عليه إلى شهادة الحجة , ولا افتقار له بعد العجز عنه إلى شيء أصلا , ~~فهو أعظم من آيات جميع الأنبياء اللاتي يطلبون مثلها بما لا يقايس . | ولما ~~تبين بذلك أنهم يطعنون بما لا شبهة لهم فيه أصلا , أتبعه ما كان لهم فيه ~~نوع شبهة لو وقع , فقال عاطفا على { ولولا كلمة : { ولو أنا أهلكناهم } ~~معاملة لهم في عصيانهم بما يقتضيه مقام العظمة { بعذاب من قبله } أي من قبل ~~هذا القرآن المذكور في الآية الماضية وما قاربها , وفي قوله { ولا تعجل ~~بالقرآن } صريحا , وكذا في مبنى السورة { ما ms3088 أنزلنا عليك القرآن لتشقى } { ~~لقالوا } يوم القيامة : { ربنا } يا من هو متصف بالإحسان إلينا { لولا } أي ~~هلا ولم لا { أرسلت } ودلوا على عظمته وعلو رتبته بحرف الغاية فقالوا : { ~~إلينا رسولا } أي يأمرنا بطاعتك { فنتبع } أي فيتسبب عنه أن نتبع { آياتك } ~~التي يجيئنا بها . | ولما كان اتباعهم لا يستغرق زمان القبل قالوا : { من ~~قبل أن نذل } بالعذاب هذا الذل { ونخزى * } بالمعاصي التي عملناها على جهل ~~هذا الخري فلأجل ذلك أرسلناك إليهم وأقمنا بك حجة عليهم , ونحن نترفق بهم , ~~ونكشف عن قلوب من شئنا منهم ما عليها من الرين بما ننزل من الذكر ونجدد من ~~الآيات حتى نصدق أمرك ونعلي شأنك ونكثر أباعك وننصر أشياعك . | ولما علم ~~بهذا أن إيمانهم كالمتنع , وجدالهم لا ينقطع , بل إن جاءهم الهدى طعنوا فيه ~~, وإن عذبوا فبله تظلموا , كان كأنه قيل : فما الذي أفعل معهم ؟ فقال : { ~~قل كل } أي مني ومنكم { متربص } أي منتظر حسن عاقبة أمره ودوائر الزمان على ~~عدوه { فتربصوا } فإنكم كالبهائم ليس لكم تأمل , ولا تجوزون الجائز إلا عند ~~وقوعه { فستعلمون } اي عما قريب بوعد لا خلف فيه عند كشف الغطاء { من أصحاب ~~الصراط } اي الطريق الواضح الواسع { السوي } أي الذي لا عوج فيه ولا نتو , ~~فهو من شأنه أن يوصل إلى المقاصد . | ولما كان صاحب الشيء قد لا يكون عالما ~~بالشيء ولا عاملا بما يعلم منه , قال { ومن اهتدى * } اي من الضلالة فحصل ~~على جميع ما ينفعه واجتنب جميع ما يضره , PageV05P061 نحن أم أنتم ؟ ولقد ~~علموا يقينا ذلك يوم فتح مكة المشرفة , واشتد اغتباطهم بالإسلام , ودخلوا ~~رغبة في الحلم والكرم , ورهبة من السيف والنقم , وكتنوا بعد ذلك يعجبون من ~~توقفهم عنه ونفرتهم منه , وهذا معناه أنه صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه هم ~~السعداء الأغنياء الراضون في الدنيا والآخرة , وهو عين قوله تعالى : { ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى } فقد انطبق لآخر على الأول , ودل على أن العظيم ~~يعامل بالحلم فلا يعجل - والله أعلم . | . . . . . . | PageV05P062 < # > سورة الأنبياء < # > | مقصودها الاستدلال على تحقق الساعة وقربها ولو ms3089 بالموت ، ووقوع الحساب ~~فيها على الجليل والحقير ، لأن موجدها لا شريك له يعوقه عنها ، وهن من لا ~~يبدل القول لديه ، والدال على ذلك أوضح دلالة مجموع قصص جماعة ممن ذكر فيها ~~من الأنبياء عليهم السلام ، ولا يستقل قصة منها استقلالا ظاهرا بجميع ذلك ~~كما سنبين ، ولا يخلو قصو من قصصهم من دلالة على شيء من ذلك فنسبت إلى الكل ~~- والله الموفق . < < # | الأنبياء : ( 1 - 4 ) اقترب للناس حسابهم . . . . . # > > ^ ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون * ما يأتيهم من ذكر من ~~ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون * لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ~~ظلموا هل هذآ إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون * قال ربي يعلم ~~القول في السمآء والأرض وهو السميع العليم ) ^ } ) | { بسم } الحكيم العدل ~~الذي تمت قدرته وعم أمره { الله } الملك الذي لا كفوء له { الرحمن } الذي ~~ساوى بين خلقه في رحمة إيجاده { الرحيم * } الذي ينجي من شاء من عباده في ~~معاده . | لما ختمت طه بإنذارهم بأنهم سيعلمون الشقي والسعيد , وكان هذا ~~العلم تارة يكون في الدنيا بكشف الحجاب بالإيمانن وتارة بمعانية ظهور ~~الدينن وتارة بإحلال العذاب بإزهاق الورح بقتل أو غيره , وتارة ببعثها يوم ~~الدين , افتتحت هذه بأجلى ذلك وهو اليوم الذي يتم فيه كشف الغطاء فينتقل ~~فيه الخبر من علم اليقين إلى عين اليقين وحق اليقين وهو يوم الحساب , فقال ~~تعالى : { اقترب للناس } أي عامة أنتم وغيركم { حسابهم } أي في يوم القيامة ~~؛ وأشلر بصيغة الافتعال غلى مزيد القرب لأنه لا أمة بعد هذه ينتظر أمرها , ~~وأخر الفاعل تهويلا لتذهب النفس في تعيينه كل مذهب , ويصح أن PageV05P063 ~~يراد بالحساب الجزاء , فيكون ذلك تهديدا بيوم بدر والفتح ونحوهما , ويكون ~~المراد بالناس حينئذ قريشا أو جميع العرب , والحساب : إحصاء الشيء ~~والمجازاة عليه بخير أو شر { وهم } أي الحال أنهم من أجل ما في جبلاتهم من ~~النوس , وهو الاضطراب الموجب لعدم الثبات على حالة الأمن , أنقذه الله منهم ~~من هذا النقص وهم قليل جدا { في غفلة } فهي تعليل لآخر تلك على ما تراه ms3090 , ~~لأنهم إذا نشروا علموت , وإذا أبادتهم الوقائع علموا هم بالموت , ومن بقي ~~منهم بالذل المزيل لشماخة الكبر , أهل الحق من أهل الباطل , وقوله : { ~~معرضون * } كالتعليل للغفلة , أي أحاطت بهم الغفلة بسبب إعراضهم عما يأتيهم ~~منا , وسيأتي ما يؤيد هذا في قوله آخرها { بل كنا ظالمين } وإلا فالعقول ~~قاضية بأنه لا بد من جزاء المحسن والمسيء . | وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير في برهانه : لما تقدم قوله سبحانه < # > 77 ( { لا تمدن عينيك - إلى قوله - فستعلمون من اصحاب الصراط السوي ومن ~~اهتدى } ) 77 < # > [ طه : 131 ] قال تعالى { اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون } أي ~~لا تمدن عينيك إلى ذلك فإني جعلته فتنة لمن ناله بغير حق , ونسأل عن قليل ~~ذلك وكثيره < # > 77 ( { لتسألن يومئذ عن لنعيم } ) 77 < # > [ التكاثر : 8 ] والأمر قريب { اقترب الناس حسابهم } وأيضا فإنه تعالى ~~لما قال < # > 77 ( { تنذر به قوما لدا } ) 77 < # > وهم شديدو الخصومة في الباطل , ثم قال < # > 77 ( { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } ) 77 < # > [ مريم : 74 ] إلى آخرها , استدعت هذه الجملة بسط حال , فابتدئت ~~بتأنيسه عليه الصلاة السلام وتسليتة , حتى لا يشق عليه لددهم , فتضمنت سورة ~~طه من هذا الغرض بشارته بقوله < # > 77 ( { ما أنزلنا عليك القرآن اتشقى } ) 77 < # > [ طه : 2 ] وتأنيسه بقصة موسى عليه السلام وما كان من حا ل بني إسرائيل ~~وانتهاء أمر فرعون ومكابدة موسى عليه السلام لرد فرعون ومرتكبه إلى أن وقصه ~~الله , وأهلكه , وأورث عباده أرضهم وديارهم , ثم اتبعت بقصة آدم عليه ~~السلام ليرى نبيه صلى الله عليه وسلم سنته في عباده حتى أن آدم عليه السلام ~~وإن لم يكن امتحانه بذريته ولا مكابدته من أبناء جنسه - فقد كابد من إبليس ~~ما قصه الله في كتابه , وكل هذا تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم , فإنه إذا ~~تقرر لديه أنه سنة الله تعالى في عبادة هان عليه لدد قريش ومكابدتهم , ثم ~~ابتدئت سورة الأنبياء ببقية هذا التأنيس , فبين اقتراب الحساب ووقوع يوم ~~الفصل المحمود فيه ثمرة ما كوبد في ذات الله والمتمنى ms3091 فيه أن لو كان ذلك ~~أكثر والمشقة أصعب لجليل الثمرة وجميل الجزاء , ثم اتبع ذلك سبحانه بعظات , ~~ودلائل وبسط آيات , وأعلم أنه سبحانه قد سبقت سنته بإهلاك من لم يكن منه ~~الإيمان من متقدمي القرون وسالفي الأمم < # > 77 ( { ما ءامنت قبلهم من قرية أهلكناها } ) 77 < # > [ الأنبياء : 6 ] وفي قوله < # > 77 ( { أفهم يومنون } ) 77 < # > [ الأنبياء : 6 ] تعزية لرسول الله PageV05P064 صلى الله عليه وسلم في ~~أمر قريش ومن قبل ما الكلام بسبيله , وقد تضمنت هذه السورة إلى ابتداء قصة ~~إبراهيم عليه السلام من المواعظ والتنبيه على الدلالات وتحريك العباد إلى ~~الاعتبار بها مايعقب لمن اعتبر به التسليم والتفويض لله سبحانه والصبر ~~علىالابتلاء وهو من مقصود السورة , وفي قوله < # > 77 ( { ثم صدقناهم الوعد فأنجناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين } ) 77 < # > [ الأنبياء : 9 ] إجمال لما فسره النصف الأخير منهذه السورة من تخليص ~~الرسل عليهم السلام من قومهم وإهلاك من أسرف وأفك ولم يؤنم , وفي ذكر تخليص ~~الرسل وتأييدهم الذي تضمنه النصف الأخير من لدن قوله < # > 77 ( { ولقد ءاتينا إبراهيم رشده } ) 77 < # > [ الانبياء : 51 ] إلى آخر السورة كمال الغرض المتقدم من التأنيس ~~وملاءمة ما تضمنته سورة طه وتفسير لمجمل < # > 77 ( { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } ~~) 77 < # > [ مريم : 98 ] انتهى . | ولما أخبر سبحانه عن غفلتهم وإعراضهم , علل ~~ذلك بقوله : { ما يأتيهم } وأعرق في النفي بقوله : من { ذكر } أي وحي يذكر ~~بما جعل في العقول من الدلائل عليه سبحانه ويوجب الشرف لمن أتبعه { من ربهم ~~} المحسن إليهم بخلقهم وتذكيرهم , قديم لكونه صفة له { محدث } إنزاله { إلا ~~استمعوه } أي قصدوا سماعه وهو أجد الجد بالاستهزاء به ووضعه في غير مواضعه ~~وجعلهم استماعهم له لإرادة الطعن فيه , فهو قريب من قوله < # > 77 ( { لا تسمعوا لهذا القرآن والغو فيه } ) 77 < # > [ فصلت : 26 ] { لا هية قلوبهم } أي غارقة قلوبهم في اللهو , مشغولة به ~~عما حداها إليه القرآن , ونبهها عليه الفرقان , وحذرها منه البيان , - ~~انتهى . | ويمكن أن يراد بالناس مع هذا كله العموم ويكون ms3092 من باب قوله تعالى ~~< # > 77 ( { وما قدروا الله حق قدره } ) 77 < # > [ الأنعام : 91 ] وقوله صلى الله عليه وسلم ( لا أحصي ثناء عليك ) وأن ~~يخص بالكفار . | ولما ذكر ما يظهرونه في حال الاستماع من اللهو واللعب , ~~ذكر ما يخفونه من التشارو في الصد عنه وإعمال الحيلة في التنفير منه ~~والتوثق من بعضهم لبعض في الثبات على المجانية له فقال عاطفا على { استمعوا ~~} : { وأسروا } اي الناس المحدث عنهم { النجوى } أي بالغوا في إسرار كلامهم ~~بسبب الذكر , لأن المناجاة في اللغة السر - كذا في القاموس , وقال الإمام ~~أبو عبد الله القزاز في ديوانه : والنجوى : الكلام بين اثنين كالسر ~~والتشاور . | ولما أخبر بسوء ضمائرهم , أبد من ضميرهم ما دل على العلة ~~الحاملة لهم على PageV05P065 ذلك فقال : { الذين ظلموا } ثم بين ما تناجوا ~~به فقال : { هل } أي فقالوا في تناجيهم هذا , معجبين من ادعائه من ادعائه ~~النبوة مع مماثلته لهم في البشرية : هل { هذا } الذي أتاكم بهذا الذكر { ~~إلا بشر مثلكم } أي خلقه وأخلاقه من الأكل والشب والحياة والموت , فكيف ~~يختص عنكم بالرسالة ؟ ما هذا الذي جاءكم به مما لا تقدرون على مثله إلا سحر ~~لا حقيقة له , فحينئذ تسبب عن هذا الإنكار في قولهم : { أفتأتون السحر ~~وأنتم } أي والحال أنكم { تبصرون * } بأعينكم أنه بشر مثلكم , وببصائركم أن ~~هذه الخوارق التي يأتي بها يمكن أن تكون سحرا , فيا لله العجب من قوم رأوا ~~ما أعجزهم فم يجزوا أن يكون عن الرحمن الداعي إلى الفوز بالجنان وجزموا ~~بأنه من الشيطان الداعي إلى الهوان , باصطلاء النيران , والعجب أيضا أنهم ~~أمكروا الاختصاص بالرسالة مع مشاهدتهم لما يخص الله به بعض الناس عن بعض ~~الذكاء والفطنة , وحسن الخلائق والأخلاق , والقوة والصحة , وطول العمر وسعة ~~الرزق - ونحو ذلك من القيافة والعيافة والرجز والكهانة , ويأتون أصحابها ~~لسؤالهم هما عندهم من ذلك من العلم . | ولما كان الله تعالى لا يقر من كذب ~~عليه , فضلا عن أن يصدقه ويؤيده , ولا يخفى عليه كيد حتى يلزم منه نقص ما ~~أراده , قال دالا لهم على ms3093 صدقه منبها على موضع الجحة في أمره - على قراءة ~~حمزة والكسائي وحفص عن عاصم , وجوبا لمن كأنه قال : فماذا يقال لهؤلاء ؟ - ~~على قاءة الباقين : { قال ربي } المحسن إلي بتأييدي بكل ما يبين صدقي ويحمل ~~على أتباعي { يعلم القول } سواء كانن سرا أو جهرا . | ولما كان من يسمع من ~~هاتين المسافتين يسمع من أي مسافة فرضت غيرهما قطعا , لم يحتج إلى جمع على ~~أنه يصح إرادة لالجنس فقال : { في السماء والأرض } على حد سواء , لأنه لا ~~مسافة بينه وبين شيء من ذلك { وهو } أي وحده { السميع العليم * } يسمع كل ~~ما يمكن سمعه , ويعلم كل ما يمكن علمه من القول وغيره , فهو يسمع سركم , ~~ويبطل مكركم , ويسمع ما أنسبه إليه من هذا الذكر , فلو لم يكن عنه لزلزل بي ~~, وقد جرت سنته القديمة في الأولين , بإهلاك المكذبين , وتأييد الصادقين , ~~وإنجائهم من زمن نوح عليه السلام إلى هذا الزمان , ولعلمه بحال الفريقين . ~~| وستعلموون لمن تكون له العقبة , وقد أشار إلى هذا في هؤلاء الأنبياءء ~~عليهم السلام الذين دل بقصصهم في هذه السورة على ما تقدمها من الأحكام ~~والقاضايا < # > 77 ( { وكنا به عالمين } ) 77 < # > [ الأنبياء : 51 ] < # > 77 ( { إذ قال لأبيه وقومه وكنا لحكمهم شاهدين } ) 77 < # > و < # > 77 ( { كنا بكل شيء عالمين } ) 77 < # > [ الأنبياء : 88 ] < # > 77 ( { وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون } ) 77 < # > [ الأنبياء : 109 ] < # > 77 ( { أنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون } ) 77 < # > [ الأنبياء : 110 ] < # > 77 ( { إن الأرض يرنه عبادي PageV05P066 الصالحون } ) ^ [ الأنبياء : ~~105 ] ^ ( { ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم } ) ^ [ النور ~~: 55 ] . | < < # | الأنبياء : ( 5 - 9 ) بل قالوا أضغاث . . . . . # > > ^ ( بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كمآ ~~أرسل الأولون * مآ آمنت قبلهم من قرية أهلكناهآ أفهم يؤمنون * ومآ أرسلنا ~~قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون * وما ~~جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين * ثم صدقناهم الوعد ~~فأنجيناهم ومن نشآء وأهلكنا المسرفين ) ^ } ) | ولما كانت أقوالهم في أمر ~~القرآن قد اضطربت , والإضطراب من ms3094 أمارات الباطل , وكان وصفهم له بأنه سحر ~~مما يهول السامع ويعلم منه أنه معجز , فربما أدى إلى الاستبصار في أمره , ~~أخبر أنهم نزلوا به عن رتبة السحر على سبيل الاضطراب فقال : { بل قالوا } ~~أي عن هذا الذكر الحكيم أنه { أضغاث أحلام } أي تخاليط نائم مبناه الباطل ~~وإن كان ربما صدق بالأخبار ببعض المغيبات التي كشف الزمان عن أنها كما أخبر ~~القرآن , ثم أنزلوا عن ذلك إلى الوصف موجب لأعظم النفرة عنه وعمن ظهر عنه ~~فقالوا : { بل افتراه } أي تعمد وصفه من عند نفسه ونسبه إلى الله . | ولما ~~كان ذلك لا ينافي كون مضمونه صادقا في نفسه , قالوا { بل هو شاعر } أي يخيل ~~ما لا حقيقة له كغيره من الشعراء , تتربص به ريب المنون لأنه بشر كما تقدم ~~, فلا بد أن يموت ونستريح بعد موته , وإليهه أشار في آخر التي قبلها ^ ( { ~~قل كل متربص } ) ^ [ طه : 135 ] إلى أخره , فاضطربت أقوالهم وعولوا أخيرا ~~على قريب من السحر في نفي الحقيقة . | ولما كانوا يصفون القرآن بجميع هذه ~~الأوصاف جملة , يقولون لكل شخص ما رأوه أنسب له منها , نبه الله سبحانه كل ~~من له لب على بطلانها بتناقضها بحرف الإضراب إشارة إلى أنه كان يجب على من ~~قالها على قلة عقله وعدم حيائه أن لا ينتقل إلى قول منها إلا بعد الإعراض ~~عن الذي قبله , وأنه مما يضرب عنه لكونه غلطا , ما قيل إلا عن سبق لسان ~~وعدم تأمل , سترا لعناده وتدليسا لفجونه , ولو فعل ذلك لكانت جديرة بانكشاف ~~بطلانها بمجرد الانتقال فكيف عند اجتماعها . | ولما كانت نسبته إلى الشعر ~~أضعافا شأنا , وأوضحها بطلانا , لم يحتج إلى إضراب عنه , وعبروا في الأضغاث ~~بوصف القرآن تأكيدا لعيبه , وفي الافتراء والشعر بوصفه صلى الله عليه وسلم ~~لذلك . | ولما نتج لهم ذلك على زعمهم القدح في أعظم المعجزات , سببوا عن ~~هذا PageV05P067 القدح طلب آية فقالوا : { فليأتنا } أي دلايلا على رسالته ~~{ بآية } أي لأنا قد بينا بطعننا أ , القرآن ليس بآية ؛ ثم خيلوا النصفة ~~بقولهم : { كما } أي مثل ms3095 ما , وبنوا الفعل للمفعول إشارة إلى أنه متى صحت ~~الرسالة كان ذلك بزعمهم من غير تخلف لشيء أصلا فقالوا : { أرسل الأولون * } ~~أي بالآيات مثل تسبيح الجبال , وتسخير الريح , وتفجير الماء , وإحياء ~~الموتى , وهذا تناقض آخر في اعترافهم برسالة الأولين مع معرفتهم أنهم بشر , ~~وإنكارهم رسالته صلى الله عليه وشسلم لكون بشرا , ولم يستجيبوا بعد التناقض ~~من المكابرة فيما أتاهم به من انشقاق القمر , وتسبيح الحصى , ونبع الماء , ~~والقرآن المعجز , مع كونه أميا - إلى غير ذلك . | ولما أشار سبحانه إلى ~~فساد طعنهم بما جعله هباء منثورا , وتضمن قولهم الذي سببوه عنه القرار ~~بالرسل البشريين وىياتهم , أتبعه بيان ما عليهم فيه , فين أولا أن الآيات ~~تكون سببا للهلاك , فقال جوابا لمن كأنه قال : رب إلى ما اقترحوه ليؤمنوا : ~~{ ما ءامنت } أي بلإجابة لى الآيات المقترحات . | ولما كان المراد استغراق ~~الزمان , جرد الظرف عن الخافض فقال : { قبلهم } أي قبل كفار مكة المقترحين ~~عليك , وأعرق في النفي فقال : { من قرية } ولما كان المقصود التهويل في ~~الأهلاك , وكان إهلاك القرية دالا على إهلاك أهلها ن غير عكس , دل على ~~إهلاك جميع المعاندين : { أهلكنها } أي على كثرتهم < # > 77 ( { وكم أهلبكنا قبلهم من القرون من بعد نوح } ) 77 < # > [ الإسراء : 17 ] , < # > 77 ( { وما أهلكنا من قرية إلا ولهم منذرون } ) 77 < # > [ الشعراء : 208 ] , < # > 77 ( { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ) 77 < # > [ الإسراء : 15 ] ( وما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله ~~آمن عيه البشر ) وأشار بذلك لى أنه لم يسلم عند البأس إلا قرية واحدة وهم ~~قوم يونس لأنهم آموا عند رؤيسة المخايل وقيل الشروع في الإهلاك , وهو ~~إشارةة إلى أن سبب الإيمان مشيئنه سبحانه لا الايات . | ولما بين أولا أن ~~الآيات تمون سببا للهلاك , فلا فائدة في الإجابة إلى ما اقترحوه منها بعد ~~بطلان ما قدحوا به في القرآن , بين ثانيا بطلان ما قدحوا به في الرسول ~~بكونه بشرا , بأن الرسل الذين كانوا من قبله كانوا بإقرارهم من جنسه , فما ~~لهم أن PageV05P068 ينكروا رسالته هو مثلهم ms3096 , بل عليهم أن يعترفوا له عندما ~~أظهر من المعجز كما اعترفوا لأولئك , كل ذلك فطما عن أنن يتمنى أحد إجابتهم ~~إلى الأييد بملك ظاهر , فقال عاطفا على ما ( آمنت ) : { وما أرسلنا } . | ~~ولما كان السياق لإنكار أن يكون النبي بشرا , وكان الدهر كله ما خلا قط جزء ~~منه من رسالة , إما برسول قائم , وإما بتناقل أخباره , كان تعميم الزمان ~~أنسب فقال من غير حرف جر : { قبلك } أي في دجميع الأزمان الذي تقدم زمانك ~~في جميع طوائف البشر { إلا رجلا نوحي إليهم } بالملائكة سرا من غير أن يطلع ~~على ذلك الملك غيرهم كما اقتضته العظمة من التخصيص والاختيار والإسرار عن ~~الأغيار , وذلك من نعم الله على خلقه , لأن جعل الرسل من البشر أمكن للتلقي ~~منهم والأخذ عنهم . | ولما لم يكن لهم طريق في علم هذا إن يقبلوا خبره عن ~~القرآن إلا سؤال من كانوا يفوعون إليهم من أهل الكتاب ليشايعوهم على ما هم ~~عليه من الشك والارتياب , قال : { فاسألوا أهل الذكر } ثم نبه على أنهم غير ~~محتاجين فيه إلى السؤال بما كان قد بلغهم على الآجال من أحوال موسى وعيسى ~~وإبراهيم وإساعيل وغيرهم عليهم الصلاة والسلام بقوله , معبرا بأداة الشكك ~~محركا لهم إلى المعالي : { إن كنتم } أي بجبلاتكم { لا تعلمون * } أي لا ~~أهلية لك في انتقاص علم , بل كنتم أهل تقليد محض وتبع صرف . | ولما بين أنه ~~على سنة من مضى من الرسل في كونه رجلا , بين أنه على سنتهم فب جميع الأوصاف ~~التي حكم بها على البشر من العيش والموت فقال : { { وما جعلناهم } } أي ~~الرسل الذين اخترنا بعثهم إلى الناس ليأمروهم بأومرنا . | ولما كان السبب ~~في الأكل ترتيب هذا الهيكل الحيواني على ما هو عليه لا كونه متكثرا , وحد ~~فقال { جسدا } أي ذوي جسد لحم ودم متصفين بأنهم { لا يأكلون الطعام } بل ~~جعلناهم أجسادا يأكلون ويشربون , وليس ذلك بمانع من إرسالهم ؛ قا لابن فارس ~~في المجمل : وفي كتاب الخليل : إن امظهر | لجسد لا يقال لغير الإنسان من ~~خلق الأرض . | ثم عطف ms3097 على الأول قوله : { وما كانوا خالدين * } أي بأجسادهم ~~, بل ماتوا كما مات الناس قبلهم وبعدهم , أي لم يكن ذلك في جبلتهم وإنمكا ~~تميزوا عن الناس بمات يأتيهم عن الل سبحانه , ورسولكم صلى الله عليه وسلم ~~ليس بخالد , فتربصوا كما أشار إليه ختم طه فإنه متربص بكم وأنتم عاصون للمك ~~الذي اقترب حسابه لخلقه وهو مطيع له , فأيكم أحق بالأمن ؟ ولما بين أن ~~الرسل كالمرسل إليهم بشرل غير خالدين , بين سنته فيهم وفي أممهم ترغيبا لمن ~~اتبع , وترهيبا لمن امتنع , فقال عاطفا بأداة التراخي في مظهر العظمة على ~~ما PageV05P069 أرشد إليه التقدير من مثل : بل جعلناهم جسدا يأكلون ويشربون ~~, ويعيشون إلى انقضاء آجالهم ويمتون , وأرسلناهم إلى أممهم فحذروهم ~~وأنذروهم وكلموهم كما أمرناهم , ووعدناهم أن من آمن بهم أسعدناه , ومن كفر ~~واستمر أشقيناه , وأنا نهلك من أردنا من المكذبينن فآم بهم بعض وكفر آخرون ~~؛ فلم نعاجلهم بالأخذ بل صبرنا عليهم , وطال بلاء رسلنا بهم { ثم صدقناهم } ~~بما اقتضت عظمتنا , وأكد الأمر بتعدية الفعل من غير حرف الجر فقال : { ~~الوعد } أي بإنجائهم ؛ وأشار بأداة التراخي إلى أنهم طال بلاؤهم بهم وصبرهم ~~عليهم , ثم أحل بهم سطوته , وأراهم عظمته , ولذا قال مسببا عن ذلك : { ~~فأنجيناهم } أي الرسل بعظمتنا , ولكون السياق لأنهم في غاية الغفلة التي ~~نشأ عنها التكذيب البليغ الذي اقتضى تنويع القول به إلى سحر وأضغاث وافتراء ~~وشعر , فاقتضى مقابلته بصدق الوعد منه سبحانه , عبر بالإنجاء الذي هو إقلاع ~~من وجدة العذاب في غاية السرعة { ومن نشآء } أي من تابيعهم . | إشارة إلى ~~أن سبب الإنجاء المشيئة لا أن التصديق موجب له , لأنه لا يجب عليه سبحانه ~~وتعالى شيء { وأهلكنا } أي بما يقتضيه الحكمة { المسرفين * } كلهم الذين ~~علمنا أن الإسراف لهم وصف لا زم لا ينفكون عنه . | < < # | الأنبياء : ( 10 - 15 ) لقد أنزلنا إليكم . . . . . # > > ^ ( لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون * وكم قصمنا من ~~قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين * فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم منها ~~يركضون * لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم ms3098 فيه ومساكنكم لعلكم تسألون * ~~قالوا يويلنآ إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا ~~خامدين ) ^ } ) | ولما انقضى ما لزمهم بسبب الإقرار برسلية البشر من ~~الإقرار برسلية رسولهم صلى الله عليه وسلم لمونه مساويا لهم في النوع ~~والإتيان بالمعجز , وما فعل بهم وبأممهم ترغيبا وترهيبا , وختم ذلك بأنه ~~أباد المسرفين , ومحا ذكرهم إلا بالبشر , التفت إلى الذكر الذي طعنوا فيه , ~~فقال مجيبا لمن كأنه قال : هذا الجواب عن طعن في الرسول قد عرف , فما ~~الجواب عن الطعن في الذكر ؟ معرضا عن جوابهم لما تقدم من الإشارة بحرف ~~الإضراب إلى أن ما طعنوا به فيه لا يقوله عاقل , مبينا لما لهم فيه من ~~الغبطة التي هم لها رادون , والنعمة التي هم بها كافرون : { لقد } أي ~~وعزتنا لقد { أنزلنا } بما لنا من العظمة { إليكم } يا معشر قريش بل العرب ~~قاطبة { كتابا } أي جامعا لجميع المحاسن لا يغسله الماء ولا يحرقه النار { ~~فيه ذكركم } طوال الدهر بالخير إن أطعتم , والشر إن عصيتم , وبه شرفكم على ~~سائر الأمم بشرف ما فيه من مكارم الأخلاق التي كنتم تتفاخرون بها وبشرف ~~نبيكم الذي تقولون عليه الأباطيل , وتكثرون فيه القال والقيل . | ~~PageV05P070 ولما تم ذلك على هذا الوجه , نبه أنه يتعين على كل ذي لب ~~الإقبال عليه والمسارعة إليه , فحسن جدا قوله منكرا عليهم منبها على أن علم ~~ذلك لا يحتاج إلى غير العقل المجرد عن الهوى : { أفلا تعقلون * } . | ولما ~~كان التقدير : فإن عدلتم بقبوله شرفناكم , وإن ظلمتم برده عنادا أهلكناكم ~~كما أهلكنا من كان قبلكم , عطف عليه قوله : { وكم قصمنا } أي بعظمتنا { من ~~قرية } جعلناها كالشيء اليابس الذي كسر فتباينت أجزاؤه , والإناء الذي فت ~~فانكب ماؤه ؛ وأشار بالقصم الذي هو أفظع الكسر إلى أنها كانت باجتماع ~~الكلمة وشدة الشكيمة كالحجر الرخام في الصلابة والقوة , و ( كم ) في هذا ~~السياق يقتضي الكثرة , ثم علل إهلاكها وانتقالها بقوله : { كانت ظالمة } ثم ~~بين الغنى عنها بقوله : { وأنشأنا } أي بعظمتنا . | ولما كان الدهر لم يخل ~~قط بعد آدم من إنشاء ms3099 وإفناء , فكان المراد أن الإنشاء بعد الإهلاك يستغرق ~~الزمان على التعاقب , بيانا لأن المهلكين ضروا أنفسهم من غير افتقار إليهم ~~, اسقط الجار فقال : { بعدها قوما } أي الأقوياء , وحقق أنهم لا قرابة ~~قريبة بينهم بقوله : { ءاخرين * } ثم بين حالها عند إحلال البأس بها فقال : ~~{ فلما أحسوا * } اي أدرك أهلها بحواسهم { باسنا } اي بما فيه من العظمة { ~~إذا هم } أي من غير توقف أصلا { منها } أي القرية { يركضون * } هاربين عنها ~~مسرعين كمن يركض الخيل - أي يحركها - للعدو , بعد تجبرهم على الرسل وقولهم ~~لهم < # > 77 ( { لنخرجكم من أرضنا أو لتعدن في ملتنا } ) 77 < # > [ إبراهيم : 13 ] فنادهم لسان الحال تقريعا تبشيعا لحالهم وتفظيعا : { ~~لا تركضوا } وصور التهكم بهم بأعظم صورة فقال : { وارجعوا } إلى قريتكم { ~~إلى ما } . | ولما كان الاسيف إنما هو على العيش الرافه لا على كونه من معط ~~معين , بني للمفعول قوله : { أترفتم فيه } أي منها , ويجوز أن يكون بني ~~للمجهول إشارة إلى غفلتهم عن العلم لمن أترفهم أو إلى أنهم كانوا ينسبون ~~نعمتهم إلى قواهم , ولو عدوها من الله لشكروه فنفعهم . | ولما كان أعظم ما ~~يؤسف عليه بعد العيش الناعم المسكن , قال : { ومساكنهم } أي التي كنتم ~~تفتخون بها على الضعفاء من عبادي بما أتقنتم من بنائها , وأوسعتم من فنائها ~~, وعليتم من مقاعدها , وحسنتمك نم مشاهدها ومعاهدها { لعلكم تسألون * } في ~~الإيمان بما كنتم تسألون , فتابوا بما عندكم من الأنفة ومزيد الحمية ~~والعظمة , أو تسألون في الحوائج والمهمات , كما يكون الرؤساء في مقاعدهم ~~العلية , ومراتبهم البهية , فيجيبون سائلهم بما شاؤوا على تؤدة وأحووال مهل ~~تخالف أحوال الراكض العجل < # > 77 ( { أولم تكنوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال } ) 77 < # > [ إبراهيم : 44 ] . | PageV05P071 ولما كان كأنه قيل : بما أجابوا هذا ~~المقال ؟ قيل { قالوا } حين لا نفع لقولهم عند نزول البأس : { ياويلنا } ~~إشارة إلى أنه حل بهم لأنه لا ينادي إلا القريب , وترفقا له كما يقول الشخص ~~لمن يضربه : يا سيدي - كأنه يستغيث به ليكف عنه , وذلك غباوة منهم , وعمى ~~عن الذي أحلهه بهم , لأنهم كالبهئم لا ms3100 ينظرون إلا السبب الأقرب ؛ ثم عللو ~~حلوله بهم تأكيدا لترفقهم بقولهم : { إنا كنا } أي جبلة لنا وطبعا { ظالمين ~~* } حيث كذبنا الرسل , وعصينا أر ربنا , فاعترفوا حيث لم ينفعهم الاعتراف ~~لفوات محله { فما } أي فتسبب عن إحلالنا ذلك البأس بهم أنه ما { زالت تلك } ~~أي الدعوة البعيدة عن الخير والسلامة , وهي فولهم : ياويلنا { دعواهم } ~~يرددونها لا يكون دعوى لهم غيرها , لأن الويل ملازم لهم غير منفك عنهم , ~~وترفقهم له غير نافعهم { حتى جعلناهم } بما لنا من العظمة { حصيدا } كالزرع ~~المحصود . | ولما كان هذا وما بعده مثل حلو حامض في الزمان , جعلا خبرا ~~واحددا ليكون ( جعل ) مقتصرا على مفعولين فقال : { خادمين * } أي جامعين ~~للانقطاع والخفوت , لا حركة لهم ولا صوت , كالنار المضطرمة إذا بطل لهيبها ~~ثم جمرها وصارت رمادا , ولم يك ينفعهم إيمانهم واعترافهم بالظلم وخضوعهم ~~لما رأوا بأسنا . | < < # | الأنبياء : ( 16 - 20 ) وما خلقنا السماء . . . . . # > > ^ ( وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما لاعبين * لو أردنآ أن نتخذ ~~لهوا لاتخذناه من لدنآ إن كنا فاعلين * بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ~~فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون * وله من في السماوات والأرض ومن عنده ~~لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) ^ ~~} ) | ولما ذمهم باللعب وبين أنه يفعل في إهلاك الظلم وإنجاء العدل فعل ~~الجاد بإحقاق الحق بالانتقام لأهله , وإزهاق الباطل باجتثاثه من أصله , ~~فكان التقدير : وما ينبغي لنا أن نفعل غير ذلك من أفعال الحكمة العرية عن ~~اللعب , فلم نخلق الناس عبثا يعصوننا ولا يؤاخذون , عطف عليه قوله : { وما ~~خلقنا } أي بعظمتنا التي تقتضي الجد ولا بد . | ولما كان خلق السماء واحدة ~~يكفي في الدلالة على الحكمة فكيف بأكثر منها ! وحد فقال : { السماء } اي ~~على علوها وإحكامها { وارض } على عظمها واتساعها { وما بينهما } مما دبرناه ~~لتمام المنافع من أصناف الدائع وغرائب الصنائع { لاعيبن * } غير مريدين ~~بذلك تحقيق الحقائق وإبطال الأباطيل , بل خلقنا لكم ذلك آية عظيمة كافية في ~~الوصول إلينا ليظهر العدل في جزاء كل بما يستحق , مشحونة بما ms3101 يقوت الأجسام ~~, PageV05P072 ويهيج النفوس , ويشرح الصدور , ويريح الأرواح ويبعث إلى ~~الاعتبار , كل من له استبصارا , للدلالة على حكمتنا ووجوب وحدانيتنا ~~فاتخذتم أنتم ما زاد على الحاجة لهوا صادا عن الخير , داعيا إلى الضير . | ~~ولما نفى عنه اللعب , أتبعه دليله فقال : { لو اردنا } أي على عظمتنا { أن ~~نتخذ لهوا } يكون لنا ومنسوبا في لهوه إلينا , واللهو - قال الأصفهاني : ~~صرف الهم عن النفس بالقبيح . | { لاتخذناه } أي بما لنا من العظمة { من ~~لدنا } اي مما يليق أن ينسب إلى حضرتنا بما لن امن تمام القدرة وكمال ~~العظمة , وباهر الجلالة والحكمة , وذلك بأن يكون محض لهو لا جد فيه أصلا , ~~ولا يخلطه شيء من الكدر , ولا يتوقف من يراه في تسميته لهوا , لا يكون له ~~عنده اسم غير ذلك كما لو أن شمسا أخرى وجدت لم يتوقف أحد في تسميتها شمسا ~~كما قال تعالى في السورة الماضية < # > 77 ( { وقد ءاتيناك من لدنا ذكرا } ) 77 < # > [ طه : 99 ] أي فهو بحيث لا يتوقف أحد في أنه من عندنا , وأنه ذكر ~~وموعظة كما مضى , لكنا لم نرد ذلك فلم يكن , وما اتخذتموه لهوا فإنا خلقناه ~~لغير ذلك بدليل ما فيه من الشواغل والمنغصاتوالقواطع فاتخذتموه أنتم من عند ~~أنفسكم لهوا , فكان أكثره لكم ضرا وعليكم شرا , وخص الحرالي { عند } بما ~~ظهر , و { لدن } بما بطن , فعلى هذا يكون المراد : من حضرتنا الخاصة بنا ~~الخفية التي لا يطلع عليها غيرنا , لأن ما للملك لا يكون مبتذلا , وكذلك لم ~~يذكر إلا ما يتحقق المكذبون بالبعث وؤيته فوحد السماء هنا وجمعها في غير ~~هذا الموضع لاقتضاء الحال ذلك . | ولما كان هذا مما ينبغي أن تنزه الحضرة ~~القدوسية عنه وعن مجرد ذكره ولو على سبيل الفرض , أشار إلى ذلك بأداة شرط ~~أخرى فقال : { إنا كنا فاعلين * } أي له , ولكنه لا يليق بجنابنا فلم نفعله ~~ولا نكون فاعلين له { بل } وإشعار لهذا المعنى بالقذف والدمغ تصويرا للحق ~~بجعل الحق كأنه جرم صلب كالصخرة قذف بها على جرم رخو أجوف فقال : { نقذف } ~~أي إنما ms3102 شأننا أن نرمي رميا شديدأ { بالحق } الذي و هذا الذكر الحكيم الذي ~~أنزلناه جدال كله وثباتا جميعه لا لهو فيه ولا باطل , ولا هو مقارب لشيء ~~منهما , ولا تقدرون أن تتخذوا شيءا منه لهوا اتخاذا يطابقكم عليه منصف , ~~فنحن نقذف به { على الباطل } الذي أحدثتموه من غير أنفسكم { فيدمغه } اي ~~فيمحقه محق المكسور الدماغ { فإذا هو } في الحال { زاهق } أي ذاهب الروح اي ~~هلاك ؛ ثم عطف على ما أفادته ( إذا ) قوله : { ولكم } { ولكم } أي وإذا لكم ~~أيها المبطلون { الويل مما تصفون * } أي من وصفكم لكل شيء بما تهوى أنفسكم ~~من غير إذن منا لكم , لأنكم لا تقفون على حقائق الأمور , فإن وصفتم القرآن ~~بشيء مما تقدم ثم عليه ثم قذفنا عليه بما يبين بطلانه , بان PageV05P073 ~~لكل عاقل أنه يجب عليكم أن تنادموا الويل بميلكم كل الميل , وإن وصفتم الله ~~أو الدنيا أو غيرهما فكذلك إنما أنتم متعلقون بقشور وظواهر لا يرضاها إلا ~~بعيد عن العقل محجوب عن الإدراك ؛ ثم عطف أيضا على ما لزم من ذلك القذف ~~قوله : { وله من في السموات } أي الأجرام العالية وهي ما تحت العرش , وجمع ~~السماء هنا لا قتضاء تعميم الملك ذلك . | ولما كانت عقولهم لا تدرك تعدد ~~الأراضي , وحد فقال : { والأرض } أي ومن فيها , وذلك شامل - على أن التعبير ~~بمن لتغليب العقلاء - للسماوات والأرض , لأن الأرض في السموات , وكل سماء ~~في التي فوقها , والعليا في العرش وهو سبحانه ذو العرش العظيم - كما سيأتي ~~قريبا , فدل ذلك دلالة عقلية على أنه مالك الكل وملكه . | ولما كانوا يصفون ~~الملائكة بما لهم الويل من وصفه , خصهم بالذكر معبرا عن خصوصيتهم وقربهم ~~بالعندية تمثيلا بما نعرف من أصفياء الملوك عند التعبير بعند من مجرد القرب ~~في المكانة لا في المكان فقال : { ومن عنده } أي هم له حال كونهم { لا ~~يستكبرون عن عبادته } بنوع كبر طلبا ولا إيجاد { ولا يستسحرون * } أي ولا ~~يطلبون أن يتقطعوا عن ذلك فأنتج ذلك قوله : { يسبحون } أي ينزهون المستحق ~~للتنزيه بأنواع التنزيه من الأقوال ms3103 والأفعال التي هي عبادة , فهي مقتضية مع ~~نفي النقائص إثبات الكمال { الليل والنهار } أي في جميع آنائهما دائما . | ~~ولما لم يصرح هنا بإنكار منهم , ولا ما يستلزه من الاستكبار , لم يؤكد لا ~~عطف بالواو فقال : { لا يفترون * } عن ذلك في الوقت من الأوقات بخلاف ما في ~~{ فصلت } فإن الأمر فيها مبني على حد استكبارهم المستلزم نكارهم المقتضي ~~للتأكيد , وكل هذا في حيز { إذا } أي إذا أنزلنا شيئا من القرآن منبها على ~~أقاويلكم مبينا لأباطيلكم , فاجأه ظهور الزهوق للباطل , والويل لكم والملك ~~له سبحانه منزها عن كل نقص ثابتا له بالعبادة عن كل كما , ويجوز أن يعطف ~~على { نقذف } . | < < # | الأنبياء : ( 21 - 28 ) أم اتخذوا آلهة . . . . . # > > ^ ( أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون * لو كان فيهمآ آلهة إلا الله ~~لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون * لا يسأل عما يفعل وهم يسألون * أم ~~اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل ~~أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون * ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون * وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد ~~مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون ) ^ } ) | PageV05P074 ~~ولما كانوا عند هذا البيان جديرين بأن يبادروا إلى التوحيد فلم يفعلوا , ~~كانوا حقيقين بعد الإعراض عنهم - بالتوبيخ والتهكم والتعنيف فقال تعالى : { ~~أم اتخذوا } أي أعملوا أن ك لشيء تحت قهره نافذ فيه أمره فرجعوا عن ضلالهم ~~, أم لم يعلموه , أو عملوا ما ينافيه فاتخذوا { ءالهة } . | ولما كانت ~~معبوداتهم أصناما أرضية من حجارة ونحوها قال : { من أرض } اي التي هم ~~مشاهدون لأنها وكل ما فيها طوع مشيئته { هم } أي خاصة { ينشرون * } أي ~~يحيون شيئا مما فيها من الأجسام النامية حتى يستحقوا بذلك صفة الإلهية , ~~وإفادة السياق الحصر تفيد أنه لو وقع الإنشاء لأحد على وجه يجوز مشاركة ~~غيره له لم يستحق العبادة , وفي هذا ms3104 الاستفهام تهكم بهم بالإشارة إلى أنهم ~~عبدوا ما هو من أدنى ما في الأرض مع أنه ليس في الأرض ما يستحق أن يعبد , ~~لأن الإنسان أشرف ما فيها , ولا يخفى ما له من الحاجة المعبدة من تلك ~~الرتبة الشماء . | ولما كان الجواب قطعا : لم يتخذوا آلهة بهذا الوصف , ولا ~~شيء غيره سبحانه يستحق وصف الإلهية , أقام البرهان القطعي على صحة نفي إله ~~غيره ببرهان التمانع , وهو أشد برهان لأهل الكلام فقال : { لو كان فيهما } ~~أي السموات والأرض , أي في تدبيرهما . | ولما كان الأصل فيما بعد كل من ( ~~إلا ) و ( غير ) أن يكون من جنس ما قبلهما وإن كان مغيرا له في العين , صح ~~وضع كل منهما موضع الآخر , واختير هنا التعبير بأداة الاستثناء والمعنى ~~للصفة إذ هي تابعة لجميعع منكور غير محصور الإفادة إثبات الإلهية له سبحانه ~~مع النفي عما عداه , لأن { لولا } - لما فيها من الامتناع - مفيدة للنفي , ~~فالكلام في قوة أن يقال ( ما فيهما ) { ءالهة إلا الله } أي مدبرون غير من ~~تفرد بصفات الكمال , ولو كان فيهما آلهة غيره { لفسدتا } لقضاء العادة ~~بالخلاف بين المتكافئين المؤدي إلى ذلك , ولقضاء العقل بإمكان الاختلاف ~~اللازم منه إمكان التمانع اللازم منه إمكان عجز أحدهما اللازم منه أن لا ~~يكون إلها لحاجته , وإذا انتفى الجمع , انتفى الاثنانى من باب الأولى , لأن ~~الجمع كلما زاد حارب بعضهم بعضا فقل الفساد كما نشاهد . | ولما أفاد هذا ~~الدليل أنه لا يجوز أن يكون المدبر لها إلا واحدا , وأن ذلك الواحد لا يكون ~~إلا الله قال : { فسبحان الله } أي فتسبب عن ذلك تنزه المتصف بصفات الكمال ~~{ رب العرش } أي الذي هو نهاية المعلومات من الأجسام , ورب ما دونه من ~~السماوات PageV05P075 والأراضي وما فيهما المتفرد بالتدبير , كما يتفرد ~~الملك الجالس على السرير { عما يصفون * } مما يوهم نقصا ما , ثم علل ذلك ~~بقوله : { لا يسأل } أي من سائل ما { عما يفعل } أي لا يعترض عليه لأنه ~~كفوء له في علم ولا حكمة ولا قدرة ولا عظمة ولا غير ms3105 ذلك , فليس في شيء من ~~أفعاله لإتقانها موضع سؤال , فمهما أراد كان ومهما قال فالحسن الجميل , فلو ~~شاء لعذب أهل سماواته وأهل أرضه , وكان ذلك منه عدلا حسنا , وهذا مما ~~يتمادح به أولو الهمم العوال , كما قال عامر الخصفي في هاشم بن حرملة بن ~~الأشعر : | أحيا أباه هاشم بن حرملة يوم الهبات ويوم اليعمله ترى الملوك ~~عنده مغربلة يقتل ذا الذنب من لا ذنب له | قال ابن هشام في مقدمة السيرة ~~قبل ( أمر البسل ) بقليل : أأنشدني أبو عبيدة هذه الأبيات وحدثيني أن هاشما ~~, ثم قال البيت الثاني فلم يعجبه , ثم قال الثالث فلم يعجبه , فلما قال ~~الرابع ( ويقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له ) أعجبه فأثابه عليه , ومن أعجب ما ~~رأيت في حكم الأقدمين أن الشهر ستاني قال في الملل : وقد سأل بعض الدهرية ~~أرسطاطاليس فقال : إذا كان لم يزل ولا شيء غيره ثم أحدث العالم فلم أحدثه ؟ ~~فقال : ( لم ) غير جائز عليه , لأن لم تقتضي علة والعلة محمولة فيما هي علة ~~له من معل فوقه ولا علة فوقه , وليس بمركب فتحمل ذاته العلل , فلم عنه ~~منفية . | { وهم يسألون * } من كل سائل لما في أفعالهم نم الاختلال بل ~~يمنعون عن أكثر ما يريدون . | ولما قام ا لدليل , ووضح السبيل , واضمحل كل ~~قال وقيل , فانمحقت الأباطيل , قال منبها لهم على ذلك : { أم } أي رجعوا عن ~~ضلا لهم لما بان لهم غيهم فيه فوحدوا الله أم { اتخذوا } ونبه على كل شيء ~~دونه وأثبت أن آلهتهم بعض من ذلك بإثبات الجار فقال منبها لهم مكررا لما ~~مضى على وجه أعم , طالبا البرهان تلويحا إلى التهديد : { من دونه ءالهة } ~~من السماء أو الأرض وغيرهما . | ولما كان جوابهم : اتخذنا , ولا يرجع أمره ~~بجوابهم فقال : { قل هاتوا برهانكم } على ما ادعيتموه من عقل أو نقل كما ~~أثبت أنا ببرهان النقل المؤيج بالعقل . | ولما كان الكريم سبحانه لا يؤاخذ ~~بمخالفة العقل ما لم ينضم إليه دليل النقل , أتبعه قوله مشيرا إلى ما بعث ~~الله به الرسل من ms3106 الكتب : { هذا ذكر } أي موعظة وشرف PageV05P076 { من معي ~~} ممن آمن بي وقد ثبت أنه كلام الله بعجزكم عن معارضته فانظروا هل تجدون ~~فيه شيئا يؤيد أمركم { وذكر } أي وهذا ذكر { من قبلي } فاسألوا أهل ~~الكتابين هلى في الكتاب منهما برهان لكم . | ولما كانوا لا يجدون شبهة لذلك ~~فضلا اقتضى الحال الإعراض عنهم غضبا , فكان كأنه قيل : لا يجدون لشيء من ~~ذلك برهانا { بل أكثرهم } لأي هؤلاء المدعوين { لا يعلمون الحق } بل هم ~~جهلة والجهل أصل الشر والفساد , فهم يكفرون تقليدا { فهم } أي فتسبب عن ~~جهلهم ما افتتحنا به السورة من أنهم { معرضون * } عن ذكرك وذكر من قبلك ~~غفلة منمهم عما يراد بهم وفعلا باللعب فعل القاصر عن درجة العقل , وبعضهم ~~معاندة مع علمه الحق , وبعضهم يعلم فيفهم - كما أفهمه التقييد بالأكثر . | ~~ولما كان التقدير بيانا لما في الذكرين : ولو أقبلوا على الذكر لعلموا أنا ~~أوحينا إليك في هذا الذكر أنه لا إله ألا أنا , ما أرسلناك إلا لنوحي إليك ~~ذلك , عطف عليه قوله : { وما أرسلنا } أي بعظمتنا . | ولما كان الإرسال ~~بالفعل غير مستغرق للزمان المتقدم لأنه كما أن الرسالة لا يقوم بها كل أحد ~~, فكذلك الإرسال لا يصلح له كل زمن , أثبت الجار فقال : { من قبلك } وأعرق ~~في النفي فقال : { من رسول } في شيع الأولين { إلا لنوحي إليه } من عندنا { ~~أنه لا إله إلا أنا } ولم يقل : نحن , لئلا يجعلوها وسيلة إلى شبهة , ولذا ~~قال : { فاعبدون * } بالإفراد , وترك التصريح بالأمر بالتخصيص بالعبادة ~~لفهمه من المقام والحال , فإنهم كانوا قبل ذلك يعبدونه ولكنهم يشركون ~~تنبيها على أن كل عبادة فيها شوب شرك عدم . | ولما دل على نفي مطلق الشريك ~~عقلا ونقلا , فانتفى بذلك كل فرد يطلق عليه هذا السم , عجب من ادعائهم ~~الشركة المقيدة بالولد , فقال عاطفا على قوله < # > 77 ( { واسروا النجوى } ) 77 < # > [ طه : 62 ] : { وقالوا } قيل : الضمير لخزاعة حيث قالوا : الملائكة ~~بنات الله , وقيل : لليهود حيث قالوا : إنه سبحانه صاهر الجن فكانت منهم ~~الملائكة : { اتخذ } أي تكلف كما يتكلف من ms3107 يكون له ولد { الرحمن } أي الذي ~~كل موجود من فيض نعمته { ولدا } . | ولما كان ذلك أعظم الذنب , نزه نفسه ~~سبحانه عنه بمجمع التنزيه فقال : { سبحانه } أي تنزه عن أن يكون له ولد , ~~فإن ذلك يقتضي المجانسة بينه وبين الولد , PageV05P077 ولا يصح مجانسة ~~النعمة للمنعم الحقيقي { بل } الذي جعلوهم له ولدا وهم الملائكة { عباد } ~~من عباده , أنعم الله عليهم بالإيجاد كما أنعم على غيرهم لا أولا د , فإن ~~العبودية تنافي الولدية { مكرمون * } بالعصمة من الزلل , ولذلك فسر الإكرام ~~بقوله : { لا يسبقونه } أي لا يسبقون إذنه { بالقول } أي بقولهم , لأنهم لا ~~يقولون شيئا لم يأذن لهم فيه ويطلقه لهم . | ولما كان الوزاقف عما لم يؤذن ~~له فيه قد لا يفعل ما أمر به قال : { وهم بأمره } أي خاصة إذا أمرهم { ~~يعملون * } لا بغيره لأنهم في غاية المراقبة له فجمعوا في الطاعة بين القول ~~والفعل وذلك غاية الطاعة ؛ ثم علل إخباره بذلك بعلمه بما هذا المخبر به ~~مندرج فيه فقال : { يعلم ما بين أيديهم } أي مما لم يعلموه { وما خلقهم } ~~مما عملوه , أو يكون الأول لما عملوه والثاني لما لم يعلموه , لأنك تطلع ~~على ما أقدامك ويخفى عليك ما خلفك , أي أن علمه محيط بأحوالهم ماضيا وحالا ~~ومآلا , لا يخفى عليه خافية ؛ ثم صرح بلازم الجملة الأولى فقال : { ولا ~~يشفعون } أي في الدنيا ولا في الآخرة { إلا لمن ارتضى } فلا تطمعوا في ~~شفاعتهم لكم بغير رضاه , وبلازم الجملة الثانية فقال : { وهم من خشيته } أي ~~لا من غيرها { مشفقون * } أي دائما . | < < # | الأنبياء : ( 29 - 31 ) ومن يقل منهم . . . . . # > > ^ ( ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي ~~الظالمين * أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما ~~وجعلنا من المآء كل شيء حي أفلا يؤمنون * وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد ~~بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون ) ^ } ) | ولما نفى الشريك مطلقا ~~ثم مقيدا بالولدية , أتبعه التهديد على ادعائه بتعذيب المتبوع المجب لتعذيب ~~التابع فقال : { ومن يقل منهم } أي من كل ms3108 من قام الدليل على أنه لا يصلح ~~للإلهية حتى العباد المكرمون الذين وصف كرامتهم وقرب منزلتهم عنده وأثنى ~~عليهم كما رواه البيهيقي في الخصائص من الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~: { إني إله } ولما كانت الرتب التي تحت رتبة الإلهية كثيرة , بعض ليدل على ~~من استغرق بطريق الأولى فقال : { من دونه } أي من دون الله { فذلك } أي ~~اللعين الذي لا يصلح للتقريب أصلا ما دام على ذلك { نجزيه } أي بعظمتنا { ~~جهنم } لظلمه , فأفهم تعذيب مدعي الشرك تعذيب أتباعه من باب الأولى , وهو ~~على سبيل الفرض والتمثيل في الملائكة من إحاطة علمه بأنه لا يكون , وما ذاك ~~إلا لقصد تفظيع أمر الشرك وتعظيم شأن التوحيد , وفي دلائل النبوة للبيهيقي ~~في باب التحدثبالنعمة والخصائص أن هذه PageV05P078 الآية مع قوله تعالى < # > 77 ( { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك } ) 77 < # > [ الفتح : 2 ] دليل على فضله صلى الله عليه وسلم على أهل السماء . | ~~ولما كان مقتضيا للسؤال عن غير هذا من الظلمة , قيل : { كذلك } أي مثل هذا ~~الجزاء الفظيع جدا { نجزي الظالمين * } كلهم ما داموا على ظلمهم . | ولما ~~أنكر سبحانه اتخاذهم آلهة من دونه تارة بقيد كونها أرضية , وتارة بقيد ~~كونها سماوية , وتارة مطلقة , لتعم كلا من القسمين وغيرهما , واستدل على ~~ذلك كله بما لم تبق معه شبهة , فدل تفرده على أنه لا مانع له مما يريد من ~~بعث ولاغيره , وكان علمهم لا يتجاوز ما في السموات والأرض , قال مستدلا على ~~ذلك أيضا مقررا بما يعلمونه , أو ينبغي أن يسألوا عنه حتى يعلموه لتمكنهم ~~من ذلك { فاسألوا أهل الذكر } جليا له في أسلوب العظمة : { أولم } أي ألم ~~يعلموا ذلك بما أوضحنا من أدلته ولم يروا , ولكنه أظهر للدلالة على أنهم ~~يغطون أنوار الدلائل عنادا فقال : { ير } أي يعلم علما هو كالمشاهدة { ~~الذين كفروا } أي ستروا ما يعلمون من قدرو الله فأدى ذلك إلى الاستهانة ~~والتنقص فصار ذنبهم غير مغفور , وسعيهم غير مشكور , وحذف ابن كثير الواو ~~العاطفة على ما قدرته مما هدى إليه ms3109 السياق أيضا , لا للاستفهام بما دل عليه ~~ختام الآية التي قبلها من البعث والجزاء المقتضي للإنكار على من أنكره , ~~فكان المعنى على قراءته : نجزي كل ظالم بعد البعث , ألم ير النمكرون لذلك ~~قدرتنا عليه بما أبدعنا من الخلائق , وإنما أنكر عليهم عدم الرؤية بسبب أن ~~الأجسام وإن تباينت لا ينفصل بعضها عن بعض إلا بقادر يفصل بينهما , فمن ~~البديهي الاستحالة أن يرتفع شيء منها عن الآخر منفصلا عنه بغير رافع لا ~~سيما إذا كان المرتفع ثابتا من غير عماد , فكيف وهو عظيم الجسم كبير الجرم ~~؟ وذلك دال على تمام القدرة والاختيار والتنزه عن كل شائبة نقص من مكافىء ~~وغيره , فصح الإنكار عليهم في عدم علم ذلك بسبب أنهم عملوا بخلاف ما ~~يعملونه { إن السماوات والأرض } . | ولما كان المراد الإخبار عن الجماعتين ~~لا عن الأفراد قال : { كانتا } ولما كان المراد شدة الاتصال والتلاحم , ~~أخبر عن ذلك بمصدر مفرد وضع موضع الاسم فقال : { رتقا } أي ملتزقتين زبدة ~~واحدة على وجه الماء , والرتق في اللغة : السد , الفتق : الشق { ففقناهما } ~~أي بعظمتنا أي بأن ميزنا إحداهما عن الأخرى بعد التكوين المتقن وفتقنا ~~السماء بالمطر , والأرض بأنواع النبات بعد أن لم يكن شيء من ذلك , ولا كان ~~مقدورا على شيء منه لأحد غيرنا ؛ عن ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء والضحاك ~~وقتادة : كانتا شيءا واحدا ملتزقتين ففضل الله تعالى بينهما بالهواء . | ~~وعن مجاهد وأبي PageV05P079 صالح والسدي : كانتا مؤتلفة طبقة واحدة ففتقها ~~فجعلها سبع سماوات , وكذلك الأرض كانت واحدة ففتقها فجعلها سبع طبقات . | ~~ولما كان خلق الماء سابقا على خلق السماوات والأرض , قال : { وجعلنا } أي ~~بما اقتضته عظمتنا { من الماء } أي الهمر ثم الدافق { كل شيء حي } مجازا من ~~النبات وحقيقة من الحيوان , خرج الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : { أخبرني عن كل شيء , } فقال : ( ~~كل شيء خلق من ماء . | ) ولذلك أجاب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الذي وجه ~~على ماء بدر وسأله : ممن هو ms3110 ؟ قوله : ( نحن من ماء . | ) ولما كان هذا من ~~تصرفه في هذين الكونين ظاهرا ومنتجا لأنهما وكل فيهما ومن فيهما بصفة العجز ~~عن أن يكون له تصرف ما , تسبب عنه إنكار عدم إيمانهم فقال : { أفلا يؤمنون ~~* } أي بأن شيئا منهما أو فيهما لا يصلح للإلهية , لا على وجه الشركة ولا ~~على وجه الانفراد , وبأن صانعهما ومبدع النامي من حيوان ونبات منهما بواسطة ~~الماء قادر على البعث للحساب للثواب أو العقاب , بعد أن صار الميت ترابا ~~بماء يسببه لذلك . | ولما كان من القدرة الباهرة ثبات الأرض من غير حركة , ~~ودل الماء أدل دليل على ثباتها , وكانت الأرض أقرب في الذكر من السماء , ~~أتبع ذلك قوله : { وجعلنا } بما لنا من العظمة { في الأرض } جبالا { رواسي ~~} أي ثوابت , كراهة { أن تميد بهم } وتضطرب فتهلك المياه كل شيء حي فيعود ~~نفعها ضرا وخيرها شرا . | ولما كان المراد من المراسي الشدة والحزونة لتقوى ~~على الثبات والتثبيت , وكان ذلك مقتضيا لإبعادها وحفظها عن الذلة والليونة ~~, بين أنه أخرق فيها العادة ليعلم أنه قادر مختار لكل ما يريد فقال : { ~~وجعلنا } بما لنا من القدرة الباهرة والحكمة البالغة { فيها } أي الجبال مع ~~حزونتها { فجاجا } أي مسالك واسعة سهلة ؛ ثم ابدل منها قوله : { سبلا } أي ~~مذللة للسلوك , ولولا ذلك اتعسر أو تعذر الوصول إلى بعض البلاد { لعلهم ~~يهتدون * } إلى منافعهم في ديارهم وغيرها , وإلى ما فيها من دلائل ~~الوحدانية وغيرها فيعلموا أن وجودها لو كان بالطبيعة كانت على نمط واحد ~~مساوية للأرض متساوية في الوصف , وأن كونها على غير ذلك دال على أن صانعها ~~قادر مختار متفرد بأوصاف الكمال . | PageV05P080 < < # | الأنبياء : ( 32 - 35 ) وجعلنا السماء سقفا . . . . . # > > ^ ( وجعلنا السمآء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون * وهو الذي خلق ~~الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون * وما جعلنا لبشر من قبلك ~~الخلد أفإن مت فهم الخالدون * كل نفس ذآئقة الموت ونبلوكم بالشر والخير ~~فتنة وإلينا ترجعون ) ^ } ) | ولما دلهم بالسموات والأرض على عظمته , ثم ~~فصل بعض ما في الأرض لملابستهم له , وخص الجبال ms3111 لكثرتها في بلادهم , أتبعه ~~السماء فقال : { وجعلنا } أي بعظمتنا { السماء } وأفرادها بإرادة الجنس لأن ~~أكثر الناس لا يشاهدون منها إلا الدنيا ولأن الحفظ للشيء الواحد أقن { سقفا ~~} أي للأرض لا فرق بينها وبين ما يعهد من السقوف إلا أن ما يعهد لا يسقط ~~منه إلا ما يضر , وهذه مشحونة بالمنافع فأكثر ما ينزل منها ما لا غنى للناس ~~عنه من الآت الضياء وعلامات لاهتداء والزينة التي لا يقدر قدرها . | ولما ~~كان ما يعرفون من السقوف على صغرها لا تثبت إلا بالعمد , ويتمكن منه ~~المفسدون , وتحتاج كل قليل إلى إصلاح وتعهد , بين أن هذا السقف عاة سعته ~~وعلوه على غير ذلك فقال : { محفوظا } أي عن السقوط بالقدرة وعن الشياطين ~~بالشهب , فذكر باعتبار السقف , وأشار إلى كثرة ما حوى من الآيات مؤنثا ~~باعتبار السماء أو العدد الدال عليه الجنس , لأن العدد أولى بالدلالة على ~~كثرة الآيات والنجوم مفرقة في الكل فقال : { وهم } أي أكثر الناس { عن ~~ءاياتها } أي من الكواكب الكبار والصغار , والرياح والأمطار , وغير ذلك من ~~الدلائل التي تفوت الانحصار , أي الدالة على قدرتنا على كل ما نريد من ~~البعث وغيره وعلى عظمتنا بالتفرد بالإلهية وغير ذلك من أوصاف الكمال , من ~~الجلال والجمال { معرضون * } لا يتفكرون فيما فيها من التسيير والتدبير ~~بالمطالع والمغارب والترتيب القويم الدال على الحساب الدائر عليه سائر ~~المنافع . | ولما ذكر السماء , ذكر ما ينشاء عنها فقال : { وهو } أي لا ~~غيره { الذي خلق اليل والنهار } ثم أتبعهما آيتيهما فقال : { والشمس } التي ~~هي آية النهار وبها وجوده { والقمر } الذي هو آية الليل . | ولما ذكر أعظم ~~آياتها فأفهم بقية الكواكب , استأنف لمن كأنه قال : هل هي كلها في سماء ~~واحدة ؟ : { كل } أي من ذلك { في فلك } فكأنه قيل : ماذا تصنع ؟ فقيل ~~تغليبا لضمير العقلاء . . . | ونقلهم إليها : { يسبحون * } أي كل واحد يسبح ~~في الفلك الذي جعل به . | ولما ذكر الصارم البتار , للأعمار الطوال والقصار ~~, من الليل والنهار , كان كأنه PageV05P081 قيل : فينفيان كل شديد , ~~ويبليان كل جديد , فعطف عليه قوله : { وما جعلنا ms3112 } أي بما لنا من العظمة ~~التي اقتضت تفردنا بالبقاء { لبشر } وحقق عدم هذا الجعل بإثبات الجار فقال ~~: { من قبلك الخلد } ناظرا إلى قوله { وما كانوا خالدين } بعد قوله { هل ~~هذا إلا بشر مثلكم } وهذا من أقوى الأدلة على أن الخضر عليه السلام مات , ~~ويجاب بأن الحياة الطويلة ليست خلدا كما في حق عيسى عليه السلام , لكن قوله ~~عليه السلام : ( اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض بعداليوم ) ~~وقوله : ( ) لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على ظهر الأرض اليوم أحد ( ~~وقوله : ) ( وددنا أن موسى عليه السالم صبر فقص علينا من أمرهما ) في أمثال ~~ذلك , يدل على موته دلالة لا تقبل ادعاء حياته بعدها إلا بأظهر منه . | ~~ولما كان قولهم { < # > 77 ( { بل هو شاعر } ) 77 < # > [ الأنبياء : 5 ] مشيرا غلى أنهم قالوا نتربص به ريب المنون كما اتفق ~~لغيره من الشعراء , وكان ينبغي أن لا ينتظر أحد لآخر من الأذى إلا ما يتحقق ~~سلامته هو منه , توجه الإنكار عليهم والتسلية له بمنع شماتتهم في قوله : { ~~أفائن } أي يتمنون موتك فإن { مت فهم } أي خاصة { الخالدون * } فالمنكر ~~تقدير خلودهم على تقدير موته الموجب لإنكار تمنيهم لموته , فحق الهمزة ~~الموجب لإنكار تمنيهم لموته , فحق الهمزةدخولها على الجزاء , وهو فهم , ~~وإنما قارنت الشرط لأن الاستفهام الصدر . | ولما تم ذلك , أنتج قطعا : { كل ~~نفس } أي منكم ومن غيركم { ذاقة الموت } أي فلا يفرح أحد ولا يحزن بموت أحد ~~, بل يشتغل بما يهمه , وإليه الإشارة بقوله : { ونبلوكم } أي نعاملكم ~~معلملة المبتلي المختبر المظهر في عالم الشهادة الشاكر والصابر والمؤمن ~~والكافر كما هوو عندنات في علام الغيب بأن نخالطهم { بالشر } الذي هو طبع ~~النفوس , فهي أسرع شيء إليه , فلا ينجو منه إلا من أخلصناه لنا { والخير } ~~مخالطة كبيرة , وأكد البلاء بمصدر من معناه مقرون بالهاء تعظيما له فقال : ~~{ فتنة } أي كما يفتن الذهب إذا أريدت تتصفية بمخالطة النار له , على حالة ~~عظيمة محيلة مميلة لكم لا يتبت لها إلا الموفق { وإلينا } أي بعد الموت لا ms3113 ~~إلى غيرنا { ترجعون * } للجزاء حيث لا حكم لأحد أصلا لا ظاهرا ولا باطنا ~~كما هذه الدار بنفوذ الحكم فلا يكون إلا ما نريد فاشتغلوا بما ينجيكم منا , ~~ولا تلتفتوا إلى غيره , فإن الأمر صعب , وجدوا فإن الحال جد . | ~~PageV05P082 < < # | الأنبياء : ( 36 - 40 ) وإذا رآك الذين . . . . . # > > ^ ( وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم ~~وهم بذكر الرحمن هم كافرون * خلق الإنسان من عجل سأوريكم آياتي فلا ~~تستعجلون * ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين * لو يعلم الذين كفروا ~~حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون * بل تأتيهم ~~بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون ) ^ } ) | ولما أخبر سبحانه ~~عن إعراضهم عن الساعة تكذيبا , واستدل على كونها منزهة عن الغيب في خلق هذا ~~العالم وتعاليه عن جميع صفات النفص واتصافه بأوصاف الكمال إلى أن ختم ذلك ~~بمثل ما ابتدأ به على وجه أصرح , وكان فيه تنبيههم على الابتلاء وكان ~~الابتالء على قدر النعم , فكان صلى الله عليه وسلم أعظم شيء ابتلوا به لأنه ~~لا نعمة أعظم من النعمة به , ولا شيء أظهر من آياته عطف على قوله ( واسروا ~~النجوى ) قوله : { وإذا رءاك } أي وأنت أشرف الخلق وكلك جد وجلال وعظمة ~~وكمال { الذين كفروا } فأظهر منبها على أن ظلمهم الذي أوجب لهم ذلك هو ~~الكفر وإن كان في أدنى رتبة , تبشيعا له ونتبيها على أنه يطمس الفكر مطلقا ~~. | ولما كان من المعلوم أنه صلى الله عليه وسلم في غاية البعد عن الهزء , ~~قال منبها على أنهم أعرقوا في الكفر حتى بلغوا الذروة : { إن } أي ما { ~~يتخذونك } أي حال الرؤية , وسيعلم من يبقى منهم عما قليل أنك جد كلك { إلا ~~هزوا } أي جعلوك بحمل أنفسهم على ضد ما يعتقد عين ما ليس فيك شيء منه ؛ ثم ~~بين استزاءهم به بأنهم يقولون إنكارا واستصغارا : { أهذ الذي يذكر } أي ~~بالسوء { ءالهتكم } قال أبو حيان : والذكر يكون بالخير والشر , فإذا لم ~~يذكر متعلقه فالقرينة تدل عليه - انتهى . | فإذا دلت ms3114 القرينة على أحدهما ~~أطلق عليه { وهم } أي والحال أنهم على حال كانوا بها أصلا في الهزء , وهي ~~أنهم { بذكر الرحمن } الذي لا نعمة عليهم ولا على غيرهم إلا منه , وكرر ~~الضمير تعظيما بما أتوا به من القباحة فقال : { هم } أي بظواهرهم وبواطنهم ~~{ كافرون } أي ساترون لمعرفتهم به , فلا أعجب ممن هو محل للهزء لكونه أنكر ~~ذكر من لا نعمة منه ولا نقمة أصلا بالسوء , وهو يذكر من كل نعمة منه بالسوء ~~ويهزأ به . | ولما كان من آيات الأولين التي طلبوها العذاب بأنواع الهول , ~~وكانوا هم أيضا قد طلبوا ذلك واستعجلوا به ^ ( { عجل لنا قطنا } ) ^ [ ص : ~~26 ] ونحو ذلك , وكان الذي جرأهم على هذا حلم الله عنهم بإمهاله لهم , قال ~~معللا لذلك : { خلق } وبناه للمفعول لأن المقصود بيان ما جبل عليه والخالق ~~معروف { الإنسان } أي هذا النوع . | PageV05P083 ولما كان مطبوعا على ~~العجلة قالك لا { من عجل } فلذا يكفر , لأنه إذا خولف بادر إلى الانتقام ~~عند القدرة فظن بجهله أن خالقه كذلك , وأن التأخير ما هو إلا عن عجز أو عن ~~رضى ؛ ثم قا لتعالى مهددا للمكذبين ك { سأوريكم } حقا { ءاياتي } بين ~~أيديكم وجعلهم شجا في حلوقكم حتى يتلاشى ما أنتم عليه وغيره ذلك من العظائم ~~{ فلا تستعجلون * } أي تطلبوا أن أوجد العجلة بالعذاب أو غيره , فإني منزه ~~عن العجلةة التي هي من جملة نقائصكم . | ولما ذم العجلة وهي إرادة الشيء ~~قبل أ , انه , ونهى عنها , قال دالا عليها عاطفا على عامل { هذا } : { ~~ويقولون } أي في استزائهم بأولياء الله : { متى هذا } وتهكموا بقولهم : { ~~الوعد } أي بإتيان الآيات من الساعة ومقدمتها وغيرها , وزادوا في الإلهاب ~~والتهييج تكذيبا فقالوا : { إن كنتم صادقين * } أي عريقين في هذا الوصف جدا ~~- بما دل عليه الوصف وفعل الكون . | ولما غلوا في الاستهزاء فكانوا أجهل ~~الجهلة باستحالة الممكن , استأنف الجواب عن كالمهم بنفي العلم عنهم في ~~الحال والمآل دون المعاينة على طريق التهكم والاستهزاء بهم : { لو يعلم ~~الذين كفروا } وذكر المفعول به فقال : { حين } أي لو تجدد لهم علم ms3115 ما ~~بالوقت الذي تستعجلون به ؛ وذكر ما أضيف إليه ذلك الوقت فقال : { لا يكفون ~~} أي فيه بأنفسهم { عن وجوههم } التي هي اشرف أعضائها { النار } استسلاما ~~وضعفا وعجزا { ولا عن ظهورهم } التي هي أشرف أجسادهم , فعرف من هذا أنها قد ~~أحاطت بهم وأنهم لا يكفون عن غير هذين من باب الأولى { ولا هم ينصرون * } ~~أي ولا يتجدد لهم نصر ظاهرا ولا باطنا بأنفسهم ولا بغيرهم , لم يقولوا شيئا ~~من ذلك الكفر والاستهزاء والاستعجال , ولكنهم لا يعلمون ذلك بنوع من أنواع ~~العلم إلا عند الوقوع لأنه لا أمارة لها قاطعة بتعيين وقتها ولا تأتي ~~بالتدريج كغيرها , وهذا معنى { بل تأتيهم } أي الساعة التي هي ظرف لجميع ~~تلك الأحوال وهي معلومة لكل أحد فهي مستحضرة في كل ذهن { بغتة فتبهتهم } أي ~~تدعهم باهتين حائرين ؛ ثم سبب عن بهتهم قوله : { فلا يستطيعون ردها } اي لا ~~يطلبون طوع ذلك لهم في ذلك الوقت ليأسهم عنه { ولا هم ينظرون * } أي يمهلون ~~من ممهل ما ليتداركوا ما أعد لهم فيها , فيا شدة اسفهم على التفريط في ~~الأوقات التي أمهلوا فيها في هذه الدار , وصرفهم إياها في لذات أكثرها ~~أكدار . | PageV05P084 < < # | الأنبياء : ( 41 - 44 ) ولقد استهزئ برسل . . . . . # > > ^ ( ولقد استهزىء برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به ~~يستهزئون * قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم ~~معرضون * أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا ~~يصحبون * بل متعنا هؤلاء وآبآءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي ~~الأرض ننقصها من أطرافهآ أفهم الغالبون ) ^ } ) | ولما كان التقدير حاق بهم ~~هذا باستهزائهم بك , تبعه ما يدل على أن الرسل في ذلك شرع واحد , تسلية له ~~صلى الله عليه وسلم وتأسية , فقال عاطفا على لآوإذا رءاك } : { ولقد } ~~مؤكدا له لمزيد التسلية بمساواة إخوانه من الرسل وبتعذيب أعدائه . | ولما ~~كان المخوف نفس الاستهزاء لا كونه من معين , بني للمفعول قوله : { استهزىء ~~برسل } اي كثيرين . | ولما كان معى النتكير عدم الاستغراق , أكده ms3116 بالخافض ~~فقال : { من قبلك فحاق } اي فأحاط { بالذين سخروا منهم } لكفرهم { ما كانوا ~~} بما هو لهم كالجبلة { به يستهزءون * } من الزعود الصادقة كبعض من سألوه ~~الإتيان بمثل آياتهم كقوم نوح ومن بعدهم . | ولما هددهم بما مضى مما قام ~~الدليل على قدرته عليه , وختمه - لوقوفهم مع المحسوسات - بما وقع لمن قبلهم ~~, وكان الأمان عن مثل ذلك لا يكون إلا بشيء يوثق به , أمره أن يسألهم عن ~~ذلك بقوله : { قل من يكلؤكم } أي يحفظكم ويؤخركم ويكثر رزقكم , وهو استفهام ~~توبيخ . | ولما استوى بالنسبة إلى قدرته حذرهم وغفلتهم , قال : { باليل } ~~أي وأنتم نائمون . | ولما كانت مدافعة عذابه سبحانه غير ممكنة لنائم ولا ~~يقظان قال : { والنهار } اي وأنتم مستيقظون . | ولما كان لا منعم بكلاية ~~ولا غيرها سواه سبحانه , ذكرهم بذلك بصفة الرحمة فقال : { من الرحمن } الذي ~~لا نعمة بحراسة ولا غيرها إلا منة حتى أمنتم مكروه ولو بقطع إحسانه , فكيف ~~إذا ضربتم بسوط جبرتوه وسطوةة قهرة وعظموته . | ولما كان الجواب قطعاص : ~~ليس لهم من يكلؤهم منه وهو معنى الاستفهام الإنكاري , قال مضربا عنه : { بل ~~هم } أي في أمنهم من سطواته { عن ذكر ربهم } الذي لا يحسن إليهم غيره { ~~معرضون * } فهم لا يذكرون أصلا فضلا عن أن يخشوا بأسه وهم يدعون أنهم أشكر ~~الناس للإحسان . | ولما أرشد السياق إلى أن التقديرك أصحيح هذا الذي أشرناا ~~إليه من أنه لا مانع لهم منا , عادله بقوله إنكارا عليهم : { أم لهم ءالهة ~~} موصفة بأنها { تمنعهم } نوب PageV05P085 الدهر . | ولما كانت جميع الرتب ~~تحت رتبته سبحانه , أثبت حرف الابتداء فقال محقرا لهم : { من دوننا } أي من ~~مكروه هو تحت إرادتنا ومن جهة غير جهتنا . | ولما كان الجواب قطعا : ليس ~~لهم ذلك , وهو بمعنى الاستفهام , استأنف الإخبار بما يؤيد هذا الجواب , ~~ويجوز أن يكون تعليلا , فقال : { لا يستطبعون } أي الآلهة التي يزعمون أنها ~~تنفعهم , أو هم - لأنهم لا مانع لهم من دوننا - { نصر أنفسكم } من دون ~~إرادتنا فكيف بغيرهم , أو يكون ذلك صفة الالهة على طريق التهكم { ولا هم } ~~أي الكفار ms3117 أو الآلهة { منا } أي بما لنا من العظمة { يصحبون * } بوجه من ~~وجوه الصحبة حتى يصير لهم استطاعة بنا , فانسدت عليهم أبواب الاستطاعة أصلا ~~ورأسا . | ولما لم يصلح هذا لأن يكون سببا لاجترائهم , أضرب عنه قائلا في ~~مظهر العظمة , إشارة غلى أن اغترارهم به سبحانه - مع ما له من دلائل الجلال ~~- من أعجب العجب , بانيا على نحو ( لا كالىء لهم منه ولا مانع ) : { بل ~~متعنا } أي بعظمتنا { هؤلاء } أي الكفار على حقارتهم , أو الإضراب عن عدم ~~استطاعتهم للنصر , والمعنى أن ما هم فيه من الحفظ إنما هو منا لأجل تمتيعهم ~~بما لا يتغير به إلا مغرور , لا من مانع يمنعهم { وءاباءهم } من قبلهم ~~بالنصر وغيره { حت طال عليهم العمر } فكان طول سلامتهم غارا لهم بنا , فظنا ~~أنه لا يغلبهم على ذلك التمتيع شيء , ولا ينزع عنهم ثوب النعمة . | ولما ~~أقام الأدلة ونصب الحجج على أنه لا مانع لهم من الله , تسبب عن ذلك الإنكار ~~عليهم في اعتقاد غيره فقال : { أفلا يرون } أي يعلمون علما هو في وضوحه مثل ~~الرؤية بالبصر { أنا } بما لنا من العظمة , وصور ما كان يجريه من عظمته على ~~أيدي أوليائه فقال : { نأتي الأرض } أي التي أهلها كفار , إتيان غلبة لهم ~~بتسليط أوليائنا عليهم . | ولما كان الإتيان على ضروب شتى , بينه بقوله : { ~~ننقصها من أطرافها } بقتل بعضهم ورد من بقي عن دينه إلى الإسلام , فهم في ~~نقص , وأولياؤنا في زيادة . | ولما كانت مشاهدتهم لهذا مرة بعد مرة قاضية ~~بأنهم المغلبونن تسبب عنه إنكار غير ذلك فقال : { افهم } أي خاصة { الغلبون ~~* } أي مع مشاهدتهم لذلك أم أولياؤنا . | < < # | الأنبياء : ( 45 - 50 ) قل إنما أنذركم . . . . . # > > ^ ( قل إنمآ أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعآء إذا ما ينذرون * ~~ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يويلنآ إنا كنا ظالمين * ونضع الموازين ~~القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها ~~وكفى بنا حاسبين * ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا للمتقين * ~~PageV05P086 الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من ms3118 الساعة مشفقون * وهذا ذكر ~~مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما تبين الخلف في قولهم على كثرته وادعائهم الحكمة والبالغة , ~~وفعلهم على كثرتهم وزعمهم القوة والشجاعة , ثبت أن أقواله الناقصة لذلك من ~~عند الله بما ثبت من استقامة معانيها وإحكامها , بعدما اتضح من إعجاز ~~نظومها وحسن التئامها , فأمره أن يبين لهم ذلك بقواه : { قل إنما أنذركم } ~~أيها الكفار { بالوحي } أي الآتي يه الملك عن الله فلا قدح في شيء من نظمه ~~ولا معناه والحال أنكم لا تسمعون - على قراءة الجماعة والحال أنك لا تسمعهم ~~- على قراءة ابن عامر بضم الفوقانية وكسر الميم ونصب الصم خاصة , ولكنهم ~~لما كانوا لا ينتفعون بإنذاره لتصامهم وجعلهم أصابعهم في آذانهم قت الإنذار ~~عدهم صما , وأظهر الوصف لتعليق الحكم به من العذاب إلا إذا كان قويا على ~~دفعه . | بين أنهم على غير ذلك فقال : { ولئن } أي لا يسمعون والحال أنه لا ~~قوة بهم , بل إن { مستهم } أي لاقتهم أدنى ملاقاة { نفحة } اي رائحة يسيرة ~~مرة من المرات { من عذاب ربك } المحسن إليك بنصرك عليهم { ليقولن } وقد ~~أذهلهم أمرها عن نخوتهم . | وشغلهم قدرها عن كبرهم وحميتهم : { يا ويلنا } ~~الذي لا نرى الآن بحضرتنا غيره { إنا كنا } أي بما لنا مما هو في ثباته ~~كالجبلات { ظالمين * } أي عريقين في الظلم في إعراضنا وتصامنا ترفقا وتذللا ~~لعله يكف عنهم . | ولما بين ما افتتحت السوة من اقتراب الساعة بالقدر عليه ~~واقتضاء الحكمة له , وأن كل أحد ميت لا يستطيع شيئا من الدفع عن نفسه فضلا ~~عن غيره , وختمت الآيات بإقرار الظالم بظلمه , وكانت عادة كثير من الناس ~~الجور عند القدرة , بين أنه سبحانه بخلاف ذلك فذكر بعض ما يفعل في حساب ~~الساعة من العدل فقال عاطفا على قوله ( بل تأتيهم بغتة ) : { ونضع } فأبرزه ~~في مظهر العظمة إشارة غلى هوانه عنده وإن كان لكثرة الخالئق وأعمال كل منهم ~~متعذرا عندنا { الموازين } المتعددة لتعدد الموزونات أو أنواعها . | ولما ~~كانت الموازين آلة العدل , وصفها به مبالغة فقال { القسط } أي العدل المميز ms3119 ~~للأقسام على السوية . | ولما كان الجزاء علة في وضع المقادير , عبر باللام ~~ليشمل - مع ما يوضع فيه PageV05P087 - ما وضع الآن لأجل الدنيوية فيه فقال ~~: { ليوم القيامة } الذي أنتم عنه - لإعراضكم عن الذكر - غافلون . | ولما ~~جرت العادة بأن الملك قد يكون عادلا فظلم بعض أتباعه , بين أن عظمته في ~~إحاطة علمه وقدرته تأبى ذلك , فبنى الفعل للمجهول فقال : { فلا } أي فتسبب ~~عن هذا الوضع أنه لا { تظلم } أي من ظالم ما { نفس شيئا } من عملها { وإن ~~كان } أي العمل { مثقال حبة } هذا على قراءة الجماعة بالنصب . | والتقدير ~~على قراءة نافع بالرفع : وإن وقع أو وجد { من خردل } أو أحقر منه , وإنما ~~مثل به لأنه غاية عندنا في القلة , وزاد في تحقيره بضمير التأنيث لإضافته ~~إلى المؤنث فقال : { أتينا بها } بما لنا من العظمة في العلم والقدرة وجميع ~~صفات الكمال فحسبناه عليها , والميوان الحقيقي . | ووزن الأعمال على صفة ~~يصح وزنها معها بقدرة من لا يعجزه شيء . | ولما كان حساب الخلائق كلهم على ~~ما صدر منهم أمرا باهرا للعقل , حقره عند عظنته فقال : { وكفى بنا } أي بما ~~لنا من العظمة { حاسبين * } أي لا يكون في الحساب أحد مثلنا , ففيه توعد من ~~جهة أن معنها أنه لا يروج عليه شيء من خداع ولا يقبل غلطا , ولا يضل ولا ~~ينسى , إلى غير ذلك من كل ما يلزم منه نوع لبس أو شوب نقص , ووعد من جهة ~~أنه لا يطلع على كل حسن فقيد وإن دق وخفي . | ولما قدم في قوله { ما يأتيهم ~~من ذكر من ربهم } - الآية وغيره أنهم أعرضوا عن هذا الذكر تعللا بأشياء ~~منها طلب آيات الأولين , ونبه على إفراطهم في الجهل بما ردوا من الشرف ~~بقوله { لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم } ومر إلى أن ختم بالتهديد ~~بعذابه , وأنه يحكم بالقسط , وكان كتاب موسى عليه السلام بعد القرآن أعظم ~~الكتب السماوية , وكان أهل الكتاب قد أعرضوا عنه غير مرة على زمن موسى عليه ~~السلام بعادة العجل وغيره وبعد موته مع كون المرسل ms3120 , به اثنان تاضدا على ~~إبلاغه وتقرير أحكامه بعد أن بهرا العقول بما أتيا به من الآيات التي منها ~~- كما بين في سورة البقرة والأعراف - التصرف في العناصر الأربعة التي هي ~~أصل الحيوان الذي بدأ الله منها خلقه . | ومقصود السورة الدلالة على إعادته ~~, ومنمها ما عذب به من أعرض عن ذكر موسى وهارون عليهما السلام الذي هو ~~ميزان العدل لما نشر من الضياء المورث للتبصرة الماحقة للظلام , فلا يقع ~~متبعه في ظلم , كان الحساب تفصيل الأمور ومقابلة كل منها بما يليق به , ~~وذلك بعينه هو الفرقان , قال سبحانه بعد آية الحساب عاطفا على ( لقد نزلنا ~~) : { ولقد ءاتينا } أي بما لنا من العظمة { موسى وهارون } أي أخاه الذي ~~سأل أن يشد أزره به { الفرقان } الذي تعاضدا على إبلاغه والإلزام بما دعا ~~إليه حا لكونه مبينا لسعادة الدارين , لا يدع لبسا في أمر من الأمور { ~~وضياء } لا ظلام معه , فلا ظلم للمستبصر PageV05P088 به , لأن من شأن من ~~كان في الضياء أن لا يضع شيئا إلا في موضعه { وذكرا } أي وعظا وشرفا . | ~~ولما كان من لا ينتفع بالشيء لا يكون له منه شيء , قال : { للمتقين * } أي ~~الذين صار هذا الوصف لهم شعارا حاملا لهم على التذكير لما يدعو إليه الكتاب ~~من التوحيد الذي هو أصل المراقبة ؛ ثم بين التقوى بوصفهم بقوله : { الذين ~~يخشون } أي يخافون خوفا عظيما { ربهم } أي المحسن إليهم بعد الإيجاد ~~بالتربية وأنواع الإحسان { بالغيب } أي في أن يكشف لهم الحجاب { وهم من ~~الساعة } التي نضع فيها الموازين وقد أعرض عنها الجاهلون مع كونها أعظم ~~حامل على كل خير , مبعد من كل ضير { مشفقون * } أنهم لقيامها متحققون , ~~وبنصب الموازين فيها عالمون . | ولما ذكر فرقان موسى عليه السلام , وكان ~~العرب يشاهدون إظهار اليهود للتمسك به والمقاتلة على ذلك والاغتباط , حثهم ~~على كتابهم الذي هو أشرف منه فقال : { وهذا } فأشار إليه بأداة القرب إيماء ~~إلى سهولة تناوله عليهم { ذكر } أي عظيم , ودلهم على أنه أثبت الكتب ~~وأكثرها فوائد بقوله : { مبارك } ودلهم على زيادة عظمته ms3121 بما له من قرب ~~الفهم والإعجاز وغيره بقوله : { أنزلناه } ثم أنكر عليهم رد وبخهم في سياق ~~دال على أنهم أقل الكتاب من أن يجترءوا على ذلك , منبه على أنهم أولى ~~بالمجاهدة في هذا الكتاب برد ما أنزل من أهل الكتاب في كتابهم فقال : { ~~أفأنتم له } أي لتكونوا دون أهل الكتاب برد ما أنزل لتشريفكم عليهم وعلى ~~غيرهم مع أنكم لا تنكرون كتابهم { منكرون * } اي أنه لو أنكره غيركم لكان ~~ينبغي لكم مناصبته , فكيف يكون الإنكار منكم ؟ | < < # | الأنبياء : ( 51 - 54 ) ولقد آتينا إبراهيم . . . . . # > > ^ ( ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين * إذ قال لأبيه ~~وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون * قالوا وجدنآ آبآءنا لها ~~عابدين * قال لقد كنتم أنتم وآبآؤكم في ضلال مبين ) ^ } ) | ولما كان مقصود ~~السورة الدلالة على القدرة على ما استبعده العرب من إعادة الحيوان بعد كونه ~~ترابا , وبدأ ذكر الأنبياء بمن صرفه في العناصر الأبعة كما تقدم قص ذلك من ~~التوراة في سورتي البقرة والأعراف إشارة إلى من استبعد عليه ما جعله إلى ~~بعض عبيده أعمى الناس , تلاه من الأنبياء بمن سخر له واحدا من تلك العناصر ~~, مرتبا لهم على الأخف في ذلك فالأخف على سبيل الترقي , فبدأهم بذكر من سخر ~~له عنصر النار , مع التنبيه للعرب على عماهم عن الرشد بإنكاره للشرك بعبادة ~~الأوثان على أبيه PageV05P089 وغيره , ودعائهم إلى التوحيد , والمجاهدة في ~~الله على ذلك حق الجهاد , وهو أعظم آباء الرادين لهذا الذكر , والمستمسكين ~~بالشرك تقليدا للآباء , إثباتا للقدرة الباهرة الدالة على التوحيد الداعي ~~إليه جميع هؤلاء الأصفياء , هذا مع مشاركته بإنزال الصحف عليه لموسى ومحمد ~~عليهما الصلاة والسلام ومشاركته لهما في الهجرة , وإذا تأملت ما في سورتي ~~الفرقان والشعراء ازداد ما قلته وضوحا , فإنه لما أخبر تعالى أنهم قالوا < # > 77 ( { لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } ) 77 < # > [ الفرقان : 2 ] بدأ بقصة موسى الذي كتب له ربه في الألواح من كل شيء , ~~وقومه مقرون بعظمة كتابه وأنه أوتي من الآيات ما بهر العقول , وكفر ms3122 به مع ~~ذلك كثير منهم . | ولما قال في الشعراء < # > 77 ( { ما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث } ) 77 < # > - [ الآية : 5 ] كما هنا , صنع كما صنع هنا من البداءة بقصة موسى عليه ~~السلام وإلائها ذكر إبراهيم عليه السلام فقال تعالى : { ولقد ءاتينا } بما ~~لنا من العظمة { إبراهيم رشده } أي صلاحه و إصابته وخه الأمر واهتداءه إلى ~~عين الصواب وأدل الدلالة وأعرف العرف وأشرف القصد الذي جلبناه عليه ؛ وقال ~~الرازي في اللوامع : والرشد قوة بعد الهداية - انتهى . | ةأضافة إليه إشارة ~~إلى أنه رشد يليق به على علو مقامه وعظم شأنه لا جرم ظهر عليه أثر ذلك من ~~بين أهل ذلك الزمان كلهم فآثر الإسلام على غيره من الملل { من قبل } أي قبل ~~موسى وهارون عليهما السلام { وكنا } بما لنا من العظمة { به } ظاهرا وباطنا ~~{ عالمين } بأنه جبلة خير يدوم على الرشد ويترقى فيه إلى أعلى درجاته لما ~~طبعناه عليه بعظمتنا من طبائع الخير ؛ وتعليق { إذ قال } أي إبراهيم { ~~لأبيه وقومه } ب { عالمين } إشارة إلى أن قوله لما كلن بإذن منا ورضى لنا ~~نصرناه - وهو وحده - على قومه كلهم , ولو لم يم = كن يرضينا لمنعانه منه ~~بنصر قومه عليه وتمكين النار منه , فهو مثل ما مضى في قوله { قل ربي يعلم ~~القول في السماء والأرض } ومفهوم هذا القيد لا يضر لأنه لا يحصي ما ينفيه ~~من المنطوقات , وإن شئت فعلقة ب { أيانتا } ؛ ثم ذكر مقول القول في قوله ~~منكرا عليهم محقرا لأصنامهم في أسوب التجاهل لإثبات دعوى جهلهم بدليل : { ~~ما هذه التماثيل } أي الصور التي صنعتموها مماثلين بها ما فيه روح , جاعلين ~~بها ما لا يمون إلا لمن لا مثل له , وهي الأصنام { التي أنتم لها } أي ~~لأجلها وحدها , مع كثرة ما يشابهها وما هو أفضل منها { عاكفون * } أي ~~موقعون الإقبال عليها مواظبرون على ذلك , فبأي معنى استحقت منكم هذا ~~الاختصاص , وإنما هي مثال للحي في الصورة وهو أعلى منها بالحياة التي ~~أفاضها الله عليه . | ولما أتاهم بهذا القاصم , استأنف الخبر سبحانه عن ms3123 ~~جوابهم بقوله : { قالوا } PageV05P090 مسوين أنفسهم بالبهائم التي تقاد ولا ~~علم بما قيدت له : { وجدنا ءاباءنا لها } خاصة { عابدين * } فاقتدينا بهم ~~لا حجة لنا غير ذلك . | ولما غلوا في الجهل غير محتشمين من إقرارهم على ~~أنفسهم به , بالاستناد إلى محض التقليد بعد إفلاسهم من أدنى شبهة فضلا عن ~~الدليل , استأنف الله تعالى الإخبار عن جوابه بقوله : { قال } اي منبها لهم ~~بسوط التقريع على أن الكلام مع ىبائهم كالكلام معهم : { لقد كنتم } وأكد ~~بقوله : { أنتم } لأجل صحة العطف لأن الضمير المرفوع المتصل حكمه حكم جزء ~~الفعل , هذا مع الإشاة إلى الحكمم على ظواهرهم وبواطنهم { وءاباؤكم } أي من ~~قبلكم { في ضلال } قد أحاط بكم إحاطة الظرف بالمظروف والمسلوك بالسلك { ~~مبين * } ليس به نوع من الخفاء . | < < # | الأنبياء : ( 55 - 61 ) قالوا أجئتنا بالحق . . . . . # > > ^ ( قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين * قال بل ربكم رب ~~السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين * وتالله لأكيدن ~~أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين * فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه ~~يرجعون * قالوا من فعل هذا بآلهتنآ إنه لمن الظالمين * قالوا سمعنا فتى ~~يذكرهم يقال له إبراهيم * قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون ) ^ ~~} ) | ولما لم تكن عادته مواجهة أحد بما يكره , استأنف الإخبار عنهم بما ~~يدل عليه فقال : { قالوا } ظنا منهم أه لم يقل ذلك على ظاهرة : { أجئتنا } ~~في هذا الكلام في هذا الكالم { بالحق } الذي يطابقه الواقع { أم أنت من ~~اللاعبين * } فظاهر كلامك غير حق { قال } بانيا على ما تقديره : ليس كلامي ~~لعبا , بل هو جد , وهذه التماثيل ليست أربابا { بل ربكم } الذي يستحق منكم ~~اختصاصه بالعبادة { رب السموات والأرض } أي مدبرهن القائم بمصالحهن { الذي ~~فطرهن * } أي أوجدهما وشق بهما ظلمة العدم , وأنتم وتماثيلكم مما فيها من ~~مصنوعاته أنتم تشهدون بذلك إذا رجعتم إلى عقولكم مجردة عن الهوى { وأنا على ~~ذلكم } الأمر البين من أنه ربكم وحده فلا تجوز عبادة غيره { من الشاهدين * ~~} أي الذين يقدرون على إقامة الدليل على ما يشهدون به لأنهم لم يشهدوا ms3124 إلا ~~على ما هو عندهم مثل الشمس , لا كما فعلتم أنتم حين اضطركم السؤال إلى ~~الضلال . | ولما أقام البرهان على إثبات الإله الحق , أتبعه البرهان على ~~إبطال الباطل فقال : { وتالله } وهو القسم , والأصل في القسم الباء الموحدة ~~, والواو بدل منها , والتاء بدل من الواو , وفيها - مع كونا بدلا - زيادة ~~على التأكيد بالتعجب : قال الأصبهاني : كأنه تعجب PageV05P091 من تسهل ~~الكيد على يده - انتهى . | وفيها أيضا أنها تدل على رجوع التسبب باطنا , ~~فكأنها إشارة إلى أنه بعد أن تسبب في ردهم عن عبادتها ظاهرا بما خاطبهم به ~~, تسبب من ذلك ثانيا باطنا بإفسادها { لأكيدن } أمد لأنه مما ينكر لشدة ~~عسره ؛ والكيد : الاحتيال في الضرر { أصنامكم } أي هذه التي عكفتم عليها ~~ناسين الذي خلقكم وإياها , أي لأفعلن بها ما يسوكم بضرب من الحيلة . | ولما ~~كان عزمه على إيقاع الكيد في جميع الزمان الذي يقع فيه توليهم في أي جزء ~~تيسر له منه , أسقط الجار فقال : { بعد أن تولوا } أي توقعوا التولي عنهان ~~وحقق مراده بقوله : { مدبرين * } لأنزلكم من الدليل العقلي على تحقيق الحق ~~إذ لم تكونوا من أهله إلى الدليل الحسي على إبطال الباطل . | ولما كانوا في ~~غاية التعظيم لأصنامهم لرسوخ أقدامهم في الجهل , لم يقع في أوهامهم قط أن ~~إبراهيم عليه السلام يقدم على ما قال , وعلى تقدير إقدامه الذي هو عندهم من ~~قبيل المحال لا يقد على ذلك , فتولوا إلى عيدهم , وقصد هو ما كان عزم عليه ~~فشمر في إنجازه تشميرا يليق بتعليقه اليمين بالاسم الأعظم { فجعلهم } أي ~~عقب توليهم { جذاذا } قطعا مهشمة مكسرة مفتة , من الجذ وهو القطع { إلا ~~كبيرا } واحدا { لهم } أي للأصنام أو لعبادها فإنه لم يكسر وجعل الفأس معه ~~{ لعلهم } أي أهل الضلال { إليه } وحده { يرجعون * } عند إلزامه لهم ~~بالسؤال فتقوم عليهم الحجة , إذ لو ترك غيره معه لربما زعموا أن كلا يكل ~~الكلام إلى الآخر عند السؤال لغرض من الأغراض , فلما عادوا إلى أصنامهم ~~فوجدوها على تلك الحال علم أنه لا بد لهم عند ذلك من ms3125 أمر هائل , فاستؤنف ~~الإخبار عنه بقوله : { قالوا } أي أهل الضلال : { من فعل هذا } الفعل ~~الفاحش { بىلهتنا } ثم استأنفوا الخبر عن الفاعل فقالوا مؤكدين لعلمهم أن ~~ما أقامه الخليل عليه السلام على بطلانها يميل القلوب إلى اعتقاد أن هذا ~~الفعل حق : { إنه من الظالمين * } حيث وضع الإهانة في غير موضعها , فإن ~~الآلهة حقها الإكرام , لا الإهانة والانتقام { قالوا } أي بضهم لبعض : { ~~سمعنا } ولم يريدوا تعظيمه مع شهرته وشهرة أبيه وعظمتهما فيهم ليجترىء عليه ~~من لا يعرفه فنكروه بقولهم : { فتى } أي شابا من الشبان { يذكرهم } أي ~~بالنقص والعيب { يقال له إبراهيم * } يعنون : فهو الذي يظن أنه فعله { ~~قالوا } مسببين عن هذا كارهين فإلى الله المشتكى من قوم يأخذون أكابر أهل ~~دينهم بغير بينة بل ولا ظنة { فأتوا به } إلى هنا أي إلى بيت الاصنام { على ~~اعين الناس } اي جهرة , والناس ينظرون إليه نظرا لا خفاء معه حتى كأنه ماش ~~على ابصارهم , متمكنا منها تمكن الراكب على المركوب , وعبر بالعين عن البصر ~~ليفهم الأكابر , ويجمع القلة PageV05P092 لإفادة السياق الكثرة , فيفيد ~~الأمران قلة ما , لئلا يتوهم من جمع الكثرة جميع الناس مطلقا { لعلهم } إذا ~~رأوه { يشهدون * } أي أنه فعل بالآلهة هذا الفعل , أو أنه ذكرها بسوء , ~~فيكون ذلك مسوغا لأخذه بذلك , أو يشهد بفعله بعضهم , لأن الشيء إذا حضر ~~كانت أحواله بالذكر أولى منها إذا كان غائبا , وكان هذا عين ما قصده الخليل ~~عليه السلام أن يبين - في هذا المحفل الذي لا يوجد مثله - ما هم عليه من ~~واضح الجهل المتضمن قلة العقل . | < < # | الأنبياء : ( 62 - 72 ) قالوا أأنت فعلت . . . . . # > > ^ ( قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يإبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا ~~فاسألوهم إن كانوا ينطقون * فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون * ~~ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون * قال أفتعبدون من دون الله ~~ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ~~* قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين * قلنا ينار كوني بردا وسلاما ~~على إبراهيم ms3126 * وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين * ونجيناه ولوطا إلى ~~الأرض التي باركنا فيها للعالمين * ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا ~~جعلنا صالحين ) ^ } ) | ولما كان إحضاره معلوما أنهم لا يتأخرون عنه , ~~استأنف أخباره لما يقع التشوف له فقال : { قالوا } نمكرين عليه مقررين , له ~~بعد حضوره على تلك الهيئة : { ءأنت فعلت هذا } الفعل الفاحش { بىلهتنا يا ~~إبرهيم * قال } متهكما لهم وملزما بالحجة : { بل فعله كبيرهم } غيره من أن ~~يعبد معه من هو دونه , وهذا على طريق إلزام الحجة ؛ وتقييده بقوله : { هذا ~~} إشارة إلى الذي تركه بغير كسر يدل على أنه كان فيهم كبير غيره . | وكذا ~~التنكير فيما مضى من قوله { إلا كبيرا لهم } وهذا - مع كونه تهكما بهم ~~ونكاية عن أنهم لا عقل لهم لعبادتهم من يعلمون أنه لا يقدر على فعل ما - ~~تنبيه على قباحة الشرك , وأنه لا يرضى به إله بل يهلك منعبد غيره وكل ما ~~عبد من دونه إن كان قادرا , غيره على مقامه العظيم , ومنضبه الجسبم . | ~~ولما أخبر بذلك , ولم يكن أحد رآه حتى يشهد على فعله , وكانوا قد أحلوهم ~~بعبادتهم ووضع الطعم لهم محل من بعقل , سبب عنه أمرهم بسؤالهم فقال : { ~~فاسألوهم } أي عن الفاعل ليخبروكم به { إن كانوا ينطقون * } على زعمكم أنهم ~~آلالهة يضرون وينفعون , فإن قدروا على النطق أمكنت منهم القدرة وإلا فلا , ~~أما سؤال الصحيح فواضح , وأما غيره فكما يسأل الناس من جرح أو قطعت يده أو ~~رجله أو PageV05P093 ضرب وسطه وبقيت فيه بقية من رمق , وإسناده الفعل ما لا ~~يصح إسناده إليه وأمره بسؤاله بعد الإضراب عن فعله متضمن لأنه هو الفاعل . ~~| ولما كان روح الكالم إقراره بالفعل وجعلهم موضع الهزئ لأنهم عبدوا ما لا ~~قدرة له على دفاع أصلا تسبب عنه قوله تعالى الدال على خزيهم : { فارجعوا } ~~أي الكفرة { إلى أنفسهم } بمعنى أنهم فكروا فيما قال فاضطرهم الدليل إلى أن ~~تحققوا أنهم على محض الباطل وأن هذه الشرطية الممكنة عقلا غير ممكنة عادة { ~~فقالوا } يخاطب بعضهم بعضا مؤكدين لأن حالهم يقتضي إنكارهم لظلمهم ms3127 : { إنكم ~~أنتم } خاصة { الظالمون * } لكونكم وضعتم العبادة في غير موضعها , لا ~~إبراهيم فإنه أصاب في إهانتهم سواء المجز ووافق عين الغرض , وفي أنكم بعد ~~أن عبدتموها ولا قدرة لها تركتموها بلا حافظ . | ولما كان رجوعهم إلى ~~الضلال بعد هذا الإقرار الصحيح الصريح في غاية البعد , عبر بأداته مشيرا ~~إلى ذلك فقال : { ثم نكسوا } أي انقلبوا في الحال غير مستحيين مما يلزمهم ~~من الإقرار بالسفه حتى كأنهم قبلهم قالب لم يمكنهم دفعه { على رؤوسهم } ~~فصار أعلاهم أسفلهم برجوعهم عن الحق غلى الباطل , من قولهم : نكس المريض - ~~إذا رجع إلى حاله الأول , قائلين في مجادلته عن شركائهم : { لقد علمت } يا ~~إبراهيم ! { ما هؤلاء } لا صحيحهم ولا جريحهم { ينطقون * } فكانوا بما ~~فاهوا به ظانين أنه ينفعهم , ممكنين لإبراهيم عليه السلام من جلائل المقاتل ~~. | ولما تسبب عن قولهم هذا إقرارهم بأنهم لا فائدة فيهم , فاتجهت لإبراهيم ~~عليه السلام الحجة عليهم , استانف سبحانه الإخبار عنها بقوله : { قال } ~~منكرا عليهم موبخا لهم مسببا عن إقرارهم هذا : { أفتعبدون } ونبههم على أن ~~جميع الرتب تتضاءل دون رتبة الإلهية بقوله : { من دون الله } أي من أدنى ~~رتبة من تحت رتبة الملك الذي لا ضر ولا نفع إلا بيده لاستجماعه صفات الكمال ~~. | ولما كانوا في محل ضرورة بسبب تكسير أصنامهم , راجين من ينفعهم في ذلك ~~, قدم النفع فقال : { ما لا ينفعكم شيئا } لترجوه { ولا يضركم * } شيئا ~~لتخافوه . | ولما أثبت أن معبوداتهم هذه في حيز العدم , فكانوا لعبادتها ~~دونها , استأنف تبكيتهم لذلك بأعلى كلمات التحقير التي لا تقال إلا لما هو ~~غاية في القذارة فقال : { أف } أي تقذر وتحقير مني , وفي الأحقاف ما يتعين ~~استحضاره هنا , ثم خص ذلك بهم بقوله : { لكم ولما تعبدون } ولما كانت على ~~وجه الإشراك , وكانت جميع الرتب تحت رتبته تعالى , وكانت أصنامهم هذه في ~~رتب منها سافلة جدا أثبت الجار فقال : { من دون الله } أي الملك الأعلى ~~لدناءتكم وقذارتكم . | ولما تسبب عن فعلهم هذا وضوح أنه لا يقربه عاقل , ~~أنكر عليهم ووبخهم على PageV05P094 ترك الفكر تنبيها ms3128 على أن فساد ما هم ~~عليه يدرك ببديه العقل فقال : { أفلا تعقلون * } أي وأنتم شيوخ قد مرت بكم ~~الدهور وحنكتكم التجارب . | ولما وصل بهم إلى هذا الحد من البيان , فدخصت ~~حجتهم , وبان عجزهم , وظهر الحق , واندفع الباطل , فانقطعوا انقطاعا فاضحا ~~, أشار سبحانه إلى الإخبار عن ذلك بقوله استئنافا : { قالوا } عادلين إلى ~~العناد واستعمال القوة الحسية : { حرقوه } بالنار لتكونوا قد فعلتم فيه ~~فعلا هو أعظم مما فعل بآلهتكم { وانصروا آلهتكم } التي جعلها جذاذا ؛ وأشاء ~~التعبير - بأداة الشك وفعل الكون واسم الفاعل إلى أن أذاه لا يسوغ , وليس ~~الحامل عليه إلا حيلة غلبت على الفطرة الأولى السليمة - في قوله : { إن ~~كنتم فاعلين } أي النصرة لها , فإن النار أهول المعقبات وأفظعها , فهي أزجر ~~لمن يريد مثل هذا الفعل , واتركوا الجدال فإنه يورث ضد ما تريدون , ويؤثر ~~عكس ما تطلبون , فعزموا على ذلك فجمعوا الحطب شهرا ووضعوه في جوبة من الأرض ~~أحاطوا بها جدارا كما في الصافات حتى كان ذلك الحطب كالجبل , وأضرموا فيه ~~النار حتى كان على صفة لم بوجد في الأرض قط مثلها , حتى إن كان الطئر ليمر ~~بها في الجو فيحترق , ثم ألقوه فيها بالمنجنيق فقال : حسبي الله ونعم ~~الوكيل - أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما , ولأبي يعلى عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لما القي إبراهيم ~~عليه السلام في النار قال : اللهم ! إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد ~~, عبدك ) وقال البغوي : أتاه خاون المياه فقال : إن أردت أخمدت النار , ~~وأتاه خازن الرياح فقال : إن شئت طيرت النار في الهواء , فقال لإبراهيم : ~~لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل . | فأراد الله الذي له القوة ~~جميعا سلامته منها , فعبر عن ذلك بقوله سبحانه استئنافا لجواب من زاد تشوفه ~~إلى ما كان من أمره بعد الإلقاء فيها : { قلنا } أي بعظمتنا { يا نار كوني ~~بردا } بإرادتنا التي لا يتخلف عنها مراد { بردا } . | ولما كان البرد قد ~~يكون ضارا قال : { وسلاما } فكانت كذلك ms3129 , فلم تحرق منه إلا وثاقه . | ولما ~~كان المراد اختصاصه عليه السلام بهذا قيده به , ولما كان المراد حياته ولا ~~بد , عبر بحرف الاستعلاء فقال : { على إبراهيم * } أي فكان ما أردنا من ~~سلامته , وروى البغوي من طريق البخاري عن أم شريك رضي الله عنها أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أمر PageV05P095 بقتل الوزغ وقال : ( كان ينفخ ~~النار على إبراهيم ) وقال ابن كثير : وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عبيد الله ~~بن أخي وهب ثنا عمي عن جرير بن حازم أن نافعا حدثه قال : حدثتني مولاة ~~الفاكة بن المغيرة المخزومي قالت : دخلت على عائشة رضي الله عنها فرأيت في ~~بيتها رمحا فقلت : يا أم المؤمنين ! ما تصنعين بهذا الرمح ؟ فقالت : نقتل ~~به هذه الأوزاغ , إن رسول الله قال : ( إن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في ~~النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفىء عنه غير الوزغ , فإنه كان ينفخ على ~~إبراهيم فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله . | ( ولما قدم ما نبه ~~على شدة الاهتمامم به لإفهامه أنه حكم بسلامته من كيدهم عند همهم به فكيف ~~بما بعده ! قال عاطا على تقديره : فألقوه فيها : { وأرادوا به كيدا } أي ~~مكرا بإضراره بالنار وبعد خروجه منها { فجعلناهم } أي بما لنا من الجلال . ~~| ولما كانوا قد أرادوا بما صنعوا له من العذاب أن يكون أسفل مننم أهل ذلك ~~الجمع , وكان السياق لتحقيق أمر الساعة الذي هو مقصود السورة , وكان الصائر ~~إليها المفرط فيها بالتكذيب بها قد خسر خسارة لا جبر لها لفوات محل ~~الاستدراك , قال : { الأخسرين * } لأن فضيحتهم في الدنيا الموجبة للعذاب في ~~الأخر كانت بنفس فعلهم الذي كادو به , ولم يذكر سبحانه شعيبا عليه السلام ~~مع أنه سخر له النار في يوم الظلة فأحرقت عصاه , لأن فعل النار بقومه كان ~~على ما هو المعهود من أمرها بخلاف فعلها مع إبراهيم عليه السلام , فإنه على ~~خلاف المعتاد , وقد وقع مثل هذا لبعض أتباع نبينا صلى الله عليه وسلم , وهو ~~أبو مسلم الخولاني , طلبه الأسود ms3130 العنسي لما ادعى النبوة فقال له : أتشهد ~~أني رسول الله ؟ قال : ما أسمع , قال : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : ~~نعم ! فأمر بنار فألقي فيها فوجده قائما يصلي فيها وقد صارت عليه بردا ~~وسلاما , وقدم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فأجلسه عمر بينه وبين أبي ~~بكر رضي الله عنهما وقال : الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد ~~صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله . | ولما كان ~~إنجاؤه - وهو وحده - ممن أرادوا به هذا الأمر العظيم من العجائب فكيف إذا ~~انضم إليه غيره , ولم يكن في ذلك الغير آية تمنعهم عنه كما كان في إبراهيم ~~PageV05P096 عليه السلام , قال : { ونجيناه } أي بعظمتنا { ولوطا } أي ابن ~~أخيه وصديقه لكونه آمن به وصدقه , من بلادهما كوثى بلاد العراق , منتهيين ~~إلى الأرض المقدسة , ولعله عبر بإلى الدالة على تضمين ) انتهى ( للدلالة ~~على أن هناك غاية طويلة , فإنهما خرجا من كوثى من أرض العراق إلى حران ثم ~~من حران { إلى الأرض } المقدسة { التي باركنا فيها } بأن ملأناها من ~~الخيرات الدنيوية و الأخروية بما فيها من المياه التي بها حياة كل شيء من ~~الأشجار والزروع وغيرها , وما ظهر منها من الأنبياء عليهم السلام الذي ~~ملؤوا الأرض نورا { للعالمين * } كما أنجيناك أنت يا أشرف أولاده وصديقك ~~أبا بكر رضي الله عنه إلى طيبة التي شرفناها بك , وثثنا من أنوارها في ~~أرجاء الأرض وأقطارها ما لم نبث مثله قط , وباركنا فيها للعالمين , ~~بالخلفاء الراشدين وغيرهم من العلماء والصالحين , الذين انبثت خيراتهم ~~العملية والعلمية والمالية في جميع الأقطار . | ولما أولد له في حال شيخوته ~~وعجزا امرأه مع كونها عقيما , وكان ذلك دالا على الاقتدار على البعث الذي ~~السياق كله له , قال : { ووهبنا } دالا على ذلك بنون العظمة { له إسحاق } ~~أي من شبه العدم , وترك شرح حاله لتقدمه , أي فكان ذلك دالا على اقتدارنا ~~على ما نريد لا سيما من إعادة الخلق في يوم الحساب ؛ ولما كان قد يظن أنه - ~~لتولده ms3131 بين شيخ فان وعجوز مع يأسها عقيم - كان على حالة من الضعف , لا يولد ~~لمثله معها , نفى ذلك بقوله : { ويعقوب نافلة } أي ولد إسحاق زيادة على ما ~~دعا به إبراهيم عليهما السلام ؛ ثم نمى سبحانه أولاد يعقوب - وهو إسرائيل - ~~وذرياتهم إلى أن ساموا النجوم عدة , وباروا الجبال شدة { وكلا } من هؤلاء ~~الأربعة ؛ وعظم رتبتهم بقوله : { جعلنا صالحين * } أي مهيئين - لطاعتهم لله ~~- لكل ما يريدونه أو يرادون له أو يراد منهم , وهذا إشارة إلى أن العاصي ~~الهالك , لا يصلح لشيء وإن طال عنره , واشتد أمره , لأن العبرة بالعاقبة . ~~| < < # | الأنبياء : ( 73 - 79 ) وجعلناهم أئمة يهدون . . . . . # > > ^ ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينآ إليهم فعل الخيرات وإقام ~~الصلاة وإيتآء الزكاة وكانوا لنا عابدين * ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه ~~من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين * وأدخلناه في ~~رحمتنآ إنه من الصالحين * ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله ~~من الكرب العظيم * ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم ~~سوء فأغرقناهم أجمعين * وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم ~~القوم وكنا لحكمهم شاهدين * ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا ~~مع PageV05P097 داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما ذكر أنه أعطاهم رتبة الصلاح في انفسهم , ذكر أنه أعطاهم رتبة ~~الإصلاح لغيرهم , فقال معظما لإمامتهم : { وجعلناهم أئمة } أي أعلاما ~~ومقاصد يقتدى بهم في الدين بما أعطاهم من النبوة . | ولما كان الإمام قد ~~يدعو إلى الردى , ويصد عن الهدى , إذا كانت إمامته ظاهرة لا يصحبها صلاح ~~باطن , تحترز عن ذلك بقوله : { يهدون } أي يدعون إلينا من وفقناه للهداية { ~~بأمرنا } وهو الروح الذي هو العمل المؤسس على العلم بإخبار الملائكة به عنا ~~, ولإفهام ذلك عطف عليه قوله معظما لوحية إليهم : { وأوحينا إليهم } أي ~~أيضا { فعل } أي أن يفعلوا { الخيرات } كلها وهي شرائع الدين , ولعله عبر ~~بالفعل دلالة على أنهم امتثلوا كل ما أوحي إليهم . | ولما كانت الصلاة أم ~~الخيرات , خصها بالذكر فقال : { وإقام الصلاة } قال الزجاج ms3132 : الإضافة عوض ~~عن تاء التأنيث . | يعني فيكون من الغالب لا من القليل , وكان سر الحذف ~~تعظيم الصلاة لأنها مع نقصها عن صلاتنا - لما أشار إليه الحذف - بهذه ~~المنزلة من العظمة فما الظن بصلانتا . | ولما كانت الصلاة بين العبد والحق ~~, وكان روحها الإعراض عن كل فان , عطف عليها قوله : { وإيتاء الزكاة } أي ~~التي هي مع كنها إحسانا إلى الخلق بما دعت الصلاة إلى الانسلاخ عنه من ~~الدنيا , ففعلوا ما أوحيناه إليهم { وكانوا لنا } دائما جبلة وطبعا { ~~عابدين * } أي فاعلين لكل ما يأمرون به غيرهم , فعل العبد مع ملاه من كل ما ~~يجب له من الخدمة , ويحق له من التعظيم والحرمة . | ولما كان سبحانه قد سخر ~~لصديقه لوط عليه السالم إهلاك من عصاه في أول المر بحجارة الكبريت التي هي ~~من النار , وفي آخره بالماء الذي هو اقوى من النار , تلاه به فقال : { ~~ولوطا } أي وآتيناه أو واذكر لوطا ؛ ثم استأنف قوله : { ءاتيناه } أي ~~بعظمتنا { حكما } أي نبوة وعملا محكما بالعلم { وعلما } مزينا بالعمل { ~~ونجيناه } بانفرادنا بالعظمة . | ولما كانت مادة ( قرا ) تدل على الجمع , ~~قال : { من القرية } المسماة سدوم , أي من عذابهم وجميع شرورهم , وأفرد ~~تنبيها على عمومها بالقلع والقلب وأنه كان في غاية السهولة والسرعة , وقال ~~أبو حيان : وكانتسبعا , عبر عهنا بالواحدة لاتفاق أهلها على الفاحشة . | { ~~التي كانت } قبل إنجائنا له منها { تعمل الخبائث } بالذكران , وغير ذلك من ~~الطغيان , فاستحقوا النار التي أمر المؤلفات , بما ارتكبوا من الشهوة ~~المححظورة لعدهم لها الملذذات , والغمر بالماء القذر المنتن الذي جعلناه - ~~مع أنا جعلنا من PageV05P098 الماء كل شيء حي - لا يعيش فيه حيوانا , فضلا ~~عن أن يتولد منه , ولا ينتفع به , لما خامروا من القذر الذي لا ثمرة له . | ~~ولما كان في هذا إشارة غلى إهلاك القرية , وأن التقدير : ودمرنا عليهم بعد ~~انفصاله عنهم , علله بقوله : { إنهم كانوا } اي بما جلبوا عليه { قوم سوء } ~~أي ذوي قدرة على الششر بانهماكهم في الأعمال السيئة { فاسقين * } خارجين من ~~كل خير , ثم زاد الإشارة وضوحا بقوله : { وأدخلناه ms3133 } أي دونهم بعظمتنا { في ~~رحمتنا } أي في الأحوال السنية , والأقوال العلية , والأفعال الزكية , التي ~~هي سبب الرحمة العظمى ومسببة عنها ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنه من الصالحين ~~* } أي لما جلبناه عليه من الخير . | ولما أتم سبحانه قصة لوط المناسبة ~~لقصة الخليل عليهما السلام بحجارة الكبريت , لقصة نوح عليه السلام بالماء ~~الذي غمرت به قراه السبع , أتبع ذلك قصة نوح عليه السلام الذي سخر له من ~~الماء مل لم يسخره لغيره لغمره جميع الأرض دانيها وقاصيها , واطيها وعاليها ~~, فقال : { ونوحا إذ } أي اذكره حين { نادى } أي دعا ربه < # > 77 ( { إني مغلوب فانتصر } ) 77 < # > [ القمر : 10 ] و < # > 77 ( { لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } ) 77 < # > [ نوح : 26 ] ونحوه من الدعاء . | ولما كان دعاؤه لم يستغرق الأزمنة ~~الماضية , أثبت الجالر فقال : { من قبل } أي من قبل لوط ومن تقدمه { ~~فاستجبنا } أي أردنا الإجابة وأوجدناها بعظمتنا { له } في ذلك النداء ؛ ثم ~~سبب عن ذلك قوله : { فنجيناه } أي بعظمتنا تنجية عظيمة { وأهله } الذين ~~أدام ثباتهم على الإسلام وصلتهم به { من الكرب العظيم * } من الأذى والغرق ~~؛ قال أبو حيان : والكرب : أقصى الغم , والأخذ بالنفس , وهو هنا الغرق , ~~عبر عنه بأول أحوال ما يأخذ الغريق . | { ونصرناه } أي مخلصين له ومانعين ~~ومنتقمين { من القوم } أي المتصفين بالقوة { الذين كذبوا } أي أوقعوا ~~التكذيب له { بآيتنا } أي بسبب إتيانه بها , وهي من العظمة على أمر لا يخفى ~~. | ولما كان التقدير : ثم أهلكناهم , علله بقوله : { إنهم كانوا قوم سوء } ~~لا عمل لهم إلا ما يسوء { فأغرقناهم } أي بعظمتنا التي أتت عليهم كلهم { ~~أجمعين * } حتى من قطع الكفر بين نوح عليه السلام وبينه من أهله فصار لا ~~يعد من أهله , لاختلاف الانتساب بالدين . | ولما كان ربما قيل : لم قدم ~~إبراهيم ومن معه على نوح وهو أبوهم ومن أولي العزم , وموسى وهارون على ~~إبراهيم وهو كذلك , أشار بقصة داود وسليمان - على PageV05P099 جميعهم ~~الصلاة والسلام - إلى أنه ربما يفضل البن الأب في أمر , فربما قدم لأجله ~~وإن كان لا يلزم منه تقديمه مطلقا ms3134 , مع ما فيها من أمر الحرث الذي هو أنسب ~~شيء لما بعد غيض الماء في قصة نوح عليه السلام , هذا في أوله وأما في آخره ~~فما يتنبه مثال للدنيا في بهجتها وغرورها , وانقراضها ومرورها , ومن تصريف ~~داود عليه السلام في الجبال وهي أشد التراب الذي هو اقوى من الماء , وفي ~~الحديد وهو أقوى من تراب الجبال , وسليمان عليه السلام في الريح وهي أقوى ~~من التراب فقال : { وداود } أي أول من ملك ابنه من أنبياء بني إسرائيل { ~~وسليمان } ابنه , أي اذكرهما واذكر شأنهما { إذ } أي حين { يحكمان في الحرث ~~} الذي أنبت الزرع , وهو من إطلاق اسم السبب على المسبب كالسماء على المطر ~~والنبت , قيل : كان ذلك كرما , وقيل : زعا { إذ نفشت } أي انتشرت ليلا بغير ~~راع { فيه غنم القوم } الذي لهم قوة على حفظها فرعته ؛ قال قتادة : النفش ~~بالليل , والهمل بالنهار . | { وكنا } أي بعظمتنا التي لا تقر على خلاف ~~الأولى في شرع من الشروع { لحكمهم } أي الحكمين والمتحاكمين إليهما { ~~شاهدين } لم يغب عنا ذلك ولا شيء من أمرهم هذا ولا غيره , فذلك غيرنا على ~~داود عليه السلام تلك الحكومة مع كونه ولينا وهو مأجور في اجتهاده لأن ~~الأولى خلافها , فإنه حكم بأن يمتلك صاحب الحرث الغنم لصاحب الكرم ليرتفق ~~بلبنها ونسلها وصوفها ومنافعها , ويعمل صاحبها في الكرم حتى يعود كما كان ~~فيأخذ حرثه , وترد الغنم إلى صاحبها , وهذا أرفق بهما . | ذا أدل دليل على ~~ما تقدمت الإشارة إليه عند { قل ربي يعلم القول } , و { كنا به عالمين إذ ~~قال لأبيه } وفيه رد عليهم في غيظهم من النبي صلى الله عليه وسلم في تسفيه ~~الآباء والرد عليهم كما في قصة إبراهيم عليه السلام لأنه ليس بمستنكر أن ~~يفصل الابن أباه ولو في شيء , والآية تدل على أن الحكم ينقض بالاجتهاد إذا ~~ظهر ما هو أقوى منه . | ولما كان ذلك ربما أوهم شيءا في أمر داود عليه ~~السلام , نفاه بقوله دالا على أنهما على الصواب في الاجتهاد وإن كان المصيب ~~في الحكم هو ms3135 أحدهما { وكلا } أي منهما { ءاتينا } بما لنا من العظمة { حكما ~~} أي نبوة وعملا مؤسسا على حكمة العلم , وهذا معنى ما قالوه في قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : إن من الشعر حكما - أي قولا صادقا مطابقا للحق { ~~وعلما } مؤيدا بصالح العمل , وعن الحسن رحمه الله : لولا هذه الآية لرأيت ~~القضاة قد هلكوا , ولكنه أثنى على سليمان عليه السلام بصوابه , وعذر داود ~~عليه PageV05P100 السلام باجتهاده انتهى . | وأتبعه من الخوارق ما يشهد له ~~بالتقدم والفضل فقال : { وسخرنا } أي بعظمتنا التي لا يعيبها شيء . | ولما ~~كان هذا الخارق في التنزيه , لم يعد الفعل اللام زيادة في التنزيه وإبعادا ~~عما ربما أوهم غيره فقال مقدما ما هو أدل على القدرة في ذلك لأنه أبعد عن ~~النطق : { مع داود الجبال } أي التي هي أقوى من الحرث , حال كونهن { يسبحن ~~} معه , ولو شئنا لجعنا الحرث أو الغنم يكلمه بصواب الحكم , ولم يذكر ناقة ~~صالح أنها مقترحة موجبة لعذاب الاستئصال , فلم يناسب ذكرها هنا , لما أشار ~~إليه قوله تعالى { لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم } , ( وما أرسلناك إلا ~~رحمة للعالمين ) وهذه الآيات التي ذكرت هنا ليس فيها شيء مقترح { والطير } ~~التي سخرنا لها الرياح التي هي أقوى من الجبال وأكثر سكناها الجبال , ~~سخرناها معه تسبح { وكنا فاعلين * } أي من شأننا الفعل لأمثال هذه الأفاعيل ~~, ولكل شيء نريده بما لنا من العظمة المحيطة , فلا تستكثروا علينا أمرا وإن ~~كان عندهم عجبا , وقد اتفق نحو هذا لغير واد من هذه الأمة , كان مطرف بن ~~عبد الله ابن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه ابنته , هذا مع أن الطعام كان ~~يسبح بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم والحصا وغيره . | < < # | الأنبياء : ( 80 - 88 ) وعلمناه صنعة لبوس . . . . . # > > ^ ( وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون * ~~ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء ~~عالمين * ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين ~~* وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم ms3136 الراحمين * فاستجبنا له ~~فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين ~~* وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين * وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من ~~الصالحين * وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات ~~أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من ~~الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) ^ } ) | ولما ذكر التسخير بالتسبيح , اشار إلى ~~تسخير الحديد الذي هة اقوى تراب الجبال وأصلبه وأصفاه فقال : { وعلمناه } ~~أي بعظمتنا { صنعة لبوس } قال البغوي : وهو في اللغة اسم لكل ما يلبس ~~ويستعمل في الأسلحة كلها , وهو كالجلوس والركوب . | { لكم } أي لتلبسوه في ~~حربكم , وألنا له في عمله الديد ليجتمع له إلى العلم سهولة PageV05P101 ~~العمل فيأتي كما يريد { لتحصنكم } أي اللبوس أو داود أو الله على قراءة ~~الجماعة في حصن مانع , وهو معنى قراءة النون الدال على مقام العظمة عند أبي ~~بكر عن عاصم ورويس عن يعقوب , وقراءة أبي جعفر وابن عامر وحفص بالفوقانية ~~للدروع نظرا إلى الجنس { من بأسكم } الكائن مما يحصل من بعضكم لبعض من ~~شدائد الحرب لا من الباس كله { فهل أنتم شاكرون * } لنا على ذلك لتوحدنا ~~وتؤمنوا بأنبيائنا ؛ قال البغوي : قال قتادة : أول من صنع الدروع وسردها ~~وحلقها داود عليه السلام , وكانت من قبل صفائح , والدرع يجمع الخفة ~~والحصانة . | ولما كان قد سخر لابنه سليمان عليه السلام الريح التي هي أقوى ~~من بقية العناصر قال : { ولسليمان } معبا باللام لأنها كانت تحت أمره لنفعه ~~ولا إبهام في العبارة { الريح } قال البغوي : وهي جسم لطيف يمتنع بلطفه من ~~القبض عليه , ويظهر للحس بحركته , وكان سليمان عليه السلام يأمر بالخشب ~~فيضرب له , فإذا حمل عليه ما يريد من الدواب , الناس وآلة الحرب أمر ~~العاصفة فدخلت تحت الخشب فاحتملته حتى إذا استقلت به أمر الرخاء تمر به ~~شهرا في غدوته وشهرا في روحته - انتهى ملخصا . | فكان الريحان مسخرتين له , ~~ولكن لما كان السياق هنا لبيان الإقدار على الأفعال الغريبة الهائلة , قال ms3137 ~~: { عاصفة } أي شديدة الهبوب , هذا باعتبار عملها , ووصفت بالرخاء باعتبار ~~لطفها بهم فلا يجدون لها مشقة { تجري بأمره } غذا أمرها غادية ورائحة ذاهبة ~~إلى حيث اراد وعائدة على حسب ما يريد , ىية في آية . | ولما كان قد علم مما ~~مضى من القرآن لحامله المعتني بتفهم معانيه , ومعرفة أخبار من ذكر فيه , ~~أنه من بني إسرائيل , وأن قراره بالأرض المقدسة فكان من المعلوم أنه يجريها ~~غلى غيره , وكان الحامل إلى مكان ربما تعذر عوده مع المحمول , عبر بحرف ~~الغاية ذاكرا محل القرار دلالة علىأنها كما تحمله ذهابا إلىحيث أراد من قاص ~~ودان - تحمله إلى قراره اياما فقال : { ألى الأرض التي باركنا } أي بعزتنا ~~{ فيها } وهي الشام { وكنا } أي أزلا وأبدا بإحاطة العظمة { بكل شي } من ~~هذا وغيره من أمره وغيره { عالمين * } فكنا على كل شيء قادرين , فلولا ~~رضانا به لغيرناه عليه كما غيرنا على من قدمنا أمورهم , وهذا من طراز { قل ~~ربي يعلم القول } كما مضى , وتسخير الريح له كما سخرت للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ليالي الأحزاب , قال حذيفة رضي الله عنه : حتى كانت تقذفهم بالحجارة , ~~ما تجاوز عسكرهم فهزمهم الله بها وردوا بغيظهم لم ينالو خيرا . | وأعم من ~~جميع ما أعطى الأنبياء عليهم السلام أنه أعطى صلى الله عليه وسلم التصرف في ~~العالم العلوي الذي PageV05P102 جعل سبحانه من الفيض على العالم السفلي ~~بالاختراق لطباقة بالإسراء تارة , وبإمساك المطر لما دعا بسبع كسبع يوسف , ~~وبإرساله اخرى كما في أحاديث كثيرة , وأتي مع ذلك بمفاتيح خزائن الأرض كلها ~~فردها صلى الله عليه وسلم . | ولما ذكر تسخير اليح له , ذكر أنه سخر له ~~مأغلبعناصره النار والريح للعمل في الماء , مقابلة لارتفاع الحمل في الهواء ~~باستفال الغوص في الماء فقال : { ومن } أي وسخرنا له من { الشياطين } الذين ~~هم أكثر شيء تمردا وعتوا , وألطف شيء أجساما { من } وعبر بالجمع لأنه أدل ~~على عظم التصرف فقال : { يغوصون له } في المياه لما يأمرهم به من استخراج ~~الجواهر وغيرها من المنافع , وذلك بأن أكثفنا أجسامهم مع لطافتها ms3138 لتقبل ~~الغوص في الماء معجزة في معجزة , وقد خنق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~العفريت الذي جاء بشهاب من نار وأسر جماعة من أصحابه رضي الله عنهم عفاريت ~~أتوا إلى ثمر الصدقة وأمكنهم الله منهم { ويعملون عملا } أي عظيما جدا . | ~~ولما كان إقدارهم على الغوص اعلى ما يمون في أمرهم , وكان المراد استغراق ~~إقدارهم على ما هو أدنى من ذلك مما يريده منهم , نزع الجار فقال : { دون ~~ذلك } أي تحت هذا الأمر العظيم أو غيره من بناء ما يريد , واصطناع ما يشاء ~~, من الصنائع العجيبة , والآثار الغريبة , وفي ذلك تسخير الماء والتراب ~~بواسطة الشاطين , فقد ختم عند انتهاء الإشارة إلى تسخير العناصر - بمن سخر ~~له العناصر الربعة كما ابتدأ بذلك { وكنا } اي بعظمتنا التي تغلب كل سيء { ~~لهم حافظين * } من أن يفعلوا غير ما يريد , ولمن يذكر هودا عليه السلام هنا ~~, إن كان قد سخر له الريح , لن عملها له كان على مقتضى العادة في التدمير ~~والأذى عند عصوفها وإن كان خارقا بقوته , والتي لسليمان عليه السلام للنجاة ~~والمنافع , هذا مع تكرارها فأمرها أظهر , وفعلها أزكى وأطهر . | ولما أتم ~~سبحانه ذكر من سخر لهم العناصر التي منها الحيوان المحتوم ببعثته تحقيقا ~~لذلك , ذكر بعدهم من وقع له أمر من الخوارق يدل على ذلك , إما بإعادة ~~PageV05P103 أو حفظ أو ابتداء , وبدأهم بمن أعاد له ما كان أعدمه من أهل ~~ومال , وسخر له عنصر الماء في إعادة لحمه وجلده , لأن الإعادة هي المقصودة ~~بالذات في هذه السورة فقال : { وأيوب } أي واذكر أيوب , قالوا : وهو ابن ~~أموص بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام , وكان صاحب البثنية ~~من بلاد الشام , وكان الله قد بسط عليه الدنيا فشكره سبحانه ثم ابتاله فصبر ~~{ إذ نادى ربه } اي المحسن إليه في عافيته وضره بما آتاه من صبره { إني ~~مسني الضر } بتسليطك الشيطان علي في بدني وأهلي ومالي وقد طمع الآن في ديني ~~, وذلك أنه زين لامرأة أيوب عليه السلام أن تأمره ان ms3139 يذبح الصنم فإنه يبرأ ~~ثم يتوب , ففطن لذلك وحلف : ليضربها إن برأ , وجزع من ذلك , والشكوى غلى ~~الله تعالى ليست من الجزع فلا تنافي الصبر , وقال سفيان بن عيينة : ولا من ~~شكا إلى الناس وهو في شكواه راض بقضاء الله تعالى . | { وأنت } أي والحال ~~أنك أنت { أرحم الراحمين * } فافعل بي ما يفعل الرحمن بالمضرور , وهذا ~~تعريض بسؤال الرحمة حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة , وربه بأبلغ صفاتها ولم ~~يصرح , فكان ذلك ألطف في السؤال , فهو أجدر بالنوال { فاستجبنا له } اي ~~أوجدنا إجابته إيجاد من كأنه طالب لها بسبب ندائه , هذا بعظمتنا في قدرتنا ~~على الأمور الهائلة , وسبب عن ذلك قوله : { فكشفنا } أي بما لنا من ا لعظمة ~~{ ما به من ضر } بأن أمرناه أن يركض برجله , فتنبع له عين من ماء , فيغتسل ~~فيها , فينبت لحمه وجلده أحسن ما كان وأصحه ودل على تعاظم هذا الأمر بقوله ~~: { وءاتيناه أهله } أي أولاده وما تبعه من حشمة , أحييناهم له بعد أن ~~كانوا ماتوا { ومثلهم } أي وأوجدنا له مثلهم في الدنيا , فإن قوله : { معهم ~~} يدل على أنهم وجدوا عند وجدان الأهل , حال كون ذلك الكشف الإيتاء { رحمة ~~} أي نعمة عظيمة تدل على شرفه بما شأنه العطف والتحنن , وهو من تسمية ~~المسبب باسم السبب , وفخمها بقوله : { من عندنا } بحيث لا يشك من ينظر ذلك ~~أنا ما فعلناه إلا رحمة منا له وأن غيرنا لم يكن يقدر على ذلك { وذكرى } أي ~~عظة عظيمة { للعابدين * } كلهم , ليتأسوا به فيصبروا إذا ابتلوا بفتنة ~~الضراء ولا يظنوما أنها لهوانهم , ويشكروا إذا ابتلوا بنعمة السراء لئلا ~~تكون عين شقائهم , واتبعه سبحانه بمن أنبع له من زمزم ماء باقيا شريفا , ~~إشارة إلى شرفه وشرف ولده خاتم الرسل ببقاء رسالته ومعجزته فقال : { ~~إسماعيل } أي ابن إبراهيم عليه السلام الذي سخرنا له من الماء بواسطة الروح ~~الأمين ما عاش به صغيرا بعد أن كان هالكا لا محالة , ثم جعناه طعام طعم ~~وشفاء سقم دائما , وصناه - وهو كبير - من الذبح فذبحه أبوه واجتهد في ms3140 ~~إتلافه إمتثالا لأمرنا فلم ينذبح كما اقتضته إرادتنا { وإدريس } أي ابن شيث ~~بن آدم عليهم السلام الذي احييناه PageV05P104 بعد موته ورفعناه مكانا عليا ~~, وهوأول نبي بعث من بني آدم عليهما السلام { وذا الكفل } الذي قدرناه على ~~النوم الذي هو الموت الأصغر , فكان يغلبه فلا ينام أو إلا قليلا , يقوم ~~الليل ولا يفتر , ويصوم النهار ولا يفطر , ويقضي بين الناس ولا يغضب . | ~~فقدره الله علىالحياة الكاملة في الدنيا التي هي سبب الحياة الكاملة في ~~الأخرى وهو خليفة اليسع عليه السلام تخلفه على أن يتكفل له بصيام النهار ~~وقيام الليل وأن لا يغضب , قيل : إنه ليس ببني وعن الحسن أنه نبي , وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه إلياس , وقيل : هو يوشع بن نون , وقيل : زكريا - ~~عليهم السلام . | ولما قرن بينهم لهذه المناسبة , استأنف مدحهم فقال : { كل ~~} أي كل واحد منهم { من الصابرين * } على ما ابتليناه به , فآتيناهم ثواب ~~الصابرين { وأدخلناهم } ودل على عظمة ما لهم عنده سبحانه بقوله : { في ~~رحمتنا } ففعلنا بهم من الإحسان ما يفعله الراحم بمن يرحمه على وجه عمهم من ~~جميع جهاتهم , فكان ظرفا لهم ؛ ثم علل بقوله : { إنهم من الصالحين } لكل ما ~~يرضاه الحكيم منهم , بمعنى أنهم جبلوا جبلة خير فعملوا على مقتضى ذلك , ثم ~~أتبعهم من هو أغرب حالا منهم في الحفظ فقال { وذا النون } أي اذكره { إذ ~~ذهب مغاضبا } اي على هيئة الغاضب لقومه بالهجرة عنهم , ولربه بالخروج عنهم ~~دون الانتظار لإذن خاص منه بالهجرة , وروي عن الحسن أن معنى { فظن أن لن ~~نقدر عليه } أن لن نعاقبه بهذا الذنب , أي ظن أنا نفعل معه من لا يقدر , ~~وهو تعبير عن اللازم بالملزوم مثل التعبير عن العقوبة بالغضب , وعن الإحسان ~~بالرحمة وفي أمثاله كثرة , فهو أحسن الأقوال وأقومها - رواه البهيقي في ~~كتاب الأسماء والصفات عن قتادة عنه وعن مجاهد مثله وأسند من غير طريق عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما معناه , وكذا قال الأصبهاني عنه أن معناه : لن ~~نقضي عليه بالعقوبة , وأنه قال أيضا ما ms3141 معناه : فظن أن لن نضيق عليه الخروج ~~, من القدر الذي معناه الضيق , لا من القدرة , ومنه < # > 77 ( { فقدر عليه رزقه } ) 77 < # > [ الفجر : 16 ] وروى البهيقي أيضا عن الفراء نقدر بمعنى نقدر - مشددا ~~وبحكم , وأنشد عن ابن الأنباري عن أبي صخر الهذلي : ولا عائد ذاك الزمان ~~الذي مضى تباركت ما نقدر يقع ولك الشكر { فنادى } أي فاقتضت حكمتنا أن ~~عاتبناه حتى استسلم فألقى نفسه في البحر فالتقمه الحوت وغاص به إلى قرار ~~البحر ومنعناه من أن يكون له طعاما , فنادى { في الظلمات } من بطن الحوت ~~الذي في أسف البحر في الليل , فهي ظلمات ثلاث - نقله ابن كثير عن ابن مسعود ~~وابن عباس وغيرهما رضي الله عنهم . | { أن لا إله إلا أنت } . | ولما نزه ~~عن الشريك عم فقال : { سبحانك } أي تنزهت عن كل نقص , فلا PageV05P105 يقدر ~~على الإنجاء من مثل ما أنا فيه غيرك ؛ ثم أفصح بطلب الخلاص بقوله ناسبا إلى ~~نفسه من النقص ما نزه الله عن مثله : { إني كنت } أي كونا كبيرا { من ~~الظالمين } أي في خروجي من بين قومي فبل الإذن , فاعف عني كما هي شيمة ~~القادرين , ولذلك قال تعالى مسببا عن دعائه : { فاستجبنا له } أي أوجدنا ~~الإجابة إيجاد من هو طالب لها تصديقا لظنه أن لن نعاقبه ( أنا عند ظن عبدي ~~بي ) والآية تفهم أن شرط الكون مع من يظن الخير دوام الذكر وصدق الإلتجاء , ~~وقال الرازي في اللوامع : وشرط كل من يلتجىء إلى الله أن يبتدىء بالتوحيد ~~ثم بالتسبيح والثناء ثم بالعتراف والاستغفار والاعتذار , وهذا شرط كل دعاء ~~- انتهى . | ولما كان التقدير : فخلصناه مما كان فيه , عطف عليه قوله , ~~تنبيها على أنهما نعمتان لأن أمره مع صعوبته كان في غاية الغرابة : { ~~ونجيناه } أي بالعظمة الباغة تنجية عظيمة , وأنجيناه إنجاء عظيما { من الغم ~~} الذي كان ألجأه إلى المغاضبة ومن غيره , قال الرازي : وأصل الغم الغطاء ~~على القلب - انتهى . | فألقاه الحوت على الساحل وأظله الله بشجرة القرع . | ~~ولما كان هذا وما تقدمه أمورا غريبة , أشار إلى القدرة على أمثالها ms3142 من جميع ~~الممكنات , وأن ما فعله من إكرام أنبيائه عام لأتباعهم بقوله : { وكذلك } ~~أي ومثل ذلك الإنجاء العظيم الشأن والتنجية { ننجي } اي بمثل ذلك العظمة { ~~المؤمنين * } إنجاء عظيما وننجيهم تنجية عظيمة , ذكر التنجية أولا يدل على ~~مثلها ثانيا , وذكر الإنجاء ثانيا يدل على مثله أولا وسر ذلك الإشارة إلى ~~شدة العناية بالمؤمنين لأنهم ليس لهم كصبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - ~~بما أشار إليه بحديث ( أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ) ( ~~يبتلى المرء على قدر دينه ) فيسلهم سبحانه من البلاء كما تسل الشعرة من ~~العجين , فيكون ذلك مع السرعة في لطافة وهناء - بما أشارت إليه قراءة ابن ~~عامر وأبي بكر عن عاصم رضي الله عنه بتشديد الجيم لإدغام النون الثانية فيه ~~, أو يمون المعنى أن من دعا منهم بهذا الدعاء أسرع نجاته , فإن المؤمن متى ~~حصلت له هفوة راجع ربه فنادى معترفا بذنبه هذا النداء , ولاسيما إن مسه ~~بسوط الأدب , فبادر إليه الهرب . | < < # | الأنبياء : ( 89 - 91 ) وزكريا إذ نادى . . . . . # > > ^ ( وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين * ~~فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون ~~PageV05P106 في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين * والتي ~~أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنهآ آية للعالمين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان حاصل أمر يونس عليه السلام أنه خرج من بطن لم يعهد الخروج ~~من مثله , عطف عليهه قصة زكريا عليه السلام في هبته له ولدا من بطن لم يعهد ~~الحمل من مثله في العقم واليأس ناظرا إلى أبيه إبراهيم عليه السلام أول من ~~ذكر تصريفه في أحاد العناصر فيما اتفق له من مثل ذلك في ابنه غسحاق عليه ~~السلام تكريرا لإعلام القيامة وتقريرا للقدرة التامة فقال : { وزكريا } أي ~~اذكره { إذ نادى ربه } نداء الحبيب القريب فقال : { رب } بإسقاط أداة البعد ~~{ لا تذرني فردا } أي من غير ولد يرث ما آتيتني من الحكمة . | ولما كان من ~~الوارث من يحب من يحجبه من الإرث أو يشاركه فيه , ومنهم من ms3143 لا يحب ذلك ~~ويسعى فب إهلاك من يحجبه أو ينقصه , ومنهم من يأخذ الإرث فيصرفه في المصارف ~~القبيحة على ما تدعوه إليه شهوته وحاجته , ومنهم من يأخذه بعفة فينفذ وصايا ~~الموروث ويصل ذا قرابته وأهل وده , ويتصدق عنه , ويبادر إلى كل ما كان يحبه ~~وينفعه , كل ذلك لغنى نفسه وكرم طبعه مع كونه مجبولا على الحاجة والنقص , ~~وكان الله هو الغني الحميد , الحكيم المجد , قال ملوحا بمقصده في أسلوب ~~الإلهاب والتهييج : { وأنت } أي والحال أنك { خير الوارثين * } لأنك أغناهم ~~عن الإرث وأحسنهم تصرفا , وكثيرا ما تمنح إرث بعض عبيدك عبيدا آخرين , فأنت ~~الحقيق بأن تفعل في إرثي من العلم والحكمة ما أحبه , فتهبني ولدا تمن عليه ~~بذلك { فاستجبنا له } بعظمتنا وإن كان في حد من السن لا حراك به معه وزوجه ~~في حال من العقم لا يرجى معه حبلها , فكيف وقد جاوزت سن اليأس , ولذلك عبر ~~بما يدل على العظمة فقال : { ووهبنا له يحيى } وارثا حكيما نبيا عظيما { ~~وأصلحنا له } خاصة من بين أهل ذلك الزمان { زوجه } أي جعناها صالحة لكل خير ~~, خالصة له ولا سيما لما مننا عليه به من هذه الهبة بعد أن كانت بعقمها ~~وكبرها غير صالحة له بوجه يقدر عليه غيرنا ؛ ثم استأنف البيان لخيرية ا ~~لموروث والوارث والمصلحة للولادة فقال , مؤكدا ترغيبا في مثل أحوالهم وأنها ~~مما يلتذ بذكره ويعجب من أمره : { إنهم كانوا } مجبولين في أول ما خلقناهم ~~جبلة خير , مهيئين لأنهم { يسارعون في الخيرات } أي يبالغون في الإسراع بها ~~مبالغة من يسابق آخر , ودل على عظيم أفعالهم بقوله : { ويدعوننا } مستحضرين ~~لجلالنا وعظمتنا وكمالنا { رغبا } في رحمتنا { ورهبا } من سطوتنا { وكانوا ~~} أي جبلة وطبعا { لنا } خاصة { خاشعين * } ي خائفين خوفا عظيما يحملهم على ~~الخضوع والانكسار . | PageV05P107 ولما استدل على الساعة بما وهب لهؤلاء ~~القوم من أهل الطاعة من التصرف في العناصر وغيرها إلى أن ذكر أنه خرق ~~العادة في إيداع يحيى عليه الصلاة والسلام بين والدين لا يولد لمثلهما لأن ~~أباه زكريا عليه السلام كان ms3144 قد صار إلى حالة الكبر ويبس من الأعضاء عظيمة , ~~وأمه كانت - مع وصولها إلى مثل تلك الحال - عاقرا في حال شبابها , تلاه ~~بإبداع ابن خالته عيسى عليه السلام الذي هو علم للساعة على حال أغرب من ~~حاله , فأخرجه من أنثى بلا ذكر , إشارة إلى قرب الوقت لضعف الأمر , كضعف ~~الأنثى بالنسبة إلى الذكر , فقال : { والتي أحصنت فرجها } أي حفظته من ~~الحلال والحرام حفظا يحق له أن يذكر ويتحدث به , لأنه غاية في العفة ~~والصيانة , والتخلي عن الملاذ إلى الانقطاع إلى الله تعالى بالعبادة , مع ~~ما جمعت إلى ذلك من الأمانة والاجتهاد في متانة الديانة { فنفخنا } أي بما ~~لنا من العظمة التي لا يداني أةجها نقص , ولا يقرب من ساحتها حاجة ولا وهن ~~{ فيها } أي في فرجها - كما التحريم , نفخا هو من جناب عظمتنا ؛ ودل على ~~عظم خلوصه وصفائه بقوله : { من روحنا } أي من روح يحق له أن يضاف إلينا ~~لجلالته وطهارته , فكان من ذلك النفخ حبل وولد . | ولعله أضاف هنا النفخ ~~إليها , لا إلى فرجها وحده , ليفيد أنه - مع خلق عيسى عليه السلام به ~~وإفاضةة الحياة عليه حسا ومعنى - أحياها هي به معنى بأن قوى به معانيها ~~القلبية حتى كانت صديقة متأهلة لزواجها بخير البشر في الجنة , وخصت هذه ~~السورة بهذا لأن مقصودها الدلالة على البعث الذي هو إفاضة الأرواح على ~~الأموات , قال الرازي : وعلى الجملة هذه عبارة عن إبداع عيسى عليه السلام ~~من غير نطفة . | ولما قدمته من السر في إفاضة النفخ إلى حملتها , أتبع ذلك ~~قوله : { وجعلناها وابنها } اي بتلك الالعظمة العظمى { ءاية } جعلهما نفس ~~الآية لكثرة ما كان فيهما من الأعاجيب . | ولما كان ما فيهما من ذلك ليس ~~مقصودا لذاته , بل لتقرير أمر عيسى عليه السلام , لم يقل : آيتين , أو لئلا ~~يظن أن نفس العدد مقصود فينقص المعنى { للعالمين * } أي في أن الله قادر ~~على كل شيء لا سيما البعث الذي هو آيته , يتحدث بذلك بعدهما جيل بعد جيل , ~~وعالم بعد عالم , وأمة بعد أمة , إلى قيام ms3145 الساعة التي هو علمها , وحفظنا ~~ابنها بعلمنا وحكمتنا قدرتنا وعظمتنا ممن كاده , ورفعناه إلى محل قدسنا , ~~وختم به الأنبياء المذكورين هنا لأنه خاتم المجددين لهذا الدين المحمدي , ~~وهو دليل الساعة , وكتابة أعظم كتاب بعد التوراة التي ابتدأ بصاحبها ذكر ~~هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , حاشى القرآن الذي عجزت لبلاغته ~~الإنس والجان . | PageV05P108 < # > ذكر شيء من دلائل كونه آية من الإنجيل < # > قال متى أحد المترجمين الأربعة للإنجيل وأغلب السياق له بعد أن ذكر ~~مقتل يحيى ابن زكريا عليه السلام كما مضى في آل عمران : فلما سمع يسوع مضى ~~من هناك في سفينة إلى البرية مفردا , وسمع الجمع فتبعوه ما شين من المدينة ~~, فلما خرج أبصر جمعا كثيرا فتحنن عليهم وأبرأ أعلاءهم ومرضاهم وقال مرقس : ~~فلما خرج يسوع أبصر جمعا كثيرا فتحنن عليهم لأنهم كانوا كخراف لا راعي لها ~~فبدأ يعلمهم , وبعد ساعات كثيرة جاء تلاميذه إليه , وقال متى : ولما كان ~~المساء أتى تلاميذه وقالوا : إن المكان قفر , والساعة قد جازت , أطلق الجمع ~~يذهبوا إلى القرى المحيطة فيبتاغوا لهم طعاما , فقال لهم : أعطوهم أنتم ~~ليأكلوا , فقالوا : ليس هاهنا , وأمر بإجلاس الجميع على العشب , وقال مرقس ~~: الأخضر أحزابا أحزابا , فجلسوا رفاقا رفاقا مائة مائة وخمسين خمسين , ~~وقال يوحنا : فقال لفيلبس : من أين نبتاع لهؤلاء خبزا ؟ قاله ليجربه , فقال ~~فيلبس : ما يكفيهم خبز بمائتي دينار , وقال إندراوس أخو شمعون الصفاء : إن ~~ها هنا حدثا معه خمسة أرغفة شعير وسمكتان , فقال يسوع : مروا الناس بالجلوس ~~, وقال متى : وأخذ الخمس خزات والحوتين , ونظر إلى السماء وبارك وقسم وأعطى ~~الخبز لتلاميذه , وقال مرقس : وقسم الحوتين وناول التلاميذ الجميع فأكل ~~جميعهم وشبعوا ورفعوا من فضلات الكسر اثني عشر سلا مملوءة , ومن السمك , ~~وكان عدد الآكلين خمسة آلاف رجل , وقال متى : سوى النساء والصبيان , وقال ~~يوحنا : فقالوا : حقا أن هذا هو النبي الجائي غلى العالم , فعلم يسوع أنهم ~~اجتمعوا ليحتفظوا به ويصيروه ملكا , فتحول إلى الجبل , وقال متى : وللوقت ~~أمر تلاميذه أن يصعدوا إلى السفينة ويسبقوه إلى العبر ليطلق الجموع ms3146 , وقال ~~يوحنا : ليعبروا إلى الكفر ناحوم وكان ظلاما , وقال متى : فأطلق الجمع وصعد ~~إلى الجبل منفردا يصلي , وقال مرقس : وللوقت تقدم إلى تلاميذه بركوبهم ~~السفينة وأن يسبقوه إلى العبر عند بيت صيدا ليطلق هو الجماعة , فلما ودعهم ~~وذهب إلى الجبل ليصلي , قال متى : فلما كان المساء وكان وحده هناك والسفينة ~~في وسط البحر , فضربتها الأمواج لمعاندة الريح لها , قال يوحنا : فمضوا نحو ~~خمسة وعشرين غلوة أو ثلاثين , وقال متى : وفي الهجعة الرابعة من الليل ~~جاءهم ماشيا على البحر فاضطربوا وقالوا : إنه خيال , ومن خوفهم صرخوا , ~~فكلمهم قائلا : أنا هو , لا تخافوا , أجابه بطرس وقالوا : إن كنت أنت هو ~~فمرني أن آتي إليك على الماء , فقال له : تعال ! فنزل بطرس من السفينة ومشى ~~على الماء , فرأى قوة الريح فخاف , وكاد أن يغرق فصاح قائلا : يا رب نجني ! ~~فللوقت مد يسوع يده وأخذه وقال له : يا قليل الأمانة ! لم PageV05P109 شككت ~~؟ فلما صعد السفينة سكنت الريح , قال يوحنا : وللوقت صارت إلى الأرض التي ~~أرادوها , وفي الغد نظرت الجموع الذين كانوا معه في عبر البحر أن ليس هناك ~~سوى سفبنة زاحدة , وأن يسوع لم يركبها مع تلاميذه لكن تلاميذه مضوا وحدهم , ~~وكانت سفن أخر وافت من طبرية حتى انتهت إلى الموضع الذي أكلوا الخبز الذي ~~بارك عليه , فحين لم ير الجماعة يسوع هناك ولا تلاميذه , ركبوا تلك السفن , ~~وأتوا إلى كفر ناحوم يطلبون يسوع , فلما قصدوه في عبر البحر قالوا له : يا ~~معلم ! متى صرت هاهنا ؟ أجاب يسوع وقال : الحق الحق أقول لكم ! إنكم لم ~~تطلبوني لنظركم الآيات بل لأكلكم الخبز فشبعتم , اعلموا لا للطعام الزائل ~~بل للطعام الباقي في الحياةة المؤبدة الذي يعطيكموه ابن البشر , ثم قال : ~~لست أعمل بمشيئتي , لكن بمشيئة الذي أرسلني , ثم قال : قد كتب في الأنبياء ~~أنهم يكنون بأجمعهم معلمين , الحق أقول لكم ! من يؤمن بي فله الحياة ~~الدائمة , قالوا : ما نصنع حتى نعمل أعمال الله ؟ قال : عمل الله هو أن ~~تؤمنوا بمن ارسله , قال متى : ولما عبروا جاؤوا ms3147 إلى أرض جناشر , قال مرقس : ~~فأرسوا وخرجوا من السفينة - انتهى . | فعرفه أهل ذلك المكان وأرسلوا إلى ~~جميع تلك الكور فقدموا إليه كل المسقومين وطلبوا إليه أن يلمسوا طرف ثوبه ~~فقط , وكل من لمسه خلص . | < < # | الأنبياء : ( 92 - 97 ) إن هذه أمتكم . . . . . # > > ^ ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون * وتقطعوا أمرهم بينهم ~~كل إلينا راجعون * فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له ~~كاتبون * وحرام على قرية أهلكناهآ أنهم لا يرجعون * حتى إذا فتحت يأجوج ~~ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون * واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار ~~الذين كفروا يويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين ) ^ } ) | ولما دل ~~ما مضى من قصص هؤلاء الأنبياء وغيرهم على أن لله القدرة الباهرة القوة ~~البالغة الشاملة للبعث وغيره , وكان ذلك دالا على التوحيد الذي هو أصل ~~الدين , وأنهم كلهم متفقون عليه بالتصريح من البعض هنا ومن الباقين فيما ~~سبق , كان إثباته فذلكة هذه القصص وما تقدمها من هذه السورة , فلذلك اتصل ~~به قوله مخاطبا لمن قال لهم : أفأنتم له منكرون : { وأن هذه } أي الأنبياء ~~الذين أرساناهم قبل نبيكم صلى الله عليه وسلم رجالا نوحي إليهم كما أنه رجل ~~نوحي إليه لا ىباؤكم ولا ما وجدتمه عليه { أمتكم } أي مقصودكم أيه الخلق ~~بالاقتداء في الاهتداء , حال كونها { أمة } قال البغوي : وأصل الأمة ~~الجماعة التي هي على مقصد واحد - انتهى . | وأكد سبحانه هذا المعنى فقال : ~~PageV05P110 { واحدة } كما في الخبر أنهم أولاد علات . | أمهاتهم شتى ~~ودينهم واحد . | لا اختلاف بينهم أصلا في التوحيد الذي هو الأصل ولا في ~~توجيه الرغبات إلينا , وقصر النظر علينا , علما منهم بما لنا من صفات ~~الكمال , وأن كل شيء فإلينا مفتقر , ولدينا خاضع منكسر , فاتبعوهم في ذلك , ~~لا تحيدوا عنهم تضلوا , وإنما فرقناهم وجعلناهم عددا بحب الأمم المتشعبة في ~~الأزمان المتطاولة , وأنا لم نجعل لأحد منهم الخلد , ولغير من الحكم , ~~فبثثاناهم في الأقطار , حتى ملؤوها من الأنوار . | ولما كان المقصود تعيين ~~المراد من غير لبس ms3148 , عدل عن صيغة العظمة فقال : { وأنا ربكم } أي لا غيري , ~~في كل زمان وكل مكان , لكل أمة , لأني لا أتغير على طول الدهر , ولا يشغلني ~~شأن عن شأن { فاعبدون * } دون غيري فإنه لا كفوء لي . | ولما كان من ~~المعلوم أنهم لم يفعلوا , أعرض إلى أسلوب الغيبة إيذانا بالغضب , فكان ~~التقدير في جواب من كأنه قال : ما فعلوا ؟ : لم يطيعواأمري في الاجتماع على ~~ما جمعتهم عليه من عبادتي التي هي سبب لجلب كل خير , ودفع كل ضير ولا ~~افتدوا في ذلك بالكمل من عبادي , فعطف عليه قوله { وتقطعوا } أي مخالفة ~~للأمر بالاجتماع ولما كان الدين الحق من الجلاء والعظمة والملاءمة للنفوس ~~بحيث لا يجهله ولا يأباه أحد نصح لنفسه وإن جهله , كفي أدنى تنبيه في ~~المبادرة إليه وترك ما سواه كائنا ما كان , فكان خروج الإنسان عنه بعد أن ~~كان عليه في غاية البعد فضلا عن أن يتكلف ذلك بمنازعة غيره المؤدية إلى ~~الافتراق والتباغض ولا سيما إن كان ذلك الغير قريبة أو صديقه , وكانت صيغة ~~التفعل من القطع صريحة في التفرق , وتفيد العلاج والتلكف , وكانت تأتي ~~بمعنى التفعيل والاستفعال , عبر بها . | ولما كان البعد أن يقطع الإنسان ~~أمر نفسه , كان تقديم الأمر أهم فقال : { أمرهم } فنصبه بفعل التقطع لأنه ~~بمعنى التقطيع واقعا منهم بهم وأن يكون مستغرقا لظرفه , قال : { بينهم } أي ~~فكانوا فرقا كل فرقة على شعبة من ضلال , زينها لها هواها , فلم يدعوا شيئا ~~من الأمر بغير تقطيع , وكان العطف بالواو دون الفاء كما في المؤمنون لأن ~~ترك العبادة ليس سببا للتقطع , بل ربما كان عنه الاجتماع على الضلال , كما ~~يكون في آخر الزمان وكما قال تعالى < # > 77 ( { كان الناس أمة واحدة } ) 77 < # > [ البقرة : 213 ] الآية < # > 77 ( { وما تفرق الذي أتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة } ) 77 ~~< # > [ البينة : 4 ] . | PageV05P111 ولما كان كأنه قيل : فماذا يفعل بهم ؟ ~~قال ما هو غاية في الدلالة على باهر العظمة وتام القدرة ليكون أشد في ~~الوعيد , وصادع التهديد : { كل } أي من هذه ms3149 الفرق وإن بالغ في التمرد { ~~إلينا } على عظمتنا التي لا يكافئها شيء , لا إلى غيرنا { راجعون * } فنحكم ~~بينهم فيتسبب عن ذلك أنا نجازيهم إقامة للعدل فنعطي كلا من المحق التابع ~~لأصفيائنا والمبطل المائل إلى الشياطين أعدائنا ما يستحقه , وذلك هو معنى ~~قوله تعالى , فارقا بين المحسن والمسيء تحقيقا للعدل وتشويقا بالفضل : { ~~فمن يعمل } أي منهم الآن من { الصالحات وهو } أي والحال أنه { مؤمن } أي ~~بان لعمله على الأساس الصحيح { فلا كفران } أي إبطال بالتغطية { لسعيه } بل ~~نحن نجزيه عليه بما يستحقه ونزيده من فضلنا { وإنا له } أي لسعيه الآن على ~~عظمتنا { كاتبون * } وما كتبناه فهو غير ضائع , بل باق , لنطلعه على يوم ~~الجزاء بعد أن نعطيه قدرة على تذكره , فلا يفقد منه شيئا قل أو جل , ومن ~~المعلوم أن قسمية ( ومن يعمل من السيئات وهو كافر فلا نقيم له وزنا ) و ( ~~من عمل منها وهو مؤمن فهو في مشيئتنا ) , ولعله حذف هذين القسمين ترغيبا في ~~الإيمان . | ولما كان هذا غير صريح في ان هذا الرجوع بعد الموت , بينه ~~بقوله : { وحرام } أي وممنوع ومحجور { على قرية } أي أهلها { أهلكناها } أي ~~بالموت بعظمتنا { أنهم لا يرجعون * } أي إلينا بأن يذهبوا تحت التراب باطلا ~~من غير إحساس , بل إلينا بموتهم رجعوا فحبسناهم في البرزخ منعمين أو معذبين ~~نعيما وعذابا دون النعيم والعذاب الأكبر , ولقد دل على قدرته قوله : { حتى ~~إذا فتحت } بفتح السد الذي تقدم وصفنا له , وأن فتحه لا بد منه وقراءة ابن ~~عامر بالتشديد تدل على كثرة التفتيح أو على كثرة الخارجين من الفتح وإن كان ~~فرحة واحدة كما أشار إطلاق قراءة الجماعة بالتخفيف { يأجوج ومأجوج } فخرجوا ~~على الناس ؛ وعبر عن كثرتهم التي لا يعلمها إلا هو سبحانه بقوله : { وهم } ~~أي والحال أنهم { من كل حدب } أي نشز عال من الأرض { ينسلون * } أي يسرعون ~~, من النسلان وهو تقارب الخطا مع السرعة كمشي الذئب , وفي العبارة إيماء ~~إلى أن الأرض كرية { واقتر الوعد الحق } وهو حشر الأموات الذي يطابقه ~~الواقع , إذا وجد ms3150 قربا عظيما , كأن الوعد طالب له ومجتهد فيه . | ولما دلت ~~صيغة ( افتعل ) على شدة القرب كما في الحديث أن الساعة إذ ذاك مثل الحامل ~~المتم , علم أن التقدير جوابا لإذا : كان ذلك الوعد فقام الناس من قبورهم : ~~{ فإذا هي شاخصة } أي واقفة جامدة لا تطرف لما دهمهم من الشدة , ويجوز وهو ~~أقرب أن تكون إذا هذه الفجائية هي جواب إذا الشرطية , وهي تقع في المجازات ~~سادة مسد الفاء , فإذا جاءت الفاء معها متفاوتة على وصل الجزاء بالشرط ~~فيتأكد , فالمعنى : PageV05P112 إذا كان الفتح ووقع ما تعقبه فاجأت الشخوص ~~{ أبصار الذين كفروا } أي منهم , لما بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبونه من ~~الأهوال , قائلين : { يا ويلنا } أي حضرنا الويل فهو نديمنا فلا مدعو لنا ~~غيره { قد كنا } أي في الدنيا { في غفلة من هذا } أي مبتدئة من اعتقاد هذا ~~البعث فكنا نكذب به فعمتنا الغفلة . | ولما كان من الوضوح في الدلائل ~~والرسوخ في الخواطر بحيث لا يجهله أحد , أضربوا عن الغفلة فقالوا : { بل ~~كنا ظالمين * } أي بعدم اعتقاده واضعين الشيء في غير موضعه حيث أعرضنا عن ~~تأمل دلائله , والنظر في مخايله , وتقبل كلام الرسل فيه , فأنكرنا ما هو ~~أضوأ من الشمس . | < < # | الأنبياء : ( 98 - 105 ) إنكم وما تعبدون . . . . . # > > ^ ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون * لو كان ~~هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون * لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون ~~* إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون * لا يسمعون حسيسها وهم ~~في ما اشتهت أنفسهم خالدون * لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا ~~يومكم الذي كنتم توعدون * يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب كما بدأنآ أول ~~خلق نعيده وعدا علينآ إنا كنا فاعلين * ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ~~أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) ^ } ) | ولما كان هذا محلا يخطر بالبال ~~فيه آلهتهم بما يترجونه منها من النفع , قال مخاطبا لهم إرادة التعنيف ~~والتحقير : { إنكم } وأكده لإنكارهم مضمون الخبر : { وما تعبدون } أيها ~~المشركون من الأصنام والشياطين ms3151 ؛ ولما كان يتعبدون له سبحانه طوعا وكرها مع ~~الإشراك , قيد بقوله دالا على أن رتبة ما عبدوه من أدنى المراتب الكائنة ~~تحت رتبته سبحانه : { من دون الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له ؛ ~~ولما كانوا يرمى بهم في جهنم رمي الحجارة الصغار التي تسمى الحصباء إلى ~~المحصوب إسراعا وإكراها , فيكونون وقودها من غير إخراج , قال : { حصب جهنم ~~} أي الطبقة التي تلقى المعذب بها بالتجهم والعبوسة والتكره ؛ ثم أكد ذلك ~~بقوله استئنافا : { أنتم لها واردون * } أي داخلون دخول ورد الحمى على حالة ~~هي بين السواد بالدخان والاحمرار باللب . | ولما قرعهم من هذا الكلام بما ~~لا جواب لهم عنه غير المكابة , أعرض عنهم الخطاب استهانة بهم واحتقارا لهم ~~فقال : { لو كان هؤلاء } أي الذين أهلوهم لرتبة الإلهية وهم في الحقارة ~~بحيث يقذف بهم في النار قذفا { ءالهة } أي كما زعم العابدون PageV05P113 ~~لهم { ما ردوها } أ ي جهنم أصلا , فكيف على هذه الصفة ؛ ثم أخبر عنهم وعنها ~~بقوله : { وكل } أي منهم ومنها { فيها } أي جهنم { خالدون * } لا انفكاك ~~لهم عنها , بل يحمى بكل منهم فيها على الآخر { لهم } اي لمن فيه الحياة من ~~المذكورين العابدين مطلقا والمعبدوين الراضين كفرعون { فيها زفير } أي تنفس ~~عظيم على غاية من الشد والمد . | تكاد تخرج معه النفس , ويقرنون بآلهتهم ~~زيادة في عذابهم حيث جعل المعبود الذي كان يطلب من السعادة زيادة في ~~الشقاوة فصار عدوا ولا يكون أنكأ من مقارنة العدو . | ولما كانت تعمية ~~الأخبار مما يعدم القرار , ويعظم الإكدار , قال { وهم فيها لا يسمعون * } ~~حذف المتعلق تعميما لكل مسموع , قال ابن كثير : قال ابن حاتم : حدثنا على ~~بن محمد الكنافسي ثنا ابن فضيل ثنا عند الرحمن - يعني المسعودي - عن أبيه ~~قال : قال ابن مسعود رضي الله عنه : إذا بقي من يخلد في النار جعلوا في ~~توابيت من نار فيها مسامير من نار فلا يرى أحد منهم أنه يعذب في النار غيره ~~, ثم تلا عبد الله . | يعني هذه الآية , قال : ورواه ابن جرير من حديث حجاج ms3152 ~~بن محمد عن المسعودي عن يونس بن خباب عن ابن مسعود فذكره . | ولما ذكر ~~حالهم وحال معبوديهم بغاية الويل , كان ومضع السؤال عمن عبدوهم من الصالحين ~~من نبي أو ملك وغيرهما من جميع من عبده سبحانه لا يشرك به شيئا , فقال ~~مبينا أنهم ليسوا مرادين لشيء من ذلك على وجه يعمهم وغيرهم من الصالحين : { ~~إن الذين سبقت لهم منا } أي ولنا العظمة التي لا يحاط بها { الحسنى } اي ~~الحكم بالموعدة البالغة في الحسن في الأزل سواء ضل بأحد منهم الكفار فأطروه ~~أو لا { أولئك } أي العالو الرتبة { عنها } أي جهنم . | ولما كان الفوز ~~مطلق الإبعاد عنها لا كونه من مبعد معين , قال : { مبعدون * } برحمة الله ~~لأنهم أحسنوا في العبادة واتقوا , وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ؛ قال ابن ~~كثير في تفسيره : قال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن علىى بن سهل ثنا ~~محمد بن حسن الأنماطي ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة ثنا يزيد بن أبي حكيم ~~أن الحكم - يعني ابن أبان - عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاء ~~عبد الله بن الزبعرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : تزعم أن الله ~~أنزل عليك هذه الآية { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها ~~واردون } قال ابن الوبعرى : قد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزير وعيسى ~~ابن مريم أكل هؤلاء في النار مه آلهتنا ؟ فنزلت { ولما ضرب ابن مريم ~~PageV05P114 مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك ~~إلا جدلا بل هم قوم خصمون } ثم نزلت { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون } رواه الحافظ أبو عبد الله في كتابة الأحاديث المختارة انتهى ~~. | وفي السيرة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه اعتراض ابن ~~الزبعرى قال : ( كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده , إنهم إنما ~~يعبدون الشياطين ومن أمرتهم بعبادته . | ( وقد أسلم ابن الزبعرى بعد ذلك ~~ومدح النبي صلى الله عليه وسلم ms3153 . | ولما كان أقل ما ينكىء من المكروه سماعه ~~, قال : { لا يسمعون حسيسها } أي حركتها البالغة وصوتها الشديد , فكيف بما ~~دونه لأن الحس مطلق الصوت أو الخفي منه كما قال البغوي , فإذا زادت حروفه ~~زاد معناه { وهم } أي الذين سبقت لهم منا الحسنى { في ما } ولما كانت ~~الشهوة - وهي طلب النفس اللذة - فقال : { اشتهت أنفسهم } في الجنة { خلدون ~~* } أي دائما أبدا . | ولما كان المعنى ذلك أن سرورهم ليس له زوال , أكده ~~بقوله : { لا يحزنهم } أي يدخل عليهم حزنا - على قراءةالجماعة حتى نافع ~~بالفتح , عن حزنه , أو جعلهم حزبين - على قراءة أبي جعفر بضم ثم كسر , من ~~أحزنه - رباعيا , فهي اشد , فالمنفي فيها بالغا في يكون لهم صفة { الفزع ~~الأكبر } أي فما الظن بما دونه { وتتلقاهم } أي تلقيا بالغا في الإكرام { ~~الملائكة } حيثما توجهوا , قائلين بشارة لهم : { هذا يومكم } إضافة إليهم ~~لأنهم المنتفعون به { الذي كنتم } في الدنيا . | ولما تطابق على الوعد فيه ~~الرسل والكتب والأولياء من جميع الأتباع , بنى الفعل للمفعول إفادة للعموم ~~فقال : { توعدون * } أي بحصول ما تتمنون فيه من النصر والفوز العظيم , ~~والنعيم المقيم , فأبشروا فيه بجميع ما يسركم . | ولما كانت هذه الأفعال ~~على غاية من الأهوال , تتشوف بها النفس إلى معرفة اليوم الذي تكون فيه , ~~قال تعالى شافيا لعي هذا السؤال , زيادة في تهويل ذلك اليوم لمن له وعي : { ~~يوم } أي تكون هذه الأشياء يوم { نطوي } أي بما لنا من العظمة الباهرة { ~~السماء } طيا فتكون كأنها لم تكن ؛ ثم صور طيها بما يعرفون فقال مشبها ~~للمصدر PageV05P115 الذي دل عليه الفعل : { كطي السجل } أي الكتاب الذي له ~~العلو والقدرة على مكتوبه { للكتب } أي القرطاس الذي يكتبه ويرسله إلى أحد ~~, وإنما قلت ذلك لأن السجل يطلق علىالكتاب وعلى الكاتب - قاله في القاموس , ~~واختير للفاعل لفظ السجل لما مضى في سورة هود من أن هذه المادة تدور على ~~العلو , وللمطوي لفظا الكتاب الدال على الجمع , لكونه لازما للطي , مع أن ~~ذلك أنسب لما جعل كل منهما مثالا له , وقراءة المفرد لمقابلة ms3154 لفظ السماء , ~~والجمع للدلالة على أن المراد الجنس , فجميع السماوات تطوى ؛ قال ابن كثير ~~: قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي محمد ثنا محمد بن أحمد بن أحمد بن الحجاج ~~الرقي حدثنا محمد بن سلمة عن أبي الواصل عن أبي المليح عن الأزدي عن أبي ~~الجوزاء الأزدي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : يطوي الله السماوات السبع ~~بما فيها من الخليفة , والأرضين السبع بما فيها من الخليفة , يطوي ذلك كله ~~بيمينه حتى يكون ذلك بمنزلة خردلة . | ولما كان هذا عند من لا يعلم أعظم ~~استبعادا من استبعادهم إعادة الموتى , قال دالا عليه مقربا له إلى العقول ~~بتشبيه الإعادة بالإبداء , في تناول القدرة لهما على السواء , فإنه كما ~~أخرجه بعلم من خزائن قدرته كذلك يرده بعلمه في خزائن قدرته , كما يصنع في ~~نور السراج ونحوه إذا أطفىء , فكذا في غيره من جميع الأشياء { كما } أي مثل ~~ما { بدأنا } أي بما علم لنا من العظمة { أول خلق } أي تقدير أي تقدير كان ~~, نكره ليفيد التفصيل واحدا واحدا , بمهنى أن كل خلق جل أو قل سواء في هذا ~~الحكم , وهو أنا { نعيده } أي بتلك العظمة بعينها , غير ناسين له ولا ~~غافلين ولا عاجزين عنه , فما كان متضام الأجزاء فمددناه نضمه بعد امتداده , ~~وما كان ميتا فأحييناه نميته بعد حياته , وما كان حيا فأمتناه نحييه بعد ~~موته , ونعيد ممنهم من التراب من بدأناه منه , والحاصل أن من أوجد شيئا لا ~~يبعد عليه التصرف فيه كيفما كان ؛ ورى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال : خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إنكم محشورون إلى ~~الله غرلا { كما بدأنا أول الخلق نعيده } - الآية , أول من يكسى يوم ~~القيامة إبراهيم عليه السلام , ألا إنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات ~~الشمال فأقول : يارب ! أصحابي ! فيقال : لا تدري ما أحدثوا بعدك , فأقول ~~كما قال العبد الصالح { كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم - إلى قوله - شهيد } ~~فيقال : إن هؤلاء لم يوالوا مرتدين على أعقابهم ms3155 منذ فارقتهم . | ) ثم أعلم ~~أن ذلك أمر لابد منه بالتعبير بالمصدر تأكيدا لما أنكروه وبالغوا في إنكاره ~~فقال : PageV05P116 { وعدا } وأكد بقوله : { علينا } وزاده بقوله : { إنا ~~كنا } أي أزلا وأبدا , على حالة لا تحول { فاعلين } أي شأننا أن نفعل ما ~~نريد , لا كلفة علينا في شيء من ذلك بوجه . | ولما ذكر صدقه في الوعد ~~وسهولة الأفعال عليه , وكان من محط كثير مما مضى أن من فعل ما لا يرضي الله ~~غير عليه , كائنا من كان , ومن فعل ما أمره به نصره وأيده ولو بعد حين , ~~كما أشير إليه بقوله تعالى { قل ربي يعلم القول في السماء والأرض } وما ~~بعده من أشكاله , حتى ختم بقوله { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها } الآية ~~, قال تعالى عاطفا على { لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم } وما عطف عليه ~~من أشباهه مذكرا بما وعد على لسان داود عليه السلام : { ولقد كتبنا } أي ~~على عظمتنا التي نفوذها محقق لا تخلف له أصلا { في الزبور } أي الذي ~~أنزلناه على داود عليه السلام . | ولما كان المكتوب المشار إليه لم يستغرق ~~ما بعد الذكر المراد من هذا الزبور , أشار إلى التبعيض بإثبات الجار فقال : ~~{ من بعد الذكر } أي الكلام الداعي إلى الله تعالى الدال عليه من الدعاء ~~والمواعظ والتسبيح والتمجيد الذي ابتدأنا به الزبور { أن الأرض } اي جنسها ~~الشامل لبقاع أرض الدنيا كلها ولأرض المحشر والجنة وغير ذلك مما يعلمه الله ~~{ يرثها عبادي } وحقق ما أفادته إضافتهم إليه من الخصوص بقوله : { الصالحون ~~* } أي المتخلفون بأخلاق أهل الذكر , المقبلين على ربهم , الموحدين له , ~~المشفقين من الساعة , الراهبين من سطوته , الراغبين في رحمته , الخاشعين له ~~- كما أشرنا إليه بقولنا { قل ربي يعلم القول } وما ضاهاه وبذكر ما سلف في ~~هذه السورة من شاهد ذلك من قصص هؤلاء الأنبياء الذي ضمناها بعض أخبارهم ~~دلالة على أن العاقبة لمن ارضانا < # > 77 ( { لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم } ) 77 < # > [ إبراهيم : 14 ] < # > 77 ( { إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده } ) 77 < # > [ الأعراف : 128 ] < # > 77 ( { أولئك ms3156 هم الوارثون الذين يرثون الفردوس } ) 77 < # > [ المؤمنون : 11 ] وفي هذا إشارة بالبشارة بأنه تعالى يورث هذه الأمة ~~على ضعفها ما أورث داود وابنه سايمان عليهما الصلاة والسلام على ما أعطاهما ~~من القوة من إلانة الحديد والريح والحيوانات كلها من الجن والإنس واوحش ~~والطير وغير ذلك , والمراد بهذا الكلام - والله أعلم - ظاهره , فإنه ابتدأ ~~سبحانه الزبور بالأذكار والمواعظ إلى \ أن قال في المزمور السادس والثلاثين ~~وهو فبل ربعه - هذا اللفظ بعينه . | بيان ذلك : المزمور الأول : طوبى للرجل ~~الذي لا يتبع رأي المنافقين , ولم يقف في طريق الخاطئين , ولم يجلس في ~~مجالس المستهزئين , لكن في ناموس الرب مشيئته , وفي سننه يتلوا ليلا ونهارا ~~, فيكون كمثل الشجرة المغروسة على مجاري المياه التي تعطي ثمرتها في حينها ~~, وورقها لا ينتثر , وكل مل يعمل يتم , ليس كذلك المنافقون , بل ~~PageV05P117 كالهباء الذي تذريه الرياح عن وجه الأرض , فلهذا لا يقوم ~~المنافقون في القضاء ولا الخطأة في مجمع الصيديقين , لأن الرب عالم بطريق ~~الأبرار , وطريق المنافقين تبيد . | المزمور الثثاني : لماذا ارتجت الشعوب ~~؟ وهدت الأمم بالباطل ؟ قامت ملوك الأرض ورؤساؤها وائتمروا جميعا على الرب ~~وعلى مسيحه قائلين لنقطع أغلالهما ونلقي عنا سيرهما , الساكن في السماء ~~يضحك بهم , والرب يمقتهم , حينئذ يكلمهم بغضبه , وبسخطه يذهلهم , أنا أقمت ~~ملكا منهم على صهيون جبل قدسه , لأخبر ميثاق الرب , الرب قال لي : أنت ابني ~~, أنا اليوم ولدتك , سلني فأعطيك الشعوب , ميراثك وسلطانك على أقطار الأرض ~~, ترعاهم بقضيب من حديد , ومثل آنية ا لفخار تسحقهم , من الآن تفهموا ايها ~~الملوك ! تأدبوا يا جميع قضاة الأرض ! اعبدوا الرب بخشية , سبحوه برعدة , ~~الزموا الأدب لئلا يسخط الرب عليكم فتضلوا عن سبيله العادلة , إذا ما توقد ~~رجزه عن قليل , طوباهم المتوكلين عليه . | المزمور الخامس : استمع يارب ~~قولي داعيا , وكن لدعائي مجيبا , وأنصت إلى صوت تضرعي , فإنك ملكي وإلهي , ~~وإني لك أصلي في غدواتي , استمع يارب طلبتي لأقف أمامك بالغداة وتراني , ~~لأنك إله لا ترضى الإثم , ولا يحل في مساكنك شرير , ولا يثبت مخالفو وصاياك ~~بين يديك ms3157 , أبغضت جميع عاملي الإثم , وأبدت كل الناطقين بالكذب ؛ الرجل ~~السافك الدماء الغاش الرب يرذله , وأنا بكثرة رحمتك أدخل بيتك , وأسجد في ~~هيكل قدسك مستشعرا بخشيتك , اهدني يا رب بعدلك , ومن أجل أعدائي سهل أمامك ~~طريقي , فإنه ليس في أفواههم صدق , بل الإثم في قلوبهم , حناجرهم قبور ~~مفتحة , وألسنتهم غاشة , دنهم يا الله ! ومثل كثرة نفاقهم ارفضهم لأنهم ~~أسخطوك يا رب , ويفرح بك جميع المتوكلين عليك , وإلى الأبد يسرون , ويهم ~~تحل بركتك , ويفتخربك كل محبي اسمك , لأنك يارب تبار الصديق , وكمثل سلاح , ~~المسرة كللتنا . | المزمور السادس : يارب ! لا تبكتني بغضبك , ولا تؤدبني ~~بزجرك , ارحمني يا رب فإني ضعيف , اشفني يارب فإن عظامي قلقت , ونفسي جزعت ~~جدا , وأنت نج نفسي وخلصني برحمتك , فليس في الموتى من يذكرك , ولا في ~~الجحيم من يشكرك , تعبت في تنهدي , أحمم في كل ليلة سريري , وبدموعي أبل ~~فراشي , ذبلت من السخط عيناي , ابعدوا عني يا جميع عاملي الإثم , فإن الرب ~~سمع صوت بكائي , الرب سمع صوت تضرعي , الرب قبل صلاتي , يخزون ويبهتون جميع ~~أعدائي , ويتضرعون وسيقطون جدا عاجلا . | PageV05P118 وفي المزمور التاسع : ~~أشكرك يا رب من كل قلبي , وأقص جميع عجائبك , أفرح وأسر بك , وأرتل لاسمك ~~العلي حين تولى أعدائي على أدبارهم يضعفون ويبيدون من بين يديك , لأنك قضيت ~~لي وانتقمت لي , استويت على العرش يا ديان الحق , زجرت الشعوب , أبدت ~~المنافق أسقطت اسمه إلى الأبد وإلى الأبد , لأنك أبدت سلاح العدو , وأفنيت ~~مدائنه , وأزلت ذكرها , الرب دائم إلى الأبد , أعد كرسيه للقضاء ليقضي ~~للمسكونة بالعدل , ويدين الشعوب بالاستقامة . | المزمور الثاني عشر : حتى ~~متى يا رب تنساني ألى التمام ؟ حتى متى يارب تصرف وجهك عني ؟ حتى متى تترك ~~هذه الأفكار في نفسي والهموم والأوجاع في قلبي النهار كله ؟ حتى متى يعلو ~~عدوي علي ؟ انظر إلي واستجب لي يا ربي وإلهي ! أنر عيني لئلا أنام ميتا , ~~ولئلا يقول عدوي : إني عليه قد قدرت , والمضطهدون لي يفرحون إذا أنا زللت , ~~وأنا على رحمتك توكلت , فلبي بخلاصك بيفرح , ارتل الرب الذي ms3158 صنع لي حسنا , ~~وأسبح اسم الرب العالي . | المزمور الرابع عشر : يا رب من يسكن في مسكنك أو ~~من يحل في طور قدسك ؟ ذاك الذي يمشي بلا عيب ويعمل البر ويتكلم في قلبه ~~بالحق , ولا يغش بلسانه أحدا , ولا يصنع بقريبه سوءا , ولا يلتمس لجيراته ~~عارا , عيناه تشنأ الأثمة , يمجد أتقياء الرب , يحلف لقريبه ولا يكذب , ولا ~~يعطي فضته بالربا , ولا يقبل الرشوة على الأزكياء , الذي بفعل هذا يدوم ولا ~~يحول إلى الأبد . | المزمور السادس عشر : استمع يا الله ببري , وانظر إلى ~~تواضعي , وأنصت لصلاتي من شفتين غير غاشتين , من قدامكيخرج قضائي , عيناك ~~تنظران الاستقامة , بلوت قلبي وتعاهدتني , جربتني فلم تجد في ظلما , ولم ~~يتكلم فمي بأعمال الشر , من أجل كلام شفتيك حفظت طرق صعبة لكيما يشتد في ~~سبلك نهوضي ولا تزل خطاي , وإذا ما دعوتك استجب لي , اللهم أنصت إلي أسمعك ~~, وتقبل دعائي يا مخلص المتوكلين عليك , خلصني بيمينك من المضادين لي , ~~احفظني مثل حدقة العين , وبظلال جناحك ظللني , من وجه المنافقين الذي ~~أجهدوني , وأعدائي الذين اكتنفوا نفسي , تفقدت شحومهم , وتكلمت أفواههم ~~بالكبرياء , عندما أخرجوني أحاطوا بي , نصبوا عيونهم ليضربوا بي الأرض , ~~استقبلوني مثل الأسد المستعد للفريسة , ومثل الشبل الذي يأوي في خفية , قم ~~يا رب ! أدركهم وعرقلتهم , ونج نفسي من ا لمنافقين , ومن سيف أعدائك , ~~اللهم عن قرب شتتهم في الأرض , اقسمهم في حياتهم , المزمور السابع عشر : ~~أحبك يا رب قوتي ! الرب رجائي وملجأي ومخلصي إلهي PageV05P119 عوني , عليه ~~توكلي , ساتري وخلاصي وناصري , أسبح الرب وأدعوه , أنجو من أ ‘ دائي , لأن ~~غمرات الموت اكتنفتني , وأودية الأثمة أفزعتني , أحاطت بي أهوال الجحيم , ~~شباك الموت أدركتني , وعند شدتي دعوت الرب , وإلى إلهي صرخت , سمع من هيكل ~~قدسه صوت دعائي , أمامه يدخل إلى مسامعه , تزلزلت الأرض وارتعدت , تحركت ~~أساسات الجبال وتزعزعت من أجل أن الرب غضب عليها , صعد الدخان من رجزه ~~والتهبت النار أمامها , اشتعل منه جمر النا , طأطأ السماوات , والضباب تحت ~~رجليه , طار على أجنحة الرياح , جعل الظلمة حجابه , تحوط مظلته مياه ms3159 مظلمة ~~في سحب الهوا من الزمهرير ظلاله , ومنبريق نور وجهه جعل الغمام يجري بين ~~يديه , بردا وجمر نار , ارعد الرب من السماء , وأبدى العي صوته , أرسل ~~سهاما وفرقهم , وأكثر البرق وافزعهم وأقلقهم , ظهرت عيون المياه , وانكشفت ~~أساسات المسكونة من انتهارك يا رب ! ومن هبوب الريح سخطك , أرسل من العلى ~~وأخذني , نشلني من المياه الغزيرة , وخلصني من أعدائي الأشداء , ومن ~~المبغضين لي , لأنهم تقووا أكثر مني , سبقوني في يوم حزني , نجاني في يوم ~~جزعي , الرب صار لي سندا , أ رجني إلى السعة , وأنقذني لأنه ترأف لي , ~~خلصني من أعدائي المبغضين , جازاني الرب مثل بري , ومثل طهر يدي يعطيني , ~~لأني حفظت سبل الرب , ولم أبعد من إلهي , إذ كل أحكامه قدامي , وعدله لم ~~ابعده عني , أكون معه بلا عيب , ولم تزدحف خطاي , جازاني الب مثل بري , ~~ومثل طهر يدي أمامه , مع العفيف عفيفا تكون , من البار أنك تنجي تكون , ومع ~~الملتوي ملتويا تكون , مع المختار مختاراص تكون , من أجل أنك تنجي الشعب ~~المتواضع وتذل أعين المتعظمين , وأنت يا رب تضيء سراجي , لأني بك أنجو من ~~الرصد , وبإلهي أعبر السور , والله لا ريب في سبله , كلام الرب مختبر , ~~يخلص جميع المتوكلين عليه , لا إله مثل الرب , ولا عزبز مثل إلهنا , الإله ~~الذي عضدني بقوته , جعل سبيلي با لعيب , ثبت قدمي , وعلى المشارق رفعني , ~~علم يدي القتال , شدد ذراعي مثل قوس نحاس , أعطاني الخلاص , يمينه نصرتني , ~~وأدبه أقامني إلى التمام , حكمتك علمتني , وسعت خطاي تحتي , ولم تضعف قدماي ~~, أطلب أعدائي وأدركهم , ولا أرجع حتى أفنيهم , أرميهم فلا يستطيعون القيام ~~, يسقطون تحت قدمي , عضدتني بقوة فب الحرب , جعلت كل الذي قاموا علي تحتي , ~~أبدت أعدائي استأصلت الذي سنؤوني , صرخوا فلم يمن لهم مخلص , رغبوا إلى ~~الله فلم يستجب لهم , أسحقهم مثل الثرى أمام الريح , وكمثل طين الطرق أطؤهم ~~, نجني من مقاومة الألسن , سيرني راسا على الشعوب , الشعب الذي لا أعرفه ~~تعبد لي , سمع لي سماع PageV05P120 الأذن , بنو الغرباء أقبلوا وأطيعوني , ~~ولم يؤمن بي بنو الغرباء ms3160 , حي هو الله , وتبارك إله خلاصي , تعالى الرب ~~الذي أنقذني , الله الذي ثبت لي الانتقام , أخضع الشعوب تحتي , ونجاني من ~~أعدائي , ورفعني على الذين قاموا علي , ومن الرجال الأثمة نجاني , لذلك ~~أشكرك يا رب بين الشعوب , وأرتل لا سمك . | المزمور الحادي والعشرون : إلهي ~~إلهي لماذا تركتني ؟ تباعدت عن خلاصي لقول جهلي , غلهي دعوتك فلم تستجب لي ~~, وفي الليل فلم يكن مني جهلا , أنت كائن في القديسين يا فخر إسرائيل , بك ~~آمن آباؤنا , وتوكلوا عليك فنجيتهم , وصرخوا إليك فخلصتهم , رجوك فلم يخزوا ~~, وأنا فدودة ولست إنسانا , عار في الناس , مرذول في الشعب , كل من رآني ~~يمقتني , تكلموا بشفاههم وهزوا رؤوسهم وقالوا : أن كان آمن أو توكل على ~~الرب فلينجه , ويخلصه إ , كان يحبه , وأنت من البطن أخرجتني , ومذ كنت ~~أرتضع من بطن أمي القيت إليك , وعليك من الرحم توكلت , ومن بطن أمي أنت ~~إلهي فلا تبعد عني , فإن الشدة قريبة , وليس من يخلصني , أحاطت بي عجول ~~كثيرة , اكتنفني ثيران السمانن , فتحت أفواهها على مثل الأسد الزائر ~~المفترس , ومثل الماء انهرقت عظامي , وصار قلبي مثل الشمع المذاب في وسط ~~بطني , يبست قواي مثل الفخار , لصق لساني بحنكي 4 , وإلى تراب الموت ~~أنزلتني , أجحاطت بي كلاب كثيرة , اكتنفتي جماعة الأشرار , ثقبوا يدي ورجلي ~~, وزعزعوا جميع عظامي , نظروا إلي وشمتوني , واقتسموا بينهم ثيابي , ~~واقترعوا على لباسي , وأنت يا رب فلا تبعد من معونتي , انظر إلى تضرعي , نج ~~من السيف نفسي , ومن يد الكلاب التي احتوشتني , ومن فم الأسد خلصني , ~~ومنالقرن المتعالي على تواضعي , لأبشر باسمك إخوتي , وبين الجماعة أمجدك , ~~أيها الخائفون من الرب مجدوه ! يا جميع ذرية يعقوب سبحوه ! يخشاه كل زرع ~~إسرائيل , لأنه لم يهن ولم يرذل دعوة المسكين , ولا صرف وجهه عني , وعند ~~دعائي استجاب لي , يأكل المساكين ويشبعون , ويسجد قدامه جميع قبائل الشعوب ~~, لأنه الملك الرب , وسلطانه على الأمم , تأكل وتسجد قدام الرب جميع ملوك ~~الأرض , وبين يديه يجثو جميع هابطي التراب لله , يحيي نفسي , وذريتي لع ~~تتعبد , أخبروا بالرب أيها ms3161 الجيل الآتي , وحدثوا بعدله , ليرى الشعب الذي ~~يولد صنع الرب . | المزمور الثلاثون : عليك يارب توكلت فلا أخرى إلى الأبد ~~, خلصني وأنقذني بعدلك , أنصت لي بسمعك , واستنقذني عاجلا , كن لي إلها ~~نصيرا ملجأ ومخلصا لأنك عوني وملجئي , وباسمك يارب تهديني وتعينني وتخرجني ~~من هذا الفخ الذي أخفي لي , لأنك ناصري , وفي يدك أسم روحي , نجني يارب إله ~~الحق , شنأت الذين PageV05P121 يغتبطون بالأوثان الباطله , وأنا على الرب ~~توكلت , أفرح وأسر برحمتك لأنك نظرت إلى تواضعي , وخلصت نفسي من الشدائد , ~~ولمن تسلمني في ايدي الأعداء , اقمت رجلي في السعة , ارحمني يا رب فإني ~~حزين , جزعت عيناي من سخطك , ونفسي وقواي , فني عمري بالأحزان , وسني ~~بالزفرات , ضعفت بالمسكنة قوتي وقلقلت عظامي , صرت عارا في أعدائي وجيرتي , ~~ورهبة لمن عرفني , من عاينني تباعد عني , ونسوني في قلوبهم مثل الميت , صرت ~~مثل إناء مكسور , لأني سمعت سب جميع من حولي , هموا بي وعند اجتماعهم علي ~~جميعا تآمروا لأخذ نفسي , فأنا يارب عليك توكلت , قلت : أنت إلهي , وفي يدك ~~قسمي , نجني من يد أعدائي والطاردين لي , أضىء وجهك على عبدك , وخلصني ~~برحمتك , يارب لا تخزني فإني دعوتك , تخزي المنافقين ويهبطون إلى الجحيم , ~~تبكم الشفاه الغاشة المتقولة على الصديق بالزور والبهتان , ما أكثر رحمتك ~~يارب لجميع خائفيك , أعددتها لمن اعتصم بك أمام بني البشر , استرهم في كنفك ~~نم أشرار الناس وفي ظلال وجهك , وقهم من مقاومة الألسن , تبارك الرب الذي ~~انتخب له الأصفياء في المدينة العظيمة , أنت قلت في تحيري : إني سقطت من ~~حذاء عينك , ولذلك سمعت صوت تضرعي حين دعوتك , حبوا الرب يا جميع أصفيائه , ~~فإن الرب يبتغي الحق , ويكافىء المستكبرين بفعلهم , تشتد قلوبكم وتقوى أيها ~~المتوكلون على الرب . | المزمور الثالث والثلاثون : أبارك الرب في كل حين , ~~وكل أوان تسبيحه في فمي , بالرب تفتخر نفسي , فليسمع أهل الدعة ويفرحوا , ~~عظموا معي الرب وشرفوا اسمه أجمعون , أنا طلبت الرب فأجابني , ومن شدائدي ~~نجاني , أقبلوا إلى الرب واستتورا به , فإن وجوهكم لا تخزى , إن المسكين ~~دعا فاستجاب له الرب ms3162 , ومن جميع أحزانه خلصه , ملك الرب يحوط أتقياءه ~~وينجيهم , ذقوا وتيقنوا طيب الرب , طوبى للرجل المتوكل عليه , اتقوا الرب ~~ياجميع قديسيه لأنه لا نقصة لأتقيائه , الأغنياء افتقروا وجاعوا , والذين ~~يطلبون الرب لا يعدمون كل الخيرات , هلموا أيها الأبناء واسمعوا مني ~~لأفهمكم مخافة الرب , من هو الرجل الذي يهوى الحياة ويحب أن يرى الأيام ~~الصالحة , اكفف لسانك من الشر وشفتيك , لا تتكلم بالغدر , ابعد عن الشر , ~~واصنع الخير , اطلب السلامة واتبعها , فإن عين الرب على الأبرار , وسمعه ~~إلى تضرعهم , وحه الرب على صانعي الشر ليمحو ذكرهم من الأرض , الأبرار دعوا ~~فاستجاب لهم الرب , من جميع شدائدهم نجاهم , الرب قريب من مستقيمي القلوب , ~~يخلص متواضعي الأرواح , كثيرة هي أحزان الصديقين , ومن جميعها ينجيهم الرب ~~, الرب يحفظ جميع PageV05P122 عظامهم , وواحد منهم لا ينكسر , موت الخطأ ~~سيىء , ومبغضو البار يهلكون , الرب ينجي نفوس عبيده , ولا يخيب المتوكلين ~~عليه , المزمور الرابع والثلاثون : حاكم يا رب الذين يظلمونني , قاتل الذي ~~يقاتلونني , خذ سلاحا وترسا وقم لمعونتي , استل سيفا ورد به أعدائي الذين ~~يرهقونني , وقل لنفسي : أنا مخلصك , يخزي ويبهت طالبو نفسي , يرتدون على ~~أعقابهم ويخزي الذين يتفكرون بي الشر , ويكونون كالغبار أمام اليح , وملك ~~الرب يخزيهم , تكون طريقهم زلقة ظلمة عليهم وملك الرب يطاردهم , لأنهم ~~أخفوا لي فخا , بغير حق عيروا نفسي , فليأتهم الشر بغتة , والمصيدة التي ~~أخفوها تأخذهم , وفي الحفرة التي حفروها يسقطون , نفسي تبتهج بالرب , وتنعم ~~بخلاصه , عظامي كلها تقول : يا رب من مثلك منجي المسكين من يد القوي , ~~والفقير والبائس من يد الذين يختطفونه , قام علي شهود الزور , وعما لم أعلم ~~سألوني , جاوزني بدل الخير شرا , وأبادوا نفسي وأنا عندما لجوا علي لبست ~~مسحا , وبالصيام أذللت نفسي , وصلاتي عادت إلى حضني , مثل قريب و أخ كنت ~~لهم , صرت كالحزين الكئيب في تواضعي , اجتمعوا علي وفرحوا , اجتمع علي ~~الأشرار ولم أشعر , أثموا ولم يندموا , أحزنوني وهزؤوا بي وصروا أسنانهم ~~علي , يا رب إلى متى تنتظر ! نج نفسي من شر ما نصبوا , ومن الأسد نج ms3163 وحدتي ~~, لأشكرك يا رب في الجمع الكثيرة وفي الشعب الصالح أرتل لك , لا يسر بي ~~المعدون لي ظلما , الذين يشنؤونني باطلا ويتغامزون بعيونهم , لأنهم يتكلون ~~بالسلام وبالدغل يفكرون , وعلى المتواضعين في الأرض يقولون الكذب , فتحوا ~~علي أفواههم , وقالوا : نعما نعما ! قد قرت به عيوننا , اللهم قد رايتن لا ~~تغفل , لا تبعد عني يا رب ! انظر سريعا في قضائي إلهي وربي , كن في ظلامتي ~~, واحكم لي مثل برك يا ربي وإلهي , لا تسرهم بي , لئلا يقولوا في قلوبهم : ~~تفتحت نفوسنا , ولا يقولوا : قد ابتلعناه , يخزون ويهنون جميعا الذين ~~يفرحون بإساءتي , يلبس الخزي والبهت المتعظون بالقول علي يسر ويفرح الذين ~~يهوون بري , ويقولون في كل حين : عظيم هو الرب , الذين يريدون سلامة عبدك , ~~لساني يتلو عدلك وتمجيدك النهار كله . | المزمور السادس والثلاثون : لا ~~تغبط الأشرار ولا تتأس بفاعلي الإثم , لأنهم مثل العشب سريعا يجفون , ومثل ~~البقل الأخضر عاجلا يذبلون , توكل على الرب واصنع الخير , واسكن في الأرض , ~~وعش من نعيمها , استبشر بالرب يعطيك مطلوبات قلبك , واكشف سبلك للرب وتوكل ~~عليه وهو يصنع لك , يخرج مثل النور عدلك , ومثل الظهيرة أحكامك , اخضع للرب ~~واضرع إليه , لا تغبط الرجل المستقيم في طريقه المقيم PageV05P123 على إثمه ~~, ولا رجلا يعمل بخلاف الناموس , اكفف من السخط , ودع الغضب , لا تبار ~~الشرير , فإن الأشرار جميعا يبيدون , والذين يرجون الرب يرثون الأرض عن ~~قليل , لا يوجد الخاطىء , ويطلب مكانه فلا يوجد , أهل الدعة يرثون الأرض , ~~ويتنعمون بكثرة السلامة , المنافق يرصد الصديق ويصر عليه أسنانه , والرب ~~يهزأ به , لأنه قد علم أن يومه يدركه , استل الخطأة سيوفهم , وأوتروا قسيهم ~~, ليصرعوا المسكين والبائس , ويقتلو مستقيم القلب , تدخل سيوفهم إلى قلوبهم ~~, وتنكسر قسيهم , اليسير للصديق خير من كثرة غنى الخطأة , لأن سواعد الخطأة ~~تنكسر , والرب يحفظ البرار , الرب يعرف أيام صديقيه الذين لا عيب فيهم ~~وميراثهم إلى الأبد , ولا يخزون في زمان سوء وفي أيام الشدائد يشبعون , لأن ~~الأثمة يبيدون , أعداء الرب حين يرتعمون ويتمجدون يذهبون مثل الدخان ~~ويضمحلون , الخاطىء يقترض ولا ms3164 يوفى , والبار يترأف ويعطي , لأن مباركيه ~~يرثون الأرض , ولا غية يستأصلون , الرب يقوم خطأ الإنسان ويهديه في الطريق ~~, إن سقط البار لم يجزع , لأن الرب ممسك بيده , كنت صبيا وشخت ولم أر صديقا ~~رفض , ولا ذريته طلبت خبزا النهار كله يترحم ويقرض ونسله مبارك , ابعد عن ~~الشر وافعل الخير , واسكن إلى أبد الأبد , فم الصديق ينطق بالحكمة ولسانه ~~يقول العدل , سنة إلهه في قلبه , ولا تزدحف قدماه , الخاطىء يرصد البار ~~وبهم بقتله , والرب لا يسلمه في يديه , ولا يدخله في الحكم , ترج الرب ~~واحفظ طرقه , وهو يرفعك لترث الأرض وتعاين الخطأة جميعا يبيدون , رأيت ~~المنافق يتعالى : ويتطاول مثل أرز لبنان , مررت به فلم أجده وطلبت موضعه ~~فلم أصبه , تمسك بالدعة وسترى الاستقامة , خلاص الأبرار من عندالرب وهو نا ~~صرهم في الزمان الشدائد , الرب عونهم ومنجيهم ومنقذهم من الخطأة , ويخلصهم ~~لأنهم توكلوا عليه . | < < # | الأنبياء : ( 106 - 112 ) إن في هذا . . . . . # > > ^ ( إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين * ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين * ~~قل إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون * فإن تولوا فقل ~~آذنتكم على سوآء وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون * إنه يعلم الجهر من ~~القول ويعلم ما تكتمون * وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين * قال رب ~~احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون ) ^ } ) | PageV05P124 ولما ~~كان ما ذكر في هذه السورة من الحكم والدلائل والقصص واعظا شافيا حكيما , ~~ومرشدا هاديا عليما , قال واصلا بما تقدم إشارة غلى أنه نتيجة : { إن في ~~هذا } أي الذي ذكرناه هنا من الأدلة على قدرتنا على قيام الساعة وغيرها من ~~الممكنات , وعلى أن من ادعى علينا أمرا فأيدناه عليه وجعلنا العاقبة له فيه ~~فهو صادق محق , وخصمه كاذب مبطل { لبلاغا } لأمرا عظيما كافيا في البلوغ ~~إلى معرفة الحق فيما ذكرناه من قيام الساعة والوحدانية وجميع ما تحصل به ~~البعثة { لقوم } أي لأناس أقوياء على ما يقصدونه { عابدين * } أي معترفين ~~بالعبودية لربهم الذي خلقهم اعترافا تطابقه الأفعال بغاية الجد والنشاط . | ~~ولما ms3165 كان هذا مشيرا غلى رشادهم , فكان التقدير : فما أرسلناك إلا لإسعادهم ~~والكفاية لهم في البلاغ إلى جنات النعيم , عطف عليه ما يفهم سبب التأخير ~~لإنجاز ما يستعجله غير العابدين من العذاب فقال : { وما أرسلناك } أي ~~بعظمتنا العامة على حالة من الأحوال { إلا } على حال كونك { رحمة للعالمين ~~* } كلهم , أهل السماوات وأهل الأرض من الجن والأنس وغيرهم , طائعهم ~~بالثواب , وعاصيهم بتأخير العقاب , الذي كنا نستأصل به الأمم , فنحن نمهلهم ~~ونترفق بهم , إظهارا لشرفك وإعلاء لقدرك , حتى نبين أنهم مع كثرتهم وقوتهم ~~وشوكتهم وشدة تمالئهم عليك لا يصلون إلى ما يريدون منك , ثم نرد كثيرا منهم ~~إلى دينك , ونجعلهم من أكابر أنصارك وأعاظم أعوانك , بعد طول ارتكابهم ~~الضلال , وارتباكهم في أشراك المحال , وإيضاعهم في الجدال والمحال , فيلعم ~~قطعا أنه لا ناصر لك إلا الله الذي يعلم القول في السماء والأرض , ومن أعظم ~~ما يظهر فيه الشرف في عموم الرحمة وقت الشفاعة العظمى يوم يجمع الأولون ~~والآخرون , وتقوم ا لملائكة صفوفا والثقلان وسطهم , ويموج بعضهم في بعض من ~~شدة ما هم فيه , يطلبون من يشفع لهم في أن يحاسبوا ليستريحوا من ذلك الكرب ~~أما إلى جنة أو نار , فيقصدون أكابر الأنبياء نبيا نبيا عليهم الصلاة ~~والسلام , والتحية والإكرام , فيحيل بعضهم على بعض , وكل منهم يقول : لست ~~لها , حتى يأتوه صلى الله عليه وسلم فيقول : ( أنا لها , ) ويقوم ومعه لواء ~~الحمد فيشفعه الله وهو المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون وقد ~~سبقت أكثر الحديث بذلك في سورة غافر عند < # > 77 ( { ولا شفيع يطاع } ) 77 < # > [ الآية : 18 ] . | ولما كان البلاغ الذي رتب هذا لأجله هو التوحيد ~~الملزوم لتمام القدرة , أتبع الإشارة إلى تأخيرهم غلإيمان إلى تحذيرهم فقال ~~: { قل } أي لكل من يمكنك له القول : PageV05P125 { إنما يوحى إلي } اي ممن ~~لا موحي بالخير سواه وهو الله الذي خصني بهذا الكتاب المعجز { أنما إلهكم } ~~. | ولما كان المراد إثبات الوحدانية , لإله مجمع على إلهيته منه ومنهم , ~~كرر ذكر الإله فقال : { إله واحد } لا شريك له , لم يوح ms3166 إلي في أمر الإله ~~إلا الوحداينة , وما إلهكم إلا واحد لمن يوح إلي فيما تدعون من الشركة غير ~~ذلك , فالأول من قصر الصفة على الموصوف , أي الحكم على الشيء , أي الموحي ~~به إلي مقصور على الوحدانية لا يتعداها إلى الشركة , والثاني من قصر ~~الموصوف على الصفة , أي الإله مقصور على الوحدة لا يتجاوزها إلى التعدد , ~~والمخاطب بهما من يعتقد الشركة , فهو قصر قلب . | ولما انضم إلى ما مضى من ~~الأدلة العقلية في أمر الوحدانية هذا الدليل السمعي , وكان ذلك موجبا لأن ~~يخشى إيجاز ما توعدهم به فيخلصوا العبادة لله , أشار إلى ذلك مرهبا ومرغبا ~~بقوله : { فهل أنتم مسلمون * } اي مذعنون له ملقون إليه مقاليدكم متخلون عن ~~جميع ما تدعونه من دونه لتسلموا من عذابه وتفوزوا بثوابه , ففي الآية أن ~~هذه الوحدانية يصح أن يكون طريقها السمع . | ولما كان توليهم بعد هذه ~~القواطع مستبعد , أشار إلى ذلك بإيراده بأداة الشك فقال : { فإن تولوا } أي ~~لم يقبلوا ما دعوتهم إليه { فقل } أي لهم : { ءاذنتكم } أي أعلمتكم ببراءتي ~~منكم وأني غير راجع إليكم أبدا كما أنكم تبرأتم مني ولم ترجعوا إلي , فصار ~~علمكم أن لا صلح بيننا مع التولي كعلمي وعلم من اتبعني . | لتتأهبوا لجميع ~~ما تظنونه ينفعكم , فهو كمن بينه وبين أعدائه هدنة فأحس منهم بغدره , فنبذ ~~غليهم العهد , شهر ذلك النبذ وأشاعه فلم يخفه عن أحد منهم , وهو مما اشتهر ~~أنه بلغ النهاية في الفصاحة والوجازة , أو أبلغتكم جميع ما أرسلت به ولم ~~أخص به أحدا دون أحد , وهذا كله معنى { على سواء } أي إيذانا مستعليا على ~~أمر نصف وطريق عدل , ليس فيه شيء من خفاء ولا غش ولا خداع ولا عذر , بل ~~نستوي فيه نحن وأنتم . | ولما كان من لازم البراءة من شخص الإيقاع به كان ~~موضع أن يقولوا هزؤا على عادتهم : نبذت إلينا على سواء فعجل لنا ما تتوعدنا ~~به , فقال : { وإن } أي وما { أدري أقريب } جدا بحيث يكون قربه على ما ~~تتعارفونه { أم بعيد ما توعدون * } من عذاب ms3167 الله في الدنيا بأيدي المسلمين ~~أو بغيره , أو في الآخرة مع العلم بأنه كائن لا محالةن وأنه لا بد أن يلحق ~~من أعراض الله الذل والصغار . | ولما كان من المقطوع به من كون الشك إنما ~~هو في القرب أو البعد أن يكون PageV05P126 التقدير : لكنه محقق الوجود , ~~لأن الله واحد لا شريك له , وقريب عند الله , لأن كل ما حقق إيجاده قريب , ~~علله بقوله : { إنه } أي الله تعالى { يعلم الجهر } لما كان الجهر قد يكون ~~في الأفعال , بينه بقوله : { من القول } مما تجاهرونه به من العظائم وغير ~~ذلك , ونبه الله تعالى على ذلك لأن من أحوال الجهر أن ترتفع الأصوات جدا ~~بحيث تختلط ولا يميز بينها ولا يعرف كثير من حاضريها ما قاله أكثر القائلين ~~, فأعلم سبحانه أنه لا يشغله صوت عن آخر ولا يفوته شيء عن ذلك ولو كثر { ~~ويعلم ما تكتمون * } مما تضمرونه من المخازي كما قال تعالى أولها { قل ربي ~~يعلم القول في السماء والأرض } ومن لازم ذلك المجازاة عليه بما يحق لكم من ~~تعجيل وتأجيل , فستعلمون كيف يخيب ظنونكم ويحقق ما أقول , فتقطعون بأني ~~صادق عليه ولست بساحر , ولا حالم ولا كاذب ولا شاعر , فهو من أبلغ التهديد ~~فإنه لا أعظم من التهديد بالعلم . | ولما كان الإمهال قد يكون نعمة , وقد ~~يكون نقمة , قال : { وإن } وما { أدري } أي ايكون تأخير عذابكم نعمة لكم ~~كما تظنون أو لا . | ولما كان إلى كونه نقمة أقرب , قال معبرا عما قدرته : ~~{ لعله } أي تأخير العذاب وإيهام الوقت { فتنة لكم } أي اختبار من الله ~~ليظهر ما يعلمه منكم من الشر لغيره , لأن حالكم حال من يتوقع منه ذلك { ~~ومتاع } لكم تتمتعون به { إلى حين * } أي بلوغ مدة آجالكم التي ضربها لكم ~~في الأزل , ثم يأخذكم بغتة أخة يستأصلكم بها . | ولما كان اللازم من هذه ~~الآيات تجويز أمور تهم سامعها وتقلقه للعلم بأن الله تعالى له أن يفعل ما ~~يشاء من عدل وفضل , وكان من العدل جواز تعذيب الطائع وتنعيم العاصي , كان ~~كأنه ms3168 قيل : فما قال الرسول الشفوق على الأمة حين سمع هذا الخطاب ؟ فقيل : ~~قال مبتهلا غلى الله تعالى - هذا على قراءة حفص . | وعلى قراءة حفص , وعلى ~~قراءة الجمهور : لما علم سبحانه أن ذلك مقلق , أمره صلى الله عليه وسلم بما ~~يرجى من يقلق من أتباعه فقال : { قل رب } أي ايها المحسن إلي في نفسي ~~واتباعي بامتثال أوامرك واجتناب نواهيك { احكم } أي أنجز الحكم بيني وبين ~~هؤلاء المخالفين { بالحق } أي بالأمر الذي يحق لكل منا من نصر وخذلان على ~~ما أجريته من سنتك القديمة في أوليائك وأعدائك < # > 77 ( { ما ننزل الملائكة إلا بالحق } ) 77 < # > [ الحجر : 8 ] أي الأمر الفصل الناجز , قال ابن كثير : وعن مالك عن زيد ~~بن أسلم : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شهد قتالا قال { رب احكم ~~بالحق } . | وفي الآية أعظم حث على لزوم الإنسان بالحق ليتأهل لهذه الدعوة ~~. | PageV05P127 ولما كان التقدير : فربنا المنتقم الجبار له أن يفعل ما ~~يشاء وهو قادر على ما توعدون , عطف عليه قوله : { وربنا } أي المحسن إلينا ~~أجمعين ؛ ثم وصفه بقوله : { الرحمن } أي العام الرحمة لنا ولكم بإدرار ~~النعم علينا , ولولا عموم رحمته لأهلكنا أجمعين وإن كنا نحن أطعناه , لأنا ~~لا نقدره حق قدره { لو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من ~~دابة } والحاصل أنه لما سال { الحق } المراد به الهلاك للعدو والنجاة للولي ~~, أفرد الإضافة إشارة إلى تخصيصه بالفضل , وإفرادهم بالعدل , ولما سأل ~~العون عن بالإضافة والصفة قنوعا بترجيح جانبه بالعون وإن شملتم الرحمة , ~~ولأن من رحمتهم خليتهم عما هم عليه من الشر فقال : { المستعان } أي المطلوب ~~منه العون وهو خبر مبتدأ موصوف { على ما تصفون * } مما هو ناشىء عن غفلتكم ~~الناشئة عن إعراضكم عن هذا الذكر من الاستهزاء والقذف بالسحر وغيره , ~~والمناصبة بالعداوة والتوعد بكل شر , فقد انطبق آخر السورة على أولها بذكر ~~الساعة ردا على قوله { اقترب للناس حسابهم } وذكر غفلتهم وإعراضهم وذكر ~~القرآن الذي هو البلاغ , وذكر الرسالة بالرحمة لمن نسبوه إلى السحر وغيره , ~~وتفصيل ms3169 ما استعجلوا به من آيات الأولين وغير ذلك , وقام الدليل بالسمع بعد ~~العقل على تحقق أمر الساعة بأنه سبحانه لا شريك له يمنعه من ذلك , وأنه ~~يعلم السر وأخفىن وهو الرحمن , فمن رحمته إيجاد يوم الدين ليجازي فيه ~~المحسن بإحسانه , والمسيء بكفرانه , وفي ذلك أعظم ترهيب في أعلى حاث على ~~التقوى للنجاة في ذلك اليوم , وهو أول التي تليها - والله الموفق . | . . . ~~. . | PageV05P128 < # > سورة الحج < # > < < # | الحج : ( 1 - 5 ) يا أيها الناس . . . . . # > > ^ ( يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم * يوم ترونها ~~تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم ~~بسكارى ولكن عذاب الله شديد * ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع ~~كل شيطان مريد * كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير * ~~يأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم ~~من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشآء ~~إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد ~~إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذآ أنزلنا ~~عليها المآء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ) ^ } ) | مقصودها الحث على ~~التقوى المعلية عن دركة الاستحقاق للحكم بالعدل إلى درجة استئال الإنعام ~~بالفضل , في يوم الجمع للفصل , وأنسب ما فيها لذلك الحج وهو ظاهر { بسم ~~الله } الذي اقتضت عظمته خضوع كل شيء { الرحمن } الذي عم برحمته وعدله كل ~~موجود { الرحيم * } الذي خص بفضله من شاء من ذوي عدله . | لما ختمت التي ~~قبلها بالترهيب من الفزع الأكبر , وطي السماء وإتيان ما يوعدون , والدينونة ~~بما يستحقون , وكان أعظم ذلك يوم الدين , افتتحت هذه بالأمر بالتقوى ~~المنجية من هول ذلك اليوم فقال : { يا أيها الناس } أي الذين تقدم أول تلك ~~أنه اقترب لهم حسابهم { اتقو ربكم } أي احذروا عقاب المحست إليكم بأنواع ~~الإحسان بأن تجعلوا بينكم وبينه وقاية الطاعات ms3170 . | وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير : لما افتتحت سورة الأنبياء بقوله تعالى : { اقترب PageV05P129 ~~للناس حسابهم } وكان واردا فقي معرض التهديد , وتكرر في مواضع منها كقوله ~~تعالى : < # > 77 ( { إلينا ترجعون } ) 77 < # > [ الأنبياء : 35 ] < # > 77 ( { سأوريكم آياتي فلا تستعجلون ويقولون متى هذا الوعد } ) 77 < # > [ الأنبياء : 37 ] < # > 77 ( { لو يعلم الذين كفروا حين يكفون عن وجوهم النار } ) 77 < # > [ الأنبياء : 39 ] < # > 77 ( { ولئن مستهم نفحة نم عذاب ربك } ) 77 < # > [ الأنبياء : 46 ] < # > 77 ( { ونضع موازين القسط يوم القيامة } ) 77 < # > [ الأنبياء : 47 ] < # > 77 ( { وهم من الساعة مشفقون } ) 77 < # > [ الأنبياء : 49 ] < # > 77 ( { كل إلينا راجعون } ) 77 < # > [ الأنبياء : 93 ] < # > 77 ( { واقترب وعد الحق } ) 77 < # > [ الأنبياء : 97 ] < # > 77 ( { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } ) 77 < # > [ الأنبياء : 98 ] < # > 77 ( { يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب } ) 77 < # > [ الأنبياء : 104 ] إلى ما تخلل هذه الآي من التهديد , وشديد الوعيد , ~~حتى لا تكاد تجد أمثال هذه الآي في الوعيد والإنذار بما في الساعة وما ~~بعدها وما بين يديها في نظائر هذه السورة , وقد ختمت من ذلك بمثل ما به ~~ابتدئت , اتصل بذلك ما يناسبه من الإعلام بهول الساعة وعظيم أمرها , فقال ~~تعالى : { يا أيها الناس اتقوا ربكم } - إلى قوله : { ولكن عذاب الله شديد ~~} ثم اتبع ببسط الدلالات على البعث الأخي وإقامة البرهان { يا أيها الناس ~~إن كنتم في ريب من البعث } الآيات , ثم قال { ذلك بأن الله هو الحق } أي ~~اطرد هذا الحكم العجيب ووضح من تقلبكم من حالة إلى حالة في الأرحام وبعد ~~خروجكم إلى الدنيا وأنتم تعلمون ذلك من أنفسكم , وتشاهدون الأرض على صفة من ~~الهمود والموت إلى حين نزولالماء فنحي ونخرج أنواع النبات وضروب الثمرات { ~~يسقى بماء واحد ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى } كما أحياكم أولا ~~وأخرجكم من العدم إلى الوجود وأحيا الأرض بعد موتها وهمودها , كذلك تأتي ~~الساعة من غير ريب ولا شك , ويبعثكم لما وعدكم من حسابكم وجزائكم { فريق في ~~الجنة وفريق في السعير } انتهى . | ولما أمرهم بالتقوى : علل ذلك مرهبا لهم ~~بقوله ms3171 : { إن زلزلة الساعة } أي التي تقدم التحذير منها في الأنبياء بدأ ~~وختما وما بين ذلك , أي شدة اضطرابها وتحركها العنيف المزيل للأشياء عن ~~مقارها إزالة عظيمة , بما يحصل فيهما من الأصوات المختلفة , والحركات ~~المزعجة المتصلة , من النفخ في الصور , وبعثرة القبور , وما يتسبب عن ذلك ~~من عجائب المقدور , وقت القيام , واشتداد الزحام , وذلك لأن ( زلزل ) مضاعف ~~زل - إذا زال عن مقره بسرعة , ضوعف لفظه لتضاعف معناه ؛ قال البغوي : ~~الزلزلة والزلزال : شدة الحركة على الحال الهائلة - انتهى . | وهو من إضافة ~~المصدر إلى الفاعل أو المفعول فيه , { سيء عظيم * } أي لا تحتمل العقول ~~وصفه ؛ قال ابن كثير : أي أمر كبير , وخطب جليل وطارق مفظع , وحادث هائل , ~~وكائن عجيب - انتهى . | PageV05P130 وهذا للزلزلة نفسها , فكيف بجميع ما ~~يحدث في ذلك اليوم الذي لا بد لكم من الحشر فيه إلى الله ليجازيكم على ما ~~كان منكم , لا ينسى منه نقير ولا قطمير , ولا يخفى قليل ولا كثير , مما ~~تطير له القلوب , ولا تثبت له النفوس , فاعتدوا وجاهدوا أعداءكم من الأهواء ~~والشياطين . | ولما كان المراد بالساعة القيام وما والاه , جعل مظروفا لذلك ~~اليوم الذي هو من ذلك الوقت إلى افتراق الفريقين إلى داري الإبعاد والإسعاد ~~, والهوان والغفران , فقال تعالى : { يوم ترونها } أي الزلزلة أو كل مرضعة ~~, أضمرها قبل الذكر , تهويلا للأمر وترويعا للنفس { تذهل } أي تنسى وتغفل ~~حائرة مدهوشة , وهو العامل في ( يوم ) ويجوز أن يكون عامله معنى الكلام , ~~أي تستعظمون جدا ذلك اليوم عمد المعاينة وإن كنتم الآن تكذبون , ويكون ما ~~بعده استئنافا ودل بالسور على عموم تأثير لشدة عظمته فقال : { كل مرضعة } ~~أي بالفعل { عما أرضعت } من ولدها وغيره , وهي من ماتت مع أبنها رضيعا , ~~قال البغوي : يقال : مرضع , بلا هاء - إذا أريد به الصفة مثل حائض وحامل , ~~فإذا أردوا الفعل أدخلوا الهاء - يعني : فيدل حينئذ أنها ملتبسة به { وتضع ~~كل ذات حمل حملها } أي تسقطه قبل التمام رعبا وفزعا , وهي من ماتت حاملا - ~~والله أعلم , فإن كل أحد يقوم على ما مات عليه ms3172 , قال ا لحسن : تذهل المرضعة ~~عن ولدها بغير فطام , وتضع الحامل ما في بطنها بغير تمام - انتهى . | ويؤيد ~~أن هذه الزلزلة تكون بعد البعث ما في الصحيحين وغيرهما : مسلم في الإيمان ~~وهذا لفظه , والبخاري عند تفسير هذه الآية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ~~رفعه : ( يقول الله عز وجل : يا آدم ! فيقول : لبيك وسعديك ! والخير في ~~يديك , قال : يقول : أخرج بعث النار , قال : وما بعث النار ؟ قال : من كل ~~ألف تسعمائة وتسعة وتسعون , فذلك حين يشيب الصغير , وتضع كل ذات حمل حملها ~~) الحديث والأحاديث في ذلك كثيرة , ومعارضها ضعيف , والمنسب أيضا لما في ~~آخر تلك من قوله < # > 77 ( { فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا } ) 77 < # > [ الأنبياء : 97 ] وما تبعه أن هذه الزلزلة بعد القيام من القبور < # > 77 ( { يوم نطوي السماء } ) 77 < # > [ الأنبياء : 104 ] < # > 77 ( { إذا السماء انفطرت } ) 77 < # > - إلى قوله : < # > 77 ( { علمت نفس ما قدمت وأخرت } ) 77 < # > [ النفطار : 1 , 2 , 3 , 4 , 5 ] ويمكن أن يكون المراد هذا وا قبله لأن ~~يوم الساعة طويل , فنسبة الكل إليها على حد سواء . | ولما كان الناس كلهم ~~يرون الزلزلة , ولا يرى الإنسان السكر - إلا من غيره قال PageV05P131 في ~~الزلزلة { ترونها } وقال في { السكر } : { وترى الناس سكارى } أي لما هم ~~فيه من الدهش والحيرة والبهت لما شاهدوا من حجاب العز وسلطان الجبروت ~~وسرادق الكبرياء , ثم دل على أن ذلك ليس على حقيقته بقوله , نافيا لما يظن ~~إثباته بالجملة الأولى : { وما هم بسكارى } أي من الخمر . | ولما نفى أن ~~يكونوا سكارى من الخمر , أثبت ما أوجب لهم تلك الحالة فقال : { ولكن عذاب ~~الله } ذي العز والجبروت { شديد * } فهو الذي وجب أن يظن بهم السكر , لأنه ~~أذهب خوفه حولهم , وطير هوله عقولهم . | ولما أفهم العطف الآتي أن الناس ~~قسمان , وأن التقدير : فإن منكم من يؤمن فبتقي فينجو من شر ذلك اليوم الذي ~~اقتضت الحكمة إظهار العظمة فيه ليزداد حزب الله فرحا , وحزب الشيطان غما ~~وترحا , عطف عليه قوله : { ومن الناس } أي المذبذبين المضطربين { من } لا ms3173 ~~يسعى في إعلاء نفسه وتهذيبا فيكذب فيوبق بسوء أعماله , لأنه { يجادل في ~~الله } أي في قدرة الملك الأعظم على ذلك اليوم وفي غير ذلمك من شؤونه بعد ~~أن جاءه العلم بها اجتراء على سلطانه العظيم { بغير علم } بل بالباطل الذي ~~هو جهل صرف , فيترك اتباع الهداة النصحاء { ويتبع } بغاية جهده في جداله { ~~كل شيطان } أي محترق بالشر مبعد باللعن . | ولما كان السياق لذم متبعه , ~~أشار إلى أنه لا قصد له في اتباعه إلا الشر , لأنه لا لبس في أمره بصيغة ~~المبالغة كما مضى في النساء ويأتي في الصافات , فقال : { مريد * } أي متجرد ~~للفساد لا شغل غيره , فهو في غاية الضراوة عليه , قال البيضاوي : وأصله ~~العرى { كتب } أي قضى وقدر على سبيل الحتم الذي لا بد منه , تعبير باللازم ~~عن الملزوم { عليه } أي على ذلك الشيطان { أنه من تولاه } أي فعل معه فعل ~~الولي مع وليه , باتباعه والإقبال على ما يزينه { فإنه يضله } بما يبغض ~~إليه من الطاعات فيخطىء سبيل الخير . | ولما نفر عن توليه بإضلاله لأن ~~الضلال مكروه إلى كل أحد , بين أنه إضلال لا هدى معه أصلا فقال : { ويهديه ~~} أي بما يزين له من الشهوات , الحاملة على الزلات , إعلاما بأنه إن كان له ~~هدى إلى شيء فهو { إلى عذاب السعير * } . | ولما حذر الناس من ذلك اليوم , ~~وأخبر أن منهم من يكذب , وعرف بمآله , فأفهخم ذلك أن منهم من يصدق به فيكون ~~له ضد حاله , وكان كثير من المصدقين يعملون عمل المكذبين , أقبل عليهم ~~سبحانه إقبالا ثانيا رحمة لهم , منبها على أنه ينبغي أن لا يكون عندهم نوع ~~من الشك في ذلك اليوم لما عليه من الآيات في الآفاق وفي أنفسهم , فقال دالا ~~عليه بالأمرين : { يا أيها PageV05P132 الناس } أي كافة , ويجوز أن يراد ~~المنكر فقط , وعبر بالناس الذي هو من أسفل الأوصاف لذلك , وإشارة إلى أن ~~المنكر والعامل عمله - وإن كان مصدقا - هم أكثر الناس , وعبر بأداة الشك ~~إشارة إلى أن الذي يقتضيه الحال جزمهم به فقال : { إن } وبين أنه ms3174 ما عبر به ~~إلا للتوبيخ , لا للشك في أمرهم , بجعل الشرط ماضيا , ودل ب ( كان ) ~~وبالظرف على ما تمكن الريب منهم فقال : { كنتم في ريب } أي شك وتهمة وحاجة ~~إلى البيان { من البعث } وهو قيام الأجسام بأرواحها كما كانت قبل مماتتها ~~سواء , استعظاما لأن نقدر عليه { فإنا خلقناكم } بقدرتنا التي لا يتعاظمها ~~شيء { من تراب } لم يسبق له اتصاف بالحياة { ثم من نطفة } حالها ابعد شيء ~~عن حال التراب , فإنها بيضاء سائلة لزجة صافية كما قال < # > 77 ( { من ماء دافق } ) 77 < # > واصلها الماء القليل - قاله البغوي . | وأصل النطف الصب - قاله ~~البيضاوي . | { ثم من علقة } أي قطعة دم حمراء جامدة , ليس فيها أهلية ~~للسيلان { ثم من مضغة } أي قطعة لحم صغيرة جدا تطورت إليها النطفة { مخلقة ~~} بخلقة الآدمي التمام { وغير مخلقة } أي أنشأناكم من تراب يكون هذا شأنه , ~~وهو أنا ننقله في هذه الأطوار إلى أن يصير مضغة , فتارة يخلقها ويمون منها ~~آدميا , وتارة لا يخلقها بل يخرجها من الرحم فاسدة , أو تحرقها حرارته , أو ~~غير مخلقة تخليقا تاما بل ناقصا مع وجود الروح كشق الذي كان شق آدمي , ~~وسطيح الذي كان علوا بلا سفل ونحوهما { لنبين لكم } كمال قدرتنا , وتمام ~~حكمتنا , وأن ذلك ليس كائنا عن الطبيعة , لأنه لو كان عنها لم يختلف , فدل ~~اختلافه على أنه عن فاعل مختار , قادر قهار , وحذف المفعول إشارة إلى أنه ~~يدخل فيه كل مل يمكن أن يحيط به العقول . | ولما : ان التقدير : فنجهض منه ~~مل لا نشاء إتمامه , عطف عليه قوله : { ونقر في الأرحام } أي من ذلك الذي ~~خلقناه { ما نشاء } إتمامه { إلى أجل مسمى } قدرناه لإتمامه ما بين ستة ~~أشهر إلى ما نريد من الزيادة على ذلك , بحسب قوة الأرحام وضعفها , وقوة ~~المخلقات وضعفها وكثرة ما تغتذيه من الدماء وقلته , وزكائه وخبثه , إلى غير ~~ذلك من أحوال وشؤون لا يعلمها إلا بارئها , جلت قدرته , وتعالت عظمته , ~~وأما ما لم نشأ إتمامه فإن الأرحام تمجه بقدرتنا وتلقيه دون التمام أو ~~تحرقه فيضمحل { ثم ms3175 نخرجكم } بعد ذلك { طفلا } أي في حال الطفولة من صغر ~~الجثة وضعف البدن والسمع والبصر وجميع الحواس , لئلا تهلكوا أمهاتكم بكبر ~~أجرامكم , وعظم أجسامكم , وهو يقع على جميع , وعبر به دونه للتساوي في ضعف ~~الظاهر والباطن . | ولما ذكر أضعف الضعف ذكر أقوى القوة عاطفا له عليه لما ~~بينهما من المهلة بأداة التراخي فقال : { ثم } أي نمد أجلكم { لتبلغوا } ~~بالانتقال في أسنان الأجسام فيما بين PageV05P133 الرضاع , إلى حال اليفاع ~~, إلى زمان الاحتلام , وقوة الشباب والتمام { أشدكم } أي نهاية كل شدة ~~قدرناه لكل واحد منكم { ومنكم من يتوفى } قبل ما بعد ذلك من سن الشيخوخة { ~~ومنكم من يرد } بالشيخوخة , وبناه للمجهول إشارة إلى سهولته عليه مع ~~استبعاده لولا تكرر المشاهدة عند الناظر لتلك القوة والنشاط وحسن التواصل ~~بين أعضائه والارتباط { إلى أرذل العمر } وهو سن الهرم فينقص جميع قواه { ~~لكيلا يعلم } . | ولما كان السياق للقدرة على البعث الذي هو التحويل من حال ~~الجمادية إلى ضده بغاية السرعة , أثبت ( من ) الابتدائية للدلالة على قرب ~~زمن الجهل من زمن العلم , فربما بات الإنسان في غاية الاستحضار لما يعلم ~~والحذق فيه فعاد في صبيحة ليلته أو بعد أيام يسيرة جدا من غير كبير تدريج ~~لا يعلم شيئا , وأفهم غسقاط حرف الانتهاء أنه ربما عاد إليه علمه , وربما ~~اتصل جهله بالموت بخلاف ما مضى في النحل فقال : { من بعد علم } كان أوتيه { ~~شيئا } بل يصير كما كان طفلا في ضعف الجواهر والأعراض , لتعلموا أن ذلك كله ~~فعل غلإله الواحد المختار , وأنه لو كان فعل الطبيعة لازداد بطول البقاء ~~نموا في جميع ذلك , وقد علم - بعود الإنسان في ذهاب العلم وصغر الجسم إلى ~~نحو ما كان عليه في ابتداء الخلق - قطعا أن الذي أعاده إلى ذلك قادر على ~~إعادته بعد الممات , والكون على حال الرفات . | ولما تم هذا الدليل على ~~الساعة محكم المقدمات واضح النتائج , وكان أول الإيجاد فيه غير مشاهد فعبر ~~عنه بما يليق به , أتبعه دليلا آخر محسوسا , وعطفه على ما أرشد إليه ~~التقدير من ms3176 نحو قوله : تجدون أيها الناس ما ذكناه في أنفسكم , فقال : { ~~وترى } فعبر بالرؤية { الأرض } ولما كان في سياق البعث , عبر بما هو أقرب ~~إلى الموت فقال : { هامدة } أي يابسة مطمئنة ساكنة سكون الميت ليس بها شيء ~~من نبت , ولعله أفرد الضمير توجيها إلى كل من يصلح أن يخاطب بذلك { فإذا } ~~أي فننزل عليها ماء من مكان لا يوجد فيه ثم ينزل منه بقدرة عظيمة وقهر باهر ~~, فإذا { أنزلنا } بما لنا من العظمة { عليها الماء اهتزت } اي تحركت بنجوم ~~النبات اهتزاز الحي , وتأهلت لإخراجه ؛ قال الرازي : والاهتزاز : شدة ~~الحركوة في الجهات المختلفة . | { وربت } أي انتفخت , وذلك أول ما يظهر ~~منها للعين وزادت ونمت بما يخرج منهاا من النبات الناشىء عن التراب والماء ~~{ وأنبتت } بتقديرنا { من كل زوج } أي صنف عادلناه بصنف آخر جعلناه تمام ~~نفعه به { بهيج * } أي مؤنق من أشتات النباتاتفي اختلاف ألوانها وطعومها , ~~وورائحها وأشكالها , ومنافعها ومقاديرها رائقة المناظر , لائقة في العيون ~~والبصائر , قال الرازي : فكما أن النبات يتوجه من نقص إلى كمال , فكذلك ~~الآدمي PageV05P134 يترقى من نقص إلى كمال , ففي المعاد يصل إلى كماله الذي ~~أعد له من البقاء والغنى والعلم والصفاء والخلود , أي السعيد منه في دار ~~السلام مبرا عن عوارض هذا العالم - انتهى . | < < # | الحج : ( 6 - 10 ) ذلك بأن الله . . . . . # > > ^ ( ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير * ~~وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور * ومن الناس من ~~يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير * ثاني عطفه ليضل عن سبيل ~~الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق * ذلك بما قدمت يداك ~~وأن الله ليس بظلام للعبيد ) ^ } ) | ولما قرر سبحانه هذين الدليلين , رتب ~~عليهما ما هو مطلوب والنتيجة فقال على طريق التعليل : { ذلك } أي الذي تقدم ~~من الأمر بالتقوى , والترهيب من جلال الله بالحشر , والاستدلال عليه ~~بالتصرف في تطوير الإنسان والنبات إلى ما في تضاعيفه من أنواع الحكم وأصناف ~~اللطائف { بأن } أي ms3177 بسبب أن تعلموا أن { الله } أي الجامع لأوصاف الكمال { ~~هو } أي وحده { الحق } اي الثابت أتم الثبات , بحيث يقتضي ذلك أنه يكون كل ~~ما يريد , فإنه لا ثبات مع العجز { وأنه يحيي الموتى } أي القادر على ذلك ~~بأنه - كما سيأتي - هو العلي الكبير { وأنه على كل شيء } من الخلق وغيره { ~~قدير * } ^ ( { إنما أمره إذا اراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ) ^ [ يس : ~~82 ] { وأن الساعة } التي تقدم التحذير منها , وهي وقت حشر الخلائق كلهم { ~~لآتية لا ريب فيها } بوجه من الوجوه لما دل عليها مما لا سبيل إلى إنكاره ~~بقول من لا مرد لقوله , وهو حكيم فلا يخلف ميعاده , ولا يسوغ بوجه أن يترك ~~عباده بغير حساب { وأن الله } لما له من الجلال والحكم { يبعث } بالإحياء { ~~من في القبور * } لحضوره والفصل بينهم فيها في كل ما اختلفوا فيه لأن ذلك ~~من العدل الذي أمر به , وبه يظهر كثير من صفاته سبحانه أتم الظهور , ~~والحاصل أن المراد أنه سبحانه قال ما تقدم وفعل ما ذكر من إيجاد الإنسان ~~والنبات في هذه الأطوار ليعلم أنه قادر على هذه الأمور وعلى كل شيء { ومن } ~~أي فمن الناس الذين كانوا قد وقفوا عن الإيمان قبل هذا البيان من آمن عند ~~سماع هذه القواطع , ومن { الناس } وهم ممن اشتد تكاثف طبعه { من يجادل } أي ~~بغاية جهده { في الله } أي في قدرته وما يجمعه هذا الاسم الشريف من صفاته ~~بعد هذا البيان الذي لا مثل لهه ولا خفاء فيه { بغير علم } أتاه عن الله ~~على لسان أحد من أصفيائه أعم من أن يكون كتابا أو غيره { ولا هدى } أرشده ~~إليه من عقله أعم من كونه بضرورة أو استدلال { ولا كتاب منير * } صح لديه ~~أنه من عند الله , ومن المعلوم أنه بانتفاء هذه الثلاثة لا يكون جداله إلا ~~بالباطل { ثاني عطفه } أي رخى البال معرضا متكبرا متماثلا لاويا عنقه لذلك ~~كما قال تعالى PageV05P135 ^ ( { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا } ) ^ ~~[ لقمان : 7 ] والعطف في الأصل الجانب وموضع الميل ms3178 . | ولما دل السياق ~~علىأنه أكثف الأقسام طبعا , عبر عن قصده بقوله : { ليضل } أي غيره { عن ~~سبيل الله } إفهاما لذلك , لأن هذا لا يقصده عاقل , فالقسم الأول تابع ضال ~~, وهذا داع لأهل الضلال , هذا على قراءة الضم للجمهور , وعلى قراءة الفتح ~~لابن كثير وأبي عمرو ورويس عن يعقوب بخلاف عنه من ضل , تكون من باب التهكم ~~كما تقدم غير مرة , أي إنه من الحذق بحيث لا يذهب عليه أن هذا ضلال , فما ~~وصل إليه إلا بقصده له . | ولما ذكر فعله وثمرته , ذكر ما أعد له عليه فقال ~~: { له في الدنيا خزي } اي إهانة وذل وإن طال زمن استدراجه بتنعيمه ( حق ~~على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا غلا وضعه ) { ونذيقه } أي بما لنا من ~~العظمة { يوم القيامة } الذي يجمع فيه الخلائق بالإحيا بعد الموت { عذاب ~~الحريق * } أي بجعله يحس بألم العذاب بالحريق كما يحس الذائق بالشيء كما ~~أحرق قلوب المهتدين بجداله بالباطل , ويقال حقيقة أو مجازا : { ذلك } اي ~~العذاب العظيم { بما } اي بسبب ما { قدمت يداك } أي بعملك , ولكنه جرت عادة ~~العرب أن تضيف الأعمال إلى اليد لأنها آلة أكثر العمل , وإضافة ما يؤدي ~~إليهما أنكأ { وأن } أي وبسبب أن { الله } أي الذي له الكمال كله { ليس ~~بظلام } اي بذي ظلم ما { للعبيد * } ولو ترككم بغير ذلك لكان في مجاري ~~عاداتكم ظلما أولا بتسوية المحسن بالمسيء , وثانيا بترك الانتصار للذين ~~عادوك فيع وأذيتهم من أجله , ويجوز أن تكون الصيغة للمبالغة لتفهم أنه لو ~~تركه لكان الظلم , وذلك في غاية البعد عن حكمته و . . . . | نفي أصل الظلم ~~من آياته الباهرة . | < < # | الحج : ( 11 - 14 ) ومن الناس من . . . . . # > > ^ ( ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن ~~أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين * ~~يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد * يدعو لمن ~~ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير * إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا ms3179 الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد ) ^ } ) ~~| ولما بين قصمين المصارحين بالكفر الكثيف والأكثف صريحا . | وأفهم المؤمن ~~المخلص , عطف على ذلك المذبذب فقال : { ومن الناس } ولذلك عبر بالناس الذي ~~مدلولة الاضطراب والتردد دون أن يضمر { من يعبد الله } أي يعمل على سبيل ~~الاستمرار PageV05P136 والتجدد بما أمر به الإله الأعظم من طاعته { على حرف ~~} فهو مزلزل كزلزلة من يكون على حرف شفير أو جبل أو غيره , لا استقرار له , ~~وكالذي على طرف من العسكر , فإن رأى غنيمة قر , وإن توهم خوفا طار وفر , ~~وذلك معنى قوله : { فإن أصابته فتنة } اي مصبية ولو قلت - بما يشير إليه ~~التأنيث - في جسده أو معيشته يختبر بها ويظهر خبأة للناس { انقلب على وجهه ~~} لتهيئة للانقلاب بكونه على شفا جرف فسقط عن ذلك الطرف من الدين سقوطا لا ~~رجوع له بعد إليه وجوع له بعده إليه ولا حركة له معه , فإن الإنسان مطبوع ~~على المدافعة بكل عضو من أعضائه عن وجهه فلا يمكن منه إلا بعد نهاية العجز ~~, والمعنى أنه رجع إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر أو الشك رجوعا متمكنا ~~, وهذا بخلاف الراسخ في إيمانه , فإنه إن أصابته سراء شكر , وإن أصابته ~~ضراء حمد وصبر , فكل قضاء الله له خير . | ولما كان انقلاب هذا مفسدا ~~لآخرته بما ناله من الوزر , وغي نافع له في استدراك ما فاته من الدنيا , ~~كانت فذلكة ذلك قوله : { خسر الدنيا } أي بسبب أن ذلك لا يرد ما فاته منها ~~ويكون سبب التقتير عليه وذهاب بركته < # > 77 ( { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ~~لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم } ) 77 < # > [ المائدة : 66 ] ( إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ) { والآخرة } ~~بفوات أجر الصبر وحصول إثم الجزع : ثم عظم مصيبته بقوله : { ذلك } أي الأمر ~~العظيم { هو } أي لا غير { الخسران المبين * } ورى البخاري في التفسير عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال : كان الرجل يقدم المدينة , فإن ~~ولدت امرأته غلاما ونتجت ms3180 خيله قال : هذا دين صالح , وإن لم تلد امرأته ولم ~~تنتج خيله قال : هذا دين سوء ثم بين هذا الخسران الذي رده إلى ما كان فيه ~~قبل الإيمان الحرفي بقوله : { يدعو } أي يعبد حقيقة أومجازا مع التجدد ~~والاستمرار بالاعتماد على غير الله ومنابذة < # > 77 ( { وإياك نستعين } ) 77 < # > [ الفاتحة : 5 ] . | ولما كان كل ما سوى الله دنه , نبه على ذلك بقوله ~~: { من دون الله } أي عن أدنى رتبة من رتب المستجمع لصفات الكمال . | ولما ~~كان المتضي للعبادة إنما هو الفعل بالاختيار , وأما الفعل الذي يقتضيه ~~الطبع والقسر عليه فلا عبرة به في ذلك , فإنه لا قدرة على انفكاك عنه فلا ~~حمد لفاعله , نبه PageV05P137 على ذلك بقوله : { ما لا يضره } أي بوجه من ~~الوجوه حتى ولا بقطع النفع إن كان يتصور منه . | ولما قدم الضر لأنه من ~~الأعذار المقبوله في ارتكاب الخطأ , أتبعه النفع قطعا لكل مقال فقال : { ~~وما لا ينفعه } بوجه من الوجوه ولا بترك الضر إن وجد منه , ولو أسقطت ( ما ~~) من الثاني لظن أن الذم يشترط فيه انتفاء الضر والنفع معا حتى أن من ادعى ~~ما انتفى عنه أحدهما لم يذم { ذلك } أي الفعل الدال على أعظم السفه وهو ~~دعاء شيء اتنتفى عنه القدرة على النفع , أو شيء انتفى عنه القدرة على الضر ~~{ هو } أي وحده { الضلال البعيد * } عن الحق والرشاد الذي أوصل إلى فياف ~~مجاهل لا يتأتى الرجوع منها , وذلك لأن الأول لو ترك عبادته ما قدر على منع ~~إحسانه , والثاني لو تقاداه ما وصل إلى نفعه ولا يترك ضره , فعبادتهما عبث ~~, لأنه استوى فعلها وتركها . | ولما كان الإحسان جالبا للانسان , من غير ~~نظر إلى مورده , لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها , بين أن مل قيل في ~~جانب النفع إنما هو على سبيل الفرض فقال : { يدعوا } ولما كان ما فرض أولا ~~فيما عبر عنه ب ( ما ) قد يكون غير عاقل , فيكون ما صدر منه لعدمه العقل , ~~أزال هذا الإبهام بقوله : { لمن } أي زاعما أن من { ضره ms3181 } ولو بعبادته ~~المجبة لأعظم الشقاء { أقرب من نفعه } الذي يتوقع منه - إله . | ولما كانت ~~الولاية الكاملة لا تنبغي إلا لمن يكون توقع النفع منه والضر على حد سواء , ~~لقدرته على كل منهما باخياره , وكان العشير لا يصلح إلا إن كان مأمون ~~العاقبة , وكان هذا المدعو إن نظر إليه في جانب الضر وجد غير قادر عليه , ~~أو في جانب النفع فكذلك , وإن فرض توقع نفعه أو ضره كان خوف ضره أقرب من ~~رجاء نفعه , استحق غاية الذم : { لبئس المولى } لكونه ليس مرجو النفع كما ~~هو مخشي الضر { ولبئس العشير * } لكونه ليس مأمون الضر فهوو غير صالح ~~لولاية ولا لعشرة بوجه . | ولما أفهم ما تقدم أن هذا الإله المدعو إليه ~~قادر على كل من النفع والضر بالاختبار , وأن تجويز الوقوع لكل منهما منه ~~على حد سواء , نبه على ذلك بقوله مستأنفا : { إن الله } أي الحائز لجميع ~~صفات الكمال المنزه عن جميع شوائب النقص { يدخل الذين آمنوا } برسله وما ~~دعت إليه من شأنه { وعملوا } تصديقا لإيمانهم { الصالحات } الخالصة الشاهدة ~~بثباتهم في الإيمان بعد ما ضرهم في الدنيا بأنواع المعايب , تطهيرا لهم مما ~~اقترفوه من الزلات , وأهوتهم إليه الهفوات { جنات تجري من تحتها } أي من أي ~~مكان أردت من أرضها { الأنهار } ولما كان هذا أمرا باهرا دل على ~~PageV05P138 سهولته بقوله : تصريحا بما أفهمه السياق من وصف الاختيار : { ~~إن الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { يفعل ما يريد * } من كل نفع وضر ~~. | < < # | الحج : ( 15 - 17 ) من كان يظن . . . . . # > > ^ ( من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى ~~السمآء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ * وكذلك أنزلناه آيات بينات ~~وأن الله يهدي من يريد * إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ~~والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء ~~شهيد ) ^ } ) | ولما أتم الدليل على خسران هذا المنقلب وربح الثابت , وكان ~~هذا مفهما لأن من رجاه لما وعد به بادر الإقبال عليه ولم ينفع ms3182 إلا نفسه , ~~ومن لا يرج ذلك أعرض عن الله سبحانه منقلبا على جهه فلم يضر إلا نفسه , ~~ترجم عن حال هذا الثاني العبد على حرف بقوله : { من كان يظن } أي ممن ~~أصابته فتنة { أن لن ينصره الله } ذو الجلال والإكرام في حال من أحواله { ~~في الدنيا والآخرة } فأعرض عنه انقلابا على وجهه فإنه لا يضر إلا نفسه وإن ~~ظن أنه لا يضرها { فليمدد بسبب } أي حبل أو شيء من الأشياء الموصلة له { ~~إلى السماء } التي يريدها من سقف أو سحاب أو غيرهما . | ولما كان مده ذلك ~~متعسرا أو متعذرا , عبر عما يتفرع عليه بأداة التراخي فقال : { ثم ليقطع } ~~أي ليوجد منه وصل وقطع , أي ليبذل جهده في دفع القضاء والقدر عنه , وهي لام ~~أمر عند من حركها بالكسر إفهاما لشدة الحركة في المزاولة للذهاب إلى السفل ~~الدال على عدم العقل , وهم أبو عمرو وابن عامر وورش عن نافع ورويس عن يعقوب ~~, أو أسكنها وهم الباقون { فلينظر } ببصره وبصيرته { هل يذهبن } وإن اجتهد ~~{ كيده ما يغيظ * } أي شيئا يحصل له منه غيظ , أو يكون المعنى : فليفعل ما ~~يفعله من بلغ منه الغيظ بأن يربط حبلا بسقف بيته ثم ليربطه في عنقه ثم ~~ليقطع ما بين رجليه وبين الأرض ليختنق , وهذا كما يقال لمن أدبر عنه أمر ~~فجزع : اضرب برأسك الجدار إن لم ترض هذا , مت غيظا - ونحو ذلك , والحاصل ~~أنه إن لم يصبر على المصائب لله طوعا صبر عليها كرها مع ما ناله من أسباب ~~الشقاء . | ولما بين سبحانه هذه الآيات المرئية , في هذه الأساليب العلية , ~~هذا البيان الشافي الهادي بإعجاز حكمه , بين أنه معجز أيضا بنظمه , فقال : ~~{ وكذلك } أي ومثل ما بينا هذه الآيات المرئية التي أنزلنا كلامنا لبيان ~~حكمها وإظهار أسرارها { أنزلناه } أي الكلام كله بما لنا من العظمة الباهرة ~~{ ءايات بينات } معجزا نظمها , كما كان معجزا حكمها . | زلما كان الكلام ~~بينا في أن التقديرك ليعلم إذا ضل ضال مع هذا البيان أن الله PageV05P139 ~~يضل من يريد , عطف عليه ms3183 قوله : { وأن } اي وليعلم أن { الله } أي الموصوف ~~بالإكرام , كما هو موصوف بالانتقام { يهدي } أي بآياته { من يريد * } أي ~~لتين قدرته واختياره إزاحة لغم من يقول : إذا كانت الآيات المرئية ~~والمسموعة في هذا الحد من البيان فما لأكثر الناس على ضلالهم يتخلف فيهم ~~المسببات عن أسبابها . | ولما كان ذلك موجبا للسؤال , عن حال الفريقين : ~~المهدي والضال , أجاب عن ذلك ببيان جميع فرق الضلال , لأن لهذه السورة أتم ~~نظر إلى يوم الجمع الذي هو مقصود السورة التي قبلها , فقصد إلى استيعاب ~~الفرق تصويرا لذلك اليوم بأليق صورة , وقرن بكل من فريقي أهل الكتاب موافقة ~~في معناه فقال : { إن الذين ءامنوا } أي من أي فرقة كانوا , وعبر بالفعل ~~ليشمل الإقرار باللسان , الذي هو أدنى وجوه الإيمان { والذين هادوا } أي ~~انتحلوا اليهودية , على أي حال كانوا من إيمان أو كفران . | ولما كان ~~اليهود عبدوا الأصنام متقربين بها إلى النجوم كما مضى في المائدة , أتبعهم ~~من شابهوه فقال : { والصابئين } ثم تلا بثاني فريقي أهل الكتاب فقال : { ~~والنصارى } ثم أتبعهم من أشبه بعض فرقهم في قولهم بإلهين اثنين فقال : { ~~والمجوس } وهم عبدة النار ؛ ثم ختم بأعم الكل في الضلال كما فتح بأعمهم في ~~الهدى فقال : { والذين أشركوا } لشمله كل شرك حتى الأصغر من الربا ةغيره { ~~إن الله } أي الملك الأعظم الذي له الملك كله وهو أحكم الحاكمين { يفصل ~~بينهم يوم القيامة } فيجازي كلا بعمله على ما يقتضيه في مجاري عاداتكم , ~~ويقتص لبعضهم من بعض , ويمز الخبيث منهم من الطيب ؛ ثم علل ذلك بقوله : { ~~إن الله } أ ] أي الجامع لجميع صفات الكمال { على كل شيء } من الأشياء كلها ~~{ شهيد * } فلا شيء إلا وهو به عليم , فهو لذلك على كل شيء قدير , كما مضى ~~بيانه في < # > 77 ( { وسع كل شيء علما } ) 77 < # > [ طه : 98 ] في طه , وقال الحرالي في شرح الأسماء الحسنى : الشهادة ~~رؤية خبرة بطية الشيء دخلته ممن له غنى في أمره , فلا شهادة إلا بخبرة وغنى ~~ممن له اعتدال في نفسه بأن لا يحيف على ms3184 غيره , فيكون ميزان عدل بينه وبين ~~غيره , فيحق له أن يكون ميزانا بين كل متداعيين ممن يحيط بخبرة أمرهما < # > 77 ( { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا } ) 77 < # > [ البقرة : 134 ] وبحسب إحاطة علم الشهيد ترهب شهادته , ولذلك ارهب ~~شهادة شهادة الله على خلقه < # > 77 ( { قل أي شيء أكبر شهادة قل الله } ) 77 < # > [ الأنعام : 19 ] ولما كان أيما الإحاطة والخبرة والرقبة لله كان ~~بالحقيقة لا شهيد إلا هو - انتهى . | PageV05P140 < < # | الحج : ( 18 - 22 ) ألم تر أن . . . . . # > > ^ ( ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس ~~والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب وكثير من الناس وكثير حق عليه ~~العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشآء * هذان خصمان ~~اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم ~~الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد * كلمآ أرادوا ~~أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق ) ^ } ) | ولما كان ~~جميع ما تقدم في هذه السورة دالا على أنه على كل شيء قدير , وأنه يقعل ما ~~يريد , وختم ذلك بأنه بكل شيء عليم لم يغب ولا يغيب شيء عنه , فاقتضى ذلك ~~قيوميته , وكان بحيث يستعظم لكثرة الخلائق فكيف بأحوالهم , قرر ذلك في جواب ~~من كأنه سأل فهي في معنى العلة , فقال : { ألم تر أن الله } أي الحائز ~~لجميع الكمال المبرأ عن كل نقص { يسجد له } أي يخضع منقادا لأمره مسخرا لما ~~يريد منه تسخير من هو في غاية الاجتهاد في العبادة والإخلاص فيها { من في ~~السماوات } . | ولما كان في السياق مقتضيا للإبلاغ في صفة القيومية بشهادة ~~ذكر الفصل بين جميع الفرق , أكد بإعادة الموصول فقال : { ومن في الأرض } إن ~~أخلت غير العاقل فبالتغليب , وإن خصصت فبالعاقل أفهم خضوع غيره من باب ~~الأولى . | ولما ذكر ما يعم العاقل وغيره , أتبعه بأشرف ما ذكر مما لا يعقل ~~لأن كلا منهما عبد من دون الله أو ms3185 عبد شيء منه فقال : { والشمي والقمر ~~والنجوم } من الأجرام العلوية فعبد الشمس حمير , والقمر كنانة , والدبران ~~تميم , والشعرى لخم , والثريا طيىء وعطارد أسدا , والمرزم ربعية - قاله أبو ~~حيان . | ثم أتبع ذلك أعلام الذوات السفلية فقال : { والجبال } أي التي ~~تنحت منها الأصنام { والشجر } التي عبد بعضها { والدواب } التي عبد منها ~~البقر , كل هذه الأشياء تنقاد لأمر الله , ومن المعلوم لكون هذه لا تعقل - ~~أن أمره لها هو مراده منها . | ولما كان العقلاء من المكلفين قد دخلوا في ~~قوله { ومن في الأرض } دخولا أوليا , وكان السجود الممدوحون عليه إنما هو ~~الموافق للأمر , لا الموافق للإرادة المجردة عن الأمر , قال دالا على ~~إرادته هنا بتكريرهم وتقسيمهم بعد إدخالهم في السجود الإدارة وتعميمهمك { ~~وكثير من الناس } أي يسجد سجودا هو منه عبادة شؤعية فحق له الثواب { وكثير ~~} اي منهم { حق عليه العذاب } بقيام الحجة عليه بكون لم يسجد , فجحد الأمر ~~الذي من جحده كان كافرا وإن كان كافرا وإن كان ساجدا عابدا بالمعنى اللغوي ~~الذي هو PageV05P141 الجري مع المراد , وعلى القول بأن هذا في تقدير عامل ~~من لفظ الأول بغير معناه هو قريب من الاستخدام الذي يعلو فيه ضمير على لفظ ~~مراد منه معنى آخر , والآية من الاحتباك : إثبات السجود في الأول دليل على ~~انتفائه في الثاني , وذكر العذاب في الثاني دليل على حذف الثواب في الأول . ~~| ولما علم بهذا أن الكل جارونن مع الإدراة منقادون أتم انقياد تحت طوع ~~المشيئة , وأنه إنما جعل المر والنهي للمكلفين سببا لإسعاد السعيد منهم ~~وإشقاء الشقي , لإقامة الحجة عليهم على ما يتعارفونه من أحوالهم فيما بينهم ~~, كان المعنى : فمن يكرم الله بتوفيقه لا متثال أمره فما له من مهين , فعطف ~~عليه : { ومن يهن الله } أي الذي له الأمر كله بمنابذة أمره { فما له من ~~مكرم } لأنه لا قدرة لغيره اصلا , ولعله إنما ذكره وطوى الأول لأن السياق ~~لإظهار القدرة , وإظهارها في الإهانة أتم , مع أن أصل السياق للتهديد ؛ ثم ~~علل أن الفعل له لا لغيره بقوله : { إن ms3186 الله } أي الملك الأعظم { يفعل ما ~~يشاء * } أي كله , فلو جاز أن يمانعه غيره ولو في لحظة لم يكن فاعلا لما ~~يشاء , فصح أنه لا فعل لغيره , قال ابن كثير : قال ابن أبي حاتم : حدثنا ~~أحمد بن شيبان الرملي نا القداح عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله ~~عنه أنه قيل له : إن ههنا رجلا يتكلم في المشيئةن فقال له علي : يا عبد ~~الله خلقك الله كما تشاء أو كما شئت ؟ قالك بل كما شاء , قال : فيمرضك إذا ~~شاء أو إذا شئت ؟ قالك بل إذا شاء , قال : فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت ؟ قال ~~: بل إذا شاء , قال : فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء ؟ قال : بل حيث يشاء , ~~قال : والله لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف , وقد مر في سورة ~~يوسف عند < # > 77 ( { إن الحكم إلا لله عليه توكلت } ) 77 < # > [ يوسف : 67 ] ما ينفع هنا . | ولما قسم الناس إلى مخالف ومؤالف , ~~أتبعه جزاءهم بما يرغب المؤالف ويرهب المخالف على وجه موجب للأمر بالمعروف ~~الذي من جملته الجهاد لوجهه خالصا فقالكك { هذان } اي الساجد والجاحد من ~~جميع الفرق { خصمان } لا يمكن منهما المسالمة الكاملة إذ كل منهما في طرف . ~~| ولما أشار بالتثنية إلى كل فرقة منهم صارت - مع كثرتها وانتشارها باتحاد ~~الكلمة في العقيدة - كالجسد الواحدن صرح بكثرتهم بالتعبير بالجمع فقال : { ~~اختصموا } أي أوقعوا الخصومة بغاية الجهد , ولما كانت الفرق المذكورة كلها ~~مثبتة وقد جحد أكثرهم النعمة , قال : { في ربهم } أي الذي هم بإحسانه إليهم ~~معترفون , لم يختصموا بسبب غيره أصلا , وحمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد ~~رسوله وعبيدة بن الحارث وعلي بن أبي طالب - الذين هم أول من برز للمخاصمة ~~بحضرة رسول الله - صلى الله PageV05P142 عليه ورضي عنهم - للكفرة من بني ~~عمهم : عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة , في غزوة بدر - أولى ~~الناس بهذه الآية لما روي في الصحيح عن أبي ذر رضي الله عنه ( أنه كان يقسم ~~أنها نزلت ms3187 فيهم , ولذلك قال رضي الله عنه : أنا أول من يحثو بين يدي الرحمن ~~عز وجل يوم القيامة للخصومة ) أخرجه البخاري في صحيحه , ولعله رضي الله عنه ~~أول الثلاثة , قام لمنابذتهم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان اشبهم . | ~~ولما ذكر خصومتهم وشرطها , ذكر جزاءهم عليها في فصل الأمر الذي قدم ذكره , ~~وبدأ بالترهيب لأن الإنسان إليه أحوج فقال : { فالذين كفروا } منابذين لأمر ~~ربهم { قطعت } تقطيعا لا يعلم كثرته إلا الله , بأيسر أمر ممن لا أمر لغيره ~~{ لهم } الآن وهيئت وإن وافقوا مراد ربهم بمخالفتهم أمره { ثياب من نار } ~~تحيط بهم وهي على مقاديرهم سابغة عليهم كما كانوا يسلبون الثياب في الدنيا ~~تعاظما وتكبرا حال كونهم { يصب } إذا دخلوها { من فوق رؤوسهم الحميم * } أي ~~الماء الحار حرارة لا يدري مقدارها إلا بالذوق - أعاذنا الله منه , واستأنف ~~الإخبار عنه بقوله : { يصهر } أي يذاب , وأصله المخالطة الشديدة { به } من ~~شدة الحرارته { ما في بطونهم } من شحم وغيره { والجلود * } فيكون أثره في ~~البطن والظاهر سواء { ولهم مقامع } جمع مقمعة بكسر ثم فتح , وهي عمود حديد ~~يضرب به الرأس والوجه ليرد المضوب عن مراده ردا عنيفا , ثم نفى المجاز ~~بقوله : { من حديد * } اي يقمعون بها { كلما أرادوا } أي كلهم فالبعض بطريق ~~الأولى { أن يخرجوا منها } أي من تلك الثياب أو من النار . | ولما كان ~~السياق لخصومه أولياء الله المتصفين بما هو مقصود السورة من التقوى للكفار ~~, المنابذين لها بكل اعتبارن اقتضى ذلك بشاة للأولياء ونذارة للأعداء - ~~قوله زيادة على ما في السجدة : { من غم } عظيم لا يعلم قدر الله إلا الله { ~~أعيدوا } , كل من { فيها } كأنهم يضربون بلهيب النار فيرفعهم حتى إذا كانوا ~~في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا - قاله الحسن , أو أنهم ~~يضطربون في تلك الثياب المقطعة من النار إلى أن يكادوا أن ينفصلوا منها وهم ~~في النار ثم يردون كما كانوا , وذلك أشد في العذاب , مقولا لهم : ارجعوا ~~صاغرين مقاسين لغمومها { وذوقا عذاب الحريق * } أي العذاب البالغ في ~~الإحراق . | < < # | الحج : ( 23 ms3188 - 25 ) إن الله يدخل . . . . . # > > ^ ( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير * ~~PageV05P143 وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد * إن الذين ~~كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سوآء العاكف ~~فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما ذكر ما لأحد الخصمين وهم الكافرون , أتبعه ما ببآخر وهم ~~المؤمنون , وغير السياق بالتأكيد لمن كأنه سأل عنه , معظما له بإثبات الاسم ~~العلم الجامع إيذانا بالاهتمام فقال : { إن الله } أي الذي له الأمر كله { ~~يدخل الذين آمنوا } عبر الإيمان بالماضي إشارة إلى أن من عمل الصالح انكشف ~~له ما كان محجوبا عنه من حسنه فأحبه ولم ينفك عنه { جنات تجري } أي دائما { ~~من تحتها الأنهار } أي المياه الواسعة , أينما أردت من أرضها جرى لك نهر في ~~مقابلة ما يجري من فوق رؤوس أهل النار { يحلون فيها } في مقابلة ما يزال من ~~بواطن الكفرة وظواهرهم { من أساور } . | ولما كان مقصودها الحث على التقى ~~المعلية إلى الإنعام بالفضل , شوق إليه بأغلى ما نعرف من الحلية فقال : { ~~من ذهب ولؤلؤ } وقراءة نافع وعاصم بنصبه دليل على عطفه بالجر على ( أساور ) ~~{ ولباسهم فيها حرير * } في مقابلة ثياب الكفار كما كان لباس الكفار في ~~الدنيا حريرا , ولباس المؤمنين دون ذلك , وقد رود في الصححين عن عبد الله ~~بن الزبير عن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه السلام قال : ( ا ~~تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ) قال ابن كثير : ~~قال عبد الله بن الزبير ( ومن لم يلبس الحرير في الآخرة لم يدخل الجنة ) ~~قال تعالى : { ولباسهم فيها حرير } انتهى ( وذلك أن في الصحيحين وغيرهما عن ~~عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله قال : ) إنما يلبس هذه من لا خلاق لهه ~~في الآخرة ( فيوشك لتشبهه بالكفار في لباسهم - أن يلحقه الله بهم فلا يموت ~~مسلما ms3189 - والله الهادي { وهدوا } أي بأسهل أمر بهداية الله أعم من أن يكون ~~السبب القريب لذلك العقل وحده أو مع الرسول أو الكتاب أو غير ذلك وهو حال ~~من { الذين آمنوا } , وما بعدها ختم به لئلا يطول الفصل بين الفعل مفعوله ~~ولتكون محاسنهم محيطة بذكر دخولهم الجنة إشارة إلى دوامها { إلى طيب من ~~القول } فلم يزالوا في حال حسن { وهدوا } وبنى الفعل أيضا للمفعول إشارة ~~إلى سهولة الهداية لهم وللأتقياء منهم , ولذلك لم يذكر العزة , واكتفى بذكر ~~الحمد فقيل : { إلى صراط PageV05P144 الحميد * } الذي وفقهم لسلوك ما ~~يحمدون عليه فيحمدون عاقبة , فكان فعلهم حسنا كما كان قولهم حسنا , فدخلوا ~~الجنة التي هي أشرف دار عند خير جار وحلوا فيها أشرف الحلي كما الدنيا ~~بأشرف . | الطرائق , هذا بعد أن حازوا أشرف الذكر في الدنيا عكس حال الكفار ~~في اقتراف ما أدخلهم ما كلما أرادوا الخروج منه اعيدوا فيه , مع ما نالهم ~~من سوء الذكر , بإقبالهم كالبهائم على الفاني مع خسته لحضوره , وإعراضهم عن ~~الباقي مع شرفه لغيابه . | ولما بين ما للفريقين , تضمن ما للفريق الثاني ~~بيان أعمالهم الدالة على صدق إيمانهم , كرر ذكر الفريق الأول لبيان ما يدل ~~على استمرار كفرهم , ويؤكد بيان جزائهم , فقال : { إن الذين كفروا } أي ~~أوقعوا هذا الفعل الخبيث . | ولما مان المضارع قد لا يلحظ منه زمان معين من ~~حال أو استقبال , بل يكون المقصود منه الدلالة على مجرد الاستمرار كقولهم : ~~فلان يعطي ويمنع , قال عاطفا له على الماضي : { ويصدون } أي ويديمون الصد { ~~عن سبيل الله } أي الملك الأعظم , باقتسامهم طرق مكة , وقول بعضهم لمن يمر ~~به : خرج فينا ساحر , وآخر يقول شاعر , وآخر ك كاهن , فلا تسمعوا منه , ~~فإنه يريد أن يردكم عن دينكم ؛ قال بعض من أسلم : لم يزالوا ب حتى جعلت في ~~أدنى الكرسف مخافة أن أسمع شيئا من كلامهم . | وكانوا يؤذون من أسلم - إلى ~~غير ذلك من أعمالهم , ولعله إنما عبر بالمضارع رحمة منه لهم ليكون كالشرط ~~في الكفر فيدل على أن من ترك الصد ms3190 زال عنه الكفر وإن طال ذلك منه { و } ~~يصدون عن { المسجد الحرام } أن تقام شعائره من الطواف فيه بالبيت والصلاة ~~والحج والاعتمار ممن هو أهل ذلك من أوليائنا . | ثم وصفه بما يبين شديد ~~ظلمهم في الصد عنه فقال : { الذين جعلناه } بما لنا من العظمة { للناس } أي ~~كلهم ؛ ثم بين جعله لهم بقوله : { سواء العاكف فيه } أي المقيم { والباد } ~~أي الزائر له من البادية ؛ قال الرازي في اللوامع : { سواء } رفع بالابتداء ~~, { والعاكف } خبره , وصلح من تنكيره للابتداء , لأنه كالجنس في إفادة ~~العموم الذي هو أحسن العهد . | ولما ذكر الكفار ودليل كفرهم بما استعطفهم , ~~وزاد في الاستعطاف بحذف الخبر عنهم , ودل آخر الآية هلى أنه يذيقهم العذاب ~~الأليم , عطف عليه ما ينفر عن وصفهم فقال : { ومن يرد فيه } أي شيئا من ~~أفعال الكفار من الصد المذكور وغيره , أي يقع منه إرادة لشيء من ذلك { ~~بإلحاد } أي مصاحبة تلك الإرادة وماتبسة بجور عن الأمر المعروف وميل ~~واعوجاج . | ولما كان ذلك يقع على مطلق هذا المعنى , بين المراد بقوله : { ~~بظلم } أي في غير موضعه , وأما صد الكفار عنه فإنه بحق , لأنهم نجس لا ~~ينبغي قربانهم المحال المقدسة , وكذا صد الحائض والجنب والخائن { نذقه } ~~ولما كان PageV05P145 المشروط نوعا من الإلحاد , لا الإلحاد الكامل , عبر ~~بقوله { من عذاب أليم * } ودل هذا الخبر عمن أراد شيئا مما فعله الكفار أن ~~الخبر عن الكفار الفاعلين لما رتب هذا الجزاء على إرادته ما قدرته . | < < # | الحج : ( 26 - 31 ) وإذ بوأنا لإبراهيم . . . . . # > > ^ ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي ~~للطآئفين والقآئمين والركع السجود * وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى ~~كل ضامر يأتين من كل فج عميق * ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير * ~~ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق * ذلك ومن يعظم ~~حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ~~فاجتنبوا الرجس من الأوثان ms3191 واجتنبوا قول الزور * حنفآء لله غير مشركين به ~~ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان ~~سحيق ) ^ } ) | ولما ذكر الفريقين وجزاء كل وختمه بذكر البيت , أتبعه ~~التذكير به وبحجه , ن لما فيه من التذكير بالقيامة الحاملة على التقوى التي ~~هي مقصد السورة , بما فيه من الوفادة على الله , مع التجرد من المحيط , ~~والخضوع للرب , والاجتماع في المشاعر موقفا في أثر موقف , ولما فيه من الحث ~~على التسنن بأبيهم الأعظم إبراهيم عليه السلام فقال , مقرعا وموبخا لمن ~~أشرك في نفعه ( أسست على التوحيد من أول يوم ) عطفا على قوله أول السورة { ~~اتقوا } { وإذ } أي واذكروا إذ { بوأنا } بما لنا من العظمة , ولما لم ~~يجعله سبحانه سكنه بنفسه , قصر الفعل عن التعدية إلى مفعوله الأول فقال : { ~~لإبراهيم } أي قدرنا له { مكان البيت } اي الكعبة وجعلناه له مباءة , أي ~~منزلا يبوء إليه أي يرجع , لأنه - لما نودعه فيه من اللطائف - أهل لأن يرجع ~~إليه من فارقه ويحن إليه , ويشتاق من باعده وينقطع إليه بعض ذريته , من ~~المباءة بمعنى المنزل , وبوأه إياه وبوأه له , أي أنزله , قال في ترتيب ~~المحكم : وقيل : هيأته ومكنت له فيه . | ويدل على أن إبراهيم عليه السلام ~~أول بان للبيت ما في الصحيح ( عن أبي أبي ذر رضي الله عنه قال : قلت : يا ~~رسول الله ! أي مسجد وضع أول ؟ قال : ) المسجد الحرام ( , قلت : ثم أي ؟ ~~قال : ) بيت المقدس ( , قلت : كم بينهما ؟ قال : ) أربعون سنة ( ولما كان ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام نبيا , كان من PageV05P146 المعلوم أن نبوتته ~~له لأجل العبادة , فكان المعنى : قلنا له : أنزل أهلك هاهنا وتردد إلى هذا ~~المكان للعبادة , فذلك فسره بقوله : { أن لا تشرك بي شيئا } فابتدأ بأس ~~العبادة ورأسها , وعطف على النهي قولهك { وطهر بيتي } عن كل مل لا يليق به ~~من قذر حسي وعنوي من شرك ووثن وطواف عريان به , كما كانت العرب تفعل { ~~للطائفين } به . | ولما تقدم العكوف فاستغنى عن إعادته , قال : { والقائمين ~~} أي حوله تعظيما لي ms3192 كما يفعل حل عرشي , أو في الصلاة , ولأن العكوف ~~بالقيام أقرب إلى مقصود السورة . | { والركع } ولما كان كل من الطواف ~~والقيام عبادة برأسه , ولم يكن الركوع والسجود كذلك , عطف ذاك , واتبع هذا ~~لما بينهما من كمال الاتصال , إذ لا ينفك أحدهما عن الآخر في الصلاة فقال : ~~{ السجود * } أي المصلين صلاة أهل الإسلام الأكمل { وأذن في الناس } اي ~~أعلمهم وناد فيهم { بالحج } وهو قصد البيت على سبيل التكرار لعبادة ~~المخصوصة بالمشاعر المنصوصة { يأتوك } أي يأتوا بيتك الذي بنيته لذلك , ~~مجيبين لصوتك بإذننا سامعين طائعين مخبتين خاشعين من أقطار الأرض كما ~~يجيبون صوت الداعي من قبلنا إذا دعاهم بمثل ذلك بعذ الموت { رجالا } أي ~~مشاة على أرجلهم { وعلى كل ضامر } اي هزيل من طول السير من الإبل لبعد ~~الشقة وعظم المشقة . | ولما كان الضامر يطلق على كل من الذكر والأنثى من ~~الجمال , وكانت النثى أضعف النوعين , فكان الحكم عليها بالإتيان المذكور ~~حكما على الذكر الذي هو أشد بطريق الأولى , أسند إلى ضميرها فقال معبرا بما ~~يدل على التجدد والاستمرار , واصفا الضوامر التي أفهمتها ( كل ) { يأتين } ~~أي الضوامر { من كل فج } أي طريق واسع بين جبلين { عميق * } اي بعيد منخفض ~~بالنسبة غلى علو جباله . | قال أبو حيان : أصله البعد سفلا - انتهى . | ~~حفاة عراة , ينتقلون من مشعر من مشاعر الحج إلى معشر , ومن مشهد إلى مشهد , ~~مجموعين بالدعوة , خاشعين للهيبة , خائفين من السطوة , راجين للمغفرة , ثم ~~يتفرقون إلى مواطنهم , ويتوجهون إلى مساكنهمن كالسائرين إلى مواقف الحشر , ~~يوم البعث والنشر , المتفرقين إلى إلى داري النعيم والجحيم , قيا أيها ~~المصدقون بأن خليلنا إبراهيم عليه السلام نادى بالحج فأجابه بقدرتنا كرامة ~~له من أراد الله حجة على بعد أقطارهم , وتنائي ديارهم , ممن كان موجودا في ~~ذلك الزمان , وممن كان في ظهور الآباء الأقربين أو الأبعدين ! صدقوا أن ~~الداعي من قبلنا بالنفخ في الصور يجيبه كل من كان على ظهرها ممن حفظناه له ~~جسده , أو سلطنا عليه الأرض فمزقناه حتى صار ترابا , وما بين ذلك , لأن ~~الكل علينا ms3193 يسير . | PageV05P147 ولما كان افنسان ميالا إلى الفوائد , ~~مستشرقا غلى جميل العوائد , علل الإتيان بما يرغبه مبيحا من فضله ما يقصده ~~من أمر المعاش فقال : { ليشهدوا } اي يحضروا حضورا تاما { منافع لهم } أي ~~لا للمعبود , دينية ودنيوية , فإنه كما جعل سبحانه تلك المواطن ماحية ~~للذنوب , جالبة للقلوب , جعلها جالبة للفوائد , جارية على أحسن العوائد , ~~سالمة للفقر ججابرة للكسر , ولما كانت المنافع لا تطيب وتمثر إلا بالتقوى ~~كان الحامل على التقوى لذكر قال : { ويذكروا اسم الله } أي الجامع لجميع ~~الكمالات بالكبير وغيره عند الذبح وغيره , إعلاما بأنه المقصود الذي يتبعه ~~جميع المقاصد لأنه ما جمعهم على ما فيه من تلك الأرض الغراء والأماكن ~~الغبراء إلا هو بقدرته الكاملة , وقوته الشاملة , لا اسم شيء من الصنام كما ~~كانت الجاهلية تفعل { في أيام معلومات } اي علم أنها أول عشر في ذي الحجة ~~الذي يوافق اسمه مسماه , لا ما سموه به ومسماه غيره على ما حكم به النسيء , ~~وفي هذا إشارة إلى أن المراد به الإكثار إذ مطلق الذكر مندوب إليه في كل ~~وقت , وفي التعبير بالعلم إشارة إلى وجوب استفراغ الجهد بعد القطع بأن ~~الشهر ذو الحجة اسما ومسمى في تحرير أوله , أما أيام التشويق فإنها لما ~~كانت مبنية عل العلم بأمر الشهر الذي أمر به هنا , فأنتج العلم بيوم العيد ~~, لم يحتج في أمرها إلى غير العد فلذا عبر عنها به دون العلم . | ولما كانت ~~النعم أجل أموالهم , قال تعالى مرغبا لهم ومرهبا : { على } أي مبركين بذكره ~~وحامدين على { ما رزقهم } ولو شاء محقه { من بهيمة } ولما كانت البهيمة ~~مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر , بينها بقوله : { الأنعام } من الإبل ~~والبقر والغنم بالتكبير عند رؤيته , ثم عند ذبحه , وفيه حث على التقرب ~~بالضحايا , والهدايا , ولذلك التفت إلى الإقبال عليهم , وتركيب ( لهم ) ~~يدور على الاستعجام والخفاء والانغلاق وعدم التمييز , وتركيب ( نعم ) على ~~الرفاهية والخفض والدعة . | ولما ذكر سبحانه العبادة فخاطب بها إبراهيم ~~عليه الصلاو والسلام , تنبيها على أنها لعظم المعبود لا يقوم ms3194 بها على وجهها ~~إلا الخلص , أقبل على العابدين كلهم بالإذن في ما يسرهم من منحة التمتيع , ~~تنبيها على النعمة , حثا على الشكر , فقال مبينا عما اندرج في ذلك من الذبح ~~: { فكلوا منها } أي إن شئتم إذا تطوعتم بها ولا تمتنعوا كأهل الجاهلية , ~~فالأكل من المتطوع به لا يخرجه عن كونه قربانا في هذه الحنيفية السمحة منة ~~على أهلها , تشريفا انبيها صلى الله عليه وسلم , والأكل من الواجب لا يجوز ~~امن وجب عليه , لأنه إذا أكل منه ولم يكن مخرجا لما وجب عليه بكماله { ~~وأطعموا البائس } أي الذي اشتدت حاجتهن من بئس كسمع إذا سات حاله وافتقر , ~~وبين أنه من ذلك , لا من بؤس - ككرم PageV05P148 الذي معناه : اشتد في ~~الخرب , بقوله { الفقير * } وأكد هذا الحث ونفى عنه الريب بعوده إلى ~~الأسلوب الأول في قوله : { ثم ليقضوا } أي يقطعوا وينهوا يوم النحر بعد طول ~~الإحرام { تفثهم } أي شعثهم بالغسل وقص الأظفار والشارب وحلق العنة ونحو ~~ذلك { وليوفوا نذورهم } أخذا من الفراغ من الأمر والخروج من كل واجب { ~~وليطوفوا } فيكون ذلك آخر أعمالهم , وحث على الإكثار منه والاجتهاد فيه ~~بصيغة التفعل , وعلى الإخلاص بالإخفاء بحسب الطاقة بالإدغام , واللام إن ~~كسرت - كما هي قراءة أبي عمرو وانب عامر وورش عن نافع وقنبل غن ابن كثير ~~ورويس عن يعقوب في { ليقضوا } وقراءة ابن ذكوان عن ابن عامر وحده في { ~~ليوفوا وليطوفوا } يصح أن تكون للعلة عطفا على { ليشهدوا } ويمون عطفها ~~بأداة التراخي لطول المدة على ما هو مفهومها مع الإشارة إلى التعظيم في ~~الرتبة , ويصح أن تكون للأمر كقراؤة الباقين بالإسكان , وقوله : { بالبيت } ~~أي من ورائه , لعلم الحجر , ومتى نقص عن إكمال الدوران حوله أدنى جزء لم ~~يصح أنه لم يوقع مسمىى الطواف , فلا تعلق بالباء في التبعيض ووصفه بقوله : ~~{ العتيق * } إشارة إلى استحقاقه للتعظيم بالقدم والعتق من كل سوء , ثم ~~أشار غلى تعظيم الحج وأفعاله هذه بقوله : { ذلك } أي المر الجليل العظيم ~~الكبير المنافع دنيا وأخرى ذلك . | ولما كان التقدير : فمن فعله سعد , ومن ms3195 ~~انتهك شيئا منه شقي , عطف عليه قوله : { ومن يعظم } اي بغية جهده { حرمات ~~الله } اي ذي الجلال والإكرام كلها من هذا ومن غيره , وهي الأمور التي ~~جعلها له فحث على فعلها أو تركها { فهو } أي التعظيم الحامل له على امتثال ~~الأمر فيها على وجهه واجتناب المنهي عنه كالطواف عريانا والذبح بذكر اسم ~~غير الله { خير } كائن { له عند ربه } الذي أسدى إليه كل ما هو فيه من ~~النعم فوجب عليه شكره فإن ذلك يدل على تقوى قلبه , لأن تعظيمها من تقوى ~~القلوب , وتعظيمها لجلال الله , وانتهاكها شر عليه عند ربه . | ولما كان ~~التقدير : فقد حرمت عليكم أشياء أن تفعلوها , وأشياء أن تترموها , عطف عليه ~~قوله بيانا أن الإحرام لم يؤثر فيها كما أثر في الصيد : { وأحلت لكم ~~الأنعام } وهي الإبل والبقر والغنم كلها { إلا ما يتلى } أي على سبيل ~~التجديد مستمرا { عليكم } تحريمه من الميتة والدم وما أهل لغير الله به , ~~خلافا للكفار في افترائهم على الله بالتعبد بتحريم الوصيلة والبحيرة ~~والسائبة والحامي وأحلال الميتة والدم . | ولما أفهم ذلك حل السوائب وما ~~معها وتحريم المذبوح لللأنصاب , وكان سبب ذلك كله الأوثان , سبب عنه قوله : ~~{ فاجتنبوا } أي بغاية الجهد اقتداء بالأب الأعظم إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام الذي تقدم الإيصاء له بمثل ذلك عند جعل البيت له مباءة PageV05P149 ~~{ الرجس } أي القذر الذي من حقه أن يجتنب من غير أمر ؛ ثم بينه وميزه بقوله ~~: { من الأوثان } أي القذر الذي من حقه أن يحتنب من غير أمر , فإنه إذا ~~اجتنب السبب اجتنب المسبب . | ولما كان ذلك كله من الزور , أتبعه النهي عن ~~جميع الزور , وزاد في تبشيعه وتغليظه إذ عدله - كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالشرك فقال : { واجتنبوا } أي بكل اعتبار { قول الزور * } أي ~~جميعه , وهو الانحراف عن الدليل كالشركالمؤدي غلى لزوم عجز الإله وتحريم ما ~~لم ينزل الله به سلطانا من السائبة وما معها , وتحليل الميتة ونحوها مما ~~قام الدليل السمعي على تحريمه كما أن الحنف الميل مع الدليل , ولذلك أتبعه ms3196 ~~قوله : { حنفاء لله } أذي له الكمال كله , فلا ميل في شيء من فعله , وإنما ~~كانا كذلك مع اجتماعهما في مطلق الميل , لأن الزور تدور مادته على القوة ~~والوعورة , والحنف - كما مضى في البقرة - على الرقة والسهوله , فكان ذو ~~الزور معرضا عن الدليل بما فيه من الكثافة والحنيف مقبال على الدليل بما له ~~من الاطافة . | ولما أفهم ذلك التوحيد , أكده بقوله : { غير مشركين به } أي ~~شيئا من إشراك , بل مخلصين له الدين , ودل على عظمة التوحيد وعلوه , وفظاعة ~~الشرك وسفوله , بقوله زاجرا عنه عاطفا على ما تقديره : فمن امتثل ذلك أعلاه ~~اعتدله إلى الرفيق الأعلى : { ومن يشرك } أي يوقع شيئا من الشرك { بالله } ~~أي الذي له العظمة كلها , لشيء من الأشياء في وقت من الأوقات { فكأنما خر ~~من السماء } لعلو ما كان فيه من أوج التوحيد وسفول ما نحط إليه من حضيض ~~الإشراك . | ولما كان الساقط من هذا العلو متقطعا لا محالة إما بسباع الطير ~~أو بالوقوع على جلد , عبر عن ذلك بقوله : { فتخطفه الطير } أي قطعا بينها , ~~وهو نازل في الهواء قبل أن يصل إلى الأرض { أو تهوي به الريح } أي حيث لم ~~يجد في الهواء ما يهلكه { في مكان } من الأرض { سحيق * } أي بعيد في السفول ~~, فيتقطع حال وصوله إلى الأرض بقوة السقطة وشدة الضغطة لبعد المحل الذي خر ~~منه وزل عنه , فالآية من الاحتباك : خطف الطير الملزوم للتقطع أولا دال على ~~حذف التقطع ثانيا , والمكان السحيق الملزوم لبلوغ الأرض ثانيا دليل على حذف ~~ضده أولا ؛ ثم عظم ما تقدم من التوحيد وما هو مسبب عنه بالإشارة بأداة ~~البعد فقال : | < < # | الحج : ( 32 - 35 ) ذلك ومن يعظم . . . . . # > > ^ ( ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب * لكم فيها منافع ~~إلى أجل مسمى ثم محلهآ إلى البيت العتيق * ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا ~~اسم الله على PageV05P150 ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله ~~أسلموا وبشر المخبتين * الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على مآ ~~أصابهم والمقيمي الصلاة ومما ms3197 رزقناهم ينفقون ) 73 < # > } ) 71 < # > | { ذلك } أي الأمر العظيم الكبير ذلك , فمن راعاه فاز , ومن حاد عنه ~~خاب ؛ ثم عطف عليه ما هو أعم من هذا المقدر فقال : { ومن } ويجوز أن يكون ~~حالا , أي أشير إلى الأمر العظيم والحال أنه من { يعظم شعائر الله } أي ~~معالم دين الملك الأعظم التي ندب إليها وأمر بالقيام بها في الحج , جمع ~~سعيرة وهي المنسك والعلامة في الحج , والشعيرة أيضا : البدنة المهداة إلى ~~البيت الحرام , قال البغوي : وأصلها من الإشعار وهو إعلامها ليعرف أنها هدي ~~- انتهى . | ولعله مأخوذ من الشعر لأنها إذا جرحت قطع شيء من شعرها أو ازيل ~~عن محل الجرح , فيكون من الإزالة , وتعظيمها استحسانها , فتعظيمها خير له ~~لدلالته على تقوى قلبه { فإنها } أي تعظيمها { من } أي مبتدىء من { تقوى ~~القلوب * } التي من شأنها الشعور بما هو أهل لأن يعظم , فمعظمها متق , وقد ~~علم بما ذكرته أنه حذف من هذه جملة الخير ومن قوله { ومن يعظم حرمات الله } ~~سبب كونه خيرا له , وهو التقوى , ودل على إرادته هناك بذكره هنا , وحذف هنا ~~كون التعظيم خيرا , ودل عليه بذكره هناك , فقد ذكر في كل جملة ما دل على ما ~~حذف من الأخرى كما تقدم في < # > 77 ( { قد كان لكم آية فئتين } ) 77 < # > [ آل عمران : 3 ] في آل عمران , وأنه يسمى الاحتباك , وتفسيري للشعائر ~~بما بما ذكرته من الأمر العام جائزا الإرادة , ويكون إعادة الضمير على نوع ~~منه نوعا من الاستخدام , فقوله : { لكم فيها } مهناه : البدن أو النعم ~~المهداة أو مطلقا { منافع } بالدر والنسل والظهر ونحوه فكلما كانت سمينة ~~حسنة كانت منافعها أكثر دينا ودنيا { إلى أجل مسمى } وهو الموت الذي قدرناه ~~على كل نفس , أو النحر إن كانت مهداة , أو غير ذلك , وهذا تعليل للجملة ~~التي قبله , فإن المنافع حاملة لذوي البصائر على التفكر فيها لا سيمت مع ~~تفاوتها , والتفكر فيها موصل إلى التقوى بمعرفة أنها من الله , وأنه قادر ~~على ما يريد . | وأنه لا شريك له . | ولما كانت هذه المنافع دنيوية , وكانت ~~منفعة ms3198 نحرها إذا أهديت دينية , أشار إلى تعظيم الثاني بأداة التراخي فقال : ~~{ ثم محلها } أي وقت حلول نحرها بانتهائكم بها { إلى البيت العتيق * } أي ~~إلى فنائه وهو الحرم كما قال تعالى < # > 77 ( { هديا بالغ الكعبة } ) 77 < # > [ المائدة : 95 ] . | ولما كان التقدير : جعل لكم سبحانه هذه الأشياء ~~مناسك , عطف عليه قوله : { ولكل أمة } اي من الأمم السالفة وغيرها { جعلنا ~~} بعظمتنا الت يلا يصح أن تخالف PageV05P151 { منسكا } أي عبادة أو موضع ~~عبادة أو قربانا , فإنه يكون مصدر نسك - كنصر و كرم - نسكا ومنسكا , ويكون ~~بمعنى الموضع الذي يعبد فيه , والذي يذبح فيه النسك وهو الهدي , وقال ابن ~~كثير : ولم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعا في جميع ~~الملل . | ثم أتبع هذا الجعل عتله بيانا لأنه ليس مقصودا في نفسه فقال : { ~~ليذكروا } ولما كان الدين سهلا سمحا ذا يسر , رضي بالدخول فيه بالظاهر فقال ~~: { اسم الله } أي الملك الأعلى وحده , على ذبائحهم وقرابينهم وعبادتهم ~~كلها , لأنه الرزاق لهم وحده ؛ ثم علل الذكر بالنعمة تنبيها على التفكر ~~فيها فقال : { على ما رزقهم } فوجب شكره به عليهم { من بهيمة الأنعام } . | ~~ولما علم أن الشارع لجميع الشرائع الحقة واحد , وأن علة نصبه لها ذكره وحده ~~, تسبب عنه قوله : { فإلهكم } أي الذي شرع هذه المناسك كلها . | ولما كان ~~الإله ما يحق له الإلهية بما تقرر من أوصافه , لا ما سمي إلها , قال : { ~~إله } ووصفه بقوله : { واحد } أي وإن اختلفت فروع شرائعه ونسخ بعضها بعضا , ~~ولو اقتصر على ( واحد ) لربما قال متعنتهم : إن ا لمراد اقتصارنا على واحد ~~مما نعبده . | والتفت إلى الخطاب لأنه أصرح وأجدر بالقبول . | ولما ثبت ~~كونه واحدا , وجب اختصاصه بالعبادة , فلذا قال : { فله } أي وحده { أسلموا ~~} أي انقادوا بجميع ظواهركم وبواطنكم في كل ما أمر به أو نهى عنه ناسخا ~~وأجدر بالقبول . | كان أو لا وإن لم تفهموا معناه كغالب مناسك الحج . | ~~ولما أمر بالإسلام من يحتاج إلى ذلك إيجادا أو تكميلا أو إدامة , وكان ~~الإسلام هو سهولة الانقياد من غير كبر ms3199 ولا شماخة , وكان منشأ الطمأنينة ~~والتواضع اللذين هما أنسب شيء لحال الحجاج المتجرد من المخيط المكشوف الراس ~~الطالب لوضع أوزاره , وتخفيف آصاره لستر عوراه , أقبل سبحانه وتعالى على ~~الرأس من المأمورين , الحائز لما يمكن المخلوقين أن يصلوا إليه من رتب ~~الكمال , وخلال الجمال والجلال , إشارة إلى أنه لا يلحقه أحد في ذلك فقال : ~~{ وبشر المخبتين * } أي المتواضعين , المنكسرين , من الخبت - للأرض ~~المنخفضة الصالحة للاستطراق وغيره من المنافع ؛ ثم بين علاماتهم فقال : { ~~الذين إذا ذكر الله } أي الذي له الجلال والجمال { وجلت } أي خافت خوفا ~~مزعجا { قلوبهم } . | ولما كان في ذكر الحج , وكان ذلك مظنة لكثرة الخلطة ~~الموجبة لكثرة الأنكاد ولا سيما وقد كان أكثر المخالطين مشركين , لأن ~~السورة مكية , قال عاطفا غير متبع , إيذانا بالرسوخ في الأوصاف : { ~~والصابرين } الذين صار الصبر عادتهم { على ما أصابهم } كائنا ما كان . | ~~PageV05P152 ولما كان ذلك شاغلا عن الصلاة , قال : { والمقيمي الصلاة } أي ~~وإن حصل لهم من المشاق بأفعال الحج وغيره ما عسى أن يحصل , ولذلك عبر ~~بالوصف دون الفعل إشارة إلى أنه لا يقيمها على الوجه المشروع مع ذلك المشاق ~~والشواغل إلا الأراسخ في حبها , فهم - لما تمكن من حبها في قلوبهم والخوف ~~من الغفلة عنها - كأنهم دائما في صلاة . | ولما كان ما يحصل فيه من زيادة ~~النفقة ربما كان مقعدا عنه , رغب فيه بقوله : { ومما رزقناهم } فهم لكونه ~~نعمة منا لا يبخلون به , ولأجل عظمتنا يحسنون ظن الخلف { ينفقون * } أي ~~يجددون بذله على الاستمرار , بالهدايا التي يغالون في أثمانها وغير ذلك , ~~إحسانا إلى خلق الله , امتثالا لأمره كالخبت الباذل لما يودعه تعالى فيه من ~~الماء والمرعى . | < < # | الحج : ( 36 - 38 ) والبدن جعلناها لكم . . . . . # > > ^ ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله ~~عليها صوآف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك ~~سخرناها لكم لعلكم تشكرون * لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين * إن ~~الله يدافع عن ms3200 الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور ) ^ } ) | ولما قدم ~~سبحانه الحث على التقرب بالأنعام كلها , وكانت الإبل أعظمها خلقا , وأجلها ~~في أنفسهم أمرا , خصها بالذكر في سياق تكون فيه مذكورة مرتين معبرا بالاسم ~~الدال على عظمتها , أو أنه خصها لأنه خص العرب بها دون الأمم الماضية , ~~فقال عاطفا على قوله { جعلنا منسكا } أو يكون التقدير والله أعلم : ~~فأشركناكم مع الأمم الماضية في البقر والغنم { والبدن } أي الإبل أي ~~المعروفة بعظم الأبدان - { جعلناها } أي بعظمتنا , وزاد في التذكير بالعظمة ~~بذكر الاسم العلم فقال : { لكم من شعائر الله } أي أعلام دين الملك الأعظم ~~ومناسكه التي شرعها لكم وشرع فيها الإشعار , وهو أن يطعن بحديدة في سنامها ~~, تمييزا لما يكون منها هديا عن غيره . | ولما نبه على ما فيها من النفع ~~الديني , نبه على ما هو أعم منه فقال : { لكم فيها خير } بالتسخير الذي هو ~~من منافع الدنيا , والتقريب الذي هو من منافع الآخرة ؛ روى الترميذي وحسنه ~~وابن ماجة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما ~~عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من هراقة الدمن وإنه ليؤتى يوم ~~القيامة بقرونها وأظلافها PageV05P153 وأشعارها , وأن الدم ليقع من الله ~~بمكان قبل أن يقع من الرض فطيبوا بها نفسا ) والدارقطني في السنن عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) ما ~~أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة في يوم عيد ( ولما ذكر ما فيها , سبب عنه ~~الشكر فقال : { فاذكروا اسم الله } أي الذي لا سمي له { عليها } أي على ~~ذبحها بالتكبير , حال كونها { صواف } قياما معقلة الأيدي اليسرى , فلولا ~~تعظيمه بامتثال شرائعه , ما شرع لكم ذبحها وسلطكم عليها مع أنها أعظم منكم ~~جرما وأقوى { فإذا وجبت جنوبها } أي سقطت سقوطا بردت به بزوال أرواحها فلا ~~حركة لها أصلا , قال ابن كثير وقد جاء في حديث مرفوع ) ولا تعجلوا النفس أن ~~تزهق ( وقد وراه الثوري في جامعه عن أيوب ms3201 عن يحيى بن أبي كثير عن فرافصة ~~الحنفي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال ذلك . | ولما كان ربما ظن ~~أنه يحرم الأكل ممنها ااأمر بتقريبها لله تعالى , قال نافيا لذلك : { فكلوا ~~منها } إذا كانت تطوعا إن شئتم الأكل , فإن ذلك لا يخرجها عن كونها قربانا ~~{ وأطعموا القانع } أي المتعرض للسؤال بخضوع وانكسار { والمعتر } أي السائل ~~, وقيلك بالعكس , وهو قول الشافعي رحمه الله , قال في كتاب اختلاف الحديثك ~~والقانع هو السائل , والمعتر هو الزائر والمار , قال الرازي في اللموامع : ~~وأصله في اللغة أن القاف والنون والعين تدل على الإقبال على الشيء , ثم ~~اختلف معاينه مع اتفاق القياس , فالقانع : السائل , لإقباله على من يساله , ~~والقانع ك الراضي الذي لا يسأل , كأنه مقبل على الشيء الذي هو راض به . | ~~ولما كان تسخيرها لمثل هذا القتل على الكيفية مع قوتها وكبرها أمر باهرا ~~للعقل عند التأمل , نبه عليه بالتحريك للسؤال عما هو أعظم منه فقال : { ~~كذلك } أي مثل هذا التسخير العظيم المقدار { سخرناها } بعظمتنا التي لولاها ~~ما كان ذلك { لكم } وذللناها ليلا ونهارا مع عظمها وقوتها , ولو شئنا ~~جعلناها وحشية { لعلكم تشكرون * } PageV05P154 أي لتتأملوا ذلك فتعرفوا أنه ~~ما قادها لكم إلا الله فيكون حالكم حال من يرجى شكره , فتوقعوا الشكر بأن ~~لا تحرموا منها إلا ما حرمن ولا تحلوا إلا ما أحل , وتشهدوا منها ما حث على ~~إهدائه , وتتصرفوا فيها بحسب ما أمركم . | ولما حث على التقرب بها مذكورا ~~اسمه عليها , وكان من مكارم الأخلاق , وكان أكثرهم يفعله , وكانوا ينضحون ~~البيت ونحوه بدماء قرابينهم , ويشرحون اللحم , ويضعونه حوله , زاعمين أن ~~ذلك قربة , وقد كان بعض ذلك شرعا قديما , نبه سبحانه على نسخ ذلك بأن نبه ~~على أن المقصود منه روحه لا صورته فقال : { لن ينال } أي يصيب ويبلغ ويدرك ~~. | ولما كان السياق للحث على التقريب له سبحانه , كان تقديم اسمه على ~~الفاعل أنسب للإسراع بنفي ما قد يتوهم من لحاق نفع أو ضر , فقال معبرا ~~بالاسم العلم الذي حمى عن الشركة ms3202 بكل اعتبار : { الله } أي رضا الملك الذي ~~له صفات الكمال فلا يلحفه نفع ولا ضر { لحومها } المأكوله { ولا دماؤها } ~~المهراقة { ولكن يناله التقوى } أي عمل القلب وهي الصفة المقصود بها أن تقي ~~صاحبها سخط الله , وهي التي استولت على قلبه حتى حملته على امتثال اموامر ~~التي هي نهايات لذلك , الكائنة { منكم } الحاملة على التقرب التي تكون بها ~~يمون له روح القبول , المحصلة للمأمول ؛ قال الرازي في اللوامع : وهذا دليل ~~على أن النية الخالصة خير من الأعمال الموظفة - انتهى . | فإذا نالته ~~سبحانه النية قبلب العمل فتلقى اللقمة ( فرباها كما يربي أحدكم فله حتى ~~تكون مثل جبل ) ( ووقع الدم منه بمكان ) فالنفي لصورة لا روح لها والإثبات ~~لذات الروح , فقد تفيد النية من غير عمل كما قال صلى الله عليه وسلم في ~~غزوة تبوك ما معناه ( إن بالمدينة رجالا ما نزلنا منزلا ولا قطعنا واديا ~~غلا كانوا فيه حسبهم العذر ) ولا يفيد العمل بغير نية , والنية هي التي ~~تفيد الجزاء سرمدا والله الموفق ؛ ثم كرر التنبيه على عظيم تسخيرها منبها ~~على ما أوجب عليهم به فقال : { كذلك } أي التسخير العظيم { سخرها } أي الله ~~الجامع لصفات الكمال { لكم } بعظمتته وغناه عنكم { لتكبروا } . | ولما ذكر ~~التكبير , صورة بالاسم الأعظم فقال : { الله } وضمن التكبير فعل الشكر , ~~فكان التقدير : شاكرين له { على ما هداكم } أي على هدايتكم له والأمور ~~العظيمة التي هداكم إليها . | ولما كان الدين لا يقوم إلا بالنذارة ~~والبشارة , وكان السياق لأجل ما تقدم من شعائر الحج , PageV05P155 ومعالم ~~العج والثج - بالبشارة أليق , ذكرها مشيرا إلى النذارة بواو العطف ليؤذن أن ~~التقدير : فأنذر ايها الداعي المسيئينك { وبشر المحسنين * } أي الذين ~~أوجدوا الإحسان لأفعالهم صورة ومعنى . | ولما ذكر سبحانه الحج المذكر ~~للمهاجرين بأوطانهم المخاصمة التي أنزلت في غزوة بدر , وذكر ما يفعل فيه من ~~القربات , عظم اشتياق النفوس إلى ذلك وتذكرت علو المشركين الذي يصدون عن ~~سبيل الله والمسجد الحرام وظهورهم ومنعهم لمن أراد هذه الأفعال , على هذه ~~الأوصاف الخالصة , والأحوال الصالحة , وفتنتهم له , فأجابها سبحانه ms3203 عن هذا ~~السؤال بقوله : { إن الله } أي الذين لا كفوء له { يدافع عن الذين آمنوا } ~~لأنهم بدخولهم في الإيمان لم يكونوا مبالغين في الخيانة ولا في الكفر فهو ~~يحبهم , فكيف بالمحسنين الذين ختمت بهم الآية السالفة , أي فسظهرهم على ~~عدوهم - هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب بغير ألف , وفي قراءة ~~الباقين مبالغة بإخراج الفعل على المغالبة , فكأنه قال : بشرهم بأن الله ~~يدفع عنهم , ولكنه تعالى أظهر الأوصاف ليفهم أنها مناط الأحكام والتعبير , ~~فعبر بالفعل الماضي ترغيبا , أي لكل من أوقع هذا الوصف في الخارج إقاعيا ما ~~دفع عنه ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { لا يحب ~~} أي لا يكرم كما يفعل المحب { كل خوان } لنعمته بالتقرب إلى لعباده من ~~بيته الذي هو للناس سواء العاكف فيه والبادي { كفور } لنعمته بالتقرب إلى ~~غيره , فهو يفعل مكارم الأخلاق صورة ليس فيها معنى أصلا , لا يصححها بذكر ~~الله وحده , ولا يجملها بالإحسان , وأتى بالصفتين على صيغة المبالغة لأن ~~نقائص الإنسان لا يمكنه أن يفعلها خالية عن المبالغة , لأنه يخون نفسه ~~بالعزم أولا , والفعل ثانيا وغيره من الخلق ثالثا , وكذا يخون نفسه وهكذا ~~في الكفر وغيره , ولما كانت لالخيانة منبع النقائص , كانت المبالغة فيها ~~أكثر . | < < # | الحج : ( 39 - 44 ) أذن للذين يقاتلون . . . . . # > > ^ ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين ~~أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس ~~بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ~~ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز * الذين إن مكناهم في الأرض ~~أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة ~~الأمور * وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود * وقوم إبراهيم ~~وقوم لوط * وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير ~~) ^ } ) | PageV05P156 ولما كان كأنه قد قيل : كيف تكون المدافعة وبمن ؟ ~~فقيل : بعباده المؤمنين , عبر عن ذلك بقوله : { أذن } وأشار بقراءة من ms3204 بنها ~~للمجهول إلى سهولة ذلك عليه سبخانه { للذين يقاتلون } أي للذين فيهم قوة ~~المدافعة , في المدافعة بالقتلا بعد أن كانوا يمنعون منه بمكة ويؤمرون ~~بالصفح ؛ ثم ذكر سبب الإذن فقال { بأنهم ظلموا } أي وقع ظلم الظالمين لهم ~~بالإخراج من الديار , والأذى بغير حق . | ولما كان التقدير : فأن الله أراد ~~إظهار دينه بهم , عطف عليه قوله : { وإن الله } أي الذي هو الملك الأعلى , ~~وكل شيء في قبضته , ويجوز عطفه على قوله { إن الله يدفع } أي بإذنه لهم في ~~القتال وأنه { على نصرهم } وأبلغ في التأكيد لا ستبعاد النصرة إذ ذاك ~~بالكفار من الكثرة والقوة , وللمؤمنين من الضعف والقلة , فقال : { لقدير * ~~} ثم وصفهم بما يبين مظلوميتهم على وجه يجمعهم ويوثقهم بالله فقال : { ~~الذين أخرجوا من ديارهم } إلى الشعب والحبشة والمدينة { بغير حق } أوجب ذلك ~~{ إلا أن يقولوا } أي غير قولهم , أو ألا قولهمك { ربنا الله } المحيط ~~بصفات الكمال , الموجب لإقرارهم في ديارهم , وحبهم ومدحهم واقتفاء آثارهم , ~~فهو من باب : | ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب | وفي ~~سوق ذلك المساق الاستثناء عند من يجعله منقطعا إشارة إلى أن من أخلص لله , ~~صوب الناس إليه سهام مكرهم , ولم يدعوا في أذاه شيئا من جهدهم . | ولما ذكر ~~مجافعتهن وذكر أنها بالمؤمنين , بين سرها عموما ليفهم منها هذا الخاص , ~~وصورها تقريبا لفهمهان فقال عاطفا على ما تديرهك فلولا إذن الله لهم لا ~~ستمر الشرك ظاهرا , والباطل - باستيلاء الجهلة على مواطن الحج - قاهرا ك { ~~ولولا دفع الله } أي المحيط بكل شيء علما وقدرة في كل شريعة , وفي زمن كل ~~ني أرسله { الناس } أي عموما { بعضهم ببعض } أي بتسليط بعضهم على بعض { ~~لهدمت صوامع } وهي معابد صغار مرتفعة للرهبان { وبيع } للنصارى { وصلوات } ~~اي كنائس اليهود { ومساجد } أي للمسلمين , أخرها لتكون بعيدة من الهدم ~~قريبة من الذكر { يذكر فيها اسم الله } أي الملك الذي لا ملك غيرهن ولعل ~~العدول عن الإضمار إلى الإظهار للإشارة إلى اختلاف ذكره تعالى في الأماكن ~~المذكورة بالإخلاص وغيره { كثيرا ms3205 } لأن كل فرقة تريد هدم ما للأخرى , بل ~~ربما أراد بعض أهل ملة إخراب بعض معلبد أهل ملته , لا فبدفعه الله بمن يريد ~~من عباده , وإذا تأملت ذلك وجدت فيه من الأسرار , ما يدق عن الأفكار , فإنه ~~تعالى لما أراد بأكثر الناس الفساد , نصب لهم من الأضداد , ما يخفف كثيرا ~~من العناد . | ولما كان لتقدير : ولكن لم تهدم المذكورات , لأن الله دفع ~~بعضهم ببعض , PageV05P157 وجعل بعضهم في نحور بعض , عطف عليه أو على قوله { ~~أذن } قوله : { ولينصرون الله } أي الملك الأعظم , وأظهر ولم يضمر تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف فقال : { من ينصره } كائنا كم كان منهم ومن غيرهم , ~~بما يهيىء له من الأسباب , إجراء له على الأمر المعتاد , وبغير أسباب خرقا ~~للعادةن كما وقع في كثير من الفتوحاتن كخوض العلاء بن الحخضرمي رضي الله ~~عنه البحر الملح إلى جواثاء بالبحرين , واقتحام سعد بن أبي وقاص رضي الله ~~عنه الدجلة مع عظمها في ذلك العام وطموهان وزيادتها وعلوها , وزلزلة أسوار ~~حمص بالتكبير وتهدم كثيرا من بيوتهان عن إتقان بنيانها , وإحكام قواعدها ~~وأركانها ونحو ذلك ؛ ثم علل نصره وإن ضعف المنصور , بقوله : { إن الله } أي ~~الذي لا كفوء له { لقوي * } أي على ما يريد { عزيز * } لا يقدر أحد على ~~مغالبته , ومن كان ناصره فهو المنصور , وعدوه المقهور , ولقد صدق سبحانه ~~فيما وعد به , فأذل بأنصار دينه رضي الله عنهم - جبابرة أهل الأرض وملوكهم ~~, ومن أصدق من الله حديثا . | ولما وصف نفسه سبحاه بما يقتضي تمكين منصوره ~~الذي ينصرهن وصفهم بما يبين أن قتالهم له , لا لهم , بعد أن وصفهم بأنهم ~~أوذوا بالإخراج من الديار الذي يعادل القتل , فقال : { الذين } ولما كانن ~~وقت النصرة مبهما آخره يوم الفصل , عبر بأجاة الشك ليكون ذلك أدل على إخلاص ~~المخلص في القتال : { أن مكناهم } بما لنا من العظمة { في الأرض } بإعلائهم ~~على أضدادهم { أقموا الصلاة } اي الني هي عماد الدين , الدالة على المراقبة ~~والإعراض عن تحصيل الفاني { وآتوا الزكاة } المؤذنة بالزهذ في الحاصل منه , ~~لالمؤذن بعمل النفس ms3206 للرحيل { وأمروا بالمعروف } وهو ما عرفه الشرع وأجاره { ~~ونهوا عن المنكر } المعرف بأنه لا أنس لهم إلا به سبحانه , ولا خوف لهم إلا ~~منه , ةولا رجاء فيه والآية دالة على صحة خلافة الأئمة الأربعة . | ولما ~~كان هذا ابتداء الأمر بالجهاد , وكان عقب ما آذى أعداؤه أولياءه , فطال ~~أذاهم لهم , فكان التقدير كما أرشد إليه العطف على غير مذكور , عطفا على { ~~ولولا دفع } فااه بادئة الأمور , عطف عليه قوله : { والله } أي الملك ~~الأعلى المحيط بكل شيء { عاقبة الأمور * } فتمكينهم كائن لا محالة , لكن ~~ذكره للعاقبة وطيه للبادئة منبه على أنه تعالى يجعل للشيطان - كما هو ~~المشاهد في الأغلب - حظا في البادئة , ليتيبن الصادق من الكاذب , والمزلزل ~~من اثابت , وأما العاقبة فهي متمحضة له إلى أن يكون آخرذلك القيامة التي لا ~~يكون لأحد فيها أنمر , حتى أنه لا ينطق أحد إلا بإذن خاص . | ولما كان في ~~ترغيب هذه الآيات وترهيبها ما يعطف العاقل , ويقصف الجاهل , طوي حكم العاقل ~~لفهمه ما سبق , وهو : فإنه يؤمنوا بك مكناهم في الأرض , ودل عليه بعطف حكم ~~PageV05P158 الجاهل على غير مدكور في سياق يسلي به نبيه صلى الله عليه وسلم ~~ويعزيه , ويؤنسه ويواسيه , فقال { وإن يكذبوك } اي أخذتهم وإن كانوا أمكن ~~الناس , فقد فعلت بمن قبلهم ذلك , فلا يحزنك أمرهم { فقد كذبت } وأتى ~~سبحانه بتاء التأنيث تحقيرا للمكذبين في قدرته وإن كانوا أشد الناس . | ~~ولما كانت هذه لأمم لهظمهم وتمادي أزمانهم كأنهم قد استغرقوا الزمان كلهن ~~لم يأت بالجار فقال : { قبلهم قوم نوح } وكانوا أطول الناس أعمارا , واشدهم ~~اقتدارا ؛ ولما لم يتعلق في هذا السياق غرض بالمخالفة في ترتيبهم , ساقهم ~~على حسب ترتبيهم في الوجود فقال : { وعاد } اي ذوو الأبدان الشداد { وثمود ~~* } أولو الأبنية الطوال , في السهول والجبال { وقوم إبراهيم } المتجبرون ~~المتكبرون { وقم لوط * } الأنجاس , بما لم يسبقهم إليه أحد من الناس { ~~وأصحاب مدين } أرباب الموال , المجموعة من خزائن الضلال . | ولما كان موسى ~~عليه السلام قد أتى من الآيات المرئية ثم المسموعة بما لم يأت بمثله أحد ms3207 ~~ممن تقدمه , فكان تكذيبه في غاية من البعد , غير سبحانه الأسلوب تنبيها على ~~ذلك , وعلى أن الذين أطبقوا على تكذيبه القبط , وأما قومه فما كذبه منهم ~~إلا ناس يسير , فقال : { وكذب موسى } وفي ذلك ايضا تعظيم للتأسية وتفخيم ~~للتسلية { فأمليت للكافرين } أي فتعقب عن تكذيبهم أني أمهلتهم بتلأخير ~~عقوبتهم إلى الوقت الذي ضربته لهم , وعبر عن طول الإملاء بأداة التراخي ~~لزيادة التأسية فقال : { ثم أخذتهم } ونبه سبحانه وتعالى على أنه كان في ~~أخذهم عبر وعجائب , وأهوال وغرائب , بالاستفهام في قوله : { فكيف كان نكير ~~* } اي إنكاري لأفعالهم , فليحذر هؤلاء الذين أتيتهم بأعظم ما أتى به رسول ~~قومه مثل ذلك . | < < # | الحج : ( 45 - 47 ) فكأين من قرية . . . . . # > > ^ ( فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر ~~معطلة وقصر مشيد * أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بهآ أو آذان ~~يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور * ~~ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون ) ^ } ) | ولم كانت هذه الأمم السبعة أكثر أهل الأرض , بل كانت أمة ~~منهم أهل الأرض كما مضى بيانه في الأعراف , فكيف بمن عداهم ممن كان في ~~أزمانهم وبعدهم , وأخبر سبحانه وتعالى أن عادته فيهم الإملاء ثم الإهلاك , ~~تسبب عن ذلك تهويل الإخبارعنهم وتكثيرهم , فقال تعالى شارحا للأخذ والإمهال ~~على طريق النشر والمشوش : { فكأين من PageV05P159 قرية أهلكناها } كهؤلاء ~~المذكورين وغيرهم , وفي قراءة الجماعة غير أبي عمرو بالنون إظهارا للعظمة { ~~وهي } أي والحال أنها { ظالمة فهي } أي فتسبب عن إهلاكها أنها { خاوية } أي ~~متهدمة ساقطة أي جدرانها { على عروشها } أي سقوفها , بأن تقصفت الأخشاب ولا ~~من كثرة الأمطار , وغير ذلك من الأسرار , فسقطت ثم سقطت عليها الجدران . | ~~أو المعنى : خالية , قد ذهبت أرواحها بذهاب سكانها على البقاء سقوفها , ~~ليست محتاجة إلىغير السكان { و } كم من { يئر معطلة } من أهلها مع بقاء ~~بنائها , وفوران مائها { وقصر مشيد * } أي عال متقن مجصص لأنه لا يشيد - أي ~~يجصص - إلا الذي يقصد ms3208 رفعه , فحلت القصور من أربابها , وأقفرت موحشة من ~~جميع أصاحبها , بعد كثرة التضام في نواديها , وعطلت الآبار من ورادها بعد ~~الازدحام بين رائحتها وغاديها , دانية ونائية , حاضرة وبادية ؛ ولما كان ~~خراب المشيد يوهى من أركانه , ويخلق من جدارنه , لم يحس التشديد في وصف ~~القصر , كما أحسن في وصف البئر . | ولما كان هذا واعظا لمن له استبصار , ~~وعاطفا له إلى العزيز الغفار , تسبب عنه النفي , وقد دخلت على النفي السير ~~فنفته , فأثبتت السير عريا عما أفاده الجواب , وهو قوله { فتكون } أي ~~فيتسبب عن سيرهم أن تكون { لهم قلوب } واعية { يعقلون بها } ما رأوه ~~بأبصارهم في الآيات المرئيات من الدلالة على وحدانية الله تعالى وقدرته على ~~الإحياء والإماتة متىى أراد فيعتبروا به , فانتفاء القلوب الموصوفة متوقف ~~على نفي السير الذي هو إثبات السير , وكذا الكلام في الآذان من قوله { أو } ~~أي أو تكون لهم إن كانوا عمي الأبصار كما دل عليه جعل هذا قسيما { آذان ~~يسمعون بها } الآيات ا لمسموعة المترجمة عن تلك القرى وغيرها سواء ساروا أو ~~لم يسيروا , إن كانت بصائرهم غير نافذة الفهم بمجرد الرؤية فيتدبروها ~~بقلوبهم , فإنه لا يضرهم فقد الأبصار عند وجود البصائر . | ولما كان الضار ~~للإنسام إنما هو عمى البصائر دون ابصار , نفى العمى أصلا عن الأبصار لعدم ~~ضرورة مع إنارة البصائر , وخصه بالبصئر لوجود الضرر به ولو وجدت البصار , ~~مسببا عما مضى مع ما أرشد إليه من التقدير , فقال : { فإنها لا تعمى ~~الأبصار } PageV05P160 أي لعدم الضرر بعماها المستنير البصيرة { ولكن نعمى ~~القلوب } , اكد المعنى بقوله : { التي في الصدور * } لوجود الضرر بعماها ~~المبطل لمنفعة صاحبها وإن كان البصر موجدا , فاحتيج في تصوي عماها إلى ~~زيادة تعيين لما تعورف من أن العمى البصر عدم للبصر , إعلاما بأن القلوب ما ~~ذكرت غلطا , بل عمدا , تنبيها على أن عمى البصر عدم بالنسبة لى عماها , ~~والمراد بالقلب لطيفة ربانية روحانية مودعة في اللحم الصنوبري المودع في ~~الجانب الأيسر من الصدر , لديه تعلق . . . | عقول الأكثر في أنه يضاهي تعلق ~~العرض بالجسم ms3209 , أو الصفة بالموصوف , أو المتمكن بمكان ووهذه اللطيفة على ~~حقيقة الإنسان سميت قلبا للمجاورة والتعلق , وهي كالفارس والبدن كله كالفرس ~~, وعمى الفارس أضر على الفارس من عمى الفرس , بل لا نسبة لأحد الضررين ~~بالآخرة , فلذلك نفى عمى الأبصار أصلا ورأسا , فلا شيء ضرورة بالنسبة إلى ~~عمى البصائر . | ولما قدم سبحانه أن الضال المضل له خزي في الدنيا , وقدم ~~أنه يدفع عن الذين آمنوا وينصرهم , وساق الدليل الشهودي على ذلك لمن كان ~~جامد الفهمن مقيدا بالوهم , بالقرى الظالمة التي أنجز هلاكها , وختم بإنكار ~~عماهم عن ظاهر الآيات البيناتن قال عاطفا على { ومن الناس من يجادل } معجبا ~~منهم وموضحا لعماهمك { ويستعجلونك } ويجوز وهو أحسن أن تكون هذه الجملة ~~حالا من فاعل { يسيروا } فيكون مما أنكر عليهم { بالعذاب } الذي تتوعدهم به ~~تكذيبا واستهزاء , { و } الحال أنه { لن يخلف الله } الذي لا كفوء له { ~~وعده } فلا بد من وقوعه لكن الطويل عندهم من الزمن القصير عنده , وقد ينجز ~~الوعد وقد يؤخره بعد الوعيد إلى حين يوم أو أقل أو أكثر , لأن قضاءه سبق ~~أنه لا يكون فيه لحكم يظهرها لمن يشاء من عباده { وإن يوما } أي واحدا { ~~عند ربك } أي المحسن غليك بتأخير العذاب عنهم إكراما لك { كألف سنة } ولما ~~كان المقصود هنا التطويل , فعبر بالسنة تنبيها عليه ؛ ولما كانت السنون قد ~~تختلف قال : { مما تعدون * } لأن أيامكم تناسب أوهامكم , وأزمانكم تناسب ~~شأنكم , وهو حليم لا يستطيل الزمان , وقادر لا يخاف الفوت . | < < # | الحج : ( 48 - 52 ) وكأين من قرية . . . . . # > > ^ ( وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير * قل ~~يأيها الناس إنمآ أنا لكم نذير مبين * فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~مغفرة ورزق كريم * والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم * ومآ ~~أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ ~~الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ) ^ } ) | ~~PageV05P161 ولما دل على نصر أوليائه , وقسر أعدائه , بشهادة تلك القرىوختم ~~بالتعجيب من استعجالهم مع ms3210 ما شاهدوا من إهلاك أمثالهم , وأعلمهم ما هو عليه ~~من الأناة , واتساع العظمة , وكبر المقدار , عطف على { فكأين } نمحذرا من ~~نكاله , بعد طويل إمهاله , قوله : { وكأين من قرية } أي من أهلها { أمليت ~~لها } أي أمهلتها كما أمهلتكم { وهي ظالمة } كظلمكم لالاستعجال وغيره { ثم ~~أخذتها } اي بالعذاب { وإلي المصير * } بانقطاع كل حكم دون حكمي , كما كان ~~مني البدء , فلم يقدر أحد أن يمنع من خلق ما أردت خلقه , ولا أن يخلق ما لم ~~ارد خلقه , فلا نغتروا لالإمهال , وإن تمادت الأيام والليالي , واحذروا ~~عواقب الوبال , وإن بلغتم ما أردتم من الآمال , ولعله إنما طوى ذكر البدء , ~~لأنه احتجب فيه بالأسباب فغلب فيه اسمه الباطن , ولذلك ضل في هذه الدار ~~أكثر الخلق وقوفا مع الأسباب . | ولما كان الاستعجال بالأفعال لا يطلب من ~~الرسول , وكان الإخبار باستهزائهم وشدة عماهم ربما أفهم الإذن في الأعراض ~~عنهم اصلا ورأسا قال سبحانه وتعالى مزيلا لذلك منبها على أن مثله إنما يطلب ~~من المرسل , لا من الرسول : { قل } أي لهم , ولا يصدنك عن دعائهم ما ~~أخبرناك به ن عماهم { يا أيها الناس } أي جميعا من قومي وغيرهم { إنما أنا ~~لكم نذير } أي وبشير , وإنما طواه لأن المقام للتخويف , ويلزم منه الآمن ~~للمنتهى فتأتي البشارة , ولأن النذارة هي المقصود العظم من الدعوة , لأنه ~~لا يقدم عليها إلا المؤيدون بروح من الله { مبين * } أي لكل ما ينفعكم ~~لتلزموه . | ويضركم فتتركوه لا إلهن أعجل لكم العذاب ؛ ثم تسبب عن كونه ~~مبينا العلم بأن وصف البشارة مراد وإن طوي , فدل عليه سبحانه بقوله تفضيلا ~~لأهل البشارة والنذارة : { فالذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان { وعملوا } أي ~~تصديقا لدعواهم ذلك { الصالحات لهم مغفرة } لما فرط منهم من التقصير لأنه ~~لن يقد أحد أن يقدر الله حق قدره . | ولما كان هذا أول الإذن في القتال , ~~المجب لمنابذة الكفار , مهاجرة الأهل والأموال والديار , وكان ذلك - مع ~~كونه في غاية الشدة - موجبا للفقر عادة , قال محققا له ومنبها على أنه سبب ~~الرزق : { ورزق } أي في الدنيا بالغنائم ms3211 وغيرها , والآخرة بما لا عين رأت , ~~ولا أذن سمعت , ولا خطر على قلب بشر { كريم * } لا خسة فيه ولا دناءة ~~بانقطاع ولا غيره أصلا ما داموا على الاتصاف بذلك , هذا فعل ربهم بهم عكس ~~ما وصف به مدعو الكفار من أن ضره أقرب من نفعه . | ولما كان في سياق ~~الإنذار , قال معبرا بالماضي زيادة في التخويف : { والذين سمعوا } أي ~~أوقعوا السعي ولو مرة واحدة بشبهة من الشبه ونحوها { في آياتنا } أي التي ~~PageV05P162 نصبناها للدلالة علينا مرئية أو مسموعة { معاجزين } أي مبالغين ~~في فعل ما يلزم - في زعمهم - منه عجزنا , ومعجزين , أي مقدرين أنهم ~~يعجزوننا بإخفائهم آياتنا , وإضلال الناس وصدهم عهنا بألقاء الشبه والجدال ~~, اتباعا لشيطان مريد , من غير علم ولا هدى ولا كتب منير كشبه الاتحادية ~~الذين راج أمرهم على كثير من الناس مع أنه لا شيء لأو هى من شبههم ولا أظهر ~~بطلانان ولذلك راج أمرها على أهل الغباوة , فإن الداعية منهم يقول لمن يغره ~~: هذا الظاهر من الكلام لا يقول به عاقلن فالمراد به اسرار دقيقة , وراء ~~طور العقل , لا يوصل إليه إلا بالرياضة والكشف , وما درى المغرور أن أبا ~~طالب كان أعقل من هذا الذي ينسب إليه ذلك الكفر الظاهر , فإن شعره أحسن من ~~شعره , وبديهته أعظم من بديهته , ورؤيته أحكم من رؤيته , وقد رأى من الآيات ~~من النبي صلى الله عليه وسلم مل لا مزيد عليه , مع أن له من القرابة ما هو ~~معروف , ومن المحبة مايفوت الحصر , ومع ذلك فقد أصر من الضلال ما لا يرضاه ~~حمار لو نطق , على أن هذا المغرور قد لزمه - بتحسين الظن بهؤلاء الكفرة - ~~إساءة الظن باشرف الخلق : النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ( من رأى منكم ~~منكرا ) - الحديث الذي في بعض رواياته : ( وليس وراء ذلك ) أي الإنكار ~~بالقلب - ( مثقال حبة من إيمان ) وقد أفردت لبيان ضلالهم كتبا لما استطار ~~من شرهم , ومس من ضرهم , منها المطول والمختصر , لا مزيد على بيانها وظهور ~~سلطانها { أولئك } البعداء البغضاء { أصحاب الجحيم ms3212 * } أي استحقاقا بما ~~سعوا , فإن شاء تاب عليهم , وإن شاء كبهم فيها , ليعلموا أنهم هم العاجزون ~~, هذا في الآخرة , وسيظهر سبحانه في الدنيا أيضا عجزهم , بكشف شبههم ومج ~~القلوب النيرة لها , مع ذلهم وانكسارهم , وهوانهم وصغارهم , حتى لا يقدروا ~~أن ينطقوا من ذلك ببنت شفةن علما منهم أن مثلها لا يقوله عاقل . | ولما لاح ~~من ذلك أن الشيطان ألقى للكفار شبها , يعاجزون بها بجدالهم في دين الله ~~الذي أمر رسوله محمدا ثلى الله عليه وسلم بإظهاره , وتقرير وإشهاره , عطف ~~عليه تسلية له صلى الله عليه وسلم قوله : { وما ارسلنا } اي بعظمتنا { من ~~قبلك } ثم أكد ىالاستغراق بقوله : { من رسول } أي من ملك أو بشر بشريعة ~~جديدة يدعو ليها { ولا نبي } سواء كان رسولا أو لا , مقرر بالحفظ لشريعة ~~سابقة - كذا قال البيضاوي وغيره في الرسول وهو منقوص بأنبياء بني أسرائيل ~~الذين بين موسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام , فإن الله تعالة سماهم رسلا في ~~غير آية منها < # > 77 ( { ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل } ) 77 < # > [ البقرة : 87 ] PageV05P163 فالصواب أن يقال : أن النبي إنسان أوحي ~~إليه بشرع جديد أو مقرر , فإن أمر بالتبليغ فرسول أيضا , والتقييد بشرع ~~لأخراج مريم وغيرها من الأولياء { إلا إذا تمنى } أي تلا على الناس ما أمره ~~الله به أو حدثهم به واشتهى في نفسه أن يقبلوه حرصا منه على إيمانهم شفقة ~~عليهم { القى الشيطان في أمنيته } أي ما تلاه أو حدث به ةاشتهى أن يقبل , ~~من الشبه والتخيلات ما يتلقفه منه أولياءه فيجادلون به أهل الطاعة ليضلوهم ~~^ ( { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم } ) ^ [ النعام : 121 ] ~~^ ( { وكذلك جلعنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا } ) ^ [ الأنعام : 112 ] كما يفعل هؤلاء فيما يغيرون به ~~في وجه الشريعة اصولا وفروعا من قولهمك إن القرآن شعر وسحر وكهانة , وقولهم ~~^ ( { لو شاء الله ما أشركنا } ) ^ [ الأنعام 148 ] وقولهم ^ ( { هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله } ) ^ [ يونس : 18 ] وقولهم ك إن ما قلته الله بالموت حتف ~~أنفه أولى ms3213 بالأكل مما ذبح , وقولهمك نحن أهل الله وسكان حرمهن لا نخرج من ~~الحرم فنقف في الحج بالمعشر الحرام ويقف الناس بعرفة , ونحن نطوف قي ثيابنا ~~وكذا من ولدناه , وأما غيرنا فلا يطوف إلا عريانا ذكرا ان أو أنثى إلا أن ~~يعطيه أحد منا ما يلبسه , نحو ذلك مما يريدون أن يطفئوا به نور الله , وكذا ~~تأويلات الباطنية والاتحادية وأنظارهم التي ألحدو فيها , يضل بها من يشاء ~~الله ثم يمحوها من أراد من عباده وما أراد من أمره { فينسخ } أي فيتسبب عن ~~إلقائه أنه ينسخ { الله } اي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { ما يلقي الشيطان ~~} فيبطله بإيضاح أمره ومج القلوب له . | ولما كان إبطاله سبحانه للشبه ~~إبطالا محكما , لا يتطرق إليه لعلو رتبة بيانه - شبهة أصلا , عبر بأداة ~~التراخي فقال : { ثم يحكم الله } أي الملك الذي لا كفوء له { آياته } أي ~~يجعلها جلية فيما أريد منها , وأدل دليل على أنم هذا هو المراد مع الافتتاح ~~بالمعاجزة في الآيات - الختام بقوله عطفا على ما تقديره : فالله على ما ~~يشاء قدير : { والله } أي الذي له الأمر كله { عليم } أي بنفي الشبه { حكيم ~~* } بإيراد الكلام على وجه لا تؤثر فيه عند من له أدنى بصيرة , وكذا ما مضى ~~في السورة ويأتي من ذكر الجدال . | < < # | الحج : ( 53 - 58 ) ليجعل ما يلقي . . . . . # > > ^ ( ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ~~وإن الظالمين لفي شقاق بعيد * وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك ~~فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم * ~~ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب ~~يوم عقيم * الملك PageV05P164 يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات في جنات النعيم * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب ~~مهين * والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا ~~حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما ذكر سبحانه ما حكم به من تمكين الشيطان من هذا ms3214 الإلقاء , ذكر ~~العلة في ذلك فقال : { ليجعل ما يلقي الشيطان } اي في المتلو أو المحدث به ~~من تلك الشبه في قلوب أوليائه { فتنة } أي اختبار وامتحانا { للذين في ~~قلوبهم مرض } لسفولها عن حد الاعتدال من اللين حتى صارت مائيتة تقبل كل ~~صورة ولا يثبت فيها صورة , وهم أهل النفاق المتلقفون للشبه الملقون لها { ~~والقاسية قلوبهم } عن فهم الآيات , وهم من علت قلوبهم عن ذلك الجدال أن ~~صارت حجرية , وهم المصارحون بالعداوة , فهم في ريب من أمرهم وجدال للمؤمنين ~~, قد انتشقت فيها الشبه , فصارت أبعد شيء عن الزوال . | ولما كان التقدير : ~~فإنهم حزب الشيطان , وأعداء لرحمن , عطف عليه قوله . | وإنهم هكذا الأصل , ~~ولكنه أظهر تنبيها على وصفهم فقال : { وإن الظالمين } أي الواضعين لأقوالهم ~~وأفعالهم في غير مواضعها كفعل من هو في الظلام { لفي شقاق } أي خلاف بكونهم ~~في شق غير شق حزب الله بمعاجزتهم في الآيات بتلك السبه التي تلقوها من ~~الشيطان , وجادلوا بها أولياء الرحمن { بعيد * } عن الصواب < # > 77 ( { ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنوا بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ~~ما هم مقترفون } ) 77 < # > [ الأنعام : 113 ] { وليعلم الذين أتوا العلم } بإتقان حججه , وإحكام ~~براهينه , وضعف شبه التي المعاجزين , وبني فعله للمجهول نعظيما لثمرته في ~~حد ذاته لا بالنسبة إلى معط معين { أنه } أي الشيء الذي تلوته أو حدثت به { ~~الحق } اي الثابت الذي لا يمكن زواله { من ربك } اي المحسن إليك بتعليمك ~~إياه , فإن الحق كلما جودل أهله ظهرت حججه , وأسفرت وجوهه , ووضحت براهينه ~~, وغمرت لججه , كما قال تعالى < # > 77 ( { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ) 77 < # > [ البقرة : 26 ] { فيؤمنوا به } لما ظهر لهم من صحته بما ظهر من ضعف ~~تلك الشبه { فتخبت } أي تطمئن وتخضع { له قلوبهم } وتسكن به قلوبهم , فإن ~~الله جعل فيها السكينة فجعلها زجاجية صلبة صافية رقيقة بين المائية ~~والحجرية , نافعة بفهم العلم وحفظه والهداية به لمن يقبل عنهم من الضالين ~~كما ينفع الخبث بقبول طائفة أخرى منه من الماء , وإنبات ما يقدره الله من ~~الكلاء وغيره وحفظ ms3215 طائفة أخرى لطائفة أخرى منه لشرب الحيوان { وإن الله } ~~بجلاله وعظمته لهاديهم , ولكنه أظهر تنبيها أخرى منه فقال : { لهاد الذين ~~آمنوا } في جميع ما يلقيه أولياء الشيطان { لى الصراط المستقيم * } ~~PageV05P165 يصلون به إلى معرفة بطلانه , فيوصلهم ذلك غلى سعادة الدارين { ~~ولا يزال الذين كفروا } أي وجد منهم الكفر وطبعوا عليه { في مرية } أي شك ~~يطلبون السكون إليه { منه } أي من أجل إلقاء الشيطان وما ألقاه , أو مبتدىء ~~منه { حتى تأتيهم الساعة } أي الموت أو القيامة { بغتة } أي فجأة بموتهم ~~حتف الأنف { أو يأتيهم عذاب يوم عقيم * } يقتل فيه جميع أبنائهم منهم ولا ~~يكون لهم فيه شيء مما يترجونه من نصر أو غيره كما سعوا بجدلهم وإلقاء ~~الضلالات في إعقام الآيات , فإذا انكشف لهم الغطاء بالساعة أو العذاب ~~الموصل إلى حد الغرغرة آمنوا دأب البهائم التي لا ترى إلا الجزيئات , فلم ~~ينفعهم ذلك لفوات شرطه , وقد زالت بحمد الله عن هذه الآية - بما قررته ~~الشكوك , وانفصحت مخيلات الشبه , وانقمعت مضلات الفتن , من قصة الغرانيق ~~وما شكلها مما يتعالى عنه ذلك الجناب الرفيع , والحمى العظيم المنيع , ولم ~~يصح شيء من ذلك كما صرح به الحافظ عماد الدين ابن كثير وغيره كيف وقد منع ~~الشيطان من مثاله صلى الله عليه وسلم في المنام , كما قال صلى الله عليه ~~وسلم فيما أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه ( من رآني في المنام ~~فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي ) وقد تولى الله سبحانه حفظ الذكر الحكيم ~~بحراسة السموات وغيرها < # > 77 ( { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ) 77 < # > < # > 77 ( { إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ~~ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم } ) 77 < # > [ الجن : 27 ] . | ولما كانوا من الكثرة والقوة بمكان كان كأنه قيل : ~~كيف يغلبون ؟ فقال جوابا عن ذلك : { الملك يومئذ } أي يوم إذ تأتيهم ذلك ~~إما في القيامة أو في ا لدنيا { لله } أي المحيط بجميع صفات الكمال وحد ~~بتغليب اسمه الظاهر , بأن يجري أمره ms3216 فيه على غير الأسباب التي تعرفونها . | ~~ولما كان كأنه قيل : ما معنى اختصاصه به وكل الأيام له ؟ قيل : { يحكم ~~بينهم } أي بين المؤمنين والكافرين بالأمر الفيصل , لا حكم فيه ظاهرا ولا ~~باطنا لغيره , كما ترونه الآن , بل يمشي فيه الأمر على أتم قوانين العدل , ~~ولذلك سبب ظهور العدل عنه قوله مفصلا بادئا . | إظهارا لتفرده بالحكم ~~بإكرام من كانوا قاطعين بهوانهم في الدارين مع أن تقديمهم أوفق لمقصود ~~السورة : { فالذين آمنوا وعملوا } أي وقصدوا دعواهم الإيمان بأن عملوا { ~~الصالحات } وهي ما أمرهم الله به . | PageV05P166 ولما كانت إثابته تعالى ~~لأهل طاعته تفضلا منه , نبه على ذلك بإعراء الخبر عن الفاء السببية بخلاف ~~ما يأتي في حق الكفار فقال : { في جنات النعيم * } في الدنيا مجازا , ~~لمآلهم إليهم مع ما يجدونه من لذة المناجاة واستشعار القرب وفي الآخرة ~~حقيقة بما رحمهم الله به من توفيقهم للأعمال الصالحة { والذين كفروا } اي ~~غطوا ما أعطيناهم من المعرفة بالأدلة على وحدانيتنا { وكذبوا بىياتنا } ~~ساعين - بما اعطيناهم من الفهم في تعجيزها بالمجادلة بما يوحي إليهم ~~أولياؤهم من الشياطين من الشبه , وقرن الخبر بالفاء إيذانا بأنه مسبب عن ~~كفرهم فقال : { فأولئك } أي البعداء عن أسباب الكرم { لهم عذاب مهين * } ~~بسبب ما سعوا في إهانة ىياتنا مريدين إعزاز أنفسهم بمغالبتها والتكبر عن ~~اتباعها . | ولما كان المشركون يمنعون بهذ الشبه وغيرها كثيرا من الناس ~~الإيمان , وكانوا لا يتمكنون بها إلا ممن يخالطهم , رغب سبحانه في ا لهجرة ~~فقال : { والذين هاجروا } أي أوقعوا هجرة ديارهم وأهليهم { في سبيل الله } ~~أي طريق ذي الجلال والإكرام التي شرعها , فكانت ظرفا لمهجرتهم , فلم يكن ~~لها بها غرض آخر . | ولما كان أكثر ما يخاف من الهجرة القتل . | لقصد ~~الأعداء للمهاجر بالمصادمة , عند تحقق المصارمة , قال معبرا بأداة التراخي ~~إشارة إلى طول العمر وعلو الرتبة بسبب الهجرة : { ثم قتلوا } أي بعد الهجرة ~~, وألحق به مطلق الموت فضلا منه فقال : { أو ماتوا } أي من غير قتل { ~~ليزقنهم الله } اي الملك الأعلى { رزقا حسنا } من حين تفارق أرواحهم ~~أشباحهم ms3217 لأنهم أحياء عند ربهم , وذلك لأنهم أرضوا الله بما انخلعوا منه مما ~~أثلوه طول أعمارهم . | وأثله آباؤهم من قبلهم , وأموالهم وأهليهم وديارهم . ~~| ولما كان التقدير : فإن لاالله فعاللما يريد من إحيائهم ورزقهم وغيره , ~~عطف عليه قوله : { وإن الله } أي الجامع لصفات الكمال بعظمته وقدرته على ~~الإحياء كما قدر على الإماتة { لهو خير الرازقين * } يرزق الخلق عامة البر ~~منهم والفاجر , فكيف بمن هاجر إليه ! ويعطي عطاء لا يدخله عد , ولا يحويه ~~حد , وكما دلت الآية على تسوية من مات في سبيل الله برباط أو غيره في الرزق ~~بالشهيد , دلت السنة أيضا من حديث سلمان وغيره رضي الله عنهم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( من مات مرابطا أجري عليه الرزق وأمن الفتانين ) ~~. | PageV05P167 < < # | الحج : ( 59 - 63 ) ليدخلنهم مدخلا يرضونه . . . . . # > > ^ ( ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم * ذلك ومن عاقب بمثل ~~ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور * ذلك بأن الله ~~يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير * ذلك بأن ~~الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير * ~~ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير ) ~~^ } ) | ولما كان الرزق لا يتم إلا بحسن الدار , وكان ذلك من أفضل الرزق , ~~قال دالا على ختام التي قبل : { ليدخلنهم مدخلا } أي خولا ومكان دخول قراءة ~~نافع وأبي جعفر بفتح الميم , وإدخالا ومكان إدخال على قراءة الباقين { ~~يرضونه } لا يبغون به بدلا , بما أرضوه به بما خرجوا منه . | ولما كان ~~التقدير : فإن الله لشكور حميد , وكان من المعلوم قطعا أنه لا يقدر أحد أن ~~يقدر الله حق قدره وإن اجنهد , لأن الإنسان محل الخطأ والنسيان , فلو أوخذ ~~بذلك هلك , وكان ربما ظن ظان أنه لو علم ما قصروا فيه لغضب عليهم , عطف على ~~ما قدرته قوله : { وإن الله } أي الذي عمت رجمته وتمت عظمته { لعليم } أي ~~بمقاصدهم وما علموا مما يرضيه ms3218 وغيره { حليم * } عما قصروا فيه من طاعته , ~~وما فرطوا في جنبه سبحانه . | ولما ختم هذه الآيات - التي الإذن للمظلومين ~~في القتال للظالمين - بصفة الحلم , فكان ذلك مخيلة لوجوب العفو عن حقوق ~~العباد كما في شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام , نفى ذلك بقوله إذنا ~~للمجهرين فيمن أخرجهم من ديارهم أن يخرجوه من دياره ويذيقوه بعض ما توعده ~~الله به من العذاب المهين : { ذلك } أي الأمر المقرر من صفة الله تعالى ذلك ~~{ ومن عاقب } من العباد بأن أصاب خصمه , لمصيبة يرجو فيها العاقبة { بمثل ~~ما عوقب } أي عولج علاج من يطلب حسن العاقبة { به } من أي معاقب كان فلم ~~يتجاوز إلى ظلم { ثم بغي } أي من أي باغ كان { عليه } بالعود غلى خصومته ~~لأخذه حقه . | ولما كان ما يحصل للمبغي عليه بالكسر عودا على بدء من الذل ~~والهوان مبعدا لأن ينجبر , أكد وعده فقالك { لينصرنه الله } أي الذي لا ~~كفوء له . | ولما قيد ذلك بالمثلية , وكان أمرا خفيا , لا يكاد يوقف عليه , ~~فكان ربما وقعت المجاوزة خطأ , فظن عدم النصرة لذلك , أفهم تعالى أن ~~المؤاخذة إنما هي PageV05P168 بالعمد , بقوله ؛ ويجوز أن يكون التقدير ندبا ~~إلى العفو بعد ضمان النصر : إن الله لعزيز حكيم , ومن عفا وأصلح فقد تعرض ~~لعفو الله عن تقصيره , ومغفرته لذنوبه , فهو احتباك : ذكر النصرة دليل ~~العزة والحكمة , وذكر العفو منه سبحانه دليل حذف العفو من العبد { إن الله ~~} أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما { لعفو } أي عمن اقتص ممن ظلمه أول مرة ~~{ غفور * } لمن اقتص ممن بغى عليه . | ولما ختم بهذين الوصفينن ذكر من ~~الدليل عليهما أمرا جامعا للمصالح , عاما للخلائق , يكون فيه وبه الإحسان ~~بالخلق والرزق فقال : { ذلك } أي معرفة اتصافه سبحانه بهذين الوصفين { بأن ~~الله } المتصف بجيع صفات الكمال { يولج } لأجل مصالح العباد المسيء والمحسن ~~{ الليل في النهار } فيمحو ظلامه بضيائه , لو شاء مؤاخذة الناس لجعله سرمدا ~~فتعطلت مصالح النهار { ويولج النهار بالليل } فينسخ ضياءه بظلامه , ولولا ~~ذلك لتعطلت مصالح الليل , أو يطول أحدهما حيث ms3219 يراد استيلاء ما طبع عليه على ~~عضد ما طبع عليه آخر لما يراد من المصالح التي جعل ذلك لأجلها { وأن الله } ~~بجلاله وعظمته { سميع } لما يمكن أن يسمع { بصير * } أي مبصر عالم لما يمكن ~~أن يبصر دائم الاتصاف بذلك فهو غير محتاج إلى سكون الليل ليسمع , ولا لضياء ~~النهار ليبصر , لأنه منزه عن الأعراض , وهو لتمام قدرته وعلمه لا يخاف في ~~عفوه غائلة , ولا يمكن أن يفوته أمر , أو يكون التقدير : ذلك النصر والعفو ~~بأنه قادر وبأنه عالم . | ولما وصف نفسه سبحانه بما ليس لغيره فبان بذلك ~~نقير ما سواه بفعله علله بقوله : { ذلك } أي الاتصاف بتمام القدرة وشمول ~~العلم { بأن الله } الحاوي لصفات الكمال , القادر على إخراج المعدوم وتجديد ~~ما فات , من نشر الأموات وغيره { هو } وحده { الحق } أي الواجب الوجود { ~~وأن ما يدعون } أي دعاء عبادة وهم لا يسمعون . | ولما كان سبحانه فوق كل ~~شيء بقهره وسلطانه , قال محقرا لهم : { من دونه } أي من هذه الأصنام وغيرها ~~, ولم يتقدم هنا من الدليل على بطلان الأوثان مثل ما ذكره في لقمان الداعي ~~الحال إلى التأكيد بضمير الفصل فقال : { هو الباطل } لأنه ممكن وجوده وعدمه ~~, فليس له من ذاته إلا العدم كغيره من الممكنات { وأن الله } لكونه هو الحق ~~الذي لا كفوء له { هو } وحده { العلي الكبير * } وكل ما سواه سافل حقير , ~~تحت قهره وأمره , فهو يحيي الموتى كما تقدم أول السورة . | ولما دل ما ~~تضمنه رزقه سبحانه للميت في سبيله بقتل أو غيره على إحيائه له , ودل سبحانه ~~على ذلك وعلى أنه خير الرازقين بما له من العظمة , وختم بهذين الوصفين , ~~أتبعه دليلا آخر على ذلك كله بآية مشاهدة جامعة بين العالم العلوي والسفلي ~~PageV05P169 قاضية بعلوه وكبره , فقال : { الم تر } أي أيها المخاطب { أن ~~الله } أي المحيط قدرة وعلما { أنزل من السماء ماء } بأن يرسل رياحا فتثير ~~سحابا فيمطر على الأرض الملساء . | ولما كان هذا الاستفهام المتلو بالنفي ~~في معنى الإثبات لرؤية الإنزال لكونه فيه معنى الإنكار , عطف على ms3220 { أنزل } ~~معقبا له على حسب العادة قولع , معبرا بالمضارع تنبيها على عظمة النعمة ~~بطول زمان أثر المطر وتجدد نفعه : { فتصبح الأرض } أي بعد أن كانت مسدة ~~يابسة , ميتة هامدة { مخضرة } حية يانعة , مهتزة نامية , بما فيه رزق ~~العبادة , وعمار البلاد , ولم ينصب على أنه جوابه لئلا يفيد نفي الاخضرار , ~~وذلك لأن الاستفهام من حيث فيه معنى الإنكار نفي لنفي رؤية افنزال الذي هو ~~إثبات الرؤية , فيكون ما جعل جوابا له منفيا , لأن الجواب متوقف على ما هو ~~جوابه , فإذا نفى ما عليه التوقف انتفى المتوقف عليه , أي إذا نفى الملزوم ~~انتفى اللازم , وإذا نفي السبب انتفى المسبب - كما تقدم ( فتكون لهم قلوب ) ~~فلو نصب ( يصبح ) على أنه جواب الاستفهام لكان المعنى أن عدم الاخضرار ~~متوقف على نفي للإنزال الذي هو إثبات الإنزال , وهو واضح الفساد , أفاد ~~شيخنا الإمام أبو الفضل رحمه الله . | ولما كان هذا إنتاجا للأشياء من ~~أضدادها , لأن كلا من الماء في رقته وميوعه والتراب في كثافته , وجموده في ~~غاية البعد عن النبات في تنوعه وخضرته , ونموه وبهجته , قال سبحانه وتعالى ~~منبها على ذلك : { إن الله } أي الذي له تمام العز وكمال العلم { لطيف } أي ~~يسبب الأشياء عن أضدادها { خبير * } أي مطلع على السرائر وإن دقت , فلا ~~يستبعد عليهه إحياء من أراد بعد موته , والإحسان في رزقه . | < < # | الحج : ( 64 - 67 ) له ما في . . . . . # > > ^ ( لله ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد * ~~ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك ~~السمآء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم * وهو الذي ~~أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور * لكل أمة جعلنا منسكا هم ~~ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم ) ^ } ) | ~~ولما اقتضى ذلك انهى الترف , لأنه لا بد بعد اختلاط الماء بالتراب من أمور ~~ينشأ عنها النبات , على تلك الهيئات الغريبة المختلفة , فأوجب ذلك أن يكون ~~هو المالك المطلق ms3221 , قال : { له ما في السماوات } أي التي أنزل منها الماء , ~~ولما كان السياق لإثبات البعث والانفراد بالماك والدلالة على ذلك , اقتضى ~~الحال التأكيد بإعادة الموصول فقال : { وما في الأرض } أي التي استقر فيها ~~, وذلك يقتضي ملك PageV05P170 السماوات } والأرضين , فإن كل واحدة منها في ~~التي فوقها حتى ينتهي الأمر إلى عرشه سبحانه الذي لا يجوز أصلا أن يكون ~~لغيره . | ولما كان من المألوف عندنا أن المالك فقير إلى ما في يده ؛ مذموم ~~على إمساكه بالتقتير , وعلى بذله بالتبذير , بين أنه بخلاف ذلك فقال : { ~~وإن الله } أي الذي له الإحاطة التامة { لهو } أي وحده { الغني } أي عنهما ~~وعما فيهما , ما خلق شيئا منهما أو فيهما لحاجة له إليه بل لحاجتكم أنتم ~~إليه { الحميد * } في كل ما يعطيه أو يمنعه , لما في ذلك من الحكم الخفية ~~والجلية ؛ ثم استدل على ذلك بقوله تعالى : { ألم تر } أي أيها المخاطب { أن ~~الله } أي الحائز لصقفات الكمال , من الجلال والجمال { سخر لكم } فضلا منه ~~{ ما في الأرض } كله من مسالكها وفجاجها وما فيها من حيوان وجماد , زروع ~~وثمار , فعلم أنه غير محتاج إلى شيء منه ولما كان تسخير السلوك في البحر من ~~أعجب العجب , قال : { والفلك } أي وسخرها لكم موسقة بما تريدون من البضائع ~~. | ثم بين تسخيرها بقوله : { تجري في البحر } أي العجاج , المتلاطم ~~بالأمواج , بريح طيبة على لطف وتؤدة . | ولما كان الراكب فيها - مع حثيث ~~السير وسرعة المر - مستقرا كأنه على الأرض , عظم الشأن في سيرها بقوله : { ~~بأمره } ولما كان إمساكها على وجه الماء مع لطافته عن الغرق أمرا غريبا ~~كإمساك السماء على متن الهواء عن الوقوع , أتبعه قوله : { ويمسك السماء } ~~ثم فسر ذلك بقوله مبدلا : { أن تقع } اي مع علوها وعظمها وكونها بغير عماد ~~{ على الأرض } التي هي تحتها . | ولما اقتضى السياق أنه لا بد أن تقع ~~لانحلاله إلى أن يمنع وقوعها لأنها جسم كثيف عظيم , ليس له من طبعه إلا ~~السفول , أشار إلى ذلك بقوله : { إلا بإذنه } أي فيقع غذا أذن في وقوعها ms3222 ~~حين يريد طي هذا العالم وإيجاد عالم البقاء . | ولما كان هذا الجود الأعظم ~~والتدبير المحكم محض كرم من غير حاجة أصلا , أشار إليه بقوله : { إن الله } ~~أي الذي له الخلق والأمر . | ولما كان الجماد كله متاعا للحيوان , اقتضى ~~تقديم قولهك { بالناس } اي على ظلمهم { لرؤوف } أي بما يحفظ من سرائرهم عن ~~الزيغ بإرسال الرسل , وإنزال الكتب ونصب المناسك , التي يجمع معظمها البيت ~~الذي بوأه لإبراهيم عليه السلام , وهو التوحيد والصلاة والحج الحامل على ~~التقوى التي بنيت عليها السورة , فإن الرأفة كما قال الحرالي : ألطف الرحمة ~~وأبلغها , فالمرؤوف به تقيمه عناية الرأفة حتى تحفظ PageV05P171 بمسراها في ~~سره ظهور ما يستدعي العفو , وتارة يكن هذا الحفظ بالقوةة بنصب الأدلة , ~~وتارة يضم إلى ذلك الفعل بخلق الهداية في القلب , وهذا خاص بمن له بالمنعم ~~نوع وصلة . | { رحيم * } بما يثبت لهم عموما من الدرجات على ما منحهم به من ~~ثمرات ذلك الحفظ من الأعمال المرضية لما تقدم في الفاتحة من أن الرحيم خاص ~~الرحمة بما ترضاه الإلهية , وتقدم في البقرة تحقيق هذا الموضع ولما بين ~~سبحانه جملا من أمهات الدين , وأتبعها لأهله على المعتدين , وختم بما بعد ~~الموت للمهاجرين , ترغيبا في منابذة الكافرين , وعرف بما له من تمام العلم ~~وشمول القدرة , ومثل ذلك بأنواع من التصرف في خلق السموات والأرضين , ~~وأنهاه بالدلالة على أنه كله لنفع الآدميين نعمة منه , تلا ذلك بما هو أكبر ~~منه نعمة عليهم فقال : { وهو } أي وحده { الذي أحياكم } أي عن الجمادية بعد ~~أن أوجدكم من العدم بعد أن لم تكونوا شيئا , منة منه عليكم مستقلة , لزم ~~منها المنة بما تقدم ذكره من المنافع الدنيوية لتستمر حياتكم أولا , ~~الدينية لتنتفعوا بالبقاء ثانيا { ثم يميتكم } ليكون الموت واعظا لأولي ~~الصائر منكم , وزاجرا لهم عما طبعوا عليه من الأخلاق المذمومة { ثم يحييكم ~~} للتحلي بفصل القضاء وإظهار العدل في الجزاء . | ولما علم أن كل م في ~~الوجود من جوهر وعرض نعمة على الإنسان حتى الحياة والموت , وكان من أجلي ~~الأشياء , وكانت أفعاله معرضة ms3223 عن الرب هذه النعم بالعبادة لغيره , أو ~~التقصير في حقه على عمم فضله وخيره , ختم الآية سبحانه بقوله : { إن ~~الإنسان لكفور * } اي بليغ الكفر حيث لم يشكر على هذه النعم المحيطة به . | ~~ولما تقدم ذكر المناسك , ولكثرة الكفار قد يقع في النفس أن إقانتها معجوز ~~عنها , وكشف سبحانه غمة هذا السؤال بآية { إن الله يدافع عن الذي آمنوا } ~~وما بعدها , فأنتج ذلك علمنا بتصرفه التام بقدرته الباهرة , وعلمه الشامل ~~المقتضي لإقبال العباد إليه , واجتماعهم كلهم عليه , فمن شك في قدرته على ~~إظهار دينه بمدافعته عن أهله , أو نازع فيه فهو كفور , ذكر بإظهار أول هذا ~~ا لخطاب بآخر ذلك الخطاب مؤكدا لما أجاب به عن ذلك السؤال من تمام القدرة ~~وشمول العلم أنه هو الذي مكنن لكل قوم ما هم فيه من المناسك التي بها ~~انتظام الحياة , فإن نوافقت الأمر الإلهي كانت سببا للحياة الأبدية , وإلا ~~كانت سببا للهلاك الدائم , وهو سبحانه الذي نصب من الشرائع لكل قوم ما ~~يلائمهم , لأنه بتغيير الزمان بإيلاج الليل في النهار على مر الأيام وتوالي ~~الشهور والأعوام , بسبب من الأسباب - لأجل امتحان العباد , وإظهار ما خبأ ~~في جبلة كل منهم من طاعة وعصيان , وشكر وكفران - ما يصير الفعل مصلحة بما ~~يقتضيه من الأسباب بعد أن كان PageV05P172 مفسدة وبالعكس , لا قتداره على ~~كل شيء وإظهار اقتداره كما قال تعالى عند أول ذكره للنسخ < # > 77 ( { ألم تعلم أن الله هلى كل شيء قدير } ) 77 < # > [ البقرة : 106 ] الآياتن فعلم أن منازعتهم فيه كفر , فلذلك أتبع هذا ~~قوله من غير عاطف لما بينهما من تمام الاتصال : { لكل أمة } أي في كل زمان ~~{ جعلنا } أي بما لنا من العظمة { منسكا } أي شرعا لاجتماعهم به على خالقهم ~~حيث وافق أمره , ولاجتماعهم على أهوائهم إذا لم يوافقه , وعن ابن جرير أم ~~أصل المنسك في كلام العرب هو الموضع الذي يعتاده الإنسان ويتردد إليه إما ~~لخير أو لشر . | ولما كان بحيث إن ما أراده سبحانه كان لا محالة , قال : { ~~هم ناسكوه } أي ms3224 متعبدون به , لأنا ندافع عنهم من يعاديهم فيه حتى يستقيم ~~لهم أمره , لإسعادهم به أو إشقائهم , فمن شك في قدرتنا على تمكينهم منه فهو ~~كفور , فإن وافق الأمر كان ربحا وإيمانا , وإن خالفه كان كفرا وخسرانا . | ~~ولما كان قد حكم بإظهار دينه عل الدين كله , وبأن الكفار على كثرتهم يغلبون ~~بعد ما هم فيه م نالبطرن أعلم بذلك بالتعبير بصيغة الزجر لهم بقوله مسببا ~~عن هذه العظمة : { فلا ينازعنك في الأمر } أي بما يلقيه الشيطان إليهم من ~~الشبه ليجادلوا به , من طعنهم في دينك بالنسخ بقولهم : لو كان من عند الله ~~لما أمر اليوم بشيء ونهي عنه غدا . | لأنه يلزم منه ا لبدء , فليس الأمر ~~كما زعموا , بل هو دال على العم بالعواقب والاقتدار التام على شرع المذاهب ~~, وغير ذلك من الشبه كما مضت الإشارة إليه , فلا يلتفت إليهم في شيء نازعوا ~~فيه كائنا ما كان , وروي أنها نزلت بسبب جدال الكفار بديل بن ورقاء وبشر بن ~~سفيان الخزاعين وغيرهما في الذبائح , وقولهم للمؤمنين : تأكلون ما ذبحتم ~~وهو من قتلكم , ولا تأكلون ما قتل الله - ينعون الميتة . | ولما كان النهي ~~عن المنازعة في الحقيقة له صلى الله عليه وسلم إلهابا وتهييجا إلى الإعراض ~~عنهم لأنهم أهل لذلك , لأن كيدهم في تضليل , والإقبال على شأنه , وكان ~~التعبير بما تقدم من تحويله إليهم لتأكيد الأمر مع دلالته على إجلاله صلى ~~الله عليه وسلم عن المواجة بالنهي , عطف عليه قوله : { وادع } أي أوقع ~~الدعوةلجميع الخلق { إلى ربك } أي المحسن إليك بإرسالك , بالحمل لهم على كل ~~ما أمرك به متى ما أمرك , ولا يهولنك قولهم , فإنهم مغلوبون لا محالة , ولا ~~تتأمل عاقبة من العواقب , بل أقدم على الأمر وإن ظن أن فيه الهلاك , فإنه ~~ليس عليك إلا ذلك . | وأما نظم الأمور على نهج السداد في إظهار الدين , ~~وقهر المعاندين , فإلى الذي أمرك بتلك الأموامر , وأحكم الشأن في جميع ~~الزواجر ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنك } مؤكداص له بحسب ما عندهم من الإنكار ~~{ لعلى هدى مستقيم ms3225 * } فإنه تأصيل العليم القدير وإن طرقه التغيير . | ~~PageV05P173 < < # | الحج : ( 68 - 72 ) وإن جادلوك فقل . . . . . # > > ^ ( وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون * الله يحكم بينكم يوم ~~القيامة فيما كنتم فيه تختلفون * ألم تعلم أن الله يعلم ما في السمآء ~~والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير * ويعبدون من دون الله ما لم ~~ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير * وإذا تتلى عليهم ~~آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون ~~عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس ~~المصير ) ^ } ) | ولما أمره بالإقبال على ما يهمه , والإعراض عن منازعتهم , ~~في صيغة نهيهم عن منازعته , علمه الجواب إن ارتكبوا منهيه بعد الاحتهاد في ~~دفعهم , لما لهم من اللجاج والعتو , فقال : { وإن جادلوك } أي في شيء من ~~دينك بشيء مما تقدم من أقوالهم السفسافة أو بغيره { فقل } معرضا عن عيب ~~دينهم الذي لا أبين فسادا منه : { الله } أي الملك المحيط بالعز والعلم { ~~أعلم بما تعملون * } مهددا لهم بذلك , مذكرا لنفسك بقدرة ربك , قاطعا بذلك ~~المنازعة من حيث رقب , متوكلا على الذين أمرك بذلك في حسن تدبيرك والمدافعة ~~عنك ومجازاتهم بما سبق علمه به مما يستحقونه ؛ قال الرازي في اللوامع : ~~وينبغي أن يتأدب بهذا كل أحد , فإن أهل الجدل قوم جاوزوا حد العوام ~~بتحذلقهم , ولم يبلغوا درجة الخواص الذين عرفوا الأشياء على ما هي عليه , ~~فالعوام منقادون للشريعة , والخواص يغرفون أسرارها وحقائقها , وأهل الجدل ~~قوم في قلوبهم اضطراب وانزعاج . | ولما أمره بالإ ‘ راض عنهم , وكان ذلك ~~شديدا على النفس لتشوفها إلى النصرة , رجاه في ذلك بقولهك مستأنفا مبدلا من ~~مقول الجزاء تحذيرا لهم { الله } أي الذي لا كفوء له { يحكم بينكم } أي ~~بينك مه أتباعك وبينهم { يوم القيامة } الذي هو يوم التغابن { فيما كنتم } ~~أي بما هو لكم كالجبلة { فيه } أي خاصة { تختلفون * } في أمر الدين , ومن ~~نصر ذلك اليوم لم يبال بما حل به قبله ^ ( { وسيعلم الذين ظلموا ms3226 أي منقلب ~~ينقلبون } ) ^ [ الشعراء : 227 ] قال البغوي : والاختلاف ذهاب كل واحد من ~~الخصمين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر . | ولما كان حفظ ما يقع بينهم على ~~كثرتتهم في طول الأزمان أمرا هائلا , أتبعه قوله : { الم تعلم أن الله } ~~بجلال عزه وعظيم سلطانه { يعلم ما في } ولما كان السياق لحفظ أحوال الثقلين ~~للحكم بينهم , وكان أكثر ما يتخيل أن بعض الجن يبلغ استراق السمع من السماء ~~الدنيان لم تدع حاجة إلى ذكر أكثر منها , فأفرد معبرا بما يشمل لكونه جنسا ~~- PageV05P174 الكثير أيضا فقال : { السماء والأرض } مما يتفق منهم ومن ~~غيرهم من جميع الخلائق الحيوانات وغيرها . | ولما كان الإنسان محل النسيان ~~, لا يحفظ الأمور إلا بالكتاب , خاطبة بما يعرف , مع ما فيه من عجيب القدرة ~~, فقال : { إن ذلك } أي الأمرالعظيم { في كتاب } كتب فيه كل شيء حكم بوقوعه ~~قبل وقوعه وكتب جزاءه ؛ ولما كان جمع ذلك في كتاب أمرا بالنسبة إلى الإنسان ~~متعذرا , أتبعه التعريف بسهولته عنده فقال : { إن ذلك } إلى علم ذلك الأمر ~~العظيم بلا كتاب , وجمعه في كتاب قبل كونه وبعده { على الله } أي الذي لا ~~حد لعظمته , وحده { يسير * } . | ولما أخبر سبحانه أن الشك لا يزال ظرفا ~~لهم - لما يلقى الشيطان من شبهه في قلوبهم القابلة لذلك بما لها من المرض ~~وما فيها من ا لفساد إلى إتيان الساعة , وعقب ذلك بما ذكر من الحكم المفصلة ~~, والأحكام المشرفة المفضلة , إلى أن ختم بأنه وحده الحكم في الساعة , ~~مرهبا من تمام علمه وشمول قدرته , قال معجبا ممن لا ينفعه الموعظة ولا يجوز ~~الواجب وهو يوجب المحال , عاطفا على { ولا يزال } : { ويعبدون } أي على ~~سبيل التجديد والاستمرار { من دون الله } أي من أدنى رتبة من رتب الذي قامت ~~جميع الدلائل على احتوائه على جميع صفات الكمال , وتنزهه عن شوائب النفص { ~~مل لم ينزل به سلطانا } أي حجة واحدة من الحجج . | ولما كان قد يتوهم أن ~~عدم إنزال السلكان لا ينفيه , قال مزيلا لهذا الوهم : { وما ليس لهم به علم ~~} أي أصلا ms3227 { وما } أي والحال أنهم ما لهم , ولكنه أظهره إشارة إلى الوصف ~~الذي استحقوا به الهلاك فقال : { للظالمين } أي الذين وضعوا التعبد في غير ~~موضعه بارتكابهم لهذا الأمر العظيم الخطر ؛ وأكد النفي واستغراق المنفي ~~بإثبات الجار فقال : { من نصير * } أي ينصرهم من الله , لا مما أشركوه به ~~ولا من غيره , لا في مدافعة عنهم ولا في إثبات حجة لمذاهبهم , فنفى أن يكون ~~أحد يمكنه أن يأتي بنصرة تبلغ القصد بأن يغلب المنصور عليه , وأما مطلق نصر ~~لا يفيد بما تقدم من شبه الشيطان فلا . | ولما ذكر اعترافهم بما لا يعرف ~~بنقل ولا عقل , ذكر إنكارهم لما لا يصح أن ينكر فقال : { وإذا تتلى } أي ~~على سبيل التجديد والمتابعة من أي تال كان { عليهم آياتنا } أي المسمعة على ~~ما لها من العظمة والعلو , حال كونها { بينات } لا خفاء بها عند من له ~~بصيرة في شيء مما دعت إليه من الأصول والفروع { تعرف } بالفراسة في وجههم - ~~هكذا كان الأصل , ولكنه أبدل الضمير بظاهر يدل على عنادهم فقال : { في وجوه ~~الذين PageV05P175 كفروا } أي تلبسوا بالكفر { المنكر } أي الإنكار الذي هو ~~منكر في نفسه لما حصل لهم من الغيظ ؛ ثم بين ما لاح في وجوههم فقال : { ~~يكادون يسطون } أي يوقعون السطوة بالبطش والعنف { بالذين يتلون عليهم ~~آياتنا } أي الدالة على أسمائه الحسنى , وصفاتنا العى , القاضية بوحدانيتنا ~~, مع كونها بينات في غاية الوضوح في أنها كلامنا , لما فيها من الحكم ~~والبلاغة التي عجزوا عنها . | ولما استحقوا - بإنكارهم وما أرادوه من الأذى ~~لأولياء الله - النكال , تسبب عنه إعلامهم بما استحقوه , فقال مؤذنا بالغضب ~~بالإعراض عنهم , آمر له صلى الله عليه وسلم بتهديدهم : { قل أفأنبئكم } أي ~~أتعون فأخبركم خبرا عظيما { بشر من ذلكم } الأمر الكبير من الشر الذي ~~أردتموه بعباد الله التالين عليكم للىيات وما حصل لكم من الضجر من ذلك , ~~فكأنه قيلك ما هو ؟ فقيل : { النار } ثم استأنف قوله متهكما بهم بذكر الوعد ~~: { وعدها الله } العظيم الجليل { الذين كفروا } جزاء لهم على همهم هذا , ~~فبئس الموعد هي ms3228 { وبئس المصير * } . | < < # | الحج : ( 73 - 76 ) يا أيها الناس . . . . . # > > ^ ( يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن ~~يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف ~~الطالب والمطلوب * ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز * الله يصطفي ~~من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير * يعلم ما بين أيديهم وما ~~خلفهم وإلى الله ترجع الأمور ) ^ } ) | ولما أخبر تعالى عن أنه لا حجة ~~لعابد غيره , وهدد من عاند , أتبعه بأن الحجة قائمة على أن ذلك الغير في ~~غاية ا لحقارة , ولا قدرة له على دفع ما هدد به عابدوه ولا على غيره , فكيف ~~بالصلاحية لتلك الرتبة الشريفة , والخطة العالية المنيفة , فقال مناديا أهل ~~العقل منبها تنبيها عاما : { يأيها الناس } . | ولما كان المقصود من المثل ~~تعقله لا قائله , بني للمفعول قوله : { ضرب مثل } حاصله أن من عبدتموه ~~أمثالكم , بل هم أحقر منكم { فاستمعوا } أي أنصتوا متدبرين { له } ثم فسره ~~بقوله : { إن الذين تدعون } أي في حوائجكم , وتجعلونهم آلهة { من دون الله ~~} أب الملك الأعلى من هذه الأصنام التي أنتم بها مغترون , ولما تدعون فيها ~~مفترون , لأن سلب القدرة عنها يبين أنها في أدنى المراتب { لن يخلقوا ذبابا ~~} أي لا قدرة لهم على ذلك الآن , ولا يتجدد لهم هذا الوصف أصلا في شيء من ~~الأزمان , على حال من الحوال , مع صغره , فكيف بما هو أكبر منه { ولو ~~اجتمعوا } أي الذين PageV05P176 زعموهم شركاء { له } أي الخلق , فهم في هذا ~~أمثالكم { وإن } أي وأبلغ من هذا أنهم عاجزون عن مقاومة الذباب فإنه إن { ~~يسلبهم الذباب } أي الذي تقدم أنه لا قدرة لهم على خلقه وهو في غاية ~~الحقارة { شيئا } من الأشياء جل أو قل مما تطلونهم به من الطيب أو تضعونه ~~بين ايديهم من الأكل أوغيره { لا يستنقذوه } أي يوجدوا خلاصه أو يطلبونه { ~~منه } فهم في هذا أحقر منكم , وجهة التمثيل به في الاستلاب الوقاحة , ولهذا ~~يجوز عند الإبلاغ في الذب , فلو كانت وقاحته ms3229 في الأسد لم ينج منه أحد , ~~ولكن اقتضت الحكمة أن تصحب قوة الأسد النفرة , ووقاحة الذباب الضعف , وهو ~~واحد لا جمع , ففي الحمع بين العباب والمحكم أن عبيدة قال : إنه الصواب , ~~ثم قال : وفي ( كتاب ما تلحن فيه العامة ) لأبي عثمان المازني : ويقال : ~~هذا ذباب واحد , وثلاثة أذبة , لأقل العدد ولأكثر ذباب , وقول الناس : ~~ذبابة - خطأ , فلا تقله - . | ولما كان هذا ربما أفهم قوة الذباب , عرف أن ~~المقصود غير ذلك بقوله , فذلكة للكلام من أوله : { ضعف الطالب } أي ~~للاستنقاذ من الذباب , وهو الأصنام وعابدوها { والمطلوب * } أي الذباب ~~والأصنام , اجتمعوا في الضعف وإن كان الأصنام أضعف بدرجات . | ولما أنتج ~~هذا جهلهم بالله , عبر عنه بقوله , { ما قدروا الله } أي الذي له الكمال ~~كله { حق قدره } في وصفهم بصفته غيره كائنا من كان , فكيف وهو أحقر الأشياء ~~. | ولما كان كأنه قيل : ما قدره ؟ قال : { إن الله } أي الجامع لصفات ~~الكمال { لقوي } على خلق كل ممكن { عزيز * } لا يغلبه شيء , وهو يغلب كل ~~شيء بخلاف أصنامهم وغيرها . | ولما نصب الدلي على أن ما دعوه لا يصلح أن ~~يكون شيىء منه إلها بعد أن أخبر أنه لم ينزل إليهم حجة بعبادتهم لهم , وختم ~~بما له سبحانه من وصفي القوة والعزة بعد أن أثبت أن له الملك كله , تلا ذلك ~~بدليله الذي تقتضيه سعة الملك وقوة السلطان من إنزال الحجج على ألسنة الرسل ~~بأوامره ونواهيه الموجب لإخلاص العبادة له المقتضي لتعذيب تاركها , فقال : ~~{ الله } أي الملك الأعلى { يصطفي } أي يختار ويخلص { من الملائكة رسلا } ~~إلى ما ينبغي الإرسال فيه من العذاب والرحمة , فلا يقدر أحد على صدهم عما ~~أرسلوا له , ولا شك أن قوة الرسول من قوة المرسل { ومن الناس } أيضا رسلا ~~يأتون عن الله بما يشرعونه لعباده , لتقوم عليهم بذلك حجة النقل , مضمومة ~~إلى سلطان العقل , فمن عاداهم خسر وإن طال استدراجه . | ولما كان ذلك لا ~~يكون إلا بالعلم , قال : { إن الله } أي الذي له الجلال والجمال { سميع } ~~أي لما يمكن أن يسمع من ms3230 الرسول وغيره { بصير * } أي مبصر عالم بكل ما يمكن ~~عقلا أن يبصر ويعلم , بخلاف أصنامهم . | PageV05P177 ولما كان المتصف بذلك ~~قد يكون وصفه مقصورا على بعض الأشياء , أخبر أن صفاته محيطة فقال : { يعلم ~~ما بين أيديهم } أي الرسل { وما خلفهم } أي علمه محيط بما هم مطلعون عليه ~~وبما غاب عنهم , فلا يفعلون شيئا إلا بإذنه , فإنه يسلك من بين أيديهم ومن ~~خلفهم رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وإن ظن الجاهلون غير ذلك , ~~لاحتجاجه سبحانه وتعالى في الأسباب , فلا يقع في فكر اصلا أن المحيط علما ~~بكل شيء الشامل القدرة لكل شيء يكل رسولا من رسله إلى نفسه , فيتكلم بشيء ~~لم يرسله به , ولا أنه يمكن شيطانا أو غيره أن يتكلم على لسانه بشيء , بل ~~كل منهم محفوظ في نفسه ^ ( { ا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } ) ^ [ ~~الحجر : 9 ] { وإلى الله } أي الذي لا كفوء له , وحده { ترجع } أي بغاية ~~السهولة بوعد فصل لا بد منه { الأمور * } يوم يتجلى لفصل القضاء , فكيون ~~أمره ظاهرا لا خفاء فيه , ولا يصدر شيء من الأشياء غلا على وجه العدل ~~الظاهر لكل أجد أنه منه . | ولا يكون لأحد التفات إلى غيره , والذي هو بهذه ~~الصفة له أن يشرع ما يشاء , وينسخ من الشروع ما يشاء , ويحكم بما يريد . | ~~< < # | الحج : ( 77 - 78 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير ~~لعلكم تفلحون * وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون ~~الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير ) ^ } ) | ولما أثبت ~~سبحانه أن الملك والأمر له وحده , وأنه قد أحكم شرعه , وحفظ رسله , وأنه ~~يمكن لمن يشاء أي يدن شاء , وختم ذلك بما يصلح للترغيب والترهيب , وكانت ~~العادة جارية بأن الملك إذا يرزت أوامره وانبثت دعاته , أقبل إليه مقبلون , ~~خاطب المقبلين إلى ms3231 دينه , وهم الخلص من الناس , فقال : { يا أيها الناس ~~آمنوا } أي قالوا : آمنا { اركعوا } تصديقا لقولكم { واسجدوا } أي صلوا ~~الصلاة التي شرعتها للآدميين , فإنها رأس العبادة , لتكون دليلا على صدقكم ~~في الإقرار بالإيمان , وخص هذين الركنين في التعبير عن الصلاة بهما , ~~لأنهما - لمخالفتهما الهيئات المعتادة - هما الدالان على الخضوع , فحسن ~~التعبير بهما عنها جدا في السورة التي جمعت جميع الفرق الذين فيهم من ~~يستقبح - لما غلب عليه من العتو - بعض الهيئات الدالة على ذل . | ~~PageV05P178 ولما خص اشرف العبادة , عم بقوله : { واعبدوا } أي بأنواع ~~العبادة { ربكم } المحسن إليكم بكل نعمة دنيوية ودينية . | ولما ذكر عموم ~~العبادة , أتبعها ما قد يكون أعم منها مما صورته صورتها , وقد يكون بلا نية ~~, فقال : { وافعلوا الخير } أي كله من القرب كصلة الأرحام وعيادة المرضى ~~ونحو ذلك , من معالي الأخلاق بنية وبغير نية , حتى يكون ذلك لكم عادة فيخف ~~عليكم عمله لله , وهو قريب من ( ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا ) قال أبو حيان ~~: بدأ بخاص ثم بأعم . | { لعلكم تفلحون * } أي ليكون حالكم حال من يرجو ~~الفالح , وهو الفوز بالمطلوب ؛ قال ابن القطاع : أفلح الرجل : فاز بنعيم ~~الآخرة , وفلح أيضا لغة فيه . | وفي الجمع بين العباب والمحكم : الفلح ~~والفلاح : الفوز والبقاء وفي التنزيل < # > 77 ( { قد افلح المؤمنون } ) 77 < # > [ المؤمنون : 1 ] أي نالوا البقاء الدائم , وفي الخبر : أفلح الرجل : ~~ظفر . | ويقال لكل من أصاب خيرا : مفلح . | ولما كلن الجهاد أساس العبادة , ~~وهو - مع كونه حقيقة في قتال الكفار - صالح لأن يعم كل أمر بمعروف ونهي عن ~~منكر بالمال والنفس بالقول والفعل بالسيف وغيره , وكل اجتهاد في تهذيب ~~النفس وإخلاص العمل , ختم به فقال : { وجاهدوا في الله } اي الملك الأعظم ~~الذي لا كفوء له في كل ما ينسب إليه سبحانه , لا يخرج منه شيء عنه كما لا ~~يخرج شيء من المظروف عن الظرف { حق جهاده } باستفراغ الطاقة في إيقاع كل ما ~~أمر به من الجهاد العدو والنفس على الوجه الذي أمر به من الحج والغزو ~~وغيرهما جهادا يليق بما ms3232 أفهمته الإضافة إلى ضميره سبحانه من الإخلاص والقوة ~~, فإنه يهلك جميع من يصدكم عن شيء منه . | ولما أمر سبحانه بهذه الأوامر , ~~أتبعها بعض ما يجب به شكره , وهو كالتعليل لما قبله , فقال : { هو اجتباكم ~~} أي اختاركم لجعل الرسالة فيكم والرسول منكم وجعله أشرف الرسل , ودينه ~~أكرم الأديان , وكتابه أعظم الكتب , وجعلكم - لكونكم أتباعه - خير الأمم { ~~وما جعل عليكم في الدين } الذي اختاره لكم { من خرج } أي ضيق يكون به نوع ~~عذر لمن توانى في الجهاد الأضغر والأكبر كما جعل على من كان قبلكم كما تقدم ~~ذكره بعضه في البقرة وغيرها , أعني { ملة } . | ولما كان أول مخاطب بهذا ~~قريشا , ثم مضر , وكانوا كلهم أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسلام حقيقة , ~~قال : { أبيكم إبراهيم } أي الذي ترك عبادة الصنام ونهى عنها , ووحد الله ~~وأمر بيوحيده , يا من تقيدوا بتقليد الآباء ! فالزما دينه لكونه ابا , ~~ولكوني أمرت به , وهو أب لبعض المخاطبين من الأمة الحقيقية , ولبعضهم مجازا ~~بالاحترام والتعظيم , فيعم الخطاب الجميع , ولذلك حثهم على ملته بالتعليل ~~بقوله : { هو } أي PageV05P179 إبراهيم عليه السلام { سماكم المسلمين * } ~~في الأزمان المتقدمة { من قبل } أي قبل إنزال هذا القرآن , فنوه بذكركم ~~والثناء عليكم في سالف الدهر وقديم الزمان فكتب ثناءه في كتب الأنبياء يتلى ~~على الأحبار والرهبان , وسماكم أيضا مسلمين { وفي هذا } الكتاب الذي أنزل ~~عليكم من بعد إنزال تلك الكتب كما أخبرتكم عن دعوته في قوله < # > 77 ( { ومن ذريتنا أمة مسلمة لك } ) 77 < # > [ البقرة : 128 ] لأنه بانتفاء الحرج يطابق الاسم المسمى , ويجوز - ~~ولعله أحسن - أن يكون { هو سماكم } تعليلا للأمر بحق الجهاد بعد تعليله ~~بقوله { هو اجتباكم } فيكون الضمير لله تعالى , وييشهد له بالحسن قراءة أبي ~~رضي الله عنه بالجلالة عوضا عن الضميرن أي أن كل أمة تسمت باسم من تلقاء ~~نفسها , والله تعالى خصكم باسم الإسلام مشتقا له من اسمه < # > 77 ( { السلام } ) 77 < # > [ الحشر : 3 ] مع ما خصكم به من اسم الإيمان استقاقا له من اسمه المؤمن ~~, فأثبت لكم هذا الاسم في كتبه , واجتباكم لاتباع رسوله ms3233 . | ولما كان الاسم ~~إذا كان ناشئا عن الله تعالى سواء كان بواسطة نبي من أنبيائه أو بغير واسطة ~~يكن مخبرا عن كيان المسمى , وكان التقديرك رفع عنكم الحرج وسماكم بالإسلام ~~لتكونوا اشد الأمم انقيادا لتكونوا خيرهم , علل هذا المعنى بقوله : { ليكون ~~الرسول } يوم القيامة { شهيدا عليكم } لأنه خيركم , والشهيد يكون خيرا ~~ولكون السياق لإثبات مطلق وصف الإسلام فقط , لم يقتض الحال تقديم الظرف ~~بخلاف آية البقرة , فإنها لإثبات ما هو أخص منه { وتكونوا } بما في جبلاتكم ~~من الخير { شهداء على الناس } بأن رسلهم بلغتهم رسالات ربهم , لأنكم قدرتم ~~الرسل حق قدرهم , ولم تفرقوا بين أحد منهم , وعلمتم أخبارهم من كتابكم على ~~لسان رسولكم صلى الله عليه وسلم , فبذلك كله صرتم خيرهم , فأهلتم للشهادة ~~وصحت شهادتكم وقبلكم الحكم العدل , وقد دل هذا على أن الشهادة غير المسلم ~~ليست مقبولة . | ولما ندبهم لأن يكونوا خير الناس , تسبب عنه قوله : { ~~فأقيموا } أي فتسبب عن إنعامي عليكم بهذه النعم وإقامتي لكم في هذا المقام ~~الشريف أني أقول لكم : قيموا { الصلاة } التي هي زكاة قلوبكم , وصلة ما ~~بينكم وبين ربكم { وآتوا الزكاة } التي هي طهرة ابدانكم , وصلة ما بينكم ~~وبين إخوانكم { واعتصموا بالله } أي المحيط بجميع صفات الكمال . | في جميع ~~ما أمركم به , من المناسك التي تقدمت وغيرها لتكونوا متقين , فيذب عنكم من ~~يريد أن يحول بينكم وبين شيء منها ويقيكم هول الساعة ؛ ثم علل أهليته ~~لاعتصامهم به بقوله : { هو } أي وحده { مولاكم } أي المتولي لجميع أموركم , ~~فهو ينصركم على كل من يعاديكم , بحيث تتمكنون من إظهار هذا الدين من ~~PageV05P180 مناسك الحج وغيرها ؛ ثم علل الأمر بالاعتصام وتوحده بالولاية ~~بقوله : { فنعم المولى } أي هو { ونعم النصير * } لأنه إذا تولى أحدا كفاه ~~كل ما أهمه , وإذا نصر أحدا أعلاه على كل من خاصمه ( ولا يزال العبد يتقرب ~~إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته ) - الحديث , ( إنه لا يذل من واليت ولا ~~يعز من عاديت ) وهذا نيتجة التقوى , وما قبله من أفعال الطاعة دليلها . | ~~فقد انطبق آخر السورة ms3234 على أولها . | ورد مقطعها على مطلعها - والله أعلم ~~بمراده وأسرار كتابه وهو الهادي للصواب . | . . . . | PageV05P181 < # > سورة المؤمنون < # > < < # | المؤمنون : ( 1 - 6 ) قد أفلح المؤمنون # > > ^ ( قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن ~~اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ) ^ } ) | مقصودها اختصاص ~~المؤمنين بالفلاح , وتسمها واضح الدلالة على ذلك { بسم الله } الذي له ~~الأمر كله , فلا راد لأمره { الرحمن } الذي من عموم رحمته الإبلاغ في ~~البيان { الرحيم * } الذي خص من أراد بالإيمان . | لما ختمت الحج بناء ~~الذين آمنوا وأمرهم بأمور الدين خاصة وعامة , وختم بالصلاة والزكاة والعصمة ~~به سبحانه موصفا بما ذمر , أوجب ذلك توقع المادين كل خير , فابتدأت هذهه ~~بما يثمر الاعتصام به سبحانه في الصلاة وغيرها من خلال الدين في الدارين , ~~فقال تعالى مفتتحا بحرف التوقع : { قد } وهي نقيضة لما تثبت المتوقع وتقرب ~~الماضي من الحال ولما تنفيه { أفلح } أي فاز وظفر الآن بكل ما يريد , ونال ~~البقاء الدائم في الخير { المؤمنون * } وعبر بالاسم إشارة غلى أن من أقر ~~بالإيمان وعمل بما أمر به في آخر التي قبلها , استحق الوصف الثابت لأنه ~~اتقى وأنفق مما رزق فأفلح ^ ( { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } ) ^ ~~[ الحشر : 9 ] ؛ ثم قيدهم بما يلزم من الصدق في الإيمان فقال : { الذين هم ~~} أي بضمائرهم وظواهرهم { في صلاتهم } أضيفت إليهم ترغيبا لهم في حفظها , ~~لأها بينهم وبين الله تعالى , وهو غني عنها , فهم المنتفعون بها { خاشعون * ~~} أي أذلاء ساكنون متواضعون مطمئنون قاصرون بواطنهم وظواهرهم على ما هم فيه ~~؛ قال الرازيك خائفون خوفا يملأ القلب حرمة , والأخلاق تهذيبا , والأطراف ~~تأديبا , أي خشية أن ترد عليهم صلاتهم , ومن ذلك خفض البضر إلى موضع السجود ~~, قال الرازي : فالعبد إذا دخل في الصلاة رفع الحجاب , وإذا التفت أرخى , ~~قالك وهو PageV05P182 خوف ممزوج بتيقظ واستكانة , ثم قد يكون في المعاملة ~~إيثارا ومجاملة و إنصافا ومعدله , وفي الخدمة حضورا واستكانة . | وفي السر ~~تعظيما وحياء وحرمة , والخشوع في ms3235 الصلاة بجمع الهمة لها , والإعراض عما ~~سواها , وذلك بحضور القلب والتفهم والتعظيم والهيبة والرجاء والحياء , وإذا ~~كان هذا حالهم في الصلاة التي هي أقرب القربات . | فهم به فيما سواها أولى ~~. | قال ابن كثير : والخشوع في ا لصلاة إنما يحصل لمن فرغ قلبه لها , ~~واشتغل بها عما عداها , وآثرها على غيرها , وحينئذ تكون راحة له وقرة عين ( ~~وجعلت قرة عيني في الصلاة ) رواه أحمد والنسائي عن أنس رضي الله عنه ( يا ~~بلال ! أرحنا بالصلاة ) - رواه أحمد عن رجل من أسلم رضي الله عنه . | ولما ~~كان كل من الصلاة والخشوع صادا عن اللغو , أتبعه قوله : { والذين هم } ~~بضمائرهم التي تبعها ظواهرهم { عن اللغو } أي ما لا يعنيهم , وهو كل ما ~~يستحق أن يسقط ويلغى { معرضون * } أي تاركون عمدا , فصاروا جامعين فعل ما ~~يعني وترك ما لا يعني . | ولما جمع بين قاعدتي بناء التكاليف : فعل الخشوع ~~وترك اللغو , وكان الإنسان محل العجز ومركز التقصير , فهو لا يكاد يخلو عما ~~لا يعنيه , وكان المال مكفرا لما قصد من الإيمان فضلا عما ذكر منها على ~~سبيل اللغو , فكان مكفرا للغو في غير اليمين من باب الأولى < # > 77 ( { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } ) 77 < # > [ التوبة : 103 ] اتبعه قوله : { والذين هم } وأثبت اللام تقوية لاسم ~~الفاعل فقال : { للزكاة } أي التزكية , وهي إخراج الزكاة , أو لأداء الزكاة ~~التي هي أعظم مصدق للإيمان { فاعلون * } ليجمعوا في طهارة الدين بين القلب ~~والقالب والما ؛ قال ابن كثير : هذه مكية , وإنما فرضت الزكاة بالمدينة في ~~سنة اثنتين من الهجرة , والظاهر أن التي فرضت بالمدينة إنما هي ذات النصب , ~~وأن أصل الزكاة كان واجبا بمكة كما قال تعالى في سورة الأنعام < # > 77 ( { وآتوا حقه يوم حصاده } ) 77 < # > [ الأنعام : 141 ] . | ولما أشار إلى أن بذل المال على وجهه طهرة , ةأن ~~حبسه عن ذلك تلفة , أتبعه PageV05P183 الإيماء إلى أن بذل الفرج في غير ~~وجهه نجاسة , وحفظه طهرة . | فقال : { والذين هم لفروجهم } في الجماع وما ~~داناه بالظاهر والباطن { حافظون * } أي دائما لا يتبعونها شهوتها ms3236 , بل هم ~~قائمون عليها يذلونها ويضبطونها , وذكرها بعد اللغو الداعي إليها وبذل ~~المال الذي هو من أعظم أسبابها عظيم المناسبة ؛ ثم استثنى من ذلك فقال : { ~~إلا على أزواجهم } اللاتي ملكوا أبضاعهن بعقد النكاح , ولعلو الذكر عبر ب ( ~~على ) { أو ما ملكت أيمانهم } رقابة من السراري , وعبر ب ( ما ) لقربهن مما ~~لا يعقل لنقصهن عن الحرائر الناقصات عن الذكور { فإنهم غير ملومين * } أي ~~على بذل الفرج في ذلك إذا كان على وجهه . | < < # | المؤمنون : ( 7 - 13 ) فمن ابتغى وراء . . . . . # > > ^ ( فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم لأماناتهم ~~وعهدهم راعون * والذين هم على صلواتهم يحافظون * أولئك هم الوارثون * الذين ~~يرثون الفردوس هم فيها خالدون * ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم ~~جعلناه نطفة في قرار مكين ) ^ } ) | ولما كان من لم يكتف بالحلال مكلفا ~~نفسه طلب ما يضره , سبب عن ذلك قوله معبرا بما يفهم العلاج : { فمن ابتغى } ~~أي تطلب متعديا { وراء ذلك } العظيم المنفعة الذي وقع استثناؤه بزنى أو ~~لواط أو استمناء يد أو بهيمة أو غيرها { فأولئك } البعيدون من الفلاح { هم ~~العادون } أي المبالغون في تعدي الحدود , لما يورث ذلك من اختلاط الأنساب , ~~وانتهاك الأعراض , وإتلاف الأموال , وإيقاد الشر بين العباد . | ولما كان ~~ذلك من الأمانات العظيمة , أتبعه عمومها فقال : { والذين هم لأماناتهم } أي ~~لفروجهم وغيرها , سواء كانت بينهم وبين الله كالصلاة والصيام وغيرهما , أو ~~في المعاني الباطنة كالإخلاص والصدق , أو بينهم وبين خلق كالوادئع والبضائع ~~, فعلى العبد الوفاء بجميعها - قاله الرازي . | ولما كان العهد أعظم أمانة ~~, تلاها به تنبيها على عظمة فقال : { وعهدهم راعون * } أي الحافظون بالقيام ~~والرعاية والإصلاح . | ولما كانت الصلاة أجل ما عهد فيه من أمر الدين وآكد ~~, وهي من الأمور الخفية التي وقع الائتمان عليها , لما خفف الله فيها على ~~هذه الأمة بإيساع زمانها ومكانها , قال : { والذين هم على صلواتهم } التي ~~وصفوا بالخشوع فيها { يحافظون * } أي يجددون تعهدها بغاية جدهمن لا يتركون ~~شيئا من مفروضاتها ولا مسنوناتها , ويجتهدون في كمالاتها , وحدت في قراءة ~~حمزة والكسائي ms3237 للجنس , وجمعت عند الجماعة إشارة PageV05P184 إلى أعدادها ~~وأنواعها , ولا يخفى ما في افتتاح هذه الأوصاف واختامها بالصلاة من التعظيم ~~لها , كما قال صلى الله عليه وسلم : ( واعملوا أن خير أعمالكم الصلاة ) ~~ولما ذكر مجموع هذه الأوصاف العظيمة , فخم جزاءهم فقال : { أولئك } أي ~~البالغون من الإحسان إعلى مكان { هم } خاصة { الوارثون * } اي المستحقون ~~لهذا الوصف المشعر ببقائهم بعد أعدائهم فيرثون دار الله لقربهم منه ~~واختصاصهم به بعد إرثهم أرض الدنيا التي قارعوا عليها على قتلهم وضعفهم ~~أعداءنا الكفار على كثرتهم وقوتهم , فكانت العاقبة فيها لهم كما كتبنا في ~~الزبور < # > 77 ( { إن الأرض يرثها عبادي الصالحون } ) 77 < # > < # > 77 ( { لنهلكن الظالمين ولنسكننم الأرض من بعدهم } ) 77 < # > [ إبراهيم : 13 , 14 ] { الذين يرثون الفردوس } التي هي أعلى الجنة , ~~وهي في الأصل البستان العظيم الواسع , يجمع محاسن النبات والأشجار من العنب ~~وما ضاهاه من كل ما يكون في البساتين والأودية التي تجمع ضروبا من النبت : ~~فيحوزون منها بعد البعث ما أعد الله لهم فيها من المنازل وما كان أعد ~~للكفار لو آمنوا أو لم يخرجوا بخروج ابويهم من الجنة { هم } خاصة { فيها } ~~أي لا في غيرها { خالدون * } وهذه الآيات أجمع ما ذكر في وصف المؤمنين , ~~روى الإمام أحمد في مسنده والترميذي في التفسير من جامعه عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه قال : ( كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي ~~يسمع عند وجهه كدوي النحل فنزل عليه يوما فمكثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع ~~فقال : ) اللهم زدنا ولا تنقصنا , وأكرمنا ولا تهنا , وأعطنا ولا تحرمنا , ~~وآثرنا ولا تؤثر علينا , وارض عنا وأرضنا , ثم قال : لقد أنزلت علي عشر ~~آيات من أقامهن دخل الجنة ( , ثم قرأ { قد أفلح المؤمنون } حتى ختم العشر ) ~~- ورواه النسائي في الصلاة وقال : منكر لا يعرف أحد رواه غير يونس بن سليم ~~ويونس لا نعرفه , وعزى أبو حيان آخر الحديث للحاكم في المستدرك . | وقال ~~الإمام أبو جعفر بن الزبير : فصل في افتتاحها ما أجمل في قوله تعالى < # > 77 ( { يا PageV05P185 أيها ms3238 الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم ~~وافعلوا الخير } ) 77 < # > [ الحج : 77 ] وأعلم بما ينبغي للراكع والساجد التزامه من الخشوع , ~~ولالتحام الكلامين ما ورد الأول أمرا والثاني مدحه وتعريفا بما به كمال ~~الحال , وكأنه لما أمر المؤمنين , وأطمع بالفلاح جزاء لامتثاله , كان مظنة ~~لسؤاله عن تفصيل ما أمر به من العباد وفعل الخير الذي به يكمل فلاحه فقيل ~~له : المفلح من التزم كذا وكذا , وذكر سبعة أضرب من العبادة هي أصول لما ~~وراءها زمستتبعة سائر التكاليف , وقد بسط حكم كل عبادة منها وما يتعلق بها ~~في الكتاب والسنة ؛ ولما كانت المحافظة على الصلاة منافرة إتيان المأثم ~~جملة < # > 77 ( { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } ) 77 < # > [ العنكبوت : 45 ] لذلك ما ختمت بها هذه العبادات بعد التنبيه على محل ~~الصلاة من هذه العبادة بذكر الخشوع فيها أولا , واتبعت هذه الضروب السبعة ~~بذكر أطوار سبعة يتقلب فيها الإنسان قبل خروجه إلى الدنيا فقال تعالى { ~~ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } - إلى قوله : { ثم أنشأناه خلقا آخر ~~فتبارك الله أحسن الخالقين } وكأن قد قيل له : إنما كمل خلقك وخروجك إلى ~~الدنيا بعد عقب هذه الايات قوله تعالى { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق } ولعل ~~ذلك مما يقرر هذا الاعتبار ووارد لمناسبته - والله أعلم , وكما أن صدر هذه ~~السورة مفسر لما أجمل في الآيات قبلها فكذا الآيات بعد مفصلة لمجمل ما تقدم ~~في قوله تعالى < # > 77 ( { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم ~~من نطفة } ) 77 < # > [ الحج : 5 ] وهذا كاف في التحام السورتين والله سبحانه المستعان - ~~انتهى . | ولما ذكر سبحانه الجنة المتضمن ذكرها لبعث , استدل على القدرة ~~عليه بابتداء الخلق للإنسان , ثم لما هو أكبر منه من الأكوان , وما فيهما ~~من المنافع , فلما ثبت ذلك شرع يهدد من استكبر عنه بإهلاك الماضين , وابتدأ ~~بقصة نوح عليه الصلاة والسلام لأنه أول , ولأن نجاته كانت في الفلك المختوم ~~به الآية التي قبله , وفي ذلك تذكير بنعمة النجاة فيه لأن الكل من ms3239 نسله , ~~فلما ثبت بالتهديد بإهلاك الماضين القدرة التامة بالاختيار , خوف العرب مثل ~~العذاب , فلما تم زاجر الإنذار بالنقم شرع في الاستعطاف إلى الشكر بالنعم , ~~بتمييز الإنسان على سائر الحيوان ونحو ذلك , ثم عاد إلى دلائل القدرة على ~~البعث بالوحدانية والتنزه عن الشريك والولد - إلى آخرهان ثم ذكر في أول ~~التي بعدها على ما ذكر هنا من صون الفروج , فذكر حكم من لم يصن فرجه أتبعه ~~ما يناسبه من توابعه . | ولما كان التقدير : فلقد حكمنا ببعث جميع العباد ~~بعد الممات , فريقا منهم إلى PageV05P186 النعيم , وفريقا إلى الجحيم , ~~فإنا قادرون على الإعادة وإن تمزقتم وصرتم ترابا فإنه تراب له أصل في ~~الحياة , كما قدرنا على البداءة فلقد خلقنا أباكم آدم من تراب الأرض قبل أن ~~يكون للتراب أصل في الحياة , عطف عليه قوله , دلالة على هذا المقدار ~~واستدلالا على البعث مظهرا له في مقام العظمة , مؤكدا إقامة لهم بإنكارهم ~~للبعث مقام المنكرين : { ولقد خلقنا الإنسان } أي هذا النوع الذي تشاهدونه ~~أنسا بنفسه مسرورا بفعله وحسه { من سلالة } أي من شيء قليل , بما تدل عليه ~~الصيغة كالقلامة والقمامة , انتزعناه واستخلصناه برفق , فكان على نهاية ~~الاعتدالن وهي طينة آدم عليه الصلاو السلام , سلها - بما له من اللطف - { ~~من طين * } أي جنس طين الأرض , روى الإمام أحمد وأبو داود والترميذي عن أبي ~~موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله خلق آدم عن ~~قبضة قبضها من جميع الأرض , فجاء بنو آدم على قدر الأرض , جاء منهم الأحمر ~~والأبيض والأسود وبين ذلك , والخبيث والطيب وبين ذلك ) ولما ذكر سبحانه أصل ~~الآدمي الأول الذي هو الطين الذي شرفه به لجمعه الطهورين , وعبر فيه بالخلق ~~لما فيه من الخلط , لأن الخلق - كما مر عن الحرالي في أول البقرة : تقدير ~~أمشاج ما يراد إظهاره بعد الامتزاج والتركيب صورة , مع أنه ليس مما يجري ~~على حكمه التسبيب التي نعهدها أن يكون من الطين إنسان , أتبعه سبحانه أصله ~~الثاني الذي هو أطهر الطهورين : الماء الذي منه ms3240 كل شيء حي , معبرا عنه ~~بالعجل لأنه كما مر أيضا إظهار أمر سبب وتصيير , وما هو من الطين مما يتسبب ~~عنه من الماء ويستجلب منه وهو بسيط لا خلط فيه فلا تخليق له , وعبر بأداة ~~التراخي لأن جعل الطين ماء مستبعد جدا فقال : { ثم جعلناه } أي ا لطين أو ~~هذا النوع المسلول من المخلوق من الطين بتطوير أفراده ببديع الصنع ولطيف ~~الوضع { نطفة } اي ماء دافقا لا أثر للطين فيه { في قرار } أي من الصلب ~~والترائب ثم الرحم , مصدر جعل اسما للموضع { مكين * } أي مانع من الأشياء ~~المفسدة . | < < # | المؤمنون : ( 14 - 16 ) ثم خلقنا النطفة . . . . . # > > ^ ( ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما ~~فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين * ثم ~~إنكم بعد ذلك لميتون * ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ) ^ } ) | PageV05P187 ~~ولما كان تصيير الماء دما أمرا بالغا خارجا عن التسبيب , وكانت النطفة التي ~~هي مبدأ الآدمي تفسد تاة وتأخذ في التكون أخرى , عبر بالخلق لما يخلطها به ~~مما تكتسبه من الرحم عند التحمير وقرنه بأداة التراخي فقال : { ثم } أي بعد ~~تراخ في الزمان وعلو في الرتبة والعظمة { خلقنا } أي بما لنا من العظمة { ~~النطفة } أي البيضاء جدا { علقة } حمراء دما عبيطا شديد الحمرة جامدا غليظا ~~. | ولما كان ما بعد العلقة من الأطوار المتصاعدة مسببا كل واحد منه عما ~~قبله بتقدير العزيز العليم الذي اختص به من غير تراخ , وليس تسببه من ~~العادة التي يقدر عليها غيره سبحانه , عبر بالفاء والخلق فقال : { فخلقنا ~~العلقة مضغة } أي قطعة لحم صغيرة لا شكل فيها ولا تخطيط { فخلقنا المضغة } ~~بتصفيتها وتصلبيها بما سببنا لها من الحرارة والأمور اللطيفة الغامضة { ~~عظاما } من رأس ورجلين وما بينهما { فكسونا } بما لنا من قدرة الاختراع , ~~تلك { العظام لحما } بما ولدنا منها ترجيعا لحالها قبل كونها عظما , فسترنا ~~تلك العظام وقويناها وشددناها بالروابط والأعصاب . | ولما كان التصوير ونفخ ~~الروح من االجلالة بمكان أي مكان , اشار إليه بقوله : { ثم أنشأناه } أي ~~هذا المحدث عنه بعظمتنا ms3241 { خلقا آخر } أي عظيما جليلا متحركا ناطقا خصيما ~~مبينا بعيدا من الطين جدا ؛ قال الرازي : وأصل النون والشين والهمزة يدل ~~على ارتفاع شيء وسموه . # ولما كان هذا التفصيل لتطوير الإنسان سببا لتعظيم الخالق : { فتبارك } أي ~~ثبت ثباتا لم يثبته شيء , بأن حاز جميع صفات الكمال , وتنزه عن كل شائبة ~~نقص , فكان قادرا على كل شيء , ولو داناه شيء من عجز لم يكن تام الثبات , ~~ولذلك قال : { الله } فعبر بالاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى ؛ ~~وأشار إلى جمال الإنسان بقوله : { أحسن الخالقين * } أي المقدرين , أي قدر ~~هذا الخلق العجيب هذا التقدير , ثم طوره في أطواره ما بين طفل رضيع , ~~ومحتلم شديد , وشاب نشيط , وكهل عظيم , وشيخ هرم - غلى ما بين ذلك من شؤون ~~لا يحيط بها إلا اللطيف الخبير . | ولما كانت إماتة ما صار هكذا - بعد ~~القوة العظيمة والإدراك التام - من الغرائب , وكان وجودها فيه وتكرارها ~~عليه في كل وقت قد صيرها أمرا مألوفا , وشيئا ظاهرا مكشوفا , وكان عتو ~~الإنسان على خالقه وتمرده ومخالفته لأمره نسيانا لهذا المألوف كالإنكار له ~~, اشار إلى ذلك بقوله تعالى مسببا مبالغا في التأكيد : { ثم إنكم } ولما ~~كان من الممكن ليس له من ذاته إلا العدم , نزع الجار فقال : { بعد ذلك } أي ~~الأمر العظيم من الوصف بالحياة والمد في العمر في آجال متفاوتة { لميتون * ~~} وأشار بهذا النعت PageV05P188 إلى أن الموت أمر ثابت للإنسان حي في حال ~~حياته لازم له , بل ليس لممكن من ذاته إلا العدم . | ولما تقرر بذلك القدرة ~~على البعث تقررا لا يشك فيه عاقل , قال نافيا ما يوهمه إعراء الظرف من ~~الجار : { ثم إنكم } وعين البعث الأكبر التام , الذي هو محط الثواب والعقاب ~~, لأن من أقر به أقر بما هو دونه من الحياة في القبر وغيرها , فقال : { يوم ~~القيامة } أي الذي يجمع فيه جميع الخلائق { تبعثون * } فنقصه عن تأكيد ~~الموت تنبيها على ظهوره , ولم يخله عن التأكيد لكنه على خلاف العادة , وليس ~~في ذكر هذا نفي للحياة في القبر عند السؤال . | < < # | المؤمنون : ( 17 ms3242 - 19 ) ولقد خلقنا فوقكم . . . . . # > > ^ ( ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق وما كنا عن الخلق غافلين * وأنزلنا ~~من السمآء مآء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون * فأنشأنا ~~لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون ) ^ } ) | ~~ولما بين لهم أن فكرهم فيهم يكفيهم , ولا عتقاد البعث يعنيهم , أتبعه دليلا ~~آخر بالتذكير بخلق ما هو أكبر منهم , وبتدبيرهم بخلقه وخلق ما فيه من ~~المنافع لاستبقائهم , فقال : { ولقد خلقنا قوقكم } في جميع جهة الفوق في ~~ارتفاع لا تدركونه حق الإدراك { سبع } ولإرادة التعظيم أضاف إلى جمع كثرة ~~فقال : { طرائق } أي سماوات لا تتغير عن حالتها التي دبرناها عليها إلى أن ~~نريد , وبعضها فوق بعض متابقة , وكل واحدة منها على طريقة تخصها , وفيها ~~طرق لكواكبها ؛ قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي : سميت طرائق ~~لأنها مطارقة بعضها في أثر بعض - انتهى . | وهذا من قولهم : فلان على طريقه ~~- أي حاله - واحدة , وهذا مطراق هذا , أي تلوه ونظيره , وريش طراق - إذا ~~كان بعضه فوق بعض . | وقال ابن القطاع : وأطرق جناح الطائر - أي مبنيا ~~للمجهول : ألبس الريش الأعلى السفل . | وقال أبو عبيد الهروي : وأطرق جناح ~~الطير - إذا وقعت ريشة على التي تحتها فألبستها , وفي ريشه طرق - إذا ركب ~~بعضه بعضا . | وقال الصغاني في مجمع البحرين : والطرق أيضا بالتحريك في ~~الريش أن يكون بعضها فوق بعض , وقال ابن الأثير في النهاية : طارق النعل - ~~إذا صيرها طاقا فوق طاق وركب بعضها على بعض , وفي القاموس : والطراق - ~~ككتاب : كل خصفة يخصف بها النعل وتكون حذوها سواء وأن يقور جلد على مقدار ~~الترس فيلزق بالترس , وقال القزاز : يقال : ترس مطرق - إذا جعل له ذلك , ~~وقال الصغاني في المجمع : والمجان المطرقة التي يطرق بعضها على بعض كالنعل ~~المطرقة - أي المخصوفة بعضها على بعض , ويقال : أطرقت بالجلد والعصب , أي ~~ألبست , وقال أبو عبيد : طارق النعل - إذا صير خصفا فوق خصف , PageV05P189 ~~وقال في الخصف : هو إطباق طاق على طاق , وأصل الخصف : الضم والجمع , وقال ~~القزاز : وطارقت بين النعلين ms3243 والثوبين : جعلت أحدهما فوق الآخر - انتهى . | ~~وأصل الطرق الضرب , ومع كون السماوات مطارقة بعضها فوق بعض فهي طرق ~~للملائكة يتنزلون فيها بأوامره سبحانه وتعالى . | ولما كان إهمال الشيء بعد ~~إيجاده غفلة عنه , وكان البعث إحداث تدبير لم يكن كما أن الموت كذلك , بين ~~أن مثل تلك الأفعال الشريفة عادته سبحانه إظهارا للقدرة وتنزها عن العجز ~~والغفلة فقال : { وما كنا } أي على ما لنا من العظمة { عن الخلق } أي الذي ~~خلقناه وفرغنا من إيجاده وعن إحداث مل لم يكن , بقدرتنا التامة وعلمنا ~~الشامل { غافلين * } بل دبرناه تدبيرا محكما ربطناه بأسباب تنشأ عنها ~~مسببات يكون بها صلاحه , وجعلنا في كل سماء ما ينبغي أن يكون فيها من ~~المنافع , وفي كل أرض كذلك , وحفظناه من الفساد إلى الوقت الذي نريد فيه طي ~~هذا العالم وإبراز غيره , ونحن مع ذلك كل يوم في شأن , وإظهار برهان , نعلم ~~ما يلج في الأرض وما يخرج منها , وما ينزل من السماء وما يعرج فيها , إذا ~~شئنا أنقذنا السبب فنشأ عنه المسبب , وإذا شئنا منعناه مما هيىء له , فلا ~~يكون شيء من ذلك إلا بخلق جديد , فكيف يظن بنا أنا نترك الخلق بعد موتهم ~~سدى , مع أن فيهم المطيع الذي لم نوفه ثوابه , والعاصي الذي لم ننزل به ~~عقابه , أم كيف لا نقدر على إعادتهم إلى ما كانوا عليه بعد ما قدرنا على ~~إبداعهم ولم يكونوا شيئا . | ولما ساق سبحانه هذين الدليلين على القدرة على ~~البعث , أتبعهما بما هو من جنسهما ومشاكل للأول منهما , وهو مع ذلك دليل ~~على ختام الثاني من أنه من أجل النعم التي يجب شكرها , فقال : { وأنزلنا } ~~اي بعظمتنا { من السماء } أي من جهتها { ماء بقدر } لعله - والله أعلم - ~~بقدر ما يسقي الزروع والشجار , ويحيي البراري والقفار , وما تحتاج إليه ~~البحار , مما تصب فيه الأنهار , إذ لو كان فوق ذلك لأغرقت البحار الأقطار , ~~ولو كان دون ذلك لأدى إلى جفاف النبات والأشجار { فأسكناه } بعظمتنا { في ~~الرض } بعضه على ظهرها وبعضه في بطنها , ولم نعمها ms3244 بالذي على ظهرها ولم ~~نغور ما في بطنها ليعم نفعه وليسهل الوصول إليه { وإنا } على ما لنا من ~~العظمة { على ذهاب به } أي على إذهابه بأنواع الإذهاب بكل طريق بالإفساد ~~والرفع والتغوير وغير ذلك , مع إذهاب البركة التي تكون لمن كنا نمعه { ~~لقادرون * } قدرة هي في نهاية العظمة , فإياكم والتعرض لما يسخطنا . | ولما ~~ذكر إنزاله , سبب عنه الدليل القرب على البعث فقال : { فأنشأنا } أي ~~PageV05P190 فأخرجنا وأحيينا { لكم } خاصة , لا لنا { به } أي بذلك الماء ~~الذي جعلنا منه كل شيء حي { جنات } أي بساتين تجن - أي تستر - داخلها بما ~~فيها { من نخيل وأعناب } صرح بهذين الصنفين لشرفهما , ولأنهما أكثر ما عن ~~عند العرب من الثمار , سمي الأول باسم شجرتته لكثرة ما فيهما من المنافع ~~المقصودة بخلاف الثاني فإنه المقصود من شجرته ؛ وأشار إلى غيرهما بقوله : { ~~لكم } أي خاصة { فيها } اي الجنات { فواكة كثيرة } ولكم فيها غير ذلك . | ~~ولما كان التقدير : منها - وهي طرية - تتفكهون , عطف عليه قوله : { ومنها } ~~أي بعد اليبس والعصر { تأكلون * } أي يتجدد لكم الكل بالادخار , ولعله قدم ~~الظرف تعظيما للامنتنان بها . | < < # | المؤمنون : ( 20 - 24 ) وشجرة تخرج من . . . . . # > > ^ ( وشجرة تخرج من طور سينآء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين * وإن لكم في ~~الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون * ~~وعليها وعلى الفلك تحملون * ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يقوم اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون * فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما ~~هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شآء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا ~~بهذا في آبآئنا الأولين ) ^ } ) | ولما ذكر سبحانه ما إذا عصر كان ماء لا ~~ينفع للاصطباح , أتبعه ما إذا عصر كان دهنا يعم الصطباح و الاصطباغ , وفصله ~~عنه لأنه أدل على القدرة فقال : { وشجرة } أي وأنشأنا به شجرة , أي زيتونة ~~{ تخرج من طور } . | ولما كان السياق للإمداد بالنعم , ناسبه المد فقال : { ~~سيناء } قال الحافظ عماد الدين ابن كثير : وهو طور سينين , وهو ا لجبل الذي ~~كلم ms3245 الله عليه موسىى بن عمران عليه السلام وما حوله من الجبال التي فيها ~~شجر الزيتون . | وقال صاحب القاموس : والطور : الجبل , وجبل قرب أيلة يضاف ~~إلى سيناء وسينين , وجبل بالشام , وقيل : هو المضاف إلى سيناء , وجبل ~~بالقدس عن يمين المسجد , وآخر عن قبليه , به قبر هارون عليه السلام , مجبل ~~برأس العين , - وآخر مطل على طبرية - انتهى . | وهو اسم مركب من الاسمين , ~~وقيل : بل مضاف إلى سيناء , ومعنى سيناء الحسن , وقيل : المبارك , وقيل : ~~هو حجارة معروفة , وقيل شجر , ولعله خصه من بين الأطوار لقربه من المخاطبين ~~أولا بهذا القرآن , وهم العرب , ولغرابة نبت الزيتون به لأنه في بلاد الحر ~~والزيتون من نبات الأرض الباردة , ولتمحضه لن يكون نبته مما أنزل من السماء ~~من الماء لعلوه جدا , وبعد من أن يدعى أن ما فيه من النداوة من الماء من ~~البحر لأن الإمام PageV05P191 أبا العباس أحمد ابن القاص من قدماء أصحاب ~~الشافعي حكى في كتابه أدلة القبلة أنه يصعد إلى أعلاه في ستة الآف مرقاة ~~وستمائة وست وستين مرقاة , قال : وهي مثل الدرج من الصخر , فإذا انتهى إلى ~~مقدار النصف من الطريق يصير إلى مستواه من الأرض فيها أشجار وماء عذب , في ~~هذا الموضع كنيسة على اسم إيليا النبي عليه السلام , وفيه مغار , ويقال : ~~إن إيليا عليه السلام لما هرب من إزقيل الملك اختفى فيه ؛ ثم يصعد من هذا ~~الموضع في الدرج حتى ينتهي غلى قلة الجبل , وفي قلبه كنيسة بنيت على اسم ~~موسى عليه السلام بأساطين رخام , أبوابها من الصفر والحديد , وسقفها من خشب ~~الصنوبر , وأعلى سقوفها أطباق رصاص قد أحكمت بغاية الإحكام , وليس فيها إلا ~~رجل راهب يصلي ويدخن ويسرج قناديلها , ولا يمكن أحدا أن ينام فيها البتة , ~~وقد اتخذ هذا الراهب لنفسه خارجا من الكنيسة بيتا صغيرا يأوي فيه , وهذه ~~الكنيسة بنيت في المكان الذي كلم الله فيه موسى عليه الصلاة والسلام , ~~وحواليه - أي حوالي الجبل - من أسفله ستة آلاف مل بين دير وصومعة للرهبان ~~والمتعبدين , كان يحمل إليهم خراج مصر ms3246 في أيام ملك الروم للنفقة على ~~الديارات وغيرها , وليس اليوم بها إلا مقدار سبعين راهبا يأوون في الدير ~~الذي داخل الحصن , وفي اكثرها يأوي أعراب بني رمادة , وعلى الجبل مائة ~~صومعة , وأشجار هذا الجبل اللوز والسرو , وإذا هبطت من الطور أشرفت على ~~عقبة تهبط منها فتسير خطوات فتنتهي إلى دير النصراني : حصين عليه سورة من ~~حجارة منحوتة ذات شرف عليه بابان من حديد , وفي جوف هذا الدير هو الموضع ~~الذي رأى موسى عليه السلام فيه النار في الشجرة العليق , وقبله من بها دبر ~~الكعبة , وفيه يقول القائل : | عجب الطور من ثباتك موسى حين ناجاك بالكلام ~~الجليل | والطور من جملة كور مصر , منه إلى بلد قلزم على البر مسيرة أربعة ~~أيام , ومنه إلى فسطاط مصر مسيرة سبعة أيام - انتهى كلام ابن القاص , وسألت ~~أنا من له خبرة بالجبل المذكور : هل به أشجار الزيتون ؟ فأخبرني أنه لم ير ~~به شيئا منها , وإنما رآها فيما حوله في قرار الأرض , وهي كثيرة وزيتونها ~~مع كبره أطيب من غيره , فإن كان ذلك كذلك فهو أغرب مما لو كانت به , لأنه ~~لعلوه أبرد مما سفل من الأرض , فهو بها أولى , وظهر لي - والله أعلم - أن ~~حكمه تقدير الله تعالى أن يكون عدد الدرج ما ذكر موافقة زمان الإيجاد الأول ~~لمكان البقاء الول , وذلك أن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ~~وهو الإيجاد الأول , وكلم موسى عليه الصلاة والسلام , وكتب له PageV05P192 ~~الألواح في هذا الجبل , ثم أتم له التوراة وهي أعظم الكتب بعد القرآن , ~~وبالكتب السماوية والشرائع الربانية انتظام البقاء الأول , كما سلف في ~~الفاتحة والأنعام والكهف . | ولما ذكر سبحانه إنشاء هذه الشجرة بهذا الجبل ~~البعيد عن مياه ابحار لعلوه وصلابته أو بما حوله من الأرض الحارة , ذكر ~~تميزها عن عامة الأشجار بوجه آخر عجيب فقال : { تنبت } أي بالماء الذي لا ~~دهن فيه أصلا , نباتا على قراءة الجمهور , أو إنباتا على قراءة ابن كثير ~~وأبي عمرو وورش عن يعقوب بضم الفوقانية , ملتبسا ثمره { بالدهن } وهو ms3247 في ~~الأصل مائع لزج خفيف يتقطع ولا يختلط بالماء الذي هو أصله فيسرج ويدهن به , ~~وكأنه عرفه لأنه أجل الأدهان وأكملها . | ولما كلن المأكول منها الدهن ~~والزيتون قبل العصر , عطف إشعارا بالتمكن فقال : { وصبغ } أي وتنبت بشيء ~~يصبغ - أي يلون - الخبز إذا غمس فيه أو أكل به { للآكلين * } وكأنه نكره ~~لأن في الإدام ما هو أشرف منه وألذ وإن كانت بركته مشهورة ؛ روى الإمام ~~أحمد عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري رضي الله عنه قالك قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كلوا الزين وادهنوا به فإنه من شجرة ~~مباركة ) . | وللترميذي وابن ماجه عبد بن حميد في مسنده وتفسيره كما نقاه ~~ابن كثير عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~( ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة ) . | وقال أبو حيان ~~: وخص هذه الأنواع الثلاثة من النخل والعنب والزيتون لأنها أكرم الشجر ~~وأجمعها للمنافع . | ولما دل سبحانه وتعالى على قدرته بما أحيا بالماء حياة ~~قاصرة عن الروح , أتبعه ما أفاض عليه به حياة كاملة فقال : { وإن لكم في ~~الأنعام } وهي الإبل والبقر والغنم { لعبرة } يعبرون بها من ظاهر أمرها إلى ~~باطنه مما له سبحانه فيها من القدرة التامة على البعث وغيره ؛ ثم استأنف ~~تفصيل ما فيها م العبرة قائلا : { نسقيكم } ولما كان الأنعام مفردا لكونه ~~اسم جمع , ولم يذكر ما يسقى منه , أنث الضمير بحسب المعنى وعلم أن ~~PageV05P193 المراد ما يكون منه اللبن خاصة وهو الإناث , فهو استخدام لأنه ~~لو أريد جميع ما يقع عليه الاسم لذكر الضمير , فلذلك قالك { مما في بطونها ~~} أي نجعله لكم شرابا نافعا للبدن موافقا للشهوة تلتذون به خروجه من بين ~~الفرث والدم كما مضى في النحل { ولكم فيها } باستسلامها لما يراد منها مما ~~لا يتيسر من أصغر منها , وبأولادها وأصوفها وأوبارها , وغير ذلك من آثارها ~~. | ولما كان التقدير : تصرفونها في تلك المنافع , عطف عليه مقدما للجار ~~تعظيما لمأكولها فقال : { ومنها تأكلون * } بسهولة من غير ms3248 امتناع ما عن شيء ~~من ذلك , ولو شاء لمنعها من ذلك وسلطها عليكم , ولو شاء لجعل لحمها لا ينضج ~~, أو جعله قذرا لا يؤكل , ولكنه بقدرته وعلمه هيأها لما ذكر وذللها له . | ~~ولما كانت المافوتة بين الحيوانات في القوى وسهولة الانقياد دالة على كمال ~~القدرة , وكان الحمل للنفس والمتاع عليها وعلى غيرها من الحيوان من أجل ~~المنافع بحيث لولا هو تعطلت أكثر المصالح , ذكره فيها مذكرا بغيرها في البر ~~تلويحا , وذاكرا لمحامل البحر تصريحا , فقال مقدما للجار عدا لحمل غيرها ~~بالنسبة غلى حملها لعظيم وقعه عدما : { وعليها } أي الأنعام الصالحة للحمل ~~من الإبل والبقر في البر { وعلى الفلك } في البحر . | ولما كان من المعلوم ~~من تذليلها على كبرها وقوتها وامتناع غيرها على صغره وضعفه أنه لا فاعل ~~لذلك إلا الله مع أن الممتن به نفس الحمل لا بالنظر إلى شيء آخر , بني ~~للمفعول قوله : { تحملون * } بإنعامه عليكم بذلك , ولو شاء لمنعه , فتذكروا ~~عظيم قدرته وكمال صنعته , وعظموه حق تعظيمه , واشكروه على ما أولاكم من تلك ~~النعمن وأخلصوا له الدين , لتفلحوا فتكونوا من الوارثين . | ولما كان ~~التقدير : فلقد حملنا نوحا ومن أردنا ممن آمن به من أولاده وأهله وغيرهم ~~على الفلك , وأغرقنا من عانده من أهل الأرض قاطبة بقدرتنا , نصرناه عليهم ~~بعد ضعفه عنهم بأيدينا وقوتنا , وجعلناه وذريته هم الوارثين , وكنتم ذرية ~~في أصلابهم , وكثرناهم حتى ملأنا منهم الأرض , دلالة على ما قدمناه من ~~تفردنا كما أجرينا عادة هذا الكتاب الكريم بذكر عظيم البطش بعد أدلة ~~التوحيد , واتبعناه بعده الرسل الذين سمعتم بهم , وعرفتم بعض أخبارهم , يا ~~من أنكر الآن رسالة البشر لإنكار رسالة هذا النبي الكريم ! عطف عليه يهدد ~~بإهلاك الماضين , للرجوع عن الكفر , ويذكر بنعمة النجاة للإقبال على الشكر ~~, ويسلي هذا النبي الكريم ومن معه م نالمؤمنين لمن كذب قبله من النبيين ~~وأوذي من أتباعهم , ويدل على أنه يفضل من عباده من يشاء بالرسالة , كما فضل ~~PageV05P194 طينة الإنسان على سائر الطين , وعلى أن الفالح بالإرث والحياة ~~الطيبة في الدارين ms3249 مخصوص لالمؤمنين كما ذكر أول السورة , فذكر نوحا لأن ~~قصته أشهر القصص , ولأن قومه كانوا ملء الأرض , ولم تغن عنهم كثرتهم ولا ~~نفعتهم قوتهم , ولأنه الأب الثاني بعد الأب الأول المشار إليه بالطين , ~~ولأن نجاته ونجاة المؤمنين معه كانت بالفلك المختوم به الآية قبله , فقال : ~~{ ولقد ارسلنا } إشارة بصيغة العظمة إلى زيادة التسلية بأنه ( آتاه من ~~الآيات ما مثله آمن عليه البشر ) وقاخ هو صلى الله عليه وسلم بذلك حق ~~القيام { نوحا } أي وهو الأب الثاني بعد آدم عليهما السلام { إلى قومه } ~~وهم جميع أهل الأرض لتواصل ما بينهم لكونهم على لغة واحدة { فقال } أي ~~فتسبب عن ذلك أن قال : { يا قوم } ترفقا بهم { اعبدوا الله } أي ا لملك ~~الأعظم الذي لا كفوء له , وحده , لأنه إلهكم وحده لاستحقاقه لجميع خلال ~~الكمال ؛ واستأنف على سبيل التعليل قوله : { ما لكم } وأغرق في النفي بما ~~هو حق ا لعبادة فقال : { من إله } اي معبود بحق { غيره } فلا تعبدوا سواه . ~~| ولما كانت أدلة الوحادنية والعظمة بإعطاء الثواب وإحلال العقاب في غاية ~~الظهور لا تحتاج إلى كبير تأمل , تسبب عن ذلك إنكاره لأمنهم من مكره , ~~والخوف من ضره , فقال : { افلا تتقون * } اي تخافون ما ينبغي الخوف منه ~~فتجعلوا لكم وقاية من عذابه فتعملوا بما تقتضيه التقوى من إفراده بالعبادة ~~خوفا من ضركم ورجاء لنفعكم { فقال } أي فتسبب عن ذلك أن كذبوه فقال : { ~~الملؤا } أي الأشراف الذين تملأ رؤيتهم الصدور عظمة . | ولما كان أهل ~~الإيمان كلهم إذ ذاك قبيلة واحدة لاجتماعهم في لسان واحد قدم قوله : { ~~الذين كفروا } أي بالله لأن التسلية ببيان التكذيب أتم , والصلة هنا قصيرة ~~لا يحصل بها لبس ولا ضعف في النظم بخلاف ما يأتي , وكأن أفخاذهم كانت ~~متمايزة فزاد في الشناعة عليهم بأن عرف أنهم من أقرب الناس إليه بقوله : { ~~من قومه ما هذا } أي نوح عليه الصلاة والسلام { إلا بشر مثلكم } أي فلا ~~يعلم ما لا تعلمون , فأنكروا أن يكون بعض البشر نبيا , ولم ينكروا أن يكون ~~بعض الطين ms3250 إنسانا , وبعض الماء علقة , وبعض العلقة مضغة - إلى آخره , فكأنه ~~قيل : فما حمله على ذلك ؟ فقالوا : { يريد أن يتفضل } اي يتكلف الفضل ~~بادعاء مثل هذا { عليكم } لتكونوا أتباعا له , ولا خصوصية له به دونكم . | ~~ولما كان التقديرم فلم يرسله الله كما ادعى , عطف عليه قولهم : { ولو شاء ~~الله } اي الملك الأعلى الإرسال إليكم وعدم عبادة غيره { لأنزال } لذلك { ~~ملائكة } وما علموا أن القادر على تفضيل بعض الجواهر بجعلها ملائكة قادر ~~على تفضيل ما شاء ومن شاء بما يشاء من الملائكة وغيرها . | PageV05P195 ~~ولما كان هذا متضمنا لإنكار رسالة البشر , صرحوا به في قولهم كذبا وبهتانا ~~كما كذب فرعون وآله حين قالوا مثل هذا القول وكذبهم المؤمن برسالة يوسف ~~عليه الصلاة والسلام : { ما سمعنا بهذا } أي بإرسال نبي من البشر يمنع أن ~~يعبد غير الله بقصد التقريب إليه , فجعلوا الإله حجرا , وأحالوا كون النبي ~~بشرا { في بائنا الأولين * } ولا سمعنا بما دعا إليه من التوحيد . | < < # | المؤمنون : ( 25 - 29 ) إن هو إلا . . . . . # > > ^ ( إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين * قال رب انصرني بما ~~كذبون * فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جآء أمرنا وفار ~~التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا ~~تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون * فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك ~~فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين * وقل رب أنزلني منزلا مباركا ~~وأنت خير المنزلين ) ^ } ) | ولما نفوا عنه الرسالة وحصروا أمره في قصد ~~السيادة , وكانت سيادته لهم بمثل هذا عندهم من المحالن قالوا : { إن } اي ~~ما { هو إلا رجل به جنة } أي جنون في قصده التفضل بما يروث بغضه وهضمه ولا ~~نعرف له وجها مخصصا به , فلا نطيع له فيه ابدا { فتربصوا به } أي فتسبب عن ~~الحكم بجنونه أنا نأمركم بالكف عنه لأنه لا حرج على مجنون { حتى } أي إلى { ~~حين * } لعله يفيق أو يموت , فكأنه قيل : فما قال ؟ فقيل : { قال } عندما ~~أيس من فلاحهم : { رب ms3251 انصرني } اي أعني عليهم { بما كذبون * } اي بسبب ~~تكذيبهم لي , فإن تكذيب الرسول استخفاف بالمرسل { فأوحينا } اي فتسبب عن ~~دعائه أنا أوحينا { إليه أن اصنع الفلك } أي السفينة . | ولما كان يخاف من ~~أذاهم له في عمله بالإفساد وغيره قال : { بأعيننا } أي أنه لا يغيب عنا شيء ~~من أمرك ولا من أمرهم وأنت تعرف قدرتنا عليهم فثق بحفظنا ولا تخف شيئا من ~~أمرهم . | ولما كان لا يعلم تلك الصنعة , قال : { ووحينا } ثم حقق له ~~هلاكهم وقربه بقوله : { فإذا جاء أمرنا } أي بالهلاك عقب فراغك منه { وفار ~~التنور } قال ابن عباس رضي اله عنهما : وجه الأرض . | وفي القامو : التنور ~~: الكنون يخبز فيه , ووجه الأرض , وكل مفجر ماء , وجبل قرب المصيصة - انتهى ~~. | والليق بهذا الأمر صرفه إلى ما يخبز فيه ليكون آية في آية { فاسلك } أي ~~فادخل { فيها } أي السفينة { من كل زوجين } من الحيوان { وأهلك } من أولادك ~~وغيرهم { إلا من سبق عليه } لا له { القول منهم } بالهلاك لقطع ما بينك ~~وبينه من الوصلة بالكفر . | ولما كان التقدير : فلا تحمله معك ولا تعطف ~~عليه لظلمه , عطف عليه قوله : PageV05P196 { ولا تخاطبني } اي بالسؤال في ~~النجاة { في الذين ظلموا } عامة ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إنهم مغرقون * } اي ~~قد ختم القضضاء عليهم , ونحن نكرمك عن سؤال لا يقبل . | ولما قدم ذلك , لأن ~~درء المفاسد - بالنهي عما لا يرضي - أولى من جلب المصالح , أتبعه الأمر ~~بالشكر فقال : { فإذا استويت } اي اعتقلت { أنت ومن معك } أي من البشر ~~وغيرهم { على الفلك } ففرغت من امتثال الأمر بالحمل { فقل } لأن علمك بالله ~~ليس كعلم غيرك فالحمد منك أتم , وإذا قلت اتبعك من معك , فإنك قدوتهم وهم ~~في غاية الطاعة لك , ولهذا أفرد في الجزاء بعد العموم في الشرط { الحمد } ~~أي الإحاطة بأوصاف الكمال في الإيجاد والإعدام { لله } اي الذي لا كفوء له ~~لأنه المختص بصفات المجد { الذي نجانا } بحملنا فيه { من القوم } الأشداء ~~الأعتياء { الظالمين * } الذين حالهم - لوضعهم الأشياء في غير مواضعها - ~~حال من يمشي في الظلام , فلك الحمد بعد ms3252 إفنائهم كما كان لك الحمد في حال ~~إبدائهم وإبقائهم , والحمد في هذه السوة المفتتحة بأعظم شعيرة بها الإبقاء ~~الأول , وهي الصلاة الموصوفة بالخشوع كالحمد في سورة الإيجاد الأول : ~~الأنعام بقوله تعالى ^ ( { فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب ~~العالمين } ) ^ [ الأنعام : 45 ] . | ولما أشار له بهذا القول إلى السلامة ~~بالجمل , أتبعه الإشارة إلى الوعد بإسكان الأرض فقال : { وقل ربي أنزلني } ~~في الفلك ثم في الأرض وفي كل منزل تنزلني به وتورثني إياه { منزلا } موضع ~~نزول , أو إنزلا { مباركا } اي أهلا لأن يثبت فيه أو به . | ولما كان ~~الثناء أعظم مهيج على إجابة الدعاء , وكان التقدير , فأنت خير الحاملين , ~~عطف عليه قوله { وأنت خير المنزلين * } لأنك تكفي نزيلك كل ملم , وتعطيه كل ~~مراد . | < < # | المؤمنون : ( 30 - 32 ) إن في ذلك . . . . . # > > ^ ( إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين * ثم أنشأنا من بعدهم قرنا ~~آخرين * فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون ) ^ } ) | ولما كانت هذه القصة من أغرب القصص , حث على تدبرها بقوله ~~: { إن في ذلك } أي الأمر العظيم الذي ذكر من أمر نوح وقومه وكذا ما هو ~~مهاد له { لآيات } اي علامات دالات على صدق الأنبياء في أن المؤمنين هم ~~المفلحون , وأنهم الوارثون للأرض بعد الظالمين وإن عظمت شوكتهم , واشتدت ~~صولتهم { وإن } أي وإنا بما لنا من العظمة { كنا } بما لنا من الوصف الثابت ~~الدال على تمام القدرة { لمبتلين * } اي فاعلين فعل المختبر لعبادنا بإرسال ~~الرسل ليظهر في عالم الشهادة الصالح منهم من PageV05P197 غيره , ثم نبتلي ~~الصالحين منهم بما يزيد حسناتهم , وينقص سيئاتهم , ويعلي دراجاتهم , ثم ~~نجعل لهم العقبة فنبلي بهم الظالمين بما يوجب دمارهم , ويخرب ديارهم , ~~ويمحو آثارهم , هذه عادتنا المستمرة إلى أن نرث الأرض ومن عليها فيكون ~~البلاء المبين . | ولما بين سبحانه وتعالى تكذيبهم وما عذبهم به , وكان ~~القياس موجبا لأن من يأتي يعدهم يخشى مثل مصرعهم , فيسلك غير سبيلهم , ~~ويقول غير قيلهم , بين أنه لم تنفعهم العبرة , فارتكبوا مثل أحوالهم , ~~وزادوا على أقوالهم ms3253 وأفعالهم , لإرادة ذلك من الفاعل المختار , الواحد ~~القهار , وأيضا فإنه لما كان المقصود - مع التهديد والدلالة على القدرة ~~والاختيار - الدلالة على تخصيص المؤمنين بالفلاح والبقاء بعد الأعداء , ~~وكان إهلاك المترفين أدل على ذلك , اقتصر على ذكرهم وابهمهم ليصح تنزيل ~~قصتهم على كل من ادعى فيهم الإتراف من الكفرة , ويترجح إرادة عاد لما أعطوا ~~مع ذلك من قوة الأبدان وعظم الأجسام , وبذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما , ~~وإرادة ثمود لما في ا لشعراء والقمر مما يشابه عبض قولهم هنا , وللتعبير عن ~~عذابهم بالصيحة ولموافقتهم لقوم نوح في تعليل ردهم بكونه بشرا , وطوى ~~الإخبار عمن بعدهم بغير التكذيب والإهلاك لعدم الحاجة إلى ذكر شيء غيره , ~~فقال : { ثم أنشأنا } اي أحدثنا وأحيينا وربينا بما لنا من العظمة . | ولما ~~لم يستغرقوا زمان البعد , أتى بالجار فقالك { من بعدهم قرنا } أي أمة وجيلا ~~. | ولما كان ربما ظن ظان أنهم فرقة من المهلكين نجوا من عذاب سائرهم كما ~~يكون في حروب سائر الملوك , عبر عن إنجائهم بإنشائهم , حقق أنهم أحدثوا ~~بعدهم فقال : { آخرين فارسلنا } اي فتعقب إنشاءنا لهم وتسبب عنه أن أرسلنا ~~. | ولما كان الإبلاغ في التسلية , عدي الفعل ب ( في ) دلالة على أنه عمهم ~~بالإبلاغ كما يعم المظروف الظرف , حتر لم يدع واحد منهم إلا أبلغ في أمره ~~فقال : { فيهم رسولا منهم } فكان القياس يقتضي مبادرتهم لاتباعه لعلمهم بما ~~حل بمن قبلهم لأجل التكذيب , ولمعرفتهم غاية المعرفة لكون النبي منهم , بما ~~جعلناه عليه المحاسن , وما زيناه به من الفضائل , ولأن عزه عزهم , ولدعائه ~~لهم إلى ما لا يخفى حسنه على عاقل , ولا يأباه منصف ؛ ثم بين ماأرسل به ~~بقوله : { أن اعبدوا الله } أي وحده لأنه لا مكافىء له , ولذا حفظ اسمه ~~فكان لا سمي له ؛ ثم علل ذلك بقوله : { ما لكم } ودل على الاستغراق بقوله : ~~{ من إله غيره } . | ولما كانت المثلات قد دخلت من قبلهم في المكذبين , ~~وأناخت صروفها بالظالمين , فتسبب عن عملهم بذلك إنكار قلة مبالاتهم في عدم ~~تحرزهم من مثل مصارعهمن قال ms3254 : { أفلا تتقون * } أي تجعلون لكم وقاية مما ~~ينبغي الخوف منه فتجعلوا وقاية تحول بينكم وبين سخط الله . | PageV05P198 < ~~< # | المؤمنون : ( 33 - 36 ) وقال الملأ من . . . . . # > > ^ ( وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقآء الآخرة وأترفناهم ~~في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما ~~تشربون * ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون * أيعدكم أنكم إذا متم ~~وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون * هيهات هيهات لما توعدون ) ^ } ) | ولما ~~كان التقدير : فلم يؤمنوا ولم يتقوا داب قوم نوح , عطف عليه قوله : { وقال ~~الملأ } أي الإشراف الذين تملأ رؤيتهم الصدور , فكأن ما اقترن بالواو أعظم ~~في التسلية مما خلا منها على تقدير سؤال لدلالة هذا على ما عطف عليه . | ~~ولما كانت القبائل قد تفرغت بتفرق الألسن , قدم قوله : { من قومه } اهتماما ~~وتخصيصا للإبلاغ في التسلية ولأنه لو أخر لكان بعد تمام الصلة وهي طويلة ؛ ~~ثم بين الملأ بقوله : { الذين كفروا } أي غطوا ما يعرفون من أدلة التوحيد ~~والانتقام من المشركين { وكذبوا بلقاء الآخرة } لتكذيبهم بالبعث . | ولما ~~كان من لازم الشرف الترف , صرح به إشارة إلى أنه - لظن كونه سعادة في ~~الدنيا - قاطع في الغالب عن سعادة الآخرة , لكونه حاملا على الأشر والبطر ~~والتكبر حتى على المنعم , فقال : { وأترفناهم } أي والحال أنا - بما لنا ~~وعلى ما لنا من العظمة - نعمناهم { في ا لحياة الدنيا } اي الدانية الدنيئة ~~, بالأموال والأولاد وكثرة السرور , يخاطبون أتباعهم : { ما هذا } أشاروا ~~إليه تحقيرا له عند المخاطبين { إلا بشر مثلكم } أي في الخلق والحال ؛ ثم ~~وصفوه بما يوهم المساواة في كل وصف فقالوا : { يأكل مما تأكلون منه } من ~~طعام الدنيا { ويشرب مما تشربون * } أي منه من شرابها فكيف يكون رسولا ~~دونكم ! ولما كان التقدير : فلئن اتبعتموه إنكم لضالون , عطف عليه : { ولئن ~~أطعتم بشرا مثلكم } في جميع ما ترون { إنكم إذا } اي إذا أطعتموه { لخاسرون ~~* } اي مغبونون لكونكم فضلتم مثلكم عليكم بما يدعيه مما نحن له منكرون ؛ ثم ~~بينوا إنكارهم بقولهم : { أيعدكم أنكم إذا متم } ففارقت أرواحكم أجسادكم { ~~وكنتم ms3255 } أي وكانت أجسادكم { ترابا } باستيلاء التراب على مادون عظامها { ~~وعظاما } مجردة ؛ ثم بين الموعود به بعد أن حرك النفوس إليه , وبعث بما ~~قدمه أتم بعث عليه , فقال مبدلا من { أنكم } الأولى إيضاحا للمعنى : { أنكم ~~مخرجون * } اي من تلك الحالة التي صرتم إليها , فراجعون إلى ما كنتم عليه ~~من الحياة على ما كان لكم من الأجسام ؛ ثم استأنفوا التصريح بما دل عليه ~~الكلام من استبعادهم ذلك فقالوا : { هيهات هيهات } اي بعد بعد جدا بحيث صار ~~ممتنعا , ولم يرفع ما بعده به بل قطع عنه تفخيما له , فكان كأنه قيل : لي ~~شيء هذا الاستبعاد ؟ فقيل : { لما توعدون * } . | PageV05P199 < < # | المؤمنون : ( 37 - 40 ) إن هي إلا . . . . . # > > ^ ( إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين * إن هو ~~إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين * قال رب انصرني بما كذبون ~~* قال عما قليل ليصبحن نادمين ) ^ } ) | ولما كانوا بهذا التأكيد في ~~التبعيد كأنهم قالوا : إنا لا نبعث أصلا , اتصل به : { إن هي } أي الحالة ~~التي لا يمكن لنا سواها { إلا حياتنا الدنيا } أي التي هي أقرب الأشياء ~~إلينا وهي ما نحن فيها , ثم فسروها بقولهم : { نموت ونحيا } أي يموت منا من ~~هو موجود , وينشأ آخرون بعدهم { وما نحن بمبعوثين * } بعد الموت , فكأنه ~~قيل : فما هذا الكلام الذي يقوله ؟ فقيل : كذب ؛ ثم حصروا أمره في الكذب ~~فقالوا : { إن } أي ما { هو إلا } وألهبوه على ترك مثل ما خاطبهم به بقولهم ~~: { رجل افترى } أي تعمد { على الله } اي الملك الأعلى { كذبا } والرجل لا ~~ينبغي مثل ذلك , أو هو واحد وحده , أي لا يلتفت إليه { وما نحن له بؤمنين * ~~} أي بمصدقين فيما يخبرنا به من البعث والرسالة ؛ ثم استانف قوله : { قال ~~رب } اي أيها المحسن إلي بإرسالي إليهم وغيره من أنواع التربية { انصرني } ~~‘ ليهم أي أوقع لي النصر { بما كذبون * } فأجابه ربه بأن { قال عما قليل } ~~اي من الزمن . | وأكد قلته بزيادة ( ما ) { ليصبحن نادمين * } على تخلفهم ~~عن اتباعك . | < < # | المؤمنون : ( 41 - 44 ) فأخذتهم الصيحة بالحق . . . . . # > > ^ ( فأخذتهم ms3256 الصيحة بالحق فجعلناهم غثآء فبعدا للقوم الظالمين * ثم ~~أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين * ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون * ثم ~~أرسلنا رسلنا تترى كل ما جآء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم ~~أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون ) ^ } ) | ولما تسبب عن دعائه أن تعقب هلاكهم ~~, وعد الله له بذلك , قال تعالى : { فأخذتهم الصيحة } أي التي كأنها لقوتها ~~لا صحية إلا هي , ويمكن أن تكون على بابها فتكون صيحة جبرئيل عليه الصلاة ~~والسلام ويكون القوم ثمود , ويمكن أنت تكون مجازا عن العذاب الهائل { بالحق ~~} أي بالأمر الثابت من العذاب الذي أوجب لهم الذي لا تمكن مدافعته لهم ولا ~~لأحد غير الله , ولا يكون كذلك إلا وهو عدل { فجعلناهم } بعظمتنا التي لا ~~تدانيها عظمة , بسبب الصيحة { غثاء } كأنهم أعجاز نخل خاوية , جاثمين ~~أمواتا يطرحون كما يطرح الغثاء , وهو ما يحمله السيل من نبات ونحوه فيسود ~~ويبلى فيصير بحيث لا ينتفع به , ونجينا رسولهم ومن معه من المؤمنين , فخاف ~~الكافرون , وأفلح المؤمنون , وكانوا هم الوارثين للأرض من بعدهم . | ولما ~~كان هلاكهم على هذا الوجه سببا لهوانهم , عبر عنه بقوله : { فبعدا } أي ~~PageV05P200 هلاكا وطردا . | ولما كان كأنه قيلك لمن ؟ قيل : لهم ! ولكنه ~~أظهر الضمير تعميما وتعليقا للحكم بالوصف تحذيرا لكل من تلبس به فقال : { ~~للقوم } اي الأقوياء الذي لا عذر لهم في التخلف عن اتباع الرسل والمدافعة ~~عنهم { الظالمين * } الذين وضعوا قوتهم التي كان يجب عليهم بذلها في نصر ~~الرسل في خذلانهم . | ولما كانت عادة المكذبين أن يقولوا تكذيبا : هذا ~~تعريض لنا بالهلاك , فصرح ولا تدع جهدا في إحلاله بنا والتعجيل به إلينا , ~~فإنا لا ندع ما نحن عليه لشيء , وكان العرب أيضا قد ادعوا أن العادة بموتهم ~~وإنشاء من بعدهم شيئا فشيئا لا تنخرم , قال تعالى رادعا لهم : { ثم أنشأنا ~~} أي بعظمتنا التي لا يضرها تقديم ولا تأخير , وأثبت الجار لما تقدم فقال : ~~{ من بعدهم } أي من بعد من قدمنا ذكره من نوح والقرن الذي بعده { قرونا ~~آخرين } ثم أخبر بأنه لم ms3257 يعجل على أحد منهم قبل الأجل الذي حده له بقوله : ~~{ ما تسبق } ولعله عبر بالمضارع إشارة إلى أنه ما كان شيء من ذلك ولا يكون ~~, وأشار إلى الاستغراق بقوله : { من أمة أجلها } أي الذي قدرناه لهلاكها { ~~وما يستأخرون * } عنه , وكلهم أسفرت عاقبته عن خيبة المكذبين وإفلاح ~~المصدقين , وجعلهم بعدهم الوارثين , وعكس هذا الترتيب في غيرها من الآيات ~~فقدم الاستئخار لنه فرض هناك مجيء الأجل فلا يكون حينئذ نظر إلا إلى ~~التأخير . | ولما كان قد أملى لكل قوم حتى طال عليهم الزمن , فلما لم يهدهم ~~عقولهم لما نصب لهم من الأدلة , وأسبغ عليهم من النعم , وأحل بالمكذبين ~~قبلهم من النقم , أرسل فيهم رسولا , دل على ذلك بأداة التراخي فقال : { ثم ~~ارسلنا } أي بعد إنشاء كل قرن منهم وطول إمهالنا له , ومن هنا يعلم أن بين ~~كل رسولين فترة , وأضاف الرسل إليه لأنه في مقام العظمة وزيادة في التسلية ~~فقال : { رسلنا تترا } اي واحدا بعد واحد ؛ قال الرازي : من وتر القوس ~~لاتصاله . | وقال البغوي : واترت الخبر : اتبعت بعضه بعضا وبين الخبرين ~~هنيهة . | وقال الأصبهاني : والأصل : وترى , فقلبت الواو تاء كما قلبوها في ~~التقوى . | فجاء كل رسول إلى أمته قائلا : اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ~~. | ولما كان كأنه قيل : فكان ماذا ؟ قيل : { كلما جاء أمة } ولما كان في ~~بيان التكذيب , اضاف الرسول إليهم , ذما لهم لأن يخصوا بالكرامة فيأبوها ~~ولقصد التسلية أيضا فقال : { رسولها } أي بما أمرناه به من التوحيد . | ~~ولما كان الأكثر من كل أمة مكذبا , اسند الفعل إلى الكل فقال : { كذبوه } ~~أي كما فعل هؤلاء بك لما أمرتهم بذلك { فأتبعنا } القون بسبب تكذيبهم { ~~بعضهم بعضا } في الإهلاك , فكنا نهلك الأمة كلها في آن واحد , بعضهم ~~بالصيحة , وبعضهم بالرجفة , PageV05P201 وبعضهم بالخسف , وبعضهم بغير ذلك , ~~فدل أخذنا لهم على غير العادة - من إهلاكنا لهم جميعا وإنجاء الرسل ومن ~~صدقهم والمخالفة بينهم في نوع العذاب - أنا نحن الفاعلون بهم ذلك باختيارنا ~~لا الدهر , وأنا ما فعلناه ذلك إلا بسبب التكذيب . | ولما كانوا ms3258 قد ذهبوا ~~لم يبق عند الناس منهم إلا أخبارهم , جعلوا إياها , فقال : { وجعلناهم ~~أحاديث } أي أخبارا يسمر بها ويتعجب منها ليكونوا عظة للمستبصرين فيعلموا ~~أنه لا يفلخ الكافرون ولا يخيب المؤمنون , وماأحسن قول القائل : | ولا شيء ~~يدوم فكن حديثا جميل الذكر فالدنيا حديث | ولما تسبب عن تكذيبهم هلاكهم ~~المقتضي لبعدهم فقال : { فبعدا لقوم } اي أقوياء على ما يطلب منهم { لا ~~يؤمنون * } أي لا يتجدد منهم إيمان وإن جرت عليهم الفصول الأربعة , لأنه لا ~~مزاج لهم معتدل . | < < # | المؤمنون : ( 45 - 48 ) ثم أرسلنا موسى . . . . . # > > ^ ( ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين * إلى فرعون ~~وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين * فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما ~~لنا عابدون * فكذبوهما فكانوا من المهلكين ) ^ } ) | ولما كان آل فرعون قد ~~أنكروا الإيمان لبشر مثلهم كما قال من تقدم ذكره من قوم نوح والقرن الذي ~~بعدهم , وكانوا أترف أهل زمانهم , وأعظمهم قوة , وأكثرهم عدة , وكانوا ~~يستعبدون بني إسرائيل , وكان قد نقل إلينا من الآيات التي أظهر رسولهم ما ~~لم ينقل إلينا مثله لمن تقدمه , صرح سبحانه بهم , وطأن الرسالة إليهم كانت ~~بعد فترة طويلة , فدل عليها بحرف التراخي فقال : { ثم أرسلنا } اي بما لنا ~~من العظمة { موسى } وزاد في التسلية بقوله : { وأخاه هارون } اي عاضدا له ~~وبيانا لأن إهلاك فرعون وىله جميعا مع إنجاء الرسولين معا ومن آمن بهما ~~لإرادة الواحد القهار لإفلاح المؤمنين وخيبة الكافرين { بآياتنا } اي ~~المعجزات , بعظمتنا لمن يباريها { وسلطان مبين * } اي حجة ملزمة عظيمة ~~واضحة , وهي حراسته وهو وحده , وأعلاه على كل من ناواه وهم مع قوتهم ملء ~~الرض وعجزهم عن كل ما يرمونه من كيدهن وهذه وإن كانت من جملة الآيات لكنها ~~أعظمها , وهي وحدها كافية في إيجاب التصديق { إلى فرعون وملئه } أي وقومه . ~~| ولما كان الأطراف لا يخالفون الأشراف , عدهم عدما , ومن الواضح أن ~~التقدير : أن اعبدوا الله , ما لكم من إله غيره , واشار بقوله : { ~~فاستكبروا } إلى أنهم أوجدوا الكبر عن الاتباع فيما دعوا إليه عقب الإبلاغ ~~من غير تأمل ولا تثبت ms3259 وطلبوا أن لا يكونوا PageV05P202 تحت أمر من دعاهم , ~~وأشار بالكون غلى فساد جبلتهم فقال : { وكانوا قوما } أي أقوياء { عالمين * ~~} على جميع من يناويهم من أمثالهم . | ولما تسبب عن استكبارهم وعلوهم ~~إنكارهم للاتباع قال : { فقالوا أنؤمن } أي بالله مصدقين { لبشرين } ولما ~~كان ( مثل ) و ( غير ) قد يوصف بهما المذكر والمؤنث والمثنى والجمع دون ~~تغيير , ولم تدع حاجة إلى التثنية قال : { مثلنا } أي في البشرية والمأكل ~~والمشرب وغيرهما مما يتعرى البشر كما قال من تقدمهم { وقومهما } أي والحال ~~أن قومهما { لنا عابدون * } أي في غاية الذل والانقياد كالعبيد فنحن أعلى ~~منهما بهذا , ويا ليت شعري ما لهم لما جعلوا هذا شبهة لم يجعوا عجزهم عن ~~إهلاك الرسل وعما يأتون به من المعجزات فرقانا وما جوابهم عن أن من الناس ~~الجاهل الذي لا يهتدي لشيء والعالم الذي يفوق الوصف من فاوت بينهما ؟ وغذا ~~جاز التفاوت في ذلك فلم لا يجوز في غيره ؟ . | ولما تسبب عن هذا الإنكار ~~التكذيب , فتسبب عنه الهلاك , قال : { فكذبوهما } أي فرعون وملؤه موسى ~~وهارون عليهما الصلاة والسلام { فكانوا } اي فرعون وآله , ونبه بصيغة ~~المفعول على عظيم القدرة فقال : { من المهلكين * } بإغراقنا كلهم على ~~تكذيبهم إشارة إلى أنهم لم يهلكوا بأنفسهم من غير مهلك مختار بدليل إغراقهم ~~كلهم بما كان سبب إنجاء بني إسرائيل كلهم ولم تغن عنهم قوتهم في أنفسهم ثم ~~قوتهم على خصوص بني إسرائيل باستعبادهم إياهم , ولا ضر بني إسرائيل ضعفهم ~~عن دفاعهم , ولا ذلهم لهم وصغارهم في ايديهم . | < < # | المؤمنون : ( 49 - 52 ) ولقد آتينا موسى . . . . . # > > ^ ( ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون * وجعلنا ابن مريم وأمه آية ~~وآويناهمآ إلى ربوة ذات قرار ومعين * يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا ~~صالحا إني بما تعملون عليم * وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون ) ^ ~~} ) | ولما كان ضلال قومهما الذين استنقذناهم من عبودية فرعون وقومه أعجب , ~~وكان السامع متشوقا إلى ما كان من أمرهم بعد نصرهم , ذكر ذلك مبتدئا له ~~بحرف التوقع مشيرا إلى حالهم في ضلالهم تسلية للنبي صلى الله ms3260 عليه وسلم ~~فقال : { ولقد آتينا } أي بعظمتنا { موسى الكتاب } أي الناظم لمصالح البقاء ~~الأول بل والثاني . | ولما كان كتابهم لم ينزل إلا بعد هلاك فرعون كما هو ~~واضح لمن تأمل أشتات قصتهم في القرآن , وكان حال هلاك القبط معرفا أن ~~الكتاب لبني إسرائيل , اكتفى بضميرهم فقال : { لعلهم } اي قوم موسى وهارون ~~عليهما السلام { يهتدون * } أي ليكون حالهم عند من لا يعلم العواقب حال من ~~ترجى هدايته , فأفهم جعلهم في ذلك PageV05P203 في مقام الترجي أن فيهم من ~~لم يهتد ؛ قال ابن كثير : وبعد أن أنزل التوراة لم تهلك أمة بعامة بل أمر ~~المؤمنين بقتال الكافرين - انتهى . | ولا يبعد على هذا أن يكون الضمير في { ~~لعلهم } للقرون الحادثة المدلول عليها بقوله { قرونا } وربما أرشد إلى ذلك ~~قوله تعالى : < # > 77 ( { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر ~~للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرن } ) 77 < # > [ القصص : 43 ] وقد ختم الهلاك العام بالإغراق كما فتح به , والنبيان ~~اللذان وقع ذلك لهما دعا كل منهما على من عصاه , وكلاهما مثله النبي صلى ~~الله عليه وسلم في غزوة بدر في الشدة على العصاة بعمر رضي الله عنه الذي ~~أطاعه النيل وأطاع جيشه الدجلة . | ولما كان من ذكر كلهم قد ردوا من جاءهم ~~لإشعارهم استبعادهم لأن يكون الرسل بشرا , وكان بنو إسرائيل الذين أعزهم ~~الله ونصرهم على عدوهم وأوضح لهم الطريق بالكتاب قد اتخذوا عيسى - مع كونه ~~بشرا - إلها , اتبع ذلك ذكره تعجيبا من حال المكذبين في هذا الصعود بعد ذلك ~~نزول في أمر من أرسلوا إليهم , وجرت على أيديهم الآيات لهدايتهمن فقال : { ~~وجعلنا } أي بعظمتنا { ابن مريم } نسبة إليها تحقيقا لكونه لا أب له , ~~وكونه بشرا محمولا في البطن مولودا لا يصلح لرتبة الإلهية ؛ وزاد في حقيق ~~ذلك بقوله : { وأمه } وقال : { آية } إشارة إلى ظهور الخوارق على أيديهما ~~حتى كأنهما نفس الآية , فلا يرى منها شيء إلا وهو آية , ولو قال : آيتين , ~~لكان ربما ظن أنه يراد حقيقة هذا العدد , ولعل في ذلك إشارة ms3261 إلى أنه تكملت ~~به آية القدرة على إيجاد الإنسان بكل اعتبار من غير ذكر ولا أنثى كآدم عليه ~~السلام , ومن الزوجين كبقية الناس , والمراد أن بني إسرائيل - مع الكتاب ~~الذي هو آية مسموعة والنبي الذي هو آية مرئية - لم يهتد أكثرهم . | ولما ~~كان أهل الغلو في عيسى وأمه عليهما الصلاة والسلام ربما تشبثوا من هذه ~~العبارة بشيء , حقق بشريتهما واحتياجهما المنافي لرتبة الإلهية فقال : { ~~وآويناهما } أي بعظمتنا لما قصد ملوك البلاد الشامية إهلاكهما { إلى ربوة } ~~أي مكان عال من الأرض , وأحسن ما يكون النبات في الأماكن المرتفعة , ~~والظاهر أن المراد بها عين شمس في بلاد مصر ؛ قال ابن كثير : قال عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم : ليس الربى إلا بمصر والماء حين يرسل تكون الربى ~~عليها القرى , ولولا الربى غرقت القرى , وروي عن وهب بن منبه نحو هذا - ~~انتهى . | { ذات قرار } أي منبسط صالح لأن يستقر فيه لما فيه من المرافق { ~~ومعين } أي ماء ظاهر للعين , ونافع كالماعون , فرع اشتق من أصلين , ولم ~~يقدر من PageV05P204 خالفه من الملوك وغيرهم على كثرتهم وقوتهم على قتله لا ~~في حال صغره , ولا في حال كبره , كما مضى نقله عن الإنجيل وصدقة عليه ~~القرآن , مع كونه مظنة لتناهي الضعف بكونه , من انثى فقط ولا ناصر له إلا ~~الله , ومع ذلك فأنجح الله أمره وأمر من اتبعه , وخيب به الكافرين , ورفعه ~~إليه ليؤيد به هذا الدين في آخر الزمان , ويكون للمؤمنين حينئذ فلاح لم ~~يتقدمه مثله , وكان ذلك من إحسان خالقه ونعمته عليه . | ذكر شيء من دلائل ~~كونه آية من الإنجيل : قال يوحنا أحد المترجمين للإنجيل وأغلب السياق لمتى ~~فإني خلطت كلام المترجمين الأربعة : ولما قرب عيد المظال قال إخوة يسوع اي ~~الاثني عشر تلميذا - له : تحول من ههنا إلى يهوذا ليرى تلاميذك الأعمال ~~التي تعمل لأنه ليس أحد يعمل شيئا سرا فيجب أن يكون علانية غذ كنت تعمل هذه ~~الأشياء فأظهر نفسك للعالم , فقال لهم يسوع : أما وقتي فلم يبلغ , وأما ~~وقتكم فإنه مستعد ms3262 في كل حين , لم يقدر العالم أن يبغضكم وهم يبغضونني لأني ~~أشهد عليهم أن أعمالهم شريرة , اصعدوا أنتم إلى هذا العيد , فإني لا أصعد ~~الآن , ثم قال : ولما انتصف أيام العيد صعد يسوع إلى الهيكل فبدأ يعلم , ~~وكان اليهود ويتعجبون ويقولون : كيف يحسن هذا الكتاب ولم يعلمه أحد , فقال ~~: تعليمي ليس هو لي , بل للذي أرسلني , فمن أحب أن يعمل مرضاته فهو يعرف ~~تعليمي هو من الله أو من عندي ؟ من يتكلم من عنده إنما يطلب المجد لنفسه , ~~وأما الذي يطلب مجد الذي ارسله فهو صادق وليس فيه ظلم , أليس موسى أعطاكم ~~الناموس وليس فيكم أحد يعمل بالناموس , ثم قال : وفي اليوم العظيم الذي هو ~~آخر العيد كان يسوع قائما ينادي : كل من يؤمن بي كما قالت الكتب تجري من ~~بطنه أنهار ماء الحياة , وإن الجمع الكثير سمعوا كلامه فقالوا : هذا نبي ~~حقا , وآخرون قالوا : هذا هو المسيح , وآخرون قالوا : ألعل المسيح من ~~الجليل يأتي ؟ أليس قد قال الكتاب : إنه من نسل داود , من بيت لحم قرية ~~داود خاصة يأتي المسيح , فوقع بين الجموع خوف من أجله , قال متى : حينئذ ~~جاء إلى يسوع من يروشليم كتبة وفريسيون قائلين : لماذا تلاميذك يتعدون وصية ~~المشيخة إذ لا يغسلون ايديهم عند أكلهم ؛ وقال مرقس : ثم اجتمع إليه ~~الفريسيون وبعض الذين جاؤوا من يروشليم فنظروا إلى تلاميذه يأكلون الطعام ~~بغير غسل ايديهم , لأن بعض الفريسيين وكل اليهود لا يأكلون إلا بغسل ايديهم ~~تمسكا بتعليم شيوخهم والذين يشترونه من السواق إن لم يغسلوه لا يأكلونه , ~~وأشياء أخر كثيرة تمسكوا بها من غسل كؤوس وأواني ومصاغ وأسرة , وسأله ~~الكتبة والفريسيون : لم تلاميذك لا يسيرون على ما وصت به المشيخة قال متى : ~~فأجابهم وقال : لماذا أنتم تتعدون وصية الله من أجل PageV05P205 سننكم , ~~إلم يقل الله : أكرم أباك وأمك , والذي يقول كلاما رديئا في أبيه وأمه ~~يستأصل بالموت , وأنتم تقولون : من قال لأبيه أو لأمه . | إن القربان شيء ~~ينتفع به , فلا يكرم اباه وأمه , فأبطلتم كلام الله من ms3263 تلقاء روايتكم ؛ قال ~~مرقس : وتفعلون كثيرا مثل هذا - اتنهى . | يا مراؤون حسنا يثني وقال مرقس : ~~نعما يثني عليكم أشياعا قائلا : إن هذا لاشعب قرب مني ويكرمني بشفتيه , ~~وقلبه بعيد عني , يعبدونني باطلا ويعلمون تعليم وصايا الناس . | ودعا الجمع ~~وقال لهم : اسمعوا وافهموا , ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان , لكن الذي ~~يخرج من الفم ينجس الإنسان , حينئذ جاء إليه تلاميذه وقالوا : اعلم أن ~~الفريسيين لما سمعوا الكلام شكوا , فأجابهم وقال : كل غرس لا يغرسه أبي ~~السماوي يقلع , دعوهم فإنهم عميان يقودهم عميان , أجابه بطرس وقال : فسر ~~لنا المثل ! فقال : حتى أنتم لا تفهمون ؟ أما تعلمون أن كل ما يدخل إلى ~~الفم يصل إلى البطن وينطرد إلى المخرج , فأما الذي يخرج من الفم فهو يخرج ~~من القلب , هذا الذي ينجس الإنسان , لأنه يخرج من القلب الفكر الشرير : ~~القتل الزنى الفسق السرقة وشهادة الزور التجديف , هذا هو الذي ينجس الأنسان ~~, وأما الأكل بغير غسل الأيدي وفليس ينجس الإنسان , وقال مرقس : إن كل ما ~~كان خارجا يدخل إلى فم الإنسان لا يقدر أن ينجسه لأنه لا يصل إلى القلب , ~~بل إلى الجوف ويذهب إلى خارج , والذي يخرج من الإنسان هو الذي ينجس الإنسان ~~, لأنه من داخل تخرج أفكار السوء : فجور الزنى قتل سرقة شره شر غش فسق عين ~~شريرة تجديف تعاظم جهل , هذا كله شر من داخل يخرج وينجس الإنسان انتهى . | ~~وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا : الأب - كما تقدم غير مرة . | ولما بين ~~أن عيسى عليه السلام على منهاج إخوانه من الرسل في الأكل والعبادة , وجميع ~~الأحوال , زاد ي تحقيق ذلك بياتا لمن ضل بأن اعتقد فيه ما لا يليق به , ~~فقال مخاطبا لجميعهم بعد إهلاك من عاندهم من قومهم على وجه يشمل ما قبل ذلك ~~ردا لمن جعله موجبا لإنكار الرسالة , وتبكيتا لمن ابتدع الرهبانية من أمة ~~عيسى عليه السلام , إعلاما بأن كل رسول قيل له معنى هذا الكلام فعمل به , ~~فكانوا كأنهم نودوا به في وقت واحد , فعبر بالجمع ليكون ms3264 أفخم له فيكون أدعى ~~لقبوله : { يا أيها الرسل } من عيسى وغيره { كلوا } أنتم ومن نجيناه معكم ~~بعد إهلاك المكذبين . | ولما علو عن رتبة الناس , فلم يكونوا أرضيين , لم ~~يقل < # > 77 ( { مما في الأرض } ) 77 < # > [ البقرة : 168 ] وعن رتبة الذين آمنوا , لم يقل < # > 77 ( { من طيبات ما رزقناكم } ) 77 < # > [ البقرة : 172 ] ليكنوا عابدين نظرا إلى النعمة أو حذرا من النقمة , ~~كما مضى بيانه في سورة البقرةن بل قال : { من الطيبات } أي الكالملة اليت ~~مننت عليكم بخلقها لكم وإحلالها وإزالة الشبه PageV05P206 عنها وجعلها شهية ~~للطبع , نافعة للبدن , منعشة للروح , وذلك ما كان حلا غير مستقذر لقوله ~~تعالى ^ ( { يحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث } ) ^ [ الأعراف : 157 ] ~~. | ودل سبحانه على أن الحلال عون على الطاعة بقوله : { واعملوا صالحا } أي ~~سرا وجهرا غير خائفين من أحد , فقد أهلكت عدوكم وأورثتكم أرضكم , ولم يقيد ~~عملكم بشكر ولا غيره , إشارة إلى أنه لوجهه ليس غير , فإنهم دائما في مقام ~~الشهود , في حضرة ا لمعبود , والهنى عن كل سوى حتى عن الغنى , ثم حثهم على ~~دوام المراقبة بقوله : { إني بما } أي بكل شيء { تعملون عليم * } أي بالغ ~~العلم . | ولما كان هذا تعليلا لما سبقه من الأمر , عطف على لفظه قوله : { ~~وإن } بالكسر في قراءة الكوفيين , وعلى معناه لما كان يستحقه لو أبرزت لام ~~العلة من الفتح في قراءة غيرهم { هذه } أي دعوتكم أيها الأنبياء المذكورين ~~إجمالا وتفصيلا وملتكم المجتمعة على التوحيد أو ا لجماهة التي أنجيتها معكم ~~من المؤمنين { أمتكم } أي مقصدكم الذي ينبغي أن لا توجهوا هممكم إلى غيره ~~أو جماعة أتباعكم حال كونها { أمة واحدة } لا شتات فيها أصلا , فما دانت ~~متوحدة فهي مرضية { وأنا ربكم } أي المحسن إليكم بالخلق والرزق وحدي , فمن ~~وحدني نجا , ومن كثر الأرباب هلك . | ولما كان الخطاب في هذه السورة كلها ~~للخلص من الأنبياء ومن تبعهم من المؤمنين , قال : { فاتقون * } أي اجعلوا ~~بينكم وبين غضبي وقاية من جميع عبادي بالدعاء إلى وحدانيتي بلا فرقة أصلا , ~~بخلاف سورة الأنبياء المصدرة بالناس فإن ms3265 مطلق العبارة أولى بدعوتها . | < < # | المؤمنون : ( 53 - 59 ) فتقطعوا أمرهم بينهم . . . . . # > > ^ ( فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون * فذرهم في ~~غمرتهم حتى حين * أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في ~~الخيرات بل لا يشعرون * إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون * والذين هم بآيات ~~ربهم يؤمنون * والذين هم بربهم لا يشركون ) ^ } ) | ولما كان من المعلوم ~~قطعا أن التقدير : فاتقى النبياء الله الذي أرسلهم وتجشموا حمل ما أرسلهم ~~به من عظيم الثقل , فدعوا العباد إليه وأرادوا جمعهم عليه , عطف عليه بفاء ~~السبب قوله معبرا بفعل التقطع لأنه يفيد التفرق : { فتقطعوا } أي الأمم , ~~وإنما أضمرهم لوضوح إرادتهم لأن الآية التي قبلها قد صرحت بأن الأنبياء ومن ~~نجا معهم أمة واحدة لا اختلاف بينهما , فعلم قطعا أن الضمير للأمم ومن نشأ ~~بعدهم , ولذلك كان النظر إلى الأمر الذي كان واحدا أهم , فقدم قوله : { ~~أمرهم } أي في الدين بعد أن كان PageV05P207 مجتمعا متصلا { بينهم } فكانوا ~~شيعا , وهو معنى { زبرا } أي قطعا , كل قطعة منها في غاية القوة والاجتماع ~~والثبات على ما صارت إليه من الهوى والضلال , بكل شيعة طريقة في الضلال عن ~~الطريق الأمم , والمقصد المستقيم , وكتاب زبروه في أهويتهم ولم يرحموا ~~أنفسهم بما دعتهم إليه الهداة من الاجتماع والألفة فأهلكوها بالبغضاء ~~والفرقة , وهو منصوب بأنه مفعول ثان لتقطع على ما مضى تخريجه في الأنبياء , ~~وقد ظهر كما ترى ظهورا بينا أن هذه غشارة إلى الناجين من أمة كل نبي بعد ~~إهلاك أعدائهمن اي أن هذه الجماعة الذين أنجيتهم معكم أمتكم , حال كونهم ~~أمة واحدة متفقين في الدين , لا خلاف بينهم , وكما أن جماعتكم واحدة فإنا ~~ربكم لا رب لكم غيري فاتقون ولا يخالف أحد منكم أمري ولا تختلفوا لئلا أعذب ~~العاصي منكم كما عذبت أعداءكم . | ولما كان هذا مما لا يرضاه عاقل , أجيب ~~من كأنه قال : هل رضوا بذلك مع انكشاف ضرره ؟ بقوله : { كل حزب } أي فرقة { ~~بما لديهم } أي من ضلال وهدى { فرحون * } أي مسرورن فضلا عن أنهم ms3266 راضون غير ~~معرج الضال منهم على ما جاءت به الرسل من الهدى , ولا على الاعتبار بما ~~اتفق لأممهم بسبب تكذيبهم من الردى . | ولما أنتج هذا الضلال وإن وضح لا ~~يكشفه إلا ذو الجلال , سبب عنه سبحانه قوله تسلية لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم : { فذرهم } اي اتركهم على شر حالاتهم { في غمرتهم } أي الضلاله التي ~~غرقوا فيها { حتى حين * } أي إلى وقت ضربناه لهم من قبل أن نخلقهم ونحن ~~عالمون بكل ما يصدر منهم على أنه وقت يسير . | ولما كان الموجب لغرورهم ~~ظنهم أن حالهم - في بسط الأرزاق من الأموال والأولاد - حال الموعود لا ~~المتوعد , أنكر ذلك عليهم تنبيها لمن سبقت له السعادة , وكتبت له الحسنى ~~وزيادة , فقال : { أيحسبون } أي لضعف عقولهم { أنما } أي الذين { نمدهم } ~~على عظمتنا { به } أي نجعله مددا لهم { من مال } نسيره لهم { وبنين * } ~~نمتعهم بهم , ثم أخبر عن ( أن ) بدليل قراءة السلمي بالياء التحتية فقال : ~~{ نسارع لهم } أي به بإدرارنا له عليهم في سرعة من يباري آخر { في الخيرات ~~} التي لا خيرات غلا هي لأنها محمودة العاقبة , ليس كذلك بل هو وبال عليهم ~~لأ , ه استدراج إلى الهلاك لأنهم غير عاملين بما يرضي الرحمن { بل } هم ~~يسارعون في أسباب الشرور , ولا يكون عن السبب إلا مسببه , ولكنهم كالبهائم ~~{ لا يشعرون * } أنهم في غاية البعد عن الخيرات < # > 77 ( { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } ) 77 < # > [ القلم : 44 ] . | PageV05P208 ولما ذكر أهل الافتراق , أبتبعهم أهل ~~النفاق , فكان كأنه قيل : فمن الذي يكون له الخيرات ؟ فأجيب بأنه الخائف من ~~الله , فقيل معبرا بما يناسب أول السورة من الأوصاف , بادئا بالخشية لأنها ~~الحاملة على تجديد الإيمان : { إن الذين هم } اي ببواطنهم { من خشية ربهم } ~~اي الخوف العظيم من المحسن إليهم المنعم عليهم { مشفقون * } أي دائمو الحذر ~~{ والذين هم بىيات ربهم } المسوعة والمرئية , لا ما كان من جهة غيره { ~~يؤمنون * } لا يزال إيمانهم بها يتجدد شكرا لإحسانه إليهم . | ولما كان ~~المؤمن قد يعرض له ما تقدم في إيمانه من شرك جلي أو خفي ms3267 , قال : { والذين ~~هم بربهم } اي الذي لا محسن إليهم غيره وحده { لا يشركون * } أي شيئا من ~~شرك في وقت من الأوقات كما لم يشركه في إحسانه إليهم أحد . | < < # | المؤمنون : ( 60 - 67 ) والذين يؤتون ما . . . . . # > > ^ ( والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون * أولئك ~~يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون * ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ~~ينطق بالحق وهم لا يظلمون * بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ~~ذلك هم لها عاملون * حتى إذآ أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون * لا ~~تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون * قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على ~~أعقابكم تنكصون * مستكبرين به سامرا تهجرون ) ^ } ) | ولما ثبت لهم الإيمان ~~الخالص , نفى عنهم العجب بقوله : { والذين يؤتون ما آتوا } أي يعطون ما ~~أعطوا من الطاعاتن وكذا قراءة يحيى بن الحارث وغيره : يأتون ما أتوا , أي ~~يفعلون ما فعلوا من أعمال البر لتتفق القراءتان في الإخبار عنهم بالسبق ؛ ~~ثم ذكر حالهم فقال : { وقلبهم وجلة } أي شديدة الخوف , قد ولج في دخولها ~~وجال في كل جزء منها لأنهم عالمون بأنهم لا يقدرون الله حق قدره وإن ~~اجتهدوا , ثم علل ذلك بقوله : { إنهم إلى ربهم } اي الذي طال إحشانه إليهم ~~{ راجعون * } بالبعث فيحاسبهم على النقير والقطمير , ويجزيهم بكل قليل و ~~كثير وهو النافذ البصير , قال الحسن البصري : إن المؤمن حمع إيمانا وخشية , ~~والمنافق جمع إساءة وأمنا . | ثم اثبت لهم ما أفهم أن ضده لأضدادهم فقال : ~~{ أولئك } اي خاصة { يسارعون } اي يسبقون سبق من يساجل آخر { في الخيرات } ~~فأفهم ذلك ضد ما ذكر لأضدادهم بقوله : { وهم لها } أي إليها خاصة , أي غلى ~~ثمراتها , ولكنه عبر باللام إشارة إلى زيادة القرب منها والوصول إليها مع ~~الأمن لجعل الخيرات ظرفا للمسارعة من أخذها على حقيقتها للتعدية { سابقون * ~~} لجميع الناس , لأنا نحن نسارع لهم في المسببات أعظم من مسارعتهم في ~~الأسباب , ويجوز أن يكون { سابقون } بمعنى : عالين , من وادي ( سبقت رحمتي ~~PageV05P209 غضبي ) أي أنهم مطيقون لها ومعانون عليها ms3268 { ولا } أي والحال ~~أنا لا نكلفهم ولكنه عم فقال : { نكلف نفسا } أي كافرة ومؤمنة { إلا وسعها ~~} فلا يقدر عاص على أن يقول : كنت غير قادر على الطاعة , ولا يظن بنا مؤمن ~~أنا نؤاخذه بالزلة والهفوة , فإن أحدا لا يستطيع أ , يقدرنا حق قدرنا لأن ~~مبنى المخلوق على العجز . | ولما كانت الأعمال إذا تكاثرت وامتد زمنها تعسر ~~أو تعذر حصرها إلا بالكتابة عامل العباد سبحانه بما يعرفون مع غناه عن ذلك ~~فقال : { ولدينا } اي عندنا على وجه هو أغرب الغريب { كتاب } وعبر عن كونه ~~سببا للعلم بقوله : { ينطق } بما كتب فيه ن أعمال العباد من خير وشر صغير ~~وكبير { بالحق } اي الثابت الذي يطابقه الواقع , قد كتب فيه أعمالهم من قبل ~~خلقهم , لا زيادة فيها ولا نقص , تعرض الحفظة كل يوم عليه ما كتبوه مما ~~شاهدوه بتحقيق القدر له فيجدونه محررا بمقاديره وأقاته وجميع أحواله ~~قيزدادون به إيمانا , ومن حقيته أنه لا يستطاع إنكار شيء منه . | ولما أفهم ~~ذلك نفي الظلم , صرح به فقال : { وهم } اي الخلق كلهم { لا يظلمون * } من ا ~~لظالم ما بزيادة ولا نقص في عمل ولا جزاء . | ولما كان التقدير : ولكنهم ~~بذلك لا يعلمون , قال { بل قلوبهم } أي الكفرة من الخلق ؛ ويجوز أن يكون ~~هذا الإضراب بدلا من قوله { بل لا يشعرون } { في غمرة } أي جهالة قد ~~أغرقتها { من هذا } أي الذي أخبرنا به من الكتاب الحفيظ فهم به كافرون { ~~ولهم أعمال } وأثبت الجار إشارة إلى أنه لا عمل لهم يستغرق الدون فقال : { ~~من دون ذلك } اي مبتدئة من أدنى رتبة التكذيب من سائر المعاصي لأجل تكذيبهم ~~بالكتاب المستلزم لتكذيبهم بالبعث المستلزم لعدم الخوف المستلزم للإقدام ~~على كل معضلة { هم لها } اي دائما { عاملون * } لا شيء يكفهم عجزهم عنها . ~~| ولما كانوا كالبهائم لا يخافون من المهلكة إلا عند المشاهدة , غيى عملهم ~~للخبائث بالأخذ فقال : { حتى إذا أخذنا } أي بما لنا من العظمة { مترفيهم } ~~الذين هم الرؤساء القادة { بالعذاب } فبركت عليهم كلاكله , وأناخت بهم ~~أعجازه وأوائله { إذا هم ms3269 } كلهم المترف ومن تبعه من باب الأولى { يجأرون * ~~} أي يصرخون دلا وانكسارا وجزعا من غير مراعاة لنخوة , لا استكبارا , وأصل ~~الجأر وفع الصوت بالتضرع - قاله البغوي , فكأنه قيل : فهل يقبل اعتذارهم أو ~~يرحم انكسارهم ؟ فقيل : لا بل يقال لهم بلسان الحال أو القال : { لا تجأروا ~~اليوم } بعد تلك الهمم , فإن الرجل من لا يفعل شيئا PageV05P210 عبثا , ثم ~~علل ذلك بقوله : { إنكم منا } أي خاصة { لا تنصرون * } اي بوجه من الوجوه , ~~ومن عدم نصرنا لم يجد له ناصرا , فلا فائدة لجؤاره إلا إظهار الجزع ؛ ثم ~~علل عدم نصره لهم بقوله : { قد كانت ىياتي } . | ولما كانت عظمتها التي ~~استحقت بها الإضافة إليه تكفي في الحث على الإيمان بمجرد سماعها , بنى ~~للمفعول قوله : { تتلى عليكم } أي وهي أجلى الأشياء , من أوليائي وهم ~~الهداة النصحاء { فكنتم } أي كونا هو كالجبلة { على أعقابكم } عند تلاوتها ~~{ تنكصون * } أي ترجعون القهقرى إما حسا أو معنى , والماشي كذلك لا ينظر ما ~~وراءه , ومضارعه فيه مع الكسر الضم ولم يقرأ به ولو شاذا , دلالة على أنه ~~رجوع كبر وبطر فهو بالهوينا , ولو قرىء بالضم لدل على القوة فأفهم النفرة ~~والهرب , قال في القاموس : نكص على عقبيه ينكص وينكص : رجع عما كان عليه من ~~خير , وفي الشر قليل , وعن الأمر نكصا ونكوصا ونكاصا . | أو على ما ذكرت ~~دلالة على ما تقديره : حال كونكم { مستكبرين به } أي بذلك النكوص , لا شيء ~~غير الاستكبار من هرب أو غيره , ذوي سمر في أمرها بالقول الهجر , وهو ~~الفاحش , ولعله إنما قال : { سامرا } بلفظ المفرد لأن كلا منهم يتحدث في ~~أمر الآيات مجتمعا مع غيره ومنفردا مع نفسه حديثا كثيرا كحديث المسامر الذي ~~من شأنه أن لا يمل ؛ وقال : { تهجرون * } اي تعرضون عنها وتقولون فيها ~~القول الفاحش , فأسنده غلى الجمع لأن بعضهم كان يستمعها , ولم يكن يفحش ~~القول فيها , أو تعجيبا من أن يجتمع جمع على مثل ذلك لأن الجمع جدير بأن ~~يوجد فيه من يبصر الحق فيأمر به . | < < # | المؤمنون : ( 68 - 72 ) أفلم يدبروا القول ms3270 . . . . . # > > ^ ( أفلم يدبروا القول أم جآءهم ما لم يأت آبآءهم الأولين * أم لم ~~يعرفوا رسولهم فهم له منكرون * أم يقولون به جنة بل جآءهم بالحق وأكثرهم ~~للحق كارهون * ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل ~~أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون * أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو ~~خير الرازقين ) ^ } ) | ولا كانت الآيات - لما فيها من البلاغة المعجزة , ~~والحكم المعجبة داعية إلى تقبلها بعد تأملها , وكانوا يعرضون عنها ويفحشون ~~في وصفتها تارة بالسحر وأخرى بالشعر , وكره بالكهانة ومرة بغيرها , تسبب عن ~~ذلك افنكار عليهم فقال معرضا عنهم إيذانا بالغضب مسندا إلى الجمع الذي هو ~~أولى بإلقاء السمع : { أفلم يدبروا القول } أي المتلو عليهم بأن ينظروا في ~~أدباره وعواقبه ولو لم يبلغوا في نظرهم الغاية بما أشار إليه PageV05P211 ~~الإدغام , ليعلموا أنه موجب للإقبال والوصال , والوصف بأحسن المقال , لعله ~~عبر بالقول إشارة إلى أن من لم يتقبله ليس بأهل لفهم شيء من القول بل هو في ~~عداد البهائم { أم جاءهم } في هذا القول من الأوامر بالتوحيد الآتي بها ~~الرسول الذي هو من نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وما ترتب على ذلك ~~من الأوامر التي لا يجهل حسم فعلها عاقل , والنواهي التي - كما يشهد بقبح ~~إتيانها العالم - يقطع بها الجاهل , وبالرسالة برسول من البشر { ما لم يأت ~~آباءهم الأولين * } الذين بعد إسماعيل وقبله . | ولما كان الرجل الكانل من ~~عرف الرجال بالحق , بدأ بما أشار إليه ثم أعقبه بمن يعرف الشيء للالف به , ~~ثم بمن يعرف الحق بالرجال فقال : { أم لم يعرفوا رسولهم } أي الذي أتاهم ~~بهذا القول الذي لا قول مثله , ويعرفوا نسبه وصدقه وأمانته , وما فاتهم به ~~من معالي الأخلاق حتى أنهم لا يجدون فيه - إذا حقت الحقائق - نقيصة ~~يذكرونها , ولا صمة يتخيلونها , كما دلت عليه الأحاديث الصحاح منها حديث ~~أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه الذي في أول البخاري في سؤال هرقل ملك الروم ~~له عن شأنه صلى الله عليه وسلم { فهم } أي فتسبب عن جهلهم به ms3271 أنهم { له } ~~أي نفسه أو للقول الذي أتى به { منكرون * } فيكونوا ممن جهل الحق لجهل حال ~~الآتي به , فلم يحرز شيئا من رتبتي الناس , لا رتبة العلماء الناقدين , ولا ~~رتبة الجهال المتقلدين , وفي هذا غاية التوبيخ لهم بجهلهم وبعنادهم بأنهم ~~يعرفون أنه أصدق الخلق وأعلاهم في كل معنى جميل ثم يكذبونه . | ولما فرغ ~~بما قد يجر إلى الطعن في القول أو القائل , أشار إلى العناد في أمر القائل ~~والقول والرسول بقوله : { أم يقولون } اي بعد تدبر ما أتى به وعدم عثورهم ~~فيه على وجه من وجوه الطعن { به } أي برسولهم { جنة } أي فلا يوثق به لأنه ~~قد يخلط فيأتي بما فيه مطعن وإن خفي وجه الكعن فيه الحال . | ولما كانت هذه ~~الأقسام منتفية ولا سيما الأخير المستلزم عادة للتخليط المستلزم للباطل , ~~فإنهم أعرف الناس بهذا الرسول الكريم وأنه أكملهم خلقا , واشرفهم خلقا , ~~وأطهرهم شيما , وأعظمهم همما , وأرجحهم عقلا , وأمتنهم رأيا وأرضاهم قولا , ~~وأصوبهم فعلا , اضرب عنها وقال : { بل } أي لم ينكصوا عند سماع الآيات ~~ويسمروا ويهجروا لاعتقاد شيء مما مضى , وإنما فعلوا ذلك لأن هذا الرسول ~~الكريم { جاءهم بالحق } الذي لا تخليط فيه بوجه , ولا شيء أثيت منه ولا ~~أبين مما فيه من PageV05P212 التوحيد والأحكام , ولقد أوضح ذلك تحديهم بهذا ~~الكتاب فعجزوا فهو بحيث لا يجهله منصف { وأكثرهم } أي والحال أن أكثرهم { ~~للحق كارهون * } متابعة للأهواء الرديئة والشهوات البهيمية عنادا , وبعضهم ~~, يتركونه جهلا وتقليدا أو خوفا من أن يقال : صبأ , وبعضهم يتبعه توفيقا من ~~الله وتأييدا . | ولما كان ربما قيل : ما له ما كان بحسب أهوائهم فكانوا ~~يتبعونه ويستريح ويستريحون من هذه المخالفات , التي جرت إلى المشاحنات , ~~فأوجبت أعظم المقاطعات , قال مبينا فساد ذلك , ولعله حال من فاعل كاره , ~~فإن جزاءه خبري مسوغ لكونه حالا كما ذكره الشيخ سعد الدين في بحث المسند , ~~أو هو معطوف على ما تقديره : فلو تركوا الكره لأحبوه ولو أحبوه لأتبعوه ولو ~~اتبعوه لانصلحوا وأصلحوا { ولو اتبع الحق } أي في الأصول والفروع والأحوال ~~والأقوال { أهواءهم ms3272 } أي شهواتهم التي تهوي بهم لكونها أهواء - بما أشار ~~غليه الافتعال { لفسدت السماوات } على علوها وإحكامها { والأرض } على ~~كثافتها وانتظامها { ومن فيهن } على كثرتهم وانتشارهم وقوتهم , بسبب ~~ادعائهم تعدد الآلهة , ولو كان ذلك حقا لأدى ببرهان التمانع إلى الفساد , ~~وبسبب اختلاف أهوائهم واضطرابها المفضي إلى النزاع كما ترى من الفساد عند ~~اتباع بعض الأغراض في بعض الأزمان إلى أن يصلحها الحق بحكمته , ويقمعها ~~بهيبته وسطوته , ولكنا لم نتبع الحق أهواءهم { بل أتيناهم } بعظمتنا { ~~بذكرهم } وهو الكتاب الذي في غاية الحكمة , ففيه صلاح العلم وتمام انتظامه ~~, فإذا تأمله الجاهل صده عن جهله فسعد في أقواله وأفعاله , وبان له الخير ~~في سائر احواله , وإذا تدبره العالم عرج به إلى نهاية كماله , فحينئذ يأتي ~~السؤال عمن أنزله , فتخضع الرقاب , وعمن أنزل عليه فيعظم في الصدور , وعن ~~قومه فتجلهم النفوس , وتنكس لمهابتهم الرؤوس , فيكون لهم أعظم ذكر وأعلى ~~شرف . | ولما جعلوا ما يوجب الإقبال سببا للإدبار , قال معجبا منهم : { فهم ~~عن ذكرهم } أي الذي هو شرفهم { معرضون * } لا يفوتنا بإعراضهم مراد , ولا ~~يلحقنا به ضرر , إنما ضرره عائد إليهم , وراجع في كل حال عليهم . | ولما ~~أبطل تعالى وجوه طعنهم في المرسل به والمرسل من جهة جهلهم مرة , ومن جهة ~~ادعائهم البطلان أخرى , نبههم على وجه آخر هم أعرف الناس ببطلانه ليثبت ~~المدعى من الصحة إذا انتفت وجوه المطاعن فقال منكرا : { أم تسألهم } أي على ~~ما جئتهم به { خرجا } قال البغوي : أجرا وجعلا , وقال ابن مكتوم في الجمع ~~بين العباب والمحكم : والخرج والخراج شيء يخرجه القوم في السنة من مالهم ~~بقدر معلوم , PageV05P213 والخراج غلبة العبد والأمة , وقال الزجاج : ~~الخراج : الفيء , والخرج : الضريبة والجزية , وقال الأصبهاني : شئل أبو ~~عمرو بن العلاء فقال : الخراج ما لزمك ووجب عليك أداؤه , والخرج ما تبرعت ~~به من غير وجوب . | ولما كان الإنكار معناه النفي , حسن موقع فاء السبب في ~~قوله : { فخراج } أي أم تسألهم ذلك ليكون سؤالك سببا لاتهامك وعدم سؤالك , ~~بسبب أن خراج { ربك } الذي لم تقصد غيره قط ms3273 ولم تخل عن بابه وقتا ما { خير ~~} من خراجهم , لأن خراجه غير مقطوع ولا ممنوع عن أحد من عباده المسيئين ~~فكيف بالمحسنين ! وكأنه سماه خراجا إشارة إلى أنه أوجب رزق كل أحد على نفسه ~~بوعد لا خلف فيه { وهو خير الرازقين * } فإنه يعلم ما يصلح كل مرزوق وما ~~يفسده , فيعطيه على حسب ما يعلم منه ولا يحوجه إلى سؤال . | < < # | المؤمنون : ( 73 - 78 ) وإنك لتدعوهم إلى . . . . . # > > ^ ( وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم * وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن ~~الصراط لناكبون * ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون ~~* ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون * حتى إذا فتحنا ~~عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون * وهو الذي أنشأ لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ) ^ } ) | ولما كانت عظمة الملك مقتضية ~~لتقبل ما أتى به والتشرف به على أي حال كان , نبه على أنه حق يكسب قبوله ~~الشرف لو لم يكن من عند الملك فكيف إذا كان من عنده , فكيف إذا كان ملك ~~الملوك ومالك الملك فكيف غذا كان الآتي به خالصة العباد وأشرف الخلق , كما ~~قام عليه الدليل بنفي هذه المطاعن كلها , فقال عاطفا على { آتيناهم } : { ~~وإنك } أي مع انتفاء هذه المطاعن كلها { لتدعوهم } أي بهذا الذكر مع ما ~~قدمنا من الوجوه الداعية إلى اتباعك بانتفاء جميع المطاعن عنك وعما جئت به ~~{ إلى صراط مستقيم * } لا عوج فيه ولا طعن أصلا كما تشهد به العقول الصحيحة ~~, فمن سلكه أوصله إلى الغرض فجاز كل شرف , والحال أنهم , ولكنه عبر بالوصف ~~الحامل لهم على العمى فقال : { وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة } فلذلك لا ~~يخشون القصاص فيها { على الصراط } أي الذي لا صراط غيره لأنه لا موصل إلى ~~القصد غيره { لناكبون * } أي عادلون منتحون مائلون منحرفون في سائر أحوالهم ~~سائرون على غير منهج اصلا , بل خبط عشواء لأنه يجوز أن يراد مطلق الصراط ~~وأن يراد النكرة الموصوفة بالاستقامة . | ولما وصفوا بالميل , وكان ربما ~~قال قائل : إن جؤارهم المذكور آنفا ms3274 سلوك في الصراط , بين أنه لا اعتداد به ~~لعروضه فقال : { ولو رحمناهم } اي عاملناهم معاملة PageV05P214 المرحوم في ~~إزالة ضرره هو معنى { وكشفنا } اي بما من العظمة { ما بهم من ضر } وهو الذي ~~عرض جؤارهم بسببه { للجوا } أي تمادوا تماديا عظيما { في ظغيانهم } الذي ~~كانوا عليه قبل الجؤار وهو إفراطهم في منابذة الحق والاستقامة { يعمهون * } ~~أي يفعلون من التحير والتردد فعل من لا بصيرة له في السير النحرف عن القصد ~~, والجائر عن الاستقامة , قال ابن كثير : فهذا من باب علمه بما لا يكون لو ~~كان كيف كان يكون , قال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما : كل ما فيه ( ~~لو ) فهو مما لا يكون أبدا . | ثم أتبع هذا الدليل تأييدا له ما يدل على ~~أنهم لا يسلكون الصراط غلا اضطرارا فقال : { ولقد أخذناهم } أي بما لنا من ~~العظمة { بالعذاب } أي بمطلقه كإظهار حزب الله عليهم في بدر وغيرها { فما ~~استكانوا } أي خضعوا خضوعا هو كالجبلة لهم { لربهم } المحسن إليهم عقب ~~المحنة , وحقيقته ما طلبوا أن يكونوا له ليكرموا مقام العبودية من الذب ~~والخضوع والانقياد لأموامره تاركين حظوظ أنفسهم , والحاصل أنه لما ضربهم ~~بالعذاب كان من حقهم أن يكونوا له لا لشركائهم , فما عملوا بمقتضى ذلك ~~إيجادا ولا طلبا { وما يتضرعون * } اي يجددون الدعاء بالخضوع والذل والخشوع ~~في كل وقت بحيث يكون لهم عادة , بل هم على ما جلبوا عليه من الاستكبار ~~والعتو إلا إذا التقت حلقتا البطان , على عتوهم { حتر إذا فتحنا } أي بما ~~لنا من العظمة , ودل على أنه فتح عذاب فقال : { عليهم بابا } من الأبواب ~~التي نقهر بها من شئنا بحيث يعلوه أمرها ولا يستطيع دفعها { ذا عذاب شديد } ~~يعني القتل والأسر يوم بدر - قاله ابن عباس رضي الله عنهما , أو القحط الذي ~~سلطه عليهم غجابة لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : ( اللهم أعني ~~عليهم بسبع كسبع يوسف ) { إذا هم فيه } أي ذلك الباب مظرفون لا يقدرون منه ~~على نوع خلاص { مبلسون * } أي متحيزون ساكنون على ما ms3275 في أنفسهم آئسون لا ~~يقدرون أن ينطقوا بكلمة , داخلون في الإبلاس وهو عدم الخير , متأهلون لسكنى ~~( بولس ) وهو سجن جهنم , لعدم جعلهم التضرع وصفا لهم لازما غير عارض , ~~والخوف من الله شعارا دائما غير مفارق , استحضارا لقدرته واستكبارا لعظمته ~~؛ ثم التفت غلى خطابهم , استعطافا بعتابهم , لأنه عند التذكير بعذابهم أقرب ~~إلى إيابهم , فقال : { وهو } أي ما استكانوا لربهم والحال أنه هو لا غيره { ~~الذي أنشأ لكم } يا من يكذب بالآخرة , على غير مثال سبق { السمع والأبصار } ~~ولعله جمعها لأن التفاوت فيها أكثر من التفاوت في السمع { والأفئدة } التي ~~هي مراكز العقول , فكنتم بها أعلى من بقية الحيوانات , جمع PageV05P215 ~~فؤاد , وهو القلب لتوقده وتحرقه , من التفؤد وهو التحرق , وعبر به هنا لأن ~~السياق للاتعاظ والاعتبار , وجمعه جمع القلة إشارة إلى عزة من هو بهذه ~~الصفة , ولعله جمع الأبصار كذلك لاحتمالها للبصيرة . | ولما صور لهم هذا ~~النعم , وهي بحيث لا يشك غافل في أنه لا مثل لها , وأنه لو تصور أن يعطي ~~شيئا منها آدمي لم يقدر على مكافأته , حسن تبكيتهم في كفر المنعم بها فقال ~~: { قليلا ما تشكرون * } لمن أولاكم هذه النعم التي لا مثل لها , ولا يقدر ~~غيره على شيء منها , مع ادعائكم أنكم اشكر الناس لمن أسدى إليكم اقل ما ~~يكون من النعم التي يقدر على مثلها كل أحد , فكنتم بذلك أنزل من ا لحيوانات ~~العجم صما بكما عميا . | < < # | المؤمنون : ( 79 - 87 ) وهو الذي ذرأكم . . . . . # > > ^ ( وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون * وهو الذي يحيي ويميت وله ~~اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون * بل قالوا مثل ما قال الأولون * قالوا ~~أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون * لقد وعدنا نحن وآبآؤنا هذا من ~~قبل إن هذآ إلا أساطير الأولين * قل لمن الأرض ومن فيهآ إن كنتم تعلمون * ~~سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * ~~سيقولون لله قل أفلا تتقون ) ^ } ) | ولما ذكرهم بهذ النعم التي هي دالة ~~على خلقهم , صرح به في قوله : { وهو } أي ms3276 وحده { الذي ذرأكم } اي خلقكم ~~وبثكم { في الأرض } ولما ذكرهم بإبدائهم المتضمن للقدرة على إعادتهم مع ما ~~فيها من الحكمة وفي تركها من الإخلال بهان صرح بها فقال : { وإليه } أي ~~وحده { تحشرون * } يو النشور . | ولما تضمن ذلك إحيائهم وإماتتهم , صرح به ~~على وجه عام فقال : { وهو } اي وحده { الذي } من شأنه أنه { يحيي ويميت } ~~فلا مانع له من البعث ولا غيره مما يريده . | ولما كانت حقيقة البعث إيجاد ~~الشيء كما هو بعد إعدامه , ذكرهم بأمر طالما لا بسوه وعالجوه ومارسوه فقال ~~: { وله } اي وحده , لا لغيره { اختلاف الليل والنهار } أي التصرف فيهما ~~على هذا الوجه , يوجد كلا منهما بعد أن أعدمه كما كان سواء , فدل تعاقبهما ~~على تغيرهما , وتغيرهما بذلك وبالزيادة والنقص على أن لهما مغيرا لا يتغير ~~وأنه لا فعل لهما وإنما الفعل له وحده , وأنه قادر على إعادة المعدوم كما ~~قدر على ابتدائه بما دل على قدرته وبهذا الدليي الشهودي للحامدين , ولذلك ~~ختمه بقوله منكرا تسبيب ذلك لعدم عقلهم : { أفلا تعقلون * } اي يون لكم ~~عقول لتعرفوا ذلك فتعملوا بما تقتضيه من اعتقاد البعث الذي يوجب سلوك ~~الصراط . | PageV05P216 ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري النفي , حسن بعده ~~كل الحسن قوله : { بل } وعدل إلى أسلوب الغيبة للإيذان بالغضب بقوله : { ~~قالوا } أي هؤلاء العرب { مثل ما قال الأولون * } من قوم ومن بعده ؛ ثم ~~استأنف قوله : { قالوا } اي منكرين للبعث متعجبين من أمره : { أإذا متنا ~~وكنا } أي بالبلى بعد الموت { ترابا وعظاما } نخرة , ثم أكدوا الإنكار ~~بقولهم : { أإنا لمبعثون * } اي من باعث ما . | ولما كان محط العناية في ~~هذه السورة الخلق ةالإيجاد , والتهديد لأهل العناد , حكى عنهم أنهم قالوا : ~~{ لقد وعدنا } مقدما قولهم : { نحن وآباؤنا } على قولهم : { هذا } اي البعث ~~{ من قبل } بخلاف النمل , فإن محط العناية فيها الإيمان بالآخرة فلذلك قدم ~~قوله ( هذا ) , والمراد وعد آبائهم على ألسنة من أتاهم من الرسل غير أن ~~الإخبار بشموله جعله وعدا للكل على حد سواء , ثم استأنفوا قولهم : { إن } ~~اي ما { هذا إلا أساطير الولين ms3277 * } أي كذب لا حقيقة له , لأن ذلك معنى ~~الإنكار المؤكد . | ولما أنكروا البعث هذا الإنكار المؤكد , ونفوه هذا ~~النفي المحتم , أمره أن يقررهم بأشياء هم بها مقرون , ولها عارفون , ~~يلزمهتم من تسليمها الإقرار بالبعث قطعا , فقال : { قل } أي مجيبا لإنكارهم ~~البعث ملزما لهم : { لمن الأرض } أي على سعتها وكثرة عجائبها { ومن فيها } ~~على كثرتهم واختلافهم { إن كنتم } اي بما هو كالجبلة لكم { تعلمون * } أي ~~أهلا للعلم , وكأنه تنبيه لهم على أنهم أنكروا شيئا لا ينكره عاقل . | ولما ~~كانوا مقربين بذلك , أخبر عن جابهم قبل جوابهمن ليكون من دلائل النبوة ~~وأعلام الرسالة بقوله استئنافا : { سيقولون } اي قطعا : ذلك كله { لله } أي ~~المختص بصفات الكمال . | ولما كان ذلك دالا على الوحدانية والتفرد بتمام ~~القدرة من وجهين : كون ذلك كله له , وكونه يخبر عن عدوه بشيء فلا يمكنه ~~التخلف عنه , قال : { قل } أي لهم إذا قالوا ذلك منكرا عليهم تسبيبه لعدم ~~تذكرهم ولو علة أدنى الوجوه بما أشار إليه الإدغام : { أفلا تتذكرون * } أي ~~بذلك المركوز في طباعكم المقطوع به عندكم , ما غفلتم عنه من تمام قدرته ~~وباهر عظمته , فتصدقوا ما أخبر به من البعث الذي هو دون ذلك , وتعلموا أنه ~~لا يصلح شيء منها - وهو ملكه - أن يكون شريكا له ولا ولدا , وتعلموا أنه لا ~~يصح في الحكمة أصلا أنه يترك البعث لأن أقلكم لا يرضى بترك حساب عبيده ~~والعدل بينهم . | ولما ذكرهم بالعالم السفلي لقربه , تلاه بالعالوي لأنه ~~أعظم فقال على ذلك المنوال مرقيا لهم إليه : { قل من رب } أي خالق ومدبر { ~~السماوات السبع } كما تشاهدون من حركاتها وسير نجومها { ورب العرش العظيم * ~~} الذي أنتم به معترفون { سيقولون لله } PageV05P217 أي الذي له كل شيء وهو ~~رب ذلك - على قراءة البصريين , والتقدير لغيرهما : ذلك كله لله , لأن معنى ~~من رب الشيء : لمن الشيء , فتفيد اللام الملك صريحا مع إفادة الرب التدبير ~~. | ولما تأكد الأمر وزاد الوضوح , حسن التهديد على التمادي فقال : { قل } ~~منكرا عليهم عدم تسبيبه لهم التقوى : { أفلا تتقون * } أي تجعلون بينكم ms3278 ~~وبين حلول السخط من هذا الواسع الملك التام القدرة وقاية بالمتاب من إنكار ~~شيء يسير بالنسبة إلى هذا الملك العظيم هين عليه . | < < # | المؤمنون : ( 88 - 92 ) قل من بيده . . . . . # > > ^ ( قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون ~~* سيقولون لله قل فأنى تسحرون * بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون * ما اتخذ ~~الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على ~~بعض سبحان الله عما يصفون * عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون ) ^ } ) ~~| ولما قررهم بالعالمين : العلوي والسفلي , أمره بأن يقررهم بما هو أعم ~~منهما وأعظم , فقال : { قل من بيده } أي خاصة { ملكوت كل شيء } أي من ~~العالمين وغيرهما , والملكوت الملك البليغ الذي لا نقص فيه بوجه ؛ قال ابن ~~كثير : كانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحدا لا يخفر في جواره وليس ~~لمن دونه أن يجبرعليه لئلا يفتات عليه . | ولو أجار ما أفاد , ولهذا قال ~~تعالى : { وهو يجير } أي يمنع ويغيث من يشاء فيكون في حرزه , لا يقدر أحد ~~على الدنو من ساحتة { ولا يجار عليه } أي ولا يمكن أحداص أبدا أن يجير ~~جوارا يكون مستعليا عليه بأن يكون على غير مراده , بل يأخذ من أراد وإن ~~نصره جميع الخلائق , ويعلي من أراد وإن تحاملت عليه كل المصائب , فتبين ~~كالشمس أنه لا شريك يمانعه , ولا ولد يصانعه أو يضارعه ؛ وقال ابن كثير ك ~~وهو السيد المعظم الذي لا أعظم منه الذي له الخلق والأمر , ولا معقب لحكمه ~~الذي لا يمانع ولا يخالف , وما شاء كان , وما لم يشأ لم يكن . | ولما كان ~~هذا برهانا مع أنه ظاهر لا يخفى على أحد , قد يمجمج فيه من له غرض في ~~اللددن ألهبهم إلى المبادرة إلى الاعتراف به وهيجهم بقوله : { إن كنتم } أي ~~كونا راسخا { تعلمون * } أي في عداد من يعلم , ولذلك استأنف قوله : { ~~سيقولون لله } أي الذي بيده ذلك , خاصا به , والتقدير لغير البصريين : ذلك ~~كله لله , لأن اليد أدل شيء على ms3279 الملك . | ولما كان جوابهم بذلك يقتضي ~~إنكار توقفهم في الإقرار بالبعث , استأنف قوله : PageV05P218 { قل } منكرا ~~عليهم تسبيب ذلك لهم ادعاء أنه سحر , أو صرف عن الحق كما يصرف المسحور { ~~فأنى تسحرون * } أي فكيف بعد إقراركم بهذا كله تدعون أن الوعيد بالبعث سحر ~~في قولكم : أفتأتون السحر وأنتم تبصرون , ومن اين صار لكم هذا الإعتقاد وقد ~~أقررتم بما يلزم منه شمول العلم وتمام القدرة ؟ ومن أين تتخيلون الحق باطلا ~~, أز كيف تفعلون فعل المسحور بما تأتون به من التخطيط في الأقوال والأفعال ~~, وتخدعون وتصرفون عن كل م ادعا إليه ؟ ولماكان الإنكار بمعنى النفي , حسن ~~قوله : { بل } اي ليس الأمر كما يقولون , لم نأتهم بسحر بل , أو يكون ~~المعنى : ليس هو أساطير , بل { أتيناهم } فيه على عظمتنا { بالحق } أي ~~الكامل الذي لا حق بعده , كما دلت عليه ( ال ) فكل ما أخبر به من التوحيد ~~والبعث وغيرهما فهو حق { وإنهم لكاذبون * } في قولهم ك إنه سحر لا حقيقة له ~~, وفي كل ما ادعوه من الولد والشريك وغيرهما مما بين القرآن فساده كما ~~لزمهم بما أقروا به في جواب هذه الأسئلة الثلاثة . | ولما كان من أعظم ~~كذبهم ما أشار إليه قوله تعالى < # > 77 ( { وقالوا اتخذ الحمن ولدا } ) 77 < # > [ مريم : 88 ] قال : { ما اتخذ الله } أي الذي لا كفوء له , وأعرق في ~~النفي بقوله : { من ولد } لا من الملائكة ولا من غيرهم , لما قام من الأدلة ~~على غناه , وأنه لا مجانس له , ولما لزمهم بإقرارهم أنه يجير ولا يجار عليه ~~, وأن السماوات والأرض ومن فيهما . | ولما كان الولد أخص من مطلق الشريك ~~قال : { وما كان } أي بوجه من الوجوه { معه } فأفاد بعفل الكون نفي الصحة ~~لينتفي الوجود بطريق الأول { من إله } وزاد ( من ) لتأكيد النفي ؛ ولما ~~لزمهم الكذب في دعوى الإلهية بولد أو غيره من إقرارهم هذا , أقام عليه ~~دليلا عقليا ليتطابق الإلزامي والعقلي فقال : { إذا } أي إذ لو كان معه إله ~~آخر { لذهب كل إله بما خلق } بالتصرف فيه وحده ليتميز ما له لغيره ms3280 { ولعلا ~~بعضهم } اي بعض الآلهة { على بعض } إذا تخالفت أوامرهم , فلم يرض أحد منهم ~~أن يضاف ما خلقه إلى غيره , ولا أن يمضي فيه أمر على غير مراده , كما هو ~~مقتضى العادة , فلا يكون المغلوب إلها لعجزه , ولا يكون مجيرا غير مجار ~~عليه , بيده حده ملكوت كل شيء , وفي ذلك إشارة غلى أنه لو لم يكن ذلك ~~الاختلاف لأمكن أن يكون , فكان إمكانه كافيا في إبطال الشركة لما يلزم ذلك ~~من إمكان العجز المنافي للإلهية , كما بين في الأنبياء . | ولما طابق ~~الدليل الإلزام على نفي الشريك , نزه نفسه الشريفة بما هو نتيجة ذلك بقوله ~~: { سبحان الله } اي المتصف بجميع صفات الكمال , المنزه عن كل شائبة نقص ~~PageV05P219 { عما يصفون * } من كل ما لا يليق بجنابه المقدس من الشريك ~~والولد وغيره ؛ ثم أقام دليلا آخر على كماله بوصفه بقوله : { عالم الغيب } ~~ولما كان العلم بذلك لا يستلزم علم الشهادة كما للنائم قال : { والشهادة } ~~ولا عالم بذلك غيره . | ولما كان من الواضح الجلي أنه لا مدعي لذلك , ومن ~~ادعاه غيره بأن كذبه لا محالة , وأن من تم علمه تمت قدرته , فاتضح تفرده ~~كما بين في طه , تسبب عنه قوله : { فتعلى } أي علا العالم المشار إليه علوا ~~عظيما { عما يشركون * } فإنه لا علم لشيء منه فلا قدرة ولا صلاحية لرتبة ~~الإلهية . | < < # | المؤمنون : ( 93 - 100 ) قل رب إما . . . . . # > > ^ ( قل رب إما تريني ما يوعدون * رب فلا تجعلني في القوم الظالمين * ~~وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون * ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم ~~بما يصفون * وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين * وأعوذ بك رب أن يحضرون * ~~حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون * لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا ~~إنها كلمة هو قآئلها ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون ) ^ } ) | ولما أقام ~~الدليل على كذبهم بالأدلة على عظمته , وتعاليه عن كل ما يقول الظالمون , ~~وبين لهم الأمر غاية البيان بعد أن هددهم بمثل قوله وما يشعرون { حتى إذا ~~أخذنا مترفيهم بالعذاب } ونحوه من ms3281 مثل ما أنزله بالماضين , وأحله بالمكذبين ~~, وكان من المعلوم أنه ليس بعد الإعذار إلا إيقاع القضاء وإنزال البلاء , ~~وكان من الممكن أن يعم سبحانه الظالم وغيره بعذابه لأنه لا يسأل عما يفعل , ~~أمره أن يتعوذ من ذلك إظهار لعظمة الربوبية ذل العبودية فقالك { قل رب } أي ~~أيها المحسن إلي , وأكد إظهار لعظمة المدعو به وإعلاما بما للنبي صلى الله ~~عليه وسلم من مزيد الشفقة على أمته مؤمنهم وكافرهم { إما تريني } أي إن كان ~~ولا بد من أن تريني قبل موتي { مايوعدون * } ثم نبهه على الزيادة في ~~الضراعة بتكرير النداء بصفة الإحسان تعبدا وتخشعا , وتذللا وتخضعا , إشارة ~~إلى أن الله سبحانه له أن بفعل ما يشاء , فينبغي لأقرب خلقه إليه أن يكون ~~على غاية الحذر منه فقال : { رب فلا تجعلني } بإحسانك إلي وفضلك علي فيهم , ~~هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف تعميما للدعوة وتعليقا للحكم بالوصف فقال ~~: { في القوم الظالمين * } أي الذين أعمالهم أعمال من يمشي في الظلام , فهي ~~في غير مواضعها , فضلا عن أن أكون منهم فإنه يوشك أن يخصهم العذاب ويعم من ~~جاورهم لوخامة الظلم وسوء عاقبته . | ولما أرشد التعبير بأداة الشك إلى أن ~~التقدير : فإنا على العفو عنهم وعلى الإملاء لهم لقادرون , عطف عليه قوله ~~مؤكدا لما لهم من التكذيب المتضمن للطعن في القدرة PageV05P220 وهم ~~المقصودون بالتهديد : { وإنا } أي بما لنا من العظمة { على أن نريك } أي ~~قبل موتك { ما نعدهم } من العذاب { لقادرون * } ولما لاح من هذا أن أخذهم ~~وتأخيرهم في الإمكان على حد سواء , وكانوا يقولون ويفعلون ما لا صبر عليه ~~إلا بمعونة من الله , كان كأنه قال فماذا أفعل فيما تعلم من أمرهم ؟ فقال ~~آمرا له بمداواته : { ادفع } وفخم الأمر بالموصول لما فيه من الإيهام ~~المشوق للبيان ثم بأفعل التفضيل فقال : { بالتي هي أحسن } أي من الأقوال ~~والأفعال بالصفح والمداراة { السيئة } ثم خفف عنه ما يجد من ثقلها بقوله : ~~{ نحن أعلم } أي من كل عالم { بما يصفون * } في حقك وحقنا , فلو شئنا ~~منعناهم منه أو ms3282 عاجلناهم بالعذاب وليس أحد بأغير منا فاصبر كما صبر أولو ~~العزم من الرسل . | ولما كان الصبر عليه لا يطاق إلا به سبحانه , أمره ~~بالدعاء بذلك فقال : { وقل رب } أيها المحسن إلي { أعوذ بك } أي ألتجىء ~~إليك { من همزات الشياطين * } أي أن يصلوا إلي بوساوسهم التي هي كالنخس ~~بالمهماز في الإقحام في السيئات البعد عن مطلق الحسنات , فكيف بالأحسن منها ~~كما سلطتهم على الكافرين تؤزهم إلى القبائح أزا { وأعوذ بك رب } اي أيها ~~المربي لي { أن يحضرون * } أي ولو لم تصل إلي وساوسهم فإن حضورهم هلكة , ~~وبعدهم بركة , لأنهم مطبوعون على الفساد لا ينفكون عنه . | ولما كان أضر ~~أوقات حضورهم ساعة الموت , وحالة الفوت , فإنه وقت كشف الغطاء , عما كتب من ~~القضاء , وآن اللقاء , وتحتم السفول أوالارتقاء , عقب ذلك بذكره تنبيها على ~~بذل الجهد في الدعاء والتضرع للعصمة فيه فقال معلقا بقوله تعالى : { بل لا ~~يشعرون } أو بمبلسون , منبها بحرف الغاية على انه سبحانه يمد في أزمانهم ~~استدراجا لهم : { حتى } أو يكون التقدير كما يرشد إليه السياق : فلا أكون ~~من ا لكافرين المطيعين للشياطين حتى { إذا جاء } وقدم المفعول ليذهب الوهم ~~في فاعله كل مذهب فقال : { أحدهم الموت } فكشف له الغطاء , وظهر له الحق , ~~ولاحت له بوارق العذاب , ولم يبق في شيء من ذلك ارتياب { قال } مخاطبا ~~لملائكة العذاب على عادة جهاه ووقوفه مع المحسوس دأب البهائم : { رب ارجعون ~~* } أي إلى الدنيا دار العلم ؛ ويجوزأن يكون الجمع لله تعالى وللملائكة , ~~أو للتعظيم على عادة في مخاطبات الأكابر لا سيما الملوك , أو لقصد تكرير ~~الفعل للتأكيد . | ولما كان في تلك الحالة على القطع من اليأس من النجاة ~~لليأس من العمل لفوات داره مع وصوله غلى حد الغرغرة قال : { لعلي أعمل } أي ~~لأكون على رجاء من أن PageV05P221 أعمل { صالحا فيما تركت } من الإيمان ~~وتوابعه ؛ قال البغوي : قال قتادة : ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ~~ليجمع الدنيا ويقضي الشهوات , ولكن تمنى أن يرجع ليعمل بكاعة الله , فرحم ~~الله امرأ عمل قيما يتمناه ms3283 الكافر إذا رأى العذاب . | وقال ابن كثير : كان ~~العلاء بن زياد يقول : اينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره المر = وت فاستقال ~~ربه فأقاله فليعمل بطاعة الله عز وجل . | ولما كان القضاء قد قطع بأنه لا ~~يرجع , ولو رجع لم يعمل قال ردعا له وردا لكلامه : { كلا } أي لا يكون شيء ~~من ذلك , فكأنه قيل : فما حكم ما قال ؟ فقال معرضا عنه إيذانا بالغضب : { ~~إنها كلمة } أي مقالته { رب ارجعون } - إلى آخره , كلمة { هو قائلها } وقد ~~عرف من الخداع والكذب فهي كما عهد منه لا حقيقة لها . | ولما كان التقدير : ~~فهو لا يجاب إليها , عطف عليه قوله , جامعا معه كل من ماثله لأن عجز الجمع ~~يلزم منه عجز الواحد : { ومن ورائهم } اي من خلفهم ومن أمامهم محيط بهم { ~~برزخ } اي حاجز بين ما هو فيه وبين الدنيا والقيامة مستمر لا يقدر أحد على ~~رفعه { إلى يوم يبعثون * } أي تجدد بعثهم بأيسر أمر وأخفه وأهونه . | < < # | المؤمنون : ( 101 - 104 ) فإذا نفخ في . . . . . # > > ^ ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتسآءلون * فمن ~~ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون * ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا ~~أنفسهم في جهنم خالدون * تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ) ^ } ) | ولما ~~غيى ذلك بالبعث فتشوفت النفس إلى مل يكون بعده , وكان قد تقدم أن الناس - ~~بعد أن كانوا أمة واحدة في الاجتماع على ربهم - تقطعوا قطعا , وتحزبوا ~~أحزابا , وتعاضدوا بحكم ذلك وتناصروا , قال نافيا لذلك : { فإذا نفخ } أي ~~بأسهل أمر النفخة الثانية وهي نفخة النشور , أو الثالثة للصعق { في الصور } ~~فقاموا من القبور أو من الصعق { فلا أنساب } وهي أعظم الأسباب { بينهم } ~~يذكرونها يتفاخرون بها { يومئذ } لما دهمهم من الأمر وشغلهم من البأس ~~ولحقهم من الدهش ورعبهم من الهول وعلموا من عدم نفعها إلا ما أذن الله فيه ~~, بل يفر الإنسان من أقرب الناس إليه , وإنما أنسابهم الأعمال الصالحة { ~~ولا يتسألون * } أي في التناصر لأنه انكشف لهم أن حكم إلا الله وأنه لا ~~تغني نفس عن نفس شيئا , فتسبب ms3284 عن ذلك أنه لا نصرة إلا بالأعمال رحم الله ~~بالتيسير لها ثم رحم بقبولها , فلذلك قال : { فمن ثقلت موازينه } أي ~~بالأعمال المقبولة , ولعل الجمع لأن لكل عمل ميزانا يعرف أنه لا يصلح له ~~غيره , وذلك أدل علىالقدرة { فأولئك } أي خاصة , ولعله جمع للبشارة بكثرة ~~الناجي بعد أن أفرد الدلالة PageV05P222 على كثرة الأعمال أو على عموم ~~الوزن لكل فرد { هم المفلحون * } لأنهم المؤمنون الموصوفون { ومن خفت ~~موازينه } لإعراضه عن تلك الأعمال المؤسسة على الإيمان { فأولئك } خاصة { ~~الذين خسروا أنفسهم } لإهلاكهم إياها باتباعها شهواتها في دار الأعمال ~~وشغلها بأهوائها عن مراتب الكمال ؛ ثم علل ذلك أو بينه بقوله : { في جهنم ~~خالدون * } وهي دار لا ينفك أسيرها , ولا ينطفىء سعيرها ؛ ثم استأنف قوله : ~~{ تلفح } أي تغشى بشديد حرها وسمومها ووهجها { وجوههم النار } فتحرقها فما ~~ظنك بغيرها { وهم فيها كالحون * } أي متقلصو الشفاه عن الأسنان مع عبوسة ~~الوحوه وتجعدها وتقطبها شغل من هو ممتلىء الباطن كراهية لما دهمه من شدة ~~المعاناة وعظيم المقاساة في دار التجهم , كما ترى الرؤس المشوية , ولا ~~يناقض نفي التساؤل هنا إثباته في غيره لأنه في غير تناصر بل في التلاوم ~~والتعاتب والتخاصم على أن المقامات في ذلك اليوم طويلة وكثيرة , فالمقالات ~~والأحوال لأجل ذلك متباينة وكثيرة , وسيأتي عن ابن عباس رضي الله عنهما في ~~سورة الصافات نحو ذلك . | < < # | المؤمنون : ( 105 - 110 ) ألم تكن آياتي . . . . . # > > ^ ( ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون * قالوا ربنا غلبت ~~علينا شقوتنا وكنا قوما ضآلين * ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون * ~~قال اخسؤوا فيها ولا تكلمون * إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنآ آمنا ~~فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين * فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري ~~وكنتم منهم تضحكون ) ^ } ) | ولما جرت العادة بأن المعذب بالفعل يضم إليه ~~القيل , أجيب من قد يسأل عن ذلك بقوله : { ألم } أي يقال لهم في تأنيبهم ~~وتوبيخهم : ألم { تكن آياتي } التي انتهى عظمها إلى أعلى المراتب بإضافتها ~~إلي . | ولما كان مجرد ذكرها كافيا في الإيمان , نبه على ذلك بالبناء ms3285 ~~للمفعول : { تتلى عليكم } أي تتابع لكم قراءتها في الدنيا شيئا فشيئا . | ~~ولما كانت سببا للإيمان فجعلوها سببا للكفران , قال : { فكنتم } أي كونا ~~أنتم عريقون فيه { بها تكذبون * } وقدم الظرف للإعلام بمبالغتهم في التكذيب ~~؛ ثم استأنف جوابهم بقوله : { قالوا ربنا } أيها المسبغ علينا نعمه { غلبت ~~علينا شقوتنا } أي أهواؤنا التي قادتنا إلى سوء الأعمال اليت كانت سببا ~~ظاهرا للشقاوة . | ولما كان التقدير : فكنا معها كالمأسورين , تؤزنا إليها ~~الشياطين أزا , عطف عليه قوله { وكنا } اي بما جلبنا عليه { قوما ضالين * } ~~في ذلك عن الهدى , أقوياء في موجبات الشقوة , فكان سببا للضلال عن طريق ~~السعادة . | ولما تضمن هذا الإقرار الاعتذار , وكان ذلك ربما شوغ الخلاص , ~~وصلوا به PageV05P223 قولهم : { ربنا } يا من عودنا بالإحسان { أخرجنا منها ~~} اي النار تفضلا منك على عادة فضلك , وردنا إلى دار الدنيا لنعمل ما يرضيك ~~{ فإن عدنا } غلىمثل تلك الضلالات { فإنا ظالمون * } فاستوئنف جوابهم بأن { ~~قال } لهم كما يقال للكلبك { اخسئووا } أي انزجروا زجر الكلب وانطردوا عن ~~مخاطبيت ساكتين سكوت هوان { فيها } أي النار { ولا تكلمون * } اصلا , فإنكم ~~لستم أهلا لمخاطبتي , لأنكم لم تزالوا متصفين بالظلم , ومنه سؤالكم هذا ~~المفهم لأن اتصافكم به لا يكون إلا على تقدير عودكم بعد إخراجكم . | ولما ~~كانت الشماتة أسر السرور للشامت وأخزى الخزي للمشموت به , علل ذلك بقوله : ~~{ إنه كان } أي كنا ثابتا { فريق } أي ناس استضعفتموهم فهان عليكم فراقهم ~~لكم وفراكم لهم وظننتم أنكم تفرقون شملهم { من عبادي } أي الذين هم أهل ~~للإضافة إلى جنابي لخلوصهم عن الأهواء { يقولون } مع الاستمرار : { ربنا } ~~أيها المحسن إلينا بالخلق والرزق { آمنا } أي أوقعنا الإيمان بجميع ما ~~جاءتنا به الرسل لوجوب ذلك علينا لأمرك لنا به . | ولما كان عظم المقام ~~موجبا لتقصير العابد , وكان الاعتراف بالتقصير جابرا له قالوا : { فاغفر ~~لنا } اي استر إيماننا عيوبنا التي كان تقصيرنا بها { وارحمنا } اي افعل ~~بنا فعل الراحم من الخير الذي هو على صورة الحنو والشفقة والعطف . | ولما ~~كان التقدير : فأنت خير الغافرين , فإنك إذا سترت ذنبا أنسيته لكل ms3286 أحد حتى ~~للحفظة , عطف عليه قوله : { وأنت خير الراحمين * } لأنك تخلص من رحمته من ~~كل شقاء وهوان , بإخلاص الإيمان , والخلاص من كل كفران . | ولما تسبب عن ~~إيمان هؤلاء زيادة كفران أولئك قال : { فاتخذتموهم سخريا } أي موضعا للهزء ~~والتلهي والخدمة لكم , قال الشهاب السمين في إعرابه : والسخرة - بالضم : ~~الاستخدام , وسخريا - بالضم منها والسخر بدون هاء - الهزء والمكسور منه ~~يعني على القراءتين وفي النسبة دلالة على زيادة قوة في الفعل كالخصوصية ~~والعبودية { حتى أنسوكم } أي لأنهم كانوا السبب في ذلك بتشاغلكم بالاستهزاء ~~بهم واستبعادهم { ذكري } أي أن تذكروني فتخافوني بإقبالكم بكليتكم على ذلك ~~منهم . | ولما كان التقدير : فتركتموه فلم تراقبوني في أوليائي , عطف عليه ~~قوله : { وكنتم } أي بأخلاق هي كالجبلة { منهم } اي خاصة { تضحكون * } ~~كأنهم لما صرفوا قواهم إلى الاستهزاء بهم عد ضحكهم من غيرهم عدما . | ~~PageV05P224 < < # | المؤمنون : ( 111 - 113 ) إني جزيتهم اليوم . . . . . # > > ^ ( إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفآئزون * قال كم لبثتم في ~~الأرض عدد سنين * قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العآدين ) ^ } ) | ~~ولما تشوف النفس بعد العلم بما فعل بأعدائهم إلى جزائهم , قال : { إني ~~جزيتهم } أي مقابلة على عملكم { اليوم بما صبروا } اي على عبادتي , ولم ~~يشغلهم عنها تألمهم بأذاكم كما كما شغلكم عنها التذاذكم بإهانتهم , فوزهم ~~دونكم , وهو معنى قوله : { أنهم هم } أي خاصة { الفائزون * } اي الناجون ~~الظافرون بالخير بعد الإشراف على الهلكة , وغير العبارة لإفادة الاختصاص ~~والوضوح والرسوخ , وكسر الهمزة حمزة والكسائي على الاستئناف . | ولما كان ~~الفائز - وهو الظافر - من لم يحصل له بؤس في ذلك الأمر الذي فاز به , وكان ~~قد أشار سبحانه بحرف الغاية وما شاكله إلى أنه مد لأهل الشقاء في الدنيا في ~~الأعمار والأرزاق حتى استهانوا بعبادة السعداء , فكان ربما قيل : إن ~~أعداءهم فازوا بالاستهزاء بهم والرفعة عليهم في حال الدنيا , وكان سبحانه ~~قد أسلف ما يرد ذلك من الإخبار بأنه خلدهم في النار وأعرض عنهم وزجرهم عن ~~كلامه , وكان أنعم أهل الدنيا إذا غمس في النار غمسة ثم سئل عن نعيمة قال ms3287 : ~~ما رايت نعيما قط , فكان ذلك مجزا لتقريع الأشقياء بسبب تضيع أيامهم ~~وتنديمهم عليها . # تشوف السامع إلى أنه هل يسألهم عن تنعيمه لهم في الدنيا الذي كان جديرا ~~منهم بالشكر فقابلوه بالكفر والاستهزاء بأوليائه ؟ فأجاب تشوفه ذلك مجهلا ~~لهم ومندما ومنبها على الجواب أن فوزهم في الدنيا - لقلته التي هي أحقر من ~~قطرة في جنب بحر - عدم , بقوله : { قال } تاسيفا على ما أضاعوا من عبادة ~~يسيرة تؤرثهم سعادة لا انقضاء لها وارتكبوا من لذة قليلة أعقبتهم بؤسا لا ~~آخر له - هذا على قراءة الجماعة , وبين سبحانه بقراءة ابن كثير وحمزة ~~والكسائي أن القول بواسطة بعض عبادة الذين أقامهم لتعذيبهم إعارضا عنهم ~~أردنا أي لهؤلاء الذين { ولا تكلمون } فقال : { قل } اي يا من أقمناه ~~للانتقام ممن أردنا أي لهؤلاء الذين غرتهم الحياة الدنيا على ما يرون من ~~قصر مدتها ولعبها بأهلها فكفروا بنا واستهزؤوا بعبادنا : { كم لبثتم في ~~الأرض } على تلك الحال التي كنتم تعدونها فوزا { عدد سنين * } أنتم فيها ~~ظافرون ولأعدائكم قاهرون , ولعله عبر بما منه الإسنات الذي معناه القحط ~~إشارة إلى أن أيام الدنيا ضيقة حرجة وإن كان فيها سعة , ولا سيما للكفرة ~~بكفرهم وخبثهم ومكرهم الذي جرهم إلى أضيق الضيق وأسوأ العيش { قالوا } ~~استقصارا له في حنب ما رأوا من العذاب واستنقاذا لأنفسهم ظنا أ , مدة لبثهم ~~في النار تكون بمقدار مكثهم في الدنيا : { لبثنا يوما } ولعلهم ذكروا ~~العامل تلذذا بطول الخطاب , PageV05P225 أو تصريحا بالمراد دفعا للبس ~~والارتياب , ثم زادوا في التقليل فقالوا : { أبو بعض يوم } . | ولما كان ~~المكرة في الدنيا إذا أرادوا تمشية كذبهم قالوا لمن أخبروه فتوقف في خبرهم ~~: سل فلانا , إيثاقا بإخبارهم , وسترا لعوارهم , جروا على ذلك تماديا منهم ~~في الجهل بالعليم القدير في قولهم : { فاسأل } أي لتعلم صدق خبرنا أو بسبب ~~ترددنا في العلم بحقيقة الحال لتحرير حقيقة المدة { العادين * } ويحتمل ~~أيضا قصد الترقيق عليهم بالإشارة إلى أن ما هم فيه من العذاب شاغل لهم عن ~~أن يتصوروا شيئا حاضرا محسوسا , فضلا عن أن ms3288 يكون ماضيا , فضلا عن أن يكون ~~فكريا , فكيف إن كان حسابا . | < < # | المؤمنون : ( 114 - 118 ) قال إن لبثتم . . . . . # > > ^ ( قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون * أفحسبتم أنما ~~خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون * فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا ~~هو رب العرش الكريم * ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه ~~عند ربه إنه لا يفلح الكافرون * وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين ) ^ } ~~) | ولما كان ذلك على تقدير تسليمه لا ينفعهم لأن الجزاء بالعذاب على عزمهم ~~على التمادي في العناد على مر الآباد , المصدق منهم بالانهماك في الفساد , ~~أجابهم إلى قصدهم في عدهم بعبارة صالحة صادقة على مدة لبثهم طال أو قصر , ~~بقوله على طريق الاستئناف لمن تشوف غلى معرفة جوابهم : { قال } أي الله على ~~قراءة الجماعة , وبينت قراءة حمزة والكسائي أن إسناد القول إليه سبحانه ~~مجاز عن قول بعض عباده العظماء فقال على طريق الأول : { قل } أي لهؤلاء ~~الذين وقع الإعراض عنهم { إن } أي ما { لبثتم } اي في الدنيا { إلا قليلا } ~~أي هو من القلة بحيث بحيث لا يسمى بل هو عدم { لو أنكم كنتم } اي كونا هو ~~كالجبلة { تعلمون * } أي في عداد من يعلم في ذلك الوقت , لما آثرثم الفاني ~~على الباقي , ولأقبلتم على ما ينفعكم , وتركتم الخلاعة التي لا يرضاها عاقل ~~, ولا يكون على تقدير الرضا بفعلها إلا بعد الفراغ من المهم , ولكنكم كنتم ~~في عداد البهائم , وفي ذلك تنبيه للمؤمنين الذين هم الوارثون على الشكر على ~~ما منحهم من السرور بإهلاك أعدائهم وإيراثهم ارضهم وديارهم , مع إعزازهم ~~والبركة في أعمارهم , بعد إراحتهم منهم في الدنيا , ثم بإدامة سعادتهم في ~~الآخرة وشقاوة أعدائهم . | ولما كان حالهم في ظنهم أن لا بعث , حتى اشتغلوا ~~بالفرح , والبطر و المرح , والاستهزاء بأهل الله , حال من يظن العبث على ~~الله الملك الحق المبين , سبب عن ذلك عطفا على قوله { فاتخذتموه سخريا } ~~إنكاره عليهم في قوله : { أفحسبتم } ويجوز أن PageV05P226 يكون معطوفا على ~~مقدر نحو : أحسبتم ms3289 أنا نهملكم فلا ننصف مظلومكم من ظالمكم , فحسبتم { أنما ~~خلقناكم } أي على ما لنا من العظمة { عبثا } أي عابثين أو للعبث منا أو ~~منكم , لا لحكمة إظهار العدل والفضل , حتى اشغلتم بظلم أنفسكم وغيركم ؛ قال ~~أبو حيان : والعبث : اللب الخالي عن فائدة . | { وأنكم } أي وحسبتم أنكم { ~~إلينا } أي خاصة { لا ترجعون * } بوجه من الوجوه لإظهار القدرة والعظمة في ~~الفصل , وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره وأبو يعلى الموصلي في الجزء الرابع ~~والعشرين من مسنده والبغوي في تفسيره عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه رقى ~~رجلا مصابا بهذه الآية إلى آخر السورة في أذنيه فبرأ فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ! لو أن رجلا موقنا قرأ بها على جبل ~~لزال ) وفي سندهما ابن لهيعة . | قال ابن كثير : وروى أبو نعيم عن محمد ابن ~~إبراهيم بن الحارث عن أبيه رضي الله عنه , قال : بعثنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في سرية وأمرنا أن نقول إذا أمسينا وأصبحنا { أفحسبتم } - الآية ~~, قال : فقرأناها فغنمنا وسلمنا . | ولما كان التقدير : ليس الأمر كما ~~حسبتم , علل ذلك بقوله : { فتعالى الله } أي علا الذي له الجلال والجمال ~~علوا كبيرا عن البعث ؛ ثم وصفه بما ينافي العبث فقال : { الملك } أي المحيط ~~بأهل مملكته علما وقدرة وسياسة , وحفظا ورعاية . | ولما كان بعض ملوك ~~الدنيا قد يفعل ما ينافي شيم الملوك من البعث بما فيه من الباطل , أتبع ذلك ~~بصفة تنزهه عنه فقال : { الحق } أي الذي لا تطرق للباطل إليه في شيء من ~~ذاته ولا صفاته , فلا زوال له ولا لملكه فأنى يأتيه العبث . | ولما كان ~~الحق من حيث هو قد يكون له ثان . | نفى ذلك في حقه تعالى بقوله : { لا إله ~~إلا هو } فلا يوجد له نظير أصلا في ذات ولا صفة , ومن يكون كذلك يكون حائزا ~~لجميع أوصاف الكمال , وخلال الجلال والجمال , متعاليا عن سمات النقص , ~~والعبث من أدنى صفات النقص , لخلوه عن الحكمة التي هي أساس الكمال ؛ ثم زاد ~~في التعيين والتأكيد ms3290 للتفرد بوصفه بصفة لا يدعيها غيره فقال : { رب العرش } ~~أي السرير المحيط بجميع الكائنات , العالي عليها علوا لا يدانيه شيء ؛ ثم ~~وصف العرش لنه في سياق الحكم بالعدل والتنزه عن العبث بخلاف سياق براءة ~~والنمل فإنه للقهر والجبروت بقوله : { الكريم * } اي الذي تنزل منه الخيرات ~~الحاصلة للعباد , مع شرف جوهره , PageV05P227 على رتبته , ومدحه ابلغ مدح ~~لصاحبه , والكريم من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها وتنزه عن كل دناءة ~~؛ قال القزاز : وأصل الكرم في اللغة الفضل والفعة . | ولما كان التقدير : ~~فمن دعا الله وحده فأولئك هم المفلحون الوارثون في الدارين , عطف عليه قوله ~~: { ومن يدع مع الله } اي الملك الذي كفوء له لإحاطته بجميع صفات الكمال { ~~إلها } ولما كانوا لتعنتهم ينسبون الداعي له سبحانه باسمين أو أكثر إلى ~~الشرك , قيد بقوله : { آخر } ثم أيقظ من سنة الغفلة , ونبه على الاجتهاد ~~والنظر في أيام المهملة , بقول لا أعدل منه ولا أنصف فقال : { لا برهان له ~~} ولما كان المراد ما يسمى برهانا ولو على أدنى الوجوه الكافية , عبر ~~بالباء سلوكا لغاية الإنصاف دون ( على ) المفهمة للاستعلاء بغاية البيان ~~فقال : { به } أي بسبب دعائه فإنه إذا اجتهد في إقامة برهان على ذلك لم يجد ~~, بل وجد البراهين كلها قائمة على نفي ذلك , داعية إلى الفلاح باعتقاد ~~التوحيد والصلاح , هذا المراد , لا أنه يجوز أن يقوم على شيء غيره برهان { ~~فإنما حسابه } أي جزاؤه الذي لا تمكن زيادته ولا نقصه { عند ربه } الذي ~~رباه , ولم يربه أحد سواه , وغمره بالإحسان , ولم يحسن إليه أحد غيره , ~~الذي هو أعلم بسريرته وعلانيته منه نفسه , فلا يخفى عليه شيء من أمره . | ~~ولما أفهم كون حسابه عند هذا المحسن أحد أمرين : إما الصفح بدوام الإحسان , ~~وإما الخسران بسبب الكفران , قال على طريق الجواب لمن يسأل عن ذلك : { إنه ~~لا يفلح } ووضع { الكافرون * } موضع ضميره تنبيها على كفره وتعميما للحكم , ~~فصار أول السورة وآخرها مفهما لأن الفلاح مختص به امؤمنون . | ولما كان ~~الأمر كذلك , أمر سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ms3291 بالاجتهاد في إنقاذ عباده ~~حتى بالدعاء لله في إصلاحهم ليكون الختم بالرحمة للمؤمنين , كما كان ~~الافتتاح بفلاحهم , فقال عاطفا على قوله { ادفع بالتي هي أحسن } فإنه لا ~~إحسان أحسن من الغفران , أو على معنى { قال كم لبثتم } الذي بينته قراءة ~~ابن كثير وحمزة والكسائي بالأمر : { وقل } , أو يكون التقدير : فأخلص ~~العبادة له { وقل } لأجل أن أحدا لا يقدره حق قدره : { رب } أيها المحسن ~~إلي { اغفر وارحم } أي أكثر من تعليق هاتين الصفتين في امتي لتكثرها , فإن ~~في ذلك شرفا لي ولهم , فأنت خير الغافرين { وأنت خير الراحمين * } فمن ~~رحمته أفلح بما توفقه له من امتثال ما أشرت إليه أول السورة , فكان من ~~المؤمنين , فكان من الوارثين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون , فقد ~~انطبق على الأول هذا الآخر بفوز كل مؤمن , وخيبة كل كافر , نسأل الله تعالى ~~أن يكون لنا أرحم راحم وخير غافر , إنه المتولي للسرائر , والمرجو لإصلاح ~~الضمائر - آمين . | . . . . . | PageV05P228 < # > سورة النور < # > < < # | النور : ( 1 - 2 ) سورة أنزلناها وفرضناها . . . . . # > > ^ ( سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيهآ آيات بينات لعلكم تذكرون * ~~الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طآئفة من ~~المؤمنين ) ^ } ) | مقصودها مدلول اسمها المودع قلبها المراد منه أنه تعالى ~~شامل العلم , اللازم منه تمام القدرة , اللازم منه إثبات الأمور على غاية ~~الحكمة , اللازم منه تأكيد الشرف للنبي صلى الله عليه وسلم , اللازم منه ~~شرف من اختاره لصحبته على منازل قربهم منه واختصاصهم به , اللازم منه غاية ~~النزاهة والشرف والطهارة لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي مات النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو عنها راض , وماتت هي رضي الله عنها صالحة محسنة , ~~وهذا هو المقصود بالذات ولكن إثباته محتاج إلى تلك المقدمات { بسم الله } ~~الذي تمت كلمته فبهرت قدرته { الرحمن } الذي ظهرت الحقائق كلها بشمول رحمته ~~{ الرحيم } الذي شرف من اختاره بخدمته . | لما تقدم في التي قبلها تحريم ~~الزنى والحث على الصيانة , وختم تلك الآية بذكر ms3292 الجنة المتضمن للبعث , ~~استدل عليه وذكر ما يتبعه من تهديد وعمل إلى أن فرغت السورة وأخبر في آخرها ~~بتبكيت المعاندين يوم الندم بقوله ^ ( { ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم ~~بها تكذبون } ) ^ [ المؤمنون : 105 ] وبقوله ^ ( { أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا } ) ^ [ المؤمنون : 115 ] كل ذلك رحمة منه لخلقه ليرجع منهم من قضى ~~بسعادته , ثم ختم بقوله ^ ( { وأنت خير الراحمين } ) ^ [ المؤمنون : 118 ] ~~فابتدأ سبحانه هذه السورة بأنه من على المخاطبين ببيان ما خلقوا له من ~~الأحكام لنهم لم يخلقوا سدى , بل لتكاليف تعبدهم بها ترفع التنازع وتحسم ~~مادة الشر , فتوجب الرحمة والعطف بسلامة الصدر بما فيهم من الجنسية , فقال ~~مخبرا عن مبتدإ تقديره : هذه { سورة } أي عظيمة ؛ ثم رغب في امثتال ~~PageV05P229 ما فيها مبينا أن تنويها للتعظيم بقوله : { أنزلناها } أي بما ~~لنا م نالعظمة وتمام العلم والقدرة { وفرضناها } أي قررناها وقدرناها ~~وأكثرنا فيها من الفروض وأكدناها { وأنزلنا فيها } بشمول علمنا { آيات } من ~~الحدود والحكام والمواعظ والأمثال وغيرها , مبرهنا عليها { بينات } لا ~~إشكال فيها رحمة منا لكم , فمن قبلها دخل في دعوة نبينا صلى الله عليه وسلم ~~التي لقناه إياها في آخر تلك فرحمه خير الراحمين , ومن أباها ضل فدخل في ~~التبكيت بقولنا < # > 77 ( { ألم تكن آياتي تتلى عليكم } ) 77 < # > [ المؤمنون : 105 ] ونحوه , وذلك معى قوله : { لعلكم تذكرون * } أي ~~لتكونوا - إذا تأملتموها مع ما قبلها من الآيات المرققة والقصص المحذرة - ~~على رجاء - عند من لا يعلم العواقب - من أن تتذكروا واو نوعا من التذكر - ~~كما أشار إليه الإدغام - بما ترون فيها من الحكم أن الذي نصبها لكم وفصلها ~~إلى ما ترون لا يترككم سدى , فتقبلوا على جميع أوامره , وتنتهوا عن زواجره ~~, ليغفر لكم ما قصرتم فيه من طاعته , ويرحمكم بتنويل ما لا وصول لكم إليه ~~إلا برحمته , وتتذكروا أيضا بما يبين لكم من الأمور , ويكشف عنه الغطاء من ~~الأحكام التي اغمت عنها حجب النفوس , وسترتها ظلمات الأهوية - ما جبل عليه ~~الآدميون , فتعلموا أن الذي تحبون أن يفعل معكم بحب غيركم أن تفعلوه معه , ~~والذي تكرهونه ms3293 من ذلك يكرهه غيركم , فيكون ذلك حاملا لكم على النصفة فيثمر ~~الصفاء , والألفة والوفاء , فتكونوا من المؤمنين المفلحين الوارثين ~~الداخلين في دعوة البشير النذير بالرحمة . | وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير في برهانه : لما قال تعالى < # > 77 ( { والذين هم لفروجهم حافظون } ) 77 < # > [ المؤمنون : 5 ] ثم قال تعالى < # > 77 ( { فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } ) 77 < # > [ المؤمنون : 7 ] استدعى الكلام بيان حكم العادي في ذلك , ولم يبين ~~فيها فأوضحه في سورة النور فقال تعالى { الزانية والزاني } - الآية , ثم ~~أتبع ذلك بحكم اللعان والقذف وانجر مع ذلك الإخبار بقصة الإفك تحذيرا ~~للمؤمنين من زلل الألسنة رجما بالغيب { تحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } ~~واتبع ذلك بعد بوعيد محبي شياع الفاحشة , في المؤمنين بقوله تعالى < # > 77 ( { إن الذين يرمنو المحصنات الغافلات المؤمنات } ) 77 < # > [ النور : 23 ] الآيات , ثم بالتحذيرمن دخول البيوت إلا بعد الاستئذان ~~المشروع , ثم بالأمر بغض الأبصار للرجال والنساء ونهى النساء عن إبداء ~~الزينة إلا لمن سمى الله سبحانه في الآية , وتكررت هذه المقاصد في هذه ~~السورة غلى ذكر حكم العورات الثلاث , ودخول بيوت الأقارب وذي الرحام , وكل ~~هذا مما تبرأ ذمة المؤمن بالتزام ماأمر الله فيه من ذلك والوقوف عندما حده ~~تعالى من أن يكون من العادين المذمومين في قوله تعالى < # > 77 ( { فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } ) 77 < # > [ المؤمنون : 7 ] . | وما تخلل الآي المذكورات PageV05P230 ونسق عليها ~~مما ليس من الحكم المذكور فلاستجرار الآي إياه واستدعائه , ومظنه استيفاء ~~ذلك وبيان ارتباطه التفسير , وليس من شرطنا هنا - والله سبحانه وتعالى ~~يوفقنا لفهم كتابه - انتهى . | ولما كان مبنى هذه الدار على الأنساب في ~~التوارث والإمامة والنكاح وغير ذلك , ومبنى تلك الدار على العمال لقوله ~~تعالى < # > 77 ( { فلا أنساب بينهم يومئذ } ) 77 < # > [ المؤمنون : 101 ] وكان قد حث في آخر تلك على الستر والرحمة , حذر ~~رحمة منه في أول هذه من لبس الأنساب , وكسب الأعراض وقطع الأسباب , معلما ~~أن الستر والرقة ليسا على عمومهما , بل على ما يحده سبحانه , فقال مخاطبا ~~للأئمة ومن ms3294 يقيمونه : { الزانية } وهي من فعلت الزنى , وهو إيلاج فرج في ~~فرج مشتهى طبعا محرم شرعا , وقدمها لأن أثر الزنى يبدو عليها من الحبل ~~وزوال البكارة , ولنها أصل الفتنة بهتك ماأمرت به من حجاب التستر والتصون ~~والتحذر { والزاني } . | ولما كان ( ال ) بمعنى الاسم الموصول , أدخل الفاء ~~في الخبر فقال : { فاجلدوا } أي فاضربوا وإن كان أصله ضرب الجلد بالسوط ~~الذي هو جلد { كل واحد منهما } إذا لم يكن محصنا , بل كان مكلفا بكرا - بما ~~بينته السنة الشريفة { مائة جلدة } فبدأ بحد الزنى المشار إليه أول تلك ~~بقوله تعالى < # > 77 ( { فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون } ) 77 < # > [ المؤمنون : 7 ] وفي التعبير بلفظ الجلد إشارة غلى أنه يكون مبرحا ~~بحيث يتجاوز الألم إلى اللحم . | ولما كان هذا ظاهرا في ترك الشفقة عليهما ~~, صرح به لأن من شأن كل من يجوز على نفسه الوقوع في مثل ذلك أن يرحمهما ~~فقال : { ولا تأخذكم } أي على حال من الأحوال { بهما رأفة } أي لين , ولعله ~~عبر بها إعلاما بأنه لم ينه عن مطلق الرحمة , لأن الرأفة اشد الرحمة أو ~~أرقها وتكون عن اسباب من المرؤوف به , وكذا قوله : { في دين الله } أي الذي ~~شرعه لكم الملك المحيط بصفات الكمال - إشارة إلى أن الممنوع منه رحمة تؤدي ~~إلى ترك الحد أو شيء منه أو التهاون به أو الرضى عن منتهكه لا رقة القلب ~~المطبوع عليها البشر كما يحكى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه بكى يوم ~~فتحت قبرص وضربت رقاب ناس من أسراها فقيل له : هذا يوم سرور , فقال : هو ~~كذلك , ولكني أبكي رحمة لهؤلاء العباد الذين عصوا الله فخذلهم وأمكن منهم . ~~| ولما علم سبحانه ما طبع عليه عباده من رحمة بعضهم لبعض فحث على هذا الحكم ~~بالأمر والنهي , زاد في التهييج غليه والخص عليه بقوله : { إن كنتم } أي ~~بما هو كالجبلة التي لا تنفك { تؤمنون بالله } أي الملك الأعظم الذي هو ~~أرحم الراحمين , فما PageV05P231 شرع ذلك إلا رحمة للناس عموما وللزانين ~~خصوصا , فمن نقص سوطا فقد ms3295 ادعى أنه أرحم منه , ومن زاد سوطا فقد ظن أنه ~~أحكم وأعظم منه . | ولما ذكر بالإيمان الذي من شرطه التزام الأحكام , وكان ~~الرجاء غالبا على الإنسان , أتبعه ما يرهبه فقال : { واليوم الآخر } الذي ~~يحاسب فيه على النقير والقطمير والخفي والجلي . | ولما كان الخزي والفضيحة ~~أعظم عند بعض الناس من ضرب السيف فضلا عن ضرب السوط قال : { وليشهد } اي ~~يحضر حضورا تاما { عذابهما طائفة } أي جماعة يمكن إطافتها أي تحلقها ~~وخفوفها بكل منهما { من المؤمنين * } العريقين إشهارا لأمرهما نكالا لهما , ~~وعن نصر بن علقمة أن ذلك ليدعى لهما بالتوبة والرحمة . | وفي كل هذا إشارة ~~ظاهرة إلى أن إقامة الحدود والغلظة فيها من رحمته سبحانه المشار إليها ~~بقوله ^ ( { وأنت خير الراحمين } ) ^ [ المؤمنون : 118 ] . | < < # | النور : ( 3 ) الزاني لا ينكح . . . . . # > > ^ ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا زان ~~أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ) ^ } ) | ولما كان في ذلك من الغلظة على ~~الزاني لما ارتكب من الحرام المتصف بالعار ما يفهم مجانبته , صرح به , ~~مانعا من نكاح المتصف بالزنى من ذكر وأنثى , إعلاكا بأن وطء من اتصف به من ~~رجل أو امرأة لا يكون إلا زنى وإن كان بعقد , فقال واصلا له بما قبله : { ~~الزاني لا ينكح } أي لا يتزوج { إلا زانية أو مشركة } اي المعلوم اتصافه ~~بالزنى مقصور نكاحه على زانية أو مشركة , وذلك محرم , فهذا تنفير للمسلمة ~~عن نكاح المتصف بالزنى حيث سويت بالمشركة إن عاشرته , وذلك يرجع إلى أن من ~~نكحت زانيا فهي زانية أو مشركة , أي فهي مثله أو شر منه , ولو اقتصر على ~~ذلك لم يكن منع من أن ينكح العفيف الزانية , فقال تعالى مانعا من ذلك : { ~~والزانية لا ينكحها } اي لا يتزوجها { إلا زان أو مشرك } اي والمعلوم ~~اتصافها بالزنى مقصور نكاحها على زان أو مشرك , وذلك محرم فهو تنفير للمسلم ~~أن يتزوج من اتصفت بالزنى حيث سوى في ذلك بالمشرك , وهو يرجع إلى أن من نكح ~~زانية فهو زان أو مشرك , أي فهو مثلها ms3296 أو شر منها , وأسند النكاح في ~~الموضعين إلى الرجل تنبيها إلى أن النساء لا حق لهن في مباشرة العقد ؛ ثم ~~صرح بما أفهمه صدر الاية بقوله مبنيا للمفعول لأن ذلك يكفي المؤمن الذي ~~الخطاب معه : { وحرم ذلك } أي نكاح الزاني والزانية تحريما لا مثنوية فيه { ~~على المؤمنين * } وعلم من هذا أن ذكر المشرك والمشركة لزيادة التنفير , ثم ~~إن هذا الحكم فسخ كما قال إمامنا الشافعي رحمه الله موافقة لابن المسيب ~~بقوله تعالى ^ ( { وانكحو الأيامى منكم } ) ^ [ النور : 32 ] وهو جمع أيم ~~وهو من لا زوج له من الذكور والإناث , فأحل للزاني أن ينكح من PageV05P232 ~~شاء , وللزانية أن تنكح من شاءت , وقراءة من قرأ { لا ينكح } بالنهي راجعة ~~إلى هذا , لأن الطلب قد يجيء للخبر كما يجيء الخبر للطلب - والله أعلم ؛ ~~قال الشافعي رحمه الله تعالى ورضي الله عنه في الأم في جزء مترجم بأحكام ~~القرآن وفي جزء بعد كتاب الحج الكبير والصغير والضحايا : ما جاء في نكاح ~~المحدثين , فذكر الآية وقال : اختلف أهل التفسير في هذه الاية اختلافا ~~متباينا , أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن مجاهد أن هذه الآية نزلت في ~~بغايا من بغايا الجاهلية كانت على منازلهن رايات , قال في الجزء الآخر : ~~وكن غير محصنات , فأراد بعض المسلمين نكاحهن فنزلت الآية بتحريم أن ينكحن ~~إلا من أعلن بمثل ما أعلن به أو مشركا , وقيل كن زواني مشركات فنزلت لا ~~ينكحن إلا زان مثلهم مشرك , أو مشرك وإن لم يكن زانيا , وحرم ذلك على ~~المؤمنين , وقيل : هي عامة ولكنها نسختن أخبرنا سفيان بن يحيى بن سعيد عن ~~سعيد بن المسيب أنه قال : هي منسوخة نسختها < # > 77 ( { وانكحوا الأيامى منكم } ) 77 < # > [ النور : 32 ] فهي من أيامي المسلمين , فهذا كما قال ابن المسيب إن ~~شاء الله , تعالى , وعليه دلائل من الكتاب والسنة , ثم استدل على فساد غير ~~هذا القول بأن الزانية إن كانت مشركة فهي محرمة على زناة المسلمين وغير ~~زناتهم بقوله تعالى < # > 77 ( { ولاتنكحوا المشركات حتى يؤمن } ) 77 < # > [ البقرة : 221 ms3297 ] ولا خلاف في ذلك , وإن كانت مسلمة فهي بالإسلام محرمة ~~على جميع المشركين بكل نكاح بقوله تعالى < # > 77 ( { فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا ~~هم يحلون لهن } ) 77 < # > [ الممتحنة : 10 ] ولا خلاف في ذلك أيضا , وبأنه لا اختلاف بين أحد من ~~أهل العلم أيضا في تحريم الوثنيات عفائف كن أو زواني على من آمن زانيا كان ~~أو عفيفا , وبأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد بكرا في الزنى وجلد امرأة ~~ولم نعلمه قال للزاني : هل لك زوجة فتحرم عليك إذا زنيت , ولا يتزوج هذا ~~الزاني زلا الزانية إلا زانية أو زانيا , بل قد يروى أن رجلا شكا من امرأته ~~فجورا فقال : طلقها , قال : إني أحبها , د قال : استمتع بها - يشير إلى ما ~~رواه أبو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا جاء ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( إن امرأتي لا تمنع يد لامس , قال : ~~) طلقها ( , قال : إني لا أصبر عنها , قال : ) فأمسكها ( ورواه البيهقي ~~والطبراني من حديث جابر رضي الله عنه , وقال شيخنا ابن حجر : إنه حديث حسن ~~صحيح - انتهى . | قال الشافعي : وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال ~~لرجل اراد أن ينكح امرأة أحدثت : PageV05P233 انكحها نكاح العفيفة المسلمة ~~- انتهى بالمعنى . | وقال في الجزء الذي بعد الحج : فوحدنا الدلالة عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في زانية وزان من ا لمسلمين لم نعلمه حرم على واحد ~~منهما أن ينكح غير زانية ولا زان , ولا حرم واحدا منهما على زوجه ؛ ثم قال ~~: فالاختيار للرجل أن لا ينكح زانية وللمرأة أن لا نتكح زانيا , فإن فعلا ~~فليس ذلك بحرام على واحد منهما , ليست معصية واحد منهما في نفسه تحرم عليه ~~الحلال إذا أتاه , ثم قال : سواء حد الزاني منهما أو لم يحد , أو قامت عليه ~~بينة أو اعترف , لا يحرم زنى واحد منهما ولا زناهما ولا معصية من المعاصي ~~الحلال إلا أن يختلف ديناهما بشرك وإيمان ms3298 - انتهى . | وقد علم أنه لم يرد ~~أن هذا الحكم نسخ بآية اليامى فقط , بل بما انضم إليها من الإجماع وغيره من ~~الايات والإحاديث بحيث صير ذلك دلالتها على ما تناولته متيقنا كدلالة الخاص ~~على ما تناوله , فلا يقال : إن الشافعي رحمه الله خالف أصله في أن الخاص لا ~~ينسج بالعام , لأن ما تناوله الخاص متيقن , وما تناوله العام ظاهرة مظنون , ~~وكان هذا الحكم - وهو الحرمة في أول الإسلام بعد الهجرة - لئلا يغلب حال ~~المفسد على المصلح فيختل بعض الأمر كما أشير إليه في البقرة < # > 77 ( { ولا تنكحوا المشركات } ) 77 < # > [ البقرة : 221 ] وفي المائدة عند < # > 77 ( { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله } ) 77 < # > [ المائدة : 5 ] وهو من وادي قوله : | عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ~~فكل خليل بالمخالل يقتدي | والجنسية علة الضم , واولمشاكلة سبب المواصلة , ~~والمخالفة توجب المباعدة وتحرم المؤالفة , وقد روى أبو دتود في الأدب ~~والترميذي في الزهد - وقال : حسن غريب - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من ~~يخالل ) وروى الإمام أبو يعلي الموصلي في مسنده قال : حدثنا يحيى بن معين ~~حدثنا سعيد بن الحكم حدثنا يحيى بن أيوب حدثني يحيى بن سعيد عن عمرة بنت ~~عبد الرحمن قالت : كانت امرأة بمكة مزاحة , يعني فهاجرت إلى المدينة ~~الشريفة , فنزلت على امرأة شبه لها , فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت ~~صدق حبي ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( الأرواح جنود مجندة ~~, فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ) قال : ولا أعلم إلا قال في ~~الحديث : ولا نعرف تلك المرأة , وسيأتي { والطيبات PageV05P234 للطيبين } ~~تخريج ( الأرواح جنود مجندة ) وقال الإمام أبو بكر أحمد بن مروان الدينوري ~~في كتاب المجالسة : حدثنا أحمد بن على الخزاز حدثنا مصعب بن عبدالله عن أبي ~~غزية الأنصاري قال : قال الشعبي : يقال : إن لله ملكا موكلا بجمع الأشكال ~~بعضها إلى بعض - انتهى . | وعزاه شيخنا الحافظ اب الفضل بن حجر في تخريج ms3299 ~~أحاديث مسند الفردوس إلى أنس رضي الله عنه وقال : بتأليف الأشكال . | ويروى ~~أن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه خطب أهل الكوفة بعد ثلاثة ~~أيام من مقدمه عليهم فقال : يا أهل الكوفة , قد علمنا شراركم من خياركم , ~~فقالوا : كيف وما لك إلا ثلاثة أيام ؟ فقال : كان معنا شرار وخيار , فانضم ~~خيارنا إلى خياركم , وشرارنا إلى شراركم , فلما تقررت الأحكام , وأذعن ~~الخاص والعام , وضرب الدين بجرانه , ولم يخش وهي شيء من بنيانه , نسخت ~~الحرمة , وبقيت الكراهة أو خلاف الأولى - والله الموفق . | وهذا كله توطئة ~~لبراءة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كما يأتي إضاحه عنه { والطيبات ~~للطيبين } لأنها قرينة خير العالمين وأتقاهم وأعفهم , ولأن كلا منها ومن ~~صفوان رضي اله عنهما بعيد عما رمى به شهير بضده , وإليه الإشارة ( بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ) من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهلي , والله ~~ما علمت على أهلي إلا خيرا , ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ( وفي ~~رواية ) ما علمت عليه من سوء قط , ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر ( وبقول ~~عائشة رضي الله عنها عن صفان رضي الله عنه : إنه قتل شهيدا في سبيل الله . ~~| وهذا سوى الآيات المصرحة والأعلام المفصحة , فهو { والطيبون } تلويح قبل ~~بيان , وتصريح وإشارة بعد عبارة وتوضيح , ليجتمع في براءة الصديقة رضي الله ~~عنها دليلان عقيلتان شهوديان اكتنفا الدليل النقلي فكانا سورا عليه , وحفظا ~~من تصويب طعن إليه , وفي ذلك من فخامة أمرها وعظيم قدرها ما لا يقدره حق ~~قدره إلا الذي خصها به . | < < # | النور : ( 4 - 11 ) والذين يرمون المحصنات . . . . . # > > ^ ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من ~~بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم * والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم ~~شهدآء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * ~~والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين * ويدرؤا عنها العذاب أن ms3300 ~~تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليهآ إن ~~كان من الصادقين * ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم * إن ~~الذين جآءوا بالإفك PageV05P235 عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ~~لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) 73 ~~< # > } ) 71 < # > | ولما نفر سبحانه من نكاح من اتصف بالزنى من رجل أو امرأة , وبدأ - ~~لأن نكاح المرأة للزاني مظنة لزناها - بتنفير الإناث بما يوهم جواز إطلاق ~~الزنى أيضا لأن زناها أكبر شرا , من علم زناه , وذلك بعد أن ابتدأ في حد ~~الزنى بالأنثى أيضا لأن زناها أكبر شرا , وأعظم فضيحة وضرا , عطف على ذلك ~~تحريم القذف بما يوجب تعظيم الرغبة في الستر وصيانة الأعراض وإخفاء الفواحش ~~, فقال ذاكرا الجمع لأن الحكم بإقامة الحد عليه يفهم إقامة الحد على الواحد ~~من باب الأولى ولا إيهام فيه لأن الجمع إذا قوبل بالجمع أفهم التوزيع : { ~~والذين يرمون } أي بالزنى { المحصنات } جمع محصنة , وهي هنا المسلمة الحرة ~~المكلفة العفيفة , والمراد القذف بالزنى بما أرشد إليه السياق سابقا ولاحقا ~~, ذكورا كان الرامون أو إناثا بما أفهمه الموصول , وخص الإناث وإن كان ~~الحكم عاما للرجال تنبيها على عظيم حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها , ~~ولأن الكلام في حقهن اشنع . | ولما كان إقدام المجترىء على القذف مع ما ~~شرطه فيه لدرء الحد إرادة الستر - بعيدا , أشار إليه بأداة التراخي فقال : ~~{ ثم لم يأتوا } أي إلى الحاكم { بأربعة شهداء } ذكور { فاجلدوهم } أيها ~~المؤمنون من الأئمة ونوابهم { ثمانين جلدة } لكل واحد منهم , لكل محصنة , ~~إن لم يكن القاذف اصلا , إن كانوا أحرارا , وحد العبد نصف ذلك لآية النساء ~~< # > 77 ( { فعليهن نصف ما على المحصنات من ا لعذاب } ) 77 < # > [ النساء : 25 ] فهذه الآية مخصصة بتلك إذ لا فرق بين الذكر والأنثى ~~ولا بين حد الزنى وحد القذف { ولا تقبلوا لهم } أي بعد قذفهم على هذا الوجه ~~{ شهادة } أي شهادة كانت { أبدا } للحكم بافترائهم , ومن ثبت ms3301 افتراؤه سقط ~~الوثوق بكلامه . | ولما كان التقدير : فإنهم قد افتروا , عطف عليه تحذيرا ~~من الإقدام عن غير تثبيت : { وأولئك } أي الذين تقدم ذمهم بالقذف فسفلت ~~رتبتهم جدا { هم الفاسقون * } أي المحكوم بفسقهم الثابت لهم هذا الوصف وإن ~~كان القاذف منهم محقا في نفس الأمر . | ولما كان من أصل الشافعي رحمه الله ~~أن الاستثناء المتعقب للجمل المتواصلة المتعاطفة بالواو عائد إلى جميع سواء ~~كانت من جنس أو أكثر إلا إذا منعت قرينة , أعاد الاستثناء هنا إلى الفسق ~~ورد الشهادة دون الحكم بالجلد , لأن من تمام التوبة الاستسلام للحد ~~والاستحلال منه , ولقرينة كونه حق آدمي وهو لا يسقط بالتوبة , في قوله ~~تعالى : { إلا الذين تابوا } أي رجعوا عما وقعوا فيه من القذف وغيره وندموا ~~عليه وعزموا على PageV05P236 أن لا يعودوا كما بين في البقرة في قوله تعالى ~~< # > 77 ( { إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا } ) 77 < # > [ البقرة : 160 ] وأشار إلى أن الجلد لا يسقط بالتوبة بقوله مشيرا ~~بإدخال الجار إلى أن قبولها لا يتوقف على استغراقها الزمان الآتي : { من ~~بعد ذلك } اي المر الذي أوجب رد الشهادة وما تسببت عنه وهو الفسق , وأشار ~~إلى شروط التوبة بقوله : { وأصلحوا } اي بعد التوبة بمضي مدة يظن بها حسن ~~الحال , وهي سنة يعتبر بها حال التائب بالفصول الأربعة التي تكشف الطباع . ~~| ولما كان استثناؤهم من رد الشهادة والفسق , فكان التقدير : فاقبلوا ~~شهادتهم ولا تصفوهم بالفسق , علله بقوله : { فإن الله } أي الذي له صفات ~~الكمال { غفور } أي ستور لهم ما أقدموا عليه لرجوعهم عنه { رحيم * } أي ~~يفعل بهم من الإكرام فعل الراحم بالمرحوم في قبول الشهادة . | ولما كان لفظ ~~المحصنات عاما للزوجات , وكان لهن حكم غير ما تقدم , أخرجهن بقوله : { ~~والذين يرمون } أي بالزنى { أزواجهم } أي المؤمنات الأحرار والإماء ~~والكافرات { ولم يكن لهم } بذلك { شهداء إلا أنفسهم } وهذا يفهم أن الزوج ~~إذا كان أحد الأربعة كفى , لكن يرد هذا المفهوم كونه حكاية واقعة لا شهود ~~فيها , وقوله في الآية قبلها : { ثم لم يأتوا بأربعة شهداء } فإنه يقتضي ~~كون ms3302 الشهداء غير الرامي , ولعله استثناه من الشهداء لأن لعانه يكون بلفظ ~~الشهادة , ومذهب الشافعي رضي الله عنه أنه لا يقبل في ذلك على زوجته - قال ~~ابن الرفعة في الكفاية : لأمرين : أحدهما أن ا لزنى تعرض لمحل حق الزوج , ~~فإن الزاني مستمتع بالمنافع المستحقة له , فشهادته في صفتها تتضمن إثبات ~~جناية الغير على ما هو مستحق له فلم تسمع , كما إذا شهد أنه جنى على عبده , ~~والثاني أن نم شهد بزنى زوجته فنفس شهادته تدل على إظهار العداوة , لأن ~~زناها يوغر صدرهبتلطيخ فراشه وإدخال العار عليه ةعلى ولده , وهو أبلغ في ~~العداوة من مؤلم الضرب وفاخش السب , قال القاضي الحسين : وإلى هذه العلة ~~أشار الشافعي رحمه الله وهي التي حكاها القاضي أبو الطيب في باب حد قاطع ~~الطريق عن الشيخ أبي حامد . | { فشهادة أحدهم } أي على من رماها { أربع ~~شهادات } من خمس في مقابلة أربعة شهداء { بالله } أي مقرونة بهذا الاسم ~~الكريم الأعظم الموجب لاستحضار جميع صفات الجلال والجمال { إنه لمن ~~الصادقين * } أي فيما قذفها به { والخامسة أن لعنة الله } أي ا لملك الأعظم ~~{ عليه } اي هذا القاذف نفسه { إن كان من الكاذبين * } فيما رماها به , ~~ولأجل قطعة بهذه الأيمان الغليظة بصدقه وحكم الله بخالصه انتفى عنه الولد , ~~فلزم من نفيه الفرقة المؤبدة من غير لفظ لعدم صلاحيتهها أن تكون فراشا له , ~~لأن PageV05P237 الولد للفراش , ولا يصح اللعان إلا عند حاكم , ولا يخفى ما ~~في هذا من الإبعاد عن القذف بوجوب مزيد الاحتياط , لما في ذلك من التكرير ~~والاقتران بالاسم الأعظم , والجمع بين الإثبات وما يتضمن النفي , والدعاء ~~باللعن المباعد لصفة المؤمن , فإذا فعل الزوج ذلك سقط عنه العذاب بحد القذف ~~وأوجبه على المقذوفة , فلذلك قال تعالى : { ويدرؤا } أي يدفع { عنها } أي ~~المقذوفة { العذاب } اي المعهود , وهو الحد الذي أوجبه عليها ما تقدم من ~~شهادة الزوج { أن تشهد اربع شهادات } من خمس { بالله } الذي له جميع ~~الأسماء الحسنى والصفات العلى كما تقدم في الزوج { إنه لمن الكاذبين * } ~~فيما قاله عنها { والخامسة ms3303 } من الشهادات { أن غضب الله } الذي له الأمر ~~كله فلا كفوء له { عليها } وهو أبلغ من اللعن الذي هو الطرد , لأنه قد يكون ~~بسبب غير الغضب , وسبب التغليظ عليها الحث على اعترافها بالحق لما يعضد ~~الزوج من القرينة من أنه لا يتجشم فضيحة أهله المستلزم لفضيحته إلا وهو ~~صادق , ولأنها مادة الفساد , وهاتكة الحجاب , وخالطه الأنساب { إن كان } أي ~~كونا راسخا { من الصادقين * } أي فيما رماها به ؛ روى البخاري في التفسير ~~وغيره عن ابن عباس وغيره رضي الله عنهم أن هلال بن أمية رضي الله عنه قذف ~~ارأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء رضي الله عنه فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( البينة وإلا حدا في ظهرك ) , قال يا رسول الله ~~! إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة ؟ فجعل النبي يقول : ( ~~البينة وإلا حدا في ظهرك ) , فقال هلال : والذي بعثك بالحق ! إني لصادق , ~~ولينزلن الله ما يبرىء ظهري من الحد , فنزل جبريل عليه السلام وأنزل عليه { ~~والذين يرمون أزواجهم } فقرأ حتى بلغ { إن كان من الصادقين } فانصرف النبي ~~صلى الله صلى عليه وسلم فأرسل إليهما , فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول : ( إن الله يعلم أن أحدكما كاذب , فهل منكما تائب ؟ ) ثم ~~قامت فشهدت , فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا : إنها موجبة , فتلكأت ~~ونكصت حتى ظننا أنها ترجع , ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم . | فمضت , ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ ~~الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء ) , فجاءت به كذلك , فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : ( لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن ) وقد ~~روى البخاري أيضا عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن سبب نزولها قصة مثل هذه ~~لعويمر , وقد تقدم أنه لا يمتنع أن يكون للآية الواحدة عدة أسباب معا أو ~~متفرقة . | PageV05P238 ولما حرم الله سبحانه بهذه الجمل الأعراض والأنساب ~~, فصان بذلك الدماء والأموال , علم أن التقدير ms3304 : فلولا أنه سبحانه خير ~~الغافرين وخير الراحمين , لما فعل بكم ذلك , ولفضح المذنبين , وأظهر سرائر ~~المستخفين , ففسد النظام , وأطبقتم على التهاون بالأحكام , فعطف على هذا ~~الذي علم تقديره قوله : { ولولا فضل الله } أي بما له من الكرم والجمال , ~~والاتصاف بصفات الكمال { عليكم ورحمته } أي بكم { وأن الله } أي الذي أحاط ~~بكل شيء علما وقدرة { تواب } اي رجاع بالعصاة إليه { حكيم * } يحكم المور ~~فيمنعها من الفساد بما يعلم من عواقب الأمور , لفضح كل عاص , ولم يوجب ~~اربعة شهداء سترا لكم , ولأمر بعقوبته بما توجيه معصيته , ففسد نظامكم , ~~واختل نقضكم وإبراكم , ونحو ذلك مما لا يبلغ وصفه , فتذهب النفس فيه كل ~~مذهب , فهو كما قالوا : رب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به , ثم علل ما اقتضته ~~{ لولا } من نحو : ولكنه لم يفعل ذلك إفضالا عليكم ورحمة لكم , بقوله على ~~وجه التأكيد لما عرف من حال كثير ممن غضب لله ولرسوله من إرادة العقوبة ~~للآفكين بضرب الأعناق , منبها لهم على أن ذلك يجر غلى مفسدة كبيرة : { إن ~~الذين جاؤوا بالإفك } أي أسوأ الكذب لأنه القول المصروف عن مدلوله غلى ضده ~~, المقلوب عن وجهه غلى قفاه , وعرف زيادة تبشيع له في هذا المقام , حتى ~~كأنه لا إفك إلا هو لأنه في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي من أحق ~~الناس بالمدحة لما كانت عليه من الحصانة والشرف والعفة والكرم , فمن رماها ~~بسوء فقد قلب الأمر عن أحسن وجوهه إلى أقبح أقفائه , وترك تسميتها تنزيها ~~لها عن هذا المقام , إبعادا لمصون جانبها العلي عن هذا المرام { عصبة } أي ~~جماعة أقلهم عشرة وأكثرهم أربعون , فهم لكونهم عصبة يحمى بعضهم لبعض فيشتد ~~أمرهم , لأن مدار مادة ( عصب ) على الشدة , وهم مع ذلك { منكم } أي ممن يعد ~~عندكم في عداد المسلمين , فلو فضحهم الله في جميع ما أسروه وأعلنوه , ~~وأمركم بأن تعاقبوهم بما يستحقون على ذلك , لفسدت ذات البين , بحايتهم ~~لأنفسهم وهم كثير , وتعصب أودائهم لهم , إلا بأمر خارق يعصم به من ذلك كما ~~كشفت عنه ms3305 التجربة حين خطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال : ( من يعذرني من ~~رجل بلغ أذاه في أهلي ) حين كادوا يقتتلون لولا أن سكنهم النبي صلى الله ~~عليه سلم , فالله سبحانه برحمته بكم يمنع من كيدهم ببيان كذبهم , وبحكمته ~~يستر عليهم ويخفيهم , اتنحسم مادة مكرهم , وتنقطع أسباب ضرهم . | ولما كان ~~هذا مقتضيا للاهتمام بشأنهم , أتبعه قوله , تحقيرا لأمرهم مخاطبا ~~PageV05P239 للخلص وخصوصا النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعائشة وأمها ~~وصفوان بن المعطل رضي الله عنهم : { لا تحسبوه } أي الإفك { شرا لكم } أيها ~~المؤمنون بأن يصدقه أحد أو تنشأ عنه فتنة { بل هو خير لكم } بثبوت البراءة ~~الموجبة للفخر الذي لا يلحق , بتلاوتها على مر الدهور بألسنة من لا يحصى من ~~العباد , في أكثر البلاد , وتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والصديقين ~~بذلك , مع الثواب الجزيل , بالصبر على مرارة هذا القيل , وثبوت إعجاز ~~القرآن بعد أعجازه بالبلاغة بصدقه في صيانة من أثنى عليها في ذلك الدهر ~~الطويل , الذي عاشته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده غلىأن ماتت رضي ~~الله تعالى عنها أتقى الناس ديانة , وأظهرهم صيانة , وأنقاهم عرضا , ~~وأطهرهم نفسا , فهو لسان صدق في الدنيا , ورفعة منازل في الآخرة إلى غير ~~ذلك من الحكم , التي رتبها بارىء النسم , من الفوائد الدينية والأحكام ~~والآداب . | ولما كان لا شفاء لغيظ الإنسان أعظم من انتصار الملك الديان له ~~, علل ذلك بقوله : { لكل امرىء منهم } أي الآفكين { ما } أي جزاء ما { ~~اكتسب } بخوضه فيه { من الإثم } الموجب لشقائه , وصيغة الافتعال من ( كسب ) ~~تستعمل في الذنب إشارة غلى أن الإثم يرتب على ما حصل فيه تصميم وعزم قوي ~~صدفقه العمل بما فيه من الجد والنشاط , وتجرد في الخير إشارة إبى أن الثواب ~~يكتب بمجرد فعل الخير بل ونيته { والذي تولى كبره } أي معظمه بإشاعته ~~والمجاهرة به { منهم له } بما يخصه لإمعانه في الأذى { عذاب عظيم * } أي ~~أعظم من عذاب الباقين , لأنهم لم يقولوا شيئا إلا كان عليه مثل وزره من غير ~~أن ينقص من ms3306 أوزارهنم شيئا , وقصه الإفك معروفة في الصحيح والسنن وغيرها ~~شهيرة جدا , وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا بني المصطلق بعد ما ~~أنزلت آية الحجاب , وكانت معه الصديقة بنت الصديق زوجته أم المؤمنين عائشة ~~رضي الله تعالى عنها تحمل هودج لها , فافتقدت عقدا لها ليلة فرجعت إلى ~~الموضع الذي تخلت فيه فالتمسته , فرحل النبي صلى الله عليه وسلم وحمل ~~جمالوها هودجها وهم يظنونها فيه , فلما رجعت فلم تجد أحدا اضطجعت مكان ~~هودجها رجاء أن يعلموا بها فيرجعوا , وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم ~~الذكواني رضي الله عنه قد عرس من وراء الجيش , فأصبح في مكانهم , فلما رآها ~~وكان يراها قبل الحجاب استرجع وأناخ راحلته فوطىء على يدها , ولم يتكلم ~~بكلمة غير استرجاعه , فركبت أم المؤمنين رضي الله عنها , ثم أقبل بها حتى ~~لحق بالجيش وهم نزول في نصف النهار , فتكلم أهل الإفك فيهما رضي الله عنهما ~~, وكان من سمي منهم عبد الله بن أبي المنافق , وزيد بن رفاعة , ومسطح بن ~~أثاثة , وحمنة بنت جحش وحسان بن ثابت , قال عروة بن الزبير : في ناس آخرين ~~لا علم لي بهم غير PageV05P240 أنهم عصبة كما قال تعالى . | وهكذا ذكروا ~~حسان منهم وأنا والله لا أظن به أصلا وإن جاءت تسميته في الصحيح فقد يخطى ~~الثقة لأسباب لا تحصى , كما يعرف ذلك من مارس نقد الأخبار , وكيف يظن ذلك ~~ولا شغل له إلا مدح النبي صلى الله عليه وسلم واولمدافعة عنه والذم ~~لأعاداءه وقد شهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام معه , ~~فأقسم بالله أن الذي أيده بجبريل ما كان ليكله غلى نفسه في مثل هذه الواقعة ~~, وقد سبقني إلى الذب عنه الحافظ عماد الدين بن كثير الدمشقي رحمه الله ~~وكيف لا ينافح عنه وهو القائل : | فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم ~~وقاء | وهو القائل يمدح عائشة رضي الله عنها ويكذب من نقل عنه ذلك : | حصان ~~رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس ms3307 دينا ومنصبا ~~نبي الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدها ~~غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل شين وباطل فإن كان ما بلغت ~~عني قلته فلا رفعت سوطي إلي أناملي وكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله ~~زين المحافل له رتب عال على الناس فضلها تقاصر عنها سورة المتطاول | وقال ~~الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب : وأنكر قوم أن يكون حسان خاض في ~~الإفك وجلد فيه ورووا عن عائشة رضي الله عنها أنها برأته من ذلك - انتهى . ~~| واستمر أهل الإفك في هذا أكثر من شهر , والله تعالى عالم بما يقولون , ~~وأن قولهم يكاد يقطع أكباد أحب خلقه إليه , وهو قادر على تكذيبهم عند أول ~~ما خاضوا فيه , ولكنه سبحانه أراد لناس رفعة الدرجات , ولآخرين الهلاك , ~~فيا لله ما لقي النبي صلى عليه وسلم والصديق وآله رضي الله عنهم وكل من ~~أحبهم وهم خير الناس , والله سبحانه وتعالى يملي للآفكين ويمهلهم , وكأن ~~الحال لعمري كما قال أبو تمام الطائي في قصيدة : | كذا فليجل الخطب وليفدح ~~الأمر فليس لعين لم يفض ماؤها عذر | وحين سمعت عائشة رضي الله عنها بقول ~~أهل الإفك سقطت مغشيا عليها وأصابتها حمى بنافض , واستأذنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في إتيان بيت أبيها فأذن لها فسألت أمها عن الخبر , ~~فأخبرتها فاستعبرت وبكت , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم والصديق فسمع ~~حسها فنزل فسال أمها فقالت : بلغها الذي ذكر من شأنها , ففاضت عيناه , ~~واستمرت هي رضي الله عنها تبكي حتى ظنت أن البكاء فالق كبدها , وساعدتها ~~على البكاء امراءة من أولي الوفاء والمؤاساة والكرم والإيثار ومعالي الشيم ~~: الأنصار رضي الله PageV05P241 عنهم , فكانت تبكي معها , وسأل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن عائشة رضي الله عنها جاريتها بريرة رضي الله عنها ~~فاستعظمت أن يظن في عائشة رضي الله عنها مثل ذلك فقالت : سبحان الله ! ~~والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب ms3308 الأحمر , وخطب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الناس على المنبر واستعذر ممن تكلم في أهله وما ~~علم عليهم إلا خيرا , وشهد رسول الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق بصلاح ~~صفوان بن المعطل رضي الله عنه وأنه ما علم عليه إلا خيرا , فكاد الناس ~~يقتتلون فسكنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم دخل بعد أن صلى العصر ~~على عائشة رضي الله عنها وهي تبكي والأنصارية معها فوعظها , فأجابت وأجادت ~~, فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك المجلس فأخذه ما كان ~~يأخذه من البرجاء , قالت عائشة رضي الله عنها : فأما أنا حين رأيت من ذلك ~~ما رأيت فو الله ما فزعت وما باليت , قد عرفت أني بريئة , وأن الله غير ~~ظالمي , وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ! ما سري عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي الله بيحقيق ما قاله ~~الناس , قالت : فرفع عنه وإني لأتيبن السرور في وجه وهو يمسح عن جبينه ~~العرق ويقول : ( أبشري يا عائشة , فقد أنزل الله براءتك ) , فكنت اشد ما ~~كنت غضبا , فقال لي أبواي : قومي إليه ! فقلت : والله لا أقوم إليه ولا ~~أحمده ولا أحمدكما ولا أحمد إلا الله الذي أنزل براءتي , لقد سمعتمه فما ~~أنكرتمه ولا غيرتموه , وأنزل الله تعالى : { إن الذين جاؤوا بالإفك } العشر ~~الآيات كلها , قالت عائشة رضي الله عنها : والله إن الرجل الذي قيل له ما ~~قيل ليقول : سبحان الله ! والذي نفسي بيده ! ما كشفت كنف أنثى قط . | قالت ~~: ثم قتل بعد ذلك شهيدا في سبيل الله . | < < # | النور : ( 12 - 16 ) لولا إذ سمعتموه . . . . . # > > ^ ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذآ ~~إفك مبين * لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء فإذ لم يأتوا بالشهدآء فأولئك عند ~~الله هم الكاذبون * ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم ~~في مآ أفضتم فيه عذاب عظيم * إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس ~~لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند ms3309 الله عظيم * ولولا إذ سمعتموه قلتم ما ~~يكون لنآ أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم ) ^ } ) | ولما أخبر سبحانه ~~وتعالى بعقابهم , وكان من المؤمنين من سمعه فسكت , وفيهم من سمعه فتحدث به ~~متعجبا من قائله , أو مستثيبتا في أمره , ومنهم من كذبه , أتبعه سبحانه ~~بعتابهم , في أسلوب خطابهم , مثنيا على من كذبه , فقال مستأنفا محرضا : { ~~لولا } أي هلا ولم لا { إذ سمعتموه } أيها المدعون للإيمان . | ولما كان ~~هذا الإفك قد PageV05P242 تمالأ عليه رجال ونساء قال : { ظن المؤمنون } أي ~~منكم { والمؤمنات } وكان الأصل : ظننتم , ولكنه التفت غلى الغيبة تنبيها ~~على التوبيخ , وصرح بالنساء , ونبه على الوصف المقتضي لحسن الظن تخويفا ~~للذي ظن السوء من سوء الخاتمة : { بأنفسهم } حقيقة { خيرا } وهم دون من كذب ~~عليها , فقطعوا ببراءتها لأن الإنسان لا يظن بالناس إلا ما هو متصف به أو ~~بإخوانهم , لأن المؤمنين كالجسد الواحد , أو ظنوا ما يظن بالرجل لو خلا ~~بأمه , وبالمرأة إذا خلت بابنها , فإن نساء النبي صلى الله عليه وسلم أمهات ~~المؤمنين { وقالوا هذا إفك } أي كذب عظيم خلف منكب على وجهه { مبين * } أي ~~واضح في نفسه , موضح لغيره , وبيانه وظهوره أن المرتاب يكاد يقول : خذوني ~~فهو يسعى في التستر جهده , فإتيان صفوان بعائشة رضي الله عنها راكبة على ~~جملة داخلا به الجيش في نحر الظهيرة والناس كلهم يشاهدون ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بين أظهرهم ينزل عليه الوحي , إدلالا بحن عمله , غافلا عما ~~يظن به أهل الريب , أدل دليل على البراءة وكذب القاذفين , ولو كان هناك ~~أدنى ريبة لجاء كل منهما وحده على وجه من التستر والذعر , تعرف به خيانته , ~~فالأمور تذاق , ولا يظن الإنسان بالناس غلا ما في نفسه , ولقد عمل أبو أيب ~~الأنصاري وصاحبته رضي الله عنهما بما أشارت إليه هذه الآية ؛ قال ابن اسحاق ~~: حدثني أبي اسحاق بن يسار عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد ~~رضي الله عنه قالت له امرأته أم أيوب : يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول ms3310 الناس ~~في عائشة رضي الله عنها ؟ قال : بلى وذلك كذب , أكنت يا أم أيوب فاعلة ؟ ~~قالت لا والله ما كنت لأفعله , فنزلت الآية على وفق قوله رضي الله عنه . | ~~ثم علل سبحانه بيان كذب الآفكين بأن قال موبخا لمن اختلقه وأذاعه ملقنا لمن ~~ندبه غلى ظن الخير : { لولا } أي هلا ولم لا { جاؤوا } أي المفترون له أولا ~~{ عليه } إن كانوا صادقين { بأربعة شهداء } كما تقدم أن القذف لا يباح إلا ~~بها . | ولما تسبب عن كونهم لم يأتوا بالشهداء كذبهم قال { فإذا } اي فحين ~~{ لم يأتوا بالشهداء } اي الموصوفين { فأولئك } اي البعداء من الصواب { عند ~~الله } أي في حكم الملك الأعلى , بل وفي هذه الواقعة بخصوصها في علمه { هم ~~الكاذبون * } اي الكذب العظيم ظاهرا وباطنا . | ولما بين لهم بإقامة الدليل ~~على كذب الخائضين في هذا الكلام أنهم استحقوا الملام , وكان ذلك مرغبا لأهل ~~التقوى , بين أنهم استحقوا بالتقصير في الإنكار عموم الانتقام في سياق مبشر ~~بالعفو , فقال عاطفا على { ولولا } الماضية : { ولولا فضل الله } أي المحيط ~~بصفات الكمال { عليكم ورحمته } أي معاملته لكم بمزيد الأنعام , الناظر ~~PageV05P243 إلى الفضل والإكرام , اللازم للرحمة { في الدنيا } بقبول ~~التوبة والمعالمة بالحلم { والآخرة } بالعفو عمن يريد أن يعفو عنه منكم { ~~لمسكم } أي عاجلا عموما { في ما أفضتم } أي اندفعتم على أي وجه كان { فيه } ~~بعضكم حقيقة , وبعضكم مجازا بعدم الإنكار { عذاب عظيم * } أي يحتقر معه ~~اللوم والجلد , بأن يهلك فيتصل به عذاب الآخرة ؛ ثم بين وقت حلوله وزمان ~~تعجيله بقوله : { إذ } أي مسكم حين { تلقونه } أي تجتهدون في تلقي أي قبول ~~هذا الكلام الفاحش وإلقائه { بألسنتكم } بإشاعة البعض وسؤال آخرين وسكوت ~~آخرين { وتقولون } وقوله : { بأفواهكم } تصوير لمزيد قبحه , وإشارة إلى أنه ~~قول لا حقيقة له , فلا يمكن ارتسامه في القلب بنوع دليل ؛ وأكد هذا المعنى ~~بقوله : { ما ليس لكم به علم } اي بوجه من الوجوه , وتنكيره للتحقير { ~~وتحسبونه } بدليل سكوتكم عن إنكاره { هينا وهو } اي والحال أنه { عند الله ~~} أي الذي لا يبلغ أحد مقدار عظمته ms3311 { عظيم * } أي في حد ذاته ولو كان في ~~غير أم المؤمنين رضي الله عنها , فكيف وهو في جنابها المصون , وهي زوجة ~~خاتم الأنبياء وإمام المرسلين عليه أفضل الصلاة وأفضل التسليم . | ولما بين ~~فحشه وشناعته , وقبحه وفظاعته , عطف على التأديب الأول في قوله { لولا إذا ~~سمعتموه } تأديبا فقال : { ولولا إذ } اي وهلا حين { سمعتموه قلتم } أي حين ~~سماع من غير توقف ولا تلعثم , وفصل بين آلة التحضيض والقول المحضض عليه ~~بالظرف لأن الظروف تنزل من الشيء منزلة نفسه لوقوعه فيها , وأنها لا انفكاك ~~لها عنه , ولأن ذكره منبه على الاهتمام به لوجوب المابدرة غلى المحضض عليه ~~: { ما يكون } اي ما ينبغي وما يصح { لنا لأن نتكلم } حقيقة بالنطق ولا ~~مجازا بالسكوت عن الإنكار { بهذا } اي بمثله في حق أدنى الناس فكيف بمن ~~اختارها العليم الحكيم لصحبة أكمل الخلق , تعجبا من أن يخطر بالبال , في ~~حال من الأحوال . | ولما كان تنزيه الله تعالى في مثل ذلك وإن كان للتعجب ~~إشارة إلى تنزيه المقام الذي وقع فيه التعجب تنزيها عظيما , حسن أن يوصل ~~بذلك قوله تعليلا للتعجب والنفي : { هذا بهتان } أي كذب يبهت من يواجه به , ~~ويحيره لشدة ما يفعل في القوى الباطنة , لأنه في غاية الغفلة عنه لكونه ~~ابعد الناس منه ؛ ثم هوله بقوله : { عظيم * } والمراد أن الذي ينبغي ~~للإنسان أولا أن لا يظن بإخوانه المؤمنين ولا يسمع فيهم إلا خيرا , فإن ~~غلبه الشيطان وارتسم شيء من ذلك في ذهنه فلا يتكلم به , ويبادر إلى تكذيبه ~~. | PageV05P244 < < # | النور : ( 17 - 19 ) يعظكم الله أن . . . . . # > > ^ ( يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين * ويبين الله ~~لكم الآيات والله عليم حكيم * إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) ^ } ) ~~| ولما كان هذا كله وعظا لهم واستصلاحا , ترجمه بقوله : { يعظكم الله } أي ~~يرفق قلوبكم الذي له الكمال كله فيمهل بحمله , ولا يمهل بحكمته وعلمه , ~~بالتحذير على وجه الاستعطاف : { إن } أي كراهة لأن { تعودوا لمثله ms3312 ابدا } ~~أي ما دمتم أهلا لسماع هذا القول ؛ ثم عظم هذا الوعظ , وألهب سامعه بقوله : ~~{ إن كنتم مؤمنين * } أي متصفين بالإيمان راسخين فيه فإنكم لا تعودون , فإن ~~عدتم فأنتم غير صادقين في دعواكم الاتصاف به { ويبين الله } أي بما له من ~~الاتصاف بصفات الجلال والإكرام { لكم الآيات } أي العلامات الموضحة للحق ~~والباطل , من كل أمر ديني أو دنيوي { والله } أي المحيط بجميع الكمال { ~~عليم } فثقوا بيبانه { حكيم * } لا يضع شيئا إلا في أحكم مواضعه وإن دق ~~عليكم فهم ذلك , فلا تتوقفوا في أمر من أوامره , واعلموا أنه لم يختر لنبيه ~~عليه الصلاة والسلام إلا الخلص من عباده , على حسب منازلهم عنده , وقربهم ~~من قلبه . | ولما كان من أعظم الوعظ بيان ما يستحق على الذنب من العقاب , ~~أدبهم تأديبا ثالثا اشد من الأولين , فقال واعظا ومقبحا لحال الخائضين في ~~الإفك ومحذرا ومهددا : { إن الذين يحبون } عبر بالحب إشارة إلى أنه لا ~~يرتكب هذا مع شناعته غلا محب له , ولا يحبه غلا بعيد عن الاستقامة { أن ~~تشيع } اي تنتشر بالقول أو بالفعل { الفاحشة } أي الفعلة الكبيرة القبح , ~~ويصير لها شيعة يحامون عليها { في الذين آمنوا } ولو كانوا في أدنى درجات ~~الإيمان فكيف بمن تسنم ذرته , وتبوأ غايته { لهم عذاب إليم } ردعا لهم عن ~~إرادة إشاعة مثل ذلك لما فيه من عظيم الأذى { في الدنيا } بالحد وغيره مما ~~ينتقم الله منهم به { والآخرة } فإن الله يعلم هل كفر الحد عنهم جميع ~~مرتكبهم أم لا { والله } أي المستجمع لصفات الجلال والجمال { يعلم } أي له ~~العلم التام , فهو يعلم مقادير الأشياء ما ظهر منها وما بطن وما الحكمة في ~~ستره أو إظهاره أو غير ذلك من جميع الأمور { وأنتم لا تعلمون * } أي ليس ~~لكم علم من أنفسكم فاعلموا بما علمكم الله , ولا تتجاوزوه تضلوا . | < < # | النور : ( 20 - 22 ) ولولا فضل الله . . . . . # > > ^ ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم * يأيها الذين ~~آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشآء ~~والمنكر ولولا ms3313 فضل PageV05P245 الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ~~ولكن الله يزكي من يشآء والله سميع عليم * ولا يأتل أولوا الفضل منكم ~~والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا ~~وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما ختم بالحكم عليهم بالجهل , وكان التقدير كما أرشد إليه ما يأتي ~~من العطف على غير معطوف : فلولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لعجل هلاك ~~المحبين لشيوع ذلك بعذاب الدنيا ليكون موصولا بعذاب الآخرة , عطف عليه قوله ~~مكررا التذكير بالمنة بترك المعاجلة حاذفا الجواب , منبها بالتكرير والحذف ~~علىقوة المبالغة وشدة التهويل : { ولولا فضل الله } اي الجائز لجميع الجلال ~~والإكرام { عليكم ورحمته } بكم { وأن } أي ولو لا أن { الله } أي الذي له ~~القدرة التامة فسبقت رحمته غضبه { رؤوف } بكم في نصب ما يزيل جهلكم بما ~~يحفظ من سرائركم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الحدود , الزاجرة عن الجهل ~~, الحاملة على التقوى , التي هي ثمرة العلم , فإن الرأفة كما تقدم في الحج ~~وغيرها تقيم المرؤوف به لأنها ألطف الرحمة وأبلغها على أقوم سنن حتى تحفظ ~~بمسراها في سره ظهور ما يستدعي العفو , وتارة يكون هذا الحفظ بالقوة بنصب ~~الأدلة , وتارة يضم إلى ذلك الفعل بخلق الهداية في القلب بما للمرؤوف به من ~~الوصلة بسهولة الانقياد وقوة الاستعداد { رحيم * } بما يثبت لكم من الدرجات ~~على ما منحكم به من ثمرات ذلك الحفظ من الأعمال المرضية , والجواب محذوف ~~تقديره : لترككم في ظلمات الجهل تعمهون , فثارت بينكم الفتن حتى تفانيكم ~~ووصلتم إلى العذاب الدائم بعد الهم اللازم . | ولما أخبرهم بأنه ما أنزل ~~لهم هذا الشرع على لسان هذا الرسول الرؤوف الرحيم إلا رحمة لهم , بعد أن ~~حذرهم موارد الجهل , نهاهم عن التمادي فيه في سياق معلم أن الداعي إليه ~~الشيطان العدو , فقال سارا لهم بالإقبال عليهم بالنداء : { يا أيها الذين ~~آمنوا } أي أقروا بالإيمان { لا تتبعوا } أي بجهدكم { خطوات } أي طريق { ~~الشيطان } أي لا تقتدوا به ولا تسلكوا مسالكه التي ms3314 يحمل على سلوكها ~~بتزيينها في شيء من الأشياء , وكأنه أشار بصيغة الافتعال إلى العفو عن ~~الهفوات . | ولما كان التقدير : فإنه من يتنكب عن طريقه يأت بالحسنى ~~والمعروف , عطف عليه قوله : { من يتبع } اي بعزم ثابت من غير أن يكون مخطئا ~~أو ناسيا ؛ وأظهر ولم يضمر لزيادة التنفير فقال : { خطوات الشيطان } أي ~~ويقتد به يقع في مهاوي الجهل الناشىء عنها كل شر { فإنه } أي الشيطان { ~~يأمر بالفحشاء } وهي ما أغرق في القبح PageV05P246 { والمنكر } وهو ما لم ~~يجوزه الشرع , فهو أولا يقصد أعلى الضلال , فإن لم يصل تنزل إلى أدناه , ~~وربما درج بغير ذلك , ومن المعلوم أن من اتبع من هذا سبيله عمل بعمله , ~~فصار في غاية السفول , وهذا أشد في التنفير من إعادة الضمير في { فإنه على ~~من } والله الموفق . | ولما كان التقدير : فلولا فضل الله عليكم ورحمته ~~لاتبعتم الشيطان مع أمره بالقبائح , عطف عليه قوله : { ولولا فضل الله } أي ~~ذي الجلال والإكرام { عليكم } اي بتطهير نفوسكم ورفعها عما تعشقه من ~~الدنايا إلى المعالي { ورحمته } لكم بإكرامكم ورفعتكم بشرع التوبة المكفرة ~~لما جر إليه الجهل من ناقص الأقوال وسفاف الأفعال { ما زكى } أي طهر ونما { ~~منكم } وأكد الاستغراق بقوله : { من أحد } وعم الزمان بقوله : { أبدا وكن ~~الله } اي بجلاله وكماله { يزكي } اي يطهر وينمي { من يشاء } من عباده , من ~~جميع أدناس نفسه وأمراض قلبه , وإن كان العباد وأخلاقهم في الانتشار ~~والكثرة بحيث لا يحصيهم غيره , فلذلك زكى منكم من شاء فصانه عن هذا الإفك , ~~وخذل من شاء . | ثم ختم الآية بما لا تصح التزكية بدونه فقال : { والله } ~~اي الذي له جميع صفات الكمال { سميع } اي لجميع أقولهم { عليم * } بكل ما ~~يخطر في بالهم , وينشأ عن أحوالهم وأفعالهم , فهو خبير بمن هو أهل للتزكية ~~ومن ليس بأهل لها , فاشكروا الله على تزكيته لكم من الخوض في مثل ما خاض ~~فيه غيركم ممن خذله نوعا من الخذلان , واصبروا على ذلك منهم , ولا تقطعوا ~~إحسانكم عنهم , فإن ذلك يكون زيادة في زكاتكم , وسببا لإقبال ms3315 من علم فيه ~~الخير منهم , فقبلت توبته , وغسلت حوبته , وهذا المراد من قوله : { ولا ~~يأتل } أي يحلف مبالغا في اليمين { أولو الفضل منكم } الذين جعلتهم بما ~~آتيتهم من العلم والأخلاق الصالحة أهلا لبر غيرهم { والسعة } أي بما أوسعت ~~عليهم في دنياهم . | ولما كان السياق والسباق واللحاق موضحا للمراد , لم ~~يحتج إلى ذكره أداة النفي فقال : { أن يؤتوا } ثم ذكر الصفات المقتضية ~~للإحسان فقال : { أولي القربى } وعددها بأداة العطف تكثيرا لها وتعظيما ~~لأمرها , وإشارة إلى أن صفة منها كافية في الإحسان , فكيف إذا اجتمعت ! ~~فقال سبحانه : { والمساكين } أي الذين لا يجدون ما يغنيهم وإن لم تكن لهم ~~قرابة { والمهاجرين } لأهلهم وديارهم وأموالهم { في سبيل الله } أي الذي عم ~~الخلائق بجوده لما له من الإحاطة بالجلال والإكرام وإن انتفى عنهم الوصفان ~~الأولان , فإن هذه الصفات مؤذنة بأنهم ممن زكى الله , وتعدادها بجعلها علة ~~للعفو - دليل على أن PageV05P247 الزاكي من غير المعصومين قد يزل , فتدركه ~~الزكاة بالتوبة فيرجع كما كان , وقد تكون الثلاثة لموصوف واحد لأن سبب ~~نزولها مسطح رضي الله عنه , فالعطف إذن للتمكن في كل وصف منها . | ولما كان ~~النهي عن ذلك غير صريح في العفو , وكان التقدير : فلؤتوهم , عطف عليه مصرحا ~~بالمقصود قوله : { وليعفوا } اي عن زللهم بأن يمحوه ويغطوه بما يسلبونه ~~عليه من أستار الحلم حتى لا يبقى له أثر . | ولما كان المحو لا ينفي التذكر ~~قال : { وليصفحوا } أي يعرضوا عنه أصلا ورأسا , فلا يخطروه لهم على بال ~~ليثمر ذلك افحسان , ومنه الصفوح وهو الكريم . | ولما كانت لذة الخطاب تنسي ~~كل عتاب , أقبل سبحانه بفضله ومنه وطوله على أولي الفضل , مرغبا في أن ~~يفعلوا بغيرهم ما يحبون أن يفعل بهم , مرهبا من أن يشدد عليهم إن شددوا ~~فقال : { ألا تحبون } اي يا أولي الفضل { أن يغفر الله } اي الملك الأعظم { ~~لكم } اي ما قصرتم في حقه , وسبب نزولها كما في الصحيح منحديث عائشة رضي ~~الله عنها أن أباها رضي الله تعالى عنه كان حلف ما بعد برأ الله عائشة ms3316 رضي ~~الله عنها أن لا ينفق على مسطح ابن خالته لكونه خاض من أهل الإفك ؛ وفي ~~تفسير الأصبهاني عن ابن عباس رضي الله عنهما : أقسم ناس من الصحابة فيهم ~~أبو بكر رضي الله عنهم أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ~~ينفعوهم فأنزل الله هذه الآية . | وناهيك بشهادة الله جل جلاله للصديق بأنه ~~من أولي الفضل فيا له من شرف ما أجلاه ! ومن سؤدد وفخار ما أعلاه ! ولا ~~سيما وقد صدقه رضي الله عنه بالعفو عمن شنع على ثمرة فؤاده ومهجة كبده , ~~وهي أنه لا ينقطع النفقة عنه أبدا , فبا لله من أخلاق ما أبهاها ! وشمائل ~~ما أطهرها وأزكاها ! وأشرفها وأسندها . | ولما كان الجواب قطعا كما أجاب ~~الصديق رضي الله عنه : بلى والله ! إنا لنحب أن يغفر الله لنا , وكان كأنه ~~قيل : فاغفروا لمن أساء إليكم , فالله حكم عدل , يجازيهم على إساءتهم إليكم ~~إن شاء , والله عليم شكور , يشكر لكم ما صنعتم إليهم , عطف عليه قوله : { ~~والله } اي مع قدرته الكاملة وعلمه الشامل { غفور رحيم * } من صفته ذلك , ~~إن شاء يغفر لكم ذنوبكم بأن يمحوها فلا يدع لها أثرا ويرحمكم بعد محوها ~~بالفضل عليكم كما فعلتم معهم , فإن الجزاء من جنس العمل . | PageV05P248 < ~~< # | النور : ( 23 - 25 ) إن الذين يرمون . . . . . # > > ^ ( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والآخرة ولهم عذاب عظيم * يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما ~~كانوا يعملون * يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق ~~المبين ) ^ } ) | ولما كان الختم بهذين الوصفين بعد الأمر بالعفو ربما جرأ ~~على مثل هذه الإساءة , وصل به مرهبا من الوقوع في مثل ذلك قوله معمما للحكم ~~: { إن الذين يرمون } أي بالفاحشة { المحصنات } أي اللائي جعلن أنفسهن نم ~~العفة في مثل الحصن . | ولما كان الهام بالسيىء والمقدم عليه عالما بما ~~يرمي به منه , جاعلا له نصب عينيه , أكد معنى الإحصان بقوله : { الغافلات } ~~أي عن السوء حتى عن مجرد ذكره . | ولما كان وصف الإيمان حاملا على كل خير ~~ومانعا ms3317 ن كل سوء , نبه على أن الحامل على الوصفين المتقدمين إنما هو التقوى ~~, وصرف ما لهن من افطنة إلى ما لله عليهن من الحقوق فقال : { المؤمنات } . ~~| ولما ثبت بهذه الأوصاف البعد عن السوء , ذكر جزاء القاذف كفا عنه وتحذيرا ~~منه بصيغة المجهول , لأن المحذور اللعن لا كونه المعين , وتنبيها على وقوع ~~اللعن من كل من يأتي منه فقال : { لعنوا } أي أبعدوا عن رحمة الله , وفعل ~~معهم فعل المبعد من الحد وغيره { في الدنيا والآخرة } ثم زاد في تعظيم ~~القذف لمن هذه أوصافها فقال : { ولهم } أي في الآخرة { عذاب عظيم * } وقيد ~~بوصف الإيمان لأن قذف الكافرة وإن كان محرما ليس فيه هذا المجموع , وهذا ~~الحكم وإن كان عاما فهو لأجل الصديقة بالذات وبالقصد الأول وفيما فيه من ~~التشديد الذي قل أن يوجد مثله في القرآن من الإعلام بعلي قدرها , وجلي ~~أمرها , في عظيم فخرها , ما يجل عن الوصف ؛ ثم أتبع ذلك ذكر اليوم الذي ~~يكون فيه أثر ذلك على وجه زاد الأمر عظما فقال : { يوم تشهد عليهم } اي يوم ~~القيامة في ذلك المحجمع العظيم { ألسنتهم } إن ترفعوا عن الكذب { وأيديهم ~~وأرجلهم } إن أنكرت ألسنتهم كذبا وفجورا ظنا أن الكذب ينفعها { بما كانوا ~~يعملون * } من هذا القذف وغيره ؛ ثم زاد في التهويل بقوله : { يومئذ } أي ~~إذ تشهد عليهم هذه الجوارح { يوفيهم الله } أي المحيط بكل شيء علما وقدرة ~~وله الكمال كله { دينهم } أي جزاءهم { الحق } أي الذي يظهر لكل أحد من أهل ~~ذلك المجمع العظيم أنهم يستحقونه , فلا يقدر أحد على نوع طعن فيه { ويعلمون ~~} أي إذ ذاك , لانقطاع الأسباب , ورفع كل حجاب { أن الله } أي الذي له ~~العظمة المطلقة , فلا كفوء له { هو } أي وحده { الحق } اي الثابت أمره فلا ~~أمر لأحد سواه , { المبين * } الذي لا أوضح من شأنه في ألوهيته وعلمه ~~وقدرته وتفرده بجميع صفات الكمال , وتنزهه عن جميع PageV05P249 سمات النقص ~~, فيندمون عل ما فعلوا في الدنيا مما يقدح في المراقبة وتجري عليه الغفلة ؛ ~~قال ابن كثير : وأمهات المؤمنين أولى ms3318 بالدخول في هذا من كل محصنة لا سيما ~~التي كانت سبب النزول , وهي عائشة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما , وقد ~~أجمع العلماء قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا ~~الذي ذكر في هذه الآية , فإنه كافر لأنه معاند للقرآن , وفي بقية أمهات ~~المؤمنين رضي الله عنهن قولان أصحهما أنهن كهي , والله أعلم - انتهى . | ~~وقد علم من هذه الآيات وما سبقها من أول السورة وما لحقها غلى آخرها أن ~~الله تعالى ما غلظ في شيء من المعاصي ما غلظ في قصة الإفك , ولا توعد في ~~شيء ما توعد فيها , وأكد وبشع , ووبخ وقرع , كل ذلك إظهارا لشرف رسوله صلى ~~الله عليه وسلم وغضبا له وإعظاما لحرمته وصونا لحجابه . | < < # | النور : ( 26 - 28 ) الخبيثات للخبيثين والخبيثون . . . . . # > > ^ ( الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون ~~للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم * يأيها الذين آمنوا ~~لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم ~~لعلكم تذكرون * فإن لم تجدوا فيهآ أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل ~~لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم ) ^ } ) | ولما تضمن ~~ما ذكر من وصفه تعالى علمه بالخفيات , أتبعه ما هو كالعلة لآية { الزاني لا ~~ينكح إلا زانية أو مشركة } دليلاشهوديا على براءة عائشة رضي الله تعالى ~~عنها فقال : { الخبيثات } أي من النساء وقدم هذا الوصف لأن كلامهم فيه , ~~فإذا انتفى ثبت الطيب { للخابثين } أي من الرجال . | ولما كان ذلك لا يفهم ~~أن الخبيث مقصور على الخبيثة قال : { والخبيثون } أي من الرجال أيضا { ~~للخابيثات } أي من النساء . | ولما أنتج هذا براءتها رضي الله عنما لأنها ~~قرينة أطيب الخلق , أكده بقوله : { والطيبات } اي منهن { للطيبين } اي منهم ~~{ والطيبون للطيبات } بذلك قضى العليم الخبير أن كل شكل ينضم إلى شكله , ~~ويفعل أفعال مثله , وهو سبحانه قد اختار لهذا النبي الكريم لكونه أشرف خلقه ~~خلص عباده من الأزواج والأولاد والأصحاب ^ ( { كنتم خير أمة أخرجت للناس } ~~) ^ [ آل ms3319 عمران : 110 ] ( خيركم قرني ) وكلما ازداد الإنسان منهم من قبله ~~صلى الله عليه وسلم قربا ازداد طهارة , وكفى بهذا البرهان دليلا على براءة ~~الصديقة رضي الله عنها , فكيف وقد أنزل الله العظيم في براءتها صريح كلامه ~~القديم , وحاطه من أوله وآخره بهاتين الآيتين المشيرتين غلى الدليل العادي ~~, وقد تقدم عند ىية { الزاني } ذكر لحديث ( الأرواح جنود مجندة ) وما لاءمه ~~, لكنه لم يستوعب تخريجه , وقد خرجه PageV05P250 مسلم في الأدب من صحيحه ~~وابو داود في سننه نم حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : ( الأرواح جنود مجندة , فما تعارف منها ائتلف , وما تناكر منها ~~اختلف . | ( وفي رواية عنه رفعها : ) الناس معادن كمعادن الذهب والفضة , ~~خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا , والأرواح جنود مجندة , ~~فما تعارف منها ائتلف , وما تنار منها اختلف ( وهذا الحديث روي أيضا عن ~~عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها وعلي ابن أبي طالب وسلمان الفارسي وعبد ~~الله بن عباس وعبد الله بن مسعمد وعبد الله بن عمرو وعمرو بن عبسة رضي الله ~~عنهم , وقد علق البخاري في صحيحه حديث عائشة رضي الله عنها بصيغة الجزم , ~~ووصله في كتاب الأدب المفرد وكذا الإسماعيلي في المستخرج , وأبو الشيخ في ~~كتاب الأمثال , وتقدم عزوه إلى أبي يعلى , ولفظ حديث ابن عمر رضي الله ~~عنهما ) فما كان في الله ائتلف , وما كان في غير الله اختلف ( أخرجه أبو ~~الشيخ في الأمثال , ولفظ حديث ابن مسعود رضي الله عنه ) فإذا التقت تشام ~~كما تشام الخيل , فما تعارف منها ائتلف ( - الحديث ) وأما حديث علي رضي ~~الله عنه فرواه الطبراني في الأوسط في ترجمة محمد بن الفضل السقطي وأبو عبد ~~الله بن منده في كتاب الروح عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال : قال ~~عمر بن ا لخطاب رضي الله عنه لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : يا أبا الحسن ~~! ربما شهدت وغبنا وربما شهدنا وغبت , ثلاث أسالك عنهن هل عندك منهن علم ؟ ~~قال ms3320 علي : وما هن ؟ قال : الرجل يحب الرجل ولم ير منه خيرا , والرجل يبغض ~~الرجل ولم يو منه شرا , فقال علي رضي الله عنه : نعم ! سمعت رسول صلى الله ~~عليه السلام يقول : ( إن الأرواح جنود مجندة , فما تعارف منها ائتلف , وما ~~تناكر منها اختلف ) قال عمر : واحدة , قال : والرجل يحدث الحديث إذ نسيه ~~فينما هو وما نسيه إذ ذكره ؟ فقال علي رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول : ( ما من القلوب قلب إلا وله سحابة كسحابة القمر , ~~بينما القمر مضيء إذ علته سحابة فأظلم إذ تجلت فأضاء , وبينا القلب يتحدث ~~إذ تجللته سحابة فنسي إذ تجلت عنه فذكر ) , فقال عمر رضي PageV05P251 الله ~~عنه : اثنتان , وقال : والرجل يرى الرؤيا , فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب ؟ ~~قال : نعم ! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما من عبد أو أمة ~~ينام فيستثقل نوما إلا عرج بروحه إلى العرش , فالتي لا تستيقظ إلا عند ~~العرش فتلك الرؤيا التي تصدق , والتي تستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي ~~تكذب ) فقال عمر رضي الله عنه : ثلاث كنت في طلبهن فالحمد لله الذي أصبتهن ~~قبل الموت وكذا أخرج الطبراني حديث سلمان كحديث أبي هريرة رضي الله عنهم ~~أجمعين , وأنشدوا لأبي نواس في المعنى : | إن القلوب لأجناد مجندة لله في ~~الأرض بالأهواء تعترف | فما تعارف منها فهو مؤتلف وما تناكر منها فهو مختلف ~~ولما ثبت هذا كانت نتيجته قطعا : { أولئك } أي العالو الأوصاف بالطهارة ~~والطيب { مبرؤون } ببراءة الله وبراءة كل من له تأمل في مثل هذا الدليل { ~~مما يقولون } أي القذفة الأخابث لأنها لا تكون زوجة أطيب الطيبين إلا وهي ~~كذلك . | ولما أثبت لهم البراءة , استأنف الإخبار بجزائهم فقال : { لهم ~~مغفرة } اي لما قصروا فيه إن قصروا , ولما كان في معرض الحث على الإنفاق ~~على بعض الآفكين قال : { ورزق كريم * } اي يحيون به حياة طيبة , ويحسنون له ~~إلى من أساء إليهم , ولا ينقصه ذلك لكرمه في نفسه بسعته وطيبه وغير ذلك من ~~خلال الكرم ms3321 . | ولما أنهىى سبحانه الأمر في براءة عائشة رضي الله عنها على ~~هذا الوجه الذي كساها به من الشرف ما كساها , وحلاها برونقه من مزايا الفضل ~~ما حلاها , وكأن أهل الإفك قد فتحوا بإفكهم هذا الباب الظنون الشيئة عدواة ~~من إبليس لأهل هذا الدين بعد أن كانوا في ذلك وفي كثير من سجاياهم - إذ ~~قانعا منهم بداء الشرك - على الفطرة الأولى , امر تعالى ردا لما أثار ~~بواسواسه من الداء بالتنزه عن مواقع التهم والتلبس بما يحسم الفساد فقال : ~~{ يا أيها الذين آمنوا } أيألزموا أنفسهم هذا الدين { لا تدخلوا } أي واحد ~~منكم , ولعاه خاطب الجمع لأنهم في مظنة أن يطرودوا الشيطان يتزين بعضهم ~~بحضرة بعض بلباس التقوى , فمن خان منهم منعه إخوانه , فلم يتكمن منه شيطانه ~~, فنهي الواحد من باب الأولى { بيوتا غير بيوتكم } أي التي هي سكنكم { حتى ~~تستأنسوا } أي تطلبوا بالاستئذان أن يأنس بكم من فيها وتأنسوا به , فلو قيل ~~له : من ؟ فقال : أنا لم يحصل الاستئناس لعدم معرفته , بل الذي عليه أن ~~يقول : أنا فلان - يسمى نفسه بما يعرف به ليؤنس به فيؤذن له أو ينفرنمنه ~~فيرد { وتسلموا على أهلها } أي الذين هم سكانها ولو بالعارية منكم فتقولوا ~~: السلام عليكم ! أأدخل ؟ أو تطرقوا الباب إن كان قد لا يسمع الاستئذان ~~ليؤذن لكم { ذلكم } الأمر العالي الذي أمرتكم به { خير لكم } PageV05P252 ~~مما كنتم تفعلونه من الدخول بغير إذن ومن تحية الجاهلية , لأنكم إذا دخلتم ~~بغير إذن ربما رأيتم ما يسوءكم , وإذا استأذنتم لم تدخلوا على ما تكرهون , ~~هذا في الدنيا , وأما في الأخرى فأعظم , وقد روى أبو موسى الأشعري رضي الله ~~عنه : إذا سلم ثلاثا فلم يجبه أحد فليرجع . | وكان هذا إذا ظن أن صاحب ~~البيت سمع . | ولما كان كل إنسان لا ينفك عن أحوال يكره أن يطلع عليها أو ~~تقطع عليه , قال : { لعلكم تذكرون * } اي لتكون حالكم حال من يرجى أن يتذكر ~~برجوعه غلى نفسه عند سماع هذا النهي , فيعرف أن ما يسوءه غيره منه , فيفعل ~~ما يحب أن ms3322 يفعل معه خوفا من المقابلة , لأن الجزاء من جنس العمل , وكل ما ~~يجب عليه في غير بيته يستحب له في بيته بنحو النحنحة ورفع الصوت بالذكر ~~ونحوه على ما اشار إليه حديث النهي عن الطروق لكيلا يرى من أهله ما يكره . ~~| ولما كان السكان قد يكنون غائبين , والإنسان لكونه عورة لا يحب أن يطلع ~~غيره على جميع أموره , قال : { فإن لم جدوا فيها } أي البيوت التي ليس بها ~~سكناكم { أحدا } قد يمنعكم , فالله يمنعكمم منها , تقديما لدرء المفاسد { ~~فلا تدخلوها } أي أبدا { حتى يؤذن لكم } من آذن ما بإذن شرعي من الساكن أو ~~غيره , لأن الدخول تصرف في ملك الغير أو حقه فلا يحل بدونه إذنه . | ولما ~~كان كأنه قيل : فإن أذن لكم في شيء ما استأذنتم فيه فادخلوا , عطف عليه ~~قوله : { وإن قيل لكم } نم قائل ما إذا استأذنتم في بيت فكان خاليا أو فيه ~~أحد : { ارجعوا فارجعوا } أي ولا تستنكفوا من أن توجهو بما تكرهون من صريح ~~المنع , فإن الحق أحق أن يتبع , وللناس عورات وأمرو لا يحبون اطلاع غيرهم ~~عليها . | ولما كان في المنع نقص يوجب غضاضة ووحرا في الصدر , وعد سبحانه ~~عليه بما يجبر ذلك , فقال على طريق الاستئناف : { هو } اي الرجوع المعين { ~~أزكى } أي أطهر وأنمى { لكم } فإن فيه طهارة من غضاضة الوقوف على باب الغير ~~, ونماء بما يلحق صاحب البيت من الاستحياء عند امتثال أمره في الرجوع مع ما ~~في ذلك عند الله . | ولما كان التقدير : فالله يجازيكم على امتثال أمره , ~~وكان الإنسان قد يفقعل في اليوت الخالية وغيرها من الأمور الخفية ما يخالف ~~ما أدب به سبحانه مما صورته مصلحة وهو مفسدة , عطف على ذلك المقدر قوله : { ~~والله } أي الملك الأعلى . | ولما PageV05P253 كان المراد المبالغة في ~~العلم , قدم الجار ليصير كما إذا سألت شخصا عن علم شيء فقال لك : ما أعلم ~~غيره , فقال : { بما تعملون } أي وإن التبس أمره على أحذق الخلق { عليم * } ~~لا يخفى عليه شيء منه وإن دق , فإياكم ومشتبهات الأمور ms3323 , فإذا وقفتم ~~للاستئذان فلا تقفوا تجاه الباب , ولكن على يمينه أو يساره , لأن الاستئذان ~~إنما جعل من أجل البصر , وتحاموا النظر غلى الكوى التي قد ينظر منها أحد من ~~أهل البيت ليعرف من على الباب : هل هو ممن يؤنس به فيؤذن له , أو لا فيرد , ~~ونحو هذا من أشاكله مما لا يخفى على متشرع فطن , يطير طائر فكره في فسيح ما ~~أشار إليه مثل قوله صلى الله عليه السلام : ( إذا حدث الرجل فالتفت فهي ~~أمانة ) وراه أحمد وأبو داود والترميذي عن جابر رضي الله عنه . | < < # | النور : ( 29 - 31 ) ليس عليكم جناح . . . . . # > > ^ ( ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله ~~يعلم ما تبدون وما تكتمون * قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ~~ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ~~ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ~~ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن أو أبنآئهن أو ~~أبنآء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسآئهن أو ما ~~ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم ~~يظهروا على عورات النسآء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ~~وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) ^ } ) | ولما كان من ~~الأمكان التي قد لا يوجد بها أحد ما يباح الدخول إليه لخلوه أو عدم اختصاص ~~النازل به كالخانات والربط , أتبع ما تقدم التعريف بأنه لم يدخل في النهي ~~فقال مستأنفا : { ليس عليكم جناح } أي ميل بلوم أصلا { أن تدخلوا بيوتا } ~~كالخانات والربط { غير مسكونة } ثم وصفها بقوله : { فيها متاع } أي استمتاع ~~بنوع انتفاع كالاستظلال ونحوه { لكم } ويدخل فيه المعد للضيف إذا أذن فيه ~~صاحبه في أول الأمر ووضع الضيف متاعه فيه , لأن الاستئذان لئلا يهجم على ما ~~يراد الاطلاع عليه ويراد طيه عن علم الغير , فإذا لم يخف ذلك فلا معنى ~~للاستئذان . | PageV05P254 ولما كان التقدير : فالله ms3324 لا يمنعكم مما ينفعكم ~~, ولا يضر غيركم , عطف عليه قوله : { والله } أي الملك الأعظم { يعلم } في ~~كل وقت { ما تبدون } وأكد بإعادة الموصول فقال : { وما تكتمون * } تحذيرا ~~من أن تزاحموا أحدا في مباح بما يؤذيه ويضيق عليه , معتلين بأصل الإباحة , ~~أو يؤذن لكم في منزل فتبطنوا فيه الخيانه فإنه وإن وقع الاحتراز من الخونة ~~بالحجاب فلا بد من الخلطة لما بني عليه الإنسان من الحاجة إلى العشرة , ~~ولذلك اتصل به على طريق الاشتئناف قوله تعالى ؛ مقبلا على أعلى خلقه فهما ~~وأشدهم لنفسه ضبطا دون بقيتهم , إشارة إلى صعوبة الأمر وخطر المقام , مخوفا ~~لهم بالإعراض عنهم , بالتردي برداء الكبر , والاحتجاب في مقام القهر : { قل ~~للمؤمنين } فعبر بالوصفإشارة إلى عدم القدرة على الحتراز من المخالط بعد ~~الخلطة , وأنه لا يعف فيها إلا من رسخ الإيمان في قلبه لخفاء الخيانة حينئذ ~~بخلاف ما سبق في المنع من الدخول حيث كان التعبير ب ( الذين آمنوا ) { ~~يغضوا } أي يخفضوا ولا يرفعوا , بل يكفوا عما تهوا عنه , ولما كان الأمر في ~~غاية العسر , قال : { من أبصارهم } بإثبات من التبعيضية إشارة غلى العفو عن ~~النظرة الأولى , وأن المأخوذ به إنما هو التمادي , ولما كان البصر يريد ~~الزنى قدمه . | ولما كان حفظ الفرج لخطر المواقعة اسهل من حفظ البصر , ~~ولأنه لا يفعل به من غير اختبار , حذف ( من ) لقصد العموم فقال : { ويحفظوا ~~فروجهم } أي عن كل حرام من كشف وغيره ولم يستثقن الزوجة وملك اليمين استغنا ~~عنه بما سبق في المؤمنون , ولأن المقام للتهويل في أمر للحفظ والتشديد , ~~ورغب في ذلك بتعليله بقوله : { ذلك } أي الأمر العالي العظيم من كل من الغض ~~والحفظ الذي أمرتهم به { أزكى لهم } أي أقرب إلى أن ينموا ويكثروا ويطهروا ~~حسا ومعنى , ويبارك لهم , أما الحسي فهو أن الونى مجلبة للموت بالطاعون , ~~ويورث الفقر وغيرهما من البلايا ( ما من قوم ظهر فيهم الزنى إلا أخذوا ~~بالسنة ) رواه أحمد عن عمرو بن العاص رضي الله عنه , ورواه عنه أبو القاسم ~~عبد الرحنم بن عبد ms3325 الحكم في كتاب الفتوح ولفظه ( ما من قوم يظهر فيهم الزنى ~~إلا أخذوا بالفنا وما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة , وما من ~~قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب الزنى يورث الفقر ) رواه البيهقي عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما PageV05P255 وإذا ظهر الزنى ظهر الفقر والمسكنة ~~وراه ابن ماجة والبزار وهذا لفظه عن ابن عمر رضي الله عنهما - والبيهيقي ~~ولفظه : ( الزنى يورث الفقر ) وفي رواية له ( ما ظهرت الفاحشة في قوم قط ~~يعمل بها فيهم علانية إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في ~~أسلافهم ) رواه عنه ابن إسحاق في السيرة في سرية عبد الرحمن بن عوف رضي ~~الله عنه إلى دومة الجندل ولفظه : ( إنه لم تظهر الفاحشة في وقم قط حتى ~~يعلنوا بها إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين ~~مضوا ولم ينقضوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة ~~وجورالسلطان , ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم إلا منعوا القطر من السماء , ~~فلولا البهائم ما مطروا , وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدو ~~من غيرهم , فأخذ بعض ما كان في ايديهم , وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله ~~ةتجبروا فيما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ) وفي الترغيب للمنذري عن ~~ابن كاجة والبزار والبيهيقي عنه رضي الله عنه نحو هذا اللفظ , وفي آخر ~~السيرة عن أبي بكر رضي الله عنه في خطبته عندما ولي الخلافة : لا يدع قوم ~~الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل , ولا تشيع الفاحشة في قوم قط ~~غلا عمهم الله بالبلاء . | وفي الموطأ عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه بلغع عن ~~عباس رضي الله عنهما أنه قال ( ما ظهر الغلول فب قوم قط إلا القى في قلوبهم ~~الرعب , ولا فشا الزنى في قوم قط ألا كثر فيهم الموت , ولا نقص قوم قط ~~المكيال والميزان إلا قطع عنهم الرزق , ولا حكم قوم بغير الحق إلا فشا فيهم ~~الدم , ولا ختر قوم بالعهد إلا سلط ms3326 عليهم العدو ) وروى الطبراني في الأوسط ~~عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كثرت ~~الفاحشة كثر الفساد , وجار السلطان ) وفيه : ( أمثلهم في هذا الزمان ~~المداهن , إذا ظهر الربا والزنى في قرية PageV05P256 آذن الله في هلاكها ) ~~رواه الطبراني عن ابن عبايس رضي ا لله عنهما , وأما المعنوي فروى الإمام ~~أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : ( ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ~~ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها ) قال ابن كثير : وروى هذا ~~مرفوعا عن ابن عمر وحذيفة وعائشة رضي الله عنهم ولكن في أسانيدها ضعف . | ~~وساق له شاهداص من الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ : ( إن النظرة ~~سهم من سهام إبليس مسموم , من ترها مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوته في ~~قلبه ) فعلم من ذلك أن من تخلق بما أمره الله هنا كان قلبه موضعا للحكمة , ~~وفعله أهلا للنجح , وذكره مقرونا بالقبول . | ولما كان الزكاء يتضمن ~~التكثير والتطهير , وكان الكلام هنا في غض البصر , وكان ظاهرا جدا في ~~الطهارة , لم يدع داع إلى التأكيد بالتصريح بالطهارة , وأما آية البقرة ~~فلما كانت في العضل , وكان لا يكون إلا عن ضغائن وإحن فكان الولي رما ظن أن ~~منعها عمن عضلها عنه أطهر له ولها . | أكد العبارة بفعل الزكاء بالتصريح ~~بما أفهمه من الطهارة . | ولما كان المقام صعبا لميل النفوس غلى الدنايا ~~واتباعها للشهوات , علل هذا الأمر مرغبا ومرهبا بقوله : { إن الله } اي ~~الذي لا يخفى عليه شيء لما له نم الإحاطة الكاملة { خبير } ولما كان وازع ~~الحياء مع ذلك مانعا عظيما فلا يخالف إلا بمعالجة وتدرب , عبر بالصنعة فقال ~~: { بما يصنعون * } أي وإن تناهوا في إخفائه , ودققوا في تدبير المكر فيه . ~~| ولما بدأ بالقومة من الرجال , ثنى بالنساء فقال : { وقل للمؤمنات } فرغب ~~أيضا بذكر هذا الوصف الشريف { يغن } ولما كان المراد الغض عن بعض المبصرات ~~وهم المحارم قال : { من أبصارهن } فلا يتبعنها النظر إلى منهي عنه رجل أو ms3327 ~~غيره , وأجابوا عن حديث عائشة رضي الله عنها في النظر إلى لعب الحبشة في ~~المسجد باحتمال أنها كانت دون البلوغ لأنها قالت : فاقدروا قدر الجارية ~~الحديثة السن الحريصة على اللهو . | { ويحفظن فروجهن } عما لهن من كشف ~~وغيره . | PageV05P257 ولما كان النساء حبائل الشيطان , أمرن بزيادة الستر ~~بقوله : ناهيا عن الزينة ليكون النهي عن مةاقعها من الجسد أشد وأولى { ولا ~~يبدين زينتهن } أي كالحلي والفاخر من الثياب فكيف بما وراءها { إلا ما ظهر ~~منها } أي كان بحيث يظهر فيشق التحرز في إخفائه فيدا من غير قصد كالسوار ~~والخاتم والكحل فإنها لا بد لها من مزاولة حاجتها بيدها ومن كشف وجهها في ~~الشهادة ونحوها . | ولما كان أكثر الزينة في ألأعناق والأيدي والأرجل , ~~وكان دوام ستر الأعناق أيسر وأمكن , خصها فقال : { وليضربن } من الضرب , ~~وهو وضع الشيء بسرعة وتحامل , يقال : ضرب في عمله : أخذ فيه , وضرب بيده ~~إلى كذا : اهوى , وعلى يده : أمسك , وضرب الليل بأوراقه : اقبل , والضارب : ~~اليلي الذي ذهبت ظلمته يمينا وشمالا وملأت الدنيا , والضارب : الطويل من كل ~~شيء والمتحرك . | ولما كان المقصود من هذا الضرب بعض الخمار , وهو ما لا صق ~~الجيب منه , عداه بالباء فقال : { بخمرهن } جمع خمار , وهو منديل يوضع على ~~الرأس , وقال أبو حيان : وهو المقنعة التي تلقي المرأة على رأسها . | { على ~~جيوبهن } جمع جيب , وهو خرق الثوب الذي يحيط بالعنق , فالمعنى حينئذ يهوين ~~بها غلى ما تحت العنق ويسبلنها من جميع الجوانب ويطولنها سترا للشعر والصدر ~~وغيرهما مما هنالك , وكأنه اختير لفظ الضرب إشارة إلى قوة القصد للستر ~~وإشارة إلى العفو عما قد يبدو عند تحرك الخمار عند مزاولة شيء من العقل ؛ ~~قال أبو حيان : وكان النساء يغطين رؤوسهن بالأخمرة ويسدلنها من وراء الظهور ~~فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر عليهن . | وروى البخاري في التفسير عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما نزلت { ~~وليضربن بخمرهن } شققن مروطهن - وفي رواية : أخذن أزرهن فشققنها من قبل ~~الحواشي - فاختمرن بها , يعني تسترن ما قدام , والإزار ms3328 هنا الملاء . | ولما ~~كان ذكر الجيب ربما أوهم خصوصا في الزينة , عم بقوله : { ولا يبدين } أو ~~كرره لبيان من يحل الإبداء له ومن لا يحل , وللتأكيد { زينتهن } اي الخفية ~~في أي موضع كانت من عنق أو غيره , وهي ما عدا الوجه والكفين , وظهور ~~القدمين , بوضع الجلباب , وهو الثوب الذي يغطي الثياب والخمار قاله ابن ~~عباس رضي الله عنهما . | { إلا لبعولتهن } أي أزواجهن , فإن الزينة لهم ~~جعلت . | قال أبو حيان : ثم ثنى بالمحارم وسوى بينهم في إبداء الزينة , ~~ولكن تختلف مراتهم في ا لحرمة بحسب ما في نفوس البشر فالأب والأخ ليس كابن ~~الزمج - انتهى . | فقال تعالى : { أو آبائهن } أي فإن لهم عليهن من الشفقة ~~ما يمنع النظر بالشهوة ومثلهم في هذا المعنى سواء الأعمام والأخوال ~~PageV05P258 وكل منهما والد مجازا بدليل { وإله آبائك إبراهيم واسماعيل } { ~~أو آباء بعولتهن } فإن رحمتهم لأولادهم مانعة { أو أبنائهن } فإن لهن عليهن ~~من الهيبة ما يبعد عن ذلك { أو أبناء بعولتهن } فإن هيبة آبائهم حائلة { أو ~~إخوانهن } فإن لهم من الرغبة في صيانتهن عن العار ما يحفظ من الريبة { أو ~~بني } عدل به عن جمع التكسير لئلا يتوالى اربع مضمرات من غير فاصل حصين ~~فتنتقص عذوبته { إخوانهن أو بني أخوانهن } فإنهم كأبنائهن { أو نسائهن } أي ~~المسلمات , وأما غير المسلمات فحكمهن حكم الرجال ؛ روى سعيد بن منصور في ~~سننه عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى عبيدة رضي الله عنه ينهى عن دخول ~~الذميات الحمام مع المسلمات , وقال : فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم ~~الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها , وفي مسند عبد بن حميد نحوه عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما . | { وأما ما ملكت ايمانهن } أي من الذكور ~~زالإناث وإن كن غير مسلمات لما لهن عليهن من الهيبة , وحمل ابن المسيب ~~الآية على الإماء فقط ؛ قال أبو حيان : قال الزمخشري : وهذا هو الصحيح , ~~لأن عبد المرأة بمنزلة الأجنبي منها خصيا كان أو فحلا , وعن ميسون بنة بدحل ~~الكلابية أن معاوية رضي الله ms3329 عنه دخل عليها ومعه خصي فتقنعت منه فقال : هو ~~خصي , فقالت : يا معاوية ! أترى المثلة به تحلل ما حرم الله - انتهى . | ~~وقصة مابور ترد هذا , وقوله : الكلابية , قال شيخنا في تخريج الكشاف : ~~صوابه : الكلبية بإسكان اللام . | { أو التابعين } أي للخدمة أو غيرها { ~~غير أولي الإربة } أي الحاجة إلى الاستمتاع بالنساء { من الرجال } كالشيوخ ~~الفانين ومن بهم علة منعت شهوتم , زكذا من كان ممسوحا لقصة مابور { أو } من ~~{ الطفل } أي جنسه , والطفل الصغير ما لم يبلغ الحلم أو خمس عشرة سنة , وهو ~~في الأصل : الرخص الناعم من كل شيء , وكأنه سمي بذلك لأنه يخرج متلبسا ~~بالتراب الذي تأكله الحامل , قال في القاموي : وطفل النبت كفرح وطفل بالضم ~~تطفيلاك أصابه التراب , والطفال , كغراب وسحاب : الطين اليابس . | قال ~~القزاز : ويسميه أهل نجد الكلام والعامة تقول لجنس منه : طفل , { الذين لم ~~يظهروا } اي لم يعلوا بالنظر المقصود للاطلاع { على عورات النساء } لعم ~~بلوغ سن الشهوة لذلك . | ولما نهى عن الإظهار , نبه على أمر خفي منه فقال : ~~{ ولا يضربن بأرجلهن } أي والخلاخيل وغيرها من الزينة فيها . | ولما كان ~~ذلك لمطلق الإعلام , بناه للمفعول فقال : { ليعلمن ما يخفين } اي بالساتر ~~الذي أمرن به { من زينتهن } بالصوت الناشىء من الحركة عند الضرب المذكور , ~~وفي معنى ذلك التطيب , والنهي عن ذلك يفهم النهي عن موضعه من الجسد من باب ~~الأولى . | PageV05P259 ولما أنهى سبحانه ما أمره صلى الله عليه وسلم ~~بالتقدم فيه إلى الرجال والنساء , وكان من المعلوم أن العبد الحقير المجبول ~~على الضعف الموجب للتقصير لن يقدر على أن يقدر المولى العلي الكبير حق قدره ~~وإن ابلغ في الاجتهاد وزاد في التشمير , أتبعه التلطف بالإقبال عليهم في ~~الأمر بإقبالهم إليه إشارة إلى أن الأمر في غاية الصعوبة , وأن الإنسان ~~لكونه محل الزلل والتقصير - وإن اجتهد - لا يسعه إلا إحسان الرحيم الرمن , ~~فقال : { وتوبوا إلى الله } أي ارجعوا إلى طاعة الملك الأعلى مهما حصل منكم ~~زيغ كما كنتم تفعلونه في الجاهلية { جميعا } رجالكم ونسائكم { أيه المؤمنون ~~} والتعبير بالوصف إشارة ms3330 إلى علو مقام التوبة بأنه لا يقدر على ملازمتها ~~غلا راسخ القدم في الإيمان , عارف بأنه وإن بالغ في الاجتهاد واقع في ~~النقصان , وهذا الأمر للوجوب , وغذا كان للراسخين في الإيمان فمن دونه من ~~باب الأولى { لعلكم تفلحون * } اي لتكونوا على رجاء من الفوز بالمطلوب الذي ~~مضى أول سورة المؤمنون تعليقه بتلك الأوصاف التي منها رعاية الأمانة ولا ~~سيما في الفروج ؛ قال الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء : إن الإنسان من ~~حيث جبل على النقص لا يخلو عما يوجب عليه التوبة , فإن خلا في بعض الأحوال ~~عن معصية الجوارح فلا يخلو عن الهم بالذنوب بالقلب , فإن خلا عنه فلا يخلو ~~عن وسواس الشيطان بإيراد الخراطر المتفرقة المذهلة عن ذكر الله , فإن خلا ~~عنه فلا يخلو عن غفلة وقصور في العلم بالله وصفاته وأفعاله , وكل ذلك نقصن ~~وله أسبابن وترك أسبابه بالتشاغل بأضدادها رجوع عن طريق إلى ضده , والمراد ~~بالتوبة الرجوع , ولا يتصور الخلو في حق الآدمي عن هذا النقص , وإنما ~~يتفاوتون في المقادير . | < < # | النور : ( 32 - 33 ) وأنكحوا الأيامى منكم . . . . . # > > ^ ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا ~~فقرآء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم * وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ~~حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ~~إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغآء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من ~~بعد إكراههن غفور رحيم ) ^ } ) | ولما تقدم سبحانه إلى عباده في الأمور ~~العامة للأوال والأشخاص في الزنى وأسبابه , فحكم وقرر , ووعظ وحذر , أتبعه ~~أسباب العصمةالتي هي نعم العون على التوبة فقال مرشدا : { وأنكحوا الأيامى ~~} مقلوب أيايم جمع أيم , وزن فعيل من آم , عينه ياء , وهو العزب ذكرا كان ~~أو أنثى أو بكرا { منكم } أي من أحراركم , وأغنى لفظ الأيم عن ذكر الصلاح ~~لأنهه لا يقال لمن قصر عن درجة النكاح { والصالحين } أي للنكاح PageV05P260 ~~{ من عبادكم وإمائكم } أي أرقائكم الذكرو والإناث , احتياطا ms3331 لمصالحهم وصنا ~~لهم عن الفساد امتثالا لما ندب إليه حديث ( تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم ~~الأمم يوم القيامة ) ولما كان للزواج كلف يهاب لأجلها , لما طبع الآدمي ~~عليه من الهلع في قلة الوثوق بالرزق , أجاب من كأنه قال : قد يكون الإنسان ~~غير قادر لكونه معدما , بقوله : { إن يكونوا } أي كل من ذكر من حر أو عبد , ~~والتعبير بالمضارع يشعر بأنه قد يكون في النكاح ضيق وسعة { فقراء } أي من ~~المال { يغنهم الله } اي الذي له الكمال كله , إذا تزوجوا { من فضله } لأنه ~~قد كتب لكل نفس رزقها فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم , وعن ابن أبي حاتم عن ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح ~~ينجز لكم ما وعدكم من الغنى . | وقال البغوي : قال عمر رضي الله عنه : عجبت ~~لمن يبتغي الغنى في بغير النكاح - وقرأ هذه الآية . | وعن ابن مسعود رضي ~~الله عنه أنه قال : التمسوا الغنى في النكاح , وتلا هذه الآية ابن جرير . | ~~ولأحمد والتميذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه : ( ~~ثلاثة حق على الله عونهم : النكاح يريد العفاف , والماكتب يريد الأداء , ~~والغازي في سبيل الله ) ويؤيده ما في الصحيح من حديثث الواهبة نفسها حيث ~~زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لم يجد ولا خاتما من حديد . | ولما ~~كلن التقدير : فالله ذو فضل عظيم , عطف عليه قوله : { والله } أي ذو الجلال ~~والإكرام { واسع عليم * } أي فهو بسعة قدرته يسوق م اكتبه للمرأة على يد ~~الزوج , وبشمول علمه يسبب أسبابه , ولما أمر سبحانه بما يعصم من الفتنة من ~~غض البصر ثم بما يحصن من النكاح , وجرا عليه بالوعد بالإغناء , وكان هذا ~~الوعد فيما بعد النكاح , وقدم الكلام فيه ترغيبا للإنسان في التوكل ~~والإحصان , وكان قلبه ما قد يتعذر لأجله إما PageV05P261 بعدم وجدان المهر ~~وما يطلب منه تقديمه , أو بعدم رضى العبد وغيره يكون ولده رقيقا أو غير ذلك ~~, أتبعه قوله حاثا على قمع النفس الأمارة عند العجز ms3332 : { وليستعفف } اي ~~يبالغ في طلب العفة وإيجادها عن الحرام { الذين لا يجدون نكاحا } أي قدرة ~~عليه وباعثا إليه { حتى يغنيهم الله } أي الذي له الإحاجة بجميع صفات ~~الكمال { من فضله } في ذلك الذي تعذر عليهم النكاح بسببه . | ولما كان من ~~جملة الموانع كما تقدم خوف الرق على الولد لمن له من الرقيق همة علية , ~~ونفس أبية , أتبعه قوله : { والذين يبتغون } أي يطلبون طلبا عازما { الكتاب ~~} أي المكاتبة { مما ملكت أيمانكم } ذكرا كان أو أنثى ؛ وعبر ب ( ما ) ~~إشارة إلى ما في الرقيق من نقص { فكاتبوهم } أي ندبا لأنه معاوضة تتضمن ~~الإرفاق على ما يؤدونه إليكم منجما , فإذا أدوه عتقوا { إن علمتم فيهم خيرا ~~} أي تصرفا صالحا في دينهم ودنياهم لئلا يفسد حالهم بعد الاستقلال بأنفسهم ~~؛ قال ابن كثير : وروى أبو داود في كتاب المراسيل عن يحيى ابن كثير قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلا ~~على الناس ) انتهى . | ولعله عبر بالعلم في موضع الظن لذلك { وءاتوهم } ~~وجوبا إذا أدوا إليكم { من مال الله } أي لاذي عم كل شيء بنعمته , لأنه ~~الملك العظم { الذي آتاكم } ولو بحط شيء من مال الكتابة . | ولما أمر ~~سبحانه بالجود في أمر الرقيق تارة بالنفس , وتارة بالمال , نهاهم عما ~~ينافيه فقال : { ولا تكرهوا فتياتكم } أي إماءكم , ولعله عبر بلفظ الفتوة ~~هزا لهم إلى معالي الأخلاق , وتخجيلا من طلب الفتوة من امة { على البغاء } ~~أي الزنى لتأخذوا منهن مما يأخذنه من ذلك . | ولما كان الإكراه على الزنى ~~لا يصح إلا عند العفة , وكان ذلك نادرا من أمة , قال : { إن } بأداة الشك { ~~أردن تحصنا } وفي ذلك زيادة تقبيح للإكراه على هذا الفعل حيث كانت النساء ~~مطلقا يتعففن مع أنهن مجبولات على حبه , فكيف غذا لم يمنعهن مانع خوف أو ~~حياء كالإماء , فكيف إذا أذن لهن فيه . | فكيف إذا ألجئن إليهن وأشار بصيغة ~~التفعل وذكر الإرادة إلى أن ذلك لا يكون إلا عن عفة بالغة , زاد في تصوير ~~التقبيح بذكر علة ms3333 التزام هذا العار في قوله : { اتبتغوا } اي تطلبوا طلبا ~~حثيثا فيه رغبة قوية بإكراههن على الفعل الفاحش { عرض الحياة الدنيا } فإن ~~العرض متحقق فيه الزوال , والدنيا مشتقة من الدناءة . | PageV05P262 ولما ~~نهى سبحانه عن الإكراه , رغب الموالي في التوبة عند المخالفة فيه فقال : { ~~ومن يكرههن } دون أن يقول : وإن أكرهن , وعبر بالمضارع إعلاما بأن يقبل ~~التوبة ممن خالف بعد نزول الآية , وعبر بالاسم العلم في قوله : { فإن الله ~~} إعلاما بأن الجلال غير مؤيس من الرجمة , ولعله عبر بلفظ ( بعد ) إشارة ~~إلى العفو عن الميل إلى ذلك الفعل عند مواقعته إن رجعت إلى الكراهة بعده , ~~فإن النفس لا تملك بضغه حينئذ , فقال : { من بعد إكراههن غفور } أي لهن ~~وللموالي , يستر ذلك الذنب إن تابوا { رحيم * } بالتوفيق للصنفين إلى ما ~~يرضيه . | < < # | النور : ( 34 - 35 ) ولقد أنزلنا إليكم . . . . . # > > ^ ( ولقد أنزلنآ إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ~~وموعظة للمتقين * الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ~~المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله ~~لنوره من يشآء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ) ^ } ) | ولما ~~أتم سبحانه هذه الآيات في براءة عائشة رضي الله عنها ومقدماتها و خواتيمها ~~, قال عاطفا على قوله أولها { وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون } : { ~~ىيات مبينات } مفصل فيها بما لنا من الععظمة ترغيبا لكم وترهيبا { إليكم } ~~أي لتتعظوا { أبات مبينات } مفصل فيها الحق من الباطل , كوضح بالنقل والعقل ~~بحيث صارت لشدة بيانها تبين هي لمن تدبرها طرق الصواب كما أوضحنا ذلك لمن ~~يتدبره في براءة عائشة رضي الله تعالى عنها وما تقدمها وتتبعها مما هو 3 ~~صلاحكم في الدين والدنيا { ومثلا } اي وشبها بأحوالكم { من الذين خلوا من ~~قبلكم } أي من أحوالهم بما أنل الله إليهم في التوراة في أحوال المخالطة ~~والزنى وقذف الأبرياء كيوسف ومريم عليهم الاسلام وتبرئتهم كما قدمت كثيرا ~~منه في ms3334 سورة المائدة وغيرها مما صار في حسن سبكه في هذا الكتاب , وبديع ~~حبكه عند أولي الألباب , كالأمثال السائرة , والأفلاك الدائرة { وموعظة ~~للمتقين * } بما فيه من الأحكام والفواصل المنبئة عن العلل المذكرة بما ~~يقرب من الله زلفى , وينور القلب , ويوجب الحب والألفة , ويذهب وحر ا لصدر ~~؛ ثم علل إنزاله لذلك على هذا السنن الأقوم , والنظم المحكم , بقوله : { ~~الله } أي الذي أحاطت قدرتته وعلمه { نور } أي ذو نر { السموات والأرض } ~~لأنه مظهرهما بإيجادهما وإيجاد أهلهما وهاديهم بالتنوير بالعلم الجاعل ~~صاحبه بهدايته إلى الصراط ا لمستقيم كالماشي في نور الشمس , لا يضع شيئا في ~~غير موضعه كما أن الماشي في النور لا يضع رجلا في غير موضعها اللائق بها , ~~PageV05P263 ولا شك أن النورهو ما به تظهر به الأشياء وتنكشف , فهو سبحانه ~~مظهرها , وهما وما فيهما دال على ظهوره , وأنه تام القدرة شامل العم حاو ~~لصفات الكمال , كنزه عن شوائب النقص , وفي خر الشورى ما ينفع جدا هنا . | ~~ولما كان من المحال أن يضل عن نور هو ملء الحافقين أحد من سكانها , بين وجه ~~خفائه مع ظهور ضيائه واتساعه وقوة شعاعه , حتى ضل عنه أكثر الناس , فقال ~~مبينا بإضافة النر إلى ضميره أن الأخبار عنه بالنور مجاز لا حقيقة , منبها ~~على أن آياته الهادية تلوح خلال الشبهات الناشئة عن الأوهام الغالبة على ~~الخلق التي هي كالظلمات { مثل نوره } أي الذي هدي له إلى سبيل الرشاد في ~~خفائه عن بعض الناس مع شدة ظهوره , وهو آياته الدالة عليه من أقواله ~~وأفعاله { كمشكاة } أي مثل كة أي خرق لكن غير نافذ في دار ؛ قال البغوي : ~~فإن كان لها منفذ فهي كوة . | ولما دخل المشكاة في هذا المثل خفيا فقدمها ~~تشويقا إلى شرحه , أتبعه قوله شارحا له : { فيها مصباح } أي سراج ضخك ثاقب ~~. | وهو الذبالة - أي الفتيلة - الضخمة المتقدة , من الصباح الذي هو نور ~~الفجر , والمصباح الذي هو الكوكب الكبير ؛ قال البغوي : وأصله الضوء - ~~انتهى . | فإذا كان في المشكاة اجتمعت أشعته فكان أشد إنارة , ولو كان في ms3335 ~~فضاء لافترقت أشعته ؛ ةأتى ببقية الكلام استءنافا على تقدير سؤال تعظيما له ~~فقال : { المصباح في زجاجة } أي قنديل . | ولما كان من الزجاج ما هو في ~~غاية الصفاء , بين أن هذه منه فقال : { الزجاجة كأنها } اي في شدة الصفاء { ~~كوكب } شبهه بها دون الشمس والقمر لأنهما يعتريهما الخسوف { دري } أي ~~متلألىء بالأنوار فإنه إذا كان في زجاجة صافية انعكست الأشعة المنفصلة عنه ~~من بعض جوانب الزجاجة إلى بعض لما فيها من الصفاء والشفيف فيزداد النور ~~ويبلغ النهاية كما أن شعاع الشمس إذا وقع على ماء أو زجاجة صافية تضاعف ~~النور حتى أه يظهر فيما يقابله مثل ذلك النور ؛ والدري - قال الزجاج : ~~مأخوذ من درأ إذا اندفع منقضا فتضاعف نوره . | ولما كان من المصابيح أيضا ~~ما يكون نوره ضعيفا بين أن هذا ليس كذلك فقال : { يوقد } أي المصباح , بأن ~~اشتد وقده . | ولما كلن هذا الضوء يختلف باختلاف ما يتقد فيه , فإذا كان ~~دهنا صافيا خالصا كان شديد , وكانت الأدهان التي توقد ليس فيها ما يظهر فيه ~~الصفاء كالزيت لأنه ربما بلغ في الصفاء والرقة مبلغ الماء مع زيادة بياض ~~وشعاع يتردد في أجزائه , قال : { من شجرة } اي زيتها { مباركة } أي عظيمة ~~الثبات والخيرات يطيب منبتها { زيتونة } . | PageV05P264 ولما كان الزيت ~~يختلف باختلاف شجرته في احتجابها عن الشمس وبروزها لها , لأن الشجر ربما ~~ضعف وخبث ثمره بحائل بينه وبين الشمس , بين أن هذه الشجرة ليست كذلك فقال : ~~{ لا شرقية } أي ليست منسوبة غلى الشرق وحده , لكونها بحيث لا يتمكن منها ~~الشمس إلا عند الشروق لكنها في لحف جيل يظلها إذا تضيقت الشمس للغروب { ولا ~~غربية } لأنها في سفح جبل يسترها من الشمس عند الشروق , بل هي بارزة للشمس ~~من حين الشروق إلى وقت الغروب , ليكون ثمرها أنضج فيكون زيته أصفى , قال ~~البغوي : هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عكرمة والكلبي ~~والأكثرين . | فهي لزكاء عناصرها , وطهارة منبتها , وبروزها للشمس والرياح ~~, بحيث { يكاد زيتها } لشدة صفائه { يضيء ولو لم تمسسه نار } . | ولما علم ms3336 ~~من هذا أن لهذا الممثل به أنوارا متظاهرة بمعاونة المشكاو والزجاجة ~~والمصباح والزيت , فلم يبق مما يقوي نوره ويزيده إشارقا , ويمده بإضاءة ~~نقية , قال في الممثل له : { نور على نور } أي أن العلم الرباني عظيم ~~الاتساع كلما سرحت فيه النظر , وأطلقت عنان الفكر , أتى لاغرائب ولا يمكن ~~أن يوقف له على حد . | ولما كان الإخبار عن مضاعفة هذا النور موجبا لا ~~عتقاد أنه لا يخفى عن أحد , أشار إلى أنه - بشمول علمه وتمام قدرته - يعمى ~~عنه من يريد مع شدة ضيائه , وعظيم لألائه , فقال : { يهدي الله } أي بعظمته ~~المحيطة بكل شيء { لنوره من يشاء } كما هدى الله من هدى من المؤمنين لتبرئة ~~عائشة رضي الله عنها قبل إنزال براءتها . | بكون الله اختارها لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم , ولا يختار له إلا طيبا طاهرا وما شاكل ذلك , وعلم أن قسيم ~~ذلك ( ويضل الله عن نوره من يشاء ) وعلم أن وجه كونه ضل عنه أكثر الناس ~~إنما هو ستر القادر له بنقص في حس من يريد سبحانه إضلاله , لا لنقص في النر ~~كما قال الشاعر : | والنجم تستصغر الأبصار صورته فالذنبللطرف لا للنجم في ~~الصغر | كما سيأتي إيضاح ذلك عند قوله تعالى < # > 77 ( { إلم تر إلى ربك كيف مد الظل } ) 77 < # > [ الفرقان : 25 ] , ومر نفا في حديث علي رضي الله عنه في الأرواح ما ~~ينفع ههنا . | ولما كان كأنه قيل : ضرب الله هذا المثل لكم لتدبروه فتنفعوا ~~به , عطف عليه قوله : { ويضرب الله } أي بما له من الإحاطة بكمال القدرة ~~وشمول العلم { الأمثال للناس } لعلمه بها , تقريبا للأفهام , لعلهم يهتدون ~~{ والله } أي الذي له جميع صفات الكمال { بكل شيء } أي منها ومن غيرها { ~~عليم * } يبين كل شيء بما يسهل سبيله فثقوا بما يقول , وإن لم تفهموه ~~أنفسكم وأمعنوا النظر فيه يفتح لكم سبحانه ما انغلق منه . | PageV05P265 < ~~< # | النور : ( 36 - 39 ) في بيوت أذن . . . . . # > > ^ ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو ~~والآصال * رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ms3337 ذكر الله وإقام الصلاة وإيتآء ~~الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار * ليجزيهم الله أحسن ما ~~عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشآء بغير حساب * والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله ~~عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ) ^ } ) | ولما كان كأنه قيل : فأي شيء ~~يكون هذه المشكاة ؟ قال شافيا على هذا السؤال : { في بيوت } أي في جدران ~~بيوت , فجمع دلالة على أن المراد بالمشكاة الجنس لا الواحد , وفي وحدتها ~~ووحدة آلات النور إشارة غلى عزته جدا { أذن الله } أي مكن بجلاله فأباح ~~وندب وأوجب { أن ترفع } حسا في البناء , ومعنى بإخلاصها للعمل الصالح , من ~~كل رافع أذن له سبحانه في ذلك , فعلى المرء إذا دخلها أن يتحصن من العدو ~~بما رواه أبو دواد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال : ( أعوذ بالله العظيم , وبوجهه ~~الكريم , وسلطانه القديم , من الشيطان الرجيم ) قال عقبة بن مسلم : فإذا ~~قال ذلك قال الشيطان : حفظ مني سائر يوم . | { ويذكر } من كل ذاكر أذن له ~~سبحانه { فيها اسمه } أي ذكرا صافيا عن شوب , وخالصا عن غش { يسبح } أي ~~يصلي وينزه { له } أي خاصة { فيها بالغدو } أي الإبكار , بصلاة الصبح { ~~والآصال * } أي العشيات , ببقية الصلوات , فيفتحون أعمالهم ويختمونها بذكره ~~ليحفظوا فيما بين ذلك ويبارك لهم فيما يتقلبون فيه , وجمع الأصيل لتحقق أن ~~المراد الظهر والعصر والمغرب والعشاء ؛ قال البغوي : لأن اسم الأصيل يجمعها ~~. | { رجال } أي رجال { لا تلهيهم تجارة } أي ببيع أو شر أو غيرهما , يظهر ~~لهم فيها ربح . | ولما كان الإنسان قد يضطر إلى الخروج بالبيع عن بعض ما ~~يملك للاقتيات بثمنه أو التبلغ به إلى بعض المهمات التي لا وصول له إليها ~~إلا به , أو بتحصيل ما لا يملك كذلك مع أن البيع في التجارة أيضا هو الطلة ~~الكلية لأنه موضع تحقق الربح الذي لا صبر عنه , قال : { ولا بيع } أي ms3338 وإن ~~لم يكن على وجه التجارة , والبيع يطلق بالاشتراك على التحصيل الذي هو الشرى ~~وعلى الإزالة { عن ذكر الله } أي الذي له الجلال والإكرام مطلقا بصلاة ~~وغيرها , فهم كل وقت في شهود ومراقبة لمن تعرف إليهم بصفات الكمال { و } لا ~~يليهم ذلك عن { إقام الصلاة } التي هي طهرة الأرواح , PageV05P266 أعادها ~~بعد ذكرها بالتسبيح تصريحا بها تأكيدا لها وحثا على حفظ وقتها لأنه من جملة ~~مقوماتها وكذا جميع حدودها ولو بأوجز ما يكون من أدنى الكمال - بما أشار ~~إليه حرف التاء إشعارا بأن هذا المدح لا يتوقف على أنهى الكمال { و } لا عن ~~{ إيتاء الزكاة } التي هي زكاة الأشباح ونماؤها , وخص الرجال مع أن حضور ~~النساء المساجد سنة شهيرة , إشارة إلى أن صلاتهن في بيوتهن أفضل لما روى ~~أبو داود في سننه وابن خزيمة في صحيحه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( صلاة المرأة في بيتها أفضل من ~~صلاتها في حجرتها , وصلاتها في حجرتها , وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها ~~في بيتها ) والمخدع : الخزانة . | وللإمام أحمد والطبراني وابن خزيمة ~~والحاكم عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خير ~~مساجد النساء قعر بيوتهن ) ولأحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما عن أم ~~حميدة امرأة أبي حميد الساعدي رضي الله عنهما أنها قالت : يا رسول الله ! ~~إني أحب الصلاة معك , قال : ( قد علمت أنك تحبين الصلاة معي , وصلاتك في ~~بيتك خير من صلاتك في حجرتك , وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك , ~~وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك , وصلاتك في مسجد قومك خير من ~~صلاتك في مسجدي ) , قال : فأمرت فبنى لها مسجد في أقصى بيت من بيتها وأظلمه ~~, فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل . | ولما وصف الرجال المذكورين ما ~~وصفهم به , ذكر علة فعلهم لذلك زيادة في مدحهم فقال : { يخافون يوما } وهو ~~يوم القيامة , هو بحيث { تتقلب فيه } أي لشدة هوله ms3339 , تقلبا ظاهرا - بما ~~اشار إليه إثبات التاءين { القلوب والأبصار * } أي بين طمع في النجاة , ~~وحذر من الهلاك , ويمكن أن يقال : المشتكي - والله أعلم - هي المساجد , ~~والزجاج هي الرجال , والمصابيح هي القلوب , وتلألؤها ما تشتمل عليه من ~~المعاني الحاملة على الذكر , والشجرة الموصوفة هي مثال الأبدان , التي ~~صفاها الله من الأدران , وطبعها على الاستقامة , والزيت مثال لما وضع ~~سبحانه فيها من جميل الأسرار , وقد ورد في بعض الأخبار أن المساجد لأهل ~~السماوات كالنجوم لأهل الأرض , وفي معجم PageV05P267 الطبراني في الأوسط عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما : ( كمسكاة ) قال : جوف محمد صلى الله عليه وسلم , ~~والزجاجة قلبه , والمصباح النور الذي في قلبه , والشجرة إبراهيم عليه ~~السلام , { لا شرقية ولا غربية } : لا يهودي ولا نصراني . | ولما بين تعالى ~~أفعال هؤلاء الرجال التي أقبلوا بها عليه , وأعرضوا عما عداهن بين غايتهم ~~فيها فقال : { ليجزيهم } أي يفعلون ذلك ليجزيهم { الله } أي في دار كرامته ~~بعد البعث بعظمته وجلاله , وكرمه . | وجماله { أحسن ما عملوا } أي جزاءه . ~~| ويغفر لهم سيئه { ويزيدهم من فضله } على العدل من الجزاء ما لم يستحقوه - ~~كما هي عادة أهل الكرم . | ولما كان التقديرك فإن الله لجلاله , وعظمته ~~وكماله , لا يرضى أن يقتصر في جزاء المحسن على ما يستحقه فقط , عطف عليه ~~بينا لأن قدرته وعظمته لا حد لها قوله : { والله } أي الذي لا كفوء له فلا ~~اعتراض عليه { يرزق من يشاء } . | ولما كان المعنى : رزقا يفوق الحد , ~~ويفوت العد , عبر عنه بقوله : { بغير حساب * } فهو كناية عن السعة , ويجوز ~~أن يكون مع ا سعة التوفيق , فيكون بشارة بنفي الحساب في اللآخرة أيضا أصلا ~~ورأسا , لأن ذلك المرزوق لم يعمل مل فيه درك عليه فلا يحاسب , أو يحاسب ولا ~~يعاقب ؛ فيكون المراد بنفي ا لحساب نفي عسه وعقابه , ويجوز أن يزاد الرزق ~~كفافا , وقد ورد أنه لا حساب فيه ؛ روى ابن كثير من عند ابن أبي حاتم بسنده ~~عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ms3340 ~~: ( إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت يسمع ~~الخلائق : سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم , ليقم الذين لا تلهيهم تجارة ~~ولا بيع عن ذكر الله , فيقومون وهم قليل , ثم يحاسب سائر الخلائق ) ولما ~~أخبر تعالى أن الذين اتبعوا نور الحق سبحانه , وصلوا - من جزائه بسبب ما ~~هداهم إليه النور من الأعمال الصالحة - إلى حقائق هي في نفس الأمر الحقائق ~~, أخبر عن اضدادهم الذين اتبعوا الباطل فحالت جباله الوعرة ا لشامخة بين ~~أبصار بصائرهم وبين تلك الأنوار بضد حالهم فقال : { والذين كفروا } أي ~~ستروا بما لزموه من الضلال ما انتشر من نور الله { أعمالهم } كائنة في يوم ~~الجزاء { كسراب } وهو ما تراه نصف النهار في البراري لاصقا بالأرض يلمع ~~كأنه ماء , وكلما قربت منه بعد حتى تصل إلى جبل ونحوه فيخفى ؛ قال الرازي ~~في اللوامع : والسراب شعاع ينكشف فينسرب ويجري كالماء تخيلا ؛ وقال ابن ~~كثير : يرى عن بعد كأنه بحر طام , وإنما يكون ذلك بعد نصف النهار , ~~PageV05P268 وأما الآل فإنما يكون أول النهار , يرى كأنه ماء بين السماء ~~والأرض - انتهى . | وقال البغوي : والآل ما ارتفع عن الأرض , وهو شعاع يرى ~~بين السماء والأرض بالغدوات شبه الملاءة , يرفع فيه ا لشخوص , يرى فيه ~~الصغير كبيرا , والقصير طويلا , والرقراق يكون بالعاشايا , وهو ما ترقرق من ~~السراب , أي جاء وذهب . | { بقيعة } جمع قاع , وهو أرض سهلة مطمئنة فد ~~انفجرت عنها الجبال والآكام - قاله في القاموس . | وقال أبو عبد الله ~~القزاز في ديوانه : القيعة والقاع واحد , وهما الأرض المستوية الملساء يحفن ~~فيها التراب , الفراء : القيعة جمع قاع كجار وجيرة . | وقال الصغاني في ~~مجمع البحرين : والقاع : المستوي من الأرض , والجمع أقاع وأقواع وقيعانن ~~صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها , والقيعة مثل قاع , وهو أيضا من الواو , ~~وبعضهم يقول : هو جمع ؛ وقال ابن جرير : والقاع ما انبسط من الأرض واتسع , ~~وفيه يكون السراب . | وقال عبد الغافر الفارسي في مجمع الغرائب : قال ~~الفراء : القاع : مستنقع الماء , والقاع : المكان المستوي الواسع في وطأة ~~من الأرض ms3341 يعلوه المطر فيمسكه ويستوي نباته , وجمعه قيعة وقيعان . | { يحسبه ~~الظمآن } أي العطشان الشديد العطش من ضعف العقل { ماء } فيقصده ولا يزال ~~سائرا { حتى إذا جاءه } أي جاء الموضع الذي توهمه به { لم يجد شيئا } من ~~الأشياء , فلم يفده قصده غير زيادة العطش بزيادة التعب , وبعده عن مواطن ~~الرجاء , فيشتد بأسه , وتنقطع حليه فيهلك , وهكذا الكافر يظن أعماله تجديه ~~شيئا فإذا هي قد أهلكته . | ولما كان الله محيطا بعلمه وقدرته بكل مكان قال ~~: { ووجد الله } اي قدرة المحيط بكل شيء { عنده } أي عند ذلك الموضع الذي ~~قصده لما تخيل فيه الخير فخاب ظنه { فوفاه سحابه } أي جزاء عمله على ما ~~تقتضيه أعماله على حكم العدل , فلم يكف هذا الجاهل خيبة وكمدا أنه لم يجد ~~ما قصده شيئا كغيره من السراب حتى وجد عنده الزبانية تعتله إلى نار , لا ~~يفك أسيرها , ولا يخمد سعيرها . | ولما كان سبحانه لا يحتاج إلى كاتب , ولا ~~يدخل عليه لبس , ولا يصعب عليه ضبط شيء وإن كثر , ولا يقد أحد أن يتأخر عما ~~يريده به بنوع حيلة , عبر عن ذلك بقوله : { والله } اي الذي له القدرة ~~الكاملة والعلم الشامل { سريع الحساب * } أي لأنه لا يحتاج إلى حفظ بقلب , ~~ولا عقد بأصابع , ولا شيء غير ذلك , ولكنه عالم بذلك كله قبل أن يعلمه ~~العبد وبعد عمله له , لا يعزب عنه منه ولا من غيره شيء . | PageV05P269 < < # | النور : ( 40 - 44 ) أو كظلمات في . . . . . # > > ^ ( أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات ~~بعضها فوق بعض إذآ أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور * ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صآفات كل قد ~~علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون * ولله ملك السماوات والأرض وإلى ~~الله المصير * ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى ~~الودق يخرج من خلاله وينزل من السمآء من جبال فيها من برد فيصيب ms3342 به من يشآء ~~ويصرفه عن من يشآء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار * يقلب الله الليل والنهار ~~إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) ^ } ) | ولما بين سبحانه بهذا المثال أنهم ~~لم يصلوا إلى شيء غير التعب , المثمر للعطب , وكان هذالا يفعله بنفسه عاقل ~~, ضرب مثالا آخر بين الحامل لهم على الوقوع في ممثول الأول , وهو السير ~~بغير دليلن المقع في خبط العشواء كالماشي في الظلام , فقال عاطفا على { ~~كسراب } قوله : { أو } للتخيير , اي أعمالهم لكونها لا منفعة لها كسراب , ~~ولكونها خاية عن نور الحق { كظلمات } أو للتنويع , فإنها إن كانت حسنة ~~الظاهر فكالسراب , أو قبيحة فكالظلمات , أو للتقسيم باعتبار وقتين كالظلمات ~~في الدنيا والسراب في الآخرة { في بحر } هو مثا قلب الكافر { لجي } أي ذي ~~لج هو اللج , إشارة إلى أنه عميق لا يدرك له قرار , لأن ا للج معظم الماءن ~~ويكون جمع لجة أيضا , والأوفق هنا أن يكون منسوبا إلى الجمع , لأنه أهول , ~~والمقام للتهويل , قال القزاز في ديوانه : ولجة البحر معروفة وهو المرضع ~~الذي لا ترى منه أرضا ولا جبلا , وبحر لجي : واسع اللجة , وجمع اللجة لجج ~~ولج . | { يغشاه } أي يغطي هذا البحر ويعلوه , أو يلحق الكائن فيه { موج } ~~وهو مثل ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة , كائن { من فوقه } أي هذا ~~الموج { موج } آخر { من فوقه } أي هذا الموج الثاني المركوم على الأول { ~~سحاب } قد غطى النجوم , وهو مثال الرين والختم والطبع على القلب , فلا سماء ~~تبصر ولا أرض . | ولما كان هذا الأمر مهولا , أشار إلى هوله وتصويره بقوله ~~: { ظلمات } أي من البحر والمجين والسحاب { بعضها } . | ولما كان المراد ~~استغراق الجهة , لم يثبت الجار فقال : { فوق بعض } متراكمة , فلذلك يبعد كل ~~البعد أن ينفذ فيها بصر , ولذلك قال : { إذا أخرج } أي الكائن في هذا البحر ~~بدلالة المعنى وإن لم يجر له ذكر { يده } وهي أقرب شيء إليه { لم يكد } أي ~~الكائن فيه { يراها } أي يقرب من ذلك فضلا عن أن يكون , لأن الله قد ستر ~~عنه كل نور ms3343 بهذه الظلمات المتكاثفة , وهو مثال لعمله وأنه عدم PageV05P270 ~~لما تقدم من أن العدم كله ظلمة , فلا عمل له يكون شيئا ولا يقرب من ذلك ~~لأنه لا أهلية له بوجه { ومن لم يجعل الله } أي الملك الأعظم { له نورا } ~~من الأنوار , وهو قوة الإيجاد والإظهار { فما له من نور * } أصلا , لأنه ~~سبحانه يستر نوره وإن كان ملء السماوات والأرض عمن يشاء بحجب الأهوية , ~~لأنه قادر على ما يريد . | ولما كان قيام الأمور , زظهورها كل ظهور , إنما ~~هو بالنور , حسا بالإيجاد , زمعنى بجعل الموجودات آيات مرئيات تدل على ~~موجدها , قال تعالى دالا على ما أخبر به من أنه وحده نور السماوات والأرض , ~~أي موجدهما بعلمه وقدرته ومن أن من كساه من نوره فإن في يوم البعث الذي ~~يجازي فيه الخلق على ما يقتضيه العلم الذي هو النور في الحقيقة من مقادير ~~أعمالهم , ومن أعراه من النور هلك : { ألم تر } أي تعلم يارأس الفائزين ~~برتبة الإحسان علما هو في ثباته كما بالمشهادة { أن الله } الحائز لصفات ~~الكمال { يسبح له } اي ينزه عن كل شائبة نقص لأجله خاصة بما له فيه من ~~القدرة الكاملة { من في السموات } . | ولما كان أمر الطير أدل لأنه أعجب , ~~قال مخصصا : { والطير صافات } أي { والأرض } أي هما وكل ما فيهما بلسان ~~حاله , أو آلة مقاله , وعرف أن المراد العموم بعطفه بعض ما لا يعقل , وعبر ~~ب ( من ) لأن المخبر به من وظائف العقلاء . | ولما كان الطير أدل لأنه أعجب ~~, قال مخصصا : { والطير صافات } أي باسطات أجنحتها في جو السماء , لا شبهة ~~في أنه لا يمسكهن إلا الله , وإمساكه لها في الجو مع أنها أجرام ثقيلة , ~~وتقديره لها فيه على القبض والبسط حجة قاطعة على كمال قدرته . | ولما كان ~~العلم يوصف به ما هو سبب كالكتاب المصنف ونحوه , ويشتق للشيء اسم فاعل مما ~~لابسه كما يقال : ليله قائم , ونهاره صائم , < # > 77 ( { ولا تزال تطلع على خائنة منهم } ) 77 < # > [ المائدة : 13 ] وكانت أسطر القدرة مجودة على كل كائن , شديدة الوضوح ~~في ms3344 صفحات كل شيء , فكانت الكائنات بذلك دالة على خالقها وما له من كل صفة ~~كمال , صح إطلاق العلم عليها وإسناده إليها فقال : { كل } أي من المخلوقات ~~{ قد علم } أي بما كان شببا له من العلم بما فيه من الآيات الدالة المعلمة ~~بما لموجده من صفات الكمال { صلاته } أي الوجه الذي به وصلته بمولاه ونسبته ~~إليه { وتسبيحه } أي الحال الذي به براءة صانعه من الشين وتعاليه عن النقص ~~, وقد صرحت بذلك ألسن أحوالها , نيابة عن بيان مقالها , هذا بقيامه صامتا ~~جامدا , وهذا بنموه مهتزا رابيا , إلجاء وقهرا , وهذا بحركته بالإرادة , ~~وقصد وجوه منافعه , وبعده عن أحوال مضاره بمجرد فطرته وما أودع في طبيعته , ~~وهذا بنطقه وعقله , ونباهته وفضله , مع أن نسبة كل منهم إلى الأرض ~~PageV05P271 والسماء واحدة , ويدل على ذلك دلالة واضحة ما روى الإمام أمحد ~~في المسند عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن ( النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن نوحا عليه السلام أوصى ابنه عند مته بلا إله إلا الله , فإن ~~السموات السبع والأرضين السبع لو كن حلقة مبهمة قصمتهن , وسبحان الله ~~وبحمده , فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق الخلق وقال الغزالي في الإحياء : ~~وروي أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ) تولت عني ~~الدنيا وقلت ذات يدي , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فأين أنت ~~من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق وبها يرزقون ) , قال فقلت : وما هي يا ~~رسول الله ؟ قال : ( سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم أستغفر الله مائة ~~مرة ما بين طلوع الفجر إلى أن تصلي الصبح , تأتيك الدنيا راغمة صاغرةن ~~ويخلق الله من كل كلمة ملكا يسبح الله إلى يوم القيامة لك ثوابه ) . | قال ~~الحافظ زينا لدين العراقي : رواه المستغفري في الدعوات عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما وقال : غريب من حديث مالك , ولا أعرف له أصلا من حديث مالك ( . | ~~ولما كان التقدير : فالله قدير على جميع تلك الشؤون , عطف عليه قوله : { ~~والله } أي المحيط علما وقدرة { عليم ms3345 بما يفعلون * } بما ثبت ممت أخبركم به ~~في هذه السورة دقائق أقوالكم وأحوالكم , وضمائركم وأفعالكم , وقد تقدم في ~~الأعراف عند < # > 77 ( { أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض } ) 77 < # > [ الأعراف : 185 ] ما ينفع هنا . | ولما أخبر عما في الكونين بما ~~يستلزم الملك على أنهى وجوه التمام المستلزم للقدرة على البعث , أخبر عنهما ~~بالتصريح به فقال : { ولله } أي الذي لا ملك سواه { ملك السموات والأرض } ~~مع كونه كالكا مسخرا مصرفا لجميع ذلك , فهو جامع للملك والملك . | ولما كان ~~التقدير : ومن الله المبدأ للكل بالإيجاد من العدم , عطف عليه قوله : { ~~وإلى الله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء { المصير * } أي لهم كلهم بعد ~~الفناء , وإنما طوي هذا المقدر لأنه لا خلف فيه . | ولما أخبر بذلك فتقرر ~~ملكه وقدرته على البعث على حسب ما وعد به بعد أن تحرر ملكه , دل عليه ~~بتصرفه في العالم العلوي والسفلي بما يدل على القدرة على الإعادة فقال : { ~~ألم تر أن الله } أي ذا الجلال والجمال { يزجي } اي يسوق بالرياح , وسيأتي ~~الكلام عليها في النمل ؛ وقال أبو حيان : إن الإزجاء يستعمل في سوق الثقل ~~برفق . | { سحابا } اي بعد أن أنشأه من العدم تارة من السفل , وتارة منالعو ~~, ضعيفا PageV05P272 رقيقا متفرقا , قال أبو حيان : وهو اسم جنس واحدة ~~سحابة , والمعنى : يسق سحابة إلى سحابة . | وهو معنى { ثم يؤلف بينه } أي ~~بين أجزائه بعد أن كانت قطعا في جهات مختلفة { ثم يجعله ركاما } في غاية ~~العظمة متاكبا بعضه على بعض بعد أن كان في غاية الرقة { فترى } أي في تلك ~~الحالة المستمرة { الودق } أي المطر , قال القزاز : وقيل : هو احتفال المطر ~~. | { يخرج من خلاله } أي فتوقه التي حدثت بالتراكم وانعصار بعضه من بعض { ~~وينزل من السماء } أي من جهتها مبتدئا من { من جبال فيها } أي في السما , ~~وهي السحاب الذي صار بعد تراكمه كالجبال ؛ وبعض فقال : { من برد } هو ماء ~~منعقد ؛ وبين أن ذلك بإرداته واختياره بقوله : { فيصيب به } أي لابرد ~~والمطر على وجه النقمة أو الرحمة { من يشاء ms3346 } من الناس وغيرهم { ويصرفه عمن ~~يشاء } صرفه عنه ؛ ثم نببه على ما هو غاية في العجب في ذلك مما في الماء من ~~النار التي ربما نزلت منها صاعقة فأحرقت ما لا تحرق النار فقال : { يكاد ~~سنا } أي ضوء { برقه } وهو اضطراب النور في خلاله { يذهب } أي هو , ملتبسا ~~{ بالأبصار * } لشدة لمعه وتلألئه , فتكون قوة البرق دليلا على تكاثف ~~السحاب وبشيرا بقوة المطر , ونذيرا بنزول الصواعق ؛ ثم ذكر ما هو أدل على ~~الاختيار , فقال مترجما لما مضى بزيادة : { يقلب الله } أي الذي له الأمر ~~كلهه بتحويل الظلام ضياء والضياء ظلاما , والنقص تارة والزيادة أخرى , مع ~~المطر تارة والصحو أخرى { الليل والنهار } فينشأ عن ذلك التقليب من الحر ~~والبرد والنمو والينوع واليبس ما يبهر العقول ؛ ولهذا قال منبها على ~~النتيجة : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم الذي ذكر من جميع ما تقدم { لعبرة ~~لأولي الأبصار * } أي النافذة , والقلوب الناقدة , يعبرون منها إلى معرفة ~~ما لمدبر ذلك من القدرة التامة والعلم الشامل الدال قطعا على الوحدانية . | ~~< < # | النور : ( 45 - 51 ) والله خلق كل . . . . . # > > ^ ( والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي ~~على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشآء إن الله على كل شيء ~~قدير * لقد أنزلنآ آيات مبينات والله يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم * ~~ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك ومآ ~~أولئك بالمؤمنين * وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا ~~أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون * إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون ) ^ } ) | ولما ذكر أولا أحوال الخافقين دليلا على ~~وحدانيته , وفصل منها الآثار العلوية , PageV05P273 فذكر ما يسقي الأرض , ~~وطوى ذكر ما ينشأ عنه منالنبات للعلم به , ذكر أحوال ما يتكون به من ~~الحيوانات دليلا ms3347 ظاهرا على الإعادة , وبرهانا قاهرا على المنكرين لها فقال ~~: { والله } أي الذي له العلم الكامل والقدرة الشاملة { خلق كل دآبة } أي ~~مما تقدم أنه يسبح له . | ولما ذكر أنواعا من الحيوان , نكر بخلاف ما في ~~الأنبياء فقال : { من ماء } أي دافق هو أعظم أجزاء مادته كما خلق النبات من ~~ماء ( هامر ) كذلك , وفاوت بينه مع كون الكل من الماء الهامر الذي لا تفاوت ~~فيه { فمنهم } أي الدواب . | ولما كان في سياق التعظيم , وكان قد آتى كل ~~نفس من الإدراك ما تعرف به منافعها ومضارها , عبر عن الكل بأداة من يعقل ~~وإن كانوا متفاوتين في التمييز فقال : { من يسمي على بطنه } أي من غير رجل ~~؛ وقدم هذا لكونه أدل على القدرة , وسماه مشيا استعارة ومشاكلة { ومنهم من ~~يمشي على رجلين } أي ليس غير { ومنهم من يمشي على أربع } أي من الأيدي ~~والأرجل , وفي هذا تنبيه على من يمشي على أكثر من ذلك , وإليه الإشارة ~~بقوله : { يخلق الله } وعبر باسم الجلالة إعلاما بتناهي العظمة ؛ وقال : { ~~ما يشاء } دلالة على أنه فعله بقدرته واختياره , لا مدخل لشيء غير ذلك فيه ~~إلا بتقدير العزيز العليم . | ولما كانت هذه الأدلة ناظرة إلى البعث أتم ~~نظر , وكانوا منكرين له , أكد قوله : { إن الله } أي الذي الكمال المطلق { ~~على كل شيء } من ذلك وغيره { قدير } . | ولما اتضح بهذا ما لله تعالى من ~~صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص , وقامت أدلة الوحدانية على ساق , ~~واتسقت براهين الألوهية أي اتساق , قال مترجما لتلك الأدلة : { لقد أنزلنا ~~} أي في هذه السورة وما تقدمها , بما لنا من العظمة { آيات } أي من الحكم ~~والأحكام والأدلة والأمثال { مبينات } لا خفاء في شيء منها عند أحد من ~~الخلق , لأن الله قد أراد هدايتكم , بعضكم بالبيان , وبعضكم بخلق الإذعان { ~~والله } أي الملك الأعظم { يهدي من يشاء } من العابد كلهم { إلى صراط ~~مستقيم * } بالقوة بإنزال الآيات , والفعل بخلق الإيمان والإخبات , فيؤمنن ~~إيمانا ثابتا . | ولما كان إخفاء هذه الآيات عن البعض بعد بيانها أعجب من ~~ابتداء ms3348 نصبها , فكان السياق ظاهرا في أن التقدير : والله يضل من يشاء ~~فيكفرون بالآيات والذك رالحكيم , وكان الخروج من نورها بعد التلبس بها إلى ~~الظلام أشد غرابة , عطف على ما قدرته مما دل عليه السياق أتم دلالة قوله ~~دليلا شهوديا على ذلك مطوي , كعجبا ممن عمي عن PageV05P274 دلائل التوحيد ~~التي أقامها تعالى وعددها وأوضحها بحيث صارت كما ذكر تعلى أعظم من نور ~~الشمس : { ويقولون } أي الذين ظهر لهم نور الله , بألسنتهم فقط : { آمنا ~~بالله } الذي أوضح لنا جلاله , وعظمته وكماله { وبالرسول } الذي علمنا كمال ~~رسالته وعمومها بما أقام عليها من الأدلة { وأطعنا } أي أوجدنا الطاعة لله ~~وللرسول , وعظم المخالفة بين الفعل والقول بأداة البعد فقال : { ثم يتولى } ~~أي يرتد بإنكار القلب ويعرض عن طاعة الله ورسوله , ضلالا منهم عن الحق { ~~فريق منهم } أي ناس يقصدون الفرقة من هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة . | ~~ولما كان ينبغي أن يكون وقوع الارتداد منهم - كما أشير إليه - في غاية ~~البعد وإن كان في أقل زمن , أشار إليه بأداة التراخي , وأكد ذلك بقوله ~~مثبتا الجار : { من بعد ذلك } أي القول السديد الشديد المؤكد , مع الله ~~الذي هو أكبر من كل شيء , ومع رسوله الذي هو أشرف الخلائق { وما أولئك } أي ~~البعداء PageV05P275 البغضاء الذين صاروا بتوليهم في محل البعد { بالمؤمنين ~~* } اي بالكاملين في الإيمان قولا وعقدا , وإنما هم من أهل الوصف اللساني , ~~المجرد عن المعنى الإيقاني . | ولما فضحهم بما أخفه من توليهم , قبح عليهم ~~ما أظهروه , فقال معبرا بأداة التحقيق : { وإذا دعوا } أي الذين ادعوا ~~الإيمان من أي داع كان { إلى الله } أي ما نصب الملك الأعظم من أحاكمه { ~~ورسوله ليحكم } أي الرسول { بينهم } بما أراه الله { إذا فريق منهم } أي ~~ناس مجبولون على الأذى المفرق { معرضون * } أي فاجؤوا الإعراض , إذا كان ~~الحق عليهم , لاتباعهم أهواءهم , مفاجأة تؤذن بثباتهم فيه { وإن يكن } أي ~~كونا ثابتا جدا { لهم } أي على سبيل الفرض { الحق } أي بلا شيهة { يأتوا ~~إليه } أي بالرسول { مذعنين * } أي منقادين أتم انقياد لما وافق من ms3349 أهوائهم ~~لعلمهم أنه دائر مع الحق لهم وعليهم , لا لطاعة الله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم . | ولما كان سبب فعلهم هذا بعد إظهارهم الطاعة مشكلا , ناسب أن يسأل ~~عنه , فقال تعالى مبينا له بعد التنبيه على ما يحتمله من الحالات : { أفي ~~قلوبهم مرض } أي نوع فساد من أصل الفطرة يحملهم على الضلال { أم ارتابوا } ~~بأن حدثت لهم شبهة أعمتهم عن الطريق { أم } ليس فيهم خلل لا أصلي ولا طارىء ~~, بل الخلل في الحاكم فهم { يخافون أن يخيف } اي يجور { الله } الغني عن كل ~~شيء , لأن له كل شيء { عليهم } بنصب حكم جائر وهو منزه عن الإغراض { ورسوله ~~} الذي لا ينطق عن الهوى , بضرب أمر زائغ وقد ثبتت عصمته عن الأدناس . | ~~ولما لم يكن شيء ن ذلك كائنا أضرب عنه فقال : { بل أولئك } أي البعداء ~~البغضاء { هم } أي خاصة { الظالمون } أي الكاملون في الظلم , لأن قلوبهم ~~مطبوعة على المرض والريب , لا أن فيها نوعا واحدا منه , وليسوا يخافون ~~الجور , بل هو مرادهم إذا كان ا لحق عليهم . | ولما نفى عنهم الإيمان ~~الكامل بما وصفهم به , كان كأنه سئل عن حال المؤمنين فقال : { إنما كان } ~~أي دائما { قول المؤمنين } اي العريقين في ذلك الوصف , وأطبق العشرة على ~~نصب القول ليكون اسم أوغل الاسمين في التعريف , وهو ( أن ) وصلتها لأنه لا ~~سبيل عليه للتنكير , ولشبهة كما قال ابن جني في المحتسب بالمضمر من حيث إنه ~~لا يجوز وصفه كما لا يجوز وصف المضمر , وقرأ على رضي الله عنه بخلاف وابن ~~أبي إسحاق { قول } بارفع { إذا دعوا } أي من أي داع كان { إلى الله } أي ما ~~أنزل الملك الذي لا كفوء له من أحكامه { ورسوله ليحكم } أي الله بمما نصب ~~من أحكامه أو الرسول صلى الله عليه وسلم بما يخاطبهم به من كلامه { بينهم } ~~أي بالإجابة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم . | ولما كان التقدير : فأولئك ~~هم المؤمنون , عطف عليه قوله : { وألئك } أي العالو الرتبة { هم } خاصة { ~~المفلحون * } الذين تقدم في أول المؤمنون وصفهم ms3350 بأنهم يدركون جميع مأمولهم ~~. | < < # | النور : ( 52 - 53 ) ومن يطع الله . . . . . # > > ^ ( ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفآئزون * ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن ~~الله خبير بما تعملون ) ^ } ) | ولما رتب سبحانه الفلاح على هذا النوع ~~الخاص من الطاعة , أتبعه عموم الطاعة فقال : { ومن يطع الله } أي الذي له ~~الأمر كله { ورسوله } أي في الإذعان للقضاء وغيره فيما ساءه وسره من جميع ~~الأعمال الظاهرة { ويخش الله } أي الذي له الجلال والإكرام , بقلبه لما مضى ~~من ذنوبه ليحمله ذلك على كل خير , كما كان الصحابة رضوان الله عليهم إذا ~~وقع أحد منهم في تقصير يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول : طهرني , ~~ويلقن أحدهم الرجوع فلا يرجع , وفي تطهيره الإتيان علىنفسه , وقع ذلك ~~لرجالهم ونسائهم - رضي الله عنهم أجمعين وأحيانا على منهاجهم وحشرنا في ~~زمرتهم { ويتقه } أي الله فيما يستقبل بأن يجعل بينه وبين ما يسخطه وقاية ~~من المباحات فيتركها ورعا . | ولما أفرد الضمائر إشار إلى قلة المطيع , جمع ~~لئلا يظن أنه واحد فقال : { فأولئك } العالو الرتبة { هم الفائزون * } ~~بالملك الأبدي ولا فوز لغيرهم . | PageV05P276 ولما ذكر سبحانه ما رتب على ~~الطاعة الظاهرة التي هي دليل الانقياد الباطن , ذكر حال المنافقين فيه , ~~فقال عاطفا على { ويقولون } لأنه ليس المراد منه إلا مجرد القول من غير ~~إرادة تقييد بزمان معين : { وأقسموا } وكأنه عبر بالماضي إشارة إلى أنهم لم ~~يسمحوا به أكثر من مرة , لما يدل عليه من زيادة الخضوع والذل { بالله } أي ~~الملك الذي له الكمال المطلق ؛ واستعار من جهد النفس قوله في موضع الحال : ~~{ جهد أيمانهم } أي غاية الإقسام { لئن أمرتهم } أي بأمر من الأمور { ~~ليخرجن } مما هم ملتبسون به من خلافه , كائنا ما كان , إلى ما أمرتهم به , ~~وذلك أنهم كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أينما كنت نكن معك ~~, إن خرجت خرجنا , وإن أقمت أقمنا , وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا - قاله ~~البغوي . | فكأنه قيل : ماذا تفعل في اختبارهم ؟ فقيل : الأمر ms3351 أوضح من ذلك ~~, فإن لكل حق حقيقة , ولكل فعل أدلة { قل } أي لهم : { لا تقسموا } أي لا ~~تحلفوا فإن العلم بما أنتم عليه لا يحتاج إلى الإقسام , ولكن المحرك لكم ~~إلى الخروج محبة الامتثال لا إلزام الإقسام , وفيه إشارة إلى أنهم أهل ~~للاتهام , وكذا قال المتنبي : | وفي يمينك فيما أنت واعده ما دل أنك في ~~الميعاد متهم | ثم علل ذلك بقوله : { طاعة } أي هذه الحقيقة { معروفة } أي ~~منكم ومن غيركم , وإرادة الحقيقة هو الذي سوغ الابتداء بها مع تنكير لفظها ~~لأن العموم الذي تصلح له كما قالوا من أعرف المعارف , ولم تعرف ب ( الط ~~لئلا يظن أنها لعهد ذكري أو نحوه , والمعنى أن الطاعة وإن اجتهد العبد في ~~إخفائها لا بد أن تظهر مخايلها على شمائله , وكذا المعصية لأنه ) ما أسر ~~عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها ( رواه الطبراني عن جندب رضي الله عنه , ~~وروى مسدد عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال : لو أن رجلا دخل بيتا في جوف ~~بيت فأدمن هناك عملا أوشك الناس أن يتحدثوا به , وما من عامل عمل عملا إلا ~~كساه الله رداء عمله , إن كان خيرا فخير , وإن كان شرا فشر . | ولأبي يعلى ~~والحاكم - وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه عن أبي سعيد رضي الله عنه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ) لو أن أحدكم في صخرة صماء ليس لها ~~باب ولا كوة لخرج عمله للناس كائنا ما كان ( ثم علل للخبء بقوله : { إن ~~الله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء { خبير بما تعلمون * } وإن إجتهدتم في ~~إخفائه , فهو ينصب عليه دلائل يعرفه بها عباده , فالحلف غير مغن عن الحالفن ~~والتسليم غير ضار للمسلم . | PageV05P277 < < # | النور : ( 54 - 56 ) قل أطيعوا الله . . . . . # > > ^ ( قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل ~~وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين * وعد ~~الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف ~~الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ms3352 ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم ~~أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون * ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون ) ^ } ) | ولما ~~نبه على خداعهم , أشار إلى عدم الاغترار بإيمانهم , وإلى قبول شهادة التوسم ~~فيهم , أمر بترغيبهم وترهيبهم , مشيرا إلى الإعراض عن عقوبتهم فقال : { قل ~~أطيعوا } أيها الذين أقروا بالإيمان { الله } أي الذي لم الكمال المطلق { ~~وأطيعوا الرسول } أي لاذي له الرسالة المطلقة , ظاهرا وباطنا لا كالمنافقين ~~{ فإن تولوا } أي توجد منكم التولية عن ذلك عصيانا له ولو على أدنى وجوه ~~التولية - بما أشار إليه حذف التاء , تضلوا فلا تضروا إلا أنفسكم , وهو ~~معنى قوله : { فإنما عليه } أي الرسول { ما حمل } أي من التبليغ ممن إذا ~~حمل أحدا شيئا فلا بد من حمله له أو حمل ما هو أثقل منه { وعليكم ما حملتم ~~} من القبول , وليس عليه أن يقسركم على الهداية ؛ وأفهم بقوله : { وإن ~~تطيعوا } اي بالإقبال على كل ما يأمركم به { تهتدوا } اي إلى كل خير أنه لا ~~هداية لهم بدون متابعته ؛ روى عبد الله ابن الإمام أحمد في زيادات المسند ~~عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال على ~~المنبر : ( من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير , ومن لم يشكر الناس لم يشكر ~~الله , والتحدث بنعمة الله شكر , وتركه كفر , والجماعة رحمة , والفرقة عذاب ~~) قال : فقال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه : عليكم بالسواد الأعظم ! قال ~~فقال رجل : ما السواد الأعظم ؟ فنادى أبو أمامة هذه الآية في سورة النور { ~~فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم } . | ولما كان ما حمله ~~الرسول صلى الله عليه وسلممبهما , عينه بقوله : { ما على الرسول } أي من ~~جهة غيره { إلا البلاغ المبين * } أي التبليغ الذي يحصل به البلاغ من غير ~~شك , إما بالإيضاح وحده أو مضموما إلى السيف فما دونه من أواع الزواجر . | ~~ولما لا ح بهذا الإذان في الكف عن قتل النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين ~~لئلا ms3353 يقول الناس : إن محمدا استنصر بقوم , فلما نصره الله بهم أقبل يقتلهم ~~. | فيمتنع من يسمع ذلك من PageV05P278 الدخول في الإسلام , فتكون مفسدة ~~فتلهم أعظم من مفسدة إبقائهم , لأن الدين لم يكن حينئذ تمكن تمكنا لا يؤثر ~~فيه مثل ذلك , تشوفت النفوس إلى أن هذا الحال هل يستمر ؟ فجلى عنهما هذا ~~الكرب بقوله : بيانا لأن تمكن الدين غير مفتقر إليهم سواء أقبلوا أو أدبروا ~~: { وعد الله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء { الذين آمنوا } وهو مع ذلك ~~كالتعليل لما قبله ترغيبا لمن نظر في الدنيا نوع نظر ؛ وقيد بقوله : { منكم ~~} تصريحا بأهل القرن الأول , ليكون ظاهرا فس إخراج المنافقين المتولين ~~بالإعراض , إشارة إلى أنهم لا يزالون في ذل وضعة ؛ وقدم هذا القيد اهتماما ~~به لما ذكر بخلاف ما يأتي في سورة الفتح { وعملوا } تصديقا لإيمانهم { ~~الصالحات } من الإذعان للأحكام وغيرها , وأكد غاية التأكيد بلام القسم , ~~لما عند أكثر الناس من الريب في ذلك فقال : { ليستخلفنهم في الأرض } أي أرض ~~العرب والعجم , بأن يمد زمانهم , وينفذ أحكامهم { كما استخلف } أي طلب ~~وأوجد خلافة بإيجادهم { الذين من قبلهم } أي من الأمم من بني إسرائيل ~~وغيرهم من كل من حصلت له مكنة , وظفر على الأعداء بعد الضعف الشديد كما كتب ~~في الزبور { إن الأرض يرثها عبادي الصالحون } وكما قال موسى عليه السلام : ~~{ إن الأرض يروثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين } { وليمكنن لهم } اي ~~في الباطن والظاهر { دينهم } أضافة إليهم إشارة إلى رسوخ أقدامهم فيه وأنه ~~ابدي لا ينسخ { الذي ارتضى لهم } حتى يقيموا الحدود فيه من قتل وغيره على ~~الشريف والوضيع سواء كان الواقعون في ذلك عصبة أم لا , لا يراعون أحداص , ~~ولا يخافون لومة لأئم , لأنه لا يضره إذ ذاك إدبارا مدبر كما قال صلى الله ~~عليه وسلم عن الحرورية كافة ( إنه إن أدركهم ليقتلنهم قتل عاد , بعد أن كف ~~عن قتل رأسهم ونهى عن قتله - وهو واحد في غزوة حنين ) ولما بشرهم بالتمكين ~~, أشار لهم إلى مقداره بقوله : { وليبدلنهم } وأشار غلى ms3354 عدم استغراق هذا ~~المن العام لجميع الزمان بإثبات الجار فقال : { من بعد خوفهم } هذا الذي هم ~~فيه الآن { أمنا } أي عظيما بمقدار هذا الخوف , في زمن النبوة وخلافتها ؛ ~~ثم أتبع ذلك نتيجة بقوله تعليلا للتمكين وما معه : { يعبدونني } اي وحدي ؛ ~~وصرح بالمراد بيانا لحال العابدة النافعة بقوله : { لا يشركون بي شيئا } ~~ظاهرا ولا باطنا , لأن زانهم يكون زمن عدل , فلا يتحابون فيه بالرغبة ~~والرهبة , روى الطبراني في الوسط عن أبي بن PageV05P279 كعب رضي الله عنه ~~قال : لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم المدينة , ~~وآوتهم الأنصار - رضي الله عنهم أجمعين , رمتهم العرب من قوس واحدة فنزلت { ~~ليستخلفنهم في الأرض } الآية . | ولقد صدق الله سبحانه ومن أصدق من الله ~~حديثا - ففتح سبحانه لهم البلاد , ونصرهم على جبابرة العباد , فأذلوا رقاب ~~الأكاسرة , واستبعدوا أبناء القياصرة , ومكنوا شرقا وغربا مكنة لم تحصل ~~قبلهم لأمة من الأمم , كما قال صلى الله عليه وسلم ( إن الله زوى لي الأرض ~~فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها ) يعرف ذلك من طالع ~~فتوح البلاد , وأجمعها وأحسنها النصف الثاني من سيرة الحافظ أبي الربيع بن ~~سالم الكلاعي , وكتابشيخه ابن حبيش أيضا حامع , ولا أعلم شيئا أنفع في رسوخ ~~الإيمان , بعد حفظ القرآن , من مطالعة السير والفتوح , وسيرة الكلاعي جامعة ~~للأمرين , ونظمي للسيرة في القصيدة التي أولها : | ما بال جفنك هامي الدمع ~~هامرة وبحر فكرك وافي الهم وافره | أجمع السير - يسر الله إكمال شرحها , ~~آمين . | ولما قتلوا عثمان رضي الله عنه , وخرجوا على علي ثم ابنه الحسن ~~رضي الله عنهما , نع الل ذلك الأمن كما أشير إليه ب ( من ) وتنكير ( أمنا ) ~~وجاء الخوف واستمر يتطاول ويزداد قليلا إلى أن صار في زماننا هذا إلى أمر ~~عظيم - والله المستعان . | ولما كان التقدير : فمن ثبت على دين الإسلام , ~~وانقاد لأحكامه واستقام , نال هذه البشرى , عطف عليه قوله : { ومن كفر } أي ~~بالإعراض عن الأحكام أو غيرها ؛ أو هو عطف على { يعبدونني } لأن معناه : ~~ومن لم ms3355 يعبدني . | ولما كان الفاسق الكامل إنما هو من مات على كفره فحبط ~~عمله , فكان بذلك كفره مستغرقا لزمانه دون من مات مسلما وإن كان كافرا في ~~جميع ما مضى له قبل ذلك , أسقط الجار فقال : { بعد ذلك } أي الاستخلاف ~~العظيم على الوجه المشروح { فأولئك } البعداء من الخير { هم } خاصة { ~~الفاسقون * } أي الخارجون من الدين خروجا كاملا , لا تقبل معه معذرة , ولا ~~تقال لصاحبه عثرة , بل تقام عليهم الأحكام بالقتل وغيره , ولا يراعى فيهم ~~ملام , ولا تأخذ بهم رأفة عند الانتقام , كما تقدم في أول السورة فيمن لزمه ~~الجلد , ولعل الآية مشيرة إلى أهل الردة . | ولما تمت هذه البشرى , وكان ~~التقدير : فاعملوا واعبدوا , عطف عليه قوله : { وأقيموا الصلاة } أي فإنها ~~قوام ما بينكم وبين ربكم , مع أنه يصح عطفه على قوله PageV05P280 ( أطيعوا ~~الله ) فيكون من مقول { قل } { وآتوا الزكاة } فهي نظام ما بينكم وبين ~~إخوانكم { وأطيعوا الرسول } أي المحيط بالرسالة في كل ما يأمركم به , فإنما ~~هو عن أمر ربكم { لعلكم ترحمون * } اي لتكونوا عند من يجهل العواقب على ~~رجاء من حصول الرحمة ممن لا راحم في الحقيقة غيره . | < < # | النور : ( 57 - 60 ) لا تحسبن الذين . . . . . # > > ^ ( لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس ~~المصير * يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا ~~الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن ~~بعد صلاة العشآء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون ~~عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم * وإذا بلغ ~~الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله ~~لكم آياته والله عليم حكيم * والقواعد من النسآء اللاتي لا يرجون نكاحا ~~فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن ~~والله سميع عليم ) ^ } ) | ولما كان الكفار من الكثرة والقوة بمكان , كان ~~الحال جديرا بتأكيد معنى التمكين , جوابا لسؤال من كأنه قال : وهل ذلك ممكن ~~فقال : { لا تحسبن ms3356 } أي أيها المخاطب { الذين كفروا } أي وإن زات كثرتتم ~~على العد , وتجاوزت عظمتهم الحد , فإن ذلك الحسبان ضعف عقل , لأن الملك لا ~~يعجزه من تحت قهره , ويجوز أن يكون خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم لزيادة ~~تحقيقه , لأنه على قدر عظمة المخاطب يكون إنجاز الوعد { معجزين } لأهل ودنا ~~{ في الأرض } فإنهم مأخذون لا محالة { ومأوهم } أي مسكنهم ومنزلهم بعد ~~الأخذ { النار } . | ولما كانت سكنى الشيء لا تكون إلا بعد الصيرورة إليه ~~قال : { ولبئس المصير * } مصيرها ! فكيف إذا كان على وجه السكنى . | ولما ~~كان الملل من شيم النفوس , فكان تدريج الكلام في المقاصد لا سيما الأحكام ~~شيئا فشيئا خلال مقاصد أخرى أوقع في القلب , وأشهى إلى الطبع , لا سيما إذا ~~كان على وجه من المناسبات عجيبة , وضروب من الاتصالات هي مع دقتها غريبة , ~~زين الله تأصيلها بتفصيلها فابتدأ السورة بطائفة منها , وفصلها بدر الوعظ , ~~وجواهر الحكم , والحث عل معالي الأخلاق , ومكارم الأعمال , ثم وصلها ~~بالإلهيات التي هي أصولها , وعن علي مقاماتها تفرعت فصولها , فلما ختمها ~~بالتمكين لأهل هذا الدين , وتوهين أمر المعتدين , شرع في إكمالها , بإثبات ~~بقية أحواله , تأكيدا لما حكم به من التمكين , وما ختمه من ذلك من التوهين ~~, وتحذيرا مما ختمه من العذاب المهين , PageV05P281 وتحقيقا لما ألزم به من ~~الطاعة , ولزوم السنة والجماعة , فقال واصلا بما ختم به الأحكام الأولى , ~~من الأمر بإنكام الأيامى , والكف عن إكراه البغايا , إثر الذين لم يظهروا ~~على عورات النساء : { يا أيها الذين آمنوا } أي من ا لرجال والنساء , إما ~~للتغليب , وإما لأن النساء أولى بحفظ العورة { ليستأذنكم } تصديقا لدعوى ~~الإيمان { الذين ملكت أيمانكم } من العبيد والإماء البالغين , ومن قاربهم , ~~للدخول عليكم كراهة الاطلاع على عوراتكم والتطرق بذلك إلى مساءتكم { والذين ~~} ظهروا على عورات ا لنساء , ولكنهم { لم يبلغوا الحلم } وقيده بقوله : { ~~منكم } ليخرج الأرقاء والكفار { ثلاث مرات } في كل دور , ويمكن أن يرادك ~~ثلاث استئذانات في كل مرة , فإن لم يحصل الإذن رجع المستأذن كما تقدم : ~~المرة الأولى من الأوقات الثلاث { من قبل ms3357 صلاة الفجر } لأنه وقت اقيام من ~~امضاجع وطرح ثياب النوم { و } الثانية { حين تضعون ثيابكم } أي التي للخروج ~~بين الناس { من الظهيرة } للقائلة { و } الثالثة { من بعد صلاة العشاء } ~~لأنه وقت الانفصال من ثياب اليقظة , والاتصال بثياب النوم , وخص هذه ~~الأوقات لأنها ساعات الخلوة , ووضع الثياب , وأثبت من في الموضعين دلالة ~~على قرب الزمن من الوقت المذكور لضبطه , وأسقطها في الأوسط دلالة على ~~استغراقه لأنه غير منضبط , ثم علل ذلك بقوله : { ثلاث عورات } أي اختلالات ~~في التستر والتحفظ , وأصل العورة - كما قال البيضاوي : الخلل . | لأنه لما ~~كانت العورة تبدو فيها سميت بها { لكم } لأنها ساعات وضع الثياب والخلوة ~~بالأهل , وبين حكم ما عدا ذلك بقوله مستأنفا : { ليس عليكم } أي في ترك ~~الأمر { ولا عليهم } يعني العبيد والخدم والصبيان , في ترك الاستئذان في كل ~~وقت كما مضى بقوله : { طوافون عليكم } أي لعمل ما تحتاجونه في الخدمة كما ~~أنتم طوافون عليهم لعمل ما يصلحهم ويصلحكم في الاستخدام { بعضكم } طواف { ~~على بعض } لعمل ما يعجز عنه الآخر أو يشق عليه فلو عم الأمر بالاستئذان ~~لأدى إلى الحرج . | ولما أعلى سبحانه البيان في هذه الآيات إلى حد يعجز ~~الإنسان لا سيما وهي في الأحكام , والكالم فيها يعيي أهل البيان , وكان ~~السامع لما جبل عليه منالنسيان , يذهل عن أن هذا هو الشأن , في جميع القرآن ~~, قال مشيرا إلى عظم شأنها , في تفريقها وبيانها : { كذلك } اي مثل هذا ~~البيان { يبين الله } بما له من إحاطة العم والقدرة { لكم } أيتها الأمة ~~الخاصة { الآيات } في الأحكام وغيرها وبعلمه وحكمته { والله } الذي ~~PageV05P282 له الإحاطة العامة بكل شيء { عليم } بكل شيء { حكيم * } يتقن ~~ما يريده , فلا يقد أحد على نقضه , وختم الآية بهذا الوصف يدل على أنها ~~محكمة لم تنسخ كما قال الشعبي وغيره - أفاده ابن كثير , وحكي مثله عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير . | ولما بين حكم الصبيان والأرقاء ~~الذين هم أطوع للأمر , وأقبل لكل خير , أتبعه حكم البالغين من الأحرار فقال ~~: { وإذا بلغ الأطفال منكم ms3358 } أي من أحراركم { الحلم } أي السن الذي يكون ~~فيه إنزال المني برؤية الجماع في النوم , هذا أصله , والمراد سن مطلق ~~الإنزال { فليستاذنوا } على غيرهم في جميع الأوقات { كما استأذن الذين من ~~قبلهم } على ما بين في أول الآيات القائلة { لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ~~حتى تستأنسوا } ونقل ابن كثير عن يحيى بن أبي كثير وسعيد بن جبير أن الغالم ~~إذا كان رباعيا فإنه يستأذن في العورات الثلاث على أبويه , فإذا بلغ الحلم ~~فليستأذن على كل حال . | ولما كانت آيات الاستئذان أتقن حاسم لماد الشر , ~~وتركها أعظم فاتح لأبواب الفتن , وكان إخراج الكلام , في أحكام الحلال ~~والحرام , مع التهذيب والبيان , في النهاية م الصعوبة , وكان فطم النفوس ~~عما ألفت في غاية منالعسر شديدة , أشار سبحانه إلى ذلك بتكرير آية البيان , ~~إشارة إلى أنها - لما لها من العلو - جديرة بالتأكيد , وإلى أن البلغاء ~~يستبعدون القدرة على البيان كلما أريد على هذا السنن فقال : { كذلك } أي ~~مثل ذلك البيان الذي بينه في آيات الأحكام { يبين الله } بما له من صفات ~~الكمال { لكم } مع ما لكم من خلال النقص { آياته } أي العالمات الدالة عليه ~~من هذه الفرعيات وما رقت إليه الأصليات , فأضافها إليه سبحانه تعظيما لها , ~~إشارة إلى أنها مقدمة للآيات الإلهيات , لأن من لم يتفرغ منمكدرات الأفكار ~~, لم يطر ذلك المطار , وحثا على تدبر ما تقدم منها لاستحضار ما دعت إليه من ~~الحكم , وفصلت به من المواعظ , وتنبيها على ما فيها من العلوم النافعة دينا ~~ودنيا , وزاد في الترغيب في العلم والحكمة إشارة إلى أن ذلك سبب كل سعادة ~~فقال : { والله } اي المحيط بكل شيء { عليم حكيم * } روى الطبراني وغيره عن ~~أنس رضي الله عنه قال : لما كانت صبيحة احتملت دخلت على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبرته أني قد احتملت , فقال : ( ا تدخل على النساء ) , فما أتى ~~علي يوم كان أشد منه . | ولما ذكر سبحانه اقتبال الشباب , ي تغيير حكم ~~الحجاب , أتبعه الحكم عند إدبار الشباب , في إلقاء الظاهر من الثياب , فقال ms3359 ~~: { والقواعد } وحقق ألمر بقوله : { من النساء } جمع قاعدة , وهي التي قعدت ~~عن الولد وعن الحيض كبرا وعن الزوج . | ولما PageV05P283 كان هذا الأخير ~~قطبها قال : { اللاتي لا يرجون نكاحا } أي لعدم رغبتهن فيه أو لوصولهن إلى ~~حد لا يرغب فيهن معه { فليس عليهن جناح } أي شيء من الحرج في { أن يضعن ~~ثيابهن } أي الظاهرة فوق الثياب الساترة بحضرة الرجال بدليل قراءة ابن ~~مسعود رضي الله عنه { من ثيابهن } قال أبو صالح : تضع الجلباب , وهو ما ~~يغطي ثيابها من فوق كالملحفة , وتقوم بين يدي الرجل في الدرع والخمار { غير ~~متبرجات بزينة } أي متعمدات - بوضع ما أبيح لهن وضعه إظهار وجوههن مع ~~الزينة , أو غير متظاهرات بالزينة , قال في الجمع بين العباب والمحكم : ~~تبرجت المرأة : أظهرت وجهها . | وفي القاموس : تبرجت : أظهرت زينته للرجال ~~- انتهى . | ومادة برج تدور على الظهور كما مضى في الحجر ؛ وقال البيضاوي : ~~وأصل البرج التكلف في إظهار ما يخفى - انتهى . | وكأنه أشير بصيغة التفعل ~~إلى أن ما ظهر منها من وجهها أو زينتها عفوا غير مقصود به الفساد لا حرج ~~فيه . | ولما ذكر الجائز , وكان إبداء الوجه داعيا إلى الريبة , أشار إليه ~~بقوله ذاكرا المستحب , بعثا على اختيار أفضل الأعمال وأحسنها : { وإن ~~يستعففن } أي يطلبن العفة بدوام الستر وعدم التخفف بإلقاء الجلباب والخمار ~~{ خير لهن } من الإلقاء المذكور . | ولما كان ما ذكر من حالهن من الخلطة ~~على ذلك الوصف معلوما أنه لا يخلو عن كلام , كان التقدير : فالله في وضع ~~الحرج عنهن رؤوف بهن رحيم , عطف عليه قوله : { والله } أي الذي له جميع ~~صفات الكمال { سميع } أي لكلامهن إذا خاطبن الرجال هل يخضعن فيه ويتصنعن في ~~ترخيم الصوت به أو يلقينه على الحالة المعروفة غير المنكرة { عليم * } بما ~~يقصدن به وبكل شيء . | < < # | النور : ( 61 ) ليس على الأعمى . . . . . # > > ^ ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا ~~على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبآئكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت ms3360 أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله ~~مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون ) ^ } ) | ولما أتم ~~سبحانه ما ذكر من حرمات البيوت المستلزمة لصيانة الأبضاع على وجه يلوم منه ~~إحراز الأموال , أتبعه ما يباح من ذلك للأكل الذي هو من أجل مقاصد الأموال ~~PageV05P284 اجتماعا وانفرادا , فقال في جواب من كأنه سأل : هل هذا التحجير ~~في البيوت سار في وما يأتي من الأحكام , وإن كره غيره أكله لمج يده كيفما ~~اتفق فإنه مرحوم , والاستئذان من أجل البصر { ولا على الأعرج } الذي لايرجى ~~{ حرج } وإن تقذر منه بعض المترفين فإنه يجامعه في أنه يرحم لنقصه { ولا ~~على المريض } أي مرضا يرجى بعرج أو غيره { حرج } كذلك لمرضه , وأخره لرجاء ~~لنقصه { ولا على أنفسكم } أي ولا على غير من ذكر , وعبر بذلك تذكيرا بأن ~~الكل من نفس واحدة { أن تأكلوا من بيوتكم } أي التي فيها عيالكم , وذكرها ~~سبحانه لئلا يحصل من تركها لو تركها ريبة , وليدخل فيها بيوت الأولاد لأنهم ~~من كسب الأب ( أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه ) ( أنت ومالك ~~وعيالك لأبيك ) { أو بيوت آبائكم } وإن بعدت أنسابكم - ولعله جمع لذلك - ~~فإنها مرباكم وحرمتها حرمتكم { أو بيوت أمهاتكم } كذلك , وقدم الأب لأنه ~~أجل وهو حاكم بيته دائما والمال له { أو بيوت إخوانكم } من الأبوين أو الأب ~~أو الأم بالنسب أو الرضاع , فإنهم من أولى من رضي بذلك بعد الوالدين , ~~لأنهم أشقاؤكم , وهم أولياء بيوتهم { أو بيوت أخواتكم } فإنهن بعدهم , من ~~أجل أن ولي البيت - إذا كن مزوجات - الزوج { أو بيوت أعمامكم } فإنهم شقائق ~~آبائكم سواء كانوا أشقاء أو الأب أو أم , ولو أفرد العم لتوهم أنه الشقيق ~~فقط فإنه بالاسم { أب بيوت عماتكم } فهن بعد الأعمام لضعفهن , ولأنه ربما ~~كان أولياء بيوتهن الأزواج { أو بيوت أخوالكم } لأنهم شقائق أمهاتكم ms3361 { أو ~~بيوت خلاتكم } أخرهن لما ذكر { أو ما ملكتم مفاتحه } أي التصرف فيه بوجه من ~~الوجوه كالوكالة { أو صديقكم } الذي تعرفون رضاه بذلك ولو بقرينة كما هو ~~الغالب , ولذلك أطلقه , وإن لم يكن أمكنكم من مفاتحه بل كان عياله فيه , كل ~~ذلك من غير إفساد ولا حمل ولا ادخار , وقد عدل الصديق هنا بالقريب , تنبيها ~~على شريف رتبة الصداقة ولطيف سرها , وخفيف أمرها , وأفرده لعزته ؛ وعن جعفر ~~بن محمد : من عظم حرمة الصديق أن جعله كالنفس والأب ومن معه . | قال ~~الأصبهاني : وقالوا : إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن ~~الصريح , وبما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في ~~الأكل . | ولما ذكر الأكل , ذكر حاله فقال : { ليس عليكم جناح } أي شيء من ~~الإثم الذي منشأنه أن يميل بصاحبه عن السواء في { أن تأكلوا جميعا } أي ~~مجتمعين وإن كان بينكم ناقص الخلقة , لأن من كان معرضا للآفات جدير بأن ~~يرحم المبتلى , فلا يستقذره حذرا من انعكاس الحال . | PageV05P285 ولما رغب ~~في أول الإسلام - لما كان فيه أكثر الناس من الضيق - في المؤاساة , ~~والاجتماع مع الضيوف , ترغيبا ظن به الوجوب , مع ما كانوا عليه من الكرم ~~الباعث على الجود والاجتماع للأنس بالمحتاج , خفف عنهم بقوله : { أو أشتاتا ~~} أي متفرقين لغير قصد الاستقذار , والترفع والإضرار , وإن كان الأكل في ~~جماعة أفضل وأبرك - كما يفهمه تقديمه , فقد روى الإمام أحمد وأبو داود وابن ~~ماجه عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم ~~: إنا نأكل ولا نشبع , قال : ( فلعلكم تأكلون متفرقين ؟ اجتمعوا على طعامكم ~~, واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه ) ولابن ماجه عن عمر رضي الله عنه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( كلوا جميعا ولا تفرقوا فإن ~~البركة مع الجماعة ) ولما ذكر مواطن الأكل وكيفيته , ذكرالحال التي يكون ~~عليها الداخل إلى تلك المواطن أو غيرهن فقال مسببا عما مضى من الإذن , ~~معبرا بأداة التحقيق , بشارة بأنهم يطيعون بعد ms3362 أن كانوا تحرجوا من ذلك حين ~~أنزل تعالى < # > 77 ( { ا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } ) 77 < # > [ النساء : 29 ] : { فإذا دخلتم } أي بسبب ذلك أو غيره { بيوتا } أي ~~مأذونا فيها , أي بيوت كانت مملوكة أو لا , مساجد أو غيرها { فسلموا } عقب ~~الدخول { على أنفسكم } اي أهلها الذين هم منكم دينا وقربا , وعبر بذلك ~~ترغيبا بالإسلام , والإحسان في الإكرام , ولتصلح العبارة لما إذا لم يكن ~~فيها أحد فيقال حينئذ ( السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ) فيكون من ~~الاستعمال في الحقيقة والمجاز { تحية } مصدر من المعنى دون اللفظ , أو ~~أوقعوا الدعاء للمحيي بسلامة وحياة وملك بقاء { من عند الله } أي هي جديرة ~~لتمام حسنها أن تضاف إلى من له الكمال كله سبحانه { مباركة } أي ثابتة أعظم ~~ثبات بكونها موافقة لما شرع الله من خالص قلوبكم { طيبة } تلذذ السمع ؛ ثم ~~وصف البيان , تنبيها على ما في هذه آيات من الحسن والإحسانن فقال مستأنفا ~~كما مر غير مرة : { كذلك } أي مثل هذا البيان , العظيم الشأن { يبين الله } ~~أي المحيط بكل شيء { لكم الآيات } التي لا أكمل منها . | ولما كان الله ~~تعالى , بعلمه وحكمته , وعزه وقدرته , ولطفه وخبرته , قد خلق عقلا نيرا إلى ~~الحق , وإلى طريق مستقيم , وقسمع بين عباده , وخلق فيهم أنواعا PageV05P286 ~~من العوائق لذلك العقل عن النفوذ على سمت الاستقامة , من الهوى والكسل , ~~الفتور والملل , جعلها حجبا تحجبه عن النفوذ , وتستر عنه المدارك , و تمنعه ~~من البلوغ , إلا برياضات ومجاهدات تكل عنها ا لقوى , وتضعف عندها العزائم , ~~فلا يكاد الماهر منهم يرتب قياسا صحيحا , لغلطه في المقدمات , فتكون ~~النتيجة حينئذ فاسدة القاعدة , واهية الأساس , فكنوا لا يزالون لذلك ~~مختلفين , حتى يوصلهم الاختلاف إلى الإجن , والمشاجرة والفتن , فيجرهم إلى ~~السيف وذهاب النفوس تلف الأرواح , فأنزل سبحانه لهم في كل وقت شرعا يليق ~~بذلك الزمان على لسان رسول من رسله عليهم الصلاة والسلام , جعل ذلك الشرع ~~يطابق العقل السوي , والنر الضوي , والمنهل الروي , والسبب القوي , من تمسك ~~به هدي ولم يزغ , حد فيه سبحانه حدودا , وأقام فيه ms3363 زواجر , لتظهر حكمته , ~~ويتضح علمه وقدرته , فصارت شرائع متفقة الأصول , مختلفة الفروع , بحسب ~~الأزمنة , إشارة إلى أن الفاعل في تغيير الأحكام بحسب الأزمان واحد مختار , ~~وامتحانا للعباد , تمييزا لأهل الصالح منهم من أهل الفساد , وكانت الإغارة ~~على شيء من الأعراض والأموال على غير ما أذن فيه تذهب العقول , وتعمي ~~البصائر , ختم الآية بقوله : { لعلكم تعقلون * } أي لتكونوا على رجاء عند ~~من يصح منه الرجاء من ثبات هذا الوصف لكم , وهو ضبط النفوس وردها عن ~~الأهوية , باتباع آيات الشرع التي أنزلها الذي كرر وصفه هنا بأنه عليم حكيم ~~, فلا تتولوا بعد قولكم ^ ( { سمعنا وأطعنا } ) ^ [ المائدة : 7 ] عن ~~الأذعان للأحكام وأنتم معرضون . | < < # | النور : ( 62 - 64 ) إنما المؤمنون الذين . . . . . # > > ^ ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر ~~جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ~~ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن ~~الله غفور رحيم * لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا قد يعلم ~~الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم * ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم مآ ~~أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم ) ^ } ) ~~| ولما كان سبحانه قد نفى عنهم الإيمان بالتولي عن الأحكام , وتلاه بما ~~رأيت أن تظمه أحين نظام , حتى ختم بما أومأ إلى أن من عمي عن أحكامه بعد ~~هذا البيان مسلوب العقل , وكرر في هذه السورة ذكر البيان , تكريرا أشار إلى ~~لمعان المعاني بأمتن بنان حتى صارت مشخصات للعيان , وبين من حا وصف الإيمان ~~, بحسن الاستئذان , PageV05P287 وكان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أجل ~~موطن تجب الإقامة فيه ويهجر ما عداه من الأوطان , فتصير الأرض برحبها ضيقة ~~لأجله , محظرا سلوكها من جراه , بمنزلة بيت الغير الذي لا يحل دخوله بغير ~~إذن , قال معرفا بذلك على طريق الحصر مقابلا لسلب < # > 77 ( { وما أولئك بالمؤمنين } ) 77 < # > [ المائدة : 43 ms3364 ] مبينا عظيم الجناية في الذهاب عن مجلس النبي صلى الله ~~عليه وسلم المقتضي للجمع من غير إذن : { إنما المؤمنون } أي الكاملون الذين ~~لهم الفلاح { الذين آمنوا بالله } أي الملك الأعلى { ورسوله } ظاهرا وباطنا ~~. | ولما كان الكلام في الراسخين , كان الموضع لأداة التحقيق فقال : { وإذا ~~} أي وصدقوا إيمانهم بأنهم إذا { كانوا معه } أي الرسول صلى الله عليه ~~السلام { على أمر جامع } اي لهم على الله , كالجهاد لأعداء الله , والتشاور ~~في مهم , وصلاة الجمعة , ونحو ذلك { لم يذهبوا } عن ذلك المر خطوة إلى موضع ~~من الأرض ول أنه يوتهم , لشيء من الأشياء ولو أنه أهم مهماتهم , لأنه أخذ ~~عليهم الميثاق بالطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره { حتى يستأذنوه } ~~فيأذن لهم , لأن المأمور به قد صار منزلهم ومأواهم ومتبوأهم , وصار كل ما ~~سواه من الأماكن والأمور له عليه الصلاة والسلام دونهم , لا حظ لهم فيه , ~~فلا يحل لهم أن يدخلوه حسا أو معنى إلا بإذنه , وهذا من عظيم النتبيه على ~~علي أمره , وشريف قدره , وذلك عند الانصارف عنه صلى الله عليه وسلم , وجعل ~~رتبة ذلك تالية لرتبة الإيمان بالله والرسول , وجعلهما كالتسبيب له مع ~~تصدير الجملة بأداة الحصر , وإيقاع المؤمنين في مبتدأ مخبرا عنه بموصول ~~أحاطت وصلته بالرتب الثلاث شرحا له . | ولما نفى عن المؤمنين الذهاب إلى ~~غاية الاستئذان , فأفهم أن المستأذن مؤمن , صرح بهذا المفهوم ليكون آكد , ~~فقال تشديدا في الإخلال بالأداب بين يديه صلى الله عليه وسلم , وتأكيدا ~~لحفظ حرمته والأدب معه لئلا يتشوش فكره في أسلوب آخر , وبيانا لأن ~~الاستئذان مصداق الإيمان : { إن الذين يستأذنوك } اي يطلبون إذنك لهم إذا ~~أرادوا الانصراف , في شيء من أمورهم التي يحتمل أن تمنع منها { أولئك } ~~العالو الرتبة خاصة { الذين يؤمنون } أي يوجدون الإيمان في كل وقت { بالله ~~} الذي له الأمر كله فلا كفوء له { ورسوله } وذلك ناظم لأشتات خصال الإيمان ~~. | ولما قصرهم على الستئذانن تسبب عن ذلك إعلامه صلى الله عليه وسلم بما ~~يفعل غذ ذاك فقال : { فإن استأذنوك } أي هؤلاء الذين صحت ms3365 دعواهم ؛ وشدد ~~عليهم تأكيدا لتعظيم الأدب معه صلى الله عليه وسلم بقوله : { لبعض شأنهم } ~~وهو ما تشتد الحاجة إليه { فأذن لمن شئت منهم } قيل : كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذا صعد المنبر يوم الجمعة فمن اراد أن يخرج لعذر قام ~~بحياله PageV05P288 فيعرف أنه يستأذن فيأذن لمن شاء , قال مجاهد : وإذن ~~الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده , وقيل : كذلك ينبغي أن يكون الناي مع ~~أمتهم ومقدميهم في الدين والعلم لا يخذلونهم في نازلة من النوازل . | ولما ~~أثبت له بهذا التفويض منالشرف ما لا يبلغ وصفه , أفهمهم أن حال المستأذن ~~قاصرة عن حال المفوض الملازم كيفما كانت , فقال : { واستغفر لهم الله } اي ~~الذي له الغنى المطلق , فلا تنفعه طاعة , ولا تضره معصية , أو يكون الكالم ~~شاملا لمن صحت دعواه وغيره ؛ ثم علل ذلك ترغيبا في الاستغفار , وتطيبا ~~لقلوب أهل الأوزار , بقوله : { إن الله } اي الذي له صفات الكمال { غفور } ~~اي له هذا الوصف فهو جدير بأن يغفر لهم ما قصروا فيه { رحيم * } أي فكل ما ~~أمرهم به فهو خير لهم وإن تراءى لهم خلافه . | ولما أظهرت هذه السورة ~~بعمومها , وهذه الآيات بخصوصها , من شرف الرسول ما بهر العقول , لأجل ما ~~وقع للمنافق من التجرؤ على ذلك الجناب الأشم , والمنصب الأتم , وعلم منه أن ~~له صلى الله عليه وسلم في كل أمره وجميع شأنه خصوصية ليست لغيره , صرح بذلك ~~تفخيما للشأن , وتعظيما للمقام , ليتأدب من ناضل عن المنافق , أو توانى في ~~أمره فقصر عن مدى أهل السوابق , فقال منبها على أن المصائب سبب لإظهار ~~المناقب أو إشهار المعايب { لا تجعلوا } أي ايها الذين آمنوا { دعاء الرسول ~~} أي لكم الذي يوقعه { بينكم } ولو على سبيل العموم , في وجوب الامتثال { ~~كدعاء بعضكم بعضا } فإن أمره عظيم , ومخالفته استحلالا كفر , ولا تجعلوا ~~أيضا دعاءكم إياه كدعاء بعضكم لبعض بمجرد الاسم , بل تأدبوا معه بالتفخيم ~~والتبجيل والتعظيم كما سن الله بنحو : يا ايها النبي , ويا أيها الرسول , ~~مع إظهار الأدب في هيئة القول الفعل بخفض ms3366 الصوت والتواضع . | ولما كان ~~بعضهم يظهر المؤالفة , ويبطن المخالفة , حذر من ذلك بشمول علمه وتمام قدرته ~~, فقال معللا مؤكدا محققا معلما بتجديد تعليق العلم الشهودي كلما جدد أحد ~~خيانة لدوام اتصافه بإحاطة العلم من غير نظر إلى زمان : { قد يعلم الله } ~~أي الحائز لجميع صفات المجد إن ظننتم أن ما تفعلونه من التستر يخفي أمركم ~~على رسوله صلى الله عليه السلام , فهو سبحانه يعلم { الذين يتسللون } وعين ~~أهل التوبيخ بقوله : { منكم } أي يتكلفون سل أنفسهم ليجعلوا ذهابهم في غاية ~~الخفاء { لوذا } أي تسللا مستخفين به بتستر بعضهم فيه ببعض ؛ يقال : لاذ ~~بالشيء لوذا واواذا وملاوذة : استتر وتحصن , فهو مصدر لتسلل من غير لفظه , ~~ولعله أدخل ( قد ) على المضارع ليزيد أهل التحقيق تحقيقا , ويفتح ~~PageV05P289 لأهل الريب إلى الاحتمال طريقا , فإنه يكفي في الخوف من النكال ~~طروق الاحتمال ؛ وسبب عن علمه قوله : { فليحذر } أي يوقع الحذر { الذين ~~يخالفون } اي يوقعون مخالفته بالذهاب مجاوزين معرضين { عن أمره } أي أمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم , إلىخلافه { أن تصيبهم فتنة } اس شيء ~~يخالطهم في الدنيا فيحل أمورهم إلى غير الحالة المحبوبة التي كاونوا عليها ~~{ أو يصيبهم عذاب أليم * } في الآخرة , وهذا يدل على أن الأمر للوجوب حتى ~~يصرف عنه صارف , اترتيب العقاب على الإخلال به , لأن التحذير من العقاب ~~إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب . | ولما أقام سبحانه الأدلة على ~~أنه نور السماوات والأرضبأ , ه لا قيام لشيء إلا به سبحانه , وختم بالتحذير ~~لكل مخالفن أنتج ذلك أن له كل شيء فقال : { ألا إن لله } اي الذي له جميع ~~المجد جميع { ما في السماوات } ولثبوت أنه سبحانه محيط العلم والقدرة , لم ~~يقتض المقام التأكيد بإعادة الموصول فقال : { والأرض } اي من جوهر وعرض , ~~وهما له أيضا لأن الأرض في السماء , وكل سماء في التي فوقها حتى ينتهي ذلك ~~إلى العرش الذي صرح في غير ىية أنه صاحبه , وهو سماء أيضا لعلوه عما دونه , ~~فكل ما فيه له , وذلك أبلغ - لدلالته بطريق المجاز - مما لو ms3367 صرح به , فدل ~~ذلك - بعد الدلالة على وجوده - على وحدانيته , وكمال علمه وقدرته . | ولما ~~كانت أحوالهم من جملة ما له , كان من المعلوم أنها لم تقم في أصلها ولا ~~بقاء لها إلا بعلمه ولأنها بخلقه , فلذلك قال محققا مؤكدا مرهبا : { قد ~~يعلم ما أنتم } أيها الناس كلكم { عليه } أي الآن , والمراد بالمضارع هنا ~~وجود الوصف من غير نظر إلى زمان , ولو عبر بالماضي لتوهم الاختصاص به , ~~والكلام في إخال ( قد ) عليه كما مضى آنفا باعتبار أولي النفوذ في البصر , ~~وأهل الكلال والكدر { ويوم } اي ويعلم ما هم عليه يوم { يرجعون } اي بقهر ~~قاهر لهم على ذلك , لا يقدرون له على دفاع , ولا نوع امتناع { إليه } وكان ~~الأصل : ما أنتم عليه , ولكنه أعرض عنهم تهويلا للأمر , أو يكون ذلك خاصا ~~بالمتولين المعرضين إشارة إلى أنهم يناقشون الحساب , ويكون سر الالتفاف ~~التنبيه على الإعراض عن المكذب بالقيامة , والإقبال على المصدق , صونا ~~لنفيس الكلام , عن الجفاة الأغبياء اللئام { فينبئهم } أي فيتسبب عن ذلك ~~أنه يخبرهم تخبيرا عظيما { بما عملوا } فليعدوا لكل شيء منه جوابا { والله ~~} اي الذي له الإحاطة الكاملة { بكل شيء } من ذلك وغيره { عليم * } فلذلك ~~أنزل الآيات البينات , وكان نور الأرض والسماوات , فقد رد الختام على ~~المبدأ , والتحم ىلآخر بالأول والاثنا - والله الهادي . | . . . . . | ~~PageV05P290 < # > سورة الفرقان < # > < < # | الفرقان : ( 1 - 3 ) تبارك الذي نزل . . . . . # > > ^ ( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا * الذي له ~~ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء ~~فقدره تقديرا * واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون ~~لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ) ^ } ) | ~~مقصودها إنذار عامة المكلفين بما له سبحانه من القدرة الشاملة , المستلزم ~~للعلم التام , المدلول عليه بهذا القرآن المبين , المستلزم لأنه لا موجد ~~على الحقيقة سواه , فهو الحق , وما سواه باطل ؛ وتسميتها بالقرقان واضح ~~الدلالة على ذلك , فإن الكتاب ما نزل إلا للتفرقة بين الملتبسات , وتمييز ~~الحق منالباطل ^ ( { ليهلك من هلك ms3368 عن بينة ويحيى من حي عن بينة } ) ^ [ ~~الأنفال : 42 ] فلا يكون لأحد على الله حجة { بسم الله } الذي له الحجة ~~البالغة , لإحاطة عظمته , وشمول علمه وقدرته { الرحمن } الذي عم بنعمه ~~الفرقان , أهل الإيمان والكفران { الرحيم } الذي خص من شاء من عباده بملابس ~~الرضوان . | لما ختم سبحانه تلك بسعة الملك , وشمول العلم , وتعظيم الرسول ~~, والتهديد لمن تجاوز الحد , افتتح هذه بمثل ذلك على وجه - مع كونه أضخم ~~منه - هو برهان عليه فقال : { تبارك } أي ثبت ثبوتا مع اليمن والخير الذي ~~به سبقت الرحمة الغضب , والتعالي في الصفات الأفعال , فلا ثيوت يدانيه , ~~ولا يكون ذلك كذلك إلا بتمام قدرته , ولا تتم قدرته إلا بشمول علمه , وهذا ~~الفعل مطاوع ( بارك ) وهو مختص بالله تعالى لم يستعمل لغيره , ولذلك لم ~~ينصرف لمستقبل ولا اسم فاعل ؛ ثم وصف نفسه الشريفة بما يدل على ذلك فقال : ~~{ الذي } . | ولما كان تكرار الإنذار - الذي هو مقصود السورة - أنفع , ~~وتفريقه في أوقات PageV05P291 متراسلة أصدع للقلوب وأردع , وكان إيضاح ~~المشكلات , في الفرق بين الملتبسات , أعون بما يكون علة , عبر بما يدل على ~~الفرق وقدمه فقال : { نزل الفرقان } اي الكتاب الذي نزل إلى سماء الدنيا ~~فكان كتابا , ثم نزل مفرقا بحسب المصالح , فسمي لذلك فرقانا , ولأنه الفارق ~~بين ملتبس , فلا يدع خفاء إلا بينه , ولاحقا إلا أثبته , ولا باطلا إلا ~~نفاه ومحقه , فيه انتظام الحياة الأولى والأخرى , فكان قاطعا على علم منزله ~~, ومن علمه الباهر إنزاله { على عبده } أي الذي لا أحق منه بإضافته إلى ~~ضميره الشريف , لأنه خالص له , لا شائبة لغيره فيه أصلا , ولم يحز مخلوق ما ~~جاز من طهارة الشيم , وارتفاع الهمم , ولا شك أن الرسول دال على مرسله في ~~مقدار علمه , وكثرة جنده , واتساع ملكه < # > 77 ( { الله أعلم حيث يجعل رسالاته } ) 77 < # > [ الأنعام : 124 ] ثم علل إنزاله عليه بقوله : { ليكون } اي العبد أو ~~الفرقان . | ولما كان العالم ما سوى الله , وكان ادعى مدع أم المراد البعضن ~~لأنه قد يطلق اللفظ على جزء معناه بدلالة التضمن , وكان الجمع ms3369 لا بد أن ~~يفيد ما أفاده المفرد بزيادة , جمع ليعرف أن المراد المدلول المطابقي , مع ~~التصريح باستغراق جميع الأنواع الداخلة تحت مفهوم المفرد , واختار جمع ~~العقلاء تغليبا , إعلاما بأنهم المقصودون بالذات فقال : { للعالمين } اي ~~المكلفين كلهم من الجن والإنس والملائكة . | ولما كان كل من الكتاب والمنزل ~~عليه بالغا في معناه , عبر بما يصح أن يراد به المنذر والإنذار على وجه ~~المبالغة فقال : { نذيرا * } أي وبيرا , وإنما اقتصر على النذارة للإشارة ~~إلى البشارة بلفظ { تبارك } ولأن المقام لها , لما ختم به تلك من إعراض ~~المتولين عن الأحكام , ونفى الإيمان عنهم بانتفاء الإسلام , وفيه إشارة إلى ~~كثرة المستحقين للنذارة , ولا التفات إلى من قال : إن الرازي والبرهان ~~النسفي نقلا الإجماع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يرسل الملائكة , فإن ~~عبارة الرازي في بعض نسخ تفسيره : لكنا أجمعنا على أنه لم يرسل إلى ~~الملائكة , وفي أكثر النسخ : بينا - بدل : أجمعنا , على أنه لو اتفقت جميع ~~النسخ عليها لم تضر , لأنها غير صريحة في إرادة الإجماع , ولأن الإجماع لا ~~يثبت بنقل واحد لا سيما في مثل هذا الذي تظافرت الظواهر على خلافه , ولم ~~يرد مانع منه , وأما البرهان النسفي فمن الرازي أخذ , وعبر بعبارته , فصارا ~~واحدا , وقد بينت ذلك عند قوله تعالى في سورة الأنعام { لأنذركم به ومن بلغ ~~} [ الأنعام : 19 ] بينا شافيا لا ارتياب معه , بل ولو قيل : إن الآية على ~~ظاهرها , لا خصوص فيها بالعقلاء , وتكليف كل شيء بحسبه , لكان وجها , وبذلك ~~صرح الإمام تاج الدين السبكي في أول الترشيح في قوله : ( وأصلي على نبيه ~~نحمد المصطفى المبعوث إلى كل PageV05P292 شيء ) وكذلكا لمحب الطبري في آخر ~~طالقرى لقاصدي أم القرى ( وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم ما دعا جامدا ولا ~~متحراكا غير الإنسان إلا أجابه بما هو مقتضى < # > 77 ( { إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ~~} ) 77 < # > [ الأحزاب : 72 ] دعا غير مرة عدة من أغصان الأشجار فأتته تسجد له , ثم ~~أمرها بأن ترجع إلى مكانها ففعلت ؛ ودعا الضب ms3370 وغيره من الحيوانات العجم ~~فأطاعته ؛ ودعا الأشجار غير مرة فسمعت وسعت إليه ؛ وأمر الجبل لما رجف ~~فأذعن ؛ وأرسل إلى نخل وأحجار يأمرهن بالاجتماع ليقضي إليهن حاجة ففعلن , ~~ثم أرسل يأمرهن بالرجوع إلى أماكنهن فأجبن ؛ وغمز الأرض فنبع منها الماء ؛ ~~وأرسل سهمه إلى البئر فجاشت بالرواء - إلى غير ذلك مما هو مضمن في دلائل ~~النبوةن بل ولا دعا طفلا رضيعا إلا شهد له لكونه على الفطرة الأولى - إلى ~~غير ذلك مما هو دال على ظاعر الآية المقتضي لزيادة شرفه صلى الله عليه وسلم ~~من غير محذور يلزم عليه ولا نص يخالفة - والله الهادي . | وقال الإمام أبو ~~جعفر بن الزبير في برهانه : لما تضمنت سورة النور بيان كثير من الأحكام ~~كحكم الزنى , ورمي الزوجات به , والقذف , والاتئذان , والحجاب , وإسعاف ~~الفقير , والكتابة , وغير ذلك , والكشف عن مغيبات , من تغاير حالات , تبين ~~بمعرفتها الاطلاع عليها الخبيث من الطيب , كاطلاعه سبحانه نبيه والمؤمنين ~~على ما تقوله أهل الإفك , وبيان سوء حالهم , واضمحلال محالهم , في قصة ~~المنافقين في إظهارهم ضد ما يضمرون ؛ ثم كريم وعده للخلفاء الراشدين < # > 77 ( { وعد الله الذين آمنوا منكم } ) 77 < # > [ المائدة : 9 ] ثم ما فضح به تعالى منافقي الخندق < # > 77 ( { قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا } ) 77 < # > [ النور : 63 ] إلى آخر الآية , فكان مجموع هذا فرقانا يعتضد به ~~الإيمان , ولا ينكره مقر بالرحمن , يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بصحة رسالته , ويوضح مضمن قوله < # > 77 ( { ا تجعلوا دعاء الرسول بينكم } ) 77 < # > [ النور : 63 ] من عظيم قدره صلى الله عليه وسلم وعلي جلالته , أتبعه ~~سبحانه بقوله < # > 77 ( { تبارك الذي أنزل الفرقان على عبده } ) 77 < # > [ الفرقان : 1 ] وهو القرآن PageV05P293 الفارق بين الحق والباطل , ~~والمطلع على ما أخفاه المنافقون وأبطنوه من المكر والكفر < # > 77 ( { ليكون للعاالمين نذيرا } ) 77 < # > [ الفرقان : 1 ] فيحذرهم من مرتكبات المنافقين والتشبه بهم ؛ ثم تناسخ ~~الكلام , والتحم جليل المعهد من ذلك النظام , وتضمنت هذه السورة من النعي ~~على الكفار والتعريف ببهتهم وسوء مرتكبهم ما لم يتضمن كثير من نظائرها ~~كقولهم ms3371 < # > 77 ( { ما لهذا الرسول يأكل الطعام } ) 77 < # > [ الفرقان : 7 ] الآيات , وقولهم < # > 77 ( { لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا } ) 77 < # > [ الفرقان : 21 ] وقولهم < # > 77 ( { لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة } ) 77 < # > [ الفرقان : 32 ] وقولهم < # > 77 ( { وما الرحمن } ) 77 < # > [ الفرقان : 60 ] إلىما عضد هذه وتخللها , ولهذا ختمت بقاطع الوعيد , ~~وأشد التهديد , وهو قوله سبحانه < # > 77 ( { فقد كذبتم فسوف يكون لزاما } ) 77 < # > [ الفرقان : 77 ] انتهى . | ولما تقدم ذكر منزل الفرقان سبحانه , وذكر ~~الفرقان والمنزل عليه على طريق الإجمال , أتبع ذلك تفصيله على الترتيب , ~~فبدأ بوصف المنزل سبحانه بما هو أدل دليل على إرادة التعميم في الرسالو لكل ~~من يريد , فقال : { الذي له } أي وحده { ملك السماوات والأرض } فلا إنكار ~~لأن يرسل رسولا إلى كل من فيهما { ولم يتخذ ولدا } ليتكبر على رسوله { ولم ~~يكن له شريك في الملك } ليناقضه في الرسالة أو يقاسمه إياها , فيكون بعض ~~الخلق خارجا عن رسالته , أو مراعيا لأمر غير أمره . | ولما كان وقوف الشيء ~~عند حد - بحيث لا يقدر أن يتعداه إلى حد شيء آخر سواه , فهذا حيوان لا يقدر ~~على جعل نفسه جمادا ولا أعلى من الحيوان , هذا جماد لا يمكنه جعل نفسه ~~حيوانا ولا أسفل من رتبة الجماد إلى غير ذلك مما يعجز الخلق عن شرحه دالا ~~على أنه مخلوق مربوب , قال تعالى : { وخلق } أي أحدث إحداثا مراعي فيه ~~التقدير والتسوية { كل شيء } أي مما ادعى فيه الولدية أو الشرك وغيره . | ~~ولما كان قد سوى كل شيء لما يصلح له وهيأه لذلك , قال شارحا ومحققا لمعنى ( ~~خلق ) : { فقدره } في إيجاده من غير تفاوت { تقديرا * } أي لا يمكن ذلك ~~الشيء مجاوزته فيما خلق لأجله وهيىء ويسر له إلى غيره بوجه من الوجوه . | ~~ولما ذكر بما ركز في فطرهم من العلم , عجب منهم لكل ذي عقل في جملة حالية ~~فيما خالفوا ما لهم من المشاهدة , فقال مضمرا للفاعل إشارة إل استهجان نسبة ~~هذا الفعل إلى الفاعل معين توبيخا لهم وإرشادا إلى المبادرة من كل سامع إلى ~~نفيه ms3372 عنه فقال : { واتخذوا } أي كلف أنفسهم عبدة الأوثان أن أخذوا . | ولما ~~كان لا يحد , فكانت الرتب السافلة لا تحصى , نبه على ذلك PageV05P294 ~~بالجار فقال { من دونه } أي بعد ما قام من الدليل على أنه الإله وحده من ~~الحثيثات التي تقدمت { آلهة } المتحدون مشاهدون لأنهم كما قال تعالى : { لا ~~يخلقون شيئا } أي لا أعجز منهم , لا يكون منهم إيجاد شيء , فيهم دون من ~~عبدهم . | ولما كانت ربما ادعى أنهم مع ذلك غير مخلوقين قال : { وهم يخلقون ~~} أي بما يشاهد فيهم من التغير والطواعية لمشيئته سبحانه , ومن غير ذلك أن ~~عبدتهم افتعلوهم بالنحت والتصوير . | ولما قرر أنه أنعم على كل شيء , وكانت ~~النعم أكثر وجودا , وكان أدنى نعمة على الشيء خلقه سبحانه له , أخبر أن ذلك ~~الغير لا يقدر على ضر نفسه ولا بالإعدام , فقال معبرا بأداة العقلاء تهكما ~~بعابديهم حيث أقاموهم في ذلك المقام , أو تغليبا لأنهم عبدوا الملائكة ~~وعزيزا والمسيح عليهم السلام : { ولا يملكون } أي لا يتجدد لهم بوجه من ~~الوججوه أن يملكوا { لأنفسهم ضرا } ولذلك قدمه , ونكره ليعم . | فلما ثبت ~~بذلك أنهم خلقه , ولكن كان ربما قال متعنت : إنهم يملكن ذلك ولكنهم يتركنه ~~عمدا , لأن أحدا لا يريد ضر نفسه , قال : { ولا نفعا } اي ولو بالبقاء على ~~حالة واحدة , وعبدتهم يقدرون على ما أراد الله م ذلك على وجه الكسب , فهم ~~أعلى منهم وعبادة الأعلى لمن دونه ليست من أفعال العقلاء . | ولما كان ~~الموت والحياة ما ليس لغيرهما من عظيم الشأن , أعاد العامل فقال : { ولا ~~يملكون } وقدم الموت لأن الحياة أكثر , فقال مبتدئا بما هو من باب الضر على ~~نسق م قبله : { موتا } أي لأنفسهم ولا لغيرهم { ولا حياة } أي من العدم { ~~ولا نشورا * } اي إعادة لما طوي من الحياة بالموت , وعطفها بالواو وإن كان ~~بعضها مسببا عما قبله إشارة إلى أن كل واحدة منها كافية في سلب الإلهية ~~عنهم بما ثبت من العجز . | < < # | الفرقان : ( 4 - 8 ) وقال الذين كفروا . . . . . # > > ^ ( وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه ms3373 عليه قوم آخرون ~~فقد جآءوا ظلما وزورا * وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة ~~وأصيلا * قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما ~~* وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك ~~فيكون معه نذيرا * أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال ~~الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) ^ } ) | ولما وصف منزل الفرقان بما ~~لا يحيط به علم أحد غيره من الشؤون , فاتضح بذلك إعجاز المنزل الذي أبام ~~ذلك , وهو هذا القرآن , وأنه وحده الفرقان , عجب من حالا لمكذبين بهه فقال ~~موضع { وقالوا } : { وقال الذين كفروا } مظهرا الوصف الذي PageV05P295 ~~حملهم على هذا القول , وهو ستر ما ظهر لهم ولغيرهم كالشمس والاجتهاد في ~~إخفائه : { إن } أي ما { هذا } أي القرآن { إلا إفك } أي كذب مصروف عن ~~ظاهره ووجه هو أسوأ الكذب { افتراه } اي تعمد كذبه هذا النذير , فكان قولهم ~~هذا موضع العجب لكونه ظاهر الخلل . | ولما كان الإنسان مطبوعا على أنه ~~يتكثر بأدنى شيء من المحاسن فيحب أن تظهر عنه ولا ينسب شيء منها إلى غيره , ~~كان أ ‘ جب من ذلك وأظهر عوارا قولهم : { وأعانه } أي محمدا { عليه } أي ~~القرآن { قوم } أي ذوو كفاية حبوه بما يتشرف به دونهم ؛ وزادوا بعدا بقولهم ~~: { آخرون } أي من غير قومه ؛ فقيل : أرادوا اليهود , وقيل : غيرهم ممن في ~~بلدهم من العبيد النصارى وغيرهم , فلذلك تسبب عنه قوله تعالى : { فقد جاؤوا ~~} أي ميلا مع جلافة عظيمة عن السنن المستقيم في نسبة أصدق الناس وأطهرهم ~~خليقة , وأقومهم طريقة , إلى هذه الدنايا التي لا يرضاها لنفسه أسقط الناس ~~, فإنها - مع كنها دنيئة في نفسها - مضمنة الفضيحة ؛ قال ابن جرير وأصل ~~الزور تحسين الباطل وتأويل الكلام . | ولما تبين تناقضهم أولا في ادعائهم ~~في القرآن ما هو واضح المنافاة لوصفه , وثانيا بأنه أعين عليه بعد ما أشعرت ~~به صيغة الافتعال منالانفراد , أتبعه تعالى تناقضا لهم آخر بقوله معجبا : { ~~وقالوا } أي الكفار { أساطير } جمع إسطارة وأسطورة { الأولين } من نحو ms3374 ~~أحاديث رستم وإسفنديار , فصرحوا أنه ليس له فيه شيء { اكتتبها } أي تطلب ~~كتابتها له { فهي } أي فتسبب عن تكلفه أنها { تملى } أي تلقى من ملق ما ~~إلقاء جيدا متجددا مستمرا { عليه } من الكتاب الذي اكتتبها فيه في أوقات ~~الفراغ { بكرة } قبل أن ينتشر الناس { وأصيلا * } أي وعشيا حين يأوون إلى ~~مساكنهم , أو دائما ليتكلف حفظها بعد أن تلكف تحصيلها بالانتساخ أنه أمي , ~~وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة في عقل ولا مروءة , فإن من المعلوم الذي ~~لا يخفى على عاقل أن إنسانا لو لازم شيئا عشرة أيام بكرة وعشيا لم يبق ممن ~~يعرفه ويطلع على أحواله أحد حتى عرف ذلك منه , فلو أنكره بعد لافتضح فضيحة ~~لا يغسل عنه عارها أبدا , فكيف والبلد صغير , والرجل عظيم شهير , وقد ادعوا ~~أنه مصر على ذلك إلى حين مقالتهم بعدها لا ينفك , وعيروه بأنه معدم يحتاج ~~إلى المشي في الأسواق , و هو يدعوهم إلى المعارضة ولو بسورة من مثله , ~~وفيهم الكتاب والشعراء والبلغاء والخطباء , وهو أكثر منه مالا , وأعظم ~~أعوانا , فلا يقدرون . | PageV05P296 ولما رموه بهذه الأقوال التي هم فيها ~~في خبط عشواء , وكانت مع مونها ظاهرة العوار , عند ن له أدنى ااستبصار , ~~تروج على بعض العرب بعض الرواج , مع سعة عقولهم , وصحة أفكارهم , لشبه ~~واهية مكنهم فيها التقليد , وشدة الالف لما هم عليه من الزمن المديد , أمره ~~سبحانه بجوابهم مستأنفا فقال : { قل } أي دالا على بطلان ما قالوه مهددا ~~لهم : { أنزله } أي القرآن من خزائن علمه خلافا لجميع ما تقولتموه { الذي ~~يعلم السر } أي كله , لا يخفى عليه منه خافية فكيف بالجهر ! { في السماوات ~~والأرض } فهو يجيبكم عن كل ما تقولتموه في وفي كتابه وإن أسررتموه , ويبين ~~جميع ما يحتاج إليه العباد في الدارين في كلام معجز لفظا ومعنى على وجه ~~يتحقق كل ذي لب أنه لا يقوله إلا عالم بجميع المعلومات , ولا يحيط بجميع ~~المعلومات سواه , وهذا ظاهر جدا من إخباره بالماضي بما يصدقه العلماء من ~~الماضين , وحكمه على الآتي ms3375 بما يكون ضربة لازم , وإظهاره الخبء وإحكامه ~~لجميع ما يقوله , وقد جرت عادته سبحانه وتعالى بالانتقام ممن كذب عليه ~~بإظهار كذبه أولا , ثم بأخذه ثانيا , ثم عذابه العذاب الأكبر ثالثا , ~~فستنظرون من يفعل به ذلك , وقد بان لعمري صدقه لما وقع منالأمور الثلاثة . ~~| ولما كان من المعلوم أن العالم بكل شيء قادر على شيء كما مضى تقريره في ~~سورة طه , وكانت العادة جارية بأن من علم استخفاف غيره به وكان قادرا عليه ~~عاجله بالأخذ , أجيب من كأنه قال : فما له لا يهلك المكذبين له ؟ بقوله ~~مرغبا لهم في التوبة , مشيرا غلىقدرته بالستر والإنعام , ومبينا لفائدة ~~إنزاله إليهم هذا الذكر من الرجوع عما تمادت عليه أزمانهم من الكفر وأنواع ~~المعاصي : { إنه كان } أزلا وأبدا { غفورا } اي بليغ الستر لما يريد من ~~ذنوب عباده , بأن لا يعاتبهم عليها ولا يؤاخذهم بها { رحيما * } بهم في ~~الأنعام عليهم بعد خلقهم , برزقهم وتركيب العقول فيهم , ونصب الأدلة لهم , ~~وإرسال الرسل وإنزال الكتب فيهم , وأمهالهم في تكذيبهم , أي فليس لإمهالهم ~~ووعظهم بما نزله إليهم سبب إلا رحمته وغفرانه وعلمه بأن كتابه صلاح ~~لأحوالهم في الدارين . | ولما أتم سبحانه ما أراد من ذكر المنزل والمنزل , ~~وأخبر عن طعنهم في المنزل الذي هو المقصود بالذات من الرسالة , وأقام تعالى ~~ذلك الدليل على كذبهم , أتبعه الإخبار عن طعنهم في الرسول الآتي به , فقال ~~معجبا عقولهم التي يعدونها أصفى العقول أفكارا , وأعلاها آثارا , فيما ~~أبدوه من ذلك مما ظنوا أنه دليل على عدم الرسالة , ولا شيء منه يصلح أن ~~يكون شبهة لذي مسكة من امره , فضلا عن أن يكون دليلا : { وقالوا } أي ~~مستفهمين تهكما بوصفه , قادحين فيه بفعله , قول من هو على ثقة من أن ~~PageV05P297 وصف الرسالة ينافيه : { مال هذا } والإشارة على هذا الوجه تفهم ~~الاستهانة والتصغير ؛ ثم أظهروا السخرية بقولهم : { الرسول } أي الذي يزعم ~~أنه انفرد عن بقية البشر في هذا الزمان بهذا الوصف العالي { يأكل الطعام } ~~أي مثل ما نأكل { ويمشي في الأسواق } أي التي هي مطالب الدنيا ms3376 , كما نمشي . ~~| ولما كانت ترجمة ما مضى : ما له مثلنا وهو يدعي الاختصاص عنا بالرسالة ؟ ~~أتبعوه التعنيف على عدم كونه على واحد من وجوه مغايرة على سبيل التنزل ~~جوابا لمن كأنه قال : فماذا يفعل ؟ بقولهم : { لولا } أي هلا , وهي تأتي ~~للتوبيخ , وهو مرادهم { أنزل } أي من السماء , من أي منزل كان , منتهيا { ~~إليه } أي على الهيئة التي هو عليها في السماء { ملك } أي من الملائكة الله ~~على هيئاتهم المباينة لهيئات الآدميين { فيكون } بالنصب جوابا للتحضيض ذلك ~~الملك وإن كان هو إنسانا { معه نذيرا * } فيكون ممتازا بحال ليس لواحد منا ~~, ليكون أهيب في النذارة , لما له من الهيبة والقوة , وكأنهم عبروا بالماضي ~~إعلاما بأن مرادهم كونه ي الظهور لهم على غير الهيئة التي يخبركم بها من ~~تجدد نزول الملك عليه في كل حين مستسرا بحيث لا ينظره غيره , أو لأن الملك ~~يمكن أن يكون على حالة المصاحبة له للنذارة , وإنما لا يتحول عنها بصعود ~~إلى السماء ولا غيره , بخلاف الكنز فإنه للنفقة , فإن لم يتعهد كل وقت نفد ~~, زهذا سر التعبير ب ( إلى ) دون ( على ) التي هي للتغشي بالوحي , ولذلك ~~عبروا بالمضارع في قولهم , متنزلين عن علو تلك الدرجة : { أو يلقى } أي من ~~أي ملق كان . | ولما كان الإلقاء دالا على العلو , عدلوا عن أداة الاستعلاء ~~التي تقدم التعبير بها في هود عليه السلام من الإنزال إلى حرف النهاية ~~فقالوا : { إليه } أي إن لم تكن له تلك الحالة { كنز } أي يوجد له هذا ~~الأمر ويتجدد له إلقاؤه غير مكترث ولا معبوء به , برفعه عن مماثلتنا العامة ~~من كل وجه , وأيضا التعبير في هذا الذي بعده بالمضارع أدل على تكالبهم على ~~الدنيا وأنها أكبر همهم . | ثم تنزلوا أيضا في قولهم : { أو تكون له } أي ~~أن لم تكن له شيء مما مضى { جنة } أي بستان أو حديقة كما لبعض أكابرنا { ~~يأكل منها } فتفرغه عما يتعاطاه في بعض الأحايين من طلب المعاش , ويكون ~~غناه أعز له وأجلب للخواطر إليه , وأحث لعكوف الأتباع عليه , وأجع ms3377 فيما ~~يريده - هذا على قراءة الجماعة بالياء التحتية , وعلى قراءة حمزة والكسائي ~~بالنون يكون المعنى : أنا إذا أمكنا منها , كان ذلك أجلب لنا إلى اتباعه , ~~وما قالوه كله فاسد إذ لم يدع هو صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أتباعه أنه ~~هو ولا أحد من الأنبياء قبله يباين البشر , ولا أن وصفا من أوصاف البشر ~~الذاتية ينافي النبوة والرساله , وأما الاستكثار من الدنيا فهو عائق في ~~الأغلب عن السفر إلى دار PageV05P298 الكرامة , ومطن السلامة , وحامل على ~~التجبر , ولا يفرح به إلا أدنياء الهمم , وخفة ذات اليد لا تقدح إلا في ~~ناقص يسأل الناس تصريحا أو تلويحا إرادة لتكميل نقصه بالحطام الفاني , وقد ~~شرف الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك بما له من صفات الكمال , والأخلاق ~~العوال . | ولما كانوا بهذا واضعين الكلام في غير مواضعه , بعيدين عن وجه ~~الصواب , قال معجبا من أمرهم : { وقال الظالمون } فأظهر الوصف الموجب لهم ~~ذلك : { إن } أي ما { تتبعون } إن اتبعتم { إلا رجلا مسحورا * } أي يتكلم ~~بما لا يجديه , فحاله لذلك حال من غلب على عقله بالسحر , أو ساحرا صار ~~السحر له طبعا , فهو يفرق بما جاء به بين المرء وزوجه وولده ونحو ذلك , ~~وعبروا بصيغة المفعول إشارة إلى هذا , وهو أنه لكثرة ما يقع منه من ذلك - ~~صار كأنه ينشأ عنه على غير اختياره . | < < # | الفرقان : ( 9 - 14 ) انظر كيف ضربوا . . . . . # > > ^ ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا * تبارك ~~الذي إن شآء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا ~~* بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا * إذا رأتهم من مكان ~~بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا * وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا ~~هنالك ثبورا * لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ) ^ } ) | ~~ولما أتم سبحانه ما ذكر من أقوالعهم الناشئة عن ضلالهم , التفت سبحانه إلى ~~رسول صلى الله عليه وسلم مسليا له فقال : { انظر } ثم أشار إلى التعجب منهم ~~بأن ما قالوه يستحق الاستفهام ms3378 بقوله : { كيف ضربوا } وقدم ما به العناية ~~فقال : { لك الأمثال } فجعلوك تارة مثلهم في الاحتياج إلى الغذاء , وتارة ~~نظيرهم في التوسل إلى التوصل إلىالأرباح والفوائد , بلطيف الحيلة وغريز ~~العقل , وتارة مغلوب العقل مختلط المزاج تأتي بما لا يرضى به عاقل , وتارة ~~ساحرا تأتي بما يعجز عنه قواهم , وتحير فيه أفكارهم { فضلوا } أي عن جميع ~~طرق العدل , وسائر أنحاء البيان بسبب ذلك فلم يجدوا قولا يستقرون عليه ~~وأبعدوا جدا { فلا يستطيعون } في الحال ولا في المآلن بسبب هذا الضلال { ~~سبيلا } أي سلوك سبيل من السبل الموصلة غلى ما يستحق أن يقصد , بل هم في ~~مجاهل موحشة , وفيافي مهلكة . | ولما ثبت أنه لا وجود لهم لأنهم لا علم لهم ~~ولا قدرة , وأنهم لا يمن لهم ولا بركة , لا على أنفسهم ولا غيرهم , أثيت ~~لنفسه سبحانه ما يستحق من المال الذي يفيض به على من يشاء من عباده ما يشاء ~~فقال : { تبارك } أي ثبت ثباتا مقترنا باليمن PageV05P299 والبركة , لا ~~ثبات إلا هو { الذي إن شاء } فإنه لا مكره له { جعل لك خيرا من ذلك } أي ~~الذي قالوه على سبيل التهكم ؛ ثم أبدل منه قوله : { جنات } فضلا عن جنة ~~واحدة { تجري من تحتها الأنهار } أي تكون أرضها هيونا نابعة , أي موضع أريد ~~منه إجراء نهر جرى , فهي لا تزال ريا تغني صاحبها عن كل حاجة ولا تحوجه في ~~استثمارها إلى سقي . | ولما كان القصر - وهو بيت المشيد - ليس مما يستمر ~~فيه الجعل كالجنة التي هذه صفتها , عبر فيه بالمضارع إيذانا بالتجديد كلما ~~حصل خلل يقدح في مسمى القصر فقال : { ويجعل لك قصورا * } اي بيوتا مشيدة ~~تسكنها بما يليق بها من الحشم والخدم , قال البغوي : والعرب تسمي كل بيت ~~مشيد قصرا . | وهذه العبارة الصالحة لأن يجعل له سبحانه ذلك في الدنيا مما ~~فتت في أعضادهم , وخافوا غائلتها فسهلت من قيادهم , لعلهم بأن مراسله قادر ~~على ما يريد , بلكنه سبحانه أغناه عن ذلك يتأييده بالأعوان , من الملائكة ~~والإنس والجان , حتى اضمحل أمرهم , وعيل صبرهم , ولم يشأ ms3379 سبحانه ما أشار ~~إليه في هذه الآية الشريفة في هذه الدنيا الفانية , وأخره إلى الآخرة ~~الباقية , وقد عرض سبحانه عليه ما شاء من ذلك في الدنيا فأباه , روى البغوي ~~من طريق ابن المبارك , والترميذي - وقالك حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( عرض علي ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا , ~~فقلت : لا يا رب ! ولكن أشبع يوما وأجوع يوما , فإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك ~~, وإذا شبعت حمدتك وشكرتك ) وروي عن طريق أبي الشيخ عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو شئت لسارت معي الجبال ~~الذهب جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة ) فقال : إن ربك يقرأ عليك السلام ~~ويقول لك : إن شئت نبيا عبدا وإن شئت نبيا ملكا , ( فنظرت إلى جبريل عليه ~~الصلاة والسلام فأشار إلى أن ضع نفسك , فقلت : نبياعبدا ) قال : فكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا ويقول : ( آكل كما يأكل ~~العبد , وأجلس كما يجلس العبد ) وسيأتي في سورة سبأ عند < # > 77 ( { وأرسلنا له عين القطر } ) 77 < # > [ سبأ : 12 ] ما يتم هذا , ولا يبعد عندي أن يكون أشير بالآية الشريفة ~~- وإن كانت في أسلوب الشرط غلى ما فتح عليه صلى الله عليه وسلم من الحدائق ~~التي لم يكن مثلها في بلاد العرب لما فتح الله عليه خبير ووادي القرى , ~~وتصرف في ذلك بنفسه الشريفة وأكل منه وإلى ما فتح على أصحابه من ~~PageV05P300 بعده من بلاد فارس والروم ذات القصور والجنان التي لا مثل لها ~~ولذلك عبر في الجنات بالماضي , وفي القصور بالمضارع , وأتيحوا كنوز كسرى بن ~~هرمز , فإن اللائق بمقام ا لملوك أن تكون إشارتهم أوسع من عباراتهم , فإذا ~~ذكروا شيئا ممكنا على سبيل الفرض كان من إرادتهم إيجاده , ويحبون أن يكتفي ~~منهم بالإيماء , وأن يعتمد على تلويحهم أعظم مما يعتمد على تصريح غيرهم , ~~وأن يعد المفروض منهم بمنزلة المجزوم به من غيرهم , والممكن في كلامهم ~~كالواجب , فما ظنك ms3380 بملك الملوك القادر على كل شيء ! وهو قد صرف سبحانه ~~الخطاب إلى إعلى الناس فهما , وأغزرهم علما , وقد أراه سبحانه ما يكون من ~~ذلك من بعده في غزوة الخندق . | روى البيهقي في دلال النبوة عن عمرو بن عوف ~~المزني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق ليحفره جعل ~~على كل عشرة اربعين ذراعا , وكان سلمان الفارسي رضي الله عنه رجلا قويا , ~~فاختلف فيه المهاجرون والأنصار , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( سلمان ~~منا أهل البيت ) فخرجت لهم صخرة بيضاء مدورة , قال عمرو : فكسرت حديدنا . | ~~وشقت علينا , فقلنا : يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره خبر هذه الصخرة , فأخبر فأخذ صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان ~~فضربها ثلاث ضربات صدع فيها في كل ضربة صدعا , وكسرها في الثالثة , وبرقت ~~مع كل ضربة برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة حتى لكأن مصباحا في جوف بيت ~~مظلم , وكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل برقة تكبيرة , ثم أخذ بيد ~~سلمان فرقي فسأله سلمان للقوم : ( هل رأيتم ما يقول سلمان ؟ ) قالوا : نعم ~~! يا رسول الله ! بأبينا أنت وأمنا ! قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج ~~فرأيناك تكبر , لانرى شيئا غير ذلك , فقال : ( أضاءت لي من البرقة الأولى ~~قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب , ومن الثانية القصور الحمر من ~~أرض الروم كأنها أنياب الكلاب , ومن الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب ~~, وأخبرني , جبريل عليه الصلاة والسلام أن أمتي ظاهرة عليها ) فاستبشر ~~المسلمون وقالوا : الحمد لله ! موعود صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر , ~~فطلعت الأحزاب فقال المسلمون < # > 77 ( { هذا ما وعدنا الله وروله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما } ) 77 < # > [ الأحزاب : 22 ] وقال المنافقون في ذلك ما أشار إليه لله تعالى في ~~القرآن ؛ ثم إن الله تعالى كذب المنافقين وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم , ~~فافتتح أصحابه رضي الله عنهم جميع ما ذكر , PageV05P301 وغلبوا على سائر ~~مملكة الفرس واليمن وأكثر الروم , وانتثلوا من كنوز كسرى ms3381 وقيصر ما يفوت ~~الحصر , وقد كان صلى الله عليه وسلم تصرف في ذلك من ذلك الوقت تصرف الملوك ~~, لأن وعد الله لا خلف فيه , بل غائبه أعظم من حاضره غيره , وموعودة أوثق ~~من ناجز سواه , فأعطى صلى الله عليه وسلم تميم بن أوس الداري بلد الخليل ~~عليه الصلاة والسلام من أرض الشام من مملكة الروم , وأعطى خريم بن أوس - ~~الذي يقال له : شويل - كرامة بنت عبد المسيح ابن بقيلة من سبي الحيرة من ~~بلاد العراق من مملكة فارس , وكل منهم قبض ما أعطاه عند الفتح كما يعرفه من ~~طالع كتب الفتوح علىأيام الخلفاء الراشدين رضي الله عنه وفتحه أجمعين , ~~فعندي أن هذا مما أشارت إليه الاية الشريفة , نزه الله تعالى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم عنه وفتحه على أصحابه , تشريفا لهم بإزالة أهل الشرك عنه , ~~وإنعاما عليهم به تصديقا لوعده , وإكراما لنبيه صلى الله عليه وسلم بنصر ~~أوليائه وتكثير أمته , وحضر ذلك كثير ممن كان من القائلين < # > 77 ( { ما لهذا الرسول } ) 77 < # > [ الفرقان : 7 ] إلى آخره , وقد كان قادرا على أن يقويه بجميع ما ينصر ~~به موته , ولكنه لم يفعل لأن ذلك أوضح في الأمر , ولا أموال وافرة , ولا ~~ملوك معينة قاهرة , بل أهل الدنيا من غير جنود كثيرة ظاهرة , ولا أموال ~~وافرة , ولا ملوك معينة قاهرة , بل كانت الملوك عليه , ثم صاروا كلهم أهون ~~شيء عليه , بيد أصحابه من بعد وأحبابه . | ولما ثبت بما أثبت انفسه الشريفة ~~من الكمال أنه لا مانع من إيجاد ما ساقوه مساق التوبيخ إلا عدم المشيئة , ~~لا عجز من الجاعل ولا هوان بالمجعول له , تسلية له صلى الله عليه وسلم في ~~أسلوب مشير بأنه يعطيه ذلك , سلاه أيضا بأن ما نسبوه إليه لا يعتقدون ~~حقيقتهن فأضرب عن كلامهم قائلا : { بل } اي لا تظن أنهم كذبوا بما جئت به ~~لأنهم يعتقدون فيك كذبا وافتراء للقرآن , أو نقصانا لأكلك الطعام ومشيك في ~~الأسواق , أو في شيء من أحوالك , أو لا تظن أنهم يكذبون بقدرته تعالى على ms3382 ~~ما ذكر أنه إن شاء جعله لك بل , أو المعنى : دع التفكر فيما قالوه من هذا ~~فإنهم لم يقتصروا في التكذيب عليه بل { كذبوا بالساعة } أي بقدرتنا عليها , ~~واستقر ذلك في أنفسهم دهورا طويلة , وخذوه خلفا عن سلف , وأشرب قلوبهم حب ~~هذا الحطام الفاني , وتقيدت أوهامهم بهذه الظواهر كالبهائم , فعسر انفكاكهم ~~عن ذلك بما جاءهم من البيان الذي لا يشكون فيه , فاجترؤوا لذلك على العناد ~~لعدم الخوف من أهوال يوم القيامة كما قال تعالى عن أهل الكتاب < # > 77 ( { وغرهم في دينهم م اكانوا يفترون } ) 77 < # > [ آل عمران : 24 ] { وأعتدنا } أي والحال أنا أعتدنا أي هيأنا بما لنا ~~من العظمة { لمن كذب } من هؤلاء وغيرهم { بالسعة سعيرا * } أي نارا شديدة ~~الاتقاد بما أعظموا الحريق في قلوب من كذبوهم من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام وأتباعهم رضي الله عنهم { إذا رأتهم } أي إذا كانت بحيث يمكن أن ~~يروها PageV05P302 وتراهم لو كانت مبصرة { من مكان بعيد } وهو أقص ما يمكن ~~رؤيتها منه وهم يساقون إليها { سمعوا لها } اي خاصة { تغيظا } أي صوتا في ~~غليانها وفورانها كصوت المتغيظ في تحرقه ونكارته إذا غلا صدره من الغضب { ~~وزفيرا * } أي صوتا يدل على تناهي الغضب , وأصله صوت يسمع من الجوف . | ~~ولما وصف ملاقاتها لهم , وصف إلقاءهم فيها قال : { وإذا ألقوا } أي طرحوا ~~طرح إهانة فجعلوا بأيسر أمر ملاقين { منها } أي النار { مكانا } ووصفه ~~بقوله : { ضيقا } زيادة في فظاعتها { مقرنين } بأيسر أمر , أيديهم إلى ~~أعناقهم في السلاسل , أو جبال المسد , أو مع من أغواهم من الشياطين , ~~والتقرين : جمع شيء إلى شيء في قرن وهو الحبل { دعوا هنالك } أي في ذلك ~~الموضع البغيض البعيد عن الرفق { ثبورا * } اي هلاكا عظيما فيقولون : يا ~~ثبوراه ! لأنه لا مندام لهم غيره , وليس بحضرة أحد منهم سواه ؛ قال ابن ~~جريرك وأصل الثبر في كلام العرب الانصراف عن الشيء . | فالمعنى حينئذ : ~~دعوا انصرافهم عن الجنة إلى النار الذي تسببوا فيه بانصرافهم عن الإيمان ~~إلى الكفر , فلم يكن لهم سمير إلا استحضارهم لذلك تأسفا وتندما ms3383 , فأجيبوا ~~على طريق الاستئناف بقوله تعالى : { لا تدعوا اليوم } أيها الكفار { ثبورا ~~واحدا } لأنكم لا تموتون إذا حلت بكم أسباب الهلاك { وادعوا ثبوا كثيرا * } ~~لا يحصره الإحصاء ولا آخر له , فإنكم وقعتم يما يوجب ذلك لأن أنواع الهلاك ~~لا تبارحكم أصلا ولكنه لا موت . | < < # | الفرقان : ( 15 - 18 ) قل أذلك خير . . . . . # > > ^ ( قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزآء ومصيرا ~~* لهم فيها ما يشآءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا * ويوم يحشرهم وما ~~يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * ~~قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من أوليآء ولكن متعتهم ~~وآبآءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا ) ^ } ) | ولما كانت عادتهم تجويز ~~الممكن من كل ما يحذرون منه من الخلق , اقتضى الحال سؤالهم : هل أعدوا لما ~~هددوا بع من الخالق عدة أم لا ؟ في سياق الاستفهام عن المفاضلة بينه وبين ~~ما وعده المتقون , تنبيها على أنه أعلى رتبة من الممكن فإنه واقع لا محالة ~~, وتهكما بهم , فقال تعالى : { قل أذلك } أي الأمر العظيم الهول الذي ~~أوعدتموه من السعير الموصوفة . | ولما كانت عادة العرب في بيان فضل الشيء ~~دون غيره الإتيان بصيغة أفعل تنبيها على أن سلب الخير عن مقابله لا يخفى ~~على أحد , أو يكون ذلك على طريق التنزل PageV05P303 و إرخاء العنان , ~~تنبيها للعاقل على أنه يكفيه في الرجوع عن الغي طروق احتمال لكون ما هو ~~عليه مفضولا قال : { خير أم جنة الخلد } أي الإقامة الدائمة { التي وعد ~~المتقون } اي وقع اوعد الصادق المحتم بها , ممن وعده هو الوعد , للذين ~~خافوا فصدقوا بالساعة جاعلين بينهم وبين أهوالها وقاية مما أمرتهم به الرسل ~~؛ ثم حقق تعال أمرها تأكيدا للبشارة بقوله : { كانت } أي تكونت ووجدت ~~بإيجاده سبحانه { لهم جزاء } على تصديقهم وأعمالهم { ومصيرا * } اي مستقرا ~~ومنتهى , وذلك مدح لجزائهم لأنه إذا كان في محل أوسع طيب كان أهنأ له وألذ ~~كما أن العقاب إذا كان في موضع ضيق شنيع كان ms3384 أنكى وأوجع , وهو استفهام ~~تقريع وتوبيخ لمن كان يعقل فيجوز الممكنات . | ولما ذكر تعالى نعيمهم بها ~~ذكر , تنعيمهم فيها فقال : { لهم فيها } أي الجنة خاصة لا في غيرها { ما ~~يشاؤون } من كل ما تشتهيه أنفسهم { خالدين } لا يبغون عنه حولا { كان } أي ~~ذلك كله { على ربك } أي المحسن إليك بالإحسان إلى أتباعك { وعدا } . | ولما ~~أشار سبحانه إلى إيجاب ذلك على نفسه العظيمة بالتعبير ب ( على ) والوعد , ~~وكان الإنسان لا سيما مجبولا على عزة النفس , لا يكاد يسمح بأن يسأل فيما ~~لا يحقق حصوله , قال : { مسؤولا * } اي حقيقا بأن يسأل إنجازه , لأن سائله ~~خليق بأن يجاب سؤاله , وتحقق ظنونه وآماله , فالمعنى أنه إذا انضاف إلى ~~تحتيمه الشيء على نفسه سؤال الموعود به إياه , أنجز لا محالة , وهو من وادي ~~< # > 77 ( { أجيب دعوة الداع إذا دعان } ) 77 < # > [ البقرة : 186 ] وفيه حث عظيم على الدعاء , وترجية كبيرة للإجابة , ~~كما وعد بذلك سبحانه في < # > 77 ( { أجيب دعوة الداع } ) 77 < # > [ البقرة : 186 ] و < # > 77 ( { ادعوني أستجب لكم } ) 77 < # > [ غافر : 60 ] وإن لم ير الداعي الإنجاز فإن الأمر على ما رواه الإمام ~~أحمد والبزار وأبو يعلى المنذري : بأسانيد جيدة - والحاكم وقال : صحيح ~~الإسناد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~: ( ما من مسلم يدعو ليس فيهم إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ~~ثلاث : أما أن يجعل له دعوته , وإما أن يدخرها له في الآخرة , وإما أن يصرف ~~عنه من السوء مثلها ) , قالوا : إذن نكثر ؟ قال : الله أكثر ( وللحاكم عن ~~جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ) يدعو الله بالمؤمن ~~يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه فيقول : عبدي ! إ , ي أمرتك أن تدعوني , ~~ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني ؟ فيقول : نعم ! يا ربفيقول : أما إنك ~~لم تدعني بدعوة إلا استجيب لك ؟ PageV05P304 أليس دعوتني يوم كذا وكذا لغم ~~نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك ؟ فيقولك نعم ! يا رب ! فيقول : إني عجلتها ~~لك ms3385 في الدنيا , ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجا ؟ ~~قال : نعم ! يا رب فيقول : إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا , ودعوتني ~~في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها ؟ فيقول : نعم ! يا رب ! فيقول ~~: إني عجلتها لك في الدنيا , ودعوتني يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم ~~تر قضاءها ؟ فيقول : نعم ! يارب ! فيقول أني ادخرت لك بها في الجنة كذا ~~وكذا , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده ~~المؤمن إلا بين له إما أن يكون عجل له في الدنيا , وإما أن يكون ادخر له في ~~الآخرة , فيقول المؤمن في ذلك المقام : يا ليته لم يكن عجل له شيء من دعائه ~~( ولابن حبان في صحيحه والحاكم وقال : صحيح الإسناد - عن أنس رضي الله عنه ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا ) تعجزوا في الدعاء فإنه لن ~~يهلك مع الدعاء أحد ( وللترميذي والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : ) ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ( ~~وللبخاري ومسلم وأبي داود والترميذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ) يستجاب لأحدكم ما لم يعجل , يقول ~~: دعوت فلم يستجب لي ( . | وفي رواية لمسلم والترميذي : ( يزال يستجاب ~~للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل ) , قيل : يا رسول الله ! ~~ما الاستعجال ؟ قال : ( يقول : قد دعوت فلم يستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع ~~الدعاء ) قال المنذري : يستحسر اي يمل ويعيى فيترك الدعاء - انتهى . | وقد ~~فهم من الآية ومن الحديث في استثناء الإثم وقطيعة الرحم أن ما لا مانع من ~~سؤاله موعود بإجابته ونواله , فليدع الإنسان به موقنا بالإجابة . | ~~PageV05P305 ولما ذكر لهم حالهم في الساعة معه سبحانه , أتبعه ذكر حالهم مع ~~معبوداتهم من دونه , فقال بالالتفات إلى مظهر العظمة على قراءة الجماعة : { ~~ويوم } اي قل لهم ما أمرتك به , واذكر لهم ms3386 يوم { يحشرهم } أي المشركين , ~~بما لنا من العظمة التي نبرزها في ذلك اليوم , من القبور ؛ وقرأ أبو جعفر ~~وابن كثير ويعقوب وحفص عن عاصم بالياء التحتية فيكون الضمير للرب { وما ~~يعبدون } أي من الملائكة والإنس والجن وغيرهم ممن يعقل وممن لا يعقل ؛ ونبه ~~على سفول رتبتهم عن ذلك وعدم أهليتهم بقوله : { من دون الله } اي الملك ~~الأعلى الذي لا كفوء له , وذكرها بلفظ ( ما ) إشارة إلى أن ناطقها وصامتها ~~جماد بل عدم بالنسبة إليه سبحانه بما أشار إليه التعبير بالاسم الأعظم ~~الدال على جميع الكمال , مع ان ( ما ) موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم وإن ~~كان أكثر استعماله في غير العقلاء , وعبر سبحانه بقوله : { فيقول } بإعادة ~~ضمير الغيبة بعد التعبير بنون العظمة في ( نحشر ) في قراءة غير ابن عامر ~~لتقدم الجلالة الشريفة , تحقيقا للمراد وتصريحا به , وإعلاما بأن المراد ~~بالنون العظمة لا جمع , وقرأ ابن عامر بالنون موحدا الأسلوب : { أنتم } أي ~~أيها المعبودات ! بإيلاء الهمزة الضمير سؤالا عن المضل , لأن ضلال العبدة ~~معروف لا يسأل عنه { أضللتم } بالقهر والخداع والمكر { عبادي هؤلاء } حتى ~~عبدوكم كما في الآية الأخرى < # > 77 ( { ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون } ) 77 < # > [ سبأ : 40 ] في أمثالها منالآيات كما في الحديث القدسي : إني خلقت ~~عبادي حنفاء كلهم فاحتالهم الشياطين . | { أم } . | ولما كان السؤال - كما ~~مضى - عن الفاعل لا عن الفعل , كان لا بد من قوله : { هم } أي باختيار منهم ~~لإهمالهم استعمال ما أعطيتهم من قويم العقل وسديد النظر { ضلوا } وأوصل ~~الفعل بدون ( عن ) كما في هداة الطريق بدون ( إلى ) لكثرة الدور , وللإشارة ~~إلى قوة الفعل فقال : { السبيل * } اي الذي نهجته ونصبتت عليه الأدلة ~~القاطعة , البراهين الساطعة { قالوا } أي المعبودات الحي منهم والجماد , ~~المطيع والعاصي : { سبحانك } أي تنزهت عن أن ينسب إلى غيرك قدرة على فعل من ~~الأفعال . | ولما أنتج التنزيه أنهم لا فعل لغيره سبحانه , عبروا عنه ~~بقولهم : { ما كان ينبغي } أي يصح ويتصور { لنا أن نتخذ } أي نتكلف أن نأخذ ~~باختيارنا من غير إرادة منك { من ms3387 دونك } وكل ما سواك فهو دونك { من أولياء ~~} اي ينفعوننا , فإنا مفتقرون إلى من ينفعنا لحاجتنا وفقرنا , فكيف نترك من ~~بيده كل شيء وهو أقرب إلينا في كل معنى من معاني الولاية من كل شيء منالعلم ~~والقدرة وغيرهما إلى من لا شيء بيده , وهو أبعد بعيد من كل من معاتي ~~الولاية , فلو تكلفنا جعله قريبا لم يكن كذلك , وهذه عبارة PageV05P306 ~~صالحة سواء كانت من الصالحين ممن عبد من الأنبياء والملائكة أو غيرهم , فإن ~~كانت من الصالحين فمعناها : ما كان ينبغي لنا ذلك فلم نفعله وأنت أعلم , ~~كما قال تعالى ^ ( { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم ~~يقول للناس } ) ^ [ آل عمران : 79 ] الآية ؛ وإن كانت من الجمادات فالمعنى ~~: ما كنا في حيز من يقدر على شيء من ذلك , ولكن فعلوه بطرا ؛ وإن كانت من ~~مثل فرعون فالمعنى : ما كان لنا هذا , ولكن هم أنزلونا هذه المنزلة بمجرد ~~دعائنا لهم كما يقول إبليس - فما كان لنا عليهم من سلطان إلا أن دعوناهم ~~فاستجابوا , وذلك لعدم نظرهم في حقائق الأمور , فألقى الكل إلى الله يومئذ ~~السلم , فثبت أنهم ليسوا في تلك الرتبة التي أنزلوهم إياها , وفائدة السؤال ~~مع شمول علمه تعالى تبكيت المعاندين وزيادة حسراتهم وأسفهم , وتغبيط ~~المؤمنين إذا سمعوا هذا الجواب , هذا مع ما في حكايته لنا من الموعظة ~~البالغة , وقراءة أبي جعفر بالبناء للمفعول بضم النون وفتح الخاء واضحة ~~المعن , أي يتخذنا أحد آلهة نتولى أموره . | ولما كان المعنى : إنا ما ~~أضللناهم , أما إذا قدر من الملائكة ونحوهم فواضح , وأما من غيرهم فإن ~~المضل في الحقيقة هو الله , وفي الظاهر بطرهم النعمة , واتباعهم الشهوات ~~التي قصرت بهم عن أمعان النظر , وأوقفتهم مع الظواهر , حسن الاستدراك بقوله ~~: { ولكن } أي ما اضللناهم نحن , وإنما هم ضلوا بإرادتك لأنك أنت { متعتهم ~~وآباءهم } في الحياة الدنيا بما تستدرجهم به من لطائف المنن , وأطلت ~~أعمارهم في ذلك { حتى نسوا الذكر } الذي لا ينبغي أن يطلق الذكر على غيره , ~~وهو الإيمان بكل ما أرسلت ms3388 به سبحانك رسلك برهان ما يعرفه كل عاقل من نفسه ~~بما وهبته من غريزة العقل من أنه لايصح بوجه أن يكون الإله إلا واحدا , ما ~~بين العاقل وبين ذكر ذلك إلا يسير تأمل , مع البراءة ن شوائب الحظوظ ~~والحاصل أنك سببت لهم أسبابا لم يقدروا على الهداية معها , فأنت الملك ~~الفعال لما تريد , لا فعل لأحد سواك { وكانوا } في عملك بما قضيت عليهم في ~~الأزل { قوما بورا * } هلكي . | < < # | الفرقان : ( 19 - 22 ) فقد كذبوكم بما . . . . . # > > ^ ( فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم ~~نذقه عذابا كبيرا * ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ~~ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا * وقال ~~الذين لا يرجون لقآءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا ~~في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا * يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ~~ويقولون حجرا محجورا ) ^ } ) | PageV05P307 ولما كان هذا أمرا واقعا لا ~~محالة , التفت إليهم مبكتا فقال معبرا بالماضي بعد ( قد ) المقربة المحققة ~~: { فقد كذبوكم } أي المعبودون كذبوا العابدين بسبب إلقائهم السلم المقتضي ~~لأنهم لا يستحقون العبادة وأنهم يشفعون لكم مقهورين مربوبين { بما } أي ~~بسبب ما { تقولون } أيها العابدون من أنهم يستحقون العبادة , وأنهم يشفعون ~~لكم , وأنهم أضلوكم , وفي قراءة ابن كثير بالتحتانية المعنى : بما يقول ~~المعبدون من التسبيح لله والإذعان , في ادعائكم أنهم أضلوكم . | ولما تسبب ~~عن إلقائهم السلم وتخليهم عمن عبدهم أنه لا نفع في أيديهم ولا ضر , قال : { ~~فما تستطيعون } أي المعبدون { صرفا } أي لشيء من الأشياء عن أحد من الناس , ~~لا أنتم ولا غيركم , من عذاب ولا غيره , بوجه حيلة ولا شفاعة ولا مفاداة { ~~ولا نصرا } بمغالبة , وهو نحو قوله تعالى < # > 77 ( { فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا } ) 77 < # > [ الإسراء : 56 ] . | ولما كان التقدير : فمن يعل منكم لسماع هذا الوعظ ~~بوضع العبادة في موضعها نثبه ثوابا جليلا , عطف عليه ما المقام له فقال : { ~~ومن يظلم منكم } بوضعها في غير موضعها , وباعتقاده في الرسل ms3389 ما لا ينبغي ~~لهم أن يكونوا مثل الناس في أكل ولا طلب معيشة ونحو ذلك { نذقه } في الدنيا ~~والآخرة , بما لنا من العظمة { عذابا كبيرا * } . | ولما أبطل سبحانه ما ~~وصموا به رسوله صلى الله عليه وسلم وذكر ما جزاهم عليه . | وما أعد لهم وله ~~ولأتباعه , ونف ما زعموه في معبوداتهم وختمه بتعذيب الظالم , ذكر ما ظلموا ~~فيه من قولهم { ما لهذا الرسول } ونحوه , فبين أن ما جعلوه من ذلك وصمة في ~~حقه هو سنته سبحانه في الرسل من قبله أسوة لنوعهم البشري , وأتبعه سره فقال ~~زيادة في التسلية والتعزية والتأسية : { وما أرسلنا } بما لنا من العظمة . ~~| ولما كان المراد العموم , أعراه من الجار فقال : { قبلك } اي يا محمد ~~أحدا { من المرسلين إلا } وحالهم { إنهم ليأكلون الطعام } ما نأكل ويأكل ~~غيرك من الآدميين { ويمشون في الأسواق } كما تفعل ويفعلون أي إلا وحالهم ~~الأكل والمشي لطلب المعاش كحال سائر الآدميين , وهو يعلمون ذلك لما سمعوا ~~من أخبارهم , وهذا تأكيد من الله تعالى فإ , هم لا يكذبونه عليه الصلاة ~~والسلام , ولا يعتقدون فيه نقصا , وإبطال لحجتهم بما قالوه من ذلك , وإقامة ~~للحجة على عنادهم , وأنهم إنما يقولونه وأمثاله لمما تقدم من رسوخ التكذيب ~~بالساعة في أنفسهم { وجعلنا } أي بالعطاء والمنع بما لنا من العظمة { بعضكم ~~لبعض فتنة } بأ , جعلنا هذا نبيا وخصصناه بالسالة , وهذا ملكا وخصصناه ~~بالدنيا , وهذا فقيرا وحرمناه PageV05P308 الدنيا , ليظهر ما نعلمه من كل ~~من الطاعة والمعصية في عالم الغيب للناس في عالم الشهادة , فنختبر الفقير ~~بصبره على ما حرم مما أعطيه الغني أو جزعه , والملك ومن في معناه من ~~الأشراف بصبرهم على ما أعطيه الرسول منالكرامة والبلوغ بالقرب من الله إلى ~~ما يبلغونه مع ما هم فيه من العظمة , فلأجل ذلك لم أعط رسولي الدنيا , ~~وجعلته ممن يختار العبوديه والكفاف بطلب المعاش في الأسواق , لأبتليكم في ~~الطاعة له خالصة , فإني لو أعطيته في الدنيا , وجعلته ممن يختار الملك , ~~لسارع الأكثر إلى اتباعه طمعا في الدنيا , وهذا معنى { أتصبرون } فإنه علة ms3390 ~~ما قبله , أي لنعلم علم شهادة هل تصبرون فيما امتحنكم به أم لا ؟ كما كنا ~~نعلمه علم الغيب , لتقوم عليكم بذلك الحجة في مجاري عاداتكم , زفيها مع ~~العلية تهديد بليغ لمن تدبر , ويجوز أن يكون الاستفهام استئنافا للتهديد . ~~| ولما كان الاختبار ربما أوهم نقصا في العلم , وكان إحسانه سبحانه إلى ~~جميع الخلق دون إحسانه إلى سيدهم وعينهم , وخلاصتهم وزينهم : محمد صلى الله ~~عليه وسلم , وكان أعلمهم بتزيهه وتعظيمه , وكان امتحانهم بجعله نبيا عبدا ~~مع كونه في غاية الإكرام له ربما ظنوه إهانة , نفى ما لعله يوهمه كل من ~~الاستفهام والامتحان في حق الله سبحانهوحق نبيه صلى الله عليه وسلم , فقال ~~صارفا وجه الخطاب إليه : { وكان ربك } أي المحسن إليك إحسانا لم يحسنه إلى ~~أحد سواك , لا سيما بجعلك نبيا عبدا { بصيرا * } بكل شيء فهو عالم بالإنسان ~~قبل الامتحان , لم يفده ذلك علما لم يكن , وهو سبحانه يضع الأمور في حاق ~~مواضعها وإن رئي غير ذلك , فينبغي على كل أحد التسليم له في جميع الأمور ~~فإنه يجر إلى خير كبير , والتدبر لأقواله وأفعاله بحسن الانقياد والتلقي ~~فإنه يوصل إلى علم غزير , وما أراد بابتلائك بهم وابتلائهم بك في هذا الأذى ~~الكبير إلا إعلاه شأنك وإسفال أمرهم < # > 77 ( { ولتعلمن نبأه بعد حين } ) 77 < # > [ ص : 88 ] . | ولما ذكر هذا الايتلاء بعد أن ذكر أول السرة ما هو ~~سبحانه عليه من العظمة من سعة الملك , وكثرة الصنائع , والإحسان إل جميع ~~الخلق , وكان منحق كل مربوب أن يتعرف إلىربه , كائنا من كان , لا سيما إذا ~~كان بهذه الصفة , لينال من إحسانه , ويتعزز به على أقرانه , أتبع ذلك أنه ~~كشف الابتلاء عن أنه لا بصر لهم فقال تعالى : { وقال } وأظهر في موضع ~~الإضمار الوصف الذي قدم أنه موجب لعماهم فقال : { الذين لا يرجون } أي ليست ~~لهم عقول لكونهم نسوا { لقاءنا } فهم لا يعملون عملا يطمعون في إثباتنا لهم ~~عليه بعد الموت على ما يعلمون لنا من العظمة التي من رجاها كانت له فسعد , ~~ومن أعرض عنها ms3391 كانت عليه فهلك , فصارت لذلك عقولهم تبعا لشهواتهم , ~~PageV05P309 فصاروا يتعرفون إلى جمادات سموها أربابهم , ويقصدونها ويتمسحون ~~بها رجاء للمحال , والانهماك في الضلال , فذكر الرجاء لهذا الغرض مع أنه ~~يلزمه عدم الخوف : { لولا } أي هلا ولم لا . | ولما كان مرادهم لجهلهم أن ~~يروهم كلهم دفعة واحدة , عبر الإنزال فقال : من لا يحد وصف عظمته , ولا ~~تدرك مقاصد حكمته , قال مصدرا بحرف التوقع لما أرشد إليه السياق جوابا لمن ~~كأنه سأل : ما حالهم في هذا ؟ { لقد } أي وعزتنا لقد { استكبروا } أي طلبوا ~~بل أوجدوا الكبر . | ولما لم يكن لكبرهم ثمرة في الظاهر , لأنه لا يعود ~~بالضرر على أحد غيرهم , قال : { في أنفسهم } أي بطلب رؤية الملائكة . | ~~ولما كان حاصل أمرهم أنهم طلبوا رتبة النبي الذي واستطته الملك , وزادوا ~~عليه رؤية جميع الملائكة الآخذين عن الله , وزادوا على ذلك بطلب الرؤية , ~~قال : { وعتوا } أي وجاوزوا الحد في الاستكبار بما وراءه من طلبهم رؤية ~~جميع الملائكة ورؤية الملك الجبار , وزاد في تأكيد هذا المعنى لاقتضاء ~~المقام له بقوله : { عتوا كبيرا * } وبيان أنهم ما قالوا هذا إلا عتوا ~~وظلما أن ما جاءهم من الآيات التي أعظمها القرآن دلهم قطعا بعجزهم ~~عنالإتيان بشيء منه على صدقه صلى الله عليه وسلم عن الله في كل ما يقوله , ~~وفي حسن هذا الاستئناف وفحوى هذا السياق دلالة على التعجب من غير لفظ تعجب ~~فالمعنى : ما أشد استكبارهم وأكبر عتوهم ! ثم بين لهم حالهم عند بعض ما ~~طلبوا فقال : { يوم } وناصبه ما دل عليه ( لا بشرى ) { يرون الملائكة } أي ~~يوم القيامة أو قبله في الغزوات أو عند الاحتضار { لا بشرى } أي من البشر ~~أصلا { يومئذ للمجرمين } أي لأحد ممن قطع ما أمر الله به أن يوصل , ولبيان ~~ذلك أظهر موضع الإضمار { ويقولون } أي في ذلك الرقت : { حجرا محجورا * } أي ~~نطلب منعا منكم ممنوعا , أي مبالغا في مانعيته , ويجوز أن يراد بالمفعول ~~الفاعل , والمعنى واحد في أنهم يريدون أن يمون بينهم وبين الملائكة مانع ~~عظيم يمنعهم منهم ؛ قال أبو عبيدة : وهذا ms3392 عوذة العرب , يقوله من خاف آخر في ~~الحرم أو شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة وقال سيبويه : يريد البراءة من ~~الأمر ويبعد عن نفسه أمرا , فكأنه قال : أحرم ذلك حراما محرما , ومثل ذلك ~~أن يقول الرجل للرجل : أتفعل كذا وكذا ؟ فيقول : حجرا أي سترا وبراءة من ~~هذا , فهذا ينتصب على PageV05P310 إضمار الفعل . | وعبر بالمضارع إشارة غلى ~~دوام تجديدهم لهذا القول بعد مفاجأتهم به حال رؤيتهم لهم لعظيم روعتهم منهم ~~, بخلاف ما بعده فإنه عبر فيه بالماضي إشارة إلى أنه كائن لا محالة . | < < # | الفرقان : ( 23 - 30 ) وقدمنا إلى ما . . . . . # > > ^ ( وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا * أصحاب الجنة ~~يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا * ويوم تشقق السمآء بالغمام ونزل الملائكة ~~تنزيلا * الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا * ويوم يعض ~~الظالم على يديه يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتا ليتني لم أتخذ ~~فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جآءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ~~* وقال الرسول يرب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) ^ } ) | ولما كان ~~المريد لإبطال الشيء - لشدة كراهته له لا يقنع في إبطاله بغيره , بل يأتيه ~~بنفسه فيبطله , عبر بقوله : { وقدمنا } أي بما لنا من العظمة الباهرة في ~~ذلك اليوم الذي يرون فيه الملائكة سواء كان في الدنيا أو في الآخرة { إلى ~~ما عملوا من عمل } أي من مكارم الأخلاق من الجود وصلة الرحم والحلم والنجدة ~~في الخير وإغاثة الملهوف وغيره { فجعلناه } لكونه لم يؤسس على الإيمان , ~~وإنما هو للهوى والشيطان - باطلا لا نفع فيه , وهو معنى { هباء } وهو ما ~~يرى في شعاع الشمس الداخل من الكوة مما يشبه الغبار , فهو أشبه شيء بالعدم ~~لأنه لا نفع له أصلا . | ولما كان الهباء يرى مع السكون منتظما , فإذا ~~حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب , معظم دخوله في حيز العدم مع أنه محسوس , ~~قال مبلغا في وصف أعمالهم : { منثورا * } وهو صفة , وقيل : مفعول ثالث لجعل ~~, أي جعلنا الأعمال جامعة لحقارة الهباء والتناثر . | ولما علم من هذا ms3393 أن ~~التقدير : فكاون بحيث إنهم لا قرار لهم إذا كانت النار مقيلهم , تلاه بحال ~~أضدادهم فقال : { أصحاب الجنة يومئذ } أي يوم إذ يرون الملائكة { خير ~~مستقرا } أي مكانا يصلح للاستقرار لطيبه , ويكونون فيه في أكثر أوقاتهم ~~مستقرين على سرر متقابلين يتحادثون , إشارة إلى أن منزل أولئك لا يمكن ~~الاستقرار فيه { وأحسن مقيلا * } أي مكانا يمكن الاستراحة في مثل وقت ~~القيلولة للاسترواح بأزوجهم , والتمتع بما يكون في الخلوات , روي أن وقت ~~الحساب على طوله يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين أول النهار إلى وقت ~~القائلة فيقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ الناس من الحساب . | وعبر بأفعل ~~التفضيل تهكما بهم أو أنه عبر بذلك لما كان PageV05P311 الكلام عاما لأحوال ~~الدنيا والآخرة , وهو قاطعون بأ , هم في الدنيا أحسن حالا من المؤمنين , ~~لما هم فيه من السعة في المال والكثرة والقوة , وبلفظ الحسن إشارة إلى ما ~~يتزين به مقيلهم من حسن الوجوه وملاحه الصور ونحوه . | ولما كان للكفرة في ~~هذه الدار من العز والقوة والضخامة ما يتعجبون معه من مصير حالهم وحال ~~أخصامهم إلى ما ذكر , بين أن الأمر في ذلك اليوم على غير ما نعهده , فقال ~~عاطفا على { يوم يرون } : { ويوم تشقق } أي تشققا عظيما وإن كان فيه خفاء ~~على البعض - بما أشار إليه حذف تائه { السماء بالغمام } أي كما تشقق الأرض ~~بالنبات فيخرج من خلال شقوقها , وأشار إلى جهل من طلبوا نزولهم دفعة واحدة ~~بقوله : { ونزل } أي بالتدريج بأمر حتم لا يمكنهم التخلف عنه , بأمر من لا ~~أمر لغيره { الملائكة } الذين طلبوا أن يروهم في حال واحد { تنزيلا * } في ~~أيديهم صحائف الأعمال ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما : تشقق السماء في ~~الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر من أهل ممن في الدنيا من الجن والإنس , ثم ~~تشقق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الدنيا وأهل الأرض ~~جنا وإنسا ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة , وأهل كل سماء يزيدون على أهل ~~السماء التي قبلها , ثم الكربيون ثم حملة العرش ms3394 . | ولما كان ذلك اليوم ~~سببا لانكشاف الأمور ومعرفة أنه لا ملك لسواه سبحانه لأنه لا يقضي فيه غيره ~~قال : { الملك يومئذ } أي يوم إذ تشقق السماء بالغمام ؛ ثم وصف الملك بقوله ~~: { الحق } أي الثابت معناه ثابتا لا يمكن زواله ؛ ثم أخبر عنه بقوله : { ~~للرحمن } أي العام الرحمة في الدارين , ومن عمم رحمته وحقية ملكه أن يسر ~~قلوب أهل ورده بتعذيب أهل عداوته الذين عادوهم فيه لتضييعهم الحق باتباع ~~الباطل , ولولا اتصافه بالرحمة لم يدخل أحد الجنة , ومعنى التركيب أن ملك ~~غيره في ذلك اليوم إنما هو بالاسم الذي تقدم له في تسميته به فقط , لا حكم ~~له أصلا ولا ظاهرا كما كان في الدنيا { وكان } أي ذلك ايوم الذي تظهر فيه ~~الملائكة الذين طلب الكفار رؤيتهم { يوما على الكافرين } أي فقط { عسيرا * ~~} شديد العسر والاستعار . | ولما كان حاصل حالهم أنهم جانبوا أشرف الخلق ~~الهادي لهم إلى كل خير , وصاحبوا غيره ممن يقودهم إلى كل شر , بين عسر ذلك ~~اليوم الذي إنما أوجب جرأتهم تكذيبهم به بتناهي ندمهم على فعلهم هذا فقال : ~~{ ويوم يعض الظالم } أي لفرط تأسفه لما يرى فيه من الأهوال { على يديه } أي ~~كلتيهما فيكاد يقطعهما لشدة حسرته وهو لا يشعر , حال كونه مع هذا الفعل { ~~يقول } أي يجدد في كل لحظة قوله : { يا ليتني اتخذت } أي أرغمت نفسي ~~وكلفتها أن آخذ في الدنيا { مع الرسول سبيلا * } أي عملا PageV05P312 واحدا ~~من الأعمال التي دعاني إليها , وأطعته طاعة ما , لما انكشف لي في هذا اليوم ~~من أن كل من أطاعه ولو لحظة حصلت له سعادة بقدرها , وعض اليد والأنامل وحرق ~~الأسنان ونحو ذلك كناية عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفهما , فتذكر ~~الرادفه دلالة على المردوف فيرتفع الكلام في طبقة الفصاحة إلى حد يجد ~~السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان ما لا يجده عند المكنى عنه . | ~~ولما تأسف على مجانبة الرسول , تندم على مصادقة غيره بقوله : { يا ويلتي } ~~أي يا هلاكي الذي ليس لي منادم غيره لأ , ه ليس ms3395 بحضرتي سواه . | ولما كان ~~يريد محالا , عبر بأداته فقال : { ليتني لم أتخذ فلانا } يعني الذي أضله - ~~يسميه باسمه , وإنما كنى عنه وهو سبحانه لا يخاف من المناواة , ولا يحتاج ~~إلى المداجاة , إرادة للعموم وإن كانت الآية نزلت في شخص معين { خليلا * } ~~أي صديقا أوافقه في أعماله لما علمت من سوء عاقبتها , ثم استأنف قوله الذي ~~يتوقع كل سامع أن يقوله : { لقد } أي والله لقد { أضلني عن الذكر } أي عمي ~~علي طريق القرآن الذي لاذكر في الحقيقة غيره وصرفني عنه , والجملة في موضع ~~العلة لما قبلها { بعد إذ جائني } ولم يكن منه مانع يظهر غير إضلاله . | ~~ولما كان التقدير : ثم ها هو قد خذلني أحوج ما كنت إلى نصرته , عطف عليه ~~قوله : { وكان الشيطان } أي كل من كان شببا للضلال من عتاه الجن والإنس { ~~للإنسان خذولا * } أس شديد الخذلان يورده ثم يسلمه إلى أكره ما يكره , لا ~~ينصره , ولو أراد لما استطاع , بل هو شر من ذلك , لأن عليه إثمه في نفسه ~~ومثل إثم من أضله . | ولما ذكر سبحانه أقوال الكفار إلى أن ختم بالإضلال عن ~~الذكر , وكانوا مع إظهارهم التكذيب به وأنه مفتعل في غاية الطرب له , ~~والاهتزاز به , والتعجب منه , والمعرفة بأنه يكون له نبا , أشار إلى ذلك ~~بقوله : عاطفا على { وقالوا ما لهذا الرسول } معظما لهذه الشكاية منه صلى ~~الله عليه وسلم , مخوفا لقومه لأن الرسل قبله عليهم الصلاة والسلام كانوا ~~إذا شكوا أنزل بقومهم عذاب الاستئصال : { وقال الرسول } يعني محمدا صلى ~~الله عليه وسلم : { يا رب } أيها المحسن إلي بأنواع الإحسان الذي أعظمه ~~الرسالة , وعبر بأداة البعد هضما لنفسه مبالغة في التضرع { إن قومي } أي ~~قريشا الذين لهم قوة وقيام ومنعة { اتخذوا } أي يتكليف أنفسهم ضد ما تجده { ~~هذا القرآن } أي المقتضي للاجتماع عليه والمبادرة إليه { مهجورا * } أي ~~متروكا , فأشار بصيغة الافتعال إلى أنهم عالجوا أنفسهم في تركه علاجا كثيرا ~~, لما يرون من حسن نظمه , ويذقون من لذيذ معانيه , ورائق أسالبيه , ولطيف ~~عجائبه , وبديع غرائبه , كما تعرف ms3396 به قصة أي جهل وأبي سفيان بن حرب ~~PageV05P313 والأخنس بن شريق حين كانوا يستمعون لقراءته ليلا , كل واحد ~~منهم في مكان لا يعلم به صاحباه , ثم يجمعهم الطريق إذا أصبحوا فيتلاومون ~~ويتعاهدون على أن لا يعودوا , ثم يعودون حتىى فعلوا ذلك ثلاث ليال ثم أكدوا ~~على أنفسهم العهود حتى تركوا ذلك كما هو مشهور في السير . | < < # | الفرقان : ( 31 - 36 ) وكذلك جعلنا لكل . . . . . # > > ^ ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا * ~~وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ~~ورتلناه ترتيلا * ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا * الذين ~~يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا * ولقد آتينا موسى ~~الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا * فقلنا اذهبآ إلى القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا فدمرناهم تدميرا ) ^ } ) | ولما كان في هذا الكلام معنى الشكاية ~~وشدة التحرق , وعظيم التحزن كما يشير إليه إثبات يا التي للبعد , على خلاف ~~ما جرت به العادة في نداء الخواص الذين هو أخصهم , والاستفهام عن سبب ~~هجرانهم مع ما لهم إليه من الدواعي , كان كأنه قيل : ذلك بأن من فعله عاداك ~~حسدا لك , وعطف عليه : { وكذلك } أي ومثل ما فعلنا من هذا الفعل العظيم ~~وأنت أعظم الخلق لدنيا { جعلنا } بما لنا من العظمة { لكل نبي } أي من ~~الأنبياء قبلك , رفعة لدرجاتهم { عدوا من المجرمين } الذين طبعناهم على ~~الشغف بقطع ما يقتضي الوصل فأضللناهم بذلك إهانة لهم فاصبر كما صبروا فإني ~~سأهدي بك من شئت , وأنصرك على غيرهم , وأكرم قومك من عذاب الاستئصال تشريفا ~~لك . | ولما كان موطنا تعلق فيه النفوس متشوقة إلى الهداية بعد هذا الطبع , ~~والنصرة بعد ذلك الجعل , كان كأنه قيل : لا تحزن فلنجعلن لك وليا ممن نهديه ~~للإيمان , ولننصرنهم على عدوهم كما فعلنا بمن قبلك , بل أعظم حتى نقضي ~~أممهم من ذلك العجب , ولا يسعهم إلا الخضوع لكم والدخول في ظلال عزكم , ~~ولما كان ذلك - لكثرة المعادين - أمرا يحق له الاستبعاد , قال عاطفا على ما ms3397 ~~تقديره ؛ ثم نصر إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على من جعلهم ~~أعداءهم ربك الذي أرسلهم : { وكفى بربك } أي المحسن إليك { هاديا } يهدي بك ~~من قضى بسعادته { ونصيرا * } ينصرك على من حكم بشقاوته . | ولما ذكر سبحانه ~~شكايته من هجرانهم للقرآن , وقرر عداوتهم له ونصرته عليهم , أتبع بما يدل ~~عليه , فقال عطفا على ما مضى من الأشباه في الشبه , وأظهر موضع PageV05P314 ~~الإضمار تنبيها على الوصف الذي حملهم على هذا القول : { وقال الذين كفروا } ~~أي غطوا عدواة وحسدا ما تشهد عقولهم بصحته من أ , القرآن كلام لإعجازه لهم ~~متفرقا , فضلا عن كونه مجتمعا , وغطوا ما وضح لهم من آثاره الظاهرة الشاهد ~~بوحدانيته , وغير ذلك من صفاته العلية : { لو لا } أي هلا . | ولما كانوا ~~لشدة ضعفهم لا يكادون يسمحون بتسمية القرآن تنزيلا فضلا عن أن يسندوا ~~إنزاله إلى الله سبحانه وتعالى , بنوا للمفعول في هذه الشبهة التي أوردها ~~قولهم : { نزل عليه } ولما عبروا بصيغة التفعيل المشيرة إلى التدريج ~~والتفريق استجلابا للسامع لئلا يعرض عنهم , أشاروا غلى أن ذلك غير مراد ~~فقالوا : { القرآن } أي المقتضي اسمه للجمع ؛ ثم صرحوا بالمراد بقولهم : { ~~جملة } وأكدوا بقولهم : { واحدة } أي من أوله إلى آخره بمرة , ليتحقق أنه ~~من عند الله , ويزول عنا ما نتوهمه من أنه هو الذي يرتبه قليلا قليلا , ~~فتعبيرهم بما يدل على التفريق أبلغ في مرادهم , فإنهم أرغبوا السامع في ~~الإقبال على كلامهم بتوطينه على ما يقارب مراده , ثم أزالوا بالتدريج أتم ~~إزالة , فكان فس ذلك من المفاجأة بالروعن والإقناط مما أمل من المقاربة ما ~~لم يكن في ( أنزل ) والله أعلم . | ولما كان التقديرك وما له ينزل عليه ~~مفرقا , وكان للتفريق فوائد جليلة , أشار سبحانه إلى عظمتها بقوله معبرا ~~للإشارة إلى ما اشتملت عليه من العظمة بأداة البعد : { كذلك } أي أنزلناه ~~شيئا فشيئا على هذا الوجه العظيم الذي أنكروه { لنثبت بهه فؤادك } بالإغاثة ~~بتردد الرسل بيننا وبينك , وبتكمينك وتمكين أتباعك من تفهم المعاني , ~~وتخفيفا للأحكام , في تحميلها أهل الإسلام , بالتدريج على حسب المصالح , ~~واتنافي الحكمة ms3398 في الناسخ والمنسوخ , لما رتب من المصالح , وتسهيا للحفظ لا ~~سيما والأمة أمية لا تقرأ ولا تكتب , وتلقينا للأجوبه في أوقاتهان وتعظيما ~~للإعجاز , لأن ما تحدى بنجم منه فعجز عنه علم أن العجز عن أكثر منه أولى , ~~فالحاصل أن التفريق أدخل في باب الإعجاز وفي كل حكمة , فعلم أن هذا ~~الاعتراض فضول ومماراة بما لا طائل تحته من ضيق الفطن , وقلة الحلية , وحرج ~~الخطيرة , دأب المقطوع المبهوت , لأن المدار الإعجاز , وأما كونه جملة أو ~~مفرقا فأمر لا فائدة لهم فيه , وليست الإشارة محتملة لأن تكون للكتب ~~الماضية , لأن نزولها إنما كان منجما كما بينته في سورة النساء عن نص ~~التوراة المشير إليه نص كتابنا , لا كما يتهمه كثير من الناس , ولا أصل له ~~إلا كذبة من بعض البهود شبهوا بها على أهل الإسلام فمشت على أكثرهم وشرعوا ~~يتكلفون لها أجوبة , واليهود الآن معترفون بأن التوراة نزلت في نحو عشرين ~~سنة والله الموفق . | PageV05P315 ولما كان إنزله مفرقا أحسنن أكده بقوله ~~عطفا على الفعل الذي تعلق به طكذلك ( { ورتلناه ترتيلا * } أي فرقناه في ~~الإنزال إليك تفريقا في نيف وعشرين سنة ؛ وقال البغوي : قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : بيناه بيانا , والنرتيل : التبين في ترسل وتثبت انتهى . | ~~وأصله ترتيل الأسنان وهو تفليجها كنور الأقحوان . | ولما كان التقدير : قد ~~بطل ما أتوا به هذا الاعتراض , عطف عليه قوله : { ولا يأتونك } أي المشركون ~~{ بمثل } أي باعتراض في إبطال أمرك يخيلون به لعقول الضعفاء بما يجتهدون في ~~تنميقه وتحسينه وتدقيقه حتى يصير عندهم في غاية الحسن والرشاقة لفظا ومعنى ~~{ إلا جئناك } أي في جوابه { بالحق } ومن الألف واللام الدالة على الكمال ~~يعرف أن المراد به الثابت الذي لا شيء أثبت منه , فيرهق ما أتوا به لبطلانه ~~, ويفتضح بعد ذلك الستر فضيحة تخجل القائل والسامع القابل . | ولما ~~كانالتقدير في الأصل : بأحق منه , وإنما عبر بالحق , لئلا يفهم أن لما ~~يأتون به وجها في الحقيقة , عطف عليه قوله : { وأحسن } أي من مثلهم { ~~تفسيرا * } أي كشفا لما غطى الفهم ms3399 من ذلك الذي خيلوا به وادعوا أنهم أوضحوا ~~به وجها من وجوه المطاعن , فجزم أكثر من السامعين بحسنه . | ولما أنتجت هذه ~~الآيات كلها أنهم معاندون لربهم , وأنهم يريدن بهذه السؤالات أن يضللوا ~~سبيله , ويحتقروا مكانته , ويهدروا منزلته , علم قطعا أنه يعمر بهم دار ~~الشقاء , وكان ذلك أدل على أنهم أعمى الناس عن الطرق المحسوسة , فضلا عن ~~الأمثال المعلومة , والتمثيل للمدارك الغامضة , وأنهم أحقر الناس لأنه لا ~~ينتقص الأفاضل إلا ناقص , ولا يتكلم الإنسان إلا فيمن هو خير منه , قال ~~معادلا لقوله : < # > 77 ( { أصحاب الجنة يومئذ خير } ) 77 < # > [ الفرقان : 24 ] واصفا لما تقدم أنه أظهره موضع الإضمار من قوله < # > 77 ( { الذين كفروا } ) 77 < # > [ الفرقان : 32 ] { ألذين يحشرون } اي يجمعون قهرا ماشين مقلوبين { ~~علةى وجوههم } أو مسحوبين { إلى جهنم } كما أنهم في الدنيا كانوا يعملون ما ~~كأنهم معه لا يبصرون ولا تصرف لهم في أنفسهم , تؤزهم الشياطين أزا , فإن ~~الآخرة مرآة الدنيا , مهما عمل هنا رئي هناك , كما أن الدنيا مزرعة الآخرة ~~, مهما عمل فيها جنيت ثمرته هناك ( روى البخاري عن أنس رضي الله عنهما أن ~~رجلا قال : يا نبي الله ! كيف يحشر الكفر على وجهه يوم القيامة ؟ قال : ) ~~أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرا على أن يمشيه على ةجهه يوم ~~القيامة ؟ ( قال قتادة : يعني الراوي عن أنس : ) بلى وعزة ربنا . | ~~PageV05P316 ( ولما وصف المتنعتين في أمر القرآن بهذا الوصف , استأنف ~~الإخبار بأنهم متصفون بما ألزموا به من أن الإتيام بالقرآن مفرقا وضع للشيء ~~في غير موضعه فقال : { أولئك } اي البعداء البغضاء { شر } أي شر خلق { ~~مكانا وأضل سبيلا * } حيث عموا عن طريق الجنة التي لا أجلى منها ولا أوسع , ~~وسلكوا طريق النار التب لا أضيق منه ولا أوعر , وعموا عن أن إنزال القرآن ~~نجوما أولى لما تقدم من اللطائف وغيرهما مما لا يحيط به إلا الله تعالى , ) ~~وسبيلا ( تمييز محول عن الفاعل أصله : ضل سبيلهم , وإسناد الضلال إليه من ~~الإسناد المجازي . | ولما بين كذبوه وعادوه , وأشار بآية الحشر إلى جهنم ms3400 ~~إلى أنه لا يهلكهم بعامة , عطف على عامل ( لنثبت ) تسلية له وتخويفا لهم ~~قوله : { ولقد آتينا } أي بما لنا من ا لعظمة { موسى الكتاب } كما أتيناك , ~~بينا فيه الشرائع والسنن والأحكام , وجعلناه هدى ورحمة , وأنزلناه إليه ~~منجما في نحو عشرين سنة يقال : إنها ثمان عشرة كما أنزلنا إليك هذا القرآن ~~في نيف وعشرين سنة , كما بينت ذلك في آخر سورة النساء وغيرها , على أن أحدا ~~ممن طالع التوراة لا يقدر على إنكار ذلك , فإنه بين ن نصوصها . | وزاد في ~~التسلية بذكر الوزير , لأن الرد للاثنين أبعد , وفيه إشارة إلى أنه لا ينفع ~~في إيمانهم إرسال ملك كما اقترحوا ليكون معه نذيرا , فقال : { وجعلنا } بما ~~لنا من العظمة { معه أخاة } ثم بينه بقوله : { هارون } وبين محط الجعل ~~بقوله : { وزيرا } أي معينا في كل أمر بعثناه به , وهو مع ذلك نبي , ولا ~~تنافي بين الوزارة والنبوة . | ولما كانت الواو لا ترتب , فلم يلزم من هذا ~~أن يكون هذا الجعل بعد إنزال الكتاب كما هو الواقع , رتب عليه قوله : { ~~فقلنا } أي بعد جعلنا له وزيرا . | ولما كان المقصود هنا من القصة التسلية ~~والتخويف , ذكر حاشيتها أولها وآخرها , وهما إلزام الحجة والتدمير , فقال : ~~{ اذهبا إلى القوم } أي لاذين فيهم قوة وقدرة على ما يعانونه وهم القبط { ~~الذين كذبوا يآياتنا } أي المرئية والمسموعة من النبياء الماضين قبل ~~إتيانكما في علم الشهادة , والمرئية والمسموعة منكما بعد إتيانكما في علمنا ~~. | فذهبا إلهيم فكذبوهما فيما أرياهم وأخبراهم به من الآيات , لما طبعناهم ~~عليه من الطبع المهيىء لذلك . | ولما كان السياق للإنذار بالفرقان , طوي ~~أمرهم إلا في عذابهم فقال : { فدمرناهم } أي لذلك { تدميرا * } بإغراقهم ~~أجمعين عل يد موسى عليه السلام في البحر , لم نيق منه أحدا مع ما أصبناهم ~~به قبل ذلك من المصائب , مع اجتهاد موسى عليه السلام في إحيائهم بالإيمان , ~~الموجب لإبقائهم في الدارين , عكس ما فعلنا بموسى عليه السلام من ~~PageV05P317 إنجائه من الهلاك بإلقائه في البحر , وإبقائه بمن اجتهد في ~~إعدامه , وجعلنا لكل منهما حظا من ms3401 بحره { هذا ملح أجاج } هو غطاء جهنم , ^ ~~( { وهذا عذب فرات } ) ^ [ الفرقان : 53 ] عنصره من الجنة , فليحذر هؤلاء ~~الذين تدعوهم من مثل ذلك إن فعلوا مثل فعل أولئك . | < < # | الفرقان : ( 37 - 39 ) وقوم نوح لما . . . . . # > > ^ ( وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا ~~للظالمين عذابا أليما * وعادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا * ~~وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا ) ^ } ) | ولما هدد المكذبين , ~~بإهلاك الأولين , الذين كانوا أقو منهم وأكثر , وقدم قصة موسى عليه السلام ~~لمناسبة الكتاب في نفسه أولا ؛ وفي تنجيمه ثانيا , أتبعه أول الأمم , لأنهم ~~أول , ولما في عذابهم من الهول , ولمناسبة ما بينه وبين عذاب القبط , فقال ~~: { وقوم } أي ودمرنا قوم { نوح لما كذبوا الرسل } بتكذيبهم نوحا ؛ لأن من ~~كذب واحدا من الأنبياء بالفعل فقد كذب الكل بالقوة , لأن المعجزات هي ~~البرهان على صدقهم , وهي متساوية الأقدام في كونها خوارق , لا يقدر على ~~معارضتها , فالتكذيب بشيء منها تكذيب بالجميع لأنه لا فرق , ولأنهم كذبوا ~~من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما سمعوه من أخبارهم , ولأنهم ~~عللوا تكذيبهم بأنه من البشر فلزمهم تكذيب كل رسول من البشر . | ولما كان ~~كأنه قيل : بأي شيء دمروا ؟ قال : { أغرقناهم } كما أغرقنا ىل فرعون بأعظم ~~مما أغرقناهم { وجعلناهم } أي قوم نوح في ذلك { للناس آية } أي علامة على ~~قدرتنا على ما نريد من إحداث الماء وغيره وإعدامه والتصرف في ذلك بكل ما ~~نشاء , وإنجاء من نريد بما أهلكنا به عدوه { وأعتدنا } اي هيأنا تهيئة ~~قريبة جدا وأحضرنا على وجه ضخم شديد تام التقدير ؛ وكان الأصل : لهم , ~~ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف في الأشياء في غير مواضعها { عذابا ~~أليما * } لاسيما في الآخرة . | ولما ذكر آخر الأمم المهلكة بعامة وأولها , ~~وكان إهلاكهما بالماء , ذكر من بينهما ممن أهلك بغيير ذلك , إظهار للقدرة ~~والاختيار , وطوى خبرهم بغير العذاب لأنه كما مضى في سياق الإنذار فقال : { ~~وعادا } أي ودمرنا عادا بالريح { وثمودا } بالصيحة { وأصحاب الرس } أي ~~البئر التي هي غير مطوية ؛ قال ابن ms3402 جرير : والرس في كلام العرب كل محفور ~~مثل البئر والقبر ونحو ذلك . | اي دمرناهم بالخسف { وقرونا بين ذلك } أي ~~الأمر العظيم المذكور , وهو بين كل أمتين من هذه الأمم { كثيرا * } وناهيك ~~PageV05P318 بما يقول فيه العلي الكبير : إنه كثير ؛ أسند البغوي في تفسير ~~^ ( { أمة وسطا } ) ^ [ البقرة : 143 ] في البقرة عن أبي سعيد الخدري رضي ~~الله عنه قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بعد العصر , ~~فما ترك شيئا غلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس ~~على رؤوس النخل وأطراف الحيطان قال : ( أما إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى ~~إلا كما بقي من يومكم هذا , ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي آخرها ~~وأكرمها على الله عز وجل . | ( أخرجه الترميذي في الفتن وأحمد والطبراني ~~وابن ماجه في الفتن أيضا لكن ببعضه وليس عند واحد منهم اللفظ المقصود من ~~السبعين أمة , وفي بعض ألفاظهم وجعلنا نلتفت إلى الشمس هل بقي منها شيء ) ~~وهذا يدل على أن الذي كان قد بقي من النهار نحو العشر من العشر , وهذا ~~يقتضي إذا اعتبرنا ما مضى لهذه الأمة من الزمان أن يكون الماضي من الدنيا ~~من خلق آدم عليه السلام في يوم الجمعة الذي يلي الستة الأيام التي خلقت ~~فيها السماوات والأرض أكثر من مائة ألف سنة - والله أعلم . | ولما قدم ~~سبحانه أنه يأتي في هذا الكتاب بما هو الحق في جواب أمثالهم , بين أنه فعل ~~بالجميع نحو من هذا , فقال تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتأسية وبيانا ~~لتشريفه بالعفو عن أمتهك { وكلا } اي من هذه الأمم { ضربنا } بما لنا من ~~العظمة { له الأمثال } حتى وضح له السبيل , وقام - من غير شبهة - الدليل { ~~وكلا تبرنا تتبيرا * } أي جعلناهم فتاتا قطعا بليغة التقطيع , لا يمكن ~~غيرنا أن يصلها ويعيدها إلى ما كانت عليه قبل التفتيت . | < < # | الفرقان : ( 40 - 44 ) ولقد أتوا على . . . . . # > > ^ ( ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها ~~بل كانوا لا يرجون نشورا ms3403 * وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث ~~الله رسولا * إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين ~~يرون العذاب من أضل سبيلا * أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ~~* أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ~~) ^ } ) | ولوما ذكر الإهلاك بالماء وبغيره , وكان الإهلاك بالماء تارة ~~بالبحر , وتارة بالأمطار , وختم بالخسف , ذكر الخسف الناشىء عن الأمطار , ~~بحجارة النار , مع الغمر بالماء , دلالة على تمام القدرة , وباهر العظمة , ~~وتذكيرا بما يرونه كل قليل في سفرهم إلى الأرض المقدسة لمتجرهم , وافتتح ~~القصة باللام المؤذنة بعظيم الاهتمام , مقرونة PageV05P319 بحرف التحقيق , ~~إشارة إلى أنهم لعدم الانتفاع باليات كالمنكرين للمحسوسات , وغير الأسلوب ~~تنبيها على عظيم الشأن وهزا للسامع فقال : { ولقد أتوا } أي هؤلاءالمكذبون ~~من قومك , وقال : { على القرية } - وإن كانت مدائن سبعا أو خمسا كما قيل - ~~تحقيرا لشأنها في جنب قدرته سبحانه , وإهانة لمن يريد عذابه , ودلالة على ~~جمع الفاحشة لهم حتى كانوا كأنهم شيء واحد كما دل عليه التعبير بمادة ( قرا ~~) الدالة على الجمع { التي أمطرت } أي وقع إمطارها ممن لا يقدر على الإمطار ~~سواه بالحجارة , ولذا قال : { مطر السوء } وهي قرى قوم لوط , ثم خسف بها ~~وغمرت بما ليس في الأرض مثله في أنواع الخبث ؛ قال البغوي : كانت خمس قرى ~~فأهلك الله أربعا منها ونجت واحدة وهي أصغرها , وكان أهلها لا يعلمون العمل ~~الخبيث . | ولما كانوا يمرون عليها في أسفارهمن وكان من حقهم أن أن يتعظوا ~~بحالهم , فيرجعوا عن ضلالهم , تسبب عن ذلك استحقاقهم للإنكار الشديد في ~~قوله : { أفلم يكونوا } أي بما في جبلاتهم من الأخلاق العالية { يرونها } أ ~~] في أسفارهم إلى الشام ليعتبروا بما حل بأهلها من عذاب الله فيتوبوا . | ~~ولما كان التقدير : بل رأوها , أضرب عنه بقوله : { بل } أي لم يكن تكذيبهم ~~بسبب عدم رؤيتها وعدم علمهم بما حل بأهلها , بل بسبب أنهم { كانوا } يكذبون ~~بالقيامة كأنه لهم طبع . | ولماى كان عود الإنسان إلى ما كان ms3404 من صحته ~~محبوبا له , كان ينبغي لهم لو عقلوا أن يعلقوا رجاءهم بالبعث لأنه لا رجوع ~~إلى الحياة , فهو كرجوع المريض لا سيما المدنف إلى الصحة , فلذلك قال معبرا ~~بالرجاء تنبيها على هذا : { لا يرجون نشورا * } بعد الموت ليخافوا الله عز ~~وجل فيخلصوا له فيجازيهم على ذلك , لأنه استقر في أنفسهم اعتقادهم التكذيب ~~بالآخرة , واستمروا عليه قرنا بعد قرن حتى تمكن تمكنا لا ينفع معه الاعتبار ~~إلا لمن شاء الله . | ولما أثبت تكذيبهم بالآخرة , عطف عليه تحقيقا قوله , ~~مبينا أنهم لم يقتصروا على التكذيب بالممكن المحبوب حتى ضموا إليه ~~الاستهزاء بمن لا يمكن أصلا في العادة أن يكون موضعا للهزء : { وإذا رأوك } ~~أي مع ما يعلمون من صدق حديثك وكرم أفعالك لو لم تأتهم بمعجزة , فكيف وقد ~~أتيتهم بما بهر العقول { إن } أي ما { يتخذونك إلا هزوا } عبر بالمصدر ~~إشارة إلى مبالغتهم في الاستهزاء مع شدة بعده صلى الله عليه وسلم عن ذلك , ~~يقولون محتقرين : { أهذا } وتهكموا مع الإنكار في قولهم { الذي بعث الله } ~~اي المستجمع لنعوت العظمة { رسولا * } فإخراجهم الكلام في معرض التسليم ~~والإقرار - PageV05P320 وهم في غاية الجحود - بالغ الذروة من الاستهزاء , ~~فصار المراد عندهم أن هذا الذي ادعاه من الرسالة مما لا يجوز أن يعتقد . | ~~ثم استأنفوا معجبين من أنفسهم , مخيلين غيرهم من الالتفات غلى ما يأتي به م ~~نالمعجزات , قائلين : { إن } اي إنه { كاد } وعرف بأن ( إن ) مخففة لا ~~نافية باللام فقال : { ليضلنا } اي بما يأتي به من هذه الخوارق التي لا ~~يقدر غيره على مثلها , واجتهاده في إظهار النصح { عن آلهتنا } هذه التي سبق ~~إلى عبادتها من هو أفضل منا رأيا وأكثر للأمور تجربة . | ولما كانت هذه ~~العبارة مفهمة لمقاربة الصرف عن الأصنام , نفوه بقولهم : { لولا أن صبرنا } ~~بما لنا من الاجتماع والتعاضد { عليها } اي على التمسك بعبادتها . | ولما ~~لزم قولهم هذا أن الأصنام تغني عنهم , نفاه مهددا مؤكدا التهديد لفظاعة ~~فعلهم بقوله , عطفا على ما تقديره : فسوف يرون - أو من يرى منهم - أكثرهم ~~قد رجع ms3405 عن اعتقاد أن هذه الأصنام آلالهة : { وسوف يعلمون } اي في حال لا ~~ينفعهم فيه العمل وإن طالت مدة الإمهال والتمكين { حين يرون العذاب } أي في ~~الدنيا والآخرة { من أضل سبيلا * } هم أوالدعي لهم إلى ترك الأصنام الذي ~~ادعوا إضلاله بقولهم { ليضلنا } . | ولما أخبره تعالى بحقيقة حالهم , في ~~ابتدائهم ومآلهم , وكان ذلك مما يحزنه صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على ~~رجوعهم , ولزوم ما ينفعهم واجتناب ما يضرهم , سلاه بقوله معجبا من حالهم : ~~{ أرأيت من اتخذ } أي كلف نفسه أن أخذ { إلهه هواه } أي أنهم حقروا الإله ~~بإنزاله إلى رتبة الهوى فهم لا يعبدون إلا الهوى , وهو ميل الشهوة ورمي ~~النفس إلى الشيء , لا شبهة لهم اصلا في عبادة الأصنام يرجعون عنها إذا جلت ~~, فهم لا ينفكون عن عبادتها ما دام هواهم مجودا , فلا يقدر علىكفهم عن ذلك ~~إلا القادر على صرف تلك الأهواء , وهو الله وحده وهذا كما تقول : فلان اتخذ ~~سميره كتابه , أي أنه قصر نفسه على مسامرة الكتاب في وقت السمر وقد يشاركه ~~في مسامرة الكتاب غيره , ولو قلت : اتخذ كتابه سميره , لانعكس الحال فكان ~~المعنى أنه أنه قصر نفسه على مطالعة السمير ولم ينظر في كتاب في وقت السمر ~~وقد يشاركه غيره في السمير , أو قصر السمير على الكتاب والكتاب على السمير ~~كما قصر الطين على الخزفية في قولك : اتخذت الطين خزفا , فالمعنى أن هذا ~~المذموم قصر نفسه عل تأله الهوى فلا صلاح له ولا رشاد وقد يتأله الهوى غيره ~~, ولو قيل : من اتخذ هواه إلهه , لكان المعنى أنه قصر هواه على الإله فلا ~~غي له , لأن هواه تابع لأمر الإله , وقد يشاركه في تأله الإله غيره ؛ قال ~~أبو حيان : والمعنى أنه لم يتخذ إلها إلا هواه - انتهى . | فلو عكس لقيل : ~~لم يتخذ هوى PageV05P321 إلا إلهه , وهو إذا فعل ذلك فقد سلب نفسه الهوى ~~فلم يعمل به إلا فيما وافق أمر إلهه ومما يوضح لك انعكاس المعنى بالتقديم ~~والتأخير أنك لو قلت : فلان اتخذ عبده أباه , لكان ms3406 معناه أنه عظم العبد , ~~ولو قيل : إنه اتخذ اباه عبده , لكان معناه أنه أهان الأب , وسواء في ذلك ~~إتيانك به هكذا على وزان ما في القرآ , أو نكرت أحدهما , فإنك لا تجد ذوقك ~~فيه يختلف في أنه إذا قدم الحقير شرفه , وإذا قدم الشريف حقره , وكذا لو ~~قلت : إتخذ إصطبله مسجدا أو صديقه ابا أو عكست , ولو كان التقديم بمجرد ~~العناية من غير اختلاف في الدلالة قدم الجاثية الهوى , فإن السياق والسباق ~~له , وحاصل المعنى أنه اضمحل وصف الإله , ولم يبق إلا الهوى , فلو قدم ~~الهوى لكان المعنى أنه زال وغلبت عليه صفة الإله , ولم يكن ينظر إلا إليه , ~~ولا حكم إلا له , كما في الطين بالنسبة إلى الخزف سواء - والله أعلم . | ~~ولما كان لا يقدر على صرف الهوى إلا الله , تسبب عن شدة حرصه على هداهم ~~قوله : { أفأنت تكون } ولما كان مراده صلى الله عليه وسلم حرصا عليهم ورحمة ~~لهم ردهم عن الغي ولا بد , عبر أداة الاستعلاء في قوله : { عليه وكيلا * } ~~أي من قبل الله بحيث يلزمك أن ترده عن هواه إلى ما أمر به الله قسرا , لست ~~بوكيل , ولكنك رسول , ليس عليك إلا البلاغ , فلا تذهب نفسك عليهم حسرات . | ~~ولما انتفى الرد عن الهوى قسرا بالوكالة , نفى الرد طوعا بتقبيح الضلالة , ~~فذكر المانع منه بقوله معادلا لما قبله , منكرا حسبانه , لا كونه هو الحاسب ~~, أو أنكر كونه هو الحاسب , مع ما له من العقل الرزين , والرأي الرصين , ~~ويكون { تحسب } معطوفا على ( تكون ) : { أم تحسب أن أكثرهم } أي هؤلاء ~~المدعوين { يسمعون } أي سماع من ينزجر ولو كان غير عاقل كالبهائم { أو ~~يعقلون } ما يرون ولو لم يكن لهم سمع حتى يطمع في رجوعهم باختيارهم من غير ~~قسر . | ولما كان هذا الاستفهام مفيدا للنفي , أثبت ما أفهمه بقوله : { إن ~~} أي ما { هم إلا كالأنعام } أي في عدم العقل لعدم الانتفاع به { بل هم أضل ~~} اي منها { سبيلا * } لأنهم لا ينزجرون بما يسمعون وهي تنزجر , ولا يشكرون ~~للمحسن وهو وليهم ms3407 , لا يجانبون المسيء وهو عدوهم , ولا يرغبون في الثواب , ~~ولا يخافون العقاب , وذلك لأنا حجبنا شموس عقولهم بظلال الجبال الشامخة من ~~ضلالهم , ولو آمنوا لانقشعت تلك الحجب , وأضاءت أنوار الإيمان , فأبصروا ~~غرائب المعاني , وتبدت لهم خفايا الأسرار < # > 77 ( { إن الذين آمنوا وعملو الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم } ) 77 < # > [ يونس : 9 ] فكما أن الإنسان - وإن كان بصيرا - لا يميز بين المحسوسات ~~ما لم يشرق عليها نور الشمس , PageV05P322 فكذلك الإنسان - وإن كان عاقلا ~~ذا بصيرة - لا تدرك بصيرته المعاني المعلومات على ما هي عليه ما لم يشرق ~~عليها نور الإيمانن لأن البصيرة عين الروح كما أن البصر عين الجسد ؛ ولما ~~كان من المعلوم أنهم يسمعون ويعقلون وأن المنفي إنما هو انتفاعهم بذلك , ~~كان موضع عجب من صرفهم عن ذلك , فعبق سبحانه بتصرفه في الأمور الحسية مثالا ~~للأمور المعنوية , ولأن عمله في الباطن ينيره إذا شاء بشمس المعارف كعمله ~~في الظاهر سواء , دليلا على سلبهمالنفع بما أعطاهموه . | < < # | الفرقان : ( 45 - 46 ) ألم تر إلى . . . . . # > > ^ ( ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شآء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس ~~عليه دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ) ^ } ) | ولما بين جمود ~~المعترضين على دلائل الصانع , وتناهي جهاهم , وفساد طريقتهم , وكان المراد ~~من العبد في تعرف ذلك أن ينظر في أفعال سيده بعين الحقيقة نظرا تفنى لديه ~~الأغيار , فلا يرى إلا الفاعل المختار , خاطب رأس المخلصين الناظرين هذا ~~النظر , حثا لأهل وده على مثل ذلك , فقال ذاكرا لأنواع من الدلائل الدالة ~~على وجود الصانع , وإحاطة علمه , وشمول قدرته , مشيرا إلى أن الناظر في هذا ~~الدليل - لوضوحه في الدلالة على الخالق - كالناظر إلى الخالق , معبرا بوصف ~~الإحسان تشويقا إلى إدامة النظر إليه والإقبال عليه : { إلم تر } وأشار إلى ~~عظم المقام وعلو الرتبة بحرف الغاية مع أقرب الخلق منزلة وأعلاهم مقاما ~~فقال : { إلى ربك } أي المحسن إليك , والأصل : إلى فعله ؛ وأشار إلى زيادة ~~التعجب من أمره بجعله في معرض الاستفهام فقال : { كيف مد الظل } وهو ظلمة ~~ما منع ملاقاة نور الشمس ms3408 , قال أبو عبيد : وهو ما تنسخه الشمس وهو بالغداة ~~, والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد الزوال . | والظل هنا الليل لأنه ظل الأرض ~~الممدود على قريب من نصف وجهها مدة تحجب نورالشمس بما قابل قرصها من الأرض ~~حتى امتد بساطه , وضرب فسطاطه , كما حجب ظل ضلالهم أنوار عقولهم , وغفلة ~~طباعهم نفوذ أسماعهم { ولو شاء لجعله } أي الظل { ساكنا } بإدمة الليل لا ~~تذهبه الشمس كما في الجنة لقوله ^ ( { وظل ممدود } ) ^ [ الواقعة : 30 ] ~~وإن كان بينهما فرق , ولكنه لم يشأ ذلك بل جعله متحركا بسق الشمس له . | ~~ولما كان إيجاد النهار بعد إعدامه , وتبيين الظل به غب إبهامه , أمرا عظيما ~~, وإن كان قد هان بكثرة الإلف , أشار بأداة التراخي ومقام العظمة فقال : { ~~ثم جعلنا } أي لشيء ظلا , ولولا النور ما عرف الظلام , والأشياء تعرف ~~بأضدادها . | PageV05P323 ولما كانت إزالته شيئا فشيئا بعد مدة كذلك من ~~العظمة بمكان . | قال منبها على فضل مدخول ( ثم ) وترتبه متصاعدا في درج ~~الفضل , فما هنا أفضل مما قبله , وما قبله أجل مما تقدمه , تشبيها لتباعد ~~ما بين المراتب الثلاث في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت : { ثم ~~قبضناه } أي الظل , والقبض : جمع المنبسط { إلينا } اي إلى الجهة التي ~~نريدها , لا يقدر أحد غيرنا أن يحوله إلى جهة غيرها ؛ قال الرازي رحمه الله ~~في اللوامع : وهذه الإضافة لأن غاية قصر الظل عند غاية تعالى الشمس , ~~والعلو موضع الملائكة وجهة السماء التي فيها أرزاق العباد , ومنها نزول ~~الغيث والغياث , وإليها ترتفع أيدي الراغبين , وتشخص أبصار الخائفين - ~~انتهى . | { قبضا يسيرا * } أي هو - مع كونه في القلة بحيث يعسر إدراكه حق ~~تلإدراك - سهل علينا , ولم نزل ننقصه شيئا فشيئا حتى اضمحل كله , أو إلا ~~يسيرا , ثم مددناه أيضا بسير الشمس وحجبها ببساط الأرض قليلا قليلا , أولا ~~فأولا بالجبال والأبينة والأشجار , ثم بالروابي والآكان والظراب وما دون ~~ذلك , حتى تكامل كما كان , وفي تقديره هكذا من المنافع ما لا يحصى , ولو ~~قبض لتعطلت أكثر منافع الناس بالظل والشمس جميعا , فالحاصل أنه يجعل ~~بواطنهم ms3409 مظلمة بحجبها عن أنوار المعارف فيصيرون كالماشي في الظلام , ويكون ~~نفوذهم في الأمور الدنيوية كالماشي بالليل في طرق قد عرفها ودربها بالتكرار ~~, وحديث علي رضي الله عنه في الروح الذي مضى عند ( والطبيات للطيبين ) في ~~النور شاهد حسي لهذا المر المعنوي - والله الموفق . | < < # | الفرقان : ( 47 - 50 ) وهو الذي جعل . . . . . # > > ^ ( وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا * ~~وهو الذي أرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته وأنزلنا من السمآء مآء طهورا * ~~لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنآ أنعاما وأناسي كثيرا * ولقد صرفناه ~~بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا ) ^ } ) | ولما تضمنت هذه الآية ~~الليل النهار , قال مصرحا بهما دليلا على الحق , وإظهارا للنعمة على الخلق ~~: { وهو } أي ربك وحده { الذي جعل } ولما كان ما نضى في الظل أمرا دقيقا ~~فحص به أهله , وكان أمر الليل والنهار ظاهرا لكل أحد , عم فقال : { لكم ~~الليل } أي الذي تكامل به مد الظل { لباسا } اي ساترا للأشياء عن الأبصار ~~كما يستر اللباس { والنوم سباتا } أي نوما وسكونا وراحة , عبارة عن كونه ~~موتا أصغر طاويا لما كان من الإحساس , قطعا عما كان منالشعور والتقلب , ~~دليلا لأهل البصائر على الموت ؛ قال البغوي وغيره : وأصل السبت القطع . | ~~وفي جعله سبحانه كذلك من الفوائد الدينية والدتيوية ما لا يعد , وكذا قوله ~~: { وجعل النهار نشورا * } أي حياة وحركة PageV05P324 وتقلبا بما أوجد فيه ~~من اليقظة المذكرة بالبعث , المهيئة للتقلب , برد ما أعدمه النوم من جميع ~~الحواس ؛ يحكى أن لقمان قال لابنه : كما تنام فتوقظ فكذلك تموت فتنشر . | ~~فالآية من الاحتباك : ذكر السبات أولا دليلا على الحركة ثانيا , والنشور ~~ثانيا دليلا على الطي والكسون أولا . | ولما دل على عظمته بتصرفه في ~~المعاني بالإيجاد والإعدام , وختمه بالإماتة والإحياء بأسباب قريبة , أتبعه ~~التصرف في الأعيان بمثل ذلك , دالا على الإماتة والإحياء بأسباب بعيدة , ~~وبدأه بما هو قريب للطافته من المعاني , وفيه النشر الذي ختم به ما قبله , ~~فقال : { وهو } أي وحده { الذي أرسل الرياح } فقراءة ابن كثير بالإفراد ~~لإرادة الجنس ms3410 , وقراءة غيره بالجمع أدل على الاختيار بكونها تارة صبا وأخرى ~~دبورا , ومة شمالا وكرة جنوبا وغير ذلك { بشرا } أي تبعث بأرواحها السحاب , ~~كما نشر بالنهار أرواح الأشباح { بين يدي رحمته } لعباده بالمطر . | ولما ~~كان السحاب قريبا من اللطافة , والماء قريبا منهما ومسبا عما تحمله الريح ~~منالسحاب , أتبعهما به , ولما كان في إنزاله من الدلالة على العظمة بإيجاده ~~هنالك وإمساكه ثم إنزاله في الوقت المراد والمكان المختار على حسب الحاجة ~~ما لا يخفى , غير الأسلوب مظهرا للعظمة فقال : { وأنزلنا من السماء } اي ~~حيث لا ممسك للماء فيه غيره سبحانه { ماء } ثم أبدل منه بيانا للنعمة به ~~فقال : { طهورا * } أي طاهرا في نفسه مطهرا لغيره , اسم آلة كالسحور ~~والسنون لما يتسحر به ويستن به , ونقل أبو حيان عن سيبويه أنه مصدر لتطهر ~~المضاعف جرى على غير فعله . | وأما جعله مبالغة لطاهر فلا يفيد غير أنه ~~بليغ الطهارة في نفسه لأن فعله قاصر . | ولما كانت هذه الأفعال دالة على ~~البعث لكن بنوع خفاء , أتبعها ثمرة هذا الفعل دليلا واضحا على ذلك , فقال ~~معبرا بالإحياء لذلك , معللا للطهور المراد به البعد عن جميع ما يدنسه من ~~ملوحة أو مرارة أو كبرتة ونحو ذلك مما يمنع كمال الانتفاع به : { لنحي به } ~~أي بالماء . | ولما كان المقصود بإحياء الأرض بالنبات إحياء البلاد لإحياء ~~أهلها قال : { بلدة } ولو كان ملحا أو مرا أو مكبرتا لم تكن فيه قوة ~~الإحياء . | ولما كره أن يفهم تخصيص البلاد , أجري الوصف باعتبار الموضع ~~ليعم كل مكان فقال : { ميتا } أي بما نحدث فيه من النبات بعد أن كان قد صار ~~هشيما ثم ترابا , ليكون ذلك آية بينة على قدرتنا على بعث الموتى بعد كونهم ~~ترابا . | PageV05P325 ولما كان في مقام العظمة , بإظهار القدرة , زاد على ~~كونه آية على البعث بإظهار النبات الذي هو منفعة للرعي منفعة أخرى عظيمة ~~الجدوى في الحفظ من الموت بالشرب كما كانت آية الإحياء حافظة بالأكل فقال : ~~{ ونسقيه } أي الماء وهو من أسقاه - مزيد سقاه , وهما لغتان . | قال ابن ms3411 ~~القطاع : سقيتك شرابا وأسقيتك , والله تعالى عباده وارضه كذلك . | { مما ~~خلقنا } أي بعظمتنا . | ولما كانت النعمة في إنزال الماء على الأنعام وأهل ~~البوادي ونحوهم أكثر , لأن الطير والوحش تبعد في الطلب فلا تعدم ما تشرب , ~~خصها فقال : { إنعاما } وقدم النبات لأن به حياة الأنعام , والأنعام لأن ~~بها كمال حياة الإنسان , فإذا وجد ما يكفيها من السقي تجزأ هو بأيسر شيء , ~~وأتبع ذلك قوله : { وأناسي كثيرا * } أي بحفظنا له في الغدران لأهل البوادي ~~الذين يبعدن عن الأنهار والعيون وغيرهم ممن أردنا , لأنه تعالى لا يسقي ~~جميع الناس على حد سواء , ولكن يصيب بالمطر من يشاء , ويصرفه عمن يشاء , ~~ويسقي بعض الناس من غير ذلك , ولذا نكر المذكورات - كما روي عن ابن عباس ~~رضي الله تعالى عنهما أنه قال : ما من عام بأمطر من عام , ولكن الله قسم ~~ذلك بين عباده علىما يشاء - وتلا هذه الآية . | وقال البغوي : وذكر ابن ~~إسحاق وابن جريج ومقاتل وبلغوا به ابن مسعود رضي الله عنه يرفعه قال : ليس ~~من سنة بأمطر من أخرى , ولكن الله قسم الأرزاق , فجعلها في السماء الدنيا ~~في هذا القطر , ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم , فإذا عمل قوم ~~بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم , وإذا عصوا جميعا صرف الله تعالى ذلك إلى ~~الفيافي والبحار - انتهى . | وكان السر في ذلك أنه كان من حقهم أن يطهروا ~~ظواهرهم وبواطنهم , ويطهروا غيرهم ليناسبوا حاله في الطهورية , فلما تدنسوا ~~بالقاذورات تسببوا في صرفه عنهم . | ولما ذكر سبحانه أن من ثمرة إنزال ~~القرآن نجوما إحياء للقلوب التي هي أرواح الأرواح , وأتبعه ما لاءمة , إلى ~~أن ختم بما جعله سببا لحياة الأشباح , فكان موضعا لتوقع العود إلىما هو ~~فائدة أخرى لتنجيمه أيضا : { ولقد صرفناه } أي وجهنا القرآن . | كما قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما إنه المراد ههنا , ويؤيده ما بعده - وجوها من ~~البيان , وطرقناه طرقا تعيي أرباب اللسان , في معان كثيرة جدا { بينهم } في ~~كل قطر عند كل قوم { ليذكروا } بالآيات المسموعة ما ركزنا في ms3412 فطرهم من ~~الأدلة العقلية والمؤيدة بالآيات المرئية ولو على أدنى وجوه التذكر المنجية ~~لهم - بما أشار إليه الإدغام . | PageV05P326 ولما كان القرآن قائدا ولا بد ~~لمن أنصف إلى الإيمان , دل على أن المتخلف عنه إنما هو معاند بقوله : { ~~فأبى } أي لم يرد { أكثر الناس } أي بعنادهم { إلا كفورا * } مصدر كفر ~~مبالغا فيه . | < < # | الفرقان : ( 51 - 56 ) ولو شئنا لبعثنا . . . . . # > > ^ ( ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا * فلا تطع الكافرين وجاهدهم به ~~جهادا كبيرا * وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل ~~بينهما برزخا وحجرا محجورا * وهو الذي خلق من المآء بشرا فجعله نسبا وصهرا ~~وكان ربك قديرا * ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر ~~على ربه ظهيرا * ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ) ^ } ) | ولما كان تعنتهم ~~بأن ينزل عليه ملك فيكون معه نذيرا , ربما أثار في النفس طلب إجابتهم إلى ~~مقترحهم حرصا على هدايتهم , فأومأ أولا إلى أنه لا فائدة في ذلك بأن مؤازرة ~~هارون لموسى عليهما السلام لم تغن عن القبط شيئا , وثانيا بأن المدار في ~~وجوب التصديق للنذير الإتيان بما يعجز , وكان ذلك موجودا في آيات القرآن , ~~المصرفة في كل زمان ومكان بكل بيان , فكانت كل آية منه قائمة مقام نذير , ~~قال مشيرا إلى أنه إنما ترك ذلك لحكم يعلمها : { ولو شئنا لبعثنا } أي بما ~~لنا من العظمة ونفوذ الكلمة { في كل قرية نذيرا * } أي من البشر أو ~~الملائكة أو غيرهم من عبادنا , كما قسمنا المطر لأن الملك - كما قدمنا أول ~~السورة - كله لنا , ليس لنا شريك يمنع من ذلك بما له من الحق , ولا ولد ~~يمنع بما له من الدلة , ولكنا لما في آيات القرآن من الكفاية في ذلك , ولما ~~في انفرادك بالدعوة من الشرف لك - وغير ذلك من الحكمة { فلا تطع الكافرين } ~~فيما قصدوا من التفتير عن الدعاء به , بما يبدونه من المقترحات أو يظهرون ~~لك من المداهنة , أو من القلق من صادع الإنذار , ويخيلون أنك لو أقللت منه ~~رجوا أن يوافقوك ms3413 { وجاهدهم } أي بالدعاء { به } أي القرآن الذي تقدم ~~التحديث عنه في ^ ( { ولقد صرفناه } ) ^ [ الفرقان : 5 ] بإبلاغ آياته ~~مبشرة كانت أو منذرة , والاحتجاج ببراهينه { جهادا كبيرا * } جامعا لكل ~~المجاهدات الظاهرة والباطنة , لأن في ذلك إقبال كثير من الناس إليك ~~واجتماعهم عليك , فيتقوى أمرك , ويعظم خطبك , وتضعف شوكتهم , وتنكسر سورتهم ~~. | ولما ذكر تصريف الفرقان , ونشره في جمسع البلدان , بعد إثارة الرياح ~~ونشر السحابن وخلطالماء بالتراب , لجمع النبات وتفريقه , أتبعه - تذكيرا ~~بالنعمة , وتحذيرا من إحلال النقمة - الحجو بين أنواع الماء الذي لا أعظم ~~امتزاجا منه , وجمع كل نوع PageV05P327 منها على حدته , ومنعه من أن يختلط ~~بالآخر مع اختلاط الكل بالتراب المتصل بعضه ببعض , فقال عائدا إلى اسلوب ~~الغيبة تذكيرا الإحسان بالعطف على ضمير ( الرب ) في آية الظل : { وهو } أي ~~وحده { الذي مرج البحرين } أي الماءين الكثيرين الواسعين بأن جعلهما ~~مضطربين كما تشاهدونه من شأن الماء ؛ وقال الرازي : خلى بينهما كأنه ~~أرسلهما في مجاريهما كما ترسل الخيل في المرج , وأصل المرج يدل على ذهاب ~~ومجيء واضطراب والتباس . | ولما كان الضطراب موجبا للاختلاط , وكانت ( ال ) ~~دائرة بين العهد والجنس , تشوف السامع إلى السؤال عن ذلك , فأجيب بأن ~~المراد جنس الماء الحلو والملح , لأن البحر في الأصل الماء الكثير , وبأنه ~~سبحانه منعهما من الاختلاط , مع الموجب له في العادة , بقدرته الباهرة , ~~وعظمتهالقاهرة , فقال : { هذا عذب } أي حلو سائغ { فرات } أي شديد العذوبة ~~بالغ الغاية فيها حتى يضرب إلى الحلاوة , لا فرق بين ما كان منه على وجه ~~الأرض وما كان في بطنها { وهذا ملح } شديد الملوحة { أجاج } أي مر محرق ~~بملوحته ومرارته , لا يصلح لسقي ولا شرب , ولعله أشار بأداة القرب في ~~الموضعين تنبيها على وجود الموضعين , مع شدة المقاربة , لا يلتبس أحدهما ~~بالآخر حتى أنه إذا حفر على شاطىء البحر الملح بالقرب منه جدا خرج الماء ~~عذبا جدا { وجعل } اي الله سبحانه { بينهما برزخا } اي حاجزا من قدرته ~~مانعا من اختلاطهما . | ولما كانا يلتقيان ولا يختلطان , كان كل منهما ~~بالاختلاط في صورة الباغي على الآخر ms3414 , فأتم سبحانه تقرير النعمة في منعهما ~~الاختلاط بالكلمة التي جرت عادتهم بقولها عند التعوذ , تشبيها لكل منهما ~~بالمتعوذ , ليكون الكلام - مع أنه خبر - محتملا للتعوذ , فيكون من أحسن ~~الاستعارات وأشهدها على البلاغة فقال : { وحجرا } أي منعا { محجورا * } أي ~~ممنوعا من أن يقبل رفعا , كل هذا التأكيد إشارة إلى جلالة هذه الآية وإن ~~كانت قد صارت لشدة الإلف بها معرضا عنها إلى الغاية , لتعرف بها قدرته , ~~وتشكر نعمته . | ولما ذكر تعالى قدرته في منع الماء من الاختلاط , أتبعه ~~القدرة على خلطه , لئلا يظن أنه ممتنع , تقريرا للفعل بالاختيار , وإبطالا ~~للقول بالطبائع , فقال معبرا بالضمير كما تقدمه حثا على استحضار الأفعال ~~والصفات التي تقدمت , لتعرف الحيثية التي كرر الضمير لأجلها : { وهو } أي ~~وحده { الذي خلق من الماء } بخلطه مع الطين { بشرا } كما تشاهدونه يخلق منه ~~نباتا وشجرا وورقا وثمرا { فجعله } اي بعد ذلك بالتطوير في أطوار الخلقة , ~~والتدوير في أدوار التربية { نسبا } أي ذكرا ينسب إليه { وصهرا } أي أنثى ~~PageV05P328 يصاهر - أي يخالط بها إلى الذكر , فقسم هذا الماء بعد التطوير ~~إلى ذكر وأنثى كما جعل ذلك الماء قسمين : عذبا وملحا , وخلط ماء الذكر بماء ~~الأنثى متى أراد فصور منه آدميا , ومنعه من ذلك إذا أراد , كما أنه ميز بين ~~العذب والملح ويخلط بينهما غذا أراد بعلمه الشامل وقدرته التامة { وكان ربك ~~} أي المحسن إليك بإرسالك وإنزال هذا الذكر إليك { قديرا * } على كل شيء ~~قدرته على ما ذكر من إبداع هذه الأمور المتباعدة من مادة واحدة فهو يوفق من ~~يشاء فيجعله عذب المذاق , سهل الأخلاق , ويخذل من يشاء فيجعله مرير الأخلاق ~~كثير الشقاق , أو ملتبس الأخلاق , عريقا في النفاق , فارغب إلى هذا الرب ~~الشامل القدرة , التام العلم . | ولما أثبت له بهذه الأدلة القدرة على كل ~~شيء , قال معجبا منهم في موضع الحال من ( ربك ) عودا إلى تهجين سيرتهم في ~~عبادة غيره , معبرا بالمضارع , إشارة إلى أنهم لو فعلوا ذلك مرة لكان في ~~غاية العجب , فكيف وهو على سبيل التجديد والاستمرار ؟ ومصورا لحالهم زيادة ms3415 ~~في تبشيعها : { ويعبدون } اي الكفرة { من دون } أي ممن يعلمون أنه في ~~الرتبة دون { الله } المستجمع لصفات العظمة , بحيث إنه لا ضر ولا نفع إلا ~~وهو بيده . | ولما كان هذا السياق لتعداد نعمه سبحانه , وكان الحامل ~~للإنسان على الإذعان رجاء الإحسان , أو خوف الهوان , وكان رجاء الإحسان ~~مقبلا به إلى المحسن في السر والإعلان , قدم النفع فقال : { ما لا ينفعهم } ~~أي بوجه . | ولما كان الخوف إنما يوجب الإقبال ظاهرا فقط , أتبعه قوله : { ~~ولا يضرهم } أي أصلا في إزالة نعمه من نعم الله عنهم , فلا أسخف عقلا ممن ~~يترك من بيده كل نفع وضر وهو يتقلب في نعمه , في يقظته ونومه , وأمسه ويومه ~~, ويقبل على من لا نفع بيده ولا ضر أصلا ؛ وأظهر في موضع الضمير بينا للوصف ~~الحامل على ما لا يفعله عاقل , وأفرد تحقيرا لهم فقال : { وكان الكافر } مع ~~علمه بضعفه وعجزه . | ولما كان الكافر لا يمكن أن يصافي مسما ما دان كافرا ~~, وكانت مصافاته لغيره حاصلة إما بالفعل أو بالقوة , عدت مصارمته لغيره ~~عدما , فكانت مصارمته خاصة بأولياء الله , وكان ذلك أشد لذمه , دل عليه ~~بتقديم الجار فقال : { على ربه } أي المحسن إليه لا غيره { ظهيرا * } معينا ~~لشياطين الإنس والجن على أولياء الله , والتعبير ب ( على ) دال على أنه وإن ~~كان مهينا في نفسه حقيرا فاعل فعل العالي على الشيء القوي الغليظ الغالب له ~~, المعين عليه , من قولهم : ظهر الأرض لما علا منها وغلظ , وأمر ظاهر لك , ~~أي غالب , والظاهر : القوي والمعين , وذلك لأنه يجعل لما يعبده من الأوثان ~~PageV05P329 نصيبا مما تفرد الله بخلقه , ثم يجعل لها أيضا بعض ما كان سماه ~~لله , ويعاند أولياء الله من الأنبياء وغيرهم , وينصب لهم المكايد والحروب ~~, ويؤذيهم بالقول والفعل , مع علمه بأن الله معهم لمايشاهدونه من خرقه لهم ~~العوائد , فكان هذا فعل من لا يعبأ بالشيء ^ ( { لقد استكبروا في أنفسهم ~~وعتوا عتوا كبيرا } ) ^ [ الفرقان : 21 ] ^ ( { أن لا تعلوا على الله } ) ^ ~~[ الدخان : 19 ] وهو في الحقيقة تهكم بالكفار , لأنهم يفعلون ما يلزم ms3416 عليه ~~هذا اللازم الذي لا يدور في خلد عاقل . | ولما كان التقدير تسلية له صلى ~~الله عليه وسلم : فالزم ما نأمرك به ولا يزد همك بردهم عما هم فيه , فإنا ~~ما ارسلناك عليهم وكيلا , عطف عليه قوله : { وما أرسلناك } أي بما لنا من ~~العظمة . | ولما كان سياق السورة للإنذار , لما ذكر فيها من سوء مقالهم , ~~وقبح أفعالهم , حسن التعبير في البشارة بما يدل على كثرة الفعل , ويفقهم ~~كثرة المفعول , بشارة بكثرة المطيع , وفي النذارة بما يقتضي أن يكون صفة ~~لازمة فقال : { إلا مبشرا } اي لكل من يؤمن { ونذيرا * } لكل من يعصي . | < ~~< # | الفرقان : ( 57 - 61 ) قل ما أسألكم . . . . . # > > ^ ( قل مآ أسألكم عليه من أجر إلا من شآء أن يتخذ إلى ربه سبيلا * ~~وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا * الذي ~~خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن ~~فاسأل به خبيرا * وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما ~~تأمرنا وزادهم نفورا * تبارك الذي جعل في السمآء بروجا وجعل فيها سراجا ~~وقمرا منيرا ) ^ } ) | ولما وقع جوابهم عن قولهم ^ ( { لولا أنزل إليه ملك ~~} ) ^ [ الفرقان : 7 ] وكان قد بقي قولهم ^ ( { أو يلقي إليه كنز } ) ^ [ ~~الفرقان : 8 ] أشير إلى مزيد الاهتمام بجوابه بإبرازه في صورة الجواب لمن ~~كأنه قال : ماذا يقال لهم إذا تظاهروا وطعنوا في الرسالة بما تقدم وغيره ؟ ~~فقال : { قل } أي لهم يا أكرم الخلق حقيقة , وأعدلهم طريقة محتجا عليهم ~~بإزالة ما يكون موضعا للتهمة : { ما أسألكم عليه } أي على الإبلاغ بالبشارة ~~والنذارة { من أجر } لتتهموني أني أدعوكم لأجله , أو تقولوا : لولا ألقي ~~إليه كنز ليغتني به عن ذلك , فكأنه يقول : الاقتصار عن التوسع في المال ~~إنما يكره لمن يسأل الناس , وليس هذا من شيمي قبل النبوة فكيف بما بعدها ؟ ~~فلا غرض لي حينئذ إلا نفعكم . | ثم أكد هذا المعنى بقوله / مستثنيا لأن ~~الاستثناء معيار العموم : { إلا من } أي إلا أجر من { شاء أن يتخذ } أي ~~يكلف نفسه ويخالف ms3417 هواه ويجعل له { إلى ربه سبيلا * } فإنه إذا اهتدى ~~PageV05P330 بهداية ربه كان لي مثل أجره , لا نفع لي من جهتكم إلا هذا , ~~فإن سيتم هذا أجرا فهو مطلوبي , ولا مرية في أنه لا ينقص أحدا شيئا من ~~دنياه , فلا ضرر على أحد في طي الدنيا عني , فأفاد هذا فائدتين : إحداهما ~~أنه لا طمع له أصلا في شيء ينقصهم , والثانية إظهار الشفقة البالغة بأنه ~~يعتد بمنفعتهم الموصلة لهم إلى ربهم ثوابا لنفسه . | ولما كان المقصود ردهم ~~عن عنادهم , وكان ذلك في غاية الصعوبة , وكان هذا الكلام لا يرد متعنتيهم - ~~وهم الأغلب - الذين تخشى غائلتهم , عطف على ( قل ) قوله : { وتوكل } أي ~~أظهر العجز والضعف واستسلم واعتمد في أمرك كله , ولا سيما في مواجهتهم ~~بالإنذار , وفي ردهم عن عنادهم . | ولما كان الوكيل يحمل عن الموكل ثقل ما ~~أظهر له عجزه فيه ويقوم بأعبائه حتى يصير كمن يحمل عن آخر عينا محسوسة لا ~~يصير له عليه شيء منها أصلا , عبر بحرف الاستعلاء تمثيلا لذلك فقال : { على ~~الحي } ولا يصح التوكل عليه إلا بلزوم طاعته والإعراض عما سواها . | ولما ~~كان الأحياء من الخلق يموتون , بين أن حياته ليست كحياة غيره فقال : { الذي ~~لا يموت } اي فلا ضياع لمن توكل عليه أصلا , بل هو المتولي لمصالحه في ~~حياته وبعد مماته , ولا تلتفت إلى ما سواه بوجه فإنه هالك { وسبح بحمده } ~~أي نزهه عن كل نقص مثبتا له كل كمال . | ولما كان المسلى ربما وقع في فكره ~~أن من سلاه إما غير قادر على نصره , أو غير عالم بذنوب خصمه , وكان السياق ~~للشكاية من إعراض المبلغين عن القرآن , وما يتبع ذلك من الأذى , أشار ~~بالعطف على غير مذكور إلى أن التقدير : فكفى به لك نصيرا , وعطف عليه : { ~~وكفى } وعين الفاعل وحققه بإدخال الجار عليه فقال : { به بذنوب عباده } أي ~~وكل ما سواهم عباده { خبيرا * } لا يخفى عليه شيء منها وإن دق , ثم وصفه ~~بما يقتضي أنه مع ما له من عظيم القدرة بالملك والاختراع - متصف بالأناة ~~وشمول ms3418 العلم وحسن التدبير ليتأسى به المتوكل عليه فقال : { الذي خلق ~~السماوات والأرض } أي على عظمهما { وما بينهما } من الفضاء والعناصر ~~والعباد وأعمالهم من الذنوب وغيرها < # > 77 ( { إلا يعلم من خلق } ) 77 < # > [ الملك : 14 ] وقوله : { في ستة أيام } تعجيب للغبي الجاهل , تدريب ~~للفطن العالم في الحلم والأناة والصبر على عباد الله مقدار ستة من أيامنا , ~~فإن الأيام ما حدثت إلا بعد خلق الشمس , الإقرار بأن تخصيص هذا العدد لداعي ~~حكمه عظيمة , وكذا جميع أفعاله وإن كنا لا ندرك ذلك , هو الإيمان , وجعل ~~الله PageV05P331 الجمعة عيدا للمسلمين لأن الخلق اجتمع فيه بخلق آدم عليه ~~السلام فيه في آخر ساعة . | ولما كان تدبير هذا الملك أمرا باهرا , أشار ~~إليه بأداة التراخي فقال : { ثم استوى على العرش } أي شرع في تدبير لهذا ~~الملك الذي اخترعه وأوجده , وهو وذنوبهم من جملته كما يفعل الملوك في ~~ممالكهم , لا غفلة عنده عن شيء أصلا , ولا تحدث فيه ذرة من ذات أو معنى إلا ~~بخلق جديد منه سبحانه , ردا على من يقول من اليهود وغيرهم : إن ذلك إنما هو ~~بما دبر في الأزل من الأسباب , وأنه الآن لا فعل له . | ولما كان المعصى ~~إذا علم بعصيان من يعصيه وهو قادر عليه لم يمهله , أشار إلى أنه على غير ~~ذلك , حاضا على الرفق , بقوله : { الرحمن } أي الذي سبقت رحمته غضبهن وهو ~~يحسن إلى من يكفره , فضلا عن غيره , فأجدر عباده بالتخلق بهذا الخلق رسله , ~~و الحاصل أنه أبدع هذا الكون وأخذ في تدبيره بعموم الرحمة في إحسانه لمن ~~يسمعه يسبه بالنسبة له إلى الولد , ويكذبه في أنه يعيده كما بدأه , وهو ~~سبحانه قادر على الانتقام منه بخلاف ملوك الدنيا فإنهم لا يرحمون من يعصيهم ~~مع عجزهم . | ولما كان العلم لازما للملك , سبب عن ذلك قوله على طريق ~~التجريد : { فاسأل به } أي بسبب سؤالك إياه { خبيرا } عن هذه الأمور وكل ~~أمر تريده ليخبرك بحقيقة أمره ابتداء وحالا ومآلا , فلا يضيق صدرك بسبب ~~هؤلاء المدعوين , فإنه ما أرسلك إليهم إلا وهو ms3419 عالبم بهم , فسيعلي كعبك ~~عليهم , ويحسن لك العاقبة . | ولما ذكر إحسانه إليهم , وإنعامه عليهم , ذكر ~~ما أبدوه من كفرهم في موضع شكرهم فقال : { وإذا قيل لهم } أي هؤلاء الذين ~~يتقلبون في نعمه , ويغذوهم بفضله وكرمه , من أي قائل كان : { اسجدوا } أي ~~اخضعوا بالصلاة وغيرها { للرحمن } الذي لا نعمة لكم إلا منه { قالوا } قول ~~عال متكبر كما تقدم في معنى { ظهيرا } : { وما الرحمن } متجاهلين عن معرفته ~~فضلا عن كفر نعمته معبرين بأداة ما لا يعقل , وقال ابن العربي : إنهم إما ~~عبروا بذلك إشارة إلى جهلهم الصفة , دون الموصوف . | ثم عجبوا من أمره بذلك ~~منكرين عليه , بقولهم : { أنسجد لما تأمرنا } فعبروا عنه بعد التجاهل في ~~أمره والإنكار على الداعي إليه أيضا بأداة ما لا يعقل { زادهم } هذا الأمر ~~الواضح المقتضي للإقبال والسكون شكرا للنعم وطمعا في الزيادة { نفورا * } ~~لما عندهم من الحرارة الشيطانية التي تؤزهم أزا , فلا نفرة توازي هذه ~~النفرة , ولا ذم أبلغ منه . | ولما ذكر حال النذير الذي ابتدأ به السرة في ~~دعائه إلى الرحمن الذي لو لم يدع إلى عبادته إلا رحمانيته لكفى , فكيف بكل ~~جمال وجلال , فأنكروه , اقتضى الحال أن PageV05P332 يوصل به إثباته بإثبات ~~ما هم عالمون به من آثار رحمانيته , ففصل ما أجمل بعد ذكر حال النذير , ثم ~~من الملك , مصدرا له بوصف الحق الذي جعله مطلع السورة رادا لما تضمن ~~إنكارهم من نفيه فقال : { تبارك } أي ثبت ثباتا لا نظير له { الذي جعل في ~~السماء } التي قدم أنه اخترعها { بروجا } وهي اثنا عشر برجا , هي للكواكب ~~السيارة كالمنازل لأهلها , سميت بذلك لظهورها , وبنى عليها أمر الأرض , دبر ~~بها فصولها , وأحكم بها معايش أهلها . | ولما كانت البروج على ما تعهد لا ~~تصلح إلا بالنور , ذكره معبرا بلفظ السراج فقال : { وجعل فيها } أي البروج ~~{ سراجا } أي شمسا , وقرأ حمزة والكسائي بصسغة الجمع للتنبيه على عظمته في ~~ذلك بحيث إنه أعظم من ألوف ألوف من السرج , فهو قائم مقام الوصف كما قال في ~~الذي بعده : { وقمرا منيرا * } أتم - بتنقلها ms3420 فيها وبغير ذلك من أحوالهما - ~~التدبير , اي انالعلم بوجوبه لا شك فيه , فكيف يشك عاقل في وجوده أو في ~~رحمانيته بهذا العالم العظيم المتقن الصنع الظاهر فيه أمر الرحمانية . | < ~~< # | الفرقان : ( 62 - 66 ) وهو الذي جعل . . . . . # > > ^ ( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ~~* وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ربنا اصرف عنا ~~عذاب جهنم إن عذابها كان غراما * إنها سآءت مستقرا ومقاما ) ^ } ) | ولما ~~ذكر الآيتين , ذكر ما هما آيتاه فقال : { وهو الذي جعل الليل } أي الذي ~~آيته القمر { والنهار } الذي آيته الشمس { خلفة } أي ذوي حالة معروفة في ~~الاختلاف , فيأتي هذا خلف ذاك , بضد ما له من الأوصاف , ويقوم مقامه في ~~كثير من المرادات , والأشيا المقدرات , ويعلم قد التسامح فيها , ومن فاته ~~شيء من هذا قضاه في ذاك ؛ قال ابن جرير : والعرب تقول : خلف والخلفة - ~~بالكسر : المختلف . | فعلى هذا يكون التقدير : جعلهما مختلفين في النور ~~والظلام , والحر والبرد , غير ذلك من الأحكام . | وقال الرازي في اللوامع : ~~يقال : الأمر بينهم خلفة , أي نوبة , كل واحد يخلف صاحبه , والقوم خلفة , ~~أي مختلفون . | ولما كان الذي لا ينتفع بالشيء كالعادم لذلك الشيء , خص ~~الجعل بالمجتني للثمرة فقال : { لمن أراد أن يذكر } أي يحصل له تذكر ولو ~~على أدنى الوجوه - بما دل عليه الإدغام في قراءة الجماهة بفتح الذال والكاف ~~مشددتين , لما يدله عليه عقله من أن PageV05P333 التغير على هذه الهيئة ~~العظيمة لا يكون بدون مغير قادر عظيم القدرة مختار , فيؤديه تذكره إلى ~~الإيمان إن كان كفورا , وقراءة حمزة بالتخفيف من الذكر تشير إلى أن ما ~~يدلان عليه من تمام القدرة وشمول العلم الدال قطعا على الوحجانية على غاية ~~من الظهور , لا يحتاج إلى فكر , بل تحصل بأدنى التفات { أو أراد شكورا * } ~~أي شكرا بليغا عظيما لنعم الله لتحمله إرادته تلك على الشكر إن كان مؤمنا , ~~بسبب ما أنعم به ربه من الإتيام بكل منهما بعد ms3421 هجوم الآخر لاجتناء ثمراته , ~~ولو جعل أحدهما دائما لفاتت مصالح اللآخرة , ولحصلت السآمة به , والملل منه ~~, والتواني في الأمور المقدرة بالأوقات , الكسل وفتر العزم الذي إنما يثيره ~~لتداركها دخول وقت آخر , وغير ذلك من الأمور التي أحكمها العي الكبير . | ~~ولما ذكر عباده خذلهم بتسليط الشيطان عليهم فصاروا حزب الشيطان , ولم يصفهم ~~إلى اسم من اسمائه , إيذانا بإهانتهم لهةائهم عنده , وهم الذين صرح بهم ~~قوله أول السورة { نذيرا } وختم بالتذكر والشكر إشارة إلى عباده الذين ~~أخلصهم لنفسه , وأشار إليهم سابقا بتخصصيص الوصف بالفرقان , فأتبع ذلك ~~ذكرهم , فقال عاطفا على جملة الكلام في قوله { وإذا قيل لهم } لكنه رفعهم ~~بالابتداء تشريفا لهم : { وعباد } ويجوز أن يقال ولعله أحسن : أنه سبحانه ~~لما وصف الكفار في هذه السورة بما وصفهم به من الفظاظة والغلظة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم , وعداوتهم له , ومظاهرتهم على خالقهم , ونحو ذلك من ~~جلافتهم , وختم بالتذكر والشكر , وكان التقدير : فعباد الشيطان لا يتذكرون ~~ولا يشكرون , لما لهم من القسوة , عطف على هذا المقدر أضدادهم , واصفا لهم ~~بأضداد أوصافهم , مبشرا لهم بضد جزائهم , فقال : وعباد { الرحمن } فأضافهم ~~إليه رفعة لهم وإن كان كل الخلق عباده , وأضافهم إلى صفة وصف الرحمة الأبلغ ~~الذي أنكره أؤلئك تبشيرا لهم ؛ ثم وصفهم بضد ما وصف به المتكبين عن السجود ~~, إشارة إلى أنهم تخلقوا من هذه الصفة التي أضيفوا إليها بأمر كبير , فقال ~~: { الذين يمشون } وقال : { على الأرض } تذكيرا بما هم منه وما يصيرون إليه ~~, وحثا عل السعي في معالي الخلاق للترقي عنه , وعبر عن حالهم بالمصدر ~~مبالغة في اتصافهم بمدلوله حتى كانوا إياه , فقال : { هونا } أي ذوي هون , ~~أي لين ورفق وسكينة ووقار وإخبات وتواضع , لا يؤذون أحدا ولا يفخرون , رحمة ~~لأنفسهم وغيرهم , غير متابعين ما هم فيه من الحرارة الشيطانية , فبرؤوا من ~~حظوظ الشيطان , لأن من كان من الأرض وإليها يعود لا يليق به إلا ذلك , ~~والأحسن أن يجعل هذا خبر ( العباد ) , ويكون < # > 77 ( { أؤلئك يجزون الغرفة } ) 77 < # > [ الفرقان : 75 ] استئنافا متشوفا إليه ms3422 تشوف المستنتج إلى النتيجة . | ~~PageV05P334 ولما ذكر ما أثمره العلم من الفعل في أنفسهم , أتبعه ما أنتجه ~~الحلم من القول لغيرهم فقال : { وإذا } دون ( إن ) لقضاء العادة بتحقق ~~مدخولها , ولم يقل : والذين كبقية المعطوفات , لأن الخصلتين كشيء واحد من ~~حيث رجوعهما إلى التواضع { خاطبهم } خطابا ما , بجهل أو غيره وفي وقت ما { ~~الجاهلون } أي الذين يفعلون ما يخالف العلم والحكمة { قالوا سلاما * } أي ~~ما فيه سلامة من كل سوء , وليش المراد التحية - نقل ذلك سيبويه عن أبي ~~الخطاب , قال : لأن الآية فيما زعم مكية , ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن ~~يسلموا على المشركين , ولكنه على قولك : تسليما لا خير بيننا وبينكم ولا ~~شرا - انتهى . | فلا حاجة إلى ادعاء نسخها بآية القتال ولا غيرها , لأن ~~الإعضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة , ~~وأسلم للعرض والورع , وكأنه أطلق الخطاب إعلاما بأن أكثر قول الجاهل الجهل ~~. | ولما ذكر ما بينهم وبين الخلق من القول والفعل , وكان الغالب على ذلك ~~أن يكون جلوه نهارا , ذكر ما بينهم وبين خالقهم من ذلك خلوة ليلا , وذكر ~~هذه المعطوفات التي هي صفات بالواو , تنبيها على أن كل واحدة منها تستقل ~~بالقصد لعظم خطرها , وكب أثرها , فقال : { والذين يبيتون } من البيتوتية : ~~أن يدرك الليل نمت أو لم تنم , وهي خلاف الظلول ؛ وأفاد الاختصاص بتقديم { ~~لربهم } أي المحسن إليهم برحمانيته , يحيون الليل رحمة لأنفسهم , وشكرا ~~لفضله . | ولما كان السجود أشد أركان الصلاة تقريبا إلى الله , لكونه أنهى ~~الخضوع مع أنه الذي أباه الجاهلون , قدمه لذلك ويعلم بادىء بدء أن القيام ~~في الصلاة فقال : { سجدا } وأتبعه ما هو تلوه في المشقة تحقيقا لأن السجود ~~على حقيقته فيتمحص الفعلان للصلاة , فقال : { وقياما * } أي ولم يفعلوا فعل ~~الجاهلين منالتكبر عن السجود , بل كانوا - كما قال الحسن رحمه الله : ~~نهارهم في خشوع , وليلهم في خضوع . | ولما ذكر تهذيبهم لأنفسهم للخلق ~~والخالق , أشار إلى أنه لا إعجاب عندهم , بل هم وجلون , وأن الحامل لهم على ~~ذلك الإيمان باخرة التي كذب بها الجاهلون { يؤتون ms3423 ما أتوا وقلوبهم وجلة ~~إنهم إلى ربهم راجعون } [ المؤمنون : 60 ] وقدموا الدعاء بالنجاة اهتماما ~~بدرء المفسدة , وإشعارا بأنهم مستحقون لذلك وإن اجتهدوا , لتقصيرهم عن أن ~~يقدروه سبحانه حق قدره فقال : { والذين يقولن ربنا } أي أيها المحسن إلينا ~~{ اصرف عنا عذاب جهنم } الذي أحاط بنا لا ستحقاقناه إياه إلا أن يتداركنا ~~عفوك ورجمتك , بما توفقنا له من لقاء من يؤذينا بطلاقة الوجه , لا بالتجهم ~~, ثم علل سؤالهم يقولهم : { إن عذابهما كان } أي كونا جبلت عليه { غراما * ~~} أي هلاكا وخسرانا ملحا PageV05P335 محيطا بمن تعلق به مذلا له , دائما ~~بمن غرى به , لازما له لا ينفك عنه ونحن كنا نسير على من آذانا . | ولما ~~ثبت لها هذا الوصف , أنتج قوله : { إنها سات } أي تناهت هي في كل ما يحصل ~~منه سوء , وهي في معنى بئست في جميع المذام { مستقرا } أي من جهة موضع ~~استقرار { ومقاما * } أي موضع إقامة . | < < # | الفرقان : ( 67 - 72 ) والذين إذا أنفقوا . . . . . # > > ^ ( والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما * ~~والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما * ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى ~~الله متابا * والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما ) ^ } ) ~~| ولما ذكر أفعالهم وأقوالهم فيما بينهم وبين الخلق وقدمه , والخالق وأخره ~~, لأن وجوبه يكون بعد ذلك , ذكر أحوالهم في أموالهم , نظرا إلى قول الكفرة ~~^ ( { أو يلقى إليه كنز } ) ^ [ الفرقان : 8 ] وهداية إلى طريق الغنى لأنه ~~ما عال من اقتصد , فقال : { والذين إذا أنفقوا } أي للخلق أو الخالق في ~~واجب أو مستحب { لم يسرفوا } أي يجاوزوا الحد في النفقة بالتبذير , فيضيعوا ~~الأموال في غير حقها فيكنوا إخوان الشياطين الذين هم من النار ففعلهم فعلها ~~{ ولم يقتروا } أي يضيقوا فيضيعو الحقوق ؛ ثم بين العدل بقوله : { وكان ms3424 } ~~أي إنفاقهم { بين ذلك } اي الفعل الذي يجب إبعاده . | ولما علم أن ما بين ~~الطرفين المذمومين يكون عدلا , صرح به في قوله : { قواما * } أي عدلا سواء ~~بين الخلقين المذمومين : الإفراط والتفريط , تخلقا بصفة قوله تعالى ^ ( { ~~ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن نزل بقدر ما يشاء } ) ^ [ ~~الشورى : 27 ] وهذه صفة أصحاب محمد صلى الله عليه و رضي عنهم - كانوا لا ~~يأكلون طعاما للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوبا للجمال والزينة , بل كانوا ~~يأكلون ما يسد الجوعة , ويعين على العبادة , ويلبسون ما يستر العورة , ويكن ~~ن الحر والقر , قال عمر رضي الله عنه : كفى سرفا أن لا يشتهي الرجل شيئا ~~إلا اشتراه فأكله . | ولما ذكر ما تحلوا به من أصول الطاعات , بما لهم من ~~العدل والإحسان بالأفعال والأقوال , في الأبدان والأموال , أتبعه ما تخلوا ~~عنه من أمهات المعاصي التي هي الفحشاء والمنكر , فقال : { والذين لا يدعون ~~} رحمة لأنفسهم واستعمالا للعدل { مع PageV05P336 الله } الذي اختص بصفات ~~الكمال { إلها } وكلمة ( مع ) وإن أفهمت أنه غير , لكن لما كانوا يتعنتون ~~حتى أنهم يتعرضون بتعديد الأسماء كما مر في آخر سبحان والحجر , قال ~~تعالىقطعا لتعنتهم : { آخر } أي دعاء جليا بالعبادة له , ولا خفيا بالرياء ~~, فيكونوا كمن أرسلت عليهم الشياطين فأزتهم أزا . | ولا نفى عنهم ما يوجب ~~قتل أنفسهم بخسارتهم إياها , أتبعه قتل غيرهم فقال : { ولا يقتلون } أي بما ~~تدعو إليه الحدة { النفس } أي رحمة للخلق وطاعة للخالق . | ولما كان من ~~الأنفس ما لا حرمة له , بين المراد بقوله : { التي حرم الله } اي قتلها , ~~اي منع منعا عظيما الملك الأعلى - الذي لا كفوء له - من قتلها { إلا بالحق ~~} أي بأن تعمل ما يبيح قتلها . | ولما ذكر القتل الجلي , أتبعه الخفي ~~بتضييع نسب الولد , فقال : { ولا يزنون } أي رحمة لما قد يحدث ن ولد , ~~إبقاء على نسبه , ورحمة للمزني بها ولأقاربها أن تنهتك حرماتهم , مع رحمته ~~لنفسه , على أن الزنى جار أيضا إلى القتل والفتن , وفيه التسبب لإيجاد نفس ~~بالباطل كما أن القتل تسبب إلى إعدامها ms3425 بذلك , وقد روي في الصحيح ( عن عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي ~~الذنب أعظم - وفي رواية : أكبر - عند الله ؟ قال : ) أن تدعو لله ندا هون ~~خلقك , ( قال : ثم أي ؟ قال : ) أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك , ( قال : ~~ثم أي ؟ قال : ) أن تزني بحليلة جارك , ( فأنزل الله تصديق ذلك < # > 77 ( { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر } ) 77 < # > الآية وقد استشكل تصديق الآية للخبر من حيث إن الذي فيه قتل خاص وزنى ~~خاص , والتقييد بكونه أكبر , والذي فيها مطلق القتل والزنى من غير تعرض ~~لعظم , ولا إشكال لأنها نطقت بتعظيم ذلك من سبعة أوجه : الأول : الاعتراض ~~بين المبتدأ الذي هو ) وعباد ( وما عطف عليه , والخبر الذي هو < # > 77 ( { أولئك يجزون } ) 77 < # > [ الفرقان : 75 ] على أحد الرأيين بذكر جزاء هذه الأشياء الثلاثة خاصة ~~, وذلك دال على مزيد الاهتمام الدال علىالإعظام . | الثاني : الإشارة بأداة ~~البعد - في قوله : { ومن يفعل ذلك } اي الفعل العظيم القبح - مع قرب ~~المذكورات , فدل على أن البعد في رتبها . | الثالث : التعبير باللقى مع ~~المصدر الميد الدال على زيادة المعنى في قوله : { يلق أثاما * } دون يأثم ~~أو يلق إثما أو جزاء إثمه . | الرابع : التقييد بالمضاعفة في قوله مستأنفا ~~: { يضاعف } أي باسهل أمر { له عذاب } PageV05P337 جزاء ما أتبع نفسه هواها ~~بما فيه من الحرارة الشيطانية - هذا في قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم ~~بالرفع وهو بدل ) يلق ( في قراءة الجماعة , لأنهما تؤولان إلى معنى واحد , ~~ومضاعفة العذاب - والله أعلم - إتيان بعضه في أثر بعض بلا انقطاع كما كان ~~يضاعف سيئته كذلك , وقراءة ابن كثير وأبي جعفر وابن عامر ويعقوب بالتشديد ~~تفيد مطلق التعظيم للتضعيف , وقراءة الباقين بالمفاعلة تقضيه بالنسبة غلى ~~من يباري آخر فيه فهو أبلغ . | الخامس : التهويل بقوله : { يوم القيامة } ~~الذي هو أهول من غيره بما لا يقايس . | السادس : الإخبار بالخلود الذي هو ~~أول درجاته أن يكون مكثا طويلا , فقال عاطفا في القراءتين على يضاعف : { ~~ويخلد فيه } . | السابع ms3426 : التصريح بقوله : { مهانا * } ولعله للاحتراز عما ~~يجوز من أن بعض عصاة هذه الأمة - الذين يريد الله تعذيبهم - يعلمون أنهم ~~ينجون ويدخلون الجنة , فتكون إقامتهم - مع العلم بالمآل - ليست على وجه ~~الإهانة , فلما عظم الأمر من هذه الأوجه , علم أن كلا من هذه الذنوب كبير , ~~وإذا كان الأعم كبيرا , كان الأخص المذكور أعظم من مطلق الأعم , لأنه زاد ~~عليه بما صار به خاصا , فثبت بهذا أنها كبائر , وأن قتل الولد والزنى ~~بحليلة الجار أكبر لما ذكر , فوضح وجه تصديق الآية للخبر , ولا يقال : إن ~~الإشارة ترجع إلى المجموع , فالتهويل خاص بمن ارتكب مجموع هذه الذنوب لأنا ~~نقول : السياق يأباه , لأن تكرار ( لا ) أفاد - كما حققه الرضي - ورود ~~النفي على وقوع الخصال الثلاث حال الاجتماع والانفراد , فالمعنى : لا ~~يوقعون شيئا منها , فكان معنى { ومن يفعل ذلك } : ومن يفعل شيئا من ذلك - ~~ليرد الإثبات على ما ورد عليه النفي , فيحصل التناسب , وأما عدم منافاة ~~الآية للترتيب فمن وجهين : الأول أن الأصل في التقديم الاهتمام بما سبقت له ~~الآية , وهو التنفير المفيد للتغليظ , فيكون كل واحد منها أعلى مما بعده . ~~| الثاني أن الواو لا تنافيه , وقد وقعت الفعال مرتبة في الذكر كما رتبت في ~~الحديث ب ( ثم ) فيكون مرادا بها الترتيب - والله الهادي . | ولما أتم ~~سبحانه تهديد الفجار , على هذه الأوزار , أتبعه ترغيب الأبرار , في الإقبال ~~على الله العزيز الغفار , فقال : { إلا من تاب } أي رجع إلى الله عن شيء ~~مما كان فيه من هذه النقائص { وآمن } أي أوجد الأساس الذي لا يثبت عمل بدون ~~وهو الإيمان , أو أكد وجوده { وعمل } . | ولما كان الرجوع عنه أغلظ , أكد ~~فقال : { عملا صالحا } اي مؤسسا على أساس الإيمان ؛ ثم زاد في الترغيب ~~بالإتيان بالفاء ربطا للجزاء بالشرط دليلا على أنه سببه فقال : { فأولئك } ~~أي العالو المنزلة { يبدل الله } وذكر الاسم الأعظم تعظيما للأمر وإشارة ~~إلى انه سبحانه لا منازع له { سيئاتهم حسنات } اي بندمهم PageV05P338 على ~~تلك السيئات , لكونها ما كانت حسنات فبكتب لهم ثوابها بعزمهم الصادق على ms3427 ~~فعلها لو استقبلوا من أمرهم ما استدبروا , بحيث إذا رأى أحدهم تبديل سيائته ~~ما رايتها - رواه مسلم في أواخر الإيمان من صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه ~~رفعه . # ولما كان هذا أمرا لم تجر العادة بمثله , أخبر أنه صفته تعالى أزلا وأبدا ~~, فقال مكررا للاسم الأعظم لئلا يقيد غفرانه شيء مما مضى : { وكان الله } ~~اي الذي له الجلال الإكرام على الإطلاع { غفورا } اي ستورا لذنوب كل من تاب ~~بهذا الشرط { رحيما * } له بأن يعامله بالإكرام كما يعامل المرحوم فيعطيه ~~مكان كل سيئة حسنة ؛ روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية ~~نزلت في أهل الشرك , لما نزل صدرها قال أهل مكة : فقد عدلنا بالله , وقتلنا ~~النفس التي حرم الله , وأتينا الفواحش , فأنزل الله < # > 77 ( { إلا من تاب - إلى - رحيما } ) 77 < # > [ الفرقان : 7 ] ؛ وروي عنه أيضا أنه قال : هذه مكية نسختها آية مدنية ~~التي في سورة النساء . | أي على تقدير كونها عامة في المشرك وغيره ؛ وروي ~~عنه انه قال في آية النساء : نزلت في آخر ما نزل , ولم ينسخها شيء . | وقد ~~تقدم في سورة النساء الجواب عن هذا , وكذا ما رواه البخاري عنه في التفسير ~~: إن ناسا من أهل الشرك كانوا قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا , فأتوا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم فقالوا : إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن ~~لما عملنا كفارة , فنزل < # > 77 ( { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ولا يزنون } ) 77 < # > [ الفرقان : 68 ] ونزل < # > 77 ( { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } ) ~~77 < # > [ الزمر : 53 ] . | ولما أشعرت الفاء بالتسبيب , ودل تأكيد الفعل ~~بالمصدر على الاحتياج إلى عمل كثير ربما جل عن طوق البشر , وأشار إلى ~~التطريق له بالوصفين العظيمين , أتبع ذلك بيان الطريق إليه بما أجرى من ~~العادة فقال : { ومن تاب } أي عن المعصية كفرا كانت أو ما دونه { وعمل } ~~تصديقا لادعائه التوبة . | ولما كان في سياق الترغيب , أعراه من ms3428 التأكيد ~~فقال : { صالحا } ولو كان كل من نيته عمله ضعيفا ؛ ورغب سبحانه في ذلك ~~بقوله معلما أنه يصل إلى الله : { فإنه يتوب } أي يرجع واصلا { إلى الله } ~~أي الذي له صفات الكمال , فهو يقبل التوبة عن عباده , PageV05P339 ويعفو عن ~~السيئات { متابا * } اي رجوعا عظيما جدا بأن يرغبه الله في الأعمال الصالحة ~~, فلا يزال كل يوم في زيادة في نيته وعمله , فيخف ما كان عليه ثقيلا , ~~ويتستر له ما كان عسيرا , ويسهل عليه ما كان صعبا , كما تقدم في ^ ( { إن ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم } ) ^ [ يونس : 9 ] ولا ~~يزال كذلك حتى يحبه فيكون سمعه الذي يسمع به , وبصره الذي يبصر به , ويده ~~التي يبطش بها , ورجله التي يمشي بها , بأن يوفقه للخير , فلا يسمع إلا ما ~~يرضيه , وهكذا , ومن أجراه على ظاهره فعليه لعنة الله , لمخالفته إجماع ~~المسلمين . | ولما وصف عباده سبحانه بأنهم تحلوا بأصول الفضائل , وتخلوا عن ~~أمهات الرذائل , ورغب التوبة , لأن الإنسان لعجزه لا ينفك عن النفص , وكان ~~قد مدحهم بعد الأولى من صفاتهم بالحلم عن الجهل مدحهم قبل الأخرى من أمدحهم ~~وعقب تركهم الزنى بالإعراض أصلا عن اللغو الذي هو أعظم مقدمات الزنى فقال : ~~{ والذين لا يشهدون } أي يحضرون انحرافا مع الهوى كما تفعل النار التي ~~الشيطان منها { الزور } أي القول النحرف عن الصدق كذبا كان أو مقاربا له ~~فضلا عن أن يتفوهوا به ويقروا عليه ؛ قال ابن جرير : وأصل الزور تحسين ~~الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه أنه بخلاف ما هو به ~~فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق , والشرك قد يدخل في ذلك لأنه محسن لأهله ~~حتى ظنوا أنه حق وهو باطل , ويدخل فيه الغنا لأنه أيضا مما يحسن بترجيع ~~الصوت حتى يستحلي سامعه سماعه , والكذب أيضا يدخل فيه بتحسين صاحبه إياه ~~حتى يظن أنه حق . | وعطف عليه ما هو أعم منه فقال : { وإذا مروا بالغو } أي ~~الذي ينبغي أن يطرح ويبطل سواء كان من وادي الكذب أو البعث ms3429 الذي لا يجدي ؛ ~~قال ابن جرير : وهو في كلام العرب كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل ~~, أو ما يستقبح . | { مروا كراما * } أي آمرين بالمعروف , ناهين عن المنكر ~~, إن تعلق بهم أمر أو نهي , بإشارة أو عبارة , على حسب ما يرونه نافعا , أو ~~معرضين إن كان لا يصلح شيء من ذلك لإثارة مفسدة أعظم ن ذلك أو نحوه , رحمة ~~لأنفسهم وغيرهم , وأما حضورهم لذلك وسكوتهم فلا , لأن النظارة إلى كل ما لم ~~تسوغه الشريعة هم شركاء فاعليه في الإثم لأن حضورهم ونظرهم دليل الرضا به , ~~وسبب لوجوده والزيادة فيه . | < < # | الفرقان : ( 73 ) والذين إذا ذكروا . . . . . # > > ^ ( والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا * ~~والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين ~~إماما * أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما * خالدين ~~PageV05P340 فيها حسنت مستقرا ومقاما * قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعآؤكم فقد ~~كذبتم فسوف يكون لزاما ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما ذكر وصفهم الذي فاقوا به , أشار إلى وصف الجهلة الذي سلفوا به , ~~فقال : { والذين إذا ذكروا } أي ذكرهم غيرهم كائنا من كان , لأنهم يعرفون ~~الحق بنفسه لا بقائله { بآيات ربهم } أي الذي وفقهم لتذكر إحسانه إليهم في ~~حسن تربيته لهم بالاعتبار بالآيات المرئية والمسموعة { لم يخروا } اي لم ~~يفعلوا فعل الساقطين المستعلين { عليها } الساترين لها ؛ ثم زاد في بيان ~~إعراضهم وصدهم عنها فقال منبها على أن المنفي القيد لا المقيد , وهو الخرور ~~, بل هو موجود غير منفي بصفة السمع والبصر : { صما وعميانا * } اي كما يفعل ~~المنافقون والكفار في الإقبال عليها سماعا واعتبارا , والإعراض عنها تغطية ~~لما عرفوا من حقيتها , وسترا لما رأوا من نورها , فعل من لا يسمع ولا يبصر ~~كما تقدم عن أبي جهل وأبي سفيان والأخنس بن شريق , وذلك وصف لعباد الرحمن ~~بفعل ضد هذا , أي أنهم يسقطون عند سماعها ويبكون عليها , سقوط سامع منتفع ~~بسمعه , بصير منتفع ببصره وبصيرته , سجدا يبكون كما تقدم في أول أوصافهم ~~وإن لم ms3430 يبلغوا أعلى الدرجات البصيرة - بما أشارت إليه المبالغة بزيادة ~~النون جمع العمى . | ولما ذكر هذه الخصلة المثمرة لما يلي الخلصة الأولى , ~~ختم بما ينتج الصفة الأولى . | فقال مؤذنا بأن إمامة الدين ينبغي أن تطلب ~~ويرغب فيها : { والذين يقولون } علما منهم بعد اصافهم بجميع ما مضى أنهم ~~أهل للإمامة : { ربنا هب لنا من أزواجنا } اللاتي قرنتها بنا كما فعلت ~~لنبيك صلى الله عليه وسلم , فممدحت زوجته في كلامك القديم , جعلت مدحها ~~يتلى على تعاقب الأزمان والسنين { وذريتنا قرة } ولما كان المتقون - الذين ~~يفعلون الطاعة ويسرون بها - قليلا في جنب العاصين , أتى بجمع القلة ونكر ~~فقال : { أعين } أي من الأعمال أو من العمال يأتمون بنا , لأن الأقربين ~~أولى بالمعروف , ولا شيء أسر للمؤمن ولا أقر لعينه من أن يرى حبيبه يطيع ~~الله , فما طلبوا إلا أن يطاع الله فتقر أعينهم , ف ( من ) إما تكون مثلها ~~في : رأيت منك أسدا , وإما أن تكون على بابها , وتكون القرة هي الأعمال , ~~أي هب لنا منهم أعمالا صالحة فجعلوا أعمال من يعز عليهم هبة لهم , وأصل ~~القرة البرد لأن العرب تتأذى بالحر وتستروح إلى البرد , فجعل ذلك كناية عن ~~السرور { واجعلنا } أي إيانا وإياهم { للمتقين } أي عامة من الأقارب ~~والأجانب . | ولما كان المطلوب من المسلمين الاجتماع في الطاعة حتى تكون ~~الكلمة في PageV05P341 المتابعة واحدة , أشاروا إلى ذلك بتوحيد الإمام وإن ~~كان المراد الجنس , فقالوا : { إماما * } أي فنكون علماء مخبتين متواضعين ~~كما هو شأن إمامة التقوى في إفادة التواضع والسكينة , لنحوز الأجر العظيم , ~~إذ الإنسان له أجره وأجر من اهتدى به فعمل بعمله ( من سن سنة حسنة كان له ~~أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) وعكسه . | ولما وصف سبحانه عباده ~~المؤمنين بضد أوصاف الكافرين من الرفق والسكينة , والتواضع والحلم ~~والطمأنينة والشكر لربهم والرغبة إليه والرهبة منه . | وقال الرازي : فوصف ~~مشيهم خطابهم وانتصابهم له ودعاءهم ونفقاتهم ونزاهتم وتيقظهم وانتباههم ~~وصدقهم ومحبتهم ونصحهم . | تشوف السامع إلى ما لهم عنده بعد المعرفة بما ~~للكافرين , فابتدأ الخبر عن ذلك ms3431 بتعظيم شأنهم فقال : { أؤلئك } أي العالو ~~الرتبة , العظيمو المنزلة . | ولم اكان المقصود إنما هو الجزاء , بني ~~للمفعول قوله : { يجزون } أي فضلا من الله على ما وفقهم له من هذه الأعمال ~~الزاكية , والأحوال الصافية { الغرفة } أي التي هي لعلوها واتساعها وطيبها ~~لا غرفة غيرها , لأنها منتهى الطلب , وغاية الأرب , لا يبغون عنها حولا , ~~ولا يريدون بها بدلا , وهي كل بناء عال مرتفع , والظاهر أن المراد بها ~~الجنس . | ولما كانت الغرب في غابة التعب لمنافاتها لشهوات النفس وهواها ~~وطبع البدن , رغب فيها بأن جعلها سببا لهذا الجزاء فقال : { بما صبروا } أي ~~أوقعوا الصبر على أمر ربهم ومرارة غربتهم بين الجاهلين في أفعالهم وأقوالهم ~~وأحوالهم , وغير ذلك من معاني جلالهم . | ولما كان المنزل لا يطيب إلا ~~بالكرامة والسلامة , قال : { ويلقون } أي بجعلهم الله لاققين بأيسر أمر ؛ ~~وهلى قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم بالتخفيف والبناء للفاعل والأمر ~~واضح { فيها تحية } أي دعاء بالحياة من بعضهم لبعض , ومن الملائكة الذين لا ~~يرد دعاؤهم , ولا يمترى في إخبارهم , لأنهم عن الله ينطقون , وذلك على وجه ~~الإكرام والإعظام مكان ما أهانهم عباد الشيطان { وسلاما } أي من الله ومن ~~الملائكة وغيرهم , وسلامة من كل آفة مكان ما أصابوهم بالمصائب . | ولما كان ~~هذا ناطقا بدوام حياتهم سالمين بصريحه , وبعظيم شرفهم بلازمه , دل على أنهم ~~لا يبرحون عنه بقوله : { خالدين فيها } أي الغرفة مكان ما أزعجوهم من ~~ديارهم حتى هاجروا ؛ ودل على علو أمرهان وعظيم قدرها , بإبراز مدحها في ~~مظهر PageV05P342 التعجب فقال : { حسنت } أي ما أحسنها { مستقرا } أي موضع ~~استقرار { ومقاما * } أي موضع إقامة . | ولما ثبت أمر الرحمانية , فظهر أمر ~~الرحمن وما عليه عباده من الدعاء الذي هو الخضوع والإخلاص , ختم أوصافهم ~~الحسنة بالدعاء حقيقة الدال على الإخلاص في الخضوع , وذكر حسن جزائهم وكريم ~~منقلبهم , أمر النذير أن يقول لعباد الشيطان الذين تكبروا عن السجود للرحمن ~~, وعن الاعتراف والإيمان , ليرجعوا عن العصيان , ويزداد المؤمنون في ~~الطاعات الإيمان : إن ربه لا يعتد بمن لا يدعوه , فمن ترك دعاءه فليرتقب ms3432 ~~العذاب الدائم , فقال : { قل ما يعبؤا } أي يعتد ويبالي ويجعلكم ممن يسد به ~~في موضع التعبئة الآن - على أن ( ما ) نافية { بكم } اي أيها الكافرون { ~~ربي } أي المحسن إلي وإليكم برحمانيته , المخصص لي بالإحسان برحيميته , ~~وإنما خصه بالإضافة لا عترافه دونهم { لولا دعاؤكم } اي نداؤكم له في وقت ~~شدائدكم الذي أنتم تبادرون إليه فيه خضوعا له به لينجيكم , فإذا فعلتم ذلك ~~أنقذكم مما أنتم فيه , معاملة لكم معاملة من يبالي بالإنسان ويعتد به ~~ويراعيه , ولولا دعاؤه إياكم لتعبدوه رحمة لكم لتزكوا أنفسكم وتصفوا ~~أعمالكم ولا تكونوا حطبا للنار { فقد كذبتم } اي فتسبب عن ذلك لسوء طباعكم ~~ضد ما كان ينبغي لكم من الشكر والخير بأن عقبتم بالإنجاء وحققتم وقرنتم ~~التكذيب بالرحمن بعد رحمتكم بالبيان مع ضعفكم وعجزكم , وتركتم ذلك الدعاء ~~له وعبدتم الأوثان , وادعيتم له الولد وغيره من البهتان , أو ما يعتد بكم ~~شيئا من الاعتداد لولا دعاؤكم إياه وقت الشدائد , فهو يعتد بكم لأجله نوع ~~اعتداد , وهو المدة التي ضربها لكم في الدنيا لا غيرها , بسب أنكم قد كذبتم ~~, أو ما يصنع بكم لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته , لأنكم قد كذبتم , فكنتم شرا ~~من البهائم , فدعاكم فتسبب عن دعائه إياكم أنكم فاجأتم الداعي بالتكذيب , ~~والحاصل أنه ليس فيكم الآن ما يصلح أن يعتد بكم لأجله إلا الدعاء , لأنكم ~~مكذبون , وإنما قلت : ( الآن ) لأن ( ما ) لا تدخل إلا على مضارع بمعنى ~~الحال , عكس ( لا ) { فسوف } اي فتسبب عن تكذيبكم أنه يجازيكم على ذلك , ~~ولكنه مع قوته وقدرته واختياره لا يعاجلكم , بل { يكون } جزاء هذا التكذيب ~~عند انقضاء ما ضربه لكم من الآجال , وكل بعيد عندكم قريب عنده , وكل آت ~~قريب , فتهيؤوا واعتدوا لذلك اليوم { لزاما * } أي لازما لكم لزوما عظيما ~~لا انفكاك له عندكم بحال , وهذا تنبيه على ضعفهم وعجزهم , وذلهم وقهرهم , ~~لأن الملزوم لا يكون إلا كذلك , فأسرهم يوم بدر من أفراد هذا التهديد , فقد ~~انطبق آخر السورة على أولها بالإنذار بالفرقان , لمن أنكر حقيقة الرحمن - ~~والله ولي التوفيق ms3433 بالإيمان . | . . . . | PageV05P343 < # > سورة الشعراء < # > < < # | الشعراء : ( 1 - 5 ) طسم # > > ^ ( طسم * تلك آيات الكتاب المبين * لعلك باخع نفسك ألا يكونوا ~~مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين * وما ~~يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين ) ^ } ) | مقصودها أن ~~هذا الكتاب بين في نفسه بإعجازه أنه من عند الله , مبين لكل ملتبس , ومن ~~ذلك بيان آخر التي قبلها بتفصيلهن وتنزيله على أحوال الأمم وتمثيله , ~~وتسكين أسفه صلى الله عليه وسلم خوفا من أن يعم أمته الهوان بعدم الإيمان , ~~وأن يشتد قصدهم لأتباعه بالأذى والعدوان بما تفهمه { سوف } من طول الزمان , ~~بالإشارة غلى إهلاك من علم منه دوام العصيان , ورحمة من أراده للهداية ~~والإحسان , وتسميتها بالشعراء أدل دليل على ذلك بما يفارق به القرآن الشعر ~~من علو مقامه , واستقامة مناهجه وعز مرامه , وصدق وعده ووعيده وعدل تبشيره ~~وتهديده , وكذا تسميتها بالظلة إشارة إلى أنه أعدل في بيانه , أو أدل في ~~جميع شأنه , من المقادير التي دلت عليها قصة شعيب عليه السلام بالمكيال ~~والميزان , وأحرق من الظلة لمن يبارزه بالعصيان . | { بسم الله } الذي دل ~~على علو كلامه , على عظمة شأنه وعز مرامه { الرحمن } الذي لا يعجل على من ~~عصاه { الرحيم * } الذي يحيي قلوب أهل وده بالتوفيق لما يرضاه { طسم * } ~~لعله إشارة إلى الطهارة الواقعة بذي طوى ن طور سيناء وطيبة ومكة وطيب ما ~~نزل على محمد صلى الله عليه وسلم مما يجمع ذلك كله - كما روي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما ما يرشد إلى ذلك , وإلى خلاص بني إسرائيل بما سمعه موسى ~~عليه السلام من الكلام القديم , وبإتمام أمرهم بتهيئتهم للملك بإغراق فرعون ~~وجنوده ونصرهم على من نأوأهم في ذلك الزمان بعد تطهيرهم بطول البلاء الذي ~~أوصلهم إلى ذل العبودية , وذلك كله إشارة إلى تهديد قريش بأنهم إن لم ~~يتركوا لددهم فعل بهم ما فعل بفرعون وجنوده من الإذلال بأي وجه أراد . | ~~وخلص عباده منهم , وأعزهم على كل من نأوأهم . | PageV05P344 ولما فرق ~~سبحانه في تلك بين الدين الحق ms3434 والمذهب الباطل , وبين ذلك غاية البيان , ~~وفصل الرحمن من عباد الشيطان , وأخبر أنه عم برسالته صلى الله عليه وسلم ~~جميع الخلائق , وختم بشديد الإنذار لأهل الإدبار , بعد أن قال { فقد كذبتم ~~} وكان حين نزولها لم يسلم منهم إلا القليل , وكان ذلك ربما أوهم قرب ~~إهلاكهم وإنزال البطش بهم , كما كان في آخر سوة مريم , وأشارت الأحرف ~~المقطعة إلى مثل ذلك , فأوجب الأسف على فوات ما كان يرجى من رحمتهم ~~بالإيمان , والحفظ عن نوازل الحدثان , وكان ذلك أيضا ربما أوجب أن يظن ظان ~~, أن عدم إسلامهم لنقص في البيان , أزال ذلك سبحانه أول هذه فقال { تلك } ~~أي الآيات العالية المرام , الحائزة أعلى مراتب التمام , المؤلفة من هذه ~~الحروف التي تتناطقون بها وكلمات لسانكم { ءايات الكتاب } أي الجامع لكل ~~فرقان { المبين * } أي الواضح في نفسه أنه معجز , وأنه من عند الله , وأن ~~فيه كل معنى جليل , الفارق لكل مجتمع ملتبس بغاية البيان , فصح أنه كما ذكر ~~في التي قبلها , فإن الإبانة هي الفصل والفرق , فصار الإخبار بأنه فرقان ~~مكتنفا الإنذار أول السورة التي قبلها وآخرها - والله الموفق . | وقال ~~الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما عرفت سورة الفرقان بشنيع مرتكب الكفرة ~~المعاندين , وختمت بما ذكر من الوعيد , كان ذلك مظنة لإشفاقه عليه الصلاة ~~والسلام وتأسفه على فوات إيمانهم , لما جبل عليه من الرحمة والإشفاق , ~~فافتتحت السورة الأخرى بتسليته عليه الصلاة والسلام , وأنه سبحانه لو شاء ~~لأنزل عليهم آية تبهرهم وتذل جبابرتهم فقال سبحانه { لعلك باخع نفسك } - ~~الآيتين , وقد تكرر هذا المعنى عند إرادة تسليته عليه الصلاة والسلام كقوله ~~تعالى : < # > 77 ( { ولو شاء الله لجمعهم على الهدى } ) 77 < # > [ الأنعام : 35 ] , < # > 77 ( { ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها } ) 77 < # > [ السجدة : 13 ] , < # > 77 ( { ولو شاء ربك لامن من في الأرض كلهم جميعا } ) 77 < # > [ يونس : 99 ] , < # > 77 ( { ولو شاء الله ما فعلوه } ) 77 < # > [ الأنعام : 137 ] ثم أعقب سبحانه بالتنبيه والتذكير { أو لم يروا إلى ~~الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } , { وإذ نادى ربك موسى } وقلما ms3435 تجد ~~في الكتاب العزيز ورود تسليته عليه السلام إلا معقبة بقصص موسى عليه السلام ~~وما كابد من بني إسرائيل وفرعون , وفي كل قصة منها إحرازا ما لم تحرزه ~~الخرى من الفوائد والمعاني والأخبار حتى لا تجد قصة تتكر وإن ظن ذلك من لم ~~يمعن النظر , فما من قصة من القصص المتكررة في الظاهر إلا ولو سقطت أو قدر ~~إزالتها لنقص منا لفائدة ما لا يحصل من غيرها , وسيوضح هذا في التفسير بحول ~~الله ؛ ثم أتبع جل وتعالى قصة موسى بقصص غيره من الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام مع أممهم على الطريقة المذكورة , وتأنيسا له عليه الصلاة ~~PageV05P345 والسلام حتى لا يهلك نفسه اسفا على فوت إيمان قومه ؛ ثم أتبع ~~سبحانه ذلك بذكر الكتاب وعظيم النعمة به فقال { وإنه لتنزيل رب العالمين ~~نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون } فيها له كرامة تقصر الألسن عن شكرها ~~, وتعجز العقول عن تقديرها , ثم أخبر تعالى أنه { بلسان عربي مبين } , ثم ~~أخبر سبحانه بعلى أمر هذا الكتاب وشائع ذكره على ألسنة الرسل والأنبياء ~~فقال : ( وإنه لفي زبر الأولين ) وأخبر أن على بني إسرائيل من أعظم آية ~~وأوضح برهان وبينة , وأن تأمل ذلك كاف , واعتباره شاف , فقال : { أو لم يكن ~~لهم آية أن يعلمه علماء نبي إسرائيل } كعبد الله بن سلام وأشباهه , ثم وبخ ~~تعالى متوقفي العرب فقال : { ول نزلنه على بعض الأعجمين } - الآية , ثم ~~أتبع ذلك بما يتعظ به المؤمن الخائف من أن كتاب - مع أن هدى ونور - قد يكون ~~محنة في حق طائفة كما قال تعالى : < # > 77 ( { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } ) 77 < # > [ البقرة : 26 ] , < # > 77 ( { وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم } ) 77 < # > [ التوبة : 125 ] فقال تعالى في هذا المعنى { كذلك سلكناه في قلوب ~~المجرمين لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم } الآيات , ثم عاد الكلام ~~إلى تنزيه الكتاب وإجلاله عن أن تتسور الشياطين على شيء منه أو تصل إليه ~~فقال سبحانه { وما تنزلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون ms3436 } أي ~~ليسوا أهلا له ولا يقدرون علىاستراق سمعه , بل هم معزولون عن السمع , ~~مرجمون بالشهب , ثم وصى تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم - والمراد المؤمنون ~~- فقال : { فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين } ثم أمره بالإنذار ~~ووصاه بالصبر فقال : { وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين } ثم أعلم تعالى بموقع ما توهموه , وأهلية ما تخيلوه , فقال : { ~~هل أنبئكم عل من تنزل الشياطين تنزل على كل أفالك أثيم } ثم وصفهم , وكل ~~هذا تنزيه لنبيه صلى الله عليه وسلم عما تقولوه , ثم هددكم وتوعدهم فقال : ~~{ وسيعلم الذين ظلموا اي منلقب ينقلبون } - انتهى . | ولما كان قد قدم في ~~تلك أنه عم برسالته جميع الخلائق , وختم بالإنذار على تكذيبهم في تخلفهم , ~~مع إزاحة جميع العلل , نفي كل خلل , وكان ذلك مما يقتضي شدة أسفه صلى الله ~~عليه وسلم على المتخلفين كما هو مضمونن { إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ~~} على ما تقدم . | وذلك لما عنده صلى الله عليه سلم من مزيد الشفقة , وعظيم ~~الرحمة , قال تعالى يسليه , وييل من أسفه ويعزيه , على سبيل الاستئناف , ~~مشيرا إلى أنه لا نقص في إنذاره ولا في كتابه الذي به ينذر به يكن سببا ~~لوقوفهم عن الإيمان . | وإنما السبب في ذلك محض إرادة الله تعالى : { لعلك ~~باخع نفسك } اي مهلكها غما . | وقاتلها أسفا , من يخع الشاة إذا بالغ في ~~ذبحها حتى قطع البخاع , بكسر الموحدة , وهو عرق باطن في الصلب PageV05P346 ~~وفي القفا , وذلك أقصى حد الذابح , وهو غير النخاع يتثليث النون فإن الخيط ~~الأبيض في جوف الفقار { أن } اي لأجل أن { لا يكونوا } أي كونا كأنه جبلة ~~لهم { مؤمنين * } أي راسخين في الإيمان , فكان كأنه قيل : هذا الكتاب في ~~غاية البيان في نفسه والإبانة للغير , وقد تقدم في غير موضع أنه ليس عليك ~~إلا البلاغ , أخاف وتشفق على نفسك من الهلاك عما تأسفا على عدم إيمانهم ~~والحال أنا لو شئنا لهديناهم طوعا أو كرها , والظاهر أن جملة الإشفاق في ~~موضع حال من اسم الإشارة ms3437 كما أن آية التي بعدها في موضع الحال منها , اي ~~نحن نشير إلى الآيات المبينة لمرادنا فيهم والحال أنك - لمزيد حرصك على ~~نفعهم - بحال يشفق فيهاا عليك من لا يعلم الغيب منأن تقتل نفسك غما لإبائهم ~~الإيمان والحال أنا لو شئنا اتيناهم بما يقهرهم ويذلهم للإيمان وغيره . | ~~ولا كان المحب ميالا إلى ما يريد حبيبه , أعلمهم أن كل ما هم فيه بإرادته ~~فقال : { إن نشأ } وعبر بالمضارع فيه وفي قوله : { ننزل } إعلاما بدوام ~~القدرة . | ولما كان ذلك الإنزال من باب القسر , والجبروت والقهر , قال : { ~~عليهم } وقال محققا للمراد : { من السمآء } آي التي جعلنا فيها بروجا ~~للمنافع , اشار إلى تمام القدرة بتوحيدها فقال : { آية } أي قاهرة كما ~~فعلنا ببعض من قبلهم بنتق الجبل ونحوه ؛ وأشار إلى تحقق أثرها بالتعبير ~~بالماضي في قوله عطفا على { ننزل } لأنه في معنى { أنزلنا } : { فظلت } أي ~~عقب الإنزال من غير مهلة { أعناقهم } التي هي موضع الصلابة , وعنها تنشأ ~~حركات الكبر وألإعراض { لها } أي للآية دائما , ولكنه عبر بما يفهم النهار ~~لأنه موضع القوة على جميع ما يراد من التقلب والحيل والمدافعة { خاضعين * } ~~جمعه كذلك لأن الفعل لأهلها ليدل على أن ذلهم لها يكون مع كونهم جميعا , ~~ولا يغني جمعهم وإن زاد شيئا , والأصل : فظلوا , ولكنه ذكر الأعناق لأنها ~~موضع الخضوع يكون بالطبع من غير صلابتها , وانكسارها بعد شماختها , ~~وللإشارة إلى أن الخضوع يكون بالطبع من غير تأمل لما أبهتهم وحيرهم من عظمة ~~الآية , فكأن الفعل االأعناق لا لهم ؛ والخضوع : التطامن والسكون واللين ~~ذلا وانكسارا { وما } اي هذه صفتنا والحال أنه ما { يأتيهم } أي الكفار { ~~من ذكر } اي شيء من الوعظ والتذكير والتشريع يذكروننا به , فيكون سبب ذكرهم ~~وشرفهم { من الرحمن } أي الذي أنكروه مع إحاطة نعمه بهم { محدث } أي ~~بالنسبة إلى تنزيله وعلمهم به ؛ وأشار إلى دوام كبرهم بقوله : { إلا كانوا ~~} أي كونا هو كالخلق لهم ؛ وأشار بتقديم الجار والمؤذن بالتخصيص غلى ما لهم ~~من سعة الفكار وقوة الهمم لكل ما يتوجهون إليه , وإلى أن لإعراضهم ms3438 عنه من ~~القوة ما يعد الإعراض معه عن غيره عدما فقال : { عنه } أي خاصة { معرضين * ~~} اي إعراضنا هو صفة لهم لازمة . | PageV05P347 < < # | الشعراء : ( 6 - 10 ) فقد كذبوا فسيأتيهم . . . . . # > > ^ ( فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون * أولم يروا إلى ~~الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم * إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم ~~مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم * وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم ~~الظالمين ) ^ } ) | ولما كان حال المعرض عن الشيء حال المكذب به قال : { ~~فقد } أي فتسبب عن هذا الفعل منهم أنهم قد { كذبوا } اي حققوا التكذيب ~~وقربوه كما تقدم آخر تلك , واستهزؤوا مع التكذيب بآياتنا . | ولما كان ~~التكذيب بالوعيد سببا في إيقاعه , وكان حالهم في تكذيبهم له صلى الله عليه ~~وسلم حال المستهزىء لأن من كذب بشيء خف عنده قدره , فصار عرضة للهزء , قال ~~مهددا : { فسيأتيهم } سببه بالفاء وحققه بالسين , وقلل التنفيس عما في آخر ~~الفرقان ليعلموا أن ما كذبوا به واقع . | وأنه ليس موضعا للتكذيب بوجه { ~~أنباء } أي عظيم أخبار وعواقب { ما } أي العذاب الذي { كانوا } أي كونا ~~كأنهم جبلوا عليه { به } أي خاصة لشدة إمعانهم في حقه وحده { يستهزؤون * } ~~أي يهزؤون , ولكنه عبر بالسين غشارة إلى أن حالهم في شدة الرغبة في ذلك ~~الهزء حال الطالب له , وقد ضموا إليه التكذيب , فالآية من الاحتباك : ذكر ~~التكذيب أولا دليلا على حذفه ثانيا , والاستهزاء ثانيا دليلا على حذف مثله ~~أولا . | ولما كانت رؤيتهم للآيات السماوية والأرضية الموجبة للانقياد ~~والخضوع موجبة لإنكار تخلفهم عما تدعو إليه فضلا عن الاستهزاء , وكان قد ~~تقدم آخر تلك الحث على تدبر بروج السماء وما يتبعها من الدلالات فكان ~~التقدير : الم يروا غلى السماء كم أودعنا في بروجها وغيرها من آيات نافعة ~~وضارة كالأمطار والصواعق , عطف عليه ما ينشأ عن ذلك في الأرض في قوله معجبا ~~منهم : { أو لم يروا } . | ولما كانوا في عمى عن تدبر ذلك , عبر للدلالة ~~عليه بحرف الغاية فقال : { إلى الأرض } أي على سعتها واختالف نواحيها ~~وتربها ؛ ونبه ms3439 على كثرة ما صنع من جميع الأصناف فقال : { كم أنبتنا } اي ~~بما لنا من العظمة { فيها } بعد أن كانت يابسة ميتة لا نبات بها { من كل ~~زوج } أي صنف مشاكل بعضه لبعض , فلم يبق صنف يليق بهم في العاجلة إلا ~~أكثرنا من الإنبات منه { كريم * } أي جم المنافع , محمود العواقب , لا ~~خباثة فيه , من الأشجار والزروع وسائر النباتات على اختلاف ألوانها في ~~زهورها وأنوارها , وطعومها وأقدراها , ومنافعها وأرواحها - إلى غير ذلك من ~~أمور لا يحيط بها حدا ولا يحصيها عدا , إلا الذي خلقها , مع كونها تسقى ~~بماء واحد ؛ والكريم وصف لكل ما يرضى في بابه ويحمد , وهو ضد اللئيم . | ~~PageV05P348 ولما كان ذلك باهرا للعقل منبها له في كل حال على عظيم اقتدار ~~صانعه , وبديع اختياره , وصل به قوله : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم من ~~الإنبات , وما تقدمه من العظات على كثرته { لآية } أي علامة عظيمةجدا لهم ~~على تمام القدرة على البعث وغيره , كافية في الدعاء إلى الإيمان , والزجر ~~عن الطغيان , ولعله وحدها على كثرتها إشارة إلى أن الدوال عليه مساوية ~~الأقدام في الدلاة , فالراسخون تغنيهم واحدة , وغيرهم لا يرجعون لشيء { و } ~~الحال أنه { ما كان } في الشاكلة التي خلقتهم عليها { أكثرهم } أي البشر { ~~مؤمنين * } أي عريقين في الإيمان , لأنه ( ما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون ) { وإن } أي والحال أن { ربك } أي الذي أحسن إليك بالإرسال , وسخر ~~لك قلوب الصفياء , وزوى عنك اللد الأشقياء { لهو } . | ولما كان المقام ~~لإنزال الآية القاهرة , قدم قوله : { العزيز } أي القادر على كل من قسرهم ~~على الإيمان والانتقام منهم { الرحيم * } في أنه لم يعاجلهم بالنقمة , بل ~~أنزل عليهم الكتاب ترفقا بهم , وبيانا لما يرضاه ليقيم به الحج على نم أريد ~~للهوان , ويقبل بقلوب من يختصه منهم للإيمان , قال أبو حيان : والمعنى أنه ~~عز في نقمته من الكفار , ورحم مؤمني كل أمة - انتهى . | ومن هنا شرع سبحانه ~~وتعالى في تمثيلآخر الفرقان في إظهار القدرة بالبطش عندالنقمة حيث لم يشكر ~~النعمة بأن أبى المدعو الإجابة لدعوه ms3440 الرسل , وترك الداعي - عقب الانقياد ~~من الشدائد - التضرع للمرسل , وقص أخبار الأمم على ما هي عليه بحيث لم يقدر ~~أحد من أهل الكتاب الذين هم بين ظهرانيهم على إنكار شيء من ذلك , ومن ثم ~~قرع أسماعهم , أول شيء بقصتهم من فرعون , وموسى عليه السلام , فصح قطعا أن ~~هذا الكتاب جلي الأمر , على القدر , ليس بكهانة , ولا شعر , كما سيؤكد ذلك ~~عند إظهار النتيجة في آخرها , بل هو من عند رب العالمين , على لسان سيد ~~المرسلين , وصح أن أكثر الخلق مع ذلك هالك وإن قام الدليل . | ووضح السبيل ~~. | لأن سلك الذكر في قلوبهم شبيه في الضسق بنظم السهم فيما يرمى به , وصح ~~أنه سبحانه يملي لهم وينعم عليهم بما فيه حياة أديانهم بإرسال الرسل وإنزال ~~الكتب , وما فيه حياة أبدانهم بالإيتاء من كل ما يحتاجونه إظهارا لصفة ~~الرحمة . | ثم ينتقم منهم بعد طول المهلة / وتماديهم في سكرات الغفلة , ~~كشفا لصفة العزة , كل ذلك تسلية له صلى الله عليه وسلم وتخفيفا وإعلاما ~~بأنه لا قصور في بيانه , ولا تقصير لديه . | ولما اقتضى وصف العزة الإهلاك ~~, وصصف الرحمة الإمهال , وكان الأول مقدما , وكانت عادتهم تقديم ما هم به ~~أهم , وهو لهم أعنى , خيفت غائلته , فأتبع ذلك أخبار هذه الأمم , دلالة على ~~الوصفين معا ترغيبا وترهيبا , ودلالة على أن الرحمة سبقت PageV05P349 الغضب ~~, وإن قدم الوصف اللائق به , فلا يعذب إلا بعد البيان مع طول الإمهال , ~~وأخلى قصة أبيهم غبراهيم عليه السلام من ذكر الإهلاط إشارة غلى البشارة ~~بالرفق ببنية العرب في الإمهال كما رفق بهم في الإنزال والإرسال , ولما كان ~~مع ذلك في هذه القصة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يقاسيه من الأذى ~~والتكذيب , وكانت التسلية بموسى وإبراهيم عليهما السلام أتم , لما لهما من ~~القرب , والمشاركة في الهجرة , والقصد إلى الأرض المقدسة , وكان قد اختص ~~موسى عليه السلام بالكتاب الذي ما بعد القرآن مثله والآيات التي ما أتى ~~بمثلها أجد قبله , وإقرار عينه بهداية قومه , وحفظهم بعده بالكتاب , وسياسة ~~الأنبياء المجددين لشريعته ms3441 , وعدم استئصالهم بالعذاب والانتقام بأيديهم من ~~جميع أعدائهم , وفتح بلاد الكفرة على أيديهم بعده صلى الله عليه وسلم إلى ~~غير ذلك مما شابهوا به هذه الأمة مع مجاورتهم للعرب حتى في دار الهجرة , ~~وموطن النصرة , ليكون في إقرارهم على ما يسمعون من أخبارهم أعظم معجزة , ~~وأتم دلالة , قدمهما مقدما لموسى - عليهما السلام , والتحية والإكرام - فإن ~~كان القصد تسكين ما أورثه خر تلك منخوف الملازمة بالعذاب نظرا إلى وصف ~~العزة , فالتقدير : اذكر أثر رحمتنا بطول إمهالنا لقومك - وهم على أشد ما ~~يكون من الكفر والضلال في ايام الجالهية - برحمتنا الشاملة بإرسالك إليهم ~~وأنت أشرف الرسل , وإنزال هذا الكتاب الذي هو أعظم الكتب { هو } اذكر { إذ ~~} وعلى تقدير التسلية يكون العطف على تلك لأن المراد بها التنبيه , ~~فالتقدير : خذ آيات الكتاب واذكر إذ { نادى ربك } أي المحسن إليك بكل ما ~~يمكن افحسان به في هذه الدار , وعلى تقدير الترهيب يكون التقدير : أو لم ~~يروا إذ نادى ربك , وعدوا رائين لذلك لأن اليهود في بلادهم وفي حد القرب ~~منهم , فإما أن يكونوا عالمين بالقصة بما سمعوه منهم , أو متهيئين لذلك ~~لإمكانهم من سؤالهم ؛ ثم ذكر المنادى فقال : { موسى } وأتبعه ما كان له ~~النداء فقال مفسرا لأن النداء في معنى القول : { أن أئت القوم } اي الذين ~~فيهم قوة وأي قوة { الظالمين * } أي بوضعهم قوتهم على النظر الصحيح المؤدي ~~للإيمان في غير موضعها . | < < # | الشعراء : ( 11 - 18 ) قوم فرعون ألا . . . . . # > > ^ ( قوم فرعون ألا يتقون * قال رب إني أخاف أن يكذبون * ويضيق صدري ~~ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون * ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون * قال كلا ~~فاذهبا بآياتنآ إنا معكم مستمعون * فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين ~~* أن أرسل معنا بني إسرائيل * قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك ~~سنين ) ^ } ) | ولما كان كأنه قيل : أي قوم ؟ قال مبدلا إشارة أن العابرتين ~~مؤداهما واحد لأنهم عريقون في الظلم , لظلمهم أنفسهم بالكفرة وغيره , وظلم ~~بني إسرائيل وغيرهم من العباد : { قوم فرعون } . | PageV05P350 ولما كان ~~المقصود بالرسالة ms3442 تخويفهم من الله تعالى , وإعلامهم بجلاله , استانف قوله ~~معلما بذلك في سياق الإنكار عليهم , والإيذان بشديد الغضب منهم , والتسجيل ~~عليهم بالظلم , والتعجيب من حالهم في عظيم عسفهم فيه , وأنه قد طال إمهاله ~~لهم وهو لا يزدادون إلا عتوا ولزما للموبقات : { ألا يتقون * } اي يحصل ~~منهم تقوى . | ولما كان من ا لمعلوم أن من أتى الناس بما يخالف أهوائهم . | ~~لم يقبل , أخبر من تشوف إلى معرفة جوابه أنه أجاب بما يقتضي الدعاء ~~بالمعونة , لما عرف من خطر هذا المقام , بقوله ملتفتا إلى نحو < # > 77 ( { يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا } ) 77 < # > [ الفرقان : 30 ] { قال رب } أي أيها الرفيق بي { إني أخاف أن يكذبون * ~~} أي فلا يترتب على إتياني إليهم أثر , ويبغون لي الغوائل , فاجعل لي قبولا ~~ومهابة تحرسني بها ممن يريدني بسوء , ويجوز أن يريد ب ( أخاف ) أعلم أو ( ~~أظن , فيكون ( أن ) مخففة , فيكون الفعلان معطوفين على ( يكذبن ) في قراءة ~~الجمهور بالرفع مع جواز العطف على ( أخاف ) فيكون التقدير : { و } أخاف أنه ~~, أو قال : إني { يضيق صدري } عند تكذيبهم أو خوفي من تكذيبهم لي انفعالا ~~كما هو شأن أهل المروءات , وأرباب علو الهمم , لما غرز فيهم من الحدة ~~والشدة في العزيمة إذا لم يجدوا مساغا { ولا ينطلق } ونصب يعقوب الفعلين ~~عطفا على { يكذبون } على أن ( أن ) ناصبة { لساني } اي في التعبير عما ~~ترسلني إليهم به , لما فيه من الحبسة في الأصل بسبب تعقده لتلك الجمرة التي ~~لدغته في حال الطفولية , فإذا وقع التكذيب أو خوفه وضاق القلب , انقبض ~~الروح إلى باطنه فازدادت الحبسة , فمست الحاجة إلى معين يقوي القلب فيعين ~~على إطلاق اللسان عند الحبسة لئلا تختل الدعوة { فارسل } اي فتسبب عن ذلك ~~الذي اعتذرت به عن المبادرة إلى الذهاب عند الأمر أني أسألك في الإرسال { ~~إلى هارون } أخي , ليكون رسولا من عندك فيكون لي عضدا على ما أمضى له من ~~الرسالة فيعين على ما يحصل من ذلك , وليس اعتذاره بتعلل في الامتثال , وكفى ~~بطلب العون دليلا على التقبل ms3443 , لا على التعلل . | ولما ذكره ما تؤثره ~~الرسالة , وقدم الإشارة إلى استكشافه لأنه أهم , أتبعه ما يترتب على مطلق ~~التظاهر لهم فضلا عن مواجهتهم بما يكرهون فقال : { ولهم علي } أي بقتلي ~~نفسا منهم ؛ وقال : { ذنب } وإن كان المقتول غير معصوم تسمية له بما ~~يزعمونه , ولذلك قيده ب ( لهم ) وأيضا فلكونه ما كان أتاه فيه من الله ~~تعالى أمر بخصوصه { فأخاف } بسبب ذلك { أن يقتلون } أي بذلك , مع ما أضمه ~~إليه من التعرض لهم , فلا أتمكن من أداء الرسالة , فإذا كان هارون معي ~~عاضدني في إبلاغها , وكل ذلك استكشاف واستدفاع للبلاء , واستعلام للعافية , ~~لا توقف في القبول - كما مضى التصريح به في سورة طه . | PageV05P351 ولما ~~استشرقت النفس غلى معرفة جوابه عن هذه الأمر المهمة شفى عناءها بقوله , ~~إعلاما بأنه سبحانه استجاب له في كل ما سأل : { قال } قول كامل القدرة شامل ~~العلم كما هو وصفه سبحانه : { كلا } اي ارتدع عن هذا الكلامن فإنه لا يكون ~~شيء مما خفت , لا قتل ولا غيره - وكأنه لما كان التكذيب مع ما قام على ~~الصدق من البراهين , المقوية لصاحبها , الشارحة لصدره , المعلية لأمره , عد ~~عدما - وقد أجبناك إلى الإعانة بأخيك { فاذهبا } اي أنت وهو متعاضدين , إلى ~~ما أمرتك به , مؤيدين { بآياتنا } الدالة على صدقكما على ما لها منالعظمة ~~بإضافتها إلينا ؛ ثم علل تأمينه له بقوله : { إنا } بما لنا من العظمة { ~~معكم } أي كائنون عند وصولكما إليهم فبمن اتبعكما من قومكما ؛ ثم أخبر خبرا ~~آخر بقوله : { مستمعون * } اي سامعون بما لنا من العظمة في القدرة وغيرها ~~من صفات الكمال , إلى ما تقولان لهم ويقولون لكما , فلا نغيب عنكم ولا ~~تغيبون عنا , فنحن نفعل معكما من المعونة والنصر فعل القادر الحاضر لما يفع ~~بحبيبه المصغي له بجهده , ولذلك عبر بالاستمتاع ؛ قال أبو حيان : وكان شيخا ~~الأستاذ أبو جعفر بن الزبير يرجح أن يكون اريد بصورة الجمع المثنى والخطاب ~~لموسى وهارون فقط , لأن لفظه ( مع ) تباين من يكون كافرا , فإنه لا يقال : ~~الله معه , وعلى أنه أريد بالجمع ms3444 التثنية حمله سيبويه كأنهما لشرفهما عند ~~الله تعالى عاملهما في الخطاب معاملة الجمع إذ كان ذلك جائزا أن يعامل به ~~الواحد لشرفه وعظمته - انتهى . | وهو كلام نفيس مؤيد بتقديم الظرف , ويكون ~~حينئذ خطابهما مشاكلا لتعظيم المتكلم سبحانه نفسه , لأن المقام للعظمة , ~~وعظمة الرسول من عظمة المرسل , على انه يجوز أن يكون ذلك إشارة إلى البشارة ~~بمن يتبعها كما قدرته , ويجوز أن تكون المعية للكل كما في قوله تعالى : < # > 77 ( { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } ) 77 < # > [ المجادلة : 7 ] . | ولمانفى سبحلنه أن يكون شيء مما خافه موسى عليه ~~السلام على هذا الوجه المؤكد , وكان ظهور ذلك في مقارعة الرأس أدل وأظهر , ~~صرح به في قوله : { فأتيا } أي فتسبب عن ذلك الضمان بالحراسة والحفظ أني ~~أقول لكما : ائتيا { فرعون } نفسه , وإن عظمت مملكته , وجلت جنوده { فقولا ~~} أي ساعة وصولكما له ولمن عنده : { إنا رسول } أفرده مريدا به الجنس ~~الصالح للاثنين , إشارة بالتوحيد إلى أنهما في تعاضدهما واتفاقهما كالنفس ~~الواحدة , ولا تخالف لأنه إما وقع مرتين كل واحدة بلون , أو مرة بما يفيد ~~التثنية والاتفاق , فساغ التعبير بكل منهما , ولم يثن هنا لأن المقام لا ~~اقتضاء له للتنبيه على طلب نبينا صلى الله عليه وسلم المؤازرة بخلاف ما مر ~~في سورة طه { رب العالمين * } أي المحسن إلى جميع الخلق المدبر لهم ؛ ثم ~~ذكر له ما قصد من الرسالة إليه فقال معبرا PageV05P352 بأداة التفسير لأن ~~الرسول فيه معنى الرسول فيه معنى الرسالة التي تتضمن القول : { أن أرسل } ~~أي خل وأطلق ؛ وأعاد الضمير على معنى رسول فقال : { معنا بني إسرائيل * } ~~اي قومنا الذين استبعدتهم ظلما , ولا سبيل لك عليهم , نذهب بهم إلى الأرض ~~المقدسة التي وعدنا الله بها على ألسنة الأنبياء من آبائنا عليهم الصلاة ~~والسلام . | ولما كان منالمعلوم أنهما امتثلا ما أمرهما الله , فأتياه ~~وقالا له ما أمرا به , تشوفت النفس إلى جوابه لهما , فقال تعالى التفاتا ~~إلى مثل قوله في التي قبلها ^ ( { وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام } ) ^ ~~[ الفرقان : 7 ] ^ ( { وإن ms3445 يتخذونك إلا هزوا } ) ^ [ النبياء : 36 ] ونحو ~~ذلك تسلية لهذا النبي الكريم وتحقيقا لمعنى قوله تعالى { كلا } و { مستمعون ~~} من أن فرعون وإن بالغ في الإبراق والإرعاد لا يروع موسى عليه السلام شيء ~~منه : { قال } اي فرعون حين ابلغاه الرسالة مخاطبا لموسى عليه السلام علما ~~منه أنه الأصل فيها , وأخوه إنما هو وزير , منكرا عليه مواجهته بمثل هذا ~~ومانا عليه ليكف من جرأته بتصويب مثل هذا الكلام إليه : { ألم نربك } اي ~~بعظمتنا التي شاهدتها { فينا وليدا } أي صغيرا قريب عهد بالولادة { ولبثت ~~فينا } اي لا في غيرنا , باعتبار انقطاعك إلينا , وتعززك في الظاهر بنا { ~~من عمرك سنين * } اي كثير , فلنا عليك بذلك من ا لحق ما ينبغي أن يمنعك من ~~مواجهتنا بمثل هذا , وكأنه عبر بما يفهم النكد كناية عن مدة مقامه عنده ~~بأنها كانت نكده لأنه وقع فيما كان يخافه , وفاته ما كان يحتاط به من ذبح ~~الأطفال . | < < # | الشعراء : ( 19 - 25 ) وفعلت فعلتك التي . . . . . # > > ^ ( وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين * قال فعلتهآ إذا وأنا ~~من الضالين * ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين * ~~وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل * قال فرعون وما رب العالمين * ~~قال رب السماوات والأرض وما بينهمآ إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا ~~تستمعون ) ^ } ) | ولما ذكره منة تحمله على الحياء منه , ذكره ذنبا هو أهل ~~لأن يخاف من عاقبته فقال مهولا له بالكناية عنه : { وفعلت فعلتك } أي من ~~قتل القطبي , ثم أكد نسبته إلى ذلك مشيرا غلى أنه عامله بالحلم تخجيلا له ~~فقال : { التي فعلت وأنت } اي والحال أنك { من الكافرين * } أي لنعمتي وحق ~~تربيتي بقتل من ينسب إلي , أو عده منهم لسكوته عنهم إذا ذاك , لأنه لم يكن ~~قبل الرسالة مأمورا فيهم بشيء , فكان مجاملا لهم , فكأنه قال : وأنت منا . ~~| فما لك الآن تنكر علينا وتنسبنا إلى الكفر ؟ { قال } مجيبا له على طريق ~~النشر المشوش , واثقا بوعد الله مقرا بالسلامة مقرا بما دندن عليه من القتل ~~لأنه لم ms3446 يكن PageV05P353 متحققا لذلك , وما ترك قتله إلا التماسا للبينة : ~~{ فعلتها إذا } اي إذ قتلته { وأنا من الضالين * } أي لا أعرف دينا , فأنا ~~واقف عن كل وجهة حتى يوجهني ربي إلى ما يشاء - قال ابن جرير : والعرب تضع ~~الضلال موضع الجهل والجهل موضع الضلال - انتهى . | وقد تقدم في الفاتحة ~~للحرالي في هذا الكلام نفيس - على أن هذه الفعلة كانت مني خطأ { ففررت } اي ~~فتسبب عن فعلها وتعقبه أني فررت { منكم } اي منك لسطوتك ومن قومك لإغرائهم ~~إياك علي { لما خفتكم } على نفسي أن تقتلوني بذلك القتيل الذي قتلته خطأ مع ~~كونه كافرا مهدر الدم { فوهب لي ربي } الذي أحسن غلي بتربيتي عندكم تحت كنف ~~أمي آمنة مما أحدثتم من الظلم خوفا مني { حكما } اي علما أعمل به عمل ~~الحكام الحكماء { وجعلني من المرسلين * } اي فاجهد الآن جهدك فإني لا أخافك ~~لقتل ولا غيره . | ولما اجتمع في كلام فرعون من وتعيير , بدأ بجوابه عن ~~التعيير لأنه الأخير فكان أقرب , ولأنه أهم , ثم عطف عليه جوابه عما من به ~~, فقال موبخا له مبكتا منكرا عليه غير أنه حذف حرف الإنكار إجمالا في القول ~~وإحسانا في الخطاب : { وتلك } أي التربية الشنعاء العظيمة في الشناعة التي ~~ذكرتنيها { نعمة تمنها علي } . | ولما كان سببها ظلمه لقومه , جعله نفسها ~~فقال مبدلا منها تنبيها على إحباطها , وإعلاما بأنها - بكونها نقمة - أولى ~~منها في عدها نعمة : { أن عبدت } أي تعبيدك وتذليلك على ذلك الوجه البديع ~~المبعد قمي { بني إسرائيل * } اي جعلتم عبيدا ظلما وعدوانا وهو أبناء ~~الأنبياء , ولسلفهم يوسف عليه السلام عليكم من المنة - بإحياء نفوسكم أولا ~~, وعتق رقابكم ثانيا - ما لا تقدرون له على جزاء أصلا , ثم ما كفاك ذلك حتى ~~فعلت ما لم يفعله مستبعد , فأمرت بقتل أبنائهم , فكان ذلك سبب وقوعي إليك ~~لأسلم من ظلمك - كما مر بيانه ويأتي إن شاء الله تعالى مستوفى في سورة ~~القصص . | ولما كلم اللئيم الذميم الكليم العظيم بما رجا أن يكفه عن ~~مواجهته بما يكره , ويرجعه إلى مداراته . | فلم يفعل ms3447 , وفهم ما في جوابه ~~هذا الأخير من الذم له والتعجيز , وإثبات القدرة التامة والعلم الشامل لله ~~, بما دبر في أمر مسى عليهالسلام , وأنه لا ينهض لذلك بجواب ولا يحمد له ~~فيه قول , عدل عنه إلى جوابه عن الرسالة بما يموه به أيضا على قومه لئلا ~~يرجعوا عنه , فأخبر تعالى عن محاورته في ذلك بقوله على طريق الجواب لمن ~~كأنه قال : ما قال له جوابا لهذا الكلام , الذي كأنه السهام ؟ : { قال ~~فرعون } حائدا عن جواب موسى عليه السلام لما فيه من تأنيبه وتعجيزه . | ~~منكرا لخالقه على سبيل التجاهل , كما أنكر هؤلاء الرحمن متجاهلين وهو أعرف ~~الناس بغالب PageV05P354 أفعاله , كما كان فرعون يعرف , لقول موسى عليه ~~السلام ^ ( { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض } ) ^ [ ~~الإسراء : 102 ] : { وما رب العالمين * } أي الذي زعمت أنكما رسوله . | ~~فسأل ب ( ما ) عن حقيقته وإنما أراد في الحقيقة إنكاره . | ولما كان تعريف ~~حقيقته سبحانه بنفسها محالا لعدم التركيب , فكان تعريفها لا يصح إلا ~~بالخارج اللازم الجلي , تشوف السامع إلى ما يجيب به عنه , فاستأنف قوله ~~إخبارا عنه : { قال } اي موسى معرضا عن التعريف بغير الأفعال إعلاما بأنه ~~لا شبيه له , وأنه مباين وجوده لوجود كل شيء سواه , معرفا له سبحانه بأظهر ~~أفعاله مما لا يقدر أحد على ادعاء المشاركة فيه , مشيرا إلى خطابه في طلب ~~الماهية بأنه لا مماثل له : أقول لك ولمن أردت بطلب الحقيقة التمويه عليهم ~~: هو { رب } أي خالق ومبدع ومدبر { السماوات } كلها { والأرض } وإت تباعدت ~~أجرامها بعضها عن بعض { وما بينهما } وذلك أظهر العالم الذي هو صنعته وأنتم ~~غير مستغنين عنه طرفة عين , فهذه هي المنة , لا منتك علي بالتربية إلى حين ~~استغنيت عنك , وهذا هو الاستبعاد بالإحسان , مع العصيان بالكفران , لا ~~استبعادك لقومي بإهلاكهم وهم في طاعتك , ولسلفهم عليكم من المنة ما لا ~~تجهلونه { إن كنتم } اي كونا راسخا { موقنين * } أي متصفين بما عليه أهل ~~العلم بأصول الدين من الثقة بما تعتقدون اتصافا ثابتا , والجواب : علمتم ~~ذلك , وعلمتم أنه لا ms3448 جواب أسد منه , لأن المذكور متغير , فله مغير لا يتغير ~~, وهو هذا الذي أرسلناه , أي إن كان لكم يقين فأنتم تعرفونه , لشدة ظهوره , ~~وعموم نوره { قال } أي فرعون { لمن حوله } منأشراف قومه مموها أيضا : { ألا ~~تسمعون * } أي تصغون إليه بجميع جهدكم , وهو كلام ظاهرة أنه نبههم عن ~~الإنكار , لأنه سأل عن الماهية , فأجيب بغيرها , ويحتمل غير ذلك لو ضويق ~~فيه , فهو من خفي مكره . | < < # | الشعراء : ( 26 - 34 ) قال ربكم ورب . . . . . # > > ^ ( قال ربكم ورب آبآئكم الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم ~~لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهمآ إن كنتم تعقلون * قال لئن اتخذت ~~إلها غيري لأجعلنك من المسجونين * قال أولو جئتك بشيء مبين * قال فأت به إن ~~كنت من الصادقين * فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضآء ~~للناظرين * قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم ) ^ } ) | ولما وبخ اللعين في ~~جوابه , وكان ربما ادعى أن الخافقين وما بينهما من الفضاء غير مخلةق , ~~فتشوف السامع إلى جواب يلزمه , استأنف الشفاء لعي هذا السؤال بقوله : { قال ~~} أي موسى , مخصصا بعد ما عمم بشيء لا تمكن المنازعة فيه لمشاهدة وجود ~~PageV05P355 أفراده بعد أن لم تكن : { ربكم } أي الموجد لكم والمربي ~~والمحسن { ورب آبائكم الأولين * } وفرعون - الذي تقرون بأنه ربكم - كان إذ ~~ذاك عدما محضا , أو ماء صرفا في ظهر أبيه , فبطل كون أحد منهم ربا لمن بعده ~~كما بطل كون أحد ممن قبلهم من الهالكين ربا لهم , لأن الكل عدم . | فلما ~~أوضح بذلك بطلان ما حملهم على اعتقاده من ربوبيته لم يتمالك أن { قال إن ~~رسولكم } على طريق التهكم , إشارة إلى أن الرسول ينبغي ان يكون أعقل الناس ~~, ثم زاد الأمر وضوحا بقوله : { الذي أرسل إليكم } اي وأنتم أعقل الناس { ~~لمجنون } حيث لا يفهم أني أساله عن حقيقة مرسله فكف يصلح للرسالة من الملوك ~~. | فلما أساء الأدب , فاشتد تشوف السامع إلى معرفة جوابه عنه , استأنف ~~تعالى الإخبار بذلك , فحكى أنه ذكر له ما لا يمكنه أن يدعي طاعته له ms3449 , وهو ~~أكثر تغيرا وأعجب تنقلا بأن { قال رب المشرق والمغرب } اي الشروق والغروب ~~ووقتهما وموضعهما { وما بينهما } اي من الناس الذين ليسوا في طاعتكم , ~~والحيوان والجماد , بسبب ما ترون من قدرته على تقليب النيرات من بزوغ الشمس ~~والقمر والنجوم وأفولها وما يظهر عنهما من الليل والنهار على تصاريف مختلفة ~~, وحركات متقاربة لو لا هي لما علمتم شيئا من أموركم , ولا تمكنتم من ~~أحوالكم , وهذا الدليل أبين الكل لتكرر الحركة فيه وغير ذلك من معالمه , ~~ولذلك بهت نمرود لما ألقاه عليه الخليل عليه الصلاة والسلام . | ولما دعاه ~~صلى الله عليه وسلم باللين فأساء الأدب عليه في الجواب الماضي , ختم هذا ~~البرهان بقوله : { إن كنتم تعقلون } أي فأنتم تعلمون ذلك , فخيرهم بين ~~الإقرار بالجنونن أو العقل , بما أشار إليه من الأدلة في مقابلة ما نسبوه ~~إليه من الجنون بسكوتهم وقول عظيمهم بغير شبهة , ردا لهم عن الضلالة , ~~وإنقاذا من واضح الجهالة , فكان قوله أنكأ مع أنه ألطف , وأوضح مع أنه أستر ~~وأشرف . | فلما علو أنه قد قطعه بما أوضح من الأمر , ووصل معه في الغلظة ~~إلى ما إن سكت عنه أوهن من حاله , وفتر من عزائم رجاله , تكلم بما السكوت ~~أولى منه , فأخبر تعالى بقوله : { قال } عادلا عن الحجاج بعد الخوض فيه إلى ~~المغالبة التي هي أبين علامات الانقطاع : { لئن اتخذت إلها غيري } اي تعمدت ~~أخذه وأفردته بتوجيه جميع قصدك إليه { لأجعلنك من المسجونين } أي واحدا ممن ~~هم في سجوني على ما تعلم من حالي في اقتداري , ومن سجوني في فظاعتها , ومن ~~حال من فيها من شدة الحصر , والغلظ في الحجر { قال } مدافعا بالتي هي أحسن ~~إرخاء للعنان , لإرادة البيان , حتى لا PageV05P356 يبقى عذر لإنسان , رجاء ~~النزوع عن الطغيان , والرجوع إلى الإيمان , لأن من العادة الجارية السكون ~~إلى الإنصاف , والرجوع إلى الحق والاعتراف { أولو } أي أتسجنني ولو { جئتك ~~بشيء مبين * } أي لرسالتي { قال } طمعا في أن يجد موضعا للتكذيب أو التلبيس ~~: { فأت به } أس تسبب عن قولك هذا أني أقول لك : ائت ms3450 بذلك الشيء { إن كنت } ~~أي كونا أنت راسخ فيه { من الصادقين * } اي فيما ادعيت منالرسالة والبينة , ~~وهذا إشارة إلى أنه بكلامه المتقدم قد صار عنده في غير عدادهم , ولزم عليه ~~أنه لا يأتي بالمعجزة إلا الصادق لأنها تصديق من الله للمدعي , وعادته ~~سبحانه وتعالى جارية في أنه لا يصدق الكاذب { فألقى } أي فتسبب عن ذلك ~~وتعقبه أن ألقى . | ولما كان الكلام مع موسى عليه السلام , فكان إضماره غير ~~ملبس , لم يصرح باسمه اكتفاء بضميره فقال : { عصاه } أي التي تقدم في غير ~~سورة أن الله تعالى أراه آياتها { فإذا هي ثعبان } اي حية في غاية الكبر { ~~مبين * } أي ظاهر الثعبانية , لا شك عند رائية فيه , لا كما يكون عند ~~الأمور السحرية من التخييلات والتشبيهات { ونزع يده } أي التي كانت احترقت ~~لما أخذ الجمرة وهو في حجر فرعون , وبذل فرعون جهده في علاجها بجميع من قدر ~~عليه من الأطباء فعجز عن إبرائها , نزعها من جيبه بعد أن أراه إياها على ما ~~يعهده منها ثم أدخلها في جيبه { فإذا هي } بعد النزع { بيضاء للناظرين * } ~~أي بياضا تتوفر الدواعي على نظره لخروجه عن العادة بأن له نورا كنور الشمس ~~يكاد يغشي الأبصار { قال } اي فرعون { للملأ حوله } لما وضح له الأمر , ~~يموه على عقولهم خوفا من إيمانهم : { إن هذا لساحر عليم * } أي شديد ~~المعرفة بالسحر , وخص في هذه السورة إسنادا هذا الكلام إليه لأن السياق كله ~~لتخصيصه الخطاب لما تقدمن ونظرا إلى { فظلت أعناقهم لها خاضعين } لأن خضوعه ~~هو خضوع من دونه , فدلالته على ذلك أظهر , ولا ينفي ذلك أن يكون قومه قالوه ~~إظهارا للطواعية - كما مضى في الأعراف . | < < # | الشعراء : ( 35 - 44 ) يريد أن يخرجكم . . . . . # > > ^ ( يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون * قالوا أرجه وأخاه ~~وابعث في المدآئن حاشرين * يأتوك بكل سحار عليم * فجمع السحرة لميقات يوم ~~معلوم * وقيل للناس هل أنتم مجتمعون * لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم ~~الغالبين * فلما جآء السحرة قالوا لفرعون أإن لنا لأجرا إن كنا نحن ~~الغالبين * قال ms3451 نعم وإنكم إذا لمن المقربين * قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ~~ملقون * فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون ) ^ } ) ~~| ولما أوقفهم بما خليهم به , أحماهم لأنفسهم فقال ملقيا لجلباب الأنفة لما ~~قهره PageV05P357 من سلطان المعجزة : { يريد أن يخرجكم من أرضكم } اي هذه ~~التي هي قوامكم { بسحره } أي بسبب ما أتى به منه , فإنه يوجب استباع الناس ~~فيتمكن مما يريد بهم ؛ ثم قال لقومه - الذين كان يزعم أنهم عبيده وأنه ~~إلههم - ما دل على أنه خارت قواه , فحط عن منكبيه كبرياء البوبية , وارتعدت ~~فرائضه حتى جعل نفسه مأمورا بعد أن كان يدعي كونه آمرا بل إلها قادرا : { ~~فماذا تأمرون * } اي في مدافعته عمايريد بنا { قالوا } أي الملأ الذين ~~كانوا يأتمرون به قبل الهجرة ليقتلوه : { أرجه } اي أخره { وأخاه } ولم ~~يأمروا بقتله ولا بشيء مما يقاربه - فسبحان من يلقي الروح من أمره على من ~~يشاء من عباده فيهابه كل شيء ولا يهاب هو غير خالقه { وابعث في المدائن ~~حاشرين * } أي رجالا يحشرون السحرة , وأصل الحشر الجمع بكرة { يأتوك } ~~وكأنهم فهموا شدة قلقه فسكنوه بالتعبير بأداة الإحاطة وصيغة المبالغة ~~فقالوا : { بكل سحار } أي بليغ السحر { عليم * } أي متناه في العلم به بعد ~~ما تناهى في التجربة ؛ وعبر بالبناء للمفعول إشارة إلى عظمة ملكه فقال : { ~~فجمع } أي بأيسر أمر لما له عندهم من العظمة { السحرة } كما تقدم غير مرة { ~~لميقات يوم معلوم * } في زمانه ومكانه , وهو ضحى يوم الزينة كما سلف في طه ~~, وعن عباس رضي الله عنهما أنه وافق يوم السبت في أول يوم من سنتهم , وهو ~~يوم النيروز . | { وقيل } أي بقول من يقبل لكونه عن فرعون { للناس } اي ~~كافة حثا لهم على الإسراع إلى الاجتماع بأمر فرعون , وامتحانا لهم هل رجعوا ~~عن دينه , علما منه بأن ما ظهر ن المعجزة - التي منها عجزة عن نوع أذى لمن ~~واجهة بما لا مطمع في مواجهته بأدناه - لم يدع لبسا في أنه مربوب مقهور , ~~وأن ذلك موجب لا تباع موسى عليه السلام : { هل ms3452 أنتم مجتمعون * } أي اجتماعا ~~أنتم راسخون فيه لكونه بالقلوب كما هو بالأبدان , كلكم ليكون أهيب لكم , ~~وزين لهم هذا القائل البقاء على ما كانوا عليه من الباطل بذكر السحرة وإن ~~كان شرط فيه الغلبة , ولم يسمح بذكر جانب موسى عليه السلام فقال : { لعلنا ~~نتبع السحرة } لأن من امتثل أمر الملك كان حاله حال من يرجى منه اتباع حزبه ~~{ إن كانوا هم } أي خاصة { الغالبين * } اي غلبة لا يشك في أنها ناشئة عن ~~مكنة نعرض عن أمر موسى الذي الذي تنازع الملك في أمره , وهذا مرادهم في ~~الحقيقة , وعبر بهذا كناية عنه لأنه أدل على عظمة الملك , وعبر بأداة الشك ~~إظهارا للإنصاف , واستجلابا للناس , مع تقديرهم لقطعهم بظفرة السحرة . | ~~لما رسخ في أذهناهم في الزمنة المتطاولة من الضلال الذي لا غفلة لإبليس عن ~~تزيينه مع أن تغيير المألوف أمر في غاية العسر . | وقال : { فلما } بالفاء ~~إيذانا بسرعة حشرهم , إشارة إلى ضضخامة ملكه . | ووفور عظمته { جاء السحرة ~~} اي الذين كانوا في جميع بلاد مصر PageV05P358 { قالوا لفرعون } مشترطين ~~الأجر في حال الحاجة إلى الفعل ليكون ذلك أجدر بحسن الوعد , ونجاح القصد { ~~أئن لنا لأجرا } وساقوه مساق الاستفهام أدبا معه , وقالوا : { إن كنا } أي ~~كونا نحن راسخون فيه { نحن } خاصة { الغالبين * } بأداة الشك مع جزمهم ~~بالغلبة تخويفا له بأنه إن لم يحسن في وعدهم لم ينصحوا له ؛ ثم قيل في جواب ~~من كأنه سأل عن جوابه : { قال } مجيبا إلى كا سألوه : { نعم } أي لكم ذلك , ~~وزادهم ما لا أحسن منه عند أهل الدنيا مؤكدا له فقالك { وإنكم إذا } اي إذا ~~غلبتم { لمن المقربين * } أي عندي , وزاد { إذا } هنا زيادة في التأكيد لما ~~يتضمن ذلك من إبعاده عن الإيمان من وضوح البرهان , تخفيفا على المخاطب بهذا ~~كله صلى الله عليه وسلم , تسلية له في الحمل على نفسه أن لا يكون من يدعوهم ~~مؤمنين , وما بعد ذلك من مسارعة السحرة للإيمان - بعد ما ذكر من إقسامهم ~~بعزته بغاية التأكيد - تحقيق لآية { فظلت أعناقهم لها خاضعين } . | ولما ms3453 ~~تشوف السامع إلى جواب نبي الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام أجيب بقوله ~~: { قال لهم موسى } عليه السلام , اي مريدا لإبطال سحرهم لأنه لا يتمكن منه ~~إلا بإلقائهم , لا لمجرد إلقائهم , غيرق مبال بهم في كثرة ولا علم بعد ما ~~خيروه - كما في غير هذه السورة : { ألقوا ما أنتم ملقون * } كائنا ما كان , ~~ازدراء له بالنسبة إلى أمر الله { فألقوا } أي فتسبب عن قول موسى عليه ~~السلام وتعقبه أن ألقوا { حبالهم وعصيهم } التي أعدوها للسحر { وقالوا } ~~مقسمين : { بعزة فرعون } مؤكدين بأنواع التأكيد { إنا لنحن } اي خاصة لا ~~نستثني { الغالبون * } قول واثق من نفسه مزمع على أن لا يدع بابا من السحر ~~يعرفه إلا أتى به , فكل من حلف بغير الله كأن يقول : وحياة فلان , وحق رأسه ~~- ونحو ذلك , فهو تابع لهذه الجاهليه . | < < # | الشعراء : ( 45 - 51 ) فألقى موسى عصاه . . . . . # > > ^ ( فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون * فألقي السحرة ساجدين * ~~قالوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون * قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ~~إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ~~ولأصلبنكم أجمعين * قالوا لا ضير إنآ إلى ربنا منقلبون * إنا نطمع أن يغفر ~~لنا ربنا خطايانآ أن كنآ أول المؤمنين ) ^ } ) | ولما قدم إضمار اسم موسى ~~عليه السلام في الإلقاء الأول لأن الكلام كان معه , فلم يكن إلباس في أنه ~~الفاعل . | وكان الكلام هنا في السحرة , وختموا بذكر فرعون وعزته , صرح ~~باسم موسى عليه الصلاة والسلام لنفي اللبس فقال : { فألقى } اي فتسبب عن ~~صنع السحرة وتعبه أن ألقى { موسى } وقابل جماعة ما ألقوه بمفرد ما ألقى , ~~لأنه أدل على المعجزة , فقالك { عصاه } أي التي جعلناها آية له , وتسبب عن ~~إلقائه قوله : PageV05P359 { فإذا هي تلقف } أي يتبتلع في الحال بسرعة ~~ونهمة { ما يأفكون * } أي يصرفونه عن وجهه وحقيقته التي هي الجمادية بحيلهم ~~وتخييلهم غلى ظن أنه حيات تسعى { فألقى } أي عقب فعلها من غير تلبث { ~~السحرة ساجدين * } أي فسجدوا بسرعة عظيمة حتى كأن ملقيا ألقاهم بغير ~~اختيارهم ms3454 من قوة إسراعهم , علما منهم بأن هذا من عند الله , فأمسوا أتقياء ~~بررة , بعد ما جاؤوا في صبح ذلك اليوم سحرة . | ولما كأنه قيل : هذا فعلهم ~~, فما كان قولهم ؟ قيل : { قالوا آمنا برب العالمين * } اي الذي دعا إليه ~~موسى عليه السلام أو ما تكلم ؛ ثم خصوه لتلبيس فرعون بما لا يحتمل غيره ~~فقالوا بينا : { رب } ولم يدع داع هنا إلى العدول عن الأصل , فقال عبارة عن ~~كلامهم : { موسى وهارون * } اي اللذين أحسنا إلينا بالتنبيه عليه , ~~والهداية إليه , وصدقهما بما جرى على أيديهما . | ولما خاف فرعون اتباع ~~الناس لهم , لما يرن مما هالهم من أمرهم , وكان قد تقدم ما يعرف أن المنكر ~~عليهم فرعون نفسه , قال تعالى مخبرا عنه : { قال } من غير ذكر الفاعل - أي ~~فرعون - لعدم اللبس , ومقصود السورة غير مقتض للتصريح كما في الأعراف بل ~~ملائم للإعراض عنه والإراحه منه , منكرا مبادرا موهما لأنه إنما يعاقب على ~~المبادرة بغير إذن , لا على نفس الفعل , وأنه ما غرضه إلا التثبيت ليؤخر ~~بهذا التخييل الناس عن المبادرة بالإيمان إلى وقت ما { آمنتم له } أي لموسى ~~عليه السلام , أفرده بالضمير لأنه الأصل في هذه الرساله , وحقيقة الكلام : ~~أوقعتم التصديق بما أخبر فعلهم بما الله لإجله إعظاما له بذلك { قبل أن ~~ءاذن لكم } اي في الإيمان ؛ ثم علل فعلهم بما يقتضي أنه عن مكر وخداع , لا ~~عن حسن اتباع , فقال : { إنه } أي موسى عليه السلام { لكبيركم } . | ولما ~~كان هذا مشعرا بنسبته له إلى السحر , وأنه أعلم منهم به , فلذلك غلبهم , ~~وضحه بقوله : { الذي علمكم السحر } فتواعدتم معه على هذا الفعل , لتنزعوا ~~الملك من أربابه , هذا وكل من سمعه يعلم كذبة قطعا , فإن موسى عليه السلام ~~ما ربي إلا في بيته , واستمر حتى فر منهم إلى مجين , لا يعلم سحرا , ولا ~~ألم بساحر , ولا سافر إلا إلى مدين , ثم لم يرجع إلا داعيا إلى الله , ولكم ~~الكذب غالب على قطر مصر , وأهلها اسرع شيء سماعا له وانقيادا به . | ولما ~~أوقف السامعين بما خيلهم به ms3455 من هذا الباطل المعلوم البطلان لكل ذي بصيرة , ~~أكد المنع بالتهديد فقال : { فلسوف تعلمون * } أي ما أفعل بكم , أي فتسبب ~~عما فعلتم أني أعاقبكم عقوبة محققة عظيمة , وأتى بأداة التنفيس خشية من أن ~~لا يقدر PageV05P360 عليهم فيعلم الجميع عجزه فيؤمنوا , مع ما فيها في ~~الحقيقة على السحرة من التأكيد في الوعيد الذي لم يؤثر عندهم في جنب ما ~~أشهدهم الله من الآية التي مكنتهم في مقام الخضوع ؛ ثم فسر ما أبهم بقوله : ~~{ لأقطعن } بصيغة التفعيل لكثرة القطع والمقطوعين { أيديكم وأرجلكم } ثم ~~بين كيفية تقطيعها فقال : { من خلاف } وزاد في التهويل فقال : { ولأصلبنكم ~~أجمعين * } ثم استأنف تعالى حكاية جوابهم بقوله : { قالوا } . | ولما كان ~~قد تقدم هنا أنهم أثبتوا له عزة توجب مزيد الخوف منه , حسن قولهم : { لا ~~ضير } أي لا ضرر أصلا علينا تحصل به المكنة منا فيما هددتنا به , بل لنا في ~~الصبر عليه إن وقع أعظم الجزاء من الله , ورد النفي الشامل في هذه السورة ~~إيذانا بأنه لم يقدر فرعون على عذابهم , تحقيقا لما في أول القصة من افشارة ~~غلى ذلك ب { كلا } و { مستمعون } فإن الإمكان من تابعي موسى عليه السلام ~~يؤذيه ويضيق صدره , ولما يأتي من القصص من صريح العبارة في قوله { أنتما ~~ومن اتبعكما الغلبون } . | ثم عللوا ذلك بقولهم : { إنا } أي بفعلك ذلك ~~فينا إن قدرك الله عليه { إلى ربنا } أي المحسن إلينا وحده { منقلبون * } ~~أي ولا بد لنا من الموت , فلنكن على ما حكم على الروح إلا الله الذي هو ~~جدير بأن يثيبنا على ذلك نعيم الأبد . | وذلك معنى قولهم معللين ما قبله : ~~{ إنا نطمع أن يغفر } اي يستر سترا بليغا { لنا ربنا } الذي أحسن إلينا ~~بالهداية { خطايانا } أي التي قدمناها على كثرتها ؛ ثم عللوا طمعهم مع كثرة ~~الخطايا بقولهم : { إن كنا } أي كونا هو لنا كالجبلة { أول المؤمنين * } أي ~~من أهل هذا المشهد , وعبروا بالطمع إشارة إلى أن جميع أسباب السعادة منه ~~تعالى , فكأنه لا سبب منهم أصلا . | < < # | الشعراء : ( 52 - 58 ) وأوحينا إلى موسى ms3456 . . . . . # > > ^ ( وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون * فأرسل فرعون في ~~المدآئن حاشرين * إن هؤلاء لشرذمة قليلون * وإنهم لنا لغآئظون * وإنا لجميع ~~حاذرون * فأخرجناهم من جنات وعيون * وكنوز ومقام كريم ) ^ } ) | ولما قص ~~سبحانه من حال الدعاء ما كفى في التسلية من قصد هذين النبيين بالأذى ~~والتهكم بمن دعوا إليه , وجعلهما الأعليين , ولم يضرهمت ضعفهما وقتلهما , ~~ولا نفع عدوهما قوته وكثرته , شرع يسلس بما أوقعه في حال السير , فقال ~~طاويا ما بقي منه لأن هذا ذكر به , عاطفا على هذه القصة : { وأوحينا } أي ~~بما لنا من العظمة حين أردنا فصل الأمر وإنجاز الموعود { إلى موسى أن أسر } ~~أي سر ليلا , حال اشتغال فرعون وجنوده بموت أبكارهم وتجهيزهم لهم { بعبادي ~~} أي بنس إسرائيل الذين كرمتهم مصاحبا لهم إلى ناحية بحر القلزم , غير مبال ~~بفرعون ولا منزعج منه , وتزدوا اللحم PageV05P361 والخبز الفطير للإسراع , ~~وألطخوا أعتابكم بالدم , لني أوصيت الملائكة الذين يقتلون الأبكار أن لا ~~يدخلوا بيتا على بابه دم ؛ ثم علل أمر له بالسير في الليل بقوله : { إنكم ~~متبعون * } أي لا تظن أنهم لكثرة ما رأوا من الآيات يكفون عن اتباعكم , ~~فأسرع بالخروج لتبعدوا عنهم إلى الموضع الذي قدرت في الأزل أن يظهر فيه ~~مجدي , والمراد توافيهم عند البحر , ولم يكتم اتباعكم عن موسى عليه السلام ~~لعدم تأثره به لما تحقق عنده من الحفظ لما تقدم به لاوعد الشريف بذلك ~~التأكيد . | ولما كان التقدير : فأسرى بهم امتثالا للأمر بعد نصف الليل , ~~عطف عليه قوله : { فأرسل فرعون } أي لما أصبح وأعلم بهم { في المدائن ~~حاشرين * } أي رجالا يجمعون الجنود بقوة وسطوة وإن كرهوا , ويقولون تقوية ~~لقلوبهم وتحريكا لهممهم : { إن هؤلاء } إشارة بأداة القرب تحقيرا لهم إلى ~~أنهم في القبضة وإن بعدوا , لما بهم من العجز , وبآل فرعون من القوة , ~~فليسوا بحيث يخاف قوتهم ولا ممانعتهم { لشرذمة } أي طائفة وقطعة من الناس . ~~| ولما كانت قلتهم إنما هي بالنسبة إلى كثرة آل فرعون وقوتهم وما لهم عليهم ~~من هيبة الاستبعاد , وكان التعبير بالشرذمة موهما لأنهم في ms3457 غاية القلة , ~~أزال هذا الوهم بالتعبير بالجمع دون المفرد ليفيد أنه خبر بعد خبر , لا صفة ~~, وأن التعبير بالشرذمة إنما هو للإشارة إلى تفرق القلوب , والجمع ولا سيما ~~ما للسلامة مع كونه ايضا للقلة أدل على أنهم أوزاع , وفيه أيضا إشارة إلى ~~انهم مع ضعفهم بقلة العدد آيسون من إسعاف بمدد . | وليس لهم أهبة لقتال ~~لعدم العدة لأنهم لم يكونوا قط في عداد من يقاتل كما تقول لمن تزدريه : هو ~~أقل من أن يفعل كذا , فقال : { قليلون * } أي بالنسبة إلى ما لنا من الجنود ~~التي لا تحصى وإن كانوا في أنفسهم كثيرين , فلا كثرة لهم تمنعكم أيها ~~المحشورون من اتباعهم ؛ قال البغوي عن ابن مسعود رضي الله عنهما : كانوا ~~ستمائة ألف وتسعين ألفا , ولا يحصى عدد أصحاب فرعون - انتهى . | وكل هذا ~~بيان لأن فرعون مع تناهي عظمته لم يقد على أثر ما في موسى عليه السلام ولا ~~من اتبعه تحقيقا لما تقدم من الوعد به أول القصة . | ولما ذكر ما يمنع ~~الخوف من اتباعهم , ذكر ما يوجب الحث عليه ويحذر من التقاعس عنه فقال : { ~~وإنهم لنا } ونحن على ما نحن عليه من الكثرة والعظمة { لغائظون * } اي بما ~~فجعونا به من أنفسهم وما استعاروه من الزينة من أواني الذهب والفضة وفاخر ~~الكسوة , فلا رحمة في قلوبكم تحميهم . | ولما كان مدار مادة ( شرذم ) على ~~التقطع . | فكان في التعبير بها إشارة إلى أنهم مع PageV05P362 القلة ~~متفرقون ليسوا على قلب واحد , وذكر أن في اتباعهم شفاء الغلل , أتبعه ما ~~ينفي عن المتقاعد العلل , فقال : { وإنا لجميع } أي أنا وأنتم جماعة واحدة ~~مجتمعون بإياله الملك على قلب واحد . | ولما أشار بهذا الخبر إلى ضد ما ~~عليه بنو إسرائيل مع قلتهم مما هو سبب للجرأة عليهم , أخبر بخبر ثان يزيد ~~الجرأة عليهم , وفي مضادة لما اشير إليه ب ( قليلون ) من الاستضعاف فقال : ~~{ حاذرون * } أي ونحن - مع إجماع قلوبنا - من شأننا وطبعنا الحذر , فنحن لا ~~نزال على أهبة القتال , ومقارعة البطال , لا عائق لنا عنه بسفر ولا ms3458 بغيره , ~~أما من جهتي فبإفاضة الأموال عليكم , وإدرار الأرزاق فيكم , ووضع الأشياء ~~في مواضعها في الأرض والرجال , وأما من جهتكم فباستعمال الأمانة من طاعة ~~الملك في وضع كل ما يعطيكم في مواضعه من إعداد السلاح والمراكب والزاد , ~~وجميع ما يحتاج إليه المحارب , مع ما لكم من العزة والقوة وشماخة الأنوف ~~وعظم النفوس مع الجرأة والإقدام والثبات في وقف الحقائق , المحفوظ بالعقل ~~المحوط بالجم المانع من اجتراء الأخصام عليكم , ومكرهم لديكم , فإنه يحكى ~~أنه كان يتصرف في خراج مصر بأن سجزئه اربعة أجزاء : أحدها لوزرائه وكتابه ~~وجنده , والثاني لحفر الأنهار وعمل الجسور , والثالث له ولولده , والرابع ~~يفرق من مدن الكور , فإن لحقهم ظمأ أو استبحار أو فساد علة أو موت عوامل ~~قواهم به ؛ وري أنه قصده قوم فقالوا : نحتاج إلى أن نحفر خليجا لنعمر ~~ضياعنا , فإذن في ذلك واستعمل عليهم عاملا فاستكثر ما حمل من خراج تلك ~~الناحية إلى بيت المال , فسأل عن مبلغ ما أنفقوه على خليجهم , فإذا هو مائة ~~ألف دينار , فأمر بحملها إليهم فامتنعوا من قبولها , فقال : اطرحوها عليهم ~~, فإن الملك إذا استغن بمال رعيته افتقر وافتقروا , وأن الرعية إذا استغنت ~~بمال ملكهم استغنى واستغنوا . | ولما كان التقدير : فأطاعوا أمره , ونفوا ~~على كل صعب وذلول , عطف عليه قوله معلما بما آل إليه أمرهم : { فأخرجناهم } ~~اي بما لنا من القدرة , إخراجا حثيثا مما لا يسمح أحد بالخروج منه { من ~~جنات } أي بساتين يحق لها أن تذكر { وعيون * } لا يحتاج معها إلى نيل ولا ~~مطر { وكنوز } من الأموال تعرف بمقدار ما هم فيه من النعم الفاضلة عنهم , ~~مع ما هم فيه من تمام الاستعداد لمثل هذا المراد { ومقام } من المنازل { ~~كريم * } أي على صفة ترضي الرائي له لأنه على النهاية من الحسن لا يقال فيه ~~: ليته كان كذا , أو كان كذا . | PageV05P363 < < # | الشعراء : ( 59 - 68 ) كذلك وأورثناها بني . . . . . # > > ^ ( كذلك وأورثناها بني إسرائيل * فأتبعوهم مشرقين * فلما تراءى ~~الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين * فأوحينآ ~~إلى موسى ms3459 أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم * وأزلفنا ~~ثم الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين * إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) ^ } ) | ولما ~~كان الخروج عن مثل هذا مما يستنكر , أشار غلى عظمة القدرة عليه بقوله : { ~~كذلك } أي مثل ذلك الإخراج العجيب الذي اراده فرعون من قومه في السرعة ~~والكمال الهيبة اخرجناهم نحن بأن يسرنا له ولهم ذلك , ووفرنا لهم الأسباب , ~~لما اقتضته حكمتنا , أو مثل ذلك الخروج الذي قصصناه عليك أخرجناهم , أي كان ~~الواقع من خروجهم مطابقا لما عبرنا به عنه , أو الأمر الذي قصصناه كله كما ~~قلنا وأولها أقعده وأحسنها وأجودها { وأورثناها } أي تلك النعم السرية ~~بمجرد خروجهم بالقوة وبإهلاكهك بالفعل { بني إسرائيل * } أي جعلناهم بحيث ~~يرثونها لأنا لم نبق لهم مانعا يمنعهم منها بعد أن كانوا مستبعدين تحت أيدي ~~أربابها , وأما إرثهم لها بالفعل ففيه نظر لقوله في الدخان { قوما آخرين } ~~. | ولما وصف افخراج , وصف أثره مرتبا عليه بالفعل وعلى الإيراث بالقوة : { ~~فأتبعوهم } اي جعلوا أنفسهم تابعة لهم { مشرقين * } أي داخلين في وقت شروق ~~الشمس , أي طلوعها من صبيحة الليلة التي سار في نصفها بنو إسرائيل , ولولا ~~تقدير العزيز العليم بخرق ذلك للعادة لم يكن على حكم العادة في أقل من عشرة ~~أيام , فإنه أمر يعجز الملوك مثله , فيا له من حشر ما اسرعه ! وجهاز ما ~~أوسعه ! واستمروا إلى أن لحقوهم عند بحر القلزوم كما تقدم في الأعراف شرح ~~ذلك عن التوراة , وتقدم سر تسييرهم في تلك الطريق { فلما تراءا الجمعان } ~~أي صارا بحيث يرى كل منهما الآخر { قال أصحاب موسى } ضعفا وعجزا استصحابا ~~لما كانوا فيه عندهم من الذل , ولأنهم أقل منهم بكثير بحيث يقال : إن طليعة ~~آل فرعون كانت على عدد بني إسرائيل , وذلك محق لتقليل فرعون لهم , وكأنه ~~عبر عنهم ب ( أصحاب ) دون ( بني إسرائيل ) لأنه كان قد آمن كثير من غيرهم : ~~{ إنا لمدركون * } أب لأنهم قد وصلوا ولا طريق لنا وقد ms3460 صرنا بين سدين من ~~حديد وماء , العدو وراءنا والماء أمامنا { قال } اي موسى عليه الصلاة ~~والسلام وثوقا بوعد الله , ثم علل ذلك تسكينا لهم بقوله : { إن معي ربي } ~~فكأنهم قالوا : وماذا عساه يفعل وقد وصلوا ؟ قال : { سيهدين * } اي بوعد ~~مؤكد عن قرب , إلى ما PageV05P364 أفعل مما فيه خلاصكم , وتقدم في براءة سر ~~تقديم المعيةو خصوصها والتعبير باسم الرب { فأوحينا } اي فتسبب عن كلامه ~~الدال على المراقبة أنا أحينا ؛ ونوه باسمه الكريم جزاء له على ثقته به ~~سبحانه فقال : { إلى موسى } وفسر الوحي الذي فيه معنى القول بقوله : { أن ~~أضرب بعصاك البحر } أي الذي أمامكم , وهو بحر القلزم الذي يتوصل أهل مصر ~~منه إلى الطور وإلى مكة المشرفة وما والاها { فانفلق } أي فضربه فانشق بسبب ~~ضربه لما ضربه امتثالا لأمر الله وصار اثني عشر فرقا على عدد أسباطهم { ~~فكان كل فرق } أي جزء وقسم عظيم منه { كالطود } أي الجبل في إشراقه وطوله ~~وصلابته بعدم السيلان { العظيم * } المتطاول في السماء الثابت لا يتزلزل , ~~لأن الماء كان منبسطا في ارض البحر , فلما انفرق وانكشف فيه الطرق انضم ~~بعضه إلى بعض فاستطال وارتفع في السماء . | ولما كان التقديرك فأدخلنا كل ~~شعب منهم في طريق من تلك الطرق , عطف عليه : { وأزلفنا } أي قربنا بعظمتنا ~~من قوم موسى عليه السلام ؛ قال البغوي . | قال أبو عبيدة : جمعنا , ومنه ~~ليلة المزدلفة , أي ليلة الجمع . | ولما كان هذا الجمع في غاية العظمة وعلو ~~الرتبة , أشار إلى ذلك بأداة البعد فقال : { ثم } اي هنالك , فإنها ظرف ~~مكان للبعيد { الآخرين * } اي فرعون وجنوده { وأنجينا موسى ومن معه } وهم ~~الذين اتبعوه من قومه وغيرهم { أجمعين * } أي لم نقدر على أحد منهم الهلاك ~~. | ولما كان الإغراق بما به الإنجاء - مع كونه أمرا هائلا - عجيبا وبعيدا ~~عبر بأداة البعد فقال : { ثم اغرقنا } أي إغراقا هو على حسب عظمتنا { ~~الآخرين * } أي فوعون وقومه اجمعين , لم يفلت منهم أحد . | ولما قام عذر ~~موسر عليه السلام فيما استدفعه أول القصة من كيد فرعون بما ثبت له من ms3461 ~~العظمة والمكنة في كثرة الجند وعظيم الطاعة منهم له في سرعة الاجتماع ~~الدالة علة مكنتهم في أنفسهم , وعظمته في قلوبهم , رغبة ورهبة , وظهر مجد ~~الله في تحقيق ما وعد به سبحانه من الحراسة , وزاد ما أقر به العيون , وشرح ~~به الصدرو , وكان ذلك أمرا يهز القوى سماعه , ويروع الأسماع تصوره وذكره , ~~قال منبها على ذلك : { إن في ذلك } أب الأمر العظيم العالي الرتبة من قصة ~~موسى وفرعون وما فيها من العظات { لآية } اي علامة عظيمة على ما قال الرسول ~~موجبة للإيمان به من أن الصانع واحد فاعل بالاختبار , قادر على كل شيء , ~~وأنه رسوله حقا { وما كان أكثرهم } أي الذين شاهدوها والذي وعظوا بسماعها { ~~مؤمنين لله } أي متصفين بالإيمان الثابت , أما القبط PageV05P365 فما آمن ~~منهم إلا السحرة ومؤمن ىل فرعون وامرأة فوعون والمرأة التي دلتهم على عظام ~~يوسف عليه السلام - على ما يقال , وأما بنو إسرائيل فكان كثير منهم مزلزلا ~~يتنعت كل قليل , ويقول ويفعل ما هو كفر , حتى تداركهم الله تعالى على يدي ~~موسى عليه السلام ومن بعده , وأول ما كان من ذلك سؤالهم إثر مجاوزة البحر ~~أن يجعل لهم إلها الصنام التي مروا عليها , وأما غيرهم ممن تأخر عنهم ~~فحالهم معروف , وأمرهم مشاهد مكشوف { وإن ربك } اي المحسن غليك بإعلاء أمرك ~~, واستنقاذ الناس من ظلام الجهل على يدك { لهو العزيز } أي القادر على ~~الانتقام من كل فاجر { الرحيم * } أي الفاعل فعل البليغ الرحمة , فهو يمهل ~~ويدر النعم , ويحوط من النقم , ولا يمهل , بل يرسل رسلا , وينزل معهم ما ~~بين به ما يرضيه وما يسخطه , فلا يهلك إلا بعد الإعذار , فلا تستوحش ممن لم ~~يؤمن , ولا يهمنك ذلك . | < < # | الشعراء : ( 69 - 79 ) واتل عليهم نبأ . . . . . # > > ^ ( واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون * قالوا ~~نعبد أصناما فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو ~~يضرون * قالوا بل وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون * قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * ~~أنتم وآبآؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ms3462 * الذي خلقني فهو ~~يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين ) ^ } ) | ولما أتم سبحانه ما أراد من قصة ~~موسى عليه السلام , أتبعه دلاله على رحيميته قصة إبراهيم عليه السلام لما ~~تقدم أنه شاركه فيه مما يسلي عما وقع ذكره عنهم من التعنتات في الفرقان , ~~ولما اختص به من مقارعة أبيه وقومه في الأوثان , وهو أعظم آباء العرب , ~~ليكون ذلك حاملا لهم على تقليده في التوحيد إن كانوا لا ينفكون عن التقليد ~~, وزاجرا عن استعظام تسفيه آبائهم في عبادتها , وتعبيره سبحانه للسياق قبل ~~وبعد , وتعبيره بقوله : { واتل } اي قرأ قراءة متتابعة - مرجح للتقدير ~~الأول في { وإذ } من جعله ( اذكر ) وتغييره في التعبير بها لسياق ما تقدم ~~وما تأخر لتنبيه العرب على اتباعه لما لهم به من الخصوصية { عليهم } اي على ~~هؤلاء المغترين بالأوثان , النكرين لرسالة البشر { نبأ إبراهيم * } أي خبره ~~العظيم في مثل ذلك { إذ } اي حين { قال لأبيه وقومه } منبها لهم على ضلالهم ~~, لا مستعلما لأنه كان عالما بحقيقة حالهم : { ما } أي أي شيء , وصور لهم ~~حالهم تنبيها لهم على قباحتها فعبر بالمضارع فقال : { تعبدون * } أي ~~تواظبون على عبادته { قالوا } مبتهجين بسؤاله , مظهرين الافتخار في جوابهم ~~بإطالة الكلام : { نعبد أصناما فنظل } أي فيتسبب عن عبادتنا لها أنا نوفي ~~حق العبادة بأن ندوم { لها عاكفين * } PageV05P366 أي مطيقين بها على سبيل ~~المواظبة متراكيمن بعضنا خلف بعض حبسين أنفسنا تعظيما لها , فجروا على ~~منوال هؤلاء في داء التقليد الناشىء عن الجهل بنفس العبادة وبظنهم مع ذلك ~~أنهم على طائل كبير , وأمر عظيم , ظفروا به , مع غفلة الخلق عنه - كما دل ~~عليه خطابهم في هذا الكلام الذي كان يغني عنه كلمة واحدة , وهذا هو الذي ~~أوجب تفسير الظلول بمطلق الدوام وإن كان معناه الدوام بقيد النهار , وكأنهم ~~قصدوا بما يدل على النهار - الذي هو موضع الاشتغال والسهرة - الدلالة على ~~الليل من باب الأولى , مع شيوع استعماله أيضا مطلقا نحو ( فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين ) , وزاد قوم إبراهيم عليه السلام أن استمروا على ضلالهم وأبوه معهم ~~فكانوا حطب النار ms3463 , ولم يتكمن من إنقاذهم من ذلك , ولم تكن لهم حيلة إلا ~~دعاؤهم , فهو أجدر بشديد الحزن وببخع نفسه عليهم وهو موضع التسلية . | ولما ~~فهم عنهم هذه الرغبة , أخذ يزهدهم فيها بطريق الاستفهام الذي لا أنصف منه ~~عن أوصاف يلجئهم السؤال إلى الاعتراف بسلبها عنهم , مع كل عاقل إذا تعقل أن ~~لا تصح رتبة الإلهية مع فقد واحدة منها , فكيف مع فقدها كلها ؟ فقال تعالى ~~مخبرا عنه : { قال } معبرا عنها إنصافا بما يعبر به العقلاء لتنزيلهم إياها ~~منزلتهم : { هل يسمعونكم } اي دعاءكم مجرد سماع ؛ ثم صور لهم حالهم ليمنعوا ~~الفكر فيه , فقال معبرا بظرف ماض وفعل مضارع تنبيها على استحضار جميع ~~الزمان ليكون ذلك أبلغ في التبكيت : { إذ تدعون * } أي استحضروا أحوالكم ~~معهم من أول عبادتكم لهم وإلى الآن : هل سمعوكم وقتا ما ؟ ليكن ذلك مرجيا ~~لكم لحصول نفع منهم في وقت ما . | ولما كان الإنسان قد يعكف على الشيء - ~~وهو غير سامع - لكن لنفعه له في نفسه أو ضره لعدوه كالنار مثلا , وكان محط ~~حال العابد والداعي بالقصد الول بالذات جلب النفع , قال : { أو ينفعوكم } ~~أي على العبادة كما ينفع اق شيء تقتنونه { أو يضرون * } على الترك : { ~~قالوا } : لا والله ! ليس عندهم شيء من ذلك { بل وجدنا آباءنا كذلك } اي ~~مثل فعلنا هذا العالي الشأن , ثم صوروا حالة آبائهم في نفوسهم تعظيما ~~لأمرهم فقالوا : { يفعلون * } أي فنحن نفعل كما فعلوا لأنهم حقيقون منا بأن ~~لا نخالفهم , مع سبقهم لنا إلى الوجود , فهم أرصن منا عقولا , وأعظم تجربة ~~, فلولا أنهم رأوا ذلك حسنان ما واظبوا عليه , هذا مع أنهم لو سلكوا طريقا ~~حسية حصل لهم منها ضرر حسي ما سلكوها قط , ولكن هذا الدين يهون على الناس ~~فيه التقليد بالباطل قديما وحديثا . | ولما وصلوا إلى التقليد المخض الخالي ~~عن أدنى نظر كما تفعل البهائهم والطير في تبعها لأولها { قال } معرضا عن ~~جواب كلامهم بنقص , إشارة إلى أنه ساقط لا يرتضيه PageV05P367 من شم رائحة ~~الرجولية : { أفرأيتم } اي فتسبب عن قولكم هذا أني ms3464 أقول لكم : أرأيتم , اي ~~إن لم تكنوا رأيتموهم رؤية موجبة لتحقق أمرهم فانظروهم نظرا شافيا { ما ~~كنتم } أي كونا هو كالجبلة لكم { تعبدون * } مواظبين على عبادتهم { أنتم } ~~. | ولما أجابوه بالتقليد , قال لهم ما معناه , رقوا تقليدكم هذا إلى أقصى ~~غاياته , فإن التقدم والأولوية لا تكون برهانا على الصحة , والباطل لا ~~ينقلب حقا بالقدمن وذلك مراده من قوله : { وآباؤكم الأقدمون * } أي الذين ~~هم اقدم ما يكنون : هل لهم وصف غير ما أقررتم به من عدم السماع والنفع ~~والضر ؟ { فإنهم } أي فتسبب عن رؤيتكم ووصفكم لهم بما ذكرتم أني أخبركم ~~إخبارا مؤكدا أنهم . | ولما كانت صيغة فعول للمبالغة , أغنت في العدو ~~والصديق عن صيغة الجمع ولا سيما وهي شبيهة بالمصادر كالقبول الصهيل , فقال ~~مخبرا عن ضمير الجمع : { عدو لي } أي أناصفهم بالسوء وأعاملهم في إبطالهم ~~ومحقهم معاملة الأعداء وكل من عبدهم كما قال في الآية الخرى ^ ( { لقد كنتم ~~أنتم وآباؤكم في ضلال مبين } ) ^ ^ ( { أف لكم ولما تعبدون من دون الله } ) ~~^ ^ ( { تالله لأكيدن أصنامكم } ) ^ [ الأنبياء : 54 : 57 : 67 ] . | ولما ~~كانوا هم مشركين , وكان في آبائهم الأثدمين من عبد الله وحده . | قال : { ~~إلا رب العالمين * } أي مدبر هذه الأكوان كلها - كما قال موسى عليه السلام ~~- لأن ذلك أشهر الأوصاف وأظهرها , فإنه ليس بعدوي , بل هو وليي ومعبودي ؛ ~~ثم شرع يصفه بما هم به عالمون من أنه على الضد الأقصى من كل ما عليه ~~أصنامهم فقال : { الذي } ولما لم يكن أحد يدعي الخلق لم يحتج إلى ما يدل ~~على الاختصاص فقالك { خلقتني } أي أوجدني على هيئة التقدير والتصوير { فهو ~~} أي فتسبب عن تفرده بخلقي أنه هو لا غيره { يهدين * } أي إلى الرشاد , ~~ولأنه لا يعلم باطن المخلوق ويقدر على كمال التصرف فيه غير خالقه , ولا يكن ~~خالقه إلا سمعيا بصيرا ضارا نافعا , له الكمال كله , ولا شك أن الخلق للجسد ~~, والهداية للروح , وبالخلق والهداية يحصل جميع المنافع , والإنسان له قالب ~~من عالم الخلق , وقالب من عالم الأمر , وتركيب القالب مقدم كما ظهر بهذه ~~الآية , ولقوله ms3465 ^ ( { فإذا سويته ونفخت فيه من روحي } ) ^ [ الحجر : 29 ] ~~وأمثال ذلك , وذكر الخلق بالماضي لأنه لا يتجدد في الدنيا , والهداية ~~بالمضارع لتجددها وتكررها دينا ودنيا { والذي هو } أي لا غيره { يطعمني ~~ويسقين } ولو أراد لأعدم ما آكل وما أشرب أو أصابني بآفة لا أستطيع معها ~~أكلا ولا شربا . | < < # | الشعراء : ( 80 - 87 ) وإذا مرضت فهو . . . . . # > > ^ ( وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن ~~يغفر لي خطيئتي يوم الدين * رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين * واجعل ~~PageV05P368 لي لسان صدق في الآخرين * واجعلني من ورثة جنة النعيم * واغفر ~~لأبي إنه كان من الضآلين * ولا تخزني يوم يبعثون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان المرض ضررا , نزهه عن نسبته إليه أدبا وإن كانت نسبة الكل ~~إليه سبحانه معلومة , بقوله : { وإذا مرضت } باستيلاء بعض الأخلاط على بعض ~~لما بينها من التنافر الطبيعي { فهو } اي وحده { يشفين * } بسبب تعديل ~~المزاج بتعديل الأخلاط وقسرها على الاجتماع والاعتدالن لا طبيب ولا غيره ~~وإن تسببت أنا في أمراض نفسي ببرد أو حر أو طعام أتناوله أو غير ذلك لأنه ~~قادر على ما يريد . | ولما كان الإنسان مطبوعا على الاجتهاد في حفظ حياته ~~وبقاء مهجته , نسب فعل الموت إليه إعظاما للقدرة فقال : { والذي يميتني } ~~أي حسا وإن اجتهدت في دفع الموت , ومعنى وإن اجتهدت في دفع الجهل . | ولما ~~كان الإحياؤ حسا بالروح ومعنى بالهداية عظيما , أتى بأداة التراخي لذلك ~~ولطول المكث في البرزخ فقال : { ثم يحيين } للمجازاة في الآخرة كما شفاني ~~من المرض وإن وصلت إلى حد لا أرجى فيه , ولم يأت هنا بما يدل على الحصر ~~لأنه لا مدعي للإحياء والإماتة إلا ما ذكره سبحانه عن نمروج في سورة البقرة ~~, وأن إبراهيم عليه السلام ابهته ببيان عجزه في إظهار صورة من مكان من ~~الأمكنة بلا شرط من روح ولا غيرها , وإذا عجز عن ذلك كان عجزه عن إيجاد ~~صورة أبين , فكيف إذا انضم إلى ذلك إفادتها روحا أو سلبها منها , فعد ~~ادعاؤه لذلك - مع القاطع المحسوس الذي أبهته - عدما ms3466 , والله أعلم . | ولما ~~ذكر البعث , ذكر ما يترتب عليه فقال : { والذي اطمع } هضما لنفسه واطراحا ~~لأعماله وإشارة إلى أنه بالنسبة إلى الحضرة الأعظمية غير قادرة لها حق ~~قدرها , فإن الطمع كما قال الحرالي في البقرة تعلق البال بالشيء من غير ~~تقدم سبب - انتهى . | فلذلك لم يعد له عملا { أن يغفر } أي يمحو ويستر . | ~~ولما كان الله سبحانه منزها عن الغرضن فكانت المغفرة لحظ العبد ليس غير , ~~قال : { لي } وأسند الخطيئة إليه هضما لنفسه وتواضعا لربه فقال : { خطيئتي ~~} أي تقصيري عن أن أقدره حق قدره , فإم الضعيف العاجز لا يبلغ كل ما ينبغي ~~من خدمة العلي الكبير , وما فعله فهو بإقداره سبحانه فلا صنع له في الحقيقة ~~أصلا { يوم الدين * } أي الجزاء . | ولما اثنى على الله تعالى بما هو أهله ~~, وختم بذكر هذا اليوم العظيم , دعا بما PageV05P369 ينحي عن هوله , فدل ~~صنيعه على أن تقديم الثناء على السؤال أمر مهم , وله في الإجابة أثر عظيم , ~~فقالملتفتا إلى مقام المشاهدة إشارة إلى أن الأمر مهول , وأنه لا ينقذ من ~~خطره إلا عظيم القدرة , لما طبعت عليه النفس من النقائص : { رب } أي أيها ~~المحسن إلي { هب لي حكما } أي عملا متقنا بالعلم , وأصله بناء الشيء على ما ~~توجبه الحكمة , ولما كان الاعتماد إنما هو على محض الكرم , فإن من نوقش ~~الحساب عذب , قال : { وألحقني بالصالحين * } أي الذين جعلتهم أئمة للمتقين ~~في الدنيا والآخرة , وهم من كتن قوله وفعله صافيا عن شوب فساد . | ولما كان ~~الصالح قد لا يظهر عمله , وكان إظهار الله له مجلبة للدعاء وزيادة في الأجر ~~, قال : { واجعل لي لسان صدق } أي ذكرا جميلا , وقبولا عاما , وثناء حسنا , ~~بما أظهرت مني من خصال الخير { في الآخرين * } أي الناس الذين يوجدون بعدي ~~إلى يوم الدينن لأكون للمتقين إماما , فيكون لي مثل أجورهم , فإن ( من سن ~~سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ) وقد كان ذلك ~~إجابة من الله تعالى لدعائه , ومن أعظمه أن جعله الله شجرة مباركة ms3467 فرع منها ~~الأنبياء الذين أحيى بهم عليهم الصلاة والسلام ذكره الذي من أعظمه ما كان ~~على لسان أعظمهم النبي الأمي صلى الله عليه وسلم من قوله : ( صل على محمد ~~كما صليت على إبراهيم ) إلى آخره . | ولما طلب سعادة الدنيان وكانت لا نفع ~~لها إلا باتصالها بسعادة الآخرة التي هي الجنة , وكانت الجنة لا تنال إلا ~~بمنه , لا بشيء من ذلك , ولذلك شبه إدخالها بالإرث الذي يحصل بغير اكتساب ~~من الوارث وهو أقوى أسباب الملك , قال : { واجعلني } أي مع ذلك كله بفضلك ~~ورحمتك { من ورثة جنة النعيم * } . | ولما دعا لنفسه , ثنى بأحق الخلق ببره ~~فقال : { واغفر لأبي } ثم علل دعاءه بقوله : { إنه كان } في ايام حياته { ~~من الضالين * } والظاهر أن هذا كان قل معرفته بتأييد شقائه , ولذلك قال : { ~~ولا تخزني } أي تهني بموته على ما يوجب دخوله النار ولا بغير ذلك { يوم ~~يبعثون * } اي هؤلاء المنكرون للبعث , وكأن هذا الدعاء كان PageV05P370 ~~بحضورهم في الإنكار عليهم في عبادة الأصنام , والظاهر أن تخصيص الدعاء ~~بأبيه لأن أمه كانت آمنت كما ورد عن . . . | فقد صح أنه يقول يوم القيامة : ~~يا رب ! إنك وعدتني ألا تخزيني , أي خزي أخزي من أبي الأبعد , فيبدل الله ~~صورة أبيه صورة ذيخ ثم يلقي به في النار - كما رواه البخاري في غير موضع عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه , وأن الله تعالى يقول له : ( إني حرمت الجنة عل ~~الكافرين ) ولو كانت أمة كافرة لسأله فيها . | < < # | الشعراء : ( 88 - 100 ) يوم لا ينفع . . . . . # > > ^ ( يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم * وأزلفت ~~الجنة للمتقين * وبرزت الجحيم للغاوين * وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون * من ~~دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون * فكبكبوا فيها هم والغاوون * وجنود إبليس ~~أجمعون * قالوا وهم فيها يختصمون * تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم ~~برب العالمين * ومآ أضلنآ إلا المجرمون * فما لنا من شافعين ) ^ } ) | ولما ~~نبه على أن المقصود هو الآخرة , صرح بالتزهيد في الدنيا بتحقير أجل ما فيها ~~فقال : { يوم لا ms3468 ينفع } أي أحدا { مال } اي يفتدي به أو يبذله لشافع أو ~~ناصر مقاهر { ولا بنون * } ينصر بهم أو يعتضد فكيف بغيرهم { إلا من أتى ~~الله } أي الملك الأعظم الذي له الغنى المطلق في هذا الموطن { بقلب سليم * ~~} اي عن مرض غيره عن افطرة الأولى التي فطره الله عليها , وهي الإسلام الذي ~~رأسه التوحيد , والاستقامة على فعل الخير , وحفظ طريق السنة كما تنتج ~~البهيمة بهيمة جمعاء ليس فيها من جدعاء فإن { المال والبنون } ينفعانه بما ~~تصرف فيهما من خير , والاستثناء مفرغ , والظاهر أن قوله { وأزلقت } أي قربت ~~بأيسر وجه حال من واو ( بيعثون ) { الجنة للمتقين * } وعرف أهل الموقف أنها ~~لهم خاصة تعجيلا لسرورهم وزيادة في شرفهم { وبرزت } اي كشفت كشفا عظيما ~~سهلا { الجحيم } اي النار الشديدة التأجج , واصلها نار عظيمة في مهواة ~~بعضها فوق بعض { للغاوين * } أي الضالين الهالكين بحيث عرف أهل الموقف أنها ~~لهم { وقيل لهم } تبكيتا وتنديما وتوبيخا , وأبهم القائل ليصلح لكل أحد , ~~تحقيرا لهم , ولأن PageV05P371 المنكى نفس القول لا كونه من معين : { أينما ~~كنتم } بتسلك الأخلاق التي هي كالجبلات { تعبدون * } أي في الدنيا على سبيل ~~التجديد والاستمرار . | وحقر معبوداتهم بقوله : { من دون } أي من أدنى رتبة ~~من رتب { الله } أي الملك الذي لا كفوء له , وكنتم تزعمون أنهم يشفعون لكم ~~ويقونكم شر هذا اليوم { هل ينصرونكم } فيمنعون عنكم ما برز لكم { أو ~~ينتصرون * } أي هم بالدفع عن أنفسهم . | ولما تسبب عن هذا التبريز والقول ~~إظهار قدرته تعالى وعجزهم بقذفهم فيها قال : { فكبكبوا } أي الأصنام ونحوها ~~, قلبوا وصرعوا ورموا , قلبا عظيما مكررا سريعا من كل من أمره الله بقلبهم ~~بعد هذا السؤال , إظهارا لعجزهم بالفعل حتى عن الجواب قبل الجواب { فيها } ~~أي ي مهواه الجحيم قلبا عنيفا مضاعفا كثيرا بعضهم في اثر بعض { هم } أي ~~الأصنام وما شابهها مما عبد من الشاطين ونحوهم { والغاون * } أي الذي ضلوا ~~بهم { وجنود إبليس } من شياطين الإنس والجن { أجمعون * } . | ولما علم بهذا ~~أنهم لم يتمكنوا من قول في جواب استفامهم توبيخا , وكان من ms3469 المعلوم أن ~~الإنسان مطبوع على أن يقول في كل شيء ينوبه ما يثيره له إدراكه مما يرى أنه ~~يبرد من غلته , وينفع من علته , تشوف السامع إلى معرفة قولهم بعد الكبكبة , ~~فأشير إلى ذلك بقوله : { قالوا } أي العبدة { وهم فيها } أي الجحيم { ~~يختصمون } أي مع المعبودات : { تالله } أي الذي له جميع الكمال { إن كنا ~~لفي ضلال مبين * } أي ظاهر جدا لمن كان له قلب { إذ } أي حين { نسويكم } في ~~الرتبة { برب العالمين * } أي الذين فطرهم ودبرهم حتى عبدناكم { وما أضلنا ~~} أي ذلك الضلال المبين عن الطريق البين { إلا المجرمون * } أي العريقون في ~~صفة الإجرام , المقتضي لقطع كل ما ينبغي أن يوصل { فما } أي فتسبب عن ذلك ~~أنه ما { لنا } اليوم ؛ وزادوا في تعميم النفي بزيادة الجار فقالوا : { من ~~شافعين * } يكونون سببا لإدخالنا الجنة , لأنا صرفنا ما كان يجب علينا لذي ~~الأمر إلى من لا أمر له ؛ ولعله لم يفرد الشافع لأنهم دخلوا في الشفاعة ~~العظمى . | < < # | الشعراء : ( 101 - 107 ) ولا صديق حميم # > > ^ ( ولا صديق حميم * فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين * إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم * كذبت قوم نوح ~~المرسلين * إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين ) ^ } ) | ~~ولما كان الصديق قد لا يكون أهلا لأن يشفع , قالوا تأسفا على أقل ما يمكن : ~~{ ولا صديق } اي يصدق في ودنا ليفعل ما ينفعنا . | ولما كان أصدق الصداقة ~~ما كان من PageV05P372 القريب قال : { حميم * } أي قريب , وأصله المصافي ~~الذي يحرقه ما يحرقك , لأنا قاطعنا بذلك كل من له أمر في هذا اليوم ؛ وأفرد ~~تعميما للنفي وإشارة إلى قلته في حد ذاته أو عدمه . | ولما وقعوا في هذا ~~الهلاك , وانتفى عنهم الخلاص , تسبب عنه تمنيهم المحال فقالوا : { فلو لنا ~~كرة } أي رجعة إلى الدنيا { فنكون من المؤمنين * } أي الذين صار الإيمان ~~لهم وصفا لازما , فأزلفت لهم الجنة . | ولما كان في هذه القصة أعظم زاجرا ~~عن الشرك , وآمر بالإيمان , نبه على ذلك بقوله ms3470 : { إن في ذلك } اي هذا ~~الأمر العظيم الذي قصصته ن قول إبراهيم عليه السلام في إقامة البرهان على ~~إبطال الأوثان , ونصب الدليل على أنه لا حق إلا الملك الجليل الديان , ~~وتغيبه وترهيبه وإرشاده إلى التزود في أيام المهلة { لآية } أي عظيمة على ~~بطلان اباطل وحقوق الحق { وما } اي والحال أنه ما { كان أكثرهم } أي الذين ~~شهدوا منه هذا الأمر العظيم والذين سمعوه عنه { المؤمنين * } اي بحيث صار ~~الإيمان صفة لهم ثابتة , وفي ذلك أعظم تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بأعظم آبائه عليهم الصلاة والسلام { وإن ربك } أي المحسن إليك بإرسالك ~~وهداية الأمة بك { لهو عزيز } أي القادر على إيقاع النقمة بكل من خالفه حين ~~يخالفه { الرحيم * } أي الفاعل فعل الراحم في إمهاله العصاة مع إدرار النعم ~~, ودفع النقم , وإرسال الرسل , ونصب الشرائع , لبيان ما يرضاه ليتبع , وما ~~يسخطه ليتجنب , فلا يهلك إلا بعد إقامة الحجة بإيضاح المحجة . | ولما أتم ~~سبحانه قصة الب الأعظم الأقرب , أتبعها - دلالة على وصفي العزة والرحمة - ~~قصة الأب الثاني , مقدما لها على غيرها , لما له من القدم في الزمان , ~~إعلاما بأن البلاء قديم , ولأنها أدل على صفتي الرحمة والنقمة التي أثر ~~العزة بطول الإملاء لهم على طول مدتهم , ثم تعميم النقمة مع كونهم جميع أهل ~~الأرض فقال : { كذبت } بإثبات التاء اختيارا للتأنيث - وأن كان تذكير القوم ~~أشهر - للتنبيه على أن فعلهم أخس الأفعال , أو إلى أنهم مع عتوهم وكثرتهم ~~كانوا عليه سبحانه أهون شيء واضعفه بحيث جعلهم هباء منثورا وكذا من بعدهم { ~~قوم نوح } وهو أهل الأرض كلهم من الآدميين قبل اختلاف الأمم بتفرق اللغات { ~~المرسلين * } اي بتكذيبهم نوحا عليه السلام , لأنه أقام الدليل على نبوته ~~بالمعجزة , ومن كذب بمعجزة واحدة فقد كذب الكل لأن الآخر جاء بما جاء به ~~الأول - حكاه عنه البغوي . | ولقصد التسلية عبر بالتكذيب في كل قصة { إذ } ~~أي PageV05P373 حين { قال لهم } لم يتأنوا بطلب دليل , ولا ابتغاء وجه جميل ~~؛ واشار إلى نسبه فيهم بقوله : { أخوهم } زيادة في تسلية هذا النبي ms3471 الكريم ~~{ نوح } وأشار إلى حسن أدبه , واستجلابهم برفقه ولينه , بقوله : { إني لكم ~~} اي مع كوني أخاكم يسوءني ما يحملكم على أن تجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية ~~بطاعته بالتوحيد وترك الالتفات إلى غيره ؛ ثم علل أهليته للأمر عليهم بقوله ~~: { إني لكم } اي مع كوني أخاكم يسوءني ما يسوءكم ويسرني ما يسركم { رسول } ~~اي من عند خالقكم , فلا مندوحة لي عند إبلاغ ما أمرت به { أمين * } أي لا ~~غش عندي كما تعلمون ذلك مني على طول خبرتكم بي , ولا خيانة في شيء من ~~الأمانة , فلذلك لا بد لي من إبلاغ جميع الرسالة . | < < # | الشعراء : ( 108 - 116 ) فاتقوا الله وأطيعون # > > ^ ( فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين * فاتقوا الله وأطيعون * قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال ~~وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون * ومآ أنا ~~بطارد المؤمنين * إن أنا إلا نذير مبين * قالوا لئن لم تنته ينوح لتكونن من ~~المجرمين ) ^ } ) | ولما عرض عليهم التقوى بالرفق , وعلل ذلك بما ثبت به ~~أمرها , تسبب عنه الجزم بالأمر فقال : { فاتقوا الله } اي أوجدوا الخو ~~والحذر والتحرز من الذي اختص بالجلال والجمال , مبادرين إلى ذلك بتوحيده ~~لتحرزوا أص السعادة فتكونوا من أهل الجنة { وأطيعون * } أي في كل ما آمركم ~~لتحرزوا رتبة الكمال في ذلك , فلا يمسكم عذاب . | ولما أثبت أمانته , نفى ~~تهمته فقال : { وما اسألكم عليه } أي على هذا الحال الذي أتيتكم به ؛ واشار ~~إلى الإعراق في النفي بقوله : { من أجر } أي ليظن ظان أني جعلت الدعاء سببا ~~له ؛ ثم أكد هذا النفي بقوله : { إن } أي ما { أجري } أي في دعائي لكم { ~~إلا على رب العالمين * } أي الذي دبر جميع الخلائق ورباهم . | ولما انتفت ~~التهمة , تسبب عن انتفائها أيضا ما قدمه , فأعاده إعلاما بالاهتمام بذلك ~~زيادة في الشفقة عليهم وتأكيدا له في قلوبهم تنبيها على أن الأمر في غاية ~~العظمة لما يعلم من قلوبهم من شدة الجلافة فقال : { فاتقوا الله } أي الذي ~~حاز جميع صفات العظمة ms3472 { وأطيعون } . | ولما قام الدليل على نصحه وأمانته , ~~أجابوا بما ينظر إلى محض الدنيا كما أجاب من قال من أشراف العرب { ما لهذا ~~الرسول } الآيات , وقال : لو طردت هؤلاء الضعفاء لرجونا أن تتبعك حتى نزل ~~في ذلك ^ ( { ولا تطرد الذين يدعون ربهم } ) ^ [ الأنعام : 52 ] ~~PageV05P374 ونحوها من الآيات , بأن { قالوا } أي قومه , منكرين لاتباعه ~~استنادا إلى داء الكبر الذي ينشأ منه بطر الحق وغمط الناس - أي احتقارهم : ~~{ أنؤمن لك } أي لأجل قولك هذا وما أثبته أوصافك { و } الحال أنه قد { ~~اتبعك الأرذلون * } أي المؤخرون في الحال والمآل , والأحوال والأفعال , ~~فيكون إيماننا بك سببا لاستوائنا معهم , فلو طردتهم لم يكن لنا عذر في ~~التخلف عنك , ولا مانع من اتباعك , فكان ما متعوا به من العرض الفاني مانعا ~~لهم عن السعادة الباقية , وأما الضعفاء فانكسار قلوبهم وخلوها عن شاغل موجب ~~لإقبالها على الخير وقبولها له , لأن الله تعالى عند المنكسرة قلوبهم , ~~وهكذا قالت قريش في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم , وما زالت أتباع الرسل ~~كذلك حتى صارت من سماتهم وأماراتهم كما قال هرقل في سؤاله عن أتباعالنبي ~~صلى الله عليه وسلم , فكان مثال المستكبرين مثال شخص كان آخر دونه بدرجة , ~~فأصبح فوقه بدرجة , فأنف من أن يرتقي إلى درجته لئلا يساويه , ورضي لنفسه ~~أن يكون دونه , فما اسخف عقله ! وما أكثر جهله ! فلا شيء أبين من هذا في أن ~~التقدم في الأمور الدنيوية داء لا دواء له إلا إماتة النفس بالتبرؤ منه ~~والبعد عنه . | ولما كانت الجواهر متساوية في أنها مخلوقات الله , وإنما ~~تتشرف بآثارها , فالآدمي إنما يشرف أو يرذل بحالة من قاله وفعاله , أشار ~~إلى أنه يعتبر ما هم عليه الآن من الأحوال الرفيعة , والأوصاف البديعة , ~~فلذلك { قال } نافيا لعلمه بما قالوه في صورة استفهام إنكاري : { وما } أي ~~وأي شيء { علمي بما كانوا يعلمون * } أي قبل أن يتبعوني , أي وما لي وللبحث ~~عن ذلك , إ , ما لي ظاهرهم ان وهو خير ظاهر , فهم الأشرفون وإن كانوا أفقر ~~الناس وأخسهم نسبا , فإن الغني ms3473 غني الدين , ولانسب نسب التقوى ؛ ثم أكد أنه ~~لا يبحث عن بواطنهم بقوله : { إن } اي ما { حسابهم } أي في الماضي والآتي { ~~إلا على ربي } المحس وتعرف بواطنهم , لأنه المختص بضبط جميع الأعمال ~~والحساب عليها { لو تشعرون * } اي لو كان لكم نوع شعور لعلمتم ذلك فلم ~~تقولوا ما قلتم مما هو دائر على أمور الدنيا فقط , ولا نظر له إلى يوم ~~الحساب . | ولما أفهم قوله رد ما أفهمه قولهم من طردهم , صرح به في قوله : ~~{ وما } أي ولست { أنا بطارد المؤمنين * } أي الذين صار الإيمان لهم وصفا ~~راسخا فلم يرتدوا عنه للطمع في إيمانكم ولا لغيره من اتباع شهواتكم ؛ ثم ~~علل ذلك بقوله : { إن } أي ما { أنا إلا نذير } اي محذر , لا وكيل مناقش ~~على البواطن , ولا متعنت على الاتباع { مبين * } أوضح ما أرسلت به فلا أدع ~~فيه لبسا . | PageV05P375 ولما أياسهم مما أرادوا من طرد أتباعه لما ~~أوههموا من اتباعه لو طردهم خداعا , أقبلوا على التهديد , فاستأنف سبحانه ~~الإخبار عن ذلك بقوله : { قالوا لئن لم تنته } ثم سموه باسمه جفاء وقلة أدب ~~فقالوا : { يا نوح لتكونن من المجرمين * } أي المقتولين , ولا ينفعك أتباعك ~~هؤلاء الضعفاء . | < < # | الشعراء : ( 117 - 129 ) قال رب إن . . . . . # > > ^ ( قال رب إن قومي كذبون * فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من ~~المؤمنين * فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون * ثم أغرقنا بعد الباقين * ~~إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم * كذبت ~~عاد المرسلين * إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * ~~فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ~~* أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ) ^ } ) | ولما ~~أيس منهم بما سمع من المبالغة بالتأكيد في قولهم , ورأى بما يصدقه من فعلهم ~~, قال تعالى مخبرا عنه جوابا لسؤال من يريد تعرف حاله بعد ذلك : { قال } ~~شاكيا إلى الله تعالى ما هو أعلم به منه توطئة للدعاء عليهم وإلهابا إليه ~~وتهييجا , معرضا عن تهديدهم ms3474 له صبرا واحتسابا , لأنه من لازم الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر , واكتفاء عنه بسببه : { رب } أي أيها المحسن ~~إلي . | ولما كان الحال مقتضيا لأن يصدقوه لما له في نفسه من الأمانة , ~~وبهم من القرابة , ولما أقام على ما دعاهم إليه من الأدلة مع ما له في نفسه ~~من الوضوح , أكد الإخبار بتكذيبهم , إعلاما بوجوده , وبإنه تحققه منهم من ~~غير شك فقال : { إن قومي كذبون * } أي فلا نية لهم في اتباعي { فافتح } أي ~~احكم { بيني وبينهم فتحا } أي حكما يكون لي فيه فرج , وبه من الضيق مخرج , ~~فأهلك المبطلين وأنجز حتفهم { ونجني ومن معي } اي في الدين { من المؤمنين * ~~} مما تعذب به الكافرين . | ولما كان الحال مقتضيا لأن يصدقوه لما له في ~~نفسه من الأمانة , وبهم من القرابة , ولما أقام على ما دعاهم إليه من ~~الأدلة مع ما له في نفسه من الوضوح , أكد الإخبار بتكذيبهم , إعلاما بوجوده ~~, وبأنه تحققه منهم من غير شك فقال : { إن قومي كذبون * } أي فلا نية لهم ~~في اتباعي { فافتح } أي احكم { بيني وبينهم فتحا } أي حكما يكون لي فيه فرج ~~, وبه من الضيق مخرج , فأهلك المبطلين وأنجز حتفهم { ونجني ومن معي } أي في ~~الدين { من المؤمنين * } مما تعذب به الكافرين . | ولما كان في إهلاكهم ~~وإنجائه من بديع الصنع ما يجل عن الوصف , أبرزه في مظهر العظمة فقال : { ~~فأنيجناه ومن معه } أي ممن لا يخالفه في الدين على ضعفهم وقتلهم { في الفلك ~~} ولما كانت سلامة المملوء جدا أغرب قال : { المشحون * } أي المملوء بمن ~~حمل فيه من الناس والطير وسائر الحيوان وما حمل من زادهم وما يصلحهم . | ~~ولما كان إغراقهم كلهم من الغرائب عظمه بأداة البعد - ومظهر العظمة فقال : ~~{ ثم أغرقنا بعد } أي بعد حمله الذي هو سبب إنجائه { الباقين * } أي من بقي ~~على الأرض ولم يركب معه في السفينة على قوتهم وكثرتهم , وكان ذلك علينا ~~يسيرا . | PageV05P376 ولما كان ذلك أمرا باهرا , عظمه بقوله : { إن في ذلك ~~} أي الأمر العظيم من الدعاء والإمهال ثم الإنجاء والإهلاك { لآية ms3475 } أي ~~عظيمة لمن شاهد ذلك أو سمع به , على أنا ننتقم ممن عصانا , وننجي من أطاعنا ~~, وأنه لا أمر لأحد معنا فيهديه إلى الإيمان , ويحمله على الاستسلام ~~والإذعان { وما } اي والحال أنه ما { كان أكثرهم } أي أكثر العالمين بذلك { ~~مؤمنين * } وقد ينبغي لهم إذ فاتهم الإيمان لمحض الدليل أن يبادروا إليه ~~ويركبوا معه حين رأوا أوائل العذاب أو بعد أن ألجمهم الغرق { وإن ربك } ~~المحسن إليك بإرسالك , وتكثير أتباعكن وتعظيم أشياعك { لهو العزيز } أي ~~القادر بعزته على كل من قسرهم على الطاعة , وإهلاكهم في أول أوقات المعصية ~~{ الرحيم * } أي الذي يخص من يشاء من عباده بخالص ودتده , ويرسل إلى ~~الضالينعن محجة العقل القويمة الرسل لبيان ما يجب وما يكره , فلا يهلك إلا ~~بعد البيان الشافي , والإبلاغ الوافي . | ولما كان كأنه قيل : إن هذا لأمر ~~هائل , في مثله موعظة , فما فعل من جاء بعدهم ؟ هل اتعظ ؟ أجيب بقوله دلالة ~~على الوصفين معا : { كذبت عاد } اي تلك القبيلة التي من الله لها في الأرض ~~بعد قوم نوح { المرسلين * } بالإعراض عن معجزة هود عليه الصلاة والسلام ؛ ~~ثم سلى هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله : { إذ } أي حين { قال ~~لهم أخوهم هود } لم يتوقفوا في تكذيبه ولم يتأخروا عن وقت دعائه لتأمل ولا ~~غيره , وقد عرفوا صدق إخائه , وعظيم نصحه ووفائه { ألا } بصيغة العرض تأدبا ~~معهم وتلطفا بهم ولينالهم { تتقون * } اي تكون منكم تقوى لربكم الذي خلقكم ~~فتعبدوه وحده ولا تشركوا به ما لا يضر ولا ينفع ؛ ثم علل بقوله : { إني لكم ~~رسول } أي فهو الذي حملني على أن أقول لكم ذلك { أمين } أي لا أكتم عنكم ~~شيئا مما أمرت به ولا أخالف شيئا منه { فاتقوا } اي فتسبب عن ذلك أني أقول ~~لكم : اتقوا { الله } الذي هو أعظم من كل شيء { وأطيعون * } أي في كل ما ~~آمركم به من دوام تعظيمه { وما } اي أنا رسول داع والحال أني ما { أسئلكم ~~عليه } أي الدعاء { من أجر } فتتهموني به { إن } أي ما { أجري غلا ms3476 على رب ~~العالمين * } . | ولما فرغ من الدعاء إلى الأصل , وهو الإيمان بالرسول ~~المرسل , اتبعه إنكار بعض ما هم عليه مما أوجبه الكفر , وأوجب الاشتغال به ~~الثبات على الغي , واعظا لهم بما كان ما هم عليه مما أوجبه الكفر , وأوجب ~~الاشتغال به الثبات على الغي , واعظا لهم حال الناسي لذلك الطوفانن الذي ~~أهلك الحيوان , وهدم البنيان فقال : { اتبنون بكل ريع } أي مكان مرتفع ؛ ~~قال أبو حيان : وقال أبو عبيدة : الريع الطريق . | وقال مجاهد : ~~PageV05P377 الفج بين الجبلينن وقيل : السبيل سلك أم لم يسلك . | وأصله في ~~اللغة الزيادة { آية } أي علامة على شدتكم لأنه لو كان لهداية أو نحوها ~~لكفى بعض الأرياع دون كلها . | ولما كان إقامة الدليل على قوتهم بمثل ذلك ~~قليل الجدوى عند التأمل , قال : { تعبثون * } والعاقل ينبغي له أن يصون ~~أوقاته النفيسة عن العبث الذي لا يكون سبب نجاتهن وكيف يليق ذلك بمن الموت ~~من ورائه . | ولما كان من يموت لا ينبغي له إنكار الموت بفعل ولا قول قال : ~~{ وتتخذون مصانع } أي أشياء بأخذ الماء , أو قصورا مشيدة وحصونا تصنعونها , ~~هي في إحكامها بحيث تأكل الدهر قوة وثباتا , فلا يبنيها إلا من حاله حال ~~الراجي للخلود , ولذلك قال : { لعلكم تخلدون * } وهو معنى ما في البخاري عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما من تفسيرها بكأنكم . | < < # | الشعراء : ( 130 - 143 ) وإذا بطشتم بطشتم . . . . . # > > ^ ( وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الذي ~~أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إني أخاف عليكم ~~عذاب يوم عظيم * قالوا سوآء علينآ أوعظت أم لم تكن من الواعظين * إن هذا ~~إلا خلق الأولين * وما نحن بمعذبين * فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما ~~كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم * كذبت ثمود المرسلين * إذ ~~قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون * إني لكم رسول أمين ) ^ } ) | ولما بين أن ~~عملهم عمل من لا يخاف الموت , أتبعه ما يدل على أنهم لا يظنون الجزاء فقال ~~: { وإذا بطشتم } أي بأحد , أخذتموه أخذ سطوة في عقوبة { بطشتم جبارين * } ~~أي غير ms3477 مبالين بشيء من قتل أو غيره ؛ قال البغوي : والجبار الذي يضرب ويقتل ~~على الغضب . | ولما خوفهم لهذا الإنكار عقاب الجبار , تسبب عنه أن قال : { ~~فاتقوا الله } أي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام { وأطيعون * } . | ~~ولما كان ادكار الإحسان موجبا للإذعان , قال مرغبا في الزيادة ومرهبا من ~~الحرمانك { واتقوا الذي أمدكم } اي جعل لكم مددا , وهو إتباع الشيء بما ~~يقويه على الانتظام { بما تعلمون * } اي ليس فيه نوع خفاء حتى تعذروا في ~~الغفلة عن تقييده بالشكر . | PageV05P378 ولما أجمل , فصل ليكون أكمل , ~~فقال : { أمدكم بأنعام } أي تعينكم على الأعمال وتأكلون منها وتبيعون . | ~~ولما قدم ما يقيم الأود , أتبعه قوله : { وبنين * } أي يعينونكم على ما ~~تريدون عند العجز . | ثم أتبعه ما يحصل كمال العيش فقال : { وجنات } اي ~~بساتين ملتفة الشجار بحيث تستر داخلها , وأشار إلى دوام الري بقوله : { ~~وعيون * } . | ولما كانوا في إعراضهم كأنهم يقولون : ما الذي تبقيه منه ؟ ~~قال : { إني أخاف عليكم } أي لأنكم قومي يسوءني ما يسوءكم - إن تماديتم على ~~المعصية { عذاب يوم عظيم * } وتعظيم اليوم أبلغ من تعظيم العذاب { قالوا } ~~راضين بما عندهم من داء الإعجاب , الموقع في كل ما عاب , { سواء علينا ~~أوعظت } أي خوفت وحذرت وكنت علامة زمانك في ذلك بأن تقول منه ما لم يقدر ~~أحد على مثله , دل على ذلك قوله : { أم لم تكن من الواعظين * } اي متأهلا ~~لشيء نم رتبة الراسخين في الوعظ , معدودا في عدادهم , مذكورا فيما بينهم , ~~فهو أبلغ من ( أم لم تعظ ) أو ( تكن تعظ , والوعظ - كما قال البغوي : كلام ~~يلين القلب بذكر الوعد والوعيد . | والمعنى أن الأمر مستو في الحالتين في ~~أنا لا نطيعك في شيء ؛ ثم عللوا ذلك بقولهم : { إن } أي ما { هذا } اي الذي ~~جئتنا به { إلا خلق } بفتح الخاء وإسكان اللام في قراءة ابن كثير وأبي عمرو ~~والكسائي { الأولين * } أي كذبهم , أو ما هذا الذي نحن فيه غلا عادة ~~الأولين في حياة ناس وموت آخرين , وعافية قوم وبلاء آخرين , وعليه تدل ~~قراءة الباقين بضم الخاء واللام { وما نحن ms3478 بمعذبين * } لأنا أهل قوة وشجاعة ~~ونجدة وبراعة . | ةلما تضمن هذا التكذيب , سبب عنه قوله : { فكذبوه } ثم ~~سبب عنه قوله : { فأخلكناهم } اي بالريح بما لنا من العظمة التب لا تذكر ~~عندها عظمتهم , والقوة التي بها كانت قوتهم { إن في ذلك } أي الإهلاك في كل ~~قرن للعاصين والإنجاء للطائعين { لآية } أي عظيمة لمن بعدهم على أنه سبحانه ~~فاعل ذلك وحده بسبب أنه يحق الحق ويبطل الباطل , وأنه مع أوليائه ومن كان ~~معه لا يذل وعلى أعدائه ومن كان عليه لا يعز { وما كان أكثرهم } أي أكثر من ~~كان بعدهم { مؤمنين * } فلا تحزن أنت على من أعرض عن الإيمان { وإن ربك } ~~أي المحسن إليك بإرسالك وغيره من النعم { لهو العزيز } في اتقامه { الرحيم ~~* } في إنعامه وإكرامه وإحسانه , مع عصيانه وكفرانه , وإرسال المنذرين ~~وتأييدهم بالآيات المعجزة لبيان الطريق الأقوم , والمنهج الأسلم , فلا يهلك ~~غلا بعد الإعذار بأبلغ الإنذار ؛ ثم ذل على ذلك لمن قد ينسى غذ كان الإنسان ~~مجبولا على النسيان بقوله : { كذبت ثمود } وهو أهل الحجر { المرسلين * } ~~وأشار PageV05P379 إلى زيادة التسلية بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تأمل ولا ~~توقف بقوله : { إذ } أي حين { قال لهم أخوهم } أي الذي يعرفون صدقه وأمانته ~~, وشفقته وصيانته { صالح } وأشار إلى تلطفه بهم بقوله على سبيل العرض { ألا ~~تتقون * } ثم علل ذلك بقوله : { إني لكم رسول } أي من الله , فلذلك عرضت ~~عليكم هذا لأني مأمور بذلك , وإلا لم أعرضه عليكم { أمين * } لا شيء من ~~الخيانة عندي , بل أنصح لكم في إبلاغ جميع ما أرسلت به إليكم من خالقكمن ~~الذي لا أحد أرحم بكم منه . | < < # | الشعراء : ( 144 - 154 ) فاتقوا الله وأطيعون # > > ^ ( فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على ~~رب العالمين * أتتركون في ما هاهنآ آمنين * في جنات وعيون * وزروع ونخل ~~طلعها هضيم * وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين * فاتقوا الله وأطيعون * ولا ~~تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون * قالوا إنمآ أنت ~~من المسحرين * مآ أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من ms3479 الصادقين ) ^ } ) | ~~ولما قدم ذكر الرسالة فصار له عذر في المواجهة بالأمر , سبب عنه قوله { ~~فاتقوا الله } أي الملك الأعلى الذي ه الغنى المطلق . | ولما ذكر الأمانة ~~قال : { وأطيعون * } . | ولما أثبت ما يوجب الإقبال عليه , نفى ما يستلزم ~~عادة الإدبار عنه فقال : { وما } أي إني لكم كذا والحال أني ما { أسئلكم ~~عليه } وأعرق في النفي بقوله : { من أجر } ثم زاد في تأكيد هذا النفي بقوله ~~: { إن } أي ما { أجري } على أحد { إلا رب العالمين * } اي المحسن إليهم ~~أجمعين , منه أطلب أن يعطيني كما أعطاهم . | ولما ثبتت الأمانة , وانتفى ~~موجب الخيانة , شرع ينكر عليهم أكل خيره وعبادة غيره , فقال مخوفا لهم من ~~سطواته , ومرغبا في المزيد من خيراته . | منكرا عليهم إخلادهم إلى شهوة ~~البطن , واسنتادهم إلى الرفاهية والرضى بالفاني : { أتتركون } أي من ايدي ~~النوائب التي لا يقدر عليها إلا الله { في ما هاهنا } أي في بلادكم هذه من ~~النعم حال كونكم { آمنين * } أي أنتم تبارزون الملك القهار بالعظائم . | ~~ولما كان للتفسير بعد الإجمال شأن . | بين ما أجمل بقوله مذكرا لهم بنعمة ~~الله ليشكروها : { في جنات } اي بساتين تستر الداخل فيها وتخفيه لكثرة ~~أشجارها { وعيون * } تسقيها مع ما لها من البهجة وغير ذلك من المنافع { ~~وزروع } وأشار إلى عظم النخيل ولا سيما ما كان عندهم بتخصيصها بالذكر بعد ~~دخولها في الجنات بقوله : { ونخل طلعها } أي ما يطلع منها من الثمر ؛ قال ~~الزمخشري : كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو , والقنو اسم للخارج من الجذع ~~كما هو بعرجونه وشماريخه . | { هضيم } PageV05P380 أي جواد كريم من قولهم : ~~يد هضوم - إذا كانت تجود بما لديها , وتفسيره بذلك يجمع أقوال العلماء , ~~وإليه يرجع ما قال أبو عبد الله القزاز معناه أنه قد هضم - اي ضعط - بعضه ~~بعضا لتراكمه , فإنه لا يكون كذلك غلا وهو كثير متقارب النضد , لا فرج بينه ~~, ولطيف لين هش طيب الرائحة , من الهضم بالتحريك , وهو خمس البطن ولطف ~~الكشح ؛ والهاضم وهو ما فيه رخاوة , والهضم : البخور , والمهضومة : طيب ~~يخلط بالمسك واللبان ؛ قال الرازي في اللوامع ms3480 : أو يانع نضيج لين رخو ~~ومتهشم متفتت إذا مس , أو يههم الطعام , وكل هذا يرجع إلى لطافته . | ولما ~~ذكر اللطيف من أحوالهم , أتبعه الكثيف من أفعالهم , فقال عطفا على { ~~أتتركون } أو مبينا لحال الفاعل في { آمنين } : { وتنحتون } أي والحال أنكم ~~تنحتون إظهارا للقدرة { من الجبال بيوتا فارهين * } أي مظهرين النشاط ~~والقوة , تعظيما بذلك وبطرا , لا لحاجتكم إلى شيء من ذلك { فاتقوا } اي ~~فتسبب عن ذلك أني اقول لكم : اتقوا { الله } الذي له جميع العظمة بأن ~~تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية باتباع أوامره ؛ واجتناب زواجره { وأطيعون * ~~} اي في كل ما آمركم به وأنهاكم عنه . | فإني لا آمركم غلا بما يصلحكم ~~فيكون سببا لحفظ ما أنتم فيه وتزدادون { ولا تطيعوا } . | ولما كان لانقياد ~~للآمر إنما هة بواسطة ما ظهر من أمره قال : { أمر المسرفين * } اي ~~المتجاوزين للحدود الذي صار لهم ذلك خلقا : ثم وصفهم بما بين إسرافهم , وهو ~~ارتكابالفساد الخالص المصمت الذي لا صلاح معه فقال : { الذين بفسدون في ~~الأرض } اي يعملون ما يؤدي إلى الفساد لكونه غير محكم باستناده إلى الله . ~~| ولما كان ربما ادعى في بعض الفساد أن فيه صلاحا , نفى ذلك بقوله : { ولا ~~يصلحون * } أي لأنهم أسسوا أمرهم على الشرط فصاروا بحيث لا يصلح لهم عمل ~~وإن تراءى غير ذلك , أو أن المعنى أن المسرف من كان عريقا في الإسراف بجمع ~~هذين الأمرين . | ولما دعا إلى الله تعالى بما لا خلل فيه , فعلموا أنهم ~~عاجزون عن الطعن في شيء منه , عدلوا إلى التخلييل على عقول الضعفاء بأن { ~~قالوا ما أنت من المسحرين * } اي الذين بولغ في سحرهم مرة بعد مرة مع كونهم ~~آدميين ذمي سحور , وهي الرئات , فأثر فيك السحر حتى غلب عليك ؛ ونقل البغوي ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معنها : من المخلوقين المعللين بالطعام ~~والشراب , يقال : سحره أي علله بالطعام والشراب . | ويؤيده خصوصيتك عنا ~~بالرسالة , وهل يكون الرسول من البشر , وإتباعهم الوصف PageV05P381 الوصف ~~من غير عطف عليه يدل على أنهم غير جازمين بتكذيبه . | قالوصفان عندهم ~~بمنزلة ms3481 شيء واحد كما إذا قيل : الزمان حلو حامض , أي مر , ويؤيد كونهم في ~~رتبة الشك لم يتجاوزها غلى الجزم أو الظن بالتكذيب قولهم : { فأت بآية } اي ~~علامة تدلنا على صدقك { إن كنت } أي كونا هو غاية الرسوخ { من الصادقين * } ~~أي العريقين في الصدق بخلاف ما يأتي قريبا في قصة شعيب عليه السلام . | < < # | الشعراء : ( 155 - 163 ) قال هذه ناقة . . . . . # > > ^ ( قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم * ولا تمسوها بسوء ~~فيأخذكم عذاب يوم عظيم * فعقروها فأصبحوا نادمين * فأخذهم العذاب إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم * كذبت قوم لوط ~~المرسلين * إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا ~~الله وأطيعون ) ^ } ) | ولما أسرع الله تعالى في إجابته حين دعا أن يعطيهم ~~ما اقترحوا , أشار إلى ذلك بقوله : { قال } اي جوابا لاقتراحهم : تعالوا ~~نظروا ما آتيكم به آية على صدقي , فأتوا فأخرج الله له من الصخرة ناقة ~~عشراء كما اقترحوا , فقال مشيرا إليها بأداة القرب إشارة إلى سهولة إخراجها ~~وسرعته : { هذه ناقة } أي أخرجها ربي من الصخرة كما اقترحتم ؛ ثم أشار إلى ~~أن في هذه الاية آية أخرى بكونها تشرب ماء البئر كله في يوم وردها وتكف عنه ~~في اليوم الثاني لأجلهم , بقوله : { لها شرب } أي نصب من الماء في يوم ~~معلوم { ولكم شرب يوم } اي نصيب من الماء في يوم { معلوم * } لازحام بينكم ~~وبينها في شيء من ذلك . | ولما أرشد السياق إرشادا بينا إلى أن المعنى : ~~فخذوا شربكم واتركوا لها شربها , عطف عليه قوله : { ولا تمسوها بسوء } أي ~~كائنا ما كان وإن قل , لأن ما كان من عند الله يجب إكرامهن ورعايته ~~واحترامه ؛ ثم خوفهم بما يتسبب عن عصيانهم فقال : { فيأخذكم } اي يهلككم { ~~عذاب يوم عظيم * } بسبب ما حل فيه من العذاب , فهو ابلغ من وصف العذاب ~~بالعظم , وأشار إلى سرعة عصيانهم بفاء التعقيب في قوله : { فعقروها } أي ~~قتلوها بضرب ساقها بالسيف . | ولما تسبب عن عقرها حلول مخايل العذاب , أخبر ~~عن ms3482 ندمهم على قتلها من حيث إنه يفضي إلى الهلاك , لا من حيث إنه معصية لله ~~ورسوله . | فقال : { فأصبحوا ندامين * } أي على عقرها لتحقق العذاب ؛ واشار ~~غلى أن ذلك الندم لا على وجه التوبة أو أنه عند رؤية البأس فلم ينفع , فإنه ~~نقل عنهم أنه أتاهم العذاب العذاب وهو يحاولون أن يقتلوا صالحا عليه السلام ~~, بقوله : { فأخذهم العذاب } اي المتوعد به . | PageV05P382 ولما كان في ~~الناقة وفي حلول المخايل كما تقدم أعظم دليل على صدق الرسول الداعي إلى ~~الله قال : { إن ف ذلك لآية } اي دلالة عظيمة على صحة ما أمروا به عن الله ~~, { وما } أي والحال أنه مع ذلك ما { كان أكثرهم مؤمنين * } . | ولما كان ~~ربما توهم أنه سبحانه غير متصف بالعزة لعدم قسرهم على الإيمان , أو بالرحمة ~~لإهلاكهم , قال : { وإن ربك لهو العزيز } اي فلا يخرج شيء من قبضته وإرادته ~~, وهو الذي أراد لهم الكفر { الرحيم * } في كونه لم يهلك أحدا حتى ارسل ~~إليهم رسولا فبين لهم ما يرضاه سبحانه وما يسخطه , وابلغ في إنذارهم حتى ~~اقام الحجة من علم منه الخير لما يرضيه , فيتسبب عن ذلك سعادتهن وفي تكريره ~~سبحانه هذه الآية آخر كل قصة على وجه التأكيد وإتباعها ما دلت عليه من كفر ~~من أتى بعد أصحابها . | من غير اتعاظ بحالهم , ولا نكوب عن مثل ضلالهم , ~~خوفا من نظير نالكهم , أعظم تسلية لهذا النبي الكريم , وتخويف لكل عليم ~~حليم , واستعطاف لكل ذي قلب سيلم , ولذلك قال واصلا بالقصة : { كذبت } اي ~~دأب نمتقدم كأنهم تواصوا به { قوم لوط المرسلين * } لأن من كذب رسولا - كما ~~مضى - فقد كذب الكل , لتساوي المعجزات في الدلالة على الصدق . | وقد صرحت ~~هذه الآية بكفرهم بالتكذيب . | وبين إسراعهم في الضلال بقوله : { إذ } اي ~~حين { قال لهم أخوهم } اي في السكنى في البلد لا في النسب لأنه ابن أخي ~~إبراهيم عليه السلام , وهما من بلاد الشرق من بلاد بابل - وكأنه عبر ~~بالأخوة لاختياره لمجاورتهم , ومناسيتهم بمصاهرتهم , وإقامته بينهم في ~~مدينتهم مدة مديدة , وسنين عديدة , وإتيانه بالأولاد ms3483 من نسائهم , مع ~~موافقته لهم في أنه قروي , ثم بينه بقوله : { لوط ألا تتقون * } اي تخافون ~~الله فتجعلوا بينكم وبين سخطه وقاية . | ولا كان مضمون هذا الدعاء لهم ~~والإنكار عليهم في عدم التقوى علل ذلك بقوله : { إني لكم } اي خاصة { رسول ~~أمين * } أي لا سيء من غش ولا خيانة عندي , ولذلك سبب عنه قوله : { فاتقوا ~~الله } اي لقدرته على إهلاك من يريد وتعاليه في عظمته { وأطيعون * } اي لأن ~~طاعتي سبب نجاتكم , لأني لا آمركم إلا بما يرتضيه . | ولا أنهاكم إلا عما ~~يغضبه . | < < # | الشعراء : ( 164 - 171 ) وما أسألكم عليه . . . . . # > > ^ ( ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * أتأتون ~~الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم ~~عادون * قالوا لئن لم تنته يلوط لتكونن من المخرجين * قال إني لعملكم من ~~القالين * رب نجني وأهلي مما يعملون * فنجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في ~~الغابرين ) ^ } ) | PageV05P383 ولما أثبت الداعي إلى طاعته , نفى الناهي ~~عنها فقال : { وما أسئلكم عليه } أي الدعاء إلى الله { من أجر } أي ~~فتتهموني بسببه ؛ ونفى سؤاله لغيرهم من الخلائق بتخصيصه بالخالق فقال : { ~~إن } أي ما { أجري إلا على رب العالمين * } أي المحسن إليهم بإيجادهم ثم ~~تربيتهم . | فلما وجدوا المتقضي لاتباعه وانتفى المانع , أنكر عليهم ما ~~يوجب عذابهم من إيثارهم شهوة الفرج المخرج لهم إلى ما صاروا به سبة في ~~الخلق فقال موبخا مقرعا بيانا لتفاحش فعلهم وعظمة : { أتاتون } اي إتيان ~~المعصية { الذكران } ولعلهم كانوا يفعلون بالذكور من غير الآدميين توغلا في ~~الشر وتجاهرا بالتهتك لقوله : { من العالمين * } أي كلهم , أو يكون المعنى ~~: من بين الخلائق , اي أنكم اختصصتم بإتيان الذكران , لم يفعل هذا الفعل ~~غيركم من الناكحين من الخلق { وتذرون } أي تتركون لهذا الغرض { ما خلق لكم ~~} أي النكاح { ربكم } المحسن إليكم { من أزواجكم } أي وهن الإناث , على أن ~~( من ) لبيان , ويجوز أن تكون مبغضةن ويكون المخلوق كذلك هو القبل . | ولما ~~كانوا كأنهم قالوا : نحن لم نترك أزواجنا , حملا لقوله على الترك أصلا ~~ورأسا ms3484 وإن كانوا قد فهما أن مراده تركهن حال الفعل في الذكور , قال مضربا ~~عن مقالهم هذا المعلوم تقديره لما ارادوه به , حيدة عن الحق , وتماديا في ~~الفجور : { بل أنتم قوم عادون * } اي تركتم الأزوتج بتعدي الفعل بهن ~~وتجاوزه إلى الفعل بالذكران , وليس ذلك ببدع من أمركم , فإن العدوان - الذي ~~هو مجاوزة الحد في الشر - وصف لكم أنتم عريقون فيه , فلذلك لا تقفون عند حد ~~حده الله تعالى . | فلما اتضح الحق , وعرف المراد , وكان غريبا عندهم , ~~وتشوف السامع إلى جوابهم , استؤنف الإخبار عنه , فقيل إعلاما بانقطاعهم ~~وأنهم عارفون أنه لا وجه لهم في ذلك أصلا لعدولهم غلى الفحش : { قالوا } ~~مقسمين : { لئن لم تنته } وسموه باسمه جفاء غلظة فقالوا : { يا لوط } عن ~~مثل إنكارك هذا علينا . | ولما كان لما له من العظمة بالنبوة والأفعال ~~الشريفة التي توجب إجلاله وغنكار كل من يسمعهم أنيخرج مثله , زادوا في ~~التأكيد فقالوا : { لتكونن من المخرجين } اي ممن أخرجناه من بلدنا على وجه ~~فظيع تصير مشهورا به بينهم . | إشارة إلى أنه غريب عندهم , وأن عادتهم ~~المستمرة نفي من اعتراض عليهمن وكان قصدهم بذلك أن يكونوا هم المتولين ~~لإخراجه إهانة له للاستراحة منه , فكان إخراجه , لكن إخراج إكرام للاستراحة ~~منهم والنجاة من عذابهم بتولي الملائكة الكرام { قال } اي جوابا لهم : { ~~إني } مؤكدا لمضمون ما يأتي به { لعملكم } ولم يقلك قال بل زاد في التأكيد ~~بقوله : { من PageV05P384 القالين * } أي المشهورين ببغض هذا العمل الفاحش ~~, العريقين في هذا الوصف , المذكورين بين الناس بمنابذة من يفعله , لا ~~يردني عن إنكاره تهديدكم لي بإخراج ولا غيره , والقلاءك بغض شديد كأنه يقلي ~~الفؤاد . | ولما بادأهم هذا الذي من شانه الإفضاء إلى الشرن اقبل على من ~~يفعل ذلك لأجله , وهو القادر على كل شيء العالم بكل شيء , فقال : { رب نجني ~~وأهلي مما } أي من الجزاء الذي يلحقهم لما { يعملون * } . | ولمااقبل ~~سبحانه وتعالى دعاءه , أشار غلى ذلك بقوله : { فنجيناه وأهله } مما ~~عذبناعهم به بإخراجنا له من بلدهم حين ستخفافهم له , ولم يؤخره عنهم إلى ~~حين ms3485 خروجه إلا لأجله , وعين سبحانه المراد مبينا أن أهله كثير بقوله : { ~~أجمعين * } أي أهل بيته والمتبعين له على دينه { إلا عجوزا } وهي امرأته , ~~كائنة { في } حكم { الغابرين * } أي الماكثين الذي تلحقهم الغبرة بما يكون ~~من الجاهية فإننا لن ننجها لقضائنا بذلك في الأزل , لكونها لم تتابعه في ~~الدين , وكان هواها مع قومها . | < < # | الشعراء : ( 172 - 180 ) ثم دمرنا الآخرين # > > ^ ( ثم دمرنا الآخرين * وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين * إن ~~في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم * كذب ~~أصحاب الأيكة المرسلين * إذ قال لهم شعيب ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * ~~فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ~~) ^ } ) | ولما ذكر نجاته المفهمة لهلاكهم , صرح به على وجه هوله بأداة ~~التراخي لما علم غير مرة أنه كان عقب خروجه , لم يتخلل بينهما مهلة فقال : ~~{ ثم دمرنا } أي أهلكنا هلاكا بغتة صلبا اصم في غاية النكد , وما أحسن ~~التعبير عنهم بلفظ { الآخرين * } لإفهام تأخرهم من كل وجه . | ولما كلان ~~معنى { دمرنا } : حكمنا بتدميرهمن عطف عليه قوله : { وأمطرنا } ودل على ~~العذاب بتعديته ب ( على ) فقال : { عليهم مطرا } أي وأي مطر , ولذلك سبب ~~عنه قوله : { فساء مطر المنذرين * } أي ما اسوأ مطر الذين خوفهم لوط عليه ~~السلام بما أشار إليه إنكاره وتعبيره بالتقوى والعدوان . | ولما كان في جري ~~المكذبين والمصدقين على نظام واحد من الهلاك النجاة أعظم عبرة وأكبر موعظة ~~, أشار إلى ذلك بقوله : { إن في ذلك لآية } أي دلالة عظيمة على صدق الرسل ~~في جميع ترغبيهم وترهيبهم وتبشيرهم وتحذيرهم . | PageV05P385 ولما كان من ~~أتى بعد هذه الأمم كقريش ومن تقدمهم قد علموا أخبارهم , وضموا إلى بعض ~~الأخبار نظر الديار , والتوسم في الآثار قال معجبا ن حالهم في ضلالهم : { ~~وما } اي والحال أنه ما { كان أكثرهم مؤمنين * } . | ولما كان في ذلك إشارة ~~إلى الإنذار بمثل ما حل بهم من الدمار , اتبعه التصيح بالتخويف والإطماع ~~فقال : { وإن ربك لهو } اي وحده { العزيز } أي في بطشه بأعدائه ms3486 { الرحيم * ~~} في لطفه بأوليائه , ورفقه بأعدائه بإرسال الرسل , وبيان كل مشكل ؛ ثم وصل ~~بذلك دليلهن فقال مذكرا الفعل لشدة كفرهم بدليل ما يأتي من إثبات الواو في ~~{ وما أنت إلا بشر مثلنا } : { كذب أصحاب لئيكة } أي الغيضة ذات الأرض ~~الجيدة التي تبتلع الماء فتنبت الشجر الكثير الملتف { المرسلين * } ~~لتكذيبهم شعيبا عليه السلام فيما أتى به من المعجزة السماوية في خرق العادة ~~وعجز المتحدين بها عن مقاومتها - لبقية المعجزات الآتي بها الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام { إذ قال لهم } . | ولما كانوا أهل بدو وكان هو عليه السلام ~~قرويا , قال : { شعيب } ولم يقل : أخوهم , إشارة إلى أنه لم يرسل نبيا إلا ~~من أهل القرى , تشريفا لهم لأن البركة والحكمة في الاجتماعن ولذلك نهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن التعرب بعد الهجرة , وقال : ( من يرد الله به ~~خيرا ينقله من البادية إلى الحاضرة ) { ألا تتقون * } اي تكونون من أهل ~~التقو , وهو مخافة من الله سبحانه وتعالى . | ولما كان كأنه قيل : ما لك ~~ولهذا ؟ قال : { إني } واشار إلى تبشيرهم إن أطاعوه بقوله : { لكم رسول } ~~أي من الله , فهو أمرني أن أقول لكم ذلك { أمين * } أي لا غش عندي ولا خداع ~~ولا خيانه , فلذلك ابلغ جميع ما ارسلت به , ولذلك سبب عنه قوله : { فاتقوا ~~الله } أي المستحق لجميع العظمة , وهوالمحسن إليكم بهذه الغيضة وغيرها { ~~وأطيعون * } اي لما ثبت من نصحي . | ولا قدم ما هو المقصودبالذات . | عطف ~~على خبر { إن } قوله : { وما أسئلكم عليه من أجر } نفيا لما ينفر عنه ؛ ثم ~~زاد في البراءة مما يوكس من الطمع في أحد من الخلق فقال : { إن } اي ما { ~~أجري إلا على رب العالمين * } اي المحسن غلى الخلائق كلهم , فأنا لا أرجوا ~~أبدا أحدا يحتاج إلى الإحسان إليه , وإنما أعلق أملي بالمحسن الذي ~~PageV05P386 لا يحتاج إلى أحد وكل أحد سائل من رفده , وآخذ من عنده ولقد ~~اتضح أن الرسل متطابقون في الدعوة في الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص في ~~العبادة , مع النصح والعفة , والأمانة والخشية والمحبسة . | < < # | الشعراء : ( 181 - 189 ) أوفوا ms3487 الكيل ولا . . . . . # > > ^ ( أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين * وزنوا بالقسطاس المستقيم * ~~ولا تبخسوا الناس أشيآءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين * واتقوا الذي خلقكم ~~والجبلة الأولين * قالوا إنمآ أنت من المسحرين * ومآ أنت إلا بشر مثلنا وإن ~~نظنك لمن الكاذبين * فأسقط علينا كسفا من السمآء إن كنت من الصادقين * قال ~~ربي أعلم بما تعملون * فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم ~~) ^ } ) | ولما كان كأنه قيل : ما الذي تنعى فيه ؟ قال : مبينا أن داءهم حب ~~المال , المفصي لهم إلى سوء الحال , { أوفوا الكيل } أي أتموه إتماما لا ~~شبهة فيه إذا كلتم كما توفونه إذا اكتلتم لأنفسكم . | ولما أمرهم بالإيفاء ~~نهاهم عن النقص على وجه أعلم فقال : { ولا تكونوا } أي كونا هو كالجبلة , ~~ولعله إشارة إلى ما يعرض من نحو ذلك من الخواطر أو الهيئات التي يغلب ~~الإنسان فيها الطبع ثم يرجع عنها رجوعا يمحوها , ولذلك قال : { من المخسرين ~~* } أي الذين يخسرون - أي ينقصون - أنفسهم أديانها بإخسار الناس دنياهم ~~بنقص الكيل أو غيره من أنواع النقص من كل ما يوجب الغبن , فتكونوا مشهورين ~~بذلك بين من يفعله . | ولما أمر بوفاء الكيل , أتبعه بمثل ذلك في الوزن , ~~ولم يجمعهما لما للتفريق من التعريف بمزيد الاهتمام فقال : { وزنوا } أي ~~لأنفسكم وغيركم { بالقسطاس } اي الميزان الأقوم ؛ وأكد معناه بقوله : { ~~المستقيم * } . | ولما أمر بالوفاء في الوزن , اتبعه نهيا عن تركه عاما كما ~~فعل في الكيل ليكون آكد فقال : { ولا تبخسوا } أي تنقصوا { الناس اشياءهم } ~~أي في كيل أو وزن أو غيرهما نقصا يكون كالسبخة لا فائدة فيه . | ثم أتبع ~~ذلك بما هو أعم منه فقال : { ولا تعثوا } أي تتصرفوا { في الأرض } عن غير ~~تأمل حال كونكم { مفسدين * } أي في المال أو غيره , قاصدين بذلك الإفساد - ~~كما تقدم بيانه في سورة هود عليه السلام . | ولما وعظهم فابلغ في وعظهم بما ~~ختمه بالنهي عن الفساد , خوفهم من سطوات الله تعالى ما أحل بمن هو أعظم ~~منهم فقال : { واتقوا الذي خلقكم } اي فإعدامكم أهون شيء عليه , وأشار ms3488 إلى ~~ضعفهم وقوة من كان قبلهم بقوله : { والجبلة } أي الجماعة والأمة { الأولين ~~* } الذين كانوا على خلقه وطبيعة عظيمة كأنها الجبال قوة وصلابة لا ~~PageV05P387 سيما قوم هود عليه السلام الذين هم عرب مثلكمن وقد بلغت بهم ~~الشدة في أبدانهم , والصلابة في جميع أركانهم , إلى أن قالوا < # > 77 ( { من أشد منا قوة } ) 77 < # > [ فصلت : 15 ] وقد بلغكم ما أنزل بهم سبحانه من بأسه , لأن العرب أعلم ~~الناس بأخبارهم . | ولما كان الحاصل ما مضى الإعلام بالرسالة , والتحذير من ~~المخالفة , لأنها تؤدي إلى الضلالة إلى أن ختم ذلك بالإشارة بالتعبير ~~بالجبلة إلى أن عذابه تعالى عظيم , لا يستعصي عليه صغير ولا كبير , أجابوه ~~بالقدح في الرسالة أولا , وباستصغار الوعيد ثانيا , بأن { قالوا إنما أ , ت ~~م المسحرين * } أي الذين كرر سحرهم مرة بعد أخرى حتى اختبلوا , فصار كلامهم ~~على غير نظام , أو من المعللين بالطعام والشراب كما مضى في صالح عليه ~~السلام , أي فأنت بعيد من الصلاحية للرسالة : ثم اشاروا إلى عدم صلاحية ~~البشر مطلقا لها ولو كانوا أعقل الناس وابعدهم عن الآفة بقولهم , عاطفين ~~بالواو إشارة إلى عراقته فيما وصفوه به من جهة السحر والسحر , وأنه لا فرق ~~بينه وبينهم : { وما أنت إلا بشر مثلنا } أي فلا وجه لتخصيصك عنا بذلك , ~~والدليل على أن عطف ذلك ابلغ من إتباعه من غير عطف جزمهم بظن كذبه في قولهم ~~؛ { وإن } أي وإنا { نظنك لمن الكاذبين * } أي العرقين في الكذب - هذا مذهب ~~البصرين في أن { إن } مخففة من الثقيلة , والذي يقتضيه السياق ترجح مذهب ~~الكوفيين هنا البصريين في أن { إن } نافية , فإنهم أرادوا بإثبات الواو في ~~{ وما } المبالغة في نفي إرساله بتعداد ما ينافيه , فيكون مرادهم أنه ليس ~~لنا ظن يتوجه إلى غير كذب , وهو أبلغ من إثبات الظن به , ويؤيده تسبيبهم ~~عنه سؤاله استهزاء به وتعجيزا له إنزال العذاب بخلاف ما تقدم عن قوم صالح ~~عليه السلام , فقالوا : { فأسقط علينا كسفا } بإسكان السين على قراءة ~~الجماعة وفتحها في رواية حفص , وكلاهما جمع كسفة , اي قطعا ms3489 { من السماء } ~~أي سحاب , أو الحقيقة , وهذا الطلب لتصميمهم على التكذيب , ولو كان فيهم ~~ادنى ميل إلى التصديق لما أخطروه ببالهم فضلا عن طلبه ولا سيما كونه على ~~وجخ التهكم , ولذلك قالوا : { إن كنت } أي كونا هو لك كالجبلة { من ~~الصادقين * } أي العريقين في الصدق , المشهورين فيما بين أهله , لنصدقك ~~فيما لزم من أمرك لنا باتخاذ الوقاية من العذاب من التهديد بالعذاب , وما ~~أحسن نظره إلى تهديده لهم بما لله عليهم من القدرة في خلقهم وخلق من كانوا ~~أشد منهم قوة وإهلاكهم بأنواع العذاب لما عصوه بتكذيب رسله . | ولما كان ~~عذاب العاصي يتوقف على العلم المحيط بأعماله , والقدرة على نكاله , استأنف ~~تعالى الحكاية عنه في تنبيهه لهم على ذلك بقوله : { قال } مشيرا إلى أنه لا ~~شيء من ذلك إلا إلى من أرسله , وهو متصف بكلا الوصفين , وأما هو فإنه وإن ~~كان PageV05P388 عالما فهو قاصر العلم فهو غير قادر : { ربي أعلم } أي مني ~~{ بما تعملون * } لأنه محيط العلم فهو شامل القدرة , فهو يعلم استحقاقكم ~~للعذاب , ومقدار ما تستحقون منه ووقت إنزاله , فإن شاء عذبكم , وأما أنا ~~فليس علي إلا البلاغ وأنا مأمور به , فلم أخوفكم من نفسي ولا ادعيت قدرة ~~على عذابكم , فطلبكم ذلك مني ظلم منكم مضموم إلى ظلمكم بالتكذيب . | ولما ~~كان محط كلامهم كله على تكذيبهم له من غير قدح في قدرة الخالق , سبب العذاب ~~عن تكذيبهم فقال : { فكذبوه } أي استمروا على تكذيبه { فأخذهم } أي أخذ ~~ملاك { عذاب يوم الظلة } وهي سحابة على نحو ما طلبوا من قطع السماء , أتتهم ~~بعد حر شديد نالهم حتى من الأسراب في داخل الأرض أشد مما نالهم من خارجها ~~ليعلم أن لا فاعل إلا الله , وأنه يتصرف كيف شاء على مقتضى العادة وغير ~~مقتضاها فوجدوا من تلك الظلة نسيما باردا , وروحا طيبا , فاجتمعوا تحتها ~~استرواحا إليها واستظلالا بها , فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا بنحو مما ~~اقترحوا وأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا , فنفذت فيهم سهام القدرة . | ولم ~~يجدوا من دونها وقاية ولا سترة من ms3490 غير أن تدعو حاجة إلى سقوط شيء من جرم ~~السماء , ولا بما دونها من العماء . | ولما كان الحال موجبا للسؤال عن يوم ~~الظلة , قال تعالى مهولا لأمره ومعظما لقدره : { إنه كان } فأكد ب ( إن ) ~~وعطم ب ( كان ) { عذاب يوم عظيم * } وزاده عظما بنسبته إلى اليوم فصار له ~~من الهول , ببديع هذا القول , ما تجب له القلوب وتعظم الكروب . | < < # | الشعراء : ( 190 - 199 ) إن في ذلك . . . . . # > > ^ ( إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم * وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون ~~من المنذرين * بلسان عربي مبين * وإنه لفي زبر الأولين * أو لم يكن لهم آية ~~أن يعلمه علماء بني إسرائيل * ولو نزلناه على بعض الأعجمين * فقرأه عليهم ~~ما كانوا به مؤمنين ) ^ } ) | ولما كان لتوالي الأخبار بإهلاك هذه القرون , ~~وإبادة من ذكر من تلك الأمم , من الرعب ما لا يبلغ وصفه , ولا يمكن لغيره ~~سبحانه شرحه , قال تعالى مشيرا إليه تحذيرا من مثله : { إن في ذلك } أي ~~الأمر العظيم من الإنجاء المطرد لكل رسول ومن أطاعه , والأخذ المطرد لمن ~~عصاه في كل عصر بكل قطر , بحث لا يشذ من الفريقين إنسان قاص ولا دان { لآية ~~} اي لدلالة واضحة عظيمة على صدق الرسل وأن يكونوا جديرين بتصديق العباد ~~لهم في جميع ما قالوا من البشائر والنذائر بأن الله تعالى يهلك من عصاه , ~~وينجي من والاه , لأنه الفعال المختار , لا مانع له , ولا سيما أنت وأنت ~~أعظمهم منزلة , وأكرمهم رتبة , ولا سيما وقد أتيت قومك بما لا يكون معه شك ~~لو لم يكن لهم PageV05P389 بك معرفة قبل ذلك , فكيف وهم عارفون بأنك كنت ~~قبل الرسالة أصقهم لهجة , واعظمهم أمانة , وأغزرهم عقلا , وأوضحهم نبلا , ~~وأعلاهم همة , وابعدهم عن كل دنس - وإن قل - ساحة ؛ ثم عجب من توقفهم في ~~الإيمان مع ما عرفوا من صدق نبيهم وطهارة أخلاقه , ووفور شفقته عليهم , ولم ~~يخافوا من مثب ما تحقفوه من إهلاك هذه الأمم فقال : { وما كان أكثرهم } أي ~~أكثر قومك ms3491 كما كان من قبلهم مع رؤية هذه الآيات , وإحلال المثلات حتى ~~لكأنهم تواصوا بذلك { مؤمنين * } أي عريقين في الإيمان , بل ما يؤمنون إلا ~~وهو مشركون . | ولما كان هذا كله تأسية للداعي صلى الله عليه وسلم , ~~وتهديدا لمن تمادى على تكذيبه , وترجية لمن رجع عن ذنوبه , اشار إلى ذلك ~~بقوله : { وإن ربك } أي المحسن إليك بكل ما يعلي شأنك , ويوضح برهانك { لهو ~~العزيز } فلا يعجزه أحد , ولا ينسب في إمهال عاص إلى إهمال ولا عجز { ~~الرحيم * } فلا يأخذ إلا بعد تجاوز الحد , واليأس عن الرد , مع البيان ~~الشافي , في الإبلاغ الوافي , والتلطف الكافي , وكرر الختام بهذا الكلام في ~~هذه السورة ثماني مرات فلعل من أسراره الإشارة إلى سبق الرحمة للغضب , لأن ~~من السورة - المفتتحة بالكتاب القيم والعبد الكامل بالإضافة إلى الملك ~~الأعظم اللذين هما رحمة الخالق للخلائق , وذكر فيها مع تقديمها في الترهيب ~~أهل الرحمة من أهل الكهف الذين قالوا { هب لنا من لدنك رحمة } وموسى والخضر ~~عليهما السلام اللذين آتى كلا منهما من لدنه رحمة , وذا القرنين الذي آتاه ~~من كل شيء سببا فأتبع سببا وقال { هذا رحمة من ربي } - إلى سورة الرحمة ~~بإنزال الفرقان على عبده المضاف إليه للإنذار المؤذن بصفة العزة - ثماني ~~سور , فكل منهما ثامنة الأخرى , وافتتحت السورة الوالية للفرقان تفصيلا لما ~~في أول الكهف بقوله : { لعلك باخع نفسك } وبذكر ما على الأرض نم زينة { ألم ~~يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم } كل ذلك تذكيرا بما في تلك ~~من الكتاب الجامع بالرحمة , وتحذيرا مما في القرآن من الإنذار الفارق ~~بالعزة , فلما كان ذلك كررت صفتا العز التي أذنت بها الفرقان , والرحمة ~~التي صرحت بها الكهف ثماني مرات بحسب ذلك العدد , تذكيرا بهذا المعنى ~~البديع , وترغيبا وترهيبا وتذكيرا بأبواب الرحمة الثمانية مع ما لختم القصص ~~بذلك من الروعة في النفس , والهيبة في القلب , والأنس البالغ للروح , وقدمت ~~هنا صفة العزة الناظرة للإنذار بالفرقان على طريق النشر المشوش مع ما اقتض ~~ذلك من الحال هنا ms3492 وجعلت القصص سبعا تحذيرا من أبواب النقمة السبعة - إلىغير ~~ذلك من الأسرار التي لا تسعها الأفكار . | ولما كانت آثار هذه القصص آيات ~~مرئيات , والإخبار بها آيات مسموعات , وكان PageV05P390 في إطراد إهلاك ~~العاصي وإنجاء الطائع في كل منهما , على تباعد الأعصار , وتناهي الأقطار , ~~واختلاف الديار , أعظم دليل على صدق الرسل , وتقرير الرسالات لتوافقهم في ~~الدعوة إلى الله , وتواردهم على التوحيد , والعدل مع العزوف عن الدنيا التي ~~هي شر محض , والإقبال على الآخرة التي هي خير صرف , والتحلي بما أطبق ~~العباد على أنه معالي الأخلاق , ومحاسن الأعمال , والتخلي عن جميع الدنايا ~~, والتنزه عن كل نقص , عطف على قوله أوب السورة { وما يأتيهم من ذكر } - ~~الآية الإخبار برسالة محمد صلى الله عليه وسلم , إشارة إلى ما في الأخبار ~~عن آثار هذه القصص بالآيات المسموعات من عظيم الدلالات على رسالته صلى الله ~~عليم وسلم بما فيها من الإعجاز من جهة التركيب والترتيب وغير ذلك من عجيب ~~الأساليب الذي لم تؤته أمة من الأمم السالفات , ومن جهة أن الآتي بتلك ~~القصص الغريبة , والأنباء البديعة العجيبة , أمي لم يخالط عالما مع شدة ~~ملاءمة القرآن , ومن أنه الظلة الجامعة للخير , والفسطاط الدافع لكل ضير , ~~فقال ردا للمقطع على المطلع : { وإنه } أي الذكر الذي أتاهم بهذه الأخبار ~~وهم عنه معرضون وله تاركون { لتنزيل رب العالمين * } أي الذي رباهم بشمول ~~علمه , وعظيم قدرته , بما يعجز عن أقل شيء منه غيره لكونه أتاهم بالحق منها ~~على لسان من لم يخالط عالما قط , ومع أنه سبحانه غذاهم بنعمته , ودبرهم ~~بحكمته , فاقتضت حكمته أن يكون هذا الذكر جامعا لكونه ختاما , وأن يكون ~~معجزا لكونه تماما , ونزله على حسب التدريج شيئا فشيئا . | مكررا فيه ذكر ~~القصص سابقا في كل سورة منها ما يناسب المقصود من تلك السورةن معبرا عما ~~يسوقه منها بما يلائم الغرض من ذلك السياق مع مراعاة الواقع , ومطابقة ~~الكائن . | ولما كان الحال مقتضيا لأن يقال / من أتى بهذا المقال , عن ذي ~~الجلال ؟ قال : { نزل به } أي نجوما على سبيل التدريج ms3493 من الأفق الأعلى الذي ~~هو محل البركات , وعبر عن جبرائيل عليه السلام بقوله : { الروح } دلالة على ~~أنه مادة خير , وأن الأرواح تجيء بما ينزله من ا لهدى , وقال : { الأمين * ~~} إشارة إلى كونه معصوما من كل دنس , فلا يمكن منه خيانة { على قلبك } أي ~~محمدا الذي هو أشرف الققلوب وأعلاها , وأضبطها وأوعاها , فلا زيغ فيه ولا ~~عوج , حتى صار خلقا له , وفي أسقاط الواسطة إشارة غلى أنه - لشدة إلقائه ~~السمع وإحضاره الحس - يصي في تمكنه منه بحيث يحفظه فلا ينسن ويفهمه حق فهمه ~~فلا يخفى , فدخوله إلى القلب في غاية السهولة حتى كأنه وصل إليه بغير واسطة ~~السمع عكس ما يأتي عن المجرمين , وهكذا كل من وعى شيئا غاية الوعي حفظه كل ~~الحفظ , انظر إلى قوله تعالى < # > 77 ( { ولا تعجل بالقرآن من قبل PageV05P391 أن يقضي إليك وحيه وقل رب ~~زدني علم } ) 77 < # > [ طه : 114 ] < # > 77 ( { لا تحرك به لسانك لتعجل به } ) 77 < # > [ القيامة : 16 ] . | ولما كان السياق في هذه السورة للتحذير , قال ~~معللا للجملة التي قبله : { لتكون من المنذرين * } أي المحذرين لمن أعرض عن ~~الإيمان , وفعل ما نهى عنه من العصيان . | ولما كان القد من السورة التسلية ~~عن عدم إيمانهم بأنه لسفول شأنهم , لا لخلل في بيانة , ولا لنقص في شأنه , ~~قال تعالى موضحا لتمكنه من قبله : { بلسان عربي } . | ولما كان في العربي ~~ما هو حوشي لفظا أو تركيبا , مشكل على كثير من العرب , قال : { مبين * } أي ~~بين في نفسه كاشف لما يراد منه غير تارك لبسا عند من تدبره حق تدبره على ما ~~يتارفه العرب في مخاطبتها , من سائر لغاتها , بحقائقها ومجازاتها على اتساع ~~إراداتها , وتباعد مراميها في محاوراتها , وحسن مقاصدها في كناياتها ~~واستعارتها , ومن يحيط بذلك حق الإحاطة غير العليم الحكيم الخبير البصير , ~~وإنما كانت عربيته وإبانته موضحة لسبقه قلبه , لأن من تكلم بلغته - فكيف ~~بالبين منها - تسبق المعاني الألفاظ إلى قلبه , فلو كان أعجميا لكان نازلا ~~على السمع , لأنه يسمع أجراس روف لا يفهم معانيها ؛ قال الكشاف : وقد ms3494 يكون ~~الرجل عارفا بعدة لغات , فإذا كلم بلغته التي لقنها أولا ونشأ عليها وتطبع ~~بها لم يكن قلبه إلا إلى المعاني , ولا يكاد يفطن للألفاظ , وإن كلم بغيرها ~~وإن كان ماهرا فيها كان نظره أولا في ألفاظها ثم في معانيها - انتى . | ~~ففيه تقريع عظيم لمن يعرف لسان العرب ولا يؤمن به . | ولما كان الاستكثار ~~من الأدلة مما يسكن النفوس , وتطمئن به القلوب , قال تعالى : { وإنه } اي ~~هذا القرآن أصوله وكثير من قصصه وأمهات فروعه { لفي زبر } أي كتب { الأولين ~~* } المضبوطة الظاهرة في كونها أتت من السماء إلى أهلها الذين سكنت النفوس ~~إلى أنه أتتهم رسل , وشرعت لهم شرائع نزلت عليهم بها كتب من غير أن يخالط ~~هذا الذي جاء به أحدا منهم أو من غيرهم في علم ما , وكان ذلك دليلا قاطعا ~~على أنه ما أتاه به إلا الله تعالى . | ولما كان التقدير : ألم يكن لهم ~~أمارة على صدق ذلك أن يطلبوا تلك الزبر فينظروا فيذقوا ذلك منها ليضلوا إلى ~~حق اليقين ؟ عطف عليه قوله : { أولم يكن لهم } . | ولما كان هذا الأسلوب ~~الاستدلال , اقتضى تقديم الخبر على الاسم في قراءة الجمهور بالتذكير والنصب ~~, فقال بعد تقديم لما اقتضاه من الحال : { آية } أي علامة PageV05P392 على ~~النسبة إلينا ؛ ثم اتبع ذلك الاسم محلولا إلى أن والفعل لأنه أخص وأعرف ~~وأوضح من ذكر المصدر , فقال : { أن يعلمه } أي هذا الذي أتى به نبينا من ~~عندنا ؛ وأنث ابن عامر الفعل ورفع { آية } اسما وأخبر عنها بأن والفعل { ~~علماء بني إسرائيل * } فيقروا به ولا ينكروه ليؤمنوا به ولا يهجروه , فإن ~~قريشا كانوا كثيرا ما يرجعون إليهم ويعولون في الأخبار الإلهية عليهم , فإن ~~كثيرا منهم أسلم وذكر تصديق التوارة والإنجيل والزبور وغيرها من أسفار ~~الأنبياء عليهم السلام للقرآن في صفة النبي صلى الله عليه وسلم , وفي ذلك ~~ما يؤيد صدقه , ويحقق أمره , وقد عربت الكتب المذكورة بعد ذلك , وأخرج منها ~~علماء الإسلام كثيرا مما أهملوه حجة عليهم , ولا فرق في ذلك بين من أسلم ~~منهم وبين ms3495 غيرهم , فإنها حين نزول القرآن كان التبديل قد وقع فيها بإخبار ~~الله تعالى , وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن أهل مكة بعثوا إلى اليهود ~~يسألونهم عن محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : هذا زمانه , وإنا لنجد في ~~التوراة صفته , فكان ذلك ملزما لهم بإخبار الله تعالى , وكذلك كل ما استخرج ~~من الكتب يكون حجة على أهلها . | ولما كان التقدير : لم يروا شيئا من ذلك ~~آية ولاآمنوا , عطف عليه أو على قوله تعالى أول سورة { فقد كذبوا } الآية : ~~{ ولو نزلناه } أي على ما هو عليه من الحكمة والإعجاز بما لنا من العظمة { ~~على بعض الأعجمين * } الذين لا يعرفون شيئا من لسان العرب من البهائم أو ~~الآدميين , جمع أعجم , وهو من لا يفصح وفي لسانه عجمة , والأعجمي مثله ~~بزيادة تأكيد ياء النسبة { فقرأه عليهم } اي ذلك الذي نزلناه عليه على ما ~~هو عليه من الفصاحة والإعجاز مع علمهم القطعي أنه لا يعرف شيئا من اللسان { ~~ما كانوا به مؤمنين * } أي راسخين ولتمحلوا لكفرهم عذرا في تسميته سحرا أو ~~غير ذلك من تعنتهم { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهو مشركون } من فرط عنادهم ~~, وتهيئهم للشر واستعدادهم له , بل لا يسمعونه حق السماع , ولا يعونه حق ~~الوعي , بل سماعا وفهما على غير وجهه . | < < # | الشعراء : ( 200 - 210 ) كذلك سلكناه في . . . . . # > > ^ ( كذلك سلكناه في قلوب المجرمين * لا يؤمنون به حتى يروا العذاب ~~الأليم * فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون * فيقولوا هل نحن منظرون * أفبعذابنا ~~يستعجلون * أفرأيت إن متعناهم سنين * ثم جآءهم ما كانوا يوعدون * مآ أغنى ~~عنهم ما كانوا يمتعون * ومآ أهلكنا من قرية إلا لها منذرون * ذكرى وما كنا ~~ظالمين * وما تنزلت به الشياطين ) ^ } ) | ولما كان ذلك محل عجب , وكان ~~ربما ظن له أن الأمر على غير حقيقته , قرر PageV05P393 مضمونه وحققه بقوله ~~: { كذلك } أي مثل هذا السلكالعجيب - الذي هو سماع وفهم ظاهري - في صعوبة ~~مدخله وضيق مدرجه . | ولما لم يكن السياق مقتضيا لما اقتضاه سياق الحجر من ~~التأكيد , اكتفى بمجرد الحدوث فقال : { سلكناه } أي كلامنا ms3496 والحق الذي ~~ارسلنا به رسلنا بما لنا من العظمة , في قلوبهم - هكذا كان الأصل , ولكنه ~~علق الحكم بالوصفن وعم كل زمن وكل من اتصف به فقال : { في قلوب المجرمين * ~~} أي الذين طبعناهم على الإجرام , وهو القطيعة لما ينبغي وصله , كما ينظم ~~السهم إذا رمي به , أو الرمح إذا طعن به في القلب , لا يتسع له , ولا ينشرح ~~به , بل تراه ضيقا حرجا . | ولما كان هذا المعنى خفيا , بينه بقوله : { لا ~~يؤمنون به } أي من أجل ما جبلوا عليه من الإجرام , وجعل على قلوبهم من ~~الطبع والختام { حتى يروا العذاب الأليم * } فحينئذ يؤمنون حيث لا ينفعهم ~~الإيمان ويطلبون الأمان حيث لا أمان . | ولما كان إتيان الشر فجاءة أشد . | ~~وكان أخذه لهم عقب رؤيتهم له من غير مهلة يحصل فيها نوع استعداد أصلا , دل ~~علىذلك مصورا لحاله بقوله دالا بالفاء على الأشدية والتعقيب : { فيأتيهم ~~بغتة } . | ولما كان البغت الإتيان على غفلة , حقق ذلك نافيا للتجوز بقوله ~~: { وهم لا يشعرون * } ودل على تطاوله في محالهم , وجوسه لخلالهم , وتردده ~~في حلالهم , بقوله دالا على ما هو أشد عليهم من المفاجأة بالإهلاك : { ~~فيقولوا } أي تأسفا واستسلاما وتلهفا في تلك الحالة لعلمهم بأنه لا طاقة به ~~بوجه : { هل نحن منظرون * } أي مفسوح لنا في آجالنا لنسمع ونطيع . | ولما ~~حقق أن حالهم عند الأخذ الجؤار بالذل والصفار به , تسبب عنه ما يستحقون ~~باستعجاله من الإنكار في قوله , منبها على أن قدره يفوق الزصف بنون العظمة ~~: { أفبعذابنا } أي وقد تبين لهم كيف كان أخذه للأمم الماضية , والقرون ~~الخالية , والأقوام العاتية ! { يستعجلون * } أي بقولهم : أمطر علينا حجارة ~~من السماء , أسقط السماء علينا كسفا , ائت بالله والملائكة قبيلا , كما قال ~~هؤلاء الذين قصصنا أمرهم , وتلونا ذكرهم { فأسقط علينا كسفا من السماء } ~~ونحو ذلك . | ولما تصورت حالة مآبهم , في أخذهم بعذابهم , وكان استعجالهم ~~به يتضمن الاستخفاف والتكذيب والوثوق بأنهم ممتعون , وتعلق آمالهم بأن ~~تمتيعهم بطول زمانه , وكان من يؤذونه يتمنى لو عجل لهم , سبب عن ذلك سبحانه ~~سؤال داعيهم مسليا PageV05P394 ومؤسيا ms3497 ومعزيا فقال : { أفرأيت } أي هب أن ~~الأمر كما يعتقدون من طول عيشهم في النعيم فأخبرني { إن متعناهم } أي في ~~الدنيا برغد العيش وصافي الحياة . | ولما كانت حياة الكافر في غاية الضيق ~~والنكد وإن كان في أصفى رغد , عبر بما يدل على القحط بصيغة القلة وإن كان ~~السياق يدل على أنها للكثرة فقال : { سنين ثم جاءهم } أي بعد تلك السنين ~~المتطاولة , والدهور المتواصلة { ما كانوا يوعدون * } أي مما طال إنذارك ~~إياهم بهه وتحذيرك لهم منه على غاية التقريب لهم والتمكين في إسماعهم , ~~أخبرني { ما } أي أي شيء { أغنى عنهم } أي فيما أخذهم من العذاب { ما كانوا ~~} أي كونا هو في غاية المكنة وطول الزمان { يمتعون * } تمتيعا هو في غاية ~~السهولة عندنا , وصورة بصورة الكائن تنديما عليه , والمعنى أنه ما أغنى ~~عنهم شيئا لأن عاقبته الهلاك , وزادهم بعدا من الله وعذابه بزيادة الاثام ~~الموجبة لشديد الانتقام . | ولما كان التقدير : لم يغن عنهم يئا لأنهم ما ~~أخذوا إلا بعد إنذار المنذرين , لمشافهتك إياهم به , وسماعهم لمثل ذلك عمن ~~مضى فبلهم من الرسل , عطف عليه قوله : { وما أهلكنا } أي بعظمتنا , واعلم ~~بالاستغراق بقوله : { من قرية } أي من القرى السالفة , بعذاب الاستئصال { ~~إلا لها منذرون * } رسولهم ومن تبعه من أمته ومن سمعوا من الرسل بأخبارهم ~~مع أممهم من قبل , واعراها من الواو لأن الحال لم يقتض التأكيد كما في ~~الحجر , لأن المنذرين مشاهدون . | وإذا تأملت آيات الموضعين ظهر لك ذلك ؛ ~~ثم علل افنذار بقوله : { ذكرى } أي تنبيها عظيما على ما فيه من النجاة , ~~وتذكيرا بأشياء يعرفونها بما أدت إليه فطر عقولهم , وقادت إليه بصائر ~~قلوبهم , وجعل المنذرين نفس الذكرى كما قال تعالى < # > 77 ( { قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا } ) 77 < # > [ الطلاق : 10 ] وذلك إشارة إلى إمعانهم في التذكير حتى صاروا إياه . | ~~ولما كان التقدير : فما أهلكنا قرية منها إلا بالحق , عطف عليه قوله : { ~~وما كنا } أو الواو للحال من نون { أهلكنا } { ظالمين * } أي في إهلاك شيء ~~منها لأنهم كفروا نعمتنا , وعبدوا غيرنا , بعد الإعذار إليهم ms3498 , ومتابعة ~~الحجج , ومواصلة الوعيد . | ولما أخبر سبحانه أن غاية إنزال هذا القرآن ~~كونه صلى الله عليه وسلم من المنذرين , وأتبع ذلك ما لاءمه حتى ختم بإهلاك ~~من كذب المنذرين , عطف على قوله : { نزل به الروح } قوله إعلاما بأن ~~العناية شديدة في هذا السياق بالقرآن لتقرير أنه من عند الله ونفى اللبس ~~عنه بقوله : { وما تنزلت به } أي القرآن { الشياطين * } أي ليكون سحرا أو ~~كهانة أو شعرا أو أضغاث أحلام كما يقولون . | PageV05P395 < < # | الشعراء : ( 211 - 219 ) وما ينبغي لهم . . . . . # > > ^ ( وما ينبغي لهم وما يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون * فلا تدع ~~مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين * وأنذر عشيرتك الأقربين * واخفض جناحك ~~لمن اتبعك من المؤمنين * فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون * وتوكل على ~~العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين ) ^ } ) | ولما ~~كان لا يلزم من عدم التلبس بالفعل عدم الصلاحية له قال : { وما ينبغي لهم } ~~أي ما يصح وما يتصور منهم النزول بشيء منه لأنه خير كله وبركة , وهم مادة ~~الشر والهلكة , فبينهما تمام اتباين , وأنت سكينة ونور , وهم زلزلة وثبور , ~~فلا إقبال لهم عليك , ولا سبيل بوجه إليك . | ولماكان عدم الانتفاء لا يلزم ~~منهم عدم القدرة قال : { وما يستطيعون * } أي النزوول به وإن اشتدت ~~معالجتهم على تقدير أن يكون لهم قابلية لذلك ؛ ثم علل هذا بقوله : { إنهم ~~عن السمع } أي الكامل الحق , من الملأ الأعلى { لمعزلون * } أي بما حفظت به ~~السماء من الشهب وبما باينوا به الملائكة في الحقيقة لأنهم خير صرف , ونور ~~خالص , وهؤلاء شر بحت وظلمة محضة , فلا يسمعون إلا خطفان فيصير - بما يسبق ~~إلى افهامهم , ويتصور من باب الخيال في أوهامهم - خلطا لا حقيقة لأكثره , ~~فلا وثوق بأغلبه , ولا يبعد أن يكون ذلك عاما حتى يشمل السماع من المؤمنين ~~لما شاركوا به الملائكة من النور والخير , انظر ما ورد في آية الكرسي من ~~أنها لا تقرأ في بيت فيقربه شيطان , وفي رواية : إلا خرج منه الشيطان , ~~وورد نحوه في الآيتين من آخر سورة البقرة ms3499 , وكذا ما كان من أشكال ذلك , ~~وأعظم منه قوله عليه الصلاة والسلام لعمر رضي الله عنه : ( إنه يل ابن ~~الخطاب والذي نفسي بيده ما رآك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك ) . ~~| وترك تعليل الانبغاء لظهوره . | ولما كان تقديره أنهم إلى الطواغيت ~~الباطلة يدعون , والقرآن داع إلى الله الحق المبين , سبب عنه قوله : { فلا ~~تدع } وخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام وهو أكرم الخلق لديه , وأعزهم عليه , ~~ليكون لطفا لغيره فيما يأتيه من الإنذار , فيكون الوعيد أزجر له , ويكون هو ~~له اقبل { مع الله } أي الحائز لكل كمال الداعي إليه هذا القرآن الذي نزل ~~به عليك الروح الأمين , لما بينك وبينهما من تمام النسبة بالنورانية والخير ~~{ إلها } وتقدم في آخر الفرقان حكمة الإتيان بقوله : { آخر فتكون } أي ~~فيتسبب عن ذلك أن تكون { من المعذبين * } من القادر على ما يريد بأيسر أمر ~~واسهله , وهذا الكلام لكل من سمع القرآن في الحث على تدبره معناه , ومقصده ~~ومغزاه , ليعلم أنه في غاية المباينة للشياطين وضلالهم , والملاءمة ~~للمقربين وأحوالهم , لعله خاطب به المعصوم , زيادة PageV05P396 في الحث على ~~أاتباع الهدى , وتجنب الردى , وليعطف عليه قوله : { وأنذر } أي بهذا القرآن ~~{ عشيرتك } أي قبيلتك { الأقربين * } أي الأدنين في النسب , ولا تحاب أحدا ~~, فإن المقصود الأعظم به النذارة لكف الخلائق عما يثمر الهلاك من اتباع ~~الشياطين الذين اجتالوهم عن دينهم بعد أن كانوا حنفاء كلهم , وإنذار ~~الأقربين يفهم الإنذار لغيرهم من باب الأولى , ويكسر من أنفة الأبعد ~~للمواجهة بما يكره , لأنه سلك به مسلك الأقرب , ولقد قام صلى الله عليه ~~وسلم بهذه الآية حق القيام ؛ روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ~~لما نزلت صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي : ( يا بني ~~فهر يا بني عدي ) لبطون - قريش حتى اجتمعوا , فجعل الرجل إذا لم يستطع أن ~~يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو , فجاء أبو لهب وقريش , فقال : ( أرأيتكم لو ~~أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ ) قالوا : نعم ! ~~ما ms3500 جربنا عليك إلا صدقا , قال : ( فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ) , ~~فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم , ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت { تبت يدا أبي ~~لهب وتب } وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( يا معشر قريش ! اشتروا ~~أنفسكم , لا أغني عنكم من الله شيئا , يابني عبد مناف ! لا أغني عنكم من ~~الله شيئا ! يا عباس بن عبد المطلب ! لا أغني عنك من الله شيئا , ويا صفية ~~عمة رسول الله ! لا أغني عنك من الله شيئا , ويا فاطمة بنت محمد ! سليني ما ~~شئت من مالي , لا أغني عنك من الله شيئا ) وروى القصة أبو يعلى عن الزبير ~~بن العوام رضي الله عنه أن قريشا جاءته فحذرهم وأنذرهم , فسألوه آيات ~~سليمان في الريح وداود في الجبال وموسى في البحر وعيسى في إحياء الموت , ~~وأن يسير الجبال , ويفجر الأنهار , ويجعل الصخر ذهبا , فأوحى الله إليه وهم ~~عنده , فلما سري عنه أخبرهم أنه أعطي ما سألوه , ولكنه أن اراهم فكفروا ~~عوجلوا . | فاختار صلى الله عليه وسلم الصبر عليهم ليدخلهم الله باب الرحمة ~~. | PageV05P397 ولما كانت النذارة إنما هي للمتولين , أمر بضدها لأضدادهم ~~فقال : { واخفض جناحك } أي لن غاية اللين , وذلك لأن الطائر إذا أراد أن ~~يرتفه رفع جناحيه , فإذا اراد أن ينحط كسرهما وخفضهما , فجعل ذلك مثلا في ~~التواضع { لمن اتبعك } ولعله احترز بالتعبير بصيغة الافتعال عن مثل أبي ~~طالب ممن لم يؤمن أو آمن ظاهرا وكان منافقا أو ضعيفا بالإيمان فاسقا ؛ وحقق ~~المراد بقوله : { من المؤمنين * } أي الذين صار الإيمان لهمصفة راسخة سواء ~~كانوا من الأقربين أو الأبعدين . | ولما أفهم ذلك أن هذا الحكم عام في جميع ~~أحوالهم , فصل بقوله : { فإن عصوك } أي هم فغيرهم من باب الأولى { فقل } اي ~~تاركا لكا كنت لما كنت تعاملهم به حال الإيمان من اللين : { إني بريء } أي ~~منفصل غاية الانفصال { مما تعملون * } أي من العصيان الذي أنذر منه القرآن ~~, وخص المؤمنين إعلاء لمقامهم , بالزيادة في إكرامهم , ليؤذن ذلك المزلزل ~~بالعلم بحاله فيحثه ذلك على اللحاق ms3501 بهم . | ولما أعلمت هذه الآية بمنابذة ~~من عصى ككائنا من كان ولو كان ممن ظهر منه الرسوخ في الإيمان , لما يرى منه ~~من عظيم الإذعان , أتبعه قوله : { وتوكل } أي في عصمتك ونجاتك والإقبال ~~بالمنذرين إلى الطاعة , وقراءة أهل المدينة والشام بالفاء السببية أدل على ~~ذلك { على العزيز } أي القادر على الدفع عنكم والانتقام منهم { الرحيم * } ~~اي المرجو لإكرام الجميع برفع المخالفة والشحناء , والإسعاد بالاستعمال ~~فيما يرضيه ؛ ثم أتبع الأمر بالتوكل الوصف بما يقتضي الكفاية في كل ما ينوب ~~من دفع الضر وجلب النفع , وذلك هو العلم المحيط المقتضي لجميع أوصاف الكمال ~~, فقال : { الذي يراك } اي بصرا وعلما { حين تقوم * } من نومك من فرشك ~~تاركا لحبك , لأجل رضا ربك { و } يرى { تقلبك } في الصلاة ساجدا وقائما { ~~في الساجدين * } اي المصلين من أتباعك المؤمنين , لكم دوي بالقرآن ادوي ~~النحل , وتضرع من خوف الله , ودعاء وزفرات تصاعد وبكاء , اي فهو جدير ~~لإقبالكم عليه , وخضوعكم بين يديه , بأن يحبوكم بكل ما يسركم . | < < # | الشعراء : ( 220 - 227 ) إنه هو السميع . . . . . # > > ^ ( إنه هو السميع العليم * هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل ~~على كل أفاك أثيم * يلقون السمع وأكثرهم كاذبون * والشعرآء يتبعهم الغاوون ~~* ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم ~~الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ) ^ } ) | PageV05P398 ولما كانت هذه الأحوال ~~مشتملة على الأقوال , وكان قد قدم الرؤية المتضمنة للعلم , علل ذلك ~~بالتصريح به مقرونا بالسمع فقال : { إنه هو } أي وحده { السميع } أي لجميع ~~أقوالكم { العليم * } أي بجميع ما تسرونه وتعلونونه من أعمالكم , وقد تقدم ~~غير مرة أن شمول العلم يستلزم تمام القدرة , فصار كأنه قال : إنه السميع ~~العليم البصير القدير , تثبيتا للمتوكل عليه . | ولما بين سبحانه أن القرآن ~~مناف لأقوال الشياطين , وبين أن حال النبي صلى الله عليه وسلم وحال أتباعه ~~منافية لأحوالهم وأحوال من يأتونه من الكهان بما ذكره سبحانه من فعله صلى ~~الله عليه وسلم وفعل أشياعه ms3502 رضي الله عنهم منالإقبال على الله , والإعراض ~~عما سواه , فعلم أن بينهم وبينهم بونا بعيدا , وفرقا كبيرا شديدا وأن حال ~~النبي صلى الله عليه وسلم موافق لحال الروح الأمين , النازل عليه بالذكر ~~الحكيم , تشوفت النفس إلى معرفة أحوال إخوان الشياطين , مقال محركا لمن ~~يريد ذلك , متمما لدفع اللبس عن كون القرآن من عند الله , وفرق بين الآيات ~~المتكلفة بذلك تطرية لذكرها وتنبيها على تأكيد أمرها : { هل أنبئكم } أي ~~أخبركم خبرا جليلا نافعا في الدين , عظيم الجدوى في الفرقان بين أولياء ~~الرحمن وإخوان الشيطان { على من تنزل } وتردد { الشياطين * } حين تسترق ~~السمع على ضرب من الخفاء بما آذن به حذف التاء , ودخل حرف الجر على الاسم ~~المتضمن للاستفهام , لأن معنى التضمن أنه كان أصله : أمن , فحذفت منه ~~الهمزة حذفا مستمرا كما فعل في ( هل ) لأن أصله ( أهل ) كما قال : | سائل ~~يربوع بشدتنا أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم | فالاستفهام مقدر الجار - ~~أفاده الزمخشري . | ولما كان كأنه قيل : نعم أنبئنا ! قال : { تنزل } على ~~سبيل التدريج والتردد { على كل افاك } أي صراف - على جهة الكثرة والمبالغة ~~- للأمور عن وجوهها بالكذب والبهتان , والخداع والعدوان , من جملة الكهان ~~وأخذان الجان { أثيم * } فعال االآثام بغاية جهده , وهؤلاء الأثمة { يلقون ~~السمع } إلى الشياطين , ويصغون إليهم غاية الإصغاء , لما بينهما من التعاشق ~~بجامع إلقاء الكذب من غير اكتراث ولا تحاش , أو يلقي الشياطين ما يسمعونه ~~مما يسترقون استماعه من الملائكة إلى أوليائهم , فهم بما سمعوا منهم يحدثون ~~, وبما زينت لهم نفوسهم يخلطون { وأكثرهم } أي الفريقين { كاذبون * } فيما ~~ينقلونه عما يسمعونه من الإخبار بما حصل فيما وصل إليهم من التخليط , وما ~~زادوه من الافتراء والتخبيط انهماكا في شهوة علم المغيبات , الموقع في ~~الإفك والضلالات ؛ قال الرازي في اللوامع ما معناه أنه حيثما كان استقامة ~~في حال PageV05P399 الخيال - أي القوة المتخيلة - كانت منزلة الملاءكة , ~~وحيثما كان اعوجاج في حال الخيال كان منزل الشياطين , فمن ناسب الروحانيين ~~من الملائكة كان مهبطهم عليه , وظهورهم له , وتأثيرهم فيه , وتمثلهم به , ~~حتى إذا ظهروا ms3503 عليه تلكم بكلامهم وتكلموا بلسانه , ورأى بابصارهم وابصروا ~~بعينيه , فهم ملائكة يمشون على الأرض مطمئنين < # > 77 ( { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة } ) ~~77 < # > [ فصلت : 30 ] ومن ناسب الشياطين من الأبالسة كان مهبطهم عليه , ~~وظهورهم بلسانه , ورأى بأبصارهم وابصروا بعينيه , هم شياطين الإنس يمشون في ~~الأرض مفسدين - انتهى . | ولما بطل - بإبعاده عن دركات الشياطين , وإصعاده ~~إلى درجات الروحانيين , من الملائكة المقربين , الآتين عن رب العالمين - ~~كونه سحرا , وكونه أضغاثا ومفترى , نفى سبحانه كونه شعرا بقوله : { ~~والشعراء يتبعهم } أي بغاية الجهد , في قراءة غير نافع بالتشديد , لاستحسان ~~مقالهم وفعالهم , فيتعلمون منهم وينقلون عنهم { الغاوون * } أي الضالون ~~المائلون عن السنن الأقوم إلى الزنى والفحش وكل فساد يجر إلى الهلاك , وهم ~~كما ترى بعيدون من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم الساجدين ~~الباكين الزاهدين . | ولما قرر حال أتباعهم , فعلم منه أنهم هم أغوى منهم , ~~لتهتكهم في شهوة اللقلقة باللسان , حتى حسن لهم الزور والبهتان , دل على ~~ذلك بقوله : { ألم تر أنهم } أي الشعراء . | ومثل حالهم بقوله : { في كل ~~واد } أي من أودية القول من المدح والهجو والنسيب والرثاء الحماسة والمجون ~~وغير ذلك { يهيمون * } أي يسيرون سير الهائم حائرين وعن طريق الحق جائرين , ~~كيفما جرهم القول انجروا من القدح في الأنساب , والتشبيب بالحرم , والهجو . ~~| ومدح من لا يستحق المدح ونحو ذلك , ولهذا قال : { وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون * } اي لنهم لم يقصدوه . | وإنما أجأهم إليه الفن الذي سلكوه فأكثر ~~اقوالهم لا حقائق لها , انظر إلى مقامات الحريري وما اصطنع فيها من ~~الحكايات , وابتدع بها من الأمور المعجبات . | التي لا حقائق لها , وقد ~~جعلها أهل الاتحاد أصلا لبدعتهم الطافرة , وقاعدة لصفقتهم الخاسرة , فنا ~~أظهر حالهم , وأوضح ضلالهم ! وهذا بخلاف القرن فإن معان جليلة محققة , في ~~ألفاظ متينة جميلة منسقة , وأساليب معجزة مفحمة , ونظوم معجبة محكمة , لا ~~كلفة في شيء منها , فلا رغبة لذي طبع سليم عنها , فأنتج ذلك أنه لا يتبعهم ~~على أمرهم إلا غاو مثلهم , ولا يزهد في هذا ms3504 القرآن إلا من طبعه جاف , زقلبه ~~مظلم مدلهم . | PageV05P400 ولما كان من الشعر - كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم - حكمة , وكان - كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها - بمنزلة ~~الكلام منه حسن ومنه قبيح , وكان من الشعراء من يمدح الإسلام والمسلمين , ~~ويهجو الشرك والمشركين , ويزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة , ويحث على مكارم ~~الأخلاق , وينفر عن مساوئها , وكان الفيصل بين قبيلي حسنة وقبيحة كثرة ذكر ~~الله , قال تعالى : { إلا الذين آمنوا } أي بالله ورسوله { وعملوا } أي ~~تصديقا لإيمانهم { الصالحات } أي التي شرعها الله ورسوله لهم { وذكروا الله ~~} مستحضرين ما له من الكمال { كثيرا } لم يشغلهم الشعر عن الذكر , بل بنوا ~~شعرهم على أمر الدين والانتصار للشرع , فصار لذلك كله ذكر الله , ويكفي ~~مثالا لذلك قصيدة عزيت لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وجوابها لابن ~~الزبعرى , وكان إذ ذاك على شركه , وذلك في أول سرية كانت في الإسلام . | ~~وهي سرية عبيدة بن الحارث بم المطلب بن عبد مناف رضي الله تعالى عنه , فإن ~~قصيدة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ليس فيها بيت إلا وفيه ذكر الله إما ~~صريحا وإما بذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شيء من دينه , وما ليس ~~فيه شيء من ذلك فهو ىيل إليه لبنائه عليه , وأما نقيضها فلا شيء في ذلك ~~فيها ؛ قال ابن إسحاق : قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه في غزوة عبيدة بن ~~الحارث رضي الله تعالى عنه : | أمن طيف سلمى بالبطاح الدمائث أرقت وأمر في ~~العشيرة حادث ترى من لؤي فرقة لا يصدها عن الكفر تذكير ولا بعث باعث رسول ~~أتاهم صادق فتكذبوا عليه وقالوا لست فينا بماكث إذا ما دعوناهم إلى الحق ~~أدبروا وهروا هرير المحجرات اللواهث فكم قد متتنا فيهم بقرابة وترك التقى ~~شيء لهم غير كارث فإن يرجعوا عن كفرهم وعقوقهم فما طيباب الحل مثل الخبائث ~~PageV05P401 وإن يركبوا طغيانهم وضلالهم فليس عذاب الله عنهم بلابث ونحن ~~أناس من ذؤابة غالب لنا العز منها في الفروع الأثائث ms3505 فأولى برب الراقصات ~~عشية حراجيج تخذي في السريح الرثائث كأدم ظباء حول مكة عكف يردن حياض البئر ~~ذاب النبائث لئن لم يفيقوا عاجلا عن ضلالهم ولست إذا آليت قولا بحانث ~~لتبتدرنهم غارة ذات مصدق تحرم أطهار النساء الطوامث تغادر قتلى تعصب الطير ~~حولهم ولا ترأف الكفار رأف ابن حارث فأبلغ بني سهم لديك رسالة وكل كفور ~~يبتغي الشر باحث فإن تشعثوا عرضي على سوء رأيكم فإني من إعراضكم غير شاعث | ~~فأجابه ابن الزبعرى فقال : | أمن رسم دار أقفرت بالعثاعث بكيت بعين دمعها ~~غير لابث ومن عجب الأيام والدهر كله له عجب من سابقات وحادث لجيش أتانا ذي ~~عرام يقوده عبيدة يدعى في الهياج ابن حارث لنترك أصناما بمكة عكفا مواريث ~~موروث كريم لوارث فلما لقيناهم بسمر ردينة وجرد عتاق في العجاج لواهث وبيض ~~كأن الملحفوق متونها بأيدي كماة كالليوث العوائث نقيم بها إعصارا ما كان ~~مائلا ونشفي الذخول عاجلا غير لابث فكفوا على خوف شديد وهيبة وأعجبهم أمر ~~لهم أمر رائث ولو أنهم لم يفعلوا ناح نسوة أيامي لهم من بين نسء وطامث وقد ~~غودرت قتلى يخبر عنهم حفي بهم أو غافل غير باحث فأبلغ ابابكر لديك رسالة ~~فما أنت عن أعراض فهر بماكث ولما تجب مني يمين غليظة تجدد حربا حلفه غير ~~حانث | وروى الغوي بسنده بسنده من طريق عبد الرزاق من حديث كعب بن مالك رضي ~~الله تعالى عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إن الله قد أنزل في الشعر ~~ما أنزل , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه ~~, والذي نفسي بيده ! لكأنما تومونهم به نضح النبل . | ) وقد PageV05P402 ~~كان ابن عباس رضي الله عنهما ينشد الشعر ويستنشده في المسجد , وروى الإمام ~~أمحد حديث كعب هذا , وروى النسائي برجال احتج بهم ميلم عن أنس رضي الله ~~عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( جاهدوا المشركين بأموالكم ~~وأنفسكم وألسنتكم . | ) قال البغوي : وروي أنه - أي عباس رضي الله عنهما ~~دعا عمر بن أبي ربيعة المخزومي ms3506 فاستنشهده القصيدة التي قالها : | أمن آل ~~نعمتي أنت غاد فمبكر غداة غد أم رائح فمهجر | وهي قريب من تسعين بيتا , ~~فلما فرغها أعادها ابن عباس وكان حفظها بمرة واحدة , ويكفي الشاعر في ~~التفصي عن ذم هذه الآية له أن لا يغلب عليه الشعر فيشغله عن الذكر حتى يكون ~~من الغاوين , وليس ن شرطه أن لا يكون في شعره هزل أصلا , فقد كان حسان رضي ~~الله تعالى عنه ينشد النبي صلى الله عليه وسلم مثل قوله في قصيدة طويلة ~~مدحه صلى الله عليه وسلم فيها : | كأن سيبئة من بيت رأس يكون مزاجها عسل ~~وماء إذا ما الأشربات ذكرن يوما فهن لطيب الراح الفداء نوليها الملامة إن ~~ألمنا إذا ما كان مغث أو لحاء ونشربها فتتركنا ملوكا وأسدا ما ينهنهنا ~~اللقاء | وقد كان تحريم الخمر سنة ثلاث من الهجرة أو سنة أربع , وهذه ~~القصيدة قالها حسان رضي الله تعالى عنه في الفتح سنة ثمان أو في عمرة ~~القضاء سنة سبع , فهي مما يقول الشاعر ما لا يفعل . | ولما عرف سبحانه بحال ~~المستثنين في الذكر الذي هو أساس كل أمر , اتبعه ما حملهم على الشعر من ~~الظلم الذي رجاهم النصر فقال : { وانتصروا } أي كلفوا أنفسهم أسباب النصر ~~بشعرهم فيمن آذاهم { من بعد ما ظلموا } اي وقع ظلم الظالم لهم بهجو ونحوه . ~~| ولما أباح سبحانه الانتصار من الظالمن وكان البادىء - إذا اقتصر المجيب ~~على جوابه - أظلم , كان - إذا تجاوز - جديرا بأن يعتدي فيندم , حذر الله ~~الاثنين مؤكدا للوعيد بالسين في قوله الذي كان السلف الصالح يتواعظون به ~~لأنك لا تجد أهيب منه , ولا أهول ولا أوجع لقلوب المتأملين , ولا أصدع ~~لأكباد المتدبرين : { وسيعلم } وبالتعميم في قوله : { الذين ظلموا } أي ~~كلهم من كانوا , وبالتهويل بالإبهام في قوله : { أي منقلب } أي في الدنيا ~~والاخرة { ينقلبون * } وقد انعطف آخرها - كما ترى بوصف الكتاب المبين بما ~~وصف به الجلالة والعظم بأنه من عند الله متنزلا به خير PageV05P403 ملكيته ~~, على أشرف خليقته , مزيلا لكل لبس , منفيا عنه كل باطل ms3507 , وبالختام بالوعيد ~~على الظلم - على أولها في تعظيم الكتاب المبين , وتسلية النبي الكريم , صلى ~~الله عليه وسلم ووعي الكافرين الذين هم أظلم الظالمين , واتصل بعدها في وصف ~~القرآن المبين , وبشرى المؤمنين ووعيد الكافرين , فسبحان من أنزله على ~~النبي الأمي المين , هدى للعالمين , وآية بينة بإعجازه للخلائق أجمعين , ~~باقية إلى يوم الدين . | . . . . | PageV05P404 < # > سورة النمل < # > < < # | النمل : ( 1 - 4 ) طس تلك آيات . . . . . # > > ^ ( طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين * هدى وبشرى للمؤمنين * الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون * إن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون ) ^ } ) | مقصودها وصف هذا الكتاب ~~بالكفاية لهداية الخلق أجمعين , بالفصل بين الصراط المستقيم , وطريق ~~الحائرين , والجمع لأصول الدين , لإحاطة علم منزله بالخفي والمبينن وبشارة ~~المؤمنين , ونذارة الكافرين , بيوم احتماع الأولين والآخرين , وكل ذلك يرجع ~~إلى العلم المستلزم للحكمة , فالمقصود الأعظممنها إظهار العلم والحكمة كما ~~كان مقصود التي قبلها إظهار البطش والنقمة , وأدل ما فيها على هذا المقصود ~~ما للنمل من حسن التدبير , وسداد المذاهب في العيش , ولا سيما ما ذكر عنها ~~سبحانه من صحة القصد في السياسة , وحسن التعبير عن ذلك القصد , وبلاغة ~~التأدية { بسم الله } الذي كمل علمه فبهرت حكمته { الرحمن } الذي عم ~~بالهداية بأوضح البيان { الرحيم * } الذي من بجنان النعيم . | على من ألزمه ~~الصراط المستقيم { طس } يشير إلى طهارة الطور وذي طوى منه وطيب طيبه , وسعد ~~بيت المقدس الذي بناه سليمان عليه الصلاة والسلام التي انتشر منها الناهي ~~عن الظلم , وإلى أنه لما طهر سبحانه بني إسرائيل , وطيبهم بالابتلاء فصبروا ~~, خلصهم من فرعون وجنوده بمسموع موسى عليه الصلاة والسلام للوحي المخالف ~~لشعر الشعراء , وإفك الآثمين وزلته من الطور , ولم يذكر تمام أمرهم بإغراق ~~فرعون , لأن مقصودها إظهار العلم والحكمة دون البطش والنقمة , فلم يقتض ~~الحال ذكر الميم . | ولما ختم التي قبلها بتحقيق أمر القرآنن وأنه من عند ~~الله , ونفي الشبه عنه وتزييف ما كانوا يتكلفونه منتفريق القول فيه بالنسبة ~~إلى السحر والأضغاث والافتراء PageV05P405 والشعر , الناشء كل ذلك عن أحوال ~~الشياطين , وابتدأ هذه ms3508 بالإشارة إلى أنه من الكلام القديم المسموع المطهر ~~عن وصمة تلحقه من شيء من ذلك , تلاه بوصفه بأنه كما أنه منظوم مجموع لفظا ~~ومعنى لا فصم فيه ولا خلل , ولا وصم ولا زلل , فهو جامع لأصول الدين ناشر ~~لفروعه , بما اشر إليه الكون من المسلمين فقال : { تلك } اي الآيات العالية ~~المقام البعيدة المرام , البديعة النظام { أيات القرآن } أي الكامل في ~~قرآنيته الجامع للأصولن الناشر للفروع , لاذي لا خلل فيه ولا فصمن ولا صدع ~~لولا صمم { و } آيات { كتاب } أي وأي كتاب مع كونه جامعا لجميع ما يصلح ~~المعاش والمعاد , قاطع في أحكامه , غالب في أحكامه , في كل مننقضه وإبرامه ~~, وعطفه دون إتباعه للدلالة على أنه كامل في كل من وكتابيته { مبين * } اي ~~بين في نفسه أ , ه من عند الله كاشف لكل مشطل , موضح لكل ملبس مما كان ومما ~~هو كائن من الأحكام والدلائل في الأصول والفروع , والنكت والإشارات ~~والمعارف , فيا له من جامع فارق واصل فاصل . | ولما كانت العناية في هذه ~~السورة بالنشر - الذي هو من لوازم الجمع في مادة ( قرا ) كما مضى بيانه أول ~~الحجر - أكثر , قدم القرآن , يدل على ذلك انتشارا أمر موسى عليه الصلاة ~~والسلام في أكثر قصته بتفريقه من أمه , وخروجه من وطنه إلى مدين , وروجوعه ~~مما صار إليه إلى ما كان فيه , والتماسه لأهله الهدى والصلى واضطراب العصى ~~وبث الخوف منها , وآية اليد وجيمع الآيات التسع , واختيار التعبير بالقوم ~~الذي أصل معناه القيام , وإبصار آيات , وانتشار الهدهد , وإخراج الخبأ الذي ~~منه تعليم منطق الطير , وتلكيم الدابة للناس , وانتشار المرأة وقومها ~~وعرشها بعد تردد الرسل بينها وبين سليمان الصلاة والسلام , وكشف الساق , ~~وافتراق ثمود إلى فريقين , مع الاختصام المشتت , وانتثام قوم لوط عليه ~~السلام غلى ما لا يحل , وتفريق الرياح نشرا , وتقسيم الرزق بين السماء ~~والأرض , ومرور الجبال , ونشر الريح لنفخ الصور الناشىء عنه فزع الخلائق ~~المبعثر للقبور , إلى غير ذلك مما إذا تدبرت السورة انفتح لك بابه , وانكشف ~~عنه حجابه , وهذا بخلاف ما في ms3509 الحجر على ما مضى . | وقال الإمام أبو جعفر ~~بن الزبير : لما أوضح في سورة الشعراء عظيم رحمته بالكتاب , وبيان ما تضمنه ~~مما فضح به الأعداء , ورحم به الولياء , وبراءته من أن تتسور الشياطين عليه ~~, وباهر ىياته الداعية من اهتدى بها إليه , فتميز بعظيم ياته كونه فرقانا ~~قاطعا , ونورا ساطعا , أتبع سبحانه ذلك مدحة وثناء , وذكر من شملته رحمته ~~به تخصيصا واعتناء , فقال { تلك آيات القرآن } اي الحاصل عنها مجموع تلك ~~الأنوار آيات PageV05P406 القرآن { وكتاب مبين هدى وبشر للمؤمنين } ثم ~~وصفهم ليحصل للتابع قسطه من بركة التبع , وليتقوى رجاؤه في النجاة مما اشار ~~إليه { وسيعلم الذين ظلموا } من عظيم ذلك المطلع ؛ ثم اتبع ذلك بالتنبيه ~~على صفة الاهلين لما تقدم من اتلقول والافتراء تنزيها لعباده المتقين , ~~وأوليائه المخلصين , عن دنس الشكك والامتراء فقال : { إن الذين لا يؤمنون ~~بالاخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون } أي يتحيرون فلا يفرقون بين النور ~~والإظلام , لارتباك الخواطر والأفهام ؛ ثم أتبع ذلك بتسليته عليه الصلاة ~~والسلام بالقصص الواقعة بعد تنشيطا له وتعريفا بعلي منصبه , وإطلاعا له على ~~عظيم صنعه تعالى فيمن تقدم , ثم ختمت السورة بذكر أهل القيامة وبعض ما بين ~~يديها , والإشارة إلى الجزاء ونجاة المؤمنين , وتهديد من تنكب عن سبيله ~~عليه الصلاة والسلام - انتهى . | ولما عظم سبحانه آيات الكتاب بما فيها من ~~الجمع من النشر مع الإبانة , ذكر حاله فقال : { هدى } ولما كان الشيء قد ~~يهدي إلى مقصود يكدر حال قاصده . | قال نافيا لذلك , وعطف عليه بالواو ~~دلالة على الكمال في كل من الوصفين : { بشرى } أي عظيمة . | فلما تشوفت ~~النفوس , وارتاحت القلوب , فطم من ليس بأهل عن عظيم هذه الثمرة فقال : { ~~للمؤمنين } اي الذين صار ذلك لهم وصفا لازما بما كان لهم فيل دعاء الداعي ~~من طهارة الأخلاق , وطيب الأعراق , وفي التصريح بهذا الحال تلويح بأنه فتنه ~~وإنذار للكافرين < # > 77 ( { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا فأما الذين في قلوبهم زيغ } ) 77 < # > - الآية , < # > 77 ( { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء } ) 77 < # > [ فصلت : 44 ] , < # > 77 ( { والذين ms3510 لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمي } ) 77 < # > - إلى غير ذلك من الآيات . | ولما كان وصف الإيمان خفيا , وصفهم بما ~~يصدقه من الأمور الظاهرة فقال : { الذين يقيمون الصلاة } أي بجميع حدودها ~~الظاهرة والباطنة من المواقيت والطهارات والشروط والأركان والخشوع والخضوع ~~والمراقبة والإحسان إصلاحا لما بينهم وبين الخالق . | ولما كان المقصود ~~الأعظم من الزكاة إنما هو التوسعة على الفقراء قال : { ويؤتون الزكاة } أي ~~إحسانا فيما بينهم وبين الخلائق . | ولما كان الإيمان بالبعث هو الجامع ~~لذلك واغيره من سائر الطاعات , ذكره معظما لتأكيده , فقال معلما بجعله حالا ~~غلاأنه شرط لما قبله : { وهم } اي والحال أنهم . | ولما كان الإيمان بالبعث ~~هو السبب العظم للسعادة وهو محط للحكمة , عبر فيه PageV05P407 بما يقتتضي ~~الاختصاص , لا للاختصاص بل للدلالة على غاية الرسوخ في الإيمان به , فقال : ~~{ بالاخرة هم } أي المختصون بأنهم { يوقنون * } أي يوجدون الإيقان حق ~~الإيجاد ويجددونه في كل حين بما يوجد منهم من الإقدام على الطاعة , ~~والإحجام عن المعصية . | ولما أفهم التخصيص أن ثم من يكذب بها وكان أمرها ~~مركوزا في الطباع , لما عليها من الأدلة الباهرة في العقل والسماع , تشوفت ~~نفس السامع على سبيل التعجب إلى حالهم , فقال مجيبا له مؤكدا تعجيبا ممن ~~ينكر ذلك : { إن الذين لا يؤمنون } أي يوجدون الإيمان ويجددونه { بالآخرة ~~زينا } أي بعظمتنا التي لا يمكن دفاعها { لهم أعمالهم } أي القبيحة , حتى ~~أعرضوا عن الخوف من عاقبتها مع ظهور قباحتها , والإسناد إليه سبحانه حقيقي ~~عند أهل السنة لأنه الموجد الحقيقي , وإلى الشيطان مجاز سببي { فهم } أي ~~فتسبب عن ذلك أنهم { يعمهون * } أي يخطبون خبط نم لا بصيرة له اصلا ~~ويترددون في أودية الضلال , ويتمادون في ذلك , فهم كل لحظة في خبط جديد , ~~بعمل غير سديد ولا سعيدن فإن العمه التحير والتردد كما هو حال الضال . | < ~~< # | النمل : ( 5 - 10 ) أولئك الذين لهم . . . . . # > > ^ ( أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون * وإنك ~~لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم * إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم ~~منها بخبر ms3511 أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون * فلما جآءها نودي أن بورك من ~~في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين * يموسى إنه أنا الله العزيز ~~الحكيم * وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب يموسى لا ~~تخف إني لا يخاف لدي المرسلون ) ^ } ) | ولما خص المؤمنين بما علم منه أن ~~لهم حسن الثواب , وأنهم في الآخرة هم الفائزون , ذكر ما يختص به هؤلاء من ~~ضد ذلك فقال : { أولئك } اي البعداء البغضاء { الذين لهم } أي خاصة { سوء ~~العذاب } في الدارين : في الدنيا بالأسر والقتل والخوف { وهم في الآخرة هم ~~} المختصون بأنهم { الأخسرون * } اي أشد الناس خشارة لأنهم خسروا ما لا ~~خسارة مثله , وهو أنفسهم التي لا يمكنهم إخلافها . | ولما وصف القرآن من ~~الجمع والفرقان , بما اقتضى بيان أهل الفوز والخسران , وكان حاصل حال ~~الكفرة أنهم يتلقون كفرهم الذي هو في غاية السفه إنا عن الشياطين الذين هم ~~في غاية الشر , وإما عن آبائهم الذين هم في غاية الجهلن وصف النبي صلى الله ~~عليه وسلم بضد حالهم , فذكر جلالة المنزل عليه والمنزل ليكون أدعى إلى ~~قبوله . | فقال عاطفا على { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة } : { وإنك } اي ~~وأنت اشرف الخلق وأعلمهم وأحلمهم PageV05P408 وأحكمهم { لتلقى القرآن } اي ~~تجعل متلقيا له من الملك , وحذف هنا الواسطة وبناه للمفعول إعلاء له . | ~~ولما كانت الأمور التي من عند الله تارة تكون على مقتضى الحكمة فتسند إلى ~~أسبابها , وأخرى خارقة للعادة فتنسب إليه سبحانه , والخارقة تارة تكون في ~~أول رتب الغرابة فيعبر عنها بعند , تارة تكون في أعلاها فيعبر عنها بلدان , ~~نبه سبحانه على أن هذا القرآن في الذروة نم ا لغرابة في أنواع الخوارق فقال ~~: { من لدن } . | ولما مضى في آخر الشعراء ما تقدم من الحكم الجمة في ~~تنزيله بهذا اللسان . | وعلى قلب سيد ولد عدنان , بواسطة الروح الأمين , ~~مباينا لأحوال الشياطين , إلى غير ذلك مما مضى إلى أن ختمت بتهديد الظالمين ~~, وكان الظالم إلى الحكمة أحوج منه إلى مطلق العلم , وقدم في هذه أنه ms3512 هدى , ~~وكان الهادي لا يقتدي به ولا يوثق بهدايته إلا إن كان في علمه حكيما , ~~اقتضى السياق تقديم وصف الحكمة , واقتضى الحال التنكير لمزيد التعظيم فقال ~~: { حكيم } أي بالغ الحكمة , فلا شيء من أفعاله إلا وهو في غاية الإتقان { ~~عليم * } أي عظيم العلم واسعة تامة شاملة , فهو بعيد جدا عما ادعوه فيه من ~~أنه كلام الخلق الذي لا علم لهم واسعة تامة شامله , فهو بعيد جدا عما ادعوه ~~فيه من الخلق عن الإتيان بشيء من مثله , وإدراك شيء من مغازيه حق إدراكه . ~~| ولما وصفه بتمام الحكمة وشمول العلم , دل على كل من الوصفين , وعلى إبانه ~~القرآن وما له من العظمة التي أشار أليها أول السورة بما يأتي في السورة ~~منا لقصص وغيرها , واقتصر في هذه السورة على هذه القصص لما بينها من عظيم ~~التناسب المناسب لمقصود السورة , فابتدىء بقصة أجمع فيها الأباعد على ~~الكفران فأهلكوا , والأقارب على الإيمان فأنجوا , وثنى بقصة أجمع فيها ~~الباعد على الإيمان , لم يتخلف منهم إنسان , وثلث بأخرى حصل بين الأقارب ~~فيها الفرقان , باقتسام الكفر والإيمان , وختم بقصة تمالأ الأباعد فيها على ~~العصيان , وأصروا على الكفران , فابتلعتهم الأرض ثم غطوا بالماء كما بلغ ~~الأولين الماء فكان فيه التواء . | ولما كان تعلق ( إذ ) باذكر من ا لوضوح ~~في حد لا يخفى على أحد , قال دالا على حكمته وعلمه : { إذ } طاويا لمتعلقه ~~لوضوح أمره فصار كأنه { قال } : اذكر حكمته وعلمه حين قال : { موسى لأهله } ~~أي زوجة وهو راجع من مدين إلى مصر , قيل : ولم يكن معه غيرها : { إني آنست ~~} أي ابصرت إبصارا حصل لي الأنس , وأزال عني الوحسة والنوس { نارا } فعلم ~~بما في هذه القصة من الأفعال المحكمة المنبئة عن تمام العلم اتصافه ~~بالوصفين علما مشاهدا , وقدم ما الحكمة فيه أظهر لاقتضاء الحال التأمين من ~~نقص ما يؤمر به من الأفعال . | PageV05P409 ولما كان كأنه قيل : فماذا تصنع ~~؟ قال آتيا بضمير المذكر المجموع للتعبير عن الزوجة المذكورة بلفظ ( الأهل ~~) الصالح للمذكر والجمع صيانة لها وسترا . | جازما بالوعد للتعبير بالخير ms3513 ~~الشامل للهدى وغيره , فكان تعلق الرجاء به أقوى من تعلقه بخصوص كونه هدى , ~~ولأن مقصود السورة يرجع إلى العلم , فكان الأليق به الجزم , ولذا عبر ~~بالشهاب الهادي لأولي الألباب : { سآتيكم } اي بوعد صادق وإن ابطات { منها ~~بخبر } أي ولعل بعضه يكون مما نهتدي به في هذا الظلام إلى الطريق , وكان قد ~~ضلها { أو أتيكم بشهاب } أي شعلة من نار ساطعة { قبس } أي عود جاف مأخوذ من ~~معظم النار فهو بحيث قد استحكمت فيه النار فلا ينطفىء ؛ وقال البغوي : وقال ~~بعضهم : الشهاب شيء ذو نور مثل العمود , والعرب تسمي كل أبيض ذي نور شهابا ~~, والقبس : القطعة من النار . | فقراءة الكوفيين بالتنوين على البدل أو ~~الوصف , وقراءة غيرهم بالإضافة , لأن القبس أخص . | وعلل إتيانه بذلك ~~إفهاما لأنها ليله باردة بقوله : { لعلكم تصطلون * } أي لتكونوا في حال من ~~يرجى أن يستدفىء بذلك أي يجد به الدفء لوصوله معي فيه النار , وآذن بقرب ~~وصوله فقال : { فلما جاءها } أي تلك التي ظنها نارا . | ولما كان البيان ~~بعد الإبهام أعظم , لما فيه من التشويق والتهيئة للفهم , بني للمفعول قوله ~~: { نودي } اي من قبل الله تعالى . | ولما أبهم المنادى فتشوقت النفوس إلى ~~بيانه , وكان البيان بالإشارة أعظم . | لما فيه من توجه النفس إلى ~~الاستدلال , نبه سبحانه عليه بجعل الكلام على طريقة كلام القادرين , إعلاما ~~بأنه الملك الأعلى فقال بانيا للمعفول , آتيا بأداة التفسير , لأن النداء ~~بمعنى القول : { أن بورك } أي ثبت تثبيتا يحصل منه من النماء والطهارة ~~وجميع الخيرات ما لا يوصف { من في النار } أي بقعتها , أو طلبها وهو طلب ~~بمعنى الدعاء , العبارة تدل على أن الشجرة كانت كبيرة وأنها لما دنا منها ~~بعدت منه النار إلى بعض جوانبها فتبعها , فلما توسط الردحة أحاط به النور , ~~وسمي النور نارا على ما كان في ظن موسى عليه الصلاة والسلام , وقال سعيد بن ~~جبير : بل كانت نارا كما رأى موسى عليه السلام , والنار منحجب الله كما في ~~الحديث : ( حجابه النار لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه ms3514 بصره من ~~خلقه ) { ومن حولها } من جميع الملائكة عليهم السلام وتلك الأراضي المقدسة ~~على ما أراد الله في ذلك الوقت وفي غيره وحق لتلك الأراضي أن تكون كذلك ~~لأنها مبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومهبط الوحي عليهم وكفاتهم أحياء ~~وأمواتا . | PageV05P410 ولما أتاه النداء - كما ورد - من جميع الجهات , ~~فسمعه بجميع الحواس , أمر بالتنزيه , تحقيقا لأمر من أمره سبحانه , وتثبيتا ~~له , فقال عاطفا على ما أرشد السياق إلى تقديره من مثل : فأبشر بهذه البشرى ~~العظيمة : { وسبحان الله } أي ونزه الملك الذي له الكمال المطلق تنزيها ~~يليق بجلاله , ويجوز أن يكون خبرا معطوفا على { بورك } أي وتنزه الله ~~سبحانه تنزها يليق بجلاله عن أن يكون في موضع النداء أو غيره من الأماكن . ~~| ولما كان تعليق ذلك بالاسم العم دالا على أنه يستحق ذلك لمجرد ذاته ~~المستجمع لجميع صفات الكمال , من الجلال والجمال , وصفه بما يعرف أنه ~~يستحقه أيضا لأفعاله بكل مخلوق التي منها ما يريد أن يربي به موسى عليه ~~الصلاة والسلام كبيرا بعد ما رباه به صغيرا , فقال : { رب العالمين * } . | ~~ولما تشوفت النفس إلى تحقق الأمر تصريحا , قال معظما له تمهيدا لما أراد ~~سبحانه إظهاره على يده من المعجزات الباهرات : { يا موسى إنه } أي السأن ~~العظيم الجليل الذي لا يبلغ وصفه { أنا الله } أي البالغ من العظمة ما تقصر ~~عنه الأوهام , وتتضاءل دونه نوافذ الإفهام , ثم أفهمه مما تتضمن ذلك وصفين ~~يدلانه على أفعاله معه فقال : { العزيز } أي الذي يصل إلى جميع ما يريد ولا ~~يوصل إلى شيء مما عنده من غير الطريق التي يريد { الحكيم * } أي الذي ينقص ~~كل ما يفعله غيره إذا أراد , ولا يقدر غيره أن ينقض شيئا من فعله . | ولما ~~كان التقدير : فافعل جميع ما آمرك به فإنه لا بد منه , ولا تخف من شيء فإنه ~~لا يوصل إليك بسوء لأنه متقن بقانون الحكمة , محروس بسور العزة , دل عليه ~~بالعطف في قوله : { وألق عصاك } أي لتعلم علما شهوديا عزتي وحكمتي - أو هو ~~معطوف على { أن بروك } - فألقاها ms3515 كما أمر , فصارت في الحال - بما أذنت به ~~الفاء - حية عظيمة جدا , هي - مع كونها في غاية العظم - في نهاية الخفة ~~والسرعة في اصطرابها عند محاولتها ما يريد { فلما رآها تهتز } أي تضطرب في ~~تحركها مع كونها في غاية الكبر { كأنها جآن } أي حية صغيرة في خفتها ~~وسرعتها , ولا ينافي ذلك كبر جثتها { ولى } أي موسى عليه الصلاة والسلام . ~~| ولما كانت عليه التولية مشتركة بين معان , بين المراد بقوله : { مدبرا } ~~اي التفت هاربا منها مسرعا جدا لقوله : { ولم يعقب } اي لم يرجع على عقبه , ~~ولم يتردد في الجد في الهرب , ولم يلتفت إلى ما وراءه بعد توليته , يقال : ~~عقب عليه تعقيبا , اي كر , وعقب في الأمر تعقيبا : تردد في طلبه مجدا - هذا ~~في ترتيب المحكم . | وفي القاموس : التعقيب : الالتفات . | وقال القزاز في ~~ديوانه : عقب - إذا انصرف راجعا فهو معقب . | PageV05P411 ولما تشوفت النفس ~~غلى ما قيل له عند هذه الحالة , أجيبت بأنه قيل له : { يا موسى لا تخف } ثم ~~علل هذا النهي بقوله , مبشرا بالأمن والرسالة : { أني لا يخاف لدي } أي في ~~الموضع الذي هو من غرائب نواقض العادات , وهي وقت الوحي ومكانه { المرسلون ~~* } أي لأنهم معصمون من الظلم , ولا يخاف من الملك العدل إلا ظالم . | < < # | النمل : ( 11 - 14 ) إلا من ظلم . . . . . # > > ^ ( إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم * وأدخل يدك في ~~جيبك تخرج بيضآء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما ~~فاسقين * فلما جآءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين * وجحدوا بها ~~واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين ) ^ } ) | ولما ~~دل أول الكلام وآخره على أن التقدير ما ذكرته , وعلم نه أن من ظلم خاف , ~~وكان المرسلون بل الأنبياء معصومين عن صدور ظلم , لكنهم لعلو مقامهم , ~~وعظيم شأنهم , يعد عليهم خلاف الأولى , بل بعض المباحات المستوية , بل أخص ~~من ذلك , كما قالوا ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) , استدراك سبحانه من ~~ذلك بأداة الاستثناء ما يرغب المرهبين من عواقب الظلم آخرتلك ms3516 في التوبة , ~~وينبه موسى عليه السلام على غفران وكزة القبطي له , وأنه لا خوف عليه بسببه ~~وإن كان قتله مباحا لكونه خطأ مع أنه كافر , لكن علو المقام يوجب التوقف عن ~~الإقدام إلا بإذن خاص , ولذلك سماه هو ظلما فقال { رب إني ظلمت نفسي فاغفر ~~لي } وهو نم التعريضات التي يلطف مأخذها فقال : { إلا } أو المعنى : لكن { ~~من ظلم } كائنا من كان , بفعل سوء { ثم بدل } بتوبته { حسنا بعد سوء } وهو ~~الظلم الذي كان عمله , أي جعل الحسن بدل السوء كالسحرة الذين آمنوا بعد ذلك ~~بموسى عليه الصلاة والسلام فإني أغفره له بحيث يكون كأنه لم يعمله أصلا , ~~وأرحمه بما أسبغ عليه من ملابس الكرامة المقارنة للأمن والعز وإن أصابه قبل ~~ذلك نوع خوف . | ثم علل ذلك بأن المغفرة والرحمة صفتان له ثابتتان , فقال : ~~{ فإني } أي أرحمه بسبب أني { غفور } أي من شأني أني أمحو الذنوب محوا يزيل ~~جميع آثارها { رحيم * } أعامل التائب منها ماملة الراحم البليغ الرحمة بما ~~يقتضيه حاله من الكرامة , فايل أثر ما كان وقع فيه من موجب الخوف وهو الظلم ~~. | ولما أراه سبحانه هذه الخارقة فيما كان في يده بقلب جوهرها إلى جوهر ~~شيء آخر حيواني , أراه أخرى في يده نفسها بقلب عرضها الذي كانت عليه إلى ~~عرض آخر نوراني , فقال : { وأدخل يدك في جيبك } أي فتحة ثوبك , وهو ما قطع ~~منه ليخيط بعنقك { تخرج } أي إذا أخرجتها { بيضاء } أي بياضا عظيما نيرا ~~جدا , له شعاع كشعاع الشمس . | PageV05P412 ولما كان ربما وقع في وهم أن ~~هذه الآفة , قال : { من غير سوء } أي برص ولا غيره من الآفات , آية أخر ~~كائنة { في } جملة { تسع آيات } كما تقدم شرحها في سورة الإسراء وغيرها , ~~منتهية على يدك برسالتي لك { إلى فرعون وقومه } أي الذين هم أشد أهل هذا ~~الزمان قياما في الجبروت والعدوان ؛ ثم عللل إرساله إليهم بالخوارق بقوله : ~~{ إنهم كانوا } أي كونا كأنه جبلة لهم { قوما فاسقين * } أي خارجين عن ~~طاعتنا لتردهم إلينا . | ولماكان التقدير : فأتاهم كماأمرناهم فعاندوا ms3517 ~~أمرنا , قال منبها علىذلك , دالا بالفاء على سرعة إتيانه إليهم امتثالا لما ~~أمر به : { فلما جاءتهم آياتنا } أي على يده { مبصرة } أي سبب الإبصار ~~لكونها منيرة ظاهرة جدا , فهي هادية لهم إلى الطريق الأقوم هداية النور لمن ~~يبصر , فهو لا يخطىء شيئا ينبغي أن ينتفع به { قالوا هذا سحر } أي خيال لا ~~حقيقة له { مبين * } اي واضح في أنه خيال { وجحدوا } أي أنكروا عالمين { ~~بها } أي أنكروا كونها ىيات موجبات لصدقه مع علمهم بإبطالهم لأن الجحود ~~الإنكار مع العلم . | ولما كان الجحد معناه إنكار الشيء مع العلم به , حقق ~~ذلك بقوله : { واستيقنتها } أي والحال أنهم قد طلبوا الوقوف على حقائق ~~أمرها حتى تيقنتها في كونها حقا { أنفسهم } وتخلل علمها صميم عظامهم , ~~فكانت ألسنتهم مخالفة لما في قلوبهم , ولذلك أسند الاستيقان إلى النفس . | ~~ثم علل حجدهم ووصفهم لها بخلاف وصفها فقال : { ظلما وعلوا } أي إرادة وضع ~~الشيء في غير حقه , والتكبر على الآتي به , تلبيسا على عباد الله . | ولما ~~كان التقدير : فأغرقناهم أجمعين بأيسر سعي وأهون أمر فلم يبق منهم غير تطرف ~~, ولم يرجع منهم مخبر , على كثرتهم وعظمتهم وقوتهم , عطف عليه تذكيرا به ~~مسببا عنه قوله : { فانظر } ونبه على أن خبرهم مما تتوفر الدواعي على ~~السؤال عنه لعظمته , فقال معبرا بأداة الاستفهام : { كيف كان } وكان الأصل ~~: عاقبتهم , أي آخر أمرهم , ولكنه أظهر فقال : { عاقبة المفسدين * } ليدل ~~على الوصف الذي كان سببا لأخذهم تهديدا لكل من ارتكب مثله . | < < # | النمل : ( 15 - 19 ) ولقد آتينا داود . . . . . # > > ^ ( ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على ~~كثير من عباده المؤمنين * وورث سليمان داوود وقال يأيها الناس علمنا منطق ~~الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين * وحشر لسليمان جنوده من ~~الجن والإنس والطير فهم يوزعون * PageV05P413 حتى إذآ أتوا على وادي النمل ~~قالت نملة يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا ~~يشعرون * فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت ~~علي وعلى والدي وأن ms3518 أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) ~~73 < # > } ) 71 < # > | ولما تم بهذه القصة الدليل على حكمته , توقع السامع الدلالة على علمه ~~سبحانه , فقال مبتدئا بحرف التوقع مشيرا إلى أنه لا نكير في فضل الآخر على ~~الأول عاطفا على ما تقديره : فلقد آتينا موسى وأخاه هارون عليهما السلام ~~حكمة وهدى وعلما ونصرا على ن خالفهما وعزا : { ولقد آتينا } اي بما لنا من ~~العظمة { داود وسليمان } أي ابن داود , وهما من أتباع موسى عليهم اتلسلام ~~وبعده بأزمان متطاولة { علما } أي جزاء من العلم عظيما من منطق الطير ~~والدواب وغير ذلك لم نؤته لأحد قبلهما . | ولما كان التقدير : فعملا ~~بمقتضاه , عطف عليه قوله : { وقالا } شكرا عليه , دلالة على شرف العلم ~~وتنبيها لأهله على التواضع : { الحمد } أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال { ~~لله } اي الذي لا مثل له وله الجلال والجمال { الذي فضلنا } أي بما آتانا ~~من ذلك { على كثير من عباده المؤمنين * } أي اللذين صار الإيمان لهم خلقا . ~~| ولما كان كل منهما عليهما السلام قد أوتي ما ذكر , أشار إلى فضل سليمان ~~عليه السلام بأنه جمع إلى ما أتاه ما كان منح بع أباه فقال : { وورث سليمان ~~دود } أي أباه عليهما السلام دون إخوته في النبوة والعلم والملك الذي كان ~~قد خصه الله دون قومه بجمعه له إلى النبوة , فشكر الله على ما أنعم به عليه ~~أولا وثانيا { وقال } أي سليمان عليه السلام محدثا بنعمة ربه ومنبها على ما ~~شرفه الله به , ليكون أجدر في قبول الناس ما يدعوهم إليه من الخير : { يا ~~أيها الناس } . | ولما كان من المعلوم أنه لا معلم له إلا الله , فإن لا ~~يقدر على ذلك غيره , قال بانيا للمفعول : { علمنا } أي أنا وأبي بأيسر أمر ~~وأسهله ممن لا يقدر على ما علمنا سواء ولو كان المقصود هو وحده لم يكن من ~~التعاظم في ششيء , بل هو كلام الواحد المطاع , تنبيها على تعظيم الله بما ~~عظمه به مما يختص بالقدرة عليه أو بالأمر به كما كان النبي صلى الله ms3519 عليه ~~وسلم حال يحوج إليه كما قال في الزكاة : إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من ~~عزمات ربنا عز وجل , وكما كان يكتب لبعض الجبابرة { منطق الطير } أي فهم ما ~~يريد كل طائر إذا صوت , والمنطق ما يصوت به من المفرد والمؤلف المفيد وغير ~~المفيد , لا بدع في أن الذي آتى كل نفس هداها وعلمها تميز منافعها ومضارها ~~يؤتيها PageV05P414 قوة تدرك بها تخاطبا بينها يتفاهم كل نوع منها بع فيما ~~يريد , ويكون ذلك قاصرا عن إدراك الإنسان لخصوصه بالجزئيات الناشئة عن ~~الحسيات { وأوتينا } ممن له العظمة بأيسر أمر من أمره { من كل شيء } أي ~~يكمل به ذلك من اسباب الملك والنبوة وغيرهما , وعبر بأداة الاستغراق تعظيما ~~للنعمة كما يقال لمن يكثر تردد الناس إليه : فلان يقصده كل أحد . | ولما ~~كان هذا أمرا باهرا , دل عليه بقوله مؤكدا بانواع التأكيد وشاكرا حاثا ~~لنفسه على مزيد الشكر وهازا لها إليه : { إن هذا } أي الذي أوتيناه { لهو ~~الفضل المبين * } أي البين في نفسه لكل من ينظره , الموضح لعلو قدر صاحبه ~~ووحدانية مفيضة مؤتية . | ولما كان هذا مجرد خبر , أتبعه ما يصدقه فقال : { ~~وحشر } أي جمع جمعا حتما بقهر وسطوة وإكراه بأيسر سعي { لسليمان جنوده } . ~~| ولما دل ذلك على عظمه , زاد في الدلالة عليه بقوله : { من الجن } بدأ بهم ~~لعسر جمعهم { والأنس } ثنى بهم لشرفهم ومشاركتهم لهم في ذلك من حيث تباعد ~~أغراضهم وتناءي قصودهم . | ولما ذكر ما يعقل وبدأ به لشرفه , أتبعه ما لا ~~يعقل فقال : { والطير } ولما كان الحشر معناه الجمع بكره , فكان لا يخلو عن ~~انتشار , وكان التقدير : وسار بهم في بعض الغزوات , سبب عنه قوله تعظيما ~~للجيش وصاحبه : { فهم يوزعون * } أي يكفون بجيش أولهم على آخرهم بأدن أمر ~~وأسهله ليتلاحقوا , فيكون ذلك أجدر بالهيبة , وأعون على النصرة , وأقرب إلى ~~السلامة ؛ عن قتادة أنه كان على كل صنف من جنوده وزعة ترد أولاها على أخرها ~~لئلا يتقدموا في المسير , قال : والوازع : الحابس وهو النقيب . | وأصل ~~الوزع الكف والمنع . | ولما كان التقدير : فساروا ms3520 , لأن الوزع لا يكون ~~إلاعن سير , غياه بقوله : { حتى إذا أتوا } أي أشرفوا . | ولما كان على ~~بساطه فوق متن الريح بين السماء والأرض . | عبر بأداة الاستعلاء فقال : { ~~على واد النمل } وهو واد بالطائف - كما نقله البغوي عن كعب , وهو الذي تميل ~~إليه النفس فإنه معروف إلى الآن عندهم بهذا الاسم , ويسمى أيضا نخب وزن كتف ~~, وقد رأيته لما قصدت تلك الديار لرؤية مشاهدها , والتطوف في معابدها ~~ومعاهدها . | والتبرك بآثار الهادي , في الانتهاء والمبادىء , ووقفت بمسجد ~~فيه قرب سدرة تسمى الصادرة مشهور عندهم أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى به ~~, وهذه السدرة مذكورة في غزوة الطائف من السيرة الهشامية واقتصر في تسمية ~~الوادي على نخب , وأنشدت فيه يوم وقوفي ببابه , وتضرعي في أعتابه : | ~~PageV05P415 مررت بوادي النمل يا صاح بكرة فصحت وأجريت الدموع على خدي ~~وتممت منه موقف الهاشمي الذي ملأ الأرض توحيدا يزيد على العد وكم موقف ~~افرشه حر جبهتي وأبديت في أرجائه ذلة العبد | - في قصيدة طويلة . | ولما ~~كانوا في أمر يهول منظره , ويوهي القوى مخالطته ومخبره , فكان التقدير : ~~فتبدت طلائعهم , وتراءت راياتهم ولوامعهم , وأحمالهم ووضائعهم , نظم به ~~قوله : { قالت نملة } أي من النمل الذي بذلك الوادي : { يا أيها النمل } ~~ولما حكى عنهم سبحانه ما هو من شأن العقلاء , عبر بضمائرهم فقال : { ادخلوا ~~} اي قبل وصول ما أرى من الجيش ما { مساكنكم } ثم عللت أمرها معينة لصاحبه ~~إذ كانت أمارته لا تخفى فقالت جوابا للأمر أو مبدلا منه : { لا يحطمنكم } ~~أي يكسرنكم ويهشمنكم اي لا تبرزوا فيحطمنكم . | فهو نهي لهم عن البروز في ~~صور نهيه وهو أبلغ من التصريح بنهيهم لأن من نهى كبيرا عن شيء كان لغيره ~~أشد نهيا { سليمان وجنوده } أي فإنهم لكثرتهم بنهيهم لأن صاروا في الوادي ~~استعلوا عليه فطبقوه فلم يدعوا منه موضع شبر خاليا { وهم } أي سليمان عليه ~~السلام وجنوده { لا يشعرون * } اي بحطمهم لكم لاشتغالهم بما هم فيه من ~~أحوال السير , وتعاطي مصالحة , مع صغر أجسامكم , وخفائكم على السائر في حال ~~اضطرابكم ومقامكم ms3521 , وقولها هذا يدل على علمها بأنهم لو شعروا بهم ما آذوهم ~~لأنهم أتباع نبي فهم رحماء . | ولماكان هذا أمرا معجبا لما فيه من جزالة ~~الألفاظ وجلالة المعاني , تسبب عنه قوله : { فتبسم } ولما دل ذلك على الضحك ~~, وكان ذلك قد يكون للغضب , أكده وحقق معناه بقوله : { ضاحكا من قولها } اي ~~لما أوتيته من الفصاحة والبيان , وسرورا بماوصفته به من العدل في أنه ~~وجنوده لا يؤذن أحدا وهم يعلمون { وقال } متذكرا ما أولاه ربه سبحانه بحسن ~~تربيته من فهم كلامها إلى ما أنعم عليه من غير ذلك : { رب } أي أيها المحسن ~~إلي { أوزعني أن } أي اجعلني مطيقا لأن { أشكر نعمتك } أي وازعا له كافا ~~مرتبطا حتى لا يغلبني . | ولا يتفلت مني , ولا يشذ عني وقتا ما . | ولما ~~أفهم ذلك تعلق النعمة به . | حققه بقوله : { التي أنعمت علي } وربما أفهم ~~قوله : { وعلى والدي } أن أمه كانت أيضا تعرف منطق الطير . | وتحقيق معنى ~~هذه العبارة أن مادة ( وزع ) - بأي ترتيب كان - يدور على المعوز - لخرقة ~~بالية يلف بها الصبي , ويلزمها التمييز , فإن الملفوف بها يتميز عن غيره , ~~ومنه الأوزاع وهم الجماعات المتفرقة , ويلزمها أيضا الإطاقة فإن أكثر الناس ~~يجدها , ومنه العزون - لعصب من PageV05P416 الناس , فإنهم يطيقون ما يريدون ~~ويطيقهم من يريدهم , ومنه الوزع وهو كف ما يراد كفه , والولوع بما يزاد , ~~ومنه الإيعاز - للتقدم بالأمر والنهي , والزوع للجذب , ويلزمها أيضا الحاجة ~~فإنه لا يرضى بها دون الجديد إلا محتاج , فمعنى الآية : اجعلني وازعا - أي ~~مطيقا - أن أشكرها كما يطيق الوازع كف ما يريد كفه , ويمكن أن يكون مدار ~~المادة الحاجة لأن الأوازع - وهم الجماعات - يحتاجون إلى الجتماع جملةن ~~والكاف محتاج إلى امتثال ما يكفه لأمره , والجاذب محتاج إلى الزوع أي الجذب ~~, والمولع بالشيء فقير إليه , والموعز محتاج إلى قبول وصيته , فالمعنى : ~~اجعلني وازعا أي فقيرا إلى الشكر , أي ملازما له مولعا به , لأن كل فقير ~~إلى شيء مجتهد في تحصيله , ويلزم على هذا التخريج احتقار العمل , فيكون ~~سببا للأمن من الإعجاب , وفي الآية تنبيه ms3522 على بر الوالدين في سؤال القيام ~~عنهم بما لم يبلغاه من الشكر - والله الموفق . | والشكر في اللغة فعل ينبىء ~~عن تعظيم المنعم لكونه منعما كالثناء على المنعم بما يدل على أن الشاكر قد ~~عرف نعمته واعترف له بها وحسن موقعها عنده , وخضع قلبه له لذلك , وحاصله ~~أنه اسم لمعرفة النعمة واعترف لأنها السبيل إلى معرفة المنعم فإنه إذا ~~عرفها تسبب في التعرف إليه , فسلك طريق التعرف وجد في الطلب , ومن جد وجد , ~~ويروى عن داود عليه الصلاة والسلام أنه قال : يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة ~~آخرى منك أحتاج عليها إلى شكر آخر ؟ فأوحى الله تعالى إليه : يا داود ! إذا ~~علمت أن ما بك من نعمة فمني فقد شكرتني . | والشكر ثلاثة أشياء : الأول ~~معرفة النعمة بمعنى إحضارها في الخاطر بحيث يتميز عندك أنها نعمة , فرب ~~جاهل يحسن إليه وينعم عليه وهو لا يدري , فلا جرم أنه لا يصح منه الشكر . | ~~والثاني : قبول النعمة بمعنى بتلقيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة , فإن ~~ذلك شاهد بقبولها حقيقة , والثالث : الثناء بها بأن تصف المنعم بالجود ~~والكرم ونحوه مما يدل على حسن تلقيك لها واعترافك بنزول مقامك في الرتبة عن ~~مقامه , فإن اليد العليا خير من اليد السفلى , وهو على ثلاث درجات : الأولى ~~الشكر على المحاب أي الأشياء المحبوبة , وهذا شكر تشارك فيه المثبتون ~~المسلمون واليهود والنصارى والمجوس , فإن الكل يعتقدون أن الإحسان الواصل ~~من ا لرحمن واجب معرفته على الإنسان , ومن سعة بر البارىء سبحانه وتعالى أن ~~عده شكرا مع كونه واجبا على الشاكر . | ووعد عليه الزيادة , وأوجب فيه ~~المثوبة إحسانا ولطفا . | الثانية : الشكر في المكاره , وهو إما من رجل لا ~~يمييز بين الحالات , بل يستوي عنده المكروه والمحبوب , فإذا نزل به المكروه ~~شكر الله عليه بمعنى أنه أظهر الرضا بنزوله به , وهذا مقام الرضا , وإما من ~~رجل يميز بين الأحوال فهو لا يحب المكروه ولا يرضى بنزوله , فإن نزل به ~~مكروه فشكره عليه PageV05P417 إنما هو كظم الغيظ وستر الشكوى وإن كان باطنه ms3523 ~~شاكيا , والكظم إنما هو لرعاية الأدب بالسلوك في مسلك العلم , فإنه يأمر ~~العبد بالشكر في السراء والضراء والثالثة : أن لا يشهد العبد إلا المنعم ~~باشتغاله بالاستغراق في مشاهدته عن مشاهدة النعمة , وهذا الشهودعلى ثلاثة ~~أقسام : أحدها أن يستغرق فيها عبودة , فيكون مشاهدا له مشاهدة العبد للسيد ~~بأدب العبيد إذا حضروا بين يدي سيدهم , فإنهم ينسون ما هم فيه من الجاه ~~والقرب الذي ما حصل لغيرهم , باستغراقهم في الأدب , وملاحظتهم لسيدهم خوفا ~~من أن يسير إليهم في أمر فيجدهم غافلين , وهذا أمر معروف عند من صحب الملوك ~~. | فصاحب هذا الحال إذ أنعم عليه سيده في هذه الحالة , مع قيامه في حقيقة ~~ا لعبودة , استعظم الإحسان , لأن العبودة توجب عليه أن يستضغر نفسه . | ~~ثانيها أن يشهد سيده شهود محبة غالبة , فهو هذا الاستغراق فيه , يستحلي منه ~~الشدة , وقد قال بعض عشاق حسن الصورة لا صورة الحسن فأحسن : | من لم يذق ~~الحبيب كظلمه حلوا فقد جهل المحبة وادعى . | ثالثها : أن يشهد شهود تفريد ~~التوية ويفني الرسم ويذهب الغيرية , فإذا وردت عليه النعمة أو الشدة كان ~~مستغرقا في الفناء فلم يحس بشيء منهما . | ولما علم من هذا كله أن الشاكر ~~هو المستغرق في الثناء على المنعم بما يجب عليه من العمل من فناء أو غيره ~~بحسب ما يقدر عليه , وكان ذلك عمل مما يجوز أن يكون زين لذلك العبد كونه ~~حسنا وهو ليس كذلك , قال صلى الله عليه وسلم مشيرا إلى هذا المعنى : { وأن ~~أعمل صالحا } أي في نفس الأمر . | ولما كان العمل الصالح قد لا يرضي المنعم ~~لنقص في العمل كما قيل في معنى ذلك : | إذا كان المحب قليل حظ فما حسناته ~~إلا ذنوب | قال : { ترضاه } . | ولما كان العمل الصالح المرضي قد لا يعلي ~~إلى درحة المرضي عنهم , لكون العامل منظورا إليه بعين السخط , لكونه ممن ~~سبق عليه الكتاب بالشقاء , لأن الملك المنعم تام الملك العظيم الملك فهو ~~بحيث لا يسأل عما يفعل , قال معرضا عن عمله معترفا بعجزه , معلما بأن ا ~~لمنعم ms3524 غني عن العمل وعن غيره , لا تضره معصية ولا ينفعه طاعة : { وأدخلني ~~برحمتك } أي لا بعملي { ي عبادك الصالحين * } أي لما أردتهم له من تمام ~~النعمة بالقرب والنظر إليهم بعين العفو والرحمة والرضا . | PageV05P418 < < # | النمل : ( 20 - 24 ) وتفقد الطير فقال . . . . . # > > ^ ( وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغآئبين * ~~لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين * فمكث غير بعيد ~~فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين * إني وجدت امرأة تملكهم ~~وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم * وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله ~~وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ) ^ } ) | ولما ~~كان التقدير : فوصل إلى المنزل الذي قصده فنزله وتفقد أحوال جنوده كما ~~يقتضيه العناية بأمور الملك , أي تجنب فقدهم بأن تعرف من هو منهم موجود ومن ~~هو منهم مفقود , الذي يلزمه أن لا يغيب أحد منهم : { وتفقد الطير } إذ كانت ~~أحد أركان جنده ففقد الهدهد { فقال ما لي } أي أي شيء حصل لي حال كوني { لا ~~أرى الهدهد } أي أهو حاضر , وستره عني ساتر , وقوله { أم كان من الغائبين * ~~} كما أنه يدل على ما قدرته يدل على أنه فقد جماعة من الجند , فتحقق غيبتهم ~~وشك في غيبته , وذكره له دونهم يدل على عظيم منزلة الهدهد فيما له عنده من ~~النفع , وأن غيبة غيره كانت بأمره عليه السلام . | ثم قال على سبيل ~~الاستئناف إقامة لسياسة الملك ما يدل أيضا على عظمته , قالوا : إنه يرى ~~الماء في الأرض كما يرى الإنسان الماء من داخل الزجاج فينقر الأرض فتأتي ~~الشياطين فتستخرجه : { لأعذبنه } أي بسبب غيبته فيما لم آذن فيه { عذابا ~~شديدا } أي مع إبقاء روحه تأديبا له وردعه لأمثاله { أو لأذبحنه } أي ~~تأديبا لغيره { أو ليأتيني } أي ليكونن أحد هذه الثلاثة الأشياء , أو تكون ~~{ أو } الثانية بمعنى إلا أن فيكون المعنى : ليكونن أحد الأرمرين : التعذيب ~~أو الذبح : إلا أن يأتيني { بسلطان مبين * } أي حجة واضحة في عذره , فكأنه ~~مكث بعد الحلف ms3525 بالتهديد زمانا قريبا { غير بعيد } من زمان التهديد , وأتى ~~خوفا منهيبة سليمان عليه السلام , وقياما بما يجب عليه من الخدمة , قرأه ~~عاصم وروح عن يعقوب بفتح الكاف على الأغلب في الأفعال الماضية , وضمه ~~الجماعة إشارة إلى شدة الغيبة عن سليمان عليه السلام ليوافق إفهام جركة ~~الكلمة ما أفهمه تركيب الكلام { فقال } عقب إتيانه مفخما للشأن ومعظما ~~لرتبة العلم ودافعا لما علم أنه أضمر من عقوبته : { أحطت } أي علما { بما ~~لم تحط به } أي أنت من اتساع علمك وامتداد ملكك , والإحاطة : العلم بالشيء ~~من جميع جهاته , وفي هذه المكافحة التنبيه على أن أضعف الخلق قد يؤتي مالا ~~يصل إليه أقواهم لتتحاقر إلى العلماء علومهم ويردوا العلم في كل شيء إلى ~~الله , وفيه إبطال لقول الرافضة : إ , الإمام لا يخفى عليه شيء , ولا يكون ~~في زمانه من هو أعلم منه . | PageV05P419 ولما أبهمه تشويقا , وأخذ بمجامع ~~القلب إلى تعرفه , ثنى بمدح الخبر مجليا بعض إبهامه , هزا للنفس إلى طلب ~~إتمامه , فقال : { وجئتك } أي الآن { من سبأ } قيل : إنه اسم رجل صار علما ~~لقبيلة , وقيل : أرض في بلاد اليمن , وحكمة تسكين قنبل له بنية الوقف ~~الإشارة إلى تحقير أمرهم بالنسبة إلى نبي الله سليمان عليه السلام بأنهم ~~ليست لهم معه حركة أصلا على ما هم فيه من الفخامة والعز والبأس الشديد { ~~بنبأ } أي خبر عظيم { يقين * } وهو من أبدع الكلام موازنة في اللفظ ومجانسة ~~في الخط مع ما له من الانطباع والرونق , فكأنه قيل : ما هو ؟ فقال : { إني ~~وجدت امرأة } وهي بلقيس بنت شراحيل { تملكهم } أي أهل سبأ . | ولما كانت قد ~~أوتيت من كل ما يحتاج إليه الملوك أمرا كبيرا قال : { وأوتيت } بنى الفعل ~~للمفعول إقرارا بأنها مع ملكها مربوبة { من كل شيء } تهويلا لما رأى من ~~أمرها . | ولما كان عرشها - أي السرير الذي تجلس عليه للحكم - زائدا في ~~العظمة , خصه بقوله : { ولهاعرش } أي سرير تجلس عليه للحكم { عظيم * } أي ~~لم ار لأحد مثله . | ولما كان في الخدمة أقرب أهل ذلك الزمان إلى الله ms3526 فحصل ~~له من النورانية ما هاله لأجله إعراضهم عن الله , قال مستأنفا تعجيبا : { ~~وجدتها وقومها } أي كلهم على ضلال كبير , وذلك أنهم { يسجدون للشمس } ~~مبتدئين ذلك { من دون الله } أي من أدنى رتبة من رتب الملك الأعظم الذي لا ~~مثل له , وهي الرتبة الأفعال لأنها مصنوع من مصنوعاته تعالى سواء كان ذلك ~~مع الاستقلال أو الشرك { وزين لهم الشيكان أعمالهم } أي هذه القبيحة حتى ~~صاروا يظنونها حسنة . | ولما تسبب عن ذلك أنه أعماهم عن طريق الحق قال : { ~~فصدهم عن السبيل } أي الذي لا سبيل إلى الله غيره , وهو الذي بعث به ~~أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام . | ولما تسبب عن ذلك ضلالهمن قال : { ~~فهم } أي بحيث { لا يهتدون * } أي لا يوجد لهم هدى , بل هم في ضلال صرف , ~~وعمى محض . | < < # | النمل : ( 25 - 33 ) ألا يسجدوا لله . . . . . # > > ^ ( ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما ~~تخفون وما تعلنون * الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم * قال سننظر أصدقت ~~أم كنت من الكاذبين * اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا ~~يرجعون * قالت يأيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم * إنه من سليمان وإنه ~~بسم الله الرحمن الرحيم * ألا PageV05P420 تعلوا علي وأتوني مسلمين * قالت ~~يأيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون * قالوا نحن أولو ~~قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان هذا الضلال عجبا في نفسه فضلاص عن أن يكون من قوم يجمعهم ~~جامع ملك مبناه السياسة التي محطها العقل الذي هو نور الهداية , ودواء ~~الغواية , علله بانتفاء أعظم مقرب إلى الله : السجود , تعظيما له وتنويها ~~به فقال : { ألا } اي لئن لا { يسجدوا } أي حصل لهم هذا العمى العظيم الذي ~~استولى به عليهم الشيطان لانتفاء سجودهم , ويجوز أن يتعلق بالتزيين , اي ~~زين لهم لئلا يسجدوا { لله } أي يعبدوا الذي له الكمال كله بالسجود الذي هو ~~محل الإنس , ومحط القرب , ودارة المناجاة , وآية المعافاة , فإنهم لو سجدوا ~~له ms3527 سبحانه لاهتدوا , فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر , ففات الشيطان ما ~~يقصده منهم من الضلال , وعلى قراءة الكسائي وأبي جعفر بالتخفيف وإشباع فتح ~~الياء يكون استئنافا , بدىء بأداة الاستفتاح تنبيها لهم على عظم المقام ~~لئلا يفوت الوعظ أحدا منهم بمصادفته غافلا , ثم نادى لمثل ذلك وحذف المنادى ~~إيذانا بالاكتفاء بالإشارة لضيق الحال , خوفا من المبادرة بالنكال عن ~~استيفاء العبارة التي كان حقها : : ألا يا هؤلاء اسجدوا لله , أي لتخلصوا ~~من أسر الشيطان , فإن السجود مرضاة للرحمن , ومجلاة للعرفان , ومجناة لتمام ~~الهدى والإيمان . | ولما كانت اقصة في بيان علمه سبحانه السابق لعلم ~~الخلائق المستلزم للحكمة , وصفه بما يقتضي ذلك فقال : { الذي يخرج الخبء } ~~وهوالشيء المخبوء بالفعل المخفي في غيره , وهو ما وجد وغيب عن الخلق كالماء ~~الذي في بطن الأرض , أو بالقوة وهو ما لم يوجد أصلا , وخصه بقوله : { في ~~السماوات والأرض } لأن ذلك منتهى مشاهدتنا , فننظر ما يتكون فيهما بعد أن ~~لم يكن من سحاب ومطر ونبات وتوابع ذلك من الرعد والبرق وغيرهما , وما يشرق ~~من الكواكب ويغرب - إلى غير ذلك من الرياح , والبرد والحر , الحركة والسكون ~~, والنطق والسكوت , وما لا بحصيه إلا الله تعالى , والمعنى أنه يخرج ما هو ~~في عالم الغيب فيجعله في عالم الشهادة . | ولما كان ذلك قد يخص بما لم يضمر ~~في القلوب كالماء الذي كان يخرجه الهدهد وكان ذلك قد يعرف بأمارات , وكان ~~ما تضمره القلوب أخفى , قال : { ويعلم ما يخفون } ولما كان هذا مستزما لعلم ~~الجهر , وكان التصريح ما ليس لغيره من المكنة والطمأنينة , مع أن الإعلان ~~ربما كان فيه من اللغط واختلاط الأصوات ما يمنع المستمع من العلم , قال : { ~~وما يعلنون * } أي يظهرون . | ولما كام هذا الوصف موجبا لأن يعبد سبحانه ~~وحده , صرح بما يقتضيه في قوله ؛ PageV05P421 { الله } اي الملك الأعظم ~~الذي لا كفوء له ؛ ولما كان هذا إشارة إلى أنه لا سمي له , أتبعه التصريح ~~بأنه لا كفوء له فقال : { لا إله إلا هو } ولما كان وصف عرشها بعظم ما , ~~قال : { رب ms3528 } أي مبدع ومدبر { العرش العظيم * } أي الكامل في العظم الذي لا ~~عظيم يداينه , وهو محتو على جميع الأكوان , وقد ثبت أن صاحبه أعظم منه ومن ~~كل عظيم بآية الكرسي وبغيرها , فقطع ذلك لسان التعنت عندذكره مع مزيد ~~اقتضاء السياق له لأنه للانفراد بالإلهية المقتضية للقهر والكبر بخلاف آية ~~المؤمنون , وهذه آية سجدة على كل القراءتين , لأن مواضع السجود إما مدح لمن ~~أتى بها , أو ذم لمن تركها , كقراءة التشديد , أو أمر بالسجود كقراءة ~~التخفيف , والكل ناظر إلى العظمة . | ولما صح قوله في كون هذا خبرا عظيما , ~~وخطبا جسيما , حصل التشوق إلى جوابه فقيل : { قال } أي سليمان عليه السلام ~~للهدهد : { سننظر } أي نختبر ما قلته { أصدقت } أي فيه فنعذرك . | ولما كان ~~الكذب بين يديه - لما أوتيه من العظمة بالنبوة والملك الذي لم يكن لأحد ~~بعده - يدل على رسوخ القدم فيه , قال : { أم كنت } أي كونا هو كالجبلة { من ~~الكاذبين * } أي معروفا بالانخراط في سلكهم , فإنه لا يجترىء على الكذب ~~عندي إلا من كان عريقا في الكذب دون ( أم كذبت ) لأن هذا يصدق بمرة واحدة . ~~| ثم شرع فيما يختبره به , فكتب له كتابا على الفورفي غاية الوجازة قصدا ~~للإسراع في إزالة المنكر على تقدير صدق الهدهد بحسب الاستطاعة , ودل على ~~إسراعه في كتابته بقوله جوابا له : { اذهب بكتابي هذا } قول من كان مهيئا ~~عنده ودفعه إليه . | ولما كان عليهالسلام قد زاد قلقه بسجودهم لغير الله , ~~أمره بغاية الإسراع , وكأنه كان أسرع الطير طيرانا وأمده الله زيادة على ~~ذلك بمعونة منه إكراما لنبيه صلى الله عليه وسلم فصار كأنه البرق , فأشار ~~إلى ذلك بالفاء في قوله : { فألقه } ولما لم يخصها في الكتاب دونهم بكلام ~~لتصغير إليهم أنفسهم بخطابه مع ما يدلهم علىعظمته , جمع فقال : { إليهم } ~~أي الذين ذكرت أنهم يعبدون الشمس , وذلك للاهتمام بأمر الدين . | ولما كان ~~لو تأخر عنهم بعد إلقائه إلى موضع يأمن فيه على نفسه على ما هو فيه ن ~~السرعة لداخلهم شك في أ , ه هو الملقى له , أمره ms3529 بأن يمكث بعد إلقائه يرفرف ~~على رؤوسهم حتى يتحققوا أمره , فاشار سبحانه إلى ذلك بأداة التراخي بقوله , ~~{ ثم } أي بعد وصولك وإلقائك { تول } أي تنح { عنهم } إلى مكان تسمع فيه ~~كلامهم ولا يصلون معه إليك { فأنظر } عقب توليك { ماذا يرجعون * } اي من ~~القول من بعضهم إلى بعض بسبب الكتاب . | ولما كان العلم واقعا بأنه يفعل ما ~~أمر به لا محالة , وأنه لا يدفعه إلا إلى الملكة PageV05P422 التي بالغ في ~~وصفها , تشوفت النفس إلى قولها عند ذلك , فكان كأنه قيل : فأخذ الكتاب وذهب ~~به , فلما ألقاه إليها وقرأته , وكانت كاتبة نم قوم تبع { قالت } لقومها ~~بعد أن جمعتهم معمظمة لهم , أو لأشرافهم فقط : { يا ايها الملؤا } أي ~~الأشراف . | ولما كان من شأن الملوك أن لا يصل إليهم أحد بكتاب ولا غيره ~~إلا على ايدي جماعتهم , عظمت هذا الكتاب بأنه وصل إليها على غير ذلك ~~المنهاج فبنت للمفعول قولها : { إني ألقي إلي } أي بإلقاء ملق على وجه غريب ~~{ كتاب } أي صحيفة مكتوب فيها كلام وجيز جامع . | ولما كان الكريم كما تقدم ~~في الرعد - من ستر مساوىء الأخلاق بإظهار معاليها لأنه ضد اللئيم , وكان ~~هذا الكتاب قد حوى من الشرف أمرا باهرا لم يعهد مثله منجهة المرسل والرسول ~~والافتتاح بالاسم الأعظم إلى ما له من وجازة اللفظ وبلوغ المعنى , قالت : { ~~كريم * } ثم بينت كرمه أو استأنفت جوابا لمن يقول : ممن هو وما هو ؟ فقالت ~~: { إنه } أي الكتاب { من سليمان } وفيه دلالة على أن الابتداء باسم صاحب ~~الكتاب لا يقدح في الابتداء بالحمد { وأنه } اي المكتوب فيه { بسم الله ~~الرحم الرحيم * } فحمد المستحق للحمد وهو الملك الأعلى المحيط عظمه بدائرتي ~~الجلال والإكرام , العام الرحمة بك نعمة , فملك الملوك من فائض ما له من ~~الإنعام الذي يخص بعد العموم من يشاء بما يشاء مما ترضاه ألوهيته من إنعامه ~~العام , بعد التعريف باسمه إشارة إلى أنه المدعو إليه للعبادة بما وجب له ~~لذاته وما استحقه بصفاته , وذلك كله بعد التعريف بصاحب الكتاب ليكون ذلك ~~أجدر بقبوله ms3530 , لأن أكثر الخلق إنما يعرف الحق بالرجال , ولما في كتابه من ~~الدلالة على نبوته , فسر مراده بأمر قاهر فقال : { ألا تعالوا علي } أي لا ~~تمتنعوا من الإجابة لي , والإذعان لأمري , كما يفعل الملوك , بل اتركوا ~~علوهم , لكوني داعيا إلى الله الذي أعلمت في باء البسملة لا تكون حركة ولا ~~سكون إلا به , فيجب الخضوع له لكونه رب كل شيء { وأتوني مسلمين * } أي ~~منقادين خاضعين بما رايتم من معجزتي في أمر الكتاب . | ولما تشوفت النفس ~~غلى جوابهم , أعلم سبحانه بأنهم بهتوا فقال : { قالت يا أيها الملؤا } ثم ~~بينت ما داخلها من الرعب من صاحب هذا الكتاب بقولها : { أفتوني } أي تكرموا ~~علي بالإبانة عما أفعله { في أمري } هذا الذي أجيب به عن هذا الكتاب , جعلت ~~المشورة فتوى توسعا , لأن الفتوى الجواب في الحادثة , والحكم بما هو صواب ~~مستعار من الفتاء في السن الذي صفرة العمر ؛ ثم عللت أمرها لهم بذلك بأنها ~~شأنها دائما مشاورتهم في كل جليل وحقير , فكيف بهذا الأمر الخطير , وفي ذلك ~~استعطافهم PageV05P423 بتعظيمهم وإجلالهم وتكريمهم , فقال : { ما كنت } أي ~~كونا ما { قاطعة أمرا } أي فاعلته وفاصلته غير مترددة فيه { حتى تشهدون * } ~~وقد دل على غزارة عقلها وحسن أدبها , ولذلك جنت ثمرة أمثال ذلك طاعتهم لها ~~في المنشط والمكره , فاستأنف تعالى الإخبار عن جوابهم بقوله : { قالوا } أي ~~الملأ مائلين إلى الحرب : { نحن أولو قوة } أي بالمال والرجال { وأولو باس ~~} أي عزم في الحرب { شديد * والأمر } راجع وموكول { إليك } اي كل من ~~المسالمة والمصادمة { فانظري } بسبب أنه لا نزاع معك { ماذا تأمرين * } أي ~~به فإنه مسموع . | < < # | النمل : ( 34 - 40 ) قالت إن الملوك . . . . . # > > ^ ( قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة ~~وكذلك يفعلون * وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون * فلما جآء ~~سليمان قال أتمدونن بمال فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم بل أنتم بهديتكم ~~تفرحون * ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منهآ أذلة ~~وهم صاغرون * قال يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني ms3531 مسلمين * ~~قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين * ~~قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه ~~مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم ) ^ } ) | ولما علمت أن من سخر له الطير ~~على هذا الوجه لا يعجزه شيء يريده , ولا أحد بكيده , مالت إلى المسالمة , ~~فاستأنف سبحانه وتعالى الإخبار عنها بقوله : { قالت } جوبا لم اأحست في ~~جوابهم من ميلهم إلى الحرب أن الصواب من غير ارتياب أن نحتال في عدم قصد ~~هذا الملك المطاع ؛ ثم علل هذا أفهمه سياق كلامها بقولها { إن الملوك } أي ~~مطلقا , فكيف بهذا النافذ الأمر , العظيم القدر { إذا دخلوا قرية } أي عنوة ~~بالقهر والغلبة { أفسدوها } أي بالنهب والتخريب { وجعلوا اعزة قومها اذلة } ~~أي بما يرونهم من الباس , ويحلون بهم السطوة . | ثم أكدت هذا المعنى بقولها ~~: { وكذلك } أي ومثل هذا الفعل العظيم الشأن , الوعر المسلك البعيد السأو { ~~يفعلون * } دائما , هو خلق لهم مستمر جميعهم على هذا , فكيف بمن تطيعه ~~الطيور , ذوات الزكور , فيما يريده من الأمر . | ولما بينت ما في المصادمة ~~من الخطر , أتبعته ما عزمت عليه من المسالمة , فقالت : { وإني مرسلة } ~~وأشار سبحانه إلى عظيم ما ترسل له بالجمع في قولها : { إليهم } اي إليه ~~وإلى جنوده { بهدية } أي تقع منهم موقعا . | قال البغوي : وهي العطية ~~PageV05P424 على طريق الملاطفة . | { فناظرة } عقب ذلك وبسببه { بم } أي ~~بأي شيء { يرجع المرسلون * } بتلك الهدية عنه من المقال أو الحال , فنعمل ~~بعد ذلك على حسب ما نراه من أمره , فنكون قد سلمنا من خطر الإقدام على ما ~~لم نعرف عاقبته , ولم يضرنا ما فعلنا شيئا . | ولما كان التقدير / فأرسلت ~~بالهدية , وهي فيما يقال خمسمائة غلام مرد , زينتهم بزي الجواري , وأمرتهم ~~بتأنيث الكلام , وخمسمائة جارية في زي الغلمان , وأمر لهم بتغليظ الكلام . ~~| وجزعه معوجة الثقب , ودرة غير مثقوبة - وغير ذلك , وسألته أن ms3532 يميز بين ~~الغلمان والجواري , وأن يثقب الدرة , وأن يدخل في الجزعة خيطا , فأمرهم ~~بغسل الوجوه والأيدي , فكانت الجارية تأخذ الماء بإحدى يديها ثم تنقله إلى ~~الأخرى ثم تضرب الوجه وتصب الماء على باطن ساعدها صبا , وكان الغلام كما ~~يأخذ الماء يضرب به وجهه ويصب الماء على ظهر الساعد ويحدره على يديه حدرا , ~~وأمر الأرضة فثقبت الدرة , والدودة فأدخلت السلك في الثقب المعوج , رتب ~~عليه قوله مشيرا بالفاء إلى سرعة الإرسال : { فلما جاء } أي الرسول الذي ~~بعثته وارسلته , والمراد به الجنس ؛ قال أبو حيان : وهو يقع على الجمع ~~والمفرد والمذكر والمؤنث . | { سليمان } فدفع إليه ذلك { قال } اي سليمان ~~عليه السلام للرسول ولمن في خدمته استصغارا لما معه : { أتمدونن } أي أنت ~~ومن معك ومن أرسلك { بمال } وإنما قصدي لكم لأجل الدين , تحقيرا لأمر ~~الدنيا وإعلاما بأنه لا التفات له نحوها بوجه , ولا يرضيه شيء دون طاعة ~~الله . | ثم سبب عنه ما أوجب له استصغارا ما معه فقال : { فما آتان الله } ~~اي الملك الأعظم الذي له جميع الكمال من المال والجلال بالنبوة والملك ~~والقب منه سبحانه , وهو الذي يغني مطيعه عن كل ما سواه , فمهما سأله أعطاه ~~, وذلك أنه صف الشياطين والإنس والسباع والوحش والطير والهوام صفوفا فراسخ ~~عدة , وبسط المكان كله بلين الذهب إلى غير ذلك مما يليق به { خير ما آتاكم ~~} اي من الملك الذي لا نبوة فيه , ولا تأييد من الله . | ولما كان التقدير ~~: ولكنكم لا تعلمون أن هديتكم مما يزهد فيه لتقيدكم بظاهر من الحياة الدنيا ~~, نسق عليه قوله : { بل أنتم } اي بجهلكم لذلك تستعظمون ما أنتم فيه , ~~فأنتم { بهديتكم تفرحون * } بتجويزكم أن الدنيا تردني عنكم لأنها غاية قصدي ~~, ويجوز أن يراد أنكم تفرحون بما يهدي إليكم فتتركون من كنتم تريدون غزوة ~~لأجل ما آتاكم منه من الدنيا , فحالي خلاف حالكم , فإنه لا يرضيني إلا ~~الدين . | ثم افرد الرسول إرادة لكبيرهم بقوله : { ارجع } وجمع في قوله : { ~~إليهم } إكراما لنفسه , وصيانه لاسمها عن PageV05P425 التصريح بضميرها , ~~وتعميما لكل من يهتم بأمرها ms3533 ويطيعها { فلنأتينهم بجنود لا قبل } أي طاقة { ~~لهم بها } أي بمقابلتها لمقوامتها وقلبها عن قصدها , أي لا يقدرون أن ~~يقابلوها { ولنخرجنهم منها } أي من بلادهم { أذلة } . | ولما كان الذل قد ~~يكون لمجرد الانقياد , لا على سبيلالهوان , حقق المراد بقوله : { وهم ~~صاغرون * } أي لا يملكون شيئا من المنعة إن لم يقروا بالإسلام . | ولما ذهب ~~الرسل , وعلم صلى الله عليه السلام مما رأى من تصاغرهم لما رأوا من هيبته ~~وجلاله الذي حباه به ربه وعظمته أنهم يأتون بها مذعنة { قال } لجماعته ~~تحقيقا لقوله : { وأوتينا من كل شيء } لإعلامه بأنها استوثقت من عرشها : { ~~يا ايها الملؤ } أي الأشراف { أيكم يأتيني بعرشها } لترى بعض ما تاني الله ~~من الخوارق , فيكون أعون على متابعتها في الدين , ولآخذه قبل أن يحرم أخذه ~~بإسلامها , وأختبر به عقلها { قبل أن يأتوني } اي هي وجماعتها { مسلمين * } ~~أي منقادين لسلطاني , تاركين لعز سلطانهم , منخلعين من عظيم شأنهم , ليكون ~~ذلك أمكن في إقامة الحجة عليها في نبوتي وأعون على رسوخ الإيمان في قلبها ~~وإخلاصها فيه { قال عفريت } . | ولما كان هذا اللفظ يطلق على الأسد , وعلى ~~المارد القوي , وعلى الرجل النافذ في الأمر المبالغ فيه مع دهاء وقوة - ~~وقال الرازي : مع خبث ومكر - وعلى غيره , بينه بأن قال : { من الجن أنا } ~~الداهية الغليظ الشديد { آتيك به } ولما علم أن غرضه الإسراع قال : { قبل ~~أن تقوم من مقامك } أي مجلسك هذا , ثم أوثق الأمر وأكده بقوله : { وإني ~~عليه } أي الإتيان به سالما { لقوي } لا يخشى عجزي عنه { أمين * } لا يخاف ~~انتفاضي شيئا منه . | ولما كانت القصة لإظهار فضل العلم المستلزم للحكمة , ~~دلالة على أنه تعالى حكيم عليم , ترغيبا في القرآن , وحثا على ما أفاده من ~~البيان , قال حاكيا لذلك استئنافا جوابا لاستشراقه صلى الله عليه وسلم ~~لأقرب من ذلك : { قال الذي عنده } . | ولما كان لكتب الله من العظمة ما لا ~~يحيطه إلا الله , اشار إلى ذلك بتنكير ما لهذا الذي يفعل مثل هذا الخارق ~~العظيم من ذلك فقال : { علم } تنبيها على أنه اقتدر ms3534 على ذلك بقوة العلم ~~ليفيد ذلك تعظيم العلم والحث على نعلمه , وبين أن هذا الفضل إنما هو للعم ~~الشرعي فقال : { من الكتاب } أي الذي لا كتاب في الحقيقة غيره , وهو ~~المنسوب إلينا , وكأنه الذي كان شهيرا في ذلك الزمان , ولعله التوراة ~~والزبور , إشارة إلى أن من خدم كتابا حق الخدمة كان الله - تعالى كما ورد ~~في شرعنا - سمعه الذي PageV05P426 يسمع به , وبصره الذي يبصر به , ويده ~~التي يبطش بها , ورجله التي يمشي بها , أي إنه يفعل له ما يشاء , وقيل في ~~تعيينه إنه آصف بن برخيا وكان صديقا عالما : { أنا آتيك به } وهذا أظهر في ~~كونه اسم فاعل لأن الفعل قارن الكلام ؛ وبين فضله على العفريت بقوله : { ~~قبل أن يرتد } أي يرجع { إليك طرفك } أي بصرك غذا طرفت بأجفانك فأرسلته إلى ~~منتهاه ثم رددته ؛ قال القزاز : طرف العين : امتداد بصرها حيث ادرك , ولذلك ~~يقولون : لا أفعل ذلك ما ارتد إلي طرفي , أي ما دمت أبصر , ويقال : طرف ~~الرجل يطرف - إذا حرك جفونه , وقيل : الطرف اسم لجامع البصر لا يثنى ولا ~~يجمع . | وبين تصديق فعله لقوله أنه استولىعليه قبل أن يتحكم منه العفريت ~~فبادر الطرف إحضاره كما أشار إليه قوله تعالى : { فلنا رآه } اي العرش . | ~~ولما كانت الرؤية تكون قد تكون الرؤية قد تكون عن بعد ومجازية , وكذلك ~~العندية , بين أنها حقيقية بإظهار العامل في الظرف ومن حقه في غير هذا ~~السياق الحذف فقال : { مستقرا عنده } اي ثابتا ثباتا لا مرية فيه , ما هو ~~بسحر ولا منام لا مثال ؛ قال الإمام جمال الدين بن هشام في الباب الثالث من ~~كتابه المغني : زعم ابن عطية أن { مستقرا } هو المتعلق الذي يقدر في أمثاله ~~قد ظهر , والصواب ما قاله أبو البقاء وغيره منأن هذا الاستقرار معناه عدم ~~التحرك لا مطلق الوجود والحصول , فهو كون خاص . | { قال } أي سليمان عليه ~~السلام شكرا لما آتاه الله منهذه الخوارق : { هذا } أي الإتيان المحقق { من ~~فضل ربي } أي المحسن إلي , لا بعمل استحق به شيئا , فإنه أحسن ms3535 إلي بإخراجي ~~من العدم وتطويقي للعمل , فكل عمل نعمة منه يستوجب علي به الشكر , ولذلك ~~قال : { ليبلوني } أي يفعل معي فعل المبتلي الناظر { أأشكر } فأعترف بكونه ~~فضلا { أم أكفر } بظن أني أوتيته باستحقاق . | ثم زاد في حث نفسه على الشكر ~~بقوله : { ومن شكر } أي أوقع الشكر لربه { فإنما يشكر لنفسه } فإن نفعه لها ~~, وأما الله تعالى فهو أعلى من أن يكون له في شيء نفع أو عليه فيه ضر { ومن ~~كفر فإن ربي } أي المحسن إلي بتوفقي لما أنا فيه من الشكر { غني } أي عن ~~شكر , لا يضره تركه شيئا { كريم * } يفعل معه بإدرار النعم عليه فعل من ~~أظهر محاسنه وستر مساوئه , ثم هو جدير بأن يقطع إحسانه إن استمر على إجرانه ~~كما يفعل الغني بمن أصر على كفر إحسانه فإذا هو قد هلك . | < < # | النمل : ( 41 - 44 ) قال نكروا لها . . . . . # > > ^ ( قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون * ~~فلما جآءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين ~~* وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين * قيل لها ادخلي ~~الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال PageV05P427 إنه صرح ممرد ~~من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما قدم - كما هو دأب الصالحين - الشكر , علم أنه يفعل في العرش ما ~~لأجله أحضره , تشوفت النفس إليه فأجيبت بقوله : { قال } أي سليمان عليه ~~السلام : { نكروا لها عرشها } أي بتغيير بعض معالمه وهيئته اختبارا بعقلها ~~كما اختبرنا هي بالوصفاء والوصائف والدرة وغير ذلك , وإليه الإشارة بقوله : ~~{ ننظر أتهتدي } أي إلى معرفته فيكون ذلك سببا لهديتها في الدين { أم تكون ~~من الذين } شأنهم أنهم { لا يهتدون * } أي بل هم في غاية الغباوة , لا ~~يتجدد لهم اهتداء , بل لو هدوا لوقفوا عند الشيه , وجادلوا بالباطل وما ~~حلوا , وأشار إلى سرعة مجيئها إشارة إلى خضوعها بالتعبير بالفاء في قوله : ~~{ فلما جاءت } وكان مجيئها - على ما ms3536 قيل - في اثنى عشر ألف قيل من وجوه ~~اليمن , تحت يد كل قيل ألوف كثيرة , وكانت قد وضعت عرشها داخل بيت منيع , ~~ووكلت به حرسا أشداء { قيل } أي لها وقد رأت عرشها بعد تنكيره بتقليب نصبه ~~وتغييره , من قائل لا يقدر على السكوت عن جوابه لما نالها من الهيبة ~~وخالطها من الرعب منعظيم ما رت , فقرعها بكلمة تشمل على أربع كلمات : هاء ~~التنبيه , وكاف التشبيه , واسم الإشارة , مصدرة بهمزة الاستفهام , أي تنبهي ~~{ أهكذا } أمثل ذا العرش { عرشك قالت } عادلة عن حق الجواب من ( نعم ) أو ( ~~لا ) إشارة إلى أنها غلب على ظنها أنه هو بعينه كما قالوا في ( كأن زيدا ~~قائم ) : { كأنه هو } وذلك يدل على ثبات كبير , وفكر ثاقب , ونظر ثابت , ~~وطبع منقاد , لتجويز المعجزات والإذعان لها مع دهشة القدوم , واشتغال الفكر ~~بما دهمها من هيبته وعظيم أمره , فعلم سليمان عليه السلام رجاحة عقلها ~~وبطلان ما قال الشياطين من نقصه خوفا من أن يتزوجها فتفشي عليه أسرار الجن ~~لأن أمها كانت جنية - على ما قيل , وقالوا : إن رجلها كحافر الحمار , وإنها ~~كثيرة الشعر جدا . | ولما كانت مع ذلك قد شبه عليها ولم تصل إلى حاق ~~الانكشاف مع أنها غلبت على عرشها مع الاحتفاظ عليه , استحضر صلى الله عليه ~~وسلم ما خصه الله به من العلم زيادة في حثه على الشكر , فقال عاطفا على ما ~~تقديره : فأوتيت من أمر عرشها علما , ولكنه يخالجه شك , فدل على أنها في ~~الجملة من أهل العلم المهيئي للهداية , أو يكون التقدير بما دل عليه ما ~~يلزم من قولها { كأنه } : فجهات أمر عرشها على كثرة ملابستها له : { ~~وأوتينا } معبرا بنون الواحد المطاع , لا سيما والمؤتى سبب لعظمة شرعية , ~~وهو العلم الذي لا يقدر على إيتائه غير الله , ولذلك بني الفعل للمفعول لأن ~~فاعله معلوم { العلم } أي PageV05P428 بجميع ما آتانا الله علمه , ومنه أنه ~~يخفى عليها { من قبلها } أي من قبل إتيانها , بأن عرشها يشتبه عليها , أو ~~من قبل علمها بما ظنت من أمر عرشها , أو ms3537 أنا وأسلافي من قبل وجودها , فنحن ~~عريقون في العلم , فلذلك نحن على حقيقة من جميع أمورنا , وإنما قال : { ~~ننظر أتهتدي } بالنسبة إلى جنوده . | ثم ذكر السبب في وجود العلم واتساعه ~~وثباته فقال : { وكنا } أي مع العلم الذي هيأنا الله له بما جعل في غرائزنا ~~من النورانية { مسلمين * } أي خاضعين لله تعالى عريقين في ذلك مقبلين على ~~جميع أوامره بالفعل على حسب أمره كما أشار أليه قوله تعالى : < # > 77 ( { واتقوا الله ويعلمكم الله } ) 77 < # > [ البقرة : 282 ] , < # > 77 ( { يهديهم ربهم بإيمانهم } ) 77 < # > [ يونس : 9 ] . | ولماكان المعنى : وأما فإنها وإن أوتيت علما فلم يكن ~~ثابتا , ولا كان معه دين , ترجمه بقوله : { وصدها } أي هي عن كمال العلم ~~كما صدها عن الدين { ما } أي المعبود الذي { كانت } أي كونا ثابتا في الزمن ~~الماضي { تعبد } أي عبادة مبتدئة { من دون الله } أي غير الملك الأعلى الذي ~~له الكمال كله أو أدنى رتبة من رتبته , وهي عبادة الشمس ليظهر الفرق بين ~~حزب الله الحكيم العليم وحزب إبليس لسفيه الجهول . | ثم علل ذلك إشارة إلى ~~عظيم نعمة الله عليه بالنعمة على أسلافه بقوله : { إنها } وقرىء بالفتح على ~~البدل منفاعل ( صد ) { كانت من قوم } أي ذوي بطش وقيام { كافرين * } أي ~~فكان ذلك سببا - وإن كانت في غاية من وفور العقل وصفاء الذهن وقبول العلم ~~كما دل عليه ظنها في عرشها , ما يهتدي له إلا من عنده قابلية الهدي - في ~~اقتفائها لآثارهم في الدين , فصديت مرآة فكرها ونبت صوارم عقلها . | ولما ~~تم ذلك , كان كأنه قيل : هل كان بعد ذلك اختبار ؟ فقيل : نعم ! { قيل لها } ~~أي من قائل من جنود سليمان عليه السلام , فلم تمكنها المخالفة لما هناك من ~~الهيبة بالملك والنبوة والدين : { ادخلي الصرح } وهو قصر بناه قبل قدومها , ~~وجلس في صدره , وجعل صحنه من الزجاج الأبيض الصافي , وأجرى تحته الماء , ~~وجعل فيه دواب البحر , وأصله - كما قال في الجمع بين العباب والمحكم : بيت ~~واحد يبني منفردا ضخماطويلا في السماء , قال : وقيل : كل بناء متسع مرتفع , ~~وقيل : هو ms3538 القصر , وقيل : كل بناء عال مرتفع , والصرح : الألاض المملسة , ~~وصرحة الدار ساحتها . | ودل على مبادرتها لامتثال الأمر وسرعة دخولها ~~بالفاء فقال : { فلما رأته } وعبر بما هو من الحسبان دلالة على أن عقلها ~~وأن كان في غاية الرجاحة ناقص لعبادتها لغير الله فقال : { حسبته } أي لشدة ~~صفاء الزجاج واتصال الماء بسطحه الأسفل { لجة } أي غمرة عظيمة من ماء , ~~فعزمت على خوضها إظهارا لتمام الاستسلام { وكشفت عن ساقيها } PageV05P429 ~~أي لئلا تبتل ثيابها فتحتاج إلى تغييرها قبل الوصول إلى سليمان عليه السلام ~~, فرآها أحسن الناس ساقا وقدما غير أنها شعراء . | ولما حصل مراده , استؤنف ~~الإخبار عن أمره بعده فقيل : { قال } مبينا لعظم عقله وعلمه , وحكمته ~~وقدرته , مؤكدا لأنه لشدة اشتباهه بجودة المادة وتناهي حسن الصنعة وإحكامها ~~لا يكاد يصدق أنه حائل دون الماء : { إنه } أي هذا الذي ظننته ماءا { صرح } ~~أي قصر { ممرد } أي مملس , وأصل المرودة : الملامة والاستواء { من } أي ~~كائن من { قوارير * } أي زجاج ليتصف بشفوفة الماء فيظن أنه لا حائل دونه , ~~فلما رأت ما فضله الله به من العلم , المؤيد بالحكمة , المكمل بالوقار ~~والسكينة , والمتمم بالخوارق , بادرت إلى طاعته علما بأنه رسول الله , ~~فاستأنف تعالى الإخبار عن ذلك بقوله : { قالت } مقبلة على من آتاه , ~~للاستمطار من فضله , والاستجداء من عظيم وبله : { رب } أي أيها المحسن إلي ~~{ إني ظلمت نفسي } أي بماكنت فيه من العمى بعبادة غيرك عن عبادتك { وأسلمت ~~} أي ليظهر علي ثمرات الإسلام . | ولما ذكرت هذا الأساس الذي لا يصح بناء ~~طاعة إلا عليه , أتبعته الداعي الذي لا تتم ثمرات الأعمال المؤسسة عليه إلا ~~بحبه , والإذعان له , والانقياد والاعتارف بالفضل , وبهدايته غلى ما يصلح ~~منها وما لا يصلح على الوجوه التي لا تقوم إلا بها من الكميات والكيفيات . ~~| فقالت : { مع سليمان } . | ولما ذكر صفة الربوبية الموجبة للعبادة ~~بالإحسان , ذكرت الاسم الأعظم الدال على ذات المستجمع للصفات الموجبة ~~للإلهية للذات فقالت : { لله } أي مقرة له بالألوهية والربوبية على سبيل ~~الوحدانية . | ثم رجعت إشارة إلى العجز عن معرفة الذات حق المعرفة ms3539 إلى ~~الأفعال التي هي بحر المعرفة فقالت : { رب العالمين * } فعمت بعد أن خصت ~~إشارة إلى الترقي من حضيض دركات العمى إلى أوج درجات الهدى , فلله درها ما ~~أعلمها ! وأطيب أعراقها وأكرمها ! ويقال : أن سليمان عليه السلام تزوجها ~~واصطنع الحمام - وهو أول من اتخذه - وأذهب شعرها بالنورة . | < < # | النمل : ( 45 - 49 ) ولقد أرسلنا إلى . . . . . # > > ^ ( ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان ~~يختصمون * قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله ~~لعلكم ترحمون * قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم ~~تفتنون * وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون * قالوا ~~تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا ~~لصادقون ) ^ } ) | PageV05P430 ولماأتم سبحانه هذه القصة المؤسسة على العلم ~~المشيد بالحكمة المنبئة عن أن المدعوين فيها أطبقوا على الاستسلام للدخول ~~في الإسلام , مع أبالة الملك ورئاسة العز , والقهر على يد غريب عنهم بعيد ~~منهم , أتبعها قصة انقسم أهلها مع الذل والفقر فريقين مع أن الداعي منهم لا ~~يزول باتباعه شيء من العز عنهم , مع ما فيها من الحكمة , وإظهار دقيق العلم ~~بإبطال المكر , بعد طول الأناة والحلم , فقال تعالى مفتتحا بحرف التوقع ~~والتحقيق لمن ظن أن هذا شأن كل رسول مع يدعوهم , عاطفا على { ولقد آتينا ~~داود } : { ولقد أرسنا } أي بما لنا من العظمة { إلى ثمود } ثم أشار إلى ~~العجب من توقفهم بقوله : { أخاهم صالحا } فجمع إلى حسن الاسم وقرب النسب . ~~| ثم ذكر المقصود منالرسالة بما لا أعدل منه ولا أحسن , وهو الاعتراف بالحق ~~لأهله , فقال : { أن اعبدوا الله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له وحده , ~~ولا تشركوا به شيئا ولا سيما شيئا لا يضر بوجه ولا ينفع , بيانا لأن الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام متفقون على ذلك عربهم وعجمهم . | ثمزاد في التعجيب ~~منهم بما أشارت إليه الفاء وأداة المفاجأة من المبادرة إلى الافتراق بما ~~يدعو إلى الاجتماع فقال : { فإذا هم } أي ثمود { فريقان } ثم بين بقوله : { ~~يختصمون ms3540 * } أنها فرقة افتراق بكفر وإيمان , لا فرقة اجتماع في هدى وعرفان ~~, فبعضهم صدق صالحا واتبعه كما مضى في الأعراف . | وتأتي هنا الإشارة إليه ~~بقوله ( وبمن معك ) وبعضهم استمر على شركه وكذبه , وكل فريق يقول : أنا على ~~الحق وخصمي على الباطل . | ثم استأنف بما أشار إليه حرف التوقع من شدة ~~التشوف قائلا : { قال } أي صالح مستعطفا في هدايته : { يا قوم } أي يا ~~أولاد عمي ومن فيهم كفاية للقيام بالمصالح { لم تستعجلون } أي تطلبون ~~العجلة بالإتيان { بالسيئة } أي الحالة التي مساءتها ثابتة وهي العقوبة ~~التي أنذرت بها من كفر { قبل } الحالة { الحسنة } من الخيرات التي أبشركم ~~بها في الدنيا والآخرة إن آمنتم , والاستعجال : طلب الإتيان بالأمر قبل ~~الوقت المضروب له . | واستعجالهم لذلك للإصرار على سببه وقولهم استهزاء { ~~أئتنا بما تعدنا } { لولا } أي هلا ولم لا { تستغفرون الله } أي تطلبون ~~غفران الذي له صفات الكمال لذنوبكم السالفة بالرجوع إيه بالتوبة بإخلاص ~~العبادة له { لعلكم ترحمون * } أي لتكونوا على رجاء من أن تعاملوا من كل من ~~فيه خير معاملة المرحوم بإعطاء الخير والحماية من الشر , ثم استأنف حكاية ~~جوابهم فقال : { قالوا } فظاظة وغلظة مشبرين بالإدغام إلى أن ما يقولونه ~~إنما يفهمه الحاذق بمعرفة الزجر وإن كان الظاهر خلافه بما أتاهم به من ~~الناقة التي كان في وجودها من البركة أمر عظيم ؛ { اطيرنا } أي تشاءمنا { ~~بك وبمن معك } أي وهو الذين آمنوا بك , فإنه وقع بيننا بسببكم الخلاف , ~~PageV05P431 وكثر القيل والقال والإرجاف , وحصلت لنا شدائد واعتساف , لأنا ~~جعلناكم مثل الطائر الذي يمر من جهة الشمال - على ما يأتي في الصافات { قال ~~طائركم } أي ما تيمنون به فيثمر ما يسركم , أو تتشاءمون به فينشأ عنه ما ~~يسوءكم وهو عملكم من الخير أو الشر { عند الله } أي الملك الأعظم المحيط ~~بكل شيء علما وقدرة , وليس شيء منه بيد غيره ولا ينسب إليه , فإن شاء جعلنا ~~سببه وإن شاء جعل غيرنا . | ولما كان معنى نسبته إلى الله أن هذا هذا الذي ~~بكم الآن من الشر ليس منا , قال ms3541 : { بل أنتم قوم تفتنون * } أي تختبرون من ~~الملك الأعلى بما تنسبونه إلى الطير من الخير والشر , أي تعاملون به معاملة ~~الاختبار هل تصلحون للخير بالرجوع عن الذنب فيخفف عنكم أو لا فتمحنوا . | ~~ولماأخبر عن عامة هذا الفريق بالشر , أخبر عن شرهم بقوله : { وكان في ~~المدينة } أي مدينتهم الحجر من عظماء القرية وأعيانها { تسعة رهط } اي رجال ~~, مقابلة لآيات موسى التسع . | ولما كان الرهط بمعنى القوم والرجال , أضيفت ~~التسعة إليه , فكأنه قيل : تسعة رجال , وإن كان لقوم ورجال مخوصين , وهم ما ~~بين الثلاثة أو السبعة إلى العشرة , وما دون التسعة فنفر , وقال في القاموس ~~: إن النفر ما دون العشرة غير أنه يفهم التفرق , والرهط يفهم العظمة والشدة ~~والاجتماع { يفسدون } وقال : { في الأرض } إشارة إلى عموم فسادهم ودوامه . ~~| ولما كان الكفرة كلهم مفسدين بالكفر , وكان بعضهم ربما كان يصلح في بعض ~~أفعاله , بين أن هؤلاء ليسوا كذلك , بل هم شر محض فحقق خلوصهم للفساد بقوله ~~مصرحا بما أفهمته صيغة المضارع : { ولا يصلحون * } . | ولما اقتضى السياق ~~السؤال عن بيان بعض حالهم , أجاب بقوله : { قالوا تقاسموا } أمر مما منه ~~القسم , أي أوقعوا المقاسمة والمحالفة بينكم { بالله } أي الذي لا سمى له ~~لما شاع من عظمته , وشمول إحاطته في علمه وقدرته , فليقل كل منكم عن نفسه ~~ومن إشارة إلى أنكم كالجسد الواحد : { لنبيتنه } أي صالحا { وأهله } أي ~~لنهلكن الجميع ليلا , فإن البيات مباغتة العدو ليلا . | ولما كانت العادة ~~جارية بأن المبيتين لا بد أن يبقى بعضهم , قالوا : { ثم لنقولن لوليه } أي ~~المطالب بدمه إن بقي منهم أحد : { ما شهدنا } أي حضرنا حضورا تاما { مهلك } ~~أي هلاك { أهله } أي أهل ذلك الولي فضلا عن أن نكون باشرنا , أو أهل ~~PageV05P432 صالح عليه السلام فضلا عن أن نكون شهدنا مهلك صالح أو باشرنا ~~قتله ولا موضع إهلاكهم . | ولما كانت الفجيعة من وليه بهلاكه - عليه السلام ~~- أكثر منالفجيعة بهلاك أهله وأعظم , كان في السياق بالإسناد إلى الولي - ~~على تقدير كون الضمير لصالح عليه السلام - أتم إرشاد إلى أن التقدير ms3542 : ولا ~~مهلكه . | ولما كانوا قد صمموا على هذا الأمر , وظنوا أنفسهم على المبالغة ~~في الحلف والاجتراء على الكذب فقالو : { وإنا } أي ونقول في جملة القسم ~~تأكيدا للقسم , إيهاما لتحقق الصدق : وإنا { لصادقون * } فيا للعجب من قوم ~~إذا عقدوا اليمين فزعوا إلى الله العظيم , ثم نفروا عنه نفور الظليم , إلى ~~أوثان أنفع منها الهشيم . | < < # | النمل : ( 50 - 58 ) ومكروا مكرا ومكرنا . . . . . # > > ^ ( ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون * فانظر كيف كان عاقبة ~~مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين * فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك ~~لآية لقوم يعلمون * وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون * ولوطا إذ قال لقومه ~~أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون * أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء بل ~~أنتم قوم تجهلون * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم ~~إنهم أناس يتطهرون * فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين * ~~وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين ) ^ } ) | ولما كان هذا منهم عمل من ~~لا يظن أن الله عالم به , قال تعالى محذرا أمثالهم عن أمثال ذلك : { ومكروا ~~مكرا } أي ستروا عظيما أرادوا به الشر بهذه المساومة على المقاسمة , فكان ~~مكرهم الذي اجتهدوا في ستره لدينا مكشوفا وفي حضرتنا معروفا وموصوفا , ~~فشعرنا بل علمنا به فأبطلناه { ومكرنا مكرا } أي وجزينانهم على فعلهم بما ~~لنا من العظمة شيئا هو المكر في الحقيقة فإنه لا يعلمه أحد من الخليقة , ~~ولذلك قال : { وهم } أي مع اعتنائهم بالفحص عن الأمور . | والتحرز من عظائم ~~المقدور { لا يشعرون * } أي لا يتجدد لهم شعور بما قدرناه عليهم بوجه ما , ~~فكيف بغيرهم , وذلك أنا جعلنا تدميرهم في تدبيرهم , فلم يقدروا على إبطاله ~~, فأدخلناهم في خبر كان , لم يفلت منهم إنسان , وأهلكنا جميع الكفرة من ~~قومهم في أماكنهم مساكنهم أو غير مساكنهم , وأما مكرهم فكانوا على اجتهادهم ~~في إتقانه وإحكام شأنه , قد جوزوا فيه سلامة بعض من يقصدونه بالإهلاك , ~~فشتان بين المكرين , وهيهات هيهات لما بين الأمرين , وقد ظهر أن الآية إما ~~احتباك أو شبيهة بهك عدم الشعور دال ms3543 على حذف عدم الإبطال من الثاني , وعلى ~~حذف الشعور والإبطال الذي هو نتيجة من الأول . | PageV05P433 ولما علم من ~~هذا الإبهام تهويل الأمر , سبب عنه سبحانه زيادة في تهويله قوله : { فانظر ~~} وزاده عظمة بالإشارة بأداة الاستفهام إلى أنه أهل لأن يسأل عنه فقال : { ~~كيف كان عاقبة مكرهم } فإن ذلك سنتنا في أمثالهم , ثم استأنف لزيادة ~~التهويل قوله بينا لما أبهم : { إنا } أي بما لنا من العظمة , ومن فتح فهو ~~عنده بدل من { عاقبة } { دمرناهم } أي أهلكناهم , أي التسعة المتقاسمين , ~~بعظمتنا التي لا مثل لها { وقومهم أجمعين * } لم يفلت منهم مخبر , ولا كان ~~في ذلك تفاوت بين مقبل ومدبر , وأين يذهب أحد منهم أو من غيرهم من قبضتنا ~~أو يفر من مملكتنا . | ولما كانت يتسبب عن دمارهم زيادة الهول والعرب ~~بالإشارة إلى ديارهم , لاستحضار أحوالهم , واستعظامهم بعظيم أعمالهم , قال ~~: { فتلك } أي المبعدة بالغضب على أهلها { بيوتهم } أي ثمود كلهم { خاوية } ~~أي خالية , متهدمة بالية , مع شدة اركانها , وإحكام بنيانها , فسبحان ~~الفعال لما يريد , القادر على الضعيف كقدرته على الشديد . . | ولم ذكر ~~الهلاك , أتبعه سببه في قوله : { بما ظلموا } أي أوقعوا من الأمور في غير ~~مواقعها فعل الماشي في الظلام , كما عبدوا من الأوثان , ما يستحق الهوان , ~~ولا يستحق شيئا من التعظيم بوجه , معرضين عمن لا عظيم عندهم غيره عند ~~الإقسام , والشدائد والاهتمام , وخراب البيوت - كما قال أبو حيان - وخلوها ~~من أهلها حتى لا يبقى منهم أحد مما يعاقب به الظلمة . | ثم زاد في التويل ~~بقوله : { إن في ذلك } أي الأمر الباهر للعقول الذي فعل بثمود { لآية } اي ~~عظيمة , ولكنها { لقوم يعلمون * } أي لهم علم . | وأما من لا ينتفع بها ~~نادى على نفسه بأنه في عداد البهائم . | ولما كان ذلك ربما أوهم أن الهلاك ~~عم الفريقين قال : { وأنجينا } بعظمتنا { الذين آمنوا } أو وهم الفريق ~~الذين كانوا مع صالح عليه السلام كلهم { وكانوا يتقون * } اي متصفين ~~بالتقوى اتصافا كأنهم مجبولون عليه , فيجعلون بينهم وبين ما يسخط ربهم ~~وقايه من الأعمال الصالحة , والمتاجر الرابحة . | وكذلك ms3544 نفعل بكل من فعل ~~فعلهم , قيل : كانوا أربعة آلاف , ذهب بهم صالح عليه السلام إلى حضرموت , ~~فلما دخلوها مات صالح عليه السلام , فسميت بذلك . | ولما فرغ من قصة القريب ~~الذي جعا قومه فإذا هم قسمان , بعد الغريب الذي لم يختلف عليه ممن دعاهم ~~اثنان , اتبعها بغريب لم يتبعه ممن دعاهم إنسان , فقال دالا على أنه له ~~سبحانه الاختيار , فتارة يجري الأمور على القياس , واخرى على خلاف الأساس , ~~الذي يقتضيه عقول الناس , فقال : { ولوطا } أي ولقد أرسلناه ؛ وأشار إلى ~~PageV05P434 سرعة إبلاغه بقوله : { إذ } أي حين { قال لقومه } أي الذين كان ~~سكن فيهم لما فارق عمه إبراهيم الخليل عليه السلام وصاهرهم , وكانوا يأتون ~~الأحداث , منكرا نوبخا : { أتأتون } ولما كان لللإبهام ثم التعيين من هز ~~النفس وترويعها ما ليس للتعيين من أول الأمر قال : { الفاحشة } أي الفعلة ~~المتناهية في القبح { وأنتم تبصرون * } أي لكم عقول تعرفون بها المحاسن ~~والمقابح , وربما كان بعضهم يفعله بحضرة بعض كما قال < # > 77 ( { وتأتون في ناديكم المنكر } ) 77 < # > [ العنكبوت : 29 ] فيكون حينئذ من البصر والبصيرة ؛ ثم أتبع هذا ~~الإنكار إنكارا آخر لمضمون جملة مؤكدة أتم التأكيد , إشارة إلى أن فعلتهم ~~هذه مما يعي الواصف , ولا يبلغ كنه قبحها ولا يصدق ذو عقل أن أحدا يفعلها , ~~فقال معينا لما أبهم : { أئنكم لتأتون } وقال : { الرجال } تنبيها على ~~بعدهم عما يأتونه إليهم , ثم علله بقوله : { شهوة } إنزالا لهم إلى رتبة ~~البهائم التي ليس قصد ولد ولا عفاف ؛ وقال : { من دون } أي إتانا مبتدئا من ~~غير , أو أدنى رتبة من رتبة { النساء } إشارة إلى أنهم أساؤوا من الطرفين ~~في الفعل والترك . | ولما كان قوله : { شهوة } ربما أوهم أنهم لا غنى بهم ~~عن إتيانهم للشهوة الغلبة لكن النساء لا تكفيهم , لذلك نفى هذا بقوله : { ~~بل } أي إنكم لا تأتونهم لشهوة محوجة بل { أنتم قوم } ولما كان المقصود ~~السورة إظهار العلم والحكمة , وكانوا قد خالفوا ذلك إما بالفعل وإما لكونهم ~~يفعلون من الإسراف وغيره عمل الجهلة , قال : { تجهلون * } أي تفعلون ذلك ~~ذلك إظهارا للتزين ms3545 بالشهوات فعل المبالغين في الجهل الذين ليس لهم نوع علم ~~في التجاهر بالقبائح خبثا وتغليبا لأخلاق البهائم , مع ما رزقكم الله من ~~العقول التي أهملتموها حتى غلبت عليها الشهوة , وأشار إلى تغاليهم في الجهل ~~الذين ليس لهم نوع سببوا عن ذلك بقوله : { فما كان جواب قومه } أي لهذا ~~الكلام الحسن لما لم يكن لهم حجة في دفعه بل ولا شبهة { إلا أن } صدقوه في ~~نسبته لهم إلى الجهل وافتخارهم به بما عدولا إلى المغالبة وتماديا في الخبث ~~{ أخرجوا آل لوط } فأظهر ما أضمره في الأعراف لأن الإظهار أليق بسورة العلم ~~والحكمة وإظهار الخبء , وقالوا ؛ { من قريتكم } منا عليه بإسكانه عندهم ؛ ~~وعللوا ذلك بقولهم : { إنهم } ولعلهم عبروا بقولهم : { أناس } مع صحة ~~المعنى بدونه تهكما عليه لما فهموا من أنه أنزلهم إلى رتبة البهائم { ~~يتطهرون * } أي يعدون أفعالنا نجسة ويتنزهون عنها . | فلما وصلوا في الخبث ~~إلى هذا الحد , سبب سبحانه عن قولهم وفعلهم قوله : { فأنجيناه وأهله } اي ~~كلهم , أي من أن يصلوا إليه بأذى أو يلحقه شيء من عذابنا { إلا امرأته } ~~فكأنه قيل : فما كان من أمرها ؟ فقيل : { قدرناها } أي جعلناها بعظمتنا ~~وقدرتنا PageV05P435 في الحكم وإن كانت خرجت معه { من الغابرين * } أي ~~الباقين في القرية في لحوق وجوههم والداهية الدهياء أنفسهم وديارهم حتى ~~كانوا كأمس الدابر { وأمطرنا } وأشار إلى أنه إمطار عذاب بالحجارة مع ~~تعديته بالهمزة وهو معدى بدونها فصارت كأنها لإزالة الإغاثة بالإتيان بضدها ~~بقوله : { عليهم } وأشار إلى سوء الأثر لاستلزامه سوء الفعل الذي نشأ عنه ~~وغرابته بقوله : { مطرا } أي وأي مطر ؛ ولذلك سبب عنه قوله : { فساء مطر ~~المنذرين * } أي الذين وقع الإنذار الذي هو الإنذار . | < < # | النمل : ( 59 - 64 ) قل الحمد لله . . . . . # > > ^ ( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ءآلله خير أما يشركون ~~* أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا به حدآئق ذات ~~بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أءله مع الله بل هم قوم يعدلون * أمن جعل ~~الأرض قرارا وجعل خلالهآ أنهارا وجعل لها رواسي ms3546 وجعل بين البحرين حاجزا ~~أءله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون * أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ~~ويجعلكم حلفآء الأرض أءله مع الله قليلا ما تذكرون * أمن يهديكم في ظلمات ~~البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته أءله مع الله تعالى الله ~~عما يشركون * أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السمآء والأرض أءله مع ~~الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) ^ } ) | وبما تم بهذه القصص ~~استنتاج ما أراد سبحانه من الدليل على حكمته وعلمه ومباينته للأصنام في ~~قدرته وحلمه , أمر نبيه صلى الله عليه السلام بأن يحمده شكرا على ما علم ~~ويقررهم بعجز أصنامهم ردا لهم عن الجهل بأوضح طريق وأقرب متناول فقال : { ~~قل } ما أنتجه ما تقدم في هذه السورة , وهو { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف ~~الكمال { لله } أي مختص بالمستجمع للأسماء الحسنى , والصفات العلى الإعدام ~~كما كان عند الإيجاد { وسلام } أي سلامة وعافية وبقاء في الحين وكل حين , ~~كما كان قبل هذا في غابر السنين , وأشار بأنه لا وصول للعطب إلأيهم بأداة ~~الاستعلاء في قوله : { على } وأشار إلى شرفهم بقوله : { عباده } بإضافتهم ~~إليه ؛ وأكد ذلك بقوله : { الذين اصطفى } أي في كل عصر وحين كما أن الحمد ~~لمعبودهم أزلا وأبدا لا بذين , وعطب وغضب على من عصى , وخالف الرسل وأبى ~~كما ترى في أصحاب هذه الأنباء , والمهنى أن هذا الحكم المستمر بنجاة الرسل ~~وأتباعهم , وهلاك الكافرين وأشياعهم , دليل قطعي على أن الإحاطة لله في كل ~~أمر ؛ قال أبو حيان : وكان هذا صدر خطبة لما يلقى من البراهين الدالة على ~~الوحدانية والعلم والقدرة , ومما يتنبه له أنه لم يرد في قصة لوط عليه ~~السلام PageV05P436 أكثر من نهيه لهم عن هذه الفاحشة , فلا يخلو حالهم من ~~أمرين : إما أنهم كانوا لا يشركون بالله تعالى شيئا , ولكنهم لما ابتكروا ~~هذه المعضلة وجاهروا بها مصرين عليها , أخذوا بالعذاب لذلك ولكفرهم ~~بتكذيبهم رسولهم , كما صرحت به آية الشعراء , وإما أنهم كانوا مشركين , ~~ولكنه عليه السلام لما رآهم قد سلفوا إلى ms3547 رتبة البهيمية , رتب داعاءهم منها ~~إلى رتبة الإنسانية , ثم إلى رتبة الوحدانية , ويدل على هذا التقدير الثاني ~~قوله مشيرا إلى أن الله تعالى أهلكهم وجميع من كفر من قبلهم , ولم تغن عنهم ~~معبوداتهم شيئا , بقوله : { الله } أي الذي له الجلال والإكرام { خير } أي ~~لعباده الذين اصطفاهم فأنجاهم { أما تشركون * } يا معاشر العرب من الأصنام ~~وغيرها لعباديها ومحبيها فإنهم لا يغنون عنكم شيئا كما لم يغنوا عمن عبدهم ~~من هؤلاء الذين أهلكناهم شيئا , ولا تفزعون عند شدائدهم إلا إلى الله وحده ~~, هذا على على قراءة الخطاب للجماعة , والتقدير على قراءة الغيب للبصرين ~~وعاصم : أما يشرك الكفار عامة قديما وحديثا لمن أشركوا بهم , فلم يقدروا ~~على نفعهم عند إحلال البأس بهم , وأفعل التفضيل لإلزام الخصم والتنبيه على ~~ظهور خطائه المفرط , وجهله المورط إلى حد لا يحتاج فيه إلى كشف لأعلى بابها ~~. | ولما كان مع هذا البيان منالأم الواضح أن التقدير زيادة في توبيخ ~~المشكرين وتقرير المنكرين : من فعل هذه الأفعال البالغة في الحكمة ~~المتناهية في العلم أم من سميتموه إلها , ولا اثر له أصلا , عاد له بقوله : ~~{ أمن } وكان الأصل : أم هو , ولكنه عبر باسم موصول أصل وضعه لذي العلم , ~~ووصله بما لا يصح أن يكون لغيره ليكون كالدعوى المقرونة بالدليل فقال : { ~~خلق السماوات والأرض } تنبيها بالقدرة علىبدء الخلق على القدرة على إعادته ~~, بل من باب الأولى , دلالة على الإيمان بالآخرة تخافا بأخلاق المؤمنين ~~الذين مضى أول السورة أن هذا القرآن المبين بشرى لهم . | ولما كان الإنبات ~~. | من أدل الآيات , على إحياء الأموات , قال : { وأنزل } وزاد في تقريعهم ~~وتبكيتهم وتوبيخهم بقوله : { لكم } أي لأجلكم خاصة وأنتم تكفرون به وتنسبون ~~ما تفرد به من ذلك لغيره : { من السماء ماء } هو للارض كالماء الدافق ~~للأرحام كالماء الذي ينزل آخر الدهور على القبور . | في وجوده وقدرته ~~واختياره لفعل المتباينات في الطعم واللون والريح والطبع والشكل بماء واحد ~~في أرض واحدة واختصاصه بفعل ذلك من غير مشاركة شيء له شيء منه أصلا , وهو ~~آيته العظمى على ms3548 أمر البعث , عدل إلى التكلم وعلى وجه العظمة فقال : { ~~فأنبتنا } أي بما لنا من العظمة { به حدائق } أي بساتين محدقة - أي محيطة - ~~بها أشجارها وجدرانها , والظاهر PageV05P437 أن المراد كل ما كان هكذا , ~~فإنه في قوة أن يدار عليه الجدار وإن لم يكن له جدار , وعن الفراء أن ~~البستان إن لم يكن عليه حائط فليس بحديقة . | ولما كان الأولى بجمع الكثرة ~~لما لا يعقل الوصف بالمفرد قال مفيدا أنها كالشيء الواحد في ذلك الوصف : { ~~ذات بهجة } أي بهاء وحسن رونق , وبشر بها وسرور على تقارب اصولها مع اختلاف ~~أنواعها , وتباين طعومها وأشكالها , ومقاديرها وألوانها . | ولما أثبت ~~الإنبات له , نفاه عن غيره على وجه التأكيد تنبيها على تأكد اختصاصه بفعله ~~, وعلى أنه إن أسند إلى غيره فهو مجاز عن التسبب وأن الحقيقة ليست إلا له ~~فقال : { ما كان } أي ما صح وما تصور بوجه من الوجوه { لكم } وأنتم أحياء ~~فضلا عن شركائكم الذين هم أموات بل موات { أن تنبتوا شجرها } أي شجر تلك ~~الحدائق . | ولما ثبت أنه المتفرد بالألوهية , حسن موقع الإنكار والتقرير ~~في قوله : { أإله } أي كائن { مع الله } أي الملك الأعلى الذي لا مثل له . ~~| ولما كان الجواب عند كل عاقل : لا وعزته ! قال معرضا عنهم للإيذان بالغضب ~~: { بل هم } أي في جعائهم معه سبحانه شريكا { قوم يعدلون * } أي عن الحق ~~الذي لا مرية فبه إلى غيره , مع العلم بالحق , فيعدلون بالله غيره . | ولما ~~فرغ من آية اشترك فيها الخافقان , ذكر ما تتفرد به الأرض , لأنها اقرب ~~إليهم وهم بحقيقتها وما لا بسوه من أحوالها أعلمم منهم بالأمور السماوية , ~~تعديدا للبراهين الدالة على تفرده بالفعل الدال على تفرده بالإلهية , فقال ~~مبدلا من { أمن خلق } : { أمن } أي أم فعل ذلك الذي { جعل الأرض قرارا } أي ~~مستقرة في نفسها ليقر عليها غيرها , وكان القياس يقتضي أن تكون هاوية أو ~~مضطربة كما يضطرب ما هو معلق في الهواء . | ولما ذكر قرارها , أتبعه دليله ~~في معرض الامتنان فقال : { وجعل خلالها } اي في الأماكن المنفرجة ms3549 بين ~~جبالها { أنهارا } أي جارية هلى حالة واحدة , فلو اضطربت الأرض أدنى اضطراب ~~, لتغيرت مجاري المياه بلا ارتياب . | ولما ذكر الدليل , ذكر سبب القرار ~~فقال : { وجعل لها رواسي } أي كمارسي السفن , كانت أسبابا في ثباتها على ~~ميزان دبره سبحانه في مواضع من أرجائها بحيث اعتدلت جميع جوانبها فامتنعت ~~من الاضطراب . | ولما أثبت القرار وسببه , وكان قد جعل سبحانه للأنهار طرقا ~~تتصرف فيها ولو حبسها عن الجري شيء لأوشك أن تستبحر , فيصير أكثر الأرض لا ~~ينتفع به في سير ولا PageV05P438 نبات , أو أن تخرق ذلك الحابس بما لها من ~~قوة الجري وشدة النفوذ بلطافة السريان , لأن من عادة المياه التخلل بين ~~أطباق التراب والتغلغل بما لها من اللطافة والرقة , والثقل في الأعماق ولو ~~قليلا قليلا , وكان سبحانه قد سد ما بين البحرين : الرومي والفارسي , وكان ~~ما بينهما من الأرض إنما هو يسير جدا في بعض المواضع , وكان بعض مياه الأرض ~~عذبا , وبعضه ملحا , معالقرب جدا من ذلك العذب , سالهم - تنبيها لهم على ~~عظيم القدرة - عن الممسك لعدوان أحدهما على آخر , ولعدوان كل من خليجي ~~الملح على ما بينهما لئلا يخرقاه فيتصلا فقال : { وجعل بين البحرين حاجزا } ~~اي يمنع أحدهما أن يصل إلى الآخر . | ةولماكان من المعلوم أنه الله وحده . ~~| ليس عند عاقل شك في ذلك , كرر الإنكار في قوله : { إله مع الله } أي ~~المحيط علما وقدرة . | ولما كان الجواب الحق قطعا : لا , وكان قد أثبت لهم ~~في الإضراب الأول علما من حيث الحكم على المجموع , وكان كل منهم يدعي رجحان ~~العقل , وصفاء الفكر , ورسوخ اقدم في العلم بما يدعيه العرب , قال : { بل ~~أكثرهم } اي الخلق الذين ينتفعون بهذه المنافع { لا يعلمون * } أي ليس لهم ~~نوع من العلم , بل هم كالبهائم لإعراضهم عن هذا الدليل الواضح . | ولما ~~دلهم بآيات الآفاق , وكانت كلها من أحوال السراء , وكانت بمعرض الغفلة عن ~~الإله , ذكرهم بما في أنفسهم مما يوجبه تغير الأحوال الدالة بمجردها على ~~الإله , ويقتضي لكل عاقل صدق التوجه إليه , وإخلاص النية لديه , والإقبال ms3550 ~~عليه , على ذلك ركزت الطباع , وانعقد الإجماع , فلم يقع فيه نزاع , فقال : ~~{ أمن يجيب المضطر } أي جنس الملجأ إلى ما لا قبل له به , الصادق على ~~القليل والكثير إذا أراد إجابته كما تشاهدون , وعبر فيه وفيما بعده ~~بالمضارع لأنه مما يتجدد , بخلاف ما مضى من خلق السماوات وما بعده { إذا ~~دعاه } أي حين ينسيكم الضر شركاءكم , ويلجئكم غلىمن خلقكم ويذهل المعطل عن ~~مذهبه ويغفله عن سوء أدبه عظيم إقباله على قضاء أربه . | ولما كانت الإجابة ~~ذات شقين , جلب السرور , ودفع الشرور , وكان النظر إلى الثاني أشد , خصه ~~بادئا به فقال : { ويكشف السوء } ثم أتبعه الأول على وجه أعم , فقال مشيرا ~~إلى عظيم المنة عليهم بدعلهم مسلطين علين على جميع من في الأرض وما في ~~الأرض مشرفين بخلافته سبحانه , وذلك أقبل عليهم , { ويجعلكم خلفاء الأرض } ~~اي فيما يخلف بعضكم بعضا , لا يزلا يجدد ذلك بإهلاك قرن وإنشاء آخر إلىقيلم ~~الساعة . | ولما كان هذا أبين , كرر الإنكار فيه مبكتا لهم بالنسيان فقال : ~~{ أإله } أي كائن أو موجود { مع الله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له . ~~| ثم استأنف التبكيت تفظيعا له PageV05P439 ومواجها به في قراءة الجاعة لما ~~يؤذن به كشف هذه الأزمات من القرب المقتضي للخطاب , ولذلك أكد بزيادة ( ما ~~) فقال : { قليلا ما تذكرون * } اي بأن من أنجاكم من ذلك وحده حين أخلصتم ~~له التوجه عند اشتداد الكربات , في الأمور المهمات , فإن هذا قياس ظاهر , ~~ودليل باهر , ولكن من طبع الإنسان نسيان ما كان فيه من الضير , عند مجيء ~~الخير , ومن قرأ بالتحتانية وهم أبو عمرو وهشام وروح , فللإيذان بالغضب ~~الأليق بالكفران , مع عظيم الإحسان . | ولما ذكر آيات الأرض , وختم بالمضطر ~~, وكان المضطر قد لا يتهدي لوجه حيلة , أتبعها آيات السماء ذاكرا ما هو من ~~أعظم صور الاضطرار فقال : { أمن يهديكم } اي إذا سافرتم بما رسم لكم من ~~المعالم العلوية والسفلية { في ظلمات البر } أي بالنجوم والجبال والرياح , ~~وهي وإن كانت أضعفها فقد يضطر إليه حيث لا يبدو شيء من ذينك { والبحر ms3551 } ~~بالنجوم والرياح . | ولما كانت الرياح كما كانت من أدلة السير , كان بعضها ~~من أدلة المطر , قال : { ومن يرسل الرياح } أي التي هي من دلائل السير { ~~نشرا } اي تنشر السحاب وتجمعها { بين يدي رحمته } أي التي المطر تسمية ~~للمسبب باسم السبب ؛ والرياح التي يهتدي بها في المقاصد أربعك الصبا , ~~والدبور , والشمال , والجنوب , وهي أعف الدلائل ؛ قال الإمام أبو هلال ~~الحسن بن عبد الله العسكري في كتاب اسماء الأشياء وصفاتها : الرياح أربع : ~~الشمال , وهي التي تجيء عن يمينك إذا استقبلت قبلة العراق - يعني : وذلك ما ~~بين مطالع الشمس الصيفيةة وبنات نعش , وهي في الصيف حارة , واسمها البارح , ~~والجنوب تقابلها , والصبا من مطلع الشمس وهي القبول , والدبور تقابلها , ~~ويقال الجنوب : النعامى والأرنب - انتهى . | وهذه العبارة أبين العبارات في ~~تعيين هذه الرياح , وقال الإمام أبو العباس أحمد بن أبي أحمد بن القاص ~~الطبري الشافعي في كتابه أدلة القبلة : إن قبلة العارقيين إلى باب الكعبة ~~كله إلى الركن الشامي الذي عند الحجر , وقال : وقد اختلف أهل العلم بهذا ~~الشأن - أي في التعبير عن مواطن الرياح - اختلافا متباينا , وأقرب ذلك - ~~على ما جربته وتعاهدته بمكة - أن الصبا تهب ما بين مطالع الشمس في الشتاء ~~إلى مطلع سهيل , وسهيل يمان مسقطه في رأي العين على ظهر الكعبة إذا ارتفع , ~~وقال صاحب القاموس : والصبا ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش , وقال ~~: والقبول كصبور : ريح الصبا , لأنها تقابل الدبور , أو لأنها تقابل باب ~~PageV05P440 الكعبة , أو لأن النفس تقلبها . | وقال الإمام أبو عبد الله ~~القزاز : الصبا : الريح التي تهب من مطلع الشمس , والقبول : الريح التي تهب ~~من مطلع الشمس , وذلك لأنها تستقبل الدبور , وقيل : لأنها تستقبل باب ~~الكعبة وهي الصبا , فقد اتفقت أقولهم كما ترى على خلاف ابن القاص , وقال ~~ابن القاص : وهي - أي الصبا - ريح معها روح وخفة , ونسيم تهب مما بين مشرق ~~الشتاء ومطلع سهيل , ولها برد يقرص أشد من هبوبها , وتلقح الأشجار , ولاتهب ~~إلا بليل , سلطانها إذا أظلم الليل , إلى أن يسفر النهار وتطلع الشمس ms3552 , ~~وأشد ما يكون في وقت الأسحار وما بين الفجرين , والجنوب تهب ما بين مطلع ~~سهيل إلى مغارب الشمس في الصيف . | وقال في القاموس : والجنوب : ريح تخالف ~~الشمال , مهبها من مطلع شهيل إلى مطلع الثريا , وعن ابن هشام اللخمي أن ~~الجنوب هي الريح القبلية . | وفي الجمع بين العباب والمحكم : والجنوب ريح ~~تخالف الشمال تأتي عن يمين القبلة , وقيل : هي من الرياح ما استقبلك عن ~~شمالك إذا وقفت في القبلة , قال ابن الأعرابي : ومهب الجنوب من مطلع شهيل ~~إلى مطلع الثريا , وقال الأصمعي : إذا جاءت الجنوب جاء معها خير وتلقيح , ~~وإذا جاءت الشمال نشفت , ويقال للمتصافيين : ريحهما جنوب , وإذا تفرقا قيل ~~: شملت ريحهما , وعن ابن الأعرابي : الجنوب في كل موضع حارة إلا بنجد فإنها ~~باردة ؛ وقال ابن القاص : وإذا هبت فقوتها في العلو والهواء أكثر لأنها ~~موكلة بالسحاب , وتحرك الأغصان ورؤوس الأشجار , ومع ذلك فتراها تؤلف الغيم ~~في السماء , فتراه متراكما مشحونا , قال : وسمعت من يقول : ما اشتد هبوبها ~~إلا خيف المطر , ولا هبت جنوب قط ثم يتبعها دبور إلا وقع مطر , وهي تهيج ~~البحر وتظهر بكل ندى كامل في الأرض , وهي من ريح الجنة . | والدبور - قال ~~في القاموس : ريح تقابل الصبا , وقال القزاز : هي التي تأتي من دبر الكعبة ~~وهي لتي تقابل مطلع الشمس , وقال ابن القاص : تهب ما ين مغارب الشمس في ~~الصيف إلى مطلع بنات نعشن وقوتها في الأرض أشد من قوتها في الهواء , وهي ~~إذا هبت تثير الغبار . | وتكسح الأرض . | وترفع الذيول , وتضرب القدام , ~~وأشد ما تثير الغبار إذا تنكبت , تراها كأنها تعلب بالتراب على وجه الأرض , ~~وترى الأشجار في البوادي والرمال لها دوي من ناحية الدبور , وقد اجتمع في ~~أصلها التراب وما يلي الجنوب عاريا مكشوفا متحفزا وقوتها في الأرض - والله ~~أعلم , لأن عادا أو عدت بالتدمير بالرياح , فحفرت الآبار واستكنت فيها , ~~فبعث الله الدبور فدخلت الآبار وقذفتهم متدمرين حتى أهلكتهم . | والشمال - ~~قال في القاموس : الريح التي تهب من قبل ا لحجر , والصحيح أنه ما مهبه ما ms3553 ~~بين مطله الشمس وبنات نعش , أو من مطلع النعش إلى مسقط PageV05P441 النسر ~~الطائر , ولا تكاد تهب ليلا . | وقال القزاز : هي الريح التي تأتي عن شمالك ~~إذا استقبلت مطلع الشمس , والعرب تقول : إن الجنوب قالت للشمال : إن لي ~~عليك فضلا , أنا أسري وأنت لا تسرين , فقالت الشمال : إن الحرة لا تسرين , ~~وقال الصغاني في مجمع البحرين : والشمال : الريح التي تهب من ناحية القطب , ~~وعن أبي حنيفة : هي التي تهب من جهة القطب الشمالي وهي الجربياء وهي ~~الشامية لأنها تأتيهم من شق الشام , وفي الجمع بين العباب والمحكم , ~~والبوارح : شدة الرياح من الشمال في الصيف دون الشتاء كأنه جمع بارحة , ~~وقيل : البوارح : الرياح الشدائد التي تحمل التراب , واحدتها بارح , ~~والجربياء : الريح التي بين الجنوب والصبا , وقيل : هي النكباء التي تجري ~~بين الشمال والدبور , وهي ريح تقشع السحاب , وقيل هي الشمال , وجربياؤها ~~بردها - قالهالأصمعي , وقال الليث : هي الشمال الباردة , وقال ابن القاص : ~~والشمال تهب ما بين مطلع بنات نعش إلى مطلع الشمس في الشتاء , وهي تقطع ~~الغيم وتمحوها , ولذلك سميت الشمال المحوة , قال : وهذا بارض الحجاز , أما ~~أرض العراق والمشرق فربما ساق الجنوب غيما واستداره ولم يحلبه حتى تهب ~~الشمال فتحلبه , والجنوب والشمال متماثلتان , لأنهما مولكتان لاسحاب , ~~فالجنوب تطردها وهي مشحونة , والشمال تردها وتمحوها إذا أفرغت , قال أبو ~~عبيدة : الشمال عند العرب للروح , والجنوب للأمطار والندى , والدبور للبلاء ~~, وأهونه أن يكون غبارا عاصفا يقذي العيون , والصبا لإلقاح الشجر , وكل ريح ~~من هذه الرياح انحرفت فوقعت بين ريحيين فهي نكباء , وسميت لعدولها عن مهب ~~الأربع اللواتي وصفن قبل - انتهى . | وقال المسعودي في مروج الذهب في ذكر ~~البوادي من الناس وسبب اختيار البدو : إن شخصا من خطباء العرب وفد على كسرى ~~فسأله عن أشياء منها الرياح فقال : ما بين سهيل إلى طرف بياض الفجر جنوب , ~~وما بإزائهما مما يستقبلهما من المغرب شمال , وما جاء من وراء الكعبة فهي ~~دبور , وما جاء من قبل ذلك فهي صبا , ونقل ابن كثير في سورة النور عن ابن ~~أبي ms3554 حام وابن جرير عن عبيد بن عمير الليثي أنه قال : يبعث الله المثيرة ~~فتقم الأرض قما , ثم يبعث الله الناشئة فتنشىء السحاب , ثم يبعث الله ~~المؤلفة فتؤلف بينه , ثم يبعث الله اللواقح فتلقح السحاب . | ولما انكشف ~~بما مضى من الآيات . | ما كانوا في ظلامه من واهي الشبهات , واتضحت الأدلة ~~, ولم تبق لأحد في شيء من ذلك علة . | كرر سبحانه الإنكار في قوله : { أإله ~~مع الله } أي الذي كمل علمه فشملت قدرته . | ولما ذكر حالة الاضطرار , ~~وأتبعها من صورها ما منه ظلمه البحر , وكانوا في PageV05P442 البحر يخلصون ~~له سبحانه ويتركون شركاءهم , نبههم على أن ذلك موجب لاعتقاد كون الإخلاص له ~~واجبا دائمان فأتبعه قوله على سبيل الاستعظام , معرضا عنهم بإجماع العشرة ~~إعراض من بلغ به الغضب : { تعلى الله } أي الفاعل الادر المختار الذي لا ~~كفوء له { عما يشركون } , أي فإن شيئا منها لا يقدر على شيء من ذلك , وأين ~~رتبة العجز من رتبة القدرة . | ولما رتب سبحانه هذه الأدلة على هذا الوجه ~~ترقيا من أعم إلى أخص , ومن أرض إلى سماء , ختمها بما يعمها وغيرها , ~~إرشادا غلى قياس ما غاب منها على ما شوهد , فلزم من ذلك قطعا القدرة على ~~الإعادة , فساقها لذلك سياق المشاهد المسلم , وعد من أنكره في عداد من لا ~~يلتفت إليه فقال : { أمن يبدؤا الخلق } اي كله : ما علمتم منه وما لم ~~تعلموا , ثم بيده لأن كل شيء هالك إلا وجهه , له هذا الوصف باعترافكم يتجدد ~~ابدا تعلقه . | لما كان من اللازم البين لهم الإقرار بالإعادة لاعترافهم ~~بأن كل من أبدى شيئا قادر على إعادته , لأن الإعادة أهون , قال : { ثم ~~يعيده } أي بعد ما يبيده . | ولما كان الإمطار والإنبات من أدل نما يكون ~~على الإعادة , قال مشيرا إليهما على وجه عم جميع ما مضى : { ومن يرزقكم من ~~السماء } اي بالنبات والمعادن والحيوان وغيرهما مما لا يعلمه إلا الله , ~~وعر عنهما بالرزق لأن به تمام النعمة { أإله مع الله } أي الذي له صفات ~~الجلال والإكرام , كائن , أو يفعل ms3555 شيئا من ذلك . | ولما كانت هذه كلها ~~براهين ساطعة , ودلائل قاطعة , وأنوارا لامعة , وحججا باهرة , وبينات ظاهرة ~~, وسلاطين قاهرة , على التوحيد المستلزم للقدرة على البعث وغيره نم كل ممكن ~~, أمره صلى الله عليه وسلم إعراضا عنهم , إيذانا بالغضب في آخرها بأمرهم ~~بالإتيان ببرهان واحد على صحة معتقدهم فقال : { قل } أي هؤلاء المدعين ~~للعقول { هاتوا برهانكم } أي على نفي شيء من ذلك عن الله تعالى , أو على ~~إثبات شيء منه لغيره , لتثبت دعوى الشركة في الخلق فتسمع دعوى الشركة في ~~الألوهية , وليكن إتيانكم بذلك ناجزا من غير مهلة , لأن من يدعي العقل لا ~~يقدر على شيء إلا ببرهان حاضر { إن كنتم صادقين * } اي في أنكم على حق في ~~أن مع الله غيره . | وأضاف البرهان إليهم إضافة ما كأنه عنيد , لا كلام في ~~وجوده وتحققه , وإنما المراد الإتيان به كل ذلك تهكما بهم وتنبيها على أنهم ~~ابعدوا في الضلال , وأعرقوا في المحال , حيث رضوا لأنفسهم بتدن لا يضير ~~إليه عاقل غلا بعد تحقق القطع بصحته , ولا شبهة في أنه لا شبهة لهم على شيء ~~منه . | PageV05P443 < < # | النمل : ( 65 - 68 ) قل لا يعلم . . . . . # > > ^ ( قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون ~~أيان يبعثون * بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون ~~* وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآبآؤنآ أإنا لمخرجون * لقد وعدنا هذا ~~نحن وآبآؤنا من قبل إن هذآ إلا أساطير الأولين ) ^ } ) | ولما كانت مضمونات ~~هذه البراهين متوقفة على علم الغيب , لأنه لا يخرج الخبء باختراع الخلق ~~وكشف الضر وإحكام التدبير إلا به , لأنه لا قدرة أصلا لمن لا علم له ولا ~~تمام لقدره من لا تمام لعلمه - كما مضى بيانه في طه , وكالبهم سبحانه آخر ~~هذه البراهين بالبرهان على الشرك , وكانوا ربما قالوا : سنأتي به , امر أن ~~يعلموا أنه لا برهان لهم عليه , بل البرهان قائم علىخلافه , فقال : { قل } ~~أي لهم أو لكل من يدعي دعواهم : { لا يعلم } أحد , ولكنه عبر بأداة العقلاء ms3556 ~~فقال : { من } لئلا يخصها متعنت بما لا يعقل , عبر بالظرف تنبيها على أن ~~المظروف محجوب , وكل ظرف حاجب لمظروفه عن علم ما وراءه , فقال : { في ~~السماوات والأرض الغيب } أي الكامل في الغيبة , وهو الذي لم يخرج إلى عالم ~~الشهادة اصلا , ولا دلت عليه أمارة , ليقدر على شيء مما تقدم في هذه الآيات ~~من الأمور فيعلمه . | ولما كان الله تعالى منزها عن أن يحويه مكان . | جعل ~~الاستثناء هنا منقطعا , ومن حق المنقطع النصب كما قرأ به ابن أبي عبلة شاذا ~~, لكنه رفع بإجماع العشرة بدلا على لغة بني تميم , فقيل : { إلا الله } أي ~~المختص بصفات الكمال كما قيل في الشعر : | وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير ~~وإلا العيس | بمعنى : إن كانت البعافير أنيسا ففيها أنيس , بتا للقول ~~بخلوها من الأنيس , فيكون معنى الآية : إن كان الله جل وعلا ممن في ~~السماوات والأرض ففيهم من يعلم الغيب , يعني إن علم أحدهم الغيب في ~~استحالته كاستحالة أن يكون الله منهم , ويصح كونه متصلا , والظرفية في حقه ~~سبحانه مجاز بالنسبة إلى علمه وإن كان فيه جمع بين الحقيقة والمجاز , وعلى ~~هذا فيرتفع على البدل أو الصفة , والرفع افصح من النصب , لأنه من منفي , ~~وقد عرف بهذا سر كونه لم يقل ( لا يعلم أحد الغب إلا هو ) وهوالتنبيه على ~~المظروفية والحاجة , وأن الظرف حجاب , لا يرتاب فيه مرتاب , وجعل ابن مالك ~~متعلق الظرف خاصا تقديره : يذكر , وجعل غيره ( من ) مفعولا والغيب بدل ~~اشتمال , والاستثناء مفرغا , فالتقدير : لا يعلم غيب المذكورين - اي ما غاب ~~عنهم - كلهم غيره . | ولما كان الخبر - الذي لم يطلع عليه أحد من الناس - ~~قد يخبر به الكهان , أو أحد PageV05P444 من الجان , من أجواف الأوثان , ~~وكانوا يسمون هذا غبيا وإن كان في الحقيقة ليس به لسماعهم له من السماء بعد ~~ما أبرزه الله إلى عالم الشهادة للملائكة ومن يريد من عباده , وكانوا ربما ~~تعنتوا به عن العبارة , وكانت الساعة قد ثبت امرها , وشاع في القرآن وعلى ~~لسان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأصحابهم رضي ms3557 الله تعالى عنهم ذكرها , ~~بحيث صارت بمنزلة ما لا نزاع فيه , وكان علم وقتها من الغيب المحض , قال : ~~{ وما يشعرون } اي أحد ممن في السماوات والأرض وإن اجتمعوا وتعاونوا { أيان ~~} أي أي وقت { يبعثون * } فمن أعلم بشيء من ذلك على الحقيقة بأن صدقه , ومن ~~تخرص ظهر كذبه . | ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بعث والكفر قد عم ~~الأرض , وكانوا قد أكثروا في التكذيب بالساعة والقطع بالإنكار لها بعضهم ~~صريحا , وبعضهم لزوما , لضلاله عن منهاج الرسل وكان الذي ينبغي للعالم ~~الحكيم أن لا يقطع بالشيء إلأ بعد إحاطة علمه به , قال متهكما بهم كما تقول ~~لأجهل الناس : ما أعلمك ! استهزاء به مستدركا لنفي شعورهم بها بيانا لكذبهم ~~باضطراب قولهم : { بل ادارك } أي بلغ وتناهي { علمهم في الآخرة } أي أمرها ~~مطلقا : علم وقتها ومقدار عظمتها في هو لها وغير ذلك من نعتها لقطعهم ~~بإنكارها وتمالؤهم عليه , وتنويع العبارات فيه , وتفريغ القول في أمره - ~~هذا في قراءة ابن كثير وأبي عمرو , وكذا في قراءة الباقين : ادارك بمعنى ~~تدارك يعني تتابع واستحكم . | ولما كانوا مع تصريحهم بالقطع في إنكارها ~~كاذبين في قطعهم , مرنبكين في جهلهم , وقد يعبرون - دليلا على أنه لا علم ~~من ذلك عندهم - بالشك , قال تعالى : { بل هم في شك } ولما كانت لشدة ظهورها ~~لقوة أدلتها كأنها موجودة , عبر بمن , أي مبتدىء { منها } ولماكانوا يجزمون ~~بنفيها تارة ويترددون أخرى , كانت حقيقة حال من ينكر الشيء تارة على سبيل ~~القطع وأخرى وجه الشك الوصف بالجهل البالغ به قال : { بل هم } ولما كان ~~الإنسان مطبوعا على نقائص موجبة لطغيانه , ومبالغته في العلو في جميع شأنه ~~, ولا يوهن تلك النقائص منه إلا الخوف من عرضه على ديانه , الموجب لجهله . ~~| وتماديه على قبيح فعله , فقال مقدما للجار : { منها عمون * } أي ابتدأ ~~عماهم البالغ الثابت من اضطرابهم في أمرها , فضلوا فأعماهم ضلالهم عن جميع ~~ما ينفعهم , فصاروا لا يبتفعون بعقولهم , بل انعكس نفعها ضرا , وخيرها شرا ~~, ونسب ما ذكر لجميع من في اسماوات والأرض , لأن ms3558 فعل البعض قد يسند إلى ~~الكل لغرض , وهو هنا التنبيه على عظمة هذا الأمر , وتناهي وصفه , وأنه يجب ~~على الكل الاعتناء به , والوقوف على حقه , والتناهي عن باطله , أو لشك ~~البعض وسكوت الباقي لقصد PageV05P445 تهويله , أو أن إدراك العلم من حيث ~~التهويل بقيام الأدلة التي هي أوضح من الشمس , فهم بها في قوة من أدرك علمه ~~بالشيء , وهو معرض عنه , فقد فوت على نفسه من الخير ما لا يدري كنهه , ثم ~~نزل درجة أخرى بالشك ثم أهلكها بالكلية , وأنزلها العمى عن رتبة البهائم ~~التي لا هم لها إلا لذة البطن والفرج , وهذا كمن يسمع باختلاف المذاهب ~~وتضليل بعضهم لبعض فيضلل بعضهم من غير نظر في قوله فيصير خابطا خبط عشواء , ~~ويكون أمره على خصمه هينا أو الشك لأجل أن أعمالهم أعمال الشاك , أو أنهم ~~لعدم علم الوقت بعينة كأنهم في شك بل عمى , ولأن العقول والعلوم لا تستقل ~~بإدراك شيء من أمرها , وإنما يؤخذ ذلك عن الله بواسطة رسله من الملك والبشر ~~. | ومن أخذ شيئا من علمها عن غيرهم ضل . | ولما كان التقدير لحكاية كلامهم ~~الذي يشعر ببلوغ العلم , فقالوا مقسمين جهد أيمانهم : لا تأتينا الساعة , ~~عطف عليه ما يدل على الشك والعمى , وكان الأصل : وقالوا , ولكنه قال : { ~~وقال الذين كفروا } اي ستروا دلائل التوحيد والآخرة التي هي أكثر من أن ~~تحصى وأوضح من الضياء , تعليقا للحكم بالوصفن مستفهمين استفهام المستبعد ~~المنكر : { إذا كنا ترابا وآباؤنا } وكرروا الاستفهام إشارة إلى تناهي ~~الاستبعاد والجحود , وعد ما استبعدوه محالا , فقالوا : { أئنا } اي نحن ~~وآباؤنا الذين طال العهد بهم , وتمكن البلى فيهم { لمخرجون * } أي من ~~الحالة التي صرنا إليها من الموت والبلى إلى ما كنا عليه قبل ذلك من الحياة ~~والقوة , ثم أقاموا الدليل في زعمهم على ذلك فقالوا تعليلا لاستبعادهم : { ~~لقد وعدنا } . | ولما كانت العناية في هذه السورة بالإيقان بالآخرةن قدم ~~قوله : { هذا } أي الإخراج من القبور كما كنا أول مرة - على قوله : { نحن ~~وآباؤنا } بخلاف ما سبق في سورة المؤمنون , وقالوا ms3559 : { من قبل } زيادة في ~~الاستبعاد , أي أنه قد مرت الدهور على هذا الوعد , ولم يقع منه شيء , فلذلك ~~دليل على أنه لا حقيقة له فكأنه قيل : فما المراد به ؟ فقالوا : { إن } اي ~~ما { هذا إلا أساطير الأولين * } أي ما سطروه كذبا لأمر لا نعرف مرادهم منه ~~. | ولا حقيقة لمعناه , فقد حط كلامهم هذا كما ترى على أنهم تارة في غاية ~~الإنكار دأب المحيط العلم , وتارة يستبعدون دأب الشاك , المركب الجهل , ~~الجدير بالتهكم كما مضى أنه معنى الإضرابات - والله الموفق . | < < # | النمل : ( 69 - 76 ) قل سيروا في . . . . . # > > ^ ( قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين * ولا تحزن ~~عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون * ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين * ~~قل عسى أن PageV05P446 يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون * وإن ربك لذو فضل ~~على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون * وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون ~~* وما من غآئبة في السمآء والأرض إلا في كتاب مبين * إن هذا القرآن يقص على ~~بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما لم يبق هذا الذي اقامه من دلائل القدرة على كل لشيء عموما , ~~وعلى البعث خصوصا , مقال , يرد عن الغي إلا التهديد بالنكال , وكان كلامهم ~~هذه موجبا للنبي صلى الله عليه وسلم من الغم والكرب ما لا يعلمه إلا الله ~~تعالى , قال سبحانه ملقنا له ومرشدا لهم في صورة التهديد : { قل سيروا في ~~الأرض } أي أيها المعاندون أو العمي الجاهلون . | ولما كان المراد ~~الاسترشاد للاعتقاد , والرجوع عن الغي والعناد , لكون السياق له , لا مجرد ~~التهديد , قال { فانظروا } بالفاء المقتضية للإسراع , وعظم المأمور بنظره ~~بجعله أهلا للعناية به , والسؤال عنه , فقال : { كيف كان } أي كونا هو في ~~غاية امكنة { عاقبة للمجرمين * } أي القاطعين لما أمر الله به أن يوصل من ~~الصلاة التي هي الوصلة بين الله وين عباده , والزكاة التي هي وصلة بين بعض ~~العباد وبعض , لتكذيبهم الرسل الذين هم الهداة إلى ما لا تستقل به العقول , ~~فكذبوا بالآخرة التي ms3560 ينتج التصديق بها كل هدى , ويورث التكذيب بها كل عمى - ~~كما تقدمت الإشارة إليه في اقتتاح السورة , فإنكم إن تظرتم ديارهم , ~~وتأملتم أخبارهم , حق التأمل , أسرع بكم ذلك إلى التصديق فنجوتم وإلا هلكتم ~~, فلم تضروا إلا أنفسكم , وقد تقدم لهذا مزيد بيان في النحل . | ولما دهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الأسف على جلافتهم في عماهم عن السبيل , الذي ~~هدى إليه الدليل , ما لا يعلمه إلا الله قال : { ولا تحزن عليهم } أي في ~~عدم إيمانهم . | ولما كانوا لا يقتصرون على التكذيب , بل يبغون للمؤمنين ~~الغوائل , وينصبون الحبائل , قال : { ولا تكن } مثبتا للنون لأنه في سياق ~~الإخبار عن عنادهم واستهزائهم مع كفايته سبحانه وتعالىلمكرهم بما أعد لهم ~~من سوء العذاب في الدارين , فلا مقتضى للتناهي في الإيجاز والإبلاغ في نفي ~~الضيق , فيفهم إثبات النون الرسوخ , فلا يكون منهيا عما لا ينفك عنه العسر ~~مما أشار إليه قوله تعالى { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } وإنما ~~ينهى عن التمادي معه في الذكر بخلاف ما مضى في النحل , فإن السياق هناك ~~للعدل في العقوبة لما وقع من المصيبة في غزوة أحد المقتضى لتعظيم التسلية ~~بالحمل على الصبر , ونفي جميع الضيق ليكون ذلك وازعا عن مجاوزة الحد , بل ~~حاملا على العفو { في ضيق } أي في الصدر { مما يمكرون * } فإن الله جاعل ~~تدميرهم في تدبيرهم كطغاة قوم صالح . | PageV05P447 ولما أشار إلى أنهم لم ~~يبقوا في المبالغة في التكذيب بالساعة وجها , أشار إلى أنهم بالوعيد ~~بالساعة وغيرها من عذاب الله أشد مبالغة , فقالك { ويقولون } بالمضارع ~~المؤذن بالتجدد كل حين للاستمرار : { متى هذا الوعد } وسمه وعدا إظهارا ~~للمحبة تهكما به , وهو العذاب والبعث والمجازاة { إن كنتم } أي أنت ومن ~~تابعك , كونا هو في غاية الرسوخ , كما تزعمون { صادقين * } فأجابهم على هذا ~~الجواب الغ بجواب الواسع القادر الذي لا يعتريه ضيق , ولا تنويه عجلة , ~~مشيرا إلى الاستعداد للدفاع أو الاستسلام لذي الجلال والإكرام , كما فعلت ~~بلقيس رضي الله عنها , فقال مخاطبا الرأس الذي لا يقدر على ms3561 هذه التؤدة حق ~~القدرة غيره : { قل } يا محمد { عسى } أي يمكن { أن يكون } وجديروخليق بأن ~~يكون { ردف } أي تبع ردفا حتى صار كالرديف ولحق . | ولما قصر الفعل وضمنه ~~ما يتعدى باللام لأجل الاختصاص قال : { لكم } أي لأجلكم خاصة { بعض الذي ~~تستعجلون * } إتيانه من الوعيد , فتطلبون تعجيله قبل الوقت الذي ضربه الله ~~له , فعلى تقدبر وقوعه ماذا أعددتم لدفاعه ؟ فإن العاقل من ينظر في عواقب ~~أموره , ويبنيها على أسوأ التقادير , فيعد لما يتوهمه من البلاء ما يكون ~~فيه الخلاص كما فعلت بلقيس رضي الله عنها من الانقياد الموجب للأمان لما ~~غلب على ظنها أن الإباء يوجب الهوان , لا كما فعل قوم صالح من الآبار , ~~التي أعانت على الدمار , وغيرهم من الفراعنة . | ولما كان التقدير قطعا : ~~فأن ربك لا يعجل على أهل المعاصي بالانتقام مع القطع بتمام قدرته , عطف ~~عليه قوله : { وإن ربك } أي المحسن إليك بالحلم عن أمتك وترك المعاجلة لهم ~~بالعذاب على المعاصي { لذ فضل } أي تفضل وإنعام { على الناس } أي كافة { ~~ولكن أكثرهم لا يشكرون * } أي لا يوقعون الشكر له بما أنعم عليهم , ويزيدون ~~في الجهل بالاستعجال . | ولما كان الإمهال قد يكون من الجهل بذنوب الأعداء ~~, قال نافيا لذلك : { وإن ربك } أي والحال أنه أشار بصفة الربوبية إلى ~~إمهالهم إحسانا إليه وتشريفا له { ليعلم } أي علما لا يشبه علمكم بل هو ي ~~غاية الكشف لديه دقيقة وجليلة { ما تكن } أي تضمر وتستر وتخفي { صدورهم } ~~أي الناس كلهم فضلا عن قومك { وما يعلنون * } أي يظهرون من عداوتك فلا ~~تخشهم , وذكر هذا القسم لأن التصريح أقر للنفس والمقام للأطناب , على أ , ه ~~ربما كان في الإعلان لغط واختالط أصوت يكون سببا للخفاء . | ولما كان ثبات ~~علة الناس في الغالب مقيدا بالكتاب , قال تقريبا لأفهامهم : { وما من غائبة ~~} أي من هنة من الهنات في غاية الغيبوبة { في السماء والأرض } أي في أي ~~PageV05P448 موضع كان منهما , وأفردهما دلالة على إرادة الجنس الشامل لكل ~~فرد { إلا في كتاب } كتبه قبل إيجادها لأنه لا يكون ms3562 شيء إلا بعلمه وتقديره ~~{ مبين * } لا يخفى شيء فيه على من تعرف ذلك منه ذلك منه كيفما كان ؛ ثم دل ~~على ذلك بقوله : { إن هذا القرآن } أي الآتي به هذا النبي الأمي الذي لم ~~يعرف قبله علما ولا خالط عالما { يقص } أي يتابع الإخبار ويتلو شيئا فشيئا ~~على سبيل القطع الذي لا تردد فيه , من غير زيادة ولا نقص { على بني إسرائيل ~~} أي الذي أخبارهم مضبوطة في كتبهم لا يعرف بعضها إلا قليل من حذاق أخبارهم ~~{ أكثر الذي هم } أي خاصة لكونه منخاص أخبارهم التي لا علم لغيرهم بها { ~~فيه يختلفون * } اي من أمر الدين وإ , بالغوا في كتمه , كقصة الزاني المحصن ~~في إخفائهم أن حده الرجم , وقصة عزير والمسيح , وإخراج النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك من توارتهم , فصح بحقيقه على لسان من لم يلم بعلم قط أنه من عند ~~الله , وصح أن الله تعالى يعلم كل شيء إذ لا خصوصية لهذا دون غيره بالنسبة ~~إلى علمه سبحانه . | < < # | النمل : ( 77 - 81 ) وإنه لهدى ورحمة . . . . . # > > ^ ( وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين * إن ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز ~~العليم * فتوكل على الله إنك على الحق المبين * إنك لا تسمع الموتى ولا ~~تسمع الصم الدعآء إذا ولوا مدبرين * ومآ أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن ~~تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ) ^ } ) | ولما بان بهذا دليل علمه , ~~أتبعه دليل فضله وحلمه , فقال : { وإنه } أي القرآ , { لهدى } أي موصل إلى ~~المقصود لمن وفق { ورحمة } أي نعمة وإكرام { للمؤمنين * } أي الذين طبعتهم ~~على الإيمان , فهو صفة لهم راسخة كما أنه للكافرين وقر في أذانهم وعمى في ~~قلوبهم . | ولما ذكر دليل فضله , أبعه دليل عدله , فقال مستأنفا لجواب منظن ~~أن فضله دائم العموم على الفريقين : { إن } وقال : { ربك } أي المحسن إليك ~~بجمعه لكل بين العلم والبلاغة والدين والبراعة الدنيا والعفة والشجاعة ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم { يقضي بينهم } أي بين جميع المخلفين { ~~بحكمه } أي الذي هو أعدل حكم وأتقنه وأنفذه وأحسنه مع كفرهم به واستهزائهم ms3563 ~~برسله , لا بحكم غيره ولا بنائب يستثنيه { وهو } أي والحال أنه PageV05P449 ~~هو { العزيز } فلا يرد له أمر { العليم * } فلا يخفى عليه سر ولا جهر , ~~فلما ثبت له العلم والحكمة , والعظمة والقدرة , تسبب عن ذلك قوله : { فتوكل ~~على الله } أي الذي له جميع العظمة بما ثبت علمه وقدرته التي أثبت بها أنك ~~أعظم عباده الذين اصطفى في استهزاء الأعداء وغيره من مصادمتهم ومسالمتهم ~~لتدع الأمور كلها إليه , وتستريح من تحمل المشاق , وثوقا بنصره , وما أحسن ~~قول قيس بن الخطيم وهو جاهلي : | متى ما تقد بالباطل الحق يأبه وأن تقد ~~الأطوار بالحق تنقد | ثم علل ذلك حثا على التحري في الأعمال , وفطما لأهل ~~الإبطال , عن تمني المحال , فقال : { إنك على الحق المبين * } أي البين في ~~نفسه الموضح لغيره , فحقك لا يبطل ووضوحه لا يخفى , ونكوصهم ليس عن خلل في ~~دعائك لهم , وإنما الخلل في مداركهم , فثق بالله في تدبير أمرك فيهم ؛ ثم ~~علل هذا الذي أرشد السياق إلى تقديره , أو استأنف لمن يسأل متعجبا عن ~~وقوفهم عن الحق الواضح بقوله : { إنك لا تسمع الموتى } أي لا توجد سمعا ~~للذين هم كالموتى في عدم الانتفاع بمشاعرهم التي هي في غاية الصحة , وهم ~~إذا سمعوا الآيات أعرضوا عنها . | ولما كان تشبيههم بالموتى مؤيسا , قال ~~مرجيا : { ولا تسمع الصم الدعاء } أي لا تجدد ذلك لهم , فشبههم بما في أصل ~~خلقهم مما جبلوا عليه منالشكاسة وسوء الطبع بالصم . | ولما كانوا قد ضموا ~~إلى ذلك الإعراض والنفرة فصاروا كالأصم المدبر , وكان الأصم إذا أقبل ربما ~~بمساعدة بصره وفهمه , قال : { إذا ولو مدبرين * } فرجاه في إيجاد الإسماع ~~إذا حصلت لهم حالة من الله تقبل بقلوبهم . | ولما شبههم بالصم في كونهم لا ~~يسمعون إلا مع الإقبال , مثلهم بالعمى في أنهم لا يهتدون في غير عوج اصلا ~~إلا براع لا تشغله عنهم فترة ولا ملال , فقال : { وما أنت بهادي } أي بموجد ~~الهداية على الدوام في قلوب { العمي } أي في أبصارهم وبصائهم مزيلا لهم ~~وناقلا ومبعدا { عن ضلالتهم } عن الطريق بحيث ms3564 تحفظهم عن أن يزالوا عنها ~~أصلا , فإن هذا لا يقدر عليه إلا الحي القيوم , والسياق كما ترى يشعر ~~بتنزيل كفرهم في ثلاث رتب : عليا ككفر أبي جهل , ووسطى كعتبة بن ربيعة , ~~ودنيا كأبي طالب وبعض المنافقين , وسيأتي في سورة الروم لهذا مزيد بيان . | ~~ولماكان ربما أوقف عن دعائهم , رجاه في انقيادهم وارعوائهم بقوله : { إن } ~~أي ما { تسمع } أي سماع انتفاع على وجه الكمال , في كل حال { إلا من يؤمن } ~~أي PageV05P450 من علمنا أنه يصدق { بآيتنا } بأن جعلنا فيه قابلية السمع . ~~| ثم سبب عنه قوله دليلا على إيمانه : { فهم مسلمون * } أي في غاية ~~الطواعية لك في المنشط والمكره , لا خيرة لهم ولا إرادة في شيء من الأشياء ~~. | < < # | النمل : ( 82 - 86 ) وإذا وقع القول . . . . . # > > ^ ( وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دآبة من الأرض تكلمهم أن الناس ~~كانوا بآياتنا لا يوقنون * ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم ~~يوزعون * حتى إذا جآءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أما ذا كنتم ~~تعملون * ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون * ألم يروا أنا جعلنا ~~الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) ^ } ) | ~~ولما فرغ من عظيم زجرهم بتسليته صلى الله عليه وسلم في أمرهم وختم بالإسلام ~~, عطف عليه ذكر مما يوعدون مما تقدم استعجالهم له استهزاء به , وبدأ منه ~~بالدابة التي تميز المسلم من غيره , فقال محققا بأداة التحقيق : { وإذا وقع ~~القول } أي حان حين وقوع الوعيد الذي هومعنى القول , وكأنه لعطمة لا قول ~~غيره { عليهم } بعضه بالإتيان حقيقة وبعضه بالقرب جدا { أخرجنا } أي بما ~~لنا من العظمة { لهم } من أشراط الساعة { دآبة } وأي دابة في هولها وعظمها ~~خلقا وخلقا { من الأرض } اي أرض مكة التي هي أم الأرض , لأنه لم يبق بعد ~~إرسال أكمل الخلق بأعلى الكتب إلا كشف الغطاء . | ولما كان التعبير بالدابة ~~يفهم أنها كالحيوانات العجم لا كلام لها قال : { تكلمهم } اي بكلام يفهمونه ~~, روى البغوي من طريق مسلم عن عبد الله بن ms3565 عمرو رضي الله عنهما : قال سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من ~~مغربها , وخروج الدابة على الناس ضحى , وأيتهما كانت قبل صاحبتها فالأخرى ~~على أثرها قريبا ) ومن طريق ابن خزيمة عن أبي شريحة الغفاري رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يكون للدابة ثلاث خرجات من الدهر , ~~فتخرج خروجا بأقصى اليمن فيفشو ذكرها بالبادية , ولا يدخل ذكرها القرية - ~~يعني مكة , ثم تمكن زمانا طويلا , ثم تخرج خرجة أخرى قريبا من مكة فيفشو ~~ذكرها بالبادية ويدخل ذكرها القرية , ثم بينما الناس يوما في أعظم المساجد ~~على الله عز وجل حرمة وأكرمها على الله عز وجل - يعني المسجد الحرام , لم ~~يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد تدنو وتدنو ) - كذا قال عمرو - يعني ابن ~~محمد العبقري أحد رواة الحديث - ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم ~~PageV05P451 عن يمين الخارج في وسط ذلك , فارفض الناس عنها وثبت لها عصابة ~~عرفوا أنهم لن يعجزوا الله فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب , فمرت بهم ~~فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنها الكواكب الدرية , ثم ولت في الأرض لا ~~يدركها طالب , ولا يعجزها هارب , حتى أن الرجل ليقوم فيتعوذ منها بالصلاة , ~~فتأتيه من خلفه فتقول : يا فلان ! الآن تصلي فيقبل عليها بوجهه فتسمه في ~~وجهه , فيتجاوز الناس في ديارهم , ويصطحبون في أسفارهم , ويشتركون في ~~الأموال , بعرف الكافر من المؤمن , فيقال للمؤمن : يا مؤمن , ويقال للكافر ~~يا كافر ( ؛ ومن طريق الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : ) تخرج الدابة ومعها عصا موسى , وخاتم سليمان ~~عليهما السلام , فتجلوا وجه المؤمن بالعصا , وتخطم أنف الكافر بالخاتم , ~~حتى أن أهل الخوان ليجتمعون فيقو هذا : يا مؤمن , وهذا يا كافر ( . | ثم ~~علل سبحانه إخراجه لها بقوله : { أن الناس } أي بما هم ناس لم يصلوا إلى ~~أول اسنان الإيمان , وهوسن { الذين آمنوا } بل هم نائسون مترددون مذبذبون ~~تارة , وتارة { كانوا } اي كونا هو ms3566 لهم كالجبلة { بآيتنا } أي المرئيات ~~التي كتبناها بعظمتنا في ذوات العالم , والمسموعات المتلوات , التي أتيناهم ~~به على ألسنة أكمل الخلق : الأنبياء والرسل , حتى ختمناهم بإمامهم الذي هو ~~أكمل العالمين , قطعا لحجاجهم , وردا عن لجاجهم , ولذا عممنا برسالته ~~وأوجبنا على جميع العقل أتباعه { لا يوقنون * } من اليقين , وهو إتقان ~~العلم بنفي الشبه , بل هم فيها مزلزلون , فلم يبق بعده صلى الله عليه وسلم ~~إلا كشف الغطاء عما ليس منجنس الشر بما لا تثبيت له عقولهم . | ولما كان من ~~فعل الدابة التمييز بين المؤمن والكافر بما لا يستطيعون دفعه , تلاه بتمييز ~~كل فريق منهما عن صاحبه يجمعهم يوم القيامة في ناحية , وسوقهم من غير ~~اختلاط بالفريق الآخر , فقال عاطفا على العامل في ( وإذا وقع القول ) : { ~~ويوم نحشر } أي نجمع - بما لنا من العظمة - على وجه الإكراه ؛ قال أبو حيان ~~: الحشر : الجمع على عنف { من كل أمة فوجا } أي جماعة كثيرة { ممن يكذب } ~~أي يوقع التكذيب للهداة PageV05P452 على الاستمرار , مستهينا { بآيتنا } أي ~~المرئية بعدم الاعتبار بها , والمسموعة بردها والطعن فيه على ما لها من ~~العظمة بإضافتها إلينا ؛ وأشار إلى كثرتهم بقوله متسببا عن العامل في الظرف ~~من نحو : يكونون في ذل عظيم : { فهم يوزعون * } أي يكف بأدنى إشارة منه ~~أولهم على - آخرهم , وأطرافهم على أوساطهم , ليتلاحقوا , ولا يشذ منهم أحد ~~, ولا يزالون كذلك { حتى إذا جاءوا } أي المكان الذي أراده الله لتبكيتهم { ~~قال } لهم ملك الملوك غير مظهر لهم الجزم بما يعلمه من أحوالهم , في عادهم ~~وضلالهم , بل سائلا لهم إظهارا للعدل بإلزامهم بما يقرون به من أنفسهم , ~~وفيه إنكار وتوبيخ وتبكيت وتقريع : { أكذبتم } أي ايها الجاهلون { بآياتي } ~~على ما لها من العظم في أنفسها , وبإتيانها إليكم على ايدي أشرف عبادي { و ~~} الحال أنكم { لم تحيطوا بها علما } أي من غي فكر ولا نظر يؤدي إلى ~~الإحاطة بها في معانيها وما أظهرت لأجله حتى تعلموا ما تتحقه ويليق بها ~~بدليل لا مرية فيه { أماذا كنتم } أي في تلك الأزمان بما هو لكم كالجبلات ms3567 { ~~تعلمون * } فيها هل صدقتم بها أو كذبتم بعد الإحاطة بعلمها ؟ أخبروني عن ~~ذلك كله ! ما دهاكم حيث لم تشتغلوا بهذا العمل المهم ؟ فإن هذا - وعزتي - ~~مقام العدل والتحرير , ولا يترك فيه قطمير ولا نقير , ولا ظلم فيه على أحد ~~في جليل ولا حقير , ولا قليل ولا كثير , والسؤال على هذا الوجه منبه على ~~الاضطرار إلى التصديق أو الاعتراف بالإبطال , لأنهم إن قالوا : كذبنا , فإن ~~قالوا مع عدم الإحاطة كان في غاية الوضوح في الإبطال , وإن قالوا مع ~~الإحاطة كان أكذب الكذب . | ولما كان التقدير بما ارشد إليه السياق : ~~فأجابوا بما تبين به أنهم ظالمون , عطف عليه قوله : { ووقع القول } أي ~~مضمون الوعيد الذي هو القول حقا , مستعليا { عليهم بما ظلموا } أي بسبب ما ~~وقع منهم من الظلم من صريح التكذيب وما نشأ عنه من الضلال , في الأقوال ~~والأفعال { فهم لا ينطقون * } أي بسبب ما شغلهم من وقوع العذاب المتوعد به ~~مما أحاط بقواهم , فهد أركانهم , وما انكشف لهم من أنه لا ينجيهم شيء . | ~~ولما ذكر الحشر , استدل عليه بحشرهم كل ليلة إلى المبيت , والختم على ~~مشاعرهم , وبعثهم من المنام , وإظهار الظلام الذي هو كالموت بعد النور , ~~وبعث النور بعد إفنائه بالظلام , فقال : { الم يروا } مما يدلهم على قدرتنا ~~على بعثهم بعد الموت وعلى كل ما أخبرناهم به { أنا جعلنا } اي بعظمتنا التي ~~لا يصل أحد غلى مماثلة شيء منها الدالة على تفردنا وفعلنا بالاختبار { ~~الليل } اي مظلما { ليسكنوا فيه } عن الانتشار { والنهار مبصرا } اي بإبصار ~~من يلابسه , لينتشروا فيه في معايشهم بعد أن كانوا ماتوا PageV05P453 ~~الموتة الصغرى , وكم من شخص منهم بات سويا لا قبلة به فمات , ولو شئنا ~~لجعلنا الكل كذلك لم يقم منهم أحد , وعدل عن { ليبصروا فيه } تنبيها على ~~كمال كونه سببا للإبصار , وعلى أنه ليس المقصود كالسكون , بل وسيلة المقصود ~~الذي هو جلب المنافع , فالآية من الاحتباك : ذكر السكون أولا دليل على ~~الانتشار ثانيا , وذكر الإبصار ثانيا دليل على الإظام أولا , ثم عظم هذه ~~الآية حثا ms3568 على تأمل ما فيها من القدرة الهادية إلى سواء السبيل فقال : { إن ~~في ذلك } أي الحشر والنشر الأصغرين مع آيتي الليل والنهار { لآيات } اي ~~متعددة , بينة على التوحيد والبعث الآخرة والنبوة , لأن من قلب الملوين ~~لمنافع الناس الدنيوية , أرسل الرسل لمنافعهم في الدراين . | ولما كان من ~~مباني السورة تخصيص الهداية بالمؤمنين , خصهم بالآيات لاختصاصهم بالانتفاع ~~بها وأن إيمانهم لا يزال يتجدد , فهم كل يوم في علو وارتفاع . | < < # | النمل : ( 87 - 91 ) ويوم ينفخ في . . . . . # > > ^ ( ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شآء ~~الله وكل أتوه داخرين * وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع ~~الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون * من جآء بالحسنة فله خير منها ~~وهم من فزع يومئذ آمنون * ومن جآء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون * إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل ~~شيء وأمرت أن أكون من المسلمين ) ^ } ) | ولما ذكر هذا الحشر الخاص , ~~والديل على مطلق الحشر والنشر , ذكر الحشر العام , لئلا يظن أنه إنما يحشر ~~الكافر , فقال مشيرا إلى عمومهم بالموت كما عمهم بالنوم , وعمومهم بالإحياء ~~كما عمهم بالإيقاظ : { ويوم ينفخ } أي بأيسر أمر { في الصور } أي القرن ~~الذي جعل صوته لإماتة الكل . | ولما كان ما ينشأ عنه من فزعهم مع كونه ~~محققا مقطوعا به كأنه وجد ومضى , يكون في آم واحد , أشار إلى ذلك وسرعة ~~كونه بالتعبير بالماضي فقال : { ففزع } أي صعق بسسب هذا النفخ { من في ~~السموات } . | ولما كان الأمر مهولا , كان الإطناب أولى , فقال : { ومن في ~~الأرض } اي كلهم { إلا من شاء الله } اي المحيط علما وقدرة وعزة وعظمة , أن ~~لا يفزع ؛ ثم أشار إلى النفخ لإحياء الكل بقوله : { وكل } أي من فزع ومن لم ~~يفزع { أتوه } أي بعد ذلك للحساب بنفخة أخرى يقيمهم بها , دليلا على تمام ~~القدرة في كونه أقامهم بما به أنامهم PageV05P454 { داخرين * } أي صاغرين ~~منكسرين ؛ واستغنى عن التصريح به بما ms3569 يعلم بالبديهة منأنه لا يمكن إتيانهم ~~في حال فزعهم الذي هو كناية عن بطلان إحساسهم , هذا معنى ما قاله كثير من ~~المفسرين والذي يناسب سياق الآيات الماضية - من كون الكلام في يوم القيامة ~~الذي هو ظرف لما بين البعث ودخول الفريقين إلى داريهما - أن يكون هذا النفخ ~~بعد البعث وبمجرد صعق هو كالغشي كما أن حشر الأفواج كذلك , ويؤيده التعبير ~~بالفزع , ويكون الإتيان بعده بنفخة أخرى تكون بها الإقامة , فهاتان ~~النفختان حينئذ هما المراد من قوله صلى الله عليه وسلم : ( يصعق الناس يوم ~~القيامة ) - الحديث , وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى لفظا ومعنى , ~~ويحل ما فيه من إشكال في آخر سورة الزمر . | ولما ذكر دخورهم , تلاه بدخور ~~ما هو أعظم منهم خلقا , وأهول أمرا , فقال : عاطفا على ناصب الظرف مما ~~تقديره : كانت أمور محلولة , معبرا بالمضار لأن ذلك وإن شارك الفزع في ~~التحقق قد فارقه في الحدوث والتجدد شيئا فشيئا : { وترى الجبال } اي عند ~~القيام من القبور , والخطاب إما للنبي صلى الله عليه وسلم ليدل ذلك - لكونه ~~صلى الله عليه وسلم أنفذ الناس بصرا وأنورهم بصيرة - على عظم الأمر , وإما ~~لكل أحد لأن الكل صاروا بعد قيامهم أهلا للخطاب بعد غيبتهم في التراب { ~~تحسبها جامدة } أي قائمة ثابته في مكانها لا تتحرك , لأن كل كبير متباعد ~~القطار لا يدرك مشيته إلا تخرصا { وهي تمر } أي تسير حتى تكون كالعهن ~~المنفوش فينسفها الله فتقع حيث شاء كأنها الهباء المنثور , فتستوي الأرض ~~كلها بحيث لا يكون فيها عوج , وأشار إلى أن سيرها خفي وإن كان حثيثا بقوله ~~: { مر السحاب } اي مرا سريعا لا يدرك على ما هو عليه لأنه إذا طبق الجو لا ~~يدرك سيره مع أنه لا شك فيه وإن لم تنكشف الشمس بلا لبس , وكذا كل كبير ~~الجرم أو كثير العد يقصر عن الإحاطة به لبعد ما بين أطرافه بكثرته البصر , ~~يكون سائرا , والناظر الحاذق يظنه واقفا . | ولما كان ذلك أمرا هائلا , ~~أشار إلى عظمته بقوله , مؤكدا لمضمون الجملة ms3570 المتقدمة : { صنع الله } اي ~~صنع الذي له الأمر كله ذلك الذي أخبر أنه كائن في ذلك اليوم صنعا , ونحو ~~هذا المصدر إذا جاء عقب كلام جاء كالشاهد بصحته , والمنادي على سداده , ~~والصارخ بعلو مقداره , وأنه ما كان ينبغي أن يكون إلا هكذا , ثم زاد في ~~التعظيم بقوله دالا على تمام الإحكام في ذلك الصنع : { الذي أتقن كل شيء } ~~. | ولما ثبت هذا على هذا الوجه المتقن , والنظام الأمكن , أنتج قطعا قوله ~~: { إنه } PageV05P455 اي الذي أحكم هذه الأمور كلها { خبير بما يفعلون * } ~~أي لأن الإتقان نتيجة القدرة , وهي نتيجة العلم , فمن لم يكن شامل العلم لم ~~يكن تام القدرة , وعبر بالفعل الذي هو أعم من أن يكون بعلم أو لانه في سياق ~~البيان لعماهم , ونفي العلم عنهم , وقرىء بالخطاب المؤذن بالقرب المرجي ~~للرضا , المرهب من الإبعاد , المقرون بالسخط , وبالغيبة المؤذنة بالإعراض ~~الموقع في الخيبة , وما أبدع ما لاءم ذلك ولا حمه ما بعده على تقدير الجواب ~~لسؤال من كأنه قال : ماذا يكون حال أهل الحشر مع الدخور عند الناقد البصير ~~؟ فقال : من إتقانه للأشياء أنه رتب الجزاء أحسن ترتيب { من جاء بالحسنة } ~~أي الكاملة وهي الإيمان { فله } وهو من جملة إحكامه للأشياء { خير } أي ~~أفضل { منها } مضاعفا , أقل ما يكون عشرة أضعاف إلى ما لا يعلمه إلا الله , ~~وأكرمت وجوهم عن النار , وهؤلاء أهل القرب الذين سبقت لهم الحسنى { وهم من ~~فزع يومئذ } أي إذا وقعت هذه الأحوال , العظيمة الأهوال { آمنون * } أي ~~حتىى لا يحزنهم الفزع الأكبر , فانظر إلأى بلاغة هذا الكلام , وحسن نظمه ~~وترتيبه , وأخذ بعضه بحجزه بعض , كأنما أفزع إفزاعا واحدا , ولأمر ما أعجز ~~القوي , وأخرس الشقاشق والادعاء { ومن جاء بالسيئة } أي التي لا سئة مثلها ~~, وهي الشرك لقوله : { فكبت } أي بأيسر أمر { وجوههم في النار } مع أنه ورد ~~في الصحيح أن مواضع السجود - التي أشرفها الوجوه - لا سبيل للنار عليها , ~~والوجه أشرف ما في الإنسان , فإذا هان كان ما سواه أولى بالهوان , والمكبوب ~~عليه منكوس . | ولما كانوا قد نكسوا ms3571 أعمالهم وعكسوها بعبادة غير الله , ~~فوضعوا الشيء في غير موضعه , فعظموا ما حقه التحقير , واستهانوا أمر العلي ~~الكبير . | وكان الوجه محل ظهور الحياء والانكسار , لظهور الحجة , وكانوا ~~قد حدقوا الأعين جلادة وجفاء عند العناد , وأظهروا في الوجوه التجهم ~~والعبوس والارتداد , بدع قوله بناء على ما تقديره بما دل عليه الاحتباك : ~~وهم من فزع يومئذ خائفون , وليس لهم إلا مثل سيئتهم : { هل } أي مقولا لهم ~~: هل { تجزون } أي بغمس الوجوه في النار ؛ وبني للمفعول لأن المرغب المرهب ~~الجزاء , لا كونه من معين , وإشارة إلى أنه يكون بأيسر أمر , لأن من ~~المعلوم أن المجازي هو الله لا غيره { إلا ما كنتم } أي بما هو لكم كالجبلة ~~{ تعلمون * } أي تكررون عمله وأنتم تزعمون أنه مبني على قواعد العلم بحيث ~~يشهد كل من رآه أ , ه مماثل لأعمالكم سواء بسواء , وهو شامل أيضا لأهل ~~القسم الأول , والآية من الاحتباك : ذكر الخيرية والأمن أولا دليلا على حذف ~~المثل والخوف ثانسا , والكب في النار ثانيا دليلا على الإكرام عنه أولا . | ~~PageV05P456 ولما أتم الدين بذكر الأصول الثلاثة : المبدأ والمعاد والنبوة ~~, ومقدمات القيامة وأحوالها , وبعض صفتها وما يكون من أهوالها , وذلك كمال ~~ما يتعلق بأصول الدين على وجوه مرغبة أتم ترغيب , مرهبة أعظم ترهيب , أوجب ~~هذا الترغيب والترهيب لكل سامع أن يقول : فما الذي نعمل ومن نعبد ؟ فأجابه ~~المخاطب بهذا الوحي . | المأمور بإبلاغ هذه الجوامع , الداعي لمن سمعه , ~~الهادي لم اتبعه , بأنه لا يرضى له ما رضي لنفسه , وهو ما أمره به ربه , ~~فقال : { إنما أمرت } أي بأمر من لا يرد له أمر , ولا يعد أن يكون بدلا من ~~قوله { الحمد لله وسلام على عباده الذين اصصفى } فيكون محله نصبا بقل , ~~وعظم المأمور به بإجلاله محل العمدة فقال : { أن أعبد } أي بجميع ما أمركم ~~به { رب } أي موجب ومدبر وملك ؛ وعين المراد وشخصه وقربة تشريفا وتكريما ~~بقوله : { هذه البلدة } أي مكة التي تخرج الدابة منها فيفزع كل من يراها , ~~ثم تؤمن أهل السعادة , أخصه بذلك لا أعبد شيئا ms3572 مما عدلتموه به سبحانه ~~وادعيتم أنهمشركاء , وهم من جملة ما خلق ؛ ثم وصف المعبود الذي أمر بعبادة ~~أحد غيره بما يقتضيه وصف الربوبية , وتعين البلدة التي أشار إليها بأداة ~~القرب لحضورها في الأذهان لعظمتها وشدة الإلف بها وإرادتها بالأرض التي ~~تخرج الدابة منها , فصارت لذلك بحيث إذا أطلقت البلدة انصرفت إليها وعرف ~~أنها مكة , فقال : { الذي حرمها } تذكيرا لهم بنعمته سبحانه عليهم وتربيته ~~لهم بأن أسكنهم خير بلاده , وجعلهم بذلك مهابة في قلوب عباده , بما ألقى في ~~القلوب من أنها حرم , لا يسفك بها دم , ولا يظلم أحد , ولا يباح بها صيد , ~~ولا يعض شجرها , وخصها بذلك من بين سائر بلاده والناس يتخطفون من حولهم وهم ~~آمنون لا ينالهم شيء من فزعهم وهولهم . | ولما كانت إضافتها إليه إنما هي ~~لمحض التشريف , قال احتراسا عما لعله يتوهم : { وله كل شيء } أي من غيرها ~~مما أشركتموه به وغيره خلقا وملكا وللكا , وليس هو كالملوك الذين ليس لهم ~~إلا ما حموه على غيرهم . | ولما كانوا ربما قالوا : ونحن نعبده بعبادة من ~~نرجوه يقربنا إليه زلفى , عين الدين الذي تكون بع العبادة فقال : { وأمرت } ~~أي مع بالعبادة له وحده , وعظم المفعول المأمور به بجعله عمدة الكلام بوضعه ~~موضع الفاعل فقال : { أن أكون } أي كونا هو في غاية الرسوخ { من المسلمين * ~~} أي المنقادين لجميع ما يأمر به كتابه أتم انقياد , ثابتا على ذلك غاية ~~الثبات . | PageV05P457 < < # | النمل : ( 92 - 93 ) وأن أتلو القرآن . . . . . # > > ^ ( وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنمآ ~~أنا من المنذرين * وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما ~~تعملون ) ^ } ) | ولما بين ما أمر به في نفسه , أتبعه ما تعم فائدته غيره ~~فقال : { وأن أتلو القرآن } أي أواظب على تلاوته وتلوه - أي اتباعه - عبادة ~~لربي , وإبلاغا للناس ما أرسلت به إليهم مما لا يلم به ريب في أنه من عنده ~~, ولأكون مستحضرا لأموامره فأعمل بها , وانواهيه فأجتنبها , وليرجع الناس ~~إيه ويعولوا في كل أمر عليه . | لأنه جامع لكل ms3573 علم . | ولما تسبب عن ذلك أن ~~من انقاد له نجى نفسه , ومن استعصى عليه أهلكها , قال له ربه سبحانه مسليا ~~ومؤسيا ومرغبا ومرهبا : { فمن اهتدى } أي باتباع هذا القرآن الداعي إلى ~~الجنان { فإنما يهتدي لنفسه } لأنه يحييها بحوزة الثواب , ونجاته من العقاب ~~, فإنما أنا من المبشرين , أبشره أنه من الناجين { ومن ضل } أي عن الطريق ~~التي نهج وبينها من غير ميل ولا عوج { فقل } له كما تقول لغيره : { إنما أن ~~امن المنذرين * } أي المخوفين له عواقب صنعه , وإنما فسره ورده فلم أومر به ~~الآن { وقل } أي إنذارا لهم وترغيبا وترجية وترهيبا : { الحمد } أي الإحاطة ~~بأوصاف الكمال { لله } أي الذي له العظمة كلها سواء اهتدى الكل وضل الكل , ~~أو انقسموا إلى مهتد وضا , لأنه لا يخرج شيء عن مراده . | ولما كانت نتيجة ~~ذلك القدرة على كل شيء قال : { سيريكم } أي في الدنيا والآخرة بوعد محقق لا ~~شك في وقوعه { آياته } أي الرادة لكم عما أنتم فيه يوم يحل لي هذه البلدة ~~الذي حرمها بما أشار إليه جعلي من المنذرين وغير ذلك ما يظهر من وقائعه ~~ويشتهر من أيامه التي صرح أو لوح بها القرآن , فيأتيكم تأوليه فترونه عيانا ~~, وهو معنى { فتعرفونها } أي بتذكركم ما وعدكم الآن به وأصفه لكم منها , لا ~~تشكون في شيء من ذلك أنه على ما وصفته ولا ترتابون , فتظهر لكم عظمة القرآن ~~, وإبانة آيات الكتاب الذي هو الفرقان , وترون ذلك حق اليقين ^ ( { ولتعلمن ~~نبأه بعد حين } ) ^ [ ص : 88 ] , ^ ( { يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من ~~قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق } ) ^ [ الأعراف : 53 ] , ^ ( { هذا ما وعد ~~الرحمن وصدق المرسلون } ) ^ [ يس : 52 ] . | ولما كان قد نفس لهم بالسين في ~~الآجال , وكان التقدير تسلية صلى الله عليه وسلم : وما ربك بتاركهم على هذا ~~الحال من العناد لأن ربك قادر على ما يريد , عطف عليه قوله : { وما ربك } ~~أي المحسن إليك بجميع ما اقامك فيه من هذه الأمور العظيمة والأحوال الجليلة ~~الجسيمة { بغافل عما تعلمون * } أي من مخالفة أورامره , ومفارقة ms3574 زواجره , ~~ويجوز أن تكون الجملة حالا من فاعل { يرى } أي ربكم غير غافل , ومن قرأ ~~بالخطاب كان PageV05P458 المعنى : عما تعمل انت وأتباعك من الطاعة . | وهو ~~من المعصية , فيجازي كلا منكم بما يستحق فيعلي أمرك , ويشد إزرك , ويوهن ~~أيدهم , ويضعف كيدهم , لما له من الحكمة , والعلم ونفوذ الكلمة , فلا يظن ~~ظان أن تركه للمعالجة بعقابهم لغفلة عن شيء من أعمالهم , إنما ذلك لأنه حد ~~لهم حدادهم بالغوه لا محالة لأنه لا يبدل القول لديه , فقد رجع آخرها كما ~~ترى بإبانة الكتاب وتفخيم القرآن وتقسيم الناس فيه إلى مهتد وضال إلى أولها ~~, وعانق ختامها ابتداءها بحكمة منزلها , وعلم مجملها وفصلها , إلى غير ذلك ~~مما يظهر عند تدبرها وتأملها - والله الموفق للصواب , وإليه المرج والمآب . ~~| نجز الجزء المبارك من مناسبات البقاعي بحمد الله وعونه ويتلوه القصص إن ~~شار الله تعالى - اللهم اغفر لنا ذنوبنا وتجاوز عن سيئاتنا . | . . . . . | ~~PageV05P459 < # > سورة القصص < # > < < # | القصص : ( 1 - 5 ) طسم # > > ^ ( طسم * تلك آيات الكتاب المبين * نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون ~~بالحق لقوم يؤمنون * إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طآئفة ~~منهم يذبح أبنآءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين * ونريد أن نمن على ~~الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ) ^ } ) | { مكية - ~~آياتها ثمان وثمانون } مقصودها التواضع لله , المستلزم لرد الأمر كله إليه ~~, الناشىء عن الإيمان بالآخرة , الناشىء عن الإيمان بنبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم , الثابتة بإعجاز القرآن , المظهر للخفايا على لسان من لم يتعلم ~~علما قط من أحد من الخلق , المنتج لعلو المتصف به , وذلك هو المأخوذ من ~~تسميتها بالقصص الذي حكم لأجله شعيب بعلو الكليم عليهما السلام على من ~~ناواه , وقمعه لمن عاداه , فكان المآل وفق ما قال { بسم الله } الذي اختص ~~بالكبرياء والعظمة , فألبس خدامه من ملابي هيبته { الرحمن } الذي عم بنعمة ~~البيان , حتى أهل الكفران الرحيم الذي خص بنعمة ما بعد البعث أهل الإيمان . ~~| لما ختم تلك بالوعد المؤكد بأنه يظهر آياته فتعرف , وأنه ليس بغافل عن ~~شيء , تهديدا للظالم , وتثبيتا ms3575 للعالم , وكان من الأول ما يوحيه في هذه من ~~الأساليب المعجزة من خفايا علوم أهل الكتاب , فلا يقدرون على رده , ومن ~~الثاني ما صنع بفرعون وآله , قال أول هذه : { طسم * } مشيرا بالطاء المليحة ~~بالطهر والطيب إلى خلاص بني إسرائيل بعد طول ابتلائهم المطهر لهم عظيم , ~~وبالسين الرامزة إلى السمو والسنا والسيادة إلى أن ذلك يكون بمسموع من ~~الوحي في ذي طوى من طور سيناء قديم , وبالميم المهيئة للملك والنعمة إلى ~~قضاء من الملك العلى بذلك كله تام عميم . | PageV05P460 ولما كانت هذه ~~إشارات عالية , وما بعدها لزوم نظوم لأوضح الدلالات حاوية , قال مشيرا إلى ~~عظمتها : { تلك } أي الآيات العالمية الشأن { آيات الكتاب } أي المنزل على ~~قلبك , الجامع لحميع المصالح الدنيوية والأخروية { المبين * } اي الفاصل ~~الكاشف الموضح المظهر , لأنه من عتندنا من غير شك , ولكل ما يحتاج إليه من ~~ذلك وغيره , عند من يجعله من شأنه ويتلقاه بقبول , ويلقي إليه السمع وهو ~~شهيد ؛ ثم اقام الدليل على إبانته . | وأنه يقص على بني إسرائيل أكثر الذي ~~هم يختلفون / بما أورد هنا في قصة موسى عليه الصلاة والسلام من الدقائق ~~التي قل من يعلمها من حذاقهم , على وجه معلم بما انتقم به نم فرعون وآله , ~~ومن لحق بهم كقارون , وأنعم به على موسى عليه السلام وأتباعه , ولذلك بسط ~~فيها أمور القصة ما لم يبسط في غيرها فقال : { نتلوا } أي نقص قصا متتابعا ~~متواليا بعضه في أثر بعض { عليك } بواسطة جبريل عليه الصلاة والسلام . | ~~ولما كان المراد إنما هو قص ما هو من الأخبار العظيمة بيانا للآيات بعلم ~~الجليلات والخفيات , والمحاسبة والمجازاة , لا جميع الأخبار , قال : { من ~~نبأ موسى وفرعون } أي بعض خبرهما العظيم متلبسا هذا النبأ وكائنا { بالحق } ~~اي الذي يطابقه الواقع , فإنا ما أخبرنا فيه بمستقبل إلا طابقه الكائن عند ~~وقوعه , ونبه على أن هذا البيان كما سبق إنما ينفع أولى الإذعان بقوله : { ~~لقوم يؤمنون * } أي يجددون الإيمان في كل وقت عند كل حادثة لثبات إيمانهم , ~~فعلم أن المقصود منها هنا الاستدلال على ms3576 نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~الأمي بالاطلاع علىالمغيبات , والتهديد بعلمه المحيط , وقدرته الشاملة , ~~وأنه ما شاء كان ولا مدفع لقضائه , ولا ينفع حذر من قدرة , فصح أنها دليل ~~على قوله تعالى آخر تلك { سيريكم آياته فتعرفونها } الآية , ولذلك لخصت ~~رؤوس أخبار القصة , والسلام وأمة وفرعون وغيرهم إلى ما تراه من الحكم التي ~~لا يطلع عليها إلا عالم بالتعلم أو بالوحي , ومعلوم لكل مخاطب بذلك انتفاء ~~الأول عن المنزل عليه هذا الذكر صلى الل عليه وسلم , فانحصر الأمر في ~~الثاني , يوضح لك هذا المرام مع هذه الآية الأولى التي ذكرتها قوله تعالى ~~في آخر القصة { وما كنت بجانب الغربي } { وما كنت بجانب الطور } واتباع ~~القصة بقوله تعالى : { ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون } فالمراد بهذا ~~السياق منها كما ترى غير ما تقدم من سياقاتها كما مضى , فلا تكرير في شيء ~~من ذلك - والله الهادي . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمن قوله ~~سبحانه { إنما أمرت أن أعبد رب هذه الذي حرمها } - إلى آخر السورة من ~~التخويف والترهيب والإنذار والتهديد لما PageV05P461 انجر معه بأنه عليه ~~الصلاة والسلام سيملك مكة البلدة ويفتحها الله تعالى عليه , ويذل عاة قريش ~~ومتمرديهم , ويعز أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن استضعفته قريش من ~~المؤمنين , اتبع سبحانه ذلك بما قصه على نبيه من تطهير ما أشار إليه من قصة ~~بني إسرائيل وابتداء امتحانهم بفرعون , واستيلائه عليهم , وفتكه بهم إلى أن ~~أعزهم الله وأظهرهم على عدوهم , وأورثهم أرضهم وديارهم , ولهذا أشار تعالى ~~في كلا القصتين بقوله في الأولى { سيريكم آياته فتعرفونها } وفي الثانية ~~بقوله : { وترى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } ثم قص ابتداء ~~أمر فرعون وحذره واستعصامه بقتل ذكور الأولاد ثم لم يغن عنه من قدر الله ~~شيئا , ففي حاله عبرة لمن وفق للاعتبار , ودليل على أنه سبحلنه المتفرد ~~بملكه , يؤتي ملكه من يشاء , وينزعه ممم يشاء , لا يزعه وازع , ولا يمنعه ~~عما يشاء مانع , { قل الله مالك الملك } وقد أصح قوله تعالى ms3577 { وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض } - الآية بما أشار ~~إليه مجمل ما أوضحنا اتصاله من خاتمة النمل وفاتحة القصص , ونحن نزيده ~~بيانا بذكر لمع من تفسير ما قصد التحامه فنقول : إن قوله تعالى معلما لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم وآمرا { إنما أمرت أن أعبد } إلى قوله : { سيريكم آيته ~~} لا خفاء بما تضمن ذلك من التهديد , وشديد الوعيد , ثم في قوله : { سورة ~~القصص } { مكية - آياتها ثمان وثمانون } مقصودها التواضع لله , المستلزم ~~لرد الأمر كله إليه , الناشىء عن الإيمان بالآخرة , الناشىء عن الإيمان ~~بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم , الثابتة بإعجاز القرآن , المظهر للخفايا ~~على لسان من لم يتعلم علما قط من أحد من الخلق , المنتج لعلو المتصف به , ~~وذلك هو المأخوذ من تسميتها بالقصص الذي حكم لأجله شعيب بعلو الكليم عليهما ~~السلام على من ناواه , وقمعه لمن عاداه , فكان المآل وفق ما قال { بسم الله ~~} الذي اختص بالكبرياء والعظمة , فألبس خدامه من ملابي هيبته { الرحمن } ~~الذي عم بنعمة البيان , حتى أهل الكفران الرحيم الذي خص بنعمة ما بعد البعث ~~أهل الإيمان . | لما ختم تلك بالوعد المؤكد بأنه يظهر آياته فتعرف , وأنه ~~ليس بغافل عن شيء , تهديدا للظالم , وتثبيتا للعالم , وكان من الأول ما ~~يوحيه في هذه من الأساليب المعجزة من خفايا علوم أهل الكتاب , فلا يقدرون ~~على رده , ومن الثاني ما صنع بفرعون وآله , قال أول هذه : { طسم * } مشيرا ~~بالطاء المليحة بالطهر والطيب إلى خلاص بني إسرائيل بعد طول ابتلائهم ~~المطهر لهم عظيم , وبالسين الرامزة إلى السمو والسنا والسيادة إلى أن ذلك ~~يكون بمسموع من الوحي في ذي طوى من طور سيناء قديم , وبالميم المهيئة للملك ~~والنعمة إلى قضاء من الملك العلى بذلك كله تام عميم . | ولما كانت هذه ~~إشارات عالية , وما بعدها لزوم نظوم لأوضح الدلالات حاوية , قال مشيرا إلى ~~عظمتها : { تلك } أي الآيات العالمية الشأن { آيات الكتاب } أي المنزل على ~~قلبك , الجامع لحميع المصالح الدنيوية والأخروية { المبين * } اي الفاصل ~~الكاشف الموضح المظهر , لأنه من عتندنا ms3578 من غير شك , ولكل ما يحتاج إليه من ~~ذلك وغيره , عند من يجعله من شأنه ويتلقاه بقبول , ويلقي إليه السمع وهو ~~شهيد ؛ ثم اقام الدليل على إبانته . | وأنه يقص على بني إسرائيل أكثر الذي ~~هم يختلفون / بما أورد هنا في قصة موسى عليه الصلاة والسلام من الدقائق ~~التي قل من يعلمها من حذاقهم , على وجه معلم بما انتقم به نم فرعون وآله , ~~ومن لحق بهم كقارون , وأنعم به على موسى عليه السلام وأتباعه , ولذلك بسط ~~فيها أمور القصة ما لم يبسط في غيرها فقال : { نتلوا } أي نقص قصا متتابعا ~~متواليا بعضه في أثر بعض { عليك } بواسطة جبريل عليه الصلاة والسلام . | ~~ولما كان المراد إنما هو قص ما هو من الأخبار العظيمة بيانا للآيات بعلم ~~الجليلات والخفيات , والمحاسبة والمجازاة , لا جميع الأخبار , قال : { من ~~نبأ موسى وفرعون } أي بعض خبرهما العظيم متلبسا هذا النبأ وكائنا { بالحق } ~~اي الذي يطابقه الواقع , فإنا ما أخبرنا فيه بمستقبل إلا طابقه الكائن عند ~~وقوعه , ونبه على أن هذا البيان كما سبق إنما ينفع أولى الإذعان بقوله : { ~~لقوم يؤمنون * } أي يجددون الإيمان في كل وقت عند كل حادثة لثبات إيمانهم , ~~فعلم أن المقصود منها هنا الاستدلال على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~الأمي بالاطلاع علىالمغيبات , والتهديد بعلمه المحيط , وقدرته الشاملة , ~~وأنه ما شاء كان ولا مدفع لقضائه , ولا ينفع حذر من قدرة , فصح أنها دليل ~~على قوله تعالى آخر تلك { سيريكم آياته فتعرفونها } الآية , ولذلك لخصت ~~رؤوس أخبار القصة , والسلام وأمة وفرعون وغيرهم إلى ما تراه من الحكم التي ~~لا يطلع عليها إلا عالم بالتعلم أو بالوحي , ومعلوم لكل مخاطب بذلك انتفاء ~~الأول عن المنزل عليه هذا الذكر صلى الل عليه وسلم , فانحصر الأمر في ~~الثاني , يوضح لك هذا المرام مع هذه الآية الأولى التي ذكرتها قوله تعالى ~~في آخر القصة { وما كنت بجانب الغربي } { وما كنت بجانب الطور } واتباع ~~القصة بقوله تعالى : { ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون } فالمراد بهذا ~~السياق منها كما ترى ms3579 غير ما تقدم من سياقاتها كما مضى , فلا تكرير في شيء ~~من ذلك - والله الهادي . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمن قوله ~~سبحانه { إنما أمرت أن أعبد رب هذه الذي حرمها } - إلى آخر السورة من ~~التخويف والترهيب والإنذر والتهديد لما انجر معه بأنه عليه الصلاة والسلام ~~سيملك مكة البلدة ويفتحها الله تعالى عليه , ويذل عاة قريش ومتمرديهم , ~~ويعز أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن استضعفته قريش من المؤمنين , ~~اتبع سبحانه ذلك بما قصه على نبيه من تطهير ما أشار إليه من قصة بني ~~إسرائيل وابتداء امتحانهم بفرعون , واستيلائه عليهم , وفتكه بهم إلى أن ~~أعزهم الله وأظهرهم على عدوهم , وأورثهم أرضهم وديارهم , ولهذا أشار تعالى ~~في كلا القصتين بقوله في الأولى { سيريكم آياته فتعرفونها } وفي الثانية ~~بقوله : { وترى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون } ثم قص ابتداء ~~أمر فرعون وحذره واستعصامه بقتل ذكور الأولاد ثم لم يغن عنه من قدر الله ~~شيئا , ففي حاله عبرة لمن وفق للاعتبار , ودليل على أنه سبحلنه المتفرد ~~بملكه , يؤتي ملكه من يشاء , وينزعه ممم يشاء , لا يزعه وازع , ولا يمنعه ~~عما يشاء مانع , { قل الله مالك الملك } وقد أصح قوله تعالى { وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض } - الآية بما أشار ~~إليه مجمل ما أوضحنا اتصاله من خاتمة النمل وفاتحة القصص , ونحن نزيده ~~بيانا بذكر لمع من تفسير ما قصد التحامه فنقول : إن قوله تعالى معلما لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم وآمرا { إنما أمرت أن أعبد } إلى قوله : { سيريكم آيته ~~} لا خفاء بما تضمن ذلك من التهديد , وشديد الوعيد , ثم في قوله : { رب هذه ~~البلدة } إشارة إلى أنه عليه الصلاة والسلام سيفتحها ويملكها , لأنه بلد ~~ربه وملكه , وهو عبده ورسوله , وقد اختصه برسالته , وله كل شيء فالعباد ~~والبلاد ملكه , ففي هذا من الإشارة مثل ما في قوله تعالى : { إن الذي فرض ~~عليك القرآ , لرادك إلى معاد } وقوله تعالى : { وأن أتلو القرآن } أي ~~ليسمعوه فيتذكروا ويتذكر من سبقت ms3580 له السعادة , ويخلظ سنة الله في العباد ~~والبلاد , ويسمع ما جرى لمن عاند وعنى و كذب واستكبر , فكيف وقصة الله ~~وأخذه ولم يغن عنه حذره , وأورث مستضعف عباده أرضه ودياره , ومكن لهم في ~~الأرض وأعز رسله وأباعهم { نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم ~~يؤمنون } أي يصدقون ويعتبرون ويستدلون ويستوضحون , وقوله : { سيريكم آيته } ~~يشير إلى ما حل بهم يوم بدر , وبعد ذلك إلى يوم فتح مكة , وإذعان نم لم يكن ~~يظن انقياده , وإهلاك من طال تمرده وعناده , وانقياد العرب بجملتها بعد فتح ~~مكة ودخول الناس في الدين افواجا , وعزة أقوام وذلة آخرين , بحاكم { إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم } إلى أن فتح الله على الصحابة رضوان الله عليهم ما ~~وعدهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم , فكان كما وعد , فلما تضمنت هذه الآية ~~ما أشير إليه , أعقب بما هو في قوة أن لو قيل : ليس عتوكم بأعظم من عتو ~~فرعون وآله , ولا حال مستضعفي المؤمنين بمكة ممن قصدتم فتنته في دينه بدون ~~حال بني إسرائيل حين كان فرعون يمتحنهم بذبح PageV05P462 أبنائهم . | فهلا ~~تأملتم عاقبة الفريقين , وسلكتم أنهج الطريقين ؟ { أفلم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } - إلى قوله : { فما أغنى عنهم ما ~~كانوا يكسبون } فلو تأملتم ذلك لعلمتم أن العاقبة للتقوى , فقال سبحانه بعد ~~افتتاح السورة إن فرعون علا في الأرض , ثم ذكر من خبره ما فيه عبرة , وذكر ~~سبحانه آياته الباهرة في أمر موسى عليه السلام وحفظه ورعايته وأخذ أم عدوه ~~إياه { عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا } فلم يزل يذبح الأبناء خيفة من مولود ~~يهتك ملكه حتى إذا كان ذلك المولود تولي بنفسه تربيته وحفظه وخدمته ليعلم ~~لمن التدبير والإمضاء , وكيف نفوذ شابق الحكم والقضاء , فهلا سألت قريش ~~وسمعت وفكرت واعتبرت { أولم تاتهم بينة ما في الصحف الأولى } ثم أتبع عليه ~~السلام في ذلك الخروج من عظيم السعادة , وفي ذلك منبة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على خروجه من مكة ةتزية له وإعلام بأنه ms3581 تعالى سيعيده إلى بلده ~~ويفتحه عليه , وبهذا المستشعر من هنا صرح آخر السورة في قوله تعالى : { إن ~~الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } وهذا كاف فيما قصد - انتهى . | ولما ~~كان كأنه قيل : ما هذا المقصوص من هذا النبأ ؟ قال : { إن فرعون } ملك مصر ~~الذي ادعى الإلهية { علا } أي بادعائه الإلهية وتجبره على عباد الله وقهره ~~لهم { في الأرض } أي لأنا جمعنا عليه الجنود فكانوا معه إلبا واحدا فأنفذنا ~~بذلك كلمتهن وهي وأن كان المراد بها ارض مصر ففي إطلاقها ما يدل على ~~تعظيمها وأنها كجميع الرض في اسشتمالها على ما قل أن يشتمل عليه غيرها . | ~~ولما كان التقدير بما دل عليه العاطف : فكفر تلك النعمة , عطف عليه قوله : ~~{ وجعل } بما جعلنا له من نفوذ الكلمة { أهلها } أي الرض المرادة { شيعا } ~~أي فرقا يتبع كل فرقة شيئا وتنصره , والكل تحت قهره وطوع أمره , قد صاروا ~~معه كالشياع , وهو دق الحطب , فرق بينهم لئلا يتمالؤوا عليه , فلا يصل إلى ~~ما يريد منهم , فافترقت كلمتهم فلم يحم بعضهم لبعض فتخاذلوا فسفل أمرهم , ~~فالآية من الاحتباك , ذكر العلو أولا دليلا على السفول ثانيا , والافتراق ~~ثانيا دليلا على الالجتماع أولا , جعلهم كذلك حال كونه { يستضعف } أي يطلب ~~ويوجد أن يضعف , أو هو اشتئناف { طائفة منهم } وهم بنو إسرائيل الذين كانت ~~حياة جميع أهل مصر على يدي واحد منهم , وهو يوسف عليه السلام . | وفعل معهم ~~من الخير ما لم يفعله والد مع ولده , ومع ذلك كافؤوه في أولاده وإخوته بأن ~~استبعدوهم , ثم ما كفاهم ذلك حتى ساموهم على يدي هذا العنيد سوء العذاب فيا ~~بأبي الغرباء بينهم قديما وحديثا , ثم بين سبحانه الاستضعاف بقوله : ~~PageV05P463 { يذبح } أي يتذبيحا كثيرا { أبناءهم } أي عند الولادة , وكل ~~بذلك أناسا ينظرون كلما ولدت امرأة ذكرا ذبحوه خوفا على ملكه زعم من مولود ~~منهم { ويستحي نساءهم } اي يريد حياة الإناث فلا يذبحن . | ولما كان هذا ~~أمرا متناهيا في الشناعة , ليس مأمورا به من جهة شرع ما , ولا له فائدة ~~اصلا , لأن ms3582 القدر - على تقدير صدق من أخبره - لا يرده الحذر , قال تعالى ~~مبينا لقبحه , شارحا لها أفهمه ذلك من حالهك { إنه كان } أي كونا راسخا { ~~من المفسدين * } أي الذين لهم عراقة في هذا الوصف , فلا يدع أن يقع منه هذا ~~الجزئي المندرج تحت ما هو قائم به من الأمر الكلي . | ولما كان التقدير كما ~~أرشد إليه السياق لمن يسأل عن سبب فعله هذا العجيب : يريد بذلك زعم دوام ~~ملكه بأن لا يسلبه إياه واحد منهم أخبره بعض علمائه أنه يغلبه عليه ويستنقذ ~~شعبه من العبودية , عطف عليه قوله بحكي تلك الحال الماضية : { ونريد } أو ~~هي حالية , أي يستضعفهم والحال أنا نريد في المستقبل أن نقويهم . | أي يريد ~~دوام استضعافهم حال إرادتنا ضده من أنا نقطع ذلك بإرادة { أن نمن } اي نعطي ~~بقدرتنا وعلمنا ما يكون جديرا بأن نمتن به { على الذين استضعفوا } أي حصل ~~استضعافهم وهان هذا الفعل الشنيع ولم يراقب فيهم مولاهم { في الأرض } أي ~~أرض مصر فذلوا وأهينوا , ونريهم في أنفسهم وأعدائهم وفق ما يحبون وفوق ~~مايأملون { ونجعلهم أئمة } أي مقدمين في الدين والدنيا , علماء يدعون كل ~~واحد منهم لأن يقصد للملك بعد كونهم مستبعدين في غاية البعد عنه { ونجعلهم ~~} بقوتنا وعظمتنا { الوارثين * } اي لملك مصر لا ينازعهم فيه أحد من القبط ~~, ولكل بلد أمرناهم بقصدها , وهذا إيذان بإهلاك الجميع . | < < # | القصص : ( 6 - 9 ) ونمكن لهم في . . . . . # > > ^ ( ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا ~~يحذرون * وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا ~~تخافي ولا تحزني إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين * فالتقطه آل فرعون ~~ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين * وقالت امرأة ~~فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون ~~) ^ } ) | ولما بشر بتمليكهم في سياق دال على مكنتهم , صرح بها فقال : { ~~ونمكن } أي PageV05P464 نوقع التمكين { لهم في الأرض } أي كلها لا سيما أرض ~~مصر والشام , بإهلاك أعدائهم وتأييدهم ms3583 بكليم الله , ثم بالأنبياء من بعده ~~عليهم الصلاة والسلام بحيث نسلطهم بسببهم على من سواهم بما نؤيدهم به من ~~الملائكة ونظهر لهم من الخوارق . | ولما ذكر التمكين , ذكر أنه مع مغالبة ~~الجبابرة إعلاما بأنه أضخم تمكين فقال عاطفا على نحو : ونريد أن نأخذ الذين ~~علوا في الأرض وهم فرعون وهامان وجنودهما : { ونري } أي بما لنا من العظمة ~~{ فرعون } أي الذي كان هذا الاستضعاف منه { وهامان } وزيره { وجنودهما } ~~الذين كانا يتوصلان بهم إلى ما يريدانه من الفساد { منهم } أي المستضعفين { ~~ما كانوا } أي بجد عظيم نمهم كأنه غريزة { يحذرون * } أي يجددون حذره في كل ~~حين على الاستمرار بغاية الجد والنشاط من ذهاب ملكهم بمولود منهم وما يتبع ~~ذلك , قال البغوي : والحذر : التوقي من الضرر . | والآية من الاحتباك : ذكر ~~الاستضعاف أولا دليلا على القوة ثانيا , وإراءة المحذور ثانيا دليلا على ~~إرادة المحبوب أولا , وسر ذلك أنه ذكر المسلي والمرجي ترغيبا في الصبر ~~وانتظام الفرج . | ولما كان التقدير : فكان ما أردناه , وطاح ما أراد غيرنا ~~, فأولدنا من بني إسرائيل الولد الذي كان يحذره فرعون على ملكه , وكان يذبح ~~أبناء بني إسرائيل لأجله , وقضينا بأن يسمى موسى , بسبب أنه يوجد بين ماء ~~وشجر , زنربيه في بيت الذي يحذره ويحتاط لأجله , عطف على هذا المعلوم ~~التقدير أول نعمة من بها على الذين استضعفوا فقال : { وأوجينا } أي أوصلنا ~~بعظمتنا بطريق خفي , الله أعلم له هل هو ملك أو غيره , إذ لا بدع في تكليم ~~الملائكة الولي من غير نبوة { إلى أم موسى } أي الذي أمضينا في قضائنا أنه ~~يسمى بهذا الاسم , وأ , يكون هلاك فرعون وزوال ملكه على يده , بعد أن ولدته ~~وخافت أن يذبحه الذباحون { أن أرضعيه } ما كنت آمنة عليه , وحقق لها طلبهم ~~لذبحه بقوله : { فإذا خفت عليه } أي منهم أن يصيح فيسمع فيذبح { فألقيه } ~~اي بعد أن تضعيه في شيء يحفظه من الماء { في اليم } أي النيل , واتركي ~~رضاعه , وعرفه وسماه يما - واليم : البحر - لعظمته على غيره من الأنهار ~~بكبره وكونه من الجنة ms3584 , وما يحصل به من المنافع , وعدل عن لفظ البحر إلى ~~اليم لأن القصد فيه أظهر من السعة ؛ قال الرازي في اللوامع : وهذا إشارة ~~إلى الثقة بالله , والثقة سواد عين التوكل , ونقطة دائرة التفويض , وسويداء ~~قلب التسليم , ولها درجات : الأولى درجة الأياس , وهو أياس العبد من مقواة ~~الأحكام , ليقعد عن منازعة الإقسام , فيتخلص من صحة الإقدام ؛ والثانية ~~درجة الأمن , وهو أمن العبد من فوت المقدور , وانتقاص المسطور , فيظفر بروح ~~الرضى وإلا فبعين PageV05P465 اليقين , وإلا فبطلب الصبر ؛ والثالثة معاينة ~~أولية الحق جل جلاله , ليتخلص من محن المقصود , وتالكيف الحمايات , ~~والتعريج على مدارج الوسائل . | { ولا تخافي } أي لا يتجدد لك خوف أصلا من ~~أن يغرق أو يموت من ترك الرضاع وإن طال المدى أو يوصل إلى أذاه { ولا تحزني ~~} أي ولا يوجد لك حزن لوقوع فراقه . | ولماكان الخوف عما يلحق المتوقعن ~~والحزن عما يلحق الواقع , علل نهيه عن الأمرين , بقوله في جملة اسميه \ ة ~~دالة علىالثبات والدوام , مؤكدة لاستبعاد مضمونها : { إنا رادوه إليك } ~~فأزال مقتضى الخوف والحزن ؛ ثم زادها بشرى لا تقوم لها بشرى بقوله : { ~~وجاعلوه من المرسلين * } أي الذين هم خلاصة المخلوقين , والآية من الاحتباك ~~, ذكر الإرضاع أولا دليلا على تركه ثانيا , والخوف ثانيا دليلا على الأمن ~~أولا , وسره أنه ذكر المحبوب لها تقوية لقلبها وتسكينا لرعبها . | ولما كان ~~الوحي إليها بهذا سببا لإلقائه في البحر . | وإلقاؤه سببا لالتقاطه , قال : ~~{ فالتقطه } اي فأرضعته فلما خافت عليه صنعت له صندوقا وقيرته لئلا يدخل ~~إليه الماء وأحكمته وأودعته فيه وألقته في بحر النيل , وكأن بيتها كان فوق ~~بيت فرعون , فساقه الماء إلى قرب بيت فرعونن فتعوق بشجر هناك , فتلكف جماعة ~~فرعون التقاطه , قال البغوي : والالتقاط وجود الشيء من غير طلب . | { آل ~~فرعون } بأن أخذوا الصندوقن فلما فتحوه وجدوا موسى عليه السلام فأحبوه لما ~~ألقى الله تعالى عليهم ممن محبته فاتخذوه ولدا وسموه موسى , لأنهم وجدوه في ~~ماء وشجر , ومو بلسانهم : الماء , وسا : الشجر . | ولما كانت عاقبة أمره ~~إهلاكهم , وكان العاقل لا سيما المتحذلق , لا ms3585 ينبغي له أن يقدم على شيء حتى ~~يعلم عاقبته فكيف إذا كان يدعي أنه إله , عبر سبحانه بلام العاقبة التي ~~معناها التعليل , تهكما بفرعون - كما مضى بيان مثله غير مرة - في قوله : { ~~ليكون لهم عدوا } أي بطول خوفهم منه بمخالفته لهم في دينهم وحملهم على الحق ~~{ وحزنا } أي بزوال ملكهم , لأنه يظهر فيهمايات التي يهلك الله بها منيشاء ~~منهم , ثم يهلك جميع أبكارهم فيخلص جميع بني إسرائيل منهم , ثم يظفر لهم ~~كلهم . | فيهلكهم الله بالغرق على يده إهلاك نفس واحدة , فيعم الحزن ~~والنواح أهل ذلك الإقليم كله , فهذه اللام للعلة استعيرت الأسد للشجاع ~~فأطلق عليه , فقيل : زيد أسد . | لأن فعله كان فلعه , والمعنى على طريق ~~التهكم أنهم ما أخذوه إلا لهذا الغرض , لأنا نحاشيهم من الإقدام على ما ~~يعلمون آخره أمره . | ولما كان لا يفعل إلا أحمق مهتور أو مغفل مخذول لا ~~يكاد يصيب PageV05P466 على ذلك بالأمرين فقال : { إن فرعون وهامان وجنودهما ~~} أي كلهم على طبع واحد { كانوا خاطئين * } أي دابهم تعمد الذنوب , والضلال ~~عن المقاصد , فلا بدع في خطائهم في أن يربوا من لا يذبحون الأبناء إلا من ~~أجله , مع القرائن الظاهرة في أنه من بني إسرائيل الذين يذبحون ابناءهم ؛ ~~قلا في الجمع بين العباب والمحكم : قال أبو عبيد : أخطأ وخطأ - لغتان بمعنى ~~واحد , وقال ابن عرفة : يقال : خطأ في دينه وأخطأ - إذا سلك سبيل خطأ عامدا ~~أو غير عامد . | وقال الأموي , المخطىء من أراد الصواب فصار إلى غيره , ~~والخاطىء : من تعمد ما لا ينبغي , وقال ابن ظريف في الأفعال : خطىء الشيء ~~خطأ وأخطأه : لم يصبه . | ولما أخبر تعالى عن آخر أمرهم معه , تخفيفا على ~~السامع بجمع طرفي القصة إجمالا وتشويقا إلى تفصيل ذلك الإجمال , وتعجيلا ~~بالتعريف بخطائهم ليكون جهلهم الذي هو أصل شقائهم مكتنفا لأول الكلام وآخره ~~, أخبر عما قيل عند التتقاطه فقال عاطفا على { فالتقطه } : { وقالت امرأة ~~فرعون } اي لفرعون لما أخرجته من التابوت , وهي التي قضي الله أن يكون ~~سعادة , وهي آسية بنت مزاحم إحدى نساء ms3586 بني إسرائيل - نقله البغوي : { قرت ~~عين لي } أي به { ولك } اي يا فرعون . | ولما أثبت له أنه ممن تقر بع ~~العيون , أنتج ذلك استبقاءه , ولذلك نهت عن قتله وخافت أن تقول : لا تقلقه ~~, فيجيبها حاملا له على الحقيقة ثم يأمر بقتله , ويكون مخلصا له عن الوقوع ~~في إخلاف الوعد , فجمعت قائلة : { لا تقتلوه } أي أنت بنفسك ولا أحد ممن ~~تأمره بذلك , ثم عللت ذلك أو استأنفت فقالت : { عسى } أي يمكن , وهو جدير ~~وخليق { أن ينفعنا } أي لما أتخيل فيه النجابة ولو كان له أبوان معروفان { ~~أو نتخذه ولدا } إن لم يعرف له أبوان , فيكون نفعه أكثر , فإنه أهل لأن ~~يتشرف به الملوك . | ولما كان هذا كله فعل من لا يعلم , فلا يصح كونه إلها ~~, صرح بذلك تسفيها لمن أطاعه في ادعاء ذلك فقال : { وهم } أي تراجعوا هذا ~~القول والحال أنهم { لا يشعرون * } أي لا شعور لهم أصلا , لأن من لا يكون ~~له علم إلا بالاكتساب فهو كذلك , فكيف إذا كان لا يهذب نفسه باكتسابه , ~~فكيف إذا كان مطبوعا على قلبه وإذا كانوا كذلك فلا شعور لهم بما يؤول إليه ~~أمرهم معه من اللأمور الائلة المؤدية إلى هلاك المفسدين ليعلموا لذلك ~~أعماله من الاحتراز منه بما ينجيهم . | < < # | القصص : ( 10 - 14 ) وأصبح فؤاد أم . . . . . # > > ^ ( وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على ~~قلبها لتكون من المؤمنين * وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا ~~PageV05P467 يشعرون * وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل ~~بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون * فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ~~ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون * ولما بلغ أشده واستوى ~~آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما أخبر عن حال من لقيه , أخبر عن حال من فارقه , فقال : { وأصبح } ~~أي عقب الليلة التي حصل فيها فراقه { فؤاد أم موسى } أي قلبها الذي زاد ~~احتراقه شوقا وخوفا وحزنا , وهذا يدل على أنها القته ms3587 ليلا { فارغا } أي في ~~غاية الذعر لما جلبت عليه من أخلاق البشر , قد ذهب منه كل ما فيه من ~~المعاني المقصودة التي من شأنها أن يربط عليها الجأش ؛ ثم وصل بذلك مستأنفا ~~قوله : { إن } أي أنه { كادت } أي قاربت { لتبدي } اي يقع منها الإظهار لكل ~~ما كان من أمره , ومصرحة { به } أي بأمر موسى عليه السلام من أنه ولدها ~~ونحو ذلك بسبب فراغ فؤادها من الأمور المستكنة , وتوزع فكرها في كل واد { ~~لو لا أن ربطنا } بعظمتنا { على قلبها } بعد أن رددنا إليه المعاني الصالحة ~~التي أودعناها فيه ؛ ثم علل الربط بقوله : { لتكون } أي كونا هو كالغريزة ~~لها { من المؤمنين * } أي المصدقين بما وعد الل به من نجاته ورسالته , ~~الواثقين بذلك . | ولما أخبر عن كتمهان أتبعه الخبر عن فعلها في تعرف خبره ~~الذي أطار خفاؤه عليها عقلها , فقال عاطفا على { وأصبح } : { وقالت } أي ~~أمه { لأخته } أي بعد أن أصبحت على تلك الحالة , قد خفي عليها أمره : { ~~قصيه } أي اتبعي أثره وتشممي خبره برا وبحرا , ففعلت { فبصرت به عن جنب } ~~أي بعد نم غير مواجهة , ولذلك قال : { وهم لا يشعرون * } أي ليس لهم شعور ~~لا بنظرها ولا بأنها أخته , بل هم في صفة الغفلة التي هي في غاية البعد عن ~~رتبة الإلهية . | ولما كان ذلك أحد الأسباب في ردهن ذكر في جملة حالية سببا ~~آخر قريبا منه فقالك { وحرمنا } أي منعنا بعظمتنا الت يلا يتخلف أمرها , ~~ويتضاءل كل شيء دونها { عليه المراضع } جمع مرضعة , وهي من تكترى للرضاع من ~~الأجانب , أي حكمنا بمنعه من الارتضاع منهن , استعار التحريم للمنع لأنه ~~منع فيه رحمة ؛ قال الرازي في اللوامع : تحريم منع لا تحريم شرع . | ولما ~~كان قد ارتضع من أمه من حين ولدته إلى حين إلقائه في اليم فلم يستغرق ~~PageV05P468 التحريم الزمان الماضي , أثبت الجار فقالك { من قبل } أي قبل ~~أن تأمر أمه أخته بما أمرتها به وبعد إلقائها له , ليكون ذلك سببا لرده ~~إليها , فلم يرضع من غيرها فأشفقوا عليه فأتتهم أخته ms3588 منه بعد نظرها له ~~فقالت لهم لما رأتهم في غاية الاهتمام برضاعه لما عرضوا عليه المراضع فأبى ~~أن يرتضع من واحدة منهن : { هل } لكم حاجة في أني { أدلكم على أهل بيت } ~~ولم يقل : على امرأة , لتوسع دائرة الظن { يكفلونه لكم } أي يأخذونه ~~ويعولونه ويقومون بجميع مصالحه من الرضاع وغيره لأجلكم , وزادتهم رغبة ~~بقولها : { وهم له ناصحون * } أي ثابت نصحهم له , لا يغشونه نوعا من الغس ؛ ~~قال البغوي : والنصح ضد الغش , وهو تصفية العمل من شوائب الفساد فكادت بهذا ~~الكلام تصرح أن المدلول عليها أمه , فارتابوا من كلامها فاعتذرت بأنهم ~~يعملون ذلك تقربا إلى الملك وتحببا إليه تعززا به , فظنوا ذلك , وهذا ~~وأمثاله بيان من الله تعالى لأنه لا يعلم أحد في السموات والأرض الغيب إلا ~~هو سبحانه , فلا يصح أن يكون غيره إلها , فلما سكنوا إليها طلبوا أن تدلهم ~~, فأتت بأمها فأحللنا له رضاعها فأخذ ثديها فقالوا : أقيمي عندنا , فقالت : ~~لا أقدر على فراق بيتي . | إن رضيتم أن أكفله في بيتي وإلا فلا حاجة لي , ~~وأظهرت التزهد فيه نفيا للتهمة , فرضوا بذلك فرجعت به إلى بيتها , والآية ~~من الاحتباك : ذكر التحريم أولا دليلا على الإحلال ثانيا , واستفهام أخته ~~ثانيا دليلا على استفامهم لها أولا , وسره أن ذكر الأغرب من أمره الأدل على ~~القدرة , ولذلك سبب عما مضى قوله : { فرددناه } أي مع هذا الظاهر في الكشف ~~لسره الموجب للريبة في أمره , ومع ما تقدم من القرائن التي يكاد يقطع بها ~~بأنه من بني إسرائيل , منها إلقاؤه في البحر على تلك الصفة , ومنها أن ~~المدلول عليها لإرضاعه من بني إسرائيل , ومنها أنه قبل ثديها دون غيرها من ~~القبط وغيرهم , بأيدينا الذي لا يقاويه أيد , ولا يداني ساحته شيء من مكر ~~ولا كيد , من يد العدو الذي ما ذبح طفلا إلا رجاء الوقوع عليه , والخلاص ~~مما جعل في سابق العلم إليه { إلىأمه } وكان من أمر الله - والله هو غالب ~~على أمره - أنه استخدم لموسى - كما قال الرازي - عدوه في كفالته وهو يقتل ~~العالم ms3589 لأجله ؛ ثم علله بقوله : { كي تقر عينها } أي تبرد وتستقر عن الطرف ~~في تطلبه إلى كل جهة وتنام بإرضاعه وكفالته في بيتها , آمنة لا تخاف , وقرة ~~العين بردها ونومها خلاف سخنتها وسهرها بإدامة تقليبها , قرت عينه تقر - ~~بالكسر والفتح - قرة , وتضم , وقرورا : بردت سرورا وانقطع بكاؤها , أو رأت ~~ما كانت متشوقة إليه , وأقر الله عينه وبعينه , وعين قريرة وقارة , وقرتها ~~ما قرت به , وقر بالمكان - بالفتح والكسر - قرارا وقرورا وقرا وتقرة : ~~PageV05P469 ثبت واستكن , وأصل قرة العين من القر وهوالبرد , أي بردت فصحت ~~ونامت خلاف سخنة عينه , وقيل : من القرار , اي استقرت عيني , وقالوا : دمعة ~~الفرح باردة , ودمعة الحزن حارة , فمعنى أقر الله عينك من الفرح وأسخنها من ~~الحزن , وهذا قول الأصمعي , وقال أبو عباس : ليس كما ذكر الأصمعي بل كل دمع ~~حار , فمعنى أقر الله عينك : صادفت سرورا فنامت وذهب سهرها , وصادفت ما ~~يرضيك , أي بلغك الله أقصى أملك حتى تقر عينك من النظر إلى غيره استغناء ~~ورضا بما يديك , قالوا : ومعنى قولهم : هو قرة عيني : هو رضى نفسي , فهي ~~تقر وتسكن بقربة فلا تستشرف غلى غيره { ولا } أي وكيلا { تحزن } أي بفراقة ~~{ ولتعلم } اي علما هو عين اليقين , كما كانت عالمة به علم اليقين , وعلم ~~شهادة كما كانت عالمة علم الغيب { أن وعد الله } أي الأمر الذي وعدها به ~~الملك الأعظم الذي له الكمال كله في حفظه ورساله { حق } أي هو في إاية ~~الثبات في مطابقة الواقع إياه . | ولما كان العلم هو النور الذي من فقده لم ~~يصح منه عمل , ولم ينتظم له قصد , قال عاطفا على ما تقديره : فعلمت ذلك ~~برده عين اليقين بعد علم اليقين : { ولكن أكثرهم } أي أكثر آل فرعون وغيرهم ~~{ لا يعلمون * } أي لا علم لهم أصلا , فكيف يدعون ما يدعون من الإلهية ~~والكبرياء على من يكون الله معه . | ولما استقر الحال , على هذا المنوال , ~~علم أنه ليس بعده إلا الخير والإقبال , والعز بتبني فرعون له والجلال , ~~فترك ما بينه وبين السن الصالح للإرسال , وقالف ms3590 مخبرا عما بعد ذلك من ~~الأحوال : { ولما بلغ أشده } أي مجامع قواه وكمالاته { واستوى } أي اعتدل ~~في السن وتم استحكامه بانتهاء الشباب , وهو من العمر ما بين إحدى وعشرين ~~سنة إلى اثنين وأربعين , فتم بسبب ذلك في الخلال الصالحة التي طبعناه عليها ~~؛ وقال الرازي : قال الجنيد : لما تكامل عقله , وصحت بصيرته , وصلحت نحيرته ~~, وآن أوان خطابه أنتهى . | أي وصار إلى الحد الذي لا يزاد الإنسان بعده ~~غريزة منالعرائز لم تكن فيه أيام الشباب , بل لا يبقى بعد ذلك إلا الوقوف ~~ثم النقصان { آتيناه } اي خرقا للعادة أسوة إخوانه من الأنبياء ابتداء ~~غرائز منحناه إياها من غير اكتساب أصلا { حكما } أي عملا محكما بالعلم { ~~وعلما } اي مؤيدا بالحكمة , تهيئة لنبوته , وإرهاصا لرسالته , جزيناه بذلك ~~على ما طبعناه عليه من الإحسان , فضلا منا ومنه , واختار الله سبحانه هذا ~~السن للإرسال ليكون - كما أشير إليه - من جملة الخوارقن لأنه يكون به ~~ابتداء الانتكاس الذي قال تعالى فيه { ومن نعمره - أي إلى اكتمال سن الشباب ~~- ننكسه في الخلق } أي نوفقه , فلا يزاد بعد ذلك في قواه الظاهرة ولا ~~الباطنة شيء , ولا توجد فيه غريزة لم PageV05P470 تكن موجودة أصلا عشر سنين ~~, ثم يأخذ في النقصان - هذه عادة الله في جميع بني آدم إلا الأنبياء , ~~فإنهم في حد الوقوف يؤتون من بحار العلوم ما يقصر عنه الوصف بغير اكتساب , ~~بل غريزة يغرزها الله فيهم حينئذ , ويؤتون منقوة الأبدان أيضا بمقدار ذلك , ~~ففي وقت انتكاس غيرهم يكون نموهم , وكذا من ألحقه الله بهم من صالحي ~~أتباعهم , وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة يس ن تمام هذا المعنى ما يفتح ~~الله به لمن تأمله أبوابا من العلم , ولذلك قال الله تعالى عاطفا على ما ~~تقديره : فعلنا به ذلك وبأمه جزاء لهما على إحسانهما في إخلاصهما فيما ~~يفعلانه اعتمادا على وحده من غير أدنى التفات إلى ما سواه : { وكذلك } أي ~~مثل هذا الجزاء العظيم { نجزي المحسنين * } اي كلهم . | < < # | القصص : ( 15 - 19 ) ودخل المدينة على . . . . . # > > ^ ( ودخل المدينة على حين ms3591 غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا ~~من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى ~~فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي ~~فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم * قال رب بمآ أنعمت علي فلن أكون ~~ظهيرا للمجرمين * فأصبح في المدينة خآئفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس ~~يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين * فلمآ أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو ~~لهما قال يموسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون ~~جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين ) ^ } ) | وما أخبر , بتهيئته ~~لنبوته , أخبر بما هو سبب لهجرته , وكأنها سنت بعد إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام فقال : { و خل المدينة } أي مدينة فرعون آتيا من قصره , لأنه كان ~~عنده بمنزلة الولد , قال ابن جرير : وهي مدينة منف من مصر , وقال البغوي : ~~وقيل : عين الشمس . | وقيل غير ذلك { على حين غفلة } قبل بعيد : وقيل بغير ~~ذلك { من أهلها } أي إحكاما لما جعلناه سببا لنقلته منها طهارة من عشرة ~~القوم الظالمين { فوجد فيها } أي المدينة { رجلين يقتتلان } أي يفعلان ~~مقدمات القتل من الملازمة مع الخنق والضرب , وهما إسرائيلي وقبطي , ولذا ~~قال مجيبا لمن كأنه يسأل عنهما وهو ينظر إليهما : { هذا من شيعته } أي من ~~بني إسرائيل قومه { وهذا من عدوه } أي القبط , وكان قد حصل لبني غسرائيل به ~~عز لكونه ربيب الملك , مع أن مرضعته منهم , لا يظنون أن سبب ذلك الرضاع { ~~فاستغاثه } أي طلب منه { الذي من شيعته } أن يغيثه { على الذي من عدوه ~~فوزكزه } أي فأجابه { موسى } فركز أي فطعن ودفع بيده العدو أو ضربه بجميع ~~كفه , وكأنه كالكم , أو دفعه بأطراف أصابعه , وهو رجل ايد لم يعط أحد من ~~أهل ذلك الزمان PageV05P471 مثل ما أعطي من القوى الذاتية والمعنوية { فقضى ~~} أي فأوقع القضاء الذي هو القضاء على الحقيقة , وهو الموت الذي لا ينجو ~~منه بشر ms3592 { عليه } فقتله وزفرغ منه وكل شيء فرغت منه فقد قضيته وقضيت عليه ~~وخفي هذا على الناس لما هم فيه من الغفلة , فلم يشعر به أحد منهم . | ولما ~~كان كأنه قيل : إن هذا الأمر عظيم , فما ترتب عليه من قول من أوتي حكما ~~وعلما ؟ أجيب بالإخبار عنه بأنه ندم عليه في الحال بقوله : { قال } أي موسى ~~عليه السلام : { هذا } أي الفعل الذي جرك إليه الإسرائيلي { من عمل الشيطان ~~} أي لأني لم أومر به على الخصوص , ولم يكن نقصدي وإن كان المقن \ تول ~~كافرا ؛ ثك أخبر عن حال الشيطان بما هو عالم به , مؤكدا له حملا لنفسه على ~~شدة الاحتراس والحذر منه فقال : { إنه عدو } ومع كونه عدوا ينبغي الحذر منه ~~فهو { مضل } لا يقود إلى خير أصلا , وع ذلك فهو { مبين * } أي عداوته ~~وإضلاله في غاية البيان , ما في شيء منهما خفاء . | ولما كان هذا الكافر ~~ليس فيه شيء غير الندم لكونه صلى الله عليه وسلم لم يأته في قتله إذن خاص , ~~وكان قد أخبر عنه بالندم , تشوفت أنفس البصراء إلى الاستغفار عنه , علما ~~منهم بأن عادة الأنبياء وأهل الدرجات العلية استعظام الهفوات , فأجيبوا ~~بالأخبار عن مبادرته إلى ذلك قوله : { قال } واسقط أداة النداء , على عادة ~~أهل الاصطفاء , فقال : { رب } أي أيها المحسن إلي . | ولما كان حال المقدم ~~على شيء دالة على إرادته فاستحسانه إياه , أكد قوله إعلاما بأن باطنه عل ~~غير ما دل عليه ظاهرة فقال : { إني ظلمت نفسي } أي بالإقدام على ما يم ~~يتقدم إلي فيه إذن بالخصوص وإن كان مباحا . | ولما كان المقرب قد يعد حسنة ~~غيره سيئته , قال مسببا عن ذلك : { فاغفر } اي امح هذه الهفوة عينها وأثرها ~~{ لي } أي لأجلي لا تؤاخذني { فغفر } اي أوقع المحو لذلك كما سأل إكراما { ~~له } ثم علل ذلك بقوله مشيرا إلى أن صفة غيره عدم بالنسسبة إلى صفته مؤكدا ~~لذلك : { إنه هو } أي وحده { الغفور } اي البالغ في صفة الستر لكل من يريد ~~{ الرحيم * } اي العظيم الرحمة بالإحسان بالتوفيق غلىالأفعال ms3593 المرضية لمقام ~~الإلهية , ولأجل أن هذه صفته , رده إلى فرعون وقومه حين ارسله إليهم فلم ~~يقدروا على مؤاخذته بذلك بقصاص ولا غيره بعد أن نجاه منم قبل الرسالة على ~~غير قياس . | ولما أنعم عليه سبحانه بالإجابة إلى سؤله , تشوف السامع إلى ~~شكره عليها فأجيب PageV05P472 بقوله : { قال رب } أي أيها المحسن إلي بكل ~~جميل . | ولما كان جعل الشيء عوضا لشيء أثبت له وأجدر بإمضار العزم عليه ~~قال : { بما أنعمتن علي } اي بسبب إنعامك علي بالمغفرة وغيرها . | ولما كان ~~في سياق التعظيم للنعمة , كرر حرف السبب تأكيدا للكلام , وتعريفا أن ~~المقرون به مسبب عن الإنعام , وقرنه بأداة النفي الدالة على التأكيد فقال : ~~{ فلن أكون ظهيرا } أي عشيرا أو خليطا أو معينا { للمجرمين * } أي القاطعين ~~لما أمر الله به أن يوصل , اي لا أكون بين ظهراني القبط , فإن فسادهم كثير ~~, وظلمهم لعبادك أبناء أوليائك متواصل وكبير , لا قدرة لي على ترك نصرتهم , ~~وذلك يجر إلى أمثال هذه الفعلة , فلا أصلح من المهاجرة لهم , وهذا من قول ~~العرب : جاءنا في ظهرته - بالضم وبالكسر وبالتحريكن وظاهرته , أي عشيرته . ~~| ولما ذكر القتال وأتبعه ما هو الأهم من أمره بالنظر إلى الآخرة , ذكر ما ~~تسبب عنه من أحوال الدنيا فقال : { فأصبح } اي موسى عليه الصلاة والسلام { ~~في المدينة } أي التي قتل القتيل فيها { خائفا } أي بسبب قتله له { يترقب } ~~اي لازم الخوف كثير الالتفات برقبته ذعرا من طارقه تطرقه في ذلك , قال ~~البغوي : والترقب : انتظار المكروه . | { فإذا } اي ففجئة { الذي استنصره } ~~اي طلب نصرته من شيعته { بالأمس } اي اليوم الذي يلي يوم الاستصراخ ن قبله ~~{ يستصرخه } اي يطلب ما يزيل ما يصرخ بسببه نم الضر من قبطي آخر كان يظلمه ~~, فكأنه قيل : فما قال له موسى بعدما أوقعه فيما يكره ؟ فقيل : { قال له } ~~اي لهذا المستصرخ { موسى } . | ولماكان الحال مقتضيا أن ذلك الإسرائيلي ~~يمكث مدة لا يخاصم أحدا خوفا من جريرة ذلك القتيل , أكد قوله : { إنك لغوي ~~} اي صاحب ضلال بالغ { مبين * } أي واضح الضلال غير خفيه ms3594 , لكون ما وقع ~~بالأمس لم يكفك عن الخصومة لمن لا تطيقه وإن كنت مظلوما ؛ ثك دنا منهما ~~لينصره ؛ ثم قال مشيرا بالفاء إلى المبادرة إلى إصراخه : { فلما } وأثبت ~~الحرف الذي أصله المصدر تأكيدا لمعنى الإرادة فقال : { أن أراد } أي شاء , ~~وطلب وقصد مصدقا ذلك بالمشي { أن يبطش } أي موسى عليه الصلاة والسلام { ~~بالذي هو عدو لهما } أي من القبط بأخذه بعنف وسطوة لخلاص الإسرائيلي منه { ~~قال } أي الإسرائيلي الغوي لأجل ما رأى من غضبه وكلمه به من الكلام الغص ~~ظانا أنه ما دنا إلا يريد البطش به هو , لما أوقعه فيه لا بعدوه : { يا ~~موسى } ناصا عليه باسمه العلم دفعا لكل لبس منكر الفعلة الذي اعتقده لما ~~رآه من دنوه غليهما غضبان وهو يذمه { أتريد أن تقتلني } أي اليوم وأنا من ~~شيعتك { كما قتلت نفسا بالأمس } أي من شيعة أعدائنا , والذي دل على أن ~~الإسرائيلي هو الذي قال له الكلام السياق بكون الكلام PageV05P473 معه - ~~بما اشير إليه بدخول المدينة على حين غفلة من أنهم لم يره أحد غير ~~الإسرائيلي , ووبقوله { عدوا لهما } منذم الإسرائيلي كما صرح به موسى عليه ~~الصلاة والسلام . | ولما نم عليه وأفشى ما لا يعلمه غيره , خاف غائلته فزاد ~~في الإغراء به . | مؤكدا بقوله : { إن } أي ما { تريد إلا أن تكون } أي ~~كونا راسخا { جبارا } اي قاهرا غالبا ؛ قال أبو حيان : وشأن الجبار أن يقتل ~~بغير حق . | { في الأرض } اي التي تكون بها فلا يكون فوقك أحد { وما تريد } ~~أي يتجدد لك إرادة { أن تكون } أي بما هو لك كالجبلة { من المصلحين * } أي ~~العريقين في الصلاح , فإن المصلح بين الناس لا يصل إلى القتل على هذه ~~الصورة , فلما سمع الفرعوني هذا ترك الإسرائيلي , وكانوا - لما قتل ذلك ~~القبطي - ظنوا في بني إسرائيل , فأغروا فرعون بهم فقال : هل من بينة , فإن ~~الملك وإن كان صفوة مع قومه لا ينبغي له أن يقيد بغير بينة ولا ثبت - كما ~~ذكر ذلك في حديث المفتون الذي رواه أبو يعلى عن ابن ms3595 عباس رضي الله عنهما , ~~فلما قال هذا الغوي هذه المقالة تحقق الأمر في موسى عليه الصلاة والسلام . ~~| < < # | القصص : ( 20 - 24 ) وجاء رجل من . . . . . # > > ^ ( وجآء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يموسى إن الملأ يأتمرون بك ~~ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين * فخرج منها خآئفا يترقب قال رب نجني من ~~القوم الظالمين * ولما توجه تلقآء مدين قال عسى ربي أن يهديني سوآء السبيل ~~* ولما ورد مآء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين ~~تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء وأبونا شيخ كبير * ~~فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير ) ^ } ) ~~| ولما كان تقدير الكلام الذي ارشد إليه السياق : فلما سمع الفرعوني قول ~~الإسرائيلي تركه . | ثم رقي الكلام إلى أن ببغ فرعون فوقع الكلام في الأمر ~~بقتل موسى عليه الصلاة والسلام , عطف عليه قوله : { وجاء رجل } أي ممن يجب ~~موسى عليه الصلاة والسلام . | ولما كان الأمر مهما , يحتاج إلى مزيد عزم ~~وعظم قوة , قدم فاعل المجيء على متعلقه بخلاف ما في سورة يس . | ولما كان ~~في بيان الاقتدار على الأمور الهائلة من الأخذ بالخناق حتى يقول القائل : ~~لا خلاص , ثم الإسعاف بالفرج حتى يقول : لا هلاك , قال واصفا للرجل : { من ~~اقصا المدينة } أي ابعده امكانا , وبين أنه كان ماشيا بقوله : { يسهى } ~~ولكنه اختصر طريقا واسرع في مشيته بحيث كان يعدو فسبقهم بإعظامه للسعي ~~وتجديد العزم في كل وقت من أوقات سعيه فكأنه قيل : ما فعل ؟ فقيل : { قال } ~~مناديا له باسمه تعطفا PageV05P474 وإزالة للبس : { ياموسى } أكد إشارة إلى ~~أن الأمر قد دهم فلا يسع الوقت الاستفصال فقال : { إن الملأ } أي أشراف ~~القبط في أيديهم الحل والعقد , لأن لهم القدرة على الأمر والنهي { يأتمرون ~~بك } أي يتشاورن بسببك , حتى وصل حالهم في تشاورهم إلى أن كلا منهم يأمر ~~الآخر ويأنمر بأمره , فكأنه قيل : لم يفعلون ذلك ؟ فقيل : { ليقتلوك } ~~لأنهم سمعوا أنك قتلت صاحبهم { فاخرج } أي من هذه المدينة ؛ ثم ms3596 علل ذلك ~~بقوله على سبيل التأكيد ليزيل ما يطرق من احتمال عدم القتل لكونه عزيزا عند ~~الملك : { إني لك } أي خاصة { من الناصحين * } أي العريقين في نصحك { فخرج ~~} اي موسى عليه الصلاة والسلام مبادرا { منها } أي المدية لما علم من صدق ~~قوله مما حفه من القرائن , حال كونه { خائفا } على نفسه من آل فرعون { ~~يترقب } اي يكثر الالتفات بإدراة رقبته في الجهات ينظر هلى يتبعه أحد ؛ ثم ~~وصل به على طريق الاستئناف قوله : { قال } أي موسى عليه الصلاة والسلام : { ~~رب } أي ايها المحسن إلي بالإيجاد والتربية وغير ذلك من وجوه البر { نجني } ~~أي خلصني , مشتق من النجوة , وهو المكان العالي الذي لا يصل إليه كل أحد { ~~من القوم الظالمين * } اي الذين يضعون الأمور في غير مواضعاها فيقتلون من ~~لا يستحق القتل مع قوتهم , فاستجاب الله له فوفقه لسلوك الطريق الأعظم نحو ~~مدين , فكان ذلك سبب نجاته , وذلك أن الذين انتدبوا إليه قطعوا بأنه لا ~~يسلك الطريق الأكبر , جريا على عادة الخائفين الهاربين في المشي عسافا , أو ~~سلوك ثنيات الطريق فانثنوا فيما ظنوه يمينا وشمالا ففاتهم . | ولما دعا ~~بهذا الدعء , أعلم الله تعالى باستجابته منه مخبرا بجهة قصده زيادة في ~~الإفادة فقال : { ولما } أي فاستجاب الله دعاءه فنجاه منهم ووجهه إلى مدين ~~ولما { توجه } اي اقبل بوجهه قاصدا { تلقاء } أي الطريق الذي يلاقي سالكه ~~ارض { مدين } مدينة نبي الله شعيب عليه الصلاة والسللام متوجها بقلبه إلى ~~ربه { قال } أي لكونه لا يعرف الطريق : { عسى } اي خليق وجدير وحقيق . | ~~ولما كانت عنايته بالله أتم لما له من عظيم المراقبة , قال مقدما له : { ~~ربي } أي المحسن إلي بعظيم التربية في الأمور المهلكة { أن يهديني سواء } ~~أي عدل ووسط { السبيل * } وهو الطريق الذي يطلعه عليها من غير اعوجاج . | ~~ولما كان التقدير : فوصل إلى المدينة , بنى عليه قوله : { ولما ورد } اي ~~حضر موسى عليه الصلاة والسلام حضور من يشرب { ماء مدين } اي الذي يستقي ~~منها الرعاء { وجد عليه } أي الماء { أمة } أي جماعة كثيرة هم ms3597 أهل لأن ~~يقصدوا ويقصدوا , فلذلك هم عالون غالبون على الماء ؛ ثم بين نوعهم بقوله : ~~{ من الناس } وبين عملهم PageV05P475 أيضا بقوله : { يسقون * } أي مواشيهم ~~, وحذف المفعول لأنه غير مراد , والمراد الفعل , وكذا ما بعده فإن رحمته ~~عليه الصلاة والسلام لم تكن لكون المذود والمسقي غنما بل مطلق الذياد وترك ~~السقي { ووجد من دونهم } أي وجدانا مبتدئا من أدنى مكان من مكانهم الآتي ~~إلى الماء { امرأتين } عبر بذلك لما جعل لهما سبحانه من المروءة ومكارم ~~الأخلاق كما يعلمه من أمعن النظر فيما يذكر عنها { تذودان } اي توجدان ~~الذود , وهو الكف والمنع والطرد وارتكاب أخف الضررين , فتكفان أغنامهما إذا ~~نزعت من العطش إلى الملأ لئلا تخلط بغنم الناس . | ولما كان هذا حالا موجبا ~~للسؤال عنه , كان كأنه قيل : فما قال لهما ؟ قيل : { قال } اي موسى عليه ~~الصلاة والسلام رحةم لهما : { ما خطبكما } أي خبركما ومخطوبكما أي مطلوبكما ~~, وهوكالتعبير بالشأن عن المشؤون الذي يستحق أن يقع فيه التخاطب لعظمه , في ~~ذيادكما لأغنامكما عن السقي ؛ قال أبو حيان : والسؤال بالخطب إنما يكون في ~~مصاب أو مضطهد . | ولما كان من المعلوم أن سؤاله عن العلة { قالتا } أي ~~اعتذارا عن حالهما ذلك ؛ وتلويحا باحتياجهما إلى المساعدة : { لا } أي ~~خبرنا أنا لا { نسقي } أي مواشينا , وحذفه للعلم به { حتى يصدر } اي نصرف ~~ويرجع { الرعاء } أي عن الماء لئلا يخالطهم - هذا على قراءة أبي عمرو وابن ~~عامر بفتح الياء وضم الدال ثلاثيا , والمعنى على قراءة الباقين بالضم ~~والكسرك يوجدوا الدر والصرف . | ولما كان التقدير : لأنا من النساء , وكان ~~المقام يقتضي لصغر سنهما أن لهما أبا , وأن لا إخوة لهما وإلا لكفوهما ذلك ~~, عطفتا على هذا المقدر قولهما : { وأبونا شيخ كبير * } أي لا يستطيع لكبره ~~أن يسقي , فاضطررنا إلى ما ترىن وهذا اعتذار أيضا عن كون ابيهم أرسلهما ~~لذلك لأنه ليس بمحظور , فلا يأباه الدين , والناس مختلفون في ذلك بحسب ~~المروءة , وعاداتهم فيها متباينة وأحوال العرب والبدو تباين أحوال العجم ~~والحضر , لا سيما إذذا دعت إلى ذلك ضرورة { فسقى } أي ms3598 موسى عليه الصلاة ~~والسلام { لهما } لما علم ضرورتهما , انتهازا لفرصة الأجر وكرم الخلق في ~~مسااعدة الضعيف , مع ما به من النصب والجوع { ثم تولى } أي انصرف موسى عليه ~~الصلاة والسلام جاعلا طهره يلي وجهه { إلى الظل } أي ليقيل تحته ويستريح , ~~مقبلا على الخالق بعد ما قضى من نصيحته الخلائق , وعرفه لوقوع العم بأن ~~بقعة لا تكاد تخلو من شيء له ظل ولا سيما أماكن المياه { فقال } لأنه ليس ~~في الشكوى إلى المولى العلي الغني المطلق نقص { رب } . | PageV05P476 ولما ~~كان حاله في عظيم صبره حاله من لا يطلب , أكد سؤاله إعلاما بشديد تشوقه لما ~~سأل فيه وزيادة في التضرع والرقة , فقال : { إني } ولأكد الافتقار بالإلصاق ~~باللام دون ( إلى ) فقال : { لما } اي لأي شيء . | ولما كان الرزق الآتي ~~إلى الإنسان مسببا عن القضاء الآتي عن العلي الكبير , عبر بالإنزال وعبر ~~بالماضي تعميما لحالة الافتقار , وتحققا لإنجاز الوعد بالرزق فقال : { ~~أنزلت } ولعله حذف العائد اختصارا لما به من الإعياء { إلي من خير } أي ولو ~~قل { فقير * } أي مضرور , عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان قد بلغ ~~من الضر أن اخضر بطنه من أكل البقل وضعف حتى لصق بطنه بظهره . | فانظر إلى ~~هذين النبيين عليهما الصلاة والسلام في حلهما في ذات يدهما , وهما خلاصة ~~ذلك الزمان , ليكون لك في ذلك اسوة , وتجعله إماما وقدوة , وتقول : يا ~~بأنبي وأمي ! ما لقي الأنبياء والصالحون من الضيق والأهوال في سجن الدنيان ~~صونا لهم منها وإكراما من ربهم عنها , رغعة لدرجاتهم عنده , واستهانة لها ~~وإن ظنه الجاهل المغرور على غير ذلك , وفي القصة ترغيب في الخير , وحث على ~~المعاونة على البر , وبعث على بذل المعروف مع الجهد . | < < # | القصص : ( 25 - 28 ) فجاءته إحداهما تمشي . . . . . # > > ^ ( فجآءته إحداهما تمشي على استحيآء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ~~ما سقيت لنا فلما جآءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين * ~~قالت إحداهما يأبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين * قال إني أريد ~~أن أنكحك إحدى ms3599 ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن ~~عندك ومآ أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين * قال ذلك بيني ~~وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل ) ^ } ) | ~~ولما كان سما عهما لقوله هذا مع إحسانه إليهما سببا لدعاء شعيب عليه الصلاة ~~والسلام له , قال بانيا على نا تقديره : فذهبت المرأتان إلى ابيها فحدثتاه ~~بخبرهما و بإحسانه إليها , فأمر بدعائه ليكافئه : { فجاءته } اي بسبب قول ~~الأب وعلى الفرو { إحدهما } أي المرأتين حال كونها { تمشي } ولما كان ~~الحياء كأنه مركب لها ةهي متمكنة منه , مالكة لزمامه , عبر بأداة الاستعلاء ~~فقال : { على استحياء } اي حياء موجود منها لأنها كلفت الإتيان إلى رجل ~~أجنبي تلكمه وتماشيه ؛ ثم استأنف الإخبار عما تشوف PageV05P477 إليه السامع ~~من أمرها فقال : { قالت } وأكدت إعلاما بما لأبيها من الرغبة إلى لقائه في ~~قولها : { إن أبي } وصورت حاله بالمضارع فقالت : { يدعوك ليجزيك } أي يعطيك ~~مكافأة لك , لأن المكافأة من شيم الكرام , وقبولها لا غضاضة فيه { أجر ما ~~سقيت لنا } أي مواشينا , فأسرع الإجابة لما بينهما من الملاءمة , ولذلك قال ~~: { فلما } بالفاء { جاءه } اي موسى شعيبا عليهما الصلاة والسلام { وقص } ~~أي موسى عليه الصلاة والسلام { عليه } أي شعيب عليه الصلاة والسلام { القصص ~~* } اي حدثه حديثه مع لما توسم فيه بما آتاه اله من الحكم والعلم من ~~النصيحة والشفقة , والعلم والحكمة , والجلال والعظمة . | ولما كان من ~~المعلوم أنه لا عيشة لخائف , فكان أهم ما إلى الإنسان الأمان , قدم له ~~التأمين بأن { قال } أي شعيب له عليهما الصلاو والسلام : { لا تخف } اي فإن ~~فرعون لا سلطان له على ما ههنا , ولأن عادة الله تعالى جرت أن تواضعك هذا ~~ما كان في أحد إلا قضى الله برفعته , ولذلك كانت النتيجة : { نجوت } أي يا ~~موسى { من القوم الظالمين * } أي هو و غيره وإن كانوا في غاية القوة ~~والعراقة في الظلم . | ولما اقتضى هذا القول أنه آواه إليه , علمت انتباه ~~مضمونه , وكانتا قد رأتا من كفايته ms3600 وديانته ما يرغب في عشرته , فتشوفت ~~النفس إلى حالهما حينئذ , فقال مستأنفا لذلك : { قالت إحداهما } أي ~~المرأتين . | قيل : وهي التي دعته إلى أبيها مشيرة بالنداء بأداة البعد إلى ~~استصغارها لنفسها وجلالة أبيها : { يا أبت استأجره } ليكفينا ما يهمنا ؛ ثم ~~عللت قولها فقالت مؤكدة إظهارا لرغبتها في الخير واغتباطها به : { إن خير ~~من استأجرت } لشيء من الأشياء { القوي } وهو هذا لما ريناه من قوته في ~~السقي { الأمين * } لما تفرسنا فيه من حيائه , وعفته في نظره ومقاله وفعاله ~~, وسائر أحواله ؛ قال أبو حيان : وقولها قول حكيم جامع , لأنه إذا اجتمعت ~~الأمانة والكفاية في القائم بأمر فقد تم المقصود . | { قال } اي شعيب عليه ~~الصلاة والسلام , وهو في التوراة يسمى : رعوئيل - بفتح الراء وضم العين ~~المهملة وإسكن الواو ثم همزة مكسورة بعدها تحتانية ساكنة ولام , ويثرو - ~~بفتح التحاتانية وإسكان المثلثة وضم الراء المهملة وإسكان الواو { إني اريد ~~} يا موسى , والتأكيد لأجل أن الغريب قل ما يرغب فيه أول ما يقدم لا سيما ~~من الرؤساء أتم الرغبة { أن أنكحك } اي أزوجك زواجا , تكون وصلته كوصلة أحد ~~الحنكين بالآخر { إحدى ابنتي } . | ولما كان يجوز أن يكون المنكح منهما غير ~~المسقي لهما , نفى ذلك بقوله : PageV05P478 { هاتين } اي الحاضرتين اللتين ~~سقيت لهما , ليتأملهما فينظر منيقع اختياره عليها منهما ليعقد لع عليها { ~~على أن تأجرني } أي تجعل نفسك أجيرا عندي أو تجعل أجري على ذلك وثوابي { ~~ثماني حجج } جمع حجة - بالكسر , أي سنين , أي العمل فيها بأن تكون أجيرا لي ~~أستعملك فيما ينوبني من رعية الغنم وغيرها , وآجره - بالمد والقصر , نم ~~الأجر والإيجار , وكذلك أجر الأجير والمملكوك وآجره : أعطاهما أجرهما { فإن ~~أتممت } أي الثماني ببلوغ العقد بأن تجعلها { عشرا } أي عشر سنين { فمن } ~~أي فذلك فضل من { عندك } غي واجب عليك , وكان التعيين الثماني لأنها - إذا ~~أسقطت منها مدة احمل - أقل سن يميز فيه الولد غالبا , والعشر أقل ما يمكن ~~فيه البلوغ , لينظر سبطه إن قدر فيتوسم فيه بما يرى من قوله وفعله , ~~والتعبير بما هو من الحج الذي ms3601 هو القصد تفاؤلا بأنها تكون من طيبها بمتابعة ~~أمر الله وسعة رزقه وإفاضة نعمه ودفع نقمه أهلا لأن تقصد أو يكون فيها الحج ~~في كل واحدة منها إلى بيت الله الحرام . | ولما ذكر له هذا , أراد أن يعلمه ~~أن الأمر بعد الشرط بينهما على المسامحة فقال : { وما اريد أن أشق عليك } ~~أي أدخل عليك مشقة في شيء من ذلك ولا غيره لازم أو غير لازم ؛ ثم أكد معنى ~~المساهلة بتأكيد وعد الملاءمة فقال : { ستجدني } ثم استثنى على قاعدة ~~أولياء الله وأنبيائه في المراقبة على سبيل التنزل فقال : { إن شاء الله } ~~اي الذي له جميع المر { من الصالحين * } أي في حسن الصحبة والوفاء بما قلت ~~وكل ما تريد من خير { قال } أي موسى عليه السلام { ذلك } أي الذي ذكرت من ~~الخيار وغيره { بيني وبينك } أي كائن بيننا على حكم النصفة والعدل والسواء ~~على ما ألزمتني به لازما , وما أشرت إلى التفضل به إحسانا , وعليم ما ألزمت ~~به نفسك فرضا وفضلا ؛ ثم بين وفسر ذلك بقوله : { إيما الأجلين } أي أي أجل ~~منهما : الثماني أو العشر { قضيت } اي عمكلت العمل المشروط على فيه خرجت به ~~من العهدة { فلا عدوان } أي اتداء بسبب ذلك لك ولا لأحد { علي } أي في طلب ~~أكثر منه لأنه كما لا تجب على الزيادة على العشر لا تجب علي الزيادة على ~~الثمان , وكأنه أشار بنفي صيغة المبالغة إلى أنه لا يؤاخذ لسعة صدره وطهارة ~~أخلاقه بمطلق العدو { والله } أي الملك الأعظم { على ما نقول } اي كله في ~~هذا الوقت وغيره { وكيل * } اي شاهد وحفيظ قاهر عليه وملزم به في الدنيا ~~واآخرة , فما الظن بما وقع بيننا من العهد من النكاح والأجر والأجل . | < < # | القصص : ( 29 - 32 ) فلما قضى موسى . . . . . # > > ^ ( فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال ~~لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم ~~تصطلون * فلمآ أتاها نودي من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة من ~~PageV05P479 الشجرة أن يموسى ms3602 إني أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك فلما ~~رآها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب يموسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين ~~* اسلك يدك في جيبك تخرج بيضآء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك ~~برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ذكر المضمون هذا من التوراة : قال في و السفر الثاني منها : وهذه ~~أسماء بني إسرائيل الذين دخلوا مصر مع يعقوب عليه السلام , دخل كل امرىء ~~وأهل بيته روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا وإساخار وزيلون وبنيامين ودان ونفتالي ~~وجاد وأشير , وكان عدد ولد يعقوب الذين خرجوا من صلبه سبعين نفسا مع يوسف ~~عليه الصاة والسلام الذين كان بمصر , فتوفي يوسف وجميع إخواته وجميع ذلك ~~الحقب , وبنو إسرائيل نموا وولدوا وكثروا واعتزوا جدا جدا , وامتلأت الأرض ~~منهم , فملك على مصر ملك جديد لم يكن يعرفيوسف فقال لشعبه : هذا شعب بني ~~إسرائيل قد كثر عددهم فهم أكثر وأهز منا , هلموا نحتال لهم ثقبل أن يكثروا ~~, لعل أعدائنا يأتونا يقاتلونا فيكونوا عونا , لأعدائنا علينا فيخرجونا من ~~الأرض , فولى عليهم ولاة ذوي فظاظة وقساوة ليتعبدوهم , وجعلوا يبنون قرى ~~لأجران فرعون واهرائه وفي نسخة : وبنوا لفرعون مدنا محصنة فيسترم في الفيوم ~~وفي عين شمس , فيثوم ورعمسيس , وف ينسخة : وأكوان التي هي مدينة الشمس , ~~واشتد تعبدهم لهم , وذلهم أياهم , وكانوا يزدادون كثرة ويعتزون , فاشتد ~~غمهم وحزنهم بسبب بني إسرائيل , وكان المصريون يتعبدون بني إسرائيل بشدة ~~وقساوة , فقال ملك مصر : وجعلنا لقوابل العبرانيات التي تسمى إحداهما فوعا ~~والخرى شوفرا , وأمرهما : إذا أنتما قبلتما العبرانيات فانظرا إذا سقط ~~الولد , فإن كان ذكرا فاقتلاه , وإن كانت أنثى فاستبقياها فاتقت القابلتان ~~الله ولم بفعلا ما أمرهما به ملك مصر , وجعلتا تستحيان الغلمان ؟ قالتا ~~لفرعون : إن العبرانيات لسن كالمصريات لأنهن قوابل , ويلدنقبل أن تدخل ~~القابلة عليهن / فأحسن اله إلى القابلتين لصنعهما هذا , فكثر الشعب وعز جدا ~~, فلما اتقت القابلتان الله أنماهما وجعل لهما بنين , وفي نسخة : بيوتا , ~~فأمر فرعون جميع قومه قائلا ms3603 : كل غلام يولد لهم فألقوه في لانهر , وكل ~~جارية تولد فاستبقوها , فانطلقق رجل من آل لاوي فتزوج إحدى بنات لاوي , ~~فحبلت المرأة فولدت ابنا فرأه حسنا جدا , فغيبته ثلاثة أشهر ولم تقدر أن ~~تغيبه أكثر من ذلك , PageV05P480 فأخذت تابوتا من خشب الصنوبر , وطلته ~~بالقار والزفت ووضعت فيه الغلام ووضعته في الضحضاح على شاطىء النهر , وقامت ~~أخته من بعيد لتنظر ما يكون من أمره , فخرجت بنت فرعون تغتسل في النهر , ~~فنظرت إلى التابوت في المخاضة , فأرسلت ججواريها فأتوا به ففتحته فرأت ~~الغلام , فإذا هو يبكي فرحمته , وقالت : هذا من بني العبرانين , فقالت أخته ~~لابنة فرعون : نعم ! انطلقي , فانطلقت الفتاة ودعت أم الغلام , فقالت لها ~~ابنة فرغون : خذي هذا لاصبي فأرضيعيه وأنا أعطيك أجرتك , فأخذت المرأة ~~الغلام فأرضعته فشب الغلام فأتت به إلى ابنة فرعون فتبنته , وسمته موسى ~~لأنها قالت : إني انتشلته من الماء . | فلما كان بعد تلك اليام نشأ موسى ~~عليه السلام وخرج إلى إخوته فنظر إلى ذلهم , فرأى رجلا مصريا يضرب رجلا ~~عبرانيا من إخوته من بني إسرائيل , فالتفت يمينا وشمالا فلم ير أحدا فقتل ~~المصري , فمات ودفنه في الرمل , ثم خرج يوما آخر فإذا هو برجلين عبرانيين ~~يصطحبان , فقال للمسيء منهما : ما بالك ؟ تضرب أخاك ؟ فقال له : من جعلك ~~علينا رئيسا وحاككما ؟ لعلك تريد أن تقتلني كما قتلت المصري أمس ؟ ففرق ~~موسى وقال : حقا لقد فشا الأمر , فبلغ فرعون الأمر وأراد موسى , فهرب موسى ~~من فرعون وانطلق إلى أرض مدين , وجلس على طوي الماء , وكان لحبر مدين سبع ~~بنات , فكن يأتين فيدلن الماء فيملأن الحياض ليسقين غنم أبيهن , وكان ~~الرعاة يأتون فيطردونهن , فقام موسى فخلصهن وأسقى غنمهن , فأتين إلى رعوئيل ~~أبيهن فقال لهن : ما بالكن ؟ أسرعتن السقي اليوم ؟ فقلن له ك رجل مصري ~~خلصنا من أيدي الرعاة , فاستقى لنا الماء , وسقى غنمنا , فقال لبناته : ~~وأين هو ؟ لم تركتن الرحل , انطلقن وادعونه فيأكل عندنا خبزا , ففعلن ذلك , ~~فأعجب موسى أن ينزل على ذلك الرجل فزوجه صفورا ابنته فتزوجها فولدت له ms3604 ابنا ~~فسموه الياعازار , لأنه قال : إن إله آبائي خلصني من حرب فرعون . | وقوله : ~~إن المتخاصمين في اليوم الثاني عبرانيان , إن أمكن تنزيل ما في القرآن عليه ~~فذاك , وإلا فهو مما بدلوه , وقوله : إن بنات شعيب سبع لا يخالف ما في ~~لاقرآن الكريم , بل أيده الزمخشري بتعيينهما بقوله ( هاتين ) لكن تقدم ما ~~يشير إلى أن ذلك غير لازم . | ولما كان من المعلوم أن التقدير : فلما التزم ~~موسى عليه السلام زوجه ابنته كما شرط , واستمر عنده حتى قضى ما عليه , بنى ~~عليه قوله : { فلما قضى } اي وفى وأتم , ونهى وأنفذ { موسى } صاحبه { الأجل ~~} أي الأوفى وهو العشر , بأن وفى جميع ما PageV05P481 شرط عليه من العمل , ~~فإنه ورد أنه قضى من الأجلين أوفاهما , وتزوج من المرأتين صغراهما , وهي ~~التي جاءت فقالت : يا أبت استأجره روى الطبراني في الوسط معناه عن أبي ذر ~~رضي الله عنه مرفوعا , والظاهر أنه مكث عنده بعد الأجل أيضا مدة , لأنه عطف ~~بالواو قوله : { وسار } ولم يجعله جوابا للما { بأهله } أي امرأة راجعا إلى ~~أقاربه بمصر { آنس } اي أبصر { من جانب الطور نارا } آنسته رؤيتها وشرحته ~~إنارتهان وكان مضرورا إلى الدلالة على الطريق والاصطلاء بالنار . | ولما ~~كان كأنه قيل : ماذا فعل عندما ابصرها قيل : { قال لأهله } ولما كان النساء ~~أعظم ما ينبغي ستره , أطلق عليها ضمير الذكور فقال : { امكثوا } وإن كان ~~معه بنين له فهو على التغليب , ثم علل ذلك بقوله مؤكدا , لاستبعاد أن يكون ~~في ذلك المكان القفر وفي ذلك الوقت الشديد البرد نار : { إني آنست نارا } ~~فكأنه قيل : فماذا تعمل بها ؟ فقال معبرا بالترجي لنه اليق بالتواضع الذي ~~هو مقصود السورة , وهو الحقيقة في إدراك الآدميين في مثل هذا , ولذا عبر ~~بالجذوة التي مدار مادتها الثبات : { لعلي آتيكم منها } أي من عندها { بخبر ~~} ينفعنا في الدلالة على المقصد { أو جذوة } اي عود غليظ { من النار } أي ~~متمكنة منه هذه الحقيقة أو التي تقدم ذكرها ؛ ثم اشستانف قوله { لعلكم ~~تصظلون * } اي لتكونوا على رجاء من أن تقربوا من ms3605 النار فتنعطفوا عليها ~~لتدفؤوان وهذا دليل على أن الوقت كان شتاء { فلما آتاها } اي النار . | ~~ولما كان آخر الكلام دالا دلالة واضحة على أن المننادي هو الله سبحانه , ~~بنى للمفعول قوله دالا على ما في أول الأمر من الخفاء : { نودي } ولما كان ~~نداؤه سبحانه لا يشبه نداء غيره بل يكون من جميع الجوانب , وكان مع ذلك قد ~~يكون لبعض المواضع مزيد تشريف بوصف من الأوصاف , إما بأن يكون أول السماع ~~منه أو غير ذلك أو يمون باعتبار كون موسى عليه الصلاة والسلام فيه قال : { ~~من } أي كائنا موسى عليه السلام بالقرب من { شاطىء } اي جانب { الواد } عن ~~يمين موسى عليه الصلاة والسلام , ولذلك قال : { الأيمن } وهو صفة للشاطىء ~~الكائن أو كائنا { في البقعة المباركة } كائناأول أو معظم النداء أو كائنا ~~موسى عليه الصلاة والسلام قريبا { من الشجرة } كما تقولك ناديت فلانا من ~~بيته , ولعل الشجرة كانت كبيرة , فلما وصل إليها دخل النور من طرفها إلى ~~وسطها , فدخلها وراءه بحيث توسطها فسمع - وهو فيها - الكلام من الله تعالى ~~حقيقة , وهو المتكلم سبحانه لا الشجرة , قال القشيري : ومحصل PageV05P482 ~~الإجماع أنه عليه الصلاة والسلام سمع تلك الليلة كلام الله , ولو كان ذلك ~~نداء الشجرة لكان المتكلم الشجرة , وقال التفتازاني شرح المقاصد أن اختيار ~~حجة الإسلام أنه سمع كلامه الأزلي بلا صوت ولا حرف كما ترى ذاته في الآخرة ~~, بلا كم ولا كيف , وتقدم في طه أن المراد ما إلى يمين المتوجه من مصر إلى ~~الكعبة المشرفة , والشجرة قال الغوي : قال ابن مسعود رضي الله عنه : كانت ~~سمرة خضراء تبرق , وقال قتادة ومقاتل والكلبي : كانت عوسجة , وقال وهب : من ~~العليق , وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنها العناب . | ثم ذكر المنادي ~~بقوله : { أن يا موسى } وأكد لأنه سبحانه لعظمه يحتقر كل أحد نفسه لأن ~~يؤهله للكلام لا سيما والأمر في أوله فقال : { إني أنا الله } أي المستجمع ~~للاسماء الحسنى , والصفات العلى . | ولما كان هذا الاسم غيبا , تعرف بصفة ~~هي مجمع الأفعال المشاهدة للإنسان فقال ms3606 : { رب العالمين * } اي خالق ~~الخلائق أجمعين مربيهم { وأن ألق عصاك } أي لأريك فيها آية . | ولماكان ~~التقدير : فألقاها فصارت في الحال حية عظيمة , وهي مع عظمها في غاية الخفة ~~, بنى عليه قوله : { فلما رآها } أي العصا { تهتز كأنها } أي فس سرعتها ~~وخفتها { جان } اي حية صغيرة { ولى مدبرا } خوفا منها ولم يلتفت إلى جهتها ~~, وهو معنى قوله : { ولم يعقب } اي موسى عليه الصلاة والسلام , وذلك كناية ~~عن شدة التصميم على الهرب والإسراع فيه خوفا من الإدراك في الطلب فقيل له : ~~{ يا موسى أقبل } أي التفت وتقدم إليها { ولا تخف } ثم أكد له الأمر لما ~~الآدمي مجبول عليه من النفرة وإن اعتقد صحة الخبر بقوله : { إنك من ~~الآمنيين * } أي العريقين في الأمن كعادة إخوانك من المرسلين ؛ ثم زاد ~~طمأنينته بقوله : { اسلك } أي ادخلى علىالستقامة مع الخفة والرشاقة { يديك ~~في جيبك } أي القطع الذي في ثوبك وهو الذي تخرج منه الرأس , أو هو الكم , ~~كما يدخل السلك وهوالخيط الذي ينظم فيه الدرر , تنسلك على لونها وما هي ~~عليه من أثر الحريق الذي عجز فرعون عن مداواته , وأخرجها { تخرج بيضاء } اي ~~بياضا عظيما يكون له شأن خارق للعادات { من غير سوء } اي عيب من حريق أو ~~غيره , فخرجت ولها شعاع كضوء الشمس , فالآية من الاحتباك . | ولما كان ذلك ~~لا يكون آية محققة لعدم العيب إلا بعودها بعد ذلك إلى لون الجسد قال : { ~~واضمم إليك } أي إلى جسدك . | ولما كان السياق للتأمين من الخوف , عبر ~~بالجناح , لأن الطائر يكون آمنا عند ضم جناحه فقال : { جناحك } أي يديكالتي ~~صارت بيضاء , والمراد بالجناح في آية طه الإبط والجانب لأنه لفظ مشترك { من ~~PageV05P483 الرهب } أي من خشية أن تظنها معيبة تخرج كما كانت قبل بياضها ~~في لون جسدك - هذا على أن المراد بالرهب الخوف الذي بهره فأوجب له الهرب , ~~ويجوز أن يكون المراد بالرهب الكم , فيكون إدخالها في افتى - التي ليست ~~موضعها بل الرأس - للبياض , وإدخالها في الكم - الذي هو لها - لرجوعها إلى ~~عادتها , وفي البغوي عن ابن ms3607 عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى أمره أن يضم ~~يده إلى صدره فذهب عنه ما ناله من الخوف عند معاينة الحية , وقال : وما من ~~خائف بعد موسى عليه الصلاة والسلام إلا إذا وضع يده على صدره زال خوفه . | ~~وأظهر بلفظ الجناح من غير إضمار تعظيما للمقام وتنبيها على أن عودها إلى ~~حالها الول آية مستقلة , وعبر عنها بلفظ الجناح تنبيها على الشكر بتعظيم ~~نفعها . | ولما تم كونا آية بانقلابها إلى البياض ثم رجوعها إلى لونها قال ~~: { فذنك } أي العصى واليد البيضاء , وشدد أبو عمرو وابن كثير ورويس تقوية ~~لها لتعادل الأسماء المتمكنة , وذكر لزيادة التقوية { برهانان } اي سلطانان ~~وحجتان قاهرتان { من ربك } أي المحسن إليك لا يقد على مثلهما غيره { إلى } ~~أي واصلان , وأنت مرسل بهما إلى { فرعون ملئه } كلما اردت ذلك وجدته , لا ~~أنهما يكونان لك هنا في هذه الحفرة فقط , ثم علل الإرسال إليهم على وجه ~~إظهار الآيات لهم واستمرارها بقوله مؤكدا تنبيها على ان إقدامه على الرجوع ~~إليهم فعل من يظن أنهم رجعوا عن غيهم , وإعلاما بمنه عليه بالحماية منهم ~~بهذه البراهين : { إنهم كانوا } أي جبلة وطبعا { قوما } اي أقوياء { فاسقين ~~* } اي خارجين عن الطاعة , فإذا رأوا ذلك هابوك , فلم يقدروا على الوصول ~~إليك بسوء , وكنت في مقام أن تردهم عن فسقهم . | < < # | القصص : ( 33 - 35 ) قال رب إني . . . . . # > > ^ ( قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون * وأخي هارون هو أفصح ~~مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون * قال سنشد عضدك ~~بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنآ أنتما ومن اتبعكما ~~الغالبون ) ^ } ) | ولما كان كأنه قيل : ما فعل بعد رؤية هذه الخوارق ؟ قيل ~~: ثبت , علما منه بصعوبة المقام وخطر الأمر , فاشترط لنفسه حتى رضي , وتلك ~~كانت عادته ثباتا وحزما , وحلما وعلما , ألا ترى إلى ما فعل معنا عليه ~~السلام والتحية والإكرام من الخير ليلة الإسراء في السؤال في تخفيف الصلاة ~~, ولذلك كله { قال رب } أي أيها المحسن إلي { إني } أكده لأن إرسال ms3608 الله ~~سبحانه له فعل من لا يعتبر أن لهم عليه ترة , فذكر ذلك PageV05P484 ليعلم ~~وجه عدم اعتباره { قتلت منهم } أي آل فرعون { نفسا } وأنت تعلم ما خرجت إلا ~~هاربا منهم من أجلها { فأخاف } إن باديتهم , بمثل ذلك { أن يقتلون * } ~~لذنبي إليهم ووحدتي وغربتي وثقل لساني في إقامة الحجج . | ولما تسبب عن ذلك ~~طلب الإعانة بشخص فيه كفاية وله عليه شفقة , وكان أخوه هارون أحق الناس ~~بهذا الوصف , كان التقدير فأرسل معي أخي هارون - إلى آخره , غير أنه قدم ~~ذكره اهتماما بشأنه فقال : { وأخي هارون } والظاهر أن واوه للحال من ضمير ~~موسى عليه الصلاة والسلام , أو عاطفة على مقول القول , والمعنى أنه يخاف أن ~~يفوت مقصود الرسالة إما بقتله أو لعدم بيانه , فاكتفى بالتلويح في الكفاية ~~من الأول , لأنه لا طاقة لأحد غير الله بها , وصرح بما يكفي من الثاني , ~~فكأن التقدير : إني أخاف أن يقتلون فيفوت المقصود , ولا يحميني من ذلك إلا ~~أنت , وإن لساني فيه عقدة , وأخي - إلى آخره ؛ وزاد في تعظيمه بضمير الفصل ~~فقال : { هو أفصح مني لسانا } أي من جهة اللسان للعقدة التي كانت حصلت له ~~من وضع الجمرة في فيه وهو طفل في كفالة فرعون { فارسله } أي بسبب ذلك { معي ~~رداءا } أي معينا , من ردأت فلانا بكذا , أي جعلته له قوة وعاضدا , وردأت ~~الحائط - إذا دعمته بخشب أو كبش يدفعه أن يسقط ؛ وقراءة نافع بغير همز من ~~الزيادة . | ولما كان له عليه من العطف والشفقة ما يقصر الوصف عنه , نبه ~~على ذلك بإجابة السؤال بقوله : { يصدقني } أي بأن يلخص بفصاحته ما قتله ~~وبينته , ويقيم الأدلة عليه حتى يصير كالشمس وضوحا , فيكون - مع تصديقه لي ~~بنفسه - سببا في تصديق غيره لي ؛ ورفعه عاصم وحمزة صفة لردءا . | ثم علل ~~سؤاله هذا , وبين أنه هو المراد , لا أن يقول لهك صدقت , فإن قوله لهذه ~~اللفظة لا تعلق له بالفصاحة حتى يكون سببا للسؤال فيه , بقوله مؤكدا لأجل ~~أن من كان رسولا ع الله لا يظن به أن يخافك { إني ms3609 أخاف أن يكذبون * } . | ~~ولما كان ما رأى من الأفعال , وسمع من الأقوال , مقتضيا للأمن من أن يكذبوه ~~, وكان عالما بما هم عليه من القساوة والكبر , أشار إلى ذلك بالتأكيد , أي ~~وإذا كذبوني عسرت علي المحاججة على ما هو عادة أهل الهمم عند تمالؤ الخصوم ~~على العناد , والإرسال موجب لكلام كثير وحجاج طويل , وقريب من هذا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما أمره الله تعالى بإنذار قومه ( إذن يثغلوا ~~رأسي فيجعلوه خبزة ) وكأن مراد السادة القادة عليهم PageV05P485 الصلاة ~~والسلام والتحية والإكرام الاستعالم عن الأمر هل يجري على العادة أو لا ؟ ~~فإن كان يجري على العادة وطنوا أنفسهم على الموت , وإلا ذكر لهم الأمر ~~الخارق فيكون بشارة لهم , ليمضوا في الأمر على بصيرة , ويسيروا فيه على حسب ~~ما يقتضيه من السيرة . | ولما أكد أمر الطلب بهارون عليهما الصلاة والسلام ~~, أكد له سبحانه أمر افجابة بقوله مستأنفا : { قال سنشد } وذكر أولى ~~الأعضاء بمزاولة المكاره فقال : { عضدك } أي أمرك { بأخيك } أي سنقويك ~~ونعينك به إجابة لسؤالك صلة منك لأخيك , وعونا منه لك { ونجعل لكما سلطانا ~~} اي ظهورا عظيما عليهم , وغلبة لهم بالحجج والهيبة لأجل ما ذكرت من الخوف ~~{ فلا } أي فيتسبب عن ذلك أنهم لا { يصلون إليكما } بنوع من أنواع الغلبة { ~~بآياتنا } أي نجعل ذلك بسبب ما يظهر على أيديكما من الآيات المعظمة بنسبتها ~~إلينا , ولذلك كانت النتيجة { أنتما ومن اتبعكما } اي من قومكما وغيرهم { ~~الغالبون * } أي لا غيرهم , وهذا يدل على أن فرعون لم يصل إلى السحرة بشيء ~~مما هددهم به , لأنهم من أكبر الأتباع الباذلين لأنفسهم في اللهن وكأنه حذف ~~أمرهم هنا لأنه في بيان أمر فرعون وجنوجه بدليل ما كرر من ذكرهمن وقد كشفت ~~العاقبة عن أن السحرة ليسوا من جنوده , بل من حزب الله وجنده , ومع ذلك فقد ~~أشار إليهم بهذه الآية والتي بعدها , وسيأتي في آخر سورة الحديد عن تاريخ ~~ابن عبد الحكم أنهم خلصوا ورجع بعضهم إلى مصر فكانوا أول من ترهب . | شرح ~~ما مضى من التوراة ms3610 , قال بعدما تقدم : وكان من بعد أيام كثيرة مات فرعون ~~ملك مصر فاستراح بنو إسرائيل من شدة تعبدهم , فصلوا فسمع الله صلاتهم , ~~وعرف تعبدهم , وسمع ضجتهمن وذكر عهده لإبراهيم وإسحاق ويعقوب , فأبصر الله ~~بني إسرائيل , وعرف ذلهم , فكان موسى يرعى غنم يثرو ختنه حبر مدين , فساق ~~بالشاء إلى طرف البرية وأتى إلى حوريب جبل الله , فتراءى له ملك الله بلهب ~~النار من جوف العوسج , تشتعل فيه النار , ولم يكن العوسج يحترق , فقال موسى ~~: لأعدلن فأنظر إلى هذه الرؤيا العظيمة ؛ ما بال هذه العوسجة لم تحترق ؟ ~~فرأى الرب أنه قد عدل لينظر , فدعاه الله من جوف العوسج وقال له : يا موسى ~~يا موسى ! فقال : هأنذا ! قال : لا تدن إلىههنا , اطرح خفيك عن قدميكن لأن ~~المكان الذي أنت واقف عليه مكان طاهر , وفي نسخة : مقدس , وقال الله : أنا ~~إله أبيك إبراهيم إله إسحاق إله يعقوب , فغطى موسى وجهه لأنه فرق أن يمد ~~بصره نحو الرب , وقال الرب : إني قد رأيت ذل شعبي بمصر , وسمعت ضجتهم التي ~~ضجوا من تعبدهم , لأني عارف براءتهم , فنزلت PageV05P486 لأخلصهم من أيدي ~~المصريين , وأن أصعدهم من تلك الأرض إلى ارض صالحة واسعة , تغل السمن ~~والعسل : أرض الكنعانيين والحاثانيين والأمورانيين والفرزانيين والحاوانيين ~~واليابسانيين , والآن هو ذا ضجيج بني إسرائيل قد ارتفع إلي , ورايت ضر ~~المصريين لهم , فهبطت الآن حتى أرسلك إلى فرعون . | واخرج شعبي بني إسرائيل ~~ن مصر , فقال الله : أناأكون معك وهذه الآية لك أني أرسلتك : أنك إذا أخرجت ~~الشعب من مصر تعبدون الله في هذا الجبل , فقال موسى : هأنذا منطلق إلى بني ~~إسرائيل وأقول لهم : الرب إله آبائكم أرسلني إليكم , فإن قالوا لي : ما ~~اسمه ؟ ما الذي أقول ؟ فقال الرب لموسى : قل لهم : الأزلي الذي لم يزل , ~~وفي نسخة : لا يزول , وقال هكذا قل لبني إسرائيل : الله ربكم إله آبائكم ~~إله إبراهيم إله إسحاق إله يعقوب ارسلني إليكم هذا اسمي إلى الأبد , وهذا ~~ذكري إلى حقب الأحقاب , انطلق فاجمع أشياخ بني إسرائيل وقل لهم : اللرب إله ~~آبائكم ms3611 اعتلن لي , وإله إبراهيم وإسحاق ويعقوب يقول لكم : قد ذكرتكم وذكرت ~~ما صنع بكمبمصر , ورأيت إخراجكم منتعبد أهل مصر إلى ارض الكنعانيين - ومن ~~تقدم معهم - إلى الأرض التي تعل السمن والعسل , فإذا قبلوا منك فادخل أنت ~~وأشياخ بني إسرائيل إلى ملك مصر فقلوا له : الرب إله العبرانيين ظهر علينا ~~فننطلق الآن مسيرة ثلاثة ايام في البرية ونذبح الذبائح لله ربنا , وأنا ~~أعلم أن ملك مصر لا يدعكم تخرجون , ولا بيد واحدة شيدية , حتى أبعث بآفتي ~~وأضرب المصريين بجميع العجائب التي أحدثها فيهم , ومن بعد ذلك يرسلكم فأجعل ~~للشعب في أعين المصريين رأفة ورحمة , فإذا انطلقتم فلا تنطلقوا عطلا صفرا , ~~بل تستعير المرأة منكم من جاراتها وساكنة بيتها حلي ذهب وفضة وكسوة , ~~البسوها بنيكم وبناتكم , وأخربوا أهل مصرن فأجاب موسى وقال : إنهم لا ~~يصدقونني , ولا يقبلون قولي , لأنه يقولون : لم يتراءى لك الرب , فقال له ~~الرب : ما هذه التي في يدك ؟ فقال : هي عصاي , فقال : ألقها في الأرض , ~~فألقاها في الأرض , فصارت ثعبانا , فهرب منه موسى , فقال له الرب : يا موسى ~~! مد يدك , فخذ بذنبها , فمد يده فأمسكه فتحول في يده عصا , فقال : لكي ~~يصدقوا أن الله إله آبائهم قد تراءى لك , إله إبراهيم إله إسحاق إله يعقوب ~~, وقال الرب لموسى : اردد يدك في ردنك , وفي نسخة : في كمك , فأدخلها ثم ~~اخرجها فإذ بيده بيضاء كالثلج , فقال له : اردد يدك في حضنك , وفي نسخة : ~~في كمك , فردها ثم أخرها فإذا هي مثل جسده , فإن هم لم يؤمنوا ولم يسمعوا ~~بالآية الأولى فإنهم يؤمنون ويسمعون بالآية الأخرى , فإن PageV05P487 لم ~~يؤمنوا بالآيتين ولم يسمعوا قولك فخذ ماء من الأرض , وفي نسخة : النيل , ~~فاصببه على الأرض , فإنه ينقلب ويصير دما في البيس , فقال موسى للرب : أطلب ~~إليك يا رب لست رجلا ناطقا منذ أمس ولا قبله ولا من الوقت الذي كلمت عبدك ~~فيه , لأني ألثغ المنطق عسر اللسان , فقال له الرب : من الذي خلق المنطق ~~للإنسان ؟ ومن الذي خلق الأخرس والأصم والمبصر والمكفوف ؟ أليس ms3612 أن الرب ~~الذي أصنع ذلك ؟ فانطلق الآن وأنا أكون معك , وراقبا للسانك وألقنك ما تنطق ~~به , فقال : موسى أطلب إليك يا رب ! ارسل في هذه الرسالة غيري , فقال : هذا ~~أخوك هارون اللاوي , قد علمت أن ناطق لسن , وهو أيضا سيلقاك , ويشتد فرحه ~~بك , وأخبره بالأمر , ولقنه كلامين وأنا أكون راقبا على فيك وفيه وأعلمكما ~~ما تصنعان , وهو يكلم الشعب عنك ؛ فيكون لك مترجما , وأنت تكون له إلها , ~~وفي نسخة : استاذا ومدبرا , وخذ في يديك هذه العصا لتعمل بها الآيات , فرجع ~~موسى منطلقا إلى ثيرو ختنه وقال له : إني راجع إلى إخوتي بمصر , وناظر لهم ~~أحياء بعد ؟ فقالثيرو لموسى : انطلق راشدا سالما , وقال الرب لموسى في مدين ~~: انطلق راجعا إلى مصر لأن الرجال الذين كانوا معك يطلبون نفسك قد هلكوت ~~جميعا - إلى آخر ما مضى في الأرعراف , وفي هذا الفصل ما لا يسوغ إطلاقه في ~~شرعنا على مهخلوق , وهو الإلهن وهو في لغة العبرانيين بمعنى العالم والحاكم ~~, وفيه أيضا أن فرعون مات قبل رجوع موسى فأن كان المراد الذي ربى موسى عليه ~~الصلاة والسلام في بيته فهو مما بدلوه . | < < # | القصص : ( 36 - 39 ) فلما جاءهم موسى . . . . . # > > ^ ( فلما جآءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذآ إلا سحر مفترى وما ~~سمعنا بهذا في آبآئنا الأولين * وقال موسى ربي أعلم بمن جآء بالهدى من عنده ~~ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون * وقال فرعون يأيها الملأ ما ~~علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يهامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع ~~إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين * واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير ~~الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ) ^ } ) | ولما كان التقديرك فأتاهم كما ~~أمر الله , عاضده أخوه كما أخبر الله , ودعواهم إلى الله تعالى , وأظهرا ما ~~أمر به من الآيات , بنى قوله مبينا بالفاء سرعة امتثاله : { فلما جاءهم } ~~أي فعون وقومه . | ولما كانت رسالة هارون عليه الصلاة والسلام إنمكا هي ~~تأييد لموسى عليه الصلاة والسلام , أشار غلى ذلك بالتصريح باسم ms3613 الجائي , ~~فقال : { موسى بآياتنا } أي التي أمرناه PageV05P488 بها , الدالة على جميع ~~الآيات للتساوي في خرق العادة حال كونها { بينات } أيفي غاية الوضوح { ~~قالوا } اي فرعون وجنوده { ما هذا } اي الذي أظهره من الآيات { إلا سحر ~~مفترى } أي هو خيال لا حقيقة له كجميع أنواع السحر , متعمدا التخييل به , ~~لا انه معجزة من عند الله { وما سمعنا بهذا } اي الذي تقوله من الرسالة عن ~~الله { في آبائنا } وأشاروا إلى البدعة التي قد اضلت أكثر الخلق , وهي ~~تحكيم عوائد التقليد , ولا سيما عند تقادمها على القواطع في قوله : { ~~الأولين * } وقد كذبوا وافتروا لقد سمعوا بذلك في أيام يوسف علي السلام { ~~وما بالعهد من قدم } فقد قال لهم الذي آمن < # > 77 ( { ياقوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب } ) 77 < # > - إلى قوله : < # > 77 ( { ولقد جاءكم يوسف من قبله بالبينات } ) 77 < # > [ غافر : 34 ] . | ولما أخب رتعالى بقولهم عطف عليه افخبار بقول موسى ~~عليه الصلاة والسلام ليوازن السامع بين الكلامين , ويتبصر بعقله ما الفاسد ~~منهما ( فبضدها تتبين الأشياء ) هذا على قراءة الجماعة بالواو , واستأنف ~~جوبا لمن كأنه سال عن جوابه على قراءة ابن كثير بحذفها , فإن الموضع موضع ~~بحث عما أجابهم به عند تسميتهم الآيات الباهرات سحرا , استعظاما لذلك فقال ~~: { فقال موسى } أي لما كذبوه وهم الكاذبون , مشيرا لذي البصر غلى طريق ~~يميزون به الأمرين في سياق مهدد لهم : { ربي } أي المحسن إلي بما ترون من ~~تصديقي في كل ما ادعيته بإظهار ما لا تقدرون عليه على قوتكم نم الخوارق , ~~ومنع هذا الظالم العاتي المستكبر من الوضول إلي بسوء { أعلم بمن جاء } ~~بالضلال ظلما وعدوانا , فيكون مخذولا لكونه ساحرا فمحرقا مفتريا على الله , ~~ويكون له سوء الدار , وأعلم بحاله , ولكنه قال ( بمن جاء ) { بالهدى } أي ~~الذي أذن الله فيه , وهو حق في نفسه { من عنده } , تصويرا لحاله , وتشويقا ~~إلى أتباعه { ومن تكون له } لكونه منصورا مؤيدا { عاقبة الدار } أي الراحة ~~والسكن والاستقرار مع الأمن والطمأنينة والسرور والظفر بجميع المطالب في ~~الحالة التي تكون آخر الحالات مني ms3614 ومنكم , فيعلم أنه أتى بما يرضي الله وهي ~~وإن كانت حقيقتها ما يتعقب الشيء من خير أو شر , لكنها لا يراد بها إلا ما ~~يقصد للعاقل حتى تكون له , وأما عاقبة السوء فهي عليه لا له ؛ ثم علل ذلك ~~بما أحرى الله به عادته ؛ فقال معلما بأن المخذول هو الكاذب , إشارة إلى ~~أنه الغالب لكون الله معه , مؤكدا لما استقر في الأنفس من أن التقوى لا ~~يغلبه الضعيف { أنه لا يفلح } اي يظفر ويفوز { الظالمون * } أي الذين يمشون ~~كما يمشي من هو في الظلام بغير دليل , فهم لا يضعون قدما في موضع يثقون ~~بأنه صالح للمشي فيه , لا تبعة فيه { فستنظرون ولتعلمن نبأه بعد حين } { ~~وقال فرعون } جوابا لهذا الترغيب والترهيب بعد PageV05P489 الإعذار , ببيان ~~الآيات الكبار , قانعا في مدافعة ما رأى أنه اجتذب قومه الأغمار الأغبياء ~~عن الجهل من ظهور تلك الآيات البينات بأن يوقفهم عن الإيمان إلى وقت ما , ~~وكذا كانت عادته كلما أظهر موسى عليه الصلاةوالسلام برهانا , لأن ومه في ~~غاية الغباوة والعراقة في الميل إلى الباطل والنفرة من الحق وترجيح المظنة ~~على المئنة : { يا أيها الملأ } أي الأشراف , معظما لهم استجلابا لقلوبهم { ~~ما عملت لكم } وأعرق في النفي فقال : { من إله غيري } نفى علمه بذلك إظهارا ~~للنصفة , وأنه ما قصد غشهم , وذلك منه واضح في أنه قصد تشكيكهم , إشارة منه ~~إلى أن انتقاء علمه بوجوده ما هو إلا لانتفاء وجوده بعد علمه بأن الحق مع ~~موسى عليه الصلاة والسلام لأنه أنهى ما قدر عليه بعد رؤيتهم لباهر الآيات , ~~وظاهر الدلالات ؛ ثم زاد في إيقافهم عن المتابعة بأن سبب عن جهله قوله ~~لوزيره معلما له صنعه الآجر لأنه أول من عمله , مع أنه هذه العبارة أشبه ~~بهمم الجبابرة من أن يقول : اصنع لي آجرا : { فأوقد لي } أضاف الإيقاد إليه ~~إعلاما بأنه لا بد منه { يا هامان } وهو وزيره { على الطين } اي المتخذ ~~لبنا ليصير آجرا ؛ ثم سبب عن الإيقاد قوله { فاجعل لي } أي منه { صرحا } اي ~~بناء عايا ms3615 يتاخم السماء , قال الطبري : وكل بناء مسطح فهو كالقصر , وقال ~~الزجاج : كل بناء متسع مرتفع { لعلي أطلع } أي أتكلف الطلوع { إلى إله موسى ~~} اي الذي يدعوا إليه , فإنه ليس في الرض أحد بهذا الوصف الذي ذكره فأنا ~~أطلبه في السماء موهما لهم أنه مما يمكن الوصول إليه على تقدير صحة الدعوى ~~بأنه موجود , وهو قاطع بخلاف ذلك , ولكنه يقصد المدافعة من وقت إلى وقت , ~~لعلمه أن العادة جرت بأن أكثر الناس يظنون بالملوك القدرة على كل ما ~~يقولونه ؛ ثم زادهم شكا بقوله , مؤكدا لأجل دفع ما استقر في الأنفس من صدق ~~موسى عليه الصلاة والسلام : { وإني لأظنه } أي موسى { من الكاذبين * } أي ~~دأبه ذلك , وقد كذب هو ولبس لعنة الله ووصف أصدق أهل ذلك الزمان بصفة ~~العريقة في العدوان , وإن كان هذا الكلام منه على حقيقته فلا شيء أثبت ~~شهادة على غفراط جهله وغباوته منه حيث ظن أنه يصل السماء ؛ ثم علل على ~~تقدير الوصول يقدر على الآرتقاء على ظهرها , ثم على تقدير ذلك على منازعة ~~بانيها وسامكها ومعليها . | ولما قال هذا مريدا به - كما تقدم - إيقاف قومه ~~عن إتباع الحق , اتبعه تعالى الإشارة غلى أنهم فعلوا ما أراد , وإن كان ذلك ~~هو الكبر عن الحق فقال تعالى : { واستكبروا } اي وأوجد الكبر بغاية الرغبة ~~فيه { هو } بقوله هذا الذي صدهم به عن السبيل { وجنوده } ببانصدادهم لشدة ~~رغبتهم في الكبر على الحق والاتباع للباطل { في الأرض } أي أرض PageV05P490 ~~مصر , ولعله عرفها إشارة إلى أنه لو قدر على ذلك في غيرها فعل { بغير الحق ~~} اي استكبارا مصحوبا بغير هذه الحقيقة , والتعبير بالتعريف يدل على أن ~~التعظيم بنوع من الحق ليس كبرا وإن كانت صورته كذلك , وأما تكبره سبحانه ~~فهو بالحق كله , وعطف على ذلك ما تفرع عنه وعن الغباوة ايضا ولذا لم يعطفه ~~بالفاء , فقال : { وظنوا } اي فرعون وقومه ظنا بنوا عليه اعتقادهم في أصل ~~الدين الذي لا يكون إلا بقاطع { أنهم إلينا } أي إلى حكمنا خاصة الذي يظهر ~~عنده انقطاع الأسباب ms3616 { لا يرجعون * } أي لا في الدنيا ولا في الآخرة , ~~فلذلك اجنرؤوا على ما ارتكبوه من الفساد . | < < # | القصص : ( 40 - 43 ) فأخذناه وجنوده فنبذناهم . . . . . # > > ^ ( فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين * ~~وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون * وأتبعناهم في هذه ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين * ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ~~مآ أهلكنا القرون الأولى بصآئر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون ) ^ } ) | ~~ولما تسبب عن ذلك إهلاكهم قال : { فأخناه } اي بعظمتنا أخذ قهر ونقمة { ~~وجنوده } أي كلهم , وذلك علينا هين , وأشار إلى احتقارهم بقوله : { ~~فنبذناهم } اي على صغرهم وعظمتنا { في اليم } فكانوا على كثرتهم وقوتهم ~~كحصيات صغار قذفها الرامي الشديد الذراع من يده في البحر , فغابوا في الحال ~~, وما آبوا ولا أحد منهم إلى أهل ولا مال . | ولما سببت هذه الآية من ~~العلوم , ما لا يحيط به اافهوم , قال : { فانظر } أي أيها المتعرف للآيات ~~الناظر فيها نظر الاعتبار ؛ وزاد في تعظيم ذلك بالتنبيه على أنه مما يحق له ~~أن يسأل عنه فقال : { كيف كان } اي كونا هو الكون { عاقبة } أي آخر أمر { ~~الظالمين * } وإن زاد ظلمهم , وأعيي أمرهم , ذهبوا في طرفة عين , كأن لم ~~يكونوا , وغابوا عن العيون كأنهم قط لم يبينوا , وسكتوا بعد ذلك الأمر ~~والنهي فصاروا بحيث لم يبينوا , فليحذ هؤلاء الذين ظلموا إن استمروا على ~~ظلمهم أن ينقطعوا وييبينوا , وهذا إشارة عظيمة بأعظم بشارة بأن كل ظالم ~~يكون عاقبته هكذا إن صابره المظلوم المحق , ورابطه حتى يحكم الله وهو خير ~~الحالكمين . | ولما كان ( من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة , ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم ~~القيامة ) وكانوا أول من أصر , اطبق في ذلك الزمان على تكذيب الآيات , ~~وإخفاء الدلالات النيرات , على PageV05P491 تواليها وكثرتها , وطول زمانها ~~وعظمتها وكانت منابذة العقل واتباع الضلال في غاية الاستبعاد , لا سيما إن ~~كانت ضامنة للهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة , قال تعالى ms3617 في مظهر العظمة ~~: { وجعلناهم } أي في الدنيا { أئمة } أي متبوعين في رد ما لا يرده عاقل ~~مثل افعالهم من در الحق والتجبر على الخق , فكأنه قد اختار الاقتداء بهم ~~وإن لم يكن قاصدا ذلك , فأطلق ذلك عليه رفعا له عن النسبة إلى أنه يعمل ما ~~يلزمه الاتسام به وهو عاقل عنه كما أنه لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن ~~آدم الأول كفل مندمها , لأنه أول من سن القتل , وأحق الناس باتباعهم في ~~باطن اعتقادهم وظاهر اصطناعهم , وخيبة آمالهم وأطماعهم أهل الإلحاد بمذهب ~~الاتحاد أهلك الله أنصارهم . | وعجل دمارهم , وكشف هذا المعنى بقوله : { ~~يدعون } اي يوجدون الدعاء لمن اغتر بحالهم , فضل ضلالهم { إلى النار } اي ~~وجعلنا لهم أعوانا ينصرونهم عكس ما أردنا لبني إسرائيل - كما سلف أول ~~السورة - وجعلناهم موروثين . | ولما كان الغالب من حال الأئمة النصرة , ~~وكان قد أخبر عن خذلانهم في الدنيا , قال : { ويوم القيامة } اي الذي هو ~~يوم التغابن { لا ينصرون * } أب لا يكون لهم نوع نصرة أصلا كما كانوا يوم ~~هلاكهم في الدنيا سواء , ولا هم أئمة ولا لهم دعوة , يخلدون في العذاب , ~~ويكون لهم سوء المآب . | ولما أخبر عن هذا الحال , أخبر عن ثمرته ؛ فقال في ~~مظهر العظمة , لأن السياق لبيان علو فرعون وآله , وأ , هم مع ذلك طوع ~~المشيئة { وأتبعناهم في هذه } ولما كان المراد الإطناب في بيان ملكهم , فسر ~~اسم الإشارة فقال : { الدنيا } ولم يقل : الحياة , لأن السياق لتحقير أمرهم ~~ودناءة شأنهم { لعنة } أي طردا وبعدا عن جنابنا ودفعا لهم بذلك عليهم مثل ~~وزرة إن والفهم { ويوم القيامة هم } اي خاصة , ومن شاكلهم { من المقبوحين * ~~} أي المبعدين أيضا المخزيين مع قبح الوجوه والأشكال , والشناعة في الأقوال ~~وزالأفعال والأحوال , من القبح الذي هو ضد الحسن , ومن قولهم : قبحت الشيء ~~- إذا كسرته , وقبح الله العدو : أبعده عن كل خير , فيا ليت شعري أي صراحة ~~بعد هذا في أن فرعون عدو الله , في الآخرة كما كان عدوه في الدنيا , فلعنة ~~الله على من يقول : إنه ms3618 مات مؤمنا , وإنه لا صريح في القرآن بأنه من أهل ~~النار , وعلى كل من يشك في كفره بعد كا ارتكبه من جلي أمره . | PageV05P492 ~~ولما وعد سبحانه بإمامة بني إسرائيل وقص القصص حتى ختم بإمامة آل فرعون في ~~الدعاء إلى النار إعلاما بأن ما كانوا عليه تجب مجانبته ومنابذته مباعدته , ~~وكان من المعلوم أنه لا بد لكل مامة من دعامة , تشوفت المفس إلى أساس إمامة ~~بني إسرائيل التي يجب العكوف في ذلك الزمان عليها , والتمسك بها , ~~والمبادرة إليها , فأخر سبحانه عن ذلك مقسما عليه مع الافتتاح بحرف التوقع ~~, لأن العرب وإن كانوا مصدقين لما وقع من المنة على بني إسرائيل بإقاذهم من ~~يد فرعون وتمكينهم بعده , وإنزال الكتاب عليهم , فحالهم بإنكار التمكين ~~لأهل الإسلام والتكذيب بكتابهم حال المكذوب بأمر بني إسرائيل , لأنه لا فرق ~~بين نبي ونبي , وكتاب وكتاب , وناس وناس , ولأن رب الكل واحد , فقال : { ~~ولقد آتينا } أي بما لنا من الجلال والجمال والمجد والكمال { موسى الكتاب } ~~أي التوراة الجامعة للهدى والخير في الدارين ؛ قال أبو حيان : وهو أول كتاب ~~أنزلت فيه الفرائض والأحكام . | ولما كان حكم التوراة لا يستغرق الزمان ~~الأتي , أدخل الجار فقال : { من بعد ما } إشارة إلى أن إيتاءها إنما هو في ~~مدة من الزمان , ثم ينسخها سبحانه بما يشاء من أمره { أهلكنا } أي بعظمتنا ~~{ القرون الأولى } أي من قوم نوح إلى قوم فرعون , ووقتها بالهلاك إشارة إلى ~~أنه لا يعم أمة من الأمم بالهالك بعد إنزالها تشريفا لها ولمن أنزلت عليه ~~وأوصلت إليه ؛ ثم ذكر حالها بقوله : { بصائر } جمع بصيرة , وهي نور القلب , ~~مصابيح وأنوار { للناس } أي يبصرون بها ما يعقل من أمر معاشهم ومعادهم , ~~وأولاهم وأخراهم , كما أن نور العين يبصر به ما يحسن من أمور الدنيا . | ~~ولما كان المستبصر قد لا يهتدي لمانع قال : { وهدى } أي للعامل بها إلى كل ~~خير . | ولما كان المهتدي ربما حمل على من توصل إلى غرضه , وكان ضارا , قال ~~: { ورحمة } اي نعمة هنية شريفة , لأنها قائدة إليها . | ولما ذكر ms3619 حالها , ~~ذكر حالهم بعد إنزالها فقال : { لعلهم يتذكرون * } اي ليكون حالهم حال من ~~يرجى تذكره , وهذا إشارة غلى انه ليس في الشرائع ما يخرج عن العقل بل متى ~~تأمله الإنسان تذكر به من عقله ما يرشد إلى مثله . | < < # | القصص : ( 44 - 47 ) وما كنت بجانب . . . . . # > > ^ ( وما كنت بجانب الغربي إذ قضينآ إلى موسى الأمر وما كنت من ~~الشاهدين * ولكنآ أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل ~~مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين * وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ~~ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون * ~~ولولا أن PageV05P493 تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا ~~أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما بين سبحانه في هذه السورة من غرائب أمر موسى عليه الصلاة ~~والسلام وخفي أحواله ما بين , وكانت هذه الأخبار لا يقدر أهل الكتاب على ~~إنكارها , نوعا من الإنكار , وكان من المشهور أي اشتهار , أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يعرفها ولا سواها من غير الواحد القهار , أشار إلى ذلك ~~سبحانه بقوله حالا من ضمير { آتينا } { وما كنت بجانب الغربي } أي الوادي ~~من الطور الذي رأى موسى عليه السلام فيه النار , وهو مما يلي البحر منه من ~~جهة الغرب على يمين المتوجه غلى ناحية مكة المشرفة من ناحية مصر , فناداه ~~منه العزيز الجبار , وهو ذو طوى { إذ } أي حين { قضينا } بكلامنا بما حوى ~~من الجلال , وزاد العظمة في رفيع درجاته بالإشارة بحرف الغاية فقال : { إلى ~~موسى الأمر } أي أمر إرساله إلى فرعون وقومه , وما نريد أن نفعل من ذلك في ~~أوله وأثنائه وآخره مجملا , فكان كل ما أخبرنا به مطابقا تفصيله لإجماله , ~~فأنت بحيث تسمع ذلك الذي قضيناه إليه من الجانب الذي أنت فيه { وما كنت } ~~أي بوجه من الوجوه { من الشاهدين * } لتفاصيل ذلك الأمر الذي أجملناه لموسى ~~في ذلك المكان في أوقاته مع من شهده منه من أهل ذلك العصر من السبعين الذين ms3620 ~~اختارهم أو غيرهم ممن تبعه أو صد عنه حتى تخبر به كله على هذا الوةجه الذي ~~أتيناك به في هذه الأساليب المعجزة , ولا شك أن أمر معرفتك كذلك منحصر في ~~شهودك إياه ي وقته أو تعلمك له من الخالق , أو من الخلائق الذين شاهدوه , ~~أو أخبرهم به من شاهده , وانتفاء تعلمه من أحد من الخلائق في الشهرة بمنزلة ~~انتفاء شهوده له في وقته , فلم يبق إلا تلقيه له من الخالق , وهو الحق الذي ~~لا شبهة فيه عند منصف . | ولما كان التقدير : وما كنت من أهل ذلك الزمان ~~الحاضرين لذلك الأمر , وامتد عمرك إلى هذا الزمان حتى أخبرت بما كنت حاضره ~~, استدرك ضد ذلك فقال : { ولكنا } اي بما لنا من العظمة { أنشأنا } أي بعد ~~ما أهلكنا أهل ذلك الزمان الذين علموا هذه الأمور بالمشاهدة والإخبار , ~~كلهم { قرونا } أي ما أخرنا أحدا من أهل ذلك الزمان , ولكنا أهلكناهم ~~وأنشأنا بعدهم أجيالا كثيرة { فتطاول } بمروره وعلوه { عليهم العمر } جدا ~~بتدريج من الزمان شيئا فشيئا فنسيت تلك الأخبار , وحرفت ما بقي منها ~~الرهبان والأحبار , ولا سيما في زمان الفترة , فوجب في حكمتنا إرسالك ~~فأرسلناك لتوقم المحجة , وتقوم بك الحجة , فعلم أن إخبارك بهذا والحال أنك ~~لم تشاهده ولا تعلمته من مخلوق إنما هو عنا وبوحينا . | PageV05P494 ولما ~~نفى العلم بذلك بطريق الشهود , نفى سبب العلم بذلك فقال : { وما كنت ثاويا ~~} أي مقيما إقامة طويلة مع الملازمة بمدين { في أهل مدين } أي قوم شعيب ~~عليه السلام { تتلوا } اي تقرأ علىسبيل القص للآثار والأخبار الحق { عليهم ~~آياتنا } العظيمة , لتكون ممن يهتم بأمور الوحي وتتعرف دقيق أخباره , فيكون ~~خبرهم وخبر موسى عليه الصلاة والسلام معهم وخبره بعد فراقه لهم من شأنك , ~~لتوفر داعيتك حينئذ على تعرفه { ولكنا كنا } اي كونا أزليا ابديا نسبته إلى ~~جميع الأزمنة بما لنا من العظمة , على حد سواء { مرسلين * } أي لنا صفة ~~القدرة على الإرسال , فأرسلنا إلى كل نبي في وقته ثم أرسلنا غليك في هذا ~~الزمان بأخبارهم وأخبار غيرهم اتنشرها في الناس ms3621 , واضحة البيان سالمة من ~~الإلباس , ولأنا شاهدين لذلك كله , لم يغب عنا شيء منه ولا كان إلا بأمرنا ~~. | ولما نفى السبب المبدئي للعلم بذلك الإجمال ثم الفائي للعلم بتفصيل تلك ~~الوقائع والأعمال , نفى السبب الفائي للعم بالأحكام ونصب الشريعة بما فيها ~~من القصص والمواعظ والحلال والحرام والآصار والأغلال بقوله : { وما كنت ~~بجانب الطو إذ } أ يحين { نادينا } اي أوقعنا النداء لموسى عليه الصلاة ~~والسلام فأعطيناه التوراة وأخبرناه بما لا يمكن الاطلاع عليه إلا من قبلنا ~~أو قبله , ومن المشهور نك لم تطلع على شيء من ذلك من قبله , لأنك ما خالطت ~~أحدا ممن حمل تلك الأخبار عن موسى عليه الصلاة والسلام , ولا أحد أحملهما ~~عمن حملها عنه , ولكن ذلك كان إليك منا , وهو معنى قوله : { ولكن } اي ~~أنزلنا ما أردنا منه ومن غيره عليك وأوحينا إليك وأرسلناك به إلى الخلائق { ~~رحمة من ربك } لك خصوصا وللخلق عموما { لتنذر } اي تحذر تحذيرا كبيرا { ~~قوما } أي أهل قوة ونجدة , ليس لهم عائق من أعمال الخير العظيمة , لا ~~الإعراض عنك , وهم العرب , ومن في ذلك الزمان من الخلق { ما آتاهم } وعم ~~المنفي بزيادة الجار في قوله : { من نذير } اي منهم , وهم مقصودون بإرساله ~~إليهم وإلا فقد أتتهم رسل موسى عليه السلام , ثم رسل عيسى عليه الصلاة ~~والسلام , وإن صح أمر خالد بن سنان العبسي فيكون نبيا غير رسول , أو يكون ~~رسولا إلى قومه بني عبس خاصة , فدعاؤه لغيرهم إن وقع فمن باب الأمر ~~بالمعروف عموما , لا الإرسال خصوصاص , فيكون التقدير : نذير منهم عموما , ~~وزيادة الجار في قوله : { من قبلك } تدل على الزمن القريب , وهو زمن الفترة ~~, وأما ما قبل ذلك فقد كانوا فيه على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم ~~إسماعيل عليه الصلاة والسلام ثم من بعدهم من صالحي ذريتهم إلى PageV05P495 ~~زمان عمرو بن لحي , فهم لأجل عدم النذير عمي , عن الهدي , سالكون سبيل ~~الردى , وقال : { لعلهم يتذكرون * } لمثل ما تقدم من أنهم إذا قبلوا ما جئت ~~به وتدبروه أذكرهم إذكارا ظاهرا - بما ms3622 أشار إليه الإظهار - ما في عقولهم من ~~شواهده وإن كانت لا تستقل بدونه والله الموفق . | ولما كان انتفاء إنذارهم ~~قبله عليه الصلاة والسلام نافيا للحجة في عذابهم بما أوجبه الله - وله ~~الحجة البالغة لا يسأل عما يفعل - على نفسه الشريفة , فضلا منه ورجمة , ذكر ~~أن إرساله مما لا بد منه لذلك فقال : { ولولا } اي ولولا هذا الذي ذكرناه ~~ما أرسلناك لتنذرهم , ولكنه حذف هذا الجواب إجلالا له صلى الله عليه وسلم ~~عن المواجهة به , وذلك الذي ختم الإرسال هو { أن تصيبهم } أي في وقت من ~~الأوقات { مصيبة } أي عظيمة { بما قدمت أيديهم } أي من المعاصي التي قضينا ~~بأنها مما لا يعفى عنه { فيقولوا ربنا } أي أيها المحسن إلينا { لولا } أي ~~هل لا ولم لا { أرسلت إلينا } أي على وجه التشريف لنا , لنكون على علم لأنا ~~ممن يعتني الملك الأعلى به { رسولا } وأجاب التخصيص الذي شبهوه بالأمر لكون ~~كل منهما باعثا على الفعل بقوله : { فنتبع } أي فيتسبب عن إرسال رسولك أن ~~نتبع { آياتك ونكون } اي كونا هو في غاية الرسوخ { من المؤمنين * } أي ~~المصدين بك في كل ما أتى به عنك رسولك صلى الله عليه وسلم تصديقا بليغا , ~~فإذا قالوا ذلك على تقدير عدم الإرسال قامت لهم حجة في مجاري عاداتكم وإن ~~كانت لنا الحجة البالغة . | < < # | القصص : ( 48 - 54 ) فلما جاءهم الحق . . . . . # > > ^ ( فلما جآءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى أولم ~~يكفروا بمآ أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون * ~~قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهمآ أتبعه إن كنتم صادقين * فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوآءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من ~~الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين * ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ~~* الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا ~~به إنه الحق من ربنآ إنا كنا من قبله مسلمين * أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما ~~صبروا ويدرؤون بالحسنة ms3623 السيئة ومما رزقناهم ينفقون ) ^ } ) | ولما كان ~~التقدير : ولكنا ارسلناك بالحق لقطع حجتهم هذه , بنى عليه قوله : { فلما ~~جاءهم } اي أهل مكة { الحق } الذي هو أعم من الكتاب والسنة وما يقاس عليهما ~~, وهو في نفسه جدير بأن يقبل للكونه في الذروة العليا من االثبات , فكيف ~~وهو { من عندنا } على ما لنا من العظمة , وعلى لسانك وأنت أعظم الخلق ! { ~~قالوا } اي PageV05P496 أهل الدعوة من العرب وغيرهم تعنتا كفرا به : { لولا ~~أوتي } من الآيات , أي هذا الآتي بما يزعم أنه الحق , وبني للمفعول لأن ~~القصد مطلق الإيتاء لأنه الذي يترتب عليه مقصود الرسالة , مع أن المؤتى ~~معلوم { مثل ما أوتي موسى } أي من اليد والعصا وغيرهما من الآيات التي لا ~~قدر على إتيانها إلا القادر على كل شيء . | ولما كان الإتيان بمثل ما أتى ~~به موسى عليه الصلاة والسلام لا يكون موجبا للإيمان على زعمهم إلا بأن يكون ~~أعظم مما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم , أو يكون الناس لم يتوقفوا في ~~الإيمان به , وكان كل من الأمرين منتفيا بأن أهل زمانه كفرو به , وهو لما ~~سألوا اليهود عن محمد صلى الله عليه وسلم وأمروهم أن يمتحنوه بالروح وقصتي ~~أهل ألكهف وذي القرنين وجاء في كل من ذلك بما لزمهم تصديقه , فامتنعوا ~~وأصروا على كفرهم , وكان في ذلك كفرهم به وبموسى عليهما الصلاة والسلام , ~~فعلم أن التقدير : الم يكفروا بما اتاعهم به من الآيات الباهرة مع أنه مثل ~~ما أتى به موسى عليهما الصلاة والسلام , بل أعظم منه { أولم يكفروا } أي ~~العرب ومن بلغتهم الدعوة من بني إسرائيل أو من يشاء الله منهم أو أبناء ~~جنسهم ومن كان مثلهم في البشرية والعقل في زمن موسى عليه السلام { بما أوتي ~~موسى } . | ولما كان كل من إتيانه وكفرهم لم يستغرق زمان القبل , أثبت ~~الجار فقال : { من قل } اي من قبل مجيء الحق على لسان محمد صلى الله عليه ~~وسلم إليهم . | ولما كان كأنه قيل : ما كان كفرهم به ؟ قيل : { قالوا } أي ~~فرعون وقومه ومن ms3624 كفر من بني إسرائيل كقارون ومن تبعه . | ولما كان قد تقدم ~~هنا قريبا أن المظاهر له أخوه , فكان المراد واضحا , أضمرهما فقال : { ~~ساحران } أي هو وأخوه { تظاهرا } اي أعان كل منهما صاحبه على سحره حتى صار ~~سحرهما معجزا فغلبا جميع السحرة , وتظاهر الساحرين من تزظاهر السحرين - على ~~قراءة الكوفيين , ويجوز - وهو أقرب أن يكون الضمر لمحمد و موسى عليهما ~~الصلاة والسلام , ولذلك لأنه روي أن قريشا بعثت إلى يهود فسألوهم عن محمد ~~صلى الله عليه وسلم فأخبروهم أن نعته في كتابهم , فقالوا هذه المقالة , ~~فيكون الكلام استئنافا لجواب من كأنه قال : ما كان كفرهم بهما ؟ فقيل : ~~قالوا - أي العرب : الرجلان ساحران , أو الكتابان سحران , ظاهر أحدهما اآخر ~~مع علم كل ذي لب أن هذا القول زيف . | لأنه لو كان شرط إعجاز السحر التظاهر ~~, لكان سحر فرعون أعظم إعجازا , لأنه تظاهر عليه جميع سحرة بلاد مصر وعجزوا ~~عن معارض ما أظهر موسى عليه الصلاة والسلام من آية العصا , وأما محمد صلى ~~الله عليه وسلم فقد دعا أهل الأرض من الجن والإنس إلى معارضة كتابه وأخبرهم ~~أنهم PageV05P497 عاجزون ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا فعجزوا . | ولما تضمن ~~قولهم ذلك الكفر , صرحوا به في قولهم : { وقالوا } أي كفار قريش أو ~~المتقدمون من فرعون وأضرابه : { إنا بكل } من الساحرين أو السحرين اللذين ~~تظاهرا بهما , وهما ما أتيا به من عند الله { كافرون * } جرأة على الله ~~وتكبا على الحق . | ولما قالوا ذلك , كان كأنه قيل : فماذا فعل ؟ قال : { ~~قل } إلزاما لهم إن كنتم صادقين في أني ساحر وكتابي سحر وكذلك موسى عليه ~~الصلاة والسلام : { فأتوا بكتاب } وأشار بالتعبير في وصفه بعند دون لدن إلى ~~أنه يقنع منهم بكونه حكيما خارقا للعادة في حكمته وإن لم يبلغ الذروة في ~~الغرابة بأن انفك عن الإعجاز في نظمه كالتوراة فقال : { من عند الله } أي ~~الملك الأعلى , ينطق بأنه نم عنده أحواله وحكمته وجلاله { هو } أي الذي ~~أتيتم به { أهدى منهما } أي ممات أتيت به ومما أتى به موسى { أتبعه ms3625 } أي ~~واتركهما . | ولما أمرهم بأمره بالإتيان , ذكر شرطه من باب التنزل , لإظهار ~~النصفة , وهو في الحقيقة تهكم بهم فقال : { إن كنتم } أيها الكفار ! كونا ~~راسخا { صادقين * } أي في أنا ساحران , فائتوا ما ألزمتكم به . | ولما كان ~~شرط صدقهم , بين كذبهم على تقدير عدم الجزاء فقال : { فإن لم يستجيبوا } ~~أيالكفار الطالبون للأهدى في الإتيان به . | ولما كانت الاستجابة تتعدى ~~بنفسها إلى الدعاء , وباللام إلى الداعي , وكان ذكر الداعي أدل على ~~الاعتناء به والنظر إليه , قال مفردا لضميره صلى الله عليه وسلم لأنه لا ~~يفهم المقايسة في الأهدوية غيره : { لك } أي يطلبوا الإجابة ويوجدوها في ~~الإيمان أوالإتيان بما ذكرته لهم ودعوتهم إليه مما هو أهدى , من القرآن ~~والتوراة ليظهر صدقهم { فاعلم } أنت { أنما يتبعون } اي بغاية جهدهم فيما ~~هم عليه من الكفروالتكذيب { أهواءهم } اي دائما , وأكثر الهوى مخلف للهدى ~~فهم ظالمون غير مهتدين , بل هم أضل الناس , وذلك معنى قوله : { ومن أضل } ~~اي منهم , ولكنه قال : { ممن اتبع } أي بغاية جهده { هواء } تعليقا للحكم ~~بالوصف ؛ والتقييد وبقوله : { بغير هدى } أي بيان وإرشاد { من الله } أي ~~الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال دليل على أن الهوى قد يوافق الهدى , ~~والتعبير بالافتعال دليل على أن التابع وإن كان ظالما قد لا يكونن أظلم . | ~~ولما كانت متابعة الهوى على هذا الصورة ظلما , وصل به قوله مظهرا لئلا يدعى ~~PageV05P498 التخصيص بهم : { إن الله } أي الملك الأعظم الذي لا راد لأمره ~~{ لا يهدي } وأظهر موضع الإضمار للتعميم فقال : { القوم الظالمين * } أي ~~وإن كانوا أقوى الناس لاتباعهم أهوائهم , فالآية من الاحتباك : أثبت أولا ~~اتباع الهوى دليلا على حذفه ثانيا , وثانيا الظلم دليلا على حذفه أولا . | ~~ولما أبلغ في هذه الأساليب في إظهار الخفايا , وأكثر من نصب الأدلة على ~~الحق وإقامة على وجوب اتباع محمد صلى الله عليه وسلم , وكانوا بإعراضهم عن ~~ذلك كله كأنهم منكرون لأن يكون جاءهم شيء من ذلك , قال ناسقا على ما تقديره ~~: فلقد آتيناك في هذه الآيات بأعظم البينات , منبها بحرف التوقع المقترن ms3626 ~~بأداة القسم على أنه مما ياتوقع هنا أن يقال : { ولقد وصلنا } أي على ما ~~لنا من العظمة التي مقتضاها أن يكفي أدنى إشارة منها { لهم } اي خاصةن فكان ~~تخصيصهم بذلك منة عظيمة يجب عليهم شكرها { القول } اي أتبعنا بعض القول - ~~الذي لا قول في الحقيقة سواه - بعضا بالإنزال منجما , قطعا بعضها في أثر ~~بعض , لتكون جوابا لأقولهم , وحلا لإشكالهم , فيكون أقرب إلى الفهم , وأولى ~~بالتدبر , مع تنويعه في وعد ووعيد , وأخبار ومواعظ , وحكم ونصائح , وأحكاتم ~~ومصالح , وأكثرنا من ذلك حتى كانت آياته المعجزات وبيناته الباهرات كأنها ~~افراس الرهبان , يوم استباق الأقران , في خومة الميدان , غير أن كلا منهما ~~سابق في العيان . | ولما بكتهم بالتنبيه بهذا التأكيد على مبالغتهم في ~~الكذب بالقول أو بالفعل في أنه ما أتاهم ما يقتضي التذكير أتبع ذلك التوصيل ~~عليه فقال : { لعلهم يتذكرون * } أي ليكون حالهم حال الذين يرجى لهم أن ~~يرجعوا إلى عقولهم فيجدوا فيما طبع فيها ما يذكرهم بالحق تذكيرا , بما أشار ~~إليه الإظهار . | ولما كان من التذكر ما دل عليه مجر العقل , ومنه ما انضم ~~إليه مع ذلك العقل , وكان صاحب هذا القسم أجدر بأن يتبصر , وكان كأنه قيل : ~~هل تذكروا ؟ قيل : نعم أهل الكتاب الذين هم أهله حقا تذكروا حقا , وذلك ~~معنى قوله : { الذين آتيناهم } اي بعظمتنا التي حفظناهم بها { الكتاب } أي ~~العلم من التوراة والإنجيل وغيرهما منكتب الأنبياء , وهم يتلون ذلك حق ~~تلاوته , في بعض الزمان الذي كان { من قبله } أي القرآن { هم } أي خاصة { ~~به } أي القرآن , لا بشيء مما يخالفة { يؤمنون * } أي يوقعون الإيمان به في ~~حال وصوله إليهم إيمانا لا يزال يتجدد ؛ ثم أكد هذا المعنى بقوله : { وإذا ~~يتلى } أي تتجدد تلاوته { عليهم قالوا } مبادرين : { آمنا به } ثم عللوا ~~ذلك بقولهم الدال على غاية المعرفة , مؤكدين لأن من كان على دين لا يكاد ~~يصدق رجوعه عنه , فكيف PageV05P499 إذا كان أصله حقا من عند الله , { إنه ~~الحق } اي الكامل الذي ليس وراءه إلا الباطل , مع كونه { من ربنا } المحسن ms3627 ~~إلينا , وكل من الوصفين موجب للتصديق والإيمان به ؛ ثم عللوا مبادرتهم إلى ~~الإذعان منبهين على أنهم في غاية البصيرة من أمره بأنهم يتلون ما عندهم حق ~~تلاوته , لا بألسنتهم فقط , فصح قولهم الذي دل تأكيدهم له على اغتباطهم به ~~الموجب لشكره : { إنا كنا } أي كونا هو في غاية الرسوخ ؛ وأشار إلى أن من ~~صح إسلامه ولو في زمن يسير أذعن لهذا الكتاب , بإثبات الجار , فقال : { من ~~قبله مسلمين * } أي منقادين غاية الانقياد لما جاءنا من عند الله من وصفه ~~وغير وصفه وافق هوانا وما ألفناه أو خالفه , لا جرم كانت النتيجة : { أؤلئك ~~} أي العالو الرتبة { يؤتون } بناه للمفعول لأن القصد الإيتاء , والمؤتى ~~معروف { أجرهم مرتين } لإيمانهم بعه غيبا وشهادة , أو بالكتاب الأول ثم ~~الكتاب الثاني { بما صبروا } على ما كان من الإيمان قبل العيان , بعدما ~~هزهم إلى النزوع عنه إلف دينهم الذي كان , وغير ذلك من امتحان الملك الديان ~~. | ولما صبر لا يتم إلا بالاتصاف بالمحاسن والانخلاع من المساوىء , قال ~~عاطفا على { يؤمنون } مشيرا إلى تجديد هذه الأفعال كل حين : { ويدرءون ~~بالحسنة } من الأقوال والأفعال { السيئة } أي من ذلك كله فيمحونها بها . | ~~ولما كان بعض هذا الدرء لا يتم إلا بالجود قال : { ومما رزقناهم } أي ~~بعظمتنا , لا بحول منهم ولا قوة , قليلا كان أو كثيرا { ينفقون * } معتمدين ~~في الخلق على الذي رزقه ؛ قال البغوي : قال سعيد بن جبير : قدم مع جعفر رضي ~~الله تعالى عنه من الحبشة أربعون رجلا , يعني : فأسلموا , فلما رأوا ما ~~بالمسلمين من الخصاصة استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في أموالهم , ~~فأتوا بها فواسوا بها المسلمين . | < < # | القصص : ( 55 - 58 ) وإذا سمعوا اللغو . . . . . # > > ^ ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم ~~سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين * إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من ~~يشآء وهو أعلم بالمهتدين * وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنآ أولم ~~نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون * وكم ms3628 أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم ~~إلا قليلا وكنا نحن الوارثين ) ^ } ) | PageV05P500 ولما ذكر أن السماح بما ~~تضن النفوس به من فضول الأموال من أمارات الإيمان , أتبعه أن حزن ماتبذله ~~اللسن من فضول الأقوال من علامات العرفان , فقال : { وإذا سمعوا اللغو } أي ~~ما لا ينفع في دين ولا دنيا منشتم وتكذيب وتعبير ونحوه { أعرضوا عنه } ~~تكرما عن الخنا { وقالوا } أي واعظا وتسميعا لقائله : { لنا } أي خاصة { ~~أعمالنا } لا تثابون على شيء منها ولا تعاقبون { ولكم } أي خاصة { أعمالكم ~~} لا نطالب بشيء منها , فنحن لا نشتغل بالرد عليكم لأن ذمكم لنا لا ينقصنا ~~شيئا من أجرنا ولا الاشتغال برده ينقصنا . | ولما كان معنى هذا أنم سالمون ~~منهم , صرحوا لهم به فقالوا : { سلام عليكم } أي منا . | ولما جرت العادة ~~با , مثل هذا لا يكسر اللاغي , ويرد الباغي , أشاروا لهم إلى قبح حالهم , ~~ردا على ضلالهمن بقولهم تعليلا لما مضى من مقالهم : { لا نبتغي } أي لا ~~نلكف ئأنفسنا أن نطلب { الجاهلين * } اي نريد شيئا من أحوالهم وأقوالهم , ~~أو غير ذلك من خلالهم . | ولما كان من المعلوم أن نفس النبي صلة الله عليه ~~وسلم لما جبلت عليه من الخير والمحبة لنفع جميع العباد , لا سيما العرب , ~~لقربهم منه صلى الله عليه وسلم , لاسيبما أقربهم منه صلة للرحم تتأثر بسبق ~~أهل الكتاب لقومه , وكان ربما ظن ظان أن عدم هدايتهم لتقصير في دعائه أو ~~إرادته لذلك , وأنه لو أراد هدايتهم وأحبها , وعلق همته العلية بها ~~لاهتدوان أجيب عن هذا بقوله تعالى في سياق التأكيد إظهارا لصفة القدرة ~~والكبرياء والعظمة : { إنك لا تهدي من أحببت } أي نفسه أو هدايته بخلق ~~الإيمان في قلبه , وإنما في يدك الهداية التي هي الإرشاد والبيان . | ولما ~~كان ربما ظن من أجل الإخبار بتوصيل القول وتعليله ونحو ذلك من أشباهه أن ~~شيئا من أفعالهم يخرج عن القدرة , قال نافيا لهذا الظن مشيرا إلى الغلط في ~~اعتقاده بقوله : { ولكن الله } المتردي برداء الجلال والكبرياء والكمال وله ~~الأمر كله ms3629 { يهدي من يشاء } هدايته بالتوفيق إلى ما يرضيه { وهو } أي وحده ~~{ أعلم بالمهتدين * } أي الذين هيأهم لتطلب الهدى عند خلقه لهم , فيكونوا ~~عريقين في هسواء كانوا من أهل الكتاب أو العرب , أقارب كانوا أو أباعد , ~~روى البخاري في التفسير عن سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه : ( قال ~~لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا ~~جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيره , فقال : ) أي عم ! قل : لا إله إلا ~~الله كلمة أحاج لك بها عند الله ( , فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : ~~أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرضها ~~عليه ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما PageV05P501 كلمهم على ~~ملة عبد المطلب , وابى أن يقول : لا إله إلا الله , قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ) والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ( , فأنزل الله عز وجل { ما ~~كان للنبي والذي آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى } وأنزل ~~الله في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم { أنك لا تهتدي من ~~أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } الآية ) انتهى وقال في كتاب التوحيد : { ~~إنك لا تهتدي من أحببت } قال سعيد بن المسيب عن أبيه رضي الله عنه : نزلت ~~في أبي طالب , وفي مسلم عن أبي هريرة رضي اله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أمره بالتوحيد فقال : لولا أن تعيرني نساء قريش لأقررت بها عينك فأنزل ~~الله الآية . | ولما عجب من حال قريش في طلبهم من آيات مثل ما أوتي موسى ~~عليه الصلاة والسلام ثم كفرهم به وبما هو أعظم منه , وختم بأنه أعلم بأهل ~~الخير وأهل الشر , إشارة إلى الإعراض عن الأسف على أحد , والإقبال على عموم ~~الدعاء للقريب والبعيد على حد سواء , قال دليلا على ذلك لأنهم إنما يتبعون ~~أهواءهم , عاطفا على قالوا { لولا أوتي } { وقالوا إن نتبع } أي غاية ~~الاتباع { الهدى ms3630 } أي الإسلام فنوحد الله من غير إشراك { معك } أي وأنت على ~~ما أنت عليه من مخالفة الناس { نتخطف } أي من أي خاطف أردنا , لأنا نصير ~~قليلا في كثير . | من غير نصير { من أرضنا } كما تتخطف العصافير لمخالفة ~~كافة العرب لنا , وليس لنا نسبة إلى كثرتهم ولا قوتهم فيسرعو إلينا ~~فيتخطفونا , أي يتقصدون خطفنا واحدا واحدا , فإنه لا طاقة لنا على إدامة ~~الاجتماع وأن وأن لا يشذ بعضنا عن بعض ؛ قال البغوي : والاختطاف : الانتزاع ~~بسرعة . | ولما كان التقدير في الرد على هذا الكالم الوهي : ألم نحمك ومن ~~اتبعك منهم وقد جئتموهم من الخلاف بمثل ما يخالفون هم , به العرب أو اشد , ~~ولا نسبة لكم إلى عددهم ولا جلدهم , عطف عليه قوله : { أولم نمكن } أي غاية ~~التمكين { لهم } في أوكانهم ومحل سكناهم بما لنا من القدرة { حرما آمنا } ~~أي ذا أمن يأمن فيه كل خائف حتى الطير من كواسرها والوحش من جوارحها , حتى ~~أن سيل الحل لا يدخل الحرم , بل إذا وصل إليه عدل عنه ؛ قال ابن هشام في ~~استيلاء كنانة وخزاعة على البيت : وكانت PageV05P502 مكة في الجاهلية لا ~~تقر فيها ظلما ولا بغيا , لا يبغي فيها أحد إلا أخرجته انتهى . | وكان ~~الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه فيها فلا يهيجه ولا يعرض له بسوء ؛ وروى ~~الأزرقي في تأريخ مكة بسنده عن حويطب بن عبد العزى رضي الله عنه قال : كانت ~~في الكعبة حلق يدخل الخائف يده فاجتذبه رجل فشلت يده , فلقد رأيته في ~~الإسلام وإنه لأشل , وروي عن ابن جريح قصة العرب نغير قريش في أنهم كانوا ~~يطوفون بالبيت عراة إلا أن أعارتهم قريش ثيابا , فجاءت امرأة فطافت عريانة ~~وكان لها جمال فرآها رجل فأعجبته فدخل فطاف إلى جنبها , فأدنى عضده من ~~عضدها , فالتزقت عضده بعضدها , فخرجا من المسجد هاربين على وجههما فزعين ~~لماأصبهما من العقوبة , فلقيهما شيخ من قريش فأفتاهما أن يعودا إلى المكان ~~الذي أصابا فيه الذنب , فيدعوان ويخلصان أن لا يعودا , فدعوا وأخلصا النية ~~, فافترقت أعضادهما فذهب كل واحد ms3631 منهما في ناحية , وبسنده عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال : أخذ رجل ذود ابن عم له فأصابه في الحرم فقال : ذودي : ~~فقال اللص : كذبت , قال : فاحلف , فحلف عند المقام , فقام رب الذود بين ~~الركن والمقام باسطا يديه يدعو , فما برح مقامه يدعو حتى ذهب عقل اللص وجعل ~~يصيح بمكة : ما لي , وللزود , ما لي ولفلان رب الزود , فبلغ ذلك عبد المطلب ~~فجمع الزود فدفعه إلى المظلوم , فخرج به وبقي الآخر متولها حتى وقع من جبل ~~فتردى فأكلته السباع . | وعن ايوب بن موسى أن امرأة في الجاهلية كان معها ~~ابن عم لها صغير فقالت له : يا بني : إني أغيب عنك وإني أخاف أن يظلمك أحد ~~, فإن جاءك ظالم بعدي فإن لله بمكة بيتا لا يشبهه شيء من اليوتن وعليه ثياب ~~ولا يقاربه مفسد , فإن ظلمك ظالم يوما فعذبه , فإن له ربا سيمنعك , فجاءه ~~رجل فذهب به فاسترقه , قال : وكان أهل الجاهلية يعمرون أنعامهم فأعمر سيده ~~ظهره , فلما رأى الغلام البيت عرف الصفة فنزل يشتد حتى تعلق بالبيت , وجاءه ~~سيده فمد يده إليه ليأخذه , فيبست يده , فمد الأخرى فيبست , فاستفتى فأفتى ~~أن ينحر عن كل واحدة من يدية بدنة , فعل فأطلقت يداهن وترك الغلام وخلى ~~سبيله . | وعن عبد العزيز بن أبي رواد أن قوما انتهوا إلى ذي طوى , فإذا ~~ظبي قد دنا منهم , فأخذ رجل منهم بقائمة من قوائمه فقال له أصحابةك ويحك ! ~~ارسله , فجعل يضحك ويأبى أن يرسله , فبعر الظبي وبال ؛ ثم أرسله , فناموا ~~في القائلة فانتبهوا , فإذا بحية منطوية على بطن الرجل الذي أخذ الظبي , ~~فلم تنزل الحية عنه حتى كان منه من الحديث مثل ما كان من الظبي . | وعن ~~مجاهد قال : دخل قوم مكة نجارا من الشام في الجاهلية فنزلوا ذا طوى ~~فاختبزوا ملة لهم ولم يكن معهم إدام , فرمى رجل منهم ظبية PageV05P503 من ~~ظباء الحرم وهي حولهم ترعى فقاموا إليها فسلخوها وطبخوا لحمها ليأتدموا به ~~, فبينما قدرهم على النار تغالي بلحمة إذ خرجت من تحت القدر عنق ms3632 من النار ~~عظيمة فأحرقت القوم جميعا ولم تحترق ثيابهم ولا أمتعتهم ولا السمرات الت ~~كانوا تحتها . | وفي سيرة أبي ربيع بن سالم الكلاعي أنرجلا من كنانة بن ~~هذيل ظلم ابن عم له فخوفه بالدعاء في الحرم , فقال : هذه ناقتي فلانة ~~اركبها فاذهب إليه فاجتهد في الدعاء , فجاء الحرم في الشهر الحرام , فقال : ~~اللهم إني ادعوك جاهدا مضطرا على ابن عمي فلان ترميه بداء لا دوايء له , ثم ~~انصرف فوجد ابن عمه قد رمي في بطنه فصار مثل الزق , فما زال ينتفخ حتى انشق ~~, وأن عمر رضي الله عنه سال رجلا من بني سليم عن ذهاب بصره , فقال : يا ~~أمير المؤمنين ! كنا بني ضبعاء عشرة , وكان لنا ابن عم فكنا نظلمه فكان ~~يذكرنا بالله , وبالرحم , فلما رأى أنا لا نكف عنه انتهى إلى الحرم في ~~الأشهر الحرم فجعل يرفع يديه يقول : | لا هم أدعوك دعاء جاهدا اقتل بني ~~الضبعاء إلا واحدا ثم اضرب الرجل ودعه قاعدا أعمى إذا قيد يعي القائدا | ~~قال : فمات إخوتي التسعة في تسعة اشهر في كل شهر واحد , وبيقت أنا فعميت , ~~ورماني الله عز وجل في رجلي , فليس يلائمني قائد , فقال عمر رضي الله عنه : ~~سبحان الله إن هذا لهو العجب , جعل الله هذا في الجاهلية إذ لا دين حرمة ~~حرمها وشرفها , لينتكب الناس عن انتهاك ما حرم مخافة تعجيل العقوبة , فلما ~~جاء الدين , صار الموعد الساعة , ويستجيب الله لمن يشاء , فاتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين انتهى . | وكأنه لمثل ذلك عبر بالتمكين ويتخطف الناس من ~~حولهم كما يأتي تكيده في التي بعدها , وقد كان قبل ذلك بقعة من بقاع الأرض ~~لا مزية له على غيره بنوع مزية , فالتقدير : إنما فعلنا ذلك بعد سكنى ~~إسماعيل عليه الصلاة والسلام , توطئة لما أردنا من الحكم والأحكام , أو ليس ~~الذي قدر على ذلك وفعله لمن يعبد غيره بقادر على حماية من يدخل في دينه , ~~وقد صار من حزبه بأنواع الحمايات , وإعلائه على كل من يناويه إلى أعلى ~~الدرجات , كما فعل في ms3633 حمايتكم منهم ومن غيرهم من سائر المخالفين أعداء ~~الدين . | ولما وصفه بالأمن , أتبعه ما تطلبه النفس لعده فقال : { يجبى } ~~أي يجمع ويجلب مما لا يرجونه ولا قدرة لهم على استجلابه { إليه } أي خاصة , ~~دون غيره من جزيرة العرب { ثمرات كل شيء } من النبات الذي بأرض العرب من ~~ثمر البلاد الحارة كالبسر والرطب والموز والنبق , والباردة كالعنب والتفاح ~~والرمان والخوخ , وفي تعبيره بالمضارع وما بعده إشارة إلى الاستمرار وأنه ~~يأتي إليه بعد ذلك من كل ما في الأرض PageV05P504 من المال , ما لم يخطر ~~لأحد منهم في بال , وقد صدق الله فيما قال كما تراه ومن أصدق من الله قيلا ~~. | ولما كان مجموع ما رزقهم في هذا الحرم من الأمن بأسبابه من الإسراع ~~باصابة من آذى فيه بأنواع العقوبات , وجباية هذه الثمرات , في غاية الغرابة ~~في تلك الأراضي اليابسة الشديدة الحر , المحفوفة من الناس بمن لا يدين دينا ~~, ولا يخشى عاقبة , ولا له ملك قاهر من الناس يرده , ولا نظام منسياسة ~~العباد يمنعه , عبر عنه سبحانه مع مظهر العظمة بلدان فقال : { رزقا من لدنا ~~} أي من أبطن ما عندنا وأغربه , لا صنع لأحد فيه كما تعلم ذلك أنت ومن ~~أتبعك ومن فيه قابلية الهداية منهم , وكل ذلك إنما هو لأجلك بحلولك في هذا ~~الحرم مضمرا في الأصلاب , ومظهرا في تلك أشعاب , توطئة انبيوتكن وتمهيدا ~~لرسالتك , ومتى غبت عنهم غاب عنهم ذلك كله وسينظرون . | ولما كان هذا الذي ~~ابدوه عذرا عن تخلفهم عن الهدى يظنونه من نفائس العلم , رده تعالى نافيا ~~عمن لم يؤمن منهم جميع العلم الذي بنفيه ينتفي أن يكون هذا الفرد علما , ~~فقال في اسلوب التأكيد لذلك : { ولكن أكثرهم } أي أهل مكة وغيرهم ممن لا ~~هداية له { لا يعلمون * } أي ليس لهم قابلية للعلم حتى يعلموا أنا نحن ~~الفاعلون لذلك بترتيب اسبابه حتى تمكن ذلك وتم فلا قدرة لأحد على تغييره , ~~وإنا قادرون على أن نمنعهم إذا تابعوا أمرنا ممن يريدهم , بل نسلطهم على كل ~~من ناواهم , كقدرتنا على ما ms3634 مكنا لهم وهو خارج عن القياس على ما يقتضيه ~~عقول الناس , وإنا قادرون على سلب ذلك كله عنهم لإصرارهم على الكفر , ولا ~~بد أن نذيقهم ذلك أجمع بعد هجرتك ليعلموا أنه إنما نالهم ذلك ببركتك , وللو ~~علموا ذلك لشكروان ولكنهم جهلوا فكفرووا , ولذلك أنذروا { ولتعلمن نبأه بعد ~~حين } . | ولما أخبر تعالى أنه قادر على التأمين والإنجاء والتمكين مع ~~الضعفة , أتبعه الإعلام بقدرته على الإخافة والإهلاك مع القوة , ترغيبا لهم ~~إن آمنوا بإهلاك أضدادهم , وترهيبا إن أصروا من المعاملة بعكس مرادهم , ~~فقال في مظهر العظمة عاطفا على معنى الكلام : { وكم أهلكنا } ويجوز أن يكون ~~حالا من ضمير نمكن أي فعلنا بهم ما ذكرنا من النعمة مع ضعفهم وعجزهم , ~~والحال أنا كثيرا ما أهلكنا الأقوياء , وأشار إلى تأكيد التكثير مع تمييز ~~المبهم بقوله : { من قرية } , وأشار إلى سبب الإهلاك بقوله : { بطرت ~~معيشتها } اي وقع منها البطر في زمان عيشها الرخي الواسع , فكان حالهم ~~كحالكم في الأمن وإدرار الرزق , فلما بطروا معيشتهم أهلكناهم , ومعنى بطرهم ~~لها أنهمشقوها بمجاوزة الحد في المرح , والأشر والفرح , إلى أن تعدوها ~~فأفسدوها PageV05P505 وكفروها فلم يشكروها , بل فعلوا في تلقيها فعل الحائر ~~المدهوش , فلم يحسنوا رعايتها , وقل احتماهم لحق النعمة فيها , فطفوا في ~~التقلب عند مصاحبتها وتكبروا بهاظظظظن وتمادوا في الغي قولا وفعلا , من أجل ~~ما عمهم من الرفاهية عن تقييدها وساء احتمالهم للغنى بها , وطيب العيش فيها ~~, فأبطلوها بهذه الخصائل , وأذهبوها هدرا من غير مقابل , وذلك من قول أهل ~~اللغة : البطر : الأشر , وقلة احتمال النعمة , والدهش والحيرة والطغيان ~~بالنعمة , والفعل من الكل كفرح , وبطر الحق أنيتكبر عنه فلا يقبله , وبطره ~~كنصره وضربه : شقه , والبطور : الصخاب الطويل اللسان , والمتمادي في الغي , ~~وأبطره ذرعه : حمله فوق طاقته من وذهب دمه بطرا بالكسر , أي هدرا وبطرهم ~~لها أنهم عصوا من خولهم فيها , فخالفوا أمره , وأنساهم الكبر بما أعطاهم ~~ذكره . | ولما تسبب عن هذا الإخبار تشوف النفس إلى آثار هذه الديار , سبب ~~عنه الإشارة بأداة البعد إلى منازلهم , تنبيها على كثرتها وسهولة ms3635 الوصول ~~إليها في كل مكان , لكونها بحيث يشار إليها وعلى بعد رتبتها في الهلاك ~~دليلا على اللجملة التي قبلها فقال : { فتلك مساكنهم } . | ولما كان المعنى ~~أنها خاوية على عروشها وصل به قوله : { لم تسكن } أي من ساكن ما مختار أو ~~مضطر . | ولما كان المراد إفهام نفي قليل الزمان وكثيره , أثبت الجار فقال ~~: { من بعدهم } بعد أن طال ما تغالوا فيها ونمقوها , وزخرفها وزوقوها , ~~وزفوا فيها الأبكار , وفرحوا بالأعمال الكبار , { إلا } سكونا { قليلا } ~~بالمارة عليها ساعة من ليل أو من نهار , ثم يصير تبابا موحشة كالقفار , بعد ~~أن كانت متمنعة القبا , ببيض الصفاح وسمر القنا . | ولما صارت هذه الأماكن ~~بعد الخراب لا متصرف فيها ظاهرا إلا الله , ولا حاكم عليها فيما تنظره ~~العيون سواه , وكان هذا أمرا عظيما , وخطبا جسيما , لأنه لا فرق فيه بين ~~جليل وحقير , وصغير وكبير , وسلطان ووزير , دل على ضخامته بقوله مكررا ~~لمظهر العظمة : { وكنا } أي أزلا وأبدا { نحن } لا غيرنا { الوارثين * } بم ~~يستعص علينا أحد وإن عظم , ولا تأخر عن مرادنا لحظة وإن ضخم , فليت شعري ! ~~اين أؤلئك الجبارون وكيف خلا دورهم , وعطل قصورهم ؟ المتكبرون أفنتهم والله ~~كؤوس الحمام منوعة أشربه المصائب العظام , وأذلتهم مصارع الأيام , بقوة ~~العزيز العلام , فيا ويح من لم يعتبر بأيامهم , ولم يزدجر عن مثل آثامهم . ~~| PageV05P506 < < # | القصص : ( 59 - 63 ) وما كان ربك . . . . . # > > ^ ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم ~~آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون * ومآ أوتيتم من شيء فمتاع ~~الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون * أفمن وعدناه ~~وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من ~~المحضرين * ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي الذين كنتم تزعمون * قال الذين ~~حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينآ أغويناهم كما غوينا تبرأنآ إليك ما ~~كانوا إيانا يعبدون ) ^ } ) | ولما أظهر سبحانه سوط العذاب بيد القدرة , دل ~~على وطأ العدل بثمرة الغنى , ولكونه في سياق الرحمة بالإرسال عبر بالربوبية ~~فقال : { وما ms3636 كان } أي كونا ما { ربك } أي المحسن إليك بالإحسان بإرسالك ~~إلى الناس { مهلك القرى } أي هذا الجنس كله بجرم وإن عظم { حتى يبعث في ~~أمها } أي أعظمها وأشرفها , لأن غيرها تبع لها , ولم يشترط كونه من أمها ~~فقد كان عيسى عليه الصلاة والسلام من الاصرة , وبعث في بيت المقدس { رسولا ~~يتلوا عليهم } أي أهل القرى كلهم { آياتنا } الدالة بما لها من الجري على ~~مناهيج العقول , على ما ينبغي لنا من الحكمة , وبما لها من الإعجاز على ~~تفرد الكلمة , باهر العظمة , إلزاما للحجة , وقطعا للمعذرة , لئلا يقولوا { ~~ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا } ولذلك لما أردنا عموم الخلق بالرسالة جعلنا ~~الرسول من أم القرى كلها , وهي مكة البلد الحرام , وفيها لأنها مع كونها ~~مدينة تجري فيها الأمور على قانون الحكمة هي في بلاد البوادي تظهر فيها ~~الكلمة , فجمعت الأمرين لأن المرسل إليها جامع , وجازت الأثرين لأن الختام ~~به واقع , وكان السر في جعل المؤيد لدينه عيسى عليهما الصلاة والسلام من ~~البادية كثرة ظهور الكلمة على يديه . | ولما غيى الإهلاك بالإرسال تخويفان ~~ضرب له غاية أخرى تحريرا للأمر وتعريفا , ولكونه في سياق التجرؤ من أهل ~~الضلال , على مقامه العال , بانتهاك الحرمات , عبر بأداة العظمة فقال : { ~~وما كنا } أي بعظمتنا وغنانا { مهلكي القرى } أي كلها , بعد الإرسال { إلا ~~وأهلها ظالمون * } أي عريقون في الظلم بالعصيان , بترك ثمرات الإيمان . | ~~ولما اعتلوا في الوقوف عن الإيمان بخوف التخطف , فذكرهم نعمته عليهم بإقامة ~~أسباب الأمن وإدرار الرزق , وعرفهم أنه هو وحده الذي تخشى سطواته , ويتقي ~~أخذه لمن خالفه وبطشاته , وكان خوفهم من عواقب المتابعة إماعلى أنفسهم وإما ~~على ما بأيديهم من المتاع , علم نم ذلك كله قطعا أن التقدير بما سبب ~~التخويف من عواقب الظلم بمثل مصارع الأولين : فأنفسكم في خطر من خوف الهلاك ~~من القادر عليكم PageV05P507 كقدرته على من قبلكم بسبب التوقف عن المتابعة ~~أشد من خطر الخوف من التخطف بسبب ا لمتابعة , أو يكون التقدير : فما خفتم ~~منه التخطف غير ضائركم , وكفكم عن المتابعة لأجله ms3637 غير مخلدكم , إهلاككم على ~~اله بأي وجه كان بعزيز , عطف على هذا الذي ارشد السياق إلى تقديره قوله : { ~~وما أوتيتم } أي من أي مؤت كان { من شيء } أي من هذه الأشياء التي بأيدكم ~~وغيرها { فمتاع } أي فهو متاع { الحياة الدنيا } وليس يعود نفعه إلى غيرها ~~, فهو إلى نفاد وإن طال زمن التمتع به { وزينتها } أي وهو زينة الحياة ~~الدنيا التي هي كلها فضلا عن زينتها إلى فناء , فليست هي ولا شيء منها ~~بأزلي ولا أبدي { وما عند الله } أي الملك الأعلى مما تثمره لكم المتابعة ~~من الثواب الذي وعدكموه في الدار الآخرة التي دل عليها دلالة واضحة إطباكم ~~على وصف هذه بالدنيا , ومن أصدق وعدا منه { خير } على تقدير مشاركة ما في ~~الدنيا له في الخيرية في ظنكم , لأن الذي عنده أكثر وأطيب وأظهر , وأحسن ~~وأشهى , وأبهج وأزهى , { و } هو مع ذلك كله { أبقى } لأنه وإن شارك متاع ~~الدنيا في أنه بم يكن أزليا فهو أبدي . | فلما بان أنه لا يقدم على خطر ~~المخالفة المذكور خوفا من خطر المتابعة الموصوف عاقل , توجه الإنكار عليهم ~~في قوله تعالى : { أفلا تعقلون * } . | ولما كان هذا سببا لأن ظهر كالشمس ~~بون عظيم بين حال المخالف والمؤالف , سبب عنه وأنتج قوله , مقررا لما ذكر ~~من الأمرين موضحا لما لهما من المبانة , منكرا على من سوى بينهما , فكيف ~~بمن ظن أن حال المخالف أولى : { أفمن وعدناه } على عظمتنا فيب الغنى ~~والقدرة والصدق { وعدا } وهو الإثابة والثواب { حسنا } لا شيء أحسن منه في ~~موافقته لأمنيته وبقائه { فهو } بسبب وعدنا الذي لا يخلف { لاقيه } أي ~~مدركه ومصيبه لا محالة { كمن متعناه } أي بعظمتنا { متاع الحياة الدنيا } ~~فلا يقدر أحد غيرنا على سلبه منه بغير إذن منا , ولا يصل أحد إلى جعله ~~باقيا , وهو مع كونه فانيا وإن طال الزمان مشوب بالأكدار , مخالط بالأقذار ~~والأوزار { ثم هو } مع ذلك كله { يوم القيامة } الذي هو يوم التغابن , من ~~خسر فيه لا يربح أصلا , ومن هلك لا يمكن عيشه بوجه { من ms3638 المحضرين * } أي ~~المقهورين على الحضور إلى مكان يود لو افتدى منه بطلاع الأرض ذهبا , فإن كل ~~من يوكل به لحضور أمر يتنكد على حسب مراتب التوكيل كائنا من كان في أي أمر ~~كان . | ولما كان اليوم وإن كان واحدا بتعدد أوصافه , بما يقع في أثناءه ~~وأضعافه , على يوم القيامة تهويلا لأمره , وتعظيما لخطره وشره , قوله مقررا ~~لعجز العباد , عن شيء من الإباء في يوم العباد : { ويوم يناديهم } أي ينادي ~~الله هؤلاء الذين يغرون بين PageV05P508 الناس ويصدون عن السبيل , ويتعللون ~~في أمر الإيمان , وتوحيد المحسن الديان { فيقول } أي الله : { أين شركاءي } ~~أي من الأوثان وغيرهم ؛ ثم بين أنهم لا يستحقونهذا الاسم بقوله : { الذين ~~كنتم } أي كونا أنتم عريقون فيه { تزعمون * } ليدفعوا عنكم أو عن أنفسهم . ~~| ولما كان اسم الشريك يقع على من سواه الإنسان آخر في شيء من الأشياء , ~~وكان الأتباع قد سووا المتبوعين الذين عبدوهم من الشيتطين وغيرهم بالله ~~تعالى في الخضوع لهم , والطواعية في عبادة الأوثان , ومعاندة الهداة ~~ومعاداتهم , والصد عن أتباعهم , فكلان اسم الشريك متناولا لهم , وكان بطش ~~من وزقع الإشراك به يكون أولا بمن عد نفسه شريكا ثم بمت أنزله تلك المنزلة ~~, فتشوفت النفس إلى مبادرة الرؤساء بالجواب خوفا من حلول العقاب بهم ~~وزيادتهم بقادتهم عليهم , فقيل : قالوا هكذا الأصل , ولكنه أظهر إعلاما ~~بالوصف الذي أوجب لهم القول فقال : { قال الذين حق } أي ثبت ووجب { عليهم ~~القول } أي وقع عليهم معنى هذا الاسم وتناولهم , وهو العذاب المتوعد به ~~بأعظم القول , وهم أئمة الكفر , وقادة الجهل , بإنزالهم أنفسهم منزلة ~~الشركاء , وأفهم بإسقاط الأداة كعادة أهل القرب والتعبير بوصف الإحسان أ , ~~هم وصلوا بعد السماجة والكبر إلى غاية الترق والذل , فقال معبرا عن قولهم : ~~{ ربنا هؤلاء } إشارة إلى الأتباع { الذين أغوينا } أي أوقعنا الإغواء وهو ~~الإضلال بهم بما زينا لهم من الأقوال التي أعاننا على قبولهم أ , ها منا , ~~مع كونا ظاهرة العوار , واضحة العر , ما خولتنا فيه في الدنيا من الجاه ~~والمال ؛ ثم استأنفوا مات يظنون أنه يدفع ms3639 عنهم فقالوا : { أغويناهم } أي ~~فغوا باختيارهم { كما غوينا } أي نحن لما أغوانا بما زين لنا من فوقنا حتى ~~تبعناهم , لم يكن هناك إكراه منا ولا إجبار , مع ما أاهم من الرسل ولهم من ~~العقول , كما غوينا نحن باخيارنا , لم يكن ممن فوقنا إجبار لنا كما قال ~~إبليس < # > 77 ( { وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي } ) 77 < # > [ إبراهيم : 22 ] فالآية من الاحتباك : حذف أولا { فغووا } لدلالة { ~~غوينا } عليه , وثانيا ( لما أغوانا , من قبلنا ) لدلالة { أغويناهم } عليه ~~ومرادهم , بقولهم هذا السفساف أنه لا لوم علينا في الحقيقة بسببهم , وهذا ~~معنى قولهم : { تبرأنا إليك } أي من أمرهم , فلا يلزمنا عقوبة بسببهم , فهو ~~تقرير لما قبل وتصريح به . | ولما كان يعلمون أنهم غير مؤمنين من أمرهم , ~~تبرؤوا من انفرادهم بإضلالهم , فقالوا لمن كأنه قال : ما وجه براءتكم وقد ~~اقررتم باغوائهم ؟ : { ما كانوا إيانا } أي خاصة { يعبدون * } بل كانوا ~~يعبدون الأوثان بما زينت لهم أهواؤهم وإن كان لنا فيه PageV05P509 نوع دعاء ~~لهم إليه وحث عليه , فأقل ما نريد أن يوزع العذاب على كل من كان سببا في ~~ذلك كما في الآية الأخرى { فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء } وضل ~~عن الجهلة أن هذا لا يغنيهم عن الله شيئا , فإن الكل في العذاب وليس يغني ~~أحد منهم عن أحد شيئا , قال { لكل ضعف ولكن لا تعلمون } . | < < # | القصص : ( 64 - 70 ) وقيل ادعوا شركاءكم . . . . . # > > ^ ( وقيل ادعوا شركآءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو ~~أنهم كانوا يهتدون * ويوم يناديهم فيقول ماذآ أجبتم المرسلين * فعميت عليهم ~~الأنبآء يومئذ فهم لا يتسآءلون * فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون ~~من المفلحين * وربك يخلق ما يشآء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله ~~وتعالى عما يشركون * وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون * وهو الله لا إله ~~إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون ) ^ } ) | ولما ~~لم يلتفت إلى هذا الكلام منهم بل عد عدما , لأ , ه لا طائل ms3640 تحته , أشير إلى ~~الإعراض عنه لأنه لا يستحق جوابا كما قيل ( رب قول جوابه في السكوت ) بقوله ~~: { وقيل } اي ثانيا للأتباع تهكما للاستهانة بهم , وأنهم من الذل والصغار ~~بحيث يجيبون كل أمر كائنا من كان : { ادعوا } أي كلكم { شركاءكم } أي الذين ~~ادعيتم جهلا شركتهم ليدفعوا عنكم . | وأضافهم هنا إليهم إشارة إلى أنهم لم ~~يستفيدوا زعمهم أنهم شركاء الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا إلا أن ~~أشركوهم فيما صرفوا إليهم من أموالهم وأقوالهم , وأزمانهم وأحوالهم { ~~فدعوهم } تعللا بما لا يغني , وتمسكا بما يتحقق أنه لا يجدي , لفرط الغلبة ~~واستيلاء الحيرة والدهشة { فلم يستجيبوا لهم } كما يحق لهم لما لهم من وصف ~~عدم الإدراك , والعجز والهلاك { ورأوا } أي كلهم { العذاب } عالمين بأنه ~~مواقعهم لا مانع له عنهم , فكان الحال حينئذ مقتضيا لأن يقال من كل من ~~يراهم : { لو أنهم كانوا } أي كونا هو لهم صفة راسخة { يهتدون * } أي يحصل ~~منهم هدى ساعة من الدهر , تأسفا على أمرهم , وتمنيا لخلاصهم , أو لو أن ذلك ~~كان في طبعهم لنجوا من العذاب , أو لما رأوه أصلا , أو لما اتبعوهم . | ~~ولما أشار إلى أنه لا خلاص من ذلك الردى إلا بالهدى , أتبعه الإعلام بأنه ~~لا يمكن أحدا هناك أن يفعل ما قد يروج على سائله كما يفعل في هذه الدار من ~~إظهار ما PageV05P510 لم يكن مكررا لتويل ذلك اليوم وتبشيعه وتعظيمه ~~وتفظيعه , سائلا عن حق رسله عليهم الصلاة والسلام بعد السؤال عن حقه سبحانه ~~, مناديا بعجز الشركاء في الأخرى كما كانوا عاجزين في الأولى { ويوم ~~يناديهم } وهم بحيث يسمعهم الداعي , وينفذهمالبصر , قد برزو الله جميعا من ~~كان منهم عاصيا ومن كان مطيعا في صعيد واحد , قد أخذ بأنفاسهم الزحام , ~~وتراكبت الأقدام على الأقدام , وألجمهم العرق , وعمهم الغرق { فيقول ماذا } ~~أي أوضحوا أو عينوا جوابكم الذي { أجبتم المرسلين * } أي به , ولما لم يكن ~~لهم قدم صدق ولا سابق حق بما أتتهم الرسل به من الحجج , وتابعت عليهم من ~~الأدلة , لم يكن لهم جواب إلا السكوت , وهو ms3641 المراد بقوله : { فعميت } أي ~~خفيت وأظلمت في غواية ولجاج { عليهم الأنباء } أي الأخبار التي هي من ~~العظمة بحيث يحق لها في ذلك اليوم أن تذكر , وهي التي يمكن أن يقع بها ~~الخلاص , وعداه بعلى إشارة إلى أن عماها وقع عليهم , فعم الكل العمى فصاروا ~~بحيث لا تهتدي الأنباء لعماها إليهم لتجددها , ولا يهتدون إليها بحق أن ~~يذكر في ذلك اليوم , بل أسلفوا من التكذيب والإساءة ما يودون لو أن بينهم ~~وبينه أمدا بعيدأ , وقالك { يومئذ } تكريرا لتخويف ذلك اليوم وتهويلهن ~~وتقريرا لتعظيمه وتبجيله . | ولما تسبب عن هذا السؤال السكوت علما منهم ~~بأنه ليس عند أحد منهم ما يغني في جوابه من حسن القول وصوابه , وأنهم لا ~~يذكرون شيئا من المقال إلا عاد عليهم بالوبال , قال مترجما عن ذلك : { فهم ~~لا يتسألون * } أي لا يسأل أحد منهم أحدا عن شيء يحصل به خلاص , لعلمهم أنه ~~قد عمهم الهلاك , ولات حين مناص , ولأن كل منهم أبغض الناس في الآخر . | ~~ولما علم بهذه الآيات حال من أصر على كفره وعمل سيئا بطريق العبارة , وأشير ~~إلى حال من تاب فوعد الحسن ألطف إشارة تسبب عن ذلك التشوف إلى التصريح ~~بحالهم , فقال مفصلا مرتبا على ما تقديره : هذا حال من أصر على كفره { فأما ~~من تاب } أي كفره وقال : { وآمن } تصريحابما علم التزاما , فإن الكفر ~~والإيمان ضدان , لا يمكن ترك أحدهما إلا بأخذ الآخر { وعمل } تصديقا لدعواه ~~باللسان { صالحا } . | ولما كانت النفس نزاعة إلى النقائص , مسرعة إلى ~~الدنايا , أشيرإلى صعوبة الاستمرار على طريق الهدى إلا بعظيم المجاهدة ~~بقوله : { فعسى } أي فإنه يتسبب عن حاله هذا الطمع في { أن يكون } أي كونا ~~هةو في غاية الثبات { من المفلحين * } أي PageV05P511 الناجين من شر ذلك ~~اليوم , الظافرين بجميع المراد , باستمرارهم على طاعتهم إلى الموت , وإنما ~~لم يقطع له بالفلاح وإن كان مثل ذلك في محاري عادات الملوك قطعا , إعلاما ~~بأ , ه لا يجب سبحانه شيء ليدوم حذره , ويتقي قضاؤه وقدره , فإن الكل منه . ~~| ولماكان كأنه قيل : ما لأهل ms3642 القسم الأول لا يتوخون النجا من ضيق ذلك ~~البلا , إلى رحب هذا الرجا , وكان الجواب : ربك منعهم من ذلك , أو ما لم ~~يقطع لأهل هذا القسم بالفلاح كما قطع لأهل القسمالأول بالشقاء ؟ وكان ~~الجواب : إن ربك لا يجب عليه شيء عطف عليه إشارة إليه قوله { وربك } أي ~~المحسن إليك , بموافقة من وافقك ومخالفة منخالفك لحكم كبار , دقت عن فهم ~~أكثر الأفكار { يخلق ما يشاء } من الهدى الضلال وغيرهما , لأنه المالك ~~المطلق لا مانع له من شيء من ذلك { ويختار } أي بوقع الاختيار , لما يشاء ~~فيريد الكفر للأشرار , والإيمان للأبرار , لا اعتراض عليه , فربما ارتد أحد ~~ممن أظهر المتاب , لما سبق عليه من الكتاب , فكان من أهل التباب فلا تأس ~~علىمن فاتك كائنا من كان , واعلم أنه ما ضر إلا نفسه , ومن فاتنا يكفيه أنا ~~نفوته . | ولما أفهم هذا أن غيره سبحانه إذا أراد شيئا لم يكن إلا أن يوافق ~~مراده تعالى , صرح به بقوله : { ما كان لهم الخيرة } أي أن يفعلوا أو يفعل ~~لهم كل ما يختارونه من إتيان الرسول بمثل ما أتىى به موسى عليه الصلاة ~~والسلام أو غيره , اسم من الاختيار , يقام مقام المصدرن وهو أيضا اسم ~~المختار , فهو تعبير بالمسبب عن السبب لأنه إذا خلى عنه كان عقيما فكان ~~عدما , قال الرازي في اللوامع : وفيه دليل على أن العبد في اختياره غير ~~مختار , فلهذا أهل الرضى حطوا الرحال بين يدي ربهم , وسلموا الأمور إليه ~~بصفاء التفويض , يعني فإن أمرهم أو نهاهم بادروا , وإن أصابهم بسهام ~~المصائب العظام صابروا , وإن أعزهم أعزوا أنفسهم وأكرموا , وإن أذلهم رضول ~~وسلموا , فلا يرضيهم إلا ما يرضيه , ولا يريدون لا ما يريده فيمضيه : | وقف ~~الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه لا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة ~~حبا لذكرك فليلمني اللوم أهنتني فأهنت نفسي صاغرا ما من يهون عليك ممن أكرم ~~. | ولما كان إيقاع شيء على غير مراده نقصا , وكان وقوع الشرك سفولا وعجزا ~~, قال تعالى مشيرا إلى نتيجة هذه ms3643 الآيات في نفي ذلك عنه : { سبحان الله } ~~أي تنزه الجامع لصفات الكمال عن أن يختار أحد شيئا لا يريده فيص إليه أو ~~يقع بوجه عليه { وتعلى } PageV05P512 أي علا علو المجتهد في ذلك , فعلوه لا ~~تبلغ العقول بوجه كنه هداه { عما يشركون * } لأنه لا إرادة لما ادعوهم ~~شركاء , ولو كانت لهم إرادة لتوقف إنفاذها لعجزهم على إيجاد الخالق . | ~~ولما كانت القدرة لا تتم إلا بالعلم , قال : { وربك } أي المحسن إليك ~~المتولي لتربيتك , كما هو بالغ القدرة , فهو شامل العلم { يعلم ما تكن } أي ~~تخفي وتستر { صدورهم } من كونهم يؤمنون على تقدير أن تأتيهم آيات مثل ىيات ~~موسى أو لا يؤمنون , ومن كون ما أظهر من أظهر منهم الإيمان بلسانه أو مشوبا ~~. | ولما كان علم الخفي لا يستلزم علم الجلي إما لبعد أو لغط أو اختلاط ~~أصوات يمنع تمييز بعضه عن بعض أو غير ذلك قال : { وما يعلنون * } أي يظهرون ~~, كل ذلك لديه سواء , فلا يكون لهم مراد إلا بخلقه , ولما كان علمه بذلك ~~إنما هولكونه إلها , وكان غيره لا يعلم من علمه إلا ما علمه , عبر عن ذلك ~~بقوله : { وهو الله } أي المستأثر بالإلهية الذي لا سمي له , الذي لا يحيط ~~الوصف من عظمته بأكثر من أنه عظيم على الإجمال , وأما التفاصيل كلها أو ~~أقلها فهيهات هيهات ؛ ثم شرح معنى الاسم الأعظم بقوله { لا إله إلا هو } ثم ~~علل ذلك بقوله : { له } أي وحده { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال { في ~~الأولى والأخرة } وليس ذلك لشيء سواه إن آمنوا أو كفروا { وله } أي وحده { ~~الحكم } أي إمضاء القضاء على الإطلاق , فلو أراد لقسرهم على الإيمان { ~~وإليه } أي لا إلى غيره { ترجعون * } أي بأيسر أمر يوم النفخ في الصور , ~~لبعثرة القبور , بالعث والنشورن ومع أنكم الآن أيضا راجعون في جميع أحكامكم ~~إليه ومقصورون عليه , إن شاء أمضاها , وإن أراد ردها ولواها , ففي الايات ~~غاية التقوية لقلوب المطيعين , علما بكل المعلومات , منزها عن النقائص ~~والافات يجزي الطائعين والعاصين بالقسط . | < < # | القصص : ( 71 - 75 ) قل أرأيتم ms3644 إن . . . . . # > > ^ ( قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله ~~غير الله يأتيكم بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار ~~سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ~~* ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم ~~تشكرون * ويوم يناديهم فيقول أين شركآئي الذين كنتم تزعمون * ونزعنا من كل ~~أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون ) ^ } ) | PageV05P513 ولما قامت على القدرة الشاملة والعلم التام ~~وأنه الإله وحده إن وحدوا أو الحدوا هذه الأعلام على هذا النظام , أقام ~~دليلا دالا على ذلك كله بما اجتمع فيه من العلم والحكمة وتمام القدرة , ~~منبها على وجوب حمده مفصلا لبعض ما يحمد عليه , فقال مقدما الليل لأن آيته ~~عدمية , وهي أسبق : { قل } لمن ربما عاندوا في ذلك , منكرا عليهم ملزما لهم ~~, وعبر بالجمع لأنه أدل على الإلزام , أعظم في الإفحام , فقال : { أرءيتم } ~~أي أخبروني { إن جعل الله } أي الملك الأعلى نظرا إلى مقام العظمة والجلال ~~{ عليكم الليل } الذي به اعتدال حر النهار { سرمدا } أي دائما , وقال : { ~~إلى يوم القيامة } تنبيها على أنه مما لا يتوجه إليه إنكار { من إله غير ~~الله } العظيم الشأن الذي لا كفوء له . | ولماكان النور نعمة في نفسه , ~~ويعرف به خالقه , صرح به وطوى أثره فقال : { يأتيكم بضياء } أي يولد نهارا ~~تنتشرون فيه , ولقوة إعلامه وتعريفه بالله عبر بهذا دون يؤتيكم ضياء , ولما ~~كان الليل محل السكون ومجمع الحواس , فهو امكن للسمع وأنفذ للفكر , قال ~~تعالى : { أفلا تسمعون * } أي ما يقال لكم إصغاء وتدبر , كما يكونن لمن هو ~~في الليل فينتفع بسمعه من أولي العقل { قل أرءيتم إن جعل الله } أي الذي له ~~الأمر كله بجلاله وباهر كماله { عليكم النهار } الذي توازن حرارته رطوبة ~~الليل فيتم بهما المتابعة بزيادة الميم مبالغة فيه { إلى يوم القيامة } أي ~~الذي لا يسمع عاقلا إنكاره { من إله غير الله } الجليل الذي ليس ms3645 له مثيل , ~~وهو على كل شيء وكيل . | ولما كان الظلام غير مقصود في نفسه , وكان بعد ~~الضياء في غاية التعريف بموحده , عدل عن اسمه فقال معبرا لمثل ما مضى : { ~~يأتيكم بليل } أي ينشأ من ظلام ؛ ثم بين بما يدل على ما حذفه من الأول فقال ~~: { تسكنون فيه } فالآية من الاحتباك : ذكر الضياء أولا دليلا على حذذف ~~الظلام ثانيانم والليل والسكون ثانيا دليلا على حذف النهار والانتشار أولا ~~. | ولما كان الضياء مما ينفذ فيه البصر قال : { أفلا تبصرون * } أي بالبصر ~~والبصيرة كيف تنقشع جلابيب الظلام , عن وجوه الضياء الغر الكرام , ثم تتقنع ~~بسواد أردية الحياء , وجوه الأنوار والضياء قال ابن هبيرة : قال المبرد : ~~سلطان السمع في الليل وسلطان البصر في النهار . | ولما كان التقدير : فمن ~~حكمته جعل لكم السمع الأبصار , لتتدبروا آياته , وتتبصروا في مصنوعاته , ~~عطف عليه { ومن رحمته } أي التي وسعت كل شيء لا من PageV05P514 غيرها من ~~خوف أو رجاء أو تعلق غرض من الأغراض { جعل لكم الليل والنهار } آيتين ~~عظيمتين دبر فيهما وبهما جميع مصالحكم , وادخر معظم رحمته إلى الآخرة , ~~ومحا آية الليل { لتسكنوا من فضله } أي فلا تسعوا في معاشكم { و } جعل آية ~~النهار مبصرة { لتبتغوا من فضله } بأن تسعوا في معاشكم بجهدكم , فالآية من ~~الاحتباك : ذكر أولا السكون دليلا على حذف السعي في ا لمعاش ثانيا , ~~والابتغاء ثانيا دليلا على حذف عدم السعي في المعاش أولا . | ولما ذكر ~~هذهالنعمة التي اسبغها من هذه الرحمة , وذكر علة جعله على الصفة المذكورة , ~~ذكر علة أخرى هي المقصودة بالذات لنها نتيجة السمع والبصر اللذين , قدم ~~الحث على استعمالهما فقال : { ولعلكم تشكرون * } أي وليكون حالكم حال من ~~يرجى منه الشكر بما يتجدد لكم بتقبلها من النعم المتوالية المذكورة بالمنعم ~~, وبما دبر لكم رفقا بكم فيما كلفكم به في دار الأسباب من أمر المعاش ~~والمعاد من الراحة بالسكون إثر ما أفادكم من الأرباح والمنح بالانتشار ~~والتقلب , وأما الآخرة فلما كانت غير مبنية على الأسباب , وكان الجنة لا ~~تعب فيها بوجه من الوجوه ms3646 , كان لا حاجة فيها إلى الليل . | ولما ذكر ما ~~للمفلح من الرجاء في بوم الجزاء , وأتبعه الإعلام بأن الهداية إلى الفلاح ~~إنما هي به , ودل على ذلك إلى أن ذكر ايام الدنيا المشتملة على الليل ~~والنهار على وجه دال على وحدانيته , معلم بالقدرة على البعث بعد الموت ~~بتكرير إيجاد كل من الملومين بعد إعدامه وتكرير إماتة الناس بالنوم , ثم ~~نشرهمباليقظة , وختم ذلك بالشكر إشارة إلى أنه سبب الفلاح , عاد إلى يوم ~~الجزاء الذي تظهر فيه ثمرة ذلك كله , مقرعا على الإشراك مع ظهور هذه ~~الدلائل على التوحيد , وعدم شبهة قائمة على الشرك غير محض التقليد , فقال ~~منبها على عجزهم عن البرهان عند استحاق البرهان في يوم التناد , لمحضر من ~~الأشهاد , مع ما فيه من التأكيد للتهويل بالتكرير , والتاطيد للتهليل ~~والتقرير : { ويوم يناديهم } أي هؤلاء الذي يظنون أنهم معجزون { فيقول } ~~بلسان الغضب والإخزاء والتوبيخ وقد جمعوا جمعا : { أين شركاءي } وكرر ~~الإشارة إلى أن إشراكهم إنما هو بالاسم لا معنى فيه أصلا فقال : { الذين ~~كنتم } أي بغاية جهدكم حتى صار لكم ذلك لمكة { تزعمون * } بلا شبهة لكم في ~~ذلك عند التحقق أصلا . | ولما ذكر الدليل الأول من الدليل على إبطال الشركة ~~أن الشركاء لم يستجيبوا لهم ولا كانت لهم قدرة على نصرهم ولا نصر أنفسهم , ~~وكان ربما قيل : إن ذلك الشيء عب العجز , دل هنا على الإشراك لا سبهة دليل ~~فقال صارفا بقول إلى مظهر التكلم بأسلوب العظمة لأنه مجرد فعلا { ونزعنا } ~~أي أفردنا بقوة وسطوة { من كل أمة شهيدا } أي وهو رسولهم , فشهد عليهم ~~بأعمالهم وما كانوا فيه من الارتباك في أشراك الإشراك . | PageV05P515 ولما ~~تسبب عن ذلك سؤالهم عن سندهم في إشراكهم قال : { فقلنا } أي للأمم : { ~~هاتوا برهانكم } أي دليلكم القطعي الذي فزعتم في الدنيا إليه , وعولتم في ~~شرككم عليه , كما هو شأن ذوي العقول أنهم لا يبنون شيئا على غير أساس { ~~فعلموا } بسبب هذا السؤال لما اضطروا ففتشوا واجتهدوا فلم يجدوا لهم سندا ~~أصلا { أن الحق } أي في الإلهية { الله ms3647 } أي الملك الأعلى الذي له الأمر ~~كله ولا مكافىء له , لا شكرة لشيء معه { وضل } أي غاب وبطل غيبة الشيء ~~الضائع { عنهم ما كانوا } أي كونا هو كالجبلة لهم { يفترون * } أي يقولونه ~~قول الكاذب المتعمد للكذب لكونه لا دليل عليه ولا شبهة موجبة للغلط فيه . | ~~< < # | القصص : ( 76 - 80 ) إن قارون كان . . . . . # > > ^ ( إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز مآ إن ~~مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب ~~الفرحين * وابتغ فيمآ آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ~~وأحسن كمآ أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ~~* قال إنمآ أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من ~~القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون * فخرج ~~على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يليت لنا مثل مآ أوتي ~~قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن ~~آمن وعمل صالحا ولا يلقاهآ إلا الصابرون ) ^ } ) | ولما دل على عجزهم في ~~تلك الدار , وعلمهم أن المتصرف في جميع الأقدار , إنما هو الواحد القهار , ~~دل على ان ذلك له ايضا في هذه الدار وقوع العلم به بإهلاك أولي البطر , ~~والمرح والأثر , من غير أن يغنوا عمن أضلوا , أو يغني عنهم من أضلهم من ~~ناطق , وما أضلهم من صامت , تطبيقا لعموم { وكم أهلكنا من قرية بطرت ~~معيشتها } على بعض الجزيئات , تخويفا لمن كذب النبي صلى الله عليه وسلم , ~~لا سيما من نسبه غلى السحر , وإعلاما بأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~يقاطعون الأشقياء وإن كانوا أقرب الأقرباء , لأنه سبحانه عذب قارون ومن كان ~~معه بعذاب لم يسبقهم فيه أحد , وهم من بني إسرائيل ومن أقرب بني إشرائيل ~~إلى موسى عليه الصلاة والسلام , فعلم كان من كان اغتر بما أوتيه أن الحق ~~لله في كل ما دعت إليه رسله , ونطقت ms3648 به كتبه , وضل عنهم ما كانوا يفتقرون , ~~ولم يغن عنهم شيئا ما اعتمدوا عليه , فكان معبودهم في الحقيقة مما جمعوه من ~~حطام الدنيا فاعتدوا أنهم نالوا به السعادة الدائمة والعز الباقي , فكان ~~مثله كما يأتي في التي بعده كمثل العنكبوت اتخذت بيتا , وكل ذلك بمرأى من ~~موسى عليه PageV05P516 الصلاة والسلام حين كذبه ونسبه إلى السحر وتكبر عليه ~~, فلم يسأل الله تعالى فيه لخروجه باستكباره من الوعد بالمنة على الذين ~~استضعفوا في الأرض , وكان ذلك العذاب الذي عذبوا به من جنس ما عذب به فرعون ~~في الصورة من حيث إنه تغييب وإن كان ذلك في مائع , وهذا صلب جامد , ليعلم ~~أنه قادر على ما يريد , ليدوم منه الحذر , فيما سبق منه القضاء والقدر , ~~ونزع موسى عليه الصلاة والسلام من كل سبط من أسباط بني إسرائيل شهيدا من ~~عصبهم وقال لهم : هاتوا برهانكم فيها , فعلموا بإبراق عصا هاورن عليه ~~الصلاة والسلام دون عصيهم أن الحق لله في أمر الحبورة وفي جميع امره فقال : ~~{ إن قارون } ويسمى في التوراة قورح , ثم بين سبب التأكيد بقوله : { كان } ~~أي كونا متمكنا { من قوم موسى } تنبيها على أنه جدير بأن ينكر كونه كذلك ~~لأنه فعله معهم لا يكاد بفعله أحد مع قومه , وذلك أنه كان من الذين آمنوا ~~به وقلنا فيهم { ونريد أن نمن على الذين } إلى آخره , لأنه ابن عم موسى ~~عليه الصلاة والسلام على ما حكاه أبو حيان وغيره عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما { فبغى عليهم } أي تجاوز الحد في احتقارهم بما خولناه فيه من هذا ~~الحطام المتلاشي , والعرض الفاني , فقطع ما بينه وبينهم من الوصلة , ووصل ~~ما بينه وبينهم من الوصلة , ووصل ما بينه وبين فرعون وأضرابه , من الفرقة , ~~فأخرجه ذلك من حوزة المنة والأمانة والوراثة إلى دائرة الهلاك والحقارة ~~والخيانة , كما ينبغي ان يكون له إرادة , بل الإرادة لسيده كما نبه عليه { ~~ما كان لهم الخيرة } , جعلت إرادته تجاوز الحد , وعديت ب ( على المقتضية ~~للاستعلاء تنبيها على خروجها عن أصلها . | ولما ms3649 ذكر بغية , ذكر سببه ~~الحقيقي , فقال : { وآتيناه } أي ومع كوننا أنعما عليه بجعله من حزب ~~أصفيائنا بعظمتنا { من الكنوز } أي الأموال المدفونة المدخرة , فضلا عن ~~الظاهرة التي هي بصدد الإنفاق منه لما عساه يعرض من المهمات { ما } أي الذي ~~أو شيئا كثيرا لا يدخل تحت حصر حتى { إن مفاتحه } أي مفتاح الأغلاق التي هو ~~مدفون فيما وراء أبوابها { لتنوء } أي تميل بجهد ومشقة لثقلها { بالعصبة } ~~أي الجماعة الكثيرة التي يعصب اي يقوي بعضهم بعضا , وفي المبالغة بالتعبير ~~بالكنوز والمفاتيح والنوء والعصبة الموصوفة ما يدل على أنه أوتي من ذلك ما ~~لم يؤته أحد ممن هو في عداده , وكل ذلك مما تستبعده العقول , فلذلك وقع ~~التأكيد { أولي قوة } أي تميلهم من أثقالها إياهم , والنوء : الميل , قال ~~الرازي : والنوء : الكوكب مال عن العين عند الغروب , يقال : ناء بالحمل إذا ~~نهض به مثقلا , وناء به الحمل إذا أماله لثقله . | ولما ذكر بغية , ذكر ~~وقته , والوقت قد يكون واسعا كما نقول : جرى كذا عام PageV05P517 كذا , ~~وفيه التعرض للسبب فقال : { إذ قال له } وقال : { قومه } إشارة إلى تناهي ~~بغية بافتخاره وكبره على أقاربه الذين جرت العادة أن لا يغضب كلامهم ولا ~~يؤرث التعزر عليهم ولا يحمل إلا على النصح والشفقة , وساغت نسبة القول للكل ~~وإن كان القائل البعض , بدليل ما يأتي , إما عدا للساكت قائلا لرضاه به ~~لأنه مما لا ياباه أحد , وإما لأن أهل الخير هم الناس , ومن عداهم عدم : { ~~لا تفرح } أي لا تسر سرورا يحفر في قلبك فيتغلغل فيه فيحرقك إلى الأشر ~~والمرح , فإن الفرح بالعرض الزائل يدل على الركون إليه , وذلك يدل على ~~نسيان الآخرة , وذلك على غاية الجهل والطيش وقلة التأمل للعواقب , فيجر إلى ~~المرح فيجر إلى الهلاك , قال الرزاي : ومن فرح بغير مفروح به استجلب حزنا ~~لا انقضاء له , وعللوا نهيهم له بما يفهم أشد الشفقة والمحبة فقالوا مؤكدين ~~لاستبعاد من يرى تواصل النعم السارة على أحد أن يكون غير محبوب : { إن الله ~~} أي الذي له صفات الكمال فلا ms3650 شيء أجل منه , فبه ينبغي أن يفرح { لا يحب } ~~أي لا يعامل معاملة المحبوب { الفرحين * } أي الراسخين في الفرح بما يفنى , ~~فإن فرحهم يدل على سفول الهمم . | ولما كان ترك الفرح سببا للزهد , وهو سبب ~~القرب إلى الله , كان كأن قيل : وازهد فيه إن الله يحب الزاهدين { وابتغ } ~~أي اطلب طلبا تجهد نفسك فيه { فيما آتاك الله } أي الملك الأعظم الذي له ~~الأمر كله من هذه الأموال حال تمكنك { الدار الآخرة } بإنفاقه فيما يحبه ~~الله بحيث يكون ابتغاؤك ذلك مظروفا له فيكون كالروح والمؤتى كالجسد ليكون ~~حيا بذلك الابتغاء , فلا يكون منه شيء بغير حياة , فإن فعلك لذلك يذكرك أن ~~هذه الدار دار قلعة وارتحال , وكل ما فيها إلى زوال , وذلك يوجب الزهد في ~~جميع ما فيها من الأموال . | ولما كان ذلك شديد المشقة على النفوس مع ما ~~فيه من شائبة الاتهام قالوا : { ولا تنس } أي تترك ترك الناسي { نصيبك من ~~الدنيا } ترك المنسي , بل استعمل المباحات من المآكل والملابس والمناكح ~~والمساكن وما يلائمها , وليكن استعمالك لذلك كما دل عليه السياق من غير ~~إسراف ولا مخيلة توجب ترك الاتصاف بالإنصاف ؛ وعن علي رضي الله عنه : ولا ~~تنس صحتك وقوتك ونشاطك وغناك أن تطلب به الآخرة . | ولما أطلق له الاقتصاد ~~في التمتع بالزاد , وكانت النفس مجبولة على الشره , فإذا أذن لها من الدنيا ~~في نقير جعلته أكبر كبير , أتبعوا ذلك ما لعله يكف من شرهها فقالوا : { ~~وأحسن } أي أوقع الإحسان بدفع المال إلى المحاويج , والإنفاق في جميع ~~الطاعات { كما أحسن الله } أي الجامع لصفات الكمال , المتردي برداء العظمة ~~والجلال { إليك } بأن تعطي عطاء من لا يخاف الفقر كما أوسع عليك . | ~~PageV05P518 ولما كانت النفس من شأنها إن لم تزم بزمام الشرع الإسراف ~~والإجحاف , قالوا : { ولا تبغ } أي لا ترد إرادة ما { الفساد في الأرض } ~~بتقتير ولا تبذير , ولا تكبر على عباد الله ولا تحقير , ثم أتبع ذلك علته ~~مؤكدا لأن أكثر المفسدين يبسط لهم في الدنيا , وأكثرالناس يستبعد انيبسط ~~فيها لغير محبوب ms3651 , فقيل : { إن الله } أي العالم بكل شيء , القدير على كل ~~شيء { لا يحب المفسدين * } أي لا يعاملهم معاملة من يحبه , فلا يكرمهم . | ~~ولما كان مما قالوه أن الذي أعطاه ذلك إنما هو الله , وكان قد أبطرته ~~النعمة حتى على خالقه حتى حصل التشوف إلى جوابه فقيل في اسلوب التأكيد لأن ~~كل أحد يعلم من نفسه العجز , وأن غيره ينكر عليه فيما يدعي أنه حصله بقوته ~~: { قال إنما أوتيته } أي هذا المال { على علم } حاصل { عندي } فأنا مستحق ~~لذلك , وذلك العلم هو السبب في حصوله , لا فضل لأحد علي فيه بما يفيده ~~التعبير بإنما , وبناء الفعل للمجهول إشارة إلى عدم علمه بالمؤتى من هو , ~~وقد قيل : إن ذلك العلم هو الكيمياء . | ولما كان التقدير : ألا يخاف أن ~~يسلبه الله عقوبة له على هذا علمه وماله ونفسه ؟ ألم يعلم أن ذلك إنما هو ~~بقدرة الله ؟ لا صنع له في الحقيقة في ذلك أصلا , لأن الله قد أفقر من هو ~~أجل منه حيلة وأكثر علما , وأعطى أكثر منه من لا علم له ولا قدرة , فهو ~~قادر على إهلاكه , وسلب ما معه وإفنائه , كما قدر على إيتائه , عطف عليه ~~قوله منكرا عليه : { أولم يعلم أن الله } أي بما به من صفات الجلال والعظمة ~~الكمال { قد أهلك } ونبه على أنه لم يتعظ مع مشاهدته للمهلكين الموصوفين مع ~~قرب الزمان بإدخال من في قوله : { من قبله } ولو حذفها لاستغرق الإهلاك على ~~ذلك الوصف جميع ما تقدمه من الزمان { من القرون } أي الذين هم في الصلابة ~~كالقرون { من هو أشد منه } أي قرون { قوة } أي في البدن , والمعاني من ~~العلم وغيره , والأنصار والخدم { وأكثر جمعا } في المال والرجال , آخرهم ~~فرعون الذي شاوره في ملكه , وحقق أمره يوم مهم هلكه , وكان يستبعده أمثالة ~~ويسمهم سوء العذاب , ولم يعاملهم معاملة من يحبه ولا امتنع عليه ذلك لعلم ~~عند أحد منهم ولا جمع , بل أخذهم لبغيهم وقبح تقلبهم وسعيهم . | ولما كانت ~~عادة أهل الدنيا أنهم إذا غضبوا من أحد فأرادوا ms3652 إهلاكه عاتبوه , فتارة يحلف ~~على نفي الذنب فيبل منه وإن كان كاذبا , وتارة يكشف الحال عن أن باطن أمره ~~على خلاف ما ظهر من شره , فيكون له عذر خفي , أشار سبحانه إلى أن ذلك لا ~~يفعله إلا جاهل بحقائق الأمور ومقادير ما يستحق على كل ذنب من العقوبة , ~~وأمل المطلع على PageV05P519 بواطن الضمائر وخفايا السرائر فغني عن ذلك , ~~فقال تعالى ذاكرا لحال المفعول وهو { من } : { ولا } أي أهلكهم والحال أنهم ~~لا سيألون هذا ألأصل , ولكنه قال : { يسأل } أي من سائل ما { عن ذنوبهم ~~المجرمون * } فأظهر لإفادة أن الموجب للإهلاك الإجرام , وهو قطع ما ينبغي ~~وصله بوصل ما ينبغي قطعه , ولهذا سبب وعقب عن وعظهم الحسن وجوابه الخشن ~~قوله سبحانه دليلا على إجرامه , وطغيانه في آثامه : { فخرج على قومه } أي ~~الذين ذكر حاله معظما لها بقوله : { في زينته } أي التي تناسب ما ذكرنا من ~~أمواله , وتعاظمه في كماله من أفعاله وأقوله . | ولما كان كأنه قيل : ما ~~قال قومه ؟ قيل : { قال الذين يريدون } أي هم بحيث يتجدد منهم أن يريدوا { ~~الحياة الدنيا } منهم لسفول الهمم وقصور النظر على الفاني , لكونهم أهل جهل ~~وإن كان قولهم من باب الغبطة لا من الحسد الذي هو تمني زوال نعمة امحسود : ~~{ يا ليت لنا } أي نتمنى تمنيا عظيما أن نؤت من أي مؤت كان وعلى أي وجه كان ~~{ مثل ما أوتي قارون } من هذه الزينة وما تسببت عن من العلم , حتى لا نزال ~~أصحاب أموال , ثم عظموها بقولهم مؤكدين لعلمهم أن من يريد الآخرة ينكر ~~عليهم : { إنه لذو حظ } اي نصيب وبخت في الدنيا { عظيم * } بما أوتيه من ~~العلم الذي كان سببا له إلى جميع هذا المال , ودل على جهللهم وفضل العلم ~~الرباني وحقارة ما أوتي قارون من المال والعلم الظاهر الذي أدى إليه ~~باتباعه قوله : { وقال الذين } وعظم الرغبة في العلم بالبناء للمفعول إشارة ~~غلى انه نافع بكل اعتبار باعتبار الزهدن وبالتعبير عن أهل الزهد بع فقال : ~~{ أتوا العلم } أي من قومه , فشرفت أنفسهم عن ms3653 إرادة الدنيا علما بفنائها , ~~زجرا لمن تمنى مثل حاله , وشمرا إلى الآخرة لبقائها : { ويلكم } أي عجبا ~~لكم , أو حل بكم الشر حلولا , وأصل ويل , ( وي ) قال الفراء : جيء بلام ~~الجر بعدها مفتوحة ما المضمر نحو وي لك , ووي له , أي عجبا لك وله , ثم خلط ~~اللام بوي لكثرة الاستعمال حتى صارت كلام الكلمة فصار معربا بإتمامه ثلاثيا ~~, فجاز أن يخل بعدها لام أخرى في نحو ويلا لك , لصيرورة الول لام الكلمة , ~~ثم نقل إلى باب المبتدأ فقيل : ويل لك , وهو باق على ما كان عليه في حال ~~النصب إذ الأصل في ويل لك : هلكت ويلا , أي هلاكا فرفعوه بعد حذف الفعل ~~نفضا لغبار الحدوث , وقيل : أصل ويل الدعاء بالهلاك , ثم استعمل في الزجر ~~والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى كما استعمل لا أبا لك وأصله الدعاء على ~~الرجل في الحث على الفعل , فكأنهم قالوا : ما لنا يحل بنا الويل ؟ فأخبروهم ~~بما ينبغي معرضين عما استحقوا به الويل من التمني , PageV05P520 تحقيرا لما ~~استفزهم حتى قالوه فقالوا : { ثواب الله } أي الجليل العظيم { خير } اي من ~~هذا الحطام , ومن فاته الخير حل به الويل ؛ ثم بينوا مستحقه تعظيما له ~~وترغيبا للسامع في حاله فقالوا : { لمن آمن وعمل } اي تصديقا لإيمانه { ~~صالحا } ثم بين سبحانه عظمة هذه النصيحة وعلو قدرها بقوله مؤكدا لن أهل ~~الدنيا ينكرون كونهم غير صابرين : { ولا يلقاها } أي لا يجعل لاقيا لهذا ~~الكلمات أوالنصيحة التي قالها أهل العلم , اي عاملا بها { إلا الصابرون * } ~~أي على قضار ربهم في السراء والضراء , والحاملون أنفسهم على الطاعات الذين ~~صار الصبر لهم خلقا , وعبر بالجمع ترغيبا في التعاون إشارة إلى أن الدين ~~لصعوبته لا يستقل به الواحد . | < < # | القصص : ( 81 - 82 ) فخسفنا به وبداره . . . . . # > > ^ ( فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله ~~وما كان من المنتصرين * وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله ~~يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه ms3654 ~~لا يفلح الكافرون ) ^ } ) | ولما تسبب عن نظره هذا لاذي أوصله إلى الكفر ~~بربه أخذه بالعذاب , أشار إلى ذلك سبحانه بقوله : { فخسفنا } أي بما لنا من ~~العظمة { به وبداره } أي وهي على مقدار ما ذكرنا من عظمته بأمواله وزينته , ~~فهي أمر عظيم , تجمع خلقا كثيرا وأثاثا عظيما , لئلا يقول قائل : إن الخسف ~~به كان للرغبة في أخذ أمواله { الأرض } وهو من قوم موسى عليه الصلاة ~~والسلام وقريب منه جدا على ما نقله أهل الأخبار فإياكم يا أمة هذا النبي أن ~~تردوا ما آتاكم من الرحمة برسالته فتهلكوا وإن كنتم أقرب الناس إليه فإن ~~الأنبياء كما أنهم لا يوجدون الهدى في قلوب العدى , فكذلك لا يمنعونهم من ~~الردى ولا يشفعون لهم أبدا , إذا تحققوا أنهم من أهل الشقا { فما } أي ~~فتسبب عن ذلك أنه ما { كان له } أي لقارون , وأكد النفي لما استقر في ~~الأذهان أن الأكابر منصورون بزيادة الجار في قوله : { من فئة } أي طائفة من ~~الناس يكرون عليه بعد أن هالهم ما دهمه , وأصل الفئة الجماعة من الطير ~~كأنها سميت بذلك لكثرة رجوعها وسرعتهت إلى المكان الذي ذهبت منه { ينصرونه ~~} . | ولما كان الله تعالى أعلى من كل شيء قال : { من دون الله } أي الحائز ~~لصفات الكمال , المتردي بالعظمة والجلال , لأن من كان على مثل رأيه هلك , ~~ومن كان من أولياء الله راقب الله في أمره , فلم يسألوا الله فيه , وعلم هو ~~أن الحق لله , وضل عنه كما في الآية التي قبلها ما كان يفتري { وما كان } ~~أي هو { من المنتصرين * } PageV05P521 لأنفسهم بقوتهم . | ولما خسف به ~~فاستبصر الجهال الذين هم كالبهائم لا يرون إلا المحسوسات , عبر عن حالهم ~~بقوله : { وأصبح } أي وصار , ولكنه عبر به لمقابلة الأمس , وإعلاما بأن ما ~~رأوا من حاله ملأ صدورهم فلم يكن لهم هم سواه { الذين تمنوا } أي ارادوا ~~إرادة عظيمة بغاية الشغف أن يكونوا { مكانة } أي يكون خحاله ومنزلته في ~~الدنيا لهم { بالأمس } أي الزمان الماضي القريب وإن لم يكن يلي يومهم الذي ~~هم فيه ms3655 من قبله { يقولون ويكأن } هذه الكلمة والتي بعدها متصلة بإجماع ~~المصاحف , وعن الكسائي أنه يوقف على الياء من وى , وعن أبي عمرو أنه يوقف ~~على الكاف : ويك , قال الرضي في شرح الحاجبية : وي للتندم أو لللتعجب , ثم ~~قال : وهو عند الخليل وسيبويه ( وي ) للتعجب , ركبت مع ( كأن ) التي ~~للتشبيه , وقال الفراء : كلمة تعجب ألحق بها كاف الخطاب نحو ويك عنتر أقدم ~~, أي من وله في قصيدته الميمية المشهورة إحدى المعلقات السبع : | ولقد شفي ~~نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم | أي ويلك وعجبا منك , وضم ~~إليها ( أن ) فالمعنى : ألم تر أنه , ونقل ابن الجوزي هذا عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما , قال الفراء : ولما صار معنى ويكأن ألم تر , لم تغير كاف ~~الخطاب للمؤنث والمثنى والمجوع بل لزم حالة واحدة , وقال الجعبري في شرح ~~الشاطبية : وي صوت يقوله المتندم والمتعجب , وويك أصله ويلك , حذفت لامه ~~تخفيفا لكثرة دوره ؛ والكاف للخطاب وفتحت ( أن ) لإضمار العلم ؛ وقال قطرب ~~: لتقدير اللام , ونشأ من التركيب معنى : ندمنا على تفريطنا , وتعجبنا من ~~حالنا , وتحققننا خلاف اعتقادنا , وسمت متصلة تنبيها على التركيب , وقال ~~القزاز في ديوانه الجامع : ويك كلمة ينبه بها الإنسان , وقيل : معناها رجمة ~~, ووي معناها التنبيه والإنكار , وقال الإمام عبد الحق : وي كلمة تقال في ~~التعجب والاستدراك , وقيل : وي حزن , وقال قطرب : وي كلمة تفجع انتهى . | ~~وقال سيبويه في باب ما ينتصب فيه الخبر بعد الأحرف الخمسة : وسألت الخليل ~~عن هذه الآية فزعم أنها وي مفصولة من كأن والمعنى وقع على أن القوم انتبهوا ~~فتكلموا على قدر علمهم , أو نبهوا فقيل لهم : أما يشبه أن يكون هذا عندكم ~~هكذا والله تعالى أعلم , وأما الفسرون : فقالوا : ألم تر أن الله . | ~~فالمعنى الذي يجمع القوال حينئذ : تعجبا أو ويلا أو تندما على ما قلنا في ~~تبين غلطنا , وتنبيها على الخطأ , أو هلاك لنا , إو إنكار علينا , أو حزن ~~لنا , أو تفجع علينا , أو استدراك علينا , أو رحمة لنا , أو تنبه لنا , ثم ~~عللوا ذلك بقولهم ms3656 : إن الله , أو يشبه أن الله , أو ألم تر ايها السامع ~~والناظر أن الله , وقال الرازي : اسم سمي به القول , أي PageV05P522 أعجب , ~~ومعناه التنبيه ؛ ثم ابتدأ كأن { الله } اي الملك الأعلى الذي له الأمر كله ~~{ يبسط الرزق } أي الكامل { لمن يشاء } سواء كان عنده ما يحتال به علىالرزق ~~أم لا . | ولما كانت القصة لقارون , وكان له ن المكنة في الدنيا ما مضى ~~ذكره , وكانت العادة جارية بأن مثله يبطر وقد يؤدي إلى تألهه , قال منبها ~~بافيقاع به على الوجهالماضي أنه من جملة عبيده , لا فرق بينه وبين أضعفهم ~~بالنسبة إلى قدرته : { من عباده } . | ولما دل على أن البسط إنما هو منه , ~~أتبعه قول دليلا آخر على ربوبيته : { ويقدر } أي يضيق على من يشاء سواء كان ~~فظنا أم لا , لا يبسطه لأحد لكرامته عليه , ولا يضيق على أحد لهوانه عنده , ~~ولا يدل البسط والقبض على هوان ولا كرامة , وهذا دليل على أنهم ظنوا صحة ~~قول قارون أنه أوتيه على علم عنده , وأنهم إنما تمنوا علمه الذي يلزم منه ~~على اعتقادهم حصول المال على كل حال . | ولما لاح من واقعته أن الرزق إنما ~~هو بيد الله , أتبعوه ما دل على أنهم اعتقدوا أيضا أن الله قادر على ما ~~يريد من غير الرزق كما هو قادر على الرزق من قولهم : { لولا أن من الله } ~~أي تفضل الملك الأعظم الذي استأثر بصفات الكمال { علينا } بجوده , فلم ~~يعطنا ما تمنيناه من الكون على مثل حاله { لخسف بنا } مثل ما خسف به { ~~ويكأنه } أي عجبا أو ندما لأنه , أو يشبه أنه , أو ألم تر أنه , قال الرضي ~~في شرح الحاجبية : كأن المخاطب كان يدعى أنهم يفلحون فقال لهم : عجبا منك , ~~فسئل : لن تتعجب منه ؟ فقال : لأنه إلى آخره , فحذف حرف الجر مع ( أن ) كما ~~هو القياس . | { لا يفلح } اي يظفر بمراد { الكافرون * } أي العريقون في ~~الكفر لنعمة الله , وقد عرف بهذا التنزيل المعنى على ما قالوه في المراد من ~~ويكأنه , سواء وقف على وي أو يك ms3657 أو لا . | < # > ذكر شرح هذه القصة < # > : قال البغوي : قال أهل العلم بالأخبار : كان قارون أعلم بني إسرائيل ~~بعد موسى عليه الصلاة والسلام وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم فبغى وطغى , ~~وكان أول طغيانه وعصيانه أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسلام ~~أن يعلقوا في أرديتهم خيوطا أربعة , في كل طرف منها خيطا أخضر بلون السماء ~~يذكرونني به إذا نظروا إلى السماء ويعلمون أني منزل منها كلامي , فقال موسى ~~: يا رب ! ألا تأمرهم أن يجعلوا أرديتهم كلها خضرا , فإن بني إسرائيل تحتقر ~~هذه الخيوط , فقال له ربهك يا موسى ! إن الصغير من أمري ليس بصغير , فإذا ~~هم لم يطيعوني في الأمر الصغير لم يطيعوني في الأمر الكبير , فدعاهم موسى ~~يعني فأعلمهم ففعلوا واستكبر PageV05P523 قارون , فكان هذا بدء عصيانه ~~وطغيانه وبغيه , فلما قطع موسى ببني إسرائيل البحر جعل الحبورة , ولست في ~~شيء وأنا أقرأ التوراة , لا صبر لي على هذا , فقال له موى عليه الصلاة ~~والسلام : ما أنا بالذي جعلتها في هارون ولكن الله جعلها له , فقال قارون : ~~والله لا أصدقك حتى أرى بيانه , يهني فجمع موسى عصي الرؤساء فحزمها وألقاها ~~في قبته التي كان يعبد الله فيها وباتوا يحرسونها , فأصبحت عصا هارون قد ~~اهتز لها ورق أخضر , وكانت من اللوز , فقال قارون : والله ما هذا بأعجب مما ~~تصنع من السحر , وذكر أمورا مما كان يتعظم بها وأنه رمى موسى عليه الصلاة ~~والسلام بعظيمة فحينئذ غار الله لموسى عليه الصلاة والسلام فخسف به . | ~~والذي رأيته أنا في التوراة في السفر الرابع ما نصه : وكلم الرب موسى وقال ~~له : كلم بني إسرائيل وقل لهم : اعملوا خيوطا في اطراف أرديتكم في احقابكم ~~, ولتكن الخيوط التي تعملون في أطراف أرديتكم من حرير , ولتكن هذه الخيوط ~~تذكركم وصايا الله لتعملوا بها ولا تضلوا بما في قلوبكم , ولا تتبعوا ~~آراءكم , بل اذكروا جميع وصاياي واعملوا بها , لتكونوا مقدسين لله ربكم , ~~أنا الله ربكم الذي أخرجتكم من أرض مصر , لا يكون لكم إله غيري , أنا الله ~~ربكم . | ومن ms3658 بعد هذه الأمور شق قورح وهو اسم قارون بالعبرانية بن يصهر بن ~~قاهث بن لاوى , ودائن وأبيروم ابنا أليب , وأون بن قلب ابن روبيل العصي , ~~وقاموا بين يدي موسى , وقم من بني إسرائيل عددهم مائتان وخمسون رجلا ~~اجتمعوا إلى موسى وهارون وقالوا لهما : ليس حسبكما أن الجماعة كلها طاهرة ~~وأنتما رئيسان عليها حتى تريدا أن تتعظا على الجماعة كلها أي يكون هارون هو ~~الكاهن أي متولي أمر القربان والحكم على خدمة قبة الزمان فسمع موسى ذلك وخر ~~ساجدا على وجهه , وكلم قورح وجماعته كلها فقال لهم : سيظهر الرب ويبين لمن ~~الكهنوت والرئاسة بكرة , ومن كان طاهرا فليتقرب إليه . | ومن يختار الرب ~~يتقرب ؛ ثم أمرهم أن يقربوا ربانا ثم قال : يا بني لاوي ! أما تكتفون بما ~~اختاره الله لكم من كل جماعة بني إسرائيل وقربكم إليه لتعملوا العمل في بيت ~~الرب وقربك أنت وجميع PageV05P524 إخوتك معك إلا أن تريدوا الكهنوت أيضا , ~~فلذلك أنت وجاعتك كلها احتشدوا بين يدي الرب غدا , فأما هارون فمن هو حتى ~~صرتم تقعون فيه وتتذمرون عليه , وأرسل موسى ليدعو دائن وابيرم ابني أليب ~~فقالا : لا تصعد إليك , أما تكتفيان بما صنعتما أنكما أخرجتمانا من الأرض ~~التي تغل السمن والعسل لتقتلانا في هذه البرية حتى تعظما علينا وتفخرا , ~~فأما ما وعدتنا به أنك تدخلنا الرض التي تغل السمن والعسل فما فعلت , ولم ~~تعطنا مواريث المزارع والكروم , فلو عميت أعيننا لم نصعد إليك . | فشق ذلك ~~على موسى جدا , وقال أمام الرب : لا تقبل قرابينهم يا رب لأني لم أظلم منهم ~~رجلا ولا أسأت إلى أحد منهم , ثم قال لقورح : اجتمع أنت وأصحابك أمام الرب ~~وهارون معكم بكرة , وليأخذ كل منكم مجمرته , وقام موسى وهارون أمام قبة ~~الزمان وجمع قورح الجماعة كلها , وظهر مجد الرب للجماعة كلها , وكلم الرب ~~موسى وهارون وقال لهما : تنحيا عن هذه الجماعة فإني مهلكها في ساعة واحدة , ~~فخرا ساجدين وقالا : اللهم أنت إله أرواح كل ذي لحم , يجرم رجل واحد فينزل ~~الغضب بالجماعة كلها ؟ فكلم ms3659 الرب موسى وقال له : كلم الجماعة كلها وقل لهم ~~: تنحوا عن خيم دائن وأبيروم وقورح , تنحوا عن خيم هؤلاء الفجار , ولا ~~تقربوا شيئا مما لهم لئلا تعاقبوا , وقال موسى : بهذه الخلة تعلمون أن الرب ~~ارسلني أن أعمل هذه الأعمال كلها , ولم أعملها من تلقاء نفسي , إن مات ~~هؤلاء مثل موت كل إنسان أو نزل بهم الموت مثل ما ينزل بجميع الناس فلم ~~يرسلني الرب , وإن فتحت الأرض فاها وابتلعتهم وابتلعت خيمهم وجميع مواشيهم ~~فنزلوا إلى الجحم أحياء , ثم استوت الأرض فوقهم , وهرب جميع بني إسرائيل ~~حيث سمعوا أصواتهم ورأوا ما قد صنع بهمن وقالوا : لعل الرض تبتلعنا أيضا , ~~واشتعلت نار من قبل الرب فأخحرقت المائتين والخمسين رجلا الذين كانوا ~~يبخرون البخور , وتذمر جماعة بني إسرائيل من بعد ذلك اليوم على موسى وهارون ~~فقالوا لهما : أنتما قتلتما جماعة بني إسرائيل من بعد ذلك اليوم ورأوا أن ~~السحاب قد تغشى القبة وظهر نجد الرب , وأتى موسى وهارون فقاما في قبة ~~الزمان , وكلم الرب موسى وهارون وقال لهما : تنحيا عن هذه الجماعة لأني ~~مهلكها في ساعة واحدة , فخرا ساجدين على وجوههما , وقال موسى لهارون : خذ ~~مجمرة بيك واجعل فيها نارا وبخورا , وانطلق مسرعا إلى الجماعة واستغفر لهم ~~لأنه قد نزل غضب الرب بالجماعة كلها , وبدأ موت الفجأة بالشعب , وأخذ هارون ~~كما أمره موسى فأحضر إلى PageV05P525 الجماعة ورأى أن الموت قد بدأ بالشعب ~~, وبخر بخورا للرب واستغفر للشعب , وقام فيمت بين الأموات والأحياء , فكف ~~موت الفجأة عن الشعب , وكان عدد الذين ماتوا فجأة أربعة عشر ألفا وسبعمائة ~~رجل غير المخسوف بهم , ورجع هارون إلى موسى إلى قبة الزمان فكلم الرب موسى ~~وقال له : كلم بني إسرائيل وخذ منهم عصا عصا من كل سبط , واكتب اسم كل رجل ~~على عصاه , واكتب اسم هارون على عصا سبط لاوي , واجعلها في قنة الزمان أمام ~~تابوت الشهادة لأنزل إليكم إلى هناك , فالرجل الذي أحبه تنضره عصاه , ~~وأخلصكما من هتار بني إسرائيل وتذمرهم ؛ ثم دخل موسى خبأ الشهادة فرأى ms3660 عصا ~~هارون قد نضرت وأخرجت أغصانا وأورقت وأثمرت لوزا , وأخرج موسى العصي كلها ~~فنظروا إليهان وقال الرب لموسى : رد قضيب هارون إلى موضع الشهادة واحفظه ~~آية لأبناء المتسخطين ليكف تذمرهم عني ولا يموتوا , ولا يعمل عمل قبة ~~الزمان غير اللاويين أي سبط لاوي , فأما بنو إسرائيل اي باقيهم فلا يقتربوا ~~إلى قبة الزمان لئلا يعاقبوا ويموتوا ؛ ثم ذكر وزفاة هارون عليه السلام في ~~هور الجبل وولاية إليعازر ابنه مكانه أمر الكهنوت - انتهى . | وهو نحو مما ~~فعل الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في حنين الجذع , وتخيير النبي صلى ~~الله عليه وسلم له أن يعيده تعالى إلى أحسن ما كان وهو حي أو يجعله في ~~الجنة , فاختار أن يكون في الجنة , وكذا أمر سراقة بن مالك بن جعشم حيث ~~لحقه صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة ليرده فخسف بقوائم حصانه حتى نزل ~~غلى بطنه ثلاث مرات غير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان نبي الرحمة لم ~~يكن القاضية , فكفى بذلك شره , وأسلم بعد ذلك علم الفتح , وبشره النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأنه يلبس سوراى كسرى فكان كذلك , وشر من الخسف الذي يغيب ~~به المخسوف به وأنكأ وأشنع وأخزى قصة الذي ارتد فقصم ودفن فلفظته الأرض روى ~~البيهقي في آخر الدلائل عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان منا رجل من ~~بني النجار قد قرأ البقرة وآل عمران , وكان يكتب لرسول PageV05P526 الله ~~صلى الله عليه وسلم , فانطلق هاربا حتى لحق بأهل الكتاب , فرفعوه وأعجبوا ~~بهن فما لبث أن قصم الله عنقه فحفروا له فوراره , فاصبحت الأرض قد نبذته ~~على وجهها ثم عادوا فحفروا له فواروه فأصبحت الرض قد نبذته على وجهها ~~فتركوه منبوذا , وقال : رواه مسلم في الصحيحن وعن أنس رضي الله عنه مثله ~~أيضا في رجل نصراني لفظته الأرض ثلاث مرات ثم تركوه . | وقال رواه البخاري ~~في الصحيح . | < < # | القصص : ( 83 - 88 ) تلك الدار الآخرة . . . . . # > > ^ ( تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ms3661 ولا ~~فسادا والعاقبة للمتقين * من جآء بالحسنة فله خير منها ومن جآء بالسيئة فلا ~~يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون * إن الذي فرض عليك القرآن ~~لرآدك إلى معاد قل ربي أعلم من جآء بالهدى ومن هو في ضلال مبين * وما كنت ~~ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين * ولا ~~يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين ~~* ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم ~~وإليه ترجعون ) ^ } ) | ولما قدم سبحانه أن المفلح من تاب وآمن وعمل صالحا ~~, وهو الذي أشار أهل العلم إلى أن له ثواب الله , وكان ذلك للآخرة سببا ~~ومسببا , ومر فيما لا بد منه حتى ذكر قصة قارون المعرفة ولا بد بأن هذه ~~الدار للزوال , لا يغني فيها رجال ولا مال , وأن الآخرة للدوام , وأمر فيها ~~بأن يحسن الابتغاء في أمر الدنيا , وختم بأن هذا الفلاح مسلوب عن الكافرين ~~, فكان موضع استحضار ىلآخرة , مع أنه قدم قريبا من ذكرها وذكر موافقتها ما ~~ملأ به السماع , فصيرها حاضرة لكل ذي فهم , معظمة عند كل ذي علم , أشار ~~إليها سبحانه لكلا الأمرين : الحضور والعظم , فقال : { تلك } أي الأمر ~~المنظور بكل عين , الحاضر في كل قلب , العظيم الشأنن البعيد الصيت , العلي ~~المرتبة , الذي سمعت أخباره , وطنت على الأذان أوصافه وآثاره { الدار ~~الآخرة } أي التي هي دلائلها أكثر من أن تحصرن وأوضح من أن تبين وتذكر , من ~~أعظمها تعبير كل أحد عن حياته بالدنيا والتي أمر قارون بابتغائها فأبى إلا ~~علوا وفسادا { نجعلها } بعظمتنا { للذين } يعملون ضد عمله . | ولما كان ~~المقصود الأعظم طهارة القلب الذي عنه ينشأ عمل الجوارح , قال : { لا ~~PageV05P527 يريدون } ولم يقل يتعاطون مثلا , تعظيما لضرر الفساد بالتنفير ~~منكل ما كان منه تسبب , إعلاما بأن النفوس ميالة إليه نزاعة له فمهما رتعت ~~قريبا منه اقتحمته لا محالة { علوا } أي شيئا من العلو { في الأرض } فإنه ms3662 ~~أعظم جار غلى الفساد , وإذا أرادوا شيئا من ذلك فيما يظهر لك عند أمرهم ~~بمعروف أو نهيهم عن منكر , كان مقصودهم به علو كلمة الله للإمامة في الدين ~~لا علوهم { ولا فسادا } بعمل ما يكره الله , بل يكونون على ضد ما كان فيه ~~فرعون وهامان وقارون , من التواضع مع الإمامة لأجل حمل الدين عنهم ليكون ~~لهم مثل أجر من اهتدى بهم , لا لحظ دنيوي , وعلامة العلو لأجل الإمامة لا ~~الفساد إلا يتخذوا عباد الله خولا , ولا مال الله دولا , والضابط العمل بما ~~يضي الله والتعظيم لأمر الله والعزوف عن الدنيا . | ولما كان شرح حال ~~الخائفين من جلال الله تعالى , أخبر سبحانه أنه دائما يجعل ظفرهم آخرا , ~~فقال معبرا بالاسمية دلالة على الثبات : { والعاقبة } أي الحالة الأخيرة ~~التي تعقب جميع الحالات لهم في الدنيا والآخرة , هكذا الصل , ولكنه أظهر ~~تعميما وإعلاما بالوصف الذي أثمر لهم ذلك فقال تعالى : { للمتقين * } أي ~~دائما في كلا الدارينن لا عليهم فمن اللام يعرف أنها محمودة , وهذه الآية ~~يعرف أهل الآخرة من أهل الدنيا , فمن كان زاهدا في الأولى مجتهدا في الصلاح ~~, وكتن ممتحنا في أول أحواله مظفرا في ماله , فهو من أبناء الآخرة , وإلا ~~فهو للدنيا . | ولما تحرر الفرق بين أهل الدارين , وكان لا بد من إتيان ~~الآخرة , وعلم أن الآخرة إنما هي جزاء الأعمال , وتقرر من كونها للخائفين ~~أنها على الآمنين , فاستؤنف تفصيل ذلك جوابا لمن كأنه قال : ما لمن أحسن ~~ومن أساء عند القدوم ؟ بقوله : { من جاء } أي في الآخرة أو الدنيا { ~~بالحسنة } أي الحالة الصالحة { فله } من فضل الله { خير منها } من عشرة ~~أضعاف إلى سبعين غلى سبعمائة إلى ما لا يحيط به الله تعالى { ومن جاء ~~بالسيئة } وهي ما نهى الله عنه , ومنه إخافة المؤمنين { فلا يجزي } من جاز ~~ما , وأظهر ما في هذا الفعل من الضمير العائد على من فقال : { الذين عملوا ~~السيئات } تصويرا لحالهم تقبيحا لها وتنفيرا من عملها , ولعله جمع هنا ~~وأفرد أولا إشارة إلى أن المسيء أكثر ms3663 { إلا } مثله سواء عدلا منه تعالى , ~~هكذا كان الصل , ولكنه قال : { ما كانوا } أي بجميع هممهم { يعملون * } ~~مبالغة في المثلية , هذا في الآخرة , وزادت الآية الإشارة إلى أنه يفعل في ~~الدنيا مثل ذلك وإن خفي , فسيخافون في حرمهم بما أخافوا المؤمنين فيه وقد ~~جعله الله للأمن , فاعتلوا عن الدخول في دينه بخوف التخطف PageV05P528 من ~~أرضهم , فسيصير عدم دخولهم فيه سببا لخوفهم وتخطفهم من أرضهم فيعلمون أن ما ~~كانو فيه من الأمن إنما هو بسببك , ثم يصيرون يوم الفتح في قبضتك . | ولما ~~قرر ذكر الآخرة التي هي المرجع وكرره , وأثيت الجزاء فيها , وأن العاقبة ~~للمتقين , اتبعه ما هو في بيان ذلك كالعلة , فقال مستأنفا مقررا مؤكدا لما ~~تقرر في أذهانهم من إنكار الآخرة وما يقتضيه حال خروجه صلى الله عليه وسلم ~~من مكة المشرفة من استبعاد رده إليها : { إن الذي فرض } أي أوجب { عليك ~~القرآن } أي الجامع لما تفرق من المحاسن , المفصل لما تلبس من جميع المعاني ~~, أي فرض عليك جميع ما في هذا الكتاب المشتمل على الجمع والفرق بما يظهر ~~حسن تلقيه من تلاوة وإبلاغ وتحد وعمل وألزمك فيه وغيرك هذه الملازم , ~~وكلفكم تلك التكاليف التي منها المقارعة بالسيوف { لرآدك } أي بعد الموت ~~لأجل صعوبة ما كلفك به وألزمك من مشقته { إلى معاد } أي مرجع عظيم يا له من ~~مرجع ! يجزي فيه كل أحد بما عمل , فيبعثك ربك فيه ثوابا على إحسانك في ~~العمل مقاما محمودا يغبطك فيه الأولون والآخرون , بما عانيت في أمره من هذه ~~المشقات التي لا تحملها الجبال , ولولا الرد إلى إلى هذا المعاد لكانت هذه ~~التكاليف التي لا يعمل أكثرهم بأكثرها ولا يجازي على المخالفة فيها من ~~العبث المعلوم أن العاقل من الآدميين متنزه عنه فكيف بأحكم الحاكمين ! ~~فاجتهد فيما أنت فيه لعز ذلك اليوم فإن العقبة لك , والآية مثل قوله تعالى ~~< # > 77 ( { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله } ) 77 < # > [ البقرة : 281 ] , < # > 77 ( { ثم إليه ترجعون } ) 77 < # > [ البقرة : 28 ] < # > 77 ( { إلى الله مرجعكم } ) 77 < # > [ المائدة : 48 ms3664 ] إلى غير ذلك من الآيات , ويجوز أن يقال : إلى معاد أي ~~معاد , أي مكان هو لعظمته أهل لأن يقصد العود إليه كل من خرج منه وهو مكة ~~المشرفة : وطنك الدنيوي , كما فسرها بذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ~~كما رواه عنه البخاري , وعود هو لجلالته أهل لأن يذكر لدخولك إليها في جنود ~~يعز بها الإسلام , ويذل بها الكفر وأهله على الدوام , والجنة المزخرفة : ~~وطنك الخروي , على أكل الوجوه وأعلاها , وأعزها وأولاها , فلا تظن أنه يسلك ~~بك سبيل أبويك عليهما الصلاة والسلام : إبراهيم في هجرته من حران بلد الكفر ~~إلى الرض المقدسة فلم يعد إليها , وإسماعيل في العلو به من الرض المقدسة ~~إلى اقدس منها فلم يعد إليها , بل يسلك لك سبيل أخيك موسى عليه الصلاة ~~والسلام الذي أنزل عليه الكتاب كما أنزل عليك الكتاب القرآن الفرقان , ~~والذي اشركوك به في قولهم < # > 77 ( { لولا أوتي موسى } ) 77 < # > [ القصص : 48 ] في إعادته إلى PageV05P529 البلد الذي ذكر في هذه ~~السورة توطئة لهذه الآية أنه خرج منه خائفا يتوقب وهي مصر إلى مدين في ~~أطراف بلاد العرب , على وجه أهلك أعداءه , أما من كان نم غير قومه وغيرهم , ~~كما خرجت أنت من بلدك مكة خائفا تترقب إلى المدينة الشريفة غير أن رجوعك ~~لكونك نبي الرحمة , وكون خروجك لم يكن مسببا عن قتل أحد منهم لا يكون فيه ~~هلاكهم , بل عزهم وأمنهم وغناهم وثباتهم , واختير لفظ القرآن دون الكتاب ~~لما فيه من الجمع من لازم النشر كما مضى في الحجر , فناسب السياق الذي هو ~~للنشر والحشر والفصل من بلده ثم الوصل , فإنه روى أن هذه الآية نزلت على ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الجحفة وهي في طريق الهجرة . | ولما فهم من ~~الإبلاغ في هذا التأكيد أن ثم من يبالغ في النفي وافنكار على حسب هذا ~~التأكيد في الإثبات فيقول : إن الأمر ليس كذلك , ولا يعود إلى مكة المشرفة ~~ومنا عين تطرف , قال مهددا على طريق الاستئناف على لسانه صلى الله عليه ~~وسلم لكون ms3665 الإنكار تكذيبا له كما كذب موسى صلى الله عليه وسلم حين أجاب ~~بمثل ذلك كما تقدم : { قل } أي لهؤلاء المنكرين لما أخبرتك به : { ربي } أي ~~المحسن إلي { أعلم } أي من كل أحد . | ولما كانت هذه القصة مسلمة لا نزاع ~~فيها لعاقل تثبت الخالق , وكانوا يقولون : من ادعى رجوعه فهو ضال , توجه ~~السؤال عن المهتدي إلى الصواب والضال , بما يشهد به فتح مكة عند الإقبال في ~~أؤلئك الضراغمة الأبطال , والسادة الأقيال , فقال في أسلوب الاستفهام ~~لإظهار الإنصاف والإبعاد من الاتهام : { من جاء بالهدى } أي الذي لا أبين ~~منه , أنا فيما جئت به من ربي بهذا الكلام الذي يشهد الله لي بإعجازه أنه ~~من عنده أم أنتم فيما تقولون من عند أنفسكم ؟ { ومن هو في ضلال } أي أنتم ~~في كلامكم الظاهر العوار العظيم العار أن أنا { مبين * } أي بين في نفسه ~~مظهر لكل أحد ما فيه من خلل وإن اجتهد التابع له في ستره . | ولما كان ~~الجواب لكل من أنصف : هم في ضلال مبين لأنهم ينحتون من عند أنفسهم ما لا ~~دليل عليه , وأنت جئت بالهدى لأنك أتيت به عن الله , بني عليه قوله : { ما ~~} ويجوز أن تكون الجملة حالا من الضمير في { عليك } وما بينهما اعتراض ~~للاهتمام بالرد على المنكر للمعاد , اي فرضه عليك والحال أنك ما , ويجوز أن ~~يقال : لما كان رجوعه إلى مكة غاية البعد لكثرة الكفار وقلة الأنصار , قربه ~~بقوله معلما أم كثيرا من الأمور تكون على غير رجاء , بل وعلى خلاف القياس : ~~وما { كنت ترجوا } أي في سلاف الدهر بحال من الأحوال { أن يلقى } اي ينزل ~~على وجه لم يقدر PageV05P530 على رده { إليك الكتاب } أي بهذا الإعتقاد ولا ~~بشيء منه ؛ ولا كان هذا من شأنك , ولا سمعه أحد منك يوما من الأيام , ولا ~~تأهبت لذلك أهيته العادية من تعلم خط أو مجالسة عالم ليتطرق إليك نوع اتهام ~~, كما يشير إليه قوله تعالى في التي بعدها < # > 77 ( { وما كنت تتلوا من قبله الكتاب } ) 77 < # > [ العنكبوت : 48 ] واختير هنا ms3666 لفظ الكتاب لأن السياق للرحمة التي من ~~ثمراتها الاجتماع المحكم , وذلك مدلول الكتاب ؛ ثم قال : { إلا } أي لكن ~~ألقي إليك الكتاب { رحمة } أي لأجل رحمة عظيمة لك ولجميع الخلاءق بك , لم ~~تكن ترجوها { من ربك } أي المحسن إليك بجعلك مصطفى لذلك , بالدعاء إليه ~~وقصر الهمم عليه , وعبر بأداة الاستثناء المتصل إشارة إلى أن حاله قبل ~~النبوة من التنزه عن عبادة الأوثان وهن القرب منها والحلف بها وعن والفواحش ~~جميعا , ومن الانقطاع إلى الله بالخلوة نعه والتعبد له توفيقا من الله كان ~~حال من يرجو ذلك . | ولما تسبب عما تقدم الاجتهاد في تحريك الهمم إلى ~~العكوف على أمر الله طمعا فيما عنده سبحانه من الثواب , وشكرا على إنزال ~~الكتاب , قال في سياق التأكيد لأن الطبع البشري قتضي إدراك مظاهرة الكفار ~~لأمر من التوفيق عظيم , لكثرتهم وقوتهم وعزتهم : { فلا تكونن } إذ ذاك بسبب ~~اتصافهم لك لكثرتهم { ظهيرا } أي معينا { للكافرين * } بالمكث بين ظهرانيهم ~~, أو بالفتور عن الاجتهاد في دعائهم , يأسا منهم لما ترى من بعدهم من ~~الإجابة وإن طال إنذارك , لا تمل أنت كما لم نمل نحن , فقد وصلنا لهم القول ~~, وتابعنا لهم الوعظ والقص , ونحن قادرون على إهلاكهم في لحظة , وهدايتهم ~~في أقل من لمحة , وكما أن موسى عليه الصلاة والسلام بعد الإنعام عليه لم ~~يكن ظهيرا للمجرمين , وهذا تدريب من الله تعالى لأئمة الأمة فب الدعاء إلى ~~الله عند كثرة المخالف , وقلة الناصر المحالف . | ولما كان التواني في ~~النهي عن المنكر إعراضا عن الأوامر وإن كان المتواني مجتهدا في العمل , قال ~~مؤكدا تنبيها على شدة الأمر لكثرة العداء وتتابع الإيذاء والاعتداء : { ولا ~~يصدنك } أي الكفار بمبالغتهم في الإعراض وقولهم { لولا أوتي مثل ما أوتي ~~موسى } ونحوه { عن آيات الله } أي عن الصدع بها وهي من المتصف بصفات الكمال ~~, في الأوقات الكائنة { بعد إذ أنزلت } أي وقع إنزالها ممن تعلمه منتهيا { ~~إليك } مما ترى من أوامرها ونواهيها , ولقد بين هذا المعنى قوله : { وادع } ~~أي أوجد الدعاء للناس { إلى ربك } أي المحسن ms3667 إليك لإحسانه إليك , وإقباله ~~دون الخلق عليك , وأعراه من التأكيد اكتفاء بالمستطاع فإن الفعل ليس ~~للمبالغة فيه جدا , إشارة إلى أن جلب المصالح أيسر خطبا من درء المفاسد , ~~فإن المطلوب فيه النهاية محدود بالاجتناب . | PageV05P531 ولما كان الساكت ~~عن فاعل المنكر شريكا له , قال مؤكدا تنبيها علىالاهتمام بدرء المفاسد , ~~وأنه لا بد فيه من بلوغ الغاية : { ولا تكونن من المشركين * } أي معدودا في ~~عدادهم بتوك نهيهم عن شركهم وما يتسبب عنه ساعة واحدة . | ولما كان الكائن ~~من قوم موصوفا بما تتصف به كل منهم , وكانت مشاركتهم بالفعل أبعد من ~~مشاركتهم بالسكوت , قال من غير تأكيد : { ولاتدع مع الله } أي الجامع لجميع ~~صفات الكمال { إلها } ولما كانت النكرة في سياق النهي تعم مكما لو كانت في ~~سياق النفي , وكان المشركون قد تعنتوا لما رأوا النيب صلى الله عليه وسلم ~~يدعو باسم الله واسم الرحمن كما ذكر آخر الإسارء , قال : { آخر } أي غير ~~الله حقيقة دون أن يغاير في الاسم دون الذات , ومضى في آخر الحجر , ويأتي ~~إن شاء الله تعالى في الذريات ما سيتضح به هذا المعنى , والمراد بهذا كله ~~المبالغة في الإنذار إعلاما بأن تارك النهي عن المنكر مع القدرة شريك ~~للفاعل وإن لم يباشره , والنبي صلى الله عليه وسلم قادر لحراسة الله تعالى ~~له ؛ ثم علل ذلك بقوله : { لا إله إلا هو } أي حتى يستحق أن يشتغل به عبد ؛ ~~ثم علل وحدانيته بقوله : { كل شيء هالك } أي هو في قوة الهلاك والفناء ~~ومستحق لذلك لأنه ممكن { إلا وجهه } أي هو , فهو الباقي لأنه الواجب الوجود ~~, ووجود كل موجود إنما كان به , ولعله عبر عن الذات بالوجه ليشمل ما قصد به ~~من العمل الصالح مع ما هو معروف من تسويغه لذلك بكونه بكونه أشرف الجملة , ~~وبكون النظر إليه هو الحامل على الطاعة بالاستحيساء وما في معناه ؛ ثم علل ~~ذلك بقوله : { له } أي لله وحده فالضمير استخدام { الحكم } أي العمل المحكم ~~بالعلم والنافذ على كل شيء , ولا حكم لشيء عليه { وإليه } وحده ms3668 { ترجعون * ~~} في جميع أحوالكم : في الدنيا بحيث أنه لا ينفذ لأحد مراد إلا بإرادته , ~~وفي الآخرة بالبعث فيجازي المحسن بإحسانه والعاصي بعصيانه , ولا شك أن هذه ~~الأوامر والنواهي وإن كان خطابها متوجها إليه صلى الله عليه وسلم قالمقصود ~~بها اتباعه , ولعلها إنما وجهت إليه صلى الله عليه وسلم عليه لأن أمر ~~الرئيس أدعى لأتباعه إلى القبول , وقد اتضح بهذا البيان , في هذه المعاني ~~الحسان , أن هذا الكتاب مبين , وبإنفاذ إرادته سبحانه وتعالى في تقوية أهل ~~الضعف من بني إسررائيل دون ما أراد فرعون وقارون وأتباعهما من أهل العلو ~~بطاعة الماء والتراب وما جمع العناصر من اليد والعصا أن له وحده الحكم على ~~ما يريد ويختار , فصح أن إليه الرجوع يوم المعاد يوم لا تكلم نفس غلا بإذنه ~~, فقد انطبق آخر السورة على أولها , وانشرح مجملها بمفصلها . | . . . . | ~~PageV05P532 < # > سورة العنكبوت < # > < < # | العنكبوت : ( 1 - 4 ) الم # > > ^ ( الم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد ~~فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين * أم حسب ~~الذين يعملون السيئات أن يسبقونا سآء ما يحكمون ) ^ } ) | مقصودها الحث على ~~الاجتهاد في الأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر , والدعاء إلى الله تعالى ~~وحمده من غير فترة , كما ختمت به السورة الماضية , من غير تعريج على غيره ~~سبحانه أصلا , لئلايكون مثل الفرج عند المتعوض عوضا منه مثل العنكبوت , فهي ~~سورة ضعف الكافرين وقوة المؤمنين , وقد ظهر سر تسميتها بالعنكبوت وأنه دال ~~على مقصودها { بسم الله } الذي أحاط بجميع القوة فأعز جنده { الرحمن } الذي ~~شمل جميع العباد بنعمة الأمر والنهي { الرحيم * } الذي ألزم أهل العرفان ~~ذروة الإحسان . | لما ختم السورة الماضية بالحث على العمل للدار الآخرة , ~~وأن كل أحد من محسن مسيء مجزى بعمله , وبالإخبار بأنه سبحانه عالم بالسر ~~والعلن , بالأمر بالاجتهاد فيالدعاء إليه وقصر الهمم عليه وإن أدى ذلك إلى ~~الملال , وذهاب النفس والأموال , معللا بأن له الحكم سبحانه لأنه الباقي ~~بلا زوال , وكل ماعداه فإلى تلاش واضمحلال , وأنه لا يفوته شيء في حال ولا ms3669 ~~مآل , قال أول هذه : { آلم } إشارة بالألف الدال عل القائم الأعلى المحيط ~~ولام الوصلة وميم التمام بطريق الرمز إلى انه سبحانه أرسل جبريل غلى محمد ~~عليهما الصلاة والسلام ليدعو الناس بالقرآن الذي فرض عليه إلىالله , لتعرف ~~بالدعوة سرائرهم ويتميز بالتكليف محقهم ومماكرهم ^ ( { ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم } ) ^ [ محمد : 31 ] . | ولما عبر ~~بهذه الإشارة لأهل الفطنة والبصائر , قال منكرا على من ظن أن مدعي الإيمان ~~لا يكلف البيان , ومفصلا لما ختمت به تلك من جميع هذه المعاني , بانيا على ~~PageV05P533 ما أشارت إليه الأحرف لأولي العرفان : { أحسب الناس } أي كافة ~~, فإن كلا منهم يدعي أنه مؤمن لمعنى أنه يقول : إنه على الحق , ولعله عبر ~~بالحسبان والنوس إشارة غلى أن فاعل ذلك مضطرب العقل منحرف المزاج . | ولما ~~كان الحسبان , لا يصح تعليقه بالمفردات , وإنما يعلق بمضمون الجملة , وكان ~~المراد إنكار حسبان مطلق الترك , كانت ( أن ) مصدرية عند جميع القراء , ~~فعبر عن مضمون نحو : تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا , بقوله : { أن يتركوا ~~} أي في وقت ما بوجه من الوجوه , ولو رفع الفعل لأفهم أن المنكر حسبان ~~الترك المؤكد , فلا يفيد إنكار ما عرى عنه , وقد مضى في الكائدة ما ينفع ~~هنا { أن } اي في أن { يقولوا } ولو كان ذلك على وجه التجديد والاستمرار : ~~{ آمنا وهم } أي والحال أنهم { لا يفتنون * } أي يقع فتنتهم ممن له الأمر ~~كله وله الكبرياء في السماوات والأرضن مرة لعد أخرى بأن يختبر صحة قولهم ~~أولا بإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأحكام , وثانيا بالصبر على البأساء ~~والضراء عند الابتلاء بالمدعويم إلىالله في التحمل لأذاهم والتجرع لبلاياهم ~~وغير ذلك من الأفعالن التي يعرف مرتبة الأقوال , في الصحة والاختلال . | ~~وقال الإمام ابوجعفر بن الزبير : افتتحت سورة القصص بذكر امتحان بني ~~إسرائيل بفرعون وابتلائهم بذبح أبنائهم وصبرهم على عظيم تلك المحنة , ثم ~~ذكر تعالى حسن عاقبتهم وثمرة صبرهم , وانجر مع ذلك مما هو منه لكن انفصل عن ~~عمومه بالقضية امتحان أم موسى بفراق حال الطفولية وابتداء الرضاع وصبرها ~~على اليم ms3670 ذلك المذاق حتى رده تعالى إليها أجمل رد وأحسنه , ثم ذكر ابتلاء ~~موسى عليه الصلاة والسلام بأمر القبطي وخروجه خائفا يترقب وحن عاقبته وعظيم ~~رحمته , وكل هذا ابتلاء أعقب خيرا , وختم برحمة ثم بضرب آخر من الابتلاء ~~أعقب محنة وأورث شرا وسوء فتنة , وهو ابتلاء قارون بماله وافتنانه به , ~~فخسفنا به وبداره الأرض , فحصل بهذا أن الابتلاء في غالب الأمر سنة , وجرت ~~منه سبحانه في عبادة ليميزالخبيث من الطيب , وهو المنزه عن الافتقار إلى ~~تعرف أحوال العباد بما يبتليهم به إذ قد علم كون ذلك منهم قبل كونه إذ هو ~~موجده وخالقه خيرا كان أو شرا , فكيف يغيب عنه أو يفتقر تعالى إلى بيانه ~~بتعرف أحوال العباد أو يتوقف عمله على سبب < # > 77 ( { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } ) 77 < # > [ الملك : 14 ] ولكن هي سنة في عباده ليظهر لبعضهم من بعض عند الفتنة ~~والابتلاء في الخير والشر , وبه وقه افتتاحها واختتامها , هذا وقد أنجز ~~بحكم الإشارة أولا خروج نبينا صلى الله عليه وسلم PageV05P534 من بلده ~~ومنشأه ليأخذه عليه الصلاة ولاسلام بأوفر حظ مما ابتلي به الرسل والأنبياء ~~من مفارقة الوطن وما يحرز لهم الأجر المناسب لعلي درجاتهم عليهم السلام , ~~ثم بشارته صلى الله عليه وسلم آخرا بالعودة والظفر < # > 77 ( { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } ) 77 < # > [ القصص : 85 ] فأعقب سبحانه هذابقوله معلما للعباد ومنبها أنها سنته ~~فيهم فقال { أحسب الناس أن يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } أي ~~أحسبوا أن يقع الاكتفاء بمجرد استجابتهم , وظاهر إنابتهم , ولما يقع ~~امتحانهم بالشدائد والمشقات , وضروب الاختبارات < # > 77 ( { ولنبلونكم بشيء من الجوع والخوف ونقص من الأموال والأنفس ~~والثمرات } ) 77 < # > [ البقرة : 155 ] فإذا وقع الابتلاء فمنفريق يتلقون ذلك تلقي العليم ~~أنذلك بمرضاة الشيطان , والمسارعةة إلى الكفر والخذلان { ومن جاهد فإنما ~~يجاهد لنفسه } ثم أتبع سبحانه هذا بذكر حال بعض الناس ممن يدعي الإيمان , ~~فإذا أصابه أدنى أذى من الكفار صرفه ذلك عن إيمانه , فكان عنهد مقاوما ~~بعذاب الله الصارف لمن ضربه ms3671 عن الكفر والمخالفة فقال تعالى { ومن الناس من ~~يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله } فكيف حال ~~هؤلاء في تلقي ما هو أعظم من الفتنة , وأشد في المحنة , ثم أتبع سبحانه ذلك ~~بما به يتأسى الموفق من صبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وطول مكايدتهم ~~من قومهم , فذكر نوحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا عليهم الصلاة والسلام , وخص ~~هؤلاء بالذكر لأنهم من أعظم الرسل مكابدة وأشدهم ابتلاء , أما نوح عليه ~~السلام فليث في قومه كما أخبر الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاما وما آمن ~~معه إلا قليل , وأما إبراهيم عليه الصلاة والسلام فرمى بالمنجنيق في النار ~~فكانت عليه بردا وسلاما , وقد نطق الكتاب العزيز بخصوص المذكورين عليهم ~~الصلاة والسلام وزبضروب من الابتلاءات حصلوا على ثوابها , وفازوا من عظيم ~~الرتبة النبوية العليا بأسنى نصابها , ثم ذكر تعالى أخذ المكذبين من أممهم ~~فقال { فكلا أخذنا بذنبه } ثم وصى نبيه صلى الله عليه وسلم وأوضح حجته , ~~وتتابع اتساق الكلام إلى آخر السورة انتهى . | ولما كان التآسي من سنن ~~الآدميين , توقع المخاطب بهذا الأمر الخبر عن حالهم في ذلك , فقال مؤكدا ~~لمن يظن أن الابتلاء لا يكون , لأن الله غني عنه فلا فائدة فيه جاهلا بما ~~فيه من الحكمة بإقامة الحجة على مقتضى عوائد الخلق : { ولقد } أي أحسبوا ~~والحال أنا قد { فتنا } أي عاملنا بما لنا من العظمة معاملة المختبر { ~~الذين } . | ولما كان التآسي بالقريب في الزمان أعظم , أثبت الجار في قوله ~~: { من قبلهم } أي من قبل هؤلاء الذين أرسلناك إليهم من أتباع الأنبياء حتى ~~كان الرجل منهم يمشط PageV05P535 لحمه بأمشاط الحديد ما يرده ذلك عن دينه , ~~ومن رؤوسهم صاحب أكثر السورة الماضية موسى عليه الصلاة والسلام , ففي قصته ~~حديث طويل عن ابن عباس رضي الله عنهما يقال له حديث الفتون وهو في مسند أبي ~~يعلى , ومن آخر ما ابتلى به أمر قارون وأتباعه . | ولما كان الامتحان سببا ~~لكشف مخبآت الإنسان بل الحيوان , فيكرم عنده أو يهان , وأرشد السياق إلى أن ms3672 ~~المعنى : فلنفتنهم , نسق به قوله : { فليعلمن الله } اي الذي له الكمال كله ~~, بفتنة خلقه , علما شهوديا كما كان يعلم ذلك علما غيبيا , ويظهره لعباده ~~ولو بولغ في ستره , وعبر بالاسم الأعظم الدال على جميع صفاتالكمال التفاتا ~~عن مظهر العظمة إلى أعظم منه تنبيها للناقصين وهم أكثر الناس على أنه منزه ~~عن كل لا يطلع عليه أحد { الذين صدقوا } في دعواهم الإيمان ولو كانوا في ~~أدنى مراتب الصدق , وليعلمن الصادقين , وهم الصابرون الدين يقولون عند ~~البلاء { هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله } فيكون أحدهم عند ~~الرخاء برا شكورا , وعند البلاء حرا صبورا , وليعلمن الذين كذبوا في دعواهم ~~{ وليعملن الكاذيبن * } أي الراسخين في الكذب الذين يعبدون على حرف , فإن ~~اصابهم خير اطمأنوا به وإن أصابيهم فتنة انقليوا على وجوههم , فظنوا , ~~فيكون لكل من الجزاء على حسب ما كشف منه البلاء , والتعبير بالمضارع لتحقق ~~الاختبار , على تجدد الأعصار , لجمعي الأخبار والأشرار , فمن لم يجاهد نفسه ~~عند الفتنة فيطيع في السراء والضراء كان من الكافرين فكان في جهنم { أليس ~~في جهنم مثوى للكافرين } ومن جاهد كان من المحسنين , والآية من الاحتباك : ~~دل بالذين صدقوا على الذين كذبوا , وبالكاذبين على الصادقين , ذكر الفعل ~~أولا دليلا على تقدير ضده ثانيا , والاسم ثانيا دليلا على حذف ضده أولا . | ~~ولما أثبت سبحانه بهذا علمه الشامل وقدرته التامة الدنيا , عادله بما ~~يستلزم مثل ذلك في الآخرة , فكان حاصل ما مضى من الاستفهامك أحسب الناس أنا ~~لا نقدر عليهم ولا نعلم أحوالهم في الدنيا أم حسبوا أنم ذلك لا يكون في ~~الأخرى , فيذهب ظلمهم في الدنيا وتركهم لأمر الله وتكبرهم على عبادة مجانا ~~, فيكون خلقنا لهم عبثا لا حكمة فيه , بل الحكمة في تركه , وهذا الثاني هو ~~معنى قوله منكرا أم حسب , أو يكون المعنى أنه لما أنكر على الناس عموما ~~ظنهم الإهمال , علم أن أهل السيئات أولى بهذا الحكم , فكان الإنكار عليهم ~~أشد , فعادل الهمزة بأم في السياق الإنكار كما عادلها بها في قوله : < # > 77 ( { أتخذتم عند ms3673 الله عهدا } ) 77 < # > [ البقرة : 80 ] الآية , فقال : { أم حسب } أي ظن ظنا يمشي له ويستمر ~~عليه , فلا يبين له جهله فيه بأمر يحسبه فلا يشتبه عليه بوجه { الذين ~~PageV05P536 يعملون السيئات } أي التي منعناهم بأدلة النقل المؤيدة ببراهين ~~العقل منها بالنهي عنها , ووضع موضع المفعولين ما اشتمل على مسند ومسند ~~إليه من قوله : { أن يسبقونا } أي يقوتونا فوت السابق لغيره فيعجزونا فلا ~~نقد عليهم في الدنيا بإمضاء ما قدرناه عليهم في الدنيا بإمضاء ما قدرناه ~~عليهم من خير وشر في أوقاته التي ضربناها له , وفي الدار الآخرة بأن نحييهم ~~بعد أن نميتهم , ثم نحشرهم إلى محل الجزاء صغره داخرين , فنجازيهم على ما ~~عملوا ونقتص لمن أساؤوا إليه منهم , ويظهر تحلينا بصفة العدل فيهم . | ولما ~~أنكر هذا , عجب ممن يحوك ذلك في صدره تعظيما لإنكار فقال : { ساء ما يحكمون ~~* } أي ما أسوأ هذا الذي أوقعوا الحكم به لأنفسهم لأن أضعفهم عقلا لا يرضى ~~لعبيده أن يظلم بعضهم بعضا ثم لا ينصف بينهم فكيف يظنون بنا ما لا يرضونه ~~لأنفسهم . | < < # | العنكبوت : ( 5 - 9 ) من كان يرجو . . . . . # > > ^ ( من كان يرجو لقآء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم * ومن ~~جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين * والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون * ووصينا ~~الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهمآ إلي ~~مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون * والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم ~~في الصالحين ) ^ } ) | ولما خوف عباده المحسنين والمسيئين , وضربهم بسوط ~~القهر أجمعين , أشار إلى التلويح بتهديدالكاذبين في التصريح بتشويق ~~الصادقين فقال على سبيل الاستنتاج مما مضضى : { من كان يرجو } عبر به ~~لأنالرجاء كاف عن الخوف منه سبحانه { لقاء الله } أي الجامع لصفات الكمال , ~~فلا يجوز عليه ترك البعث فإنه نقص ومنابذ للحكمة , وشبه البعث باللقاء ~~لانكشاف كثير من الحجب به وحضور الجزاء . | ولما كان المنكر للبعث كثيرا , ~~أكد فقال موضع : فإنه آت فليحذر وليبشر , تفخيما للأمر وتثبيتا وتهويلا ms3674 : { ~~فإن أجل الله } أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق وجميع صفات الكمال ~~المحتوم لذلك { لآت } لا محيص عنه , فإنه لا يجوز عليه وقوع إخلاف الوعد , ~~ولذلك عبر بالاسم الأعظم , وللإشارة إلى أن أهوال اللقاء لا يحيط لها العد ~~, ولا يحصرها حد , فليتعد لذلك بالمجاهدة والمقاتلة لنفسه من ينصحها , وقال ~~تعالى : { وهو } أي وحده { السميع العليم * } حثا على تطهير الظاهر والباطن ~~في العقد والقول والفعل . | ولما حث على العمل , بين أنه ليس إلا لنفع ~~العامل , لئلا يخطر في خاطر ما PageV05P537 يوجب تعب الدنيا وشقاء الآخرة ~~من اعتقاد ما لا يليق بجلاله تعالى , فقال عاطفا على ما تقديره : فمن أراح ~~نفسه في الدنيا فإنما ضر نفسه : { ومن جاهد } اي بذل جهده حتى كأنه يسابق ~~آخر في الأعمال الصالحة { فإنما يجاهد لنفسه } لأن نفع ذلك له فيتبعها ~~ليريحها , ويشقيها ليسعدها , ويميتها ليحييها , وعبر بالنفس لأنها الأمارة ~~بالسوء , وإنما طوى ما أدعى تقديره لأن السياق للمجاهدة , ثم علل هذا الحصر ~~بقوله : { إن الله } اي المتعالي عن كل شائبة نقص { لغني } وأكد لأن كثرة ~~الأوامر ربما أوجبت للجاهل ظن الحاجة , وذلك نكتة الإتيان بالاسم الأعظم , ~~وبين أن غناه الغنى المطلق بقوله موضع ( عنه ) { عن العالمين * } فلا تنفعه ~~طاعة ولا تضره معصية . | ولما كان التقدير : فالذين كفروا وعملوا السيئات ~~لنجزينهم أجمعين , لكنه طواه لأن السياق لأهل الرجاء , عطف عليه قوله : { ~~والذين آمنوا وعملوا } تصديقا لإيمانهم { الصالحات } في الشدة والرخاء على ~~حسب طاقتهم , واشار بقوله : { لنكفرن عنهم سيئاتهم } إلى أن الإنسان وإن ~~اجتهد لا بد أن يزل لأنه مجبول على النقص , فالصلاة إلى الصلاة كفارة لما ~~بينهما ما لم يؤت الكبائر , والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان ونحو ذلك ~~مما وردت به الأخبار عن النبي المختار صلى الله عليه وسلم . | وزاده فضلا ~~وشرفا لديه ؛ قال البغوي : والتكفير إذهاب السيئة بالحسنة , أو لنغفرن لهم ~~الشرك وما عملوا فيه , وأكد لأن الإنسان مجبول على الانتقام ممن أساء ولو ~~بكلمة ولو بالامتنان بذكر العفو فلا يكاد يحقق غير ما ms3675 طبع عليه . | ولما ~~بشرهم بالعفو عن العقاب , أتم البشرى بالامتنان بالثواب , فقال عاطفا على ~~ما تقديره : وانثبتن لهم حسناتهم { ولنجزينهم } أي في الإسلام { أحسن الذي ~~كانوا } اي كونا يجملهم على أتم الرغبة { يعملون * } أي أحسن الجزاء ما ~~عملوه في الإسلام وما قبله وفي طبعهم أن يعملوه . # ولما ذكر سبحانه أنه لا بد من الفتنة , وحذر من كفر , وبشر من صبر , قال ~~عاطفا على { ولقد فتنا } مشيرا إلى تعظيم حرمة الوالد حيث جعلها في سياق ~~تعظيمالخالق , وإلى أنها أعظم فتنةك { ووصينا } على ما لنا من العظمة { ~~الإنسان } أي الذي أعناه على ذلك بأن جعلناه على الأنس بأشكاله لا سيما من ~~أحسن إليه , فكيف بأعز الخلق عليه , وذلك فتنة له { بوالديه } . | ولما كان ~~التقدير : فقلنا له : افعل بهما { حسنا } اي فعلا ذا حسن من برهما وعطف ~~عليهما , عطف عليه قوله : { وإن جاهداك } أي فعلا معك فعل المجاهد مع من ~~يجاهده فاستفرغا مجهودهما في معالجتك { لتشرك } وترك مظهر العظمة للنص على ~~المقصود فقال : { بي } ونبهه على طلب البرهان في الأصول إشارة غلى خطر ~~المقام PageV05P538 لعظم المرام , فقال استعمالا للعدل , مشيرا بنفي العلم ~~إلى انتفاء العلوم : { ما ليس لك به علم } أصلا بأنه يستحق الشركة فإن من ~~عبد ما لم يعلم استحقاقه للعبادة فهو كافر { فلا تطعهما } فإنه لا طاعة ~~لمخلوق وإن عظم في معصية الخالق , وهذا موجب لئلا يقع من أحد شرك اصلا , ~~فإنه لا ريب أصلا في أنه لا سبهة تقوم على أن غيره تعالى يستحق افلهية , ~~فكيف بدليل يوجب علما , والمقصود من سياق الكلام إظهار النصفة والتنبيه على ~~النصيحة , ليكون أدعى إلى القبول ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إلي مرجعكم } اي ~~جميعا : من آمن ومن اشرك بالحشر يوم القيامة ؛ ثم سبب عنه قوله : { فأنبئكم ~~} أي أخبركم إخبارا عظيما مستقصى بليغا { بما كنتم } اي برغبتكم { تعملون * ~~} اي فقفوا عند حدودي , واتركوا ما تزينه لكم شهواتكم , واحذروا مجازاتي ~~على قليل ذلك وكثيره , عبر سبحانه بالسبب الذي هو الإنباء لأنه لا مثنوية ~~فيه عن المسبب ms3676 الذي هو الجزاء , مطلقا للعبارة , وتهديدا بليغا على وجه ~~الإشارة , وطوى ذكره لأنه قد يدخله العفو , وهذه الآية نزلت في سعد بن أبي ~~وقاص رضي الله عنه , اسلم وكان بارا بامه , فحلفت : لا تأكل ولا تشرب حتى ~~يرجع عن دينه أو تموت فيعير بها ويقال قاتل أمه , فمكثت يومين بلباليهما ~~فقال : ي أماه , لو كنت لك مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني فكلي , ~~وإن شئت فلا تأكلي فلما أيست منه أكلت وشربت وأصل القصة في الترميذي . | ~~ولما كان التقدير : فالذين أشركوا وعملوا السيئات لندخلنهم في المفسدينن ~~ولكنه طواه لدلالة السياق عليه , عطف عليه زيادة في الحث على الإحسان إلى ~~الوالدين قوله : { والذين آمنوا وعملوا } في السراء والضراء { الصالحات } . ~~| ولما كان الصالح في الغالب سيىء الحال في الدنيا ناقص الحظ منها , فكان ~~عدوه ينكر أ , يحسن حاله أشد إنكار , أكد قوله : { لندخلنهم } اي بوعد لا ~~خلف فيه { في الصالحين * } وناهيك به من مدخل , فإنه من أبلغ صفات المؤمنين ~~. | < < # | العنكبوت : ( 10 - 13 ) ومن الناس من . . . . . # > > ^ ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذآ أوذي في الله جعل فتنة الناس ~~كعذاب الله ولئن جآء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله بأعلم بما ~~في صدور العالمين * وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين * وقال ~~الذين كفروا PageV05P539 للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم ~~بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون * وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كانت ترجمة ما مضى من قسم الراجي والمجاهد والعامل للصالح : فمن ~~الناس كما اشير إليه من يؤمن بالله , فإذا أوذى في الله صبر واحتسب انتظارا ~~للجزاء من العلي الأعلى , ولكنه حذف من كل جملة ما دل عليه بما ذكر في ~~الأخرى , عطف عليه : { ومن الناس } أي المذبذبين { من يقول } أي بلسانه دون ~~طمأنينة من قلبه : { آمنا بالله } أي الذي اختص بصفات الكمال , وأشار بعد ~~الإيماء إلى كثره هذا الصنف بالإسناد غلى ضمير الجمع إلى أن ms3677 الأذى في هذه ~~الدار ضربة لازب لا بد منهن بقوله بأداة التحقيق : { فإذا أوذي } اي فتنة ~~له واختبارا من أي مؤذ كان { في الله } أي بسبب كونه في سبيل الله الذي لا ~~يداينه في عظمته وجميع صفاته شيء , ببلاء يسلط به عباده عليه { جعل } اي ~~ذلك الذي ادعى الإيمان { فتنة الناس } أي بما له بما يصيبه من أذاهم في ~~جسده الذي إذا مات انقطع أذاهم عنه { كعذاب الله } أي المحيط بكل شيء , فلا ~~يرجى الانفكاك منه , فيصرف المعذب بعد الشماخة والكبر إلى الخضوع والذل , ~~لأن لا كفؤ له ولا مجير عليه , فلا يطاق عذابه , لأنه على كل من الروح ~~والجسد , لا يمكن مفارقته لهما ولا لواحد منهما بموت ولا بحياة إلا بإرادته ~~حتى يكون عمل هذا المعذب عند عذاب الناس له الطاعة لهم في جميع مايأمرون به ~~ظاهرا وباطنا , فيتبين حينئذ أنه كلن كاذبا في دعوى الإيمان , وقصر الرجاء ~~على الملك الديان , وأشار غلى أن الفتنة ربما استمرا إلى الممات وطال زمنها ~~بالتعبير بأداة الشك , وأكد لاستبعاد كل سامع أن يقع من أحد بهت في قوله : ~~{ ولئن جاء نصر } أي لحزب الله الثابتي الإيمان . | ولما كان الإحسان منه ~~إنما هو محض امتنان , فلا يجب عليه لأحد شيء , عبر بما يدل على ذلك مشيرا ~~إلى أنه يفعله لأجله صلى الله عليه وسلم فقال : { من ربك } اي المحسن إليك ~~بنصر أهل دينك , تصديقا لوعدك لهم , وإدخالا للسرور عليك , ولما كانت هذه ~~الحالة رخاء , عبر بضمي الجمع إشارة إلى نحو قول الشاعر : | وما أكثر ~~الإخوان حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل | فقال : { ليقولن } أي هؤلاء ~~الذين لم يصبروا , خداعا للمؤمنين خوفا ورجاء وعبر في حالة الشدة بالإفراد ~~لئلا يتوم أن الجمع قيد , وجمع هنا دلالة على أنهم لا يستحيون من الكذب ولو ~~على رؤوس الأشهاد , وأكدوا لعلمهم أن قولهم ينكر لأنهم كاذبون فقالوا : { ~~إنا كنا معكم } اي لم نزايلكم بقلوبنا وإن أطعنا أؤلئك بآلسنتنا . | ~~PageV05P540 ولما كان التقدير : أليس أولياؤنا المتفرسون بأحوالهم عالمين ؟ ~~عطف ms3678 عليه منكرا قوله : { أوليس الله } الميحط بعلم الباطن كما هو محيط بعلم ~~الظاهر { بأعلم بما في صدور العالمين * } أي كلهم , منهم فلا يخفى عليه شيء ~~من ذلك إخلاصا كان أو نفقا , بل هو أعلم من اصحاب الصدور بذلك . | ولما ~~أنكر عدم العلم , صرح بالعلم واعدا متوعدا , عاطفا عل ما افهمه السياق من ~~نحو فقد علم الله جميع ما أخفوا وما أعلنوا : { وليعلمن الله } اي المحيط ~~علما وقدرة في عالم الشهادة حتى ينكشف ذلك لديكم كما هو عالم به في عالم ~~الغيب { الذين آمنوا } اي وقع منهم إيمان , وليعلمن المؤمنين إيمانا صادقا ~~بما يواليه عليهم من المحن , وهم لا يزدادون إلا تسليما ورضى , وأكده لما ~~قدم من أن الناس حسبوا أنهم لا يفتنون { وليعلمن } الذي نافقوا وليعلمن { ~~المنافقين * } بمثل ذلك من الزلازل والفتن التي يميلون معها كيفما ميلتهم , ~~حتى يعلم كل من يه لب أنه لا إيمان لهم كما أنه لا أيمان لهم , ولا شك أنه ~~يعامل كلا من الفريقين بما يستحق على حسب ما يعلم من قبله , والآية من ~~الاحتباك كما مضى عند { وليعلمن الله الذين صدقوا } . | ولما كان السياق ~~للفتنة والأذى في الله المحقق أمره بإذا دون ( أن ) وكان الكفار يفتنون من ~~أسلم في أول الأمر , ذكر سبحانه بعض ما كانوا يقولون لهم عند الفتنة جهلا ~~بالله وغرورا , فقال معجبا منهم , عاطفا على { ومن الناس من يقول } : { ~~وقال الذين كفروا } اغترارا منهم بالله , وجرأة على حماه المنيع { للذين } ~~أي لطائفة من يقول بلسانه : آمنا بالله , وهم الذين { آمنوا } أي حقيقة , ~~جهلا منهم بما خالط قلوبهم من بشاشة الإيمان , وأنوار العرفان : { اتبعوا } ~~أي كلفوا أنفسكم بأن تتبعوا { سبيلنا } أي طريق ديننا , وعطفوا وعدهم في ~~مجازاتهم على ذلك بصيغة الأمر على أمرهم باتباعهم للدلالة على أنه محقق لا ~~شك فيه فقالوا : { ولنحمل خطاياكم } بوعد صادق وأمر محتوم جازم , إن كان ما ~~تقولون حقا إنه لا بد لنا من معاد نؤاخذ فيه بالخطايا , ولو دروا لعمري ما ~~الخبر , يوم يقولون : لا مفر ms3679 , ما عرضوا أنفسهم لهذا الخطر , يوم يود كل ~~امرىء لو افتدى بماله وبنيه , وعرسه وأخيه , وصديقه وأبيه , ويكون كلامهم - ~~وإن كان أمرا - بمعنى الخبر لأنه وعد كذبه سبحانه لأن مهناه : إ , كتب ~~عليكم إثم حملناه عنكم بوعد لا خلف فيه { وما هم } أي الكفار { بحاملين } ~~ظاهرا ولا باطنا { من خطايكم } أي المؤمنين { من شيء } وهم يقدرون أن لا ~~يحملوا , أو حملا يخفف عنهم العذاب , أي أنهم إذا عاينوا تلك الأحوال , ~~وطاشت عقولهم في بحار هاتيك الأهوال , التي لا يقوم لها الجبال , تبرؤوا ~~ممن قالوا له هذا المقال , فقد أخبروا بما لا يطابق PageV05P541 الواقع , ~~ويجوز أن يكونوا تعمدوا الكذب حال الإخبار إ , كانت نيتهم أنهم لا يفون على ~~تقدير تحقق الجزاء . | ولما علم من هذا كذبهم بكل حال سواء تعمدوا أو لا , ~~صرح به تأكيدا لمضمون ما قبله , مؤكدا لأجل ظن من غروه صدقهم في قوله : ~~مستأنفا : { إنهم لكاذبون * } . | ولما كان كل نم أسلك أحدا طريقا كان ~~شريكه في عمله فيها , فكان عليه مثل وزره إن كانت طريق ردى , وله مثل أجره ~~إن كانت سبيل هدى , قال تعالى مؤكدا لإنكارهم الآخرة وكل ما فيها : { ~~وليحملن } أي الكفرة { أثقالهم } التي حملوها أنفسهم الضعيفة بما اكتسبوا { ~~وأثقالا } أخرى لغيرهم { مع اثقالهم } بما تسببوا به من إضلال غيرهم , ومن ~~تأصيل السنن الجائرة الجارية بعدهم , فمن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من ~~عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص أحدهم من حمل الآخرة شيئا . | ولما ~~كان للسؤال على طريق الازدراء والإذلال , من الرعب في القلب ما ليس للأفعال ~~قال : { وليسألن } اي من كل من أمره المولى بسؤالهم { يوم القيامة } أي ~~الذي هم به مكذبون , وله مستهينون والتأكيد إما لإنكارهم ذلك اليوم , أو ~~لظن أن العالم لا يسأل عما يعلمه , { عما كانوا } اي بغاية الرغبة { يفترون ~~* } أي يتعمدون كذبه , ويعلمون أفكارهم في ارتكابه ويواظبون عليه , ~~والتعبير بصيغة الافتعال يدل على أنهم كانوا يعلمون صدق الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ويتعمدون الكذب في وعدهم ms3680 لمن غروه . | < < # | العنكبوت : ( 14 - 17 ) ولقد أرسلنا نوحا . . . . . # > > ^ ( ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما ~~فأخذهم الطوفان وهم ظالمون * فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناهآ آية ~~للعالمين * وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم ~~تعلمون * إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من ~~دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له ~~إليه ترجعون ) ^ } ) | ولماكان السياق للبلاء والامتحان , والصبر على ~~الهوان , وإثبات علم الله وقدرته على إنجاء الطائع وتعذيب العاصي , ذكر من ~~الرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام من طال صبره على البلاء , ولم يفتر عزمه ~~عن نصيحة العباد على ما يعاملونه به من الأذى , تسلية لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم واتابعيه رضي الله تعالى عنهم وتثبيتا لهم وتهديدا لقريش , فقال عاطفا ~~على { ولقد فتنا الذين من قبلهم } ما هو كالشرح له , وله نظر عظيم إلى ^ ( ~~{ ولقد وصلنا لهم القول } ) ^ [ القصص : 51 ] وأكده دفعا لوهم من يقول : إن ~~القدرة غلى التصرف في القلوب مغنية عن الرسالة في دار التسبب : { ولقد ~~أرسنا } اي على ما لنا من العظمة PageV05P542 المغنية عن الرسالة إجراء ~~للأمور على ما تقتضيه هذه الدار من حكمة التسبيب { نوحا } أي أول رسل الله ~~الخافقين من العباد , وهو معنى { إلى قومه } فإن الكفر كان قد عم أهل الأرض ~~, وكان صلى الله عليه وسلم أطول الأنبياء بلاء بهم , ولذلك قال مسببا عن ~~ذلك ومعقبا : { فلبث فيهم } أي بعد الرسالة يدعوهم إلى الله , وعظم الأمر ~~بقوله : { ألف } فذكر رأس العدد الذي لا رأس أكبر منه , وعبر بلفظ { سنة } ~~ذما لأيام الكفر , وقال : { إلا خمسين } فحقق أن ذلك الزمان تسعمائة وخمسون ~~من غير زيادة ولا نقص مع الاختصار والعذوبة , وقال : { عاما } إشارة إلىأن ~~زممان حياته عليه الصلاة والسلام بعد إغراقهم كان رغدا واسعا حسنا يإيمان ~~المؤمنين وخصب الأرض . | ولما كان تكرير الدعاء مع عدم الإجابة أدل ~~علىالامتثال وعدم الملال , قال مسببا عن لبثه فيهم ودعائه لهم ومعقبا ms3681 له : ~~{ فأخذهم } أي كلهم بالإغراق أخذ قهر وغلبة { الطوفان } أي من الماء , لأن ~~الطوفان في الأصل لكل فاش طام محيط غالب ممتلىءكثرة وشدة وقوة من سيل أو ~~ظلام أو موت أو غيرها , والمراد هنا الماء { وهم ظالمون * } أي عريقون في ~~هذا الوصف , وهو وضع الأشياء في غير مواضعها فعل من يمشي في أشد الظلام , ~~بتكذيبهم رسولهم , وإصرارهم على كفرهم , وهو ملازم لدعائهم ليلا ونهارا لم ~~يرجع منهم عن الضلال إلا ناس لقتلهم لا يعدون ؛ ودل عليهم مسببا عن ذلك ~~بقوله : { فأنجيناه } اي نوحا عليه السلام بما لنا من العظمة التي لا ~~يغلبها شيء { وأصحاب السفينة } من أولاده وأتباعه , من الغرق , وماذا يبلغ ~~مقدار أهل سفينة واحدة في العدة والكثرة { وجعلناها } أي الفعلة أو السفينة ~~أي نسها وجنسها , بتلك العظمة { آية } إي علامة على قدرة الله وعلمه ~~وإنجائه للطائع وإهلاكه للعاصي { للعالمين * } فإن لم يقع في الدهر حادثة ~~أعظم منها ولا أغرب ولا اشهر في تطبيق الماء جميع الرض , بطولها والعرض , ~~وإغراق جميع من عليها من حيوان : إنسان وغير إنسان , وإنجاء ناس فيهم بما ~~هيأ قبلالفعل من سبب ذلك المستمر نفعه على تكرار الأحقاب وتعاقب الأزمان , ~~وكونها آية أما للآدميين الذين كانوا في ذلك الزمان فالأمر فيهم واضح , ~~وأما غيرهم من الحيوان فقد عرفوا لمعرفتهم بالجزيئات المشاهدة أن ذلك الماء ~~لا ينجى منه في دار الأسباب إلا هذه السفينة , فالهداية غلى فعلها للنجاة ~~قبل وقوع سبب الهلاك دالة على تمام العلم وشمول القدرة , وأن من اهتدىإليه ~~دون أهل ذلك العصر كلهم إنما اهتدى بإعلام الله دون غيره , ونصف الآية ~~الأولى الأول من هذه القصة تسلية وتعزية دليلا على آيتي الفتنة أول السورة ~~, ونصفها الثاني تحذير وتوقية , وفيه دليل على الآية الثالثة , والآية ~~الثالثة , والآية الأخرى تبشير وترجية , وفيه دليل على ما بعد . | ~~PageV05P543 ولما كان بلاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام عظيما في قذفه في ~~النار وإخراجه من بلاده , أتبعه بع فقال : { وإبراهيم } أي ولقد أرسلنا ~~إبراهيم , ويجوز أن يكون التقدير : واذكر إبراهيم ms3682 أباك العظم لتتأسى به ~~وتتسلى ويتعظ قومك بقصته , لكن قوله { وإلى مدين } يرجح الأول , ودل على ~~مبادرته للمتثال بقوله : { إذ } اي حين , وهو بدل اشتمال على التقدير ~~الثاني لاشتمال الأحيان على ما قبلها { قال لقومه } الذين هو منهم : { ~~اعبدوا الله } أي الملك الأعظم بما يأمركم به من طاعته { واتقوه } أي خافوه ~~في أن تشركوا به شيئا فإنه يعذبكم { ذلكم } اي الأمر العظيم الذي هو ~~إخلاصكم في عبادتكم له وتقواكم { خير لكم } أي من كل شيء { إن كنتم } أي ~~بما لكم من الغرائز الصالحة { تعلمون * } أي إن كنتم في عداد الحيوانات ~~العجم , بل أضل , فإنها تهتدي لما ينفعها فتقبل عليه , وتسعى بجهدها إليه . ~~| ولما أمرهم بماتقدم , ونفى العلم عمن جهل خيريته , دل عليه بقوله : { ~~إنما تعبدون } ولما كان الله أعلى من كل شيء قال : { من دون الله } أي الذي ~~لا شبيه له ولا نظير , ولا ثاني ولا وزير , وقال : { أوثانا } إشارة إلى ~~تفرق الهم بكثرة المعبود , والكثرة يلزمها الفرقة ولا خير في الفرقة . | ~~ومادة ( وثن ) بجميع تقاليبها وزاوية ويائية ومهموزة تدور على الزيادة ~~والكثرة , ويلزمها الفرقة نم اختلاف الكلمة , فيلزمها حينئذ الرخاوة فيأتي ~~العجز , وتراكبيها تسعة : في الواوي الثلاثة / وثن ثنو ثون , وفي اليائي ~~ثلاثة : ثنى نثى ثقين , وفي المهموز ثلاثة : أنث أثن نأث , فمن الزيادة : ~~الوثن , قال القزاز : قال أبو منصور : الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن كل ~~ما كان له جثة من خشب أو حجر أو فضة أو ذهب أو جوهر أو غيره ينحت فينصب ~~فيعبد , والصنم الصورة التي بلا جثة , ومنهم من جعل الوثن صنما - انتهى . | ~~وقال عبد الحق : قال الهروي : قال ابن عرفة : ما كان له صورة من جص أو ~~حجارة أو غير ذلك فهو وثن - انتهى . | فقد علم من ذلك أنه عليه . | وقال ~~أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة : الصنم تمثال من حجارة ~~صوروا في الحائط أيضا صورة إنسان فتسمى تلك الصورة أيضا وثنا , والنصارى ~~يفعلون ذلك ويصورون في بيعهم صورة المسيح وصورة ms3683 مريم ويسجدون لها : واستوثن ~~المال : سمن , فزاد لحمه , واستوثن من المال : استكثر , والنحل : صارت ~~فرقتين صغارا وكباران والإبل : نشأت أولادها معها , وأوثن زيدا : أجزل ~~عطيته , والواثن : الشيء الثابت الدائم في مكانه , فالزيادة فيه بالنسبة ~~غلى زمانه , ويمكن أن يكون من الرخاوة , PageV05P544 فإنه لا يثبت على هذه ~~الصورة إلا ما لا قدرة له على حركة . | ومن الفرقة : نثا الحديث - بتقديم ~~النزن - ينثوه وينثيه . | يائي وواوي : أشاعه وحدث به , والشيء : فرقه ~~وأذاعه , وأنثى : اغتاب وأنف من الشيء , ولا يؤنف منه إلا على تقدير نشره , ~~والثوينا كالهوينا : الرقيق يفرش تحت الرغيف ليسوى ويعدل لأن يكون ظلمه , ~~والتثاون : الاحتيال والخديعة , فإنها لا تكون إلا عن جمع فكر وتنبيه نظر , ~~وهي أيضا لا تكون إلا من عاجز عن الأخذ جهارا , ومن ذلك تثاون للصيد - إذا ~~جاءه مرة عن يمينه وأخرى عن يساره , والثني من كل شيء ما يثنى بعضه على بعض ~~, ومن الوادي : منعطفه , واثنونى : انعطف , والثناء ككتاب : عقال البعير , ~~وهو حبل مثنى يعقل به يد البعير فتثنى , والفناء لأنه يكثر انتيابه والتردد ~~إليه , وثناء الشيء : قواه وطاقاته , والاثنان : ضعف الواحد , والمؤنث ~~ثنتان , وأصله ثنى , والاثنين والثنى كإلى : يوم في الأسبوع , وثنيته عن ~~وجهه : رددته , فصار له رجوع بعد ذهاب , وثنيث الرجلين : صرت ثانيهما وأنت ~~أحدهما , ولا يقال : ثنيت فلانا , ولكن يقال صرت له ثانيا , والمثاني : ~~القرآن أو ثني منه مرة بعد مرة , أوالحمد , أو البقرة وآخرها براءة - هكذا ~~عبر في القاموس , وفي مختصر العين : ويقال : سور أولها البقرة وآخرها براءة ~~, وذكر في القاموس في ذلك أقولا أخرى , ومن أوتار العود الذي بعد الأول ~~واحدها مثنى , ومثنى الأيادي : إعادة المعروف مرتين فأكثر , والثنية : ~~العقبة أوطريقها أو الجبل أو الطريق فيه - لأنها بطلوعها ونزولها أو ~~تعاريجها كأنها ثنيت مرتين , والثنايا من الأسنان : الريع التي في مقدم ~~الفم : ثنتان من فوقن وثنتان من أسفل , والناقة الطاعنة في السادسة , ~~والبعير ثنى , والفرس الداخلة في الرابعة والشاة في الثالثة كالبقرة , وكأن ~~ذلك كله من عرض يعرض لثنيه الحيوان , والثنية ms3684 : النخلة المستثناة من ~~المساومة , والثنية والثناء , وصف بمدح أو ذم , أو خاص بالمدح , وذلك لأنه ~~يكرر , والثين بالكسر : من يستخرج الدر من البحر , لأنه يكرر الغوص حتى يجد ~~ويفارق مكانه لذلك ويفرق الدر من مكانه , والثين ايضا : مثقب اللؤلؤ , لأن ~~الثقب يفرق بين أجزائها ولأن المثقب نفسه يحرك فيكثر من حركته إذا فعل به ~~ذلك . | ومن مهموزة ؛ نث عنه : بعد , والمنآث - بالضم , المبعد , والأثيت : ~~الأصيل , لأنه ثان لأصله , ومن الرخاوة الأنثى خلاف الذكر , والأنيت من ~~الحديد الرخو وهو ما لم يكن ذكرا , والمؤنث : المخنث , والأنثيان : ~~الخصيتان والأذنان , وأرض أنيثة ومئناث : سهلة , وسيف مئناث : كهام أي قليل ~~لا يقطع - فقد تحرر أن المادة كلها دائرة على ما لا ينبغي لرتبة الإلهية من ~~الكثرة والفرقة والرخاوة , ولذلك أتى بصيغة الحصر , وهو قصر قلب لسلب ما ~~اعتقدوه فيها من الإلهية . | PageV05P545 ولما أشار لهم إلى عدم صلاحيتها ~~لتلك الرتبة العلية , والغاية الشماء السنية , بكثرتها , أشار لهم إلى ~~قصورها أيضا بتصويرها فقال بصيغة المضارع إشارة إلى ما يرى في كل وقت من ~~تجدد حدوثها : { وتخلقون } اي تصورون بأيديكم { إفكا } أي شيئا مصروفا عن ~~وجهه , فإنه مصنوع وأنتم تسمونه باسم الصانع , ومربوب وأنتم تعدونه ربا , ~~وعبد وأنتم تقيمونه معبودا , أو تقولون في حقها إنها آلاهة كذبا . | ولما ~~كان الإنسان محتاجا أبدا , فكان لا يزال متوجها إلى من ينفعهن وكان قد أشار ~~سبحانه إلى نقص معبوداتهم بنفي الخير عنها , صرح بعجزها , وأثبت اختصاصه ~~بالخير , لينتج اسحقاقه للعبادة دونها وأكده ردا لما كانوا يتوهمونه ن ~~نفعها وضرها فقال : { إن الذين تعبدون } ضلالا وعدولا عن الحق الواضح { من ~~دون الله } المحيط بصفات الكمال , المنزه عن شوائب الاختلال الذي لا يمكن ~~أن يملأ جميع ما تحت رتبته شيء فكيف برتبته الشماء , وحضرته العلياء { لا ~~يملكون لكم } أي وأنتم تعبدونها فكيف بغيركم { رزقا } أي شيئا من الرزق ~~الذي لا قوام لكم بدونه , فتسبب عن ذلك قوله : { فابتغوا } وأشار بصيغة ~~الافتعال إلى السعي فيه , لأنه أجرى عادته سبحلنه أنه في الغالب لا ms3685 يؤتيه ~~إلا بكد من المرزوق وجهد , إما في العبادة والتوكل , وإما في السعي الظاهر ~~في تحصيله بأسبابه الدنيوية ( والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله ~~الأماني ) . | ولما اشار إلى ذلك , اشار إل الإجمال في الطلب , وأن لا ~~يعتقد أنهلا محالة في السبب , وإنما الأمر مع ذلك بيده , إن شاء أنجح وإن ~~شاء خيب , بقوله : { عند الله } أي الذي له كل صفة كمال { الرزق } اي كله , ~~فغنه لا شيء منه إلا وهو بيده , وقد دخل فيه كل موجود , فإن الكل خلق لذلك ~~, فأحكمت صنعته وربط بعضه ببعض , فلو نقص منه شيء لاختل النظام , فتبطل ~~الأحكام { واعبدوه } اي عبادة يبلهان وهي ما كان خالصا عن الشرك , فإن من ~~يكون كذلك يستحق ذلك ويثيب العابد له , ويعاقب الزاهد فيه , فلا يشغلكم ~~ابتغاء الرزق بالأسباب الظاهرة عن عبادته , فإنها هي الأسباب الحقيقية , ~~فربما حرم العبد الرزق بالذنب يصيبه { واشكروا } اي اوقعوا الشكر { له } ~~خاصة على ما أفاض عليكم من النعم ؛ ثم علل ذلك بقوله : { إليه } أي وحده { ~~ترجعون * } اي معنى في الدنيا والآخرة بأنه لا حكم في الحقيقة لأحد سواه , ~~وحسا بالنشر والحشر بعد الموت بأيسر أمر فيثيب الطائع ويعذب العاصي في ~~الدارين . | PageV05P546 < < # | العنكبوت : ( 18 - 23 ) وإن تكذبوا فقد . . . . . # > > ^ ( وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين * أولم يروا كيف يبديء الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير * ~~قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشأة الآخرة إن ~~الله على كل شيء قدير * يعذب من يشآء ويرحم من يشآء وإليه تقلبون * ومآ ~~أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السمآء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ~~* والذين كفروا بآيات الله ولقآئه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب ~~أليم ) ^ } ) | ولماكان التقدير : فإن تصدقوا فهو حظكم في الدنيا والآخرة , ~~عطف عليه قوله : { وإن تكذبوا } والذي دلنا على هذا المحذوف هذه الواو ~~العاطفة على غير معطوف معروف { فقد } أي فيكفيكم في الوعظ ms3686 والتهديد معرفتكم ~~بأنه { كذب أمم } في الأزمان الكائنة { من قبلكم } كثيرة , كعاد وثمود وقم ~~نوح وغيرهم , فجرى المر فيهم عل سنن واحد لم يختلف قط في نجاة والمطيع ~~للرسول وهلاك العاصي له , ولم يضر ذلك بالرسول شيئا وما ضروا به إلا أنفسهم ~~{ وما على الرسول } ان يقهركم بحيث لايبقى فيه شك , بإظهار المعجزة وإقامة ~~الدلة على الوحدانية . | ولما كان التقدير ك الم تروا إلى مصارعهم ؟ واتساق ~~الحال في أمرهم ؟ فيكفيكم ذلك زاجرا , عطف عليه للدلالة على الرجوع غليه ~~منكرا قوله : { أو لم يروا } بالخطاب في قراءة حمزة والكسائي وفي رواية عن ~~أبي بكر عن عاصم جريا على النسق السابق , وبالغيب للباقين , إعراضا للإيذان ~~بالغضب { كيف يبدىء الله } اي الذي له كل كمال { الخلق } أي يجدد إبداءه في ~~كل لحظة , وهو بالضم من أبدأ , وقرىء بالفتح من بدأ , وهما معا بمعنى ~~الإنشاء من العدم ؛ قال القزاز : أبدأت الشيء ابدئه إبداء - إذا أنشأته , ~~والله المبدىء أي الذي بدأ الخلق , يقال : بدأهم وأبدأهم , وفي القاموس : ~~بدأ الله الخلق : خلقهم كأبدأ . | ورؤيتهم للإبداء موجودة في الحيوان ~~للإبداء والإعادة في النبات , ولا فرق في الإعادة بين شيء وشيء فيكون قوله ~~- { ثم يعيده } اي يجدد إعادته في كل لمحة - معطوفا على { يبدىء } ولو لم ~~يكن كذلك لكان عطفه عليه من حيث إن مشاهدة حال الابتداء جعلت مشاهدة لحال ~~الإعادة من حيث إنه لا فرق , ولا حاجة حينئذ إلى تكلف عطفه على الجملة من ~~أولها . | ثم حقر أمره بالنسبة إلى عظيم قدرته , فقال ذاكرا نتيجة الأمر ~~السابق : { إن ذلك } أي الإبداء والإعادة , وأكد لأجل إنكارهم { على الله ~~يسير * } لأنه الجامع لكل كمال , المنزه عن كل شائبة نقص . | ولما ساق ~~العزيزالجليل هذا الدليل , عما حاج به قومه الخليل , انتهزت الفرصة ~~PageV05P547 في إرشاد نبيه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام والتحية والإكرام ~~, وذلك أنه لما استدل عليه السلام على الوحدانية المستلزمة للقدرة على ~~المعاد بإبطال إلهية معبوداتهم المستلزم لإبطال كل ما شاكلهان فحصل ~~الاستعاد للتصريح بأمر المعاد , فصرح به , كان ذلك ms3687 فخرا عظيما , ومفصلا ~~بينا جسيما , لإقامة الحجة على قريش وسائر العرب , فانتهزت فرصته واقتحمت ~~لجته , كما هي عادة البلغاء , ودأب الفصحاء الحكماء , لأن ذلك كله إنما سيق ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعظا لقومه فقيل : { قل } أي يا محمد ~~لهؤلاء الذين تقيدو بما تقلدوا من مذاهب آبائهم من غير شبهة على صحته أصلا ~~: قد ثبت أن هذا كلام الل لما ثبت من عجزكم عن معارضته , فثبت أن هذا ~~الدليل كلام ابيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأنتم مصرحون بتقليد الآباء ~~غير متحاشين من معرته ولا أب لكم أعظم من إبراهيم عليه الصلاة و السلام , ~~فإذا قلدتم من لا يفارقه في عبادة ما لا يضر ولا ينفع من غير شبهة اصلا ~~فقلدوا أباكم الأعظم في عبادة الله وحده لكونه أباكم , ولما أقام على ذلك ~~من الأدلة التي لا مراء فيها قال : أو { سيروا } إن لم تقتدوا بأبيكم ~~غبراهيم عليه السلام , وتتأملوا ما أقام من الدليل القاطع والبرهان الساطع ~~{ في الأرض } إن لم يكفكم النظر في أحوال بلادكم . | ولما كان السياق ~~لإثبات الإلهية التي تجب المبادرة غلى تفريغ الفكر وتوجيه كل الذهن إلى ~~الاستدلال عليهان عبر بالفاء المعقبة فقال : { فانظروا } أي نظر اعتبار { ~~كيف بدأ } اي ربكم الذي خلقكم ورزقكم { الخلق } من الحيوانات والنبات من ~~الزروع والأشجار , وغيرها مما تضمنه الجبال والسهول والأوعار , وهذا يدل ~~على أن الأول فيما هو أعم من الحيوان , فتقريرهم على الإعادة فيه حسن . | ~~ولما كان المقصود بالذات بيان الإعادة التي هي من أجل مقاصد السورة , ~~لإظهار ما مضى أولها من العدل يوم الفصلن وكانوا بها مكذبين , بين الاهتمام ~~بأمرها بإبراز الاسم الأعظم بعد تكريره في هذا السياق غير مرة , وأضمره في ~~سياق البداءة لإقرارهم له بها , إشارة غلى أنه باطن في هذه الدار , ظاهر ~~بجميع الصفات في تلك , فقال : { ثم الله } أي الحائز لجميع صفات الكمال فلا ~~يفوته شيء , المتردي بالجلال , فاخشوا سطوته , واتقوا عقوبته ونقمته { ~~ينشىء النشأة الآخرة } بعد النشأة الأولى . | ثم علل ذلك بقوله مؤكدا ms3688 ~~تنزيلا لهم منزلة المنكر لإنكاره البعث : { إن الله } فكرر ذكره تنبيها بعد ~~التيمن به على ما ذكره وعلى أنه في كل أفعاله لا سيما هذا المطلق غير مقيد ~~بجهة من الجهات , ولا مشروط بأمر من الأمور { على كل شيء قدير * } لأن نسبة ~~الأشياء كلها إليه واحدة . | PageV05P548 ولما ثبت ذلك , انتج لا محالة ~~قوله : مهددا بعد البيان الذي ليس بعده إلا بعده العناد : { يعذب } بعدله { ~~من يشاء } أي منكم ومن غيركم في الدنيا والآخرة , فلا يقدر أحد بشفاعة ولا ~~غيرها على الحماية منه { ويرحم } بفضله { من يشاء } فلا يقدر أحد على أن ~~يمسه بسوء { وإليه } أي وحده { تقلبون * } اي بعد موتكم بأيسر سعي . | ولما ~~لم يبق للقدرة على إعادتهم مانع يدعي إلا مما نعتهم منها , أبطلها على ~~تقدير ادعائهم لها فقال : { وما أنتم } أي أجمعون العرب وغيرهم { بمعجزين } ~~أي بواقع إعجازهم في بعثكم وتعذيبكم { في الأرض } كيفما تقلبتم في ظاهرها ~~وباطنها . | ولما كان الكلام هنا له أتم نظر غلى ما بعد البعث , وكانت ~~الأحوال هناك خارجة عما يستقل به العقل , وكان أثر القدرة أتم وأكمل , وأهم ~~وأشملن وكان بعض الأرواح يكون في السماء بعد الموت قال : { ولا في السماء } ~~أي لو فرض انكم وصلتم إليها بعد الموت بالحشر أو قبله , لأن الكل بعض ملكهن ~~فكيف يعجزه من في ملكه , ويمكن أن يكون له نظر غلى قصة نمرود في بنائه ~~الصرح الذي اراد به التوصل غلى السماء لا سيما والآيات مكتنفة بقصة إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام من قبلها ومن بعدها . | ولما اخبرهم أنهم مقدور عليهم ~~, وكان ربما بقي احتمال أن غيرهم ينصرهم , صرح بنفيه فقال : { وما لكم } اي ~~أجمعين أنتم وغيركم ايها المحشورون , وأشاتر إلى سفول رتبة كل من سواه ~~بقوله : { من دون الله } أي الذي هو أعظم من كل عظيم ؛ وأكد النفي بإثبات ~~الجار فقال : { من ولي } اي قريب يحميكم لأجل القرابة { ولا نصير * } لشيء ~~غير ذلك لأنه لا كفوء له . | ولما كان التقدير : فالين آمنوا بآيات ربهم ~~ولقائه أولئك يرجون ms3689 رحمتي وأرلئك لهم نعيم مقيم , وكان قد أمرهم بالاستدلال ~~, وهددهم ليرجعوا عن الضلال , بم أبقى للرجال بعض المحال , اتبعه ما قطعه , ~~فقال عاطفا على ذلك المقدر : { والذين كفروا } أي ستروا ما أظهرته لهم ~~أنوار العقول { بآيات الله } أي دلائل الملك الأعظم المرئية والمسوعة التي ~~لا أوضح منها { ولقائه } بالبعث بعد الموت الذي اخبر به وأقام الدليل على ~~قدرته عليه بما لا أجلى منه { أؤلئك } أي البعداء البغضاء البعيدو الفهم ~~المحطوطون عن رتبة الإنسان , بل رتبة مطلق الحيوان { يئسوا } أي تحقق يأسهم ~~من الآن , بل من الأزل , لأنهم لم يرجوا لقاء الله يوما ؛ ولا قال أحد منهم ~~{ رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين } . | ولما كان أكثرهم متعنتا , بين أن ~~المتكلم بهذا الكلام , العالي عن متناول الأنام , PageV05P549 هو الله ~~المنوه باسمه في هذا النظام , بالالتفات إلى أسلوب التلكم , تنبيها لمفات ~~السامعين بما ملأ الصدور ةقصم الظهور فقال : { من رحمتي } أي من أن أفعل ~~بهم من الإكرام بدخول الجنة وغيرها فعل الراحم ؛ وكرر الإشارة تفخيما للأمر ~~فقال : { أولئك } أي الذين ليس بعد بعدهم بعد , وتهكم بهم في التعبير بلام ~~الملك التي يغلب استعمالهما في المحبوب فقال : { لهم عذاب إليم * } أي مؤلم ~~بالغ إيلامه في الدنيا والآخرة . | < < # | العنكبوت : ( 24 - 27 ) فما كان جواب . . . . . # > > ^ ( فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من ~~النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون * وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا ~~مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين * فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ~~ربي إنه هو العزيز الحكيم * ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة ~~والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) ^ } ) | ~~ولما ختم سبحانه هذه الجملة الاعتراضية بما ابتدأها به وبما ختم به ما ~~قبلها من كلام الخليل عليه الصلاة والسلام , وزاد هذا ما ترى من التهديد ~~الشديد , شرع في إكمال قصته عليه الصلاة والسلام ms3690 دالا على أنه لا أحد ~~يعجزهن ولا يقدر على نصر أحد من عذابه الأليم , مشيرا إلى أنهم سببوا عن ~~قوله ضد ما يقتضيه إذانا بالعناد , والإصرار علة سوء الإعتقاد , فقال : { ~~فما كان جواب قومه } أي الذين يرجى قبولهم لنصحه علما منهم بوفور شفقته ~~وعظم أمانته ونصيحته { إلا أن قالوا } بأعظم فظاظة { اقتلوه } أي بالسيف { ~~أو حرقوه } أي بالنار . | ولما استقر رأي الجميع على هذا الثاني , ولم يكن ~~له فيهم نصير , أشار إليه سبحانه بقوله ناسقا له على ما تقديره : فأبى ~~المعظم القتل لأنه عذاب مألوف لمن يستحقه م المجرمينن وهو قد عمل عمله ~~مفردة في الدهر فالذي ينبغي أن يخص العذاب عليها لم يعهد مثله وهو الإحراق ~~على هيئة غريبة , فرجعوا عن القتل واستقر رايهم على الإحراق فجمعوا له حطبا ~~إلى أن ملأ ما بين الجبال , وأضرموا فيه النار حتى أحرقت ما دنا منها بعظيم ~~الاشتعال , وقذفوه فيها بالمنجنيق { فأنجاه الله } بما له من كمال العظمة ~~إنجاء وحيا من غير احتياج إلى تدريج { من النار } أي من إحراقها وأذاها , ~~ونفعته بأن أحرقت وثاقه . | ولما اشتملت قصته بهذا السياق على دلائل واضحات ~~, وأمور معجزاتن عظم PageV05P550 أمرها سبحانه بقوله مؤكدا لمزيد من ~~التنويه بذكرها , وتنزيلا في توقفهم عما دعتت إليه الآيات الظاهرة من ~~الإيمان منزلة المنكر لها : { إن في ذلك } اي ما ذكر من أمره وما خللت به ~~قصته من الحكم { لآيات } أي براهين قاطعة في الدلالة على جميع أمر الله من ~~تصرفه في الأعيان والمعاني , لكون النار لم تحرقه وأحرقت وثاقه وكل ما مر ~~عليها من طائر , ومع رؤيته ذلك لم يؤمنوا ولم يقدروا على ضرره بشيء غير ذلك ~~. | ولما كان ما للشيء إنما هو في الحقيقة ما ينفعه , وكان قد حجبها سبحانه ~~بالشهوات والحظوظ الشاغلة عن استعمال ور العقل , قال : { وقال } ي إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام غير هائب لتهديدهم بقتل ولا غيره , مؤكدا لأجل ما أشار ~~إليه مما ينكرونه من ضعف شركائهم وعجزها : { إنما اتخذتم } أي أخذتم ~~باصطناع وتكلف , وأشار ms3691 لى عظمة الخالق وعلو شأنه بقوله : { من دون الله } ~~أي الذي كل شيء تحت قهره , ولا كلفة - في اعتقاد كونه ربا - باحتياج إلى ~~مقدمة جعل وصنعة ولا غير ذلك , وقال : { أوثانا } إشارة إلى تكثرها الذي هو ~~مناف لرتبة الإلهية ؛ وأشار إلى ذلك النفع بقوله : { مودة } أي لأجل مودة - ~~عند من نصب سواء ترك التنوين وهم حمزة وخفص عن عاصم وروح عن يعقوب أو نون ~~وهم الباقون { بينكم } من خفضه على الاتساع ورفع ( مودة ) وهم ابن كثير ~~وأبو عمرو والكسائي ورويس عن يعقوب كان المعنى : هي مودة اللبين الجامع لكم ~~بمعنى مودتكم على وجه أبلغ , لأن المودة إذا كانت لبين جامع الناس كانت ~~لأؤلئك الناس بطريق الأولى , ومن خفضه ونصبها وهم حمزة وحفص عن عاصم وروح ~~عن يعقوب فالمعنى : لأجل المودة , ومن نصبها ونون وهم نافع وابن عامر وأبو ~~جعفر وشعبة فالبين عنده ظرف { في الحياة الدنيا } بالاجتماع عندها والتواصل ~~في أمرها بالتناصر والتعاضد كما يتفق ناس على مذهب فيكون ذلك سبب تصادقهم , ~~وهذا دال على أن جمع الفسوق لأهل الدنيا هو العادة المستمرة , وأن الحب في ~~الله والاجتماع له عزيز جدا , لما فيه من قطع علائق الدنيا وشهواتها التي ~~زينت للناس , بما فيها من الإلباس , وعظيم البأس . | ولما أشار غلى هذا ~~النفع الذي هو في الحقيقة ضر , ذكر ما يعقبه من الضر البالغ , PageV05P551 ~~فقال معبرا بأداة البعد إشارة إلى عظيم ذلك اليوم , وإلى أنه جعل لهم في ~~الحياة أمدا يمكنهم فيه السعي للتوقي من شر ذلك اليوم : { ثم يوم القيامة } ~~ساقه مساق ما لا نزاع فيه لما قام عليه من الأدلة { يكفر بعضكم ببعض } ~~فينكر كل منهم محاشن أخيه , ويتبرأ منه بلعن الأتباع القادة , ولعن القادة ~~الأتباع , وتنكرون كلكم عبادة الأوثان تارة إذا تحققتم أنها لا ضر ولا نفع ~~لها , وتقرون بها أخرى طالبين نصرتها راجين منفعتها , وتنكر الأوثان ~~عبادتكم وتجحد منفعتكم { ويلعن بعضكم بعضا } على ما ذكر { ومأواكم } جميعا ~~أنتم والأوثان { النار } لتزيد في عذابكم ويزداد بغضكم لها { وما ms3692 لكم } ~~وأعرق في النفي فقال : { من ناصرين * } أصلا يحمونكم منها , ويدخل في هذا ~~كل من وافق أصحابه من أهل المعاصي أو البطالة على الرذائل ليعدوه حسن ~~العشرة مهذب الأخلاق لطيف الذات , أو خوفا من أن يصفوه بكثافة الطبع وسء ~~الصحبة , ولقد عم هذا لعمري أهل الزمان ليوصفوا بموافاة الإخوان ومصافاة ~~الخلان , معرضين عن رضى الملك الديان . | ولما كان في سياق الابتلاء , وذكر ~~من الأنبياء من طال ابتلاؤهن بين أنه لم يكن لهم من أممهم تابع يقدر على ~~نصرهم , وأن الله سبحانه تولى كفايتهم فلم يقدر واحد على إهلاكهم , وأهلك ~~أعدائهم , فلم يكن لهم من ناصرين فقال : { فآمن } اي لأجل دعائه له مع ما ~~رأى من الآيات { لوط } أي ابن أخيه هاران وحده , وهو أول من صدقه من الرجال ~~{ وقال } أي غبراهيم عليهما لاصلاةوالسلام مؤكدا لما هو جدير بالإنكار من ~~الهجرة لصعوبتها : { إني مهاجر } أي خارج من أرضي وعشيرتي على وجه الهجر ~~لهم فمنتقل ومنحاز { إلى ربي } أي إلى أرض ليس بها أنيس ولا عشير , ولا من ~~ترجى نصرته , ولا من تنفع مودته , فحينئذ يتبين الرضى بالله وحده , ~~والاعتماد عليه دون ما سواه , فهاجر من كوثى من سواد الكوفة إلى حران ثم ~~منها إلى الأرض المقدسة , فكانت له هجرتان , وهو أول من هاجر في الله , قال ~~مقاتل : وكان إذ ذاك ابن خمس وسبعين سنة . | ثم علل ذلك بما يسليه عن فراق ~~أرضه وأهل وده من ذوي رحمة وأنسابه وأولى قربه , فقال مؤكدا تسكينا لمن ~~عساه يتبعه وتهوينا عليه لفراق ما ألقت النفوس من أنه لا عز إلا به من ~~العشائر والأموال والمعارف : { إنه هو } أي وحده { العزيز } أي فهو جدير ~~بإعزاز من انقطع إليه { الحكيم * } فهو إذا أز أحدا منعته حكمته من التعرض ~~له بإذلال , بفعل أو مقال , كما صنع بي حين اراد إذلالي من كان جديرا ~~بإعزازي من عشيرتي وأهل قربى , وبالغ في أذاي ممن كان حقيقا بنفعي من ذوي ~~رحمي وحبي . | PageV05P552 ولما كان التقدير : فأعززناه كما ظن بنا إعزازا ms3693 ~~أحكمناه حتى استمر في عقبه إلى القيامة , عطف عليه قوله : { ووهبنا له } أي ~~بجليل قدرتنا شكرا على هجرته { إسحاق } من زوجته سارة عليها السلام التي ~~جمعت إلى العقم في شبابها اليأس بكبرها , وعطفه لهبته له بالواو دليل على ~~ماسيأتي إن شاء الله تعالى في الصافات من أن الذبيح إسماعيل عليه ~~الصلاةوالسلام لتعقيبه للهبة هناك على الهجرة بالفاء { ويعقوب } منولده ~~إسحاق عليهما الصلاة والسلام . | ولما كان السياق في هذه السورة للامتحان , ~~وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد ابتلي في إسماعيل عليه الصلاة والسلام ~~بفراقه مع امه رضي الله عنهما ووضعهما في قضيعة من الأرض لا أنيس بها , لم ~~يذكره تصريحا في سياق الامتنان , وأفرد إسحاق عليه الصلاة والسلام لأنه لم ~~يبتل فيه بشيء من ذلك , ولأن المنة به - لكون أمه عجوزا وعقيما - أكبر ~~وأعظم لأنها أعجب , وذكر إسماعيل عليه الصلاة والسلام تلويحا في قوله : { ~~وجعلنا } اي بعزتنا وحكمتنا { في ذريته } من ولد إسحاق وإسماعيل عليهما ~~الصلاةوالسلام { النبوة } فلم يكن بعده نبي أجنبي عنه , ومتى صحت هذه ~~المناسبة لزم قطعا ن يكون الذبيح إسماعيل عليه الصلاة والسلام فإنه أعرى ~~ذكر هذه السورة منه , ويكون كأنه قيل : إنا بشرناه بما يسر به من إسحاق بعد ~~أن أمرناه بما يضر من إسماعيل عليهما السلام فصبر في محنة الضراء , وشكر في ~~محنة السراء { والكتاب } فلم ينزل كتاب إلا على أولاده , وأفرد ليدل - مع ~~تناوله بالجنسية الكتب الأربعة - على أنه لا شيء يستحق أن يكتب إلا ما أنزل ~~فيها , أو كان راجعا إليه , ولو جمع لم يفد عليه هذا المعنى { وآتيناه أجره ~~} على هجرته { في الدنيا } بما خصصناه به مما لا يقدر عليه غيرنا من سعة ~~الرزقن ورغد العيشن وكثرة الخدم , والولد في الشيخوخة , وكثرة النسل , ~~والثناء الحسنن والمحبة من جميع الخلق , وغير ذلك . | ولما كان الكافر ~~يعتقد - لإنكاره البعث - أنه نكد حياته بالهجرة نكدا لا تدارك له , اقتضى ~~الحال التأكيد في قوله : { وإنه في الآخرة } أي التي هي الدار وموضع ~~الاستقرار { لمن الصالحين * } الذين خصصناهم ms3694 بالسعادة وجعلنا لهم الحسنى ~~وزيادة . | < < # | العنكبوت : ( 28 - 32 ) ولوطا إذ قال . . . . . # > > ^ ( ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من ~~العالمين * أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر ~~فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين * قال ~~رب انصرني على القوم المفسدين * ولما جآءت PageV05P553 رسلنآ إبراهيم ~~بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين * قال إن ~~فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من ~~الغابرين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان - كما مضى - السياق للابتلاء , خص بالبسط في القص من لم يكن ~~له ناصر من قومه , أو كان غريبا منها , ولذلك أتبع الخليل عليه الصلاة ~~والسلام ابن أخيه الذي أرسله الله إلى أهل سدوم : ناس لا قرابة له فيهم ولا ~~عشيرة , فقال : { ولوطا } أي أرسلناه , وأشار إلى إسراعه في الامتثال بقوله ~~: { إذ } اي وأرسناه حين { قال لقومه } أهل سدوم الذين سكن فيهم وصاهرهم ~~وانقطع إليهم فصاروا قومه , حين فارق عمه إبراهيم الخليل عليهما السلام , ~~منكرا ما رأى من حالهم , وقبيح فعالهم , مؤكدا له إشارة إلى أنه - مع كونه ~~يرونه من أعرف المعارف - جدير بأن ينكر : { إنكم لتأتون الفاحشة } أي ~~المجاوزة للحد في القبح , فكأنها لذلك لا فاحشة غيرها . | ثم علل كونها ~~فاحشة استئنافا بقولهك { ما سبقكم } أو هي حال مبنية لعظيم جرأتهم على ~~المنكر , أي غير مسبوقين { بها } وأعرق في النفي بقوله : { من أحد } وزاد ~~بقولهك { من العالمين * } أي كلهم فضلا عن خصوص الناسح ثم كرر الإنكار ~~تأكيدا لتجاوز قبحها الذي ينكرونه فقال : { أئنكم لتأتون الرجال } إتيان ~~الشهوة , وعطف عليها ما ضموه إليها من المناكر , بيانا لاستحقاق الذم من ~~وجوه , فأوجب حالهم ظن أنهم وصلوا من الخبث إلى حد لا مطمع في الرجوع عنه ~~مع ملازمته لدعائهم من غير ملل ولا ضجر , فقال { وتقطعون السبيل * } أي ~~بأذى الجلابين والمارة . | ولما خص هذين الفسادين , عم دالا على المجاهرة ~~فقال : { وتأتون في ناديكم } أي ms3695 المكان الذي تجلسون فيه للتحدث بحيث يسمع ~~بعضكم نداء بعض من مجلس المؤانسة , وهو ناد ما دام القوم فيه , فإذا قاموا ~~عنه لم يسم بذلك { المنكر } أي هذا الجنس , وهو ما تنكره الشرائع والمروءات ~~والعقول , ولا تتحاشون عن شيء منه في المجتمع الذي يتحاشى فيه الإنسان من ~~فعل خلاف الأولى , من غير أن يستحي بعضكم من بعض ؛ ودل على عنادهم بقوله ~~مسببا عن هذه النصائح بالنهي عن تلك الفضائح : { فما كان جواب قومه } أي ~~الذين فيهم قوة ونجدة بحيث يخشى شرهم , ويتقي أذاهم وضرهم , لما أنكر عليهم ~~ما أنكر { إلا أن قالوا } عنادا وجهلا واستهزاء : { ائتنا بعذاب الله } ~~وعبروا بالاسم الأعظم زيادة في الجرأة . | ولما كان الإنكار ملزوما للوعيد ~~بأمر ضار قالوا : { إن كنت } أي كونا متمكنا { من الصادقين * } أي في وعيدك ~~وإرسالك , إلهابا وتهييجا . | PageV05P554 ولما كان كأنه قيل : بم أجابهم ؟ ~~قيل : { قال } أي لوط عليه الصلاةوالسلام معرضا عنهم , مقبلا بكليته على ~~المحسن إليه : { رب } أي أيها المحسن إلي { انصرني على القوم } أي الذين ~~فيهم من القوة ما لا طاقة لي بهم معه { المفسدين * } بإتيان ما تعلم من ~~القبائح . | ولما كان التقدير : فاستجبنا له فأرسلنا رسلنا بشرى لعمه ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام , ولإهلاك قوم لوط عليه الصلاة والسلام , ~~تحقيقا لانتقامنا من المجرمين , وإنعامنا على الصالحين , ولابتلائنا لمن ~~نريد من عبادنا حيث جعلنا النذارة مقارنة للبشارة , عطف عليه قوله : { ولما ~~جاءت } وأسقط ( أن ) لأنه لم يتصل المقول بأول المجيء بل كان قبله السلام ~~والإضافة ؛ وعظم الرسل بقولهك { رسلنا } أي من الملائكة تعظيما لهم في ~~أنفسهم ولما جاؤوا به { إبراهيم بالبشرى } أي بإسحاق ولدا له , ويعقوب ولدا ~~لإسحاق عليهما الصلاة والسلام . | ولما كان المقام للابتلاء والامتحان , ~~أجمل البشرى , وفصل النذري , فقال : { قالوا } اي الرسل عليهم الصلاة ~~والسلام لإبراهيم عليه الصلاة والسلام بعد أن بشروه وتوجهوا نحو سدوم , ~~جوابا لسؤاله عن خطبهم , تحقيقا لأن أهل السيئات مأخذون , وأكدوا لعلمهم أن ~~الخليل عليه الصلاة والسلام يود أن يهديهم الله على يد ابن أخيه ولا ms3696 يهلكهم ~~, فقالوا : { إنا مهلكو } وأضافوا تحقيقا لأن الأمر قد حق وفرغ منه فقالوا ~~: { أهل هذه القرية } ثم عللوا ذلك بقولهم : { إن أهلها } مظهرين غير ~~مضمرين إفهاما لأن المراد أهلها الأضلاء في ذلك , إخراجا للوط عليه السلام ~~: { كانوا الظالمين * } أي عريقين في هذا الوصفن فلا حيلة في رجوعهم عنه . ~~| ولما كان السامع بحيث يتشوف إلى معرفة ما كان بعد ذلك , كان كأنه قيل : ~~لم يقنع الخليل عليه السلام لخطر المقام بهذا التلويح , بل { قال } مؤكدا ~~تنبيها على جلالة ابن أخيه , وإعلاما بشدة اهتمامه به , وأنه ليس ممن يستحق ~~الهلاك , ليعلم ما يقولون في حقه , لأن الحال جد , فهو جدير بالاختصارك { ~~إن } وأفهم بقوله : { فيها لوطا } دون , منهم , أنه نزيل تدرجا إلى التصريح ~~بالسؤال فيه , وسؤالا في الدفع عنهم بكونه فيهم , لأنه بعيد عما عللوا به ~~الإهلاك من الظلم , { قالوا } أي الرسل لإبراهيم عليه الصلاة والسلام : { ~~نحن أعلم } أي منك { بمن فيها } أي من لوط وغيره . | ولما كان كلامهم ~~محتملا للأنجاء والإرداء , صرحوا بقولهم على سبيل التأكيدن لأن إنجاءه من ~~بينهم جدير بالاستبعاد : { لننجينه } أي إنجاءا عظيما { وأهله } ولما أفهم ~~هذا امرأه استثنوها ليكون ذلك أنص على إجاء غيرها من جميع أهله فقالوا : { ~~إلا PageV05P555 امرأته } فكأنه قيل : فما حالها ؟ فقيل : { كانت } أي جبلة ~~وطبعا { من الغابرين * } أي الباقين في الأرض المدمرة والجماعة الفجرة , ~~ليعم وجهها معهم الغبرة . | < < # | العنكبوت : ( 33 - 38 ) ولما أن جاءت . . . . . # > > ^ ( ولمآ أن جآءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ~~ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على ~~أهل هذه القرية رجزا من السمآء بما كانوا يفسقون * ولقد تركنا منهآ آية ~~بينة لقوم يعقلون * وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يقوم اعبدوا الله وارجوا ~~اليوم آلآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين * فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين * وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان ~~أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين ) ^ } ) | ولما لم يبق بعد هذا ~~إلا خبر الرسل ms3697 مع لوط عليه الصلاة والسلام , قال عاطفا على ما تقديرهك ثم ~~فارقوه ومضوا إلى المدينة التي فيها لوط عليه السلام , مفهما بالعدوا عن ~~الفاء إلى الواو أن بين المكانين بعدا : { ولما } وأثبت ما صورته صورة ~~الحرف المصدري لما اقتضاه مقصود السورة , وأكثر سياقتها بين التسليك في ~~مقام الامتحان والاجتهاد في النهي عن المنكر , ولذا ذكر هنا في قصة إبراهيم ~~عليه السلام القتل والإحراق , وأتبعت بشراء بإهلاك القرية الظالمة , فقالك ~~{ أن جاءت رسلنا } أي المعظمون بنا { لوطا } بينا لأنه { سيىء } اي حصلت له ~~المساءة من غير ريب لما رأى من حسن أشكالهم , وخاف من تعرض قومه لهم , وهو ~~يظن أنهم من الناس , وذلك أن أن في مثل هذا صلة وإن كان أصلها المصدر لتؤكد ~~وجود الفعلين مرتبا وجود أحدهما على الآخر في وقتين متجاورين لا فاصل ~~بينهما فإنها وجدا في جزء واحد من الزمان , قال ابن هشام في المغني ما ~~معناه أن علة ذلك أن الزائد يؤكد معنى ما جيء به لتأكيده , ولما تقيد وقوع ~~الفعل الثاني عقيب الأول وترتبه عليه فالحرف الزائد يؤكد ذلك . | { وضاق ~~بهم } أي بأعمال الحلية في الدفع عنهم { ذرعا } أي ذرعة طاقتهم كما بين ~~وأشبع القول فيه في سورة هود عليه السلام , والأصل في ذلك أن من كالت ذراعه ~~نال مالا يناله قصيرها , فضرب مثلا في العجز والقدرة , وذلك أنهم أتوه في ~~صورة مردان ملاح جدا , وقد علم أمر أهل القرية في مثل ذلك ولم يعلم أنه رسل ~~الله . | ولما كان التقدير : فقالوا له : يا لوط ! إنا رسل ربك , فخفض عليك ~~من هذا الضيق الذي نراه بك فإنا ما ارسلنا إلا لإهلاكهم , عطف عليه قوله : ~~{ وقالوا } أي لما PageV05P556 رأوا ما لقي في أمرهم : { لا تخف } أي من أن ~~يصلوا إلينا أو من أن تهلك أنت أو أحد من أهل طاعتك ولا تحزن أي على أحد ~~ممن نهلكه فإنه ليس في أحد منهم خير يؤسف عليهم بسببه ؛ ثم عللوا ذلك ~~بقولهم مبالغين في التأكيد للإغناء به عن ms3698 جمل طوال , إشارة إلى ان الوقت ~~أرق فهو لا يحتمل التطويل : { إنا منجوك } أي مبالغون في إنجائك { وأهلك } ~~أي ومهلكوا أهل هذه القرية , فلا يقع ضميرك أنهم يصلون إلينا , وقالوا : { ~~إلا امرأتك } تنصيصا على كل فرد منهم سواها ؛ ثم دلوا على هلاكها بقولهم ~~جوابا لمن كأنه قال : ما لها ؟ فقيل : { كانت من الغابرين * } اي كأن هذا ~~الحكم في أصل خلقتها . | ولما أفهمت العبارة كما مضى إهلاكهم , صرحوا به ~~فقالوا معينين لنوعهن معللين لما أخبروه به , مؤكدين إعلاما بأن الأمر قد ~~فرغ منه قطعا لأن يشفع فيهم , جريا على عادة الأنبياء في الشفقة على أممهم ~~: { إنا منزلون } أي لا محالة { على أهل هذه القرية رجزا } أي عذابا يكون ~~فيه اضطراب شديد يضطرب منه من أصابه كائنا من كان { من السماء } فهو عظيم ~~وقعه , شديد صدعه { بما كانوا } أي كونا راسخا { يفسقون * } أس يخرجون في ~~كل وقت من دائرة العقل والحياء . | ولما كان التقدير : ففعلت رسلنا ما ~~وعدوه به من إنجائه وإهلاك جميع قراهم , فتركناها , كأن لم يسكن بها أحد قط ~~, عطف عليه قوله مؤكدا إشارة إلى فضيلة المخاطبين بهذه القصة من العرب ~~وغيرهم , وأنه ليس بينهم وبين الهدى إلا تفكرهم في أمرهم مع الإنخلاع من ~~الهوى : { ولقد تركنا } بما لنا من العظمة { منها } أي من تلك القرية { آية ~~} علامة على قدرتنا على كل ما نريد { بينة } وهو الماء الأسود المنتن الذي ~~غمر قراهم كلها بعد الخسف بها وهو مباين لجميع مياه الأرض لكونه ماء السخط ~~لمن باينوا بفعلهم الخلق مع اشتهار كونه على الخسف . | ولما كان سبحانه قد ~~حجب عن الأبصار كثيرا من الناس قال : { لقوم يعقلون * } فعد من لم يستبصر ~~به عير عاقل ولا شاعر بأنها آية ولا فيه أهلية القيام بما يريد . | ولما ~~كان السياق لإثبات يوم الدين وإهلاك المفسدين , ولمن طال ابتلاؤه من ~~الصالحين ولم يجد له ناصرا من قومه , إما لغربته عنهم , وإما لقلة عشيرته ~~لتسميتهم وعدم أتباعه , وكان شعيب عليه السلام ممن استضعفه قومه واستقلوا ~~عشيرته ms3699 لتسميتهم لهم رهطا , والرلهط ما دون العشرة أو من شبعة إلى عشرة , ~~وما دون السبعة إلى الثلاثة نفر , فكان عليه السلام كذلك في هذا العداد , ~~عقب قصة لوط بقصته عليه الصلاة والسلام فقال : { وإلى } أي ولقد أرسلنا إلى ~~{ مدين أخاهم } اي من النسب والبلد { شعيبا } . | PageV05P557 ولما كان ~~مقصود السورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير فترة , عبر بالفاء ~~فقال : { فقال } أي فتسبب عن إرساله وتعقبه أن قال : { يا قوم اعبدوا الله ~~} أي الملك الأعلى وحده , ولا تشركوا به شيئان فإن العبادة التي فيها شرك ~~عدم , لأن الله تعالى أغنى الشركاء فهو لا يقبل إلا ما كان له خالصا . | ~~ولما كان السياق لإقامة الأدلة على البعث الذي هو من مقاصد السورة قال : { ~~وارجوا اليوم الآخر } أي حسن الجزاء فيه لتفعلوا ما يليق بذلك { ولا تعثوا ~~في الأرض } حال كونكم { مفسدين * } أي متعمدين الفساد . | ولماتسبب عن هذا ~~النصح وتعقبه تكذيبهم فتسبب عنه وتعقبه إهلاكهم , تحقيقا لأن أهل السيئات ~~لا يسبقون قالك { فكذبوه فأخذتهم } أي لذلك أخذ قهر وغلبة { الرجفة } أي ~~الصيحة التي زلزلت بهم فأهلكتهم { فأصبحوا في دراهم } أي محالهم التي كانت ~~دائرة بهم وكانوا يدورون فيها { جاثمين * } أي واقعين على صدورهم , لازمين ~~مكانا واحدا , لا يقدرون على حركة أصلا , لأنه لا أرواح لهم . | ولما كان ~~من المقاصد العظيمة الدلالة على اتباع بعض هذه الأمم بعضا في الخير والشر ~~على نسق , والجري بهم في إهلاك المكذبين وإنجاء المصدقين طبقا عن طبق , ~~وكان إهلاك عاد وثمود - لما اشتهروا به من قوة الأبدان , ومتانة الأركان - ~~في غاية الغرابة , وكان معنى ختام قصة مدين : فأهلكناهم , عطف عليه على ذلك ~~المعنى قوله : { وعادا } أي وأهلكنا ايضا عادا { وثمودا } مع ما كانوا فيه ~~من العتو , والتكبر والعلو { وقد تبين لكم } أي ظهر بنفسه غاية الظهور أيها ~~العرب أمرهم { من مساكنهم } أي ما وصف من هلاكهم وما كانوا فيه من شدة ~~الأجسام , وسعة الأحلام , وعلو الاهتمام , وثقوب الأذهان , وعظيم الشأن , ~~عند مروركم بتلك المساكن , ونظركم إليها في ms3700 ضربكم في التجارة إلى الشام , ~~فصرفوا أفكارهم في الإقبال على الاستمتاع بالعرض الفاني من هذه الدنيا , ~~فأملوا بعيدا , وبنوا شديدا , ولم يغن عنهم شيء من ذلك شيئا من أمر الله { ~~وزين لهم } في غاية التزيين { الشيطان } اي بعيد من الرحمة , المحترق ~~باللعنة , بقوة احتياله , ومحبوب ضلاله ومحاله { أعمالهم } أي الفاسدة , ~~فأقبلوا بكليتهم عليها مع العدو المبين , وأعرضوا عن الهداة الناصحين . | ~~ولما تسبب عن هذا التزيين منعهم لعماهم عن الصراط المستقيم قال : { فصدهم ~~عن السبيل } أي منعهم عن سلوك الطريق الذي لا لا طريق إلا هو , لكونه يوصل ~~إلى النجاة , وغيره يوصل إلى الهلاك , فهو عدم بل العدم خير منه . | ولما ~~كان ذلك ربما ظن أنه لفرط غباوتهم قال : { وكانوا } أي فعل بهم الشيطان ما ~~فعل من الإغواء والحال أنهم PageV05P558 كانوا فيه في غاية التمكن { ~~مستبصرين * } اي معدودين بين الناس من البصراء العقلاء جدا لما فاقوهم مما ~~يعلمون من ظاهر الحياة الدنيا , ولم يسبقونا , بل أوقعناهم بعملهم السيئات ~~فيما اردنا من أنواع الهلكات , فاحذروا مثل مصارعهم فإنكم لا تشابهونهم في ~~القوة , ولا تقاربونهم في العقول . | < < # | العنكبوت : ( 39 - 41 ) وقارون وفرعون وهامان . . . . . # > > ^ ( وقارون وفرعون وهامان ولقد جآءهم موسى بالبينات فاستكبروا في ~~الأرض وما كانوا سابقين * فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ~~ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان ~~الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون * مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~أوليآء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا ~~يعلمون ) ^ } ) | ولما كان لفرعون ومن ذكر معه من العتو بمكان لا يخفى , ~~لما أتوا من القوة بالأموال والرجال قال : { وقارون } أي أهلكناه وقومه لأن ~~وقوعه في أسباب الهلاك أعجب , لكونه من بني إسرائيل , ولأنه ابتلى بالمال ~~والعلم , فكان ذلك سبب إعجابه , فتكبر على موسى وهاورن عليهما السلام فكان ~~ذلك سبب هلاكه { وفرعون وهامان } وزيره الذي أوقد له على الطين , فلا هو ~~نجا ولا كان رأسا في الكفر , بل باع سعادته بكونه ms3701 ذنبا لغيره . | ولما كان ~~هلاكهم مع رؤية الآيات أعجب , فكان جديرا بالإنكار , إشارة إلى أن رؤية ~~الآيات جديرة بأن يلزم عنها الإيمان قال : { ولقد جاءهم موسى بالبيانات } ~~أي التي لم تدع لبسا فتسببوا عما يقتضيه من الاستبصار الاستكبار { ~~فاستكبروا } أي طلبوا أن يكونوا أكبر من كل كبير بأن كانت أفعالهم افعال من ~~يطلب ذلك { في الأرض } بعد مجيء موسى عليه الصلاة والسلام إليهم أكثر مما ~~كانوا قبله . | ولما كان من يتكبر - وهو عالم بأنه مأخوذ - أشد لوما ممن ~~يجهل ذلك قال : { وما كانوا } اي الذين ذكروا هذا كلهم , كونا ما { سابقين ~~* } أي فائتين ما نريدهم , بأن يخرجوا من قبضتنا , بل هم في القبضة كما ~~ذكرنا أول السورة وهم عالمون بذلك { فكلا } أي فتسبب عن تكذيبهم وعصيانهم ~~أن كلا منهم { أخذنا } أي بما لنا من العظمة { بذنبه } أخذ عقوبة ليعلم أنه ~~لا أحد يعجزنا { فمنهم من أرسلنا عليه } إرسال عذاب يا له عذاب ! { حاصبا } ~~أي ريحا ترمى لقوة عصفها وشدة قصفها بالحجارة كعاد وقوم لوط { ومنهم من ~~أخذته } أخذ هلاك وغضب وعذاب , وعدل عن أسلوب PageV05P559 العظمة لئلا يوهم ~~الإسناد في هذه إليه صوتا ليوقع في مصيبة التشبيه { الصيحة } التي تظهر ~~شدتها الريح الحاملة لها الموافقة لقصدها فترجف لعظمتها الأرض كمدين وثمود ~~{ ومنهم من } وأعاد أسلوب العظمة الماضي لسلامة من الإيهام المذكور في ~~الصيحة وللتنبيه على أنه لا يقدر عليه غير الله سبحانه ففيه من الدلالة على ~~عظمته ما يقصر عنه الوصف فقال : { خسفنا به الأرض } بأن غيبناه فيها كقارون ~~وجماعته { ومنهم من أغرقنا } بالغمر في الماء كقوم نوح وفرعون وجنوده , ~~وعذاب قوم لوط صالح للعد في الإغراق والعد في الخسف , فتارة نهلك بريح تقذف ~~بالحجارة من السماء كقوم لوط , أو من الأرض كعاد , وأخرى بريح تقرع بالصرخة ~~الأسماع فتزلزل القلوب والبقاع , ومرة نبيد بالغمس في الكثيف وكرة بالغمر ~~في اللطيف - فلله در الناظرين في هذه الأوامر النافذة , والمتفكرين في هذه ~~الأقضية الماضية , ليعلموا حقيقة قوله { وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا ms3702 في ~~السماء } - الآية . | ولما كان ذلك ربما جر لأهل التعنت شيئا مما اعتادوه ~~في عنادهم قال : { وماكان الله } اي الذي لا شيء من الجلال والكمال إلا هو ~~وله { ليظلمهم } أي مريدا ليعاملهم معاملة الظالم الذي يعاقب من لا جرم له ~~, أو من أجرم ولم يتقدم إليه بالنهي عن إجرامه ليكف فيسلم , أو يتمادى ~~فيهلك لأنه لا نفع يصل إليه سبحانه من إهلاكهم , ولا ضرر يلحقه عز شأنه من ~~إيفائهم { ولكن كانوا } اي هم لا غيرهم { أنفسهم } لا غيرها { يظلمون * } ~~بارتكابهم ما أخبرناهم غير مرة أنه يغضبنا وأنا نأخذ من يفعله , فلم يقبلوا ~~النصح مع عجزهم , ولا خافوا العقوبة على ضعفهم , وأما ما عبدوه ورجوا نصره ~~لهم وأملوه فأضعف منهم , ولكون شيء منه لم يغن عن أحد منم شيئا فلم تختل ~~سنة الله في أوليائه وأعدائه في قرن من القرون ولا عصر من العصور , بل جرت ~~على أقوم نظام , واتقن إحكام , وصل بذلك قوله تعالى على وجه الاستنساخ : { ~~مثل الذين } . | ولما كان دعاء غير الله مخالفا لقويم العقل , وصريح النقل ~~, وسليم الفطرة وصصحيح الفكرة فكان ذلك يحتاج إلى تدرب غلى الجلافة , وتطبع ~~في الكثافة , قال : { اتخذوا } اي تكلفوا أن أخذوا . | ولما كانت الرتب تحت ~~رتبته سبحانه لا تحصى , وكل الرتب دون رتبته , قال منبها على ذلك بالجار : ~~{ من دون الله } أي الذي لا كفوء له , فرضوا بالدون , عوضا عمن لا تكفيه ~~الأوهام والظنون { أولياء } ينصرونهم بزعمهم من معبودات وغيرها , في الضعف ~~والوهي { كمثل العنكبوت } الدابة المعروفة ذات الأرجل الكثيرة الطوال ؛ ثم ~~استأنف ذكر وجه الشبه وعبر عنها بالتأنيث وإن كانت تقال بالتذكير تعظيما ~~لضعفها , PageV05P560 لأن المقام لضعف ما تبنيه فقال : { اتخذت بيتا } اي ~~تكلفت أخذه في صنعتها له ليقيها الردى , ويحميها البلا , كما تكلف هؤلاء ~~اصطناع أربابهم لينفعوهم , ويحفظوهم بزعمهم ويرفعوهم , فكان ذلك البيت مع ~~تكلفها في أمره , وتعبها الشديد في شأنه , في غاية الوهن . | ولما كان ~~حالها في صنعها حال من ينكر وهنه , قال مؤكدا : { وإن } و واوه للحال من ms3703 ~~ضمير - { اتخذت } أي والحال أنه أوهن - هكذا كان الأصل , ولكنه أظهر ~~للتعميم فقال : { أوهن البيوت } اي أضعفها { لبيت العنكبوت } التي عانت في ~~حوكه ما عانت وقاست في نسجه ما قاست , لأنه لا يكن من حر , ولا يصون من برد ~~, ولا يحصن عن طالب , كذلك ما اتخذ هؤلاء من هذه الأوثان , وهذا الدين الذي ~~لا أصل له فهو أوهن الأديان وأهونها { لو كانوا يعلمون * } أي لو كان لهم ~~ما من العلم لاتنفعوا به فعلموا أن هذا مثلهم , فأبعدوا عن اعتقاد ما هذا ~~مثله . | < < # | العنكبوت : ( 42 - 46 ) إن الله يعلم . . . . . # > > ^ ( إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم * وتلك ~~الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا العالمون * خلق الله السماوات والأرض ~~بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين * اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة ~~إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون * ~~ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا ~~آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ) ^ ~~} ) | ولما انتفى نفعهم بعلمهم , صح نفيه , فكانوا وإياها على حد سواء , ~~ليس لفريق منهما شيء مما نوى , فيا لها من صفقة خاسرة , وتجارة كاسدة بائرة ~~. | ولما كان ضرب المثل للشيء لا يصح إلا من العالم بذلك الشيء , وكان ~~النصير على شيء لا يمكن أن يتوجه إلى معارضته إلا أن إلا إن كان يعلمه ~~ويعلم مقدار قدرته , وعدة جنوده , وصل بذلك أن هذا شأنه سبحانه وأن شؤكاءهم ~~في غاية البعد عن ذلك , فكيف يعلقون بنصرهمم آمالهم , وزاد ذلك حسنا تعقيبه ~~لنفي العلم عنهم , فقال إشارة إلى جهلهم في إنكارهم أن يقدر أحد على إهلاك ~~آلهتهم التي هي أو هي الأشياء : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { يعلم ~~} بما له من تلك الصفات { ما } اي الذي { يدعون } اي الذين ضرب لهم المثل , ~~أو أنتم - في قراءة الفوقانية التفاتا إلى أسلوب الخطاب إيذانا بالغضب { من ~~دونه } إشارة إلى ms3704 سفول رتبتهم , وأكد العموم بقوله : { من شيء } أي سواء ~~كان نجما PageV05P561 أو صنما أو ملكا أو جنيا أو غيره , وهم لا يعلمونه ~~ولا يعلمون شيئا مما يتوصلون إليه , فكيف يشفعون عنده أو ينصرون منه , ~~وإليه الإشارة بقوله : { وهو العزيز } اي عن أن يعلمه يعلمه شركاؤهم أويحيط ~~به أحدا علما , أو يمتنع عليه شيء يريده ؛ وجوزوا ان تكون ما نفية , أي شيء ~~يعتد به . | ولما كان ذلك ربما أفهم أنه لا يعلم أصلا قال : { الحكيم * } ~~أي البالغ العلم , الواضع كل شيء يريده في أكمل مواضعه , فابطن نفسه ~~بكبريائه وجلاله حتى لا باطن سواه , وأظهرها بأفعاله وما كشف من جماله حتى ~~لا ظاهر في الحقيقة غيرهن وهو يغلب من شاء بعزته , ويمهله إن شاء بحكمته , ~~فلا يغتر أحد بإمهاله فيظن أنه لإهماله . | ولما فرغ من مثلهم ومما تتوقف ~~صحته عليه , كان كأنه قيل على وجه التعظيم لهذا المثل : هذا مثلهم فعطف ~~عليه قوله إشارة إلى أمثال القرآن كلها تعظيما لها وتنبيها على جليل قدرها ~~وعلي شأنها : { وتلك الأمثال } اي العالية عن أن تنال بنوع احتيال ؛ ثم ~~استأنف قوله : { نضربها } بما لنا من العظمة , بيانا { للناس } تصويرا ~~للمعاني المعقولات بصور المحسوسات , لعلها تقرب من عقولهم فينتفعوا بها , ~~وهكذا حال التشبيهات كلها في طرق للإفهام إلى المعاني النحتجبة في الأستار ~~, تبرزها وتكشف عنها وتصورها . | ولما كانوا يتهكمون بما رأوه من الأمثال ~~مذكورا به الذباب والبعوض ونحوهما قال مجملا لهم : { وما يعقلها } أي حق ~~عقلها فينتفع بها { إلا العالمون * } أي الذين هيئوا للعلم وجعل لهم طبعا ~~بما بث في قلوبهم من أنواره , وأشرق في صدورهم من أسراره , فهم يضعون ~~الأشياء مواضعها ؛ روى الحارث بن أبي أسامة عن جابر رضي الله تعالى عنهما ~~أن النبي صلى الله لعيه وسلم قال : ( العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته ~~واجتن سخطه ) قال البغوي : والمثل كلام شائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول . | ~~ولما قدم أنه لا معجز له سبحانه , ولا ناصر لمن أخذ , وصحح ذلك بالمشاهدة ~~في القرون البائدة , وقربه ms3705 إلى الأذهان بالمثل المستوي على غاية البيان , ~~وختم ذلك أنه حجب فهمه عن أكثر خلقه , دل على ذلك كله بقوله مظهرا لقوته ~~وسائر صفات كماله , بعد ما حقق أن أولياءهم في أنزل مراتب الضعف { خلق الله ~~} أي الذي لا يداني في PageV05P562 عظمة ولا جلال , ولا جمال ولا كمال { ~~السماوات والأرض بالحق } أي الأمر الذي يطابقه الواقع , أو بسبب إظهار أن ~~الواقع يطابق إخباره , أو بسبب إثبات الحق وإبطال الباطل , فلا تجد أحدا ~~يفهم عنه حق الفهم مع تساويهم في الإنسانية إلا وهو من أهل السكينة , ~~والإخبات والطمأنينة , ولا يعجزه أحد عصى أنبياءه , فبانتعزته , وظهرت ~~حكمته , فطابق الواقع ما أخبر به , وأيضا فالأمثال إنما تكون بالمحسوسات , ~~وهي إما سماوية أو أرضية , فإيجاد هذه الموجودات إنما هو لأجل العلم بالله ~~تعالى . | ولما كان المراد بالعالم قد يخفي , بينه بقوله مشيرا بالتأكيد ~~إلى أن حالهم في عدم الانتفاع بالنظر فيها حال من ينكر أن يكون فيها دلالة ~~: { إن في ذلك } أي الأمر العظيم من تأملهم لمطابقة الواقع لإخباره سبحانه ~~, فلا يخبر بشيء إلا كان الواقع منهما أو مما فيهما يطابقه سواء بسواء { ~~لآية } أي دلالة مسعدة { للمؤمنين * } أي الذين هم العالمون في الحقيقة , ~~حداهم علمهم بما في الكونين من المنافع المترتبة على النظام المعروف مع ما ~~في خلقهما أنفسهما مع كبر الأجرام وبديع الإحكام , على الإيمان بجميع ما ~~أخبر به حتى لم يكن عندهم نوع شك , وصار لهم صفة لا تنفك . | ولما افاد هذا ~~الخبر كله القرآن الذي لا حق أحق منه , ودل على أن فهم أمثاله يحتاج إلى ~~مزيد علم , وأ , مفتاح العلم به سبحانه رسوخ الإيمان , خاطب رأس أهل ~~الإيمان لأنه أعظم الفاهمين له ليقتدي به الأتباع فقال : { اتل ما } أي ~~تابع قراءته ؛ ودل على شرفه لا ختصاصه به بقوله : { أوحي إليك } إذ الوحي ~~الإلقاء سرا { من الكتاب } أي الجامع لكل خير , فإنه المفيد للإيمان , مع ~~أنه الحق الذي خلقت السماوات والأرض لأجله , والإكثار في تلاوته يزيد بصيرة ~~في أمرهن ويفتح ms3706 كنوز الدقائق من علمه , وهو أكرم من أن ينيل قارئه فائده ~~وأجل من أن يعطي قياد فوائده ويرفع الحجاب عن جواهره وفرائده في أول مرة , ~~بل كلما ردده القارىء بالتدبر حباه بكنز من أسراره , ومهما زاد زاده من ~~لوامع أنواره , إلى أن يقطع بأن عجائبه لا تعد , وغرائبه لا تحد . | ولما ~~أرشد إلى مفتاح العلم , دل قانون العمل الذي لايصح إلا بالقرآن , وهو ما ~~يجمع الهم , فيحضر القلب , فينشرح الصدر , فينبعث الفكر في رياض علومه , ~~فقال : { وأقم الصلاة } أي التي هي أحق العبادات , ثم علل ذلك بقوله دالا ~~بالتأكيد على فخامة أمرها , وأنه مما يخفى على غالب الناس : { إن الصلاة ~~تنهى } أي توجد النهي وتجدده للمواظب على إقامتها بجميع حدودها { عن ~~الفحشاء } أي الخصال ألتي بلغ قبحها { والمنكر } أي الذي فيه نوع قبح وإن ~~دق , وأقل ما فيها من النهي النهي عن PageV05P563 تركها الذي هو كفر , ومن ~~انتهى عن ذلك انشرح صدره , واتسع فكره , فعلم من أسرار القرآن ما لا يعلمه ~~غير < # > 77 ( { واتقوا الله ويعلمكم الله } ) 77 < # > [ البقرة : 282 ] . | ولما كان الناهي في الحقيقة إنما هو ذكر الله , ~~أتبع ذلك الحث على روح الصلاة والمقصد الأعظم منها , وهو المراقبة لمن يصلي ~~له حتى كأنه يراه ليكون بذلك في أعظم الذكر بقوله : { ولذكر الله } أي ولأن ~~ذكر المستحق لكل صفة كمال { أكبر } اي من كل شيء , فمن استحضر ذلك بقلبه ~~هان عنده كل شيء سواه ( إن عبدي كل عبدي للذي يذكرني عند لقاء قرنه ) أو ~~يكون المراد أن من واظب على الصلاة ذكر الله , ومن ذكره أوشك أن يرق قلبه , ~~ومن رق قلبه استنار لبه , فأوشك أن ينهاه هذا الذكر المثمر لهذه الثمرة عن ~~المعصية , فكان ذكر الذاكر له سبحانه أكبر نهيا له عن المنكر من نهي الصلاة ~~له , وكان ذكره له سبحانه كبيرا , كما قال تعالى { فاذكروني أذكركم } وإذا ~~كان هذا شأن ذكر العبد لمولاه , فما ظنك بذكر مولاه له كلما أقبل عليه ~~بصلاة فإنه جدير بأن يرفعه غلى ms3707 حد لا يوصف , ويلبسه من أنواره ملابس لا ~~تحصر . | ولما كان ذلك يحتاج إلى علاج لمعوج الطباع ومنحرف المزاج , وتمرن ~~على شاق الكلف , ورياضة لجماح النفوس , وكان صلى الله عليه وسلم قد نزه عن ~~ذلك كله لما جبل عليه من أصل الفطرة , ثم بما غسل به قلبه نم ماء الحكمة , ~~وغير ذلك من جليل النعمة , عدل إلى خطاب الأتباع يحثهم على المجاهدة فقال : ~~{ والله } أي المحيط علما وقدرة { يعلم } أي في كل وقت { ما تصنعون * } من ~~الخير والشر , معبرا بلفظ الصنعة الدال على ملازمة العمل تنبيها على أن ~~إقامة ما ذكر تحتاج إلى تمرن عليه وتدرب , حنى بصير طبعا صحيحا , ومقصودا ~~صريحا . | ولما انتهى الكلام إلى روح الدين وسر اليقين مما لا يعلمه حق ~~علمه إلا العلماء بالكتب السماوية والأخبار الإلهية , وكان العالم يقدر على ~~إيراد الشكوك وترويج الشبه , فربما اضل بالشبهة الواحدة النيام من الناس , ~~بما له عندهم من القبول , وبما للنفوس من النزوع إلى الأباطيل , وبما ~~للشيطان في ذلك من التزيين , وكان الجدال يورث الإجن , ويفتح أبواب المحن , ~~فيحمل على الضلال , قال تعالى عاطفا على { اتل } نخاطبا لمن ختم الآية ~~بخاطابهم تنزيها لمقامه صلى الله عليه وسلم عن المواجهة بمثل ذلك تنبيها ~~على أنه لا يصوب همته الشريفة إلى مثل ذلك , لأنه ليس في طبعه المجادلة , ~~والمماراة والمغالبة : { ولا تجادولوا أهل الكتاب } اي اليهود والنصارى ظنا ~~منكم أن الجدال ينفع الدين , أو يزيد في اليقين , أو يرد أحدا عن ضلال مبين ~~{ إلا بالتي } أي بالمجادلة التي { هي أحسن } اي بتلاوة الوحي الذي امرنا ~~راس العابدين بإدامة تلاوته فقط , وهذا كما تقدم عند قوله تعالى في سبحان < # > 77 ( { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن } ) 77 < # > [ الإسراء : 53 ] . | PageV05P564 ولما كان كل من جادل منهم في القرآن ~~ظالما , كان من الواضح أن المراد بمن استثنى في قوله تعالى : { إلا الذين ~~ظلموا منهم } أي تجاوزوا في الظلم بنفي صحة القرآن وإنكار إعجازه مثلا وأن ~~يكون على أساليب الكتب المتقدمة , أو مصدقا لشيء ms3708 منها , أو بقولهم ^ ( { ما ~~أنزل الله على بشر من شيء } ) ^ [ الأنعام : 91 ] ونحو هذا من افترائهم , ~~فإن هؤلاء يباح جدالهم ولو أدى إلى جلادهم بالسيف , فإن الدين يعلو ولا ~~يعلى عليه . | ولما نهى عن موجب الخلاف , أمر بالاستعطاف , فقال : { وقولوا ~~آمنا } اي أوقعنا الإيمان { بالذي أنزل إلينا } أي من هذا الكتاب المعجز { ~~وأنزل إليكم } من كتبكم , يعني في أن أصله حق وإن كان قد نسخ منه ما نسخ , ~~وما حدثوكم به من شيء ليس عندكم ما يصدقه ولا ما يكذبه فلا تصدقوهم ولا ~~تكذبوهم , فإن هذا أدعى إلى الإنصاف , وأنفى للخلاف . | ولما لم يكن هذا ~~جامعا للفريقين , أتبعه بما يجمعهما فقال : { وإلهنا وإلهكم } ولما كان من ~~المعلوم قطعا أن المراد به الله , لأن المسلمين لا يعبدون غيره , وكان جميع ~~الفرق مقرين بالإلهية ولو بنوع إقرار لم تدع حاجة إلى أن يقول { إله } كما ~~في بقية الآيات فقال : { واحد } إلى لا إله لنا غيره وإن ادعى بعضكم عزيرا ~~والمسيح { ونحن له } خاصة { مسملون * } أي خاضعون منقادون أتم انقياد فيما ~~يأمرنا به بعد الأصول من الفروع سواء كانت موافقة لفروعكم كالتوجه بالصلاة ~~إلى بيت المقدس , أو ناسخة كالتوجه إلى الكعبة , ولا تنخذ الأحبار والرهبان ~~أربابا من دون الله لنأخذ ما يشرعونه لنا مخالفا لكتابة وسنة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم , فنكون حينئذ قد خضعنا لهم وتكبرنا عليه فأوقعنا الإسلام في غير ~~موضعه ظلما . | < < # | العنكبوت : ( 47 - 50 ) وكذلك أنزلنا إليك . . . . . # > > ^ ( وكذلك أنزلنآ إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن ~~هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنآ إلا الكافرون * وما كنت تتلو من قبله من ~~كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون * بل هو آيات بينات في صدور ~~الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنآ إلا الظالمون * وقالوا لولا أنزل عليه ~~آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنمآ أنا نذير مبين ) ^ } ) | ولما ~~كان التقدير تعليلا للأمر بهذا القول : إنا أنزلنا كتبهم إلى رسلهم , عطف ~~عليه قوله مخاطبا للرأس تخصيصا له لئلا يتطرق ms3709 لمتعنت طعن عموم أو اتهام في ~~المنزل عليه : { وكذلك } اي ومثل ذلك الإنزال الذي أنزلناه إلى أنبيائهم { ~~أنزلنا إليك الكتاب } PageV05P565 أي هذا القرآن الذي هو الكتاب في الحقيقة ~~, لا كتاب غيره في علو كماله , في نظمه ومقاله , مصدقا لما بين يديه : { ~~فالذين } أي فتسبب عن إنزالنا له على هذا المنهاج أن الذين { آتيناهم } اي ~~إيتاءا يليق بعظمتنا , فصاروا يعرفون الحق من الباطل { الكتاب } اي من قبل ~~{ يؤمنون به } أي بهذا الكتاب حقيقة كعبد الله بن سلام ومخيريق رضي الله ~~عنهما , أو مجازا بالمعرفة به مع الكفر كحيي بن أخطب وخلق كثير منهم { ومن ~~هؤلاء } أي العرب { من يؤمن به } أس كذلك في الحقيقة والمجاز في المعرفة ~~بالباطن بأنه حق لما اقامه من البرهان على ذلك بعجزهم عن معارضته مع الكفر ~~به , وأدل دليل على ما أردته من الحقيقة والمجاز قوله : { وما يجحد } أي ~~ينكر من الفريقين بعد المعرفة , قال البغوي : قال قتادة : الجحود إنما يكون ~~بعد المعرفة . | { بآياتنا } التي حازت أقصى غايات العظمة حتى استحقت ~~الإضافة إلينا { إلا الكافرون * } أي العريقون في ستر المعارف بعد ظهورها ~~طمعا في إطفاء نورها . | ولما اشار إلى أن المنكر لأصل الوحي متوغل في ~~الكفر , دل على ذلك بحال المنزل إليه صلى الله عليه وسلم فقال مسليا له : { ~~وما } أي أنزلناه إليك والحال أنك ما { كنت تتلوا } أي تقرأ مواصلا مواظبا ~~في وقت ما . | ولما كان المراد نفي التلاوة عن كثير الزمن الماضي وقليله , ~~أدخل الجار فقال { من قبله } اي هذا الكتاب الذي أنزلناه إليك ؛ وأكد ~~استغراق الكتب فقال : { من كتاب } أصلا { ولا تخطه } أي تجدد وتلازم خطه ؛ ~~وصور الخط وأكده بقوله : { بيمينك } أي التي هي أقوى الجارحتين , وعبر بذلك ~~إشارة إلى أنه لا تحدث الريبة ئفي أمره لعاقل إلا بالمواظبة لمثل ذلك ~~مواظبة قوية ينشأ عنها ملكة , فكيف إذا لم يحصل أصل الفعل , ولذلك قال : { ~~إذا } أي إذ لو كان شيء من هذه المواظبة في التلاةو أو الخط التي يحصل بها ~~الدربة الموروثة للملكة ms3710 { لارتاب } أي لساغ أن تلكف أنفسهم لدخول في الريب ~~أي الشك { المبطلون * } أي هؤلاء الذين ينكرون الوحي إليك من أهل الكتاب ~~ومن العرب , ويقولون : هو سجع وكهانة وشعر وأساطير الأولين , العريقون في ~~وصف الإبطال , أي الدخول في الباطل , فكانوا يجدون مطعنا , فتقول العرب : ~~لعله اخذه من كتب الأقدمين , ويقول الكتابيون : المبشر به عندنا أمي . | ~~ولكنه لم يكن شيء من قراءة ولا خط كما هو معروف من حالك فضلا عن الماظبة ~~لشيء منهما , فلا ريبة في صداقك في نسبته إلى الله تعالى , وإذا انتفت ~~الريبة من أصلها صح نفي ما عندهم منها , لأنه لما لم يكن لهم في الواقع ~~شبهة , عدت ريبتهم عدما , وسموا مبطلين على تقدير هذه الشبهة , لقيام ~~المعجزات القاطعة بالرسالة , القاضية PageV05P566 بالصدق , كما قضت بصدق ~~أنبيائهم مع أنهم يكتبون ويقرؤون , وكتبهم لم تنزل للإعجاز , فصح أنهم ~~يلزمهم الاتصاف بالإبطال بالارتياب على كل تقدير من تقديري الكتابة والقرءة ~~وعدمهما , لأن العمدة على المعجزات . | ولما كان التقدير : ولكنه لا ريبة ~~لهم أصلا ولا شبهة , لقولهم : إنه باطل , قال : { بل هو } أي القرآن الي ~~جئت به وارتابوا فيه فكانوا مبطلين لذلك على كل تقدير { آيات } اي دلالات { ~~بينات } أي واضحات جدا في الدلالة على صدقك { في صدرو الذين } ولما كان ~~المقصود المبالغة في تعظيم العلم , بني للمفعول , أظهر ما كان أصله الإضمار ~~فقال : { أتوا العلم } دلالة على أنه العلم الكامل النافع , فلا يقدر أحد ~~على تحريف شيء منه لبيان الحق لديهم , وفي ذلك إشارة إلى أن خفاءه عن غيرهم ~~لا أثر له , ولما كان المراد بالعلم النافع , قال إشارة إلى عظمته فقال : { ~~بآياتنا } أي ينكرها بعد المعرفة على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا ~~والبيان الذي لا يجحده أحد { إلا الظالمون * } أي الراسخون في الظلم الذي ~~لا ينتفعون بنورهم في وضع كل شيء في محله , بل هم في وضع الأشياء في غير ~~محلها كالماشي في الظلام الذي تأثر عن وصفهم أولا بالكفر الذي هو تغطية ~~أنوار العقول . | ولما كان التقدير : فجحدوها ms3711 بما لهم من الرسوخ في الظلم ~~أصلا ورأسا , ولم يعدوها آيات فضلا عن كونها بينات , عطف عليه قوله : { ~~وقالوا } موهمين مكرا وإظهار النصفة بالاكتفاء بأدنى ما يدل على الصدق : { ~~لولا } أي هلا { أنزل عليه } أي على أي وجه كان من وجوه الإنزال { آية } أي ~~واحدة تكون بحيث تلد قطعا على صدق الآتي بها { من ربه } أي الذي يدعي ~~إحسانه إليه كما أنزل على الأنبياء قبله من نحو ناقة صالح عصا موسى ونحوهما ~~, انستدل به على صدق مقاله , وصحة ما يدعيه من حاله هذا على قراءة ابن كثير ~~وحمزة والكسائي وأبي بكر بالإفرادن وجمع غيرهم دلالة علة أن فريقا آخر ~~قالوا : إن مثل هذا المهم العظيم لا يثبت إلا بآيات متعددة , وأوهموا ~~مكابرة وعنادا أن ذلك لم يقع , وإن وقع ما يسمى آية . | ولما كان هذا ~~الإنكار للشمس بعد شروقها , ومكابرة فيما تحدى به من المعجزات بعد حقوقها , ~~أشار إليه بقوله : { قل } أي لهم إرخاء للعنان حتى كأنك ما أتيتهم بشيء : { ~~إنما الآيات عند الله } أي الذي له الأمر كله فلا يقدر على إنزال شيء منها ~~غيره , فإنما الإله هو لا سواه { وإنما أنا نذير } أقوم لكم بما حملني ~~وكلفني من النذارة , دالا عليه بما أعطيت من الآيات , على أن PageV05P567 ~~المقصود من الآية الدلالة على الصدقن وهي كلها في حكم آية واحدة في ذلك , ~~ولم يذكر البشارة لأنه ليس أسلوبها { مبين * } أي اوضح ما آتى به من ذلك ~~بعد أن أوضح صحة كوني نذيرا , فليس إلي إنزال الآيات ولا طلبها اقتراحا على ~~الله , فهو قصر قلب فيهما , خوطب به من لزمه ادعاء أن إنزال الآيات إليه ~~صلى الله عليه وسلم وأن أمره الإتيان بما يريد أو يطلب منه . | < < # | العنكبوت : ( 51 - 55 ) أو لم يكفهم . . . . . # > > ^ ( أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة ~~وذكرى لقوم يؤمنون * قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات ~~والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون * ويستعجلونك ~~بالعذاب ولولا ms3712 أجل مسمى لجآءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون * ~~يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين * يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ~~ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون ) ^ } ) | ولما أفرحهم بما كأنه ~~تسليم لمدعاهم , وكان من البين أن لسان الحال يقول : ألم يكفهم ما جئتهم به ~~من الآيات المرئيات والمسموعات , وعجزوا عن الإتيان بشيء منها , عطف على ~~ذلك قوله منكرا على جهلهم وعنادهم : { أو لم يكفهم } أي إن كانوا طالبين ~~للحق غير متعنتين آية بينة مغنية عن كل آية { أنا أنزلنا } بعظمتنا { عليك ~~الكتاب } أي الجامع لسعادة الدارين بحيث صار خلقا لك غالبا على حركاتك ~~وسكانتك { يتلى عليهم } أي يتجدد متابعة قراءته عليهم شيئا بعد شيء في كل ~~مكان وكل زمان من كل تال مصدقا لما في الكتب القديمة من نعتك وغيره من ~~الآيات الدالة على صدقك , يتحدون بك لشيء نزل منه مع تحديهم بما فبله من ~~آياته صباح مساء , يفعون بذلك مدى الدهر في أقفائهم ويدفعون , فكلما أرادوا ~~التقدم ردوا عجزا إلى ورائهم \ ن فأعظم به آية باقية , إذ كل ىية سواه ~~منقضية ماضيةن وقال الشيخ أبو العباس المرسي : خشع بعض الصحابة رضي الله ~~عنهم من سماع اليهود بقراءة التوراة وفي كلام الله فما ظنك بمن أعرض عن ~~كتاب الله وتخشع بالملاهي والغناء . | ولما كان هذا أعظم من كل آية ~~يقترحونها ولو توالى عليهم إتيانها كل يوم لدوام هذا على مر الأيام والشهور ~~, حتى تفنى الأزمان والدهور , أشار تعالى ‘ لى هذا العظمة , مع ما فيها من ~~النعمة , بقوله مؤكدا على جهلهم فيما لزم من كلامهم الأول من إنكار أن يكون ~~في القرآن آيه تدلهم على الصدق : { إن في ذلك } أي إنزال الكتاب على ~~PageV05P568 هذا الوجه البعيد المنال البديع المثال { لرحمة } لهم لصقله ~~صدأ القلوب في كل لحظة , وتطهيره خبث النفوس في كل لمحة { وذكرى } أي عظيمة ~~مستمرا تذكرها . | ولما عم بالقول , خص من حيث النفع فقال : { لقوم يؤمنون ~~* } أي يمكن أن يتجدد لهم إيمان , ليس من همهم التعنت , قال ms3713 الحرالي في ~~كتاب له في أصول الدين : ولما كان القرآن لسان إحاطة لم يف بالقيام به خلق ~~من خلق الله , لأنه ببناء على كليه أمر الله حتى أن السورة الواحدة منه لما ~~كان موقع الخطاب بها من مدد بنائه على إحاطة أمر الله لا يستطيعها أحد من ~~الخلق , وإذا كان الأقل من كلام العالم لا يستطيعه مندون رتبته , فعجز ~~الخلق عن كلام الله أحق وأولى , ثم كل ناظر فيه - من أي وجه نظره - أدرك ~~بمقتضى علوه على رتبته وجها من العجز فيه , إن كان فصيحا بليغا فمن جهة ~~البلاغة , ومعناها بلوغ الكلام في مطابقة أنبائه ويسمى الفصاحة , وحسن نظم ~~حروف كلماته ويسمى الجزالة , وكمال انتظام كلماته وآياته , ويسمى حسن النظم ~~- إلى أنهى غاياته وأتم نهاياته , وإن كان عالما بأخبار الأولين فبصحة ~~مقتضاها فيه , وإن كان حكيما فبالإعلام الأتم بوجه تقاضي المترتبات , ~~وبالجملة فما يكون لأحد اصل من عقل وحظ من علم - أي علم كان - إلا ويجد له ~~موقعا في القرآن , يفي له بحظ بيان علو مرتبة أنبائه على نهاية مدركة منه ~~بمقدار لا يرتاب في وقوعه فوق طور الخلق , فكان آية باقية دائمة لم يتفاوت ~~في تلقيه أول سامع له من آخر سامع في وجه سماعه , فكل نبي فقدت آيته بفقده ~~أو بفقد وقت ظهورها على يديه , وآية محمد صلى الله عليه وسلم باقية ببقاء ~~الله , فجهات ظهور إعجازه تأتي على حظوظ أصناف الخلق من وجوه الإدراك , لا ~~يتعين لظهور الإعجاز فيه جهة , ولا يفقد ناظر فيه حظا يتطرق بمقدار إدراكه ~~منه إلى يقين وجه إعجازه , وذلك لما كان محيطا بكل تفصيل وكل إجمال , ولم ~~يفرط فيه من شيء , وكان تفصيلا لكل شيء ولإحاطته بإثبات كل رتبة من رتب ~~حكمة الله تعالى لم يقدر أحد من الخلق في التوقف عن الإيمان به من الجن ~~والإنس والأحمر والأسود وجميع خلق الله , من يعرفه الناس منهم ومن لا ~~يعرفونهم ممن أحاط بهم علم العالمين بإعلام الله , ومن حكم إحاطة كتابة كان ~~ممكنا ms3714 من عالية كل ىية جاء بها نبي قبله ممن شاهد ذلك منه حاضروه , ونقله ~~نقل التواتر والاستفاضة حمله العلم خلفا عن سلف ؛ ثم رتب قياسا على إثبات ~~النبوة فقال : إن محمدا صلى الله عليه وسلم ذو ىية هذا القرآن المشهود , ~~وهذا القرآن المشهود معجز كل ذي إدراك , وبشرى من كل جهة من جهات معاينه ~~وبلاغته , فو آية هذا القرآن نبي , فمحمد صلى الله عليه وسلم نبي , أما أن ~~صلى الله عليه وسلم ذو أيته فبالتجرية السمعية المتيقتة المسماة بالتواتر , ~~وأما أن هذا القرآن معجز فيما يجده كل ناظر في معناه المشتمل على تمام ~~الحكمة فيما PageV05P569 هو كائن ونبأ ما كان من قبل وخبر ما يكون بعد ~~المتيقن بوقوع أوائله وقوع جملته وصحة خبره , وبذلك يتضح أن ذا آيته نبي , ~~ثم بما تضمنه من شهادته لذي آيته وتصريحه بذلك لمحمد صلى الله عليه وسلم , ~~فصح أن محمدا صلى الله عليه وسلم ذو ايته ؟ , وإنه نبي صلى الله عليه وسلم ~~, والمستعمل في ذلك أن محمدا صلى الله عليه وسلم تحدى بهذا القرآن العرب ~~الفصحاء واللد البلغاء , فلما لجؤوا للحرب وضح أنهم فروا لذلك المكان ما ~~وجدوه في أنفسهم من العجز , وإذا عجز أؤلئك فمن بعدهم أحق بالعجز , فلما ~~شمل العجز الكل من الخلق , وجب العلم بأن هذا القرآن حقن والمتحدي به نبي ~~جاء بالصدق , وحاصله : لو لم تعجز العرب لم تحارب ثقل الحرب وخفة المعارضة ~~لو استاطاعوان ولم يعارضوا وحاربوا فقد عجزوا , فثبت بذلك أنه نبي صلى الله ~~عليه وسلم انتهى . | ولما كان من المعلوم أنهم يقولون : نحن لا نصدق أن هذا ~~الكتاب من عند الله فضلا عن أن نكتفي به , قال : { قل } اي جوابا لما قد ~~يقولونه من نحو هذا : { كفى بالله } أي الحائز لجميع العظمة وسائر الكمالات ~~, الذي شهد لي بالرسالة في كتابة الذي أتبت أنه كلامه عجز الخلق عن معارضته ~~. | ولما كانت العناية في هذه السورة بذكر الناس , وتفصيل أحوالهم , ابتدأ ~~بقوله : { بيني وبينكم } قبل قوله : { شهيدا } بخلاف الرعد ms3715 والأنعام , ثم ~~وصف الشهيد أو علل كفايته بقوله : { يعلم ما في السماوات } أي كلها . | ~~ولما لم يكن للارض غير هذه التي يشاهدونها ذكر في إتيان الوحي والقرآن منها ~~, افرد فقال : { والأرض } أي لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو عليم بما ينسبونه ~~إلي من التقول عليه وبما أنسبه أنا إليه من هذا القرآن الذي شهد لي به عجزم ~~عنه فهو شاهد لي , والله في الحقيقة هو الشاهد لي , بما فيه من الثناء علي ~~, والشهادة لي بالصدق , لأنه قد ثبت بالعجز عنه أنه كلامه وسيتحقق بالعقل ~~إبطال المبطل منا . | ولما كان التقدير : وأنتم تعلمون أنه قد شهد لي بأني ~~على الحق , وأن كل ما خالف ما جئت به فهو باطل , فالذين آمنوا بالحق وكفروا ~~بالباطل فأؤلئك هو الفائزون , عطف عليه قوله : { والذين آمنو بالباطل } أي ~~الذي لا يجوز الإيمان به من كل معبود سوى الله { وكفروا بالله } الذي يجب ~~الإيمان به والشكر له , لأنه له الكمال كله وكل ما سواه هالك ليس له من ~~ذاته إلا العدم { أؤلئك } البعداء البغضاء { هم } اي خاصة { الخاسرون * } ~~أي الهريقون في الخسارة , فإنهم خسروا أنفسهم أبدا . | ولما كان قولهم مرة ~~واحدة ( لولا أنزل عليه آية ) عجبا , أتى بعد إخباره بخسارتهم بأعجب منه , ~~وهو استمرار استعجالهم بما لا قدرة لهم على شيء منه من عذاب الله ~~PageV05P570 فقال : { ويستعجلونك } أي يطلبون تعجيلك في كل وقت { بالعذاب } ~~ويجعلون تأخره عنهم شبهة لهم فيما يزعمون من التكذيب { ولو لا أجل مسمى } ~~قد ضرب لوقت عذابهم لا تقدم فيه ولا تأخر { لجاءهم العذاب } وقت استعجالهم ~~, لأن القدرة تامة والعلم محيط . | ولما أفهم هذا أنه لا بد من إتيانه , ~~صرح به في قوله مؤكدا ردا على استهزائهم المتضمن للإنكار : { وليأتينهم } ~~ثم هوله بقوله : { بغتة } وأكد معناها بقوله : { وهم لا يشعرون * } بل هم ~~في غاية الغفلة عنه والاشتغال بما ينسيه , ثم زاد في التعجب من جهلهم بقوله ~~مبدلا : { يستعجلونك بالعذاب } اي يطلبون منك إيقاعه بهم ناجزا ولو كان في ~~غير وقته الأليق ms3716 به , فلو علموا ما هم سائرون إليه لتمنوا أنهم لم يخلقوا ~~فضلا عن أن يستعجلواظ , ولأعملوا جميع جهدهم في الخلاص منه . | ولما كان ~~دخولهم النار لا بد منه لإحاطة القدرة بهم , قال مؤكدا لإنكارهم الآخرة ~~بإثبات أخص منها : { وإن جهنم } التي هي من عذاب الآخرة { لمحيطة } أي بما ~~هي مهيأة له , لأنه لا يفوتها شيء منه , لأن الذي أعدها عليم قدير , وقال : ~~{ بالكافرين * } موضع ( بهم ) تنبيها على ما استحقوا به عذابهان وتعميما ~~لكل مناتصف به . | ولما كان هذا كله دليلا على إنكارهم قال : { يوم } اي ~~يعلمون ذلك اليوم { يغشاهم العذاب } أي يلحقهم ويلصق بهم ما لا يدع لهم ~~شيئا يستعذبونهن ولا أمرا يستلذونه ونبه على عدم استغراق جهة الفوق مع ~~استعلائه عليهم بإثبات الجار فقال : { من فوقهم } ولما أفهم ذلك الإحاطة ~~بما هو أدنى من جهة الفوق , صرح به فقال : { ومن تحت أرجلهم } فعلم بذلك ~~إحاطته بجميع الجواتب , وصرح بالرجل تحقيقا للآدمي { ويقول } أي الله في ~~قراءة نافع وعاصم وحمزة والكسائي بالتحتانية جريا على الأسلوب الماضي , أو ~~نحن بعظمتنا في قراءة الباقين ترويعا بالالتفات إلى مظهر العظمة : { ذوقوا ~~} ما سببه لكم { ما كنتم } بغاية الرغبة { تعلمون * } أي في ذلك اليوم ~~تعلمون ذلك حق اليقين بعد علمكم له عين اليقين بسبب تكذيبكم بعلم اليقين . ~~| < < # | العنكبوت : ( 56 - 59 ) يا عبادي الذين . . . . . # > > ^ ( يعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون * كل نفس ذآئقة ~~الموت ثم إلينا ترجعون * والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة ~~غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين * الذين صبروا ~~وعلى ربهم يتوكلون ) ^ } ) | ولما أبلغ في الإنذار , وحذر من الأمور الكبار ~~, ولم يمهل الإشارة إلى الصغار , وكانت هذه الآيات في المتعنتين من الكفار ~~, وكتن قد كرر أن هذه المواعظ إنما هي PageV05P571 للمؤمنين , قال مخاطبا ~~لهم معرضا عن سواهم إذا كانت أسماعهم لبليغ هذه المواعظ قد أصغت , وقلوبهم ~~لجليل هذه الإنذارات قد استقظت , التفاتا على قراءة الجمهور إلى التلذيذ في ~~المناجاة بالإفراد والإبعاد من مداخل التعنت : { يا عبادي ms3717 } فشرفهم ~~بالإضافة , ولكنه لما أشار بأداة البعد إلى أن فيهم من لم يرسخ , حقق ذلك ~~بقوله : { الذين آمنوا } اي وإن كان الإيمان باللسان مع أدنى شعبة من القلب ~~. | ولما كان نزول هذه السورة بمكة , وكانوا بها مستخفين بالعبادة خوفا من ~~الكفار , وكانت الهجرة الأهل والأوطان شديدة , قال مؤكدا تنبيها على أن حال ~~من ترك الهجرة حال من يظن أن الأرض ضيقة : { إن أرضي واسعة } أي في الذات ~~والرزق وكل ما تريدون من الرفق , فإن لم تتمكنوا بسبب هؤلاء المعاندين ~~الذين يفتنونكم في دينكم ويمنعونكم من الإخلاص إلى في أرضكم والاجتهاد في ~~عبادتي حتى يصير الإيمان لكم وصفا , فهاجروا إلى ارض تتمكنون فيها من ذلك . ~~| ولما كانت الإقامة بها قبل الفتح مؤدية إلى الفتنة , وكان المفتون ربما ~~طاوع بلسانه , وكان ذلك وإن كان القلب مطمئنا بالإيمان في صورة الشرك قال : ~~{ فإياي } أي خاصة بالهجرة إلى ارض تأمنون فيها اعبدوا وتنبهوا { فاعبدون * ~~} بسبب ما دبرت لكم من المصالح من توسيع الأرض وغيره , عبادة لا شرك فيها , ~~لا باللسان ولا بغيره ولا استخفافا بها ولا مراعاة لمخلوق في معصيته , ولا ~~شيء يجر إليها بالهرب ممن يمنعكم من ذلك إلى من يعينم عليه . | ولما كانت ~~الهجرة شديدة المرارة لأنها مرت في المعنى من حييث كونها مفارقة المألوف ~~المحبوب من العشير والبلد والمال , وكان في الموت ذلك كله بزيادة , قال ~~مؤكدا بذلك مذكرا به مرهبا من ترك الهجرة : { كل نفس ذائقة الموت } أي ~~مفارقة كل ما ألفت حتى بدنا طالما لابسته , وآنسها وآنسته , فإن أطاعت ربها ~~أنجت نفسها ولم تنقصها الطاعة في الأجل شيئا , وإلا أوبقت نفسها ولم تزدها ~~المعصية في الأجل شيئا , فإذا قدر الإنسان أنه مات سهلت عليه الهجرة , فإنه ~~إن لم يفارق بعض مألوفه بها فارق كل مألوفه بالموت , وما ذكر الموت في عسير ~~إلا يسرهن ولا يسير إلا عسره وكدره . | ولما هون أمر الهجرة , حذر من رضي ~~في دينه بنوع نقص لشيء من الأشياء حثا على الاستعداد بغاية الجهد في التزود ms3718 ~~للمعاد فقال : { ثم إلينا } على عظمتنا , لا إلى غيرنا { ترجعون * } على ~~أيسر وجه , فيجازي كلا منكم بما عمل . | ولما كان التقدير : فالذين آمنوا ~~فلبسوا إيمانهم بنوع نقص لننقصهم في جزائهم , PageV05P572 والذين كفروا ~~لنركسنهم في جهنم دركات تخت دركات فبئس مثوى الظالمين , ولكنه لما تقدم ذكر ~~العذاب قريبا , وكان القصد هنا الترغيب في الإيمان كيفما كان , طواه ودل ~~عليه بأن عطف عليه قوله : { والذين آمنوا وعملوا } أي تصديقا لإيمانهم { ~~الصالحات } أي كلها . | ولما كان الكفار ينكرون البعث , فكيف ما بعده , أكد ~~قوله : { لنبوئنهم } أي لنسكننهم في مكان هو جدير بأن يرجع إليه من حسنه ~~وطيبه من خرج منه لبعض أغراضه , وهو معنى { من الجنة غرقا } أي بيوتا عالية ~~تحتها قاعات واسعة بهية عالية , وقريب من هذا المعنى قراءةة حمزة والكسائي ~~بالثاء المثلثة من ثوى بالمكان - إذا أقام به . | ولما كانت العلالي لا ~~تروض إلا بالرياض قال : { تجري } ولما كان عموم الماء لجهة التحت بالعذاب ~~أشبه , بعضه فقال : { من تحتها الأنهار } ومن المعلوم أنه لا يكون في موضع ~~أنهار , إلا كان به بساتين كبار , وزروع ورياض وأزهار - فيشرفون عليها من ~~تلك العلالي . | ولما كانت بحالة لا نكد فيها يوجب هجره في لحظة ما , كنى ~~عنه بقوله : { خالدين فيها } أي لا يبغون عنها حولا ؛ ثم عظم أمرها , شرف ~~قدرها , بقولهك { نعم أجر العاملين } ثم وصفهم بما يرغب في الهجرة , فقال ~~معرفا بجماع الخير كله الصبر وكونه على جهة التفويض لله , منبها على أن ~~الإنسان لا ينفك عن أمر شاق ينبغي الصبر عليه : { الذين صبروا } أي اوجدوا ~~هذه الحقيقة حتى استقرت عندهم فكانت سجية لهم , فأوقعوها على كل شاق من ~~التكاليف من هجرة وغيرها . | ولما كان الإنسان إلى المحسن إليع أميل , قال ~~مرغبا في الاستراحة بالتفويض إليه : { وعلى ربهم } أي وحده لا على أهل ولا ~~وطن { يتوكلون * } اي يوجدون التوكل إيجادا مستمر التجديد عند كل مهم يعرض ~~لهم إرزاقهم بعد الهجرة وغيرها وجهاد أعدائهم وغير ذلك من أمورهم . | < < # | العنكبوت : ( 60 - 63 ) وكأين من دابة ms3719 . . . . . # > > ^ ( وكأين من دآبة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع ~~العليم * ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن ~~الله فأنى يؤفكون * الله يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له إن الله ~~بكل شيء عليم * ولئن سألتهم من نزل من السمآء مآء فأحيا به الأرض من بعد ~~موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون ) ^ } ) | ولما أشار ~~بالتوكل إلىان الكافي في امر الرزق في الوطن والغربة , لا مال ولا أهل , ~~قال عاطفا على ما تقديره : فكأي من متوكل عليه كفاه , ولم يحوجه إلى أحد ~~PageV05P573 سواه فليبادر من أنقذه من الكفر وهداه إلى الهجرة طالبا لرضاه ~~: { وكأين من دابة } أي كثير من الدواب العاقلة وغيرها { لا تحمل } أي لا ~~تطيق أن تحمل { رزقها } ولا تدخر شيئا لساعة أخرى , لأنها قد لا تدرك نفع ~~ذلك , وقد تدركه وتتوكل , أو لا تجد . | ولما كان موضع أن يقال : فمن ~~يرزقها ؟ قال جوابا له : { الله } اي المحيط علما وقدرة , المتصف بكل كمال ~~{ يرزقها } وهي لا تدخر { وإياكم } وأنتم تدخرون , لا فرق بين ترزيقه لها ~~على ضعفها وترزيقه لكم على قوتكم وادخاركم , فإن الفريقين تارة يجدون وتارة ~~لا يجدونن فصار الادخار وعدمه غير معتد به ولا منظور إليه . | ولما كان أهم ~~ما للحيوان الرزق , فهو لا يزال في تدبيره بما يهجس في ضميره وينطق به إن ~~كان ناطقا ويهمهم به إن كان صامتا , أما العاقل فبأمور كلية , وأما غيره ~~فبأشياء جزئية وحدانية , وكان العاقل ربما قالك إني لا أقدر على قطع ~~العلائق من ذلك , قال تعالى : { وهو السميع } أي لما يمكن أن يسمع في أمره ~~وغير أمره { العليم * } أي بما يعلم من ذلك , وبما يصير إليه أمركم وأمر ~~عدوكم , فهو لم يأمركم بما أمركم به إلا وقد أعد له أسبابه , وهو قادر على ~~أن يسبب للمتوكل القاطع للعلائق ما يغنيهن ومن طالع كتب التصوف وتراجم ~~القوم وسير السلف - نفعنا الله بهم - وجد كثيرا من ذلك بما يبصره ويسليه ~~سبحانه ويصبره ms3720 . | ولما هون سبحانه بخطابه مع امؤمنين بعد أن كان قد ابلغ ~~في تنبيه الطكافرين بإيضاح المقال , وضرب الأمثال , ولين المحاورة في ~~الجدال , ولما كان الملك لا يتمكن غاية التمكن من ترزيق من في غير مملكته , ~~قال عاطفا على نحو : فلئن سألتهم عن ذلك ليصدقنك عائدا إلى استعطاف ~~المعرضين , واللطف بالفافلين , ناهجا في تفنين الوعظ أعني طرق الحكمة , فإن ~~السيد إذا كان له عبدان : مصلح ومفسد , ينصح المفسد , فإن لم يسمع التفت ~~إلى المصلح , إعراضا عنه قائلا : هذا لا يستحق الخطاب , فاسمع أنت ولا تكن ~~مثله , فكان قوله متضمنا نصح المصلح وزجر المفسد , ثم إذا سمع وعظ أخيه كان ~~ذلك محركا منه بعد التحريك بالإعراض والذم بسوء النظر لنفسه وقلة الفطنة , ~~فإذا خاطبه بعد هذا وجده متهيئا للقبول , نازعا إلى الوفاق , مستهجنا ~~للخلاف : { ولئن سالتهم } أي المؤمون وغيره , وأغلب القصد له : { من خلق ~~السماوات والأرض } وسواهما على هذا النظام العظيم { وسخر الشمس والقمر } ~~لإصلاح القواتن ومعرفة الأوقات , وغير ذلك من المنافع . | ولما كان حالهم ~~في إنكار العبث حال من ينكر أن يكون سبحانه خلق هذا الوجود , أكد تنبيها ~~على أن الاعتراف بذلك يلزم منه الاعتارف بالبعث فقال : PageV05P574 { ~~ليقولن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال لما قد تقرر في فطرهم من ذلك ~~وتلقفوه عن أبائهم موافقة للحق في نفس الأمر . | ولما كان حال من صرف الهمة ~~عنه عجبا يستحق أن يسأل عنه وجه التعجب منه إشارة إلى أنه لا وجه له , قال ~~{ فأنى } أي فكيف ومنأي وجه { يؤفكون * } أي يصرف من صارف ما من لم يتوكل ~~عليه أو لم يخلص له العبادة في كل احواله , وجميع اقواله وافعاله , عن ~~افخلاص له مع إقرارهم بأنه لا شريك له في الخلق فيكون وجهه إلى قفاه فينظر ~~الأشياء على خلاف ما هي عليه فيقع في خبط العشواء وحيرة والعجباء . | ولما ~~كان قد يشكل على ذلك التفاوت في الرزق عند كل من لم يتأمل حق التأمل فيقال ~~: بكل الخلق والرزق له , فما بالهم متفاوتين في ms3721 الرزق ؟ قال : { الله } أي ~~بما له من العظمة والإحاطة بصفات الكمال { يبسط الرزق } بقدرته التامة { ~~لمن يشاء من عباده } على حسب ما يعلم من بواطنهم { ويقدر } أي يضيق . | ~~ولما كان ذلك إنما هو لمصالح العباد وإن لم يظهر لهم وجه حكمته قال : { له ~~} أي لتظهر من ذلك قدرته وحكمتهن وأنت ترى الملوك وغيرهم من الأقوياء ~~يفاتون في الرزق بين عمالهم بحسب ما يعلمون من علمهم الناقص بأحوالهم , فما ~~ظنك بملك الملوك العالم علما لا تدنو من ساحته ظنون ولا شكوك , وهذه الآية ~~نتيجة ما قبلها . | ولما كان سبحانه يرزق الناس , ويمكن لهم بحسب ما يعلم ~~من ضمائرهم أنه لا صلاح إلا فيه , قال معللا لذلك ومؤكدا ردا على منيعتقد ~~أن ذل ك إنما هو منتقصير بعض العباد وتشمير بعضهم , معلما بأنه محيط العلم ~~فهو محيط القدرة فهو الذي سبب عجز بعضهم وطاقة ىلآخرين لملازمة القدرة ~~العلم : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { بكل شيء } اي من المرزوقين ~~ومن الأرزاق وكيف تمنع أو تساق وغير ذلك { عليم * } فهو على ذلك كله قدير , ~~يعلم ما يصلح العباد من ذلك وما يفسدهم , ويعطيهم بحسب ذلك إن شاء وكم رام ~~بعض الأقوياء إغناء فقير وأفقار غني , فكشف الحال عن فساد ما راموا من ~~الانتقال . | ولما ثبت بهذا شمول علمه , لزم تمام قدرته كما برهن عليه في ~~طه , فقال مشيرا إلى ذلك ذاكرا السبب القريب في البترزيق بعد ما ذكر البعيد ~~, فإن الاعتراف بأن هذا السبب منه يستلزم الاعتراف بأن المسبب أيضا منه : { ~~ولئن سألتهم من نزل } بحسب التدريج على حسب ما فعل في الترزيق , ولما كان ~~ربما ادعى مدع أنه استنبط ماء فأنزله من جبل ونحوه , ذكر ما يختص به سبحانه ~~سالما عن دعوى المدعين فقال : { من PageV05P575 السماء ماء } بعد أن كان ~~مضبوطا في جهة العلو { فأحيا } ولما كان أكثر الأرض يحيى بماء المطر من غير ~~حاجة إلى سقي , قدم الجار فقال { به الأرض } الغبراء , وأشار بإثبات الجار ~~إلى قرب الإنبات من زمن ms3722 الممات , وإلى أنهم لا يعلمون إلى الجزئيات ~~الموجودة المحسوسة , ولا تنفذ عقلولهم إلى الكليات المعقولة نفوذ اهل ~~الإيمان ليعلموا أن ما أوجد سبحانه بالفعل في وقت فهو موجود إما بإيجاده ~~إذا أراد , فالأرض حية بإحيائه سبحانه بسبب المطر في جميع الزمن الي هو بعد ~~الموت بالقوة كما أنها حية في بعضها بالفعل فقال : { من بعد موتها } فصارت ~~خضراء تهتز بعد أن لم يكن بها شيء من ذلك , وأكد لمثل ما تقدم من التنبيه ~~على أن حالهم في إنكار البعث حال من أن ينكر أن يكون الله صانع ذلك , ~~لملازمة القدرة عليه القدرة على البعث بقوله : { ليقولن الله } وهو الذي ~~الكمال كله , فلزمهم توحيده . | فلما ثبت أنه الخالق وإعادة كما يشاهد في ~~كل زمان , قال منبها على عظمة صفاته اللازم من إثباتها صدق رسوله صلى الله ~~عليه وسلم : { قل } معجبا منهم في جمودهم حيث يقرون بما يلزمهم التوحيد ثم ~~لا يوحدون : { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال كلها { لله } الذي لا سمي ~~له وليس لأحد غيره إحاطة بشيء من الأشياء , فلزمهم الحجة بما أقروا به من ~~إحاطته , وهم لا يثبتون ذلك بإعراضهم عنه { بل أكثرهم لا يعقلون * } أي لا ~~يتجدد لهم عقل , بعضهم مطلقا لأنه مات كافرا حيث هم مقرون بمعنى الحمد من ~~أنه الخالق لكل شيء بدءا وإعادة ثم يفعلون ما ينافي ذلك فيشركون به غيره ~~مما هم معترفون با , ه خلقه ولا يتوكلون في جميع الأمور برا وبحرا عليه ~~ويوجهون العبادة خالصة إليه , فهم لا يعرفون معنى الحمد حيث لم يعملوا به , ~~ومنهم من آمن بعد ذلك فكان في الذروة من كمال العقل في التوحيد الذي يتبعه ~~سائر الفروع , ومنهم من كان دون ذلك , فكان نفي العلم عنه مقيدا بالكمال . ~~| < < # | العنكبوت : ( 64 - 67 ) وما هذه الحياة . . . . . # > > ^ ( وما هذه الحياة الدنيآ إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان لو كانوا يعلمون * فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ~~فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون * ليكفروا بمآ آتيناهم ms3723 وليتمتعوا فسوف ~~يعلمون * أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل ~~يؤمنون وبنعمة الله يكفرون ) ^ } ) | ولما تبين بهذا الآيات أن الدنيا ~~مبنية على الفناء والزوال , والقلعة والارتحال , وصح أن السرور بها في غير ~~موضعه فلذلك قال تعالى مشيرا بعد سلب العقل عنهم إلى أنهم فيها كالبهائم ~~يتهارجون : { وما هذه الحياة الدنيا } فحقرها بالإشارة ولفظ الدناءة ~~PageV05P576 مع الإشارة إلى أن الاعتراف بهذا الاسم كاف في الإلزام ~~بالاعتراف بالأخرى . | ولما كان مقصود السورة الحث على الجهاد والنهي عن ~~المنكر , وكان في معرض سلب العقل عنهم , قدم اللهو لأن الإعراض عنه يحسم ~~مادة الشر فإنه الباعث عليه فقال : { إلا لهو } أي شيء يلهي عما ينفع { ~~ولعب } يشتغل به صبيان العقول , وكل غافل وجهول , فإن اللهو كل شيء من شأنه ~~أن يعجب النفس كالغناء والزينة من المال والنساء وغيره , فيحصل به فرح ~~وزيادة سرور , فيكون سببا للغفلة والذهول والنسيان والشغل عن استعمال العقل ~~في اتباع ما ينجي في الآخرة فينشأ عنه ضلال - على ما أشارت غليه آية لقمان ~~< # > 77 ( { ليشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله } ) 77 < # > [ آية : 6 ] ومنه اللعب , وهو فعل ما يزيد النفس في دنياها سرورا ~~كالرقص بعد السماع وينقض بسرعة لأنه ضد الجد ومثل الهزل , وهو كل شيء سافل ~~, وكل باطل يقصد به زيادة البسط والترويح والتمادي في قطع الزمان فيما ~~يشتهي من غير تعب , واللعبة - بالضم : التمثال , وما يلعب به كالشطرنج , ~~والأحمق يسخر به , ولعب لعبا : مرح , وفي الأمر والدين : استخف به . | ولما ~~كانوا ينكرون الحياة بعد الموت , اخبر على سبيل التأكيد أنه لا حياة غيرها ~~فقال : { وإن الدار الآخرة لهي } أي خاصة { الحيوان } أي الحياة التامة ~~الباقية العامة الوافية نفسها من حيث أنه لا موت فيها ولا فناء لشيء من ~~الأشياء , ولذلك اختير هذا البناء الدال على المبالغة , وحركته مشعرة بما ~~في الحياة من مطلق الخحركة والاضطراب , فلا انقضاء لشيء من لعبها زلا ~~لهواها الذي لا يوافق ما في الدنيا إلا في الصورة فقط لا ms3724 في المعنى , لأنه ~~ليس فيها شيء سافل لا في الباعث ولا في المبعوث إليه , بل كان ذلك بالتسبيح ~~والتقديس وما يترتب عليه من المعارف والبسط والترويح , والانشراح والأنس ~~والتفريح . | ولما كانوا قد غلطوا في الدارين كلتيهما فأنزلوا كل واحدة ~~منهما غير منزلتها , فعدوا الدنيا وجودجا دائما على هذا الحالة والآخرة ~~عدما , لا وجود لها بوجه , قال : { لو كانوا } أي كونا هو كالجبلة { يعلمون ~~* } أي لهم علم ما لم يغلطوا في واحدة منهما فلم يركبوا مع إيثارهم للحياة ~~وشدة نفرتهم من الموت , لا عتقادهم أن لا قيام بعده إلى الدنيا , مع أن ~~أصلها عدم الحياة الذي هو الموتان . | ولما ختم هذه الآية بما أفهم أنهم لا ~~يعلمون , والتي قبلا بأن أكثرهم لا يعقلون , سبب عن ذلك قوله : { فإذا } أي ~~فتسبب عن عدم عقلهم المستلزم لعدم علمهم أنهم إذا { ركبوا } أي البحر { في ~~الفلك } اي السفن { دعوا الله } أي الملك الأعلى المحيط بكل PageV05P577 ~~شيء إذا أصابتهم مصيبة خافوا منها الهلاك { مخلصين } بالتوحيد { له الدين * ~~} بالإعراض عن شركائهم بالقلب واللسان , لما هم له محققون أنه لا منجى عند ~~تلك الشدائد غيره { فلما نجاهم } أي الله سبحانه , موصلا لهم { لى البر إذا ~~هم } أي حين الوصول إلى البر { يشركون * } فصح أنهم لا يعلمون , لأنهم لا ~~يعقلون , حيث يقرون بعجز آلهتهم ويشركونها معه , ففي ذلك أعظم التهكم بهمح ~~قال البغوي : قال عكرمة : كانوا إذا ركبوا البحر حملوا معهم الأصنام , فإذا ~~اشتدت بهم الريح ألقوها في البحر وقالوا يا رب ! يا رب . | وقال الرازي في ~~اللوامع : وهذا دليل على أن معرفة الرب في فطرة كل إنسان , وأنهم إن غفلوا ~~في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء - انتهى . | فعلم أن ~~الاشتغال بالدنيا هو الصاد عن كل خير وأن الانقطاع عنها معين للفطرة الأولى ~~المستقيمة , ولهذا نجد الفقراء اقرب غلى كل خير . | ولما كانوا مع هذا ~~الفعل - الذي لا يفعله إلا مسلوب العقل - يدعون أنهم أعقل الناس وأبصرهم ~~بلوازم الأفعلا وما يشين الرجال , وكان فعلهم ms3725 هذا كفرا للنعمة , مع ادعائهم ~~أنهم أشكرالناس للمعروف , قال منبها أن عادتهم مخالفة لعادة المؤمنين في ~~جعلهم نعمة النجاة سببا لزيادة طاعاتهم , فعل أنه ما كا إخلاصهم في البحر ~~إلا صورة لا حقيقة لها : { ليكفروا بما آتيناهم } على عظمتنا من هذه النعمة ~~التي يكفي في عظمتها أنه لا يمكن غيرنا أن يفعلها ما اشركوا إلا لأجل هذا ~~الكفر , وإلا لكانوا فاعلين لشيء من غير قصد , فيكون ذلك فعل من لا عقل له ~~اصلا وهم يحاشون عن مثل ذلك { وليتمتعوا } بما يجتمعون عليه في الإشراك من ~~التواصل والتعاون , وعند من سكن اللام - وهم ابن كثير وحمزة والكسائي ~~وقالون عن نافع - يكون معطوفا تهديدا على مقدر هو ( فليكفروا ) أو على { ~~ليكفروا } السابق , على أن لامه للأمر , وسيأتي في الروم إن شاء الله تعالى ~~ما يؤيده { فسوف يعلمون * } بوعد لا خلف فيه ما يحل بهم بهذا الفعل الذي هو ~~دائر بين كفر وجنون . | ولماكن قد فعل بهم سبحانه من الأمن الشديد المديد ~~في البر دون سائر العربب عكس ما ذكر من حال خوفهم الشديد في البحر , وكان ~~قادرا على إخافتهم في البر كمت قدر على إخافتهم في البحر ليدوم إخلاصهم , ~~وكان كفرهم عند الأمن بعد الإخلاص عند الخوف - مع أنه أعظم النقائص - هزلا ~~لا يفعله إلا من أمن مثل تلك المصيبة في البر , توجه الإنكار في نحو أن ~~يقال : إلم يروا أنا قادرون على إخافتهم وإهلاكهم في البر كما نحن قادرون ~~على ذلك في البحر كما فعلنا بغيرهمن فعطف عليه قوله : { أولم يروا } أي ~~بعيون بصائرهم { أنا جعلنا } أي بعظمتنا لهم { حرما } وقال تعالى : { آمنا ~~} PageV05P578 لأنه لا خوف على من دخله , فلما أمن كل حال به كان كأنه هو ~~نفس الأمن , وهو حرم مكة المشرفة , وأمنة موجب للتوحيد والإخلاص , رغبة في ~~دوامهن وخوفا من انصرامه , كما كان الخوف في البحر موجبا للإخلاص خوفا من ~~دوامه , ورغبة في انصرامه { و } الحال أنه { يتخطف } وبناه للمفعول لأن ~~المقصود الفعل لا فاعل معين . | ولما كان التخطف ms3726 غير خاص بناس دون آخرين , ~~بل كان جميع العرب يغزو بعضهم بعضا , ويغير بعضهم على بعض بالقتل والأسر ~~والنهب وغير ذلك من أنواع الأذى , قال : { الناس من حولهم } أي من حول من ~~فيه من كل جهة تخطف الطيور مع قلة من بمكة وكثر من حولهم , فالذي خرق ~~العادة في فعل ذلك حتى صار على هذا السنن قادر على أن يعكس الحال فيجعل من ~~بالحرم متخطفا ومن حوله آمنا , أو يجعل الكل في الخوف على منهاج واحد . | ~~ولما تبين أن هلا يوجد لشركهم ولا لكفرهم هذه النعمة الظاهرة المكشوفة , ~~تسبب الإنكار في قوله : { أفبالباطل } أي خاصة من الأوثان وغيرهما { يؤمنون ~~} والحال أنه لا يشك عاقل في بطلانه , وجاء الحصر من حيث إن من كفر بالله ~~تبعه الكفر بك لحق والتصديق بكل باطل { وبنعمة الله } التي أحدثها لهم من ~~الإنجاء وغيره { يكفرون * } حيث جعلوا موضع شكرهم له على النجاه شركهم ~~بعبادة غيره . | < < # | العنكبوت : ( 68 - 69 ) ومن أظلم ممن . . . . . # > > ^ ( ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جآءه أليس في ~~جهنم مثوى للكافرين * والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع ~~المحسنين ) ^ } ) | ولما كان الظلم وضع الشيء في غير محله , وكان وضع الشيء ~~في موضع لا يمكن أن يقبله أظلم الظلم , كان فعلهم هذا الذي هو إنزال ما لا ~~يعلم شيئا ولا يقدر على شيء في منزلة من يعلم كل شيء ويقدر على كل مقدور ~~أظلم الظلم , فكان التقدير : فمن أظلم منهم في ذلك , عطف عليه قوله : { ومن ~~أظلم } أي أشد وضعا للأشياء في غير مواضعها , لأنه لانور له بل هو ظلام ~~الجهل يخبط { ممن افترى } أي تعمد { على الله كذبا } أي أي كذب كان من ~~الشرك وغيره كما كانوا يقولون إذا فعلوا فاحشة : وجدنا عليها آباءنا والله ~~أمرنا بها { أو كذب بالحق } من هذا القرآن المهجز المبين , على لسان هذا ~~الرسول الأمين الذي ما أخبر خبرا إلا طابقه الواقع { لما } اي حين { جاءه } ~~من غير إمهال إلى أن ينظر ms3727 ويتأمل فيما جاءه من الأمر الشديد الخطر . | ولما ~~كان التقدير : لا أحد أظلم منه , بل هو أظلم الظالمين , فهو كافر ومأواه ~~PageV05P579 جهنم , وكان من المعلوم أنهم يقولون عنادا : ليس الأمر كذلك , ~~قال إنكارا عليهم , ولأن فعلهم فعل المنكر , وتقريرا لهم لأن همزة الإنكار ~~إذا دخلت عل النفي كانت للتقرير , عدا به بمنزلة ما لا نزاع فيه أصلا : { ~~أليس في جنهم مثوى } أي منزل وموضع إقامة وحبس له وقد ارتكب هذا الكفر ~~العظيم - هكذا الأصل , ولكنه لقصد التعميم وتعليق الفعل بالوصف قال : { ~~للكافرين * } اي الذين يغطون أنوار الحق الواضح , أو ليس هو من الكافرين ؟ ~~أي إن كلا من المقدمتين صحيح لا إنكار فيه , ولا ينتظم إنكارهم إلا بإفساد ~~إحديهما , أكا كفره للمنعم بعد إنجائه من الهلاك حيث عبد غيره فلا يسع ~~عاقلا إنكاره , وأما كون جهنم تسعة بعد إخبار القادر به فلا يسع مقرا ~~بالقدرة إنكاراه , فالمقدمتان مما لا مطعن فيه عندهم , فأنتجتا أن مثواه ~~جهنم , وصار القياس هكذا : عابد غير من أنجاه كافر , وكل كافر مثواه جهنم , ~~فعابد غير من أنجاه مثواه جهنم . | ولما كان هذا كله في الذين فتنوا فلم ~~يجاهدوا أنفسهم , كان المعنى : فالذين فتناهم فوجدوا كاذبين ضلوا فصاروا لا ~~يعقلون ولا يعلمون , لكونهم لم يكونوا من المجاهدين , فعطف عليه قوله : { ~~والذين جاهدوا } اي أوقعلوا الجهاد بغاية جهدهم على ما دل عليه بالمفاعلة { ~~فينا } أي بسبب حقنا ومراقبتنا خاصة بلزوم الطاعات من جهاد الكفار وغيرهم ~~من كل ما ينبغي الجهاد فيه بالقول والفعل في الشدة والرخاء , ومخالفة الهوى ~~عند هجوم الفتن , وشدائد المحن , مستحضرين لعظمتنا . | ولما كان الكفار ~~ينكرون فلاحهم وكان المفلح والظافر في كل شيء و المهتدي , قال معبرا بالسبب ~~عن المسبب : { لنهديهم } بما نجعل لهم من النور الذي لا يضل من صحبه , ~~هداية يليق بعظمتنا { سبلنا } أي لا سبل غيرها , علما وعملا , ونكون معهم ~~بلطفنا ومعونتنا , لأنهم أحسنوا المجاهدة فهنيئا لمن قاتل في سبيل الله ولو ~~فواق ناقة لهذه الآية وقوله تعالى { والذين قاتلوا في سبيل ms3728 الله فلن يضل ~~أعمالهم سيهديهم ويصلح بالهم } [ محمد : 4 ] , ولهذا كان سفيان بن عيينة ~~يقول : إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الغزو . | ولما كان المحسن ~~كلما توفر حظه في مقام الإحسان نقص حظه من الدنيا , فظن الأغبياء أنه ليس ~~لله به عناية , عظم التأكيد في قوله , لافتا الكلام عن أسلوب الجلال إلى ~~أجل عنه بما زاد من الجمال { وإن الله } أي بعظمته وجلاله وكبريائه الحكم ~~بالوصف والتعميم فأظهر قائلا : { لمع المحسنين * } أي كلهم بالنصر والمعونة ~~في دنياهم , PageV05P580 والثواب والمغفرة في عقباهم , بسبب جهادهم لأنه ~~شكر يقتضي الزيادة , ومن كان معه سبحانه فاز بكل مطلوب وإن رأى الجاهل خلاف ~~ذلك , فإنه يجعل عزهم من وراء ذل ويستر غناهم بساتر فقر , حماية لهم مما ~~يجر إليه دائم العز من الكبر , ويحمل عليه عظيم الغنى من الطغيان , وما ~~أحسن ما تقل الأستاذ أبو القاسم القشيري في الرسالة عن الحارث المحاسبي أنه ~~قال : من صحح باطنه بالمراقبة والإخلاص زين الله ظاهرة بالمجاهدة واتباع ~~السنة , والآية من الاحتباك : أثبت أولا الجهاد دليلا على حذفه ثانيا , ~~وثانيا أنه مع المحسنين دليلا على حذف المعية والإحسان أولا , فقد عانق أول ~~السورة هذا الآخر , وكان إليه أعظم ناظر , فنسال الله العافية من الفتن , ~~والمجاهدة إن كان لا بد من المحن , وإليه المآب . | . . . . | PageV05P581 ~~< # > سورة الروم < # > < < # | الروم : ( 1 - 5 ) الم # > > ^ ( الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في ~~بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر ~~من يشآء وهو العزيز الرحيم ) ^ } ) | مقصودها إثبات الأمر كله , فتأتي ~~الوحدانية والقدرة على كل شيء , فيأتي البعث ونصر أوليائه , وخذلان أعدائه ~~, وهذا هو المقصود بالذات , واسم السورة واضح الدلالة عليه بما كان من ~~السبب في نصر الروم من الوعد الصادق والسر المكتوم { بسم الله } الذي يملك ~~الأمر كله { الرحمن } الذي رحم الخلق كلهم بنصب الأدلة { الرحيم * } الذي ~~لطف بأوليائه فأنجاهم من كل ضار , وحياهم كل نافع سار . | لما ختم سبحانه ~~التي قبلها بأنه ms3729 مع المحسنين قال : { آلم * } مشيرا بألف القيام والعلو ~~ولام الوصلة وميم التمام إلى أن الملك الأعلى القوم أرسل جبرائيل عليه ~~الصلاة والسلام - الذي هو وصلة بينه وبين أنبيائه عليهم الصلاة والسلام - ~~إلى أشرف خلقه محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث لإتمام مكارم الأخلاق , ~~يوحي إليه وحيا معلما بالشاهد واغائب , فيأتي الأمر على ما أخبر به دليلا ~~على صحة رسالته , وكمال علم مرسله , وشمول قدرته , ووجوب وحدانيته . | ولما ~~أشير في آخر تلك بأمر الحرم غلى أنه سبحانه يعز من يشاء ويذل من يشاء , ~~وختم بمدح المجاهدين فيه , وأنه سبحانه لا يزال مع المحسنين , وكتنت قد ~~افتتحت بأمر المفتونين , فكان كأنه قيل : لنفتننكم ولنعمين المفتين ولنهدين ~~المجاهدين , وكان أهل فارس قد انتصروا على الروم , ففرح المشركون وقالوا ~~للمسلمين : قد انتصر إخواننا الأميون على إخوانكم أهل الكتاب , فاننصرن ~~عليكم , فأخبر الله تعالى بأن الأمر يكون على خلاف ما زعموا , فصدق مصدق ~~وكذب مكذب , فكان في كل من ذلك من نصر PageV05P582 أهل فارس وإخبار الله ~~تعالى بإدالة الروم فتنة يعرف بها الثابت من المزلزل , وكان من له كتاب ~~أحسن حالا في الجملة ممن لا كتاب له , افتتحت هذه بتفصيل ذلك تصريحا بعد أن ~~اشار إليه بالأحرف المقطعة تلويحا غيبا وشهادة , دلالة على وحدانيته وإبطال ~~الشرك , فأثبت سبحانه أن له جميع الأمر وأنه يسر المؤمنين بنصرة من له دين ~~صحيح الأصل , وخذلان أهل العراقة في الباطل والجهل , وجعل ذلك على وجه يفيد ~~نصر المؤمنين على المشركين , فقال مبتدئا بما أفهمه كونه مع المحسنين مع ~~أنه ليس مع المسيئين : { غلبت الروم * } أي لتبديلهم دينهم غلبهم - الفرس ~~في زمن أنوشروان أو بعده { في أدنى الأرض } أي أقرب ارضهم غلى ارضكم ايها ~~العرب , وهي في أطراف الشام , وفي تعيين مكان الغلب على هذا الوجه - بشارة ~~للعرب بأنهم يغلبونهم إذا وافقوهم , فإن موافقتهم لهم تكون في مثل ذلك ~~المكان . | وقد كان كذلك بما كشف عنه الزمان , فكأنه تعالى يقول لمن فرح من ~~العرب بنصر أهل فارس على الروم لنكاية ms3730 المسلمين : اتركوا هذا السرور الذي ~~لا يصوب نحوه من له همة الرجال , وأجمعوا أمركم وأجمعوا شملكم , لتواقعوهم ~~في مثل هذا الوضع فتنصروا عليهم , ثم لا يقاومونكم بعدها أبدا , فتغلبوا ~~على بلادهم ومدنهم وحصونهم وأموالهم ونسائهم وأبنائهم . | وقال الإمام أبو ~~جعفر بن الزبير : لما أعتب سبحانه أهل مكة , ونفى عليهم قبح صنيعهم في ~~التغافل عن الاعتبار بحالهم , وكونهم - مع قلة عددهم - قد منع الله بلدهم ~~عن قاصد نبهه , وكف ايدي العتاه والمتمردين عنهم مع ( تعاور ) أيدى ~~المنتهين على من حولهم , وتكرر ذلك واطراده صونا منه تعالى لحرمه وبيته , ~~فقال تعالى : < # > 77 ( { أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويخطف الناس من حولهم } ) 77 < # > [ العنكبوت : 67 ] أي ولم يكفهم هذا في الاعتبار , وتبينوا أن ذلك ليس ~~عن قوة منهم ولا حسن دفاع , وإنما هو بصون الله إياهم بمجاورة بيته وملازمة ~~أمنه مع أنهم أقل العرب , أفلا يرون هذه النعمة ويقابلونها بالشكر ~~والاستجابة قبل أن يحل بهمنقمة , ويسلبهم نعمه , فلما قدم تذكارهم بهذا , ~~أعقب بذكر طائفة هم أكثر منهم وأشد قوة وأوسع بلادا , وقد ايد عليهم غيرهم ~~, ولم يغن عنهم انتشارهم وكثرتهم , فقالت : { ألم غلبت الروم في أدنى الأرض ~~} الآيات , فكر تعالى غلبة غيرهم لهم , وأنهم ستكون لهم كرة , ثم يغلبون , ~~وما ذلك إلا بنصر الله من شاء من عبيده { ينصر من يشاء } فلو كشف عن إبصار ~~من كان بمكة من الكفار لرأوا أن اعتصام بلادهم وسلامة ذرياتهم وأولادهم مما ~~سلط على من حولهم PageV05P583 من الانتهاب والقتل وسبي الذراري والحرم إنما ~~هو بمنع الله وكرم صونه لمن جاور حرمه وبيته , وإلا فالروم أكثر عددا وأطول ~~مددا , ومع ذلك تتكرر عليهم الفتكات والغارات , وتتوالى عليهم الغلبات , ~~أفلا يشكر أهل مكة من أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ؟ وأيضا فإنه سبحانه لما ~~قال : < # > 77 ( { وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان } ) 77 < # > [ العنكبوت : 64 ] أتبع ذلك سبحانه بذكر تقلب حالها , وتبين اضمحلالها ~~, وأنها لا تصفو ولا تتم , وإنما حالها أبدا ms3731 التقلب وعدم الثبات , فأخبر ~~بأمر هذه الطائفة التي هي من أكثر أهل الأرض وأمكنهم وهوالروم , وأنهم لا ~~يزالون مرة عليهم وأخرى لهم , فأشبهت حالهم هذه حال اللهو واللعب , فوجب ~~اعتبار العاقل بذلك وطلبه الحصول على تنعم دار لا يتقلب حالها , ولا يتوقع ~~انقلابها وزوالها , { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } ومما يقوي هذا المأخذ ~~قوله تعالى ( يعلمون ) ظاهرا من الحياة الدنيا أي لو علموا باطنها لتحققوا ~~أنها لهو ولعب ولعرفوا أمر ىلآخرة ( من عرف نفسه ربه ) ومما يشهد لكل من ~~المقصدين ويعضد كلا الأمرين قوله سبحانه : { أو لم يسيروا في الأرض } ~~الآيات , أي لو فعلوا هذا وتأملوا لشاهدوا منتقلب أحوال الأمم وتغير ~~الأزمنة والقرون ما بين لهم عدم إبقائها على أحد فتحققوا لهوها ولعبها ~~وعلموا أن حالهم سيؤول إلى حال من ارتكب مرتكبهم في العناد والتكذيب وسء ~~البياد والهلاك - انتهى . | ولما ابتدأ سبحانه بما أوجبه للروم من القهر ~~بتبديلهم , معبرا عنهم بأداة التأنيث مناسبة لسفولهم , أتبعه ما صنعه معهم ~~لتفريج المحسنين من عبادة الذين ختم بهم الأمم ونسخ بملتهم الملل , وأدالهم ~~على جميع الدول , فقال معبرا بما يقتضي الاستعلاء من ضمير الذكرو العقلاء : ~~{ وهم } أي الروم , ودل على التببعيض وقرب الزمان بإثبات الجار فقال , ~~معبرا بالجار إشارة إلى أن استعلاءهم إنما يكون في بعض زمان البعد ولا يدوم ~~: { من بعد غلبهم } الذي تم عليهم من غلبة فارس إياهم , وهو من إضافة ~~المصدر إلى المفغول { سيغلبون * } فارسا , فأكد وعده بالسين - وهو غني عن ~~التأكيد - جريا على مناهيج القوم لما وقع في ذلك من إنكارهم { في بعض سنين ~~* } وذلك منأدنى العدد لأنه في المرتبة الأولى , وهي مرتبة الآحاد , وعبر ~~بالبضع ولم يعين إبقاء للعباد في ريقة نوع من الجهل , تعجيزا لهم , وتحديا ~~لمن عاند بنفي ما أخبر به أو يعلم ما ستر PageV05P584 منه , وتشريعا ~~للتعمية إذا قادت إليها مصلحة , وشرح ذلك أنه كان بين فارس والروم حروب ~~متواصلة , وزحوف متكاثرة , في دهور متطاولة , إلى أن التقو في السنة ~~الثامنة من نبوة نبينا محمد ms3732 صلى الله عليهوسلم في زمن أبرويز بن هرمز بن ~~أنوشروان , فظفرت فارس على الروم , أخج سنيد بن داود في تفسيره والواحدي في ~~أسباب النزول والترميذي في تفسير سورة الروم من جامعة وغيرهم , وقد جمعت ما ~~ذكروه , وبما دخلت حديث بعضهم في بعض . | قال سنيد عن عكرمة : كانت في فارس ~~امرأة لا تلد إلا الأبطال , فدعاها كسرى فقال : إني أريد أن أبعث إلى الروم ~~جيشا , وأستعمل عليهم رجلا من بينك , فأشيري علي أيهم أستعمل , فأشارت عليه ~~بولد يدعى شهربراز , فاستعمله على جيش أهل فارس وقال الأستاذ أبو علي أحمد ~~بن محمد بن مسكوية في كتابه تجارب الأمم وعواقب الهمم , فقالت تصف بنيها : ~~هذا فرحان أنفذ من سنان , هذا شهربراز أحكم من كذا , هذا فلان أروغ من كذا ~~, فاستعمل ايهم شئت . | فاستعمل شهربراز - انتهى . | وبعث قيصر رجلا يدعى ~~قطمير بجيش من الروم , فالتقى مع شهربراز بأذرعات وبصرى , وهي أ ] تى الشام ~~إلى أرض العربفغلبت فارس الروم وظهروا عليهم فقتلوهم وخربوا مدائنهم وقطعوا ~~زيتونهم , وبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وهم ~~بمكة فشق ذلك عليهم , وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون ~~من المجوس على أهل الكتاب من الروم , لأن فارس لم يكن لهم كتاب , وكانوا ~~يجحدون البعث , ويعبدون الناروالأصنام , وفرح كفار مكة وشمتوا . | قال ~~الترميذي عن ابن عباس رضي الله عنهما : وكان المشركون يحبون أن يظهر أهل ~~فارس على الروم , وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل ~~كتاب - انتهى . | فلقي المشركون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : ~~إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب , ونحن أميون وأهل فارس أميون , وقد ظهر ~~إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم , فإن قاتلتمونا لنظهرن ~~عليكم . | فذكر ذلك أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية , فقال ~~صلى الله عليه وسلم : ( أما إنهم سيغلبون في بضع سنين ) قال الترميذي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما : فذكره أبو بكر رضي الله عنه لهم ms3733 فقالوا : اجعل ~~بيننا وبينك أجلا , فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا , وإن ظهرتم كان لكم كذا ~~وكذا , فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال : ( ألا جعلته إلى دون ) يعني PageV05P585 دون العشرة , فإن البضع ما ~~بين ثلاث إلى تسع , ثم ظهرت الروم بعد ذلك , وروى الترميذي أيضا عن نيار بن ~~مكرم الأسلمي رضي الله تعالى عنه وقال : حديث حسن صحيح غريب , قال : لما ~~نزلت : { آلم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غليهم سيغلبون في بضع ~~سنين } وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم وكان المسلمون يحبون ~~ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل الكتاب , وفي ذلك قول الله تعالى : { ~~ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم } وكانت ~~قريش { تحب } ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل الكتاب ولا إيمان ببعث , ~~فلما نزلت هذه الآية خرج أبو بكر رضي الله عنه يصيح في نزواحي مكة { آلم ~~غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين } ! قال ~~ناس من قريش لأبي بكر رضي الله عه : فذلك بيننا وبينك , زعم صاحبك أن ستغلب ~~فارسا في بضع سنين , أفلا نواهنك على ذلك ؟ قال : بلى , وذلك قبل تحريم ~~الرهان , فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر رضي ~~الله عنه : كم تجعل البضع من ثلاث سنين إلى تسع سنين , فسم بيننا وبينك ~~وسطا تنتهي إليه , فسموا بينهم ست سنين , فمضت الست سنون قبل أن يظهروا , ~~فأخذ المشركون رهن أبي بكر رضي الله عنه , فلما دخلت السنة السابعة ظهرت ~~الروم على فارس , فعاب المسلمون على أبي بكر رضي الله عنه تسمية ست سنين , ~~لأن الله تعالى قال : { في بضع سنين } . | قال ابن الجوزي في زادالمسير : ~~وقالوا : هلا أقررتها على ما أقرها الله , لو شاء أن يقول : ستا , لقال . | ~~قالالترميذي في روايته : واسلم عند ذلك ناس كثير . | وروى الترميذي أيضا ~~والواحدي في أسباب النزول عن أبي سعيد رضي الله عنه أن ms3734 ظهور الروم عليهم ~~كان يوم بدر . | وقال الزمخشري فيما ذكره من عند سنيد أنه كان يوم الحديبية ~~فإنه قال بعد أن ساق نحو ما مضى : فثقال لهم أبو بكر رضي الله عنه - يعني ~~للمشركين : لا يقرن الله أعينكم ! فوالله لتظهرن الروم على فارس بعد بضع ~~سنين , فقال له أبي بن خلف : كذبت يا أبا فضيل ! اجعل بيننا وبينك أجلا ~~أناحبك عليه . | - والمناحبة : المراهنة - فناحبه على PageV05P586 عشر ~~قلائص - من كل واحدة منهما , وجعل الأجل ثلاث سنين , فأخبر أبو بكر رضي ~~الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : البضع ما بين الثلاث إلى ~~التسع , فزايده في الخطر وماده في الأجل , فجعلاها مائة قلوص إلى تسع سنين ~~, ومات أبي من جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني الذي جرحه به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أحد , فظهرت الروم على فارس يوم الحديبية , ~~وذلك عند رأس سبع سنين . | وقيل : كان النصر يوم بدر للفريقين , فأخذ أبو ~~بكر رضي الله عنه الخطر من ذرية أبي , وجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال : ( تصدق به ) - انتهى . | وربما أي دالقول بأنه سنة الحديبية ~~سنة ست ما في الصحيحين عن ابن عباس رضي اله عنهما عن أبي سفيان رضي الله ~~عنهم في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ‘ لى هرقل وسؤال هرقل لأبي سفيان ~~رضي الله عنه , ووفيه أن ذلك لما كشف الله عن قيصر جنود فارس ومشى من حمص ~~إلى إيلياء شكرا لما أبلاه الله , ومن المعلموم أن كتاب النبي صلى الله ~~عليه و سلم إليه وإلى غيره من الملوك كان بعد الرجوع من الحديبية , وهذه ~~الآية من الآيات البينه \ ة الشاهدة الصادقة على صحة النبوة , وأن القرآن ~~من عند الله نزل بالحق المبين , لأنها إنباء عن علم الغيب الذي لا يعلمه ~~إلا الله تعالى فطابقه الواقع . | وقال ابن الجوزي : وفي الذي تولى وضع ~~الرهان من المشركين قولان : أحدهما أبي بن خلف - قاله قتادة , والثاني أبو ~~سفيان بن حرب ms3735 - قاله السدي - انتهى . | وذكر القصة أبو حيان في تفسيره ~~البحر وزاد عن مجاهد أن التقاءهم لما ظهرت فارس كان في الجزيرة , وعن السدي ~~أنه كان بأرض الأردن وفلسطين , وأن أبا في بكر رضي الله عنه لما اراد ~~الهجرة طلب منه أبي خلف كفيلا بالخطر الذي كان بينهما في ذلك , فكفل به ~~ابنه عبد الرحمن رضي الله عنه , فلما اراد أبي الخروج إلى أحد طلبه عبد ~~الرحمن بالكفيل , فأعطاه كفيلا وهلك أبي من جرح جرحه النبي صلى الله عليه ~~وسلم . | وقال ابن الفرات في تأريخه : كان بين كسرى أنوشروان وبين ملك ~~الروم هدنة , فوقع بين رجلين من أصحابهما فبغى الرومي على الفارسي , فأرسل ~~كسرى إلى ملك الروم بسببهن فلم يحفل برسالته , فغزاه كسرى في بضع وسبعين ~~الف مقاتل فأخذ مدينة دارا والرها ومنبج وقنسرين وحلب وأنطاكية - وكانت ~~أفضل مدينة بالشام - وفامية وحمص ومدنا كثيرة , واتحتوى على ما كان فيها . ~~| وسبى أهل أنطاكية ونقلهم إلى أرض السواد , وكان ملك الروم يؤدي إليه ~~الخراج , ولم يزل مظفرا منصورا , تهابه الأمم , ويحضر بابه من وفودهم عدد ~~كثير من الترك والصين والخزر ونظائرهم , وقال أيضا في ملك أبرويز بن هرمز ~~بن أنوشروان : وكان شديد الفطنة , قوي الذكاء , بعث الأصبهبذ - يعني ~~شهربراز - PageV05P587 مرة إلى الروم فأخذ خزائن الروم , وبعث بها إلى كسرى ~~, فخاف كسرى أن يتعغير عليه الأصبهبذ , لما قد نال من الظفر فبعث بقتله , ~~فجاء الرجل إليه فرأى من عقله وتدبيره ما منعه من قتله وقال : مثل هذا لا ~~يقتل , وأخبره ما جاء لأجله , فبعث إلى قيصر ملك الروم : إني اريد أن ألقاك ~~, فالتقيا فقال له : إن الخبيث قد هم بقتلي , وإني أريد إهلاكه , فاجعل لي ~~من نفسك ما أطمئن إليهن , أعطيك من بيوت أمواله مثل ما أصبت منك . | فأعطاه ~~المواثيق , وسار قيصر في أربعين ألف مقاتل , فنزل بكسرى , فعلم كسرى كيف ~~جرى الحال , فدعا قسا نصرانيا , يعني وكتب معه كتابا . | وقال ابن مسكويه : ~~وكان أبرويز وجه رجلا من جله أصحابه في جيش جرار إلى ms3736 بلاد الروم , فأنكى ~~فيهم وبلغ منهم , وفتح الشامات وبلغ الدروب في آثارهم , فعظم أمره وخافه ~~أبرويز فكاتبه بكتابين يأمره في أحدهما أن يستخلف على جيشه من يثق به ويقبل ~~إليه , ويأمره في ألاخر أن يقيم بموضعه , فإنه لما تدبر أمره وأجال الرأي ~~لم يجد من يسد مسده , ولم يأمن الخلل إن غاب عن موضعه , وأرسل بالكتابين ~~رسولا من ثقاته وقال له : أوصل الكتاب الأول بالأمر بالقدوم فإن خف لذلك ~~فهو ما أردت , وإن كره وتثاقل عن الطاعة فاسكت عليه أياما ثم أعلمه الكتاب ~~الثاني ورد عليك وأوصله إليه ليقيم بموضعه . | فخرج رسول كسرى حتى ورد على ~~صاحب الجيش ببلاد الشام , فأوصل الكتاب الأول إليه , فلما قرأه قال : إ / ا ~~أن يكون كسرى قد تغير لي وكره موضعي , أو يكون قد اختلط عقله بصرف مثلي ~~وأنا في نحر العدو , فدعا أصحابه وقرأ عليهم الكتاب فأنكروه , فلما كان بعد ~~ثلاثة ايام أوصل إليه الكتاب الثاني بالمقام , وأوهمه أن رسولا ورد به , ~~فلما قرأه قال : هذا تخليط ولم يقع منه موقعا , ودس إلى ملك الروم من ناظره ~~في إيقاع صلح بينهما على أن يخلي الطريق لملك الروم حتى يدخل بلاد العراق ~~على غرة من كسرى , وعلى ان لملك الروم ما يغلب عليه من دون العراق , ~~وللفارسي ما وراء ذلك غلى بلاد فارس , فأجابه ملك الروم غلى ذلك وتنحى ~~الفارسي عنه في ناحية من الجزيرة , وأخذ أفواه الطرق , فلم يعلم كسرى حتى ~~ورد خبر ملك الروم عليه من ناحية قرقيسيا وكسرى غير معد وجنده متفرق في ~~أعماله , فوثب من سريره مع قراءة الخبر وقال : هذا وقت حيلة , لا وقت شدة , ~~وجعل ينكت في الأرض مليا , ثم دعا برق وزكتب فيه كتابا صغيرا بخط دقيق غلى ~~صاحبه بالجزيرة يقول فيه : قد علمت ما كنت أمرتك به من مواصلة صاحب الروم ~~وإطماعه في نفسك وتخليه الطريق له حتى إذا تولج في بلادنا أخذته من أماهه , ~~وأخذته أنت ومن ندبناه لذلك من خلفه , فيكون ذلك بواره , وقد ms3737 تم في هذا ~~الوقت ما دبرناه , وميعدك في الإيقاع به يوم كذا وكذا , ثم دعا راهبا كان ~~في دير بجانب مدينته PageV05P588 وقال : أي جار كنت لك ؟ قال : أفضل جار , ~~قال : فقد بدت لنا إليك حاجة , فقال الراهب : الملك أجل من أن يكون له حاجة ~~إلى مثلي , ولكن عندي بذل نفسي في الذي يأمر به الملك , قال كسرىك تحمل لي ~~كتابا إلى فلان صاحبي - وقال ابن الفرات : إلى الأصبهبذ - ولا تطلعن على ~~ذلك أحدا . | وأعطاه ألف دينار , قال : نعم ! قال كسرى : فإنك تجتاز بإخواك ~~النصارى فأخفه , قالك نعم , فلما ولى عنه الراهب قال له كسرى : أعلمت ما في ~~الكتاب ؟ قال : لا , قال : فلا تحمله حتى تعلم ما فيه , فلما قرآه أدخله في ~~جيبه ثم مضى , فلما صار في عسكر الروم نظر إلى الصلبان والقسيسن وضجيجهم ~~بالتقديس والصلوات فاحترق قلبه لهم واشفق مما خاف أن يقع بهم وقال في نفسه ~~: أنا شر الناس إن حملت بيدي حتف النصرانية وهلاك هؤلاء القوم , فصاح : أنا ~~لم يحملني كسرى رسالة ولا معي له كتاب , فأخذوه فوجدوا الكتاب معه , وقد ~~كان كسرى وجه رسولا قبل ذلك اختصر الطريق حتى مر بعسكر الروم كأنه رسول إلى ~~كسرى من صاحبه الذي طابق ملك الروم ومعه كتاب فيه أن الملك قد كان أمرني ~~بمقارنة ملك الروم وأن أختدعهوأخلي له الطريق فيأخذه الملك من أمامه وآخذه ~~أنا من خلفه , وقد فعلت ذلك , فرأى الملك في إعلامي وقت خروجه إليه , فأخذ ~~ملك الروم الرسول وقرأ الكتاب وقال : عجبت أن يكون هذا الفارسي أدهن غلى ~~كسرى , ووافاه أبرويز فيمن أمكنه من جنده , فوجد ملك الروم قد ولى هاربا , ~~فأتبعه يقتل وياسر من أدرك , وبلغ الأصبهبذ هزيمة الروم فأحب ان يخلي نفسه ~~ويستر ذنبه لما فاته ما دبر , فخرج خلف الروم الهاربين فلم يسلم منهم إلا ~~قليل . | وقال ابن الفرات : وخرج القس بالكتاب وأوصله غلى قيصر فقال : ما ~~اراد غلا هلاكنا , وانهزم فاتبعه كسرى فنجا في شرذمة يسيرة , وافتتح كسرى ~~أبرويز عدة من ms3738 بلاد أعدائه , وبلغت خيلة القسطنطينية وإفريقية . | وقد ذكر ~~ابن مسكوية ايضا ما يمكن أن يكون المراد بالآية , وشرح أسباب ذلك فذكر ان ~~هرمز بن أنوشروان لما بعث بهرام بن بهرام الملقب جوبين غلى ملك الترك وظفر ~~به ثم بابنه , أساء السيرة فيه ولم يأذن في الرجوع , بل أمره بالتقدم فيما ~~لم يره بهرام صوابا وخاف مخالفته , وقد كان هرمز حسن السيرة جدا أديبا ~~أريبا , داهيا غلا عرقا قد نزعه أخواله من الترك , فكان لذلك مقصيا للأشراف ~~وأهل البيوتات والعلماء , لوم يكن له رأي إلا في تألف السفلة واستصلاحهم ~~ففسدت عليه نيات الكبراء من جنده , فلما خافه بهرام جمع وجوه عسكره , وخرج ~~عليهم في زي النساء وبيده مغزل وقطن ثم جلس في موضعه ووضع بين يدي كل واحد ~~منهم مغزلا وقطنا , فامتعضوا لذلك , فقال : إن كتاب الملك ورد علي بذلك , ~~فلا بد من امتثال أمره إن كنتم طائعين , فأبوا وخلعوا هرمز , وأظهروا ~~PageV05P589 أن أبنه ابرويز اصلح للملك منه , فلما يمع أبرويز بذلك خاف ~~اباه على نفسه , فهرب إلى أذربيجان , ولما بلغ الجند الذين بحضرة هرمز خلعه ~~أعجبهم , فضعف أمره , ثم أجمعوا على خلعه فخلعوه وسلموه , فكوتب أبرويز ~~بذلك فبادر بهراما فسبقه وجلس على سرير الملك , فأطاعه الناس ودخل على أبيه ~~, وأعلمه أنه نائبه , واعتذر إليه بأن ما حصل له لم يكن عن رايه ولا برضاه ~~ولا كان حاضره حتى يذب عنه , فعذره , وقصده بهرام فجرت بينهما أمور طويلة , ~~وحروب هائلة , ضعف فيها ابرويز , وأحس من أصحابه فتورا , وتبين فيهم فشلا , ~~فسار إلى أبيه وشاوره فرأى له المصير غلى ملك الروم , فنهض غلى ذلك في عدة ~~يسيرة فيهم بنديه لأبرويز : اعطني بزتك وزينتك لأحتال لك وأبذل نفسي دونك , ~~ففعل فأمره بالنجاة بمن معه , وأقام هو ي الدير , فلما أحيط به اطلع بندويه ~~من فوق الدير فأوهمهم أنه ابرويز بما عليه من البزة والزينة , فظنوه وسالهم ~~الإمهال غلى غد ليسلمهم نفسه فأمسكوا , وحفظ الدير بالحرس , فلما أصبحوا ~~اطلع عليهم وقال : إن علي وعلى ms3739 أصحابي بقية شغل من استعداد لصلوات وعبادات ~~فأمهلونا , ولم يزل يدافع حتى مضى عامة النهار وعلم أن ابرويز قد فاتهم , ~~ففتح حينئذ وأعلم قائدهم بأمرهم , فانصرف به غلى بهرام جوبين فحبسه . | ~~ولما وصل ابرويز غلى أنطاكية كاتب ملك الروم وسأله نصرته , فأجابه وتوادا ~~إلى أن زوجة ابنته مريم وحملها غليه , وبعث إليه ستين ألف مقاتل فيهم أخوة ~~تياذوس وساله ترك الأتاوة التي كان آباؤه يسألونها ملوك الروم إذ هوملك , ~~فاغتبط به أبرويز وسار بهم , فلما وصل غلى أداني أرضهم انضم غليه كثير من ~~أهل فارس فاستظهر على بهرام , فقصد بهرام بلاد الترك فأكرمه ملكها , ولم ~~يزل أبرويز يلاطف ملك الروم الذي نصره حتى وثبت الروم وارسل عليه في شيء ~~أنكروه منه فقتلوه وملكوا غيره , ولجأ ابنه إلى أبرويز فملكه على الروم ~~وارسل معه جنوددا كثيفة عليهم شهربراز , فدوخ عليهم البلاد , وملك صاحب ~~كسرى بيت المقدس وقصد قسطنطسينية , فأناجوا على ضفة الخليج القريب منها , ~~ولم يخضع لابن الملك الذي توجه كسرى أحد من الروم , وكانوا قد قتلوا الذي ~~ملكوه بعد أبيه لما ظهر من فجوره وسوء تدبيره , وملكوا عليهم رجلا يقال له ~~هرقل . | وقال ابن الفرات : إن أبرويز بعث مع ابن الملك الذي كان نصره ~~ثلاثة من قواده في جنود كثيرة كثيفة , أما أحدهم فإنه كان يقال له زميرزان ~~وجهه إلى بلاد الشلام فدوخها حتى انتهى إلى بلاد فلبسطين , وورد مدينة بيت ~~المقدس , واخذ أسقفها ومن كان فيها من القسيسين وسائر النصارى PageV05P590 ~~بخشبة الصليب , وكانت قد دفنت في بستان في تابوت من ذهب وزرع فوقها مبقلة ~~فدلوه عليها فحفر واستخرجها وبعد بها إلى كسرى في سنة أربع وعشرين من ملكه ~~, وأما القائد الثاني - وكان يقال لهك شاهير - فسار حتوى على مصر ~~والإسكندرية وبلاد النوبة وبعث إلى كسرى بمفاتيح مدينة الإسكندرية في سنة ~~ثمان وعشرين من ملكه , وأما القائد الثالث - وكان يقال له : فرهان - فإنه ~~قصد قسطنطينية حتى أناخ قريبا من ماء وخيم هنالك فأمره كسرى فخرب بلاد ~~الروم غضبا مما انتهكوا ms3740 من موريق - يعني الملك الذي فعل هذا لأجله أحد من ~~الروم , لأنهم لما قتلوا الملك قوفا ملكوا عليهم رجلا يقال له هرقل , ثم ~~اتفق ابن الفرات وابن فتحون فقالا : فلما رأى هرقل عظيم ما فيه بلاد الروم ~~من تخريب جنود فارس إياها وقتلهم مقاتلتهم , وسبيهم ذراريهم , واستباحتهم ~~أموالهم , تضرع غلى الله تعالى , وأكثر الدعاء والابتهال فيقال : إنه رأى ~~في منامه رجلا ضخم الجثة رفيع المجلس عليه , فدخل عليهما داخل , فألقى ذلك ~~الرجل عن مجلسه وقال لهرقل : إني قد سلمته في يدك , فلم يقصص رؤياه تلك في ~~يقظته حتى توالت عليه عليه أمثالها , فراى في بعض لياليه كأن رجلا دخل ~~عليهما وبيده سلسلة طويلة فألقاها في عنق صاحب المجلس الرفيع عليه ثم دفعه ~~غليه وقال له : ها قد دفعت إليك كسرى برمته , وقال ابن الفرات : فاغزه فإنك ~~مدال عليه , ونائل أمنيتك في غزاتك , فلما تتابعت عليه هذه الأحلام قصها ~~على عظماء الروم وذوي العلم منهم , فأشاروا عليه أن يغزوه , فاستعد هرقل ~~واستخلف ابنه على مدينة القسطنطينية , وأخذ غير الطريق الذي فيه شهريراز ~~صاحب كسرى , وسار حتى دخل في بلاد أرمينية ونزل بنصبين بعد سنة , وقد كان ~~صاحب ذلك الثغر من قبل كسرى استدعى لموجدة كانت من كسرى عليه , وأما ~~شهربراز فكانت كتب كسرى ترد عليه في الجثوم على الموضع الذي هو به , وترك ~~البراح , ثم بلغ كسرى تساقط هرقل في جنوده غلى نصيبين فوجه لمحاربة هرقل ~~رجلا من قواده يقال له : راهزاد في اثني عشر ألفا من الأنجاد , وأمره أن ~~يقيم بنينوى وهي التي تدعى ىان الموصل - على شاطىء دجلة , ويمنع الروم أن ~~يجوزوها , وكان كسرى بلغه خبر هرقل وأنه مغذ وهو يومئذ مقيم بدسكرة الملك , ~~فتعذر راهزاد لأمر كسرى وعسكر حيث أمره فقطع هرقل دجلة من موضع آخر غلى ~~الناحية التي كان فيها جند فارس , فأذكى راهزاد أنه ومن معه من الجند ~~عاجزون عن مناهضته , كتب إلى كسرى غير مرة دهم هرقل إياه بمن لا طاقة له ~~ولمن معه بهم ms3741 , لكثرتهم وحسن عدته , قال ابن الفرات : PageV05P591 فكتب ~~كسرى إنكم إن عجزتم عن الروم لم تعجزوا عن بذل دمائك في طاعتي , فلما ~~تتابعت على راهزاد جوابات كسرى بذلمك عبى جنده , وناهض الروم بهم , فقتل ~~الروم راهزاد وسته لاف رجل , وانهزمت بقيتهم , وهربوا على وجوههم , وبلغ ~~كسر قتل الروم راهزاد وستة آلاف وما نال هرقل من الظفر فهده ذلك وانحاز من ~~دسكرة الملك إلى المدائن , وتحصن به لعجزه كان عن محاربة هرقل , وسار هرقل ~~حتى كان قريبا من المدائن . | قال ابن الفرات : فاستعد كسرى لقتاله ثم خالف ~~كسى ملك الروم فرجع إلى بلاده فحمل خزائنه في البحر . | فعصفتا الريح ~~فألقتها بالإسكندرية , فظفر بها أصحابه من الروم , وذكر المسعودي هذا فخالف ~~بعصض المخالفة : فقال : وثب بطريق من بطارقة الروم يقال له قوقاس فيمن ~~اتبعه على تموريقس ملك الروم حمو أبرويز ومنجده , فقتلوه وملكوا قوقاس , ~~ونمى ذلك إلى ابرويز فغضب لحمه وسير غلى الروم جيوش وكانت له في ذلك أخبار ~~يطول ذكرها , وسير شهريار مرزبان المغرب إلى حرب الروم فنزل أنطاكية وكانت ~~له مع ملك الروم وأبرويز أخبار و مكاتبات وحيل إلى ان خرج ملك الروم إلى ~~حرب شهريار , وقدم خزائنه في البحر في ألف مركب , فألقتها الريح إلى ساحل ~~أنطاكية فغنمها شهريار فحملها إلى ابرويز فسميت خزائن الريح , ثم فسدت ~~الحال بين ابرويز وشهريار , ومايل شهريار ملك الروم فسيره شهريار نحو ~~العارق إلى أن انتهى إلى النهروان فاحتال ابرويز في كتب كتبها مع بعض ~~أساقفه النصرانية ممن كان في ذمته حتى رده إلى القسطنطنية , وأفسد الحال ~~بينه وبين شهريار . | وقال أبو حيان : وسبب ظهور الروم أن كسرى بعث غلى ~~شهربراز وهو الذي ولاه على محاربة الروم أن اقتل أخاك فرخان - انتهى . | ~~وهذا هو تتمة ما تقدم في خبر المرأة التي كانت لا تلد إلا الأبطال , وأن ~~كسرى بعث ابنها شهربراز إلى حرب الروم فظهر عليهم . | قال ابن مسكوية : ~~فلما ظهرت فارس علىالروم جلس فرخان يشرب فقال لأصحابه : لقد رأيت كأني جالس ~~على سرير ms3742 كسرى , فبلغت مقالته كسرى فكتب إلى شهربراز : إذا أتاك كتابي هذا ~~فابعث إلي برأس فرخان , فكتب غليه : إن في رجال فارس خلفا منه فعجل إلي ~~برأسه , فراجعه فغضب كسرى وبعث بريدا إلى أهل فارس : إني قد نزعت عنكم ~~شهربراز واستعملت فرخان , فلنا قرأ شهربراز الكتاب قال : سمعا وطاعة , ونزل ~~عن سريره , وجلس فرخان ودفع البريد الصحيفة إليه فقال : ائتوني بشهربراز , ~~فقدمه ليضرب عنقه فقال : لا تعجل حتى أكتب وصيتي , قال : افعل . | فدعا ~~بسفط وأعطاه ثلاث صحائف , وقال : كل هذا PageV05P592 راجعت فيك كسرى وأنت ~~اردت أن تقتلني بكتاب واحد , فرد الملك على أخيه , فكتب شهربراز إلى قيصر ~~ملك الروم : إن لي إليك حاجة لا تحملها البرد ولا تبلغها الصحف فالقني , ~~ولا تلقني إلا في خمسين روميا , فإني أيضا القاك في خمسين فارسا , فاقبل ~~قيصر في خمسائة رومي , وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق , وخاف أن يكون ~~قد مكر به حتى أتاه عيونه أنه ليس معه إلا خمسون رجلا , ثم بسط لهما ~~والتقيا في قبة ديباج ضربت لهما , واجتمعا ومع كل واحد منهما سكين , ودعوا ~~ترجمانا بينهما , فقال شهربراز : إن الذين خربوا مدائنك , وبلغوا منك ومن ~~جندك ما بلغوا أنا وأخي بشجاعتنا وكيدنا , وأن كسى حسدنا فأراد أن اقتل اخي ~~فابيت , ثم أمر اخي أن يقتلني فقد خلعناه جميعا فنحن نقاتله معك , فقال : ~~قد أصبتما ووفقتما ثم اشار أحدهما إلى صاحبه أن السر إنما يكون بين اثنين , ~~فإذا جاوز اثنين فشا , قال صاحبه : أجل , فقاما جميعا إلى الترجمان ~~بسكينيهما فقتلاه , واتفقا على قتال كسرى , فتعاون شهربراز وهرقل على كسرى ~~, فغلبت الروم فارس . | وذكر أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد ~~الحكم في أوائل فتوح مصر نحو هذا الحديث من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه سمع ابن عمر رضي الله عنه يسأل الهرمزان عنسبب ظهور الروم على كسرى ~~فأخبره به , وكان مما تمكن الخلاف عليه أيضا أنه كان طلب الذين هربوا بعد ~~قتل قائدهم راهزاد , وأمر بأن يعاقبوا ms3743 على انهزامهم , فأحوجهم بهذا إلى ~~الخلاف عليه وطلب الحيل نجاة أنفسهم منه , فإن كانت الوقعة التي غلبت الروم ~~فيها بأذرعات أو الأردن فهي أدنى أرض الروم - أي اقربها - إلى مكة المشرفة ~~, وإن كانت بالجزيرة فهي ادنى بالنظر إلى كسرى - هذا ما حقت فيه الآية في ~~ظاهر العبارة وصريحها مع ما انضم إلى ذلك من إداله العرب على افرس أيضا في ~~هذا الوقت في وقعة ذي قار - كما بينته في شرحي لنظمي للسيرة النبيوية ~~المسمى ( نظم الجواهر من سيرة سيد الأوائل والأواخر ) وسيأتي ملخصه قريبا - ~~حتى يقال : إن نصره الروم والعرب ونصرة المسلمين في بدر كانت في آن واحد . ~~| ومن أعاجيب ما دخل تحت مفهوم الآية من لطائف المعهجزات في باطن الإشارة ~~وتلويحها أن زماننا هذا كان قد غلب فيه على ملك مصر جندها الغرباء من الترك ~~وغيرهم ثم اختص به الشراكسة منهم من نحو مائة سنة , وهم ممن ليس له كتاب في ~~الأصل وإن كان إسلامهم قد جب ما كانوا عليه من قبل وكانوا إذا مات أحدهم ~~وله ابن ولوا ابنه لأجل مماليكه واتباع أبيه إلى أن يعلموا الحيلة في خلعه ~~, وكان أكثر أولادهم يكون صغيرا أو في حكمه حتى كانت سنة خمس وستين ~~وثنانمائة , فصادف أن المتولي بها من أولادهم المؤيد أحمد بن الأشرف إينال ~~العلائي , وكان قد ناهز الأربعين , وكان عنده حزم PageV05P593 ودهاء , ~~وزادت مدة ولا يته بعد أبيه على اربعة أشهر فثقل عليهم جدا , وكان الأمير ~~الكبير خشقدم أحد مماليك المؤيد شيخ وهو رومي , وكانت عادتهم أنهم إذا ~~خلعوا أحدا من أبناء الملوك ولو الملك من كان في الإمرة الكبرى , فاختار ~~الشراكسة ولايته وإن كان من غيرهم على ولاية من ولد في الإسلام في بلاد ~~العرب , فأعلموا الحيلة في أمره إلى أن أجمع أمرهم ورايهم كلهم على خلعه ~~حتى مماليكه ومماليك أبيه , فقاموا في قومة رجل واحد في أواخر شهر رمضان من ~~السنة المذكورة , فلما لم يجد له ناصرا اسلم نفسه في اليوم الثاني من ~~وثوبهم عليه ms3744 , فعرضوا الولاية على شخص منهم فلم ير التقدم على أكبر منه في ~~الرتبة فأشار غلى الأمير الكبير فولوه , ثم اجتهد بعضهم في نزعه فلم يقدرهم ~~الله على ذلك ولم يجمع كلمتهم على أحد , وقام هو في الأمر بجد عظيم وحزم , ~~ولين في شدة وعزم , حتى استحكم أمره , وعظم قدره , وحسب عدد ( بضع ) بالجمل ~~فإذا هو اثنان وسبعون وثمانمائة , وهو مقدار ما مضى من السنين من حين نزول ~~الآية إلى حين ولايته , وذلك أن نصر أهل فارس على الروم كما مضى كان في ~~السنة الثامنة من النبوة , وحينئذ نزلت الآية , فإذا قلنا : إن نزولها كان ~~في شهر رمضان من تلك السنة , كان قبل الهجرة بست سنين إذا جعلنا كسر ~~الثامنة سنة , وقد كانت وقعة بدر في سابع عشر شهر رمضان من السنة الثانية ~~من الهجرة في الشهر السابع , فيكون نصر الروم إذا صححنا كما هو الذي ينبغي ~~أن لا يعتقد غيره لدلالة القرآن العظيم عليه كما تأتي الإشارة إليه أنه في ~~سنة غزوة بدر في آخر السنة السابعة من حين نزوال الآية , ويكون ولاية ~~السلطان خشقدم لكونها في أواخر شهر رمضان في ابتداء سنة ست وستين من الهجرة ~~, فإذا ضممت إليها الست التي كانت قبل الهجرة كانت الجملة ثمانمائة واثنين ~~وسبعين على عدد ( بضع ) المنظوم في الآية سواء , وإن صححنا كما ايده ما في ~~الصحيح عن أبي سفيان أن نصر الروم كان وقت الحديبية وذلك في ذي القعدة سنة ~~ست من الهجرة , وكما قلنا : كان نزول الآية قبلالهجرة بشهرين ونحوهما , صح ~~أن نصر الروم كلان عند دخول السنة السابعة من نزول الآية كما في رواية ~~الترميذي عن نيار رضي الله عنه , وكان الموافق لعدد البضع سنة اثنتين ~~وسبعين وثمانمائة من الهجرة , وفيها غلب شخص من الروم , وذلك أن الظاهر ~~خشقدم مات في ربيع الأول سنة اثنين وسبعين وثمانمائة من الهجرة , فولى بعده ~~الأمير الكبير يلبيه وهو من الشراكسة , فلم ينتظم له الأمر , فخلع في جمادى ~~الأولى منها , وولى الأمير الكبير تمربغا ms3745 ولقب الظاهر وهو رومي , فكان ذلك ~~من الآيات الباهرات إن وافق هذا الأمر العدد المذكور على كلتا الوايتين : ~~وراية من قال : إن التصر كان يوم بدر ورواية من PageV05P594 قال : يوم ~~الحديبية , ولولا ولاية يلبيه ما صح إلا أحدهما , إن في ذلك لعبرة , هذا إن ~~عددنا آحاد السنين , وإن عددناها مئات فهو في بضع منها , فإنه في المائة ~~التاسعة كما اشار إليه الأستاذ أبو الحكم عبد السلام بن برجان في تفسيره ~~فقال : حكمة الله جل ذكره في دوئر التقدير أن يرجع فيها أواخر الكلم عن ~~أوائلها , ومن الدوائر مقدرةن ومنها موسعة على مقدرا مشيئة الله فيها وبها ~~, ولما اخبر الله تعالى عن الروم أنهم غلبوا في أدنى الأرض وهي بلد الشام , ~~كان إخبارا منه عما يكون - والله أعلم - وبشارة بشر بها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمؤمنين أن ذلك سيكون , يعني أن معنى ( غلبت ) مبنيا للمفعول ~~إن كان بالنسبة غلى فارس كان المعنى وقع غلبها , وإن كان بالنسبة للمسلمين ~~كان المعنى : قرب زمان غلبها على أيدي المسلمينن ثم قال : فكان ذلك في زمان ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه , غلبهم في بلاد الشام , و استخرج بيت المقدس ~~عن أيديهم . | والبضع من الثلاث إلى التسع , وكان نزول هذه السورة بمكة ~~فكان ذلك داخل بضع أسابيع سنين على رأس عشرين إلى ثمان وعشرين سنة , ثم لم ~~يزل الفتح بعد ذلك يتصل ويتسع إلى نهاية سبقت في التقدير , ثم ذكر عود ~~التقدير باستيلاء الروم على بعض أطراف الشام ثم باستنقاذ المسلمين ذلك منهم ~~, ونظر إلى ذلك تارة بحسب الأسابيع وتارة بحسب آحاد المئات , وتارة بغير ~~ذلك , وصحح وقوعه في البضع بالغالبية والمغلوبية مرة بعد أخرى , وهو من ~~بدائع الأنظار , ودقائق الأسرار الكبار . | ولما كان تغليب ملك على ملك من ~~الأمور الهائلة , وكان الإخبار به قبل كونه أهول , ذكر علة ذلك فقال : { ~~لله } أي وحده { الأمر } ولما افهم السياق العناية بالروم , فكان ربما توهم ~~أن غلب فارس لهم في تلك الواقعة وتأخير نصرهم إلى ms3746 البضع ربما كان لمانع لم ~~يقدر على إزالته , نفى ذلك بإثبات الجار المفيد لأن أمره تعالى مبتدىء من ~~الزمن الذي كان قبل غلبهم حتى لم تغلبهم فارس إلا به , وهو مبتدىء من الزمن ~~الذي بعده , فالتأخير به لا بغيره , لحكمة دبرها سبحانه فقال : { من قبل } ~~أي قبل دولة أهل فارس على الروم ثم دولة الروم على فارس , لا إلى غاية تكون ~~مبدأ لاختصاصه بالأمور فيه سبحانه غلبوهم { ومن بعد } أي بعد دولة الروم ~~عليهم ودولتهم على الروم لا إلى غاية فيه أيضا غلبهم الروم , فحذف المضاف ~~إليه هو الذي أفهم أن زمن غلبة فارس لهم وما بعده من البضع مذكور دخوله في ~~أمر مرتين . | ولما أخبر بهذه المعجزة , تلاها بمعجزة أخرى , وهو أن أهل ~~الإسلام لا يكون لهم ما يهمهم فيسرون بنصره فقال : { يومئذ } أي إذ تغلب ~~الروم على فارس { يفرح المؤمنون } أي العريقون في هذا الوصف من أتباع محمد ~~صلى الله عليه وسلم { بنصر الله } أي الذي لا PageV05P595 راد لأمره , لأهل ~~الكتاب عامة , نصرهم على المشركين في غزوة بدر وهو المقصود بالذات , ونصر ~~الروم على فارس لتصديق موعود الله ونصر من سيصير من أهل الكتاب الخاتم من ~~مشركي العرب على الفرس في وقعة ذي قار , فقد وقع الفرح بالنصر الذي ينبغي ~~إضافته إلى الله تعالى وهونصر أهل الدين الصحيح اصلا وحالا ومالا , وسوق ~~الكلام على هذا الوجه الذي يحتمل الثلاثة من بدائع الإعجاز , وسبب وقعة ذي ~~قار أنه كان أبرويز هذا - الذي غلب الروم ثم غلبته الروم - قد غضب على ~~النعمان بن المنذر ملك العرب , فأتى النعمان هذا هانىء بن مسعود بن عامر ~~الشيباني , فاستودعه ماله وأهله وولده وألف شكة , أو أربعة آلاف شكة - ~~والشكة بكسر المعجمة وتشديد الكاف : السلاح كله - ووضع وضائع عند أحياء ~~العرب ثم هرب فأتى طيئا لصهره فيهم , وكانت عنده فرعة بنت سعيد بن حارثة بن ~~لأم وزينب بنت أوس بن حارثة بن لأم , فأبوا أن يدخلوه حبلهم وأتته بنو ~~رواحة بن ربيعة بن عبس ms3747 فقالوا له : أبيت اللعن ! اقم عندنا فإنا مانعوك مما ~~نمنع منه أنفسنا , فقال : ما أحب أن تهلكوا بسبب فجزيتم خيرا , ثم خرج حتى ~~وضع يده في يد كسرى فحبسه بساباط , وقال ابن مسكويه : بخانقين , فلم يزل في ~~السجن حتى وقع الطاعون فمات فيه , قال : والناس يظنون أنه مات بساباط , ~~والصحيح ما حكيناه . | فلما مات النعمان جعلت بكر بن وائل تغير في السواد , ~~فغضب من ذلك كسرى , ثم بعث غلى هانىء بن مسعود يقول له : إن النعمان إنما ~~كان عاملي , وقد استودعك ماله وأهله وحلقته فابعث إلي بها ولا تكلفني ن ~~أبعث إليك وإلى قومك بالجنود فتقتل المقاتلة وتسبي الذراري , فبعث إليه ~~هانىء أن الذي بلغك باطل , وما عندي شيء , وإن يكن الأمر كما قيل فإنما أنا ~~أحد الرجلين : إما رجل استودع أمانة فهو حقيق أن يردها على من استودعها ولن ~~يسلم الحر أمانته , أو رجل مكذوب عليه وليس ينبغي للملك أن يأخذه بقول عدو ~~أو حاسد . | وكانت الأعاجم لهم قوة وحلم , وكانوا قد سمعوا ببعض حلم العرب ~~, وأن الملك كائن فيهم , فلما ورد عليه كتاب هانىء بهذا حملته الشفقة أن ~~يكون ذلك قد اقترب على ان خرج بنفسه , فأقبل حتى قكع الفرات فنزل غمر بني ~~مقاتل , وقد أحنقه ما صنعت بكر بن وائل في السواد ومنع هانىء إياه ما منعه ~~, ودعا كسرى إياس بن قبيصة الطائي وكان عامله على عين التمر وما والاها , ~~فاستشاره في الغرة على بكر بم وائل فقال له إياس : إن الملك لا يصلح أن ~~يعصيه أحد من رعيته , وإن تطعني لم يعلم أحد لأي شيء عبرت وقطعت الفرات , ~~فيرون أن أمر العرب قد كربك , ولكن ترجع وتضرب عنهم وتبعث عليهم العيون حتى ~~ترى منهم غرة ثم ترسل حينئذ كتيبة من العجم فيها بعض القبائل التي تليهم ~~فيوقعون بهم وقعة الدهر , PageV05P596 ويأتونك بطلبك , فقال له كسرى : ~~أنترجل من العرب وبكر بن وائل أخوالك , فأنت تتعصب لهم لا تألوهم نصحا , ~~فقال إياس : الملك أفضل رأيا , فقام عمر بن ms3748 عدي بن زيد العبادي وكان كاتبه ~~وترجمانه بالعربية في أمور العرب فقال : قم ايها الملك وابعث غليهم بالجنود ~~يكفوك ! وقلم إليه النعمان بن زرعة منولد السفاح الثعلبي فقال له : ايها ~~الملك ! إن هذا الحي من بكر بن وائل إذا قاظو تهافتوا على ماء لهم يقال له ~~: ذو قار , تهافت الفراش في النار , فعقد لنعمان بن زرعة على تغلب والنمر , ~~وعقد لخالد بن يزيد البهراني على قضاعة وأياد وعقد لإياس بن قبيصة على جميع ~~العرب , ومعه كتيبتاه الشهباء والدوسر , فكانت العرب ثلاثة آلاف , وعقد ~~للهامرز على ألف من الأساورة , وعقد لخيارزين على ألف , وبعث معهم باللطيمة ~~وهي عير كانت تخرج من العراق فيها البن والعطر والألطاف , توصل ذلك إلى ~~باذان عامل كسرى على اليمن , وقال : إذا فزعتم من عدوكم فسيروا بها إلى ~~اليمين , وأمر عمرو بن عدي ان يسير بها , وكانت العرب تحقرهم حتى تبلغ ~~اللطيمة اليمن , وعهد كسرى إليهم إذا شارفوا بلاد بكر بن وائل أن يبعثوا ~~إليهم النعمان بن زرعة , فإن أتوكم بالحلقة ومائة غلام منهم يكونون رهنا ~~بما أحدث سفهاؤهم فاقبلوا منهم وإلا فقاتلوهم . | فلما بلغ الخبر بكر بن ~~وائل سار هانىء بن مسعود حتى نزل بذي قار , وأقبل النعمان بن زرعة حتى نزل ~~على ابن أخته مرة بن عبد الله العجلي , فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : إنكم ~~أخوالي وأحد طرفي , وإن الرائد لا يكذب أهله , وقد اتاكم ما لا قبل لكم به ~~من أحرار فارس وفرسان العرب والكتيبتان الشهيباء والدوسر , وإن الشر خيارا ~~, ولأن يفدي بعضكم بعضا خير من أن تصطلموا , انظروا هذه الحلقة فادفعوها ~~وادفعوا معها رهنا من أبنائكم إليه بما أحدث سفهاؤكم , فقال له القوم : ~~ننظر في أمورنا , وبعثوا إلى من يليهم من بكر بن وائل وبرزوا ببطحاء ذي قار ~~بين الجلهتين - وجلهة الوادي : مقدمه , مثل جلهة الرأس إذا ذهب شعره - ~~وجعلتبكر بن وائل حين بعثوا إلى من حولهم منقبائل بكر لا ترفع لهم جماعة ~~غلاقالوا : سيدنا في هذه الجماعة , إلى أن رفعت لهم ms3749 جماعة فيها حنظلة بن ~~ثعلية بن سنان العجلي فقالوا : يا أبا معدان فقد طال انتظارنا وقد كرهنا أن ~~مقطع أمرا دونك , وهذا ابن أختك النعمان بن زرعة قد جاء والرائد لا يكذب ~~اهله , قال : فما الذي أجمع رايكم عليه ؟ قالوا : قلنا اللحي أهون من الوهي ~~, وإن في الشر خيارا , ولأن نفدي بعضنا بعضا خير من أن نصطلم جميعا , فقال ~~حنظلة : قبح اله هذا رأيا , لا تجر أحرار فارس غزلها ببطحاء ذي قار وأنا ~~أسمع صوتا , ثم أمر بقبته فضربت بوادي ذي قار ونزل الناس فأطافوا به ثم قال ~~لهانىء بن مسعود : يا أبا أمامة ! إن ذمتكم ذمتنا PageV05P597 عامة وأنه لن ~~يوصل إليك حتى تفنى أرواحنا , فأخرج هذه الحلقة ففرقها بين قومك , فإن تظفر ~~فسترد عليك , وإن تهلك فأهون مفقود , فأمر بها فأخرجت ففرقها بينهم , ثم ~~قال حنظلة للنعمان : لولا أنكرسول لما أبت إلى أهلك سالما , فرجع النعمان ~~إلى أصحابه , فأخبرهم فباتوا ليلتهم يستعدون للقتال , وبات بكر بن وائل ~~يستعدون للحرب , فلما أصبحوا أقبلت الأعاجم نحوهم وأمر حنظلة بالظعن جميعا ~~فوقفها خلف الناس ثم قال : يا معشر بني بكر بن وائل ! قاتلوا عن ظعتنكم أو ~~دعوا , واقبلت الأعاجم يسيرون إلى تعبئة , وكان ربيعة بن غزالة السكوتي ثم ~~التجيني يومئذ هو وقومه نزولا في بني شيبان فقال : يا بني شيبان ! أما إني ~~لو كنت منكم لأشرت عليكم برأي مثل عروة العلم قالوا : وأنت والله من أوسطنا ~~, أشر علينا , قال : لا تستهدفوا هذه الأعاجم فتهلككم بنشابها , ولكن ~~تكردسوا لهم كراديس فيشد عليهم كردوس , فإذا أقبلوا عليه شد الآخر , قالوا ~~: فإنك قد رايت رأيا , ففعلوا , فلما التقى الزحفان وتقارب القوم قام حنظلة ~~لن ثعلبة فقال : يا معشر بكر بن وائل ! إن النشاب الذي مع الأعاجم يعرفكم , ~~فإذا ارسلوه لم يخطكك , فعاجلوهم اللقاء وابدأوهم , ثم قام هانىء بن مسعود ~~فقال : يا قوم ! مهلك معذور خير من منجى مفرور , إن الحذر لا يدفع القدر , ~~وإن الصبر من أسباب الظفر , المنية ولا الدنية , واستقبال الموت خير من ms3750 ~~استدباره , ياقوم : جدوا , فما من القوم بد فتح لو كان رجال أجد , أسمع ~~صوتا ولا أرى فوتا , يا لبكر ! شدوا واستعدوا , فإن لا تشدوا تردوا , ثم ~~قام شريك بن عمرو بن شراحيل فقال : ياقوم ! إنما تهابونهم أنكم ترونهم عند ~~الحفاظ أكثر منكم , وكذلك أنتم في عيونهم فعليكم بالصبر , فإن الأسنة تردي ~~الأعنة , يا لبكر ! قدما قدما , ثم قام عمرو بن جبلة اليشكري فقال : | يا ~~قوم لا تغرركم هذي الخرق ولا وميض البيض في شمس برق من لم يقاتل منكم هذي ~~العنق فجنبوه اللحم واسقوه المرق | ثم قام حنظلة بن ثعلبة إلى ( وضين ) ~~امرأته فقطعه ثم تتبع الظعن بقيع وضنه , لئلا يفر عنهن الرجال , والوضين : ~~بطان الناقة فسمي يومئذ : مقطع الوضن . | وقال ابن مسكوية : إنه لما قطع ~~الوضن وقع النساء إلى الأرض وإن بنت القرين الشيبانية نادت : | ويها بني ~~شيبان صفا بعد صف إن تهزموا يصبغوا فينا القلف | PageV05P598 فقطع سبعمائة ~~من بني شيبان أيدي أقبيتهم من قبل مناكبهم لتخف أيديهم بالضرب , وتقدمت عجل ~~يومئذ بلاء حسنا , واضطمت عليهم جنود العجم فقال الناس : هلكت عجل , ثم ~~حملت بكر فوجدت عجلا ثابتة تقاتل وامرأة منهم تقول : | إن يظفروا يحرزوا ~~فينا الغزل فدى لكم نفسي فدى بني عجل | وتقول أيضا : | إن تقدموا نعانق ~~ونفرش النمارق أو تهربوا نفارق فراق غير وامق | فكانت بنو عجل في الميمنة ~~بإزاء خيارزين وبنو شيبان في ا لميسرة بإزاء كتيبة الهامرز , وأفناء بكر بن ~~وائل في القلب فخرج أسوار من الأعاجم مسور مشنف في أذنيه درتان , من كتيبة ~~العامرز يتحدى الناس للبراز , فنادى في بني شيبان فلم يبارزه أحد حتى إذا ~~دنا من بني يشكر برز له برد بن حارثة أخو بين ثعلبة فشد عليه بالرمح فطعنه ~~فدق صلبه وأخذ حليته وسلاحه , وقال ابن مسكوية : ونادى الهامرز لما رأى جد ~~القوم وثباتهم للحرب وصبرهم للموت مرد ومرد , فقال : وأبيكم لقد أنصف , ~~وبرز له فلم يلبتث برد أن تمكن من الهامرز فقتله . | وقال ابن مكرم في ~~اختصارو للأغاني : ثم اقتتلوا ms3751 صدر نهارهم أشد قتال رآه الناس إلى ان زالت ~~الشمس , فشد الحوقران واسمه الحارث ابن شريك على الهامرز فقتله وقتلت بنو ~~عجل خيارزين , وضرب الله وجوالفرس فانهزموا , وتبعتهم بكر بن وائل يقتلونهم ~~بقية يومهم حتى أصبحوا من الغد وقد شارفوا السواد ودخلوه فلم يلفت منهم ~~كبير أحد , وأقبلت بكر بن وائل على الغنائم فقسموها بينهم , وقسموا تلك ~~اللطائم بين نسائهم , وكان أول من أنصرف إلى كسرى بالهزيمة إياس بن قبيصة , ~~وكان لا يأتيه أحد بهزيمة جيش غلا نزع كتفيه , فلما أتاه إياس سأله عن ~~الخبر فقال : هزمنا بكر بن وائل , وأتيناك بنسائهم , فأعجب ذلك كسرى , وأمر ~~له بكسوه , ثم إن إياسا استأذنه عند ذلك فقال : إن أخي مريض بعين التمر , ~~فأردت أن آتيه , وإنما أراد أن ينتحي عنه , فإذن له , ثم أتى رجل من أهل ~~الحيرة فسأل : هل دخل على الملك أحد ؟ فقالوا : نعم ! إياس , فقال : ثكلت ~~إياسا أمه ! وظن أنه قدحدثه بالخبر , فدخل عليه فحدثه بهزيمة القوم وقتلهم ~~, فأمر به فنزعت كتفاه ؛ وكانت وقعة ذي قار بعد وقعة بدر باشهر ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بالمدينة , فلما بلغه ذلك قال : ( هذا أول يوم انتصفت ~~فيه العرب من العجم وبي نصروا ) روى ذلك الطبراني في المعجم PageV05P599 ~~الكبير , وقيل : إن الزقعة مثلتت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~بالمدينة فرفع يده , فدعا لبني شيبان أو لجماعة ربيعة بالنصر , ولم يزل ~~يدعو لهم حتى ارى هزيمة الفرس , وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( أيها ~~بني ربيعة اللهم انصرهم ) فهم إلى الآن إذا حاربوا نادوا بشعار النبي صلى ~~الله عليه وسلم ودعوته , وقال قائلهم : يارسول الله ! دعوتك , فإذا دعوا ~~بذلك نصروا . | وروى ذلك الطبراني الكبير - قال الهيثمي : ورجاله الصحيح ~~غير خلاد بن عيسى وهو ثقة - عن خالد ابن سعيد بن العاص عن أبيه عن جده رضي ~~الله عنه قال : قدمت بكر بن وائل مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأبي بكر رضي الله عنه : ( ائتهم فاعرض عليهم ! ) فأتاهم ms3752 فقال : من القوم ؟ ~~ثم عاد إليهم ثانية فقال : من القوم ؟ فقالوا : بنو ذهل بن شيبان , فعرض ~~عليهم الإسلام , قالوا : حتى يجيء شيخنا فلان - قال خلاد : أحسبه قال : ~~المثنى بن خارجة - فلما جاء شيخهم عرض عليهم أبو بكر رضي الله عنه , قال : ~~إن بيننا وبين الفرس حربا , فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم عدنا فنظرنا , ~~فقال له أبو بكر : أرأيت إن غلبتموهم أتتبعنا على أمرنا ؟ قال : لا نشترط ~~لك هذا علينا ولكن إذا فرغنا فيما بيننا وبينهم عدنا فنظرنا فيما نقول , ~~فلما التقوا يوم ذي قار هو والفرس قال شيخهم : ما اسم الرجل الذي دعاكم إلى ~~الله ؟ قالوا : محمد , قال : فهو شعاركم ! فنصروا على القوم , فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( بي نصروا ) انتهى . | ومن الأشعار في وقعة ذي ~~قار قول أبي كلبة التميمي : | لولا فوارس لا ميل ولا عزل من اللهازم ما ~~قظتم بذي قار إن الفوارس نم عجل هم أنفوا بأن يخلوا لكسرى عرصة الدار قد ~~أحسنت ذهل شيبان وما عدلت في يوم ذي قار فرسان ابن سيار هم الذين أتوهم عن ~~شمائلهم كما تلبس وراد بصدار | وقال الأعشى : | فدى لبني ذهل بن شيبان ~~ناقتي وصاحبها يوم اللقاء وفلت هم ضربوا بالحنو حنو قراقر مقدمة الهامرز ~~حتى تولت | ولما أخير بإدالة الروم بعد الأدلة عليهم مع ما دخل تحت مفهوم ~~الآية , وكان ربما قيل : ما له لم يدم نصر أهل الكتاب ؟ علل ذلك كله بقوله ~~( { ينصر من يشاء } من PageV05P600 ضعيف وقوي , لأنه لا مانع له و لا يسأل ~~عما يفعل { وهو العزيز } فلا يعز من عادى , ولا يذل من والى , ولما كان هذا ~~السياق لبشارة المؤمنين قال : { الرحيم } أي يخص حزبه بما ينيلهم قربة من ~~الأخلاق الزكية , والأعمال المرضية . | < < # | الروم : ( 6 - 8 ) وعد الله لا . . . . . # > > ^ ( وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون * يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون * أولم يتفكروا في أنفسهم ~~ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق ms3753 وأجل مسمى وإن كثيرا من ~~الناس بلقآء ربهم لكافرون ) ^ } ) | ولما نزل هذا على قوم أكثرهم له منكر , ~~أكده سبحانه بما يقوي قلوب أصفيائه بتبيين المراد , ويرد ألسنة أعدائه عن ~~كثير من الناد , ويعرفهم أنه كما صدق في هذا الوعد لأجل تفريح أوليائه فهو ~~يصدق في وعد الآخرة ليحكم بالعدل , ويأخذ لهم حقهم ممن عاداهم , ويفضل ~~عليهم بعد ذلك بما يريد , فقال : { وعد الله } أي الذي له جميع صفاتالكمال ~~, وهو متعال عن كل شائبة نقص , فلذلك { لا يخلف } وأعاد ذكر الجلالة تنبيها ~~على عظم الأمر فقال : { الله } أي الذي له الأمر كله . | ولما كان لا يخلف ~~شيئا من الوعد , لا هذا الذي في أمر الروم ولا غيره , أظهر فقال : { وعده } ~~كما يعلم ذلك أولياؤه { ولكن أكثر الناس } وهو أهل الاضطراب والنوس { لا ~~يعلمون * } أي ليس لهم علم أصلا , ولذلك لا نظر لهم يؤدي إلى أنه وعد وأنه ~~لا بد من وقوع ما وعد به في الحال التي ذكرا لأنه قادر وحكيم . | ولما كان ~~من المشاهدة أن لهم عقولا راجحة وأفكار صافية , وأنظار صائبة , فكانوا بصدد ~~أن يقولوا : إن علمنا أكبر من علمكم , كان كأنه قيل بيانا لأنه يصح سلب ما ~~ينفع من العلم بتأديته إلى السعادة الباقية , وتنبيها على أنه لا فرق بين ~~عدم العلم الذي هو الجهل وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا : نعم { ~~يعملون } ولكن { ظاهرا } أي واحدا { من } التقلب في { الحياة الدنيا } وهو ~~ما أدتهم إليه حواسهم وتجاربهم إلى ما يكون سببا للتمتع بزخرفها والتنعم ~~بملاذها , قال الحسن ( إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه ولا ~~يخطىء وهو لا يحسن يصلي - انتهى . | وأمثال هذا لهم كثير , وهو وإن ساووا ~~البهائم في إدراكها ما ينفعها فتستجلبه بضروب من الحيل , وما يضرها فتدفعه ~~بأنواع من الخداع , وأما علم باطنها وهو أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها ~~بالطاعة , فهو ممدوح منبه عليه بوصفها بما يفهم الأخرى . | ولما ذكر حالهم ~~في الدنيا , أتبعه ذكر اعتقادهم في الآخرة , مؤكدا إشارة إلى ms3754 أن ~~PageV05P601 الحال يقتضي إنكار أن يغفل أحد عنها , لما لها من واضح الدلائل ~~أقربه أن اسنم ضدها يدل عليها , لأنه لا تكون إلا في مقابلة قصيا , ولا ~~أولى إلا بالنسبة غلى أخرى , فقال : { وهم } اي هؤلاء الموصوفون خاصة { عن ~~الآخرة } التي هي المقصود بالذات وما خلقت الدنيا إلا للتوصل بها إليها ~~ليظهر الحكم بالقسط وجميع صصفات العز والكبر والجلال والإكرام { هم غافلون ~~* } أي في غاية الاستغراق والإضراب عنها بحيث لا يخطر في خواطرهم , فصاروا ~~لاستيلاء الغفلة عليهم إذا ذكرت لهم كذبوا بها , واستهزؤوا بالمخبر , ولم ~~يجوزوها نوع تجير مع أن دلائلها تفوت الحصر , وتزيد على العد , فصاروا ~~كأنهم مخصوصون بالغفلة عنها من بين سائر الناس ومخصصون لها بالغفلة من بين ~~سائر الممكنات , فلذلك لا يصدقون الوعد بإدالة الروم لما رسخ في نفوسهم من ~~أن الأمور تجري ين العباد غعلى غير قانون الحكمة , لأنهم كثيرا ما يرون ~~الظالم يموت ولم يقتص منه , وهم في غفلة عن أنه أخر جزاؤه غلى يوم الدين , ~~يوم يكشف الجبار حجاب الغفلة ويظهر عدله وفضله , ومن أريد القصاص منه عاجلا ~~فعل , وقضية الروم هذه منذلك , وهذا السياق يدل على أنه لا حجاب عن العلم ~~أعظم من التكذيب بالآخرة , ولا شيء اعون عليه من التصصديق بها والاهتمام ~~بشانها , لأن ذلك حامل علىطلب الخلاص في ذلك اليوم , وهو لا يكيون على أتم ~~الوجوه غلا لمن وصل غلى حالة المراقبة , وذلك لا يكون إلا لمن علم إما ~~بالكشف أو الكسب كل علم فلم يتحرك حركة غلا بدليل يبيحها له ويحمله عليها , ~~وبهذا التقرير يظهر أن هاتين الجملتين بكمالهما في حال غفلتهم عن الآخرة , ~~فانسد عليهم باب العلم - والله الموفق . | ولما كان التقدير : أفلم يتدبروا ~~القرآن وما كشف لهم عنه من الحكم والأمور التي وعد الله بها على لسان نبيه ~~محمد صلى الله عليه وسلم فيه أو في السنة , فكانت على حسب ما وعد , أو لم ~~يتأملوا مصنوعات الله عموما فتدلهم عقولهم منها على أنه لا يصلح للإلهية ~~إلا من ms3755 كان حكيما , ولا يكون حكيما غلا من صدق في وعده , و أنه لا تتم ~~الحكمة إلا بإيجاد الآخرة , عطف عليه قوله منكرا عليهم موبخا لهم : { أو لم ~~يتفكروا } اي يجتهدوا في إعمال الفكر , ثم ذكر آلة الفكر زيادة في تصوير ~~حال المتفكرين والتذكير بهيئة المعتبرين فقال : { في أنفسهم } ويجوز أن ~~تكون هي المتفكر فيه فيكون المعنى : يتفكروا في أحوالها خصوصا فيعلموا أن ~~من كان منهم قادرا كاملا لا يخلف وعده وهو إنسان ناقص , فكيف بالإله الحق ~~ويعلموا أن الذي ساوى بينهم في الإيجاد من العدم PageV05P602 وطورهم في ~~أطوار الصور , وفاوت بينهم في القوى والقدر , وبين آجالهم في الطول والقصر ~~, وسلط بعضهم على بعض بأنواع الضرر , وأمات أكثرهم مظلوما قبل القصاص ~~والظفر , لا بد في حكمته البالغة من جمعهم للعدل بينهم في جزاء من وفى أو ~~غدر , أوأو شكر أو كفر , ثم ذكر نتيجة ذلك وعلله بقوله في أسولب التأكيد ~~لأجل إنكارهم , وعلى التقدير الأول يكون هذا هو المتفكر فيه { ما خلق الله ~~} أي بعز جلاله , وعلوه في كماله { السماوات والأرض } علىما هما عليه من ~~النظام المحكمن والقانون المتقن , وافرد الأرض لعدم دليل حسي أو عقلي يدلهم ~~على تعددها بخلاف السماء { وما بينهما } من المعاني التي بها كمال منافعهما ~~{ إلا } خلقا متلبسا { بالحق } أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع , فإذا ~~ذكر البعث الذي هو مبدأه الآخرة التي هذا أسلوبها وجد الواقع في تصوير ~~النطف ونفخ الروح وتمييز الصالح منها للتصوير من الفاسد يطابق ذلك , وإذا ~~تدبر النبات بعد أن كان هشيما قد نزل عليه الماء فزها واهتز وربا وجده ~~مطكابقا للأمر البعث , وإذا ذكر القدرة فراى إختلاف الليل والنهار , وسير ~~الكواكب الصغارو الكبار , وإمطار الأمطار , وإجراء الأنهار , ونحو ذلك من ~~لأسرار , رآه مطابقا لكل ما يخطر في باله من الأقدار , وإذا خطر له العلم , ~~فتبصر في جري هذه الأمور وغيرها على منهاج مستقيم , ونظام واضح قويم , وسير ~~متقن حكيم , علم أن ذلك في غاية المطابقة للخبر بالعلم الشامل والقدرة ~~التامة على ms3756 البعث وغيره , أو إلا بالأمر الثابت والقضاء النافذ الذي لا ~~يتخلف عنه المراد , ولا يستعصي عليه حيوان ولا جماد , وخلقكم من هذا الخلق ~~الكبير الذي قام بأمره من بعض ترابه . | ثم جعلكم من سلالة من ماء مهين , ~~فالقدرة التي خلق بها ذلك كله وابتدأكم ثم يبيدكم , بها بعبينها يحييكم ~~ويعيدكم , ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون , أو إلا بسبب إحقاق ~~الحق وإبطال الباطل , فلا بد من تصديق وعده بإدالة الروم لأخذ حقهم من ~~الفرس , ولا بد من أن يقيمكم بعد أن ينيمكم ويثبت كل حق رأيتموه قد ابطل , ~~ويبطل كل باطل رأيتموه قد أعمل , لأنه أحكم الحاكمين , فلو أقر على إماتة ~~حق أو إحياء باطل لما كان كذلك . | ولما كان عندهم أن هذا الوجود حياة وموت ~~لا إلى نفاد , قال : { وأجل } لا بد أن ينتهي غليه { مسمى } أي في العلم من ~~الأزل , وذلك الأجل هو وقت قيام الساعة , وذلك أنه كما جعل لهم آجالا ~~لأصلهم وفرعهم لم يشذ عنها أحد منهم فكذلك لا بد من أجل مسمى لما خلقوا منه ~~, فذا جاء ذلك الأجل انحل هذا النظام , واختل هذا الإحكام , وزالت هذه ~~الأحكام , فتساقطت هذه الأجرام , وصارت إلى ما كانت عليه من الإعدام , وإلا ~~كان الخلق عبثا يتعالى عنه الملك العلام . | PageV05P603 ولما كانوا ينكرون ~~أنهم على كفر , أكد قوله : { وإن كثيرا من الناس } مع ذلك على وضوحه { ~~بلقاىء ربهم } الذي ملأهم إحسانا برجوعهم في الآخرة غلى العرض عليه للثواب ~~والعقاب { لكافرون } أي لساترون ما في عقولهم من دلائل وحدانيته وحجج قدرته ~~وحكمته سترا عظيما , كأنه غريزة لهم , فهم لذلك يكذبون بما وعدكم سبحانه من ~~إدالة الروم على الفرس , فلا يهولنكم ذلك لأنهم قد كذبوا بما هو أكبر منه , ~~وهو الآخرة على ما لها من الدلائل التي تفوت الحصر , وإذا راجعت ما تقدم في ~~آية الأنعام ^ ( { وهو الذي خلقكم من طين } ) ^ [ آية : 2 ] ازددت في هذا ~~بصيرة . | < < # | الروم : ( 9 ) أو لم يسيروا . . . . . # > > ^ ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ms3757 كان عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروهآ أكثر مما عمروها وجآءتهم رسلهم ~~بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) ^ } ) | ولما ~~أقام عليهم الدليلن أتبعه التهديد والتهويل , فقال عاطفا على ( أولم ~~يتفكروا ) { أو لم يسيروا } ولما أحاطت آثار المكذبين بمكة المشرفة شرقا ~~وغربا , وجنوبا وشمالا , بديار ثمود وقوم فرعون وعاد وسبأ وقوم ولوط , عرف ~~وأطلق فقال : { في الأرض } أي سير اعتبار وتأمل وادكار من أي جهة أرادوا , ~~وفيه إشارة غلى أنهم واقفون عند النظر في ظاهر الملك بأبصارهم , قاصرون عن ~~الاعتبار في باطن الملكوت بأفكارهم , وفيه هز لهم إلى امتطاء هذه الدرجة ~~العلية , بهذه العبارة الجلية { فينظروا } . | ولما كان ما حل بالماضيين ~~أمرا عظيما , نبه على عظمة بأنه أهل لأن يسأل عنه فقال : { كيف كان } أي ~~كونا لا قدرة على الانفكاك عنه , وتذكير العمل يشير غلى عظم الأمر { عاقبة ~~} أي آخر أمر { الذين } ولا كان حال من قرب من زمان الإنسان أوعظ له , اثت ~~الجار فقال : { من قبلهم } في إهلاك العاصي وإنجاء الطائعن ولما كان علم ~~العقبة مشروطا بمعرفة البادئة قال مستأنفا : { كانوا } أي كونا هو في غاية ~~المكنة . | ولما كان السياق للظهور والغلبة التي إنما مدارها على الشدة ~~المقتضية للثبات , لا الكثرة العارية عنها , أعرض عنها وقال مسقطا ضمير ~~الفصل لأن هذا السياق لا يظهر فيه ادعاء العرب لعلوهم على فارس ولا الروم : ~~{ أشد منهم } أي من العرب { قوة } أي في أبدانهم وعقولهم , ولما كان ~~التقدير : فنقبوا الجبال , وعلوا من متقن الصنائع التي ترونها من الأعمال ~~ما لم يداينه أحد من الأجيال , عطف عليه قوله : { وأثاروا } بالحرث وغيره { ~~الأرض } فأخرجوا ما فيها من المنافع من المياه والمعادن والزروع وغير ذلك ~~من المعادن { وعمروها } أي أؤلئك السالفون { أكثر مما عمروها } اي هؤلاء ~~الذين PageV05P604 ارسلت إليهم , بل ليس لهم من إثارة الأرض وعمارتها كبير ~~أمر , فإن بلاد العرب إنما هي جبال سود وفيافي غبر , فما هو إلى تهكم بهم , ~~وبيان لضعف حالهم في دنياهم التي ms3758 لا فخر لهم بغيرها . | ولما كانوا قد ~~وقفوا مثل هؤلاء مع السبب الأدنى , ولم يرتقوا بعقولهم إلى المطلوب الأعلى ~~, أخبر أنه أرسل إليهم الدعاة ينبهونهم من رقدتهم , وينقذونهم من غفلتهم , ~~فكان التقدير : فضلوا عن المنهج الواضح , وعمو اعن السبيلالرحب , وزاغوا عن ~~طريق الرب , فأرسلنا إليهم الرسل , فعطف عليه قوله مشيرا بتأنيث الفعل غلى ~~ضعف عقولهم بتكذيبهم الرسل كما تقدم إيضاحه عند ^ ( { تلك الرسل } ) ^ [ ~~البقرة : 253 ] : { وجاءتهم رسلهم } أي عنا { بالبينات } من المعجزات مثل ~~ما أتاكم به رسولنا من وعودنا السابقة , وأمورنا الخارقة , كأمر الإسراء ~~وما أظهر فيه من الغرائب كالإخبار بأن العير تقدم في يوم كذا يقدمها جمل ~~صفته كذا وغرائره كذا , فظهر كذلك , وما آمنتم كما بم يؤمن من كان أشد منكم ~~قوة { فما } أي بسبب أنه ما { كان الله } على ما له من أوصاف الكمال مريدا ~~{ ليظلمهم } بأن يفعل معهم فعل من تعدونه أنتم ظالما بأن يهلكهم في الدنيا ~~ثم يقتص منهم في القيامة قبل إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل بالبينات { ~~ولكن كانوا } بغاية جهدهم { أنفسهم } اي خاصة { يظلمون } أي يجددون الظلم ~~لها بإيقاع الضر موقع جلب النفع , لأنهم لا يعتبرون بعقولهم التي ركبناها ~~فيهم ليستضيؤا بها فيعلموا الحق من الباطل , ولا يقبلون من الهداة إذا ~~كشفوا لهم ما عليها من الغطاء , ولا يرجعون عن الغي غذا اضطروهم بالآيات ~~الباهرات , بل ينتقلون من الغفلة إلى العناد . | < < # | الروم : ( 10 - 13 ) ثم كان عاقبة . . . . . # > > ^ ( ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا ~~بها يستهزئون * الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون * ويوم تقوم ~~الساعة يبلس المجرمون * ولم يكن لهم من شركآئهم شفعاء وكانوا بشركآئهم ~~كافرين ) ^ } ) | ولما كان انتكاسهم بعد هذا الأسباب المسعدة بعيدا , أشار ~~إليه بأداة التراخي , أو هي إشارة إلى تطاول دعار الرسل لهم احتمالهم إياهم ~~فقال : { ثم كان } أي كونا تعذر الانفكاك عنه , وهو في غاية الهول كما اشار ~~غليه تذكير الفعل { عاقبة } أي آخر أمر { الذين أساءوا } أظهر موضع الإضمار ~~تعميما ودلالة على ms3759 السبب { السوأى } أي الحالة التي هي أسوأ ما يكون , وهي ~~خسارة الأنفس بالدمار في الدنيا والخلود في العذاب في PageV05P605 الأخرى , ~~جزاء لهم بجنس عملهم , فنهم كما أساؤوا الرسل ساءهم الملك ؛ ثم ذكر العلة ~~بقوله : { ن كذبوا } اي لأجل تكذيبهم الرسل , مستهينين { بآيات الله } أي ~~الدلالات المنسوبة غلى الملك الأعلى الذي له الكمال كله الدالة عليه على ~~عظمها بعظمه { وكانوا } أي كونا كأنه جبلة لهم { بها } مع كونها أبعد شيء ~~عن الهزء { يستهزئون } أي يستمرون على ذلك بتجديده في كل حين مع تعظيمه حتى ~~كان استهزاؤهم بغيرها كأن عدم , كما أنكم أنتم تكذبون بما وقع من الوعد في ~~أمر الروم وتستهزئون به فاحذروا أن يحل بكم ما حل بالأولين , ثم تردون إليه ~~سبحانه فيعذبكم العذاب الأكبر , ويجوز أن يكون هذا بدلاص من ( السوأى ) أو ~~بيانا لها بمعنى أنهم لما أساؤوا زادتهم إساءتهم عماوة حتى ارتكسوا في ~~العمى فوصلوا إلى التكذيب والاستهزاء الذي هو أقبح الحالات , عكس ما يجازي ~~به المؤمن من أنه يزداد بإيمانه هدى . | ولما كان حاصل ما مضى أنه سبحانه ~~وتعالى قادر على الإعادة كما قدر على الابتداءن وكان للتصريح مع النفس حالة ~~ليست لغيره , قال ذاكرا نتيجة ما مضى ومحصله تصريحا بالمقصود وتلخيصا ~~للدليل : { الله } أي المحيط علما وقدرة { يبدؤا الخلق } أي بدا منه ما ~~رأيتم وهو يجدد في كل حين ما يريد من ذلك كما تشاهدون { ثم يعيده } بعد ما ~~يبيده , وترك توكيده إشارة إلىأنه غني عنه لأنه من القضايا المسلمة أن من ~~اخترع شيئا كان لا محالة قادرا على إعادته . | ولما كان الجزاء امرا مهولا ~~, أشار إليه بأداة التراخي فقال : { ثم إليه } أي لا إلى غيره { ترجعون * } ~~معنى في أموركم كلها في الدنيا وإن كنتم لقصور النظر تنسبونها إلى الأسباب ~~, وحسا بعد قيام الساعة , وقراءةا لجماعة بالالتفات إلى الخطاب أبلغ لأنها ~~أنص على المقصود , وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم وروح عن يعقوب بالياء ~~التحتانية على النسق الماضي . | ولما ذكر الرجوع , أتبعه بعض أحوزاله فقال ms3760 ~~: { ويوم تقوم الساعة } سميت بذلك إشارة إلى عظيم القدرة عليها مع كثرة ~~الخلائق على ما فيهم من العظماء وزالكبراء والرؤساء { يبلس } اي يسكت ويسكن ~~يأسا وتحيرا على غاية الذل - بما أشار إليه تذكير الفعل امع التجدد ~~والاستمرار بما أومأ إليه المضارع { المجرمون * } الذين وصلوا من الدنيا ما ~~من حقه أن يقطع لفنائه , وقطعوا من أسباب الآخرة مامن حقه أن يوصل لبقائه , ~~وكانوا في غاية اللبس في الجدل ومعرفة كل ما يغيظ الخصم من القول والفعل ~~والتمايل والتضاحك عند سكوت الخصم تعجبا من جريانهم في هذيانهم سرورا منهم ~~بإسكاته ليظن بعض من رآه أنه انقطع وأن الحجة لهم . | PageV05P606 ولما كان ~~الساكت ربما أغناه عن الكلام غيره , نفى ذلك بقوله محققا له بجعله ماضيا : ~~{ ولم يكن } ولما كان المقام لتحقيرهم بتحقير شركائهم رتب نفي النفع الموجع ~~لهم هذا الترتيب , ويجوز أن يراد بترتيبه مع ذلك التخصيص فيقال : { لهم } ~~أي خاصة في ذلك الوقت ولا بعده , ولا كان في عداد ذلك من قبل لو كانوا ~~يعقلون , وأما غيرهم ممن يصح وصفه بالإجرام لكونه من أهل الشرك الخفي فقد ~~يشفع فيه من رباه من الشهداء والعلماء وعامة المؤمنين { من شركائهم } الذي ~~زعموهم خاصة ليتبين لهم خلطهم وجهلهم المفرط في قولهم : ^ ( { هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله } ) ^ [ يونس : 18 ] وأما غيرهم فيقع منهم ما يسمى شفاعة ~~تارة تصريحا وأخرى تلويحا كالشفاعة العامة من نبينا صلى الله عليه وسلم في ~~الخلق عامة لفصل القضاء , وقوله صلى الله عليه وسلم في ناس بأعيانهم : ( ~~أصحابي إلي إلي , فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك , فيقولك فسحقا سحقا ) ~~وقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام ^ ( { ومن عصاني فإنك غفور رحيم } ) ^ [ ~~إبراهيم : 36 ] { شفعاؤا } ينقذونهم مما هم فيه وما يستقبلونه وإتيانه ~~بصيغة جمع الكثرة يمكن أن يكون لا مفهوم له , لأن مورده رد اعتقادهم في ~~قولهم السالف , ويمكن ن يفهم أنه قد يقع من بعض من عبدوه شفاعة , أو تلويح ~~بها كقول عيسى عليه السلام ^ ( { وإن تغفر لهم فإنك أنت لعزيز الحكيم } ) ^ ~~[ المائدة : 118 ms3761 ] . | ولما ذكر حال الشفعاء معهم , ذكر حالهم مع الشفعاء ~~فقال : { وكانوا } أي كونا هو في غاية الرسوخ { بشركائهم } اي خاصة { ~~كافرين * } اي متبرئين منهم ساترين لأن يكونوا اعتقدوهم آلهة وعبدوهم جريا ~~على عادتهم فيما لا يغنيهم من العناد والبهت . | < < # | الروم : ( 14 - 20 ) ويوم تقوم الساعة . . . . . # > > ^ ( ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون * فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فهم في روضة يحبرون * وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقآء ~~الآخرة فأولئك في العذاب محضرون * فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون * وله ~~الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون * يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون * ومن آياته أن خلقكم من ~~تراب ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون ) ^ } ) | ولما كانت النفس ربما تشوفت إلى ~~أنه هل يكون بعد إبلاسهم شيء آخر , قال مفيدا له مهولا بإعادة ما مضى : { ~~ويوم تقوم الساعة } أي ويا له من يوم , ثم زاد في PageV05P607 تهويله بقوله ~~: { يومئذ يتفرقون } أي المؤمنون الذين يفرحون بنصر الله والكافرون فرقة لا ~~اجتماع بعدها , هؤلاء في عليين , وهؤلاء في أسفل سافلين . | حكى لي بعض ~~القضاة نم أصحابي - عفا الله عنه - وهو يبكي انهرأى مناما مهولا , وذلك أنه ~~رأى القيامة قد قامت , والناس يحشرون - على ما وصف في الأحاديث - في صعيد ~~واحد عرايا خائفين حائرين , يموج بعضهم في بعض , فإذا شخص مما له أمر قد ~~اشار بسوط معه وخط به في الأرض فقسمهم قسمين فقال : هؤلاء مطيعون وهؤلاء ~~عصاة الأفعال , قال : فكنت في عصاة الأفعال , ثم غاب في الحال عنا عصاة ~~الأقوال , فلم نر منهمأحدا وبقينا نحن منا الجالس ومنا المضطجع , ونحن قليل ~~بالنسبة غلى عصاة الأقوال , فبينا نحن كذلك إذ جاء آت إلى شخص إلى جانبي ~~فأخذه منكعبه ثم نشطه فأخرج جلده بمرة واحدة كأنه جراب نزع عن شيء فيه يابس ~~, فحصل لي من ذلك ذعر شديد فبينا أنا كذلك إذ آت جاءني من ورائي , فألقى ~~علي جوخة فجعلها على أكتافي وأدارها على أفخاذي فسترني بها ولكن على غير ms3762 ~~هيئة لبس المخيط , قال : واستيقظت وأنا على ذلك فقصصته على بعض الصالحين ~~فقالك أحمد الله على كونك من عصاة الأفعال , وأخذ من ستري بالجوخة علىتلك ~~الهيئة أني أحج , فبشرني بذلك فحججت في ذلك العام - والله تعالى المسؤول في ~~التوبة , فإنه الفعال لما يريد { فأما الذين آمنوا } اي أقروا بالإيمان ~~بألسنتهم { وعملوا } تصديقا لإقرارهم { الصالحات } أي كلها . | ولما تقدم ~~هنا ذكر عمارة الأرض وإصلاحها للنبات ووعظ من جعلها أكبر همه بأنها لم تدم ~~له ولا أغنت عنه شيئا , ذكر أنه جزى من أعرض عنها بقلبه لاتباع أمره سبحانه ~~أعهظم ما يرى من زهرتها ونضرتها وبهجتها على سبيل الدوام فقال : { فهم } أي ~~خاصة { في روضة } أي لا أقل منها وهي أرض عظيمة جدا منبسطة واسعة ذات ماء ~~غذق ونبات معجب بهج - هذا أصلها في اللغة وقال الطبري : ولا تجد أحسن منظرا ~~ولا أطيب نشرا من الرياض . | { يحبرون * } اي يسيرون على سبيل التجدد كل ~~وقت سرورا تشرق له الوجوه , وتبسم الأفواه , وتزهو العيون , فيظهر حسنها ~~وبهجتها , فتظهر النعمة بظهور آتارها على أسهل الوجوه وأيسرها . | قال ~~الرازي في اللوامع : وأصله - أي الحبرة - في اللغة أثر في حسن , وقال غيره ~~: حبره - إذا سره سرورا تهلل له وجهه , وظهر فيه أثره . | { وأما الذين ~~كفروا } أي غطوا ما كشفته أنوار العقول , { وكذبوا } عنادا { بآياتنا } ~~التي لا تصدق منها ولا أضوأ من أنوارها , بما لها من عظمتنا { ولقآءى ~~الآخرة } الذي PageV05P608 لم يدع لبسا في بيانه { فأولئك } أي البعداء ~~البغضاء { في العذاب } اي الكامل لا غيره { محضرون * } من أي محضر كان , ~~بالسوق الحثيث , والزجر العنيف , فإذا وصلوا غلى مقره وكل بهم منيديم كونهم ~~كذلك - لإفادة الجملة الاسمية الدوام , فلا يغيبون عنه ولا يخفف عنهم . | ~~ولما بين سبحانه المبدأ بخلق السماوات والأرض , والمعاد بالجنة والنار , ~~وأنهم كذبوا به , وكان تكذيبهم به مستلزما لاعتقاد نقائص كثيرة منها العجز ~~وإخلاف الوعد وترك الحكمة , كان ذلك سببا لأن ينزه سبحانه نفسه المقدسة ~~ويأمر بتنزيهها , لأن ذلك يدفع عن المنزه مضار الوعيد , ويرفعه إلىمسار ms3763 ~~الوعد , فقال ذاكرا من أفعاله العالية التي لا مطمع لغيره في القدرة على ~~شيء منها ما يدل على خلاف ذلك الذي يلزم اعتقادهم , لافتا الكلام عن صيغة ~~العظمة إلى أعظم منها بذكر الاسم الأعظم . | { فيبحان الله } أي سبحوا الذي ~~له جميع العظمة بمجامع التسبيح بأن تقولوا هذا القول الذي هو علمه , فهو ~~منزه عن كل نقص ؛ ثم ذكر أوقات التسبيح إشارة إلى ما فيها من التغير الذي ~~هو منزه عنه وإلى ما يتجدد فيها من النعم ووجود الأحوال الدالة على القدرة ~~على الإبداع الدال على البعث , فقال دالا على الاستغراق بنزع الخافض مقدما ~~المحو لأنه أدل على البعث الذي النزاع فيه وهو الأصل , لافتا الكلام إلى ~~الخطاب لأنه أشد تنبيها : { حين تمسون } أي أول دخول الليل بإذهاب النهار ~~وتفريق النور , فيعتريكم الملل , ويداخلكم الفتور والكسل , على سبيل التجدد ~~والاستمرار , وأكد الندب إلى التسبيح بإعادة المضاف فقال : { وحين تصبحون * ~~} بتحويل الأمر فتقومون أحياء بعد ان كنتم أمواتا فتجدون نهارا قد أضاء بعد ~~ليل كان دحى , فتفعلون ما هو سبحانه منزه عنه من الحركة والسعي في جلب ~~النفع ودفع الضرر , وأرشد السياق غلى أن التقدير : وله الحمد في هذين ~~الجنسين . | ولما ذكر ما يدل على خصوص التنزيه , اتبعه ما يعرف بعموم ~~الكمال , فقال ذاكرا لوقت كمال النهار وكمال الظلام , وتذكيرا بما يحدث ~~عندهما للآدمي من النقص بالفتور والنوم اعتراضا بين الأوقات للاهتمام بضم ~~التحميد غلى التسبيح : { وله } أي وحده مع النزاهة عن الشوائب النقص { ~~الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال . | ولما قدم سبحانه أن تنزهه ملأ ~~الأزمان , وكان ذلك مستلزما لملء الأكوان , وكان إثبات الكمال أبين شرفا من ~~التنزيه عن النقص , صرح فيه بالقبيلين فقال : { في السماوات } أي الأجرام ~~العالية كلها التي تحريكها - مع أنها من الكبر في حد لا يحيط به غلا هو ~~سبحانه - سبب للإمساء والإصباح وغيرهما من المنافع { والأرض } التي فيها من ~~PageV05P609 المنافع ما يجل عن إحاطتكم به مع أنها بالنسبة إلى السماء ~~كحلقة ملقاة في فلاة , ولولا ذلك لظهر ms3764 لكم ذلك برؤية ما وراءها هو شأن كل ~~مظل مع كل مقل كما تشاهدون السحاب ونحوه . | ولما خص الإمساء والإصباح , عم ~~فقال معبرا بما يدل على الدوام , لأن وقت النوم الدال على النقص أولى ~~بإثبات الكمال فيه : { وعشيا } اي من الزوال إلى الصباح { وحين تظهرون * } ~~أي تدخلون في شدة الحر , وسبحانه الله في ذلك كله , فالآية من الاحتباك : ~~ذكر التسبيح أولا دليلا على إرادته ثانيا , والحمد ثانيا دليلا على إرادته ~~أولا , ولعل المراد بالإظهار هنا ما هو أعم من وقت الظهر ليكون المراد به ~~من حين يزول ااسم الصباح من وقت ارتفاع الشمس غلى أن يحدث اسم المساء , وهو ~~من الظهر إلى الغروب - قاله ابن طريف في كتابه الأفعال ونقله عن الإمام عبد ~~الحق في كتابه الواعي , وذلك حين استبداد النهار فيكون كماله فيما دون ذلك ~~من باب الأولى , وهذا مع هذه الدقائق إشارة إلى الصلوات الخمس , أي سبحوه ~~بالخضوع له بالصلاة في وقت المساء بصلاة العصر والمغرب , وفي وقت الصباح ~~بالصبح , وفي العشى بالعشاء , وفي الإظهار بالظهر , وفي هذا التخريج من ~~الحسن بيان الاهتمام بالصلاة الوسطى , فابتدأ سبحانه بالعصر التي قولها أصح ~~الأقوال , ودخول المغرب في حيزها بطريق التبعية والقصد الثاني , وثنى ~~بالصبح وهي تلبها في الأصحية وهما القريبتان , لقوله صلى الله عليه وسلم : ~~( من صلى البردين دخل الجنة ) - رواه الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه , ( ~~من صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وجبت له الجنة ) - أسنده صاحب الفردوس ~~عن عمارة بن روبية رضي الله عنه ورواه مسلم وغيره عنه بلفظ : ( لن يلج ~~النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ) - يعني الفجر والعصر ( كنا عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال : ) إنكم سترون ~~ربكم كما ترون هذا القمر , لا تضامون في رؤيته , فإن استطعتم أن لا تغلبوا ~~على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا لا تفوتنكم ( , ثم قرأ { فسبح ~~بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب } رواه البخاري عن جرير بن ms3765 ~~PageV05P610 عبد الله رضي الله عنه , وحديث أبي هريرة رضي الله عنه في ~~الصحيح ) يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة ~~الفجر وصلاة العصر ( يدخل هنا . | ولما ذكر دلالة على لابعث المستلزم ~~للوحدانية مطلق التحويل الذي هو إحياء في المعنى بعد إماتة , اتبعه الإحياء ~~والإماتة حقيقة , صاعدا من ذكر البعث تصريحا بما كان ألقاه تلويحا فقال : { ~~يخرج الحي } كالإنسان والطائر { من الميت } كالنطفة والبيضة { ويخرج الميت ~~} كالبيضة والنطفة { من الحي } عكس ذلك { ويحي الأرض } باخضرار النبات . | ~~ولما كان من الأراضي ما لا ينبت إلا بعد مدة إنزال المطر , ومنها ما ينبت ~~من حين إنزال المطر عقب تحطم ما كان بها من النبات سواء , أسقط الجار هنا ~~تنبيها على الأمر الثاني لأنه أدل على القدرة , فهو أنسب لهذاالسياق ~~ولمقصودها السورة , ولأنه جعل فيه قوة إحيائها على الدوام فقال : { بعد ~~موتها } بيبسه وتهشمه . | ولما كان التقدير : كذلك يقعل على سبيل التكرر ~~وأنتك تنظرون , عطف عليه قوله : { وكذلك } أي ومثل فعله هذا الفعل البديع ~~من إخراجه لهذا الحي حسا ومعنى من الميت { تخرجون } بأيسر أمر من الأرض بعد ~~تفرق أجسامكم فيها من التراب الذي كان حيا بحياتكم - هذا على قراءة الجماعة ~~البناء للمفعول . | وبناه حمزة والكسائي وابن ذكوان بخلاف عنه للفاعل إشارة ~~إلى أنهم لقوة تهيئهم لقبول البعث صاروا كأنهم يخرجون بأنفسهم - روى عبد ~~الله ابن الإمام أحمد في زيادات المسند عن لقيط بن عامر رضي الله عنه أنه ~~خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له نهيك بن ~~عاصم بن مالكبن المنتفق رضي الله عنه , قال : فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم لانسلاخ رجب , فأتينا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين انصرف من صلاة الغداة فقام في الغداة خطيبا إلى أن قال : ( ~~ألا اسمعوا تعيشوا إلا اجلسوا اجلسوا , قال : فجلس الناس فقمت أنا وصاحبي ~~حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت : يا رسول الله ! ما عندك من علم ms3766 الغيب , ~~فضحك لعمر الله وهز رأسه فقال : ضن ربك بمفاتيح الخمس من الغيب فذكره حتى ~~ذكر البعث ) قال : فقلت : يا رسول الله , كيف يجمعنا بعد ما تفرقنا الرياح ~~والبلى والسباع ؟ قال : ( أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله , الأرض اشرفت عليها ~~وهي مدرة بالية ) فقلت : لا تحيا أبدا , ( ثم أرسل ربك عز وجل عليها السماء ~~فلم تلبث عليك إلا اياما حتى أشرقت عليها وهي PageV05P611 شرقة واحدة , ~~ولعمر إلهك لهو اقدر على أن يجمعكم من الماء كما أنه يجمع نبات الأرض ~~فتخرجون . | ) ولما كان التقدير : هذا منآيات الله التي تشاهدونها كل حين ~~دلالة على بعثكم , عطف عليه التذكير بما هو أصعب منه في مجاري العادات فقال ~~: { ومن آيته } أي على قدرته على بعثكم . | ولما كان المراد إثبات قدرته ~~سبحانه على بعثهم بعد أن صاروا ترابا بإيجاده لأصلهم من تراب يزيد على ~~البعث في الإعجاب بأنه لم يكن له أصل في الحياة , وكان فعله لذلك إنما مكان ~~مرة واحدة , قال معبرا بالماضي : { أن خلقكم } بخلق ابيكم آدم { من تراب } ~~لم يكن له أصل اتصاف ما بحياة . | ولما كان ابتداء الإنسان من التراب في ~~غاية العجب , أشار إلى ذلك بأداة البعد فقال : { ثم } أي بعد إخراجكم منه { ~~إذا أنتم بشر } اي فاجأتم كونكم لكم بشرة هي في غاية التماسك والاتصال مع ~~اللين عكس ما كان لكم من الوصف غذا كنتم ترابا , واسند الاتنشار إلى ~~المبتدأ المخاطب لا الخبر لأن الخطاب أدل على المراد فقال : { تنتشرون } اي ~~تبلغون بالنشر كل مبلغ بالانتقال من مكان غلىمكان مع العقل والنطق , ولم ~~يختم هذه الآية بما ختم به ما بعدها دلالة على أنها جامعة لجميع الآيات , ~~ودلالة على جميع الكمالات , وختم ما بعدها بذلك تنبيها على أن الناس أهملوا ~~النظر فيها على وضوحها , وكان من حقهم أن يجعلوها نصب أعينهم , دلالة على ~~كل ما نزلت به الكتب , وأخبرت به الرسل , وكذلك أكد في الإخبار إعلاما ~~بأنهم صاروا لإهمالها في حيز الإنكار . | < < # | الروم : ( 21 - 23 ) ومن آياته أن . . . . . # > > ^ ( ومن ms3767 آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم ~~مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * ومن آياته خلق السماوات والأرض ~~واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين * ومن آياته منامكم ~~بالليل والنهار وابتغآؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ) ^ } ) | ~~ولما كام أعجب من ذلك أن هذا الذي خلقه التراب ذكرا خلق منه أنثى , وجعلهما ~~شبهي السماء والأرض ماء ونبتا وفضال , قال : { ومن آيته } أي على ذلك ؛ ~~ولما كان إيجاد الأنثى من الذكر خاص لم يكن إلا مرة واحدة كالخلق من اتراب ~~, عبر بالماضي فقال : { أن خلق لكم } اي لأجلكم ليبقى نوعكم بالتوالد , وفي ~~PageV05P612 تقديم الجار دلالة على حرمة التزوج من غير النوع , والتعبير ~~بالنفس اظهر في كونها من بدن الرجل في قوله : { من أنفسكم } اي جنسكم بعد ~~إيجادها من ذات ابيكم آدم عليه السلام { أزواجا } إناثا هن شفع لكم { ~~لتسكنوا } مائلين { إليها } بالشهوة والألفة , من قولهم : سكن إليه - إذا ~~مال وانقطع واطمأن إليه , ولم يجعلهما من غير جنسكم لئلا تنتفروا منها . | ~~ولما كان المقصود بالسكن لا ينتظم إلا بدوام الألفة قال : { وجعل } اي صير ~~بسبب الخلق على هذه الصفة { بينكم مودة } اي معنى من المعاني يوجب أن لا ~~يحب واحد من الزوجين أن يصل إلى صاحبه شيء يكرهه مع ما طبع عليه الإنسان من ~~محبة الأذى , وإنما كان هذا معناه لأن مادة ( ودد ) مستويا ومقلوبا تدور ~~على الاتساع والخلو من الدو والدوية بتشديد الواو وهي الفلاة , والود ~~والوداد قال ي القاموس : الحب , وقال أبو عبد الله القزاز ونقله عنه الإمام ~~عبد الحق في واعيه : الأمنيةن تقول وددت أن ذاك كان , وذاك لاتساع مذاهب ~~الأماني , وتشعب اودية الحب , وفي القاموس : ودان : قرية قرب الأبواء وجبل ~~طويل قرب فيد , والمودة : الكتاب - لاتساع الكلام فيه . | وقال الإمام أبو ~~الحسن الحرالي في شرح الأسماء الحسنى : الود خلو عن إرادة المكروه , فإذا ~~حصل إرادة الخير وإيثاره كان حيا , من لم يرد سواه فقد ود ومن أراد خيرا ~~فقد ms3768 أحب , والود أول التخلص من داء أثر الدنيا بما يتولد لطلابها من ~~الازدحام عليها من الغل والشحناء , وذلك ظهور لما يتهيا له من طيب الحب , ~~فمن ود لا يقاطع , ومن أحب واصل وآثر , والودود هو المبرأ من جميع جهات ~~مداخل السور ظاهره وباطنه . | ولما كان المعنى الحسن لا يتم إلا بإرادة ~~الخير قال : { ورحمة } أي معنى يحمل كلا على أن يجتهد للآخر في جلب الخير , ~~ودفع الضير , لكن لما كانت إرادة الخير قد تكون بالمن ببعض ما يكره جمع بين ~~الوصفين , وهما من الله , والفرك - وهو البغض - من الشيطان . | ولما كان ~~ذلك من العظمة بمكان يجل عن الوصف , اشار إليه بقوله مؤكدا لمعاملتهم له ~~بالإعراض عما يهدي إليه معاملة من يدعي أنه جعل سدى من غير حكمة , مقدما ~~الجار إشارة إلى أن دلالته في العظم بحيث تتلاشى عندها كل آية , وكذا غيره ~~مما ان هكذا علىنحو < # > 77 ( { وما نريهم من آية إلا وهي أكبر من أختها } ) 77 < # > [ الزخرف : 48 ] : { إن في ذلك } اي الذي تقدم من خلق الأزواج على ~~الحال المذكور وما يتبعه من المنافع { لآيات } واضحات على قدرة فاعلة ~~وحكمته . | ولما كان هذا المعنى مع كونه دقيقا يدرك بالتأمل قال : { لقوم } ~~أي رجال أو في PageV05P613 حكمهم لهم قوة وجد ونشاط في القيام بما يجعل ~~إليهم { يتفكرون * } أي يستعملون افكارهم على القوانين المحررة ويجتهدون في ~~ذلك . | ولما ذكر سبحانه الذكر والأنثى , المخلوقين من الأرض , وكانت ~~السماء كالذكر للأرض التي خلق منها الإنسان , وكان خلقهما مع كونهما ~~مخلوقين من غير شيء أعجب من خلقه فهو أدل على القدرة , وكان خلق الأرض التي ~~هي كالأنثى متدما على عكس ما كان في الإنسان , أتبعه ذكرهما بادئا بما هو ~~كالذكر فقال مشيرا - بعد ما ذكر من آيات الأنفس - إلى آيات الآفاق : { من ~~آياته } أي الدالة على ذلك , ولما كان من العجب إيجاد الخافقين من العدم ~~إيجادا مستمرا غلى حالة واحدة , عبر بالمصدر فقال : { خلق السماوات } على ~~علوها وإحكامها { والأرض } على اتساعها وإتقانها . | ولما كان ms3769 من الناس من ~~ينسب الخلق إلى الطبيعة , قال تعالى ذاكرا من صفات الأنفس ما يبطل تأثير ~~الآفاق بأنفسها من غير خلقه وتقديره , وتكوينه وتدبيره : { واختلاف ألسنتكم ~~} أي لغاتكم ونغماتكم وهيئاتها , فلا تكاد تسمع منطقين متفقين في همس ولا ~~جهارة , لا حد ولا رخاوة , ولا لكنة ولا فصاحة , ولا إسهاب ولا وجازة , ~~وغير ذلك من صفات النمطق وأحواله , ونعوته وأشكاله , وأنتم مننفس واحدة , ~~فلو كان الحكم للطبيعة لم يختلف لأنه لا اختيار لها مع أن نسبة الكل إليها ~~واحدة . | ولما كان لون السماء واحدا , وألوان الأراضي يمكن حصرها , قال : ~~{ وألوانكم } اي اختلافا مع تفاوته وتقاربه لا ضبط له مع وحدة النسبة , ~~ولولا هذا الاختلاف ما وقع التعارف , ولضاعت المصالح , وفاتت المنافع , ~~وطوي سبحانه ذكر الصور لاختلاف صور النجوم باختلاف أشكالها , والأراضي ~~بمقادير الجبال والروابي وأحوالها , فلو كان الاختلاف لأجل الطبيعة فإما أن ~~يكون بالنظر إلى السماء أو إلى الأرض , فإن كان للسماء فلونها واحد , وإن ~~كان للأرض فلون اهل كل قطر غير مناسب للون أرضهم . | وأما الألسنة فأمرها ~~أظهر . | ولما كان هذا مع كونه في غاية الوضوح لا يختص بجنس من الخلق دون ~~غيره قال : { إن في ذلك } اي الأمر العظيم العالي الرتبة في بيانه وظهور ~~برهانه { لآيات } أي دلالات عدة واضحة جدا على وحدانيته تعالى وفعله ~~بالاختيار وبطلان ما يقوله أصحاب الطابئع من تلك الاحتمالات التي هي مع ~~خفائها واهية , ومع بعدها مضمحلة متلاشية { للعالمين * } كلهم لا يختص به ~~صنف منهم دون آخر من جن ولا إنس ولا غيرهم , وفي رواية حفص عن عاصم بكسر ~~اللام حث للمخاطبين على النظر ليكونوا من أهل العلم , وفي قراءة الباقين ~~بالفتح إيماء إلى أن ذلك من الوضوح بحيث لو نطق الجماد لأخبر بمعرفته , ~~ففيه إشارة إلى , هم عدم , فلا تبكيت أوجع منه . PageV05P614 | ولما ذكر ~~المقلة والمظلة ومن فيهما , وبعض صفاتهم اللازمة , ذكر ما ينشأ عن كل من ~~ذلك من الصفات المفارقة فقال : { ومن آياته } أي على ذلك وغيره من أنواع ~~القدرة والعلم { منامكم ms3770 } أي نومكم ومكانه وزمانه الذي يغلبكم بحيث لا ~~تستطيعون له دفعا . | ولما كان الليل محل السكن والراحة والنوم , ذكر ما ~~جعل من نوم النهار ايضا لأن ذلك أدل على الفعل بالاختبار فقال : { باليل ~~والنهار } أي الناشئين عن السوات والأرض باختلاف الحركات التي تنشأ إلا عن ~~فاعل مختار وانقطاعكم بالنوم عن معاشكم وكل ما يهمكم وقيامكم بعد منامكم ~~أمرا قهريا لا تقدرون على الانفكاك عن واحد منهما أصلا { وابتغاؤكم } اي ~~طلبكم بالجد والاجتهاد { من فضله } بالمعاش فيهما , فالآية من الاحتباك : ~~دل ذكر النوم على القيام منه , ودل الابتغاء على الانقطاع عنه , حذف نهاية ~~الأول وبداية الثاني { إن في ذلك } أي الأمر العظيم العالي الرتبة من ~~إيجادد النوم بعد النشاط , والنشاط بعد النوم الذي هو الموت الأصغر , ~~وإيجاد كل من الملوين بعد إعدامهما , والجد في الابتغاء مع المفاوتة في ~~التحصيل { لآيات } اي عديدة على القدرة والحكمة لا سيما البعث . | ولما ~~كانت هذه الآيات في دلالتها على ما تشير إليه من البعث والفعل بالاختيار ~~دقيقة لا يستقل العقل بها دون توقيف من الدعاة لأنه قد يسند النوم ~~والابتغاء إلى العباد والا يتجاوز عن ذلك إلى الخاق إلا الأفراد من خلص ~~العباد , وكان النائم يقوم صافي الذهن فارغ السر نشيط وقلبه فارغ عن مكدر ~~للنصح مانع من قبوله , أو المعنى : لقوم هم أهل للسمع بأن يكونوا قد تنبهوا ~~من رقادهم , فرجعوا عن عنادهم , إشارة إلى أن من لم يتأمل في هذه الآيات ~~فهو نائم لا مستيقظ . | فهو غير متأهل لأن يسمع . | < < # | الروم : ( 24 - 27 ) ومن آياته يريكم . . . . . # > > ^ ( ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السمآء مآء فيحيي به ~~الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون * ومن آياته أن تقوم السمآء ~~والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذآ أنتم تخرجون * وله من في ~~السماوات والأرض كل له قانتون * وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون ~~عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) ^ } ) | ~~ولما ختم بالسمع آية ms3771 جمعت آيات الأنفس والآفاق لكونها نشأت من أحوال البشر ~~PageV05P615 والخافقين , افتتح بالرؤية آية أخرى جامعة لهما لكونها ناشئة ~~عنهما مع كونها أدل على المقصود جامعة بين الترغيب والترهيب فقال : { ومن ~~آياته } ولما كان لمعان البرق جديرا بالتماع الصر عند أول رؤية , وكان ~~يتجدد في حين دون حين , عبر بالمضارع حاذفا الدال على إرادة المصدر للدلالة ~~على التجدد المعجب منه فقال : { يريكم البرق } أي على هيئات وكيفيات طالما ~~شاهدتموها تارة تأتي يما يضر وتارة بما يسر , ولذلك قال معبرا بغاية ~~الإخافة والإطماع لأن الغايات هي المقصودة بالذات : { خوفا } اي للإخافة من ~~الصواعق المحرقة { وطمعا } أي وللاطماع في المياه الغدقة , وعبر بالطمع ~~لعدم الأسباب الموصلة إليه . | ولما كان البرق غالبا من المبشرات بالمطر , ~~وكان ما ينشأ عن الماء أدل شيء على البعث , اتبعه شرح ما أشار إليه به من ~~الطمع فقال : { وينزل } ولما كان إمساك الماء في جهة العلو في غاية الغرابة ~~, قال محققا للمراد بالإنزال من الموضع الذي لا يمكن لأحد غير دعواه { من ~~السماء ماء } . | ولما جعل سبحانه سببا لتعقب الحياة قال : { فيحيي به } أي ~~الماء النازل من السماء خاصة لأن أكثر الأرض لا تسقى بغيره { الأرض } أي أي ~~بالنبات الذي هو لها كالروح لجسد الإنسان , ولما كانت الأرض ليس لها من ~~ذاتها في الإنبات إلا العدم , وكان إحياؤها به متكررا , فكان كأنه دائم , ~~وكان ذلك أنسب لمقصود السورة حذف الجار قائلا : { بعد موتها } أي بيبسة ~~وتهشمه { إن في ذلك } أي الأمرالعظيم العالي القدر { لآيات } لا سيما على ~~القدرة على البعث . | ولما كان ذلك ظاهرا كونه من الله الفاعل بالاختيار ~~لوقوعه في سحاب دون سحاب وفي وقت دون آخر وفي بلد دون آخر , وهلى هيئات من ~~القوة والضعف والبرد والحر وغير ذلك من الأمر , وكان منالوضوح في الدلالة ~~على البعث بمكان لا يخفى على عاقل قال : { لقوم يعقلون * } . | ولما كان ~~جميع ما مضى من الآيات المرئيات ناشئا عن هذين الخلقين العظيمين المحيطين ~~بمن أنزلت عليهم هذا الآيات المسموعات بيانا لمن ms3772 أشكل عليه أمر الآيات ~~المرئيات , ذكر امرا جامعا للكل وهو من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى أكثر من ~~العقل المختوم به ما قبل فقال : { ومن آياته } أي على تمام القدرة وكمال ~~الحكمة . | ولما كانت هذه الآية في الثبات لا في التجدد , أتى بالحرف الدال ~~علىالمصرف ليسلخ الفعل عن الاستقبال , وعبر بالمضارع لأنه لا بد من ~~إخراجهما عن هذا الوضع فقال : { أن تقوم } اي تبقى على ما تشاهدون من الأمر ~~العظيم بلا عمد { السماء } أفرد لأن السماء الأولى لا تقبل النزاع لأنها ~~مشاهدة مع صلاحية اللفظ للكل لأنه جنس { والأرض } على ما لهما من الجسامة ~~والثقل المقتضي للهبوط { بأمره } لا بشيء سواه . | PageV05P616 ولما لم يبق ~~في كمال علمه وتمام قدرته شبهة , قال معبرا بأداة التراخي لتدل - مع ~~دلالتها هلى ما هي له - على العظمة , فقال دالا على أن قدرته على الأشياء ~~كلها مع تباعدها على حد سواء , وأنه لا فرق عنده في شمول أمره بين قيام ~~الأحياء وقيام الأرض والسماء { ثم إذا دعاكم } وأشار إلى هوان ذلك الأمر ~~عنده بقوله : { دعوة من الأرض } على بعد ما بينها وبين السماء فضلا عن ~~العرش , وأكد ذلك بكونه مثل لمح البصر أو هو اقرب فقال معبرا بأداة الفجاءة ~~: { إذا أنتم تخرجون * } اي يتجدد لكم هذا الوصف بعد اضمحلالكم بالموت ~~والبلى , ويتكرر باعتبار آحادكم من غير تلبث ولا مهلة أصلا , إلا أن يترتب ~~على الأفضل فالأفضل لقوله صلى الله عليه وسلم : ( أنا أول من نتشق عنه ~~الأرض ) كما دعاكم منها أولا إذا خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون , ~~وأعرى هذه مما ختم به الآيات السالفة تنبيها على أنها مثل الأولى قد انتهت ~~في الظهور , ولا سيما بانضمامها غلى الأولى التي هي أعظم دال عليها إلى حد ~~هو أضوأ من النور , كما تأتي الإشارة إليه في آية ( وهو أهون عليه ) . | ~~ولما ذكر تصرفه في الظرف وبعض المظروف من ألإنس والجن , ذكر قهره للكل فقال ~~: { وله } اي وحده بالملك الأتم { من في السماوات والأرض } أي ms3773 كلهم , وأشار ~~إلى الملك بقوله : { كل له } أي وحده . | ولما كان انقياد الجمع مستلزما ~~لانقياد الفرد دون عكسه جمع في قوله : { قانتون * } اي مخلصون في الانقياد ~~ليس لأنفسهم ولا لمن سواه في الحقيقة والواقع تصرفبوجه ما إلا بإذنه , وقال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : مطيعون طاعة الإرادة وإن تعصو أمره في العبادة - ~~نقله عنه البغوي وغيره ورجحه الطبري وهو معنى ما قلت . | ولما كان هذا معنى ~~يشاهده كل أد في نفسه مع كا جلى سبحانه من عرائ الآيات الماضيات , فوصل ~~الأمر في الوضوح إلى حد عظيم قال : { وهو } أي لا غيره { الذي يبدؤا الخلق ~~} أي على سبيل التجديد كما تشاهدون , وأشار إلى تعظيم الإعادة بأداة ~~التراخي فقال : { ثم يعيده } أي بعد أن يبيده . | ولما كان من المركوز في ~~فطر البشر أن إعادة الشيء اسهل من ابتدائه قال : { وهو } اي وذلك الذي ~~ينكرونه من الإعادة { أهون عليه } خطابا لهم بما الفوه وعقلوه ولذلك أخر ~~الصلة لأنه لا معنى هنا للاختصاص الذي يفيده تقديمها . | PageV05P617 ولما ~~كان هذا إثما هو على طريق التمثيل لما يخفى عليهم بما هو جلي عندهم , وكل ~~من الأمرين بالنسبة إلى قدرته على حد سواء لا شيء في علمه أجلى من آخر , ~~ولا في قدرته أولى من الآخر , قال مشيرا إلى تنزيه نفسه المقدسة عما قد ~~يتوهمه بعض الأغبياء من ذلك : { وله } اي وحده { المثل الأعلى } أي الذي ~~تنزه عن كل شائبة نقص , واستولى على كل رتبة كمال , وهو أمره الذي أحاط لكل ~~مقدور , فعلم به إحاطته هو سبحانه بكل معلوم , كما تقدم في البقرة في شرح ~~المثل < # > 77 ( { ألا له الخلق والأم } ) 77 < # > [ الأعراف : 54 ] . | ولما كان الخلق لقصورهم مقيدين بما لهم به نوع ~~مشاهدة قال : { في السماوات والأرض } اللتين خلقهما ولم تستعصيا عليه , ~~فكيف يستعصي عليه شيء فيهما , وقد قالوا : إن المراد بالمثل هنا الصفة , ~~وعندي أنه يمكن أن يكون على حقيقته تقريبا لعقولنا , فإذا أردنا تعرفه ~~سبحانه في الملك مثلنا بأعلى ما نعلم منملوكنا فنقول : الاستواء ms3774 على العرش ~~مثل للتدبير والتفرد بالملك كما يقال في ملوكنا : فلان جلس على سرير الملك ~~, بمعنى : استقل بالأمر وتفرد بالتدبير وإن لم يكن هنا سرير ولا جلوس , ~~وإذا ذكر بطشهه سبحانه وأخذه لأعدائه في نحو قوله تعالى : < # > 77 ( { يد الله فوق أيديهم } ) 77 < # > [ الفتح : 10 ] < # > 77 ( { إن بطش ربك لشديد } ) 77 < # > [ البروج : 12 ] مثلناه بما لو قهر سلطان اعدائه بحزمه وصحة تدبيره ~~وكثرة جنوده فقلنا ( محق سيه أعداءه ) فأطلقنا سيفه على ما ذكر من قوته , ~~وإذا قيل : تجري بأعيننا , ونحو ذل كعلمنا أنه مثل ما ةنقول إذا رأينا ملكا ~~حسن التدبير لا يغفل عن شيء من أحوال رعيته فقلنا ( هو في غاية اليقظة ) ~~فأطلقنا اليقظة التي هي ضد النوم على حسن النظر وعظيم التدبير وشمول العلم ~~, وهذه تفاصيل مما قدمت أ , ه مثله , وهو أمره المحيط الذي انجلى لنا به ~~غيب ذاته سبحانه , وهكذا ما جاء من أمثاله نأخذ من العبارة روحها فنعلم أنه ~~المراد , وأن ذلك الظاهر ما ذكر إلا تقريبا للأفهام النقيسة على ما نعرف من ~~أعلى الأمثال , والأمر بعد ذلك أعلى مما نعلم , ولذلك قال تعالى : { وهو } ~~أي وحده { العزيز } أي الذي إذا أراد شيئا كان له في غاية الانقياد كائنا ~~ما كان { الحكيم * } أي الذي إذا أراد شيئا أتقنه فلم يقدر غيره على التوصل ~~إلى نقص شيء نه , ولا تتم حكمة هذا الكون على هذه الصورة إلا بالبعث , بل ~~هو محط الحكمة الأعظم ليصل كل ذي حق إلى حقه بأقصى التحرير على ما نتعارفه ~~وإلا لكان الباطل أحق من الحق واكثر , فكان هذا عدم هذا الموجود خيرا من ~~وجوده وأحكم . | PageV05P618 < < # | الروم : ( 28 - 30 ) ضرب لكم مثلا . . . . . # > > ^ ( ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركآء في ~~ما رزقناكم فأنتم فيه سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعقلون * بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما ~~لهم من ناصرين * فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي ms3775 فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ^ } ) | ولما ~~بان من هذا أنه المتفرد في الملك بشمول العلم وتمام القدرة وكمال الحكمة , ~~اتصل بحسن أمثاله وإحكام مقاله وفعاله قوله : { ضرب لكم } أي بحكمته في أمر ~~الأصنام وبيان إبطال منشرك بها وفساد قوله بأجلى ما يكون من التقرير : { ~~مثلا } مبتدئا { من أنفسكم } التي هي أقرب الأشياء إليكم , فأنتم لما ~~تذكرون به أجدر بأن تفهموه . | ولما كان الحاصل المثل أنه لا يكون كمالك , ~~وكان التقرير أقرب إلى التذكير وابعد عن التنفير , قال منكرا مربخا مقررا : ~~{ هل لكم } أي يا من عبدوا مع الله بعض عبيده { من ما } أي من بعض ما { ~~ملكت أيمانكم } أي من العبيد أو الإماء الذين هم بشر مثلكم , وعم في النفي ~~الذي هو المراد بالاستفهام بزيادة الجار بقوله : { من شركاء } أي في حالة ~~من الحالات يسوغ لكم بذلك أن تجعلوا لله شركاء , ونبه على ما في إيجاد ~~الرزق ثم قسمته بين الخلق وغير ذلك من شؤونه بقوله : التفاتا بعد طول ~~التعبير بالغيبة التي قد يتوهم معها بعد - إلى التلكم بالنون الدال مع ~~القرب على العظمة ولذة الإقبال بالمخاطبة : { فيما رزقناكم } اي لما لنا من ~~العظمة من مال أو جاه مع ضعف ملككم فيه . | ولما كانت الشركة سببا لتساوي ~~الشريكين في الأمر المشترك قال : { فأنتم } أي معاشر الأحرار والعبيد . | ~~ولما كان رما توهم أن ( من شركاء ) صفة لأولاد من سرارريهم , قد مالصلة ~~دفعا لذلك فقال : { فيه } اي الشيء الذي وقعت فيه الشركة من ذلك الرزق خاصة ~~لا غيره من نسب أو حسب ونحوهما أو خفة فب بدن أو قلب أو طول في عمر ونحوها ~~, وأما أولادهم من السراري فربما ساووهم في ذلك وغيره من النسب ونحوه , ~~والعبيد ربما ساووهم في قوة البدن وطول العمر أو زادوا { سواء } ثم بي ~~المساواة التي هي أن يكون حكم أحد القبيلين في المشترك على السواء كحكم ~~الآخر لا يستبد أحدهما عن الآخر بشيء بقوله : { تخافونهم } أي ms3776 معاشر السادة ~~في التصرف في ذلك الشيء المشترك . | PageV05P619 ولما كانت أداة التشبيه ~~أدل , أثبتها فقال : { كخيفتكم أنفسكم } أي كما تخافون بعض من تشاركونه ممن ~~يساويكم في الحرية والعظمة أن تتصرفوا في الأمر المشترك بشيء لا يرضيه ~~وبدون إذن , فظهر أن حالكم في عبيدكم مثل له فيمن أشركتموهم به موضح ~~لبطلانه , فإذا لم ترضوا هذا لأنفسكم وهو أن يستوي عبيدكم معكم ف يالملك ~~فكيف ترضونه بخالقكم في هذه الشركاء التي زعمتموها فتسوونها به وهي من أضعف ~~خلقه أفلا تستحيون ؟ . | ولما كان هذا المثال , في الذروة من الكمال , كان ~~السامع جديرا بأن يقول : جل ألله ! ما أعلى شأن هذا البيان ! هل يبين كل ~~شيء هكذا ؟ فقال : { كذلك } أي مثل هذا البيان العالي { نفصل } اي نبين , ~~لأن الفصل هو الميز وهو البيان , وذلك على وجه عظيم - بما اشار إليه ~~التضعيف مع التجديد والاستمرار : { الآيات } أي الدلالات الواضحات . | ولما ~~كان البيان لا ينفع المسلوب قال : { لقوم يعقلون * } إشارة إلىأنهم إن لم ~~يعلموا بمقتضى ذلك كانوا مجانين , لأن التمثيل يكشف المعاني بالتصوير ~~والتشكيل كشفا لا يدع لبسا , فمن خفي عليه لم يكن له تمييز . | ولما كان ~~جوابهم قطعا : ليس لنا شركاء بهذا الوصف , كان التقدير , فلم تتبعوا في ~~الإشراك بالله دليلا , فنسق عليه : { بل } وكان الأصل : اتبعتم , ولكنه ~~أعرض عنهم , إيذانا بتناهي الغضب للعناد بعد البيان , وأظهر الوصف الحامل ~~لهم على ذلك تعميما وتعليقا للكم به فقال : { اتبع } اي بتكليف أنفسهم خلاف ~~الفطرة الأولى { الذين ظلموا } أي وضعوا الشيء في غير موضعه فعل الماشي في ~~الظلام { أهواءهم } وهو ما يميل إليه نفوسهم . | ولماكان اتباع الهوى قد ~~يصادف الدليل , وإذا لم يصادف وكان من عالم رده عنه علمه قال : { بغير علم ~~} إشارة إلى بعدهم في الضلال لأن الجاهل يهيم على وجهه بلا مرجح غير الميل ~~كالبهيمة لا يرده شيء , وأما العالم فربما رده علمه . | ولما كان هذا ربما ~~اوقع في بعض الأوهام أن هذا يغير إرادته سبحانه , دل بفاء السبب على أن ~~التقدير : وهذا ضلال منهم ms3777 بإرادة الله , فلما أساؤوا بإعراقهم فيه كانت ~~عاقبتهم السوء والخذلان , لأنهم أبعدوا أنفسهم ع أسباب الهدى : { فمن يهدي ~~} اي بغير إرادة الله , ولفت الكلام من مظهر العظمة إلى أعظم منه بذكر ~~الاسم الأعظم لاقتضاء الحال فقال : { من أضل الله } الذبي له الأمر كله , ~~ودل بواو العطف على أن التقدير : ليس أحد يهيدهم لأنهم ابعدوا أنفسهم عن ~~أسباب الهدى فبعدوا عن اسباب النصر لأنهم صاروا على جرف هار في كل أمورهم , ~~فلذا حسن موضع تعقيبه بقوله : { وما لهم } PageV05P620 وأعرق في النفي فقال ~~: { من ناصرين * } أي من الأصنام ولا غيرها يخلصونهم مما هم فيه من الخذلان ~~وأسر الشيطان , ومما يسببه والنيرانونفى الجميع دون الواحد لأن العقل ناصر ~~لهم بما هو مهيأ له من الفهم واتباع دليل السمع لو استعملوه , أو لأنه ورد ~~جوابا لنحو < # > 77 ( { واتخذوا من دون اله آلهة ليكونوا لهم عزا لعلهم ينصرون } ) 77 < # > [ مريم : 81 ] أو للإشارة إلى أن تتبع الهوى لا ينفع في تلافي أمره إلا ~~أعوان كثيرون ودل على نفي الواحد < # > 77 ( { ا تجزي نفس عن نفس } ) 77 < # > [ البقرة : 123 ] , و < # > 77 ( { أن الكافرين لا مولى لهم } ) 77 < # > [ محمد : 11 ] و < # > 77 ( { فما له من قوة ولا ناصر } ) 77 < # > [ الطارق : 10 ] في أمثالها . | ولما تحررت الأدلة , وانتصبي الأعلام , ~~واتضحت الخفايا , وصرحت الإشارات , وأفصحت ألسن العبارات , اقبل على خلاصة ~~الخلق , إيذانا بأنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره , فقال مسببا عن ذلك ممثلا ~~لإقباله واستقامته وثباته : { فاقم وجهك } اي قصدك كله { للدين } أي نصبا ~~بحيث تغيب عما سواه , فلا تلتفلت عنه أصلا فلا تنفك عن المراقبة , فإن من ~~اهتم بشيء سدد إليه نظره , وقوم له وجهه . | ثم عرض بجلافة أهل الضلال ~~وغشاوتهم , وكثافتهم وغباوتهم , وجمودهم وقساوتهم , بقوله : { حنيفا } أي ~~حال كونك ميالا مع الدليل هينا لينا نافذ الصبر نير البصيرة ساري الفكر ~~سريع الانتقال طائر الخاطر , ثم بين أن هذا الأمر في طبع كل أحد وإن كانوا ~~فيه متفاوتين كما تراهم إذا كانوا صغارا أسهل شيء انقيادا , ولكنه ms3778 لما يكشف ~~لهم الحال في كثير من الأشياء عن أن انقيادهم كان خطأ يصيرون يدربون أنفسهم ~~على المخالفة دائما حتى تصير لبعضهم طبعا تجريبيا فيصير أقسى شيء وأجمده ~~بعد أن كان أسهل شيء وأطوعه , وأكثر ما يكون هذا قرناء السوء الذين يقولون ~~ما لا يفعلون , ولهذا نهى أن يوعد الطفل بما لا حقيقة له : روى أحمد وابن ~~أبي الدنيا من طريق الزهري عن أبي هريرة رضي الله عنه - قال المنذري : ولم ~~يسمع منه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قال لصبي : تعال هاك ! ثم ~~لم يعطه فهي كذبة ) , ولأبي داود والبيهقي وابن عامر - أن أمه رضي الله ~~عنها قالت له : تعال أعطيك , فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما ~~اردت أن تعطيه ؟ قالت : تمرا , فقال : أما إنك لو لم تعطيه شيئا كتبت عليك ~~كذبة ) , فقال مبينا لهم صحة دينه بأمر هو في PageV05P621 أنفسهم , كما بين ~~بطلان دينهم بأمر هو في أنفسهم : { فطرت الله } أي الزم فطرة الملك الذي لا ~~راد لأمره , وهي الخلقة الأولى التي خلق عليها البشر والطبع الأول , وقال ~~الغزالي في آخر كتاب العلم من الأحياء في بيان العقل في هذه الآية : اي كل ~~آدمي فطر على الإيمان بالله تعالى بل على معرفة الأشياء على ما هي عليه , ~~اعني أنها كالمتضمنة فيه لقرب استعداده للإدراك - انتهى , ثم أكد ذلك بقوله ~~: { التي فطر الناس } أي كل من له أهلية التحرك { عليها } كلهم الأشقياء ~~والسعداء , وهي سهولة الانقياد وكرم الخلق الذي هو في الصورة فطرة الإسلام ~~, وتحقيق ذلك أن المشاهد من جميع اطفال سلامة الطباع وسلاسة الانقياد لظاهر ~~الدليل , ليس منهم في ذلك عسر كما في الكبار إن تفاوتوا في ذلك , فالمراد ~~بالفطرة قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه , كما تجد الأخرس يدرك أمر المعاد ~~إدراكا بينا , وله فيه ملكة راسخة , وهذا المعنى هو الذي أشار إليه حديث ~~أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين وحديث ابن عباس رضي الله عنهما عند ~~أحمد بن منيه أن النبي ms3779 صلى الله عليه وسلم قال : ( كل مولود يولد على ~~الفطرة ) - وفي رواية للبخاري : ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة - ~~فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء , هل ~~تجدون فيها من جدعاء حتى تكونا أنتم تجدعونها ) فلذلك الجدع والوسم وشق ~~الأذن ونحو ذلك مثال للأخلاق التي يتعلمها الطفل ممن يعامله بها من الغش ~~والكذب وغير ذلك , وكذا حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه في مسلم ~~في صفة النار والنسائي في فضائل القرآن وأبي داؤد الطالسي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( كل مال نحلته عبدا حلال , وإني خلقت عبادي ) حنفاء ~~كلهم ( وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم , وحرمت عليهم ما أحللت ~~لهم , وآمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانه ) ولكن الشيطان لا يتمكن ~~إلا بإقدار الله له في الحال بما يخلق في باطن المخذول من الباعث وفي ال ~~الماضي من الطبائع التي هيأه بها لمثل ذلك كما أشار إليه قوله صلى الله ~~عليه وسلم المتفق عليه في الصحيح عن علي رضي الله تعالى عنه : ( اعملوا فكل ~~ميسر لما خلق له ) وآية سبحان سبحان < # > 77 ( { كل يعمل على شاكلته } ) 77 < # > [ الإسراء : 84 ] وذلم أنه لما أخبرهم PageV05P622 صلى الله عليه وسلم ~~أن الله تعالى قد كتب أهل الجنة وأهلالنار , فلا يزاد فيهم ولا ينقص , ~~قالوا : أفلا نتكل على كتابا وندع العمل ؟ فالكتاب حجة عليهم , لأن مبناه ~~على أن فلانا من أهل النار لكونه لم يعمل كذا وكذا , فأرادوا أن يجعلوه حجة ~~لهم فاعلموا أن في ذلك أمرين لا يبطل احدهما الآخر : باطن هو العلة الموجبة ~~في حكم الربوبية وهو العلم , وظاهر هو السمة اللازمة في حق العبودية ~~وهوالعمل , وهو أمارة مخيلة غير مفيدة حقيقة العلم , عولموا بذلك ليتعلق ~~خوفهم بالباطن المغيب عنهم , ورجاؤهم بالظاهر البادي لهم , والخوف والرجاء ~~مدرجتا العبودية ليستكملوا بذلك صفة الإيمان , ونظير ذلك أمران : الرزق ~~المقسوم مع الأمر بالمسب , والأجل المحتوم مع المعالجة بالطب , فالمغيب ~~فيهما علة موجبة والظاهر سبب ms3780 مخيل , وقد اصطلح خواصهم وعوامهم على أن ~~الظاهر منهما لا يترك بالباطن - ذكر معناه الرازي في اللوامع عنا لخطابي . ~~| ولما كانت سلامة الفطرة الأولى أمرا مستمرا , قال : { لا تبديل } ولعظم ~~المقام كرر الاسم الأعظم فقال : { لخلق الله } أي الملك الأعلى الذي لا ~~كفوء له , لا يقدر أحد أن يجعل طفلا في أول أمره خبيث الفطرة لا ينقاد لما ~~يقاد إليه ولا يستسلم لمن يريبه , وكلما كبر وطعن في السن رجع لما طبع عليه ~~من كفر أو إيمان , أو طاعة أو عصيان , أو نكر أو عرفان , قليلا قليلا , حتى ~~ينساق إلى ذلك عند البلوغ أو بعده , فإن مات قبل ذلك الجوزي بما كان الله ~~يعلمه منه أنه يعمله طبعيا ويموت عليه كالغلام الذي قتله الخضر عليه السلام ~~صح الخبر بأنه طبع على الكفر , ولا يعذب بما يكون عارضا منه ويعلم أنه ~~سيكون لو كان كأبوي الغلام لما وقع التصريح به من أنه لو عاش علة منهما ~~الكفر حينئذ فلم يؤاخذا به لأنه عارض لا لا طبعي , فالعبرة بالموت , ومن ~~طبع على شيء لم يمت على غيره , فحقق هذا تعلم أنه لا تنافي بين شيء من ~~النصوص لا من الكتاب ولا من السنة - والله الهادي . | ولما كان الميل مع ~~الدليل كيفما مال أمرا لا يكتنه قدره ولا ينال إلابتوفيق من الله , أشار ~~إلى عظمته بقوله : { ذلك } أي الأمر العظيم وهو الاهتزاز للدليل واتباع ما ~~يسير إليه ويحث عليه { الدين القيم } الذي لا عوج فيه { ولكن أكثر الناس } ~~قد تدربوا في اتباع الأهوية لما تقدم من الشبه فصاروا بحيث { لا يعلمون } ~~أي لا علم لهم أصلا حتى يميزوا الحق من الباطل لما غلب عليهم من الجفاء . | ~~PageV05P623 < < # | الروم : ( 31 - 35 ) منيبين إليه واتقوه . . . . . # > > ^ ( منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من ~~الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون * وإذا مس الناس ضر ~~دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذآ أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون ~~* ليكفروا بمآ آتيناهم ms3781 فتمتعوا فسوف تعلمون * أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو ~~يتكلم بما كانوا به يشركون ) ^ } ) | ولما كان من الناس من من الله عليه ~~بأن كان في هذا الميدان , وسمت همته إلى مسابقة الفرسانن فلماراى أنه لم ~~يلتفت إليه , ولم يعول اصلا عليه , كادت نفسه تطير وكانت عادة القوم أن ~~يخاطبوا القوم لمخاطبة رئيسهم تعظيما له وحثا لهم على التحلي بما خص به , ~~جبرت قلوبهم وشرحت صدورهم فبينت لهم حال من ضمير ( أقم ) أو من العامل في ( ~~فطرت ) إعلاما بأنهم مرادون بالخطاب , مشار غليهم بالصواب , فقال : { ~~منيبين } أي راجعين مرة بعد مرة بعد بمجاذبة النفس والفطرة الأولى { إليه } ~~تعالى بالنزوع عما اكتسبتموه من رديء الأخلاق إلى تلك الفطرة السليمة ~~المنقادة للدليل , الميالة إلى سواء السبيل . | ولما كان لم يكن بعد الرجوع ~~إلى المحبة إلا الأمر بلزومها خوفا من الزيغ عنها دأب المرة الأولى . | قال ~~عاطفا على { فأقم } : { واتقوه } أي خافوا أن تزيغوا عن سبيله يسلمكم في ~~أيدي أولئك المضلين , فإذا خفتموه فلزمتموه كنتم ممن تخلى عن الرذائل { ~~واقيموا الصلاة } تصيروا ممن تحلى بالفضائل - هكذا داب الدين ابدا تخلية ثم ~~تحلية : أول الدخول إلى الإسلام التنزيه , وأول الدخول في القرآن الاستعاذة ~~, وهو أمر ظاهر معقول , مثاله من اراد أن يكتب في شيء إن مسح ما فيه من ~~الكتابة انتفع بما كتب , وإلا افسد الأول ولم يقرأ الثاني - والله الموفق . ~~| ولما كان الشرك من الشر بمكان ليس هو لغيره , أكد النهي عنه بقوله : { ~~ولا تكونوا } ممن يدخل في عدادهم بمواددة أو معاشرة أو عمل تشابهونهم فيه ~~فإنه ( من تشبه بقوم فهو منهم ) وهو عام في كل شرك سواء كان بعبادة صنم أو ~~نار أوغيرهما , أو بالتدين بما يخالف النصوص من أقوال الأحبا والرهبان وغير ~~ذلك . | ولما كانوا يظنون أنهم على صواب , نصب لهم دليلا على بطلانه بما لا ~~أوضح PageV05P624 منه , ولا يمكن أحدا التوقف فيه , وذلك أنه لا يمكن أن ~~يكون الشيء متصفا بنفي شيء وإثباته في حالة واحدة فقال مبدلاك { من الذين ~~فرقوا } لما ms3782 فارقوا { دينهم } الذي هو الفطرة اولى , فعبد كل قوم منهم شيئا ~~ودانوا دينا غير دين من سواهم , وهو معنى { وكانوا } أي بجهدهم وجدهم في ~~تلك المفارقة المفرقة { شيعا } أي فرقا متحاللفين , كل واحدة منهم تشايع من ~~دان بدينها على من خالفهم حتى كفر بعضهم بعضا واستباحوا الدماء والأموال , ~~فعلم قطعا أنهم كلهم ليسوا على الحق . | ولما كان هذا امراص يتعجب من وقوعه ~~, زاده عجبا بقوله استئنافا : { كل حزب } اي منهم { بما لديهم } اي خاصة من ~~خاص ما عندهم من الضلال الذي انتحلوه { فرحون * } طنا منهم أهم صادفوا الحق ~~وفازوا به دون غيرهم . | ولما حصل من هذا القطع من كل عاقل أن أكثر الخلق ~~ضال , فكان الحال جديرا بالسؤال , عن وجه الخلاص من هذا الضلال , أشير إليه ~~أنه لزوم الاجتماع , وبين ذلك في جملة حالية من فاعل ( فرحون ) فقال تعالى ~~: { وإذا } وكان الأصل : مسهم , ولكنه قيل لأنه انسب بمقصود السورة من قصر ~~ذلك على الإنسان كما هي العادة في اكثر السور أو غير ذلك من أنواع العالم : ~~{ مس الناس } تقوية لإرادة العموم إشارة إلى كل من فيه أهلية النوس ~~وهوالتحرك , من الحيوانات العجم والجمادات لونطقت ثم اضطربت لتوجهت إليه ~~سبحانه ولم تعدل عنه كما أنها الآن كذلك بألسنة أحواله , فهذا هو الإجماع ~~الذ لا يتصور معه نزاع { ضر دعوا ربهم } اي الذي بم يشاركه في الإحسان ~~إليهم أحد في جميع ضلالاتهم التي فرقتهم عنه { إليه } علما منهم بأنه لا ~~فرج لهم عند شيء غيره , هذا ديدن الكل لا يخرم عنه أحد منهم في وقت من ~~الأوقات , ولا في أزمة من الأزمات , قال الرازي في اللوامع في أواخر ~~العنكبوت : وهذا دليل على أن نعرفة الرب في فطرة كل إنسان , وأنهم إن غفلوا ~~في السراء فلا شك أنهم يلوذون إليه في حال الضراء . | ولما كان كل واقع في ~~شدة مستبعدا كل استبعاد الخلاص منها قال : { ثم } بأداة العبد { إذا أذاقهم ~~} مسندا الرحمة إليه تعظيما للأدب وإن كان الكل منه . | ولما كان السياق ~~كله ms3783 للتوحيد , فكانت العناية باستحضار المعبود باسمه وضميره أتم قال : { ~~منه } مقدما ضميره دالا بتقديم الجار على الاختصاص وأن ذلك لا يقدر عليه ~~غيره , وقال : { رحمة } اي خلاصا من ذلك الضر , إشارة إلى أنه لو أخذهم ~~بذنوبهم أهلكهم , فلا سبب لإنعامه سور كرمه , ودل على شدة إسراعهم في كفران ~~الإحسان بقوله معبرا بأداة PageV05P625 المفاجأة : { إذا فريق منهم } اي ~~طائفة هي أهل لمفارقة { بربهم } اي المحسن إليعهم دائما , المجدد لهم هذا ~~الإحسان من هذا الضر { يشركون * } بدل ما لزمهم من أنهم يشكرون فعلم أن ~~الحق الذي لا معدل عنه الإنابة في كل حال إليه كما أجمعوا في وقت الشدائد ~~عليه , وأن غير مما فرقهم ضلال , لا يعدله قبالا ولا ما يعدله قبال . | ~~ولما كان هذا الفعل مما لا يفعله إلا شديد الغباوة أو العناد , وكانوا ~~يدعون أنهم أعقل الناس , ربا بهم عن منزلة البله إلى ما الجنون خير منه ~~تهكما بهم فقال : { ليكفروا بما } ولفت الكلام إلى مظهر العظمة فقال : { ~~آتيناهم } أي من الرحمة التي من عظمتها أنه لا يقدر عليها غيرنا أمنا من أن ~~يقعوا في شدة اخرى فنهلكهم بما أغضبونان أو توسلا بذلك إلى أن نخلصهم متى ~~وقعوا في أمثالها , فلما أضل عقولهم وأسفه آراءهم ! . | ولما كان فعلهم هذا ~~سببا لغاية الغضب , دل عليه بتهديده ملتفتا إلى المخاطبة بقوله : { فتمتعوا ~~} أي بما اردتم فيه بالشرك من اجتماعكم عند الأصنام وتواصلكم بها وتعاطفكم ~~, وسبب عن هذا التمتع قوله : { فسوف تعلمون * } اي يكون لكم بوعد لا خلف ~~فيه علم فتعرفون إذا حل بكم البلاء وأحاط بكم جميعا المكروه هل ينفعكم شيء ~~من الأصنام أو من اتخذتم عنده يدا بعبادتها ووافقتموه في التقرب إليها . | ~~ولما بكتهم بقوله : { هل لكم مما ملكت أيمانكم } ووصل به ما تقدم أنه في ~~غاية التواصل , عاد له ملتفتا إيذانا بالتهاون بهم إلى مقام الغيبة إبعادا ~~لهم عن جنابه حيث جلى لهم هذه الأدلة واستمروا في خطر إغضابه بقوله : { أم ~~أنزلنا } بما لنا من العظمة { عليهم سلطانا } أي دليلا ms3784 واضحا قاهرا { فهو } ~~أي ذلك السلطان لظهور بيانه { يتكلم } كلاما مجازيا بدلالته وإفهامه , ~~وسيشهد { بما } اي بصحة الذي { كانوا } أي كونا راسخا { به } أي خاصة { ~~يشركون * } بحيث لم يجدوا بدا من متابعته لتزول عنهم الملامة , وهذه ~~العبارة تدل على أنهم لازموا الشرك ملازمة صيرته لهم خلقا لا ينفك . | < < # | الروم : ( 36 - 39 ) وإذا أذقنا الناس . . . . . # > > ^ ( وإذآ أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم ~~إذا هم يقنطون * أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون * فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين ~~يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون * ومآ آتيتم من ربا ليربو في أموال ~~الناس فلا يربو عند الله ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم ~~المضعفون ) ^ } ) | ولما بان بهذين المتعادلين أنهلم يضطرهم إلى الإشراك ~~عرف في أنفسهم مستمر دائم , ولا دليل عقلي ظاهر , ولا أمر من الله قاهر , ~~فبان أنهم لم يتبعوا عقلا ولا نقلا , PageV05P626 بل هم أسرى الهوى المبني ~~على محض الجهل , وكان قد صرح بذلك عقب العديل الأول , لمح هنا , وترك ~~التصريح به لإغناء الأول عنه , واستدل عليه بدليل خالفوا فيه العادة ~~المستمرة , والدلالة الشهودية المستقرة , فقال عاطفا على { وإذا مس } دالا ~~عل خفة أحلامهم من وجه آخر غير الأول : { وإذا } معبرا بأداة التحقيق إشارة ~~إلى أن الرحمة أكثر من النقمة , وأسند الفعل إليه في مقام العظمة إشارة إلى ~~سعة جوده فقال : { أذقنا } وجرى الكلام على النمط الماضي في العموم لمناسبة ~~مقصود السورة في أن الأمر كله له في كل شيء فقال : { الناس رحمة } اي نعمة ~~من غنى ونحوه لا سب لها إلا رحمتنا { فرحوا بها } اي فرح مطمئن بطر آمن من ~~زوالها , ناسين شكر من أنعم بها , وقال : { وإن } بأداة الشك دلالة على أن ~~المصائب اقل وجودا / وقال : { تصبهم } غير مسند لها إليه تأديبا لعباده ~~وإعلاما بغزير كرمه { سيئة } أي شدة تسوءهم من قحط ونحوه . | ولما كانت ~~المصائب مسببة عن الذنوب ms3785 , قال منبها لهم على ذلك منكرا قنوطهم وهم لا ~~يرجعون عن المعاصي التي عوقبوا بسببها : { بما قدمت أيديهم } أي من ~~المخالفات , مسندا له إلى اليد لأن أكثر العمل بها { إذا هم } أي بعد ما ~~ساءهم وجودها مساءة نسوا بها ما خولوا فيه من النعم وجملوا له من ملابس ~~الكرم { يقنطون * } أي فاجاؤوا البأس , مجددين له في كل حين من أحيان ~~نزولها وإن كانوا يدعون ربهم في كشفها ويستعينونه لصفها مع مشاهدتهم لضد ~~ذلك في كلا الشقين في أنفسهم وغيرهم متكررا , ولذلك أنكر عليه عدم الرؤية ~~دالا بواو العطف أن التقدير : إلم يروا في أنفسهم تبدل الأحوال , قائلا : { ~~أولم يروا } اي بالمشاهدة والإخبار رؤية متكررةن فيعلموا علما هو في ثباته ~~كالمشاهد المحسوس , وعبر بالرؤية الصالحة للبصر والبصيرة لأن مقصود السورة ~~إثبات الأمر كله لله , ولا يكفي فيه إلا بذل الجهد وإمعان النظر , والسياق ~~لذم القنوط الذي يكفي في بقية المشاهدة لاختلاف الأحوال , بخلاف الزمر التي ~~مقصودها الدلالة على صدق الوعد الكافي فيه مطلق العلم . | ولما كان في ~~البسط والقبض جمع بين جلال وجمالن لفت الكلام بذكر الاسم الجامع فقال : { ~~أن الله } بجلاله وعظمته { يبسط الرزق } أي يكثره { لمن يشاء } اي من عباده ~~منهم ومن غيرهم { ويقدر } اي يضيق , وإن هذا شأنه دائما مع الشخص الواحد في ~~أوقات متعاقبة متباعدة ومتقاربة , ومع الأشخاص ولو في الوقت الواحد , فلو ~~اعتبروا حال قبضه سبحانه لم يبطروا , ولو اعتبروا حال بسطه لم يقنطوا , بل ~~كان حالهم الصبر في البلاء , والشكر في الرخاء , والإقلاع عن الشيئة التي ~~نزل بسببها القضاء , فقد عرف PageV05P627 من حالهم متقيدون دائما بالحالة ~~الراهنة . | يغلطون في الأمور المتكررة المشاهدة , فلا عجب في تقديدهم في ~~إنكار البعث بهذه الحياة الدنيا . | ولما لم يغن أحد منهم في استجلاب الرزق ~~قوته وغزارة عقله ودقة مكره وكثرة حيله , ولا ضره ضعفه وقلة عقله وعجز ~~حيلته , وكان ذلك أمرا عظيما ومنزعا مع شدة ظهوره وجلالته خفيا دقيقا كما ~~قال بعضهم : | كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه وجاهل جاهل ms3786 تلقاه مرزوقا | أشار ~~سبحانه إلى عظمته بقوله , مؤكدا لأن عملهم في شدة اهتمامهم بالسعي في ~~الدنيا عمل من يظن تحصيلها إنما هو قدر على الاجتهاد في الأسباب : { إن في ~~ذلك } اي الأمر العظيم منالأقتار في وقت والإغناء في آخر والتوسيع على شخص ~~والتقتير على آخر , والأمن منزوال الحاضر من النعم مع تكرر المشاهدة للزوال ~~في النفس والغير , واليأس من حصولها عند المحنة مع كثرة وجدان الفرج وغير ~~ذلك من أسرار الآية { لآيات } اي دلالات واضحات على الوحدانية لله تعالى ~~ةتمام العلم وكمال القدرة , وأنه لا فاعل في الحقيقة إلا هولكن { لقوم } أي ~~ذوي ههم وكفاية للقيام بما يحق لهم أن يقوموا فيه { يؤمنون } أي يوجدون ~~هذاالوصف ويديمون تجديده كل وقت لما يتواصل عندهم من قيام الأدلة , بإدامة ~~التأمل والإمعان في التفكر , والاعتماد في الرزق على من قال < # > 77 ( { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } ) 77 < # > [ القمر : 17 ] اي من طالب علم فيعان عليه فلا يفرحون بالنعم إذا حصلت ~~خوفا من زوالها إذا اراد القادر , ولا يغتمون بها إذا زالت رجاء في إقبالها ~~فضلا من الرازق , لأن ( أفضل العبادة انتظار الفرج ) بل هم بما عليهم من ~~وظائف العبادة واجبها ومندوبها معرضون عما سوى ذلك , وقد وكلوا أمر الرزق ~~إلى من تولى أمره وفرغ من قسمه وقام بضمانه , وهو القدير العليم . | ولما ~~أفهم ذلك عدم الاكتراث بالدنيا لأن الاكتراث بها لا يزيدها , والتهاون بها ~~لا ينقصها , فصار ذلك لا يفيد إلا تعجيل النكد بالكد والنصب , وكان مما ~~تقدم أن السيئة من أسباب المحق , سبب عنه الإقبال على إنفاقها في حقوقها ~~إعراضا عنها وإيذانا بإهانتها وإيقانا بأن ذلك هو استيفاؤها واستثمارها ~~واستنماؤها , فقال خاصا بالخطاب أعظم المتأهلين لتنفيذ أوامره لأن ذلك أوقع ~~في نفوس الأتباع , وأجدر بحسن القبول منهم والسماع : { فآت } يا خير الخلق ~~! { ذا القربى حقه } بادئا به لأنه أحق الناس بالبر , صلة للرحم وجودا ~~وكرما { والمسكين } سواء كان ذا القربى أو لا { وابن السبيل } وهو المسافر ~~كذلك , والحق الذي ذكر ms3787 لهما الظاهر أنه يراد به النفل لا الواجب , لعدم ذكر ~~بقية الأصناف , ودخل الفقير من باب الأولى . | PageV05P628 ولما أمر ~~بالإيتاء , رغب فيه فقال : { ذلك } أي الإيتاء العالي الرتبة { خير } ولما ~~كان سبحانه أغنى الأغنياء فهو لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه لا رياء فيه ~~, قال معرفا أن ذلك ليس قاصرا على من خص بالخطاب بل كل من تأسى به نالته ~~بركته { للذين يريدون } بصيغة الجمع , ولما كان الخروج عن المال في غاية ~~الصعوبةن رغب فيه بذكر الوجه الذي هو أشرف ما في الشيء المعبر به هنا عن ~~الذات وبتكرير الاسم الأعظم المألوف لجميع الخلق فقال : { وجه الله } أي ~~عظمة الملك الأعلى , فيعرفون من حقه ما يتلاشى عندهم على كل ما سواه ~~فيخلصون له { وأولئك } العالو الرتبة لغناهم عن كل فان { هم } خاصة { ~~المفلحون * } أي الذين لا يشوف فلاحهم شيء من الخيبة , وأما غيرهم فخائب , ~~أما إذا لم ينفق فواضح , وأما من أنفق على وجه الرياء بالسمعة والرياء فإنه ~~خسر ماله , وأبقى عليه وباله , وأما من أنفق على وجه الرياء الجقيقي فقد ~~صرح به تعريفا بعظيم فحشه صارفا الخطاب عن المقام الشريف الذي كان مقبلا ~~عليه , تعريفا بتنزه جناب عنه , وبعد تلكالهمة العلية والسجايا الطاهرة ~~النقية منه , إلى جهة من يمكن ذلك منهم فقالك { وما اتيتم } اي جئتم أي ~~فعلتم - في قراءة ابن كثير بالقصر ليعم المعطي والآخذ والمتسبب , أو أعطيتم ~~- في قراءة غيره بالمد { من ربا } اي مال على وجه الربا المحرم أو المكروه ~~, وهو أن يعطي عطية ليأخذ في ثوابها أكثر منها , وكان هذا مما حرم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم تشريفا له , وكره لعامة الناس . | وعلى قراءة ابن ~~كثير بالقصر المعنى : وما جئتم به من إعطاء بقصد الربا { ليربوا } أي يزيد ~~زيكثر ذلك الذي أعطيتموه أو فعلتموه , أو لتزويد أنتم ذلك - على قراءة ~~المدنيين ويعقوب بالفوقانية المضمومة , من : أربى { في أموال الناس } أي ~~تحصل فيه زيادة تكون أموال النلاس ظرفا لها , فهو كناية عن أن الزيادة ms3788 التي ~~يأخذها المربي من أموالهم لا يملكها أصلا { فلا يربوا } أي يزكوا وينمو { ~~عند الله } أي الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق وكل صفات الكمال , وكل ما ~~لا يربو عند الله فهو غير مبارك بل ممحوق لا وجود له , فإنه إلى فناء وإن ~~كثر < # > 77 ( { يمحق الله الربو ويربي الصدقات } ) 77 < # > [ البقرة : 276 ] . | ولما ذكر ما زيادته نقص , أتبعه ما نقصه زيادة ~~فقال : { وما آتيتم } أي أعطيتم للإجماع على مدة لئلا يوهم الترغيب في أخذ ~~الزكاة { من زكاة } أي صدقة , وعبر عنها بذلك ليفيد الطهارة والزيادة , أي ~~تطهرون بها أموالكم من الشبه , وأبدانكم من مواد الخبث , وأخلاقكم من اغل ~~والدنس . | ولما كان الإخلاص عزيزا , أشار إلى عظمته بتكريره فقال : { ~~تريدون } أي بها { وجه الله } خاصا مستحضرين لجلاله وعظمته وكماله , وعبر ~~عن الذات بالوجه لأنه الذي يجل صاحبه ويستحي منه عند رؤيته وهو اشرف ما في ~~الذات . | PageV05P629 ولما كان الأصل : فأنتم عدل به إلى صيغة تدل على ~~تعظيمه بالالتفات إلى خطاب من بحضرته من أهل قربه وملائكته , لأن العامل ~~يجب أن يكون له بعمله لسان صدق في الخلائق فكيف إذا كان من الخالق , ~~وبالإشارة إليه بأداة البعد إعلامكا بعلو رتبته , وأن المخاطب بالإيتاء ~~كثير , والعامل قليل وجليل , فقال : { فأؤلئك } ولعل إفراد المخاطب هنا ~~للترغيب في الإيتاء بأنه لا يفهم ما لأهله حق فهمه سوى المنزل عليه هذا ~~الوحي صلى الله عليه وسلم { هم } أي خاصة { المضعفون * } أي الذين ضاعفوا ~~أموالهم في الدنيا بسبب ذلك الحفظ والبركة , وفي الآخرة بكثرة الثواب عند ~~الله من عشرة أمثال إلى ما لا حصر له كما يقال : مقو وموسر ومسمن معطش - ~~لمن له قوة ويسار وسمن في إبله وعطش ونحو ذلك . | < < # | الروم : ( 40 - 44 ) الله الذي خلقكم . . . . . # > > ^ ( الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركآئكم من ~~يفعل من ذلكم من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون * ظهر الفساد في البر والبحر ~~بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون * قل سيروا ms3789 في ~~الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين * فأقم وجهك ~~للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون * من كفر ~~فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ) ^ } ) | ولما وضح بهذا أنه لا ~~زيادة إلا فما يزيده الله , ولا خير إلا فيما يختاره الله , فكان ذلك مزهدا ~~في زيادة الاعتناء بطلب الدنيا , بين ذلك بطريق لا أوضح منه فقال : { الله ~~} أي بعظيم جلاله لا غيره { الذي خلقكم } أي أوجدكم على ما أنتم عليه من ~~التقدير لا تملكون شيئا . | ولما كان الرزق موزعا بين الناس بل هو ضيق على ~~كثرته عن كثير منهم , فكان رزق من تجدد - لا سيما إن كان ابنا لفقير - ~~مستبعدا , أشار إليه بأداة البعد فقال : { ثم رزقكم } ولما كانت إماتة ~~المتمكن من بدنه وعقله وقوته وأسباب نبله عجيبة , نبه عليها بقوله : { ثم ~~يميتكم } ولما كان كل ذلك في الحقيقة عليه هينا , وكتن الإحياء بعد الإماتة ~~إن لم يكن أهون من الأحياء أول مرة كان مثله وإن استبعدوه قال : { ثم ~~يحييكم } . | ولما استغرق بما ذكر جميع ذواتهم وأحوالهم , وكان الشريك من ~~قام بشيء من العمل أو المعمول فيه , وكان من المعلوم أنه ليس لشركائهم في ~~شيء من ذلك النوع صنع , قال منكرا عليهم : { هل من } ولما كان إشراكهم بما ~~اشركوا لم تظهر له ثمرة إلا في أنهم جعلوا لهم جزءا من أموالهم , عبر بقوله ~~: { شركائكم } أي الذين تزعمونهم PageV05P630 شركاء { من يفعل من ذلكم } ~~مشيرا إلى علو رتبته بأداة البعد والخطاب الكل . | ولما كان الاستفهام ~~الإنكاري التوبيخي في معنى النفي , قال مؤكدا له مستغرقا لكل ما يمكن منه ~~ولو قل جدا : { من شيء } أي يستحق هذا الوصف الذي تطلقونه عليه . | ولما ~~لزمهم قطعا أن يقولوا : لا وعزتك ! ما لهم ولا لأحد منهم في شيء من ذلك من ~~فعل , أشار إلى عظيم ما ارتكبوه بما نتجه هذا الدليل , فقال معرضا عنهم ~~زيادة في التعظيم والعظمة , منزها لنفسه الشريفة منها على التنزيه ms3790 ببعد ~~رتبته الشماء من حالهم : { سبحانه } أي تنزه تنزها لا يحيط به الوصف من أن ~~يكون محتاجا إلى شريك , فإن ذلك نقص عظيم . | ولما كان من أخبر بأنه فعل ~~شيئا أو يفعله كالإماتة والإحياء بالبعث وغيره لا يحول بينه وبينه المقاوم ~~من شريك ونحوه , قال : { تعالى } اي علوا لا تصل إليه العقول , كما دلت ~~عليه صيغة التفاعل , وجرت قراءة حمزة والكسائي بالخطاب على الأسلوب الماضي ~~, وأذنتقراءة الباقين بالغيب بالإعراض للغضب في قوله معبرا بالمضارع غشارة ~~إلى أن العاقل من شأنه أنه لا يقع منه شرك اصلان فكيف إذا كان على سبيل ~~التجدد والاستمرار : { عما يشركون * } في أن يفعلوا شيئا من ذلك أو يقدروا ~~بنوع من أنواع القدرة على أن يحولوا بينه وبين شيء مما يريد ليستحقوا بذلك ~~أن يعظموا نوع تعظيم , فنزهوه بالبراءة من كل معبود سواه . | ولما بين لهم ~~سبحانه من حقارة شركائهم ما كان حقهم به أن يرجعوا , فلم يفعلوان اتبعه ما ~~اصابهم به على ما كان في اسلافهم عقوبة لهم على قبيح ما ارتكبوا , استعطافا ~~للتوبة فقال : { ظهر الفساد } أي النقص في جميع ما ينفع الخلق { في البر } ~~بالقحط والخوف ونحوهما { والبحر } بالغرق وقلة الفوائد من الصيد ونحوه من ~~كل ما كان يحصل منه قبل . | وقال البغوي : البر البوادي والمفاوز , والبحر ~~المدائن والقرى التي على المياه الجارية , قال عكرمة : العرب تسمي المصر ~~بحرا . | ثم بين سببه بقوله : { بما } ولما أغنى السياق بدلالته على ~~السيئات عن الافتعال قال : { كشبت } أي عملت من الشر عملا هو من شدة ~~تراميهم إليه وإن كان على أدنى الوجوه بما أشار إليه تجريد الفعل كأنه ~~مسكوب من علو , ومن شدة إتقان شره كأنه مسبوك . | ولما كان أكثر الأفعال ~~باليد , أسند إليها ما يراد به الجملة مصرحا بعموم كل ما له أهلية التحرك ~~فقال : { أيدي الناس } اي عقوبة لهم على فعلهم . | ولما ذكر علته البدائية ~~, ثنى بالجزائية فقال : { لنذيقهم } اي بما لنا من العظمة في رواية قنبل عن ~~ابن كثير بالنون لإظهار العظمة في ms3791 الإذاقة للبعض والعفو عن البعض , وقراءة ~~الباقين بالتحتانية على سنن الجالة الماضي ؛ وأشار إلى كرمه سبحانه بقوله : ~~{ بعض الذي عملوا } أي وباله وحره PageV05P631 وحرقته , ويعفو عن كثير إنا ~~أصلا وراسا , وإما المعالجة به ويؤخره إلى وقت ما في الدنيا , أو إلى ~~الآخرة , والمراد الجزاء بمثل أعمالهم جزاء أعمالهم جزاء لها تعبيرا عن ~~المسبب بالسبب الذي أتوه إلى الناس فيعرفوا إذا سلبوا المال مقدار ما ذاق ~~منهم ذلك الذي سلبوه , وإذا قتل لهم حميم حرارة ما قاسى حميم ما قتلوه , ~~ونحو ذلك مما استهانوا لما أتوه إلى غيرهم من الأذى البالغ وهم يتضاحكون ~~ويعجبون من جزعه ويستهزؤون غافلين عن شدة ما يعاني من أنواع الحرق وهو ومن ~~يعز عليه أمره , ويهمه شأنه , ويده قد غلها عن المساعدة العجز , وقصرها ~~الضعف والقهر ؛ ثم ثلث بالعلة الغائبة فقال : { لعلهم يرجعون * } أي ليكون ~~حالهم عند من ينظرهم حال من يرجى رجوعه عن فعل مثل ذلك خوفا من أن يعاد ~~بمثل ذلك من الجزاء . | ولما كان الإنسان - لنقصه في تقيد بالجزئيات - شديد ~~الوقوف مع العقل التجربي , وكان علمهم بأيام الماضين ووقائع الأولين كافيا ~~لهم في العظة للرجوع عن اعتقادهم , والتبري من عنادهم , وكانوا - لما لم ~~يروا آثارهم رؤية اعتبار , وتأمل وادكار , عدوا ممن لم يرها , فنبه سبحانه ~~على ذلك بالاحتجاب عنهم بحجاب العزة , أمرا له صلى الله عليه وسلم بأن ~~يأمرهم بالسير للنظر , فقال تأكيدا لمعنى الكلام السابق نصحا لهم ورفقا بهم ~~: { قل } أي لهؤلاء الذي لا هم لهم إلا الدنيا , فلا يعبرون فيما ينظرون من ~~ظاهر إلى باطن : { سيروا } وأشار إلى استغراق ديار المهلكين كل حد ما حولهم ~~من الجهات كما سلف فقال : { في الأرض } فإن سيركم الماضي لكونه لم يصحبه ~~عبرة عدم . | ولما كان المراد الانقياد إلى التوحيد , وكان قد ذكرهم بما ~~اصابهم على نحو ما أصاب به الماضين قال : { فانظروا } بفاء التعقيب , ولما ~~كان ما أحله بهم في غاية الشدة , عرفهم بذلكن فساق مساق الاستفهام تخويفا ~~لهم من إصابتهم بمثله فقال : { كيف ms3792 } ولما كان عذابهم مهولا , وأمرهم شديدا ~~وبيلا , دل عليه بتذكير الفعل فقال : { كان عاقبة } أي آخر أمر { الذين } ~~ولما كان المراد طوائف المعذبين , وكانوا بعض من مضى , فلم يستغرقوا الزمان ~~, بعض فقال : { من قبل } أي من قبل أيامكم أذاقهم الله وبال أمرهمن وأوقعهم ~~في حفائر مكرهم . | ولما كان هذا التنبيه كافيا في الاعتبار , فكان سامعه ~~جديرا بأن يقول : قد تأملت فرأيت ىثارهم عظيمة , وصنائعهم مكينة , ومع ذلك ~~فمدنهم خاليه وبيوتهم خاوية , قد ضربوا بسوط العذاب , فعمهم الخسار ~~والثيابن فما لهم عنهم كثرتهمن وأنجينا المؤمنين وما ضرتهم قلتهم . | ~~PageV05P632 ولما كانوا مع كثرة مرورهم على ديارهم , ونظرهم لآثارهم , ~~وسماعهم لأخبارهمن لم يتعظوا , أشير إلى أنهم عدم , بصرف الخطاب عنهم , ~~وتوجيه إلى السامع المطيع , فقال مسببا عما مضى من إقامة الأدلة والوعظ ~~والتخويف : { فأقم } أي يا من لا يفهم عنا حق الفهم سواه , لأنا فضلناه على ~~جميع الخلق { وجهك } أي لا تلفته أصلا { للدين القيم } الذي لا عوج فيه ~~بوجه , بل هو عدل كله , من التبري من الأوثان إلى التلبس بمقام الإحسان , ~~فالزمه واجعله بنصب عينك لا تغفل عنه ولا طرفة عين , لكونه سهلا فيما تسبب ~~الإعانه عليه في الظاهر بالبيان الذي ليس معه خفاء , وفي الباطن بالجبل ~~عليه حتى أنه ليقبله الأعمى والأصم والأخرس , ويصير فيه كالجبل رسوخا . | ~~ولما كان حفظ الاستقامة عزيزا , أعاد التخويف لحفظ أهلها , فقال ميسرا ~~الأمر بعدم استغراق الزمان بإثبات الجار , إشارة إلى الرضا باليسير من ~~العمل ولو كان ساعة من نهار , بشرط الاتصال بالموت : { من قبل } وفك المصدر ~~للتصريح قال : { أن يأتي يوم } أي عظيم , وهو يوم القيامة , أو الموت , ~~وأشار إلى تفرده سبحانه في الملك بقوله : { لا مرد له } ولفت الكلام في ~~رواية قنبل من مظهر العظمة إلى أعظم منه لاقتضاء المقام ذلك وأظهر في رواية ~~الباقين لئلا يتوهم عود الضمير إلى الدين فقال : { من الله } وإذا لم يرده ~~هو لوعده بالإتيان به , وه ذو الجلال والإكرامن فمن الذي يرده . | ولما حقق ~~إتيانه , فصل أمره مرغبا ms3793 مرهبان فقال : { يومئذ } أي إذ يأتي { يصدعون * } ~~أي تتفرق الخلائق كلهم فرقة قد تخفى على بعضهم بما أشار إليه الإدغام , ~~فيقولون : ما لنا لا نرى دجالا كنا نعدهم من الأشرار . | ولما كان المعنى ~~أنهم فريق في الجنة وفريق في السعير , بين ذلك ببيان عاقبة سببه في جواب من ~~كأنه قال : إلى أين يتفرقون ؟ قائلا : { من كفر } اي منهم فعلم شيئا { ~~فعليه } أي لا على غيره { كفره } أي وباله , وعلى أنفسهم يعتدون ولها ~~يهدمون فيصيرون في ذلك اليوم إلى النار التي هم بها مكذبون , ومن كان عليه ~~كفره الذي أوبقه إلى الموت , فلا خلاص له فيما بعد الفوت , ووحد الضمير ردا ~~له على لفظ مننصا على أن كل واحد مجزي بعمله لا المجموع من حيث هو مجموع , ~~وإفهاما لأن الكفرة قليل وإن كانوا أكثر من المؤمنين , لأنهم لا مولى لهم , ~~ولتفرق كلمتهم { تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى } [ الحشر : 14 ] ولأنه لا ~~اجتماع بين أهل النار ليتأسى بعضهم ببعض , بل كل منهم في شغل شاغل عن معرفة ~~ما يتفق لغيره { ومن عمل صالحا } أي PageV05P633 بالإيمان وما يترتب عليه , ~~وأظهر ولم يضمر لئلا يتوهم عود الضمير على { من كفر } وبشارة بأن أهل الجنة ~~كثير وإن كانوا قليلا , لأن الله مولاهم فهو يزكيهم ويؤيدهم , وفي جمع ~~الجزاء مع إفراد الشرط ترغيب في العمل من غير نظر إلى مساعد بأنه ينفع نفسه ~~وغيره , لأن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضان وأقل ماينفع والديه ~~وشيخه في ذلك العمل , وعبر بالنفس ليدل - بعد الدلالة على إرادة العالم ومن ~~شايعه حتى كان بحكم اتحاد القصد إياه على أن العمل الصالح يزكي النفوس ~~ويطهرها من رذائل الأخلاق , فقال : { فلأنفسهم } أي خاصة اعمالهم ولهم خاصة ~~عملهم الصالح ولأنفسهم { يمهدون } أي يسوون ويوطئون منازل في القبور والجنة ~~, بل وفي الدنيا فإن الله يعزهم بعز طاعته , والآية من الاحتباك : حذف أولا ~~عدوانهم على أنفسهم لما دل عليه من المهد , وثانيا كون العمل خاصا بهم لما ~~دل عليه من كون الكفر على صاحبه خاصة ms3794 , وأحسن من هذا أن يقال : ذكر الكفر ~~الذي هو السبب دليلا على الإيمان ثانيا , والعمل الصالح الذي هو الثمرة ~~ثانيا دليلا على العمل السيء أولا . | < < # | الروم : ( 45 - 47 ) ليجزي الذين آمنوا . . . . . # > > ^ ( ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين ~~* ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون * ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ~~فجآءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين ) ~~^ } ) | ولما فرغ من بيان تصدعهم , ذكر علته فقال : { ليجزي } أي الله ~~سبحانه الذي أنزل هذه السورة لبيان أولياءه لإحسانهم لأنه مع المحسنين , ~~ولذلك اقتصر هنا على ذكرهم فقال : { الذين آمنوا } أي ولو على أدنى الوجوه ~~{ وعملوا } اي تصديقا لإيمانهم { الصالحات } ولما كانت الأعمال نعمة منه , ~~فكان الجزاء محض إحسان , قال : { من فضله } . | ولما كان تنعيمهم من أعظم ~~عذاب الكافرين الذين كانوا يهزؤون بهم ويضحكون منهم , علله بقوله على سبيل ~~التأكيد لدعوى من يظن أن إقبال الدنيا على العصاة لمحبة الله لهم : { إنه ~~لا يحب الكافرين * } أي لا يفعل مع العريقين في الكفر فعل المحب , فلا ~~يسويهم بالمؤمنين , وعلم من ذلك ما طوى من جزائهم , فالآية منوادي الاحتباك ~~, وهو أن يؤتي بكلامين يحذف من كل منهما شيء ويكون نظمهما بحيث يدل ما أثبت ~~في كل على ما حذف من الآخر , فالتقدير هنا بعد ما ذكر من جزاء الذين آمنوا ~~أنه يحب المؤمنين ويجزي الذين كفروا وعملو السيئات بعدله لأنه لا يحب ~~الكافرين , PageV05P634 فغير النظم ليدل مع دلالته كما ترى على ما حذف على ~~أن إكراما لمؤمنين هو المقصود بالذات , وهو بعينه إرغام الكافرين , وعبر في ~~شق المؤمنين بالمنتهى الذي هو المراد من محبة الله لأنه أسر . | وفي جانب ~~الكافرين بالمبدأ الذي هو مجاز لأنه أنكأ وأضر . | ولما ختم في أول السورة ~~الآيات الدالة على الوحدانية المستلزمة للبعث لأن به تمام ظهور الحكمة , ~~وانكشاف غطاء القلوب عن صفات العظمة , بأن قيام السماء والأرض بأمره وابتع ms3795 ~~ذلك ما اشتد التحامه به , وختمه ببعض الكافرين بعد ذكر يوم البعث , اتبعه ~~ذكر ما حفظ به قيلم الوجود , وهو ارياح , يجعله سببا في إدرار النعم التي ~~منها ما هو أعظم أدلة البعث وهو النبات , وهي بجملتها دليل ذلك وسبب القرار ~~في البر والسير في البحر الموصل لمنافع بعض البلاد إلى بعض , وبذلك انتظم ~~الأمر لأهل الأرض , فاستعمل المؤمن منهم ما رزقه سبحانه من العقل في النظر ~~في ذلك حتى أداه إلى شكره فأحبه , واقتصر الكافر على الدأب فيما يستجلب به ~~تلك النعم ويستكثرها , فابطره ذلك فأوصله إلى كفره فأبغضه , والرياح ايضا ~~أشبه شيء بالناس , منها النافع نفعا كبيرا , ومنها الضار ضرا كثيرا , فقال ~~: { ومن آياته } أي الدلالات الواضحة الدالة علم كمال قدرته وتمام علمه ~~الدال على أنه هو وحده الذي اقام هذا الوجود , وكما أنه أقامه فهو يقبم ~~وجودا خر هو زبدة الأمر , ومحط الحكمة , وهو أبدع منهذا الوجود , يبعث فيه ~~الخلق بعد فنائهم , ويتجلى لفصل القضاء بينهم , فيأخذ بالحق لمظلومهم من ~~طالمهم , ثم يصدعهم فيجعل فريقا منهم في الجنة دار الإعانة والكرامة , ~~وفريقا في السعير غار الإهانة والملامة { أن يرسل الرياح } على سبيل التجدد ~~والاستمرار , وهي ما عدا الدبور المشار في الحديث الشريف إلى الاستعاذة ~~منها ( اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا ) وقد تقم من شرحي لها عند < # > 77 ( { من يرسل الرياح بشرا } ) 77 < # > في النمل [ 63 ] ما فيه كفاية , وفي جمعها المجمع عليه هنا لوصفها ~~بالجمع إشارة إلى باهر القدرة , فإن تحويل الريح الواحدة من جهة إلى أخرى ~~أمر عظيم لا قدرة لغيره عليه في الفضاء الواسع , وكذا إسكانه , فكيف إذا ~~كانت رياح متعاكسة , ففي إثارتها كذلك ثم إسكانها من باهر القدرة ما لا ~~يعلمه إلا أولو البصائر { مبشرات } أي لكم بكل ما فيه نفعكم من المطر ~~والروح وبرد الأكباد ولذة العيش . | ولما كان التقدير : ليهلك بها من يشاء ~~من عباده , أو ليدفع عنكم ما يحصل بفقدها من نقمته من الحر , وما يتبعه من ~~انتشار المفسدات , واضمحلال ms3796 المصلحات , PageV05P635 وطواه لأن السياق لذكر ~~النعم , عطف عليه قوله مثبتا اللام إيضاحا للمعطوف عليه : { وليذيقكم } ~~وأشار إلى عظمة نعمة بالتبعيض في قوله : { من رحمته } أي نعمه من المياه ~~العذبة والأشجار الرطبة , وصحة الأبدان , وخصب الزمان , وما يتبع ذلك من ~~أمور لا يحصيها إلا خالقها , ولا يتصورها حق تصورها إلا من فقد الرياح , من ~~وجود الروح وزكاء الأرض وإزالة العفونة من الهواء والإعانة على تذرية ~~الحبوب وغير ذلك , وأشار إلى عظمة هذه النعمة وإلى أنها صارت لكثرة الإلف ~~مغفولا عنها بإعادة اللام فقال : { ولتجري الفلك } أي السفن في جميع البحار ~~وما جرى مجراها عند هبوبها . | ولما أسند الجري إلى الفلك نزعه منها بقوله ~~: { بأمره } اي بما يلائم من الرياح اللينة , وإذا أراد أعصفها فأغرقت , أو ~~جعلها متعاكسة فحيرت ورددت , حتى يحتال الملاحون بكل حيلة على إيقاف السفن ~~لئلا تتلف . | ولما كان كل من مجرد السير في البحر والتوصل به من بلد إلى ~~بلد نعمة في نفسه , عطف على { لتجري } قوله , منبها بإعادة اللام إيضاحا ~~للمعطوف عليه على تعظيم النعمة : { ولتبتغوا } أي تطلبوا طلبا ماضيا بذلك ~~السير , وعظم ما عنده بالتبعيض في قوله : { من فضله } مما يسخر لكم من ~~الريح بالسفر للمتجر من بلد إلى بلد والجهاد وغيره { ولعلكم } أي ولتكونوا ~~إذا فعل بكم ذلك على رجاء منأنكم { تشكرون * } ما أفاض عليكم سبحانه مننعمه ~~, ودفع عنكم من نقمه . | ولما كان التقدير : فمن أذاقه من رحمته , ومن كفر ~~أنزل عليه من نقمته , وكان السياق كله لنصر أوليائه وقهر أعدائه , وكانت ~~الرياح مبشرات ومنذرات كالرسل , وكانت موصوفة بالخير كما في الصحيح عن ~~عائشة رضي الله عنها ( فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل ~~عليه السلام أجود بالخير من الريح المرسلة ) وكانت في كثرة منافعها وعمومها ~~إن كا نت نافعة , ومضارها إن كانت ضارة , أشبه شيء بالرسل في إنعاش قوم ~~وإهلاك آخرين , وما ينشأ عنها كما ينشأ عنهم . | كما قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن أبي موسى رضي الله ms3797 عنه : البخاري في العلم ~~, ومسلم في المناقب ( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث ~~الكثير أصاب أرضا , فكانت طائفة منها طيبة فقبلت الماء وأنتبت الكلأ والعشب ~~الكثير , وكانت منها طائفة أجادب أمسكت الماء , فنفع الله بها الناس فشربوا ~~وسقوا وزرعوا , وأصاب منها طائفة أجادب أمسكت الماء , فنفع الله بها الناس ~~فشربوا وسقوا وزرعوا , واصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ~~PageV05P636 ولا تنبت كلاء , فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني ~~الله به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت ~~به ) ولما كان الأمر كذلك , عطف على قوله : ( ينصر من يشاء ) وقوله : { ثم ~~كان عاقبة الذين أساءوا السؤاى } أو على ما تقديره تسبيبا عن قوله : { فأقم ~~وجهك للدين القيم } : فلقد أرسلناك بشيرا لمن أطاع بالخير , ونذيرا لمن عصى ~~بالشر , قوله مسليا لهذا النبي الكريم , عليه أفض الصلاة والتسليم , ~~وأتباعه , ولفت الكلام إلى مقام العظمة لاقتضاء سياق الانتقام لها , وأكد ~~إشارة إلى ان الحال باشتداده وصل إل حالة اليأس , أو لإنكار كثير من الناس ~~إرسال البشر : { ولقد أرسلنا } بما لنا من العزة . | ولما كانت العناية ~~بالإخبار بأن عادته ما زالت قديما وحديثا على نصر أوليائه , قال معلما ~~بإثبات الجار أن الإرسال بالفعل لم يستغرق زمان القبل , أو أن الكلام في ~~خصوص الأمم المهلكة : { من قبلك } مقدما له على { رسلا } أوللتنبيه على أنه ~~خاتم النبيين بتخصيص إرسال غيره بما قل زمانه , وقال : { إلى قومهم } ~~إعلاما بأن بأس الله إذا جاء لا ينفع فيه قريب ولا بعيد , وزاد في التسلية ~~بالتذكير إشارة إلى شدة أذى القوم لأنبيائهم حيث لم يقل ( إلى قومها ) . | ~~ولما كان إرسال الله سببا لا محالة للبيان الذي لا لبس معه قال : { فجاءوهم ~~بالبينات } فانقسم قومهم إلى مسلمين ومجرمين { فانتقمنا } أي فكانت معاداة ~~المسلمين للمجرمين فينا سببا لأنا انتقمنا بما لنا من العظمة { من الذين ~~أجرموا } لأجرامهم , وهو قطع ما أمرناهم بوصله اللازم منه وصل ms3798 ما أمروا ~~بقطعه , فوصلوا الكفر وقطعوا الإيمان , فخذلناهم وكان حقا علينا قهر ~~المجرمين , إكراماص لمن عادوهم فينا , وأنعمنا على الذين آمنوا فنصرناهم . ~~| ولما كن محط الفائدة إلزامه سبحانه لنفسه بما تفضل به , قدمه تعجيلا ~~للسرور تطييبا للنفوس فقال : { وكان } أي على سبيل الثبات والدوام { حقا ~~علينا } أي بما أوجبناه لوعدنا الذي لا خلق فيه { نصر المؤمنين * } اي ~~العريقين في ذلك الوصف في الدنيا والآخرةن فلم يزل هذا دأبنا في كل ملة على ~~مدى الدهر , فإن هذا من الحكمة التي لا ينبغي إهمالها , فليعتد هؤلاء لمثل ~~هذا , وليأخذوا لذلك أهبته لينظروا من المغلوب وهل ينفعهم شيء ؟ والآية من ~~الاحتباك : حذف أولا الإهلاك الذي هو أثر الخذالن لدلالة النصر عليه , ~~وثانيا الإنعام لدلالة الانتقام عليه . | PageV05P637 < < # | الروم : ( 48 - 51 ) الله الذي يرسل . . . . . # > > ^ ( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السمآء كيف يشآء ~~ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذآ أصاب به من يشآء من عباده إذا ~~هم يستبشرون * وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين * فانظر إلى ~~آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتهآ إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل ~~شيء قدير * ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون ) ^ } ) | ~~ولما أقام سبحانه الدليل على البعث وإقامة الوجود بتصريفه الرياح كيف يشاء ~~وأتبعه آية التسلية والتهديد , وكان عذاب المذكورين فيها بالريح أو ما هي ~~سببه أو لها مدخل فيه , أتبع ذلك الإعلام لنه مختص بذلك سبحانه تنبيها على ~~عظيم آية الرياح للخص على تدبرها , مؤكدا لأمر البعث ومصرحا به , فقال ~~ثانيا الكلام عن مقام العظمة الذي اقتضته النقمة إلى الاسم الأعظم الجامع ~~الذي نظره غلى النعمة أكثر من نظره إلى النقمة : { الله } أي وحده { الذي ~~يرسل } مرة بعد أخرى لأنه المتفرد بالكمال فلا كفوء له : { الرياح } مضطربة ~~هائجة بعد أن كانت ساكنة , وفي قراءة الجمهور بالجمع خلافا لابن كثير وحمزة ~~والكسائي تنبيه على عظيم الصنع في كونه يفعل ما ذكره بأي ريح أراد { فتثير ~~سحابا ms3799 } لم يكن له وجود . | ولما أسند الإثارة إلى الرياح , نزع الإسناد ~~إليها في البسط والتقطيع فإنه لم يجعل فيه قوة شيء من ذلك ليعلم أن الكل ~~فعله فقالك { فيبسطه } بعد اجتماعه { في السماء } أي جهة العلو . | ولما ~~كان أمر السحاب في غاية الإعجاب في وجوده بعد أن لم يكن واشكاله وألوانه ~~وجميع أحواله في اجتماعه وافتراقه وكثافته وما فيه من مطر ورعد وبرق وغير ~~ذلك مما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى , أشار سبحانه إلى ذلك بأداة ~~الاستفهام وإن كانوا قد عدوها هنا شرطية فقال : { كيف } أي كما { يشاء } اي ~~في ناحية شاء قيلا تارة كمسيرة ساعة أو يوم , وكثيرا كمسيرة أيام على أوضاع ~~مختلفة تدلك قطعا على أنه فعله وحده باختيار لا مدخل فيه لطبيعة ولا غيرها ~~. | ولما كان المراد بذلك كونه على هيئة الاتصال , دل عليه بقوله : { ~~ويجعله } أي إذا أراد { كسفا } أي قطعا غير متصل بعضها ببعض اتصلا يمنع ~~نزول الماء { فترى } أي بسبب إرسال الله له أو بسبب جعله ذا مسام وفرج يا ~~من أهلية الرؤية , أو يا اشرف خلقنا الذي لا يعرف هذا حق معرفته سواه { ~~الودق } أي المطر المتقاطر القريب الواسع { يخرج من خلاله } أي السحاب الذي ~~هو اسم جنس في حالتي الاتصال والانفصال . | PageV05P638 ولما كان سبحانه قد ~~سبب عن ذلك سرور عباده لما يرجون من أثره وإن كانوا كثيرا ما يشاهدون تخلف ~~الأثر لعوارض ينتجها سبحانه , قال مسببا عن ذلك مشيرا بأداة التحقق إلى ~~عظيم فضله وتحقق إنعامه : { فإذا اصاب } أي الله { به من } أي أرض من { ~~يشاء } ونبه على أن ذلك فضل منه لا يجب عليه لأحد اصلا شيء بقوله : { من ~~عباده } أي الذين لم تزل عبادته واجبة عليهم , وهم جديرون بملازمة شكره , ~~والخضوع لأمره , خاصا لهم بقدرته واختياره , وبين خفتهم بإسراعهم إلى ~~الاستبشار مع احتمال العاهات , جامعا ردا على معنى ( من ) أو على ( العباد ~~) لأن الخفة من الجماعة أفحش فقال : { إذا هم يستبشرون * } أي يظهر عليهم ~~البشر , وهو السرور الذي ms3800 تشرق له البشرة حال الإصابة ظهورا بالغا عظيما بما ~~يرجونه مما يحدث عنه من الأثر النافع من الخصب والرطوبة واللين ؛ ثم بين ~~طيشهم وعجزهم بقوله : { وإن } اي والحال أنهم { كانوا } في الزمن الماضي ~~كونا متمكنا في نفوسهم , وبين رب يأسهم من استبشارهم دلالة على سرعة ~~انفعالهم وكثرة تقلبهم بالجار , فقال : { من قبل أن ينزل } أي المطر بأيسر ~~ما يكون عليه سبحانه { عليهم } ثم أكد عظم خفتهم وعدم قدرتهم بقوله : { من ~~قبله } أي الاستبشار سواه من غير تخلل زمان يمكن أن يدعي لهم فيه تسبب ~~المطر { لمبلسين * } أي ساكتين على ما في أنفسهم تحيرا ويأسا وانقطاعا , ~~فلم يكن لهم على الإتيان بشيء من ذلك حيلة , ولا لمعبوداتهم صلاحية له ~~باستقلال ولا وسيلة . | ولما انكشف بذلك الغطاء , وزاحت الشبه أعرض سبحانه ~~عنهم على تقدير أن يكون ( ترى ) لمن فيه أهلية الرؤية بأنه ل افهم لهم ~~ملتفتا إلى خلاصة الخلق الصالح للتلقي عنه قائلا مسببا عن ذلك : { فانظر } ~~ولما كان المراد تعظيم النعمة , وأن الرزق أكثر من الخلق , عبر بحرف الغاية ~~إلى تأمل الأقصى بعد تأمل الأدنى فقال : { إلى آثار } ولما لم يكن لذلك سبب ~~سوى سبق رحمته لغضبه قال : { رحمت الله } للجامع لمجامع العظة , وأظهر ولم ~~يضمر تنبيها على ما في لك من تناهي العظمة في تنوع الزروع بعد سقيا الأرض ~~واهتزازها بالنبات واخضرار الأشجار واختلاف الثمار , وتكون الكل من ذلك ~~الماء . | ولما كان هذا من الخوارق العظيمة , ولكنه قدتكرر حتى صار مألوفا ~~, نبه على عظمته بأنه أهل لأن يسأل عنه فقال : { كيف يحيي } أي هذا الأثر ~~أو الله مرة بعد أخرى { الأرض } بإخراج ما ذكر منها . | ولما كانت قدرته ~~إحيائها دائة - على ما أشار إليه المضارع ودعا إليه مقصود السورة , أشار ~~إلى ذلك أيضا بترك الجار فقال : { بعد موتها } بانعدام ذلك . | PageV05P639 ~~ولما كان هذا دالا على القدرة على إعادة الموتى ولا بد لأنه مثله سواء , ~~فإن جميع ما لا ينتبه الآدميون يتفرق في الأرض بعد كونه هشيما تذروه الرياح ~~, ويتفتت بحيث ms3801 يصير ترابا , فإذا نزل عليه الماء عاد كما كان أو أحسن قال : ~~{ إن ذلك } أي العظيم الشأن الذي قدر على هذا { لمحيي الموتى } كلها من ~~الحيوانات والنباتات , أي ما زال قادرا على ذلك ثابتا له هذا الوصف ولا ~~يزال { وهو } مع ذلك { على كل شيء } من ذلك وغيره { قدير * } لأن نسبة ~~القدرة منه سبحانه إلى كل ممكن على حد سواء . | ولما كان تكرار مشاهدتهم ~~لمثل هذا الاقتدار لا يفيدهم علما بالله تعالى , دل على ذلك بقوله , لافتا ~~الكلام غلى سياق العظمة تنبيها على عظيم عفوه سبحانه مع تمام القدرة , ~~مؤكدا له غاية التأكيد , تنبيها على نه ليس من شأن العقلاء عدم الاستفادة ~~بالمواعظ , معبرا بأداة الشك , تنبيها على أن إنعامه أكثر من انتقامه , ~~مؤكدا بالقسم لإنكارهم الكفر : { ولئن أرسلنا } بعد وجود هذا الأثر الحسن { ~~ريحا } عقيما { فرأوه } أي الأثر , ويجوز أن يكون الضمير للريح من الععبير ~~بالسبب عن المسبب { مصفرا } قد ذبل واخذ في التلف من شدة يبس الريح إما ~~بالحر والبرد { لظلوا } أي لداموا وعزتنا لها يجددون الكفر أبدا وإن كان ( ~~ظل ) معناه : دام نهارا , وعبر بالماضي موضع المستقبل نحو ( ليظللن والله ) ~~تأكيدا لتحقيقه , ولعله عبر بالظلول لأن مدة النوم لا تجديد فيها للكفر , ~~ولذلك أتى فيها بحرف التبعيض حيث قال : { من بعده } أي بهد اصفراره { ~~يكفرون * } بيأسهم من روح الله وجحودهم لما أسلف إليهم من النعم بعد ما ~~تكرر من تعرفه سبحانه إليهم بالإحسان , بعد ما التقت حلقتا البطان , وكان ~~وكان فلا هم عند السراء بالرحمة شكروا , ولاعند الضراء بالنقمة صبروا , بل ~~لم يزيدوا هناك على الاستبشار , ولا نقصوا هنا شيئا من تجديد الكفر ~~والإصرار , فلم يزالوا لعدم استبصارهم على الحالة المذمومة , ولم يسبقوا في ~~إزاله النقم , ولا إنالة النعم , فكانوا أضل من النعم . | < < # | الروم : ( 52 - 55 ) فإنك لا تسمع . . . . . # > > ^ ( فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء إذا ولوا مدبرين * ومآ ~~أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون * الله ~~الذي خلقكم ms3802 من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ~~يخلق ما يشآء وهو العليم القدير * ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا ~~غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون ) ^ } ) | PageV05P640 ولما كان هذا كله من ~~حالهم في سرعة الحزن والفرح في حالتي الشدة والرخاء وإصرارهم على تجديد ~~الكفر دليلا على خفة أحلامهم , وسوء تدبرهم , فغنهم لا للآيات المرئية يعون ~~, ولا للمتلوة عليهم يسمعون , سبب عن ذلك التعريف بأن أمرهم ليس لأحد غيره ~~سبحانه وهو قد جعلهم أموات المعاني , فقال ممثلا لهم بثلاثة أصناف من الناس ~~, وأكده لأنهم ينكرون أن يكون حالهم كذلك والنبي صلى الله عليه وسلم شديد ~~السعي في إسماعهم والجهد في ذلك : { فإنك } أي استدامتهم لكفرهم هذا تارة ~~في الرخاء وتارة في الشدة وقوفا مع الأثر من غير نظر ما إلى المؤثر وأنت ~~تتلو عليهم آياته , وتنبههم على بدائع بيناته بسبب أنك { لا تسمع الموتى } ~~أي ليس في قدرتك إسماع الذين لا حياة لهم , فلا نظر ولا سمع , أو موتى ~~القلوب , إسماعا ينفعهم , لأنه مما اتص به سبحانه , وهؤلاء منهم من هم مثل ~~الأموات لأن الله تعالى قد ختم على مشاعرهم { ولا تسمع } أي أنت في قراءة ~~الجماعة غير ابن كثير { الصم } أي الذين لا يمع لهم اصلا , وذكر ابن كثير ~~الفعل من سمع ورفع الصم على أنه فاعل , فكان التقدير : فإن من مات أو مات ~~قلبه ولا يسمع ولا يسمع الصم { الدعاء } إذا دعوتهم , ثم لما كان الأصم قد ~~يحس بدعائك إذا كان مقبلا بحاسة بصره قال : { إذا ولوا } وذكر الفعل ولم ~~يقل : ولت , إشارة إلى قوة التولي لئلا يظن أنه أطلق على المجانبة مثلا ~~ولذا بنى من فاعله حالا هي قوله : { مدبرين * } . | ولما بدأ بفاقد حاسة ~~السمع لأنها أنفع من حيث إن الإنسان إنما يفارق غيره من البهائم بالكلام , ~~أتبعها حاسة البصر مشيرا بتقديم الضمير إلى أنه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يجتهد في هدايتهم اجتهاد من كأنه يفعله بنفسه تدريبا لغيره ms3803 في القتصاد ~~في الأمور فقال : { وما أنت بهاد العمي } اي بموحد لهم هداية وإن كانوا ~~يسمعون , هذا في قراءة الجماعة غير حمزة , وجعله حمزة فعلا مضارعا مسندا ~~إلى المخاطب من هدى , فالتقدير : وما أنت تجدد هداية العمي { عن ضلالتهم } ~~إذا ضلوا عن الطرق فأبعدوا وإن كان أدنى الضلال - بما أشار إليه التأنيث , ~~وإن أتعبت نفسك في نصيحتهم , فإنهم لا يسلكون السبيل إلا وايديهم في يدك ~~ومتى غفلت عنهم وأنت لست بقيوم رجعوا إلى ضلالهم , فالمنفي في هذه الجملة ~~في قراءة الجمهور ما تقضيه الاسمية من دوام الهداية مؤكدا , وقراءة حمزة ما ~~يقتضيه المضارع من التجدد وفي التي قبلها ما تقتضيه الفعليه المضارعة من ~~التجدد ما دام مشروطا بالإدبار , وفي الأولى تجدد السماع مطلقا فهي أبلغ ثم ~~التي بعدها , فممثول الصنف الأول من لا يقبل الخير بوجه ما مثل أبي جهل ~~وأبي بن خلف , والثاني من قد يقارب مقاربة ما مثل عتبة بن ربعة حين كان ~~يقول لهم : خلو بين هذا PageV05P641 الرجل وبين الناس , فإن أصابوه فهو ~~مااردتم وإلا فعزه عزكم , والثالث المنافقون , وعبر في الكل بالجمع لأنه ~~أنكأ - والله الموفق . | ولما كان ذلك كناية عن إيغالهم في الكفر , بينه ~~ببيان أن المراد موت القلب وصممه وعماه لا الحقيقي بقوله : { إن } أي ما { ~~تسسمع إلا من يؤمن } أي يجدد إيمانه مع الاستمرار مصدقا { بآياتنا } أي فيه ~~قابلية ذلك دائما , فهو يذعن للآيات المسوعة , ويعتبر بالآيات المصوعة , ~~وأشار بالإفراد في الشرط إلى أن لفت الواحد عن رأيه أقرب من لفته وهو مع ~~غيره , وأشار بالجمع في الجزاء إلى أن هذه الطريقة إن سلكت كثر التابع فقال ~~: { فهم } أي فتسبب عن قبولهم أنهم { مسلمون } أ منقادون للدليل غاية ~~الانقياد غير جامدين مع التقليد . | ولما دل سبحانه على قدرته على البعث ~~بوجوه من الدلالات , تارة في الأجسام , وتارة في القوى , وأكثر على ذلك في ~~هذه السورة من الحجج البينات , وختم لأنه لا يبصر هذه البراهين إلا من حسنت ~~طويته , فلانت للأدلة عريكته , وطارت في ms3804 فيافي المقادير بأجنحة العلوم ~~فكرته ورويته , وصل بذلك دليلا جامعا بين القدرة على الأعيان والمعاني ~~أبداء وإعادة , ولذلك لفت الكلام إلى الاسم الجامع ولفته إلى الخطاب ~~للتعميم والاستعطاف بالتشريف , فقال مؤكدا إشارة غلى أن ذلك دال على قدرته ~~على البعث ولا وهم ينكرونها , فكأنهم ينكرونه , فإنه لا انفكالط لأحدهما عن ~~الآخر : { الله } أي الجامع لصفات الكمال وحده . | ولما كان تعريف الموصول ~~ظاهرا غير ملبس , عبر به دون اسم الفاعل فقال { الذي خلقكم } أي من العدم . ~~| ولما كان محط حال الإنسان وما عليه أساسه وجبلته الضعف , وأضعف ما يكون ~~في أوله قال : { من ضعف } أي مطلق - بما اشارت غليه قراءة حمزة وعاصم بخلاف ~~عن حفص بفتح الضاد , وقوى بما أشارت إليه قراءة الباقين بالضم , أو من ~~الماء المهين إلى ما شاء الله من الأطوار , ثم ما شاء الله من سن الصبي . | ~~ولما كانت تقوية المعنى الضعيف مثا إحياء الجسد الميت قال : { ثم جعل } عن ~~سبب وتصيير بالتطوير في أطوار الخلق بمايقيمه من الأسباب , ولما كان ليس ~~المراد الاستغراق عبر بالجار فقال : { من بعد } ولما كان الضعف الذي تكون ~~عنه القوة غير الأول , أظهر ولم يضمر فقال : { ضعف قوة } بكبر العين والأثر ~~من حال الترعرع إلى القوة بالبلوغ إلى التمام في أحد وعشرين عاما , وهو ~~ابتداء سن الشباب إلى سن الاكتمال ببلوغ الأشد في اثنبن واريعين عاما فلو ~~لا تكرر مشاهدة ذلك لكان خرق العادة في إيجاده بعد عدمه مثل إعادة الشيخ ~~شابا بعد هرمه { ثم جعل من بعد قوة } في شباب PageV05P642 تقوى به القلوب , ~~وتحمى له الأنوف , وتشمخ من جرائه النفوس { ضعفا } ردا لما لكم إلى أصل ~~حالكم . | ولما كان بياض الشعر يكون غالبا من ضعف المزاج قال : { وشيبة } ~~وهي بياض في الشعر ناشىء من برد في المزاج ويبس يذبل بهما الجسم , وينقص ~~الهمة والعم , وذلك بالوقوف من الثالثة والأربعين , وهو أول سن الاكتهال ~~وبالأخذ في النقص بالفعل بعد الخمسين غلى ان يزيد النقص في الثالثة والستين ~~, وهو أول سن الشيخوخة ms3805 , ويقى الضعف إلى ما شاء الله تعالى . | ولما كانت ~~هذه هي العادة الغالبة وكان الناس متفاوتين فيها , وكان من الناس من يطعن ~~في السن وهو قوي , أنتج ذلك كله - ولا بد - التصرف بالاختيار مع شمول العلم ~~وتمام القدرة فقال : { يخلق ما يشاء } اي من هذا وغيره { وهو العليم } أي ~~البالغ العلم فهو يسبب ما أراد من الأسباب لما يريد إيجاده أو إعدامه { ~~القدير * } فلا يقدر أحد على إبطال شيء من أسبابهن فلذلك لا يتخلف شيء ~~اراده عن الوقت الذي يريده فيه أصلا , وقدم صفة العلم لاستتباعها للقدرة ~~التي المقام لها , فذكرها إذن تصريح بعد تلويح , وعبارة بعد إشارة . | ولما ~~ثبتت قدرته على البعث وغيره , عطف على قوله أول السورة { ويوم تقوم الساعن ~~يبلس المجرمون } أو على ما تقديره : فيوم يريد موتكم تموتون , لا تستأخرون ~~عن لحظة الأجل ولا تستقدومن , قوله : { ويوم تقوم الساعة } أي القيامة التي ~~هي إعادة الخلائق الذين كانوا بالتدريج في ألوف من السنين لا يعلم مقدارها ~~إلا الله تعالى في أقل من لمح البصر , ولذا سميت بالساعة إعلاما بيسرها ~~عليه سبحانه { يقسم المجرمون } أيالعريقون في الإجرام جريا منهم على ديدن ~~الجهل في الجزم بما لم يحيطوا به علما : { ما } أي أنهم ما { لبثوا } في ~~الدنيا والبرزخ { غير ساعة } أي قدر يسير من ليل أو نهار . | ولما كان هذا ~~أمرا معجبا لأنه كلام كذب بحيث يؤرث اشد الفضيحة والخزى في ذلك الجمع ~~الأعظم مع أنه غير مغن شيئا , استأنف قوله تنبيها على أنه الفاعل له : فلا ~~عجب { كذلك } اي مثل ذلك الصرف عن حقائق الأمور إلى شكوكها { كانوا } في ~~الدنيا كونا هو كالجبلة { يؤفكون * } أي يصرفون عن الصواب الذي منشأه تحري ~~الصدق والإذعان للحق غلى الباطل الذي منشأه تحري المغالبة بصرفنا لهم , ~~فإنه لا فرق في قدرتنا وعلمنا بين حياة وحياة , ودار ودار , ولعله بنى ~~الفعل للمجهول إشارة إلى سهولة انقيادهم إلى الباطل مع أي صارف كان . | ~~PageV05P643 < < # | الروم : ( 56 - 60 ) وقال الذين أوتوا . . . . . # > > ^ ( وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ms3806 لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم ~~البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون * فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا ~~معذرتهم ولا هم يستعتبون * ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن ~~جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون * كذلك يطبع الله على ~~قلوب الذين لا يعلمون * فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ~~) ^ } ) | ولما وصف الجاهلين , تبعه صفة العلماء فقال : { وقال الذين } ~~وعبر بقوله : { أوتوا العلم } تنبيها على شكر من آتاهموه , وبناه للمجهول ~~إشارة إلى تسهيل أخذه عليهم من الجليل والحقير , وأتبعه ما لا يشرق أنواره ~~ويبرز ثماره غيره , فقال : { والإيمان } إشارة إلى تفكرهم في جميع الآيات ~~الواضحة والغامضة مقسمين كما أقسم أولئك محققين مقالهم مواجهين للمجرمين ~~تكيتا توبيخا مؤكدين ما أنكر أولئك : { لقد لبثتم في كتاب الله } أي في ~~إخبار قضاء الذي له جميع الكمال الذي كتبه في كتابه الذي كان يخبر به ~~الدنيا { إلى يوم البعث } كما قال تعالى : ^ ( { ومن ورائهم برزخ إلى يوم ~~يبعثون } ) ^ [ المؤمنون : 100 ] وأما تعيين مدة اللبث فأخفاه عن عباده , ~~ولما أعلم القرآن أن غاية البرزخ البعث , وصدق في إخباره , سببوا عن ذلك ~~قوله : { فهذا } أي فتسبب ما كنا نقوله وتكذبوننا فيه , نقول لكم الآن حيث ~~لا تقدرون على تكذيب : هذا { يوم البعث } اي الذي آمنا به وكنتم تنكرونه , ~~قد كان طبق ما كنا نقوله لكم , فقد تبين بطلان قولكم , وكنتم تدعون الخلاص ~~فيه بأنواع من التكذيب قصدا للمغالبة , فما كنتم صانعين عند حضوره فاصنعوه ~~الآن , تنبيها لهم على أنه لا فائدة في تحرير مقدار اللبث في الدنيا ولا في ~~البرزخ , وإنما الفائدة في التصديق بما أخبر به الكتاب حيث كان التصديق ~~نافعا . | ولما كان التقدير : قد أتى كما كنا به عالمين , فلو كان لكم نوع ~~من العلم لصدقتمونا في إخبارنا به فنفعكم ذلك الآن , عطف عليه قوله : { ~~ولكنكم كنتم } اي كونا هو كالجبلة لكم في إنكاركم له { لا تعلمون * } اي ~~ليس لكم علم أصلا , لتفريطكم ms3807 في طلب العلم من أبوابه , والتوصل إليه ~~بأسبابه , فلذلك كذبتم به فاستوجبتم جزاء ذلك اليوم . | ولما كان قوله ~~تعالى : { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات } [ النساء : 173 ] في أشكالها ~~من الآيات دالا على أن هذه الدنيا دار العمل , وأن دار الآخرة الجزاء , وأن ~~البرزخ هو حائل بينهما , فلا يكون في واحدة منهما ما للأخرى , سبب عن ذلك ~~قوله : { فيومئذ } أي إذ تقوم الساعة , وتقع هذه المقاولة { لا ينفع } أي ~~نفعا ما { الذين ظلموا } اي وضعوا المور في غير مواضعها { معذرتهم } وهي ما ~~تثبت عذرهم , وهو PageV05P644 إيساغ الحلية فيي وجه يزيل ما ظهر من التقصير ~~لأنهم لا عذر لهم وإن بالغوا في إثباته , والعبارة شديدة جدا من حيث كانت ~~تعطي أن من وقع منه ظلم ما يوما ما كان هذا حاله , وهي تدل على أنه تكون ~~منهم معاذير , وترقق كثير , وتذلل كبير , فلا يقبل منه شيء - هذا على قراءة ~~الجماعةيتأنيث الفعل وهي أبلغ من قراءة الكوفيين للعصاة من المؤمنين , فإن ~~منهم من ينفعه الاعتذار فيعفى عنه , ويشهد لهذا ما ورد في آخر أهل النار ~~خروجا منها أنه يسأل في صرف وجهه عنها ويعاهد ربه سبحنه أنه لا يسأله غير ~~ذلك , فإذا صرفه عن ذلك رأى شجرة عظيمة فيسأل أنيقدمه غلى ظلها فيقول الله ~~: ألست أعطيت العهود والمواثيق أن لا تسال ؟ فيقولك بلى ! يارب ! ولكن لا ~~أكون أشق منه أن يزيل العتب لأن ذلك لا يمكن إلا بالعمل , وقد فات محله , ~~فأتت المغفرة من وراء ذلك كله . | ولما كان العتاب من سنة الأحباب قال : { ~~ولا هم } أي والذين وضعوا الأشياء في غير مواضعها { يستعتبون * } أي يطلب ~~منهم ظاهرا أوباطنا بتلويح أو تصريح أن يزيلوا ما وقعوا فيه مما يوجب العتب ~~, وهو الموجدة عن تقصير يقع فيه المعتوب , لأن ذلك لا يكون إلا بالطاعة وقد ~~فات محلها بكشف الغطاء لفواتالدار التي تنفع فيها الطاعات لكونها إيمانا ~~بالغيب , والعبارة تدل على أن المؤمنين يعاتبون عتابا يلذذهم . | ولما ~~أبانت هذه السورة طرق الإيمان اي بيان , وألقت ms3808 على وجوه أهل الطغيان غاية ~~الخزي والهوان , وكان التقدير : لقد أتينا في هذه السورة خاصة بعد عموم ما ~~في سائر القرآن بكل حجة لا تقوم لها الأمثال , ولم نبق لأحد عذرا ولا شيئا ~~من إشكال , لكونها ليس لها في وضوحها مثال , عطف عليه قوله صارفا الكلام ~~إلى مقام العظمة تقبيحا لمخافتهم لما يأتي من قبله وترهيبا من الأخذ مؤكدا ~~لأنهم ينكرون أن يكون في القرآن دلالة , ومن أقر منهم مع الكفر فكفره قائم ~~مقام إنكاره : { ولقد ضربنا } . | PageV05P645 ولما كانت العناية فيها ~~بالناس أكثر , قال : { للناس } فقدمهم في الذكؤ { في هذا القرآن } أي عامة ~~هذه السورة وغيرها { من كل مثل } أي معنى غريب هو أوضح وأثبت من أعلام ~~الجبال , في عبارة هي ارشق من سائر الأمثال . | ولما كان المختوم على ~~مشاعرهم منهم لا يؤمنون بشيء . | وكان ذلك من أدل دليل على علمه تعالى ~~وقدرته , قال مقسما تكذيبا لقولهم في الاقتراحات خاصا من أهل العلم ~~والإيمان رأسهم , دلالة على أن التصرف في القلوب من العظم بمكانة تجل عن ~~الوصف , معبرا بالشرط إعلاما بأنه سبحانه لا يجب عليه شيء , عاطفا على نحو ~~: فلم ينفعهم شيء من ذلك : { ولئن جئتهم } أي الناس عامة { بآية } اي دلالة ~~واضحة على صدقك معجزة , غير ما جئتهم به مما اقترحوه ووعدوا الإيمان به ~~مرئية كانت أو مسموعة { ليقولن الذين كفروا } اي حكمنا بكفرهم غلظة وجفاء , ~~ودل على فرط عنادهم بقوله : { إن } أي ما ولما كان التخصيص بالغلظة أشد على ~~النفس , ضم إليه اتباعه تسلية وبيانا لعظيم شقاقهم فقال : { أنتم } اي ايها ~~الآتي بالآية وأتباعه { إلا مبطلون * } أي من أهل العارافة في الباطل ~~بالإتيان بما لا حقيقة له ي صورة ما له حقيقة , وأما الذين آمنوا فيقولون : ~~نحن بهذه الآية مؤمنون . | ولما كان من أعجب العجب أن من يدعي العقل يصر ~~على التكذيب بالحق , ولا يصغي لدليل , ولا يهتدي لسبيل , قال مستأنفا في ~~جواب من ساله : هل يكون مثل هذا الطبع ؟ ومرغبا في العلم : { كذلك } أي مثل ~~هذا الطبع ms3809 العظيم جدا , ولما كان كون الشيء الواحد لناس هداية ولناس ضلالة ~~جامعا إلى العظمة تمام العلم والحكمة , صرف الخطاب عنها إلى الاسم الأعظم ~~الجامع فقال : { يطبع الله } أي الذي لا كفوء له , فمهما أراد كان , عادة ~~مستمرة , ونبه على كثرة المطبوع عليهم بجمع الكثرة فقال : { على قلوب الذين ~~لا يعلمون * } أي لا يجددون - أي لعدم القابلية - العلم بأن لا يطلبوا علم ~~ما يجهلونه مما حققه هذا الكتاب من علوم الدنيا والآخرة رضى منهم بما عندهم ~~من جهالات سموها دلالات , وضلالات ظنوها هدايات وكمالات . | ولما كان هذا ~~مذكرا بعظيم قدرته بعد الإياس من إيمانهم , سبب عنه قوله : { فاصبر } أي ~~على إنذارهم مع هذا الجفاء والرد بالباطل والأذى , فإن الكل فعلنا لم يخرج ~~منه شيء عن إرادتنا . | ولما كان قد تقدم غليه بأنه لا بد أن يظهر أمره على ~~كل أمر , علله بقوله مؤكدا لأن إنفاذ مثل ذلك في محل الإنكار لعظم ~~المخالفين وكثرتهم مظهرا غير مضمر لئلا يظن التقييد بحيثية الطبع : { إن ~~وعد الله } أي الذي له الكمال كله في كل ما وعدك به PageV05P646 الذي منه ~~نصرك وإظهار دينك على الدين كله ونصر من قارب اتباعك في التمسك بكتاب من ~~كتب الله وإن كان قد نسخ على من لا كتاب له { حق } اي ثابت جدا يطابقه ~~الواقع كما يكشف عنه الزمان , وتأتي به مطايا الحدثان . | ولما كان التقدير ~~: فلا تعجل , عطف عليه قوله : { ولا يستخفنك } اي يحملنك على الخفة ويطلب ~~أن تخف باستعجال النصر خوفا من عواقب تأخيره أو بتفتيرك عن التبليغ , بل كن ~~بعيدا منهم بالغلظة والجفاء والصدع بمر الحق من غير محاباة ما , بعدا لا ~~يطمعون معه أن يحتالوا في خفتك في ذلك بنوع احتيال , وقراءة ( يستحقنك ) من ~~الحق معناها : أي لا يطلب منك الحق الذي هوالفصل العدل بينك وبينهم اي لا ~~تطلبه أنت , فهو مثل : لا أرينك ههنا تنهى نفسك وأنت تريد نهيه عن الكون ~~بحيث تراه , والنهي في قراءة الجماعة بالثقيلة أشد منه في رواية روسي عن ms3810 ~~يعقوب بالخفيفة , فقراءة الجماعةة مصوبة إلى أصل الدين , اي لا تفعل معهم ~~فعلا يطمعهم في أن تميل إليهم فيه , وقراءة رويس إلى نحو الأموال فإنه كان ~~يتألفهم بالإيثار بها , ولا شك أنه إذا آثرهم على أكابر المسلمين أطمعهم ~~ذلك في أن يطلبوا أن يميل معهم , وما أفاد هذا إلا تحويل النهي , ولو قيل : ~~لا تخفن معهم , لم يفد ذلك , ولا يقال عكس هذا من أن النهي في الثقيلة أخف ~~لأنه نهي عن الفعل المؤكد فيبقى أصل الفعل . | وكذا ما صحبه تأكيد خفيف , ~~وفي الخفيفة غير المؤكد تأكيدا خفيفا فلا يقى غير أصل الفعل فهو أبلغ , لأن ~~النون لم تدخل إلا بعد دخول الناهي فلم تفد غلا قوة النهي لا قوة المنهي ~~عنه - والله أعلم . | { الذي لا يوقنون } أي أذى الذين لا يصدقون بوعدنا ~~تصديقا ثابتا في القلب بل هم إما شاكون فأدنى شيء يزلزلهم كمن يعبد الله ~~على حرف , أو مكذبون بنصر الله لأوليائه المؤمنين ولمن قاربهم في التمسك ~~بكتاب أصله صحيح , فهم يبالغون في العداوة والتكذيب ختى أنهم ليخاطرون ي ~~وعد الله بنصر الروم على فارس , كأنهم على ثقة وبصيرة من أمرهم في أن ذلك ~~لا يكون , فإذا صدق الله وعده في ذلك بإظهار عن قريب علموتا كذبهم عيانا , ~~وعلموا - إن كان لهم علم - أن الوعد بالساعة لإقامة العدل على الظالم ~~والعود بالفضل على المحسن كذلك يأتي وهو صاغرون , ويحشرون وهو داخرون , < # > 77 ( { وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } ) 77 < # > [ الشعراء : 227 ] , فقد انعطف آخرها على أولها عطف الحبيب على الحبيب ~~, واتصل به اتصال القريب بالقريب , والتحم التحام النسيب بالنسيب . | . . | ~~PageV05P647 < # > سورة لقمان < # > مقصودها إثبات الحكمة للكتاب اللازم منه حكمة منولة سبحانه في أقواله ~~وأفعاله ، وقصة لقمان المسمى به السورة دليل واضح على ذلك كأنه سبحانه لما ~~أكمل ما أ { اد من أول القرآن إلى آخره براءة الني هي سورة عزو الروم ، ~~وكان سبحانه قد ابتدأ القرآن أم القرآن بنفي الريب عن هذا الكتاب ، وأنه ~~هدى للمتقين ، واستدل على ذلك ms3811 فيما تبعها من السور ، ثن ابتدأ سورة يونس ~~بعد سورة عزو الروم بإثبات حكمته ، وأتبع ذلك دليله إلى أن ختم سورة الروم ~~، ابتدأ دورا جديدا على وجه أضخم من الأول ، فوصفه في أول هذه التالية ~~للروم بما وصفه به في يونس التالية لغزو الروم ، وذلك الوصف هو الحكمة وزاد ~~أنه هدى وهداية للمحسنين ، فهؤلاء أصحاب النهايات ، والمتقون أصحاب ~~البدايات . < < # | لقمان : ( 1 - 4 ) الم # > > ^ ( الم * تلك آيات الكتاب الحكيم * هدى ورحمة للمحسنين * الذين ~~يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون ) ^ } ) | ولما أثبت في ~~آل عمران أنه أنزل بالحق , أثبتت في السجدة تنزيله ونفي الريب عن أنه من ~~عنده , وأثبت أنه الحق , واستمر فيما بعد هذا من السور مناظرا في الأغلب ~~لما مضى كما يعرف ذلك بالإمعان في التذكر والتأمل والتدبر : { بسم الله } ~~الذي وسع رحمه وعلما { الرحمن } الذي بث بعموم حكمته شامل نعمته في سائر ~~بريته { الرحيم } الذي أنار لخاصته طريق جنته , فداموا وهاموا في محبته . | ~~لما ختمت الروم بالحث على العلم , وهو ما تضمنته هذا الكتاب العظيم , ~~والأمر بالصبر والتمسك بما فيه من وعد , والنهي عن الإطماع لأهل الاستخفاف ~~في المقاربة لهم في شيء من الأوصاف , وكان ذلك هو الحكمة , قال أول هذه : { ~~آلم } مشيرا بها إلى أن الله الملك الأعلى القيوم أرسل - لأنه ظاهر مع أن ~~الباطن - جبرائيل عليه السلام PageV06P003 إلى محمد عليه الصلاة والسلام ~~بوحي ناطق من الحكم والأحكام بما لم ينطق به من قبله إمام , ولا يلحقه في ~~ذلك شيء مدى الأيام , فهو المبدأ وهو الختام , وإلى ذلك أو ما تعبيره بإداة ~~البعد في قوله : { تلك } أي الآيات التي هي من العلو والعظمة بمكان لا ~~يناله إلا من جاهد نفسه حتى هذبها بالتخلي عن جميع الرذائل , والتحلي بسائر ~~الفضائل { آيات الكتاب } الجامع لجميع أنواع الخير { الحكيم } بوضع الأشياء ~~في حواق مراتبها فلا يستطاع نفض شيء من إبرامه , ولا معارضة شيء ومن كلامه ~~, الدال ذلك على تمام علم منزله وخبرته , وشمول عظمته وقدرته , ودقيق ~~صنائعه في بديع ms3812 حكمته , فلا بد من نصر المؤمنين ومن داناهم في التمسك بكتاب ~~له أصل من عند الله . | وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير : لما تكرر الأمر ~~بالاعتبار والحض عليه والتنبيه بعجائب المخلوقات في سورة الروم كقوله ~~سبحانه : < # > 77 ( { أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما ~~إلا بالحق } ) 77 < # > [ الروم : 8 ] وقوله : < # > 77 ( { أو لم يسيروا في الأرض } ) 77 < # > وقوله : < # > 77 ( { الله يبدؤا الخلق ثم يعيده } ) 77 < # > وقوله : < # > 77 ( { يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي } ) 77 < # > إلى قوله : < # > 77 ( { كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون } ) 77 < # > [ الروم : 28 ] وهي عشر آيات تحملت من جليل الاعتبار والتنبيه ما لا ~~يبقى معه شبهة ولا توقف لمن وفق إلى ما بعد هذا من آيات التنبيه وبسط ~~الدلائل وذكر ما فطر عليه العباد وضرب الأمثال الموضحة سواء السبيل لمن عقل ~~معانيها وتدبر حكمها إلى قوله : < # > 77 ( { ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل } ) 77 < # > [ الروم : 58 ] وهي إشارة إلى ما أودع الله كتابه المبين من مختلف ~~الأمثال وشتى العظات وما تحملت هذه السورة من ذلك , أتبع سبحانه ذلك بقوله ~~الحق : { آلم تلك آيات الكتاب الحكيم } أي دلائله وبراهينه لمن وفق وسبقت ~~له الحسنى وهو المحسنون الذين ذكرهم بعد , ووصف الكتاب بالحكيم يشهد لما ~~مهدناه , ثم أشار سبحانه إلى من حرم منفعته والاعتبار به , واستبدل الضلالة ~~بالهدى , وتنكب عن سنن فطرة الله التي فطر الناس عليها فقال : ( ومن الناس ~~من يشتري لهو الحديث ) - الآيات , ثم أتبع ذلك بما يبكت كل معاند , ويقطع ~~بكل جاحد , فذكر خلق السماوات بغير عمد مرئية مشاهدة لا يمكن في أمرها ~~امتراء , ثم ذكر خلق الأرض وما أودع فيها , ثم قال سبحانه { هذا خلق الله ~~فأروني ماذا خلق الذين من دونه } ثم اتبع ذلك بذكر من هداه سبيل الفطرة فلم ~~تزغ به الشبه ولا تنكب سواء السبيل فقال : ( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) - ~~الآية , لتأسيس من اتبع فطرة الله التي تقدم ذكرها في سورة الروم , ثم ms3813 ~~تناسق الكلام وتناسج - انتهى . | ولما كان الإحسان ما دعت إليه سورة الروم ~~من الإيمان بلقاء الله , منزها عن PageV06P004 شوائب النقص , موصوفا بأوصاف ~~الكمال , معبودا بما شرعه على وجه الإخلاص , والانقياد مع الدليل كيفما ~~توجه , والدوران معه كيفما دار , وكان ذلك هو عين الحكمة , قال تعالى : { ~~هدى } أي حال كونها أو كونه بيانا متقنا { ورحمة } أي حاملا على القيام بكل ~~وما دعا إليه , والتقدير على قراءة حمزة بالرفع : هي أو هو , وقال : { ~~للمحسنين } إشارة إلى أن رمن حكمته أنه خاص في هذا الكمال وضعا للشيء في ~~محله بهذا الصنف , وهم الذين لزموا التقوى فأدتهم إلى الإحسان , وهو عبادته ~~تعالى على المكاشفة والمراقبة فهي له أو هو لها آخر , ثم وصفهم في سياق ~~الرحمة والحكمة والبيان بالعدل بيانا لهم بما دعت إليه السورة الروم من ~~كمال الإحسان , وهو عابدته تعالى على المكاشفة والمراقبة فهي له أو هو لها ~~آخر , ثم وصفهم في سياق الرحمة والحكمة والبيان بالعدل بيانا لهم بما دعت ~~إليه سورة الروم من كمال الإحسان في معاملة الحق والخلق اعتقادا وعملا فقال ~~: { الذين يقيمون الصلاة } أي يجعلونها كأنها قائمة بفعلها بسبب إتقان جميع ~~ما آمر بعد فيها وندب إليه , وتوقفت بوجه عليه , على سبيل التجديد في ~~الأوقات المناسبة لها والاستمرار , ولم يدع غلى التعبير بالوصف كالمقيمين ~~داع ليدل على الرسوخ لأن المحسن هو الراسخ في الدين رسوخا جعله كأنه يرى ~~المعبود ودخل فيها الحج لأنه لا يعظم البيت في كل يوم خمس رات إلا معظم له ~~بالحج فعلا أو قوة { ويؤتون الزكاة } أي كلها فدخل فيها الصوم لأنه لا يؤدي ~~زكاة الفطر إلا من صامه قوة أو فعلا ولما كان الإيمان أساس هذه الأركان , ~~وكان الإيمان بالبعث جامعا لجميع انواعه , وحاملا على سائر وجوه الإحسان , ~~وكان قد ختم الروم بالإعراض أصلا عمن ليس فيه أهلية الإيقان , قال : { وهم ~~} أي خاصة لكمالهم فيما دخلوا فيه من هذه المعاني { بالآخرة } التي تقدم أن ~~المجرمين عنها غافلون { هم يوقنون } أي مؤمنون بها إيمان ms3814 موقن فهم لا يفعل ~~شيئا الإيمان بها , ولا يغفل عنها طرفة عين , فهو في الذروة العليا من ذلك ~~, فهو يعبد الله كأنه يراه , فآية البقرة بداية . | وهذه نهاية . | < < # | لقمان : ( 5 - 10 ) أولئك على هدى . . . . . # > > ^ ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون * ومن الناس من يشتري ~~لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين * ~~وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره ~~بعذاب أليم * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم * خالدين ~~فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم * خلق السماوات بغير عمد ترونها وألقى ~~في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دآبة وأنزلنا من السمآء مآء ~~فأنبتنا فيها من كل زوج كريم ) ^ } ) | ولما كانت هذه الخلال أمهات الأفعال ~~, الموجبة للكمال , وكانت مساوية من وجه لآية البقرة ختمها بختامها , بعد ~~أن زمها بزمامها , فقال : { أولئك } أي العالوا الرتبة PageV06P005 ~~الحائزون ن منازل القربة أعظم رتبة { على هدى } أي عظيم هم متمكنون منه ~~تمكن المستعلي على الشيء , وقال : { من ربهم } تذكيرا لهم بأنه لو لا ~~إحسانه ما وصلوا ألى شيء . | ليلزموا تمزيع الجباه على الأعتاب , خوفا من ~~الإعجاب { وأولئك هم } أي خاصة { المفلحون } أي الظافرون بكل مراد . | ولما ~~كان فطم النفس عن الشهوات . | أعظم هدى قائد إلى حصول المرادات , وكان ~~اتباعها الشهوات أعظم قاطع عن الكمالات , وكان في ختام الروم أن من وقف مع ~~الموهومات عن طلب المعلومات مطبوع على قلبه , وكان ما دعا إليه الكتاب هو ~~الحكمة التي نتيجتها الفوز , وما دعا إليه اللهو هو السفه المضاد للحكمة , ~~بوضع الأشياء في غير مواضعها , المثمر للعطب , قال تعالى معجبا ممن يترك ~~الجد إلى اللهو , ويعدل عن جوهر العلم إلى صدق السهو , عاطفا على ما تقديره ~~: فمن الناس من يتحلى بهذا الحال فيرقى إلى حلبة أهل الكمال : { ومن } ~~ويمكن أن يكون حالا من فاعل الإشارة . | أي أشير إلى آيات الكتاب الحكيم ~~حال كونه هدى لمن ذكر والحال ms3815 أن من { الناس } الذين هم في أدنى رتبة ~~الإحساس , لم يصلوا إلى رتبة أهل الإيمان , فضلا عن مقام أولي الإحسان . | ~~ولما كان التقدير : من يسير بغير هذا السير , فيقطع نفسه عن كل خير , عبر ~~عنه بقوله : { من يشتري } أي غير مهتد بالكتاب ولا مرحوم به { لهو الحديث } ~~أي ما يلهي من الأشياء المتجددة التي تستلذ فيقطع بها الزمان من الغناء ~~والمضحكات وكل شيء لا اعتبار فيه , فيوصل النفس بما أوصلها إليه من اللذة ~~إلى مجرد الطبع البهيمي فيدعوها إلى العبث من اللعب كالرقص ونحوه مجتهدا في ~~ذلك معملا الخيل في تحصيله باشتراء سببه , معرضا عن اقتناص العلوم وتهذيب ~~النفس بها عن العموم والغموم , فينزل إلى أسفل سافلين كما علا الذي قبله ~~بالحكمة إلى أعلى عليين - قال ابن عباس رضي الله عنهما : نزلت في رجل اشترى ~~جارية تغنيه ليلا ونهارا , وقال مجاهد : في شرى القيان والمغنين والمغنيات ~~, وقال ابن مسعود : اللهو الغناء , وكذا قال ابن عباس وغيره . | ولما كان ~~من المعلوم أن عاقبة هذه الملاهي الضلال , بانهماك النفس في ذلك , لمل طبعت ~~عليه من الشهوة لمطلق البطالة , فكيف مع ما يثير ذلك ويدعو إليه من اللذاذة ~~, PageV06P006 فتصير أسيرة الغفلة عن الذكر , وقبيلة الإعراض عن الفكر , ~~وكان المخاطب بهذا الكتاب قوما يدعون العقول الفائقة , والأذهان الصافية ~~الرائقة قال تعالى : { ليضل } من الضلال والإضلال على القراءتين , ضد ما ~~كان عليه المحسنون من الهدى { عن سبيل الله } أي الطريق الواضح الواسع ~~الموصل إلى رضى الملك الأعلى المستجمع لصفات الكمال والجلال والجمال التي ~~هم مقرون بكثير منها , منبها لهم على أن هذا مضل عن السبيل ولا بد , وأن ~~ذلك بحيث لا يخفى عليهم , فإن كان مقصودا لهم فهو ما لا يقصده من له عداد ~~البشر , وإلا كانوا من الغفلة سوء النظر وعمى البصيرة بمنزلة هي دون ذلك ~~بمراحل . | ولما كان المراد : من قصد الضلال عن الشيء , ترك ذلك الشيء , ~~وكان العاقل لا يقدم على ترك شيء إلا وهو عالم بأنه لا خير فيه قال : { ~~بغير ms3816 علم } ونكره ليفيد السلب العام لكل نوع من أنواع العلم , أي لأنهم لا ~~علم لهم بشيء من حال السبيل ولا حال غيرها , علما يستحق إطلاق العلم عليه ~~بكونه يفيد ربحا أو يبقى على رأس مال من دين أو دنيا , فإن هذا حال من ~~استبدل الباطل بالحق والضلال بالهدى . | ولما كان المستهزئ بالشيء المحتقر ~~له لا يتمكن من ذلك إلا بعد الخبرة التامة بحال ذلك الشيء وأنه لا يصلح ~~لصالحه ولا يروج له حال بحال قال معجبا تعجيبا آخر أشد من الأول بالنصب ~~عطفا على ( يضل ) في قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم , وبالرفع للباقين ~~عطفا على { يشتري } : { ويتخذها } أي يكلف نفسه ضد ما تدعوه إليه فطرته ~~الأولى أن يأخذ السبيل التي لا أشرف منها مع ما ثبت له من الجهل الطلق { ~~هزوا } . | ولما أنتج له هذا الفعل الشقاء الدائم . | بينه بقوله , جامعا ~~حملا على معنى ( من ) بعد أن أفراد حملا على لفظها , لأن الجمع في مقام ~~الجزاء أهول , والتعجيب من الواحد أبلغ { أولئك } أي الأغبياء البعيدون عن ~~رتبة الإنسان , وتهكم بهم التعبير باللام الموضوعة لما يلائم فقال : { لهم ~~عذاب مهين } أي يثبت لهم الخزي الدائم ضد ما كان للمحسنين من الرحمة . | ~~ولما كان الإنسان قد يكون غافلا , فإذا انتبه , دل سبحانه على أن هذا ~~الإنسان المنهمك في أسباب الخسران لا يزداد على مر الزمان إلا مفاجأة لكل ~~ما يرد عليه من البيان بالبغي والطغيان , فقال مفردا للضمير حملا على اللفظ ~~أيضا لئلا يتعلق متمحل بأن المذموم إنما هو الجمع صارفا الكلام إلى مظهر ~~العظمة لما اقتضاه الحال من الترهيب : { وإذا تتلى عليه آياتنا } أي يتجدد ~~عليه تلاوة ذلك مع ما له من العظمة من أي تال كان PageV06P007 وإن عظم { ~~ولى } أي بعد السماع , مطلق التولي سواء كان على حالة المجانية أو مدبرا { ~~مستكبرا } أي حال كونه طالبا موجدا له بالإعراض عن الطاعة تصديقا لقولنا ~~آخر تلك < # > 77 ( { ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون } ) 77 ~~< # > [ الروم : 58 ms3817 ] . | ولما كان السامع لآياته سبحانه جديرا بأن تكسبه رقة ~~وتواضعا , قال تعالى دالا على أن هذا الشقي كان حاله عند سماعه وبعده كما ~~كان قبل : { كأن } أي كأنه , أي مشبها حالة بعد السماع حاله حين { لم ~~يسمعها } فدل ذلك على أنه لم يزل على حالة الكبر لآنه شبه حاله مع السماع ~~بحاله مع عدم السماع , وقد بين أن حاله مع السماع الاستكبار فكان حاله قبل ~~السماع كذلك . | ولما كان من لم يسمع الشيء قد يكون قابلا للسمع , فإذا كلم ~~من قد جرت العادة بأن يسمع منه سمع , بين أن حال هذا كما كان مساويا لما ~~قبل التلاوة فهو مساو لما بعدها , لأن سمعه مشابه لمن به صم , فالمضارع في ~~( يتلى ) مفهم لأن الحال في الاستقبال كهي في الحال فقال تعالى : { كأن في ~~أذنيه وقرا } أي صمما يستوي معه تكليم غيره له وسكوته . | ولما تسبب عن ذلك ~~استحقاقه لما يزيل نخوته وكبره وعظمته , وكان استمرار الألم أعظم كاسر لذوي ~~الشمم , وكان من طبع الإنسان الاهتزاز لوعد الإحسان كائنا من كان نوه ~~اهتزاز قال : { فبشره } فلما كان جديرا بأن يقبل - لا يولي لظنه البشري - ~~على مرة حتى يظن أو يكاد يقطع بأن المعاصي سبب لذلك وأنه - لما كان عند ~~الله من عظيم المنزلة - لا يكره منه عمل من الأعمال , قرعة بقوله : { بعذاب ~~} أي عقاب مستمر { أليم * } . | ولما كانت معرفة ما لأحد الجزءين باعثة على ~~السؤال عما للحزب الآخر , وكانت إجابة السؤال عن ذلك من أتم الحكمة , ~~استأنف تعالى قوله مؤكدا لأجل إنكار الكفرة : { إن الذين آمنوا } أو اوجدوا ~~الإيمان { وعملوا } أي تصديقا له { الصالحات } وضعا للشيء في محله عملا ~~بالحكمة { لهم جنات } أي بساتين { النعيم } فأفاد سبحانه بإضافتها إليه أنه ~~لا كدر فيها أصلا ولا شيء غير النعيم . | ولما كان ذلك قد لا يكون دائما . ~~| وكان لا سرور بشيء منقطع قال : { خالدين فيها } أي دائما . | ولما كانت ~~الثقة بالوعد على قدر الثقة بالواعد , وكان إنجاز الوعد من الحكمة , قال ~~مؤكدا لمضمون الوعد ms3818 بالجنات : { وعد الله } الذي لا شيء أجل منه ؛ فلا وعد ~~PageV06P008 أصدق من وعده , ثم أكده بقوله : { حقا } أي ثابتا ثباتا لا شيء ~~مثله , لأنه وعد من لا شيء مثله ولا كفوء له . | ولما كان النفس الغريب ~~جديرا بالتأكيد , أتى بصفتين مما أفهمه الإيتان بالجلالة تصريحا بهما ~~تأكيدا لأن هذا لا بد منه فقال : { وهو } أي وعد بذلك والحال أنه { العزيز ~~} فلا يغلبه شيء { الحكيم * } أي المحكم لما يقوله ويفعله , فلا يستطاع ~~نقضه ولا نقصه . | ولما ختم بصفتي العزة - وهي غاية القدرة - والحكمة - وهي ~~ثمرة العلم - دل عليها باتقان أفعاله وإحكامها فقال : { خلق السموات } أي ~~على علوها وكبرها وضخامتها { بغير عمد } وقوله : { ترونها } دال على الحكمة ~~, إن قلنا إنه صفة لعمد أو استئناف , إما أن قلنا بالثاني فلكون مثل هذا ~~الخلق الكبير الواسع يحمل بمحض القدرة , وإن قلنا بالأول فتركيب مثله على ~~عمد تكون في العادة حاملة له وهي مع ذلك بحيث لا ترى ادخل في الحكمة وأدق ~~في اللطافة والعظمة , لأنه يحتاج إلى عملين : تخفيف الكثيف وتقوية اللطيف . ~~| ولما ذكر العمد المقلة , اتبعه الأوتاد المقرة فقال : { وألقى في الأرض } ~~أي التي أنتم عليها , جبالا { رواسي } والعجب من فوقها وجميع الرواسي التي ~~تعرفونها تكون من تحت , تثبتها عن { أن تميد } أي تتمايل مضطربة { بكم } ~~كما هو شأن ما على ظهر الماء . | ولا ذكر إيجادها وإصلاحها للاستقرار . | ~~ذكر ما خلقت له من الحيوان فقال : { وبث فيها } أي فرق { من كل دابة } ولما ~~ذكر ما يعيش به , فقال منبها لمظهر العظمة على أن ذلك وإن كان لهم في بعضه ~~تسبب لا يقدر عليه إلا هو سبحانه : { وأنزلنا } أي بما لنا من العزة ~~اللازمة للقدرة , وقدم ما لا قدرة لمخلوق عليه بوجه فقال : { من السماء ماء ~~} ولما تسبب عن ذلك تدبير الأقوات , وكان من آثار الحكمة التابعة للعمل , ~~دل عليه بقوله : { فأنبتنا } أي بما لنا من العلو في الحكمة { فيها } أي ~~الأرض بخلط الماء بترابها { من كل زوج } أي صنف من النبات متشابه { كريم ms3819 * ~~} بما له من البهجة والنضرة الجالبة للسرور والمنفعة والكثرة الحافظة لتلك ~~الدواب | < < # | لقمان : ( 11 - 12 ) هذا خلق الله . . . . . # > > ^ ( هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال ~~مبين * ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن ~~كفر فإن الله غني حميد ) ^ } ) | PageV06P009 ولما ثبت بهذا الخلق العظيم ~~على هذا الوجه المحكم عزته وحكمته , ثبتت ألوهيته فألزمهم وجوب توحيده في ~~العبادة كما توحد بالخلق , لأن ذلك عين الحكمة , كما كان خلقه لهذا الخلق ~~على هذا النظام ليدل عليه سبحانه سر الحكمة , فقال ملقنا للمحسنين من حزبه ~~ما ينبهون به المخالفين موبخا لهم مقبحا لحالهم في عدو لهم عنه مع علمهم ~~بما له من التفرد بهذه الصنائع : { هذا } أي الذي تشاهدونه كله { خلق الله ~~} أي الذي له جميع العظمة فلا كفوء له . | ولما كان العاقل بل وغيره لا ~~ينقاد لشيء إلا أن رأى له فعلا يوجب الانقياد له , نبه على ذلك بقوله جوابا ~~لما تقديره : فإن ادعيتم لما دونه مما عبدتموه من دونه خلقا عبدتموه لأجله ~~: { فأروني ماذا خلق الذين } زاد اسم الإشارة زيادة في التقريع بتأكيد ~~النفي المقصود من الكلام , ونبه على سفول رتبتهم بقوله مضمرا لأنه ليس فيما ~~أسند إلى الاسم الأعظم حيثية يخشى من التقييد بها نقص : { من دونه } فسأله ~~في رؤية ما خلقوا غبنه أحد أصلا بأن انقدتم لما لا ينقاد له حيوان فضلا عن ~~إنسان بكونه لا فعل له أصلا , فكان من حقكم - إن كانت لكم عقول - أن تبحثوا ~~اولا هل لهم أفعال أم لا ؟ ثم إذا ثبت فهل هي محكمة أم لا , ثم إذا ثبت فهل ~~مشاركهم غيرهم أم لا , وإذا ثبت أن لهم افعالا ترجونهم بها تخشونهم , فهذا ~~ما لا يتصوره حيوان أصلا , ولذلك قال تعالى : { بل } منبها على أن الجواب : ~~ليس لهم خلق , بل عبدتهم أو أنتم في جعلهم شركاء , هكذا كان الأصل , ولكنه ~~قال : { الظالمون } أي العريقون في الظلم , تعميما وتنبيها على الوصف الذي ~~أوجب ms3820 لهم كونهم { في ظلال } عظيم جدا محيط بهم { مبين } أي في غاية الوضوح ~~, وهو كونهم يضعون الأشياء عنهم بجبال الهوى فلا حكمة لهم . | ولما ثيتت ~~حكمته سبحانه وأنه أبعدهم عنها بما قضى عليهم من الجهل وغباوة العقل وآتاها ~~من تاب , واعتصم بآيات الكتاب , توقع السامع الإخبار عن بعض من آتاه الحكمة ~~من المتقدمين الذين كانوا من المحسنين , فوضعوا الأشياء في مواضعها بأن ~~آمنوا على قوله : ( وهو العزيز الحكيم ) ) أو على مقدر تقديره : لأنا ~~أضللناهم بحكمتنا وآتينا الحكمة الذين قبلوا آياتنا وأحسنوا التعبد لنا فما ~~عبدوا صمنا ولا مالوا إلى لهو , لأن ذلك عين الحكمة لكونه وضعا للشيء في ~~محله , فهو تقدير لتخصيص النبي ( ص ) . | PageV06P010 بالرسالة : { ولقد ~~آتينا } بما لنا من العظمة والحكمة { لقمان } وهو عبد من عبيدنا { الحكمة } ~~وهو العلم المؤيد بالعمل والعمل المحكم بالعلم , وقال الحرالي : هي العلم ~~بالأمر الذي لأجله وجب الحكم , والحكم الحمل على جميع أنواع الصبر ~~والمصابرة ظاهرا بالإيالة العالية , ولا يتم الحكم وتستوي الحكمة إلا بحسب ~~سعة العلم , وقال ابن ميلق : إن مدارها على إصابة الحق والصواب في القول ~~والعمل , ولهذا قال ابن قتيبة : لا يقال لشخص حكيما حتى تجتمع له الحكمة في ~~القول والفعل , قال : ولا يسمى المتكلم بالحكمة حكيما حتى يكون عاملا بها - ~~انتهى . | ومن بليغ حكمته ما أسنده صاحب الفردوس عن ابن عمر رضي الله عنهما ~~ان النبي ( ص ) قال : ( حقا أقول ! لم يكن لقمان نبيا , ولكن كان عبدا ~~ضمضامة كثير التفكر حسن اليقين , أحب الله فأحبه , فمن عليه بالحكمة , كان ~~نائما نصف النهار إذ جاءه نداء , قيل : يا لقمان , هل لك أن يجعلك الله ~~خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحق , فأجاب : إن خيرني ربي قبلت العافية ~~ولم أقبل البلاء , وإن عزم علي فسمعا وطاعة , فإني أعلم أنه أن فعل ذلك ربي ~~عصمني وأعانني , فقالت الملائكة بصوت لا يراهم : لم يا لقمان ؟ قال : لأن ~~الحاكم بأشد المنازل وأكدرها , يغشاه الظلم من كل مكان , إذ يعدل فبالحري ~~أن ينجو , وإن أخطأ أخطأ ms3821 طريق الجنة , ومن يكن في الدنيا ذليلا خير من أن ~~يكون شريفا , ومن تخير الدنيا على الآخرة تفتنه الدنيا ولا يصيب الآخرة , ~~فعجبت الملائكة من حسن منطقته , فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه يتكلم بها ) ~~. | وفي الفردوس عن مكارم الأخلاق لأبي بكر بن لال عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وآله قال : ( الحكمة عشرة اجزاء تسعة منها في ~~العزلة وواحد في الصمت ) وقال لقمان : لا مال كصحة ولا نعيم كطيب نفس , ~~وقال : ضرب الوالد لولده كالسماء للزرع , وقيل له : أي الناس شر ؟ قال : ~~الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا , وقيل له : ما أقبح وجهك ! فقال : تعيب ~~النقش أو النقاش , وقال البغوي : إنه قيل له : لم بلغت ما بلغت ؟ قال : ~~بصدق الحديث وأداء الأمانة وترك ما لا يعنيني - انتهى . | فهو سبحانه من ~~حكمته وحكمه أن يرفع ما يشاء بما يعلمه منه سلامه الطبع وإن كان عبدا فلا ~~يدع أن يختص محمدا صلى الله عليه وسلم ذا النسب العالي والمنصب المنيف في ~~كل خلق شريف بالرسالة من بين قريش وإن لم يكن من أهل الدنيا المتعظمين بها ~~, PageV06P011 قال ابن ميلق : من حكمته سبحانه أن يجمع بين أثرى عدله وفضله ~~, وأن يعاقب بينهما في الظهور فيذل ويعز ويفقر ويغني ويسقم ويشفي ويفني ~~ويبقي إلى غير ذلك , فما من سابق عدل إلا له لحق فضل , ولا سابق فضل إلا له ~~لاحق عدل , غير أن أثر العدل والفضل فد يتعلق بالبواطن خاصة , وقدج يتعلق ~~أحدهما بالظاهر والآخر بالباطن , وقد يكون اختلاف تعلقمها في حالة واحدة , ~~وقد يكون على البدل , وعلى قدر تعلق الأثر السابق يكون تعلق الأثر اللاحق . ~~| ولما كانت الحكمة قاضية بذلك , أجرى الله سبحانه آثارعدله على ظواهر ~~أصفيائه دون بواطنهم , ثم عقبت ذلك بإيراد آثار فضله على بواطنهم وظواهرهم ~~حتى صار من قاعدة الحكمة الإلهية تفويض ممالك الأرض للمستضعفين فيها ~~كالنجاشي حيث بيع في صغره , وذلك كثير موجود بالاستقرار , فمن كمال تربية ~~الحكيم لمن يريد إعلاء شأنه أن ms3822 يجري على ظاهره من أثر العدل ما فيه تكميل ~~لهم وتنوير لمداركهم وتطهير لوجودهم وتهذيب وتاديب - إلى غير ذلك - من ~~فؤائد التربية , ومن تتبع أحوال الأكابر من آدم عليه السلام وهلم جرا رأى ~~من حسن بلاء الله سبحانه وتعالى لهم ما يشهد لما قررته بالصحة إن شاء الله ~~تعالى - انتهى . | ولما كانت الحكمة هي الإقبال على الله قال : { أن اشكر } ~~وهو وإن كان تقديره : قلنا له كذا , يؤول إلى ( آتيناه الشكر ) وصرف الكلام ~~إلى الأسم الأعظم الذي لم يتسم به غيره سبحانه دفعا للتعنت , ونقلا عن مظهر ~~العظمة إلى أعظم منها فقال : { لله } بأن وفقناه له بنا سببناه له من الأمر ~~به لأن الحكمة في الحقيقة هي القيام بالشكر لا الإيصاء به , ويمكن أن تكون ~~( أن ) مصدرية , ويكون التقدير : آتيناه إياها بسبب الشكر , وعبر بفعل ~~الأمر إعلاما بأن شكره كان لامتثال الأمر ليكون أعلى . | ولما كان التقدير ~~: فبادر وشكر , فما نفع إلا نفسه , كما أنه لو كفر ما ضر إلا نفسه , عطف ~~عليه معرفا أنه غني عن شكر الشاكرين قوله معبرا بالمضارع الدال على أن من ~~اقبل عليه - في أي زمان كان - يلقاه ويكون معروفه له دائما بدوام العمل : { ~~ومن يشكر } أي يجدد الشكر ويتعاهد به نفسه كائنا من كان { فإنما يشكر } أي ~~يفعل ذلك { لنفسه } أي فإنما ينفع نفسه , فإن الله يزيده من فضله فإن الله ~~شكور مجيد { ومن كفر } فإنما يضر نفسه , وعبر بالماضي إشارة إلى أن من وقع ~~منه كفر ولو مرة جوزي بالإعراض عنه { فإن الله } عبر الأسم الأعظم لأنه في ~~سياق الحكمة , والحكيم من أدام استحضار صفات الجلال والجمال فغلب خوفه ~~رجاءه ما دام في دار الأكدار { غني } عن الشكر وغيره { حميد } أي له جميع ~~المحامد وإن كفره جميع الخلائق , فإن PageV06P012 تقدير الكفر عليهم بحيث ~~لا يقدرون على الانفكاك عنه من جملة محامدة بالقدرة والعزة والفهم والعظمة ~~. | ويجوز - وهو أقرب - أن يعود ( غني ) إلى الكافر و ( حميد ) إلى الشاكر ~~, فيكون اسم فاعل , فيكون التقدير : ومن ms3823 كفر فإنما يكفر على نفسه , ثم سبب ~~عن الجملتين وهما كون عمل كل من الشاكر والكافر لا يتعداه قوله ( فإن الله ~~غني ) أي عن شكر الكافر ( حميد ) للشاكر , والاية على الأول من الاحتباك : ~~تخصيص الشكر بالنفس أولا يدل على حذف مثله من الكفر ثانيا , وإثبات الصفتين ~~يدل على حذف مثلهما أولا . | < < # | لقمان : ( 13 - 15 ) وإذ قال لقمان . . . . . # > > ^ ( وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يبني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم ~~عظيم * ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن ~~اشكر لي ولوالديك إلي المصير * وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم ~~فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي ~~مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) ^ } ) | ولما كان الإنسان لا يعرف حكمة ~~الحكيم إلا بأقواله وأفعاله , ولا صدق الكلام وحكمته إلا بمطابقة للواقع , ~~فكان التقدير : اذكر ما وصفنا به لقمان لتنزل عليه ما تسمع من أحواله ~~وأفعاله في توفية حق الله وحق الخلق الذي هو مدار الحكمة , عطف عليه قوله : ~~{ وإذ } أي واذكر بقلبك لتتعظ وبلسانك لتعظ غيرك - بما أنك رسول - ما كان ~~حين { قال لقمان لابنه } ما يدل على شكره في نفسه وامره به لغيره فإنه لا ~~شكر يعدل البراءة من الشرك , وفيه حث على التخلق بما مدح به لقمان بما يحصل ~~على الصبر والشكر والمداومة على كل خير , وعلى تأديب الولد , بسوق الكلام ~~على وجه يدل على تكرير وعظه فقال : { وهو يعظه } أي يوصيه بما ينفعه ويرقق ~~قلبه ويهذب نفسه , ويوجب له الخشية والعدل . | ولما كان أصل توفية حق الحق ~~تصحيح الإعتقاد وإصلاح العمل , وكان الأول أهم , قدمه فقال : { يا بني } ~~فخاطبه بأحب ما يخاطب به , مع إظهار الترحم والتحنن والشفقة , ليكون ذلك ~~أدعى لقبول النصح { لا تشرك } أي لا توقع الشرك لا جليا ولا خفيا , ولما ~~كان في تصغيره الإشفاق عليه , زاد ذلك بإبراز الاسم الأعظم الموجب لاستحضار ~~جميع الجلال , تحقيقا لمزيد الإشفاق . | فقال : { بالله } أي ms3824 الملك الأعظم ~~الذي لا كفوء له , ثم علل هذا النهي بقوله : { إن الشرك } اي بنوعيه { لظلم ~~عظيم * } أي فهو ضد الحكمة , لأنه وضع الشيء في غير محله , فظلمه ظاهر من ~~جهات عديدة PageV06P013 جدا , أظهرها أنه تسوية المملوك الذي ليس له من ~~ذااه إلا العدم نعمة منه أصلا بالمالك الذي له وجوب الوجود , فلا خير ولا ~~نعمة إلا منه , وفي هذا تنبيه لقريش وكل سامع على أن هذه وصية لا يعدل عنها ~~, لأنها من أب حكيم لابن محنو عليه محبوب , وأن آباءهم لو كانوا حكماء ما ~~فعلوا إلا ذلك , لأنه يترتب عليها ما عليه مدار النعم الظاهرة والباطنة ~~الدينية والدنيوية , العاجلة والآجلة , وهو الأمن والهداية < # > 77 ( { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون } ) 77 < # > [ الأنعام : 82 ] فإنه لما نزلت تلك الآية كما هو صحيح البخاري في غير ~~موضع عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه شق ذلك على الصحابة رضي الله تعالى ~~عنهم فقالواك أينا لم يلبس إيمانه بظلم ؟ فقال رسول الله ( ص ) : ( إنه ليس ~~بذاك , ألم تسمع إلى قول لقمان { إن الشر لظلم عظيم } ) . | ولما ذكر ~~سبحانه وتعالى ما أوصى به ولده من شكر المنعم الأول الذي لم يشركه في ~~إيجاده أحد , وذكر ما عليه الشرك من الفظاعة والشناعة والبشاعة , أتبعه ~~سبحانه وصيته للولد بالوالد لكونه المنعم الثاني المتفرد سبحانه بكونه جعله ~~سبب وجود الولد اعترافا بالحق وإن صغر لأهله وإيذانا بأنه يشكر الله من لا ~~يشكر الناس , وتفخيما لحق الوالدين , لكونه قرن عقوقهما بالشرك , وإعلاما ~~بأن الوفاء شيء واحد متى نقص شيء منه تداعى سائره كما في الفردوس عن أبي ~~الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أن العبد لقي ~~الله بكمال ما افترض عليه ما خلا بر الوالدين ما دخل الجنة , وإن بر ~~الوالدين لنظام التوحيد والصلاة والذكر ) ولذلك لفت الكلام إلى مظهر العظمة ~~ترهيبا من العقوق ورفعا لما لعله يتوهم من أن الانفصال عن الشرك لا يكون ~~إلا ms3825 بالإعراض عن جميع الخلق . | ولما قد يخليه الشيطان من أن التقيد بطاعة ~~الوالد شرك , مضمنا تلك الوصية إجادة لقمان عليه السلام في تحسين الشرك ~~وتقبيح الشرك لموافقته لأمر رب العالمين , وإيجاب امتثال ابنه لأمره , فقال ~~مبينا حقه وحق كل والد غيره , ومعرفا قباحة من أمر ابنه بالشرك لكونه ~~منافيا للحكمة التي أبانها لقمان عليه السلام , وتحريم امتثال الابن لذلك ~~ووجوب مخالفته لأبيه فيه تقديما لأعظم الحقين , وارتكابا لأخف الضررين : { ~~ووصينا } أي قال لقمان ذلك لولده نصحا له والحال أنا بعظمتنا وصينا ولده به ~~بنحو PageV06P014 ما أوصاه به في حقنا - هكذا كان الأصل , ولكنه عبر بما ~~يشمل غيره فقال : { الإنسان } أي هذا النوع على لسان أول نبي أرسلنا وهلم ~~جرا وبما ركزناه في كل فطرة من أنه ما جزاء الإحسان إلا الإحسان { بوالديه ~~} فكأنه قال : إن لقمان عرف نعمتنا عليه وعلى أبناء نوعه لوصيتنا لأولادهم ~~بهم فشكرنا ولفن عنا نهيهم بذلك عن الشرك لأنه كفران لنعمة المنعم , فانتهى ~~في نفسه ونهى ولده , فكانت بذلك حكيما . | ولما كانت الأم في مقام الاحتقار ~~لما لأب من العظمة بالقوة والعقل والكد عليها وعلى ولدها , نوه بها ونبه ~~على ما يختص به من أسباب وجود الولد وبقائه عن الأب مما حصل لها من المشقة ~~بسببه وما لها إليه من التربية . | فقال معللا أو مستأنفا : { حملته أمه ~~وهنا } أي حال كونها ذات وهن تحمله في أحشائها , وبالغ بجعلها نفس الفعل ~~دلالة على شدة ذلك الضعف بتضاعفه كلما أثقلت { على وهن } أي هو قائم بها من ~~نفس خلقها وتركيبها إلى ما يزيدها التمادي بالحمل , ثم أشار إلى ما لها ~~عليه من المنة بالشفقة وحسن الكفالة وهو لا يملك لنفسه شيئا بقوله : { ~~وفصاله } أي فطامه من الرضاعة بعد وضعه . | ولما كان الوالدان يعدان وجدان ~~الولد من أعظم أسباب الخير والسرور , عبر في أمره بالعام الذي تدور مادته ~~على السعة لذلك وترجية لهما بالعول عليه وتعظيما لحقهما بالتعبير بما يشير ~~إلى صعوبة ما قاسيا فيه باتساع زمنه فقال : { في ms3826 عامين } تقاسي فيهما في ~~منامه وقيامه ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى , وفي التعبير بالعام ~~أيضا إشارة إلى تعظيم منتهاه بكونها تعد أيام رضاعه - مع كونها أضعف ما ~~يكون في تربيته - أيام سعة وسرور , والتعبير ب ( في ) مشيرا إلى أن ~~الوالدين لهما أن يفطماه قبل تمامهما على حسب ما يحتمله حاله , وتدعو إليه ~~المصلحة من أمره . | ولما ذكر الوصية وأشار إلى أمهات أسبابها , ذكر الموصى ~~به فقال مفسرا ل ( وصينا ) : { أن اشكر } ولما كان الشكر منظورا إليه أتم ~~نظر , قصر فعله , أي أوجد هذه الحقيقة ولتكن من همك . | ولما كان لا بد له ~~من متعلق , كان كأنه قال : لمن ؟ فقال مقدما ما هو أساس الموصى به في ~~الوالدين ليكون معتدا به , لافتا القول إلى ضمير الواحد من غير تعظيم ~~تنصيصا على المراد : { لي } أي لأني المنعم بالحقيقة { ولوالديك } لكوني ~~جعلتهما سببا لوجودك والإحسان بتربيتك , وذكر الإنسان بهذا الذكر في سورة ~~الحكمة إشارة إلى أنه أتم الموجودات حكمة قال الرازي في آخر سورة الأحزاب ~~من لوامعه : الموجودات كلها كالشجرة , والإنسان ثمرتها , وهي القشور ~~والإنسان لبابها , وكالمبادئ والإنسان كمالها , ومن أين للعالم ما للإنسان ~~؟ بل العالم PageV06P015 العلوي فيه , ليس في العالم العلوي ما فيه , فقد ~~جمع ما بين العالمين بنفسه وجسده , واستجمع الكونين بعقله وحسه , وارتفع عن ~~الدرجتين باتصال الأمر الأعلى به وحيا قوليا , وسلم لمن له الخلق والأمر ~~تسليما اختياريا طوعيا . | ثم علل الأمر بالشكر محذرا فقال : { إلي } لا ~~إلى غيري { المصير * } أي فأسالك عن ذلك كما كانت منهما البداءة ظاهرا بما ~~جعلت لهما من التسبب في ذلك , فيسألانك عن القيام بحقوقهما وإن قصرت فيها ~~شكواك إلى الناس وأقاما عليك الحجة وأخذا بحقهما . | ولما ذكر سبحانه وصيته ~~بهما وأكد حقهما , أتبعه الدليل على ما ذكر لقمان عليه السلام من قباحة ~~الشرك فقال : { وإن جاهداك } أي مع ما أمرتك به من طاعتهما , وأشار بصيغة ~~المفاعلة إلى مخالفتهما وإن بالغا في الحمل على ذلك { على أن تشرك بي } ~~وأشار بأداة الاستعلاء ms3827 إلى أنه لا مطمع لمن أطاعهما في ذلك ولو باللفظ فقط ~~أن يكون في عداد المحسنين وإن كان الوالدن في غاية العلو والتمكن من ~~الأسباب الفاتنة له بخلاف سورة العنكبوت فإنها لمطلق الفتنة , وليست لقوة ~~الكفار , فعبر فيها بلام العلة , إشارة إلى المطلق الجهاد الصادق بقويه ~~وضعيفه , ففي الموضعين نوع رمز إلى أنه إن ضعف عنهما أطاع باللسان , ولم ~~يخرجه ذلك عن الإيمان , كما أخرجه هنا عن الوصف بالإحسان , ولذلك حذر في ~~الآية التي بعد تلك من النفاق لأجل الفتنة , وأحال سبحانه على اتباع الأدلة ~~على حكم ما وهب من العقل عدلا وإنصافا فقال : { ما ليس لك به علم } إشارة ~~إلى أنه لا يمكن أن يدل علم من أنواع العلوم على شيء من الشرك بنوع من ~~أنواع الدلالات بل العلوم كلها دالة على الوحدانية على الوجه الذي تطابقت ~~عليه العقول , وتظافرت عليه من الأنبياء والرسل النقول , وأما الوجه الذي ~~سماه أهل الألحاد بمذهب الاتحاد توحيدا فقد كفى في أنه ليس به علم إطابقهم ~~على أنه خارج عن طور العقل , مخالف لكل ما ورد عن الأنبياء من نقل , وإن ~~لبسوا بإدعاء متابعة بعض الآيات كما بينه كتابي الفارض , فلا يمكن أن ~~يتمذهب به أحد إلا بعد الانسلاخ من العقل والتكذيب بالنقل , فلم يناد أحد ~~على نفسه بالإبطال ما نادوا به على أنفسهم ولكن من يضلل الله فما له من هاد ~~. | فلما قرر ذلك على هذا المنوال البديع , قال مسببا عنه : { فلا تطعهما } ~~أي في ذلك ولو اجتمعا على المجاهدة لك عليه , بل خالفهما , وإن أدى الأمر ~~إلى السيف فجاهدهما به , لأن أمرهما بذلك مناف للحكمة حامل على محض الجور ~~والسفه , ففيه تنبيه لقريش على محض الغلط في التقليد لآبائهم في ذلك . | ~~ولما كان هذا قد يفهم الإعراض عنهما رأسا في كل أمر إذا خالفا في الدين , ~~أشار PageV06P016 إلى أنه ليس مطلقا فقال : { وصاحبهما في الدنيا } أي في ~~أمورها التي لا تتعلق بالدين ما دامت حياتهما . | ولما كان المبنى على ~~النقصان عاجزا ms3828 عن الوفاء بجميع الحقوق , خفف عليه بالتنكير في قوله : { ~~معروفا } أي ببرهما إن كانا على دين يقران عليه ومعاملتهما بالحلم ~~والاحتمال وما يقتضيه مكارم الأخلاق ومعالي الشيم , قال ابن ميلق : ويلوح ~~من هذه المشكاة تعظيم الأشياخ الذين كانوا في العادة سببا لإيجاد القلوب في ~~دوائر التوحيد العلمية والعملية - يعني ففي سوق هذه الوصية هذا المساق أعظم ~~تنبيه على أن تعظيم الوسائط من الخلق ليس مانعا من الإخلاص في التوحيد , ~~قال ابن ميلق : ومن هنا زلت أقدام أقوام تعمقوا في دعوى التوحيد المعظم في ~~الشرع تعظيم لحرمات الله , وامتثال لأمر الله , ولعمري إن هذه المزلة ~~ليتعثر بها أتباع إبليس حيث أبى أن يسجد لغير الله , ثم قال ما معناه : ~~وهؤلاء قوم أعرضوا عن تعظيم الوسائط زاعمين الغيرة على مقام التوحيد , ~~وقابلهم قوم أسقطوا الوسائط جملة وقالوا : إنه ليس في الكون إلا هو , وهم ~~أهل الوحدة المطلقة , والكل على ضلال , والحق الاقتصاد والعدل في إثبات ~~الخالق وتوحيده , وتعظيم من أمر بتعظيمه من عبيده . | ولما كان ذلك قد يجر ~~إلى نوع وهن في الدين ببعض محاباة , نفى ذلك بقوله : { واتبع } أي بالغ في ~~أن تتبع { سبيل } أي دين وطريق { من أناب } أي أقبل خاضعا { إلي } لم يلتفت ~~إلى عبادة غيري , وهم المخصلون من أبويك وغيرهما , فإن ذلك لا يخرجك عن ~~برهما ولا عن توحيد الله والإخلاص له , وفي هذا حث على معرفة الرجال بالحق ~~, وأمر بحك المشايخ وغيرهم على محك الكتاب والسنة , فمن كان عمله موافقا ~~لها ابتع , ومن كان عمله مخالفا لهما اجتنب . | ولما كان التقدير : فإن ~~نرجع أموركم كلها في الدنيا إلي , عطف عليه قوله : { ثم إلي } أي في الآخرة ~~, لا إلى غيري مرجعك - هكذا كان الأصل , ولكنه جميع لإرادة التعميم فقال ~~معبرا بالمصدر الميمي الدال على الحدث وزمانه ومكانه : { مرجعكم } حسا ~~ومعنى , فأكشف الحجاب { فأنبئكم } أي أفعل فعل من يبالغ في التنقيب ~~والإخبار عقب ذلك وبسببه , لأن ذلك أنسب شيء للحكمة وإن كان تعقيب كل شيء ~~بحسب ما يليق به ms3829 { بما كنتم } بما هو لكم كالجبلة { تعملون * } أي تجدون ~~عمله من صغير وكبير , وجليل وحقير , وما كان في جبلاتكم مما لم يبرز إلى ~~الخارج , فأجازي من أريد وأغفر لمن أريد , فأعد لذلك عدته , ولا تعمل عمل ~~من ليس له مرجع يحاسب PageV06P017 فيه ويجازي على مثاقيل الذر من أعماله , ~~ولعله عبر عن الحساب بالتنبئة لأن العلم بالعمل سبب للمجازاة عليه أو لأنه ~~جمع القسمين , ومحاسبة السعيد العرض فقط بدلالة التضمن ومحاسبة الشقي ~~بالمطابقية . | < < # | لقمان : ( 16 - 18 ) يا بني إنها . . . . . # > > ^ ( يبني إنهآ إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات ~~أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير * يبني أقم الصلاة وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور * ولا ~~تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور ) ^ } ~~) | ولما فرغ من تأكيد ما قاله لقمان عليه السلام في الشكر والشرك فعلم ما ~~أوتي من الحكمة , وختمه بعد الوصية بطاعة الوالد بذكر دقيق الأعمال وجليلها ~~, وأنها في علم الله سواء , حسن جدا الرجوع إلى تمام بيان حكمته , فقال ~~بادئا بما يناسب ذلك من دقيق العلم ومحيطه المكمل لمقام التوحيد , وعبر ~~بمثقال الحبة لأنه أقل ما يخطر غالبا بالبال , وهي من أعظم حاث على التوحيد ~~الذي مضى تأسيسه : { يا بني } متحببا مستعطفا , مصغرا له بالنسبة إلى حمل ~~شيء من غضب الله تعالى مستضعفا : { إنها } أي العمل , وأنث لأنه في مقام ~~التقليل والتحقير , والتأنيث أولى بذلك , ولأنه يؤول بالطاعة والمعصية ~~والحسنة والسيئة { إن تك } وأسقط النون لغرض الإيجار في الإيصاء بما ينيل ~~المفاز , والدلالة على أقل الكون وأصغره { مثقال } أي وزن , ثم حقرها بقوله ~~: { حبة } وزاد في ذلك بقوله : { من خردل } هذا على قراءة الجمهور بالنصب , ~~ورفه المدنيان على معنى أن الشأن والقصة العظيمة أن توجد في وقت من الأوقات ~~هنة هي أصغر شيء وأحقره - بما أشار إليه التأنيث . | ولما كان قد عرف أن ~~السياق لماذا ms3830 أثبت النون في قوله مسببا عن صغرها : { فتكن } إشارة إلى ~~ثباتها في مكانها . | وليزداد تشوف النفس إلى محط الفائدة ويذهب الوهم كل ~~مذهب لما علم من أن المقصد عظيم بحذف النون وإثبات هذه , وعسرها بعد أن ~~حقرها بقوله معبرا عن أعظم الخفاء وأتم الإحراز : { في صخرة } أي أي صخرة ~~كانت ولو أنها أشد الصخور وأقواها وأصغرها وأخفاها . | ولما أخفى وضيق , ~~أظهر ووسع , ورفع وخفض , ليكون أعظم لضياعها لحقارتها فقال : { أو في ~~السموات } أي في أي مكان كان منها على سعة أرجائها وتباعد أنحائها , واعاد ~~( أو ) نصا على إرادة كل منهما على حدته , والجار تأكيدا للمعنى فقال : { ~~أو في الأرض } أي كذلك , وهذا كما ترى ولا ينفي أن تكون الصخرة فيهما أو في ~~أحداهما , PageV06P018 وعبر له بالاسم الأعظم لعلو المقام فقال : { يأت بها ~~الله } بعظم جلاله , وباهر كبريائه وكماله , بعينها لا يخفى عليه ولا يذهب ~~شيء منها , فيحاسب عليها , ثم علل ذلك من علمه وقدرته بقوله مؤكدا إشارة ~~إلى أن إنكار ذلك لما له من باهر العظمة من دأب النفوس إن لم يصحبها ~~التوفيق : { إن الله } فأعاد الاسم الأعظم تنبيها على استحضار العظمة ~~وتعميما للحكم { لطيف } أي عظيم المت بالوجوه الخفية الدقيقة الغامضة في ~~بلوغه إلى أمر أراده حتى بضد الطريق الموصل فيهما يظهر للخلق { خبير * } ~~بالغ العلم بأخفى الأشياء فلا يخفى عليه شيء , ولا يفوته أمر . | ولما نبهه ~~على إحاطة علمه سبحانه وإقامته للحساب , أمره مما يدخره لذلك توسلا إليه , ~~وتخضعا لديه , وهو رأس ما يصلح به العمل ويصحح التوحيد ويصدقه , فقال : { ~~يا بني } مكررا للمناداة على هذا الوجه تنبيها على فرط النصيحة لفرط الشفقة ~~{ أقم الصلاة } أي بجميع حدودها وشروطها ولا تغفل عنها , سعيا في نجاة نفسك ~~وتصفية سرك , فإن إقامتها - وهي الإيتان بها على النحو المرضي - مانعة من ~~الخلل في العمل { إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر } لأنها الإقبال على ~~من وحدته فاعتقدت أنه الفاعل وحده وأعرضت عن كل ما سواه لأنه في التحقيق ~~عدم , ولهذا الإقبال والإعراض ms3831 كانت ثانية التوحيد , وترك ذكر الزكاة تبيها ~~على أن من حكمته تخليه وتخلي ولده من الدنيا حتى مما يكفيهم لقوتهم . | ~~ولما أمر بتكميله في نفسه بتكميل نفسه لحق الحق , عطف على ذلك تكميله لنفسه ~~بتكميل غيره توفية لحق الخلق , وذلك ان لما كان الناس في هذه الدار سفرا , ~~وكان المسافر إن أهمل رفيقه حتى أخذ أوشك أن يؤخذ هو , أمره لما يكمل نجاته ~~بتكميل رفيقه , وقدمه - وإن كان من جلب المصالح - لأنه يستلزم ترك المنكر , ~~وأما ترك المنكر فلا يستلزم فعل الخير , فإنك إذا قلت : لا تأت منكرا , لم ~~يتناول ذلك في العرف إلا الكف عن فعل المعصية , لا فعل الطاعة , فقال : { ~~وأمر بالمعروف } أي كل من تقدر على أمره تهذيبا لغيرك شفقة على نفسك بتخليص ~~أبناء جنسك . | ولما كانت هذه الدار سفينة لسفر من فيها إلى ربهم , وكانت ~~المعاصي مفسدة لها , وكان فساد السفينة مغرقا لكل من فيها : من أفسدها ومن ~~أهمل المفسد ولم يأخذ على يده , وكان الأمر بالمعروف نهيا عن المنكر , صرح ~~به فقال : { وانه } أي كل من قدرت على نهيه { عن المنكر } حبا لأخيك ما تحب ~~لنفسك , تحقيقا لنصيحتك , وتكميلا لعبادتك , لأنه ما عبد الله أحد ترك غيره ~~يتعبد لغيره , ومن هذا الطراز قول أبي الأسود رحمه الله تعالى : | ~~PageV06P019 ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم | لأنه ~~أمره أولا بالمعروف , وهو الصلاة الناهية عن الفحشاء والمنكر , فإذا أمر ~~نفسه ونهاها , ناسب أن يأمر غيره ينهاه , وهذا وإن كان من قول لقمان عليه ~~السلام إلا أنه لما كان في سياق المدح له كنا مخاطبين به . | ولما كان ~~القابض على دينه في غالب الأزمان كالقابض على الجمر , لأنه يخالف المعظم ~~فيرمونه عن قوس واحدة لا سيما أن أمرهم ونهاهم , قال تعالى : { واصبر } ~~صبرا عظيما بحيث يكون مستعليا { على ما } أي الذي , وحقق بالماضي أنه لا بد ~~من المصيبة ليكون الإنسان على بصيرة , فقال : { أصابك } أي في عبادتك من ~~الأمر بالمعروف وغيره سواء كان بواسطة العباد ms3832 أو لا كالمرض ونحوه , وقد بدأ ~~هذه الوصية بالصلاة وختمها بالصبر لأنها ملاك الاستعانة < # > 77 ( { واستعينوا بالصبر والصلاة } ) 77 < # > [ البقرة : 45 ] واختلاف المخاطب في الموضعين أوجب اختلاف الترتيبين , ~~المخاطب هنا مؤمن متقلل , وهناك كافر متكثر . | ولما كان ما أحكمه له عظيم ~~الجدوى , وجعل ختامه الصبر الذي هو ملاك الأعمال والتروك كلها , نبهه على ~~ذلك بقوله على سبيل التعليل والاستئناف إيماء إلى التبجيل : { إن ذلك } أي ~~الأمر العظيم الذي أوصيتك به لا سيما الصبر على المصائب : { من عزم الأمور ~~} أي معزوماتها , تسمية لاسم المفعول أو الفاعل بالمصدر , أي الأمور ~~المقطوع بها المفروضة أو القاطعة الجازمة بجزم فاعلها , أي التي هي أهل لأن ~~يعزم عليها العازم , وينحو إليها بكليته الجازم , فلا مندوحة في تركها بوجه ~~من الوجوه في ملة من الملل . | ولما كان من آفات العبادة لا سيما الأمر ~~والنهي - لتصورهما بصورة الاستعلاء - الإعجاب إلى الكبر , قال محذرا من ذلك ~~معبرا عن الكبر بلازمه , لأن النفي الأعم نفي للأخص , منبها على أن المطلوب ~~في الأمر والنهي اللين لا الفظاظة والغلظة الحاملان على النفور : { ولا ~~تصعر خدك } أي لا تمله معتمدا إمالته بإمالة العنق متكلفا لها صرفا عن ~~الحالة القاصدة , وأصل الصعر داء يصيب البعير يلوي منه عنقه , وقرأ نافع ~~وأبو عمرو وحمزة والكسائي : تصاعر , والمراد بالمفاعلة والتفعيل تعمد فعل ~~ذلك لأجل الكبر حتى يصير خلقا , والمراد النهي عما يفعله المصعر من الكبر - ~~والله أعلم . | ولما كان ذلك قد يكون لغرض من الأغراض التي لا تذم , أشار ~~إلى المقصود بقوله تعالى : { للناس } بلام العلة , أي لا تفعل ذلك لأجل ~~الإمالة عنهم , وذلك لا يكون إلا تهاونا بهم من الكبر , بل أقبل عليهم ~~بوجهك كله مستبشرا منبسطا من غير كبر PageV06P020 ولا علو , وأتبع ذلك ما ~~يلزمه فقال : { ولا تمش } ولما كان في أسلوب التواضع وذم الكبر , ذكره بأن ~~أصله تراب , وهو لا يقدر أن يعدوه فقال : { في الأرض } وأوقع المصدر موقع ~~الحال أو العلة فقال : { مرحا } أي اختيالا وتبخترا , أي لا تكن منك هذه ms3833 ~~الحقيقة لأن ذلك مشي أشر وبطر وتكبر , فهو جدير بأن يظلم صاحبه ويفحش ويبغي ~~, بل امش هونا فأن ذلك يفضي بك إلى التواضع , فتصل إلى كل خير , فترفق بك ~~الأرض إذا صرت فيها حقيقة بالكون في بطنها . | ولما كانت غاية ذلك الرياء ~~للناس والفخر عليهم المثمر لبغضتهم الناشئة عن بغضة الله تعالى , علله ~~بقوله مؤكدا لأن كثيرا من الناس يظن أن أسباغ النعم الدنيوية من محبة الله ~~: { إن الله } أي الذي لا ينبغي الكبر إلا له لما له من العظمة المطلقة . | ~~ولما كان حب الله الذي يلزمه حب الناس محبوبا للنفوس , وكان فوات المحبوب ~~أشق على النفوس من وقوع المحذور , وكانت ( لا ) لا تدخل إلا على المضارع ~~المستقبل قال : { لا يحب } أي فيما يستقبل من الزمان , ولو قال ( يبغض ) ~~لاحتمال التقييد بالحال , ولما كان النشر المشوش أفصح لقرب الرجوع تدليا ~~فيما ترقى فيه المقبل قال : { كل مختال } أي مراء للناس في مشيه تبخترا يرى ~~له فضلا على الناس فيشمخ بأنفه , وذلك فعل المرح { فخور } يعدد مناقبه , ~~وذلك فعل المصعر , لأن ذلك من الكبر الذي تردى به سبحانه وتعالى فمن نازعه ~~إياه قصمه . | < < # | لقمان : ( 19 - 20 ) واقصد في مشيك . . . . . # > > ^ ( واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير * ألم ~~تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ~~وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ) ^ } ) ~~| ولما كان النهي عن ذلك امرا بأضداده , وكان الأمر بإطلاق الوجه يلزم منه ~~الإنصاف في الكلام , وكان الإنصاف في الكلام والمشي لا على طريق المرح ~~والفخر ربما دعا إلى الاستماتة في المشي والحديث أو الإسراع في المشي والسر ~~والجهر بالصوت فوق الحد , قال محترسا في الأمر بالخلق الكريم عما يقارب ~~الحال الذميم : { واقصد } أي اعدل وتوسط { في مشيك } لا إفراط ولا تفريط ~~مجانبا لوثب الشطار ودبيب المتماوتين , وعن ابن مسعود : كانوا ينهون عن خبب ~~اليهود ودبيب النصارى , والقصد في الأفعال كالقسط ms3834 في الأوزان - قال الرازي ~~في الوامع , وهو المشي الهون الذب ليس فيه تصنع للخلق لا بتواضع ولا بتكبر ~~{ واغضض } أي انقص , ولأجل ما PageV06P021 ذكر قال : { من صوتك } بإثبات ( ~~من ) أي لئلا يكون صوتك منكرا , وتكون برفع الصوت فوق الحاجة حمارا , وأما ~~مع الحاجة كالأذان فهو مأمور به . | ولما كان رفع الصوت فوق العادة منكرا ~~كما كان خفضه دونها تماوتا أو دلالا وتكبرا , وكان قد أشار إلى النهي عن ~~هذا ب ( من ) فأفهم أن الطرفين مذمومان , علل النهي عن الأول دالا بصيغة ( ~~أفعل ) على اشتراك الرفع كله في النكارة ذاكرا أعلاها تصويرا له بأقبح صورة ~~تنفيرا عنه فقال : { إن أنكر } أي أفظع وأبشع وأوحش { الأصوات } أي كلها ~~المشتركة في النكارة برفعها فوق الحاجة , وأخلى الكلام عن لفظ التشبيه ~~فأخرجه مخرج الاستعارة تصويرا لصوت الرافع صوته فوق الحاجة بصورة النهاق ~~وجعل المصوت كذلك حمارا , مبالغة في التهجين , وتنبيها على أنه من كراهة ~~الله له بمكان فقال : { لصوت الحمير } أي هذا الجنس , لما له من الغلو ~~المفرط من غير حاجة , وأوله زفير وآخره شهيق , وهما فعل أهل النار , وأفرده ~~ليكون نصا على إدارة الجنس لئلا يظن أن الاجتماع يستهجن التصريح باسمه , ~~وهذا يفهم أن الرفع مع الحاجة غير مذموم فإنه ليس بمستنكر ولا مستشبع , ~~ولقد دعت هذه الآيات إلى معالي الأخلاق , وهي أمهات الفضائل الثلاث : ~~الحكمة والعفة والشجاعة , وأمرت بالعدل فيها , وهي وظيفة التقسيط الذي هو ~~الوسط الذي هو مجمع الفضائل , ونهت عن مساؤى الأخلاق , وهي الأطراف التي هي ~~مبدأ الرذائل الحاصل بالإفراط والتفريط , فإقامة الصلاة التي هي روح ~~العبادة المبنية على العلم هي سر الحكمة والنهي , أمر الشجاعة ونهى عن ~~الجبن , وفي النهي عن التصعير وما معه نهي عن التهور , والقصد في المشي ~~والغض في الصوت أمر بالعفة ونهي عن الاستماتة والجمود والخلاعة والفجور , ~~وفي النهي عن الاستماتة نهي عما قد يلزمها من الجزيرة , وهي الفكر بالمكر ~~المؤدي إلى اللعنة , وعن الانحطاط إلى البله والغفلة , والكافل بشرح هذا ما ~~قاله الشيخ سعد ms3835 الدين التفتازاني في الكلام على الإجماع ومن تلويحه , قال : ~~إن الخالق تعالى وتقدس قد ركب في الإنسان ثلاث قوى : إحداهما مبدأ إدراك ~~الحقائق , والشوق إلى النظر في العواقب , والتمييز بين المصالح والمفاسد , ~~ويعبر عنها بالقوة النطقية والعقلية والنفس المطمئنة الملكية , والثانية ~~مبدأ جذب المنافع وطلب الملاذ من المآكل والمشارب وغير ذلك , وتسمى القوة ~~الشهوية والبهيمية والنفس الامارة , والثالثة مبدأ الإقدام على الأهوال ~~والشوق إلى التسلط والترفع , وهي القوة الغضبية والسبعية والنفس اللوامة , ~~ويحدث من اعتدال الحركة الأولى الحكمة , والثانية PageV06P022 العفة , ~~والثالثة الشجاعة , فأمهات الفضائل هي هذه الثلاث , وما سوى ذلك إنما هو من ~~تفريعاتها وتركيباتها , وكل منها وكل منها محتوش بطر في إفراط وتفريط هما ~~رذيلتان , أما الحكمة فهي معرفة الحقائق على ما هي بقدر الاستطاعة , وهي ~~العلم النافع المعبر عنه بمعرفة النفس ما لها وما عيلها المشار إليه بقوله ~~تعالى : < # > 77 ( { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } ) 77 < # > [ البقرة : 269 ] وإفراطها الجزبرة , وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي ~~كالمتشابهات , وعلى وجه لا ينبغي , كالمخالفة الشرائع - نعوذ بالله من علم ~~لا ينفع قلت : وهي بجيم ثم مهملة ثم موحدة ثم زاي مأخوذة من الجزبر - بالضم ~~, وهو الخب , أي الخداع الخبيث - والله اعلم , وتفريطها الغباوة التي هي ~~تعطيل القوة الفكرية بالإرداة والوقوف على اكتساب العلوم النافعة , وأما ~~الشجاعة فيه انقياد السبعية للناطقة ليكون إقدامها على حسب الروية من غير ~~اضطراب في الأمور الماثلة , حتى يكون فعلها جميلا , وصبرها محمودا , ~~وإفراطها التهور , أي الإقدام على ما ينبغي , وتفريطها الجبن , أي الحذر ~~عما لا ينبغي , وأما العفة فهي انقياد البهيمة للناطقة , لتكون تصرفاتها ~~بحسب اقتضاء الناطقة , لتسلم عن استبعاد الهوى إياها , واستخدام اللذات , ~~وإفراطها الخلاعة والفجور , أي الوقوع في ازدياد اللذات على ما يجب , ~~وتفريطها الجمود , أي السكوت عن طلب الذات بقدر ما رخص فيه العقل والشرع ~~إيثارا لا خلقة , فالأوساط فضائل , والأطراف رذائل , وإذا امتزجت الفضائل ~~الثلاث حصلت من اجتماعها حالة فضائل , والأطراف رذائل , وإذا امتزجت ~~الفضائل الثلاث حصلت من اجتماعها ms3836 حالة متشابهة هي العدالة , فبهذا الاعتبار ~~عبر عن العدالة بالوساطة , أي في قوله تعالى : < # > 77 ( { وكذلك جعلناكم أمة وسطا } ) 77 < # > [ البقرة : 143 ] وإليه أشير بقوله عليه الصلاة والسلام ( خير الأمور ~~أوساطها ) والحكمة في النفس البهيمية بقاء البدن الذي هو مركب النفس ~~الناطقة ليصل إلى كمالها اللائق بها , ومقصدها المتوجه إليه , وفي السبعية ~~كسر البهيمية وقهرها ودفع الفساد المتوقع من استيلائها , واشترط التوسط في ~~افعالها لئلا تستبعد الناطقة هواهما وتصرفاها عن كمالها ومقصدها - انتهى . ~~| ولما انقضت هذه الجمل , رافعة أعناقها على المشتري وزحل , قابلة لمن يريد ~~عملها مع الكسل , والضجر في الفكر والملل , وأين الثريا من يد المتناول , ~~وكان قد أخبر سبحانه وتعالى في أول السورة أن الآيات المسموعة هدى لقوم ~~وضلال لآخرين , وكان من الغرائب أن شيئا واحدا يؤثر شيئين متضادين , وأتبع ~~ذلك ما دل على أنه من بالغ الحكمة بوجوه مرضية مشرقة مضيئة , لكنها بمسالك ~~دقيقة وإشارات خفية , إلى أن PageV06P023 ختم بالنهي عن التكبر , ورفع ~~الصوت فوق الحاجة , إشارة إلى أن فاعل ما لا حاجة إليه غير حكيم , وكان ~~التكبر على الناس والتعالي عليهم من آثار الفضل في النعمة , وكانت العادة ~~جارية بأن اللك يخضع له تارة لمجرد عظمته , وتارة خوفا من سطوته , وتارة ~~رجاء لنعمته , أبرز سبحانه وتعالى غيب ما وصف به الآيات المسموعة من تأثير ~~الضدين في حالة واحدة في شاهد الآيات المرئية على وجه يدل على استحقاقه , ~~لما أمر به لقمان عليه السلام من العبادة والتذلل , وأن إليه المرجع , وهو ~~عالم على استحقاقه , لما أمر به لقمان شيء , وأن كل ما ترى خلقه مذكرا بأن ~~النعمة إنما هي منه , فلا ينبغي لأحد أن يفخر بما آتاه غيره , ولو كل فيه ~~إلى نفسه لم يقدر على شيء منه , محذرا من سلبها عن المتكبر وإعطائها للذليل ~~المحتقر , فقال : { ألم تروا } اي تعلموا علما هو في ظهوره كالمشاهدة أيها ~~المشترون لهو الحديث , المتكبرون علي المقبلين على الله , المختلين عن ~~الدنيا , الذين قلنا لهم ردا عن الشرك وإبعادا عن الهوى ms3837 والإفك { هذا خلق ~~الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه } { أن الله } أي الحائز لكل كمال { ~~سخر لكم } أي خاصة { ما في السموات } بالإنارة والإظلام , والحر والبرد ~~وغير ذلك من الإنعام , وأكده بإعادة الموصول والجار , لأن المقام حقيق به ~~فقال : { وما في الأرض } بكل ما يصلحكم فتعلموا أن الكل خلقه , ما لأحد ممن ~~دونه فيه شيء , وأنه محيط بكل شيء قدرة وعلما , فهو قادر على تعسيره ~~فينبئكم بما كنتم تعملون ويحضره لكم وإن كان في أخفى الأماكن { وأسبغ } أي ~~أطال وأوسع وأتم وأفضل عن قدر الحاجة وأكمل { عليكم } أيها المكلفون { نعمه ~~} أي واحدة تليق بالدنيا - في قراءة الجماعة بإسكان العين وتاء تأنيث ~~منصوبة منونة تنوين تعظيم , مشيرا إلى أنها ذات أنواع كثيرة جدا , بما دلت ~~عليه قراءة المدنيين وأبي عمرو وحفص عن عاصم بجعل تأء التأنيث ضميرا له ~~سبحانه مع فتح العين ليكون جمعا { ظاهرة } وهي ما تشاهدونها متذكرين لها { ~~وباطنة } وهي ما غابت عنكم فلا يحسونها , أو تحسونها وهي خفية عنكم , لا ~~تذكرونها إلا بالتذكير , وكل منكم يعرف ذلك على الإجمال , فاعبدوه لما دعت ~~إليه مجلة لقمان عليه السلام لتكونوا من المحسنين , حذرا من سلب نعمه , ~~وإيجاب نقمه , ويجوز أن تكون الآية دليلا على قوله تعالى : { خلق السموات ~~بغير عمد ترونها } . | PageV06P024 موضع ضمير المخاطبين مما يشير إليه ~~النوس : { ومن الناس } أي الذين هم أهل للاضطراب , ويمكن أن يكون حالا من { ~~ألم تروا } ويكون { ألم تروا } دليلا على أول السورة , أي أشير إلى الآيات ~~حال كونها هدى لمن ذكر والحال أن من الناس من يشتري اللهو , ألم تروا دليلا ~~على أن من الناس المعاند بعد وضوح الدليل أن الله سخر لكم جميع العالم ~~وأنعم عليكم بما أنعم والحال أن من الناس { من يجادل } فلا لهو أعظم من ~~جداله , ولا كبر مثل كبره , ولا ضلال مثل ضلاله , وأظهر لزيادة التشنيع على ~~هذا المجادل , وإشارة إلى قبح المجادلة من غير نظر إلى النعم فقال تعالى : ~~{ في الله } المحيط بكل شيء علما وقدرة ms3838 . | ولما كان سبحانه في ظهور وجوده ~~واوصافه بحيث لا يخفى بوجه , وكان المجادل قد يكون فهما , قال : { بغير } ~~اي بكلام متصف بأنه غير { علم } أي بل بألفاظ هي في ركاكة معانيها لعدم ~~استنادها إلى حس ولا عقل ملحقة بأصوات الحيوانات العحم , فكان بذلك حمارا ~~تابعا للهوى . | ولما كان المعنى قد يظهر لبعض القاصرين , لوروده على لسان ~~من لا يعتبر , فإذا أضيف إلى كبير , تؤمل ولم يبادر إلى رده لاستعظامه , ~~فظهر على طول حسه , قال معبرا بأداة النفي الحقيقية به , لأن الموضع لها , ~~وعدل عنها اولا لئلا يظن أن المذموم إنما هو المجادل إذا كان غير متصف ~~بالعلم وإن كان جداله متصفا بالعلم : { ولا هدى } أي وارد عمن عهد مه سداد ~~الأقوال والأفعال بما أبدى من المعجزات والآيات البينات , فوجب أخذ اقواله ~~مسلمة وإن لم يظهر معناها . | ولما كان القول قد يكون مقبولا لاستناده إلى ~~الله تعالى وإن لم يكن اصلا معقولا , قال : { ولا كتاب } أي من الله ؛ ~~ووصفه بما هو لازمه لا ينفك عنه فقال : { منير * } أي بين غاية البيان , ~~مبين لغيره على عادة بيان الله سبحانه وتعالى , أو يكون أريد بالوصف ~~الإعجاز لإظهاره قطعا أنه من الله , فإنه ليس كل كتاب الله كذلك . | < < # | لقمان : ( 21 - 23 ) وإذا قيل لهم . . . . . # > > ^ ( وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ~~آبآءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير * ومن يسلم وجهه إلى الله ~~وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الأمور * ومن كفر فلا ~~يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور ) ^ } ~~) | ولما كان المجادل بغير واحد من هذه الثلاثة تابعا هواه مقلدا مثله قطعا ~~, وكان حال المجادلين هذا لظهور أدلة الوحدانية عجبا , عجب منهم تعجيبا آخر ~~بإقامتهم على PageV06P025 الضلال مع إيضاح الادلة فقال : { وإذا قيل } أي ~~من أي قائل كان . | ولما كان ظلال الجمع أعجب من ضلال الواحد , وكان ~~التعجيب من جدال الواحد تعجيبا من جدال الاثنين فأكثر من باب ms3839 الأولى , أفرد ~~أولا وجمع هنا فقال : { لهم } أي للمجادلين هذا الجدال : { اتبعوا ما } أي ~~ابذلوا جهدكم في تبع الذي , وأظهر لزيادة التشنيع أيضا فقال : { أنزل الله ~~} الذي خلقكم وخلق آبائكم الأولين , وهو الذي لا عظيم إلا هو { قالوا } ~~جمودا : لا نفعل { بل نتبع } وإن جاهدنا بالأنفس والأموال { ما وجدنا عليه ~~آباءنا } لأنهم أثبت منا عقولا , وأقوم قيلا , وأهدى سبيلا . | ولما كانوا ~~لا يسلكون طريقا حسيا بغير دليل , كان التقدير : أتتبعونهم لو كان الهوى ~~يدعوهم فيما وجدتموهم عليه إلى ما يظن فيه الهلاك , لكونه بغير دليل , فعطف ~~عليه قوله : { أو لو كان الشيطان } أي البعيد من الرحمة المحترق باللعنة , ~~وهو أعدى اعدائهم , دليللهم فهو { يدعوهم } إلى الضلال فيوقعهم فيما يسخط ~~الرحمن فيوديهم ذلك { إلى عذاب السعير * } وعبر بالمضارع تصويرا لحالهم في ~~ضلالهم وأنه مستمر , وأطلق العذاب على سببه . | ولما كان التقدير : فمن ~~جادل في الله فلا متمسك له , عطف عليه قوله في شرح حال أضدادهم : { ومن ~~يسلم } أي في الحال أو الاستقبال { وجهه } أي قصده وتوجهه وذاته كلها . | ~~ولما كان مقصود السورة إثبات الحكمة , عدى الفعل ب ( إلى ) تنبيها على ~~إتقان الطريق بالوسائط من النبي أو الشيخ وحسن الاسترشاد في ذلك , فقال ~~معلقا بما تقديره : ساترا وواصلا { إلى الله } الذي له صفات الكمال , فلم ~~يبق لنفسه أمر أصلا , فهو لا يتحرك إلا بأمر من أوامره سبحانه { وهو } أي ~~والحال أنه { محسن } أي مخلص الإمساك بغاية ما يقدر عليه من القوة في بادئه ~~الأمور لترقية نفسه من حضيضها إلى أوج الروح على أيدي المسلكين الذين ~~اختارهم لدينه , العارفين بأخطار السير وعوائق الطريق { بالعروة الوثقى } ~~التي هي أوثق ما يتمسك به فلا سقوط له أصلا , فليسررك شكره فإن ربه يعليه ~~إلى كل مراد ما دام متمسكا بها تمثيلا لحال هذا السائر بحال من سقط في بئر ~~, أو أراد أن يرقى جبلا , فادعى له صاحبه حبلا ذا عرى فأخذ بأوثقها , فهو ~~يعول به إذا جره صديقه . | وهو قادر على جره لا محالة من غير ms3840 انفصام , لأن ~~متمسكه في غاية الإحكام . | ولما كان الكل صائرين إليه , رافدين عليه : من ~~استمسك بالأوثق , ومن استمسك بالأوهى , ومن لم يتمسك بشيء , إلا أن الأول ~~صائر مع السلامة , وغيره مع العطب , PageV06P026 قال مظهرا للأمر ولئلا ~~يقيد بحيثيه عاطفا على ما تقديره : فيصير إلى الله سالما , فإلى الله ~~عاقبته لا محال : { وإلى الله } أي الملك الأعظم وحده تصير { عاقبة الأمور ~~* } أي كما أنه كانت منه بادئتها , وإنما خص العاقبة لأنهم مقرون بالبادئة ~~. | ولا ذكر المسلم ذكر الكافر فقال : { ومن كفر } أي ستر ما أداه إليه ~~عقله من أن الله لا شريك له , وأنه لا قدرة لأحد سواه , ولم يسلم وجهه إليه ~~, فتكبر على الدعاة وأبى أن ينقاد لهم , اتباعا لما قاده إليه الهوى . | ~~بأن جعل لنفسه اختيارا وعملا فعل القوي القادر , فقد ألقى نفسه في كل هلكة ~~لكونه لم يتمسك شيء { فلا يحزنك } أي يهمك ويوجعك , وأفرد الضمير باعتبار ~~لفظ من لإرادة التنصيص على كل فرد فقال : { كفره } كائنا من كان فإنه لم ~~يفتك شيء فيه خير ولا معجز لنا ليحزنك , ولا تبعة عليك بسببه , وفي التعبير ~~هنا بالماضي وفي الأول بالمضارع بشارة بدخول كثير في هذا الدين , وأنهم لا ~~يرتدون بعد إسلامهم , وترغيب في الإسلام لكل من كان خارجا عنه , فالآية من ~~الاحتباك : ذكر الحزن ثانيا دليلا على حذف ضده أولا , وذكر الاستسماك أولا ~~دليلا على حذف ضده ثانيا . | ولما كان الحزن بمعنى الهم , حسن التعليل ~~بقوله التفاتا إلى مظهر العظمة التي هذا من أخفى مواضعها , وجمع لأن ~~الإحاطة بالجمع أدل على العظمة : { إلينا } أي خاصة بما لنا من العظمة التي ~~لا تثبت لها الجبال { مرجعهم } أي رجوعهم وزمانه ومكانه أي معنى في الدنيا ~~وحسا يوم الحساب , لا إلى غيرنا , ولما بين أنهم في قبضته , وأنه لا بد من ~~بعثهم , بين أن السبب في ذلك حسابهم لتظهر الحكمة فقال : { فننبئهم } بسبب ~~إحاطتنا بأمرهم وعقب رجوعهم { بما عملوا } أي ونجازيهم عليه إن أردنا . | ~~ولما كان معنى التضعيف : نفعل فعل منقب ms3841 عن الأمور مفتش على جليها وخفيها , ~~جليلها ودقيقها , فلا نذر شيئا منها , علله بقوله معبرا بالاسم الأعظم ~~المفهم للعظمة وغيرها من صفات الكمال التي من أعظمها العلم , لفتا للكلام ~~عن العظمة التي لا تدل على غيرها إلا باللزوم , مؤكدا لإنكارهم شمول علمه { ~~إن الله عليم } أي محيط العلم بما له من الإحاطة بأوصاف الكمال { بذات ~~الصدور * } أي بالأعمال التي هي صاحبتها , ومضمرة ومودعة فيها , فناشئة ~~عنها ومن قبل أن تبرز إلى الوجود , فكيف بذلك بعد عملها . | < < # | لقمان : ( 24 - 27 ) نمتعهم قليلا ثم . . . . . # > > ^ ( نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ * ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * لله ما في ~~السماوات والأرض إن PageV06P027 الله هو الغني الحميد * ولو أنما في الأرض ~~من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله ~~عزيز حكيم ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما تشوف المسلم إلى إهلاك من هذا شأنه وإلى العلم بمدة ذلك , وكان ~~من طبع الإنسان العجلة , أجاب من يستعجل بقوله عائدا إلى مظهر العظمة التي ~~يتقاضاها إذلال العدو وإعزاز الولي : { نمتعهم قليلا } أي من الزمان ومن ~~الحظوظ وإن جل ذلك عند من لا علم له , فلا تشغلوا أنفسكم بالاستعجال عليهم ~~فإن كل آت قريب . | ولما كان إلجاء المتجبرين إلى العذاب امرا مستبعدا , ~~أشار بأداة البعد إلى ما يحصل عنده من صفات الجلال , التي تذل الرجال , ~~وتدك الجبال , وفيه أيضا إشارة إلى استطالة المحسنين من تمتيعهم وإن كان ~~قليلا في الواقع , أو عند الله فقال : { ثم نضطرهم } أي نأخذهم اخذا لا ~~يقدرون على الانفكاك عنه بنوع حيلة , وأشار إلى طول إذلالهم في مجة السوق ~~بحرف الغاية , فكان المعنى : فنصيرهم بذلك الأخذ { إلى عذاب غليظ * } أي ~~شديد ثقيل , لا ينقطع عنهم اصلا ولا يجدون لهم منه مخلصا من جهة من جهاته , ~~فكأنه في شدته وثقله جرم غليظ جدا إذا برك على شيء لا يقدر على الخلاص منه ~~. | ولما كان من أعجب العجب مجادلتهم مع ms3842 إقرارهم بما يلزمهم به قطعا ~~التسليم في أن الواحد لا شريك له وأن له جميع صفات الكمال فله الحمد كله , ~~قال : { ولئن } أي يجادلون أو يقولون : بل نتبع آباءنا والحال أنهم أن { ~~سألتهم من خلق السموات } بأسرها { والأرض } وجميع ما فيها { ليقولن } ولما ~~كان الأنسب للحكمة التي هي مطلع السورة الاقتصار على محل الحاجة , لم يزد ~~هنا على المسند إليه بخلاف الزخرف التي مبناها الإبانة , فقال لافتا القول ~~عن العظمة إلى أعظم منها فقال : { الله } أي ( المسمى بهذا الاسم الذي جمع ~~مسماه بين الجلال والإكرام ) فقد أقروا بأن كل ما أشركوا به بعض خلقه ~~ومصنوع من مصنوعاته . | ولما كانوا يعتقدون أن شركائهم تفعل لهم بعض ~~الأفعال , فلذلك كانوا يرجونهم ويخافونهم , كما أن ذلك واضح في قصة عم أنس ~~الصم وغيرها , أمره صلى الله عليه وسلم بأن يعلمهم أنه لا خلق لغيره ولا ~~أمر , بل هو مبدع كل شيء في السماوات والأرض كما أبدعهما , وأن من جملة ذلك ~~مما يستحق به الحمد سبحانه قهرهم على تصديقه صلى الله عليه السلام بمثل هذا ~~الإقرار وهم في غاية التكذيب , فقال مستأنفا : { قل الحمج } أي الإحاطة ~~بجميع أوصاف الكمال { الله } أي الذي له الإحاطة الشاملة الكاملة من غير ~~تقييد بخلق الخافقين ولا غيره ( الأمر أعظم من مقالة قاءل ) كما أحاط بما ~~تعلمونه من خلق السماوات PageV06P028 والأرض , فهو فاعل الأفعال كلها , كما ~~أنه خالق الذوات كلها , ولا شريك له في شيء من الأمر , كما أنه لا شريك له ~~في شيء من الخلق . | ولما كانوا يظنون أن أصنامهم تصنع شيئا كما قالت امرأة ~~ذي النور الدرسي رضي الله عنه : هل يخشى على الصبية من ذي الشرى , وكما قال ~~قوم ضمام بن ثعلبة رضي الله عنه لما سبب آلهتهم : اتق الجدام اتق البرص , ~~وكما قال سادن العوى , وكما قالت ثقيف في طاغيتهم , حتى أنهم قالوا عندما ~~سويت بالأرض , والله ليغضبن الأساس , حتى حمل ذلك المغيرة بن شعبة رضي الله ~~عنه على أن حفر الأساس , وكانوا إذا مستهم ms3843 الضراء لا سيما في البحر تبرؤوا ~~منها , وأسندوا الأمر إلى من هو له كما هو مضمون التوحيد , فكان ربما قال ~~قائل استنادا إلى ذلك : إنهم ليعلمون ما أثبت بالتحميد , قال : { بل أكثرهم ~~لا يعلمون * } أي إن الله هو المنفرد بكل شيء كما أنه تفرد بخلق السماوات ~~والأرض , وأنه لا يكون شيء , إلا بإذنه لأنهم لا يعملون بما يعلمون من ذلك ~~, وعلم لا يعمل به عدم , بل العدم خير منه , وكان القليل هم المقتصدون عنه ~~النجاة من الشدة كما سيأتي ىنفا , أو يكون المعنى أنه لا علم لهم أصلا إذ ~~لو كان لهم علم لنفعهم في علمهم بالله , أو في أنهم لا يقرون بتفرده سبحانه ~~بالخلق والرزق , فيكون ذلك موجبا لتناقضهم وملزما لهم بالإقرار بصدقك غي ~~الحكم بوحدانيته على الإطلاق . | ولما أثبت لنفسه سبحانه الإحاطة بأوصاف ~~الكمال , شرع يستدل على ذلك , فقال مبينا أن ما أخبر أنه صنعه فهو له : { ~~لله } أي الملك الأعظم المحيط بجميع أوصاف الكمال خاصة جون غيره { ما في ~~السموات } كلها . | ولما تحرر بما تقدم أنهم عالمون مقرون بما يلزم عنه ~~وحدانيته , لم يؤكد بإعادة { ما } والجار , بل قال : { والأرض } أي كلها ~~كما كانتا مما صنعه , فلا يصح أن يكون شيء من ذلك له شريكا . | ولما ثبت ~~ذلك أنتج قطعا قوله : { إن الله } أي الملك الأعظم { هو } أو وحده , وأكد ~~لأن ادعائهم الشريك يتضمن إنكار غناه , ولذلك أظهر موضع الإضمار إشارة إلى ~~أن كل ما وصف به فهو ثابت له مطلقا من غير تقييد بحيثيته { الغني } مطلقا , ~~لأن جميع الأشياء له ومحتاجة إليه , وليس محتاجا إلى شيء أصلا . | ولما كان ~~الغني قد لا يوجب الحمد لله : { الحميد * } أي المستحق لجميع المحامد , ~~لأنه المنعم على الإطلاق , المحمود بكل لسان ألسنة الأحوال والأقوال , ولو ~~كان نطقها ذما فهو حمد من حيث إنه هو الذي أنطقها , ومن قيد الخرس . | ولما ~~كان الغني قد يكون ماله محصورا كما في السماوات والأرض الذي قدم أنه له , ~~والمحمود قد يكون ما يحمد عليه ms3844 مضبوطا مقصورا أثبتت أنه على غير ذلك , بل ~~لا PageV06P029 حد لغناه , ولا ضبط لمعلوماته ومقدروراته الموجبة لحمده ولا ~~تناه , فقال : { ولو } أي له الصفتان المذكورتان والحال أنه لو { أن ما في ~~الأرض } أي كلها , ودل على الاستغراق وتقصى كل فرد فرد من الجنس بقوله : { ~~من شجرة } حيث وحدها { أقلام } أي والشجرة يمدها من بعدها على سبيل ~~المبالغة سبع شجرات , وأن ما في الأرض من بحر مداد لتلك الأقلام { والبحر } ~~أي والحال أن البحر , وعلى قراءة البصريين بالنصب التقدير : ولو أن البحر { ~~يمده } أي يكون مددا وزيادة فيه { من بعده } أي من ورائه { سبعة أبحر } ~~فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد الذي الأرض كلها له دواة كلمات الله { ما ~~نفدت } وكرر الاسم الأعظم تعظيما للمقام فقال مظهرا للإشارة مع التبرك إلى ~~عدم التقيد بشيء وإن جل : { كلمات الله } وفنيت الأقلام والمداد , وأشار ~~بجمع القلة مع الإضافة إلى اسم الذات إلى زبادة العظمة بالعجز عن ذلك ~~القليل فيفهم العجز عن الكلم من باب الأولى , ويتبع الكلمات الإبداع , فلا ~~تكون كلمة إلا الأحداث شأن من الشؤون ^ ( { إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون } ) ^ [ يس : 82 ] وعلم من ذلك نفاد الأبحر كلها لأنها ~~محصورة , فهي لا تفي بما ليس بمحصور , فيا لها من عظمة لا تتناهى ! ومن ~~كبرياء لا تجارى , ولا تضاهى , لا جرم كان نتيجة ذلك قوله مؤكدا لأن ~~ادعاءهم الشريك إنكار للعزة , وعدم البعث إنكار للحكمة : { إن الله } أي ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما من غير قيد أصلا { عزيز } أي يعجز كل شيء ولا ~~يعجزه شيء { حكيم * } يحكم ما أراده , فلا يقدر أحد على نقضه , ولا علم ~~لأحد من خلقه إلا ما علمه , ولا حكمة لأحد منهم إلا بمقدار ما اورثه , وقد ~~علم أن الآية من الاحتباك : ذكر الأقلام دليلا على حذف مدادها , وذكر ~~السبعة في مبالغة الأبحر دليلا على حذفها في الأشجار , وهو من عظيم هذا ~~الفن , وعلم أيضا من السياق أن المراد بالسبعة المبالغة في الكثرة لا ~~حقيقتها ms3845 , وأن المراد بجمع القلة في ( أبحر ) الكثرة , لقرينة المبالغة , ~~وبجمع القلة في { كلمات } حقيقتها لينتظم المعنى , وكل ذلك سائغ شاءع في ~~لغة العرب . | < < # | لقمان : ( 28 - 30 ) ما خلقكم ولا . . . . . # > > ^ ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير * ألم تر ~~أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير * ذلك بأن الله هو الحق وأن ما ~~يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير ) ^ } ) | ولما ختم بهاتين ~~الصفتين بعد إثبات القدرة على الإبداع من غير انتهاء , ذكر بعض آثارهما في ~~البعث الذي تقدم أول السورة وأثناءها ذكره إلى حذرهم به في قوله ( إلينا ~~مرجعهم ) فقال : { ما خلقكم } أي كلكم في عزته وحكمته إلا كخلق نفس واحدة , ~~PageV06P030 وأعاد النافي نصا على كل واحد من الخلق والبعث على حدته فقال : ~~{ ولا بعثكم } كلكم { إلا كنفس } أي كبعث نفس , وبين الأفراد تحقيقا للمراد ~~, وتأكيدا للسهولة فقال : { واحدة } فإن كلماته مع كونها غير نافذة نافذة , ~~وقدرتها مع كونها باقية بالغة , فنسبه القليل والكثير إلى قدرته على حد ~~سواء , لأنه لا يشغله شأن عن شأن , ثم دل على ذلك بقوله مؤكدا لأن تكذيبهم ~~لرسوله وردهم لما شرفهم به يتضمن الإنكار لأن يكونوا بمرأى منه ومسمع : { ~~إن الله } أي الملك الأعلى الذي له الإحاطة الشاملة { سميع } أي بالغ السمع ~~يسمع كل ما يمكن سمعه من المعاني في آن واحد لا يشغله شيء منها عن غيره { ~~بصير * } بليغ البصر يبصر كذلك كل ما يمكن أن يرى من الأعيان والمعاني , ~~ومن كان كذلك كان المحيط العلم بالغه شامل القدرة تامها , فهو يبصر جميع ~~الأجزاء من كل ميت , ويسمع كل ما يسمع من معانيه , فهو بإحاطة علمه وشمول ~~قدرته يجمع تلك الأجزاء , ويميز بعضها من بعض , ويودعها تلك المعاني , فإذا ~~هي أنفس قائمة كما كانت أول مرة في أسرع من لمح البصر . | ولما قرر هذه ~~الآية الخارقة , دل عليها بأمر محسوس يشاهد ms3846 كل يوم مرتين , مع دلالته على ~~تسخير ما في السموات والأرض , وإبطال قولهم : < # > 77 ( { ما يهلكنا إلا الدهر } ) 77 < # > [ الجاثية : 24 ] بأنه , هو الذي أوجد الزمان بتحريك الأفلاك , خاصا ~~بالخطاب من لا يفهم ذلك حق فهمه غيره , أو عاما كل عاقل , إشارة إلى أنه في ~~دلالته على البعث في غاية الوضوح فقال : { ألم تر } أي يا من يصلح لمثل هذا ~~الخطاب , ويمكن أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعلم ذلك من ~~المخلوقين حق علمه غيره . | ولما كان كان البعث مثل إيجاد كل من الملوين ~~بعد إعدامه , فكان إنكاره إنكار لهذا , نبه على ذلك بالتأكيد فقال : { أن ~~الله } أي بجلاله وعز كماله { يولج } أي يدخل إدخالا لا مرية فيه { الليل ~~في النهار } فيغيب فيه بحيث لا يرى شيء منه , فإذا النهار قد عم الأرض كلها ~~أسرع من اللمح { ويولج النهار } أي يدخله كذلك { في الليل } فيخفي حتى لا ~~يبقى له أثر , فإذا الليل قد طبق الآفاق : مشارقها ومغاربها في مثل الظرف , ~~فيميز سبحانه كلا منهما - وهو معنى من المعاني - من الآخر بعد إضمحلاله , ~~فكذلك الخلق والبعث في قدرتع بعزته وحكمته لبلوغ سمعه ونفوذ بصره , ولما ~~كان هذا معنى من المعاني يتجدد في كل يوم وليلة , عبر فيه بالمضارع . | ~~ولما كان النيران جرمين عظيمين قد صرفنا على طريق معلوم بقدر لا يختلف , ~~عبر فيهما بالماضي عقب ما هما آيتاه فقال : { وسخر الشمس } آية للنهار ~~بدخول الليل فيه PageV06P031 { والقمر } آية الليل كذلك ! ثم استأنف ما ~~سخرا فيه فقال : { كل } أي منهما { يجري } أي في فلكه سائرا متماديا وبالغا ~~ومنتهيا . | ولما كان محط مقصود السورة الحكمة , وكانت هذه الدار مرتبطة ~~بحكمة الأسباب والتطرير , والمد في الإبداع والتسير , كان الموضع لحرف ~~الغاية فقال : { إلى أجل مسمى } لا يتعداه في منازل معروفة في جميع الفلك ~~لا يزيد ولا ينقص , هذا يقطعها في الشهر مرة وتلك في السنة مرة , لا يقدر ~~منهما أن يتعدى طوره , ولا أن ينقص دوره , ولا أن يغير سيره . | ولما ms3847 بان ~~بهذا التدبير المحكم , في هذا الأعظم , شمول علمه وتمام قدرته , عطف على ( ~~أن الله ) قوله مؤكدا لأجل أن أفعالهم أفعال من ينكر علمه بها : { وأن الله ~~} أي بما له من صفات الكمال المذكورة وغيرها , وقدم الجار إشارة إلى تمام ~~علمه بالأعمال كما مضت الإشارة إليه غير نرة , وعم الخطاب بيانا لما قبله ~~وترغيبا وترهيبا فقال : { بما تعملون } أي في كل وقت على سبيل التجدد { ~~خبير * } لا يعجزه شيء منه لا يخفى عنه , لأنه خالق له كله دق وجله , وليس ~~للعبد في إيجاده غير الكسب لأنه لا يعلم مقدار الحركات والسكنات في شيء منه ~~, ولو كان هو الموجد له لعلم ذلك لأنه لا يقدر على الإيجاد ناقص العلم أصلا ~~, وكم أخبر سبحانه في كتبه وعلى لسان أنبيائه بأشياء مستقبلية من أمور ~~العباد , فكان ما قاله كما قاله , لم يقدر أحد منهم أن يخالف في شيء مما ~~قاله , فتمت كلماته , وصدقت إشاراته وعباراته , وهذا دليل آخر على تمام ~~القدرة على البعث وغيره باعتبار أن الخلائق في جميع الأرض يفوتون الحصر , ~~وكل منهم لا ينفك في كل لحظة عن عمل من حركة وسكون , وهو سبحانه الموجد ~~لذلك كله في كل أن دائما ما تعاقب الملوان , وبقي الزمان , لا يشغله شأن ~~منه على شأن , وقد كان الصحابة رضي الله عنهم لما خوطبوا بهذا في غاية ~~العلم به . | لما ذكر من دليله , ولما شاهدوا من إخبار النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن مغيبات تتعلق بأناس غائبين وأناس حاضرين , منهم البعيد جدا ~~والمتوسط والقريب , وغير ذلك من أحوال توجب القطع لهم بذلك , هذا علمهم ~~فكيف يكون عالم المخصوص في هذه الآية بالخطاب صلى الله عليه وسلم , مع ما ~~يشاهد من آثاره سبحانه وتعالى , ويطلع عليه من إبداعه في ملكوت السماوات ~~والأرض وغير ذلك مما اطلعه عليه سبحانه وتعالى من عالم الغيب والشهادة . | ~~ولما ثبت بهذه الأوصاف الحسنى والأفعال العلى أنه لا موجد بالحقيقة إلا ~~الله قال : { ذلك } أي ذكره لما من الأفعال الهائلة والأوصاف الباهرة ms3848 { بأن ~~} أي بسبب أن { الله } أي الذي لا عظيم سواه { هو } وحده { الحق } أي ~~الثابت بالحقيقة وثبوت PageV06P032 غيره في الواقع عدم , لأنه مستفاد من ~~الغير , وليس له الثبوت من ذاته , ومنه ما أشركوا به , ولذلك أفرده بالنص , ~~فقال صارفا للخطاب الماضي إلى الغيبة على قراءة البصريين وحمزة وحفص عن ~~عاصم إيذانا بالغضب , وقراءة الباقين على الأسلوب الماضي { وأن ما يدعون } ~~أي هؤلاء المختوم على مداركهم , وأشار إلى سفول رتبتهم بقوله : { من دونه } ~~ولما تقدمت الأدلة الكثيرة على بطلان آلهتهم بما لا مزيد عليه , كقوله ( ~~هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه ) وأكثر هنا إظهار الجلالة ~~موضع تنبيها على عظيم المقام لم تدع حاجة إلى التأكيد بضمير الفصل فقال : { ~~الباطل } أي العدم حقا , لا يستحق أن تضاف إليه الإلهية بوجه من الوجوه , ~~وإلا لمنع من شيء من هذه الأفعال مرة من المرات , فلما وجدت على هذا النظام ~~علم أنه الواحد الذي لا مكافئ له . | ولما كانوا يعلونها عن مراتبها ~~ويكبرونها بغير حق , قال : { وأن الله } أي الملك الأعظم وحده , ولما كان ~~النيران مما عبد من دون الله , وكانا قد جمعا علوا وكبرا , وكان ليش لهما ~~من ذاتهما إلا العدم فضلا عن السفول والصغر , ختم بقوله : { هو العلي ~~الكبير } أي عن أن يداينه في عليائه ضد , أو يباريه في كبريائه ند . | < < # | لقمان : ( 31 - 32 ) ألم تر أن . . . . . # > > ^ ( ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ~~ذلك لآيات لكل صبار شكور * وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنآ إلا كل ختار كفور ~~) ^ } ) | ولما تضمنت الآية ثلاثة أشياء , أتبعها دليلها , فقال منبها على ~~أن سيرنا في الفلك مثل سير النجوم في الفلك , وسير أعمارنا في فلك الأيام ~~حتى يولجنا في بحر الموت مثل سير كل من الليل والنهار في فلك الشمس حتى ~~يولجه في الآخر فيذهب حتى كأنه ما كان , ولولا تفرده بالحقية والعلو والكبر ms3849 ~~ما استقام ذلك , خاصا بالخطاب أعلى الناس , تنبيها على أن هذه لكثرة الألف ~~لها أعرض عن تأملها , فهو في الحقيقة حث على تدبرها , ويؤيده الإقبال على ~~الكل عند تعليلها : { ألم تر أن الفلك } أي السفن كبارا وصغارا { تجري } أي ~~بكم حاملة ما تعجزون عن نقل مثله في البر , وعبر بالظرفية إشارة إلى أنه ~~ليس لها من ذاتها إلا الرسوب في الماء لكثافتها ولطافته فقال : { في البحر ~~} أي على وجه الماء , وعبر عن الفعل بأثره لأنه أحب فقال : { بنعمت الله } ~~PageV06P033 أي برحمة الملك الأعلى المحيط علما وقدرة وإحسانه , مجددا ذلك ~~على مدى الزمان عليكم في تعليمكم صنعها حتى تهيأت لذلك على يدي أبيكم نوح ~~العبد الشكور عليه السلام { ليريكم من آياته } أي عجائب قدرته ودلائله التي ~~تدلكم على أنه الحق الذي أثبت بوجوب وجوده ما ترون من الأحمال الثقال على ~~وجه الماء الذي ترسب فيه الإبرة فما دونها , وهي مساوية لغيرها في أن الكل ~~من التراب , فما فاوت بينها إلا هو بتمام قدرته وفعله بالاختيار . | ولما ~~كان هذا أمرا إذا جرد النظر فيه عن كونه قد صار مألوفا بهر العقول وحير ~~الفهزم , أشار إليه بقوله مؤكدا تنبيها مما هم فيه من الغفلة عنه , لافتا ~~الخطاب بعد الجمع إلى الإفراد تنبيها على دقة الأمر وأنه - وإن كان يظن أنه ~~ظاهر - لا يفهمه حق فهمه غيره صلى الله عليه وسلم ( { إن في ذلك } أي الأمر ~~الهائل البديع الرفيع { لآيات } أي دلالات واضحات على ما له من صفات الكمال ~~في عدم غرقه وفي سيرة إلى البلاد الشاسعة , والأقطار البعيدة , وفي كون ~~سيره ذهابا وإيابا تارة بريحين , وأخرى بريح واحدة , وفي إنجاء أبيكم نوح ~~عليه السلام ومن أراد الله من خلقه به وإغراق غيرهم من جميع أهل الأرض , ~~وفي غير ذلك من شؤونه , وأموره وفنونه , ونعمه وفتونه وإن كان أكثر ذلك قد ~~صار مألوفا لكم فجهلتم أنه من خوارق العادات , ونواقض المطردات , وعلم من ~~ختام التي قبلها أن المراد - بقوله جامعا لجميع الإيمان الذي هو ms3850 نصفان : ~~نصف صبر , ونصف شكر , وذلك تمام صفة المؤمن مظهرا موضع لك أو لكم - ما أفاد ~~الحكم بكل من شاركه صلى الله عليه وسلم في الوصفين المذكورين : { لكل صبار ~~} إدامة الفكر في هذه النعم واستحضارها في الشدة والرخاء , وأنها من عند ~~الله , وأنه لا يقدر عليها سواه , والإذعان له في جميع ذلك , حفظا لما دل ~~عليه العقل من أخذ الميثاق بالشكر , وأن لا يصرف الحق إلى غير أهله , فيلزم ~~عليه الإساءة إلى المحسن { شكور * } عليه مبالغ في كل من الصبر والشكر , ~~وعلم من صيغة المبالغة في كل منهما أنه لا يعرف في الرخاء من عظمة الله ما ~~كان يعرفه في الشدة إلا من طبعهم الله على ذلك ووفقهم له وأعانهم عليه بحفظ ~~العهد وترك النقض جريا مع ما تدعو إليه الفطرة الأولى السليمة , وقليل ما ~~هم , وقال الرازي في اللوامع : وكيفما كان فالصبر هو الثبات في مراكز ~~العبودية , والشكر رؤية النعمة من المنعم الحق وصرف نعمه إلى محابه . | ~~ولما كانوا يسارعون إلى الكفر بعد انفصالهم من هذه الآية العظمية , ~~وإلباسهم ههذ النعمة الجسيمة , التي عرفتهم ما تضمنته الآية السالفة من ~~حقيته وحده وعلوه وكبره وبطلان شركائهم , أعرض عنهم وجه الخطاب لأنهم لم ~~يرجعوا بعد الوضوح إيذانا PageV06P034 باستحقاق شديد الغضب والعذاب , فقال ~~معجبا عاطفا على ما تقديره : وأما غير الصبار الشكور فلا يرون ما في ذلك من ~~الآيات في حال رخائهم : { وإذا غشيهم } أي علاهم وهو فيها حتى صار كالمغطى ~~لهم , لأنه منعم من أن تمتد أبصارهم كما كانت { موج } أي هذا الجنس , ولعله ~~أفرده لأنه لشدة اضطرابه وإيتانه شيئا في أثر متتابعا بركب بعضه كأنه شيء ~~واحد , وأصله من الحركة والازدحام { كالظلل } أي حتى كان كأطراف الجبال ~~المظلمة لمن يكون إلى جانبها , وللإشارة إلى خضوعهم غاية الخضوع كرر الأسم ~~الأعظم فقال : { دعوا الله } أي مستحضرين لما يقدر عليه الإنسان من كماله ~~بجلاله وجماله , عالمين بجميع مضمون الآية السالفة من حقيته وعلوه وكبره ~~وبطلان ما يدعون من دونه { مخلصين له الدين ms3851 } لا يدعون شيئا سواه بألسنتهم ~~ولا قلوبهم لما اضطرهم إلى ذلك من آيات الجلال , وقسرهم عليه من العظمة ~~والكمال , واقتضى الحال في سورة الحكمة حذف ما دعوا به لتعظيم الأمر فيه ~~لما اقتضاه من الشدائد لتذهب النفس فيه كل مذهب . | ولما كان القتل بالسيف ~~أسهل عندهم من أن يقال عنهم : إنهم أقروا بشيء هم له منكرون لأجل الخوف خوف ~~السبه بذلك والعار حتى قال من قال : لولا أن يقال إني ما أسلمت إلا جزعا من ~~الموت فيسب بذلك بني من بعدي لأسلمت . | بين لهم سبحانه أنهم وقعوا بما ~~فعلوا عند خوف الغرق في ذلك , وأعجب منه رجوعهم إلى الكفر عند الإنجاء , ~~لما فيه مع ذلك من كفران الإحسان الذي هو عندهم من أعظم الشنع , فقال دالا ~~بالفاء على قرب استحالتهم وطيشهم وجهالتهم : { فلما نجاهم } أي خلصهم رافعا ~~لهم , تنجية لهم عظمية بالتدريج من تلك الأهوال { إلى البر } نزلوا عن تلك ~~المرتبة التي أخلصوا فيها الدين , وتنكبوا سبيل المفسدين وانقسموا قسمين { ~~فمنهم } أي تسبب عن نعمة الإنجاء وربط بها إشارة إلى أن المؤثر لهذا ~~الانقسام إنما هو الاضطرار إلى الإخلاص في البحر والنجاة منهم أنه كان منهم ~~{ مقتصد } متكلف للتوسط والميل للإقامة على الطريق المستقيم , وهو الإخلاص ~~في التوحيد الذي ألجأه إليه الاضطرار , وهم قليل - بما دل عليه التصريح ~~بالتبعيض , ومنهم جاحد للنعمة ملق لجلباب الحياة في التصريح بذلك , وهو ~~الأكثر - كما مضت الإشارة إليه ودل عليه ترك التصريح فيه بالتبعيض , وما ~~يقتصد إلا كل صبار شكور , إما حالا وإما مالا { وما يجحد } وخوف الجاحد ~~بمظهر العظمة التي من شأنها الانتقام , فقال صارفا القول إليه : { بآياتنا ~~} أي ينكرها مع عظمها ولا سيما بعد الاعتراف بها { إلا كل ختار } أي شديد ~~الغدر عظيمة لما نقض من العهد الهادي إليه العقل والداعي إليه الخوف { كفور ~~* } أي عظيم الكفر PageV06P035 لإحسان من هو متقلب في نعمه , في سره وعلنه ~~, وحركاته وسكناته , ولا نعمة إلا وهي منه , ومن هنا جاءت المبالغة في ~~الصفتين , وعلم أنهما طباق ms3852 ومقابلة لختام التي قبلها , وأن الآية من ~~الاحتباك : دل ذكر المقتصد أولا على ( ومنهم جاحد ) ثانيا , وحصر الجحود في ~~الكفور ثانيا على حصر الاقتصاد في الشكور أولا , قال البغوي : قيل : نزلت ~~في عكرمة بن أبي جهل حين هرب رضي الله عنه عام الفتح إلى البحر فجاءهم ريح ~~عاصف - يعني : فقال الركاب على عادتهم : أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم ~~ههنا شيئا - فقال عكرمة رضي الله عنه : لئن أنجاني الله من هذا لأرجعن إلى ~~محمد ولأضعن يدي في يده فسكنت الريح , فرجع عكرمة رضي الله عنه إلى مكة ~~فأسلم وحسن إسلامه , وقال مجاهد : مقتصد في القول مضمر للكفر , وقال الكلبي ~~: مقتصد في القول أي من الكفار , لأن بعضهم كان أشد قولا وأعلى في الأفتراء ~~من بعض . | < < # | لقمان : ( 33 - 34 ) يا أيها الناس . . . . . # > > ^ ( يأيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا ~~مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا ~~يغرنكم بالله الغرور * إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في ~~الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله ~~عليم خبير ) ^ } ) | ولما ظهرت بما ذكر في هذه السورة دقائق الحكمة , ~~وانتشرت في الخافقين ألوية العظمة ونفوذ الكلمة , وأعربت ألسن القدرة عن ~~دلائل الوحدانية , فلم تدع شيئا من العجمة , فظهر كالشمس أنه لا بد من ~~الصيرورة إلى يوم الفصل وختم بالمكذب , أمر سبحانه عباده عامة عاصيهم ~~ومطيعهم بالإقبال عليه , وخوفهم ما هم صائرون إليه , مناديا لهم بأدنى ~~أوصافهم لما لهم من الذبذبة كما عرف به الحال الذي شرح آنفا فقال : { يأ ~~أيها الناس } أي عامة , ولفت الكلام إلى الوصف المذكر بالإحسان ترغيبا ~~وترهيبا فقال : { اتقوا ربكم } أي والذي لا إله اكم غيره , لأنه لا محسن ~~إليكم غيره , اتقاء يدوم وأنتم في غاية الاجتهاد فيه , لا كما فعلتم عند ما ~~رأيتم من أهوال البحر . | ولما كانت وحدة الأله الملك توجب الخوف منه , ~~لأنه لا مكافئ ms3853 له , وكان أن عهد منه أنه لا يستعرض عبادة لمجازاتهم على ~~أعمالهم لا يخشى كما يخشى إذا علم منه أن يستعرضهم قال : { واخشوا يوما } ~~لا يشبه الأيام , ولا يعد هول البحر ولا غيره عند أدنى هول من أهواله شيئا ~~بوجه . | ولما كان المجرم إذا علم أن له عند الملك من يدفع عنه فتر ذلك من ~~خوفه , وكان ما بين الوالد والولد من الحنو والشفقة والعطف والرحمة الداعية ~~إلى المحاماة PageV06P036 والنصرة والفداء بالنفس والمال أعظم مما بين ~~غيرهما , فإذا انتفى إغناء أحدهما عن الآخر انتفى غيرهما بطريق الأولى قال ~~: { لا يجزي } أي يغني فيه , ولعله حذف الصلة إشارة إلى أن هذا الحال لهم ~~دائما إلا أنه سبحانه أقام في هذه الدار أسابا ستر قدرته بها , فصار الجاهل ~~يحيل الأمر ويسنده إليها , وأما هناك فتزول الأسباب , وينجلي غمام الارتياب ~~, ويظهر اختصاص العظمة برب الأرباب . | ولما كانت شفقة الوالد - مع شمولها ~~لجميع أيام حياته - أعظم فهو يؤثر حياة ولده على حياته ويؤثر أن يحمل بنفسه ~~الآلام والأموال بدأ به فقال : { والد } كائنا من كان { عن ولده } أي لا ~~يوجد منه ولا يتجدد في وقت من الأوقات نوع من أنواع الجزاء وإن تحقق أن ~~الولد منه , والتعبير بالمضارع إشارة إلى أن الوالد لا يزال تدعوه الوالدية ~~إلى الشفقة على الولد , وتجدد عنده العطف والرقة , والمفعول إما محذوف لأنه ~~أشد في النفي وآكد , وإما مدلول عليه بما في الشق بعده . | ولما كان الولد ~~لا يتوقع منه الإغناء عن والده في الهزاهز إلا بعد بلوغه , أخره في عبارة ~~دالة على ثبات السلب العام فقال : { ولا مولود } أي مولود كان { هو جاز عن ~~والده } وإن علم أنه بعضه { شيئا } من الجزاء , وفي التعبير ب ( هو ) إشعار ~~بأن المنفي نفعه بنفسه , ففيه ترجية بأن الله قد يأذن له في نفعه إذا وجد ~~الشرط , وعبر هنا بالاسم الفاعل لأن الولد من شأنه أن يكون ذلك له ديدنا ~~لما لأبيه عليه من الحقوق , والفعل يطلق على من ليس من شأنه ms3854 الاتصاف بمأخذ ~~اشتقاقه , فعبر به في الأب لأنه لاحق للولد عليه يوجب عليه ملازمة الدفع ~~عنه , ويكون ذلك من شأنه ومما يتصف به فلا ينفك عنه , وذلك كما أن الملك لو ~~خاط صح أن يقول في تلك الحال : أنه يخيط , ولا يصح ( خياط ) لأن ذلك ليس من ~~صنعته , ولا من شأنه . | ولما كان من المعلوم أن لسان حالهم يقول : هل هذا ~~اليوم كائن حقا ؟ أجيب هذا السؤال بقوله مؤكدا لمكان إنكارهم , لأفتا القول ~~إلى الاسم الأعظم لاقتضاء الوفاء له : { إن وعد الله } الذي له جميع معاقد ~~العز والجلال { حق } يعني أنه سبحانه قد وعد به على جلال جلاله , وعظيم ~~قدرته وكماله , فكيف يجوز أن يقع في وهم فضلا عن أوهامكم أن يخلفه مع أن ~~أدناكم - أيها العرب كافة - لا يرى أن يخلف وعده وإن ارتكب في ذلك الأخطار ~~, وعانى فيه الشدائد الكبار , فلما ثبت أمره , وكان حبهم لسجن هذا الكون ~~المشهود ينسيهم ذلك اليوم , لما جعل سبحانه في هذا الكون من المستلذات , ~~تسبب عنه قوله : { فلا تغرنكم } مؤكدا لعظم الخطب { الحياة الدنيا } أي ~~بزخرفها , ولا ما يبهج من لا تأمل له من فاني رونقها , وكرر الفعل والتأكيد ~~إشارة إلى أن ما لهم PageV06P037 من الألف بالحاضر معم لهم عما فيه من ~~الزور , والخداع الظاهر والغرور , فقال مظهرا غير مضمر لأجل زيادة التنبيه ~~والتحذير : { ولا يغرنكم بالله } الذي لا أعظم منه ولا مكافئ له مع ولايته ~~لكم { الغرور * } أي الكثير الغرور المبالغ فيه , وهو الشيطان الذي لا أحقر ~~منه , لما جمع من البعد والطرد والاحتراق مع عداوته بما يزين لكم من أمرها ~~, ويليهيكم به من تعظيم قدرها , وينسيكموه من كيدها وغدرها , وتعبها وشرها ~~, وأذاها وضرها , فيوجب ذلك لكم الإعراض عن ذلك اليوم , فلا تعدونه معادا , ~~فلا تتخذون له زادا , لما اقترن بغروره من حلم الله وإمهاله , قال سعيد بن ~~جبير رضي الله عنه : الغرة أن يعمل المعصية ويتمنى المغفرة . | ولما كان من ~~الأمر الواضح أن لسان حالهم بعد السؤال عن تحقق ذلك ms3855 اليوم يسأل عن وقته كما ~~مضى في غير آية , ويأتي في آخر التي بعدها , إنا تعنتا واستهزاء وإما حقيقة ~~, أجاب عن ذلك ضاما إليه أخواته من مفاتيح الغيب المذكورة في حديث ابن عمر ~~رضي الله عنهما الآتي , لما في ذلك من الحكمة التي سقيت لها السورة , مرتبا ~~لها على الأبعد فالأبعد عن علم الخلق , فقال مؤكدا لما يعتقدون في كهانهم ~~مظهرا الاسم الأعظم غير مضمر لشدة اقتضاء المقام له : { إن الله } أي بما ~~له من العظمة وجميع أوصاف الكمال { عنده } أي خاصة , ولو قيل له مثلا ما ~~أفاد الحضور , ولو قيل ( لديه ) لأوهم التعبير بلدي التي هي للحضور أن ذلك ~~كناية عن قربها جدا , وأوهم أن علمه تعالى يتفاوت تعلقه بالأشياء بخصوص أو ~~عموم لأجل أن ( لدى ) أخص من عند فكانت عند أوفق للمراد , فإنها أفادت ~~التمكن من العلم مع احتمال تأخرها وسلمت من تطرق احتمال فاسد إليها { علم ~~الساعة } أي وقت قيامها , لا علم لغيره بذلك أصلا . | ولما كان سبحانه قد ~~نصب عليها أمارات توجب ظنونا ةفي قربها , وكشف بعض أمرها , عبر تعالى ~~بالعلم , ولما كانوا قد ألحوا في السؤال عن وقتها , وكانت أبعد الخمس عن ~~علم الخلق , وكانت شيئا واحدا لا يتجزى < # > 77 ( { فإنا هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة } ) 77 < # > [ النازعات : 13 ] أبرزها سبحانه في جملة اسمية دالة على الدوام ~~والثبوت على طريق الحصر , وهذا هو المفتاح الأول من مفاتيح الغيب ينفتح به ~~من العلوم ما يجل عن الحصر , عن قيام الأنفس بأبدانها , ماثلة على مذاقها ~~بجميع أركانها , وأشكالها وألوانها , وسائر شأنها , وطيران الأرواح بالنفخ ~~إليها واحتوائها عليها على اختلاف أنواعهم , وتغاير صورهم وأطوالهم , ~~وتباين ألسنتهم وأعمالهم , إلى غير ذلك من الأمور , وعجائب المقدور , ثم ~~سعيهم إلى الموقف ثم وقوفهم , ثم حسابهم إلى استقرار الفريقين في الدارين , ~~هذا إلى موجهم من شدة الزحام , والكروب العظام بعضا PageV06P038 في بعض . | ~~يطلبون من يشفع لهم في الحساب حتى يقوم المصطفى صلى الله عليه وسلم المقام ~~المحمود الذي يغبطه به الأولون ms3856 والآخرون إلى انتقاض السماوات , وانكدار ما ~~فيها من النيرات , ونزول الملائكة بعد قيامهم من منامهم , وهو لا يحصى أهل ~~سماء منهم , كثرة , كيف وقد أطت السماء وزوال الجبال , ونسف الأبنية ~~والروابي والتلال , وغير ذلك مما لا يعلمه حق علمه إلا هو سبحانه . | { ~~المفتاح الثاني } : آية الله في خلقه على قيام الساعة , وأدل الأدلة عليه ~~وهو إنزال المطر الذي يكشف عن الاختلاط في أعماق الأراضي بالتراب الذي كان ~~نباتا ثم إعادته نبتا كما كان من قبل على اختلاف ألوانه , ومقاديره وأشكاله ~~, وأغصانه وأفنانه , وروائحه وطعومه , ومنافعه وطبائعه - إلى غير ذلك من ~~شؤونه , وأحواله وفنونه , التي لا يحيط بها علما إلا خالقها ومبدعها ~~وصانعها . | ولما كانوا ينسبون الغيث إلى الأنواء أسند الإنزال إليه سبحانه ~~ليفيد الامتنان , وعبر بالجملة الفعلية للدلالة على التجدد فقال : { وينزل ~~الغيث } بلام الاستغراق القائمة مقام التسوير ب ( كل ) وقد أفاد ذلك ~~الاختصاص بالعلم بوقته ومكانه ومقداره وغير ذلك من شؤونه , فإن من فعل شيئا ~~حقيقة لم يعلم أحد وقت فعله وقوعه إلا من قبله . | { المفتاح الثالث } : ~~علم الأجنة وهو الرتبة الثانية في الدلالة على البعث الكاشف عن تخطيطها ~~وتصويرها , وتشكيلها وتقديرها , على وصفي الذكورة والأنوثة , مع الوضوح أو ~~الإشكال , والوحدة أو الكثرة , والتمام أو النقص - إلى ما هناك من اختلاف ~~المقادير والطبائع , والأخلاق والشمائل , والأكساب والصنائع , والتقلبات في ~~مقدار العمر والرزق في الأوقات والأماكن - وغير ذلك من الأحوال التي لا ~~يحصيها إلا بارئ النسم , ومحيي الرمم . | ولما كانت للخلق في ذلك لكثرة ~~الملابسات والمعالجات ظنون في وجود الحمل أولا , ثم في كونه ذكرا أو أنثى ~~ثانيا , ونحو ذلك بما ضرب عليه من الأمارات الناشئة عن طول التجارب , وكثرة ~~الممارسة , عبر العلم فقال : { ويعلم ما في الأرحام } من ذكر أو أنثى حي أو ~~ميت وغير ذلك , وصيغة المضارع لتجدد الأجنحة شيئا فشيئا وقتا بعد وقت , ~~والكلام في اللام والاختصاص بالعلم كالذي قبله سواء . | { المفتاح الرابع } ~~: الكشب الناشئ عما في الأرحام الفاتح لكنوز السعادة وآفات الشقاوة والمسفر ~~عن حقائق الضمائر ms3857 في صدقها عند البلاء وكذبها , وعن مقادير العزائم ورتب ~~الغرائز , وعن أحوال الناس عن ذلك في الصداقة والعداوة والذكاء والغباوة ~~والصفاء والكدر والسلامة والحيل , وغير ذلك من الصحة والعلل , في اختلاف ~~الأمور , PageV06P039 وعجائب المقدور , في الخيور والشرور , مما لا يحيط به ~~إلا مبدعه , وغارزه في عباده وودعه , ولكون الإنسان - مع أنه ألصق الأشياء ~~وألزمه له - لا يعلمه مع إيساعه الحيلة في معرفته , عبر فيه بالدراية لأنها ~~تدل على الحيلة بتصريف الفكر وإجالة الرأي - كما تقدم في سورة يوسف عليه ~~السلام - أن مادة ( درى ) تدور على الدوران , ومن لوازمه إعمال الحيلة ~~وإمعان النظر , فهي أخص من مطلق العلم فقال : { وما تدري نفس } أي من ~~الأنفس البشرية وغيرها { ما } وأكد المعنى ب ( ذا ) وتجريد الفعل فقال : { ~~ذا تكسب غدا } أي في المستقبل من خير أو شر بوجه من الوجوه , وفي نفي علم ~~ذلك من العبد مع كونه ألصق الأشياء به دليل ظاهر على نفي علم ما قبله عنه ~~لأنه أخفى منه , وقد تقدم إثبات علمه له سبحانه وتعالى , فصار على طريق ~~الحصر , وعلم أيضا أنه لا يسند إلى العبد الأعلى طريق الكسب لأنه لو كان ~~مخلوقا له لعلمه قطعا , فثبت أنه سبحانه وتعالى خالقه , فعلم اختصاصه بعلمه ~~من هذا الوجه أيضا . | { المفتاح الخامس } : مكان الموت الذي هو ختام الأمر ~~الدنيوي وطي سجل الأثر الشهودي , وابتداء الأمر الأخروي الظهر لأحوال ~~البرزخ في النزول مع المنتظرين لبقية السفر إلى دائرة البعث وحالة الحشر ~~إلى ما هنالك من ربح وخسران , وعز وهوان , وما للروح من الاتصال بالجسد ~~والرتبة في العلو والسفول , والصعود والنزول , إلى ما وراء ذلك إلى ما لا ~~آخر مما لا يعلم تفاصيله وجمله وكلياته وجزئياته إلا مخترعه وبارئه ومصطنعه ~~. | ولما كان لا يعلمه الإنسان بنوع حيلة من شدة حذره منه وحبه لو أنفق ~~جميع ما يمكله لكي يعلمه , عبر عنه عن الذي قبله فقال مؤكدا بإعادة النافي ~~والمسند : { وما تدري } وأظهر لأنه أوضح وأليق بالتعميم فقال : { نفس } أي ~~من البشر وغيره { بأي ms3858 أرض تموت } ولم يقل : بأي وقت , لعدم القدرة على ~~الانفكاك عن الوقت مع القدرة على الانفكاك عن مكان معين , وإحاطة العلم ~~بكراهة كل أحد للموت , فكان ذلك أدل دليل على جهلة بموضوع موته إذ علم به ~~لبعد عنه ولم يقرب منه , وقد روى البخاري حديث المفاتيح عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مفاتيح الغيب خمس لا ~~يعلمهن إلا الله , ثم قرأ { إن الله عنده علم الساعة } الآية ) وله عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه في حديث سؤال جبرئيل عليه السلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن أشراط الساعة فأخبره ببعضها وقال : ( خمس لا يعلمهن إلا الله { إن ~~الله عنده علم الساعة وينزل الغيب ) آخر السورة , فقد دل الحديث قطعا على ~~أن الآية فيما ينفرد سبحانه وتعالى بعلمه , وقد رتبها سبحانه هذا الترتيب ~~لما تقدم من الحكمة وعلم سر إيتانه بها تارة في جملة اسمية PageV06P040 ~~وتارة في فعلية , وتارة ليس فيها ذكر للعلم , وأخرى يذكر فيها , ويسند إليه ~~سبحانه , ولكن لا على وجه الحصر , وتارة بنفي العلم من غيره فقط من غير ~~إسناد للفعل إليه , وعلم سر قوله ( بأي أرض ) دون أي وقت , كما في بعض طرق ~~الحديث . | ولما كان قد أثبت سبحانه لنفسه اختصاص العلم عن الخلق بهذه ~~الأشياء , أثبت بعدها ما هو أعلم لتدخل فيه ضمنا فيصير مخبرا بعلمه لها ~~مرتين , فقال على وجه التأكيد لأنهم ينكرون بعض ما يخبر به , وذلك يستلزم ~~إنكارهم لبعض علمه : { إن الله } أي المختص بأوصاف الكمال والعظمة ~~والكبرياء والجلال { عليم } أي شامل العلم للأمور كلها , كلياتها وجزئياتها ~~, فأثبت العلم المطلق لنفسه سبحانه بعد أن نفاه على الغير في هذه الخمس ~~تارة نصا وأخرى بطريق الأولى أو باللازم , فانطبق الدليل على الدعوى - ~~والله الموفق . | ولما أثبت العلم على هذا الوجه , أكده لأجل ما سقيت له ~~السورة بقوله : { خبير } أي يعلم خبايا الأمور , وخفايا الصدور , كما يعلم ~~ظواهرها وجلاياها , كل عنده على حد سواء , فهو الحكيم في ذاته ms3859 وصفاته , ~~ولذلك أخفى هذه المفاتيح عن عباده , لأنه لو أطلعهم عليها لفات كثير من ~~الحم , باختلاف هذا النظام , على ما فيه من الإحكام , فقد انطبق آخر السورة ~~- بإثباته الحكمة بإثبات العلم والخبر مع تقرير أمر الساعة التي هي مفتاح ~~الدار الآخرة - على أولها المخبر بحكمة صفته التي من علمها حق علمها , ~~وتخلق بما دعت إليه وحضت عليه لا سيما الإيقان بالآرخة , كان حكيما خبيرا ~~عليما مذهبا مهديا مقربا عليا , فسبحانه من هذا كلامه , وتعالى كبرياؤه وعز ~~مرامه , ولا إله غيره وهو اللطيف . | . . . . | PageV06P041 < # > سورة السجدة < # > < < # | السجدة : ( 1 - 3 ) الم # > > ^ ( الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين * أم يقولون ~~افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك لعلهم ~~يهتدون ) ^ } ) | مقصودها إنذار الكفار بهذا الكتاب السار للأبرار بدخول ~~الجنة والنجاة من النار ، واسمها السجدة منطبق على ذلك بما دعغت إليه آيتها ~~من الإخبات وترك الاستكبار ، وكذا تسميتها بآلم تنزيل فإنه مشير إلى تأمل ~~جميع السورة ، فهو في غاية الوضوح في هذا المقصود { بسم الله } ذي الجلال ~~والإكرام العزيز الغفار { الرحمن } بعموم الشارة والنذارة { الرحيم } الذي ~~أسكن في قلوب أحبابه الشوق إليه والخشوع بين يديه { آلم } تقدم في البقرة ~~وغيرها شيء من أسرار هذه الأحرف ، ومما لم يسبق أنها إشارة إلى أن اله ~~المحيط في علمهه وقدرته وكل شأنه أرسل جبريل عليه السلام إلى محمد الفاتح ~~الخاتم صلى الله عليه وسلم بكتاب معجز دال بإعجازه على صحة رسالته ، ~~ووحدانية من أرسله ، وعدله في العاصين ، وفضله على المطيعين ، وسرد سبحانه ~~هذه الأحرف في أوائل أربع من هذه السور ، فزادت على الطواسين بواحدة ، وذلك ~~بقدر العدد الذي يؤكد به ، وزيادة مبدأ العدد إشارة إلى أن التكرير لم يرد ~~به مطلق التأكيد ، بل دوام التكرير ، إشارة إلى أن هذه المعاني يفي غاية ~~الثبات لا انقطاع لها - والله الهادي . | ولما كانت المقصود في التي قبلها ~~إثبات الحكمة لمنزل هذا الكتاب الذي هو بيان كل شيء الملزوم لتمام العلم ~~وكمال الخبرة ms3860 الذي ختمت به بعد أن أخبر أنه سبحانه مختص بعلم المفاتيح بعد ~~أن أنذر بأمر الساعة ، فثبت بذلك وما قبله أنه ما أثبت شيئا فقدر غيره من ~~أهل الكتاب ولاغيرهم على نفيه ، ولا نفي شيئا فقدر غيره على إثباته ولا ~~إثبات شيء منه ، كانت نتيجة ذلك أنه لا يكون شيء من الأشياء دقيقها وجليلها ~~إلا يعلمه سبحانه وتعالى ، وأجل ذلك إنزالا هذا الذكر الحكيم الذي فيه ~~إثبات هذه العلوم مع شهادة العجز عن معارضته له بأنه من عند الله ، فلذلك ~~قال { تنزيل الكتاب } أي PageV06P042 الجامع لكل هدى على ما ترون من ~~التدريج من السماء { ولا ريب فيه } أي يفي كونه من السماء لأن نافي الريب ~~وممطيه وهو الإعجاز معه لا ينفك عنه ، فكل ما يقولونه مما يخالف ذلك تعنت ~~أو جهل من غير ريب ، حال كونه { من رب العالمين } أي الخالق لهم اللمدبر ~~لمصالحهم ، فلا يجوز في عقل ولا يخطر يفي بال ولا يقع يفي وهم ولا يتصور ~~يفي خيال أنه يترك خلقه - وهو المدبر الحكيم - من غير كتاب يكون سبب ~~إبقائهم أو أن يصل شيء من كتابه إلى هذا النبي الكريم بغير أمره ، فلا ~~يتخيل أن شيئا من ليس بقول الله أن ثم لا يتخيل أنه كلامه تعالى ولكنه أخذه ~~من بعض أهل الكتاب ، لأن هذا يفعل مع ملك فكيف بملك الملوك ، فكيف بمن هو ~~عالم بالسر والجهر ، محيط علمه بالخفي والجلي ، فلو ادعى عليه أحد ما لم ~~يأذن فيه لما أيده بالمعجزات . | ولما أقره على ذلك المدد المتطاولات ، ولا ~~سيما إعجاز ، كل ما ينسبه إليه بالمعجزات ، ويدعيه عليه ، ما في آل عمران ~~كمات كان أول لقمان غاية أول القرآن المطلق . وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير : لما انطوت سورة الروم على ما قد أشير إليه من التنبيه بعجائب ما ~~أودعه سبحانه وتعالى في عالم السماوات والأرض ، وعلى ذكر الفطرة ، ثم اتبعت ~~بسورة لقمان تعريفا بأن مجموع تلك الشواهد من آيات الكتاب وشواهده ودلائله ~~، وأنه قد هدى من شاء ms3861 إلى سبيل الفطرة وإن لم يمتحنه بما امتحن به كثيرا ~~ممن ذكر ، فلم يغن عنه ودعى فلم يجب ، وتكررت عليه الإنذارات فلم يصغ لها ، ~~لأن كل ذلك من الهدى والضلال واقع بمشيئته وسابق إرادته ، واتبع سبحانه ذلك ~~بما ينبه المعغتبر على صحته فقلا : { ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى } [ لقمان : 11 ] فأعلم سبحانه أن الخلاص والسعادة ~~يفي الاستسلام له ولما يقع من أحكامه ، وعزى نبيه صلى الله عليه وسلم وصبره ~~بقوله : { ومن كفر فلا يحزنك كفره } [ لقمان : 23 ] ثم ذكر تعالى لجأ الكل ~~قهرا ورجوعا يحاكم اضطرارهم لوضوح الأمر إليه تعالى فقال : { وائن سألتهم ~~من خلق السماوات والأرض ليقولن الله } ثو وعظ تعالى الكل بقوله { ما خلقكم ~~ولا بعثكم إلا كنفس واحدة } أي إن ذلك لا يشق عليه سبحانه وتعالى ولا يصعب ~~، والقليل والكثير سواء ، ثم نبه بما يبين ذلك من إيلاج الليل يفي النهار ~~والنهار قي الليل وجريان الفلك بنعمته { ذلك بأن الله هو الحق } ، ثم أكد ~~ما تقدم من رجوعهم يفي الشدائد إليه فقال : { وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا ~~الله مخلصبن له الدين } فإذا خلصهم سبحانه وتعالة ونجاهم عادوا إلى سيئ ~~أحوالهم ، هذا وقد عاينوا رفقه بهم وأخذه عند الشدائد بأيديهم وقد اعترفوا ~~بأنه خالق السماوات والأرض ومسخر الشمس والقمر ، وذلك شاهد من حالهم ~~بجريانهم على ما قدر لهم ووقوفهم عند حدود ، PageV06P043 السوابق { ومن ~~يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى } ثم عطف سبحانه ~~على الجميع فدعاهم إلى تقواه ، وحذرهم يوم المعاد وشدته ، وحذرهم من ~~الاغترار ، وأعلمهم أنه المتفرد بعلم الساعة ، وإنزال الغيث ، وعلم ما في ~~الأرحام ، وما يقع من المكتسبات ، وحيث يموت كل من الخلوقات ، فلما كانت ~~سورة لقمان - بما بين من مضمنها - محتوية من التنبيه والتحريك على ما ذكر ، ~~ومعلمة بانفراده سبحانه بخلق الكل وملكهم ن اتبعها تعالى بما يحكم بتسجيل ~~صحة الكتاب ، وأنه من عنده وأن ما انطوى عليه من الدلائل والبراهين يرفع كل ~~ريب ، ويزيل كل ms3862 شك ، | { الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم ~~يقولون افتراه بل هو الحق من ربك } أي أيقع منهم هذا بعد وضوحه وجلاء ~~وشواهده , ثم أتبع ذلك بقوله : { مالكم من دونه من ولي ولا شفيع } وهو تمام ~~لقوله : { ومن يسلم وجهه إلى الله } ولقوله : { ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن الله } ولقوله : { وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله ~~مخلصين له الدين } ولقوله : { اتقوا ربكم ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ~~أفلا تتذكرون } بما ذكرتم , ألا ترون أمر لقمان وهدايته بمجرد دليل فطرته , ~~فما لكم بعد التذكير وتقريع الزواجر وترادف الدلائل وتعاقب الآيات تتوقفون ~~عن السلوك إلى ربكم وقد أقررتم بأنه خالقكم , ولجأتم إليه عند احتياجكم ؟ ~~ثم أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم برجوع من عاند وإجابته حين لا ينفعه رجوع ~~, ولا تغني عنه إجابة , فقال : { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } كما فعلنا ~~بلقمان ومن أردنا توفيقه , ثم ذكر انقسامهم بحسب السوابق فقال : { أفمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون } ثم ذكر مصير الفريقين ومآل الحزبين , ثم ~~أتبع ذلك بسوء حال من ذكر فأعرض فقال : { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم ~~أعرض عنها } وتعلق الكلام إلى آخر السورة - انتهى . | ولما كان الذي قدمه ~~أول السورة على هذا الوجه برهانا ساطعا ودليلا قاطعا على أن هذا الكتاب من ~~عند الله , كان - كما حكاه البغوي والرازي في اللوامع - كأنه قيل : هل ~~آمنوا به ؟ { أم يقولون } مع ذلك الذي لا يمترئ فيه عاقل { افتراه } أي ~~تعمد كذبه ولما كان الجواب : إنهم ليقولون : افتراه , وكان جوابه : ليس هو ~~مفتري لما هو مقارن له من الإعجاز , ترتب عليه قوله : { بل هو الحق } أي ~~الثابت ثباتا لا يضاهيه ثبات شيء من الكتب قبله , كائنا { من ربك } المحسن ~~إليك بإنزاله وإحكامه , وخصه بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم حقيقته حق ~~الفهم سواه . | PageV06P044 ولما ذكر سبحانه إحسانه إليه صلى الله عليه ~~وسلم صريحا , أشار بتعليله إلى إحسانه به أيضا إلى كافة ms3863 العرب , فقال مفردا ~~النذارة لأن المقام له بمقتضى ختم لقمان : { لتنذر قوما } أي ذوي قوة جلد ~~ومنعة وصلاحية للقيام بما أمرهم به { ما اتهم من نذير } أي رسول في هذه ~~الإزمان القريبة لقول ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد الفترة , ويؤيده ~~إثبات الجار في قوله : { من قبلك } أي بالفعل شاهدوه أو شاهده آباؤهم . | ~~وإما بالمعنى والقوة فقد كان فيهم دين إبراهيم عليه السلام إلى أن غيره ~~عمرو بن لحي , وكلهم كان يعرف ذلك وأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يعبد ~~صنما ولا استقسم بالأزلام , وذلك كما قال تعالى : ^ ( { وإن من أمة إلا خلا ~~فيها نذير } ) ^ [ فاطر : 24 ] أي شريعته ودينه , والنذير ليس مخصوصا بمن ~~باشر - نبه على ذلك أبو حيان . | ويمكن أن يقال : ما أتاهم من ينذرهم على ~~خصوص ما غيروا من دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام , وأما إسماعيل ابنه ~~عليه السلام فكان بشيرا لا نذيرا , لأنهم ما خالفوه , وأحسن من ذلك كله ما ~~نقله البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل أن ذلك في الفترة التي كانت ~~بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم , فإنه قد نقل عيسى عليه السلام لما ~~أرسل رسله إلى الآفاق أرسل إلى العرب رسولا . | ولما ذكر علة الإنزال , ~~أتبعها علة الإنذار فقال : { لعلهم يهتدون * } أي ليكون حالهم في مجاري ~~العادات حال من ترجى هدايته إلى كمال الشريعة , وأما التوحيد فلا عذر لأحد ~~فيه بما أقامه الله من حجة العقل مع ما أبقته الرسل عليهم الصلاة والسلام ~~آدم فمن بعده من واضح النقل بآثار دعواتهم وبقايا دلالاتهم , ولذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن أبيه : ( أبي وأبوك في النار ) وقال ~~: ( ا تفتخروا بآبائكم الذين مضوا في الجاهلية فوالذي نفسي بيده لما تدحرج ~~الجعل خير منهم ) في غير هذا من الأخبار القاضية بأن كل من مات قبل دعوته ~~على الشرك فهو للنار . | < < # | السجدة : ( 4 - 5 ) الله الذي خلق . . . . . # > > ^ ( الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى ~~على ms3864 العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون * يدبر الأمر من ~~السمآء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) ^ } ~~) | ولما تقرر بما سبق في التي قبلها من اتصافه تعالى بكمال العلم أنه من ~~عنده وبعلمه لا محالة , وكان هذا أمرا يهتم بشأنه ويعتني بأمره , لأنه عين ~~المقصود الذي ينبني عليه أمر الدين , وختم ما ذكره من أمره ههنا بإقامة ~~اهتدائهم مقام الترجي بإنذاره صلى الله عليه وسلم , أتبعه بيان ذلك بإيجاد ~~عالم الأشباح والخلق ثم عالم الأرواح والأمر , وإحاطة العلم بذلك كله على ~~وجه يقود تأمله إلى الهدى , فقال مستأنفا شارحا لأمر PageV06P045 يندرج فيه ~~إنزاله معبرا بالاسم الأعظم لاقتضاء الإيجاد والتدبير على وجه الانفراد له ~~: { الله } أي الحاوي لجميع صفات الكمال وحده : { الذي خلق السماوات } كلها ~~{ والأرض } بأسرها { وما بينهما } من المنافع العينية والمعنوية . | ولما ~~كانت هذه الدار مبنية على حكمة الأسباب كما أشير إليه في لقمان , وكان ~~الشيء إذا عمل بالتدرج كان أتقن , قال : { في ستة أيام } كما يأتي تفصيله ~~في فصلت , وقد كان قادرا على فعل ذلك في أقل من لمح البصر , ويأتي في فصلت ~~سر كون المدة ستة . | ولما كان تدبير هذه وحفظه وتعهد مصالحه والقيام بأمره ~~أمرا - بعد أمر إيجاده - باهرا , أشار إلى عظمته بأداة التراخي والتعبير ~~بالافتعال فقال : { ثم استوى على العرش } أي استواء لم يعهدوا مثله وهو أنه ~~أخذ في تدبيره وتدبير ما حواه بنفسه , لا شريك له ولا نائب عنه ولا وزير , ~~كما تعهدون من ملوك الدنيا إذا اتسعت ممالكهم , وتباعدت أطرافها , وتناءت ~~أقطارها , وهو معنى قوله تعالى استئنافا جوابا لمن كأنه قال : العرش بعيد ~~عنا جدا فمن استنابه في أمرنا , ولذلك لفت الكلام إلى الخطاب لأنه اقعد في ~~التنبيه : { مالكم من دونه } لأنه كل ما سواء من دونه وتحت قهره , ودل على ~~عموم النفي بقوله : { من ولي } أي يلي أموركم ويقوم بمصالحكم وينصركم إذا ~~حل بكم شيء مما تنذرون به { ولا شفيع } يشفع ms3865 عنده في تدبيركم أو في أحد ~~منكم بغير إذنه , وهو كناية عن قربه من كل شيء وإحاطته به , وأن إحاطته ~~بجميع خلقه على حد سواء لا مسافة بينه وبين شسء أصلا . | ولما كانوا مقرين ~~بأن الخلق خلقه والأمر أمره , عارفين بأنه لا يلي وال من قبل ملك من الملوك ~~إلا بحجة منه يقيمها على أهل البلدة التي أرسل إليها أو ناب فيها , ولا ~~يشفع شفيع فيهم إلا وله إليه وسيلة , تسبب عن ذلك الإنكار عليهم في قوله : ~~{ أفلا تتذكرون } أي تذكرا عظيما بما أشار إليه الإظهار ما تعلمونه من أنه ~~الخالق وحده , ومن أنه لا حجة لشيء مما أشركتموه بشيء مما أهلتموه له ولا ~~وسيلة لشيء منهم إليه يؤهل بها في الشفاعة فيكم ولا أخبركم أحد منهم بشيء ~~من ذلك , فكيف تخالفون في هذه الأمور التي هي أهم المهم , لأن عاقبتها ~~خسارة الإنسان نفسه , فضلا عما دونها عقولكم وما جرت به عوائدكم , وتتعللون ~~فيها المحال , وتقنعون بقيل وقال , وتخاطرون فيه بالأنفس والأولاد والأموال ~~. | ولما نفى أن يكون له شريك أو وزير في الخلق , ذكر كيف يفعل في هذا ~~الملك العظيم الذي أبدعه في ستة أيام من عالم الأرواح والأمر , فقال ~~مستأنفا مفسرا للمراد PageV06P046 بالاستواء : { يدبر الأمر } أي كل أمر ~~هذا العالم بأن يفعل في ذلك فعل الناظر في أدباره لإتقان خواتمه ولوازمه , ~~كما نظر في إقباله لإحكام فواتحه وعوازمه , لا يكل شيئا منه إلى شيء من ~~خلقه , قال الرازي في اللوامع : وهذا دليل على أن استواؤه على العرش بمعنى ~~إظهار القدرة , والعرش مظهر التدبير لا قعر المدبر . | ولما كان المقصود ~~للعرب إنما هو تدبير ما تمكن مشاهدتهم له من العالم قال مفردا : { من ~~السماء } أي فينزل ذلك الأمر الذي أتقنه كما يتقن من ينظر في أدبار ما ~~يعلمه { إلى الأرض } غير متعرض إلى ما فوق ذلك , على السماء تشمل كل عال ~~فيدخل جميع العالم . | ولما كان المقصود أشق من النزول على ما جرت به ~~العوائد , فكان بذلك مستبعدا , أشار إلى ms3866 ذلك بقوله : { ثم يعرج } أي يصعد ~~الأمر الواحد - وهو من الاستخدام الحسن - إليه , أي بصعود الملك إلى الله , ~~أي إلى المواضع الذي شرفه أو أمره بالكون فيه كقوله تعالى : < # > 77 ( { إني ذاهب إلى ربي } ) 77 < # > [ الصافات : 99 ] < # > 77 ( { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله } ) 77 < # > [ النساء : 100 ] ونحو ذلك , أو إلى الموضع الذي ابتدأ منه نزول ~~التدبير وهو السماء وكأنه صاعد في معارج , وهي الدرج على ما تتعارفون بينكم ~~, في أسرع من لمح البصر { في يوم } من أيام الدنيا { كان مقداره } لو كان ~~الصاعدين واحدا منكم واحدا ما تعهدون { ألف سنة مما تعدون } من سنيكم التي ~~تعهدون , والذي دل على هذا التقدير شيء من العرف وشيء من اللفظ , أما اللفظ ~~فالتعبير ب ( كان ) مع انتظام الكلام بدونها لو أريد غير ذلك , وأما العرف ~~فهو أن الإنسان المتمكن يبني البيت العظيم العالي في سنة مثلا , فإذا فرغه ~~صعد إليه خادمه إلى أعلاه في أقل من درجتين من درج الرمل , فلا تكون نسبة ~~ذلك من زمن بنائه إلا جزءا لا يعد , هذا وهو خلق محتاج فما ظنك بمن خلق ~~الخلق في ستة أيام وهو غني عن كل شيء قادر على كل شيء وظاهر العبارة أن هذا ~~التقدير بالألف لما بين السماء والأرض بناء على أن البداية والغاية لا ~~يدخلان , فإذا أردنا تنزيل هذه الآية على أية سأل أخذنا هذا بالنسبة إلى ~~صعود أحدنا مستويا لو أمكن , وجعلت الأرض واحدة في العدد , وأول تعددها كما ~~قيل باعتبار الأقاليم , وزيد عليه مقدار ثخن السماوات وما بينهما , وزيد ~~على المجموع مثل نصفه لمسافة الانحناء في بناء الدرج والتعريج الذي هو مثل ~~محيط الدائرة بالوتر الذي قسمها بنصفين ليمكن الصعود منا , وهو مقدار نصف ~~مسافة الاستواء وشيء يسير , لأنك إذا قسمت دائرة بوتر كان ما بين رأسي ~~الوتر من محيط نصف الدائرة بمقدار ذلك الوتر مرة ونصفا سواء يزاد عليه يسير ~~لأجل تعاريج الدرج , فإذا فعلنا ذلك كان ما بين أحد سطحي الكرسي ~~PageV06P047 المحدب ms3867 وما يقابله من السطح الآخر بحسب اختراقه من جانبيه ~~واختراق أطباق السماوات السبع : الأربعة عشر , اثنين وثلاثين ألف سنة , ~~لأنه يخص كل سماء ألفان , لأنه فهم من هذا السياق أن من مقعر السماء إلى ~~سطح الأرض الذي نحن عليه سيرة ألف سنة وبعد ما بين كل سمائين كبعد ما بين ~~السماء والأرض , وثخن كل سماء كذلك , فيكون بعد ما بين أحد سطحي الأرض إلى ~~سطح الكرسي الأعلى ستة عشر ألف سنة , وبعد ما بين سطح الأرض إلى أعلى سطح ~~الكرسي من الجانب الآخر كذلك , ثم يزداد على المجموع وهو اثنان وثلاثون ألف ~~سنة مسافة ثخن الأرض وهي ألف سنة ليكون المجموع ثلاثة وثلاثين ألف سنة يزاد ~~عليه ما للتعريج , وهو نصف تلك المسافة وشيء يكون سبعة عشر ألف سنة , فذلك ~~خمسون ألف سنة , وإنما جعلت سطح الكرسي الأعلى النهاية , لأن العادة جرت أن ~~لا يصعد إلى عرش الملك غيره , وأن الأطماع تنقطع دونه , بل ولا يصعد إلى ~~كرسيه , وسيأتي اعتبار ذلك في الوجه الأخير , وإن قلنا : إن الأراضي سبع ~~على أنها كرات مرتبة متعالية غير متداخلة , وأدخلنا العرش في العدد فنقول : ~~إنه مع الكرسي على أنها كرات مترتبة متعالية غير متداخلة , وأدخلنا العرش ~~في العدد فنقول : إنه مع الكرسي والسماوات تسعة , فجانباها الحيطان بالأرض ~~ثماني عشرة طبقة , والأراضي سبع , فتلك خمس وعشرون طبقة , فكل واحدة - مع ~~ما بينها وبين الأخرى على ما هو ظاهر الآية - ألفان , فضعف هذا العدد , ~~فيكون خمسين ألفا , وهذا الوجه أوضح الوجوه وأقربها إلى مفهوم الآية , ولا ~~يحتاج معه إلى زيادة لأجل انعطاف الدرج , ويجوز أن نقول : إن السر - والله ~~أعلم - في جعل ما مسيرته خمسمائة سنة - كما في الحديث - ألف سنة لأجل ~~التعريج , والحديث ليس نصا في سير فنقول : الخمسمائة للصاعد في درج مستقيم ~~كدرج الدقل مثلا , والاثنان وسبعون لسير فنقول الألف كما في الآية لدرج ~~منعطف , ويدل عليه ما رواه الترمذي - وقال : إسناده حسن - عن عبدالله بن ~~عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن ms3868 رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو ~~أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى مثل الجمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض , ~~وهي مسيرة خمسمائة سنة , لبلغت الأرض قبل الليل , ولو أنها أرسلت السلسلة ~~لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها ) أو نقول : ~~إن الألف لجملة التدبير بالنزول والعروج - والله أعلم , وإن جعلنا البداية ~~داخلة فتكون الألف من سطح الأرض الذي نحن عليه إلى محدب السماء لتتفق الآية ~~مع الحديث القائل بأن بين PageV06P048 الأرض والسماء خمسمائة سنة , وثخن ~~السماء كذلك , وكذا بقية السماوات والعرش , أدخلنا العرش في العدد وقلنا : ~~إن الأراضي سبع متداخلة كالسماوات , كل واحدة منها في التي تليها , فالتي ~~نحن فيها أعلاها محيطة بها كلها , فهي بمنزلة العرش للسماوات , فتكون ~~السماوات السبع من جانبيها بأربعة فذلك اثنان وثلاثون ألفا يضاف إليها ما ~~يزيد انحناء المعارج الذي يمكن لنا معه العروج , وهو نصف مسافة الجملة وشيء ~~, فالنصف ستة عشر ألفا , ونجعل الشيء الذي لم يتحرر لنا ألفين , فذلك ~~ثمانية عشر ألفا إلى اثنين وثلاثين , فالجملة خمسون ألفا ويمكن أن يكون ذلك ~~بالنسبة إلى السماوات مع الأراضي , والكل متطابقة متداخلة , فتلك ثمان ~~وعشرون طبقة من سطح السماء السابعة الأعلى إلى سطحها الأعلى من الجانب ~~الآخر , فذلك ثمانية وعشرون - ألف سنة , لكل جرم خمسمائة , ولما بينه وبين ~~الجرم الآخر كذلك فذلك ألف والغى الكسر , لكن هذا الوجه مخالف لظاهر الآية ~~التي في سورة سأل , وهي قوله تعالى : < # > 77 ( { تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة } ) ~~77 < # > [ المعارج : 5 ] فإنه ليس فيها ذكر الهبوط والله أعلم . | وكل من هذه ~~الوجوه أقعد مما قاله البيضاوي في سورته سأل , وأقرب للفهم العرف , فإن كان ~~ظاهر حاله أنه جعل الثمانية عشر ألفا من أعلى سرادقات العرش إلى أعلى ~~السرادق , وهو الأعلى منه , والعلم عند الله تعالى , وروى إسحاق بن راهويه ~~عن أبي رضي الله عنه عن رسول صلى الله عليه وسلم قال : ( ما بين سماء ~~الدنيا إلى الأرض ms3869 خمسمائة سنة , وما بين كل سماء إلى التي تليها خمسمائة ~~سنة إلى السماء السابعة , والأرض مثل ذلك , وما بين السماء السابعة إلى ~~العرش مثل جميع ذلك ) واعلم أن القول بأن الأراضي سبع هو الظاهر لظاهر قوله ~~تعالى : < # > 77 ( { الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن } ) 77 < # > [ الطلاق : 12 ] ويعضده ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة رضي الله ~~عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من ظلم قدر شبر من الأرض ~~طوقه الله من سبع أرضين ) وفي رواية للبغوي : خسف به إلى سبع أرضين , ~~PageV06P049 وروى ابن حبان في صحيحه عن ابن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن المؤمن إذا حضره الموت - فذكره إلى أن ~~قال : وأما الكافر إذا قبضت نفسه ذهب به إلى الأرض فنقول خزنة الأرض : ما ~~وجدنا ريحا أنتن من هذه , فيبلغ بها إلى الأرض السفلى ) - قال المنذري : ~~وهو عند ابن كاجه يسند صحيح , ويؤيد من قال : إنها متطابقة متداخلة كالكرات ~~وبين كل أرضين فضاء كالسماوات ما روى الحاكم وصححه عند عبدالله بن عمرو رضي ~~الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الأرضين بين أرض ~~إلى التي تليها مسيرة خمسمائة سنة , فالعليا منها على ظهر حوت ) إلى آخره , ~~وهو في آخر الترغيب للحافظ المنذري في آخر أهوال القيامة في سلاسلها ~~وأغلالها , وروى أبو عبيد القاسم بن سلام في غريب الحديث عن مجاهد رحمه ~~الله أنه قال : إن الحرم حرم مناه من السماوات السبع والأرضين السبع , وأنه ~~رابع أربعة عشر بيتا , في قصده وحذاءه , وفي مجمع الزوائد للحافظ نور الدين ~~الهيثمي أن الإمام أحمد روى من طريق الحكم بن عبد الملك وهو ضعيف عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال : بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه إذا مرت ~~سحابة فقال : هل تدرون ما هذه ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ! قال : العنان ~~وزوايا الأرض يسوقه الله إلى ما لا يشكره , ولا يدعوه , أتدرون ما هذه ms3870 ~~فوقكم ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ! قال : الرفيع موج مكفوف , وسقف محفوظ , ~~أتدرون كم بينكم وبينها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ! قال : مسيرة خمسمائة ~~عام , ثم قال : أتدرون ما الذي فوقها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ! قال : ~~سماء أخرى , أتدرون كم بينكم وبينها ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ! قال : ~~مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع سماوات ثم قال : هل تدرون ما فوق ذلك ؟ قلنا ~~: الله ورسوله أعلم ! قال : والعرش , قال : أتدرون كم بينه وبين السماء ~~السابعة ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ؟ قال : مسيرة خمسمائة عام , ثم قال : ~~ما هذه تحتكم ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ؟ قال : أرض قال : أتدرون ما تحتها ~~؟ قلنا الله ورسوله أعلم ! قال : أرض أخرى , أتدرون كم بينها ؟ قلنا : الله ~~ورسوله أعلم ! قال : مسيرة سبعمائة عام حتى عد سبعين أرضين , ثم قال : وأيم ~~الله لو دليتم بحبل لهبط , ثم قرأ : PageV06P050 < # > 77 ( { هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم } ) 77 < # > [ الحديد : 3 ] قال : رواه الترمذي غير أنه ذكر أن بين كل أرض والأرض ~~الأخرى خمسمائة عام , وهنا سبعمائة , وقال في آخره : ( لو دليتم بحبل لهبط ~~على الله ) ولعله أراد : هلى عرش الله أو على حكمه وعلمه وقدرته , يعني أنه ~~في ملكه وقبضته ليس خارجا عن شيء من أمره - والله أعلم , ورأيت في جامع ~~الأصول لابن الأثير بعد إيراده هذا الحديث ما نصه قال أبو عيسى قراءة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الآية تدل على أنه أراد : لهبط على علم الله ~~وقدرته وسلطانه ويكون مؤيدا للقول بأنها كرات متطابقة متداخلة - والله أعلم ~~- ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما السماوات السبع والأرضون ~~السبع في العرش إلا كحلقة ملقاة في فلاه ) ولم يقل : كدرهم - مثلا , وكذا ~~ما روى محمد بن أبي عمر وإسحاق بن راهويه وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن ~~حنبل وابن حيان عن أبي ذر رضي الله عنه حديثا طويلا فيه ذكر الأنبياء , ~~وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تدري ما مثل السماوات والأرض في ms3871 ~~الكرسي ؟ قلت : لا إلا أن تعلمني مما علمك الله عز وجل , قال : مثل ~~السماوات والأرض في الكرسي كحلقة ملقاة في فلاة , وإن فضل الكرسي على ~~السماوات والأرض كفضل الفلاة على تلك الحلقة ) . | وأصله عند النسائي ~~والطيالسي وأبي يعلى , وكذا ما روى صاحب الفردوس عن ابن عمر رضي الله عنهما ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما السماوات السبع في عظمة الله إلا كجوزة ~~معلقة ) وقوله تعالى : < # > 77 ( { وسع كرسيه السماوات والأرض } ) 77 < # > [ البقرة : 255 ] يدل على أن الكرسي محيط بالكل من جميع الجوانب وقوله ~~تعالى : < # > 77 ( { إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا } ) 77 ~~< # > [ الرحمن : 33 ] صريح في ذلك , فإن النفوذ يستعمل في PageV06P051 الخرق ~~لا سيما مع التعبير ب : ( من ) دون ( في ) , وكذا قوله في السماء { ومالها ~~من فروج } والله الموفق . | < < # | السجدة : ( 6 - 10 ) ذلك عالم الغيب . . . . . # > > ^ ( ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم * الذي أحسن كل شيء خلقه ~~وبدأ خلق الإنسان من طين * ثم جعل نسله من سلالة من مآء مهين * ثم سواه ~~ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون * ~~وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقآء ربهم كافرون ) ^ ~~} ) | ولما تقرر هذا من عالم الأشباح والخلق , ثم عالم الأرواح والأمر , ~~فدل ذلك على شمول القدرة , وكان شامل القدرة لا بد وأن يكون محيط العلم , ~~كانت نتيجته لا محالة : { ذلك } أي الإله العالي المقدار , الواضح المنار { ~~عالم الغيب } الذي تقدمت مفاتيحه آخر التي قبلها من الأرواح والأمر والخلق ~~. | ولما قدم علم الغيب لكونه , أعلى وكان العالم به قد لا يعلم المشهود ~~لكونه لا يبصر قال : { والشهادة } من ذلك كله منها القرآن عليك ووصوله إليك ~~{ العزيز } الذي يعجز كل شيء ولا يعجزه شيء . | ولما كان ربما قدح متعنت في ~~عزته بإهمال العصاة قال : { الرحيم } أي الذي خص أهل التكليف من عباده ~~بالرحمة في إنزال الكتب على السنة الرسل , وأبان لهم ما ترضاه الإلهية , ~~بعد أن عم جميع الخلائق بصفة الرحمانية ms3872 بعد الإيجاد من الإعدام بالبر ~~والإنعام . | ولما ذكر صفة الرحيمية صريحا لأقتضاء المقام إياها , أشار إلى ~~صفة الرحيمية فقال : { الذي أحسن كل شيء } ولما كان هذا الإحسان عاما , خصه ~~بأن وصفه - على قراءة المدني والكوفي - بقوله : { خلقه } فبين أن ذلك ~~بالإتقان والإحكام , كما فسر ابن عباس رضي الله عنهما من حيث التشكيل ~~والتصوير , وشق المشاعر , وتهيئة المدارك , وإفاضة المعاني , مع الفارقة في ~~جميع ذلك , وإلى هذا أشار الإبدال في قراءة الباقين , وعبر بالحسن لأن ما ~~كان وجه الحكمة كان حسنا وإن رآه الجاهل القاصر قبيحا . | ولما كان الحيوان ~~أشرف الأجناس , وكان الإنسان أشرفه , خصه بالذكر ليقوم دليل الوحدانية ~~بالأنفس كما قام قبل الآنفاق , فقال دالا على البعث : { وبدأ خلق الإنسان } ~~أي الذي هو المقصود بالخطاب بهذا القرآن { من طين } أي مما ليس له أصل في ~~الحياة بخلق آدم عليه السلام منه . | ولما كان قلب الطين إلى هذا الهيكل ~~على هذه الصورة بهذه المعاني لأمرا هائلا , أشار إليه بأداة البعد في قوله ~~: { ثم جعل نسله } أي ولده الذي ينسل أي يخرج { من PageV06P052 سلاسة } أي ~~من شيء مسلول , أي منتزع منه { من ماء مهين } أي حقير وضعيف وقليل مراق ~~مبذول , فعيل بمعنى مفعول , وأشار إلى عظمة ما بعد ذلك من خلقه وتطويره ~~بقوله : { ثم سواه } أي عدله لما يراد منه بالتخطيط والتصوير وإبداع ~~المعاني { ونفخ فيه من روحه } الروح ما يمتاز به الحي من الميت , الإضافة ~~للتشريف , فيا له من شرف ما أعلاه إضافته إلى الله . | ولما ألقى السامعون ~~لهذا الحديث أسماعهم , فكانوا جديرين بأن يزيد المحدث لهم إقبالهم ~~وانتفاعهم , لفت إليهم الخطاب قائلا : { وجعل } أي بما ركب في البدن من ~~الأسباب { لكم السمع } أي تدركون به المعاني المصوته , ووحده لقلة التفاوت ~~فيه إذا كان سالما { والأبصار } تدركون بها المعاني والأعيان القابلة , ~~ولعله قدمها لأنه ينتفع بهما حال الولادة , وقدم السمع لأنه يكون إذ ذاك ~~أمتن من البصر . | ولذا تربط القوابل العين لئلا يضعفها النور , وأما العقل ~~فإنما يحصل بالتدريج فلذا أخر ms3873 محله فقال : { والأفئدة } أي المضغ الحارة ~~المتوقدة المحترفة , وهي القلوب المودعة غرائز العقول المتباينة فيها أي ~~تباين ؟ قال الرازي في اللوامع : جعله - أي الإنسان - مركبا من روحاني ~~وجسماني , وعلوي وسفلي , جمع فيه بين العالمين بنفسه وجسده , واستجمع ~~الكونين يعقله وحسه , وارتفع عن الدرجتين باتصال الأمر الأعلى به وحيا ~~قوليا , وسلم الأمر لمن له الخلق والأمر تسليما اختياريا طوعيا . | ولما لم ~~يتبادروا إلى الإيمان عند التذكير بهذه النعم الجسام قال : { قليلا ما ~~تشكرون * } أي وكثيرا ما تكفرون . | ولما كانوا قد قالوا : محمد ليس برسول ~~, والإله ليس بواحد , والبعث ليس بممكن , فدل على صحة الرسالة بنفي الريب ~~عن الكتاب , ثم على الوحداينة بشمول القدرة وإحاطة العلم بإبداع الخلق على ~~وجه هو نعمة لهم , وختم بالتعجيب من كفرهم , وكان استبعادهم للبعث - الذي ~~هو الأصل الثالث - من أعظم كفرهم , قال معجبا منهم في إنكاره بعد التعجيب ~~في قوله : { أم يقولون افتراه } , لافتا عنهم الخطاب إيذانا بالغضب من ~~قولهم : { وقالوا } منكرين لما ركز في الفطر الأول , ونبهت عليه الرسل , ~~فصار بحيث لا يكره عاقل ألم بشيء من الحكمة : { أإذا } أي أنبعث إذا { ~~ضللنا } أي ذهبنا وبطلنا وغبنا { في الأرض } بصيرورتنا ترابا مثل ترابها , ~~لا يتميز بعضه من بعض : قال أبو حيان تبعا للبغوي والزمخشري وابن جرير ~~الطبري وغيرهم : وأصله من ضل الماء في اللبن - إذا ذهب . | ثم كرروا ~~الاستفهام الإنكاري زيادة في الاستبعاد فقالوا : { إنا لفي خلق جديد } هو ~~محيط بنا ونحن مظروفون له . | ولما كان قولهم هذا يتضمن إنكارهم القدرة , ~~وكانوا يقرون بما يازمهم منه الإقرار PageV06P053 بالقدرة على البعث من خلق ~~الخق والإنجاء من كل كرب ونحو ذلك , أشار إليه بقوله : { بل } أي ليسوا ~~بمنكرين لقدرته سبحانه , بل { هم بلقاء ربهم } المحسن بالإيجاد والإبقاء ~~مسخرا لهم كل ما ينفعهم في الآخرة للحساب أحياء سويين كما كانوا في الدنيا ~~, والإشارة بهذه الصفة إلى أنه لا يحسن بالمحسن أن ينغص إحسانه بترك القصاص ~~من الظالم الكائن في القيامة { كافرون * } أي منكرون للبعث عنادا , ساترون ~~لما في ms3874 طباعهم من أدلته , لما غلب عليهم من الهوى القائد لهم إلى أفعال ~~منعهم من الرجوع عنها الكبر عن قبول الحق والأنفة من الإقرار بما يلزم منه ~~نقص العقل . | < < # | السجدة : ( 11 - 13 ) قل يتوفاكم ملك . . . . . # > > ^ ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون * ولو ترى ~~إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا ~~إنا موقنون * ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين ) ^ } ) | ولما ذكر استبعادهم , وأتبعه عنادهم , ~~وكان إنكارهم إنما هو بسبب اختلاط الأجزاء بالتراب بعد إنقلابها ترابا , ~~فكان عندهم من المحال تمييزها من بقية التراب . | دل على أن ذلك عليه هين ~~بأن نبهمم على ما هو مقرون به مما هو مثل ذلك بل أدق . | فقال مستأنفا : { ~~قل } أي جوابا لهم عن شبهتهم : { يتوافكم } أي يقبض أوراحكم كاملة من ~~أجسادكم بعد أن كانت مختلطة بجميع أجزاء البلدان , لا تميز لأحدهما عن ~~الآخر بوجه تعرفونه بنوع حيلة { ملك الموت } ثم أشار إلى أن فعله بقدرته , ~~وأن ذلك عليه في غاية السهولة , ببناء الفعل لما لم يسم فاعله فقال : { ~~الذي وكل بكم } أي وكله الخالق لكم بذلك , وهو عبد من عبيده , ففعل ما أمر ~~به , فإذا البدن ملقى لا روح في شيء منه وهو على حاله كاملا لا نقص في شيء ~~منه يدعي الخلل بسببه , فإذا كان هذا فعل عبد من عبيده صرفه في ذلك فقام به ~~على ما ترونه مع أن ممازجة الروح للبدن أشد من ممازجة تراب البدن لبقية ~~التراب لأنه ربما يستدل بعض الحذاق على بعض ذلك بنوع دليل من شم ونحوه , ~~فكيف يستبعد شيء من الأشياء على رب العالمين , ومدير الخلائق أجمعين ؟ فما ~~قان هذا البرهان القطعي الظاهر مع دقته لكل أحد على قدرته التامة على تمييز ~~ترابهم من تراب الأرض , وتمييز بعض تربهم من بعض , وتمييز تراب كل جزء من ~~اجزائهم جل أو دق عن بعض . | علم أن التقدير : ثم يعيدكم خلقا ms3875 جديدا كما ~~كنتم أول مرة , فحذفه كما هو عادة القرآن في حذف كل ما دل عليه السياق ولم ~~يدع داع إلى ذكره PageV06P054 فعطف عليه قوله : { ثم إلى ربكم } أي الذي ~~ابتدأ خلقكم وتربيتكم وأحسن إليكم غاية الإحسان ابتداء , لا إلى غيره , بعد ~~إعادتكم { ترجعون } بأن يبعثكم كنفس واحدة فإذا أنتم بين يديه , فيتم ~~إحسانه وربويته بأن يجازي كلا بما فعل , كما هو دأب الملوك مع عبيدهم , لا ~~يدع أحد منهم الظالم من عبيده مهملا . | ولما تقرر دليل البعث بما لا خفاء ~~فيه ولا لبس , شرع يقص بعض أحوالهم عند ذلك , فقال عادلا عن خطابهم استهانة ~~بهم وإيذانا بالغضب , وخطابا للنبي صلى الله عليه وسلم تسلية له , أو لكل ~~من يصح خطابه , عاطفا على ما تقديره : فلو رأيتهم وقد بعثرت القبور , وحصل ~~ما في الصدور , وهناك أمور أي أمور , موقعا المضارع في حيز ما من شأنه ~~الدخول على الماضي , لأنه لتحقق وقوعه كأن قد كان , واختير التعبير به ~~لترويح النفس بترقب رؤيته حال سماعه , تعجيلا للسرور بترقب المحذور لأهل ~~الشرور : { ولو ترى } أي تكون أيها الرائي من أهل الرؤية لترى حال المجرمين ~~{ إذ المجرمون } أي القاطعون لما أمر الله به أن يوصل بعد أن وقفوا بين يدي ~~ربهم { ناكسوا رؤوسهم } أي مطأطئوها خجلا وخوفا وخزيا وذلا في محل المناقشة ~~{ عند ربهم } المحسن إليهم المتوحد بتدبيرهم , قائلين بغاية الذل والرقة : ~~{ ربنا } أي أيها المحسن إلينا { أبصرنا } ما كما نكذب به { وسمعنا } أي ~~منك ومن ملائكتك ومن أصوات النيران وغير ذلك ما كنا نستبعده , فصرنا على ~~غاية العلم بتمام قدرتك وصدق وعودك { فارجعنا } بما لك من هذه الصفة ~~المقتضية للإحستان , إلى دار الأعمال { نعمل صالحا } ثم حققوا هذا الوعد ~~بقولهم على سبيل التعليل مؤكدين لأن حالهم كان حال الشاك الذي يتوقف ~~المخاطب في إيقانه : { إنا مؤقنون * } أي ثابت لرأيت أمرا لا يحتمله من ~~هوله وعظمه عقل , ولا يحيط به وصف . | ولما ذكر لهم جوابا , علم أنه ~~لهوانهم , لأنه ما جرأهم على العصيان إلا ms3876 وصفة الإحسان , فلا يصلح لهم إلا ~~الخزي والهوان , ولأن الإيمان لا يصح إلا بالغيب قبل العيان . | ولما كان ~~ربما وقع في وهم أن ضلااهم مع الإمعان في البيان , لعجز عن هدايتهم أو توان ~~, قال عاطفا على ما تقديره : إني لا أردكم لأني لم أضلكم في الدنيا للعجز ~~عن هدايتكم فيها , بل لأني لم أرد إسعادكم , ولو شءت لهديتكم , صارفا القول ~~إلى مظهر العظمة لاقتضاء المقام لها : { ولو شئنا } أي بما لنا من العظمة ~~التي تأبى أن يكون لغيرنا شيء يستقل به أو يكون في ملكنا ما لا نريد { ~~لأتينا كل نفس } أي مكلفة لأن الكلام PageV06P055 فيها { هداها } لأي جعلنا ~~هدايتها ورشدها وتوفيقها للإيمان وجميع ما يتبعه من صالح الأعمال في يدها ~~متمكنة منها . | ولما استوفى الأمر حده من العظمة , لفت الكلام إلى الإفراد ~~, دفعا للتعنت وتحقيقا لأن المراد بالأول العظمة فقال : { ولكن } أي لم أشأ ~~ذلك لأنه { حق القول مني } وأنا من لا يخلف الميعاد , لأن الإخلاف إما لعجز ~~أو نسيان أو حاجة ولا شيء من ذلك يليق بجنابي , أو يحل بساحتي , وأكد لأجل ~~إنكارهم فقال مقسما : { لأملان جهنم } التي هي محل إهانتي وتجهم اعدائي بما ~~تهجموا أوليائي { من الجنة } أي الجن طائفة إبليس , وكأنه أنثهم تحقيرا لهم ~~عند من يستعظم أمرهم لما دعا إلى تحقيرهم من مقام الغضب وبدأ بهم ~~لاستعظامهم لهم ولأنهم الذين أضلوهم { والناس أجمعين * } حيث قلت لإبليس : ~~^ ( { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } ) ^ [ ص : 85 ] فلذلك شئت ~~كفر الكافر وعصيان العاصي بعد أن جعلت لهم اختيارا , وغيبت العاقبة عنهم , ~~فصار الكسب ينسب إليهم ظاهرا , والخلق في الحقيقة والمشيئة لي . | < < # | السجدة : ( 14 - 17 ) فذوقوا بما نسيتم . . . . . # > > ^ ( فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد ~~بما كنتم تعملون * إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا ~~بحمد ربهم وهم لا يستكبرون * تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا ومما رزقناهم ينفقون * فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء ms3877 ~~بما كانوا يعملون ) ^ } ) | ولما تسبب عن هذا القول الصادق أنه لا محيص عن ~~عذابهم , قال مجيبا لترققهم إذ ذاك نافيا لما قد يفهمه كلامهم من أنه محتاج ~~إلى العبادة : { فذوقوا } أي ما كنتم تكذبون به منه بسبب ما حق معي من ~~القول { بما } أي بسبب ما { نسيتم لقاء يومكم } الذي تحاسبون فيه ويظهر فيه ~~العدل - عمل الناسي له مع أنه مركوز في طباعكم أنه لا يسوغ لذي علم وحكمة ~~أن يدع عبيده يمرحون في أرضه ويتقلبون في رزقه , ثم لا يحاسبهم على ذلك ~~وينصف مظلومهم , فكان الإعراض عنه مستحقا لأن يسمى نسيانا من هذا الوجه ~~أيضا ومن جهة أنه لما ظهر له من البراهين , ما ملأ الأكوان صار كأنه ظهر , ~~وروي ثم نسي . | ثم علل ذوقهم لذلك أو استانف لبيان المجازاة به مؤكدا في ~~مظهر العظمة قطعا لأطماعهم في الخلاص , ولذا عاد إلى مظهر العظمة فقال : { ~~إنا نسيناكم } أي عاملناكم بما لنا من العظمة ولكم من الحقارة معاملة ~~الناسي , فأوردنا PageV06P056 النار كما أقسمنا لأه ليس أحد إلا يردها , ثم ~~أخرجنا أهل ودنا وتركناهم فيها ترك المنسي . | ولما كان ما تقدم من أمرهم ~~بالذوق مجملا , بينه بقوله مؤكدا له : { وذوقوا عذاب الخلد } أي المختص ~~بأنه لا آخر له . | ولما كان قد خص السبب فيما مضى , عم هنا فقال : { بما ~~كنتم } أي جبلة وطبعا { تعلمون * } من أعمال من لم يخف أمر البعث ناوين ~~أنكم لا تنفكون عن ذلك . | ولما كان قوله تعالى : { بل هم بلقاء ربهم ~~كافرون } قد أشار إلى أن الحامل لهم على الكفر الكبر , وذكر سبحانه أنه قسم ~~الناس قسمين لأجل الدارين , تشوقت النفس إلى ذكر علامة أهل الإيمان كما ~~ذكرت علامة أهل الكفران , فقال معرفا أن المجرمين لا سبيل إلى إيمانهم < # > 77 ( { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه } ) 77 < # > [ الأنعام : 28 ] : { إنما يؤمن بآياتنا } الدالة على عظمتنا { الذين ~~إذا ذكروا بها } من أي مذكر كان , في أي وقت كان , قبل كشف الغطاء وبعده { ~~خروا سجدا } أي بادروا إلى السجود ms3878 مبادرة من كأنه سقط من غير قصد , خضعا ~~لله من شدة تواضعهم وخشيتهم وإخباتهم له خضوعا ثابتا دائما { وسبحوا } أي ~~أوقعوا التنزيه عن كل شائبة نقص من ترك البعث المؤدي إلى تضييع الحكمة ومن ~~غيره متلبسين { بحمد } ولفت الكلام إلى الصفة المقتضية لتنزيههم وحمدهم ~~تنبيها لهم فقال : { ربهم } أي بإثباتهم له الإحاطة بصفات الكمال , ولما ~~تضمن هذا تواضعهم , صرح به في قوله : { وهم لا يستكبرون } أي لا يجددون طلب ~~الكبر عن شيء مما دعاهم إليه الهادي ولا يوجدنه خلقا لهم راسخا في ضمائرهم ~~. | ولما كان المتواضع ربما نسب إلى الكسل , نفى ذلك عنهم بقوله مبينا بما ~~تضمنته الاية السالفة من خوفهم : { تتجافى } أي ترتفع ارتفاع مبالغ في ~~الجفاء - بما أشار إليه الإظهار , وبشر بكثرتهم بالتعبير بجمع الكثرة فقال ~~: { جنوبهم } بعد النوم { عن المضاجع } أي الفرش الموطأة الممهدة التي هي ~~محل الراحة والسكون والنوم , فيكونون عليها كالملسوعين , لا يقدرون على ~~الاستقرار عليها , في الليل الذي هو موضع الخلوة ومحط اللذة والسرور بما ~~تهواه النفوس , قال الإمام السهرودي في الباب السادس والأربعين من عوارفه ~~عن المحبين : قيل : نومهم نوم الفرقى , وأكلهم أكل المرضى , وكلامهم ضرورة ~~, فمن نام من غلبة بهم مجتمع متعلق بقيام الليل وفق لقيام الليل , وإنما ~~النفس إذا طعمت ووطنت على النوم استرسلت فيه , وإذا أزعجت بصدق العزيمة لا ~~تسترسل في الاستقرار , وهذا الإزعاج في النفس بصدق العزيمة هو التجافي الذي ~~قال الله , لأن الهم بقيام الليل وصدق العزيمة يجعل بين الجنس والمضجع سواء ~~وتجافيا . | PageV06P057 ولما كان هجران المضجع قد يكون لغير العبادة , بين ~~أنه لها , فقال مبينا لحالهم : { يدعون } أي على سبيل الاستمرار , وأظهر ~~الوصف الذي جرأهم على السؤال فقال : { ربهم } أي الذي عودهم بإحسانه : ثم ~~علل دعاءهم بقوله : { خوفا } أي من سخطه وعقابه , فإن أسباب الخوف من ~~نقائهم كثيرة سواء عرفوا سببا يوجب خوفا أو لا , فهم لا يأمنون مكره لأن له ~~أن يفعل ما يشاء { وطمعا } أي في رضاء الموجب لثوابه , وعبر به دون الرجاء ~~إشارة إلى ms3879 أنهم لشدة معرفتهم بنقائصهم لا يعدون أعمالهم شيئا بل يطلبون ~~فضله بغير سبب , وإذا كانوا يرجون رحمته بغير سبب فهم مع السبب أرجى , فهم ~~لا ييأسون من رحمه . | واما كانت العبادة تقطع عن التوسع في الدنيا , فربما ~~دعت نفس العابد إلى التسمك بما في يده خوفا من نقص العبادة عن الحاجة لتشوش ~~الفكر والحركة لطلب الرزق , حث على الإنفاق منه إعتمادا على الخلاق والرازق ~~الذي ضمن الخلف ليكونوا بما ضمن لهم أوثق منهم بما عندهم , وإيذانا بأن ~~الصلاة سبب للبركة في الرزق < # > 77 ( { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك } ) 77 ~~< # > [ طه : 132 ] , فقال لفتا إلى مظهر العظمة تنبيها على أن الرزق منه ~~وحده : { ومما رزقناهم } أي بعظمتنا , لا حول منهم ولا قوة { ينفقون * } من ~~غير إسراف ولا تقتير في جميع وجوه القرب التي شرعناها لهم . | ولما ذكر ~~جزاء المستكبرين , فتشوفت النفس إلى جزاء المتواضعين , أشار إلى جزائهم ~~بفاء السبب , إشارة إلى أنه هو الذي وفقهم لهذه الأعمال برحمته , وجعلها ~~سببا إلى دخول جنته , ولو شاء لكان غير ذلك فقال : { فلا تعلم نفس } أي من ~~جميع النفوس مقربة ولا غيرها { ما أخفي لهم } أي لهؤلاء المتذكرين من ~~العالم بمفاتيح الغيوب وخزائنها كما كانوا يخفون أعمالهم لاصلاة في جوف ~~الليل وغير ذلك ولا يراؤون بها , ولعله بأن الله تعالى في قراءة الجماعة ~~تعظيما له بذهاب الفكر في المخفي كل مذهب , أو للعلم بأن الله تعالى الذي ~~أخفوا نوافل أعمالهم لأجله , وسكن حمزة الياء على أنه للمتكلم سبحانه لفتا ~~لأسلوب العظمة إلى أسلوب الملاطفة , والسر مناسبته لحل الأعمال . | ولما ~~كانت العين لا تقر فتهجع إلا عند الأمن والسرور قال : { من قرة أعين } أي ~~من شيء نفيس سار تقر به أعينهم لأجل ما اقلعوها عن قرارها بالنوم ؛ ثم صرح ~~بما أفهمته فاء السبب فقال : { جزاء } أي أخفاها لهم لجزائهم { بما كانوا } ~~أي بما هو لهم كالجبلة { يعملون * } روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن رسول PageV06P058 الله ms3880 صلى الله عليه وسلم : ( قال الله عز ~~وجل : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب ~~بشر ) , قال أبو هريرة : اقرؤوا إن شئتم { افلا تعلم نفس } ( الآية . | < < # | السجدة : ( 18 - 21 ) أفمن كان مؤمنا . . . . . # > > ^ ( أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون * أما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون * وأما الذين ~~فسقوا فمأواهم النار كلمآ أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها وقيل لهم ~~ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون * ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون ~~العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ) ^ } ) | ولما كانوا أهل بلاغة وسلن , وبراعة ~~: وجدل , فكان ربما قال متعنتهم : ما له إذا كان ما تزعمون من أنه لا يبالي ~~بشيء ولا ينقص من خزائنه شيء وهو العزيز الرحيم , لا يسوي بين الكل في ~~إدخال الجنة , والمن بالنعيم فيعمهم بالرحمة الظاهرة كما عمهم بها في ~~الدينا كما هو دأب المحسنين ؟ تسبب عن ذلك أن قال منكرا لذلك مشيرا إلى أن ~~المانع منه خروجه عن الحكمة , فإن تلك دار الجزاء , وهذه دار العمل , ~~فبينهما بون : { أفمن كان } أي كونا كأنه من رسوخه جبلي { مؤمنا } أي راسخا ~~في التصديق العظيم بجميع ما أخبرت به الرسل { كمن كان } ولما كان السياق ~~منسوقا على دليل { مالكم من دونه من ولي ولا شفيع } - الآية , فكان الكافر ~~خارجا عن محيط ذلك الدليل الذي لا يخفي بوجه على أحد له سمع وبصر وفؤاد , ~~اقتضى الحال بالتعبير بالفسق الذي هو الخروج عن محيط فقال : { فاسقا } أي ~~راسخا في الفسق خارجا عن دائرة الإذعان . | ولما توجه الاستفام إلى كل من ~~اتصف بهذا الصف , وكان الاستفهام إنكاريا , عبر عن معناه مصريحا بقوله : { ~~لا يستوون } إشارة - بالجمل على لفظ ( من ) مرة ومعناها أخرى - إلى أنه لا ~~يستوي جمع من هؤلاء يجمع من أولئك ولا فرد بفرد . | ولما نفى استواءهم , ~~أتبعه حال كل على سبيل التفصيل بالجمع لأن الحكم بإرضائه وإسخاطه بفهم ~~الحكم على الواحد منه من باب الأولى فقال : { أما الذين ms3881 آمنوا وعملوا } أي ~~تصديقا لإيمانهم { الصالحات فلهم جنات المأوى } أي الجنات المختصة دون ~~الدنيا التي هي دار ممر , دون النار التي هي دار مفر لا مقر , بتأهلها ~~للمأوى الكامل في هذا الوصف بما أشار إليه ب ( ال ) ثابتون فيها لا يبغون ~~عنها حولا , كما تبؤوا الإيمان PageV06P059 الذي هو أهل للإقامة فلم يبغوا ~~به بدلا { نزلا } أي عددا لهم أول قدومهم في قول الحسن وعطاء , وهو أوفق ~~للمقام كما يعد للضيف على ما لاح { بما كانوا } جبلة وطبعا { يعملون * } ~~دائما على وجه التجديد , فإن أعمالهم من رحمة ربهم , فإذا كانت هذه الجنات ~~نزلا فما ظنك بما بعد ذلك ! وهو لعمري ما أشار إليه قوله صلى الله عليه ~~وسلم : ( ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) وهم كل لحظة في ~~زيادة لأن قدرة الله لا نهاية لها , فإياك أن يخدعك خادع أو يغرك ملحد { ~~وأما الذين فسقوا } أي خرجوا عن دائرة الإيمان الذي هو معدن التواضع وأهل ~~للمصاحبة والملازمة { فمأواهم النار } أي التي لا صلاحية فيها للإيواء بوجه ~~من الوجوه أصلا . | ولما كان السامع جديرا بالعلم بأنهم مجتهدون في الخلاص ~~منها , قال مستأنفا لشرح حالهم : { كلما أرادوا } أي وهم مجتهدون فكيف إذا ~~أراد بعضهم { أن يخرجوا منها } وهذا يدل على أنه يزاد في عذابهم بأن يخيل ~~إليهم ما يظنون به القدرة على الخروج منها كما كانوا يخرجون بفسوقهم من ~~محيط الأدلة من دائرة الطاعات إلى بيداء المعاصي والزلات , فيعالجون الخروج ~~فإذا ظنوا أنه تيسر لهم وهم بعد في غمراتها { أعيدوا } بأيسر أمر وأسهله من ~~أي من أمر بذلك { فيها } إلى المكان الذي كانوا فيه أولا , ولا يزال هذا ~~دأبهم أبدا { وقيل } أي من أي قائل وكل بهم { لهم } أي عند الإعادة إهانة ~~له : { ذوقوا عذاب النار } , ولما وصف عذابهم في النار كان أحق بالوصف عند ~~بيان سبب الإهانة بالأمر بالذوق مع أنه أحق من حيث كونه مضافا محدثا عنه ~~فقال : { الذي كنتم } أي كونا هو لكم كالجبلات ms3882 , وأشار إلى أن تكذيبهم به ~~يتلاشى وعنده كل تكذيب , فكأنه مختص فقال : { ذوقوا عذاب النار } . | ولما ~~وصف عذابهم في النار كان أحق بالوصف عند بيان سبب الإهانة بالأمر بالذوق مع ~~أنه أحق من حيث كونه مضافا محدثا عنه فقال : { الذي كنتم } أي كونا هو لكم ~~كالجبلات , وأشار إلى أن تكذيبهم به يتلاشى عنده كل تكذيب , فكأنه مختص ~~فقال : { به تكذبون * } فإن الإعادة بعد معالجة الخروج أمكن في التصديق ~~باعتبار التجدد في كل آن . | ولما كان المؤمنون الآن يتمنون إصابتهم بشيء ~~من الهوان في هذه الدار , لأن نفوس البشر مطبوعة على العجلة , بشرهم بذلك ~~على وجه يشمل عذاب القبر , فقال مؤكدا له لما عندهم من الإنكار لعذاب ما ~~بعد الموت وللإصابة في الدنيا بما هم من الكثرة والقوة : { ولنذيقنهم } أي ~~أجمعين بالمباشرة والتسبيب , بما لنا من العظمة التي تتلاشى عندها كثرتهم ~~وقوتهم { من العذاب الأدنى } أي قبل يوم القيامة , بأيديكم وغيرها , وقد ~~صدق الله قوله , وقد كانوا عند نزول هذه السورة بمكة المشرفة في غاية ~~PageV06P060 الكثرة والنعمة , فأذاقهم الجدب سنين متوالية , وفرق شملهم ~~وقتلهم وأسرهم بأيدي المؤمنين إلى غير ذلك بما أراد سبحانه ؛ ثم أكد ~~الإرادة لما قبل الآخرة وحققها بقوله , معبرا بما يصلح للغيرية والسفول : { ~~دون العذاب الأكبر } أي الذي مر ذكره في الآخرة { لعلهم برجمون * } أي ~~ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن فسقه عند من ينتظره , وقد كان ذلك , رجع ~~كثير منهم خوفا من السيف , فلما رأوا محاسن الإسلام كانوا من أشد الناس فيه ~~رغبة وله حبا . | < < # | السجدة : ( 22 - 24 ) ومن أظلم ممن . . . . . # > > ^ ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنهآ إنا من المجرمين ~~منتقمون * ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقآئه وجعلناه هدى ~~لبني إسرائيل * وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون ) ^ } ) | ولما كان التقدير : يرجعون عن ظلمهم فإنهم ظالمون , عطف ~~عليه قوله : { ومن أظلم } منهم هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف الذي صاروا ~~أظلم فقال : { ممن ذكر } أي من ms3883 أي مذكر كان وصف القول إلى صفة الإحسان ~~استعطافا وتنبيها على وجوب الشكر فقال : { بآيات ربه } أي الذي لا نعمة إلا ~~منه . | ولما بلغت هذه الآيات من الوضوح أقصى الغايات , فكان الإعراض عنها ~~مستبعدا بعده , عبر عنه بإداة البعد لذلك فقال : { ثم أعرض عنها } ضد ما ~~عمله الذين لم يتمالكوا أن خروا سجدا , ويجوز - وهو أحسن - أن يكون ( ثم ) ~~على بابها للتراخي , ليكون المعنى أن من وقع له التذكير بها في وقت ما , ~~فأخذ يتأمل فيها ثم أعرض عنها بعد ذلك ولو بألف عام فهو أظلم الظالمين , ~~ويدخل فيه ما دون ذلك عن باب الأولى لأنه أجدر بعم النسيان , فهي أبلغ من ~~التعبير بالفاء كما في سورة الكهف , ويكون عدل إلى الفاء هنلك شرحا لما ~~يكون من حالهم , عند بيان سؤالهم , الذي جعلوا بأنه آية الصدق , والعجز عن ~~آية الكذب . | ولما كان الحال مقتضيا للسؤال عن جزائهم , وكان قد فرد ~~الضمير باعتبار لفظ ( من ) تنبيها على قباحة الظلم من كل فرد , قال جامعا ~~لأن إهانة الجمع دالة على إهانة الواحد من باب الأولى , مؤكدا لإن إقدامهم ~~على التكذيب كالإنكار لأن تجاوزوا عليه , صارفا وجه الكلام عن صفة الإحسان ~~إيذانا بالغضب : { إنا } منهم , هكذا كان الأصلي , ولكنه أظهر الوصف نصفا ~~في التعميم وتعليقا للحكم به معينا لنوع ظلمهم تبشيعا له فقال : { من ~~المجرمين } أي القاطعين لما يستحق الوصل خاصة { منتقمون } PageV06P061 وعبر ~~بصيغة العظمة تنبيها على أن الذي يحصل لهم من العذاب لا يدخل تحت الوصف على ~~جرد العداد في الظالمين , فكيف وقد كانوا أظلم الظالمين ؟ والجملة الاسمية ~~تدل على دوام ذلك عليهم في الدنيا إما باطنا بالاستدراج بالنعم , وإما ~~ظاهرا بإحلال النقم , وفي الآخرة بدوام العذاب على مر الآباد . | ولما كان ~~مقصود السورة نفي الريب عن تنزيل هذا الكتاب المبين في أنه من عند رب ~~العالمين , ودل على أن الإعراض عنه إنما هو ظلم وعناد بما ختمه بالتهديد ~~على الإعراض عن الآيات بالانتقام , وكان قد انتقم سبحانه ممن استخف بموسى ~~عليه ms3884 السلام قبل إنزال الكتاب عليه وبعد إنزاله , وكان أول من أنزل عليه ~~كتاب من بني إسرائيل بعد فترة كبيرة من الأنبياء بينه وبين يوسف عليهما ~~السلام وآمن به جميعهم وألفهم الله به وأنقذهم من أسر القبط على يده , ذكر ~~بحالة تسلية وتأسية لمن أقبل وتهديدا لمن أعرض , وبشارة بإيمان العرب كلهم ~~وتأليفهم به وخلاص أهل اليمن منهم من أسر الفرس بسببه , فقال مؤكدا تنبيها ~~لمن يظن أن العظيم لا يرد شيء من أمره : { ولقد آتينا } على ما لنا من ~~العظمة { موسى الكتاب } أي الجامع للأحكام وهو التوارة . | ولما كان ذلك ~~مما لا ريب فيه أيضا , وكان قومه قدرتركوا كثير منه لا سيما فيما قص من ~~صفات نبينا صلى الله عليه وسلم وفيما أمر فيه باتباعه , وكان هذا إعراضا ~~منهم مثل إعراض الشاك في الشيء , وكانوا في زمن موسى عليه السلام أيضا ~~يخالفون أوامره وقتا بعد وقت وحينا إثر حين , تسبب عن الإيتاء المذكور قوله ~~تعريضا بهم وإعلاما بأن العظيم قد يرد رد بعض أوامره لحكمة دبرها : { فلا ~~تكن } أي كونا راسخا - بما أشار إليه فعل الكون وإثبات نونه , فيفهم العفو ~~عن حديث النفس الواقع عن الأمة على ما بينه صلى الله عليه وسلم للكتاب منا ~~وتلقيه له بالرضا والقبول والتسليم , كما فعل المدعون لاتباعه والعمل ~~بكتابه في الإعراض عما دعاهم إليه من دين الإسلام , أو لا نفعل فعل الشاك ~~في لقائك الكتاب منا وإن نسبوك إلى الإفتراء زإن تأخر بعض ما يخبر به ~~فيسكون هدى لمن بقي منهم , وعذابا للماضين , ولا يبقى خبر ما أخبر به أنه ~~كائن إلا كان طبق ما أخبر به , فإنك لتلقاه من لدن حكيم عليم , وقد صبر ~~موسى عليه السلام في تلقي كتابه ودعائه حتى مات على أحسن الأحوال , أو يكون ~~المعنى : ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف عليه فيه فما شك أحد من الثابتين ~~في إيتائنا إياه الكتاب لأجل إعراض من أعرض , ولا زلزلة أدبار من أدبر , ~~وانتقمنا ممن أعرض عنه فلا يكن أحد ممن ms3885 آمن بك في شك من إيتائنا الكتاب لك ~~لإعراض من أعرض , فسنهلك من حكمنا بشقائه انتقاما منه , ونسعد الباقين به . ~~| PageV06P062 ولما أشار إلى إعراضهم عنه وإعراض العرب عن كتابهم , ذكر أن ~~الكل فعلوا بذلك الضلال ضد ما أنزل له الكتاب , فقال ممتنا على بني إسرائيل ~~ومبشرا للعرب : { وجعلناه } أي كتاب موسى عليه السلام جعلا يليق بعظمتنا { ~~هدى } أي بيانا عظيما { لبني إسرائيل } وأشار إلى اختلافهم فيه بقوله : { ~~وجعلنا منهم } أي من أنبيائهم وأحبارهم بعظمتنا , مع ما في طبع الإنسان من ~~اتباع الهوى { أئمة يهدون } أي يوقعون البيان ويعملون على حسبه { بأمرنا } ~~أي بما أنزلنا فيه من الأوامر ؛ ثم ذكر علة جعله ذلك لهم بقوله : { لما ~~صبروا } أي بسبب صبرهم ولأجله - على قراءة حمزة الكسائي بالكسر والتخفيف - ~~أو حين صبرهم على قبول أوامرنا على قراؤة الباقين بالفتح والتشديد , وإن ~~كان الصبر أيضا إنما هو بتوفيق الله لهم { وكانوا بآياتنا } لما لها من ~~العظمة { يوقون * } لا يرتابون في شيء منها ولا يفعلون فعل الشاك فيه ~~الإعراض , وكان ذلك لهم جبلة جبلناهم عليها . | < < # | السجدة : ( 25 - 27 ) إن ربك هو . . . . . # > > ^ ( إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون * أولم ~~يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات ~~أفلا يسمعون * أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا ~~تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون ) ^ } ) | ولما أفهم قوله ( منهم ) ~~أنه كان منهم من يضل عن أمر الله ويصد عنه , وجاء قوله تسلية للمؤمنين ~~وتوعدا للكافرين , استئنافا مؤكدا تنبيها لمن يظن أنه لا بعث , ولفت القول ~~إلى صفة الإحسان إشارة إلى ما يظهر من شرفه صل الله عليه وسلم في ذلك اليوم ~~من المقام المحمود وغيره : { إن ربك } أي المحسن إليك بإرسالك ليعظم ثوابك ~~ويعلي ما بك { هو } أي وحده { يفصل بينهم } أي من الهادين والمضلين ~~والضالين { يوم القيامة } بالقضاء الحق , فيعلى أمر المظلوم ويردي كيد ~~الظالم { فيما كانوا } جبلة , طبعا { فيه } أي خاصة ms3886 { يختلفون * } أي ~~يجددون الاختلاف فيه على سبيل الاستمرار حسب ما طبعوا عيله , لا يخفى عليه ~~شيء منه , وأما غير ما اختلفوا فيه فالحكم فيه لهم أو عليهم لا بينهم , وما ~~اختلفوا فيه لا على وجه القصد فيقع في محل العفو . | ولما كان قد تقدم عن ~~الكفار في هذه السورة قولان : أحدهما في التكذيب بالقرآن , والثاني في ~~إنكار البعث , ودل سبحانه على فسادهما إلى ختم بذكر الآيات والبعث والفصل ~~بين المحق والمبطل , أتبعه استفهامين إنكاريين منشورين على القولين وختمت ~~آية كل منهما بآخر , فتصير الاستفهامات أربعة , وفي مدخول الأول الفصل بين ~~PageV06P063 الفريقين في الدنيا , فقال مهددا : { أو لم } أي أيقولون عنادا ~~لرسولنا : أفتراه ولم { يهد } أي يبين - كما رواه البخاري عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما { لهم كم أهلكنا } أي كثرة من أهلكناه . | ولما كان قرب شيء في ~~الزمان أو المكان أدل , بين قربهم بإدخال الجار فقال : { من قبلهم } أي ~~لأجل معاندة الرسل { من القرون } الماضين من المعرضين عن الآيات , ونجينا ~~من آمن بها , وربما كان قرب المكان منزلا قرب الزمان لكثرة التذكير بالآثار ~~, والتردد خلال الديار . | ولما كان انهماكهك في الدنيا الزائلة قد شغلهم ~~عن التفكر فما ينفعهم عن المواعظ بالأفعال والأقوال , أشار إلى ذلك بتصوير ~~اطلاعهم على ما لهم من الأحوال , بقوله : { يمشون } أي أنهم ليسوا بأهل ~~للتفكر إلا حال المشي { في مساكنهم } لشدة ارتباطهم مع المحسوسات , وذلك ~~كمساكين عاد وثمود وقوم لوط ونحوهم . | ولما كان في هذا أتم عبرة وأعظم عظة ~~, قال منبها عليه مؤكدا تنبيها على أن من لم يعتبر منكر لما فيه من العبر : ~~{ إن في ذلك } أي الأمر العظيم { لآيات } أي دلالات ظاهرات , مرئيات في ~~الديار وغيرها من الآثار , ومسموعات في الأخبار . | ولما كان السماع هو ~~الركن الأعظم , وكان إهلاك القرون إنما وصل إليهم بالسماع , قال منكرا : { ~~أفلا يسمعون } أي إن أحوالهم لا يحتاج من ذكرت له في الرجوع عن الغي إلى ~~غير سماعها , فإن لم يرجع فهو مم لا سمع له { أو لم } أي ms3887 أيقولون في إنكار ~~البعث : إذا ضللنا في الأرض , ولم { يروا أنا } بما لما من العظمة { نسوق ~~الماء } من السماء أو الأرض { إلى الأرض الجزر } أي التي جزر نباتها أي قطع ~~باليبس والتهشم , أي بأيدي الناس فصارت ملساء لا نبت فيها , وفي البخاري عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما : إنها التي لا تمطر إلا مطرا لا يغني عنها شيئا , ~~قالوا : ولا يقال للتي لا تنبت كالسباخ : جزر , ويدل عليه قوله : { فنخرج ~~به } من أعماق الأرض { زرعا } أي نبتا لا ساق له باختلاط الماء بالتراب ~~الذي كان زرعا قبل هذا , وأشار إلى أنه حقيقة , لا مرية فيه , وليس هو ~~بتخييل كما تفعل السحرة , بقوله مذكرا بنعمة الإبقاء بعد الإيجاد : { تأكل ~~منه } أي من حبه وورقه وتبنه وحشيشه { أنعامهم } وقدمها لموقع الامتنان بها ~~لأن بها قوامهم في معايشهم وأبدانهم , ولأن السياق لمطلق إخراج الرزع , ~~وأول صلاحه إنما هو لأكل الأنعام بخلاف ما في سورة عبس , فإن السياق لطعام ~~الإنسان الذي هو نهاية الزرع حيث قال : { فلينظر الإنسان إلى طعامه } [ عبس ~~: 24 ] ثم PageV06P064 قال { فأنبتنا فيها حبا } [ عبس : 27 ] وذكر من ~~طعامه من العنب وغيره ما لا يصلح للأنعام { وأنفسهم } أي من حبه , وأصله ~~إذا كان بقلا . | ولما كانت هذه الآية مبصرة , وكانت في ضوحها في الدلالة ~~على العبث لا يحتاج الجاهل به في الإقرار سوى رؤيتها قل : { أفلا يبصرون } ~~إشارة إلى أن من رآها وتبه على ما فيها من الدلالة وأصر على الإنكار لا بصر ~~له ولا بصيرة . | < < # | السجدة : ( 28 - 30 ) ويقولون متى هذا . . . . . # > > ^ ( ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين * قل يوم الفتح لا ينفع ~~الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون * فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون ) ^ } ~~) | ولما كانت هذه الآية أدل دليل - كما مضى - على البعث , وكان يوما يظهر ~~فيه عز الأولياء وذل الأعداء , أتبعها قوله تعجيبا منهم عطفا على ( يقولون ~~أفتراه ) ونحوها : { ويقولون } أي مع هذا البيان الذي لا لبس معه استهزاء : ~~{ متى هذا الفتح } أي النصر والقضاء والفصل الذي المنغلق ms3888 يوم الحشر { إن ~~كنتم } أي كونا راسخا { صادقين } أي عريقين في الصدق بالإخبار بأنه لا بد ~~من كونه لنؤمن إذا رأيناه . | ولما أسفر حالهم بهذا السؤال الذي محصله ~~الاستعجال على وجه الاستهزاء عن أنهم لا يزدادون مع البيان إلا عنادا , ~~أمرهم بجواب فيه أبلغ تهديد , فقال فاعلا فعل القادر في الإعراض عن إجابتهم ~~عن تعيين اليوم إلى ذكر حاله : { قل } أي لهؤلاء اللد الجهلة : { يوم الفتح ~~} أي الذي يستهزئون به , وهو يوم القيامة - تبادرون إلى الإيمان بعد ~~الانسلاخ مما أنتم فيه من الشماخة والكبر , فلا ينفعكم بعد العيان وهو معنى ~~{ لا } ينفعكم - هكذا كان الأصل , ولكنه أظهر الوصف تعميما وتعليقا للحكم ~~به فقال : { ينفع الذين كفروا } أي غطوا آيات ربهم التي لا خفاء بها سواء ~~في ذلك أنتم وغيركم ممن اتصف بهذا الوصف { إيمانهم } لأنه ليس إيمانا ~~بالغيب , ولكنه ساقه هكذا سوق ما هو معلوم { ولا هم ينظرون } أي يمهلون في ~~إيقاع العذاب بهم لحظة ما من منظر ما . | ولما كانت نتيجة سماعهم لهذه ~~الأدلة استهزاءهم حتى بسؤالهم عن يوم الفتح , وأجابهم سبحانه عن تعيينه ~~بذكر حاله , وكان صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على نفعهم ربما أحب إعلامهم ~~بما طلبوا وإن كان يعلم أن ذلك منهم استهزاء رجاء أن ينفعهم نفعا ما , سبب ~~سبحانه عن إعراضه عن إجابتهم , أمره لهذا الداعي الرفيق والهادي الشفيق ~~بالإعراض عنهم أيضا , فقال مسليا له مهددا لهم : { فأعرض عنهم } أي غير ~~مبال بهم وإن اشتد أذاهم { وانتظر } أي ما نفعل بهم مما فيه إظهار أمرك ~~وإعلاء دينك , ولما كان الحال مقتضيا لتردد السامع في حالهم هل هو الانتظار ~~, أجيب على سبيل التأكيد بقوله : { إنهم PageV06P065 منتظرون * } أي ما ~~يفعل بك وما يكون من عاقبة أمرك فيما تتوعدهم به وفي غيره , وقد انطبق ~~آخرها على أولها بالإنذار بهذا الكتاب , وأعلم بجلالته وجزالته وشدته ~~وشجاعته أنه ليس فيه نوع ارتياب , وأيضا فأولها في التذكيب بتنزيله , ~~وآخرها في الاستهزاء بتأويله , { يوم يأتي تأويله الذي نسوه من قبل } [ ~~الأعراف ms3889 : 53 ] - الآية , وأيضا فالأول في التكذيب بإنزال الروح المعنوي , ~~والآخر في التكذيب بإعادة الروح العيني الحسي الذي ابتدأه أول مرة والله ~~الهادي إلى الصواب . | . . . | PageV06P066 < # > سورة الأحزاب < # > < < # | الأحزاب : ( 1 - 2 ) يا أيها النبي . . . . . # > > ^ ( ياأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان ~~عليما حكيما * واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا ) ^ ~~} ) | مقصودها الحث على الصدق في الإخلاص في التوجه إلى الخالق من غير ~~مراعاة بوجه ما للخلائق ، لأنه عليم بما يصلحهم ، حكيم فيما يفعله فهو يعلي ~~من يشاء وإن كان ضعيفا ، ويردي من يريد وإن كان قويا ، فلا يهتمن الماضي ~~لأمره برجاء لأحد منهم في بره ولا خوف منه في عظيم شره وخفي مكره ، واسمها ~~واضح في ذلك بتأمل القصة التي أشار إليها ودل عليها { بسم الله } الذي مهما ~~أراد كان { الرحمن } الذي سرت رحمته خلال الوجود ، فشملت كل موجود ، بالكرم ~~والجود { الرحيم } لمن توكل عليه بالعطف إليه . | لما ختمت التي قبلها ~~بالإعراض عن الكافرين ، وانتظار ما يحكم به فيهم رب العالمين ، بعد تحقيق ~~أن تنزيل الكتاب من عند المدبر لهذا الخلق كله ، والنهي عن الشك في لقائهع ~~، افتتح هذه بالأمر بأسا ذلك ، والنهي عن طاعة المخالفين مجاهرين كانوا أو ~~متساترين ، والأمر بإتباع الوحي الذي أعظمه الكتاب تنبيها على أن الإعراض ~~إنما يكون طاعة لله مع مراعاة تقواه فقال : | فقال : { يا ايها النبي } عبر ~~بأداة التوسط إيماء إلى أن وقت نزول السورة - وهو آخر سنة خمس , غب وقعة ~~الأحزاب - أوسط مدة ما بعد الهجرة إلاحة إلى أنه لم يبق من أمد كمال النصرة ~~التي اقتضاها وصف النبوة الدال على الرفعة إلا القليل وعبر به لاقتضاء ~~مقصود السورة مقام النبوة الذي هو بين الرب وعبده في تقريبه وإعلائه إلى ~~جنابه إذا قرئ بغير همز , وإن قرئ به كان اللحظ إلى إنبائه بالخفي وتفصيله ~~للجلي , وقال الحرالي في كتاب له في أصول الدين : حقيقة النبوة ورود غيب ~~ظاهر أي من الحق بالوحي الخاص من الخلق , خفي ms3890 عن العامة منهم , ثم قد يختص ~~مقصد ذلك الوارد المقيم لذلك الواحد بذاته , فيكون نبيا غير رسول , وقد يرد ~~عليه عند PageV06P067 تمام أمره ذاته موارد إقامة غيره فيصير رسولا . | ~~والرتبة الأولى كثيرة الوقوع في الخلق , وهي النبوة , والثانية قليلة ~~الوقوع , فالرسل معشار معشار الأنبياء , وللنبوة اشتقاقان : أحدهما من ~~النبأ وهو الخبر , وذلك لمن اصطفي من البشر لرتبة السماع والإنباء فنبئ ~~ونبأ غيره من غير أن يكون عنده حقيقة ما نبيء به ولا ما نبأ فيكون حامل علم ~~, والاشتقاق الثاني من النبوة وهي الارتفاع والعلو , وذلك لمن أعلى عن رتبة ~~النبأ إلى رتبة العلم . | فكان مطلعا على علم ما ورد عليه من الغيب على ~~حقيقته وكماله , فمن علا عن الحظ المتنزل العقلي إلى رتبة سماع , كان نبيئا ~~بالهمز , ومن علا عن ذلك إلى رتبة علم بحقيقة ذلك كان نبيا غير مهموز , ~~فآدم عليه السلام مثلا في علم الأسماء نبي بغير همز , وفي ما وراءه نبيء ~~بهمز , وفيما وراءه نبئ بهمز - انتهى - ولم يناده سبحانه باسمه تشريفا ~~لقدره , وإعلاء لمحله , وحيث سماه باسمه في الأخبار فللتشريف من جهة أخرى , ~~وهي تعيينه وتخصيصه إزالة للبس عنه , وقطعا لشبه التعنت . | ولما ناداه ~~سبحانه بهذا الاسم الشريف المقتضي للانبساط , أمره بالخوف فقال : { اتق ~~الله } أي زد من التقوى يا أعلى الخلائق بمقدار ما تقدر عليه لذي الجلال ~~كله والإكرام , لئلا تلتفت إلى شيء سواه , فإنه أهل لأن يرهب لما له من ~~خلال الجلال , والعظمة والكمال . | ولما وجه إليه الأمر بخشية الولي الولي ~~الودود , أتبعه النهي عن الالتفاف نحو العدو والحسود . | فقال : { ولا تطع ~~الكافرين } أي الممانعين { والمنافقين } أي المصانعين في شيء من الأشياء لم ~~يتقدم إليك الخالق فيه بأمر وإن لاح لائح خوف أو برق بارق رجاء , ولا سيما ~~سؤالنا في شيء مما يقترحونه رجاء إيمانهم مثل أن تعين لهم وقت الساعة التي ~~يكون فيها الفتح , فإنهم إنما يطلبون ذلك استهزاء , قال أبو حيان : وسبب ~~نزولها أنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ms3891 قدم المدينة كان يحب إسلام ~~اليهود , فتابعه ناس منهم على النفاق , وكان يلين لهم جانبه , وكانوا ~~يظهرون النصائح من طرق المخادعة , فنزلت تحذيرا له منهم , وتنبيها على ~~عداوتهم - انتهى ثم علل الأمر والنهي بما يزيل الهموم ويوجب الإقبال عليهما ~~واللوزم , فقال ملوحا إلى أن لهم أغوارا في مكرهم ربما خفيت عليه صلى الله ~~عليه وسلم , وأكد ترغيبا في الإقبال على معلوله بغاية الاهتمام : { إن الله ~~} أي بعظيم كماله وعز جلاله { كان } أزلا وأبدا { عليما } شامل العلم { ~~حكيما } بالغ الحكمة فهو لم يأمرك بأمر إلا وقد علم ما يرتب عليه , وأحكم ~~إصلاح الحال فيه . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : افتتحها ~~سبحانه بأمر نبيه باتقائه , ونهيه PageV06P068 عن الصغو إلى الكافرين ~~والمنافقين , واتباعه ما يوحي إليه , تنزيها لقدره عن محنهة من سبق له ~~الامتحان ممن قدم ذكره في سورة السجدة , وأمرا له بالتسليم لخالقه والتوكل ~~عليه ( والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ) ولما تحصل من السورتين من ~~الإشارة إلى السوابق < # > 77 ( { ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها } ) 77 < # > [ السجدة : 13 ] كان ذلك مظنة لتأنيس نبي الله صلى الله عليه وسلم ~~وصالحي أتباعه , ولهذا أعقب سورة السجدة بهذه السورة المضمنة من التأنيس ~~والبشارة ما يجري على العهود من لطفه تعالى وسعة رحمته , فافتتح سبحانه ~~السورة بخطاب نبيه صلى الله عليه وسلم بالتقوى , وإعلامه بما قد أعطاه قبل ~~من سلوك سبيل النجاة وإن ورد على طريقة الأمر ليشعره باستقامة سبيله , ~~وإيضاح دليله , وخاطبه بلفظ النبوة لأنه أمر عقب تخويف وإنذار وإن كان عليه ~~السلام قد نزه الله قدره على أن يكون منه خلاف التقوى , وعصمه من كل ما ~~ينافر نزاهة حاله وعلى منصبه , ولطن طريقة خطابه تعالى للعباد أنه تعالى ~~متى جرد ذكرهم للمدح من غير أمر ولا نهي فهو موضع ذكرهم بالأخص الأمدح عن ~~محمود صفاتهم , ومنه < # > 77 ( { محمد رسول الله والذين معه } ) 77 < # > [ الفتح : 29 ] - الآيات , فذكر صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة , ~~ومهما كان الأمر والنهي , عدل في الغالب ms3892 إلى الأعم , ومنه { يا أيها النبي ~~اتق الله } < # > 77 ( { يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال } ) 77 < # > < # > 77 ( { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء } ) 77 < # > [ الطلاق : 1 ] < # > 77 ( { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } ) 77 < # > [ التحريم : 1 ] < # > 77 ( { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين } ) 77 < # > [ التوبة : 73 ] < # > 77 ( { يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات } ) 77 < # > [ الممتحنة : 12 ] وقد تبين في غير هذا , وأن ما ورد على خلاف هذا ~~القانون فلسبب خاص استدعى العدول عن المطرد كقوله : < # > 77 ( { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } ) 77 < # > فوجه هذا أن قوله سبحانه { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } موقعه شديد , ~~فعدول بذكره صلى الله عليه وسلم باسم الرسالة لضرب من التلطف , فهو من باب ~~< # > 77 ( { عفا الله عنك لم أذنت لهم } ) 77 < # > [ التوبة : 43 ] وفيه بعض غموض , وأيضا فإنه لما قيل له ( بلغ ) طابق ~~هذا ذكره بالرسالة , فإن المبلغ رسول , والرسول مبلغ , ولا يلزم النبي أن ~~يبلغ إلا أن يرسل , وأما قوله تعالى : < # > 77 ( { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } ) 77 < # > [ المائدة : 41 ] فأمره وإن كان نهيا أوضح من الأول , لأنه تسلية له ~~عليه السلام وتأنيس وأمر بالصبر والرفق بنفسه , فبابه راجع إلى ما يرد مدحا ~~مجردا عن الطلب , وعلى ما أشير إليه يخرج ما ورد من هذا . | ولما افتتحت ~~هذه السورة بما حاصله ما قدمناه من إعلامه عليه السلام من هذا الأمر بعلي ~~حاله ومزية قدره , ناسب ذلك ما احتوت عليه السورة من باب التنزيه في مواضع ~~منها إعلامه تعالى بأن أزواج نبيه صلى الله عليه وسلم أمهات للمؤمنين فنزهن ~~عن أن يكون PageV06P069 حكمهن حكم غيرهن من النساء مزية لهن وتخصيصا ~~وإجلالا لنبيه صلى الله عليه وسلم , ومنها قوله تعالى : { ولما رأى ~~المؤمنون الأحزاب } - الآية , فنزههم عن تطرق سوء أو دخول ارتياب على مصون ~~معتقداتهم وجليل إيمانهم { قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله , وما زادهم إلا إيمانا وتسليما } والآية بعد ms3893 ذلك , وهي قوله تعالى ~~: { من المؤمنين رجال صدقوا } - الآية , ومنها { يا نساء النبي لستن كأحد ~~من النساء إن اتقيتن } فتزههن سبحانه وبين شرفهن على مد عداهن , ومنها ~~تنزيه أهل البيت وتكرمتهم { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } ~~الآية , ومنها الأمر بالحجاب { يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن } فنزه المؤمنات عن حالة الجاهلية من ~~التبرج وعدم الحجاب , وصانهن عن التبذل والامتهان , ومنها قوله تعالى : { ~~يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى } فوصاهم جل وتعالى ونزهم ~~بما نهاهم عنه أن يتشبهوا بمن استحق اللعن والغضب في سوء أدبهم وعظيم ~~مرتكبهم , إلى ما تضمنت السورة من هذا القبيل , ثم أتبع سبحانه ما تقدم ~~بالبشارة العامة واللطف الشامل كقوله تعالى : { يا أيها النبي إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا } ثم قال تعالى : ~~{ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا } وقوله تعالى : { يا أيها ~~الذين آمنوا اذكروا كثيرا } - إلى قوله تعالى : { أجرا كريما } وقوله تعالى ~~{ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا ~~تسليما } وقوله تعالى : { إن المسلمين والمسلمات } - إلى قوله : { وأجرا ~~عظيما } وقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ~~} - إلى قوله : { عظيما } وقوله تعالى : { ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات } إلى قوله : { وكان الله غفورا رحيما } وقوله تعالى مثنيا على ~~المؤمنين بوفائهم وصدقهم { ولما رأي المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا ~~الله ورسوله وصدق الله ورسوله } - إلى قوله : { وما بدلوا تبديلا } وقوله : ~~{ وإثما مبينا } وفي هذه الآيات من تأنيس المؤمنين وبشارتهم وتعظيم حرمتهم ~~ما يكسر هذا القبيل أيضا ما تضمنت السورة من تعداد نعمه تعالى عليهم وتحسين ~~خلاصهم كقوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ ~~جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم } - إلى قوله : { هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا ~~زلزالا شديدا } وقوله تعالى : { ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا ~~خيرا وكفى الله المؤمنين القتال } إلى قوله : { وكان الله على ms3894 كل شيء قديرا ~~} وختم السورة بذكر التوبة والمغفرة أوضح شاهد لما تمهد من دليل قصدها ~~PageV06P070 وبيانها على ما وضح الحمد لله ولما كان حاصلها رحمة ولطفا ~~ونعمة , لا يقدر عظيم قدرها , وينقطع العالم دون الوفاء بشكرها , أعقب بما ~~ينبغي من الحمد يعني أول سبأ - انتهى . | ولما كان ذلك مفهما لمخالفة كل ما ~~يدعو إليه كافر . | وكان الكافر ربما دعا إلى شيء من مكارم الأخلاق , قيده ~~بقوله : { واتبع } أي بغاية جهدك . | ولما اشتدت العناية هنا بالوحي , وكان ~~الموحي معلوما من آيات كثيرة , بني للمفعول قوله : { ما يوحى } أي يلقى ~~إلقاء كما يفعل المحب مه حبيبه { إليك } وأتى موضع الضمير بظاهر يدل على ~~الإحسان في التربية لينوي على امتثال ما أمرت به الآية السالفة فقال : { من ~~ربك } أي المحسن إليك بصلاح جميع أمرك , فمهما أمرك به فافعله لربك ى لهم , ~~ومهما نهاك عنه فكذلك , سواء كان إقبالا عليهم أو إعراضا عنهم أو غير ذلك . ~~| ولما أمره باتباع الوحي , رغبة فيه بالتعليل بأوضح من التعليل الأول في ~~أن مكرهم خفي , فقال مذكرا بالاسم الأعظم بجميع ما يدل عليه من من الأسماء ~~الحسنى زيادة في التقوية على الامتثال , مؤكدا للترغيب كما تقدم , وإشارة ~~إلى أنه مما تستبعده بعض المخاطبين في قراءة الخطاب لغير أبي عمرو : { إن ~~الله } أي بعظمته وكماله { كان } دائما { بما تعملون } أي الفريقان من ~~المكايد وإن دق { خبيرا } فلا تهتم بشأنهم , فإنه سبحانه كافيكه وإن تعاظم ~~, وعلى قراءة أبي عمرو بالغيب يكون هذا التعليل حثا على الإخلاص , وتحقيقا ~~لأنه قادر على الإصلاح وإن أعيى الخلاص , ونفيا لما قد يعتري النفوس من ~~الزالزال , في أوقات الاختلال . | < < # | الأحزاب : ( 3 - 5 ) وتوكل على الله . . . . . # > > ^ ( وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا * ما جعل الله لرجل من قلبين في ~~جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعيآءكم ~~أبنآءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل * ادعوهم ~~لآبآئهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ~~وليس عليكم ms3895 جناح فيمآ أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا ~~رحيما ) ^ } ) | ولما كان الآدمي موضع الحاجة إلى تعظيم الترجية قال : { ~~وتوكل } أي دع الاعتماد على التدبير في أمورك واعتمد فيها { على الله } ~~المحيط علما وقدرة , ولتكرير هذا الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء في هذا ~~المقام شأن لا يخفى كما أشير إليه . | PageV06P071 ولما كان التقدير : فإنه ~~يكفيك في جميع ذلك , عطف عليه قوله : { وكفى بالله } أي الذي له الأمر كله ~~على الإطلاق { وكيلا * } أي إنه لا أكفى منه لكل من وكله في أمره , فلا ~~تلتفت في شيء من أمرك إلى شيء لأنه ليس لك قلبان تصرف كلا منهما إلى واحد . ~~| ولما كان النازع إلى جهتين والمعالج لأمرين متباينين كأنه يتصرف بقلبين , ~~أكد أمر الإخلاص في جعل الهم هما واحدا فيما يكون من أمور الدين والدنيا , ~~وفي المظاهرة والتبني وكل ما شابهها بضرب المثل بالقلبين - كما قال الزهري ~~, فقال معللا لما قبله بما فيه من الإشارة إلى أن الآدمي مع قطع النظر عن ~~رتبة النبوة موضع لخفاء الأمور عليه : { ما جعل الله } أي الذي له الحكمة ~~البالغة , والعظمة الباهرة , وليس الجعل إلا له ولا أمر لغيره { لرجل } أي ~~لأحد من بني آدم الذين هم أشرف الخلائق من نبي ولا غيره , وعبر الرجل لأنه ~~أقوى جسما وفهما فيفهم غيره من باب الأولى ؛ وأشار إلى التأكيد بقوله : { ~~من قلبين } وأكد الحقيقة وقررها , وجلاها وصورها لما قد يظن الإنسان من أنه ~~يقدر على صرف النفس إلى الأمور المتخالفة كما يفعل المنافق , بقوله : { في ~~جوفه } أي حتى يتمكن من أن ينزع بكل قلب إلى جهة غير الجهة التي نزع إليها ~~القلب الآخر لأن ذلك مود إلى خراب البدن لأن القلب مدبره بإذن الله تعالى , ~~واستقلال كل بالتدبير يؤدي إلى الفساد كما مضى في دليل التمانع سواء ؛ قال ~~الرازي في اللوامع : القلب كالمرآة مهما حوذي به جانب القدس أعرض عن جانب ~~الحس , ومهما حوذي به جانب الحس أعرض عن جانب القدس , فلا يجتمع الإقبال ~~على الله ms3896 وعلى ما سواه - انتهى . | وحاصل ذلك أنه تمهيد لأن التوزع والشرك ~~لا خير فيه , وأن مدبر الملك واحد كما أن البدن قلب واحد , فلا التفاف إلى ~~غيره , وأن الدين ليس بالتشهي وجعل الجاعلين , وإنما هو بجعله سبحانه , ~~فإنه العالم بالأمور على ما هي عليه . | ولما كان كل من المظاهرة والتبني ~~ناوعا إلى جهتين متنافيتين , وكان أهل الجاهلية يعدون الظهار طلاقا مؤبدا ~~لا رجعة فيه - كما نقله ابن الملقن في عمدة المنهاج عن صاحب الحاوي , وكان ~~المخاطبون قد أعلاهم الوعظ السابق إلى التأهل للخطاب , لفت سبحانه القول ~~إليه على قراءة الغيب في ( يعلمون ) لأبي عمرو فقال : { وما جعل أزواجكم } ~~أي بما أباح لكم من الاستمتاع بهن من جهة الزوجية ؛ ثم أشار غلى الجهة ~~الأخرى بقوله : { اللائي تظاهرون منهن } أي كما يقول الإنسان للواحدة منهن ~~: أنت علي كظهر أمي { أمهاتكم } بما حرم عليكم من الاستماع بهن حتى تجعلوا ~~ذلك على التأييد وترتبوا على ذلك أحكام الأمهات كلها , لأنه لا يكون لرجل ~~أمان , ولو جعل ذلك PageV06P072 لضاق الأمر , واتسع الخرق , وامتنع الرتق { ~~وما جعل أدعياءكم } بما جعل لهم من النسبة والانتساب إلى غيركم { أبناءكم } ~~بما جعلتم لهم من الانتساب إليكم ليحل لهم إرثكم , وتحرم عليكم حلائلهم ~~وغير ذلك من أحكام الأبناء , ولا يكون لابن أبوان , ولو جعل ذلك لضاعت ~~الأنساب , وعم الارتياب , وانقلب كثير من الحقائق أي انقلاب , فانفتح بذلك ~~من الفساد أبواب أي أبواب , فليس زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي الذي ~~تبينته ابنا لك أيها النبي بتبينك له جزاء له باختياره لك على أبيه وأهله , ~~وهذا توطئة لما يأتي من قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم لزينب بنت جحش ~~مطلقة زيد مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه صلى الله عليه وسلم لما ~~تزوجها قال المنافقون كما حكاه البغوي وغيره : تزوج محمد امرأة ابنه وهو ~~ينهى الناس عن ذلك , فأنزل الله هذه الآية , وبين أن التبني إنما هو مجاز , ~~وأن المحرم إنما هو زوجة الابن الحقيقي وما ألحق به ms3897 من الرضاع , وذلك أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان تبنى زيدا بن حارثة رضي الله عنه مولى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن { ~~ادعوهم لآبائهم } . | لما أبطل سبحانه , استأنف الإخبار عما مضى من عملهم ~~فيه فقال : { ذلكم } أي القول البعيد عن الحقيقة , وأكد هذا بقوله : { ~~قولكم بأفواهكم } أي لا حقيقة له وراء القول وتحريك الفم من غير مطابقة ~~قلوبكم , فإن كل من يقول ذلك لا يعتقده , لأن من كان له فم كان محتاجا , ~~ومن كان محتاجا كان معرضا للنفائص كام معرضا للأوهام , ومن غلبت , عليه ~~الوهام كان في كلامه الباطل { الله } أي المحيط علمه وقدرته وله جميع صفات ~~الكمال { ويقول الحق } أي الكامل في حقيته , الثابت الذي يوافق ظاهره باطنه ~~, فلا قدرة لأحد على نقضه فإن أخبر عن شيء فهو كما قال , ليس بين الخبر ~~والواقع من ذلك المخبر عنه شيء من المخالفة , وإن أتى بقياس فرع على أصل لم ~~يستطع أحد إبداء فرق , فإن أقواله سبحانه سابقة على الواقع لأنها مصدرة ~~فيها بكون , فإذا قال قولا وجد مضمونه مطابقا لذلك القول , فإذا طبقت ~~بينهما كانا سواء , فكان ذلك المضمون ثابتا كما كان ذلك الواقع ثابتا , ~~فكان حقا , هكذا أقواله على الدوام , لأنه منزه سبحانه عن النقائص فلا ~~جارحة ثم ليكون بينها وبين معد القول مخالفة من فم أو غيره وعن كل ما يقتضي ~~حاجة , فالآية من الاحتبك : ذكر الفم أولا دليلا على نفيه ثانيا والحق ~~ثابنا دليلا على ضده الباطل أولا , وسر ذلك أنه ذكر ما PageV06P073 يدل على ~~النقص في حقنا , وعلى الكمال في حقه , ودل على التنزيه بالإشارة ليبين فهم ~~الفهماء وعلم العلماء { وهو } أي وحده من حيث قوله الحق { يهدي السبيل * } ~~أي الكامل الذي من شأنه أن يوصل إلى المطلوب إن ضل أحد في فعل أو قول , فلا ~~تعولوا على سواء ولا تلتفتوا أصلا إلى غيره . | ولما كان كأنه قيل : فما ~~تقول ؟ اهدنا إلى سبيل الحق ms3898 في ذلك , أرشد إلى أمر التبني إشارة إلى أنه هو ~~المقصود في هذه السورة لما يأتي بعد من آثاره التي هي المقصودة بالذات ~~بقوله : { ادعوهم } أي الأدعياء { لآبائهم } أي إن علموا ولدا قالوا : زيد ~~بن حارثة ؛ ثم علله بقوله : { هو } أي هذا الدعاء { أقسط } أي أقرب إلى ~~العدل من التبني وإن كان إنما هو لمزيد الشفقة على المتبني والإحسان إليه { ~~عند الله } أي الجامع لجميع صفات الكمال , فلا ينبغي أن يفعل في ملكه إلا ~~ما هو أقرب إلى الكمال , وفي هذا النسبة إلى ما مضى بعض التنفيس عنهم , ~~وإشارة إلى أن ذلك التغليظ بالنسبة إلى مجموع القولين المتقدمين . | ولما ~~كانوا قد يكونون مجهولين , تسبب عنه قوله : { فإن لم تعلموا آباءهم } لجهل ~~أصلي أو طارئ { فإخوانكم في الدين } إن كانوا دخلوا في دينكم { وموالكيم } ~~أي أرقامكم مع بقاء الرق أو مع العتق على كلتا الحالتين , ولذا قالوا : ~~سالم مولى أبي حذيفة . | ولما نزل هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من ~~ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام ) - أخرجه الشيخان عن سعد بن ~~أبي وقاص وأبي بكرة رضي الله عنهما . | ولما كانت عادتهم الخوف مما سبق من ~~أحوالهم على النهي لشدة ورعهم , أخبرهم أنه تعالى أسقط عنهم ذلك لكونه خطأ ~~, وساقه على وجه يعم ما بعد النهي أيضا فقال : { وليس عليكم جناح } أي إثم ~~وميل واعوجاج , وعبر بالظرف ليعيد أن الخطأ لا إثم فيه بوجه , ولو عبر ~~بالباء لظن أن فيه لإثما , ولكنه عفا عنه فقال : { فيما أخطأتم به } أي من ~~الدعاء بالنبوة والمظاهر أو في شيء قبل النهي أو بعده , ودل قوله : { ولكن ~~ما } أي الإثم فيما { تعمدت قلوبكم } على زوال الحرج أيضا فيما وقع بعد ~~النهي على سبيل النسيان أو سبق اللسان , ودل تأنيث الفعل على أنه لا يعتمده ~~بعد البيان الشافي إلا قلب فيه رخاوة الأنوثة , ودل جمع الكثرة على عموم ~~الإثم إن لم ينه المعتمد . | ولما كان هذا الكرم خاصا بما تقدمه , عم ~~سبحانه بقوله ms3899 : { وكان الله } أي لكونه لا أعظم منه ولا أكرم منه { غفورا ~~رحيما * } أي من صفته الستر البليغ على المذنب النائب , والهداية العظمية ~~للضال الآئب , والإكرام بإيتاء الرغائب . | PageV06P074 < < # | الأحزاب : ( 6 - 8 ) النبي أولى بالمؤمنين . . . . . # > > ^ ( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى ~~أوليآئكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا * وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ~~ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا * ~~ليسأل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما ) ^ } ) | ولما نهى ~~سبحانه عن التبني , وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة ~~مولاه لما اختاره على أبيه وأمه , علل سبحانه النهي فيه بالخصوص بقوله دالا ~~على أن الأمر أعظم من ذلك : { النبي } أي الذي ينبئه الله بدقائق الأحوال ~~في بدائع الأقوال , ويرفعه دائما في مراقي الكمال , ولا يريد أن يشغله بولد ~~ولا مال { أولى بالمؤمنين } أي الراسخين في الإيمان , فغيرهم أولى في كل ~~شيء من أمور الدين والدنيا لما حازه من الحضرة الربانية { من أنفسهم } فضلا ~~عن آبائهم في نفوذ حكمه فيهم ووجوب طاعته عليهم , لأنه لا يدعوهم لا إلى ~~العقل والحكمة , ولا يأمرهم إلا بما ينجيهم , وأنفسهم إنما تدعوهم إلى ~~الهوى والفتنة فتأمرهم بما يرديهم , فهو يتصرف فيهم تصرف الآباء بل الملوك ~~بل أعظم بهذا السبب الرباني , فأي حاجة له إلى السبب الجسماني { وأزواجه } ~~أي اللاتي دخل بهن لما لهن من حرمته { أمهاتهم } أي المؤمنين من الرجال ~~خاصة دون النساء , لأنه لا محذر من جهة النساء , وذلك في الحرمة والإكرام , ~~والتعظيم والاحترام , وتحريم النكاح دون جواز الخلوة والنظر وغيرهما من ~~الإحكام , والتعظيم بينهن وبين الأمهات في ذلك أصلا , فلا يحل انتهاك ~~حرمتهن بوجه ولا الدنو من جنابهن بنوع نقص , لأن حق النبي صلى الله عليه ~~وسلم على أمته أعظم من حق الوالد على ولده , وهو حي في قبره وهذا أمر جعله ~~الله وهو إذا جعل شيئا كان , لأن ms3900 الأمر أمره والخلق خلقه , وهو العالم بما ~~يصلحهم وما يفسدهم ^ ( { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } ) ^ [ الملك ~~: 14 ] روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : ( ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة , اقرؤوا ~~إن شئتم { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } فأيما مؤمن ترك مالا فلترثه ~~عصبته من كانوا , فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتي وأنا مولاه ) . | ولما رد ~~الله سبحانه الأشياء إلى أصولها , ونهى عن التشتت والتعشب , وكان من ذلك ~~أمر التبني , وكان من المتفرع عليه الميراث بما كان قديما من الهجرة ~~والنصرة والأخوة التي قررها النبي صلى الله عليه وسلم لما كان الأمر محتاجا ~~إليها , وكان ذلك قد نسخ بالآية التي في آخر الأنفال , وهي قبل هذه السورة ~~ترتيبا ونزولا , وكان ما ذكر هنا فردا داخلا PageV06P075 في عموم العبارة ~~في تلك الآية , أعادها منا تأكيدا وتنصيصا على هذا الفرد للاهتمام به مع ما ~~فيها من تفصيل وزيادة فقال : { وأولوا الأرحام } أي القرابات بأنواع النسب ~~من النبوة وغيرها { بعضهم أولى } بحق القرابة { ببعض } في جميع المنافع ~~العامة للدعوة والإرث والنصرة والصلة { في كتاب الله } أي قضاء الذي له ~~الأمر كله ولا أمر لأحد معه , وحكمه كما تقدم في كتابكم هذا , وكما أشار ~~إليه الحديث الماضي آنفا . | ولما بين أنهم أولى بسبب القرابة , بين المفصل ~~عليه فقال : { من } أي هم أولى بسبب القرابة من { المؤمنين } الأنصار من ~~غير قرابة مرجحة { والمهاجرين } المؤمنين من غير قرابة كذلك , ولما كان ~~المعنى : أولى في كل نفع , استثنى منه على القاعدة الاستثناء من أعم العام ~~قوله , لافتا النظم إلى أسلوب الخطاب ليأخذ المخاطبون منه أنهم متصفون ~~بالرسوخ في الإيمان الذي مضى ما دل عليه في آية الأولوية من التعبير بالوصف ~~, فيحثهم ذلك على فعل المعروف : { إلا أن تفعلوا } أي حال كونكم موصلين ~~ومسندين { إلى أوليائكم } بالرق أو التبني أو الحلف في الصحة مطلقا وفي ~~المرض من الثلث تنجيرا أو وصية { معروفا ms3901 } تنفعونهم به , فيكون حينئذ ذلك ~~الولي مستحقا لذلك , ولا يكون ذو الرحم أولى منه , بل لا وصية لوارث . | ~~ولما أخبر أن هذا الحكم في كتاب الله , أعاد التنبيه على ذلك تأكيدا قلعا ~~لهذا الحكم الذي تقرر في الأذهان بتقريره سبحانه فيما مضى فقال مستأنفا : { ~~كان ذلك } أي الحكم العظيم { في الكتاب } أي القرآن في آخر سورة الأنفال { ~~مسطروا * } بعبارة تعمه , قال الأصبهاني : وقيل : في التوارة , لأن في ~~التوراة : إذا نزل رجل بقوم من أهل دينه فعليهم أن يكرموه ويواسوه , ~~وميراثه لذوي قرابته , فالآية من الاحتباك : أثبت وصف الإيمان أولا دليلا ~~على حذفه ثانيا ووصف الهجرة ثابنا دليلا على حذف النصرة أولا . | ولما كان ~~نقض العوائد وتغيير المألوفات مما يشق كثيرا على النفوس , ويفرق المجتمعين ~~, ويقطع بين المتواصلين , ويباعد بين المتقاربين , قال مذكرا له صلى الله ~~عليه وسلم بما أخذ على من قبله من نسخ أديانهم بدينه , وتغيير مألوفاتهم ~~بإلفه , ومن نصيحة قومهم بإبلاغهم كل ما أرسلوا به , صارفا القول إلى مظهر ~~العظمة لأنه أدعى إلى قبول الأوامر : { وإذا } فعلم أن التقدير : اذكر ذلك ~~- أي ما سطرناه لك قبل هذا في كتابك , واذكر إذ { أخذنا } بعظمتنا { من ~~النبيين ميثاقهم } في تبيلغ الرسالة في المنشط والمكره , وفي تصديق بعضهم ~~لبعض , وفي اتباعك فيما أخبرناك به في قولنا < # > 77 ( { لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن ~~به ولتنصرنه } ) 77 < # > [ آل عمران : 81 ] وقولهم : أقررنا . | PageV06P076 ولما ذكره ما أخذ ~~على جميع الأنبياء من العهد في تغيير مألوفاتهم إلى ما يأمرهم سبحانه به من ~~إبلاغ ما يوحى إليهم والعمل بمقتضاه , ذكره ما أخذ عليه من العهد في ~~التبليغ فقال : { ومنك } أي في قولنا في هذه السورة { اتق الله واتبع ما ~~يوحى إليك } وفي المائدة ^ ( { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن ~~لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } ) ^ [ المائدة : 67 ] فلا ~~تهتم بمراعاة عدو ولا خليل حقير ولا جليل , ولما أتم المراد إجمالا وعموما ~~, وخصه ms3902 صلى الله عليه وسلم من ذلك العموم مبتدئا به بيانا لتشريفه ولأنه ~~المقصود بالذات بالأمر بالتقوى واتباع الوحي لأجل التبني وغيره , أتبعه ~~للمقام , لأن لم يقصد المفاضلة بينهم , بلا التآسية بالمتقدمين والمتأخرين ~~فقال : { ومن نوح } أول الرسل إلى المخالفين { وإبراهيم } أبي الأنبياء { ~~وموسى } أول أصحاب الكتب من أنبياء بني إسرائيل { وعيسى ابن مريم } ختامهم ~~, نسبه إلى أمه مناداة على من ضل فيه التوبيخ والتسجيل بالفضيحة ؛ ثم زاد ~~في تأكيد الأمر وتعظيمه تعظيما للموثق فيه , وإشارة إلى مشتقه , فقال مؤكدا ~~بإعادة العامل ومظهر العظمة لصعوبة الرجوع عن المالوف : { وأخذنا منهم } أي ~~بعظمتنا في ذلك { ميثاقا غليظا } استعارة من وصف الأجرام العظام كناية عن ~~أنه لا يمكن قطعه لمن أراد الوصلة بنا . | ولما كان الأخذ على النبيين في ~~ذلك اخذا على أممهم , وكان الكفر معذبا عليه من غير شرط , والطاعة مثابا ~~عليها بشرط الإخلاص علله , معبرا بما هو مقصود السورة فقال ملتفتا غلى مقام ~~الغيبة لتعظيم الهيبة لأن الخطاب إذا طال استأنس المخاطب : { ليسأل } أي ~~يوم القيامة { الصادقين } أي في الوفاء بالعهد { عن صدقهم } هل هو لله ~~خالصا أو لا , تشريفا لهم وإهانة وتبكيتا للكاذبين , ويسأل الكافرين عن ~~كفرهم ما الذي حملهم عليه , والحال أنه أعد للصادقين ثوابا عظيم { وأعد ~~للكافرين } أي الساترين لإشراق أنوار الميثاق { عذابا أليما } فالآية , من ~~محاسن رياض الاحتباك , وإنما صرح بسؤال الصادق بشارة له بتشريفه في ذلك ~~الموقف العظيم , وطوى سؤال الكفار إشارة غلى استهانتهم بفضيحة الكذب ^ ( { ~~ويحلفون على الكذب وهو يعلمون } ) ^ [ المجادلة : 14 ] ^ ( { فيحلفون له ~~كما يحلفون لكم } ) ^ [ المجادلة : 18 ] وذكر ما هو أنكى لهم . | < < # | الأحزاب : ( 9 - 10 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جآءتكم جنود ~~فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ ~~جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا ) ^ } ) | PageV06P077 ولما أكد سبحانه وجوب الصدع ~~بكل أمره وإن عظمت وزادت حرقته من غير ركون إلى مؤالف موافق , ولا ms3903 اهتمام ~~بمخالف مشاقق , اعتمادا على تدبيره , وعظيم أمره في تقديره , ذكرهم بدليل ~~شهودي هو أعظم وقائعهم في حروبهم , وأشد ما دهمتهم من كروبهم , فقال معلما ~~أن المقصود بالذات بما مضى من الأوامر الأمة - وإنما وجه الأمر إلى الإمام ~~ليكون أدعى لهم إلى الامتثال فإن الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم تكويني ~~بمنزلة ما يقول الله تعالى له { كن } فحقيقة الإرادة لا الأمر , والأمر ~~للذين آمنوا تكفيلي . | وقد يراد منهم ما يؤمرون به وقد لا يراد , وللناس ~~احتجاجي أي تقام به عليهم الحجة , ومن المحقق أن بعضهم يراد منه خلاف ~~المأمور به : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان , عبر به ليعم ~~المنافقين { اذكروا } ورغبهم في الشكر بذكر الإحسان والتصريح بالاسم الأعظم ~~فقال : { نعمة الله } عبر بها لأنها المقصودة بالذات والمراد إنعام الملك ~~الأعلى الذي لا كفوء له { عليكم } أي لتشكروه عليها بالنفوذ لأمره غير ~~ملتفتين إلى خلاف أحد كائنا من كان , فإن الله كافيكم كل ما تخافون ثم ذكر ~~لهم وقت تلك النعمة زيادة في تصويرها ليذكر لهم ما كان فيه منها فقال : { ~~إذ } أي حين { جاءتكم } أي في غزوة الخندق حين اجتمعت عليكم الأحزاب وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم ضربه حين سمع بهم بمشورة سلمان الفارسي رضي الله ~~عنه على جانبي سلع من شماليه , وخطه وقطع لكل عشرة رجال أربعين ذراعا , ~~وكانوا ثلاثة آلاف , فكان الخندق اثني عشر الف ذراع { جنود } وهم الأحزاب ~~من قريش ومن انضم إليه من الأحابيش في أربعة آلاف يقودهم أبو سفيان ابن حرب ~~, ومن انضم من قبائل العرب من بني سليم يقودهم أبو الأعور , ومن بني عامر ~~يقودهم عامر بن الطفيل , ومن غطفان يقودهم عيينة بن حصن , ومن بني أسد ~~يقودهم طليحة بن خويلد , ومن أسباط بني إسرائيل من اليهود ومن بني النضير ~~ورؤساهم حيي بن أخطب وابنا أبي الحقيق , وهم الذين جمعوا الأحزاب بسبب ~~إجلاء النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير من المدينة الشريفة , وأفسدوا ~~أيضا بني قريظة , وكانوا بالمدينة الشريفة ms3904 وسيدهم كعب بن أسد , فكان الجميع ~~اثني عشر الفا , وكانوا واثقين في زعمهم بأنهم لا يرجعون وقد بقي للإسلام ~~باقية , ولا يكون لأحد من أهله منهم واقية . | ولما كان مجيء الجنود مرهبا ~~, سبب عنه عوده إلى مظهر العظمة فقال : { فأرسلنا } أي تسبب عن ذلك أنا لما ~~رأينا عجزكم عن مقابلتهم ومقاومتهم في مقاتلتهم ألهمناكم عمل الخندق ~~ليمنعهم من سهولة الوصول إليكم , ثم لما طال مقامهم أرسلنا بما لنا من ~~العظمة { عليهم } أي خاصة { ريحا } وهي ربح الصبا , فأطفأت نيرانهم . | ~~وأكفأت قدروهم وجفانهم , وسفت التراب في وجوههم , ورمتهم بالحجارة وهدت ~~PageV06P078 خيامهم , وأوهنت ببردها عظامهم , وأجالت خيلهم { وجنودا لم ~~تروها } يصح أن تكون الرؤوية بصرية وقلبية , منها من البشر بن مسعود نعيم ~~الغطفاني رضي الله هنه هداه الله للإسلام , فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال : إنه لم يعلم أحد بإسلامي , فمرني يا رسول الله بأمرك ! فقال : ( ~~إنما أنت فينا رجل واحد والحرب خدعة , فخذل عنا مهما استطعت ) فأخلف بين ~~اليهود وبين العرب بأن فال لليهود وكانوا أصحابه : إن هؤلاء - يعني العرب - ~~إن رأوا فرصة انتهزوها وإلا بلادهم راجعين . | وليس حالكم كحالهم , البلد ~~بلدكم وبه أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم , فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم ~~رهنا من أشرافهم ليكونوا عندكم حتى تناجزوا الرجل , فإنه ليس لكم بعد طاقة ~~إذا انفرد بكم , فقالوا : أشرت بالرأي , فقال : فاكتموا عني , وقال لقريش : ~~قد علمتم صحبتي لكم وفراقي لمحمد , وقد سمعت أمرا ما أظن أنكم تتهونني فيه ~~, فقالوا : ما أنت عندنا بمتهم , قال : فاكتموا عني , قالوا : نفعل , قال : ~~إن اليهود قد ندموا على نقض ما بينهم وبين محمد وأرسلوا إليه : إنا قد ~~ندمنا فهل ينفعك عندك أن نأخذ لك من القوم جماعة من أشرافهم تضرب أعناقهم , ~~ونكون معك على بقيتهم , حتى تفرغ منهم لتكف عنا . | وتعيد لنا الأمان , قال ~~: نعم , فإن أرسلوا إليكم فى تدفعوا إليهم رجلا واحدا , ثم أتى غطفان فقال ~~: إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي , قالوا : صدقت , ثم قال لهم مثل ما ~~قال لقريش ms3905 واستكتمهم , فأرسلت إليهم قريظة يطلبون منهم رهنا فقالوا : صدق ~~نعيم , وأبوا أن يدفعوا إليهم أحدا , فقالت قريظة : صدق نعيم , فتخاذلوا ~~واختلفت كلمتهم , فانكسرت شوكتهم , وبدرت حدتهم , ومنها من الملائكة ~~جبرائيل عليه السلام ومن أراد الله منهم - على جميعهم أفضل الصلاة والسلام ~~, والتحية والإكرام , فكبروا في نواحي عسكرهم , وزلزلوا بهم , وبثوا الرعب ~~في قلوبهم , فماجت خيولهم , واضمحل قالهم وقيلهم , فكان في ذلك رحيلهم , ~~بعد نحو أربعين يوما أو بضع وعشرين - على ما قيل . | ولما أجمل سبحانه ~~القصة على طولها في بعض هذه الآية , فصلها فقال ذاكرا الاسم الأعظم إشارة ~~إلى أن ما وقع فيها كان معتنى به اعتناء من بذل جميع الجهد وإن كان الكل ~~عليه سبحانه يسيرا : { وكان الله } الذي له جميع صفات الكمال والجلال ~~والجمال { بما يعلمون } أي الأحزاب من التحزب والتجمع والتألب والمكر ~~والقصد PageV06P079 السيئ - على قراءة البصري , وأنتم أيها المسلمون من حفر ~~الخندق وغيره من الصدق في الإيمان وغيره - على قراءة الباقين { بصيرا } ~~بالغ الإبصار والعلم , فدبر في هذه الحرب ما كان المسلمون به الأعلين ولم ~~ينفع أهل الشرك قوتهم , ولا أغنت عنهم كثرتهم , ولا ضر المؤمنين قلتهم , ~~وجعلنا ذلك سببا لإغنائهم بأموال بني قريظة ونسائهم وأبنائهم وشفاء ~~لأدواتهم بإراقة دمائهم - كما سيأتي ؛ ثم ذكرهم الشدة التي حصلت بتمالئهم ~~فقال مبدلا من { إذ } الأولى : { إذ جاؤوكم } أي الجنود المذكورن بادئا ~~بالأقرب إليهم , لأن الأقرب أبصر بالعورة وأخبر بالمضرة . | ولما كان من ~~المعلوم أنهم لم يطبقوا ما علا وما سفل , أدخل أداة التبعيض فقال : { من ~~فوقكم } يعني بني قريظة وأسد وغطفان من ناحية مصب السيول من المشرق , وأضاف ~~الفوق إلى ضميرهم لأن العيال كانوا في الآكام , وهي بين بني قريظة وبين من ~~في الخندق , فصاروا فوق العيال والرجال . | ولما كان المراد الفوقية من جهة ~~علو الأرض , أوضحها بقوله : { ومن أسفل منكم } دون أن يقول : أسفلكم , ~~وأفاد ذلك أيضا من في أسفل إنما أحاطوا ببعض جهة الرجال فقط , ولم يقل ( ~~ومن تحتكم ) لئلا يظن أنه فوق الرؤوس وتحت الأرجل ms3906 , ولم يقل في الأول ( من ~~أعلى منكم ) لئلا يكون فيه وصف للكفرة بالعلو , وأسفل الأرض المدينة من ~~ناحية المغرب يعني قريشا , ومن لافها من كنانة فإن طريقهم من تلك الجهة . | ~~ولما ذكرهم بالمجيء الذي هو سبب الخوف , ذكرهم بالخوف بذكر ظرفه أيضا مفخما ~~لأمره بالغطف فقال : { وإذ } أي واذكروا حين , وأنث الفعل وما عطف عليه لأن ~~التذكير الذي يدور معناه على القوة والعلو والصلابة ينافي الزيغ فقال : { ~~زاغت الأبصار } أي مالت عن سداد القصد فعل الواله الجزع بما حصل من الغفلة ~~الناشئة عن الدهشة الحاصلة من الرعب , وقطع ذلك عن الإضافة إلى كاف الخطاب ~~إبقاء عليهم وتعليما للأدب في المخاطبة , وكذا { وبلغت القلوب } كناية عن ~~شدة الرعب والخفقان , ويجوز - وهو الأقرب - أن يكون ذلك حقيقة بجذب الطحال ~~والرئة لها عند ذلك بانتفاخهما إلى أعلى الصدر , ومنه قولهم للجبان : انتفخ ~~منخره أي رئته { الحناجر } جمع حنجرة , وهي منتهى الحلقوم , ومن هذا قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه ( شر ما في الإنسان جبن خالع ) أي يخلع القلب من مكانه , وجمع الكثرة ~~إشارة إلى أن ذلك عمهم أو كاد . | PageV06P080 ولما كانت هذه حالة عرضت , ~~ثم كان من أمرها أنها إما زالت وثبتت إلى انقضاء الأمر , عبر عنها بالماضي ~~لذلك وتحقيقا لها ولما نشأ عنها تقلب القلوب وتجدد ذهاب الأفكار كل مذهب , ~~عبر بالمضارع الدال على دوام التجدد فقال : { وتظنون بالله } الذي له صفات ~~الكمال فلا يلم نقص ما بساحة عظمته , ولا يدنو شيء من شين إلى جناب عزته { ~~الظنونا * } أي أنواع الظن إما بالنسبة إلى الأشخاص فواضح , وذلك بحسب قوة ~~الإيمان وضعفه , وأما بالنسبة إلى الشخص الواحد فحسب تغير الأحوال , فتارة ~~يظن الهلاك للضعف , وتارة النجاة لأن الله قادر على ذلك , ويظن المنافقون ~~ومن قاربهم من ضعفاء القلوب ما حكى الله عنهم ؛ قال الرازي في اللوامع : ~~ويروى أن المسلمين قالوا : بلغت القلوب الحناجر , فهل من شيء نقول ؟ فقال ~~عليه الصلاة والسلام : ( اللهم ms3907 استر عوراتنا , وآمن روعاتنا ) وزيادة الألف ~~في قراءة من أثبتها في الحالين وهم المدنيان وابن عامر وشعبة إشارة إلى ~~اتساع هذه الأفكار , وتشعب تلك الخواطر , وعند من أثبتها في الوقت دون ~~الوصل وهم ابن كثير والكسائي وحفص إشارة إلى اختلاف الحال تارة بالقوة ~~وتارة بالضعف . | < < # | الأحزاب : ( 11 - 15 ) هنالك ابتلي المؤمنون . . . . . # > > ^ ( هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا * وإذ يقول المنافقون ~~والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا * وإذ قالت طآئفة ~~منهم يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن ~~بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا * ولو دخلت عليهم من أقطارها ~~ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بهآ إلا يسيرا * ولقد كانوا عاهدوا الله ~~من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسئولا ) ^ } ) | ولما كانت الشدة ~~في الحقيقة إنما هي للثابت لأنه ما عنده إلا الهلاك أو النصرة , وأما ~~المنافق فيلقي السلم ويدخل داره الذب بالموافقة على جميع ما يراد منه , ~~ترجم حال المؤمنين قاصرا الخطاب على الرأس لئلا يدخل في مضمون الخبر إعلاما ~~بأن منصبه الشريف أجل من أن يبتلى فقال تعالى : { هنالك } أي في ذلك الوقت ~~العظيم البعيد الرتبة { ابتلي المؤمنون } أي خولط الراسخون في الإيمان بما ~~شأنه أن يحبل ما خالطه ويميله , وبناء للمجهول لما كان المقصود إنما هو ~~معرفة المخلص من غيره , مع لعلم بأن فاعل ذلك هو الذي له الأمر كله , ولم ~~يؤكد الابتلاء بالشدة لدلالة الافتعال عليها , وصف الكلام عن الخطاب مع ما ~~تقدم من فؤائده , وعبر بالوصف ليخص الراسخين فقال : { وزلزلوا } أي حركوا ~~ودفعوا وأزعجوا بما يرون من الأهوال بتظافر PageV06P081 الأعداء مع الكثرة ~~, وتطاير الأراجيف { زلزالا شديدا * } فثبتوا بتثبيت الله لهم على عهدهم . ~~| ولما علم بهذا أن الحال المزلزل لهم كان في غاية الهول , أشار إلى أنهم ~~لم يزلزلهم بأن حكى أقوال المزلزلين , ولم يذكر أقوالهم وسيذكرها بعد ليكون ~~الثناء عليهم بالثبات مع عظيم الزالزال مذكورا مرتين إشارة وعبارة , فقال : ~~{ وإذ } وأشار إلى تكريرهم ms3908 لدليل النفاق بالمضارع فقال : { يقول } أي مرة ~~بعد أخرى { المنافقون } أي الراسخون في النفاق , لأن قلوبهم مريضة ملائ ~~مرضا { والذين في قلوبهم مرض } أي من أمراض الإعتقاد بحيث أضعفها في ~~الإعتقاد والثبات في مواطن اللقاء وفي كل معنى جليل , فهم بحيث لم يصلوا ~~إلى الجزم بالنفاق ولا الإخلاص في الإيمان , بل هم على حرف فعندهم نوع ~~النفاق , فالآية من الاحتباك : ذكر النفاق أولا دال عليه ثانيا , وذكر ~~المرض ثانيا دليل عليه أولا , وهذا الذي قلته في القلوب موافق لما ذكره ~~الإمام السهرودي في الباب السادس والخمسين من عوارفه عن حذيفة رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( القلوب أربعة : قلب أجرد فيه سراج ~~يزهو , فذلك قلب المؤمن , وقلب أسود منكوس , فذلك قلب الكافر , وقلب مربوط ~~على غلاف , فذلك قلب المنافق , وقلب مصفح فيه إيمان ونفاق , فمثل الإيمان ~~فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب , ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها ~~القيح والصديد , فأي المدتين غلبت عليه حكم له بها ) وروى هذا الحديث ~~الغزالي في أواخر كتاب قواعد العقائد من الإحياء عن أبي سعيد الخدري , وقا ~~الشيخ زين الدين العراقي : أخرجه أحمد . | ولما كان المكذب لهم بتصديق وعد ~~الله - والله - كثيرا , أكدوا قولهم وذكروا الاسم الأعظم وأضافوا الرسول ~~إليه فقالوا : { ما وعدنا الله } الذي ذكر لنا أنه محيط الجلال والجمال { ~~ورسوله } أي الذي قال من قال من قومنا : إنه رسول , استهزاء منهم , وإقامة ~~للدليل في زعمهم لهذا البلاء على بطلان تلك الدعوى { إلا غرورا * } أي ~~باطلا استدرجنا به إلى الانسلاخ عما كنا عليه من دين آبائنا وإلى الثبات ~~على ما صرنا إليه بعد ذلك الانسلاخ بما وعدنا به من ظهور هذا الدين على ~~الدين كله , والتمكين في البلاد حتى في حفر الخندق , فإنه قال : إنه أبصر ~~بما برق له في ضربه لصخرة سلمان مدينة من اليمن وقصور وكسرى بالحيرة من أرض ~~فارس , وقصور PageV06P082 الشام من أرض الروم , وإن تابعيه سيظهرون على ذلك ~~كله وقد صدق الله وعده في جميع ms3909 ذلك حتى في لبس سراقة بن مالك ابن جعشم ~~سوارى كسرى بن هرمز كما هو مذكور مستوفى في دلائل النبوة للبيهقي , وكذبوا ~~في شكهم . | ففاز المصدقون , وخاب الذين هم في ريبهم يترددون . | ولما ذكر ~~ما هو الأصل في نفاقهم وهو التكذيب , أتبعه ما تفرع عليه , ولما كان ~~تخذيليهم بالترجيع مرة , عبر عنه بالماضي فقال : { وإذ قالت } أنت الفعل ~~إشارة إلى رخاوتهم وتأنثهم في الأقوال والأفعال { طائفة منهم } أي قوم كثير ~~من موتى القلوب ومرضاها يطوف بعضهم ببعض : { يا أهل يثرب } عدلوا عن الاسم ~~- الذي وسمها به النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة وطيبة مع حسنه - إلى ~~الاسم الذي كانت تدعى به قديما مع احتمال قبحه بين العباب والمحكم : ثرب ~~وأثرب , بمعنى ثرب تثريبا - إذا لامه وعيره بذنبه وذكر به . | وأكدوا بنفي ~~الجنس لكثرة مخالفتهم في ذلك فقالوا : { لا مقام لكم } أي قياما أو موضع ~~قيام تقومون به - على قراءة الجماعة بالفتح , وعلى قراءة حفص بالضم المعنى ~~: لا إقامة أو موضع إقامة في مكان القتال ومقارعة الأبطال { فارجعوا } إلى ~~منازلكم هرابا , وكونوا مع نسائكم أذنابا , أو إلى دينكم الأول على وجه ~~المصارحة لتكون لكم عند هذه الجنود يد . | ولما ذكر هؤلاء الذين هتكوا ~~الستر , وبينوا ما هم من سفول الأمر , أتبعهم آخرين تستروا بعض التستر ~~تمسكا بأذيال النفاق , خوفا من أهوال الشقاق , فقال : { ويستأذن } أي يجدد ~~كل وقت طلب الإذن لأجل الرجوع إلى البيوت والكون مع النساء { فريق منهم } ~~أي طائفة شأنها الفرقة { النبي } وقد رأوا ما حواه من علو المقدار بما له ~~من حسن الخلق , الخلق , وما لديه من جلاله الشمائل وكريم الخصائل , ولم ~~يخشوا من إنبائنا له بالأخبار , وإظهارها له الخبء , من مكنون الضمائر وخفي ~~الأسرار , حال كونهم { يقولون } أي في كل قليل , مؤكدين لعملهم بكذبهم ~~وتكذيب المؤمنين لهم قولهم : { إن بيوتنا } أتوا بجمع الكثرة إشارة إلى ~~كثرة أصحابهم المنافقين { عورة } أي بها خلل كثير يمكن من أراد من الأحزاب ~~أن يدخلها منه , فإذا ذهبنا إليها حفظناها منهم ms3910 وكفينا من يأتي إلينا من ~~مفسديهم حماية للدين , وذبا عن الأهلين . | ولما قالوا ذلك مؤكدين له , رده ~~الله تعالى موكدا لرده مبينا لما أرادوا فقال : { وما } أي والحال أنها ما ~~{ هي } في ذلك الوقت الذي قالوا هذا فيه , وأكد النفي فقال : { بعورة } ولا ~~يريدون بذهابهم حمايتها { إن } أي ما { يريدون } باستئذانهم { إلا ~~PageV06P083 فرارا * } ولما كانت مشتدة بملازمة دورهم . | فأظهروا اشتداد ~~العناية والعمدة فقال : { ولو دخلت } أي بيوتهم من أي داخل كان من هؤلاء ~~الأحزاب أو غيرهم , وأنث الفعل نصا على المراد وإشارة إلى أن ما ينسب إليهم ~~جدير بالضعف , وعبر بأداة الاستعلاء فقال : { عليهم } إشارة إلى أنه دخول ~~غلبة { من أقطارها } أي جوانبها كلها بحيث لا يكون لهم مكان للهرب . | ولما ~~كان قصد الفرار مع الإحاطة بالدار , من جميع الأقطار , دون الاستقتال للدفع ~~عن الأهل والمال , بعيدا عن أفعال الرجال ؛ عبر بأداة التراخي فقال : { ثم ~~سئلوا } أي من أي سائل كان { الفتنة } أي الخروج منها فارين , وكأنه سماه ~~بها لأنه لما كان أشد الفتنة من حيث أنه لا يخرج الإنسان من بيته إلا الموت ~~أو ما يقاربه كان كأنه لا فتنة سواه { لأتوها } أي الفتنة بالخروج فرارا , ~~إجابة لسؤال من سألهم مع غلبة الظن بالدخول على صفة الإحاطة أن لا نجاة , ~~فهم أبدا يعولون على الفرار من غير قتال حماية لذمار أو دفعا لعار , أو ذبا ~~عن أهل أو جار , وهذا المعنى ينتظم قراءة أهل الحجاز بالقصر وغيرهم بالمد , ~~فإن من أجاب إلى الفرار فقد أعطى ما كأنه كان في يده منه غلبة وجبنا وقد ~~جأءه وفعله . | ولما كان هذا عند العرب - مع ما لهم من النجدة والخوف من ~~السبة - لا يكاد يصدق , أشار إلى ذلك بتأكيده في زيادة تصويره فقال : { وما ~~تلبثوا بها } أي البيوت { إلا يسيرا * } فصح بهذا أنهم لا يقصدون إلا ~~الفرار , لا حفظ البيوت من المضار , ويدلك على هذا المعنى إتباعه بقوله ~~مؤكدا لأجل ما لهم من الإنكار والحلف بالكذب : { ولقد كانوا } أي هؤلاء ~~الذين أسرعوا ms3911 الإجابة إلى الفرار مع الدخول عليهم على تلك الصفة من سبي ~~حريمهم واجتياح بيضتهم { عاهدوا الله } أي الذي أجل منه . | ولما كان العهد ~~ربما طال زمنه فنسي , فكان ذلك عذرا لصاحبه , بين قرب زمنه بعد بيان عظمة ~~المعاهد اللازم منه ذكره , فقال مثبتا الجار : { من قبل } أي قبل هذه ~~الحالة وهذه الغزوة حين أعجبتهم المواعيد الصادقة بالفتوحات التي سموها ~~الان عندما جد الجد مما هي مشروطة به من الجهاد غرورا { لا يولون } أي ~~يقربون عدوهم { الأدبار } أي أدبارهم أبدا لشيء من الأشياء , ولا يكون لهم ~~عمل إذا حمى الياس , وتخالط الناس , واحمرت الحدق وتداعس الرجال , وتعانق ~~الحماة الأبطال إلى الظفر أو الموت . | PageV06P084 أي الوفاء بعهد من هو ~~محيط بصفات الكمال . | ولما كان العهد فضلة في الكلام لكونه مفعولا , ~~واشتدت العناية به هنا , بين ذلك بتقديمه أولا ثم يجعله العمدة , وإسناد ~~الفعل إليه ثانيا فقال : { مسؤولا * } , أي في أن يوفي به ذلك الذي وقع منه ~~. | < < # | الأحزاب : ( 16 - 20 ) قل لن ينفعكم . . . . . # > > ^ ( قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون ~~إلا قليلا * قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم ~~رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا * قد يعلم الله المعوقين ~~منكم والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا * أشحة عليكم ~~فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت ~~فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط ~~الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا * يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت ~~الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبآئكم ولو كانوا فيكم ~~ما قاتلوا إلا قليلا ) ^ } ) | ولما أتم سبحانه ما أخبر به رسوله صلى الله ~~عليه وسلم كما دل عليه التعبير بالنبي , استأنف أمره بجوابهم جوابا لمن ~~كأنه قال : ماذا يقال لهم ؟ وإجراء للنصحية على لسانه لما هو مجبول عليه من ~~الشفقة , { قل } أي لهم ms3912 , وأكد لظنهم نفع الفرار : { لن ينفعكم } أي في ~~تأخير آجالكم في وقت من الأوقات { الفرار } أي الذي ما كان استئذانكم إلا ~~بسببه { إن فررتم من الموت } أي بغير عدو { أو القتل } لأن الأجل إن كان قد ~~حضر , لم يتأخر بالفرار وإلا لم يقصره الثبات كما كان علي رضي الله عنه ~~يقول : إذا دهم الأمر , وتوقد الجمر , واشتد من الحرب الحر , أي يومي من ~~الموت أفر ؟ يوم لا يقدر أو يوم يقدر , وذلك أن أجل الله الذي أجله محيط ~~بالإنسان لا يقدر أن يتعداه أصلا { وإذا } أي وإذ فررتم . | ولما كانوا لا ~~يقصدون بالعيش إلا التمتع , بين ذلك بالبناء للمجهول فقال : { لا تمتعون } ~~أي تمتعا مبالغا فيه كما تريدون بما بقي من أعماركم إن كان بقي منها شيء { ~~إلا قليلا } بل يتمكن العدو منكم بأدباركم , ومن أموالكم وأحسابكم ودياركم ~~, فيفسد مهما قدر عليه من ذلك فلا تقدرون على تدراكه إلا بعد زمان طويل ~~وتعب كبير , بخلاف ما إذا ثبتم وفاء بالعهد وحفظا للثناء فلاقيتم الأقرن , ~~وقارعتم الفرسان , اعتمادا على ربكم وطاعة لنبيكم , فإن كان الأجل قد أتى ~~لم ينقصكم ذلك شيئا , ومتم أعزة كراما , وإلا غزتم بالنصر , وحزتم الأجر , ~~وعشتم بأتم نعمة إلى تمام العمر , فالثبات أبقى للمهج , وأحفظ للعيش البهج ~~. | ولما كانوا لما عندهم من التقيد بالوهم , والدوران مع الحس دأب البهم , ~~جديرين PageV06P085 بأن يقولوا : بلى لأنا طالما رأينا من هرب فسلم , ومن ~~ثبت فاصطلم , أمره بالجواب عن هذا بقوله : { قل } أي لهم منكرا عليهم : { ~~من ذا الذي يعصمكم } أي يمنعكم { من الله } المحيط بكل شيء قدرة وعلما قبل ~~الفرار وفي حال الفرار وبعده { إن أراد بكم سوءا } فأناخ بكم نقمه فيرد ذلك ~~السوء عنكم { أو } يهينكم ويقبح جانبكم ويمتهنه بأن يصيبكم بسوء إن { أراد ~~لكم رحمة } فأفادكم نعمه , والرحمة النفع سماه بها لأنه أثرها , قيسوا هذا ~~المعنى على مقاييس عقولكم معتبرين له بما وجدتم من الشقين في جميع أعماركم ~~, هل احترزتم عن سوء إرادة فنفعكم الاحتراز , أو اجتهد غيره ms3913 في منعكم رحمة ~~منه فتم له أمره أو أوقع الله بكم شيئا من ذلك فقدر أحد مع بذل الجهد هلى ~~كشفه بدون إذنه ؟ ويمكن أن تكون الآية من الاحتباك : ذكر السوء أولا دليلا ~~على حذف ضده ثانيا , وذكر الرحمة ثانيا دليلا على حذف ضدها أولا . | ولما ~~كانوا أجمد الناس , أشار سبحانه بكونهم لم يبادروهم بأنفسهم الجواب بما يدل ~~على المناب إلى جمودهم بالعطف على ما علم أن تقديره جوابا من كل ذي بصيرة : ~~لا يعصمهم أحد من دونه من شيء من ذلك , ولا يصيبهم بشيء منه , فقال : { ولا ~~يجدون } أي في وقت من الأوقات { لهم } ونبه على أنه لا شيء إلا وهو في ~~مثبتا الجار : { من دون الله } وعبر بالاسم العلم إشارة إلى إحاطته بكل وصف ~~جميل , فمن أين يكون لغيره الإلمام بشيء منها إلا بإذنه { وليا } يوالهم ~~فينفعهم بنوع نفع { ولا نصيرا * } ينصرهم من أمره فيرد ما أراده من السوء ~~عنهم . | ولما أخبرهم سبحانه بما علم مما أوقعوه من أسرارهم , وأمره صلى ~~الله عليه وسلم بوعظهم , حذرهم بدوام عمله لمن يخون منهم , فقال محققا ~~مقربا من الماضي ومؤذنا بدوام هذا الوصف له : { قد يعلم } ولعله عبر ب ( قد ~~) التي ربما أفهمت في هذه العبارة التقليل , إشارة إلى أنه يكفي من له أدنى ~~عقل في الخوف من سطوة المتهدد احتمال علمه , وعبر بالاسم الأعظم فقال : { ~~الله } إشارة إلى إحاطة الجلال والجمال { المعوقين } أي المثبطين تثبيط ~~تكرية وعقوق , يسرعون فيه إسراع الواقع بغير اختياره { منكم } أي أيها ~~الذين أقروا بالإيمان للناس قاطبة عن إيتان حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~{ والقائلين لإخوانكم هلم } أي ائتوا وأقبلوا { إلينا } موهمين أن ناحيتهم ~~مما يقام فيه القتال , ويواظب على صالح الأعمال { ولا } أي والحال أنهم لا ~~{ يأتون الباس } أي الحرب أو مكانها { إلا قليلا } للرياء والسمعة بقدر ما ~~يراهم المخلصون , فإذا اشتغلوا بالمعاركة وكفى كل منهم ما إليه تسللوا عنهم ~~لواذا , وعاذوا بمن لا ينفعهم من الخلق عياذا . | PageV06P086 ولما كانوا ~~يوجهون لكل من أفعالهم ms3914 هذه وجها صالحا , بين فساد قصدهم بقوله ذاما غاية ~~الذم بالتعبير الشح الذي هو التناهي في البخل , فهو بخل بما في اليد وأمر ~~للغيب بالبخل فهو بخل إلى بخل خبيث قذر متمادى فيه مسارع إليه { أشحة } أي ~~يفعلون ما تقدم والحال أن كلا منهم شحيح { عليكم } أي بحصول نفع منهم أو من ~~غيرهم بنفس أو مال . | ولما كان التقدير : في حال الأمن , أتبعه بيان حالهم ~~في الخوف فقال : { فإذا جاء الخوف } أي لمجيء أسبابه من الحرب ومقدماتها { ~~رأيتهم } أي أيها المخاطب { وينظرون } وبين بعدهم حسا ومعنى بحرف الغاية ~~فقال : { إليك } أي حال كونهم { تدور } يمينا وشمالا بإدارة الطرف { أعينهم ~~} أي زائغة رعبا وخورا , تم شبهها في سرعة تقلبها لغير قصد صحيح فقال : { ~~كالذي } اي كدوران عين الذي , وبين شدة العناية بتصوير ذلك بجعل المفعول ~~عمدة ببناء الفعل له فقال : { يغشى عليه } مبتدئا غشيانه { من الموت } سنة ~~الله في أن كل من عامل الناس بالخداع , كان قليل الثبات عند القراع ؛ ثم ~~ذكر خاصى أخرى لبيان جبنهم فقال : { فإذا ذهب الخوف } أي بذهاب أسبابه { ~~سلقوكم } أي تناواوكم تناولا صعبا جرأة ووقاحة , ناسين ما وقع منهم عن قرب ~~من الجبن والخور { بألسنة حداد } ذربة قاطعة فصيحة بعد أن كانت عند الخوف ~~في غاية اللجلجة لا تقدر على الحركة من قلة الريق ويبس الشفاه , وهذا لطلب ~~العرض الفاني من الغنيمة أو غيرها ؛ ثم بين المراد بقوله : { أشحة } أي شحا ~~مستعليا { على الخير } أي المال الذي عندهم , وفي اعتقادهم أنه لا خير غيره ~~, شحا لا يريدون أن يصل شيء منه إليكم ولا يفوتهم شيء منه , وهذه سنة أخرى ~~في أن من كان صلبا في الرخاء كان رخوا حال الشدة وعند اللقاء , وإنما فسرت ~~الشح بهذا لأن مادته بترتيبها تدور على الجمع الذي انتهى فأشرف على الفساد ~~, من الحشيش والمحشة , وهي الدبر , فهو جمع يتبعه في الأغلب نكد وأذى , ومن ~~لوازم مطلق الجمع القوة فتتبعها الصلابة , فربما نشأت القساوة , وربما نشأت ~~عن الجمع الفرقة فازمها الرخاوة ms3915 , فمن الجمع النكد الشح وهو البخل والحص , ~~وشح النفس حرصها على ما ملكت , قال القزاز : وجمع الشحيح في أقل العدد أشحة ~~, ولم أسمع غيره , وحكى أبو يوسف : أشحاء - بالمد في الكثير , والرجلان ~~يتشاحان عن الأمر - إذا كان كل منهما يريد أن لا يفوته , وزند شحاح : لا ~~يورى , وما شحاح : نكد غير غمد - لأنه اشتد اجتماعه في مكانه , واشتدت أرضه ~~باجتماع أجزائها فصلبت جدا فضنت به . | وأرض شحاح : صلبة , قال القزاز : ~~وبه شبه الزند , والشحاح : الحد والسيئ الخلق والماضي في كلام أو سير , ~~والمواظب PageV06P087 على الشيء , لأن ذلك من لوازم الحدة الناشئة عن القوة ~~الناشئة عن الجمع , ومن هنا قيل للخطيب البليغ والشجاع والغيور : شحشح ~~وشحشاح , والشحشح من الغربان : الكثير الصوت , ومن الحمير : الخفيف , ومن ~~القطا : السريعة , والشحشاح : الطويل - كأنه جمع طولين , وشحشح البعير في ~~الهدير - إذا لم يخلصه , كأنه جمع إلى الهدير ما ليس بهدير , والشحشحة : ~~صوت الصرد - لكثرة اتصالها , فهي ترجع إلى الحدة التي ترجع إلى القوة ~~الناشئة عن الجمع , وترديد البعير في الهدير والطيران السريع الحذر , فإنه ~~يدل على اجتماع القلب وثقوب الذهن , وامرأة شحشاح - كأنه رجل في قوتها , ~~والمشحشح - كالمسلسل : القليل الخير , وإبل شحائح : قليلة الدر , وذلك من ~~الجمع والصلابة الناشئة عن القساوة والنكد , والشحيح من الأرض ما يسيل من ~~أدنى مطر , لصلابتها وشدة اجتماع بعضها إلى بعض , والشحشح أيضا من الأرض ما ~~لا يسيل إلا من مطر كثير ضد الأول , وذلك ناظر إلى جمعها للنظر لغوره فيما ~~لما في أجزائها من التفرق الذي تقدم أنه من لوازم الجمع , ومن مطلق الجمع : ~~الفلاة الواسعة - لأنها جامعة لما يراد جمعه , والشحاح : شهاب صغار تدفع ~~الماء إلى الوادي , فهي بمدها جامعة , وبكونها صغارا نكدة ومجتمعة في نفسها ~~, ومن الجمع : الحشيش , وهو اليابس من العشب , وأصله ما جمع منه . | والمحش ~~: الموضع الكثير الحشيش والخير , لأن الجمع ربما نشأ عنه رفق , وكثرة ~~الحشيش يلزمها الرفق بعلفه للدواب , ويكون أرضه طيبة , ومن حش الحشيش : ~~قطعه , وفلانا : أصلح من حاله , والمال : كثره , وزيدا ms3916 بعيرا أو ببعير : ~~أعطاه إياه , والحش - بالفتح : المخرج , والمحشة : الدبر , والحش : البستان ~~ذو النخل المجتمع , سمى الخلاء به لأن العرب كانت تقضي الحاجة فيه , وحش ~~طلحة وحش كوكب : موضعان بالمدينة , وحش الولد في البطن : يبس , وأحشت ~~المرأة فهي محش - إذا يبس الولد في جوفها , والحش - بالضم : الولد الهالك ~~في البطن , وحششت الفرس : جمعت له الحشيش , وأحششت الرجل : أعنته على جمع ~~الحشيش , والحشائش : الجوالق فيه الحشيش , وأحش الكلأ : أمكن لأن يحس , ~~والمستحشة من النوق التي دقت أوظفتها , أي ما فوق رسغها إلى ساقها , وذلك ~~من من عظمها وكثرة شحمها , واستحش الغصن : طال - كأنه جمع طولين , أو صار ~~بحيث يجمع ورقا كثيرا , الشيء بالشيء , وحش الودي من النخل : يبس , ومن ~~الجمع : حش الصيد : جمعه من جانبيه , والفرس : ألقى له حشيشا , قال القزاز ~~: وهو يبس الكلأ , وأصله ما جمع , ومنه : أحشك وتروثني - يضرب لمن أساء إلى ~~أحسن إليه , ومرت الإبل تحش PageV06P088 الأرض . | أي تجمع الحشيش , وقيل : ~~هو من سرعة مرها , وفيه مع كثرة الجمع للخطى بتقاربها معنى الحدة , ومنه حش ~~الفرس : أسرع , ومن الإشراف على الفساد : الحش - بالفتح وهو النخل الناقص ~~القصير ليس بمسق ولا معمور , والحشاشة : رمق النفس , يقال : ما بقي من فلان ~~إلا حشاشة أي رمق يسير يحي به , وعبارة القاموس , والحشاش والحشاشة , وهو ~~أيضا من الفرقة التي قد تلزم الجمع ومنه تحشحشوا أي تفرقوا , ومنه قلة ~~الاستحشاش , وهو قلة القوم , ومن الحدة الناشئة عن القوة الناشئة : عن ~~الجمع حششت النار أي أوقدتها وجمعت الحطب إليها , وكل ما قوي بشيء فقد حش ~~به , والمحش : حديدة يوقد بها النار أي تحرك , والشجاع , قال القزاز , وهو ~~محش حرب - إذا كان يسعرها بشجاعته , وحش فلان الحرب - إذا هيجها , ومنه ~~تحشحشوا أي تحركوا , ومن مطلق الحدة : أحششته عن حاجته : أعجلته عنها , ومن ~~الجمع والقوة : حش سمهه بالقذذ - إذا راشه فألزقها من نواحيه , وحشاشاك أن ~~تفعل كذا أي قصارك أي نهاية جمعك لكل ما تقوى به , وحشاشا كل شيء : جانباه ~~, والحشة - بالضم : القبة العظيمة , لكثرة جمعها ms3917 وقوة تراصها . | ولما ~~وصفهم سبحانه بهذه الدنايا . | أخبر بأن أساسها وأصلها الذي نشأت عنه عدم ~~الوثوق وتفرده لعدم الإيمان فقال : { أولئك } أي البغضاء البعداء الذين محط ~~أمرهم الدنيا { ولم يؤمنوا } أي لم يوجد منهم وأن أقرت به ألسنتهم . | ولما ~~كان العمل لا يصح بدون الإيمان , سبب عن ذلك قوله : { أعمالهم } أي أبطل ~~أرواحها , فصارت أجسادا لا أرواح لها , فلا نفع لهم شيء منها لأنها كانت في ~~الدنيا صورا مجردة عن الأرواح التي هي القصود الصالحة , فإنهم لا قصد لهم ~~بها إلا التوصل إلى الإغراض الدنيوية , وهذا إعلام بأن من كانت الدنيا أكبر ~~همه فهو غير مؤمن , وأنه يكون خوارا عند الهزاهز , ميالا إلى دنايا الشجايا ~~والغرائز . | ولما كان من عمل عملا لم يقدر غيره وإن كان أعظم منه أن يبطل ~~نفعه به إلا بسعر شديد , قال تعالى : { وكان ذلك } أي الإحباط العظيم مع ما ~~لهم من الجرأة في الطلب والإلحاف عند السؤال وقلة الأدب { على الله } بما ~~له من صفات العظمة التي تخشع لها الأصوات , وتخرس الألسن الذربات { يسيرا * ~~} لأنه لا نفع إلا منه وهو الواحد القهار , وأما غيره فإنما عسر عليه ذلك , ~~لأن النفع من غيره - وإن كان منه حقيقة - قهره غيره بالشفاعات ووجود النكد ~~أو غيرها عليه , وكأنهم لما ذهب استمرو خاضعين PageV06P089 لم يطلقوا ~~ألسنتهم ولا أعلو كلمتهم , فأخبر تعالى تحقيقا لقوله الماضي في جبنهم أن ~~المانع الذي ذكره لم يزل من عندهم لفرط جبنهم , فقال تحقيقا لذلك وجوابا ~~لمن ربما قال : قد ذهب الخوف فما لهم ما سلقوا ؟ : { يحسبون } أي يظنون ~~لضعف عقولهم في هذا الحال , وقد ذهب الخوف , لشدة جبنهم وما رسخ عندهم من ~~الخوف { الأحزاب } وقد علمتم أنهم ذهبوا { لم يذهبوا } بل غابوا خداعا , ~~وعبر بالحسبان لأنه - كما مضى عن الحرالي في البقرة - ما تقع غلبته فيما هو ~~من نوع ما فطر الإنسان عليه واستقر عادة له , والظن فيما هو من المعلوم ~~المأخوذ بالدليل والعلم , قال : فكان ضعف علم العالم ظن , وضعف عقل العاقل ~~حسبان ms3918 . | ولما أخبر عن حالهم في ذهابهم , أخبر عن حالهم لو وقع ما يخوفونه ~~من رجوعهم , فقال معبرا بأداة الشك بشارة لأهل البصائر أنه في عداد المحال ~~: { وإن يأت الأحزاب } أي بعد ما ذهبوا { يودوا } أي يتجدد لهم غاية الرغبة ~~من الجبن وشدة الخوف { لو أنهم بادون } أي فاعلون للبدو وهو الإقامة في ~~البادية على حالة الحل والارتحال { في الأعراب } الذين هم عندهم في محل ~~النقص , وممن تكره مخالطته ولو كان تمنيهم في ذلك الحين محالا ؛ ثم ذكر حال ~~فاعل ( بادون ) فقال : { يسألون } كل وقت { عن أنبائكم } العظيمة معهم جريا ~~على ما هم عليه من النفاق ليبقوا لهم عندكم وجها , كأنهم مهتمون بكم , ~~يظهرون بذلك تحرقا على غيبتهم عن هذه الحرب أو ليخفوا غيبتهم ويظهروا أنهم ~~كانوا بينكم في الحرب بأمارة أنه وقع لكم في وقت كذا أو مكان كذا كذا , ~~ويكابروا على ذلك من غير استيحاء لأن النفاق صار لهم خلقا لا يقدرون على ~~الانفكاك عنه , ويرشد إلى هذا المعنى قراءة يعقوب ( يسألون ) بالتشديد { ~~ولو } أي والحال أنهم لو { كانوا فيكم } أي حاضرين لحربهم { ما قاتلوا } أي ~~معكم { إلأ قليلا } نفاقا كما فعلوا قبل ذهاب الأحزاب من حضورهم معكم تارة ~~واستئذانهم في الرجوع إلى منازلهم أخرى , والتعويق لغيرهم بالفعل كرة , ~~والتصريح بالقول أخرى . | < < # | الأحزاب : ( 21 - 24 ) لقد كان لكم . . . . . # > > ^ ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم ~~الآخر وذكر الله كثيرا * ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا ~~الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما * من المؤمنين ~~رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما ~~بدلوا تبديلا * ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شآء أو يتوب ~~عليهم إن الله كان غفورا رحيما ) ^ } ) | ولما أخبر تعالى عنهم بهذه ~~الأحوال التي هي غاية في الدناءة , أقبل عليهم إقبالا PageV06P090 يدلهم ~~على تناهي الغضب , فقال مؤكدا محققا لأجل إنكارهم : { لقد كان لكم } أيها ~~الناس كافة الذين المنافقون في ms3919 غمارهم { في رسول الله } الذي جاء عنه ~~لإنقاذكم من كل ما يسوءكم , وجلاله من جلاله المحيط بكل جلال , وكماله من ~~كماله العالي على كل كمال , وهو أشرف الخلائق , فرضيتم مخالطة الأجلاف بدل ~~الكون معه { أسوة } أي قدوة عظيمة - على قراءة عاصم بضم الهمزة , وفي أدنى ~~المراتب - على قراءة الباقين بالكسر , تساوون أنفسكم به وهو أعلى الناس ~~قدرا يجب على كل أحد أن يفدي ظفره الشريف ولو بعينه فضلا عن أن يسوي نفسه ~~بنفسه , فيكون معه في كل أمر يكون فيه , لا يختلف عنه أصلا { حسنة } على ~~قراءة الجماعة بمطلق الصبر في البأساء وأحسنية على قراءة عاصم بالصبر على ~~الجراح في نفسه والإصابة في عمه وأعز أهله وجميع ما كان يفعل في مقاساة ~~الشدائد , ولقاء الأقران , والنصيحة لله ولنفسه وللمؤمنين , وعبر عنه بوصف ~~الرسالة لأنه حظ الخلق منه ليقتدوا بأفعاله وأقواله , ويتخلفوا بأخلاقه ~~وأحواله , ونبه على ان الذي يحمل على التآسي به صلى الله عليه وسلم إنما هو ~~الصدق في الإيمان ولا سيما الإيمان بالقيامة , وأن الموجب للرضا جبلة له { ~~يرجوا الله } أي في جبلته أنه يجدد الرجاء مستمرا للذي لا عظيم في الحقيقة ~~سواه فيأمل إسعاده ويخشى إبعاده { واليوم الآخر } الذي لا بد من إيجاده ~~ومجازاة الخلائق فيه بإعمالهم , فمن كان كذلك حمله رجاؤه على كل خير , ~~ومنعه من كل شر , فإنه يوم التغابن , لأن الحياة فيه دائمة , والكسر فيه لا ~~يجبر . | ولما عبر بالمضارع المقتضي لدوام التجدد اللازم منه دوام الاتصاف ~~الناشئ عن المراقبة لأنه في جبلته , أنتج ان يقال : فأسى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تصديقا لما في جبلته من الرجاء , فعطف عليه , أو على ( كان ~~) المقتضيه للرسوخ قوله : { وذكر الله } الذي له صفات الكمال , وقيده بقوله ~~: { كثيرا } تحقيقا لما ذكر من معنى الرجاء الذي به الفلاح , وأن المراد ~~منه الدائم في حالي السراء والضراء . | ولما أخبر عما حصل في هذه الوقعة من ~~الشدائد الناشئة عن الرعب لعامة الناس , وخص من بينهم المنافقين بما ختمه ~~بالملامة في ms3920 ترك التأسي بمن أعطاء الله قيادهم , وأعلاه عليهم في الثبات ~~والذكر , وختم بما يثمر الرسوخ في الدين , ذكر حال الراسخين في أوصاف ~~الكمال المتأسين بالداعي , المتفقين للهادي , فقال عاطفا على { هنالك ابتلى ~~المؤمون } : { ولما رأى المؤمنون } أي الكاملون في الإيمان { الأحزاب } ~~الذين أدهشت رؤيتهم القلوب { قالوا } أي مع ما حصل لهم من الزلزال ~~PageV06P091 وتعاظم الأخوال : { هذا } أي الذي نراه من الهول { ما وعدنا } ~~من تصديق دعوانا الإيمان بالبلاء والامتحان { الله } الذي له الأمر كله { ~~ورسوله } المبلغ عنه في نحو قوله : < # > 77 ( { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتيكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~} ) 77 < # > [ البقرة : 214 ] < # > 77 ( { أحسب الناس أن يتركوا } ) 77 < # > [ العنكبوت : 2 ] < # > 77 ( { أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم } ) 77 < # > [ التوبة : 16 ] وأمثال ذلك , فسموا المس بالبأساء والضراء , والابتلاء ~~بالزلزال والأعداء , وعدا لعملهم بما لهم عليه عند الله , ولا سيما في يوم ~~الجزاء , وما يعقبه من النصر , عند اشتداد الأمر . | ولما كان هذا معناه ~~التصديق , أزالوا عنه احتمال أن يكون أمرا اتفاقيا , وصرحوا به على وجه ~~يفهم الدعاء بالنصر الموعود به في قولهم عطفا على هذا : { وصدق } مطبقا لا ~~بالنسبة إلى مفعول معين { الله } الذي له صفات الكمال { ورسوله } الذي ~~كماله من كماله , أي ظهر صدقهما في عالم الشهادة في كل وعدا به من السراء ~~والضراء مما رأيناه . | وهما صادقان فيما غاب عنا مما وعدا به من نصر وغيره ~~, وإظهار الاسمين للتعظيم والتيمن بذكرهما . | ولما كان هذا قولا يمكن أن ~~يكون لسانيا فقط كقول المنافقين , أكده لظن المنافقين ذلك , فقال سبحانه ~~شاهدا لهم : { وما زادهم } أي ما رأوه من أمرهم المرعب { إلا إيمانا } أي ~~بالله ورسوله بقلوبهم , وأبلغ سبحانه في وصفهم بالإسلام , فعبر بصيغة ~~التفعيل فقال : { وتسليما } أي لهما بجميع جوارحهم في جميع القضاء والقدر , ~~وقد تقدم في قوله تعالى في سورة الفرقان < # > 77 ( { ويجعل لك قصورا } ) 77 < # > [ الفرقان : 10 ] ما هو من شرح هذا . | ولما كان كل من آمن بائعا نفسه ~~وماله لله ms3921 , لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم , وكان فعل أبو ~~بكر رضي الله عنه , أما في ماله فبالخروج عنه كله , وأما في نفسه فيما ~~يقحمها من الأهوال , حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له في بعض ~~المواطن : ( الزم مكانك وأمتعنا بنفسك ) , ( ويقول له ولعمر رضي الله عنه ~~في ليلة الغار يذكر الطلب فيتأخر , والرصد فيتقدم , وما عن الجوانب فيصير ~~إليها , ومنهم من وفى هذه الغزوة وما قبلها فأراد الله لتنويه بذكرهم ~~والثناء عليهم توفية لما يفضل به في حقهم , وترغيبا لغيرهم PageV06P092 ~~فأظهر ولم يضمر لئلا يتقيد بالمذكورين سابقا فيخص هذه الغزوة فقال : { من ~~المؤمنين } أي الكمل { رجال } أي في غاية العظمة عندنا , ثم وصفهم بقوله : ~~{ صدقوا } ولما كان العهد عند ذوي الهمم العلية , والأخلاق الزكية , لشدة ~~ذكرهم له ومحافظتهم على الوفاء به , وتصوره لهم حتى كأنه رجل عظيم قائم ~~تجاههم , يتقاضاهم الصدق , عدى الفعل إليه فقال : { ما عاهدوا الله } ~~المحيط علما وقدرة وجلالا وعظمة { عليه } أي من بيع أنفسهم وأموالهم له ~~بدخولهم في هذا الدين الذي بنى على ذلك فوفوا به أتم وفاء , وفي هذا إشارة ~~إلى أبي لبابة بن المنذر رضي الله عنه , وكان من أكابر المؤمنين الراسخين ~~في صفة الإيمان حيث زل في إشارته إلى بني قريظة بأن المراد بهم الذبح , كما ~~تقدم في الأنفال في قوله تعالى : < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم } ~~) 77 < # > [ الأنفال : 27 ] فذهب من حينه وربط نفسه تصديقا لصدقه في سارية من ~~سواري المسجد حتى تاب الله عليه وحله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ~~الشريفة . | ولما ذكر الصادقين , وكان ربما فهم أن الصدق لا يكون إلا ~~بالقتل , قسمهم قسمين مشيرا إلى خلاف ذلك بقوله : { فمنهم من قضى } أي أعطى ~~{ نحبه } أي نذره في معاهدته , أنه ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويموت دونه , وفرغ من ذلك وخرج من عهدته بأن قتل شهيدا , فلم يبق عليه نذر ~~كحمزة بن عبدالمطلب ومصعب بن عمير وعبدالله ms3922 بن جحش وسعد بن الربيع وأنس بن ~~النضر الذي غاب من غزوة بدر فقال : غبت عن أول قتال فيه النبي صلى الله ~~عليه وسلم , لئن أشهدني الله قتالا ليرين الله ما أصنع , فلما انهزم من ~~انهزم في غزوة أحد قال : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني ~~المشركين - ومما صنع هؤلاء - يعني المنهزمين من المسلمين . | وقاتل حتى قتل ~~بعد بضع وثمانين جراحة من ضربة بسيف , وطعنة برمح , ورمية بسهم , وروى ~~البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ) نرى هذه الآيات نزلت في أنس ~~بن النضر { من المؤمنين رجال } ( - انتهى , وغير هؤلاء ممن قتل قبل هذا في ~~غزوة أحد وغيرها , وسعد بن معاذ ممن جرح في هذه الغزوة وحكم في بني قريظة ~~بالقتل والسبي , ولم يرع لهم حلفهم لقومه , ولا أطاع قومه في الإشارة عليه ~~باستبقائهم كما استبقى عبدالله بن أبي المنافق بني قينقاع ولا أخذته بهم ~~رأفة غضبا لله ولرسوله رضي الله عنه , وممن لم يقتل في عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم طلحة بن عبيد الله أحد العشرة رضي الله عنهم ثبت في أحد وفعل ما ~~لم يفعله غيره , لزم PageV06P093 النبي صلى الله عليه وسلم فلم يفارقه , ~~وذب عنه ووقاه بيده حتى شلت إصبعه النبي صلى الله عليه وسلم أنه ممن قضى ~~نحبه , فالمراد بالنحب هنا العهد الذي هو كالنذر المفضي إلى الموت , وأصل ~~النحب الاجتهاد في العمل , ومن هنا استعمل في النذر لأنه الحامل على ذلك { ~~ومنهم } أي الصادقين { من ينتظر } قضاء النحب إما بالنصرة , أو الموت على ~~الشهادة , أو مطلق المتابعة الكاملة . | ولما كان المنافقون ينكرون أن يكون ~~أحد صادقا فيما يظهر من الإيمان , أكد قوله تعريضا بهم : { وما بدلوا ~~تبدبيلا } أي وما أوقعوا شيئا من تبديل بفرتة أو توان , فهذا تصريح بمدح ~~أهل الصدق , وتلويح بذم أهل النفاق عكس ما تقدم , روى البخاري عن زيد بن ~~ثابت رضي الله عنه قال : لما نسخنا الصحف بالمصاحف فقدت آية من سورة ~~الأحزاب كنت كثيرا ms3923 أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأها , لم أجدها مع أحد ~~إلا مع خزيمة الأنصاري - رضي الله عنه - الذي جعل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شهادته شهادة رجلين { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } . ~~| وقوله : ( نسخنا الصحف ) التي كانت عند حفصة رضي الله عنها بعد موت عمر ~~رضي الله عنه ( في المصاحف ) التي أمر بها عثمان رضي الله عنه , وقوله : ( ~~لم أجدها ) أي مكتوبة بدليل حفظه لها , وهذا يدل على أنه لما نسخ المصاحف ~~في عهد عثمان رضي الله عنه لم يقتنعوا بالصحف . | بل ضموا إليها ما هو مفرق ~~عند الناس مما كتب بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحضرته كما فعلوا ~~حين جمعوا الصحف على عهد أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين . | ولما كان كأنه : ~~قد فهم من سياق هذه القصة أن القصد الإقبال عليه سبحانه , وقطع جميع ~~العلائق من غيره , لأنه قادر على كل شيء , فهو يكفي من أقبل عليه كل مهم ~~وإن كان في غاية العجز , لأنه قادر على كل شيء , فهو يكفي من أقبل عليه كل ~~بالاتفاق على كلمة السلام , لتحصل الراحة من هذا العناء كله , فأجيب بأن ~~هذا لتظهر صفة العز والعظمة والعدل وغيرها ظهورا تاما إلى غير ذلك من حكم ~~ينكشف عنها الحجاب , وترفع لتجليها غاية التجلي ستور الأسباب , فقال تعالى ~~معلقا بقوله : { جاءتكم جنود } : { ليجزي الله } أي الذي يريد إظهار جميع ~~صفاته يوم البعث للخاص والعام ظهورا تاما { الصادقين } في ادعاء أنهم آمنوا ~~به { بصدقهم } فيعلي أمرهم في الدنيا وينعمهم في الأخرى , فالصدق سبب وإن ~~كان فضلا منه لأنه الموفق له { ويعذب المنافقين } في الدارين بكذبهم في ~~دعواهم الإيمان المقتضي لبيع النفس والمال { إن PageV06P094 شاء } يعذبهم ~~على النفاق { أو يتوب عليهم } أي بما يرون من صدقه سبحانه في إعزاز أوليائه ~~وإذلال أعدائه بقدرته التامة حيث كانوا قاطعين بخلاف ذلك . | ولما كانت ~~توبة المنافقين مستعبدة لما يرون من صلابتهم في الخداع وخبث سرائرهم , قال ~~معللا ذلك كله على وجه التأكيد ms3924 : { إن الله } أي بما من الجلال والجمال { ~~كان } أزلا وأبدا { غفورا رحيما } يستر الذنب وينعم على صاحبه بالكرامة , ~~أما في الإثابة لكل فالرحمة عامة , وأما في تعذيب المنافق فيخص الصادقين , ~~لأن عذاب أعدائهم من أعظم نعيمهم , وفي حكمه بالعدل عموم الرحمة أيضا , فهو ~~لا يعذب أحدا فوق ما يستحق . | < < # | الأحزاب : ( 25 - 27 ) ورد الله الذين . . . . . # > > ^ ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين ~~القتال وكان الله قويا عزيزا * وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من ~~صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا * وأورثكم أرضهم ~~وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا ) ^ } ) | ~~ولما ذكرهم سبحانه نعمته بما أرسل على أعدائهم من جنوده , وبين أحوال ~~المنافقين والصادقين وما له في ذلك من الأسرار , وختم بهاتين الصفتين , قال ~~مذكرا بأثرهما فيما خرقه من العادة بصرف الأعداء على كثرتهم وقوتهم على ~~حالة لا يرضاها لنفسه عاقل , عاطفا من قوله في أول السورة والقصة { فأرسلنا ~~} : { ورد الله } أي بما له من صفات الكمال { الذين كفرورا } أي ستروا ما ~~دلت عليه شموس عقولهم من ادلة الوحدانية وحقية الرسالة , وهم من تحزب من ~~العرب وغيرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بلادهم عن المدينة ~~ومضايقة المؤمنين , حال كونهم { بغيظهم } الذي أوجب لهم التحزب ثم الذي ~~أوجب لهم التفرق من غير طائل حال كونهم { لم ينالوا خيرا } لا من الدين ولا ~~من الدنيا , بل خذلهم بكل اعتبار . | ولما كان الرد قد يكون بسبب من عدوهم ~~, بين أن الأمر ليس كذلك فقال : { وكفى الله } أي العظيم بقوته وعزته عباده ~~, ودل على أنه ما فعل ذلك إلا لأجل أهل الإخلاص فقال : { المؤمنين القتال } ~~بما ألقى في قلوبهم من الداعية للانصراف بالريخ والجنود من الملائكة وغيرهم ~~منهم نعيم بن مسعود كما تقدم . | ولما كان هذا أمرأ باهرا , أتبعه ما يدل ~~على أنه عنده يسير فقال : { وكان الله } أي الذي له كل صفة كمال دائما أزلا ~~وأبدا { قويا } لا يعجزه شيء ms3925 { عزيزا } يغلب كل شيء . | PageV06P095 ولما ~~أتم أمر الأحزاب , أتبعه حال الذين ألبوهم , وكانوا سببا في إيتانهم كحيي ~~بن أخطب والذين مالأوهم على ذلك , ونفضوا ما كان لهم من عهد , فقال : { ~~وأنزل الذين ظاهروهم } أي عاونوا الأحزاب , ثم بينهم بقوله مبغضا : { من ~~أهل الكتاب } وهم بنو قريظة ومن دخل معهم في حصنهم من بني النضير كحيي , ~~وكان ذلك بعد إخراج بني قنيقاع وبني النضير { من صياصيهم } أي حصونهم ~~العالمية , جمع صيصية وهي كل ما يتمنع به من قرون البقر وغيرها مما شبه بها ~~من الحصون . | ولما كان الإنزال من محل التمنع عجبا , وكان على وجوه شتى , ~~فلم يكن صريحا في الإذلال , فتشوفت النفس إلى بيان حاله , بين أنه الذي ~~فقال عاطفا بالواو ليصلح لما قبل ولما بعد : { وقذف في قلوبهم الرعب } أي ~~بعد الإنزال كما كان قذفه قبل الإنزال , فلو قدم القذف على الإنزال لما ~~أفاد هذه الفؤائد , ولا اشتدت ملاءمة ما بعده للإنزال . | ولما ذكر ما ~~أذلهم به , ذكر ما تأثر عنه مقسما له فقال : { فريقا } فذكره بلفظ الفرقة ~~ونصبه ليدل بادئ بدء على أنه طوع لأيدي الفاعلين : { تقتلون } وهم الرجال , ~~وكان نحو سبعمائة . | ولما بدأ بما يدل على التقسيم مما منه الفرقة , وقد ~~أعظم الأثرين الناشئين عن الرعب , أولاه الأثر الآخر ليصير الأثران ~~المحبوبان محتوشين بما يدل على الفرقة فقال : { وتأسرون فريقا } وهو ~~الذراري والنساء , ولعله أخر الفريق هنا ليفيد التخيير في أمرهم , وقدم في ~~الرجال لتحتم القتل فيهم . | ولما ذكر الناطق بقسميه , ذكر الصامت فقال : { ~~وأوثكم أرضهم } من الحدائق وغيرها ؛ ولما هم خص بقوله : { وديارهم } لأنه ~~يحامي عليها ما لا يحامي على غيرها ؛ ثم عم بقوله : { وأموالهم } مما تقدم ~~ومن غيره من النقد والماشية والسلاح والأثاث وغيرها , فقسم ذلك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم للفارس ثلاثة أسهم : الفرس سهمان وقعت المقاسم ومضت ~~السنة في المغازي , واصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من سباياهم ريحانة ~~بنت عمرو بن خناقة . | إحدى نساء بني عمرو بن قريظة , فتلبثت قليلا ms3926 , ثم ~~أسلمت , فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن يتزوجها ويضرب عليها ~~الحجاب فقالت : يا رسول الله ! بل تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك , ~~فتركها حتى توفي عنها في ملكه رضي الله عنها . | PageV06P096 ولما كانت هذه ~~غزوة طار رعبها في الآفاق , وأذلت أهل الشرك من الأميين وغيرهم على الإطلاق ~~, ونشرت ألوية النصر فخفقت أعلامها في جميع الآفاق , وأغمدت سيف الكفر وسلت ~~صارم الإيمان للرؤوس والأعناق , حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو أبصر ~~الناس بالحروب , وأنفذهم رأيا لما له من الثبات عند اشتداد الكروب : ( الآن ~~نغزوهم ولا يغزونا ) عليها وإعطائكم القوة القريبة ومن فتحها , وهي أرض ~~خيبر أولا , ثم أرض مكة ثانيا ثم أرض فارس والروم وغيرهما مما فتحه الله ~~بعد ذلك , وكان قد حكم به في هذه الغزوة حين أبرق تلك البرقات للنبي صلى ~~الله عليه وسلم في حفر الخندق , فأراه في الأولى اليمن , وفي الأخرى فارس , ~~وفي الأخرى الروم . | < < # | الأحزاب : ( 28 - 31 ) يا أيها النبي . . . . . # > > ^ ( يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ~~فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار ~~الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما * ينسآء النبي من يأت منكن ~~بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا * ومن يقنت ~~منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتهآ أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما ) ^ ~~} ) | ولما تقرر بهذه الوقائع - التي نصر فيها سبحانه وحده بأسباب باطنه ~~سببها , وأمور خفية رتبها , تعجز عنها الجيوش المتخيرة المستكثرة , والملوك ~~المتجبرة المستكبرة - ما قدم من انه كافي من توكل عليه , وأقبل بكليته إليه ~~, وختم بصفة القدرة العامة الدائمة , تحرر أنه قادر على كل ما يريده , وأنه ~~لو شاء أجرى مع وليه كنوز الأرض , وأنه لا يجوز لأحد أن يراعي غيره ولا أن ~~يرمق بوجه ما سواه , وعلم أن من أقبل إلى هذا الدين فإنما نفع نفسه والفضل ~~لصاحب الدين عليه , ومن أعرض عنه فإنما وبال إعراضه على نفسه , ولا ضرر ms3927 على ~~الدين بإعراض هذا المعرض , كما أنه لا نفع له بإقبال ذلك المقبل , وكان قد ~~قضى سبحانه أن من انقطع إليه حماه من الدنيا إكراما له ورفعا لمنزلته عن ~~خسيسها إلى نفيس ما عنده , لأن كل أمرها إلى زوال وتلاش واضمحلال , ولا ~~يعلق همته بذلك إلا قاصر ضال , فأخذ سبحانه يأمر أحب الخلق إليه , وأعزهم ~~منزلة PageV06P097 لديه , المعلوم امتثالا للأمر بالتوكل والإعراض عن كل ما ~~سواه سبحانه وأنه لا يختار من الدنيا غير الكفاف , والقناعة والعفاف , ~~بتخيير ألصق الناس به تأديبا لكافة الناس , فقال على طريق الاستنتاج مما ~~تقدم : { يا أيها النبي } ذاكرا صفة رفعته واتصاله به سبحانه والإعلام ~~بأسرار القلوب , وخفايا الغيوب , المقتضية لأن يفرغ فكره لما يتلقاه من ~~المعارف , ولا يعلق عن شيء من ذلك بشيء من أذى : { قل لأزواجك } أي نسائك : ~~{ إن كنتن } أي كونا راسخا { تردن } أي اختيارا علي { الحياة } ووصفها بما ~~يزهد فيها ذوي الهمم ويذكر من له عقل بالآخرة فقال : { الدنيا } أي ما فيها ~~من السعة والرفاهية والنعمة { وزينتها } أي المنافية لما أمرني به ربي من ~~الإعراض عنه واحتقاره من أمرها لأنها أبغض خلقه إليه , لأنها قاطعة عنه { ~~فتعالين } أصله أن الأمر يكون أعلى من المأمور , فيدعوه أن يرفع نفسه إليه ~~ثم كثر حتى صار معناه : أقبل , وهو هنا كناية عن الإخبار والإراداة بعلاقة ~~أن المخبر يدنو إلى من يخبره { أمتعكن } أي بما أحسن به إليكن { وأسرحكن } ~~أي من حباله عصمتي { سراحا جميلا * } أي ليس فيه مضارة , ولا نوع حقد ولا ~~مقاهرة { وإن كنتن } بما لكن من الجبلة { تردن الله } أي الآمر بالإعراض عن ~~الدنيا للإعلاء إلى ما له من رتب الكمال { ورسوله } المؤتمر بما أمره به من ~~الانسلاخ عنها المبلغ للعباد جميع ما أرسله به من أمر الدنيا والدين لا يدع ~~منه شيئا , لما له عليكن وعلى سائر الناس من الحق بما يبلغهم عن الله { ~~والدار الآخرة } التي هي الحيوان بما لها من البقاء , والعلو والارتقاء . | ~~ولما كان ما كل من أظهر شيئا ms3928 كان عالي الرتبة فيه , قال مؤكدا تنبيها على ~~أن ما يقوله مما يقطع به وينبغي تأكيده دفعا لظن من يغلب عليه حال البشر ~~فيظن فيه الظنون من أهل النفاق وغيرهم , أو يعمل عمل من يظن ذلك أو يستبعد ~~وقوعه في الدنيا والآخرة { للمحسنات منكن } أي اللاتي يفعلن ذلك وهن في ~~مقام المشاهدة وهو يعلم المحسن من غيره { أجرا عظيما * } أي تحتقر له ~~الدنيا وكل ما فيها من زينة ونعمة . | ولما أتى سبحانه بهذه العبارة ~~الحكيمة الصالحة مع البيان للتبعيض ترهيبا في ترغيب , أحسن كلهن وحققن بما ~~تخلقن به أن من للبيان , فإن النبي صلى الله عليه وسلم عرض عليهن رضي الله ~~عنهن ذلك , وبدأ بعائشة رضي الله عنها رأس المحسنات إذ ذاك رضي الله عنها ~~وعن أبيها وقال لها : ( إني قائل لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري ~~أبويك ) PageV06P098 فلما تلاها عليها قالت منكرة لتوقفها في الخبر : أفي ~~هذا أستأمر أبوي , فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة , ثم عرض ذلك على ~~جميع أزواجه فاقتدين كلهن بعائشة رضي الله عنهن فكانت لهن إماما فنالت إلى ~~أجرها مثل أجورهن - روى ذلك البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها , وسبب ~~ذلك أنه صلى الله عليه وسلم وجد على نسائه رضي الله عنهن فآلى منهن شهرا , ~~فلما انقضى الشهر نزل إليهن من غرفة كان اعتزل فيها وقد أنزل الله عليه ~~الآيات . | فخيرهن فاخترنه رضي الله عنهن , وسبب ذلك أن منهن من سأل التوسع ~~في النفقة , وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحب التوسع في الدنيا , ~~روى الشيخان رضي الله عنهما عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما شبع آل محمد ~~صلى الله عليه وسلم , من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم , صلى الله عليه وسلم # 1548 ; وروى الحديث البيهقي ولفظه : قالت : ما شبع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثلاثة أيام متوالية ولو شئنا لشبعنا , ولكنه كان يؤثر على نفسه , ~~وروى الطبراني في الأوسط ms3929 عنها أيضا رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ( من سأل عني أو سره أن ينظر إلي فلينظر إلي أشعث شاحب لم ~~يضع لبنة على لبنة وا قصبة على قصبة , رفع له علم فشمر إليه , اليوم ~~المضمار وغدا السباق , والغاية الجنة أو النار ) ولما كان الله سبحانه قد ~~أمضى حكمته في هذه الدار في أنه لا يقبل قول إلا ببيان , قال سبحانه متهددا ~~على ما قد أعاذهن الله منه , فالمراد منه بيان أنه رفع مقاديرهن , ولذلك ~~ذكر الأفعال المسندة إليهن اعتبارا بلفظ ( من ) والتنبيه على غلط من جعل ~~صحبه الأشراف دافعة للعقاب على الإسراف , ومعلمة بأنها إنما تكون سببا ~~للإضعاف : { يا نساء النبي } أي المختارات له لما بينه وبين الله مما يظهر ~~شرفه { من يأت } قراءة شاذة نقلها وكذا ( يقنت ) { منكن فاحشة } أي من قول ~~أو فعل كالنشوز وسوء الخلق باختيار الحياة الدنيا وزينتها على الله ورسوله ~~أو غير ذلك { مبينة } أي واضحة ظاهرة في نفسها تكاد تنادي بذلك من سوء خلق ~~ونشوز أو غير ذلك { يضاعف لها PageV06P099 العذاب } أي بسبب ذلك , ولما هول ~~الأمر بالمفاعلة في قراءة نافع المفهمة لأكثر من \ اثنين كما مضى في البقرة ~~, سهله بقوله : { ضعفين } أي بالنسبة إلى ما لغيرها لأن مقدارها لا يعشره ~~مقدار غيرها كما جعل حد الحر ضعفي ما للعبد , وكما جعل أجرهن مرتين . | ~~واشتد العتاب فيما بين الأحباب , وعلى قدر علو المقام يكون الملام , وبقدر ~~النعمة تكون النقمة , وكل من بناء يضاعف للمجهول من باب المفاعلة أو ~~التفعيل لأبي جعفر والبصريين أو للفاعل بالنون عند ابن وكثير وابن عامر يدل ~~على عظمته سبحانه , والبناء للمجهول يدل على العناية بالتهويل بالعذاب ~~بجعله عمدة الكلام وصاحب الجملة بإسناد الفعل إليه , وذلك كله إشارة إلى أن ~~الأمور الكبار صغيرة عنده سبحانه لأنه لا يضره شيء ولا ينفعه , ولا يوجب ~~شيء من الأشياء له حدوث شيء لم يكن , ولذلك قال : { وكان ذلك } أي مع كونه ~~عظيما عندكم { على الله يسيرا * } فهذا ms3930 ناظر إلى مقام الجلال والكبرياء ~~والعظمة . | ولما قدم درء المفاسد الذي هو من باب التخلي , أتبعه جلب ~~المصالح الذي هو من طراز التحلي فقال : { ومن يقنت } أي يخلص الطاعة , ~~وتقدم توجيه قراءة يعقوب بالفوقانية على ما حكاه البغوي والأهوازي في ~~الشواذ عن ابن مسلم { منكن لله } الذي هو أهل لئلا يلتفت إلى غيره لأنه لا ~~أعظم منه بإدامة الطاعة فلا يخرج عن مراقبته أصلا { ورسوله } فلا تغاضبه ~~ولا تطلب منه شيئا , ولا تختار عيشا غير عيشه , فإنه يجب على كل أحد تصفية ~~فكره , وتهدئه باله وسره , ليتمكن غاية التمكن من إنقاذ أوامرنا والقيام ~~بما أرسلناه بسببه من رحمة العباد , بإنقاذهم مما هم فيه من الأنكاد . | ~~ولما كان ذلك قد يفهم الاقتصار على عمل القلب قال : { وتعمل } قرأها حمزة ~~والكسائي بالتحتانية ردا على لفظ ( من ) حثا لهن على منازل الرجال , وقراءة ~~الجماعة بالفوقانية على معناها على الأصل مشيرة إلى الرفق بهن في عمل ~~الجوارح والرضى بالمستطاع كما قال عليه أفضل الصلاة والسلام : ( إذا أمرتكم ~~بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) . | وأما عمل القلب فلا رضى فيه بدون الغاية , ~~فلذا كان ( يقنت ) مذكرا لا من العظمة على قراءة الجماعة بالنون , وقراءة ~~حمزة والكسائي بالتحتانية على أن الضمير لله { أجرها مرتين } أي بالنسبة ~~إلى أجر غيرها من نساء بقية الناس { وأعتدنا } أي هيأنا PageV06P100 بما ~~لنا من العظمة وأحضرنا { لها } بسبب قناعتها مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~المريد للتخلي من الدنيا التي يبغضها الله مع ما في ذلك من توفير الحظ في ~~الآخرة { رزقا كريما * } أي في الدنيا والآخرة , فلا شيء أكرم منه لأن ما ~~في الدنيا منه يوفق لصرفه على وجه يكون فيه أعظم الثواب , ولا يخشى من أجله ~~نوع عتاب فضلا عن عقاب , وما في الآخرة منه لا يوصف ولا يحد , ولا نكد أصلا ~~ولا كد . | < < # | الأحزاب : ( 32 - 35 ) يا نساء النبي . . . . . # > > ^ ( ينسآء النبي لستن كأحد من النسآء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول ~~فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا * وقرن ms3931 في بيوتكن ولا تبرجن تبرج ~~الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا * واذكرن ما يتلى في ~~بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا * إن المسلمين ~~والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات ~~والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين ~~والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد ~~الله لهم مغفرة وأجرا عظيما ) ^ } ) | ولما كان لكل حق حقيقة , ولكل قول ~~صادق بيان , قال مؤذنا بفضلهن : { يا نساء النبي } أي الذي لأنتن من أعلم ~~الناس بما بينه وبين الله من الإنباء بدقائق الأمور وخفايا الأسرار وما له ~~من الزلفى لديه { لستن كأحد من النساء } قال البغوي : ولم يقل : كواحدة , ~~لأن الأحد عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث - انتهى , ~~فالمعنى كجماعات من جماعات النساء إذا تقصيت أمة النساء جماعة دماعة لم ~~توجد فيهن جماعة تساويكن في الفضل لما خصكن الله به من قربة بقرب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم , ونزول الوحي الذي بينه وبين الله في بيوتكن . | ولما ~~كان المعنى : بل أنتن أعلى النساء , ذكر شرط ذلك فقال : { إن اتقيتن } أي ~~جعلتن بينكن وبين غضب الله وغضب رسوله وقاية , ثم سبب عن هذا النفي قوله : ~~{ فلا تخضعن } أي إذا تكلمتن بحضرة أجنبي { بالقول } أي بأن يكون لينا عذبا ~~رخما , والخضوع التطامن والتواضع واللين والدعوة إلى السواء ؛ ثم سبب عن ~~الخضوع : قوله : للدلالة على أن أمنيته لا سبب لها في الحقيقة , لأن اللين ~~في كلام النساء خلق لهن لا تكلف فيه , فأريد من نساء النبي صلى الله عليه ~~وسلم التكلف للإيتان بضده . | PageV06P101 ولما نهاهن عن الاسترسال مع سجية ~~النساء في رخامة الصوت , أمرهن بضده فقال : { وقلن قولا معروفا } أي يعرف ~~أنه بعيد عن محل الطمع . | ولما تقدم إليهن في القول وقدمه لعمومه , أتبعه ~~الفعل فقال : { وقرن } أي اسكن وامكثن دائما { في بيوتكن } فمن كسر القاف ~~وهو غير المدنيين وعاصم جعل الماضي قرر بفتح العين , ومن فتحه ms3932 عنده قرر ~~بكسرها , وهما لغتان . | ولما أمرهن بالقرار , نهاهن عن ضده مبشعا له , ~~فقال : { ولا تبرجن } أي تظاهرن من البيوت بغير حاجة محوجة , فهو من وادي ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم لهن بعد حجة الوداع بلزوم ظهور الحصر { تبرج ~~الجاهلية الأولى } أي المتقدمة على الإسلام وعلى ما قبل الأمر بالحجاب , ~~بالخروج من بيت والدخول في آخر , والأولى لا تقتضي أخرى كما ذكره البغوي , ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها ما بين نوح وإدريس عليهما السلام , تبرج ~~فيها نساء السهول - وكن صباحا وفي رجالهن دمامة - لرجال الجبال وكانوا ~~صباحا وفي نسائهن دمامة , فكثر الفساد , وعلى هذا فلها ثانية . | ولما ~~أمرهن بلزوم البيوت للتخلية عن الشوائب , أرشدهن إلى التحلية بالرغائب , ~~فقال : { وأقمن الصلاة } أي فرضا ونفلا , صلة لما بينكن وبين الخالق لأن ~~الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر { وآتين الزكاة } إحسانا إلى الخلائق , وفي ~~هذا بشارة بالفتوح وتوسيع الدنيا عليهن , فإن العيش وقت نزولها كان ضيقا عن ~~القوت فضلا عن الزكاة . | واما أمرهن بخصوص ما تقدم لأنهما أصل الطاعات ~~البدنية والمالية , ومن اعتنى بهما حق الاعتناء جرتاه إلى ما وراءهما , عم ~~وجمع في قوله : { إنما يريد الله } أي وهو ذو الجلال والجمال بما أمركم به ~~ونهاءكم عنه من الإعراض عن الزينة وما تبعها , والإقبال عليه , عزوفكم عن ~~الدنيا وكل ما تكون سببا له { ليذهب } أي لأجل أن يذهب { عنكم الرجس } أي ~~الأمر الذي يلزمه دائما الاستقرار والاضطراب من مذام الأخلاق كلها { أهل } ~~يا أهل { البيت } أي من كل من تكون من إلزام النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الرجال والنساء من الأزواج والإماء والأقارب , وكلما كان الإنسان منهم أقرب ~~وبالنبي صلى الله عليه وسلم أخص وألزم , كان بالإدارة أحق وأجدر . | ~~PageV06P102 ولما استعار للمعصية الرجس , استعار للطاعة الطهر , ترغيبا ~~لأصحاب الطباع السليمة والعقول المستقيمة , في الطاعة , وتنفيرا لهم عن ~~المعصية فقال : { ويطهركم } أي يفعل في طهركم بالصيانة عن جميع القاذورات ~~الحسية والمعنوية فعل المبالغ فيه , وزاد ذلك عظما بالمصدر فقال : { تطهيرا ~~} . | ولما ms3933 ذكر ذلك إلى أن ختم بالتطهير , أتبعه التذكير بما أنعم سبحانه ~~به مما أثره التطهير من التأهيل لمشاهدة ما يتكرر من تردد الملائكة بنزول ~~الوحي الذي هو السبب في كل طهر ظاهر وباطن , فقال مخصصا من السياق لأجلهن ~~رضي الله عنهن , منبها لهن على أن بيوتهن مهابط الوحي ومعادن الأسرار : { ~~واذكرن } أي في أنفسكن ذكرا دائما , واذكرنه لغيركن على جهة الوعظ والتعليم ~~. | ولما كانت العناية بالمتلو , بينها بإسناد الفعل إليه لبيان أنه عمدة ~~الجملة فقال بانيا للمفعول : { ما يتلى } أي يتابع ويوالي ذكره والتخلق به ~~, وأشار لهن إلى ما خصهن منه من الشرف فقال : { في بيوتكن } أي بواسطة ~~النبي صلى الله عليه وسلم الذي خيركن { من آيات الله } الذي لا أعظم منه . ~~| ولما كان المراد بذلك القرآن , عطف عليه ما هو أعم منه , فقال مبينا لشدة ~~الاهتمام به بإدخاله في جملة المتلو اعتمادا على أن العامل فيه معروف لأن ~~التلاوة لا يقال في غير الكتاب : { والحكمة } أي ويبث وينشر من العلم ~~المزين بالعمل والعمل المتقن بالعلم , ولا تنسين شيئا من ذلك . | ولما كان ~~السياق للإعراض عن الدنيا , وكانمت الحكمة منفردة عنها , أشار بختام الآية ~~إلى أنها مع كونها محصلة لفوز الأخرى جالبة لخير الدنيا , فقال مؤكدا ردعا ~~لمن يشك في أن الرفعة يوصل إليها بضدها ونحو ذلك مما تضمنه الخبر من جليل ~~العبر : { إن الله } أي والذي له جميع العظمة { كان } أي لم يزل { لطيفا } ~~أي يوصل إلى المقاصد بوسائل الأضداد { خبيرا } أي يدق علمه عن إدراك ~~الأفكار , فهو يجعل الإعراض عن الدنيا جالبا لها على أجمل الطرائق وأكمل ~~الخلائق وإن رغمت أنوف جميع الخلائق , ويعلم من يصلح لبيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومن لا يصلح , وما يصلح الناس دنيا ودينا وما لا يصلحهم , والطرق ~~الموصلة إلى كل ما قضاه وقدره وإن كانت على غير ما يألفه الناس ( من انقطع ~~إلى الله كفاه كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب ) رواه الطبراني في الصغير ~~وابن أبي الدنيا والبيهقي في ms3934 الشعب عن عمران بن حصين رضي الله عنه ( من ~~توكل على الله كفاه , ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها ) - رواه صاحب ~~الفردوس وأبو الشيخ ابن حيان في كتاب الثواب عن عمران رضي الله عنه أيضا , ~~ولقد صدق الله سبحانه وعده في لطفه وحقق بره في خبره بأن فتح على نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بعد ذلك خيبر , فأفاض PageV06P103 بها ما شاء من رزقه ~~الواسع , ثم لما توفي نبيه صلى الله عليه وسلم ليحيمه من زهرة الحياة ~~الدنيا فتح الفتوحات الكبار من بلاد فارس والروم ومصر وما بقي من اليمن , ~~فعم الفتح جميع الأقطار : الشرق والغرب والجنوب والشمال , ومكن أصحاب نبيه ~~صلى الله عليه وسلم من كنوز جميع تلك البلاد وذخائر أولئك الملوك حتى صار ~~الصحابة رضوان الله عليهم يكيلون المال كيلا , وزاد الأمر حتى دون عمر ~~الدواوين وفرض للناس عامة أرزاقهم حتى للرضعاء , وكان أولا لا يفرض للمولود ~~حتى يفطم , فكانوا يستعجلون بالفطام فنادى مناديه : لا تعجلوا أولادكم ~~بالفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام , وفاوت بين الناس في العطاء بحسب ~~منازلهم بحيث أرضى جميع الناس حتى قدم عليه خالد بن عرفطة فسأله عما وراءه ~~فقال : تركتهم يسألون الله لك أن يزيد في عمرك من أعمارهم , فقال عمر رضي ~~الله عنه : إنما هو حقهم وأنا أسعد بأدائه إليهم , لو كان من مال الخطاب ما ~~أعطيتموه , ولكن قد علمت أن فيه فضلا , فلو أنه إذا خرج عطاء أحدهم ابتاع ~~منه غنما , فجعلها بسوادكم , فإذا خرج عطاؤه ثانية ابتاع الرأس والرأسين ~~فجعله فيها , فإن بقي أحد من ولده كان لهم شيء قد اعتقدوه , فإني لا أدري ~~ما يكون بعدي , وإني لأعم بنصيحتي كل من طوقني الله أمره , فإن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( من مات غاشا لرعيته لم يرح ريح الجنة ) , فكان ~~فرضه لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفا لكل واحدة وهي نحو ألف ~~دينار في كل سنة , وأعطى عائشة رضي الله عنها خمسة وعشرين ألفا ms3935 لحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إياها , فأبت أن تأخذ إلا ما يأخذه صواحباتها , ~~وروى عن برزة بنت رافع قالت : لما خرج عطاء أرسل عمر رضي الله عنه إلى زينب ~~بنت جحش رضي الله عنها بالذي لها فلما أدخل إليها قالت : غفر الله لعمر ! ~~غيري من أخواتي أقوى على قسم هذا مني , قالوا : هذا كله لك يا أم المؤمنين ~~, قالت : سبحان الله ! واستترت منه بثوب , ثم قالت : صبوه واطرحوه عليه ~~ثوبا , ثم قالت لي : ادخلي يديك واقبضي منه قبضة فاذهبي بها إلى بني فلان ~~وبني فلان من ذوي رحمها وأيتام لها , فقسمه حتى بقيت منه بقية تحت الثوب , ~~قالت برزة بنت رافع : فقلت : غفر الله له يا أم المؤمنين , والله لقد كان ~~لنا في هذا المال حق , قالت : فلكم ما تحت الثوب , فوجدنا تحته خمسمائة ~~وثمانين درهما , ثم رفعت يدها إلى السماء فقالت : اللهم لا يدركني عطاء ~~لعمر بعد عامي هذا , فماتت - ذكر ذلك البلاذري في كتاب فتوح البلاد . | ~~PageV06P104 ولما حث سبحانه على المكارم والأخلاق الزاكية , وختم بالتذكير ~~بالآيات والحكمة , أتبعه لمن تلبس من أهل البيت بما يدعو إليه ذلك من صفات ~~الكمال , وبكنه ذكره على وجه يعم غيرهم من ذكر وأنثى مشاكلة لعموم الدعوة ~~وشمول الرسالة , فقال جوابا لقول النساء : يا رسول الله ! ذكر الله الرجال ~~ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر به , إنا نخاف أن لا يقبل منا طاعة ~~, بادئا الوصف الأول الأعم الأشهر من أوصاف أهل هذا الدين مؤكدا لأجل كثرة ~~المنافقين المكذبين بمضمون هذا الخبر وغيرهم من المصارحين : { إن المسلمين ~~} ولما كان اختلاف النوع موجبا للعطف , قال معلما بالتشريك في الحكم : { ~~والمسلمات } . | ولما كان الإسلام مع كونه أكمل الأوصاف وأعلاها يمكن أن ~~يكون بالظاهر فقط , أتبعه المحقق له وهو إسلام الباطن بالتصديق التام بغاية ~~الإذعان , فقال عاطفا له ولما بعده من الأوصاف التي يمكن اجتماعها بالواو ~~للدلالة على تمكين الجامعين لهذه الأوصاف من كل وصف منها : { والمؤمنين ~~والمؤمنات } ولما كان المؤمن المسلم قد ms3936 لا يكون في أعماله مخلصا قال : { ~~والقانتين } أي المخلصين في إيمانهم وإسلامهم { والقانتات } ولما كان ~~القنوت كما يطلق على الإخلاص المقتضي للمداولة قد يطلق على مطلق الطاعة قال ~~: { والصادقين } في ذلك كله { والصادقات } أي في إخلاصهم في الطاعة , وذلك ~~يقتضي الدوام . | ولما كان الصدق - وهو إخلاص القول والعمل عن شوب يلحقه أو ~~شيء يدنسه - قد لا يكون دائما , قال مسيرا إلى أن ما لا يكون دائما لا يكون ~~صدقا في الواقع : { والصابرين والصابرات } ولما كان الصبر قد يكون سجية , ~~دل على صرفه إلى الله بقوله : { والخاشعين والخاشعات } ولما كان الخشوع - ~~وهو الخضوع والإخبات والسكون - لا يصح مع توفير المال فإنه سيكون إليه , ~~قال معلما أنه إذ ذاك لا يكون على حقيقته : { والمتصدقين } أي المنفقين ~~أموالهم في رضى الله بغاية الجهد من نفوسهم بما أشار إليه إظهار التاء فرضا ~~وتطوعا سرا وعلانية بما أرشد إليه الإظهار أيضا تصديقا لخشوعهم { ~~والمتصدقات } . | ولما كان بذل المال قد لا يكون مع الإيثار , أتبعه ما ~~يعين عليه فقال : { والصائمين } أي تطوعا للإيثار بالقوت وغير ذلك { ~~والصائمات } ولما كان الصوم يكسر شهوة الفرج وقد يثيرها , قال : { ~~والحافظين فروجهم } أي عما لا يحل لهم بالصوم وما أثاره الصوم { والحافظات ~~} ولما كان حفظ الفروج وسائر الأعمال لا تكاد توجد إلا بالذكر . | وهو الذي ~~فيه المراقبة الموصلة إلى المحاضرة المحققة للمشاهدة PageV06P105 المحيية ~~بالفناء قال : { والذاكرين الله } أي مع استحضار ما له من الكمال بصفات ~~الجلال والجمال { كثيرا } بالقلب واللسان في كل حالة { والذاكرات } ومن ~~علامات الإكثار من الذكر اللهج به عند الاستيقاظ من النوم . | ولما كان ~~المطيع وإن جاوز الحد في الاجتهاد مقتصرا عن بلوغ ما يحق له , أشار إلى ذلك ~~سبحانه بقوله مكررا الاسم الأعظم إشارة إلى ذلك وإلى صغر الذنوب إذا نسبت ~~إلى عفوه : { أعد الله } أي الذي لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره مع أنه لا ~~يتعاظمه شيء { لهم مغفرة } أي لهفواتهم وما أتوه من سيئاتهم بحيث يمحو عينه ~~وأثره , فلا عتاب ولا عقاب , ولا ms3937 ذكر له سبب من الأسباب . | ولما ذكر الفضل ~~بالتجاوز , أتبعه التفضل بالكرم والرحمة فقال : { وأجرا عظيما * } وإعداد ~~الأجر يدل على أن المراد بهذه الأوصاف اجتماعها لأن مظهر الإسلام نفاقا ~~كافر , وتارك شيء والرسوخ في كل وصف منها زيادة على التمكن الذي أفاده ~~التعبير بالوصف دون الفعل , وحينئذ تعدم الكبائر فيتأتى تكفير الصغائر , ~~فتأتي المغفرة والأجر , وأما آية التحريم فلم تعطف لئلا يظن أنهن أنواع كل ~~نوع يتفرد بوصف , وإفادة الرسوخ هنا في الأوصاف من سياق الامتنان والمدح ~~بكونهن خيرا . | < < # | الأحزاب : ( 36 - 39 ) وما كان لمؤمن . . . . . # > > ^ ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا * وإذ تقول للذي ~~أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما ~~الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم إذا قضوا منهن ~~وطرا وكان أمر الله مفعولا * ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة ~~الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا * الذين يبلغون ~~رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا ) ^ } ) | ~~ولما كان الله سبحانه قد قدم قوله : { النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم } - ~~الآية , فعلم قطعا أنه تسبب عنها ما تقديره : وما كان لمؤمن ولا مؤمنة لأن ~~يكون له ولي غير النبي صلى الله عليه وسلم , فطوى ذلك للعلم به , واستدل ~~على مضمون الآية وما قبلها بقصة الأحزاب , وأتبعها نتيجة ذلك مما ذكر تأديب ~~الأزواج له صلى الله عليه وسلم وتهذبيهن لأجله وتطهير أهل بيته وتكريمهم ~~حتى ختم سبحانه بالصفات العشر التي بدأها بالإسلام الذي ليس معه شيء ~~PageV06P106 من الإباء , وختمها بأن ذكر الله يكون ملء القلب والفم وهو داع ~~إلى مثل ذلك لأنه سبب الإسلام , عطف على مسبب آية الولاية ما يقتضيه كثرة ~~الذكر من قوله : { وما كان ms3938 } . | ولما كان الإيمان قد يدعى كذبا لخفاء به , ~~قال : { لمؤمن } أي من عبد الله بن جحش وزيد وغيرهما { ولا مؤمنة } أي من ~~زينب وغيرها , فعلق الأمر بالإيمان إعلاما بأن من اعتراض غير مؤمن وإن ظهر ~~الإيمان بلسانه { إذا قضى الله } أي الملك الأعظم الذي لا ينبغي لعاقل ~~التوقف في أمره { ورسوله } الذي لا يعرف قضاؤه إلا به { أمرأ } أي أي أمر ~~كان . | ولما كان المراد كل مؤمن , والعبارة صالحة له , وكان النفي عن ~~المجموع كله نفيا عما قل عنه من باب الأولى , قال : { أن تكون } أي كونا ~~راسخا على قراءة الجماعة بالفوقانية , وفي غاية الرسوخ على قراءة الكوفيين ~~بالتحتانية { لهم } أي خاصة { الخيرة } مصدر من تخير كالطيرة من تطير على ~~غير قياس { من أمرهم } أي الخاص بهم باستخارة لله ولا بغيرها ليفعلوا خلاف ~~ذلك القضاء , فإن المراد بالاستخارة ظن ما اختاره الله , ولا بغيرها ~~ليفعلوا خلاف ذلك القضاء , فإن المراد بالاستخارة ظن ما اختاره الله , ~~وإخبار النبي صلى الله عليه وسلم قطعي الدلالة على ما اختاره الله تعالى , ~~وفي هذا عتاب لزينب رضي الله عنها على تعليق الإجابة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم عند ما خطبها لنفسه الشريفة على الاستخارة , وعلى كراهتها عند ما ~~خطبها لزيد مولاه , ولكنها لما قدمت بعد نزول الآية خيرته صلى الله عليه ~~وسلم في تزويجها من زيد رضي الله عنهما على خيرتها , عوضها الله أن صيرها ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم ومعه في الجنة في أعلى الدرجات , فالخيرة للنبي ~~صلى الله عليه وسلم لأنه لا ينطق عن الهوى , فمن فعل غير ذلك فقد قضى النبي ~~صلى الله عليه وسلم , ومن عصاه عصى الله لأنه لا ينطق إلا عنه { ومن يعص ~~الله } أي الذي لا أمر لأحد معه { ورسوله } أي الذي معصيته معصيته لكونه ~~بينه وبين الخلق في بيان ما أرسل به إليهم { فقد ضل } وأكده المصدر فقال : ~~{ ضلالا } وزاده بقوله : { مبينا } أي لا خفاء به , فالواجب على كل أحد أن ~~يكون معه صلى الله عليه ms3939 وسلم في كل ما يختاره وإن كان فيه أعظم المشقات ~~عليه تخلفا بقول الشاعر حيث قال : | وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر ~~عنه ولا متقدم وأهنتني فأهنت نفسي عامدا ما من يهون عليك ممن يكرم | ولما ~~كان قد أخبره سبحانه - كما رواه البغوي وغيره عن سفيان بن عيينة عن علي ابن ~~جدعان عن زيد العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - أن زينب رضي ~~الله عنها ستكون من أزواجه وأن زيدا سيطلقها , وأخفى في نفسه ذلك تكرما ~~وخشية من قاله PageV06P107 الناس أنه يريد نكاح زوجة ابنه , وكان في إظهار ~~ذلك أعلام من أعلام النبوة , وكان مبنى أمر الرسالة على إبلاغ الناس ما ~~أعلم الله به أحبوه أو كرهوه , وأن لا يرعى غيره , ولا يلتفت إلى سواه وإن ~~كان في ذلك خوف ذهاب النفس , فإنه كاف من أراد بعزته , ومتقن من أراد ~~بحكمته , كما أخذ الله الميثاق به من النبين كلهم ومن محمد ونوح وإبراهيم ~~وموسى وعيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم فكان من المعلوم أن التقدير : ~~اذكر ما أخذنا منك ومن النبيين من الميثاق على إبلاغ كل شيء أخبرناكم به ~~ولم ننهكم من إفشائه وما أخذنا على الخلق في كل من طاعتك ومعصيتك , عطف ~~عليه قوله : { وإذ تقول } وذلك لأن الأكمل يعاتب على بعض الكمالات لعلو ~~درجته عنها وتحليه بأكمل منها من باب ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) , ~~وبين شرفه بقوله : { للذي أنعم الله } أي الملك الذي له كل كمال { عليه } ~~أي بالإسلام وتولى نبيه صلى الله عليه وسلم إياه بعد الإيجاد والتربية , ~~وبين منزلته من النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : { وأنعمت عليه } أي ~~بالعتق والتبني حين استشارك في فراق زوجه الذي أخبرك الله أنه يفارقها ~~وتصير زوجتك : { أمسك عليك زوجك } أي زينب { واتق الله } أي الذي له جميع ~~العظمة في جميع أمرك لا سيما ما يتعلق بحقوقها ولا تغبنها بقولك : إنها ~~تترفع علي - ونحو ذلك { وتخفي } أي والحال أنك تخفي , أي تقول له مخفيا ms3940 { ~~في نفسك } أي مما أخبرك الله من أنها ستصير إحدى زوجاتك عن طلاق زيد { ما ~~الله مبديه } أي بحمل زيد على تطليقها وإن أمرته أنت بإمساكها وتزويجك بها ~~وأمرك بالدخول عليها , وهو دليل على أنه ما أخفى غير ما أعلمه الله تعالى ~~من أنها ستصير زوجته عن طلاق زيد لأن الله تعالى ما أبدى غير ذلك ولو أخفى ~~غيره لأبداه سبحانه لأنه لا يبدل القول لديه , روى البخارى عن أنس بن مالك ~~رضي الله عنه أن هذه الآيات نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة رضي ~~الله عنهما . | ولما ذكر إخفاءه ذلك , ذكر علته فقال عاطفا على ( تخفي ) : ~~{ وتخشى الناس } أي من أن تخبر بما أخبرك الله به فيصوبوا إليك مرجمات ~~الظنون لا سيما اليهود والمنافقون { والله } أي والحال أن الذي لا شيء أعظم ~~منه { أحق أن تخشاه } أي وحده ولا تجمع خشية الناس مع خشيته في أن تؤخر ~~شيئا أخبرك به لشيء يشق عليك حتى PageV06P108 يفرق لك فيه أمر , قالت عائشة ~~رضي الله عنها : لو كنتم النبي صلى الله عليه وسلم شيئا مما أوحي إليه لكتم ~~هذه الآية . | ولما علم من هذا سبحانه أخبره بأن زيدا سيطلقها وأنها ستصير ~~زوجا له من طلاق زيد إياها , سبب عنه قوله عاطفا عليه : { فلما قضى زيد ~~منها وطرأ } أي حاجة من زواجها والدخول بها , وذلك بانقضاء عدتها منه لأنه ~~به يعرف أنه لا حاجة له فيها , وأنه قد تقاصرت عنها همته , وطابت عنها ~~نفسها , وإلا لراجعها { زوجناكها } ولم نحوجك إلى ولي من الخلق يعقد لك ~~عليها , تشريفا لك ولها , بما لنا من العظمة التي خرقنا بها عوائد الخلق ~~حتى أذعن لذلك كل من علم به , وسرت به جميع النفوس , ولم يقدر منافق ولا ~~غيره على الخوض في ذلك ببنت شفة مما يوهنه ويؤثر فيه , روى مسلم في صحيحه ~~عن أنس رضي الله عنه قال : لما انقضت عدة زينبرضي الله عنها قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لزيد : اذهب فاذكرها ms3941 علي , فانطلق زيد رضي الله عنه حتى ~~أتاها وهي تخمر عجينها , قال : فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن ~~انظر إليها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها , فوليتها ظهري ونكصت ~~على عقبي فقلت : يا زينب ! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك , قالت : ~~ما أنا بصانعة شيئا حتى اؤامر ربي , فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن , وجاء ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل الناس وبقي رجال يتحدثون فذكره , سيأتي ~~. | وقال البغوي : قال الشعبي : كانت زينب رضي الله عنها تقول للنبي صلى ~~الله عليه وسلم : إني لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن : جدي ~~وجدك واحد , وأني أنكحينك الله في السماء , وأن السفير لجبريل عليه السلام ~~. | ولما ذكر سبحانه التزويج على ما له من العظمة , ذكر علته دالا على أن ~~الأصل مشاركة الأمة للنبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام وأن لا خصوصية إلا ~~بدليل فقال : { لكي لا يكون على المؤمنين } أي الذين أزالت عراقتهم في ~~الإيمان حظوظهم { حرج } أي ضيق { في أزواج أدعيائهم } أي الذين تبنوا بهم ~~وأجروهم في تحريم أزواجهم مجرى أزواج البنين PageV06P109 على الحقيقة { إذا ~~قضوا منهن وطرأ } أي حاجة بالدخول بهن ثم الطلاق وانقضاء العدة . | ولما ~~علم سبحانه أن ناسا يقولون في هذه الواقعة أقوالا شتى , دل على ما قاله زين ~~العابدين بقوله : { وكان أمر الله } أي من الحكم بتزوجيها وإن كرهت وتركت ~~إظهار ما أخبرك الله به كراهية لسوء القالة واستيحاء من ذلك , وكذا كل أمر ~~يريد سبحانه { مفعولا * } لأنه سبحانه له الأمر كله لا راد لأمره ولا معقب ~~لحكمه . | ولما أنتج هذا التسهيل لما كان استصعبه صلى الله عليه وسلم ~~والتأمين مما كان خافه , عبرعن ذلك بقوله مؤكدا ردا على من يظن خلاف ذلك : ~~{ ما كان على النبي } أي الذي منزلته من الله الاطلاع على ما لم يطلع عليه ~~غيره من الخلق { من حرج فيما فرض } أي قدر { الله } بما له من صفات الكمال ~~وأوجبه { له } لأنه لم ms3942 يكن على المؤمنين مطلقا حرج في ذلك , فكيف برأس ~~المؤمنين , فصار منفيا عن الحرج مرتين خصوصا بعد عموم تشريفا له وتنويها ~~بشأنه ولما كان مما يهون الأمور الصعاب المشاركة فيها فكيف إذا كانت ~~المشاركة من الأكابر , قال واضعا الأسم موضع مصدره : { سنة الله } أي سن ~~الملك الذي إذا سن شيئا أتقنه بما له من العزة والحكمة فلم يقدر أحد أن ~~يغير شيئا منه { في الذين خلوا } وكأنه أراد أن يكون أنبياء بني إسرائيل ~~عليهم السلام أولى مراد بهذا , تبكيتا التوسيع في النكاح لهم , وهو تكذيب ~~لليهود الذين أنكروا ذلك , وإظهار لتلبيسهم . | ولما كان المراد بالنسبة ~~الطريق التي قضاها وشرعها قال معلما بأن هذا الزواج كان أمرا لا بد من ~~وقوعه لإرادته له في الأزل فلا يعترض فيه معترض ببنت شفة يحل به ما يحل بمن ~~اعترض على أوامر الملك , ولأجل الاهتمام بهذا الإعلام اعترض به بين الصفة ~~الموصوف فقال : { وكان أمر الله } أي قضاء الملك الأعظم في ذلك وغيره من كل ~~ما يستحق أن يأمر به ويهدي إليه ويحدث عليه , وعبر عن السنة بالأمر تأكيدا ~~لانه لا بد منه { قدرا } وأكده بقوله : { مقدورا } أي لا خلف فيه , ولا بد ~~من وقوعه في حينه الذي حكم بكونه فيه , وهو مؤيد أيضا لقول زين العابدين ~~وكذا قوله تعالى واصفا للذين خلوا : { الذين يبلغون } أي إلى أمهم { رسالات ~~الله } أي الملك الأعظم سواء كانت في نكاح أو غير شقت أو لا { ويخشونه } أي ~~فيخبرون بكل ما أخبرهم به ولم يمنعهم من إفشائه , ولوح بعد التصريح في قوله ~~{ وتخشى الناس } : { ولا يخشون أحدا } قل أو جل { إلا الله } لأنه ذو ~~الجلال والإكرام . | PageV06P110 ولما كان الخوف من الملك العدل إنما هو من ~~حسابه كان التقدير : فيخافون حسابه , أتبعه فوله : { وكفى بالله } أي ~~المحيط بجميع صفات الكمال { حسيبا * } أي مجازيا لكل أحد بما عمل وبالغا في ~~حسابه الغاية القصوى , وكافيا من أراد كفايته كل من أراده بسوء . | < < # | الأحزاب : ( 40 - 46 ) ما كان محمد . . . . . # > > ^ ( ما كان محمد ms3943 أبآ أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين ~~وكان الله بكل شيء عليما * يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * ~~وسبحوه بكرة وأصيلا * هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى ~~النور وكان بالمؤمنين رحيما * تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما ~~* يأيها النبي إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا ) ^ } ) | ولما أفاد هذا كله أن الدعي ليس ابنا , وكانوا قد ~~قالوا لما تزوج زينب كما وراه الترمذي عن عائشة رضي الله عنها : تزوج حليلة ~~ابنه , أخبر به سبحانه على وجه هو من أعلام النبوة وأعظم دلائل الرسالة ~~فقال : { ما كان } أي بوجه من الوجوه مطلق كون { محمد } أي على كثرة نسائه ~~وأولاده { أبا أحد من رجالكم } لا مجازا بالتبني ولا حقيقة بالولادة , ~~ليثبت بذلك أن تحرم عليه زوجة الابن , ولم يقل : من بينكم , وإن لم يكن له ~~في ذلك الوقت وهو سنة خمس وما داناها - ابن , ذكر لعلمه سبحانه أنه سيولد ~~له ابنه إبراهيم عليه السلام , ومع ما كان قبله من البنين الذين لم يبلغ ~~أحد منهم الحلم - على جميعهم الصلاة والسلام . | ولما كان بين كونه صلى ~~الله عليه وسلم أبا لأحد من الرجال حقيقة وبين كونه خاتما وبين كونه منافاة ~~قال : { ولكن } كان في علم الله غيبا وشهادة أنه { رسول الله } الملك ~~الأعظم الذي كل من سواه عبده , فبينكم وبين رسوله من جهة مطلق الرسالة أبوة ~~وبنوة مجازية , أما من جهته فبالرأفة والرحمة والتربية والنصيحة من غير أن ~~تحرم عليه تلك النبوة شيئا من نسائكم وإلا لم يكن لمنصب النبوة مزية , وأما ~~من جهتكم فبوجوب التعظيم والتوفير والطاعة وحرمة الأزواج , وأما كون ~~الرسالة عن الله الذي لا أعظم منه فهو مقتض لأن يبلغ الناس عنه جميع ما ~~أمره به , وقد بلغكم قوله تعالى : { ادعوهم لآبائهم } ووظيفة الشريفة ~~مقتضية لأن يكون أول مؤتمر بهذا الأمر , فهو لا يدعو أحدا من رجالكم بعد ~~هذا ابنه . | PageV06P111 ولما لم يكن مطلق النبوة ولا مطلق الرسالة ms3944 منافيا ~~لأبوه الرجال قال : { وخاتم النبيين } أي لأن رسالته عامة ونبوته معها ~~إعجاز القرآن , فلا حاجة مع ذلك إلى استنباء ولا إرسال , فلا يولد بعده من ~~يكون نبيا , وذلك مقتض لئلا يبلغ له ولد يولد مبلغ الرجال , ولو قضي أن ~~يكون بعده نبي لما كان إلا من نسله إكراما له لأنه أعلى النبيين رتبة وأعظم ~~شرفا , وليس لأحد من الأنبياء كرامة إلا وله مثلها أو أعظم منها , ولو صار ~~أحد من ولده رجلا لكان نبيا بعد ظهور نبوته , وقد قضى الله ألا يكون بعده ~~نبي إكراما له , روى أحمد وابن ماجه عن أنس وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال في ابنه إبراهيم : ( لو عاش لكان صديقا نبيا ~~) وللبخاري نحوه عن البراء بن عازب رضي الله عنه , وللبخاري من حديث ابن ~~أبي أوفى رضي الله عنه : لو قضى أن يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم نبي ~~لعاش ابنه , ولكن لا نبي بعده . | والحاصل أن لا يأتي بعده نبي بشرع جديد ~~مطلقا ولا يتجدد بعده أيضا استنباء نبي مطلقا , فقد آل الأمر إلى أن ~~التقدير : ما كان محمد بحيث يتجدد بعده نبوة برسالة ولا غيرها ولكنه كان - ~~مع أنه رسول الله - ختاما للنبوة غير أنه سيق على الوجه المعجز لما تقدم من ~~النكت وغيرها , وهذه الآية مثبتة لكونه خاتما على أبلغ وجه وأعظمه , وذلك ~~أنها في سياق الإنكار لأن يكون بنيه أحد من رجالهم بنوة حقيقية أو مجازية ~~بغير جهة الإدلاء بأنثى أو كونه رسولا وخاتما , صونا لمقام النبوة أن يتجدد ~~بعده لأحد لأنه لو كان بشر لم يكن إلا ولدا له , وإنما أوثرت إماتة اولاده ~~عليه الثلاة والسلام وتأثير قلبه الشريف لها إعلاء لمقامه أن يتسنمه أحد ~~كائنا من كان , وذلك لأن فائدة إيتان النبي تتميم شيء لم يأت به من قبله , ~~وقد حصل به صلى الله عليه وسلم التمام فلم يبق بعد ذلك مرام ( بعثت لأتمم ~~مكارم الأخلاق ) PageV06P112 وأما تجديد ما وهى ms3945 بما أحدثه بعض الفسقة ~~فالعلماء كافون فيه لوجود ما خص به صلى الله عليه وسلم من هذا القرآن ~~المعجز الذي من سمعه فكأنما سمعه من الله , لوقوع التحقق والقطع بأنه لا ~~يقدر غيره أن يقول شيئا منه , فمهما حصل ذهول عن ذلك قروه من يريد الله من ~~العلماء , فيعود الاستبصار كما روي في بعض الآثار ( علماء أمتي كأنبياء بني ~~إسرائيل ) وأما إيتان عيسى عليه الصلاة والسلام بعد تجديد المهدي رضي الله ~~عنه لجميع ما وهن من أركان المكارم فالأجل فتنة الدجال ثم طامة ياجوج ~~وماجوج ونحو ذلك مما لا يستقل بأعبائه غير نبي , وما أحسن ما نقل عن حسان ~~بن ثابت رضي الله عنه في مرثيته لإبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وسلم حيث ~~قال : | مضى ابنك محمود العواقب لم يشب بعيب ولم يذمم بقول ولا فعل رأى أنه ~~عاش ساواك في العلا فآثر أن يبقى وحيدا بلا مثل | وقال الغزالي رحمه الله ~~في آخر كتابة الاقتصاد : إن الأمة فهمت من هذا اللفظ - أي لفظ هذه الآية - ~~ومن قرائن أحواله صلى الله عليه وسلم أنه أفهم عدم نبي بعده أبدا , وعدم ~~رسول بعده أبدا , وأنه ليس فيه تأويل ولا تخصيص , وقال : أن من أوله بتخصيص ~~النبيين بأولي العزم من الرسل ونحو هذا فكلامه , من أنواع الهذيان , لا ~~يمنع الحكم بتفكيره , لأنه مكذب بهذا النص الذي أجمع الأمة على أنه غير ~~مؤول ولا مخصوص هذا كلامه في كتاب الاقتصاد , نقلته منه بغير واسطة ولا ~~تقليد , فإياك أن تصغي إلى من نقل عنه غير هذا , فإنه تحريف يحاشي حجة ~~الإسلام عنه : | وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم | وقد بان ~~أن إيتان عيسى عليه الصلاة والسلام غير قادح في هذا النص , فإنه من أمته ~~صلى الله عليه وسلم المقررين لشريعته , وهو قد كان نبيا قبله لم يستجد له ~~شيء لم يكن , فلم يكن ذلك قادحا في الختم وهو مثبت لشرف نبينا صلى الله ~~عليه وسلم , ولولا هو لما وجد , وذلك ms3946 أنه لم يكن لنبي من الأنبياء شرف إلا ~~وله صلى الله عليه وسلم مثله أو أعلى منه , وقد كانت الأنبياء تأتي مقرره ~~لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام مجددة لها , فكان المقرر لشريعة نبينا صلى ~~الله عليه وسلم المتبع لملته من كان ناسخا لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام ~~. | ولما كان المقام في هذا البت بأنه لا يكون له ولد يصير رجلا مقام إحاطة ~~العلم , كان التقدير : لأنه سبحانه أحاط علما بأنه على كثرة نسائه وتعدد ~~أولاده لا يولد له ولد PageV06P113 ذكر فصير رجلا { وكان الله } أي الذي له ~~كل صفة كمال أزلا وأبدا { بكل شيء } من ذلك وغيره { عليما } فيعلم من يليق ~~بالختم ومن يليق بالبدء , قال الأستاذ ولي الدين الملوي في كتابه حصن ~~النفوس في سؤال القبر : واختصاصه صلى الله عليه وسلم بالأحمدية والمحمدية ~~علما أن الحمد لله رب العالمين , وقد بين السهيلي هذا في سورة الحواريين من ~~كتاب الإعلام - انتهى . | وقد بينت في سورة النحل أن مدار مادة على بلوغ ~~الغاية وامتطاء النهاية . | ولما كان ما أثبته لنفسه سبحانه من إحاطة العلم ~~مستلزما للإحاطة بأوصاف الكمال , وكان قد وعد من توكل عليه بأن يكفيه كل ~~مهم , ودل على ذلك بقصة الأحزاب وغيرها وأمر بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~وتقدم بالوصية التامة في تعظيمه إلى أن أنهى الأمر في إجلاله , وكانت طاعة ~~العبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كل وجه حتى يكون مسلوب الاختبار ~~معه , فيكون بذلك مسلما لا يحمل عليها إلا طاعة الله , وكانت طاعة الله ~~كذلك لا يحمل عليها إلا دوام ذكره , قال بعد تأكيد زواجه صلى الله عليه ~~وسلم لزينب رضي الله عنها بأنه هو سبحانه زوجه إياها لأنه قضى أن لا نبوة ~~بينه وبين أحد من رجال أمته توجب حرمة زوج الولد : { يا أيها الذين آمنوا } ~~أي ادعوا ذلك بألسنتهم { اذكروا } أي تصديقا لدعواكم ذلك { الله } الذي هو ~~أعظم من كل شيء { ذكرا كثيرا } أي بأن تعقدوا له سبحانه صفات الكمال وتثنوا ~~عليه ms3947 بها ألسنتكم , فلا تنسوه في حال من الأحوال ليحملكم ذلك على تعظيم ~~رسوله صلى الله عليه وسلم حق تعظيمه , واعتقاد كماله في كل حال , وأنه لا ~~ينطق عن الهوى , لتحوزوا مغفرة وأجرا عظيما , كما تقدم الوعد به . | ولما ~~كان ثبوت النبوة بين وبين أحد من الرجال خارما لإحاطة العلم , وجب تنزيهه ~~سبحانه عن ذلك فقال : { وسبحوه } أي عن أن يكون شيء على خلاف ما أخبر به , ~~وعن كل صفة نقص بعد ما أثبتم به كل صفة للكمال { بكرة وأصيلا * } أي في أول ~~النهار وآخره أي دائما لأن هذين الوقتين إما للشغل الشاغل ابتداء أو انتهاء ~~أو للراحة , فوجوب الذكر فيهما وجوب له من غيرهما من باب الأولى , قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : لم يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدا ~~معلوما , تم عذر أهلها في حال العذر غير الذكر فإنه تعالى لم يجعل له أحدا ~~لها حدا ينتهي إليه , ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله . | وهما ~~أيضا مشهودان بالملائكة ودالان على الساعة : الثاني قربها بزوال الدنيا ~~كلها , والأول على البعث بعد الموت , وبجوز أن يكون ذلك إشارة إلى صلاتي ~~الصبح والعصر , لأن المواظبة عليهما - لما أشير إليه من صعوبتهما بما يعتري ~~PageV06P114 في وقتيهما من الشغل بالراحة وغيرها - دالة على غاية المحبة ~~للمثول بالحضرات الربانية حاملة على المواظبة على غيرهما من الصلوات وجميع ~~الطاعات بطريق الأولى , ويؤكد هذا الثاني تعبيره بلفظ الصلاة في تعليل ذلك ~~بدوتم ذكره لنا سبحانه بقوله : { هو الذي يصلي عليكم } أي بصفة الرحمانية ~~متحننا , لأن المصلي منا يتعطف في الأركان { وملائكته } أي كلهم بالاستغفار ~~لكم وحفظكم من كثير من المعاصي والآفات ويتردد بعضهم بينه سبحانه وبين ~~الأنبياء بما ينزل إليهم من الذكر الحافظ من كل سوء فقد اشتركت الصلاتان في ~~إظهار شرف المخاطبين . | ولما كان فعل الملائكة منسبوبا إليه مع كونه ~~الخالق له الآمر به قال : { ليخرجكم } أي بذلك { من الظلمات } أي الكائنة ~~من الجهل الموجب للضلال { إلى النور } أي الناشئ ms3948 من العلم المثمر للهدى , ~~فيخرج بعضكم بالفعل من ظلمات المعاضي المقتضية للرين على القلب إلى نور ~~الطاعات , فتكونوا بذلك مؤمنين { وكان } أي ازلا وأبدا { بالمؤمنين } أي ~~الذين صار الإيمان لهم ثابتا خاصة { رحيما * } أي بليغ الرحمة يتوفيقهم ~~لفعل ما ترضاه الإلهية , فإنهم أهل خاصته فيحملهم على الإخلاص في الطاعات , ~~فيرفع لهم الدرجات في روضات الجنات . | ولما كان أظهر الأوقات في تمرة هذا ~~الوصف ما بعد الموت , قال تعالى مبينا لرحمتهم : { تحيتهم يوم يلقونه } أي ~~بالموت أو البعث { سلام } أي يقولون له ذلك , ( أنت السلام ومنك السلام ~~فجئنا ربنا السلام ) كما يقوله المحرم المشبه لحال من هو في الحشر فيجابون ~~بالسلام الذي فيه إظهار شرفهم ويأمنون معه من كل عطب { وأعد } أي والحال ~~أنه أعد { لهم } أي بعد السلامة الدائمة { أجرا كريما * } أي غدقا دائما لا ~~كدر في شيء منه . | ولما وعظ المؤمنين فيه صلى الله عليه وسلم له بما أقبل ~~بأسماعهم وقلوبهم إليه , وختم بما يوجب لهم الفوز بما عنده سبحانه , وكان ~~معظم ذلك له صلى الله عليه وسلم فإن رأس المؤمنين , أقبل بالخطاب عليه ~~ووجهه إليه فقال منوها من ذكره ومشيدا من قدره بما ينتظم بقوله { الذين ~~يبلغون رسالات الله } الآية وما جرها من العتاب : { يا أيها النبي } أي ~~الذي مخبره بما لا يطلع عليه غيره . | ولما كان الكافرون - المجاهرون منهم ~~والمساترون - ينكرون الرسالة وما تبعها , أكد قوله في أمرها وفخمه فقال : { ~~إنا أرسلناك } أي بعظمتنا بما ننبئك به إلى سائر خلقنا { شاهدا } أي عليهم ~~ولهم مطلق شهادة , لأنه لا يعلم بالبواطن إلا الله , وأنت مقبول الشهادة , ~~فأبلغهم جميع الرسالة سرهم ذلك أو ساءهم سرك فعلهم أو ساءك . | PageV06P115 ~~ولما كان المراد الإعلام برسوخ قدمه في كل من هذه الأوصاف , عطفها بالواو ~~فقال : { ومبشرا } أي لمن لهم يخير بما يسرهم , وأشار إلى المبالغة في ~~البشارة بالتضعيف لما لها من حسن الأثر في إقبال المدعو وللتضعيف من ~~الدلالة على كثرة الفعل والمفعول بشارة بكثرة التابع وهو السبب لمقصود ~~السورة , وكانت المبالغة ms3949 في النذارة أزيد لأنها أبلغ في رد المخالف وهي ~~المقصود بالذات من الرسالة لصعوبة الاجتراء عليها فقال : { ونذيرا } أي لمن ~~شهدت عليهم بشر بما يسوءهم { داعيا } أي للفريقين { إلى الله } أي إلى ما ~~يرضي الذي لا أعظم منه بالقول والفعل , وأعرى الدعاء عن المبالغة لأنه شامل ~~للبشارة والنذارة والإخبار بالقصص والأمثال ونصب الأحكام والحدود , ~~والمأمور به في ذلك الإبلاغ بقدر الحاجة بمبالغة أو غيرها فمن لم ترده عن ~~غية النذارة , وتقبل به إلى رشده البشارة , حمل على ذلك بالسيف . | ولما ~~كان ذلك في غاية الصعوبة , لا يقوم به أحد إلا بمعونة من الله عظيمة , أشار ~~إلى ذلك بقوله : { بإذنه } أي بتمكينه لك من الدعاء بتيسير أسبابه , وتحمل ~~أعبائه , وللمدعو من الإقبال والإتباع أو أراد له الخير . | ولما كان ~~الداعي إلى الله يلزمه النور لظهور الأدلة قال : { وسراجا } يمد البصائر ~~فيجلي ظلمات الجهل بالعلم المبصر لمواقع الزلل كما يمد النور الحسي نور ~~الأبصار . | ولما كان المقام مرشدا إلى إنارته , وكان من السرج ما لا يضيء ~~, وكان للتصريح والتأكيد شأن عظيم قال : { منبرا * } أي ينير من أتبعه ~~ليسير في أعظم ضياء , ومن تخلف عنه كان في أشد ظلام , فعرف من التقييد ~~بالنور أنه محط الشبه , وعبر به دون الشمس لأنه يقتبس منه ولا ينقص مع أنه ~~من أسماء الشمس . | < < # | الأحزاب : ( 47 - 50 ) وبشر المؤمنين بأن . . . . . # > > ^ ( وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا * ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا * يأيها الذين آمنوا ~~إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا * يأيها النبي إنآ أحللنا لك أزواجك ~~اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ممآ أفآء الله عليك وبنات عمك وبنات ~~عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت ~~نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ~~ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون ms3950 عليك حرج وكان الله ~~غفورا رحيما ) ^ } ) | ولما تقدمت هذه الأوصاف الحسنى , وكان تطبيق ثمراتها ~~عليها في الذروة , من العلو , وكان الشاهد هو البينة , فكان كأنه قيل : ~~فأقم الأدلة النيرة , وادع وأنذر كل من PageV06P116 خالف أمرك , وكان ~~المقام لخطاب المقبلين , طوى هذا المقدر لأنه للمعرضين , ودل عليه بقوله ~~عاطفا عليه : { وبشر المؤمنين } أي الذين صح لهم هذا الوصف . | فإنك مبشر { ~~بأن لهم } وبين عظمة هذه البشرى بقوله : { من الله } أي الذي له جميع صفات ~~الحسنة إلى ما لا يعلمه إلا الله . | ولما أمره سبحانه يسر نهاه عما يضر , ~~فقال ذاكرا ثمرة النذارة : { ولا تطع الكافرين } أي المشاققين { والمنافقين ~~} أي لا تترك إبلاغ شيء مما أنزلته إليك من الإنزال , وغيره كراهة شيء من ~~مقالهم أو فعالهم في أمر زينب أو غيرها , فإنك نذير لهم , وزاد على ما في ~~أول السورة محط الفائدة في قوله مصرحا بما اقتضاه ما قبله : { ودع } أي ~~اترك على حالة حسنة بك وأمر جميل لك { أذاهم } فلا تراقبه في شيء , ولا ~~تحسب له حسابا أصلا , واصبر عليه فإنه غير ضائرك لأن الله دافع عنك لأنك ~~داع بإذنه . | ولما كان ترك المؤذي , والإعراض عنه استسلاما في غاية المشقة ~~, ذكره بالدواء فقال : { وتوكل على الله } أي الملك الأعلى في الانتصار لك ~~منهم وإبلاغ جميع ما يأمرك به وفي أمرك لأن الله متم نورك ومظهر دينك ~~والاكتفاء به من ثمرات إنارته لك بجعلك سراجا , ولما كان الوكيل قد لا ينهض ~~بجميع الأمور , قال معلما بأن كفايته محيطه : { وكفى } وأكد أمر الكفاية ~~بإيجاد الباء في الفاعل تحقيقا لكونه فاعلا كما مضى في آخر سورة الرعد فقال ~~: { بالله } أي الذي له بالإحاطة الكاملة , وميز النسبة بالفاعل في الأصل ~~لزيادة التأكيد في تحقيق معنى الفاعل فقال : { وكيلا * } فمن اكتفى به أنار ~~له جميع أمره . | ولما أمر سبحانه بإبلاغ أوامره من غير التفاف إلى أحد ~~غيره , وكان من المعلوم أنه لا بد في ذلك من محاولات ومنازعات , لا يقوم ~~بها إلا من أعرض عن الخلائق ms3951 , لما هو مشاهد له من عظمة الخالق , أمر سبحانه ~~بالتوكل عليه , وأقام الدليل الشهودي بقصة الأحزاب وقريظة على كفاية لمن ~~أخلص له , فلما تم الدليل رجع إلى بيان ما افتح به السورة من الأحكام بعد ~~إعادة الأمر بالتوكل , فذكر أقرب الطلاق إلى معنى المظاهرة المذكورة أول ~~السورة بعد الأمر بالتوكل التي محط قصدها عدم قربان المظاهر عنها بعد أن ~~كان أبطل المظاهر . | فقال ناهيا لمن هو في أدنى أسنان الإيمان بعد بشارة ~~المؤمنين قاطعا لهم عما كانوا يشتدون به في التحجر على المرأة المطلقة لقصد ~~مضاجرتها أو تمام التمكن من التحكم فيه : { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا ~~ذلك { إذا نكحتم } أي عاقدتم , PageV06P117 أطلق اسم المسبب على السبب فقد ~~صار فيه حقيقة شرعية { المؤمنات } أي الموصوفات بهذا الوصف الشريف المقتضي ~~لغاية الرغبة فيهن وأتم الوصلة بينكم وبينهن . | ولما كان طول مدة الحبس ~~بالعقد من غير جماع لا يغير الحكم في العدة وإن غيرها في النسب بمجرد إمكان ~~الوطئ , وكان الطلاق لا يكون إلا بعد النكاح وبعد حل الوطئ بالنكاح , أشار ~~إليه بحرف التراخي فقال : { ثم طلقتموهن } أي بحكم التوزيع , وقيل لابن ~~عباس : إن ابن مسعود رضي الله عنهم يقول بصحة تعليق الطلاق قبل النكاح فقال ~~: زلة علم - وتلا هذه الآية . | ولما كان المقصود نفي الميسيس في هذا ~~النكاح لا مطلقا , وكانت العبرة في إيجاب المهر بنفس الوطئ لا بإمكانه وإن ~~حصلت الخلوة , أدخل الجار فقال : { من قبل أن يسموهن } أي تجامعوهن , أطلق ~~المس على الجماع لأنه طريق له كما سمي الخمر إثما لأنها سببه . | ولما كانت ~~العدة حقا للرجال قال : { فما لكم } ولما كانت العدة واجبة , عبر بأداة ~~الاستعلاء فقال : { عليهن } وأكد النفي بإثبات الجار في قوله : { من عدة } ~~ودل اعتيادهم ذلك ومبالغتهم فيه والمضاجرة به كما في الظهار بالافتعال فقال ~~: { تعتدونها } أي تتكلفون عدها وتراعونه , وروي عن ابن كثير من طريق البزي ~~شاذا بتخفيف الدال بمعنى تتكلفون الاعتداء بها على المنطقة . | ولما كان ~~هذا الحكم - الذي معناه الانفصال - للمؤمنات ms3952 اللاتي لهن صفات تقتضي دوام ~~العشرة وتمام الاتصال , كان ذلك للكتابيات من باب الأولى , وفائدة التقييد ~~والإرشاد إلى أنه لا ينبغي العدول عن المؤمنات بل ولا عن الصالحات من ~~المؤمنات . | ولما كان الكلام كما أشير إليه في امرأة قريبة من المظاهر ~~عنها , وكان ما خلا من الفرض للصداق أقرب إلى ذلك , سبب عما مضى قوله : { ~~فمتعوهن } ولم يصرح بأن ذلك لغير من سمى لها التدخل المسمى لها في الكلام ~~على طريق الندب مع ما لها من نصف المسمى كما دخلت الأولى وجوبا { وسرحوهن } ~~أي أطلقوهن ليخرجن من منازلكم ولا تعتلوا عليهن بعلة { سراحا جميلا * } ~~بالإحسان قولا وفعلا من غير ضرار بوجه أصلا ليتزوجهن من شاء . | ولما كان ~~النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم , وكان المراد الأعظم في هذه الآيات بيان ~~ما شرفه الله به من ذلك , أتبع ما بين أنه لا عدة فيه من نكاح المؤمنين وما ~~حرمه عليهم من التضييق على الزوجات المطلقات بعض ما شرفه الله تعالى به ~~وخصه من أمر التوسعة في النكاح , وختمه بأن أزواجه لا تحل بعده , فهن كمن ~~عدتهن ثابتة لا تنقضي PageV06P118 أبدا , أو كمن زوجها غائب عنها وهو حي , ~~لأته صلى الله عليه وسلم حي في قبره : { يا أيها النبي } ذاكرا سبحانه ~~الوصف الذي هو مبدأ القرب ومقصودة ومنبع الكمال ومداره . | ولما كان الذين ~~في قلوبهم مرض ينكرون خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أكد قوله : { إنا ~~أحللنا لك أزواجك } أي نكاحهن , قال الحرالي في كتابه في أصول الفقه : ~~تعليق الحكم بالأعيان مختص بخاص مدلولها نحو حرمت أو حللت المرأة أي نكاحها ~~, والفرس أي ركوبه , والخمر أي شربها , ولحم الخنزير أي أكله , والبحر أي ~~ركوبه , والثور أي الحرث به , وكذلك كل شيء يختص بخاص مدلوله , ولا يصرف ~~عنه إلا بمعشر , ولا إجمال فيه لترجح الاختصاص - انتهى . | ولما كان ~~المقصود من هذه السورة بيان مناقبه صلى الله عليه وسلم وما خصه الله به مما ~~قد يطعن فيه المنافقون من كونه أولى من كل أحد بنفسه ms3953 وماله , بين أنه مع ~~ذلك لا يرضى إلا بالأكمل , فبين أنه كان يعجل المهور , ويوفي الأجور , فقال ~~: { اللاتي آتيت } أي بالإعطاء الذي هو الحقيقة , وهي به صلى الله عليه ~~وسلم أولى أو بالتسمية في العقد قال الكشاف : وكان التعجيل ديدن السلف ~~وسنتهم وما لا يعرف بينهم غيره { أجورهن } أي مهورهن لأنها عوض عن منفعة ~~البضع , وأصل الأجر الجزاء على العمل { وما ملكت يمينك } ولما كان حوز ~~الإنسان لما سباه أطيب لنفسه وأعلى لقدره وأحل مما اشتراه قال : { مما أفاء ~~} أي رد { الله } الذي له الأمر كله { عليك } مثل صفية بنت حيي النضرية ~~وريحانة القرظية وجويرية بنت الحارث الخزاعية رضي الله عنهن مما كان في ~~أيدي الكفار , أسنده إليه سبحانه إفهاما لأن فيء على وجهه الذي أحله الله ~~لا خيانة فيه , وعبر من المؤمنين بيد القهر أو لمن يعطيه الكافر منهم عن عن ~~طيب نفس , ومن هنا كان يعطي النبي صلى الله عليه وسلم ما يطلب منه من بلاد ~~الكفار أو نسائهم , وما أعطى أحدا شيئا إلا وصل إليه كتميم الداري وشويل ~~رضي الله عنهما , وقيد بذلك تنبيها على فضله صلى الله عليه وسلم ووقوعه من ~~كل شيء على أفضله كما تقدمت الإشارة إليه , وإشارة إلى أنه سبق في في علم ~~الله أنه لا يصل إليه من ملك اليمين إلا ما كان هذا سبيله , ودخل فيه أهدى ~~له من الكفار مقل ماوية القبطية أم ولده إبراهيم عليه السلام , وفي ذلك ~~أيضا إشارة إلى ما خصه به من تحليل ما كان خطره على من كان قبله من الغنائم ~~{ وبنات عمك } الشقيق وغيره من باب الأولى , فإن النسب كلما بعد كان أجدر ~~بالحل . | ولما قد أفرد العم لأن واحد الذكور يجمع من غيره لشرفه وقوته ~~وكونه PageV06P119 الأصل الذي تفرع منه هذا النوع , عرف بجميع الإناث أن ~~المراد به الجنس لئلا يتوهم أن المراد إباحة الأخوات مجتمعات فقال : { ~~وبنات عماتك } من نساء بني عبد المطلب . | ولنا بدأ بالعمومة لشرفها , ~~أتبعها قوله : { وبنات خالك } جاريا ms3954 أيضا في الإفراد والجمع على ذلك النحو ~~{ وبنات خالاتك } أي من نساء بني زهرة ويمكن أن يكون في ذلك احتباك عجيب ~~وهو : بنات عمك وبنات أعمامك , وبنات عماتك وبنات عمتك , وبنات خالك وبنات ~~أخوالك , وبنات خالاتك وبنات خالتك , وسره ما أشير إليه . | ولما بين شرف ~~أزواجه من جهة النسب لما علم واشتهر أن نسبه صلى الله عليه وسلم من جهة ~~الرجال والنساء أشرف الأنساب بحيث لم يختلف في ذلك اثنان من العرب , بين ~~شرفهن من جهة الإعمال فقال : { اللاتي هاجرن } وأشار بقوله : { معك } إلى ~~أن الهجرة قبل < # > 77 ( { أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } ) 77 < # > [ الحديد : 10 ] ولم يرد بذلك التقييد بل التنبيه على الشرف , وإشارة ~~إلى أنه سبق في عمله سبحانه أنه لا يقع له أن يتزوج من هي خارجة عن هذه ~~الأوصاف , وقد ورد أن هذا على سبيل التقييد ؛ روى الترمذي والحاكم وابن أبي ~~شيبة وإسحاق بن راهويه الطبراني والطبري وابن أبي حاتم كلهم من رواية السدي ~~عن أبي صالح عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها قالت : خطبني رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فاعتذرت إليه فعذرني ثم أنزل الله تعالى { إنا أحللنا ~~لك أزواجك } - الآية , فلم أكن لأحل له لأني لم أهاجر . | كنت من الطلقاء ~~قال الترمذي : حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي . | ولما ~~بين ما هو الأشرف من النكاح لكونه الأصل , وأتبعه سبحانه ما خص به شرعه صلى ~~الله عليه وسلم من المغنم الذي تولى سبحانه إباحته , أتبعه ما جاءت إباحته ~~من جهة المبيح إعلاما بأنه ليس من نوع الصدقة التي نزه عنها قدره فقال : { ~~وامرأة } أي وأحللنا لك امرأة { مؤمنة } أي هذا الصنف حرة كانت أو رقيقة { ~~إن وهبت نفسها للنبي } . | ولما ذكر وصف النبوة لأنه مدار الأكرم من الخالق ~~والمحبة من الخلائق تشريفا له به وتعليقا للحكم بالوصف , لأنه لو قال ( لك ~~) كان ربما وقع في بعض الأوهام - كما قال الزجاج - أنه غير ms3955 خاص به صلى الله ~~عليه وسلم , كرره بيانا لمزيد شرفه في سياق رافع لما ربما يتوهم من أنه يجب ~~عليه القبول فقال : { إن أراد النبي } أي الذي أعلينا قدره بما اختصصناه به ~~من الإنباء بالأمور العظمية من عالم الغيب والشهادة { أن يستنكحها } أي ~~PageV06P120 يوجد نكاحه لها يجعلها من منكوحاته بعقد أو ملك يمين , فتصير ~~له مجرد ذلك بلا مهر ولا ولي ولا شهود . | ولما كان ربما فهم أن غيره ~~يشاركه في هذا المعنى , قال مبينا لخصوصيته واصفا لمصدر { أحللنا } مفخما ~~للأمر بهاء المبالغة ملتفتا غلى الخطاب لأنه معين للمراد رافع للارتياب : { ~~خالصة لك } وزاد المعنى بيانا بقوله : { من دون المؤمنين } أي من الأنبياء ~~وغيرهم , وأطلق الوصف للرسوخ فشمل من قيد بالإحسان والإيقان , وغير ذلك من ~~الألوان , دخل من نزل عن رتبهم من الذين يؤمنون والذين آمنوا وسائر الناس ~~من باب الأولى مفهوم موافقة , وقد كان الواهبات عدة ولم يكن عنده منهن شيء ~~. | روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : كنت أغار على اللاتي ~~وهبن أنفسهن لرسول الله وأقوال : أما تستحي المرأة أن تهب نفسها , فلما ~~نزلت { ترجى من تشاء منهن } قلت : يا رسول الله , ما أرى ربك إلا يسارع في ~~هواك . | ولما كان التخصيص لا يصح ولا يتصور إلا من محيط العلم بأن هذا ~~الأمر ما كان لغير المخصوص تام القدرة , ليمنع غيره من ذلك , علله بقوله : ~~{ قد } أي أخبرناك بأن هذا أمر يخصك دونهم لأنا قد { علمنا ما فرضنا } أي ~~قدرنا بعظمتنا . | ولما كان ما قدر للإنسان عطاء ومنعنا لا بد له منه , عبر ~~فيه بأداة الاستعلاء فقال : { عليهم } أي المؤمنين { في أزواجهم } أي من ~~أنه لا تحل لهم امرأة بلفظ الهبة منها ولا بدون مهر ولا بدون ولي شهود , ~~وهذا عام لجميع المؤمنين المتقدمين والمتأخرين . | ولما كان هذا عاما للحرة ~~والرقيقة قال : { وما ملكت أيمانهم } أي من أن أحدا غيرك لا يملك رقيقة ~~بهبتها لنفسها منه , فيكون أحق من سيدها . | ولما فرغ من تعليل الدونية , ~~علل ms3956 التخصيص لفا ونشرا مشوشا بقوله : { لكيلا يكون عليك حرج } أي ضيق في ~~شيء من أمر النساء حيث أحللنا لك أنواع المنكوحات وزدناك الواهبة . | ولما ~~ذكر سبحانه ما فرض في الأزواج والإماء الشامل للعدل في عشرتهن , وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم أعلى الناس فهما وأشدهم لله خشية , وكان يعدل بينهن , ~~ويعتذر مع ذلك من ميل القلب الذي هو خارج عن طوق البشر بقوله ( اللهم هذا ~~قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك ) خفف عنه سبحانه بقوله : { وكان ~~الله } أي المتصف بصفات الكمال من الحلم والأناة والقدرة وفيها أزلا وأبدا ~~{ غفورا رحيما * } أي بليغ PageV06P121 الستر فهو أن شاء يترك المؤاخذة ~~فيما له أن يؤاخذ به , ويجعل مكان المؤاخذة الإكرام العظيم متصفا بذلك أزلا ~~وأبدا . | < < # | الأحزاب : ( 51 - 52 ) ترجي من تشاء . . . . . # > > ^ ( ترجي من تشآء منهن وتؤوي إليك من تشآء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا ~~جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بمآ آتيتهن كلهن والله ~~يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما * لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن ~~تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شيء ~~رقيبا ) ^ } ) | ولما ذكر هاتين الصفتين , أتبعهما ما خففه عنه عن أمرهن ~~إكراما له صلى الله عليه وسلم مما كان من شأنه أن يتحمل فيه ويتخرج عن فعله ~~, فقال في موضع الاستئناف , أو الحال من معنى التخفيف في الجمل السابقة : { ~~ترجي } بالهمز على قراءة الجماعة أي تؤخر { من تشاء منهن } أي من الواهبات ~~فلا تقبل هبتها أو من نسائك بالطلاق أو غيره مع ما يؤنسها من أن تؤويها , ~~وبغير همز عند حمزة والكسائي وحفص من الرجاء أي تؤخرها مع أفعال يكون بها ~~راجية لعطفك { وتؤدي } أي تضم وتقرب بقبول الهبة أو بالإبقاء في العصمة ~~بقسم وبغير قسم بجماع تخصيصا له بذلك عن سائر الرجال { إليك من تشاء } وسيب ~~نزول هذه الآية أنه لما نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلقهن فقلن : يا نبي ms3957 ~~الله ! اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت . | ودعنا على حالنا , فنزلت . | ~~ولما كانت ربما مال إلى من فارقها , بين تعالى حكمها فقال : { ومن ابتغيت } ~~أي مالت نفسك إلى طلبها { ممن عزلت } أي أوقعت عزلها بطلاق أو رد هبة { فلا ~~جناح عليك } أي في إيوائها بعد ذلك بقبول هبتها أو بردها إلى ما كانت عليه ~~من المنزلة عندك من قيد النكاح أو القسم . | ولما كانت المفارقة من حيث هي ~~- ولا سيما إن كان فراقها لما فهم منها من كراهية يظن بها - أنها تكره ~~الرجعة , أخبر سبحانه أن نساءه صلى الله عليه وسلم على غير ذلك فقال : { ~~ذلك } أي الإذن لك من الله والإيواء العظيم الرتبة , لما لك من الشرف { ~~أدنى } أي أقرب من الإرجاء ومن عدم التصريح بالإذن في القرآن المعجز , إلى ~~{ أن تقر أعينهن } أي بما حصل لهن من عشرتك الكريمة , وهو كناية عن السرور ~~والطمأنينة ببلوغ المراد , لأن من كان كذلك كانت عينه قارة , ومن كان ~~مهموما كانت عينه كثيرة التقلب لما يخشاه - هذا إن كان من القرار بمعنى ~~السكون , ويجوز أن يكون من القر الذي هو ضد PageV06P122 الحر , لأن المسرور ~~تكون عينه باردة , والمهموم تكون عينه حارة , فلذلك يقال للصديق : أقر الله ~~عينك , وللعدو : أسخن الله عينك { ولا تحزن } أي بالفراق وغيره مما يحزن من ~~ذلك { ويرضين } لعلمهن أن ذلك من الله لما للكلام ومن الإعجاز { بما آتيتهن ~~} أي من الأجور وغيرها من نفقة وقسم وإيثار وغيرها . | ولما كان التأكيد ~~أوقع في النفس وأنفى للبس , وكان هذا أمرا غريبا لبعده عن الطباع أكد فقال ~~: { كلهن } أي ليس منهن واحدة إلا هي كذلك راغبة فيك راضية بصحبتك إن ~~آويتها أو أرجائها لما لك من حسن العشرة وكرم الأخلاق ومحاسن الشمائل وجميل ~~الصحبة , وإن اخترت فراقها علمت أن هذا أمر من الله جازم , فكان ذلك أقل ~~لحزنها فهو أقرب إلى قرار عينها بهذا الاعتبار , وزاد ذلك تأكيدا لما له من ~~الغرابة التي لا تكاد تصدق بقوله عطفا على نحو ms3958 { فالله يعلم ما في قلوبهم } ~~: { والله } أي بما له من الإحاطة بصفات الكمال { يعلم } أي علما مستمرا ~~لتعلق { ما في قلوبكم } أي أيها الخلائق كلكم , فلا بد إن علم ما في قلوب ~~هؤلاء . | ولما رغبه سبحانه في الإحسان إليهن بإدامة الصحبة بما أخبره نت ~~ودهن ذلك , لكونه صلى الله عليه وسلم شديد المحبة لإدخال السرور على القلوب ~~, زاده ترغيبا بقوله : { وكان الله } أي أزلا وأبدا { عليما } أي بكل شيء ~~ممن يعطيه ومن يعصيه { حليما * } لا يعاجل من عصاه , يل يديم إحسانه إليه ~~في الدنيا فيجب أن يتقي لعلمه وحلمه , فعلمه موجب للخوف منه , وحلمه مقتض ~~للاستيحاء منه , وأخذ الحليم شديد , فينبغي لعبده المحب له أن يحلم عمن ~~يعلم تقصيره في حقه , فإنه سبحانه يأجره على ذلك بأن يحلم عنه فيما علمه ~~منه , وأن يرفع قدره ويعلي ذكره , روى البخاري في التفسير عن معاذة عن ~~عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم ~~المرأة منا بعد أن أنزلت هذه الآية { كان ذاك من تشاء منهن } الاية , قلت ~~لها : ما كنت تقولين ؟ قالت : كنت أقول له : إن كان ذاك إلي فإني لا أريد ~~يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا . | ولما أمره بما يشق من تغير العوائد في ~~أمر العدة , ثم بما قد يشق عليه صلى الله عليه وسلم من تخصيصه بما ذكر خشية ~~من طعن بعض بعض من لم يرسخ إيمانه , وختم بما يسر أزواجه , وصل به ما يزيد ~~سرورهن من تحريم غيرهن عليه شكرا لهن على إعراضهن عن الدنيا واختيارهن الله ~~ورسوله فقال : { لا يحل لك النساء } ولما كان تعالى شديد العناية به صلى ~~الله عليه وسلم لوح له في آية التحريم إلى أنه ينسخه عنه , فأثبت الجار ~~فقال : { من PageV06P123 بعد } أي من بعد من معك من هؤلاء التسع - كما قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما في رواية منه , شكرا من الله لهن لكونهن لما نزلت ~~آية التخيير اخترن الله ورسوله , فتكون الآية ms3959 منسوخة بمت تقدم عليها في ~~النظام وتأخر عنها في الإنزال من آية { إنا أحللنا لك أزواجك } وفي رواية ~~أخرى من بعد { اللاتي أحللنا لك } بالصفة المتقدمة من بنات العم وما معهن , ~~ويؤيدها ما تقدمت روايته عن أم هانئ رضي الله عنها . | ولما كان ربما فهم ~~أن المراد الحصر في عدد التسع , لا بقيد المعينات , قال : { ولا أن تبدل ~~بهن } أي هؤلاء التسع , وأعرق في النفي بقوله : { من } أي شيئا من { أزواج ~~} أي بأن تطلق بعض هؤلاء المعينات وتأخذ بدلها من غيرهن بعقد النكاح بحيث ~~لا يزيد العدد على تسع , فعلم بهذا الموضوع منه نكاح غيرهن مع طلاق واحدة ~~منهن أولا , وهو يؤيد الرواية الأولى عن ابن عباس رضي الله عنهما لأن ~~المتبدل بها لا تكون إلا معلومة العين , والجواب عن قول أم هانئ رضي الله ~~عنها أنه فهم منها , لا رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم , وأما عند موت ~~واحدة منهن فلا حرج في نكاح واحدة بدلها . | ولما علم من هذا المنع من كل ~~زوجة بأي صفة كانت , أكد معنى وحققه , وصرح به في قوله حالا من فاعل ( تبدل ~~) : { ولو أعجبك حسنهن } أي النساء المغايرات لمن معك , وفي هذا إباحة ~~النظر إلى من يراد نكاحها لأن النظرة الأولى لا تكاد تثبت ما عليه المرئي ~~من حاق الوصف ؛ ولما كان لفظ النساء شاملا للأزواج والإماء , بين أن المراد ~~الأزواج فقط بقوله : { إلا ما ملكت يمينك } أي فيحل لك منهن ما شئت , وقد ~~ملك رسول الله صلى الله عليه وسلم ريحانة رضي الله عنها من سبي بني قريظة , ~~واستمرت في ملكه مدة لا يقربها حتى أسلمت , ثم ملك بعد عام الحديبية مارية ~~رضي الله عنها أو ولده إبراهيم عليه السلام . | ولما تقدم سبحانه في هذه ~~الآيات فأمر ونهى وحد حدودا , حذر من التهاون بشيء منها ولو بنوع تأويل ~~فقال : { وكان الله } أي الذي لا شيء أعظم منه , وهو المحيط بجميع صفات ~~الكمال { على كل شيء رقيبا } أي يفعل فعل المراعي لما ms3960 يتوقع منه من خلل على ~~أقرب قرب منه بحيث لا يفوت مع رعايته فائت فعل المراعي لما يتوقع منه خلل ~~على أقرب منه بحيث لا يفوت مع رعايته فائت من أمر المرعى , ولا يكون الرقيب ~~إلا قريبا , ولا أقرب من قرب الحق وسبحانه , فلا أرعى من رقبته , وهو من ~~أشد الأسماء وعيدا . | < < # | الأحزاب : ( 53 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى ~~طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا ~~مستأنسين لحديث إن ذلكم PageV06P124 كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا ~~يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من ورآء حجاب ذلكم أطهر ~~لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من ~~بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان القرب والإحاطة لله , كان بالحقيقة لا ريقب إلا هو , والآية ~~على كل حال منسوخة إن قلنا بالاحتمال الأول أو الثاني , فقد روى الترمذي في ~~التفسير عن عائشة رضي الله عنها وناهيك بها ولا سيما في هذا الباب أنها ~~قالت : ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء , وقال : ~~هذا حديث حسن صحيح - انتهى . | ونقل الجوزي عنها رضي الله عنها أن الناسخ ~~آية { أنا أحللنا لك أزواجك } وكذا عن جماعة منهم علي وابن عباس وأم سلمة ~~رضي الله عنهم , ولكن صلى الله عليه وسلم ترك ذلك أدبا مع الله تعالى حيث ~~عبر في المنع بصيغة الخبر والفعل المضارع , ورعاية أشار الله إليه من رعاية ~~حقهن في اختيارهن من الدار الآخرة . | ولما قصر صلى الله عليه وسلم عليهن , ~~وكان قد تقدم إليهن بلزوم البيوت وترك ما كان عليه الجاهلية من التبرج , ~~أرخى عليهن الحجاب في البيوت ومنع غيره صلى الله عليه وسلم مما كانت العرب ~~عليه من الدخول على النساء لما عندهم من الأمانة في ذلك , فقال مخاطبا ~~لأدنى أسنان أهل هذا الدين لما ذكر في سبب نزولها ms3961 , ولأن المؤمنين كانوا ~~منتهين عن ذلك بغير ناه كما يدل عليه ما يأتي من قول عمر رضي الله عنه في ~~الحجاب : { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا الإيمان صدقوا دعواكم فيه بأن { ~~لا تدخلوا } مع الاجتماع , فالواحد من باب الأولى . | ولما كان تشويش الفكر ~~ربما كان شاغلا عن شيء مما يبنئ الله به كما أشار إليه قوله صلى الله عليه ~~وسلم ( بينت لي ليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فأنسيتها ) - أو كما قال غيره ~~صلى الله عليه وسلم , عبر بصفة النبوة في قوله : { بيوت النبي } أي الذي ~~يأتيه الإنباء من علام الغيوب بما فيه غاية رفعته , في حال من الأحوال أصلا ~~{ إلا } في حال { أن يؤذن لكم } أي ممن له الإذن في بيوته صلى الله عليه ~~وسلم منه أو ممن يأذن له في ذلك , منتهين { إلى طعام } أي أكله , حال كونكم ~~{ غير ناظرين إناه } أي وقت ذلك الطعام وبلوغه واستواءه للأكل , فمنع بهذا ~~من كان يتحين طعام النبي صلى الله عليه وسلم , لأنه في ذلك تكليفا له صلى ~~الله عليه وسلم بما يشق عليه جدا , فإنه ربما كان ثم من هو أحوج إلى ذلك ~~الطعام من المتحين أو غير ذلك من الأعذار , فلا يتوجه الخطاب إلى غير أهل ~~السن السافل , ومن وقعت له فلتة ممن فوق رتبتهم دخل في خطابهم بما أنزل من ~~رتبته , والتعبير باسم الفاعل المجرد في ( نظرين ) أبلغ في النهي . | ~~PageV06P125 ولما كان هذا الدخول بالإذن مطلقا , وكان يراد تقييده , وكان ~~الأصل في ذلك : فإذا دعيتم - إلى آخره , ولكن كان المقام للختم بالجزم فيكا ~~يذكر , وكان الاستدراك أمر عظيم من روعة النفس وهزها للعلم بأن ما بعده ~~مضاد لما قبله قال : { ولكن إذا دعيتم } أي ممن له الدعوة { فادخلوا } أي ~~لأجل ما دعاكم له ؛ ثم سبب عنه قوله : { فإذا طعمتم } أي أكلتم طعاما أو ~~شربتم شرابا { فانتشروا } أي اذهبوا حيث شئتم في الحال , ولا تمكثوا بعد ~~الأكل لا مسترحين لقرار الطعام في بطونكم { ولا مستأنسين لحديث } أي طالبين ~~الأنس ms3962 لأجله , قال حمزة بن نضر الكرماني في كتابه جوامع التفسير : قال ~~الحسن : حسبك في الثقلاء أن الله لم يتجوز في أمرهم - انتهى , وعن عائشة ~~رضي الله عنها أنها قالت : حسبك بالثقلاء أن الله لم يحتملهم , ثم علل ذلك ~~بقوله مصوبا الخطاب إلى جمعيه , معظما له بإداة البعد : { أن ذلكم } أي ~~الأمر الشديد وهو المكث بعد الفراغ من الأكل والشرب { كأن يؤذي النبي } أي ~~الذي هيأناه لسماع ما ننبئه به مما يكوم سبب شرفكم وعلوكم في الدارين , ~~فاحذروا أن تشغلوه عن شيء منه فننبئه بشيء تهلكون فيه . | ثم سبب عن ذلك ~~المانع له من مواجهتهم بما يزيل أذاه فقال : { فيستحي } أي يوجد الحياء , ~~وأصله إيجاد الحياة . | كأن من لا حياء جماد لا حياة له { منكم } أي أن ~~يأمركم بالانصراف { والله } أي الذي له جميع الأمر { لا يستحي من الحق } أي ~~لا يفعل فعل المستحي فيؤديه ذلك إلى ترك الأمر به . | ولما كان البيت يطلق ~~على المرأة لملازمتها له عادة , أعاد الضمير عليه مرادا به النساء استخداما ~~فقال : { وإذا سألتموهن } أي الأزواج { متاعا } أي شيئا من آلات البيت { ~~فسئلوهن } أي ذلك المتاع , كائنين وكائنات { من وراء حجاب } أي ستر يستركم ~~عنهن ويسترهن عنكم { ذالكم } أي الأمر العالي الرتبة الذي أنبئكم جميعكم به ~~من السؤال من وراء حجاب وغيره { أطهر لقلوبكم وقلوبهن } أي من وساوس ~~الشيطان التي كان يوسوس بها في أيام الجاهلية قناعة منه بما كانوا في ~~حبالته من الشرك { وما كان لكم } أي وما صح وما استقام في حال من الأحوال { ~~أن تؤذوا } وذكرهم بالوصف الذي هو سبب لسعادتهم واستحق به عليهم من الحق ما ~~لا يقدرون على القيام بشكره فقال : { رسول الله } صلى الله عليه وسلم , أي ~~الذي له جميع الكمال فله إليكم من الإحسان ما يستوجب منكم به غاية الإكرام ~~والإجلال , فضلا عن الكف عن الأذي , فلا تؤذه بالدخول إلى شيء من بيوته ~~بغير إذنه أو المكث بعد فراغ الحاجة ولا بغير ذلك . | ولما كان قد قصره صلى ~~الله ms3963 عليه وسلم عليهن , ولزم ذلك بعد أن أحل له غيرهن قصرهن عليه بعد الموت ~~زيادة لشرفه وإظهارلمزيته فقال : { ولا أن تنكحوا } أي فيما يستقبل من ~~PageV06P126 الزمان , { أزواجه من بعده } أي بعد فراقه لمن دخل منهن بموت ~~أو طلاق لما تقدم أنه حي لم يمت { أبدا } فإن العدة منه ينبغي أن لا تنقضي ~~لما له من الجلال والعظمة والكمال , وهو حي في قبره لا يزال , وثم علة أعم ~~من هذه لمسها في الميراث , وهي قطع الأطماع عن امتدادها إلى شيء من الدنيا ~~بعده لئلا يتمنى أحد موته صلى الله عليه وسلم ليأخذ ذلك فيكفر لأنه لا ~~إيمان لمن لا يقدمه على نفسه , وأما العالية بنت ظبيان التي طلقها النبي ~~صلى الله عليه وسلم . | وتزوجت غيره فكان أمرها قبل نزول هذه الآية - ذكره ~~البغوي عن معمر عن الزهري . | ثم علل ذلك بقوله : { إن ذالكم } أي الإيذاء ~~بالنكاح وغيره الذي ينبغي أن يكون على غاية البعد { كان الله عند } أي ~~القادر على كل شيء { عظيما * } وقج ورد في سبب نزول هذه الآية أشياء , روى ~~أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أنس رضي الله عنه قال : بعثتني أم سليم رضي ~~الله عنها برطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على طبق في أول ما أينع ~~ثمر النخل قال : فدخلت عليه فوضعته بين يديه فأصاب منه ثم أخذ بيدي فخرجنا ~~وكان حديث عهد بعرس زينب بنت جحش رضي الله عنها , قال : فمر بنساء من نسائه ~~وعندهن رجال يتحدثون فهنأنه وهنأه الناس فقالوا : الحمد لله الذي أقر بعينك ~~يا رسول الله , فمضى حتى أتى عائشة رضي الله عنها , فإذا عندها رجال , قال ~~: فكره ذلك , وكان إذا كره الشيء عرف في وجهه , قال : فأتيت أم سليم ~~فأخبرتها , فقال أبو طلحة رضي الله عنه : لئن كان ما قال ابنك حقا ليحدثن ~~أمر , قال : فكره ذلك , وكان إذا كره الشيء عرف في وجهه , قال : فأتيت أم ~~سليم فأخبرتها , فقال أبو طلحة رضي الله عنهك لئن كان ما قال ms3964 ابنك حقا ~~ليحدثن أمر , قال : فلما كان من العشي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فصعد المنبر ثم تلا هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي ~~إلا أن يؤذن لكم } الآية , قال : وأمر الحجاب وأصله في التفسير من جامع ~~الترمذي , وروى البخاري وغيره عنه رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم عروسا بزينب رضي الله عنها , فقالت لي أم سليم : لو أهدينا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم هدية ! فقلت لها : افعلي , فعمدت إلى تمر وأقط وسمن , ~~فاتخذت حيسة في برمة , فأرسلت بها معي إليه , فقال لي : ضعها , ثم أمرني ~~فقال لي : ادع لي رجالا - سماهم - وادع لي من لقيت , ففعلت الذي أمرني , ~~فرجعت فإذا البيت غاص بأهله - وفي رواية الترمذي ان الراوي قال : قلت لأنس ~~: كم كانوا ؟ قال : زهاء ثلاثمائة - فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يده ~~على تلك الحيسة وتكلم بما شاء PageV06P127 الله ثم جعل يدعو عشرة يأكلون ~~منه , ويقول لهم : اذكروا اسم الله , وليأكل كل رجل مما يليه , حتى تصدعوا ~~كلهم عنها , قال الترمذي : فقال لي : يا أنس , ارفع , فرفعت فما أدري حين ~~وضعت كان أكثر أو حين رفعت - فخرج منهم من خرج وبقي نفر يتحدثون , قال : ~~وجعلت أغتم - قال الترمذي : ورسول الله جالس وزوجته مولية وجهها إلى الحائط ~~, فثقلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وقال عبد الرزاق في تفسيره : ~~فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحي منهم أن يقول لهم شيئا - ثم خرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم نحو الحجرات وخرجت في أثره , فقلت : إنهم قد ~~ذهبوا , فرجع فدخل البيت وأرخى الستر وإني لفي الحجرة وهو يقول : { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تدخلو بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم } الآية , وفي رواية ~~الترمذي : ثم رجع , فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع ظنوا أنهم ~~قد ثقلوا عليه , فابتدروا الباب , فخرجوا كلهم , وجاء رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى أرخى الستر ودخل وأنا جالس في ms3965 الحجرة , فلم يلبث إلا يسيرا ~~حتى خرج علي وأنزلت هذه الآيات , فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأهن ~~على الناس { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي } الآية , وروى ~~الشيخان وغيرهما عن أنس رضي الله عنه - وهذا لفظ البخاري - وفي روايات قال ~~: بنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش بخبز ولحم , فأرسلت ~~على الطعام داعيا , فيجيء قوم يأكلون ويخرجون , ثم يجيء قوم فيأكلون ~~ويخرجون , فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعو , فقلت : يا نبي الله ! ما أجد أحدا ~~أدعو , قال : ارفعوا طعامكم , فجلسوا يتحدثون في البيت فإذا هو كأنه يتهيأ ~~للقيام , فلم يقوموا , فلما رأى ذلك قام , فلما قام قام من قام , وقعد ~~ثلاثة نفر , وفي رواية , ثلاثة رهط , فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق ~~إلى حجرة عائشة رضي الله عنها فقال : السلام عليكم أهل البيت روحمة الله . ~~| فقالت : وعليك السلام ورحمة الله , كيف وجدت أهلك , بارك الله لك ! فتقرى ~~حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة رضي الله عنها . | ويقلن لم كما ~~قالت عائشة - رضي الله عنهن , ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا القوم ~~جلوس , وكان النبي صلى الله عليه وسلم , حين بنى بزينب بنت نحو حجرة عائشة ~~رضي الله عنها , وفي رواية : أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بنى ~~بزينب بنت جحش رضي الله عنها فأشبع الناس خبزا ولحما , ثم خرج إلى حجر ~~أمهات المؤمنين كما كان يصنع صبيحة بنائه , فيسلم عليهن ويدعو لهن , ويسلمن ~~عليه ويدعون له , فلما رجع ألى بيته رأر رجلين جرى بهما الحديث , فلما ~~رآهما رجع عن بيته , فلما رأى الرجلان نبي الله صلى الله عليه وسلم رجع عن ~~بيته وثبا مسرعين , فما أدري أنا أخبرته بخروجهما أو PageV06P128 أخبر أن ~~القوم خرجوا , فرجع حتى إذا وضع رجله في أسفكة الباب داخلة وأخرى خارجة ~~أرخى الستر , وفي رواية : فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه , وأنزلت آية ~~الحجاب { يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت ms3966 النبي } الآية , وللبخاري عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت : كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : احجب نساءك قالت : فلم يفعل , وكان أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم يخرجن ليلا إلى ليل قبل المناصع , خرجت سودة بنت زمعة ~~وكانت امرأة طويلة رضي الله عنها , فرآها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو ~~في المجلس فقال : عرفتك يا سودة , حرصا على أن ينزل الحجاب , قالت : فأنزل ~~الله عز وجل الحجاب وللبخاري عن أنس رضي الله عنه ومسلم عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما كلاهما عن عمر رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ! إن ~~نساءك يدخل عليهن البر والفاجر , فلو أمرتهن أن يتحجبن , فنزلت آية الحجاب ~~, وروى في السبب أشياء غير هذه , وقد تقدم أنه ليس ببدع أن يكون للآية ~~الواحدة عدة أسباب مستوية الدرجة , أو بعضها أقرب من بعض , على أنه قد روى ~~البخاري في التفسير في سياق هذه الآية ما هو صريح في أن قصة سودة بعد ~~الحجاب عن عائشة رضي الله عنها , قالت : خرجت سودة بعد ما ضرب الحجاب ~~لحاجتها وكانت امرأة جسيمة لا تخفى على من يعرفها , فرآها عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه فقال : يا سودة ! أما والله ما تخفين علينا , فانظري كيف ~~تخرجين , قالت : يا رسول الله ! إني خرجت لبعض حاجتي , فقال لي عمر كذا ~~وكذا , قالت : فأوحى الله إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه فقال : ~~قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن وهؤلاء الذين جلسوا - والنبي صلى الله عليه ~~وسلم على ما هو عليه من الكراهة لجلوسهم بما ذكر من هيئته في حيائه وتهيئه ~~للقيام ونحو ذلك - لم يستثمروا الفقه من أحواله , بل كانوا واقفين عندما ~~يسمعونه من مقاله , وطريقة الكمل الاستبصار برسمه وحاله كما يستبصرون من ~~قاله وفعاله , قال الحرالي : الحال كل هيئة تظهر عن انفعال باطن , وبختص ~~بتفهمها المشاهد المتوسم , وذلك كضحكه صلى الله عليه وسلم للذي رآه يوم ~~خيبر وقد ms3967 أخذ جراب شحم من فيء يهود وهو يقول : لا أعطي اليوم من هذا أحدا ~~شيئا , وكتغير وجهه لعمر رضي الله عنه لما أخذ يقرأ عليه صحيفة من حكم ~~PageV06P129 الأولين حتى نبه عمر رضي الله عنه من توسم في وجهه صلى الله ~~عليه وسلم الكراهة لفعل عمر , وإنباء كل حال منها يحسب ما يفيده الانفعال ~~من الانبساط والانقباض والإعراض ونحو ذلك مما يتوسمه المتفطن , ويقطع ~~يمقتضاه المتفهم , وأما الرسم فهو كل ما شأنه البقاء بعد غيبته ووفاته , ~~فيتفهم منه المعتبر حكم وضعه ومقصد رسمه , كالذي يشاهد من هيئة بنائه مسجده ~~على حال اجتزاء بأيسر ممكن وكبنائه بيوته على هيئة لا تكلف فيها , ولا مزيد ~~علة مقدار الحاجة , وكمثل الكساء الملبد الذي تركه , وفراشه ونحو ذلك من ~~متاع بيوته , وكما يتفهم من احتفاله في أداة سلاحه مثل كون سيفه محلى ~~بالفضة وقبضته فضة , ومثل احتفاله بالتطيب حتى كان يرى في ثوبه وزره , ~~فيتعرف من رسومه أحكامه , كما يتعرف من أحواله وأفعاله وأقواله , وذلك لأن ~~جميع هذه الإبانات كلها هي حقيقة ما هو الكلام - انتهى . | وبرهان ذلك أن ~~الأصل في الكل الكلام النفسي الذي هو المنشأ , والقول والفعل والحال والرسم ~~مترجمة عنه , وليس بعضها أحق بالترجمة من بعض , نعم بعضها أدل من بعض وأنص ~~وأصرح , فتهيؤ النبي صلى الله عليه وسلم للقيام من بيته مثل لو قال : أريد ~~ن تذهبوا , فإنه يلزم من قيام الرجل من بيته الذي هو محل ما يستره عن غيره ~~أن يريد ذهاب , فإنه يلزم من قيام الرجل من بيته الذي هو محل ما يستره من ~~غيره أن يريد ذهاب غيره منه لئلا يطلع على ما لا يحب أن يطلع عليه أحد , ~~وإيتانه ليدخل فإذا رآهم رجع مثل لو قال : إنما يمنعني من الدخول إلى محل ~~راحتي جلوسكم فيه لثقل جلوسكم علي , وكذا الأحوال والرسول - والله الهادي . ~~| < < # | الأحزاب : ( 54 - 56 ) إن تبدوا شيئا . . . . . # > > ^ ( إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليما * لا جناح ~~عليهن في آبآئهن ms3968 ولا أبنآئهن ولا إخوانهن ولا أبنآء إخوانهن ولا أبنآء ~~أخواتهن ولا نسآئهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل ~~شيء شهيدا * إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما ) ^ } ) | ولما كان بعض الدال على الكلام - كما مر - أصرح من ~~بعض , فكان الإنسان قد يضمر أن يفعل ما يؤذي إذا تمكن , وقد يؤذي بفعل ~~يفعله , ويدعي أنه قصد شيئا آخر مما لا يؤدي , قال تعالى حاملا لهم على ~~التفطن والتنبه في الأقوال وغيرها والمقاصد الحسنة ظاهرا وباطنا , على طريق ~~الاستئناف في جواب من ربما انتهى بظاهره , وهو عاظم على أن يفعل الأذى عند ~~التمكن : { إن تبدوا } أي بألسنتكم أو غيرها { شيئا } أي من ذلك وغيره { أو ~~تخفوه } أي في صدروكم . | ولما فعل من يخفي أمرا عن الناس فعل من يظن أنه ~~يخفى على ربه , قال PageV06P130 مؤكدا تنبيها لفاعل ذلك على هذا اللازم ~~لفعله ترهيبا له : { فإن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { كان } أزلا ~~وأبدا به , هكذا كان الأصل ولكنه أتى بما يعمه وغيره فقال : { بكل شيء } أي ~~من ذلك وغيره { عليما * } فهم يعلم ما أسررتم وما أعلنتم وإن بالغتم في ~~كتمه , فيجازي عليه من ثواب أو عقاب . | ولما كان المقصود كما تقدم تغليظ ~~الحجاب على ذوات الخدور , وكان قد ذكر في هذه السورة خصائص وتغيير أحكام ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ولأزواجه رضي الله عنهن ولغيرهم , كان ربما ظن أن ~~الحجاب تغير أو شيء منه بالنسبة إلى الدخول أو غيره , فاستثنى من عمه النهي ~~السابق عن الدخول على وجه يعم جميع النساء على نحو ما تقدم في سورة النور ~~فقال : { لا جناح } أي إثم { عليهن في آبائهن } دخولا وخلوة من غير حجاب , ~~والعم والخال أبو الزوج بمصير الزوجين كالشيء الواحد بمنزلة الوالد { ولا ~~أبنائهن } أي من البطن أو الرضاعة , وابن الزوج بمنزلة الولد , وترك ذكرهم ~~يفهم أن الورع الحجاب عنهم { ولا إخوانهن } لأن عارهن عارهم { ولا أبناء ~~إخوانهن } فإنهن بمنزلة ms3969 آبائهم { ولا أبناء أخواتهن } فإنهن بمنزلة أمهاتهم ~~{ ولا نسائهن } أي المسلمات القربى منهن والبعدى بمنزلة واحدة , وأما ~~الكافرات فهن بمنزلة الأجانب من الرجال { ولا ما ملكت أيمانهن } لأنهم لمل ~~لهن عليهم من السلطان تبعد منهم الريبة هيبة لهن مع مشقة الاحتجاب عنهم . | ~~ولما كانت الربية مقطوعا بنفيها , وكتنت من جهة النساء أكثر , لأنه لا يكاد ~~رجل يتعرض إلا لمن ظن بها الإجابة لما يرى من مخايلها أو مخايل أشكالها , ~~أقبل عليهن بالخطاب لأنه أوقع في النفس , فقال آمرا عاطفا على ما تقديره : ~~فأظهرن على من شئتن من هؤلاء : { واتقين الله } أي الذي لا أعظم منه , فلا ~~تقربن شيئا مما يكرهه , وطوى ما عطف عليه الأمر بالتقوى بعد أن ساق نفي ~~الجناح في أسلوب الغيبة , وأبرز الأمر بها وجعله في أسلوب الخطاب إيذانا ~~بأن الورع ترك الظهور على أحد غير من يملك التمتع , فإن دعت حاجة كان مع ~~الظهور حجاب كثيف من الاحتشام والأدب التام . | ولما كان الخوف لا يعظم إلا ~~ممن كان حاضرا مطلقا , قال معللا مؤكدا تنبيها على أن فعل من يتهاون في شيء ~~من أوامره فعل من لا يتقي , ومن لا يتقي كمن يظن أنه سبحانه غير مطلع عليه ~~: { إن الله } أي العظيم الشأن { كان } أزلا وأبدا { على كل شيء } من ~~أفعالكن وغيرها , ولمزيد الاحتيلط والورع في ذلك عبر بقوله : { شهيدا * } ~~أي لا يغيب عنه شيء وإن دق , فهو مطلع عليكن حال الخلوة ممن ذكر , كما هو ~~مطلع PageV06P131 على غير ذلك فليحذوره كل أحد في حال الخلوة كما يحذره في ~~حال الجلوة , فبا لها من عظمة باهرة , سطوة ظاهرة قاهرة , يحق لكل أحد أن ~~يبكي منها الدماء فضلا عن الدموع , وأن تمنعه مريع القرار ولذيذ الهجوع , ~~روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قال : ( أستأذن علي أفلح أخو أبي ~~القعيس رضي الله عنه بعم ما أنزل الحجاب , فقلت : لا آذن له حتى استأذن فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإن أخاه أبا القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني ms3970 ~~امرأة أبي القعيس , فدخل علي النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ~~! أفلح أخا أبي القعيس استأذن فأبيت أن آذن له حتى أستأذنك , فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : وما يمنعك ؟ قلت : يا رسول الله ! إن الرجل ليس ~~هو أرضعني , ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس , فقال : ائذني له فإنه عمك ~~تربت يمينك , قال عروة : فلذلك كانت عائشة رضي الله عنها تقول : حرموا من ~~الرضاعة ما تحرموا من النسب ) . | ولما كانت هذه الآيات وما قبلها وما ~~بعدها في إظهار شرف النبي صلى الله عليه وسلم وبيان مناقبه , علل الأوامر ~~فيها والنواهي وغيرها بقوله , مؤكدا لاقتضاء الحال ذلك أما ممن آذاه ~~بالجلوس في غير حينه فواضح , وأما غيره فكان من حقهم أن لا يفارقوا المجلس ~~حتى يعلموا من لا يعرف الأدب , فكان تهاونهم في ذلك فعل من لا يريد إظهار ~~شرفه صلى الله عليه وسلم فهو تأديب وترهيب : { إن الله } أي وعملكم محيط ~~بأن له مجامع الكبر والعظمة والعز { وملائكته } أي وهم أهل النزهة والقرب ~~والعصمة . | ولما كان سبحانه قد قدم قوله : ( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ~~) فأفرد كلا بخبر , وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلى المخاطبين حظا فإنه ~~رأس المؤمنين , أفرده هنا بهذه الصلاة التي جمع فيها الملائكة الكرام معه ~~سبحانه وجعل الخبر عنه قولا واحدا ليكون أتم , فإن قولك : فلان وفلان ~~ينصران فلانا , أضخم من قولك : فلان ينصره وفلان , فقال تعالى : { يصلون ~~على النبي } أي يظهرون شرفه وما له من الوصلة بالملك الأعظم بما يوحيه الله ~~إليه من عجائب الخلق والأمر من عالم الغيب والشهادة , وهو معنى قول ابن ~~عباس رضي الله عنهما كما وراه البخاري : ( يبركون ) . | ولما كانت ثمرة ~~المراد بهذا الإعلام التأسي , علم بآخر الكلام أن المعنى : PageV06P132 ~~ويسلمون عليه لأن ذلك من تمام الوصلة التي يدور عليها معنى الصلاة فأنتج ~~ذلك قطعا تفسير المراد بيصلون : { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك ~~بألسنتهم { صلوا عليه } بعدم الغفلة عن المبادرة إلى إظهار شرفه في حين ms3971 من ~~الأحيان تصديقا لدعواكم , ولأن الكبير إذا فعل شيئا بادر كل محب له معتقد ~~لعظمته إلى فعله { وسلموا } . | ولما كان المراد بكل من الصلاة والسلام ~~إظهار الشرف , وكان السلام أظهر معنى في ذلك , وكان تحيته عن اللقاء واجبا ~~في التشهد بلا خلاف , ودالا على الإذعان لجميع أوامره الذي لا يحصل الإيمان ~~إلا به , وهو من المسلم نفسه , وأما الصلاة فأنها يطلبها المصلي من الله , ~~أكدهما به فقال : { تسليما * } أي فأظهورا شرفه بكل ما تصل قدرتكم إليه من ~~حسن متابعته وكثرة الثناء الحسن عليه والانقياد لأمره في كل ما يأمر به , ~~ومنه الصلاة والسلام عليه بألسنتكم على نحو ما علمكم في التشهد وغيره مما ~~ورد في الأحاديث عن أبي سعيد الخدري وكعب بن عجزة وغيرهما رضي الله عنهم ~~بيان التقاء الصلاة والسلام في إظهار الشرف فإن الصلاة - كما قال في ~~القاموس - الدعاء والرحمة والاستغفار وحسن الثناء من الله عز وجل وعباده ~~فيها ركوع وسجود - انتهى . | والسلام هو التحية والتحية - كما قال البيضاوي ~~في تفسير سورة النساء - في الأصل مصدر حياك الله على الإخبار من الحياة , ~~ثم استعمل للحكم والدعاء بذلك , ثم قيل لكل دعاء , فغلب في السلام , وفي ~~القاموس : التحية : السلام والبقاء والملك , وحياك الله : أبقاك أو ملكلك , ~~وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في جامعه : السلام اسم من أسماء الله , ~~والسلام ههنا بمعنى السلامة , كما يقال الرضاع والرضاعة , واللذاذ واللذاذة ~~, قالوا : ومعنى قول القائل لصاحبه : سلام عليك أي قد سلمت مني لا أنالك ~~بيد ولا لسان , وقيل : معناه السلامة من الله عليكم , وقيل : هو الرحمة , ~~وقيل : الأمان , والسلامة هي النجاة من الآفات - انتهى . | فقد ظهر أن معنى ~~الكل كما ترى ينظر إلى إظهار الشرف نظر الملزوم إلى اللازم , ولذلك فسر ~~البيضاوي يصلون بقوله : يعنتون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه , وسلموا بقوله : ~~قولوا السلان عليك , أو انقادوا لأوامره , فلما تآخيا في هذا المعنى , وكان ~~هو المراد أكد ولسلموا بلفظه , استعمالا للشيء في حقيقته ومجازه كما هو ~~مذهب إمامنا الشافعي رضي الله عنه ms3972 , ومثل بآية النساء < # > 77 ( { ا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } ) 77 < # > [ النساء : 43 ] وبقوله : < # > 77 ( { أولامستم النساء } ) 77 < # > [ النساء : 43 , PageV06P133 المائدة : 6 ] وغير ذلك , وقد بينت في ~~سورة الرعد أن مادة ( صلوا ) بجميع تراكيبها تدور على الوصلة وهي لازمة لكل ~~ما ذكر من تفسيرها , هذا ولك أن تجعله من الاحتباك فتقول : حذف التأكيد ~~أولا لفعل الصلاة لما دل عليه من التأكيد بمصدر السلام , ويرجح إظهار مصدر ~~السلام بما تقدم ذكره , وحذف متعلق السلام لدلالة متعلق الصلاة عليه صلى ~~الله عليه وسلم وليصلح أن يكون عليه وأن يكون له , فيصلح أن يجعل التسليم ~~بمعنى الإذعان - والله هو الموفق للصواب . | < < # | الأحزاب : ( 57 - 62 ) إن الذين يؤذون . . . . . # > > ^ ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد ~~لهم عذابا مهينا * والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد ~~احتملوا بهتانا وإثما مبينا * يأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونسآء ~~المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله ~~غفورا رحيما * لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا ~~أخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا ) ^ } ) | ولما نهى سبحانه عن أذاه صلى الله عليه وسلم , وحض على ~~إدخال السرور عليه , توعد على أذاه , فقال على طريق الاستئناف أو التعليل , ~~إشارة إلة أن التهاون بشيء من الصلاة والسلام من الأذى , وأكد ذلك إظهارا ~~لأنه مما يحق له أن يؤكد , وأن يكون لكل من يتكلم به غاية الرغبة في تقريره ~~: { إن الذين يؤذون } أي يفعلون فعل المؤذي بارتكاب ما يدل على التهاون من ~~كل ما يخالف { الله } أي الذي لا أعظم منه ولا نعمة عندهم إلا من فضله { ~~ورسوله } أي الذي استحق عليهم بما يخبرهم به عن الله مما ينقذهم به من ~~شقاوة الدارين ويوجب لهم سعادتهما ما لا يقدرون على القيام بشكره بأي أذى ~~كان حتى في التقصير بالصلاة عليه ms3973 باللسان { لعنهم } أي أبعدهم وطردهم ~~وأبغضهم { الله } أي الذي لا عظيم غيره { في الدنيا } بالحمل على ما يوجب ~~السخط { والآخرة } بإدخال دار الإهانة . | ولما كان الحامل على الأذى ~~الاستهانة قال : { وأعد لهم عذابا مهينا * } . | ولما كان من أعظم أذاه صلى ~~الله عليه وسلم أذى من تابعه , وكان الأتباع لكونهم غير معصومين يتصور أن ~~يؤذوا بالحق , قال مقيدا للكلام بما يفهم : { والذين يؤذون المؤمنين } أي ~~الراسخين في صفة الإيمان { والمؤمنات } كذلك . | ولما كان الأذى بالكذب أشد ~~في الفساد وأعظم في الأذى قال : { بغير ما اكتسبوا } أي بغير شيء واقعوه ~~متعمدين له حتى PageV06P134 أباح أذاهم { فقد احتملوا } أي كلفهم أنفسهم أن ~~حملوا { بهتانا } أي كذبا وفجورا زائدا على الحد موجبا للخزي في الدنيا , ~~ولما كان من الناس من لا يؤثر فيه العار , وكان الأذى قد يكون بغير القول , ~~قال : { وغثما مبينا } أي ذنبا ظاهرا جدا موجبا للعذاب في الأخرى . | ولما ~~نهى سبحانه عن أذى المؤمنات , وكانت الحرائر بعيدات عن طمع المفسدين لما ~~لهن في أنفسهن من الصيانة وللرجال بهن من العناية , وكان جماعة من أهل ~~الريبة يتبعون الإماء إذا خرجن يتعرضون لهن للفساد , وكان الحرائر يخرجن ~~لحاجتهن ليلا , فكان ربما تبع المرأة منهن أحد من أهل الريب يظنها أمه أو ~~يعرف أنه حرة ويعتل بأنه ظنها أمه فيتعرض لها , وربما رجع فقال لأصحابه : ~~فعلت بها - وهو كاذب , وفي القوم من يعرف أنها فلانة , فيحصل بذلك من الأذى ~~ما يقصر عنه الوصف , ولم يكن إذ ذاك كما نقل عن مقاتل فرق بين الحرة ~~ويتحشمن يخفف هذا الشر , قال تعالى : { يا أيها النبي } فذكره بالوصف الذي ~~هو منبع المعرفة والحكمة , لأن السياق لحكمة يذب بها عن الحريم لئلا يشتغل ~~فكره صلى الله عليه وسلم بما يحصل لهن من الأذى عن تلقي شيء من الواردات ~~الربانية { قل لأزواجك } بدأ بهن لما لهن به من الوصلة بالنكاح { وبناتك } ~~ثنى بهن لما لهن من الوصلة ولهن في أنفسهن من الشرف , وأخرهن عن الأزواج ~~لأن زواجه يكفوفه أمرهن ms3974 { ونشاء المؤمنين يدنين } أي يقربن { عليهن } أي ~~على وجوهن في لباسهن إذا خرجن لحاجتهن بكشف الشعور ونحوها ظنا أن ذلك أخفى ~~لهن وأستر , والجلباب القميص , وثوب واسع دون الملحفة تلبسه المرأة , ~~والملحفة ما ستر اللباس , أو الخمار وهو كل ما غطى الرأس , وقال البغوي : ~~الجلباب : الملاءة التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار , وقال حمزة ~~الكرماني : قال الخليل : كل ما تستتر به من دثار وشعار وكساء فهو جلباب , ~~والكل يصح إرادته هنا , فإن كان المراد القميص فإدناؤه إسباغه حتى يغطي ~~يديها ورجليها , وإن كان ما يغطي الرأس فادناؤه ستر وجهها وعنقها , وإن كان ~~المراد ما يغطي الثياب فادناؤه تطويله وتوسيعه بحيث ستر جميع بدنها وثيابها ~~, وإن كان المراد ما دون الملحفة فالمراد ستر الوجه واليدين . | ولما أمر ~~بذلك علله بقوله : { ذلك } أي الستر { أدنى } أي أقرب من تركه في { أن ~~يعرفن } أنهن حرائر بما يميزهن عن الإماء { فلا } أي فيتسبب عن معرفتهن أن ~~لا { يؤذين } ممن يتعرض للإماء . | فلا يشتغل قلبك عن تلقي ما يرد عليك من ~~الأنباء PageV06P135 الإلهية . | ولما رقاهم سبحانه بهذا الأمر في حضرات ~~الرضوان , خافوا عاقبة ما كانوا فيه من الغلط بالتشبه بالإماء , فأخبرهم ~~سبحانه أنه في محل الجود والإحسان , فقال : { وكان الله } أي الذي له ~~الكمال المطلق , أزلا وأبدا { غفورا } أي محاء للذنوب عينا وأثرا { رحيما } ~~مكرما لمن يقبل عليه ويتمثل أوامره ويحتنب مناهيه , قال البغوي : قال أنس ~~رضي الله عنه : مرت بعمر بن الخطاب رضي الله عنه جارية متقنعة فعلاها ~~بالدرة وقال : يا لكاع ! أتتشبهين بالحرائر ؟ ألقي القناع . | ولما كان ~~المؤذون بما مضى وغيره أهل النفاث ومن داناهم , حذرهم بقوله مؤكدا دفعا ~~لظنهم الحلم عنهم : { لئن لم ينته } أي عن الأذى { المنافقون } أي الذين ~~على المعاصي { والمرجفون في المدينة } وهو الذين يشيعون الأخبار المخيفة ~~لأهل الإسلام التي تضطرب لها القلوب سواء كانوا من القسمين الأولين أو لا { ~~لنغرينك بهم } بأن نحملك على أن تولع بهم بأن نأمرك بإهانتهم ونزيل الموانع ~~من ذلك , ونثبت الأسباب الموصلة ms3975 إليه حتى تصير لاصقا بجميع أموالهم لصوق ~~الشيء الذي يلحم بالغراء فلا يقدروا على الانفكاك عن شيء مما تفعله بهم إلا ~~بالبعد من المدينة بالموت أو الرحيل إلى غيرها , وهذا معنى قول ابن عباس ~~رضي الله عنهما كما رواه عنه البخاري : لنسلطنك . | ولما كان نزوحهم عن ~~المدينة مستبعدا عنهم جدا , وكان أعظم رتبة في أذاهم من غيره , لأن الإخراج ~~من الأوطان من أعظم الهوان , أشار إليه بأداة التراخي فقال : { ثم لا ~~يجاورونك فيها } أي بعد محاولتك لهم { إلا قليلا * } أي من الزمان بقدر ما ~~يمكن لك المضارب فتعظم عليهم المصائب . | ولما كان معنى الكلام أنهم ينفون ~~لأنه صلى الله عليه وسلم يؤمر بنفيهم وإبعادهم وقتلهم , بين حالهم في نفيهم ~~أو نصبه على الشتم فقال : { ملعونين } أي ينفون نفي بعد من الرحمة وطرد عن ~~أبواب القبول . | ولما كان المطرود قد يترك وبعده , بين أنهم على غير ذلك ~~فقال مستأنفا : { أينما ثقفوا } أي وجدوا وواجدهم أحذق منهم وأفطن وأكيس ~~وأصنع { أخذوا } أي أخذهم ذلك الواجد لهم { وقتلوا } أي أكثر قتلهم وبولغ ~~فيه ؛ ثم أكده بالمصدر بغضا فيهم وإرهابا لهم فقال : { تقتيلا } ولما سن ~~لهم هذا العذاب الهائل في الدنيا , بين أن تلك عادته في أوليائه وأعدائه , ~~فقال مؤكدا بالإقامة في موضع المصدر , لما لهم من استبعاد ذلك لكونهم لم ~~يعهدوا مثله مع ما لهم من الاشتباك بالأهل والعشائر فقال : { سنة الله } ~~PageV06P136 أي طرق لك المحيط بجميع العظمة هذه الطريقة كطريقته { في الذين ~~خلوا } أي مضت أيامهم وأخبارهم , وانقضت وقائعهم وأعمارهم , من الذين كانوا ~~ينافقون على الأنبياء كقارون وأشياعه , وبين قتلهم بكونهم في بعض الأزمنة ~~فقال : { من قبل } وأعظم التأكيد لما لهم من الاستبعاد الذي جرأهم على ~~النفاق فقال : { ولن تجد } أي أزلا وأبدا { لسنة الله } أي طريقة الملك ~~الأعظم { تبديلا } كما تبدل سنن الملوك , لأنه لا يبدلها , ولا مداني له في ~~العظمة ليقدر على تبديلها . | < < # | الأحزاب : ( 63 - 71 ) يسألك الناس عن . . . . . # > > ^ ( يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك ms3976 لعل ~~الساعة تكون قريبا * إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيهآ ~~أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا * يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يليتنآ ~~أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا ~~فأضلونا السبيلا * ربنآ آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا * يأيها ~~الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند ~~الله وجيها * يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم ~~أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ) ^ } ) ~~| ولما بين تعالى ما أعد لأعداء دينه في الدنيا , وبين أن طريقته جادة لا ~~تنخرم , لما لها من قوانين الحكمة وأفانين الإتقان والعظمة , وكان من أعظم ~~الطرق الحكمية والمغيبات العلمية الساعة , وكان قد قام ما يحرك إلى السؤال ~~عنها في قوله : لعنهم الله في الدنيا والآخرة ( وكان قد مضى آخر السجدة ~~أنهم سألوا استهزاء وتكذيبا عن تعيين وقتها , وهددهم سبحانه على هذا السؤال ~~, قال تعالى مهددا أيضا على ذلك مبينا ما لأعداء الدين المستهزئين في ~~الآخرة : { يسئلك الناس } أي المشركون استهزاء منهم , وعبر بذلك إشارة إلى ~~أنهم بعد في نوسهم لم يصلوا غلى أدنى أسنان أهل الإيمان , فكان المترددون ~~في آرائهم لا يكادون ينفكون عن النوس وهو الاضطراب { عن الساعة } أي في ~~تعيين وقتها . | ولما كانت إدامتهم السؤال عنها فعل من يظن أن غيره سبحانه ~~يعلمها , أكد فقال : { قل } أي في جوانبهم : { إنما علمها عند الله } أي ~~الذي أحاط علما بجميع الخلال , وله جميع أوصاف الجمال والجلال , فهو يعلم ~~ما عند كل أحد ولا يعلم أحد شيئا مما عنده إلا بإذنه . | ولما كان من فؤائد ~~العلم بوقت الشيء التحرز عنه أو مدافعته , قال مشيرا إلى شدة خفائها ~~بإخفائها عن أكمل خلقه مرجيا تقريبها تهديدا لهم : { وما يدريك } أي أي شيء ~~PageV06P137 يعلمك بوقتها ؟ ثم استأنف قوله : { لعل الساعة } أي التي لا ~~ساعة في الحقيقة غيرها لما لها من العجائب { تكون } أي توجد وتحدث على وجه ~~مهول عجيب ms3977 { قريبا * } أي في زمن ثريب , ويجوز أن يكون التذكير لأجل الوقت ~~لأن السؤال عنها إنما هو سؤال عن تعيين وقتها , قال البخاري في الصحيح : ~~إذا وصفت صفة المؤنث قلت : قريبة , وإذا جعلته ظرفا وبدلا ولم ترد الصفة ~~نزعت الهاء من المؤنث , وكذلك لفظها في الواحد والاثنين والجمع للذكر ~~والأنثى . | والمراد بالتعبير بلعل أنها بحيث يرجو قربها من يرجوه ويخشاه ~~من يشخاه , فهل أعد من يخشاها شيئا للمدافعة إذا جاءت أو النجاة منها إذا ~~أقبلت ؟ ثم استأنف الإخبار بحال السائلين عنها بقوله مؤكدا في مقابلة إنكار ~~الكفار أن يكون في حالهم شي من نقص : { إن الله } أي الملك الأعظم الذي لا ~~أعظم منه { لعن } أي أبعد إبعادا عظيما عن رحمته { الكافرين } أي الساترين ~~لما من شأنه أن يظهر مما دلت عليه العقول السليمة من أمرها سواء كانوا ~~مشاققين أو منافقين { وأعد لهم } أي أوجد وهيأ لتكذيبهم بها وبغيرها مما ~~أوضح لهم ادلته { سعيرا * } أي نارا شديدة الاضطرام والتوقد . | ولما كان ~~العذاب ربما استهانه بعض الناس إذا كان ينقطع ولو كان شديدا , قال مبينا ~~لحالهم : { خالدين فيها } ولما كان الشيء قد يطلق على ما شابهه بوجه مجازا ~~وعلى سبيل المبالغة , قال مؤكدا لإرادة الحقيقة : { أبدا } ولما كان الشيء ~~قد يراد ثم يمنع منه مانع , قال مبينا لحالهم في هذه الحال : { لا يجدون ~~وليا } أي يتولى أمرا مما يهمهم بشفاعة أو غيرها { ولا نصيرا * } ينصرهم . ~~| ولما ذكر حاليهم هذين , أتبعه حالا لهم قوليا على وجه بين حالا فعليا ~~فقال : { يوم } أي مقدار خلودهم فيها على تلك الحال بوم { تقلب } أي تقليبا ~~كثيرا شديدا { وجوهم } كما يقلب اللحم المشوي وكما ترى البضعة في القدر ~~يتراقى بها الغليان من جهة إلى جهة , من حال إلى حال , وذكر ذلك وإن كانت ~~تلك النار غنية عنه لأحاطتها لأن ذكره أهول لما فيه من التصوير , وخص ~~الوجوه لأنها أشرف , والحدث فيها أنكأ . | ولما كان للإظهار مزيد بيان وهول ~~مع إفادته استقلال ما هو فيه من الكلام بنفسه , قال ms3978 : { في النار } أي ~~المسعرة حال كونهم { يقولون } وهم في محل الجزاء وقد فات المحل القابل ~~للعمل , متمنين لما لا يدركون تلافيه لأنهم لا يجدون ما يقدرون أنه يبرد ~~غلتهم من ولي ولا نصير ولا غيرهما سوى هذا التمني : { يا ليتنا أطعنا } أي ~~في الدنيا { الله } أي الذي علمنا الآن أنه الملك الذي لا أمر لأحد معه . | ~~ولما كان المقام للمبالغة في الإذعان والخضوع , وأعادوا العامل فقالوا : { ~~وأطعنا PageV06P138 الرسولا * } أي الذي بلغنا حتى نعاذ من هذا العذاب , ~~وزيادة الألف في قراءة من أثبتها إشارة إلى إيذانهم بأنهم يتلذذون بذكره ~~ويعتقدون أن عظمته لا تنحصر { وقالوا } لما لم ينفعهم شيء متبردين من ~~الدعاء على من أضلهم بما لا يبرئ عليلا ولا يشفي غليلا : { ربنا } أي أيها ~~المحسن إلينا , وأسقطوا أداة النداء على عادة أهل الخصوص بالحضرة زياة في ~~الترقق بإظهار أنه لا واسطة لهم إلا ذلهم وانكسارهم الذي عهد في الدنيا أنه ~~الموجب الأعظم لإقبال الله على عبده كما أن المثبت لأداة البعد بقوله : ( ~~يا الله ) مضير إلى سفول منزلته وبعده بكثرة ذنوبه وغفلته تواضعا منه لربه ~~لعله يرفع ذلك البعد عنه . | ولما كانوا يظنون أن أتباعهم للكبراء غير ضلال ~~, فبان لهم خلاف ذلك , أكدوا قولهم لذلك وللإعلام بأنهم بذلوا ما كان عندهم ~~من الجهل فصاروا الآن على بصيرة من أمرهم : { إنا أطعنا سادتنا } وقرئ ~~بالجمع بالألف والتاء جمعا سالما للجمع المكسر { وكبراءنا فأضلونا } أي ~~فتسبب عن ذلك , أنهم أضلونا بما كان لا ينفعه , وقراءة من أثبت الألف مشيرة ~~إلى أنه سبيل واسع جدا واضح , وأنه مما يتلذذ ويجب تفخيمه . | ولما كام ~~كأنه قيل : فما تريدون لهم ؟ قالوا مبالغين في الرقة وللأستعطاف بإعادة ~~الرب : { ربنا } أي أيها المحسن إلينا { آتهم ضعفين } أي مثلي عذابنا من ~~وهن قوتنا وشدة المؤثر لذلك مضاعفا أضعافا كثيرة { من العذاب } ضعفا ~~بضلالهم , وآخر بلإضلالهم , وإذا راجعت ما في آواخر سبحان من معنى الضعف ~~وضح لك هذا , ويؤيده قوله : { والعنهم لعنا كثيرا * } أي اطردهم عن محال ~~الرحمة طردا ms3979 متناهيا في العدد , والمعنى على قراءة عاصم بالموحدة : عظيما ~~شديدا غليظا . | ولما كان السبب في هذا التهديد كله ما كانوا يتعمدونه من ~~أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم : تزوج امرأة ابنه , وغير ذلك إلى ~~أن ختمه بما يكون سببا لتمنيهم طاعته , وكان سماع هذا لطفا لمن صدق به , ~~أتبعه ما هو كالنتيجة له فقال : { يا أيها الذين آمنوا } أي صدقوا بما تلي ~~عليهم { لا تكونوا } بأذاكم للرسول صلى الله عليه وسلم بأمر زينب رضي الله ~~عنها أو غيره . | كونا هو كالطبع لكم { كالذين آذوا موسى } من قومه بني ~~إسرائيل آذوه بأنواع الأذى كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم حين قسم قسما ~~فتكلم فيه أذى قارون له بالزانية التي استأجرها لتقذفه بنفسها فبرأة الله ~~من ذلك , وكان سبب الخسف بقارون ومن معه { فبرأه } أي فتسبب عن أذاهم ~~PageV06P139 له أن برأة { الله } أي الذي له صفات الجلال والجمال والقدرة ~~على كل شيء والكمال , وأفهم التعبير بالتفعيل أن البراءة كانت بالتدريج ~~بالخسف وموت الفجاءة وإبراق عصا هارون كما مضى في آخر القصص . | ولما نهى ~~عن التشبه بالمؤذين أعم من أن يكون أذاهم قوليا أو فعليا , أشار إلى أن ~~الأذى المراد هنا قولي مثله في أمر زينب رضي الله عنها فقال : { مما قالوا ~~} دون أن يقول : مما آذوا , وذلك بكا أظهره من البرهان على صدقه فخسف بمن ~~آذاه كما مضى في القصص فإياكم ثم إياكم . # ولما كان قصدهم بهذا الأذى إسقاط وجاهته قال : { وكان } أي موسى عليه ~~السلام , كونا راسخا { عند الله } أي الذي لا يذل من والى { وجيها * } أي ~~معظما رفيع القدر إذا سأله أعطاه , وإذا كان عند الله بهذه المنزلة كان عند ~~الناس بها , لما يرون من إكرام الله له , والجملة كالتعليل للتبرئة لأنه لا ~~يبرئ الشخص إلا من كان وجيها عنده . | ولما نهاهم عن الأذى , أمر بالنفع ~~ليصيروا وجهاء عنده سبحانه مكررا للنداء استعطافا وإظهارا للاهتمام فقال : ~~{ يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك . | ولما كان قد خص ms3980 النبي صلى الله ~~عليه وسلم في أول السورة بالأمر بالتقوى , عم في آخرها بالأمر بها مردفا ~~لنهيهم بأمر يتضمن الوعيد ليقوى الصارف عن الأذى والداعي إلى تركه فقال : { ~~اتقوا الله } أي صدقوا دعواكم من الأمانة { وقولوا } في حق النبي صلى الله ~~عليه وسلم في أمر زينب رضي الله عنها وغيرها وفي حق بناته ونسائه رضي الله ~~عنهن وفي حق المؤمنين ونسائهم وغير ذلك { قولا سديدا * } أي قاصدا إلى الحق ~~ذا صواب له { يصلح لكم أعمالكم } أي بأن يدخلكم في العمل الصالح وأنتم لا ~~تعلمون ما ينبغي من كيفيته فيبصركم بها شيئا فشيئا ويوفقكم للعمل بما جلاه ~~لكم حتى تكونوا على أتم وجه وأعظمه وأرضاه وأقومه ببركة قلولكم الحق على ~~الوجه الحسن الجميل . | ولما كان الإنسان وإن اجتهد مقصرا , قال مشيرا إلى ~~ذلك حتى لا يزال معترفا بالعجز : { ويغفر لكم ذنوبكم } أي يمحوها عينا ~~وأثرا فلا يعاقب عليها ولا يعاتب , ولما كان ربما توهم أن هذا خاص بمن آمن ~~, وأن تجديد الإيمان غير نافع , أزال هذا الوهم بقوله : { ومن يطع الله } ~~أي الذي لا أعظم منه { ورسوله } أي الذي عظمته من عظمته بأن يجدد لها ~~الطاعة بالإيمان وثمراته في كل وقت , فيكون مؤديا للأمانة إلى أهلها { فقد ~~فاز } وأكد ذلك بقوله : { فوزا عظيما * } أي ظفرا بجميع مراداته في الدنيا ~~والآخرة . | PageV06P140 < < # | الأحزاب : ( 72 - 73 ) إنا عرضنا الأمانة . . . . . # > > ^ ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ~~وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا * ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان ~~الله غفورا رحيما ) ^ } ) | ولما كان التقدير : ومن لم يطع فقد خسر خسرانا ~~مبينا , وكان كل شيء عرض على شيء فالمعروض عليه متمكن من المعروض قادر عليه ~~, وكان كل شيء أودعه الله شيئا فحفظه ورعاه وبذله لأهله وآتاه باذلا ~~للأمانة غير حامل لها . | وكل من أودعه شيئا فضيعه وضمن به عن أهله ومنعه ~~عن مستحقه خائن فيه حامل له , وكان الله تعالى قد أودع الناس من ms3981 العقول ما ~~يميزون به بين الصحيح والفاسد , ومن القوى الظاهرة ما يصرفونه فيما أرادوا ~~من المعصية والطاعة , فمنهم من استدل بعقله على كل من المحق والمبطل فبذل ~~له من قواه ما يستحقه , فكان باذلا للأمانة غير حامل لها , ومنهم من عكس ~~ذلك وهم الأكثر فكان حاملا لها خائنا فيها أمر به من بذلها , وأودع سبحانه ~~الأكوان ما فيها من المنافع من المياه والمعادن والنباتات فبذلته ولم تمنعه ~~من أحد طلبه مع أن منعها له في حيز الإمكان , قال تعالى معلى للأمر بالتقوى ~~, أو مستأنفا مؤكدا تنبيها على أن هذا الأمر مما يحق أن يؤكد تنبيها على ~~دقته , وأنه مما لا يكاد أن يفطن له كثير من الناس فضلا على أن يصدقوه ~~لافتا القول إلى مظهر العظمة دلالة على عظيم جرأة الإنسان : { إنا عرضنا ~~الأمانة } أي أداءها أو حملها أو منعها أهلها , وهي طاعته سبحانه فيما أمر ~~به العاقل , وفيما أراده من غيره , ولم يذكر المياه والرياح لأنهما من جملة ~~ما في الكونين من الأمانات اللاتي يؤديانها على حسب الأمر { على السموات } ~~بما فيها من المنافع { والأرض } بما فيها من المرافق والمعادن . | ولما ~~أريد التصريح بالتعميم قال : { والجبال } ولأن أكثر المنافع فيها { فأبين } ~~على عظم أجرامها وقوة أركانها وسعة أرجائها { أي يحملنها } فيمنعها ~~ويحبسنها عن أهلها , قال الزمخشري : من قولك : فلان حامل للأمانة ومحتمل ~~لها , أي لا يؤيها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته ويخرج عن عهدتها , لأن ~~الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها , ألا تراهم يقولون : ركبته ~~الديون ولي عليه حق , فإذا أداها لم تبق راكبة له ولا هو حاملا لها { ~~وأشفقن منها } فبدل كل منهن ما أودعه الله فيه في وقته كما أراده الله , ~~وهو معنى : أتينا طائعين , والحاصل أنه جعلت الإرادة وهي الأمر التكويني في ~~حق الأكوان لكونها لا تعقل كالأمر التكليفي التكويني في حقنا لأنا نعقل ~~تمييزا بين من يعقل ومن لا يعقل في الحكم , كما ميز بينهما في الفهم إعطاء ~~لكل منهما ما يستحقه رتبته ms3982 - وهذا هو معنى PageV06P141 ما نقله البغوي عن ~~الزجاج وغيره من أهل المعاني , وما أحسن ما قاله النابغة زياد بن معاوية ~~الذيباني حيث قال : | أتيتك عاريا خلقا ثيابي على خوف تظن بي الظنون فألفيت ~~الأمانة لم تخنها كذلك كان نوح لا يخون | قال ابن الفرات : إن عمر رضي الله ~~عنه قال لما قيل إن النابغة قائلهما : هو أشعر شعرائكم . | ولما كان الخائن ~~أكثر من الأمين أضعافا مضاعفة , وكانت النفس بما أودع فيها من الشهوات ~~والحظوظ محل النقائص , قال تعالى : { وحملها الإنسان } أي أكثر الناس والجن ~~, فإن الإنسان الأنس , والإنس والأناس الناس , وقد تقدم في { ولا تبخسوا ~~الناس أشياءهم } [ الأعراف : 85 ] في الأعراف أن الناس يكون من الإنس ومن ~~الجن , وأنه جمع إنس وأصله أناس , والإسناد إلى الجنس لا يلزم منه أن يكون ~~كل فرد منه كذلك , فهو هنا باعتبار الأغلب , وفي التعبير به إشارة إلى أنه ~~لا يخون إلا من هو في أسفل الرتب لم يصل إلى حد النوس . | ولما كان الإنسان ~~- لما له بنفسه من الأنس وفي صفاته من العشق , وله من العقل والفهم - يظن ~~أنه لا نقص فيه , علل ذلك بقوله مؤكدا : { إنه } على ضعف قوته وقلة حيلته { ~~كان } أي في جبلته إلا من عصم الله { ظلوما } يضع الشيء في غير محله كالذي ~~في الظلام لما غطى من شهواته على عقله , ولذلك قال : { جهولا * } أي فجهله ~~يغلب على حمله فيوقعه في الظلم , فجعل كل من ظهور ما أودعه الله في الأكوان ~~وكونه في حيز الإمكان كأنه عرض عليها كل من حمله وبذله كما أنه جعل تمكين ~~الإنسان من كل من إبداء ما اؤتمن عليه وإخفائه كذلك . | ولما كان الحكم في ~~الظاهر على جميع الإنسان , وفي الحقيقة - لكون القضية الخالية عن السور في ~~قوة الجزئية - على بعضه , لكنه لما أطلق الكلي فهم أن المراد الأكثر , قال ~~مبينا أن ( ال ) ليست سورا معللا لحمله لها مقدما التعذيب إشارة إلى أن ~~الخونة أكثر , لافتا العبارة إلى الاسم الأعظم لتنويع المقال إلى جلال ms3983 ~~وجمال : { ليعذب الله } أي الملك الأعظم بسبب الخيانة في الأمانة , وقدم من ~~الخونة أجدرهم بذلك فقال : { المنافقين والمنافقات } أي الذين يظهرون بذل ~~الأمانة كذبا وزورا وهم حاملون لها عريقون في النفاق { والمشركين والمشركات ~~} أي الذين يصارحون بحملها ومنعها عن أهلها وهم عريقون في الشرك فلا يتوبون ~~منه . | PageV06P142 ولما كان تقديم التعذيب مفهما أن الخونة أكثر , أشار ~~إلى أن المخلص نادرا جدا بقوله : { ويتوب الله } أي بما له من العظمة { على ~~المؤمنين } أي العريقين في وصف الإيمان وهو الثابون عليه إلى الموت { ~~والمؤمنات } العصاة وغيرهم فيرفقهم لبذلها بعد حملها فالآية من الاحتباك : ~~ذكر العذاب أولا دليلا على النعيم ثانيا , والتوبة ثانيا دليلا على منعها ~~أولا أي عرض هذا العرض وحكم هذا الحكم ليعذب بحجة يتعارفها الناس فيما ~~بينهم . | ولما كان هذا مؤذنا بأنه ما من أحد إلا وقد حملها وقتا ما , فكان ~~مرغبا للقلوب مرهبا للنفوس , قال مؤنسا لها مرغبا : { وكان الله } أي على ~~ما له من الكبر والعظمة والانتقام والملك والسطوة { غفورا } أي محاء لذنوب ~~التائبين الفعلية والإمكانية عينا وأثرا { رحيما } أي مكرما لهم بأنواع ~~الإكرام بعد الرجوع عن الإجرام , ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في ~~مطلعها بالتقوى أمر في مقطعها بذلك على وجه عام , وتوعد المشاققين ~~والمنافقين الذين نهى في أولها عن طاعتهم , وختم بصفتي المغفرة والرحمة كما ~~ختم في أولها بهما آية الخطأ والتعمد , فقد تلاقيا وتعانقا وتوافقا وتطابقا ~~- والله يقول الحق وهو يهدي السبيل , وهو أعلم بالصواب . | . . . | ~~PageV06P143 < # > سورة سبإ < # > < < # | سبأ : ( 1 - 2 ) الحمد لله الذي . . . . . # > > ^ ( الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في ~~الآخرة وهو الحكيم الخبير * يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السمآء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور ) ^ } ) | مقصودها أن الدار ~~الآخرة - التي أشار إليها آخر تلك بالعذاب والمغفرة بعد أن أعلم أن الناس ~~يسألون عنها - كائنة لا ريب فيها , لما في ذلك من الحكمة , وله عليه من ~~القدرة , وفي تركها من عدم ms3984 الحكمة والتصوير بصورة الظلم , ولقصة سبأ التي ~~سميت بها السورة مناسبة كبيرة لهذا المقصد كما ياتي بيانه لذلك سميت بها { ~~بسم الله } الذي من شمول قدرته إقامة الحساب { الرحمن } الذي من عموم رحمته ~~ترتيب الثواب والعقاب { الرحيم * } الذي يمن على أهل كرامته بطاعته حتى لا ~~عقاب يلحقهم ولا عتاب . | لما ختمت سورة الأحزاب بأنه سبحانه عرض أداء ~~الأمانة وحملها - وهي جميع ما في الوجود من المنافع - على السماوات والأرض ~~والجبال , فأشفقن منها وحملها الإنسان الذي هو الإنس والجان , وأن نتجية ~~العرض والأداء والحمل العذاب والثواب , فعلم أن الكل ملكه وفي ملكه , ~~خائفون من عظمته مشفقون من قهر سطوته وقاهر جبروته , وأنه المالك التام ~~الملك والملك المطاع المتصرف في كل شيء من غير دفاع , وختم ذلك بصفتي ~~المغفرة والرحمة , دل على ذلك كله بأن ابتدأ هذه قوله : { الحمد } أي ~~الإحاطة بأوصاف الكمال من الخلق والأمر كله مطلقا في الأولى الأخرى وغيرهما ~~مما يمكن أن يكون ويحيط به عمله سبحانه { لله } ذي الجلال والجمال . | ولما ~~كان هذا هو المراد , وصفه بما يفيد ذلك , فقال منبها على نعمة الإبداء ~~والإبقاء أولا : { الذي له } أي وحده ملكا وملكا وإن نسبتم إلى غيره ملكا ~~وملكا ظاهريا PageV06P144 { ما في السموات } أي بأسرها { وما في الأرض } أي ~~كما ترون أنه لا متصرف في شيء من ذلك كمال التصرف غيره , وقد علم في غير ~~موضع وتقرر في كل فطرة أنه ذو العرش العظيم , فأنتج ذلك أن له ما يحويه ~~عرضه من السماوات والأراضي وما فيها , لأن من المعلوم أن العرش محيط بالكل ~~, فالكل فيه , وكل سماء في التي فوقها , وكذا الأراضي , وقد تقرر أن له ما ~~في الكل , فأنتج ذلك أن له الكل بهذا البرهان الصحيح , وهو أبلغ مما لو عبر ~~عن ذلك على وجه التصريح , وإذ قد كان له ذلك كله فلا نعمة على شيء إلا منه ~~, فكل شيء يحمده لما له عليه من نعمه بلسان قال , فإن لم يكن فبلسان حاله . ~~| ولما أفاد ذلك أن له ms3985 الدنيا وما فيها , وقد علم في آخر الأحزاب أن نتجية ~~الوجود العذاب والمغفرة , ونحن نرى أكثر الظلمة والمنافقين يموتون من غير ~~عذاب , وأكثر المؤمنين يموتون لم يوفوا ما وعدزه من الثواب , ونعلم قطعا ~~أنه لا يجوز على حكيم أن يترك عبيده سدى يبغي بعضهم على بعض وهو لا يغير ~~عليهم , فأفاد ذلك أن له دارا أخرى يظهر فيها العدل وينشر الكرم والفضل , ~~فلذلك قال عاطفا على ما يسببه الكلام الأول من نحو : فله الحمد في الأولى , ~~وطواه لأجل خفائه على أكثر الخلق , وأظهر ما في الآخرة لظهوره لأنها دار ~~كشف الغطاء , فقال منبها على نعمة الإعادة والإبقاء ثانيا : { وله } أي ~~وحده { الحمد } أي الإحاطة بالكمال { في الآخرة } ظاهرا لكل من يجمعه الحشر ~~, وله كل ما فيها , لا يدعي ذلك أحد في شيء منه لا ظاهرا ولا باطنا , فكل ~~شيء فيها لظهور الحمد إذ ذاك بحمده كما ينبغي لجلاله بما له عليه من نعمة ~~أقلها نعمة الإيجاد حتى أهل النار فإنهم يحمدونه بما يحبب إليهم في الدنيا ~~من إسباغ نعمه ظاهرة وباطنة , ومنها إنزال الكتب وإرسال الرسل على وجه ما ~~أبقى فيه للتحبب موضعا في دعائهم إليه وإقبالهم عليه , وبذل النصيحة على ~~وجوه من اللطف كما هو معروف عند من عاناه , فعملوا أنهم هم المفرطون حيث ~~أبوا في الأولى حيث ينفع الإيمان , واعترفوا في الآخرة حيث فات الأوان { ~~وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش } - الآيات , وأيضا فهم يحمدونه في الآخرة ~~لعلمهم أنه لا يعذب أحدا منهم فوق ما يستحق وهو قادر على ذلك , ولذلك جعل ~~النار طبقات , ورتبها دركات , فكانوا في الأولى حامدين على غير وجهه , فلم ~~ينفعهم حمدهم لبنائه على غير أساس , وحمدوا في الاخرة على وجهه فما أغنى ~~عنهم لكونها ليست دار العمل لفوات شرطه , وهو الإيمان بالغيب , والآية من ~~الاحتباك : حذف أولا ( له الحمد في الأولى ) لما دل عليه ثانيا , وثانيا ( ~~وله كل ما في الآخرة ) لما دل عليه أولا , وقد علم بهذا وبما قدمته في ~~النحل والفاتحة ms3986 أن الحمد تارة PageV06P145 يكون بالنظر إلى الحامد , وتارة ~~إلى المحمود , فالثاني اتصاف المحمود بالجميل , والأول وصف الحامد له ~~بالجميل , فحمد لله تعالى اتصافه بكل وصف جميل , وحمد الحامد له وصفه بذلك ~~, فكل الأكوان ناطقة بألسن أحوالها بحمده سواء أنطق لسان القال بذلك أم لا ~~, وهو محمود قبل تكوينها , وذلك هو معنى قولي الإحاطة بأوصاف الكمال , وحمد ~~غيره له تارة يطلق بالمدلول اللغوي , وتارة بالمدلول العرفي , وتحقيق ما ~~قال العلماء في ذلك في نفسه وبالنسبة بينه وبين الشكر أن الحمد في اللغة هو ~~الوصف بالجميل الاختياري على جهة التعظيم , ومورده اللسان وحده فهو مختص ~~بالظاهر ومتعلقه النعمة وغيرها , فمورده خاص ومتعلقه عام , والشكر لغة على ~~العكس من ذلك متعلقه خاص ومورده عام , لأنه فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب ~~إنعامه فمورده الظاهر والباطن لأنه يعم اللسان والجنان والأركان , ومتعلقه ~~النعمة الواصلة إلى الشاكر , ومن موارده القلب وهو أشرف الموارد كلها , ~~لأنه فعله وإن كان خفيا يستقل بكونه شكرا من غير أن ينضم إليه فعل غير ~~بخلاف الموردين الآخرين , إذ لا يكون فعل شيء منهما حمدا ولا شكرا حقيقة ما ~~لم ينضم إليه فعل القلب . | ولما كان تعاكس الموردين والمتعلقين ظاهر ~~الدلالة على النسبة بين الحمد والشكر اللغويين , علم أن بينهما عموما ~~وخصوصا وجيها , لأن الحمد قد يترتب على الفضائل المجردة , والشكر قد يختص ~~بالفواضل , فينفرد الحمد من هذه الجهة , وينفرد الشكر بالعفل الظاهر ~~والاعتقاد الباطن على الفواضل من غير قول , ويجتمعان في الوصف الجناني ~~واللساني على الفواضل , ففعل القلب اعتقاد اتصاف المشكور بصفات الكمال من ~~الجلال والجمال , وفعل اللسان ذكر ما يدل على ذلك , وفعل الأركان الإيتان ~~بأفعال دالة على ذلك . | ولما كان هذا حقيقة الحمد والشكر لغة لا عرفا , ~~وكانت الأوهام تسبق إلى أن الحمد ما يشتمل على لفظ ح م د , قال القطب ~~الرازي في شرح المطالع : وليس الحمد عبارة عن خصوص قول القائل ( الحمد لله ~~) وإن كان هذا القول فردا من أفراد الماهية , وكذا ليس ماهية الشكر عبارة ~~عن ms3987 خصوص قول القائل ( الشكر لله ) ولا القول المطلق الدال على تعظيم الله ~~وإن كان الثاني جزءا منه والأول فرد من هذا الجزء , وحقيقة الحمد في العرف ~~ما يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعما , وحقيقة الشكر العرفي هو صرف العبد ~~جميع ما أنعم الله عليه من القوى إلى ما خلق له كصرف النظر إلى مطالعة ~~مصنوعاته للاعتبار إلى علي حضراته , وإلقاء السمع إلى تلقي ما يبنئ عن ~~مرضاته , والاجتناب عن منهياته , فذكر الوصف في اللغوي يفهم الكلام سواء ~~كان نفسائيا أو PageV06P146 لسانيا فيشمل حمد لله تعالى نفسه وحمدنا له , ~~والجميل متناول للأنعام وغيره من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال , وعدم ~~تقييد الوصف بكونه في مقابلة نعمه مظهر لأن الحمد قد يكون واقعا بإزاء ~~النعمة وقد لا يكون , واشتراط التعظيم يفهم تطابق الظاهر والباطن , فإن عرى ~~قول اللسان عن مطابقة الإعتقاد أو خالفه فعل الجوارح لم يكن حمدا حقيقة , ~~بل استهزاء وسخرية , ومطابقة الجنان والأركان شرط في الحمد لا شطر , فلا ~~يتداخل التعريفان , ولا يخرج بالاختيار صفات الله القديمة , فإنها من حيث ~~قدرته على تعليقها بالأشياء تكون داخلة فيكون الحمد على الوصف الاختياري , ~~وكذا إذا مدح الشجاع بشجاعته والقدرة على تعليق الوصف بما يتحقق به كانت ~~الشجاعة خاصة لم يكن هناك محمود عليه , فقد علم من هذا أنه إذا كان هناك ~~اختيار في الآثار كان الحمد عليه وإلا فلا , فلا يسمى وصف اللؤلؤة بصفاء ~~الجوهر وبهجة المنظر حمدا بل مدحا , ويسمى الوصف بالشجاعة للاختيار في ~~إظهار آثارها حمدا , فاختص الحمد بالفاعل المختار دون المدح , وعلم أيضا أن ~~القول المخصوص وهو ( الحمد لله ) ليس حمدا لخصوصه , بل لأند دال على صفة ~~الكمال ومظهر لها , فيشاركه في التسمية كل ما دل على ذلك من الوصف , ولذلك ~~قال بعض المحققين من الصوفية : حقيقة الحمد إظهار الصفات الكمالية , وذلك ~~قد يكون بالقول كما عرف , وقد يكون بالفعل وهو أقوى , لأن الأفعال التي هي ~~آثار الأوصاف تدل عليها دلالة عقلية قطعية , لا يتصور فيها خلف بخلاف ~~الأقوال , فإن ms3988 دلالتها عليها وضعية , وقد يختلف عنها مدلولها , وقد حمد ~~تعالى نفسه بما يقطع من القول والفعل , ما الفعل فإنه بسط بساط الوجود على ~~ممكنات لا تحصى ووضع عليه موائد كرمه التي لا تتناهى , فكشف ذلك من صفات ~~كماله وأظهرها بدلالات قطعية تفصيلية غير متناهية , فإن كل ذرة من ذرات ~~الوجود تدل عليها , ولا يتصور في عبارات المخلوق مثل هذه الدلالات , ومن ~~ثمة قال صلى الله عليه وسلم ( لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) ~~ولا بد للتنبه لما قاله الأستاذ أبو الحسن التجيبي المغربي الحرالي في ~~تفسيره بأن حمدلة الفاتحة تتضمن من حيث ظاهرها المدح التام الكامل ممن يرى ~~المدحة سارية في كل ما أبدعه الله وما أحكمه من الأسباب التي احتواها الكون ~~كله , وعلم أن كلتا يدى ربه يمين مباركة , وهو معنى ما يظهره إحاطة العلم ~~بإبداء الله حكمته على وجه لا نكرة فيه منه , ولا ممن هو في أمره خليفته , ~~وليس PageV06P147 من معنى ما بين العبد وربه من وجه إسداد النعم وهو أمر ~~يجده القلب علما , لا أمر يوافق النفس غرضا , فمن لم يكمل بعلم ذلك تاليا ~~على أثر من علمه , واجدا بركة تلاوته - انتهى . | وأما القول فإنه سبحانه ~~لما علم أن لسان الحال إنما يرمز رمزا خفيا لا يفهمه إلا الأفراد وإن كان ~~بعد التحقيق جليا , أنزل عليما كتابا مفصحا بالمراد أثنى فيه على نفسه , ~~وبين صفات كماله بالبيان الذي يعجز عنه القوى , ثم جعل الإعجاز دلالة قطعية ~~على كماله , وعلى كل ما له من جلاله وجماله , وقد علم من هذه التعاريف أن ~~بين الحمد والشكر اللغويين عموما وخصوصا من وجه , لأن الحمد قد يترتب على ~~الفضائل وهي الصفات الجميلة التي لا يتجاوز منها أثر ومنفعة إلى غير ~~الممدوح كالشجاعة , والشكر يختص بالفواضل وهي النعم وهي الصفات والمزايا ~~المتعدية التي يحصل منها منفعة لغير الممدوح كالإحسان والمواهب والعطايا ~~كما مضى , وبين الحمد والشكر العرفيين عموما وخصوصا مطلقا , فالحمد أعم ~~مطلقا لعموم النعم الواصلة إلى الحامد ms3989 وغيره , واختصاص الشكر بما يصل إلى ~~الشاكر , وذلك لأن المنعم المذكور في التعريف مطلق لم يقيد بكونه منعما على ~~الحامد أو على غيره , فمتناولهما بخلاف الشكر وقد اعتبر فيه منعم مخصوص وهو ~~الله تعالى , ونعم واصلة منه إلى الشاكر , ولعموم هذا الحمد مطلقا وخصوص ~~هذا الشكر مطلقا وجه ثان , وهو أن فعل القلب واللسان مثلا قد يكون حمدا ~~وليس شكرا أصلا , إذ قد اعتبر فيه شمول الآلات , ووجه ثالث وهو أن الشكر ~~بهاذ المعنى لا يتعلق بغيره تعالى بخلاف الحمد , وما يقال من أن النسبة ~~بالعموم المطلق , بين العرفيين إنما تصح بحسب الوجود دون الحمل الذي كلامنا ~~فيه , لأن الحمد بصرف القلب مثلا فيما خلق لأجله جزء من صرف الجميع غير ~~محمول عن الموضوع في الوجود الخارجي , فغلظ من باب اشتباه الشيء بما صدق هو ~~عليه , فإن ما ليس محمولا على ذلك الصرف هو ما صدق عليه الحمد , أعني صرف ~~القلب وحده لا مفهومه المذكور , وهو فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه ~~منعما , وهذا المفهوم يحمل على صرف الجميع , وما يقال إن صرف الجميع أفعال ~~متعددة , فلا يصدق عليه أنه فعل واحد , وما يقال إن صرف الجميع أفعال ~~متعددة , فلا يصدق عليه أنه فعل واحد , جوابه أنه فعل واحد تعدد متعلقه , ~~فلا ينافي وصفه بالوحدة كما يقال : صدر عن زيد فعل واحد إكرام جميع القوم ~~مثلا , وتحقيقه أن المركب قد يوصف بالوحدة الحقيقية كبدن واحد , ~~والاعتبارية كعسكر واحد , وصدق الجميع من قبيل الثاني كما لا يرتاب فيه ذو ~~مسكة , والنسبة بين الحمدين اللغوي والعرفي عموم وخصوص من وجه , لأن الحمد ~~العرفي هو الشكر اللغوي , وقد مضى بيان ذلك فيهما . | وبين الشكر ~~PageV06P148 العرفي واللغوي عموم مطلق لأن الشكر اللغوي يعم النعمة إلى ~~الغير دون العرفي فهو أعم , والعرفي أخص مطلقا , وكذا بين الشكر العرفي ~~والحمد اللغوي لأن الأول مخصوص بالنعمة على الشاكر سواء كان باللسان أو لا ~~, والثاني وإن خص باللسان فهو مشترط فيه مطابقة الأركان والجنان , ليكون ~~على وجهة التبجيل ms3990 , وقد لا يكون في مقابلة نعمة فهو أعم مطلقا فكل شكر عرفي ~~حمد لغوي , ولا ينعكس وهذا بحسب الوجود , وكذا بين الحمد العرفي والشكر ~~اللغوي عموم مطلق أيضا إذا قيدت النعمة في اللغوي بوصولها إلى الشاكر كما ~~مر , وأما إذا لم تقيد فهما متحدان , وأما الشكر المطلق فهو على قياس ما ~~مضى تعظيم المنعم بصرف نعمته إلى ما يرضيه , ولا يخفى أنه إذا كان نفس ~~الحمد والشكر من النعم لم يمكن أحدا الإيتان بهما على التمام والكمال ~~لاستلزامه تسلسل الأفعال إلى ما لا يتناهى , وهذا التحقيق منقول عن إمام ~~الحرمين والإمام الرازي - هذا حاصل ما في شرح المطالع للقطب الرازي وحاشيته ~~للشريف الجرجاني بزيادات , وقد علم صحة ما أسلفته في شرح الحمد بالنظر إلى ~~الحامد وبالنظر إلى المحمود , وإذا جمعت أطراف ما تقدم في سورة النحل ~~والفاتحة وغيرهما من أن المادة تدور على الإحاطة علم أنه بالنظر إلى الحامد ~~وصفه المحمود بالإحاطة بأوصاف الكمال , وبالنظر إلى المحمود اتصافه ~~بالإحاطة بأوصاف الكمال , فإن الوصف يشترط أن يكون مطابقا وإلا كان مدحا لا ~~حمدا , كما حققه العلامة قاضي دمشق شمس الدين أحمد بن خليل الخوبي في كتابه ~~أقاليم التعاليم . | ولما تقرر أن الحكمة لا تتم إلا بإيجاده الآخرة قال : ~~{ وهو الحكيم } أي الذي بلغت حكمته النهاية التي لا مزيد عليها , والحكمة ~~هي العلم بالأمور على وجه الصواب متصلا بالعمل على وقفه . | ولما كانت ~~الحكمة لا تتهيأ إلا بدقيق العلم وصافيه ولبابه وهو الخبرة قال : { الخبير ~~} أي البليغ الخبر وهو العلم بظواهر الأمور بواطنها حالا ومالا , فلا يجوز ~~في عقل انه - وهو المتصف بهاتين الصفتين كما هو مشاهد في إتقان أفعاله ~~وإحاكم كل شيء سمعناه من أقواله - يخلق الخلق سدى من غير إعادة لدار الجزاء ~~, وقد مضى في الفاتحة وغيرها عن العلامة يعد اليدين التفاتارزانين أنه قال ~~: التصدير بالحمد إشارة إلى إمهات النعم الأربع , وهي الإيجاد الأول , ~~والإيجاد الثاني , والإبقاء الأول , والإبقاء الثاني , وأن الفاتحة لكونها ~~أم الكتاب أشير فيها إلى الكل , ثم ms3991 أشير في كل سورة صدرت بعدها بالحمد إلى ~~نعمة منها على الترتيب , وأنه أشير في الأنعام إلى الإيجاد الأول وهو ظاهر ~~وفي الكهف إلى الإبقاء الأول , لأن انتظام البقاء الأول والانتفاع بالإيجاد ~~لا يكون إلا PageV06P149 بالكتاب والرسول , وأنه أشير في هذه السورة إلى ~~الإيجاد الثاني لانسياق الكلام إلى إثبات الحشر والرد على منكري الساعة حيث ~~قال سبحانه { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي } انتهى , وقد ~~علم مما قررته أنها من أولها مشيرة إلى ذلك على طريق البرهان . | وقال أبو ~~جعفر بن الزبير : افتتحت بالحمد لله لما أعقب بها ما انطوت عليه سورة ~~الأحزاب من عظيم الآلاء وجليل النعماء حس ما أبين - آنفا - يعني في آخر ~~كلامه على سورة الأحزاب - فكان مظنة الحمد على ما منح عباده المؤمنين ~~وأعطاهم فقال تعالى { الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض } ملكا ~~واختراعا , وقد أشار هذا إلى إرغام من توقف منقطعا عن فهم تصرفه سبحانه في ~~عباده بما تقدم وتفريقهم بحسب ما شاء فكأن قد قيل : إذا كانوا له ملكا ~~وعبيدا , فلا يتوقف في فعله بهم ما فعل من تيسير للحسنى أو لغير ذلك مما ~~شاءه بهم على فهم علته واستطلاع سببه , بل يفعل بهم ما شاء وأراد من غير ~~حجر ولا منع { وهو الحكيم الخبير } وجه الحكمة في ذلك التي خفيت عنكم , ~~وأشار قوله ( وله الحمد في الآخرة ) إلى أنه سيطلع عباده المؤمنين - من ~~موجبات حمده ما يمنحهم أو يضاعف لهم من الجزاء أو عظيم الثواب في الآخرة - ~~على ما لم تبلغه عقولهم في الدنيا ولا وفت به أفكارهم < # > 77 ( { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } ) 77 < # > [ السجدة : 17 ] ثم أتبع سبحانه ما تقدم من حمده على ما هو أهله ببسط ~~شواهد حكمته وعلمه فقال تعالى { يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ~~ينزل من السماء وما يعرج فيه } إلى قوله { وهو الحيم } فبرحمته وغفرانه ~~أنال عباده المؤمنين ما خصهم به وأعطاهم ms3992 , فله الحمد الذي هو أهله , ثم ~~أتبع هذا بذكر إمهاله من كذب وكفر مع عظيم اجترائهم لتتبين سعة رحمته ~~ومغفرته فقال تعالى { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة } إلى قوله : { إن ~~في ذلك لآية لكل عبد منيب } أي إن في إمهاله سبحانه لهؤلاء بعد عتوهم ~~واستهزائهم في قولهم { لا تأتينا الساعة } وقوله : { هل ندلكم على رجل ~~ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق أنكم لفي خلق جديد } وإغضائهم عن الاعتبار بما ~~بين أيديهم من السماء والأرض وأمنهم أخذهم من أي الجهات وفي إمهالهم وإدرار ~~أرزاقهم مع عظيم مرتكبهم آيات لمن أناب واعتبر , ثم بسط لعباده المؤمنين من ~~ذكر الاية ونعمه وتصريفه في مخلوقاته ما يوضح استيلاء قهره وملكه , ويشير ~~إلى عظيم ملكه كما أعلم في قوله سبحانه { الحمد لله الذي له في السموات وما ~~في الأرض } فقال سبحانه { ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه الطير ~~وألنا له الحديد } ثم قال { ولسليمان الريح } إلى قوله : { اعملوا آل داود ~~شكرا } ثم أتبع ذلك بذكر حال لم يشكر فذكر PageV06P150 قصة سبأ إلى آخرها , ~~ثم وبخ تعالى من عبد غيره معه بعد وضوح الأمر وبيانه فقال { ثل ادعوا الذين ~~زعمتم من دون الله } إلى وصفه حالهم الأخروي ومراجعة متكبريهم ضعفاءهم ~~وضعفائهم متكبريهم { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } ثم التحمت الآي ~~جارية على ما تقدم من لدن افتتاح السورة إلى ختمها - انتهى . | ولما ختم ~~بصفة الخبر , أتبع ذلك ما يدل عليه فقال : { يعلم ما يلج في الأرض } أي هذا ~~الجنس من المياه والأموال , والأموات , وقدم هذا لأن الشيء يغيب في التراب ~~أولا ثم يسقى فيخرج { وما يخرج منها } من المياه والمعادن والنبات { وما ~~ينزل من السماء } أي هذا الجنس من حرارة وبرودة وماء وملك وغير ذلك { وما ~~يعرج } ولما كانت السماوات أجساما كثيفة متراقية , لم يعبر بحرف الغاية كما ~~في قوله تعالى ^ ( { إليه يصعد الكلم الطيب } ) ^ [ فاطر : 10 ] بل قال : { ~~فيها } أي من الأعمال والملائكة وكل ما يتصاعد من الأرض في جهة العلو وأنتم ms3993 ~~كما ترونه يميز كل شيء عن مشابهه , فيميز ما له أهلية التولد من الماء ~~والتراب في الأرض من النباتات عن بقية الماء والتراب على اختلاف أنواعه ~~مميزا بعضه عن بعض , ومن المعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص إلى ~~غير ذلك , مع أن الكل ما يخالط الزاب , فكيف يستبعد عليه أن يحيي الموتى ~~لعسر تمييز تراب كل ميت بعد التمزق والاختلاط من تراب آخر . | ولما كان ~~الحاصل من هذا المتقدم أنه رب كل شيء , وكان الرب لا تنتظم ربوبيته إلا ~~بالرفق والإصلاح , وكان ربما ظن جاهل انه لا يعلم أعمال الخلائق لأنه لو ~~علمها ما أقر عليها , اعلم أن رحمته سبقت غضبه , ولذلك قدم صفة الرحمة , ~~ولأنه في سياق الحمد , فناسب تقديم الوصف الناظر إلى التكميل على الوصف ~~النافي للنقص فقال : { وهو } أي والحال أنه وحده مع كثرة نعمه المقيمة ~~للإبدان { الرحيم } أي المنعم بما ترضاه الإلهية من إنزال الكتب وإرسال ~~الرسل لإقامة الأديان { الغفور * } أي المحاء للذنوب أما من اتبع ما أنزل ~~من ذلك كما بلغته الرسل فبالمحو عينا وأثرا حتى لا يعاقبهم على ما سلف منها ~~ولا يعاتبهم , وأما غيره فالتكفير بأنواع المحن أو التأخير إلى يوم الحشر . ~~| < < # | سبأ : ( 3 - 6 ) وقال الذين كفروا . . . . . # > > ^ ( وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم ~~الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين * ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم ~~مغفرة ورزق كريم * والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز ~~أليم * ويرى PageV06P151 الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ~~ويهدي إلى صراط العزيز الحميد ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما ثبتت حكمته بما نشاهد من محكم الأفعال وصائب الأقوال , فثبت ~~بذلك علمه لأن الحكمة لا تكون إلا بالعلم , وكان الرب الرحيم العليم لا ~~تكمل ربوبيته إلا بالملك الظاهر والأيالة القاهرة التي لا شوب فيها , ثبت ~~البعث الذي هو محط الحكمة وموضع ظهور العدل ms3994 , فكانت نتيجة ذلك : فالله يأتي ~~بالساعة لما ثبت من برهانها كما ترون , فعطف عليه قوله : { وقال الذين ~~كفروا } أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من براهينها الظاهرة : { لا تأتينا ~~الساعة } والإخبار عنها باطل . | ولما تقدم من الأدلة ما لا يرتاب معه , ~~أمره أن يجيبهم برد كلامهم مؤكدا بالقسم على أنه لم يخله من دليل ظاهر فقال ~~: { قال بلى وربي } أي المحسن إلي بما عمني به معكم من النعم , وبما خصني ~~به من تنبئتي وإرسالي إليكم - إلى غير ذلك من أمور لا يحصيها إلا هو سبحانه ~~, فهو أكرم من أن يدعكم من غير أن يحشركم لينتقم لي منكم , ويقر عيني بما ~~يجازيكم به من أذاكم لي ولمن اتبعني , فإنه لا يكون سيد قط يرضى أن يبغي ~~بعض عصاه عبيده على بعض , ويدعهم سدى من غير تأديب , فكيف إذا كان المبغي ~~عليه مطيعا له , والباغي عاصيا عليه , هذا ما لا يرضاه عاقل فكيف بحاكم ~~فكيف بأحكام الحاكمين ؟ { لتأتينكم } أي الساعة لتظهر فيها ظهروا تاما ~~الحكمة بالعدل والفضل , وغير ذلك من عجائب الحكم والفصل . | ولما كان ~~الحاكم لا يهمل رعيته إلا إذا غابوا من علمه , ولا يهمل شيئا من أحوالهم ~~إلا إذا غاب منه ذلك الشيء , وكانت الساعة من عالم الغيب , وكان ما تقدم من ~~إثبات العلم ربما خصه متعنت بعالم الشهادة , وصف ذاته الأقدس سبحانه بما ~~بين أنه لا فرق عنده عنده بين الغيب الذي الساعة منه والشهادة , بل الكل ~~عنده شهادة , وللعناية بهذا المعنى يقدم الغيب إذا جمعا في الذكر , فقال ~~مبينا عظمة المقسم به ليفيد حقية المقسم عليه لأن القسم بمنزلة الاستشهاد ~~على الأمر , وكلما كان المشتسهد به أعلى كعبا وأبين فضلا وأرفع منزلة كان ~~في الشهادة أقوى وأكد , والمستهشد عليه أثبت وأرسخ , وأصفا له على قراءة ~~الجماعة ومستانفا , - وهو أبلغ - على قراءة المدنيين وابن عامر ورويس عن ~~يعقوب بالرفع : { عالم الغيب } وقراءة حمزة والكسائي ( علام ) بصيغة ~~المبالغة كما هو أليق بالموضع . | ولما كنا القصور علمنا متقيدين بما في ~~هذا ms3995 الكون مع أن الكلام فيه , قال مصرحا بالمقصود على أتم وجه : { لا يعزب ~~} - أي يغيب ويبعد عزوبا قويا - على قراءة PageV06P152 الجماعة بالضم , ولا ~~ضعيفا - على قراءة الكسائي بالكسر { عنه مثقال ذرة } أي من ذات ولا معنى , ~~والذرة نملة حمراء صغيرة جدا صارت مثلا في أقل القليل فهي كناية عنه . | ~~ولما كان في هذه السورة السباق للحمد , وهو الكمال وجهة العلو به أوفق ~~ولأمر الساعة ومبدأه منها بدأ بها . | ولما كان قد بين علمه بأمور السماء , ~~وكان المراد بها الجنس , جمع هنا تصريحا بذلك المراد فقال : { في السموات } ~~وأكد النفي بتكرير ( لا ) فقال : { ولا في الأرض } ولما كنا مقيدين بالكتاب ~~, ابتدأ الخبر بما يبهر العقل من أن كل شيء مسطور من قبل كونه ثم يكون على ~~وفق ما سطر , فإذا كشف للملائكة عن ذلك ازدادوا إيمانا وتسبيحا وتحميدا ~~وتقديسا , فقال - عند حميع القراء عاطفا على الجملة من أصلها لا على ~~المثقال لأن الاستثناء يمنعه : { ولا أصغر } أي ولا يكون شيء أصغر { من ذلك ~~} أي المثقال { ولا أكبر } أي من المثقال فما فوقه { إلا في كتاب } ~~وإخبارنا به لما جرت به عوائدنا من تقييد العلم بالكتاب , وأما هو سبحانه ~~فغني عن ذلك . | ولما كان الإنسان قد يكتب الشيء ثم يغيب عنه وينسى مكانه ~~فيعجز في استخراجه أخبر أن كتابه على خلاف ذلك , بل هو حيث لا يكشف من يريد ~~اطلاعه عليه شيئا إلا وجده في الحال فقال : { مبين * } ويجوز - ولعله أحسن ~~- إذا تأملت هذه مع آية يونس أن يعطف على مثقال , ويكون الاستثناء منقطعا , ~~ولكن على بابها في كونها بين متنافيين , فإن المعنى أنه لا يغيب ولا يبعد ~~عنه شيء من ذلك لكنه محفوظ أتم حفظ في كتاب لا يراد منه كشف عن شي إلا كان ~~له في غاية الإبانة , ولعله عبر بأداة المتصل إشارة إلى أنه إن كان هناك ~~عزوب فهو على هذه الصفة التي هي في غاية البعد عن العزوب , ثم بين علة ذلك ~~كله دليلا على صدق القسم بما ms3996 ختمت به الأحزاب من حكمة عرض الأمانة مما لا ~~يمتري ذو عقل ولو قل في صحته , وأنه لا يجوز في الحكمة أن يفعل غيره فقال : ~~{ ليجزي الذين آمنوا } أي فإنه ما خلق الأكوان إلا لأجل الإنسان , فلا يجوز ~~ان يدعه بغير جزاء : { وعملوا } أي تصديقا لإيمانهم { الصالحات } . | ولما ~~التفت السامع إلى معرفة جزائهم , أوردة تعظيما لشأنه , جوابا للسؤال مشيرا ~~إليه بما دل على علو رتبته بعلو رتبة أهله : { أولئك } أي العالو الرتبة { ~~لهم مغفرة } أي لزلاتهم أو هفواتهم لأن الإنسان المبني على النقصان لا يقدر ~~العظيم السلطان حتى قدره { ورزق كريم * } أي جليل عزيز دائم لذيذ نافع شهي ~~, لا كدر فيه بوجه . | ولما كانت أدلة الساعة قد اتضحت حتى لم يبق مانع من ~~التصديق لها إلا العناد , وكان السياق لتهديد من جحدها , قال معبرا بالماضي ~~: { والذين سعوا } أي فعلوا فعل PageV06P153 الساعي { في آياتنا } أي على ~~ما لها من العظمة { معجزين } أي مبالغين في قصد تعجيزها بتخلفها عما نزيده ~~من إنقاذها , وهكذا معنى قراءة المفاعلة , ولما كان ذنبهم عظيما , أشار ~~بابتداء آخر فقال : { أولئك } أي البعداء البغضاء الحقيرون عن أن يبلغوا ~~مرادا بمعاجزتهم { لهم عذاب } وأي عذاب { من رجز } أي شيء كله اضطراب , فهو ~~موجب لعظيم النكد والانزعاج , فهو أسوأ العذاب { أليم * } أي بليغ الألم - ~~جره الجماعة نعتا لرجز , ورفعه ابن كثير وحفص عن عاصم نعتا لعذاب . | ولما ~~ذم الكفرة , وعجب منهم في إنكارهم الساعة في قوله : { وقال الذين كفروا لا ~~تأتينا الساعة } وأقام الدليل على إيتانها , وبين أنه لا يجوز في الحكمة ~~غيره ليحصل العدل والفضل في جزاء أهل الشر وأولي الفضل , عطف على ذلك مدح ~~المؤمنين فقال واصفا لهم بالعلم , إعلاما بأن الذي أورث الكفرة التكذيب ~~الجهل : { ويرى الذين } معبرا بالرؤية والمضارع إشارة إلى أنهم في عملهم ~~غير شاكين , بل هم كالشاهدين لكل ما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وبالمضارع إلى تجدد عملهم مترقين في رتبه على الدوام مقابلة لجلافة أولئك ~~في ثباتهم على الباطل الذي أشار ms3997 إليه الماضي , وأشار إلى أن علمهم لدني ~~بقوله : { أوتوا العلم } أي قذفه الله في قلوبهم فصاروا مشاهدين لمضامينه ~~لو كشف الغطاء ما ازدادوا يقينا سواء كانوا ممن أسلم من العرب أو من أهل ~~الكتاب { الذي أنزل إليك } أي كله من أمر الساعة وغيره { من ربك } أي ~~المحسن إليك بإنزاله , وأتي بضمير الفصل تفخيما للأمر وتنصيصا على أن ما ~~بعده مفعول ( أوتوا ) الثاني فقال : { هو الحق } أي لا غيره من الكلام { ~~ويهدي } أي يجدد على مدى الزمان هداية من اتبعه { إلى صراط } أي طريق واضح ~~واسع . | ولما كانت هذه السورة مكية , وكان الكفار فيها مستظهرين والمؤمنون ~~قليلين خائفين , والعرب يذمونهم بمخالفة قومهم ودين آبائهم ونحو ذلك من ~~الخرافات التي حاصلها الاستدلال على الحق المزعوم بالرجال قال : { العزيز ~~الحميد * } أي الذي من سلك طريقه - وهو الإسلام - عز وحمده ربه فحمده كل ~~شيء وأن تمالأ عليه الخلق أجمعون , فإنه سبحانه لا بد أن يتجلى للفصل بين ~~العباد , بالإشقاء والإسعاد على قدر الاستعداد . | < < # | سبأ : ( 7 - 11 ) وقال الذين كفروا . . . . . # > > ^ ( وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ~~إنكم لفي خلق جديد * أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة في العذاب والضلال البعيد * أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ~~من السمآء والأرض إن نشأ نخسف بهم PageV06P154 الأرض أو نسقط عليهم كسفا من ~~السمآء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب * ولقد آتينا داوود منا فضلا يجبال ~~أوبي معه والطير وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا ~~صالحا إني بما تعملون بصير ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما عجب سبحانه من الذين كفروا في قولهم { لا تأتينا الساعة } ~~المتضمن لتكذيبهم , وختم بتصديق الذين أوتوا العلم مشيرا أن سبب تكذيب ~~الكفرة الجهل الذي سببه الكبر , عجب منهم تعجيبا آخر أشد من الأول لتصريحهم ~~بالتكذيب على وجه عجيب فقال : { وقال الذين كفروا } أي الذين تحققوا أمره ~~صلى الله عليه وسلم وأجمعوا خلافه وعتوا على العناد , لمن يرد ms3998 عليهم ممن لا ~~يعرف حقيقة حاله معجبين ومنفرين : { عل ندلكم } أي أيها المعتقدون أن لا ~~حشر . | ولما أخرجوا الكلام مخرج الغرائب المضحكة لم يذكروا اسمه مع أنه ~~أشهر الأسماء , بل قالوا : { على رجل } أي ليس هو صبيا ولا امرأة حتى ~~تعذوره { ينبئكم } أي يخبركم متى شئتم أخبارا لا أعظم منه بما حواه من ~~العجب الخارج عما نعقله مجددا لذلك متى شاء المستخبر له . | ولما كان القصد ~~ذكر ما يدل عندهم على استبعاد البعث , قدموا المعمول فقالوا : { إذا } أي ~~إنكم إذا { مزقتم } أي قطعتم وفرقتم بعد موتكم من كل من شأنه أن يمزق من ~~التراب والرياح وطول الزمان ونحو ذلك تمزيقا عظينا , بحيث صرتم ترابا , ~~وذلك معنى { كل ممزق } أي كل تمزيق , فلم يبق شيء من أجسادكم مع شيء , بل ~~صار الكل بحيث لا يميز بين ترابه وتراب الأرض , وذهبت به السيول كل مذهب , ~~فصار مع اختلاطه بتراب الأرض والتباسه متباعدا بعضه عن بعض , وكسر معمول ( ~~ينبئكم ) لأجل اللام فقال : { إنكم لفي } أي لتقومون كما كنتم قبل الموت ~~قياما لا شك فيه , والإخبار يه مستحق لغاية التأكيد { خلق جديد * } وهذا ~~عامل إذا الظرفية . | ولما نفروا عنه بهذا الإخبار المحير في الحامل له ~~عليه , خيلوا بتقسيم القول فيه في استفهام مردد بين الاستعجام تعجيبا ~~والإنكار , فقالوا جوابا لمن سأل عن سبب إخباره بإسقاط همزة الوصل , لعدم ~~الإلباس هنا بخلاف ما يصحب لام التعريف فإنها لفتحها تلبس بالخبر : { افترى ~~} أي تعمد { على الله } أي الذي لا أعظم منه { كذبا } بالإخبار بخلاف ~~الواقع وهو عاقل يصح منه القصد . | ولما كان يلزم من التعمد العقل , قالوا ~~: { أم به جنة } أي جنون , فهو يقول الكذب , وهو ما لا حقيقة له من غير ~~تعمد , لأنه ليس من أهل القصد , فالآية من الاحتباك : ذكر الافتراء أولا ~~يدل على ضده ثانيا , وذكر الجنون ثانيا يدل على ذكر ضده أولا . | ~~PageV06P155 ولما كان الجواب : ليس به شيء من ذلك , عطف عليه مخبرا عن بعض ~~الذين كفروا بما يوجب ردع البعض الآخر ms3999 قوله : { بل الذين لا يؤمنون } أي لا ~~يجددون الإيمان لأنهم طبعوا على الكفر { بالآخرة } أي الفطرة الآخرة التي ~~أدل شيء عليها الفطرة الأولى . | ولما كان هذا القول مسببا عن ضلالهم , ~~وكان ضلالهم سببا لعذابهم , قدم العذاب لأنه المحط وليرتدع من أراد الله ~~إيمانه فقال : { في العذاب } أي في الدنيا بمحاولة إبطال ما أراد الله ~~إتمامه , وفي الآخرة لما فيه من المعصية , وأتبعه سببه فقال : { والظلال } ~~أي عما يلزم من وجوب وحدانيته وشمول قدرته بسبب أن له ما في السماوات وما ~~في الأرض . | ولما كان قولهم بعيدا من الحق لوصفهم أهدى الناس بالضلال , ~~وكان الضلال يبعد ببعد صاحبه عن الجادة وتوغله في المهامه الوعرة الشاسعة , ~~قال واصفا له بوصف الضال : { البعيد * } فبين الوصف أنه لا يمكن الانفكاك ~~عنه , وعلم أن من الذين كفروا قسما لم يطبعوا على الكفر , فضلوا ضلالا ~~قريبا يمكن انفكاكهم عنه , وهم الذين آمنوا منهم بعد , وهو من بديع القول ~~حيث عبر بها الظاهر الذي أفهم هذا التقسيم موضع الإضمار الذي كان حقه : بل ~~هم في كذا . | ولما كانوا قد أنكروا الساعة لقطعهم بأن من مزق كل ممزق لا ~~يمكن إعادته , فقطعوا جهلا بأن الله تعالى لا يقول ذلك , فنسبوا الصادق صلى ~~الله عليه وسلم في الإخبار بذلك إلى أحد أمرين : تعمد الكذب أو الجنون . | ~~شرع سبحانه يدل على صدقه في جميع ما أخبر به , فبدأ بإثبات قدرته على ذلك ~~مستند إلى ضلالهم بسبب غفلتهم عن تدبر الآيات , فكان المعنى : ضلوا فلم ~~يروا , فدل عليه منكرا عليهم مهددا لهم مقررا لذوي العقول من السامعين ~~بقوله : { أفلم يروا } ونبه على أنهم في محل بعد عن الإبصار النافع بحف ~~النهاية فقال : { إلى ما بين أيديهم } أي أمامهم { وما خلفهم } وذلك إشارة ~~إلى جميع الجوانب من كل الخافقين وأنهما قد أحاطا بهم كغيرهم . | ولما لم ~~تدع حاجة إلى الجمع أفرد فقال : { من السماء والأرض } أي الذين جعلنا مطلع ~~السورة أن لنا كل ما فيهما . | ولما كان الإنكار لأئقا بمقام العظمة , فكان ms4000 ~~المعنى : إنا نفعل بهما وفيهما ما نشاء , عبر بقوله : { إن نشأ } بما لنا ~~من العظمة - على قراءة الجمهور { نخسف } أي تغور { بهم } وأدغم الكسائي إلى ~~أنه سبحانه قد يفعل ذلك في أسرع من اللمح بحيث يدرك لأكثر الناس وقد يفعله ~~على وجه الوضوح وهو أكثر - بما أشارت إليه قراءة PageV06P156 الإظهار ~~للجمهور . | ولما كان الخسف قد يكون لسطح أو سفينة ونحوهما , خص الأمر ~~بقوله : { الأرض } أي كما فعلنا بقارون وذويه لأنه ليس نفوذ بعض أفعالنا ~~فيها بأولى من غيره { أو تسقط عليهم كسفا } بفتح السين على قراءة حفص ~~وبإسكانه على قراءة غيره أي قاطعا { من السماء } كذلك ليكون شديد الوقع ~~لبعد الموقع المدى عن السحاب ونحوه لأن من المعلوم أنا نحن خلقناهما , ومن ~~أوجد شيئا قدر على هذه وهذا ما أراد منه , ومن جعل السياق للغيب - وهو حمزة ~~والكسائي - رد الضمير على الاسم الأعظم الذي جعله مطلع السورة . | ولما كان ~~هذا أمرا ظاهرا , أنتج قوله مؤكدا لما لهم من إنكار البعث : { إن في ذلك } ~~أي في قدرتنا على ما نشاء من كل منهما والتأمل في فنون تصاريفهما { لآية } ~~أي علامة بينة على أنا نعامل من شئنا فيهما بالعدل بأي عذاب أردنا , ومن ~~شئنا بالفضل بأي ثواب أردنا , وذلك دال على أنا قادرون على كل ما نشاء من ~~الإمانة والإحياء وغيرهما , فقد خسفنا بقارون وآله وبقوم لوط وأشياعهم , ~~وأسقطنا من السماء على أصحاب الأيكة يوم الظلة قطعا من النار , وعلى قوم ~~لوط حجارة , فأهلكنهم بذلك أجمعين . | ولما كانت الآيات لا تنفع من طبع على ~~العناد قال تعالى : { لكل عبد } أي متحقق أنه مربوب ضعيف مسخر لما يراد منه ~~{ منيب * } أي فيه قابلية الرجوع عما أبان له الدليل عن أنه زل فيه . | ~~ولما أشار سبحانه بهذا الكلام الذي دل فيه على نفوذ الأمر إلى أنه تارة ~~يعدل وتارة يفضل , وكان الفضل أكثر استجلابا لذوي الهمم العلية والأنفس ~~الأبية , بدأ به في عبد من رؤوس المنيبين على وجه دال على البعث بكمال ~~التصرف في ms4001 الخافقين وما فيهما بأمور شوهدت لبعض عبيدة تارة بالآذان , أما ~~عند أهل الكتاب فواضح , وأما عند العرب فبتمكينهم من سؤالهم فقد كانوا ~~يسألونهم عنه صلى الله عليه وسلم وقال أبو حيان : إن بعض ذلك طفحت به ~~أخبارهم ونطقت به أشعارهم , فقال تعالى مقسما تنبيها على أن إنكارهم للبعث ~~إنكار لما يخبر به من المعجزات , عاطفا على ما تقديره : فلقد آتينا هذا ~~الرجل الذي نسبتموه إلى الكذب أو الجنون منا فضلا بهذه الأخبار المدلول ~~عليها بمعجز القرآن فيا بعد ما بينه ما نسبتموه إليه : { ولقد } أي وعزتنا ~~وما ثبت لنا من الإحاطة بصفات الكمال بالاتصاف بالحمد لقد { آتينا } أي ~~أعطينا إعطاء عظيما دالا على نهاية المكنة بما لنا من العظمة { داود } . | ~~ولما كان المؤتى قد تكون واسطة لمن منه الإيتاء , بين أن الأمر ليس إلا منه ~~فقال : { منا فضلا } ودل على أن التنوين للتعظيم وأنه لا يتوقف تكوين شيء ~~على غير PageV06P157 إرادته بقوله , منزلا الجبال منزلة العقلاء الذين ~~يبادرون إلى امتثال أوامره , تنبيها على كمال قدرته وبديع تصرفه في الأشياء ~~كلها جوابا لمن كأنه قال : ما ذلك الفضل ؟ مبدلا من { أتينا } { يا } أي ~~قلنا لأشد الأرض : يا { جبال أوبي } أي رجعي التسبيح وقراءة الزبور وغيرهما ~~من ذكر الله { معه } أي كلما سبح , فهذه آية أرضية مما هو أشد الأرض بما هو ~~وظيفة العقلاء , ولذلك عبر فيه بالأمر دلالة على عظيم القدرة . | ولما كانت ~~الجبال أغلظ الأرض وأثقلها , وكان المعنى : دعونا الجبال للتأويب معه , ~~فبادرت الإجابة لدعائنا , لما تقدم من أنها من جملة من أبى أن يحمل الأمانة ~~, عطف على ذلك أخف الحيوان وألطفه , ليكون آية سماوية , على أنه يفعل في ~~السماء ما يشاء , فإنه لو أمات الطائر في جو السماء لسقط , ولا فرق في ذلك ~~بين عال وعال , فقال : { والطير } أي دعوناها أيضا , فكانت ترجع معه الذكر ~~فدل قرانها بالطير على ذكرها حقيقة كذكر الطير دفعا لتوهم من يظنه رجع ~~الصدا , وقراءة يعقوب بالرفع عطف على لفظ ( جبال ) وقراءة غيره عطف ms4002 على ~~موضعه , أو تكون الواو بمعنى مع أو بتقدير فعل من معنى ما مضى كسخرنا , قال ~~وهب بن منبه : كان يقول للجبال : سبحي , وللطير : أجيبي , ثم يأخذ وهو في ~~تلاوة الزبور بين ذلك بصوته الحسن , فلا يرى الناس منظرا أحسن من ذلك , ولا ~~يسمعون شيئا أطيب منه , وذلك كما كان الحصى يسبح في كف النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما , وكما كان الطعام يسبح في حضرته ~~الشريفة وهو يؤكل , وكما كان الحجر يسلم عليه , وأسكفة الباب وحوائط البيت ~~تؤمن على دعائه , وحنين الجذع مشهور , وكما كان الضب يشهد له والجمل يشكو ~~أخذ بيضها , فأمره النبي صلى الله عليه وسلم برده رحمة لها . | ولما ذكر ~~طاعة أكثف الأرض وألطف الحيوان الذي أنشأه الله منها . | ذكر ما أنشأه ~~سبحانه من ذلك الأكثف , وهو أصلب الأشياء فقال : { وألنا له الحديد } أي ~~الذي ولدناه من الجبال جعلناه في يده كالشمع يعمل منه ما يريد بلا نار ولا ~~مطرقة , ثم ذكر علة الإلانة بصيغة الأمر إشارة إلى أن عمله كان لله فقال : ~~{ أن أعمل سابغات } أي دروعا طوالا واسعة . | ولما كان السرد الخزر في ~~الأديم وإدخال الخيط في موضع الخرز شبه إدخال الحلقة في الأخرى بلحمة لا ~~طرف لها بمواضع الخرز فقال : { وقدر في السرد } أي PageV06P158 النسج بأن ~~يكون كل حلقة مساوية لأختها مع كونها ضسقة لئلا ينفذ منها سهم ولتكن في ~~تحتها بحيث لا يقلعها سيف ولا تثقل على الدارع فتمنعه خفة التصرف وسرعة ~~الانتقال في الكر والفر والطعن والضرب في البرد والحر , والظاهر أنه لم يكن ~~في حلقها مسامير لعدم الحاجة بإلانة الحديد إليها , وإلا لم يكن بينه وبين ~~غيره فرق , ولا كان للإلانة فائدة , وقد أخبر بعض من رأى ما نسب إليه بغير ~~مسامير , قال الزجاج : السرد في اللغة : تقدير الشيء إلى الشيء ليتأنئ ~~متسقا بعضه في أثر بعض متتابعا , ومنه قولهم : سرد فلان الحديث . | وهذا ~~كما ألان الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في ms4003 الخندق تلك الكدية وفي ~~رواية : الكذانو وذلك بعد أن لم تكن المعاول تعمل فيها وبلغت غاية الجهد ~~منهم فضربها صلى الله عليه وسلم ضربة واحدة , وفي رواية رش عليها ماء فعادت ~~كثيبا أهيل لا ترد فأسا وتلك الصخرة التي أخبره سلمان رضي الله عنها أنها ~~كسرت فؤوسهم ومعاولهم وعجزوا عنها فضربها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث ~~ضربات كسر في ضربه ثلاثا منها وبرقت مع كل ضربة برقة كبر معها تكبيرة , ~~وأضاءت للصحابة رضي الله عنهم ما بين لابتي المدينة بحيث كانت في النهار ~~كأنها مصباح في جوف بيت مظلم , فسألوه عن ذلك فأخبرهم صلى الله عليه وسلم ~~أن إحدى الضربات أضاءت له صنعاء من أرض اليمن حتى رأى أبوابها من مكانه ذلك ~~, وأخبره جبرائيل عيله السلام أنها ستفتح على أمته , وأضاءت له الأخرى قصور ~~الحيرة البيض كأنها أنياب الكلاب , وأخبر أنها مفتوحة لهم , وأضاءت له ~~الأخرى قصور الشام الحمركأنها أنياب الكلاب , واخبر بفتحها عليهم , فصدقه ~~الله تعالى في جميع ما قال , وأعظم من ذلك تصليب الخشب له حتى يصير سيفا ~~قوي المتن جيد الحديدة , وذلك أن سيف عبد الله بن جحش رضي الله عنه انقطع ~~يوم أحد , فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجونا فعاد في يده سيفا ~~قائمة منه مقاتل به , فكان يسمى العون , ولم يزل بعد يتواؤث حتى بيع من بغا ~~التركي بمائتي دينار ذكره الكلاعي في السيرة عن الزبير بن أبي بكر والبيهقي ~~, وقاتل عكاشة بن محصن يوم بدر فانقطع سيفه , فأتى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأعطاه جذلا من حطب , فلما أخذه هزه فعاد في يده سيفا طويل القامة ~~شديد المتن أبيض الحديد فقاتل به حتى وفتح الله على المسلمين , وكان ذلك ~~السيف يسمى العون , ثم لم PageV06P159 يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وبعده حتى قتل في الردة وهو عنده , وعن الواقدي ~~أنه انكسر سيف سلمة بن أسلم بن الحريش يوم بدر فأعطاه رسول الله صلى الله ms4004 ~~عليه وسلم قضيبا كان في يده من عراجين ابن طاب فقال : اضرب به فإذا هو سيف ~~جيد , فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد , وإلحامه للحديد ليس بأعجب ~~من إلحام النبي صلى الله عليه وسلم ليد معوذ بن عفراء لما قطعها أو جهل يوم ~~بدر فأتى بها يحملها في يده الأخرى فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وألصقها فلصقت وصحت مثل أختها كما نقله البيهقي وغيره . | ولما أتم ~~سبحانه ما يختص به من الكرامات , عطف عليها ما جمع فيه الضمير لأنه يعم ~~غيره فقال : { واعملوا } أي أنت ومن أطاعك { صالحا } أي بما تفضلنا به ~~عليكم من العلم والتوفيق للطاعة , ثم علل هذا الأمر ترغيبا وترهيبا بقوله ~~مؤكدا إشارة إلى أن إنكارهم للقدرة على البعث إنكار لغيرها من الصفات وإلى ~~أن المتهاون في العمل في عداد من ينكر أنه يعين الله : { إني بما تعلمون } ~~أي كله { بصير * } أي مبصر وعالم بكل ظاهر له وباطن . | < < # | سبأ : ( 12 - 13 ) ولسليمان الريح غدوها . . . . . # > > ^ ( ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن ~~الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير ~~* يعملون له ما يشآء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا ~~آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور ) ^ } ) | ولما أتم سبحانه ما أراد من ~~آيات داود عليه السلام وختمها بالحديد , اتبعه ابنه سليمان عليه السلام ~~لمشاركته له في الإنابة , وبدأ من آياته بما هو من أسباب تكوينه سبحانه ~~للحديد فقال : { ولسليمان } أي عوضا من الخيل التي عقرها لله { الريح } أي ~~PageV06P160 مسخرة على قراءة شعبة , والتقدير على قراءة الجماعة : سخرناها ~~له حال كونها { غدوها شهر } أي تحمله وتذهب به وبجميع عسكره بالغداة وهي من ~~الصباح إلى نصف النهار مسيرة شهر كان يغدو من إيليا فيقبل بإصطخر { ورواحها ~~} أي من الظهر إلى آخر النهار { شهر } أي مسيرته , فهذه آية سماوية دالة ~~على أنه كما رفع بساط سليمان عليه السلام بما حصل ms4005 من جنوده وآلاتهم ثم وضعه ~~قادر على أن يضع ما يشاء من السماء فيهلك من تقع عليه , وهذا كما سخر الله ~~الريح للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب فكانت تهد خيامهم وتكفأ ~~طعامهم وتضرب وجوهم بالحجارة والتراب وهي لا تجاوز عسكرهم إلى أن هزمهم ~~الله بها , وكما حملت شخصين من أصحابة رضي الله تعالى عنهم في غزوة تبوك ~~فألقتهما في جبلي طي , وتحمل من أراد الله من أولياء أمته كما هو في غاية ~~الشهرة ونهاية الكثرة , وأما أمر الإسراء والمعراج فهو من الجلالة والعظم ~~بحيث لا يعلمه إلا الله مع أن الله تعالى صرفه في آيات السماء بحبس المطر ~~تارة وإرساله أخرى . | ولما ذكر الريح , أتبعها ما هي من أسباب تكوينه فقال ~~: { وأسلنا له } أي بعظمتنا { عين القطر } أي النحاس أذبناه له حتى صار ~~كأنه عين ماء , وذلك دال على أنه تعالى يفعل في الأرض ما يشاء , فلو أراد ~~لأسالها كلها فهلك من عليها , ولو أراد لجعل بدل الإسالة الخسف والإزالة . ~~| ولما ذكر الريح والنحاس الذي لا يذاب عادة إلا بالنار , ذكر ما أغلب ~~عناصرة النار , وهو في الخفة والإقدار على الطيران كالريح فقال : { ومن } ~~أي وسخرنا له من { الجن } أي الذين سترناهم عن العيون من الشياطين وغيرهم { ~~بين يديه } ولما كان ظن ظان أن لهم استبدادا بأعمالهم نفاه بقوله : { بإذن ~~ربه } أي بتمكين المحسن إليه له ولهم بما يريد فعله . | ولما قرر سبحانه أن ~~ذلك بإرادته فهو في الحقيقة بأمره , زاد ذلك تقريرا بقوله عاطفا على ما ~~تقديره : فمن عمل بأمرنا أثبناه جنات النعيم : { ومن بزغ } أي يمل , من زاغ ~~يزيغ ويزوغ { منهم } مجاوزا وعادلا { عن أمرنا } أي عن الذي أمرناه به من ~~طاعة سليمان أي أمره الذي هو من أمرنا { عن أمرنا } أي عن الذي أمرناه به ~~من طاعة عليه السلام بها مما امكناه فيه من ذلك { من عذاب السعير * } أي في ~~الدنيا مجازا وفي الآخؤة حقيقة , وهذا كما أمكن الله نبينا صلى الله عليه ~~وسلم ms4006 من ذلك العفريت فخنقه وهو بربطه حتى يتلعب به صبيان المدينة , ثم تركه ~~تأدبا مع أخيه سليمان عليهما الصلاة والسلام فيما سأل الله تعالى فيه , ~~وأما الأعمال التي تدور عليها إقامة الدين فأغناه الله فيها عن الجن ~~PageV06P161 بالملائكة الكرام , وسلط جمعا من صحابته رضي الله عنهم على ~~جماعة من مردة الجان منهم أبو هريرة رضي الله عنه لما وكله النبي صلى الله ~~عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان ومنهم أبي بن كعب رضي الله عنه قبض على شخص منهم ~~كان يسرق من تمره وقال : لقد علمت الجن ما فيهم من هو أشد مني ومنهم معاذ ~~بن جبل رضي الله عنه لما جعله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقة المسلمين ~~فأتاه شيطان منهم يسرق وتصور له بصور منها صورة فيل فضبطه به فالتفت يداه ~~عليه وقال له : يا عدو الله , فشكا إليه فقره وأخبره أنه من جن نصيبين ~~وأنهم كانت لهم المدينة , فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أخرجهم منها ~~وسأله أن يخلي عنه على أن لا يعود ومنهم بريدة رضي الله عنه , ومنهم أبو ~~أيوب الأنصاري ضي الله عنه , ومنهم زيد بن ثابت رضي الله عنه , ومنهم عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه وعنهم أجمعين صارع الشيطان فصرعه عمر , ومنهم عمار ~~بن ياسر رضي الله عنه قاتل الشيطان فصرعه عمار , وأدمى أنف الشيطان بحجر , ~~ولذلك وغيره كان يقول أبو هريرة : عمار الذي أجاره الله من الشيطان على ~~لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ذكرها كلها البهيقي في الدلائل , وذكرت تخريج ~~أكثرها في كتابي مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور , وأما عيم القطر فهي ~~ما تضمنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( أعطيت مفاتيح خزائن الأرض والملك ~~في الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فاخترت أن أكون نبيا عبدا أجوع يوما وأشبع ~~يوما ) الحديث , فشمل ذلك من روضة اللؤلؤ الرطب إلى عين الذهب المصفى إلى ~~ما دون ذلك , وروى الترمذي وقال : حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى ms4007 الله عليه قال : ( عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا , قلت : لا ~~يارب ! ولكن أشبع يوما وأجوع يوما , أو قال ثلاثا أو نحو ذلك , فإذا جعت ~~تضرعت إليك وذكرتك , وإذا شبعت شكرتك وحمدتك ) PageV06P162 وللطبراني ~~بإسناد حسن والبهيقي في الزهد وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إسرافيل ~~عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمفاتيح خزائن الأرض وقال : إن ~~الله أمرني أن أعرض عليك أن أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة ~~, فإن شئت نبيا ملكا وإن شئت نبيا عبدا , فأومأ إليه جبرائيل عليه السلام ~~أن تواضع , فقال نبيا عبدا . | رواه ابن حبان في صحيحه مختصرا من حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه , وله في الصحيح أيضا عن جابر بن عبد الله عنهما قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق على ~~قطينة من سندس . | وفي البخاري في غزوة أحد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح ) . ~~| الأرض هذا ما يتعلق بالأرض , وقد زيد صلى الله عليه وسلم على ذلك بأن ~~أيده ربه سبحانه بالتصرف في خزائن السماء تارة بشق القمر , وتارة برجم ~~النجوم , وتارة باختراق السماوات , وتارة بحبس المطر وتارة بإرساله - إلى ~~غير ذلك مما أكرمه الله به . | ولما أخبر تعالى أنه سخر له الجن , ذكر ~~حالهم في أعمالهم , دلالة على أنه سبحانه يتصرف في السماء والأرض وما فيهما ~~بما يشاء فقال تعالى : { يعملون له } أي في أي وقت شاء { ما يشاء } أي عمله ~~{ عن محاريب } أي أبنية شريفة من قصور ومساكن وغيرها هي أهل لأن يحارب ~~عليها هي أهل لأن يحارب عليها أو مساجد , والمحراب مقدم كل مسجد ومجلس وبيت ~~, وكان مما عملوه له بين المقدس جدرانه بالحجارة العجيبة البديعة والرخام ~~الأبيض والأصفر والأخضر , وعمدة بأساطين المها الأبيض الصافي مرصعا سقوفه ~~وجدرانه بالذهب والفضة والدر والياقوت والمسك والعنبر وسائر الطيب , وبسط ~~أرضه بألواح الفيروزج حتى ms4008 كان أبهى بيت على وجه الأرض { وتماثيل } أي صورا ~~حسانا على تلك الأبنية فيها أسرار غريبة كما ذكروا أنهم صنعوا له أسدين في ~~أسفل كرسيه ونسرين في أعلاه , فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان ذراعين , وإذا ~~قعد أظله النسران , ولم تكن التصاوير ممنوعة . | PageV06P163 ولما ذكر ~~القصور وزينتها , ذكر آلات المأكل لأنها أول ما تطلب بعد الاستقرار في ~~المسكن فقال : { وجفان } أي صحاف وقصاع يؤكل فيها { كالجواب } جمع جابية , ~~وهي الحوض الكبير الذي يجبى إليه الماء , أي يجمع قيل : كان يجلس على ~~الجفنة الواحدة ألف رجل . | ولما ذكر الصحاف على وجه يعجب منه ويستعظم , ~~ذكر ما يطبخ فيه طعامها فقال : { وقدور راسيات } أي ثابتات ثباتا عظيما بأن ~~لا ينزع عن أثافيها لأنها لكبرها كالجبال . | ولما ذكر المساكن وما تبعها , ~~أتبعها الأمر بالعمل إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم ومن تبعه لا يليهيم ~~ذلك عن العبادة فقال : { اعملوا } أي وقلنا لهم : تمتعوا واعملوا , دل على ~~مزيد قربهم بحذف أداة النداء وعلى شرفهم بالتعبير بالآل فقال : { آل داود } ~~أي كل ما يقرب إلى الله { شكرا } أي لأجل الشكر له سبحانه , وهو تعظيمه في ~~مقابلة نعمه ليزيدكم من فضله أو النصب على الحال أي شاكرين , أو على تقدير ~~: اشكروا شكرا , لأن ( اعملوا ) فيه معنى ( اشكروا ) من حيث أن العمل ~~للمنعم شكر له , ويجوز أن تنتصب باعملوا مفعولا بهم معناه أنا سخرنا لكم ~~الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكرا - على طريق المشاكلة { وقليل } ~~أي قلنا ذلك والحال أنه قليل . | ولما لم يقتض الحال العظمة لأنها مبالغة ~~في الشكر أليق , اسقط مظهرها فقال : { من عبادي الشكور * } أي المتوفر ~~الدواعي بظاهره وباطنه من قلبه ولسانه وبدنه على الشكر بأن يصرف جميع ما ~~أنعم الله عليه فيما يرضيه , وعبر بصيغة فعول إشارة إلى أن من يقع منه يطلق ~~الشكر كثير , وأقل ذلك حال الاضطرار . | < < # | سبأ : ( 14 - 16 ) فلما قضينا عليه . . . . . # > > ^ ( فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل ~~منسأته فلما خر ms4009 تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب ~~المهين * لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم ~~واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور * فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم ~~بجناتهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ) ^ } ) | ولما كان ~~ربما استبعد موت من هو على هذه الصفة من ضخامة الملك بنفوذ الأمر وسعة ~~الحال وكثرة الجنود , أشار إلى سهولته بقرب زمنه وسرعة إيقاعه على وجه دال ~~على بطلان تعظميهم للجن بالإخبار بالمغيبات بعد تنبيهم على مثل ذلك ~~باستخدامه لهم بقوله : { فلما } بالفاء , ولذلك عاد إلى مظهر الجلال فقال : ~~{ قضينا } وحقق صفة القدرة بأداة الاستعلاء فقال : { عليه } أي سليمان عيله ~~السلام { الموت ما دلهم } أي PageV06P164 جنوده وكل من في ملكه من الجنم ~~والإنس وغيرهم من كل قريب وبعيد { على موته } لأنا جعلنا له من سعة العلم ~~ووفور الهيبة ونفوذ الأمر ما تمكن به من إخفاء موته عنهم { إلا دابة الأرض ~~} فخمها بهذه الإضافة التي من معناها أنه لا دابة للأرض غيرها لما أفادته ~~من العلم ولأنها لكونها تأكل من كل شيء من أجزاء الأرض من الخشب والحجر ~~والتراب والثياب وغير ذلك أحق الدواب بهذا الاسم , ويزيد ذلك حسنا ان مصدر ~~فعلها أرض بالفتح مستأنفا في جواب من كأنه قال : أي دابة هي وبما دلت : { ~~تأكل منسأته } أي عصاه التي مات وهو متكئ عليها قائما في بيت من زجاج , ~~وليس له باب , صنعته له الجن لما أعلمه الله بأن أجله قد حضر , وكان قد بقي ~~في المسجد بقية ليخفي موته على الجن الذين كانوا يعلمون في البيت المقدس ~~حتى يتم ؛ قال في القاموس في باب الهمز : نسأه : زجره وساقه وأخره ودفعه عن ~~الحوض , والمنسأة كمكنسة مرتبة , ويترك الهمز فيهما : العصا - لأن الدابة ~~تنسأ بها أي تساق , والبدل فيها لازم , حكاه سيبويه - انتهى . | فالمعنى ان ~~الجن كانوا يزجرون ويساقون بها , وقرأها المدنيان وأبو عمرو بالإبدال , ~~وابن عامر من رواية ابن ذكوان والداجوني ms4010 عن هشام بإسكان الهمزة , والباقون ~~بهمزة مفتوحة { فلما خر } أي سقط على الأرض بعد أن قصمت الأرضة عصاه { ~~تبينت الجن } أي عملت بينا لا يقدرون معه على تدبيج وتدليس , وانفضح أمرهم ~~وظهر ظهورا تاما { أن } أي أنهم { لو كانوا } أي الجن { يعلمون الغيب } أي ~~علمه { ما لبثوا } أي أقاموا حولا مجرما { في العذاب المهين * } من ذلك ~~العمل الذين كانوا مسخرين فيه , والمراد إبطال ما كانوا يدعونه من علم ~~الغيب على وجه الصفة , لأن المعنى أن دعواهم ذلك إما كذب أو جهل , فأحسن ~~الأحوال لهم أن يكون جهلا منهم , وقد تبين لهم الآن جهلهم بيانا لا يقدرون ~~على إنكاره , ويجوز أن تكون ( أن ) تعليلية , ويكون التقدير : تبين حال ~~الجن فيما يظن بهم من أنهم يعلمون الغيب , لأنهم إلى آخره , وسبب علمهم مدة ~~كونه ميتا قبل ذلك أنهم وضعوا الأرضة على موضع من العصا فأكلت منها يوما ~~وليلة , وحسبوا على ذلك النحو فوجدوا المدة سنة , وفي هذا توبيخ للعرب أنهم ~~يصدقون من ثبت بهذا الأمر أنهم لا يعلمون الغيب في الخرافات اللاتي تأتيهم ~~بها الكهان وغيرهم مما يفتنهم والحال أنهم يشاهدون منه كذبا كبيرا , فكانوا ~~بذلك مساوين لمن يخبر من الآدميين عن بعض المغيبات بظن يظنه أو منام يراه ~~أو غيره ذلك , فيكون كما قال - هذا مع إعراضهم عمن يخبرهم بالآخرة شفقة ~~عليهم ونصيحة لهم , وما أخبرهم بشيء قط إلا ظهر قبل ادعائه للنبوة وبعده , ~~وأظهر لهم PageV06P165 من المعجزات ما بهر العقول , وقد تقرر أن كل شيء ثبت ~~بمن قبل نبينا صلى الله عليه وسلم من الأنبياء من الخوارق ثبت له مثله أو ~~أعظم منه إما نفسه أو لأحد من أمته , وهذا الذي ذكر لسليمان عليه السلام من ~~حفظه بعد موته سنة لا يميل ثد ثبت مثله لشخص من هذه الأمة من غير شيء يعتمد ~~عليه , قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته في باب البادية قائما ~~ميتا لا يمسكه شيء - انتهى . | وقد ثبت مثل ذلك الشخص في بلاد شروان من ~~بلاد ms4011 فارس بالقرب من شمخامى , اسم ذلك الولي محمد , ولقبه دمدمكي , مات من ~~نحو أربعمائة سنة في المائة الخاسمة من الهجرة , وهو قاعد في مكان من مقامه ~~الذي كان البسطامية , أخبرني من شاهده ممن كذلك لا أتهمه من طلبة العلم ~~العجم , وهو أمر مشهور متواتر في بلادهم غني عن مشاهدة شخص معين , قال : ~~زرته غير مرة وله هيبة تمنع المعتقد من الدنو منه دنوا يرى به به وجهه كما ~~أشار تعالى إلى مثل ذلك بقوله تعالى < # > 77 ( { لوليت منهم فرارا فلم يرجع منهم رعبا } ) 77 < # > [ الكهف : 18 ] قال : وكان معنا في بعض المرات شخص من طلبة العلم من ~~أهل كيلان غير معتقد يقول : إنما هذا نوع شعبدة يخيل به على قول الرعاع , ~~قال : فتقدم إليه بجرأة ولمس صدره ونظر في وجهه , فأصيب في الحال فلم يرجع ~~إلا محمولا , فأقام في المدرسة التي كان يشتغل بها في مدينة شماخي مدة , ~~وأخبرنا أن الشيخ دمدمكي قال له لما لمسه : لولا أنك من أهل العلم هلكت , ~~وأنه شيخ خفيف اللحية , قال : وقد تبت إلى الله تعالى وصرت من المعتقدين ~~لما هوعليه أنه حق , ولا أكذب بشيء من كرامات الأولياء , قال الحاكي : وقد ~~دفن ثلاث مرات إحداها بأمر تمرلنك فيصبح جالسا على ما هو عليه الآن - والله ~~الموفق للصواب . | ولما دل سبحانه بقوله { أفلم يروا إلى بين أيديهم وما ~~خلفهم } الآية , على قدرته على ما يريد من السماء والأرض لمعاملة من يريد ~~ممن فيهما بما يشاء من فضل على من شكر , وعدل فيمن كفر , ودل على ذلك بما ~~قصه من أخبار بعض أولي الشكر , وختم بموت نبيه سليمان بد داود الشاكر ابن ~~الشاكر عليهما السلام , وما كان فيه من الآية الدالة على أنه لا يعلم الغيب ~~غيره لينتج ذلك أنه لا يقدر على كل ما يريد غيره , وكان موت الأنبياء ~~المتقدمين موجبا لاختلال من بعدهم لفوات آياتهم بفواتهم بخلاف آية القرآن , ~~فإنها باقية على مر الدهور والأزمان , لكل إنس وملك وجان , ينادي مناديها ~~على رؤوس ms4012 الأشهاد : هل من مبار أو مضاد ؟ فلذلك حفظت هذه الأمة , وضاع ~~PageV06P166 غيرها في أودية مدلهمة , أتبعه دليلا آخر شهوديا على آية { إن ~~نشأ نخسف بهم الأرض } في قوم كان تمام صلاحهم بسليمان عليه الصلاة والسلام ~~, فاختل بعده أمرهم , وصار من عجائب الكون ذكرهم , حين ضاع شكرهم , فكان من ~~ترجمة اتباع قصتهم لما قبلها أن آل داود عليه السلام شكروا , فسخر لهم من ~~الجبال والطير والمعادن وغيرها ما لم يكن غيرهم يطمع فيه , وهو أضاعوا ~~الشكر فأعصى عليهم وأضاع منهم ما لم يكونوا يخافون فواته من مياهمم ~~وأشجارهم وغيرها , فقال تعالى مشيرا بتأكيده إلى تعظيم ما كانوا فيه , وأنه ~~في غاية الدلالة على القدرة , وسائر صفات الكمال , وأن عمل قريش عمل من ~~ينكر ما تدل عليه قصتهم من ذلك : { لقد كان لسبأ } أي القيلة المشهورة التي ~~كانت تسجد للشمس , فهداهم الله تعالى على يد سليمان عليه السلام , وحكمة ~~تسكين قنيل همزتها الإشارة إلى ما كانوا فيه من الخفض والدعة ورفاهة العيش ~~المثمرة للراحة والطمأنينة والهدوء والسكينة , ولعل قراءة الجمهور لها ~~بالصرف تشير إلى مثل ذلك , وقراءة أبي عمرو والبزي عن ابن كثير بالمنع تشير ~~إلى رجوعهم بما صاروا إليه من سوء الحال إلى غالب أحوال تلك البلاد في ~~الإقفار وقلة النبت والعطش { في مسكنهم } أي التي هي في غاية الكثرة , ووحد ~~حمزة والكسائي وحفص عن عاصم إشارة إلى أنها لشدة اتصال المنافع والمرافق ~~كالمسكن الواحد , وكسر الكسائي الكاف إشارة إلى أنها في غاية الملاءمة لهم ~~واللين , وفتحه الآخران إشارة إلى ما فيها من الروح والراحة , وكانت بأرض ~~مأرب من بلاد اليمن , قال حمزة الكرماني : قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~على ثلاث فراسخ من صنعاء , وكانت أخصب البلاد وأطيبها وأكثرها ثمارا حتى ~~كانت المرأة تضع على رأسها المكتل وتطوف في ما بين الأشجار فيمتلئ المكتل ~~من غير أن تمس شيئا بيدها , وكانت مياههم تخرج من جبل فبنوا فيه سدا وجعلوا ~~له ثلاثة أبواب فكانوا يسرحون الماء إلى كرومهم من الباب الأعلى ms4013 والأوسط ~~والأسفل , قال الرازي : كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها وعلى رأسها مكتلها ~~فتمتهن مغزلتها , فلا تأتي بيتها حتى يمتلئ مكتلها من الثمار , وقال أبو ~~حيان في النهر : ولما ملكت بلقيس اقتتل قومها على ماء واديهم فتركت ملكها , ~~وسكنت قصرها وراودها على أن ترجع فأبت فقالوا : لترجعن أو لنقتلنك , فقالت ~~لهم : لا عقول لكم , ولا تطيعوني , فقالوا نطيعك , فرجعت إلى واديهم , ~~وكانوا إذا مطروا أتاهم السيل من مسيرة ثلاثة أيام , فأمرت به فسد ما بين ~~الجبلين بمسناة بالصخر والقار , وحبست الماء من وراء السد , وجعلت له ~~أبوابا بعضها فوق بعض , وبنت من دونه بركة فيها اثنا عشر مخرجا على عدة ~~أنهارهم , وكان الماء يخرج لهم بالسوية , وقال المسعودي في مقدمات مروج ~~الذهب PageV06P167 قبل السيرة النبوية بيسير في الكلام على الكهان , كانت ~~من أخصب أرض اليمن وأثراها , وأعذابها وأغداها , واكثرها جنانا , وكانت ~~مسيرة أكثر من شهر للراكب المجد على هذه الحال في العرض مثل ذلك , يسير ~~الراكب من أولها إلى ان ينتهي إلى آخرها , لا تواجهه الشمس ولا يفارقها ~~الظل , لاستتار الأرض بالأشحار واستيلائها عليها وإحاطتها بها , فكان أهلها ~~في أطيب عيش وأرفعه وأهنأ حال وأرغده , في نهاية الخصب وطيب الهواء وصفاء ~~الفضاء وتدفق الماء , وقوة الشوكة واجتماع الكلمة , وشتاتهم بين العباد { ~~آية } أي علامة ظاهرة على قدرتنا على ما نريد , ثم فسر الآية بقوله : { ~~جنتان } مجاورتان للطريق { عن يمين وشمال } أي بساتين متصلة وحدائق مشتبكة ~~, ورياض محتبكة , حتى كان الكل من كل جانب جنة واحدة لشدة اتصال بعضه ببعض ~~عن يمين كل سالك وشماله في أي مكان سلك من بلادهم ليس فيها موضع معطل , ~~وقال البغوي : عن يمين واديهم وشماله , قد احاط الجنتان بذلك الوادي . | ~~وأشار إلى كرم تلك الجنان وسعة ما بها من الخير بقوله : { كلوا } أي لا ~~تحتاج بلادهم إلى غير أن يقال لهم : كلوا { من رزق ربكم } أي المحسن إليكم ~~الذي أخرج لكم منها كل ما تشتهون { واشكروا له } أي خصوه بالشكر بالعمل بما ~~أنعم به في ما ms4014 يرضيه ليديم لكم النعمة , ثم استأنف تعظيم ذلك بقوله : { ~~بلدة طيبة } أي كريمة التربة حسة الهواء سليمة من الهوام والمضمارلا يحتاج ~~ساكنها إلى ما يتبعه فيعوقه عن الشكر , قال ابن زيد : لا يوجد فيها برغوث ~~ولا بعوض ولا عقرب ولا حية , ولا تقمل ثيابهم , ولا تعيا دوابهم . | وأشار ~~إلى أنه لا يقدر أحد على أن يقدره حق قدره بقوله : { ورب غفور * } أي لذنب ~~من شكره وتقصيره بمحو عين ما قصر فيه وأثره فلا يعاقب عليه ولا يعاتب , ~~ولولا ذلك ما أنعم عليكم بما أنتم فيه ولأهلككم بذنوبكم , وأخبرني بعض أهل ~~اليمن أنها اليوم مفازة قرب صنعاء اليمن - قال : في بعضها عنب يعمل منه ~~زبيب كبار جدا في مقدار در - تلي بلاد الشام , وهو في غاية الصفاء كأنه قطع ~~المصطكا وليس له نوى أصلا . | ولما تسبب عن هذا الإنعام بطرهم الموجب ~~لإعراضهم عن الشكر , دل على ذلك بقوله : { فأعرضوا } ولما تسبب عن إعراضهم ~~مقتهم , بينه بقوله : { فأرسلنا } ودل على أنه إرسال عذاب بعد مظهر العظمة ~~بأداة الاستعلاء فقال : { عليهم سيل العوم } أي سيح المطر الغالب المؤذي ~~الشديد الكثير الحاد الفعل المتناهي في الأذى الذي لا يرده شيء ولا تمنعه ~~حيلة بسد ولا غيره من العرامة , وهي الشدة والقوة , فأسد عليهم جميع ما ~~PageV06P168 ينتفعون به , قال أبو حيان : سلط الله عليهم الجرذ فأرا أعمى ~~توالد فيه , ويسمى الخلد , فخرفه شيئا بعد شيء , فأرسل الله سيلا في ذلك ~~الوادي , فحمل ذلك السد فروي أنه كان من العظم وكثرة الماء بحيث ملأ ما بين ~~الجبلين , وحمل الجنان وكثيرا من الناس ممن لم يمكنه الفرار . | ولما غرق ~~من غرق منهم ونجا من نجا , تفرقوا وتمزقوا حتى ضربت العرب المثل بهم فقالوا ~~: تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبا , والأوس والخزرج منهم , وكان ذلك في الفترة ~~التي بين عيسى ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم { وبدلناهم بجنتيهم } أي ~~جعلنا لهم بدلهما { جنتين } هما في غاية ما يكون من مضادة جنتيهم , ولذلك ~~فسرهما بقوله إعلاما بإن إطلاق الجنتين عليهما ms4015 مشاكلة لفظية للتهكم بهم : { ~~ذواتي أكل } أي ثمر { خمط } وقراءة الجماعة بتنوين { أكل } أقعد في التهكم ~~من قراءة أبي عمرو ويعقوب بالإضافة . | ولما كان الخمط مشتركا بين البهائم ~~والإنسان في الأكل والتجنب , والله أعلم بما أراد منه , لأنه ضرب من الإراك ~~, له ثمر يؤكل , وكل شجرة مرة ذات شوك , والحامض أو المر من كل شيء , وكل ~~نيت أخذ طعما من مرارة حتى لا يؤكل , ولا يمكن أكله , وثمر يقال له فسوة ~~الضبع على صورة الخشخشاش ينفرك ولا ينتفع به , والحمل القليل من كل شجر , ~~ذكر ما يخص البهائم التي بها قوام الإنسان فقال : { وأثل } أي وذواتي أثل , ~~وهو شجر لا ثمر له , نوع من الطرفاء , ثم ذكر ما يخص الإنسان فقال : { وشيء ~~من سدر } أي نبق { قليل * } وهذا يدل على أن غير السدر وهو ما لا منفعة فيه ~~أو منفعته مشوبة بكدر أكثر من السدر ؛ وقال أبو حيان : إن الفراء فسر هذا ~~السدر بالسمر , قال : وقال الأزهري : السدر سدران : سدر لا ينتفع به ولا ~~يصلح ورقه للغسول , وله ثمرة عفصة لا تؤكل , وهذا الذي يسمى الضال وسدر ~~ينبت على الماء وثمرة النبق وورقة الغسول يشبه العناب . | وقد سبق الوعد في ~~البقرة ببيان مطلب ما يفيده دخول الجار مع مادة ( بدل ) فإن الحال يفترق ~~فيها بين الإبدال التبديل والاستبدال والتبدل وغير ذلك , وهي كثرة الدور ~~مشتبهة الأمر , وقد حققها شيخنا محقق زمانه قاضي الشافعية بالديار المصرية ~~شمس الدين محمد بن علي القاياني رحمه الله فقال فيما علقته عند وذكر أكثره ~~في شرحه لخطبة المنهاج للنووي رحمه الله : اعلم أن هذه المادة - أعني الباء ~~والدال واللام - مع هذا الترتيب قد يذكر معها فقد يذكران مع التبدل ~~والاستبدال مصحوبا أحدهما بالباء كما في قوله تعالى : < # > 77 ( { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير } ) 77 < # > [ البقرة : 61 ] وفي قوله تعالى : < # > 77 ( { ومن يتبدل الكفر بالإيمان } ) 77 < # > [ البقرة : 108 ] الاية , PageV06P169 فتكون الباء داخلة على المتروك ~~ويتعدى الفعل بنفسه للمقابل المتخذ , وقد يذكران مع التبديل والإبدال ms4016 ~~وأحدهما مقرون بالباء , فالباء داخلة على المحاصل , ويتعدى الفعل بنفسه إلى ~~المتروك , نقل الأزهري عن ثعلب : بدلت الخاتم بالحلقة - إذا اذبته وسويته ~~حلقة , وبدلت الحلقة بالخاتم - إذا أذبتها وجعلتها خاتما , وأبدلت الخاتم ~~بالحلقة - إذا نحيت هذا وجعلت هذه مكانه , وحكى الهروي في الغريبين عن ابن ~~عرفة يعني نفطويه أنه قال : التبديل التغيير وإن لم يؤت ببدل كما ذكر في ~~الصحاح وكما هو مقتضى كلام ابن عرفة , فحيث ذكر المتقابلان وقيل : ( بدلت ~~هذا بذاك ) رجع حاصل ذلك أنك أخذت ذاك وأعطيت هذا , فإذا قيل : بدل الشيء ~~بغيره , فمعناه غير الشيء بغيره , أي ترك الأول وأخذ الثاني , فكانت الباء ~~داخلة على المأخوذ لا المنحى , ومعنى إبدال الشيء بغيره يرجع إلى تنحية ~~الشيء وجعل غيره مكانه , فكانت الباء داخلة على المتخذ مكان المنحى , ~~وللتبديل ولو مع الاقتصار على المتقابلين استعمال آخر , يتعدى إلى ~~المفعولين بنفسه كقوله تعالى ^ ( { أولئك يبدل الله سيآتهم حسنات } ) ^ [ ~~الكهف : 81 ] ^ ( { فأردنا أن يبدلها ربهما خيرا منه زكاة } ) ^ [ الفرقان ~~: 70 ] الآية بمعنى يجعل الحسنات بدل السيئات ويعطيهما بدل ما كان لهما ~~خيرا وقد لا يذكر المذهوب كما في قوله تعالى : ^ ( { بدلناهم جلودا غيرها } ~~) ^ [ النساء : 56 ] ومعنى التدب والاستبدال أخذ الشيء مكان غيره , فإذا ~~قلت : استبدلت هذا بذاك , أو تبدلت هذا بذاك , رجع حاصل ذلك أنك أخذت هذا ~~وتركت ذاك , وإن لم يقتصر عليهما بل ذكر معهما غيرهما وأحدهما مصحوب بالجار ~~وذكر التبديل كما في قوله تعالى { وبدلناهم بجنتيهم جنتين } تعدى الفعل ~~بنفسه إلى المفعولين يعين إلى المفعول ذلك لأجله وإلى المأخوذ بنفسه , وإلى ~~المذهوب المبدل منه بالباء كما في ( بدله الشيء أي غيرته , قال تعالى ^ ( { ~~فمن بدله بعد ما سمعه } ) ^ [ البقرة : 181 ] على أن ههنا ما يجب التنبه له ~~وهو أن الشيء يكون مأخوذا بالقياس والإضافة إلى شيء , متروكا بالقياس ~~والإضافة إلى آخر , كما إذا أعطى شخص شخصا شيئا وأخذ بدله منه , فالشيء ~~الأول مأخوذ للشخص الثاني ومتروك للأول , والمقابل بالعكس فيصح أن يعبر ~~التبدل والتبديل , ويعتبر في كل منهما ms4017 ما يناسبه , والإشكال المقام قصدنا ~~بعض الإطناب - انتهى والله أعلم . | < < # | سبأ : ( 17 - 20 ) ذلك جزيناهم بما . . . . . # > > ^ ( ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجزي إلا الكفور * وجعلنا بينهم وبين ~~القرى PageV06P170 التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا ~~فيها ليالي وأياما آمنين * فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم ~~فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور * ولقد ~~صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما أخبر عن هذا المحق والتقتير بعد ما كانوا فيه من ذلك الملك ~~الكبير , هول أمره مقدما للمفعول دلالة على أنه مما يهتم غاية الاهتمام ~~بتعرفه فقال : { ذلك } أي الجزاء العظيم العالي الرتبة في أمر المسخ { ~~جزيناهم } بما لنا من العظمة { بما كفروا } أي غطوا الدليل الواضح . | ولما ~~كان من العادة المستقرة عند ذوي الهمم العوال , العريقين في مقارعة الأبطال ~~, المبالغة في جزاء من أساء بعد الإحسان , وقابل الإنعام بالكفرن , لما أثر ~~في القلوب من الحريق مرة بعد مرة , وكرة في أثر كرة , أجرى الأمر سبحانه ~~على هذا العرف , فقال مشيرا إلى ذلك بصيغة المفاعلة عادا لغير جزائهم ~~بالنسبة إليه عدما , تهديدا يصدع القلوب ويردع النفوس , ويدع الأعناق خاضعة ~~والرؤوس : { وهل يجازى } أي هذا الجزاء الذي هو على وجه العقاب من مجاز ما ~~على سبيل المبالغة { إلا كفروا * } أي المبالغ في الكفر , وقراءة حمزة ~~والكسائي وحفص عن عاصم ( نجازي ) بالنون على أسلوب ما قبله من العظمة ونصب ~~( الكفور ) وقال الفراء : المؤمن يجزى ولا يجازى - كأنه يشير إلى أن عقاب ~~المسيء لأجل عمله فهو مفاعلة , وأما ثواب المطيع فهو فضل من الله لا لأجل ~~عمله , فإن عمله نعمة من الله , وذلك لا ينافي المضاعفة , قال القشيري : ~~كذلك من الناس من يكون في رغد من الحال واتصال من التوفيق وطيب من القلب ~~ومساعدة من الوقت فيرتكب زلة أو يسيء ادبا لأو يتبع شهوة , ولا يعرف قدر ما ~~هو فيه فيغير عليه الحال , فلا وقت ولا حال , ولا طرب ولا وصال ms4018 , يظلم عليه ~~النار , وكانت لياليه مضيئة ببدائع الأنوار . # ولما أتم الخبر عن الجنان التي بها القوام نعمة ونقمة , أتبعه مواضعه ~~السكان فقال : { وجعلنا } أي بما لنا من العظمة , ونبه بنزع الجار على ~~عمارة جميع تلك الأراضي بالبناء والانتفاع فقال : { بينهم } أي بين قرى أهل ~~سبأ { وبين القرى } اي مدنا كانت أو دونها { التي باركنا } أي بركة اعتنينا ~~بها اعتناء من يناظر آخر بغاية العظمة { فيها } أي بأن جعلناها محال العلم ~~والرزق بالأنبياء وأصفياء الأولياء وهي بلاد الشام { قرى ظاهرة } أي من أرض ~~الشام في أشراف الأرض وما صلب منها وعلا , لأن البناء فيها أثبت , والمشي ~~بها أسهل , والابتهاج برؤية جميع الجنان وما فيها من النضرة منها ~~PageV06P171 أمكن . | فهي ظاهرة للعيون بين تلك الجنان , كأنها الكواكب ~~الحسان , مع تقاربها بحيث يرى بعضها من بعض وكثرة المال بها والمفاخر ~~والنفع والمعونة للمارة ؛ قال البغوي : كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية ~~متثلة من سبأ إلى الشام . | ولما كانت مع هذا الوصف ربما كان فيها عسر على ~~المسافر لعدم الموافقة في المقيل والمبيت , أزال هذا بقوله : { وقدرنا فيها ~~السير } أي جعلناه على مقادير هي في غاية الرفق بالمسافر في نزوله متى أراد ~~من ليل أو نهار على ما جرت به عوائد السفار , فهي لذلك حقيقة بأن يقال ~~لأهلها والنازلين بها على سبيل الامتنان : { سيروا } والدليل على تقاربها ~~جدا قوله : { فيها } ودل على كثرتها وطول مسافتها وصلاحيتها للسير أي وقد ~~أريد , مقدما لما هو أدل على الأمن وأعدل للسير في البلاد الحارة بقوله : { ~~ليالي } وأشار إلى كثرة الظلال والرطوبة والاعتدال الذي يمكن معه السير في ~~جميع النهار بقوله : { وأياما } أي في أي وقت شئتم , ودل على عظيم أمانها ~~في كل وقت بالنسبة إلى كل ملم بقوله : { آمنين * } أي من خوف وتعب , أو ~~ضيعة أو عطش أو سغب . | ولما انقضى الخبر عن هذه الأوصاف التي تستدعي غاية ~~الشكر لما فيها من الألطاف , دل على بطرهم للنعمة بها بأنهم جعلوها سببا ~~للتضجر والملال بقوله : { فقالوا } على وجه الدعاء ms4019 : { ربنا } أي أيها ~~المربي لنا { باعد } أي أعظم البعد وشدده - على قراءة ابن كثير وأبي عمرو ~~وهشام عن ابن عامر بتشديد العين وإسكان الدال , وهذا بمعنى قراءة الباقين ~~غير يعقوب { باعد } المقتضية لمده وتطويله { بين أسفارنا } أي قرانا التي ~~نسافر فيها , أي ليقل الناس فيكون ما يخص كل إنسان من هذه الجنان أضعاف ما ~~يخصه الآن ونحمل الزاد ونسير على النجائب ونتعلق السلاح ونستجيد المراكب , ~~وكان بعضهم كأن على الضد من غرض هؤلاء فاستكثر مسافة ما بين كل قريتين فقال ~~كما قرأ الواردة على قانون الحكمة واشتهى أن تكون تلك القرى متواصلة { ~~وظلموا } حيث عدوا النعمة نقمة , والإحسان إساءة { أنفسهم } تارة باستقلال ~~الديار , وتارة باستقلال الثمار , فسبب ذلك تبديل ما هم فيه بحال هو في ~~الوحشة بقدر ما كانوا فيه من الإنس وهو معنى { فجعلناهم } أي بما لنا من ~~العظمة { احاديث } أي يتواصفها الناس جيلا بعد جيل لما لها من الهول { ~~ومزقناهم } أي تمزيقا يناسب العظمة , فما كان لهم دأب إلا المطاوعة فمزقوا ~~{ كل ممزق } أي تمزيق كما يمزق الثوب , بحيث صاروا مثلا مضوربا إلى هذا ~~الزمان , يقال لمن شئت أمرهم : تفرقوا أيدي سبا . | PageV06P172 ولما كان ~~كل من أمريهم هذين في العمارة والخراب أمرا باهرا دالا على أمور كثيرة , ~~منها القدرة على الساعة التي هي مقصود السورة بالنقلة من النعيم إلى الجحيم ~~والحشر إلا ما لا يريد الإنسان كما حشر أهل سبأ إلى كثير من أقطار البلاد ~~كما هو مشهور في قصتهم , قال منبها على ذلك مستأنفا على طريق الاستنتاج , ~~مؤكدا تنبيها على إنعام النظر فيه , لما له من الدلالة على صفات الكمال : { ~~إن في ذلك } أي الأمر العظيم { لآيات } أي دلالات بينة جدا على قدرة الله ~~تعالى للذوات والصفات بالخسف والمسخ , فإنه لا فرق بين خارق وخارق , وعلى ~~أن بطرهم لتلك النعمة حتى ملوها ودعوا بإزالتها دليل على أن الإنسان ما دام ~~حيا فهو في نعمة يجب عليه شكرها كائنة ما كانت وإن كان يراها بلية , لأنه ~~لما طبع ms4020 عليه من القلق كثيرا ما يرى النعم نقما , واللذاة ألما , ولذلك ختم ~~الآية بالصبر بصيغة المبالغة . | ولما كان الصبر حبس النفس عن أغراضها ~~الفاسدة وأهويتها المعمية , وكانت مخالفة الهوى أشد ما يكون على نفس وأشق , ~~وكانت النعم تبطر وتطغي , وتفسد وتلهي , فكان عطف النفوس إلى الشكر بعد ~~جماعها بطغيان النعن صعبا , وكانت قريش قد شاركت سبأ فيما ذكر وزادت عليهم ~~برغد العيش وسهولة إيتان الرزق بما حببهم به وبلدهم إلى العباد بدعوة أبيهم ~~إبراهيم عليه السلام مع آمن البلد وجلالة النسب وعظيم المنصب كما اشار إليه ~~قوله تعالى < # > 77 ( { وضرب الله مثلا ثربة كانت - آمنة مطمئنة } ) 77 < # > [ النحل : 122 ] قال تعالى محذرا لهم مثل عقوبتهم : { لكل صبار شكور * ~~} أي من جميع بني آدم , مشيرا بصيغة المبالغة إلى ذلك كله , وأن من لم يكن ~~في طبعه الصبر والشكر لا يقدر على ذلك , وأن من ليس في طبعه الصبر فاته ~~الشكر . | ولما كان المعنى : آيات في أن تخالفوا إبليس فلا تصدقوا ظنه في ~~احتناكهم حيث < # > 77 ( { لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلا } ) 77 < # > [ الإسراء : 62 ] قال مؤكدا لإنكار كل أحد أن يكون صدق ظن إبليس فيه : ~~{ ولقد } أي كان في ذلك آيات مانعة من اتباع الشيطان والحال أنه قد { صدق } ~~. | ولما كان في استغوائهم غالبا لهم في إركابهم ما تشهد عقولهم بأنه ضلال ~~, أشار إلى ذلك بأداة الاستعلاء فقال : { عليهم } أي على ذرية آدم عليه ~~السلام . | ولما كان في سياق الإثبات لعظمة الله وما عنده من الخير وما له ~~من التصرف التام الداعي ذلك إلى الإقبال إليه وقصر الهمم عليه , عبر بقوله ~~تعالى { إبليس } الذي هو من البلس وهو ما لا خير عنده - والإبلاس - وهو ~~اليأس من كل خير - ليكون ذلك أعظم PageV06P173 في التبكيت والتوبيخ { ظنه } ~~أي في قوله : ^ ( { لأحتنكن ذريته إلا قليلا } ) ^ [ الإسراء : 62 ] ^ ( { ~~ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك } ) ^ [ الحجر : 39 ] ^ ( { ولا تجد أكثرهم ~~شاكرين } ) ^ [ الأعراف : 17 ] فكأنه لما قال ذلك على سبيل الظن تقاضاه ظنه ~~الصدق فصدقه في ms4021 إعمال الحيلة حتى كان ذلك الظن - هذا على قراءة الجماعة ~~بالتخفيف , وأما على قراءة الكوفيين بالتشديد فالمعنى أنه جعل ظنه الذي كان ~~يمكن تكذيبه فيه قبل التحقق صادقا , بحيث لا يمكن أحدا تكذيبه فيه , ولذلك ~~سبب سبحانه عنه قوله : { فاتبعوه } أي بغاية الجهد بميل الطبع والاستلذاذ ~~الموجب للنزوع والترامي بعضهم في الكفران وبعضهم في مطلق العصيان . | ولما ~~كان المحدث عنهم جمعي الناس , عرف به الاستثناء المعرف لقلة الناجين فقال : ~~{ إلا فريقا } أي ناسا لهم القدرة على تفريق كلمة أهل الكفر وفض جمعهم وإن ~~كانوا بالنسبة إليهم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود { من المؤمنين * ~~} أي العريقين في الإيمان , فكانوا خالصين لله مخلصين في عبادته , وأما ~~غيرهم فمالوا معه , وكان منهم المقل ومنهم المكثر بالهفوات والزلات الصغائر ~~والكبارئر . | < < # | سبأ : ( 21 - 23 ) وما كان له . . . . . # > > ^ ( وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو ~~منها في شك وربك على كل شيء حفيظ * قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير * ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ) ^ } ) | ولما ~~كان ذلك ربما أوهم أن لإبليس أمرا بنفسه , نفاه بقوله : { وما } أي والحال ~~أنه ما { كان } أصلا { له عليهم } أي الذين اتبعوه ولا غيرهم , وأعرق فيما ~~هو الحق من النفي بقوله : { من سلطان } أي تسلط قاهر لشيء من الأشياء بوجه ~~لأنه مثلهم في كونه عبدا عاجزا مقهورا , ذليلا خائفا مدحورا , قال القشيري ~~: هو مسلط , ولو أمكنه أن يضل غيره أمكنه أن يمسك على الهداية نفسه { إلا } ~~أي لكن نحن سلطناه عليهم بسلطاننا وملكناه قيادهم بقهرنا ؛ وعبر عن التمييز ~~الذي هو سبب العلم بالعلم فقال : { لنعلم } أي بما لنا من العظمة { من يؤمن ~~} أي يوجد الإيمان لله { بالآخرة } أي ليتعلق علمنا بذلك في عالم الشهادة ~~في حال تميزه ms4022 تعلقا تقوم به الحجة في مجاري عادات البشر كما كان متعلقا به ~~في عالم الغيب { ممن هو منها } أي من الآخرة { في شك } فهو لا يتجدد له بها ~~إيمان أصلا , لأن الشك ظرف له محيط به , وإنما استعار PageV06P174 ( إلا ) ~~موضع ( لكن ) إشارة إلى أنه مكنه تمكينا تاما صار به كمن له سلطان حقيقي . ~~| ولما كان هذا ربما أوقع في وهم نقصا في العلم أو في القدرة , قال مشيرا ~~إلى أنه سبحانه يسره صلى الله عليه وسلم بتكثير هذا الفريق المخلص وجعل ~~أكثره من أمته فقال : { وربك } أي المحسن إليك بإخزاء الشيطان بنوتك ~~وإخسائه عن أمتك { على كل شيء } من المكلفين وغيرهم { حفيظ * } أي حافظ أتم ~~حفظ محيط به مدبر له على وجه العلو بعمله الكامل وقدرته الشاملة , فلا يفعل ~~الشيطان ولا غيره شيئا إلا بعلمه وإذنه . | ولما أثبت سبحانه لنفسه ولذاته ~~الأقدس من الملك في السماوات والأرض وغيرهما ما رأيت , واستدل عليه من ~~الأدلة التي لا يمكن التوصيب إليها بطعن بما سمعت , وكان المقصود الأعظم ~~التوحيد فإنه أصل ينبني عليه كل خير قال : { قل } أي با أعلم الخلق ! ~~بإقامة الإدلة لهؤلاء الذين شاركوا ما لا يشك في حقارته من له أدنى مسكة : ~~{ ادعوا الذين زعمتم } أي أنهم آلهة كما تدعون الله لا سيما في وقت الشدائد ~~, وحذف مفعولي ( زعم ) وهما ضميرهم وتألههم تنبيها على استهجان ذلك ~~واستبشاعه , وليس المذكور في الآية مفعولا ولا قائما مقام المفعول لفساد ~~المعنى ؛ وبين حقارتهم بقوله : { من دون الله } أي الذي حاز جميع العظمة ~~لشيء مما أثبته سبحانه لنفسه فليفعلوا شيئا مثله أو يبطلو شيئا مما فعله ~~سبحانه . | ولما كان جوابهم في ذلك السكوت عجزا وحيرة , تواى سبحانه الجواب ~~عنهم , إشارة إلى أن جواب كل من له تأمل لا وقفة فيه بقوله , معبرا عنهم ~~بعبارة من له علم بإقامتهم في ذلك المقام , أو لأن بعض من ادعيت إلآهيته ~~ممن له علم : { لا يمكلون } أي الآن ولا يتجدد لهم شيء من ذلك أصلا . | ~~ولما كان المراد ms4023 المبالغة في الحقارة بما تعرف العرب قال : { مثقال ذرة } ~~ولما أريد العموم عبر بقوله : { في السموات } وأكد فقال : { ولا في الأرض } ~~لأن السماء ما علا , والأرض ما سفل , والسماوات في العرش , والأرض في ~~السماء , فاستغرق ذلك النفي عنهما وعن كل ما فيهما من ذات ومعنى إلى العرش ~~, وهو ذو العرش العظيم . | ولما كان هذا ظاهرا في نفي الملك الخالص عن شوب ~~المشاركة , نفى المشاركة أيضا بقوله مؤكدا تكذيبا لهم فيما يدعونه : { وما ~~لهم فيهما } أي السماوات والأرض ولا فيما فيهما , وأعرق في النفي فقال : { ~~من شرك } أي في خلق ولا ملك ولا ملك , وقد انتفى ملكهم لشيء من أنفسهم أو ~~ما أسكن فيها سبحانه من قوة أو منفعة , فانتفى أن يقدروا على إعانة غيرهم , ~~وكان للتصريح مزيد روعة للنفوس وهزة للقلوب وقطع PageV06P175 للأطماع , حتى ~~لا يكون هناك متشبت قوي ولا واه قال : { وما له } أي الله { منهم } وأكد ~~النفي بإثبات الجار فقال : { من ظهري * } أي معين على شيء مما يريده , فكيف ~~يصح مع هذا العجز الكلي أن يدعوا كما يدعى ويرجوا كما يرجى ويعبدوا كما ~~يعبد . | ولما كان قد بقي من أقسام النفع الشفاعة , وكان المقصود منها ~~أثرها لا عينها , نفاه بقوله : { ولا تنفع } أي في أي وقت من الأوقات { ~~الشفاعة عنده } أي بوجه من الوجوه بشيء من الأشياء { إلا لمن } ولما كانت ~~كثافة الحجاب أعظم في الهيبة , وكان البناء للمجهول أدل على كثافة الحجاب , ~~قال في قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي بجعل المصدر عمدة الكلام وإسناد ~~الفعل إليه : { أذن له } أي وقع منه إذن له على لسان من شاء من جنوده ~~بواسطة واحدة أو أكثر في أن يشفع في غيره أو في أن يشفع فيه غيره , وقراءة ~~الباقين بالبناء للفاعل تدل على العظمة من وجه آخر , وهو أنه لا افتيات ~~عليه بوجه من أحد ما , بل لا أن ينص هو سبحانه على الإذن , وإلا فلا ~~استطاعة عليه أصلا . | ولما كان من المعلوم أن الموقوفين في محل خطر للعرض ~~على ms4024 ملك مرهوب متى نودي باسم أحد منهم فقيل أين فلان ينخلع قلبه وربما أغمي ~~عليه , فلذلك كان من المعلوم مما مضى أنه متى برز النداء من قبله تعالى في ~~ذلك المقام الذي ترى فيه كل أمة جاثية يغشى على الشافعين والمشفوع لهم , ~~فلذلك حسن كل الحسن قوله تعالى : { حتى } وهو غاية لنحو أن يقال : فإذا أذن ~~له وقع الصعق لجلاله وكبريائه وكماله حتى الجماعة بالبناء للمجهول , وأزل ~~هو سبحانه الفزع في قراءة ابن عامر ويعقوب , إشارة إلى أنه لا يخرج عن أمره ~~شيء { عن قلوبهم } أي الشافعين والمشفوع لهم , فإن ( فعل ) يأتي للإزالة ~~كقذيت عينه - إذا أزلت عنها القذى { قالوا } أي قال بعضهم لبعض : { ماذا ~~قال ربكم } ذاكرين صفة الإحسان ليرجع إليهم رجاؤهم فتسكن لذلك قلوبهم . | ~~ولما كام ملوك الدنيا ربما قال بعضهم قولا ثم بدا له فرجع عنه , أو عارضه ~~فيه شخص من أعيان جنده فينتقض , أخبر أن الملك الديان ليس كذلك فقال : { ~~قالوا الحق } أي الثابت الذي لا يمكن أن يبدل , بل يطابقه الواقع فلا يكون ~~شيء يخالفه { وهو العلي } أي فلا رتبة إلا دون رتبته سبحانه وتعالى , فلا ~~يقول غير الحق من نقص علم { الكبير } أي الذي لا كبير غيره فيعارضه في شيء ~~من حكم ؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة ~~بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان { فإذا فزع عن PageV06P176 ~~قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا } - للذي قال - { الحق وهو العلي الكبير ~~} فيسمعها مسترق السمع , ومسترق السمع هكذا يعضه فوق بعض - ووصفه سفيان ~~بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة ويلقيها إلى من تحته , ثم ~~يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يليقها على لسان الساحر أو الكاهن , فربما ~~أدركه الشهاب قبل أن يلقيها , وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة ~~كذبة فيقال : أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا , فيصدق بتلك الكلمة ~~التي ms4025 سمعت من السماء ) وقال في التوحيد : وقال مسروق عن ابن مسعود رضي الله ~~عنهما : ( وإذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات فإذا فزع عن قلوبهم وسكن ~~الصوت عرفوا أن الحق ونادوا ماذ ا قال ربكم قالوا الحق ) وروى لكل قبيل من ~~الجن مقعد من السماء يسمعون فيه الوحي , وفيه : فلا ينزل على سماء إلا ~~صفقوا , وفي آخره : ثم يقال : يكون العام كذا ويكون العام كذا , فتسمع الجن ~~ذلك فتخبر به الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا , فلما بعث الله رسوله صلى ~~الله عليه وسلم دحروا , فقالت العرب : هلك من في السماء , فذكر ذبح العرب ~~لأموالهم من الإبل وغيرها , حتى نهتهم ثقيف , واستدلوا بثبات معلم النجوم , ~~ثم أمر إبليس جنده بإحضار التراب وشمه حتى عرف أن الحدث من مكة . | < < # | سبأ : ( 24 - 29 ) قل من يرزقكم . . . . . # > > ^ ( قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنآ أو إياكم لعلى هدى ~~أو في ضلال مبين * قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا نسأل عما تعملون * قل يجمع ~~بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم * قل أروني الذين ألحقتم ~~به شركآء كلا بل هو الله العزيز الحكيم * ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس بشيرا ~~ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ~~) ^ } ) | ولما سلب عن شركائهم أن يملكوا شيئا من الأكوان , وأثبت جميع ~~الملك له وحده , أمره صلى الله عليه وسلم بأن يقررهم بما يلزم منه ذلك فقال ~~: { قل من يرزقكم } ولما كان كل شيء من الرزق متوقفا على الكونين , وكان في ~~معرض الامتنان والتوبيخ جمع لئلا يدعي أن لشيء من العالم العلوي مدبرا غيره ~~سبحانه فقال : { من السماوات } وقال : { والأرض } بالإفراد لأنهم لا يعلمون ~~غيرها . | PageV06P177 ولما كان من المعلوم أنهم مقرون بأن ذلك لله وحده ~~كما تقدم التصريح به غير مرة , وكان من المحقق أن إقرارهم بذلك ملزم لهم ~~الإخلاص في العبادة عند كل من له أدنى مسكة من عقله , أشار إلى ذلك ~~بالإشارة بأمره صلى الله عليه وسلم بالإجابة ms4026 إلى أنهم كالمنكرين لهذا , لأن ~~إقرارهم به لم ينفعهم فقال : { قل الله } أي الملك الأعلى وحده , وأمره بعد ~~إقامة هذا الدليل البين بأن يتبعه ما هو أشد عليهم من وقع النبل بطريق لا ~~أنصف منه , ولا يستطيع أحد أن يصوب إليه نوع طعن بأن يقول مؤكدا تنبيها على ~~وجوب إنعام النظر في تمييز المحق من المبطل بالانخلاع من الهوى , فإن الأمر ~~في غاية الخطر : { وإنا } أي أهل التوحيد في العبادة لمن تفرد بالرزق { أو ~~إياكم } أي أهل الإشراك به من لا يملك شيئا من الأشياء و ( أو ) على بأنها ~~لا بمعنى الواو , أي إن أحد فريقينا على إحدى الحالتين مبهمة غير معنية فهو ~~على خطر عظيم لكونه في شك من أمره غير مقطوع له بالهدى , فانظروا بعقولكم ~~في تعيينه هل هو الذي عرف الحق لأهله أو الذي بذل الحق لغير أهله , قال ابن ~~الجوزي : وهذا كما تقول للرجال تكذبه : والله إن أحدنا لكاذب , وأنت تعينه ~~تكذيبا غير مكشوف ويقول الرجل : والله لقد قدم فلان , فيقول له من يعلم ~~كذبه : قل إن شاء الله , فكذبه بأحسن من تصريح التكذيب , يعني ولا سيما بعد ~~إقامة الدليل على المراد ثم مثل المهتدين بمن هو على متن جواد يوجهه حيث ~~شاء من الجواد بقوله : { لعلى هدى } أي في متابعة ما ينبغي أن يعمل مستعلين ~~عليه ناظرين لكل ما يمكن أن يعرض فيه مما قد يجر إلى ضلال فتنكبه { أو في ~~ضلال } أي عن الحق في الإعتقاد المناسب فيه منغمسين فيه وهو محيط بالمبتلى ~~به لا يتمكن معه من وجه صواب : { مبين * } أي واضح في نفسه داع لكل أحد إلى ~~معرفة أنه ضلال إلا من كان منغمسا فيه مظروفا له , فإنه لا يحس بنفسه وما ~~بينه وبين أن يستبصر إلا أن يخرج منه وقتا ما فيعلم أنه كان في حاله ذلك ~~فاعلا ما لا يفعله من له نوع من العقل , ففي هذا حث على النظر الذي كانوا ~~يأبونه بقوله : { قلوبنا في أكنة } [ فصلت : 5 ] ونحوه ms4027 في الأدلة التي ~~يتميز بها الحق من الباطل على أحسن وجه بأنصف دعاء وألطف نداء حيث شرك ~~الداعي نفسه معهم فيما دعاهم إلى النظر فيه , فالمعنى أنه يتعين على كل منا ~~- إذا كان على إحدى الطريقين مبهمة - أن ينظر في أمر ليسلم فإن الأمر في ~~غاية الوضوح مع أن الضال في نهاية الخطر , ولقد كان الفضلاء من الصحابة ~~كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص , وناهيك بهما جلالا , ونباهة وذكاء وكمالا ~~, قالوا : والله كنا نعجب غاية العجب ممن يدخل في الإسلام واليوم نحن نعجب ~~غاية العجب ممن يتوقف عنه . | PageV06P178 ولما كانوا بين أمرين : إما أن ~~يسكتوا فيعلم كل سامع أن الحجة لزمتهم , وإما أن يقولوا بوقاحة ومكابرة : ~~أنتم في الضلال ونحن على الهدى , وكان الضال لا يزال يقطع ما ينبغي وصله ~~بوصل ما يجب قطعه , أمره أن يجيبهم على هذا التقدير بما هو أبلغ في الإنصاف ~~من الأول بقوله : { قل لا تسلؤن } أي من سائل ما { عما أجرمنا } أي قطعنا ~~فيه ما ينبغي أن يوصل مما أوجبه لنا الضلال { ولا نسئل } أي أصلا في وقت من ~~الأوقات من سائل ما { عما تعلمون * } أي مما بنيتموه على العلم الذي ~~أورثكموه الهدى أي فاتركونا والناس غيركم كما أنا نحن تاركوكم , فمن وضح له ~~شيء من الطريقين سالكه . | ولما كانوا إما أن يجيبوا إلى المتاركة فيحصلوا ~~لها المصقود عن قريب , وإما أن يقولوا : لا نترككم , وكان هذا الاحتمال ~~أرجح , أمره أن يجيبهم على تقديره بقوله : { قل يجمع بيننا ربنا } أي في ~~قضائه المرتب على قدره في الدنيا أو في الأخرة , قال القشيري : والشيوخ ~~ينتظرون في الاجتماع زوائد ويستروحون إلى هذا الآية , وللاجتماع أمر كبير ~~في الشريعة . | ولما كان إنصافهم منهم في غاية البعد عندهم , وكان ذلك في ~~نفسه في غاية العظمة , أشار إليه بأداة البعد فقال : { ثم يفتح } أي يحكم { ~~بيينا } حكما يسهل به الطريق { بالحق } أي الأمر الثابت الذي لا يقدر أحد ~~منا ولا منكم على التخلف عنه , وهو العدل أو الفضل من ms4028 غير ظلم ولا ميل . | ~~ولما كان التقدير : فهو الجامع القدير , عطف عليه قوله : { وهو الفتاح } أي ~~البليغ الفتح لما انغلق , فلم يقدر أحد على فتحه { العليم * } أي البالغ ~~العمل بكل دقيق وجليل مما يمكن فيه الحكومات , فهو القدير على فصل جميع ~~الخصومات . | ولما كانوا قد أنكروا البعث على ذلك الوجه الذي تقدم , ودل ~~على قدرته عليه بما نصب من الأدلة التي شاهدوها من أفعاله بالبصر أو ~~البصيرة إيجادا وإعداما , وأقام الحجة على صحة الدعوة وبطلان ما هم عليه , ~~ثم تهددهم بالفصل يوم الجمع , وختم بصفة العلم المحيط المستلزم للقدرة ~~الشاملة , وكانت القدرة لا تكون شاملة إلا عند الوحدانية , أمره بما يوجب ~~لهم القطع بوحدانيته وشمول قدرته بقوله : { قل } أي لهؤلاء المشركين . | ~~ولما كانت آلهتهم تسهل رؤيتها , وكان كل ما هو كذلك سافل المقدار عن هذه ~~الرتبة , وكانت آلهتهم بالخصوص أدنى الأشياء عن ذلك بكونها من أخس الجمادات ~~, نبه على ذلك وعلى أنها نكرة لا تعرف بقلب ولا تدل عليها فطرة زيادة في ~~تبكيتهم PageV06P179 بقوله : { أروني الذين } ولما لزم مما ثبت له سبحانه ~~من صفات الكمال العلو الذي لا يداينه أحد بوجه قال : { ألحقتم به } ولما ~~كان الإلتحاق يقتضي ولا بد قصور الملحق عن المحلق به , أشار إلى فرط جهلهم ~~بتسويتهم به بقوله : { شركاء } ثم نبه بعد إبطال قياسهم على أنهم في غاية ~~الجلافة والجمود فهم كالأنعام بما قرعهم به من الرجز في قوله مؤكدا تكذيبا ~~لهم في دعوى الشرك : { كلا } أي ارتدعوا وانزجروا فليس والله الأمر كما ~~ذكرتم ولا قريب منه { بل هو } أي المعبود بالحق الذي لا يستحق أن يسمى هو ~~غيره { الله } أي الذي اختص بالحمد في الأولى والآخرة { العزيز } أي الذي ~~لا مثل له , وكل شيء محتاج إليه , وهو غالب على كل شيء غلبة لا يجد معها ~~ذلك الشيء وجه مدافعة ولا انقلاب , ولا وصول لشيء إليه إلا بإذنه { الحكيم ~~* } أي المحكم لكل ما يفعله فلا يستطيع أحد نقض شيء منه فكيف يكون له شريك ~~وأنتم ترون ms4029 له من هاتين الصفتين المنافيتين لذلك وتعلمون عجز من أشركتموه ~~به عن أن يساويكم مع ما تعلمون من عجزكم . | ولما ختم بوصف الحكمة فتم ~~برهان القدرة التي كان أوجب اعتقادهم لعدم البعث ما يقتضي نقضا فيها , ولزم ~~عن ذلك التوحيد وبطل الشرك , لم يبق إلا إثبات الرسالة التي أوجب ترديدهم ~~أخباره صلى الله عليه وسلم بين الكذب والجنون الطعن فيها , فعلم أن التقدير ~~: أرسل إليكم رسوله بعزته مؤيدا له بإعجاز هذا القرآن بحكمته دليلا على ~~صدقه وكماله في جبلته وتأهله لبدائع نعمته ومعالي رحمته , وكان في ذلك دليل ~~الصدق في الرسالة ؛ فنسق به قوله معليا لشأنه بالخطاب في مظهر العظمة , ~~إشارة إلى أنه ينبغي أن يتدرع جلابيب الصبر على جميع المكارة الصادرة من ~~أنواع الخلق في أداء الرسالة بقوله عاطفا على { ولقد آتينا داود فضلا } ~~مؤكدا تكذيبا لمن يدعي الخصوص : { وما أرسلناك } أي بعظمتنا { إلا كآفة } ~~أي إرسالا عاما شاملا لكل ما شمله إيجادنا , تكفهم عما لعلهم أن ينتشروا ~~إليه من متابعة الأهوية , وتمنعهم عن أن يخرج عنها منهم أحد , فالتاء في ( ~~كافة ) للمبالغة , وعبارة ابن الجوزي : أي عامة لجميع الخلائق { للناس } أي ~~كل من فيه قابلية لأن ينوس من الجن والإنس وغيرهم من جميع ما سوى الله وإن ~~آذوك بكل أذى من النسبة إلى الافتراء أو الجنون أو غيرهما , فحال الإرسال ~~محصور في العموم للغرض الذي ذكر من التدرع لحمل المشاق , لا في الناس , ~~فأنه لو أريد ذلك لقدموا فقيل : إلا الناس كافة , وقد مضى فب أوائل الأنعام ~~عن السبكي ما ينفع هنا , والمعنى أن داود عليه السلام فضل بطاعة الجبال له ~~والطير والحديد , وسليمان عليه السلام بما ذكر له , ففضيلتك أنت بالإرسال ~~إلى كل من يمكن نوسه , فالحصا سبحت في كفك , PageV06P180 والجبال أمرت ~~بالسير معك ذهبا وفضة , والحمرة شكت إليك أخذ فراخها أو بيضها , والضب شد ~~لك , والجمل شكا إليك وسجد لك , والأشحار أطاعتك , والأحجار سلمت عليك ~~وائتمرت بأمرك إلى غير ذلك من كل من ينوس بالفعل أو ms4030 القابلية - والله اعلم ~~, وأما الجن فحالهم مشهور , وأما الملائكة فالدلائل على الإرسال إليهم في ~~غاية الظهور , وفي دلائل النبوة في باب التحدث بالنعمة عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن هذه الآية دليل على فضل النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الأنبياء بعموم الرسالة للإنس والجن . | ولما كانت البشارة هي الخبر الأول ~~الصدق السار , وكان في ذكرها رد قولهم في الكذب والجنون , قال : { بشيرا ~~ونذيرا } أي لمن أهل للبشارة أو النذارة . | ولما كان هذا الإرسال مقرونا ~~بديليه من الإيتان بالمعجز من نفسه من جهة البلاغة في نظمه وبالمعاني ~~المحكمة في البشارة والنذارة وغير ذلك , قلب عليهم قولهم الذي لا دليل عليه ~~ولا شبهة تصوب إليه في حقه صلى الله عليه وسلم بقوله الذي هو أوضح من الشمس ~~دليلا , وأقوم كل قيل قيلا : { ولكن } ولما كان الناس الأولين كل من ديه ~~قابلية النوس وهم جميع الخلائق وأكثرهم غير عاص , أظهر مريدا الثقلين من ~~الجن والإنس فقال : فأكثر الناس لا يعلمون أي ليس لهم قابلية العلم فيعلموا ~~أنك رسول الله فضلا من أن إرسالك عام , بل هم كالأنعام , فهم لذلك لا ~~يتأملون فيقولون ( افترى أم به جنة ) ونحو هذا من غير تدبر لما في هذا ~~الكتاب من الحكمة والصواب مع الإعجاز في حالي الإطناب والإيجاز , والإضمار ~~والإبراز , فيحملهم جهلهم على المخالفة والإعراض . | ولما سلب عنهم العلم , ~~أتبعه دليله , فقال معبرا بصيغة المضارعة الدال على ملازنة التكرير للإعلام ~~بأنه على سبيل الاستهزاء لا الاسترشاد : { ويقولون } أي ما أرسلناك إلا على ~~هذا الحال والحال أن المنذرين يقولون جهلا منهم بعاقية ما يوعدونه غير ~~مفكرين به في وجه الخلاص منه والتقصي عنه في كل حين استهزاء منهم : { متى ~~هذا الوعد } أي بالبشارة والنذارة في يوم الجمع وغيره فسموه وعدا زيادة في ~~الاستهزاء . | ولما كان قول الجماعة أجدر بالقبول , وأبعد عن الرد من قول ~~الواحد , أشار إلى زيادة جهلهم بقوله : { إن كنتم } أي أيها النبي وأتباعه ~~! كونا أنتم عريقون فيه { صادقين * } أي متمكنين في الصدق . | < < # | سبأ ms4031 : ( 30 - 33 ) قل لكم ميعاد . . . . . # > > ^ ( قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون * وقال ~~الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون ~~موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين ~~استكبروا PageV06P181 لولا أنتم لكنا مؤمنين * قال الذين استكبروا للذين ~~استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جآءكم بل كنتم مجرمين * وقال الذين ~~استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننآ أن نكفر بالله ~~ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق ~~الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما تبين من سؤالهم أنه لم يكن للاسترشاد وإن هم بالغوا به في ~~التكذيب والاستهزاء بعد الإبلاغ في إقامة الأدلة , أمره بأن يجيبهم بما ~~يصلح للمعاند من صادع التهديد بقوله : { قل لكم } أي أيها الجامدون الأجلاف ~~الذين لا يجوزون الممكنات , ولا يتدبرون ما أوضحها من الدلالات , مع ضعفهم ~~عن الدفاع , والمبالغة والامتناع { ميعاد يوم } أي لا تحتمل العقول وصف ~~عظمه لما يأتي فيه من العقاب سواء كان يوم الموت أو البعث . | ولما كان ~~تعلق النفوس بالمهلة عظيما , قال : { لا تستأخرون } أي لا يوجد تأخركم ولا ~~يمكن أن يطلب لحثيث الطلب وتعذر الهرب { عند ساعة } لأن الآتي به عظيم ~~القدرة محيط العلم , ولذلك قال : { ولا تستقدمون } أي لا يوجد تقدمكم لحظة ~~فما دونها ولا تتمكنون من طلب ذلك . | ولما دل سبحانه بملازمتهم للاستهزاء ~~بهذا الإنذار على أنهم غير منفكين عن مذاهب الكفار , ذكر تصريحهم بذلك ~~وحالهم في بعض الأوقات المنطبقة عليها الآية السالفة في قوله : { وقال ~~الذين كفروا } حيث عبر بالموصول وصلته في موضع الضمير , قطعا للأطماع عن ~~دعائهم : { لن نؤمن } أي نصدق أبدا , وصرحوا بالمنزل عليه صلى الله عليه ~~وسلم بالإشارة فقالوا : { بهذا القرآن } أي وإن جمع جميع الحكم والمقاصد ~~المضمنة لبقية الكتب { ولا بالذي بين يديه } أي قبله من الكتب : التوارة ~~والإنجيل وغيرهما . | بل نحن قانعون بما أدبنا به آباؤنا , وذلك ms4032 أن بعض أهل ~~الكتاب أخبروهم أن صفة هذا النبي عندهم في كتبهم , فأغضبهم ذلك فقالوه : { ~~ولو } أي والحال أنك { ترى } أي يوجد منك رؤية لحالهم { إذ } هم - هكذا كان ~~الأصل , ولكن أظهر الوصف تعميما وتعليقا للحكم به فقال : { الظالمون } أي ~~الذين يضعون الأشياء في غير محالها فيصدقون آباءهم لإحسان يسير مكدر بغير ~~دليل , ولا يصدقون ربهم الذي لا نعمة عندهم ولا عند آبائهم إلا منه , وقد ~~أقام لهم أدلة العقل بما ضرب لهم من الأمثال في الآفاق وفي أنفسهم , والنقل ~~بهذا القرآن المدلول على صدقه بعد إظهار المعجزات المحسوسات بعجزهم عنه , ~~فكأنهم سمعوه من الله المنعم الحق { موقوفون } أي بعد البعث بما يوقفهم من ~~قدرته بأيدي جنوده أو بغيرها بأيسر أمر منه سبحانه قهرا لهم وكرها منهم : { ~~عند ربهم } PageV06P182 أي الذي أحسن إليهم فطال إحسانه فكفروا كلما أحسن ~~به إليهم { يرجع بعضهم } أي على وجه الخصام عداوة . | كان سببها مواددتهم ~~في الدنيا بطاعة بعضهم لبعض في معاصي الله , قال القشيري : ومن عمل ~~بالمعاصي أخرج الله عليه كل من هو أطوع له , ولكنهم لا يعلمون ذلك , ولو ~~علموا لاعتبروا , ولو اعتبروا لتابوا وتوافقوا , ولكن ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا { إلى بعض القول } أي بالملائكة والمباكتة والمخاصمة , لرأيت امرا ~~فظيعا منكرا هائلا شنيعا مقلقا وجميعا يسرك منظره , ويعجبك منهم أثره ~~ومخبره , من ذلهم وتحاورهم وتخاذلهم حي لا ينفعهم شيء من ذلك . | ولما كان ~~هذا مجملا , فسره بقوله على سبيل الاستئناف : { يقول الذين استضعفوا } أي ~~وقع استضعافهم ممن هو فوقهم في الدنيا وهم الأتباع في تلك الحالة على سبيل ~~اللوم والتأنيب { للذين استكبروا } أي أوجدوا الكبر وطلبوه بما وجدوا من ~~أسبابه التي أدت إلى استضعافهم للأولين وهم الرؤوس المتبوعون : { لولا أنتم ~~} أي مما وجد من استتباعكم لنا على الكفر وغيره من أموركم { لكنا مؤمنين * ~~} أي عريقين في الإيمان لأنه لم يكن عندنا كبر من أنفسنا يحملنا على العناد ~~للرسل . | ولما لم يتضمن كلامهم سوى قضية واحدة , ذكر الجواب بقوله تعالى : ~~{ قال الذين استكبروا ms4033 } على طريق الاستئناف { للذين استضعفوا } ردا عليهم ~~وإنكارا لقولهم أنهم هم الذين صدوهم : { أنحن } خاصة { صددناكم } أي ~~منعناكم وصرفناكم { عن الهدى } ولما كانوا لا يؤاخذون بإهمال دليل العقل ~~قبل إيتان الرسل , أشاروا إلى ذلك بقولهم : { بعد إذ جاءكم } أي على ألسنة ~~الرسل . | ولما كان المعنى : إنا لم نفعل ذلك , حسن أن يقال : إنهم هم ~~الذين ضلوا بأنفسهم لا بإضلالهم , فقالوا : { بل كنتم } أي جبلة وخلقا { ~~مجرمين * } أي عريقين في قطع ما ينبغي وصله بعد إيتان الهدى مختارين لذلك ~~كما كنتم قبله أتباعا لنا ما ردتم ولا ردنا , ولما تضمن قولهم أمرين : ~~ادعاء عراقتهم في الإجرام , وإنكار كونهم سببا فيه , أشار إلى ردهم للثاني ~~بالعاطف على غير معطوف عليه إعلاما بأن التقدير : قال الذين استضعفوا : ~~كذبتم فيما ادعيتم من عراقتنا في الإجرام : { وقال الذين استضعفوا } عطفا ~~على هذا المقدر { للذين استكبروا } ردا لإنكارهم صدهم : { بل } الصاد لنا { ~~مكر الليل والنهار } أي الواقع فيهما من مكركم بنا , أو استعير إسناد المكر ~~إليهما لطول السلامة فيهما , وذلك للاتساع في الظرف في إجرائه مجرى المفعول ~~به { إذ تأمروننا } على الاستمرار { أن نكفر بالله } أي الملك الأعظم ~~بالاستمرار على ما كنا عليه قبل إيتان الرسل { ونجعل له أندادا } أي أمثالا ~~نعبدهم من دونه { وأسروا } أي يرجعون والحال PageV06P183 أن الفريقين أسروا ~~{ والندامة لما } أي حين { رأوا العذاب } لأنهم بينما هم في تلك المقاولة ~~وهم يظنون أنها تغني عنهم شيئا وإذا بهم قد بدا لهم ما لم يكونوا يحتسبون ~~فأبهتهم فلم يقدروا لفوات المقاصد وخسران النفوس أن نسبوا بكلمة , ولأجل أن ~~العذاب عم الشريف منهم والوضيع . | قال تعالى : { وجعلنا الأغلال } أي ~~الجوامع التي تغل اليد إلى العنق { في أعناق الذين كفروا } فأظهر موضع ~~الإضمار تصريحا بالمقصود وتنبيها على الوصف الذي أوجب لهم ذلك . | ولما ~~كانت أعمالهم لقبحها ينبغي البراءة منها , فكانت بملازمتهم لها كأنها قد ~~قهرتهم على ملازمتها وتقلدها طوق الحمامة فهم يعاندون الحق من غير التفات ~~إلى دليل قال منبها على ذلك جوابا لمن كأنه قال ms4034 : لم خصت أعناقهم وأيديهم ~~بهذا العذاب ؟ : { هل يجزون } أي بهذه الأغلال { إلا ما كانوا } أي كونا هم ~~عريقون فيه { يعملون * } أي على سبيل التجديد والاستمرار مما يدعون أنهم ~~بنوه على العلم , وذلك الجزاء - والله أعلم - هو ما يوجب قهرهم وإذلالهم ~~وإخزاءهم وإنكارهم وإيلامهم كما كانوا يفعلون مع المؤمنين ويتمنون لهم . | ~~< < # | سبأ : ( 34 - 38 ) وما أرسلنا في . . . . . # > > ^ ( ومآ أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا بمآ أرسلتم به ~~كافرون * وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين * قل إن ربي يبسط ~~الرزق لمن يشآء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ومآ أموالكم ولا أولادكم ~~بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزآء الضعف بما ~~عملوا وهم في الغرفات آمنون * والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في ~~العذاب محضرون ) ^ } ) | ولما كان في تسلية أخروية , أتبعه التسلية ~~الدنيوية , فقال عطفا على ما تقديره : وما أرسلنا غيرك إلا إرسالا خاصا ~~لأمته , عطفا على { ما أرسلناك إلا كافة } وساقه مؤكدا لأنه مضمونه - لكونه ~~في غاية الغرابة - مما لا يكاد يصدق : { وما أرسلنا } أي بعظمتنا ولما كان ~~المقصود التعميم , لأنه لم يتقدم قول قريش ليخص التسلية بمن قبلهم , أسقط ~~القبلية بخلاف ما في سورة الزخرف فقال : { في قرية } وأكد النفي بقوله : { ~~من نذير } أي ينذرهم وخامة ما أمامهم من عوقب أفعالهم , ودل بإفراده عن ~~البشارة أن غالب الأمم الماضية من أهل النذارة لنظهر مزية هذه الأمة , ~~ولعله عبر به إشارة إلى الناسخين للشرائع التي قبلهم دون المجددين من ~~أنبياء بين إسرائيل فإن بعضهم لم يكذب { إلا قال مترفوها } أي العظماء ~~الذين لا شغل لهم إلا التنعم بالفاني حتى أكسبهم البغي والطغيان : { إنا ~~بما أرسلتم به } أي أيها المنذرون { كافرون } أي وإذا قال PageV06P184 ~~المنعمون ذلك تبعهم المستضعفون فإذا وقفوا عندنا تقالوا بما تقدم ثم لم ~~ينفعهم ذلك { وقالوا } مفاخرين ودالين على أنهم فائزون كما قال لك هؤلاء ~~كأنهم تواصلوا به : ولما كانت الأموال في الأغلب سببا لكثرة الأولاد ~~بالاستكثار من النساء ms4035 الحرائر والإماء , قدمها فقال : { أموالا وأولادا } ~~أي في هذه الدنيا , ولو لم يرض منا ما نحن عليه ما رزقنا ذلك { وما نحن } ~~أي الآن { بمعذبين * } أي بثابت عذابنا , وإنما تعرض لنا أحوال خفيفة من ~~مرض وشدائد هي أخف من أحوالكم , وحاليا الآن دليل على حالنا فيما يستقبل من ~~الزمان كائنا ما كان , فإن الحال نموذج المآل , والأول دليل الآخر , فإن ~~كان ثم آخرة كما تقولون فنحن أسعد منكم فيها كما نحن أسعد منكم الآن , ولم ~~تنفعهم قصة سبأ في ذلك فإنهم لو تأملوا لكفتهم , وأنارت أبصار بصائرهم , ~~وصححت أمراض قلوبهم وشفتهم , فإنهم كانوا أحسن الناس حالا , فصاروا أقبحهم ~~مآلا . | ولما كانت لشبهتهم هذه شعبتان تتعلق إحداهما بالذات والأخرى ~~بالثمرات , بدأ بالأولى لأنها أهم , فقال مؤكدا تكذيبا لمن يظن أن سعيه ~~يفيد في الرزق شيئا لولا السعي ما كان : { قل } يا أكرم الخلق على الله ! ~~مؤكدا لأجل إنكارهم لأن يوسع في الدنيا على من لا يرضى فعله : { إن ربي } ~~أي المحسن إلي بالإنعام بالسعادة الباقية { يبسط الرزق } أي يجدده في كل ~~وقت أراده بالأموال والأولاد وغيرها { لمن يشاء ويقدر } أي يضيق على من ~~يشاء منكم أن يكون جميع الموسع عليهم على ما هو حق عنده ومرضى له , ~~لاختلافهم في الأصول وتكفير بعضهم لبعض , فإن الله معذب بعضهم لا محالة , ~~فبطلت شبهتهم , وثبت أنه يفعل ما يشاء ابتلاء وامتحانا , فلا يدل البسط على ~~الرضى ولا القبض على السخط - على ما عرف من سنته في هذه الدار { ولكن أكثر ~~الناس } أي الذين لم يرتفعوا عن حد النوس والاضطراب { لا يعلمون * } أي ليس ~~لهم علم ليتدبروا به ما ذكرنا من الأمر فيعلموا أنه ليس كل موسع عليه في ~~دنياه سعيدا في عقباه . | ولما هدم بالذات , أتبعه ما بالثمرات , فقال ~~مؤكدا تكذيبا لدعواهم : { وما أموالكم } أي أيها الخلق الذين أنتم من ~~جملتهم وإن كثرت , وكرر النافي تصريحا بإبطال كل على حياله فقال : { ولا ~~أولادكم } كذلك , وأثبت الجار تاكيدا للنفي فقال واصفا الجمع المكسر بما هو ms4036 ~~حقه من التأنيث : { بالتي } أي بالأموال والأولاد التي { تقربكم عندنا } أي ~~على ما لنا من العظمة بتصرفاتكم فيها بما يكسب المعالي { زلفى } ~~PageV06P185 أي درجة عليه وقربة مكينة قال البغوي : قال الأحفش : هي اسم ~~مصدر كأنه قال : تقريبا , ثم استثنى من ضمير الجمع الذي هو قائم مقام أحد , ~~فكأنه قيل : لا تقرب أحدا { إلا من } أو يكون تصديقا لإيمانه على ذلك ~~الأساس { صالحا } أي في ماله بإنفاقه في سبيل الله وفي ولده بتعليمه الخير ~~. | ولما من على المصلحين من المؤمنين في أموالهم وأولادهم بأن جعلها سببا ~~لمزيد قربهم , دل على ذلك بالفاء في قوله : { فأولئك } أي العالو الرتبة { ~~لهم جزاء الضعف } أي بأن يأخذوا جزاءهم مضاعفا في نفسه من عشرة أمثال إلى ~~ما لا نهاية له , ومضاعفا بالنسبة إلى جزاء من تقدمهم من الأمم , والضعف : ~~الزيادة { بما عملوا } فإن أعمالهم ثابتة محفوظة بأساس الإيمان { وهم في ~~الغرفات } أي العلالي المبنية فوق البيوت في الجنان , زيادة على ذلك { ~~آمنون } أي ثابت أمنهم دائما , لا خوف عليهم من شيء من الأشياء أصلا , وأما ~~غيرهم وهم المرادون بما بعده فأموالهم وأولادهم والأولاد . | ولما كان ~~سبحانه قد بت الحكم بشقاوتهم , وأنقذ القضاء بخسارتهم , أسقط فاء السبب ~~إعراضا من أعمالهم وقال : { أولئك } أي البعداء البغضاء { في العذاب } أي ~~المزيل للعدوية { محضرون * } أي يحضرهم فيه الموكلون بهم من جندنا على أهون ~~وجه وأسهله وهم دارخرون , قال القشيري : إن هؤلاء هم الذين لا يحترمون ~~الأولياء ولا يراعون حق الله في السر , فهم في عذاب الاعتراض على أولياء ~~الله وعذاب الوقوع بشؤم ذلك في ارتكاب محارم الله ثم في عذاب السقوط من عين ~~الله . | < < # | سبأ : ( 39 - 42 ) قل إن ربي . . . . . # > > ^ ( قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له ومآ أنفقتم من ~~شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين * ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ~~يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون * فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ms4037 ولا ضرا ~~ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون ) ^ } ) | ~~PageV06P186 ولما أبطل شبهتهم بشعبيتها بالنسبة إلى الأشخاص المختلفة , قرب ~~ذلك بدليل واحد في شخص واحد فقال : { قل } يا أشرف الخلق لهؤلاء الجهلة ~~الذين يظنون أن الرزق بحسب حسن السعي وقبحه أو حسن حال الشخص عند الله ~~وقبحها : { إن ربي } أي المحسن إلي بهذا البيان المعجز { يبسط الرزق } أي ~~متى شاء { لمن يشاء من عباده } أي على سبيل التجدد المستمر من أي طائفة كان ~~{ ويقدر وله } أي يضيق عليه نفسه في حالتين متعاقبتين , وهو بصفة واحد على ~~عمل واحد , فلو أن الإكرام والإنعام يوجب الدوام لما تغيرت حاله من السعة ~~إلى الضيق , ولو أن في يده نفع نفسه لما اختلف حاله . | ولما بين هذا البسط ~~أن فعله بالاختيار بعد أن بين بالأول كذبهم في أنه سبب للسلامة من النار . ~~| دل على أنه الفاعل لا غيره بقوله : { وما أنفقتم من شيء } أي أنتم ~~وأخصامكم وغيرهم { فهو يخلفه } أي لا غيره بدليل أن المنفق قد يجتهد كل ~~الاجتهاد في الإخلاف فلا ينفق , فدل ذلك على أنه المختص بالإخلاف , ولأن ~~هذا هو المعنى لا أنه ضمن الإخلاف لكل من ينفق على أي وجه كان , قال مجاهد ~~كما نقله الرازي في اللوامع : ( إذا كان في يد أحدكم شيء فليقتصد ولا يتأول ~~الآية , فإن الرزق مقسوم , وما عال من اقتصد ) كما رواه الطبراني عن ابن ~~مسعود رضي الله عنه مرفوعا , والمعنى أنه قد دل الإخلاف على جميع الأشكال ~~والأضداد على أن الأمر فيه على غير ما ظننتم من الإسعاف به في وقت موجب ~~للإكرام على الدوام , وأن ذلك إنما هو لضمانه الرزق لكل أحد بحسب ما قسمه ~~له من سبق به عمله وقدرته حكمته , وتارة يكون إخلافه حسا وبالفعل , وتارة ~~يكون معنى وبالقوة , بالترضية بتلك الحالة التي أدت إلى العدم , قال ~~القشيري : وهو أتم من السرور بالموجود , ومن ذلك الأنس بالله في الخلوة , ~~ولا يكون ذلك إلا مع التجريد - انتهى . | والمنفق بالاقتصاد داخل إن ms4038 شاء ~~الله تعالى تحت قول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان : البخاري ومسلم ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال الله تعالى : ( أنفق أنفق عليك ) وما روى ~~الشيخان وابن حبان في صحيحه أيضا ( ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ~~ينزلان يقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا , ويقول الآخر : اللهم أعط ~~ممسكا تلفا ) فهو خير الموسعين { وهو خير الرازقين * } أي الذين تعدونهم ~~هذا PageV06P187 العداد ممن يقيمهم هو سبحانه لكم فتضيفون الرزق إليهم , ~~فإنهم وسائط لا يقدرون إلا على ما قدرهم , وأما هو سبحانه فهو يوجد المعدوم ~~, ويرزق من يطيعه ومن يعصيه , ولا يضيق ترزيقه بأحد , ولا يشغله فيه أحد عن ~~أحد , بل يبعث في كل يوم لكل أحد رزقه في آن واحد كما ينشر عليهم نوره ~~بالشمس في آن واحد من غير توقيف لذلك على شيء من الأشياء غير سبق به العلم ~~في الأزل . | ولما أبطل شبهتهم فعلم بذلك أن الأمر كله له , وأنهم في محل ~~الخطر , وكان قد بقي من شبههم أنهم يقولون : نحن نعبد الملائكة فهم يشفعون ~~لنا , وكان الأنبياء عليهم السلام لا ينكرون أن الملائكة مقربون أبطل ما ~~يتعلقون به منهم , وبين أنه لا أمر لهم وأنهم بريئون منهم , فقال عاطفا على ~~{ إذ الظالمون } : { ويوم نحشرهم } أي نجمعهم جمعا بكره بعد البعث , وعم ~~التابع والمتبرع بقوله : { جميعا } . | ولما كانت مواقف الحشر طويلة ~~وزلازله مهولة قال : { ثم نقول للملائكة } أي توبيخا للمشركين وإقناطا مما ~~يرجون منهم من الشفاعة . | ولما كانت العبادة لا تنفع إلا إذا كان المعبود ~~راضيا بها وكانت خالصة , قال مبكتا للمشركين وموبخا ليكون هناك سؤال وجواب ~~فيكون التقريع أشد والخجل بعد أعظم , والخوف والهوان أتم وألزم ويكون ~~اقتصاص ذلك عظة للسامعين , وزجرا للجاهلين , وتنبيها للغافلين , على طريق < # > 77 ( { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلآهين من دون الله } ) 77 < # > [ المائدة : 116 ] الآيات : { أهؤلاء } أي الضالون ؛ وأشار إلى أنه لا ~~ينفع من العبادة إلا ما كان خالصا فقال : { إياكم } أي خاصة { كانوا يعبدون ~~* } بأفعالهم الاختيارية ms4039 والقسرية ليعلم أنهم عبيد لكم تستحقون عبادتهم , ~~وفي التعبير بما يدل على الاختصاص تنبيه لقريش على أنه لا يعتد من العبادة ~~إلا بالخالص { قالوا } أي الملائكة متبرئين منهم مفتتحين بالتنزيه تخضعا ~~بين يدي البراءة خوفا من حلول السطوة { سبحانك } أي ننزهك تنزيها يليق ~~بجلالك عن أن يستحق أحد غيرك أن يعبد . | ولما كانوا كارهين جدا لعبادتهم , ~~وكانت فائدة العبادة الوصلة بين العابد والمعبود قالوا : { أنت ولينا } أي ~~معبودنا الذي لا وصلة بيننا وبين أحد إلا بأمره { من دونهم } أي من أقرب ~~منزلة لك من منازلهم منا , فأنت أقرب شيء إلينا في كل معاني الولاية من ~~العلم والقدرة وغيرهما , فكيف نترك الأقرب والأقوى ونتولى الأبعد العاجز , ~~ليس بيننا وبينهم من ولاية , بل عداوة , وكذا كل من تقرب إلى شخص بمعصية ~~الله يقسي الله قلبه عليه ويبغضه فيه فيجافيه ويعاديه . | ولما كان من يعمل ~~لأحد عملا لم يأمر به ولم يرضه إنما عمل في الحقيقة للذي PageV06P188 دعاه ~~إلى ذلك العمل قالوا : { بل كانوا } بأفعالهم الاختيارية الموجبة للشرك { ~~يعبدون الجن } أي إبليس وذريته الذين زينوا لهم عبادتنا من غير رضانا بذلك ~~, وكانوا يدخلون في أجواف الأصنام ويخاطبونهم ويستجيرون بهم في الأماكن ~~المخوفة , ومن هذا تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة ؛ ثم استأنفوا ~~قولهم : { اكثرهم } أي افنس { بهم } أي الجن { مؤمنون * } أي راسخون في ~~الإشتراك لا يقصدون بعبادتهم غيرهم , وقليل منهم من يقصد بعبادته بتزيين ~~الجن وغيرهم وهو راض بها , فهي في الحقيقة لمن زينها لهم من الجن , وهم من ~~ذلك يصدقون ما يرد عليهم من إخبارات الجن على ألسنة الكهان وغيرهم مع ما ~~يرون فيها من الكذب في كثير من الأوقات . | ولما بطلت تمسكاتهم , وتقطعت ~~تعلقاتهم , تسبب عن ذلك تقريعهم الناشئ عنه تنديمهم بقوله بلسان العظمة : { ~~فاليوم } أي يوم مخاطبتهم بهذا التبكيت وهو يوم الحشر { لا يملك } أي شيئا ~~من الملك { بعضكم لبعض } أي من المقربين والمبعدين . | ولما كان المدار على ~~الخلاص والسياق للشفاعة , قدم النفع فقال : { نفعا } وأكمل الأمر بقوله : { ~~ولا ms4040 ضرا } تحقيقا لقطع جميع الأسباب التي كانت في دار التكليف من دار ~~الجزاء التي المقصود فيها تمام إظهار العظمة لله وحده على أتم الوجوه . | ~~ولما كان المعنى : فاليوم نسلب الخلائق ما كنا مكناهم منه في الدنيا من ~~التنافع والتضارر . | وتلاشى بذلك كل شيء سواه , أثبت لنفسه المقدس ما ~~ينبغي , فقال عاطفا على هذا الذي قدرته : { ونقول } أي في ذلك الحال من غير ~~إمهال ولا إهمال { للذين ظلموا } أي بوضع العبادة في غير موضعها ولا سيما ~~من ضم إلى ذلك إنكار المعاد عند إدخالنا لهم النار : { ذوقوا عذاب النار } ~~ولما لم يتقدم للعذاب وصف بترديد - كما تقدم في السجدة - ولا غيره , كان ~~المضاف إليه أحق بالوصف لأنه المصوب إليه بالتكذيب فقال : { التي كنتم } أي ~~جبلة وطبعا { بها تذكبون * } . | < < # | سبأ : ( 43 - 45 ) وإذا تتلى عليهم . . . . . # > > ^ ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن ~~يصدكم عما كان يعبد آبآؤكم وقالوا ما هذآ إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا ~~للحق لما جآءهم إن هذآ إلا سحر مبين * ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها ومآ ~~أرسلنا إليهم قبلك من نذير * وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار مآ ~~آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير ) ^ } ) | ولما أخبر أنهم أبوا الإيمان ~~بالقرآن , المخبر بالغيب من أمر الرحمن الذي هدت إليه العقول , وشاهدت ~~آثاره العيون , في هذا الكلام المعجز , فتظافرت على ما أخبرت به أدلة السمع ~~والبصر والعقل , وختم بأنهم آمنوا بالجن غبيا وعبدوهم من دون الله بما ~~PageV06P189 لم يدع إليه عقل ولا نقل , وصدقوهم من الإخبار بما إن صدقوا في ~~شيء منه خلطوا معه أكثر من مائة كذبة , وسلب أعظم من ادعوا أنهم استندوا ~~إليه النفع والضر , وأسند تعذيبهم إلى تكذيبهم , أتبعه الإخبار بأنهم ~~لازموا الإصرار على ذلك الكفر والتكذيب بما كله صدق وحكم فقال : { وإذا ~~تتلى } أي في وقت من الأوقات من أي تال كان { عليهم } أي خاصة لم يشركهم ~~غيرهم ليقولوا : إنه المقصود بالتلاوة , فلا يلزمهم الاستماع { آياتنا } ~~حال كونها { بينات } ما ms4041 قالت شيئ إلا ظهرت حقيته { قالوا } أي على الفور من ~~غير تأمل لما حملهم على ذلك من حظ النفس . | ولما كان المستكبرون يرون ما ~~للرسالة من الظهور , وللرسول من القبول , وأن أتباعهم قد ظهر لهم ذلك , ~~فمالوا إليه بكلياتهم , أكده قولهم : { ما هذا } أي التالي لها على ما فيه ~~من السمت المعلم بأنه أصدق الخلق وأعلاهم همة وأبينهم نصيحة { إلا رجل } أي ~~مع كونه واحدا هو مثل واحد من رجالكم , وتزيدون عليه أنتم بالكثرة , ولم ~~يسندوا الفعل إليهم نفيا للغرض عن أنفسهم وإلهابا للمخاطبين فقالوا : { ~~يريد أن يصدكم } أي بهذا الذي يتلوه { عما كان } دائما { يبعد آباؤكم } أي ~~لا قصد له إلا ذلك لتكونوا له أتباعا , وألهبوا السامعين بتصوير آبائهم ~~بذكر ( كان ) والفعل المضارع ملازمين للعبادة ليثبتوا على كفرهم بما لا ~~دليل عليه ولا شبهة ولا داع سوى التقليد . | ولما كانت أدلة الكتاب واضحة , ~~خافوا عاقبتها في قبول الاتباع لها , فجزموا بأنها كذب ليوقفوهم بذلك , ~~فحكى ذلك عنهم سبحانه بقوله : { وقالوا ما هذا } أي القرآن { إلا إفك } أي ~~كذب مصروف عن وجهه { مفترى } أي معتمد ما فيه من الصرف . | ولما كان فيه ما ~~لا يشك أحد في حقيقته , لبسوا عليهم بأنه خيال يوشك أن ينكشف إيقافا لهم ~~إلى وقت ما , فقال تعالى إخبارا عنهم : { وقال } ولما كان الحق قد يخفى , ~~ولم يقيده بالبيان كما فعل في الآيات , أظهر موضع الإضمار بيانا للوصف ~~الحامل لهم على ذلك القول وهو التدليس , فقال : { الذين كفروا } أي ستروا ~~ما دلت عليه العقول من حقيقة القرآن , { للحق } أي الذي لا أثبت منه ~~باعتبار كمال الحقية فيه { لما جاءهم } أي من غير أن يمهلوا النظر ولا تدبر ~~ليقال إن الداعي لهم إلى ما قالوا نوه شبهة عرضت لهم , بل أظهروا بالمسارعة ~~إلى الطعن أنه مما لا يتوقف فيه , وأكدوا لما تقدم من خوفهم على أتباعهم ~~ليخيلوهم فقالوا : { إن } أي ما { هذا } أي الثابت الذي لا يكون شيء أثبت ~~منه { إلا سحرا } أي خيال لا حقيقة له ms4042 { مبين * } أي ظاهر العوار جدا , فهو ~~ينادي على نفسه بذلك , فلا تغتروا بما فيه مما تميل النفوس ويؤثر في القلوب ~~, ولقد انصد لعمري بهذا التلبيس - مع أن في نسبتهم له إلى السحر الاعتراف ~~PageV06P190 بالعجز - بشر كثير برهة حتى هدى الله بعضهم , وتمادى بالآخرين ~~الأمر حتى ماتوا على ضلالهم , مع أنه كان ينبغي لكل من رأى مباردتهم ~~وتحرقهم أن يعرف أنهم متغرضون , لم يحملهم على ذلك إلا الحظوظ النفسانية , ~~والعلق الشهوانية , قال الطفيل ابن عمرو الدوسي ذو النور رضي الله عنه : ~~لقد اكثروا علي في أمره حتى حشوت في أذني الكرسف خوفا من أن يخلص إلى شيء ~~من كلامه فينتفي , ثم أراد الله بي الخير فقلت : واثكل أمي إني والله لبيب ~~عاقل شاعر , ولي معرفة بتمييز غث الكلام من سمينه , فما لي لا أسمع منه , ~~فإن كان حقا تبعته , وإن كان باطلا كنت منه على بصيرة - أو كما قال , قال : ~~فقصدت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : اعرض علي ما جئت به , فما توقفت في ~~أن أسلمت , ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله له أن يطيعه آية ~~تعينه على قومه , فلما أشرف على حاضر قومه كان له نور في جبهته , فخشي أن ~~يظنوا أنها مثلة , فدعا بتحويله , فتحول في طرف سوطه , فأعانه الله على ~~قومه فأسلموا . | ولما بارزوا بهذا القول من غير أثارة من علم ولا خبر من ~~سمع , بين ذلك معجبا من شأنهم , موضحا لعنادهم , بقوله مؤكدا إشارة إلى أن ~~ما يجترئون عليه من الأقوال التي لا سند لها إلا التقليد لا يكون إلا من ~~كتاب أو رسول : { وما } أي قالوا ذلك والحال أنا ما { آتيناهم } أي هؤلاء ~~العرب أصلا لأنه لم ينزل عليهم قط قبل القرآن كتاب , وعبر بمظهر العظمة ~~إشارة إلى أن هذا مقام خطر وموطن وعر جدا لأنه أصل الدين , فلا يقنع فيه ~~إلا بأمر عظيم , وأكد هذا المعنى بقوله : { من كتب } بصيغة الجمع مع تأكيد ~~النفي بالجار قبل كتابك الجامع { يدرسونها } أي ms4043 يجددون دراستها في كل حين , ~~فهي متظاهرة الدلالة باجتماعها على معنى واحد متواترة عندهم لا شبهة في ~~أمرها ليكون ذلك سببا للطعن في القرآن إذا خالف تلك الكتب { وما أرسلنا } ~~أي إرسالا لا شبهة فيه لمناسبته لما لنا من العظمة { إليهم } أي خاصة , ~~بمعنى أن ذلك الرسول مأمور بهم باعيانهم , فهم مقصودون بالذات , لا أنهم ~~داخلون في عموم , أو مصقودون من باب الأمر بالمعروف في جميع الزمان الذي { ~~قبلك } أي من قبل رسالتك الجامعة لكل رسالة ليخرج إبراهيم وإسماعيل عليهما ~~السلام فإنهما كانا في بعض الزمان الماضي , أو أن المراد في الفترة بعد ~~عيسى عليه السلام كما تقدم في السجدة نقله عن ابن عباس ومقاتل , ويجوز أن ~~يراد بعد إسماعيل عليه السلام لأن عيسى عليه السلام - وإن أرسل إلى العرب ~~رسله - لم يكن مرسلا إلا إلى قومه , وإرساله إلى غيرهم إنما هو من باب ~~الأمر بالمعروف , وشعيب عليه السلام إنما كانت رسالته إلى طائفة أو أثنتين ~~منهم وقد PageV06P191 يقال : الذي يدل عليه استغراق جميع الزمان الماضي ~~بالتجريد عن الخافض أن المراد إنما هو نفي الإرسال بهذا الباطل الذي إدعوه ~~لا مطلق الإرسال , وأكد النفي بقوله : { من نذير * } أي ليكون عندهم قول ~~منه يغبر في وجه القرآن , فيكون حاملا لهم على الطعن . | ولما نفى موجب ~~الطعن , ذكر المانع الموجب للإذعان فقال : { وكذب } أي فعلوا ما فعلوا , ~~الحال أنه قد كذب { الذين من قبلهم } أي من قوم نوح ومن بعدهم بادروا إلى ~~ما بادر إليه هؤلاء , لأن التكذيب كان في طباعهم لما عندهم من الجلافة ~~والكبر { وما بلغوا } أي هؤلاء { معشار ما آتيناهم } أي عشرا صغيرا مما ~~آتينا أولئك من القوة في الأبدان والأموال والمكنة في كل شيء من العقول ~~وطول الأعمار والخلو من الشواغل { فكذبوا } أي بسبب ما طبعوا عليه من ~~العناد , وأفرد الضمير كما هو حقه ونصا على أن النون فيما مضى للعظمة لا ~~للجمع دفعا لتعنت متعنت فقال : { رسلي } . | ولما كان اجتراؤهم على الرسل ~~سبب إهلاكهم على أوجه عجيبة ms4044 , صارت مثلا مضوربا باقيا إلى يوم القيامة ولم ~~يغن عنهم في دفع النقم ما بسط لهم من النعم , كان موضع أن يقال لرائيه أو ~~لسامعه : { فكيف كان نكبر * } أي فيما كان له من الشدة التي هي كالجبلة أي ~~إنكاري على المكذبين لرسلي , ليكون السؤال تنبيها لهذا المسؤول وداعيا له ~~إلى الإذعان خوفا من أن يحل به ما حل بهم أن فعل مثل ما فعلهم سواء كان ~~الإنكار في أدنى الوجوه كما أوقعناه سببا من تعطيل الأسباب , أو أعلاها كما ~~أنزلنا بقوم نوح عليه السلام ومن شاكلهم وصب العذاب والاستئصال الوحي ~~بالمصاب على ما أشارت إليه قراءتا حذف الياء وإثباتها . | < < # | سبأ : ( 46 - 49 ) قل إنما أعظكم . . . . . # > > ^ ( قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما ~~بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد * قل ما سألتكم من ~~أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد * قل إن ربي يقذف ~~بالحق علام الغيوب * قل جآء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد ) ^ } ) | ولما ~~أبطل شبههم كلها , ولين من عريكتهم بالتنبيه على التحذير , فصاروا جديرين ~~بقبول الوعظ , وكان مما رموه به - وحاشاه - الجنون وتعمد الكذب , أمره ~~بالإقبال عليهم به مخففا له لئلا ينفروا من طوله فقال : { قل } وأكده زيادة ~~في استجلابهم إلى الإقبال عليه فقال : { إنما أعظكم بواحدة } أي فاسمعوا ~~ولا تنفروا خوفا من أن أملكم ؛ ثم استأنف قوله بيانا لها : { أن تقوموا } ~~أي توجهوا نفوسكم إلى تعرف الحق , وعبر بالقيام PageV06P192 إشارة إلى ~~الاجتهاد { لله } أي الذي لا أعظم منه على وجه الإخلاص واستحضار ما له من ~~العظمة بما له من الإحسان لا لإرادة المغالبة حال كونكم { مثنى } أي اثنين ~~اثنين , وقدمه إشارة أة أن أغلب الناس ناقص العقل { وفرادى } أي واحدا ~~واحدا واحدا , من وثق بنفسه في رصانه عقله وأصالة رأيه قام وحده ليكون أصفى ~~لسره , وأعون على خلوص فكره , ومن خاف عليها ضم إليه آخر ليذكره إن نسي . | ~~ويقومه إن ms4045 زاغ . | ولما كان هذا القسم أكثر وجودا في الناس قدمه ولم يذكر ~~غيرهما من الأقسام , إشارة إلى أنهم إذا كانوا على هاتين الحالتين كان أجدر ~~لهم بأن يعرفوا الحق من غير شائبة حظ مما يكون في الجمع الكثير من الجدال ~~واللفظ المانع من تهذيب الرأي وتثقيف الفكر وتنقية المعاني . | ولما كان ما ~~طلب منهم هذا لأجله عظيما جديرا بأن يهتم له هذا الاهتمام , أشار إليه ~~بأداة التراخي فقال : { ثم تتفكروا } أي تجتهدوا بعن التأني وطول التروي في ~~الفكر فيما وستم به صاحبكم من أمر الجنون . | ولما كان بعده صلى الله عليه ~~وسلم من هذا آمرا لا يتمارى فيه , استأنف قوله معينا بالتعبير بالصاحب ~~مؤكدا تكذيبا لهم وتنبيها على ظهور مضمون هذا النفي : { ما بصاحبكم } أي ~~الذي دعاكم إلى الله وقد بلوتموه صغيرا ويافعا وشابا وكهلا , وأعرق في ~~النفي بقوله : { من جنة } وخصها لأنها مما يمكن طروءه , ولم يعرج على الكذب ~~لأنه مما لا يمكن فيمن عاش بين أناس عمرا طويلا ودهرا دهيرا يصحبهم ليلا ~~ونهارا صباحا ومساء سرا وعلنا في السراء والضراء , وهو أعلاهم همة وأوفاهم ~~مروءة , وأزكاهم خلائق وأظهرهم شمائل , وأبعدهم عن الأدناس ساحة في مطلق ~~الكذب , فكيف بما يخالف أهواءهم فكيف بما ينسب إلى الله فكيف وكلامه الذي ~~ينسب فيه إلى الكذب معجز بما فيه من الحكم والأحكام , والبلاغة والمعاني ~~التي أعيت الأفهام . | ولما ثبت بهذا إعلاما وإفهاما براءته مما قذفوه به ~~كله , حصر أمره في النصيحة من الهلاك , فقال منبها على أن هذا الذي أتاهم ~~به لا يدعيه إلا أحد رجلين : إما مجنون أو صادق هو أكمل الرجال , وقد انتفى ~~الأول فثبت الثاني : { إن } أي ما { هو } أي المحدث عنه بعينه { إلا نذير ~~لكم } أي خاصا إنذاره وقصده الخلاص بكم , وهول أمر العذاب بتصويره صورة من ~~له آلة بطش محيطة بمن تقصده فقال : { بين يدي } أي قبل حلول { عذاب شديد * ~~} قاهر لا خلاص منه , إن لم ترجعوا إليه حل بكم سريعا , روى البخاري عن ابن ~~عباس رضي ms4046 الله عنهما قال : صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم ~~فقال : يا صباحاه ! فاجتمعت إليه قريش فقالوا : ما لك , فقال : أرأيتم لو ~~أخبرتكم أن PageV06P193 العدو يصحبكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني ؟ قالوا : ~~بلى , فقال : إني نذير لكم بين يدب عذاب شديد , فقال أبو لهب : تبا لك , ~~ألهذا جمعتنا ؟ فأنزل الله عز وجل { تبت يدا أبي لهب وتب } . | ولما انتفى ~~عنه بهذا ما خيلوا به , بقي إمكان أن يكون لغرض أمر دنيوي فنفاه بأمره ~~بقوله : { قل } أي للكفرة : { ما } أي مهما { سألتكم من أجر } أي على دعائي ~~لكم { فهو لكم } لا أريد منه شيئا , وهو كناية عن أني لا أسألكم على دعائي ~~لكم إلى الله أجرا أصلا بوجه من الوجوه , فإذا ثبت أن الدعاء ليس لغرض ~~دنيوي , وأن الداعي أرجح الناس عقلا , ثبت أن الذي حمله على تعريض نفسه ~~لتلك الأخطار العظيمة إنما هو أمر الله الذي له الأمر كله . | ولما كانوا ~~يظنون به في بعض ظنونهم أنه يريد أمرا دنيويا , أكد قوله : { إن } أي ما { ~~أجري إلا على الله } أي الذي لا أعظم منه , فلا ينبغي لذي همة أن يبتغي ~~شيئا إلا من عنده { وهو } أي والحال أنه { على كل شيء شهيد * } أي بالغ ~~العلم بأحواله , فهو جدير بأن يهلك الظالم ويعلي كعب المطيع . | ولما لم ~~يبق شيء يخدش في أمر المبلغ , أتبعه تصحيح النقل جوابا لمن كأنه يقول : ~~برئت ساحتك , فمن لنا بصحة مضامين ما تخبر ؟ فقال مؤكدا لإنكارهم أن يكون ~~ما يأتي به حق معيدا الأمر بالقول , إشارة إلى أن كل كلام صدر دليل كاف ~~مستقل بالدلالة على ما سبق له : { قل } لمن أنكر التوحيد والرسالة والحشر ~~معبرا بما يقتضي العناية الموجبة لنصره على كل معاند , { إن ربي } أي ~~المحسن إلي بأنواع الإحسان , المبيض لوجهي عند الامتحان { يقذف بالحق } أي ~~يرمي به في إثبات جميع ذلك وغيره مما يريد رميا وحيا جدا لأنه غني عن تدبر ~~أو ترو أو تفكر في تصحيح المعنى أو إصلاح اللوازم ms4047 لأنه علام الغيوب , فيفضح ~~من يريد إطفاء نوره فضيحة شديدة , ويرهق باطله كما فعل فيما وسمتموني به ~~وفي التوحيد وغيره لا كما فعلتم أنتم في مبادرتكم إلى نصر الشرك وإلى ما ~~وصفتموني به ووصفهم ما جئت به , فلزمكم على ذلك أمور شنيعة منها الكذب ~~الصريح , ولم تقدروا أن تأتوا في أمري ولا في شيء من ذلك بشيء يقبله ذو عقل ~~أصلا . | ولما وصفه بنهاية العلم , أتبعه بعض آثاره فقال : { قل جاء الحق } ~~أي الأمر الثابت الذي لا يقدر شيء أن يزيله ؛ وأكد تكذيبا لهم في ظنهم أنهم ~~يغلبون فقال : PageV06P194 { وما } أي والحال أنه ما { يبدئ الباطل } أي ~~الذي أنتم عليه وغيره في كل حال حصل فيه تفريعه على مر الأيام { وما يعيد * ~~} بل هو كالجماد لا حركة به أصلا , لأنه مهما نطق به صاحبه في أمره بعد هذا ~~البيان افتضح , فإن لم ترجعوا عنه طوقا رجعتم وأنتم صغره كرها , والحاصل أن ~~هذا كناية عن هلاكه بما يهز النفس ويرفضه الفكر بتمثيله بمن انقطعت حركته , ~~وذهبت قوته , حتى لا يرجى بوجه . | < < # | سبأ : ( 50 - 54 ) قل إن ضللت . . . . . # > > ^ ( قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه ~~سميع قريب * ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب * وقالوا آمنا ~~به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد * وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من ~~مكان بعيد ) ^ } ) | ولما لم يبق بعد هذ إلا أن يقولوا عنادا : أنت ضال , ~~ليس بك جنون ولا كذب , ولكنك قد عرض لك ما أضلك عن المحجة , قال : { قل } ~~أي لهؤلاء المعاندين على سبيل الاستعطاف بما في قولك من الانصاف وتعليم ~~الأدب : { إن ضللت } أي عن الطريق على سبيل الفرض { فإنما أضل } ولما كان ~~الله تعالى قد جعل العقل عقلا يمنع من الخطأ وينهى عن الهوى , وكان الغلط ~~لا يأتي إلا من شواغل النفس بشهواتها وحظوظها , فكان التقدير : بما في نفسي ~~من الشواغل العاقلة للعقل , قال مشيرا إلى ذلك : { على نفسي } أي ms4048 لأن ~~الضلال إذا استعلى على شيء ظهر أمره فيتبين عواه فيلزم عاره , ويصير صاحبه ~~بحيث لا يدري شيئا ينفع ولا يعيد , ولذلك يصير يفزع إلى السفه والمشاتمة ~~كما وقع في مذاهبكم كلها , لأن الله تعالى جعل العقول الصحيحة معيارا على ~~ذلك , فمهما ذكرت طرق الحق وحررت ظهر أمر الباطل وافتضح . | ولما كانت ~~النفس منقادة بل مترامية نحو الباطل , عبر في الضلال بالمجرد , وفي الهدى ~~بالافتعال إشارة إلى أنه لا بد فيه من هاد وعلاج , وعبر بأداة الشك ~~استعمالا للأنصاف فقال : { وإن اهتديت فبما } أي فاهتدائي إنما بما { يوحي ~~إلي ربي } أي المحسن إلي لا بغيره , فلا يمكن فيه ضلال لأنه لا حظ فيه ~~للنفس أصلا , فلا يقدر أحد على شيء من طعن في شيء منه , وهداي لنفسي , ~~فالآية ظاهرها التنزل منه وباطنها إرشادهم إلى تسديدهم النظر وتقمويمه ~~وتهذيب الفكر وتثقيفه , وهي من الاحتباك : حذف أولا كون الضلال من نفسه بما ~~دل عليه ثانيا من أن الهدى بقوله : { إنه } أي ربي { سميع قريب * } أي لا ~~يغيب عنه شيء من حال من يكذب عليه , فهو جدير بأنه يفضحه كما فضحكم في جميع ~~ما تدعونه ولا يبعد عليه شيء ليحتاج في إداركه إلى تأخير لقطع مسافة أو ~~PageV06P195 نحوها , بل هو مدرك لكل ما أراد كلما أراد , والآية إرشاد من ~~الله تعالى إلى أنه وإن كان خلق للآدمي عقلا لا يضل ولا يزيغ , لكنه حفه ~~بقواطع من الشهوات والحظوظ والكسل والفتور فلا يكاد يسلم منها إلا منها إلا ~~من عمصه الله , فلما كان كذلك أنزل سبحانه كتبا هي العقل الخالص , وأرسل ~~رسلا جردهم من تلك القواطع , فجعل أخلاقهم شرائعهم , فعلى كل أحد أن يتبع ~~رسله المتخلفين بكتبه متهما عقله منابذا رأيه كما كان الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم , ليكون مؤمنا بالغيب حق الإيمان فيدخل في قوله تعالى في سورة ~~فاطر < # > 77 ( { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب } ) 77 < # > [ فاطر : 18 ] ولا يكون متناوشا بعد كشف الغطاء من مكان بعيد . | ولما ~~أبطل شبههم وختم من ms4049 صفاته بما يقتضي البطش بمن خالفه , قال عاطفا على { ولو ~~ترى إذ الظالمون } : { ولو ترى } أي تكون منك رؤية { إذ فزعوا } أي يفزعون ~~بأخذنا في الدنيا والآخرة , ولكنه عبر بالماضي وكذا في الأفعال الآتية بعد ~~هذا لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد لتحققه { فلا } ~~أي فتسبب عن ذلك الفزع أنه لا { فوت } أي لهم منا لأنهم في قبضتنا , لرأيت ~~أمرا مهولا وشأنا فظيعا , وحقر أمرهم بالبناء للمفعول فقال : { وأخذوا } أي ~~عند الفزع من كل من نأمره بأخذهم سواء كان قبل الموت أو بعده . | ولما كان ~~القرب يسهل أخذ ما يراد أخذه قال : { من مكان قريب * } أي أخذا لا شيء أسهل ~~منه فإن الآخذ سبحانه قادر وليس بينه وبين شيء , مسافة , بل هو أقرب إليه ~~منا الإيمان به وأبيناه , والأقرب أن يكون القرآن الذي قالوا إنه إفك مفترى ~~{ وأنى } أي وكيف ومن أين { لهم التناوش } أي تناول الإيمان أو شيء من ~~ثمراته , وكأنه عبر به لأنه يطلق على الرجوع , فكان المعنى أن ذلك بعد ~~عليهم من جهة أنه لا يمكن إلا برجوعهم إلى الدنيا التي هي دار العمل , وأنى ~~لهم ذلك ؟ وهو تمثيل لحالهم - في طلبهم أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما ~~نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا - بحال من يريد أن يتناول شيئا من علوه كما ~~يتناوله الآخر من قد ذراع تناولا سهلا , لا نصب فيه , ومده أبو عمرو وحمزة ~~والكسائي وأبو بكر عن عاصم لهمزهم إياه فقيل : إن الهمز على الواو المضمونة ~~كما همزت في وجوه ووقتت فيكون لفظه موافقا لمعناه , والصحيح أنه ليس من هذا ~~, لأن شرط همز الواو المضمونة ضمة لازمة أن لا ويكون مدغما فيها إذا كانت ~~وسطا كالتعود , وأن لا يصح في الفعل نحو تناول وتعاون , وقد حكى عن أبي ~~عمرو أن معناه بالهمز التناول من بعد , من قولهم نأش - بالهمز - إذا أبطل ~~وتأخر , والنيش حركة في إبطاء , والنأش أيضا : الأخذ , فيكون الهمز أصليا , ~~وقرأه PageV06P196 الباقون بالواو مثل التناول لفظا ms4050 ومعنى , فقراءة الواو ~~المحضة تشير إلى أنهم يريدون تناولا سهلا مع بعد المتناول في المكان , ~~وقراءة الهمز إلى أن إراتهم تأخرت وأيطأت حتى فات وقتها , فجمعت إلى بعد ~~المكان بعد الزمان . | ولما كان البعيد لا يمكن الإنسان تناوله مع بعده قال ~~: { من مكان بعدي * } فإنه بعد كشف الغطاء عند مجيء البأس لا ينفع الإيمان ~~{ وقد } أي كيف لهم ذلك والحال أنهم قد { كفروا به } أي بالذي طلب منهم أن ~~يؤمنوا به أملا وجزاء { من قبل } أي في دار العمل { و } الحال أنهم حين ~~كفرهم { يقذفون } في أمر ما دعوا إليه بما يرمون به من الكلام رميا سريعا ~~جدا من غير تمهل ولا تدبر { بالغيب } أي من مرجمات الظنون , وهي الشبه التي ~~تقدم إبطالها في هذه السورة وغيرها من استبعادهم البعث وغيره مما أخبر الله ~~به . | ولما كان الشيء لا يمكن أن يصيب ما يقذفه وهو غائب عنه ولا سيما مع ~~البعد قال معلما ببعدهم عن علم ما يقولون مع بعده جدا من حال من تكلموا فيه ~~سواء كان القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم أو الحشر والجنة والنار : { ~~من مكان بعيد * } وذلك على الضد من قذف علام الغيوب فإنه من مكان قريب فهو ~~معلوم لازم للحق . | < < # | سبأ : ( 50 - 54 ) قل إن ضللت . . . . . # > > ^ ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا ~~في شك مريب ) ^ } ) | لما أشار إلى بعد الإيمان منهم عن إرادتهم تناوله عند ~~فوات أمرلاه وعلوه عنهم عند طعنهم فيه في دار العمل ، ترجم حالتيهم يفي ذلك ~~على وجه يعم ثمرات الإيمان من دخول الجنان ورضى الرحمن بقوله : { وحيل } ~~معبرا بصيغة المجهول مشيرا إلى أن حصول الحيلولة بأسهل ما يكون ولأن المنكي ~~لهم نفس الحيلولة لا كونها من شخص معين : { بينهم وبين ما يشتهون } أي ~~يميلون إليه ميلا عظيما من تلأثير طعنهم وقبول إيمانهم عند رؤية ، البأس ~~ومن حصول شيء من ثمراته لهم من حسن الثواب كما يرى الإنسان منهم - وهو في ~~غمرات النار - مقعده ms4051 في الجنة ، الذي كان يكون له لو آمن ولا يقدر على ~~الوصول إليه بوجه ، وإن خيل إليه الوصول فقصده فمنع منه كان أنكى { كما فعل ~~} بأيسر وجه { بأشياعهم } أي الذين كفروا مثلهم { من قبل } أي قبل زمانهم ~~فإن حالهم كان كحالهم في الكفران والإيمان ، والسعادة والخسران ، ولم يختل ~~أمرتا في أمة من الأمم ، بل كان كلما كذبت أمة رسولها أخذناها ، فإذا ~~أذقناهم بأسنا أذعنوا وخضعوا ، فلم تقبل منهم ذلك ، ولا نفعهم شيئا لا ~~بالكف عن إهلاكهم ولا بإدراكهم PageV06P197 لشيء من الخير بعد إهلاكهم { إن ~~في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } [ ق : 37 ] ثم علل ~~عدم الوصول إلى قصد يفي كل من الحالتين بقوله مؤكدا لأنكارهم أن يكون عندهم ~~شيء من شك يفي شيء من أمرهم : { إنهم كانوا } أي في دار القبول كونا هو ~~كالجبلة لهم { في شك } أي من جميع ما يخبرهم به رسلنا عنا من دار القبول ~~كونا هو كالجبلة لهم { في شك } أي من جميع ما يخبرهم به رسلنا عنا من ~~الجزاء أو غير ذلك { مريب } أي موقع في الريبة ، فهو بليغ في بابه كما يقال ~~: عجب عجيب ، أو هو واقع يفي الريب كما يقال : شعر شاعر ، أي ذو شعر ، فكيف ~~يقبلون أو ينفذ طعنهم أو تحصل لهم تمرة طيبة وهم على غير بصيرة في شيء من ~~أمرهم بل كانوا يشكون في قدرتنا وعظمتنا ، فاللائق بالحكمة أن تبين لهم ~~العظمة بالعذاب لهم والصواب لأحباننا الذين عاودهم فينا فنبين أنهم يؤمنون ~~به عند ظهور الحمد أتم إما في الآخرة أو في مقدماتها ، فظهر سر الإفصاح ~~بقوله ' وله الحمد في الآخرة ' وأنه حال سبحانه بينهم وبين ما يريدون فتبين ~~أنه مالك كل شيء فصح أن له الحمد في الأولى وفي كل حالة ، وقد تعانق آخرها ~~مع أولها ، والتحم مقطعها بموصلها - والله سبحانه وتعالى هو المستعان وإليه ~~المرجع والمآب . . . . . | PageV06P198 < # > سورة فاطر < # > < < # | فاطر : ( 1 - 3 ) الحمد لله فاطر . . . . . # > > ^ ( الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا ms4052 أولي أجنحة ~~مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشآء إن الله على كل شيء قدير * ما يفتح ~~الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم * يأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم ~~من السمآء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون ) ^ } ) | هي ختام السور ~~المفتتحة باسم الحمد , التي تقدم عن الشيخ سعد الدين التفتازاني أنه فصلت ~~فيها النعم الأربع التي هي أمهات النعم المجموعة في الفاتحة , وهي الإيجاد ~~الأول , ثم الإبقاء الأول ؛ ثم الإيجاد الثاني المشار إليه بسورة سبأ , ثم ~~الإبقاء الثاني الذي هو أنهاها وأحكمها , المفصل أمره فيها في فريقي ~~السعادة المفتتحة بالابتداء الدال عليه بأنهى القدرة وأحكمها , المفصل أمره ~~فيها في فريقي السعادة والشقاوة تفصيلا شافيا على أنه استوفى في هذه السورة ~~النعم الأربع كما يأتي بيانه في محاله , فمقصودها إثبات القدرة الكاملة لله ~~تعالى اللازم منها تمام القدرة على البعث الذي عنه يكون أتم الإبقاءين ~~الإبقاء بالفعل دائما أبدا بلا انقطاع ولا زوال ولا اندفاع في دار المقامة ~~التي أذهب عنها الحزن والنصب واللغوب , ودار الشقاوة الجامعة لجميع الأنكاد ~~والهموم , ولاسم السورة أتم مناسبة لمقصودها لأنه لا شيء يعدل ما في الجنة ~~من تجدد الخلق فإنه لا يؤكل منها شيء إلا عاد كما كان في الحال , ولا يراد ~~شيء إلا وجد في أسرع وقت , فهي دار الإبداع والاختراع بالحقيقة وكذا النار ~~^ ( { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها } ) ^ [ النساء : 56 ] ؛ وكذا ~~تسميتها بالملائكة فإنهم يبدعون خلقا جديدا كل واحد منهم على صورته التي ~~أراد الله المطابقة لقدرته سبحانه وعز شأنه , وهم من الكفرة على وجه لا ~~يحاط به ^ ( { وما يعلم جنود ربك إلا هو } ) ^ [ المدثر : 31 ] { بسم الله ~~} الذي أحاط PageV06P199 دائرة قدرته بالممكنات { الرحمن } الذي أتم بالبعث ~~عموم الرحمة { الرحيم * } الذي شرف أهل الكرامة بدوام الإقامة في دار ~~المقامة . | ولما أثبت سبحانه في التي قبلها الحشر الذي هو الإيجاد الثاني ~~, ودل عليه بجزئيات ms4053 من القدرة على أشياء في الكون , إلى أن ختم بأخذ الكفار ~~أخذا اضطرهم إلى الإيمان بظهور الحمد لهم أتم الظهور , وبالحيلولة بينهم ~~وبين جميع ما يشتهون كما كانوا متعوا في الدنيا بأغلب ما يشتهون من كثرة ~~الأموال والأولاد , وما مع ذلك من الراحة من أكثر الأنكاد , وكان الحمد ~~يكون بالمنع والإعدام , كما يكون بالإعطاء والإنعام , قال تعالى ما هو ~~نتيجة ذلك : { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال إعداما وإيجادا { لله } أي ~~وحده . | ولما كان الإيجاد من العدم أدل على ذلك , قال دالا على استحقاقه ~~للمحامد : { فاطر } أي مبتدئ ومبتدع { السموات والأرض } أي المتقدم أن له ~~ما فيهما بأن شق العدم بإخراجها منه ابتداء على غير مثال سبق كما تشاهدون ~~ولما كانت الملائكة إفردا وجمعا مثل الخافقين في أن كلا منهم مبدع من العدم ~~على غير مثال سبق من غير مادة , وكان قد تقدم أنهم يتبرؤون من عبادة الكفرة ~~يوم القيامة , وكان لا طريق لعامة الناس إلى معرفتهم إلا الخبر , أخبر عنهم ~~بعد ما أخبر عما طريقه المشاهدة بما هو الحق من شأنهم , فقال مبينا ~~بتفاوتهم في الهيئات تمام قدرته وأنها بالاختيار : { جاعل الملائكة رسلا } ~~أي لما شاء من مراده وإلى ما شاء من عباده ظاهرين للأنبياء منهم ومن لحق ~~بهم وغير ظاهرين { أولي أجنحة } أي تهيؤهم لما يراد منهم ؛ ثم وصف فيه إلى ~~أكثر من ذلك , ولعل ذكره للتنبيه على أن ذلك أقل ما يكون بمنزلة اليدين . | ~~ولما كان ذلك زوجا نبه على أنه لا يتقيد بالزوج فقال : { وثلاث } أي ثلاثة ~~لآخرين منهم . | ولما كان لو اقتصر على ذلك لظن الحصر فيه , نبه ذكر الزوج ~~على أن الزيادة لا تنحصر فقال : { ورباع } أي أربعة لكل واحد من صنف آخر ~~منهم . | ولما ثبت بهذا أنه فاعل بالاختيار دون الطبيعة وغيرها , وإلا لوجب ~~كون الأشياء غير مختلفة مع اتحاد النسبة إلى الفاعل , كانت نتيجة ذلك : { ~~يزيد في الخق } أي المخلوقات من أشياء مستقلة ومن هيئات للملائكة وخفة ~~الروح واللطافة والثقالة والكثافة وحسن الصوت ms4054 والصيت والفصاحة والسذاجة ~~والمكر والسخارة والبخل وعلو الهمة وسفولها - وغير ذلك مما يرجع إلى الكم ~~والكيف مما لا يقدر على الإحاطة به غيره PageV06P200 سبحانه , فبطل قول من ~~قال : أنه فرغ من الخلق في اليوم السابع عند ما أتم خلق آدم فلم يبق هناك ~~زيادة , كاليهود وغيرهم على أن لهذا المذهب من الضعف والوهي ما بدع في أن ~~يوجد دارا أخرى تكون لدينونة العباد , ثم علل ذلك كله بقوله مؤكدا لأجل ~~إنكارهم البعث : { إن الله } أي الجامع لجميع أوصاف الكمال { على كل شيء ~~قدير * } فهو قادر على البعث فاعل له لا محالة . | وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير : لما أوضحت سورة سبأ أنه سبحانه مالك السماوات والأرض , ومشتحق ~~الحمد في الدنيا والآخرة , أوضحت هذه السورة أن ذلك خلقه كما هو ملكه , ~~وأنه الأهل للحمد والمستحق , إذ الكل خلقه وملكه , ولأن السورة الأولى ~~تجردت لتعريف العباد بأن الكل ملكه وخلقه دارت آيها على تعريف عظيم ملكه , ~~فقد أعطي داود وسليمان عليهما السلام ما هو كالنقطة من البحار الزاخرة , ~~فلان الحديد وانقادت الرياح والوحوش والطير والجن والإنس مذللة خاضعة < # > 77 ( { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير } ) 77 < # > [ سبأ : 22 ] تعالى ربنا عن الظهير والشريك والند , وتقدس ملكه سبحانه ~~, وتجردت هذه الأخرى للتعريف بالاختراع والخلق , ويشهد لهذا استمرار آي ~~سورة فاطر على هذا الغرض من التعريف وتنبيهها على الابتداءات كقوله تعالى { ~~جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى } الآية , وقوله { ما يفتح الله للناس ~~من رحمة فلا ممسك لها هل من خالق غير الله يرزقكم } وقوله : { أفمن زين له ~~سوء عمله فرآه حسنا } الاية , وقوله : { الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ~~} الاية { والله خلقكم من تراب يولج اليل في النهار ويولج النهار في اليل } ~~{ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها } { ~~هو الذي جعلكم خلائف في الأرض } { إن الله ms4055 يمسك السموات والأرض أن تزولا ~~ولئن زالتا } فهذه عدة آيات معرفة بابتداء الخلق , والاختراع أو مشيرة ولم ~~يقع من ذلك في سورة سبأ آية واحدة , ثم إن سورة سبأ جرت آيها على نهج تعريف ~~الملك والتصرف فيه والاستبداد بذلك والإبداد , وتأمل افتتحاحها وقصة داود ~~وسليمان عليهما السلام , وقوله سبحانه { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله ~~لا يملكون مثال ذرة } الآيات يتضح لك ما ذكرناه وما انجز في السورتين مما ~~ظاهره الخروج من هاذين الغرضين فملتحم ومستدعى بحكم الانجرار بحسب استدعاء ~~مقاصد الآي - رزقنا الله الفهم عنه بمنه وكرمه - انتهى . | PageV06P201 ~~ولما وصف سبحانه نفسه المقدس بالقدرة الكاملة , دل على ذلك بما يشاهده كل ~~أحد في نفسه من السعة والضيق مع العجز عن دفع شيء من ذلك أو اقتناصه , فقال ~~مستأنفا أو معللا مستنتجا : { ما } أي مهما { يفتح الله } أي الذي لا ~~يكافئه شيء . | ولما كان كل شيء من الوجود لأجل الناس قال : { للناس } ولما ~~كان الإنعام مقصودا بالذات محبوبا , وكانت رحمته سبحانه قد غلبت غضبه , صرح ~~به فقال مبينا للشرط في موضع الحال من ضميره أي يفتحه كائنا : { من رحمة } ~~أي من الأرزاق الحسية والمعنوية من اللطائف والمعارف التي لا تدخل تحت حصر ~~دقت أو جلت فيرسلها { فلا ممسك لها } أي الرحمة بعد فتحه كما يعلمه كل أحد ~~في نفسه أنه إذا حصل له خير لا يعدم من يود أنه لم يحصل , ولو قدر على ~~إزالته لأزاله , ولا يقدر على تأثير ما فيه . | ولما كان حبس النعمة مكروها ~~لم يصرح به , ترك الشرط على عمومه بعد أن فسر الشرط الأول بالرحمة دلالة ~~على مزيد الاعتناء بها إيذانا بأن رحمته سبقت غضبه فقال : { وما يمسك } أي ~~من رحمة أو نعمة بإغلاق باب الخلق عنه { فلا مرسل له } أي الذي أمسكه بمثل ~~البرهان الماضي في الرحمة . | ولما كان ربما ادعى فجورا حال إمساك الرحمة ~~أو النقمة أنه الممسك قال : { من بعده } أي بعد إمساكه , فمن كان في يده ~~شيء فليمسك ما أتى ms4056 به الله حال إيجاده بأن يعدمه . | ولما كان هذا ظاهرا في ~~العزة في أمر الناس والحكمة في تدبيرهم عمم فقال : { وهو } أي هو فاعل ذلك ~~والحال أنه وحده { العزيز } أي القادر على الإمساك والأرسال الغالب لكل شيء ~~ولا غالب له { الحكيم * } الذي يفعل في كل من الإمساك والأرسال وغيرهما ما ~~يقتضيه علمه به ويتقن ما أراد على قوانين الحكمة , فلا يستطاع نفض شيء منه ~~. | ولما بين بما يشاهده كل أحد في نفسه أنه المنعم وحده . | أمر بذكر ~~نعمته بالاعتراف أنها منه , فإن الذكر يقود إلى الشكر , وهو قيد الموجود ~~وصيد المعدوم المفقود , فقال : { يا أيها الناس } أي الذين فيهم أهلية ~~الاضطراب عامة { اذكروا } بالقلب واللسان { نعمت الله } أي الذي لا منعم في ~~الحقيقة سواه , ولما كانت نعمة عامة غامرة من كل جانب قال : { عليكم } أي ~~في دفع من المحن , وصنع ما صنع من المنن , على ما تقدم في الفتح والإمساك ~~لتشكروه ولا تكفروه , والذي يخص أهل مكة بعد ما شاركوا به الناس - إسكانهم ~~الحرم , وحفظهم من جميع الأمم , وتشريفهم باليبت , وذلك موجب لأن يكونوا ~~أشكر الناس . | ولما أمر بذكر نعمته , أكد التعريف بأنها منه وحده على وجه ~~بين عزته وحكمته , PageV06P202 فقال منبها لمن غفل , وموبخا لمن جدد , ~~ورادا على أهل القدر الذين ادعوا أنهم يخلقون أفعالهم , ومنبها على نعمة ~~الإيجاد الأول : { هل } واما كان الاستفهام بمعنى النفي أكده ب { من } فقال ~~: { من خالق } أي للنعم وغيرها , ولما كانت { من } للتأكيد , فكان { خالق } ~~في موضع رفع , قرأ الجمهور قوله : { غير الله } بالرفع , وجره حمزة ~~والكسائي على اللفظ , وعبر بالجلالة إشارة إلى أنه المختص بصفات الكمال . ظ ~~ولما كان الجواب قطعا , لا , بل هو الخالق وحده , قال منبها على نعمة ~~الإبقاء الأول : { يرزقكم } أي وحده . | ولما كانت كثرة الرزق كما هو مشاهد ~~مع وحدة المنبع أدل على العظمة قال : { من السماء والأرض } بالمطر والنبات ~~وغيرهما . | ولما بين أنه سبحانه الأله وحده فقال : { لا إله إلا هو } ~~فتسبب الإنكار على من عبد غيره ms4057 ظاهرا أو باطنا فقال : { فأنى } أي فمن وجه ~~وكيف { تؤفكون * } أي تصرفون وتقبلون عن وجه السداد في التوحيد بهذه الوجوه ~~الظاهرة إلى الشرك الذي لا وجه له . | < < # | فاطر : ( 4 - 6 ) وإن يكذبوك فقد . . . . . # > > ^ ( وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور * يأيها ~~الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور * ~~إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) ~~^ } ) | ولما قررهم على ما تقدم وختم بالتوحيد الذي هو الأصل الأول من أصول ~~الدين , نبه على أنه المقصود بالذات بذكر ما يعقبه في الأصل الثاني , وهو ~~الرسالة من تصديق وتكذيب , فقال ناعيا على قريش سوء تلقيهم لآياته , وطعنهم ~~في بيناته , مسليا له صلى الله عليه وسلم , عاطفا على ما تقديره : فإن ~~يصدقوك فهم جديرون بالتصديق لما قام على ذلك من الدلائل , وشهد به من ~~المقاصد والوسائل : { غن يكذبوك } أي عنادا وقلة اكتراث بالعواقب فتأس ~~بإخوانك { فقد } أي بسبب أنه قد { كذبت رسل } أي يا لهم من رسل ! وبني ~~الفعل للمجهول لأن التسلية محطها , وقوع التكذيب لا تعيين المكذب , ونفى أن ~~يرسل غيره بعد وجوده بقوله : { من قبلك } وأفرد التكذيب بالذكر اهتاما ~~بالتسلية تنبيها على أن الأكثر يكذب , قال القشيري : وفي هذا إشارة للحكماء ~~وأرباب القلوب مع العوام والأجانب من هذه الطريقة فإنهم لا يقبلون منهم إلا ~~قليل , وأهل الحقائق أبدا منهم في مقاساة الأذية , والعوام أقرب إلى هذه ~~الطريقة من الفتراء المتقشفين . | ولما كان التقدير نفيا للتعجب من التكذيب ~~الجاري على غير قياس صحيح : فمن الله الذي لا أمر لأحد معه تصدر الأمور , ~~عطف عليه قوله مهددا لمن خالف أمره : PageV06P203 { وإلى الله } أي وحده له ~~الأمور كلها { نرجع الأمور * } أي حسا ومعنى , فاصبر ورد الأمر إلينا بترك ~~الأسباب إلا ما نأمرك به كما فعل إخوانك من الرسل . | ولما أشعر هذا الختام ~~باليوم الموعود , وهو الأصل الثابت قال مهددا به محذرا منه : { يا أيها ~~الناس } أي الذين عندهم أهليه للتحرك ms4058 إلى النظر . | ولما كانوا ينكرون ~~البعث أكد قوله : { إن وعد الله } أي الذي له صفات الكمال وهو منزه عن كل ~~شائبة نقص , فهو لا يجوز عليه في مجاري العادات للغنى المطلق أن يخلف ~~الميعاد { حق } أي بكل ما وعد به من البعث وغيره وقد وعد أنه يردكم إليه في ~~يوم تنقطع فيه الأسباب , ويعرض عن الأحساب والأنساب , ليحكم بينكم بالعدل , ~~ثم سبب عن كونه حقا قوله على وجه التأكيد لأجل الإنكار أيضا : { فلا تغرنكم ~~} أي بأنواع الخدع من اللهو والزينة غرورا مستمر التجدد { الحياة الدنيا } ~~فإنه لا يليق بذي همه عليه اتباع الدنيء , والرضى بالدون الزائل عن العالي ~~الدائم { ولا يغرنكم بالله } أي الذي لا يخلف الميعاد وهو الكبير المتعالي ~~{ الغرور * } أي الذي لا يصدق في شيء وهو الشيطان العدو , ولذلك استأنف ~~قوله مظهرا في موضع الإضمار للتنفير بمدلول الوصف قبل التذكير بالعداوة ~~ووخامة العاقبة فيما يدعو إليه مؤكدا لأن أفعال المشايعين له بما يمنيهم به ~~من نحو : إن ربكم حليم , لا يتعاظمه ذنب , مع الإصرار على المعصية أفعال ~~المتعقدين لمصادقته : { إن الشيطان } أي المحترق بالغضب البعيد من الخير { ~~لكم } أي خاصة غهو في غاية الفراغ لأذاكم , فاجتهدوا في الهرب منه { عدو } ~~بتصويب مكايده كلها إليكم وبما سبق له مع أبيكم آدم عليه السلام بما وصل ~~أذاه إليكم وأيضا ( من عادى أباك فقد عاداك ) . | ولما كانت عداوته تحتاج ~~إلى مجاهدة لأنه يأتي الإنسان من قبل الشهوات , عبر بصيغة الافتعال فقال : ~~{ فاتخذوا } اي بغاية جهدكم { عدوا } والله لكم ولي فاتخذوه وليا بأن ~~تتحروا ما يغيظ الشيطان بأن تخالفوه في كل ما يريد ويأمر به , وتتعمدوا ما ~~يرضاه الرحمن ونهجه لكم وأمركم به فتلتزموه , قال القشيري : ولا يقوى على ~~عداوته إلا بدوام الاستعانة بالرب فإنه لا يغفل عن عداوتك , فلا تغفل أنت ~~عن مولاك لحظة . | ثم علل ذلك بقوله : { إنما يدعو حزبه } أي الذين يوسوس ~~لهم فيعرضهم لاتباعه والإعراض عن الله { ليكونوا } باتباعه كونا راسخا { من ~~أصحاب السعير * } هذا غرضه لا غرض ms4059 له سواه , ولكنه يجتهد في تعمية ذلك عنهم ~~بأن يقرر في نفوسهم جانب الرجاء وينسيهم جانب الخوف , ويريهم أن التوبة في ~~أيديهم ويسوف لهم بها بالفسحة في الأمل , والإبعاد في الأجل , للإفساد في ~~العمل , والرحمن سبحانه إنما يدعو عباده ليكونوا من أهل النعيم < # > 77 ( { والله يدعو إلى دار السلام } ) 77 < # > [ يونس : 25 ] . | PageV06P204 < < # | فاطر : ( 7 - 9 ) الذين كفروا لهم . . . . . # > > ^ ( الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم ~~مغفرة وأجر كبير * أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشآء ~~ويهدي من يشآء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون * والله ~~الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد ~~موتها كذلك النشور ) ^ } ) | ولما أنهى البيان في غرض الشيطان إلى منتهاه , ~~نبه على ما حكم به هو سبحانه في أشياعه بقوله مستأنفا : { الذين كفروا } أي ~~غطو بالاتباع له بالهوى ما دلتهم عليه عقولهم وكشفه لهم غاية الكشف هذا ~~البيان العزيز { لهم عذاب شديد } أي في الدنيا بفوات غالب ما يؤملون مع ~~تفرقة قلوبهم وانسداد بصائرهم وسفالة هممهم حتى أنهم رضوا أن يكون إلآههم ~~حجرا , وانحجاب المعارف التي لا لذاذة في الحقيقة غيرها عنهم , وفي الآخرة ~~بالسعير التي دعاهم إلى صحبتها . | ولما ذكر جزاء حزبه , اتبعه حزب الله ~~الذين عادوا عدوهم فقال : { والذين آمنوا وعملوا } أي تصديقا لإيمانهم { ~~الصالحات } ولما كان من أعظم مصايد الشيطان ما يعرض للإنسان خطأ وجهلا من ~~العصيان , لما له من النقصان ليجره بذلك إلى العمد والعدوان , قال تعالى ~~داعيا له إلى طاعته وإزالة لخجلته : { لهم مغفرة } أي ستر لذنوبهم بحيث لا ~~عقاب وا عتاب , وذلك معجل في هذه الدار , ولولا ذلك لافتضحوا وغدا , ولولا ~~ذلك لهلكوا . | ولما محاها عينا وأثرا , أثبت الإنعام فقال : { واجر كبير * ~~} أي يجل عن الوصف بغير هذا الإجمال , فمنه عاجل بسهولة العبادة ودوام ~~المعرفة وما يرونه في القلوب من وراء اليقين , وآجل بتحقيق المسؤول من عظيم ~~المنة , ونيل ما فوق المأمول في ms4060 الجنة . | ولما أبان هذا الكلام تفاوت ~~الحزبين في المآل بالهلاك والفوز , وكان لا يقدم على الهلاك أحد في حس , ~~وكان الكفار يدعون أنهم الفائزون قناعة بالنظر إلى ما هم فيه , ويدعون أنهم ~~أبصر الناس وأحسنهم اعمالا وكذا كل عاص ومبتدع , كان ذلك سببا في إنكار ~~تساويهما , فأنكره مبينا السبب في ضلالهم بما فيه تسلية للمحسنين وندب إلى ~~الشكر وحث على ملازمة الافتقار والذي وسؤال العافية من الزلل والزيغ قوله : ~~{ زين له سوء عمله } أي قبحه الذي من شأنه أن يسوء صاحبه حالا أو مآلا بجمع ~~مال ذاهب أو مذهوب عنه من غير خلة وبيع راحة الجنة المؤبدة بمتابعة شهوة ~~منقية وإيثار مخلوق فإن على ربه الغني الباقي ؛ ثم سبب عنه ما أنهى إليه من ~~الغاية فقال : { فرآه } أي السيئ بسبب التزيين , { حسنا } أي فركبه , بما ~~أشار إليه إضافة العمل إليه , وطوى PageV06P205 المشبه به وهو كمن أبصر ~~الأمور على حقائقها فاتبع الحسن واجتنب السيئ , لأن المقام يهدي إليه , ~~وتعجيلا بكشف ما أشكل على السامع من السبب الحامل على رؤية القبيح , مليحا ~~بقوله مؤكدا ردا على من ينسب إلى غير الله فعلا من خير أو شر : { فإن } أي ~~السبب في رؤية الأشياء على غير ما هو به , فيقدم على الهلاك البين وهو يراه ~~عين النجاة { ويهدي من يشاء } فلا يشكل عليه أمر ولا يفعل إلإ حسنا . | ~~ولما كان المحب من يرضى بفعل حبيبه , سبب عن ذلك النهي لأكمل خلقه عن الغم ~~بسبب ضلالهم في قوله : { فلا } والأحسن أن يقدر المشبه به هنا فيكون المعنى ~~: أفمن غير فعل القبيح فاعتقده حسنا لأن الله أضله بسبب أن الله هو المتصرف ~~في القلوب كمن بصره الله بالحقائق ؟ ولما كان الجواب : لا , ليس هما سواء ~~سبب عنه قولا : فلا { تذهب } أي بالموت أو ما يقرب منه { نفسك عليهم } أي ~~بسبب ما هو فيه من العمى عن الجليات { حسرات } أي لأجل حسراتك المترادفة ~~لأجل إعراضهم , جمع حسرة وهي شدة الحون على ما ما فات من الأمر . | ولما ms4061 ~~كان كأنه قيل : إنهم يؤذون اولياءك فيشتد أذاهم , وكان علم الولي القادر ~~بما يعمل عدوه كافيا في النصرة , قال : { إن الله } أي المحيط بجميع أوصاف ~~الكمال { عليم } أي بالغ العلم , وأكده تنبيها على أن المقام صعب , ومن لم ~~يثبت نفسه بغاية جهده زل لطول إملائه تعالى لهم وحلمه عنهم { بما يصنعون * ~~} أي مما مرنوا عليه وانطبعوا فيه من ذلك حتى صار لهم خلقا يبعد كل البعد ~~انفكاكهم عنه . | ولما أخبر تعالى أنه لا بد من إيجاد ما وعد به من البعث ~~وغيره , وحذر كل التحذير من التهاون بأمره , وأنكر التسوية بين المصدق به ~~والمكذب , وكان السبب في الضلال المميت للقلوب الهوى الذي يغشى سماء العقل ~~ويعلوه بسحابه المظلم فيحول بينه وبين النفوذ , وكان السبب في السحاب ~~المغطي لسماء الأرض المحيي لميت الحبوب الهوى , وكان الإيتان به في وقت دون ~~آخر دالا على القدرة بالاختيار , قال عاطفا على جملة { إن وعد الله حق } ~~المبني على النظر , وهو الإخراج من العدم مبينا لقدرته على ما وعد به : { ~~والله } أي الذي له صفات الكمال لا شيء غيره من طبيعة ولا غيرها { الذي } ~~ولما كان المراد الإيجاد من العدم , عبر بالماضي مسندا إليه لأنه الفاعل ~~الحقيقي فقال : { أرسل الرياح } أي أوجدها من العدم مضطربة فيها , أهلية ~~الاضطراب والسير ليصرفها كيف يشاء لا ثابتة كالأرض , وأسكنها ما بين ~~الخافقين لصلاح مكان الأرض . | PageV06P206 ولما كانت إثارتها تتجدد كلما ~~أراد أن تسقي أرضا , قال مسندا إلى الرياح لأنها السبب , معبرا بالمضارع ~~حكاية للحال لتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على تمام القدرة , وهكذا ~~تفعل العرب فيما فيه غرابة تنبيها للسامع على ذلك وحثا له على تدبره وتصوره ~~: { فتثير } أي بتحريكه لها إذا أراد { سحابا } أي أنه أجرى سبحانه سنته أن ~~تظهر حكمته بالتدريج . | ولما كان المراد الاستدلال على القدرة على البعث , ~~وكان التعبير بالمضارع يرد التعنت , عبر بالمضارع . | ولما كان سوق السحاب ~~إلى بلد دون آخر وسقيه لمكان دون مكان من العظمة بمكان , التفت على الغيبة ~~وجعله في ms4062 مظهر العظمة فقال : { فسقناه } أي السحاب معبرا بالماضي تنبيها ~~على أن كل سوق كان بعد إثارتها في الماضي والمستقبل منه وحده أو بواسطة من ~~أقامة لذلك من جنده من الملائكة أو غيرهم , لا من غيره , ودل على أنه فرق ~~بين البعد والقرب بحرف الغاية فقال : { إلى بلد ميت } . | ولما كان السبب ~~في الحياة هو السحاب بما ينشأ عنه من الماء قال : { فأحيينا به الأرض } ~~ولما كان المراد إرشادهم إلى القدرة على البعث الذي هم به مكذبون , قال ~~رافعا للمجاز بكل تقدير وموضحا كل الإيضاح للتصوير : { بعد موتها } ولما ~~أوصل الأمر إلى غايته , زاد في التنبيه على نعمة الإيجاد الثاني بقوله : { ~~كذلك } أي مثل الإحياء لميت النبات { النشور * } حسا للأموات , ومعنى ~~للقلوب والنبات , قال القشيري : إذا أراد إحياء قلب يرسل أولا رياح الرجاء ~~, ويزعج بها كوامن الإرادة , ثم ينشئ فيه سحاب الاهتياج , ولوعة الانزعاج , ~~ثم يأتي مطر الحق فينبت في القلب أزهار البسط وأنوار الروح , ويطيب لصاحبه ~~العيش إلى أن تتم لطائف الإنس . | < < # | فاطر : ( 10 - 12 ) من كان يريد . . . . . # > > ^ ( من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب ~~والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو ~~يبور * والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ~~ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك ~~على الله يسير * وما يستوي البحران هذا عذب فرات سآئغ شرابه وهذا ملح أجاج ~~ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر ~~لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) ^ } ) | ولما قرر بهذا كله ما أثبته سابقا ~~من عزته وحكمته وثبت أنه قادر على النشور فثبت أنه له العزة في الآخرة كما ~~شوهد ذلك في الدنيا , وكانت منافسه الناس لا سيما الكفرة في العزة فوق ~~منافسهم في الحكمة , ومن نافس في الحكمة فإنما ينافس فيها PageV06P207 ~~لاكتساب العزة , وكان الكفرة إنما عبدوا الأوثان ليعتزوا بها منا قال ms4063 : < # > 77 ( { واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا } ) 77 < # > [ مريم : 81 ] قال مستنتجا من ذلك : { من كان } أي في وقت من الأوقات { ~~يريد العزة } أي أن يكون محتاجا إليه غيره وهو غني غالبا غير مغلوب { فلله ~~} أي وحده { العزة جميعا } أي فليطلبها منه ولا يطلبها من غيره , وقد روي ~~عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن ربكم يقول ~~كل يوم : أنا العزيز فمن أرادة عزة الدارين فليطع العزيز ) ولما رغب في ~~اقتناص العزة بعد أن خبر أنه لا شيء فيها لغيره , دل على اختصاصه بها شمول ~~علمه وقدرته , وبين أنها إنما تنال بالحكمة فقال : { إليه } أي لا إلى غيره ~~{ يصعد الكلم الطيب } أي الجاري على قوانين الشرع عن نية حسنة وعقيدة صحيحة ~~سواء كان سرا علنا لأنه عين الحكمة , فيعز صاحبه ويثيبه . | ولما أعلى رتبة ~~القول الحكيم , بين أن الفعل أعلى منه لأنه المقصود بالذات , والقول وسيلة ~~إليه , فقال دالا على علوه بتغيير السياق : { والعمل الصالح يرفعه } هو ~~سبحانه يتولى رفعه ولصاحبه عنده عز منيع ونعيم مقيم , وعمله يفوز , قال ~~الرازي في اللوامع : العلم إنما يتم العمل كما قيل : العلم يهتف بالعمل , ~~فإن أجاب وإلا ارتحل - انتهى , وقد قيل : | لا ترض من رجل حلاوة قوله حتى ~~يصدق ما يقول فعال فإذا وزنت مقاله بفعاله فتوازنا فإخاء ذاك جمال | ولما ~~بين ما يحصل العزة من الحكمة , بين ما يكسب الذلة ويوجب النقمة من رديء ~~الهمة فقال : { والذين يمكرون } أي يعملون على وجه الستر المكرات { السيئات ~~} أي يسترون قصودهم بها ليوقهوها بغتة { لهم عذاب شديد } كما أرادوا بغيرهم ~~ذلك , ولا يصعد مكرهم إليه بنفسه ولا يرفعه هو , لأنه ليس فيه أهلية ذلك ~~لمنافاته الحكمة . | ولما كان ما ذكر من مكرهم موجبا لتعرف حاله هل أفادهم ~~شيئا ؟ أخبر أنه أهلكه بعزته ودمره بحكمته فقال : { ومكر أولئك } أي ~~البعداء من الفلاح { هو } أي وحده دون مكر من يريد بمكره الخير فإن الله ~~ينفذه ويعلي أمره ويجعل ms4064 له العاقبة تحقيقا لقوله تعالى : < # > 77 ( { ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } ) 77 < # > [ الانفال : 30 ] كما أخرجكم PageV06P208 أيها الأولياء من بيوتكم لأجل ~~العير فأخرج الأعداد من بيوتهم فوضعهم في قليب بدر { يبور * } أي يكسد ~~ويفسد ويهلك , فدل ذلك على شمول علمه للخير والشر من القول والفعل الخفي ~~والجلي وتمام قدرته , وذلك معنى العزة , وحذف وضعه المكر السيئ ودل عليه ~~برفعه للعمل الصالح . | ولما ذكر سبحانه ما صيرهم إليه من المفاوتة في ~~الأخلاق , أتبعه ما كانوا عليه من الوحدة في جنس الأصل , وأصله التراب ~~المسلول منه الماء بعد تخميره فيه وإن اختلفت أصنافه فقال مبينا لبعض آيات ~~الأنفس عاطفا على ما عطف عليه { والله الذي أرسل الرياح } الذي هو من آيات ~~الآفاق , منبها على أنه قادر على التمييز بعد شديد المزج وأنه قدر كل شيء ~~من الأرزاق والآجال والمصائب والأفراح , فلا ثمرة للمكر إلا ما يلحق الماكر ~~من الحرج والعقوبة من الله والضرر : { والله } أي الذي له جميع صفات الكمال ~~؛ ولما لم يدع حاجة إلى الحصر قال : { خلقكم من تراب } أي مثلي وإن اختلفت ~~أصنافه بتكوين أبيكم منه فمزجه مزجا لا يمكن لغيره تمييزه , ثم أحاله عن ~~ذلك الجوهر أصلا ورأسا , وإليه الإشارة بقوله : { ثم } أي بعد ذلك من ~~الزمان والرتبة خلقكم { من نطفة } أي جعلها أصلا ثانيا مثليا من ذلك الأصل ~~الترابي أشد امتزاجا منه ثم بعد إنهاء التدبير زمانا ورتبة إلى النطفة التي ~~لا مناسبة بينها وبين التراب دلالة على كمال القدرة والفعل بالاختيار { ثم ~~جعلكم أزواجا } بين ذكور وإناث , دلالة هي أظهر مما قبلها على الاختيار ~~وكذب أهل الطبائع , وعلى البعث بتمييز ما يصلح من التراب للذكورة والأنوثة ~~. | ولما كان الحمل أيضا مكذبا لأهل الطبائع بأنه لا يكون من كل جماع , ~~أشار إليه بقوله مؤكدا ردا عليهم إعلاما بأن ذلك إنما هو بقدرته : { وما ~~تحمل } أي في البطن بالحبل { من أنثى } دالا بالجار على كمال الاستغراق . | ~~ولما كان الوضع أيضا كذلك بأنه لا يتم كلما حمل به قال ms4065 : { ولا تضع } أي ~~حملا { إلا } مصحوبا { بعمله } في وقته ونوعه وشكله وغير ذلك من شأنه مختصا ~~بذلك كله حتى عن أمه التي هي أقرب إليه , فلا يكون إلا بقدرته , فما شاء ~~أتمه , وما شاء أخرجه . | ولما كان ما بعد الولادة أيضا دالا على الاختيار ~~لتفاضلهم في الأعمار مع تماثلهم في الحقيقة , دل عليه بقوله دالا بالبناء ~~للمفعول على سهولة الأمر عليه سبحانه , وأن التعمير والنقص هو المقصود ~~بالإسناد : { وما يعمر من معمر } أي يزاد في عمر من طال عمره أي صار إلى ~~طول العمر بالفعل حسا , قال قتادة : ستين , أو معنى بزيادة الفاعل ~~PageV06P209 المختار زيادة لولاها لكان عمره أقصر مما وصل إليه { ولا بنقص ~~من عمره } أي المعمر بالقوة وهو الذي كان قابلا في العادة لطول العمر فلم ~~يعمر بنقص الفاعل المختار نقصا لولاه لطال عمره , فالمعمر المذكور المراد ~~به الفعل , والذي عاد إليه الضمير المعمر بالقوة فهو من بديع الاستخدام , ~~ولو كان التعبير بأحد لما صح هذا المعنى , وقراءة يعقوب بخلاف عن رويس بفتح ~~الياء وضم القاف بالبناء للفاعل تشير إلى أن قصر العمر أكثر . | ولما كان ~~في سياق العلم وكان أضبطه في مجاري عاداتنا ما كتب قال : { إلا في كتاب } ~~مكتوب فيه ( عمر فلان كذا وعمر فلان كذا وكذا , عمر فلان كذا إن عمل كذا ~~وعمره كذا أزيد أو أنقص إن لم يعلمه ) . | ولما كان ذلك أمرا لا يحيط به ~~العد , ولا يحصره الحد , فكان في عداد ما ينكره الجهلة , قال مؤكدا لسهولته ~~: { إن ذلك } أي الأمر العظيم من كتب الآجال كلها وتقديرها والإحاطة بها ~~على التفصيل { على الله } أي الذي له جميع العزة فهو يغلب كل ما يريده , ~~خاصة { يسير * } ولما ذكر سبحانه أحد أصليهم : التراب المختلف الأصناف , ~~ذكر الأصل الآخر : الماء الذي هو أشد امتزاجا من التراب , ذاكرا اختلاف ~~صنفية اللذين يتفرعان إلى أصناف كثيرة , منبها على فعله بالاختيار ومنكرا ~~على من سوى بينه سبحانه وبين شيء حتى أشركه به مع المباعدة التي لا شيء ~~بعدها ms4066 والحال أنه يفرق بين هذه الأشياء المحسوسة لمباعدة ما فقال : { وما ~~يستوي البحران } ولما كانت الألف واللام للعهد , بينه بقوله مشيرا إلى ~~الحلو : { هذا عذاب } أي طيب حلو لذيذ ملائم للطبع { فرات } أي بالغ ~~العذوبة { سائغ شرابه } أي هنيء مريء بحيث إذا شرب جاز في الحلق ولم يتوقف ~~بل يسهل إدخاله فيه وابتلاعه لما له من اللذة والملاءمة للطبع { وهذا ملح ~~أجاج } أي جمع إلى الملوحة المرارة , فلا يسوغ شرابه , بل لو شرب لآلم ~~الحلق وأجج في البطن ما هو كالنار , والمراد أمه ميزهما سبحانه بعد جمعهما ~~في ظاهر الأرض وباطنها , ولم يدع أحدهما يبغي على الآخر , بل إذا حفر عل ~~جانب البحر الملح ظهر الماء عذبا فراتا على مقدار صلاح الأرض وفسادها . | ~~ولما كان الملح متعذرا على الآدمي شربه , ذكر أنه خلق فيه ما حياته به ~~مساويا في ذلك للعذب فقال : { ومن كل } أي من الملح والعذب { تأكلون } من ~~السمك المنوع إلى أنواع تفوت الحصر وغير السمك { لحما طريا } أي شهي المطعم ~~, ولم يضر ما بالملح ما تعرفون من أصله ولا زلد في لذة ما بالحلو ملاءمته ~~لكم . | ولما ذكر من متاعه ما هو غاية في اللين , أتبعه من ذلك ما هو غاية ~~في الصلابة فقال : { وستتخرجون } أي PageV06P210 تطلبون أن تخرجوا من الملح ~~دون العذب وتوجدون ذلك للإخراج , قال البغوي : وقيل : نسب اللؤلؤ إليهما ~~لأنه قد يكون في البحر الملح هيون عذبة تمتزج به فيكون اللؤلؤ من ذلك . # { حلية تلبسونها } أي نساؤكم من الجواهر : الدر والمرجان وغيرهما , فما ~~قضى برخاوة ذلك وصلابة هذا مع تولدهما منه إلا الفاعل المختار . | ولما كان ~~الأكل والاستخراج من المنافع العامة عم بالخطاب , ولما كان استقرار شيء في ~~البحر دون غرق أمرا غريبا , لكنه صار لشدة إلفه لا يقوم بإدراك أنه من أكبر ~~الايات دلالة على القادر المختار إلا أهل البصائر , خص بالخطاب فقال : { ~~وترى الفلك } أي السفن تسمى فلكا لدورانه وسفينة لقشرة الماء , وقدم الظرف ~~لأنه أشد دلالة على ذلك فقال : { فيه } أي ms4067 كل منهما غاطسة إلا قليلا منها . ~~| ولما تم الكلام , ذكر حالها المعلل بالابتغاء فقال : { مواخر } أي جواري ~~مستدبرة الريح شاقة للماء خارقة للهواء بصدرها هذه مقبلة وهذه مدبرة وجهها ~~إلى ظهر هذه بريح واحدة ؛ قال البخاري في باب التجارة في البحر : وقال ~~مجاهد : تخمر السفن الريح , ولا تخمر الريح من السفن إلا الفلك العظام ؛ ~~وقال صاحب القاموس : مخرت السفينة كمنع مخورا ومخورا : جرت أو استقبلت ~~الريح في جريتها , والفلك المواخر التي يسمع صوت جريها أو تشق الماء ~~بجآجئها أو المقبلة والمدبرة بريح واحدة , وفي الحديث : إذ أراد أحدكم ~~البول فليتخمر الريح , وفي لفظ : استمخروا الريح , أي اجعلو ظهوركم إلى ~~الريح فإنه إذا ولاها شقها بظره فأخذت عن يمينه ويساره , وقد يكون ~~استقبالها تمخرا غير أنه في الحديث استدبار - انتهى كلام القاموس . | ثم ~~علق بالمخر معللا قوله : { لتبتغوا } أي تطبلوا طلبا شديدا . | ولما تقدم ~~الاسم الأعظم في الآية قبلها , أعاد الضمير عليه ليعلم شدة ارتباط هذه ~~الآية بالتي قبلها فقال : { من فضله } أي الله بالتوصل بذلك إلى البلاد ~~الشاسعة للمتاجر وغيرها ولو جعلها ساكنة لم يترتب عليها ذلك , وفي سورة ~~الجاثية ما ينفع هنا { ولعلكم تشكرون * } أي ولتكون حالهم بهذه النعم ~~الدالة على عظيم قدرة الله ولطفه حال من يرجى شكره . | < < # | فاطر : ( 13 - 17 ) يولج الليل في . . . . . # > > ^ ( يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر ~~كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما ~~PageV06P211 يملكون من قطمير * إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير * يأيها الناس ~~أنتم الفقرآء إلى الله والله هو الغني الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق ~~جديد * وما ذلك على الله بعزيز ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما ذكر سبحانه اختلاف الذوات الدال على بديع صنعه , أتبعه تغييره ~~المعاني آية على بليغ قدرته , فقال في موضع الحال من فاعل ( خلقكم ) إشارة ~~إلى أن الله تعالى صور آدم حين خلق الأرض قبل أن ms4068 يكون ليل أو نهار ثم نفخ ~~فيه الروح آخر يوم الجمعة بعد أن خلق النور يوم الأربعاء , فلم يأت على ~~الإنسان حين ما من الدهر وهو مقدار حركة الفلك إلا وهو شيء مذكور : { يولج ~~} أي يدخل على سبيل الجولان { اليل في النهار } فيصير الظلام ضياء . | ولما ~~كان هذا الفعل في غاية الإعجاب , وكان لكثرة تكراره قد صار مألوفا فغفل عما ~~فيه من الدلالة على تمام القدرة : نبه عليه بإعادة الفعل فقال : { ويولج ~~النهار في اليل } فيصير ما كان ضياء ظلاما , وتارة يكون التوالج بقصر هذا ~~وطول هذا , فدل كل ذلك على أنه تعالى بالاختيار . | ولما ذكر الملوين ذكر ~~ما ينشأ عنهما فقال : { وسخر الشمس والقمر } ثم استأنف قوله : { كل } أي ~~منهم { يجري } ولما كان مقصود السورة تمام القدرة , والسياق هنا لقسر ~~المتنافرات على ما يزيد , ولذلك ختم الآية بالملك الناظر إلى القسر والقهر ~~لم يصلح لهذا الموضع حرف الغاية فقال : { لأجل } أي لأجل أجل { مسمى } ~~مضروب له لا يقدر أن يتعداه , فإذا جاء ذلك الأجل غرب , هكذا كل يوم إلى أن ~~يأتي الأجل الأعظم , فيختل جميع هذا النظام بأمر الملك العلام , ويقيم ~~الناس ليوم الزحام , وتكون الأمور العظام . | ولما دل سبحانه على أنه ~~الفاعل المختار القادر على كل ما يريد بما يشاهده كل أحد في نفسه وفي غيره ~~, وختم بمت تكرر مشاهدته في كل يوم مرتين , أنتج ذلك قطعا قوله معظما بأداة ~~البعد وميم الجمع : { ذلكم } أي العالي المقدار الذي فعل هذه الأفعال كلها ~~{ الله } أي الذي له صفة كمال ؛ ثم نبههم على أنه لا مدبر لهو سواه بخبر ~~آخر بقوله : { ربكم } أي الموجد لكم من العدم المربي بجميع النعم لا رب لكم ~~سواه ؛ ثم استأنف قوله : { له } أي وحده { الملك } أي كله وهو مالك كل شيء ~~{ والذين تدعون } أي دعاء عبادة , ثم بين منزلتهم بقوله : { من دونه } أي ~~من الأصنام وغيرها PageV06P212 وكل شيء فهو دونه سبحانه { ما يملكون } أي ~~في هذا الحال الذي تدعونهم فيه وكل حال يصح أن ms4069 يقال فيه لكم هذا الكلام ؛ ~~وأغرق في النفي فقال : { من قطمير * } وهو كما روي عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما : لفافة النواة , وهي القشرة الرقيقة الملتفة عليها , كناية عن أدنى ~~الأشياء , فكيف لما فوقه وليس لهم شيء من الملك , فالآية من الاحتباك : ذكر ~~الملك أولا دليلا على حذفه ثانيا , والملك ثانيا دليلا على حذفه أولا ؛ ثم ~~بين ذلك بقوله : { إن تدعوهم } أي المعبودات من دونه دعاء عبادة أو استغاثة ~~{ لا يسمعوا } أي بحس السمع في وقت من الأوقات { دعاءكم } لأنهم جماد { ولو ~~سمعوا } في المستقبل { ما استجابوا لكم } لأنهم إذ ذاك يعملون أن إجابتكم ~~لا ترضي الله , وهم مما أبى أن يحمل الأمانة ويخون فيها بالعمل بغير ما ~~يرضي الله سبحانه , أو يكون المعنى : ولو فرض أنه يوجد لهم سمع , أو ولو ~~كانوا سامعين - ليدخل فيه من عبد من الأحياء - ما لزم من السماع إجابة , ~~لأنه لا ملازمة بين السمع والنطق , ولا بين السمع والنطق مع القدرة على ما ~~يراد من السامع , فإن البهائم تسمع وتجيب , والمجيبون غيره يجيبون ولا قدرة ~~لهم على أكثر ما يطلب منهم . | ولما ذكر ما هو على سبيل الفرض , ذكر ما ~~يصير إليه بينهم وبينهم الأمر فقال : { ويوم القيامة } أي حين ينطقهم الله ~~{ يكفرون بشرككم } أي ينكرونه ويتبرؤون منه . | ولما كان التقدير : قد ~~أنبأكم بذلك الخبير , وكانوا لا يقرون بذلك ولا يفهمونه حق فهمه ولا يعملون ~~به , صرف الخطاب عنهم إلى من له الفهم التام والطاعة الكاملة , فقال عاطفا ~~على هذا الذي هدى إلى تقديره السياق : { ولا ينبئك } أي إنباء بليغا عظيما ~~على هذا الوجه بشيء من الأشياء , { مثل خبير * } أي بالغ الخبر , فلا يمكن ~~الطعن في شيء مما أخبر به , وأما غيره فلا يخبر خبرا إلا يوجه إليه نقص . | ~~ولما اختص سبحانه بالملك ونفى عن شركائهم النفع , أنتج ذلك قوله : { يا ~~أيها الناس } أي كافة { أنتم } أي خاصة { الفقراء } أي لأنكم لاتساع ~~معارفكم وسريان أفكاركم وانتشار عقولكم تكثر نوازغكم وتتفرق دواعيكم فيعظم ~~احتياجكم لشدة ms4070 ضعفكم وعجزكم عظما يعد معه احتياج غيركم عدما , ولو نكر ~~الخبر لم يفد هذا المعنى { إلى الله } أي الذي له جميع الملك ؛ قال القشيري ~~: والفقر على ضربين : فقر خلقة , وفقر صفة , فالأول عام فكل حادث مفتقر إلى ~~خالقه في أول حال وجوده ليبديه وينشيه , وفي ثانية ليمديمه ويبقيه , وأما ~~فقر الصفة فهو التجرد , ففقر العوام التجرد من المال , وفقر الخواص التجرد ~~من الإعلال , فحقيقة الفقر المحمود تجرد السر عن المعلولات . | PageV06P213 ~~ولما ذكر العبد بوصفه الحقيقي , أتبعه ذكر الخالق باسمه الأعظم على قرب ~~العهد بذكر الإشارة إلى الجهة الجهة التي بها وصف بما يذكر , وهي الإحاطة ~~بأوصاف الكمال فقال : { والله هو } أي وحده { الغني } أي الذي لا يتصور أن ~~يحتاج لا إليكم ولا إلى عبادتكم ولا إلى شيء أصلا . | ولما كان الغنى من ~~الخلق لا يسع غناه من يقصده , وإن وسعهم لم يسعهم عطاؤه لخوف الفقر أو لغير ~~ذلك من العوارض , ولا يمكنه عموم النعمة في شيء من الأشياء فلا ينفعك من ~~نوع ذم , وكان الحمد كما قال الحرالي في شرح الأسماء : حسن الكلية بانتهاء ~~كل أمر وجزء , وبعض منها إلى غاية تمامه , فمتى نقص جزء من كل عن غاية ~~تمامه لم يكن ذلك الكل محمودا , ولم يكن قائمه حميدا , وكان الله قد خلق كل ~~شيء كما ينبغي , لم يعجل شيئا عن إناه وقدره , وكان الذم استنقاضا يلحق بعض ~~الأجزاء عند من لم يرها في كلها ولا رأى كلها , فكان الذم لذلك لا يقع إلا ~~متقيدا متى أخذ متقطعا من كل , والحمد إلا في كل , ولذلك قال الغزالي : ~~الحميد من العباد من حمدت عوائده وأخلاقه وأعماله كلها من غير مثنوية . | ~~وكان سبحانه قد أفاض نعمه على خلقه , وأسبغها ظاهرة وباطنة , وجعل لهم قدرة ~~على تناولها . | لا يعوق عنه إلا قدرته ( وما كان عطاء ربك محظورا ) وكان ~~لا ينقص ما عنده , كان إعطاؤه حمدا ومنعه حمدا , لأنه لا يكون مانعا لغرض ~~بل لحكمة تدق عن الأفكار فقال : { الحميد * } أي كل شيء بنعمته ms4071 عنده ~~والمستحق للحمد بذاته , فأنتج ذلك قطعا تهديدا لمن عصاه وتحذيرا شديدا : { ~~إن يشأ يذهبكم } أي جميعا { ويأت بخلق جديد * } أي غيركم لأنه على كل شيء ~~قدير { وما ذلك } أي الأمر العظيم من الإذهاب والإيتان { على الله } المحيط ~~بجميع صفات الكمال خاصة { بعزيز * } أي بممتنع ولا شاق , وهو محمود عند ~~الإعدام كما هو محمود عند الإيجاد . | < < # | فاطر : ( 18 - 20 ) ولا تزر وازرة . . . . . # > > ^ ( ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ~~ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن ~~تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير * وما يستوي الأعمى والبصير * ولا ~~الظلمات ولا النور ) ^ } ) | ولما أنهى سبحانه بيان الحق بالدلائل القاطعة ~~والبراهين الساطعة بالتهديد بالأخذ , وكان الأخذ على وجه التهديد عقابا , ~~وكان العقاب لا يكون حكمه إلا عند الذنب , قال دالا على أنه لا ينفك أحد ~~عما يستحق به العقاب : { ولا } أي يذهبكم عقوبة لكم بأوزاركم وقدرة عليكم ~~والحال أنه لا { تزر } أي تحمل يوم القيامة أو عند الإذهاب , PageV06P214 ~~ولما لم تكن نفس متأهلة للحمل تخلو من وزر تحمله , والمعصوم من عصم الله , ~~قال : { وازرة } دون نفس , أي لا تحمل حاملة من جهة الإثم { وزر } أي حمل ~~وثقل { أخرى } لتعذب به , بل كان واحد منكم له مما كسبت يداه ما ثقوم به ~~عليه الحجة في الأخذ مباشرة وتسببا مع تفاوتكم في الوزر , ولا يحمل أحد إلا ~~ما اقترفه هو , لا تؤخذ نفس بذنب أخرى الذي يخصها كما تقعل جبابرة الدنيا . ~~| ولما أثبت أنه لا يؤخذ إلا بوزر , ونفى أن يحمل أحد وزر غيره , وكان ربما ~~أوهم أن ذلك خاص ببعض الأحوال أو الأشخاص , وكان عظم الوزر يوجب عظم الأخذ ~~, نفى ذلك الإيهام ودل القدرة على المفاوتة بينهم في الأجر وإن كان أخذهم ~~في آن واحد بقوله : { وإن تدع } أي نفس { مثقلة } أي بالذنوب سواء كانت ~~كفرا أو غيره , أحدا { إلى حملها } أي الخاص بها من الذنوب التي ليست على ~~غيرها ms4072 بمباشرة ولا تسبب ليخفف عنها العذاب بسبب خفته { لا يحمل } أي من ~~حامل ما { منه شيء } أي لا طواعية ولا كرها . | بل لكل امرئ شأن يغنيه أصلا ~~وتسببا { ولو كان } ذلك الداعي أو المدعو للحمل { ذا قربى } لمن دعاه , ~~وحاصل الأولى أنه لا يهلك أحد بذنب غيره بل بذنب نفسه , والثانية أنه لا ~~يحط عن أحد ذنبه ليسلم . | ولما كان هذا أمرا - مع كونه جليا - خالعا ~~للقلوب , فكان بحيث يشتد تعجب السامع ممن يسمعه ولا يخشى , فقال مزيلا لهذا ~~العجب على سبيل النتيجة : { إنما تنذر } أي إنذارا يفيد الرجوع عن الغي , ~~فلاختصاصهم بالنفع كانوا كأنهم مختصون بالإنذار , وهو كما قال القشيري : ~~الإعلام بموضع المخافة . | { الذين يخشون } أي يوقعون هذا الفعل في الحال ~~يواظبون عليه في الاستقبال . | ولما كان أعقل الناس من خاف المحسن لان أقل ~~عقابة قطع إحسانه قال : { ربهم } . | ولما كان أوفى الناس عقلا وأعلاهم همة ~~وأكرمهم عنصرا من كانت غيبته مثل حضوره , وكان لا يحتاج - مع قول الداعي ~~وما يظهر له من سمته وحسن قوله وفعله - إلى آية يظهرها ولا خارقة يبرزها , ~~وإنما إيمانه تصديقا للداعي في إخباره بالأمر المغيب من غير كشف غطاء قال : ~~{ بالغيب } أي حال كونهم غائبين عما دعوا إليه وخوفوا به , أو حال كونه ~~غائبا عنهم أو غائبين عمن يمكن مراءاته , فهم مخلصون في خشيتهم سواء بحيث ~~لا يطلع إلا الله , ولا نعلم أحدا وازى خديجة والصديق رضي الله عنهما في ~~ذلك . | ولما كانت الصلاة جامعة لخضوع الظاهر والباطن , فكانت أشرف ~~العبادات , وكانت إقامتها بمعنى حفظ جميع حدودها في كل حال أدل الطاعات على ~~الإخلاص , PageV06P215 قال معبرا بالماضي لأن مواقيت الصلاة مضبوطة : { ~~وأقاموا } أي دليلا على خشيتهم { الصلاة } في أوقاتها الخمسة وما يتبع ذلك ~~من السنن . | ولما كان التقدير : فمن كان على غير تدسى , ومن كان على هذا ~~فقد تزكى , ومن تدسى فإنما يتدسى على نفسه , عطف عليه قوله , مشيرا بأداة ~~التفعل إلى أن النفس أميل شيء إلى الدنس , فلا تنقاد إلى أحسن تقويم ms4073 إلا ~~باجتهاد عظيم . | { ومن تزكى } أي تطهر وتكثر بهذه المحاسن . | ولما كان ~~الإنسان ليفيده بالأسباب القريبة قد يغفل عن أن هذا نفع له وخاص به أكده ~~فقال : { فإنما يتزكى لنفسه } فإنه لا يضر ولا ينفع في الحقيقة غيرها { ~~وإلى الله } الذي يكشف عن جميع صفاته أتم كشف تحتمله العقول يوم البعث لا ~~إلى غيره { المصير * } كما كان منه المبدأ فيجازي كلا على فعله فينصف بينك ~~وبين من خشي ربه بإنذارك ومن أعرض عن ذلك . | ولما كان التقدير : فما يستوي ~~في الطبع والعقل المتدسي الذي هو أعمى بعصيانه في الظلمات ولا المتزكي الذي ~~هو بطاعاته بصير في النور وإن استويا في الإنسانية , عطف عليه ما يصلح ~~أمثلة للمتدسي والمتزكي وما يكون به التدسية والتزكية , دلالة على تمام ~~قدرته الذي السياق له من أول السورة , وتقريرا لأن الخشية والقسوة بيده ~~إبطالا لقول من يسند الأمور إلى الطبائع قوله : { وما يستوي } أي في حالة ~~من الأحوال . | ولما كان المقام لوعظ المشركين , وكان المتدسي قبل المتزكي ~~على ما قرر قبله , ناسب أن ينظم على هذا الترتيب قوله مثالا للكافر والمؤمن ~~والجاهل والعالم , وقدم مثال الجاهل لأن الأصل عن الإرسال الجهل : { الأعمى ~~والبصير * } أي لا الصنفان ولا أفرادهما ولا أفراد صنف منهما , وأغنى عن ~~إعادة النافي ظهور المفاوتة بين أفراد كل صنف من الصنفين , فالمعنى أن ~~الناس غير مستوين في العمى والبصر بل بعضهم أعمى وبعضهم بصير , لأن افتعل ~~هنا لمعنى تفاعل , ولعله عبر به دلالة على النفي ولو وقع اجتهاد في أن لا ~~يقع , أو دلالة على أن المنفي إنما هو التساوي من كل جهة , لا في أصل ~~المعنى ولو كان ذلك مستندا إلى الطبع لكانوا على منهاج واحد بل وأفرد كل ~~متفاوتون فتجد بعض العمى يمشي بلا قائد في الأزقة المشكلة , وآخر لا يقدر ~~على المشي في بيته إلا بقائد , وآخر يدرك من الكتاب إذا جسه كم مسطرته من ~~سطر , وهل خطه حسن أو لا , وآخر يدرك الدرهم الزيف من غيره , ويميز ضرب ms4074 كل ~~بلد من غيره , وربما نازعه أحد مغالطة فلا يقبل التشكيك , وآخر في غاية ~~البعد عن ذلك , وأما البصراء فالأمر فيهم واضح في المفاوتة في أبصارهم ~~وبصائرهم , وكل ذلك دليل واضح على أن الفاعل قادر مختار يزيد في الخلق ما ~~يشاء , وإلا لتساوت الأفراد فكانوا على منهاج واحد . | PageV06P216 ولما ~~كان هذا من أغرب الأمور وإن غفل عنه لكثرة إلفه , نبه على غرابته ومزيد ~~ظهور القدرة فيه بتكرير النافي في أشباهه وعلى أن الصبر لا ينفذ إلا في ~~الظلمة , تنبيها على أن المعاصي تظلم قلب المؤمن وإن كان بصيرا , وقدم ~~الظلمة لأنها أشد إظهارا لتفاوت البصر مع المناسبة للسياق على ما قرر , ~~فقال في عطف الزوج على الزوج وعطف الفرد على الفرد جامعا تنبيها على أن طرق ~~الضلال يتعذر حصرها : { ولا الظلمات } التي هي مثال للأباطيل ؛ وأكد بتكرير ~~النافي كالذي قبله لأن المفارقة بين أفراد الظلمة وأفراد النور خفية , فقال ~~منبها على أن طريق الحق واحدة تكذيبا لمن قال من الزنادقة : الطرق إلى الله ~~بعدد أنفاس الخلائق : { ولا النور * } الذي هو مثال للحق , فما أبدعهما على ~~هذا التضاد إلا الله تعالى الفاعل المختار , وفاوت بين أفراد النور وأفراد ~~الظلمة , فما يشبه نور الشمس نور القمر ولا شيء منهما نور غيرهما من النجوم ~~ولا شيء من ذلك نور السراج - إلى غير ذلك من الأنوار , وإذا اعتبرت أفراد ~~الظلمات وجدتها كذلك , فإن الظلمات إنما هي ظلال , وبعض الظلال أكثف من بعض ~~. | < < # | فاطر : ( 21 - 26 ) ولا الظل ولا . . . . . # > > ^ ( ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي الأحيآء ولا الأموات إن الله ~~يسمع من يشآء ومآ أنت بمسمع من في القبور * إن أنت إلا نذير * إنآ أرسلناك ~~بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير * وإن يكذبوك فقد كذب ~~الذين من قبلهم جآءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير * ثم أخذت ~~الذين كفروا فكيف كان نكير ) ^ } ) | ولما كان الظلام ينشأ عن الظلال , وهو ~~نسخ النور , قدمه فقال مثال الخير لأن الرحمة سبقت الغضب : { ولا الظل } أي ms4075 ~~ببرده الذي هو مرجع المؤمن في الآخرة { لا الحرور * } أي بوهجها , وهي مرجع ~~الكافر , قال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : هي الريح الحارة ~~بالليل , وكذا قال في القاموس وزاد : وقد يكون بالنهار وحر الشمس والحر ~~الدائم والنار , فانتفى حكم الطبائع قطعا . | ولما كان المظهر لذلك كله ~~الحياة , قدمها فقال مثالا آخر للمؤمنين , ولذلك أعاد الفعل وهو فوق ~~التمثيل بالأعمى والبصير , لأن الأعمى يشارك البصير في بعض الإدراكات , ~~وصار للمؤمن مثالان ليفيد الأول نفي استواء الجنس بالجنس مع القبول للحكم ~~على الأفراد , والثاني بالعكس وهو للنفي في الأفراد مع القبول للجنس : { ~~وما يستوي الأحياء } أي لأنه منهم الناطق والأعجم , والذكي والغبي , والسهل ~~والصعب , فلا يكاد يتساوي حيان في جميع الخلال { ولا الأموات } أي الذين هم ~~مثال PageV06P217 للكافرين في صعوبة الموت وسهولته والبلى وغيره مما يخفى ~~ولا يقر به الكفار من الشقاوة والسعادة . | ولما كان ما ذكر على هذا الوجه ~~- من وضوح الدلالة على الفعل بالاختيار وعلى ضلال من أشرك به شيئا لأنه لا ~~يشابهه شيء - بمكان ليس معه خفاء , ومن الإحكام بحيث لا يدانيه كلام يعجب ~~السامع ممن يأباه , فقال مزيلا عجبه مقررا أن الخشية والقسوة إنما هما بيده ~~, وإن الإنذار إنما هو لمن قضى بانتفاعه , مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~, مؤكدا ردا على من يرى لغيره سبحانه فعلا من خير أو شر : { إن الله } أي ~~القادر على المفارقة بين هذه الأشياء وعلى كل شيء بما له من الإحاطة بصفات ~~الكمال , وعبر بالفعل إشارة إلى القدرة على ذلك في كل وقت أراده سبحانه ~~فقال : { يسمع من يشاء } أي فيهديه ولو لم يكن له قابلية في العادة ~~كالجمادات , ويصم ومن يشاء فيعميه وينكسه ويرديه من أحياء القلوب والأرواح ~~, وأموات المعاني والأشباح , والمعنى أن إسماعهم لو كان مستندا إلى الطبائع ~~لاستووا إما بالإجابة أو الإعراض لأن نسبة الدعوة وإظهار المعجزة إليهم على ~~حد سواء , فالآية تقرير أية { إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب } . | ~~ولما كان المعرض قد ساوى الميت في ms4076 حاله التي هي عدم الانتفاع بما يرى ويسمع ~~من الخوارق , فكان كأنه ميت , قال معبرا بالأسمية تنبيها على عدم إثبات ذلك ~~له صلى الله عليه وسلم : { وما أنت } أي بنفسك من غير إقدار الله لك , ~~وأعرق في النفي فقال : { بمسمع } أي بوجه من الوجوه { من في القبور * } أي ~~الحسية والمعنوية , إسماعا ينفعهم بل الله يسمعهم إن شاء فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات , والآية دليل على البعث . | ولما كان هذا خاصة الإله , أشار ~~إلى نفيه عنه مقصرا على وصف النذارة , إشارة إلى أن أغلب الخلق موتى القلوب ~~, فقال مؤكدا للرد على من يظن أن النذير يقدر على هداية أو غيرها إلا ~~بإقداره { إن } أي ما { أنت إلا نذير * } أي تنبه القلوب الميتة بقوارع ~~الإنذار , ولست بوكيل يقهرهم على الإيمان , ولما كان صلى الله عليه وسلم ~~نبي الرحمة , وكان الاقتصار على هذا الوصف ربما أوهم غير ذلك , أتبعه قوله ~~بيانا لعظمته صلى الله عليه وسلم بالالتفات إلى مظهر العظمة { أرسلناك } أي ~~إلى هذه الأمة إرسالا مصحوبا { بالحق } أي الأمر الكامل في الثبات الذي ~~يطابقه الواقع , فإن من نظر إلى كثرة ما أوتيته من الدلائل علم مطابقة ~~الواقع لما تأمر به , والتقدير بالمصدر PageV06P218 يفهم أن الرسالة حق , ~~وكلا من المرسل والرسول محق { بشيرا } أي لمن أطاع { ونذيرا } أي لمن عصى , ~~والعطف بالواو للدلالة على العراقة في كل من الصفتين . | ولما كان مما يسهل ~~القياد ويضعف الجماح التأسية , قال مؤكدا دفعا لاستبعاد الإرسال إلى جميع ~~الأمم : { وإن } أي والحال أنه ما { من أمة } من الأمم الماضية { إلا خلا ~~فيها نذير * } أرسلناه إليهم بشيرا ونذيرا إما بنفسه وإما بما ابقى في ~~أعقابهم من شرائعه من أقواله وأفعاله ورسومه مع ما لهم من العقول الشاهدة ~~بذلك , والنذارة دالة على البشارة , واقتصر عليها لأنها هي التي تقع بها ~~التسلية لما فيها من المشقة , ولأن من الأنبياء الماضين عليهم السلام من ~~تمحضت دعوته للنذارة لأنه لم ينتفع أحد ببشارته لعدم اتباع أحد منهم له . | ~~ولما كان صلى الله ms4077 عليه وسلم شديد الأسف على إبائهم رحمة لهم وخوفا من أن ~~يكون ذلك لتقصير في حاله , وكان التقدير : فإن يصدقونك فهو حظهم في الدنيا ~~والآخرة , عطف عليه تأسية له وتسلية قوله : { وإن يكذبونك فقد } أي فتسل ~~لأنه قد { كذب الذين } ولما كان المكذبون بعض الناس , فلزم لذلك أن يكونوا ~~في بعض الزمان , دل على ذلك بالجار فقال : { من قبلهم } أي ما أتتهم به ~~رسلهم عن الله . | ولما كان القبول الرسل لما جاءهم عن الله ونفى التقصير ~~في الإبلاغ عنهم دالا على علو شأنهم وسفول أمر المكذبين من الأمم , وكل ذلك ~~دالا على تمام قدرة الله تعالى في المفارقة بين الخلق , قال دالا على أمري ~~العلو والسفول استئنافا جوابا لمن كأنه قال : هل كان تكذيبهم عنادا أو لنقص ~~في البيان : { جاءتهم } أي الأمم الخالية { رسلهم بالبينات } أي الآيات ~~الواضحات في الدلالة على صحة الرسالة . | ولما كان التصديق بالكتاب لازما ~~لكل من بلغه أمره , وكانت نسبة التكذيب إلى جميع الأمم أمرا معجبا , كان ~~الأمر حريا بالتأكيد لئلا يظن أنهم ما كذبوا إلا لعدم الكتاب , فأكد بإعادة ~~الجار فقال : { وبالزبر } أي الأمور المكتوبة من الصحف ونحوها من السنن ~~والأسرار { وبالكتاب } أي جنس الكتاب كالتوراة والإنجيل { المنبر * } أي ~~الواضح في نفسه الموضح لطريق الخير والشر كما أنك أتيت قومك بمثل ذلك وإن ~~كان طريقك أوضح وأظهر , وكتابك أنور وأبهر وأظهر وأشهر . | ولما سلاه , هدد ~~من خالفه وعصاه بما فعل في تلك الأمم فقال , صارفا القول إلى الإفراد دفعا ~~لكل لبس , مشيرا بأداة التراخي إلى أن طول الإمهال ينبغي أن يكون سببا ~~للإنابة لا للاغترار بظن الإهمال : { ثم أخذت } أي بأنواع الأخذ { الذين ~~كفورا } أي ستروا تلك الآيات المنيرة بعد طول صبر الرسل عليهم ودعائهم لهم ~~. | ولما كان أخذ PageV06P219 من قص أخباره منهم عند العرب شهيرا , وكان ~~على وجوه من النكال معجبة , سبب عنه السؤال بقوله : { فكيف كان نكير * } أي ~~إنكاري عليهم , أي أنه إنكار يجب السؤال عن كيفية لهوله وعظمه , كما قال ~~القشيري : ولئن ms4078 أصروا على سنتهم في الغي فلن تجد لسنتنا تبديلا في الانتقام ~~والخزي . | < < # | فاطر : ( 27 - 29 ) ألم تر أن . . . . . # > > ^ ( ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ~~ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس ~~والدوآب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن ~~الله عزيز غفور * إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ) ^ } ) | ولما كان من من أغرب ~~الأشياء الدالة على تمام القدرة الدال على الوحدانية أن يكون شيء واحد سببا ~~لسعادة قوم وهداهم , وشقاوة قوم وضلالهم وعماهم وكان ذلك , امرا دقيقا ~~وخطبا جليلا , لا يفهمه حق فهمه إلا أعلى الخلائق , ذكر المخاطب بهذا الذكر ~~ما يشاهد من آيته , فقال على طريق الإخبار في قوله : ( الله الذي أرسل ~~الرياح ) ولفت القول إلى الاسم الأعظم دلالة على عظمة ما في حيزه : { ألم ~~تر أن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { أنزل من السماء } أي التي لا ~~يصعد إليها الماء ولا يستمسك يشابهه في مماثلة بعضه لبعض , فلا قدرة لغيره ~~سبحانه على تمييز شيء منه إلى ما يصلح لشيء دون آخر ولما كان أمرا فائتا ~~لقوى العقول , نبه عليه بالالتفات إلى مظهر العظمة فقال : { فأخرجنا } أي ~~بما لنا من العظمة { به } أي الماء من الأرض { ثمرات } أي متعددة الأنواع { ~~مختلفا ألوانها } أي ألوان أنواعها وأصنافها وهيئاتها وطبائعها , فالذي قدر ~~على المفاوتة بينها وهي من ماء واحد لا يستبعد عليه أن يجعل الدلائل ~~بالكتاب وغيره نورا لشخص وعمى لآخر . | ولما ذكر تنوع ما عن الماء وقدمه ~~لأنه الأصل في التلوين كما أنه الأصل في التكوين , أتبعه التلوين عن التراب ~~الذي هو أيضا شيء واحد , فقال ذاكرا ما هو أصلب الأرض وأبعدها عن قابلية ~~التأثر وقطعه عن الأول لأن الماء لا تأثير له فيه : { ومن } أي ومما خلقنا ~~من { الجبال جدد } أي طرائق وعلامات وخطوط متقاطعة { بيض وحمر } ~~PageV06P220 ولعله عبر عنها بذلك دون ms4079 طرق إشارة إلى أن من غرابتها أنها لا ~~تخلق ولا تضمحل ألوانها على طول الزمان كما هو العادة في غالب ما يتقادم ~~عهده , والجد بالفتح , والجدة بالكشر , والجدد بالتحريك : وجه الأرض , ~~وجمعه جدد بالكشر , والجدة بالضم : الطريقة والعلامة والخط في ظهر الحمار ~~يخالف لونه وجمعه جدد كغدة البعير , والأرض الغليظة المستوية , والجدجد ~~بالفتح : الأرض المستوية . | ولما كان أبلغ من ذلك أن تلك الطرق في أنفسها ~~غير متساوية المواضع في ذلك اللون الذي تلونت به , قال تعالى دالا على أن ~~كلا من هذين اللونين لم يبلغ الغاية في الخلوص : { مختلف ألوانها } وهي من ~~الأرض وهي واحدة . | ولما قدم إلى الغبرة التي هي أصل لونها . | ولما كانت ~~مادة { غرب } تدور على الخفاء الذي يلزمه الغموض أخذا من غروب الشمس , ~~ويلزم منه السواد , ولذلك يؤكد الأسود بغربيب مبالغة الغرب كفرح أي الأسود ~~للمبالغة في سواده , وكان المقصود الوصف بغاية السواد مخالفة لغيره , قال ~~تعالى عاطفا على بيض : { وغرابيب } أي من الجدد أيضا { سود * } فقدم ~~التأكيد لدلالة السياق على أن أصل العبارة ( وسود غرابيب سود ) فأضمر الأول ~~ليتقدم على المؤكد لأنه تابع , ودل عليه بالثاني ليكون مبالغا في تأكيده ~~غاية المبالغة بالإظهار بعد الإضمار , وهو معنى قول ابن عباس رضي الله ~~عنهما : أشد سواد الغرابيب - رواه عنه البخاري , لأن السواد الخالص في ~~الأرض , مستغرب , ومنه ما يصبغ به الثياب ليس معه غيره , فتصير في غاية ~~السواد , وذلك في مدينة فوة ومسير وغيرهما مما داناهما من بلاد مصر . | ~~ولما أكد هذا بما دل على خلوصه , قدم ذكر الاختلاف عليه , ولما ذكر تعالى ~~ما الأغلب فيه الماء مما استحال إلى آخر بعيد من الماء , وأتبعه التراب ~~الصرف , ختم بما الأغلب فيه التراب مما استحال إلى ما هو في غاية البعد من ~~التراب فقال : { ومن الناس } أي المتحركين بالفعل والاختيار { والدواب } ~~ولما كانت الدابة في الأصل لما دب على الأرض , ثم غلب إطلاقه على ما يركب ~~قال : { والأنعام } ليعم الكل صريحا { مختلف ألونه } أي ألوان ذلك البعض ms4080 ~~الذي أفهمته ( من ) { كذلك } أي مثل الثمار والأراضي فمنه ما هو ذو لون ~~واحد , ومنه ما هو ذو ألوان مع أن كل ما ذكر فهو من الأراضي متجانس الأعيان ~~مختلف الأوصاف , ونسبته إليها وإلى السماء واحدة فأين حكم الطبائع . | ~~PageV06P221 ولما ثبت بهذا البرهان أنه سبحانه فاعل الاختيار , فهو يفعل ~~فيما يشاء ومن يشاء , ما يشاء فيجعل الشيء الواحد لقوم نورا ولقوم عمى , ~~وكان ذلك مرغبا في خدمته مرهبا من سطوته سبحانه وتعالى وتقدس لكل ذي لب , ~~وكان السياق لإنذار من يخشى بالغيب , فثبت أن الإنذار بهذا القرآن يكون ~~لقوم أراد الله خشيتهم خشية , ولقوم أراد الله قسوتهم قسوة , التفت النفس ~~إلى طلب قانون يعرف به من يخشى ومن لا يخشى , فقال على سبيل الاستنتاج من ~~ذلك , دفعا لظن من يحسب أنه يمكن أن يكون ولي جاهلا : { إنما يخشى الله } ~~أي الذي له جميع الكمال , ولا كمال لغيره إلا منه , ودل على أن كل من سواه ~~في قبضته وتحت قهره بقوله : { من عباده } ثم ذكر محط الفائدة وهو من ينفع ~~إنذاره فقال : { العلماء } أي لا سواهم وإن كانوا عبادا وإن بلغت عبادتهم ~~ما عسى أن تبلغ , لأنه لا يخشى أحد أحدا إلا مع معرفته , ولا يعرفه جاهل , ~~فصار المعنى كأنه قيل : إنما ينفع الإنذار أهل الخشية , وإنما يخشى العلماء ~~, والعالم هو الفقيه العامل بعلمه , قال السهرودي في الباب الثالث من ~~عوارفه : فينتفي العلم عمن لا يخشى الله , كما إذا قال : إنما يدخل الدار ~~البغدادي , فينتفي دخول البغدادي الدار هذا معنى القراءة المشهورة . | ولما ~~كان سبب الخشية التعظيم والإجلال , وكان كل أحد لا يجل إلا من أجله , وكان ~~قد ثبت أن العلماء يجلون الله , وكان سبب إجلالهم له إجلاله لهم , كان هذا ~~معنى القراءة الأخرى , فكان قيل : إنما ينفع الإنذار من يجهل الله فالله ~~يجله لعلمه , وسئل شيخنا محقق زمانه قاضي الشافعية بمصر محمد بن القاياتي ~~عن توجيه هذه القراءة فأطرق يسيرا ثم رفع رأسه فقال : | أهابك إجلالا وما ~~بك قدرة علي ms4081 ولكن مليء عين حبيبها | ولما ثبت بهذا السياق أنه سبحانه فاعل ~~هذه الأشياء المتضادة , علل ذلك ليفيد أن قدرته على كل ما يريد كقدرته عليه ~~بقوله على سبيل التأكيد تنبيها على أنه سبحانه لا يعسر عليه شيء وأنه أهل ~~لأن يخشى ولذلك أظهر الاسم الأعظم : { إن الله } أي المحيط بالجلال ~~والإكرام { عزيز } أي غالب على جميع أمره . | ولما كان هذا مرهبا من سطوته ~~موجبا لخشيته لإفهامه أنه يمنع الذين لا يخشون من رحمته , رغبهم بقوله : { ~~غفور * } في أنه يمحو ذنوب من يريد منهم فيقبل بقلبه إليه وهو أيضا من ~~معاني العزة . | ولما تقرر هذا , تشوف السامع إلى معرفة العلماء فكان كأنه ~~قيل : هم الذين يحافظون على كتاب الله علما وعملا , فقيل : فما لهم ؟ فقال ~~مؤكدا تكذيبا لمن يظن من PageV06P222 الكفار وغيرهم من العصاة أنهم من ~~الخاسرين بما ضيعوا من عاجل دنياهم : { إن الذين يتلون } أي يجددون التلاوة ~~كل وقت مستمرين على ذلك محافظين عليه كلما نزل من القرآن شيء وبعد كمال ~~نزوله حتى يكون ذلك ديدنهم وشأنهم بفهم وبغير فهم { كتاب الله } أي الذي لا ~~ينبغي لعاقل أن يقبل على غيره لما له من صفات الجمال والجلال , ولما ذكر ~~السبب الذي لا سبب يعادله , ذكر أحسن ما يربط به , فقال دالا على المداومة ~~بالتعبير بالإقامة وعلى تحقيق الفعل بالتعبير بالماضي : { وأقاموا الصلاة } ~~أي وهي الناهية عن الفحشاء والمنكر فناجوا الله فيها بكلامه . | ولما ذكر ~~الوصلة بينهم وبين الخالق , ذكر إحسانهم إلى الخلائق , فقال دالا على إيقاع ~~الفعل بالتعبير بالماضي , وعلى الدوام بالسر والعلن لافتا القول إلى مظهر ~~العظمة تنبيها على أن الرزق منه وحده , لا بحول أحد غيره ولا غيره : { ~~وأنفقوا مما رزقناهم } أي بحولنا وقوتنا لا بشيء من أمرهم في جميع ما ~~يرضينا , ودل على مواظبتهم على الإنفاق وإن أدى إلى نفاد المال بقوله : { ~~سرا وعلانية } وعبر في الأول بالمضارع لأن إنزالها كان قبل التمام وتصريحا ~~بتكرار التلاوة تعبدا ودراسة لأن القرأن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ms4082 ~~( أشد تفلتا من الإبل في عقلها ) أخرجه مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله ~~عنه , وفي الثاني والثالث بالماضي حثا على المبادرة إلى الفعل , وقد تحصل ~~من هذا أنه جعل لفعل القلب الذي هو الخشية دليلا باللسان وآخر بالإركان ~~وثالثا بالأموال . | ولما أحلهم بالمحل الأعلى معرفا أنهم أهل العلم الذي ~~يخشون الله , وكان العبد لا يجب له على سيده شيء , قال منبها على نعمة ~~الإبقاء الثاني التي هي أم النعم والنتيجة العظمى المقصودة بالذات : { ~~يرجون } أي في الدنيا والآخرة { تجارة } أي بما عملوا { لن تبور * } أي ~~تكسد وتهلك بل هي باقية , لأنها دفعت إلى من لا تضيع لديه الودائع وهي ~~رائجة رابحة , لكونه تام القدرة شامل العلم له الغنى المطلق . | < < # | فاطر : ( 30 - 32 ) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم . . . . . # > > ^ ( ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور * والذي أوحينآ ~~إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير * ثم ~~أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ) ^ } ) | ولما كان المراد ~~بعدم هلاكها حفظها وبقاءها إلى يوم لقائه , علله بقوله , مقتصرا ~~PageV06P223 على الضمير لأن السياق للمؤمنين , ولذا لفته إلى ضمير الغيبة ~~لأن إيمانهم بالغيب { ليوفيهم } أي على تلك الأعمال { ويزيدهم } أي على ما ~~جعله بمنه وبيمنه حقا لهم عليها { من فضله } أي زيادة ليس فيها تسبب أصلا , ~~بل سيء بعد ما من عليهم بما قابل أعمالهم به مما يعرفون أنه جزاءها مضاعفا ~~للواحد عشرة إلى ما فوق . | ولما كانت أعمالهم لا تنفك عن شائبة ما , وإن ~~خلصت فلم يكن ثوابها لأنها من منه سبحانه مستحقا , علل توفيتهم لها بقوله ~~مؤكدا إعلاما بأنه لا يسع الناس إلا عفوه لأنه لن يقدر الله أحد حق قدره ~~وإن اجتهد , ولو واخذ أعبد العباد بما يقع من تقصيره أهلكه { إنه غفور } أي ~~بمحو النقص عن العمل { شكور * } أي يقبله ويزيد عليه . | ولما كانت ترجمة ~~الآية أن العلماء هم حملة الكتاب , وبدأ ms4083 سبحانه بأدنى درجاتهم , وكان ذلك ~~مما يرغب في الكتاب , أتبعه ترغيبا هو أعلى منه , فقال عاطفا على قوله في ~~تقرير الأصل الثاني الذي هو الرسالة < # > 77 ( { إنا أرسلناك بالحق } ) 77 < # > [ البقرة : 119 ] وأكده دفعا لتكذيب المكذبين به : { والذي أوحينا } أي ~~بما لنا من العظمة { إليك } وبين قدره بمظهر العظمة وقال مبينا للوحي : { ~~من الكتاب } أي الجامع لخيري الدارين . | ولما كان الكتاب لا يطرقه نوع من ~~أنواع التغير لأنه صفة من لا يتغير قال : { هو الحق } أي الكامل في الثبات ~~ومطابقة الواقع له لا غيره من الكلام ؛ وأكد حقيته بقوله : { مصدقا لما بين ~~يديه } أي من الكتب الماضية الآتي لها الرسل الداعون إلى الله المؤيدون ~~بالبراهين الساطعة والادلة القاطعة . | ولما دل سبحانه على أن العلم هو ~~الحقيقة الثابتة , وما عداه فهو محو وباطل , ودل على أن التالين لكتابه ~~الذي هو العلم هم العلماء , وغيرهم وإن كانوا موجودين فهم بالمعدومين أشبه ~~, ودل على أن الكتب الماضية وإن كانت حقا لكنها ليست في كمال القرآن , لأن ~~الأمر ما دام لم يختم فالزيادة متوقعة فيه بخلاف ما إذا وقع الختم فإنه لا ~~يكون بعده زيادة ترتقب , وكان ربما تراءى لأحد في بعض المتصفين بذلك غير ~~ذلك , قال تعالى إعلاما بأن العبرة بما عنده لا بما يظهر للعباد , وأكده ~~تنبيها على أن هذا المعنى مما تعقد عليه الخناصر وإن تراءى لأكثر الناس ~~خلافه , أظهر الاسم الأعظم لحاجة المخبرين هنا إليه لأنهم البر والفاجر : { ~~إن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال . | ولما كان الإنسان أعلم بمن ~~يربيه ولا سيما إن كان مالكا له قال : { بعباده لخبير } أي عالم أدق العلم ~~وأتقنه ببواطن أحوالهم { بصير * } أي بظواهر أمورهم وبواطنها أي فهو يسكن ~~الخشية والعلم القلوب على ما أتوا من الكتاب في عمله PageV06P224 وتلاوته ~~وإن تراءى لهم خلاف ذلك , فأنت أحقهم بالكمال لأنك أخشاهم وأتقاهم , فلذلك ~~آتيناك هذا الكتاب , فأخشاهم بعدك أحقهم بعمله . | ولما كان معنى الوصفين : ~~فنحن نيسر لتلاوة كتابنا من يكون قابلا للعلم الذي هو ms4084 عمود الخشية بما ~~تعلمه منه بخبرنا وبصرنا , وكان الذي ضم إلى التلاوة الفهم في الذروة ~~العليا من العلم , قال عطفا على هذا الذي أرشد السياق إلى تقديره مشيرا ~~بأداة العبد إلى علو رتبة أهل هذا القسم , وهم هذه الأمة الأمية على اختلاف ~~مراتب إرثهم مع تراخي إرثهم عمن قبلهم , صارفا القول إلى مظهر العظمة ~~بعظمتنا ملكا تاما وأعطينا عطاء لا رجوع فيه , وعبر في غير هذه الأمة < # > 77 ( { ورثوا الكتاب } ) 77 < # > [ الأعراف : 169 ] فانظر فوق ما بين العبارتين تعرف الفرق بين المقامين ~~, ويجوز أن يكون التقدير بعد ما أوحينا إليك : وأورثناكه ثم أورثناه , ~~ولكنه أظهر دلالة على الوصف تنبيها على تناهي جمعه للكتب الماضية وإعلاما ~~بأن ( من ) في { أوحينا إليك من } للبيان فقال : { الكتاب } أي القرآن ~~باتفاق المفسرين , قال الأصفهاني - الجامع لكل كتاب أنزلنا , فهو أم لكل ~~خير , وقال ابن عباس كما نقله ابن الجوزي : إن الله أورث أمة محمد كل كتاب ~~أنزله { الذين اصطفينا } أي فعلنا في اختيارهم فعل من يجتهد في ذلك { من ~~عبادنا } أي أخلصناهم لنا وهم بنو إسماعيل ومن تبعهم , يعني أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم - نقله البغوي عن ابن عباس رضي الله عنهما , ونقل عن ابن ~~جرير أنه قال : الإرث : انتقال شيء من قوم إلى قوم , فثم هنا للترتيب , لأن ~~إيتاء هذه الأمة متراخ عن إيتاء الأمم ونقله إليهم بعد إبطال تلك الأديان , ~~ونسخ تلك الكتب إلا ما وافق القرآن بل يشمل من يحفظ منه جزءا ولو أنه ~~الفاتحة فقط , فإن الصحابة رضوان الله تعالى أجمعين لم يكن كل واحد منهم ~~يحفظ جميع القرآن ونحن على القطع بأنهم مصطفون . | ولما كان اكثر الناس لا ~~ينفك عن تقصير كثير لما جبل الإنسان عليه من النقصان , فكان من فيه ذلك ~~يخرج نفسه من هذا القسم , قال معرفا به بمقداره مؤنسا له بما فتح له من ~~أنواره مستجلبا له إلى حضرة قدسه ومعدن أسراره مقسما أهل هذا القسم وهم أهل ~~الفهم إلى ثلاثة أقسام مقدما الأدنى لأنهم ms4085 الأكثر ولئلا يحصل اليأس , ويصدع ~~القلوب خوف البأس : { فمنهم } أي فتسبب عن إيراثنا لهم أن كان منهم كما هو ~~مشاهد { ظالم لنفسه } أي بالتفريط والتهاون في توفية الحق لما يقتضيه حاله ~~من العمل غير متوق للكبائر , وهذا القسم هم أكثر الوارث وهم المرجئون لأمر ~~الله . | PageV06P225 ولما كان ترك الإنسان للظلم في غاية الصعوبة , نبه ~~على ذلك بصيغة الافتعال فقال : { ومنهم مقتصد } أي متوسط في العمل غير باذل ~~لجميع الجهد إلا أنه مجتنب للكبائر فهو مكفر عنه الصغائر , وهم الذين خلطوا ~~عملا صالحا وآخر سيئا { ومنهم سابق بالخيرات } أي العبادات وجميع أنواع ~~القربات , موف للمقام الذي أقيم به حقه كلما ازداد قربا ازداد عملا , لا ~~يكون سابقا إلا وهو هكذا , وهم السابقون الأولون من المهاجرون والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان , ويؤيد هذا قول الحسن : السابق من رجحت حسناته , ~~والمقتصد من استوت حسناته وسيئاته , والظالم من رجحت سيئاته . | وختم ~~بالسابقين عقيب أهل القربات من الإعراب وأخر المرجين وعقبهم بأهل مسجد ~~الضرار , وقدم سبحانه في الأحزاب المسلمين ورقى الخطاب درجة درجة إلى ~~الذاكرين الله كثيرا , فهو سبحانه تارة يبدأ بالأدنى وتارة بالأعلى بحسب ما ~~يقتضيه الحال كما هو مذكور في هذا الكتاب في محاله , وهذا على تقدير عود ~~الضمير في { منهم } على { الذين } لا على { العباد } وهو مع تأيده ~~بالمشاهدة وإن السياق لأن أهل العلم هو التالون لكتاب الله مؤيد بأحاديث لا ~~تقصر - وإن كانت ضعيفة - عن الصلاحية لتقوية ذلك , فمنها ما رواه البغوي ~~بسنده عن ابن الخطاب رضي الله عنه قرأ هذه الآية على المنبر وقال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سابقنا سابق , ومقتصدنا ناج , وظالمنا ~~مغفور له ) . | وبسنده عن أبي الدرداء رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال ( أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب ~~, وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا , وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ~~حتى يدخله الهم ثم يدخل الجنة ) ثم قرأ { الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن } ~~. | وروي بغير إسناد ms4086 عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( كلهم من هذه الأمة ) . | وقال ابن الجوزي بعد أن ذكر ~~حديث حديث رضي الله عنه بغير سند : وروى PageV06P226 الترمذي عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال : ~~كلهم في الجنة . | وروى حديث أبي الدرداء رضي الله عنه الحافظ ابن عساكر في ~~الكنى من تأريخ دمشق في ترجمة أخي زياد أو أبي زياد . | وأما على عود ~~الضمير على العباد فقال ابن عباس رضي الله عنهما : السابق المؤمن المخلص , ~~والمقتصد المرائي , والظالم الكافر نعمة الله غير الجاحد لها , وقال قتادة ~~: الظالم أصحاب المشأمة , والمقتصد أصحاب الميمنة , والسابقون المقربون . | ~~ولما كان هذا ليس في قوة العبد في مجارى العادات , ولا يؤخذ بالكسب ~~والاجتهادات , أشار إلى عظمته بقوله : { بإذن الله } أي بتمكين من له ~~القدرة التامة والعظمة العامة والفعل بالاختيار وجميع صفات الكمال وتسهيله ~~وتيسره لئلا يأمن أحد مكره تعالى , قال الرازي في اللوامع : ثم من السابقين ~~من يبلغ محل القربة فيستغرق في وحدانيته , وهو الفرد الذي اهتز في ذكره - ~~انتهى - . | ثم زاد عظمة هذا الأمر بيانا , فقال مؤكدا تكذيبا لظنون ~~الجاهلين لأن السابق كلما علا مقامه في السبق قل حظه من الدنيا , فرأى ~~الجاهلون أنه مضيع لنفسه : { ذلك } أي السبق أو إيراث الكتاب { هو } مشيرا ~~بأداة البعد مخصصا بضمير الفصل { الفضل الكبير * } . | < < # | فاطر : ( 33 - 38 ) جنات عدن يدخلونها . . . . . # > > ^ ( جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم ~~فيها حرير * وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور * ~~الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب * ~~والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ~~كذلك نجزي كل كفور * وهم يصطرخون فيها ربنآ أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا ~~نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجآءكم النذير فذوقوا فما للظالمين ~~من ms4087 نصير * إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور ) ^ } ) ~~| ولما ذكر تعالى أحوالهم , بين جزاءهم ومآلهم , فقال مستانفا جوابا لمن ~~سأل عن ذلك : { جنات } أي هي مسببة عن سبب السبق الذي هو الفضل , ويصح ~~كونها بدلا من الفضل لأنه سببها , فكان كأنه هو الثواب { عدن } أي إقامة ~~بلا رحيل لأنه لا سبب PageV06P227 للرحيل عنها { يدخلونها } أي الثلاثة ~~أصناف , ومن دخلها لم يخرج منها لأنه لا شيء يخرجه ولا هو يريد الخروج على ~~أن الضمير ل ( الذين ) ومن قال ل ( عبادنا ) خص الدخول بالمقتصد والسابق - ~~هذا على قراءة الجماعة بفتح الياء وضم الخاء , وعلى قراءة أبي عمرو بالبناء ~~للمفعول يكون الضمير للسابق فقط , لأنهم يكونون في وقت الحساب على كثبان ~~المسك ومنابر النور فيستطيبون مكانهم , فإذا دعوا إلى الجنة أبطؤوا فيساقون ~~إليها كما في آخر الزمر . | ولما كان الداخل إلى مكان أول ما ينظر إلى ما ~~فيه من النفائس قال : { يحلون فيها } أي يلبسون على سبيل التزين والتحلي { ~~من أساور } ولما كان للإبهام ثم البيان مزيد روعة النفس , وكان مقصود ~~السورة إثبات القدرة الكاملة لإثبات اتم الإبقاءين , شوق إلى الطاعة ~~الموصلة إليه بفضل ما نعرف من الحلية , فقال مبينا لنوع الأساور : { من ذهب ~~ولؤلؤ } ولما كانت لا تليق إلى على اللباس الفاخر , قال معرفا أنهم حين ~~الدخول يكونون لابسين : { ولباسهم فيها حرير * } ولما كان المقتصد والسابق ~~يحزنون لكمالهم وشدة شفقتهم على الظالم إذا قوصص , جمع فقال معبرا بالماضي ~~تحقيقا له : { وقالوا } أي عند دخولهم : { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف ~~الكمال { لله } أي الذي لم تمام القدرة { الذي أذهب } أي بدخولنا هذا { عنا ~~الحزن } أي هذا النوع بكماله , فلا نحزن على شيء كان فاتنا , ولا يكون لنا ~~حزن أبدا لأنا صرنا في دار لا يفوت فيها شيء أصلا ولا ينفى . | ولما كانوا ~~عالمين بما اجترحوه من الزلات أو الهفوات أو الغفلات التي لولا الكرم ~~لأدتهم إلى النار , عللوا ما صاروا إليه معها بقولهم , مؤكدين إعلاما بما ~~عندهم من السرور بالعفو عن ms4088 ذنوبهم , وأن ما أكدوه حقيق بأن يتغالى في ~~تأكيده لما رأوا من صحته وجنوا من حلو ثمرته : { إن ربنا } أي المحسن إلينا ~~مع إساءتنا { لغفور } أي محاء للذنوب عينا وأثرا للصنفين الأولين { شكور * ~~} أي على ما وهبه للعبد من حسن طاعته ووفقه له من الأعمال الحسنة فجعله به ~~سابقا , ثم وصفوه بما هو شكر له فقالوا : { الذي أحلنا دار المقامة } أي ~~الإقامة ومكانها وزمانها التي لا يريد النازل بها على كثرة النازلين بها - ~~ارتحالا منها , ولا يراد به ذلك , ولا شيء فيها يزول فيؤسف عليه . | وكان ~~المالك المطلق لا يجب عليه شيء ولا استحقاق لمملوكه عليه بوجه قال : { من ~~فضله } أي بلا عمل منا فإن حسناتنا إنما كانت منا منه سبحانه , لو لم ~~يبعثنا وييسرها لنا لما كانت . | ولما تذكروا ما شاهدوه في عرصات القيامة ~~من تلك الكروب والأهوال , والأنكاد PageV06P228 والأثقال , التي أشار إليها ~~قوله تعالى : { وإن تدع مثقلة إلى حملها } الاية , استأنفوا قولهم في وصف ~~دار القرار : { لا يمسنا } أي في وقت من الأوقات { فيها نصيب } أي نصب بدن ~~ولا وجع ولا شيء { ولا يمسنا فيها لغوب * } أي كلال وتعب وإعياء وفتور نفس ~~من شيء من الأشياء , قال أبو حيان : هو لازم من تعب البدن . | فهي الجديرة ~~لعمري بأن يقال فيها : | علينا لا تنزل الأحزان شاحتها لو مسحها حجر مسته ~~سراء | ولما بين ما هم من النعمة , بين ما لأعدائهم من النقمة , زيادة في ~~سرورهم بما قاسوه في الدنيا من تكبرهم عليهم وفجورهم فقال : { والذين كفروا ~~} أي ستروا ما دلت عليه عقولهم من شموس الآيات وأنوار الدلالات { لهم نار ~~جهنم } أي بما تجهموا أولياء الله الدعاء إليهم . | ولما كانت عادة النار ~~إهلاك من دخلها بسرعة , بين أن حالها على غير ذلك زيادة في نكالهم وسوء ~~مآلهم فقال مستأنفا : { لا يقضى } أي لا يحكم وينفذ ويثبت من حاكم ما { ~~عليهم } أي بموت { فيموتوا } أي فيتسبب عن القضاء موتهم , وإذا راجعت ما ~~مضى في سورة سبحان من قوله < # > 77 ( { فلا يملكون ms4089 كشف الضر عنكم } ) 77 < # > [ الأسراء : 56 ] وما يأتي إن شاء الله تعالى في المرسلات من قوله : < # > 77 ( { ولا يؤذن لهم فيعتذرون } ) 77 < # > [ المرسلات : 36 ] علمت سر وجوب النصب هنا لأنه ثبوت المعجزة يستوي ~~فيها المسع والبصر , وبنى أبو عمرو الفعل للمفعول إشارة إلى سهولته وتيسره ~~ورفع { كل } . | ولما بين عذابهم بين اكتئابهم فقال : { وهم } أي فعل ذلك ~~بهم والحال أنهم { يصطرخون فيها } أي يوجدون الصراخ فيها بغاية ما يقدرون ~~عليه من الجهد في الصياح بالبكاء والنواح . | ولما بين ذلك بين قولهم في ~~اصطراخهم بقوله : { ربنا } أي يقولون : أيها المحسن إلينا { أخرجنا } أي من ~~النار { نعمل صالحا } ثم أكدوه وفسروه وبينوه بقولهم على سبيل التحسر ~~والاعتراف بالخطأ أو لأنهم كانوا يظنون عملهم صالحا { غير ذلك كنا } أي ~~بغاية جهدنا { نعمل } فتركوا الترقق والعمل على حسبه في وقت PageV06P229 ~~نفعه واستعلوه عند فواته فلم ينفعهم , بل قيل في جوابهم تقريرا لهم وتوبيخا ~~وتقريعا : { أو لم } أي ألم تكونوا في دار العمل متمكنين من ذلك بالعقول ~~والقوى ؟ أو لم { نعمركم } أي نطل أعماركم مع إعطائنا لكم العقول ولم ~~نعاجلكم بالأخذ { ما } أي زمانا { يتذكر فيه } وما يشمل كل عمر يتمكن فيه ~~المكلف من إصلاح شأنه غير أن التوبيخ في الطويل أعظم , وأشار بمظهر العظمة ~~إلى أنه لا مطمع بغيره سبحانه في مد العمر . | ولما كان التفكر بعد البعث ~~غير نافع لأنه بعد كشف الغطاء , عبر الماضي فقال : { من تذكر } إعلاما قد ~~ختم على ديوان المتذكرين , فلا يزاد فيهم أحد , والزمان المشار إليه قيل : ~~إنه ستون سنة - قاله ابن عباس رضي الله عنهم , وبوب له البخاري في أوائل ~~الرقاق من غير إلى واحد , وروى أحمد بن منيع عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ( من عمره الله ستين سنة فقد أعذر الله إليه ~~في العمر ) . | وروى الترمذي وابن ماجه وأبو يعلى عن أبي هريرة أيضا رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ( أعمار أمتي ما ms4090 بين الستين ~~إلى السبعين ) . | وأقلهم من يجوز ذلك . | ولما أشار إلى دليل العقل ابتداء ~~ودواما , أشار إلى أدلة النقل المنبه على ما قصر عنه العقل , فقال معبرا ~~بالماضي تصريحا بالمقصود عطفا على معنى : أو لم نعمركم الذي هو قد عمرناكم ~~: { وجاءكم النذير } أي عنى من الرسل والكتب تأييدا للعقول بالدليل المعقول ~~. | ولما تسبب عن ذلك أن عذابهم لا ينفك قال : { فذقوا } أي ما أعددناه لكم ~~من العذاب دائما أبدا , ولما كانت العادة جارية بأن من أيس من خصمه فزع إلى ~~الاستغاثة عليه , تسبب عن ذلك قوله : { فما } وكان الأصل : لكم , ولكنه ~~أظهر تعليقا للحكم بالوصف للتعميم فقال : { للظالمين } أي الواضعين الأشياء ~~في غير مواضعها { من نصير * } أي يعينهم ويقوي أيديهم , فلا براح لكم عن ~~هذا الذواق , وهذا عام في كل PageV06P230 ظالم , فإن من ثبت له نصر عليه ~~ظلمه في كل يوم يضعف ويهن والحق في كل حين يقوى ويضخم . | ولما كان سبحانه ~~عالما بما نفى وما أثبت , علل ذكر مقررا دوام عذابهم وأنه بقدر كفرانهم كما ~~قال تعالى ^ ( { وجزاء سيئة سيئة مثلها } ) ^ [ الشورى : 40 ] بقوله مؤكدا ~~إشارة إلى أنه لا يجب تمرين النفس عليه لما له من الصعوبة لوقوف النفس مع ~~المحسوسات : { إن الله } أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما { عالم الغيب } ~~ولما كانت جهة العلو أعرق في الغيب قال : { السموات والأرض } فأنتج ذلك ~~قوله مؤكدا لأنه من أعجب الغيب لأنه كثيرا ما يخفى على الإنسان ما في نفسه ~~والله تعالى عالم به , أو هو تعليل لما قبله : { إنه عليم } أي بالغ العلم ~~{ بذات الصدور * } أي قبل أن يعلمها أربابها حين تكون غيبا محضا , فهو يعلم ~~أنكم لو مدت أعماركم لم ترجعوا عن الكفر أبدا , ولو رددتم لعدتم لما نهيتم ~~عنه وأنه لا مطمع في صلاحكم , ولذلك يأمر الملك أن يكتب عند نفخ الروح في ~~الولد أنه ما شقي أو سعيد قبل أن يكون له خاطر أصلا , وربما كان في غاية ما ~~يكون من الإقبال على الخير فعلا ونية ms4091 , ثم يختم له بشر , وربما كان على ~~خلاف ذلك في غاية الفساد , لا يدع شركا ولا غيره من المعاصي حتى يرتكبها ~~وهو عند الله سعيد لما يعلم من نيته بعد ذلك حين يقبل بقلبه عليه فيختم له ~~بخير فيكون من أهل الجنة , وأما الخواطر بعد وجودها في القلوب فقد يطلع ~~عليها الملك والشيطان . | < < # | فاطر : ( 39 - 41 ) هو الذي جعلكم . . . . . # > > ^ ( هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد ~~الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا * قل ~~أرأيتم شركآءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم ~~شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون ~~بعضهم بعضا إلا غرورا * إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتآ ~~إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا ) ^ } ) | ولما كان من أنشأ ~~شيئا كان أعلم به , وإتقان صنعه يدل على تمام قدرة صانعه , وتمام قدرته ~~ملزوم لتمام علمه , قال : { هو } أي وحده لا شركاؤكم ولا غيرهم { الذي ~~جعلكم } أي أيها الناس { خلائف } جمع خليفة , وهو الذي يقوم بعد الإنسان ~~بما كان قائما به , والخلفاء جمع خليف - قال الأصبهاني , وقال القشيري : ~~أهل كل عصر خليفة عمن تقدمهم , فمن قوم هم لسلفهم جمال , ومن قوم هم أراذل ~~وأنذال , الأفاضل زمانهم لهم محنة , والأراذل هم لزمانهم محنة . | ~~PageV06P231 ولما كان المراد توهية أمر شركائهم , وكانت تحصل بسلب قدرتهم ~~على ما مكن فيه سبحانه العابدين من الأرض , أدخل الجار دلالة على أنهم على ~~كثرتهم وامتداد أزمنتهم لا يملؤون مسكنهم بتدبيره لإماتة كل قرن واستخلاف ~~من بعدهم عنهم , ولو لم يمتهم لم تسعهم الأرض مع التوالد على طول الزمان , ~~وهم في الأصل قطعة يسيرة من ترابها فقال : { في الأرض } أي فيما أنتم فيه ~~منها لا غيره تتصرفون فيه بما قدرتم عليه , ولو شاء لم يصرفكم فيه , فمن ~~حقه أن تشكروه ولا تكفروه . | ولما ثبت أن ذلك نعمة منه , عمرهم ms4092 فيه مدة ~~يتذكر فيه من تذكر , تسبب عنه قوله : { فمن كفر } أي بعد علمه بأن الله هو ~~الذي مكنه لا غيره , واحتقر هذه النعمة السنية { فعليه } أي خاصة { كفره } ~~أي ضرره . | ولما كان كون الشيء على الشيء محتملا لأمور , بين حاله بقوله ~~مؤكدا لأجل من يتوهم أن بسط الدنيا على الفاجر ربح وإكرام من الله له { ولا ~~} أي والحال لأنه لا { يزيد الكافرين } أي المغطين للحق { كفرهم } أي الذي ~~هم متلبسون به ظانون أنه يسعدهم وهو راسخون فيه غير متمكنين عنه , ولذا لم ~~يقل : لا يزيد من كفر قد يكون كفره غير راسخ فيسلم { عند ربهم } أي المحسن ~~إليهم { إلا مقتا } أي لأنه يعاملهم معاملة من يبغض ويحتقر أشد بغض واحتقار ~~. | ولما كان المراد من هذه الصفات في حق الله تعالى غاياتها , وكان ذكرها ~~إنما هو تصوير له بأفظع صورها لزيادة التنفير من أسبابها , وكانوا ينكحون ~~نساء الآباء مع أنهم يسمونه نكاح المقت , نبه على أنهم لا يبالون بالتمقت ~~إلى المحسن , فقال ذاكرا للغاية مبينا أن محط نظرهم الخسارة المالية تسفيلا ~~لهممهم زيادة في توبيخهم : { ولا يزيد الكافرين } أي العريقين في صفة ~~التغطية للحق { كفرهم إلا خسارا * } أي في الدنيا والآخرة في المال والنفس ~~وهو نهاية ما يفعله الماقت بالممقوت . | ولما بين أنه سبحانه هو الذي ~~استخلفهم , أكد بيان ذلك عندهم بأمره صلى الله عليه وسلم بما يضطرهم إلى ~~الإعتراف به فقال : { قل أرايتم } أي أخبروني { شركاءكم } أضافهم إليهم ~~لأنهم وإن كانوا جعلوهم شركاءه لم ينالوا شيئا من شركته لأنهم ما نقصوه ~~شيئا من ملكه , وإنما شاركوا العابدين في أموالهم بالشوائب وغيرها وفي ~~أعمالهم فهم شركاؤهم بالحقيقة لا شركاؤه , ثم بين المراد من عدهم لهم شركاء ~~بقوله : { الذين تدعون } أي تدعونهم شركاء { من دون الله } أي الذي له جميع ~~صفات الكمال . | ولما كان التقدير : بأي شيء جعلتموهم شركاء في العبادة , ~~ألهم شرك في الأرض , بنى عليه قوله مككرا لإشهادهم عجز شركائهم ونقص من ~~عبدوه من دونه : PageV06P232 { أروني ماذا } أي الذي ms4093 أو أي شيء { خلقوا من ~~الأرض } أي لتصح لكم دعوى الشركة فيهم , وإلا فادعاؤكم ذلك فيهم كذب محض ~~وأنتم تدعون أنكم أبعد الناس منه في الأمور الهينة فكيف بمثل هذا , ولعل ~~استفهامهم عن رؤية شركائهم تنبيه على أنهم من الامتهان والحقارة بحيث يراهم ~~كل من يقصد رؤيتهم ويعلم أنه لا خلق لهم , والله تعالى , بخلاف ذلك في كل ~~من الأمرين , مترد برداء الكبر محتجب بحجاب الجلال والعز , وكل أحد يعلم ~~أنه خالق لكل مخلوق , فكيف يكون من لا يخلق كمن يخلق . | ولما نبههم بهذا ~~الأمر الذي ساقه المعلم بأنه لا ينبغي لعاقل أن يدعي شركة لشيء حتى يعلم ~~الشركة وإن جهل عين المشارك فيه , قال مؤكدا لذلك موسعا لهم في المجال , ~~زيادة في تبكيتهم على ما هم فيه من الضلال : { أم لهم شرك } أي وإن كان ~~قليلا { في السموات } أي أروني ما خلقوا في السماوات , فالآية من الاحتباك ~~: حذف أولا الاستفهام عن الشركة في الأرض لدلالة مثله في السماء ثانيا عليه ~~, وحذف الأمر بالإراءة ثانيا مثله أولا عليه . | ولما أتم التبكيت ~~بالاستفهام عن المرئي , أتبعه التوبيخ بالاستفهام عن المسموع , مؤذنا ~~بالالتفات إلى التكلم بمظهر العظمة بشديد الغضب فقال : { أم آتيناهم } أي ~~الشركاء أو المشركين بهم لما لنا من العظمة { كتابا } أي دالا على انه من ~~عندنا بإعجازه أو غير ذلك من البراهين القاطعة تثبت لهم شركة { فهم } أي ~~المشركون { علىبينة } أي حجة ظاهرة , وبينات - على القراءة الأخرى , أي ~~دلائل واضحات بما في ذلك الكتاب من ضروب البيان { منه } أي ذلك الكتاب على ~~أنا أشركناهم في الأمر حتى يشهدوا لهم هذه الشهادة التي لا يسوغون مثلها في ~~إثبات الشركة لعبد من عبيدهم في أحقر الأشياء فكيف يسوغونها في انتقاص ~~الملك الذي لا خير عندهم إلا منه غير هائبين له ولا مستحين منه . | ولما ~~كان التقدير : لم يكن شيء من ذلك فليسوا على بيان , بل على غرور , قال ~~منبها لهم على ذميم أحوالهم وسفه آرائهم وخسة هممهم ونقصان عقولهم مخبرا ~~أنهم لا ms4094 يقدرون على الإيتان بشيء مما به يطلبون وأنه ليس لهم جواب عما عنه ~~يسألون , وأكده لأجل ظنهم أن أمورهم في غاية الإحكام , { بل أن } أي ما { ~~يعد الظالمون } أي الواضعون للأشياء في غير مواضعها { بعضهم بعضا } أي ~~الأتباع للمتبوعين بأن شركاءهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تشفع وتضر ولا ~~تنفع { إلا غرورا * } . | ولما بين حقارة الأصنام وكل ما أشركوا به النسبة ~~إلى جلال عظمته , وكانوا لا يقدرون على ادعاء الشركة في الخلق في شيء من ~~ذلك , وكان ربما أقدم على ادعائه PageV06P233 معاند منهم أو من غيرهم , ~~وكان الناس قد توصلوا إلى معرفة شيء من التغيرات الفلكية كالشروق والغروب ~~والخسوف , وكانوا لا علم لهم بشيء من الزلازل والزوال , قال مبينا عظمته ~~سبحانه بعد تحقير أمر شركائهم معجزا مهددا لهم على إقدامهم على هذا ~~الافتراء العظيم مبينا للنعمة بعدم المعاجلة بالهلاك , وأكده لأن من الناس ~~المكذوب به وهم المعطلة , ومنهم من عمله - وإن كان مقرا - عمل المكذب وهو ~~من ينكر شيئا من قدرته كالبعث : { إن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال { ~~يمسك السماوات } أي على كبرها وعلوها { والأرض } أي على سعتها وبعدها عن ~~التماسك على ما يشاهدون إمساكا مانعا من { أن تزولا * } أي بوجه عظيمة ~~وزلزلة كبيرة , أو زوالا لا تماسك معه لأن ثباتهما على ما هما عليه على غير ~~القياس لولا شامخ قدرته وباهر عزته وعظمته , فإن ادعيتم عنادا أن شركاءكم ~~لا يقدرون على الخلق لعلة من العلل فادعوهم لإزالة ما خلق سبحانه . | ولما ~~كان هذا دليل على أنهما حادثتان زائلتان , أتبعه ما هو أبين منه , فقال ~~معبرا بأداة الإمكان : { ولئن زالتا } أي بزلزلة أو خراب { إن } أي ما { ~~أمسكهما } وأكد استغراق النفي بقوله : { من أحد } ولما كان المراد أن غيره ~~سبحانه لا يقدر على إمساكهما في زمن من الأزمان وإن قل , أثبت الجار فقال : ~~{ من بعده } أي بعد إزالته لهما , بل وإذا زلزلت الأرض اضطرب كل شيء عليها ~~والأصنام من جملته , فدل ذلك قطعا على أن الشركاء مفعولة لا ms4095 فاعلة . | ولما ~~كان السياق إلى الترغيب في الإقبال عليه وحده أميل منه إلى الترهيب , وكان ~~كأنه قيل : هو جدير بأن يزيلهما لعظيم ما يرتكبه أهلهما من الآثام وشديد ~~الإجرام , قال جوابا لذلك وأكده لأن الحكم عما يركبه المبطلون على عظمته ~~وكثرتهم مما لا تسعه العقول : { إنه كان } أي أزولا وأبدا { حليما } أي ليس ~~من شأنه المعاجلة بالعقوبة للعصاة لأنه لا يستعجل إلا من يخاف الفوت فينتهز ~~الفرص , ورغب في الإقلاع مشيرا إلى أنه ليس عنده ما عند حلماء البشر من ~~الضيق الحامل لهم على أنهم إذا غضبوا بعد طول الأناة لا يغفرون بقوله : { ~~غفورا * } أي محاء لذنوب من رجع إليه , وأقبل بالاعتراف عليه , فلا يعاقبه ~~ولا يعاتبه . | < < # | فاطر : ( 42 - 43 ) وأقسموا بالله جهد . . . . . # > > ^ ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى ~~الأمم فلما جآءهم نذير ما زادهم إلا نفورا * استكبارا في الأرض ومكر السيىء ~~ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة آلأولين فلن تجد لسنة ~~الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ) ^ } ) | PageV06P234 ولما كان ~~التقدير : فقالوا : إنا لا ندعي أنهم خلقوا شيئا من السماوات ولا من الأرض ~~ونحن مقرون بأنه لا يمسك السماوات والأرض إلا الله , وإنما نعبدهم لقربونا ~~إلى الله زلفى , كما كان يفعل آباؤنا , ولولا أنه لهم على ذلك دليلا ما ~~فعلوه , عطف عليه قوله مبينا ضلالهم في تكذيبهم الرسل بعد ما ظهر من ضلالهم ~~في إشراكهم بالمرسل وهو يمهلهم ويرزقهم دليلا على حلمه مع علمه : { وأقسموا ~~} أي كفار مكة { بالله } أي الذي لا عظيم غيره { جهد أيمانهم } أي بغاية ما ~~يقدرون من الإيمان , قال البغوي : لما بلغهم - يعني كفار مكة - أن أهل ~~الكتاب كذبوا رسلهم قالوا : لعن الله اليهود والنصارى ! أتتهم رسلهم ~~فكذبوهم , لو أتانا رسول لنكونن أهدى دينا منهم . | ولما أخبر عن قسمهم , ~~حكى معنى ما أقسموا عليه دون لفظه بقوله : { لئن جاءهم } وعبر بالسبب ~~الأعظم للرسالة فقال : { نذير } أي من عند الله { ليكونن } أي الكفار { ~~أهدى } أي أعظم في ms4096 الهدى { من أحدى } أي واحدة من { الأمم } أي السالفة أو ~~من الأمة التي لم تكن في الأمم التي جاءتها النذر أهدى منها , قال أبو حيان ~~: كما قالوا هو أحد الأحدين , وهي إحدى الأحد , يريدون التفضيل في الدهاء ~~والعقل . | لأنهم أحد أذهانا وأقوم لسانا وأعظم عقولا , وألزم لما يدعو ~~إليه العقل , واطلب لما يشهد بالفضل , وأكدوا بالقسم لأن الناظر لتكذيب أهل ~~العلم بالكتاب يكذبهم في دعوى التصديق قياسا أخرويا , ودل على إسراعهم في ~~الكذب بالفاء فقال : { فلما جاءهم نذير } أي على ما شرطوا وزيادة , وهو ~~محمد صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يشهدون أنه خيرهم مع كونه خيرهم نفسا ~~وأشرفهم نسبا وأكرمهم في كل خلق أما وأبا , وأمتنهم في كل مأثرة سببا { ما ~~زادهم } أي مجيئه شيئا مما هم عليه من الأحوال { إلا نفورا } أي لأنه كان ~~سببا في زيادتهم في الكفر كالإبل التي كانت نفرت من ربها فضلت بحيث يتعذر ~~أو يتعسر ردها فتبين أنه لا عهد لهم مع ادعائهم أنهم أوفى الناس , ولا صدق ~~عندهم مع جزمهم بأنهم أصدق الخلق . | ولما كانوا قد جبلوا على الضلال , ~~وكان النفور قد يكون لأمر محمود أو مباح , علله بقوله : { استكبارا } أي ~~طلبا لإيجاد الكبر لأنفسهم { في الأرض } أي التي من شأنها السفول والتواضع ~~والخمول { ومكر السيىء } أي ولأجل مكرهم المكر الذي من شأنه أن يسوء صاحبه ~~وغيره , وهو إرادتهم لإيهان أمر النبي صلى الله عليه وسلم وإطفاء نور الله ~~, وقراءة عبد الله { ومكرا سيئا } يدل على أنه من إضافة الشيء إلى صفته , ~~وقراءة حمزة بإسكان الهمزة بينة الوقف إشارة إلى تدقيقهم المكر وإتقانه ~~وإخفائه جهدهم { ولا } أي PageV06P235 والحال أنه لا { يحيق } أي يحيط ~~إحاطة لازمة ضارة { المكر السيىء } أي الذي هو عريق في السوء { إلا بأهله } ~~وإن آذى غير أهله , لكنه لا يحيط بذلك الغير , وعن الزهري أنه قال : بلغنا ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لا تمكروا ولا تعينوا ماكرا فإن الله ~~يقول هذه الاية , ولا تبغوا باغيا يقول الله ms4097 { إنما بغيكم على أنفسكم } ولا ~~تنكثوا ولا تعينوا ناكثا قال الله : { ومن نكث فإنما ينكث على نفسه } ) . | ~~ولما كان هذا سنة الله التي لا تبديل لها , قال مسببا عن ذلك : { فهل ~~ينظرون } أي ينتظرون , ولعله جرد الفعل إشارة إلى سرعة الانتقام من الماكر ~~المتكبر , ويمكن أن يكون من النظر بالعين لأنه شبه العلم بالانتقام من ~~الأولين مع العلم بأن عادته مستمرة , لأنه لا مانع له منها لعظيم تحققه ~~وشدة استيقانه وقوة استحضاره بشيء محسوس حاضر لا ينظر شيء غيره في ماض ولا ~~آت لأن غيره بالنسبة إليه عدم . | ولما جعل استقبالهم لذلك انتظارا منهم له ~~, وكان الاستفهام إنكاريا , فكان بمعنى النفي قال : { إلا سنت الأولين } أي ~~طريقتهم في سرعة أخذ الله لهم وإنزال العذاب بهم . | ولما كان هذا النظر ~~يحتاج إلى صفاء في اللب وذكاء في النفس , عدل عن ضميرهم إلى خطاب أعلى ~~الخلق , تنبيها على أن هذا مقام لا يذوقه حق ذوقه غيره , فسبب عن حصر النظر ~~أو الانتظار في ذلك قوله , مؤكدا لأجل اعتقاد الكفرة الجازم بأنهم لا ~~يتغيرون عن حالهم وأن المؤمنين لا يظهرون عليهم : { فلن تجد } أي اصلا في ~~وقت من الأوقات { لسنت الله } أي طريقة الملك الأعظم التي شرعها وحكم بها , ~~وهي إهلاك العاصين وإنجاذ الطائعين { تبديلا } أي من أحد يأتي بسنة أخرى ~~غيرها تكون بدلا لها لأنه لا مكافئ له { ولن تجد لسنت الله } أي الذي لا ~~أمر لأحد معه { تحويلا * } أي من حالة إلى أخفى منها لأنه لا مرد لقضائه , ~~لأنه لا كفوء له , وفي الآية أن أكثر حديث النفس الكذب , فلا ينبغي لأحد أن ~~يظن بنفسه خيرا ولا أن يقضي على غائب إلا أن يعلقه بالمشيئة تبرؤا من الحول ~~والقوة لعل الله يسلمه في عاقبته . | < < # | فاطر : ( 44 - 45 ) أو لم يسيروا . . . . . # > > ^ ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض ~~إنه كان عليما قديرا * ولو ms4098 يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من ~~دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جآء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ) ~~^ } ) | ولما بين أن حالهم موجب ولا بد للإيقاع بهم لما ثبت من أيام الله , ~~وأنكر ذلك عليهم , وكان التقدير : ألم يسمعوا أخبار الأولين المرة وأحوالهم ~~المستمرة من غير PageV06P236 تخلف اصلا في أن من كذب رسولا أخذ , فقال ~~عاطفا عليه استشهادا على الخبر عن سنته في الأولين بما يذكر من آثارهم : { ~~أولم يسيروا } أي فيما مضى من الزمان { في الأرض } أي التي ضربوا في ~~المتاجر بالسير إليها في الشام واليمن والعراق { فينظروا } أي فيتسبب لهم ~~عن ذلك السير أنه يتجدد لهم نظر واعتبار يوما من الأيام , فإن العاقل من ~~إذا رأى شيئا تفكر فيه حتى يعرف ما ينطق به لسان حاله إن خفي عنه ما جرى من ~~مقاله , وأشار بسوقه في أسلوب الاستفهام إلى أنه لعظمه خرج عن أمثاله ~~فاستحق السؤال عن حاله { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { الذين } ولما كان ~~عواقب الدمار في بعض ما مضى من الزمان , أثبت الجار فقال : { من قبلهم } أي ~~على أي حالة كان أخذهم ليعلموا أنهم ما أخذوا إلا بتكذيب الرسل فيخافوا أن ~~يفعلوا مثل افعالهم فيكون حالهم كحالهم , وهذا معنى يس < # > 77 ( { أنهم إليهم لا يرجعون } ) 77 < # > [ يس : 31 ] سواء كما يأتي إن شاء الله تعالى بيانه . | ولما كان ~~السياق لاتصافهم بقوتي الظاهر بالأشدية في حملة حالية فقال : { وكانوا } أي ~~أهلكناهم لتكذيبهم رسلنا والحال أنهم كانوا { أشد منهم } أي من هؤلاء { قوة ~~} في قوتي الاستكبار والمكر الجار بعد العار إلى النار . | ولما كان ~~التقدير : فما أعجز الله أمر أمة منهم , ولا أمر أحد من أمة حين كذبوا ~~رسولهم , وما خاب له ولي ولا ربح ولا عدو , عطف عليه قوله , مؤكدا إشارة ~~إلى تكذيب الكفرة في قطعهم بأن دينهم لا يتغير , وأنهم لا يغلبون أبدا لما ~~لهم من الكثرة والمكنة وما للمسلمين من القلة والضعف : { وما كان الله } أي ~~الذي ms4099 له جميع العظمة ؛ وأكد الاستغراق في النفي بقوله : { ليعجزه } أي ~~مريدا لأن يعجزه , ولما انتفت إرادة العجز فيه انتفى العجز بطريق الأولى ! ~~وأبلغ في التأكيد بقوله : { من شيء } أي قل أو جل ! وعم بما يصل إليه ~~إدراكنا بقوله : { في السماوات } أي جهة العلو , وأكد بإعادة النافي فقال : ~~{ ولا في الأرض } أي جهة السفل . | ولما كان منشأ العجز الجهل , علل بقوله ~~مؤكدا لما ذكر في أول الآية : { إنه كان } أي أزلا وأبدا { عليما } أي شامل ~~العلم { قديرا * } أي كامل القدرة , فلا يريد شيئا إلا كان . | ولما كانوا ~~يستعجلون بالتوعد استهزاء فيقولون : ما له لا يهلكنا , علم أن التقدير : لو ~~عاملكم الله معاملة المؤاخذ لعجل إهلاككم , فعطف عليه قوله إظهارا للحكم مع ~~العلم : { ولن يؤاخذ الله } أي بما له من صفات العلو { الناس } أي من فيه ~~نوس أي حركة واضطراب من المكلفين عامة . | ولما كان السياق هنا لأفعال ~~الجوارح لأن المكر والكبر إنما تكره آثارهما لا الاتصاف بهما , بخلاف الذي ~~هو سياق النحل فإنه ممنوع PageV06P237 من الاتصاف وإن لم يظهر به أثر من ~~آثار الجوارح , عبر هعنا بالكسب وفك الصدر ليخص ما وجد منه بالفعل فقال : { ~~بما كسبوا } أي من جميع أعمالهم سواء كان حراما أو لا { ما ترك على ظهرها } ~~أي الأرض { من دآبة } أي بل كان يهلك الكل , أما المكلفون فلأنه ليس في ~~أعمالهم شيء يقدره سبحانه حق قدره , لما لهم من النقص ولما له سبحانه من ~~العلو والارتقاء والكمال , وأما غيرهم فإنما خلقوا لهم , والمعاصي تزيل ~~النعم وتحل النقم , وذلك كما فعل في زمان نوح عليه السلام , لم ينج ممن كان ~~على الأرض غير من كان في السفينة { ولكن } لم يعاملهم معاملة المؤاخذ ~~المناقش , بل يحلم عنهم فهو { يؤخرهم } أي في الحياة الدنيا ثم في البرزخ { ~~إلى أجل مسمى } أي سماه في الأزل لأنقضاء أعمارهم ثم لبعثهم من قبورهم , ~~وهو لا يبدل القول لديه لما له من الصفات التي هي أغرب الغريب عندكم لكونكم ~~لا تدركونها حق الإدراك { فإذا ms4100 جاء أجلهم } أي الفنائي الإعدامي قبض كل ~~واحد منهم عند أجله , أو الإيجابي الإبقائي بعث كلا منهم فجازاه بعمله من ~~غير وهم ولا عجز . | ولما كانوا ينكرون ما يفمهه ذلك من البعث , أكد فقال : ~~{ فإن الله } أي الذي له صفات الكمال الموجد بتمام القدرة وكمال الاختيار { ~~كان } ولم يزل . | ولما كان السياق للكسب الذي هو أعم من الظلم قال : { ~~بعباده } الذين أوجدهم ولا شريك له في إيجاد أحد منهم بجميع ذواتهم ~~واحوالهم { بصيرا * } أي بالغ البصر والعلم بمن يستحق العذاب منهم بالكسب ~~ومن يستحق الثواب , فقد انطبق آخرها كما ترى على أولها باستجماع صفات ~~الكمال وتمام القدرة على كل من الإيجاد والإعدام للحيوان والجماد مهما أراد ~~بالاختيار , لما شوهد له سبحانه من الآثار , كما وقع الإرشاد إليه بالأمر ~~بالسير وبغيره وبما ختمت به السورة من صفة العلم على وجه أبلغ من ذكره ~~بلفظه , لما مضى في سورة طه من أن إحاطة العلم تستلزم شمول القدرة , ولا ~~تكون القدرة شاملة إلا إذا كانت عن اختيار , فثبت حينئذ استحقاقه تعالى ~~لجميع المحامد , فكانت عنه سبحانه الرسالات الهائلة الجامعة للعزة والحكمة ~~بالملائكة المجردين عن الشهوات وكل حظ إلى من ناسبهم من البشر بما غلب من ~~جيش عقله على عساكر شهواته ونفسه , حتى صار عقلا مجردا صافيا , حاكما على ~~الشهوات والحظوظ قاهرا كافيا . | . . . . . | PageV06P238 < # > 70 ( سورة يس ) 70 < # > | وتسمى القلب والدافعة والقاضية والمعمة . | مقصودها إثبات الرسالة ~~التي هي روح الوجود وقلب جميع الحقائق وبها قوامه وصلاحها للملارسل بها ~~الذي هو خالصة المرسلين الذين هم قلب الموجودات كلها ذوات ومعاني إلى أهل ~~مكة أم القرى وقلب الأرض وهم قريش قلب العرب الذين هم فلب الناس ، بصلاحهم ~~صلاحهم كلهم وبفسادهم فسادهم ، فلذلك كان من حولهم جميع أهل الأرض ، وجل ~~فائدة الرسالة إثبات اللوحدانية التي هي قلب الإعتقاد وخالصه وعموده للعزيز ~~الرحيم ذي الجلال والإكرام ، وإنذار يوم الحجمع الذي به - مع ستره عن ~~العيان الذي هو من خواص القلب - صلاح الخلق ، فهو قلب الأكوان ، وبه الصلاح ~~أو الفساد ms4101 للإنسان ، وعلى ذلك تنطبق معاني أسمائها : يس والقلب والدافعة ~~والقاضية والمعمة ، وأما يس فسيأتي بيانه من جهة إشارته إلى سر كونها قلبا ~~المشير إلى البعث الذي هو من أجل مقاصدها الذي به يكون صلاح القلب الذي به ~~يكون قبول ما ذكر ، وأما الباقي فإن من اعتقد الرسالة كفته ودفعت عنه جميع ~~مهمه ، وقضت له بكل خير ، وأعطته كل مراد ، وكل منها له أتم نظر إلى القلب ~~كما لا يخفى ، والمعمة : الشاملة بالخير والبركة ، قال في القاموس : يقال : ~~عمهم بالعطية وهو معم خير من خيره ، فقد لاج أن هذه السورة الشريعة لما ~~كانت قلبا كان كل شيء فيها له نظر عميق إلى القلبية { بسم الله } الذي جل ~~ملكه عن أن يحاط بمقداره { الرحمن } الذي جعل الإنذار بيوم الجمع رحمة عامة ~~{ الرحيم } الذي أنار قلوب أوليائه بالاجتهاد ليوم لقائه . | لما كان قلب ~~كل شيء أبطن ما فيه وأنفس ، وكان قلب الإنسان غائبا عن الإحساس ، وكان ~~مودعا من المعاني الجليلة والإدراكات الحفية والجلية ما يكون للبدن سببا \ ~~في إصلاحه أو إفساده من إشقائه أن إبقائه ، وكان الساعة من عالم الغيب ، ~~وفيها PageV06P239 يكون انكشاف الأمور ، والوقوف على حقائق المقدور ، ~~وبملاحقتها في إصلاح أسبابها تكون السعادة الأبدية ، وبالإعراض عنها وإفساد ~~أسبابها تكون الشقاوة السرمدية ، وكانت قد بينت في هذه السورة بيانا لم يكن ~~في غيرها بما وقع من التصريح في قلبها الذي هزو وسطها بنفختها المميتة لكل ~~من على الأرض { فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون } الباعثة { فإذا ~~ه من الأجداث إلى ربهم ينسلون } والتصريح بالمعاد الجسماني والاستدلال عليه ~~بالدليل الذي نقل أبا نصر الفارابي - الذي وسم بأنه المعلم الثاني - كان ~~يقول : وددت أن هذا العالم الرباني - يشير إلأى المعلم الأول أرسطو وقف على ~~هذا القياس أن يقال : الله أنشأ العظام وأحياها أول مرة ، وكل من أنشأ أو ~~لمرة ، وكل من أنشأ شيئا وأحياه أول مرة فهو قادلا على إنشائه وإحيائه ثاني ~~مرة ، ينتج أن الله قادر عل إنشاء العظام وإحيائها بعد فنائها ، فاختصت ms4102 ~~بذلكط عن باقي القرآن كانت قلبا له ، كما قالا النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما رواه الترمذي عن أنس رضي الله عنه : ' لكل شيء قلب وقلب القرآن يس ' ~~ورواه أبو يعلى الموصلي - وهذا لفظه والإمام أحمدفي مسنديهما عن معقل بن ~~يسار رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ' يس قلب القرآن لا ~~يقرأها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له ، اقرؤوها على موتاكم ' قال ~~شيخنا الحافظ شهاب الدين البوصيري : وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله ~~عنه رواه البزار في مسنده - هذا ما هداني الله إليه ، وله الحمد من بيان ~~السر في كونها قلبا ، ثم رأيت البرهان النسفي قال في تفسيره الذي هو مختصر ~~التفسير الكبير للإمام الرازي في آخر السورة بعد أن ذكر الحديث : قال ~~العزالي فيه : إن ذلك - أي كونها قلبا - لأن الإيمان صحته بالاعتراف بالحشر ~~، والحشر مقرر في هذه السورة بأبلغ وجه ، فجعلت قلب القرآن لذلك ، واستسحنه ~~الإمام المدقق المحقق فخر الدين الرازي ، ويمكن أن يقال : إن هذه السورة ~~ليس فيها إلا تقرير الأصول الثلاثة : الوحدانية والرسالة والحشر ، بأقوى ~~البراهين فابتدأها ببيان الرسالة بقوله { إنك لمن المرسلين } ودليله ما ~~قدمه عليها بقوله { والقرآن الحكيم } وما أخبره عنها بقوله { لتنذر قوما } ~~وأنهاها ببيان الوحدانية والحشر بقوله { فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء } ~~إشارة إلى التوحيد ، وقوله { وإليه ترجعون } إشارة إلى الحشر ، وليس في هذه ~~PageV06P240 السورة إلا هذه الأصول الثلاثة ودلائلها ، ومن حصل من القرآن ~~أن هذا القدرلا فقد حصل نصيب فلبه ، وهو التصديق الذي بالجنان ، وأما الذي ~~باللسان والذي بالأركان ففي غير هذه السورة ، فلما كان فيها أعمال القلب ~~لاغير سماها قلبا ولهذا ورد عنه صلى الله عليه وسلم قراءتها عند رأس من دنا ~~منه الموت ، لأن في ذلك الوقت يكون اللسان ضعيف القوة والأعضاء الظاهرة ~~ساقطة المنة ، لكن القلب يكون قد أقبل على الله ، ورجع عن كل ما سواه ، ~~فيقرأ عند رأسه ما يزداد به قوة في قلبه ويشتد تصديقه بالأصول ms4103 الثلاثة - ~~انتهى . وفيه بعض تصرف ، وقوله ' إن وظيفة اللسان والأركان ليس في هذه ~~السورة منها شيء ' ربما بعكر عليه قوله تعالى { وما لي لا أعبد الذي فطرني ~~} { وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله } { وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم } ~~والحديث الذي ذكره رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان ~~والحاكم عن معقل بن يسار رضي الله عنه رفعه ' اقرؤوا يس على موتاكم ' وأ ‘ ~~له ابن القطان وضعفه الدارقطني ، وأسند صاحب الفردوس عن أبي الدرداء وأبي ~~ذر وحده رضي الله عنه ، والإمام أحمد في مسنده عن صفوان بن عمرو قال : كانت ~~المشيخة يقولون : إذا قرئت يس عند الميت خفف عنه بها . قال ابن حبان : ~~المراد المحتضر . واستمد من هذا التصريح بالحشر كل ما انبث في القرآن من ~~ذكر الآخرة الذي بمراعاته وإتقانه يكون صلاح جميع الأحوال في الدارين ، ~~وبإهماله ونسيانه يكون فسادها فيهما - هذامع ما شاركت به غيرها مما جمعتهمن ~~جميع معانيه المجموعة يفي الفاتحة من الأسماء الحسنى : الله والرب والرحمن ~~والرحيم وملك يوم الدين الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ، والأمر ~~بالعبادة بسلوك الصراط المستقيم ، وتفضيل أهل النعيم وأهل الجحيم ، وإثبات ~~الأصول الثلاثة التي يصير بها المكلف مؤمنا : الوحدانية والحشر والرسالة ~~التي هي قلب الوجود ، وبها صلاحه ، وهي ممدة لكل روح PageV06P241 يكون به ~~جياة هنيئة ، وهي مبدأ الصلاح كما أ ، البعث غايته ، وأن الخاتم لها إنسان ~~عين الموجودات وقلبها ، فأثبت له ذلك على أصرح وجه وآكده ، زمع جمع ما ~~افتتحت به السورة من الحروف المقطعة المنثورة أول السورة عمادا للقرآن ~~وسحذا للأذهان لصنفي المنقوطة والعاطلة ووصفي المجهورة والمهموسة . < < # | يس : ( 1 - 6 ) يس # > > ^ ( يس * والقرآن الحكيم * إنك لمن المرسلين * على صراط مستقيم * ~~تنزيل العزيز الرحيم * لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم فهم غافلون ) ^ } ) | ~~ولما كان القلب من الإنسان المقصود بالذات من الأكوان في نحو ثلث بدنه من ~~جهة رأسه , وكانت الياء في نحو ذلك من حروف ( أبجد ) فإنها العاشرة منها ~~والسين بذلك المحل من حروف أ ب ت ث ms4104 فإنها الثانية عشرة منها , وعلا هذان ~~الحرفان - بما فيهما من الجهر - عن غاية الضعف ونزلا بما لهما من الهمس عن ~~نهاية الشدة , إشارة إلى أن القلب الصحيح هو الزجاجي الشفاف الجامع بين ~~الصلابة والرقة الذي علا بصلابته عن رقة الماء الذي لا يثبت فيه صورة , ~~ونزل بلطافته عن قساوة الحجر الذي لا يكاد ينطبع فيه شيء إلا بغاية الجهد , ~~فكان جامعا بين الصلابة والرقة متهيئا لأن تنطبع فيه الصور وتثبت ليكون ~~قابلا مفيدا , فيكون متخلفا من صفات موجدة بالقدرة والاختيار اللذين دلت ~~عليهما سورة الملائكة , وبمعرفة الخير فيجتلبه والشر فيجتنبه فيكون فيه ~~شاهد من نفسه على الإعتقاد الحق في صانعه , وكانت المهجورة أقوى فقدمت ~~الياء لجهرها , وكانتا - بعد اختلاف بالجهر والهمس - قد اتفقتا في الانفتاح ~~والرخاوة والاستفال إشارة إلى أن القلب لا يصلح - كما تقدم - مع الصلابة ~~التي هي في معنى الجهر إلا بالإخبات الذي هو في معنى الهمس , وبالنزول عن ~~غاية الصلابة إلى حد الرخاوة لئلا يكون إلى ربه بالهمس فتعادلتا , ودل ~~كونها من حروف النداء على خروجه عن الحد في الشده حتى تبدو عنه تلك الآثار ~~المخلية للديار , المنفية للصغار والكبار , ثم الباغتة لهم من جميع الأقطار ~~, امتثالا لأمر الواحد القهار , وكان مخرجهما من اللسان الذي هو قلب ~~المخارج الثلاثة لتوسطه وكثرة منافعه في ذلك , وكانت الياء من وسطه والسين ~~من طرفه , وكان هذان المخرجان , مع كونهما وسطا , مدارا لأكثر الحروف , هذا ~~مع ما لهما من الأسرار التي تدق عن تصور الأفكار , قال تعالى : { يس } وإن ~~كان المعنى : يا إنسان , فهو قلب الموجودات المخلوقات كلها وخالصها ~~PageV06P242 وسرها ولبابها , وإن أريد : يا سيد , فهو خلاصة من سادهم , وإن ~~أريد : يا رجل , فهو خلاصة البشر , وإن أريد : يا محمد , فهو خالصة الرجال ~~الذين هم لباب الشر الذين هم سر الأحياء الذين هم عين الموجودات فهو خلاصة ~~الخلاصة وخيار وعين القلب , وكأن من قال معناه محمد نظر إلى الإتحاد في عدد ~~اسمه صلى الله عليه وسلم بالجمل بالنظر إلى اليمين في ms4105 المشددة وعدد { قلب } ~~وعدد اسمي الحرفين , ولا يخفى أن الهمزة في اسم الياء ألف ثانية , فمبلغ ~~عدده اثنا عشر . | ولما تقدم في الملائكة إثبات رسالة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وتهديد قومه على النفرة عنه , وأن مرسله تعالى بصير بعباده , عالم بما ~~يصلحهم ومن يصلح منهم للرسالة وغيرها , وكان مدار مادة ( قرأ ) - كما مضى ~~في سورة الحجر - الجمع مع الفرق , وكان ذلك أعلى مقامات السائرين إلى الله ~~وهو وظيفة القلب , عبر في القسم بقوله : { والقرآن } ووصفه بصفة القلب ~~العازف فقال : { الحكيم * } أي الجامع من الدلالة على العلم المزين بالعمل ~~والإرشاد إلى العمل المحكم بالعلم . | ولما كان قد ثبت في سورة الملائكة ~~أنه سبحانه الملك الأعلى , لما ثبت له من تمام القدرة وشمول العلم , وكان ~~من أجل ثمرات الملك إرسال الرسل إلى الرعايا بأوامر الملك وردهم عما هم ~~عليه مما دعتهم إليه النفوس , وقادتهم إليه الشهوات والحظوظ , إلى ما يفتحه ~~لهم من الكرم , ويبصرهم به من الحكم , وكانت الرسالة أحد الأصول الثلاثة ~~التي تنقل الإنسان من الكفر إلى الإيمان , وكانت هي المنظور إليها أولا ~~لأنها السبب في الأصلين الآخرين , وكانوا قد ردوا رسالته نفورا واستكبارا , ~~قال مقدما لها تقديم السببعلى مسببه على وجه التأكيد البليغ مع ضمير الخطاب ~~الذي لا يحتمل لبسا : { إنك لمن المرسلين } أي الذين حكمت عقولهم على دواعي ~~نفوسهم , فصاروا - بما وهبهم الله القدرة النورانية - كالملائكة الذين قدم ~~في السورة الماضية أنهم رسله وفي عدادهم بما تخلقوا به من أوامره ونواهيه ~~وجميع ما يرتضيه . | ولما كان الأنبياء عليهم السلام من نوره صلى الله عليه ~~وسلم , لأنه أولهم خلقا وآخرهم بعثا , فكانوا في الحقيقة إنما هم ممهدون ~~لشرعه , وكان سبحانه إنما أرسله ليتمم مكارم الأخلاق , وكان قد جعل سبحانه ~~من المكارم أن لا يكلم الناس إلا بما تسع عقولهم , وكانت عدم المرسلين كما ~~في حديث أبي أمامة الباهلي عن أبي ذر رضي الله عنهما عند أحمد في المسند ~~ثلاثمائة وخمسة عشر , وفيه أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون PageV06P243 ~~ألفا ms4106 , وهو في الطبراني الكبير عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رجلا سأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذكر عدد الرسل فقط , وكانت عقول العرب لا تسع ~~بوجه قبل الإيمان أنهم منه , أقسم سبحانه ظاهرا أنه منهم ورمزا للأصفياء ~~باطنا إلى أنهم منه , بجعلهم عدد أسماء حروف اسمه محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذي رمز إليه بالحرفين أول السورة , فكأنه قال : إنك يا ياسين الذي تأويله ~~محمد الذي عدد أسماء حروفه بعددهم لأصلهم , فصار رمزا في رمز , وكنزا نفيسا ~~داخل كنز , وسرا من سر , وبرا إلى بر , وهو أحلى في منادمة الأحباب من صريح ~~الخطاب , ثم علق باسم المفعول قوله : { على صراط } أي طريق واسع واضح { ~~مستقيم * } أي أنت من هؤلاء الذين قد ثبت لهم أنهم عليه , وهو الصراط ~~المستقيم الأكمل المتقدم في الفاتحة لأنه لخواص المنعم عليهم ولقوله تعالى ~~في حق موسى وهارون عليه السلام { وهديناهما الصراط المستقيم } فيكون تنوينه ~~- يما أرشد إليه القسم والتأكيد - للتعظيم , والمعنى أنهم قد ثبت لهم هذا ~~الوصف العظيم وأنت منهم بما شاركتهم فيه من الأدلة , فليس لأحد أن يخصك من ~~بينهم بالتكذيب . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أوضحت سورة سبأ ~~وسورة فاطر من عظيم ملكه تعالى وتوحده بذلك وانفراده بذلك بالملك والخلق ~~والاختراع ما تنقطع العقول دون تصور أدناه , ولا تحيط من ذلك إلا بما شاء , ~~وأشارت من البراهين والآيات إلى ما يرفع الشكوك ويوضح السلوك مما كانت ~~الأفكار قد خمدت عن إدركها , واستولت عليها الغفلة فكانت قد جمدت عن معهود ~~حراكها , ذكر سبحانه بنعمة التحريك إلى اعتبارها بثنائه على من اختاره ~~لبيان تلك الآيات , واصطفاه لإيضاح تلك البينات , فقال تعالى { يس والقرآن ~~الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم } ثم قال { لتنذر قوما ما أنذر ~~آباؤهم فهو غافلون } فأشار سبحانه إلى ما تثمر نعمة الإنذار , ويبعثه ~~التيقظ بالتذكار ؛ ثم ذكر علة من عمي بعد تحريكه وإن كان مسببا عن الطبع ~~وشر السابقة { لقد حق القول على أكثرهم } الآيات ؛ ثم أشار ms4107 بعد إلى بعض من ~~عمي عن عظيم تلك البراهين لأول وهلة قد يهتز عند تحريكه لسابق سعادته فقال ~~تعالى : { إنا نحن نحيي الموتى } فكذلك نفعل بهؤلاء إذا شئنا هدايتهم { أو ~~من كان ميتا فأحييناه } ثم ذكر دأب المعاندين وسبيل المكذبين مع بيان الأمر ~~فقال { واضرب لهم مثلا أصحاب القرية } - الآيات , واتبع ذلك سبحانه بما ~~أودع في الوجود من الدلائل الواضحة والبراهين فقال { ألم يروا كم أهلكنا ~~قبلهم من القرون } الآية , ثم قال { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها } إلى ~~قوله : { أفلا تشكرون } ثم قال { وآية لهم اليل نسلخ منه النهار } { وكل في ~~فلك يسبحون } ثم قال { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم } إلى قوله : { إلى حين } ~~ثم PageV06P244 ذكر إعراضهم مع عظيم هذه البراهين وتكذيبهم وسوء حالهم عند ~~بعثهم وندمهم وتوبيخهم وشهادة اعضائهم بأعمالهم , ثم تناسجت الآية جارية ~~على ما يلائم ما تقدم إلى آخر السورة - انتهى . | ولما كان كأنه قيل : ما ~~هذا أرسل به ؟ كان كأنه قيل جوبا لمن سأل : هو القرآن الذي وقع الإقسام به ~~وهو { تنزيل } أو حاله كونه تنزيل { العزيز } أي المتصف بجميع صفات الكمال ~~. | ولما كانت هذه الصفة للقهر والغلبة , وكان ذلك لا يكون صفة كمال إلا ~~بالرحمة قال : { الرحيم * } أي الحاوي لجميع صفات الإكرام الذي ينعم على من ~~يشاء من عباده بعد الإنعام بإيجادهم بما يقيمهم على المنهاج الذي يرضاه لهم ~~, فهو الواحد الذي لا مثل له أصلا لما قهر به من عزته , وجبر به من رحمته . ~~| نزل إليك وهو في جلالة النظم وجزالة القول وحلاوة السبك وقوة التركيب ~~ورصانة الوضع وحكيم المعاني وإحكام المباني في أعلى ذرى الإعجاز , وجعل ~~إنزاله تدريجا بحسب المصالح مطابقا مطابقة أعجزت الخلائق عن أن يأتوا ~~بمثلها , ثم نظمه على غير ترتيب النزول نظما أعجز الخلق عن أند يدركوا جميع ~~المراد من بحور معانيه وحكيم مبانيه , فكله إعجاز على ما له من أطناب ~~وإيجاز . | ولما ذكر المرسل والمرسل به والمرسل ؛ ذكر المرسل له فقال : { ~~لتنذر قوما } أي ذوي بأس وقوة وذكاء وفطنة ms4108 { ما أنذر } أي لم ينذر أصلا { ~~آباؤهم } أي الذين غيروا دين أعظم آبائهم إبراهيم عليه السلام ومن أتى ~~بعدهم عند فترة الرسل . | ولما كان عدم الإنذار موجبا لاستيلاء الحظوظ ~~والشهوات على العقل فيحصل عن ذلك الغفلة عن طريق النجاة قال : { فهم } أي ~~بسبب زمان الفترة { غافلون | * } أي المعنى على ان ( ما ) مفعول ثان لتنذر ~~: أي لتنذرهم الذي أنذره آباؤهم الذين كانوا قبل التغيير , فإن هؤلاء ~~غافلون عن ذلك لطول الزمان وحدوث النسيان . | < < # | يس : ( 7 - 11 ) لقد حق القول . . . . . # > > ^ ( لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون * إنا جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا فهى إلى الأذقان فهم مقمحون * وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم ~~سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون * وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون * إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر ~~كريم ) ^ } ) | ولما كان تطاول الإقامة على شيء موجبا للإلف له , والإلف ~~قتال لما يوجب من الإصرار على المألوف لمحبته ( وحبك للشيء ويصم ) قال ~~جوابا لمن يتوقع الجواب عما أثمرته حالهم : { لقد حق القول } أي الكامل في ~~بابه وهو إيجاب العذاب PageV06P245 بملازمة الغفلة { على أكثرهم فهم } أي ~~بسبب ذلك { لا يؤمنون * } أي بما يلقى إليهم من الإنذار بل يزيدهم عمى ~~استكبارا في الأرض ومكر السيئ . | ولما كان المعنى أنه لا يتجدد منهم إيمان ~~بعد البيان الواضح والحكمة الباهرة , وكان ذلك أمرا عجبا , علله بما يوجبه ~~من تمثيل حالهم تصويرا لعزته سبحانه وباهر عظمته الذي لفت الكلام إليه ~~لإفهامه - وهذا الذي ذكر هو اليوم معنى ومثال وفي الآخرة ذات ظاهر - وأنه ~~ما انفك عنهم أصلا وما زال , فقال : { إنا جعلنا } أي بما لنا من العظمة , ~~وأكده لما لهم من التكذيب { في أعناقهم أغلالا } أي من الظلمات الضلالات كل ~~عنق غل , وأشار بالظرف إلى أنها من ضيقها لزت اللحم حتى تنثر على الحديد ~~فكاد يغطيه فصار - والعنق فيه - كأنه فيها وهي محيطة به . | ولما كان من ~~المعلوم أن الحديد إذا وضع في العنق أنزله ثقله إلى ms4109 المنكب , لم يذكر جهة ~~السفل وذكر جهة العلو فقال : { فهي } أي الأغلال بعرضها واصلة بسبب هذا ~~الجعل { إلى الأذقان } جمع ذقن وهو مجتمع اللحيين , فهي لذلك مانهة من ~~مطاطأة الرأس . | ولما كان هذا من رفع الرأس فعل المتكبر , وكان تكبرهم في ~~غير موضعه , بين تعالى أنهم ملجؤون إليه فهو ذل في الباطن وإن كان كبرا في ~~الظاهر فقال : { فهم } أي بسبب هذا الوصول { مقمحون * } من أقمح الرجل - ~~إذا أقمحه غيره أي جعله قامحا أي رافعا رأسه غاضا بصره لا ينظر إلا ببعض ~~بصره هيئة المتكبر , وأصله من قولهم : قمح البعير - إذا رفع رأسه عند الشرب ~~ولم يشرب الماء , قال في الجمع بين العباب والمحكم : قال بشر بن أبي حازم ~~يصف سفينة , قال أبو حيان : ميتة أحدهم ليدفنها : | ونحن على جوانبها قعود ~~نغض الطرف كالإبل القماح | وقال الرازي في اللوامع : والقمح : الذي يضرب ~~رأسه إلى ظهره هيئة البعير , وقال القزاز : والمقمح : الشاخص بعيينه الرافع ~~رأسه . | أبو عمرو : والقامح من الإبل هو الذي لا يشرب وهو عطشان عطشا ~~شديدا ولا تقبل نفسه الماء , والقمح مصدر قمحت الشيء والاقتماح : أخذك ~~الشيء في راحتك ثم تقمحه في فيك أي تبتلعه , والاسم القمحة كاللقمة والأكلة ~~- انتهى . | وكأن المقمح من هذا لأن هيئته عند هذا الابتلاع رفع رؤوسهم عن ~~النظر إلى الداعي تكبرا بحيث لو أمكنهم أن يسكنوا الجو لهم يتأخروا صلافة ~~وتيها , أو لأنهم يتركون هذا الأمر العظيم الحسن الجدير بأن تقبل عليه ~~ويتروى منه وهم في غاية الحاجة إليه , فهم ذلك كالبعير القامح , إنما منعه ~~من الماء PageV06P246 مع شدة عطشه مانع عظيم أقمحه , ولكنه خفي أمره فلم ~~يعلم ما هو , ولذلك بنى الاسم للمفعول إشارة إلى أنهم مقهورون على تفويت ~~حظهم من هذا الأمر الجليل . | ولما كان الرافع رأسه غير ممنوع من النظر ~~أمامه قال : { وجعلنا } أي بعظمتنا . | ولما كان المقصود حجبهم عن خير ~~مخصوص , وهو المؤدي إلى السعادة الكاملة لا عن كل ما ينفعهم , أدخل الجار ~~فقال : { من بين أيديهم } أي الوجه الذي ms4110 يمكنهم علمه { سدا } . | ولما كان ~~الإنسان إذا انسدت عليه جهة مال إلى أخرى قال : { ومن خلفهم } أي الوجه ~~الذي هو خفي عنهم , وأعاد السد تأكيدا لإنكارهم ذلك وتحقيقا لجعله فقال : { ~~سدا } أي فصارت كل جهة يلتفت إليها منسدة , فصاروا لذلك لا يمكنهم النظر ~~إلى الحق ولا الخلوص إليه , فلذلك قال : { فأغشيانهم } أي جعلنا على ~~أبصارهم بما لنا من العظمة غشاوة { فهم } أي بسبب ذلك { لا يبصرون } أي لا ~~يتجدد لهم هذا الوصف من إبصار الحق وما ينفعهم ببصر ظاهر وبصيرة باطنة أصلا ~~. | ولما منعوا بذلك حس البصر , أخبر عن حس السمع فقال : { وسواء } أي مستو ~~ومعتدل غاية الاعتدال من غير نوع فرق ؛ وزاد في الدلالة على عدم عقولهم ~~بالتعبير بأداة الاستعلاء إيذانا بأنهم إذا امتنعوا مع المستعلي كانوا مع ~~غيره أشد امتناعا فقال : { عليهم ءأنذرتهم } أي ما أخبرناك به من الزواجر ~~المانعة من الكفر { أم لم تنذرهم } ثم بين أن الذي استوى حالهم فيه بما ~~سببه الإغشاء عدم الإيمان , فقال مستانفا : { لا يؤمنون * } ولما بين ما ~~كان السبب المانع لهم من الإبصار , علم أن السبب المانع من السمع مثله , ~~لأن المخبر عزيز , فهو إذا فعل شيئا كان على وجه لا يمكن فيه حيلة . | ولما ~~أخبر أن الأكثر بهذه الصفة , استشرف السامع إلى إمارة يعرف بها الأقل ~~الناجي لأنه المقصود بالذات فقال جوابا له : { إنما تنذر } أي إنذارا ينتفع ~~به المنذر فيتأثر عنه النجاة , فالمعنى : إنما يؤمن بإنذارك { من اتبع ~~الذكر } أي أجهد نفسه في اتباع كل ما يذكر بالله من القرآن وغيره ويذكر به ~~صاحبه ويشرف { وخشي الرحمن } أي خاف العام الرحمة خوفا عظيما , ودل لفت ~~الكلام عن مظهر العظمة إلى الوصف بالرحمانية على أن أهل الخشية يكفيهم في ~~الاتعاظ التذكير بالإحسان { بالغيب } أي بسبب ما يخبر به من مقدوراته ~~الغائبة لا سيما البعث الذي كان اختصاصها بغاية بيانه بسبب كونها قلبا من ~~غير طلب آية كاشفة للحجاب بحيث يصير الأمر عن شهادة لا غيب فيه , بل تجويزا ~~لما يجوز ms4111 من انتقامه ولو بقطع إحسانه , لما ثبت له في سورة فاطر من القدرة ~~والاختيار , ويخشاه أيضا خشية خالصة في حال غيبته عمن يرائيه من الناس , ~~فهؤلاء هم الذين ينفعهم الإنذار , وهو المتقون الذين ثبت في البقرة أن ~~الكتاب هدى لهم , وغيرهم لا PageV06P247 سبيل إلى استقامته , فلا تذهب نفسك ~~عليهم حسرات , فإنه ليس عليك إلا الإنذار , إن الله عليم بما يصنعون , فمن ~~علم منه هذه الخشية أقبل به , ومن علم منه القساوة رده على عقبه بما حال ~~دونه من الغشاوة - والله الموفق . | ولما دل السياق على أن هذا نفع نفسه , ~~تشوف السامع إلى معرفة جزائه , فقال مفردا الضمير على النسق الماضي في ~~مراعاة لفظ ( من ) دلالة على قلة هذا الصنف من الناس بأجمعهم في هذه السورة ~~الجامعة بكونها قلبا لما تفرق في غيرها : { فبشره } أي بسبب خشيته بالغيب { ~~بمغفرة } أي لذنوبه وإن عظمت وإن تكررت مواقعته لها وتوبته منها , فإن ذلك ~~لا يمنع الاتصاف بالخشية . | ولما حصل العلم بمحو الذنوب عينها وأثرها قال ~~: { وأجر كريم * } أي دار عظيم هنيء لذيذ متواصل , لا كدر فيه بوجه . | < < # | يس : ( 12 - 16 ) إنا نحن نحيي . . . . . # > > ^ ( إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في ~~إمام مبين * واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جآءها المرسلون * إذ أرسلنآ ~~إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنآ إليكم مرسلون * قالوا مآ ~~أنتم إلا بشر مثلنا ومآ أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون * قالوا ~~ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون ) ^ } ) | ولما بين الأصل الثاني هو الرسالة ~~واتبعها ثمرتها المختومة بالبشارة , وكان الأصل الثالث في الإيمان - وهو ~~البعث - سببا عظيما في الترقية إلى اعتقاد الوحدانية التي هي الأصل الأول , ~~وكان أكثر الخائفين مهه سبحانه مقترا عليهم في دنياهم منغضة عليهم حياتهم , ~~علل هذه البشارة إعلاما بأن هذا الأجر في هذه الدار بالملابس الباطنة ~~الفاخرة من المعارف والسكينة والبركات والطمأنينة , وبعد البعث بالملابس ~~الطاهرة الزاهرة المسببة عن الملابس الدنيوية الباطنة الخفية من غير أهلها ~~, بشارة لهم ونذارة للقسم ms4112 الذي قبلهم بقوله , مقدما للبعث لما ذكر من ~~فائدته , لافتا القول إلى مظهر العظمة إيذانا بعظمة ههذ المقاصد وبأنه لا ~~يحمي لهؤلاء الخلص مع قلتهم ومباينتهم للأولين مع كثرتهم إلا من له العظمة ~~الباهرة : { إنا نحن } أي بما لنا من العظمة التي لا تضاهى { نحيي } أي ~~بحسب التدريج الآن وجملة في الساعة { الموتى } أي كلهم حسا بالبعث ومعنى ~~بالإنقاذ إذا أردنا من ظلم الإجمال { ما قدموا } من جميع أفعالهم وأحوالهم ~~واقوالهم جملة عند نفخ الروح { وآثارهم } أي سنتهم التي تبقى من بعدهم صالح ~~كانت أو غير صالحة , ونجازي كلا بما يستحق في الدار الآخرة التي الجزاء ~~فيها لا ينقطع , فلا أكرم منه إذا كان كريما . | ولما كان ذلك ربما أوهم ~~الاقتصار هلى كتابة ما ذكر من أحوال الآدميين أو PageV06P248 الحاجة إلى ~~الكتابة , دل على قدرته على ما لا تمكن القدرة عليه لأحد غيره في أقل قليل ~~مما ذكر , فكيف بما فوقه , فقال ناصبا عطفا لفعليه وهي ( تكتب ) : { وكل ~~شيء } أي من أمر الأحياء وغيرهم { أحصيناه } أي قبل إيجاده بعلمنا القديم ~~إحصاء وكتبناه { في إمام } أي كتاب هو أهل لأن يقصد { مبين * } أي لا يخفى ~~فيه شيء من جميع الأحوال على أحد أراد علمه منه , فلله ههذ القدرة الباهرة ~~والعظمة الظاهرة والعزة القاهرة , فالآية من الاحتباك : دل فعل الإحصاء على ~~مصدره وذكر الإمام على فعل الكتابة . | ولما انتهى الكلام إلى هنا , وكان ~~مقصود السورة كما سلفت إثبات الرسالة لإنذار يوم الجمع , وكان الإنذار غاية ~~, وكانت الغايات هي المقاصد بالذات , وكانت غاية الإنذار اتباع الذكر , ~~فكان ذلك غاية الغاية , كان الكلام على المتبعين أولى عليهم القول والكلام ~~على اليوم المنذر به , فلذلك ضرب المثل الجامع لذلك كله , ومر إلى أن صور ~~البعث تصويرا لم يتقدم مثله , ثم عطف بآية الطمس وما بعدها على القسم ~~المعرض , ثم رجع إلى الكلام على الرسول والكتاب . | ولما دل سبحانه على ما ~~له من القدرة الكاملة بالأفعال الهائلة من كل من الإماتة والإحياء الحسيين ~~والمعنويين إبداء وإعادة ms4113 , وكان ضرب الأمثال بالمشاهدات ألصق شيء بالبال , ~~وأقطع للمراء والجدال , وأكتشف لما يراد من الأحوال , قال عاطفا على { ~~فبشره } مبينا للأصل الثالث الذي هو الأول بالأصالة المقصود بالذات , وهو ~~التوحيد , ضاما إليه الأصلين الاخرين , ليكون المثل جامعا , والبرهان به ~~واضحا ساطعا : { واضرب لهم } أي لأجلهم بشارة بما يرجى لهم عند إقبالهم , ~~ونذارة لما يخشى عليهم عند إعراضهم وإدبارهم { مثلا } أي مشاهدا في إصرارهم ~~عند إقبالهم , ونذارة لما يخشى وصبره عليهم ولطفه بهم , لأنا ختمنا على ~~قلوبهم على الكفران مع قربهم منك في النسب والدار , وفوز غيرهم لأنا نورنا ~~قلوبهم مع البعد في النسب والدار بالإيمان وثمراته الحسان , لأنهم يخشون ~~الرحمن بالغيب , ولا يثبتون على الغباوة والريب . | ولما ذكر المثل , أبدل ~~منه قوله : { أصحاب القرية } التي هي محل الحكمة واجتماع الكلمة وانتشار ~~العلم ومعدن الرحمة . | ولما كان الممثل به في الحقيقة إنما هو إخبارها ~~بأحوال أهلها لأنها وجه الشبه , وكانت إخبارها كثيرة في أزمنة مديدة , وعين ~~المراد بقوله : { إذ } وهي بدل اشتمال من القرية مسلوخة من الظرفية . | ~~ولما كان الآتي ناحية من بلد وإن عظم يعد في العرف آتيا لذلك البلد , أعاد ~~الضمير على موضع الرسالة PageV06P249 تحقيقا له وإبلاغا في التعريف بمقدار ~~بعد الأقصى فقال : { جاءها } أي القرية لإنذار أهلها { المرسلون * } أي عن ~~الله لكونهم عن رسوله عيسى عليه السلام أرسلهم بأمره لإثبات ما يرضيه ~~سبحانه ونفي ما يكرهه الذين هم من جملة من قيل في فاطر إنهم جاؤوا بالبينات ~~وبالزبر , والتعريف إما لكونهم يعرفون القرية ويعرفون أمرها , وإما لأنه ~~شهير جدا فهم بحيث لو سألوا أحدا من أهل الكتاب الذين يعتنون بها اخبرهم به ~~, لأنه قد عهد منهم الرجوع إليهم بالسؤال ليبينوا لهم - كما زعموا - مواضع ~~الإشكال . | ولما كان أعظم مقاصد السياق تسلية النبي صلى الله عليه وسلم في ~~توقفهم عن المبادرة إلى الإيمان به مع دعائه بالكتاب الحكيم إلى صراط ~~المستقيم , وكان في المشاركة في المصائب أعظم تسلية , أبدل من قوله { إذ ~~جاءها } تفصيلا لذلك المجيء قوله , مسندا إلى ms4114 نفسه المقدس لكونه أعظم في ~~التسلية : { إذ أرسلنا } أي على ما لنا من العظمة . | ولما كان المقصود ~~بالرسالة أصحابها قال : { إليهم اثنين } أي ليعضد أحدهما الآخر فيكون أشد ~~لأمرهما فأخبراهم بإرسالها إليهم كأن قالا : نحن رسولان إليكم لتؤمنوا ~~بالله { فكذبوهما } أي مع ما لهما من الآيات , لأنه من المعلوم أنا ما ~~أرسلنا رسولا إلا كان معه من الآيات ما مثله آمن عليه البشر , سواء كان عنا ~~من غير واسطة أو كان بواسطة رسولنا , كما كان للطفيل بن عمرو الدوسي ذي ~~النور لما ذهب إلى قومه وسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون آية فكانت ~~نورا في جبهته , ثم سأل في غير وجهه فكانت في سوطه . | ولما كان التضافر ~~على الشيء أقوى لشأنه , وأعون على ما يراد منه , سبب عن ذلك قوله حاذفا ~~المفعول لفهمه من السياق , ولأن المقصود إظهار الاقتدار على إيقاع الفعل ~~وتصريفه في كل ما أريد له : { فعززنا } أي فأوقعنا العزة , وهي القوة ~~والشدة والغلبة , لأمرنا أو لرسولنا بسبب ما وقع لهما من الوهن بالتذكيب ~~فحصل ما أردنا من العزة - بما أشارت إليه قراءة أبي بكر عن عاصم بالتخفيف { ~~بثالث } أرسلناه بما أرسلناهما به { فقالوا } أي الثلاثة بعد أن أتوهم وظهر ~~لهم إصرارهم على التكذيب , مؤكدين بحسب ما رأوا من تكذيبهم : { إنا إليكم } ~~أي لا إلى غيركم { مرسلون * قالوا } أي أهل القرية : { ما أنتم } أي وإن ~~زاد عددكم { إلا } ولما نقض الاستثناء النفي زال شبهة ما تلبس فزال عملها ~~فارتفع قوله : { بشرمثلنا } أي فما وجه الخصوصية لكم PageV06P250 في كونكم ~~رسلا دوننا , ولما كان التقدير : فما أرسلتم إلينا بشيء , عطفوا عليه قوله ~~: { وما أنزل الرحمن } أي العام الرحمة , فعموم رحمته مع استوائنا في ~~عبوديته تقتضي أن يسوي بيننا في الرحمة فلا يخصكم بشيء دوننا , وأعرقوا في ~~النفي بقولهم : { من شيء } . | ولما كان الإيتان على ما ذكر محتملا للغلط ~~نحوه , قالوا دافعين لذلك : { إن } أي ما { أنتم إلا تكذبون * } أي حالا ~~ومآلا { قالوا } أي الرسل : { ربنا } أي الذي لو ms4115 لم يكن لنا وازع عن الكذب ~~عليه إلا إحسانه إلينا لكان كافيا { يعلم } أي ولذلك يظهر على أيدينا ~~الآيات , ويحمينا ممن يكيدنا , وهذه العبارة تجري مجرى القسم , وكذا نحو { ~~شهد الله } . | ولما واجهوهم بهذا التكذيب المبالغ في تأكيده زادوا في ~~تأكيد جوابه فقالوا : { إنا إليكم } أي خاصة { لمرسلون * } ما أتيانكم غلطا ~~ولا كذبا , فالأول ابتداء أخبار , وهذان جوابا إنكار , فأعطى كلا ما يستحق ~~. | < < # | يس : ( 17 - 24 ) وما علينا إلا . . . . . # > > ^ ( وما علينآ إلا البلاغ المبين * قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم ~~تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم * قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل ~~أنتم قوم مسرفون * وجآء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يقوم اتبعوا المرسلين ~~* اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون * وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ~~ترجعون * أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ~~ولا ينقذون * إني إذا لفي ضلال مبين ) ^ } ) | ولما قرروا ذلك عندهم , ~~اتبعوه بدليله وبالإعلام بأن وبال التكذيب لا يحلقهم منه ضرر , إشارة لهم ~~إلى الإنذار من عذاب الملك الجبار فقالوا : { وما علينا } أي وجوبا من قبل ~~من أرسلنا , وهو الله تعالى الذي له الأمر كله { إلا البلاغ المبين * } أي ~~المؤيد بالأدلة القطعية من الحجج القولية والفعلية بالمعجزات وغيرها , ~~فلولا أنه يعلم لما أمكننا شيء من ذلك كما أن آلهتكم لما لم يكن لها علم لم ~~يقدروا على بيان في أمرها بشيء , وإذ قد ثبت علم مرسلنا برسالتنا فهو ~~الشاهد لنا بما يظهر على أيدينا وكفى به شهيدا . | ولما كان حلول الصالحين ~~بين الناس يكون تارة نعمة وأخرى نقمة باعتبار التصديق والتكذيب والإساءة ~~والإحسان , فكان قد حصل لهؤلاء الذين كذبوا هؤلاء الرسل بلاء لتكذيبهم لهم ~~من جدب الأرض وصعوبة الزمان , ونحو ذلك من الامتحان , ذكر ما أثره ذلك عند ~~أهل القرية فقال : { قالوا } ولما كانوا لما يرون عليهم من الآيات ~~PageV06P251 وظاهر الكرامات مما يشهد ببركتهم ويمن نقيبتهم إذا ذموهم ~~توقعوا تكذيب الناس لهم , أكدوا قولهم : { إنا تطيرنا } أي ms4116 حملنا أنفسنا ~~على الطيرة والتشاوم تطيرا ظاهرا - بما أشار إليه الإظهار بخلاف ما في ~~النمل والأعراف { بكم } بنسبة ما حل بنا من البلاء إلى شومكم , لأن عادة ~~الجهال التيمن بما مالوا إليه ويسندون ما حل بهم من نعمة إلى يمنة والتشاوم ~~بما كرهوه , ويسندون ما أصابهم من نقمة إلى شومه ! ثم إنهم استأنفوا ~~استئناف النتائج قولهم على سبيل التأكيد إعلاما بأن ما أخبروا به لا فترة ~~لهم عنه وإن كان مثلهم مستبعدا عند العقلاء : { لئن لم تنتهوا } أي عن ~~دعائكم هذا { لنرجمنكم } أي لنشتمنكم أو لنرمينكم بالحجارة حتى تنتهوا أو ~~لنقتلنكم شر قتلة . | ولما كان الإنسان قد يفعل ما لا يؤخذ أثره فقالوا ~~معبرين بالمس دون الإمساس : { وليمسنكم منا } أي عاجلا لا من غيرنا كما ~~تقولون أنتم في تهديدكم إيانا بما يحل بنا ممن أرسلكم : { طائركم } أي ~~شومكم الذي أحل لكم البلاء { معكم } وهو أعمالكم القبيحة التي منها تكذيبكم ~~. | ولما كان لم يبد منهم ما يقتضي عند النظر الصحيح التيمن والبركة , وهو ~~التذكير بالله الذي بيده الخير كله , أنكروا عليهم تطيرهم منهم على وجه ~~مبين أنه لا سبب لذلك غيره فقالوا : { أئن ذكرتم } أي الأجل إن حصل لكم ~~تذكير بالله تطيرتم بنا ؟ ولما كان ذلك لا يصح أن يكون سببا للتطير بوجه , ~~أضربوا عنه منبهين لهم على أن موضع الشوم إسرافهم لا غير فقالوا : { بل } ~~أي ليس الأمر كما زعمتم في أن التذكير سبب للتطير بل { أنتم قوم } أي غركم ~~ما آتاكم الله من القوة على القيام فيما تريدون { مسرفون * } أي عادتكم ~~الخروج عن الحدود والطغيان فعوقبتم لذلك . | ولما كان السياق لأن الأمر بيد ~~الله , فلا هادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى , فهو يهدي البعيد في البقعة ~~والنسب إذا أراد , ويضل القريب فيهما إن شاء , وكان بعد الدار ملزوما في ~~الغالب لبعد النسب , قدم مكان المجيء على فاعله بيانا لأن الدعاء نفع ~~الأقصى ولم ينفع الأدنى فقال : { وجاء من أقصا } أي أبعد - بخلاف ما مر في ~~سورة القصص ؛ ولأجل ms4117 هذا الغرض عدل عن التعبير بالقرية كما تقدم وقال : { ~~المدينة } لأنها أدل على الكبر المستلزم لبعد الأطراف وجمع الأخلاط . | ~~ولما بين الفاعل بقوله : { رجل } بين اهتمامه بالنهي عن المنكر ومسابقته ~~إلى إزالته كما هو الواجب بقوله : { يسعى } أي يسرع في مشيه فوق المشي ودون ~~العدوحرصا على نصيحة قومه . | ولما تشوفت النفس إلى الداعي إلى إيتانه , ~~بينه قوله : { قال } واستعطفهم بقوله : { يا قوم } وأمرهم بمجاهدة النفوس ~~بقوله : { اتبعوا المرسلين * } أي في عبادة الله وحده PageV06P252 وكل ما ~~يأمرونكم به ؛ ثم نبههم على الداعي إلى اتباعخم والمانع من الإعراض عنهم ~~بقوله , معدا الفعل دلالة على شدة اهتمامه به : { اتبعوا } أي بغاية جهدكم ~~{ من لا يسئلكم } أي في حال من الأحوال { أجرا } ولما كان أفرد الضمير نظرا ~~إلى لفظ ( من ) دلالة على وجوب الاتباع لمن اتصف بهذا الأمر الدال على ~~الرسالة وإن كان واحدا , جمع بيانا للأولوية بالتظافر والتعاضد والاتفاق في ~~الصيانة والبعد عن الدنس , الدال على اتحاد القصد الدال على تحتم الصدق ~~فقال : { وهم مهتدون * } أي ثابت لهم الاهتداء لا يزايلهم , ما قصدوا شيئا ~~إلا أصابوا وجه صوابه , فتفوزوا بالدين الموجب للفوز بالآخرة , ولا يفوتكم ~~شيء من الدنيا , فأتى بمجاميع الترغيب في هذا الكلام الوجيز . | ولما أفهم ~~السياق أنه قال : فإني اتبعتهم في عبادة الله , بنى عليه قوله جوابا لمن ~~يلومه على ذلك وترغيبا فيما اختاره لنفسه وتوبيخا لمن يأباه : { وما } أي ~~وأي شيء { لي } في أني { لا أعبد الذي فطرني } أي وإليه أرجع , فله مبدئي ~~ومعادي , وما لكم لا تعبدون الذي فطركم { وإليه } أي لا لما دل عليه ثانيا ~~, وإنكاره عليهم ثانيا بما دل عليه أولا من إنكاره على نفسه استجلابا لهم ~~بإظهار الإنصاف , والبعد عن التصريح بالخلاف , وفيه تنبيه لهم على موجب ~~الشكر , وتهديد على ارتكاب الكفر . | ولما أمر صريحا ونهى تلويحا , ورغب ~~ورهب , ووبخ وقرع , وبين جلالة من آمن به ومن كانوا سببا في ذلك , أنكر على ~~من يفعل غيره بالإنكار على نفسه , محقرا لمن عبدوه من دون الله وهو ms4118 غارقون ~~في نعمه , فقال مشيرا بصيغة الافتعال إلى أن ذلك مخالفة للفطرة الأولى : { ~~ءأتخذ } وبين علو رتبته سبحانه بقوله : { من دونه } أي سواء مع دنو المنزلة ~~؛ وبين عجز ما عبدوه بتعدده فقال : { آلهة } ثم حقق ذلك بقوله مبينا بأداة ~~الشك أن النفع أكثر من الضر ترغيبا فيه سبحانه : { إن يردن } إرادة خفيفة ~~بما أشار إليه حذف الياء , أو شديدة بما أشار إليه إثباتها , ظاهرة بما دل ~~تحريكها , أو خفية بما نبه عليه إسكانها . | ولما ذكرهم بإبداعه سبحانه له ~~إرشادا إلى أنهم كذلك , صرح بما يعمهم فقال : { الرحمن } أي العام النعمة ~~على كل مخلوق من العابد والمعبود , وحذرهم بقوله : { بضر } وأبطل أنهى ما ~~يعتقدونه فيها بقوله : { لا تعن عني } أي وكل أحد مثلي في هذا { شفاعتهم } ~~وأبطل ما يعتقدونه فيها بقوله : { لا تغن عني } أي وكل أحد مثلي في هذا { ~~شفاعتهم } أي لو فرض أنهم شفعوا ولكن شفاعتهم لا توجد { شيئا } من إغناء . ~~| ولمادل بإفراد الشفاعة على عدهم عدما ولو اتحدت شفاعتهم وتعاونهم في آن | ~~PageV06P253 واحد , دل بضمير الجميع على أنهم كذلك سواء كانوا مجتمعين أو ~~متفرقين فقال : { ولا ينقذون * } أي من مصيبته إن دعا الأمر إلى المشاققة ~~بما أراد فأنه بمجرد إرادته يكون مراده , إنفاذا ضعيفا - بما أشار إليه من ~~حذف الياء , ولا شديدا - بما دل عليه من أثبتها ظاهرا خفيا , ثم استأنف ما ~~يبين بعد ذلك عن فعل العقلاء الناصحين لأنفسهم بقوله مؤكدا له بأنواع ~~التأكيد لأجل إنكارهم له بعدم رجوعهم عن معبوداتهم : { إني إذا } أي إذا ~~فعلت ذلك الاتخاذ { لفي ظلال } أي محيط بي لا أقدر معه على نوع اهتداء { ~~مبين * } أي واضح في نفسه لمن لم يكن مظروفا له , موضح لكل ناظر ما هو فيه ~~الظلام . | < < # | يس : ( 25 - 29 ) إني آمنت بربكم . . . . . # > > ^ ( إني آمنت بربكم فاسمعون * قيل ادخل الجنة قال يليت قومي يعلمون * ~~بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين * ومآ أنزلنا على قومه من بعده من جند ~~من السمآء وما كنا منزلين * إن كانت إلا صيحة ms4119 واحدة فإذا هم خامدون ) ^ } ) ~~| ولما أقام الأدلة ولم يبق لأحد تخلف عنه علة , صرح بما لوح إليه من ~~إيمانه , فقال مظهرا لسروره بالتأكيد وقاطعا لما يظنونه من أنه لا يجترئ ~~على مقاطعتهم كلهم بمخالفتهم في أصل الدين : { إني آمنت } أي أوقعت التصديق ~~الذي لا تصديق في الحقيقة غيره بالرسل مؤمنا لهم من أن أدخل عليهم نوع ~~تشويش من تكذيب أو غيره . | ولما أرشدهم بعموم الرحمانية تلويحا , صرح لهم ~~بما يلزمهم شكره من خصوص الربوبية والرحمانية والإبداع , وزاد في مصارحتكم ~~إظهارا لعدم المبالاة بهم بقوله : { فاسمعون } أس سماعا إن شئتم أشعتموه , ~~وإن شئتم كتمتموه - بما دل ةعليه حذف الياء وإثباتها , فلا تقولوا بعد ذلك ~~: ما سمعناه , ولو سمعناه لفعلنا به . | فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلون ~~, وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مثل صاحب يس هذا في هذه الأمة عروة ~~بن مسعود الثقفي حيث بادى قومة الإسلام , ونادى على عليته بالأذان , فرموه ~~بالسهام فقتلوه . | ولما كان من المعلوم - بما دل عليه من صلابتهم في ~~تكذيبهم الرسل وتهديدهم مع ما لهم من الآيات - أنهم لا يبقون هذا الذي هو ~~من مدينتهم وقد صارحهم بما إن أغضوا عنه فيه انتقض عليهم أكثر أمرهم , لم ~~يذكره تعالى عدا له عداد ما لا يحتاج إلى ذكره , وقال جوابا لمن تشوف إلى ~~علم حاله بعد ذلك بقوله إيجازا في البيان ترغيبا PageV06P254 لأهل الإيمان ~~: { قيل } أي له بعد قتلهم إياه , فنباه للمفعول وحذفه لأن المقصود القول ~~لا قائله والمقول له معلوم : { ادخل الجنة } لأنه شهيد , والشهداء يسرحون ~~في الجنة حيث شاؤوا من حين الموت . | ولما كان الطبع البشري داعيا إلى محبة ~~الانتقام ممن وقع منه الأذى بين سبحانه أن الأصفياء على غير ذلك الحال , ~~فقال مستأنفا : { قال يا ليت قومي } أي الذين فيهم قوة لما يراد منهم , فلو ~~كانت قوتهم على الكفار لكانت حسنة { يعلمون * } ولما أريد التصريح بوقوع ~~الإحسان إليه , حل المصدر إلى قوله : { بما غفر لي } أي أوقع الذي أحسن إلي ~~في الأخرى ms4120 بعد إحسانه في الدنيا { وجعلني } ولما كان الأنس أعظم فوز , عدل ~~عن أن يقول ( مكرما ) إلى قوله : { من المكرمين * } أي الذين أعطاهم ~~بإكرامه العلى بقطعهم جميع اعمارهم في العبادة , فنصح لقومه حيا وميتا ~~يتمنى علمهم بإكرامه تعالى له ليعلموا مثل عمله فينالوا ما ناله , وفي قصته ~~حث على المبادرة إلى مفارقة الأشرار واتباع الأخيار , والحلم عن أهل الجنة ~~إلا برحمة الله وإن كان محسنا , وهذا كما وقع للأنصار رضي الله عنهم في ~~المبادرة إلى الإيمان مع بعد الدار والنسب , وفي قول من استشهد منهم في بئر ~~معونة - كما رواه البخاري في المغازي عن أنس رضي الله عنه : بلغوا قومنا ~~أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا , وفي غزوة أحد كما في السيرة وغيرها لما ~~وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم : يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله ~~بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عن الحرب , فقال تبارك وتعالى : فأنا ~~أبلغهم عنكم , فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم { ولا تحسبن ~~الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا } الآيات في سورة آل عمران , وفي التمثيل ~~بهذه القصة إشارة إلى أن في قريش من ختم بغيرهم لتظهر قدرته وليستوفي ~~الآجال أولئك , ثم يقبل بقلوب غيرهم , فتظهر مع ذلك حكمته - إلى غير ذلك من ~~ينابيع المعاني , وثابت المباني . | ولما كان سبحانه قد جعل أكثر جند هذا ~~النبي الكريم من الملائكة فأيده بهم في حالتي المسمالمة والمصادمة وحرسه ~~ممن أراده في مكة المشرفة وبعدها بهم , ذكره ذلك PageV06P255 بقوله عاطفا ~~على ما تقديره : وما أنزلنا على قومه قبل قتلهم له من جند من السماء يحول ~~بينهم وبين ذلك كما فعلنا بك إذ أراد أبو جهل قتلك بالصخرة وأنت ساجد عند ~~البيت وغيره بغير ذلك مما هو مفصل في السير , وأما بعد الهجرة ففي غزوة ~~الأحزاب إذ أرسلنا عليهم ريحا وجنودا ردتهم خائبين , وفي غزوة أحد وبدر ~~وحنين وغير ذلك : { وما أنزلنا } بما لنا من العظمة { على قومه } أي صاحب ~~يس { من بعده } أي بعد ms4121 قتله , وأعرق في النفي بقوله : { من جند } وحقق ~~المراد بقوله : { من السماء } أي لإهلاكهم , وحقق أن إرسال الجنود السماوية ~~أمر خص به صلى الله عليه وسلم لأنه لحكم ترجع إلى النصرة بغير الاستئصال ~~فإنهم يتبدون في صور الآدميين ويفعلون أفعالهم , وأما عذاب الاستئصال فإن ~~السنة الإلهية جرت بأنه لا يكون بأكثر من واحد من الملائكة لأنه أدل على ~~الاقتدار , فلذلك قال تعالى : { وما كنا منزلين * } أي ما كان ذلك من سنتنا ~~, وما صح في حكمتنا أن يكون عذاب الاستئصال بجند كثير { إن } أي ما { كانت ~~} أي الواقعة التي عذبوا بها { إلا صيحة } صاحها بهم جبريل عليه السلام ~~فماتوا عن آخرهم ؟ وأكد أمرها وحقق وحدتها بقوله : { واحدة } أي لحقارة ~~أمرهم عندنا , ثم زاد في تحقيرهم ببيان الإسراع في الإهلاك بقوله : { فإذا ~~هم خامدون * } أي ثابت لهم الخمود ما كأنهم كانت لهم حركة يوما من الدهر , ~~ومن المستجاد في هذا قول أبي العلاء أحمد ابن سليمان المعري : | وكالنار ~~الحياة فمن رماد أواخرها وأولها دخان | < < # | يس : ( 30 - 33 ) يا حسرة على . . . . . # > > ^ ( يحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون * ألم ~~يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون * وإن كل لما جميع ~~لدينا محضرون * وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه ~~يأكلون ) ^ } ) | ولما أخبر عنهم سبحانه بما هو الحق من أمرهم , ورغبهم بما ~~ضرب لهم من المثل ورهبهم ولم ينفعهم ذلك , أنتج التأسيف عليهم وعلى الممثل ~~بهم ومن شأبههم فقال تعالى : { يا حسرة } أي هذا الحال مستحق لملازمة حسرة ~~عظيمة { على العباد } فكأنه قيل لها : تعالى فهذا من أحوالك التي حقك أن ~~تحضري فيها , فإن هؤلاء أحقاء بأن يتحسر عليهم , والحسرة : شدة الندم على ~~ما فات , فأحرق فقده وأعيى أمره , فلا حيلة في رده , ويجوز أن يكون المعنى ~~أن العباد - لكثرة ما يعسكون من أعمالهم - لا تفارقهم أسباب الحسرة ولا ~~حاضر معهم غيرها , فلا نديم لهم إلا هي , ولا مستعلي عليهم وغالب لهم سواها ~~. | ولما كان ms4122 كأنه قيل : أي حال ؟ قال مبينا له ومعللا للتحسر بذكر سببه : ~~{ ما PageV06P256 يأتيهم } وأعرق في النفي والتعميم بقوله : { من رسول } أي ~~رسول كان في أي وقت كان { إلا كانوا به } أي بذلك الرسول { يستهزءون } أي ~~يوجدون الهزء , والرسل أبعد الخلق من الهزء حالا ومقالا وفعالا , ومن ~~الواضح أن المستهزئ بمن هذا حاله هالك فهو جدير بملازمة الحسرة وأن يتحسر ~~عليه . | ولما أتم سبحانه الخبر عن أول أمر الممثل بهم وأول أمر المؤمن بهم ~~وآخره , وأذن هذا التحسر بأن هلاك المكذبين أمر لا بد منه , دل عليه معجبا ~~عن عدم نظرهم لأنفسهم ومهددال للسامعين منهم , ومحذرا من آخر أمر الممثل ~~بهم على وجه اندرج فيه جميع الأمم الماضية والطوائف الخالية بقوله : { ألم ~~يروا } أي يعلم هؤلاء الذين تدعوهم علما هو كالرؤية بما صح عندهم من ~~الأخبار وما شاهدوه من الآثار : { كم أهلكنا } على ما لنا من العظمة , ودل ~~قوله : { قبلهم } - بكونه ظرفا لم يذكر فيه الجار - على أن المراد جميع ~~الزمان الذي تقدمهم من آدم إلى زمانهم , وإدخال الجار على المهلكين يدل على ~~أن المراد بعضهم , فرجع حاصل ذلك إلى أن المراد : انظروا جميع ما مضى من ~~الزمان هل عذب فيه قوم عذاب الاستئصال إلا بسبب عصيان الرسل فقال : { من ~~القرون } أي الكثيرة الشديدة الضخمة , والقرن - قال البغوي : أهل كل عصر ~~سموا بذلك لاقترانهم في الوجود { أنهم } أي لأن القرون . | ولما كان المراد ~~من رسول ليس واحدا بعينه , وكانت صيغة فعول كفعيل يستوي فيها المذكر ~~والمؤنث والواحد والجمع , أعاد الضمير للجميع فقال : { إليهم } أي إلى ~~الرسل خاصة من حيث كونهم رسلا { لا يرجعون * } أي عن مذاهبهم الخبيثة , ~~ويخصون الرسل بالاتباع فلا يتبعون غيرهم اصلا في شيء من الأشياء الدينية أو ~~الدنيوية فاطردت سنتنا ولن تجد لسنتنا تبديلا في أنه كلما كذب قوم رسولهم ~~أهلكناهم ونجينا رسولهم ومن تبعه , أفلا يخاف هؤلاء أن نجريهم على تلك ~~السنة القديمة القويمة ف ( إن ) تعليلية على إرادة حذف لام العلة كما هو ~~معروف في غير ms4123 موضع , وضمير { أنهم } للمرسل إليهم , وضمير { إليهم } للرسل ~~, لا يشك في هذا من له ذوق سليم وطبع مستقيم , والتعبير بالمضارع للدلالة ~~على إمهالهم والتأني بهم والحلم عنهم مع تماديهم في العناد بتجديد عدم ~~الرجوع , و { يرجعون } هنا نحو قوله تعالى { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى ~~دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون } [ السجدة : 21 ] أي عن طرقهم الفاسدة - ~~وهذا معنى الآية بغير شك , وليس بشيء قول من قال : المعنى أن المهلكين لا ~~يرجعون إلى الدنيا ليفيد الرد على من يقول بالرجعة لأن العرب ليست ممن ~~يعتقد ذلك , ولو سلم لم يحسن , لأن السياق ليس له , لم يتقدم عنهم غير ~~الاستهزاء , فأنكر عليهم PageV06P257 استهزاءهم مع علمهم بأن الله تعالى ~~أجرى سنته أن من استهزأ بالرسل وخالف قولهم فلم يرجع إليه أهلكه , أطرد ذلك ~~من سنته ولم يختلف في أمة من الأمم كما وقع لقوم نوح وهود ومن بعدهم , لم ~~يتخلف في واحدة منهم , وكلهم تعرف العرب أخبارهم , وينظرون آثارهم , وكذا ~~ير هؤلاء كثرة من اهلكنا ممن قبلهم لمخالفتهم للرسل , أفلا يخشون مثل ذلك ~~في مخالفتهم لرسولهم ؟ وذلك موافق لقراءة الكسر التي نقلها البرهان ~~السفاقسي عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره عن الحسن , وقالوا : إنها ~~استئنافية , فهي على تقدير سؤال من كأنه قال : لم أهلكهم ؟ وهذا كما إذا ~~شاع أن الوادي الفلاني ما سلكه أحد إلا أصيب , يكون ذلك مانعا عن سلوكه , ~~وإن أراد ذلك أحد صح أن يقال له : ألم تر أنه ما سلكه أحد إلا هلك , فيكون ~~ذلك زاجرا له ورادا عن التمادي فيه , لكون العلة في الهلاك سلوكه فقط , ~~وذلك أكف له من أن يقال له : ألم تر أن الناس يموتون وكثرة من مات منهم ولم ~~يرجع أحد منهم , غير معلل ذلك بشيء من سلوك الوادي ولا غيره , فإن هذا أمر ~~معلوم له , غير مجدد فائدة , وزيادة عدم الرجوع إلى الدنيا لا دخل لها في ~~العلية أيضا لأن ذلك معلوم عند المخاطبين بل هم قائلون بأعظم منه من أنه لا ~~حياة ms4124 بعد الموت لا إلى الدنيا ولا إلى غيرها , وعلى تقدير التسليم فربما ~~كان ذكر الرجوع للأموات أولى بأن يكون تهديدا , فإن كل إنسان منهم يرجع ~~حينئذ إلى ما في يد غيره مما كان مات عليه ويصير المتبوع بذلك تابعا أو يقع ~~الحرب وتحصل الفتن , فأفاد ذلك أنه لا يصلح التهديد بعدم الرجوع - والله ~~الموفق للصواب . | ولما كان كثير من أهل الجهل وذوي الحمية والأنفة لا ~~يبالون بالهلاك في متابعة الهوى اعتمادا على أن موتة واحدة في لحظة يسيرة ~~أهون من حمل النفس على ما لا تريد , فيكون لهم في كل حين موتات , أخبر ~~تعالى أن الأمر غير منقض بالهلاك الدنيوي , بل هناك من الخزي والذل والهوان ~~والعقوبة والإيلام ما لا ينقضي أبدا فقال : { وإن كل } أي وإنهم كلهم , لا ~~يشذ منهم أحد , وزاد في التأكيد لمزيد تكذيبهم بقوله : { لما } ومن شدد { ~~لما } فالمعنى عنده ( وما كل منهم إلا ) وأشار إلى أنهم يأتون صاغرين ~~راغمين في بحال التخلف عن الانتصار عليه فقال : { جميع } وأشار إلى غرابة ~~الهيئة التي يجتمعون عليها بقوله : { لدنيا } وزاد في العظمة بإبرازه في ~~مظهرها , وعبر باسم الفاعل المأخوذ من المبني للمفعول جامعا نظرا إلى معنى ~~{ كل } لأنه أدل على الجمع في آن واحد وهو أدل على العظمة : { محضرون * } ~~أي في يوم القيامة PageV06P258 بعد بعثهم بأعيانهم كما كانوا في الدنيا ~~سواء , إشارة إلى أن هذا الجمع على كراهة منهم وإلى أنه أمر ثابت لازم دائم ~~, كأنه لعظيم ثباته لم يزل , وأنه لا بد منه , ولا حيلة في التفصي عنه , ~~وأنه يسير لا توقف له غير الإذن , فإذا أذن فعله كل من يؤمر به من الجنود ~~كائنا من كان , وما أحسن ما قال القائل : | ولو أنا متنا تركنا لكان الموت ~~راحة كل حي | ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعدها عن كل شي ولما أتم ضرب ~~المثل المفيد لتمام قدرته على الأفعال الهائلة ببشارة ونذارة حتى أن من طبع ~~على قلبه فهو لا يؤمن وإن كان قريبا في النسب والدار ms4125 , ومن أسكن قلبه ~~الخشية يؤمن وإن شط به النسب والمزار , فتم التعريف بالقسم المقصود بالذات ~~وهو من يتبع الذكر , وختم بالبعث وكانوا له منكرين , وكان قد جعله في صدر ~~الكلام من تمام بشارة من اتبع الذكر , دل عليه بقوله مبتدئا بنكرة تنويها ~~دال على تعظيمها : { وآية } أي علامة عظمية { لهم } على قدرتنا على البعث ~~وإيجادنا له { الأرض } أي هذا الجنس الذي هم منه ؛ ثم وصفها بما حقق وجه ~~الشبه فقال : { الميتة } التي لا روح لها لأنه لا نبات بها أعم من أن يكون ~~بها نبات وفني فتفتت وصار ترابا أو لم يكن بها شيء أصلا . | ثم استأنف بيان ~~كونها آية بقوله : { أحييناها } أي باختراع النبات فيها أو بإعادته بسبب ~~المطر كما كان بعد اضمحلاله . | ولما كان إخراج الأقوات نعمة أخرى قال : { ~~وأخرجنا منها حبا } ونبه تعالى على عظيم القدرة فيها وعلى عموم نفعها بمظهر ~~العظمة , وزاد في التنبيه بالتذكير بأن الحب معظم ما يقيم الحيوان فقال ~~مقدما للجار إشارة إلى عد غيره بالنسبة إليه عدما لعظيم وقعه وعموم نفعه ~~بدليل أنه متى قل جاء القحط ووقع الضرر : { فمنه } أي بسبب هذا الإخراج { ~~يأكلون } أي فهو حب حقيقة يعلمون ذلك علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين لا ~~يقدرون على أن يدعوا أن ذلك خيال سحري بوجه , وفي هذه الآية وأمثالهم حث ~~عظيم على تدبر القرآن واستخراج ما فيه من المعاني الدالة على جلال الله ~~وكماله , وقد أنشد هنا الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله في تفسيره في ~~عيب من أهمل ذلك فقال : | يا من تصدر في دست الإمامة في مسائل الفقه إملاء ~~وتدريسا غفلت عن حجج التوحيد تحكمها شيدت فرعا وما مهدت تأسيسا | < < # | يس : ( 34 - 38 ) وجعلنا فيها جنات . . . . . # > > ^ ( وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون * ~~ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون * سبحان الذي خلق الأزواج ~~كلها مما PageV06P259 تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون * وآية لهم ~~الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون * والشمس تجري ms4126 لمستقر لها ذلك تقدير ~~العزيز العليم ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما ذكر سبحانه ما في الزروع وما لا ساق له من النعمة والقدرة , ودل ~~السياق فيه على الحصر , أتبعه ما بين المراد التعظيم لا الحصر الحقيقي ~~بإظهار المنة في غيره من الأشجار الكبار والصغار ذات الأقوات والفواكه , ~~فقال دالا على عظمه بمظهر العظمة : { وجعلنا } أي بما لنا من العظمة { فيها ~~} أي الأرض { جنات } أي بساتين تستر داخلها بما فيها من الأشجار الملتفة . ~~| ولما كان النخل - ما ما فيه من النفع - زينة دائما بكونه لا يسقط ورقه , ~~قدمه وسماه باسمه فقال : { من نخيل } وفيه أيضا إشارة إلى أنه نفع كله خشبه ~~وليفه وشعبه وخوصه وعراجينه وثمره طلعا وجمارا وبسرا ورطبا وتمرا , ولذلك - ~~والله أعلم - أتى فيه بصيغة جمع الكثرة كالعيون , ولما كان الكرم لا تكون ~~له زينة بأوراق تجن إلا ما كان العنب قائما قال : { وأعناب } ودل بالجمع ~~فيهما دون الحب على كثرة اختلاف الأصناف في النوع الواحد الموجب للتفاوت ~~الظاهر في القدر والطعم وغير ذلك . | ولما كانت الجنات لا تصلح إلا بالماء ~~, وكان إلا بالماء , وكان من طبع الماء الغور في التراب والرسوب بشدة ~~السريان إلى أسفل , فكان فوارنه إلى جهة العلو أمرا باهرا للعقل لا يكون ~~إلا بقسر قاسر حكيم قال : { وفجرنا } أي فتحنا تفتيحا عظيما { فيها } ودل ~~على تناهي عظمته وتعالبها عن أن يحاط بشيء منها بالتبعيض بقوله : { من ~~العيون * } والتعريف هنا يدل على أن الأرض مركبة على الماء , فكل موضع منها ~~صالح لأن ينفجر منه الماء , ولكن الله يمنعه عن بعض المواضع بخلاف الأشجار ~~ليس منها شيء غالبا على الأرض , ففي ذلك تذكير بالنعمة في حبس الماء عن بعض ~~الأرض لتكون موضعا للسكن , ولو شاء لفجر الأرض عيونا كما فعل بقوم نوح عليه ~~السلام فأغرق الأرض كلها . | ولما كانت حياة كل شيء إنما هي الماء , أشار ~~إلى ذلك بقوله : { ليأكلوا من } وأشارت قراءة حمزة والكسائي بصيغة الجمع مع ~~إفراد الضمير إلى أن الشجرة الواحدة تجمع بالتطعيم أصنافا من الثمر ms4127 { ثمره ~~} أي من ثمر ما تقدم , ولولا الماء لما طلع , ولولا أنه بكثرة لما أثمر بعد ~~الطلوع . | ولما كان الإنسان قد يتسبب في تربية بعض الأشياء , أبطل سبحانه ~~الأسباب فيما يمكن أن يدعو فيه تسببا , ونبه على أن الكل بخلقه فقال : { ~~وما عملته } أي ولم تعمل شيئا من ذلك { أيديهم } أي عملا ضعيفا - بما أشار ~~إليه تأنيث الفعل فكيف بما فوقه PageV06P260 وإن تظافروا على ذلك بما أشار ~~إليه جمع اليد . | ولما كان السياق ظاهرا في هذا جاءت قراءة حمزة والكسائي ~~وحفص عن عاصم بحذف الضمير غير منوي قصرا للفعل تعميما للمفعول ردا لجميع ~~الأمور إلى بارئها سواء كانت بسبب أو بغير سبب , أي ولم يكن لأيديهم عمل ~~لشيء من الأشياء ل لهذا ولا لغيره مما له مدخل في عيشهم ومن غيره , ولذلك ~~حسن كل الحسن إنكاره عليهم عدم الشكر بقوله : { أفلا يشكرون * } أي يدأبون ~~دائما في إيقاع الشكر والدوام على تجديده في كل حين بسبب هذه النعم الكبار ~~. | ولما كان السياق لإثبات الوحدانية والإعلام بأن ما عبد من دونه لا ~~استحقاق له في ذلك بوجه , ولا نفع بيده ولا ضر , وأنتج هذا السياق بما دل ~~عليه من تفرده بكل كمال وأنه لا أمر لأحد معه بوجه من الوجوه - تنزهه عما ~~ادعوه من الشرك غاية التنزه , قال لافتا للكلام عن مظهر العظمة لأن إثباتها ~~بالرحمة الدال عليها أدخل في التعظيم : { سبحان الله } ووصفه بما أكد ما ~~مضى من إسناد الأمور كلها إليه ونفى كل شيء منها عمن سواه فقال : { خلق ~~الأزواج } أي الأنواع المتشاكلة المتباينة في الأوصاف وفي الطعوم والأرابيح ~~والأشكال والهيئات والطبائع وغير ذلك من أمور لا يحصيها إلا الله تدل أعظم ~~دلالة على كمال القدرة وعظيم الحكمة والاختيار في الإرادة , وأكد بقوله : { ~~كلها } لإفادة التعميم ؛ ثم زاد الأمر تصريحا بالبيان بقوله : { مما تنبت ~~الأرض } فدخل فيه من كل نجم وشجر ومعدن وغيره من كل ما يتولد منها , وأشار ~~- لكونه في سياق تكذيبهم - إلى تأديبهم بتحقيرهم بجمع القلة والتعبير ~~بالنفس ms4128 التي تطلق في الغالب على ما يذم به فقال : { ومن أنفسهم } وبين أن ~~وراء ذلك أمورا لا يعلمها إلا هو سبحانه فقال : { ومما لا يعلمون * } أي ~~ومما لا يحتاجون إليه في دينهم ولا دنياهم , ولا توقف لشيء من إصلاح المعاش ~~والمعاد عليه , ولو كان ذلك لأعلم به كما أعلم بأحوال الآخرة وغيرها مما لم ~~نكن نعلمه . | ولما دربهم على النظر بآيات الأعيان الحسية الدالة على ~~القدرة الباهرة لا سيما على البعث , رقاهم إلى المعاني على ذلك النحو , فإن ~~إيجاد كل من الملوين بعد إعدامه أدل دليل على البعث , فقال ناقلا لهم من ~~المكان الكلي إلى الزمان الكلي الجامعين للجواهر والأعراض : { وآية لهم } ~~أي على إعادة الشيء بعد إفنائه { اليل } أي الذي يشاهدونه لا شك عندهم فيه ~~ولا حيلة بوجه في رفعه ؛ ثم استأنف قوله : { نسلخ } عائدا إلى مظهر العظمة ~~دلالة على جلالة هذا الفعل بخصوصه . | ولما كان الأصل في هذا الوجود الظلام ~~, والضياء حادث , وكان ضياؤه ليس خالصا , عبر ب ( من ) التي تصلح للملابسة ~~مع التخلل في الأجزاء فقال : { منه النهار } PageV06P261 أي الذي كان ~~مختلطا به بإزالة الضوء وكشفه عن حقيقة الليل { فإذا هم } بعد إزالتنا ~~للنهار الذي سلخناه من الليل { مظلمون * } أي داخلون في الظلام بظهور الليل ~~الذي كان الضياء ساترا كما يستر الجلد الشاة , قال الماوردي : وذلك أن ضوء ~~النهار يتداخل في الهواء فيضيء فإذا خرج منه أظلم - نقله ابن الجوزي عنه , ~~وقد أرشد السياق حتما إلى أن التقدير : والنهار نسلخ منه الليل الذي كان ~~سانره وغالبا عليه فإذا هم مبصرون . | ولما ذكر الوقتين , ذكر آيتيهما فقال ~~: { والشمس } أي التي سلخ النهار من الليل بغيبوبتها { تجري } ولما كان ~~غيابها بالليل مثل سكون الإنسان في مبيته , وجعلها على خط قدر لسيرها كل ~~يوم بتقدير لا زيع فيه ومنهاج لا يعوج , قال : { لمستقر } أي عظيم { لها } ~~وهو السير الذي لا تعدوه جنوبا ولا شمالا ذاهبة وآئبة , وهي فيه مسرعة - ~~بدليل التعبير باللام في موضع ( إلى ) ويدل على هذا قراءة ( لا ms4129 مستقر لها ) ~~بل هي جارية ابدا إلى انقراض الدنيا في موضع مكين محكم هو أهل للقرار , ~~وعبر به مع أنها لا تستقر ما دام هذا الكون لئلا يتوهم أن دوام حركتها لأجل ~~أن موضع جريها لا يمكن الاستقرار عليه , ولا ينافي هذا ما في صحيح البخاري ~~وفي كتاب الإيمان من صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال ( مستقرها تحت العرش , وأنها تذهب فتستأذن في السجود فيؤذن ~~لها وكأنها قد قيل لها : ارجعي من حيث جئت , فتطلع من مغربها ) هذا لفظ ~~مسلم , وسيأتي لفظ البخاري , ويمكن أن يكون المستقر آخر جريها عند إبادة ~~هذا الوجود . | ولما كان هذا الجري على نظام لا يختل على مر السنين وتعاقب ~~الأحقاب تكل الأوهام عن استخراجه , وتتحير الأفهام في استنباطه , عظمه ~~بقوله : { ذلك } أي الأمر الباهر للعقول ؛ وزاد في عظمه بصيغة التفعيل في ~~قوله : { تقدير } وأكد ذلك لافتا القول عن مطلق مظهر العظمة إلى تخصيصه ~~بصفتي العزة والعلم تعظيما لهذه الآية تنبيها على نوع مغالبة , وهو غالب ~~على كل شيء { العليم * } أي المحيط علما بكل شيء الذي يدبر الأمر , فيطرد ~~على نظام عجيب ونهج بديع لا يعتريه وهن لا يلحقه يوما نوع خلل إلى أن يريد ~~سبحانه إبادة هذا الكون فتسكن حركاته وتفنى موجوداته , روى البخاري عن ~~PageV06P262 أبي ذر رضي الله عنه قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في ~~المسجد عند غروب الشمس فقال : يا أبا ذر ! أتدري أين تذهب ؟ قال : قلت : ~~الله ورسوله أعلم , قال : فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ~~, ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها , فيقال لها : ارجعي ~~من حيث جئت , فذلك قوله تعالى : { والشمس تجري لمستقر لها } | < < # | يس : ( 39 - 45 ) والقمر قدرناه منازل . . . . . # > > ^ ( والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم * لا الشمس ينبغي ~~لهآ أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون * وآية لهم أنا ~~حملنا ذريتهم في الفلك المشحون * وخلقنا ms4130 لهم من مثله ما يركبون * وإن نشأ ~~نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون * إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين * وإذا ~~قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون ) ^ } ) | ولما ذكر ~~آية النهار , أتبعها آية الليل فقال : { والقمر } ومعناه في قراءة ابن كثير ~~ونافع وأبي عمرو وروح عن يعقوب بالرفع : يجري لمستقر له , ونصبه الباقون ~~دلالة على عظمة هذا الجري لسرعته بقطعه في شهر ما تقطعه الشمس في سنة , ~~ولذلك ضعف الفعل المفسر للناصب وأعمله في ضمير القمر ليكون مذكورا مرتين ~~فيدل على شدة العناية تنبيها على تعظيم الفعل فيه , وأعاد مظهر العظمة فقال ~~مستانفا في قراءة الرفع : { قدرناه } أي قسناه قياسا عظيما أي قسنا لسيره { ~~منازل } ثمانية وعشرين , ثم يستشر ليلتين : عند التمام وليلة للنقصان لا ~~يقدر يوما أن بدرا يتعداه , قال الأستاذ أبو القاسم القشيري : يبعد عن ~~الشمس ولا يزال يتباعد حتى يعود بدرا , ثم يدنو فكلما ازداد من الشمس دنوا ~~ازداد في نفسه نقصانا إلى أن يتلاشى . | { حتى عاد } أي بعد أن كان بدرا ~~عظيما { كالعرجون } من النخل وهو عود العذق ما بين شماريخه إلى منتهاه وهو ~~منتبه من النخلة دقيقا منحنيا , وهو فعلول ذكره أهل اللغة في النون وقالوا ~~: عرجن الثوب : صور فيه صور العراجين , وقال المفسرون : إنه من عرج , أي ~~أعوج . | ولما كانت حمرته آخذة إلى صفرة قال : { القديم * } أي المحول , ~~فإن العرجون إذا طال مكثه صار كذلك , فدق وانحنى واصفر . | ولما تقرر أن ~~لكل منهما منازل لا يعدوها , فلا يغلب ما هو آيته ما هو آية الآخر , بل إذا ~~جاء سلطان هذا ذهب ذاك , وإذا جاء ذاك ذهب هذا , فإذا اجتمعنا قامت الساعة ~~, تحرر أن نتيجة هذه القضايا : { لا الشمس } أي التي هي آية النهار { ينبغي ~~لها } أي ما PageV06P263 دام هذا الكون موجودا على هذا الترتيب { أن تدرك } ~~أي لأن حركتها بطيئة { القمر } أي فتطسمه بالكلية , فما النهار سابق الليل ~~{ ولا اليل سابق النهار } أي حتى ينبغي للقمر مع سرعة سيره أن ms4131 يدرك الشمس ~~ويغلبها فلا يوجد نهار أصلا , ولو قيل : يستبق لاختل المعنى على ما حذف من ~~الثانية من نفي إدراك القمر للشمس , وذكر ثانيا سبق الليل النهار لما له من ~~القوة بما يعرض من النهار فيغشيه دليلا على حذف سبق النهار الليل أولا { ~~وكل } أي من المذكورات حقيقة ومجازا { في فلك } محيط به , ولما ذكر لها فعل ~~العقلاء , وكان على نظام محرر لا يختل , وسير مقدر لا يعوج ولا ينحل , فكان ~~منزها عن آفة تلحقه , أو ملل يطرقه , عبر بما تدور مادته على القدرة والشدة ~~والاتساع فقال : آتيا بضمير العقلاء جامعا لأنه أدل على تسخيرهم دائما : { ~~يسبحون * } حثا على تدبر ما فيها من الآيات التي غفل عنها - لشدة الإلف لها ~~- الجاهلون . | ولما ذكر ما حد له حدودا في السباحة في وجه الفلك لو تعداها ~~لاختل النظام , ذكر ما هيأه من الفلك والسباحة على وجه الماء الذي طبق ~~الأرض في زمن نوح عليه السلام حتى كانت السماء , ولو تعدت السفينة ما حد ~~لها سبحانه من المنازل فنفذت إلى بحر الظلمات لفسد الشأن , وكانوا فيها ~~كأنهم في الأرض , وبسيرها كأنهم يخترقون الجبال والفيافي والقفاز - كل ذلك ~~تذكير بأيام الله , وتنبيها على استدرار نعمه , وتحذيرا من سطواته ونقمه , ~~ومنا عليهم بما يسر لهم من سلوك البحر والتوصل به إلى جليل المنافع فقال : ~~{ وآية لهم } أي على قدرتنا التامة الشامل { أنا } أي على ما لنا من العظمة ~~{ حملنا } . | ولما كان من قبل نوح عليه السلام من أصول البشر لم يحملوا في ~~الفلك , عدل عن التعبير بالضمير والآباء إلى قوله : { ذريتهم } أي ذرية ~~البشر التي ذرأناها وذروناها وذررناها حتى ملأنا بها الأرض من ذلك الوقت ~~إلى آخر الدهر , ولهذا التكثير المفهوم من هذا الاشتقاق البليغ اغتنى ابن ~~كثير وأبو عمرو والكوفيون فقرؤوا بالإفراد , وزادت في الإيضاح قراءة ~~الباقين بالجمع , بعضهم ظاهرا وبعضهم في ظهر أبيه { في الفلك } عرفه لشهرته ~~بين جميع الناس { المشحون } أي الموقر المملوء حيوانا وزادا , وهو يتقلب في ~~تلك المياه التي لم ms4132 ير قط مثلها ولا يرى أبدا , ومن ذلك فسلمه الله . | ~~ولما كانت هذه الآية لم تنقطع بل عم سبحانه بنفعها : { وخلقنا } أي بعظمتنا ~~الباهرة { لهم من مثله } أي من مثل ذلك الفلك من الإبل والفلك { ما يركبون ~~* } أي مستمرين على ذلك على سبيل التجدد ليقصدوا منافعهم , ولو شئنا لمنعنا ~~ذلك . | PageV06P264 لما كان قد أنجى سبحانه آباءنا حين حمله في ذلك الماء ~~الذي لم يكن مثله قط , وكان ربما ظن أن الإنجاء لسر من الأسرار غير إرادته ~~, جعل أمر ما خلق من مثله تارة وتارة ليعرف أن ذلك هو بصنعه فتشكر نعمته ~~أولا وآخرا فقال : { وإن نشأ } أي لأجل ما لنا من القوة الشاملة { نغرقهم } ~~أي مع أن هذا الماء الذي يركبونه لا يعشر ذلك الذي حملنا فيه آباءهم { فلا ~~صريخ لهم } أي مغيث ينجيهم مما نريد بهم من الغرق { ولا هم } أي بأنفسهم من ~~غير صريخ { ينقذون * } أي يكون لهم إنقاذ أي خلاص بأنفسهم أو غيرها . | ~~ولما كان هو سبحانه يصرخ من يشاء فينجيه وكانت ( كانت ) نافية نفيا مستغرقا ~~, استثنى ما كان منه سبحانه فقال : { إلا رحمة } أي إلا نحن فننقذهم إن ~~شئنا رحمة { منا } أي لهم , لا وجوبا علينا , ولا لمنفعة تعود منهم إلينا { ~~ومتاعا } أي لهم { إلى حين * } أي وهو حين انقضاء آجالهم . | ولما كان هذا ~~الحال معلوما لهم لا ينازعون فيه رجوعه , بل إذا وقعوا فيه أخلصوا الدعاء ~~وأمروا به وخلعوا الأنداد , وكان علم ذلك موجبا لصاحبه أن لا يغفل عن ~~القادر عليه وقتا ما , بل لا يفتر عن شكره خوفا من مكره , وكان العاقل إذا ~~ذكر بأمر فعلمه يقينا كان جديرا بأن يقبله , فإذا لم يقبله وخوف عاقبته ~~بأمر محتمل جد في الاحتراز منه , عجب منهم في إعراضهم عنه سبحانه مع قيام ~~الأدلة القاطعة على وحدانيته وأنه قادر على ما يريد من عذاب وثواب , ~~وإقبالهم على ما لا ينفعهم بوجه , فقال : { وإذا قيل } أي من أي قائل كان { ~~لهم اتقوا } أي خافوا خوفا عظيما تعالجون فيه ms4133 أنفسكم { ما بين أيديكم } أي ~~بما يمكن أن تقعوا فيه من العثرات المهلكة في الدارين { وما خلفكم } أي ما ~~فرطتم فيه ولم تجاروا به ولا بد من المحاسبة عليه لأن الله الذي خلقكم أحكم ~~الحاكمين { لعلكم ترحمون * } أي تعاملون معاملة المرحوم بالإكرام . | < < # | يس : ( 46 - 51 ) وما تأتيهم من . . . . . # > > ^ ( وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين * وإذا ~~قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو ~~يشآء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين * ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين * ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون * فلا يستطيعون توصية ~~ولا إلى أهلهم يرجعون * ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ~~) ^ } ) | ولما كان التقدير : أعرضوا لأن الإعراض قد صار لهم خلقا لا ~~يقدرون على الانفكاك من أسره , عطف عليه قوله إشارة إليه : { وما تأتيهم } ~~وعمم بقوله : { من آية } PageV06P265 وبين قوله : { من آيات } ولفت الكلام ~~للتذكير بالإنعام تكذيبا لهم في أنهم أشكر الناس للمنعم فقال : { ربهم } أي ~~المحسن إليهم { إلا كانوا عنها } أي مع كونها من عند من غمرهم إحسانه وعمهم ~~فضله وامتنانه { معرضين * } أي دائما إعراضهم . | ولما كانت الرحمة بالرزق ~~والنصر إنما تنال بالرحمة للضعفاء ( هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم ) ( ~~إنما يرحم الله من عباده الرحماء ) وكان الإنفاق خلق المؤمنين , قال مبينا ~~أنهم انسلخوا عن الإنسانية جملة فلا يخافون ما يجوز وقوعه من العذاب , ولا ~~يرجون ما يجوز حلوله من الثواب : { وإذا قيل لهم } أي من أي قائل كان : { ~~أنفقوا } أي على من لا شيء , شكرا لله على ما أنجاكم منه ونفعكم به بنفع ~~خلقة الذين هم عياله , وبين أنهم يبخلون بما لا صنع لهم فيه ولم تعمله ~~أيديهم بل ببعضه فقال : { مما رزقكم } وأظهر ولم يضمر إشارة إلى جلالة ~~الرزق بجلالة معطيه , وزاد في تقريعهم بجعل ذلك الظاهر اسم الذات لأنه لا ~~ينبغي أن يكون عطاء العبد على قدر سيده فقال : { الله } أي الذي له ms4134 جميع ~~صفات الكمال { قال } وأظهر تبكيتا لهم بالوصف الحامل لهم على البخل فقال : ~~{ الذين كفورا } أي ستروا وغطوا ما دلتهم عليه أنوار عقولهم من الخيرات { ~~للذين آمنوا } أي القائلين بذلك المعتقدين له سواء كانوا هم القائلين لهم ~~أو غيرهم منكرين عليهم استهزاء بهم عادلين عما اقتضى السؤال عن ذكر الإنفاق ~~إلى ما يفيد التقريع بالفقر والحاجة إلى الأكل : { أنطعم } وعدلوا عن ~~التعبير بالماضي لئلا يقال لهم : قد تولى سبحانه إطعامه من حين خلقه إلى ~~الآن , فقالوا : { من لو يشاء } وأظهروا حدا له ومساعيه فقالوا : { الله } ~~أي الذي له جميع العظمة كما زعمتم في كل وقت يريده { أطعمه } أي لكنا ننظره ~~لا يشاء ذلك فإنه لم يطعمهم لما نرى من فقرهم فنحن أيضا لا نشاء ذلك ~~بموافقة لمراد الله فيه فتركوا التأدب مع الأمر وأظهروا التأدب مع بعض ~~الإرادة المنهي عن الجري معها والاستسلام لها , وما كفاهم حتى قالوا لمن ~~أرشدهم إلى الخير على طريق النتيجة لما تقدم : { إن } أي ما { أنتم إلا في ~~ظلال } أي محيط بكم { مبين * } أي في غاية الظهور , وما دروا أن الضلال ~~إنما هو لهم لأنه سبحانه إنما جعل إطعام بعض خلقه بلا واسطة وبعضهم بواسطة ~~امتحانا منه للمطيع والعاصي والشاكر والكافر والجزع والصابر - وغير ذلك من ~~حكمه . | PageV06P266 ولما ذكر قلة خيرهم المستندة إلى تهكمهم باليوم الذي ~~ذكروا به بالأمر بالاتقاء والتعليل بترجي الرحمة , أتبعه حكاية استهزاء آخر ~~منهم دال على عظيم جهلهم بتكذيبهم بما يوعدون على وجه التصريح بذلك اليوم ~~والتصوير له بما لا يسع من له أدنى مسكة غير الانقياد له فقال : { ويقولون ~~} أي عادة مستمرة مضمونة إلى ما تقدم مما يستلزم تكذيبهم , وزادوا بالتعبير ~~بأداة القرب في تقريعهم إشارة إلى أنكم زدتم علينا في التهديد به والتقرب ~~له حتى ظن أنه مصحبنا أو ممسينا ولم نحس منه عينا ولا أثرا : { متى هذا } ~~وزادوا في الاستهزاء بتسميته وعدا فقالوا : { الوعد } أي الذي تهددوننا به ~~تارة تلويحا وتارة تصريحا , عجلوه لنا . | وألهبوا وهيجوا زيادة في ms4135 التكذيب ~~بقولهم : { إن كنتم صادقين * } ولما كان الحازم من لا يتهكم بشيء إلا إذا ~~استعد له بما هو محقق الدفع , بين سفههم بإتيانها بغتة وبأنه لا بد من ~~وقوعها , وأنها بحيث تملأ السماوات والأرض , فكأنه لا شيء فيهما غيرها ~~بقوله : { إلا صيحة } وبين حقارة شأنهم وتمام قدرته بقوله : { واحدة } وهي ~~النفخة الأولى المميتة , واقتصر في تأكيد الوحدة على هذا بخلاف ما يأتي في ~~المحيية لأنهم لا ينكرون أصل الموت { تاخذهم } أي تهلكهم ؛ وبين غرورهم ~~بقوله : { وهم يخصمون * } أي يختصمون أي يتخاصمون في معاملاتهم على غاية من ~~الغفلة , ولعله عبر بذلك إشارة بالإدغام اللازم عنه التشديد إلى تناهي ~~الخصام بإقامة أسبابه أعلاها وأدناها إلى حد لا مزيد عليها , ويشير الإدغام ~~أيضا إلى أن خصومتهم في غاية الخفاء بالنسبة إلى الصيحة , وأن بلغت الخصومة ~~النهاية في الشدة , ولم يقرأ أحد ( يختصمون ) بالإظهار إشارة إلى أنه لا ~~يقع في ذلك الوقت خصومه كاملة حتى تكون ظاهرة بل تهلكهم الصيحة قبل استيفاء ~~الحجج وإظهار الدلائل , فمنها ما كان ابتدأ فيه اصحابه فأوجزوا - بما أشارت ~~إليه قراءة حمزة بإسكان الخاء وكسر الصاد مخففا , ومنها ما كان متوسطا وفيه ~~خفاء وعلو - بما أشار إليه تشديد الصاد مع اختلاس فتحة الخاء , ومنها ما هو ~~كذلك وهو إلى الجلاء أقرب - بما أشار أخلاص فتحة الخاء مع تشديد الصاد , ~~وأشار من قرأه كذلك مع كسر الخاء إلى التوسط مع الخفاء والسفول , والله ~~أعلم . | ولما كانت هذه النفخة المميتة , سبب عنها قوله : { فلا يستطيعون ~~توصية } PageV06P267 أي أن يوجدوا الوصية في شيء من الأشياء , والاستفعال ~~يدلان على أن الموت ليس حين سماع أول الصوت بل عقبه من غير مهلة لتمام أمر ~~ما . | ولما كان ذلك ليس نصا في نفي المشي قال : { ولا إلى أهلهم } أي فضلا ~~عن غيرهم { يرجعون * } بل يموت كل واحد في مكانه حيث تفجأه الصيحة , وربنا ~~أفهم التعبير ( إلى ) أنهم يريدون الرجوع فيخطون خطوة أو نحوها , وفي ~~الحديث ( ليقومن من الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يبيعانه ms4136 ولا ~~يطويانه , ولتقومن الساعة وقد رفع الرجل أكلته إلى فيه فلا يطعمها ) . | ~~ولما دل ذلك على الموت قطعا , عقبه بالبعث , ولذلك عبر فيه بالنفخ فإنه ~~معروف في إفاضة الروح فقال : { ونفخ في الصور } أي الذي أخذتهم صيحته , ~~وجهله إشارة إلى أنه لا توقف له في نفس الأمر على نافخ معين ليكون عنه ما ~~يريد سبحانه من الأثر , بل من أذن الله كائنا من كان تأثر عن نفخه ما ذكر , ~~وإن كنا نعلم أم المأذون له إسرافيل عليه السلام . | ولما كان هذا النفخ ~~سببا لقيامهم عنده سواء من غير تخلف , عبر سبحانه بما يدل على التعقب ~~والتسبب والفجاءة فقال : { فإذا هم } أي في حين النفخ { من الأجداث } أي ~~القبور المهيأة هي ومن فيها لسماع ذلك النفخ { إلى ربهم } أي الذي أحسن ~~إليهم بالتربية والتهيئة لهذا البعث فكفروا إحسانه , لا إلى غيره { ينسلون ~~* } أي يسرعون المشي مع تقارب الخطى بقوة ونشاط , فيا لها من قدرة شاملة ~~وحكمة كاملة , حيث كان صوت واحد يحيي تارة ويميت أخرى , كأنه ركب فيه من ~~الأسرار أنه يكسب كل شيء ضد ما هو عليه من حياة أو موت أو غشي أو إفاقة . | ~~< < # | يس : ( 52 - 56 ) قالوا يا ويلنا . . . . . # > > ^ ( قالوا يويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق ~~المرسلون * إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون * فاليوم لا ~~تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون * إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ~~فاكهون * هم وأزواجهم في ظلال على الأرآئك متكئون ) ^ } ) | ولما تشوفت ~~النفس إلى سماع ما يقولون إذا عاينوا ما كانوا ينكرون , استانف قوله : { ~~قالوا } أي الذين هم من أهل الويل من عموم الذين الذين قاموا بالنفخة وهم ~~جميع من كان قد مات قبل ذلك . | ولما كانوا عالمين بأن جزاء ما أسلفوا كل ~~خزي , اتبعوه قولهم حاكيا سبحانه عبارتهم إذ ذاك لأنه أنكى لهم : { يا ~~ويلنا } أي ليس بحضرتنا اليوم شيء ينادمنا إلا الويل , ثم استفهوا جربا على ~~عادتهم في الغباوة فقالوا ms4137 مظهرين PageV06P268 لضميرهم تخصيصا بهم لأنهم في ~~معرض الشك : { من بعثنا من مرقدنا } عدوا مكانهم الذين كانوا به - مع ما ~~كانوا فيه من عذاب البرزخ - مرقدا هنيئا بالنسبة إلى ما انكشف لهم أنهم لا ~~قوة من العذاب الأكبر , ووحده إشارة إلى أنهم يحذرونه من أن الله هو يبعثهم ~~للجزاء الذي هو رحمة الملك لأهل مملكته , فقالوا مجيبين لأنفسهم استئنافا : ~~{ هذا ما } أي الوعد الذي { وعد } أي به , وحذفوا المعفول تعميما لأنهم ~~الآن في حيز التصديق { الرحمن } أي العام الرحمة الذي رحمانيته متقضية ولا ~~بد للبعث لينصف المظلوم من ظالمه , ويجازي كلا بعمله من غير حيف , وقد ~~رحمنا بإرسال الرسل إلينا بذلك , وطال ما أنذرونا حلوله , وحذرونا صعوبته ~~وطوله . | ولما كان التقدير : فصدق الرحمن , عطف عليه قوله : { وصدق } أي ~~في أمره { المرسلون * } أي الذين أتونا بوعده ووعيده , فالله الذي تقدم ~~وعده به وأرسل به ورسله هو الذي بعثنا تصديقا لوعده ورسله . | ولما كان ~~الإخبار بالنفخ لا ينفي التعدد , قال محقرا لأمر البعث بالنسبة إلى قدرته ~~مظهرا للعناية بتأكيد كونها واحدة بجعل الخبر عنه أصلا مستقلا بفضله عن ~~النفخ والإيتان فيه بفعل الكون و ( إن ) النافية لأدنى مظاهر مدخولها فكيف ~~بما وراءه دون ( ما ) التي إنما تنفي التمام : { إن } أي ما { كانت } أي ~~النفخة التي وقع الإحياء بها مطلق كون { إلا صيحة واحدة } أي كما كانت نفخة ~~الإماتة واحدة { فإذا هم } أي فجأة من غير توقف أصلا { جميع } أي على حالة ~~الاجتماع , لم يتأخر منهم أحد , يتعللون به في ترك الانتصار , ودوام الخضوع ~~والذل والصغار , ولما كان ذلك على هيئات غريبة لا يبلغ كنهها العقول , قال ~~لافتا القول إلى مظهر العظمة معبرا بما للأمور الخاصة : { لدينا } ولما كان ~~ذلك أمرا لا بد منه , ولا يمكن التخلف عنه , عبر بصيغة المفعول وأكد معنى ~~الاجتماع بالجمع نظرا إلى معنى جميع ولم يفرد اعتبارا للفظها لما ذكر من ~~المعنى فقال : { محضرون * } أي بغاية الكراهة منهم لذلك بقادة تزجرهم وساقة ~~تقهرهم . | ولما كان هذا الإحضار بسبب العدل ms4138 وإظهار جميع صفات الكمال قال : ~~{ فاليوم } ولما كان نفي الظلم مطلقا أبلغ من نفيه عن أحد بعينه , وأدل على ~~المراد وأوجز , قال لافتا القول عن الإظهار أو الإضمار بمظهر العظمة أو ~~غيره ! { لا تظلم } ولما كان التعبير بما كثر جعله محط الراذائل والحظوظ ~~والنقائص أدل على عموم نفي الظلم قال : { نفس } أي أي نفس كانت مكروهة أو ~~محبوبة { شيئا } أي لا يقع لها ظلم ما من أحد PageV06P269 ما في شي ما . | ~~ولما كانت المجازاة بالجنس أدل على القدرة وأدخل في العدل , قال محققا ~~بالخطاب والجمع أن المنفي ظلمه كل من يصلح للخطاب لئلا يقع في وهم أن ~~المنفي ظلمه نفوس مخصوصة أو نفس واحد : { ولا تجزون } أي على عمل من ~~الأعمال شيئا من الجزاء من أحد ما { إلا ما كنتم تعملون * } ديدنا لكم بما ~~ركز في جبلاتكم . | ولما قرر أن الجزاء من جنس العمل , شرع في تفصيله , ~~وبدأ بأشراف الحزبين في جواب من سأل عن هذا الجزاء فقال مؤسفا لأهل الشقاء ~~بالتذكير بالتأكيد بما كان لهم من الإنكار في الدنيا وإظهار للرغبة في هذا ~~القول والتجح به لما له من عظيم الثمرة : { إن اصحاب الجنة } أي الذين لا ~~حظ للنار فيهم , وكرر التعبير باليوم تعظيما لشأنه وتهويلا لأمره على إثر ~~نفختيه المميتة والمقيمة بذكر بعض ثمراته , وجمل من عظائم تأثيراته , فقال ~~: { اليوم } أي يوم البعث , وهذا يدل على أنه يعجل دخولهم أو دخول بعضهم ~~إليها ووقوف الباقين للشفاعة ونحوها من الكرامات عن دخول أهل النار النار , ~~وعبر بما يدل على أنهم بكلياتهم مقبلون عليه ومظروفون له مع توجههم إليه ~~فقال : { في شغل } أي عظيم جدا لا تبلغ وصفه العقول كما كانوا في الدنيا في ~~أشغل الشغل بالمجاهدات في الطاعات . | ولما تاقت النفوس إلى تفسير هذا ~~الشغل قال : { فاكهون * } أي لهم عيش المتفكة , وهو الأمن والنعمة والبسط ~~واللذة وتمام الراحة كما كانوا يرضوننا بإجهاد أنفسهم وإتعابها وإشقائها ~~وإرهابها , وقراءة أبي جعفر بحذف الالف أبلغ لأنها تدور على دوام ذلك لهم ~~وعلى ms4139 أنهم في أنفسهم في غاية ما يكون من خفة الروح وحسن الحديث . | ولما ~~كانت النفس لا يتم سرورها إلا بالقرين الملائم قال : { هم } أي بظواهرهم ~~وبواطنهم { وأزواجهم } أي أشكالهم الذين هم في غاية الملاءمة كما كانوا ~~يتركونهم في المضاجع على ألذ ما يكون , ويصفون أقدامهم في خدمتنا وهم يبكون ~~{ في ظلال } أي يجدون فيها برد الأكابد وغاية المراد , كما كانوا يشوون ~~أكبادهم في دار العمل بحر الصيام , وتجرع مرارات الأوام , والصبر في ~~مرضاتنا على الآلام , ويقرون أيديهم وقلوبهم عن الأموال , ببذل الصدقات في ~~سبلنا على مر الأيام وكر الليال , وقراءة حمزة والكسائي بضم الظاء وحذف ~~الألف على أنه أشد امتدادا , ويدل اتفاقهما في الجمع على أن الظل فيها ~~مختلف باختلاف الأعمال . | ولما كان التمتع لا يكمل إلا مع العلو الممكن من ~~زيادة العلم الموجب لارتياح PageV06P270 النفس وبهجة العين بانفساح البصر ~~عند مد النظر , قال : { على الأرائك } أي السرر المزينة العالية التي هي ~~داخل الحجل , قال البغوي : قال ثعلب : لا يكون أريكة حتى يكون عليها حجلة , ~~وقال ابن جرير : الأرائك : الحجال فيها السرر , وروى أبو عبيد في كتاب ~~الفضائل عن الحسن قال : كنا لا ندري ما الأرائك حتى لقينا رجلا من أهل ~~اليمن فأخبرنا أن الأريكة عندهم الحجلة فيها السرير . | وهذا جزاء لما ~~كانوا يلزمون المساجد ويغضون الأبصار ويضعون نفوسهم لأجلنا { متكئون * } ~~كما كانوا يدأبون في الأعمال قائمين بين أيدينا في أغلب الأحوال , والاتكاء ~~: الميل على شق مع الاعتماد على ما يريح الاعتماد عليه , أو الجلوس مع ~~التمكين على هيئة المتربع , وقراءته بضم الكاف وحذف الهمزة أدل على التربع ~~وما قاربه , وقراءة كسر الكاف وضم الهمزة أدل على القرب من التمدد لما فيها ~~من الكسرة , فإنه يقال كما نقله أبو عبد الله القزاز : اتكأت الرجل اتكاء - ~~إذا وسدته أي جعلت له وسادة , أي محذة يستريح عليها . | < < # | يس : ( 57 - 64 ) لهم فيها فاكهة . . . . . # > > ^ ( لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون * سلام قولا من رب رحيم * وامتازوا ~~اليوم أيها المجرمون * ألم أعهد إليكم يبني ms4140 آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه ~~لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم * ولقد أضل منكم جبلا كثيرا ~~أفلم تكونوا تعقلون * هذه جهنم التي كنتم توعدون * اصلوها اليوم بما كنتم ~~تكفرون ) ^ } ) | ولما قدم المعاني التي توجب أكل الفاكهة , أتى بها فقال : ~~{ لهم } أي خاصة بهم { فيها فاكهة } أي لا تنقطع أبدا , فلا مانع لهم من ~~تناولها , ولا يوقف ذلك على غير الإرادة . | ولما كانت الفاكهة قد تطلق على ~~ما يلذذ , صرح بأن ذلك هو المراد , فقال معبرا بالعطف لتكون الفاكهة مذكروة ~~مرتين خصوصا وعموما : { ولهم } ولما كان السياق لأصحاب الجنة الذين تفهم ~~الصيحة أنهم فيها دائما وإن كانوا في الدنيا , أعري الكلام من الظرف ليفهم ~~إجابة دعائهم في الدنيا وإنالتهم جميع مرادهم في الدارين فقال : { ما يدعون ~~} أي الذي يطلبون طلبا أما إخراجا لما قد يهجس في النفس من غير عزم عليه إن ~~كان المراد في الجنة من غير كلام الله كالمآكل والمشارب ونحوها , وإما ~~إظهار للاهتمام إن كان المراد أنه كلامه سبحانه , وذلك لأجل ما كانوا في ~~الدنيا يفطمون أنفسهم عن الشهوات عزوفا عما ينفى , وطموحا إلى ما عندنا من ~~الباقيات الصالحات , ثم فسر يدعونه - أي يطلبونه - بغاية الاشتياق إليه أو ~~استأنف الإخبار عنه بقوله : { سلام } أي عظيم جدا لا يكتنه وصفه , عليكم يا ~~أهل الجنة , كائن هو أو PageV06P271 مقول هو , والسلام يجمع جميع النعم , ~~ثم بين هذا السلام بما أظهر من عظمه بقوله : { قولا من رب } أي دائم ~~الإحسان { رحيم * } أي عظيم الإكرام بما ترضاه الألهية , كما كانوا في ~~الدنيا يفعلون كل ما فيه الرضا , فيرحمهم في حال السلام وسماع الكلام بلذة ~~الرؤية مع التقوية عن الدهش والصعق لعظيم الأمر وبالتأهيل لهذا المقام ~~الأكرم مع قصورهم عنه , وقد أوضح هذا السياق أنه من الله تعالى بلا واسطة , ~~فإنه أكده بالقول وحرف الابتداء , وذكر صفات الإحسان كما قال الأستاذ أبو ~~القاسم القشيري : ولا ارتياب في أنه لا شيء يعدل هذا في النعيم وقرة العين ~~والشرف وعلو القدر , ولا ms4141 شك أن هذا هو المقصود بالحقيقة , فهو قلب النعيم ~~في ذلك اليوم الذي هو قلب الوجود حقا خفاء وصلاحا وفسادا , فصح أن هذه ~~الآية قلب قلب هذه السورة كما كانت هذه السورة قلب القرآن , وقد ورد حديث ~~في تفسير البغوي وكتاب المائتين للأستاذ أبي عثمان الصابوني أنه من الله ~~تعالى بلا واسطة عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور فرفعوا رؤوسهم فإذا الرب ~~تعالى قد أشرف عليهم من فوقهم فقال : السلام عليكم با أهل الحنة , وذلك ~~قوله تعالى { سلام قولا من رب رحيم } فينظر إليهم وينظرون إليه , فلا ~~يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم ويبقى نوره ~~وبركته في ديارهم ) . | قال الاستاذ أبو عثمان : هذا حديث غريب الإسناد ~~والمتن لا أعلم إني كتبته إلا من هذا الوجه . | ولما كان التقدير : فانظروا ~~وازدادوا حسرة أيها المجرمون , عطف عليه قوله : { وامتازوا } أي انفردوا ~~انفرادا هو بغاية القصد , وجرى على النمط الماضي من زيادة التهويل لذلك ~~الموقف بإعادة قوله : { اليوم } أي عن عبادي الصالحين أو عمن بقي منهم معكم ~~في الموقف ليظهروا من أوضارهم , ويشفوا من مضارهم , لأن غيبة الرقيب أتم ~~النعيم , وإبعاد العدو أعلى السرور , وحذف أداة النداء لا لقرب الكرامة بل ~~للدلالة على أنهم في القبضة لا مانع من غاية التصرف فيهم لكل ما يراد لأنه ~~لا حائل دونهم { أيها المجرمون * } أي العريقون في الإجرام , فلا يقع في ~~أوهامكم أنكم تخالطونهم اليوم أصلا , وهذا ما كنتم تمتازون عنهم في الدنيا ~~وتقاطعونهم ترفعا واستكبارا , فهذا قوله للمجرمين وذلك قوله للمؤمنين , فصح ~~أنه قلب لأنه به صلاح بعض المكلفين وفساد الآخرين الذي هو تمام صلاح ~~الأولين , وقد تقدم في أوائل سورة الروم منام ينفع استحضاره هنا . | ولما ~~أمرهم بالامتياز أمرا إدرايا حكيما , فامتازوا في الحال , وأسروا الندامة ~~وسقط في أيديهم فعضوا الأنامل , وصروا بالأسنان , وشخصت منهم الأبصار , ~~وكلحت PageV06P272 الوجوه , وتقلصت الشفاه , ونكست الرؤوس ms4142 وشحبت الألوان , ~~وسحبوا على الوجوه , وكان من فنون المساءة وشؤون الحسرة ما تعجز عنه العقول ~~, وتذوب من ذكر النفوس , وتنخلع القلوب , قال سبحانه موبخا لهم في تلك ~~الحال بهذا المقال معللا حكمه عليهم بذلك بأنه لم يتركهم هملا بل ركب فيهم ~~من العقول ونصب لهم من الدلائل على كماله ما هو كاف لهم في النجاة ثم ما ~~وكلهم إلى ذلك , بل أرسل إليهم رسلا وأنزل عليهم كتبا : { ألم أعهد } أي ~~أوصيكم إيصاء عظيما بما نصبت من الأدلة , ومنحت من العقول , وبعثت من الرسل ~~, وأنزلت من الكتب , في بيان الطريق الموصل إلى النجاة , لافتا القول عن ~~مظهر الإحسان إلى ما هو أولى به من مظهر التكلم بالوحدة دفعا للبس , ثم ~~أشار إلى علوه وجلاله , وعظمه وسمو كماله فقال : { إليكم } . | ولما كان ~~المقصود بهذا الخطاب تقريعهم وتوبيخهم وتبكيتهم , وكانت هذه السورة القلب , ~~وكان القلب أشرف الإعضاء , وكان الإنسان أشرف الموجودات , خصه بالخطاب لأنه ~~خطابه خطاب للجن فقال مؤكدا ما أفهمه حرف الغاية من علو رتبته , وعظيم ~~منزلته بما أشارت إليه أداة البعد : { يا بني آدم } أي فلم أخصكم بذلك عن ~~أبناء غير نوعكم ليكون ذلك التخصيص حاملا لكم على العصيان بل ليكون موجبا ~~للطاعات والعرفان : { أن لا تعبدوا الشيطان } أي البعيد المحترق بطاعتكم له ~~فيما يوسوس لكم به , ثم علل النهي عن عبادته بما يقتضي شدة النفرة منه بعد ~~أن لوح إلى ذلك بوصفه فقال : { إنه لكم } والتأكيد لأن أفعالهم أفعال من ~~يعتقد صداقته { فدو مبين * } أي ظاهر العداوة جدا من جهة عداوته لأبيكم ~~العداوة التي أخرجتكم من الجنة التي لا منزل أشف منها , ومن جهة أمره لكم ~~بما يبغض الدنيا من التخالف والتخاصم , ومن جهة تزيينه للفاني الذي لا يرغب ~~فيه عاقل لو لم يكن فيه عيب غير فنائه , فكيف إذا كان أكثره أكدارا وأدناسا ~~وأوضارا , فكيف إذا كان شاغلا عن الباقي , فكيف إذا كان عائقا عن المولى , ~~فكيف إذا كان مغضبا له حاجبا عنه . | ولما بكتهم بالتذكير بما ارتكبوا مع ms4143 ~~النهي عن عبادة العدو تقديما لدرء المفاسد , وبخهم بالتذكير بما ضيعوا مع ~~أخذ العهود من واجب الأمر بعبادة الولي فقال عاطفا على ( أن لا ) : { وأن ~~اعبدوني } ولما ذكر سبحانه بالأمر بعبادته , عرف بحسنها حثا على لزومها قبل ~~ذلك اليوم قائلا : { هذا } أي الأمر بعبادتي { صراط مستقيم * } أي بيلغ ~~القوم , وعبادة الشيطان صراط ضيق معوج غاية الضيق والعوج . | ولما كان ~~التقدير : فاتبعتموه وسلكتم سبيله مع اعوجاجه , وتركتم سبيلي مع ظهور ~~استقامته , عطف عليه قوله : { ولقد أضل منكم } أي عن الطريق الواضح السوي ~~بما PageV06P273 سلطته به من الوسوسة , وأكده إشارة إلى أنه أمر لا يكاد أن ~~يصدق به لما يبعد ارتكابه في العادة من اتضاح أمره وظهور فساده وضره . | ~~ولما كان الآدمي شديد الشكيمة عالي الهمة إذا أراد , عبر بقوله : { جبلا } ~~أي أمما كبارا عظاما كانوا كالجبال في قوة العزائم وصعوبة الانقياد , ومع ~~ذلك فكان يتلعب بهم تلعبا , فسبحان من أقدره على ذلك وإلا فهو أضعف كيدا ~~وأحقر أمرا , قال في القاموس : الجبل - بالضم : الشجر اليابس والجماعة منا ~~كالجبل كعنق وعدل وطمر وطمرة وأمير , ثم قال : وبالكسر وبالضم وكطمرة : ~~الأمة والجماعة , ثم قال : والجبلة مثلثة ومحركة وكطمرة : الخلقة والطبيعة ~~. | ودلت قراءة أبي عمرو وابن عامر بضم الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام ~~على الذين هم في أول مراتب الشدة والقوة , وقراءة ابن كثير وحمزة والكسائي ~~ورويس عن يعقوب بضمتين وتخفيف على ما فوق ذلك مما يقرب من الوسط مع الظهور ~~والعلو للضم من القوة , وقراءة روح كذلك مع تشديد على ما فوق الوسط - بما ~~أشارت إليه الحركات والتشديد , ولكنه مع خفاء , وكأنه بالمكر بما أشار إليه ~~كون الحركتين بالكسر , وعظم سبحانه الأمر بقوله : { كثيرا } ثم زاد في ~~التوبيخ والإنكار بما أنتجه المقام وسببه إضلاله لهم مع ما اوتوا من العقول ~~من قوله : { أفلم } ولما كان سبحانه قد آتاهم عقولا وأي عقول , عبر بالكون ~~فقال : { تكونوا تعقلون * } أي لتدلكم على ما فيه النجاة عقولكم بما نصبت ~~من الأدلة , ومع ما نبهت عليه الرسل , وحذرت ms4144 منه من إهلاك الماضين , بسبب ~~اتباع الشياطين , وغير ذلك من كل أمر واضح مبين . | ولما أنكر عليهم أن ~~يفعلوا فعل من لا عقل له , قال متمما للخزي : { هذه } إشارة لحاضر أما حال ~~الوقوف على شفيرها أو الدع فيها { جهنم } أي التي تستقبلكم بالعبوسة ~~والتهجم كما كنتم تفعلون بعبادي الصالحين : { التي كنتم } أي كونا هيأتكم ~~به لقبول ما يمكن كونه بما غرزته فيكم من العقول . | ولما كان المحذور ~~الإيعاد بها , لا كونه من معين , قال بانيا للمفعول : { توعدون * } أي إن ~~لم ترجعوا عن غيكم { اصلوها } أي قاسوا حرها وتوقدها واضطرامها , وهول أمر ~~ذلك اليوم بإعادة ذكره على حد ما مضى فقال : { اليوم } لتكونوا في شغل شاغل ~~كما كان أصحاب الجنة , وشتان ما بين الشغلين { بما } أي بسبب ما . | ولما ~~كانوا قد تجلدوا على الطغيان تجلد من هو مجبول عيله , بين ذلك بذكر الكون ~~فقال : { كنتم تكفرون * } أي تسترون ما هو ظاهر جدا بعقولكم من آياتي ~~مجددين ذلك مستمرين عليه . | < < # | يس : ( 65 - 69 ) اليوم نختم على . . . . . # > > ^ ( اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا ~~PageV06P274 يكسبون * ولو نشآء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى ~~يبصرون * ولو نشآء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون * ~~ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون * وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن ~~هو إلا ذكر وقرآن مبين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان كأنه قبل : هل يحكم فبهم بعلمه أو يجري الأمر على قاعدة ~~الدنيا في العمل بالبينة , بين أنه على أظهر من قواعد الدنيا , فقال مهولا ~~لليوم على النسق الماضي في مظهر العظمة لأنه أيق بالتهويل : { اليوم نختم } ~~أي بما لنا من عجيب القدرة المنشعبة من العظمة , ولفت القول إلى الغيبة ~~إيذانا بالإعراض لتناهي الغضب فقال : { على أفواههم } أي لاجترائهم على ~~الكذب في الأخرى كما كان ديدنهم في الدنيا , وكان الروغان والكذب والفساد ~~إنما يكون باللسان المعرب عن القلب , وأما بقية الجوارح فمهما خرق العادة ~~بإقدارها على الكلام لم تنطق إلا بالحق فلذلك قال : { وتكلمنا ms4145 أيديهم } أي ~~بما عملوا إقرارا عو أعظم شهادة { وتشهد أرجلهم } أي عليهم بكلام بين هو مع ~~كونه شهادة إقرار { بما كانوا } أي في الدنيا بجبلاتهم { يكسبون * } فالآية ~~من الاحتباك : أثبت الكلام للأيدي أولا لأنها كانت مباشرة دليلا على حذفه ~~من حيز الأرجل ثانيا , وأثبت الشهادة للأرجل ثانيا لأنها كانت حاضرة دليلا ~~على حذفها من حيز الأرجل أولا , وبقرينه أن قول المباشر إقرار وقول الحاضر ~~شهادة , روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال : يقول العبد : يا رب ! ~~ألم تجرني من الظلم , قال : فيقول : بلى , فيقول : فإني لا أجيز على نفسي ~~إلا شاهدا مني , فيقول : كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا , وبالكرام الكاتبين ~~شهودا , فيختم على فيه ويقال لأركانه : انطقي , فتنطق بأعماله , ثم يخلي ~~بينه وبين الكلام فيقول : بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل . | وبالظاهر أن ~~السر في الختم على فيه منعه من أن يلغط حال شهادتها عليه لئلا يسمع قولها , ~~وكما هو دأب أهل العناد عند الخصام . | ولما أتم بضرب المثل وما بعده ~~الدلالة على مضمون { إنما تنذر من اتبع الذكر } وما عللت به من إحياء ~~الموتى , ودل على ذلك بما تركه كالشمس ليس فيه لبس , وزاد من بحو الفوائد ~~وجميل العوائد ما ملأ الأكوان من موجبات الإيمان , وذكر ما في فريقي ~~المتبعين والممتنعين يوم البعث , وختم بالحتم على الأفواه بعد البعث , ~~أتبعه آية الختم بالطمس والمسخ قبل الموت تهديدا عطفا على ما رجع إليه ~~المعنى مما PageV06P275 قبل أول ذلك الخطاب من قوله { إنا جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا } الاية , دفعا لما ربما وقع في وهم أحد أن القدرة لا تتوجه إلى غير ~~الطمس في المعاني بضرب السد وما في معناه , فأخبر أنه كما أعمى البصائر ~~قادر على إذهاب الأبصار , فقال مؤكا لما لهم من الإنكار أو الأفعال التي هي ~~فعل منكر : { ولو } وعبر بالمضارع في قوله : { نشآء } ليتوقع في كل حين , ~~فيكون أبلغ في التهديد { لطمسنا } وقصر الفعل إشارة إلى أن المعنى : لو ~~نريد لأوقعنا الطمس الذي جعلناه على ms4146 بصائرهم { على أعينهم } فأذهبنا عينها ~~وأثرها , وجعلناها مساوية للوجه بحيث تصير كأنها لم تكن أصلا , وقد تقدم في ~~النساء نقل معنى هذا عن ابن هشام . | ولما كان الجالس مع شخص في مجلس ~~التنازع وهو يهدده إن لم يرجع عن غيه بقارعة يصيبه بها يبادر الهرب إذا ~~فاجأته منه مصيبة كبيرة خوفا من غيرها جريا مع الطبع لما ناله من الدهش , ~~ومسه من عظيم الانزعاج والوجل , كما اتفق لقوم لوط عليه السلام لما مسح ~~جبريل عليه السلام أعينهم فأغشاها حين بادروا الباب هرابا يقولون : عند لوط ~~أسحر الناس , سبب عن ذلك قوله : { فاستبقوا } أي كلفوا أنفسهم ذلك واوجدوه ~~. | ولما كان المقصود بيان إسراعهم في الهرب , عدى الفعل مضمنا له معنى { ~~ابتدروا } كما قال تعالى : < # > 77 ( { واستبقوا الخيرات } ) 77 < # > [ البقرة : 148 ] فقال : { الصراط } أي الطريق الواضح الذي ألفوه ~~واعتادوه , ولهم به غاية المعرفة . | ولما كان الأعمى لا يمكنه في مثل هذه ~~الحالة المشي بلا قائد فضلا عن المسابقة , سبب عن ذلك قوله منكرا : { فأنى ~~} أي كيف ومن اين { يبصرون * } أي فلم يهتدوا للصراط لعدم إبصارهم بل ~~تصادموا فتساقطوا في المهالك وتهافتوا . | ولما كان هذا كله مع القدرة على ~~الحركة قال : { ولو نشاء } أي أن نمسخهم { لمسخناهم } أي حولناهم إلى ~~الجمادية فأبطلنا منهم الحركة الإدراية . | ولما كان المقصود المفاجأة بهذه ~~المصائب بهذه المصائب بيانا لأنه سبحانه لا كلفة عليه في شي من ذلك قال : { ~~على مكانتهم } أي المكان الذي كان قبل المسخ كل شخص منه شاغلا له بجلوس أو ~~قيام أو غيره في ذلك الموضع خاصة قبل أن يتحرك منه , وهو معنى قراءة شعبة ~~عن عاصم ( مكانتهم ) ودل على أن المراد التحويل إلى أحوال الجمادية بما سبب ~~عن ذلك من قوله : { فما استطاعوا } أي بأنفسهم بنوع معالجة { مضيا } أي ~~حركة إلى جهة من الجهات ؛ ثم عطف على جملة الشرط قوله : { ولا يرجعون * } ~~أي يتجدد لهم بوجه من الوجوه رجوع إلى حالتهم التي كانت قبل المسخ دلالة ~~على أن هذه الأمور حق لا كما ms4147 يقولون من أنها خيال وسحر , بل ثباتها لا يمكن ~~أحدا من الخلق رفعه ولا تغيره PageV06P276 بنوع تغيير هذا المراد إن شاء ~~الله , ولو قيل : ولا رجوعا - كما قال بعضهم إنه المراد , لم يفد هذا ~~المعنى النفيس . | ولما كانت هذه أمورا فرضية يتأتى لبعض المعاندين اللد ~~الطعن فيها مكابرة , وكان كونه صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة مانعا من ~~المفأجاة بالتعذيب بعذاب الاستئصال بها , دل عليها بما يشاهدونه من باهر ~~قدرته وغريب حكمته في صنعته , فقال دالا بالعاطف على غير معطوف عليه ظاهر ~~على أن التقدير : فقد خلقناهم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم أولدناهم لا يعلمون ~~شيئا ولا يقدرون على شيء , ثم درجناهم في أطوار الأسنان معلين لهم في ~~البشرية - فأوقفنا قواهم الظاهرة والباطنة , فلم نجر العادة بأن نحدث فيهم ~~إذ ذاك قوة لم تكن أيام الشباب : { ومن نعمره } أي نطل عمره إطالة كبيرة ~~منهم بعد ذلك { ننكسه } وقراءة عاصم وحمزة بضم أوله وفتح ثانيه وكسر الكاف ~~مشددة دالة على تفاوت الناس في النكس , ولم يقل ( في خلقه ) لئلا يظن أن ~~المراد أن المعمر له خلق أنشأه وأبدعه { في الخلق } أي فيما أبدعناه من ~~تقدير بدنه وروحه أي نرده على عقبه نازلا في المدارج التي أصعدناه فيها فلا ~~يعلم شيئا , ومن قدر على مثل هذا التحويل من حالة إلى أخرى لم تكن طردا ~~وعكسا قدر على مثل ما مضى من التحويل بلا فرق , غير أنهم لكثرة إلفهم لذلك ~~صيره عندهم هنيا , ولقلة وجود الأول صيره عندهم بعيدا , ولذلك سبب عن ~~الكلام قوله : على الأسلوب الماضي في قراءة الجماعة ولفتا إلى الخطاب عند ~~المدنيين ويعقوب لأنه أقرب إلى الاستعطاف وإعلاما بأن الواعظ عام لكل صالح ~~للخطاب : { أفلا يعقلون * } وقال بعض العارفين : قيد بالخلق احترازا عن ~~الأمر , فإن المؤتمر كلما زاد سنا ازداد لربه طاعة وبه علما , يعني أن ~~النكس في البدن أمر لا بد منه , وأما في المعارف فتارة تارة . | ولما أتم ~~سبحانه الدليل على آية { لقد حق القول على أكثرهم ms4148 } بأن التكذيب بالأصلين ~~التوحيد والحشر , وبينهما غاية البيان , رجع إلى تثبيت الأصل الثالث وهو ~~أمر الرسول والتنزيل , ولما كان من المعلوم أن الله تعالى أجرى العادة في ~~النوع الآدمي أن من استوفى سن الصبا والشباب اثنين وأربعين سنة حسمت غرائزه ~~فلم يزد فيه غريزة , ووقفت قواه كلها فلم يزد فيها شيء , أما المعاني ~~الحسية فمطلقا , وأما المعنوية فلا تزيد إلا بالتجربة والكسب , ولذلك قالوا ~~: | إذا المرء أعيته المروءة ناشئا فمطلبها كهلا عليه شديد | PageV06P277 ~~وكان من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام تظهر عليهم غرائز العلوم والحكم ~~وغير ذلك مما يجزيه الله على أيديهم , ولا ينقص شيء من قواهم بل تزاد كما ~~روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي غير مكترث , وأن الصحابة رضي ~~الله عنهم ليجهدون أنفسهم , فيكون جهدهم أن يدركوا مشية الهوينا , وأنه ~~صارع ركانة الذي كان يضرب بقوته المثل , وكان واثقا من نفسه بأنه يصرع من ~~صارعه , فلم يملكه النبي صلى الله عليه وسلم نفسه , وعاد إلى ذلك ثلاث مرات ~~, كل ذلك لا يستمسك في يده حتى شرع يقول : أن هذا لعجب يا محمد ! أتصرعني , ~~وحتى أنه دار على نسائه - وهن تسع - كل واحدة منهن تسع مرات في طلق واحد ~~إلى غير ذلك مما يحكى من قواه التي فاق بها الناس , ولم يحك عن نبي من ~~الأنبياء ممن عاش منهم ألفا ومن عاش دون ذلك أنه نفص شيء من قواه , بل قد ~~ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن ملك الموت عليه السلام ~~أرسل إلى موسى عليه السلام ليقبض روحه فلما جاءه صكه ففقأ عينه فقال لربه : ~~أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت , قال : ارجع إليه فقل له : يضع يده على متن ~~ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة , قال : أي رب ! ثم ماذا ؟ قال : الموت , ~~قال فالآن . | وفي آخر التوارة : وقضى عبد الله موسى بأرض موآب بأمر الرب , ~~فدفن حذاء بيت فاغورا , ولم يعرف أحد أين قضى إلى يومنا هذا , وكان ms4149 موسى ~~يوم قضي ابن مائة وعشرين سنة , لم يضعف سني الوقوف في الغرائز والضعف في ~~القوى خرقا للعادة إكراما لهم وتنبيها للناس على صدقهم , علم من العطف على ~~غير معطوف عليه ظاهر ومن الإيتان بضميره صلى الله عليه وسلم من غير تقدم ~~ذكر له أن التقدير : لكن نبينا صلى الله عليه وسلم عمرناه وما نكسناه بل ~~منحناه غرائز من الفضائل عجز عنها الأولون والآخرون , فأتى بقرآن أعجز ~~الإنس والجن , وعلوم وبركات فاتت PageV06P278 القوى , ومعلوم قطعا أن الذي ~~أتى به ليس بشعر خلافا لما رموه به بغيا وعدوانا , وكذبا على جنابه وافتراء ~~وتجاوزا في البهت وطغيانا , لأنه قد مضى عليه سن الصبا والشباب جميعا ولم ~~يقل بيت شعر ما يرى لكم ولأمثالكم فيه من المفاخرة , وبه من المكاثرة , وقد ~~وصل إلى سن الوقوف المعلوم قطعا أنه لا يحدث للإنسان فيه غريزة لم تكن أيام ~~شبابه لا شعرية ولا غيرها : { وما علمناه } أي نحن { الشعر } فيما علمناه ~~وهو أن يتكلف التقيد بوزن معلوم وروي مقصود وقافيه يلتزمها , ويدير المعاني ~~عليها ويجتلب الألفاظ تكلفا إليها كما كان زهير في قصائده الحوليات وغيره ~~من أصحاب التكلفات < # > 77 ( { وما أنا من المتكلفين } ) 77 < # > [ ص : 86 ] لأن ذلك وإن كنتم أنتم تعدونه فخرا لا يليق بجنابنا لأنه لا ~~يفرح به إلا من يريد ترويج كلامه وتحليته بصوغه على وزن معروف مقصود وقافيه ~~ملتزمة لكونه لا يقدر على الإيتان بأحسن منه بما لا يقايس من غير التزام ~~وزن ولا قافية على أن فيه نقيصة أخرى , وهي أعظم ما يوجب النفرة منه , وهي ~~أنه لا بد أن يوهي التزامه بعض المعاني , ولما لم نعلمه هذه الدناءة طبعناه ~~على جميع فنون البلاغة , ومكناه من سائر وجوه الفصاحة , ثم أسكنا قلبه ~~ينابيع الحكمة , ودربناه على إلقاء المعاني الجليلة وإن دقت في الألفاظ ~~الجزلة العذبة السهلة موزونة كانت أو لا , وذلك بما ألهمناه إياه ثم بما ~~ألقاه إليه جبريل عليه السلام مما أمرنا له به من جوامع الكلم والكلام , ~~فلا تكلف ms4150 عنده اصلا , ما خير بين الأمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ~~أو قطيعة رحم , وهذا البيت الذي أوردته عزاه في الحماسة في أوائل باب الأدب ~~إلى رجل من بني قريع لم يسمه وقبله : | متى ما يرى الناس وجاره فقير يقولوا ~~عاجز وجليد وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ولكن أحاظ قسمت وجدود إذا ~~المرء أعيته المروءة ناشئا فمطلبها كهلا عليه شديد وكائن رأينا من غنى مذمم ~~وصعلوك قوم مات وهو حميد | والمعنى أن كثرة المال وقلته ليست من غريزة من ~~الغرائز , وإنما هي أمر رباني لا مدخل للغرائز من جلاده ولا غيرها فيه , ~~بدليل أنا كثيرا ما رأينا من فاته الغنى شابا جلدا وناله شيخا ضعيفا , وما ~~رأينا من أخطأته المروءة شابا نالها شيخا , وبدليل أنه كم من غني كانت ~~غرائزه ذميمة , وكم من فقير كانت خلائقه محمودة , والمروءة هي الإنسانية , ~~وهي كل أمر هنيء حميد المغبة جميل العاقبة , وهذا هو السيادة , يعني أن من ~~كانت المروءة في غريزته حمله طبعه على تعاطيها في شبابه غنيا كان أو فقيرا ~~, ومن لم يكن عنده لم يقدر على تكلفها في سن الاكتهال , فلله درهم ! ما كان ~~أحكمهك وأدراهم PageV06P279 بالدقائق وأعلمهم , ولذلك جعل هذا النبي الأمي ~~منهم , فملأت معارفه الأكوان , وسمت في رتب المعاني صاعدة فأين منها كيوان ~~. | ولما كان الشعر مع ما بني عليه من التكلف الذي هو بعيدا جدا عن سجايا ~~الأنبياء فكيف بأشرفهم مما يكتسب به مدحا وهجوا , فيكون أكثره كذبا - إلى ~~غير ذلك من معايبه , قال سبحانه وتعالى : { وما ينبغي له } أي وما يصح ولا ~~ينطلب ولا يتأتى أصلا , لأن منصبه أجل , وهمته أعلى من أن يكون مداحا أو ~~عيابا , أو أن يتقيد بما قد يجر إلى نقيصة في المعنى , وجبلته منافية لذلك ~~غاية المنافاة . | ولما تمت الدلالة على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم , ~~وتضمنت أن الشعر - وهو تعمد صوغ الكلام على وزن معلوم وقافية ملتزمة - ~~نقيصة لما ذكر ولما يلزمه التقيد بالوزن والروي والقافية من ms4151 التقديم ~~والتأخير والتحويم على المعاني من غير إفصاح ولا تبيين فيصير عسر الفهم ~~مستعصي البيان , ونفى عنه صلى الله عليه وسلم تلك النقيصة , فتضمن ذلك ~~تنزيه ما أنزل عليه عنها - كما أشارت إليه نون العظمة في ( علمنا ) - أثبت ~~له ما ينبغي له فقال كالتعليل لما قبله : { إن } أي ما { هو } أي هذا الذي ~~أتاكم به { إلا ذكر } أي شرف وموعظة { وقرآن } أي جامع للحكم كلها دنيا ~~وأخرى يتلى في المحاريب ويكرر في المتعبدات , وينال بتلاوته والعمل به فوز ~~الدارين مع الفصل بين الملبسات { مبين * } أي ظاهر في ذلك مطلق لكل ما فيه ~~لمن يرومه حق رومه , ويسومه بأغلى سومه , بعد أن يشترط في مطلق فهمه ومجرد ~~اللذة به الذكي والغبي والحديد والبليد , وليس هو بشعر متكلف يتقدم فيه - ~~بحكم التزام الوزن والروي والقافية - الشيء عن حاق موضعه تارة ويتأخر أخرى ~~, ويبدل بما لا يساويه فتنقص معانيه وتنعقد فتكشل فلا يفهمه إلا ذاك وذاك ~~مع أنه من همزات الشياطين فيا بعد ما بينهما , ويبين هذا المعنى غاية ~~البيان آخر ( ص ) { قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين } { إن ~~هو إلا ذكر للعالمين } أي كلهم ذكيهم وغبيهم بخلاف الشعر فإنه مع نزوله عن ~~بلاغته جدا إنما هو ذكر للأذكياء جدا . | < < # | يس : ( 70 - 73 ) لينذر من كان . . . . . # > > ^ ( لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين * أولم يروا أنا خلقنا ~~لهم مما عملت أيدينآ أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ~~ومنها يأكلون * ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون ) ^ } ) | ولما ذكر أمر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فيما آتاه من غرائز الشرف في سن النكس لغيره , ~~ذكر علة ذلك فقال : { لينذر } أي الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل ما دل ~~عليه السياق من التقدير , ويؤيده لفت الكلام في قراءة نافع وابن عامر ~~ويعقوب بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهمه حق فهمه غيره صلى الله عليه وسلم ~~PageV06P280 ولما كان هذا القرآن مبينا , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ~~متخلقا به , فهو ms4152 مظهره وصورة وسورته , فكان حاله مقتضيا لئلا يتخلف عن ~~الإيمان حي , قال مظهرا لما كان حقه في بادي الأمر الرأي الإضمار إفادة ~~للتعميم مبينا لأن حكمه سبحانه منع من ذلك , فانقسم المنذورن إلى قسمين : { ~~من كان } كونا متمكنا { حيا } أي حياة كاملة معنوية تكون سببا للحياة ~~الدائمة , فإنه لا يتوقف حينئذ عن الإيمان به خوفا مما يخوف به من الأمور ~~التي لا يتوجه إليها ريب بوجه , فيرجى له الخير , فهو مؤمن في الحقيقة وإن ~~ظهر عليه في أول أمره خلاف ذلك , وأفرد الضمير هنا على اللفظ إشارة إلى قلة ~~السعداء , وجمع في الثاني على المعنى إعلاما بكثرة الأشقياء { ويحق } أي ~~يجب ويثبت { القول } أي بالعذاب { على الكافرين * } أي العريقين في الكفر ~~فإنهم أموات في الحقيقة وإن رأيتهم أحياء , فالآية من الاحتباك : حذف ~~الإيمان أولا لما دل عليه من ضده ثانيا , وحذف الموت ثانيا لما دل عليه من ~~ضده أولا , فتحقق بهذا أن أعظم منافاة القرآن للشعر وكذا السجع من أجل أنه ~~جد كله , فمحط أساليبه بالقصد الأول المعاني والألفاظ تابعة , والشاعر ~~والساجع محط نظرهما بالقصد الأول الروي والقافية الفاصلة حتى أن ذلك ليؤدي ~~إلى ركة المعنى والكلام بغير الواقع ولا بد , كما قال حسان بن ثابت رضي ~~الله عنه وحاله معروف في البلاغة والتفنن في أساليب الكلام وصدق اللهجة ~~وحسن الإسلام في غزوة الغابة وكان أميرها سعد بن زيد الأشهلي رضي الله عنه ~~: | أسر أولاد اللقطية أننا سلم غذاة فوارس المقداد | فغضب سعد على حسان ~~رضي الله عنهما وحلف : لا يكلمه أبدا , وقال : انطلق إلى خيلي وفوارسي , ~~فجعلها للمقداد , فاعتذر إليه حسان رضي الله عنهما ومدحه بأبيات وقال : ~~والله ما أردت ذلك ولكن الروي وافق اسم المقداد , لأن القصيدة دالية , ~~فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يدور في فكره أبدا قصد اللفظ , فإنه من باب ~~الترويق , وهو صلى الله عليه وسلم جد كله , فهو لا يعدل عنه لأنه موزون , ~~بل لأنه لا يؤدي المعنى كما أن العرب تعدل عن اللحن ms4153 ولا تحسن النطق به ولا ~~تطوع ألسنتها له لكونه لحنا , لا لكونه حركة , فإن وافق شيء من الموزون ما ~~أريد من المعنى لأجل أداء المعنى قاله , كما يقع لكثير من المصنفين الكلام ~~الموزون وما قصده , وكما وقع كثير من الكلام الموزون من جميع أبحر الشعر في ~~القرآن وإن لم يوافق المعنى لم يقله , وعلى هذا يتخرج قوله صلى الله عليه ~~وسلم : | أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب | لو تظاهر الإنس والجن على ~~أن يأتوا بما أداه من المعنى في ألفاظه أو مثلها على غير هذا النظم لم ~~يقدروا , وإذا تأملت كل بيت تمثل به فكسره لا تجده كسره إلا لمعنى ~~PageV06P281 جليل , لا يتأتى مع الوزن أو يكون لا فرق بين أدائه موزونا ~~ومكسورا , وهكذا السجع سواء , ومن هنا علم أنه ليس المعنى أنه لا يحسن ~~الوزن , بل المعنى أن تعمد الوزن والسجع نقيصة لا تليق بمنصبه العالي لأن ~~الشاعر مقيد بوزن وروي وقافية , فإن إطاعه المعنى مع ما هو مقيد به كان ~~وإلا احتال في إتمام ما هو مقيد به وإن نقص المعنى , والساجع قريب من ذلك , ~~فهاذ هو الذي لم يعمله الله له , لأنه صلى الله عليه وسلم تابع للمعاني ~~والحقائق والحكم التي تفيد الحياة الدائمة , لأنه مهيأ بالطبع المستقيم ~~لذلك غير مهيأ لغيره من التكلف , وإذا أنعمت النظر في آخر الآية الذي هو ~~تعليل لما قبله تحققت أن هذا هو المراد , فوضح أي وضوح بهذا أن كلا منهما ~~نقيصة , فلا يتحرك شيء من أخلاقه الشريفة نحوها , ولا يكون له بذلك شيء من ~~الاعتناء , وقد أشبعت الكلام في هاذ وأتقنته في كتابي ( مصاعد النظر ~~للإشراف على مقاصد السور ) وهو كالمدخل إلى هذا الكتاب - والله الموفق ~~للصواب . | ولما أخبر سبحانه بإعماء أفكارهم , وهدد بطمس أبصارهم , مسخهم ~~على مقاعدهم وقرارهم , وأعلم بأن كتابه خاتم بإنذارهم , ذكرهم بقدرته ~~وقررهم تثبيتا لذلك ببدائع صنعته , فقال عاطفا على ما تقديره : ألم يروا ما ~~قدمناه وأفهمته آية { ومن نعمره } وما بعدها من بدائع ms4154 صنعنا تلويحا وتصريحا ~~الدال على علمنا الشامل وقدرتنا التامة , فمهما صوبنا كلامنا إليه حق القول ~~عليه ولم يمنعه مانع , ولا يتصور له دافع { أولم يروا } أي يعلموا علما هو ~~كالرؤية ما هو أظهر عندهم دلالة من ذلك في أجل أموالهم , ولا يبعد عندي - ~~وإن طال المدى - أن يكون معطوفا على قوله : { ألم يروا كما أهلكنا قبلهم من ~~القرون } فذاك استعطاف إلى توحيده بالتحذير من النقم , وهذا بالتذكير ~~بالنعم , ونبههم على ما في ذلك من العظمة بسوق الكلام في مظهرها كما فعل في ~~آية إهلاك القرون فقال : { أنا خلقنا لهم } وخصها بنفسه الشريفة محوا ~~للأسباب وإظهارا لتشريفهم بتشريفها في قوله : { مما عملت } . | ولما كان ~~الإنسان مقيدا بالوهم لا ينفك عنه , ولذلك يرة الأرواح في المنام في صور ~~أجسادنا , وكانت يده محل قدرته وموضع اختصاصه , عبر له بما يفهمه فقال : { ~~أيدنا } لأي بغير واسطة على علم منا بقواها ومقاديرها ومنافعها وطبائعها ~~وغير ذلك من أمورها { أنعاما } ثم بين كونها لهم بما سبب عن خلقها من قوله ~~: { فهم لها مالكون * } أي ضابطون قاهرون من غير قدرة لهم على ذلك لولا ~~قدرتنا بنوع التسبب . | ولما كان الملك لا يستلزم الطواعية , قال تعالى : { ~~وذللناها لهم } أي يسرنا قيادها , ولو شئنا لجعلناها وحشية كما جعلنا أصغر ~~منها وأضعف , فمن قدر على تذليل PageV06P282 الأشياء الصعبة جدا لغيره فهو ~~قادر على تطويع الأشياء لنفسه , ثم سبب عن ذلك قوله : { فمنها ركوبهم } أي ~~ما يركبون , وهي الإبل لأنها أعظم مركوباتهم لعموم منافعها في ذلك وكثرتها ~~, ولمثل ذلك في التذكير بعظيم النعمة والنفع واستقلال كل من النعمتين بنفسه ~~أعاد الجار , وعبر بالمضارع للتجدد بتجدد الذبح بخلاف المركوب فإن صلاحه ~~لذلك ثابت دائم فقال : { ومنا يأكلون * } . | ولما أشار إلى عظمة نفع ~~الكركوب والأكل بتقديم الجار , وكانت منافعها من غير ذلك كثيرة , قال : { ~~ولهم فيها منافع } أي بالأصواف والأوبار والأشعار والجلود والبيع وغير ذلك ~~, وخص المشرب من عموم المنافع لعموم نفعه , فقال جامعا له لاختلاف طعوم ~~ألبان الأنواع الثلاثة , وكأنه عبر بمنتهى ms4155 الجموع لاختلاف طعوم أفراد النوع ~~الواحد لمن تأمل { ومشارب } أي من الألبان , أخرجماها مميزة عن الفرث والدم ~~خالصة لذيذة , وكل ذلك لا سبب له إلا أن كلمتنا حقت به , فلم يكن بد من ~~كونه على وفق ما أردنا , فليحذر من هو أضعف حالا منها من حقوق أمرنا ومضي ~~حكمنا بما يسوءه . | ولما كانت هذه الأشياء من العظمة بمكان , لو فقده ~~الإنسان لتكدرت معيشته , سبب عن ذلك استئناف الإنكار عليهم في تخلفهم عن ~~طاعته بقوله : { أفلا يشكرون * } أي يوقعون الشكر , وهو تعظيم المنعم لما ~~أنعم وهو استفهام بمعنى الأمر . | < < # | يس : ( 74 - 76 ) واتخذوا من دون . . . . . # > > ^ ( واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون * لا يستطيعون نصرهم وهم ~~لهم جند محضرون * فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ) ^ } ) | ~~ولما ذكرهم نعمه , وحذرهم نقمه , عجب منهم في سفول نظهم وقبح أثرهم , فقال ~~موبخا ومقرعا ومبكتا ومعجبا من زيادة ضلالهم عادلا عن مظهر العظمة إلى أعظم ~~منه : { واتخذوا } أي فعلنا لهم ذلك والحال أنهم كلفوا أنفسهم على غير ما ~~تهدي إليه الفطرة الأولى أن أخذوا , أو يكون معطوفا على ( كانوا ) من قوله ~~: { إلا كانوا به يستهزءون } فيكون التقدير : إلا كانوا يجددةن الاستهزاء , ~~واتخذوا قبل إرساله إليهم مع ما رأوا من قدرتنا وتقبلوا فيه من نعمتنا : { ~~من دون الله } أي والذي له جميع العظمة , فكل شيء دونه , وما كان دونه كان ~~مقهورا مربوبا { آلهة } أي لا شيء لها من القدرة ولا من صلاحية الإلهية . | ~~ولما تقرر أنها غير صالحة لها أهلوها له , تشوف السامع إلى السؤال عن سبب ~~ذلك , فقال جوابا له تعجيبا من حالهم : { لعلهم } أي العابدين . | ولما كان ~~مقصودهم حصول النصر من أي ناصر كان , بني للمفعول قوله : { ينصرون * } أي ~~ليكون حالهم بزعمهم في اجتماعهم عليها والتئامهم بها حال من ينصر على من ~~يعاديه ويعانده ويناويه . | PageV06P283 ولما كان للنصر سببان : ظاهري وهو ~~الاجتماع , وأصلي باطني وهو الإله المجتمع عليه , بين غلطهم بتضييع الأمل , ~~فقال مستأنفا في جواب من كأنه قال : فهل بلغوا ms4156 ما أرادوا ؟ : { لا يستطيعون ~~} أي الألهة المتخذة { نصرهم } أي العابدين { وهم } أي العابدون { لهم } أي ~~الآلهة { جند } ولما كان الجند مشتركا بين العسكر والأعوان والمدينة , عين ~~المراد بضمير الجمع ولأنه أدل على عجزهم وحقارتهم فقال : { محضرون * } أي ~~يفعلون في الاجتماع إليها والمحاماة عنها فعل من يجمعه كرها إيالة الملك ~~وسياسة العظمة , فصارت العبرة بهم خاصة في حيازة السبب الظاهري مع تعبدهم ~~للعاجز وذلهم للضعيف الدون مع ما يدعون من الشهامة والأنفة والضخامة , فلو ~~جمعوا أنفسهم على الله لكان لهم ذلك , وحازوا معه السبب الأعظم . | ولما ~~بين ما بين من قدرته الباهرة , وعظمته الظاهرة , وهي أمرهم في الدنيا ~~والآخرة , وكان قد تقدم ما لوم إلى أنهم نسبوه صلى الله عليه وسلم إلى ~~الشعر , وصرح باستهزائهم بالوعد مع ما قبل ذلك من تكذيبهم وإجابتهم ~~للمؤمنين من تفسفيههم وتضليلهم , سبب عن ذلك بعد ما نفى عنهم النصرة قوله ~~تسلية له صلى الله عليه وسلم : { فلا يحزنك } قراءة الجماعة بفتح اليائ وضم ~~الزاي , ومعناه : يجعل فيك , وقراءة نافع بضم الياء وكسر الزاي تدل على أن ~~المنهي عنه إنما هو كثرة الحزن والاستغراق فيه , لا ما يعرض من طبع البشر ~~من أصله , فإن معنى أحزن فلانا كذا , أي جعله حزينا { قولهم } أي الذي ~~قدمناه تلويحا وتصريحا وغير ذلك فيك وفينا ولما كان علم القادر بما يعمل ~~عدوه سببا لأخذه , علل ذلك بقوله مهددا بمظهر العظمة : { إنا نعلم ما } أي ~~كل ما { يسرون } أي يجددون إسراره { وما يعلون * } أي فنحن نجعل ما يسببونه ~~لأذاك سببا لأذاهم ونفعك إلى أن يصيروا في قبضتك وتحت قهرك وقدرتك . | < < # | يس : ( 77 - 78 ) أو لم ير . . . . . # > > ^ ( أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين * وضرب ~~لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ) ^ } ) | ولما أثبت ~~سبحانه بهذا الدليل قدرته على ما هدد به أولا من التحويل من حال إلى أخرى , ~~فثبتت بذلك قدرته على البعث , وختم بإحاطة العلم الملزوم لتمام القدرة , ~~أتبع ذلك دليلا أبين من ms4157 الأول فقال عاطفا على { ألم يروا } : { أولم ير } ~~أي يعلم علما هو في ظهوره كالمحسوس بالبصر . | ولما كان هذا المثل الذب ~~قاله هذا الكافر لا يرضاه حمار لو نطق , أشار إلى غباوته بالتعبير بالإنسان ~~الذي هو - وإن كان أفطن المخلوقات لما ركب فيه سبحانه من PageV06P284 العقل ~~- تغلب عليه الإنس بنفسه حتى يصير مثلا فقال : { الإنسان } أي جنسه منهم ~~ومن غيرهم وإن كان الذي نزلت فيه واحدا { أنا خلقناه } بما لنا من العظمة { ~~من نطفة } أي شيء يسير حقير من ماء لا انتفاع به بعد إبداعنا أباه من تراب ~~وأمه من لحم وعظام { فإذا هو } أي فتسبب عن خلقنا له من ذلك المفاجأة لحالة ~~هي أبعد شيء من يريده حتى أنه ليجادل من أعطاء العقل والقدرة في قدرته , ~~أنشد الأستاذ أبو القاسم القشيري في ذلك : | أعلمه الرماية كل يوم فلما ~~اشتد ساعدوه رماني | ولما كان التقدير : فبعد - مع أنا تفردنا بالإنعام ~~عليه - عيرنا وخاصم - بما خلقناه له من اللسان وآتيناه من البيان - رسلنا ~~وجميع أهل ودنا , عطف عليه قوله مقبحا إنكارهم البعث تقبيحا لا يرى أعجب ~~منه , ولا أبلغ ولا أدل على التمادي , في الضلال والإفراط في الجحود وعقوق ~~الأيادي : { وضرب } أي هذا الإنسان ؛ وسبب النزول أبي بن خلف الجمحي الذي ~~قتله النبي صلى الله عليه وسلم بأحد مبارزة , فهو المراد بهذا التبكيت ~~بالذات وبالقصد الأول { لنا } أي على ما يعلم من عظمتنا { مثلا } أي آلهته ~~التي عبدها لكونها لا تقدر على شيء مكابرا لعقله في أنه لا شيء يشبهنا { ~~ونسي } أي هذا الذي تصدى على نهاية أصله لمخاصمة الجبار , وأبرز صفحته ~~لمجادلته , والنسيان هنا يحتمل أن يكون بمعنى الذهول , وأن بكون بمعنى ~~الترك { خلقه } أي خلقنا لهذا المخاصم الدال على كمال قدرتنا , وصار مقولا ~~له : يا قليل الفطنة ! أفمن يخلق كمن لا يخلق ؟ أفلا تذكرون ؟ ثم استأنف ~~الإخبار عن هذا المثل بالإخبار عن استحالته لأن يقدر أحد على إحياء الميت ~~كما أن معبودانه لا تقدر على ذلك فقال : { قال } أي ms4158 على سبيل الإنكار : { ~~من يحيي } . | ولما كانت العظام أصلب شيء وأبعده عن قبول الحياة لا سيما ~~إذا بليت وأرفتت قال : { العظام وهي } ولما أخبر عن المؤنث باسم لما بلي من ~~العظام غير صفة , لم يثبت تاء التأنيث فقال : { رميم * } أي صارت ترابا يمر ~~مع الرياح . | < < # | يس : ( 79 - 83 ) قل يحييها الذي . . . . . # > > ^ ( قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم ~~من الشجر الأخضر نارا فإذآ أنتم منه توقدون * أوليس الذي خلق السماوات ~~والأرض PageV06P285 بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم * إنمآ ~~أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون * فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء ~~وإليه ترجعون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان موطنا يتشوف فيه السامع لهذا الكلام إلى جوابه , استأنف ~~قوله مخاطبا من لا يفهم هذه المجادلة حق فهمها غيره : { قل } أي لهذا الذي ~~ضرب هذا المثل جهلا منه في قياسه من يقدر على كل شيء على من لا يقدر على ~~شيء , وأعاد فعل الإحياء نصا على المراد دفعا للتعنت ودلالة على الاهتمام ~~فقال : { يحييها } أي من بعد أن بليت ثاني مرة , ولفت القول إلى وصف يدل ~~على الحكم فقال : { الذي أنشأها } أي من العدم ثم أحياها { أول مرة } أي ~~فإن كل من قدر على إيجاد شيء أول مرة فهو قادر على إعادته ثاني مرة , وهي ~~شاهدة بأن الحياة تحل العظم فيتنجس بالموت مما يحكم بنجاسة ميتته { وهو بكل ~~خلق } أي صنع وتقدير ممكن أن يخلق من ذلك ومن غيره ابتداء وإعادة { عليم * ~~} أي بالغ العلم , فلا يخفى عليه أجراء ميت أصلا وإن تفرقت في البر والبحر ~~, ولا شيء غير ذلك , فالآية من بديع الاحتباك : الإحياء أولا دال على مثله ~~ثانيا , والإنشاء ثانيا دال على مثله أولا , و { أول مرة } في الثاني دال ~~على ( ثاني مرة ) في الأول , فهو على كل شيء قدير كما برهن عليه في سورة طه ~~, فهو يوجد المقتضيات لكل ممكن يريده , ويرفع الموانع فيوجد في الحال من ~~غير تخلف ms4159 أصلا , فقد بلغ هذا البيان في الدلالة على البعث الجسماني ~~والروحاني معا النهاية التي ليش وراءها بيان , بعد أن وطأ له في هذه السورة ~~نفسها بما لا يحتمل طعنا بقوله : { فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون } { ~~من بعثنا من مرقدنا } { فإذا هم جميع لدينا محضرون } { إن أصحاب الجنة ~~اليوم في شغل فاكهون } { وامتازوا اليوم أيها المجرمون } { اصلوها اليوم ~~بما كنتم تكفرون } { اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ~~بما كانوا يكسبون } . | ولما كان مآل هذا المثل الذي علق الإنكار فيه ~~بالرميم استبعاد تمييز الشيء - إذا صار ترابا واختلط بالتراب - عن غيره من ~~التراب , وصف نفسه المقدس بإخراج الشيء الذي هو أخفى ما يكون من ضده , وذلك ~~بتمييز النار من الخشب الذي فيه الماء ظاهر بأيدي العجزة من خلقه , فقال ~~معيدا للوصول تنبيها على التذكير بالموصوف ليستحضر ما له من صفات الكمال ~~فيبادر إلى الخضوع له من كان حيا : { الذي جعل لكم } أي متاعا واستبصارا { ~~من الشجر الأخضر } الذي تشاهدون فيه الماء { نارا } بأن يأخذ أحدكم غصنين ~~كالسواكين وهما أخضران يقطر منهما الماء فيسحق المرخ - وهو ذكر - على ~~العفار - وهو أنثى - فتخرج النار ! قال أبو حيان : وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما : PageV06P286 ليس شجر إلا وفيه نار إلا العناب - انتهى . | ولذلك ~~قالوا في المثل المشهور : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار { فإذا أنتم ~~} أي فيتسبب عن ذلك مفاجأتكم لأنكم { منه } أي الشجر الموصوف بالخضرة بعينه ~~{ توقدون * } أي توجدون الإيقاد ويتجدد لكم ذلك مرة بعد أخرى , ما هو بخيال ~~ولا سحر بل حقيقة ثابنة بينة , وكأنه قدم الجار لكثرة إيقادهم منه , ~~إيقادهم من غيره لذلك ولعظمته عدما . | ولما كان ذلك من غير كافة عليهم , ~~قدم الجار تخصيصا له وعدا لغيره كالمعدوم , فالذي قدر على تمييز النار من ~~الماء والخشب وخبء النار فيهما لا النار تعدو على الخشب فتحرقه ولا الماء ~~يعدو على النار فيطفئها قادر على تمييز تراب العظام من تراب غيرها , ونفخ ~~الروح كما نفخ روح النار في ms4160 الحطب المضاد له بالمائية . | ولما كان التقدير ~~: أليس الذي قدر على ذلك بقادر على ما يريد من إحياء العظام وغيرها , عطف ~~عليه ما هو أعظم شأنا منه تقديرا على الأدنى بالأعلى فقال : { أوليس الذي ~~خلق } أي أوجد من العدم وقدر { السموات والأرض } أي على كبرهما وعظمتهما ~~وعظيم ما فيهما من المنافع والمصانع والعجائب والبدائع , وأثبت الجار ~~تحقيقا للأمر وتأكيدا للتقرير فقال : { بقادر } أي بثابت له قدرة لا ~~يساويها قدرة , ومعمى قراءة رويس عن يعقوب بتحتانية مفتوحة وإسكان القاف من ~~غير ألف ورفع الراء أنه يجدد تعليق القدرة على سبيل الاستمرار { على أن ~~يخلق } ولفت الكلام إلى الغيبة إيذابنا بأنهم صاروا بهذا الجدل أهلا لغاية ~~الغضب فقال : { مثلهم } أي مثل هؤلاء الأناسي أي يعيدهم بأعيانهم كما تقول ~~: مثلك كذا أي أنت , وعبر به إفهاما لتحقيرهم وأن إحياء العظام الميتة أكثر ~~ما يكون خلقا جديدا , بل ينقص عن الاختراع بأن له مادة موجودة , وعبر بضمير ~~الجمع لأنه أدل على القدرة , قال الرازي : والقدرة عبارة عن المعنى الذي به ~~يوجد الشيء مقدرا بتقدير الإرادة والعلم واقعا على وفقهما وإن كانت صفات ~~الله تعالى أعلى من أن يطمحها نظر عقل , وتلحقها العبارات اللغوية , ولكن ~~غاية القدرة البشرية واللغة العربية هذا . | ولما كان الجواب بعد ما مضى من ~~الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة الاعتراف , قال سبحانه مقررا لما بعد ~~النفي إشارة إلى أنه تجب المبادرة إليه , ولا يجوز التوقف فيه ومن توقف فهو ~~معاند : { بلى } أي هو قادر على ذلك { وهو } مع ذلك أي كونه عالما بالخلق { ~~الخالق } البالغ في هذه الصفة مطلقا في تكثير الخلق وتكريره بالنسبة إلى كل ~~شيء ما لا تحيط به الأوهام , ولا تدركه العقول والإفهام , ولم ينازع أحد في ~~العلم بالجزئيات بعد كونها , كما نازعوا في القدرة على إيجاد بعض الجزئيات ~~, فاكتفى فيه PageV06P287 بصيغة فعيل فقيل : { العليم } أي البالغ في العلم ~~الذي هو منشأ القدرة , فلا يخفى عليه كلي ولا جزئي في ماض ولا حال ولا ~~مستقبل شاهد أو غائب . | ولما ms4161 تقرر ذلك , أنتج قوله مؤكدا لأجل إنكارهم ~~القدرة على البعث : { إنما أمره } أي شأنه ووصفه { إذا أراد شيئا } أي ~~إيجاد شيء من جوهر أو عرض أي شيء كان { أن يقول له كن } أي أن يريده ؛ ثم ~~عطف على جواب الشرط على قراءة ابن عامر والكسائي بالنصب , واستأنف على ~~قراءة غيره بالرفع بقوله : { فيكون * } أي من غير مهلة أصلا على وفق ما ~~أراد . | ولما كان ذلك , تسبب عنه المبادرة إلى تنزيهه تعالى عما ضربوه له ~~من الأمثال فذللك قال : { فسبحان } أي تنزه عن كل شائبة نقص تبوها لا تبلغ ~~أفهامكم كنهه , وعدل عن الضمير إلى وصف يدل على غاية العظمة فقال : { الذي ~~بيده } أي بقدرته وتصرفه خاصة لا بيد غيره { ملكوت كل شيء } أي ملكه التام ~~وملكه ظاهرا وباطنا . | ولما كان التقدير : فمنه تبدؤون , عطف عليه قوله : ~~{ وإليه } أي لا إلى غيره من التراب أو غيره , ولفت القول إلى خطابهم ~~استصغارا لهم وإحتقارا فقال : { ترجعون * } أي معنى في جميع أموركم وحسا ~~بالبعث لينصف بينكم , فيدخل بعضا النار وبعضا الجنة , ونبهت قراءة الجماعة ~~بالبناء للمفعول على غاية صغارهم بكون الرجوع قهرا وبأسهل أمر , وزادت ~~قراءة الجماعة بالبناء للمفعول على غاية صغارهم بكون الرجوع من شدة سهولته ~~عليه كأنه ناشئ عن فعلهم بأنفسهم اختيارا منهم , فثبت أنه سبحانه على كل ~~شيء قدير , فثبت قطعا أنه حكيم لا , فثبت قطعا أنه لا إله إلا هو , وأن ~~كلامه حكيم , وثبت بتمام قدرته أنه حليم لا يعجل على أحد بالعقاب , فثبت ~~أنه أرسل الرسل للبشارة بثوابه والنذارة من عقابه , فثبت أنه أرسل هذا ~~النبي الكريم لما أيده به من المعجزات , وأظهره على يده من الأدلة الباهرات ~~, فرجع آخر السورة بكل من الرسالة وإحياء الموتى إلى أولها , واتصل في كلا ~~الأمرين مفصلها بموصلها , والله الهادي إلى الصواب وإليه المرجع والمآب . | ~~. . . | PageV06P288 < # > سورة الصافات < # > < < # | الصافات : ( 1 - 7 ) والصافات صفا # > > ^ ( والصافات صفا * فالزاجرات زجرا * فالتاليات ذكرا * إن إلهكم ~~لواحد * رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق * إنا زينا السمآء ~~الدنيا ms4162 بزينة الكواكب * وحفظا من كل شيطان مارد ) ^ } ) | مقصودها ~~الاستدلال على آخر يس من التنزه عن النقائص اللازم منه رد العباد للفصل ~~بينهم بالعدل اللازم منه الوحدانية , وذلك هو المعنى ذلك أشار إليه وسمها ~~بالصافات { وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون } { بسم الله } أي الذي ~~له الكمال المطلق فلا يدنو من جنابه نقص { الرحمن } الذي من برحمة العدل في ~~الدارين { الرحيم * } الذي يمن على من يريد بالطاعة بالثواب والمتاب لإسقاط ~~العقاب . | لما كان الإنفراد بالملكوت لا يكون إلا مع الوحدانية بالذات , ~~وفي ذلك استحقاق الاختصاص بالإلهية , وكان ذلك - مع أنه بحيث لا يخفى على ~~ذي لب - عندهم في غاية البعد , ولذلك لا يسلمون ما يتعلق بالملكوت وينكرونه ~~غاية الإنكار , ناسب أن يقسم عليه . | ولما كان من البلاغة أن يناسب بين ~~القسم والمقسم عليه , وكان الاصطفاف دالا على اتحاد القصد كما في صفوف ~~القتال والصلاة , وكان الملائكة لا قصد لهم إلا الله من غير عائق عن ذلك ~~فكانوا أحق الخلق بالاصطفاف , تارة للصلاة , وتارة للتسبيح والتقديس , ~~وتارة لتدبير الأرزاق , وتارة لتعذيب أهل الشقاق - إلى غير ذلك من الأمور ~~التي لا تسعها الصدور , وكانوا بعد زجرة الإحياء المصرح بهما في السورة ~~الماضية ثم زجرتي الصعق والإفاقة الآتيتين في الزمر حين تشقق السماء ~~بالغمام وتكون وردة كالدهان , وتنفطر بسطوة المليك الديان , ويتكرر ما فيها ~~من أجرام ومعان , تنزل ملائكة كل سماء فتصير صفا مستديرا , ملائكة الأولى ~~حول أهل الأرض , وملائكة الثانية حول ملائكة الأولى وهكذا , ثم يصيرون إذا ~~قيل ^ ( { يا معشر الجن والإنس إن PageV06P289 استطعتم أن تنفذوا من أقطار ~~السموات والأرض فانفذوا } ) 77 < # > [ الرحمن : 33 ] فماج العباد بعضهم في بعض من شدة الزحام , وطول القيام ~~, كلما مالوا على جهة من جهاتهم زجروهم زجرا ردوهم به عن النفوذ , مع أن ~~انتظام المدبرات الناشئ عن اصطفافهم في التدبير في طاعة الملك القدير دال ~~على الوحدانية , قال تعالى : { والصافات } أي الجماعات من الملائكة ~~والمصلين والمجاهدين المكملين أنفسهم بالاصطفاف في الطاعة , فهو صفة لموصوف ~~محذوف مؤنث اللفظ , وعدل ms4163 عن أن يقول : ( الصافين ) القاصر على الذكور ~~العقلاء ليشمل الجماعات من الملائكة والجن والإنس والطير والوحش وغيرها , ~~إشارة إلى أنه لا يؤلف بين شيء منها ليتحد قصده إلا واحد قهار , وأنه ما ~~اتحد قصد شيء منها إلا استوى صفة , ولا اعتدل صفة إلا اتحد زجره وهو صياحه ~~, ولا اتحد زجره إلا اتحد ما يذكره بصوته , ولا اتحد منه ذلك إلا نجح قصده ~~واتضح رشده بدليل المشاهدة , وأدلها أن الصحابة رضي الله عنهم لما اتحد ~~قصدهم في إعلاء الدين وهم أضعف الأمم وأقلها عددا لم يقم لهم جمع من الناس ~~الذين لا نسبة لهم إليهم في قوة ولا كثرة , ولم ينقص صفهم , وجرح القلوب ~~وأبارها زجرهم , وشرح الصدور وأنارها ذكرهم , كما اشار إليه تعالى آخر هذه ~~السورة بقوله { وإن جندنا لهم الغالبون } وكذا غير الآدميين من الحيوانات ~~كما يرى من الفار والجراد إذا أراد الله تعالى اتحاد قصده في شيء فإنه يغلب ~~فيه من يغالبه , ويقهر من يقاويه أو يقالبه , فبان أن الخير كله ما أريد ~~بالقسم , واتحد جدا بالمقسم عليه والتأم والتحم به أي التحام , وانتظم ~~معناهما كل الانتظام . | ولما كان التأكيد بالمصدر أدل على الوحدة المرادة ~~قال : { صفا * } وهو ترتيب الجمع على خط . | ولما كان توحد القصد موجبا ~~للقوة المهيئة للزجر , وكان تكميل الغير مسببا عن تكميل النفس , ومرتبا ~~عليه , وأشرف منه لو تجرد عن التكميل , وكان التكميل إنما يتم أمره ويعظم ~~أثره مع الهيبة ( فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ) قال عاطفا بالفاء : { ~~فالزاجرات } أي المنتهرات عقب الصف كل من خرج عن أمر الله { زجرا } أي ~~انتهارا بالمواعظ وغيرها تكميلا لغيرهم . | PageV06P290 ولما كانت الإفاضة ~~مسببة عن حسن التلقي المسبب عن تفريغ البال المسبب عن هيبة المفيد , وكان ~~فيض التلاوة أعظم الفبض قال : { فالتاليات } أي التابعات استدلالا على ~~قولهم وفعلهم وتمهيدا لعذرهم وتشريفا لقدرتهم , وتكميلا لغيرهم : { ذكرا } ~~أي موعظة وتشريفا وتذكيرا من ذكر ربهم غفاضة على غيرهم من روح العلم وإدغام ~~التاء في الصاد والزاي والذال إشارة إلى أن ms4164 ذلك مع هوله وعظمه قد يخفى من ~~غير من يريد الله إطلاعه عليه , فقد قطعت الصيحة قلوب الكفرة من ثمود ~~وغيرهم , ولم تؤثر فيمن آمن منهم , وقد كان جبريل عليه السلام ينزل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ما يأتي به من القرآن والصحابة رضي الله عنهم ~~حوله لا يستمعون شيئا منه - والله الموفق { إن إلهكم } أي الذي اتخذتم من ~~دونه آلهة { لواحد * } أي فإن التفرق لا يأتي بخير , لما يصحبه من العجز ~~البعيد جدا عن الكمال الذي لا تكون الإلهية أصلا إلا معه , فإليه لا إلى ~~غيره ترجعون ليفصل بينكم فيما كنتم فيه تختلفون , وهو الذي أنزل هذا الكتاب ~~بعزته ورحمته وحرسه من اللبس وغيره بما سيذكر من كبريائه وعظمته ولو لم يكن ~~واحدا لاختل أمر هذا الاصطفاف والزجر والتلاوة , وما يترتب عليها , فاختل ~~نظام هذا الوجود الذي نشاهده كما نشاهد في أحوال الممالك عند اختلاف الملوك ~~في تغيير العوائد ونسخ الشرائع التي كان من قبلها أطدها وجميع ما له من ~~الآثار والخصائص , ونحن نشاهد هذا الوجود على ما أحكمه سبحانه وتعالى لا ~~يتغير شيء منه عن حاله الذي حده له , فعلمنا أنه واحد لا محالة متفرد ~~بالعظمة , لا كفوء له من غير شك . | وقاال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما ~~تضمنت سورة يس من جليل التنبيه وعظيم الإرشاد وما يهتدي الموفق باعتبار ~~بعضه , ويشتغل المعتبر به في تحصيل مطلوبه وفرضه , ويشهد بأن الملك بجملته ~~لواحد , وإن رغم أنف المعاند والجاحد , أتبعها تعالى بالقسم علة وحدانيته ~~فقال تعالى { والصافات } - الآية إلى قوله تعالى { إن إلهكم لواحد } إلى ~~قوله { ورب المشارق } ثم عاد الكلام إلى التنبيه لعجيب مصنوعاته فقال تعالى ~~{ إنا رأينا السماء الدنيا بزينة الكواكب } إلى قوله { شهاب ثاقب } ثم أتبع ~~بذكر عناد من جحد مع بيان الأمر ووضوحه وضعف ما خلقوا منه { إنا خلقناهم من ~~طين لازب } ثم ذكر استبعادهم العودة الأخروية وعظيم حيرتهم وندمهم إذا ~~شاهدوا ما به كذبوا , والتحمت الآي إلى ذكر الرسل مع أممهم وجريهم ms4165 في ~~العناد والتوقف والتكذيب على سنن متقارب , وأخذ كل بذنبه , وتخليص رسل الله ~~وحزبه , وإبقاء جميل ذكرهم باصطفائهم وقربه , ثم عاد الكلام إلى تعنيف ~~المشركين وبيان إفك المعتدين إلى ختم السورة - انتهى . | PageV06P291 ولما ~~ثبت أنه واحد , أنتج وصفه بقوله : { رب } أي موجد ومالك وملك ومدبر { ~~السموات } أي الأجرام العالية { والأرض } أي الأجرام السافلة { وما بينهما ~~} أي من الفضاء المشحون من المرافق والمعاون بما تعجز عن عدة القوى , وهذا ~~- مع كونه نتيجة ما مضى - يصلح أن يكون دليلا عليه لما أشار إليه من انتظام ~~التدبير الذي لا يتهيأ مع التعدد كما أن المقسم به هنا إشارة إلى دليل ~~الوحدانية أيضا على نظام واحد دائما في الطاعة التي أشير إليها بالصف ~~والزجر والتلاوة , فسبحان من جعل هذا القرآن معجز النظام , بديع الشأن بعيد ~~المرام . | ولما كان السياق للإفاضة بالتلاوة وغيرها , وكانت جهة الشروق ~~جهة الإفاضة بالتجلي الموجد للخفايا الموجب للتنزه عن النقائص , وكان ~~الجميع أليق بالاصطاف الناظر إلى القهر بالأئتلاف قال : { ورب المشارق * } ~~أي الثلاثمائة والستين التي تجلى عليكم كل يوم فيها الشمس والقمر وسائر ~~الكواكب السيارة على كر الدهور والأعوام , والشهور والأيام , على نظام لا ~~ينحل , ومسير لا يتغير ولا يختل , وذكرها يدل قطعا على المغارب لأنها تختلف ~~بها , وأعاد الصفة معها تنبيها على ضوح دلاتها بما فيها مما السياق من ~~الاصطفاف الدال على حسن الائتلاف , وللدلالة على البعث بالآيات بعد الغياب ~~. | ولما كانت المشارق تقتضي الفيض والإظهار , أتبع ذلك نتيجته بما من شأنه ~~الشروق والغروب ولو بمجرد الخفاء والظهور , فقال مؤكدا مع لفت الكلام إلى ~~التكلم في مظهر العظمة سبحانه وتعالى , وفخم التعبير عن الزينة بتضعيف ~~الفعل لمثل ذلك : { إنا زينا } أي بعظمتنا التي لا تدانى { السماء } ولما ~~كانوا لا يرون إلا ما يليهم من السماوات , وكانت زينة النجوم ظاهرة فيها ~~قال : { الدنيا } أي التي هي أدنى السماوات إليكم . | ولما أشير إلى أن ~~الصف زينة في الباطن باتحاد القصد كما أنه زينة في الظاهر بحسن الشكل وبديع ~~الرصف , زيد في ms4166 التنبيه على ذلك بإعادة ما فهم من ( زينا ) في قوله : { ~~بزينة الكواكب * } أي بالزينة التي للنجوم النيرة البراقة المتوقدة الثابتة ~~في محالها - قارة أو مارة - المرصعة في السماء ترصيع المسامير الزاهرة ~~كزهور النور المبثوث في خضرة الرياض الناضرة , فهي مع عدم التنوين والخفض ~~إضافة بيانية كثوب خز , ومن نون الزينة فإن خفض الكواكب فعلى البدل , أي ~~الكواكب التي هي زينة , وإن نصب فعلى المدح بتقدير أعني , أو على أنه بدل ~~اشتمال من السماء , أي كواكبها , إما PageV06P292 بكونها فيما دونها من ~~الجو فبظن أنها فيها , أو يكونها فيها من جانبها الذي يلينا , أو بكونها ~~تشف عنها وإن كان بعضها فيما هو أعلى منها , وزينتها انتظامها وارتسامها ~~على هذا النظم البديع في أشكال متنوعة وصور مستبدعة ما بين صغار وكبار , ~~منها ثوابت ومنا سيارة وشوارق وغوارب - إلى غير ذلك من الهيئات التي لا ~~تحصى , ولا حد لها عند البعاد العجزة فيستقصى . | ولما كان كون الشيء ~~الواحد لأشياء متعددة أدل على القدرة وأظهر في العظمة , قال دالا بالعطف ~~على غير معطوف عليه ظاهر على مقدر يدل على أن الزينة بالنجوم أمر مقصود لا ~~اتفاقي : { وحفظا } أي زيناها بها للزينة وللحفظ { من كل شيطان } أي بعيد ~~عن الخير محترق . | ولما كان القصد التعميم في الحفظ من كل عات سواء كان ~~بالغا في العتو أو لا قال : { مارد * } أي مجرد عن الخير عات في كل شر سواء ~~كان بالغا في ذلك أقصى الغايات أو كان في أدنى الدرجات كضارب وضراب . | < < # | الصافات : ( 8 - 13 ) لا يسمعون إلى . . . . . # > > ^ ( لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب * دحورا ولهم ~~عذاب واصب * إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب * فاستفتهم أهم أشد خلقا ~~أم من خلقنآ إنا خلقناهم من طين لازب * بل عجبت ويسخرون * وإذا ذكروا لا ~~يذكرون ) ^ } ) | ولما كان المراد في سورتي النساء والحج ذم الكفرة بفعل ما ~~ليس في كونه شرا لبس , وبوضع النفس باتباع ما لا شك في دناءته ببعده عن ~~الخير بعد الإخفاء به ms4167 , عبر بالمريد للمبالغة , وكما أنه حرس السماء ~~المحسوسة بما ذكره سبحانه وتعالى فكذلك زين عز وجل قلوب الأولياء التي هي ~~كالسماء لأراضي أجسامهم بنجوم المعارف , فإذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا ~~فرشقته شهب أحوالهم ومعارفهم وأقوالهم . | ولما تشوف السامع إلى معرفة هذا ~~الحفظ وثمرته وبيان كيفيته , استأنف قولا : { لا يسمعون } أي الشياطين ~~المفهومون من كل شيطان , لا يتجدد لهم سمع أصلا , قال ابن الجوزي : قال ~~الفراء : { لا } هنا كقوله ( كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به ) ~~ويصلح في { لا } على هذا المعنى الجزم , والعرب تقول : ربطت في شيء لا ~~ينفلت - انتهى . | ويؤخذ من التسوير بكل ثم الجمع نظرا إلى المعنى , ~~والإفراد لضمير الخاطف وللخطفة أنهم معزولون عن السمع جمعهم ومفردهم من ~~الجمع , وأن الخطف يكون - إن اتفق - في الواحد لا الجمع ومن الواحد لا ~~الجمع , وللكلمة وما حكمها لا أكثر , وإليه يشير حديث الصحيح ( تلك الكلمة ~~من الحق يخطفها الجني ) وأكد بعدهم يلإثبات حرف الغاية , فقال مضمنا { سمع ~~} بعد قصره معنى ( انتهى ) أو ( أصغى ) ليكون المعنى : لا ينتهي سمعهم أو ~~تسمعهم أو إصغاؤهم { إلى الملأ } أي الجمع العظيم الشريف , PageV06P293 ~~وأوضحت هذا المعنى قراءة من شدد السين والميم بمعنى يتسمعون , أي بنوع حيلة ~~, تسمعا منتهيا إلى ذلك , وهو يفهم أنهم يتسمعون , ولكن لا ينتهي تسمعهم ~~إلى ما ذكر , بما أشار إليه الإدغام , ويشير أيضا إلى أنهم يجتهدون في ~~إخفاء أمرهم , وأفرد الوصف دلالة أيضا على أن العطف يكون من واحد لا من ~~جميع فقال : { الأعلى } أي مكانا ومكانة بحيث يلمؤون العيون بهجة والصدور ~~هيبة . | ولما كان التقدير : لأنهم يطردون طردا قويا , دل عليه بالعاطف في ~~قوله : { ويقذفون } أي الشياطين يرمون رميا وحيا يطردون , وبني للمفعول لأن ~~النافع قذفهم لا تعيين قاذفهم , مع أنه أدل على القدرة الألهية عزت وجلت { ~~من كل جانب * } أي من جوانب السماوات بالشهب إذا قصدوا السماع بالاستراق { ~~دحورا } أي قذفا يردهم مطرودين صاغرين مبعدين , فهو تأكيد للقذف بالمعنى أو ~~مفعول له أو حال . | ولما كان هذا ms4168 ربما سببا لأن يظن ظان أنهم غير مقدور ~~عليهم في غير هذه الحالة بغير هذا النوع أخبر أنهم في قبضته , وإنما جعل ~~حالهم هذا فتنة لمن أراد من عباده , فقال معبرا باللام التي يعبر بها غالبا ~~عن النافع تهكما بهم : { ولهم عذاب } أي في الدنيا بهذا وبغيره , وفي ~~الآخرة يوم الجمع الأكبر { واصب * } أي دائم ممرض موجع كثير الإيجاع مواظب ~~على ذلك ثابت عليه وإن افترق الدوامان في الاتصال والعظم والشدة والألم . | ~~ولما ثبت بهذا حراسة القرآن بقدرة الملك الديان عن لبس الجان , وكان بعضهم ~~مع هذا يسمع في بعض الأحايين ما أراد الله أن يسمعه ليجعله فتنة لمن أراد ~~من عباده مع تميز القرآن بالإعجاز , استثنى من فاعل { الخطفة } أي اختلس ~~الكلمة أو أكثر , مرة من المرات منهم , ودل على قوة انقضاض الكواكب في أثره ~~بالهمزة في قوله : { فأتبعه } مع تعديه بدونها , أي تبعه بغاية ما يكون من ~~السرعة حتى كأنه يسوق نفسه ويتبعها له كأن الله سبحانه وعز شأنه هيأها لئلا ~~تنقض إلا في أثر من سمع منهم حين سماعه سواء لا يتخلف { شهاب } أي شعلة ~~النار من الكوكب أو غيره { ثاقب * } أي يثقب ما صادفه من جني وغيره وإن كان ~~الجني من نار فإنه ليس نارا خالصة , وعلى التنزل فربما كان الشيء الواحد ~~أنواعا بعضها أقوى من بعض , فيؤثر أقواه في أضعفه كالحديد , وتارة يخطئ ~~الجني وتارة يصيبه , وإذا أصابه فتارة يحرقه فيتلفه وتارة يضعفه . | ولما ~~كان المقصود من هذا الكتاب الأعظم بيان الأصول الأربعة : التوحيد والنبوة ~~والمعاد وإثبات القضاء والقدر , ودل سبحانه بهذه المذكورات على وجوده وكمال ~~علمه PageV06P294 وتمام قدرته على الأفعال الهائلة وبديع حكمته اللازم منه ~~إثبات وحدانيته تفصيلا لبعض إجمال { أو ليس الذي خلق السموات والأرض } فكان ~~ما دونها من الأفعال أولى , سبب عن ذلك لإثبات الحشر الذي أخبر به هذا ~~القرآن الذي حرسه عن تلبيس الجان بزينة الكواكب التي أنشأ منها الشهب ~~الثواقب قوله تهكما بهم : { فاستفهم } أي سلهم أن يتفتوا بأن يبينوا ms4169 لك ما ~~تسألهم عنه من إنكارهم البعث , وأصله من الفتوة وهي الكرم : { أهم أشد } أي ~~أقوى وأشق وأصعب { خلقا } أي من جهة إحكام الصنعة وقوتها وعظمها { أم من } ~~ولما كان المراد الإعلام بأنه لا شيء من الموجودات إلا وهو خلقه سبحانه , ~~عبر بما يدل على ذلك دون ذكرنا , وليكون أعم , وحذف المفعول لأنه مفهوم , ~~ولئلا يلبس إذا ذكر ضمير المستفتين , فقال : { خلقنا } أي من هذه الأشياء ~~التي عددناها من الحي وغيره من الجن الذين أعطيناهم قدرة التوصل إلى الفلك ~~وغيرهم , وعبر ب ( من ) تغليبا للعاقل من الملائكة وغيرهم مما بين السماوات ~~والأرض . | ولما كان الجواب قطعا أن هذه المخلوقات أشد خلقا منهم وأنهم هم ~~من أضعف الخلائق خلقا , قال دالا على إرادة التهكم بهم في السؤال , مؤكدا ~~إشارة إلى أن إنكارهم البعث لاستبعادهم تمييز التراب من التراب يلزم منه ~~إنكار ابتداء الخلق على هذا الوجه : { إنا خلقناهم } أي على عظمتنا { من ~~طين } أي تراب رخو مهين { لازب * } أي شديد اختلاط بعضه ببعض فالتصق وضمر ~~وتضايق وتلازم بعضه لبعض , وقل واشتد ودخل بعض التراب المنتثر من بعض , قال ~~ابن الجوزي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو الطين الحر الجيد اللزق . | ~~وإنما كانوا من طين لأن أباهم آدم كان منه من غير أب ولا أم , فصاروا بهذا ~~التقدير بعض الطين الذي هو بعض خلقه الذي عدده قبل ذلك سبحانه الذاتية التي ~~لا يمتنع عليها مقدور , ولا يعجزها مأمور , فدل ابتداء خلقهم وخلق ما هو ~~أشد منهم وأعظم على القدرة على إعادتهم قطعا بل بطريق الأولى من غير وجه , ~~وحسن هذا الاستفتاء كل الحسن ختم الكلام قبله بمن بلغوا السماء تكبرا وعلوا ~~, وهموا بما لم ينالوا تجبرا وعلوا , وسلط عليهم ما يردهم مقهورين مبعدين ~~مدحورين , واستثنى منهم من { خطف } ليعلم أنه غير محال ما تعلقت به منهم ~~الآمال , هذا مع ذكره في خلقهم من الطين اللازب الذي من شأنه الرسوب لثقله ~~والسفول كما أن من شأن من ختم بهم ما قبله العلو ms4170 لخفتهم والصعود . | ولما ~~كان من المعلوم قطعا أن المراد بهذا الأمر بالاستفتاء إنما هو التبكيت لأن ~~PageV06P295 من المعلوم قطعا أن الجواب : ليسوا أشد خلقا من ذلك , فليس ~~بعثهم ممتنعا , وليست غلبتهم لرسول الواحد القهار - الذي حكمه في هذا الوحي ~~بإظهاره على الدين كله - بجائزة أصلا , نقلا ولا عقلا , بوجه من الوجوه , ~~فلا شبهة لهم في إنكاره ولا في ظنهم أنهم يغلبون رسولنا , بل هم في محل عجب ~~شديد في إنكاره وظنهم أنهم غالبون في الدنيا , عبر عن ذلك بقوله , مسندا ~~العجب إلى أجل الموجودات أو أجل المخلوقات تعظيما لم بمعنى أنه قول يستحق ~~أن يقال فيه : أنه لا يدري ما الذي أوقع فيه وكان سببا لارتكابه , فقال : { ~~بل عجبت } بضم التاء على قراءة حمزة والكسائي لفتا للقول من مظهر العظمة ~~للتصريح بإسناد التعجب إليه سبحانه إشارة إلى تناهي هذا العجب إلى حد لا ~~يوصف لإسناده إلى من هو منزه عنه , وبفتحها عند الباقين أي من جرأتهم في ~~إنكارهم البعث ولا سيما وقد دل عليه القرآن في هذه الأساليب الغريبة ~~والوجوه البديعة العجيبة التي لا يشك فيها من له أدنى تصور , وقد كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم ظن كما هو اللائق أنه لا يسمع القرآن أحد إلا آمن به , ~~قال القشيري : وحقيقة التعجب تغير النفس بما خفي فيه السبب مما لم تجر ~~العادة بحدوث مثله , ومثل هذا حديث الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال لأم سليم وأبي طلحة رضي الله عنهما : ضحك - وفي ~~رواية : ( عجب - الله من فعالكما الليلة ) وحديث البخاري رحمه الله عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أيضا ( عجب ربنا من أقدام يقادون إلى الجنة في السلاسل ~~) . | ومثله كثير , والمعنى في الكل التنبيه على عظم الفعل وأنه خارق ~~للعادة , ويجوز أن يكون المعنى أنهم لم ينكروه لقلة الدلائل عليه , بل قد ~~أتى من دلائله ما يعجب إعجابا عظيما من كثرته وطول الأناة في مواترته { ~~ويسخرون * } أي حصل لك العجب والحال أنهم ms4171 يجددون السخرية كلما جئتهم بحجة { ~~وإذا ذكروا } أي وعظوا من أي كان بشيء هم به عارفون جدا يدلهم على البعث ~~مثل ما يذكرون به من القدرة , مع أنه لا يجوز في عقل عاقل منهم أن أحدا يدع ~~من تحت يده بلا محاسبة { لا يذكرون * } أي لا يعلمون بموجب التذكير . | < < # | الصافات : ( 14 - 19 ) وإذا رأوا آية . . . . . # > > ^ ( وإذا رأوا آية يستسخرون * وقالوا إن هذآ إلا سحر مبين * أإذا ~~متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون * أو آبآؤنا الأولون * قل نعم وأنتم ~~داخرون * فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون ) ^ } ) | PageV06P296 ولما ~~ذكر إعراضهم عن المسموع , أتبعه إعراضهم عن المرئي فقال : { وإذا رأوا آية ~~} أي علامة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وغيره { يستسخرون * } أي ~~يطلبون السخرية بها بأن يدعو بعضهم بعضا لذلك من شدة استهزائهم . | ولما ~~كان إنكارهم للبعث ولو صدر مرة واحدة في الشناعة والعظم والقباحة مثل ~~تجديدهم للسخرية كلما سمعوا آية والمبالغة فيها لأن دلائله من الظهور ~~والوضوح بمكان هو في غاية البعد عن الشكوك , دل على ذلك بالتعبير بالماضي ~~فقال : { وقالوا } أي ما هو غاية في العجب : { إن } أي ما { هذا } أي الذي ~~أتانا به من أمر البعث وغيره مما شاهدناه أو أخبرنا به { إلا سحرا } أي ~~خيال وأمور مموهة لا حقائق لها { مبين * } أي ظاهر في نفسه ومظهر لسخريته ~~ثم خصوا البعث بالإنكار : { أإذ متنا } وعطفوا عليه ما هو موجب عندهم لشدة ~~الإنكار فقالوا : { وكنا } أي كونا هو في غاية التمكن { ترابا } قدموه لأنه ~~أدل على مرادهم لأنه أبعد عن الحياة { وعظاما } كأنهم جعلوا كل واحد من ~~الموت والكون إلى الترابية المحضة والعظامية المحضة أو المختلطة منهما ~~مانعا من البعث , وهذا بعد اعترافهم أن ابتداء خلقهم كان من التراب مع أن ~~هذا ظاهر جدا ( لكن عقول ضلها باريها ) ثم كرروا الاستفهام الإنكاري على ~~قراءة من قرأ به زيادة في الإنكار فقالوا : { أإنا لمبعوثون * } . | ولما ~~كان المعنى : أيثبت بعثنا , عطفوا عليه قولهم مكررين للاستفهام الإنكاري ~~تأكيدا لزيادة استبعادهم حتى أنهم ms4172 قاطعون بأنه محال فقالوا قولا واهيا : { ~~أو آباؤنا } أي يثبت بعثنا وكذا وزادوا في الاستبعاد بقولهم : { الأولون * ~~} اي الذين طال مكثهم في الأرض تحت أطباق الثرى وانمحقت أجزاؤهم بحيث لم ~~يبق لهم أثر ما , ومرت الدهور ولم يبعث أحد منهم يوما من الأيام , يدلنا ~~بعثه على ما يدعي من ذلك . | ولما بالغوا هذه المبالغات في إنكاره بعد قيام ~~البراهين في هذه السورة وغيرها على جوازه بل وجوبه عادة , أمره بأن يجيبهم ~~بما يقابل ذلك فقال تعالى : { قل نعم } أي تبعثون على كل تقدير قدرتموه , ~~وذكر حالهم بقوله : { وأنتم داخرون * } أي مكرهون عليه صاغرون ذليلون ~~حقيرون . | ثم سبب عن الوعد بتحتم كونه ما يدل على أنه غاية في الهوان فقال ~~: { فإنما } أي يكون ذلك بسبب أنكم تزجرون فتقومون , والزجرة التي يقومون ~~بها إنما { هي زجرة } أي صيحة , وأكد ما يفهمه من الوحدة لأجل إنكارهم ~~تصريحا بذلك وتحقيرا لأمر البعث في جنب قدرته سبحانه وتعالى فقال : { واحدة ~~} وهي الثانية التي كانت الإماتة لجميع الأحياء في آن واحد بمثلها , وأصل ~~الزجر الانتهار PageV06P297 ويكون لحث أو منع , وإنما يكون ذلك للمقدور ~~عليه فعل ما يغضب الزاجر , فلذلك سمى الصيحة زجرة . | ولما كان هذا الكلام ~~مؤذنا بالغضب , حققه بصرف الكلام عن خطابهم جعلا لهم بمحل البعد وتعميما ~~لغيرهم , فقال معبرا بالفاء المسببة المعقبة وأداة المفأجأة : { فإذا هم } ~~أي جميع الأموات بضمائرهم وظواهرهم القديم منهم والحديث أحياء { ينظرون * } ~~أي في الحال من غير مهلة أصلا , ولا فرق بين من صار كله ترابا ومن لم يتغير ~~أصلا , ومن هو بين ذلك , ولعله خص النظر بالذكر لأنه لا يكون إلا مع كمال ~~الحياة , ولذلك قال صلى الله عليه وسلم ( إذا قبض الروح تبعه البصر ) . | ~~وأما السمع فقد يكون لغير الحي لأنه صلى الله عليه وسلم قال في الكفار من ~~قتلى بدر ( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ) . | وشاهدت أنا في بلاد العرقوب ~~المجاروة لبانياس من بلاد الشام شجرة شوك يقال لها الغبيراء متى قيل عندها ~~( هات لي المنجل ms4173 لأقطع هذه الشجرة ) أخذ ورقها في الحال في الذبول - فالله ~~أعلم ما سبب ذلك . | < < # | الصافات : ( 20 - 28 ) وقالوا يا ويلنا . . . . . # > > ^ ( وقالوا يويلنا هذا يوم الدين * هذا يوم الفصل الذي كنتم به ~~تكذبون * احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون * من دون الله ~~فاهدوهم إلى صراط الجحيم * وقفوهم إنهم مسئولون * ما لكم لا تناصرون * بل ~~هم اليوم مستسلمون * وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قالوا إنكم كنتم ~~تأتوننا عن اليمين ) ^ } ) | ولما حصل الغرض من تصوير حالهم بهذا الفعل ~~المضارع , عطف عليه بصيغة المضي التي معناها الاستقبال إعلاما بتحقق الأمر ~~تحقق ما مضى وكان , وتحققه مع القيام سواء من غير تخلف ولا تخلل زمان أصلا ~~فقال : { وقالوا } أي كل من جمعه البعث من الكفرة معلمين بما انكشف لهم من ~~أنه لا ملازم لهم غير الويل : { يا ويلنا } اي يا من ليس لنا نديم غيره { ~~هذا يوم الدين * } أي الجزاء لكل عامل . | ولما كان قولهم هذا إنما هو ~~للتحسر على ما فاتهم من التصديق النافع به , زادوا في ذلك بقولهم يخاطب ~~بعضهم بعضا بدلا أو وصفا بعد وصف دالين بإعادة اسم الإشارة على ما داخلهم ~~من الهول : { هذا يوم الفصل } أي الذي يفصل فيه بين PageV06P298 الخصوم , ~~ثو زادوا تأسفا وتغمما وتلهفا بقولهم , لافتين القول عن التكلم إلى الخطاب ~~لأنه أدل على ذم بعضهم لبعض عن الإنصاف بالاعتراف : { الذي كنتم } أي يا ~~دعاة الويل جبلة وطبعا { به تكذبون * } وقدموا الجار إشارة إلى عظيم ~~تكذيبهم به , فبينما هم في هذا التأسف إذ برز النداء بما يهدئ قواهم , ويقر ~~قلوبهم وكلاهم , لمن لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون من الملائكة ~~الشداد الغلاظ بإذلالهم وإصغارهم , ولبيان السرعة لذلك من غير تنفيس أسقط ~~ما يدل على النداء من نحو قوله : فقيل الملائكة , أو فقلنا , أو فبرز ~~النداء من جانب سلطاننا - ونحو هذا : { احشروا } أي اجمعوا بكره وصغار وذل ~~أيها الموكلون بالعباد من الأجناد , وأظهر تعريفا بوصفهم الموجب لحتفهم ~~فقال : { الذين ظلموا } أي بما كانوا فيه في الدنيا ms4174 بوضع الأشياء في غير ~~محالها من الخبط الذي لا يفعله إلا من هو في أشد الظلام { وأزواجهم } أي ~~أتباعهم ولو بشطر كلمة أو رضى فعلهم لتصير كل طائفة على حدة فيصير بعضهم ~~يبكت بعضا وبعضهم يشتم بعضا { وما كانوا } لأي بما دعتهم إليه طباعاتهم ~~المعوجة { يعبدون * } أي مواظبين على عبادته رجاء منفعته تحقيقا لخسارتهم ~~بتحقق اعتمادهم على غير معتمد , وهو يعم المعبود حقيقة أو مجازا بالتزيين { ~~ومن سبقت له الحسنى } مستثنى بآية الأنبياء , وأشار إلى سفول رتبة ~~معبوداتهم وتسفيه آرائهم بانتحال الأذى بقوله صارفا الأسلوب من المتكلم ولو ~~بمظهر العظمة إلى أعظم منه : { من دون الله } أي الذي تفرد بنعوت العظمة ~~وصفات الكمال , والمراد الذين رضوا بعبادتهم لهم ولم ينكروا عليهم ذلك ~~ويأمروهم بتوحيد الله . | ولما كانوا قد سلكوا في الدنيا طريق الشقاء ~~المعنوية استحقوا أن يلزموا في القيامة سلوك طريقة الحسية , فلذلك سبب عن ~~الأمر بحشرهم قوله تهكما بهم وتحسيرا لهم : { فاهدوهم } أي دلوهم دلالة لا ~~يرتابون معها ليعرفوا - مع ما هم فيه من الإكراه على سلوكها - مآلهم , ~~فيكون أعظم في نكدهم ؛ قال الرازي : وأصل الهداية التقدم , والعرب تسمي ~~السابق هاديا , يقال : أقبلت هوادي الخيل أي أعناقها , والهادية : العصى - ~~لأنها تتقدم ممكسها , ونظر فلان هدى أمره أي جهته . | ثم أشار إلى طول ~~وقوفهم وسوء مقامهم بقوله بأداة الانتهاء : { إلى صراط الجحيم * } أي طريق ~~النار الشديدة التوقد الواضح الذي لا لبس عندهم بأنه يشترطهم فيؤديهم إليها ~~, وخص هذا الأسم غعلاما بشديد توقدها وعظيم تأججها , وبعد قعرها وضخامة ~~غمرتها , بتراكم بعضها فوق بعض وقوة اضطرامها , وعلو شأنها واصطلاحها , ~~وصلابة اضطرابها وتحرقها واشتمالها PageV06P299 على داخليها وتضايقها , ~~وفيه تهكم بهم في كونهم على غير ما كانوا عليه في الدنيا من التناصر ~~والتعاضد . | ولما كان المقصود من تعريفهم طريق النار أولا ازدياد الحسرة , ~~صرح بما أفهمه حرف الغاية من طول الحبس فقال : { وقفوهم } أي احبسوهم ~~واقفين بعد ترويعهم بتلك الهداية التي سببها الضلال , فكانت ثمرتها الشقاوة ~~, وإيقافهم يكون عند الصراط - نقله البغوي عن المفسرين ms4175 , قال : لأن السؤال ~~عند الصراط . | ثم علل ذلك بقوله : { إنهم مسؤولون * } وجمع عليهم الهموم ~~بهذه الكلمة لتذهب أوهامهم كل مذهب , فلا تبقى حسرة إلا حضرتهم , ولا مصيبة ~~إلا علت قلوبهم فقهرتهم , فإن المكلف كله ضعف وعورة , فموقف السؤال عليه ~~أعظم حسرة . | ولما أوقفوا هذا الموقف الذليل , قد شغلهم ما دهمهم من الأسف ~~عن القال والقيل , نودوا من مقام السطوة , وحجاب الجبروت والعزة , زيادة في ~~تأسيفهم و توبيخهم وتعنيفهم لفتا عن سياق الغيبة إلى الخطاب دلالة على أعظم ~~خيبة : { ما لكم } أي أي شيء حصل لكم فشغلكم وألهاكم حال كونكم { لا ~~تناصرون * } أي ينصر بعضكم بعضا , ويتسابقون في ذلك تسابق المتناظرين فيه ~~أولي الجد والشكيمة والنخوة والحمية ولو بأدنى التناصر - بما يفهمه إسقاط ~~التاء , أو بعد تمكث وإعمال حلية - بما أشارت إليه قراءة البزي عن ابن كثير ~~بالمد والإدغام : أين قولكم في بدر ( نحن جميع منتصر ) معبرين بما دل على ~~ثبات المناصرة . | ولما كان قد دهمهم من الأمر ما أوجب إبلاسهم , وأحد ~~إدراكهم وإحساسهم , أشار إلى ذلك بإحلالهم في محل الغيبة المؤذنة بالإبعاد ~~بأن قال مضربا عما تقديره : أنهم لا يتناصرون : { بل هم } وزاد في تعظيم ~~ذلك الوقت والتذكير به فقال : { اليوم مستسلمون * } أي ثابت لهم استسلامهم ~~ثباتا لا زوال له , قد خذل بعضهم بعضا موجدين الإسلام أي الانقياد إيجاد من ~~كأنه يطلبه ويعظم فيه رغبته رجاء أن يخفف ذلك عنهم . | ولما أخبر بأنهم ~~سئلوا فلم يجيبوا , كان ربما ظن أنهم أخرسوا فنبه على أنهم يتكلمون بما ~~يزيد نكدهم , فقال عاطفا على قوله { وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين } إشارة ~~إلى إقبالهم على الخصام , حين تمام القيام , والأخذ في تحريك الأقدام , ~~بالسير على هيئة الاجتماع والازحام , إلى مواطن النكد والاغتنام , ولم ~~يعطفه بالفاء لأنه ليس مسببا عن القيام , ولا عن الإيقاف للسؤال , بخلاف ما ~~يأتي عن أهل الجنة : { وأقبل بعضهم } PageV06P300 أي الذين ظلموا { على بعض ~~} أي بعد إيافهم وتوبيخهم , وعبر عن خصامهم تهكما بهم بقوله : { يستاءلون * ~~} أي سؤال خصومة . | ولما كان ms4176 كأنه قيل : عما ذا ؟ أجيب بقوله : { قالوا } ~~أي الأتباع لرؤسائهم مشرين بأداة الكون إلى المداومة على إضلالهم مؤكدين ~~لأجل تكذيب الرؤساء لهم : { إنكم كنتم } ولما كانوا يستغوونهم ويغرونهم بما ~~تقبله عقولهم على ما جرت به عوائدهم بحيث يقطعون بذلك قطع من كان يريد ~~الذهاب إلى أمر فتطير بالسانح والبارح , فرأى ما يحب فأقدم عليه وهو قاطع ~~بحصوله , أشاروا إلى ذلك بقوله : { تأتوننا } مجاوزين لنا { عن اليمين * } ~~أي عن القوة والقهر والغلبة والسلطان في حملكم لنا على الضلال , ففعلنا في ~~طاعتكم فعل من خرج لحاجة , فرأى ما أوجب إقدامه عيلها , فهذا كان سبب كفرنا ~~, وكان هذا التفاؤل مما نسيت العرب كيفيته لما نسخه الشرع كما وقع في ~~الميسر فاضطرب كلام أهل اللغة في تفسيره , قال صاحب القاموس : البارح من ~~الصيد ما مر من ميامنك إلى مياسرك , وسنح الظبي سنوحا ضد برح . | وقال ابن ~~القطاع في كتاب الأفعال : وسنح الشيء سنوحا : تيسر , والطاشر والظبي : جرى ~~عن يمينك إلى يسارك وهو يتيمن به , وقال في مادة ( برح ) : وبرح الطائر ~~والظبي وغيرهما ضد سنح , وهو ما أراك ميامنه , وأهل الحجاز يتشاءمون به , ~~وغيرهم يتيمنون به ويتشاءمون بالسانح , وقال ابن مكتوم في الجمع بين العباب ~~والمحكم في مادة ( برح ) : والبارح خلاف السانح , وقد برح الظبي - إذا ~~والاك مياسره يمر من ميامنك إلى مياسرك , والعرب تختلف في عيافه وقيل , ~~السانح ما يجيء عن يمينك فتلي مياسره مياسرك , والعرب تختلف في عيافة ذلك , ~~فمنهم من يتيمن بالسانح ويتشاءم بالبارح , وعلى هذا المثل : من لي بالسانح ~~بعد البارح , قال في القاموس : أي بالمبارك بعد المشؤوم , ومنهم من يتشاءم ~~بالسانح , وقال الإمام أبو عبد الله القزاز في مادة ( سنح ) : والسانح من ~~الطير والظباء وغيرهما هو الذي يلقاك وشمائله عن شمائلك , وهو مما يتمين به ~~أهل العالية , ويتشاءمون بالسانح , والسانح هو الذي يلقاك وميامنه عن ~~ميامنك , وهو مما يتيمن به أهل نجد ويتشاءمون بالبارح , والبارح أبين في ~~التشاؤم من السانح , لأن البارح هو الذي يأخذ عن يسارك إلى يمينك فلا ms4177 يمكنك ~~طعنه , فيتشاءم به لتعذره على الطاعن أو الرامي , ولذلك قال أبو ~~PageV06P301 داود : قلت : لما برز أمن فيه كذب العير وإن كان برح , يقول : ~~كذب إذ طمع أن يجنو , وإن كان برح وصعب على إمكان طعنه , وتطير ومن تيمن به ~~بسلامته وخلاصة من الطاعن , وتطير من تيمن بالسانح بأنه يأتي من ميامنك إلى ~~مياسرك , فيمكنك من طعنه , ومن تشاءم به تطير بقلة سلامته ووقوعه فيما يكره ~~, ومن الطير الجابه وهو الذي يلقاك مواجهة , ومنه الناطح أيضا ومنه القعيد ~~, وهو الذي يأتيك من خلفك - انتهى ما وقفت عليه من كلام أهل اللغة في ذلك ~~فافهم , والظاهر كما تفهمه الآية أن العرب مطبقة على أن ما أتى عن اليمين ~~كان مباركا سواء كان أتى من قدام مواجها لك ومر إلى جهة الخلف فوليتك ~~ميامته , أو أتى من الجانب الأيمن سواء كان ابتداء إيتانه من خلف أو لا فمر ~~من قدامك عرضا إلى جهة اليسار , فوليتك في الحالتين مياسره , وما أتى من ~~جهة اليسار على ضد ذلك كان مشؤوما , وكأنهم اختلفوا في التسيمة فأكثرهم سمى ~~الأول سانحا من السنح بالضم وهو اليمن والبركة , وهو من قولهم : سنح لي رأي ~~: تيسر - لشهرة معنى اليمن عندهم في ذلك , والثاني بارحا من البرح , وهو ~~الشدة والشر لشهرة هذا المعنى عندهم في مادة برح , وبعهضم عكس فسمى الأول ~~بارحا من البرحة , وهي الناقة تكون من خيار الإبل لشهرة ذلك عندهم , وسمى ~~الثاني سانحا من قولهم : سنحه عما أراد : صرفه , وسنح بالرجل وعليه : أخرجه ~~أو أصابه بشر , فمن الاختلاف في التسمية أتى الخلاف , ولذلك عبر سبحانه ~~وتعالى بالمعنى دون الاسم , لأن كلامه سبحانه لا يخص قوما دون غيرهم , وأما ~~التعليل بإمكان الطعن والرمي فلا معنى له لأن الإنسان ينفتل عن هيئة وقوفه ~~بادنى حركة فينعكس بالنسبة إليه أمر المياسر والميامن , ويتغير حال الطعن ~~والرمي , هذا إذا سلم أن الطعن والرمي يعسر من جهة المياسر على أنه غير ~~مسلم , ولو كان المعنى دائرا عليه لما اختلف فيه إلا بالنسبة ms4178 إلى الأعسر ~~وغيره , لا بالنسبة إلى أهل العالية وغيرهم , وأما البيت الذي استدل به ~~فيمكن حمله على أن قائله كان في حاجة له لا بد له منها , فرأى البارح فلم ~~يتطير منه ولج في أمره ذلك تكذيبا له فيما دل عليه عند العرب , وأما الجابه ~~وغيره فأسماء أخر لبعض أنواع كل من السانح والبارح - والله أعلم , وقال أبو ~~حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتابه الزينة : العيافة والقيافة والزجر نوع ~~من الكهانة من يعبد كما يعبد الصنم , وكانوا سدنة الأصنام , بمنزلة الحاكم ~~, وكان من الكهان من يعبد كما يعبد الصنم , وكانوا سدنة الأصنام , قلت : ~~والكاهن في اللغة من يقضي بالغيب وذلك هو غاية العلم , فهو وصف يدل على ~~التوغل في العلم - انتهى , قال أبو حاتم : وسمعت بعض أهل الأدب قال : ~~الكاهن بالعبرانية العالم , وكانوا يسمون هارون عليه السلام كهنا ربا , ~~معناه عالم الرب , ثم PageV06P302 قال : إن الكهانة والسحر كان عند ~~المتقدمين نوعا من العلم , فكان الساحر والكاهن اسمين محمودين , فلما جاء ~~الله بالإسلام صار هذان الاسمان مذمومين عند المسلمين لما كشف لهم ما في ~~ذلك من الشر , ثم قال : فأما العائف والقائف والزاجر فلم يكن سبيلهم كذلك - ~~يعني كالكاهن في أنه ربما عبد , قال : وإنما كره لأنه كان يخبر بشيء غائب ~~فكره كما كره أمر النجوم توقيا أن يكون مثل الدعوى في علم الغيب , والعائف ~~هو الذي يعيف الطير ويزجرها ويعتبر بأسمائها وأصواتها ومساقطها ومجاريها , ~~فإذا سمع صوت طائر أو جرى من يمينه إلى شماله أو من شماله إلى يمينه قضى في ~~ذلك بخير أو بشر في الأمر الذي يريد أن يفعله , فإذا قضى فيه بشر تجنب ذلك ~~الأمر , يقال : عاف يعيف - إذا فعل ذلك , ومعنى عاف أي امتنع وتجنب , يقال ~~: عافت الإبل الماء - إذا لم تشرب , وكذلك يقال في غير الإبل الزاجر أيضا : ~~هو مثل العائف , يقال : يزجر أيضا زجرا , وذلك أنه ينظر إلى الطير فيقضي ~~فيها مثل العائف , فإذا رأى شيئا كرهه رجع عن أمر يريد أن يشرع ms4179 فيه أو حاجة ~~يريد قضاءها , والزاجر معناه الناهي , فكأن الطير قد زجره عن ذلك الفعل , ~~أو أن من عاف له زجره عن ذلك , ويكون المعنى الزجر أيضا أنه إذا رأى منها ~~شيئا صاح بها وطردها , فكان طرده إياها زجرا لها , ومنه قوله صلى الله عليه ~~وسلم : ( أقروا الطير على مكانتها ) قلت : إنهم كانوا إذا لم يروا سانحا ~~ولا بارحا نفروا الطير لينظروا إلى أي جهة تطير - والله أعلم , وقال أبو ~~حاتم : والأصل في هذا انهم كانوا يزجرون الطير ثم كانوا يزجرون الظبي ~~والثعلب , وبصوت الإنسان يستدلون بلفظه وبغير ذلك , ثم نسبت كلها إلى الطير ~~فقيل : يتطير , أي يستدل بالطير , وروي عن الأصعمي قال : سألت ابن عون : ما ~~الفال ؟ فقال : هو أن تكون مريضا فتسمع : يا سالم , وتكون باغيا فتسمع يا ~~واجد , قال : وكان ابن سيريت يكره الطيرة ويحب الفال , وفي الحديث ( أصدق ~~الطير الفال ) . | والفال مأخوذ من الفيال , وهي لعبة يتاقمرون بها , كانوا ~~يأخذون PageV06P303 الدراهم فيخلطونها بالتراب ثم يجمعونه طويلا ثم يقسمونه ~~بنصفين ويتقارعون عليه , فمن أصابه القرعة اختار من القسمين واحدا , فلما ~~كان المفايل يختار منهما ما أحب سمي الفال , لأنه يتفاءل بما يحبه , وكان ~~هذا في العرب كثيرا , وأكثره في بني أسد , قال الأصمعي : أخبرني سعد بن نصر ~~أن نفرا ومن الجن تذاكروا عيافة بني أسد فأتوهم فقالوا : ضلت لنا ناقة , ~~فلو أرسلتم معنا من يعيف , فقالوا لغليهم لهم : انطلق معهم , فاستردفه ~~أحدهم , ثم ساروا فلقيتهم عقاب كاسرة إحدى جناحيها , فاقشعر الغليم فبكى ~~فقالوا له : ما لك ؟ فقال : كسرت جناحا , ورفعت جناحا , وحلفت بالله صراحا ~~, ما أنت بإنسي ولا تبغي لقاحا . | وكانوا يسمون الذي يجيء عن يمينك فيأخذ ~~إلى شمالك سانحا , والذي يجيء عن يسارك فيأخذ غلى يمينك بارحا , والذي ~~يستقبلك ناطحا وكافحا , والذي يجيء من خلفك قعيدا , والذي يعرض في كل وجه ~~متيحا , فمنهم من كان بتشاءم بالبارح ويتيمن بالسانح , ومنهم من كان يتيمن ~~بالبارح ويتشاءم بالسانح , قال زهير : | جرت سنحا فقلت لها أجيزي نوى ~~مشمولة فمتى ms4180 اللقاء | وقال الكميت : | ولا السانحات البارحات عشية أمر سليم ~~القرن أم مر أعضب | وكانوا يزجرون بعضب القرن وصحته , والأعضب الذي له قرن ~~واحد , وأما القائف فهو الذي يتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل في ولده ~~, ويروى عن عوسجة ابن معقب القائف : قال : كنا تسرق نخلنا فنعرف آثارهم , ~~فركبوا الحمر فعرفنا بمس ايديهم والعذوق , فكان القائف سمي قائفا لأنه يقفو ~~الأثر , يقال : قفا الأثر وقاف الأثر أي تبعه , قال الأصمعي عن أبي طرفة ~~الهذلي قال : رأى قائفان أثر بعير وهما منصرفان من عرفة بعد الناس بيوم أو ~~يومين فقال أحدهما : ناقة , وقال الآخر : جمل , فاتبعاه فإذا هما به , ~~فاطافا به فإذا هو خنثى , ويقال للرجل إذا كان فطنا عارفا بالأمور : هو ~~عائف وقائف , وكان قوم من العرب لا يتطيرون ولا يتهيبون الطيرة ويفتخرون ~~بتركه ويعدون تركه شجاعة وإقداما , قال بعض شعرائهم : | ولقد غدوت وكنت لا ~~أغدو على واق وحاتم PageV06P304 فإذا الأشائم كالأيا من والأيامن كالأشائم ~~| وقال آخر : | ولست بهياب إذا اشتد رحله يقول عداني اليوم واق وحاتم ولكنه ~~يمضي على ذاك مقدما إذا صد عن تلك الهناة الخثارم | الخثارم : المطير , ~~وقيل : العيافة والقيافة , الطرق والخط , وهو أيضا نوع من الكهانة , وهو أن ~~يخط في الأرض خططا في الطول , ثم يخط عليها خططا في العرض , ثم يطرق بالحصى ~~أو بالشعير أو بخشبات , ولا يزال يخط ويمحو ويعيد ثم يتكهن عليه , ومن هذا ~~الباب أيضا علم الكتف وهو أن ينظر في كتف شاة فيحدث بأشياء تكون في العالم ~~مثل الحروب والأمطار والرياح والجدب والخصب وغير ذلك , وهذا يقال له : ~~الكتاف , كأنه أشتق له اسم من الكتف مثل العراف لأن العراف من جنس العيافة ~~, والعيافة والعرافة , سواء , فهذه الأشياء كلها من السحر والكهانة ~~والقيافة والعيافة والخط والطرق والكتف وما أشبهها , قد جاءت فيها الإخبار ~~والروايات , ويطول الخطب بها , وهي كلها مكروهة حرام , فمنها ما جاء فيها ~~التشديد مثل السحر , والكهانة , ومنها ما جاء في القليل منها الرخص ~~والتخفيف مثل القيافة والعيافة والكتف - انتهى . | وهو ms4181 مسلم له في القيافة ~~, وأما غيرها فمنازع فيه , ثم قال : فأكثر هذه الأشياء أصولها من الأنبياء ~~عليهم السلام , فإذا استعملت بعد النسخ وبعد ما جاء فيها النهي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كانت حراما تدعو إلى الكفر والتعطيل وغير ذلك من أنواع ~~الفساد , ثم قال : وما كان من أمر مشركي العرب فقد درس دروسا لا يعرف ولا ~~يحتاج إلى ذكر كيفيته إذ كان متلاشيا لا أثر له , ولكن لا يستغني الفقهاء ~~والعلماء عن معرفته إذ كان له في القرآن ذكر , وإذ كان واجبا على العلماء ~~تعلم ما في القرآن على حسب طاقتهم , والجهل به نقص عليهم - والله أعلم ~~بالصواب . | PageV06P305 < < # | الصافات : ( 29 - 37 ) قالوا بل لم . . . . . # > > ^ ( قالوا بل لم تكونوا مؤمنين * وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم ~~قوما طاغين * فحق علينا قول ربنآ إنا لذآئقون * فأغويناكم إنا كنا غاوين * ~~فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون * إنا كذلك نفعل بالمجرمين * إنهم كانوا إذا ~~قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون * ويقولون أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر ~~مجنون * بل جآء بالحق وصدق المرسلين ) ^ } ) | ولما أشار سبحانه بتسمية ~~كلامهم هذا سؤالا إلى أن مرادهم : فهل أنتم مغنون عنا شيئا أو حاملون عنا ~~جزءا من العذاب ؟ وكان كأنه قيل : بم أجاب الرؤساء بعد هذا القول من ~~الأتباع ؟ قيل : { قالوا بل } أي لم يكن كفرهم سببا بل : { لم تكونوا ~~مؤمنين * } أي عريقين في هذا الوصف بجبلاتكم فلذلك تابعتمونا فيما أمرناكم ~~به لأنه كان في طبعكم , وهذا دليل على أن من لم يكن راسخا في الإيمان كان ~~منهم , ثم أكدوا هذا المعنى بقوله نافين لما أشاروا باليمين إليه : { وما ~~كان } أي كونا ثابتا { لنا عليكم } وأعرقوا في النفي بقولهم : { من سلطان } ~~أي فأكرهنا بذلك السلطان , إنما تبعتمونا باختياركم وهو معنى { بل كنتم } ~~أي جبلة وطبعا { قوما } أي ذوي قوة وكفاية لما تحاولونه من الأمور { طاغين ~~* } أي مجاوزين لمقاديركم غالين في الكفر مسرفين في المعاصي والظلم , ولذلك ~~أنكم خلق لا تحتاجون فيه إلى كبير تحرك { فحق علينا ms4182 } أي كلنا نحن وأنتم ~~بسبب ذلك , وعبروا بما يدل على ندمهم فقالوا : { قول ربنا } أي الذي قابلنا ~~إحسانه إلينا وتربيته لنا بالكفران , وقوله هو الحكم بالضلال لما في قلوبنا ~~من لقابلية له والإباء للإيمان , فالحكم بالعذاب . | ولما تصوروا ما صاروا ~~إليه من الخطأ الفاحش عن الطريق الواضح , وعلموا أن مثل ذلك لا يتركه أحد ~~إلا بقهر قاهر فتصوروا أنه ما قسرهم عليه إلا حقوق الكلمة العليا علموا ~~أنهم مثل ما صاروا إلى حكمها في الكفر يصيرون إلى حكمها في العذاب , فقالوا ~~لما دهمهم من التحسر مريدين بالتأكيد قطع إطماع الأتباع عما أفهمه كلامهم ~~من أن الرؤساء يغنون عنهم شيئا : { إنا } أي جميعا { لذائقون * } أي ما وقع ~~لنا به الوعيد من سوء العذاب . | ولما قضوا علالة التحسر والتأسف والتضجر , ~~رجعوا إلى إتمام ذلك الكلام فقالوا : { فأغويناكم } أي أضللناهم واوقعانكم ~~في الغي بسبب حقوق ذلك القول علينا , ثم عللوا ذلك بقولهم مؤكدين أيضا لرد ~~ما ادعاه الأتباع من أنه ما كا سبب إغوائهم إلا الرؤسائ : { إنا } أي جميعا ~~{ كنا غاوين * } أي في طبعنا الغواية , وهي العدول عن الطريق المثلى إلى ~~المهالك . | PageV06P306 ولما قال لهم الرؤساء ما هو الحق من امرهم مما ~~أوجب الحكم باشتراكهم , سبب عنه قوله تعالى مؤكدا دفعا لمن يتوهم اختصاص ~~العذاب بالسبب : { فإنهم } أي الفريقين بسبب ما ذكروا عن أنفسهم { يومئذ } ~~أي يوم إذ كان هذا القول بينهم { في العذاب } أي الأكبر { مشتركون * } أي ~~في أصله , وهم مع ذلك متفاوتون في وصفه على مقادير كفرهم كما كانوا ~~متشاركين في السبب متفاوتين في شدتهم فيه ولينهم - هذا وقد قال البخاري في ~~صحيحه في تفسير حم السجدة : وقال المنهال عن سعيد : قال رجل لابن عباس رضي ~~الله عنهما : إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي قال { فلا انساب بينهم ~~يومئذ ولا يتساءلون } { وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون } { ولا يكتمون الله ~~حديثا } { والله ربنا ما كنا مشركين } فقد كتموا في هذه الآية , وقال : { ~~السماء بناها } إلى قوله : { دحاها } فذكر خلق السماء قبل ms4183 خلق الأرض , ثم ~~قال { أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } إلى { طائعين } فذكر في ~~هذه الآية خلق الأرض قبل السماء , وقال : { وكان الله غفورا رحيما } { ~~عزيزا حكيما } { سميعا بصيرا } فكأنه كان ثم مضى , فقال : { فلا أنساب ~~بينهم } في النفخة الأولى ثم ينفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض , إلا من شاء الله فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون , ثم في النفخة ~~الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون , وأما قوله { ما كنا مشركين } { ولا ~~يكتمون الله حديثا } فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم , وقال المشركون : ~~تعالوا نقول : لم نكن مشركين , فنختم على أفواههم فتنطق أيديهم , فعند ذلك ~~عرف أن الله لا يكتم حديثا , وعنده يود الذين كفروا - الآية , وخلق الأرض ~~في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحا ~~الأرض , و { دحاها } أي أخرج منها الماء والمرعى , وخلق الجبال والآكام وما ~~بينهما في يومين آخرين , فذلك قوله { دحاها } وقوله : خلق الأرض في يومين , ~~فجعلت الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلقت السماوات في يومين , وكان ~~الله غفورا رحيما , سمى نفسه ذلك , وذلك قوله , أي لم يزل كذلك , فإن الله ~~لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد , فلا يختلف عليك القرآن فإن كلا من عند ~~الله . | وقال في سورة المرسلات : وسئل ابن عباس رضي الله عنهما { هذا يوم ~~لا ينطقون } { والله ربنا ما كنا مشركين } { اليوم نختم على أفواههم } فقال ~~: إنه ذو ألوان , مرة ينطقون ومرة يختم عليهم . | PageV06P307 ولما أخبر ~~سبحانه باشتراكهم , استأنف الإخبار بما يهول أمر عذابهم ويشير إلى عمومه في ~~الدارين لكل من شاركهم في الإجرام , فقال مؤكدا دفعا لظن من ينكر القيامة ~~وظن من يرى الإملاء للمجرم في الدنيا نعمة وينفي كونه نقمة , أو يفعل في ~~التمادي في الإجرام فعل المنكر ؛ { إنا } أي بما لنا من العظمة التي لا ~~يفوتها شيء { كذلك } أي مثل هذا الفعل العظيم الشأن { نفعل } بهم - هكذا ~~كان الأصل , ولكنه علق بالوصف ms4184 تعميما وتعليلا فقال : { بالمجرمين * } أي كل ~~قاطع لما أمر الله به أن يوصل في الدنيا والآخرة , نهمل ثم نأخذ أخذا عنيفا ~~يصير به المشتركون في الظلم أعداء يتخاصمون , ويحيل بعضهم على بعض ثم لا ~~ينفعهم ذلك , بل نشارك بينهم في العقوبة , ثم علل تعذيبه لهم بقوله مؤكدا ~~للتعجب منهم لأن فعلهم هذا أهل لأن ينكر لأن هذه الكلمة لا يصدق عاقل أن ~~أحدا يستكبر عليها لأنه لا شيء أعدل منها : { إنهم كانوا } أي دائما { إذ ~~قيل لهم } أي من أي قائل كان : { لا إله } أي يمكن , وإذا نفي الممكن كان ~~الموجود أولى فإنه لا يوجد إلا ما يمكن وجوده وإن كان واجبا { إلا الله } ~~أي الملك الأعلى المباين لجميع الموجودات في ذاته وصفاته وافعاله كما هو ~~الحق ليفردوه بالإلهية كما تفرد بالخالقية كما لا يخفى على من له أدنى مسكة ~~بصفات الكمال , وقدم النفي لأن التحلية لا تكون إلا بعد التخلية { يستكبرون ~~* } أي يوجدون الكبر عن الإقرار بهذا الحق الذي لا أعدل منه وعن متابعة ~~الداعي إليه , استكبار من هو طالب للكبر من نفسه ومن غيره لما فيه من ~~العراقة والعتو , فلم يكن لهم مانع من أبواب جهنم السبعة التي جعلت كل كلمة ~~من هذه الكلمة مع قرينتها الشاهدة بإرساله مانعة من باب منها وإلا كان في ~~شيء من ساعات أيامهم - التي هي بعدد حروفهما أربعة وعشرون - خير ينجيهم من ~~المكارة . | ولما أخبر أنهم استكبروا على توحيد الإله , أتبعه الإخبار ~~بأنهم تكلموا في رسوله صلى الله عليه وسلم بما لا يرضاه : فقال : { ويقولون ~~} أي كل حين ما دلوا به على بعدهم عن الإيمان كل البعد بسوقهم لقولهم ذلك ~~في استفهام إنكاري مؤكدا : { إئتا لتاركوا آلهتنا } اي عبادتها , وكان ~~تأكيد أصل الكلام للإشارة إلى أن تكذيبهم صادر منهم مع علمهم بأن كل عالم ~~بحالهم يراهم جديرين بترك ما هم عليه لما جاء به صلى الله عليه وسلم , ~~ولذلك أعلم بأن ما هم عليه عناد بسوق تكذيبهم على وجه معلوم التناقض ~~بالبديهة ms4185 بقوله : { لشاعر مجنون * } فإن الجنون لا نظام معه , والشعر يحتاج ~~إلى عقل رصين وقصد قويم , وطبع في الوزن سليم , أو للإشارة إلى أن إنكار ~~المؤكد إنكار لغيره بطريق الأولى . | ولما كان مرادهم بذلك أن كلامه باطل , ~~فإن أكثر كلام الشاعر غلو وكذب وكلام PageV06P308 المجنون تخليط , كان كأنه ~~قال في جوانهم : إنه لم يجئ بشرع ولا جنون : { بل حياء بالحق } أي الكامل ~~في الحقية . | ولما كان ما جاء به أهلا لكونه حقا لأن يقبل وإن خالف جميع ~~أهل الأرض , وكان موافقا مع ذلك لمن تقرر صدقهم واشتهر اتباع الناس لهم , ~~فكان أهلا لأن يقبله هؤلاء الذين أنزلوا أنفسهم عن أوج معرفة الرجال بالحق ~~إلى حضيض معرفة الحق على زعمهم بالرجال , فكان مآل أمرهم التقليد قال : { ~~وصدق المرسلين * } أي الذين علم كل ذي لب أنهم أكمل بدور أضاء الله بهم ~~الإكوان في كل أوان , وتقدم في آخر سورة فاطر أنهم عابوا من كذبهم { ~~وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم أحد منهم ليؤمنن به فكذبوا } بأن ~~كذبوا سيدهم بهذا الكلام المتناقض . | < < # | الصافات : ( 38 - 45 ) إنكم لذائقوا العذاب . . . . . # > > ^ ( إنكم لذآئقو العذاب الأليم * وما تجزون إلا ما كنتم تعملون * إلا ~~عباد الله المخلصين * أولئك لهم رزق معلوم * فواكه وهم مكرمون * في جنات ~~النعيم * على سرر متقابلين * يطاف عليهم بكأس من معين ) ^ } ) | ولما وصلوا ~~إلى هذا الحد من الطغيان , والزور الظاهر والبهتان , تشوف السامع إلى ~~جزائهم فاستأنف الإخبار بذلك مظهرا له في أسلوب الخطاب إيذانا بتناهي الغضب ~~, فقال في قالب التأكيد نفيا لما يترجمونه من العفو بشفاعة من ادعوا أنهم ~~يقربونهم زلفى , ووعظا لهم ولأمثالهم في الدنيا فيما ينكرونه حقيقة أو ~~مجازا : { إنكم } أي أيها المخاطبون على وجه التحقير المجرمين { لذائقوا } ~~أي بما كنتم تضيقون أولياء الله { العذاب الأليم * } ولما كان سبحانه الحكم ~~العدل فلا يظلم أحدا مثقال ذرة فلا يزيد في جزائه شيئا على ما يستحق مع أن ~~له أن يفعل ما يشاء ولا يكون فعله - كيفما كان - إلا عدلا قال : { ما } أي ~~والحال أنكم ms4186 ما { تجزون } أي جزءا من الجزاء { إلا ما } أي مثل ما . | ولما ~~كانوا مطبوعين على تلك الخلال السيئة , بين أنها كانت خلقا لهم لا يقدرون ~~على الانفكاك عنها بالتعبير بأداة الكون فقال : { كنتم تعملون * } نفيا ~~لوهم من قد يظن أنهم فعلوا شيئا بغير تقديره سبحانه . | ولما كان في ~~المخاطبين بهذا من علم الله أنه سيؤمن , و استثنى من واو ( ذائقوا ) قوله ~~مرغبا لهم في الإيمان مشيرا إلى أنهم لا يحملهم على الثبات على ما هم عليه ~~من الضلال إلا غش الضمائر بالرياء وغيره , فهو استثناء متصل بهذا الاعتبار ~~الدقيق : { إلا عباد الله } فرغبهم بوصف العبودية الذي لا أعز منه , ~~وأضافهم زيادة في الاستعطاف إلى الاسم الأعظم الدال على جميع صفات الكمال , ~~PageV06P309 وزاد رغبا بالوصف الذي لا وصف أجل منه فقال : { المخلصين * } . ~~| ولما خلصهم منهم , ذكر ما لهم فقال معظما لهم بأداة البعد : { أولئك } أي ~~العالو القدر بما صفوا أنفسهم عن أكدار الأهوية { لهم رزق معلوم } أي ~~يعلمون غائبه وكائنه وآتيه وطعمه ونفعه وقدره وغبه وجميع ما يمكن علمه من ~~أموره , وليسوا مثل ما هم عليه في هذه الدار من كدر الأخطار { لا تدري نفس ~~ماذا تكسب غدا } لأن النفس إلى المعلوم أسكن , وبالأنس إليه أمكن . | ولما ~~كان أهل الجنة لا يأكلون تقوتأ واحتياجا , بل تنعما والتذاذا وابتهاجا , ~~لأن أجسامهم محكمة مخلوقة للأبد , فهي غير محتاجة إلى حفظ الصحة قال : { ~~فواكه } أي يتنعمون بها بما كدروا من عيشهم في الدنيا . | ولما كان الذي هو ~~نعيم الجسم لا يحمد غاية الحمد إلا ما العز الذي هو غذاء الروح قال : { وهم ~~مكرمون * } بناه للمفعول إشارة إلى أن وجود إكرامهم من كل شيء أمر حتم لا ~~يكون غيره أصلا . | ولما كان الإكرام لا يتم إلا مع طيب المقام قال : { في ~~جنات النعيم * } أي التي لا يتصور فيها غيره . | ولما كان التلذذ لا يكمل ~~إلا مع الأحباب , وكانت عادة الملوك الاختصاص بالمحل الأعلى , بين أنهم ~~كلهم ملوك فقال : { على سرر متقابلين * } أي ليس فيهم أحد ms4187 وجهه إلى غير وجه ~~الآخر على كثرة العدد . | ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالشراب , وكان المقصود ~~الطواف فيه , لا كونه من معين , قال : { يطاف } بالبناء للمفعول وكأنها ~~يدلى إليهم من جهة العلو ليكون أشرف لها وأصون , فنبه على ذلك بأداة ~~الاستعلاء فقال : { عليهم } أي وهم فوق أسرتهم كالملوك { بكأس } أي إناء ~~فيه خمر , قالوا : وإن لم يكن في الزجاجة خمر فهي قدح , ولا تسمى كأسا إلا ~~والخمر فيها { من معين * } أي من خمر جارية في أنهارها , ظاهرة للعيون تنبع ~~كما تنبع الماء لا يعالجونها بعصير , ولا يحملهم على الرفق بها والتقصير ~~فيها نوع تقصير , قال الرازي : إنما سميت به إما من ظهروها للعين أو لشدة ~~جريها من الإمعان في السير أو لكثرتها من المعن , وهو الكثير , وسمي ~~الماعون لكثرة الانتفاع به , ويقال : مشرب ممعون : لا يكاد ينقطع . | < < # | الصافات : ( 46 - 54 ) بيضاء لذة للشاربين # > > ^ ( بيضآء لذة للشاربين * لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون * وعندهم ~~قاصرات الطرف عين * كأنهن بيض مكنون * فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قال ~~قآئل منهم إني كان لي قرين * يقول أإنك لمن المصدقين * أإذا متنا وكنا ~~ترابا وعظاما أإنا لمدينون * قال هل أنتم مطلعون ) ^ } ) | PageV06P310 ~~ولما كان أول ما يختار في الشراب لونه ثم طعمه , قال واصفا ما في الكأس من ~~الخمر استخداما : { بيضاء } أي مشرقة صافية هي في غاية اللطافة تتلألأ نورا ~~, وأعرق في وصفها بالطيب بجعلها تفسيرا للمعنى في قوله : { لذة للشاربين * ~~} بما كانوا يتجرعون من كأسات الأحزان والأنكاد , واظهر موضع الإضمار ~~تعميما وتعليقا للحكم بالوصف , وجمع إشارة إلى أنهم لا يعلونها إلا كذلك ~~بما فيه من مزيد اللذة . | ولما كان قد أثبت لها الكمال , نفى عنها النقص ~~فقال : { لا فيها غول } أي فساد من تصديع رأس أو إرخاء مفصل أو إخماء كبد ~~أو غير ذلك مما يغتال أي يهلك , أو يكون سببا للهلاك { ولا هم عنها } أي ~~عادة بعد شربها { ينزفون * } أي يذهب شيء من عقولهم وإن طال شربهم وكثر ~~لئلا ينقص نعيمهم ولا ms4188 ينفذ شرابهم أو ما عندهم من الجدة لكل ما يسر به - ~~على قراءة حمزة والكسائي بكسر الزاي من أنزف - مبينا للفاعل مثل أقل وأعسر ~~- إذا صار قليل المال , أو ذهب عقله , وقراءة الجماعة بالبناء للمفعول ~~يحتمل أن تكون من نزف , وحينئذ يحتمل أن تكون من نفاذ الشراب من قولهم : ~~نزفت الركية , اي ذهب ماؤها , وحينئذ يحتمل أن تكون من ذهاب العقل من أنزف ~~الرجل - إذا ذهب عقله بالسكر , وأن تكون من عدم الشراب من قولهم : نزف ~~الرجل الخمرة - سواء كان مبينا للفاعل أو المفعول - إذا أفناها . | ولما ~~كان كله لا يكمل إلا بالجماع , والخمر أدعى شيء إليه , وهو لا يكمل النعيم ~~به إلا بالاختصاص قال : { وعندهم } نساء من أهل الدنيا وغيرها { قاصرات ~~الطرف } أي لا تطرف واحدة منهن إلى غير زوجها ولا يدعه تناهي حسنها وفرط ~~جمالها طرفها يطرف إلى غيرها { عين * } أي نجل العيون , جمع عيناء , كسرت ~~عينه لمناسبة الياء . | ولما كان أحسن الألوان لا سيما عند العرب الأبيض ~~الأحمر المشرب صفرة أكتسبته صفاء وإشراقا وبهاء , قال : { كأنهن بيض } أي ~~بيض نعام { مكنون * } أي مصون من دنس يلحقه , وغبار يرهقه , ولمحبة العرب ~~لهذا اللون كانت تقول عن النساء بيضات الخدور لأنه لونه أبيض مشربا صفرة ~~صافية , وقد صرح امرؤ القيس بهذا في لاميته المشهورة فقال : | كبكر مقناة ~~البياض بصفرة غذاها نمير الماء غير المحلل | أي مخالطة البياض المائل إلى ~~الحمرة بصفرة , وهو أصفى الألوان واعدلها , يشابه لون نور القمر . | ~~PageV06P311 ولما كان ذلك الاجتماع إنما هو للسرور , وكان السرور لا يتم ~~إلا بالمنادمة , وكان أحلى المنادمة ما يذكر بحلول نعمة أو انحلال نقمة , ~~تسبب عن ذلك ولا بد قوله إشارة إلى فراغ البال وصحة العقل بالإصابة في ~~المقال : { فأقبل بعضهم } أي أهل الجنة بالكلام , وأشار إلى أن مجرد ~~الإقبال بالقصد يلفت القلوب إلى سماعه بأداة الاستعلاء فقال : { على بعض } ~~أي لأجل الكلام الذي هو روح ذلك المقام , وأما المواجهة فقد تقدم أنها ~~دائمة , وبين حال هذا الإقبال فقال : { يتساءلون * } أي ms4189 يتحدثون حديثا بينا ~~لا خفاء بشيء منه بما أشار إليه الإظهار بما حقه أن يهتم به ويسأل عنه من ~~أحوالهم التي خلصوا منها بعد أن كادت ترديهم , وسماه سؤالا لأنه مع كونه ~~أهلا لأن يسأل عنه - لا يخلو عن سؤال أدناه سؤال المحادث أن يصغي إلى ~~الحديث , وعبر عنه بالماضي إعلاما بتحققه تحقق ما وقع . | ولما تشوف السامع ~~إلى سماع شيء منها يكون نموذجا للباقي , أشار إلى ذلك بقوله مستأنفا : { ~~قال قائل منهم } أي في هذا التساؤل , وشتان ما بينه وبين ما مضى خبره من ~~تساؤل أهل النار . | ولما كان ظنه أنه لا يخلص من شر ذلك القرين الذي يحدث ~~عنه فنجاه الله منه على خلاف الظاهر , فكان ذلك إحدى النعم الكبرى , نبه ~~عليه بالتأكيد فقال : { إني كان لي قرين * } أي جليس من الناس كأنه شيطان ~~مبين { يقول } أي مكذبا بالبعث مستبعدا له غاية الاستبعاد مجددا لقوله في ~~كل وقت , يريد أن يختدعني بلطافة قياده إلى سوؤ اعتقاده : { أإنك لمن ~~الصادقين * } أي بالبعث - يوبخني بذلك ويستقصر باعي في النظر استثارة لهمتي ~~وإلهابا لنخوتي وحميتي , ويكرر الإنكار بقوله : { أإذ متنا } أي فذهبت ~~أوراحنا { وكنا } أي كونا راسخا { ترابا وعظاما } أي فانمحقت أجسامنا التي ~~هي مراكب الأرواح { أإنا لمدينون * } أي لمجزيون بعد ذلك بما عملنا بان ~~نبعث ونجازى , وكان تأكيده للإشارة منه إلى كل عاقل جدير بأن يكذب بما ~~أقررت به لبعده , أو إلى أنه مكذب به ولو كان مؤكدا . | ولما كان هذا ~~المقال سببا لعظيم تشوف السامع إلى ما يكون بعده , وكان أهل الجنة من علو ~~المكان والمكانة وصحة الأجسام وقوة التركيب ونفوذ الأبصار بحيث ينظرون ما ~~شاؤوا من النار وغيرها مما دونهم متى شاؤوا , استانف قوله مشيرا إلى أن ~~حاله هذت معلم أنه من أهل النار : { قال } أي هذا القائل لشربه هؤلاء الذين ~~هم كما قال بعضهم في موشح : | رب شرب كالعقد قد نظموا في ثياب طرازها الكرم ~~PageV06P312 فاغتنمت الهنا كما اغتنموا وظننت الكؤوس بينهمو أنجما في سماى ~~الهناء ترى ms4190 كل نجم يغيب في بدر | { هل أنتم مطلعون * } أي شافون قلبي بأن ~~تتركوا ما أنتم فيه من تمام اللذة وتكلفوا أنفسكم النظر معي في النار ~~لتسروني بذلك . | < < # | الصافات : ( 55 - 62 ) فاطلع فرآه في . . . . . # > > ^ ( فاطلع فرآه في سوآء الجحيم * قال تالله إن كدت لتردين * ولولا ~~نعمة ربي لكنت من المحضرين * أفما نحن بميتين * إلا موتتنا الأولى وما نحن ~~بمعذبين * إن هذا لهو الفوز العظيم * لمثل هذا فليعمل العاملون * أذلك خير ~~نزلا أم شجرة الزقوم ) ^ } ) | ولما كان المحدث عنه المخلصين , وهم أهل ~~الجنة كلهم أو جلهم , وكان الضمير يعود لما سبقه بعينه , وكان مخاطبو هذا ~~القائل إنما هم شربه , وكان من المعلوم مما مضى من التقابل والتواد ~~والتواصل بالمنادمة والتساؤل أنهم ينتدبون ندبهم إليه ويقبلون قطعا عليه , ~~وكان النافع لنا إنما هو قوله فقط في توبيخ عدوه وتغبيط نفسه ووليه , لم ~~يجمع الضمير لئلا يلبس فيوهم أنه للجميع , وأعاده عليه وحده لنعتبر بمقاله ~~, ونتعظ بما قص علينا من حاله فقال : { فاطلع } أي بسبب ما رأى لنفسه في ~~ذلك من في وسطها وغمرتها تضطرم عليه أشد اضطرام بما كان يضرم في قلبه في ~~الدنيا من الحر كلما قال له ذلك المقال , وسمي الوسط سواء لاستواء المسافة ~~منه إلى الجوانب كمركز الدائرة , ثم استأنف الإخبار عن مكافأته له بما كان ~~من تقريعه وتوبيخه على التصديق بالآخرة بقوله : { قال } أي لقرينه ذلك . | ~~ولما كان لا يقع في فكر أنه كان يتلفت إلى قوله هذا نوع التفاف لأنه ظاهر ~~البطلان , ولأن هذا القائل محكوم بأنه من أهل الجنة , أكد قوله إشارة إلى ~~أنه كان يؤثر فيه قوله في كثير من الأوقات بما يزينه به الشيطان وتحسنه ~~النفوس بالشهوات , والراحة من كلف الطاعات , وساقه في أسلوب القسم تنبيها ~~على التعجب من سلامته منه فقال : { تالله } وزاد التأكيد بعم ما علقه ~~بالاسم الأعظم بالمخففة من المثقلة فقال : { إن كدت لتردين } أي إنك قاربت ~~أن تهلكني وتجعلني في أردأ ما يكون من الأماكن , وفي هذا التأكيد غاية ~~الترغيب في ms4191 الثبات لمن كان قريبا من التزلزل وفي المباعدة لقرناء السوء . | ~~ولما ذكر سوء ما كان يأتي إليه , ذكر حسن أثر الله سبحانه عنده , فقال ~~لافتا الكلام إلى صفة الإحسان لأنه مقامه : { ولولا نعمة ربي } أي المحسن ~~إلي بما رباني به من تثبيتي عن أتباعك والتجاوز عني في مخالطتك { لكنت } ~~كونا ثابتا { من PageV06P313 المحضرين * } أي المكرهين على حضور هذا الموطن ~~الضنك الذي أنت فيه , فيالله ما أعظم إحسان هذه الآية في التنفير من العشرة ~~لقرناء السوء لأنها شديدة الخطر قبيحة الأثر , ولقد أبان نظره هذا عن أنه ~~لم يكن أعلى لذة مما كان فيه فليس بأدنى منه , فإنه لا شيء ألذ من رؤية ~~العدو الماكر الذي طالما أحرق الأكباد وشوش الأفكار , في مثل دلك من ~~الإنكار , وعظائم الأكدار , من غمرات النار . | ولما رأى ذاك فيما هو فيه ~~من الجحيم , ورأى نفسه فيما هي فيه من النعيم , ما ملك نفسه أن قال كما ~~يعرض لمن يكون في شدة فيأتيه الفرج فجأة فيصير كأنه في منام أو أضغاث أحلان ~~, لا يصدق ما صار إليه سرورا : { أفما } أي أنحن يا إخواني منعمون مخلدون ~~فيتسبب عن ذلك أنا ما { نحن بميتين * } أي بعد حالتنا هذه , وأكده لأن مثله ~~لأجل نفاسته لا يكاد يصدق , ثم أعرق في العموم بما هو معياره فقال : { إلا ~~موتتنا الأولى } أي التي كانت في الدنيا . | ولما ذكر نعمة الخلاص من الموت ~~, ذكر نعمة الإنقاذ من الأكدار فقال : { وما } { نحن } وأكد النفي فقال : { ~~بمعذبين * } ولما تذكر هذا فاستفزه السرور , وازدهته الغبطة والحبور , لم ~~يملك نفسه أن قال في أسلوب التأكيد لما له في ذلك من النشاط لما له من خرق ~~العادة منبها على عظمته لتعظيم الغبطة : { إن هذا } أي الملك الذي نحن فيه ~~{ لهو } أي وحده { الفوز العظيم * } أي الذي لا شيء يعدله . | ولما دل هذا ~~السياق على عظيم ما نالوه , زاد في تعظيمه بقوله : { لمثل هذا } أي الجزاء ~~{ فليعمل العاملون * } أي لينالوه فإنهم يغتنون غنى لا فقر بعده بخلاف ما ~~يتنافسون ms4192 فيه ويتدالجون عليه من أمور الدنيا , فإنه مع سرعة زواله منغض ~~بكدره وملاله . | ولما فات الوصف هذا التشويق إلى هذا النعيم , رمى في نعته ~~رمية أخرى سبقت العقول وتجاوزت حد الإدراك وعلت عن تخيل الوهم في استفهام ~~منفر من ضده بمقدار الترغيب فيه لمن كان له لب فقال : { أذلك } الجزاء ~~البعيد المنال البديع المثال { خير نزلا } فأشار بذلك إلى أنه إنما هو شيء ~~يسير كما يقدم للضيف عند نزوله على ما لاح في جنب ما لهم وراء ذلك مما لا ~~تسعه العقول ولا تضبطه الفهوم : { أم شجرة الزقوم * } أي التي تعرفها بأنها ~~في غاية النتن والمرارة , من قولهم : تزقم الطعام - إذا تناوله على كره ~~ومشقة شديدة , وعادل بين ما لا معادلة بينهما بوجه تنبيها على ذلك , ولأنهم ~~كانوا يرون ما سبب ذلك من الأعمال خيرا من أعمال المؤمنين التي سببت لهم ~~النعيم , فكأنهم كانوا يقولون : إن هذا العذاب خير من النعيم , فسيق ذلك ~~كذلك توبيخا لهم على سوء أختيارهم . | PageV06P314 < < # | الصافات : ( 63 - 70 ) إنا جعلناها فتنة . . . . . # > > ^ ( إنا جعلناها فتنة للظالمين * إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم * ~~طلعها كأنه رءوس الشياطين * فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون * ثم إن ~~لهم عليها لشوبا من حميم * ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم * إنهم ألفوا آبآءهم ~~ضآلين * فهم على آثارهم يهرعون ) ^ } ) | ولما كان قد أخبر أن نباتها في ~~النار , فكان ذلك سببا لزيادة تكذيبهم لأن عدم إيمانهم كان سببا لضيق ~~عقولهم , قال مؤكدا ردا على من يظن أن سيحانه لا يفتن عباده لأنه غني عن ~~ذلك : { إنا جعلناها } أي الشجرة بما لنا من العظمة { فتنة للظالمين * } أي ~~الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها كمن هو في الظلام بكونها عذابا لهم في ~~الأخرى وسببا لزيادة ضلالهم في الدنيا , ولو وضعوها مواضعها لعلموا أن من ~~جعل في الشجر الأخضر نارا لا تحرقه يستخرجونها هم متى شاؤوا فيحرقون بها ما ~~شاؤوا من حطب وغيره قادر على أن ينبت في النار شجرا اخضر لا تحرقه النار , ~~ثم نبه على أن ms4193 محل الفتنة جعلها فيما ينكرونه , فقال تعالى مؤكدا لأجل ~~إنكارهم معللا لجعلها فتنة تخالطهم فتحيلهم في الدنيا بحرها وفي الأخرى ~~بأثرها : { إنها } وحقق أمر نباتها بقوله : { شجرة } وزاد الأمر بيانا ~~بقوله : { تخرج } وأكده بالظرف فقال : { في أصل } أي ثابت وقعر ومعظم وقرار ~~{ الجحيم } أي النار الشديدة الاضطرام فقال : { في أصل } أي ثابت وقعر ~~ومعظم وقرار { الجحيم } أي النار الشديدة الاضطرام وفروعها ترتفع إلى ~~دركاتها , ثم زاد ذلك وضوحا وتصويرا بقوله : { طلعها } أي الذي هو مثل طلع ~~النخل في نموه ثم تشققه عن ثمرة { كأنه رءوس الشيطان * } فيما هو مثل عند ~~المخاطبين فيه , وهو القباحة التي بلغت النهاية , وهذا المثل واقع في أتم ~~مواقعه سواء كان الشيطان عندهم أسما للحية أو لغيرها , لأن قبح الشياطين ~~وما يتصل بهم في أنهم شر مخص لا يخلطه خير مقرر في النفوس , ولهذا كان كل ~~من استقبح منظر إنسان أو فعله يقول : كأنه شيطان , كما انطبع في النفوس حسن ~~الملائكة وجلالتهم فشبهوا لهم الصور الحسان , ولذلك سميت العرب ثمر شجر ~~يقال له الأستن بهذا الاسم , وهو شجر خشن مر منتن منكر الصورة . | ولما ~~أثبت أمرها بما هو في غاية الفتنة لها واللطف للمؤمنين , سبب عن الفتنة بها ~~قوله : رادا لإنكارهم أن يأكلوا مما لا يشتهونه ومكذبا لما كانوا يدعون من ~~المدافعة : { فإنهم } أي بسبب كفرانهم بها وبغيرها مما أمرهم الله { لآكلون ~~منها } أي من هذه الشجرة من شوكها وطلعها وما يريد الله بما يؤلم منها . | ~~ولما كانوا قد زادوا في باب التهكم في أمرها , زاد التأكيد في مقابلة ذلك ~~بقوله : { فمالئون منها } ومن غيرها في ذلك الوقت الذي يريد الله أكلهم ~~منها { البطون * } قهرا على ذلك وإجبارا . | ولما أحرق PageV06P315 أكبادهم ~~من شديد الجوع زيادة فيث العذاب , ولما جرت العادة بأن الآكل المتنعم يتفكه ~~بعد أكله بما يبرد غلة كبده , قال مشيرا إلى تناهي شناعة متفكههم , وطويل ~~تلهبهم من عطشهم , بأداة التراخي وآلة التأكيد لما لهم في ذلك من عظيم ~~الإنكار : { ثم إن لهم عليها } أي ms4194 على أكلهم منها { لشويا } أي خلطا عظيم ~~الإحراق { من حميم * } أي ماء حار كأنه مجمع من مياه من عصارات شتى من قيح ~~وصديدونحوهما - نسأل الله العافية . | ولما كان ما ذكر للفريقين إنما هو ~~النزل الذي مدلوله ما يكون في أول القدوم على حين غفلة , وكانوا يريدون ~~الحميم كما يورد الإبل الماء , وكان قوله تعالى < # > 77 ( { يطوفون بينها وبين حميم آن } ) 77 < # > [ الرحمن : 44 ] يدل على أن ذلك خارجها أو خارج غمرتها , كما تكون ~~الأحواض في الحيشان خارج الأماكن المعدة للأبل , قال مبينا أنه لهم ما هو ~~أشد شناعة من ذلك ملوحا إليه بأداة التراخي : { ثم إن مرجعهم } أي بعد ~~خروجهم من دار ضيافتهم الزقومية { لإلى الجحيم * } أي ذات الاضطرام الشديد ~~, والزفير والبكاء والاغتنام الطويل المديد , كما أن حزب الله يتقلبون من ~~جنات النعيم إلى جنات المأوى مثلا إلى جنات عدن إلى الفردوس التي لا يبغون ~~عنها حولا كما ينقل أهل السعة والأكابر من أهل الدنيا ضيوفهم في البساتين ~~المتواصلة والمناظر , وينزهزنهم في القصور العالية والدساكر . | ولما أخبر ~~عن عذابهم هذا , وكان سببه الجمود مع العادة الجارية على غير الحق , ~~والتقيد بما ألفته النفس ومال إليه الطباع , مما أصله من يعتقدون أنه أكبر ~~منهم وأتم عقلا , علل ذلك تحذيرا من مثله لأنه كان سبب هلاك أكثر الخلق , ~~وأكده لأنهم ينكرون ضلال من اصل لهم , فتلك العوائد من آبائهم وغيرهم فقال ~~: { إنهم ألفوا } أي وجدوا وجدانا ألفوه { آباءهم ضالين * } أي عريقين في ~~الضلال , فما هم فيه لا يخفى على أحد أنه ضلال يتسبب عنه النفرة عن صاحبه { ~~فهم } أي البعداء البغضاء { على آثارهم } أي التي لا تكاد تبين لأحد لخفاء ~~مذاهبها لوهيها وشدة ضعفها وانطماس معالمها , لا على غيرها { يهرعون * } أي ~~كأنهم يلجئهم ملجئ إلى الإسراع , فهم في غاية المبادرة إلى ذلك من غير توقف ~~على دليل ولا استضاءة بحجة بحيث يلحق صاحب هذا الإسراع من شدة تكالبه عليه ~~شيء هو كالرعدة , وذلك ضد توقفهم وجمودهم فيما أتاهم به رسولنا صلى الله ms4195 ~~عليه وسلم من شجرة الزقوم وغيرها مما هو في غاية الوضوح والجلاء , فأمعنوا ~~في التكذيب به والاستهزاء , وأصروا بعد قيام الدلائل , فكانوا كالجبال ~~ثبانا على ضلالهم , والحجارة الصلاب الثقال رسوخا في لازب أوحالهم . | ~~PageV06P316 < < # | الصافات : ( 71 - 75 ) ولقد ضل قبلهم . . . . . # > > ^ ( ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين * ولقد أرسلنا فيهم منذرين * فانظر ~~كيف كان عاقبة المنذرين * إلا عباد الله المخلصين * ولقد نادانا نوح فلنعم ~~المجيبون ) ^ } ) | ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد المحبة لهداهم ~~والحزن على ضلالهم , والأسف على غيهم ومحالهم , وكان الضلال مع العقل أولا ~~, ثم مع وجود الرسل الذين هم من الصدق والمعجزات والأمور الملجئة إلى الهدى ~~ثانيا كالمحال , سلاه سبحانه بقوله على سبيل التأكيد لزيادة التحقيق : { ~~ولقد ضل قبلهم } أي قبل من يدعوهم في جميع الزمان الذي تقدمهم { أكثر ~~الأولين * } بحيث إنه لم يمض قرن بعد آدم عيله السلام إلا وكله أو جله ضلال ~~. | ولما كان ربما ظن أنه لعدم الرسل , نفى ذلكم بقوله مؤكدا لنحو ذلك : { ~~ولقد أرسلنا } أي على ما لنا من العظمة التي توجب الإيتان بما لا ؤيب فيه ~~من البيان { فيهم منذرين * } أي فأنذروهم بأس الله وبينوا لهم أحسن البيان ~~, ومع ذلك فغلب عليهم الضلال , وعناد أهل الحق بالمحال , حتى اهلكهم الله ~~بما له من شديد المجال , وهو معنى قوله : { فانظر } أي فتسبب عن الإرسال ~~أنا فعلنا في إهلاكهم من العجائب ما يستحق التعجيب به والتحذير من مثله بأن ~~يقال لمن تخلف عنهم : انظر { كيف } ولما كان ذلك عادة مستمرة لم تختلف أصلا ~~قال : { كان عاقبة } أي آخر امر { المنذرين } أي في إنا أهلكناهم لتكذيبهم ~~, فاصبر على الشدائد كما صبروا , واستمر على الدعاء بالبشارة والنذارة حتى ~~يأتيك أمر الله . | ولما أفهم الحكم على الأكثر بالضلال أن الأقل على غير ~~حالهم , نبه على حال الطائعين بقوله مستثنيا من ضمير المنذرين : { إلا عباد ~~الله } أي الذين استخلصهم سبحانه بما له من صفات الكمال , فاستحقوا الإضافة ~~إلى اسمه الأعظم { المخلصين * } أي الذين أخلصهم له فأخلصوا هم أعمالهم فلم ms4196 ~~يجعلوا فيها شوبا لغيره . | ولما كان مقصود السورة التنزيه الذي هو الإبعاد ~~عن النقائص , ولذلك كان أنسب الأشياء الإقسام أولها بالملائكة هم أنزه ~~الخلق , وكان أعلى الخلق من جرد نفسه عن الحظوظ بما يؤتيه الله من ~~المجاهدات والمنازلات والمعالجات حتى يلحق بهم فيجوز مع فضلهم معالي الجهاد ~~, فكان أحق الأنبياء بالذكر من كان أكثر تجريدا لنفسه من الشواغل سيرا إلى ~~مولاه وتعريجا عن كل سواه , وكان الأب الثاني من أحقهم بذلك لأنه تجرد في ~~الجهاد بالدعاء إلى الله ألف عام ثم تجرد عن كل شيء على ظهر PageV06P317 ~~الماء بين الأرض والسماء , فقال تعالى مؤكدا لما تقدم من انه دعا إلى ~~التأكيد من أن مكثه في قومه المدة الطويلة مبعد لأن يكونوا وافقوه ومالوا ~~معه وتابعوه , ولأن فعل العرب في التكذيب مع ترادف المعجزات وتواتر العظات ~~عمل من هو مكذب بوقوع النصرة للمرسلين , والعذاب للمكذبين , عطفا على ~~تقديره : فقاسى الرسل من الشدائد ما لا تسعه الأوراق , وجاهدوهم بأنفسهم ~~والتضرع إلى الله تعالى في أمرهم : { ولقد نادانا } لما لنا من العظمة { ~~نوح } بقوله ^ ( { رب إني مغلوب فانتصر } ) ^ [ القمر : 10 ] ونحوه مما ~~أخبر الله عنه به بعد أمور عظيمة لقيها منهم من الكروب , والشدائد والخطوب ~~, لنكشف عنه ما اعياه من أمرهم . | ولما أغنت هذه الجملة عن شرح القصة ~~وتطويلها , وكان قد تسبب عن دعائه إجابته , قال بالتأكيد بالاسمية والإشارة ~~إلى القسم والأداة الجامعة لكل مدح وصيغة العظمة إلى أن هول عذابهم وعظم ~~مصابهم بلغ إلى أنه مع شهرته لا يكاد يصدق , فهو يحتاج إلى اجتهاد كبير ~~وشدة اعتناء , فكانت الإجابة إجابة من يفعل ذلك وإن كانت الإفعال بالنسبة ~~إليه سبحانه على حد سواء , لا تحتاج إلى غير مطلق الإرادة : { فلنعم ~~المجيبون * } أي كنا بما لنا من العظمة له ولغيره ممن كان نعم المجيب لنا , ~~هذه صفتنا لا تغير لها . | < < # | الصافات : ( 76 - 82 ) ونجيناه وأهله من . . . . . # > > ^ ( ونجيناه وأهله من الكرب العظيم * وجعلنا ذريته هم الباقين * ~~وتركنا عليه في الآخرين * سلام على نوح في العالمين ms4197 * إنا كذلك نجزي ~~المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين * ثم أغرقنا الآخرين ) ^ } ) | ولما كان ~~معنى هذا : فأجبناه إجابة هي النهاية في استحقاق على الممادح من إيصاله إلى ~~مراده من حمله وحمل من آمن به والانتقام ممن كذبه كما هي عادتنا دائما , ~~عطف عليه قوله : { ونجيناه } أي بما لنا من العظمة { وأهله } أي الذين ~~وافقوه في الدين { من كرب العظيم * } وهو الأذى من الغرق { وجعلنا ذريته هم ~~} أي خاصة { الباقين * } لأن جميع أهل الأرض غرقوا فلم يبق منهم أحد أصلا , ~~وأهل السفينة لم يعقب منهم أحد غير أولاده , فأثبناه على نزاهته إن كان هو ~~الأب الثاني , فالعرب والعجم أولاد سام , والسودان أولاد حام , والترك ~~والصقالبة ويأجوج ومأجوج اولاد يافث , فكل من تبع سنته في الخير كان له مثل ~~أجره . | ولما ذكر لأنه بارك في نسله , أعلم أنه أدام ذكره بالخير في أهله ~~فقال : { وتركنا عليه } أي ثناء حسنا , لكنه حذف المفعول وجعله لازما , ~~فصار المعنى : أوقعنا عليه PageV06P318 الترك بشيء هو من عظمته وحسن ذكره ~~بحيث يعز وصفه { في الآخرين * } أي كل من تأخر عن زمانه إلى يوم الدين . | ~~ولما كان قد كتب الله في القدم سلامته من كل سوء على كثرة الأعداء وطول ~~الإقامة فيهم وشدة الخلاف قال تعالى مستأنفا مادحا : { سلام } أي عظيم { ~~على نوح } من كل حي من الجن والأنس والملائكة لسلام الله عليه . | ولما كان ~~لسان جميع أهل الأرض في زمانه عليه السلام واحدا , فكانوا كلهم قومه , ولم ~~يكن في زمانه نبي , فكانت نبوته قطب دائرة ذلك الوقت , فكان رسالته عامة ~~لأهله , وكان غير الناس من الخلق لهم تبعا , خصه في السلام بأن قال : { في ~~العالمين } أي مذكور فيهم كلهم لفظا ومعنى يسلم عليه دائما إلى أن تقوم ~~الساعة , وخصوصية نبينا صلى الله عليه وسلم بأنه أرسل إلى جميع الخلق مع ~~اختلاف الألسنة ومع استمرار الرسالة أبد الآباد , وكون شريعته ناسخة غير ~~منسوخة , وكون جميع الخلق في القيامة تحت لوائه , فهناك يظهر تمام ما أوتيه ~~من عموم البعثة إلى ms4198 ما ظهر منه في الدنيا . | ولما كان التقدير : فعلنا به ~~ذلك لإحسانه , وكان الضالون ينكرون أن تنجو الدعاء إلى الله وأتباعهم منهم ~~, أخبر في سياق التأكيد أنه يفعل بكل محسن ما فعل به فقال { إنا } أي على ~~عظمتنا { كذلك } أي مثل ذلك الجزاء بالذكر الحسن والنجاة من كل سوء { نجزي ~~المحسنين * } أي الذين يتجردون من الظلمات النفسانية إلى الأنوار الملكية ~~بحيث لا يغفلون عن المعبود , ولا ينفكون لحظة عن الشهود . | ولما أفهمت هذه ~~الجملة - ولا بد - إحسانه إلى المحسن , علل ما أفمهته بقوله : مؤكدا إظهارا ~~للإقبال عليه بأن ذكره مما يرغب فيه , وتكذيبا لمن كذبه : { إنه من عبادنا ~~} أي الذين هم أهل لأن نضيفهم إلى مقام عظمتنا { المؤمنين * } أي الراسخين ~~في هذا الوصف , المتمكنين فيه , فعلم أن الإيمان هو المراد الأقصى من ~~الإنسان لأنه علل الإنجاء بالإحسان والإحسان بالبيان , ولما أفهم تخصيص ~~ذريته بالبقاء إهلاك غيرهم , وقدم ما هو أهل له من مدحه اهتماما به وترغيبا ~~في مثله , أخبر عن أعدائه بأنه أوقع بهم لأنهم لم يتحلوا بما كان سبب ~~سعادته من الإيمان بقوله : مشيرا إلى العظمة التي أوجدها سبحانه في إغراقهم ~~بأداة التراخي : { ثم اغرقنا } أي بما لنا من العظمة التي لا يقوم لها شيء ~~{ الآخرين * } أي الذي غايروه في الأقوال والأفعال فاستحقوا أضداد أفعالنا ~~معه وهو أهل الأرض كلهم غير أهل السفينة وكلهم قومه كما هو ظاهر الآيات إذا ~~تؤمل تعبيرها عن الدعوة والإغراق ودعائه عليه السلام عليهم , وظاهر ما رواه ~~الشيخان وغيرهما عن أنس رضي الله عنه في حديث الشفاعة أن الناس يقولون ( ~~ائتوا نوحا أول PageV06P319 نبي بعثه الله إلى أهل الأرض ) وإنما كانوا ~~قوما لا أكثر , لأنهم كانوا على لسان واحد قبل بلبلة الألسن باتفاق أهل ~~التأريخ , وذلك كما أن العرب يطلق عليهم كلهم على انتشارهم واتساع بلادهم ~~أنهم قوم , لاجتماعهم في اللسان مع أنهم قبائل لا يحصيهم العد , ولا يجمعهم ~~نسب واحد إلا في إسماعيل عليه السلام , وقيل فيما فوقه , فإن النسابين ~~أجمعوا على أن ms4199 عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام , قالوا : هو من ولد عدنان ~~, واختلفوا في قحطان أبي اليمن وكذا ثقيف , فقيل : هما من ولد إسماعيل عليه ~~السلام , وقيل لا , ثم من قال : إن ثقيفا من ولد إسماعيل عليه السلام , ~~قالوا : هو من ولد عدنان , وقال بعضهم : لا , ثم إن من ولد عدنان ربيعة ~~ومضر , ومن دون مضر كنانة وهذيل والقارة وخزاعة وأسد وتميم ومزينة والرباب ~~وضبة وقيس , ودون ذلك باهله وأشجع وفزارة وكنانة وقريش وخلائق , ومن دون ~~ربيعة بكر بن وائل وغيرهم , ومن دون ذلك شيبان وعبد القيس والنمر وخلائق , ~~ودون قحطان أبي اليمن لخم وجذام وعائلة وغسان وكندة وهمدان والأزد , ومنهم ~~الأنصار وخلائق غير ذلك , فهؤلاء كلهم - على هذا التشعب والانتشار ~~والاختلاف في الأديان , بل وفي بعض اللغة - يسمون أمة واحدة وقوما لجمع ~~اللسان لهم في أصل العربية , وبنو إسحاق ليسوا منهم بلا خلاف , مع أنهم ~~أولاد عمهم لمخالفتهم لهم في اللسان , وعموم دعوته لبني آدم عليه السلام ~~على هذا الوجه لا يقدح في خصوصية نبينا صلى الله عليه وسلم بعموم الدعوة ~~والأرسال إلى غير قومه , أما العموم فإنه أرسل إلى كل من ينوس من الإنس ~~والملائكة والجن , وأما دعاء الأقوام فالمراد أنه أرسل إلى الموافق في ~~اللسان والمخالف فيه , وأما غيره فما أرسل إلى من خالفه في اللسان ولا إلى ~~غير جنسه وإن كان يندب له أنه يأمر بالمخالفين في اللسان وينهاهم من باب ~~المعروف والنهي عن المنكر من غير وجوب , ولو سلمنا في نوح عليه السلام أنه ~~لم يبعث إلى جميع أهل الأرض انتقض بآدم عليه السلام فإنه نبي مرسل , كما ~~روى ذلك الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومحمد بن يحيى بن أبي عمر وابو بكر ~~بن أبي شيبة والحارث بن أبي أسامة وأبو يعلى الموصلي وإسحاق بن راهويه في ~~مسانيدهم PageV06P320 والطبراني في معجمه الأوسط عن أبي أمامة الباهلي وأبي ~~ذر رضي الله عنهما وفي بعض طرق أبي ذر التصريح بالإرسال ولا يشك أحد أنه ~~كان رسولا إلى جميع ms4200 من ادركه من أولاده , وهم جميع أهل الأرض , وكذلك نوح ~~عليه السلام , لا يشك أحد أنه كان بعد الغرق رسولا إلى جميع أهل السفينة ~~كما كان قبل ذلك : وهم جميع أهل الأرض , فما قدمت من أن الخصوصية بالإرسال ~~إلى ذوي الألسن المختلفة من جميع بني آدم , وإلى المخالف في الجنس من كل من ~~ينوس هو المزيل للإشكال - والله الموفق . | < < # | الصافات : ( 83 - 87 ) وإن من شيعته . . . . . # > > ^ ( وإن من شيعته لإبراهيم * إذ جآء ربه بقلب سليم * إذ قال لأبيه ~~وقومه ماذا تعبدون * أإفكا آلهة دون الله تريدون * فما ظنكم برب العالمين ) ~~^ } ) | ولما كان لإبراهيم عليه السلام من التجرد عن النعوت البشرية ~~والعلائق النفسانية إلى الأحوال الملكية ما لم يكن لمن بينهما من النبيين ~~من المصارحة بالمعارضة لقومه , والإبلاغ فيها بكسر الأوثان , وتوهية مذهب ~~الكفران , والانفراد عما سوى الله في غمرات النيران , حتى عن الدعاء بقلب ~~أو لسان فناء عن جميع الأكوان , ثم الهجرة عن الأوطان , ثم بالخروج عن ~~الأحباب والأخوان , بوضع ابنه بكره وسريته في ذلك المكان , الذي ليس به إنس ~~ولا جان , ثم بمعالجة ذبحه بأتم قوة وأقوى جنان , ثم ببناء البيت ذوي ~~الأركان , قبلة للمتجردين من أهل الإيمان في كل أوان , عما سوى الملك ~~الديان , يصفون عند كل صلاة مثل صفوف الملائكة الكرام , وكان موافقا لنوح ~~عليه السلام مع ما تقدم في البركة في نسله بحيث إنهم قريب نصف أهل الأرض ~~الآن , وكان أشهر أمرهفي النار التي هي ضد أشهر أمر نوح عليه السلام في ~~الماء , تلاه به فقال مؤكدا إظهارا أيضا لما له من الكرامة والمنزلة ~~العالية في الإمامة , المقتضية للنشاط في الثناء عليه , المنبهة على ما ~~ينبغي من إتمام العزم في متابعته , وتكذيبا لمن ادعى أنه ابتدع وخالف من ~~كان قبله : { وإن من شيعته } أي الذين خالط سره سرهم ووافق أمره أمرهم , في ~~التصلب في الدين والمصابرة للمفسدين { لإبراهيم } ثم علق بمعنى المشايعة ~~بيانا لما كانت به المتابعة قوله على تقدير سؤال من قال : متى شايعه ؟ { ~~إذا } أي ms4201 حين { جاء ربه } أي المحسن في تربيته { بقلب سليم * } أي بالغ ~~السلامة عن حب غيره , والمجيء مجاز عن الإخلاص الذي لا شائبة فيه كما أن ~~الآتي إليك لا يكون شيء من بدنه عند غيرك , ثم أبدل من ذلك ما هو دليل عليه ~~فقال : { إذ قال لأبيه } أي الذي هو أعظم الناس عنده وأجلهم في غينه وأعزهم ~~لديه { وقومه } أي الذين لهم من القوة والجدود ما تهابهم به الأسود : { ~~ماذا } أي ما الذي { تعبدون * } تحقيرا لأمرهم PageV06P321 وأمر معبوداتهم ~~منبها على أنه لا علة لهم في الحقيقة تحمل على عبادتها غير مكترث بكثرتهم ~~ولا هائب لقوتهم ولامراع لميل الطبع البشري إلى مودتهم . | ولما لوح لهم ~~بالإنكار , صرح فقال مقدما للمفعول تخصيصا : { أئفكا } أي صرفا للحق عن ~~وجهه إلى قفاه . | ولما جعل معبوداتهم نفس الإفك , أبدل منه قوله : { آلهة ~~} ثم حقر شأنهم بقوله : { دون الله } أي الذي لا كفوء له { تريدون * } ولما ~~كان قد غلب عليه الشهود عند تحقيره لهم , سبب عن ذلك تهديدا على فعلهم ~~عظيما , فقال مشيرا غلى أنه يكفي العاقل في النهي ظن العطب : { فما ظنكم } ~~ولما كان كفران الإحسان شديدا , ذكرهم بإحسانه حافظا لسياق التهديد ~~بالإشارة إلى أنه يكفي في ذلك الخوف من قطع الإحسان فقال : { برب العالمين ~~* } اي الذي توحد بخلق جميع الجواهر والأعراض وتربيتهم فهو مستحق لتوحديهم ~~إياه في عبادتهم , أتظنون أنه لا يعذبكم وقد صرفتم ما أنعم به عليكم إلى ~~عبادة غيره , إشارة إلى إنكار تجويز مثل هذا , وأن المقطوع به أن محسنا لا ~~يرضى بدوام إدرار إحسانه إلى من ينسبه إلى غيره . | < < # | الصافات : ( 88 - 96 ) فنظر نظرة في . . . . . # > > ^ ( فنظر نظرة في النجوم * فقال إني سقيم * فتولوا عنه مدبرين * فراغ ~~إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون * ما لكم لا تنطقون * فراغ عليهم ضربا باليمين ~~* فأقبلوا إليه يزفون * قال أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما تعملون ) ~~^ } ) | ولما أفهم السياق شدة عداوته صلى الله عليه وسلم , وكان الله تعالى ~~قد أجرى عادته بأن جعل في النجوم أدلة على بعض ms4202 المسائل الظنية لا سيما ~~البحر البحرانات في أنواع الأسقام , وكان أهل تلك البلاد وهم الكسدانيون ~~كما تقدم في الأنعام وكما قاله ابن عباس رضي الله عنهما وكما دلت عليه كتب ~~الفتوحات - من أشد الناس نظرا في النجوم والاستدلال بها على أحوال هذا ~~العالم في بعض ما كان وبعض ما يكون , وكان صلى الله عليه وسلم يريد أن ~~يتخلف عن الذهاب معهم إلى المحل الذي يجتمعون فيه للعيد ليكسر الأصنام ~~ويريد إخفاء وقت الكسر عليهم ليتمكن من ذلك , قال تعالى حاكيا عنه مشيرا ~~إلى ذلك بالتسبب عما مضى : { فنظر نظرة } أي واحدة { في النجوم * } حين ~~طلبوا منه أن يخرج معهم إلى عيدهم لئلا ينكروا تخلفه عنهم موهما لهم أنه ~~استدل بتلك النظرة على مرض باطني يحصل له , لأنهم ربما أنكروا كونه مريضا ~~إذا أخبرهم بغير النظر في النجوم لأن الصحة ظاهرة عليه { فقال } أي عقب هذه ~~النظرة موهما أنها سببه . | ولما كان بدنه صحيحا فكان بصدد أن يتوقف في ~~خبره , أكد فقال : { إني سقيم * } فأوهم أن مراده أنه مريض الجسد وأراد أنه ~~مريض القلب يسبب آلهتهم , مقسم PageV06P322 الفكر في أمرهم لأنه يريد أمرا ~~عظيما وهو كسرها , ومادة { سقم } بتقاليبها الخمسة : سقم سمق قسم قمس مقس , ~~تدور على القسم , فالسقام كسحاب وجبل وقفل : المرض , أي لأنه يقسم القوة ~~والفكر , وقال ابن القطاع : سقم : طاولة المرض . | وقسمه جزأه , والدهر ~~القوم : فرقهم , والقسم - بالكسر : النصيب والقسم أي بالفتح : العطاء , ولا ~~يجمع , والرأي والشك والعيب والماء والقدر والخلق والعادة , ويكسر فيهما , ~~والتفريق ظاهر في ذلك كله , أما العطاء فيفرق المال ويقسمه , والرأي من ~~سهولة القسم , والقدر يفصل صاحبه من غيره , وكذا الخلق والعادة , والمقسم ~~كمعظم : المهموم - لتوزع فكره , والجميل - لأنه يقسم القول في وصفه , ~~والقسم محركة : اليمين بالله , وقد أقسم , أي أزال تقسيم الفكر , والقسامة ~~: الحسن - لأنه تزعج الفكر فتقسمه , أو هو أول وقت الهاجرة أو وقت ذرور ~~الشمس , وهي حينئذ أحسن ما تكون مرآة - فينقسم الفكر فيها لحسنها إذ ذاك ~~وما يطرأ عليها بعده ms4203 . | والقمس : الغوص - لأن الغائص قسم الماء بغوصه , ~~والقمس أيضا اضطراب الولد في البطن لأنه يقسم الفكر , ويكاد أن يقسم البطن ~~باضطرابه , والقاموس : معظم البحر - لأن البحر قسم الأرض , ومعظمه أحق بهذا ~~الاسم , والقوامس : الدواهي - لتقسيمها الفكر , وانقمس النجم : غرب , أي ~~أخذ قسمه من الغروب كما أخذه من الشروق , أو أزال التقسيم بالسير , ومقسه ~~في الماء : غطه - فانقسم الماء بغمسه فيه , والقربة : ملأها , فصير فيها من ~~الماء ما يسهل قسمه , وأخذه الماء الذي وضعه فيها تقسيم للماء المأخوذ منه ~~, ومقس الشيء : كسره , والماء : جرى - فانقسم وقسم الأرض , وهو يمقس الشعر ~~كيف شاء , أي بقوله فيقسمه من باقي الكلام , والتقميس في الماء : الإكثار ~~من صبه , فإن ذلك تقسيم له , وسمق سموقا : علا وطال فصار بطوله يقبل من ~~القسمة ما لا يقبله ما هو دونه . | ولما فهموا عنه ظاهر قوله , وظنوا فيه ~~ما يظهر من حاله , ولكنهم لم يسعهم لعظمته فيهم إلا التسليم , تركوه فقال ~~تعالى مسببا عن قوله مشيرا إلى استبادهم مرضه بصيغة التفعل : { فتولوا } أي ~~عالجوا أنفسهم وكلفوها أن انصرفوا { عنه } ألى محل اجتماعهم وإقامة عيدهم ~~وأكد المعنى ونص عليه بقوله : { مدبرين * } أي إلى معبدهم فخلا له الوقت من ~~رقيب { فراغ } أي ذهب في خفية برشاقة وخفة , ونشاط وهمة , قال البيضاوي : ~~وأصله الميل بحيلة { إلى آلهتهم } أي أصنامهم التي زعموها آلهة , وقد وضعوا ~~عندها طعاما , فخاطبها مخاطبة من يعقل لجعلهم إياها بذلك في عداد من يعقل ~~PageV06P323 { فقال } منكرا عليها متهكما بها ظاهرا وموبخا لقومه حقيقة : { ~~ألا تأكلون * } ثم زاد في إظهار الحق والاستهزاء بانحطاطها عن رتبة عابديها ~~فقال : { ما } أي أي شيء حصل { لكم } في أنكم { لا تنطقون * } . | ولما ~~أخبر تعالى أنه أظهر ما يعرفه باطنا من الحجة فقال : { فراغ } أي سبب عن ~~إقامته الحجة أنه أقبل مستعليا { عليهم } بغاية النشاط والخفة والرشاقة ~~يضربهم { ضربا باليمين * } أي بغاية القوة , وجعل السياق للمصدر إشارة إلى ~~قوة الهمة بحيث صار كله ضربا . | ولما تسبب عن ذلك أنهم لما علموا بكسرها ~~ظنوا فيه لما ms4204 كانوا يسمعونه منه من ذمها وحلفه بأنه ليكيدها فأتوه , أخبر ~~عن ذلك بقوله مسببا : { فأقبلوا } ودل على أنه من مكان بعيد بقوله : { إليه ~~يزفون * } أي يسرعون , وقراءة حمزة بالبناء للمفعول أدل على شدة الإسراع ~~لدلاتها على أنهم جاؤوا على حالة كان حاملا يحملهم فيها على الإسراع وقاهرا ~~يقهرهم عليه من شدة ما في نفوسهم من الوجد . | ولما كان من المعلوم أنهم ~~كلموه في ذلك فطال كلامهم , وكان تشوف النفس إلى جوابه أكثر , استأنف الخبر ~~عنه في قوله : { قال } غير هائب لهم ولا مكترث بهم لرؤيته لهم فانين منكرا ~~عليهم : { أتعبدون } وندبهم بالمضارع إلى التوبة والرجوع إلى الله , وعبر ~~بأداة ما لا يعقل كما هو الحق فقال : { ما تنحتون * } أي إن كانت العبادة ~~تحق لأحد غير الله فهم أحق أن يعبدوكم لأنكم صنعتموهم ولم يصنعوكم . | ولما ~~كان المتفرد بالنعمة وهو المستحق للعبادة , وكان الإيجاد من أعظم النعم , ~~وكان قد بين أنهم إنما عبدوها لأجل عملهم الذي عملوه فيها فصيرها إلى ما ~~صارت إليه من الشكل , قال تعالى مبينا أنه هو وحده خالقهم وخالق أعمالهم ~~التي ما عبدوا في الحقيقة إلا هي , وأنه لا مدخل لمنحوتاتهم في الخلق فلا ~~مدخل لها في العبادة : { والله } أي والحال أن الملك الأعظم الذي لا كفوء ~~له { خلقكم } أي أوجدكم على هذه الأشكال { وما تعملون * } أي وخلق عملكم ~~ومعمولكم , فهو المتفرد بجميع الخلق من الذوات والمعاني , ومعلوم أنه لا ~~يعبد إلا من كان كذلك لأنه لا يجوز لعاقل أن يشكر على النعمة إلا ربها . | ~~< < # | الصافات : ( 97 - 101 ) قالوا ابنوا له . . . . . # > > ^ ( قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم * فأرادوا به كيدا ~~فجعلناهم الأسفلين * وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين * رب هب لي من الصالحين ~~* فبشرناه بغلام حليم ) ^ } ) | ولما كان السامع يعلم أنهم لا بد وأن لا ~~يجيبوه بشيء , فتشوف إلى ذلك , أجيب بقوله : { قالوا ابنوا له } أي لأجله { ~~بنيانا } أي من الأحطاب حتى تصير كالجبل PageV06P324 العظيم , فاحرقوها حتى ~~يشتد لهبها جدا فيصير جحيما { فألقوه في } ذلك { الجحيم ms4205 * } أي معظم النار ~~, وهي على أشد ما يكون إيقادا . | ولما كان هذا مسببا عن إرادتهم لإهاننه ~~قال : { فأرادوا به } أي إبراهيم عليه السلام بسبب هذا الذي عملوه { كيدا } ~~أي تدبيرا يبطل أمره ليعلوا أمرهم ولا يبطل بما أظهر عن عجزهم دينهم { ~~فجعلناهم } أي بعظمتنا بسبب عملهم { الأسفلين * } المقهورين بما أبطلنا من ~~نارهم وجعلناها عليه بردا وسلاما بضد عادتها في العمل , فنفذ عملنا وهو ~~خارق للعادة وبطل عملهم الذي هو على مقتضى العادة , فظهر عجزهم في فعلهم ~~كما ظهر عجزهم في قولهم , بما أظهرناه من الحجة على لسان خليلنا عليه ~~السلام , وظهرت قدرتنا واختيارنا , وإنما فسرت الكيد بما ذكرت لأنه المكر ~~والخبث والاحتيال والخديعة والتدبير بحق أو باطل والحرب والخوف , فكل هذه ~~المعاني - كما ترى - تدور على التدبير وإعمال الفكر وإدارة الرأي . | ولما ~~كان التقدير : فأجمع النزوح عن بلادهم لأنهم عدلوا عن الحجة إلى العناد , ~~عطف عليه قوله : { وقال } أي إبراهيم عليه السلام لمن يتوسم فيه أن كلامه ~~يحييه من موت الجهل مؤكدا لأن فراق الإنسان لوطنه لا يكاد يصدق به : { إني ~~ذاهب } أي مهاجر من غير تردد , قالوا : وهو أول من هاجر من الخلق { إلى ربي ~~} أي إلى الموضع الذي أمرني المحسن إلي بالهجرة إليه , فلا يحجر علي أحد في ~~عبادته فيه . | ولما كان حال سامعه جديرا بأن يقول : من لك بالمعرفة بما ~~يحصل قصدك هذا من التعريف بالموضوع وبما تفعل مما يكون فيه الصلاح , وما ~~تفعل في التوصل إليه ؟ قال : { سيهدين * } أي إلى جميع ذلك بوعد لا خلف فيه ~~إلى كل ما فيه تربية لي في أمر الهجرة لأنه أمرني بها , وهولا يأمر بشيء ~~إلا نصب عليه دليلا يهدي إليه , ويسهل لقاصدة المجتهد في أمره سبيله , وقد ~~اختلفت العبارات عن سير الأصفياء إلى الحضرات القدسية , فهذه العبارة عن ~~أمر الخليل عليه السلام , وعبر عن أمر الكليم عليه السلام بقوله < # > 77 ( { ولما جاء موسى لميقاتنا } ) 77 < # > [ الأعراف : 143 ] وعن أمر الحبيب عليه السلام بقوله < # > 77 ( { سبحان الذي أسرى بعبده } ) 77 ms4206 < # > [ الأسراء : 1 ] قال الأستاذ أبو القاسم القشيري وفصل بين هذه المقامات ~~: إبراهيم عيله السلام كان بعين الفرق - يعني أنه بعدما كان فيه من الجمع ~~حين كسر الأصنام من الفناء عما سوى الله رجع إلى حال الفرق لأنه لا بد من ~~ذلك - وموسى عيله السلام بعين الجمع لأنه أخبر عن فعله من غير أن ينسب إليه ~~قولا , ثم أخبر أنه قال { رب أرني } فلم ير غيره سبحانه فطلب أن يريه وهذا ~~هو الفناء , ونبينا صلى الله عليه وسلم بعين جمع الجمع - لأن لم ينسب إليه ~~قول ولا فعل , بل هو المراد إلى أن قال { لنريه PageV06P325 من آيتنا } ~~فهذا هو الفناء حتى عن الفناء , ثم قال : { أنه هو السميع البصير } فأثبت ~~له مع ذلك الكمال . | ولما لم يجد له معينا على الهجرة غير لوط ابن أخيه ~~عليهما السلام , قال مناديا منادة الخواض بإسقاط الأداة : { رب } أي أيها ~~المحسن إلي { هب لي من } أي ولدا من { الصالحين } وأسقط الموصوف لأن لفظ ~~الهبة غلب في الولد , فتسبب عن دعوته أنا استجبناها له { فبشرناه بغلام } ~~أي بذكر في غاية القوة التي ينشأ عنها الغلمة . | ولما كان هذا الوصف ربما ~~أفهم الطيش , وصفه بما أبقى صفاءه ونفى كدره فقال : { حليم * } أي لا يعجل ~~بالعقوبة مع القدرة , لأنه في غاية الرزانة والثبات , فيكون ذلك إشارة إلى ~~حصول بلاء ما يتبين به أنه سر أبيه أن إبراهيم لحليم , والحلم لا يكون إلا ~~بعد العلم , ورسوخ العلم سبب لوجود الحلم , وهو اتساع الصدر لمساوئ الخلق ~~ومدانئ أخلاقهم , وهذا الولد هو إسماعيل عليه السلام بلا شك لوجوده : منها ~~وصفه بالحليم , ووصف إسحاق عيله السلام في سورة الحجر بالعليم , ومنها أن ~~هذا الدعاء عند الهجرة حيث كان شابا يرجو الولد , وهو بكره الذي ولد له ~~بهذه البشرى , وهو الذي كان بمكة موضع الذبح , فجعلت أفعاله في ذبحه مناسك ~~للحج في منى كما جعلت أفعال أمه في مكة المشرفة أول أمره عندما أشرف على ~~الموت من العطش مناسك ومعالم هناك , وأما إسحاق ms4207 عليه السلام فأتته البشرى ~~فجأة وهو لا يرجو الولد لكبره ويأس أمرأته , ولذلك راجع في أمره ولم ينقل ~~أنه فارق أمه من بيت المقدس , ولو كان هو الذبيح لذكره النبي صلى الله عليه ~~وسلم بوصفه حين سئل عن الأكرم فقال ( يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي ~~الله خليل الله ) والرواية التي وردت بالإشارة إلى أنه الذبيح ضعيفة , بل ~~صرح شيخنا ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف بأن في سندها وضاعا , ولأن هذه ~~السورة سورة التنزيه , فأحق الناس بالذكر فيها - كما سلف - أعرق الناس في ~~قدم التجريد , وهو أولى الناس بذلك من حين كان حملا إلى أن عولج ذبحه , ولم ~~يذكر ظاهرا , فلو لم يكن المراد بهذا الكلام لكان ترك في هذه السورة - التي ~~حالها هذا - من هو أرسخ الناس في الوصف المقصود بها , وذلك خارج عن نهج ~~البلاغة التي هي مطابقة المقال لمقتضى الحال , بل هذا الحال لا يقتضي ذكر ~~إسحاق عليه السلام , لأنه لم يعلم له تجرد متفق عليه , وما كان ذكره إلا ~~لبيان إبراهيم عليه السلام لما اقتضاه مقامه في الاجسان في باب التجريد ~~والفناء - والله الموفق . | PageV06P326 < < # | الصافات : ( 102 - 107 ) فلما بلغ معه . . . . . # > > ^ ( فلما بلغ معه السعي قال يبني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ~~ماذا ترى قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين * فلما ~~أسلما وتله للجبين * وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزي ~~المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم ) ^ } ) | ولما ~~كانت البشرى من الله لا تتخلف , كان التقدير : فولد له غلام كما قلنا { ~~فلما بلغ } أن يسعى كائنا { معه } أي مع أبيه خاصة ومصاحبا له { السعي } ~~الذي يرضى به الأب ويوطن نفسه عنده على الولد ويثق به , ولا يتعلق مع مبلغ ~~لاقتضائه بلوغهما معا حد السعي , ولا معنى لذلك في حق إبراهيم عليه السلام ~~ولا بالسعي , لأن صلة المصدر لا تتقدم عليه , ولو أخر عنه لم يفد الاختصاص ~~المفهم لصغر سنه المفيد للإعلام بان ms4208 يبلغ في ذلك معه ما لا يبلغه مع غيره ~~لعظيم شفقة الأب , واستحكام ميل الابن الموجب لطاعته , واختلف العلماء في ~~تقدير ذلك بالسن فقال بعضهم : ثلاث عشرة سنة , وبعضهم : سبع سنين , ولذلك ~~قيده بالأب لأن غيره لا يشفق على الولد فيكلفه ما ليس في وسعه , وهو لم ~~يبلغ كمال السعي { قال } أي إبراهيم عليه السلام : { يا بني } مناديا له ~~بصيغة التعطف والشفقة والتحبب , ذاكرا له بالمضارع الحال الذي رآه عليه ~~ومصورا له , لا لتكرار الرؤيا فإنه غير محتاج إلى التكرار ولا إلى التروي , ~~فإن الله تعالى أراه ملكوت السماوات والأرض , وأكد لما في طباع البشر من ~~إحالة أن يقال ذلك على حقيقته , وإعلاما بأنه منام وحي لا أضغاث أحلام : { ~~إني أرى في المنام } أي وأنت تعلم أن رؤيا الأنبياء وحي { أني أذبحك } أي ~~أعالج ذبحك في اليقظة بأمر من الله تعالى ولذلك كان كما قال , ولو عبر ~~بالماضي لمضى وتم , وإنما كان في المنام في هذا الأمر الخطر جدا ليعلم وثوق ~~الأنبياء عليهم السلام بما يأتيهم عن الله في كل حال . | ولما كان الأنبياء ~~عليهم السلام أشفق الناس وأنصحهم , أحب أن يرى ما عنده , فإن كان على ما ~~يحب سر وثبته وإلا سعى في جعله على ما يحب فيلقى البلاء وهو أهون عليه , ~~ويكون ذلك أعظم لأجره لتمام انقياده , ولتكون المشاورة سنة , فإنه ( ما ندم ~~من استشار ) سبب عن ذلك قوله : { فانظر } بعين بصيرتك { ماذا } أي ما الذي ~~{ ترى } أي في هذه الرؤيا , فهو اختبار لصبره , لا مؤامرة له { قال } ~~تصديقا لثناء الله عليه بالحلم : { يا أبت } تأدبا معه بما دل على التعظيم ~~والتوفير { افعل ما تؤمر } أي كل شيء وقع لك به أمر من الله تعالى ويتجدد ~~لك به أمر منه سبحانه لأني لا أتهمك في شفقتك وحسن نظرك , ولا أتهم الله في ~~قضائه , والقصة دليل على وقوع الأمر بالممتنع لغيره ولأكثر الأوامر , وقد ~~تقدم ذلك في البقرة عند ^ ( { ءأنذرتهم أم لم تنذرهم } ) ^ [ البقرة : 6 ] ~~. | PageV06P327 ولما علم طاعته , تشوف ms4209 السامع إلى استسلامه وصبره , ~~فاستأنف قوله : { ستجدني } أي بوعد جازم لا تردد فيه صادق كما أخبر الله ~~تعالى عنه , لا خلف فيه , وكان صادق الوعد . | ولما كان من أخلاق الكمل عدم ~~القطع في المستقبلات لما يعلمون من قدرة الله تعالى على نقض العزائم ~~بالحيلولة بين المرء وقبله قال : { إن شاء الله } أي الذي اختص بالإحاطة ~~بصفات الكمال ؛ وأكد وعده بهذا الأمر الذي لا يكاد يصدق مثله بقوله : { من ~~الصابرين } أي العريقين في الصبر البالغين فيه حد النهاية , وهو من أعظم ما ~~أريد بقوله < # > 77 ( { وكان صادق الوعد } ) 77 < # > [ مريم : 54 ] . | ولو بيد الحبيب سقيت سما لكان السم من يده يطيب | ~~وجعل هذا الأمر العظيم في المنام دلالة على صدق أحوال الأنبياء نوما ويقظة ~~, وصدق عزائمهم وانقيادهم لجميع الأوامر في جميع الأحوال , وروي أن الشيطان ~~وسوس له في ذبحه فعرفه فرماه بسبع حصيات فصار ذلك شريعة في الجمار , ومن ~~ألطف ما في ذلك أنهم لما كانوا في نهاية التجرد عن علائق الشواغل جعلت ~~أفعالهم شعائر وشرائع لعبادة الحج التي روحها التجرد للوفود إلى الله تعالى ~~. | ولما وثق منه , بادر إلى ما أمر به , ودل على قرب زمنه من زمن هذا ~~القول بالفاء فقال : { فلما أسلما } أي ألقيا بالفعل على غاية الإخلاص حين ~~المباشرة بجميع قواهما في يد الأمر , ولم يكن عند أحد منهما شيء من إباء ~~ولا امتناع ولا حديث نفس في شيء من ذلك { وتله } أي صرعه إبراهيم عليهما ~~السلام صرعا جيدا سريعا مع غاية الرضا منه والمطاوعة من إسماعيل عليه ~~السلام , ودل على السرعة باللام الواقعة موقع ( على ) فقال : { للجبين * } ~~أي أحد شقي الجبهة , وهي هيئة إضجاع ما يذبح , وهذا من قولهم : تله - إذا ~~صرعه , وبه سمي التل من التراب , وتلك فلانا في يدك أي دفعته سلما , ~~والجبين - قال في الصحاح : فوق الصدغ , وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها ~~. | ولما كان من الواضح أن التقدير جوابا لما عالج ذبحه بعزم امضى من ~~السنان , وجنان في ثباته أيما جنان , فمنعناه ms4210 من التأثير بقدرتنا , ورددنا ~~شفرته الماضية عن عنقه اللينة بأيدينا وقوتنا , عطف عليه قوله : { وناديناه ~~} وفخم هذا النداء بحرف التفسير فقال : { إن يا إبراهيم * } ولما كان محل ~~التوقع الثناء عليه قال : { قد صدقت } أي تصديقا عظيما { الرؤيا } في أنك ~~تذبحه , فإنك قد عالجت ذلك , وبدلت الوسع فيه , وفعلت ما رأيته في المنام , ~~فما انذبح لأنك لم تر أنك ذبحته , فاكفف عن معالجة الذبح بأزيد من هذا . | ~~ولما كان التقدير : فجزيناك على ذلك لإحسانك فوق ما تحب , وجعلناك إماما ~~للمتقين , PageV06P328 ووهبناك لسان صدق في الآخرين , وجعلنا آلك هم ~~المصطفين , وملأنا منهم الخافقين , علله بأن ذلك سنته دائما قديما وحديثا ~~فقال ما يأتي . | ولما كان صلى الله عليه وسبم في همة الذبح وعزمه , فكانت ~~تلك الهمة التي تقصر عنها رتبها السها والسماك , والعزمة التي تتضاءل دون ~~علي مكانتها وسني عظمتها عوالي الأفلاك , لا تسكن عن ثورانها , ولا تبرد عن ~~غليانها وفورانها , إلا بأمر شديد , وقول جازم أكيد , قال مؤكدا تنبيها على ~~أن همته قد وصلت إلى هذا حده , وأن امتثال الأمر أيسر من الكف بعد المباشرة ~~بالنهي : { إنا كذلك } أي مثل هذا الجزاء العظيم { نجزي المحسنين * } . | ~~ولما كان جزاءه عظيما جدا , دل على عظمه بأن علل إكرامه به بقوله معجبا ~~ومعظما مؤكدا تنبيها على أنه خارق للعادة : { إن هذا } أي الأمر والطاعة ~~فيه { لهو البلاؤا } أي الاختبار الذي يحيل ما خولط به كائنا ما كان { ~~المبين * } أي الظاهر في بابه جدا المظهر لرائيه انه بلاء . | ولما قدم ما ~~هو الأهم عن نهيه من علاجه , ومن البشارة بالجزاء , ذكر فداءه بما جعله سنة ~~باقية يذكر بها الذكر الجميل على مر الأيام وتعاقب السنين , ولما كان ~~المفتدى منه من كان الأسير في يده , وكان إسماعيل في يد إبراهيم عليهما ~~السلام , وهو يعالج إتلافه , جعل تعالى نفسه المقدس فاديا لأن الفادي من ~~أعطى الفداء , وهو ما يدفع لفكاك الأسير , وجعل إبراهيم عليه السلام مفتدى ~~منه تشريفا له وإن كان في الحقيقة كالآلة التي لا فعل ms4211 لها , والله تعالى هو ~~المفتدى منه حقيقة فقال : { وفديناه } أي الذبيح عن إنفاذ ذبحه وإتمامه ~~تشريفا له { بذبح } أي بما ينبغي أن يذبح ويكون موضعا للذبح , وهو كبش من ~~الجنة , قيل : أنه الذي قربه هابيل فتقبله الله منه { عظيم * } أي في الجثة ~~والقدر والرتبة لأنه مقبول ومستن به ومجعول دينا إلى آخر الدهر . | < < # | الصافات : ( 108 - 113 ) وتركنا عليه في . . . . . # > > ^ ( وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إبراهيم * كذلك نجزي المحسنين ~~* إنه من عبادنا المؤمنين * وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين * وباركنا ~~عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ) ^ } ) | ولما كان ~~سبحانه إذا من بشيء علم أنه عظيم , فإذا ذكر الفعل وترك المفعول أراد ~~فخامته وعظمته , قال : { وتركنا عليه } أي على الذبيح شيئا هو في الحسن ~~بحيث يطول وصفه . | ولما كان بحيث لا ينسى قال : { في الآخرين * } ومن هذا ~~الترك ما تقدم من وصفه بصدق الوعد , لأنه وعد بالصبر على الذبح فصدق . | ~~PageV06P329 ولما عظم الغلام , استأنف تعظيم والده بما يدل على تشريفه على ~~سلامته بقوله : { سلام على إبراهيم * } أي سلامة له ولولده وتسليم وتحية ~~وتكريم في الدارين ولما كان هذا خطابا لمن بعده عليه السلام وهم كلهم محبون ~~مجلون معظمون مبجلون لم يكن هناك حال يحوج إلى تأكيد فقال : { كذلك } أي ~~مثل هذا الجزاء العظيم { نجزي المحسنين * } من غير أن يذكر ( أن ) المؤكدة ~~, ولما كانت أهل الملل كلها متفقة على حبه , وكان كلهم يدعي اتباعه ورتبه ~~قربه , قال معللا لجزائه بهاذ المدح في سياق التأكيد استعطافا لهم إلى ~~اتباعه في الإيمان في رتبة أتباعه , قال الرازي : الإيمان المطلق الحقيقي ~~شهود جلال الله ووحدانيته والطمأنينة إليه في كل محبوب ومكروه , وترك ~~المشيئة لمشيئته والانقياد لأمره في جميع أحواله . | ولما أتم قصته في أمر ~~الذبيح , وشرع في ذكر ما جازاه به على ذلك , جعل منه أمر إسحاق عليه السلام ~~فقال : { وبشرناه } أي جزاء على صبره في المبادرة إلى امتثال الأمر في ~~إعدام إسماعيل عليه السلام { بإسحاق } مولودا زيادة له بعد ما سلمنا ~~إسماعيل ms4212 عليه السلام حال كونه { نبيا } أي في قضائنا أو بوجوده مقدرة نبوته ~~. | ولما كان هذا اللفظ قد يطلق على المتنبئ , أزال إشكال هذا الاحتمال وإن ~~كان واهيا بقوله : { من الصالحين * } أي العريقين في رتبة الصلاح ليصلح ~~لأكثر الأوصاف الصالحة . | ولما أثنى على إبراهيم عيله السلام بما عالج مما ~~لم يحصل لغيره مثله , وكان من أعظم جزاء الإنسان البركة في ذريته قال : { ~~وباركنا عليه } أي على الغلام الحليم وهو الذبيح المحدث عنه الذي جر هذا ~~الكلام كله الحديث عنه , وكان آخر ضمير محقق عاد عليه الهاء في ( وفديناه ) ~~ثم في ( وتركنا عليه في الآخيرن ) وهذا عندي أولى من إعادة الضمير على ~~إبراهيم عليه السلام لأنه استوفى مدحه , ثم رأيت حمزة الكرماني صنع هكذا ~~وقال : حتى كان محمد صلى الله عليه وسلم والعرب من صلبه . | { وعلى إسحاق } ~~أي أخيه , قال حمزة الكرماني : حتى كان إسرائيل الله والأسباط من صلبه , ~~وقال غيره : خرج من صلبه الف نبي أولهم بعقوب وآخرهم عيسى عليه السلام . | ~~{ ومن ذريتهما } أي الأخوين في الإخبار عن ذريتهما أولى من قران الابن مع ~~أبيه في ذلك , فيكون الابن حينئذ من جملة المخبر عنه بذرية الأب { محسن ~~وظالم لنفسه } حيث وضعها بما سبب عن المعاصي في غير موضعها الذي يحبه , ~~وهذا مما يهدم أمر الطبائع حيث كان البر يوجد من الفاجر والفاجر يوجد من ~~البر . | PageV06P330 ولما كان الإنسان , وإن احتهد في الإنسان , لا بد أن ~~يحتاج إلى الغفران , لما له من النقصان , لأن رتبة الإلهية لا تصل إلى ~~القيام بحقها العوائق البشرية , بين أن الظلم المراد هنا إنما هو التجاوز ~~في الحدود بغاية الشهوة فقال : { مبين * } وأما غير ذلك فمغفور كما قرر في ~~نحو { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ( ومن هم بسيئة ولم يعملها كتبت له ~~حسنة ) < # > 77 ( { وأن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم } ) 77 < # > [ النساء : 31 ] . | قصة ذبح إبراهيم لولده عليهما السلام من التوارة ~~وبيان انهم بدلوها , قال مترجمهم : فغرس إبراهيم ببئر سبع غرسا , وبنى ~~هنالك ms4213 باسم الرب إله العالمين , وسكن إبراهيم أرض فلسطين - يعني عند تلك ~~البئر - أياما كثيرة . | ولما كان من بعد هذه الخطوب امتحن الله إبراهيم , ~~وقال له : يا إبراهيم ! فقال : لبيك , فقال له : انطق بابنك الوحيد إسحاق ~~الذي تحبه إلى أرض الأمورانيين - وفي نسخة : إلى بلدة العبادة - وأصعد إلي ~~قربانا على أحد تلك الجبال الذي أقول لك , فأدلج إبراهيم باكرا فأسرج حماره ~~وانطلق بغلاميه وإسحاق ابنه , وشق حطبا للقربان ونهض وانطلق إلى الموضع ~~الذي قال الله له , وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم بصره ونظر إلى ذلك الموضع ~~من بعيد فقال لغلاميه : امكثا هاهنا عند الحمار , وأنا والغلام ننطلق إلى ~~هاهنا نصل ونرجع إليكما , فأخذ إبراهيم حطب القربان , وحمله إسحاق ابنه , ~~وأخذ معه نارا وسكينا , وانطلقا كلاهما جميعا , وقال إسحاق لأبيه إبراهيم : ~~يا أبة , فقال له : لبيك , فقال له : هذه النار والحطب , أين حمل القربان , ~~فقال إبراهيم : الله يعد لنا حملا للقربان يا بني , فانطلقا جميعا حتى ~~انتهيا إلى الموضع الذي قال الله , فبنى هنالك إبراهيم مذبحا ونضد عليه ~~الحطب وكتف إسحاق فوضعه في أعلى المذبح على الحطب , ومد يده إبراهيم فأخذ ~~السكين ليذبح ابنه , فدعاه ملاك الرب من السماء وقال : يا إبراهيم يا ~~إبراهيم , فقال : لبيك ! فقال : لا تبسط يدك على الغلام ولا تصنع به شيئا ~~لأنك قد أظهرت الآن أنك تتقي الله إذا لم تمنعني ابنك الوحيد , فمد إبراهيم ~~بصره فإذا كبش معلق في شجرة بقرنيه , فانطلق إبراهيم فأخذ الكبش فأصعده ~~قربانا بدل ابنه اسحاق , فسمى إبراهيم ذلك الموضع ( الله يتجلى ) كما يقال ~~: الله في هذا الجبل , الله يتجلى , فدعل ملاك الرب إبراهيم ثانية من ~~السماء وقال : بي أقسمت , يقول الرب : بدل ما صنعت هذا الصنيع PageV06P331 ~~ولم تمنعني ابنك الوحيد لأباركنك بركة تامة ولأكثرن نسلك مثل كواكب السماء ~~, ومثل الرمل الذي على شاطئ البحر ويرث زرعك أراضي اعدائي وفي نسخة : ~~أعداده - ويتبارك بنسلك جميع الشعوب لأنك اطعتني , فرجع إبراهيم إلى غلاميه ~~وانصرفوا جميعا إلى بئر السبع وأقام ثم - وفي نسخة : وسكن ms4214 إبراهيم بئر ~~السبع - انتهى ما عندهم بلفظه فانظر إليه واجمع بينه وبين ما تقدم في ~~البقرة من قصة إسماعيل وإسحاق عليهما السلام تجدهم قد بدلوها بلا شك , لأن ~~الكلام ينقض بعضه بعضا , وذلك أنه قال في هذه القصة ( انطلق بابنك الوحيد ) ~~وكرر وصفه بالوحيد في غير موضع , وهذا الوصف إنما يكون حقيقة لإسماعيل عليه ~~السلام وهو دون البلوغ , وأما إسحاق عليه السلام فلم يكن وحيدا ساعة من ~~الدهر , بل ولد وإسماعيل عليه السلام ابن ثلاث عشرة سنة ونيف بشهادة ما ~~عندهم من التوارة , وقوله في آخر القصة ( ويتبارك بنسلك جميع الشعوب ) لا ~~يكون في غاية الملاءمة إلا لإسماعيل عليه السلام , وأما إسحاق عليه السلام ~~فإنما بورك بنسله الأراضي المقدسة فقط , ولم يتبعهم من غيرهم إلا قليل , بل ~~كانوا هم في كل قليل يتبعون غيرهم على عبادة أوثانهم بشهادة توراتهم وأسفار ~~أنبيائهم يوشع بن نون ومن بعده عليهم السلام , وأما نسل إسماعيل عليه ~~السلام فتبعهم على الدين الحق من جميع الأمم ما لا يحصى عدده ولم يتبعوا هم ~~بعد محمد صلى الله عليه وسلم أحدا من الأمم على عبادة غير الله - هذا وفي ~~المتقدم في سورة البقرة أن هبة سارة أمتها هاجر رضي الله عنها لأبراهيم ~~عليه السلام كان بعد أن سكن كنعان بعشر سنين , وأن إسماعيل عليه السلام ولد ~~لأبراهيم عليه السلام وهو ابن ست وثمانين سنة , وأن الله تعالى أمره ~~بالختان وهو ابن تسع وتسعين سنة , وأنه في ذلك الوقت بشر بإسحاق عليه ~~السلام , فختن إسماعيل عليه السلام وهو ابن ثلاث عشرة سنة , وثم ولد له ~~إسحاق عليه السلام وقد أتى عليه مائة سنة , ثم قال ما نصه : وصنع إبراهيم ~~يوم فطم إسحاق ابنه مأدبة عظيمة فأبصرت سارة ابن هاجر المصرية المولود ~~لإبراهيم عليه السلام لاعبا , فقالت إبراهيم عليه السلام : أخرج هذه الأمة ~~عني , لأن ابن الأمة لا يرث مع إسحاق ابني , فشق هذا الأمر على إبراهيم ~~لمكان ابنه , فقال الله تعالى لإبراهيم عليه السلام : لا يشقن عليك حال ms4215 ~~الصبي وأمتك , أطع سارة في جميع ما تقول لأن نسلك إنما يذكر بإسحاق , وابن ~~الأمة أجعله لشعب كثير لأنه من ذريتك , فغدا إبراهيم عليه السلام باكرا ~~وأخذ خبزا وإداوة من ماء , فاعطاها هاجر وحملها الصبي والطعام - إلى آخر ما ~~في البقرة فقوله ( إن هاجر طردت بعد فطام إسحاق وابنها تحمل ) لا يصح , وقد ~~تقدم أن عمره يوم فطام إسحاق خمس عشرة سنة , وتقدم أيضا أن سارة أمرتخ ~~بطردها وهي حبلى , وأنه سلمها لها فطردتها , PageV06P332 وان الملك لقيها ~~فبشرها بإسماعيل ولم يذكر في نسختي - وهي قديمة جدا - شيئا يدل على رجوعها ~~, وأما في نسخة عندهم فقال : إن الملك قال لها : ارجعي إلى سيدتك واستكدي ~~تحت يدها - ولم يذكر أنها رجعت , وقد صح الخبر عندنا بقول نبينا صلى الله ~~عليه وسلم أن إبراهيم عليه السلام وضع هاجر وابنها إسماعيل عليه السلام , ~~عند البيت الحرام وهو يرضع , واستمرا هناك إلى أن ماتت هاجر رضي الله عنها ~~, وتزوج إسماعيل عليه السلام وبنى البيت مع أبيه عليهما السلام , وقوله ( ~~لأن نسلك إنما يذكر بإسحاق عليه السلام ) غير مطابق للواقع , فإن شهرة ~~العرب بإبراهيم عليه السلام أن لم تكم أن أكثر من شهرة بني إسحاق بذلك فهي ~~مثلها , وخبر الله لا يتخلف , فدل هذا كله أنهم بدلوا القصة وحرفوها , فلا ~~متمسك فيها لهم , ودلالتها على أن الذبيح إسماعيل عليه السلام أولى من ~~دلالتها على غير ذلك لوصفه بالوحيد - والله أعلم كيف كانت القصة قبل ~~التبديل ؟ ومما يدل على ما فهمت من تبديلهم لها ما قال البغوي : قال القرظي ~~يعني محمد بن كعب - : سأل عمر بن عبد العزيز رجلا كان من علماء اليهود أسلم ~~وحسن إسلامه : أي ابني إبراهيم عليه السلام أمر بذبحه ؟ فقال : إسماعيل يا ~~أمير المؤمنين ! إن اليهود لتعلم ذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على أن ~~يكون أباكم الذي كان من أمر الله بذبحه ما كان , ويزعمون أنه أبوهم , ومن ~~الدليل على أنه إسماعيل عليه السلام أن الله تعالى لما بشر بإسحاق بشر بأنه ~~يولد ms4216 له يعقوب , فلا يليق الامتحان به بعد علمه بأنه لا يموت حتى يولد له , ~~ومن الدليل على ذلك أن قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل ~~عيله السلام إلى أن احترق البيت واحترق القرنان في زمان ابن الزبير والحجاج ~~, قال الشعبي : رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة , وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال : والذين نفسي بيده ! لقد كان أول الإسلام وإن رأس الكبش لمعلق ~~بقرنيه في ميزات الكعبة , وقال الأصمعي : سألت أبا عمرو بن العلاء عن ~~الذبيح : إسحاق كان أو إسماعيل ؟ فقال : يا أصميع ! أين ذهب عقلك ؟ متى كان ~~إسحاق بمكة ؟ إنما كان إسماعيل بمكة وهو الذي بني البيت مع أبيه - انتهى ما ~~قال البغوي . | وفي كتاب الحج من سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لعثمان - وهو الحجبي رضي الله عنه ( إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين ~~فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي ) . | ورواه PageV06P333 ~~عبد الرزاق في جامعه ولفظه أن عثمان بن شيبة رضي الله عنه قال : إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال له ( إني رأيت قرني الكبش فنسيت أن آمرك أن تخمرهما ~~فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل مصليا ) هكذا قال : عثمان بن شيبة ~~, ولعله اين طلحة , فيكون المتقدم ويكون تسمية أبيه شبية وهما , أو لا يكون ~~شيبة بن عثمان وهو ابن عم الذي عند أبي داود فأنقلب - والله أعلم , وروى ~~عبد الرزاق أيضا عن ابن جريح قال : أخبرنا عبد الله بن شيبة بن عثمان , ~~وسألته هل كان في البيت قرنا كبش ؟ قال : نعم , كانا فيه , قلت : أرأيتهما ~~؟ قال : حسبت , ولكن أخبرني عبد الله بن بابيه أن قد رآها , قال : وغيره قد ~~رآهما فيه , قال : ويقولون : إنهما قرنا الكبش الذي ذبح إبراهيم عليه ~~السلام , قال ابن جريح وقالت صفية ابنة شيبة : كان فيه قرنا الكبش , قال ~~ابن جريح : وحدثت أن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانا فيه . | قال : ~~وحدثت عن عجوز قلت : رأيتهما ms4217 فيه , ومما يؤيد القول بأنه إسماعيل عليه ~~السلام وصف الله تعالى له بأنه صادق الوعد , ولا صدق في وعد أعظم من صدقه ~~في وعده بالصبر على الذبح , وممن قال من بني إسرائيل أنه إسماعيل عليه ~~السلام عبد الله بن سلام رضي الله عنه - حكاه عن ابن الجوزي , وعد القائلين ~~بكل من القولين من الصحابة وغيرهم فقال : إن القائلين بأنه إسحاق : عمر ~~وعلي والعباس وابن مسعود وأبو موسى وأبو هريرة وأنس رضي الله عنهم , وبأنه ~~إسماعيل : ابن عمر , وأن الرواية اختلفت عن ابن عباس رضي الله عنهما , فروى ~~عنه عكرمة أنه إسحاق , وعطاء ومجاهد والشعبي وأبو الجوزاء ويوسف بن مهران ~~أنه إسماعيل , فعلم من هذا رجحان القول بأنه إسماعيل , لأن ابن عمر وابن ~~عباس رضي الله عنهما تأخرا بعد من ذكر من أكابر الصحابة رضي الله عنهم ~~أجمعين , فلولا أنه رجح عندهما ما خالفا أبويهما , ونقل عكرمة عن ابن عباس ~~بموافقة أبيه لا يقدح في ذلك بل يؤيده لأن الأكثر كما ترى رووا عنه الثاني ~~, فلولا أنه صح عنده ما رجع عن الأول الذي هو موافق لرأي أبيه , ولأجل ~~ثباته عليه اشتهر عنه - والله أعلم . | < < # | الصافات : ( 114 - 122 ) ولقد مننا على . . . . . # > > ^ ( ولقد مننا على موسى وهارون * ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم ~~* ونصرناهم فكانوا هم الغالبون * وآتيناهما الكتاب المستبين * وهديناهما ~~الصراط المستقيم * وتركنا عليهما في الآخرين * سلام على موسى وهارون * إنا ~~كذلك نجزي المحسنين * إنهما من عبادنا المؤمنين ) ^ } ) | PageV06P334 ولما ~~ذكر هؤلاء السادة الذين لهم من رتبة التجرد والنزاهة ما تقدم بيانه , ~~وختمهم بأخوين ما اجتمعا قط , وكان من أعظم المقاصد بذكرهم المنة على من ~~اتصف بمثل صفاتهم بالقرب والنصرة تسلية وترجية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ولمن اتبعه من المؤمنين ممن قارب - من شدة البلاء والقهر - اليأس من النصر ~~, أتبعهم بأمثالهم في التجرد وابتدأهما بأخوين افترقا حين ولاة الثاني على ~~حالة لا يمكن الاجتماع معها عادة , ثم اجتمعا في الباطن مع الافتراق في ~~الظاهر ثم افترقا على حالة يبعد الاجتماع معها عادة ms4218 ثم اجتمعا اجتماعا لم ~~يفترقا منه إلا بالموت وبدأهما باول من تجرد منهما من حين ولادته إلى أوان ~~هجرته , ثم من حين رجعته إلى أن جرد آله - وهم بعض ذرية إبراهيم عليه ~~السلام - وأنقذهم من علائق الكفرة , ثم تجرد معهم هو وأخوه عن المدن والقرى ~~وأكثر علائق البشر , ملازمين البراري والفلوات حيث يكثر ظهور الكلمة مع ~~إرسال الله إليهما بمعادن الحكمة إلى أن ماتا عليهما الصلاة والسلام ~~والتحية والإكرام , فقال مؤكدا تنبيها لمن يعد نصر المؤمنين محالا , عاطفا ~~على ما تقديره : فلقد أنشأنا منهما من الأمم ما يعجز الوصف ويفوت الحصر , ~~ومننا على كثير منهم بالإحسان من ولد إسماعيل عليه السلام إلى أن غير دينه ~~عمرو بن لحي , ومن ولد إسحاق يعقوب والأسباط عليهم السلام ومن شاء الله من ~~أولادهم : { ولقد مننا } أي أنعمنا إنعاما مقطوعا به بما لنا من العظمة , ~~على أول من أظهر لسان الصدق لإبراهيم عليه السلام وذريته اظهارا تاما . | ~~وبدأهما بأعرقهما - كما تقدم - في التجرد وأحقها بالتقدم فقال : { على موسى ~~} أحد أعيان المتجردين , ومن له القدم الراسخ في ذلك { وهارون * } أي عين ~~من تجرد مع أخيه ووافقه أتم موافقة , ووازره أعظم موازرة , بما أتيا به من ~~النبوة والكتاب وغير ذلك من أنواع الخطاب . | ولما كان جل المقصود - كما ~~مضى - مقام التجرد , والإعلام بنصر المستضعفين من المؤمنين , قال : { ~~ونجيناهما وقومهما } أي بني إسرائيل وقد كانوا مرت لهم دهور في ذل لا ~~يقاربه ذل المؤمنين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في أول أمرهم { من ~~الكرب العظيم * } أي الاستبعاد , وما يتبعه من عظائم الأنكاد , وكان ذلك ~~بهلاك القبط الذين استمروا على الضلال , وهم أضعاف أضعاف بني إسرائيل , إلى ~~أن أهلكناهم فلم يفلت منهم إنسان , فصح لبني إسرائيل حينئذ التجرد وزال ~~عنهم ذل التجبر والتمرد . | ولما بين نعمة النجاة من الأسر , أتبعها نعمة ~~الالتذاذ بالنصر , فقال : { ونصرناهم } أي موسى وهارون عليهما السلام ~~وقومهما على كل من نازعهم في ذلك الزمان من PageV06P335 فرعون وغيره { ~~فكانوا هم } أي خاصةى { الغالبين ms4219 } أي على كل من يسومهم سوء العذاب , وهو ~~فرعون وآله وعلى جميع من ناووه أو ناواهم , فاحذروا يا معشر قريش والعرب من ~~مثل ذلك , ولقد كان ما حذرهم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعظم ما ~~يمكن أن يكون إلا نبينا صلى الله عليه وسلم لما كان نبي الرحمة لين الله ~~قلوبهم حتى ردهم إلى ما اغتبطوا به من متابعته , فصاروا به ملوك الدنيا ~~والآخرة . | ولما كانت فائدة النصرة التمكن من إقامة الدين قال : { ~~وآتيناهما } أي بعظمتنا بعد إهلاك عدوهم { الكتاب المستبين * } أي الجامع ~~البين الذي هو لشدة بيانه طالب لأن يكون بينا وهو كذلك فإنه ليس شيء من ~~الكتب مثل التوارة في سهولة مأخذها , وجمع هارون عليه السلام معه في الضمير ~~لأنه مثله في تقبل الكتاب والعمل بجميع ما فيه والثبات على ما يدعو إليه ~~وإن كان نزوله خاصا بموسى عليه السلام : { وهديناهما الصراط } أي الطريق ~~الواضح في الإيصال إلى المقصود { المستقيم * } أي الذي هو لعظيم تقومه كأنه ~~طالب لأن يكون قويما , فهو في غاية المحافظة على القوم فلا يزيغ أصلا , ~~ولذلك هو شرائع الدين القيم . | ولما كان الذكر الجميل عند ذوي الهمم ~~العالية والعزائم الوافية هو الشرف قال : { وتركنا عليهما } أي ما تعرفون ~~من الثناء الحسن { في الآخرين * } أي كل من يجيء بعدهما إلى يوم الدين . | ~~ولما ظهر بهذا أن لهما من الشرف والسؤدد أمرا عظيما كانت نتيجته : { سلام } ~~أي عظيم { على موسى } صاحب الشريعة العريق في الاتصاف بمقصود السورة { ~~وهارون * } وزيره وأخيه . | ولما كان نصر النبي صلى الله عليه وسلم بمن معه ~~من الضعفاء على قريش وسائر العرب عند قريش في غاية البعد , وكان التقدير : ~~فعلمنا معهما ذلك لإحسانهما , علله بما يقطع قلوب قريش في مظهر التأكيد ~~فقال : { إنا كذلك } أي مثل هذا الجزاء { نجزي } أي دائما في كل عصر { ~~المحسنين * } أي العريقين في هذا الوصف ؛ ثم علل إحسانهما وبينه وأكده ~~ترغيبا في مضمونه , وتكذيبا لمن يقول : إن المؤمنين لا ينصرون , بقوله : { ~~إنهما من عبادنا ms4220 } أي الذين محضوا العبودية والخضوع لنا { المؤمنين * } أي ~~الثابتين في وصف الإيمان . | < < # | الصافات : ( 123 - 130 ) وإن إلياس لمن . . . . . # > > ^ ( وإن إلياس لمن المرسلين * إذ قال لقومه ألا تتقون * أتدعون بعلا ~~وتذرون أحسن الخالقين * الله ربكم ورب آبآئكم الأولين * فكذبوه فإنهم ~~لمحضرون * إلا عباد الله المخلصين * وتركنا عليه في الآخرين * سلام على إل ~~ياسين ) ^ } ) | ولما كان إلياس أعظم المتجردين من أتباعهما المجددين لما ~~درس من أحكام PageV06P336 التوارة , وكان ترك أحكامها مع ما وصفت به من ~~البيان وما دعت إليه من الاستقامة في سبحانه فقال مؤكدا : { وإن الياس } أي ~~الذي كان أحد بني إسرائيل عند جميع المفسرين إلا ابن مسعود وعكرمة , وهو من ~~سبط لاوي , ومن أولاد هارون عليه السلام , وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~هو عم اليسع عليهم السلام , وأرسلناه إلى من كان منهم في أرض بعلبك ~~ونواحيها , فلما لم يرجعوا إليه نزعنا عنه الشهوات الإنسانية وخلقناه ~~بالأوصاف الملكية , ولا يبعد أن يكون الداعي إلى تسميته بهذا الاسم ما سبق ~~في علم الله أنه ييأس ممن يدعوهم إلى الله فيكون ممن يأتي يوم القيامة وما ~~معه إلا الواحد أو الاثنان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه ~~الشيخان : البخاري في الرقاق والطب , ومسلم في الإيمان عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما ( عرضت على الأمم فرأيت النبي ومعه رهيط والنبي ومعه الرجل ~~والرجلان , والنبي ليس معه أحد ) فجعل سبحانه اسمه مناسبا لأمره في قومه ~~بيأسه منهم حين فر إلى الجبال من شرهم , ويأسهم من القدرة على قتله , فإنهم ~~اجتهدوا في ذلك حتى أعياهم , وأدل دليل على هذا المعنى قراءة ابن عامر ~~بخلاف عنه بوصل الهمزة في الدرج وفتحها في الابتداء , وإن قال العلماء كما ~~حكاه السمين في إعرابه : إن ذلك من تلاعب العرب بالأسماء العجمية , قطعوا ~~همزته تارة ووصلوها أخرى , يعني فخاطبهم سبحانه بما ألفوه من لسانهم { لمن ~~المرسلين } أي إلى من بدل أمر التوارة ونابذ ما دعت إليه { إذ قال لقومه } ~~منكرا عليهم ما من حقه الإنكار بقوله : { ألا ms4221 تتقون * } أي يوجد منكم تقوى ~~وخوف , فإن ما أنتم عليه يقتضي شرا طويلا , وعذابا وبيلا , وما أنتم عليه ~~من السكون والدعة يقتضي أنه لا خوف عندكم أصلا , وذلك غاية الجهل والاغترار ~~بمن تعملون أنه لا خالق لكم ولا رزاق غيره . | ولما كان هذا الإنكار سببا ~~للإصغاء , كرره مفصحا بسببه فقال : { أتدعون بعلا } أي إلها وربا , وهم صنم ~~كان لهم في مدينة بعلبك كان من ذهب طوله عشرين ذراعا وله أربعة أوجه , فكان ~~الشيطان يدخل في جوفه ويتكلم بشريعة الضلالة , والسدنة بحفظونها , وهم ~~أربعمائة ويعلمونها الناس , ويحتمل أن يكون علما على الصنم المذكور فيكون ~~المفعول الثاني منويا , وحذف ليفهم الدعاء الذي لا دعاة يشبهه وهو الدعاء ~~بالإلهية , ومن قرأ شاذ ( بعلاء ) بوزن ( حمراء ) فهو إشارة إلى كثرة حث ~~امرأة الملك على عبادة بعل وقتل إلياس عليه السلام , وطاعة زوجها لها في ~~ذلك - كما حكاه PageV06P337 البغوي , فاستحق التأنيث لذلك , فأنت لكثرة ~~ملابستها له , والجنسية علة الصنم . | ولما كان دعاؤهم إياه للعبادة بينه ~~بقوله : { وتذرون } ومادة ( وذر ) تدور على ما يكره , فالمعنى : وتتركون ~~ترك المهمل الذي من شانه أن يزهد فيه , ولو قيل : وتدعون - تهافتا على ~~الجناس لم يفد هذا وانقلب المراد . | ولما كان الداعي لا يدعو إلا بالكشف ~~ضر أو إلباس نفع , فكان لا يجوز أن يدعو إلا من يقدر على إعدام ما يشاء ~~وإيجاد ما يريد , قال منبها لهم على غلطهم في الفعل والترك : { أحسن ~~الخالقين * } أي وهو من لا يحتاج في الإيجاد والإعدام إلى أسباب فلا ~~تعبدونه . | ولما كان الإنسان يعلم يقينا أنه لم يرب نفسه إلا بالإنشاء من ~~العدم ولا بما بعده , وكان الإحسان أعظم عاطف للإنسان , قال مبينا لمن أراد ~~مذكرا لهم بإحسانه إليهم وإلى من يحامون عنهم , ويوادون من كان يوادهم ~~بالتربية بعد الإنشاء من العدم الذي هو أعظم تربية مفخما للأمر ومعظما ~~بالإبدال في قراءة الجماعة بالرفع : { الله } فذكر بالاسم الأعظم الجامع ~~لجميع الصفات تنبيها على أنه الأول المطلق الذي لم يكن شيء إلا به { ربكم ms4222 } ~~أي المحسن إليكم وحده . | ولما كانوا ربما أسندوا إيجادهم إلى من قبلهم ~~غباوة منهم أو عنادا قال : { ورب آبائكم الأولين * } أي الذين هم أول لكم , ~~فشمل ذلك آباءهم الأقربين , ومن قبلهم إلى آدم عليه السلام . | ولما كان من ~~أعظم المقاصد - كما مضى - التسلية والترجية , سبب عد دعائه قوله : { فكذبوه ~~} ولما كانت الترجية مستبعدة , سبب عن التكذيب قوله مؤكدا لأجل تكذيبهم : { ~~فإنهم لمحضرون * } أي مقهرون على إقحامنا إياهم فيما نريد من العذاب الأدنى ~~والأكبر , وذكرهم بالسوء واللعن على مر الآباد وإن كرهوا { إلا عباد الله } ~~أي الذين عملوا ما لهم من مجامع العظمة فعملوا بما علمهم فلم يدعوا غيره ~~فإنهم لم يكذبوا ! ثم وصفهم بما أشار إليه من الوصف بالعبودية والإضافة إلى ~~الاسم الأعظم فقال : { المخلصين * } أي لعبادته فلم يشركوا به شيئا جليا ~~ولا خفيا , فإنهم ناجون من العذاب . | ولما جاهد في الله تعالى وقام بما ~~يجب عليه من حسن الثناء , جازاه سبحانه فقال : عاطفا على ( فإنهم لمحضرون ) ~~{ وتركنا عليه } أي من الثناء الجميل وجميع ما يسره : { في الآخرين * } أي ~~كل من كان بعده إلى يوم الدين . | ولما كان السلام اسما جامعا لكل خير لأنه ~~إظهار الشرف والإقبال على المسلم عليه بكل ما يريد , أنتج ذلك قوله : { ~~سلام } ولما كان في اسمه على حسب تخفيف العرب له لغات إحداهما توافق ~~PageV06P338 الفواصل , فكان لا فرق في تأدية المعنى بين الإيتان بما اتفق ~~منها , وكان ما كثرت حروفه منها أضخم وأجل وأفخم , وكان السياق بعد كثير من ~~مناقبه لنهاية المدحة , كان الأحسن التعبير بما هو أكثر حروفا وهو موافق ~~للفواصل ليفيد ذلك تمكينه في الفضائل ولتحقق أنه اسم أعجمي لا عربي مشتق من ~~الياس وإن أوهمت ذلك قراءة ابن عامر بوصل همزته فقال : { على آل يس * } ومن ~~قرأ آل يس فيجوز أن يكون المراد في قراءته ما أريد من القراءة الأخرى لأن ~~أهل اللغة قالوا : أن الآل هو الشخص نفسه , ويس إما لغة في إلياس أو اختصرت ~~اللغة الثانية التي هي إلياسين فحذف ms4223 منها الهمزة المكسورة مع اللام , ويجوز ~~أن يكون المراد بآله أتباعه , ويكون ذلك أضخم في حقه لما تقدم مما يدعو ~~إليه السياق , ويجوز أن يقصد بهذه القراءة جميع الأنبياء المذكورين في هذه ~~السورة الذين هو أحدهم , أي على الأنبياء المذكورين عقب سورة يس دلالة على ~~ما دعت إليه معانيها من الوحدانية والرسالة والبعث وإذلال العاصي وإعزاز ~~الطائع المجرد لنفسه في حب مولاه عن جميع العوائق , القاطع للطيران إليه ~~أقوى العلائق , وخص بهذا هذه القصة لأنها ختام القصص المسلم فيها على أهلها ~~. | < < # | الصافات : ( 131 - 135 ) إنا كذلك نجزي . . . . . # > > ^ ( إنا كذلك نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين * وإن لوطا لمن ~~المرسلين * إذ نجيناه وأهله أجمعين * إلا عجوزا في الغابرين ) ^ } ) | ولما ~~أظهر سبحانه شرف إلياس عليه السلام أو الأنبياء الذين هو أحدهم , علله ~~مؤكدا له تنبيها على أنه لا بد من إعلاء النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه ~~على كل من يناويهم وإن كذبت بذلك قريش فقال : { إنا كذلك } أي مثل هذا ~~الجزاء العظيم { نجزي المحسنين * } أي الذين هو من أعيانهم ؛ ثم علل الحكم ~~بإحسانه مؤكدا لما مضى في مثله بقوله : { إنه من عبادنا } أي الجديرين ~~بالإضافة إلينا { المؤمنين * } ويستفاد من التأكيد أيضا التنبيه على رسوخ ~~قدمه في الإيمان وأنه بحيث تشتد الرغبة ويقوى النشاط في الإخبار به على ذلك ~~الوجه . | ولما أتم ما أراد سبحانه من أمور المحسنين من ذرية إبراهيم عليه ~~السلام المرسلين إلى ذريته في التسلية , والترجية وقدمهم لأن المنة عليهم ~~منه عليه , والإنسان بابنه أسر منه بقريبه , وهم الذين أظهر الله بهم وما ~~ترك عليه , من لسان الصدق في الآخرين . | أتبعهم قصة ابن أخيه مع أهل بلاد ~~الأردن من غير قومهم , فقال مؤكدا للتنبيه على نصر المؤمنين وإن كانوا في ~~القلة والذلة على حال لا يظن انجباره وتكذيبا لليهود المكذبين برسالته أو ~~الشاكين فيها : { وإن لوطا } أي الذي جرد نفسه من مألوفها من بلاده وعشائره ~~بالهجرة مع عمه إبراهيم عليهما السلام { لمن المرسلين * } ولما كان ~~PageV06P339 جل المقصود تبشير المؤمنين ms4224 وتحذير الكافرين , وكان مخالفه ~~كثيرا , وكان هو غريبا بينهم , قال في مظهر العظمة : { إذ نجيناه } أي على ~~ما لمخالفيه من الكثرة والقوة , ولم يذكرهم لأنهم اكثر الناس انغماسا في ~~العلائق البشرية والقاذورات البهيمية التي لا تناسب مراد هذه السورة ~~المنبني على الصفات الملكية { وأهله أجمعين * } ولما كان الكفر قاطعا للسبب ~~القريب كما أن الإيمان واصلا للسبب البعيد قال : { إلا عجوزا } أي وهي ~~امرأته فإن كفرها قطعها عن الدخول في حكم أهله فجردوا عنها , كائنة { في ~~الغابرين * } أي الباقين في غبرة العذاب ومساءة الانقلاب . | < < # | الصافات : ( 136 - 142 ) ثم دمرنا الآخرين # > > ^ ( ثم دمرنا الآخرين * وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا ~~تعقلون * وإن يونس لمن المرسلين * إذ أبق إلى الفلك المشحون * فساهم فكان ~~من المدحضين * فالتقمه الحوت وهو مليم ) ^ } ) | ولما ذكر نجاته وابتدأ بها ~~اهتماما بالترجية قال مخوفا معبرا بأداة البعد إفادة مع الترتيب لعظيم رتبة ~~ما دخلت عليه : { ثم دمرنا } أي أهلكنا بما لنا من العظمة { الآخرين * } أي ~~فجردنا الأرض من قاذوراتهم ونزهنا البلاد المقدسة منهم ومن أرجاس فعلاتهم , ~~فلم نبق منهم أحدا ولا احتجنا في إهلاكهم إلى استئذان أحد . | ولما كان ~~المقصود من مثل هذا تحذير المخالفين , وكان تجار قريش يرون البقعة التي ~~كانت فيها أماكن قوم لوط , وهي البحيرة المعروفة , ولا يعتبرون بهم , عدوا ~~منكرين للمرور عليهم فأبرز لهم الكلام في سياق التأكيد فقيل : { وإنكم } أي ~~فعلنا بهم هذا الحال أنكم يا معشر قريش { لتمرون عليهم } أي مواضع ديارهم ~~في تجاراتكم إلى الشام { مصبحين * } أي داخلين في الصباح الوقت الذي قبلنا ~~مدائنهم عليهم فيه , ونص عليه للتذكير بحالهم فيه . | ولما كان لليل منظر ~~في الهول غير منظر النهار قال : { وبالليل } ولما كان أمرهم كافيا للعاقل ~~في التقوى , أنكر عليهم تماديهم فيما كان سبب أخذهم من تكذيب الناصح فقال : ~~{ أفلا تعقلون * } أي يكون لكم عقول فتعتبروا بحالهم , فتخافوا مثل مآلهم , ~~قتصدقوا رسولكم فإنكم أجدر منهم بالأخذ لأنه منكم وأنتم تعرفون من شرف أصله ~~وكريم قوله وفعله ما لا يعرفه أولئك من ms4225 رسولهم . | ولما أكمل سبحانه ما ~~أراد من أمور من كان على أيديهم هلاك في الدنيا أو في الآخرة , ختم بمن آل ~~أمر قومه إلى سلامة وإيمان ونعمة وإحسان تغليبا للترجية على ~~التأسيةوالتعزية فقال مؤكدا لأن ما يأتي من ذكر الاباق وبما أوهم شيئا في ~~أمره : { وإن PageV06P340 يونس } أي أحد أنبياء بني إسرائيل وهو يونس بن ~~متى عليه السلام , حكى البغوي في قصة إلياس عليه السلام أنه لما أرسله الله ~~تعالى إلى سبطه من بني إسرائيل الذين كانوا في مدينة بعلبك , فكذبوه وأراد ~~ملكهم قتله فاختفى في تلك الجبال , اشتاق إلى الناس فنزل فمكث عن امرأة من ~~بني إسرائيل وهي أم يونس بن متى عليه السلام , وكان يونس إذ ذاك رضيعا ثم ~~رجع إلى الجبال فمات يونس عليه السلام , فأتت أمه إلى تلك الجبال , فما ~~زالت تطوف حتى ظفرت بإلياس عليه السلام , فسألته أن يدعو لابنها فيحييه ~~الله , فقال لها : إني لم أومر بهذا , وإنما أنا عبد مأمور , فجزعت فزاد ~~جزعها وتضرعها إليه , فرق لها ورحمها وسار معها فوصل إلى بيتها بعد أربعة ~~عشر يوما من حين مات , وهو مسجى في ناحية البيت , فدعا الله فأحياه لها , ~~وعاد إلياس عليه السلام إلى جبله { لمن المرسلين * } . | ولما كان من أعظم ~~المقاصد التسلية على استكبارهم عن كلمة التوحيد وقولهم : أنه شاعر مجنون , ~~ذكر من أمر يونس عيله السلام ما يعرف منه صعوبة أمر الرسالة وشدة خطبها ~~وثقل أمرها وشدة عنايته سبحانه بالرسل عليهم السلام وأنه ما اختارهم إلا عن ~~علم فهو لا يقولهم وإن اجتهدوا في دفع الرسالة ليزدادوا ثباتا لأعبائها ~~وقوة في القيام بشأنها فقال : { إذ أبق } أي هرب حين أرسل من سيده الذي ~~تشرفه الله بالرسالة ضعفا عن حملها لأن الاباق الهرب من السيد إلى حيث يظن ~~أنه يخفى عليه { إلى الفلك } أي البيت الذي يسافر فيه على ظهر البحر . | ~~ولما كان فعله على صورة فعل المشاحن وكان قصده الإيغال في البعد والإسراع ~~في النقلة قال : { المشحون * } أي الموقر ملأ , فلا ms4226 سعة فيه لشيء آخر يكون ~~فيه , فليس لأهله حاجة في الإقامة لحظة واحدة لانتظار شيء من الأشياء فحين ~~وضع رجله فيه ساروا , فاضطرب عليهم الأمر وعظم الزلزال حتى أشرف مركبهم على ~~الغرق على هيئة عرفوا بها أن ذلك لعبد أبق من سيده , فإن عند أهل البحر أن ~~السفينة لا يستقيم سيرها وفيها آبق - نقله الكرماني وغيره عن ابن عباس رضي ~~الله الله عنهما , فسبب لهم ذلك المساهمة أي المقارعة كما هو رسمهم في مثل ~~ذلك الأمر فاستهموا فساهم , أي قارع يونس عليه السلام معهم ! قال البغوي : ~~والمساهمة إلقاء السهام على جهة القرعة . | ولما آل وقوع القرعة عليه إلى ~~رميه من السفينة من محل علو إلى أسفل , عبر عن ذلك بما يدل على الزلق الذي ~~يكون من علو إلى سفل فقال مسببا عن المساهمة : { فكان من المدحضين * } أي ~~الموقعين في الدحض , وهو الزلق , فنزل عن مكان الظفر بأن وقعت القرعة فرموه ~~في البحر { فالتقمه } أي ابتلعه كما تبتلع اللقمة { الحوت } أي المعروف من ~~جهة أنه لا حوت أكبر منه , فكأنه لا حوت غيره { وهو } أي والحال أن يونس ~~عليه السلام { مليم * } أي داخل في الملامة . | PageV06P341 < < # | الصافات : ( 143 - 148 ) فلولا أنه كان . . . . . # > > ^ ( فلولا أنه كان من المسبحين * للبث في بطنه إلى يوم يبعثون * ~~فنبذناه بالعرآء وهو سقيم * وأنبتنا عليه شجرة من يقطين * وأرسلناه إلى مئة ~~ألف أو يزيدون * فآمنوا فمتعناهم إلى حين ) ^ } ) | ولما وقع ما وقع فتجرد ~~عن نفسه وغيرها تجردا لم يكن لأحد مثل مجموعه لا جرم , زاد في التجرد ~~بالفناء في مقام الوحدانية فلازم التنزيه حتى أنجاه الله تعالى , وإلى ذلك ~~الإشارة بقوله تعالى : { فلولا أنه كان } أي خلقا وخلقا { من المسبحين * } ~~أي العريقين في هذا المقام , وهو ما يصح إطلاق التسبيح في اللغة عليه من ~~التنزيه بالقلب واللسان والأركان بالصلاة وغيرها لأن خلقه مطابق لما هيئ له ~~من خلقه , فهو لازم لذلك في وقت الرخاء والدعة والخفض والسعة , فكيف به في ~~حال الشدة , وحمله ابن عباس رضي الله عنهما ms4227 على الصلاة { للبث في بطنه } أي ~~حيا أو بأن يكون غذاء له فتختلط أجزاؤه باجزائه { إلى يوم يبعثون * } أي هو ~~والحوت وغيرهما من الخلائق , وعبر بالجمع لإفادة عموم البعث , ولو أفرد لم ~~يفد بعث الحيوانات العجم , ولو ثنى لظن أن ذلك له وللحوت خاصة لمعنى يخصها ~~فلا يفيد بعث غيرهما , وقيل : للبث حيا في بطنه , وفي الآية إشارة إلى حديث ~~( تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة ) وحث على الذكر وتعظيم لشأنه . ~~| ولما كان التقدير : ولكنه لما كان ذكارا لله في حال الرخاء ذكرناه في حال ~~الشدة , فأنجيناه من بطنه , وأخرجناه منه سالما , وكان ذلك امرا باهرا ~~للعقل , أبرزه في مظهر العظمة فقال : { فنبذناه } أي ألقيناه من بطن الحوت ~~إلقاء لم يكن لأحد غيره . | وكان ذلك علينا يسيرا { بالعراء } أي المكان ~~القفر الواسع الخالي عن ساتر عن نبت أو غيره , وذلك بساحل الموصل , وقال ~~أبو حيان : قذفه في نصيبين من ناحية الموصل : { وهو سقيم * } أي عليل مما ~~ناله من جوف الحوت بحيث أنه كام كالطفل ساعة يولد وهو إذ ذاك محمود غير ~~مذموم بنعمة الله التي تدراكته , فكان مجتبى ومن الصالحين { وأنبتنا } أي ~~بعظمتنا في ذلك المكان لا مقتضى للنبات مطلقا فيه فضلا عما لا ينبت إلا ~~بالماء الكثير . | ولما كان سقمه متناهيا بالغا إلى حد يجل عن الوصف , نبه ~~عليه بأداة الاستعلاء فقال : { عليه } أي ورفعناها حال إنباتنا إياها فوقه ~~لتظله كما يظل البيت الإنسان . | ولما كان الدباء عن النجم , وكان قد ~~اعظمها سبحانه لأجله , عبر عنها بما له ساق فقال : { شجرة } ولما كانت هذه ~~العبارة مفهمة لأنها مما له ساق , نص على خرق العادة بقوله : { من يقطين * ~~} أي من الأشجار التي تلزم الأرض وتقطن فيها وتصلح لأن PageV06P342 يأوي ~~إليها ويقطن عندها حتى يصلح حاله , فإنه تعالى عظمها وأخرجها عن عادة ~~أمثالها حتى صارت عليه كالعريش , واليقطين : كل ما يمتد وينبسط على وجه ~~الأرض ولا يبقى على الشتاء ولا يقوم على ساق كالبطيخ والقثاء , والمراد بها ~~هنا - كما ms4228 قاله ابن عباس رضي الله عنهما شجرة القرع لعظم ورقها وبرد ظلها ~~ونعومة ملمسها وأن الذباب لا يقربها , قال أبو حيان : وماء ورقه إذا رش به ~~مكان لا يقربه ذباب أصلا , وقال غيره : فيه ملاءمة لجسد الإنسان حتى لو ~~ذهبت عظمة من رأسه فوضع مكانها قطعة من جلد القرع نبت عليها اللحم وسد مسده ~~, وهو من قطن بالمكان - إذا أقام به إقامة زائل لا ثابت . # ولما كان النظر إلى الترجية أعظم , ختم بها إشارة إلى أنه لا يميته صلى ~~الله عليه وسلم حتى يقر عينه بأمته كثرة طواعية ونعمة فقال : { وأرسلناه } ~~أي بعظمتنا التي لا يقوم لها شيء . | ولما لم يتعلق الغرض بتعيين المرسل ~~إليهم , وهل هم الذين أبق عنهم أولا ؟ قال : { إلى مائة ألف } والجمهور على ~~أنهم الذين أرسل إليهم أولا - قال أبو حيان . | ولما كان العدد الكثير لا ~~يمكن ناظره الوقوع فيه على حقيقة عدده , بل يصير - وإن أثبت الناس نظرا - ~~يقول : هم كذا يزيدون قليلا أو ينقصونه , وتارة يجزم بأنهم لا ينقصون عن ~~كذا , وأما الزيادة فممكنة , وتارة يغلب على ظنه الزيادة , وهو المراد هنا ~~, قال : { أو يزيدون * } لأن الترجية في كثرة الأتباع أقر للعين وأسر للقلب ~~, وإفهاما لأن الزيادة واقعة , وهؤلاء المرسل إليهم هم أهل نينوى وهم من ~~غير قومه , فإن حدود أرض بني إسرائيل الفرات , ونينوى من شرقي الفرات بعيدة ~~عنه جدا . | ولما تسبب عن إيتانه إليهم انشراح صدره بعد ما حصل له من الضيق ~~الذي أوجب له ما تقدم قال : { فآمنوا } أي تجرديدا لأنفسهم من الحظوظ ~~النفسانية ولحوقا بالصفات الملكية . | ولما كان إيمانهم سبب رفع العذاب ~~الذي كان أوجبه لهم كفرهم قال : { فمتعناهم } أي ونحن على ما نحن عليه من ~~العظمة لم ينقص ذلك من عظمتنا شيئا ولا زاد فيها { إلى حين * } أي إلى ~~انقضاء آجالهم التي ضربناها لهم في الأزل . | < # > ذكر قصة يونس عليه السلام من سفر الأنبياء < # > قال مترجمه : نبدأ بمعونة الله وقوته بكتب نبوة يونان بن متى النبي : ~~كانت كلمة الرب ms4229 على يونان بن متى , يقول له : قم فانطلق إلى نينوى المدينة ~~العظيمة وناد فيها بأن شرارتكم قد صعدت قدامي , وقام يونان ليفر إلى ترسيس ~~من قدام الرب , وهبط إلى يافا ووجد سفينة تريد تدخل إلى ترسيس فأعطى الملاح ~~أجرة ونزلها ليدخل معهم إلى PageV06P343 ترسيس هاربا من قدام الرب , والرب ~~طرح ريحا عظمية في البحر , فكان في البحر موج عظيم , والسفينة كانت تتمايل ~~لتنكسر وفرق الملاحون وجأر كل إنسان إلى إلاهه , وطرحوا متاع السفينة في ~~البحر ليخففوا عنهم , بحق هبط يونان إلى أسفل السفينة ونام فدنا منه سيد ~~الملاحين وقال له : لماذا أنت نائم ؟ قم فادع إلاهك لعل الله يخلصنا ولا ~~نهلك , وقال الرجل لصاحبه : تعالوا نقترع ونعلم هذا الشر من قبل من جاء ~~علينا ؟ فاقترعوا فجاءت القرعة على يونان , فقالوا له : أخبرنا ما هذا الشر ~~؟ وماذا هو عملك , ومن أين أنت , ومن أي شعب أنت , وأيتها أرضك ؟ فقال لهم ~~يونان : أنا عبراني ولله رب السماء أخشى الذي خلق البر والبحر , ففرق أولئك ~~القوم فرقا شديدا , فقالوا له : ماذا صنعت ؟ لأن أولئك الناس علموا أنه من ~~قدام إلاه هرب , فلما أخبرهم قالوا : ما نصنع بك حتى يسكن عنا البحر لأن ~~البحر هو ذا منطلق يزخر علينا ؟ قال لهم يونان : خذوني فاطرحوني في البحر ~~فيسكن عنكم البحر لأني أعلم أن هذا الموج العظيم من أجلي هاج عليكم , فجهد ~~أولئك الناس أن يرجعوا إلى الساحل , فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا , لأن البحر ~~كان ذاهبا يزخر عليهم , ودعوا إلى الرب وقالوا : أيها الرب لا يحسب علينا ~~دم زكي , ولا نهلك بنفس هذا الرجل من أجل أنك أنت الرب , وكل ما شئت تصنع , ~~فأخذوا يونان وطرحوه في البحر , فاستقر البحر من أمواجه , وفرق أولئك الناس ~~من قدام الرب فرقا شديدا , وذبحوا ذبائح للرب ونذروا له النذور , وهيأ الرب ~~سمكة عظيمة فابتلعت يونان , وكان يونان في أمعاء السمكة ثلاثة أيام وثلاث ~~ليالي وقال : دعوت الرب في حزني فأجابني , ومن بطن الجحيم تضرعت إليه , ~~وسمع صوتي وطرحني ms4230 في الغوط في قلب البحر , والأنهار أحاطت بي , وكل أمواجك ~~واهياجك علي جازت , أنا بحق قلت : إني قد تباعدت من قدام عينيك , من الآن ~~أترى أعود فأنظر إلى هيكلك المقدس , وقد أحاطت بي المياه حتى نفسي والأهوال ~~أحاطت بي , وفي أسفل البحر احتبس رأسي , وإلى أسفل الجبال هبطت , والأرض ~~أطبقت أغلاقها في وجهي إلى الدهر , إذا اغتنمت نفسي للرب ذكرت ودخلت صلاتي ~~قدامك إلى هيكلك المقدس , فكل الذين يحفظون الأنساك البطالة رحمتهم فتركوا ~~, أنا بحق بصوت الشكر أقرب لك وأذبح , والذي نذرته اوفيه للرب ! فأمر الرب ~~السمكة فقذفت يونان في اليبس , وأتى الكلام الرب إليه المرة الثانية , وقال ~~له : قم يا يونان فانطلق إلى نينوى المدينة العظمية وناد فيها بالنداء الذي ~~أقوله لك , فقام يونان وانطلق إلى نينوى مثل كلمة الرب , ونينوى كانت مدينة ~~عظمية للرب مسيرة ثلاثة أيام , وتبدأ يونان أن يدخل إلى نينوى مسيرة يوم ~~واحد ونادى وقلال : من الآن وإلى أربعين يوما نينوى تنقلب , فآمن ~~PageV06P344 أهل نينوى لله وفرضوا الصوم ولبسوا المسوح من عظمائهم حتى ~~صغائرهم , وانتهت الكلمة إلى ملك نينوى فقام عن كرسيه ونزع تاجه , واكتسى ~~مسح شعر , وجلس على الرماد , ونادى في نينوى وقال الملك وأشرافه : وكل ~~الناس والغدائر والثيران والغنم فلا يذوقون شيئا من الطعام ولا يرعون , ~~وماء فلا يشربون , ولكن فليلبس الناس والغدائر ويدعو الله بالتضرع , ويرجع ~~كل إنسان عن طريقة السوء , وعن الاختطاف الذي في يده , وقالوا : من ذا الذي ~~يعلم أن الله يقبل منا ويترحم علينا ويرد عنا غصبه ورجزه لكيلا نهلك , ونظر ~~الله إلى أعمالهم أنهم قد تابوا عن طرقهم السوء فرد عنهم غضب رجزه ولم ~~يبدهم , وحزن يونان حزنا شديدا , وتكره من ذلك جدا , وصلى قدام الرب وقال : ~~أيها الرب ! ألم تكن هذه كلمتي , وأنا بعد في بلادي ولذلك سبقت وفررت إلى ~~ترسيس , قد عرفت بحق أنك الرحمن الإله الرؤوف , طويل صبرك وكثيرة نعمتك , ~~وترد السوء الآن يا رب ! انزع نفسي مني لأن الموت أنفع لي في الحياة , فقال ms4231 ~~له : جدا حزنت يا يونان , وخرج يونان من المدينة واتخذ له ثمة مظلة وجلس ~~تحتها في الظل لينظر ما الذي يعرض للمدينة , وأمر الله الرب أصل القرع , ~~ونبت وارتفع على رأس يونان , فكان ظل على رأسه فتفرج من شدته وفرح فرحا ~~كثيرا يونان بأصل القرع . | وفي اليوم الآخر أمر الله الرب دودة في مطلع ~~الصبح فضربت أصل القرع وقرضته , فلما طلعت الشمس أمر الله ريح السموم فيبست ~~أصل القرع , وحميت الشمس في رأس يونان , واغتنم وسال الموت لنفسه وقال : ~~إنك يا رب تقدر تنزع نفسي مني , لأني لم أكن أخبر من إياي , وقال الرب ~~ليونان : جدا حزنت على أصل القرع , فقال يونان : جدا أحزن حتى الموت , قال ~~له الرب : أنت أشفقت على أصل القرع الذي لم تعن به ولم تربه , الذي في ليلة ~~نبت , وفي ليلة يبس , فكيف لا أشفق أنا على نينوى المدينة العظيمة التي ~~فيها أكثر من اثنتي عشرة ربوة من الناس الذين لا يدرون ما بين يمنيهم من ~~شمالهم وكثرة من الغدائر - انتهى . | ولعل أصل القرع المذكور هنا كان نبت ~~عليه حين خرج من بطن الحوت , فلما اتفق له ما ذكر هنا رجع إليه وقد زاد ~~عظمه فبنى تحته عريشا وجلس تحته , فكان منه ما كان , فلا يكون حينئذ ما هنا ~~مخالفا لما ذكر أهل الأخبار في هذه القصة - والله الموفق . | < < # | الصافات : ( 149 - 157 ) فاستفتهم ألربك البنات . . . . . # > > ^ ( فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون * أم خلقنا الملائكة إناثا ~~وهم شاهدون * ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ولد الله وإنهم لكاذبون * أصطفى ~~البنات على البنين * مالكم كيف تحكمون * أفلا تذكرون * أم لكم سلطان مبين * ~~فأتوا PageV06P345 بكتابكم إن كنتم صادقين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان الذي سبق ادعاؤه أمرين أحدهما أن هؤلاء المنذرين يسارعون في ~~اقتفاء آثار آبائهم في الضلال , والثاني أن أكثر الأولين ضلوا , وسقيت ~~دليلا شهوديا على الثاني هذه القصص الست التي ما اهتدى من أهلها أمة ~~بكمالها إلا قوم يونس عليه السلام , كان ذلك سببا للأمر بإقامة الدليل على ~~ضلال ms4232 هؤلاء تبعا لآبائهم بأمر ليس في بيان الضلال أوضح منه , فقال متهكما ~~بهم مخصصا الأمر به صلى الله عليه وسلم إشارة إلى عظم هذه النتيجة وأنه لا ~~يفهمها حق فهمها سواه صلى الله عليه وسلم : { فاستفهم } أي فاطلب من هؤلاء ~~الذين يعرضون عن دعوتك إلى أباطيلهم أن يجيبوك فتوة منهم وكرما : بأي دليل ~~وبأي حجة حكموا بما يقولونه تبعا لآبائهم في الملائكة الذين تقدم في فاطر ~~أنهم رسل الله , وفي يس أنهم في غاية الشدة بحيث إن عذاب الأمة الكثيرة ~~يكفي فيه واحد منهم , وبحيث إن صيحة واحده من أحدهم يميت الأحياء كلهم , ~~وصيحة أخرى يحي الأموات كلهم , هذا إلى ما أفادته هذه السورة لهم من الصف ~~والزجر والتلاوة حين ابتدأت بالإقسام بهم لأن لمقصودها نظرا عظيما إلى ~~أحوالهم في تجرديهم وتقديسهم , ويلزم من هذا الاستفتاء تنزيههم وتنزيه الي ~~خلقهم وذلك مقصود السورة , ولفت الكلام عن مظهر العظمة إلى ما هو دليل ~~عليها فإن الرسول دال على قدر من أرسله فقال : { ألربك } أي خاصة وهو الملك ~~الأعلى الذي رباك وأحسن إليك بهدايتك والهداية بك وغير ذلك من أمرك حتى كنا ~~أكمل الخلق وأعلاهم في كل أمر يكون به الكمال والقرب من الله فاصطفاك ~~لرسالته , ففي إفراد الضمير إشارة إلى أنه لا يختار إلا الأكمل الأشرف ~~الأفضل . | ولما كان المراد تبكيتهم بكونوا جعلوا جعلوا الأخس لله , وكانت ~~الإناث أضعف من الذكور , ولكنها قد تطلق الأنوثة على غير الحيوان , وكانت ~~الإناث في بعض الأجناس كالأسحار أشرف , عدل عن التعبير بالإناث وعبر بما ~~ينص على المراد فقال : { البنات } أي دون البنين , وهم - مع أنهم مربون ~~مقهورون - يأنفون منهم غاية الأنفة { ولهم } أي دونه { البنون * } مع أن ~~الرب الذي خصوه بأدنى القبيلين تارة يخلق الذكر من تراب ويريبه أحسن تربية ~~, وأخرى من غيره أو يخرجه من بطن حوت أو غمرات نار أو غير ذلك , فبأي وسيلة ~~ادعوا له ولدا والوالد لا يكون إلا بالتدريج في أطوار الخلق من النقطة إلى ~~ما فوقها , ولا يرضى ms4233 بذلك إلا عاجز فكيف باعاء أدنى الصنفين من الولد , ~~سبحان ربك رب العزة . | ولما كان دعواهم لأنوثة الملائكة متضمنة لادعاء ~~العلم باختصاصه عند دعوى الولدية بأدنى القبيلتين أو ادعاء العلم بأنه ~~خلقهم إناثا بمشاهدة منهم أو كتاب منه إليهم , PageV06P346 وأما العقل فإنه ~~لا مدخل له في ذلك , قال معلما بأنهم أهل لأن يبكتوا ويستهزأ بهم لأنه لا ~~علم عندهم بإحدى الطريقين , ولا يقدرون أن يدعوا ذلك لئلا يفتضحوا فضيحة لا ~~تنجبر أصلا , عائدا إلى التصريح بمظهر العظمة التي إن لم يقتض اختيار ~~الأكمل لم يقتض الاختصاص بالأدون لأنها منافية بكل اعتبار للدناءة { ~~الملائكة } أي الذين حكموا عليهم بالأنوثة , وهم من أعظم رسلنا وأجل خواصنا ~~ولم يروا منهم أحدا ولا سبيل لهم إلى العلم بأحوالهم باعترافهم بذلك , ولما ~~تعين أن المراد بالأنوثة الخساسة , وكان في بعض الإناث قوة الذكور , عبر ~~بالأنوثة إلزاما لهم في حكمهم ذلك بخساستين فقال : { إناثا وهم } أي والحال ~~ان هؤلاء الذين ينسبون إلى الله ما لا يليق به { شاهدون * } أي ثابت لهم ~~شهود ذلك لا يغيبون عنه , فإنا كل يوم نجدد منهم من شئنا , قال الرازي : ~~وكل واحد من الملائكة نوع برأسه , أما الآدميون فكلهم نوع واحد , وهو ناقص ~~في ابتداء الفطرة , مستكمل , وله درجات في الترقي إلى أن يبلغ مقام ~~المشاهدة , وهم أن تتجلى له حلية الحق الأول من ذاته وصفاته وترتيب أفعاله ~~علما لا ينفصل عنه ولا يغيب فيترقى في إدراكه عن المحسوسات والخيالات , ~~ويترقى فعله على أن يكون لمقتضى الغضب أو الشهوة , وبهذا يقرب من الله ~~تعالى - انتهى . | ولما اشتد تشوف السامع إلى أن يعلم حقيقة قولهم الذي ~~تسبب عنها هذا الاستفتاء أعلم سبحانه بذلك في قوله مؤكدا إشارة إلى أنه قول ~~لا يكاد أن لا يقر أحد أن قاله , معجبا منهم فيه مناديا عليهم بما أبان من ~~فضيحتهم بما قدم من استفتائهم : { إلا أنهم من إفكهم } أي من أجل أن صرفهم ~~الأمور عن وجوها عادتهم { ليقولون * } أي قولا هم مستمرون عليه وإن كانوا ms4234 ~~لا يقدرون على إبرازه في مقام المناظرة , وعدل عن مظهر العظمة إلى إسم ~~الجلالة العلم على الذات الجامعة لجميع الصفات إشارة إلى أن كل صفة من ~~صفاته ونعت من نعوته يأبى الولدية فقال : { ولد الله } أي وجد له - وهو ~~المحيط بصفات الكمال - ولد هم على صفة الأنوثة أي أتى بالولد , فولد فعل ~~ماض والجلالة فاعل , وقرئ شاذا برفع ( ولد ) على أنه خبر مبتدأ محذوف , وجر ~~الجلالة بالإضافة , والولد فعل بمعنى مفعول كالقبض , فلذلك يخبر به عن ~~المفرد وغيره والمؤنث وغيره . | ولما أتى سبحانه بالاسم الأعظم إشارة إلى ~~عظيم تعاليه عن ذلك , صرح به في قوله دالا على الثبوت مؤكدا لأجل دعواهم ~~أنهم صادقون : { وإنهم لكاذبون * } ودل على كذبهم أيضا بإنكاره موبخا لهم ~~في أسلوب الخطاب زيادة في الإغضاب في قوله : PageV06P347 { اصطفى } بهمزة ~~الإنكاري , ومن أسقطها فهي عنده مقدرة مرادة , أي أخبروني هل اختار هذا ~~السيد الذي أنتم مقرون بتمام عمله وشمول قدرته وعلو سؤدده ما تسترذلونه . | ~~ولما كان التعبير بالبنت أكره إليهم من التعبير بالأنثى , والتعبير بالابن ~~أحب إليهم من التعبير بالذكور وأنص على المراد لأن الذكر مشترك بين معان , ~~قال : { البنات } اللاتي تستنكفون أنتم من لحوقهن بكم , وتستحيون من نسبتهن ~~إليكم , حتى أن بعضكم ليصل في إبعادهن إلى الوأد { على البنين * } فكان ~~حينئذ نظره لنفسه دون نظر أقلكم فضلا عن أجلكم , ولذلك عظم حسنا وتناهى ~~بلاغة قوله : { ما } أي يا معاشر العرب المدعين لصحة العقول وسداد الأنظار ~~والفهوم ! أي شيء { لكم } من الخير في هذا المقال ؟ ثم زاد في التقريع عليه ~~بقوله معجبا منهم : { كيف تحكمون * } أي في كل سألناكم عنه بمثل هذه ~~الأحكام التي لا تصدر عمن له أدنى مسكة من عقله , وعبر بالحكم لاشتهاوه ~~فيما يبت فيأبى النقص , فكان التعبير به أعظم في تقريعهم حيث أطلقوه على ما ~~لا أوهى منه . | ولما كان هذا شديد المنافاة للعقول , عظيم البعد عن الطباع ~~, حسن جدا قوله أيضا مبكتا : { أفلا تذكرون * } أي أدنى تذكر بما أشارت ~~إليه قراءة من خفف ms4235 بما جمعت من التخفيف والحذف , فإن الأمر في غاية الظهور ~~لما في عقولكم وطباعكم من أنكم لا ترضون لأنفسكم أخس المنازل , فكيف يختاره ~~لنفسه ربكم الذي بيده كل شيء ؟ وإنه لا يكون الولد مطلقا إلا ممن له جنس , ~~فيكون محتاجا إلى جنسه , والمحتاج لا يكون إلها بوجه , وأشارت مع دقة بما ~~أشار إليه الإدغام لأجل حل شبهة من يرى أفعال من يحيي الموءودة فيظن أن ذلك ~~رغبة منهم في الإناث , وليس ذلك إلا رغبة في دفع فساد القتل ورحمة للضعيف , ~~ولم يقرأ بالفك إشارة إلى أن الأمر غني عن الدرجة العليا في التأمل . | ~~ولما قررهم على شهود ذلك بما تضمن إبطاله عقلا , فلم يبق من طرق الأدلة إلا ~~السمع , عادل به قوله : { أم لكم } أي على ادعاء ذلك { سلطان } أي دليل ~~سمعي بخبر سماوي قاهر , وأشار إلى أنه لا يتكلم في أحوال الملوك إلا بأمر ~~واضح بقوله : { مبين * } . | ولما كان المراد هذا - ولا بد - البرهان ~~السمعي , بينه بما سبب عنه من قوله : { فأتوا بكتابكم } أي الذي أتاكم بذلك ~~السلطان من الملك في أنه اختار لنفسه ذلك , ودل على كذبهم تلويحا بعد أن ~~أتى به تصريحا وهو أنكى ما يكون بالإيتان بأداة الشك PageV06P348 في قوله : ~~{ إن كنتم صادقين * } وهذه الآيات صادرة عن سخط وإنكار فظيع , والأساليب ~~التي وردت عليها ناطقة بتسفيه أحلام المدعي لذلك وبجهل نفوسهم , واستركاك ~~عقولهم , مع استهزاء وتهكم وتعجيب من أن يخطر مثل ذلك على بال فضلا على أن ~~يتخذ معتقدا , ويتظاهر به مذهبا . | < < # | الصافات : ( 158 - 164 ) وجعلوا بينه وبين . . . . . # > > ^ ( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون * ~~سبحان الله عما يصفون * إلا عباد الله المخلصين * فإنكم وما تعبدون * مآ ~~أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم * وما منآ إلا له مقام معلوم ) ^ ~~} ) | ولما تم إظهار ضلالهم , بكتهم في أسلوب آخر معرضا عن خطابهم تخويفا ~~من إحلال عذابهم فقال : { وجعلوا } أي بعض العرب منابذين لما قضى بيانه من ~~الأدلة { بينه وبين الجنة } أي الجن الذين ms4236 هم شر الطوائف , وأنثهم إشارة ~~إلى تحقيرهم عن هذا الأمر الذي أهلوهم له { نسبا } بأن قالوا : إنه - جلت ~~سبحات وجهه وعظم تعالى جده - تزوج بنات سروات الجن , فأولد منهم الملائكة , ~~ومن المعلوم أن أحدا لا يتزوج إلا من يجانسه , فأبعدوا غاية البعد لأنه لا ~~مجانس له . | ولما كان النسيب يكرم ولا يهان قال مؤنثا لضميرهم زيادة في ~~تحقيرهم : { ولقد علمت الجنة } أي مطلقا السروات منهم والأسافل { إنهم } أي ~~الجن كلهم { لمحضرون * } أي إليه بالبعث كرها ليعاملوا بالعدل مع بقية ~~الخلائق يوم فصل القضاء , والتجلي في مظاهر العز والعظمة والكبرياء , فهم ~~أقل من أن يدعى لهم ذلك . | ولما ذكر اليوم الأعظم الذي يظهر فيه لكل أحد ~~معاقد الصفات , وتتلاشى عند تلك المظاهر أعيان الكائنات , وتنمحي لدى تلك ~~النعوت آثار الفانيات , وكان ذكره على وجه مبين بعد الجن عن المناسبة , كان ~~مجزأ للتنزيه وموضعا لجميع أنواعه , والجلالة إشارة إلى عظم المقام : { ~~سبحان الله } أي تنزه الذي له جميع العظمة تنزها يفوت الحصر { عما يصفون * ~~} أي عما يصفه به جميع الخلائق الذين يجمعهم الإحضار ذلك اليوم , أو الكفار ~~الذين ادعوا له الولد وجعلوا الملائكة من والولد { إلا عباد الله } أي ~~الذين أظهر ولم يضمر , لأن الضمير يعود على عين الماضي , فربما أوهم تقييده ~~بما ذكر في الأول فينفهم تقييد تشريفهم بالتسبيح , { المخلصين * } من جميع ~~الخلائق أو من العرب وهم من أسلم منهم بعد نزول هذه السورة فإنهم لا يصفونه ~~إلا بما أذن لهم فيه PageV06P349 ولأجل أن هذه السورة سورة المتجردين عن ~~علائق العوائق عن السير إليه , كرر وصف الإخلاص فيها كثيرا . | ولما نزه ~~نفسه المقدس سبحانه عن كل نقص , دل على ذلك بأنهم وجميع ما يعبدونه من دونه ~~لا يقدرون على شيء لم يقدره , فقال مسببا عن التنزيه مؤكدا تكذيبا لمن يظن ~~أن غير الله يملك شيئا مواجها لهم بالخطاب لأنه أنكى وأجدر بالإغضاب : { ~~فإنكم وما تعبدون * } أي من الأصنام وغيرها من كل من زعمتموه إلها . | ~~وابتدأ الخبر عن ( أن ) فصدره بالنافي فقال ms4237 : { ما } وغلب المخاطبين المعبر ~~عنهم بكاف الخطاب على من عطف عليهم وهم معبوادتهم تنبيها على أنهم عدم كما ~~حقرهم بالتعبير عنهم بما دون ( من ) فقال مخاطبا : { أنتم عليه } أي على ~~الله خاصة { بفاتنين * } أي بمغيرين أحدا من الناس بالإضلال { إلا من هو } ~~أي في حكمة وتقديره { صال الجحيم * } أي معذب بعذابه لحكمه عليه بالشقاوة ~~فعلم أنكم لا تقدرون أن تغيروا عليه إلا من غيره هو فبحكمه ضل لا بكم , ~~نعوذ بك منك , لا مهرب منك إلا إليك , والمراد بتقديم الجار أن غيره قد ~~يقدر على أن يفسد عليه من لا يريد فساده ويعجز عن رد المفسد , فالتعبير ~~بأداة الاستعلاء تهكم بهم بمعنى أنه ليس في أيديكم من الإضلال إلا هذا الذي ~~جعله لكم من التسبب , فإن كان عندكم غلبة فسموه بها , وتوحيد الضمير على ~~لفظ ( من ) في الموضعين للإشارة إلى أن الميت على الشرك بعد بعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم من العرب قليل , وقرئ شاذا ( صالوا ) دفعا لظن أنه وتحد . | ~~ولما كان من المعلوم أن هذا الاستفتاء من النبي صلى الله عليه وسلم وقع ~~امتثالا المصدر به , وبطل بهذه الجملة قدرتهم وقدرة معبوداتهم التي يدعون ~~لها بعض القدرة , قال مؤكدا لذلك ومبطلا لقدرة المخلصين أيضا عطفا على { ~~فإنكم وما تعبدون } : { وما منا } أي نحن وأنتم ومعبوادتكم وغير ذلك , أحد ~~{ إلا له مقام معلوم * } قد قدره الله تعالى في الأزل , ثم أعلم الملائكة ~~بما أراد منه فلا يقدر أحد من الخلق على أن يتجاوز ما أقامه فيه سبحانه نوع ~~مجاوزة , فلكل من الملائكة مقام معروف لا يتعداه , والأولياء لهم مقام ~~مستور بينهم وبين الله لا يطلع عليه أحد , والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~لهم مقام مشهور مؤيد بالمعجزات الظاهرة , لأنهم للخلق قدوة , فأمرهم على ~~الشهوة , وأمر الأولياء على السترة - قاله القشيري , وغير المذكورين من أهل ~~السعادة لهم مقام في الشقاوة معلوم عند الله تعالى وعند من أطلعه عليه من ~~عباده . | < < # | الصافات : ( 165 - 171 ) وإنا لنحن الصافون # > > ^ ( وإنا لنحن الصآفون * وإنا لنحن ms4238 المسبحون * وإن كانوا ليقولون * ~~لو أن عندنا ذكرا من PageV06P350 الأولين * لكنا عباد الله المخلصين * ~~فكفروا به فسوف يعلمون * ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما سلب عن الكل كل شيء من القدرة إلا ما وهبهم , وكان الكفار يدعون ~~أنهم يعبدون الله تعالى وينزهونه وأن الإشتراك لا يقدح في ذلك , بين أن ~~المخلصين خصوا دونهم بمواقف الصفاء , ومقامات الصدق والوفاء , لأن طاعتهم ~~أبطلها إشراكهم , فقال مؤكدا ومخصصا : { وإنا } أي يا معشر المخلصين { لنحن ~~} أي دونكم { الصافون * } أي أنفسنا في الصلاة والجهاد وأجنحتنا في الهواء ~~فيما أرسلنا به وغير ذلك لاجتماع قلوبنا على الطاعة { وإنا لنحن المسبحون * ~~} أي المنزهون له سبحانه عن كل نقص مما ادعيتوه من البنات وبجوز أن يكون ~~المعنى : لنا هذا الفعل , وهو الصف والتسبيح , ولا ينوي له مفعول البتة . | ~~ولما بين ضلالهم وهداه صلى الله عليه وسلم وهدى من اتبعه - بما أشار إليه ~~بصفة الربوبية التي أضافها إليه في قوله ( ألربك ) أعلم بأنهم زادوا على ~~عيب الضلال في نفسه عيب الإخلاف للوعد والنقض لما أكدوه من العهد , فقال ~~مؤكدا إشارة إلى أنه لا يكاد يصدق أن عاقلا يؤكد على نفسه في أمر ثم يخلفه ~~جوابا لمن يقول : هل نزهوه كما نزهه المخلصون : { وإن } أي فعلوا ذلك من ~~الضلال بالشبه التي افتضحت بما كشفناه من ستورها ولم ينزهوا كما نزه ~~المخصلون والحال أنهم { كانوا } قبل هذا { ليقولون } أي قولا لا يزالون ~~يجددونه مع ما فيه من التأكيد { لو أن عندنا ذكرا } أي على أي حال كان من ~~أحواله من كتاب أو غيره { من الأولين } أي من الرسل الماضين { لكنا عباد ~~الله } أي بحيث أنا نصير اهلا للإضافة إلى المحيط بصفات الكمال { المخلصين ~~* } أي في العبادة له بلا شائبة من شرك أصلا . | ولما كان هذا الذكر - الذي ~~أتاهم مع كونه أعظم ذكر أتى مصدقا لكتب الأولين وكان الرسول الآتي به أعظم ~~الرسل , فكان لذلك هو عين ما عقدوا عليه مع زيادة الشرف - سببا لكفرهم قال ~~: { فكفروا به } أي فتسبب ms4239 عما عاهدوا عليه أنهم كفروا بذلك الذكر مع زيادته ~~في الشرف على ما طلبوا بالإعجاز وغيره فتسبب عن ذلك تهديدهم ممن أخلفوا ~~وعده , ونقضوا مع التأكيد عهده , فقال : { فسوف يعلمون * } أي بوعيد ليس هو ~~من جنس كلامهم , بل هو مما لا خلف فيه بوجه . | ولما كان التقدير كما أرشد ~~إليه سياق التهديد : فلقد سبقت كلمتنا على من لا خلف فيه بوجه . | ولما كان ~~التقدير كما أرشد إليه سياق التهديد : فلقد سبقت كلمتنا على من خالف رسلنا ~~بالخذلان المهين , عطف عليه قوله : { ولقد سبقت } أي في الأزل { كلمتنا } ~~أي على ما لنا من العظمة { لعبادنا } أي الذين أخلصوا لنا العبادة في كل ~~حركة وسكون { المرسلين * } الذين زدناهم على شرف الإخلاص في العبودية شرف ~~الرسالة . | PageV06P351 < < # | الصافات : ( 172 - 178 ) إنهم لهم المنصورون # > > ^ ( إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون * فتول عنهم حتى ~~حين * وأبصرهم فسوف يبصرون * أفبعذابنا يستعجلون * فإذا نزل بساحتهم فسآء ~~صباح المنذرين * وتول عنهم حتى حين ) ^ } ) | ولما آذنت اللام بعلوهم , ~~أوضح ذلك ببيان ما سماه كلمة لانتظامه في معنى واحد بقوله : { إنهم } وزاد ~~في تأكيده في نظير ما عنده الكفرة على ما تدل أعمالهم أنه في غاية البعد ~~فقال : { لهم } أي خاصة { المنصورون * } أي الثابت نصرهم في الجدال والجلاد ~~وإن وقع للكفار عليهم في الثاني ظهور ما . | ولما خص بذلك المرسلين , عم ~~فقال : { وإن جندنا } أي من المرسلين وأتباعهم , ولما كان مدلول الجند في ~~اللغة العسكر والأعوان والمدينة وصنفا من الخلق على حدة , قال جامعا على ~~المعنى دون اللفظ نصا على المراد : { لهم } أي لا غيرهم { الغالبون * } أي ~~وإن رئي أنهم مغلوبون لأن العاقبة لهم إن لم يكن في هذه الدار فهو في دار ~~القرار , وقد جمع لهذا النبي الكريم فيهما , وسمى هذا كله كلمة لانتظامه ~~معنى واحدا , ولا يضر انهزام في بعض المواطن من بعضهم ولا وهن قد يقع , ~~وكفى دليلا على هذا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الثلاثة بعده ~~رضي الله عنهم . | ولما ثبت لا محالة بهذا ms4240 أنه صلى الله عليه وسلم هو ~~المنصور لأنه من المرسلين ومن جند الله , بل هو أعلاهم , سبب عن ذلك قوله : ~~{ فتول } أي فكلف نفسك الإعراض { عنهم } أي عن ردهم عن الضلال قسرا { حتى ~~حين * } أي مبهم , وهو الوقت الذي عيناه لنصرك في الأزل { وأبصرهم } أي ~~ببصرك وبصيرتك عند الحين الذي ضربناه لك وقبله : كيف تؤديهم أحوالهم ~~وتقلباتهم كلما تقلبوا إلى سفول . | ولما كانوا قبل الإسلام عميا صما لأنهم ~~لا يصدقون وعدا ولا وعيدا , ولا يفكرون في عاقبة , حذف المفعول من فعلهم ~~فقال متوعدا محققا بالتوسيف لا مبعدا : { فسوف يبصرون * } أي يحصل لهم ~~الإبصار الذي لا غلط فيه بالعين والقلب بعد ما هم فيه من العمى , وهذا ~~الحين واضح في يوم بدر وما كان من أمثاله قبل الفتح , فإنهم كان لهم في تلك ~~الأوقات نوع من القوة , فلذلك أثبتهم نوع إثبات في أبصرهم . | ولما كانت ~~عادتهم الاستعجال بما يهددون به استهزاء , كلما ورد عليهم تهديد , سبب عن ~~ذلك الإنكار عليهم على وجه تهديد آخر لهم فقال : { أفبعذابنا } أي على ما ~~علم من العظمة بإضافته إلينا { يستعجلون } أي يطلبون أن يعجل لهم فيأتيهم ~~قبل أوانه الذي ضربناه له . | ولما علم من هذا أنه لا بشرى لهم يوم حلوله , ~~ولا قرار عند نزوله , صرح بذلك في قوله : { فإذا } أي هددناهم وأنكرنا ~~عليهم بسبب أنه إذا { نزل PageV06P352 بساحتهم } أي غلب عليها لأن ذلك شأن ~~النازل بالشيء من غير إذن صاحبه ولا يغلب عليها إلا وقد غلب على أهلها فبرك ~~عليهم بروكا لا يقدرون معه على البروز إلى تلك الساحة وهي الفناء الخالي عن ~~الأبنية كأنه متحدث القوم وموضع راحتهم في أي وقت كان بروكه من ليل أو نهار ~~, ولكن لما كانت عادتهم الإغارة صباحا , قال على سبيل التمثيل مشيرا بالفاء ~~إلى أنه السبب لا غيره { فساء صباح المنذرين * } أي الذين هم ولقد صار من ~~لم يتأهل لغير الإنذار فيه في غاية السوء , وهم الذين قتلهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم في ذلك اليوم , ومنهم ms4241 من تعلق بأستار الكعبة فلم يفده ذلك , ~~ولكنهم كانوا قليلا , والباقون إن كان ذلك الصباح على ما ساءهم منظره فلقد ~~سرهم لعمر الله مخبره . | ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة لا ~~يستأصل قومه بعذاب , قال دالا على ذلك بتكرير الأمر تأكيدا للتسلية , ووعد ~~النصرة مع ما فيه من زيادة المعنى على الأول , عاطفا على ( تول ) الأولى : ~~{ وتول } أي كلف نفسك الصبر عليهم في ذلك اليوم الذي ينزل بهم العذاب ~~الثاني والإعراض { عنهم حتى حين * } وكذا فعل صلى الله عليه وسلم فإنه حل ~~بساحتهم يوم الفتح صباحا , فلم يقدروا على مدافعة . | < < # | الصافات : ( 179 - 182 ) وأبصر فسوف يبصرون # > > ^ ( وأبصر فسوف يبصرون * سبحان ربك رب العزة عما يصفون * وسلام على ~~المرسلين * والحمد لله رب العالمين ) ^ } ) | ولما كابر بعضهم ودافع , لم ~~يكن بأسرع من أن ولوا وطلبوا السلامة بالدخول فيما جعله صلى الله عليه وسلم ~~علما على التأمين , وقال حماس بن قيس أخو بني بكر لما دخل بيته لامرأته : ~~أغلقي علي الباب , فعيرته بالهزيمة بعن أن كانت تنهاه عن منابذة المسلمين ~~فلا ينتهي ويقول لها : لا بد , أن أخدمك بعضهم : | إنك لو شهدت يوم الحندمه ~~إذ فر صفوان وفر عكرمه واستقبلنا بالسيوف المسلمة يقطعن كل ساعد وجمجمه ~~ضربا فلا يسمع إلا غمغمه لهم نهيت خلقنا وهمهمهلم تنطقي في اللوم أدنى كلمه ~~| ولما كان هذا منطبقا على يوم الفتح , وكان ذلك اليوم قد أحل الكفار محلا ~~صاروا به بحيث لا اعتبار لهم قال : { وأبصر } مسقطا ضميرهم , أي أبصر ما ~~تريد من شؤونك التي يهمك النظر فيها , وأما هم فصاروا بحيث لا يبالي بهم ~~ولا يفكر في أمرهم ولا يلتفت إليهم , فإنا أبدلنا من عزتهم ذلا , ومن ~~كثرتهم قلا , وجردنا تلك الأراضي PageV06P353 من قاذورات الشرك , وأحللنا ~~بها طهارة التنزيه وأقداس التحميد , وكذا كان , فإنه صلى الله عليه وسلم ~~قال لهم وهو على درج الكعبة وهم تحته كالغنم المجموعة في اليوم المطير بعد ~~أن قال ( ا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق ms4242 وعده ونصر عبده وأعز جنده ~~وهزم الأحزاب وحده ) : تظنون أني فاعل بكم يا معاشر قريش ( قالوا : خيرا , ~~أخ كريم وابن أخ كرين , قال ) اذهبوا فأنتم الطلقاء ( وقال له صفوان بن ~~أمية : اجعلني بالخيار شهرين , قال ) أنت بالخيار أربعة أشهر ( ولم يكلف ~~أحدا منهم الإسلام حتى أسلموا بعد ذلك طوعا من عند آخرهم . | ولما حصر ~~الطائف فعسرت عليه انصرف عنها , فما لبثوا أن أرسلوا إليه رسلهم وأسلموا ~~فحسن إسلامهم ولم يرتد أحد منهم في الردة , وهذا من معنى { فسوف يبصرون * } ~~. | ولما تقرر له سبحانه من العظمة ما ذكر , فكان الأمر أمره والخلق خلقه , ~~ثبت تنزهه عن كل نقص واتصافه بكل كمال , فلذلك كانت نتيجة ذلك الختم بمجامع ~~التنزيه والتحميد فقال : { سبحان الله } أي المحسن إليك بإرسالك وإقامة ~~الدليل الظاهر المحرر على صدقك بكل ما يكون من أحوال أعدائك من كلام أو ~~سكوت , وتأييدك بكل قوة وإلباسك كل هيبة { رب العزة } أي التي هو مختص بها ~~بما أفهمته الإضافة وأفاد شاهد الوجود وحاكم العقل , وقد علم بما ذكر في ~~هذه السورة أنها تغلب كل شيء ولا يغلبها شيء , وفي إضافة الرب إليه وإلى ~~العزة وإن رئي في ظاهر الأمر غير ذلك { عما يصفون * } مما يقتضي النقائص ~~لما ثبت من ضلالهم وبعدهم عن الحق . | ولما قدم السلام على من شاء تخصيصه ~~في هذه السورة من رسله عمهم فقال عاطفا على { سبحان } : { وسلام } أي تنزه ~~له وسلامة وشرف وفخر وعلا { على المرسلين * } أي الواصفين له بما له أهل , ~~الذين اصطفاهم , الصافين صفا , الزاجرين زجرا , التالين ذكرا , من البشر ~~والملائكة المذكورين في هذه السورة وغيرهم لأجل ما حكم لهم من سبحانه في ~~الأزل من العز والنصر { والحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال { لله } أي ~~الجامع لجميع الأسماء الحسنى التي دل عليها مجموع خلقه , وإلى ذلك أشار ~~بقوله : { رب العالمين * } فهو حينئذ الواحد المعتال , الذي تنزه ~~PageV06P354 عن الأكفاء والأمثال , والنظراء والأشكال , في كل شيء من ~~الأقوال والأفعال , والشؤون والأحوال , ولقد ترافق آخرها - كما ترى - ~~وأولها , وتعانق مفصلها ms4243 وموصلها - والله الهادي إلى الصواب . | . . . . | ~~PageV06P355 < # > 70 ( سورة ص ) 70 < # > المقصود منها بيان ما ذكر في آخر الصافات من أن جند الله هم الغالبون - ~~وإن رئي أنهم ضعفاء ، وإن تأخر نصرهم - غلبة آخرها سلامة للفريقين ، لأنه ~~سبحانه واحد لكونه محيطا بصفات الكمال كما أفهمه آخر الصافات من التنزيه ~~والحمد وما معهما ، وعلى ذلك دلت تسميتها بحرف ' ص ' لأن مخرجه من طرف ~~اللسان ، وبين أصول الثنيتين السفليتين ، ولهمن الصفات الهمس والرخاوة ~~والإطباق والاستعلاء والصفير ، فكان دالا على ذلك لأن مخرجه أمكن مخارج ~~الحروف وأوسعها وأخفها وأرشقها وأغلبها ، ولأن ما له من الصفات العالية ~~أكثر من ضدها وأفخم وأعلى وأضخم ، ولذلك ذكر من فيها من الأنبياء الذين لم ~~يكن على أيديهم إهلاك ، بل ابتلوا وعرفوا وسلمهم الله من أعدائهم من الجن ~~والإنس ، وإلى ذلك الإشارة بما روى عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن غيره من ~~أن معناه : الله صادق فيما وعد ، أو صدق محمد صلى الله عليه وسلم ، أو صاد ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، قلوب الخلق واستمالها ، وبه قرأ أبو عمرو في ~~رواية شاذة على أنه فعل ماض من الصيد ، وقرأ الحسن وغيره بكسر الصاد على ~~أنه أمر من المصاداة وهي المعارضة أي عارض بما أنزلناه إليك الخلائق ~~وجادلهم به فإنك تغلبهم لأن الصدق سيف الله في أرضه ، ما وضعه على شيء إلا ~~قطعه ، وقد انبسط هذا الصدق الذي أشار إليه الصاد على كل صدق في الوجود ~~فاستمال كل من فيه نوع من الصدق ، ولهذا قال في السورة التي بعدها { والذي ~~جاء بالصدق وصدق به } [ الزمر : 33 ] فذكر هؤلاء الأنبياء عليهم السلام ~~شاهد وجودي على ما هو معنى الصاد عند العلماء الربانيين من أنه مطابقة ما ~~بين الخلق والأمر ، وتسمى سورة داود عليه السلام - كما قاله ابن الجوزي ~~رحمه الله - وحاله صلى الله عليه وسلم أدل أحوال من فيها من الأنبياء على ~~هذا المقصود ، لما كان فيه من الضعف أولا والملك آخرا { بسن الله } الذي ~~يعز من انتمى إليه وإن كان ms4244 ضعيفا لأن ه العزيز { الرحمن } الذي له القدرة ~~التامة على أن يرحم بالضراء كما يرحم بالسراء { الرحيم } الذي أكرم أهل وده ~~، بالإعانة على لزوم شكره وحمده . PageV06P356 < < # | ص : ( 1 - 4 ) ص والقرآن ذي . . . . . # > > ^ ( ص والقرآن ذي الذكر * بل الذين كفروا في عزة وشقاق * كم أهلكنا ~~من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص * وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال ~~الكافرون هذا ساحر كذاب ) ^ } ) | ولما نزه ربنا سبحانه نفسه الأقدس في ~~ختام تلك عن كل شائبة نقص , وأثبت له كل كمال ناصا على العزة , وأوجب ~~للمرسلين السلامة , افتتح هذه بالأشارة إلى دليل ذلك بخذلان من ينازع فيه ~~فقال : { ص } أي إما أمرك - يا من أمرناه باستفتاء العصاة آخر الصافات ~~وبشرناه بالنصر - مهيأ مع الضعف الذي أنتم به الآن والرخاوة والإطباق , ~~وعلو وانتشار يملأ الآفاق { زالقرآن } أي الجامع - مع البيان لكل خير - ~~لأتباع لا يحصيهم العد , ولا يحيط بهم الحد . | ولما كان القسم لا يليث ولا ~~يحسن إلا بما يعتقد المقسم له شرفه قال : { ذي الذكر * } أي الموعظة ~~والتذكير بما يعرف , والعلو والشرف والصدق الذي لا ريب فيه عند كل أحد , ~~فكل من سمعه اعتقد شرفه وصدق الآتي به ليملأن شرفه المنزل عليه الأقطار , ~~وليزيدن على كل مقدار , كما تقدمت الدلالة عليه بالحرف الأول , والذين ~~كفروا وإن أظهروا الشك في ذلك وانتقصوه قولا فإنهم لا ينتقصونه علما { بل ~~الذين كفروا } بما يظهرون من تكذيبه { في عزة } أي عسر وصعوبة ومغالبة ~~بحمية الجاهلية مظروفون لها , فهي معمية لهم عن الحق لإحاطتهم بهم , وأنثها ~~إشارة إلى ضعفها , وبشارة بسرعة زوالها وانقلابها إلى ذل { وشقاق * } أي ~~إعراض وامتناع واستكبار على قبول الصدق من لساني الحال الذي أفصح به الوجود ~~, والقال الذي صرح به الذكر فهداهم إلى ما هو في فطرهم وجبلاتهم بأرشق ~~عبارة وأوضح إشارة لو كانوا يعقلون , فأعرضوا عن تدبره عنادا منهم لا ~~اعتقادا فإنهم لا يكذبوك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون , وتنكيرهما ~~للتعظيم , قال الرازي : حذف الجواب ليذهب فيه القلب كل مذهب ليكون أغزر ms4245 ~~وبحوره أزخر - انتهى . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما ذكر تعالى ~~حال الأمم السالفة مع أنبيائهم في العتو والتكذيب , وأن ذلك أعقبهم الأخذ ~~الوبيل والطويل , كان هذا مظنة لتذكير حال مشركي العرب وبيان سوء مرتكبهم ~~وأنهم قد سبقوا إلى ذلك الارتكاب , فحل بالمعاند سوء العذاب , فبسط حال ~~هؤلاء وسء مقالهم ليعلم أنه لا فرق بينهم وبين مكذبي الأمم السالفة في ~~استحقاق العذاب وسوء الانقلاب , وقد وقع التصريح بذلك في قوله تعالى { كذبت ~~قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد } إلى قوله : { إن كل إلا كذب الرسل ~~فحق عقاب } ولما أتبع سبحانه هذا بذكر استعجالهم في قوله { عجل لنا قطنا ~~قبل يوم الحساب } أتبع ذلك بأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر فقال { ~~اصبر على ما يقولون } ثم آنسه بذكر PageV06P357 الأنبياء وحال المقربين ~~الأصفياء { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت يه فؤادك } - انتهى . | ~~ولما كان للعلم الذي أراد الله إظهاره في هذا الوجود طريقان : حال ومقال , ~~فأما الحال فهو ما تنطق به أحوال الموجودات التي أبدعها سبحانه في هذا ~~الكون من علوم يدرك منها من أراد الله ما أراد , وأما المقال فهو هذا الذكر ~~الذي هو ترجمة عن جميع الوجود , وكان سبحانه قد قدم الذكر لأنه أبين وأظهر ~~, وأخبر أنهم أعرضوا عنه وشاققوه , وكان من شاقق الملك استحق الهلاك , وكان ~~ما أبدوه من المغالبة أمرا غائطا للمؤمنين , أتبعه ما يصلح لتخويف الكافرين ~~وترجية المؤمنين مما أفصح به لسان الحال من إهلاك المنذرين , وهو أبين ما ~~يكون من دلالاته , وأظهر ما يوجد من آياته , فقال استئنافا : { كم أهلكنا } ~~وكأن المنادين بما يذكر كانوا المهلكين , وكانوا أقرب المهلكين إليهم في ~~الزمان , فأدخل الجار لذلك , فقال دالا على ابتداء الإهلاك : { من قبلهم } ~~وأكد كثرتهم بقوله مميزا : { من قرن } أي كانوا في شقاق مثل شقاقهم , لأنهم ~~كانوا في نهاية الصلابة والحدة والمنعة - بما دل عليه ( قرن ) . | ولما ~~تسبب عن مسهم بالعذاب دلهم قال جامعا على معنى ( قرن ) لأنه أدل على عظمة ~~الإهلاك ms4246 : { فنادوا } أي بما كان يقال لهم : أنه سبب للنجاة من الإيمان ~~والتوبة , واستعانوا بمن ينقذهم , أو فعلوا النداء ذعرا ودهشة من غير قصد ~~منادي , فيكون الفعل لازما , وقال الكلبي : كانوا إذا قاتلوا فاضطروا ~~تنادوا ( مناص ) أي عليكم بالفرار , فأجيبوا بأنه لا فرار لهم . | ولما قرر ~~سبحانه في غير موضع أن التوبة لا تنفع إلا عند التمكن والاختيار لا عند ~~الغلبة والاضطراب , قال تعالى مؤكدا لهذا المعنى في جملة حالية بزيادة ~~التاء التي أصلها هاء في ( لا ) أو في ( حين ) كما أكدوا بزيادتها في رب ~~وثم , والهاء في أراق والتاء في مثال والا فقالوا : ربت وثمت وأهراق وتمثال ~~وتالان { ولات } أي وليس الحين { حين مناص * } أي فرارا بتحرك بتقدم ولا ~~تأخر , بحركة قوية ولا ضعيفة , فضلا عن نجاة , قال ابن برجان : والنوص يعبر ~~به تارة عن التقدم وتارة عن التأخر وهو كالجماح والنفار من الفرس , ونوص ~~حمار رفعه رأسه كأنه نافر جامح . | ولما كان جعل المنذر منهم ليس محلا ~~للعجب فعدوه عجبا لما ظهر من تقسيمهم القول فيه , عجب منهم في قوله : { ~~وعجبوا أن } أي لأجل أن { جاءهم } ولما كان تعجبهم من مطلق نذارته لا ~~مبالغته فيها أتى باسم الفاعل دون فعيل فقال : { منذر منهم } أي من البشر ~~ثم من العرب ثم من قريش ولم يكن من الملائكة مثلا وكان ينبغي لهم أن لا ~~يعجبوا من ذلك فإن كون النذير بما يحل من المصائب من القوم المنذرين - مع ~~كونه PageV06P358 أشرف لهم - أقعد في النذارة لأنهم أعرف به وبما هو منطو ~~عليه من صدق وشفقة وغير ذلك , وهو الذي جرت به العوائد في القديم والحديث ~~لكونهم إليه أميل , فهم لكلامه أقبل . | ولما كانوا أعرف الناس بهذا النذير ~~صلى الله عليه وسلم في أنه أصدقهم لهجة وأعلاهم همة وأنه منفي عنه كل نقيصة ~~ووصمة , زاد في التعجيب بأن قال معبرا بالواو دون الفاء لأن وصفهم له ~~بالسحر ليس شبيه هذا العجب : { وقال } ولما كانوا يسترون الحق مع معرفتهم ~~إياه فهم جاحدون لا جاهلون ms4247 , ومعاندون لا غافلون , أظهر موضع الإضمار إشارة ~~إلى ذلك وإيذانا بشديد غضبه في قوله : { الكافرون هذا } أي النذير . | ولما ~~كان ما يبديه من الخوارق إعجازا فعلا وقولا يجذب القلوب , وكان أقرب ما ~~يقدحون به فيه السحر قذفوه به ولم يعبروا بصيغة مبالغة لئلا يكون ذلك ~~إيضاحا جاذبا للقلوب إليه فقالوا : { ساحر } أي لأنه يفرق بما أتى به بين ~~المرء وزوجه , فاعترفوا - مع نسبتهم له إلى السحر وهم يعلمون أنهم كاذبون ~~في ذلك - أن ما أتى به فوق ما لهم من القوى { كذاب * } أي في إدعائه أم ما ~~سحر به حق ليس هو كسحر السحرة , وأتوا بوقاحة بصيغة المبالغة وقد كانوا قبل ~~ذلك يسمونه الأمين وهو يعلمون أنه لم يتجدد له شيء إلا إيتانه بأصدق الصدق ~~وأحق مع ترقيه في معارج الكمال من غير خفاء على أحد له أدنى تأمل . | < < # | ص : ( 5 - 8 ) أجعل الآلهة إلها . . . . . # > > ^ ( أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب * وانطلق الملأ منهم أن ~~امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد * ما سمعنا بهذا فى الملة ~~الآخرة إن هذا إلا اختلاق * أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري ~~بل لما يذوقوا عذاب ) ^ } ) | ولما ذكر قولهم الناشئ عن عجبهم , ذكر سببه ~~ليعلم أن حالهم هو الذي يعجب منه لا حال من أنذرهم بقوله حاكيا قولهم ~~إنكارا لمضمون ما دخل عليه : { أجعل } أي صير بسبب ما يزعم أنه يوحى إليه { ~~الآلهة } أي التي نعبدها { إلها واحدا } ولما كان الكلام في الإلهية التي ~~هي أعظم أصول الدين , وكان هو صلى الله عليه وسلم وكا من تبعه بل وكل منصف ~~ينكرون أن يكون هذا عجبا , بل العجب كل العجب ممن يقبل عقله أن يكون الإله ~~أكثر من واحد , أكدوا قولهم لذلك وإعلاما لضعفائهم تثبيا لهم بأنهم على ~~غاية الثقة والاعتقاد لمل يقولون , لم يزلزلهم ما رأوا من منذرهم من ~~الأحوال الغريبة على غاية ولا بد من صدقه , فسموها سحرا لعجزهم عنها : { إن ~~هذا } أي القول بالوحدانية ms4248 { لشيء عجاب * } أي في غاية العجب - بما دلت ~~عليه الضمة والصيغة , ولذلك قرئ PageV06P359 شاذا بتشديد الجيم , وهي أبلغ ~~قال الاستاذ أبو القاسم القشيري : فلا هم عرفوا الإله ولا معنى الإلهية هي ~~القدرة على الاختراع , وتقدير القادرين على الاختراع غير صحيح لما يجب من ~~وجود التمانع بينهما وجوازه , وذلك يمنع من كمالهما , ولو لم يكونا كاملي ~~الوصف لم يكونا إلهين , وكل أمر جر ثبوته سقوطه فهو باطل مطرح - انتهى . | ~~وستأتي الإشارة إلى الرد عليهم بقوله : { العزيز الوهاب } ثم بقوله : { وما ~~من إله إلا الله الواحد القهار } . | ولما كان العجب فكيف بالعجاب جديرا ~~بأن يلزم صاحبه ليزداد الناظر عجبا , بين أنهم فعلوا خلاف ذلك تصديقا لمن ~~نسبهم إليه من الشقاق فقال : { وانطلق } ولما كان ما فعلوه : { الملأ } أي ~~الأشراف , وقال : { منهم } أي لا من غيرهم فكيف بالأسقاط منهم وكيف بغيرهم ~~, ثم حقق الانطلاق مضمنا له القول لأنه من لوازمه بقوله : { أن مشوا } أي ~~قائلا كل منهم لذلك آمرا لنفسه ولصاحبه بالجد في المفارقة حالا ومقالا , ~~وإذا وقف على ( أن ) ابتدئ بكسر الهمزة لأن أصله : امشيوا فالثالث مكسور ~~كما أنه لو قيل لأمرأة : اغزي يبتدأ بالضم لأن الأصل : اغزوي كاخرجي { ~~واصبروا على آلهتكم } أي لزوم عبادتها وعدم الالتفات إلى ما سواها , قال ~~القشيري : وإذا تواصى الكفار فيما بينهم بالصبر على آلهتهم فالمؤمنون أولى ~~بالصبر على عبادة معبودهم والاستقامة في دينهم . | ولما كان كل منهم قد أخذ ~~ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم قلب وسلب لبه , على ما أشار إليه ( ذي ~~الذكر بل ) فهو خائف من صاحبه أن يكون قد استحال عن اعتقاد التعدد بما يعرف ~~من تزحزحه في نفسه , أكدوا قولهم : { إن هذا } أي الصبر على عبادة الآلهة { ~~لشيء يراد * } أي هو أهل للإرادة فهو أهل لئلا ينفك عنه , أو الذي يدعو ~~إليه شيء يريده هو ولا نعلم نحن ما هو على ما نحن عليه من الحذق , فهو شيء ~~لا يعلم في نفسه . | ولما كان كأنه قيل : فما حال ما يقوله ms4249 ؟ قالوا جوابا ~~واقفا مع التقليد والعادة التي وجدوا عليها أسلافهم : { ما سمعنا بهذا } أي ~~الذي تذكره من الوحداينة { في الملة الآخرة } وتقييدهم لها يدل على أنهم ~~عالمون به في الملة الأولى , وأنهم عارفون بأن إبراهيم عليه السلام ومن وجد ~~من أولاده الذين هم آباؤهم إلى عمرو بن لحي كانوا بعيدين من الشرك ملازمين ~~للتوحيد وأنه لا شبهة لهم إلا كونه سبحانه لم يغير عليهم في هذه المدد ~~الطوال , وكانوا أيضا يعرفون البعث ولكنهم تناسوه , ذكر ابن الفرات في ~~تأريخه يوم حليمة من أيام العرب وقال : إن حجر بن عمرو آكل المرار سار إلى ~~بني أسد PageV06P360 فقتلهم وسيرهم إلى تهامة فقال عبيد بن الأبرص من أبيات ~~: | ومنعتهم نجدا فقد حلوا على وحل تهامه أنت المليك عليهم وهم العبيد إلى ~~القيامه | وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ( إن أول من سيب السوايب وعبد الأصنام أبو خزاعة ~~عمرو بن عامر وأني رأيته يجر أمعاءه في النار ) . | وروى الطبراني عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( أول من غير دين ~~إبراهيم عليه السلام عمرو بن لحي بن قميئة ) . | وروى البخاري في فتح مكة ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج من البيت ~~صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في أيديهما الأزلام فقال ( قاتلهم ~~الله ! لقد علموا ما استقسما بها قط ) . | فبطل ما يقال من أن أهل الفترة ~~جهلوا جهلا أسقط عنهم اللوم , ويؤيده ما في الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن ~~رجلا قال : يا رسول الله ! أين أبي ! قال ( في النار , فلما قفى دعاه فقال ~~: إن أبي وأباك في النار ) . | أخرجه مسلم في آخر كتاب الإيمان , وقد مر في ~~سبحان في قوله تعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } ما ينفع هنا , ~~والقاطع للنزاع في هذا قوله < # > 77 ( { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدو الله واجتنبوا الطاغوت ~~فمنهم ms4250 من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة } ) 77 < # > [ النحل : 36 ] فما تركت هذه الآية أحدا حتى شملته وحكمت عليه بالجنة ~~أو النار . | ولما كان قوله صلى الله عليه وسلم وحده جديرا بأن يزلزلهم ~~فكيف إذا انضم إليه علمهم بأن أسلافهم لا سيما إسماعيل وأبوه إبراهيم ~~عليهما السلام كانوا عليه , أكدوا قولهم : { إن } أي ما { هذا } أي الذي ~~يقوله { إلا اختلاق * } أي تعمد الكذب مع أنه لا ملازمة بين عدم سماعهم ~~فيها وبين كونه اختلافا , بل هو قول يعرف معانيه بأدنى تأمل , روى ~~PageV06P361 الترمذي - وقال : حسن صحيح - والنسائي وابن حبان في صحيحه ~~وأحمد وإسحاق وأبو يعلى والطبري وابن أبي حاتم وغيرهم عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما قال : مرض أبو طالب فجاءته قريش , وجاءه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وعند أبي طالب مجلس رجل فقام أبو جهل كي يمنعه , قال : وشكوه ألى أبي طالب ~~- زاد الكسائي في الكبير وأبو يعلى : وقالوا : يقع في آلهتنا فقال : يا ابن ~~أخي ! ما تريد من قومك ؟ قال ( أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب ~~وتؤدي إليهم العجم الجزية ) قال : كلمة واحدة , قال : كلمة واحدة , فقال : ~~وما هي ؟ فقال : يا عم , قولوا ( لا إله إلا الله ) فقالوا : أجعل الآلهة ~~إلها واحدا ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن إلا اختلاق , قال : فنزل فيهم ~~( { ص والقرآن ذي الذكر بل الذين كفورا في عزة وشقاق } إلى قوله : { اختلاق ~~} وفي التفاسير أنهم قالوا : كيف يسع الخلق كلهم إله واحد . | ولما كان ~~مرادهم بهذه التأكيدات الدلالة على أنهم في غاية الثبات على ما كانوا عليه ~~قبل دعائه , وأبى الله أن يبقى باطلا بغير إمارة يقرنه بها تفضحه , وسلطان ~~يبطله ويهتكه , أتبع ذكل حكاية قولهم الذي جعلوه دليلا عل حرمهم , فكان ~~دالا على عدم صدقهم في هذا الحكم الجازم غاية الجزم بالاختلاق المنادى ~~عليهم بأن أصل دائهم والحامل لهم على تكذيبهم إنما هو الحسد , فقال دالا ~~بتعبيرهم بالإنزال على أنه صلى الله عليه وسلم كان جديرا بأن يتوهم فيه ms4251 ~~النبوة بما كان له قبل الوحي من التعبد والأحوال الشريفة وقدموا ما يدل على ~~اختصاصه عنادا لما يعلمون من أحواله المقتضية للخصوصية بخلاف ما يذكر في ~~القمر , وعبروا بحرف الاستعلاء إشارة إلى أن مثل هذا الذي يذكره لا يقوله ~~إلا من غلب على عقله قفالوا : { أءنزل عليه } أي خاصة { الذكر } أي الذي ~~خالف ما نحن عليه وصار يذكر به , وزادوا ما دلوا به على الاختصاص تصريحا ~~فقالوا : { من بيننا } ونحن أكبر سنا وأكثر شيئا , وهذا كله كما ترى مع ~~مناداته عليهم بالحسد العظيم ينادي عليهم غاية المناداة بالفضيحة , لأنه إن ~~كان المدار على رعاية حق الآباء حتى لا PageV06P362 يسوغ لأحد تغيير دينهم ~~والطعن عليهم بدين محدث وإن قامت عليه الأدلة وتعاضدت على حقيقته البراهين ~~فما لآبائهم غيروا دين آبائهم لأجل ما أحدثه عمرو بن لحي - شخص ليس من ~~قبيلتهم , وشهدوا على آبائهم بالضلال وهم عالمون بأن ما غيروه دين إسماعيل ~~ومن قبله إبراهيم ومن تبعهما من صالحي أولادهما عليهم السلام , وأن كان ~~المدار على المحدث حتى ساغ تغيير دين الأنبياء ومن تبعهم بإحسان عليهم ~~السلام بما أحدثه عمرو بن لحي فما لهم لا يغيرون ما ابتدع من الضلال بما ~~أتاهم به النبي صلى الله عليه وسلم وسموه محدثا , وإن كان المدار على الحق ~~فما لهم لا ينظرون الأدلة ويتبعون الحجج . | ولما كان هذا دالا على أنهم ~~ليسوا على ثقة مما جزموا به قال : { بل } أي أنهم ليسوا جازمين بما قالوا ~~وإن أكدوه غاية التأكيد , بل { هم في شك } أي تردد محيط بهم مبتدئ لهم { من ~~ذكري } أي فلهذا لا يثبتون فيه على قول واحد , أي إن أحوالهم في أقوالهم ~~وأفعالهم أحوال الشاك . | وعدل عن مظهر العظمة إلى الإفراد لأن هذا السياق ~~للتوحيد فإلافراد أولى به وليكون نصا على المراد بعد ذكر آلهتهم قطعا لشبه ~~متعنتيهم . | ولما كانوا في الحقيقة على ثقة من حقيقته وإن كان قولهم ~~وفعلهم قول الشاك قال : { بل } أي ليسوا في شك منه في نفس الأمر وإن ms4252 كان ~~قولهم قول من هو في شك . | ولما كانوا قد جرت لهم مصايب ومحن , وشدائد وفتن ~~, ربما : ظنوا أنه لا يكون شيء من العذاب فوقها , نفى أن يكونوا ذاقوا شيئا ~~من عذابه الذي يرسله عند إرادة الانتقام , فعبر بما يفيد استغراق النفي في ~~جميع الزمن الماضي فقال : { لما يذوقوا } من أول أمرهم إلى الآن { عذاب * } ~~أي الذي أعددته للمكذبين فهم في عزة وشقاق , ولو ذاقوه لانحلت عرى عزائمهم ~~, وصاروا أذل شيء وأحقره ادناه وأصغره ! وإطباق أهل الرسم وأكثر القراء على ~~حذف يائه رسما وقراءة إشارة إلى أنه العذاب الأدنى المذهب لحمية الجاهلية , ~~وإثبات يعقوب وحده لها في الحالين إشارة إلى أنه العذاب المعد لإهلاك الأمم ~~الطاغية لا مطلق العذاب . | < < # | ص : ( 9 - 12 ) أم عندهم خزائن . . . . . # > > ^ ( أم عندهم خزآئن رحمة ربك العزيز الوهاب * أم لهم ملك السماوات ~~والأرض وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب * جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب * ~~كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد ) ^ } ) | ولما أرشد إنكارهم ~~خصوصيته بالذكر بنفي شكهم اللازم منه إثبات أنهم على علم بانه مرسل , وأنه ~~أحقهم بالرسالة إلى أن التقدير : أفيهم غيره من هو أهل لتلقي هذا الذكر حتى ~~ينزل الله عليه هذا البشير النذير صلى الله عليه وسلم , عادل به قوله : { ~~أم عندهم } أي PageV06P363 خاصة دون غيرهم { خزائن رحمة } ولما كان إنزال ~~الوحي إحسانا إلى المنزل عليه , عدل عن إفراد الضمير إلى صفة الإحسان ~~المفيدة للتربية , فقال مخاطبا له صلى الله عليه وسلم لأنه أضخم لشأنه , ~~وأفخم لمقداره ومكانه : { ربك } أي المحسن إليك بإنزاله ليخصوا به من شاوؤا ~~ويمنعوا من شاؤوا < # > 77 ( { أهم يقسمون رحمة ربك } ) 77 < # > [ الزخرف : 32 ] ولما كان لا يصلح للربوبية إلا الغالب لكل ما سواه , ~~المفيض على من يشاء , ما يشاء , قال : { العزيز الوهاب * } أي الذي يغلب كل ~~شيء ولا يغلبه شيء , ويفيض على جهة التفضل ما يشاء على من يريد , وله صفة ~~الإفاضة متكررة الآثار على الدوام , فلا معطي لما منع ولا مانع لما أعطى . ~~| ولما سلب ms4253 عنهم التصرف في الخزائن , أتبعه نفي الملك عما شاهدوا منها وهو ~~جزء يسير جدا فقال : { أم لهم } أي خاصة { ملك السماوات والأرض } ولما كان ~~الحكم على ذلك لا يستلزم الحكم على الفضاء قال : { وما بينهما } أي لتكون ~~كلمتهم في هذا الكون هي النافذة ويتكلموا في الأمور الإلهية ويسندوا ما ~~شاؤوا من الأمور الجليلة إلى من شاؤوا , ثم بين عجزهم وبكتهم وقرعهم ووبخهم ~~بما سبب عن ذلك من قوله : { فليرتقوا * } أي يتكفلوا الرقي أن كان لهم ذلك ~~{ في الأسباب * } أي الطرق الموصلة بالرسالة ليعلم أن لهم ذلك وأنه لا يسوغ ~~لأحد أن يختص دونهم بشيء . | ولما انتفى عنهم بما مضى وعن كل من يدعون ~~ممالأته ومناصرته عن آلهتهم وغيرها خصائص الإلهية , أنتج ذلك أنهم من جملة ~~عباده سبحانه , فعبر عن حالهم بأعلى ما يصلون إليه من التجمع والتعاضد الذي ~~دل عليه ما تقدم الإخبار عنه من عزتهم وشقائهم , ونفرتهم عن القبول ~~وانطلاقهم , فقال مخبرا عن مبتدأ حذف لوضوح العلم به : { جند ما } أي ليسوا ~~في شيء مما مضى وإنما هم جند حقيرون من بعض جنودنا متعاونون في نجدة بعضهم ~~لبعض , قال أبو حيان : ويجوز أن تكون ( ما ) صفة أريد بها التعظيم على سبيل ~~الهزء بهم أو التحقير لأن ( ما ) الصفة تستعمل لهذين المعنيين . | وبين ~~بعدهم من غير ما أقامهم فيه واستعملهم له من الرتب التي فرضها لهم وسفولهم ~~عنها بقوله واصفا لجند : { هنالك } أي في الحضيض عن هذه المرامي العالية , ~~وبين أنه كثيرا ما تحزب أمثالهم على الرسل فما ضروا إلا أنفسهم بقوله واصفا ~~بعد وصف مفردا تحقيرا : { مهزوم } أي له الانهزام صفة راسخة ثابتة { من ~~الأحزاب * } أي الذين جرت عادتهم عزة وشقاقا بالتحزب على الأنبياء ثم تكون ~~عليهم الدائرة , وللرسل عليهم السلام العاقبة , فلا تكترث بهم أصلا قال ابن ~~برجان : فكان أول جند مهزوم منهم جند غزوة بدر , ثم انبسط صدق الحديث على ~~جنود كثيرة في وقائع مختلفة . | PageV06P364 ولما أوجب ذلك التشوف إلى بيان ~~الأحزاب الماضية , وكانوا أحقر شيء بالنسبة ms4254 إليه سبحانه مع شدتهم في أنفسهم ~~, بين ذلك بالتاء الدالة على الرتبة الثانية المؤخرة , وهي رتبة التأنيث ~~اللازم منه الضعف فقال : { كذبت } ولما كانت نيتهم التكذيب لا إلى آخر , ~~عدوا مستغرقين للزمان فنزع الجار وقيل : { قبلهم } أي مثل تكذيبهم . | ولما ~~كان لأول المكذبين من الكثرة والقوة والاجتماع على طول الأزمان ما لم يكن ~~لمن بعدهم , كانوا مع تقدمهم في الزمان أحق بالتقديم في هذا السياق فقال : ~~{ قوم نوح } واستمروا في عزتهم وشقاقهم إلى أن رأوا الماء قد أخذهم , ولم ~~يسمحوا بالإذعان ولا بالتضرع إلى نوح عليه السلام في أن يركبوا معه أو يدعو ~~لهم فينجوا . | ولما كان لقوم هود عليه السلام بعدهم من الضخامة والعز ما ~~ليس لغيرهم مع قوة الأبدان وعلوا الهمم واتساع الملك حتى بنوا جنة في الأرض ~~, أتبعهم بهم , ومن مناسبتهم لهم في أن عذابهم بالريح التي هي سبب السحاب ~~الحامل للماء فقال : { وعاد } مسميا لهم بالاسم المنبه على ما كان لهم من ~~المكنة بالملك , واستمروا في شقاقهم إلى أن خرجت عليهم الريح , ورأوها تحمل ~~الإبل فيما بين السماء والأرض , وهجم عليهم أوائلها وهم يرون هودا عليه ~~السلام ومن معه من المؤمنين رضي الله عنهم في عافية منها , ولم يدعهم ~~الشقاق يسألونه في الدعاء لهم ولا يذعنون لما دعاهم إليه . | ولما كان لهم ~~من القوة والملك في جميع الأرض وبناء إرم ذات العماد ما يتضاءل معه ملك كل ~~ملك , أتبعهم ملكا ضخما قهر غيره بعز سلطانه وكثرة أعوانه , حتى ادعى ~~الألهية في زمانه , وتكبر بسعة ملكه والأنهار الجارية من تحته مع ما لم من ~~الوفاق لهم بأن عذابه كان بالريح باطنا ففرقته طرقا وأيبست تلك الطق , ولما ~~خلص بنو إسرائيل أمرها الله تعالى فسكنت , فانطبق البحر على فرعون وآله , ~~فقال تعالى : { وفرعون } ذكره باسمه نصا على حقيقة أمره وتصريحا بكفره ~~إبطالا لما أظهره الأخابث من شره طعنا في الدين وتشككيا لضعفاء المسلمين . ~~| ولما نص على كفره , وصفه بما يدل مع الدلالة على مشاركة عاد في ضخامة ~~الأمر ms4255 وعلى كفر قومه فقال : { ذو الأوتاد * } أي الأسباب الموجبة لثبات ~~الملك وتقويته من علو السلطان بكثرة الأعوان والتفرد بالأوامر وسعة العقل ~~ودقة المكر وكثرة الحيل بالسحر وغيره وجودة التدبير بالعدل فيما يزعم وصولة ~~القهر , قال أبو حيان : وأصله من البيت المطنب بأوتاده - قال الأفوه الأودي ~~: | والبيت لا يبتنى إلا له عمد ولا عماد إذا لم ترس أوتاد | PageV06P365 ~~واستمروا في عزة وشقاق وهم يضربون تارة بالطوفان وتارة بالجراد وتارة ~~بالقمل , وأخرى بالضفادع وبغير ذلك , إلى أن رأوا آية البحر التي هي الغاية ~~ولم يردهم شيء من ذلك من شقاقهم إلى أن غرقوا على كفرهم عن بكرة أبيهم كما ~~صرحت به هذه الآية . | < < # | ص : ( 13 - 18 ) وثمود وقوم لوط . . . . . # > > ^ ( وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب * إن كل إلا كذب ~~الرسل فحق عقاب * وما ينظر هؤلآء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق * وقالوا ~~ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب * اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ~~ذا الأيد إنه أواب * إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ) ^ } ) | ~~ولما كانت ثمود أضخم الناس بعدهم بما لهم من إتقان الأبنية في الجبال ~~والسهول والتوسع بعمارة الجدائق وإنباط العيون وغير ذلك من الأمور , مع ~~مناسبتهم لهم في رؤية الآيات المحسوسة الظاهرة العظيمة أتبعهم بهم فقال : { ~~ثمود } واستمروا فيما فيه إلى أن رأوا علامات العذاب من صفرة الوجوه ثم ~~حمرتها ثم سوادها , ولم يكن لهم في ذلك زاجر يردهم عن عزتهم وشقاقهم . | ~~ولما كان الحامل لثمود على المعصية الموجبة العذاب النساء لأن عاقر الناقة ~~ما اجترأ على عقرها إلا لامرأة منهم جعلت له على عقرها زواجها , وكان ~~الموجب لعذاب قوم لوط إيتان الذكور , فالجامع بينهم الشهوة الفرج مع الطباق ~~بالذكور والإناث , مع أن عذاب ثمود برجف ديارهم , وعذاب قوم لوط بقلع ~~مدائنهم وحملها ثم قبلها , أتبعهم بهم فقال معبرا بما يدل على قوتهم مضيفا ~~لهم إلى نبيهم عليه السلام لأنهم عدة مداين ليس لهم اسم جامع كقوم نوح عليه ~~السلام : { وقوم لوط } أي الذين ms4256 لهم قوة القيام بما يحاولونه واستمروا في ~~عزتهم وشقاقهم حتى ضربوا بالعشا وطمس الأعين , ولم يقدروا على الوصول إلى ~~ما أرادوا من الدخول إلى بيت لوط عليه السلام ولا التمكن مما أرادوا ولم ~~يردهم ذلك عن عزتهم وشقاقهم , بل توعدوه بطلوم النهار . | ولما ذكر أهل ~~المدر , أتبعهم طائفة من أهل الوبر يقاربونهم في الاستعصاء بالشجر , مع أن ~~عذابهم بظلة النار كما لقوم لوط السلام حجارة من نار فقال : { وأصحاب لئيكة ~~} أي العطاء في التجند والاجتماع على من يناوونه { الأحزاب } أي الذين أقصى ~~رتب هؤلاء في المخالفة ان يكونوا مثل حزب منهم . | ولما كان في معرض ~~المعارضة لتألبهم وشقاقهم , وتجمعهم على المناواة باطلا واتفاقهم , ولما ~~كانوا لما عندهم من العناد وحمية الجاهلية ربما أنكروا أن يكون هلاك هؤلاء ~~الأحزاب لأجل التكذيب , وقالوا : هو عادة الدهر في الإهلاك والتخالف في ~~PageV06P366 أسباب الهلاك , قال مؤكدا بأنواع التأكيد : { إن } أي ما { كل ~~} من هذه الفرق كان لهلاكه سب من الأسباب { إلا } أنه { كذب الرسل } أي ~~كلهم بتذكيب رسوله , فإن من كذب رسولا واحدا مع ثبوت رسالته فقد استهان بمن ~~أرسله , وذلك ملزوم لتكذيب جميع من يرسله لتساوي أقدام المعجزات التي ثبتت ~~رسالتهم بها في إيجاب التصديق { فحق } أي فتسبب عن ذلك التكذيب أنه حق { ~~عقاب * } أي ثبت عليه فلم يقدر على التخلص منه بوجه من الوجوه والعدول إلى ~~إفراد الضمير مع أسلوب التكلم لأن المقام للتوحيد كما مضى وهو أنص على ~~المراد , وتقدم السر في حذف الياء رسما في جميع المصاحف , وقراءة عند أكثر ~~القراء وفي إثباتها في الحالين ليعقوب وحده . | ولما كان السياق للشقاق ~~والإذعان للذكر الذي هو الموعظة ذات الشرف : | ولا يسلم الشرف الرفيع من ~~الأذى حتى يراق على جوانبه الدم | كان الحال مقتضيا للعقوبة بخلاف ما في ( ~~ق ) فإن السياق لإنكارهم البعث وصحة النذارة وإثبات المجد , فكان الوعيد في ~~ذلك كافيا . | ولما كان التقدير : فلقد أعقبنا كلا من أولئك الأحزاب لما حق ~~عليهم العقاب بنوع من الأنواع لا شك فيه عند ms4257 أحد ولا ارتياب , عطف عليه ~~قوله : { وما } ولما كانت قريش في شدة العناد والتصميم على الكفر ~~والاستكبار عن الإذعان للحق وتعاطي الجميع أسباب العذاب كأنهم ينتظرونه ~~ويستعجلونه , عبر بما يدل على الانتظار . | ولما كانوا لمعرفتهم بصدق الآتي ~~إليهم والقطع بصحة ما يقول كأنهم يرون العذاب ولا يرجعون , جرد فعل ~~الانتظار فقال : { ينظر } وحقرهم بقوله : { هؤلاء } أي الذين أدبروا عنك في ~~عزة وشقاق , وغاية جهدهم أن يكونوا من الأحزاب الذين تحزبوا على جندنا ~~فأخذناهم بما هو مشهور من وقائعنا ومعروف من أيامنا بأصناف العذاب , ولم ~~تغن عنهم كثرتهم ولا قوتهم شيئا ولم يضر جندنا ضعفهم ولا قلتهم { إلا صيحة ~~} وحقر أمرهم بالإشارة إلى أن أقل شيء من عذابه كاف في إهلاكهم فقال { ~~واحدة } ولما كان السياق للتهديد فعلم به أن الوصف بالوحدة للتعظيم , بينه ~~بقوله : { ما لها } أي الصيحة { من فواق * } أي مزيد أي شيء من جنسها يكون ~~فروقها , بقال : فاق أصحابه فوقا وفواقا , علاهم , وقرأه حمزة بالضم فيكون ~~كناية عن سرعة الهلاك بها من غير تأخر اصلا , فإن الفواق كغراب ما يأخذ ~~المحتضر عند النزاع , والمعنى أنه لا يحتاج في إهلاكهم إلى زيادة على ~~الصيحة الموصوفة لأنه لا صيحة فوقها , ففي ذلك تعظيم أقل شيء من عذابه ~~وتحقير أعلى شيء من أمرهم ويجوز أن تكون القرءاتان من فواق الحلب , قال ~~الصغائي : والفوق والفواق أي بالضم والفتح : ما بين الحلبتين من الوقت ~~لأنها تحلب ثم تترك PageV06P367 سريعة يرضعها الفصيل لتدر قال في القاموس : ~~أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضرع , فالمعنى : ما لها من رجوع كما يرجع ~~اللبن في الضرع عن الفواق وكما يرجع المريض بالإفاقة من المرض إلى الصحة , ~~أو ما لها من انفصال وافتراق بقدر ما يتنفس فيه أحد أقل تنفس وأقصره زمنا ~~كما هي عادة الأصوات المألوفة يكون فيها ترجيع يوجب في الصوت تقطعا يصير به ~~وقعه ضعيفا فاترا , واعتماده على مخرجه رخوا , بل هي صماء على نمط واحد لا ~~تفجأ أحدا إلا مات إلا من ثبته ms4258 الله تعالى , ويجوز أن يكون من فواق المختصر ~~, أي أنه ليس فيها مقدمة للموت غير قرع الصوت , وهذا موافق لقولهم : ما لها ~~من نظرة وراحة - والله أعلم . | ولما عجب منهم بما مضى , وأبطل شبههم ~~وعرفهم أنهم قد عرضوا أنفسهم للهلاك تعريضا قريبا , أتبع ذلك تعجيبا أشد من ~~الأول فقال : { وقالوا } أي استهزاء غير هائبين ما هددناهم به ولا ناظرين ~~في عاقبته : { ربنا } أي أيها المحسن إلينا { عجل لنا } أي إحسانا إلينا { ~~قطنا } أي نصيبا من العذاب الذي توعدنا بع وكتابنا الذي كتبت فيه ذلك ~~وأحصيت فيه أعمالنا , وأصله من قط الشيء - إذا قطعه , ومنه قط القلم , ~~وأكثر استعماله في الكتاب . | ولما كان المراد بهذا المبالغة في الاستهزاء ~~بطلب العذاب في جميع الأزمان التي بينهم وبين القيامة , أسقطوا , حرف الجر ~~وقالوا : { قبل يوم الحساب * } فجعلوا جميع الزمان الذي بينهم وبينه ظرفا ~~لذلك , وجعلوا تعجيله من الإحسان إليهم دلالة على الإعراق في الاستهزاء , ~~وعبر بالقط زيادة في التنبيه على ركوب الهوى من غير دليل فإن مادته دائرة ~~في الأغلب على ما يكره , واشتقاقه من القط وهو القطع , فالقط النصيب والصك ~~وكتاب المحاسبة لأنه قطعه من الورق , وتقطقط الرجل : ركب رأسه أي تبع هواه ~~الذي هو قطعة من أمره , وجاءت الخيل قطاقط أي قطعا وجماعات في تفرقة , ~~والقط : القطع , والقطط : القصير الجعد , والطقطقة : حكاية صوت الحجارة , ~~فكأنهم قالوا : عجل من ذلك ما يكون مقطوعا به لا شك فيه ويسمع صوته على ~~غاية الشدة فيهلك ويفرق بين الأحباب ويكتب في كل صك , ويتلى خبره في سائر ~~الأحقاب , فإن ذلك هو أنا لا نرجع عنه لشيء أصلا , فسبحان الحليم الذي ~~أكرمنا ورحمنا بنبي الرحمة , فلم يعجل لنا النقمة , وأقبل بقلوبنا إليه , ~~وقصر هممنا بعد أن كانت في أشد بعد عليه . ولما بلغ السيل في ركوبهم الباطل ~~عنادا - الزبى , وتجاوز في طغيانه رؤوس الربى , وكان سؤالهم في تعجيل ~~العذاب استهزاء مع ما قدموا من الإكذاب , والكلام البعيد عن PageV06P368 ~~الصواب , ربما اقتضى أن يسأل في تعجيل ما ms4259 طلبوا , وربما أوقع في ظن أن ~~إعراضهم والابتلاء بهم ربما كان لشيء في البلاء أو المبلغ , بين تعالى أن ~~عادته الابتلاء للصالحين رفعة لدرجاتهم , فقال تعالى مسليا ومعزيا ومؤسيا ~~لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بمن تقدمه من إخوانه الأنبياء ~~والمرسلين , مذكرا له بما قاسوا من الشدائد وما لاقوا من المحن , وحاثا على ~~العمل بأعمالهم آمرا بالتأني والتؤدة والحلم , ومحذرا من العجلة والتبرم ~~والضجر , وبدأ بأهل الشرف الراحة في الدنيا , ومنبها على أن شرفه محوج عن ~~قرب بكثرة الأتباع إلى الحكم بين ذوي الخصوصات والنزاع الذي لا قوام له إلا ~~بالحلم والأناة والصبر , وبدأ من أهل الشرف بمن كان أول أمره مثل أول هذا ~~النبي الكريم في استضعاف قومه له وآخر أمره ملكا ثابت الأركان مهيب السلطان ~~, ليكون حاله مثلا له فيحصل به تمام التسلية : { اصبر } وأشار بحرف ~~الاستعلاء إلى عظيم الصبر فقال : { على ما } وزاد في الحث عليه بالمضارع ~~فقال : { يقولون } أي يجددون قوله في كل حين من الأقوال المنكية الموجعة ~~المبكية , فإنه ليس لنقص فيك , ولكنه لحكم تجل عن الوصف , مدارها زيادة ~~شرفك ورفعة درجاتك , وصرف الكلام إلى مقام العظمة لاقتضاء ما يذكر من ~~التسخير لذلك : { واذكر عبدنا } أي الذي أخلصناه لنا وأخلص نفسه للنظر إلى ~~عظمتنا والقيام في خدمتنا , وأبدل منه أو بقوله : { داود ذان الأيد } أي ~~القوى العظيمة في تخليص نفسه من علائق الأجسام , فكانت قوته في ذلك سببا ~~لعروجه إلى المراتب العظام . | ولما كان أعظم الجهاد الإنقاذ من حفائر ~~الهفوات وأوامر الشهوات , بالإصعاد في مدارج الكمالات , ومعارج الإقبال , ~~وكان ذلك لا يكاد يوجد في الآدميين لما حفوا به من الشهوات وركز في طباعهم ~~من الغفلات , علل قوته بقوله مؤكدا : { إنه أواب * } أي رجاع إلى الله ~~تعالى ليصير إلى ما خلقه عليه من أحسن تقويم بالعقل المحض أطلق العلو درجة ~~درجة على الرجوع , لأن ذلك دون الرتبة التي تكون نهاية عند الموت , فكان ~~المقضي له بها أنزل نفسه عنها , ثم صار يرجع إليها كل لحظة ms4260 بما يكابد من ~~المجاهدات والمنازلات والمحاولات حتى وصل إليها بعد التجرد عن الهوى كله . ~~| ولما كان الإنسان لا يزال يتقرب إلى الله تعالى حتى يحبه فإذا أحبه صار ~~يفعل به سبحانه , وظهرت على يديه الخوارق , قال مستانفا جوابا لمن سأل عم ~~جزائه على ذلك الجهاد , مؤكدا له لما طبع عليه البشر من إنكار الخوارق ~~لتقيده بالمألوفات : { إنا } أي على ما لنا من العظمة التي لا يعجزها شيء { ~~سخرنا الجبال } أي التي هي أقسى من قلوب قومك فإنها أعظم الأراضي صلابة ~~وقوة وعلوا ورفعة , بأن جعلناها منقادة ذلولا كالجمل PageV06P369 الأنف , ~~ثم قيد بقوله : { معه } أي مصاحبة له فلم يوجد ذلك التسخير ظاهرا لأحد بعده ~~ولا قبله , ولما كان وجود التسبيح من الجبال شيئا فشيئا أعجب لأنها جماد , ~~عبر بالفعل المضارع , فقال مصورا لتلك الحال معبرا بضمير الإناث إشارة إلى ~~أنها بعد ما لها من الصلابة صارت في غاية اللين والرخاوة , يسبح كل جبل ~~منها بصوت غير مشبه بصوت الآخر , لأن ذلك أقرب إلى التمييز والعلم بتسبيح ~~بصوت واحد ليشكل الأمر في بعضها , وهو يمكن أن يكون استئنافا وأن يكون حالا ~~بمعنى أنهن ينقدن له بالتسبيح قالا وحالا انقياد المختار المطيع لله . | ~~ولما كان في سياق الأوبة , وكان آخر النهار وقت الرجوع لكل ذي إلف إلى ~~مألفه مع أنه وقت الفتور والاستراحة من المتاعب قال : { بالعشي } أي تقوية ~~للعامل وتذكيرا للغافل . | ولما كان في سياق الفيض والتشريف بالقرآن قال : ~~{ والإشراق * } أي في وقت ارتفاع الشمس عن انتشاب الناس في الأشغال , ~~واشتغالهم بالمآكل والملاذ من الأقوال والأفعال , تذكيرا لهم وترجيعا عن ~~مألوفاتهم إلى تقديس ربهم سبحانه , وليس الإشراق طلوع الشمس , إنما هو ~~صفاؤها وضوءها , وشروقها طلوعها , وروت أم هانئ رضي الله عنها أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم صلى في بيتها الضحى وقال لها ( هذه صلاة الإشراق ) وفي ~~الجامع لعبد الرزاق أن ابن عباس رضي الله عنهما قال : صلاة الضحى في القرآن ~~, ولكن لا يغوص عليها إلا غائص , ثم قرأ هذه الاية . | وإليها ms4261 الإشارة ايضا ~~- والله أعلم - بصلاة الأوابين { واذكر عبدنا داود ذا الأيد أنه أواب } { ~~ووهبنا لداود سليمان نعم العبد أنه أواب } { يا جبال أوبي معه } { والطير ~~محشورة كل له أواب } روى مسلم في صحيحه وعبد بن حميد في مسنده والدارمي في ~~جامعه المسمى بالمسند عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال ( صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ) ولفظ الدارمي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم خرج عليهم وهو يصلون بعد طلوع الشمس فقال : صلاة الأوابين ~~إذا رمضت الفصال , ولفظ عبد أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد ~~قباء فرآهم يصلون الضحى فقال ( هذه صلاة الأوابين وكانوا يصلونها إذا رمضت ~~الفصال ) . | أي بركت من شدة الحر وإحراقه PageV06P370 أخفافها , من الرمض ~~- بالتحريك , وهو شدة الشمس على الرمل وغيره , والرمضاء : الشديدة الحر . | ~~< < # | ص : ( 19 - 22 ) والطير محشورة كل . . . . . # > > ^ ( والطير محشورة كل له أواب * وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل ~~الخطاب * وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب * إذ دخلوا على داوود ففزع ~~منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ~~واهدنآ إلى سوآء الصراط ) ^ } ) | ولما أخبر سبحانه عن تسخير أثقل الأشياء ~~وأثبتها له , أتبعها أخفها وأكثرها انتقالا , وعبر فيها بالاسم الدال على ~~الاجتماع جملة والثبات لأنه أدل على القدرة فقال معبرا باسم الجمع دون ~~إشارة إلى أنها في شدة الاجتماع كأنها شي واحد , ذكر حالها في وصف صالح ~~للواحد , وجعله مؤنثا إشارة إلى ما تقدم من الرخاوة اللازمة للإناث ~~المقتضية لغاية الطواعية والقبول لتصرف الأحكام : { والطير } أي سخرناها له ~~حال كونها { محشورة } أي مجموعة إليه كرها من كل جانب دفعة واحدة - بما دل ~~التعبير بالاسك دون الفعل وهو أدل على القدرة وهي أشذ نفرة من قومك وأعسر ~~ضبطا وهذا كما كان الحصى يسبح في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم , وفي يد ~~بعض أصحابه , وكما تحرك الجبل فضربه برجله وقال ( اسكن أحد ) فسكن , وكما ~~حشر الدبر على رأس عاصم بن ms4262 ثابت بن أبي الأفلح رضي الله عنه فمنع من أخذه ~~ليتلعب به , فلما جاء الليل أرسل الله سيلا فاحتمله إلى حيث لم يعرف له خبر ~~ولا وقف له على أثر { كل } أي كل واحد من الجبال والطير { له أواب * } أي ~~رجاع لأجل داود عليه السلام خاصة عن مألوفه لا بمعنى آخر مما ألفته , فكلما ~~رجع هو عن حكمه وما هو فيه من الشغل بالخلق إلى تسبيح الحق رجعت معه بذلك ~~الجبال والطير , وجعل الخبر مفردا إشارة إلى إلى شدة زجلها بالتأديب وعظمته ~~, والإفراد أيضا يفيد الحكم على كل فرد , ولو جمع لطرقه احتمال أن الحكم ~~على المجموع يقيد الجمع , فكأن داود عليه السلام يفهم تسبيح الجبال والطير ~~, وينقاد له كل منهما إذا أمره بالتسبيح , وكل من تحقق بحاله ساعده كل ~~PageV06P371 شيء - قاله القشيري , ففي هذا إشارة إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأنا متى شئنا جعلنا قومك معك في التسخير هكذا , فلا تيأس منهم على ~~شدة نفرتهم وقوة سماجتهم وغرتهم , فإنا جعلناهم كذلك لتروض نفسك بهم وتزداد ~~بالصبر عليهم جلالا , وعلوا ورفعة وكمالا - إلى غير ذلك من الحكم التي لا ~~تسعها العقول , ولا تيأس من لينهم لك ورجوعهم إليك فإنهم لا يعدون أن ~~يكونوا كالجبال قوة وصلابة , أو الطير نفرة وطيشا وخفة , فمتى شئنا جعلناهم ~~لك مثل ما جعلنا الجبال والطير مع داود عليه السلام , بل أمرهم أيسر وشأنهم ~~أهون . | ولما كان هذا دالا على الملك من حيث أنه التصرف في الأشياء ~~العظيمة قسرا , فكان كأنه قيل : كل ذلك إثباتا لنبوته وتعظيما لملكه , قال ~~: { وشددنا } أي بما لنا من العظمة { ملكه } بغير ذلك مما يحتاج إليه الملك ~~, قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان أشد ملوك الأرض سلطانا . # ولما كان أعظم المثبتات للملك المعرفة قال : { وآتيناه } أي بعظمتنا { ~~الحكمة } أي النبوة التي ينشأ عنها العلم بالأشياء على ما هي عليه , ووضع ~~الأشياء في أحكم مواضعها , فالحكمة العمل بالعلم . | ولما كان تمامه بقطع ~~النزاع قال : { وفصل الخطاب * } أي ومعرفة الفرق بيما ms4263 يلتبس في كلام ~~المخاطبين له من غير كبير روية في ذلك , بل يفرق بديهة بين المتشابهات بحيث ~~لا يدع لبسا يمكن أن يكون معه نزاع لغير معاند وكسوناه عزا وهيبة ووقارا ~~يمنع أن يجترئ أحد على العناد في شيء من أمره بعد ذلك البيان الذي فصل بين ~~المتشابهات , وميز بين المشكلات الغامضات , وإذا تكلم وقف على المفاصل , ~~فيبين من سرده للحديث معانيه , ويضع الشيء في أحكم مبانيه . | ولما كان ~~السياق للتدريب على الصبر والتثبيت الشافي والتدبر التام والابتلاء لأهل ~~القرب , وكان المظنون بمن أوتي فصل الخطاب أن لا يقع له لبس في حكم ولا ~~عجلة في أمر , وكان التقدير : هل أتتك هذه الأنباء , عطف عليه - مبينا ~~عواقب العجلة معلما أن على من أعطى المعارف أن لا يزال ناظرا إلى من أعطاه ~~ذلك سائلا له التفهيم , استعجازا لنفسه متصورا لمقام العبودية التي كرر ~~التنبيه عليها في هذه السورة بنحو قوله : ( نعم العبد ) قوله في سياق ظاهره ~~الاستفهام وباطنه التنبيه على ما في ذلك من الغرابة خبره العظيم جدا , ~~وأفرده وإن كان المراد الجمع دلالة على أنهم على كلمة واحدة في إظهار ~~الخصومة لا يظهر لأحد منهم أنه متوسط مثلا ونحو ذلك . | ولما كان الخصم ~~مصدرا يقع على الواحد فما فوقه ذكرا كان أو أنثى , وكان يصح PageV06P372 ~~تسمية ربقة المتخاصمين خصما لأنهم في صورة الخصم قال : { إذا } أي خبر ~~تخاصمهم حين { تسوروا } أي صعدوا السور ونزلوا من هم ومن معهم , آخذا من ~~السور وهو الوثوب { المحراب * } أي أشرف ما في موضع العبادة الذي كان داود ~~عليه السلام به , وهو كناية عن أنهم جاؤوه في يوم العبادة ومن غير الباب , ~~فخالفوا عادة الناس في الأمرين , وكأن المحراب الذي تسوروه كان فيه باب من ~~داخل باب آخر , فنبه على ذلك بأن أبدل من ( إذ ) الأول قوله : { إذ } أي ~~حين { دخلوا } وصرح باسمه رفعا للبس وإشعارا بما له من قرب المنزلة وعظيم ~~الود فقال : { على داود } ابتلاء منا له مع ما له من ضخامة الملك ms4264 وعظم ~~القرب منا , وبين أن ذلك كان على وجه يهول أمره إما لكونه في موضع لا يقدر ~~عليه أحد أو غير ذلك بقوله : { ففزع } أي ذعر وفرق وخاف { منهم } أي مع ما ~~هو فيه من ضخامة الملك وشجاعة القلب وعلم الحكمة وعز السلطان . | ولما كان ~~كأنه قيل : فما قالوا له ؟ قال : { قالوا لا تخف } ولما كان ذلك موجبا ~~لذهاب الفكر في شأنهم كل مذهب , عينوا أمرهم بقولهم : { خصمان } أي نحن ~~فريقان في خصومة , ثم بينوا ذلك بقولهم : { بغى بعضنا } أي طلب طلبة علو ~~واستطالة { على بعض } فأبهم أولا ليفصل ثانيا فيكون أوقع في النفس , ولما ~~تسبب عن هذا سؤاله في الحكم قالوا : { فاحكم بيننا بالحق } أي الأمر الثابت ~~الذي يطابقه الواقع , وإنما سألاه ذلك مع العلم بأنه لا يحكم إلا بالعدل ~~ليكون أجدر بالمعاتبة عند أدنى هفوة { ولا تشطط } أي لا توقع البعد ومجاوزة ~~الحد لا في العبارة عن ذلك بحيث يلتبس علينا المراد ولا فر غير ذلك , أو ~~ولا تمعن في تتبع مداق الأمور فإني أرضى بالحق على أدنى الوجوه , ولذا أتى ~~به من الرباعي والثلاثي بمعناه , قال أبو عبيد : شط في الحكم وأشط - إذا ~~جار , ولذا أيضا فك الإدغام إشارة إلى أن النهي إنما هو عن الشطط الواضح ~~جدا . # ولما كان الحق له أعلى وأدنى وأوسط , طلبوا التعريف بالأوسط فقالوا { ~~واهدنا } أي أرشدنا { إلى سواء } أي وسط { الصراط * } أي الطريق الواضح , ~~فلا يكون بسبب التوسط ميل إلى أحد الجانبين : الإفراط في تتبع مداق الأمر ~~والتفريط في إهمال ذلك . | < < # | ص : ( 23 - 26 ) إن هذا أخي . . . . . # > > ^ ( إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها ~~وعزني في الخطاب * قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من ~~الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ~~وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب * فغفرنا PageV06P373 له ~~ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب * يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم ~~بين ms4265 الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل ~~الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كانت هذه الدعوى بأمر مستغرب يكاد أن لا يسمعه أحد إلا أنكره ~~ساق الكلام مؤكدا فقال : { إن هذا } يشير إلى شخص من الداخلين , ثم أبدل ~~منه قوله : { أخي } أي في الدين والصحبة , ثم أخبر عنه بقوله : { لع تسع ~~وتسعون نعجة } ويجوز أن يكون { أخي } هو الخبر والتأكيد حينئذ لأجل استبعاد ~~مخاصمة الأخ وعدوانه على أخيه ويكون ما بعده استئنافا { ولي } أي أنا أيها ~~المدعي { نعجة } ولما كان ذلك محتملا لأن يكون جنسا أكده بقوله : { واحدة } ~~ثم سبب عنه قوله : { فقال } أي الذي له الأكثر : { أكفلينها } أي أعطنيها ~~لأكون كافلا لها { وعزني } أي غلبني وقوى علي واشتد وأغلظ بي { في الخطاب * ~~} أي الكلام الذي له شأن من جدال وغيره بأن حاورني إلى أن أملني فسكت عجزا ~~عن التمادي معه , ولم يقنع مني بشيء دون مراده . | ولما تمت الدعوى , حصل ~~التشوف إلى الجواب فاستؤنف قوله : { قال } أي على تقدير صحة ما قلت , وذلك ~~أنه لما رأى الخصم قد سكت ولم ينكر مما قال المدعي شيئا , وربما أظهر هيئة ~~تدل على تصديقه قال ذلك فعوتب وإن كان له مخرج , كل ذلك تدريبا وربما أظهر ~~هيئة تدل على تصديقه قال ذلك فعوتب وإن كان له مخرج , كل ذلك تدريبا على ~~التثبت في القضاء وأن لا ينحي نحو القرآئن , وأن لا يقنع فيه إلا بمثل ~~الشمس , وأكد قوله في سياق القسم ردعا للظالم على تقدير صحة الدعوى ~~بالمبالغة في إنكار فعله لأن حال من فعل شيئا مؤذن بإنكار كونه ظالما وكون ~~فعله ظلما . | مفتتحا لقوله بحرف التوقع لاقتضاء حال الدعوى له : { لقد ~~ظلمك } أي والله قد أوقع ما فعله معك في غير موقعه على تقدير صحة دعواك { ~~بسؤال نعجتك } أي بأن سألك أن يضمها , وأفاد أن ذلك على وجه الاختصاص بقوله ~~: { إلى نعاجه } بنفسه أو بغيره نيابة عنه ولذا لم ms4266 يقل : ولما كانت الخلطة ~~موجبة لظن الألفة لوجود العدل والنصفة واستبعاد وجود البغي معها , أكد قوله ~~واعظا للباغي إن كان وملوحا بالإغضاء والصلح للمظلوم : { وإن كان كثيرا من ~~الخلطاء } أي مطلقا منكم ومن غيركم { ليبغي } أي يتعدى ويستطيل { بعضهم } ~~عاليا { على بعض } فيريدون غير الحق { إلا الذين آمنوا } من الخلطاء { ~~وعملوا } أي تصديقا لما ادعوه من الإيمان { الصالحات } أي كلها فإنهم لا ~~يقع منهم بغي { وقليل } وأكد قلتهم وعجب منها بما أبهم في قوله : { ما } ~~مثل نعما ولأمرها { هم } وأخر هذا المبتدأ وقدم الخبر اهتماما به لأن ~~المراد التعريف بشدة الأسف على أن العدل في غاية القلة , أي فتأس بهم أيها ~~المدعي وكن منهم أيها المدعى عليه . | PageV06P374 ولما أتم ذلك ذهب ~~الداخلون عليه فلم ير منهم أحدا فوقع في نفسه أنه لا خصومة , وأنهم إنما ~~أرادوا أن يجربوه في الحكم ويدربوه عليه , وأنه يجوز للشخص أن يقول ما لم ~~يقع إذا انبنى عليه فائدة عظيمة تعين ذلك الكلام طريقا للوصول إليها أو كان ~~أحسن الطرق مع خلو الأمر عن فساد , وحاصله أنه تذكر كلام , والمراد به بعض ~~لوازمه , فهو مثل دلالة التضمن في المفردات , وهذا مثل قول سليمان عليه ~~السلام ( ائتوني بالسكين أشقه بينهما ) وليس مراده إلا ما يلزم عن ذلك من ~~معرفة الصادقة والكاذبة بإباء الأم لذلك وتسليم المدعية كذبا , وتحقيقه أنه ~~لا ملازمة بين الكلام وإرادة المعنى المطابقى لمفردات ألفاظه بدليل لغوو ~~اليمين , وقول النبي صلى الله عليه وسلم لصفية رضي الله عنها ( عقرى حلقى ) ~~ولأم سلمة رضي الله عنها ( تربت يمينك ) وقوله صلى الله عليه وسلم ( ثلاث ~~جدهن جد وهزلهن جد ) مشير إلى أن الكلام قد لا يراد به معناه , ومن هنا كان ~~الحكم في ألفاظ الكنايات أنه لا يقع بها شيء إلا إن اقترن بقصد المعنى , ~~ولما كان هذا القدر معلوما عطف عليه قوله : { وظن داود } أي بذهابهم قبل ~~فصل الأمر وقد دهمه من ذلك أمر عظيم من عظمة الله لا عهد له بمثله { إنما ~~فتناه ms4267 } أي اختبرناه بهذه الحكومة في الأحكام التي يلزم الملوك مثلها ~~ليتبين أمرهم فيها . | وعلم أنه بادر إلى نسبة المدعى عليه إلى أنه ظلم من ~~قبل أن يسمع كلامه ويسأله المدعي الحكم , فعاتبه الله على ذلك , والأنبياء ~~عليهم السلام لعلو مقاماتهم يعاتبون على مثل هذا , وهو من قصر الموصوف على ~~الصفة قلبا , أي هذه القصة مقصورة على الفتنة لا تعلق لهم بالخصوصة , ولو ~~كان المراد ما قيل من قصة المرأة التي على كل مسلم تنزيهه وسائر إخوانه ~~عليهم السلام عن مثلها لقيل ( وعلم داود ) ولم يقل : وظن - كما يشهد بذلك ~~كل من له أدنى ذوق في المحاورات - والله الموفق , وقال الزمخشري : وعن سعيد ~~بن المسيب والحارث الأعور أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : من حدثكم ~~بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين , وهو حد الفرية على ~~الأنبياء عليهم السلام , وروي أنه حدث بذلك عمر بن عبد العزيز , وعنده رجل ~~من أهل الحق , فكذب المحدث به PageV06P375 وقال : إن كانت القصة على ما في ~~كتاب الله عز وجل فما ينبغي أن يلتمس خلافها , وأعظم بأن يقال غير ذلك , ~~وإن كانت على ما ذكرت وكف الله عنها سترا على نبيه صلى الله عليه وسلم فما ~~ينبغي إظهارها عليه , فقال عمر بن عبد العزيز : لسماعي هذا الكلام أحب إلي ~~مما طلعت عليه الشمس . | وتلك القصة وأمثالها من كذب اليهود , وأخبرني بعض ~~من أسلم منهم أنهم يتعمدون ذلك في حق داود عليه السلام لأن عيسى عليه ~~السلام من ذريته ليجدوا السبيل إلى الطعن فيه . | ولما ظن هذا , سبب له ~~تحقيق ما وصفه الله من الأوبة فعبر عن ذلك بقوله : { فاستغفر } ولما ~~استغرقته العظمة التي هذا مخرها , رجع إلى ذكر الإحسان واللطف فقال : { ربه ~~} أي طلب الغفران من مولاه الذي أحسن إليه بإحلاله ذلك المحل العظيم من أن ~~يعود للحكم للأول بدون أن يسمع الآخر { وخر } أي سقط من قيامه توبة لربه عن ~~ذلك , ولما كان الخرور قد يكون لغير العبادة قال ms4268 : { راكعا } أي ساجدا لأن ~~الخرور لا يكون إلا للسقوط على الأرض , ولأن النبي صلى الله عليه وسلم فسره ~~بالسجود فيما روى النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سجد في ( ص ) وقال ( سجدها داود توبة ونسجدها شكرا ) . | وعين ~~بالركوع عن السجود ليفهم أنه كان عن قيام وأنه في غاية السرعة لقوة ~~الاهتمام به وتوفر الداعي إليه بحيث أنه وصل إلى السجود في مقدار ما يصل ~~غيره إلى الركوع , قال ابن التياني في كتابه الموعب : وكل شيء يكب لوجهه ~~فتمس ركبته الأرض بعد أن يطأطئ رأسه فهو راكع . | ابن دريد : الراكع الذي ~~يكبو على وجهه - انتهى . | والركعة - بالضم : الهوة من الأرض , كأنها سميت ~~بذلك لأنها تسقط فيها على الوجه , وكأنها هي أصل المادة , وقال في القاموس ~~: ركع أي صلى , فحينئذ يكون المعنى : سقط مصليا , ومعلوم أن صلاتهم لا ركوع ~~فيها وقد تقدم ذلك في آل عمران والبقرة { وأناب * } أي تاب أي رجع عن أن ~~يعود لمثلها . | ولما كان الحال قد يشكل في الإخبار عم المغفرة لو عبر ~~بضمير الغائب لإيهام أن ربه غير المتكلم , وكان الغفران لا يحسن إلا مع ~~القدرة , عاد إلى مظهر العظمة إثباتا للكمال ونفيا للنقص : فقال : { فغفرنا ~~} أي بسبب ذلك وفي أثره على عظمتنا وتمام قدرتنا غفرا يناسب مقداره ما لنا ~~من العظمة { له ذلك } أي الوقوع في الحديث عن إسناد الظلم إلى أحد بدون ~~سماع لكلامه , وكان النبي صلى الله عليه وسلم اشترط على ربه سبحانه لأجل ~~هذه القصة أن كل من سبه أو دعا عليه وليس أهلا لذلك أن يكون ذلك له صلاة ~~وبركة ورحمة , والحاصل أن هذه PageV06P376 القضية لتدريب النبي صلى الله ~~عليه وسلم على الصبر على قومه , والثاني فإن هذه السورة على ما روي عن جابر ~~بن زيد من أوائل ما أنزل بمكة , وعلى هذا دل الحديث السابق عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما في شكوى المشركين منه صلى الله عليه وسلم إلى عمه أبي طالب ~~الوقوع ms4269 في آلهتهم فإنه كان في أوائل الأمر , فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أول ما دعاهم لم يؤمر بذكر آلهتهم فلم يجيبوه ولم يبعدوا عن كل البعد , ثم ~~أمره الله بذكر ألهتهم فناكروه حينئذ وباعدوه , وتقدموا ذلك بالشكوى إلى ~~أبي طالب مرة بعد أخرى ليرده عنه , فكانت هذه الدعوى تدريبا لداود عليه ~~السلام في الأحكام , وذكرها للنبي صلى الله عليه وسلم تدريبا له على الأناة ~~في جميع أموره على الداوم . | ولما كان ذكر هذا ربما أوهم شيئا في مقامه ~~صلى الله عليه وسلم , سيق في أسلوب التأكيد قوله : { وإن له } أي مع ~~الغفران , وعظم ذلك بمظهر العظمة لأن ما ينسب إلى العظيم لا يكون إلا عظيما ~~فقال : { عندنا } وزاد في إظهار الاهتمام بذلك نفيا لذلك الذي ربما مرجع في ~~كل ما يؤمل من الخير , وفرق ذلك , وأدل دليل على ما ذكرته - أن هذه الفتنة ~~إنما هي بالتدريب في الحكم لا بامرأة ولا غيرها وأن ما ذكروه من قصة المرأة ~~باطل الاستثمار منها صارفا القول عن مظهر العظمة إلى المواجهة بلذيذ الخطاب ~~, على نحو ما يجري بين الأحباب { يا داود } . | ولما كان مضمون الخبر ~~لزيادة عظمة مما من شأنه أن تستنكره نفوس البشر , أكده لذلك وإظهارا لأنه ~~مما يرغب فيه لحسنه وجميل أثره وينشط غاية النشاط لذكره فقال : { إنا } أي ~~على ما لنا من العظمة { جعلناك } فلا تحسب لشيء من أسبابه حسابا ولا تخش له ~~عاقبة { خليفة } أي من قبلنا تنفذ أوامرنا في عبادنا فحكمك حكمنا , وحذف ما ~~يعلم أنه مراد من نحو { قلنا } إشارة إلى أنه استقبل بهذا الكلام الألذ عند ~~فراغه من السجود إعلاما بصدق ظنه , وقال : { في الأرض } أي كلها بهذا ~~الكلام الألذ عن فراغه من السجود إعلاما بصدق ظنه , وقال : { في الأرض } أي ~~كلها إشارة إلى إطلاق أمره في جميعها , فلا جناح عليه فيما فعل في أي بلد ~~أرادها , ولم يذكر المخلوف تعظيما له بالإشارة إلى أن كل ما جوزه العقل فيه ~~فهو كذلك فهو كان خليفة ms4270 في بيت المقدس بالفعل على ما اقتضاه صريح الكلام ~~بالتعبير بفي , وأشار الإطلاق والتعبير بآل إلى أنها خليفة في جميع الأرض ~~بالقوة بمعنى أنه مهما حكم فيها صح , وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يرسل إلى قومه خاصة فيكون ما يؤديه إليه واجبا عليه , وأما بقية الناس ~~فأمره معهم PageV06P377 من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , مهما ~~فعله منه صح ومضى , ثم كان خليفة في جميع الأرض حقيقة بالفعل بابنه سليمان ~~عليه السلام فاستوفى الإطلاق { وآل } المكملة أقصى ما يراد منه , إعلاما ~~بأن كلام القدير كله كذلك وإن لم يظهر في الحالة الراهنة , وذلك كما أن ~~المنزل عليه هذا الذكر وبسببه محمد صلى الله عليه وسلم كان خليفة بالفعل في ~~أرض العرب التي هي قيام لهم , ومن انبسط القيام بالنور والعدل على جميع ~~الأرض وفي جميع الأرض بالقوة بمعنى أنه مهما حكم به فيها مضى , فقد أعطى ~~تميما الداري رضي الله عنه أرض بلد الخليل من بلاد الشام قبل أن يفتح وصح ~~نفذ , وأعطى شويلا رضي الله عنه بنت بقيلة من أهل الحيرة وصح ذلك ونفذ وقبض ~~كل منهما عند الفتح ما أعطاه صلى الله عليه وسلم الذي هو من ذرية داود عليه ~~السلام ثم في جميع الوجود يوم القيامة يوم الشفاعة العظمى يوم يكون ~~الأنبياء كلهم تحت لوائه , ويغبطه الأولون والاخرون بذلك المقام المحمود . ~~| ولما تمت النعمة , سبب عنها قوله : { فاحكم بين الناس } أي الذين ~~يتحاكمون إليك من أي قوم كانوا { بالحق } أي الأمر الثابت الذي يطابقه ~~الواقع . | ولما كان أعدى عدو للإنسان نفسه التي بين جنبيه لما لها من ~~الشهوات , وأعظم جناياته وأقبح خطاياه ما تأثر عنها من غير استناد إلى أمر ~~الله , مشيرا بصيغة الافتعال إلى أنه سبحانه عفا الخطرات , وما بادر ~~الإنسان الرجوع عنه والخلاص منه توبة إلى الله تعالى : { ولا تتبع الهوى } ~~أي ما يهوى بصاحبه فيسقطه من أوج الرضوان إلى حضيض الشيطان , ثم سبب عنه ~~قوله : { فيضلك } أي ذلك الاتباع أو الهوى ms4271 لأن النفس إذا ضربت على ذلك صار ~~لها خلقا فغلب صاحبها عن ردها عنه , ولفت القول عن مظهر العظمة إلى الاسم ~~الأعظم الجامع لجميع الأسماء الحسنى والصفات العلى تعظيما لأمر سبيله , ~~وحثا على لزومه والتشرف بحلوله , فقال : { عن سبيل الله } أي طريقه التي ~~شرعها للوصول إليه بما أنزل من النقل المؤيد بأدلة ما خلق من العقل , ولا ~~يوصل إليه بدونها لأن اتباعه يوجب الانهماك في اللذات الجسمانية , والإهمال ~~لتكميل القوى الروحانية , الموصلة إلى السعادة الأبدية , فإن دواعي البدن ~~والروح متضادتان فبقدر زيادة إحداهما تنقص الأخرى . | ولما كانت النفس ~~نزاعة إلى الهوى , ميالة عن السوى , قال معللا للنهي مؤكدا لما للنفس من ~~التعللات عن المخالفة بالكرم والمغفرة الدافع للعذاب : { إن الذين يضلون } ~~PageV06P378 أي يوجدون الضلال بإهمالهم التقوى لاتباع الهوى المقتضي لأن ~~يكون متبعه ضالا { عن سبيل الله } إعادة تفخيما لأمره وتيمنا لأمره وإيذانا ~~بأن سبيله مأمور به مطلقا من غير تقييد بداود عليه السلام ولا غيره فيه { ~~لهم عذاب شديد } أي بسبب ضلالهم . | ولما أمر سبحانه ونهى , وذكر أن السبب ~~في النهي كراهة الضلال وعلم منه أن سبب الضلال الهوى , ذكر سبب هذا السبب ~~فقال معبرا بالنسيان إشارة إلى أنه من شدة ظهوره كما كان محفوظا فنسي , وفك ~~الصدور لأنه أصرح لأنه لو عبر بالمصدر لأمكن إضافته إلى المفعول , واختيرت ~~{ ما } دون { إن } لأن صورتها صورة الموصول الاسمي , وهو أبلغ مما هو حرف ~~صورة ومعنى : { بما نسبوا يوم الحساب } أي عاملوه معاملة المنسي بعضهم ~~بالإنكار وبعضهم بخبث الأعمال , فإنهم لو ذكروه حقيقة لما تابعوا الهوى ~~المقتضي للضلال على أنه مما لا يجهله من له أدنى مسكة من عقل فإنه لا يخطر ~~في عقل عاقل أصلا أن أقل الناس وأجهلهم يرسل أحدا إلى مزرعة له يعملها , ثم ~~لا يحاسبه عليها فكيف إذا كان حكيما فكيف إذا كان ملكا فكيف وهو ملك الملوك ~~, وقال الغزالي في آخر كتاب العلم من الإحياء في الكلام على العقل : ثم لما ~~كان الإيمان مركوزا في النفوس بالفطرة ms4272 انقسم الناس إلى من أعرض فنسي , وهم ~~الكفار , وإلى من جال فكره فتذكر , وكان كمن حمل شهادة فنسيها بغفلة ثم ~~تذكرها , ولذلك قال تعالى { لعلهم يتذكرون } { وليتذكر أولوا الألباب } ^ ( ~~{ واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به } ) ^ [ المائدة : 7 ] ^ ~~( { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } ) ^ [ القمر : 17 ] وتسمية هذا ~~النمط تذكرا ليس ببعيد , وكأن التذكر ضربان : أحدهما أن يذكر صورة كانت ~~حاضرة الوجود في قلبه , لكن غابت بعد الوجود , والآخر أن يكون عن صورة كانت ~~متضمنة فيه الفطرة , وهذه حقائق ظاهرة لناظر بنور البصيرة صقيلة على من ~~يستروح المعنى : اصبر على ما يقولون الآن , فلننصرك فيما يأتي من الزمان , ~~ولنؤيدنك كما أيدنا داود العظيم الشأن . | < < # | ص : ( 27 - 30 ) وما خلقنا السماء . . . . . # > > ^ ( وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا ~~فويل للذين كفروا من النار * أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار * كتاب أنزلناه إليك مبارك ~~ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب * ووهبنا لداوود سليمان نعم العبد إنه ~~أواب ) ^ } ) | ولما كان التقدير : فما قضيناه في الأزل بيوم الحساب ~~وتوعدنا به سدى , عطف PageV06P379 عليه قوله صارفا الكلام عن الغيبة إلى ~~مظهر العظمة إشارة إلى أن العظيم تأبى له عظمته غير الجد العظيم : { وما ~~خلقنا } أي على ما لنا من العظمة , ويجوز أن تكون الجملة حالية . | ولما ~~كان السياق لما وقع من الشقاق عنادا لا جهلا , ذكر من السماوات ما لا يمكن ~~النزاع فيه مع أن اللفظ للجنس فيشمل الكل فقال : { السماء } أي التي ترونها ~~{ والأرض وما بينهما } مما تحسونه من الرياح وغيرها خلقا { باطلا } أي لغير ~~غاية أردناها بذلك من حساب من فيهما كما يحاسب أقل من فيكم إجزاء , ومجازاة ~~من فيهما بالثواب لكن أطاع والعقاب لمن عصى كما يفعل أقل ملوككم فإن أدنى ~~الناس عقلا لا يبني بناء ضخما إلا لغاية أرادها , وتلك الغاية هي الفصل بين ~~الناس الذين أعطيناهم القوى والقدر في هذه الدار , وبثثنا بينهم الأسباب ~~الموجبة لانتشار الصفاء فيهم ms4273 والأكدار , وأعطيناهم العقول تنبيها على ما ~~يراد , وأرسلنا فيهم الرسل , وأنزلنا إليهم الكتب , بالتعريف بما يرضينا ~~ويسخطنا , فنابذوا كل ذلك فلو تركناهم بلا جمع لهم ولا إنصاف بينها لكان ~~هذا الخلق كله باطلا لا حكمة فيه اصلا , لأن خلقه للضر أو النفع أو لا ~~لواحد منهما , والأول باطل لأنه غير لائق بالرحيم الكريم , والثالث باطل ~~لأنه كان في حال العدم كذلك , فلم يبق للإيجاد مرجح , فتعين الوسط وهو ~~النفع , وهو لا يكون بالدنيا لأن ضرها أكثر من نفعها , وتحمل ضر كثير لنفع ~~غير لائق بالحكيم الكريم , فتعين ما وقع الوعد الصادق به من نفع الآخرة ~~المطابق لما ذكر من عقل العقلاء وسير النبلاء . | ولما كان هذا - وهو ~~منابذة الحكمة - عظيما جدا , عظمه بقوله : { ذلك } أي الأمر البعيد عن ~~الصواب { ظن الذين كفروا } أي من أوقع هذا الظن في وقت ما , فقد أوجد الكفر ~~لأنه جحد الحكمة التي هي البعث لإظهار صفات الكمال والمجازاة بالثواب ~~والعقاب , ومن جحد الحكمة فقد سفه الخالق , فكان إقراره بأنه خالق كلا ~~إقرار فكان كافرا به , ثم سبب عن هذا الظن قوله : { فويل } أي هلاك عظيم ~~بسبب هذا الظن , وأظهر في موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال : ~~{ للذين كفروا } أي مطلقا بهذا الظن وبغيره { من } أي مبتدأ من { النار * } ~~أي الحكم عليهم بها . | ولما كان التقدير : أفنحن نخلق ذلك باطلا ؟ فلا ~~يكون له مآل يظهر فيه حكمته ونحن منزهون عن العبث , عطف عليه قوله إنكارا ~~لما يلزم من ترك البعث من التسوية بين ما حقه المفاوتة فيه , وذلك أشد من ~~العبث وإن كان له أن يفعل ذلك لأنه لا يقبح منه شيء : { أم نجعل } أي على ~~عظمتنا { الذين آمنوا } أي امتثالا لأوامرنا { وعملوا } أي تصديقا لدعواهم ~~الإيمان { الصالحات } من الأعمال كالذين أفسدوا وعملوا السيئات PageV06P380 ~~أم نجعل المصلحين في الأرض { كالمفسدين } أي المطبوعين على الفساد الراسخين ~~فيه { في الأرض } أي بالكفر وغيره , والتسوية بينهم لا يشك عاقل في أنها ~~سفه { أم نجعل } على ما لنا من ms4274 العز والمنعة الذين اتقوا كالذين فجروا أم ~~نصير { المتقين } أي الراسخين من المؤمنين في التقوى الموجبة للتوقف عن كل ~~ما لم يدل عليه دليل { كالفجار * } أي الخارجين من غير توقف عن دائرة ~~التقوى من هؤلاء الذين كفروا أو من غيرهم في أن كلا من المذكورين يعيش على ~~ما أدى إليه الحال في الدنيا , وفي الأغلب يكون عيش الطالح أرفع من عيش ~~الصالح , ثم يموت ولا يكون شيء بعد ذلك , ولا شك أن المساواة بين المصلح ~~والمفسد والمتقي والمارق لا يراها حكيم ولا غيره من سائر أنواع العقلاء فهو ~~لا يفعلها سبحانه وإن كان له أن يفعل ذلك , فإنه لا يجب عليه شيء ولا يقبح ~~منه شيء , وقد علم أن الآية من الاحتباك , وأنه مشير إلى احتباك آخر , فإنه ~~ذكر { الذين أمنوا } أولا دليلا على { الذين أفسدوا } ثانيا , وذكر { ~~المفسدين } ثانيا دليلا { على المؤمنين } أولا , وأفهم ذلك ذكر { الذين ~~اتقوا } وأضداهم وسر ما ذكر وما حذف أنه ذكر أدنى أسنان الإيمان تنبيها على ~~شرفه وأنه سبب السعادة وإن كان على أدنى الوجوه وذكر أعلى على أحوال الفساد ~~, إشارة إلى أنه يغفر ما دون ذلك لمن يشاء وذكر أعلى أحوال التقوى إيماء ~~إلى أنه لا يوصف بها ويستحق جزاءها إلا الراسخ فيها ترغيبا للمؤمن في أن ~~يترقى إلى أوجها . | ولما ثبت بما ذكر من أول السورة إلى هنا ما ذكر في هذا ~~الذكر من البراهين التي لا يأبها إلا مدخول الفكر مخالط العقل , ثبت أنه ذو ~~الذكر والشرف الأعظم فقال تعالى منبها على ذلك تنبيها على أنه القانون الذي ~~يعرف به الصلاح ليتبع والفساد ليتجنب مخبرا على مبتدأ تقديره هو : { كتاب } ~~أي له من العظمة ما لا يحاط به , ووصفه بقوله : { أنزلته } أي بما من ~~العظمة { إليك } وذلك من عظمته لأنك اعظم الخلق , ثم أخبر عن مبتدأ آخر ~~مبين لما قبله على طريق الاستئناف فقال : { مبارك } أي دائم الخير كثير ~~النفع ثابت كل ما فيه ثباتا لا يزول أبدا ولا ينسخ كتاب ms4275 ولا شيء . | ولما ~~ذكر ما له من العظمة إشارة وعبارة , ذكر غاية إنزاله المأمور بها فقال : { ~~ليدبروا } بالفوقانية وتخفيف الدال بالخطاب في قراءة أبي جعفر مشرفا للأمة ~~بضمهم بالخطاب إلى حضرته الشماء صلى الله عليه وسلم , ولافتا للقول في ~~قراءة الجماعة بالغيب وتشديد الدال إلى من يحتاج إلى التنبيه على العلل , ~~لما له من الشواغل الموقعة في الخلل , وأما هو صلى الله عليه وسلم ففي غاية ~~الإتعام للنظر , والتدبر بأجلى الفكر , من حين الإنزال , لعلمه الإنزال ~~بحيث إنه من شدة إتعابه لنفسه الشريفة بالتخفيف وضمن له تعالى جمعه وقرآنه ~~PageV06P381 { آياته } أي لينظروا في عواقب كل آية وتوصل إليه من المعاني ~~الباطنة التي أشعر بها طول التأمل في الظاهر , فمن رضي بالاقتصار على حفظ ~~حروفه كان كمن له لقحة درور لا يحلبها , ومهرة نتوج لا يستولدها , وكان ~~جديرا بأن يضع حدوده فيخسر خسرانا مبينا . | ولما كان كل أحد مأمورا بأن ~~ينتبه بكل ما يرى ويسمع على ما وراءه ولم يكن في وسع كل أحد الوصول إلى ~~النهاية في ذلك , قتع منهم بما دونها فأدغمت تاء التفعل في فاء الكلمة ~~إشارة إلى ذلك كما تشير إليه قراءة أبي جعفر , وربما كانت قراءة الجماعة ~~إشارة إلى الاجتهاد في فهم خفاياه - والله أعلم . | ولما كان السياق للذكر ~~, وأسند إلى خلاصة الخلق , وكان استحضار ما كان عند الإنسان وغفل عنه لا ~~يشق لظهروه , أظهر التاء حثا على بذل الجهد في إعمال الفكر والمداومة على ~~ذلك فإنه يفضي بعد المقدمات الظنية إلى أمور يقينية قطعية إما محسوسة أولها ~~شاهد في الحس فقال : { وليتذكر } أي بعد التدبر تذكرا عظيما جليا - بما ~~أشار إليه الإظهار { أولوا الألباب * } أي كل ما أرشد إليه مما عرفه الله ~~لهم في أنفسهم أو غيرها , لا يخرج شيء مما في القرآن عن النظر إلى شيء ~~معلوم لهم بحس أو غيره في أنفسهم أو غيرها , لا يخرج شيء مما في القرآن عن ~~النظر إلى شيء معلوم للإنسان لا نزاع له فيه أصلا , ولكن الله ms4276 تعالى يبديه ~~لمن يشاء ويخفيه عمن يشاء { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم } [ فصلت : ~~53 ] وأظهره فإنه مركوز في طبع في طبع كل أحد أن الرئيس لا يدع من تحت يده ~~بغير حساب أصلا . | ولما كان الإنسان وإن طال التدبر وأقبل بكليته على ~~التذكر لا بد له من نسيان وغفلة وذهول , ولما كان الممدوح إنما هو الرجاع ( ~~لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) وكان الله تعالى ~~هو الملك الذي لا شريك له والمالك الذي له الملك كله فهو يرفع من يشاء ممن ~~لا يخطر في وهم أن يرتفع , ويخفض من يشاء ممن علا في الملك حتى لا يقع في ~~خاطر أنه يحصل له خلل ولا سيما إن كان على أعلى خلال الطاعة ليبين لكل ذي ~~لب أن الفاعل لذلك هو الفاعل المختار , فلا يزال خيره مرجوا , وانتقامه ~~مرهوبا مخشيا , قال تعالى : { ووهبنا } أي بما لنا من الحكمة والعظمة { ~~لدواد سليمان } فجاء عديم النظير في ذلك الزمان دينا ودنيا وعلما وحكمة ~~وحلما وعظمة ورحمة , ولذلك نبه على أمثال هذه المعاني باستئناف الإخبار عما ~~حرك النفس PageV06P382 إلى السؤال عنها من إسناد الهبة إلى نون العظمة فقال ~~: { نعم العبد } ولما كان السياق لسرعة الانتباه من الغفلات , والتفضي من ~~الهفوات , والتوبة من الزلات , وبيان أن الابتلاء ليس منحصرا في العقوبات , ~~بل قد يكون لرفعة الدرجات , وكان هذا بعيدا من العادات , علل مدحه مؤكدا له ~~بقوله : { إنه أواب * } أي رجاع إلى الازدياد من الاجتهاد في المبالغة في ~~الشكر والصبر على الضر كلما علا من مقام بالاستغفار منه وعده مع ما له من ~~الكمال مما يرغب عنه . | < < # | ص : ( 31 - 37 ) إذ عرض عليه . . . . . # > > ^ ( إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد * فقال إني أحببت حب الخير ~~عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب * ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق * ~~ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب * قال رب اغفر لي وهب لي ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب * فسخرنا له ms4277 الريح تجري بأمره ~~رخآء حيث أصاب * والشياطين كل بنآء وغواص ) ^ } ) | ولما كانت الخيل من ~~اعظم ما زين للناس من حب الشهوات , وكان السياق للعزة والشقاق الدالين على ~~عظيم الاحتياج إلى ما يكف ذلك مما أعظمه الخيل , ذكر فيها آمرا له صلى الله ~~عليه وسلم , دل على أنه مع ما له من عظمة الملك كثير الأوبة عظيمها لأن من ~~لم يكن ذلك له طبعا لم يقدر على ما فعل فقال : { إذ } أي اذكر لتقف على ~~شاهد ما أخبرناك به حين { عرض عليه بالعشي } أي فيما بعد زوال الشمس { ~~الصافات } أي الخيول العربية الخالصة التي لا يكاد تتمالك بجميع قوائمها ~~الاعتماد على الأرض اختيالا بأنفسها وقربا من الطيران بلطافتها وهمتها ~~وإظهارا لقوتها ورشاقتها وخفتها , قال في القاموس : صفن الفرس يصفن صفونا : ~~قام على ثلاث قوائم وطرف حافز الرابعة , قوال القزاز : قام على ثلاث قوائم ~~وقائمة يرفعها عن الأرض أو ينال سنبكها الأرض ليستريح بذلك , وأكثر ما تصفن ~~الخيل العتاق , قال : وقالوا : كل ذي حافز يفعله ولكنه من الجياد أكثر , لا ~~يكاد يكون إلا في العراب الخلص , وقيل : الصافن الذي يجمع يديه ويثني طرف ~~سنبك إحدى رجليه , وقيل : الصافن الذي يرفع سنبك إحدى يديه فإذا رفع طرف ~~سنبك إحدى رجليه فهم مخيم , وقد أخام - إذا فعل ذلك . | ولما تحرر أنه يجوز ~~أن يجمل الصافن على غير العتيق وإن كان قليلا , حقق أن المراد الوصف ~~بالجودة واقفة وجارية فقال : { الجياد * } أي التي تجود في جريها بأعظم ما ~~تقدر عليه , جمع جواد , فلم تزل تعرض عليه فاتته صلاة آخر النهار , وكان ~~المفروض على من تقدمنا ركعتين أول النهار وركعتين آخره , فانتبه في الحال . ~~| PageV06P383 ولما كان بيان ضخامة ملكه زكثرة هيبته وعزته مع زيادة أوبته ~~لتحصل التأسية به في حسن ائتماره وانتهائه والتسلية بابتلائه مع ذلك من ~~شرفه وبهائه , أشار إلى كثرة الخيل جدا وزيادة محبته له وسرعة أوبته بقوله ~~: { فقال } ولما كان اللائق بحاله والمعروف من فعاله أنه لا يؤثر على ذكر ~~الله شيئا فلا ms4278 يكاد أحد ممن شاهد ذلك يظن به ذلك بل يوجهون له في ذلك وجوها ~~ويحملونه على محامل تليق بما يعرفونه من حال من الإقبال على الله والغنا ~~عما سواه , أكد قوله تواضعا لله تعالى ليعتقدوا أنه بشر يجوز عليه ما يجوز ~~عليهم لولا عصمة الله : { إني } ولما كان الحب أمرا باطنا لا يظهر في شيء ~~إلا بكثرة الاشتغال به , وكان الاشتغال قد يكون لغير الحب أمرا باطنا لا ~~يظهر في شيء إلا بقرائن قال اعترافا : { أحببت } أي أوجدت وأظهرت بما ظهر ~~مني من الاشتغال بالخيل مقرونا ذلك بأدلة الود { حب الخير } وهو المال بل ~~خلاصة المال وسبب كل خير دنيوي وأخروي ( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى ~~يوم القيامة ) أظهرت ذلك بغاية الرغبة غافلا { عن ذكر ربي } المحسن إلي ~~بهذه الخيل التي شغلتني وغيرها , فلم أذكره بالصلاة التي كانت وظيفة الوقت ~~وإن كان غرضي لما لكونه في طاعته ذكرا له . | ولم يزل ذلك بي { حتى توارت } ~~أي الشمس المفهومة من ( العشي ) { بالحجاب } وهي الأرض التي حالت بيننا ~~وبينها فصارت وراءها حقيقة . | ولما اشتد تشوف السامع إلى الفعل الذي أوجب ~~له الوصف بأواب بعد سماع قوله في لومه نفسه ليجمع بين معرفة القول والفعل , ~~أجيب بقوله : { ردها } أي قال سليمان عليه السلام : ردوا { علي } الخيول ~~التي شغلتني . | ولما كان التقدير : فردوها عليه , نسق به قوله : { فطفق } ~~أي أخذ يفعل ظافرا بمراده لازما له مصمما عليه وأصلا له معتمدا على الله يف ~~التقوية على العدو لا على الأسباب التي من أعظمها الخيل مفارقا ما كان سبب ~~ذهوله عن الذكر معرضا عما يمكن أن يتعلق به القلب متقربا به إلى الله تعالى ~~كما يقترب في هذه الملة بالضحايا { مسحا } أي يوقع المسح - أي القطع - فيها ~~بالسيف إيقاعا عظيما . | ولما كان السيف إنما يقع في جزء يسير من العضوين ~~أدخل الباء فقال : { بالسوق } أي منها { والأعناق * } يضربها ضربا بسيف ماض ~~وساعد شديد وصنع سديد فيها من غير وقفة أصلا حتى كأنه يمسحه على ظاهر ms4279 ~~جلودها كما يقال : مسح علاوته , أي ضرب عنقه - والله أعلم . | PageV06P384 ~~ولما ظهر بهذا ما له من ضخامة الملك وعز السلطان , وكانت الأوبة عظيمة جدا ~~, وكان الثبات على مقام الشهود مع حفظه من جميع جهاته أعظم , نبه عليه ~~بقوله مؤكدا لما طبعت عليه النفوس من ظن أن الأواب لا ينبغي أن يواجه ~~بالعتاب : { ولقد فتنا } أي بما لنا من العظمة { سليمان } أي مع إسراعه ~~بالرجوع إلى الله والتنبه لما فيه رضاه نوعا من الفتنة , الله أعلم ~~بحقيقتها , فأسفرت تلك الفتنة عن رسوخه في مقام الأوبة فتنبه لما أردنا بها ~~من تدريبه على ما أقمناه فيه كما فعلنا بأبيه داود عليهما السلام فاقتد ~~بهما في الاستبصار بالبلاء , فإنا نريد بك أمرا عظيما جليلا شريفا كريما { ~~وألقينا } أي بما لنا من العظمة { على كرسيه } الذي كانت تهابه أسود الفيل ~~. | ولما كانت العبرة إنما هي بالمعاني , فمن كان معناه ناقصا كان كأنه جسد ~~لا روح فيه , له صورة بلا معنى , قال : { جسدا } فغلب على ذلك المكان ~~الشريف مع ما كنا شرفناه به من هيبة النبوة المقرونة بالملك بحيث لم يكن ~~أحد يظن أن أحدا يقدر على أن يدنو إليه فضلا من أن يغلب عليه , فمكنا هذا ~~الجسد منه تمكينا لا كلفة عليه فيه , بل كان ذلك بحيث كأنه ألقى عليه بغير ~~اختياره ليعلم أن الملك إنما هو لنا , نفعل ما نشاء بمن نشاء , فالسعادة ~~لمن رجانا والويل لمن يأمن مكرنا فلا يخشانا , فعما قليل تصير هذه البلدة ~~في قبضتك , وأهلها مع العزة والشقاق طوع مشيئتك ويكون لك بذلك أمر لا يكون ~~لأحد بعدك كما أنه ما كان لأحد كان قبلك وبقاء الذكر , والذي أنت فيه الآن ~~ابتلاء واختبار وتدريب على ما يأتي من الأمور الكبار . | ولما كان المراد ~~بإطلاق الجسد عليه التعريف بأنه لا معنى له , لا أنه لا روح فيه , أطلقه ~~ولم يتبعه ما يبين أنه جماد كما فعل في العجل حيث قال ( له خوار ) فبين ~~بذلك أنه لا روح له , وإن صح ms4280 أن هذا الجسد هو صخر الجني وأن سببه سجود ~~الجرادة امرأة سليمان عليه السلام لصورة أبيها بغير علم نبي الله سليمان ~~عليه السلام ولا إرادته , فالإشارة بذلك في التسلية أنا سلبنا الملك من ~~صفينا لصورة رفع السجود بعض من ينسب إليه لها في بيته أمره إرادته ولا علمه ~~, فكيف بمن يسجد لهذه الأوثان في البيت الحرام فعما قليل نزيل أمرهم ونخمد ~~شرهم ونمحو ذكرهم . | ولما كانت الإنابة رجوعا إلى ما كان , فهي استرجاع ~~لما فات قال : { ثم أناب * } وفسر الإنابة ليعلم أنه تعالى فتنه مع أنه عبد ~~عظيم المنزلة مجاب الدعوة بقوله جوبا لمن سأل عنها : { قال رب } أي أيها ~~المحسن إلي { اغفر لي } أي الأمر الذي كانت الإنابة بسببه . | ولما قدم أمر ~~الآخرة , أتبعه قوله : { وهب لي } أي بخصوصي { ملكا لا ينبغي } PageV06P385 ~~أي لا يوجد طلبه وجودا تحصل معه المطاوعة والتسهل { لأحد } في زمان ما طال ~~أو قصر سواء كان كاملا في الصورة والمعنى أو جسدا خاليا عن العز كما حصلت ~~به الفتنة من قبل , وبعض الزمان بذكر الجار فقال : { من بعدي } حتى أتمكن ~~من كل ما أريد من التقرب إليك وجهاد من عاداك , ويكون ذلك إمارة لي على ~~قبول توبتي ولا تحصل لي فتنة بإلقاء على الكرسي مضافا إليه من غير أن ينسب ~~إليه هو صلى الله عليه وسلم شيء , وهو مناسب لعقر الخيل الذي هو إذهاب ما ~~به العز - والله أعلم , وبهذا التقدير علم أنه لو ذكر الظرف من غير حرف ~~لأوهم تقيد الدعوة بملك يستغرق الزمان الذي بعده , ثم علل ما طلبه من ~~الإعطاء والمنع بقوله على سبيل التأكيد إسقاطا لما غلب على النفوس من رؤية ~~الأسباب : { إنك أنت } أي وحدك { الوهاب * } أي العظيم المواهب مع التكرار ~~كلما أردت , فتعطي بسبب من تشاء وتمنع من تشاء . | ولما تسبب عن دعائه ~~الإجابة , اعلم سبحانه بقوله : { فسخرنا } أي ذللنا بما لنا من العظمة { له ~~الريح } لإرهاب العدو وبلوغ المقاصد عوضا عن الخيل التي خرج عنها لأجلنا ؛ ~~ثم بين ms4281 التسخير بقوله مستأنفا : { تجري بأمره رخاء } أي حال كونها لينة ~~غاية اللين منقادة يدرك بها ما لا يدرك بالخيل ( غدوها شهر ورواحها شهر ) ~~وكل من ترك شيئا لله غوضه الله خيرا منه , وهو هنا مبالغة من الرخاوة . | ~~ولما كانت إصابته لما يشاء ملازمة لإرادته , عبر بها لأنها المقصود بالذات ~~فقال : { حيث أصاب * } أي أراد إصابة شيء من الأشياء , وقد جعل الله لنبينا ~~صلى الله عليه وسلم أعظم من ذلك وهو أن العدو يرعب منه إلى مسيرة شهر من ~~جوانبه الأربعة فيه أربعة أشهر { والشياطين } أي الذين عندهم خفة الريح مع ~~الاقتران بالروح سخرناهم له ؛ ثم نبه على منفعتهم بالإبدال منهم فقال : { ~~كل } وعبر ببناء المبالغة في سياق الامتنان فقال : { بناء وغواص * } أي ~~عظيم في البناء صاعدا في جو السماء والغوص نازلا في أعماق الماء , يستخرج ~~الدر وغيره من منافع البحر . | < < # | ص : ( 38 - 41 ) وآخرين مقرنين في . . . . . # > > ^ ( وآخرين مقرنين في الأصفاد * هذا عطآؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب ~~* وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب * واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه أني مسني ~~الشيطان بنصب وعذاب ) ^ } ) | ولما دل على مطلق تسخيرهم , دل على أنه قهر ~~وغلبة كما هو شأن أيالة الملك وصولة العز فقال : { وآخرين } أي سخرناهم له ~~من الشيطاطين حال كونهم { مقرنين } بأمره إلى من يشاكلهم أو مقرونة أيديهم ~~بأرجلهم أو بأعناقهم , وعبر به مثقلا PageV06P386 دون ( مقرونين ) مثلا ~~إشارة إلى شدة وثاقهم وعظيم تقرينهم . | ولما كانت مانعة لهم من التصرف في ~~أنفسهم , جعلوا كأنهم بأجمعهم فيها وإن لم يكن فيها إلا بعض أعضائهم مثل < # > 77 ( { جعلوا أصابعهم في آذانهم } ) 77 < # > [ نوح : 7 ] فقال : { في الأصفاد * } أي القيود التي يوثق بها الأسرى ~~من حديد أو قيد أو غير ذلك , جمع صفد بالتحريك , روى البخاري ومسلم عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن عفريتا من الجن ~~تلفت علي البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه ~~إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا ms4282 إليه كلكم , فذكرت دعوة أخي سليمان { ~~هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } فرددته خاسئا ) وقد حكمه الله في بعض ~~الجن , فحمي من الذين يطعنون دار مولده ودار هجرته , روى أحمد في مسنده ~~بسند حسن إن شاء الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ( المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة , على كل نقب منهما ملك ~~, فلا يدخلهما الدجال ولا الطاعون ) . | وهذا في البلدين , وأما المدينة ~~خاصة ففيها أحاديث عدة عن عدة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما , وقد عوض ~~الله نبينا صلى الله عليه وسلم عن الشياطين التأييد بجيوش الملائكة في ~~غزواته , وقد كان نبينا عبدا كما اختار فلم يكن له حاجة بغير ذلك . | ولما ~~كان ذلك ملكا عظيما , نبه على عظمته بكثرته ودوامه وعظمة مؤتيه فقال ~~مستأنفا بتقدير : قلنا له ونحوه : { هذا } أي الأمر الكبير { عطاؤنا } أي ~~على ما لنا من العظمة ؛ ثم سبب عن ذلك إطلاق التصرف الذي هو أعظم المقاصد , ~~فكم من مالك لشيء وهو مغلول اليد عن التصفر فيه , فقال بادئا بما يوجب الحب ~~ويقبل القلوب دالا على عظمته وظهور أمره بفك الإدغام : { فامنن } أي أعط من ~~شئت عطاء مبتدئا من غير تسبب من المعطي : { أو أمسك } أي عمن شئت . | ولما ~~كان هذا عطاء يفوت الوصف عظمه , زاده تعظيما بكثرته وتسهيله وسلامة العاقبة ~~فيه فقال : { بغير } أي كائنا كل ذلك من العطاء والمن خاليا عن { حساب * } ~~لأنك لا تخشى من نقصه وربك هو المعطي والآمر , ولا من كونه مما يسأل عنه في ~~PageV06P387 الآخرة لأنه قد أذن لك , فنفي الحساب عنه يفيد شيئين الكثرة ~~وعدم الدرك في إعطاء أو منع , وجعله مصدرا مزيدا يفهم إنما ينفي عنه حساب ~~يعتد به لا مطلق حسب بالتخمين كما يكون في الأشياء التي تعي الحاصر فيقرب ~~أمرها بنوع حدس . | ولما رفع الحرج عنه في الدارين , أثبت المزيد فقال ~~عاطفا على ما تقديره : هذا له في الدنيا , مؤكدا زيادة في الطمأنية لكونه ~~خارقا لما حكم به ms4283 من العادة في أنه كل ما زاد عن الكفاف في الدنيا كان ~~ناقصا للحظ في الآخرة : { وإن له } أي خاصا به { عندنا } أي في الآخرة { ~~لزلفى } أي قربى عظمية { وحسن مآب * } أي مرجع . | ولما انقضى الخبر عن ~~الملك الأواب الذي ملك الدنيا بالفعل قهرا وغلبة شرقا وغربا , وكان أيوب ~~عليه السلام في ثروة الملوك وإن لم يكن ملكا بالفعل , وكان تكذيب من كذب ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم إنما هو بتسليط الله الشياطين بوسوسته عليهم , ~~وأمره سبحانه بالصبر على ذلك وقص عليه من أخبار الأوابين تعليما لحسن ~~الأوبة إن وهن الصبر , أتبعه الإخبار عن الصابر الأواب الذي لم يتأوه إلا ~~من وسوسة الشيطان لزوجه بما كان يفتنها ليزداد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذكر هذه الأخبار صبرا ويتضاعف إقباله على الله تعالى وتضرعه له اقتداء ~~بإخوانه الذين لم تشغلهم عنه محنة السراء ولا محنة الضراء , وتذكيرا لقدرة ~~الله على كل ما يريده تنبيها على أنه قادر على رد قريش عما هم فيه ونصر ~~المستضعفين من عباده عليهم بأيسر سعي فقال : { واذكر عبدنا } أي الذي هو ~~أهل للإضافة إلى عظيم جنابنا , وبينه بقوله : { أيوب } وهو من الروم من ~~أولاد عيص بن إسحاق عليهم السلام لتتأسى بحاله فنصبر على قومك وإن رأيت ما ~~لا صبر لك عليه دعوت الله في إصلاحه . | ولما أمره بذكره , بين أن معظم ~~المراد بعض أحواله الشريفة ليتأسى به فقال مبدلا منه بدل اشتمال : { إذ } ~~أي اذكر حاله الذي كان حين : { نادى } وصرف القول عن مظهر العظمة إلى صفة ~~الإحسان لأنه موطنه لاقتضاء حاله ذلك فقال : { ربه } : أي المحسن إليه الذي ~~عرف إحسانه إليه في تربيته ببلائه كما عرف امتنانه بظاهر نعمائه وآلائه , ~~ثم ذكر المنادى به حاكيا له بلفظه فقال مشيرا بالتأكيد إلى أنه وإن كان ~~حاله فيما عهد من شدة صبره مقتضيا عدم الشكوى أتاه ما لا صبر عليه : { إني ~~} أي أدعوك إلهابا إلى الإجابة وأدبا مع الله فقال : { مسني } أي وأنا من ~~أوليائك { الشيطان } أي ms4284 المحترق باللعنة البعيد من الرحمة بتسليطك له { ~~بنصب } أي ضر ومشقة وهم داء ووجع وبلاء يثقل صاحبه فيتبعه ويعيده ويكده ~~ويجهده ويصل به إلى الغاية من كل ذلك , PageV06P388 وقرئ بضم الصاد أيضا ~~وقرئ بالتحريك كالرشد والرشد , وكان ذلك إشارة إلى أحوال الضر في الشدة ~~والخفة فالمسكن أدناه , والمحرك أوسطه , والمثقل الضم أعلاه { عذاب * } أي ~~نكد قوي دائم مانع من كل ما يلذ , ويمكن أن يساغ ويستطعم أجمله , ونكره ~~تنكير لتعظيم استغنائه على وجازته عن جمل طوال ودعاء عريض إعلاما بأن السيل ~~قد بلغ الزبى , وأوهن البلاء القوي , ولم يذكره بلفظ إبليس الذي هو من معنى ~~اليأس وانقطاع الرجاء دلالة على أنه هو راج فضل الله غير آيس من روحه , ~~وذلك أن الله تعالى سلطه على إهلاك أهله وولده وماله فصبر ثم سلطه على بدنه ~~إلى أن سقط لحمه واستمر على ذلك مددا طوالا , فلذلك ثم تراءى لزوجته رضي ~~الله عنها في زي طبيب وقال لها : أنا أداويه ولا أريد أن يقول لي , إذت ~~عوفي أنت شفيتني , وقيل : قال لها : لو سجد لي سجدة واحدة شفيته , فأتته ~~وحدثته بذلك فأخبرها وعرفها أنه الشيطان , وحذرها منه وخاف غائله عليها , ~~فدعا الله بما تقدم وشدد النكير والتعظيم لما وسوس لها به بأن حلف ليضربها ~~مائة ضربة , ردعا لها عن الإصغاء إلى شيء من ذلك , وتهوينا لما يلقاه من ~~بلائه في جنبه . | < < # | ص : ( 42 - 45 ) اركض برجلك هذا . . . . . # > > ^ ( اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب * ووهبنا له أهله ومثلهم معهم ~~رحمة منا وذكرى لأولي الألباب * وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا ~~وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب * واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~أولي الأيدي والأبصار ) ^ } ) | ولما تشوف السامع إلى جوابه عن ذلك , ~~استأنف قوله : { اركض } أي قلنا له : اضرب الأرض وأوجد الركض وهو المشي ~~والتحريك والإسراع والاستحثاث { برجلك } يخرج منها ماء نافع حسن لتغتسل فيه ~~وتشرب منه ففعل فأنبعنا له عينا , فقيل له : { هذا } بإشارة القريب إشارة ~~إلى تسهله { مغتسل } أي ماء يغتسل ms4285 به وموضعه وزمانه { بارد } أي يبرد حر ~~الظاهر { وشراب * } يبرد حر الباطن . | ولما كان التقدير : ففعل اغتسل فبرأ ~~ظاهره وسر باطنه , عطف عليه قوله صارفا القول إلى مظهر الجلال تنبيها على ~~عظمة الفعل : { ووهبنا } أي بما لنا من العظمة { له أهله } أي الذين كان ~~الشيطان سلط عليهم بأن أحييناهم , وجمع اعتبارا بالمعنى لأنه أفخم وأقرب ~~إلى فهم المراد فقال : { ومثلهم } وأعلم باجتماع الكل في آن واحد فقال : { ~~معهم } جددناهم له وليعلم من يسمع ذلك أنه لا عبرة بشسء من الدنيا وأنها ~~وكل ما فيها عرض زائل لا ثبات له اصلا إلا ما كان لنا , فإنه من الباقيات ~~الصالحات , فلا يغير أحد بشيء منها ولا يشتغل عنا أصلا , ويعلم من هذا من ~~صدقه القدروة على البعث بمجرد تصديقه له ومن توقف فيه سأل أهل الكتاب فعلم ~~ذلك PageV06P389 بتصديقهم له , ثم علل سبحانه فعله ذلك بقوله : { رحمة } ~~ولما كان في مقام الحث على الصبر عظم الأمر بقوله : { منا } فإنه أعظم من ~~التعبير في سورة الأنبياء بعندنا , ليكون ذلك أحث على لزوم الصبر , وإذا ~~نظرت إلى ختام الآيتين عرفت تفاوت العبارتين ولاح لك أن مقام الصبر لا ~~يساويه شيء , لأن الطريق إليه سبحانه لا ينفك شيء منه عن صبر وقهر للنفس ~~وجبر , لأنها بالإجماع خلاف ما تدعو إليه الطبائع { وذكرى } أي إكراما ~~وتذكيرا عظيما { لأولي الألباب * } أي الأفهام الصافية , جعلنا ذلك لرحمته ~~ولتذكير غيره من الموصوفين على طول الزمان ليتأسى به كل مبتلى ويرجو مثل ما ~~رجا , فإن رحمة الله واسعة , وهو عند القلوب المنكسرة , فما بينه وبين ~~الإجابة إلا حسن الإنابة , فمن دام إقباله عليه أغناه من غيره : | لكل شيء ~~إذا فارقته عوض وليس لله إن فارقت من عوض | ولما أجمل العذاب الصالح لألم ~~الظاهر , وذكر المخلص منه , أتبعه التنبيه على أعظمه وهو ألم الباطن , بل ~~أبطن الباطن التعلق بالاعتقاد فيما وسوس لزوجه رضي الله عنها بما كاد يزلها ~~فحلف ليضربها مائة لئلا إلى المخلص من ذلك الحلف على أخف وجه لأنها ms4286 كانت ~~صابرة محسنة , فشكر الله لها ذلك , وجعل هذا المخلص بعدها سنة باقية لعباده ~~تعظيما لأجرها وتطييبا لذكرها فقال عاطفا على { اركض } { وخذ بيدك } أي ~~التي قد صارت في غاية الصحة { ضغثا } أي حزمة صغيرة من حشيش فيها مائة عود ~~كمشراخ النخلة , قال الفراء : هو كل ما جمعته من شيء مثل الحزمة الرطبة , ~~وقال السمين : وأصل المادة يدل على جميع المختلطات { فأضرب به } أي مطلق ~~ضرب ضربة واحدة { ولا تحنث } في يمينك أي تأثم بترك ما حلفت على فعله , ~~فهذا تخفيف على كل منهما لصبره , ولعل الكفارة لم تكن فيهم وخصنا الله بها ~~مع شرعه فينا ما أرخصه له تشريفا لنا , وكل هذا إعلاما بأن الله تعالى ~~ابتلاه صلى الله عليه وسلم في بدنه وولده وماله , ولم يبق له إلا زوجة ~~فوسوس لها الشيطان طمعا في إيذائهما كما أذى آدم وحواء عليهما السلام , إلى ~~أن قارب منها بعض ما يريد , والمراد بالإعلام به تذكير النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأنه إن كان مكن الشيطان من الوسوسة لأقاربه والإغواء والإضلال فقد من ~~عليه بزوجه أعظم وزراء الصدق وكثير من أقاربه الأعمام وبني الأعمام وغيرهم ~~, وحفظ له بدنه وماله ليزداد شكره لله تعالى , وفي القصة إشارة إلى أنه ~~قادر على أن يطيع له من يشاء , فإنه قادر على التصرف في المعاني كقدرته على ~~التصرف في الذوات , وأنه سبحانه يهب لهذا النبي الكريم قومه العرب الذين هم ~~الآن أشد الناس عليه وغيرهم فيطيعه الكل . | PageV06P390 ولما كان الصبر ~~والأفعال المرضية عزيزة في العباد لا تكاد توجد فلا يكاد يصدق بها , علل ~~سبحانه هذا الإكرام له صلى الله عليه وسلم وأكده , فقال على سبيل الاستنتاج ~~مما تقدم ردا على من يظن أن الشكوى إليه تنافي الصبر , وإشارة إلى أن السر ~~في التذكير به التأسي في الصبر : { إنا } أي على ما لنا من العظمة { وجدناه ~~} أي في عالم الشهادة طبق ما كان لنا في عالم الغيب ليتجدد للناس من العلم ~~بذلك ما كنا به عالمين , ولما ms4287 كان السياق للحث على مطلق الصبر في قوله < # > 77 ( { واصبر على ما يقولون } ) 77 < # > [ المزمل : 10 ] أتى باسم الفاعل مجردا على مبالغة فقال : { صابرا } ثم ~~استأنف قوله : { نعم العبد } ثم علل بقوله مؤكدا لئلا يظن أن بلاءه قادح في ~~ذلك : { إنه أواب * } أي رجاع بكليته إلى الله سبحانه على خلاف ما يدعو ~~إليه طبع البشر , قال الرازي في اللوامع : قال ابن عطاء : واقف معنا بحسن ~~الأدب لا يغيره دوام النعمة , ولا يزعجه تواتر البلاء والمحنة , روى عبد بن ~~حميد في مسنده عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : وضع رجل يده على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال : والله ما أطيق أن أضع يدي عليك من شدة حماك , فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء كما يضاعف ~~لنا الأجر , إن كان النبي من الأنبياء ليبتلي بالقمل حتى يقتله وإن كان ~~النبي من الأنبياء ليبتلي بالفقر حتى يأخذ العباة فيحويها وإن كانوا ~~ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء ) . | ولما ذكر سبحانه من ابتلاه في ~~بدنه وماله وولده ثم جعل له الماء بردا وسلاما وعافية ونظاما وشفاء وقواما ~~, عطف عليه من ابتلاه بالنار على أيدي الجبابرة فجعلها عليه بردا وسلاما ~~باعتماده عليه وصبره لديه , ونجاه من كيدهم , وجعل أيده بمفرده فوق أيدهم , ~~قم ابتلاه بالهجرة لوطنه وأهله وعشيرته وسكنه , ثم بذبح ابنه , فصبر على ~~ذلك كله , اعتمادا على فضل الله ومنة فقال : { واذكر عبدنا } بالتوحيد في ~~رواية ابن كثير للجنس أو لإبراهيم وحده عليه السلام لأنه أصل من عطف عليه ~~دينا وأبوة , فبين الله أساس عطفه عليه في المدح بالعبودية أيضا , ثم بين ~~المراد بقوله : { إبراهيم } وعطف على العبد لا على مبينه لئلا يلزم بيان ~~واحد بجماعة إذا أريد به إبراهيم وحده لا الجنس ابنه لصبره على دينه في ~~الغربة بين عباد الأوثان ومباعدي الإيمان , فلم يلفت لفتهم ولا داناهم , بل ~~أرسل إلى أقاربه في بلاد الشرق , فتزوج منه من وافقته على دينه الحق , ~~واستمر على إخلاص العبادة ms4288 لا يأخذه في الله لومة لائم إلى أن مضى لسبيله ~~فقال : { وإسحاق } ثم أتبعه ولده الذي قفا أثره , وصبر صبره , وابتلى ولده ~~, وبهجة كبده , PageV06P391 فصبر أتم الصبر في ذلك الضر , وأبلغ في الحمد ~~والشكر , فقال تعالى : { ويعقوب } وألحقهما سبحانه بأبيها بعد أن بينت ~~قراءة الإفراد إصالته في المدح بالعبودية فعطفهما عليه نفسه في قراءة غير ~~ان كثير { عبادنا } بالجمع كما قال تعالى ^ ( { والذين آمنوا واتبعهم ~~ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم } ) ^ [ الطور : 21 ] . | ولما اجتعموا ~~بالعطف أو البدل وصفهم بقوله : { أولي الأيدي } أي القوة الشديدة والأعمال ~~السديدة لأن الأيدي أعظم آلات ذلك { والأبصار * } أي الحواس الظاهرة ~~والباطنة التي هي حقيقة بأن تذكر وتمدح بها لقوة إدراكها وعظمة نفوذها فيما ~~هو جدير بأن يراعى من جلال الله ومراقبته في الحركات والسكنات سرا وعلنا , ~~وعبر عن ذلك بالأبصار لأنها أقوى مبادئه , ومن لم يكن مثلهم كان مسلوب ~~القوة والعقل , فلم يكن له عقل فكان عدما , فهو أعظم توبيخ لمن رزقه الله ~~قوة وعقلا , ثم لا يصرفه في عبادة الله والمجاهدة فيه سبحانه . | < < # | ص : ( 46 - 50 ) إنا أخلصناهم بخالصة . . . . . # > > ^ ( إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين ~~الأخيار * واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار * هذا ذكر وإن ~~للمتقين لحسن مآب * جنات عدن مفتحة لهم الأبواب ) ^ } ) | ولما اشتد تشوف ~~السامع لما استحقوا به هذا الذكر , قال مؤكدا إشارة إلى محبته سبحانه ~~لمدحهم وردا على من ينسب إليهم أو إلى أحد منهم ما لا يليق كما كذبه اليهود ~~فيما بدلوه من التوارة في حق إسحاق عليه السلام في بعض المواضع معديا للفعل ~~بالهمزة إشارة إلى أنه جذبهم من العوائق إليه جذبة واحدة هي في غاية السرعة ~~: { إنا اخلصناهم } أي لنا إخلاصا يليق بعظمتنا التي لا تدانيها عظمة { ~~بخالصة } أي أعمال وأحوال ومقامات وبلايا ومحن هي سالمة عن شوب ما , فصاروا ~~عليها في غاية الخلوص . | ولما كان سبب الإخلاص تذكر يوم الدين وما يبرز ~~فيه من صفات الجلال والجمال وينكشف فيه من الأمور التي ms4289 لا توصف عظمتها , ~~بينها بقوله : { ذكرى الدار } أي تذكرهم تلك الخالصة تذكيرا عظيما لا يغيب ~~عنهم أصلا الدار التي لا يستحق غيرها أن يسمى دارا بوجه بحيث نسوا بذكر هذا ~~الغائب الثابت الشاهد من دار الزائل عكس ما عليه العامة , وإضافة نافع وأبي ~~جعفر وهشام ابن عمر بخلاف عنه لخالصة مؤيد لما قلت من أن ذكرى بيان لأنها ~~إضافة الصفة إلى الموصوف , والمعنى أنهم لا يعلمون شيئا PageV06P392 إلا ~~وهو مقرب للآخرة , فالمعنى أن ذكرهم لها خالص عن سواه لا يشاركه فيه شيء ~~ولا يشوبه شوب أصلا . | ولما دلت هذه الجملة على هذا المدح البليغ , عطف ~~عليه ما يلازم الإخلاص فقال مؤكدا لمثل ما تقدم من التنبيه على أنهم ممن ~~يغتبط بمدحهم , وردا على من ربما ظن خلاف ذلك بكثرة مصائبهم في الدنيا : { ~~وإنهم عندنا } أي على ما لنا من العظمة والخبرة { لمن المصطفين } المبالغ ~~في تصفيتهم مبالغة كأنها بعلاج { الأخيار * } الذين كل واحد منهم بخير بليغ ~~في الخير , وإصابتنا إياهم بالمصائب دليل ذلك عكسه كما يظنه من طمس قلبه , ~~والآية من الاحتباك : ذكر { أخلصناهم } أولا دليل على { اصطفيانهم } ثانيا ~~, و { المصطفين } دليلا على { المخلصين } أولا , وسر ذلك أن الإخلاص يلزم ~~منه الاصطفاء , لا سيما إذا أسنده إليه بخلاف العكس بدليل < # > 77 ( { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظلم لنفسه } ) ~~77 < # > [ فاطر : 32 ] . | ولما أتم الأمر بذكر الخليل وابنه عليهما السلام ~~الذي لم يخرج من كنفه قط ونافلته المبشر به للتأسي بهم في صبرهم الدين وإن ~~خالفهم , أتبعه ولده الذي أمر بالتجرد عنه مرة بالإسكان عند البيت الحرام ~~ليصير أصلا برأسه في أشرف البقاع , ومرة بالأمر بذبحه في تلك المشاعر ~~الكرام , فصار ما أضيف إليه من الأحوال والأفعال من المناسك العظام عليه ~~الصلاة والسلام , وأفرده بالذكر دلالة على أنه أصل عظيم برأسه من أصول ~~الأئمة الأعلام , فقال : { واذكر إسماعيل } أي أباك وما صبر عليه من البلاء ~~بالغربة والانفراد والوحدة والإشراف على الموت في الله غير مرة وما صار ~~إليه ms4290 بعد ذلك البلاء من الفرج والرئاسة والذكر في هذه البلدة { واليسع } أي ~~الذي استخلفه إلياس عليه السلام على بني إسرائيل فجمعهم الله عليه بعد ذلك ~~الخلاف الشديد الذي كان منهم لإلياس عليه السلام { وذا الكفل } أي النصيب ~~العظيم بالوفاء بما يكفله من كل أمر علي , وعمل صالح زكي . | ولما تقدم وصف ~~من قبل إبراهيم عيله السلام بالأوبة وخصوا بالتصريح , لما كان لهم من ~~الشواغل عنها بكل من محنة السراء ومحنة الضراء وكذلك بالعبودية سواء , وكان ~~الأمر بالذكر مع حذف الوصف المذكور لأجله والإشارة إليه بالتلويح ولا مانع ~~من ذكره دالا على غاية المدح له لذهاب الوهم في تطلبه كل مذهب , قال معمما ~~للوصف بالعبودية والأوبة بها جميع المذكورين , عاطفا بما أرشد إليه العطف ~~على غير مذكور على ما تقديره : غنهم أوابون , ليكون تعليلا لذكرهم بما علل ~~به ذكر أو مذكور فيهم : { وكل } أي من هؤلاء المذكورين في هذه السورة من ~~الأنبياء قائمون بحق PageV06P393 العبودية فهم من خيار عبادنا من هؤلاء ~~الثلاثة ومن قبلهم { من الأخيار * } أي كما أن كلا منهم أواب بالعراقة في ~~وصف الصبر كما مضى في الأنبياء , وبغير ذلك من كل خير على أن الصبر جامع ~~لجميع الطريق , فهم الذين يجب الاقتداء بهم في الصبر على الدين ولزوم طريق ~~المتقين . | ولما أتم سبحانه ما أراد من ذكر هؤلاء الأصفياء عليهم السلام ~~الذين عافاهم بصبرهم وعافى من دعوهم , فجعلهم سبحانه سبب الفلاح ولم يجعلهم ~~سببا للهلاك , قال مؤكدا لشرفهم وشرف ما ذكروا به , حاثا على إدامة تذكره ~~وتأمله وتدبره للعمل به , مبينا ما لهم في الآخرة على ما ذكر من أعمالهم ~~وما لمن نكب عن طريقهم على سبيل التفصيل : { وهذا } أي ما تلوناه عليك من ~~أمورهم وأمور غيرهم { ذكر } أي شرف في الدنيا وموعظة من ذكر القرآن ذي ~~الذكر , ثم عطف على قوله { إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد } ما ~~لأضدادهم , فقال مؤكدا ردا على من ينكر ذلك من كفارة العرب وغيرهم : { وإن ~~} ويجوز وهو أحسن ms4291 أن يكون معطوفا على ( هذا ) وتقديره : هذا ذكر للصابرين . ~~| ولما أداهم إليه صبرهم في الدنيا وأن لهم على ما وهبناهم من الأعمال ~~الصالحة التي مجمعها الصبر لمرجعا حسنا , ولكنه أظهر الوصف الذي أداهم إلى ~~هذا المآب تعميما لكل من اقتدى بهم حثا على الاقتداء فقال : { للمتقين } أي ~~جميع العريقين في وصف التقوى الذين يلزمون لتقواهم الصراط المستقيم { لحسن ~~مآب * } أي مصير ومرجع ولما شوق سبحانه إلى هذا الجزاء أبدل منه أو بينه ~~بقوله : { جنات عدن } أي إقامة في استمراء وطيب عيش ونمو وامتلاء وشرف أصل ~~. | ولما كانت من الأعلام الغالبة , نصب عنها على الحال قوله : { مفتحة } ~~أي تفتيحا كثيرا وبليغا من غير أن يعانوا في فتحها شيئا من نصب أو طلب أو ~~تعب , وأشار جعل هذا الوصف مفردا أن تفتحيها على كثرتها كان لهم في آن واحد ~~حتى كأنها باب واحد { لهم } أي لا لغيرهم { الأبواب } التي لها فيها فلا ~~يلحقهم في دخولها ذل الحجاب ولا كلفة الاستئذان , تستقبلهم الملائكة ~~بالتبجيل والإكرام . | < < # | ص : ( 51 - 59 ) متكئين فيها يدعون . . . . . # > > ^ ( متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب * وعندهم قاصرات ~~الطرف أتراب * هذا ما توعدون ليوم الحساب * إن هذا لرزقنا ما له من نفاد * ~~هذا وإن للطاغين لشر مآب * جهنم يصلونها فبئس المهاد * هذا فليذوقوه حميم ~~وغساق * وآخر من شكله أزواج * هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو ~~النار ) ^ } ) | PageV06P394 ولما ذكر إقامتهم ويسر دخولهم , وصف حالهم إذ ~~ذاك فقال : { متكئين فيها } أي ليس لهم شغل سوى النعيم ولا عليهم كلفة أصلا ~~. | ولما كان المتكئ لا يتم نعيمه إلا إن كان مخدوما , دل على سؤودهم بقوله ~~: { يدعون فيها } اي كلما أرادوا من غير مانع أصلا ولا حاجة إلى قيام ولا ~~قعود يترك به الاتكاء . | ولما كان أكلهم إنما هو للتفكه لا لحفظ الجسد من ~~آفة قال : { بفاكهة كثيرة } فسمى جميع مآكلهم فاكهة , ولما كانت الفاكهة لا ~~يمل منها , والشراب لا يؤخذ إلا بقدر الكفاية , وصفها دونه فقال : { وشراب ~~* } . | ولما كان الأكل والشرب ms4292 داعيين إلى النساء لا سيما مع الراحة قال : ~~{ وعندهم } أي لهم من غير مفارقة أصلا . | ولما كان سياق الامتنان مفهما ~~كثرة الممتن به لا سيما إذا كان من العظيم , أتى بجمع القلة مريدا به ~~الكثرة لأنه أشهر وأوضح وأرشق من ( قواصر ) المشترك بين جمع قاصر وقوصرة ~~بالتشديد والتخفيف لوعاء التمر فقال : { قاصرات } ولما كن على خلق واحد في ~~العفة وكمال الجمال وحد فقال : { الطرف } أي طرفهن لعفتهن وطرف أزواجهن ~~لحسنهن , ولما لم تنقص صيغة جمع القلة المعنى , لكونه في سياق المدح ~~والامتنان , وكان يستعار للكثرة , أتى على نمط الفواصل بقوله : { أتراب * } ~~أي على سن واحد مع أزواجهن وهو الشباب , سمي القرين تربا لمس التراب جلده ~~وجلد قرينه في وقت واحد , قال البغوي : بنات ثلاث وثلاثين سنة , لأن ذلك ~~ادعى للتآلف فإن التحاب بين الأقران أشد وأثبت . | ولما ذكر هذا النعيم ~~لأهل الطاعة , وقدم ذلك العذاب لأهل المعصية قال : { هذا } أي الذي هنا ~~والذي مضى { ما } وبني للمفعول اختصارا وتحقيقا للتحتم قوله : { توعدون } ~~من الوعد والإيعاد , وقراءة الغيب على الأسلوب الماضي , ومن خاطب لفت ~~الكلام للتلذيذ بالخطاب تنشيطا لهممهم وإيقاظا لقلوبهم { ليوم الحساب * } ~~أي ليكون في ذلك اليوم . | ولما كان هذا يصدق بأن يوجد ثم ينقطع كما هو ~~المعهود من حال الدنيا , أخبر أنه على غير هذا المنوال فقال : { إن هذا } ~~أي المشار إليه إشارة الحاضر الذي لا يغيب { لرزقنا } أي للرزق الذي يستحق ~~الإضافة إلينا في مظهر العظمة , فلذلك كانت النتيجة : { ما له من نفاد * } ~~أي فناء وانقطاع , بل هو كالماء المتواصل في نبعه , كلما أخذ منه شيء أخلف ~~في الحال بحيث إنه لا يميز المأخوذ من الموجود بوجه من الوجوه , فيكون في ~~ذلك تلذيذ وتنعيم لأهل الجنة بكثرة ما عنده , وبمشاهدة ما كانوا يعتقدونه ~~ويثبتونه لله تعالى من القدرة على الإعادة في كل وقت , جزاء وفاقا عكس ما ~~يأتي لأهل النار . | PageV06P395 ولما كانت النفوس نزاعة للهوى ميالة إلى ~~الردى , فكانت محتاجة إلى مزيد تخويف وشديد تهويل , قال تعالى متوعدا ms4293 لمن ~~ترك التأسي بهؤلاء السادة في أحوال العبادة , مؤكدا لما مضى من إيعاد ~~العصاة وتخويف العتاة : { هذا } أي الأمر العظيم الذي هو جدير بأن يجعل نصب ~~العين وهو أنه لكل من الفريقين ما ذكر وإن أنكره الكفرة , وحذف الخبر بعد ~~إثباته في الأول أهول ليذهب الوهم فيه كل مذهب { وإن للطاغين } أي الذين لم ~~يصبروا على تزيليهم أنفسهم في منازلها بالصبر على ما أمروا به فرفعوا ~~أنفسهم فوق قدرها , وتجاوزوا الحد وعلوا في الكفر به وأسرفوا في المعاصي ~~والظلم وتجبروا وتكبروا فكانوا أحمق الناس { لشر مآب * } أي مصير ومرجع , ~~وأبدل منه أو بينه بقوله : { جهنم } أي الشديدة الاضطرام الملاقية لمن ~~يدخلها بغاية العبوسة والتجهم . | ولما كان اختصاصهم بها ليس بصريح في ~~عذابهم , استأنف التصريح به في قوله : { يصلونها } أي يدخلونها فيباشرون ~~شدائدها . | ولما أفهم هذا غاية الكراهة لها وأنه لا فراش لهم غير جمرها , ~~فكان التقدير : فيكون مهادا لهم لتحيط بهم فيعمهم صليها , سبب عنه قوله : { ~~فبئس المهاد * } أي الفراش هي , فإن الفائدة الفراش تنعيم الجسد , وهذه ~~تذيب الجلد واللحم ثم يعود في الحال كلما ذاب عاد عقوبة لهم ليريهم الله ما ~~كانوا يكذبون به من الإعادة في كل وقت دائما أبدا , كما كانوا يعتقدون ذلك ~~دائما أبدا جزاء وفاقا عكس ما لأهل الجنة من التنعيم والتلذيذ بإعادة كل ما ~~قطعوا من فاكهتها وأكلوا من طيرها , لأنهم يعتقدون الإعادة فنالوا هذه ~~السعادة . | ولما قدم أن لأهل الطاعة فاكهة وشرابا , وكان ما وصف به مأوى ~~العصاة لا يكون إلا عذابا , وكان مفهما لا محالة أن الحرارة تسيل من أهل ~~النار عصارة من صديد وغيره قال : { هذا } أي العذاب للطاغين { فليذوقوه } ~~ثم فسره بقوله : { حميم } أي ماء حار , وأشار بالعطف بالواو إلى تمكنه في ~~كل من الوصفين فقال : { وغساق * } أي سيل منتن عظيم جدا بارد أسود مظلم ~~شديد في جميع هذه الصفات من صديد ونحوه وهو في قراءة الجماعة بالتخفيف اسم ~~كالعذاب والنكال من غسقت عينه , أي سالت , وغسق الشيء , أي امتلأ ms4294 , ومنه ~~الغاسق للقمر لامتلائه وكماله , وفي قراءة حمزة والكسائي وحفص بالتشديد صفة ~~كالخباز والضراب , تشير إلى شدة أمره في جميع ما استعمل فيه من السيلان ~~والبرد والسواد . | ولما كان في النار أجارنا الله منها بعفوه ورحمته ما لا ~~يعد من أنواع العقاب , قال عاطفا على هذا , { وآخر } أي من أنواع المذوقات ~~على قراءة البصريين بالجمع PageV06P396 لأخرى , ومذوق على قراءة غيرهما ~~بالإفراد , وهو حينئذ للجنس , وأخبر عن المبتدأ بقوله : { من شكلة } أي شكل ~~هذا المذوق ولما كان المراد الكثرة في المعذبين وهم الطاغون وفي عذابهم مع ~~افتراقه بالأنواع وإن اتخذ في جنس العذاب , صرح بها في قوله : { أزواج * } ~~أي هم أو هي أو هو , أي جنس عذابهم أنواع كثيرة . | ولما كان مما أفهمه ~~الكتاب في هذا الخطاب أن الطاغين الداخلين إلى جهنم أصناف كثيرة , وكانت ~~العادة جارية بأن الأصناف إذا اجتمعوا كانت محاورات ولا سيما إن كانوا من ~~الطغاة العتاة , تحرك السامع إلى تعرف ذلك فقال تعالى مستأنفا جوابه بما ~~يدل على تقاولهم بأقبح المقاولة وهو التخاصم الناشئ عن التباغض والتدابر ~~الذي من شأنه أن يقع بين الذين دبروا أمرا فعاد عليهم بالوبال في أن كلا ~~منهم يحيل ما وقع به العكس على صاحبه , وذلك أشد لعذابهم : { هذا } أي قال ~~أطغى الطغاة لما دخلوها أولا كما هم أهل له لأنهم ضالون مضلون ورأوا جمعا ~~من الأتباع داخلا عليهم : هذا { فوج } أي جماعة كثيفة مشاة مسرعون . | ولما ~~كانوا يدخلونها من شدة ما تدفعهم الزبانية على هيئة الواثب قال مشيرا ~~بالتعبير بالوصف مفردا إلى أنهم في الموافقة فيه والتسابق كأنهم نفس واحدة ~~: { مقتحم } أي رام بنفسه في الشدة بشدة فجاءة بلا روية كائنا { معكم } . | ~~ولما كالن أهل النار يؤذي بعضهم بعضا بالشهيق والزفير والزحام والدفاع ~~والبكاء والعويل وما يسيل من بعضهم على بعض من القيح والصديد وغير ذلك من ~~أنواع النكد , ولا سيما إن كانوا أتباعا لهم في الدنيا , فصاروا مثلهم في ~~ذلك الدخول في الرتبة , لا يتحاشون عن دفاعهم وخصامهم ونزاعهم , قالوا ms4295 ~~استئنافا : { لا مرحبا } ثم بينوا المدعو عليه فقالوا : { بهم } وهي كلمة ~~واقعة في أتم مواقعها لأنها دالة على التضجر والبغضة مع الصدق في أهل ~~مدلولها الذي هو مصادقة الضيق , مفعل من الرحب مصدر ميمي وهو السعة , أي لا ~~كان بهم راحة , ولذلك عللوا استحقاقهم لهذا الدعاء بقولهم مؤكدين لما كان ~~استقر في نفوسهم وتطاول عليه الزمان من إنكارهم له : { إنهم صالوا النار * ~~} أي ومن صليها صادف من الضيق ما لم يصادفه أحد وآذى كل من جاوره . | < < # | ص : ( 60 - 64 ) قالوا بل أنتم . . . . . # > > ^ ( قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار * ~~قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار * وقالوا ما لنا لا ~~نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار * أتخذناهم PageV06P397 سخريا أم زاغت عنهم ~~الأبصر * إن ذلك لحق تخاصم أهل النار ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان من المعلوم على ما جرت به العوائد أنهم يتأثرون من هذا ~~القول فيحصل التشوق إلى ما يكون من أمرهم هل يجيبونهم أم تمنعهم هيبتهم على ~~ما كانوا في الدنيا , اعلم بما يعلم منه انقطاع الأسباب هناك , فلا يكون من ~~أحد منهم خوف من آخر , فقال مستأنفا : { قالوا } أي الأتباع المعبر عنهم ~~بالفوج لسفولهم وبطون أمرهم : { بل أنتم } أي خاصة أيها الرؤساء { لا مرحبا ~~} وبينوا بقولهم : { بكم } أي هذا الذي دعوتم به علينا أنتم أحق به منا , ~~ثم عللوا قولهم بما أفهم أنهم شاركوهم في الضلال وزادوا عليهم بالإضلال ~~فقالوا : { أنتم } أي خاصة { قدمتموه } أي الاقتحام في العذاب بما ~~أقحتمتونا فيه من أسبابه وقدمتم في دار الغرور من تزيينه { لنا } ولما كان ~~الاقتحام وهو الوثوب أو الدخول على شيء بسرعة كأنها الوثوب ينتهي من إلى ~~استقرارا , وكان الفريقان قد استقروا في مقاعدهم في النار , سببوا عن ذلك ~~قولهم : { فبئس القرار * } أي قراركم . | ولما كان قول الأتباع هذا مفهما ~~لأنهم علموا أن سبب ما وصلوا إليه من الشقاء هو الرؤساء , وكان هذا موجبا ~~لنهاية غيظهم منهم , تشوف السامع لما يكون من أمرهم ms4296 معهم ؟ هل يكتفون بما ~~أجابوهم به أو يكون أمنهم شيء آخر ؟ فاستانف قوله إعلاما بأنهم لم يكتفوا ~~بذلك وعلموا أنهم لا يقدرون على الانتقام منهم : { قالوا } أي الأتباع : { ~~ربنا } أي أيها المحسن إلينا الذي منعنا هؤلاء عن الشكر له { من قدم لنا ~~هذا } أي العذاب بما قدم لنا من الأسباب التي اقتحمناه , وقدموا ذلك ~~اهتماما به وأجابوا الشرط بقولهم : { فزده } أي على العذاب الذي استحقه بما ~~استحققنا به نحن وهو الضلال { عذابا ضعفا } أي زائدا على ذلك مثله مرة أخرى ~~بالإضلال , وقيدوه طلبا لفخامته بقولهم معبرين بالظرف لإفهام الضيق الذي ~~تقدم الدعاء المجاب فيه به ليكون عذابا آخر فهو أبلغ في الأعراف لأن السياق ~~هنا للطاغين وهناك الكافرين { في النار * } أي كائنا فيها , وهذا مثل الآية ~~الأخرى ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا أي مثل عذابنا مرتين ~~. | ولما ذكر من اقتحامهم في العذاب وتقاولهم بما دل على خزيهم وحسرتهم ~~وحزنهم , أعلم بما دل على زيادة خسرانهم وحسرتهم وهوانهم بمعرفتهم بنجاة ~~المؤمنين الذين كانوا يهزؤون بهم ويذلونهم فقال : { وقالوا } أي الفريقان : ~~الرؤساء والأتباع بعد أن قضوا وطرهم مما لم يغن عنهم شيئا من تخاصمهم : { ~~ما } أي أي شيء حصل { لنا } مانعا في أنا { لا نرى } أي في المحل الذي ~~أدخلناه { رجالا } يعنون فقراء PageV06P398 المؤمنين { كنا نعدهم } أي في ~~دار الدنيا { من الأشرار * } أي الأرذال الذين لا خير فيهم بأنهم قد قطعوا ~~الرحم , وفرقوا بين العشيرة وأفسدوا ذات البين , وغيروا الدين بكونهم لا ~~يزالون يخالفون الناس في أقوالهم وأفعالهم , مع ما كانوا فيه من الضعف ~~والذل والهوان وسوء الحال في الدنيا , فيظن أهلها نقص حظهم منه وكثرة ~~مصائبهم فيها لسوء حالهم عند الله وما دروا أنه تعالى يحمي أحباءه منها كما ~~يحي الإنسان عليله الطعام والشراب من يرد به خيرا يصب منه . | ولما كانوا ~~يسخرون من المؤمنين ويستهزئون بهم , وهم ليسوا موضعا لذلك , بل حالهم في ~~جدهم وجدهم في غاية البعد عن ذلك , قالوا مستفهمين , أما على قراءة الحرمين ~~وابن ms4297 عامر وعاصم فتحقيقا , وأما على قراءة غيرهم فتقديرا : { اتخذناهم } أي ~~كلفنا أنفسنا وعالجناها في أخذهم { سخريا } أي نسخر منهم ونستهزئ بهم على ~~قراءة الكسر , ونسخرهم أي نستخدمهم على قراءة الضم , وهم ليسوا أهلا لذلك , ~~بل كانوا خيرا منا فلم يدخلوا هنا لعدم شرارتهم , وكأنهم إلى تجويز كونهم ~~في النار معهم ومنعهم من رؤيتهم أميل , فدلوا على ذلك بتأنيث الفعل ناسبين ~~خفاءهم عنهم إلى رخاوة في أبصارهم على قوتها في ذلك الحين فقالوا : { أم ~~زاغت } أي مالت متجاوزة { عنهم } . | ولما كان تعالى يعيد الخلق في القيامة ~~على غاية الإحكام في أبدانهم ومعانيها فتكون أبصارهم أحد ما يمكن أن تكون ~~وأنفذه { اسمع بهم وابصر يوم يأتوننا فبصرك اليوم حديد } عدوا أبصارهم في ~~الدنيا بالنسبة إليها عدما , فلذلك عرفوا قولهم : { الأبصار * } أي منا ~~التي لا أبصار في الحقيقة سواها فلم نرها وهم فينا ومعنا في النار ولكن ~~حجبهم عنا بعض أوديتها وجبالها ولهبها . | ف { أم } معادلة لجملة السخرية , ~~وقد علم بهاذ التقدير أن معنى الآية إلى إنفصال حقيقي معناه : أهم معنا أم ~~لا ؟ فهي من الاحتباك : أثبت الاتخاذ المذكور الذي يلزمه بحكم العناد بين ~~الجملتين عدم كون المستسخر بهم معهم في النار اولا دليلا على ضده ثانيا , ~~وهو كونهم معهم فيها , وأثبت زيغ الأبصار ثانيا اللازم منه بمثل ذلك كونهم ~~معهم في النار دليلا على ضده أولا وهو كونهم ليسوا معهم , وسر ذلك أن ~~الموضع لتسحرهم ولومهم لأنفسهم , في غلطهم والذي ذكر عنهم أقعد في ذلك . | ~~ولما كان هذا أمرا رائعا جدا زاجرا لمن له عقل فتأمله مجردا لنفسه من الهوى ~~, وكانت الجدود تمنعهم عن التصديق به , كان موضعا لتأكيد الخبر عنه فقال : ~~{ إن ذلك } أي الأمر العظيم الذي تقدم الإخبار به { لحق } أي ثابت لا بد من ~~وقوعه إذا وقع PageV06P399 مضمونة وافق الواقع منه هذا الإخبار عنه , ولما ~~كان أشق ما فيه وأنكأ تخاصمهم جعله هو المخبر به وحده , فقال مبينا له ~~مخبرا عن مبتدإ استنافا تقديره : هو { تخاصم أهل النار * } لأنه ms4298 ما أناره ~~لهم إلا الشر والنكد فسمي تخاصما . | < < # | ص : ( 65 - 70 ) قل إنما أنا . . . . . # > > ^ ( قل إنمآ أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار * رب ~~السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار * قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه ~~معرضون * ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون * إن يوحى إلي إلا ~~أنمآ أنا نذير مبين ) ^ } ) | ولما كانت قد جرت عادتهم عند التخويف أن ~~يقولوا : عجل لنا هذا إن كنت صادقا فينا ادعيت , ومن المقطوع به أنه لا ~~يقدر على ذلك إلا الإله فصاروا كأنهم نسبوه إلى أنه ادعى الإلهية , قال ~~تعالى منبها على ذلك آمرا له بالجواب : { قل } أي لمن يقول لك ذلك : { إنما ~~أنا منذر } أي مخوف لمن عصى , ولم أدع أني إله , ليطلب مني ذلك فإنه لا ~~يقدر على مثله إلا الإله , فهو قصر قلب الموصوف على الصفة , وأفرد قاصرا ~~للصفة في قوله : { وما } وأعرق في النفي بقوله : { من إله } اي معبود بحق ~~لكونه محيطا بصفات الكمال . | ولما كان السياق للتوحيد الذي هو أصل الدين , ~~لفت القول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه وأبين فقال : { إلا الله } وللإحاطة ~~عبر بالاسم العلم الجامع لجميع الأسماء الحسنى ولو شاركه شيء لم يكن محيطا ~~وللتفرد قال مبرهنا على ذلك : { الواحد } أي بكل اعتبار فلا يمكن أن يكون ~~له جزء أو يكون له شبيه محتاجا مكافئا { القهار * } أي الذي يقهر غيره على ~~ما يريد , وهذا برهان على أنه الإله وحده وأن آلهتهم بعيدة عن استحقاق ~~الإلهية لتعددها وتكافئها بالمشابهة واحتياجها . | ولما وصف نفسه سبحانه ~~بذلك , دل عليه بقوله : { رب السماوات } أي مبدعها وحافظها على علوها ~~وسعتها وإحكامها بما لها من الزينة والمنافع , وجمع لأن المقام للقدرة , ~~وإقامة الدليل على تعددها سهل { والأرض } على سعتها وضخامتها وكثافتها وما ~~فيها من العجائب . | ولما كان القائل مخيرا كما قال ابن مالك في الكافية ~~الشافية عند اختلاط العقلاء بغيرهم في إطلاق ما شاء من ( من ) التي أغلب ~~إطلاقها على العقلاء و ( ما ) التي هي بعكس ms4299 ذلك , وكان ربما وقع في وهم أن ~~تمكنه تعالى من العقلاء دون تمكنه من غيرهم لما لهم من الحيل التي يختزون ~~بها عن المحذور , وينظرون بها في عواقب الأمور , أشار إلى أن حكمه فيهم ~~كحكمه في غيرهم من غير فرق بالتعبير عنهم ب ( ما ) التي أصلها وأغلب ~~استعمالها لمن لا يعقل , وسياق العظمة بالوحدانية وآثارها دال على دخولها ~~في PageV06P400 العبادة قطعا فقال : { وما بينهما } أي الخافقين من الفضاء ~~والهواء وغيرهما من العناصر والنبات والحيوانات العقلاء وغيرها , ربي كل ~~شيء من ذلك إيجادا وإبقاء على ما يريد وإن كره ذلك المربوب , فدل ذلك على ~~قهره , وتفرده في جميع أمره . | ولما كان السياق للإنذار , كرر ما يدل على ~~القهر فقال : { العزيز } أي الذي يعز الوصول إليه ويغلب كل شيء ولا يغلبه ~~شيء , ولما ثبت أنه يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء , وكانت دلالة الوصفين ~~العظيمين على الوعيد أظهر من إشعارها بالوعد , كان موضع قولهم , فما له لا ~~يعجل بالهلاك لمن يخالفه فقال : { الغفار * } أي المكرر ستره لما يشاء من ~~الذنوب حلما إلى وقت الماحي لها بالكلية بالنسبة إلى من يشاء من العباد كما ~~فعل مع أكثر الصحابة رضي الله عنهم حيث غفر لهم ما اقترفوه قبل الإسلام . | ~~ولما ثبت بهذا وحدانيته وقدرته ولم يزعهم ذلك عن ضلالهم , ولا ردهم عن ~~عتوهم ومحالهم , مع كونه موجبا لأن يقبل كل أحد عليه ولا يعدل أبدا , قال ~~آمرا له بما ينبهمم على عظيم خطئهم : { قل هو } أي هذا الأمر الذي تلوته ~~عليكم من الأخبار عن الماضي والآتي من القيامة المشتملة على التخاصم ~~المذكور وغيرها والأحكام والمواعظ , فثبت بمضمونه الوحدانية , وتحقق ~~بإعجازه مع ثبوت الوحدانية وتمام القدرة وجميع صفات الكمال أنه كلام الله : ~~{ نبؤا عظيم * } أي خبر يفوت الوصف في الجلال والعظم بدلالة العبارة والصفة ~~لا يعرض عن مثله إلا غافل لا وعي له ولا شيء من رأى . | ولما كانوا يدعون ~~أنهم أعظم الناس إقبالا على الغرائب , وتنقيبا عن الدقائق والجلائل من ~~المناقب , بكتهم بقوله واصفا ms4300 له : { أنتم عنه } أي خاصة لا عن غيره والحال ~~أن غيره من المهملات , ولما كان أكثرهم متهيئا للإسلام والرجوع عن الكفران ~~لم يقل : مدبرون , ولا ( يعرضون ) بل قال : { معرضون * } أي ثابت لكم ~~الإعراض في هذا الحين , وقد كان ينبغي لكم الإقبال عليه خاصة والإعراض عن ~~كل ما عداه لأن في ذلك السعادة الكاملة , ولو أقبلتم عليه بالتدبر لعلمتم ~~قطعا صدقي وأني ما أريد بكم إلا السعادة في الدنيا والآخرة , فبادرتم ~~الإقبلا إلي والقبول لما أقول . | ولما قصر نفسه الشريفة على الإنذار , ~~وكانوا ينازعون فيه وينسبونه إلى الكذب , دل على صدقه وعلى عظيم هذا النبأ ~~بقوله : { ما كان لي } وأعرق في النفي بالتأكيد في قوله : { من علم } أي من ~~جهة أحد من الناس كما تعرفون ذلك من حالي له إحاطة ما { بالملأ } أي الفريق ~~المتصف بالشرف { الأعلى } وهم الملائكة أهل السماوات العلى وآدم وإبليس , ~~وكأن مخاطبة الله لهم كانت بواسطة ملك كما هو أليق بالكبرياء PageV06P401 ~~والجلال , فصح أن المقاولة بين الملأ { إذ } أي حين , ولما أفرد وصف الملأ ~~إيذانا بأنهم في الاتفاق في علو رتبة الطاعة كأنهم شيء واحد , جمع لئلا يظن ~~حقيقة الوحدة فقال : { يختصمون * } أي في شأن آدم عليه السلام , أول خليفة ~~في الأرض بل الخليفة المطلق , لأن خلافه أولاده من خلافته , وفي الكفارات ~~الواقعة من بينه , كما أنه ما كان لي من علم بأهل النار إذ يختصمون , ولا ~~بالخصم الذين دخلوا على داود عليه السلام الذي جعله الله تعالى خليفة في ~~الأرض إذ يختصمون , وقد علمت ذلك علما مطابقا للحق بشهادة الكتب القديمة ~~وأنتم تعلمون أني لم أخالط عالما قط , فهذا علم من أعلام النبوة واضح في ~~أني لم أعلم ذلك إلا بالوحي لكوني رسول الله وعبر هنا بالمضارع - وإن كان ~~قد وقع ومضى من أول الدهر تذكيرا بذلك الحال وإعلاما بما هم فيه الآن من ~~مثله في الدرجات , كما سيأتي قريبا في الحديث القدسي , وعبر في تخاصم أهل ~~النار وهو لم يأت بالماضي تنبيها على أن وقوعه ms4301 مما لا ريب فيه , فكأنه وقع ~~وفرغ منه لأنه قد فرغ من قضائه من لا يرد قضاء , لأنه الواحد فلا شريك له ~~ولا منازع . | ولما كانوا ربما قالوا في تعنتهم : فلعله مثل ما أوحي إليك ~~بعلم ما لم تكن تعلم , يوحي إليك بالقدرة على ما لم تكن تقدر عليه , فتعجل ~~لنا الموت ثم البعث لنرى ما اخبرتنا به من التخاصم مصورا , لعلنا نصدقك ~~فيما أتيت به , قال مجيبا لهم قاصرا للوحي على قصره على النذارة وهي إبلاغ ~~ما أنزل إليه , لا تعجيل شيء مما توعدوا به : { إن } أي ما { يوحى } أي في ~~وقت من الأوقات , وبناه للمفعول لأن ذلك كاف في تنبيههم على موضع الإشارة ~~في أن دعواه إنما هي النبوة لا الإلهية { إلي إلا } ولما كان الوحي قولا ~~قرأ أبو جعفر بكسر { إنما أنا نذير } أي قصري على النذارة لا أنجز ما يتوعد ~~به الله ؛ فإنما مفعول يوحى القائم مقام الفاعل في القراءتين وإن اختلف ~~التوجيهان فالتقدير على قراءة الجماعة بالفتح : إلا الإنذار أو إلا كوني ~~نذيرا , وعلى قراءة الكسر : إلا هذا القول وهو أني لكم كذا { مبين * } أي ~~لا أدع لبسا فيما ابلغه بوجه من الوجوه . | < < # | ص : ( 71 - 74 ) إذ قال ربك . . . . . # > > ^ ( إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت ~~فيه من روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم أجمعون * إلا إبليس ~~استكبر وكان من الكافرين ) ^ } ) | ولما دل على أنه نذير , وأزال ما ربما ~~أوردوه عليه , أتبعه ظرف اختصام الملأ الأعلى , أو بدل ( إذ ) الأولى فقال ~~: { إذ } أي حين { قال } ودل على أنه هذا كله PageV06P402 إحسان إليه ~~وإنعام عليه بذكر الوصف الدال على ذلك , ولفت القول عن التكلم إلى الخطاب ~~لأنه أقعد في المدح وأدل على أنه كلام الله كما في قوله : < # > 77 ( { قل من كان عدوا لجبريل } ) 77 < # > [ البقرة : 97 ] دليلا يوهم أنه ظرف ليوحى أو لنذير فقال : { ربك } أي ~~المحسن إليك بجعلك خير المخلوقين وأكرمهم عليه فإنه أعطاك الكوثر , وهو كل ~~ما ms4302 يمكن أن تحتاج إليه { للملائكة } وهو الملأ الأعلى وإبليس منهم لأنه كان ~~إذ ذاك معهم وفي عدادهم . | ولما كانوا عالمين بما دلهم عليه دليل من الله ~~كما تقدم في سورة البقرة أن البشر يقع منه الفساد , فكانوا يبعدون أن يخلق ~~سبحانه من فيه فساد لأنه الحكيم الذي لا حكيم سواه , أكد لهم سبحانه قوله : ~~{ إني خالق بشرا } أي شخصا ظاهر البشرة لا ساتر له من ريش ولا شعر ولا ~~غيرهما ليكون التأكيد دليلا على ما مضى من مراجعتهم لله تعالى التي أشار ~~إليها بالاختصام , وبين أصله بقوله معلقا بخالق أو بوصف بشر : { من طين * } ~~اجعله خليفتي في الأرض وإن كان في ذلك فساد لأني أريد أن أظهر حلمي ورحمتي ~~وعفوي وغير ذلك من صفاتي التي لا يحسن في الحكمة إظهارها إلا مع الذنوب ( ~~لو لم تذنبوا فتسغفروا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) قال ~~القشيري : وإخباره للملائكة بذلك يدل على تفخيم شأن آدم عليه السلام لأنه ~~خلق ما خلق من الكونين والجنة والنار والعرش والكرسي والملائكة , ولم يقل ~~في صفة شيء منها ما قاله في صفة آدم عليه السلام وأولاده , ولم يأمر ~~بالسجود لشيء غيره . | ولما أخبرهم سبحانه بما يريد أن يفعل , سبب عنه قوله ~~: { فإذا سويته } أي هيأنه بإتمام خلقه لما يراد منه من قبول الروح وما ~~يترتب { ونفخت فيه من روحي } فصار حساسا متنفسا , سبه سبحانه إفاضته الروح ~~بما يتأثر عن نفخ الإنسان من لهب النيران , وغير ذلك من التحريك والإسكان , ~~والزيادة والنقصان , وأضافة سبحانه إليه تشريفا له , { فقعوا له } أي خاصة ~~{ ساجدين * } أي اسجدوا له للتكرمة امتثالا لأمري سجودا هو بغاية ما يكون ~~من الطواعية والاختيار والمحبة لتكونوا كأنكم وقعتم بغير اختيار , ففعلوا ~~ما أمرهم به سبحانه من غير توقف , ولذلك ذكر فعلهم مع جواز تأنيثه فقال : { ~~فسجد } أي عند ما نفخ فيه الروح { الملائكة } على ما أمرهم الله , ولما كان ~~إسناد الخبر إلى الجميع قد يراد به أكثرهم , أكد بقوله : { كلهم } إرادة ~~لرفع المجاز . | ولما ms4303 كان لا يقدح في ذلك واحد مثلا أو قليل لا يعبأ بهم ~~لضعف أو نحوه , رفع PageV06P403 ذلك بقوله : { أجمعون * } مع إفادة أن ~~السجود كان في آن واحد إعلاما بشدة انقيادهم , وحسن تأهبهم للطاعة ~~واستعدادهم , ثم زاد في إيضاح العموم بالاستثناء الذي هو معياره فقال : { ~~إلا إبليس } عبر عنه بهذا الاسم لكونه من الإبلاس وهو انقطاع الرجاء إشارة ~~إلى أنه في أول خطاب الله له بالإنكار عليه على كيفية عدم منها تأبد الغضب ~~عليه وتحتم العقوبة له . | ولما عرف بالاستثناء أنه لم يسجد , وكان مبنى ~~السورة على استكبار الكفرة بكونهم في عزة وشقاق , بين أن المانع له من ~~السجود الكبر تنفيرا عنه مقتصرا في شرح الاختصام عليه وعلى ما يتصل به فقال ~~: { استكبر } أي طلب أن يكون أكبر من أن يؤمر بالسجود له وأوجد الكبر على ~~أمر الله , وكان من المستكبرين العريقين في هذا الوصف كما استكبرتم أيها ~~الكفرة على رسولنا , وسنرفع رسولنا صلى الله عليه وسلم كما رفعنا آدم صفينا ~~عليه السلام على من استكبر عن السجود له , ونجعله خليفة هذا الوجود كما ~~جعلنا آدم عليه السلام , وأشرنا إلى ذلك في هذه السورة بافتتاحها بخليفة ~~أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر كل من أحوالهما . | ولما كان الفعل ~~الماضي ربما أوهم أنه حدث فيه وصف لم يكن , وكان التقدير : فكفر بذلك , ~~عطفا عليه بيانا لأنه جبل على الكفر ولم يحدث منه إلا ظهور ذلك للخلق قوله ~~: { وكان } أي جبلة وطبعا { من الكافرين * } أي عريقا في وصف الكفر الذي ~~منشؤه الكبر على الحق المستلزم للذل للباطل , فالآية من الاحتباك : ذكر فعل ~~الاستكبار أولا , دليلا على فعل الكفر ثانيا ووصف الكفر ثانيا دليلا على ~~وصف الاستكبار أولا , وسر ذلك أن ما ما ذكره أقعد في التحذير بأن من وقع ~~منه كبر جره إلى الكفر . | < < # | ص : ( 75 - 80 ) قال يا إبليس . . . . . # > > ^ ( قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من ~~العالين * قال أنا خير منه خلقتني من نار ms4304 وخلقته من طين * قال فاخرج منها ~~فإنك رجيم * وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين * قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ~~* قال فإنك من المنظرين ) ^ } ) | ولما كان من خالف أمر الملك جديرا بأن ~~يحدث إليه أمر ينتقم , فتشوف السامع لما كان من الملك إليه , استأنف البيان ~~لذلك بقوله : { قال } وبين أنه بمحل البعد بقوله : { يا } وبين يأسه من ~~الرحمة , وأنه لا جواب له اصلا بتعبيره بقوله : { إبليس ما } أي , أي شيء { ~~منعك أن تسجد } وبين ما يوجب طاعته ولو أمر بتعظيم ما لا يعقل بقوله معبرا ~~بأداة ما لا يعقل عمن كان عند السجود له عاقلا كامل العقل : { لما خلقت } ~~فأنا العالم به وبما يستحقه دون غيري , وما أمرت بالسجود له إلا لحكمة في ~~الأمر PageV06P404 وابتلاء للغير , وأكد بيان ذلك بذكر اليد وتثنيتها فقال ~~: { بيدي } أي من غير توسط سبب من بين هذا النوع وما ذاك إلا لمزيد اختصاص ~~, والمراد باليد هنا صفة شريفة غير النعمة والقدرة معلومة له سبحانه ولمن ~~تبحر في علمي اللغة والسنة , خص بها خلق آدم عليه السلام تشريفا له وفي ~~تثنية اليد إشارة إلى أنه ربما أظهر فيه معاني الشمال وإن كان كل من يديه ~~مباركا , ثم قسم المانع إلى طلب العلو ووجود العلو مع الإنكار عليه في ~~الاستناد إلى شيء منهما , فقال في صيغة استفهام التقرير مع الإنكار ~~والتقريع , بيانا لأنه يلزمه لا محالة زيادة على ما كفر به أن يكون على أحد ~~هذين الأمرين : { أستكبرت } أي طلبت أن تكون أعلى منه وأنت تعلم أنك دونه ~~فأنت بذلك ظالم , فكنت من المستكبرين العريقين في وصف الظلم , فإن من اجترأ ~~على أدناه أوشك أن يصل إلى أعلاه { أم كنت } أي مما لك من الجبلة الراسخة { ~~من العالين * } أي الكبراء المستحقين للكبر وأنا لا أعلم ذلك فنقصتك من ~~منزلتك فكنت جائرا في أمري لك بما أمرتك به , فلذلك علوت بنفسك فلم تسجد له ~~, هذا المراد لا ما يقوله بعض الملاحدة من أن العالين جماعة من الملائكة لم ms4305 ~~يسجدوا لأنهم لم يؤمروا لأن ذلك قدح في العموم المؤكد هذا التأكيد العظيم , ~~وفي تفسير العلماء له من غير شبهة , والآية من الاحتباك ؛ دل فعل الاستكبار ~~أولا على فعل العلو ثانيا , على وصف الاستكبار أولا , وسر ذلك ان إنكار ~~الفعل المطلق مستلزم لإنكار المقيد لأنه المطلق بزيادة , وإنكار الوصف ~~مستلزم لإنكار الفعل لأنه جزوه مع أن إنكار الفعل من هذا مستلزم لأنكار ~~الفعل من ذاك , فيكون كل من الفعلين مدلولا على إنكاره مرتين : تارة بإنكار ~~من فعل العلو و ( أم ) معادلة لهمزة الاستفهام وإن حذفت من قراءة بعضهم ~~لدلالة ( أم ) عليها وإن اختلف الفعل , قال أبو حيان : قال سيبويه : تقول : ~~أضربت زيدا أم قتلته , فالبدء هنا بالفعل أحسن لأنك إنما تسأل عن أحدهما لا ~~تدري أيهما كان , ولا تسأل عن موضع أحدهما كأنك قلت : أي ذلك كان انتهى . | ~~ولما صدعه سبحانه بهذا الإنكار , دل على إبلاسه بقول مستأنفا : { قال } ~~مدعيا لأنه من العالين : { أنا خير منه } أي فلا حكمة في أمري بالسجود له , ~~ثم بين ما ادعاه بقوله : { خلقتني من نار } أي وهي في غاية القوة والإشراق ~~{ وخلقته من طين * } أي وهو في غاية الكدورة والضعف , واستؤنف بيان ما حصل ~~التشوف إليه من علم جوابه بقوله معرضا عن القدح في جوابه لظهور سقوطه بأن ~~المخلوق المربوب لا اعتراض له على ربه بوجه : { قال فاخرج } أي بسبب تكبرك ~~ونسبتك الحكيم الذي لا اعتراض عليه PageV06P405 إلى الجور { منها } أي من ~~الجنة محل الطهر عن الأدواء الظاهرة والباطنة , ثم علل ذلك بقوله مؤكدا ~~لأجل ادعاء أنه أهل لأقرب القرب : { فإنك رجيم * } أي مستحق للطرد والرجم ~~وهو الرمي بالحجارة الذي هو للمبالغة في الطرد . | ولما كان الطرد قد يكون ~~في وقت يسير , بين أن دائم بقوله , مؤكدا إشارة إلى الإعلام بما في نفسه من ~~مزيد الكبر : { وإن عليك } أي خاصة . | ولما كان السياق هنا للتكلم في غير ~~مظهر العظمة لم يأت بلام الكلام بخلاف الحجر فقال : { لعنتي } أي إبعادي مع ~~الطرد والخزي والهوان والذل ms4306 مستعل ذلك عليك دائما قاهرا لك لا تقدر على ~~الانفكاك عنه بوجه , وأما غيرك فلا يتعين للعن بل يكون بين الرجاء والخوف ~~لا علم للخلائق بأنه مقطوع بلعنة ما دام حيا إلا من أخبر عنه نبي من ~~الأنبياء بذلك , ثم غيى هذا اللعن بقوهب : { إلى يوم الدين * } أي فإذا جاء ~~ذلك اليوم أخذ في المجازاة لكل عامل بما عمل ولم يبق لمذنب وقت يتداركفيه ~~ما فاته , وحينئذ يعلم أهل الاستحقاق للعن كلهم , ولم يبق علم ذلك خاصا ~~بإبليس , بل يقع العلم بجميع أهل اللعنة , فالغاية لعلم الاختصاص باللعن لا ~~للعن . | ولما كان ذلك , تشوف السامع إلى ما كان منه فأخبر سبحانه به في ~~سياق معلم أنه منعه التوفيق فلم يسأل التخفيف ولا عطف نحو التوبة , بل ~~أدركه الخذلان بالتمادي في الطغيان , فطلب ما يزداد به لعنة من الإضلال ~~والإعراق في الضلال ضد ما أنعم به على آدم عليه السلام , فقال ذاكرا صفة ~~الإحسان والتسبيب لسؤال الإنظار لما جرأه عليهما من ظاهر العبارة في أن ~~اللعنة مغباة بيوم الدين : { قال رب } أي أيها المحسن إلي بإيجادي وجعلني ~~في عداد الملائكة الكرام { فأنظرني } أي بسبب ما عذبتني به من الطرد { إلى ~~يوم يبعثون * } أي آدم وذريته الذين تبعثهم ببعث جميع الخلائق : { قال } ~~مؤكدا لأن مثل ذلك في خرقه للعادة لا يكاد يتصور : { فإنك } أي بسبب هذا ~~السؤال { من المنظرين * } وهذا يدل أن مثل هذا الإنظار لغيره أيضا . | < < # | ص : ( 81 - 88 ) إلى يوم الوقت . . . . . # > > ^ ( إلى يوم الوقت المعلوم * قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك ~~منهم المخلصين * قال فالحق والحق أقول * لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين * قل مآ أسألكم عليه من أجر ومآ أنآ من المتكلفين * إن هو إلا ذكر ~~للعالمين * ولتعلمن نبأه بعد حين ) ^ } ) | ولما دبج في عبارته بما يقتضي ~~السؤال في أن لا يموت , فإن يوم البعث ظرف لفيض الحياة لا لغيضها ولبسطها ~~لا لقبضها , منعه ذلك بقوله : { إلى يوم الوقت } ولما PageV06P406 كان ~~تدبيجه في السؤال قد أفهم تجاهله بما ms4307 هو أعلم الخلق به من تحتم الموت لكل ~~من لم يكن في دار الخلد الذي أبلغ الله تعالى في الإعلام به , قال : { ~~المعلوم * } وهو الصعقة الأولى وما يتبعها . | ولما كانت هذه الإجابة سببا ~~لأن يخضع وينيب شكرا عليها , وأن يطغى ويتمرد ويخيب لأنها تسليط , وتهيئة ~~للشر , فاستشرف السامع إلى معرفة ما يكون من هذين المسببين , عرف أنه منعه ~~الخذلان من اختيار الإحسان بقوله : { قال فبعزتك } أي التي أبت أن يكون ~~لغيرك فعل لا بغير ذلك , ويجوز أن تكون الباء للقسم { لأغوينهم } أي ذرية ~~آدم عليه السلام { أجمعين * } قال القشيري : ولو عرف عزته لما أقسم بها على ~~مخالفته . | ولما كان عالما بأن القادر ما خلق آدم عليه السلام وشرفه بما ~~شرفه به ليشقي ذريته كلهم قال : { إلا عبادك } فأضافهم إليه سبحانه تنبيها ~~على أن غيرهم قد انسلخوا من التشرف بعبوديته بالنسبة إلى من أطاعوه . | ~~ولما كان يمكن أن يكون المستثنى , من غير البشر قيد قوله : { منهم المخلصين ~~* } أي الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته فأخلصوا قصدهم لها , وعرف من ~~الاستثناء أنهم قليل وأن الغواة هم الأصل . | ولما حصل التشوف إلى جوابه , ~~دل عليه بقوله : { قال فالحق } أي فبسبب إغوائك وغوايتهم أقول الحق { والحق ~~} أي لا غير أبدا { أقول * } أي لا أقول إلا الحق , فإن كل شيء قلته ثبت , ~~فلم يقدر أحد على نقضه ولا نقصه . | ولما كانت إجابته بالإنظار ربما كانت ~~سببا لطعمه في الخلاص , قطع رجاءه بما أبرزه في أسلوب التأكيد من قوله ~~جوابا لقسم مقدر وبيانا للحق , وفي قراءة عاصم وحمزة برفع { فالحق } يكون ~~هو المقسم به أي فالحق قسمي , والجواب { لأملأن } وما بينهما اعتراض مبين ~~أن هذا مما لا يخلف اصلا { جهنم } أي النار العظيمة التي من شأنها تجهم من ~~حكم بدخوله إياها { منك } أي نفسك وكل من كان على شاكلتك من جنسك من جميع ~~الجن { وممن } . | ولما كان الأغلب على سياقات هذه السورة العاقبة , كان ~~توحيد الضمير في { تبع } أولى , وليفهم الحكم على كل فرد ثم الحكم على ms4308 ~~المجموع فقال : { تبعك } ولما كان ربما قال متعنت : إن المالئ لجهنم من غير ~~البشر قال : { منهم } أي الناس الذين طلبت الإمهال لأجلهم , وأكد ضمير { ~~منك } والموصول في { ممن } بقوله : { أجمعين } لا تفاوت في ذلك بين أحد ~~منكم , وهذا الخصام الذي بين سبحانه أنه كان بين بين الملأ الأعلى كان سببا ~~لهم إلى انكشاف علوم كثيرة منها أن السجود والتحيات PageV06P407 والاستغفار ~~والكفارات سبب الوصول إلى الله والقربات , فصاروا بعد ذلك يختصمون فيها , ~~فكانت هذه القضية سببا لاطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على أسرار الملك ~~والملكوت , وإلى ذلك الإشارة بالحديث الذي رواه أحمد والترمذي وقال : حسن ~~غريب والدارمي والبغوي في تفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال ( إني نعست فاستثقلت نوما فأتاني ربي ) وفي رواية ( آت ~~من ربي في أحسن صورة , فقال لي يا محمد , قلت : لبيك ربي وسعديك , قال : هل ~~تدري فيم يختصم الملأ الأعلى , فقلت لا يا رب ) وفي رواية ( قلت : أنت أعلم ~~أي رب مرتين قال : فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي أو قال : ~~نحري فعلمت ما في السماوات وما في الأرض ) وفي رواية ( ما بين المشرق ~~والمغرب ) وفي رواية الدارمي والبغوي ( ثم تلا هذه الآية { وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين } قال : يا محمد ! هل ~~تدري فيم يختصم الملأ الأعلى , قلت : نعم , في الدرجات والكفارات , قال : ~~وما هن ؟ قلت : المكث في المساجد بعد الصلوات , والمشي على الأقدام إلى ~~الجماعات , وإسباغ الوضوء في المكاره ) وفي رواية ( في السبرات وانتظار ~~الصلاة بعد الصلاة قال : من فعل ذك عاش بخير ومات بخير , وكان من خطيئته ~~كيوم ولدته أمه , وقال : يا محمد , قلت : لبيك وسعديك , قال : إذا صليت فقل ~~) اللهم إني أسالك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي ~~وترحمني , وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون ( قال ) والدرجات ~~إفشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام ( قال المنذري : ~~الملأ الأعلى : الملائكة المقربون , والسبرات بفتح ms4309 السين المهملة وسكون ~~الباء الموحدة : جمع سبرة , وهي شدة البرد , وعزاه شيخنا في تخريج أحاديث ~~الفردوس إلى أحمد والترمذي عن معاذ رضي الله عنه أيضا وقال : وفي الباب عن ~~ثوبان رضي الله عنه عند أحمد بن منيع وعن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري , ~~وأبي رافع وأبي أمامة وأبي عبيدة وأسامة وجابر بن سمرة وجبير بن مطعم ~~وأسامة بن عمير وأنس رضي الله عنهم عند أحمد , فهذا اختصام سبب العلم ~~بتفاصيله الاختصام الأول وهو ما شأن آدم عليه السلام وذريته , والعلم ~~الموهوب لمحمد صلى الله عليه وسلم بسبب السؤال عن هذا الاختصام كالعلم ~~الموهوب لأبيه آدم عليه عليه السلام بسبب ذك الاختصام , وهذا الاختصام ~~والله أعلم هو اختلافهم في مقادير جزاء العاملين من الثواب المشار إليه ~~PageV06P408 بالدرجات الحامل عليها العقل الداعي إلى أحسن تقويم , والعقاب ~~المشار إليه بالكفارات الداعي إلى أسبابها الوساس الشيطانية الرادة إلى ~~أسفل سافلين التي سأل إبليس الإنظار لأجلها , وسبب اختلافهم في مقادير ~~الجزاء اختلاف مقادير الأعمال الباطنة من صحة النيات وقة العزائم وشدة ~~المجاهدات ولينها على حسب دواعي الحظوظ والشهوات التي كان سبب علمهم بهذا ~~الاختصام في أمر آدم عليه السلام وما نشأ عنه تفصيله بأمور دقيقة المأخذ ~~المظهرة لأن الفضل في ذلك اختصاما دلالة على عظمة ما تقاولوا فيه , لأن ~~الخصومة لا تكون إلا بسبب أمر نفيس , فالمعنى أن الملائكة كل واحد منهم ~~مشغول بما أقيم فيه من الخدمة , فليس بينهم تقاول يكون بغاية بغاية الجد ~~والرغبة كما هو شأن الخصام إلا في هذا لشدة عجبهم منه لما يعملون من صعوبة ~~هذه الأمور على الآدمي لما عنده من الشواغل والصوارف عنها بما وهبهم الله ~~من العلم جزاء لانقيادهم للطاعة بالسجود بعد ذلك الخصام فنزوع الآدمي عن ~~صوارفه وحظوظه إلى ما للملائكة من الصفوف في الطاعة والإعراض أصلا عن ~~المعصية غاية في العجب , وعلمه صلى الله عليه وسلم لما في السماوات وما في ~~الأرض علم عام لما كان في حين الرؤيا ظهر له به ملكوتهما , ونسبة ذلك ms4310 كله ~~إلى علم الله تعالى كالنسبة التي ذكرها الخضر لموسى عليهما السلام وفي نفرة ~~العصفور من البحر , والذي ذكره العلماء في ذلك أنه تقريب للإفهام فإنه لا ~~نسبة في الحقيقة لعلم أحد من علمه تعالى ولا بنقص علمه أصلا سبحانه عما يلم ~~بنقص أو يدني إلى وهن < # > 77 ( { قل لو كان البحر مدادا } ) 77 < # > [ الكهف : 109 ] < # > 77 ( { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام } ) 77 < # > [ لقمان : 27 ] < # > 77 ( { يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا } ) 77 ~~< # > ويقال للنبي صلى الله عليه وسلم في ناس اختلجوا دونه عن حوضه ( إنك لا ~~تدري ما أحدثوا بعدك ؟ فيقول : فسحقا سحقا ) . | ولما تم ما أراد من الدليل ~~على أن ما ذكره لهم نبأ عظيم هم عنه معرضون بما أخبر به من الغيب مع ما له ~~من الإعجاز , فثبت بذلك ما اقتضى أنه صادق في نسبته إلى الله تعالى , وختم ~~بالتحذير من اتباع إبليس , أمره بالبراءة من طريقه وأن ينفي عن نفسه ما قد ~~يحمل على التقول بقوله : { قل } أي لأمتك : { ما أسئلكم } سؤالا مستعليا , ~~وعلق به لا ( بأجر ) قوله : { عليه } أي على التبليغ والإنذار مما أنتم ~~متعرضون له من الهلاك بالإعراض , فأداة الاستعلاء للاحتراز عن سؤال المودة ~~في القربى وحسن الاتباع PageV06P409 فإنهما مسؤولان وهما روح الدين , ولكن ~~سؤالهما ليس مستعليا على الإبلاغ بحيث إنهما لو انتفيا انتفى , وأعرق في ~~النفي بقوله : { من أجر } أي فيكون لكم في الرد شبهة { وما أنا من ~~المتكلفين * } أي المتحلين بما ليسوا من أهله من قول ولا فعل , الذين ~~يكلفون أنفسهم تزوير الكلام والتصنع فيه وترتيبه على طريق من الطرق بنظم أو ~~نثر سجع أو خطب أو غير ذلك , أو وضع أنفسهم في غير مواضعها , كما فعل إبليس ~~, لست منهم بسبيل ولا أعد في عدادهم بوجه , لا أفعل أفعالهم ولا أحبهم ولا ~~أتعصب لهم , فهو أبلغ من ( وما أنا متكلفا ) قد عرفتموني طول عمري كذلك , ~~ومن المعلوم أن ذلك لو كان في غريزتي لما ms4311 كففت عنه طول زماني النمو من ~~الصبي والشباب اللذين توجد فيهما الغرائز ولا توجد بعدهما , فإذا ثبت أن ~~ذلك لم يكن لي إذ ذاك ثبت أنه متعذر بعده , لما تقرر من أنه لا توجد غريزة ~~بعد الوقوف عن النمو في سن الثلاث والأربعين , فإذا علم أني لست كذلك علم ~~أني مأمور بما أنا فيه من القول والفعل , فأنا من المكلفين لا المتكلفين , ~~فكل من قال أو فعل ما لم يؤمر به فهو متكلف , وروى الثعلبي بسنده من حديث ~~سلمة بن نفيل رضي الله عنه مرفوعا والبيهقي في الشعب من قول علي بن أرطاة ~~وأبو نعيم في الحلية من قول وهب : علامة المتكلف ثلاث : ينازع من فوقه , ~~ويتعاطى ما لا ينال , ويقول ما لا يعلم . | ولما أثبت المقتضيات لأنه من ~~عند الله وأزال الموانع , بين حقيقته التي لا يتعداها إلى ما نسبوه إليه ~~بقوله : { إن } أي ما { هو إلا ذكر } أي عظة وشرف { للعالمين * } أي كلهم ~~يفهم كل فرد ما تحتمله قواه ذكيا كان أو غبيا على ما هو عليه من العلو الذي ~~لا يدانيه فيه كلام بخلاف الشعر والكهانة التي محطها السجع والكذب في ~~الإختبار ببعض المغيبات , فإنهما مع سفول رتبتهما لا يفهمهما من العالمين ~~إلا ذاك وذاك . | ولما كان التقدير : أنا عالم بذلك , عطف عليه قوله جوابا ~~لقسم : { ولتعلمن } أي أنتم أيضا { نبأه } أي صدقي في جميع ما أنبأتكم به ~~فيه عنه من الأخبار العظيمة وفيما أشار إليه افتتاح هؤلاء الأنبياء ~~المذكورين في هذه السورة بخليفة وختامهم بخليفة من أن عزتكم تصير إلى ذل ~~وشقاقكم يصير إلى مسالمة وألفة , وكثرتكم تصير إلى قل , وأن ما أنا فيه ~~الآن يفضي بي إلى خلافة الله في أرضه , وأن أوسط أمري يصير إلى مثل خلافة ~~الأول في جميع جزيرة العرب التي هي أرض المسجد الأعظم الذي هو قبل المسجد ~~الأقصى الذي هو محل خلافته , ثم يزاد أمر خلافتي في سائر البلاد ولا يزال ~~حتى يعم الأرض بطولها والعرض على يد ابنه عيسى ms4312 عليه السلام خاتمة أكابر ~~أتباعي وأنصاري PageV06P410 وأشياعي , وترك الجار إعلاما باستغراق العلم ~~لزمان البعد فقال : { بعد حين * } أي مبهم عندكم معلوم لي في الدنيا إذا ~~ظهر عبادي عليكم وفي الآخرة مطلقا , وإنما أخروا إلى هذا الحين ليبلغ في ~~الإعذار إليهم فتنقطع حججهم وتتناهى ذنوبهم التي يستحقون الأخذ بها , ولقد ~~والله علموا ذلك ثم ندموا من مات منهم ومن عاش قبل مضي عشرين سنة من إعلاء ~~كلمته وإظهار رسالته وإتمام دينه , واستمر العلم لهم ولمن بعدهم بما بث فيه ~~من العلوم , وجمع فيه من شريف الرسوم , وأظهر مما تقدم الوعد به فيه إلى ~~هذا الزمان , وإلى أن ينفى كل فان , ثم يبعثوا إلى الجنان أو النيران , فقد ~~أثبتت هذه الآية من كون القرآن ذكرا ما أثبتته أول آية فيها على أتم وجه مع ~~زيادة الوعيد , فانعطف الآخر على الأول , واتصل به أحسن اتصال وأجمل , ونظر ~~إلى أول الزمر اعظم نظر وأكمل , فلله در هذا الانتظام , فهو لعمري أضوأ من ~~شمس الضحى وأتم من بدر التمام , فسبحان من أنزله و - أجمله وفصله , وفضله ~~وشرفه وكرمه والله أعلم . | . . . | PageV06P411 < # > سورة الزمر < # > مقصودها الدلالة على أنه سبحانه وتعالى صادق الوعد ، , أنه غالب لكل ~~شيء ، فلا يعجل لأنه لا يفوته شيء ، ويضع الأشياء في أوفق محالها يعرف ذلك ~~أولو الألباب المميزون بين القشر واللباب ، وعلى ذلك دلت تسميتها الزمر ~~لأنها إشارة إلى أنه أنزل كلا من المحشورين داره المعدة له بعد الإعذار في ~~الإنذار ، والحكم بينهم بما استحقته أعمالهم ، عدلا منه سبحانه في أهل ~~النار ، وفضلا على المتقين الأبرار ، وكذا تسميتها { تنزيل } لمن تأمل ~~آيتها ، وحقق عبارتها وإشارتها ، وكذا { الغرف } ، لأنها إشارة إلى حكمه ~~سبحانه في الفريقين أهل الظلل النارية والغرف النورية ، تسمية للشيء بأشرف ~~جزئيه ، فالقول فيها كالقول في الزمر سواء ، ويزيد أهل الغرف ختام آيتهم { ~~وعد الله لا يخاف الله الميعاد } { بسم الله } الذي تمت كلمته فع أمره { ~~الرحمن } الذي وضع ، رحمته العامة أحكم وضع فدق لذي الأفهام سره { الرحيم } ~~الذي خص أولياءه بالتوفيق ms4313 لطاعته فعمهم بره . < < # | الزمر : ( 1 - 3 ) تنزيل الكتاب من . . . . . # > > ^ ( تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إنآ أنزلنآ إليك الكتاب ~~بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين * ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من ~~دونه أوليآء ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ~~ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ) ^ } ) | لما تبين من ~~التهديد في ص أنه سبحانه قادر على ما يريد , ثم ختمها بأن القرآن ذكر ~~للعالمين , وأن كل ما فيه لا بد أن يرى لأنه واقع لا محالة لكن من غير عجلة ~~, فكانوا ربما قال متعنتهم : ما له إذا كان قادرا لا يعجل ما يريده بعد حين ~~, علل ذلك بأنه { تنزيل } أي بحسب التدريج لموافقة المصالح في أوقاتها ~~وتقريبه للأفهام على ما له من العلو حتى صار ذكرا للعالمين , ووضع موضع ~~الضمير قوله : { الكتاب } للدلالة على PageV06P412 جمعه لكل صلاح , أي لا ~~بد أن يرى جميع ما فيه لأن الشأن العظيم إنزاله على سبيل التنجيم للتقريب ~~في فهمه وإيقاع كل شيء منه في أحسن أوقاته من غير عجلة ولا توان , ثم أخبر ~~عن هذا التنزيل بقوله : { من الله } أي المتصف بجميع صفات الكمال { العزيز ~~} فلا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء { الحكيم * } الذي يضع الأشياء في محالها ~~التي هي أوفق لها , فلكونه منه لا من غيره كان ذكرا للعالمين , صادقا في كل ~~ما يخبر به , حكيما في جميع أموره . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ~~لما بنيت سورة ص على ذكر المشركين وعنادهم وسوء ارتكابهم واتخاذهم الأنداد ~~والشركاء , ناسب ذلك ما افتتحت به سورة الزمر من الأمر بالإخلاص الذي هو ~~نقيض حال من تقدم , وذكر ما عنه يكون وهو الكتاب , فقال تعالى { تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز الحكيم } { إنا أنزلناه إليك الكتاب بالحق فاعبد من ~~دونه أولياء } الآية في معرض أن لو قيل : عليك بالإخلاص ودع من أشرك ولم ~~يخلص , فسترى حاله , وهل ينفعهم اعتذارهم بقولهم { ما نعبدهم إلا ليقربونا ~~إلى ms4314 الله زلفى } وهؤلاء هم الذين بنيت سورة ص على ذكرهم , ثم وبخهم الله ~~تعالى وقرعهم فقال { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى } الآية , فنزه نفسه ~~من عظيم مرتكبهم بقوله سبحانه { هو الله الواحد القهار } ثم ذكر بما فيه ~~أعظم شاهد من خلق السماوات والأرض وتكوير الليل على النهار وتكوير النهار ~~على الليل وذكر آيتي النهار والليل ثم خلق الكل من البشر من نفس واحدة , ~~وهي نفس آدم عليه السلام , ولما حرك تعالى إلى الاعتبار بعظيم هذه الآيات ~~وكانت أوضح شيء وأدل شاهد , عقب ذلك بما يشير إلى معنى التعجب من توقفهم ~~بعد وضوح الدلائل , ثم بين تعالى أنه غني من الكل بقوله { إن تكفروا فإن ~~الله غني عنكم } ثم قال { ولا يرضة لعباده الكفر } فبين أن من اصطفاه وقربه ~~واجتباه من العباد لا يرضى له بالكفر , وحصل من ذلك مفهوم الكلام أن الواقع ~~من الكفر إنما وقع بإرادته ورضاه لمن ابتلاه به ثم أنس من آمن ولم يتبع ~~سبيل الشيطان وقبيلته من المشار إليهم في السورة قبل فقال تعالى { ولا تزر ~~وازرة وزر أخرى } < # > 77 ( { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم } ) 77 < # > [ الأسراء : 7 ] { ولا تكسب كل نفس إلا عليها } ثم تناسجت الآي والتحمت ~~الجمل إلى خاتمة السورة انتهى . | ولما أخبر أنه من عنده , علل ذلك بما ثبت ~~به جميع ما مضى من الخير , فقال صارفا القول عن الغيبة منبها على زيادة ~~عظمته بذكر إنزاله ثانيا , مبرزا له أسلوب العظمة مختبرا أنه خص به أعظم ~~خلقه , معبرا بالإنزال الظاهر في الكل تجوزا عن PageV06P413 الحكم الجازم ~~الذي لا مرد له : { إنا } أي على ما لنا من العظمة { أنزلنا } أي بما لنا ~~من العظمة , وقرن هذه العظمة بحرف الغاية المقتضي للواسطة إشارة إلى أن هذا ~~كان في البداية بدلالة اتباعه بالأمر بالعبادة , بخلاف ما يأتي في هذه ~~السورة فإنه للنهاية بصيرورته خلقا له صلى الله عليه وسلم , فكان بحرف ~~الاستعلاء أنسب دلالة على أن ثقله الموجب لتفطر القدم وسبب اللمم خاص به ~~صلى ms4315 الله عليه وسلم , ومن قرب منه ويسره وسهولته لأمته فقال : { إليك } أي ~~خاصة بواسطة الملك , لا يقدر أحد من الخلق أن يدعي مشاركتك في شيء من ذلك , ~~فتكون دعواه موجبة لنوع من اللبس , وأظهر موضع الإضمار تفخيما بالتنبيه على ~~ما فيه من جمع الأصول والفروع واللطائف والمعارف { الكتاب } أي الجامع لكل ~~خير مع البيان القاطع والحكم الجازم بالماضي والآتي , والكائن , متلبسا { ~~بالحق } وهو مطابقة الواقع لجميع أخباره , فالواقع تابع لأخباره , لا يرى ~~له خبر إلا طابقه مطابقة لاخفاء بشيء منها , لا حيلة له ولا لباس إلا الحق ~~, فلا دليل على كونه من عنده من ذلك , فليتبعوا خبره , ولينظروا عينه وأثره ~~. | ولما ثبت بهذا أنه خصه سبحانه بشيء عجز عنه كل أحد , ثبت أنه سبحانه ~~الإله وحده , فتسبب عن ذلك قوله لفتا للقول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه ~~بلخط جميع صفات الكمال لأجل العبادة تعظيما لقدرها لأنها المقصود بالذات : ~~{ فاعبد الله } أي الحائز لجميع صفات الكمال حال كونك { مخلصا } والإخلاص ~~هو القصد إلى الله بالنية بلا علة { له } أي وحده { الدين * } بمعانقة ~~الأمر على غاية الخضوع لأنه خصك بهذا الأمر العظيم فهو أهل منك لذلك وخسا ~~عنك الأعداء , فلا أحد منهم يقدر على الوصول إليك بما يوهن شيئا من أمرك ~~فأخلص لتكون رأس المخلصين الذين تقدم آخر سورة ص انه لا سبيل للشيطان عليهم ~~وتقدم ذكر كثير من رؤوسهم , ووقع الحث على الاقتداء بهم بما ذكر من أمداحهم ~~لأجل صبرهم في إخلاصهم , قال الرازي : قال الجنيد : الإخلاص أصل كل عمل وهو ~~مربوط بأول الأعمال , وهو تصفية النية ومنوط بأواخر الأعمال بأن لا يلتفت ~~إليها ولا يتحدث بها ويضمر في جميع الأحوال , وهو إفراد الله بالعمل , وفي ~~الخبر ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك ) . | ولما أمره سبحانه بهاذ الأمر , ~~نادى باستحقاقه لذلك وأنه لم يطلب غير حقه , وأن ذلك لا يتصور أن يكون ~~لغيره , فقال في جواب من كأنه قال : لم منعه من الالتفات إلى غيره ؟ مناديا ~~إشارة إلى أنه لا مكافئ ms4316 له فلا يسع أحدا يبلغه هذا النداء إلا الخضوع طائعا ~~أو كارها : { إلا الله } أي الملك الأعلى وحده { الدين الخالص } لأنه له ~~الأمر والخلق لا يشركه فيه أحد , فكما تفرد بأن خلقك وخلق كل ما ما لك من ~~شيء فكذلك PageV06P414 ينبغي أن تفرده بالطاعة , ولأنه إذا عبده أحد مخلصا ~~كفاه كل شيء , وأما غيره فلو أخلص له أحد لم يمكن أن يكفيه شيئا من الأشياء ~~فضلا عن كل شيء والدين الذي هو أهل للإخلاص هو الإسلام الذي كان في كل ملة ~~المنبني على القواعد الخمس المثبتة بالإخلاص المحض الناشئ من المراقبة في ~~الأوامر والنواهي وجميع ما يرضي الشارع للدين أو يسخطه , فتكون جملته لله ~~من غير شهوة ظاهرة أو باطنة في شهرة ولا غيرها , وإنما استحقه سبحانه دون ~~غيره لأنه هو الذي شرعه ولا أمر لأحد معه فكيف يشركه من لا أمر له بوجه من ~~الوجوه , وأما ما كان فيه أدنى شرك فهو رد على عامله والله غني حميد , وهذه ~~كما ترى مناداة لعمري تخضع لها الأعناق فتنكس الرؤوس ولا يوجد لها جواب إلا ~~بنعم وعزته وأي وكبريائه وعظمته , قال القشيري : وما للعبد فيه نصيب فهو عن ~~الإخلاص بعيد اللهم إلا أن يكون بأمره فإنه إذا أمر العبد أن يحتسب الأجر ~~على طاعته فأطاعه لا يخرج عن الاحتساب باحتسابه أمره فيه , ولولا هذا لما ~~صح أن يكون في العالم مخلص , قال ابن برجان : وذلك أي ترك الإخلاص كله مولد ~~عن حب البقاء في الدنيا ونسيان لقاء الله تعالى , ثم قال ما معناه : إن ذلك ~~من الشرك , وهو ثلاثة أنواع : شرك في الإلهية وهو أن يرى مع الله إلها آخر ~~, وهو شرك المجوس والمجسمة : والوثنية , ويضاهيه غلط القدرية , الثاني شرك ~~في العبادة بالرياء وإضافة العمل إلى النفس , والثالث الشرك الخفي وهو ~~الشهوة الخفية , وهو أن يخفي العمل ويخاف من إظهار ويحب لو اطلع عليه ومدح ~~بأسراره , ومن أحسن العون على الإخلاص الحياء من الله أن تتزين لغيره بعمل ~~إلهمك إياه وقواك ms4317 عليه وخلت فيه وزعمت تطلب التقرب إليه فأتاك عدوه إبليس ~~الذي عاداه فيك فتطيعه فيما يضرك ولا ينفعك , فاستعن على عبادتك بالستر ~~فاستر حسناتك كما تستر سيئاتك , فإن عمل السر يزيد على عمل العلانية سبعين ~~ضعفا , وذلك كالشجرة إذا ظهرت عروقها ضعف شربها , وأضر بها حرارة الهواء ~~وبرده , وتعرضت للآفات من قطع ويبس وغير ذلك ولم تحسن فروعها وخف ورقها فقل ~~نفعها , وإذا غاصت عروقها غابت عن الآفات وأمنت القطع من أيدي الناس , فكثر ~~شربها فجرى ماؤها فيها , فتزايدت لذلك فروعها واخضر ورقها وكثر خيرها وطاب ~~ثمرها لجانيها , فكذلك العمل إذا كانت له أصول في القلب مستورة زكا في نفسه ~~وطهر من الأدناس وكثر خيره وطاب ثوابه لعامله , وإذا بدا لم يؤمن عليه من ~~أبصار الناظرين , وإذا خفي لم يبق ما يخاف منه إلا العجب ومحبة أن يطلع ~~عليه , وهي الشهوة الخفية , ومن قولهم ( من عرف الله بعد الضلالة وعرف ~~الإخلاص بعد الرياء وأنزل الموت حق منزلته لم يغفل عن الموت والاستعداد له ~~بما أمكنه ) انتهى . | PageV06P415 ولما أخبر سبحانه عما له وحده , وكان ~~محط أمر الإنسان بل جميع الحيوان على الهداية إلى مصالحه ليفعلها ومفاسدة ~~ليتركها , وأرشد السياق إلى أن التقدير : فمن أخلص له الدين هداه في جميع ~~أموره , وإن اشتد الإشكال , وتراكمت وجوه الضلال , عطف عليه الإخبار عمن ~~لزم الضلال , والغي والمحال , فقال محذرا من مثل حاله , بما حكم عليه في ~~مآله : { والذين } ولما كان الإنسان مفطورا على الخضوع للملك الديان , ولا ~~يلتفت إلى غيره إلا بمعالجة النفس بما لها من الهوى والطغيان , عبر بصيغة ~~الافتعال فقال : { اتخذوا } أي عالجوا عقولهم حتى صرفوها عن الله فأخذوا , ~~ونبههم على خطئهم في رضاهم بالأدنى على الأعلى بقوله : { من دونه } ومعلوم ~~أن كل شيء دونه { أولياء } أي يكلون إليهم أمورهم , ويدخل فيهم الذين ~~اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله مع اعترافهم بان الله تفرد ~~بخلقهم ورزقهم . | ولما كان من العجب العجيب فعلهم , هذا بين ما وجهوا به ~~فعلهم ليكون آية بينة ms4318 في أنه لا هدى لهم فقال : { ما } أي قائلين لمن ~~أخلصوا له الدين إذا أنكروا عليهم أن يتخذوا من دونه وليا : ما { نعبدهم } ~~لشيء من الأشياء { إلا ليقربونا } ونبه سبحانه على بعدهم عن الصواب ~~بالتعبير بالاسم الأعظم مع حرف الغاية فقال : { إلى الله } الذي له معاقد ~~العز ومجامع العظمة , تقريبا عظيما على وجه التدريج ويزلفونا إليه { زلفى } ~~أي تقريبا حسنا سهلا بهجا زائدا ناميا متعاليا , قال القشيري : ولم يقولوا ~~هذا من قبل الله ولا بإذنه , وإنما حكموا بذلك من ذات أنفسهم , فرد الله ~~عليهم , وفي هذا إشارة إلى ما يفعله العبد من القرب بنشاط نفسه من غير أن ~~يقتضيه حكم الوقت , فكل ذلك اتباع هوى انتهى والاية من الاحتباك : ذكر فعل ~~التقريب أولا دليلا على فعل الزلف ثانيا , واسم الزلف ثانيا دليلا على ~~الاسم من التقريب أولا , وسره أنهم أرادوا بهذا الاعتذار المسكت عن قبيح ~~صنيعهم , فأتى سبحانه في حكايته عنهم بالتأكيد على أبلغ وجه لأن الدلالة ~~على المعنى بلفظين وأوضحهما , وقد خسر لعمري غاية الخسارة قوم تمذهبوا ~~بأقبح المذاهب وجعلوا عذرهم هذه الآية التي ذم الله المعتذر بها , وعلى ذلك ~~فقد راج اعتذارهم بها على كثير من العقول , وهم أهل الاتحاد الذين لا أسخف ~~من عقولهم ولا أجمد من أذهانهم . | ولما كان إنما محط دينهم الهوى , وكان ~~كل من تبع الهوى لا ينفك عن الاضطراب في نفسه , فكيف إذا كان معه غيره فكيف ~~إذا كانوا كثيرا فيكثر الخلاف والنزاع وإن لم يحصل ذلك بالفعل كان بالقوة , ~~ولذلك كلن لكل قبيلة ممن يعبد PageV06P416 الأصنام صنم غير صنم الأخرى وكان ~~بعض القبائل يعبد الشعرى , وبعضهم يعبد الملائكة وبعضهم غير ذلك < # > 77 ( { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء فتقطعوا ~~أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون } ) 77 < # > [ المؤمنون : 53 ] نبه على ذلك مهددا لهم بقوله مخبرا مؤكدا لأجل ~~إنكارهم : { إن الله } أي الذي له جميع صفات الكمال . | ولما لم يقيد الحكم ~~بالقيامة وكانوا معترفين بأن المصائب في ms4319 الدنيا منه قال : { يحكم بينهم } ~~من غير تاكيدا آخر أي بين جميع المخالفين في الأديان وغيرها من المتخذين ~~للأولياء من دونه ومن المخلصين وغيرهم فلا بد أن ينصر أهل الحق على جميع ~~أهل الباطل . | ولما كانوا أوزاعا أكثر قبائلهم على خلاف ما يعتقده غيرها , ~~قال : { في ما } أي في الدين الذي والأمر الذي . | ولما كان تحكيمهم للهوى ~~موفرا لدواعيهم على الاختلاف , وكان الاتخاذ الذي يبنى الكلام عليه له نظر ~~عظيم إلى علاج الباطن بخلاف سورة يونس اثبت الضمير هنا فقال : { هم } أي ~~بضمائرهم { فيه تختلفون * } أي ليس لهم أصل يضبطهم , فهو لا يرجعون إلا إلى ~~الخلف كيف ما تقبلوا لأنهم مظروفون لذلك العمل الذي مبناه الهوى هو منشأ ~~الاختلاف , فكيف إذا انضم إلى ذلك خلاف المخلصين وإنكارهم عليهم الذي أرشد ~~إليه اعتذارهم , فظهر من هذا أن اختلاف الأئمة في فهم كتاب الله وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم لقواعد استنبطوها من ذلك لا يخرجون عنها ليس خلافا بل ~~وفاق لوحدة ما يرجعون إليه من الأصل الصحيح الثابت عن الله , ومن هذا إنكار ~~النبي صلى الله عليه وسلم على عمر وأبي وغيرهما رضي الله عنهم لما أنكر كل ~~منهم على من خالفه في القراءة وقال ( إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فى ~~تختلفوا ) فلا فرق بين أن يستند كل من الأمرين إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم نقلا أو اجتهادا لأنه في قوة الاتفاق لوحدة مرجعه - والله الموفق , ~~ويجوز أن يكون الضمير في ( بينهم ) لهم ولمعبوداتهم فإنهم ليس منهم معبود ~~صامت ولا ناطق إلا وهو صارخ بلسان حاله إن لم ينطق لسان قاله بأنه مقهور ~~مربوب عابد لا معبود , فهم من يعبدهم في غاية الخلاف . | ولما كان من الأمر ~~الواضح أن الدين لا يكون صالحا إلا أن انتظم بنظام غير مختل , وكان الدين ~~إذا كان معوجا داعيا إلى التفرق مناديا على نفسه بالانخلاع عنه والبعد منه ~~فكان الحال مقتضيا للتعجب ممن تدين به , فضلا عمن يدوم عليه , فضلا ~~PageV06P417 عمن لا ms4320 ينتبه عند التنبيه , فضلا عمن يقاتل دون ذلك , أجاب من ~~كأنه قال : سبب عكوفهم على هذا الضلال الذي أوجب لهم قطعا الاختلاف بالفعل ~~أو بالقوة , فقال مؤكدا تكذيبا لمن ينكر ما تضمنه هذا الإخبار وإن ظهر لبعض ~~وإنما هي استدراج . | ولما أرشد السياق إلى أن المعنى : لأنهم غير مهتدين ~~لأن الله لم يخلق الهداية في قلوبهم , نسق به قوله : { إن الله } أي الملك ~~القادر القاهر تنفيرا عنه قال : { لا يهدي } أي لا يخلق الهداية في قلب { ~~من هو } أي لضميره { كاذب } أي مرتكب الكذب عريق فيه حتى أداه كذبه إلى أن ~~يقول على ملك الملوك أن شيئا يقرب إليه بغير إذنه , ويخضع بالعبادة التي هي ~~نهاية التعظيم , فهي لا تليق بغير من ينعم غاية الإنعام لمن لا يملك ضرا ~~ولا نفعا , ولم يعبر في الكذب بصيغة مبالغة لأن الذين السياق لهم لم يقع ~~منهم كذب إلا في ادعائهم أنهم يقربونهم . | ولما كان من كفر في حين الدهر ~~قد ضاعف كفره لكثرة ما على الوحدانية من الدلائل وما لله عليه من الإحسان , ~~وكان هؤلاء الذين لهم السياق قد كفروا بتأهيلهم لشركائهم للعبادة ولعبادتهم ~~بالفعل ولادعائهم فيهم التقريب قال { كفار } بصيغة المبالغة , والأحسن أن ~~يقال : إن المبالغة لإفهام أن الذي لا يهديه إنما هو من ختم عليه سبحانه ~~الموت على ذلك , قال القشيري : والإشارة إلى تهديد من يتعرض لغير مقامه ~~ويدعي شيئا ليس بصادق فيه فالله لا يهديه إلى ما فيه سداده ورشده , وعقوبته ~~أن يحرمه ذلك الشيء الذي تصدى له بدعواه قبل تحققه بوجوه وذوقه . | < < # | الزمر : ( 4 - 6 ) لو أراد الله . . . . . # > > ^ ( لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء سبحانه هو ~~الله الواحد القهار * خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ~~ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز ~~الغفار * خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد ms4321 خلق في ظلمات ثلاث ذلكم ~~الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون ) ^ } ) | ولما أخبر سبحانه ~~بالحكم بينهم , فكان ذلك مع تضمنه التهديد وافيا ينفي الشريك , كافيا في ~~ذلك لأن المحكوم فيه لا يجوز أن يكون قسيما للحاكم , فلم يبق في ذيء من ذلك ~~شبهة إلا عند ادعاء الوليدة , قال نافيا لها على سبيل الاستئناف جوابا لمن ~~PageV06P418 يقول : فما حال من يتولى الولد ؟ - قال القشيري : والمحال على ~~جهة افبعاد أن لو كان كيف حكمه - : { لو أراد الله } أي الذي له الإحاطة ~~بصفات الكمال { أن يتخذ } أي يتكلف كما هو دأبكم , ولا يسوغ في عقل أن ~~الإله يكون متكلفا { ولدا } أي كما زعم من زعم ذلك , ولما كان الولد لا ~~يراد إلا أن يكون خيارا , وكان الله قادرا على كل شيء , عدل عن أن يقول { ~~لاتخذ } إلى قوله : { لاصطفى } أي اختار على سبيل التبني { مما يخلق } أي ~~يبدعه في أسرع من الطرف , وعبر بالأداة التي أكثر استعمالها فيما لا يعقل ~~إشارة إلى أنه قادر على جعل أقل الأشياء أجلها على سبيل التكرار والاستمرار ~~- كما أشار إليه التعبير بالمضارع فقال : { ما يشاء } أي مما يقوم مقام ~~الولد فإنه لا يحتاج إلى التطوير في إيتان الولد من لا يقدر على الإبداع ~~بغير ذلك . | ولما كان لا يرضى إلا بأكمل الأولاد الأبناء , لكنه لم يرد ~~ذلك فلم يكن , فهذا أقصى ما يمكن أن يجوز خلقا شريفا ويسميه ولدا إشارة إلى ~~شدة إكرامه له وتشريفه إياه , أو يقربه غاية التقريب كما فعل بالملائكة ~~وعيسى عليهم السلام , فكان ذلك سببا لغلطكم فيهم حتى دعيتم أنهم أولاد ثم ~~زعمتم أنهم بنات , فكنتم كاذبين من جهتين , هذا غاية الإمكان , وأما أنه ~~يجوز عليه التوليد فلا , بل هو مما يحيله العقل , لأن ذلك لا يكون إلا ~~لمحتاج , والإله لا يتصور في عقل أن يكون محتاجا أصلا , قال ابن برجان ما ~~معناه : كان معهود الولادة لا يتصور على وجهين , فولد منسوب إلى والده بنوة ~~وولادة روحما , فهذا ليس ms4322 له في الوجود العلي وجود , ولا في الأمكان تمكن , ~~ولا في الفعل مساغ بوجه من الوجوه , وولد بمعنى التنبي والاتخاذ , وقد كانت ~~العرب وغيرها من الأمم يفعلونه حتى نسخة القرآن , فلا يبعد أن تكون هذه ~~العبارة كانت جائزة في الكتب قبلنا , فلما أعضل بهم الداء وألحدوا في ذلك ~~عن سواء القصد الذي هو الاصطفاء إلى بنوة الولادة أضلهم الله وأعمى أبصارهم ~~وسد السبيل عن العبادة عن ذلك , وكشف معنى الاصطفاء , وأظهر معنى الولاية , ~~ونسخ ذلك بهذا , لأن هذا لا يداخله لبس , وذلك كله لبيان كمال هذه الأمة ~~وعلوها في كل أمر . | ولما كانت نسبة الولد إليه كنسبة الشريك أو أشنع , ~~وانتفى الأمران بما تقدم من الدليل باالحكم باعترافهم بأن حكمه سبحانه نافذ ~~في كل شيء لشهادة الوجود , ولقيام الأدلة على عدم الحاجة إلى شيء أصلا فضلا ~~عن الولد , نزه نفسه بما يليق بجلاله من التنزيه في هذا المقام , فقال : { ~~سبحانه } أي له التنزيه التام عن كل نقيصة , ثم أقام الدليل على هذا ~~التنزيه المقتضي لتفرده فقال : { هو } أي الفاعل لهذا الفعال , والقائل ~~لهذه الأقوال , ظاهرا وباطنا { الله } أي الجامع لجميع صفات الكمال , ثم ~~ذكر من PageV06P419 الأوصاف ما هو كالعلة لذلك فقال : { الواحد } أي الذي ~~لا ينقسم أصلا , ولا يكون له مثل فلا يكون له صاحبة ولا ولد , لأنه لو كان ~~شيء من ذلك لما كان لا مجانسا ولا جنس له ولا شبه بوجه من الوجوه { القهار ~~* } أي الذي له هذه الصفة , فكل شيء تحت قهره آلهتهم وغيرها على سبيل ~~التكرار والاستمرار , فصح من غير شك أنه لا يحتاج إلى شيء أصلا , وجعل ما ~~لا حاجة إليه ولا داعي يبعث عليه عبث ينزه عنه العاقل فكيف من له الكمال ~~كله . | ولما أثبت هذه الصفات التي نفت أن يكون له شريك أو ولد , وأثبتت له ~~الكمال المطلق , دل عليها بقوله : { خلق السماوات والأرض } أي أبدعهما من ~~العدم { بالحق } أي خلقا متلبسا بالأمر الثابت الذي ليس بخيال ولا سحر , ~~على وجه لا نقص ms4323 فيه بوجه , ولا تفاوت ولا خلل يقول أحد فيه مناف للحكمة ~~ولما كان من أدل الأشياء على صفتي الوحدانية والقهر , وتمام القدرة وكمال ~~الأمر , بعد إيجاد الخافقين اختلاف الملوين , وكان التكوير - وهو إرادة ~~الشيء على الشيء بسرعة وإحاطته به بحيث يعلو عليه ويغلبه ويغطيه - أدل على ~~صفة القهر من الإيلاج , قال مبينا لوقت إيجاد الملوين : { يكور } أي خلقهما ~~أي صورهما في حال كونه يلف ويلوي ويدير فيغطي مع السرعة والعلو والغلة ~~تكويرا كثيرا متجددا مستمرا إلى أجله { اليل على النهار } بأن يستره به فلا ~~يدع له أثرا , ولعظمة هذا الصنع أعاد العامل فقال : { ويكور النهار } عاليا ~~تكويره وتغطيته { على اليل } فيذهبه كذلك ويدخل في هذا الزيادة في كل منهما ~~بما ينقص من الآخر لأنه إذا ذهب احدهما وأتى الآخر مكانه , فكأن الآتي لف ~~على الذاهب وألبسه كما يلف اللباس على اللابس , أو أنه شبه الذاهب في خفائه ~~بالآتي بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامع الأبصار , أو أن كلا منهما لما ~~كان يكر على الآخر كرورا متتابعا شبه ذلك بتتابع أكوار بعضها على بعض , ~~فتغيب ما تحتها . | ولما كانت الظلمة سابقة على الضياء , وكان الليل إنما ~~هو ظلمة يسبقها ضياء بطلوع الشمس , رتب سبحانه هذا الترتيب على حسب الإيجاد ~~, ولذلك قدم آية النهار فقال معبرا بالماضي بخلقه الآيتين مسخرتين على ~~منهاج معلوم لكل منها لا يتعداه , وحد محدود لا يتخطاه { وسخر } أي ذلل ~~وأكره وقهر وكلف لما يريد من غير نفع للمسخر { الشمس } أي التي محت ما كان ~~من الظلام فأوجبت اسم النهار { والقمر } أي آية الليل . | ولما أخبر ~~بقهرهما , بين ما صرفهما فيه , فقال بيانا لهذا التسخير : { كل } أي منهما ~~{ يجري } أي بقضائنا الذي لا مرد له , وهذا آية لاختلاف أحوال العبد لأن ~~خلقه جامع , فيختلف في القبض والبسط والجمع والفرق والأخذ والرد والصحو ~~PageV06P420 والسكر , وفي نجوم العقل , واقمار العلم , وشموس المعرفة , ~~ونهار التوحيد , وليل الشك والجحد , ونهار الوصل وليالي الهجر والفراق , ~~وكيفية اختلافها وزيادتها ونقصانها - قاله القشيري ms4324 . | ولما كان مقصود ~~السورة العزة التي محطها الغلبة , وكان السياق للقهر , وكان القضاء لعلة لا ~~يتخلف عنها المعلول أدل على القهر من ذكر الغاية مجردة عن العلة قال : { ~~لأجل مسمى } أي لمنتهى الدور ومنقطع الحركة . | ولما ثبت بهذا قهره , قال ~~مناديا رشقا في قلوب المنكرين : { ألا هو } أي وحده { العزيز } ولما كان ~~ربما قال متعنت : فما له لا يأخذ من يخالفه ؟ وكانت صفة القهر والعزة ربما ~~أقنطت العصاة فأخرتهم عن الإقبال , قال مبينا لسبب التأخير ومستعطفا : { ~~الغفار * } أي الذي له صفة الستر على الذنوب متكررة فيمحو ذنوب من يشاء ~~عينا , وأثرا بمغفرته ويأخذ من يشاء بعزته . | ولما كان خلق الحيوان أدل ~~على الوحدانية والقهر بما خالف به الجمادات من الحياة التي لا يقدر على ~~الانفكاك عنها قبل أجله , وبما له من أمور اضطرارية لا محيص له عنها , ~~وأمور اختيارية موكولة في الظاهر إلى مشيئته , وكان أعجبه خلقا الإنسان بما ~~له من قوة النطق , قال دالا على ما دل عليه بخلق الخافقين لافتا القول إلى ~~خطاب النوع كله إيذانا بتأهلهم للخطاب , وترقيهم في علا الأسباب , من غير ~~عطف إيذانا بأن كلا من خلقهم وخلق ما قبلهم مستقل بالدلالة على ما سيق له : ~~{ خلقكم } أي أيها الناس المدعون لإلهية غيره { من نفس واحدة } هي آدم عليه ~~السلام . | ولما كان إيجادنا منها بعد شق الأنثى منها , قال عاطفا على ما ~~تقديره : أوجدها من تراب , مبينا بلفظ الجعل أن الذكر هو سببها ومادتها ~~منبها بأداة التراخي على القهر الذي السياق له بالتراخي في الزمان بتأخير ~~المسبب عن سببه المقتضي له إلى حين مشيئته لأن إيجادها منه كان بعد مدة من ~~إيجاده , والأصل في الأسباب ترتب المسببات عليها من غير مهلة وعلى التراخي ~~في الرتبة أيضا بأن ذلك - لكونه شديد المباينة لأصله - من أعجب العجب : { ~~ثم } أي بعد حين , وعبر بالجعل لأنه كاف في نفي الشركة التي هذا أسلوبها ~~وليبين أنه ما خلق آدم عليه السلام إلا ليكون سببا لما يحدث عنه من الذرية ~~ليترتب ms4325 على ذلك إظهار ما له سبحانه من صفات الكمال فقال : { جعل منها } أي ~~تلك النفس { زوجها } أي ونقلكم بعد خلقكم منه إليها ثم أبرزكم إلى الوجود ~~الخارجي منها , ويجوز - وهو أحسن - أن يكون المعنى لأن السياق لإحاطة العلم ~~المدلول عليه بإنزال الكتاب وما تبعه : قدر خلقكم على ما أنتم عليه من ~~العدد والألوان وجميع الهيئات حين خلق آدم بأن هيأه لأن تفيضوا منه , فلا ~~تزيدون على ما قدره شيئا ولا PageV06P421 تنقصون وأن تفيض منه زوجه , وذلك ~~قبل خلق حواء منه , ثم أوجدها فكان الفيض منها فيضا منه فالكل منه , ولهذا ~~ورد الحديث في مسند أحمد بن منيع عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( خلق الله آدم يوم خلقه وضرب على كتفه اليمنى فأخرج ~~ذرية بيضاء كأنهم الذر , وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم , ~~فقال للذي في يمينه : إلى الجنة ولا أبالي , وقال للذي في يساره : إلى ~~النار ولا أبالي . | ) ولما كان تنويع الحيوان إلى أنواع متباينة أدل على ~~القدرة التي هي منشأ القهر , وكان سبحانه موصوفا بالعلو , وكان أكثر ~~الأنعام أشد الإنسان , فكان تسخيره له وتذليله إنزالا عن قوته وإيهانا ~~لشدته , قال دالا على ذلك الإنشاء والجعل بلفظ الإنزال : { وأنزل لكم } أي ~~خاصة { من الأنعام } أي الإبل بنوعيها , والبقر كذلك , والضأن والمعز . | ~~ولما لم يكن عند العرب البخاتي والجواميس لم يذكرها سبحانه , واقتصر على ما ~~عندهم , وقال : { ثمانية أزواج } أي من كل نوع زوجين ذكرا وأنثى , والزوج ~~اسم لواحد معه آخر لا يكمل نفعه إلا به , وإذا نظرت هذه العبارة مع العبارة ~~عن خلق الإنسان فهمت أن الأنعام خلق كل ذكرها وأناثها على انفراده , لا أن ~~أحدا منها من صاحبه , وذلك أدل على إطلاق التصرف وتنويعه مما لو جعل خلقها ~~مثل خلق الآدمي . | ولما كان تكوينهم في تطويرهم عجبا قال مستأنفا بيانا ~~لما أجمل قبل : { يخلقكم } أي يقدر إيجادكم أنتم والأنعام على ما أنتم عليه ~~من أخلاط العناصر { في بطون أمهاتكم ms4326 } ولما كان تطوير الخلق داخل البطن حيث ~~لا تصل إليه يد مخلوق ولا بصره , قال دالا على عظمته ودلالته على تمام ~~القدرة والقهر : { خلقا } ودل على تكوينه شيئا بعد شيء بإثبات الحرف فقال : ~~{ من بعد خلق } أي في تنقلات الأطوار وتقلبات الأدوار . | ولما كان الحيوان ~~لا يعرف ما هو إلا في التطوير الرابع , وكان الجهل ظلمة قال : { في ظلمات ~~ثلاث } ظلمة النطفة ثم العلقة ثم المضغة , فإذا صار عظاما مكسوة لحما عرف ~~هل هو ذكر أو أنثى فزالت عنه ظلمات الجهل , وصار آخر , وقيل ؛ PageV06P422 ~~ظلمة البطن والرحم والمشيمة - نقل ابن عباس رضي الله عنهما وعزاه ابن أبي ~~الدنيا في كتاب القناعة إلى عيسى ابن مريم عليه السلام . | ولما ثبت له ~~سبحانه كمال العظمة والقهر , قال مستأنفا ما أنتجه الكلام السابق معظما ~~باداة البعد رميم الجمع : { ذلكم } أي العالي المراتب شهادتكم أيها الخلق ~~كلكم , بعضكم بلسان قاله , وبعضكم بناطق حاله , الذي جميع ما ذكر من أول ~~السورة إلى هنا أفعاله , ولما أشار إلى عظمته بأداة البعد , أخبر عن اسم ~~الإشارة فقال : { الله } أي الجامع لجميع صفات الكمال , ونبه على جهلهم مما ~~يعلمون من ربوبيته لعملهم بالشرك عمل جاهل بذلك فقال واصفا : { ربكم } أي ~~المالك والمربي لكم بالخلق والرزق . | ولما كان المربي قد لا يكون ملكا قال ~~نتيجة إلها , قال مثبتا له الإلهية على ما يقتضيه من الوحدانية وهو بمنزلة ~~نتيجة النتيجة : { لا إله إلا الله } . | ولما تكفل هذا السياق بوجوب ~~الإخلاص في الإقبال عليه والإعراض عما سواه , لأن الكل تحت قهره , وشمول ~~نهيه وأمره , سبب عنه قوله : { فأنى } أي كيف ومن أي وجه { تصرفون * } أي ~~قهرا عن الإخلاص له إلى الإشراك به بصارف ما وإن كان عظيما , ونبه بالبناء ~~للمفعول مع هذا على أنهم مقهورون في فعل ما هم عليه لأنهم تابعون للهلاك ~~المحض , تاركون للأدلة التي لا خفاء في شيء منها , ومعلوم أنه لا يترك أحد ~~الدليل في الفيافي العطشة الذي إن تركه هلك إلا قرها ؛ وأن الناس هيئوا ~~لطريق ms4327 الهدى بما خلقوا عليه من أحسن تقويم بسلامة الفطر واستقامة العقول , ~~وأشار إلى هذا لأنهم يأنفون من النسبة إلى القهر وأن يفعلوا شيئا بغير ~~اختيار لما عندهم من الأنفة وعلو الهمم والعظمة . | < < # | الزمر : ( 7 - 9 ) إن تكفروا فإن . . . . . # > > ^ ( إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا ~~يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم ~~تعملون إنه عليم بذات الصدور * وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم ~~إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن ~~سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار * أمن هو قانت آنآء الليل ~~ساجدا وقآئما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين ~~لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب ) ^ } ) | ولما ظهرت الأدلة وبهرت الحجج ~~, بين ما على من غطاها بالإصرار , وما لمن تاب ورجع التذكار , فقال مستأنفا ~~لما هو نتيجة ما مضى , معرفا لهم نعمته عليهم بأنه ما PageV06P423 تعبد ~~لشيء يخصه من نفع أو ضر , وإنما هو لمصالحهم خاصة بادئا بما هو من درء ~~المفاسد : { إن تكفروا } أي تستروا الأدلة فتصروا على الانصراف عنه ~~بالإشراك { فإن الله } لأنه جامع لصفات الكمال { غني حكيم } أي فلا يضره ~~كفركم ولا تنفعه طاعتكم , وأما أنتم فلا غنى لكم عنه بوجه , ولا بد أن يحكم ~~بينكم فلم تضروا إلا أنفسكم { ولا يرضى } لكم - هكذا كان الأصل بدليل ما ~~سبقه ولحقه , وإنما أظهر ليعم وليذكرهم بما يجدونه في أنفسهم من أن أحدا ~~منهم لا يرضى لعبده أن يؤدي خرجه إلى غيره بغير إذنه فقال : { لعباده } أي ~~الذين تفرد بإيجادهم وتربيتهم { الكفر } بالإقبال على سواه وأنتم لا ترضون ~~ذلك لعبيدكم مع أن ملككم لهم في غاية الضعف , ومعنى عدم الرضى أنه لا يفعل ~~فعل الراضي بأن يأذن فيه ويقر عليه أو يثيب فاعله ويمدحه , بل يفعل فعل ~~الساخط بأن بأن ينهى عنه ويذم عليه ويعاقب مرتكبه { وإن تشكروا ms4328 } أي ~~بالعبادة والإخلاص فيها { يرضه } أي الشكر الدال فعله { لكم } أي الرضى ~~اللائق بجنابه سبحانه بأن يقركم عليه أو يأمركم به ويثيبكم على فعله , ~~والقسمان بإرادته , واختلاف القراء في هائه دال على مراتب الشكر - والله ~~أعلم , فالوصل للواصلين إلى النهاية على اختلاف مراتبهم في الوصول ~~والاختلاس للمتوسطين والإسكان لمن في الدرجة الأولى منه . | ولما كان في ~~سياق الحكم والقهر , وكانت عادة القهارين أن يكلفوا بعض الناس ببعض ~~ويأخذوهم بجوائرهم لينتظم لهم العلو على الكل لعدم إحاطة علمهم بكل مخالف ~~لأمرهم , بين أنه سبحانه على غير ذلك فقال : { ولا تزر وازرة } أي وازرة ~~كانت { وزر أخرى } بل وزر كل نفس عليها لا يتعداها يحفظ عليها مدة كونها في ~~دار العمل , والإثم الذي يكتب على الإنسان بترك الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ليس وزر غيره , وإنما هو وزر نفسه , فوزر الفاعل على الفعل , ووزر ~~الساكت على الترك لما لزمه من الأمر والنهي { ثم إلى ربكم } أي وحده لا إلى ~~أحد ممن أشركتموه به { مرجعكم } أي بالبعث بعد الموت إلى دار الجزاء . | ~~ولما كان الجزاء تابعا للعلم , قال معبرا عنه به : { فينبئكم } أي فيتسبب ~~عن البعث أنه يخبركم إخبارا عظيما { بما كنتم تعملون } أي بما كان في طبعكم ~~العمل به سواء علمتموه بالفعل أم لا يجازيكم عليه إن شاؤ . | ولما كان ~~المراد - كما أشار إليه بكان - الإخبار بجميع الأعمال الكائنة بالفعل أو ~~القوة , حسن التعليل بقوله : { أنه عليم } أي بالغ العلم { بذات الصدور * } ~~أي بصاحبتها من الخواطر والعزوم , وذلك بما دلت عليه الصحبة - كل ما لم ~~يبرز إلى الخارج , فهو بما برز أعلم . | PageV06P424 ولما ذكر سبحانه أنه ~~المختص بالملك وحده , وأتبعه بما يرضيه وما يسخطه , أقام الدليل على ذلك ~~الاختصاص مع أنه أوضح من الشمس بدليل وجداني لكل أحد على وجه ذمهم فيه ~~بالتناقض الذي هم أعظم البأس الذي هم أعظم البأس ذما له ونفرة منه وذما به ~~فقال : { وإذا } وهي - والله أعلم - حيالة من واو { تصرفون } وكان الأصل : ~~مسكم , ولكنه عموم ودل ms4329 بلفت القول عن الخطاب على الوصف الموجب للنسيان فقال ~~: { مس الإنسان } أي هذا النوع الآنس بنفسه مؤمنه وكافره { ضر } أي ضر كان ~~من جهة يتوقعها - بما أشار إليه الظرف تقدم تنبيهكم من غفلتكم عليه بقوله ( ~~ذلكم الله ربكم ) ذاكرا صفة إحسانه { منبيا } أي راجعا رجوعا عظيما { إليه ~~} بباطنه مخلصا في ذلك عالما أنه لا يكفيه أمره غيهر ضرورة يجدها في نفسه ~~لأن الضر أزل عنه الأمومة والحظوظ , معرضا عما كان يزعم من الشركاء معرفا ~~لسان حاله أنه لا شريك له سبحانه كما هو الحق فتطابق في حال الضراء الحق ~~والاعتقاد . | ولما كان الإنسان لما جبل عليه من الجزع واليأس إذا كان في ~~ضر استبعد كل البعد أن يكشف عنه , لتقيده بالجزئيات وقصوره على التعلق ~~بالأسباب , أشار إلى ذلك مع الإشارة إلى الوعد بتحقيق الفرج فقال : { ثم } ~~أي بعد استبعاده جدا . | ولما كان الرخاء محقا , وهو أكثر من الشدة , عبر ~~بأداة التحقق , فقال منبها بالتعبير ب ( خول ) على أن غطاءه ابتداء فضل منه ~~لا يستحق أحد عليه متمكنا ابتداء , وجعله حسن القيام عليه قادرا على إجادة ~~تعهده { نعمة منه } ومكنه فيها { نسي } أي مع دعائه أن يشكر على الإحسان , ~~فكانت مدة تخويله ظرف نسيانه , فعلم أن صلاحه بالضراء { ما } أي الأمر الذي ~~{ كان يدعوا } ربه على وجه الإخلاص { إليه } إلى كشفه من ذلك الضر الذي كان ~~, وأعلم بتقارب وقتي النسيان والإنابة بإثبات الجار فقال : { من قبل } أي ~~قبل حال التخويل بتقارب وقتي النسيان والإنابة بإثبات الجار فقال : { لله } ~~أي الذي لا مكافئ له بشهادة الفطرة والعقل والسمع { أندادا } أي لكونه ~~يتأهلهم , فينزلهم بذلك منزلة من يكون قادرا على المعارضة والمعاندة , فقد ~~علم من التعبير بالنسيان أنه عالم بربه , ولذلك دعاه في كشف ضره وأنه جعل ~~علمه عند الإحسان إليه جهلا , فكان كمن لا يعلم من سائر الحيوانات العجم . ~~| ولما كان ذلك في غاية الضلال , لكونه - مع أنه خطأ - موجبا لقطع الإحسان ~~وعدم الإجابة في كشف الضر مرة أخرى وكانوا يدعون أنهم ms4330 أعقل الناس , وكان ~~هذا PageV06P425 الضلال في غاية الظهور , وكان العاقل لا يفعل شيئا إلا ~~لعلة , عظمهم تهكما بهم عن أن يكونوا ضلوا هذا الضلال الظاهر من غير قصد ~~إليه , فقال مشيرا إلى ذلك كله : { ليضل } أي بنفسه عند فتح الياء , ويضل ~~غيره عند من ضمها { عن سبليه } أي الطريق الموصل إلى رضوانه , الموجب للفور ~~بإحسانه . | ولما كان من المعلوم المحقق المقطوع به المركوز في الفطر ~~الأولى المستمر فيما بعدها أن الملك لا يدع من يعصيه بغير عقاب , وكان قد ~~ثبت بقضية الإجماع وقت الاضطرار أنه لا يلتفت إلى أحد سوى الله وكان من ~~التفت - بعد أن أنجاه الله من ضرره وأسبغ عليه من نعمه - كافرا من غير شك ~~عند ذي عقل , وكان من كان بهذه المثابة في هذه الدار هم أهل النعم الكبار , ~~والتمتع الصافي عن الأكدار , كان من المعلوم أنه لا بد من عقوبته في دار ~~القرار , فقال تعالى مبينا لأن هذا التمتع إنما هو سبب هذا الكفران ~~استدراجا مع الإعراض المؤذن بالغضب { قل } أي يا أحب خلقنا إلينا المستحق ~~للإقبال عليه بالخطاب , لهذا الذي قد حكم بكفره مهددا له بما يقوته بلذيذ ~~عيشه في الدنيا من الفيض من الجناب الأقدس ويؤول إليه أمره من العذاب ~~الأكبر : { تمتع } أي في هذه الدنيا التي هي وكل ما فيها - مع كونه زائلا - ~~يفيض إلى الله , فهو من جملة المقت إلا لمن صرفه في طاعة الله . | ولما ذكر ~~تمتيعه بالخسيس , ذكر سببه الخسيس تعظيما لأجور المؤمنين لانصرافهم عن ~~الكفر مع علمهم بأنه من أسباب التمنيع وبيانا لذوي الهمم العوال من غيرهم ~~فقال : { بكفرك } ثم أشار إلى قلة زمن الدنيا وما فيها في جنب الآخرة فقال ~~: { قليلا } ثم علل ذلك بما إذا غمس في عذابه أنعم أهل الدنيا غمسة واحدة ~~قال : ما رأيت نعيما قط , فقال مؤكدا لأجل تكذيبهم بالنار , ودفعا لما ~~استقر في نفوسهم أن تنعيمهم في الدنيا إنما هو لقربهم من الله ومحبته لهم , ~~وأن ذلك يتصل بنعيم الآخرة على تقدير ms4331 كونها : { إنك } وهذا الأمر هنا يراد ~~به الزجر , تقديره : إن تمتعت هكذا كنت { من أصحاب النار * } أي الذين لم ~~يخلفوا إلا لها < # > 77 ( { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ~~} ) 77 < # > [ الأعراف : 179 ] . | ولما أرشدت ( أم ) قطعا في قراءة من شدد إدغاما ~~لإحدى الميمين في الأخرى أن التقدير شرحا لأحوال المؤمنين بعد أحوال ~~المشركين : أهذا - الذي يدعو الله مرة , وغيره ممن يجعله له ندا اخرى - أسد ~~طريقة وأقوم قيلا : { أمن هو } والتقدير في قراءة نافع وابن كثير وحمزة ~~بالتخفيف : أمن هو بهذه الصفة خير أم ذلك الكافر الناسي لمن أحسن إليه , ~~ويرجح التقدير بالاستفهام دون النداء إنكار التسوية بين العالم الذي حداه ~~علمه PageV06P426 على القنوت والذي ى يعلم حقيقة أو مجازا لعدم الانتفاع ~~بعلمه { قانت } أي مخلص في عبادته الله تعالى دائما { آناء اليل } أي جميع ~~ساعاته . | ولما كان المقام للإخلاص , وكان الإخلاص أقرب مقرب إلى الله ~~لأنه التجرد عن جميع الأغيار , وكان السجود أليق الأشياء بهذا الحال , ~~ولذلك كان أقرب مقرب للعبد من ربه , لأنه خاص بالله تعالى , قال : { وقائما ~~} أي وقاعدا , وعبر بالاسم تنبيها على دوام إخلاصه في حال سجوده وقيامه , ~~والآية من الاحتباك : ذكر السجود دليلا على الركوع والقيام دليلا على ~~القعود , والسر في ذكر ما ذكر وترك ما ترك أن السجود يدل على العبادة , ~~وقرن القيام به دال على أنه قيام منه فهو عبادة , وذلك مع الإيذان بانهما ~~أعظم الأركان , فهو ندب إلى تطويلهما على الركنين للعبادة , لأنه لا يمكن ~~عادة أن يكون لغيرهم , وأما السجود فيطرقه احتمال السقوط والقيام والقعود ~~مما جرت به العوائد , فلما ضم إليها الركوع تمخضا للخضوع بين يدي الملك ~~العليم العزيز الرحيم . | ولما كان الإنسان محل الفتور والغفلة والنسيان , ~~وكان ذلك في محل الغفران , وكان لا يمكن صلاحه إلا بالخوف من الملك الديان ~~, قال معللا أو مستأنفا جوابا لمن كأنه يقول : ما له يتعب نفسه هذا التعب ~~ويكدها هذا الكد : { يحذر الآخرة } أي عذاب الله فيها ms4332 , فهو دائم التجدد ~~لذلك كلما غفل عنه . | ولما ذكر الخوف , أتبعه قرينه الذي لا يصح بدونه ~~فقال : { ويرجوا رحمة ربه } أي الذي لم يزل ينقلب في إنعامه . | ولما كان ~~الحامل على الخوف والرجاء والعمل إنما هو العلم النافع , وكان العلم لا ~~ينفع كالجهل أو الجهل خير , كان جواب ما تقدم من الاستفهام : لا يستويان , ~~لأن المخلص عالم والمشرك جاهل . | فأمره بالجواب بقوله : { قل } أي لا ~~يستويان , لأن الحامل على الإخلاص العلم وعلى الإشراك الجهل وقلة العقل , ~~ثم أنكر على من يشك في ذلك فقل له : { هل يستوي } أي في الرتبة { الذين ~~يعلمون } أي فيعلمون على مقتضى العلم , فأداهم علمهم إلى التوحيد والإخلاص ~~في الدين { والذين لا يعلمون } فليست أعمالهم على مقتضى العلم إما لجهل ~~وإما لإغراض على مقتضى العلم فصاروا لا علم لهم لأنه لا انتفاع لهم به ~~لأنهم لو تأملوا أدنى تأمل مع تجريد الأنفس من الهوى لرجعوا إليه من أنه لا ~~يرضى أحد اصلا لعبده أن يخالف أمره , وإلى أنه لا يطلق العلم إلا على ~~العامل أرشد قول ابن هشام في السيرة < # > 77 ( { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } ) 77 < # > [ آل عمران : 188 ] أن يقول الناس : علماء , وليسوا بأهل علم , لم ~~يحملوهم على هدى ولا حق . | PageV06P427 ولما كان مدار السداد التذكر . | ~~وكان مدار التذكر الذي به الصلاح والفساد هو القلب لأنه مركز العقل الذي هو ~~آلة العلم , وكان القلب الذي لا يحمل على الصلاح عدما , بل العدم خير منه , ~~قال : { إنما يتذكر } أي تذكرا عظيما بما أفهمه إظهار التاء فيعلم أن ~~المحسن لا يرضى بالإحسان إلى من يأكل خيره ويعبد غيره { أولوا الألباب * } ~~أي العقول الصافية والقلوب النيرة وهم الموصوفون آخر آل عمران بقوله تعالى ~~: ^ ( { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم } ) ^ [ آل عمران : ~~191 ] إلى آخرها , وما أحسن التعبير هنا باللب الذي هو خلاصة الشيء لأن ~~السياق للإخلاص , قال الرازي في اللوامع : قال الإمام محمد بن علي الترمذي ~~: خلق الله تعالى الأشياء مسخرة للآدمي , وخلق الآدمي للخدمة ms4333 , ووضع فيه ~~أنواره ليخرج الخدمة لله تعالى من باطنه بالحاجة , فالآدمي مندوب إلى العلم ~~بالله تعالى وبأوامره حسب ما خلق له , والخدمة والقنوت بقلبك بين يديه ~~ماثلا منتصبا محقا مبادرا مسارعا سائقا مركبك في جميع أمورك بالحب له , ~~وعلم الخدمة علم البساطين : بساط القدرة وبساط العبودة فإذا طالعت بساط ~~القدرة بعقل وافر وهو أن تعرف نفسك وتركيبك من روحاني وجسماني , وطالعت ~~بساط العبودة بكياسة تامة أدركت تدبيره في العبودة وباطن أمره ونهيه وعلل ~~التحريم والتحليل , وبسط الله بساط الربوبية من باب القدرة , وبسط بساط ~~العبودة من باب العظمة , ثم كان آخر خلقه سبحانه هذا الإنسان الذي بسط له ~~هذين البساطين , وجميع فيه العالمين , وزاد على ما فيهما من قبول الأمر ~~اختيارا وطوعا , وكل شيء أعطاك إنما أعطاك لتبرزه إلى جوارحك , وتستعمله ~~فيما خلق له , فلو لم يعطك منك , فلا تطلب الزكاة ممن لا مال له , ولا ~~الصلاة قياما ممن لا رجل له . | < < # | الزمر : ( 10 - 13 ) قل يا عباد . . . . . # > > ^ ( قل يعباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب * قل إني أمرت أن ~~أعبد الله مخلصا له الدين * وأمرت لأن أكون أول المسلمين * قل إني أخاف إن ~~عصيت ربي عذاب يوم عظيم ) ^ } ) | ولما ثبت أن القانت خير , وكان المخالف ~~له كثيرا , وعلى أعظم حامل على القنوت التقوى , وكانت كثرة المخالف أعظم ~~مزلزل , وكان الإنسان - لما له من النقصان - أحوج شيء إلى التثبيت , وكان ~~التثبيت من المجانس , والتأنيس من المشاكل أسكن للقلب وأشرح للصدر , أمر ~~أكمل الخلق وأحسنهم ملاطفة بتثبيتهم فقال : { قل } ولما كان الثبات لا يرسخ ~~مع كثرة المخالف , وتوالي الزالزل والمتالف , إلا إذ كان عن الملك , جعل ~~ذلك عنه سبحانه ليجتمع عليه الخالق والأقرب إليه من الخلائق , فقال : { يا ~~عباد } دون أن يقول : يا عباد الله , مثلا تذكيرا لهم تسكينا لقلوبهم بما ~~علم من أن PageV06P428 التقدير . | قال الله , وتشريفا لهم بالإضافة إليه ~~بالضمير الدال على اللطف وشدة الخصوصية , وإعلاما ms4334 لهم بأنه حاضر لا يغيب ~~عنهم بوجه : { الذين آمنوا } أي أوجدوا هذه الحقيقة ولو على أدنى حالاتها . ~~| ولما كان الإحسان ربما جرأ على المحسن , أشار سبحانه إلى سداد قزل ~~العارفين ( اجلس على البساط وإياك والانبساط ) ونبه بلفت القول على مظهر ~~التكلم إلى الوصف بما يدل على أن العاقل من أوجب له الإحسان إجلالا وإكبارا ~~, وأثمر له العطف والتقريب ذلا في نفسه وصغارا , وخوفا وانسكارا , مما أقله ~~قطع الإحسان فقال : { اتقوا ربكم } أي اجعلوا بينكم وبين غضب المحسن إليكم ~~وقاية بأن تترقوا في درجات طاعته مخلصين له كما خلقكم لكم لا لغرض له ليرسخ ~~إيمانكم ويقوي إحسانكم , وهذا أدل دليل على أن الإيمان يكون مع عدم التقوى ~~. | ولما أرشدهم بالاسم الناظر إلى الإحسان إلى أن يقولوا : فما لنا إن ~~فعلنا ؟ قال مجيبا معللا : { للذين أحسنوا } أي لكم , ولكنه أظهر الوصف ~~الدال على سبب جزائهم تشويقا إلى الازدياد منه , ولما كان العمل لا ينفع ~~إلا في دار التكليف قال : { في هذه } باسم الإشارة زيادة في التعين { ~~الدنيا } أي الدنية الوضرة التي لا تطهر الحياة فيها إلا بالتقديس بعبادة ~~الخالق والتخلق بأوصافه { حسنة } أي عظمية في الدنيا بالنصر والمعونة مع ~~كثرة المخالف وفي الآخرة بالثواب , ويجوز أن يكون معنى { أحسنوا } أوقعوا ~~الإحسان , ومعلوم أنه في هذه الدنيا , فيكون ما بعده مبتدأ وخبرا , لكنه ~~يصير خاصا بثواب الدنيا , فالأول حسن . | ولما كان ربما عرض للإنسان في أرض ~~من يمنعه الإحسان , ويحمله على العصيان , حيث سبحانه على الهجرة إلى حيث ~~يزول عنه ذلك المانع , تنبيها على أن مثل هذا ليس عذرا في التقصير كما قيل ~~: | وإذا نبا بك منزل فتحول | فقال : { وأرض الله } أي الذي له الملك كله ~~والعظمة الشاملة { واسعة } ووجوده بعلمه وقدرته في كل أرض على حد سواء , ~~فالمتقيد بمكان منها ضعيف العزم واهن اليقين , فلا عذر للمفرط في الإحسان ~~بعدم الهجرة . | ولما كان الصبر على هجرة الوطن ولا سيما إن كان ثم أهل ~~وعشيرة شديدا جدا , ذكر ما للصابر على ذلك لمن ms4335 تشوف إلى السؤال عنه فقال : ~~{ إنما يوفى } أي التوفية العظمية { الصابرون } أي على ما تكرهه النفوس في ~~مخالفة الهوى واتباع أوامر الملك الأعلى من الهجرة وغيرها { أجرهم بغير ~~PageV06P429 حساب * } أي على وجه من الكثرة لا يمكن في العادة حسبانه , ~~وذلك لأن الجزاء من جنس العمل , وكل عمل عده وحصرؤه إلا الصبر فإنه دائم مع ~~الأنفاس , وهو معنى من المعاني الباطنة لا يطلع خلق على مقداره في قوته ~~وضعفه وشدته ولينه لأنه مع خفائه يتفاوت مقداره , وتتعاظم آثاره , بحسب ~~الهمم في علوها وسفولها , وسموها ونزولها , ويجوز أن يكون المعنى أن من كمل ~~صبره بما أشارت إليه لام الكمال - لم يكن عليه حساب , لما رواه البزار وابن ~~حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : جاءت امرأة بما لمم إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله , ادع الله لي , قال ( ~~إن شئت دعوت الله فشفاك , وإن شئت صبرت ولا حساب عليك ) قالت : بل أصبر ولا ~~حساب علي . | ولما كانت الأعين ناظرة إلى الأمر هل يفعل ما يأمر به ومقيده ~~بالرئيس لتأتسي به , وكان أعظم الصابرين من جاهد نفسه حتى خلص أعمالها من ~~الشوائب وحماها من الحظوظ والعوائق , وصانها من الفتور والشواغل , أمره بما ~~يرغبهم في المجاهدة , ويكشف لهم عن حلاوة الصبر , بقوله : { قل } ولما كان ~~الرئيس لقربه من الملك بحيث يظن أنه يسامحه في كثير مما يكلف به غيره أكد ~~قوله : { إني أمرت } وبني الفعل لما لم يسم فاعله تعظيما للأمر بأنه قطع ~~ومضى بحيث لم يبق فيه مشوبة , وأقام مقام الفاعل دليلا على أنه العمدة للحث ~~على لزومه قوله : { أن أعبد الله } أي الذي خلق كلهم سواء بالنسبة إلى ~~قبضته وعلوه وعظمته لأنه غني عن كل شيء { مخلصا له الدين * } أي العبادة ~~التي يرجى منه الجزاء عليها . | ولما كان الرئيس إذا سابق إلى شيء شوق ~~النفوس إليه , وأوجب عليها العكوف عليه قال : { وأمرت } أي , وقع الأمر لي ~~وانبرم بأوامر وعظيمة وراء ما أمرتم به ى ms4336 تطيقونها { لأن } أي لأجل أن { ~~أكون } في وقتي وفي شرعي { أول } أي أعظم { المسلمين * } أي المنقادين في ~~الرتبة الحائزين قصب السبق بكل اعتبار لأوامر الإله الذي لا فوز إلا ~~بامتثال أوامره أو أسبق الكائنين منهم في زماني , فجهة هذا الفعل غير جه ~~الأول , فلذلك عطف عليه لأنه لإحراز قصب السبق , والأول لمطلق الإخلاص في ~~العبادة . | ولما كان ما أمر به مفهما لأن يكون مع ترغيب ومع ترهيب , وكان ~~ربما يظن أن الرئيس لا يرهب الملك لأمور ترجى منه أو تخشى , وكان تكرير ~~الأمر بإبلاغ المأمورين PageV06P430 أوقع في قلوبهم وأشد إقبالا بنفوسهم ~~قال تعالى : { قل } أي لأمتك , وأكد - لما في الأوهام أن الرئيس لا يخاف - ~~قوله { إني أخاف } أي مع تأمينه لي بغفران ما تقدم وما تأخر إخلاصا في ~~إجلاله وإعظامه وفعلا لما عبد لمولاه الذي له جميع الكبرياء والعظمة , ولما ~~كان وصف الإحسان ربما جرا على العصيان , يبن أنه لا يكون ذلك إلا لعدم ~~العرفان فقال : { إن عصيت ربي } أي المحسن إلي المربي لي بكل جميل فتركت ~~الإخلاص له { عذاب يوم عظيم * } وإذا كان اليوم عظيما , فكيف يكون عذابه . ~~| < < # | الزمر : ( 14 - 19 ) قل الله أعبد . . . . . # > > ^ ( قل الله أعبد مخلصا له ديني * فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران ~~المبين * لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده ~~يعباد فاتقون * والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم ~~البشرى فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم ~~الله وأولئك هم أولو الألباب * أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في ~~النار ) ^ } ) | ولما بين ما أمر به , وأعلم أنه يخاف ممن مخالفة الأمر له ~~بذلك فأفهم أنه ممتثل لما أمر به , امؤه سبحانه بأن يصرح بذلك لأن التصريح ~~من المزية ما لا يخفى فقال : { قل الله } أي المحيط بصفات الكمال وحده { ~~أعبد } تخصيصا له بذلك , لا أنحو أصلا بالعبادة نحو غيره ms4337 أبدا { مخلصا له } ~~وحده { ديني * } أي امتثالا لما أمرت به فلا أشينه بشائبة أصلا لا طلبا ~~لجنة ولا خوفا من نار فإنه قد غفر لي ما تقدم وما تأخر , فصارت الرغبة فيما ~~عنده سبحانه والخوف من سطواته التي جماعها قطع الإحسان الذي هو عند ~~الأغبياء أدنى ما يخاف فإنما خوفي إعطاء المقام حقه من ذل العبودية وعز ~~الربوبية . | ولما علم من هذا غاية الامتثال بغاية الرغبة والرهبة وهم ~~يعلمون أنه صلى الله عليه وسلم أقواهم قلبا وأصفاهم لبا , وأجرأهم نفسا ~~وأصدقهم وأشجعهم عشيرة وحزبا , كان خوف غيره من باب الأولى , فسبب عنهد ~~تهديدهم أعظم تهديدا بقوله : { فاعبدوا } أي أنتم أيها أو غيره . | ونبه ~~على سفول رتبة كل شيء بالنسبة إليه سبحانه تسفيها لمن يلتفت إلى سواه بقوله ~~: { من دونه } فإن عبادة ما دونه تؤدي إلى قطع إحسانه , ولا إحسان إلا ~~إحسانه , فإذا انقطع حل كل سوء , وفي ذلك جميع الخسارة . | PageV06P431 ~~ولما كانوا يدعون الذكاء , ويفعلون ما لا يفعله عاقل , أمره أن يقول لهم ما ~~ينبههم على غباوتهم بما يصيرون إليه من شقاوتهم فقال : { الذين خسروا ~~أنفسهم } أي بدخولهم على الإنسان بعد نفسه أهله الذين عزه بهم قال : { ~~وأهليهم } أي لأنهم إن كانوا مثلهم فحالهم في الخسارة كحالهم , ولا يمكن ~~أحدا منهم أن يواسي صاحبه بوجه فإنه لكل منهم شأن يغنيه , وإن كانوا ناجين ~~فلا اجتماع بينهم . | ولما كانت العاقبة هي المقصودة بالذات , قال : { يوم ~~القيامة } لأن ذلك اليوم هو الفيصل لا يمكن لما فات فيه تدارك أصلا ولما ~~كان في ذلك غاية الهول . | كرر التعريف بغباوتهم تنبيها على رسخوهم في ذلك ~~الوصف على طريق النتيجة لما أفهمه وتعريف الخبر ووصفه : { إلا ذلك } أي ~~الأمر العظيم البعيد الرتبة في الخسارة جدا { وهو } أي وحده { الخسران } ~~أتى بصيغة الفعلان المفهم مطلقا للمبالغة فكيف إذا بنيت على الضم الذي هو ~~أثقل الحركات , وزاد في تقريعهم بالغباوة بقوله : { المبين * } . | ولما ~~علم بهذا أنه البين في نفسه المنادي بما فيه من القباحة بأنه لا خسران ms4338 غيره ~~, فصله بقوله على طريق التهكم بهم : { لهم } فإن عادة اللام عند مصاحبة ~~المجرور ولا سيما الضمير إفهام المحبوب للضمير لا سيما مع ذكر الراحة , ~~أزال إلى قربها منهم بإثبات الجار فقال : { من فوقهم ظلل } ولما أوهم ذلك ~~الراحة , أزال ذلك بقوله : { من النار } وذلك أنكأ مما لو أفهمهم الشر من ~~أول الأمر . | ولما كان في القرار - كائنا ما كان على أي حال كان نوع من ~~الراحة بالسكون , بين أنهم معلقون في غمرات الاضطراب , يصعدهم اللهيب تارة ~~, ويهبطهم انعكاسه عليهم برجوعه إليهم أخرى , فلا قرار لهم أصلا كما يكون ~~الحب في الماء على النار , يغلي به صاعدا وسافلا , لا يقر في أسفل القدر ~~أصلا لقوله : { ومن تحتهم } . | ولما كان كون الظلة المأخوذة من الظل من ~~تحت في غاية الغرابة , أعادها ولم يكتف بالأولى , ولم يعد ذكر النار لفهمها ~~في التحت من باب الأولى فقال : { ظلل } ومما يدل على ما فهمته من عدم ~~القرار ما رواه البخاري في صحيحه عن سمر بن جندب رضي الله عنه قال : كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال ( من رأى ~~منكم الليلة رؤيا ) فسألنا يوما قلنا : لا , قال ( لكني رأيت رجلين أتياني ~~فأخذا بيدي وأخرجاني إلى الأرض المقدسة ) فذكره بطوله حتى قال ( فانطلقا ~~إلى نقب مثل PageV06P432 التنور أعلاه ضيق وأسفله , توقد تحته نار , فإذا ~~فيه رجال ونساء عراة فيأتيهم اللهيب من تحتهم فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا ~~يخرجون فإذا خمدت رجعوا فذكره ) وهو طويل عظيم , ثم فسرهم بالزناة . | ولما ~~كان هذا أمرا مهولا , وهو لا يرهبونه ولا يرجعون عن غيهم به , ذكر فائدته ~~مع الزيادة في تعظيمه فقال : { ذلك } أي الأمر العظيم الشأن { يخوف الله } ~~أي الملك الأعظم الذي صفاته الجبروت والكبر { به عباده } أي الذين لهم ~~أقلية الإقبال عليه ليزدادوا إيمانا فيعيذهم منه . | ولما أهلهم للإضافة ~~إليه وخوفهم سطواته , أقبل عليهم عند تهيئتهم للاستماع منبها على أنه تخويف ~~استعطاف فقال : { يا عباد فائقون * } أي سببوا عن ذلك أن ms4339 تجعلوا بينكم وبين ~~ما يسخطني وقاية مما يرضيني لأرضى عنكم . | ولما ذكر ما لمن عبد الطاغوت , ~~عطف عليه أضدادهم ليقترن الوعد بالوعيد , فيحصل كمال الترغيب والترهيب فقال ~~: { والذين اجتنبوا } أي كلفوا أنفسهم ذلك لما لها في الانسياق إليه من ~~الهوى مع تزيين الشيطان ( حفت النار بالشهوات ) ولما كان للإجمال ثم البيان ~~موقع عظيم , قال : { الطاغوت } وهو كل ما عبد من دون الله , فلغوت من ~~الطغيان وهو صيغة مبالغة , وفيه مبالغة أخرى بجعل الذات عين المعنى , ودل ~~على عكس من تبعها بتعكيس حروفها , ولما ذكر اجتنابها مطلقا ترغيبا فيه , ~~بين خلاصة ما يجتنب لأجله مع التنفير منها بتأنيثها الذي أبصره المنيبون ~~بتقوية الله لهم عليها حتى كانوا ذكرانا وهو إناثا عكس ما تقدم للكفار في ~~البقرة , فقال مبدلا منها يدل اشتمال : { أن يعبدوها } . | ولما ذكر اجتناب ~~الشرك , أتبعه التزام التوحيد فقال : { وأنابوا } أي رجعوا رجوعا عظيما ~~أزالوا فيه النوبة وجعلوها إقبالة واحدة لا صرف فيها { إلى الله } أي ~~المحيط بصفات الكمال فلا معدل عنه { لهم البشرى } في الدنيا على ألسنة ~~الرسل وعند الموت تتلقاهم الملائكة فقد ربحوا ربحا لا خسارة معه لأنهم ~~انتفعوا بكلام الله فأخلصوا دينهم له فبشرهم - هكذا كان الأصل , ولكنه أظهر ~~تعميما وتعليقا بالوصف فقال مسببا عن عملهم , صارفا القول إلى التكلم ~~بالإفراد تشريفا للمبشرين الموصوفين : { فبشر عباد * } أي الذين أهلوا ~~أنفسهم بقصر هممهم علي للإضافة إلي { الذين يستمعون } أي بجميع قلوبهم { ~~القول } أي هذا الجنس من كل قائل ليسوا جفاة عساة إذا أقبلوا على شيء ~~PageV06P433 أعرضوا عن غيره بغير دليل { فيتبعون } أي بكل عزائمهم بعد ~~انتقاده : { أحسنه } بما دلتهم عليه عقولهم من غير إلى أدنى هوى , ويدخل في ~~هذه الآية دخولا بينا حث أهل الكتاب على اتباع هذا القرآن العظيم , فإن كتب ~~الله كلها حسنة , وهذا القرآن أحسنها كلاما , ويعاني ونظاما , لا يشك في ~~هذا أحد له أدنى ذوق . | ولما بين عملهم , أنتج ذلك مدحهم فقال مظهرا زيادة ~~المحبة لهم والاهتمام بشأنهم بالتأكيد : { أولئك } أي العالو الهمة ms4340 والرتبة ~~خاصة { الذين } ولما كان في هؤلاء المجتبين العالو الرتبة جدا وغيره , أبرز ~~المفعول فقال محولا الأسلوب إلى الاسم الأعظم إشارة إلى عظيم هدايتهم , { ~~هداهم الله } بما له من صفات الكمال فبين سبحانه أن لا وصول إليه إلا به , ~~وهذا بخلاف آية الأنعام حيث ذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال { ~~أولئك الذين هدى الله } فحذف المفعول لتصير هدايتهم مكررة بوجوب تسليط ~~العامل على الموصول الذي أعاد عليه الضمير في هذه الآية , وكرر الإشارة ~~زيادة في تعظيمهم فقال : { وأولئك هم } أي خاصة { أولوا الألباب * } أي ~~العقول الصافية عن شوب كدر . | ولما خص سبحانه البشارة بالمحسنين , علم أن ~~غيرهم قد حكم بشقاوته , وكان صلى الله عليه وسلم لما جبل عليه من عظيم ~~الرحمة ومزيد الشفقة جديرا بالأسف على من أعرض , سبب عن أسقه عليهم قوله : ~~{ أفمن حق } وأسقط تاء التأنيث الدالة على اللين تأكيدا للنهي عن الأسف ~~عليهم { عليه كلمة العذاب } بإبائه وتوليه , فكان لذلك منغمسا في النار ~~التي أبرمنا القضاء بأنها جزاء الفجار لا يمكن إنقاذه منها , أفأنت تنقذه ~~من إعراضه الذي غمسه في النار ؟ ثم دل على هذا الذي قدرته بقوله مؤكدا ~~بإعادة حرف الاستفهام لأجل طول الكلام ولتهويل الأمر وتفخيمه للنهي عن ~~تعليق الهم بهم لما عنده صلى الله عليه وسلم من جبلة العطف والرقة على عباد ~~الله : { أفأنت تنقذ } أي تخلص وتمنع وتنجي , ووضع موضع ضميره قوله شهادة ~~عليه بما هو مستحقه ولا يمكن غير الله فكه منه { من في النار * } متمكنا ~~فيها شديد الانغماس في طبقاتها , والرسوخ بحيث إنها قد أحاطت به من كل جانب ~~, وكان الأصل : أنت تنقذ من حق عليه العذاب , فقدم المفعول وجعله عمدة ~~الكلام ليقرع السمع ويترقب الخبر عنه , ثم حذف خبره ليكون أهول فتذهب النفس ~~فيه كل مذهب , ثم أنكر أن يكون أعلى الخلق ينقذه , فغيره من باب الأولى , ~~فصار الكلام بذلك من الرونق والبهجة والهول والإرهاب ما لا يقدر البشر على ~~مثله . | < < # | الزمر : ( 20 - 23 ) لكن الذين اتقوا . . . . . # > > ^ ( لكن الذين اتقوا ms4341 ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها ~~الأنهار وعد الله لا PageV06P434 يخلف الله الميعاد * ألم تر أن الله أنزل ~~من السمآء مآء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم ~~يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب * أفمن شرح ~~الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ~~أولئك في ضلال مبين * الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه ~~جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله ~~يهدي به من يشآء ومن يضلل الله فما له من هاد ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما بين أن من عبد الأنداد هالك لخروجه عن دائرة العقل بجرأة وعدم ~~تدبير , بين ما لأضدادهم , فقال صارفا القول عن الاسم الأعظم إلى وصف ~~الإحسان إشارة إلى كرم المتقين بما لهم من إصالة الرأي التي أوجبت خوفهم مع ~~تذكر الإحسان ليدل على أن خوفهم عند تذكر الانتقام أولى : { لكن الذين ~~اتقوا ربهم } أي جعلوا بينهم وبين سخط المحسن إليهم وقاية في كل حركة وسكنة ~~, فلم يفعلوا شيئا من ذلك إلا بنظر يدلهم على رضاه { لهم غرف } أي علالي من ~~الجنة يسكونها في نظير ظلل الكفار . | ولما كانت الغرف في قرار تقر به ~~العيون لم يقل ( من فوقهم ) كما قال في أهل النار وقال : { من فوقها غرف } ~~أي شديدة العلو . | ولما كان ربما ظن أن الطبقة الثانية السماء , لأن ~~الغرفة أصلها العالي , ولذلك سميت السماء السابعة غرفة , وأن تكون الغرفة ~~مثل ظلل النار ليس لها قرار , قال تحقيقا للحقيقة مفردا كما هو المطرد في ~~وصف جمع الكثرة لما يعقل : { مبنية } . | ولما كانت المنازل لا تطيب إلا ~~بالماء , وكان الجاري أشرف وأحسن قال : { تجري من تحتها } أي الغرف من ~~الطبقة السفلى والطبقة العليا من غير تفاوتن بين العلو والسفل , لأن القدرة ~~صالحة لأكثر من ذلك { الأنهار } . | ولما ذكر يوم القيامة وما يكون فيه , ~~بين أنه أمر لا ms4342 بد منه بقوله , رادا السياق إلى الاسم الأعظم الذي لا يتصور ~~مع استحضار ما له من الجلال إخلاف : { وعد الله } مؤكدا لمضمون الجملة ~~بصيغة المصدر الدال على الفعل الناصب له , وهو واجب الإضمار والإضافة إلى ~~الاسم الأعظم الجامع لجميع الصفات , ثم أتبع ذلك بيان ما يلزم من كونه وعده ~~بقوله على سبيل النتيجة : { لا يخلف الله } أي الملك الذي لا شريك له يمنعه ~~من شيء يريده . | ولما كان الرعي لزمان الوعد ومكانه إنما يكون للمحافظة ~~عليه أبلغ من رعيه نفسه , عبر بالمفعال فقال : { الميعاد } لأنه لا سبب ~~أصلا يحمله على الإخلاف . | ولما أخبر سبحانه بقدرته على البعث , دل عليها ~~بما يتكرر مشاهدته من مثلها , PageV06P435 وخص المصطفى صلى الله عليه وسلم ~~بالخطاب حثا على تأمل هذا الدليل تنبيها على عظمته فقال مقدرا : { ألم تر } ~~أي مما يدلك على قدرته سبحانه على إعادة ما اضمحل وتمزق , وأرفت وتفرق : { ~~أن الله } أي الذي له صفة كمال { أنزل من السماء } أي التي لا يستمسك الماء ~~فيها إلا بقدرة باهرة تقهره على ذلك { ينابيع } أي عيونا فائرة { في الأرض ~~} فقهره على الصعود بعد أن غيبه في أعماقها بالفيض والصوب بعد أن كان قسره ~~على الانضباط في العلو ثم أكرهه على النزول على مقدار معلوم وكيفية مدبرة ~~وأمر مقسوم , قال الشعبي والضحاك : كل ماء في الأرض من السماء ينزل إلى ~~الصخرة ثم يقسم منها العيون والركايا . | ولما كان إخراج النبات متراخيا عن ~~نزول المطر , عبر بثم , وفيها أيضا تنبيه على تعظيم الأمر فيما تلاها بأنه ~~محل الشاهد فقال : { ثم يخرج } أي والله { به } أي الماء { زرعا } ولما كان ~~اختلاف المسبب مع اتحاد السبب أعجب في الصنعة وأدل على بديع القدرة , قال : ~~{ مختلفا ألوانه } أي في الأصناف والكيفيات والطبائع والطعوم وغير ذلك مع ~~اتحاد الماء الذي جمعه من أعماق الأرض بعد أن تفتت فيها وصار ترابا . | ~~ولما كان الإيقاف بعد قوة الإشراف دالا على القهر ونفوذ الأمر , قال إشارة ~~إلى أن الخروج عن الحد غير محمود في ms4343 شيء من الأشياء فإنه يعود عليه النقص { ~~ثم يهيج } وزاد في تعظيم هذا المعنى للحث على تدبره بإسناده إلى خير الخلق ~~صلى الله عليه وسلم فقال : { فتراه } أي فيتسبب عن هيجه وهو شدة ثورانه في ~~نموه بعد التمام بتوقيع الانصرام أنك تراه { مصفرا } آخذا في الجفاف بعد ~~تلك الزهرة والبهجة والنضرة . | ولما كان السياق لإظهار القدرة التامة , ~~عبر بالجعل مسندا إليه سبحانه بخلاف آية الحديد التي عبر فيها بالكون لأن ~~السياق ثم لأن الدنيا عدم فقال : { ثم يجعله حطاما } أي مكسرا مفتتا باليا ~~. | ولما تم هذا المنوال البديع الدال بلا شك لكل من رآه على أن فاعله قادر ~~على الإعادة لما يريد بعد الإبادة , كما قدر على الإيجاد من العدم والإفادة ~~لكل ما لم يكن , قال على سبيل التأكيد للتنبيه على أن إنكارهم غاية في ~~الحمق والجمود : { إن في ذلك } أي التدبير على هذا الوجه { لذكرى } أي ~~تذكيرا عظيما واضحا على البعث وما يكون بعده , فإن النبات كالإنسان سواء , ~~يكون ماء , ثم ينعقد بشرا , ثم يخرج طفلا , ثم يكون شابا , ثم يكون كهلا , ~~ثم شيخا ثم هرما , ثم ترابا مفتتا في الأرض , ثم يجمعه فيخرجه كما أخرج ~~الماء النبات : { لأولي الألباب * } أي العقول الصافية جدا PageV06P436 كما ~~نبه بخصوص الخطاب في أول هذا الباب للمنزل عليه هذا الكتاب , وأما غيره ~~وغير من تبعه بإحسان فهم كبهائم الحيوان . | ولما كان الذي قرر به أمرا ~~فيما يظنه السامع ظاهرا كما كان جديرا بأن ينكر بعض المرافقين مع الظواهر ~~تخصيص الألباء به , سبب عن ذلك الإنكار في قوله : { أفمن شرح الله } أي ~~الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل { صدره للإسلام } أي للإنقياد للدليل ~~, فكان قلبه لينا فانقاد للإيمان فاهتدى لباطن هذا الدليل { فهو } أي ~~فيتسبب عن إسلام ظاهره وباطنه للداعي أن كان { على نور } أي بيان عظيم كتاب ~~, به يأخذ , ويه يعطي , وإليه في كل أمر ينتهي قد استعلى عليه فهو كأنه ~~راكبه , يصرفه حيث يشاء , وزاد في بيان عظيم هدايته بلفت القول إلى ms4344 مظهر ~~الإحسان فقال : { من ربه } أي المحسن إليه إحسانه في انقياده , فبشرى له ~~فهو على صراط مستقيم , كمن جعل صدره ضيقا حرجا فكان قلبه قاسيا , فكان في ~~الظلام خابطا , فويل له - هكذا كان الأصل ولكن قيل : { فويل للقاسية قلوبهم ~~} أي لضيق صدورهم , وزاد في بيان ما بلاهم به من عظيم القسوة بلفت القول ~~إلى الاسم الدال على جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى فقال : { من ذكر ~~الله } فإن من تبتدئ قسوته مما تطمئن به القلوب وتلين له الجلود , من مدح ~~الجامع لصفات الكمال فهو أقسى من الجلمود . | ولنا كان من رسم بهذا الخزي ~~أخسر الناس صفقة أنتج وصفه قوله تعالى : { أولئك } أي الأباعد الأباغض { في ~~ضلال مبين * } أي واضح في نفسه موضح أمره لكل واحد , فالاية من الاحتباك : ~~ذكر أولا الشرح والنور دليلا على حذف ضده ثانيا , وثانيا الويل للقاسي ~~والضلال دليلا على حذف أولا - روى البيهقي في الشعب والبغوي من طريق ~~الثعلبي والحكيم الترمذي من وجه آخر عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية , قال : فقلنا : يا رسول الله ؟ كيف ~~انشراح صدورهم ؟ قال ( إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح ) قلنا : يا رسول ~~الله ؟ فما علاقة ذلك ؟ قال ( الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار ~~الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت ) . | وقال الأستاذ أبوة القاسم ~~القشيري : والنور الذي من قبله سبحانه نور اللوائح بنجوم العلم , ثم نور ~~اللوامع ببيان الفهم , ثم نور المحاضرة بزوائد اليقين , ثم نور المكاشفة ~~بتجلي الصفات , ثم نور المشاهدة بظهور الذات , ثن نون المحاضرة بزوائد ~~اليقين , ثم نور المكاشفة بتجلي الصفات , ثم نور المشاهدة بظهور الذات , ثم ~~أنوار الصمدية بحقائق التوحيد , فعند ذلك لا وجد PageV06P437 ولا قصد , ولا ~~قرب ولا بعد , كلا بل هو الله الواحد القهار , وذلك كما قيل : المؤمن بقوة ~~عقله يوجب استقلاله بعمله إلى أن يبدو ومنه كمال تمكنه من وقادة بصيرته , ~~ثم إذا بدا له لائحة من سلطان المعارف تصير تلك الأنوار مقمرة , فإذا بدت ms4345 ~~أنوار التوحيد استهلكت تلك الجملة , فلما استبان الصبح أدرج ضوءه بأنواره ~~أنوار تلك الكواكب . | ولما كان من المستبعد جدا أن يقسو قلب من ذكر الله , ~~بينه الله وصوره في أعظم الذكر فإنه كان للذين آمنوا هدى وشفاء , وللذين لا ~~يؤمنون في آذانهم وقر وفي أبصارهم عمى , فقال مفخما للمنزل بجعل الاسم ~~الأعظم مبتدأ وبناء الكلام عليه : { الله } أي الفعال لما يريد الذي له ~~مجامع العظمة والإحاطة بصفات الكمال { نزل } أي بالتدريج للتدريب وللجواب ~~عن كل شبهة { أحسن الحديث } وأعظم الذكر , ولولا أنه هو الذي نزله لما كان ~~الأحسن , ولقدر - ولو يوما واحدا - على الإيتان بشيء من مثله , وأبدل من ( ~~أحسن ) قوله : { كتابا } أي جامعا لكل خير { متشابها } أي في البلاغة ~~المعجزة والموعظة الحسنة , لا تفاوت فيه أصلا في لفظ ولا معنى , مع كونه ~~نزل مفرقا في نيف وعشرين سنة , وأما كلام الناس فلا بد فيه من التفاوت وإن ~~طال الزمان في التهذيب سواء اتحدج زمانه أو لا , والاختلاف في المختلف في ~~الزمان أكثر , ولم يقل : متشبها , لئلا يظن أنه غير واضح الدلالة لا يمدح ~~به . | ولما كان مفصلا إلى سور وآيات وجمل , وصفه بالجمع في قوله : { مثاني ~~} جمع مثنى مفعل من التثنية بمعنى التكرير أي تثنى فيه القصص والمواهظ ~~والأحكام والحكم , مختلفة البيان في وجوه من الحكم , متفاوتة الطرق في وضوح ~~الدلالات , من غير اختلاف أصلا في أصل المعنى , ولا يمل من تكراره , وترداد ~~قراءته وتأمله واعتباره , مع أن جميع ما فيه أزواج من الشيء وضده : المؤمن ~~والكافر , والمطيع والعاصي , والرحمة العامة والرحمة الخاصة , والجنة ~~والنار , والنعيم والشقاء والضلال والهدى , والسراء والضراء , والبشارة ~~والنذارة , فلا ترتب على شيء من ذلك جزاء صريحا إلا ثني بإفهام ما لضده ~~تلويحا , فكان مذكورا مرتين , ومرغبا فيه أو مرهبا منه كرتين , ويجوز أن ~~يكون التقدير : متشابهة مثانيه , فيكون نصبه على التمييز , وفائدة التكرير ~~أن النفوس أنفي شيء عن حديث الوعظ والنصيحة , فما لم يكرر عليها عودا على ~~ما بدء لم يرسخ عندها ولم يعمل ms4346 عمله , ومن ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يكرر قوله ثلاث مرات فأكثر . | ولما كان التكرار يمل , ذكر أن من خصائص هذا ~~الكتاب أنه يطرب مع التكرار , PageV06P438 ويزداد حلاوة ولو أثنى آناء ~~الليل وأطراف النهار , فقال : { تقشعر } أي تهتز وتتجمع وتتقبض تقبضا شديدا ~~, من القشع وهو الأدسم اليابس , وزيد حرفا لزيادة المعنى , واختير حرف ~~التكرير إشارة إلى المبالغة فيه , وكونه حرف التطوير أشد للمناشبة { منه ~~جلود } أي ظواهر أجسام { الذين يخشون } أي يخافون خوفا شديدا ويلتذون لذة ~~توجب إجلالا وهيبة , فيكون ذلك سبب ذلك , وزاد في مدحهم بأنهم يخافون ~~المحسن , فهم عند ذكر أوصاف الجلال أشد خوفا , فلذلك لفت القول إلى وصف ~~الإحسان فقال : { ربهم } أي المربي لهم والمحسن إليهم لاهتزاز قلوبهم , روى ~~الطبراني عن العباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا ~~اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت خطاياه ) وروي عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما أنه مر برجل من أهل العراق ساقط , قال : فما بال هذا ؟ قال : إنه إذا ~~قرئ عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط , قال ابن عمر رضي الله عنهما : إنا ~~لنخشى الله وما نسقط وإن الشيطان ليدخل في جوف أحدهم , ما كان هذا صنيع ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , { ثم تلين } أي تمتد وتنعم , وقدم ما ~~صرح فيه بالاقشعرار الذي يلزمه البيس , وأخر القلوب إبعادا لها عما قد يفهم ~~يبسا فيوهم قسوة فقال : { جلودهم } لتراجعهم بعد برهة إلى الرجاء ةإن اشتدت ~~صلابتها { وقلوبهم } وذكره الخشية لا تكون إلا في القلب , وكان سر حذف ~~التصريح بذلك تنزيها عن ذكر ما قد يفهم القسوة . | ولما كان القلب شديد ~~الاضطراب والتقلب , دل على حفظه له بنافذ أمره وباهر عظمته بالتعدية ب ( ~~إلى ) ليكون المعنى : ساكنة مطمئنة { إلى ذكر الله } أي ذي الجلال والأكرام ~~, فإن الأصل في ذكره الرجاء لأن رحمته سبقت غضبه , وأظهر موضع الإضمار ~~لأحسن الحديث لئلا يوهم أن الضمير للرب , فيكون شبهة لأهل الاتحاد أو غيرهم ~~من أرباب ms4347 البدع , ولم يقل : إلى الحديث أو الكتاب - مثلا , بل عدل إلى ما ~~عرف أنه ذكره سبحانه ليكون أفخم لشأنه , وزاده فخامة بصرف القول المقتضي ~~للإحسان إلى الاسم الجامع للجلال والإكرام . | ولما كان ما ذكر من الآثار ~~عجبا , دل على عظمته بقوله على طريق الاستنتاج : { ذلك } أي الأمر العظيم ~~الغريب من الحديث المنزل والقبض والبسط { هدى الله } أي PageV06P439 الذي ~~لا يتمتع عليه شيء { يهدي به من يشاء } ومن هداه الله فما له من مضل , ويضل ~~به من يشاء فلا تتأثر جلودهم لقساوة قلوبهم , فيكون هدى لناس ضلالا لآخرين ~~{ ومن يضلل الله } أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء إضلالا راسخا في قلبه ~~بما أشعر به الفك ليخرج الضلال العارض { فما له من هاد * } لأنه لا راد ~~لأمره ولا معقب لحكمه , لأنه الواحد في ملكه , فلا شريك له , فالآية من ~~الاحتباك : ذكر أولا إطلاق أمره في الهداية دليلا على حذف مثله في الضلال , ~~وثانيا انسداد باب الهداية على من أضله دليلا على وحذف مثله فيمن هداه وهي ~~دامغة للقدرية . | < < # | الزمر : ( 24 - 28 ) أفمن يتقي بوجهه . . . . . # > > ^ ( أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما ~~كنتم تكسبون * كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون * ~~فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون * ~~ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون * قرآنا عربيا غير ~~ذي عوج لعلهم يتقون ) ^ } ) | ولما أتم الإنكار على من سوى , بين من شرح ~~صدره ومن ضيق , وما تبعه وختم بأن الأول مهتد , والثاني ضال , شرع في بيان ~~ما لكل منهما نشرا مشوشا في أسلوب الإنكار أيضا , فقال مشيرا إلى أن الضلال ~~سب العذاب , والهدى سبب النعيم , وحذف هنا المنعم الذي سبب له النعيم لين ~~قلبه كما حذف القاسي في آية الشرح الذي سببت له قسوته العذاب , لتتقابل ~~الآيتان , وتتعادل العبارتان : { أفمن } وأفرد على لفظ { من } لئلا يظن أن ~~الوجوه الأكابر فقال : { يتقي } ودل على أن يده التي جرت العادة ms4348 بأنه يتقي ~~بها المخاوف مغلولة بقوله : { بوجهه } الذي كان يقيه المخاوف ويحميه منها ~~بجعله وهو أشرف أعضائه وقاية يقي به غيره من بدنه { سوء العذاب } أي شدته ~~ومكروهه لأنه تابع نفسه على هواها حتى قسا قلبه وفسد لبه { يوم القيامة } ~~لأنه يرمي به في النار منكوسا وهو مكبل , لا شيء له من أعضائه مطلق يرد به ~~عن وجهه في عنقه صخرة من الكبريت مثل الجبل العظيم , ويسحب في النار على ~~وجهه , كمن أمن العذاب فهو يتلقى النعيم بقلبه وقالبه . | ولما كان مطلق ~~التوبيخ والتقريع متكئا , بنى للمفعول قوله : { وقيل } له - هكذا كان الأصل ~~, ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم به وجمع تنبيها على أن كثرتهم لم تغن ~~عنهم شيئا فقال : { للظالمين } أي الذين تركوا طريق الهدى واتبعوا الهوى ~~فضلوا وأضلوا : { ذوقوا ما } أي جزاء ما { كنتم تكسبون * } أي تعدونه فائدة ~~وثمرة لأعمالكم وتصرفاتكم , وقيل لأهل النعيم : طيبوا نفسا وقروا عينا جزاء ~~بما كنتم PageV06P440 تعلمون , فالآية من الاحتباك : ذكر الاستفهام أولا ~~دليلا على حذف متعلقه ثانيا , وما يقال للظالم ثانيا دليلا على ما يقال ~~للعدل أولا . | ولما ذكر ما أعد لهم من الآخرة , وكانوا في مدة كفرهم ~~كالحيوانات العجم لا ينتظرون إلا الجزئيات الحاضرة , خوفهم بما يعملونه في ~~الدنيا , فقال على طريق الاستئناف في جواب من يقول : فهل يعذبون في الدنيا ~~: { كذب الذين } وأشار إلى قرب زمان المعذبين من زمانهم بإدخال الجار فقال ~~: { من قبلهم } أي مثل سبأ وقوم تبع وأنظارهم : { فأتاهم العذاب } وكان ~~أمرهم علينا يسيرا , وأشار إلى أنه لم يغنهم حذرهم بقوله : { من حيث } أي ~~من جهة { لا يشعرون * } أنه يأتي منها عذاب , جعل إيتانه من مأمنهم ليكون ~~ذلك أوجع للمعذب , وأدل على القدرة بأنه سواء عنده تعالى الإيتان بالعذاب ~~من جهة يتوقع منها ومن جهة لا يتوقع أن يأتي منها شر ما , فضلا عما أخذوه ~~به , بل لا يتوقع إلا الخير . | لما بين سفههم وشدة حمقهم باستعجالهم ~~بالعذاب استهزاء , سبب عنه تبكيت من لم يتعظ بحالهم فقال : { فأذاقهم الله ms4349 ~~} أي الذي لا راد لأمره { الخزي } أي الذل الناشئ عن الفضيحة والعذاب ~~الكبير بما رادزه من إخزاء الرسل بتكذبيهم { في الحياة الدنيا } أي العاجلة ~~الدنية . | ولما كان انتظار الفرج مما يسلس , قال معلما أن عذابهم دائم على ~~سبيل الترقي إلى ما هو أشد , وأكده إنكارهم إياه : { ولعذاب الآخرة } أي ~~الذي انتقلوا إليه بالموت ويصيرون إليه البعث : { أكبر } من العذاب الذي ~~أهلكهم في الدنيا , وأشدهم إخزاء , فالآية من الاحتباك : ذكر الخزي أولا ~~دليلا على إرادته ثانيا , والأكبر ثانيا دليلا على الكبير أولا , وسره ~~تغليظ الأمر عليهم بالجمع بين الخزي والعذاب بما فعلوا برسله عليهم الصلاة ~~والسلام بخلاف ما يأتي في فصلت . | فإن سيافه للطعن في الوحدانية , وهي ~~لكثرة أدلتها وبعدها عن الشكوك وعظيم المتصف بها وعدم تأثيره بشيء يكفي في ~~نكال الكافر به مطلق العذاب . | ولما كان من علم أنه فعله يورث نكالا كف ~~عنه ولا يكفون ولا يتعظون قال : { لو كانوا يعلمون * } أي لو كان لهم علم ~~ما لعلموا أنه أكبر فاتعظوا وآمنوا , ولكنه لا علم لهم أصلا , بل هم ~~كالأنعام بل هم أضل سبيلا , لأن الجزئيات لا تنفعهم كما تنفع سائر ~~الحيوانات , فإن الشاة ترى الذئب فتنفر منه إدراكا لأن بينها وبينه عداوة ~~بما خلق الله في طبعه من أكل أمثالها , وهؤلاء يرون ما حل بأمثالهم من ~~العذاب لتكذيبهم الرسل فلا يفرون منه إلى التصديق . | ولما ذكر سبحانه حال ~~الأولين موعظة للعرب , فكان كأنه قيل صرفا للقول إلى PageV06P441 مظهر ~~العظمة تذكيرا بما في الأناة من المنة لأن حالها يقتضي المعاجلة بالأخذ ~~والمبادرة بإحلال السطوة , ضربنا لكم حالهم مثلا لحالكم لتعتبروا به , فإن ~~الأمثال يفهم بها المعاني الغائبة , وتصير كأنها محسوسة مشاهدة , عطف عليه ~~قوله مؤكدا لإنكارهم أن يكون في القرآن بيان شاف وادعائهم أنه إنما هو شعر ~~وكهانة وسحر : { ولقد ضربنا } على ما لنا من العظمة . | ولما كان في سيقا ~~المفاضلة بين المتقي وغيره من أوائل السورة حين قال ( أمن هو قانت ) إلى أن ~~ختم بقوله ( أفمن يتقي بوجهه ms4350 ) وأسس ذلك كله على ابتداء الخلق من نفس واحدة ~~, كانت العناية في هذا السياق بالمخاطبين أكثر , فقدم قوله : { للناس } أي ~~عامة لأن رسالة رسولكم عامة . | ولما كان المتعنت كثيرا , عين المحدث عنه ~~بالإشارة التي هي أعرف المعارف , وجعلها ما يعبر به عن القرب , إشارة إلى ~~أنه لما أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم خلع القلوب وملأها , فلا حاضر ~~فيها سواه وإن كان المعاند يقول غير ذلك فقوله زور وبهتان وإثم وعدوان , ~~فقال : { في هذا القرآن } أي الجامع لكل علم . | ولما كانت كلماته سبحانه ~~لا تنفذ وعجائبه لا تعد ولا تحد , وكان في سياق التعجيب من توقفهم قال { من ~~كل مثل } أي يكفي ضربه في البيان لإقامة الحجة البالغة , ثم بين علة الضرب ~~بقوله : { لعلهم يتذكرون * } أي ليكون حالهم بعد ضربه حال من يرجى تذكره ~~بما ضرب له ما يعرفه في الكون في نفسه أو في الآفاق تذكرا واضحا مكشوفا - ~~بما أرشد إليه الإظهار , فيتعظ لما في تلك الامثال المسوقة في أحسن المقال ~~المنسوقة بما يلائمها من الأوضاع والأشكال من البيان وأوضح البرهان . | ~~ولما كان ذلك غاية في الشرف , دل على زيادة شرفه بحال مؤكدة دالة على شدة ~~عنادهم , تسمى موطئه لأن الحال في الحقيقة ما بعدها بقوله : { قرآنا } أي ~~حال كون ذلك المضروب جامعا لكن ما يحتاج إليه , ويجوز أن يكون النصب على ~~المدح { عربيا } جاريا على قوانين لسانهم في جمعه باتساعه ووضوحه واحتمال ~~اللفظ الواحد منه لمعان كثيرة , فكيف إذا انضم إلى غيره فصار كلاما . | ~~ولما كان الشيء قد يكون مستقيما بالفعل وهو معوج بالقوة , قال تعالى : { ~~غير ذي عوج } أي ليس بمنسوب إلى شيء من العوج ولا من شأنه العوج , فلا يصح ~~أن يكون معوجا أصلا في شيء من نظمه ولا معناه باختلاف ولا غيره كما في آية ~~الكهف سواء , وفي الإيتان بعوج الذي هو مختص بالمعاني بيان أن الوصف له ~~حقيقة , فهو أبلغ من غير معوج , لأنه يحتمل إرادة أهله على المجاز . | ولما ~~كان التذكر بالتذكير ms4351 لكونه أبلغ للوعظ حاملا , ولا بد للعاقل على الخوف ~~PageV06P442 المسبب للنجاة قال : { لعلهم يتقون * } أي ليكون حالهم بعد ~~التذكير الناشئ عن التذكير حال من يرجى له أن يجعل بينه وبين غضب الله ~~وقاية . | < < # | الزمر : ( 29 - 33 ) ضرب الله مثلا . . . . . # > > ^ ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل ~~يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون * إنك ميت وإنهم ميتون * ثم ~~إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون * فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب ~~بالصدق إذ جآءه أليس في جهنم مثوى للكافرين * والذي جآء بالصدق وصدق به ~~أولئك هم المتقون ) ^ } ) | ولما أقام سبحانه الدليل المنير على التفاوت ~~العظيم , بين من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يدعو الله مخلصا له الدين ~~وبين من يدعو لله أندادا , وختم بضرب الأمثال , وكان الأمثال أبين فيما ~~يراد من الأحوال , قال منبها على عظمتها بلفت القول عن مظهر العظمة إلى ~~الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال : { ضرب الله } أي الملك الأعظم ~~المتفرد بصفات الكمال { مثلا } لهذين الرجلين مع أنه لا يشك ذو عقل أن ~~المشرك لا يداني المخلص فضلا عن أن يقول : إن المشرك أعظم كما يقوله ~~المشركون . | ولما كان الذكر أقوى من الأنثى , وأعرف بمواقع النفع والضر , ~~وكان كونه بالغا أعظم لقوته وأشد لشكيمته , فيكون أنفى للعار عن نفسه وأدفع ~~للظلم عن جانبه وأذب عن حماه , قال مبينا للمثل مشيرا إلى تبكيت الكفار ~~ورضاهم لأنفسهم بما لا يرضاه لنفسه أدنى الأرقاء { رجلا فيه } أي خاصة . | ~~ولما كانت معبوداتهم - لكونها من جملة المخلوقات - كثيرة الأشباه والنظائر ~~, عبر عنها بجمع الكثرة فقال : { شركاء } في الظاهر من الأصنام وفي الباطن ~~من الحظوظ والشهوات , ووصف الشركاء بقوله : { متشاكسون } أي مختلفون عسرون ~~يتجاذبون مع سوء الأخلاق وضيقها وقباحة الشركة , فليس أحد منهم يرضى ~~بالإنصاف , فهو لا يقدر أن يرضيهم أصلا { ورجى سلما } أي من نزاع { لرجل } ~~فليس فيه لغيره شركة ولا علاقة أصلا , فهو أجدر بأن يقدر على رضاه مع راحته ~~من تجاذب الشركاء - هذا على ms4352 قراءة المكي والبصري , وعلى قراءة الباقين بحذف ~~الألف وفتح اللام وهو وصف بالمصدر على المبالغة . | ولما انكشف الحال فيها ~~جدا قال : { هل يستويان } أي الرجلان يكون أحدهما مساويا للآخر بوجه من ~~الوجوه ولو بغاية الجهد والعناية . | ولما كان الاستواء مبهما قال : { مثلا ~~} أي من جهة المثل , أي هل يستوي مثلهما أي يجمعهما مثل واحد حتى أن يكونا ~~هما متساويين فهو تمييز محول في الأصل عن الفاعل , والجواب في هذا ~~PageV06P443 الاستفهام الإنكاري قطعا : لا سواء , بل مثل الرجل السالم في ~~غاية الحسن فكذا ممثوله وهو القانت المخلص , ومثل الرجل الذي وقع فيه ~~التشاكس في غاية القبح فكذا مثموله وهو الداعي للأنداد . | ولما علم بهذا ~~المثل المضروب للرجلين سفول المشترك وهو الداعي للأنداد , وعلو السالم وهو ~~القانت , ظهر بذلك بلا ريب حقارة المتشاركين وجلالة المتفرد وهو الله , ~~فأنتج قطعا قوله : { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال { لله } الذي لا ~~مكافئ له , يعلم ذلك كل أحد لما له من الظهور لما عليه من الدلائل , فلا ~~يصح أن يكون له شريك { بل أكثرهم } أي الناس { لا يعلمون * } لأنهم يعملون ~~لما لا يليق بهذا العلم فيشركون به إما جليا وإما خفيا , ويجوز أن يقال : ~~له الكمال كله , فليس الملتفتون إلى غيره أدنى التفات علماء , بل لا علم ~~لهم أصلا , وهو المشركون شركا جليا , وأما أصحاب الشرك الخفي فهم , وإن كان ~~لهم علم - فليس بكامل . | ولما كان السالم مثلا له صلى الله عليه وسلم ~~ولأتباعه , والآخر للمخالفين , وكان سبحانه قد أثبت جهلهم , وكان الجاهل ذا ~~حمية وإباء لما يدعى إليه من الحق وعصبيته : | والجاهلون لأهل العلم اعداء ~~| فكان لذلك التفكير في أمرهم وما يؤدي إليه من التقاعد من الأتباع ~~والتصويب بالأذى ولا سيما وهو أكثر من أهل العلم مؤديا إلى الأسف وشديد ~~القلق فكان موضع أن يقال : فما يعمل ؟ وكان لا ينبغي في الحقيقة أن يقلق ~~إلا من ظن دوام النكد , قال تعالى مسليا ومعزسا وموسيا في سياق التأكيد , ~~تنبيها على أن من قلق كان حاله مقتضيا ms4353 لإنكار انقطاع التأكيد : { إنك } ~~فخصه صلى الله عليه وسلم لأن الخطاب إذا كان للرأس كان أصدع لأتباعه , فكل ~~موضع كان للأتباع وخص فيه صلى الله عليه وسلم بالخطاب دونهم فهم المخاطبون ~~في الحقيقة على وجه أبلغ . | ولما لم يكن لممكن من نفسه إلا العدم قال : { ~~ميت } أي الآن لأن هذه الصفة لازمة بخلاف ( مايت ) يعني : فكن كالميت بين ~~يدي الغاسل فإنك مستريح قريبا عما تقاسي من أنكادهم , وراجع إلى ربك ~~ليجازيك على طاعتك له { وإنهم } أي العباد كلهم أتباعك وغيرهم { ميتون } ~~فمنقطع ما هم فيه من اللدد والعيش والرغد . | ولما كان الشفاء الكامل إنما ~~يكون بأخذ الثار , وإذلال الظالم , قال مشيرا بأداة التراخي إلى مدة البرزخ ~~مؤكدا لأجل إنكارهم البعث فضلا عن القصاص صادعا لهم بالخطاب بعد الغيبة : { ~~ثم إنكم } أي أيها العباد كلكم , فإن كل أحد مسؤول عن نفسه PageV06P444 وعن ~~غيره هل راعى حق الله فيه , أو أنت وهم من باب تغليب المخاطب وإن كان واحدا ~~لعظمته على الغائبين , وزاد إثبات المعنى بقوله : { يوم القيامة } فساقه ~~مساق ما خلاف فيه , وبين أن ذلك الحال مخالف لهذا الحال لانقطاع الأسباب ~~بقوله , صارفا القول إلى وصف التربية الذي يحق له الفضل على الطائع والعدل ~~يبغي بعضكم على بعض كما هو مشاهد من غير حساب كما أن أقلكم عقلا لا يرضى ~~بذلك في عبيده الذين ملكه الله إياهم ملكا ضعيفا , أو ولاه عليهم ولاية ~~مزلزلة , فكيف بمن فوقه فكيف بالحكماء { تختصمون * } أي تبالغون في الخصومة ~~ليأخذ بيد المظلوم وينتقم له من الظالم , ويجازي كلا بما عمل , أما في الشر ~~فسوءا بسوء , لا يظلم مثقال ذرة ولا ما دونه , وأما في الخير فالحسنة بعشرة ~~أمثالها - إلى ما فوق ذلك مما لا يعلمه غيره , فلا ينبغي أبدا لمظلوم أن ~~يتوهم دوام نكده وعدم الأخذ بيده فيقتصر في العمل ويجنح إلى شيء من الخوف ~~والوجل , بل عليه أن يفرح بما يجزل ثوابه , ويسر بما ييسر حسابه , ويشتغل ~~بما يخلص به نفسه في يوم التلاق الذي ms4354 الناس فيه فريقان , ولا يشتغل بما لا ~~يكون من تصفية دار الكدر عن الأكدار , وقرارة الدنس عن الأقذاء والأقذار , ~~فإن محال على حال من الأحوال , قال القشيري : نعاه صلى الله عليه وسلم ونعى ~~المسلمين إليهم ففرغوا بأنفسهم عن مأتمهم , ولا تعزية في العادة بعد ثلاث , ~~ومن لم يتفرغ عن مأتم نفسه وأنواع غمومه وهمومه , فليس له من هذا الحديث ~~شمة , وإذا فرغ قلب عن حديث نفسه وعن الكون بجملته , فحينئذ يجد الخير من ~~ربه وليس هذا الحديث إلا بعد فنائهم عنهم , وأنشد بعضهم يعني في لسان الحال ~~بما قدمنا : | كتبت إليكم بعد موتي بليلة ولم أدر أني بعد موتي أكتب | ~~انتهى . | ومن المعلوم أنهم جعلوا لله أندادا , وأعلم بأنهم كذبة في ذلك ~~كافرون ساترون للحق , وأنه لا يهدي من هو كاذب كفار , وأخبر أنه لا بد من ~~خصام الداعي لهم بين يديه سبحانه , لآنه لا يجوز في الحكمة تركهم هملا كما ~~هو مقرر في العقول وموجود في الفطر الأولى , ومعلوم بالمشاهدة من أحوالهم ~~فينعم على المظلوم , وينتقم من الظالم , وكان الكاذب في أقل الأشياء ظالما ~~, وأظلم منه الكاذب على الأكابر , وأظلم الظالمين الكاذب على الله , قال ~~تعالى مسببا عما مضى : { فمن اظلم } أي منهم - PageV06P445 هكذا كان الأصل ~~ولكنه قال : { ممن كذب } تعميما وتعليقا بالوصف , فكفر بستر الصدق الثابت ~~وإظهار ما لا حقيقة له . | ولما كان الكذب عظيم القباحة في نفسه فكيف إذا ~~كان كما مضى على الأكابر فكيف إذا كانوا ملوكا , فكيف إذا كان على ملك ~~الملوك , لفت القول إلى مظهر الاسم الأعظم تنبيها على ذلك فقال : { على ~~الله } أي الذي الكبرياء رداؤه والعظمة إزاره , فمن نازعه واحدة منهما قصمه ~~, فزعم فب كذبه أن له سبحانه أندادا , وشركاء وأولادا . | ولما كان وقوع ~~الحساب يوم القيامة حقا لكونه واقعا لا محالة وقوعا يطابق الخبر عنه , لما ~~علم من أنه لا يليق في الحكمة غيره لما علم من أن أقل الخلق لا يرضى أن ~~يترك عبيده سدى , فكيف بالخالق ؟ فكان الخبر به ms4355 صدقا لوقوع العلم القطعي ~~بأنه يطابق ذلك الواقع قال : { إذ جاءه } أي من غير توقف ولا نظر في دليل , ~~كما هو دأب المعاندين , أولئك هم الكافرون لهم ما يضرهم من عذاب جهنم , ذلك ~~جزاء المسيئين . | ولما كان قد تقرر كالشمس أنه لا يسوغ في عقل العاقل ترك ~~الخلق سدى , فكان يوم الدين معلوما قطعا , وكان معنى هذا الاستفهام ~~الإنكاري نفي مدخوله فترجمته : ليس أحد أكذب منهم , وكان عرف اللغة في ~~تسليط هذا النفي على صيغة أفعل إثبات مدلول افعل ليكون المعنى أنهم أكذب ~~الخلق , فكان التقدير : أليس هذا الكاذب المكذب عاقلا يخشى أن يحاسبه الله ~~كل خلقه ؟ أليس الله المتصف بجميع صفات الكمال يحاسب عباده كما يحاسب كل من ~~الخلائق من تحت يده ؟ أليس يحبس الظالم منهم في دار انتقامه كما يفعل أدنى ~~الحكام ؟ أليس دار انتقامه جهنم التي تلقى داخلها بعبوسة وتجهم ؟ نسق به ~~قوله : { أليس في جهنم } أي النار النار تلقى داخلها بالتجهم والعبوسة كما ~~كان يلقى الحق وأهله { مثوى } أي منزل مهيأ للإقامة فيه على وجه اللزوم لهم ~~هكذا كان الأصل , ولكنه قال تعميما وتعليلا بالوصف مبينا أن الكذب كفر أي ~~ستر للصدق وغظهار لما لا حقيقة له , والتكذيب بالصدق كذلك { للكافرين * } ~~أي الذين ستروا كذبهم فألبسوه ملابس الصدق وستروا الصدق الذي كذبوا به , ~~ذلك جزاء المسيئين لأنهم ليسوا بمتقين , فأقام سبحانه هذه المقدمة دليلا ~~على تلك المقدمات كلها . | ولما ذكر سبحانه الظالمين بالكذب ذكر أضدادهم ~~الذين يخاصمونهم عند ربهم وهم المحسنون بالصدق فقال : { والذي } أي الفريق ~~الذي { جاء بالصدق } أي الخبر PageV06P446 المطابق للواقع , فصدق على الله ~~, وتعريفه يدل على كماله , فيشير إلى أن الإيتان به ديدنه لا يتعمد كذبا { ~~وصدق به } أي بكل صدق سمعه وقام عليه الدليل , وليس هو بجموده عدو ما لم ~~يعلم , فهو يكذب بكل ما لم يسمع , فمن أعدل منه لكونه صدق على الله وصدق ~~بالصدق إذ جاءه واستمر عليه , ولعله أفرد الضمير إشارة إلى قلة الموصوف ~~بهذا الوصف من الصدق , وهذا ms4356 الفريق هو الرسل وأتباعهم , ولذلك حصر التقوى ~~فيهم , فقال مشيرا بالجمع إلى عظمتهم وإن كانوا قليلا : { أولئك } أي ~~العالو الترتبة { هم } أي خاصة { المتقون * } الذين جانبوا الظلم , فليس ~~لجهنم عليهم سبيل , ولا لهم فيها منزل ولا مقيل , بل الجنة منزلهم , أليس ~~في الجنة ضده ثانيا , والاتقاء ثانيا دليلا على حذف ضده أولا , وسره أنه ~~ذكر أنكأ ما للمجرم من الكفر وسوء الجزاء . | وأسر ما للمسلم من قصر التقوى ~~عليه , وذكر أحب جزائه إليه , والإشارة إلى عراقته في الصدق والتصديق ثانيا ~~, والاتقاء وجزاءه وما يتبعه ثانيا دليلا على ضده أولا , وسره أنه ذكر في ~~شق المسيء أنكأ ما يكون من الكذب والتكذيب في أقبح مواضعه , ولا سيما عند ~~العرب , وأسر ما يكون في شق المحسن من استقامة الطبع وحسن الجزاء . | < < # | الزمر : ( 34 - 37 ) لهم ما يشاؤون . . . . . # > > ^ ( لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك جزآء المحسنين * ليكفر الله عنهم ~~أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون * أليس الله بكاف ~~عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد * ومن يهد الله ~~فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ) ^ } ) | ولما مدحه على تقواهم , ~~قال في جواب من سأل عن ثوابهم , فقال لافتا القول إلى صفة الإحسان تعريفا ~~بمزيد إكرامهم : { لمه ما يشآءون } أي يتجدد لهم إرادته متى ارادوه { عند ~~ربهم } أي المحسن إليهم اللطيف بهم في الدنيا والآخرة لأنهم سلموا له في ~~الأولى ما يشاء , فسلم لهم في الأخرى ما يشاؤون . | ولما كان أعظم الجزاء , ~~مدحه على وجه بين علته وأوجب عمومه فقال : { ذلك } أي الثواب الكبير { جزاء ~~المحسنين * } أي كل من اتصف بالإحسان كما اتصفوا به بالتقوى , فأحبه اللهي ~~سبحانه كما أحبهم , فكان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به , ويده التي ~~يبطش بها , ورجله التي يمشي بها . | ولما كان العاقل من قدم في كل أمر ~~الأهم فالأهم فميز بين خير الخيرين فأتبعه , PageV06P447 وشر الشرين ~~فاجتنبه , كان المحسن من جعل أكبر ذنوبه نصب عينيه وعمل ms4357 على هدمه , فلذلك ~~علل الإحسان بقوله : { ليكفر } أي يستر سترا عظيما كأنه قال : المحسنين ~~الذين أحسنوا لهذا الغرض , ويجوز أن يكون التعليل للجزاء , وعبر بالاسم ~~الأعظم لفتا عن صفة الإحسان إشارة إلى عظيم الاجتهاد في العمل والإيذان ~~بأنه لا يقدر على الغفران لمن يريد إلا مطلق التصرف فقال : { الله } أي ~~الذي نصب المحسن جلاله وجماله بين عينيه , فاستغرق في صفاته ابتغاء مرضاته ~~, فعبده كأنه يراه , وحقق باعترافهم بالخطأ وقصدهم التكفير لما أهمهم فعلهم ~~له بقوله : { عنهم أسوأ } العمل { الذي عملوا } وتابوا عند بالندم والإقلاع ~~والعزم على عدم العود وقد علم أنه إذا محي الأكبر انمحى الأصغر لأن الحسنات ~~يذهبن السيئات , فلله در أهل البصائر والإخلاص في الإعلان والسرائر ولما ~~أخبر بالتطهير من اوضار السيئ , أتبعه الإخبار بالتنوير بأنوار الحسن فقال ~~: { ويجزيهم أجرهم } أي الذي تفضل عليهم بالوعد به . | ولما كان تعالى يزيد ~~العمل الصالح ويربيه , زاد الجار في الجزاء إعلاما بأنه يجعل الأعمال ~~الصالحة كلها مثل أعلاها فقال : { بأحسن } ولما كان مقصود هذه السورة أخص ~~من مقصود سورة النحل , وكانت ( الذي ) و ( من ) أقل إبهاما من ( ما ) قال : ~~{ الذي } أي العمل الذي , وهو كالأول من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه كخاتم ~~فضة , وأشار إلى مداومتهم على الخير بالتعبير بالكون والمضارع فقال : { ~~كانوا يعملون * } مجددين له وقتا بعد وقت لأنه في طبائعهم فهم عريقون في ~~تعاطيه , فمن كان في هذه الدار محسنا في وقت ما يعبد الله كأنه يراه فهو في ~~الآخرة كل حين يراه , قال القشيري , ثم يجب أن يكون على أحسن الأعمال أحسن ~~الثواب , وأحسن الثواب الرؤية , فيجب أن يكون على الدوام . | وهذا استدلال ~~قوي . | ولما فهم من قوله : ( وكذب بالصدق إذ جاءه ) أن المشركين يكذبونه , ~~وكان من طبع الآدمي الاهتمام بمثل ذلك ولا سيما إذا كان المكذب كثيرا وقويا ~~, وتقرر أنه سبحانه الحكم العدل بين المتخاصمين وغيرهم في الدنيا ولآخرة , ~~ولزم كل سامع الإقرار بالآخرة , وبشر المحسنين وحذر المسيئين , وكان من ~~المعلوم أنهم يحذرونه آلهتهم كما يحذرهم ms4358 إلهه , حسن كل الحسن قوله مقرا ~~للكفاية غاية الإقرار , ومنكرا لنفيها كل الإنكار : { أليس الله } أي ~~الجامع لصفات العظمة كلها المنعوت بنعوت الكمال من الجلال والجمال , وأكد ~~المراد بزيادة الجار لما عندهم من الجزم بأنهم غالبون فقال : { بكاف } وحقق ~~المناط بالإضافة في قوله : { عبده } أي الخالص له الذي لم يشرك به أصلا كما ~~تقدم في المثل ممن كذبه وقصد مساءته فينصره عليهم حتى يظهر PageV06P448 ~~دينه ويعلي أمره ويغنيه عن أن يحتاج إلى غيره أو يجنح إلى سواه , باعتقاد ~~أن في يده شيئا يستقل به , وهاذ لا ينافي السعي في الأسباب مع اعتقاد أنها ~~بيد الله , فأن شاء ربط بها المسببات , وإن شاء أعقمها , بل السعي أكمل , ~~لأن ترتيب الأسباب بوضع الحكيم , فالسعي في طرحها ينافي وضع الحكمة , وقرأ ~~حمزة والكسائي وأبو جعفر : عباده - بالجمع بمعنى الرسول وأتباعه . | ولما ~~كان الجواب قطعا : بلى , إنه ليكفي من يشاء , والأصنام الممثلون بالشركاء ~~المتشاكسين لا يكفون من تولاهم , بني على ذلك حالا عجيبا من أحوالهم , فقال ~~معجبا منهم ومتهكما بهم : { ويخوفونك } أي عباد الأصنام يعلمون أن الله ~~يكفي من أراد وأن الأصنام لا كفاية عندها بوجه والحال أنهم يخوفونك . | ~~ولما كان الخوف ممن له اختيار , فإن كان عاقلا كان أقوى لمخالفته , وكان من ~~المعلوم بديهة أنه لا اختيار لهم فضلا عن العقل , قال تهكما بهم بالتعبير ~~بما يعبر به عن الذكور العقلاء لكونهم ينزلونهم بالعبادة وغيرها منزلة ~~العقلاء مع اعترافهم بأنهم لا عقل لهم , فصاروا بذلك ضحكة وشهرة بين الناس ~~: { بالذين } وبين حقارتهم بقوله : { من دونه } وهم معبوداتهم ضلالا عن ~~المحجة فيقولون : إنا نخشى عليك أن يخبلك آلهتنا كما قالت عاد لهود عليه ~~السلام < # > 77 ( { أن تقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء } ) 77 < # > [ هود : 54 ] وسيأتي التعبير عنهم بالتانيث زيادة في توبيخهم . | ولما ~~كان من الحق الواضح كالشمس أن ما قالوه لا يقوله عاقل , وكان التقدير : فقد ~~أظلهم الله إهانة لهم وهداك إكراما لك , بين أنه سبحانه قسرهم على ذلك ~~ليكون إضلاله لهم آية ms4359 كما أن هداه آية , فقال مخففا عنه صلى الله عليه وسلم ~~في إذهاب نفسه عليهم حسرات دامغا للقدرية : { ومن يضلل الله } أي الذي له ~~الأمر كله فلا يرد أمره { فما له } لأجل أنه هو الذي أضله { من هاد } أي ~~فخفض من حزنك عليهم { ومن يهد الله } أي الذي لا يعجزه شيء أبدا { فما له ~~من مضل } فهو سبحانه يهدي من شاء منهم إن أراد . | ولما لم تبق شبهة ولا ~~شيء من شك أن الهادي المضل إنما هو الله وحده وأنه جعل شيئا واحدا سببا ~~لضلال قوم ليكون ضلالهم في الظاهر علة للنقمة , وهدى لآخرين فيكون هداهم ~~سببا للنعمة , بلغ النهاية في الحسن قوله : { أليس الله } أي الذي بيده كل ~~شيء { بعزيز } أي غالب لما يريد في إضلاله قوما يدعون أنهم النهاية في كمال ~~العقول لما هدى به غيرهم { ذي انتقام * } أي له هذا الوصف , فمن أراد ~~النقمة منه سلط عليه ما يريد مما يحزنه ويذله كما أنه إذا أراد يعميه عن ~~أنور النور ويضله . | PageV06P449 < < # | الزمر : ( 38 - 41 ) ولئن سألتهم من . . . . . # > > ^ ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما ~~تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل ~~هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون * قل يقوم اعملوا على ~~مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون * من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم * ~~إنآ أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل ~~عليها ومآ أنت عليهم بوكيل ) ^ } ) | ولما علم بهذه البراهين أنه سبحانه ~~المتصرف في المعاني بتصرفه في القلوب بالهداية والإضلال , وكان التقدير : ~~فلئن قررتم بهذا الاستفهام الإنكاري ليقولن : بلى ! عطف عليه بيان أن ~~الخالق للذات كما أنه المالك للمعاني والصفات , فقال مفسدا لدينهم ~~باعترافهم بأصلين : القدرة التامة له والعجز الكامل لمعبوداتهم : { ولئن ~~سألتهم } أي فقلت لمن شئت منهم فرادى أو مجتمعين : { من خلق السماوات } أي ~~على ما لها من الاتساع والعظمة والارتفاع { والأرض } على ما ms4360 لها من العجائب ~~وفيها من الانتفاع { ليقولن } بعد تخوفيهم لك بشركائهم الذين هم من جملة ~~خلق من أرسلك بما أنت فيه : الذي خلقها { الله } أي وحده الذي لا سمي له ~~وإلباس بوجه في أمره , ولا ي يصدهم عن ذلك الحياء من التناقض ولا الخوف من ~~التهافت بالتعارض . | ولما كان هذا مخيرا لأن بين ولا بد أنهم لا يقبلون ~~ولا يعرضون كان كأنه قيل : فماذا أصنع ؟ فقال : { قل } مسببا من اعترافهم ~~له سبحانه بجميع التعبير عنها سابقا بأداة الذكور العقلاء بيانا لغلطهم , ~~فقال معبرا عن مفعول { رأيت } الأول والثاني جملة الاستفهام , { ما تدعون } ~~أي دعاء عبادة , وقرر بعدهم عن التخويف بهد بادعاء إلهيتهم بقوله : { من ~~دون الله } أي الذي هو ذو الجلال والإكرام فلا شيء إلا وهو من دونه وتحت ~~قهره , ولما كانت العافية أكثر من البلوى , أشار إليها بأداة الشك ونبه على ~~مزيد عظمته سبحانه بإعادة الاسم الأعظم فقال : { إن أرادني الله } أي الذي ~~لا راد لأمره ولما كان درأ المفاسد مقدما قال : { بضر } أي إن أطعتكم في ~~الجنوح إليها خوفا منها , وبالغ في تنبيههم نصحا لهم ليرجعوا عن ظاهر غيهم ~~بما ذكر من دناءتها وسفولها بالتأنيث بعد سفولها بعدم العقل مع دناءتها ~~وبعد التهكم بهم بالتعبير عنها بأداة الذكور العقلاء PageV06P450 فقال : { ~~هل هن } أي هذه الأوثان التي تعبدونها { كاشفات } أي عني مع اعترافكم بأنه ~~لا خلق لها وأنها مخلوقة لله تعالى { ضره } أي الذي أصابني به نوعا من ~~الكشف , لأرجوها في وقت شدتي { أو أرادني برحمة } لطاعتي إياه في توحيده , ~~وخلع ما سواه من عبيده { هل هن ممسكات } أي عني { رحمته } أي لأجل عصياني ~~لهن نوع إمساك , لأطيعكم في الخوف منهن - هذه قراءة أبي عمرو بالتنوين ~~وإعمال اسم الفاعل بنصب ما بعده , وهو الأصل في اسم الفاعل , والباقون ~~بالإضافة , ولا فائدة غير التخفيف , وقد يتخيل منها أن الأوثان مختصة بهذا ~~المعنى معروفة . | ولما كان من المعلوم أنهم يسكتون عند هذا السؤال لما ~~يعلمون من لزوم التناقض أن أجابوا بالباطل ms4361 , ومن بطلان دينهم أن أجابوا ~~بالحق , وكان الجواب قطعا عن هذا : لا سوء نطقوا أو اسكتوا , تحرر أنه لا ~~متصرف بوجه إلا الله , فكانت النتيجة قوله : { قل } إذا ألقمتهم الحجر : { ~~حسبي } أي كافي { الله } الذي أفردته بالعبادة لأنه له الأمر كله مما ~~يخوفونني به ومن غيره { عليه } وحده لأن له الكمال كله { يتوكل المتوكلين * ~~} أي الذين يريدون أن يعلو أمرهم كل أمر , وأمره بالقول إعلاما بأن حالهم ~~عند هذا السؤال التناقض الظاهر جدا . | ولما كانوا مع هذه الحجج القاطعة , ~~والأدلة القامعة والبراهين الساطعة , التي لا دافع له بوجه , كالبهائم لا ~~يبصرون إلا الجزئيات حال وقوعها , قال مهددا مع القيام بما يحاولونه { قل ~~يا قوم } أي افعلوا افعالا مبينة على العلم { على مكانتكم } أي حالتكم التي ~~ترتبتم فيها وجمدتم عليها لأنه جبلة لكم من الكون والمكنة لتبصروا حقائق ~~الأمور , فتنتقلوا عن أحوالكم السافلة إلى المنازل العالية , فكأنه يشير ~~إلى أنهم كالحيوانات العجم , لا اختيار لهم ويعرض بالعمل الذي مبناه العلم ~~والمكانة التي محطها الجمود بأن أفعالهم ليس فيها ما ينبني على العلم , ~~وإنما هي جزاف لا اعتبار لها ولا وزن لها . | ثم أجاب من عساه أن يقول له ~~منهم : فماذا تعمل أنت ؟ بقوله : { إني عامل } على كفاية الله لي , ليس لي ~~نظر إلى سواه , ولا أخشى غيره , وليس لي مكانة ألتزم الجمود عليها , بل أنا ~~واقف على ما يرد من عند الله , إن نقلني انتقلت وإن أمرني بغير ذلك امتثلت ~~وأنا مرتقب كل وقت للزيادة , ثم سبب عن قول من لعله يقول منهم : وماذا عساه ~~يكون قوله ؟ إيذانا بأنه على ثقة من أمره , لأن المخبر له به الله : { فسوف ~~تعملون * } أي بوعد لا خلف فيه { من يأتيه } أي منا ومنكم { عذاب يخزيه } ~~بأن يزيل عنه كل شيء يمكنه أن يستعذبه { ويحل عليه } أي بجب في قوته , من ~~حل PageV06P451 عليه الحق يحل بالكسر أي وجب , والدين : صار حالا بحضور ~~أجله { عذاب مقيم * } لإقامته على حالته وجموده على ضلالته , ومن يؤتيه ~~الله انتصارا ms4362 يعليه وينقله إلى نعيم عظيم , لانتقاله بارتقائه في مدارج ~~الكمال , بأوامر ذي الجلال والجمال , ولقد علموا ذلك في قصة المستهزئين ثم ~~في وقعة بدر فإن من اهلكه الله منهم جعل أهلاكه أول عذابه ونقله به غلى ~~عذاب البرزخ ثم عذاب النار , فلا انفكاك له من العذاب , ولا رجاء لحسن ~~المآب . | ولما تجلت عرائس هذه المعاني آخذة بالألباب , ولمعت سيوف تلك ~~المباني من المثاني قاطعة الرقاب , وختمها بما ختم من صادع الإرهاب , أنتجت ~~ولا بد قوله معللا لإيتان ما توعدهم به مؤكدا لما لهم من الإنكار لمضمون ~~هذا الإخبار : { إنا أنزلنا } أي بما لنا من باهر العظمة ونافذ الكلمة . | ~~ولما كان توسط بعد أن أثبت وساطته أول السورة فقال مقرونا بالأمر بالعبادة ~~إشارة إلى بداية الحال , فلما حصل التمكن فصار الكتاب خلقا له صلى الله ~~عليه وسلم وصار ظهوره فيه هاديا لغيره , نبه على ذلك بأداة الاستعلاء فقال ~~: { عليك } أي خاصة لا على غيرك من أهل هذا الزمان , لأنك عندنا الخالص لنا ~~دون أهل القريتين ودون أهل الأرض كلهم , لم يكن لشيء دوننا فيك حظ { الكتاب ~~} الجامع لكل خير لكونه في غاية الكمال بما دل عليه ( ال ) { الناس } عامة ~~لأن رسالتك عامة { بالحق } مصاحبا له , لا يقدر الخلق على أن يزيحوا معنى ~~من معانيه عن قصده , ولا لفظا من ألفاظه عن سبيله وحده , بل هو معجز في ~~معانيه - حاضرة كانت أو غائبه - ونظومه , وألفاظه وأسماء وآياته وجميع ~~رسومه , فلا بد من إيتان ما فيه من وعد ووعيد . | ولما تسبب عن علم ذلك ~~وجوب المبادرة إلى الإذعان له لفوز الدارين , حسن جدا قوله تعالى تسلية له ~~صلى الله عليه وسلم لعظيم ما له من الشفقة عليهم وتهديدا لهم : { فمن اهتدى ~~} أي طاوع الهادي { فلنفسه } أي فاهتداؤه خاص نفعه بها ليس له فيه إلا أجر ~~التسبب { ومن ضل } أي وقع منه ضلال بمخالفته لداعي الفطرة ثم داعي الرسالة ~~عن علم معتمد , أو إهمال للنظر وتهاون . | ولما كان ربما وقع في وهم أنه ~~يحلق ms4363 الداعي بعد البيان ومن إثم الضال , وكان السياق لتهديد الضالين . | ~~زاد في التأكيد فقال : { فإنما يضل عليها } أي ليس عليك بشيء من ضلاله , ~~فلا تذهب نفسك عليهم حسرات . | ولما هدى السياق إلى أن التقدير : فما أنت ~~عليهم بجبار لتقهرهم على الهدئ , عطف عليه قوله : { وما أنت } أي في هذا ~~الحال , ولمزيد العناية بنفي القهر أداة PageV06P452 الاستعلاء فقال : { ~~عليهم بوكيل * } لتحفظهم عن الضلال , فإن الرسالة إليهم لإقامة الحجة لا ~~لقدرة الرسول على هدايتهم ولا لعجز المرسل عن ذلك . | < < # | الزمر : ( 42 - 44 ) الله يتوفى الأنفس . . . . . # > > ^ ( الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي ~~قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * ~~أم اتخذوا من دون الله شفعآء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل ~~لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون ) ^ } ) | ولما ~~كان الوكيل في الشيء لا تصلح وكالته فيه إلا إن كان قادرا عليه بطريق من ~~الطرق , وكان حفظهم على الهدى وعن الضلال لا يكون عليه إلا لحاضر لا يغيب ~~ولا يعتريه نوم ولا يطرقه موت , ولم تصح وكالة أحد من الخلق فيه , وكان ~~كأنه قيل : لأنه لو وكل إليك أمرهم لضاعوا عند نومك وموتك , فدل عليه بما ~~أدى معناه وزاد عليه من الفوائد ما يعرف بالتأمل من تشبيه الهداية بالحياة ~~واليقظة والضلال بالموت والنوم , فكما أنه لا يقدر على الإماتة والإنامة ~~إلا الله فكذلك لا يقدر على الهداية والإضلال إلا الله , فمن عرف هذه ~~الدقيقة عرف سر الله في القدرة , ومن عرف السر فيه هانت عليه المصائب , فهي ~~تسلية له صلى الله عليه وسلم , لفت القول إلى التعبير بالاسم الأعظم ~~لاقتضاء الحال له , وأسند التوفي إليه سبحانه لأنه في بيان أنه لا يصلح ~~للوكالة غيره أصلا , فقال : { الله } أي الذي له مجامع الكمال , وليس ~~لشائبة نقص إليه سبيل { يتوفى الأنفس } التي ماتت عند انقضاء آجالها , أي ~~يفعل في وفاتها فعل من يجتهد في ذلك بأن ms4364 يقبضها وافية لا يدع شيئا منها في ~~شيء من الجسد , وعبر عن جمع الكثرة بجمع القلة إشارة إلى أنها وإن تجاوزت ~~الحصر فهي كنفس واحدة , ولعله لم يوحده لئلا يظن أن الوحدة على حقيقتها { ~~حين موتها } أي منعها من التصرف في أجسادها في هذه الحياة الدنيا كائنة في ~~مماتها محبوسة فيه مظروفة له , وعطف على الأنفس قوله : { والتي } أي ويتوفى ~~الأنفس التي { لم تمت } لأنها لم تنقص آجالها حين نومها كائنة { في منامها ~~} بمنعها من التصرف بالحس والإدراك ما دام النوم موجودا مظروفة له لا شيء ~~منها في الجسد على حال اليقظة , فالجانع بينهما عدم الإدراك والشعور ~~والتصرف , ولو قيل : بموتها وبمنامها , لم يفد أن كلص من الموت والوفاة آية ~~مغايرة للآخرى . | ولما كان النوم منقضيا , دلنا بقرانه بالموت على أن ~~الموت أيضا منقض , ولا بد لأن الفاعل لكل منهما واحد , فسبب عن ذلك قوله : ~~{ فيمسك } أي فيتسبب عن PageV06P453 الوفاتين أنه يمسك عنده { التي قضى } ~~أي ختم وحكم وبت بتا مقدرا مفروغا منه , وقراءة البناء للمفعول موضحة لهذا ~~المعنى بزيادة اليسر والسهولة { عليها الموت } مظروفة لمماتها , لا تقدر ~~على تصريف جسدها ما دام الموت محيطا بها كما أن النائمة كذلك ما دام النوم ~~محيطا بها { ويرسل الأخرى } أي التي أخر موتها , وجعلها مظروفة للمنام ~~لأنها لم ينقض أجلها الذي ضربه لها بأن ينفى بالمنام فيوقظها لتصريف ~~أبدانها , ويجعل ذلك الإمساك للميتة , والإرسال للنائمة { إلى أجل مسمى } ~~لبعث الميتة ولموت النائمة , لا يعلمه غيره , فإذا جاء ذلك الأجل أمات ~~النائمة وبعث الميتة , وقد ظهر من التقدير الذي هدى إليه قطعا السياق أن ~~النفس التي تنام هي التي تموت وهي الروح , قال ابن الصلاح في فتاويه : وهو ~~الأشبه بظاهر الكتاب والسنة - انتهى . | روى الطبراني في الأوسط - قال ~~الهيثمي : ورجاله رجال الصحيح - عن ابن عباس رضي الله الله عنهما قال : ~~تلتقي أرواح الأحياء والأموات , فيتسألون بينهم , فيمسك الله أرواح الموتى ~~ويرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها . | وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه ms4365 أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليقل ) ~~باسمك ربي وضعت جنبي اللهم إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما ~~تحفظ به عبادك الصالحين ( وظهر أيضا أن الآية من الاحتباك : ذكر الحين أولا ~~دليلا على تقدير مثله في النوم ثابتا , والمنام ثانيا دليلا على حذف الممات ~~أولا . | ولما تم هذا على الأسلوب الرفيع , والنظم المنيع , نبه على عظمته ~~وما فيه من الأسرار بقوله مؤكدا قرعا بمن يرميه بالأساطير وغيرها من ~~الأباطيل : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم من الوفاة والنوم على هذه ~~الكيفية والعبارة عنه على هذا الوجه { لآيات } أي على أنه لا يقدر على ~~الإحياء والحفظ غيره , وأنه قادر على البعث وغيره من كل ما يريده { لقوم } ~~أي ذوي قوة في مزاولة الأمور . | ولما كان هذا الأمر لا يحتاج إلى غير ~~تجريد النفس من الشواغل والتدبر قال : { يتفكرون * } أي في عظمة هذا ~~التدبير ليعلم به عظمة الله , وذلك أن النفس جوهر روحاني له في التعلق ~~بالبدن ثلاث حالات : إحداهما أن يقع ضوء النفس على البدن ظاهرا وباطنا , ~~وذلك هو الحياة مع اليقظة , وثانيتها انقطاع ضوء النفس عن البدن ظاهرا لا ~~باطنا , وذلك بالنوم , وثالثها انقطاع ذلك ظاهرا وباطنا وهو بالموت , ~~فالموت والنوم من جنس واحد إلا أن الموت انقطاع تام , والنوم انقطاع ناقص , ~~فلا يقدر على إيجاد شيء واحد على نوعين , ثم PageV06P454 يجعلهما في شيء ~~واحد على التعاقب ويفصل كلا منهما من الآخر إلا هو سبحانه , وكلما قدر على ~~إنهاء الموتة الصغرى بحد جعله لها فهو قادر على إنهاء الكبرى بمثل ذلك . | ~~ولما أنتج هذا ولا بد نحو أن يقال توعدا لهم : هل علموا أنه لا يقوم شيء ~~مقامه , ولا يكون شيء إلا بإذنه , ولا يقرب أحد من القدرة على شيء من فعله ~~, فكيف بالقرب من رتبته فضلا عن مماثلته , فرجعوا عن ضلالهم , عادلة بقوله ~~: { أم اتخذوا } أي كلفوا أنفسهم بعد وضوح الدلائل عندها أن أخذوا { من دون ~~الله } أي الذي لا مكافئ ms4366 له مداني { شفعاء } أي تقربهم إليه زلفى في الدنيا ~~وفي الآخرة على تقدير كونها مع قيام الأدلة الشهودية عندهم على أنه لا يشفع ~~أحد إلا عند من يصح أن يكافئه بوجه من الوجوه , ولذلك نبه على المعنى بقوله ~~معرضا عنهم إشارة إلى سفولهم عن الفهم : { قل أولو } أي أيتخذونهم لذلك ولو ~~{ كانوا لا يملكون شيئا } أي لا تتجدد لهم هذه الصفة { ولا يعقلون * } كما ~~يشاهد من حال أصنامكم . | ولما نفى صلاحية أصنامهم لهذا الأمر , أشار إلى ~~نفيه عما سواه بقصر الأمر عليه فقال : { قل الله } أي المحتوي على صفات ~~الكمال وحده { الشفاعة } أي هذا الجنس { جميعا } فلا يملك أحد سواه منها ~~شيئا لكنه يأذن إن شاء فيما يريد منها لمن لمن يشاء من عباده . | ولما كان ~~كل من سواه ملكا له , وكان من المقرر أن المملوك لا يصح أن يملك شيئا يملكه ~~سيده , لأن الملكين لا يتواردان على شيء واحد من جهة واحدة , علل ذلك بقوله ~~: { له } أي وحده { ملك السماوات والأرض } أي التي لا تشاهدون من ملكه ~~سواهما والشفاعة من ملكهما . | ولما كان المملوك ملكا ضعيفا قد يتغلب على ~~مالكه فيناظره فيتأهل للشفاعة عنده , نفى ذلك في حقه سبحانه بقوله دالا على ~~عظمة القهر بأداة التراخي فقال : { ثم إليه } أي لا إلى غيره { ترجعون * } ~~معنى في الدنيا بأن ينفذ فيكم جميع أمره وحسا ظاهرا ومعمى في الآخرة . | < ~~< # | الزمر : ( 45 - 49 ) وإذا ذكر الله . . . . . # > > ^ ( وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ~~ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون * قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم ~~الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون * ولو أن للذين ~~ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة ~~وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون * وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ~~ما كانوا به يستهزئون * PageV06P455 فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا ~~خولناه نعمة منا قال إنمآ أوتيته على علم ms4367 بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون ~~) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما دل على أن شفعاءهم ليست بأهل للشفاعة , وعلى أن الأمر كله مقصور ~~عليه , وختم بأنه لا بد من الرجوع إليه المقتضي لأن تصرف الهمم كلها نحوه , ~~وتوجه العزائم جميعها تلقاءه , ولأنه لا يخشى سواه ولا يرجى غيره , ذكر ~~حالا من أحوالهم فقال : { وإذا } أي الحال ما ذكرناه وإذا { ذكر } وأعاد ~~الاسم الأعظم ولم يضمره تعظيما لأمره زيادة في تقبيح حالهم فقال : { الله } ~~أي الذي لا عظيم غيره ولا أمر لسواه { وحده } أي دون شفعائهم التي قد وضح ~~أنه لا شفاعة لهم : { اشمأزت } أي نفرت كراهية وذعرا واستكبارا مع تعمر ~~الوجه وتقبضه قلوبهم - هكذا كان الأصل , ولكنه قال : { قلوب الذين لا ~~يؤمنون } أي لا يجددون إيمانا { بالآخرة } بيانا لأن الحامل لهم على ذلك ~~إضاعة اعتقاد ما ختم به الآية من الرجوع إليه الذي أتمه واظهره رجوع الآخرة ~~{ وإذا ذكر الذين } وبكت بهم في رضاهم بالأدنى فقال : { من دونه } أي ~~الأوثان , وأكد فرط جهلهم في اتباعهم الباطل وجمودهم عليه دون تلبث لنظر في ~~دليل , أو سماع لقال أو قيل , بقوله : { إذا هم } أي بضمائرهم المفيضة على ~~ظواهرهم { يستبشرون * } أي فاجؤوا طلب البشر وإيقاعه وتجديده على سبيل ~~الثبات في ذلك كله سواء ذكر معهم الله أو لا , فالاستبشار حينئذ إنما هو ~~بالانداد , والاشمئزاز والاستبشار متقابلان لأن الاشمئزاز : امتلاء القلب ~~غما وغيظا فيظهر أثره , وهو الانقباض في أديم الوجه , والاستبشار : امتلاء ~~القلب سرورا حتى يظهر أثره , وهو الانبساط والتهلل في الوجه - قال الزمخشري ~~, والعمل في ( إذ ) الأولى هو العامل في الفجائية , أي فاجؤوا الاستبشار ~~وقت هذا الذكر , وعبر بالفعل اولا وبالاسمية ثانيا , ليفيد ذمهم على مطلق ~~الاشمئزاز ولو كان على أدنى الأحوال , وعلى ثبات الاستبشار تقبيحا لمطلق ~~الكفر , ثم الثبات عليه فتحا لباب التوبة . | ولما نفى صلاحية الوكالة على ~~الناس في الهدى والضلال لغيره ودل على ذلك بملكه وأخبر بتعمدهم الباطل , ~~أنتج ذلك وجب اللجاء إليه والإعراض عما سواه وقصر العزم عليه فقال معلما ms4368 ~~بذلك لما يقال غند مخالفة الداعي باتباع الهوى : { قل } أي يا من نزل عليه ~~الكتاب فلا يفهم عنا حق الفهم غيره راغبا إلى ربك في أن ينصرك عليهم في ~~الدنيا والآخرة : { اللهم } أي يا الله , وهذا نداء محض ويستعمل أيضا على ~~نحوين آخرين - ذكرهما ابن الخشاب الموصلي في كتابه النهاية شرح الكفاية - ~~أحدهما أن تذكر لتمكين الجواب في نفس السائل كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لضمام بن ثعلبة PageV06P456 رضي الله عنه حيث قال ( الله أمرك أن تصلي ~~الصلوات الخمس ) فقال : اللهم نعم - إلى آخر ما قاله له , وسره أن المسؤول ~~إذا ذكر الله في جوابه . | كان ذكره إياه أبعث للسائل على تصديقه لأنه أوقر ~~في صدره إن لم يتصد لذكر الله ولم يكن بصدده , وهو ممن يدين باستعمال الكذب ~~, والثاني أن يدل به على الندرة وقلة وقوع المذكور كقول المصنفين : لا يكون ~~كذا اللهم إلا إذ كان كذا - كأنه استغفر الله من جزمه أو لا يسد الباب في ~~أنه لا يكون غير ما ذكره سيبويه ووصف عند غيره فقال : { فاطر } أي مبدع من ~~العدم { السماوات } أي كلهم { والأرض } أي جنسها . | ولما كانت القدرة لا ~~تتم إلا بتمام العلم قال : { عالم الغيب والشهادة } أي ما لا يصح علمه ~~للخلق وما يصح . | ولما كان غيره سبحانه لا يمكن له ذلك , حسن التخصيص في ~~قوله : { أنت } أي وحدك { تحكم بين عبادك } أي أنا وهو غيرنا في الدنيا ~~والآخرة لا محيص عن ذلك ولا يصح في الحكمة سواه كما أن كل أحد يحكم بين ~~عبيده ومن تحت أمره لا يسوغ في رأيه غير ذلك { في ما كانوا } أي دائما بما ~~اقتضته جبلاتهم التي جبلتهم عليها { فيه يختلفون * } وأما غيرك فإنه لا ~~يعلم جميع ما يفعلون , فلا يقدر على الحكم بينهم , وأما غير ما هم عريقون ~~في الاختلاف فيه فلا يحكم بينهم فيه لأنه أما ما هيؤوا بفطرهم على سبيل ~~القصد أو بقصد غير ثابت فهو مما تذهبه الحسنات فعرف أن تقديم الظرف ms4369 إنما ~~وهو للاختصاص لا الفاصلة . | ولما كان التقدير : فيعذب الظالمين فلو علموا ~~ذلك لما ظنوا بادعائهم له سبحانه ولدا وشركاء يقربونهم إليه زلفى منهم ~~بجلاله ونزاهته عما ادعوه له وكماله , عطف عليه تهويلا للأمر قوله : { ولو ~~أن } وكان الأصل : لهم - ولكنه قال تعميما وتعليقا بالوصف : { للذين ظلموا ~~} أي وقعوا في الظلم في شيء من الأشياء ولو قال { ما في الأرض } ولما كان ~~الأمر عظيما أكد ذلك بقوله : { جميعا } وزاد في تعظيمه بقوله : { ومثله } ~~وقال : { معه } ليفهم بدل الكل جملة لا على سبيل التقطيع { لافتدوا } أي ~~لاجتهدوا في طلب أن يفدوا { به } أنفسهم { من سوء العذاب } وبين الوقت ~~تعظيما له وزيادة في هوله فقال : { يوم القيامة } روى الشيخان عن أنس رضي ~~الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم PageV06P457 قال ( يقول الله عز وجل ~~لأهون أهل النار عذابا : لو أن لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به ؟ ~~فيقول : نعم , فيقول : قد أردت منك أهون من هذا وأنت صلب آدم عليه السلام ~~أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي ) . | قوله : أردت أي فعلت معك ~~بالأمر فعل المريد وهو معنى قوله في رواية : قد سألتك . | ولما كان التقدير ~~: ولو كان لهم ذلك وافتدوا به ما قبل منهم ولا نفعهم , ولأن ذلك الوقت وقت ~~الجزاء لا وقت العمل , واليوم قوت العمل لا وقت الجزاء , فلو أنفقوا فيه ~~أيسر شيء على وجهه قبل منهم , عطف عليه من أصله لا على جزائه قوله معظما ~~الأمر بصرف القول إلى الاسم الأعظم : { وبدا } أي ظهر ظهورا تاما { لهم } ~~في ذلك اليوم { من الله } أي الملك الأعظم , وهول أمره بإبهامه ليكون ضد < # > 77 ( { فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين } ) 77 < # > [ السجدة : 17 ] فقال : { ما لم يكونوا } بحسب جبلاتهم وما فطروا عليه ~~من الإهمال والتهاون { يحتسبون * } أي لم يكن في طبائعهم أن يعتمدوا أن ~~يحسبوه وتجوزه عقولهم من العذاب , وما كان كذلك كان أشق على النفس وأروع ~~للقلب { وبدا لهم } أي ظهر ms4370 ظهورا تاما كأنه في البادية لا مانع منه { سيئات ~~ما } ولما كان في سياق الافتداء , وكان الإنسان يبذل عند الافتداء في فكاك ~~نفسه الرغائب والنفائس , عبر هنا بالكسب الذي من مدلوله الخلاصة والعصارة ~~التي هي سر الشيء فهو أخص من العمل , ولذا جعله الأشعري مناط الجزاء , فقال ~~مبينا أن خالص عملهم ساقط فكيف بغيره , وهذا بخلاف ما في الجاثية { كسبوا } ~~أي الشيء الذي عملوه برغبة مجتهدين فيه لظنهم نفعه وأنه خاص أعمالهم وأجلها ~~وأنفعها { وحاق } أي أحاط على جهة اللزوم والأذى { بهم ما } أي جزاء الشيء ~~الذي { كانوا به } أي دائما كأنهم جبلوا عليه { يستهزئون * } أي يطلبون ~~ويوجدون الهزء والسخرية به من النار وجميع ما كانوا يتوعدون به . | ولما ~~أخبر عن ظهور هذا لهم , علله بأنهم كانوا يفعلون ما لم يكن في العادة يتوقع ~~منهم , وهو مجازاة الإحسان بالإساءة وقد كانوا جديرين بضده فقال : { فإذا } ~~أي وقع لهم ذلك بسبب أنهم إذا مسهم , ولكنه أخبر عن النوع الذي هم منه بما ~~هو مطبوع عليه فقال : { مس الإنسان ضر } أي ضر كان من جهة يتوقعها كما تقدم ~~في التي في أول السورة , ويجوز أن يكون مسببا عن الإخبار بافتدائهم بما ~~يقدرون عليه وأن يكون مسببا عن اشمئزازهم من توحيد الله تعجيبا في تعكيسهم ~~وضلالهم , وتقدم في الآية PageV06P458 التي في أول السورة سر كونها بالواو ~~, ولفت القول إلى مظهر العظمة دالا على أن أغلب الناس لا يرجى اعترافه ~~بالحق وإذعانه لأهل الإحسان إلا إذا مس بأضرار فقال : { دعانا } عالما ~~بعظمتنا دون آلهته مع اشمئزازه من ذكرنا واستبشاره بذكرها . | ولما كان ذلك ~~الضر عظيما يبعد الخلاص عنه من جهة أنه لا حيلة لمخلوق في دفعه , أشار إلى ~~عظمته وطول زمنه بأداة التراخي فقال مقبحا عليه نسيانه للضر مع عظمه في ~~نفسه ومع طول زمنه : { ثم إذا خولناه } أي أعطيناه على عظمتنا متفضلين عليه ~~محسنين القيام بأمره وجعلناه خليقا بحاله جديرا بتدبيره على غير عمل عمله ~~محققين لظنه الخير فينا وأحسنا تربيتنا له والقيام ms4371 عليه مع ما فرط في حقنا ~~{ نعمة منا } ليس لأحد غيرنا فيها شائبة من ولولا عظمتنا ما كانت { قال } ~~ناسيا لما كان فيه من الضر وإن كان قد طال أمده , قاصرا لها على نفسه غير ~~متخلق بما نبهناه على التخلق به من إحساننا إليه وإقبالنا عليه عند إذعانه ~~, مذكرا لضميرها تفخيما لها , وبنى الفعل للمجهول إشارة إلى أنه لا نظر له ~~في تعرف المعطي من هو يشكره , وإنما نظره في عظمة النعمة وعظمة نفسه , ~~وإنها على مقدار ما : { إنما أوتيته } أي هذا المنعم به علي الذي هو كبير ~~وعظيم لأني عظيم فأنا أعطي على مقداري , و ( ما ) هي الزائدة الكافة لأن ~~للدلالة على الحصر , ويجوز أن تكون موصولة هي اسم إن وخبرها قوله : { على } ~~إي إيتاء مستعليا متمكنا على { علم } أي عظيم , وجد مني بطريق الكسب ~~والاجتهاد ووجوده الطلب والاحتيال , فكان ذلك سببا لمجيئه إلي أو علم من ~~الله باستحقاقه له . | ولما كان التقدير : ليس كذلك ولا هي معمة , قال دالا ~~على شؤم ذلك المعطى وحقارته لأنه من أسباب إضلاله بالتانيث { بل هي } أي ~~العطية والنعمة { فتنة } لاختباره هل يشكر أم يكفر لتقام عليه الحجة . | ~~فإن أدت إلى النار كانت استدراجا , وأنث الضمير تحقيرا لها بالنسبة إلى ~~قدرته سبحانه وتعالى ولأنها أدت إلى الغرور بعد أن ذكر ضميرها أولا تعظيما ~~لها لإيجاب شكرها . | ولما كان من المفتونين من ينتبه وهم الأقل , قال ~~جامعا تنبيها على إرادة الجنس وأن تعبيره أولا بإفراد الضمير إشارة إلى أن ~~أكثر الناس كأنهم في ذلك الخلق النحس نفس واحدة : { ولكن أكثرهم } أي أكثر ~~هؤلاء القائلين لهذا الكلام { لا يعلمون * } أي لا يتجدد لهم علم أصلا ~~لأنهم طبعوا على الجلافة والجهل والغباوة , فلو أنهم إذا دعونا وهم في جهنم ~~أجبناهم وأنعمنا عليهم نعمتنا ونسبوها إلى غيرنا كما كانوا يفعلون في ~~الدنيا سواء . | PageV06P459 < < # | الزمر : ( 50 - 53 ) قد قالها الذين . . . . . # > > ^ ( قد قالها الذين من قبلهم فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون * ~~فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من ms4372 هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما ~~هم بمعجزين * أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إن في ذلك ~~لآيات لقوم يؤمنون * قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة ~~الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ) ^ } ) | ولما كان ~~كفار قريش مقصودين بهذت قصدا عظيما وإن كان شاملا بإطلاقه غيرهم من الأولين ~~والآخرين قال موضحا لذلك : { قد قالها } أي مقالتهم ( إنما أوتيته على علم ~~) { الذين من قبلهم } أي ممن هو أشد منهم قوة وأكثر جمعا كما قال قارون ومن ~~رضي حاله فتمنى ماله { فما أغنى عنهم } أي أولئك الماضين { ما كانوا } بما ~~اقتضته جبلاتهم { يكسبون * } أي يجددون على الاستمرار كسبه من المال والجاه ~~وإن كان مليء السهل والجبل : { فأصابهم } أي إصابة شديدة بما دل عليه تذكير ~~الفعل - أي تسبب عن عدم الإغناء أنه أصابهم { سيئات ما كسبوا } أي وبال ذلك ~~وما يسوء من آثاره { والذين ظلموا } أي أوقعوا الأشياء في غير محالها { من ~~هؤلاء } أي قومك الذين لا يتدبرون القرآن فإنهم لو تدبروا آياته عرفوا ولكن ~~سبق عليهم العمى { سيصيبهم } أي إصابة شديدة جدا بوعد لا خلف فيه كما أصاب ~~من قبلهم { سيئات ما كسبوا } أي عملوا من الأشر والبطر فيه أعمال من يظن ~~أنه لا تناله مصيبة في الدنيا وأنه لا يبعث إلى ما أعددنا له من الأهوال في ~~الآخرة , ولقد أصابهم ذلك , فأول ما أصابهم ما كشف عنه الزمان من وقعة بدر ~~ثم ما تبعه إلى ما لا آخر له . | ولما ثبت أن الضار النافع إنما هو الله , ~~من شاء أعطاه , ومن شاء منعه , ومن شاء استلبه ووضعه بعد ما رفعه , وكان ~~التقدير : ألم يعلموا أن ما جمعه من قبلهم لم يدفع عنهم أمر الله , عطف ~~قوله : { أولم } ولما كان السياق لنفي العلم عن الأكثر , وكان مقصود السورة ~~بيان أنه صادق الوعد ومطلق العلم كاف فيه , عبر بالعلم بخلاف ما مضى في ~~الروم فقال : { يعلموا } أي بما رأوا في أعمارهم ومن التجارب ms4373 . | ولفت ~~الكلام إلى الاسم الأعظم تعظيما للمقام ودفعا للبس والتعنت بغاية الإفهام : ~~{ إن الله } أي الذي له الجلال والجمال { يبسط } أي هو وحده { الرزق } غاية ~~البسط { لمن يشاء } وإن كان لا حيلة له ولا قوة { يقدر } أي يضيق مع النكد ~~بأمر قاهر على من هو أوسع الناس باعا في الحيل وأمكنهم في الدول , ومن ~~المعلوم أنه لولا أن ذلك كله منه وحده لما كان أحد ممن له قوة في الجسم ~~وتمكن في العلم فقيرا أصلا . | PageV06P460 ولما كان هذا أمرا لا ينكره أحد ~~, عده مسلما وقال : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم , وأكده لأن أفعالهم ~~أفعال من ينكر أن يكون فيه عبرة { لآيات لقوم } ذوي قوة وهمم عليه { يؤمنون ~~* } أي هيئوا لأن يوجد منهم الإيمان فيجددوا التصديق في كل وقت تجديدا ~~مستمرا بأن الأمور كلها من الله فيخافوه ويرجوه ويشكروه ولا يكفروه , وأما ~~غيرهم فقد حقت عليه الكلمة بما هيئ له من عمل النار , فلا يمكنه الإيمان ~~فليس له في ذلك آيات لأنها لا تنفعه . | ولما حذر سبحانه في هذه السورة ولا ~~سيما في هذه الآيات فطال التحذير , وأودعها من التهديد وصادع الإنذار ~~والوعيد العظيم الكثير , وختم بالحث على الإيمان , والنظر السديد في ~~العرفان , وكانت كثرة الوعيد ربما أيأست ونفرت وأوحشت , وصدت عن العطف ~~وأبعدت , قال تعالى مستعطفا مترفقا بالشاردين عن بابه متلطفا جامعا بين ~~العاطفين , كلام ذوي النعمة على لسان نبي الرحمة صارفا القول إلى خطابه بعد ~~أسلوب الغيبة : { قل } أي يا أكرم الخلق وأرحمهم بالعباد , ولفت عما تقتضيه ~~( قل ) من الغيبة إلى معنى الخطاب زيادة في الاستعطاف , وزاد في الترفق ~~بذكر العبودية والإضافة إلى ضميره عريا عن التعظيم فقال : { يا } أي ربكم ~~المحسن إليكم يقول : يا { عبادي } فلذذهم بعد تلك المرارات بحلاوة الإضافة ~~إلى جنابه تقريبا من بابه . | ولما أضاف , طمع المطيعون أن يكونوا هم ~~المقصودين , فرفعوا رؤوسهم , ونكس العاصون وقالوا : من نحن حتى يصوب نحونا ~~هذا المقال ؟ فقال تعالى جابرا لهم : { الذي أسرفوا } أي تجاوزوا الحد في ~~وضع ms4374 الأشياء في غير مواضعها حتى صارت لهم أحمال ثقال { على أنفسهم } ~~فأبعدوها عن الحضرات الربانية , وأركسوها في الدنايا الشيطانية , فانقلب ~~الحال , فهؤلاء الذين نكسوا رؤوسهم انتعشوا وزالت ذلتهم والذين رفعوا ~~رؤوسهم أطرقوا وزالت صولتهم - قاله القشيري , وأفهم تقييد الإسراف أن ~~الإسراف على الغير لا يغفر إلا بالخروج عن عهدة ذلك الغير { لا تقنطوا } أي ~~ينقطع رجاؤكم وتيأسوا وتمتنعوا - وعظم الترجية بصرف القول عن التكلم وإضافة ~~الرحمة إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات الجلال والإكرام فقال : { من ~~رحمة الله } أي إكرام المحيط بكل صفات الكمال , فيمنعكم ذلك القنوط من ~~التوبة التي هي باب الرحمة , ولعظم المقام أضاف إلى الاسم الأعظم , ثم علل ~~ذلك بقوله على سبيل التأكيد لظنهم أن كثرة الوعيد منعت الغفران , وحتمت ~~الجزاء بالانتقام , وكرر الاسم الأعظم تعظيما للحال , وتأكيدا بما فيه من ~~معنى الإحاطة والجمع لإرادة العموم : { إن الله } أي الجامع لجميع نعوت ~~الجمال والجلال والإكرام , فكما أنه متصف بالانتقام وهو متصف بالعفو ~~والغفران { يغفر } إن شاء { الذنوب } ولما أفهمت اللام الاستغراق أكده فقال ~~: { جميعا } ولا يبالي , لكنه PageV06P461 سبق منه القول أنه إنما يغفر ~~الشرك بالتوبة عنه , وأما غيره فيغفره إن شاء بتوبة وإن شاء بلا توبة , ولا ~~يقدر أحد أن يمنعه من شيء من ذلك . | ولما كان لا يعهد في الناس مثل هذا بل ~~لو أراد ملك من ملوك الدنيا العفو عن أهل الجرائم , قام عليه جنده فانحل ~~عقده وانثلم حده , علل هذه العلة بما يخصه , فقال مؤكدا لاستبعاد ذلك ~~بالقياس على ما يعهدون : { إنه هو } أي وحده { الغفور } أي البليغ المغفرة ~~بحيث يمحو الذنوب مهما شاء عينا وأثرا , فلا يعاقب ولا يعاتب { الرحيم * } ~~أي المكرم بعد المغفرة ولا يقدر أحد أصلا على نوع اعتراض عليه , ولا توجيه ~~طعن إليه . | < < # | الزمر : ( 54 - 57 ) وأنيبوا إلى ربكم . . . . . # > > ^ ( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا ~~تنصرون * واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة ~~وأنتم لا تشعرون * أن تقول ms4375 نفس يحسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن ~~الساخرين * أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين ) ^ } ) | ولما كان ~~التقدير : فأقلعوا عن ذنوبكم , فإنها قاطعة عن الخير , مبعدة عن الكمال , ~~عطف عليه استعطافا قوله دالا على أن الغفران المتقدم إنما هو إذا شاء ~~التفضل سبحانه بتوبة وبغير توبة : { وأنيبوا } أي ارجعوا بكلياتكم وكلوا ~~حوائجكم وأسندوا أموركم واجعلوا طريقكم { إلى } ولفت الكلام إلى صفة ~~الإحسان زيادة في الاستعطاف فقال : { ربكم } أي الذي لم تروا إحسانا إلا ~~وهو منه { وأسلموا له } أي أوجدوا إسلام جميع ما ملكه لكم من الأعيان ~~والمعاني متبرئين عنه لأجله فإنه لو شاء سلبكموه , فإذا لم تكونوا مالكيه ~~ملكا تاما أنفسكم عارية عنه غير مالكة له ولا قادرة , وكان الذي لكم ~~بالإصالة ما كان . | ولما كان ذلك شديدا لأن الكف عما أشرفت النفس على بلوغ ~~الوطر منه في غاية المرارة , قال مهددا لهم دالا بحرف الابتداء على رضاه ~~منهم بإيقاع ما أقر به في اليسير من الزمان لأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله ~~حق قدره الله حق قدره باستغراق الزمان في الطاعة وإن كان إبهام الأجل يحدو ~~العاقل على استغراقه فيها : { من قبل أن يأتيكم } أي وأنتم صاغرون { العذاب ~~} أي القاطع لكل العذوبة المجرع لكل مرارة وصعوبة . | ولما كان الإنسان ~~ربما توقع ضررا في إقدامه على ما له فيه لذة , وحاول دفعه , قال معظما لهذا ~~العذاب مشيرا بأداة التراخي إلى أنه لا يمكن دفعه ولو طال المدى : { ثم لا ~~تنصرون * } أي لا يتجدد لكم نوع نصر أبدا . | PageV06P462 ولما أمر بروية ~~الأمور كلها من الله وإسلام القياد كله إليه , أمر بما هو أعلى من ذلك , ~~وهو المجاهدة بقتل النفس فقال : { واتبعوا } أي عالجوا أنفسكم وكلفوها أن ~~تتبع { أحسن ما أنزل } واصلا { إليكم } على سبيل العدل كالإحسان الذي هو ~~أعلى من العفو الذي هو فرق الانتقام باتباع هذا القرآن الذي هو أحسن ما نزل ~~من كتب الله وباتباع أحاسن ما فيه , فتصل من قطعك وتعطي ms4376 من حرمك وتحسن إلى ~~من ظلمك , هذا في حق الخلائق ومثله في عبادة الخالق بأن تكون ( كأنك تراه ) ~~الذي هو أعلى من استحضار ( إنه يراك ) الذي هو أعلى من أدائها مع الغفلة عن ~~ذلك . # ولما كان هذا شديدا على النفس , رغب فيه بقوله مظهرا صغة الإحسان موضع ~~الإضمار : { من ربكم } أي الذي لم يزل يحسن إليكم وأنتم تبارزونه بالعظائم ~~. | ولما كان من النفوس ما هو كالبهائم لا ينقاد إلا بالضرب , قال منبها ~~أيضا علة رفقه بإثبات الجار : { من قبل أن يأتيكم } أي على ما بكم من العجز ~~عن الدفاع { العذاب } أي الأمر الذي يزيل ما يعذب ويحلو اكم في الدنيا أو ~~في الآخرة . | ولما كان الأخذ على غرة أصعب على النفوس قال : { بغتة } ولما ~~كان الإنسان قد يشعر بالشيء مرة ثم ينساه فيباغته , نفى ذلك بقوله : { ~~وأنتم لا تشعرون * } أي ليس عندكم شعور بإيتانه لا في حال إيتانه ولا قبله ~~بوجه من الوجوه لفرط غفلتكم , ليكون افظع ما يكون على النفس لشدة مخالفته ~~لما هو مستقر فيها وهي متوطئة عليه من ضده . | ولما كان للإنسان عند وقوع ~~الخسران أقوال وأحوال لو تخيلها قبل هجومه لحسب حسابه فباعد أسبابه . | علل ~~الإقبال على الاتباع بغاية الجهد والنزاع فقال : { إن } أي كراهة أن { تقول ~~} ولما كان الموقع للإنسان في النقصان إنما هو حظوظه وشهواته المخالفة ~~لعقله , عبر بقوله : { نفس } أي عند وقوع العذاب لها , وإفرادها وتنكيرها ~~كاف في الوعيد لأن كل أحد يجوز أن يكون هو المراد { يا حسرتي } والتحسير : ~~الاغتنام على ما فات والتندم عليه , وألحق الألف بدلا من الياء تعظيما له , ~~أي يا طول غماه لانكشاف ما فيه صلاحي عني وبعده مني فلا وصول لي إليه ~~لاستدراك ما فات منه , وذلك عند انكشاف أحوالها , وحلول اوجالها وأهوالها ~~ودل على تجاوز هذا التحسر الحد قراءة أبي جعفر ( حسرتاي ) بالجميع بين ~~العوض وهو الألف والمعوض عنه وهو الياء , وحل المصدر لأن ما حل إليه أصرح ~~في الإسناد وأفخم , وأدل على المراد وأعظم , فقال ms4377 : { على ما فرطت } أي بما ~~ضيعت فانفرط مني نظامه , وتعذر انضمامه والتئامه . | ولما كان حق كل أحد ~~قريبا منه حسا أو معنى حنى كأنه إلى جنبه , وكان بالجنب قوام الشيء ولكنه ~~قد يفرط فيه لكونه منحرفاعن الوجاه والعيان , فيدل التفريط فيه على ~~PageV06P463 نسبة المفرط لصاحبه إلى الغفلة عنه , وذلك أمر لا يغفر , قال : ~~{ في جنب } وصرف القول إلى الاسم الأعظم لزيادة التهويل بقوله : { الله } ~~أي حق الملك الأعظم الذي هو غير مغفول عنه ولا متهاون به . | ولما كان ~~المضرور المعذب المقهور يبالغ في الاعتراف , ورجاء القبول والانصراف , قال ~~مؤكدا مبالغة في الإعلام بالإقلاع عما كان يقتضيه حاله , ويصرح به مقاله , ~~من أنه على الحق وأجد الجد : { وإن } أي والحال أني { كنت } أي كان ذلك في ~~طبعي { لمن الساخرين * } أي المستهزئين المتكبرين المنزلين أنفسهم في غير ~~منزلتها , وذلك أنه ما كفاني المعصية حتى كنت أسخر من أهل الطاعة , أي تقول ~~: هذا لعله يقيل منها ويعفي عنها على عادة المترققين في وقت الشدائد , ~~لعلهم يعادون إلى أجمل العوائد . | ولما كانت النفس إذا وقعت في ورطة لا ~~تدع وجها محتملا حتى تتعلق بأذياله , وتمت بحباله وتفتر بمحاله , قال حاكيا ~~كذبها حيث لا يغني إلا الصدق : { أو تقول } أي عند نزول ما لا قبل لها به { ~~لو أن } وأظهر ولم يضمر إظهارا للتعظيم وتلذذا بذكر الاسم الشريف فقال : { ~~الله } أي الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل { هداني } أي ببيان الطريق ~~{ لكنت } أي ملازما ملازمة المطبوع على كوني { من المتقين * } أي الذي لا ~~يقدمون على فعل ما لم يدلهم عليه دليل . | < < # | الزمر : ( 58 - 62 ) أو تقول حين . . . . . # > > ^ ( أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين * بلى قد ~~جآءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين * ويوم القيامة ترى الذين ~~كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين * وينجي الله ~~الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون * الله خالق كل شيء وهو ~~على كل شيء وكيل ) ^ } ) | ولما ذكر ms4378 حالها في الاعتراف بالبطلان , ثم الفزع ~~إلى الزور والبهتان , أتبعه التمني الذي لا يفيد غير الخسران , فقال : { أو ~~تقول } أي تلك النفس المفرطة { حين ترى العذاب } أي الذي هاجمهما للحرحمة ~~أو النقمة : { لو أن } أي يا ليت { اي كرة } أي رجعة إلى دار العمل لأتمكن ~~منه { فأكون } أي فيتسبب عن رجوعي إليها أن أكون { من المحسنين * } أي ~~العاملين بالإحسان الذي دعا إليه القرآن , هذا الأعراب - وهو عطفه على ~~الجواب - أوفق لبقية الآيات التي من سلكه . | ولما حذر سبحانه بما يكون ~~للمأخوذ من سيئ الأحوال وفظيع الأهوال , وكان PageV06P464 معنى ما تقدم من ~~كذبه أنه ما جاءني بيان ولا كان لي وقت أتمكن فيه من العمل , قال تعالى ~~مكذبا له : { بلى } أي قد كان لك الأمران كلاهما { قد جاءتك } ولفت القول ~~إلى التكلم مع تجريد الضمير عن مظهر العظمة لما تقدم من موجبات استحضارها ~~إعلاما بتناهي الغضب بعد لفته إلى تذكير النفس المخاطبة المشير إلى أنها ~~فعلت في العصيان فعل الأقوياء الشداد من التكذيب والكبر مع القدرة في ~~الظاهر على تأمل الآيات , واستيضاح الدلالات , والمشي على طرق الهدايات بعد ~~ما أشار تأنيثها إلى ضعفها عن حمل العذاب وغلبة النقائص لها فقال : { آياتي ~~} على عظمتها في البيان الذي ليس مثله بيان في وقت كنت فيه متمكنا من العمل ~~بالجنان واللسان والأركان { فكذبت بها } جرأة على الله وقلة مبالاة ~~بالعواقب { واستكبرت } أي عددت نفسك كبيرا عن قبولها { وكنت } أي كونا كأنه ~~جبلة لك لشدة توغلك فيه وحرصك عليه { من الكافرين * } أي العريقين في ستر ~~ما ظهر من أنوار الهداية للتكذيب تكبرا لم يكن لك مانع من الإحسان إلا ذلك ~~لا عدم البيان ولا عدم الزمان القابل للعمل . | ولما كان قد تعمد الكذب عند ~~مس العذاب في عدم البيان والوقت القابل , قال تعالى محذرا من حاله وحال ~~أمثاله , ولفت القول إلى من لا يفهمه حق فهمه غيره تسلية له وزيادة في ~~التخويف لغيره : { ويوم القيامة } أي الذي لا يصح في الحكمة تركه { ترى } ~~أي يا ms4379 محسن { الذين كذبوا } وزاد في تقبيح حالهم في اجترائهم بلفت القول ~~إلى الاسم الأعظم فقال : { على الله } أي الحائز لجميع صفات الكمال بأن ~~وصفوه بما لا يليق به وهو منزه عنه من أنه فعل ما لا يليق بالحكمة من ~~التكليف مع عدم البيان , ومن خلق يعدو بعضكم على بعض من غير حساب يقع فيه ~~الإنصاف بين الظالم والمظلوم , أو ادعوا له شريكا أو نحو ذلك , قال ابن ~~الجوزي : وقال الحسن : هم الذين يقولون : إن شئنا فعلنا , وإن شئنا لم نفعل ~~- انتهى , وكأنه عنى المعتزلة الذين اعتزلوا مجلسه وابتدعوا قولهم : إنهم ~~يخلقون أفعالهم , ويدخل فيه كل من تكلم في الدين بجهل , وكل من كذب وهو ~~يعلم أنه كاذب في أي شيء كان , فإنه من حيث إن فعله فعل من يظن أن الله لا ~~يعلم كذبه أو لا يقدر على جزائه كأنه كذب على الله - تراهم بالعين حال ~~كونهم { وجوههم مسودة } مبتدأ وخبر , وهو حال الموصول أي ثابت سوادها زائد ~~البشاعة والمعظم في الشناعة بجعل ذلك إمارة عليهم ليعرفهم من يراهم بما ~~كذبوا في الدنيا فإنهم لم يستحيوا من الكذب المخزي , أليس ذلك زاجرا عن ~~مطلق الكذب فكيف بالكذب على الله الذي جهنم سجنه فكيف بالمتكبرين عليه { ~~أليس في جهنم } أي التي تلقى فيها بالتهجم والعبوسة { مثوى } أي منزل { ~~للمتكبرين } الذي تكبروا على اتباع أمر الله . | PageV06P465 ولما ذكر حال ~~الذين أشقاهم , أتبعهم حال الذين أسعدهم , فقال عاطفا لجملة على جملة لا ~~على ( ترى ) المظروف ليوم القيامة , إشارة إلى أن هذا فعله معهم في الدارين ~~وإشارة إلى كثرة التنجية لكثرة الأهوال كثرة تفوت الحصر : { وينجي } أي ~~مطلق إنجاء لبعض من اتقى بما أشارت إليه قراءة يعقوب بالتخفيف , وتنجية ~~عظمية لبعضهم بما أفادته قراءة الباقين بالتشديد , وأظهر ولم يضمر زيادة ~~على تعظيم حالهم وتسكين قلوبهم { الله } أي يفعل بما له من صفات الكمال في ~~نجاتهم فعل المبالغ في ذلك { الذين اتقوا } أي بالغوا في وقاية أنفسهم من ~~غضبه فكما وقاهم في الدنيا من المخالفات ms4380 حماهم هناك من العقوبات { بمفازتهم ~~} أي بسبب أنهم عدوا أنفسهم في مفازة بعيدة مخوفة فوقفوا فيها عن كل عمل ~~إلا بدليل لئلا يمشوا بغير دليل فيهلكوا , فأدتهم تقواهم إلى الفوز , وهو ~~الظفر بالمراد وزمانه ومكانه الذي سميت المفازة به تفاؤلا , ولذلك فسر ابن ~~عباس رضي الله عنهما المفازة بالأعمال الحسنة لأنها سبب الفوز , وقرئ ~~بالجمع باعتبار أنواع المصدر , وذلك كله بعناية الله بهم في الدارين , ~~فمفازة كل أحد في الأخرى على قدر مفازته بالطاعات في الدنيا . | ولما كان ~~كأنه قيل : ما فعل في تنجيتهم ؟ قال ذاكرا نتيجة التنجية { لا يسهم السوء } ~~أي هذا النوع فلا يخافون { ولا هم يحزنون * } أي ولا يطرق بواطنهم حزن على ~~فائت لأنهم لا يفوت لهم شيء أصلا . | ولما كان المخوف منه والمحزون عليه ~~جامعين لكل ما في الكون فكان لا يقدر على دفعهما إلا المبدع القيوم , قال ~~مستأنفا أو معللا مظهرا الاسم الأعظم تعظيما للمقام : { الله } أي المحيط ~~بكل شيء قدرة وعلما الذي نجاهم { خالق كل شيء } فلا يكون شيء أصلا إلا ~~بخلقه , وهو لا يخلق ما يتوقعون منه خوفا , ولا يقع لهم عليه حزن . | ولما ~~دل على القدرة الشاملة , كان ولا بد معها من العلم الكامل قال : { وهو } ~~وعبر بأداة الاستعلاء لأنه من أحسن مجزأتها { على كل شيء } أي مع القهر ~~والغلبة { وكيل * } أي حفيظ لجميع ما يريد منه , قيوم لا عجز يلم بساحته ~~ولا غفلة . | < < # | الزمر : ( 63 - 67 ) له مقاليد السماوات . . . . . # > > ^ ( له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم ~~الخاسرون * قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون * ولقد أوحي إليك ~~وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين * بل الله ~~فاعبد وكن من الشاكرين * وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ) ^ } ) | ~~PageV06P466 ولما كان الخافقان خزائن الكائنات , وكان لا يتصرف في الخزائن ~~إلا ذو المفاتيح , قال دالا على وكالته : { له } أي وحده { مقاليد } واحدها ~~مقلاد مثل مفتاح , ومقليد مثل ms4381 قنديل , وهي المفاتيح والأمور الجامعة القوية ~~وهي استعارة لشدة التمكن من { السماوات } أي جميع أعدادها { والأرض } أي ~~جنسها خزائنها وأمورها ومفاتيحها الجامعة لكل ما فيهما , فلا يمكن أن يكون ~~فيهما شيء ولا أن يتصرف فيه شيء منهما ولا فيهما أحد إلا بإذنه فلا بدع في ~~تنجيته الذين اتقوا . | ولما كان التقدير : فالذين آمنوا بالله وتقبلوا ~~آياته أولئك هم الفائزون , عطف عليه قوله الذي اقتضاه سياق التهديد : { ~~والذين كفروا } أي لبسوا ما اتضح لهم من الدلالات , وجحدوا أن تكون الأمور ~~كلها بيده { بآيات الله } أي الذي لا ظاهر غيرها , فإنه ليس في الوجود إلا ~~ذاته سبحانه وهي غيب لا يمكن المخلوق دركها , وأفعاله وهي أظهر الأشياء , ~~وصفاته وهي غيب من جهة شهادة من جهة أخرى { أولئك } البعداء البغضاء { هم } ~~خاصة { الخاسرون } فإنهم خسروا نفوسهم وكل شيء يتصل بها على وجع النفع لأن ~~كفرهم أقبح الكفر من حيث إنه متعلق بأظهر الأشياء . | ولما قامت هذه ~~الدلائل كما ترى قيام الأعلام , فانجابت دياجير الظلام , وكان الجهلة قد ~~دعوه صلى الله عليه وسلم كما قال المفسرون في أول سورة ص - إلى أن يكف عن ~~آلهتهم , وكان الإقرار عليها عبادة لها , تسبب عن ذلك أمره صلى الله عليه ~~وسلم بما يصدعهم به بقوله : { قل } ولما كان مقام الغيرة يقتضي محو الأغيار ~~, وكان الغير إذا انمحى تبعه جميع اعراضه , قدم الغير المفعول لأعبد ~~المفعول - على تقدير ( أن ) - لتأمر فقال : { أفغير الله } أي الملك الأعظم ~~الذي لا يقر على فساد أصلا . | ولما كان تقديم الإنكار على فعلهم لهم أرجع ~~, وتأخير ما سبق من الكلام لإنكاره أروع , وكان مد الصوت أوكد في معنى ~~الكلام وأفزع وأهول وأفظع , قال صارفا الكلام إلى خطابهم , لأنه أقعد في ~~إرهابهم وأشد في اكتئابهم { تأمروني } بالإدغام المقتضي للمد في قراءة أكثر ~~القراء . # ولعل الإدغام إشارة إلى أنهم حالوه صلى الله عليه وسلم في أمر آلهتهم على ~~سبيل المكر والخداع . | ولما قرر الإنكار لإثبات إلإغيار , أتم تقرير ذكر ~~العامل في { غير } قال حاذفا ( أن ms4382 ) المصدرية لتصير صلتها في حيز الإنكار : ~~{ أعبد } وهو مرفوع لأن ( أن ) لما حذفت بطل عملها , ولم يراع أيضا حكمها ~~ليقال : إنه يمتنع نصب ( غير ) بها لأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول . ~~| ولما كانت عبادة غير الله أجهل الجهل , وكان الجهل محط كل سفول , قال : ~~PageV06P467 { أيها الجاهلون * } أي العريقون في الجهل , وهو التقدم في ~~الأمور المنبهمة بغير علم - قاله الحرالي في سورة البقرة . | ولما كان ~~التقديم يدل على الاختصاص , وكانوا لم يدعوه للتخصيص , بل للكف المقتضي ~~للشرك , بين أنه تخصيص من حيث إن الإله غني عن كل شيء فهو لا يقبل عملا فيه ~~شرك , ومتى حصل أدنى شرك كان في ذلك العمل كله للذي أشرك , فكان التقدير ~~بيانا لسبب أمره بأن يقول لهم ما تقدم منكرا عليهم : قل كذا , فلقد أوحي ~~إليك وإلى الذين من قبلك وجوب التوحيد , فعطف عليه قوله مؤكدا لأجل ما ~~استقر في النفوس من أن من عمل لأحد شيئا قبل سواه كان على وجه الشركة أولا ~~: { ولقد } ولما كان الموحي معلوما له صلى الله عليه وسلم , بني للمفعول ~~قوله : { أوحي إليك } ولما كان التعميم أدعى إلى التقبل قال : { وإلى الذين ~~} ولما كان الإرسال إنما هو في بعض الزمان لبعض الناس قال : { من قبلك } ~~ولما كان الحكم على قوم ربما كان حكما على المجموع مع قيد الجمع خص بيانا ~~لأنه مع كونه حكما على المجموع حكم على كل فرد , ولأن خطاب الرئيس خطاب ~~لأتباعه لأنه مقتداهم . | ولما كان الموحى إليهم أنه من أشرك حبط عمله سواء ~~كان هو أو غيره , صح قوله بالإفراد موضع نحو أن الإشراك محبط للعمل وقائم ~~مقام الفاعل , وعدل عنه إلى ما ذكر لأنه أعظم في النهي وأقعد في الزجر لمن ~~يتأهل له من الأمة , وأكد لأن المشركين ينكرون معناه غاية الإنكار : { لئن ~~} أي أوحى إلى كل منكم هذا اللفظ وهو وعزتي لئن { أشركت } أي شيئا من ~~الأشياء في شيء من عملك بالله وهو من فرض المحال , ذكره هكذا ليكون أروع ~~للأتباع , والفعل ms4383 بعد أن الشرطية للاستقبال , فعدل هنا عن التعبير بالمضارع ~~للمطابقة بين اللفظ والمعنى لأن الآية سبقت للتعريض بالكفار فكان التعبير ~~بالماضي أنسب ليدل بلفظه على أن من وقع منه شرك فقد خسر , وبمعناه على أن ~~الذي يقنع منه ذلك فهو كذلك . | ولما تقر الترهيب أجاب الشرط والقسم بقوله ~~: { ليحبطن } أي ليفسدن فيبطلن عملك فلا يبقى له أثرا ما من جهة القادر ~~فلأنه أشرك به فيه وهو غني لا يقبل إلا الخالص , لأنه لا حاجة إلى شيء , ~~وأما من جهة غيره فلأنه لا يقدر على شيء . | ولما كان السياق للتهديد , ~~وكانت العبادة شاملة لمت تقدم على الشرك من الأعمال وما تأخر عنه , لم ~~يقيده بالاتصال بالموت اكتفاء بتقييده في آية البقرة وقال : { ولتكونن } أي ~~لأجل حبوطه { من الخاسرين * } فإنه من ذهب جميع عمله لا شك في خسارته , ~~PageV06P468 والخطاب للرؤساء على هذا النحو - وإن كان المراد به في الحقيقة ~~أتباعهم - أزجر للأتباع , وأهز للقلوب منهم والأسماع . | ولما كان التقدير ~~قطعا : فلا تشرك , بنى عليه قوله : { بل الله } أي المتصف بجميع صفات ~~الكمال وحده بسبب هذا النهي العظيم والتهديد الفظيع مهما وقعت منك عبادة ما ~~{ فاعبد } أي مخلصا له العبادة , فحذف الشرط , عوض عنه بتقديم المفعول . | ~~ولما كانت عبادته لا يمكن أن تقع إلا شكرا لما له من عموم النعم سابقا ~~ولاحقا , وشكر المنعم واجب , نبه على ذلك قوله : { وكن من الشاكرين * } أي ~~العريقين في هذا الوصف لأنه جعلك خير الخلائق . | ولما كان التقدير : فما ~~أحسن هؤلاء ولا أجملوا حين دعوك للإشراك بالله , وما عبدوه حق عبادته إذ ~~أشركوا به , عطف عليه قوله : { وما قدروا } وأظهر الأسم الأعظم في أحسن ~~مواطنه فقال : { الله } أي الملك الأعظم { حق قدره } أي ما عظموه كما يجب ~~له فإنه لو استغرق الزمان في عبادته وخالص طاعته بحيث لم يخل شيء منه عنها ~~لما كان ذلك حق قدره فكيف إذا خلا بعضها عنها فكيف إذا عدل به غيره . | ~~ولما ذكر تعظيم كل شيء ينسب إليه , دل على باهر ms4384 قدرته الذي هو لازم القبض ~~والطي بما يكون من الحال في طي هذا الكون , فقال كناية عن العظمة بذلك : { ~~والأرض } أي والحال أنها , وقدمها لمباشرتهم لها ومعرفتهم بحقيقتها . | ~~ولما كان ما يدركون منها من السعة والكبر كافيا في العظمة وأن لم يدركوا ~~أنه سبع , أكد بما يصلح لجميع طبقاتها تنبيها للبصراء على أنها سبع من غير ~~تصريح به فقال : { جميعا } ولما كان أحقر ما عند الإنسان وأخفه عليه ما ~~يحويه في قبضته , مثل بذلك في قوله مخبرا عن المبتدأ مفردا بفتح القاف لأنه ~~أقعد في تحقير الأشياء العظيمة بالنسبة إلى جليل عظمته : { قبضته } . | ~~ولما كان في الدنيا من يدعي الملك والقهر والعظمة والقدرة , وكان الأمر في ~~الآخرة بخلاف هذا لانقطاع الأسباب قال : { يوم القيامة } ولا قبضة هناك ~~حقيقية ولا مجازا , وكذا الطي واليمين , وإنما تمثيل وتخييل لتمام القدرة . ~~| ولما كانوا يعلمون أن السماوات سبع متطابقة بما يشاهدون من سير النجوم , ~~جمع ليكون مع { جميعا } كالتصريح في جميع الأرض أيضا في قوله : { والسماوات ~~مطويات } ولما كان العالم العلوي أشرف , شرفه عند التمثيل باليمين فقال : { ~~بيمينه } ولما كان هذا إنما هو تمثيل بما نعهد والمراد به الغاية في القدرة ~~, نزه نفسه المقدس عما ربما تشبث به المجسم والمشبه فقال : { سبحانه } أي ~~تنزه من هذه القدرة قدرته عن كل شائبة نقص وما يؤدي إلى PageV06P469 النقص ~~من الشرك والتجسيم وما شاكله { وتعالى } علوا لا يحاط به { عما يشركون * } ~~أي إن علوه عن ذلك علو من يبالغ فيه , فهو في غاية من العلو لا يكون وراءها ~~غاية لأنه لو كان له شريك لنازعه هذه القدرة أو بعضها فمنعه شيئا منها , ~~وهذه معبوداتهم لا قدرة لها على شيء , روى البخاري في صحيحه في التوحيد ~~وغيره من عبد الله رضي عنه قال : جاء حبر من اليهود إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال : إذا كان يوم القيامة جعل الله السماوات على إصبع , ثم ~~يميزهن ثم يقول : أنا الملك , فلقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يضحك حتى ms4385 ~~بدت نواجذه - تعجيبا وتصديقا لقوله - ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم ^ ( ~~{ وما قدروا الله حق قدره } ) ^ - إلى : - ^ ( { يشركون } ) ^ [ الأنعام : ~~91 ] وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول ~~: أنا الملك اين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين ثم يأخذهن بشماله ~~ثم يقول : أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ) وللبخاري عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( يقبض الله الأرض يوم ~~القيامة , ويطوي السماء بيمينه , ثم يقول : أنا الملك أين ملوك الأرض . | ) ~~| < < # | الزمر : ( 68 ) ونفخ في الصور . . . . . # > > ^ ( ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شآء الله ~~ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) ^ } ) | ولما دل على عظيم قدره بعض ~~ما يكون يوم القيامة , أتبعه ما لا يحتمله القوي من أحوال ذلك اليوم دليلا ~~آخر , فقال دالا على عظيم قدرته وعزه وعظمته بالبناء للمفعول : { ونفخ في ~~الصور } أي القرن العاطف للأشياء المقبل بها نحو صوته المميل لها عن ~~أحوالها العالي عليها في ذلك اليوم بعد بعث الخلائق وهي النفخة الأولى بعد ~~البعث التي هي بعد نفختي الموت والبعث المذكورتين في سورة يس , والمراد بها ~~- والله أعلم - ألقاء الرعب والمخافة والهول في القلوب أظهارا للعظمة ~~وترديا بالكبرياء والعز في عزة يوم المحشر ليكون أول ما يفجأهم يوم الدين ~~ما لا يحتمله القوي , ولا تطيقه الأحلام والنهى , كما كان آخر ما فجأهم يوم ~~الدنيا وإن افترقا في التأثير , فإن ذلك أثرت الموت , وهذه أثرت الغشي لأنه ~~لا موت بعد البعث , وهي الثالثة من النفخات PageV06P470 { فصعق } أي مغشيا ~~عليه { من في السماوات } ولما كان المقام التهويل , وكان التصريح أهول , ~~أعاد الفاعل بلفظه فقال : { ومن في الأرض } . | ولما كان منهم من لا يصعق ~~ليعرف دائما أنه في كل فعل من أفعاله مختار قادر جبار , استثناه فقال : { ~~إلا من شاء الله } أي الذي له مجامع ms4386 العظمة ومعاقد العز , فيجعل الشيء ~~الواحد هلاكا لقوم دون قوم , وصعقا لقوم دون قوم , يجعل ذلك الذي كان به ~~الهلاك به الحياة وذلك الذي كان به الغشي به الإفاقة وإن كان بالنسبة إليهم ~~على حد سواء , إعلاما بأن الفاعل لما يريد لا الأثر , قيل : المستثنون ~~الشهداء وقيل : غيرهم { ثم نفخ فيه أخرى } أي نفخة ثانية من هذه , وهي ~~رابعة من النفخة المميتة , ودل على سرعة تأثيرها بالفجاءة في قوله : { فإذا ~~هم قيام } أي قائمون كلهم { ينظرون * } أي يقبلون أبصارهم أو ينتظرون ما ~~يأتي بعد ذلك من أمثاله من دلائل العظمة , وهاتان النفختان هما المرادتان ~~في حديث تخاصم اليهود مع المسلم الذي لطم وجهه , وفي آخره ( يصعق الناس يوم ~~القيامة فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش فلا أدري أفاق قبلي ~~أو جوزي بصعقة الطور ) وقد رواه البخاري في الخصومات في موضعين , وفي ~~أحاديث الأنبياء في موضعين , وفي الرقاق وفي التوحيد ومسلم في الفضائل , ~~وأبو داود في السنة , والنسائي في التفسير والنعوت , وبتفصيل رواياته وجمع ~~ألفاظها يعلم أن ما ذكرته هو المراد روى البخاري ومسلم في أحاديث الأنبياء ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : بينما يهودي يعرض سلعة له - وقال البخاري ~~: سلعته - أعطى بها شيئا كرهه أو لم يرضه , قال : لا والذي اصفطى موسى على ~~البشر ! فسمعه رجل من الأنصار فلطم - وقال البخاري : فقام فلطم وجهه , قال ~~: تقول : والذي اصطفى موسى على البشر ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين ~~أظهرنا , فذهب اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا ~~القاسم إن لي ذمة وعهدا , وقال : فلان لطم وجهي , - وقال البخاري : فما بال ~~فلان لطم وجهي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لم لطمت وجهه ) قال : ~~قال يا رسول الله ( والذي اصطفى موسى على البشر ) وأنت بين أظهرنا , فغضب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجهه , ثم قال ( لا تفضلوا ~~بين أنبياء الله فإنه ينفخ في الصور فيصعق من في ms4387 السماوات ومن في الأرض إلا ~~من شاء الله , ثم ينفخ فيه أخرى فأكون أول من بعث ) وفي رواية مسلم ( أو في ~~أول من بعث - فإذا موسى آخذ بالعرش فلا أدري أحوسب بصعقة يوم الطور أو بعث ~~قبلي ولا اقول : إت أحدا أفضل من يونس بن متى ) وفي رواية للبخاري في تفسير ~~الزمر ( إني من أول من يرفع رأسه بعد النفخة الآخرة فإذا أنا بموسى متعلق ~~بالعرش فلا أدري أكذلك كان أم بعد النفخة ) وفي رواية للبخاري في ~~PageV06P471 الخصومات والرقاق وأحاديث الأنبياء وهي لمسلم أيضا قالا : استب ~~رجلان : رجل من المسلمين ورجل من اليهود - وفي رواية لمسلم : رجل من اليهود ~~ورجل من المسلمين - قال المسلم : والذي اصفطى محمدا صلى الله عليه وسلم على ~~العالمين , قال البخاري في كتاب التوحيد وأحاديث الأنبياء : في قسم يقسم به ~~, فقال اليهودي : والذي اصطفى موسى على العالمين , قال البخاري : فغضب ~~المسلم عن ذلك فلطم وجه اليهودي , وقال مسلم وكذلك البخاري في التوحيد ~~والخصومات وأحاديث الأنبياء : فرفع المسلم يده عند ذلك فلطم وجه اليهودي , ~~فذهب اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان من أمره ~~وأمر المسلم , قال البخاري في الخصومات : فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ~~المسلم فسأله عن ذلك فأخبره - ثم اتفقا : فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( لا تخيروني على موسى فإن الناس يصعقون ) قال البخاري في الرقاق ~~والخصومات وأحاديث الأنبياء ونسخة في التوحيد ( يوم القيامة فأكون في أول ~~من يفيق ) وفي رواية له في الخصومات ( فأصعق معهم ) وفي رواية له في الرقاق ~~وفي رواية في التوحيد وهي رواية لمسلم وأبي داود ( فأكون أول من يفيق فإذا ~~موسى باطش بجانب العرش ) وقال أبو داود ( في جانب العرش , فلا أدري أكان ~~ممن صعق فأفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله ) وفي رواية ( فلا أدري أكان ~~ممن صعق فأفاق قبلي أو اكتفى بصعقة الطور ) وفي رواية للبخاري في أحاديث ~~الأنبياء ( فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق أو كان ممن استثنى الله ) ولم ms4388 ~~يذكر قبلي وروى الحديث الترمذي في تفسير سورة الزمر وبان ماجه في الزهد : ~~قال : قال اليهودي , وقال ابن ماجه : رجل من اليهود بسوق المدينة : والذي ~~اصطفى وموسى على البشر فرفع رجل من الأنصار يدا فصك بها وجهه - وقال ابن ~~ماجه : فلطمه - قال : تقول هذا وفينا نبي الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ونفخ في الصور ) وقال ابن ماجه : تقول هذا ~~وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال ( قال الله تعالى : ونفخ في الصور - فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون , فأكون أول من ~~رفع رأسه فإذا موسى آخذ ) وقال ابن ماجه : فإذا أنا بموسى آخذ ( بقائمة من ~~قوائم العرش , فلا أدري أرفع رأسه قبلي أم كان ممن استثنى الله , ومن قال : ~~أنا خير من يونس بن متى فقد كذب ) وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . | ~~وفي رواية للبخاري في الرقاق ( يصعق الناس حين يصعقون , فأكون أول من قام , ~~فإذا موسى آخذ بالعرش , فما أدري أكان فيمن صعق ) قال : ورواه أبو سعيد رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه , وللبخاري في الخصومات عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس جاء ~~يهودي فقال : يا أبا القاسم ! ضرب وجهي رجل من أصحابك , قال : من ؟ قال : ~~رجل من الأنصار , قال : ادعوه , قال : ضربته ؟ قال : سمعته بالسوق يحلف ( ~~والذي اصطفى PageV06P472 موسى على البشر ) قلت : أي خبيث على محمد , ~~فأخذتني غضبة ضربت وجهه , فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تخيروا بين ~~الأنبياء , فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض ) ~~وفي رواية في أحاديث الأنبياء ( فأكون أول من يفيق - فإذا أنا بموسى آخذ ~~بقائمة من قوائم العرش , فلا أدري أكان فيمن صعق أم حوسب بصعقته الأولى ) ~~وفي رواية في أحاديث الأنبياء ( فلا أدري أفاق قبلي ms4389 أو حوسب بصعقة الطور ) ~~والله أعلم - هذا ما رأيته من ألفاظ الحديث في الكتب الستة , وأما معنى صعق ~~قلإنه صاح ومات فجأة أو غشي عليه , قال في القاموس : الصاعقة الموت وكل ~~عذاب مهلك وصيحة العذاب , وصعق كسمع صعقا ويحرك وصعقة وتصعاقا : غشي عليه . ~~| والصعق محركة : شدة الصوت , وككتف : الشديد الصوت , وقال عبد الحق في ~~الواعي : الأزهري : الصاعقة - يعني بالفتح - وأصعقتهم - إذا أصابتهم فصعقوا ~~وصعقوا , ومن حديث الحسن : ينتظر بالمصعوق ثلاثا ما لم يخافوا عليه نتنا - ~~يعني الذي مات فجأة , قال : والصاعقة مصدر جاء على فاعلة , تقول : سمعت ~~صاعقة الرعد وثاغية الشاء , وقوله : < # > 77 ( { وخر موسى صعقا } ) 77 < # > [ الأعراف : 143 ] أي مغشيا عليه , دل على ذلك قوله سبحانه { فلما أفاق ~~} إنما يقال : أفاق من العلة والغشية وبعث من الموت , قال : وجملة الصاعقة ~~الصوت مع النار , وقال أبو عبد الله القزاز : الصعق هو أن يسمع الإنسان صوت ~~الهدة الشديدة فيصعق لذلك عقله , واشتقاق الصاعقة من هذا , سميت صاعقة لشدة ~~صوتها وتقول : إنه لصعق , أي شديد الصوت , وكذا هو صعاق - انتهى . | فتحرر ~~من هذا أن الصعق يطلق على الموت فجأة , وعلى الغشي كذلك , وأن الإفاقة لا ~~تكون إلا عن غشي لا عن موت , فعلم أن الصعقة في هذه الآية إنما هي غشي لأن ~~الثانية عنها إفاقة , وأيضا فمن الأمر المحقق أنه لا يموت أحد من أهل ~~البرزخ فكيف بالأنبياء عليهم السلام , فالصواب حمل الصعقة المذكورة في ~~الحديث على الغشي أو ما يشبهه , ويؤيده التجويز لأن تكون صعقة الطور جزاء ~~عنها , وعلى تقدير أن تكون غشيا إن قلنا إنه يكون بنفخة الإماتة يلزم عليه ~~أن لا يكون للغشي ولا لعدمه مدخل في الشك في أن موسى عليه السلام أفاق قبل ~~أن يحصل له غشي أصلا , لأن الذي يكون به PageV06P473 بطشه بالعرش - وهو ~~بروحه وجسه - إنما هو البعث من الموت لا الإفاقة من الغشي ولا عدم الغشي ~~قبل البعث , فالذي يوضح الأمر ولا يدع فيه لبسا أن يكون ذلك بعد البعث , ~~وتكون حينئذ النفخات أربعا ms4390 : الأولى لإماتة الأحياء , الثانية لإحياء جميع ~~الموتى , وهاتان هما المذكورتان في سورة يس , ولذلك لما ذكرهما صرح في ~~أمرهما بما لا يحتمل غيره { ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون ~~فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث ~~إلى ربهم ينسلون } الثالثة لابتدائهم بعد البعث بالهول الشديد , والحال ~~يقتضيه لأن ذلك اليوم يوم الأهوال والارعاب والارهاب , وإظهار العظمة ~~والجلال لتقطيع الأسباب , والذي يدل عليه في هذا الحديث قوله صلى الله عليه ~~وسلم في كثير من رواياته : ( فإن الناس يصعقون يوم القيامة ) فإن يوم ~~القيامة اسم للوقت الذي أوله البعث وآخره تكامل دخول كل فريق إلى داره ومحل ~~استقراره , وأما صعقة الموت فإنها في دار الدنيا وهي للإنامة لا للإقامة , ~~ويضعف حمله على ما قبل البعث الروايات الصحيحة الجازمة بأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أول من تنشق عنه الأرض , وما حكاه الكرماني من الإجماع على ذلك ~~ولا فخر فيه إلا بحصول البعث لا بإظهار الجسد من غير بعث , فهذا الجزم ~~ينافي ذلك الشك , فإذا كان المراد بما في الحديث الغشي كانت نفخة أخرى ~~للإيقاظ منه , وهاتان المرادتان بما في هذه السورة كما في رواية السورة كما ~~في رواية الترمذي وما في النمل , ولذلك عبر عنها بالفزع , ويؤيد ذلك ~~التعبير في رواية البخاري في التفسير بالنفخة الآخرة , والنبي صلى الله ~~عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم , واختصر له الكلام اختصارا , ولو أنهما ~~نفختان فقط كان التعبير بالآخرة قاصرا عما تفيده الثانية مع المساواة في ~~عدة الحروف , وهو مما لا يظن ببليغ , فكيف بأبلغ الخلق المؤيد بروح القدس ~~صلى الله عليه وسلم فكان العدول عن الثانية إلى الآخرة مفيدا أنها أربع , ~~ولعل ذلك معنى < # > 77 ( { أمتنا اثنتين وأحيينا اثنتين } ) 77 < # > [ غافر : 11 ] وسميت إماتة لشدة الغشي بها لعظم أمرها ومعنى زلزلة ~~الساعة التي تسكر , ويؤيده التعبير عن القيام منها بالإفاقة لا بالبعث , ~~ولا يعكر على هذا شيء إلا رواية البخاري في الخصومات ( فأكون أول من ms4391 تنشق ~~عنه الأرض فإذا أنا موسى ) إلى آخره , فالظاهر أن راويها وهم , أو روى ~~المعنى فما وفي بالغرض , والراجح روايات من قالوا ( فأكون أول من يفيق ) ~~بالكثرة وبزوال الإشكال , هذا ما كان ظهر لي في النظر في المعنى وتطبيق ~~الآيات والأحاديث عليه , ثم PageV06P474 رأيت شيخنا حافظ عصره أحمد بن علي ~~بن حجر الكناني العسقلاني المصري رحمه الله نقل ما جمعت به بين الروايات في ~~كتاب الأنبياء من شرحه للبخاري عن القاضي عياض فقال : وقال عياض : يحتمل أن ~~يكون المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض . | وأقره على ذلك ~~ثم نقل عن ابن حزم عين ما قلته في النفخات فقال ما نصه : تكميل : زعم ابن ~~حزم أن النفخات يوم القيامة أربع : الأولى نفخة إماتة يموت فيها من بقي في ~~الأرض , حيا , ثانيها نفخة إحياء فيقوم كل ميت , والثالثة نفخة فزع وصعق ~~يفيقون منها كالمغشي عليهم , لا يموت منها أحد , والرابعة إفاقة من ذلك ~~الغشي , ثم رده شيخنا بأن الصعقات أربع , ولا يستلزم كون النفخات أكثر من ~~اثنتين , وذلك أنه ينفخ في الصور النفخة الأولى فيموت من كان حيا ويغشى على ~~من كان ميتا , فهاتان صعقتان في النفخة الأولى , وينفخ النفخة الثانية ~~فيفيق من كلن مغشيا عليه ويحيى من كان ميتا , فهاتان اثنتان في النفخة ~~الثانية , وهذا الرد مردود لمن حقق ما قلته بأدنى تأمل , ويلزم عليه أن ~~يكون أصفياء الله أشد حالا وفزعا ممن تقوم عليهم الساعة وهم شر عباد الله , ~~والعجب أن الذي رده على ابن حزم سلمه لعياض - والله الموفق . | < < # | الزمر : ( 69 - 72 ) وأشرقت الأرض بنور . . . . . # > > ^ ( وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهدآء وقضي ~~بينهم بالحق وهم لا يظلمون * ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون * ~~وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جآءوها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتهآ ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقآء يومكم هذا ~~قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين * قيل ادخلوا أبواب ms4392 جهنم ~~خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين ) ^ } ) | ولما ذكر إقامتهم بالحياة التي ~~هي نور البدن , أتبعه إقامتهم بنور جميع الكون ظاهرا بالضياء الحسي , ~~وباطنا بالحكم على طريق العدل الذي هو نور الوجود الظاهري والباطني على ~~الحقيقة كما أن ظلم ظلامة كذلك فقال : { وأشرقت } أي أضاءت إضاءة عظيمة ~~مالت بها إلى الحمرة { الأرض } أي التي أوجدت لحشرهم , وعدل الكلام عن ~~الاسم الأعظم إلى صفة الإحسان لغلبة الرحمة لا سيما في ذلك اليوم فإنه لا ~~يدخل أحد الجنة إلا بها فقال : { بنور ربها } أي الذي رباها بالإحسان إليها ~~بجعلها محلا للعدل والفضل , لا يكون فيها شيء غير ذلك أصلا , وذلك النور ~~الذي هو شيء واحد يبصر به قوم دون آخرين كما كانت النفخة تارة للهلاك وتارة ~~للحياة . | ولما كان العلم هو النور في الحقيقة , وكان الكتاب أساس العلم ~~وكان لذلك اليوم PageV06P475 من العظمة ما يفوت الوصف ولذلك كذب به الكفار ~~أتى فيما يكون فيه بإذنه بصيغة المجهول على طريقة كلام القادرين إشارة إلى ~~هوانه وأنه طوع أمره لا كلفة عليه في شيء من ذلك وكذا ما بعده من الأفعال ~~زيادة في تصوير عظمة الأمر فيه فقال : { ووضع الكتاب } أي الذي أنزل إلى كل ~~أمة لتعمل به . | ولما كان الأنبياء أعم من المرسلين , وكان للنبي وهو ~~المبعوث ليعمل من أمره أن يأمر بالمعروف , وقد يتبعه من أراد الله به الخير ~~, وكان عدتهم مائة ألف وأربعة وعشرين ألفا , وهي قليلة جدا بالنسبة إلى ~~جميع الناس , عبر بهم دون المرسلين وبجمع القلة فقال : { وجاء بالنبيين } ~~للشهادة على أممهم بالبلاغ . | ولما كان أقل ما يكون الشهود ضعف المكلفين , ~~عبر بجمع الكثرة فقال : { والشهداء } أي الذين وكلوا بالمكلفين فشاهدوا ~~أعمالهم فشهدوا بها وضبطوها فأصلت الأصول وصورت الدعاوى وأقيمت البينات على ~~حسبها من طاعة أو معصية , ووقع الجزاء على حسب ذلك , فظهر العدل رحمة ~~للكفار , وبان الفضل رحمة للمسلمين { وقضى بينهم } أي بين العباد الذين فعل ~~ذلك كله لأجلهم , ولما كان السياق ظاهرا في عموم الفضل عدلا وفضلا كما ms4393 يأتي ~~التنبيه عليه قال : { بالحق } بأن يطابق الواقع من المثوبات والعقوبات ما ~~وقع الخبر به في الكتب على ألسنة الرسل . | ولما كان المراد كمال الحق ~~باعتبار عمومه لجميع الأشخاص والأعمال وكان ربما طرقه احتمال تخصيص ما , ~~أزال ذلك بقوله : { وهم } أي باطنا وظاهرا { لا يظلمون * } أي لا يتجدد لهم ~~ظلم في وقت أصلا , فلا يزادون في جزاء السيئة على المثل شيئا ولا ينقصون في ~~جزاء الحسنة عن العشر شيئا . | ولما كان ذلك ربما كان بالنسبة إلى ما وقع ~~فيه الحكم , وليس نصا في شمول الحكم لكل عمل , نص عليه بقوله , ذاكرا ~~الوفاء والعمل لاقتضاء السياق ذلك بذكر الكتاب وما في حيزه من النبيين ~~والشهداء والقضاء الحق , وذلك كله أليق بذكر العمل المؤسس على العلم , ~~والوفاء الذي هو الركن الأعظم في الحق ومساق العلم , والعلم والوفاء أوفق ~~لجعل العمل نفسه هو الجزاء بأن يصور بما يستحقه من الصور المليحة إن كان ~~ثوابا والقبيحة إن كان عقابا , والفرق بينه وبين العقل المؤسس على الشهوة ~~وقوة الداعية : { ووفيت كل نفس } ولما كانت التوفية في الجزاء على غاية ~~التحرير والمبالغة في الوفاء والمشاكلة في الصورة والمعنى , جعل الموفي نفس ~~العمل فقال : { ما عملت } أي من الحسنات , لذلك عبر بالعمل الذي لا يكون ~~إلا مع العلم وأفهم الختام تقدير ( والله أعلم بما يعملون ) . | ~~PageV06P476 ولما كان المراد بالشهداء إقامة الحقوق على ما يتعارفه العباد ~~وكان ذلك ربما أوهم نقصا في العلم قال : { وهو أعلم } أي من العاملين ~~والشهداء عليهم { بما يفعلون * } أي مما عمل به بداعية من النفس سواء كان ~~مع مراعاة العلم أو لا . | فالآية من الاحتباك : ذكر ما عملت أولا يدل على ~~ما فعلت ثانيا , وذكر ما يفعلون ثانيا يدل عليه ما يفعلون أولا , وسره أن ~~ما ذكر أوفق للمراد من نفي الظالم على حكم الوعد بالعدل والفضل لأن فيه ~~الجزاء على كل ما بني على علم , وأما المشتهي فما ذكر أنه يجازي عليه بل ~~الله يعلمه . | ولما كان الأغلب على هذه المقامات التحذير ms4394 , قدم في هذه ~~التوفية حال أهل الغضب فقال : { وسبق } أي بأمر يسير من قبلنا بعد إقامة ~~الحساب سوقا عنيفا { الذين كفروا } أي غطوا أنوار عقولهم , فالتبست عليهم ~~الأمور فضلوا { إلى جهنم } أي الدركة التي تلقاهم بالعبوسة كما تلقوا ~~الأوامر والنواهي والقائمين بها بمثل ذلك , فإن ذلك لازم لتغطية العقل { ~~زمرا } أي جماعات في تفرقة بعضهم على إثر بعض - قاله أبو عبيد - أصنافا ~~مصنفين , كل شخص مع من يلائمه في الطريقة الزمرة , مأخوذة من الزمر وهو صوت ~~فيه التباس كالزمر المعروف لأن ذلك الصوت من لازم الجمع . | ولما كان إغلاق ~~الباب المقصود عن قاصده دالا على صغاره , دل على أن أمرهم كذلك بقوله ذاكرا ~~غاية السوق : { حتى إذ جاءوها } أي على صفة الذل والصغار , وأجاب ( إذا ) ~~بقوله : { فتحت أبوابها } أي بولغ كما يفعل في أبواب السجن لأهل الجرائم ~~بعد تكاملهم عندها في الإسراع في فتحها ليخرج إليهم ما كان محبوسا بإغلاقها ~~من الحرارة التي يلقاهم ذكاؤها وشرارها على حالة هي أمر من لقاء البهام ~~التي اختاروها في الدنيا على تقبل ما خالف أهويتهم من حسن الكلام . | ولما ~~كان المصاب ربما رجا الرحمة , فإذا وجد من يبكته كان تبكيته أشد عليه مما ~~هو فيه قال : { وقال لهم خزنتها } إنكارا عليهم وتقريعا وتوبيخا : { ألم ~~يأتكم رسل } ولما كان قيام الحجة بالمجانس أقوى قال واصفا لرسل : { منكم } ~~أي لتسهل عليكم مراجعتهم . | ولما كانت المتابعة بالتذكير أوقع في النفس ~~قال آتيا بصفة أخرى معبرا بالتلاوة التي هي أنسب لما يدور عليه مقصد السورة ~~من العبادة لما للنفوس من النقائص الفقيرة إلى متابعة التذكير : { ويتلون } ~~أي يوالون { عليكم آيات } ولما كان أمر المحسن أخف على النفس فيكون أدعى ~~إلى القبول قالوا : { ربكم } أي بالبشارة إن تابعتم . | ولما كان الإنذار ~~أبلغ في الزجر قالوا : { وينذرونكم لقاء يومكم } ولما كانت الإشارة أعلى في ~~التشخيص قالوا : { هذا } إشارة إلى يوم البعث كله , أي من الملك الجبار إن ~~PageV06P477 نازعتم , فالآية من الاحتباك : ذكر الرب أولا دلالة على حذف ~~الجبروت ثانيا ms4395 والإنذار ثانيا دليلا على البشارة أولا { قالوا بلى } أي قد ~~أتونا وتلوا علينا وحذرونا . | ولما كان عدم إقبالهم على الخلاص مما وقعوا ~~فيه مع كونه يسيرا من أعجب العجب , بينوا موجبه بقولهم : { ولكن حقت } أي ~~وجبت وجوبا يطابقه الواقع , لا يقدر معه على الانفكاك عنه { كلمة العذاب } ~~أي التي سبقت في الأزل علينا - هكذا كان الأصل , ولكنهم قالوا : { على ~~الكافرين * } تخصيصا بأهل هذا الوصف وبيانا لأنه موجب دخولهم وهو تعظيم ~~للأنوار التي أتتهم بها الرسل . | ولما فرغوا من إهانتهم بتكبيتهم , أنكوهم ~~بالأمر بالدخول , وعبر بالمبني للمفعول إشارة ألى أنهم وصلوا إلى أقصى ما ~~يكون من الذل إنهم يتمثلون قول كل قائل جل أو قل , فقيل في جواب من كأنه ~~قال : ماذا وقع بعد هذا التقريع ؟ : { قيل } أي لهم جوابا لكلامهم : { ~~ادخلوا أبواب جهنم } أي طبقاتها المتجهمة لداخليها . | ولما كان الإخبار ~~بالخلود حين الدخول أوجع لهم قالوا : { خالدين } أي مقدرين الخلود { فيها } ~~ولما كان سبب كفرهم بالأدلة هو التكبر , سبب عن الأمر بالدخول قوله معرى عن ~~التأكيد لأنه يقال في الآخرة ولا تكذيب فيها يقتضي التأكيد ولم يتقدم منهم ~~هنا كذب كالنحل بل اعتراف وتندم { فبئس مثوى } أي منزل ومقام { المتكبرين * ~~} أي الذين أوجب تكبرهم حقوق كلمة العذاب عليهم , فلذلك تعاطوا أسبابها . | ~~< < # | الزمر : ( 73 - 75 ) وسيق الذين اتقوا . . . . . # > > ^ ( وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جآءوها وفتحت ~~أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين * وقالوا الحمد ~~لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء فنعم أجر ~~العاملين * وترى الملائكة حآفين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم ~~بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ) ^ } ) | ولما ذكر أحوال الكافرين , ~~أتبعه أحوال أضدادهم فقال : { وسيق } وسوقهم إلى المكان الطيب يدل على أن ~~موقفهم كان طيبا لأن من كان في أدنى نكد فهيئ له مكان هنيء لا يحتاج في ~~الذهاب إليه إلى سوق , فشتان ما بين السوقين ! هذا سوق إكرام , وذاك سوق ~~إهانة وانتقام , وهذا لعمري من ms4396 بدائع أنواع البديع , وهو أن يأتي سبحانه ~~بكلمة في حق الكفار فتدل على هوانهم بعقابهم , ويأتي بتلك الكلمة بعينها ~~وعلى هيئتها في حق الأبرار فتدل على إكرامهم بحسن ثوابهم , فسبحان من أنزله ~~معجز المباني , متمكن المعاني , عذب الموارد والمثاني . | PageV06P478 ولما ~~كان هذا ليس لجميع السعداء بل للخلص منهم , دل على ذلك بقوله : { الذين ~~اتقوا } أي لا جميع المؤمنين { ربهم } أي الذين كلما زادهم إحسانا زادوا له ~~هيبة , روى أحمد وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد رضي الله عنه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ( يوما كان مقداره خمسين ألف سنة , ~~فقيل : ما أطول هذا اليوم ) قال النبي صلى الله عليه وسلم ( والذي نفسي ~~بيدهإنه ليخفف على المؤمن حتى يكون عليه أخف من صلاة مكتوبة ) . | وروى ~~الطبراني وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ( تجتمعون يوم القيامة ) فذكر الحديث حتى قال : ~~قالوا : فأين المؤمنون يومئذ ؟ قال ( توضع لهم كراسي من نور ويظلل عليهم ~~الغمام يكون ذلك اليوم أقصر على المؤمنين من ساعة من نهار ) . | ويمكن أن ~~يكون السوق إشارة إلى قسر المقادير للفريقين على الأفعال التي هي أسباب ~~الدارين { إلى الجنة زمرا } أهل الصلاة المنقطعين إليها المستكثرين منها ~~على حدة , وأهل الصوم كذلك - إلى غير من الأعمال التي تظهر آثارها على ~~الوجوه . | ولما ذكر السوق , ذكر غايته بقوله : { حتى إذا جاءها } ولما كان ~~إغلاق الباب عن الآتي يدل على تهاون به , وفي وقوفه إلى أن يفتح له نوه ~~هوان قال : { وفتحت } أي والحال أنها قد فتحت { أبوابها } أي إكراما لهم ~~قبل وصولهم إليها بنفس الفتح وبما يخرج إليهم من رائحتها , ويرون من زهرتها ~~وبهجتها , ليكون ذلك لهم سائقا ثانيا إلى ما لم يروا ولا رأوا عنه ثانيا . ~~| ولما ذكر إكرامهم بأحوال الدار , ذكر إكرامهم بالخزنة الأبرار , فقال ~~عطفا على جواب ( إذا ) بما تقديره : تلقتهم خزنتها بكل ما يسرهم : { وقال ~~لهم خزنتها } أي حين ms4397 الوصول : { سلام عليكم } تعجيلا للمسرة لهم بالبشارة ~~بالسلامة التي لا عطب فيها . | ولما كانت دارا لا تصلح إلا للمطهرين قالوا ~~: { طبتم } أي صلحتم لسكناها , فلا تحول لكم عنها أصلا , ثم سببوا عن ذلك ~~تنبيها على أنها دار الطيب , فلا يدخلها إلا مناسب PageV06P479 لها , قولهم ~~: { فادخلوها } فأنتج ذلك { خالدين * } ولعل فائدة الحذف لجواب ( إذا ) أن ~~تذهب النفس فيه من الإكرام كل مذهب وتعلم أنه لا محيط به الوصف , ومن أنسب ~~الأشياء أن يكون دخولهم من غير مانع من إغلاق باب أو منع بواب , بل مأذونا ~~لهم مرحبا بهم إلى ملك الأبد . | ولما كان التقدير : فدخلوها , عطف عليه ~~قوله : { وقالوا } أي جميع الداخلين : { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف الكمال ~~, وعدلوا إلى الاسم الأعظم لأنفسهم على استحضار جميع ما تمكنهم معرفته من ~~الصفات فقالوا : { لله } أي الملك الأعظم { الذي صدقنا وعده } في قوله تلك ~~الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا فطابق قوله الواقع الذي وجدناه في ~~هذه الساعة { وأورثنا } كما وعدنا { الأرض } الي لا أرض في الحقيقة غيرها ~~وهي أرض الجنة التي لا كدر فيها بوجه وفيها كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ~~, بأن جعل حالنا فيها في تمام الملك وعدم التسبب في الحقيقة فيه حال الوارث ~~الذي هو بعد موروثه ولا شيء بعده ولا منازع له حال كوننا { نتبوأ } أي نتخذ ~~منازل هي أهل لمن خرج منها أن يشتهي العود إليها , وبينوا الأرض بقولهم في ~~موضع الضمير : { من الجنة } أي كلها { حيث نشاء } لاتساعها فلا حاجة لأحد ~~فيها أن ينازع أحدا في مكان اصلا , ولا يشتهي إلا مكانه . | ولما كانت بهذا ~~الوصف الجليل , تسبب عنه مدحها بقوله : { فنعم } أجرنا - هكذا كان الأصل , ~~ولكنه قال : { أجر العالمين * } ترغيبا في الأعمال وحثا على عدم الاتكال . ~~| ولما ذكر سبحانه الذين ركب فيهم الشهوات , وما وصلوا إليه من المقامات , ~~أتبعهم أهل الكرامات الذين لا شاغل لهم عن العبادات , فقال صارفا الخطاب ~~لعلو الخبر إلى أعلى الخلق أنه لا يقوم بحق هذه الرؤية غيره . | { وترى } ~~معبرا ms4398 بأخص من الإبصار الأخص من النظر كما بين في البقرة في قوله تعالى { ~~وإن القوة لله جميعا } [ البقرة : 165 ] { الملائكة } القائمين بجميع ما ~~عليهم من الحقوق { حافين } أي محدقين ومستديرين وطائفين في جموع لا يحصيها ~~إلا الله . | من الخف وهو الجمع , والحفة وهو جماعة الناس , والأعداد ~~الكثيرة , وهو جمع حاف , وهو الواحد من الجماعة المحدقة . | ولما كان عظيم ~~الشيء من عظم صاحبه , وكان لا يحيط بعظمة العرش حق الإحاطة إلا الله تعالى ~~, أشار إلى ذلك بإدخال الجاز فقال : { من حول العرش } أي الموضع الذي يدار ~~فيه به ويحاط به منه , من الحول وهو الإحاطة والانعطاف والإدارة . | محدقين ~~ببعض أحفته أي جوانبه التي يمكن الحفوف بها بالقرب منها يسمع لحفوفهم صوت ~~بالتسبيح والتحميد والتقديس والاهتزاز خوفا من ربهم , فإدخال { من } يفهم ~~أنهم PageV06P480 مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله , لا يملؤون ما حوله ~~, حال كونهم { يسبحون بحمد } وصرف القول إلى وصف الأحسان مدحا لهم بالتشمير ~~لشكر المنعم وتدريبا لغيرهم فقال : { ربهم } أي يبالغون في التنزيه عن ~~النقص بأن يتوهم متوهم أنه محتاج إلى عرش أو غيره , وأن يحويه مكان متلبسين ~~بإثبات الكمال للمحسن إليهم بإلزامهم بالعبادة من غير شاغل يشغلهم , ولا ~~منازع من شهوة أو حظ يغفلهم , تلذذا بذكره وتشرفا بتقديسه , ولأن حقه إظهار ~~تعظميه على الدوام كما أنه متصل الإنعام . | ولما تقدم ذكر الحكم بين أهل ~~الشهوات بما برز عليهم من الشهادات , ذكر هنا الحكم بينهم وبين الملائكة ~~الذين فاضوا في أصل خلقهم بقولهم { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك } الآية ~~فقال : { وقضى بينهم } أي بين أهل الشهوات وأهل العصمة والثبات . | ولما ~~كان السياق عاما في الترغيب والترهيب عدلا وفضلا , بخلاف سياق سورة يونس ~~عليه السلام , قال : { بالحق } بأن طوبق بما أنزلنا فيهم في الكتب التي ~~وضعناها لحسابهم الواقع , فمن طغى منهم أسكناه لظى بعدلنا , ومن اتقى ~~نعمناه في جنة المأوى بفضلنا , لجهادهم ما فيهم من الشهوات حتى ثبتوا على ~~الطاعات , مع ما ينزعهم من الطبائع إلى الجهالات , وأما ms4399 الملائكة فأبقيناهم ~~على حالهم في العبادات : { وقيل } أي من كل قائل : آخر الأمور كلها { الحمد ~~} أي الإحاطة بجميع أوصاف الكمال , وعدل بالقول إلى ما هو حق بهذا المقام ~~فقال : { لله } ذي الجلال والإكرام , علمنا ذلك في هذا اليوم عمل اليقين ~~كما كنا في الدنيا نعلمه علم اليقين . | ولما كان ذلك اليوم أحق الأيام ~~بمعرفة شمول الربوبية لاجتماع الخلائق وانفتاح البصائر وسعة الضمائر , قال ~~واصفا له سبحانه بأقرب الصفات إلى الاسم الأعظم : { رب العالمين * } أي ~~الذي ابتدأهم , أولا من العدم وأقامهم ثانيا بما رباهم به من التدبير , ~~وأعادهم ثالثا بعد إفنائهم بأكمل قضاء وتقدير , وأبقاهم رابعا لا إلى خير , ~~فقد حقق وعده كما أنزل في كتابه وصدق وعيده لأعدائه كما قال في كتابه , ~~فتحقق أنه تنزيله , فقد ختم الأمر بإثبات الكمال باسم الحمد عند دخول ~~الجنان والنيران كما ابتدأ به عند ابتداء الخلق في أول الإنعام , فله ~~الإحاطة بالكمال في أن الأمر كما قال كتابه على كل حال , فقد انطبق آخرها ~~على أولها بأن الكتاب تنزيله لمطابقة كل ما فيه للواقع عندما يأتي تأويله , ~~وبأن الكتاب الحامل على التقوى المسببة للجنة أنزل للإبقاء الأول , فمن ~~أتبعه كان له سببا للإبقاء الثاني , وهذا الآخر هو عين أول سورة غافر ~~فسبحان من أنزله معجزا نظامه , فائتا القوى أول كل شيء منه وختامه , وصلى ~~الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وأهل بيته الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين ~~. | . . . . | PageV06P481 < # > سورة غافر < # > < < # | غافر : ( 1 - 4 ) حم # > > ^ ( حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل ~~التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير * ما يجادل في آيات ~~الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد ) ^ } ) | سورة غافر مكية ~~- آياتها خمس وثمانون وتسمى سورة المؤمن والطول مقصودها الاستدلال على آخر ~~التي قبلها من تصنيف الناس في الآخرة إلى صنفين , وتوفية كل ما يستحقه على ~~سبيل العدل , بأن الفاعل ذلك له العزة الكاملة والعلم الشامل , وقد بين ما ~~يغضبه وما يرضيه غاية البيان على وجه ms4400 الحكمة , فمن لم يسلم أمره كله إليه ~~وجادل في آياته الدالة على القيامة أو غيرها بقوله أو فعله فإنه يخزيه ~~فيعذبه ويرديه , وعلى ذلك دلت تسميتها بغافر , فإنه لا يقدر على غفران ما ~~يشاء لمن يشاء إلا كامل العزة , ولا يعلم جميع الذنوب ليسمى غافرا لها إلا ~~بالغ العلم , وكذا في جميع الأوصاف التي في الآية من المثاب والعقاب , وكذا ~~الطول فإنه لا يقدر على التطول المطلق إلا من كان كذلك , فإن من كان ناقص ~~العزة فهو قابل لأنه يمنعه من بعض التطولات مانع , ولن يكون ذلك إلا بنقصان ~~العلم , وكذا الدلالة بتسميتها بالمؤمن فإن قصته تدل على هذا المقصد ولا ~~سيما أمر القيامة الذي هو جل المقصود والمدار الأعظم لمعرفة المعبود { بسم ~~الله } الملك الأعظم الذي يعطي كلا من عباده ما يستحقه , فلا يقدر أحد أن ~~يناقض في شيء من ذلك لا يعارض { الرحمن } الذي عمهم برحمته في الدنيا ~~بالخلق والرزق والبيان لا خفاء معه { الرحيم * } الذي يخص برحمته من يشاء ~~من عباده فيجعله حكيما , وفي تلك الأرض وملكوت السماء عظيما { حم * } أي ~~هذه حكمة محمد صلى الله عليه وسلم التي خصه بها الرحمن الرحيم الحميد ~~المجيد مما له من صفة الكمال . | لما كان ختام التي قبلها إثبات الكمال لله ~~صدقه في وعده ووعيده بإنزال كل فريق PageV06P482 في داره التي أعدها له , ~~ثبت أن الكتاب الذي فيه ذلك منه , وأنه تام العزة كامل العلم جامع لجميع ~~صفات الكمال فقال : { تنزيل الكتاب } أي الجامع من الحدود والأحكام ~~والمعارف والأكرام لكل ما يحتاج إليه بإنزاله بالتدريج على حسب المصالح ~~والتقريب للأفهام الجامدة القاصرة , والتدريب للألباب السائرة في جو ~~المعاني والطائرة { من الله } أي الجامع لجميع صفات الكمال . | ولما كان ~~النظر هنا من بين جميع الصفات إلى العزة والعلم أكثر , لأجل أن المقام ~~لإثبات الصدق وعدا ووعيدا قال : { العزيز العليم * } . | وقال الإمام أبو ~~جعفر بن الزبير : لما افتتح سبحانه سورة الزمر بالإخلاص وذكر سببه والحامل ~~بإذن الله عليه وهو الكتاب , وأعقب ذلك ms4401 بالتعويض بذكر من بنيت على وصفهم ~~سورة ص وتتابعت الآي في ذلك الغرض إلى توبيخهم بما ضربه سبحانه من المثل ~~الموضح في قوله { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشكسون ورجلا سلما لرجل } ~~ووصف الشركاء بالمشاكسة إذ بذلك الغرض يتضح عدم استمرار مراد لأحدهم , وذكر ~~قبح اعتذار لهم بقولهم < # > 77 ( { ما نعبدهم إلا لقربونا إلى الله زلفى } ) 77 < # > [ الزمر : 3 ] ثم أعقب تعالى بالإعلام بقهره وعزته حتى لا يتخبل مخذول ~~شذوذ أمر عن يده وقهره , فقال الله تعالى < # > 77 ( { أليس الله بكاف عبده - إلى قوله : أليس الله بعزيز ذي انتقام } ~~) 77 < # > [ الزمر : 37 ] ثم أتبع ذلك بحال أندادهم من أنها لا تضر ولا تنفع فقال ~~< # > 77 ( { قل أفريتم ما تدعون من دون الله أن أرادني الله بضر هل هن ~~كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته } ) 77 < # > [ الزمر : 38 ] ثم أتبع هذا بما يناسبه من شواهد عزته فقال < # > 77 ( { قل لله الشفاعة جميعا } ) 77 < # > [ الزمر : 44 ] { قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة } ~~{ أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لما يشاء ويقدر } { الله خالق كل شيء } ~~{ له مقاليد السماوات والأرض } ثم عنفهم وقرعهم بجهلهم فقال تعالى { أفغير ~~الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } ثم قال تعالى { وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه } ثم اتبع تعالى - ~~ذلك بذكر آثار العزة والقهر فذكر النفخ في الصور للصعق ثم نفخة القيام ~~والجزاء ومصير الفريقين , فتبارك المتفرد بالعزة والقهر , فلما انطوت هذه ~~الآي من آثار عزته وقهره على ما أشير إلى بعضه , أعقب ذلك بقوله سبحانه ~~وتعالى : { حك تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم } فذكر من أسمائه سبحانه ~~هذين الاسمين العظيمين تنبيها على انفراده بموجبهما وأنه العزيز الحق ~~القاهر للخلق لعلمه تعالى بأوجه الحكمة التي خفيت عن الخلق ما أخر الجزاء ~~الحتم للداؤ الآخرة , وجعل الدنيا دار ابتلاء واختبار , مع قهره للكل في ~~الدارين معا , وكونهم غير خارجين عن ملكه وقهره , ثم قال تعالى ms4402 { غافر ~~الذنب وقابل التوب } تأنيسا لمن PageV06P483 استجاب بحمده , وأناب بلطفه , ~~وجريا على حكم الرحمة وتغليبها , ثم قال { شديد العقاب ذي الطول } ليأخذ ~~المؤمن عبوديته من الخوف والرجاء , واكتنف قوله { شديد العقاب } بقوله { ~~غافر الذنب وقابل التوبة } وقوله { ذي الطول } وأشار سبحانه بقوله - { فلا ~~يغررك تقبلهم في البلاد } - إلى قوله قبل { وأوثنا الأرض } وكأنه في تقدير ~~: إذا كانت العاقبة لك ولإتباعك فلا عليك من تقلبهم في البلاد , ثم بين ~~تعالى أن حالهم في هذا كحال الأمم قبلهم , وجدالهم في الآيات كجدالهم , وأن ~~ذلك لما حق عليهم من كلمة العذاب , وسبق لهم في أم الكتاب - انتهى . | ولما ~~تقدم آخر تلك أن كلمة العذاب حقت على الكافرين , فكان ذلك ربما أيأس من ~~تلبس بكفر من الفلاح , وأوهمه أن انسلاخه من الكفر غير ممكن , وكان الغفران ~~- وهو محو الذنب عينا وأثرا - مترتبا على العلم به , والتمكن من الغفران ~~وما رتب عليه من الأوصاف نتيجة العزة , دل عليهما مستعطفا لكل عاص ومقصر ~~بقوله : { غافر الذنب } أي بتوبة وغير توبة إن شاء , وهذا الوصف له دائما ~~فهو معرفة . | قال السمين : نص سيبويه على أن كل ما إضافته غير محضة جاز أن ~~تجعل محضة وتوصف بها المعارف إلا الصفة المشبهة , ولم يستثن الكوفيون شيئا ~~. | ولما أفهم تقديمه على التوبة أنه غير متوقف عليها فيما عدا الشرك , ~~وكان المشركون يقولون : قد أشركنا وقتلنا وبالغنا في المعاصي فلا يقبل ~~رجوعنا فلا فائدة لنا في إسلامنا , رغبهم في التوبة بذكرها وبالعطف بالواو ~~الدالة على تمكن الوصف إعلاما بأنه سبحانه لا يتعاظمه ذنب فقال : { وقابل ~~التوب } وجرد المصدر ليفهم أن أدنى ما يطلق عليه الاسم كاف وجعله اسم جنس ~~كأخواته أنسب من جعله بينها جمعا كتمر وتمرة . | ولما كان الاقتصار على ~~الترغيب بما أطمع عذر المتمادي من سطوته , فقال معريا عن الواو لئلا يؤنس ~~ما يشعر به كل من العطف والصفة المشبهة من التمكن , وذلك إعلاما بخفي لطفه ~~في أن رحمته سبقت غضبه , وأنه لو أبدى كل ما عنده من العزة ms4403 لأهلك كل من ~~عليها كما أشير إليه بالمفاعلة في < # > 77 ( { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم } ) 77 < # > [ النحل : 61 ] فإن الفعل إذا كان بين اثنين كان أبلغ : { شديد العقاب ~~* } على أن تنكيره وإبهامه - كما قال الزمخشري - للدلالة على فرط الشدة ~~وعلى ما لا شيء أدهى منه وأمر , لزيادة الإنذار وهي أخفى من دلالة الواو لو ~~أوتي بها . | ولما أتم الترغيب بالعفو والترهيب من الأخذ , أتبعه التشويق ~~إلى الفضل , فقال معريا عن الواو لأن التمام لا يقتضي المبالغة , والحذف ~~غير مخل بالغرض فإن دليل العقل قائم على كمال صفاته سبحانه : { ذي الطول } ~~أي سعة الفضل والإنعام والقدرة PageV06P484 والغنى والسعة والمنة , لا ~~يماثله في شيء من ذلك أحد ولا يدانيه , ثم علل تمكنه في كل شيء من ذلك ~~بوحدانيته فقال : { لا إله إلا هو } ولما أنتج هذا كله تفرده , أنتج قطعا ~~قوله : { إليه } أي وحده { المصير * } أي في المعنى في الدنيا , وفي الحس ~~والمعنى في الآخرة , ليظهر كل من هذه الصفات ظهورا تاما , بحيث لا يبقى في ~~شيء من ذلك لبس , فإنه لا يصح في الحكمة أن يبغي أحد على العباد ثم يموت في ~~عزة من نقمة فيضيع ذلك المبغي عليه , لأن هذا أمر لا يرضى أقل الناس أن ~~يكون بين عبيده . | ولما تبين ما للقرآن من البيان الجامع بحسب نزوله جوابا ~~لما يعرض لهم من الشبه , فدل بإزاحته كل علة عى ما وصف سبحانه به نفسه ~~المقدس من العزة والعلم بيانا لا خفاء في شيء منه , أنتج قول ذما لمن يريد ~~إبطاله وإخفاءه : { ما يجادل } أي يخاصم ويماري ويريد أن يفتل الأمور إلى ~~مراده { في آيات } وأظهر موضع الإضمار تعظيما للآيات فقال : { الله } أي في ~~إبطال أنوار الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال الدالة كالشمس على أنه إليه ~~المصير , بأن يغش نفسه بالشك في ذلك لشبه يميل معها , أو غيره بالتشكيك له ~~, أو في شيء غير ذلك مما أخبر به تعالى { إلا الذين كفروا } أي غطوا مرائي ~~عقولهم وأنوار بصائرهم لبسا على أنفسهم ms4404 وتلبيسا على غيرهم . | ولما ثبت أن ~~الحشر لا بد منه , وأن الله تعالى قادر كل قدرة لأنه لا شريك له وهو محيط ~~بجميع أوصاف الكمال , تسبب عن ذلك قوله : { فلا يغررك تقلبهم } أي تنقلهم ~~بالتجارات والفوائد والجيوش والعساكر وإقبال الدنيا عليهم { في البلاد * } ~~فإنه لا يكون التفعل بالقلب إلا عن قهر وغلبة , فتظن لإمهالنا إياهم أنهم ~~على حق , أو أن أحدا يحميهم علينا , فلا بد من صيرورتهم عن قريب إلينا ~~صاغرين داخرين , وتأخيرهم إنما هو ليبلغ الكتاب أجله . | < < # | غافر : ( 5 - 7 ) كذبت قبلهم قوم . . . . . # > > ^ ( كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ~~ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب * وكذلك ~~حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار * الذين يحملون العرش ومن ~~حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء ~~رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ) ^ } ) | ~~ولما نهى من الاغترار بما لا قوة لاحد على صرفه من نفسه إلا بتأييد من الله ~~, علله بما يحقق معنى النهي من أن التقلب وما يثمره لا يصح أن يكون معتمدا ~~ليزهد فيه كل من سمع هاتين الآيتين , فقال مشيرا بتأنيث الفعل إلى ضعفهم عن ~~المقاومة , PageV06P485 وتلاشيهم عند المصادمة , وإن كانوا في غاية القوة ~~بالنسبة إلى أبناء جنسهم : { كذبت } ولما كان تكذيبهم عظيما وكان زمانه ~~قديما وما قبله من الزمان قليلا بالنسبة إلى ما بعده وطال البلاء بهم , جعل ~~مستغرقا بجميع الزمان , فقال من غير خافض : { قبلهم } ولما كان الناس على ~~زمن نوح عليه السلام حزبا واحدا مجتمعين على أمر واحد ولسان جامع , وحدهم ~~فقال : { قوم نوح } أي وقد كانوا في غاية القوة والقدرة على القيام بما ~~يحاولونه وكانوا حزبا واحدا لم يفرقهم شيء . | ولما كان الناس من بعدهم قد ~~كثروا وفرقهم اختلاف الألسنة والأديان , وكان للاجمال من الروع في بعض ~~المواطن ما ليس للتفصيل قال : { والأحزاب } أي الأمم المتفرقة الذين لا ~~يحصون عددا , ودل على قرب زمان ms4405 الكفر من الإنجاء من الغرق بقوله : { من ~~بعدهم } . | ولما كان التذكيب وحده كافيا في الأذى , دل على أنهم زادوا ~~عليه بالمبالغة في المناصبة بالمعاندة , وقدم قصد الإهلاك لأنه أول ما ~~يريده العدو فإن عجز عنه نزل إلى ما دونه فقال : { وهمت كل أمة } أي من ~~الأحزاب المذكورين { برسولهم } أي الذي أسلناه إليهم . | ولما كان الأخذ ~~يعبر عنه عن الغلبة والقهر والاستصغار مع الغضب قال : { ليأخذوه } ولما كان ~~سوق الكلام هكذا دالا على أنهم عجزوا عن الأخذ , ذكر أنهم بذلوا جهدهم في ~~المغالبة بغيره , فقال حاذفا للمفعول تعميما : { وجادلوا بالباطل } أي ~~الأمر الذي لا حقيقة له , وليس له من ذاته إلا الزوال , كما تفعل قريش ومن ~~انضوى إليهم من العرب , ثم بين علة مجادلتهم فقال : { ليدحضوا } أي ليزلقوا ~~فيزيلوا { به الحق } أي الثابت ثباتا لا حيلة في إزالته . | ولما كان من ~~المعلوم لكل ذي لب أن فاعل مغلوب , وأن فعله مسبب لغضب المرسل عليه , قال ~~صارفا القول إلى المتكلم دفعا للألباس , وإشارة إلى شدة الغضب وجرده عن ~~مظهر العظمة استصغارا لهم : { فأخذتهم } أي أهلكتهم وهم صاغرون غضبا عليهم ~~وإهانة لهم . | ولما كان أخذه عظيما , دل على عظمته بأنه أهل لأن يسأل عن ~~حاله لزيادة عظمتها في قوة بطشها وسرعة إهلاكها وخرقها للعوائد فقال : { ~~فكيف كان عقاب * } ومن نظر ديارهم وتقرى آثارهم وقف على بعض ما أشرنا إليه ~~ونبهنا عليه , وحذف ياء المتكلم إشارة إلى أن أدنى من عذابه بأدنى نسبة كاف ~~في المراد وإن كان المعذب جميع العباد . | ولما كان التقدير : فحقت عليهم ~~كامة الله لأخذهم على هذا الجدال إنهم أصحاب النار التي جادلوا فيها , عطف ~~عليه قوله : { وكذلك } أي ومثل ما حقت عليهم كلمتنا بالأخذ , فلم يقدروا ~~على التفصي من حقوقها { حقت } بالأخذ والنكال { كلمت } PageV06P486 وصرف ~~الكلام إلى صفة الإحسان تلطفا به صلى الله عليه وسلم وبشارة له بالرفق ~~بقومه فقال : { ربك } أي المحسن إليك بجميع أنواع الإحسان فهو لا يدع ~~أعداءك . | ولما كان السياق للمجادلة بالباطل وهي فتل الخصم ms4406 من اعتقاده ~~الحق , وذلك تغطية للدليل الحق وتلبيس , كان الحال أحق بالتعبير بالكفر ~~الذي معناه التغطية فلذا قال تعالى : { على الذين كفروا } أي أوقعوا الكفر ~~وقتا ما كلهم سواء هؤلاء العرب وغيرهم , لأن علة الإهلاك واحدة , وهي ~~التكذيب الدال على أن من تلبس به مخلوق للنار , ثم أبدل من ( الكلمة ) فقال ~~: { أنهم أصحاب النار * } أي من كفر في حين من الأحيان فهو مستحق للنار في ~~الأخرى كما أنه مستحق للأخذ في الدنيا لا يبالي الله به بالة , فمن تداركته ~~الرحمة بالتوبة , ومن أوبقته اللعنة بالإصرار هلك . | ولما بين عداوة ~~الكفار للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم رضي الله عنهم بقوله : { ~~وما يجادل في آيات } ما بعده , وكان ذلك أمرا غائظا محزنا موجعا , وختم ذلك ~~ببيان حقوق كلمة العذاب عليهم تسلية لمن عاودهم فيه سبحانه , زاد في ~~تسليتهم شرحا لصدورهم وتثبيتا لقلوبهم ببيان ولاية الملائكة المقربين لهم ~~مع كونهم أخص الخلق بحضرته سبحانه وأقربهم من محل أنسه وموطن قدسه وبيان ~~حقوق رحمته للذين آمنوا بدعاء أهل حضرته لهم فقال , أو يقال : إنه لما بين ~~حقوق كلمة العذاب , كان كأنه قيل : فكيف النجاة ؟ قيل : بايقاع الإيمان ~~بالتوبة عن الكفران ليكون موقعه أهلا للشفاعة فيه من أهل الحضرة العلية , ~~فيغفر له إن تاب ما قدم من الكفر , فقال مظهرا لشرف الإيمان وفضله : { ~~الذين يحملون العرش } وهم المقربون وهم أربعة كما يذكر إن شاء الله تعالى ~~في الحاقه , فإذا كانت القيامة كانوا ثمانية , وهل هم أشخاص أو صفوف فيه ~~كلام يذكر إن شاء الله تعالى { ومن حوله } وهم جميع الملائكة وغيرهم ممن ~~ربما أراد الله كونه محيطا به كما تقدم في التي قبلها { وترى الملائكة ~~حافين من حول العرش } أي طائفين به , فأفادت هذه العبارة النص على الجميع ~~مع تصوير العظمة . | ولما كان ربما وقع في وهم أنه سبحانه محتاج إلى جملهم ~~لعرشه أو إلى عرشه أو إلى شيء , نبه بالتسبيح على أنه غني عن كل شيء وأن ~~المراد بالعرش والحملة ونحو ذلك إظهار عظته ms4407 لنا في مثل محسوسة لطفا منه بنا ~~تنزلا إلى ما تسعه عقولنا وتحمله أفهامنا , فقال مخبرا عن المبتدأ وما عطف ~~عليه : { بحمد } وصرف القول إلى ضميرهم إعلاما بأن الكل عبيده من العلويين ~~والسفليين القريب والبعيد , وكائنون تحت تصرفه وقهره , وإحسانه وجبره , ~~فقال : { ربهم } أي باحاطة بأوصاف الكمال . | PageV06P487 ولما كان تعالى ~~باطنا لا يحيط أحد به علما , أشار إلى أنهم مع أنهم أهل الحضرة هم من وراء ~~حجاب الكبر وأردية العظمة , لا فرق بينهم في ذلك وبين ما هو في الأرض ~~السفلى بقوله : { ويؤمنون } لأن الإيمان إنما يكون بالغيب . | ولما كانوا ~~لقربهم أشد الخلق خوفا لأنه على قدر القرب من تلك الحضرات يكون الخوف , فهم ~~أشد خوفا من أهل السماء السابعة , وأهل السماء السابعة أشد خوفا من أهل ~~السماء السادسة وهكذا , وكانوا قد علموا من تعظيم الله تعالى للنوع ~~الإنساني ما لم يعلمه غيرهم لأمره سبحانه لهم بتعظيمه بما اختص به سبحانه ~~من السجود , وكان من أقرب ما يقترب به إلى الملك التقرب إلى أهل وده , نبه ~~سبحانه على ذلك كله بقوله : { ويستغفرون } أي يطلبون محو الذنوب أعيانا ~~وآثارا . | ولما كان الاشتراك في الإيمان أشد من الاتحاد في النسب , قال ~~دالا على أن الاتصاف بذلك يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة وأبعثه على ~~إمحاض الشفقة : { للذين آمنوا } أي أوقعوا هذه الحقيقة لما بينهم من أخوة ~~الإيمان ومجانسته وإن اختلف جنسهم في حقيقة التركيب وإن وقع منهم بعد ذلك ~~خلل يحق عليهم الكلمة لولا العفو { وما قدروا الله حق قدره } { ويعفو عن ~~كثير } ( لن يدخل أحد الجنة بعمله ) . | ولما استغفارهم بين عبارتهم عنه ~~بقوله : { ربنا } أي أيها المحسن إلينا بالإيمان وغيره . | ولما كان المراد ~~بيان اتساع رحمته سبحانه وعلمه , وكان ذلك أمرا لا يحتمله العقول , عدل إلى ~~أسلوب التمييز تنبيها على ذلك مع ما فيه من هز السامع وتشويقه بالإبهام إلى ~~الإعلام فقال : { وسعت كل شيء } ثم بين جهة التوسع بقوله تميزا محولا عن ~~الفاعل : { رحمة } أي رحمتك أي بإيجاده من ms4408 العدم فما فوق ذلك { وعلما } أي ~~وأحاط بهم علمك , فمن أكرمته فعن علم بما جلبته عليه مما يقتضي إهانة أو ~~إكراما . | ولما كان له سبحانه أن يفعل ما يشاء من تعذيب الطائع وتنعيم ~~العاصي وغير ذلك , قالوا منبهين على ذلك : { فاغفر للذين تابوا } أي رجعوا ~~إليك عن ذنوبهم برحمتك لهم بأن تمحوا أعيانها وآثارها , فلا عقاب ولا عتاب ~~ولا ذكر لها { واتبعوا } أي كلفوا أنفسهم على ما لها من العوج أن لزموا { ~~سبيلك } المستقيم الذي لا لبس فيه . | ولما كان الغفران قد يكون لبعض ~~الذنوب , وكان سبحانه له أن يعذب من لا ذنب له , وأن يعذب من غفر ذنبه ~~قالوا : { وقهم عذاب الجحيم * } أي اجعل بينهم وبينه وقاية بأن تلزمهم ~~الاستقامة وتتم نعمتك عليهم , فإنك وعدت من كان كذلك بذلك , ولا يبدل القول ~~لديك , وإن كان يجوز أن تفعل ما تشاء . | PageV06P488 < < # | غافر : ( 8 - 13 ) ربنا وأدخلهم جنات . . . . . # > > ^ ( ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم ~~وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم * وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد ~~رحمته وذلك هو الفوز العظيم * إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من ~~مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون * قالوا ربنآ أمتنا اثنتين ~~وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل * ذلكم بأنه إذا ~~دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير * هو الذي ~~يريكم آياته وينزل لكم من السمآء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب ) ^ } ) | ~~ولما كانت النجاة من العذاب لا تستلزم الثواب , قالوا مكررين صفة الإحسان ~~زيادة في الرقة في طلب الامتنان : { ربنا } أي أيها المحسن إلينا بتوفيق ~~أحبابنا الذين لذذونا بالمشاركة في عبادك بالجنان واللسان والأركان { ~~وأدخلهم جنات عدن } أي إقامة لا عناد فيها . | ولما كانوا عالمين بأن ~~سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء ولا يقبح منه شيء , نبهوا على ذلك بقولهم : { ~~التي وعدتهم } مع الزيادة في التملق واللطافة في الحث وإدخالهم لأجل ~~استعمالك إياهم الصالحات . | ولما كان الإنسان لا يطيب ms4409 له نعيم دون أن ~~يشاركه فيه أحبابه الذين كانوا يشاركونه في العبادة قالوا مقدمين أحق الناس ~~بالإجلال : { ومن صلح من آبائهم } ثم أتبعوهم ألصقهم بالبال فقالوا : { ~~وأزواجهم وذرياتهم } . | ولما كان فاعل هذا منا ربما نسب إلى ذل أو سفه , ~~وربما عجز عن الغفران لشخص لكثرة المعارضين , عللوا بقولهم مؤكدين لأجل ~~نسبة الكفار العز إلى غيره , ومن ذلك تسميتهم العزى : { إنك أنت } أي وحدك ~~{ العزيز } فأنت تغفر لمن شئت غير منسوب إلى وهن { الحكيم } فكل فعل لك في ~~أتم مواضعه فلذلك لا يتهيأ لأحد نقضه ولا نقصه . | ولما كان الإنسان قد ~~يغفر له ويكرم , وفيه من الأخلاق ما ربما حمله على بعض الأفعال الناقصة ~~دعوا لهم بالكمال فقالوا : { وقهم السيئات } أي بأن تجعل بينهم وبينها ~~وقاية بأن تطهرهم من الأخلاق الحاملة عليها بتطهير القلوب بنزع كل ما يكره ~~منها أو بأن يغفرها لهم ولا يجازيهم عليها , وعظموا هذه الطهارة ترغيبا في ~~حمل النفس في هذه الدار على لزومها بقمع النفوس وإماتة الحظوظ بقولهم : { ~~ومن تق السيئات } أي جزاءها كلها { يومئذ } أي يوم إذ تدخل فريقا الجنة ~~وفريقا النار المسببة عن السيئات أو إذ تزلف الجنة للمتقين وتبرز الجحيم ~~للغاوين : { فقد رحمته } أي الرحمة الكاملة التي لا يستحق غيرها أن يسمى ~~معها رحمة , فإن تمام النعيم لا يكون إلا بها لزوال التحاسد PageV06P489 ~~والتباغض والنجاة من النار باجتناب السيئات ولذلك قالوا : { وذلك } أي ~~الأمر العظيم جدا { هو } أي وحده { الفوز العظيم * } فالآية من الاحتباك : ~~ذكر إدخال الجنات أولا دليلا على حذف النجاة من النار ثانيا , ووقاية ~~السيئات ثانيا دليلا على التوفيق للصالحات أولا , وسر ذلك التشويق إلى ~~المحبوب - وهو الجنان - بعمل المحبوب - وهو الصالح - والتنفير من النيران ~~باجتناب الممقوت من الأعمال , وهي السيء فذكر المسبب أولا وحذف السبب لأنه ~~لا سبب في الحقيقة إلا الرحمة , وذكر السبب ثانيا في إدخال النار وحذف ~~المسبب . | ولما أتم الذين آمنوا , فتشوفت النفس إلى معرفة ما لأضدادهم , ~~قال مستأنفا مؤكدا لإنكارهم هذه المناداة بانكار يومها : { إن الذين ms4410 كفروا ~~} أي أوقعوا الكفر ولو لحظة { ينادون } أي يوم القيامة بنداء يناديهم به من ~~أراد الله من جنوده أو في الدار أرفع نعما - أنهم آثر عند الله من فقراء ~~المؤمنين , أكد قوله : { لمقت الله } أي الملك الأعظم إياكم بخذلانكم { ~~أكبر من مقتكم } وقوله : { أنفسكم } مثل قوله تعالى : { انظر كيف كذبوا على ~~أنفسهم } جاز على سبيل الإشارة إلى تنزه الحضرة المقدسة عما لزم فعلهم من ~~المقت , فإن من دعا إلى أحد فأعرض عنه إلى غيره كان إعراضه مقتا للمعرض عنه ~~, وهذا المقت منهم الموجب لمقت الله لهم موصل لهم إلى عذاب يمقتون به ~~أنفسهم , والمقت أشد البغض ؛ ثم ذكر ظرف مقتهم العائد وباله عليهم بقوله : ~~{ إذا } أي حين , وأشار إلى أن الإيمان لظهور دلائله ينبغي أن يقبل من أي ~~داع كان , فبنى الفعل لما لم يسم فاعله فقال : { تدعون إلى الإيمان } أي ~~بالله وما جاء من عنده { فتكفرون * } أي فتوقعون الكفر الذي هو تغطية ~~الآيات موضع إظهارها والإذعان بها , وهذا أعظم العقاب عند أولي الألباب , ~~لأن من علم أن مولاه عليه غضبان علم أنه لا ينفعه بكاء ولا يغني عنه شفاعة ~~ولا حيلة في خلاصه بوجه . | ولما كان من أعظم ذنوبهم إنكار البعث , وكانوا ~~قد استقروا العوائد , وسبروا ما جرت به الأقدار في الدهور والمدائد , من أن ~~كل ثان لا بد له من ثالث , وكان الإحياء لا يطلق عرفا إلا من كان موت , حكى ~~سبحانه جوابهم بقوله الذي محطه الإقرار بالبعث والترفق بالاعتراف بالذنب ~~حيث لا ينفع لفوات شرطه وهو الغيب : { قالوا ربنا } أي أيها المحسن إلينا ~~بما تقدم في دار الدنيا { أمتنا اثنتين } قيل : واحدة عند انقضاء الآجل في ~~الحياة الدنيا وأخرى بالصعق بعد البعث أو الإرقاد بعد سؤال القبر , والصحيح ~~أن تفسيرها آية البقرة < # > 77 ( { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم ~~PageV06P490 يحييكم } ) 77 < # > [ آية : 28 ] وأما الصعق فليس بموت , وما في القبر فليس بحياة حتى يكون ~~عنه موت , وإنما هو إقدار على الكلام كما أقدر سبحانه ms4411 الحصى على التسبيح ~~والحجر على التسليم , والضب على الشهادتين , والفرس حين قال لها فارسها ثبي ~~إطلال على قولها وثبا وسورة البقرة { وأحيينا اثنين } واحدة في البطن , ~~وأخرى بالبعث بعد الموت , أو واحدة بالبعث وأخرى بالإقامة من الصعق , أو ~~الإقامة في القبر , فشاهدنا قدرتك على البعث { فاعترفنا } أي فتسبب عن ذلك ~~أنا اعترفنا بعد تكرر الإحياء { بذنوبنا } الحاصلة بسبب إنكار البعث لأن من ~~لم يخش العاقبة بالغ في متابعة الهوى , فذلك توبة لنا { فهل إلى خروج } أي ~~من النار ولو على أدنى أنواع الخروج بالرجوع إلى الدنيا فنعمل صالحا { من ~~سبيل } فنسلكه فنخرج ثم تكون لنا موتة ثالثة وإحياء ثالثة إلى الجنة التي ~~جعلتها جزاء من أقر بالبعث . # ولما كان الجواب قطعا : لا سبيل إلى ذلك , علله بقوله : { ذلكم } أي ~~القضاء النافذ العظيم العالي بتخليدكم في النار مقتا منه لكم { بأنه } أي ~~كان بسبب أنه { إذا دعي الله } أي وجدت ولو مرة واحدة دعوة الملك الأعظم من ~~أي داع كان { وحده } أي محكوما له بالوحدة أو منفردا من غير شريك { كفرتم } ~~أي هذا طبعكم دائما رجعتم إلى الدنيا أولا { وإن يشرك به } أي يوقع الإشراك ~~به ويجدد ولو بعدد الأنفاس من أي مشرك كان { تؤمنوا } أي بالشركاء وتجددوا ~~ذلك غير متحاشين ومن تجديد الكفر وهذا مفهم لأن حب الله للإنسان أكبر من ~~حبه له الدال عليه توفيقه له في أنه إذا ذكر الله وحده آمن , وإن ذكر معه ~~غيره على طريقة تؤل إلى الشركة كفر بذلك الغير وجعل الأمر لله وحده { ~~فالحكم } أي فتسبب عن القطع بأن لا رجعة , وأن الكفار ما ضروا إلا أنفسهم ~~مع ادعائهم العقول الراجحة ونفوذ ذلك أن كل حكم { لله } أي المحيط بصفات ~~الكمال خاص به لا دخل للعوائد في أحكامه بل مهما شاء فعل إجراء على العوائد ~~أو خرقا لها { العلي } أي وحده عن أن يكون له شريك , فكذب قول أبي سفيان ~~يوم أحد ( اعل هبل ) وقول ابن عربي أحد أتباع فرعون أكذب وأقبح وأبطل ms4412 حيث ~~قال : العلي علا عن من وما ثم إلا هو , فعليه الخزي واللعنة وعلى من قال ~~بقوله وعلى من توقف في لعنه . | ولما كانت النفوس لا تنقاد غاية الانقياد ~~للحاكم إلا مع العظمة الزائدة والقدم في المجد , قال معبرا بما يجمع العظمة ~~والقدم : { الكبير * } الذي لا يليق الكبر إلا له , وكبر كل متكبر كل كبير ~~متضائل تحت دائرة كبره وكبره , وعذابه مناسب لكبريائه فما أسفه من شقي ~~بالكبراء فإنهم يلجئون أنفسهم إلى أن يقولوا ما لا يجديهم { ربنا إنا أطعنا ~~سادتنا وكبراءنا } : ولما قصر الحكم عليه دل على ذلك بقوله ذاكرا من آيات ~~PageV06P491 الآفاق العلوية ما يرد الموفق عن غيه : { هو } أي وحده { الذي ~~يريكم } أي بالبصر والبصيرة { آياته } أي علاماته الدالة على تفرده بصفات ~~الكمال تكميلا لنفوسكم , فينزل من السماء ما فيحيي به الأرض بإعادة ما تحطم ~~فيها من الحبوب فتفتتت بعد موتها بصيرورة ذلك الحب ترابا لا تميز له عنه من ~~طبعه الإنابة , وهو الرجوع عما هو عليه من الجهل إلى الدليل بما ركز في ~~فطرته من العلم , وذلك هو معنى قوله : { وينزل لكم } أي خاصا بنفعكم أو ~~ضركم { من السماء } أي جهة العلو الدالة على قهر ما نزل منها بإمساكه إلى ~~حين الحكم بنزوله { رزقا } لإقامة أبدانكم من الثمار والأقوات بانزال الماء ~~فهو سبحانه يدلكم عليه ويتحبب إليكم لتنفعوا أنفسكم وأنتم تتبغضون إليه ~~وتتعامون عنه لتضروها { وما يتذكر } ذلك تذكرا تاما - بما أشار إليه ~~الإظهار - فيقيس عليه بعث من أكلته الهوام , وانمحق باقيه في الأرض { إلا ~~من ينيب * } أي له أهلية التجديد في كل وقت للرجوع إلى الدليل بأن يكون ~~حنيفا ميالا للطافته مع الدليل حيثما مال . | ما هو بحلف جامد ما الفه , ~~ولا يحول عنه أصلا , لا يصغي إلي قال ولا قيل , ولو قام على خطابه كل دليل ~~. | < < # | غافر : ( 14 - 17 ) فادعوا الله مخلصين . . . . . # > > ^ ( فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون * رفيع الدرجات ذو ~~العرش يلقي الروح من أمره على من يشآء من عباده لينذر ms4413 يوم التلاق * يوم هم ~~بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار * ~~اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب ) ^ } ) | ~~ولما كان من الناس يدعي أنه لا يعدل عن الدليل , وكان كل أحد مأمورا بالنظر ~~في الدليل مأمورا بالنظر في الدليل مأمورا بالإنابة لما دل عليه من التوجه ~~إلى الله وحده , كان ذلك سببا في معرفة الكل التوحيد الموجب لاعتقاده ~~القدرة التامة الموجب لاعتقاد البعث , فكان سببا لإخلاصهم , فقال تعالى ~~مسببا عنه : { فادعوا } وصرح بالاسم الأعظم تدريبا للمخلصين فقال : { الله ~~} أي المتوحد بصفات الكمال دعاء خضوع وتعبد بعد الإنابة بعد النظر في ~~الدليل { مخلصين له الدين } أي الأفعال التي يقع الجزاء عليها , فمن كان ~~يصدق بالجزاء وبأن ربه غني لا يقبل إلا خالصا اجتهد في تصفية أعماله , ~~فيأتي بها في غاية الخلوص عن كل ما يمكن أن يكدر من غير شائبة شرك جلي أو ~~خفي كما أن معبوده واحد من غير شائبة نقص . | ولما كانت مخالفة الجنس شديدة ~~لما تدعو إليه من المخاصمة الموجبة للمشاققة PageV06P492 الموجبة لاستطابة ~~الموت قال تعالى : { ولو كره } أي الدعاء منكم { الكافرون * } أي الساترون ~~لأنوار عقولهم , والإخلاص أن يفعل العباد لربهم مثل ما فعل لهم فلا يفعلوا ~~فعلا من أمر أو نهي إلا لوجهه خاصة من غير غرض لأنفسهم بجلب شيء من نفع أو ~~ضر , وذلك لأنه سبحانه فعل لهم كل إحسان من الخلق والرزق ولأنفسهم خاصة لا ~~لغرض يعود عليه - سبحانه وما أعز شأنه - بنفع ولا ضر , فلا يكون شكرهم له ~~إلا بما تقدم , لكنه لما علم سبحانه بأن أباح لهم العمل لأجل الرجاء في ~~ثوابه والخوف من عقابه , ولم يجعل ذلك قادحا في الإخلاص , قال الاستاذ أبو ~~القاسم القشيري : ولولا إذنه في ذلك لما كان في العالم مخلص . | ولما كان ~~الإخلاص لا يتأنى إلا ممن رفعه إشراق الروح عن كدورات الأجسام , وطارت به ~~أنوارها عن حضيض ظلمات الجهل إلى عرش العرفان , فصار إذ كان ms4414 الملك الديان ~~سمعه الذي يسمع به , بمعنى أنه لا يفعل بشيء من هذه الجوارح إلا ما أمره به ~~سبحانه يتصرف في الأكوان بإذن الفتاح العليم تكسب القلوب من ضياء أنواره ~~ويحيى ميت الهمم بصافي أسراره , نبه سبحانه على ذلك حثا عليه وتشويقا إليه ~~بقوله ممثلا بما يفهمه العبادج مخبرا عن مبتدأ محذوف تقديره : هو { رفيع ~~الدرجات } أي فلا يصل إلى حضرته الشماء إلا من علا في معارج العبادات ~~ومدارج الكمالات . | ولما كنا لا نعرف ملكا إلا بغلبته على سرير الملك , ~~وكانت درج كل ملك ما يتوصل بها إلى عرشه , أشار سبحانه بجميع القلة إلى ~~السماوات التي هي دون عرشه سبحانه , ثم أشار إلى أن الدرج إليه لا تحصى ~~بوجه , لأنا لو أنفقنا عمر الدنيا في اصطناع درج للتوصل إلى السماء الدنيا ~~ما وصلنا , فكيف بما فوقها فكيف وعلوه سبحانه , ليس هو بمسافة بل علو عظمة ~~ونفوذ كلمة تنقطع دونها الآمال وتفنى الأيام والليال , والكاشف لذلك أتم ~~كشف تعبيره في { سأل } بصيغة منتهى الجموع { المعارج } - ثم قال ممثلا لنا ~~بما عرف نعرف : { ذو العرش } أي الكامل الذي لا عرش في الحقيقة إلا هو , ~~فهو محيط لجميع الأكوان ومادة لكل جماد وحيوان , وعال بجلاله وعظمه عن كل ~~ما يخطر في الأذهان . | ولما كان الملوك يلقون أوامرهم من مراتب عظمائهم ~~إلى من أخلصوا في ودادهم قال : { يلقي الروح } أي الذي تحيى به الأرواح ~~حياة الأشباح بالأرواح { من أمره } أي من كلامه , ولا شك أن الذي يلقي ليس ~~الكلام النفسي وإنما هو ما يدل عليه , وهو الذي يقبل النزول والتلاوة ~~والكتابة ونحو ذلك . | ولما كان أمره عاليا على كل أمر , أشار PageV06P493 ~~إلى ذلك بأداة الاستعلاء فقال : { على من يشاء } ولما كان ما رأه من الملوك ~~لا يتمكنون من رفع من أرادوا من رقيقهم , نبه على عظمته بقوله : { من عباده ~~} وأشار بذلك مع الإشارة إلى أنه مطلق الأمر لا يسوغ لأحد الاعتراض عليه , ~~ولو اعترض كان اعتراضه أقل من أن يلتفت إليه أو يعول بحال ms4415 عليه إلى توهية ~~قولهم < # > 77 ( { أو أنزل عليه الذكر من بيننا } ) 77 < # > [ ص : 8 ] بأنه عليه السلام المخلص في عباده لم يمل إلى شيء من أوثانهم ~~ساعة ما ولا صرف لحظة عن الإله الحق طرفة عين , فلذلك اختصه من بينهم بهذا ~~الروح الذي لا روح في الوجود سواه , فمن أقبل عليه وأخلص في تلاوته والعمل ~~بما يدعو إليه والبعد عما ينهى عنه صار ذا روح موات يحيي الأموات ويزري ~~بالنيرات . | قال الرازي : قال ابن عطاء : حياة القلب حسب ما ألقي إليه من ~~الروح , فمنهم من ألقي إليه روح الرسالة , ومنهم من ألقي إليه روح النبوة , ~~ومنهم من ألقي إليه روح الصديقية والكشف والمشاهدة , ومنهم من ألقي إليه ~~روح العلم والمعرفة , ومنهم من ألقي إليه روح العبادة والخدمة , ومنهم من ~~ألقي إليه روح الحياو فقط , ليس له علم بالله ولا مقام مع الله , فهو ميت ~~في الباطن , وله الحياة البهيمية التي يهتدي بها إلى المعاش دون المعاد - ~~انتهى . | وبالجملة فكل من هذه الأرواح منطق لمن ألقي عليه مطلق للسانه ~~ببديع بيانه وإن اختلف نطقهم في بيانهم , وتصرفهم في عظيم شأنهم . | ولما ~~بين سر اختصاصه بالإرسال لهذا النبي الكريم , أتبع ذلك بما يزيده بيانا من ~~ثمرة الإرسال فقال : { لينذر } أي الذي اختصه سبحانه بروحه , وعبر بما ~~يقتضيه تصنيف الناس الذي هو مقصود السورة من الاجتماع , وأزال وهم من قد ~~يستحيل لقاء سبحانه لرفعه درجاته وسفول درجات غيره { يوم التلاق * } أي ~~الذي لا يستحق أن يوصف بالتلاقي على الحقيقة غيره لكونه يلتقي فيه الأولون ~~والآخرون وأهل السماوات والأرض ولا حيلة لأحد منهم في فراق غريمه بغير فصل ~~على وجه العدل , وإلى هذا المعنى أشارت قراءة ابن كثير باثبات الياء في ~~الحالين وهو واضح جدا في إفراد حزبي الأسعدين والأخسرين فإنه تلاق لا آخر ~~له , وأشارت قراءة الجمهور بالحذف في الحالين إلى تلاقي هذين الجزئين : ~~أحدهما بالآخر فإنه - والله أعلم - قل ما يكون حتى يفترقا بالأمر بكل إلى ~~داره : الأسعدين بغير حساب , والأخسرين لا ms4416 يقام لهم وزن , وأشار الإثبات في ~~الموقف دون الوصل إلى الأمر الوسط وهي لمن بقي لقاءهم يمتد إلى حين القصاص ~~لبعضهم من بعض . | ولما أفهم ذلك عدم الحجاب من بيوت أو جبال , أو أشجار أو ~~تلال , أو غير ذلك من سائر ذوات الظلال , نبه عليه في قوله معيدا ذكر اليوم ~~لأنه أهول له : { يوم هم } أي بظواهرهم وبواطنهم { بارزون } أي برزوا لا ~~ساتر فيه أصلا . | PageV06P494 ولما كان من المعلوم عندهم إنما لا ساتر له ~~معلوم , أجرهم على ما يعهدون , وعبر بعبارة تعم ذلك فقال مستأنفا في جواب ~~من ظن أنه قد يخفي عليه شيء عن الساتر معظما الأمر بإظهار الاسم الأعظم : { ~~لا يخفى على الله } أي المحيط علما وقدرة { منهم شيء } أي من ذواتهم ولا ~~معانيهم سواء ظهروا أو استتروا في هذا اليوم وفي غيره . | ولما كان من ~~العادة المستمرة أن الملك العظيم إذا أرسل جيشه إلى من طال تمردهم عليه ~~وعنادهم له فظفروا بهم وأحضروهم إليه أن يناديهم مناديه وهم وقوف بين يديه ~~قد أخرستهم هيبته وأذلتهم عظمته بلسان قاله أو لسان حاله بما يبكهم به ~~ويوبخهم ويؤسفهم على ما مضى من عصاينهم ويندمهم قال : { لمن الملك اليوم } ~~أي يا من كانوا يعملون أعمال من يظن أنه لا يقدر عليه أحد , فيجيبون بلسان ~~الحال أو المقال كما قال بعض من قال : | سكت الدهر طويلا عنهم قد أبكاهم ~~دما حين نطق | { لله } أي الذي له جميع صفات الكمال , ثم دل على ذلك بقوله ~~: { الواحد } أي الذي لا يمكن أن يكون له ثان بشركة ولا قسمة ولا غيرها { ~~القهار * } أي الذي يقهر من يشاء متكررا وصفه بذلك دائما أبدا لما ثبت من ~~غناه المطلق بوحدانيته الحقيقة . | ولما أخبر عن إذعان كل نفس بانقطاع ~~الأسباب , أخبرهم بما يزيد رعبهم , ويبعث رغبهم ورهبهم , وهو نتيجة تفدره ~~بالملك قال : { اليوم تجزى } أي تقضى وتكافأ , بناه للمفعول لأن المرغب ~~المرهب نفس الجزاء ولبيان سهولته عليه سبحانه { كل نفس } لا تترك نفس واحدة ~~لأن العلم قد ms4417 شملهم والقدرة قد أحاطت بهم وعمتهم , والحكمة قد منعت من ~~إهمال أحد منه . | ولما كان السياق للملك والقهر يقتضي الجزاء واعتماد ~~الكسب الذي هو محط التكليف بالأمر والنهي ويقتضي النظر في الأسباب , لأن ~~ذلك شأم الملك , قال معبرا بالباء والكسب : { بما } أي بسبب ما { كسبت } أي ~~عملت , وهي تظن أنه يفيدها سواء بسواء بالكيل الذي كالت لها . | ولما كانت ~~السببية مفهمة للعدل , فإن الزيادة تكون بغير سبب , قال معللا نافيا مثل ما ~~كانوا يتعاطونه من ظلم بعضهم لبعض في الدنيا : { لا ظلم } أي بوجه من ~~الوجوه { اليوم } ولما كان استيفاء الخلائق بالمجازاة أمرا لا يمكن في ~~العادة ضبطه , ولا يتأنى حفظه وربطه , فكيف إذا قصدت المساواة في مثاقيل ~~الدر فما دونها : | PageV06P495 بميزان قسط لا يخيس شعيرة له شاهد من نفسه ~~غير عائل | ضافت النفوس من خوف الطول , فخفف عنها بقوله معلما أن أموره على ~~غير ما يعهدونه , ولذلك أكد وعظم باظهار الاسم الأعظم : { إن الله } أي ~~التام القدرة الشامل العلم { سريع الحساب * } أي بليغ السرعة فيه , لا ~~يشغله حساب أحدج عن حساب غيره في وقت حساب ذلك الغير , ولا يشغله شأن من ~~شأن لأنه لا يحتاج إلى تكلف عد , ولا يفتقر إلى مراجعة كتاب , ولا شيء , ~~فكان في ذلك ترجية للفريقين وتخويف , لأن الظالم يخشى إسراع الأخذ بالعذاب ~~, والمؤمن يرجو إسراع البسط بالثواب . | < < # | غافر : ( 18 - 20 ) وأنذرهم يوم الآزفة . . . . . # > > ^ ( وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من ~~حميم ولا شفيع يطاع * يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور * والله يقضي ~~بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير ) ^ } ~~) | ولما تم هذا على هذا الوجه المهول , وكان يوم القيامة له أسماء تدل على ~~أهواله باعتبار مواقفه وأحواله , منها يوم البعث وهو ظاهر , ومنه يوم ~~التلاق لما تقدم , ومنها يوم التغابن لغبن أكثر من فيه خسارته , ومنها يوم ~~الآزفة لقربه وسرعة أخذه , وكان كأنه قيل خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم : ~~وأمن ممن ألقينا هذا ms4418 الروح الأعظم من أمرنا فأنذرهم ما مضى من يوم التلاقي ~~وما عقبناه به , عطف عليه قوله زيادة في بيان هوله إعلاما بأنه مع ثبوته ~~وثبوت التلاقي فيه قريب تحذيرا من تزيين إبليس للشهوات وتقريره بالتسويف ~~بالتوبة : { وأنذرهم } أي هؤلاء المعرضين إعراض من لا يجوز الممكن { يوم ~~الآزفة } أي الحالة الدائبة العاجلة السريعة جدا مع الضيق في الوقت وسوء ~~العيش لأكثر الناس , وهي القيامة , كرر ذكرها الإنذار منها تصريحا وتلويحا ~~تهويلا لها وتعظيما لشأنها . | ولما ذكر اليوم , هول أمره بما يحصل فيه من ~~المشاق فقال : { إذ القلوب } أي من كل من حضره . | ولما كان هذا الرعب على ~~وجه غريب باطن , عبر ب ( لدةى ) فقال : { لدى الحناجر } أي حناجر المجموعين ~~فيه إلا من شاء الله , وهي جمع حنجور وهي الحلقوم وزنا ومعنى , يعني أنها ~~زوالت عن أمكانها صاعدة من كثرة الرعب حتى كادت تخرج وصارت مواضعها من ~~الافئدة هواء , وكانت الأفئدة معترضة كالشجا لا هي ترجع إلى مقارها ~~فيستريحوا ولا تخرج فيموتوا . | ولما كان الحديث - وإن كان في الظاهر عن ~~القلوب - إنما هو عن أصحابها , جمع على طريقة جمع العقلاء , وزاده حسنا أن ~~القلوب محل الكظم , وبها صلاح الجملة وفسادها , وقد أسند إليها ما يسند ~~للعقلاء فقال : { كاظمين } أي ممتلئين خوفا ورعبا PageV06P496 وحزنا , ~~ساكتين مكروبين , قد انسدت مجاري أنفاسهم وأخذ بجميع إحساسهم . | ولما كان ~~من المعلوم أن ذلك الكرب إنما هو للخوف من ديان ذلك اليوم , وكان من ~~المعهود أن الصداقات تنفع في مثل ذلك اليوم والشفاعات , قال مستانفا : { ما ~~للظالمين * } أي العريقين في الظلم منهم { من حميم } أي قريب صادق في ~~مودتهم مهتم بأمورهم مزيل لكروبهم , قال ابن برجان : والحميم : الماء الحار ~~الناهي في الحرارة , سمي القريب به لأنه يحمي لقريبه غضبا , والغضب حرارة ~~تعرض في القلب تخرج إلى الوجه فيحمر وتنتفخ الأوداج فيستشيط غيظا { ولا ~~شفيع يطاع * } أي ليس شفيع أصلا لأن الشفيع يعلم أنه لو شفع ما أطيع فهو لا ~~ينفع , وقد يشفع في بعضهم بعض المقربين لعلامة فيهم ms4419 يحصل بها اشتباه يظن ~~بهم أنهم ممن يستحق الشفاعة فينبه على أنهم ليسوا بذلك , فيبرأ منهم . | ~~ولما كانت الشفاعة إنما تقع وتنفع بشرط براءة المشفوع له من الذنب إما ~~بالاعتراف بما نسب إليه والإقلاع عنه , وإما بالاعتذار عنه , وكان ذلك إنما ~~يجري عند المخلوقين على الظاهر , ولذلك كانوا ربما وقع لهم الغلط فيمن لو ~~عملوا باطنه لما قبلوا الشفاعة فيه , علل تعالى ما تقدم بعلمه أن المشفوع ~~له ليس بأهل لقبول الشفاعة فيه لإحاطة علمه فقال : { يعلم خائنة } ولما كان ~~السياق هنا للابلاغ في أن علمه تعالى محيط بكل كلي وجزئي , فكان من المعلوم ~~أن الحال يقتضي جمع الكثرة , وأنه ما عدل عنه إلى جميع القلة إلا للإشارة ~~إلى أن علمه تعالى بالكثير كعلمه بالقليل الكل , عليه هين , فالكثير عنده ~~في ذلك قليل فلذا قال : { الأعين } أي خيانتها التي هي أخفى ما يقع من ~~أفعال الظاهر , جعل الخيانة مبالغة في الوصف وهي الإشارة بالعين , قال أبو ~~حيان : من كسر وغمز ونظر يفهم منه ما يراد - انتهى . | وذلك يفعل بفعل ما ~~يخالف الظاهر , ولما ذكر أخفى أفعال الظاهر , أتبعه أخفى ما في الباطن فقال ~~: { وما تخفي الصدور * } أي عن المشفوع عنده وغير ذلك . | ولما كان العفو ~~عن الظالم الذي لا يرجع عن ظلمه نقصا , لكونه لا حكمة فيه , عبر بالاسم ~~الأعظم في جملة حالية فقال : { والله } أي والحال أن المتصف بجميع صفات ~~الكمال { يقضي بالحق } أي الثابت الذي لا يصح أصلا نفيه , فلو قضى ذلك ~~الكمال { والذين يدعون } أي الظالمون - على قراءة الجماعة , وأيها الظالمون ~~- على قراءة نافع وابن عامر بخلاف عن ابن ذكوان بالخطاب للمواجهة بالأزراء ~~. | ولما كانت المراتب جون عظمته سبحانه لا تنحصر ولا يحتوي عليها كلها شيء ~~, أثبت الجار فقال : PageV06P497 { من دونه } أي سواه , ومن المعلوم أنهم ~~خلقه فهم دون رتبته لأنهم في قهره { لا يقضون بشيء } من الأشياء أصلا , ~~فضلا عن أن يقضوا بما يعارض حكمه , فلا مانع له من القضاء بالحق , فلا ~~مقتضى لقبول الشفاعة فيمن ms4420 يعلم عراقته في الظلم أنه لا ينفك عنه . | ولما ~~أخبر أنه لا فعل لشركائهم , وأن الأمر له وحده , علل ذلك بقوله مرهبا من ~~الخيانة وغيرها من الشر , مرغبا في كل خير , مؤكدا لأجل أن أفعالهم تقتضي ~~إنكارا ذلك : { إن ذلك } عبر به لأن السياق لتحقير شركائهم وبيان أنها في ~~غاية النقصان { هو } أي وحده . | ولما ذكر ما هو غيب , وصفه بأظهر فقال : { ~~السميع } أي لكل ما يمكن أن يسمع { البصير * } أي بالبصر والعلم لكل ما ~~يمكن أن يبصر ويعلم , فلا إدراك لشركائهم أصلا ولا لشيء غيره بالحقيقة , ~~ومن لا إدراك له ولا قضاء له , فثبت أن الأمر له وحده , فما تنفعهم شفاعة ~~الشافعين ولا تقبل فيهم من أحد شفاعة بعد الشفاعة العامة التي هي خاصة ~~بنبينا صلى الله عليه وسلم , وهي المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون ~~والآخرون , فإن كل أحد يحجم عنها ختى يصل الأمر إليه صلى الله عليه وسلم ~~فيقول : أنا لها أنا لها , ثم يذهب إلى المكان الذي أذن له فيشفع , فيشفعه ~~الله تعالى فيفصل سبحانه بين الخلائق ليذهب كل أحد إلى داره : جنته أو ناره ~~, ورى الشيخان : البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كما مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوة فرفع إليه الذراع , وكانت تعجبه , ~~فنهش منها نهشة , فقال : ( أنا سيد الناس يوم القيامة , هل تدرون مم ذاك , ~~يجمع الله الأولين والاخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر , ويسمعهم الداعي ~~, وتدنو منهم الشمس , فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحملون ~~, فيقول الناس : ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم ؟ ألا تنظرون إلى ~~من يشفع لكم إلى ربكم , فيقول بعض الناس لبعض : أبوكم آدم فذكر سؤالهم ~~أكابر الأنبياء , وكل واحد منهم يحيل على الذي يعده ألى أن يقول عيسى عليه ~~السلام : اذهبوا إلى محمد صلى الله عليه وسلم , فيقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين يأتونه : أنا لها , فينطلق فيسجد تحت العرش ) وهو مروي عن غير أبي ms4421 ~~هريرة عن أنس وغيره من الصحابة رضي الله تعالى عنهم , ولكن لم أر فيه ~~التصريح بالشفاعة العامة بعد رفع رأسه صلى الله عليه وسلم من السجود إلا ~~فيما رواه البخاري في الزكاة من صحيحه في باب ( من سأل الناس تكثرا ) عن ~~ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : ( إن الشمس ~~تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ~~ثم بموسى ثم بمحمد PageV06P498 فيشفع ليقضي بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة ~~الباب , فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده أهل الجمع كلهم ) , وكذا ~~فيما رواه أيو يعلى في مسنده فقال : حدثنا عمرو بن الضحاك بن مخلد ثنا أبو ~~عاصم الضحاك بن مخلد ثنا أبو رافع إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد ~~بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : حدثنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طائفة من أصحابه فقال : ( إن الله ~~تبارك وتعالى لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فذكر النفخ فيه ~~للموت ثم للبعث ثم ذكر الحشر ) وهو حديث طويل جدا إلى أن قال ( ثم يقفون ~~موقفا واحدا مقدار سبعين عاما لا ينظر إليكم ولا يقضى بينكم , فتبكون حتى ~~تنقطع الدموع , ثم تدمعون دما وتعرقون إلى أن يبلغ ذلك منكم أن يلجمكم أو ~~يبلغ الأذقان , فتضجون وتقولون : من يشفع لنا إلى ربنا يقضى بيننا , ~~فتقولون : من أحق بذلك من أبيكم آدم , خلقه الله بيده , ونفخ فيه من روحه , ~~وكلمه قبلا , فتأتون آدم فتطلبون ذلك إليه فيأبى فيقول : ما أنا بصاحب ذلك ~~) ثم يستقربون الأنبياء نبيا نبيا كلما جاؤوا نبيا أبى عليهم , قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ( حتى تأتوني , فأنطلق حتى آتي الفحص فأخر ساجدا ) ~~فقال أبو هريرة : يا رسول الله ! ما الفحص ؟ قال ( قدام العرش - حتى يبعث ~~الله إلي ملكا فيأخذ بعضدي فيرفعني فيقول لي : يا محمد ! فأقول : نعم يا رب ~~! فيقول : ما شأنك - وهو ms4422 أعلم فأقول : يا رب وعدتني فشفعني في خلقك فاقض ~~بينهم , قال : قد شفعتك أنا آتيكم فأقضي بينكم ) قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( فأرجع فأقف مع الناس فبينما نحن وقوف سمعنا حسا من السماء ~~شديدا فنزل أهل السماء الدنيا مثل من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا ~~من الأرض أشرقت الأرض بنورهم , وأخذوا مصافهم وقلنا لهم : أفيكم ربنا ؟ ~~قالوا : لا , وهو آت ثم ينزل أهل السماء الثانية بمثل من نزل من الملائكة , ~~ومثل الجن والإنس , حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم , وأخذوا ~~مصافهم وقلنا لهم : أفيكم ربنا ؟ قالوا : لا , وهو آت , ثم ينزلون على قدر ~~ذلك من التضعيف حتى ينزل الجبار تبارك وتعالى في ظلل من الغمام , والملائكة ~~تحمل عرشه يومئذ ثمانية , وهو اليوم على أربعة ) إلى أن قال ( فيضع الله ~~كرسيه حيث شاء من أرضه , ثم يهتف بصوته فيقول : يا معشر الجن والإنس ! إني ~~قد أنصت لكم من يوم خلقتكم إلى يوم يومكم هذا أسمع قولكم , وأبصر أعمالكم , ~~فانصتوا لي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم , فمن وجد خيرا فليحمد الله ~~, ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه , ثم يأمر الله جهنم فيخرج منها عنق ~~ساطع مظلم , ثم يقول الله عز وجل { ألم أعهد إليكم يا بني PageV06P499 آدم ~~أن لا تعبدوا الشيطان أنه لكم عدو مبين وأن أعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد ~~أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون هذه جهنم التي كنتم توعدون - أو ~~بها تكذبون - شك أبو عاصم , وامتازوا } [ يس : 61 ] فتسمى النار وتجثو ~~الأمم وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها فيقضي بين خلقه ) فذكره ~~وهو طويل جدا , ثم ذكر الصراط وبعض الشفاعات الخاصة في أهل الجنة , فذكر ~~دخولهم الجنة ثم أنهم يشفعون في بعض أهل النار إلى أن قال ( ثم يأذن الله ~~في الشفاعة , فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع ) إلى أن قال ( ثم يقول الله ~~عز وجل : بقيت أنا وأنا أرحم الراحمين . | فيدخل الله يده ms4423 في جهنم فيخرج ~~منها لا يحصيه غيره ( وروى ابن حبان في صحيحه - قال المنذري : ولا أعلم في ~~إسناده مطعنا - عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ) ~~يقول إبراهيم عليه السلام يوم القيامة . | يا رباه , فيقول الرب جل وعلا : ~~يا لبيكاه , فيقول إبراهيم : يا رب حرقت بني - فيقول الله : أخرجوا من ~~النار من كان في قلبه ذرة أو شعيرة من الإيمان ( وروى الحاكم وقال : صحيح ~~على شرط مسلم وأحمد بن منيع : ) يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول : يا أبة ~~! أي ابن كنت لك ؟ فيقول : خير ابن , فيقول : هل أنت مطيعي اليوم , فيقول : ~~نعم , فيقول خذ بازرتي , فيأخذ بازرته , ثم ينطلق حتى يأتي الله وهو يعرض ~~بعض الخلق , فيقول : يا عبدي ! ادخل من أب أبواب الجنة شئت , فيقول : أي ~~ربي , وأبي معي فإنك وعدتني أن لن تخزيني , قال : فيمسخ الله أباه ضبعا ~~أمذر أو أمجر ( شك أبو جعفر أحد وراة ابن منيع ) فيأخذ بأنفه فيقول : أبوك ~~هو , فيقول : ما هو بأبي , فيهوى في النار ( وهو في البخاري في احاديث ~~الأنبياء وتفسير الشعراء بلفظ : ) يلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر يوم ~~القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة , فيقول له إبراهيم عليه السلام : ألم أقل ~~لك : لا تعصني , فيقول له ابوه : فاليوم لا أعصيك , فيقول إبراهيم : يا رب ~~إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزى عن أبي الأبعد , فيقول ~~الله تعالى : إني حرمت الجنة على الكافرين , ثم يقال لإبراهيم عليه السلام ~~: انظر ما تحت رجلك فينظر فإذا هو بذيخ PageV06P500 ( وهو ذكر الضبعان ) ~~متلطخ فيؤخذ بقوامه فيلقى في النار ( , وورى أبو يعلى الموصلي والحاكم وقال ~~: صحيح على شرط الشيخين عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال ) ليأخذن رجل بيد أبيه يوم القيامة فتقطعه النار يريد أن ~~يدخله الجنة , قال : فينادى أن الجنة لا يدخلها مشرك , ألا إن الله قد حرم ~~الجنة على كل مشرك قال : فيقول : أي رب ! أبي , فيحول ms4424 في صورة قبيحة وريح ~~منتنة فيتركه , فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه إبراهيم ~~عليه السلام ( , وروى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يقول : ) إنكم ملاقو ~~الله حفاة عراة غرلا كما بدأنا أول خلق نعيدة وعدا علينا إنا كنا فاعلين , ~~إلا وإن أول الخلائق يكسى إبراهيم عليه السلام إلا وإنه سيجاء برجال من ~~أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يا رب ! أصحابي , فيقول : إنك لا تدري ~~ما أحدثوا بعدك , فأقول كما قال العبد الصالح { وكنت عليهم شهيدا ما دمت ~~فيهم - إلى قوله : وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } ( [ المائدة : ~~118 ] ورواه الترمذي والنسائي بنحوه , ومن نحو ما قال عيسى عليه السلام قول ~~إبراهيم عيله السلام كما حكاه الله عنه { فمن تبعني فانه مني ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم } وروى مسلم في الإيمان من صحيحه والنسائي في التفسير عن ~~عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا ~~قول الله عز وجل في إبراهيم عليه السلام { رب إنهن أظللن كثيرا من الناس ~~فمن تبعني فأنه مني } الآية - وقال عيسى عليه السلام { إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم } فرفع يديه وقال : اللهم أمتي ~~اللهم أمتي اللهم أمتي - وبكى ) , فقال الله عز وجل : يا جبريل , اذهب إلى ~~محمد - وربك أعلم - فاسأله ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله : ~~فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم , فقال الله : يا ~~جبريل اذهب إلى محمد فقل ( إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك ) وللشيخين في ~~الحوض والفتن ومسلم في فضل النبي صلى الله عليه وسلم عن سهل بن سعد وأبي ~~سعيد رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أنا فرطكم على ~~الحوض , من مر على شرب , ومن شرب لم يظمأ أبدا , ليردن علي أقوام أعرفهم ~~ويعرفوني , ثم يحال بيني وبينهم ) زاد ms4425 أبو سعيد رضي الله عنه : فاقول ~~PageV06P501 ( إنهم مني - فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك , فأقول : ~~سحقا سحقا لمن غير بعدي ) ولمسلم وابن ماجه - وهذا لفظه - عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر خطبته في الحج ثم ~~قال : ( إلا وإني فرطكم على الحوض وأكاثر بكم الأمم , ولا تسودوا وجهي , ~~ألا وإني مستنفذ أناسا ومستنفذ مني أناس فأقول : يا رب : أصحابي أصحابي , ~~فيقول : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ) ولفظ مسلم ( أنا فرطكم على الحوض ~~ولأنازعن أقواما ثم لأغلبن عليهم فأقول : يا رب ! أصحابي فيقال : إنك لا ~~تدري ما أحدثوا بعدك ) ولمسلم عن عائشة رضي الله عنهما قالت : سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو بين ظهراني أصحابه : ( إني على الحوض ~~أنظر من يرد علي منكم , فوالله ليقطعن دوني رجال فلأقولن : أي رب ! مني ومن ~~أمتي , فيقول : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك , ما زالوا يرجعون على أعقابهم ~~) . | وللشيخين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( ترد علي أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل عن إبله , ~~قالوا : يا نبي الله ! تعرفنا ؟ قال : نعم , لكم سيما ليست لغيركم تردون ~~علي غرا محجلين من آثار الوضوء , ولتصدن عني طائفة منكم فلا يصلون , فأقول ~~يا رب هؤلاء اصحابي , فيجيبني ملك فيقول : وهل تدري ما أحدثوا بعدك ؟ وفي ~~رواية : بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج من بيني ~~وبينهم رجل , فقال : هلم ؛ فقلت : إلى أين ؟ فقال : إلى النار والله , فقلت ~~: ما شأنهم , فقال : إنهم ارتدوا على أدبارهم فلا أراه يخلص منهم إلا مثل ~~همل النعم . | أي ضوالها - أي الناجي قليل , وفي رواية لمسلم في الوضوء : ~~ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم , فيقال : ~~إنهم قد بدلوا بعدك , فأقول : سحقا سحقا ) . | قال المنذري : والأحاديث في ~~هذا المعنى كثيرة جدا . | < < # | غافر : ( 21 - 26 ) أولم يسيروا في . . . . . # > > ^ ( أولم يسيروا ms4426 في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من ~~قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان ~~لهم من الله من واق * ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم ~~الله إنه قوي شديد العقاب * ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين * إلى ~~فرعون وهامان PageV06P502 وقارون فقالوا ساحر كذاب * فلما جآءهم بالحق من ~~عندنا قالوا اقتلوا أبنآء الذين آمنوا معه واستحيوا نسآءهم وما كيد ~~الكافرين إلا في ضلال * وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن ~~يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما وعظهم سبحانه بصادق الأخبار عن قوم نوح ومن تبعهم من الكفار , ~~وختمه بالإنذار يما يقع في دار القرار للظالمين الأشرار , أتبعه الوعظ ~~والتخويف بالمشاهدة من تتبع الديار والاعتبار , بما كان لهم فيها من عجائب ~~الآثار , ومن الحصون والقصور وسائر الأبنية الصغار والكبار , فقال موبخا ~~ومقررا عاطفا على ما تقديره ألم يتعظوا بما أخبرناهم به من الظالمين ~~الأولين من تبعهم من الإهلاك في الدنيا المتصل بالشقاء في الأخرى : { أو لم ~~يسيروا } ولما كان المتقدمون من الكثرة والشدة والمكنة بحيث لا يعلمه إلا ~~الله ولا يقدر آدمي على الإحاطة بمساكنهم , نبه عليه بقوله : { في الأرض } ~~أي أي أرض ساروا فيها وعظمتهم بما حوت من الأعلام . | ولما كان السير سببا ~~للنظر قال : { فينظروا } أي نظر اعتبار كما هو شأن أرباب البصائر الذين ~~يزعمون أنهم أعلاهم . | ولما كانت الأحوال المنظور فيها المعتبر بها شديدة ~~الغرابة , نبه عليها بقوله : { كيف } أي أنها أهل لأن يسأل عنها , ونبه على ~~أن التصاقها بهم في غاية العراقة بحيث لا انفكاك لها بقوله : { كان عاقبة } ~~أي آخر أمر { الذين كانوا } أي سكانا للأرض عريقين في عمارتها . | ولما كان ~~المنتفع بالوعظ يكفيه أدنى شيء منه , نبه على ذلك بالجار فقال : { من قبلهم ~~} أي قبل زمانهم { كانوا } ولما كان السياق لمجادلة قريش لإدحاض الحق مع ~~سماعهم لأخبار الأولين , كانوا كأنهم ادعوا أنهم أشد الناس , فاقتضى الحال ~~تأكيد ms4427 الخبر بأن الأولين أشد منهم , فأكدر أمرهم فيما نسبه إليهم معبرا ~~بضمير الفصل بقوله : { هم } أي المتقدمون , لما لهم من القوى الظاهرة ~~والباطنة . | ولما كان مرجع المجادلة القوة لا الكثرة , وقال استئنافا في ~~جواب من لعله يقول : ما كان أمرهم ؟ : { أشد منهم } أي هؤلاء - قرأه ابن ~~عامر { منكم } بالكاف كما هو في مصحف أهل الشام على الالتقاف للتنصيص على ~~المراد { قوة } أي ذواتا ومعاني { و } أشد { آثارا في الأرض } لأن آثارهم ~~لم يندرس بعضها إلى هذا الزمان وقد مضى عليها ألوف من السنين , وأما ~~المتأخرون فتطمس آثارهم في أقل من قرن . | ولما كانت قوتهم ومكنتهم سببا ~~لإعجابهم وتكبرهم على أمر ربهم ومخالفة PageV06P503 رسله , فكان ذلك سبب ~~هلاكهم قال : { فأخذهم الله } أي الذي له صفات الكمال أخذ غلبة وقهر وسطوة ~~, ولما لم يتقدم شيء يسند إليه أخذهم , قال مبينا ما أخذوا به : { بذنوبهم ~~} أي التي سببت لهم الأخذ ولم يغن عنهم شيء من ذلك الذي أبطرهم حتى عتوا به ~~على ربهم ولا شفع فيهم شافع { وما كان لهم } أي من شركائهم الذين ضلوا بهم ~~كهؤلاء ومن غيرهم { من الله } أي عوض المتصف بجميع صفات الكمال , أو كونا ~~مبتدئا من جهة عظمته وجلاله , وأكد النفي بزيادة الجار فقال : { من واق * } ~~أي يقيهم مراده سبحانه فيهم , لا من شركائهم ولا من غيرهم , فعلم أن الذين ~~من دونه لا يقضون بشيء , ويجوز أن تكون ( من ) الأولى ابتدائية على بابها ~~تنبيها على أن الأخذ في غاية العنف لأنه إذا لم يبتدئ من جهته سبحانه لهم ~~وقاية لم تكن لهم باقية بخلاف نت عاقبه الله عقوبة تأديب , فإن عذابه يكون ~~سبب بقائه لما يحصل له منه سبحانه من الوقاية . | ولما ذكر سبحانه أخذهم ~~ذكر سببه بما حاصله أن الاستهانة بالرسول استهانة بمن أرسله في قوله : { ~~ذلك } أي الأخذ العظيم ولما كان مقصود السورة تصنيف الناس في الآخرة صنفين ~~, فكانوا إحدى عمدتي الكلام , أتى بضميرهم فقال : { بأنهم } أي الذين كانوا ~~من قبل { كانت تأتيهم } أي شيئا فشيئا ms4428 في الزمان الماضي على وجه قضاه ~~سبحانه فأنفذه { رسلهم } أي الذين هم منهم { بالبينات } أي الآيات الدالة ~~على صدقهم دلالة هي من وضح الأمر بحيث لا يسع منصفا إنكارها . | ولما كان ~~مطلق الكفر كافيا في العذاب , عبر بالماضي فقال : { فكفروا } أي سببوا عن ~~إيتان الرسل عليهم الصلاة والسلام الكفر موضع ما كان إيتانهم سببا له من ~~الإيمان . | ولما سبب لهم كفرهم الهلاك قال : { فاخذهم } أي أخذ غضب { الله ~~} أي الملك الأعظم . | ولما كان قوله { فكفروا } معلما بسبب اخذهم لم يقل : ~~بكفرهم , كما قال سابقا : بذنوبهم , لإرشاد السباق إليه . | ولما كان ~~اجتراؤهم على العظائم فعل منكر للقدرة , قال مؤكدا لعملهم عمل من لا يخافه ~~: { إنه يقوي } لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء { شديد العقاب * } . | ولما ~~كان ذلك عجبا لأن البينات تمنع من الكفر , فكان تقدير لمن ينكر الإرسال على ~~هذه الصفة : فلقد أرسلناهم كذلك , وكان موسى عليه السلام من أجل المرسلين ~~آيات , عطف على ذلك تسلية ونذارة لمن أدبر , وإشارة لمن استبصر قوله : { ~~ولقد } ولفت القول إلى مظر العظمة كما في الآيات التي أظهرها بحضرة هذا ~~الملك المتعاظم من الهول والعظم الذي تصاغرت به نفسه وتحاقرت عنده همته ~~وانطمس حسه , فقال : { أرسلنا } أي على ما لنا من العظمة { موسى بآياتنا } ~~أي الدالة على جلالنا { وسلطان } PageV06P504 أي أمر قاهر عظيم جدا , لا ~~حيلة لهم في مدافعة شيء منه { مبين * } أي بين في نفسه مناد لكل من يمكن ~~إطلاعه عليه أنه ظاهر جدا , وذلك الأمر هو الذي كان يمنع فرعون من الوصول ~~ألى أذاه مع ما له من القوة والسلطان { إلى فرعون } أي ملك مصر . | ولما ~~كان الأكابر أول من أعجب العجب أن يكذب الرسول من جاء لنصرته واستنفاذه من ~~شدته قال : { وقارون } أي قريب موسى عليه السلام { فقالوا } أي هؤلاء ومن ~~تبعهم , أما من عدا قارون فأولا وآخرا بالقوة والفعل , وأما قارون ففعله ~~آخرا بين أنه مطبوع على الكفر وإن آمن أولا , وإن هذا كان قوله وإن لم يقله ~~بالفعل في ms4429 ذلك الزمان فقد قاله في التيه , فدل ذلك على أنه لم يزل قائلا به ~~, لأنه لم يتب منه { ساحر } لعجزهم عن مقاهرته , ولم يقل , ( سحار ) لئلا ~~يتوهم أحد أنه مبتدأ محذوف , ثم وصفوه بقولهم : { كذاب * } لخوفهم من تصديق ~~الناس له , فبعث أخص عباده به إلى أخس عباده عنده ليقيم الحجة عليه , ~~وأمهله عندما قابل بالتكذيب وحلم عنه حتى أعذر إليه غاية الإعذار . | ولما ~~أجمل أمره كله في هاتين الآيتين , شرع في تفصيله فقال مشيرا إلى مباردتهم ~~إلى العناد من غير توقف أصلا التي أشار إليها حذف المبتدأ والاقتصار على ~~الخبر الذي هو محط الفائدة : { فلما جاءهم } أي موسى عليه السلام { بالحق } ~~أي بالأمر الثابت الذي لا طاقة لأحد بتغيير شيء منه كائنا { من عندنا } على ~~ما لنا من القهر , فآمن معه طائفة من قومه { قالوا } أي فرعون وأتباعه { ~~اقتلوا } أي قتلا حقيقيا بإزالة الروح { أبناء الذين آمنوا } أي به فكانوا ~~{ معه } أي خصوهم بذلك واتركوا من عداهم لعلهم يكذبونه { واستحيوا نساءهم } ~~أي اطلبوا حياتهن بأن لا تقتلوهن . | ولما كان هذا الأمر صادا في العادة ~~لمن يؤمن عن الإيمان ورادا لمن آمن إلى الكفران , أشار إلى أنه سبحان خرق ~~العادة بإبطاله فقال : { وما } أي والحال أنه ما كيدهم - هكذا كان الأصل ~~ولكنه قال : { كيد الكافرين } تعميما وتعليقا بالوصف { إلا في ظلال } أي ~~مجانبة للسدد الموصل إلى الظفر والفوز لأنه ما أفادهم أولا في الحذر من ~~موسى عليه السلام ولا آخرا في صد من آمن به مرادهم , بل كان فيه تبارهم ~~وهلاكهم , وكذا أفعال الفجرة مع أولياء الله , ما حفر أحد منهم لأحدم منهم ~~حفرة مكر إلا أركبه الله فيها . | ولما أخبر تعالى بفعله بمن تابع موسى ~~عليه السلام , أخبر عن فعله معه بما علم به أنه عاجز فقال : { وقال فرعون } ~~أي أعظم الكفرة في ذلك الوقت لرؤساء أتباعه PageV06P505 عندما علم أنه عاجز ~~عن قتله وملاه ما رأى منه خوفا وذعرا , دافعا عن نفسه ما يقال من أنه ما ~~ترك موسى عليه ms4430 السلام مع استهانته به إلا عجزا عنه , موهما أن آله هم الذين ~~يردونه عنه , وأنه لولا ذلك قتله : { ذروني } أي اتركوني على أي حالة كانت ~~بقوله : { وليدع ربه } أي الذي يدعوه ويدعي إحسانه إليه بما يظهر على يديه ~~من هذه الخوارق , ثم علل ذلك بقوله مؤكدا إعلاما بأنه الأمر صعب جدا لأنه ~~كان منهم من يوهي أمره بأنه لا يؤثر ما هو فيه شيئا أصلا تقربا إلى فرعون , ~~وإظهارا للثبات على متابعته { إني أخاف } أي إن تركته { أن يبدل دينكم } أي ~~الذي أنتم عليه من نسبة الفعل إلى الطبيعة بما يدعو إليه من عباده إلهه . | ~~ولما ألهبهم بهذا الكلام إلى ممالأتهم له على موسى عليه السلام , زاد في ~~ذلك بقوله : { وأن يظهر } أي بسببه - على قراءة الجماعة بفتح حرف المضارعة ~~{ في الأرض } أي كلها { الفساد * } وقرأ المدنيان والبصريان وحفص بالضم ~~إسنادا إلى ضمير موسى عليه السلام وبنصب الفساد أي بفساد المعائش فإنه إذ ~~غلب علينا قوي على من سوانا , فسقك الدماء وسبى الذرية , وانتهب الأموال , ~~ففسدت الدنيا مع فساد الدين , فسمى اللعين الصلاح - لمخالفته لطريقته ~~الفاسدة - فسادا كما هو شأن كل مفسد مع المصلحين , وقرأ الكوفيون ويعقوب ( ~~أو أن ) بمعنى أنه يخاف وقوع أحد الأمرين : التبديل أو ظهور ما هو عليه مما ~~سماه فسادا , وإن لم يحصل التبديل عاجلا فإنه يحصل به الوهن . | < < # | غافر : ( 27 - 30 ) وقال موسى إني . . . . . # > > ^ ( وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب * ~~وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد ~~جآءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض ~~الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب * يقوم لكم الملك اليوم ظاهرين ~~في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جآءنا قال فرعون مآ أريكم إلا مآ أرى ~~ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد * وقال الذي آمن يقوم إني أخاف عليكم مثل يوم ~~الأحزاب ) ^ } ) | ولما أعلم بمقالة ms4431 العدو , أتبعه الإعلام بقول الولي فقال ~~: { وقال موسى } إبطالا لهذا القول وإزالة لآثاره مؤكدا لما استقر في ~~النفوس من قدرة فرعون : { إني عذت } أي اعتصمت عند ابتداء الرسالة { بربي } ~~ورغبهم في الاعتصام به وثبتهم بقوله : { وربكم } PageV06P506 أي المحسن ~~إلينا أجمعين , فأرسلني لاستنقاذكم من أعداء الدين والدنيا { من كل متكبر } ~~أي عات طاغ متعظم على الحق هذا وغيره { لا يؤمن } أي لا يتجدد له تصديق { ~~بيوم الحساب * } من ربه بما لا يحكم على نفسه , ومعنى العوذ أنه لا وصول ~~لأحد منهم إلى قتلي بسبب عوذي , هذا أمر قد فرغ منه مرسلي لخلاصكم , القادر ~~على كل شيء . | ولما انقضى كلام الرأسين , وكانت عادة من لم يكن لهم نظام ~~من الله رابط أن قلوبهم لا تكاد تجتمع وأنه أن يجاهر بعضهم بما عنده ولو ~~عظم شأن الملك القائم بأمرهم , واجتهد في جميع مفترق علنهم وسرهم , قال ~~تعالى مخبرا عن كلام بعض الأتباع في بعض ذلك : { وقال رجل } أي كامل في ~~رجوليته { مؤمن } أي راسخ الإيمان فيما جاء به موسى عليه السلام . | ولما ~~كان للإنسان , إذا عم الطغيان , أن يسكن بين أهل العدوان , إذا نصح بحسب ~~الإمكان , أفاد ذلك بقوله : { من آل فرعون } أي وجوههم ورؤسائهم { يكتم ~~إيمانه } أي يخفيه إخفاءا شديدا خوفا على نفسه لأن الواحد إذا شذ عن قبيلة ~~يطمع فيه ما لا يطمع إذا كان واحدا من جماعة مختلفة , مخيلا لهم بما يوقفهم ~~عن الإقدام على قتله من غير تصريح بالإيمان . | ولما رآهم قد عزموا على ~~القتل عزما قويا أوقع عليه اسم القتل , فقال منكرا له غاية الإنكار : { ~~أتقتلون رجلا } أي هو عظيم في الرجال حسا ومعنى , ثم علل قتلهم له بما ~~ينافيه فقال : { أن } أي لأجل أن { يقول } ولو على سبيل التكرير : { ربي } ~~أي المربي لي والمحسن إلي { الله } أي الجامع لصفات الكمال { وقد } أي ~~والحال أنه قد { جاءكم بالبينات } أي الآيات الظاهرات من غير لبس { من ربكم ~~} أي الذي لا إحسان عندكم إلا منه , وكما أن ربوبيته له اقتضت ms4432 عنه الاعتراف ~~بها فكذلك ينبغي أن تكون ربوبيته لكم داعية لكم إلى اعترافكم له بها . | ~~ولما كان كلامه هذا يكاد أن يصرخ بإيمانه , وصله بما يشككهم في أمره ~~ويوقفهم عن ضره , فقال مشيرا إلى أنه لا يخلو حاله من أن يكون صادقا أو ~~كاذبا , مقدما القسم الذي هو أنفى للتهمة عنه وأدعى للقبول منه : { وإن } ~~أي والحال أنه إن . | ولما كان المقام لضيقه غاية الضيق بالكون بين شرور ~~ثلاثة عظيمة : قتلهم خير الناس إذ ذاك , وإتيانهم بالعذاب , واطلاعهم على ~~إيمانه , فأقل ما يدعوهم ذلك إلى اتهامه إن لم يحملهم على إعدامه داعية ~~للإيجاز في الوعظ والمسارعة إلى الإتيان بأقل ما يمكن , حذف النون فقال : { ~~يك كاذبا فعليه } أي خاصة { كذبه } يضره ذلك وليس عليكم منه PageV06P507 ~~ضرر , ولم يقل : أو صادقا , وإن كان الحال مقتضيا لغاية الإيجاز لئلا يكون ~~قد نقص الجانب المقصود بالذات حقه , فيكون قد أخل ببعض الأدب , فقال مظهرا ~~لفعل الكون عادلا عما له إلى ما عليهم معادلا لما ذكره عليه ونقصه عنه ~~إظهارا للنصفة ودفعا للتهمة عن نفسه : { وإن يك } حذف نونه لمثل ما مضى { ~~صادقا يصبكم } أي على وجه العقوبة من الله وله صدقه ينفعه ولا ينفعكم شيئا ~~. | ولما كان العاقل من نظر لنفسه فلم يرد كلام خمصه من غير حجة , وكان أقل ~~ما يكون من توعد من بانت مخايل صدقه البعض , قال ملزما الحجة بالبعض , غير ~~ناف لما فوقه أظهارا للأنصاف وأنه لم يوصله حقه فضلا عن التعصب له نفيا ~~للتهمة عن نفسه : { بعض الذي } وقال : { يعدكم } دون ( يوعدكم ) إشارة إلى ~~أنهم إن وافوه أصابهم جميع ما وعدهموه من الخير , وإلا دهاهم ما توعدهم من ~~الشر , والآية من الاحتباك : ذكر اختصاصه بضر الكذب أولا دليلا على ضده وهو ~~اختصاصه بنفع الصدق ثانيا , وإصابتهم ثانيا دليلا على إصابته أولا , وسره ~~أنه ذكر الضار في الموضعين , لأنه أنفع في الوعظ لأن من شأن النفس الإسراع ~~في الهرب منه , ولقد قام أعظم من هذا المقام - كما في الصحيح ms4433 عن عبد الله ~~بن عمرو رضي الله عنهما - أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو مظهر إيمانه وقد ~~جد الجد بتحقق الشروع في الفعل حيث اخذ المشركون بمجامع ثوب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو يطوف بالبيت فالتزمه أبو بكر رضي الله عنه وهو يقول هذه ~~الآية , ودموعه تجري على لحيته حتى فرج الله وقد مزقوا كثيرا من شعر رأسه - ~~رضي الله عنه . | ولما كان فرعون قد نسب موسى عليه الصلاة والسلام بما زعمه ~~من إرادته إظهار الفساد إلى الإسراف بعد ما نسبه إليه من الكذب , علل هذا ~~المؤمن قوله هذا الحسن في شقي التقسيم بما ينطبق إلى فرعون منفرا منه مع ~~صلاحيته لأرادة موسى عليه الصلاة والسلام على ما زعمه فيه فرعون فقال : { ~~إن الله } أي الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز { لا يهدي } أي إلى ارتكاب ~~ما ينفع واجتناب ما يضر { من هو مسرف } أي بإظهار الفساد متجاوز للحد , ~~وكأنه رضي الله عنه جوز أن يتأخر شيء مما توعد به فيسموه كذبا , ولذا قال { ~~يصبكم بعض الذي يعدكم } فعلق الأمر بالمبالغة فقال : { كذاب * } لأن أول ~~خذلانه تعمقه في الكذب , ويهدي من هو مقتصد صادق , فإن كان كاذبا كما زعمتم ~~ضره كذبه , ولم يهتد لوجه يخلصه , وإن كان صادقا أصابتكم العقوبة ولم ~~تهتدوا لما ينجيكم , لاتصافكم بالوصفين . | PageV06P508 ولما خيلهم بهذا ~~الكلام الذي يمكنه توجيهه , شرع في وعظهم إظهارا للنصيحة لهم والتحسر عليهم ~~فقال مذكرا لهم بنعمة الله عليهم محذرا لهم من سلبها مستعطفا بذكر أنه مهم ~~: { يا قوم } وعبر بأسلوب الخطاب دون التكلم تصريحا بالمقصود فقال : { لكم ~~الملك } ونبه على ما يعرفونه من تقلبات الدهر بقوله : { اليوم } وأشار إلى ~~ما عهدوه من الخذلان في بعض الأزمان بقوله : { ظاهرين } أي غالبين على بني ~~إسرائيل وغيرهم , وما زال أهل البلاء يتوقعون الرخاء , وأهل الرخاء يتوقعون ~~البلاء , ونبه على الإله الواحد القهار الذي له ملك السماوات فملك الأرض من ~~باب الأولى , بقوله معبرا بأداة الظرف الدالة على الاحتياج ترهيبا لهم : { ~~في الأرض ms4434 } أي أرض مصر التي هي لحسنها وجمعها المنافع كالأرض كلها , قد ~~غلبتم الناس عليها . | ولما علم من هذا أنهم لا يملكون جميع الكون , تسبب ~~عنه أن المالك للكل هو الإله الحق والملك المطلق الذي لا مانع لما يريد , ~~فلا ينبغي لأحد من عبيده أن يتعرض إلى ما لا قبل له به من سخطه , فلذلك قال ~~: { فمن نصرنا } أي أنا وأنتم , أدرج نفسه فيهم عن ذكر الشر بعد إفراده لهم ~~بالملك إبعادا للتهمة وحثا على قبول النصيحة : { من بأس الله } أي الذي له ~~الملك كله , ونبه بأداة الشك على أن عذابه لهم أمر ممكن , والعاقل من يجوز ~~الجائز ويسعى في التدرع منه فقال : { إن جاءنا } أي غضبا لهذا الذي يدعي ~~أنه أرسله , ويجوز أن يكون صادقا , بل يجب اعتقاد ذلك لما أظهره من الدلائل ~~, وفي قوله هذا تسجيل عليهم بأنهم يعرفون أن الله ملك الملوك ورب الأرباب , ~~وكذا قول موسى عليه السلام < # > 77 ( { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض } ) 77 < # > [ الاسراء : 102 ] وإن ادعاء فرعون الإلهية إنما هو محض عناد . | ولما ~~سمع فرعون ما لا طعن له فيه , فكان بحيث يخاف من بقية قومه إن أفحش في أمر ~~هذا المؤمن , فتشوف السامع لجوابه , أخبر تعالى أنه رد ردا جون رد بقوله : ~~{ قال فرعون } أي لقومه جوابا لما قاله هذا المؤمن دالا بالحيدة عن حاق ~~جوابه على الانقطاع بالعجز عن نقض شيء من كلامه : { ما أريكم } أي من ~~الآراء { ألا ما أرى } أي إنه الصواب على قدر مبلغ علمي , أي إنه الصواب ~~على قدر مبلغ علمي , أي أن ما ما أظهرته لكم هو الذي أبطنه . | ولما كان في ~~كلام المؤمن تعريض في أمر الهداية , وكان الإنسان ربما يتوافق قلبه ولسانه ~~, ويكون تطابقهما على ضلال , قال : { وما أهديكم } أي بما أشرت به من قتل ~~موسى عليه السلام وغيره { إلا سبيل الرشاد * } أي الذي أرى أنه صواب , لا ~~أبطن شيئا وأظهر غيره , وربما يكون في هذا تنبيه لهم على ما يلوح ms4435 من كلام ~~المؤمن لأنه ارتاب في أمره , وفي هذا أنه في غاية الرعب من أمر موسى عليه ~~السلام لاستشارته لقومه في أمره واحتمال هذه المراجعات التي يلوح منها أنه ~~يكاد ينفطر غيظا منه ولكنه يتجلد . | PageV06P509 ولما ظهر لهذا المؤمن رضي ~~الله عنه أن فرعون ذل لكلامه , ولم يستطع مصارحته , ارتفع ألى أصرح من ~~الأسلوب الأول فأخبرنا تعالى عنه بقوله مكتفيا في وصفه بالفعل الماضي لأنه ~~في مقام الوعظ الذي ينبغي أن يكون من أدنى متصف بالإيمان بعد أن ذكر عراقته ~~في الوصف لأجل أنه كان في مقام المجاهدة والمدافعة عن الرسول عليه وعلى ~~نبينا أفضل الصلاة والسلام الذي لا يقدم عليه إلا راسخ القدم في الدين : { ~~وقال الذي آمن } أي بعد قول فرعون هذا الكلام الذي هو أبرد من الثلج الذي ~~دل على جهله وعجزه وذله { يا قوم } وأكد لما رأى عندهم من إنكار أمره وخاف ~~منهم من اتهامه فقال : { إنب أخاف عليكم } أي من المكابرة في أمر موسى عليه ~~الصلاة والسلام . | ولما أقل ما يخشى يكفي العاقل , وكانت قدرة الله سبحانه ~~عليهم كلهم على حد سواء لا تفاوت فيها فكان هلاكهم كلهم كهلاك نفس واحدة , ~~أفرد فقال : { مثل يوم الأحزاب * } مع أن إفراده أروع وأقوى في التخويف ~~وأفظع للاشارة إلى قوة الله تعالى وأنه قادر على إهلاكهم في أقل زمان . | < ~~< # | غافر : ( 31 - 34 ) مثل دأب قوم . . . . . # > > ^ ( مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما ~~للعباد * ويقوم إني أخاف عليكم يوم التناد * يوم تولون مدبرين ما لكم من ~~الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد * ولقد جآءكم يوسف من قبل ~~بالبينات فما زلتم في شك مما جآءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من ~~بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب ) ^ } ) | ولما أجمل فصل وبين ~~أو بدل بعد أن هول , فقال بادئا بمن كان عذابهم مثل عذابهم , ودأبهم شبيها ~~بدأبهم : { قوم نوح } أي فيما دهمهم من الهلاك الذي ms4436 محقهم فلم يطيقوه مع ما ~~كان فيهم من قوة المحاولة والمقاومة لما يريدونه { وعاد وثمود } مع ما ~~بلغكم من جبروتكم . | ولما كان هؤلاء أقوى الأمم , اكتفى بهم وأجمل من ~~بعدهم فقال : { والذين } وأشار بالجار إلى التخصيص بالعذاب لئلا يقال : هذه ~~عادة الدهر , فقال : { من بعدهم } أي بالقرب من زمانهم لا جميع من جاء ~~بعدهم . | ولما كان التقدير : أهلكهم الله وما ظلمهم , عبر عنه تعميما ~~مقرونا بما تضمنه من الخبر بدليله فقال : { وما الله } أي الذي له الإحاطة ~~بأوصاف الكمال . | ولما كان في مقام الوعظ لهم ومراده ردهم عن غيهم بكل حال ~~, علق الأمر بالإرادة لأنها متى ارتفعت انتفى الظلم , ونكر تعميما فقال : { ~~يريد ظلما } أي يتجدد منه أن يعلق إرادته وقتا ما بنوع ظلم { للعباد * } ~~لأن أحد لا يتوجه أبدا إلى أنه يظلم عبيده الذين هم تحت قهره , PageV06P510 ~~وطوع مشيئته وأمره , ومتى لم يعرفوا حقه وأرادوا البغي على من يعرف حقه ~~عاقبهم ولا بد , وإلا كان كفه ظلما للمبغي عليهم . | ولما أشرق من آفاق هذا ~~الوعظ شمس البغث ونور الحشر , لأنه لا يسوغ أصلا أن ملكا يدع عبيده يبغي ~~بعضهم على بعض من غير إنصاف بينهم ونحن نرى أكثر الخلق يموت مقهورا من ~~ظالمه , ومكسورا من حاكمه , فعلم قطعا أن الموت الذي لم يقدر ولا يقدر أحد ~~أصلا أن يسلم منه إنما هو سوق إلى دار العرض وساحة الجزاء للقرض - كما جرت ~~به عادة الملوك إذا وكلوا بمن يأمرون باحضاره إليهم لعرضه عليهم ليظهر ~~التجلي في صفات الجبروت والعدل , ومظاهر الكرم الفضل قال : { ويا قوم } ~~ولما كانوا منكرين للبعث أكد فقال : { إني أخاف } وعبر بأداة الاستعلاء ~~زيادة في التخويف فقال : { عليكم } ولما كان قد سماه فيما مضى بالتلاقي ~~والآزفة لما ذكر , عرف هنا أن الخلق فيه وجلون خائفون وأنهم لكثرة الجمع ~~ينادون وينادون للرفعة أو الضعة وغير ذلك من الأمور المتنوعة التي مجموعها ~~يدل على ظهور الجبروت وذل الخلق لما يظهر لهم من الكبرياء والعظموت فقال : ~~{ يوم التناد * } أي أهواله ms4437 وما يقع فيه , فينادي الجبار سبحانه بقوله { ~~ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تبعدو الشيطان } وينادونه ( بلى يا ربنا ) ~~وتنادي الملائكة بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب ( يا فلان ابن فلان ~~أقبل لفصل النزاع ) وينادي ذلك العبد ( ألا سمعا وطاعة ) وينادي الفائز ( ~~ألا نعم أجر العاملين ) وينادي الخائب ( ألا بئس منقلب الظالمين ) وينادي ~~الكل حين يذبح الموت , ويدعى كل أناس بإمامهم , وتتنادى الملائكة وقد ~~أحاطوا بالثقلين صفوفا مترتبة ترتب السماوات التي كانوا بها بالتسبيح ~~والتقديس , وترتفع الأصوات بالضجيج , بعضهم بالسرور وبعضهم بالويل والثبور ~~, وتنادي ألسن النيران : أي الجبارون أين المتكبرون , وتنادي الجنة , أين ~~المشمرون في مرضاة الله , وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما في آخرين بتشديد ~~الدال من التناد على أنه مصدر تناد من ند البعير - إذا هرب ونفر , وهو ~~كقوله يوم < # > 77 ( { يفر المرء من أخيه } ) 77 < # > [ عبس : 34 ] وتقدم في حذف ياء التلاق وإثباتها ما يمكن الفطن تنزيله ~~هنا . | ولما كانت عادة المتنادين الإقبال , وصف ذلك اليوم بضد ذلك لشدة ~~الأهوال فقال مبدلا أو مبينا : { يوم تولون مدبرين } أي حين تخرج ألسنة ~~النيران فتخطف أهل الكفران , وتزفر زفرات يخر أهل الموقف من خشيتها , فترى ~~كل أمة جاثية ويفرون فلا يقصدون مكانا إلا وجدوا به الملائكة صافين كما قال ~~تعالى < # > 77 ( { والملك على أرجائها } ) 77 < # > [ الحاقة : 17 ] PageV06P511 وينادي المنادي < # > 77 ( { يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات ~~والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان } ) 77 < # > [ الرحمن : 33 ] . | ولما كان المدبر إنما يقصد في إدباره معقلا يمنعه ~~ويستره أو فئة تحميه وتنصره , قال مبينا حالهم : { ما لكم من الله } أي ~~الملك الجبار الذي لا ند له , وأعرق في النفي فقال : { من عاصم } أي مانع ~~يمنعكم مما يراد فما لكم من عاصم أصلا , فإنه سبحانه يجير ولا يجار عليه . ~~| ولما كان التقدير : لضلالكم في الدنيا فإن حالكم في ذلك اليوم مكتسب من ~~احوالكم في هذا اليوم , عطف عليه قوله معمما : { ومن يضلل الله } أي ms4438 الملك ~~المحيط بكل شيء الباطن في اردية الجلال الظاهر في مظاهر القهر والجمال , ~~إضلالا جبله عليه فهم في غاية البيان - بما أشار إليه الفلك { فما له من ~~هاد * } أي إلى شيء ينفعه بوجه من الوجوه , وأما الضلال العارض فيزيله الله ~~لمن يشاء من عباده , وهذا لا يعرف إلا بالخاتمة كما قاله الإمام أبو الحسن ~~الأشعري : فمن مات على شيء فهو مجبول عليه . | ولما كان الحاصل ما مضى من ~~حالهم في أمر موسى عليه السلام أنه جاءهم بالبينات فشكوا فيها , وختم ~~بتحذيرهم من عذاب الدنيا والآخرة , عطف عليه شك آبائهم في مثل ذلك , فقال ~~مبينا أنهم مستحقون لما حذر منه العذاب ليشكروا نعمة الله في إمهاله إياهم ~~ويحذروا نقمته إن تمادوا وأكد لأجل إنكارهم أن يكونوا أتو ببينة , وافتتح ~~بحرف التوقع لأن حالهم اقتضت توقع ذلك ودعت إليه : { ولقد جاءكم } أي جاء ~~آباءكم يا معشر القبط , ولكنه عبر بذلك دلالة على أنهم على مذهب الآباء كما ~~جرت به العادة من التقليد , ومن أنهم على طبائعهم لا سيما إن كانوا لم ~~يفارقوا مساكنهم : { يوسف } أي نبي الله ابن نبي الله يعقوب ابن نبي الله ~~إسحاق بن خليل الله إبراهيم عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم . | ~~ولما لم يكن مجيئه مستغرقا لما تقدم موسى عليه السلام من الزمان أدخل الجار ~~فقال : { من قبل } أي قبل زمن موسى عليه السلام : { بالبينات } أي الآيات ~~الظاهرات ولا سيما في أمر يوم التناد { فما زلتم } بكسر الزاي من زال يزال ~~أي ما برحتم أنتم تبعا لآبائكم { في شك } أي محيط بكم لم تصلوا إلى رتبة ~~الظن { مما جاءكم به } من التوحيد وما يتبعه , ودل على تمادي شكهم بقوله : ~~{ حتى إذا هلك } وكأنه عبر بالهلاك إيهاما لهم أنه غير معظم له , وأنه إنما ~~يقول ما يشعر بالتعظيم لأجل محض النصيحة والنظر في العاقبة { قلتم } أي من ~~عند أنفسكم بغير دليل كراهة لما جاء به وتضجرا منه جهلا بالله تعالى : { لن ~~يبعث الله } أي الذي له صفات الكمال ms4439 . | PageV06P512 ولما كان مرادهم ~~استغراق النفي حتى لا يقع البعث في زمن من الأزمان وإن قل , أدخل الجار ~~فقال : { من بعده } أي يوسف عليه السلام { رسولا } وهذا ليس إقرارا منهم ~~برسالته , بل هو ضم منهم إلى الشك في رسالته التكذيب برسالة من بعده , ~~والحجر على الملك الأعظم في عباده وبلاده والإخبار عنه بما ينافي كماله . | ~~ولما كان كأنه قيل : هذا ضلال عظيم هل ضر أحد مثله ؟ أجيب بقوله : { كذلك } ~~أي مثل هذا الضلال العظيم الشأن { يضل } وأبرز الاسم ولم يضمره لئلا يخض ~~الإضلال بالحيثية الماضية , وجعله الجلالة تعظيما للأمر لصلاحية الحال لذلك ~~وكذا ما يأتي بعده { الله } أي بما له من صفات القهر { من هو مسرف } أي ~~متعال في الأمور خارج عن الحدود طالب للارتفاع عن طور البشر . | ولما كان ~~السياق للشك في الرسالة والقول بالظن الذي يلزم منه اتهام القادر سبحانه ~~بالعجز أو مجانبة الحكمة قال : { مرتاب * } أي يشك فيما لا يقبل الشك ويتهم ~~غيره بما لا حظ للتهمة فيه , أي بدينه التذبذب في الأمور الدينية , فلا ~~يكاد يحقق أمرا من الأمور , ولا إسراف ولا ارتياب أعظم من حال المشرك فإنه ~~منع الحق أهله وبذله لمن لا يستحقه بوجه , وهذه الآية دليل على أن القبط ~~طول الدهر على ما نشاهده من أنه لا ثقة بدخولهم في الدين الحق , ولا ثبات ~~لهم في الأعمال الصالحة . | < < # | غافر : ( 35 - 39 ) الذين يجادلون في . . . . . # > > ^ ( الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله ~~وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار * وقال فرعون ~~يهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى ~~وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون ~~إلا في تباب * وقال الذي آمن يقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد * يقوم إنما ~~هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار ) ^ } ) | ولما ظهر ظهورا ~~لا يحتمل شكا بما أتى به موسى عليه السلام من البينات أن شكهم ms4440 في رسالة ~~وجزمهم في الحكم بنفي رسالة الآتي أعظم ضلال وأنه من الجدال الذي لا معنى ~~له إلا فتل المحق عما هو عليه من الحق إلى ما عليه المجادل من الضلال , وصل ~~بذلك قوله على سبيل الاستنتاج ذما لهم بعبارة تعم غيرهم : { الذين } أي ~~جدال من { يجادلون } أي يقاتلون ويخاصمون خصاما شديدا { في آيات الله } أي ~~المحيطة بأوصاف الكمال لا سيما الآيات الدالة على يوم التناد , فإنها أظهر ~~الآيات على وجوده سبحانه وعلى ما هو عليه من الصفات والأفعال وما يجوز عليه ~~أو يستحيل . | PageV06P513 ولما كان الجدال بالتي هي أحسن مشروعا , وهو بما ~~أمر به قال : { بغير سلطان } أي تسليط ودليل { أتاهم } أي من عند من له ~~الأمر كله { كبر } أي عظم هو , أي الجدال المقدر مضافا قبل { الذين } وبين ~~ما أبهم من هذا العظم بتمييز محول عن الفاعل فقال : { مقتا عند الله } أي ~~الملك الأعظم { وعند الذين آمنوا } أي الذين هم خاصته . | ولما كان فاعل ~~هذا لا يكون إلا مظلم القلب , فكان التقدير : أولئك طبع الله على قلوبهم , ~~وصل به استنافا قوله : { كذلك } أي مثل هذا الطبع العظيم { يطبع } أي يختم ~~ختما فيه العطب { الله } أي الذي له جميع العظمة { على كل قلب } ولما كان ~~فعل كل ذي روح إنما هو بقلبه , نسب الفعل إليه في قراءة أبي عمرو وابن عامر ~~في إحدى الروايتين عنه بالتنوين فوصفه بقوله : { متكبر } أي متكلف ما ليس ~~له وليس لأحد غير السور داخل القلب ليعم جميع أفراده غير أن الوصف بالكبر ~~والجبروت للشخص لا للقلب , وهي أبين من القراءة ممن اتصف بهذا الوصف , ومن ~~المقطوع به أن آحاد القلوب موزعة على أحاد الأشخاص لأنه لا يكون لشخص أكثر ~~من قلب بخلاف ما إذا قدم القلب فإنه يدعي أن الشخص الواحد , وأن السور لأجل ~~جمعه لأنواع الكبر والجبروت فيكون المعنى : على قلب شخص جامع لكل فرد من ~~أفراد التكبر والتجبر - والله الموفق . | ولما ذكر الطبع المذكور , دل عليه ~~بما ذكر من قول فرعون وفعله ms4441 عطفا على ما مضى من قوله وقول المؤمن , فإنه ~~قصد ما لا مطمع في نيله تهيا وحماقة تكبرا وتجبرا لكثافة قلبه وفساد لبه , ~~فصار بذلك التلبيس على قومه للمدافعة عن اتباع موسى عليه السلام إلى وقت ما ~~فقد نادى عليهم بالجهل , والإغراق في قلة الحزم والشهامة والعقل , فقال ~~تعال : { وقال فرعون } أي بعد قول المؤمن هذا , معرضا عن جوابه لأنه لم يجد ~~فيه مطعنا : { يا هامان } وهو وزيره { ابن } وعرفه بشدة اهتمامه به ~~بالإضافة إليه في قوله : { لي صرحا } أي بناء ظاهرا يعلوه لكل أحد . # قال البغوي : لا يخفى على الناظر وإن بعد . | وأصله من التصريح وهو ~~الإظهار , وتعليله بالترجي الذي لا يكون إلا في الممكن دليل على أنه كان ~~يلبس على قومه وهو يعرف الحق , فإن عاقلا لا يعد ما رامه في عداد الممكن ~~العادي فقال : { لعلي أبلغ الأسباب * } أي التي لا أسباب غيرها لعظمها . | ~~PageV06P514 ولما كان بلوغها أمرا عجيبا , أورده على نمط مشوق عليه ليعطيه ~~السامع حقه من الاهتمام تفخيما لشأنها , ليتشوف السامع إلى بيانها , بقوله ~~: { أسباب السماوات } أي الأمور الموصلة إليها , وكل ما أداك إلى شيء فهو ~~سبب إليه . | ولما ذكر هذا السبب , ذكر المسبب عنه فقال : { فاطلع } أي ~~فلعله يتسبب عن ذلك ويتعقبه أني أتكلف الطلوع { إلى إله موسى } فيكون كما ~~ترى عطفا على { أبلغ } , ونصبه حفص عن عاصم على الجواب تنبيها على أن ما ~~أبرزه الخبيث في عداد الممكن إنما هو تمني محال غير ممكن في العادة . | ~~ولما كان من جملة إرادته بذلك مع إيقاف قومه إلى وقت ما عن المتابعة أن ~~يخيلهم بأن يقول : طلعت فبحثت عما قال موسى فلم أقف له على صحة , قدم لهم ~~قوله مبينا لحاله إذ ذاك لما ظن من ميل قلوبهم إلى تصديق موسى عليه السلام ~~: { وإني لأظنه } أي موسى { كاذبا } فترك الكلام على احتمال أن يريد في ~~الرسالة أو في الإلهية . | ولما كان هذا أمرا عجيبا , وهو كون أحد يظن أنه ~~يخيل للعقول أنه يصعد إلى السماء , وأن ms4442 الإله الذي هو غني عن كل شيء وقد ~~كان ولا شيء معه يكون في السماء , أو في محل من المحال , فإن كل حال في شيء ~~يحتاج إلى محله , وكل محتاج عاجز ولا يصلح العاجز للإلهية لو لم يجئ عن ~~الله لما كان أهلا لأن يصدق , فكان التقدير : عمله فرعون لأنا زيناه له , ~~عطف عليه زيادة في التعجيب : { وكذلك } أي ومثل ذلك التزيين العظيم الشأن ~~اللاعب بالألباب . | ولما كان الضار هو التزيين لا المزين الخاص , بناه ~~للمفعول فقال : { زين } أي زين المزين النافذ الأمر , وهو لله تعالى حقيقة ~~بخلقه وإلزامه لأن كل ما دخل في الوجود من المحدثات فهو خلقه , والشيطان ~~مجازا بالتسبب بالوسوسة التي هي خلق الله تعالى { لفرعون سوء عمله } في ~~جميع أمره , فاقبل عليه راغبا فيه مع بعده من عقل أقل ذوي العقول فضلا عن ~~ذوي الهمم منهم فضلا عن الملوك , وأطاعة فيه وقومه { وصد } بنفسه ومنع غيره ~~على قراءة الفتح , ومنعه الله - على قراءة الكوفيين ويعقوب بالضم { عن ~~السبيل } أي التي لا سبيل في الحقيقة غيرها , وهو الموصلة إلى الله تعالى . ~~| ولما كان هذا السياق بحيث يظن منه الظان أن لفرعون نوع تصرف , نفي ذلك ~~بقوله : { وما كيد } واعاد الاسم ولم يضمره لئلا يخص بخيثية من الحيثيات ~~فقال : { فرعون } أي في إبطال أمر موسى عليه السلام { إلا في تباب * } أي ~~خسار وهلاك عظيم محيط به لا يقدر على الخروج منه , وما تعطاه إلا لأنه ~~محمول عليه ومقهور فيه , كما كشف عنه الحال , فدل ذلك قطعا على أنه لو كان ~~له أدنى تصرف يستقل به لما أنتج فعله الخسار . | PageV06P515 ولما كان فساد ~~ما قاله فرعون أظهر من أن يحتاج إلى بيان , أعرض المؤمن عنه تصريحا , ولوح ~~إلى ما حكاه الله عنه من أنه محيط به الهلاك تلويحا في قوله مناديا قومه ~~ومستعطفا لهم ثلاث مرات : الأولى على سبيل الإجمال في الدعوة , والأخريان ~~على سبيل التفصيل , فقال تعالى عنه : { وقال الذي آمن } أي مشيرا إلى وهي ~~قول فرعون بالإعراض ms4443 عنه , وعبر بالفعل إشارة إلى أنه ينبغي لأدنى أهل ~~الإيمان أن لا يحقر نفسه عن الواعظ : { يا قوم } أي يا من لا قيام لي إلا ~~بهم فأنا غير مهتم في نصيحتهم { اتبعون } أي كلفوا أنفسكم اتباعي لأن ~~السعادة غالبا تكون فيما يكره الإنسان { أهدكم سبيل } أي طريق { الرشاد * } ~~أي الهدى لأنه مع سهولته واتساعه موصل ولا بد إلى المقصود , وأما ما قال ~~فرعون مدعيا أنه سبيل الرشاد لا يوصل إلا إلى الخسار , فهو تعريض به شبيه ~~بالتصريح . | ولما كان هذا دعاء على سبيل الإجمال , وكان الداء في الإقبال ~~على الفاني , والدواء كله في الإقدام على الباقي , قال استئنافا في جواب من ~~سأل عن تفصيل هذه السبيل مبينا أنها العدول عما ينفى محقرا للدنيا مصغرا ~~لشأنها لأن الإخلاد إليها أصل الشر كله , ومنه يتشعب ما يؤدي إلى سخط الله ~~{ يا قوم } كرر ذلك زيادة في استعطافهم بكونهم مطبوعة على الوهم لا تعد ~~الحاصل إلا الحاضر أكد فقال : { إنما هذه الحياة } وحقرها بقوله : { الدنيا ~~} إشارة إلى دناءتها وبقوله : { متاع } إشارة إلى أنها جيفة لأنها في اللغة ~~من جملة مدلولات المتاع , فلا يتناول منها إلا كما يتناول المضطر من الجيفة ~~لأنها دار القلعة والزوال والتزود والارتحال . | ولما افتتح بذم الدنيا , ~~ثنى بمدح الآخرة فقال : { وإن الآخرة } لكونها المقصودة بالذات { هي دار ~~القرار * } التي لا تحول منها أصلا دائم كل شيء من ثوابها وعقابها , ~~والهلاك , لمن اجترأ على المحارم واستخف الانتهاك قال الاصفهاني : قال بعض ~~العارفين : لو كانت الدنيا ذهبا فانيا والآخرة خزفا باقيا , لكانت الآخرة ~~خيرا من الدنيا فكيف والدنيا خزف فان , والآخرة ذهب باق بل أشرف وأحسن . | ~~وكما أن النعيم فيها دائم فكذلك العذاب , فكان الترغيب في نعيم الجنان , ~~والترهيب من عذاب النيران , من أعظم وجوه الترغيب والترهيب , فالآية من ~~الاحتباك : ذكر المتاع أولا دليلا على حذف التوسع ثانيا , والقرار ثانيا ~~دليلا على حذف الارتحال أولا . | PageV06P516 < < # | غافر : ( 40 - 44 ) من عمل سيئة . . . . . # > > ^ ( من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا ms4444 من ذكر أو أنثى ~~وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب * ويقوم ما لي أدعوكم ~~إلى النجاة وتدعونني إلى النار * تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي ~~به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار * لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له ~~دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنآ إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب ~~النار * فستذكرون مآ أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد ) ~~^ } ) | ولما حرك الهمم بهذا الوعظ إلى الإعراض عن دار الأنكاد والأمراض , ~~والإقبال على دار الجلال والجمال بخدمة ذي العز والكمال , قال في جواب من ~~سأل عن كيفية ذلك ما حاصله أنه الإقبال على محاسن الأعمال , وترك السيء من ~~الخلال , واصلا بذلك على طريق البيان للبيان , ذاكرا عاقبة كل ليثبط عما ~~يتلف , وينشط لما يزلف , مشيرا إلى جانب الرحمة أغلب , مقدما لما هم عليه ~~من السوء محذرا منه ليرجعوا { من عمل سيئة } أي ما يسوء من أي صنف كان : ~~الذكور والإناث والمؤمنين والكافرين { فلا يجزي } أي من الملك الذي لا ملك ~~سواه { إلا مثلها } عدلا لا يزاد عليها مقدار ذرة ولا أصغر منها ويدخل ~~النار إن لم يكن له ما يكفرها , فهذا هو الملك الذي ينبغي الإقبال على ~~خدمته لكونه الحكم العدل القادر على الجزاء والمساواة في الجزاء , فالكافر ~~لما كان على عزم إدامه الكفر كان عذابه منقطعا , والآية على عمومها , وما ~~خرج منها بدليل كان مخصوصا فيخرج عليها جميع باب الجنايات وغيره , ومن قال ~~: إنها في شيء معين , لزمه أن تكون مجملة , لأن ذاك المعين غير مذكور , ~~والتخصيص أولى من الإجمال كما قال أهل الأصول . | ولما بين العدل في العقاب ~~, بين الفضل في الثواب , تنبيها على أن الرحمة سيقت الغضب فقال : { ومن عمل ~~صالحا } أي ولو قل . | ولما كان من يعهدون من الملوك إنما يستعملون ~~الأقوياء لاحتياجهم , بين أنه على غير ذلك لأنه لا حاجة به أصلا فقال : { ~~من ذكر أو أنثى } ولما كان العمل لا يصح بدون الإيمان ms4445 قال مبينا شرطه : { ~~وهو } أي عمل والحال أنه { مؤمن } ولما كان في مقام الترغيب في عدله وجوده ~~وفضله , جعل الجزاء مسببا عن الأعمال فقال : { فأولئك } أي العالو الهمة ~~والمقدار { يدخلون الجنة } أي بأمر من له الأمر كله بعد أن ضاعف لهم ~~أعمالهم فضلا , والآية من الاحتباك : ذكر المساواة أولا عدلا يدل على ~~المضاعفة ثانيا فضلا , وذكر إدخال الجنة ثانيا يدل على PageV06P517 إدخال ~~النار أولا , وسره أنه ذكر فضله في كل من الشقين { يرزقزن فيها } أي من غير ~~احتياج إلى تحول أصلا إلى أسباب , ولعل ذلك من أسرار البناء للمفعول { بغير ~~حساب * } لخروج ما فيها بكثرته عن الحصر , فإن أدنى أهلها منزلة لو أضاف كل ~~أهل الأرض لكفاهم من غير أن ينقص من ملكه شيء , وهذا من باب الفضل , وفضل ~~الله لا حد له , ورحمته غلبت غضبه , وأما جزاء السيئة فمن باب العدل , ~~فلذلك وقع الحساب فيها لئلا يقع الظلم , قال الأصبهاني : فإذا عارضنا ~~عمومات الوعيد بعمومات الوعد ترجح الوعد لسبق الرحمة الغضب , فأنهدمت قواعد ~~المعتزلة . | ولما بلغ النهاية في نصحهم , وختم بإعلامهم بأن الناس قسمان : ~~هالك وناج , وكان حاصل إرادتهم لأن يكون على ما هم عليه الهلاك بالنار , ~~قال مبكتا لهم بسوء مكافأتهم مناديا لهم مكررا للنداء لزيادة التنبيه ~~والإيقاظ من الغفلة . | والتذكير بأنهم قومه واعضاده , وعاطفا على ندائه ~~السابق لأنه غير مفصل له ولا داخل في حكمه : { ويا قوم ما } أي أي شيء من ~~الحظوظ والمصالح { لي } في أني { أدعوكم إلى النجاة } والجنة بالإيمان شفقة ~~عليكم ورحمة لكم واعترافا بحقكم { و } مالكم من ذلك في كونكم { تدعوني إلى ~~النار * } والهلاك بالكفران , فالآية من الاحتباك : ذكر النجاة الملازمة ~~للايمان أولا دليلا على حذف الجنة أولا , ومراده هزهم وإثارة عزائمهم إلى ~~الحياة منه بتذكيرهم أن ما يفعلونه معه ليش من شيم أهل المروءة يجازونه على ~~إحسانه إليهم بالإساءة . | ولما أخبر بقلة إنصافهم إجمالا , بينه بقوله : { ~~تدعونني } أي توقعون دعائي إلى معبوداتكم { لأكفر } أي لأجل أن أكفر { ~~بالله } أي أستر ما يجب ms4446 إظهاره بسبب الذي أناله لأن له كل شيء وله مجامع ~~القهر والعز والعظمة والكبر { وأشرك } أي أوقع الشرك { به } أي أجعل له ~~شريكا . | ولما كان كل ما عداه سبحانه ليس له من ذاته , إلا العدم , أشار ~~إلى حقارته بالتعبير بأداة ما لا يعقل فقال : { ما ليس لي به علم } أي نوع ~~من العلم بصلاحيته لشيء من الشركة , فهو دعاء إلى الكذب في شيء لا يحل ~~الإقدام عليه إلا بالدليل القطعي الذي لا يحتمل نوعا من الشرك , وإذا لم ~~يكن به علم لم يكن له عزة ولا مغفرة , فلم يكن له وجود لأن الملك رزن ~~الإلهية وهو أشهر الأشياء , فما ادعى له أشهر الأشياء , فكان بحيث لا يعرف ~~بوجه من الوجوه , كان عدما محضا . | ولما بين أنهم دعوه إلى ما هو عدم فضلا ~~عن أن يكون له نفع أو ضر في جملة فعليه إشارة إلى بطلان دعوتهم وعدم ثبوتها ~~, بين لهم أنه دعاهم إلا إلى ما له الكمال كله , ولا نفع ولا ضر إلا بيده , ~~فقال مشيرا بالجملة الاسمية إلى ثبوت دعوته وقوتها : PageV06P518 { وأنا ~~ادعوكم } أي أوقع دعاءكم الآن وقبله وبعده { إلى العزيز } أي البالغ العزة ~~الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء . | ولما وصفه بهذا الوصف ترهيبا , صح قطعا ~~وصفه ترغيبا بقوله : { الغفار * } أي الذي يتكرر له دائما محو الذنب عينا ~~وأثرا ولا يقدر على غير ذلك من هو بصفة العزة , ومن صح وصفه بهذين الوصفين ~~فهو الذي لا يجهل ما عليه , من صفات الكمال أحد , فالآية من الاحتباك : ~~ذكرا أولا عدم العلم دليلا على العلم ثانيا , وثانيا العزة والمغفرة دليلا ~~على حذفهما أولا . | ولما كان انتفاء العلم بالشيء من أهل العلم انتفاء ذلك ~~الشيء في أصول الدين , كان ما دعوه إليه باطلا , وكان ما دعاهم إليه هو ~~الحق , فلذلك أنتج قطعا قوله : { لا جرم } وهي إن كانت بمعنى : لا ظن ولا ~~اضطراب أصلا - كما مضى في سورة هود عليه السلام فيها معنى العلة , أي فلأجل ~~ذلك لا شك في ms4447 { إنما } أي الذي { تدعونني إليه } من هذه الأنداد { ليس له ~~دعوة } بوجه من الوجوه , فإنه لا يقوم عليها دليل بل ولا شبهة موهمة { في ~~الدنيا } التي هي محل الأسباب , الظاهرة لأن شيئا منه ليس له واحد من ~~الوصفين { ولا في الآخرة } لأن ما لا تعلم إلهيته كذلك يكون { وإن } أي ولا ~~اضطراب في أن { مردنا } أي ردنا العظيم بالموت وموضع ردنا ووقته منته { إلى ~~الله } أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال لما اقتضته عزته , فيجازي كل أحد ~~بما يستحقه { وأن } أي ولا شك في أن { المسرفين } أي المجاوزين للحدود ~~العريقين في هذا الوصف { هم } أي خاصة لأجل حكم الله بذلك عليهم { أصحاب ~~النار * } أي الذين يخلدون فيها لا يفارقونها كما يقتضيه معنى الصحبة لأن ~~إسرافهم اقتضى إسراف ملازمتهم للنار التي طبعها الإسراف , وقد علم أن ربها ~~لا يجزي بالسيئة إلا مثلها . | ولما تقرر أنه لا أمر لغير الله وأنه لا بد ~~من المعاد , تسبب عنه بقوله : { فستذكرون } أي قعطا بوعد لا خلف فيه مع ~~القرب { ما أقول لكم } حين لا ينفعكم الذكر في يوم الجمع الأعظم والزحام ~~الذي يكون فيه القدم على القدم إذا رأيتم الأهوال والنكال والزلزال إن ~~قبلتم نصحي وإن لم تقبلوه . | ولما ذكر خوفهم الذي لا يحميهم منه شيء ذكر ~~خوفه الذي هو معتمد فيه على الله ليحيمه منه فقال عاطفا على ( ستذكرون ) ~~غير مراعى فيها معنى السين : { وأفوض } أي أنا الآن بسبب أنه لا دعوة لغير ~~الله { أمري } فيما تمكرونه بي { إلى الله } أي الذي أحاط بكل شيء علما ~~وقدرة فهو يحميني منكم : إن شاء , قال صاحب المنازل : التفويض ألطف إشارة ~~وأوسع من التوكل بعد وقوع السبب , والتفويض قبل وقوعه وبعده , وهو عين ~~الاستسلام , والتوكل شعبة PageV06P519 منه , وهو على ثلاث درجات : الأولى ~~أن تعلم أن العبد لا يملك قبل علمه استطاعة , فلا يأمن من مكر , ولا ييأس ~~من معونة , ولا يعول على نية , والثانية معاينة الاضطرار فلا ترى عملا ~~منجيا ولا ذنبا مهلكا ولا سببا حاملا ms4448 , والثالثة شهود انفراد الحق بملك ~~الحركة والسكون والقبض والبسط والتفريق والجمع . | ولما علق تفويضه بالاسم ~~العلم الجامع المقتضي للإحاطة , على ذلك بيانا لمراده بقوله مؤكدا لأن ~~عملهم في مكرهم به عمل من يظن أن سبحانه لا يبصرهم ولا ينصره { إن الله } ~~وكرر الأسم الأعظم بيانا لمراده بأنه { بصير } أي بالغ البصر { بالعباد * } ~~ظاهرا وباطنا , فيعلم من يستحث النصرة لاتصافه بأوصاف الكمال ويعلم من يمكر ~~فيرد مكره عليه بما له من الإحاطة . | < < # | غافر : ( 45 - 50 ) فوقاه الله سيئات . . . . . # > > ^ ( فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب * النار ~~يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب * ~~وإذ يتحآجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل ~~أنتم مغنون عنا نصيبا من النار * قال الذين استكبروا إنا كل فيهآ إن الله ~~قد حكم بين العباد * وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا ~~يوما من العذاب * قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا ~~فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال ) ^ } ) | ولما تسبب عن نصحه هذا لهم ~~والتجائه إلى ملك الملوك حفظه منهم على عظم الخطر , قال تعالى مخبرا أنه ~~صدق ظنه { فوقاه الله } أي جعل له وقاية تجنه منهم بما له من سبحانه من ~~الجلال والعظمة والكمال جزاء على تفويضه { سيئات } أي شدائد { ما مكروا } ~~دينا ودنيا , فنجاه مع موسى عليه السلام تصديقا لوعده سبحانه بقوله { أنتما ~~ومن اتبعكما الغالبون } [ القصص : 35 ] ولما كان المكر السيء لا يحيق إلا ~~بأهله قال : { وحاق } أي نزل محيطا بعد إحاطة الإغراق { بآل فرعون } أي ~~كلهم فرعون وأتباعه لأجل إصرارهم على الكفر ومكرهم , فالإحاطة بفرعون من ~~باب الأولى وإن لم نقل : أن الآل مشترك بين الشخص والأتباع , لأن العادة ~~جرت أنه لا يوصل إلى جميع أتباع الإنسان إلا بعد إذلاله وأخذه فهو مفهوم ~~موافقة { سوء العذاب * } أي العقوبة المانعة من كل مستعذب , ثم بين ذلك ~~بقوله : { النار } أي حال كونهم { يعرضون عليها } أي في ms4449 البرزخ { غدوا ~~وعشيا } أي غادين ورائحين في وقت استرواحهم بالأكل واستلذاذهم به - هذا ~~دأبهم طول أيام البرزخ , وكان عليهم في هذا العرض زيادة نكد فوق ما ورد ~~PageV06P520 عاما مما روى مالك والشيخان وغيرهم عن أن ابن عمر رضي الله ~~عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أحدكم إذا مات عرض عليه ~~مقعده بالغداة والعشي , إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة , وإن كان من ~~أهل النار فمن أهل النار , فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم ~~القيامة ) . | ولعل زيادة النكد أنهم هم المعرضون , فيذهب بهم في الأغلال ~~يساقون لينظروا ما أعد الله لهم , وعامة الناس يقتصر في ذلك على أن يكشف ~~لهم - وهو في محالهم - عن مقاعدهم , ففي ذلك زيادة إهانة لهم , وهو مثل : ~~عرض الأمير فلانا على السيف إذا أراد قتله , هذا دأبهم إلى أن تقوم الساعة ~~{ ويوم تقوم الساعة } يقال لهم : { ادخلوا آل } أي يا آل { فرعون } هو نفسه ~~وأتباعه لأجل اتباعهم له فيما أضلهم به , وجعله نافع وحمزة والكسائي ويعقوب ~~وحفص فعل أمر من الإدخال , فالتقدير : نقول لبعض جنودنا : أدخلوا آله لأجل ~~ضلالهم به اليوم { أشد العذاب } وإذا كان هذا لآله لأجله كان له أعظم منه ~~من باب الأولى , وهذه الآية نص في عذاب القبر كما نقل عن عكرمة ومحمد بن ~~كعب . | ولما كان هذا من خبر موسى عليه السلام وفرعون أمرا غريبا جدا , قل ~~من يعرفه على ما هو عليه , لأنه من خفي العلم , أشار سبحانه إلى ذلك بقوله ~~: { وإذا } أي اذكر لهم هذا الذي أنبأناك به مما كان في الزمن الأقدم , ولا ~~وصول له إليك إلا من جهتنا , لأنهم يعلمون قطعا أنك ما جالست عالما قط , ~~واذكر لهم ما يكون في الزمن الآتي حين { يتحاجون } أي هؤلاء الذين نعذبهم { ~~في النار } أي يتخاصمون فيما أتباعهم ورؤساؤهم بما لا يغنيهم : { فيقول ~~الضعفاء } أي الأتباع { للذين استكبروا } أي طلبوا أن يكونوا كبراء . | ~~ولما كانوا لشدة ما هم فيه يتبرأ كل منهم من ms4450 صاحبه . | أكدوا قولهم : { إنا ~~كنا لكم } أي دون غيركم { تبعا } أي أتباعا , فتكبرتم على الناس بنا , وهو ~~عند البصريين يكون واحدا كجمل ويكون جمعا كخدم جمع خادم , ولعله عبر به ~~إشارة إلى أنهم كانوا في عظيم الطواعية لهم على قلب رجل واحد ولما كان ~~الكبير يحمي تابعه , سببوا عن ذلك سؤالهم فقالوا : { فهل أنتم } أي أيها ~~الكبراء { مغنون } أي كافون ومجزون وحاملون { عنا نصيبا من النار * } . | ~~ولما أتى بكلام الضعفاء على الأصل , وإشارة مع تصوير الحال لأنه أقطع إلى ~~طول خصامهم لأنه أشد في إيلامهم , فتشوف السامع إلى جوابهم , استأنف الخبر ~~PageV06P521 عنه بصيغة الماضي تأكيدا لتحقيق وقوعه ردا قد يتوهمه الضعيف من ~~أن المستكبر له قوة المدافعة وإباء الأنفة فقال : { قال الذين استكبروا } ~~أي من شدة ما هم فيه . | ولما كان الأتباع قد ظنوا أن المتبوعين يغنون عنهم ~~, أكدوا إخبارهم لهم بما ينافي ذلك فقالوا : { إنا كل } أي كلنا كائنون { ~~فيها } أي النار , كل يناله من العذاب بقدر ما يستحقه سواء إن جادلتمونا أو ~~تركتم جدالنا ولا يظلم بك أحدا , فلة قدرنا على شيء لأغنينا عن أنفسنا , ~~ولو سألنا أو ننقص لما أجبنا . | فإن هذه دار العدل فاتركونا وما نحن فيه . ~~| ولما كان حكم الله تعالى مانعا مما كان يفعل في الدنيا من فك المجرم ~~وإيثاق غيره به , وكان سؤالهم في الإغناء سؤال من يجوز أن يكون حكمه على ما ~~عليه الأحكام من حكام أهل الدنيا , عللوا جوابهم مؤكدين فقالوا : { إن الله ~~} أي المحيط بأوصاف الكمال { قد حكم بين العباد * } أي بالعدل , فأدخل أهل ~~الجنة دارهم , وأهل النار نارهم , فلا يغني أحد عن أحد شيئا . | ولما دل ~~على أنه لا يغني أحد عن أحد شيئا , أخبر انهم لما رأوا بعدهم من الله وأنهم ~~ليسوا بأهل لدعائه سبحانه , علقوا آمالهم بتوسط الملائكة , فأخبر عن ذلك ~~منهم بقوله : { وقال الذين في النار } أي جميعا الأتباع والمتبوعون { لخزنة ~~} ووضع موضع الضمير قوله : { جهنم } للدلالة على أن سؤالهم لأهل الطبقة ~~التي من شأنها وشأن ms4451 خزنتها تجهم داخليها ليدل على أنهم لسوء ما هم فيه لا ~~يعقلون , فهم لا يضعون شيئا في محله كما كانوا في الدنيا : { ادعوا ربكم } ~~أي المحسن إليكم بأنكم لا تجدون شيئا في محله كما كانوا في الدنيا : { ~~ادعوا ربكم } أي المحسن إليكم بأنكم لا تجدون ألما من النار { يخفف عنه ~~يوما } أي مقداره { من العذاب * } أي بعضه . | ولما سألوهم , استأنفوا ~~جوابهم إشارة إلى ما حصل من تشوف السامع إليه , معرفين لهم بسياقه بالسبب , ~~الجاعل لهم في محل الاطراح والسفول عن التأهل أن يسمع لهم كلام , فقال ~~تعالى مخبرا عنهم : { قالوا } أي الخزنة . | ولما كان التقدير : ألم تكن ~~لكم عقول تهديكم إلى الإعتقاد الحق , عطف عليه قوله إلزامنا لهم الحجة ~~وتوبيخا وتنديما بتفويت أوقات الدعاء المجاب : { أولم } ولما كان المقام ~~خطرا , والمرام وعرا عسرا , فكانوا محتاجين إلى الإيجاز , قالوا مشيرين ~~بذكر فعل الكون مع اقتضاء الحال للإيجاز إلى عراقة الرسل عليهم السلام في ~~النصح المنجي من المخاوف بالمعجزات والرفق والتلطف وطول الأناة والحلم ~~والصبر مع شرف النسب وطهارة الشيم وحسن الأخلاق وبداعة الهيئات والمناظر ~~ولطافة العشرة وجلالة المناصب : { تك } بإسقاط النون مع التصوير للحال ~~بالمضارع { تأتيكم } على سبيل التجدد شئيا في أثر شيء PageV06P522 { رسلكم ~~} أي الذين هم منكم فأنتم جديرون بالإصغاء إليهم والإقبال عليهم , لأن ~~الجنس إلى الجنس أمثل , والإنسان من مثله أقبل { بالبينات } أي التي لا شيء ~~أوضح منها { قالوا } أي الكفار : { بلى } أي أتونا كذلك , ثم استأنفوا ~~جوابهم لما حصل من التشوف إليه بما حاصله عدم إجابتهم فسببوا عن إخبارهم ~~بعدم إجابتهم للرسل عدم إجابة دعائهم فقال تعالى مخبرا عنهم : { قالوا } أي ~~الخزنة : { فادعوا } أي أنتم الآن الله أو أهل الله من رسل البشر أو ~~الملائكة أو غيرهم , أو لا تدعوا فإنه لا يسمع لكم . | ولما كان أمرهم ~~بالدعاء موجيا لأن يظنوا نفعه , أتبعوه بما أيأسهم لأن ذلك أنكأ وأوجع وأشد ~~عليهم وأفظع بقولهم : { وما } دعاؤكم - هكذا كان الأصل , ولكنه أتى بالوصف ~~تعليقا للحكم به فقال : { دعاء الكافرين } أي ms4452 الساترين لمرائي عقولهم عن ~~أنوار العقل المؤيد بصحيح النقل { إلا في ظلال * } أي ذهاب في غير طريق ~~موصل كما كانوا هم في الدنيا فإن الدنيا مزرعة الآخرة , من زرع شيئا في ~~الدنيا حصده في الآخرة , والآخرة ثمرة الدنيا إلا من جنس ما غرس في الدنيا ~~. | < < # | غافر : ( 51 - 55 ) إنا لننصر رسلنا . . . . . # > > ^ ( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم ~~الأشهاد * يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار * ولقد ~~آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب * هدى وذكرى لأولي الألباب * ~~فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار ) ^ } ) ~~| ولما كان حاصل ما مضى من هذا القص الذي هو أحلى من الشراب , وأغلى من ~~الجوهر المنظم في أعناق الكواعب الأتراب , لأنه سحبانه نصر الرسل على أممهم ~~حين هموا بأخذهم , فلم يصلوا إليهم ثم أهلكهم الله هذا في الدنيا , وأما في ~~الآخرة فعذبهم أشد العذاب , وكذلك نصر موسى عليه السلام والمؤمن الذي دافع ~~عنه , وكان نصر اهل الله قاطبة خفيا , لأنهم يبتلون ثم يكون لهم العاقبة , ~~فكان أكثر الجامدين وهم أكثر الناس يظن أنه لا نصره لهم , قال الله تعالى ~~لافتا القول إلى مظهر العظمة , لأن النصرة عنها تكون على سبيل الاستنتاج ~~مما مضى مؤكدا تنبيها للأغبياء على ما يخفى عليهم : { إنا } أي بما لنا من ~~العظمة { لننصر رسلنا } أي على من نأوأهم { والذين آمنوا } أي اتسموا بهذا ~~الوصف وإن كان في أدنى رتبة . | ولما كانت الحياة تروق وتحلو بالنصرة ~~وتتكدر بضدها , ذكرها لذلك ولئلا يتوهم لو سقطت أن نصرتهم رتببتها دنية ~~فقال : { في الحياة الدنيا } بالزامهم طريق الهدى الكفيلة بكل فوز وبالحجة ~~والغلبة , وإن غلبوا في بعض الأحيان فإن العاقبة تكون PageV06P523 لهم , ~~ولو بأن يقيض سبحانه لأعدائهم من يقتض ولو بعد حين , وأقل ذلك أن لا يتمكن ~~أعداؤهم من كل ما يرون منهم { ويوم يقوم الأشهاد * } أي في الدار الآخرة من ~~الملائكة والنبيين وسائر المقربين , جمع كشريف وأشراف , إشارة إلى أن ~~شهادتهم بليغة ms4453 في بابها , لما لهم من الحضور التام , وإلى ذلك يشير تذكير ~~الفعل والتعبير بجميع القلة , ولكن الجياد قليل مع أنهم بالنسبة إلى أهل ~~الموقف كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود , وإنما عبر بذلك إشارة إلى ~~أهل الحكم بصفات الجبروت للقسط , فيرفع أولياءه لكل اعتبار , ويهين أعداءهم ~~كل إهانة . | ولما وصف اليوم الآخر بما لا يفهمه كثير من الناس , أتبعه ما ~~اوضحه على وجه بين نصره لهم غاية البيان , فقال مبدلا مما قبله : { يوم لا ~~ينفع الظالمين } الذين كانوا عريقين في وضع الأشياء في غير مواضعها { ~~معذرتهم } أي اعتذارهم وزمانه ومكانه - بما أشار إليه كون المصدر ميميا ولو ~~جل - وأنه غير نافعهم لأنهم لا يعتذرون إلا بالكذب < # > 77 ( { والله ربنا ما كنا مشركين } ) 77 < # > [ الأنعام : 23 ] أو بالقدر < # > 77 ( { ربنا غلبت علينا شقوتنا } ) 77 < # > [ المؤمون : 106 ] { ولهم } أي خاصة { اللعنة } أي البعد عن كل خير , ~~مع الإهانة بكل ضير { ولهم } أي خاصة { سوء الدار * } وهي النار الحاوية ~~لكل سوء - هذا مع ما يتقدمها من المواقف الصعبة , وإذا كان هذا لهم فما ظنك ~~بما هو عليهم , وقد علم من هذا أن لأعدائهم - وهم الرسل وأتباعهم - الكرامة ~~والرحمة ولهم قبول الاعتذار وحسن الدار , فظهرت بذلك أعلام النصرة , وصح ما ~~أخبر به من تمام القدرة . | ولما كان التقدير : فلقد نصرنا موسى رسولنا مع ~~إبراق فرعون وإرعاده , عطف عليه قوله دالا على الكرامة والرحمة , مؤكدا ~~لإزالة ما استقر في النفوس من أن ملوك الدنيا لا يغلبهم الضعفاء : { ولقد ~~آتينا } أي بما لنا من العزة { موسى الهدى } أي في الدين اللازم منه أن ~~يكون له العاقبة وإن تناهت ضخامة من يعانده , لأنه ضال عن الهدى , والضال ~~هالك وإن طال المدى , وذلك بما آتيناه من النبوة والكتاب . | ولما كانت ~~النبوة خاصة والكتاب عاما قال : { وأورثنا } أي بعظمتنا { بني إسرائيل } ~~بعد ما كانوا فيه من الذل { الكتاب * } أي الذي أنزلنا عليه وآتيناه الهدى ~~به - وهو التوراة - إيتاء هو كالإرث لا ينازعهم فيه أحد , ولا أهل له في ~~ذلك ms4454 الزمان غيرهم , حال كونه { هدى } أي بيانا عاما لكل من تبعه { وذكرى } ~~أي عظة عظيمة { لأولي الألباب * } أي القلوب الصافية والعقول الوافية ~~الشافية , فذكر إيتاء موسى الثمرة وذكر إيراثهم السبب إشارة إلى أنهم من ~~جنى ثمرته فاهتدي , ومنهم من صل , وذلك تحذير للاتباع , وتشريف للأنبياء ~~بما نالوه من مراتب الارتفاع . # PageV06P524 ولما كان التقدير بعد أن تقدم الوعد بنصرة الرسل وأتباعهم : ~~ولقد آتيناك الهدى والكتاب كما آتينا موسى , ولننصرنك مثل ما نصرناه وإن ~~زاد إبراق قومك وإرعادهم , فإنهم لا يعشرون فرعون فيما كان فيه من الجبروت ~~والقهر والعز والسلطان والمكر ولم ينفعه شيء منه , سبب عنه قوله : { فاصبر ~~} أي على أذاهم فإنا نوقع الأشياء في أتم محالها على ما بنينا عليه أحوال ~~هذه الدار من إجراء المسببات على أسبابها , ثم علل ذلك بقوله صارفا القول ~~عن مظهر العظمة الذي هو مدار النصرة إلى اسم الذات الجامع لجميع الكمالات ~~التي من أعظمها إنفاذ الأمر وصدق الوعد : { إن وعد الله } أي الذي له ~~الكمال كله { حق } أي في إظهار دينك وإعزاز أمرك , فقد رأيت ما اتفق لموسى ~~عليه السلام مع أجبر أهل ذلك الزمان وما كان له من العاقبة , قال القشيري : ~~الصبر في انتظار الموعود من الحق على حسب الإيمان والتصديق , فمن كان ~~تصديقه ويقينه أتم وأقوى كان صبره أكمل وأوفى . | ولما تكفل هذا الكلام من ~~التثبيت بانجاز المرام , وكان من الأمر المحتوم أن لزوم القربات يعلى ~~الدرجات فيوصل إلى قوة التصرفات , أمر بالإعراض عن ارتقاب النصر والاشتغال ~~بتهذيب الأحوال لتحصيل الكلام , موجها الخطاب إلى أعلى الخلق ليكون من دونه ~~من باب الأولى فقال : { واستغفر لذنبك } أي وهو كل عمل كامل لأن ذلك غفر لك ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر فتستن بك أمتك , وسماه ذنبا من باب ( حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين ) . | ولما أمره بالاستغفار عند الترقية في درجات ~~الكمال , المطلع على بحور العظمة ومفارز الجلال , أمره بالتنزيه عن شائبة ~~نقص والإثبات لكل رتبة كمال , لافتا القول إلى صفة التربية والأحسان لأنه ~~من ms4455 أعظم مواقعها فقال : { وسبح } أي نزه ربك عن شائبة نقص كلما علمت ~~بالصعود في مدارج الكمال نقص المخلوق في الذات والأعمال ملتبسا { بحمد ربك ~~} أي إثبات الإحاطة باوصاف الكمال للمحسن إليك المربي لك , ولا تشتغل عنه ~~بشيء فإن الأعمال من أسباب الظفر . | ولما كان المقام لإثبات قيام الساعة , ~~وكان العشي أدل عليها , قدمه فقال : { بالعشي والإبكار * } فإن تقلبهما ~~دائما دل على كمال مقلبهما وقدرته على إيجاد المعدوم الممحوق كما كان ~~وتسويته , ومن مدلول الآية الحث على صلاتي الصبح والعصر , وهما الوسطى ~~لأنهما تشهدهما ملائكة الليل وملائكة النهار , وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : بل على الصلوات الخمس - نقله البغوي . | وذلك لأن العشى من زوال ~~الشمس , والأبكار من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . | PageV06P525 < < # | غافر : ( 56 - 61 ) إن الذين يجادلون . . . . . # > > ^ ( إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم ~~إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير * لخلق السماوات ~~والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون * وما يستوي الأعمى ~~والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون * إن ~~الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون * وقال ربكم ادعوني ~~أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين * الله الذي ~~جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون ) ^ } ) | ولما كان الأمر بشغل هذين الوقتين أمرا ~~لشغل غيرهما من باب الأولى , لأن أول النهار وقت الاشتغال بالأعمال ~~والاهتمام بالابتداء والتمام , وآخره وقت التهيؤ للراحة والمقيل بالأكل ~~والشرب وما يتبعهما , وكان ذلك موجبا للاشتغال عن أعداء الدين رأسا , وكان ~~ذلك لأن خذلانهم أمر قد نوع منه فقال معللا للمداومة على الطاعة : { إن ~~الذين يجادلون } أي يناصبون بالعداوة ولتقل أهل هذا الدين عنه إلى ما هم ~~عليه من الباطل , ولفت القول إلى الجلالة الدالة على نهاية العظمة تهوينا ~~لشأنهم فقال : { في آيات الله } أي الملك الأعظم الدالة على تمام قدرته ~~اللازم ms4456 منه قدرته على البعث الذي في تذكره صلاح الدين والدنيا { بغير سلطان ~~} أمر مسلط ودليل مسلك { أتاهم إن } أي ما { في صدورهم } بصدورهم عن سواء ~~السبيل , وآذن ذكر الصدور التي هي مساكنها { إلا كبر } أي عن اتباع الحق مع ~~أشراق ضيائه واعتلاء لألائه إرادة إطفائه أو إخفائه , والكبر إرادة التقدم ~~والتعظم والرئاسة , وأن يكون مريد ذلك فوق كل أحد { ما هم ببالغيه } أي ~~ببالغي مقتضاه من إبطال الدين متكبرا على أن يكونوا تحت أوامره , لا يبلغون ~~ذلك بوجه من الوجوه , ولا بد أن يظهر بنصر الرسول ومن تبعه من المؤمنين على ~~أهل الكتاب والمشركين وغيرهم من أنواع الكافرين , ثم يبعثون فيكون أعداؤهم ~~أسفل سافلين صغرة داخيرن . | ولما ظهر من أول هذا الكلام وآخره تصريحا ~~وتلويحا بما أفاده أسلوب كلام القادرين المصوغ لأعم من يمكن أن يحظر في ~~البال أنه تعالى وصف نفسه في مطلع السورة بأنه غالب لكل شيء ولا يغلبه شيء ~~وأن الذي بهم إنما هو إرادة أن يكونوا PageV06P526 عالين غالبين , عنه قوله ~~تعالى : { فاستعذ } أي اطلب العوذ { بالله } المحيط بك شيء من شر كبرهم كما ~~عاذ به موسى عليه السلام لينجز لك ما وعدك كما أنجز له , ثم علل ذلك بقوله ~~: { إنه } أي على ما له من البطون { هو } أي وحده { السميع } لكل ما يمكن ~~أن يسمع . | ولما كان السياق للعياذ من شياطين الإنس الذين لهم المكر ~~الظاهر والباطن , ختم بقوله : { البصير * } الصالح للبصر والبصيرة فيعم ~~المحسوس والمعلوم , وختم آيتي الأعراف وفصلت المسبوقتين لنزغ الشيطان الذي ~~هو وساس وخطرات باطنة بالعليم . | ولما كان أعظم النظر في آية المجادلة ~~المكررة من أول السورة إلى هنا إلى البعث وصيرورة العباد إلى الله بالحشر ~~ليقع فيه الحكم الفصل , وتتحقق نصرة الأنبياء وأتباعهم يوم يقوم الأشهاد , ~~دل على قدرته عليه بما هو كالتعليل لما نفى في آية المجادلة من بلوغهم لما ~~قصدوا من الكبر , فقال مؤكدا تنزيلا للمقر العالم منزلة الجاهل المعاند ~~لمخالفة فعله لاعتقاده : { لخلق السماوات } أي خلق الله لها على ms4457 عظمها ~~وارتفاعها وكثرة منافعها واتساعها { والأرض } على ما ترون من عجائبها وكثرة ~~متاعها { أكبر } عند كل من يعقل من الخلق في الخلق { من خلق الناس } أي خلق ~~الله لهم لأنهم شعبة يسيرة من خلقهما , فعلم قطعا أن الذي قدر على ابتدائه ~~على عظمه قادر على إعادة الناس على حقارتهم { ولكن أكثر الناس } وهم الذين ~~ينكرون البعث وغيره مما يمكن أن تتعلق به القدرة وصح به السمع { لا يعلمون ~~* } أي لا علم لهم أصلا , بل هم كبالبهائم لغلبة الغفلة عليهم واتباعهم ~~اهواءهم , فهم لا يستدلون بذلك على القدرة على البعث كما أن البهائم ترى ~~الظاهر فلا تدرك به الباطن , بل هم أنزل رتبة من البهائم , لأن هذا النحو ~~من العلم في غاية الظهور فهم كالمحسوس , فمن توقف فيه كان جمادا . | ولما ~~ثبت بهذا القياس الذي لا خفاء به لا دافع له ولا مطعن فيه أن القادر على ~~خلق الكبير ابتداء قادر على تسوية الصغير إعادة , وثبت به أيضا أن خلق ~~الناس ليس مستندا إلى طبائع السماوات والأرض وإلا لتساووا في العلم والجهل ~~, والقدر والهيئة والشكل , لأن اقتضاء الطبائع لذلك على حد سواء لا تفاوت ~~فيه , وهي لا اختيار لها , وكان من الناس من يقول : إن هذا الإيجاد إنما هو ~~للطبائع , ومن هؤلاء فرعون الذي مضى في هذه السورة كثير من كشف عواره ~~وإظهار عاره , دل على إبطاله بأن ذلك قول يلزمه التساوي فيما نشأ عن ذي ~~الطبع لأن لا اختيار له ونحن نشاهد الأشياء مختلفة , فدل ذلك قطعا على أنها ~~غير مستندة إلى طبيعة بل إلى فاعل مختار , فكان التقدير بما أرشد إليه سياق ~~الآية قطعا مع ختمها بنفي العلم وعطف ما بعدها على غير مذكور : PageV06P527 ~~وأقلهم يعلمون , فثبت أن خالقهم الذي فاوت بينهم قادر مختار لا شريك له , ~~فإنه ما يستوي العالم والجاهل : { وما يستوي } أي بوجه من الوجوه من حيث ~~البصر { الأعمى والبصير * } وذلك موجب للعلم بأن استناد المختالفين ليس إلى ~~الطبيعة , بل إلى فاعل مختار . | ولما ذكر الظلام ms4458 والنور الحسيين , أتبعه ~~المعنويين نشرا ليكشف قسما الظلام قسمي النور إشارة إلى أن المهتدي عزيز ~~الوجود , كالذهب الإبريز بين النقود , فقال : { والذين آمنوا } أي أوجدوا ~~هذه الحقيقة ثبتت أو لا { وعملوا الصالحات } كذلك فكانوا محسنين { ولا ~~المسيء } أي الثابت الإساءة الذي كفر وعمل الصالحات , ووقع التغاير في ~~العطف لأن المراد - والله أعلم - نفس التساوي بين أفراد الأعمى وأفراد ~~البصير والمحسن والمسيء , ولكنه لما كان في المخاطبين الغبي والذكي , عطف ~~البصير بغير ( لا ) ليكون ظاهر ذلك نفي المساواة بين نوعي الأعمى والبصير , ~~لأن نفي المساواة بين أفراد الأنواع دقيق , واقتصر على الواو في عطف { ~~الذين آمنو } لأنه لا ينتظم أن يراد جعل الأعمى والبصير فريقا والمؤمن ~~الموصوف فريقا , وينتفي التساوي بينهما لأنه لا لبس في أن المؤمنين ~~الموصوفين كالبصير , وليس فيهم من يتوهم مساواته للأعمى , فكان من الجلي ~~معرفة أن المراد نفسي مساواة الأعمى للبصير ونفي مساواة المؤمن الموصوف ~~للمسيء , وزيدت ( لا ) في المسيء وعبر فيه بالإفراد إشارة للفطن إلى أن ~~المراد نفي التساوي بين أفراد كل نوع لأن ذلك أدل على القدرة , وأنها ~~بالاختيار , وهذا بخلاف الظلمات في سورة فاطر لأنه لو تركت ( لا ) هناك ~~لتوهم متوهم أن المنفي المساواة بين الأعمى والبصير وبين الظلمات , فيوجد ~~حينئذ الطعن بأن الظلمات مساوية لهما باعتبار أن الظلمة منها كثيف جدا لا ~~يمكن نفوذ البصر فيه , ومنها خفيف جدا يكون تسميته ظلاما بالنسبة إلى النور ~~الساطع , والآية من الاحتباك : ذكر عمل الصالحات أولا دليلا على ضدها ثانيا ~~, والمسيء ثانيا دليلا على المحسنين أولا , وسره أنه ذكر الصلاح ترغيبا ~~والإساءة ترهيبا . | ولما تقرر هذا على هذا النحو من الوضوح الذي لا مانع ~~للإنسان من فهمه ورسوخه في علمه إلا عدم تذكره لحسه حتى في نفسه قال تعالى ~~: { قليلا ما يتذكرون } أي المجادلون أو أيها المجادلون أو الناس المتذكر - ~~بما دل عليه الإظهار - منكم قليل - على قراءة الكوفيين بالخطاب لأنه أقوى ~~في التبكيت , وأدل على الغضب . | PageV06P528 قطعا قوله : { إن الساعة } أي ~~القيامة التي يجادله فيها ms4459 المجادلون { لآتية } وعزتي ! للحكم بالعدل في ~~المقارنة بين المسيء والمحسن لأنه لا يسوغ في الحكمة عند أحد من الخلق أن ~~يساوي أحد بين محسن عبيده ومسيئهم , فكيف يظن ذلك بأحكم الحاكمين الذي ~~نشاهده يميت المسيء وهو في غاية النعمة والمعصية , والمحسن وهو في غاية ~~البلاء والطاعة , والمظلوم قبل أن ينتصف من الظالم , ولهذا الأمر الظاهر ~~قال : { لا ريب فيها } أي لا شك في إيتانها بوجه من الوجوه , لأفضي فيها ~~بالعدل فأدخل فيها ناسا دار رحمتي , وآخرين نقمتي . | ولما وصل الحال في ~~أمرها إلى حد لا خفاء به أصلا , نفى الإيمان دون العلم فقال تعالى : { ولكن ~~أكثر الناس } أي بما فيهم من النوس وهو الاضطراب , وراعى معنى الأكثر فجمع ~~لأن الجمع أدل على المراد وأقعد في التبكيت : { لا يؤمنون } أي لا يجعلون ~~المخبر لهم بإيتانها آمنا من التكذيب مع وضوح علمها لديهم , وما ذاك إلا ~~لعناد بعضهم وقصور نظر الباقين على الحس . | ولما كان التقدير : فعل ذلك ~~ربكم ليقضي بين عباده بالعدل فيدخل المحسن الجنة نصرة له , والمسيء النار ~~خذلانا وإهانة له , لما برز به وعده من أنه ينصر رسله وأتباعهم في الحية ~~الدنيا وفي الآخرة , وقال لعباده كلهم : آمنوا لأسلمكم من غوائل تلك الدار ~~, عطف عليه قوله : { وقال ربكم } أي المحسن إليكم بهدايتكم ووعدكم النصرة : ~~{ ادعوني } أي استجيبوا لي بأن تعبدوني وحدي فتسألوني ما وعدتكم به من ~~النصرة على وجه العبادة , وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم ( الدعاء هو ~~العبادة ) فقد حصر الدعاء في العبادة سواء كانت بدعاء أو صلاة أو غيرهما , ~~فمن كان عابدا خاضعا لله تعالى بسؤال أو غيره كانت عبادته دعاء , عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما : وحدوني اغفر لكم . | وعن الثوري أنه قيل له : ادع , ~~فقال : إن ترك الذنوب هو الدعاء : { أستجب } أي أوجد الإجابة إيجادا عظيما ~~كأنه ممن يطلب ذلك بغاية الرغبة فيه { لكم } في الدنيا أي بإيجاد ما دعوتم ~~به , أو كشف مثله من الضر , أو إدخاره في الآخرة , ليظهر الفرق بين من ms4460 له ~~الدعوة ومن ليس له دعوة العبادة في الدنيا ولا في الآخرة , ولا تتكلوا على ~~ما سبق به الوعد فتتركوا الدعاء فتتركوا العبادة التي الدعاء مخها , فكل ~~ميسر لما خلق له , قال القشيري , وقيل : الدعاء مفتاح الإجابة , وأسنانه ~~لقمة الحلال - انتهى - والآية بمعنى آية البقرة < # > 77 ( { أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي } ) 77 < # > [ آية : 186 ] . | ولما كان السبب في ترك الدعاء في العادة الكبر , ~~فكان كأنه قيل : ولا تتركوا دعائي تكونوا مستكبرين , علله ترهيبا في طيه ~~ترغيب بقوله : { إن الذين يستكبرون } أي PageV06P529 يوجدون الكبر , ودل ~~على أن المراد بالدعاء العبادة بقوله : { عن عبادتي } أي عن الاستجابة لي ~~فيما دعوت من العبادة بالمجادلة في آياتي والإعراض عن دعائي في جميع ما ~~ينوبهم في الشدة والرخاء { سيدخلون } بوعد لا خلف فيه { جهنم } فتلقاهم ~~جزاء على كبرهم بالتهجم والعبوسة والكراهة { داخرين * } أي صاغرين حقيرين ~~ذليلين , فالآية من الاحتباك : ذكر الدعاء أولا دليلا على حذفه ثانيا , ~~والعبادة ثانيا دليلا على حذفها أولا . | ولما ختم ذلك أيضا بأمر الساعة , ~~زاد في الدلالة عليه وعلى الفعل بالاختيار والحكمة التي لا يسوغ معها إهمال ~~الخلق من غير حساب , في دار ثواب وعقاب , بعد الإتقان لدار العمل بالخطإ ~~والصواب , فقال معللا مفتتحا بالاسم الأعظم الذي لا يتخيل أن المسمى به ~~يهمل المتكبرين عيله مع الإبلاغ في الإحسان إليهم { الله } أي المحيط بصفات ~~الكمال { الذي جعل لكم } لا غيره { اليل } أي مظلما { لتسكنوا فيه } راحة ~~ظاهرية بالنوم الذي هو الموت الأصغر , وراحة حقيقية بالعبادة التي هي ~~الحياة الدائمة { والنهار مبصرا } لتنتشروا فيه باليقظة التي هي إحياء في ~~المعنى , فالآية من الاحتباك : حذف الظلام أولا لكونه ليس من النعم ~~المقصودة في أنفسها لما دل عليه من الإبصار الذي هو المقصود من نعمة الضياء ~~المقصود في نفسه , وحذف الانتشار لأنه بعض ما ينشأ عن نعمة الإبصار لما دل ~~عليه من السكون الذي هو المقصود الأعظم من الليل : للراحة لما أرادها , لما ~~اعتمدها واستزادها . | ولما كان بعض الكفرة ينسب الأفعال كما ms4461 مضى للطبائع ~~ويجعلها بغير اختيار , قال مستأنفا أو معللا مؤكدا : { إن الله } أي ذا ~~الجلال والإكرام { لذو الفضل } أي عظيم جدا ياختياره { على الناس } أي كافة ~~باختلاف الليل والنهار وما يحتويان عليه من المنافع . | ولما بلغت هذه ~~الآيات من الدلالة على الوحدانية والبعث ونفى أمر الطبائع حدا قل أن يوجد ~~في غيرها , فكان المخالف مذموما لذلك غاية الذم , فكان التعميم بالذم ~~للمخالفين واقعا في أوفق محاله , وكان الاسم قد يراد بعض مدلومه , وكان ~~المراد هنا التعميم , أظهر للإفهام إرادة ذلك , ولم يضمر ليتعلق الحكم ~~بالوصف المفهم للنوس المشير إلى أن صاحبه قاصر عن درجة أول أسنان المؤمنين ~~فيعلم أن هذا النوع مطبوع على ذلك فقال : { ولكن أكثر الناس } أي بما لهم ~~من الاضطراب وعدم الثبات في لزوم الصواب { لا يشكرون * } فينسبون أفعاله ~~سبحانه إلى غيره جهلا , أي يعلمون بما يسلب عنهم اسم الشكر من الشرك وغيره ~~, ويجوز أن يكون المراد بالناس أولا كل من يتأتى منه النوس , وهو كل من برز ~~الوجود , وبهم ثانيا الجن والإنس - والله أعلم . | PageV06P530 < < # | غافر : ( 62 - 65 ) ذلكم الله ربكم . . . . . # > > ^ ( ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون * كذلك ~~يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون * الله الذي جعل لكم الأرض قرارا ~~والسمآء بنآء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك ~~الله رب العالمين * هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد ~~لله رب العالمين ) ^ } ) | ولما ثبت بآية الخافقين وآية الملوين ثبوتا لا ~~شك فيه أصلا شمول القدرة بالاختيار , قال معظما بأداة البعد وميم الجمع : { ~~ذلكم } أي أيها المخاطبون ! - الواحد القهار العظيم الشأن الذي علم بما ذكر ~~من أفعاله أنه لا يشاركه أحد , ولذلك قال : { ربكم } أي المربى لكم والمحسن ~~إليكم بقدرته واختياره المتفرد بربوبيتكم لا رب لكم سواه . | ولما كان في ~~سياق الامتنان بالنعم للدلالة على الساعة التي ينكرونها ويجادلون في أمرها ~~, قدم الخلق على التهليل فقال : { خالق كل شيء } أي بما ثبت من تمام قدرته ms4462 ~~بإبداع الخافقين ثائبين والملوين متعاقبين دائبين , ولا مانع له من إعادة ~~الثقلين لأنه { لا إله إلا الله } بل كان ذلك واجبا في الحكمة , لأن المنعم ~~عليهم انقسموا إلى شاكر وكافر , فوجب في الحكمة إقامة الساعة للفصل بينهم , ~~وجاء ذلك على ترتيب مطلع السورة , فإن العزيز ناظر إلى كمال القدرة على ~~الإيجاد والإعدام , والعليم هو المتوحد بكمال الذات , فإن إحاطة العلم ~~تستلزم كل كمال , والقدرة قد لا تستلزم العلم كما للحيوانات العجم , وهذا ~~بخلاف ما مضى في آية الأنعام , فإن السياق هناك لإنكار الشرك وإثبات ~~الوحدانية بما دل عليها من عموم الخلق طبق ما مضى أيضا في مطلعها . | ولما ~~أنتجت هذه الأخبار - التي كل منها مقرر لما قبله بكونه كالعلة له - ~~الوحدانية المطلقة اللازم منها كل كمال , سبب عنها قوله منكرا مبكتا : { ~~فأنى } أي فكيف ومن أي وجه { تؤفكون * } أي تقبلون عن وجوه الأدلة إلى ~~أقفائها فتعبدون الأوثان وتجادلون في الساعة التي يلزم من الطعن فيها الطعن ~~في الحكمة التي الطعن فيها طعن في الإلهية التي الطعن فيها طعن في وجود هذا ~~الوجود ومكابرة فيه , وذلك مؤد إلى PageV06P531 سقوط المتكلم به بكل اعتبار ~~لمكابرته في المشاهد المحسوس , وفي المعقول المركوز في جميع النفوس . | ~~ولما كشف هذا السياق عن أن هذا الصرف أمر لا يقدم عليه عاقل , كان كأنه قيل ~~: هل وقع لأحد غير هؤلاء مثل هذا ؟ فأجيب بقوله : { كذلك } أي مثل هذا ~~الصرف الغريب البعيد عن مناهيج العقلاء { يؤفك } أي يصرف صرف سيئا - بناه ~~للمفعول إشارة إلى تمام قدرته عليه بكل سبب كان , ولأنه المتعجب منه { ~~الذين كانوا } مطبوعين على أنهم { بآيات الله } أي ذي الجلال والجمال { ~~يجحدون * } أي ينكرون عنادا ومكابرة , فدل هذا على أن كل من تكبر عن حق ~~فأنكره مع علمه به عوقب بمسخ القلب وعكس الفهم , فصار له الصرف عن وجوه ~~الدلائل إلى أقفائها ديدنا بحيث يموت كافرا إن لم يتداركه الله برحمة منه . ~~| ولما تقرر أنه سبحانه ربنا وحده , وأن مدعي ربوبية ما سواه معاند , لأنه ms4463 ~~سبحانه متميز بأفعاله التي لا يشاركه فيها أحد , دل على ذلك بوجه مركوز في ~~الطبائع صحته , واضح في العقول معرفته , كالمعلل لتسمية هذا الإنكار جحودا ~~, فقال دالا بالخافقين بعد الدلالة بما نشأ عنهما من الملوين , وأخر هذا ~~لأنه مع كونه أجلى سبب بقرارية الأرض وفلكية السماء لذاك , بما حصل فيه من ~~الاختلاف , فقال : { الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء { الذي جعل ~~} أي وحده { لكم الأرض } أي مع كونها فراشا ممهدا { قرارا } مع كونها في ~~غاية الثقل , ولا ممسك لها سوى قدرته { والسماء } على علوها وسعتها مع ~~كونها افلاكا دائرة بنجوم طول الزمان سائرة , ينشأ عنها الليل والنهار ~~والإظلام والإبصار { بناء } مظلة كالقبة من غير عماد حامل , ومن المعلوم ~~لكل ذي عقل أن الأجسام الثقيلة تقتضي بطبعها تراص بعضها على بعض , فلا يمنع ~~بعضها من السقوط على بعض إلا بقوة وقسر , فالآية من الاحتباك : ذكر القرار ~~أولا دليلا على الدوران ثانيا , والبناء ثانيا دليلا على الفراش أولا . | ~~ولما ذكر المسكين ذكر الساكن دالا على أنه الفاعل في الكل باختياره وتمام ~~قدرته بتصويره الإنسان بصورة لا يشبهها صورة شيء من الحيوانات , وفاوت بين ~~أفراده في هيئة تلك الصورة على أنحاء لا تكاد تنضبط في نفسها , ولا تسبه ~~واحدة منها الأخرى , ولا في الخافقين شيء يشبهها محال تصويرها عليه فقال : ~~{ وصوركم } والتصوير على غير نظام واحد لا يكون بقدرة قادر تام القدرة ~~مختار لا كما يقول أهل الطبائع { فأحسن صوركم } على أشكال وأحوال مع أنها ~~أحسن الصور ليس في الموجود ما PageV06P532 يشبهها , وليس فيها صورة تشبه ~~الأخرى لتسدوا انطباع تصويرها إليه , فثبت قطعا أنه هو المصور سبحانه على ~~غير مثال كما أنه الذي أبدع الموجود كله كذلك . | ولما ذكر المسكن والساكن ~~, ذكر ما يحتاج إليه في مدة السكن فقال : { ورزقكم من الطيبات } الشهية ~~الملائكة للطبائع النافعة على وجه لا احتياج معه بوجه , فلا دليل أدل على ~~تمام العلم وشمول القدرة ووجود الاختيار من هذا التدبير في حفظ المسكين ~~والسقف وتدبير ما ms4464 به البقاء على وجه يكفي الساكن من جميع الوجوه على مر ~~السنين وتعاقب الأزمان , وبث من الساكن - مع أنه قطعة يسيرة جدا من أديم ~~الأرض - أنسالا شعبهم شعبا فرعها إلى فروع لا تسعها الأرض , فدبر بحكمته ~~وسعة علمه وقدرته تدبيرا وسع لهم به الأرض , وعمهم به الرزق , كما روى ~~الإمام أحمد في كتاب الزهد عن الحسن أنه قال : لما خلق الله آدم عليه ~~الصلاة والسلام وذريته قالت الملائكة عليهم السلام : إن الأرض لا تسعهم , ~~قال : فإني جاعل موتا , قالوا : إذا لا يهنأهم العيش , قال : فإني جاعل ~~أملا . | ولما دل هذا قطعا على التفرد , قال على وجه الإنتاج ( { ذلكم } أي ~~الرفيع الدرجات { الله } أي المالك لجميع الملك , ودلهم على ما مضى ~~بترتيبهم وما فيها من بديع الصنائع فقال : { ربكم } أي لا غيره , ولما أفاد ~~هذا الدليل تربية لا مثل لها , دالة على إحاطة العلم وتمام القدرة على وجه ~~لا حاجة معه مع حسنه وثباته تسبب عنه ولا بد قوله : { فتبارك } أي ثبت ~~ثباتا عظيما مع اليمن والخير وحسن المدد والفيض { الله } أي المختص بالكمال ~~, ورقى الخطاب وعظم إيضاحا للدلالة فقال : { رب العالمين * } كلهم أنتم ~~وغيركم , ثم دل على ما أفاده الدليل معللا بقوله : { هو } أي وحده { الحي } ~~وكل ما عداه لا حياة له , لأنه ليس له من ذاته إلا العدم , فأنتج ذلك قطعا ~~قوله : { لا إله إلا هو } فتسبب عنه قوله : { فادعوه } أي وحده بالقول ~~والفعل على وجه العبادة , وذلك معنى { مخلصين له الدين } أي من كل شرك جلي ~~أو خفي . | ولما أمر بقصر الهمم عليه , علله بقوله : { الحمد } أي الإحاطة ~~بأوصاف الكمال , وأظهر موضع الإضمار إشارة إلى أن له من الصفات العلي ما لا ~~ينحصر : { لله } أي المسمى بهذا الاسم الجامع لجميع معاني الأسماء الحسنى ~~لذاته . | ولما كان هذا الوجود على ما هو عليه من النظام , وبديع الارتسام ~~, دالا دلالة قطعية على الحمد , قال واصفا بما هو كالعلة للعلم بمضمون ~~الخبر : { رب العالمين * } أي الذي رباهم هذه التربية فإنه لا ms4465 يكون إلا ~~كذلك , وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من قال { لا إله إلا الله } ~~فليقل على أثرها { الحمد لله رب العالمين } . | PageV06P533 < < # | غافر : ( 66 - 70 ) قل إني نهيت . . . . . # > > ^ ( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جآءني البينات ~~من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين * هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم ~~من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى ~~من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون * هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون * ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى ~~يصرفون * الذين كذبوا بالكتاب وبمآ أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون ) ^ } ) | ~~ولما أمر سبحانه بما دل على استحقاقه إياه , أنتج قطعا قوله : { قل } أي ~~لهؤلاء الذين يجادلونك في التوحيد والبعث مقابلا لإنكارهم بالتأكيد : { إني ~~نهيت } أي ممن لا ناهي غيره , نهيا عاما ببراهين العقل , ونهيا خاصا بأدلة ~~النقل { أن أعبد } ولما أهلوهم لأعلى المقامات , عبر عنهم إرخاء للعنان ~~بقوله : { الذين تدعون } أي يؤهلونهم لأن تدعوهم , ودل على سفولهم بقوله ~~تعالى : { من دون الله } أي الذي له الكمال كله , ودل على أنه ما كان ~~متعبدا قبل البعث بشرع أحد بقوله : { لما جاءني البينات } أي الحجج الواضحة ~~جدا من أدلة العقل والنقل ظاهرة , ولفت القول إلى صفة الإحسان تنبيها على ~~أنه كما يستحق الإفراد بالعبادة لذاته يستحقها شكرا لأحسانه فقال : { من ~~ربي } أي المربي لي تربية خاصة هي أعلى من تربية كل مخلوق سواي , فلذلك أنا ~~أعبده عبادة تفوق عبادة كل عابد . | ولما أخبر بما يتخلى عنه , أتبعه الأمر ~~بما يتحلى به فقال : { وأمرت أن أسلم } أي بأن أجدد إسلام كليتي في كل وقت ~~على سبيل الدوام { لرب العالمين * } لأن كل ما سواه مربوب فالإقبال عليه ~~خسار , وإذا نهى هو صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأمر بهذا لكون الآمر ~~والناهي لأنه رب كل شيء , كان غيره مشاركا له في ذلك لا محالة ms4466 . | ولما ~~قامت الأدلة وسطعت الحجج على أنه سبحانه رب العالمين الذين من جملتهم ~~المخاطبون , ولا حكم للطبيعة ولا غيرها , أتبع ذلك آية أخرى في أنفسهم هي ~~أظهر مما مضى , فوصل به على طريق العلة لمشاركتهم له صلى الله عليه وسلم في ~~الأمر والنهي في التي قبلها قوله تعالى : { هو } لا غيره { الذي } ولما كان ~~الوصف بالتربية ماضيا , عبر عنه به فقال : { خلقكم من تراب } أي أصلكم ~~وأكلكم التي تربى به أجسادكم { ثم من نطفة } من مني يمنى { ثم من علقة } ~~مباعدا حالها لحال النطفة كما كان النطفة مباعدا لحال التراب , { ثم } بعد ~~أن جرت شؤون أخرى { يخرجكم } أي يجدد إخراجكم شيئا بعد شيء { طفلا } لا ~~تملكون شيئا ولا تعملون شيئا , ثم يدرجكم في مدارج التربية PageV06P534 ~~صاعدين بالقوة في أوج الكمال طورا بعد طور وحالا بعد حال { لتبلغوا أشدكم ~~ثم } يهبطكم بالضعف والوهن في مهاوي السفول { لتكونوا شيوخا } ضعفاء غرباء ~~, قد مات أقرانكم , ووهت أركانكم , فصرتم تخشون كل أحد . | ولما كان هذا ~~مفهما لأنه حال الكل , بين أنه ما أريد به إلا البعض لأن المخاطب الجنس , ~~وهو يتناول البعض كما يتناول الكل فقال : { ومنكم من يتوفى } بقبض روحه ~~لحظة يسيرة مما بينهما , أدخل الجار على الظرف فقال : { من قبل } أي قبل ~~حال الشيخوخة أو قبل حال الأشدية . | ولما كان المعنى : لتتفاوت أعماركم ~~وأحوالكم وأعمالكم , عطف عليه قوله : { ولتبلغوا } أي كل واحد منكم { أجلا ~~مسمى } أي له سماه الملك الذي وكل به في بطن أمه عن إذننا وبأمرنا الذي ~~قدرناه في الأزل , فلا يتعداه مرة , ولا بمقدار فيتجدد للملائكة إيمان في ~~كل زمان . | ولما كانت هذه الأمور مقطوعا بها عند من يعلمها , وغير مترجاة ~~عند من يجهلها , فإنه لا وصول للآدمي بحيلة ولا فكر إلى شيء منها , فعبر ~~فيها اللام , وكان التوصل بالتفكر فيها والتدبر إلى معرفة أن الإله واحد في ~~موضع الرجاء للعاقل قال : { ولعلكم تعقلون * } أي فتعلموا بالمفارقة بين ~~الناس فيها ببراهين المشاهدة بالتقليب في أطوار الخلقة وأدوار الأسنان , ~~وإرجاع ms4467 أواخر الأحكام على أوائلها أن فاعل ذلك قادر مختار حكيم قهار , لا ~~يشبه شيئا ولا يشبه شيء . | ولما نظم سبحانه هذا الدليل في صنع الآدمي من ~~التراب , وختمه بأن دلالته على البعث - بإجراء سنته في إرجاع أواخر الأمور ~~على أوائلها وغير ذلك - لا يحتاج إلى غير العقل , أنتج عنه قوله : { هو } ~~لا غيره { الذي يحيي ويميت } كما تشاهدونه في أنفسكم وكما مضى لكم الإشارة ~~إليه بخلق السماوات والأرض , فإن من خلقهما خلق ما بينهما من الآجال ~~المضروبة باختلاف الليل والنهار والشهور والأعوام لبلوغ الأفلاك مواضعها , ~~ثم رجوعها عودا على بدء مثل تطوير الإنسان بعد الترابية من النطفة إلى ~~العلقة إلى ما فوقها , ثم رجوعه في مدارك هبوطه إلى أن تصير ترابا كما كان ~~, فليست النهاية بأبعد من البداية . | ولما كانت إرادته لا تكون إلا تامة ~~نافذة , سبب عن ذلك قوله معبرا بالقضاء : { فإذا قضى أمرا } أي أراد أي أمر ~~كان من القيامة أو غيرها { فإنما يقول له كن } ولما كانت { إذا } شرطية ~~أجابها في قراءة ابن عامر بقوله : { فيكون * } وعطفها في قراءة غيره على { ~~كن } بالنظر إلى معناه , أو يكون خبرا لمبتدأ أي فهو يكون , وعبر بالمضارع ~~PageV06P535 تصويرا للحال وإعلاما بالتجدد عند كل قضاء , وقد مضى في سورة ~~البقرة إشباع الكلام في توجيه قراءة ابن عامر بما تبين به أنها أشد من ~~قراءة غيره . | ولما علم من هذا أنه لا كلفة عليه في شيء من الأشياء بهذه ~~الأمور المشاهدة في أنفسهم وفي الآفاق , أنتج التعجب من حالهم من حالهم لمن ~~له الفهم الثاقب والبصيرة الوقادة , وجعل ذلك آياته الباهرة وقدرته القاهرة ~~الظاهرة , فلذلك قال لافتا الخطاب إلى أعلى الخلق لأن ذم الجدال بالباطل من ~~أجل مقصود هذه السورة : { ألم تر } أي يا أنور الناس قلبا وأصفاهم لبا , ~~وبين بعدهم بأداة النهاية فقال : { إلى الذين يجادلون } أي بالباطل , ونبه ~~على ما في هذه الآيات من عظمته التي لا نهاية لها بإعادة الاسم الجامع فقال ~~: { في آيات الله } أي الملك الأعظم { أنى ms4468 } أي وكيف ومن أي وجه { يصرفون * ~~} عن الآيات الحقة الواضحة التي سبقت بالفطرة الأولى إلى جذور قلوبهم , فلا ~~حجة يوردون ولا عذاب عن أنفسهم يردون , لأنه سبحانه استاقهم - كما قال ابن ~~جرجان - بسلاسل قهره المصوغة من خالص عزماتهم وعزائهم إرادتهم من حقيقة ~~ذواتهم إلى خزي الدنيا وعذاب الآخرة - فصل ما جادلوا فيه واصفا لهم بما ~~يزيد في التعجيب من شدة جهلهم وتعاظم عماهم فقال : { الذين كذبوا } وحذف ~~المفعول إشارة إلى عموم التكذيب : { بالكتاب } أي بسببه في جميع ما له من ~~الشؤون التي تفوت الحصر والعظمة في كل أمر كان أشير بأداة الكمال إلى أنه ~~لكماله كأنه لا كتاب غيره لأن من سمعه فكأنما سمعه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لإعجازه , فمن كذب بحرف منه فقد كذب بكل كتاب الله . | ولما كان ~~التذكيب به تكذيبا بجميع الرسالات الإلهية , أكد عظمته بذلك وبالإضافة إلى ~~مظهر العظمة , تحذيرا للمكذبين من سطواته , وتذكيرا لهم بأن العمل مع ~~الرسول عمل مع من أرسله , فلذا لفت الكلام على الاسم الجامع لصفتي الجلال ~~والإكرام فقال تعال : { وبما أرسلنا } أي على ما لنا من العظمة { به رسلنا ~~} من جميع الملل والشرائع بكتاب كان أو بغيره , وهو بحيث لا يحاط بكنه ~~جلاله وعظمه حاله , ولذا تسبب عنه تهديدهم في قوله تعالى : { فسوف يعلمون * ~~} أي بوعيد صادق لا خلف فيه , ما يحل بهم من سطوتنا . | < < # | غافر : ( 71 ) إذ الأغلال في . . . . . # > > ^ ( إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون * في الحميم ثم في النار ~~يسجرون * ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون * من دون الله قالوا ضلوا عنا بل ~~لم نكن ندعوا من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين * ذلكم بما كنتم تفرحون ~~في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون * ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس ~~مثوى PageV06P536 المتكبرين * فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي ~~نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كانوا في الدنيا قد جمعت أيديهم إلى أذقانهم بجوامع السطوة , ثم ~~وصلت بسلاسل القهر يساقون بها عن ms4469 مقام الظفر بالنجاح إلى أهويات الكفر ~~بالجدال بالباطل ومهامه الضلال المبين كما قال تعالى < # > 77 ( { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا } ) 77 < # > [ يس : 8 ] الآية , فجعل باطن تلك السلاسل الدنيوية والأغلال ظاهرا في ~~ذلك المجمع قال : { إذ } أي حين تكون { الأغلال } جمع غل , قال في ديوان ~~الأدب , هو الذي يعذب به الإنسان . | وقال القزاز : الغل من الحديد معروف , ~~ويكون من القد , وقال في النهاية : هو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى ~~عنقه , ويقال لها جامعة أيضا - انتهى . | وأصله الإدخال , يدخل فيه العنق ~~واليد فتجمعان به , وذلك معنى قول الصغائي في مجمع البحرين : في رقبته غل ~~من حديد , وقد غلت يده إلى عنقه { في أعناقهم } أي جامعة لأيديهم إلى ~~تراقيهم , وعبر بإذ ومعناها المضي مع سوف ومعناها الاستقبال , لأن التعبير ~~بالمضي إنما هو إشارة إلى تحقق الأمر مع كونه مستقبلا { والسلاسل } أي في ~~أعناقهم أيضا يقيدهم ذلك عن كل تصرف لكونهم لم يتقيدوا بكتاب ولا رسول , ~~والسلسلة من : تسلسل الشيء : اضطراب , قال الراغب : كأنه تصور منه تسلسل ~~متردد , فردد لفظه تنبيها على تردد معناه , وما سلسل متردد في مقره حتى صفا ~~, حال كونهم { يسحبون * } أي بها , والسحب : الجر بعنف { في الحميم } أي ~~الماء الحار الحاضر الذي يسكب الوجوه سوادا , والأعراض عارا , والأرواح ~~عذابا والأجسام نارا , والقلوب هما واللحوم ذوبانا واعتصارا , وذلك عوض ~~ترفيعهم لأنفسهم عن سحبها بأسباب الأدلة الواضحات في كلف العبادات ومرارات ~~المجاهدات وحرارات المنازلات . | ولما أخبر عن تعذيبهم بالماء الحار الذي ~~من شأنه أن يضيق الأنفاس , ويضعف القوى , ويخفف القلوب , أخبر بما هو فوق ~~ذلك فقال : { ثم في النار } أي عذابها خاصة { يسجرون * } أي يلقون فيها ~~وتوقد بهم مكردسين مركوبين كما يسجر التنور بالحطب - أي يملأ - وتهيج ناره ~~, وكما يسجر - أي يصب - الماء في الحلق , فيملؤؤنها فتحمى بهم ويشتد ~~اضطرامها لكونهم كانوا في الدنيا وقود المعاصي , والفتن بهم يشب وقودها ~~ويقوى عودها , ويثبت عمودها , لأنهم لم يلقوا أنفسهم في نيران الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر , ومخالفات الشهوات في أبواب الأوامر ms4470 والنواهي , ~~التي هي في الظاهر نيران , وفي الحقيقة جنان . | ولما كان المدعو إنما يدخر ~~لأوقات الشدائد , قال موبخا لهم مندما مقبحا لقاصر PageV06P537 نظرهم ~~لأنفسهم بانيا للمفعول لأن المنكئ هذا القول مطلقا لا لكونه من قائل معين : ~~{ ثم قيل لهم } أي بعد أن طال عذابهم , وبلغ منهم كل مبلغ , ولم يجدوا ~~ناصرا يخلصهم ولا شافعا يخصصهم : { أين } والتعبير عنهم بأداة ما لا يعقل ~~في أحكم مواضعه في قوله : { ما كنتم } أي دائما { تشركون * } أي بدعائكم ~~لهم في مهماتكم دعاء عبادة مع تجديده في كل وقت ؛ ثم بين سفولهم بقوله ~~لافتا القول عن مظهر العظمة إلى أعظم منه فقال : { من دون الله } أي المحيط ~~بجميع العز وكل العظمة , لتطلبوا منهم تخليصكم مما أنتم فيه أو تخفيفه : { ~~قالوا } أي مسترسلين مع الفطرة وهي الفطرة الأولى على الصدق : { ضلوا عنا } ~~فلا نراهم كما ضللنا نحن في الدنيا عما ينفعنا . | ولما رأوا أن صدقهم قد ~~أوجب اعترافهم بالشرك , دعتهم رداءة المكر ورذالة الطباع إلى الكذب , ~~فاسترسلوا معها فبادروا أن أظهروا الغلظ فقالوا ملبسين على من يعلم خائنة ~~الأعين وما تخفي الصدور ظانين أن ذلك ينفعهم كما كان ينفعهم عند المؤمنين ~~في دار الدنيا : { بل لم نكن ندعو } أي لم يكن ذلك في طباعنا . | ولما كان ~~مرادهم نفي دعائهم أصلا ورأسا في لحظة فما فوقها , لا النفي المقيد ~~بالاستغراق , فإنه لا ينفي ما دونه , أثبتوا الجار فقالوا : { من قبل } أي ~~قبرل هذه الإعادة { شيئا } لنكون قد أشركنا به , فلا يقدرهم بعضا بحيث لا ~~يزالون في ندم كما كان حالهم في الدنيا < # > 77 ( { انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون } ) 77 < # > [ الأنعام : 24 ] فالآية من الاحتباك : ذكر الإشراك أولا دليلا على ~~نفيهم له ثانيا , والدعاء ثانيا دليلا على تقديره أولا . | ولما كان في ~~غاية الإعجاب من ضلالهم , كان كأنه قيل : هل يضل أحد من الخلق ضلال هؤلاء , ~~فأجيب بقوله : { كذلك } أي نعم مثل هذا الضلال البعيد عن الصواب { يضل الله ~~} أي المحيط علما وقدرة ms4471 , على القصد النافع عن حجة وغيرها { الكافرين * } ~~أي الذين ستروا مرائي بصائرهم لئلا يتجلى فيها ثم صار لهم ذلك ديدنا . | ~~ولما تم جواب السؤال عن التعجب من هذا الضلال , رجع إلى خطاب الضلال فقال ~~معظما لما ذكر من جزائهم بأداة البعد وميم الجمع نصا على تقريع كل منهم : { ~~ذلكم } أي الجزاء العظيم المراتب , الضخم المواكب { بما كنتم } أي دائما { ~~تفرحون } أي تبالغون في السرور وتستغرقون فيه وتضعفون عن حمله للإعراض عن ~~العواقب . | ولما كانت الأرض سجنا , فهي في الحقيقة دار الأحزان , حسن قوله ~~: { في الأرض } أي ففعلتم فيها ضد ما وضعت له , وزاد ذلك حسنا قوله : ~~PageV06P538 { بغير الحق } فأشعر أن السرور لا ينبغي إلا إذا كان مع كمال ~~هذه الحقيقة , وهي الثبات دائما للمفروح به , وذلك لا يكون إلا في الجنة { ~~وبما } أي وبسبب ما { كنتم تمرحون * } أي تبالغون في الفرح ما الأشر والبطر ~~والنشاط الموجب الاختيال والتبختر والخفة بعدم احتمال الفرح . | ولما كان ~~السياق لذم الجدال , وكان الجدال إنما يكون عن الكبر , وكان الفرح غير ~~ملازم للكبر , لم يسبب دخول النار عنه , بل جعله كالنتيجة لجميع ما مضى ~~فقال : { ادخلوا } أي أيها المكذبون . | ولما كان في النار أنواع من العذاب ~~, دل على تعذيبهم بكل نوع بذكر الأبواب جزاء على ما كانوا يخوضون بجدالهم ~~في كل نوع من أنواع الأباطيل فقال : { أبواب جهنم } أي الدركة التي تلقي ~~صاحبها بتكبر وعبرسة وتحبهم { خالدين فيها } أي لازمين لما شرعتم فيه ~~بالدخول من الإقامة لزوما لا براح منها أصلا . | ولما كانت نهاية في ~~البشاعة والخزي والسوء , وكان دخولهم فيها مقرونا بخلودهم سببا لنحو أن ~~يقال : فهي مثواكم , تسبب عنه قوله : { فبئس مثوى } دون أن يقال : مدخل { ~~المتكبرين * } أي موضع إقامتهم المحكوم بلزومهم إياه لكونهم تعاطوا ما ليس ~~لهم , ولا ينبغي أن يكون إلا الله يقول الله تعالى : ( الكبرياء ردائي ~~والعظمة إزاري فمن نازعنيهما قصمته ) ولم يؤكد جملة { بئس } هنا لأن ~~مقاولتهم هذه بنيت على تجدد علمهم في الآخرة بأحوال النار , وأحوال ما ~~سببها ms4472 , والتأكيد يكون للمنكر ومن في عداده , وحال كل منهما مناف للعلم , ~~وزاد ذلك حسنا أن أصل الكرم من الأعلم للسر الذي تقدم - ثلى الله عليه وسلم ~~فبعد جدا من التأكيد . | ولما كان هذا في الجزاء أعظم الشماتة بهم , فكان ~~فيهم أعظم التسلية لما جادلوه وتكبروا عليه , سبب عنه قوله : { فاصبر } أي ~~ارتقابا فيهم أعظم التسلية لمن جادلوه وتكبروا عليه , سبب عنه قوله : { ~~فاصبر } أي ارتقابا لهذه النصرة , ثم علل بقوله مؤكدا لأجل تكذبيهم بالوعد ~~: { إن وعد الله } أي الجامع لصفات الكمال { حق } أي في نصرتك في الدارين ~~فلا بد من وقوعه , وفيه أعظم تأسية لك ولذلك سبب عنه مع صرف القول إلى ما ~~يأتي الاعتراض إشارة إلى أنه لا يسأل عما يفعل , قوله تعالى : { فإما نرينك ~~} وأكده ب ( ما ) والنون ومظهر العظمة لأنكارهم لنصرته عليهم ولبعثهم { بعض ~~الذي نعدهم } أي بما لنا من العظمة مما يسرك فيهم من عذاب أو متاب قبل ~~وفاتك , فذاك إلينا وهو علينا هين . | PageV06P539 ولما ذكر فعل الشرط وحذف ~~جوابه للعلم به , عطف عليه قوله : { أو نتوفينك } أي قبل أن ترى ذلك فيهم ~~وأجاب هذا المعطوف بقوله : { فإلينا } أي بما لنا من العظمة { يرجعون * } ~~أي معي في الدنيا فتريهم بعد وفاتك من نصر أصحابك عليهم بما تسرك به في ~~برزخك فإنه لا بقاء لجولة باطلهم , وحسا في القيامة فنريك فيهم فوق ما تؤمل ~~من النصرة المتضمنة لتصديقك وتكذيبهم , وإكرامك وإهانتهم , والآية من ~~الاحتباك : ذكر الوفاة ثانيا دللاي على حذفها أولا , والرؤية أولا دليلا ~~على حذفها ثانيا . | < < # | غافر : ( 78 - 80 ) ولقد أرسلنا رسلا . . . . . # > > ^ ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص ~~عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جآء أمر الله قضي ~~بالحق وخسر هنالك المبطلون * الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها ~~تأكلون * ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك ~~تحملون ) ^ } ) | ولما قسم له الله سبحانه الحال إلى إصابتهم أو وفاته صلى ms4473 ~~الله عليه وسلم , وكان قد بقي مما هو أقر لعينه وأشفى لصدره أن يريهم في ~~حياته آية تلجئهم إلى الإيمان , وتحملهم على الموافقة والإذعان , فيزول ~~النزاع بحسن الاتباع , كما وقع لقوم يونس عليه الصلاة والسلام , قال عاطفا ~~على ما تقديره في تعليل الأمر بالصبر , فلقد أرسالناك إليهم ولننفذن أمرنا ~~فيهم , وأما أنت فما عليك إلا البلاغ : { ولقد أرسلنا } أي على ما لنا من ~~العظمة { رسلا } أي بكثرة . | ولما كان الإرسال إنما هو في بعض الزمان ~~الماضي وإن كان بلوغ رسالة كل لمن بعده موجبة لانسحاب حكم رسالته إلى مجيء ~~الرسول الذي يقفوه , أثبت الجار لإرادة الحقيقة فقال : { من قبلك } أي إلى ~~أممهم ليبلغوا عنا ما أمرناهم به : { منهم من قصصنا } أي بما لنا من ~~الإحاطة { عليك } أي أخبارهم وأخبار أممهم { ومنهم من لم نقصص } وإن كان ~~لنا العلم التام والقدرة الكاملة { عليك } لا أخبارهم ولا أخبار أممهم ولا ~~ذكرناهم لك بأسمائهم { وما } أي أرسلناهم والحال أنه ما { كان لرسول } أصلا ~~{ أن يأتي بآية } أي ملجئة أو غير ذلك مما يجادل فيه قومه أو يسلمون ~~استعجالا لاتباع قومه له , أو اقتراحا من قومه عليه أو غير ذلك مما يجادل ~~فيه قومه أو يسلمون له أو ينقادون , وصرف الكلام عن المظهر المشير إلى ~~القهر إلى ما فيه - مع الإهانة - الإكرام فقال : { إلا بإذن الله } أي ~~بأمره وتمكينه , فإن له الإحاطة بكل شيء , فلا يخرج شيء عن أمره , فإن لم ~~يأذن في ذلك رضوا وسلموا وصبروا واحتبسوا , وإن أذن في شيء من ذلك من عذاب ~~أو آية ملجئة أو غير ذلك جاءهم ما أذن فيه { فإذا جاء } وزاد PageV06P540 ~~الأمر عظما لمزيد الخوف والرجاء بالإظهار دون الإضمار فقال : { أمر الله } ~~أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما , وأمره ما توعد به من العذاب عند العناد بعد ~~الإجابة إلى المقترح , ومن القيامة وما فيها , وتكرير الاسم الأعظم لتعظيم ~~المقام باستحضار ما له من صفات الجلال والإكرام , ولثبات ما أراد ولزومه ~~عبر عنه بالقضاء , فقال مشعرا بصيغة ms4474 المفعول بغاية السهولة : { قضي } أي ~~بأمره على أيسر وجه وأسلهه { بالحق } أي الأمر الثابت الذي تقدم الوعد به ~~وحكم بثبوته من إهلاك ناس وإنجاء آخرين أو إيمان قوم وكفر آخرين - وهذا كله ~~هو الذي أجرى سبحانه سنته القديمة بثبوته , واما الفضل من الإمهال والتطول ~~بالنعم فإنما هو قبل الإجابة إلى المقترحات , والدليل على أن هذا من مراد ~~الآية ما يأتي من قوله : { فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا } وما ~~أشبهه { وخسر } أي هلك أو تحقق وتبين بالمشاهدة أنه خسر { هنالك } أي في ~~ذلك الوقت العظيم بعظمة ما أنزلنا فيه , ظرف مكان استعير للزمان إيذانا ~~بغاية الثبات والتمكن في الخسارة تمكن الجالس { المبطلون * } أي المنسوبون ~~إلى إيثار الباطل على الحق , إما باقتراح الآيات مع إيتانهم بما يغنيهم ~~عنها وتسميتهم له سحرا أو بغير ذلك , إما بتيسرهم على الرجوع عما هم فيه من ~~العناد من غير إذعان وإما الهلاك , وإما بإدحاض الحجج والحكم عليهم بالغلب ~~ثم النار ولو بعد حين , ومن هذه الآية أخذ سبحانه في رد مقطع السورة على ~~مطلعها , فهذه الآية ناظرة إلى قوله تعالى { وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه } ~~{ وما كان لرسول أن يأتي بآية } إلى { وجادلوا بالباطل } و { أفلم يسيروا ~~في الأرض } إلى { فأخذتهم فكيف كان عقاب } وهذا وما بعده مما اشتمل عليه من ~~الحكمة والقدرة إلى الثلاث الآيات الأول . | ولما كان المبطلون ليسوا أشد ~~ولا أقوى من بعض الحيوانات العجم , دل على ما أخبر به من نافذ نصرته فيهم ~~بقوله مذكرا لهم نعمته مستعطفا إلى طاعته دالا على التوحيد بعد تليينهم ~~بالوعيد مظهرا الاسم الجامع إشارة إلى أن هذه الآية من الدلالات لا يحصى : ~~{ الله } أي الملك الأعظم { الذي جعل لكم } لا غيره { الأنعام } أي الأزواج ~~الثمانية بالتذليل والتسخير { لتركبوا منها } وهي الإبل مع قوتها ونفرتها , ~~والتعبير باللام في الركوب مطلقا ثم فيه مقيدا ببلوغ الأماكن الشاسعة إشارة ~~إلى أن ذلك هو المقصود منها بالذات , وهو الذي اقتضى تركيبها على ما هي ~~عليه , فنشأ منه بقية ms4475 المنافع فكانت تابعة . | ولما كان الاقتيات منها - في ~~عظيم نفعه وكثرته وشهوته - بحيث لا يناسبه غيره , عد الغير عدما فقال تعالى ~~: { منها } أي من الأنعام كلها { تأكلون * } بتقديم الجار . | PageV06P541 ~~ولما كان التصرف فيها غير منضبط , أجمله بقوله : { ولكم فيها } أي كلها { ~~منافع } أي كثيرة بغير ذلك في الدر والوبر والصوف وغيرها . | ولما كان ~~سوقها وبلوغ الأماكن الشاسعة عليها في أقرب مدة لنيل الأمور الهائلة عظيم ~~الجدوى جدا , نبه على عظمته بقطعه عما قبله بإجمال المنافع ثم تفصيله منه ~~فقال : { ولتبلغوا } أي مستعلين { عليها } وهي في غاية الذل والطواعية , ~~ونبههم على نقصهم وعظيم نعمته عليهم بقوله : { حاجة } أي جنس الحاجة . | ~~ولما كان في مقام التعظيم لنعمه لأن من سياق الامتنان وإظهار القدرة وحدها ~~وجمع ما تضمر فيه فقال : { في صدوركم } إشارة إلى أن حاجة واحدة ضاقت عنها ~~قلوب الجميع حنى فاضت منها فملأت مساكنها . | ولما كان الحمل يكون مع مطلق ~~الاستعلاء سواء كان على أعلى الشيء أولا بخلاف الركوب , قال معبرا بأداة ~~الاستعلاء فيها وفي الفلك غير سفينة نوح عليه الصلاة والسلام , فإنهاكانت ~~مغطاة كما حكي فكانوا في بطنها لا على ظهرها : { وعيلها } أي في البر { ~~وعلى الفلك } أي في البحر { تحملون * } أي تحمل لكم أمتعتكم فإن حمل ~~الإنسان نفسه تقدم بالركوب . | وأشار بالنباء للمفعول أنه سخر ذلك تسخيرا ~~عظيما لا يحتاج معه إلى علاج في نفس الحمل . | < < # | غافر : ( 81 - 85 ) ويريكم آياته فأي . . . . . # > > ^ ( ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون * أفلم يسيروا في الأرض ~~فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في ~~الأرض فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون * فلما جآءتهم رسلهم بالبينات فرحوا ~~بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * فلما رأوا بأسنا قالوا ~~آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون ) ^ } ) | ~~ولما كانت هذه آية عظيمة جعلها سبحانه مشتملة على آيات كثيرة , عبر ms4476 فيها ~~بالماضي وعطف بالمضارع تنبيها على ما تقديره : فأراكم هذه الآيات البينات ~~منها , قوله : { ويريكم } أي في لحظة { آياته } أي الكثيرة الكبيرة فيها ~~وفي غيرها من أنفكسم ومن الآفاق , ودل على كثرة الآيات وعظمتها بإسقاط تاء ~~التأنيث كما هو المستفيض في غير النداء بإظهار الاسم الأعظم في قوله : { ~~فأي آيات الله } أي المحيط بصفات الكمال { تنكرون * } حتى تتوجه لكم ~~المجادلة في آياته التي من أوضحها البعث . | ولما وصل الأمر إلى حد من ~~الوضوح لا يخفى على أحد , تسبب عنه لفت الخطاب عنهم دلالة على الغضب الموجب ~~للعقاب المقتضي للرهيب فقال : { أفلم PageV06P542 يسيروا } أي هؤلاء الذين ~~هم أضل من الأنعام { في الأرض } أي أرض كانت , سير اعتبار { فينظروا } نظر ~~ادكار فيما سلكوه من سلبها ونواحيها , ونبه زيادة العظمة فيما حثهم على ~~النظر فيه بسوقه مساق الاستفهام تنبيها على خروجه عن أمثاله , ومباينته ~~لأشكاله , بقوله : { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { الذين } ولما كانوا لا ~~يقدرون على استغراق نظر جميع الأرض وآثار جميع أهلها , نبه بالجار على ما ~~تيسر فقال تعالى : { من قبلهم } أي مع قرب الزمان والمكان , لوما كانوا ~~معتمدين في مغالبة الرسول صلى الله عليه وسلم ومجادلته بالباطل في الآيات ~~الظاهرة على كثرتهم وقوتهم وقلة أصحابه مع ضعفهم , وكان قد تقدم الإنكار ~~عليهم في المجادلة لإدحاض الحق , وعظيم النكير عليهم بعدم النظر عن المسير ~~في الأرض بأعين الاعتبار في الآثار , من المساكن والديار , لمن مضى من ~~الأشرار , وأثبت لهم الأشدية وأنها لم تغن عنهم , وذكر فرعون وما كان له من ~~المكنة بالمال والرجال , وأنه أخذه أخذة صارت مثلا من الأمثال , وكان قد ~~بقي مما قد يتعلل به في المبالغة الكثرة , ذكرها مضمومة إلى الشدة تأكيدا ~~لمضمون الخبر في أنه لا أمر لأحد مع أمره , فقال مستانفا جوابا لمن يقول : ~~ما كانت عاقبتهم ؟ فقال : { كانوا أكثر منهم } أي عددا أضعافا مضاعفة ولا ~~سيما قوم نوح عليه الصلاة والسلام : { وأرشد قوة } في الأبدان كقوم هود ~~عليه الصلاة والسلام الذين قالزا كما يأتي ms4477 في التي بعدها < # > 77 ( { من أشد منا قوة } ) 77 < # > [ فصلت : 15 ] { وآثارا في الأرض } بنحت البيوت في الجبال , بقوة ~~أبدانهم وعظم عقولهم واحتيالهم وما تبوا من المصانع لنجاتهم حين جاءهم ~~أمرنا بل كانوا كأمس الذاهب . | ولما أخبر عن كثرتهم وقوتهم وآثارهم الدالة ~~على مكنتهم , سبب عنه شرح حالهم , الذي أدى إلى هلاكهم واغتيالهم , فقال ~~مبينا لما أغنى : { فلما جاءتهم رسلهم } أي الذين أرسلناهم إليهم وهم منهم ~~يعرفون صدقهم وأمانتهم { بالبينات } أي الدالة على صدقهم لا محالة { فرحوا ~~} أي القوم الموصوفون { بما عندهم من العلم } الذي أثروا به تلك الآثار في ~~الأرض من إنباط المياه وجر الأثقال وهندسة الأبنية ومعرفة الأقاليم وإرصاد ~~الكواكب لأجل معرفة أحوال المعاش , وغير ذلك من ظواهر العلوم المؤدية إلى ~~التفاخر والتعاظم والتكاثر وقوفا مع الوهم , وتقييدا بالحاضر من الرسم من ~~علم ظاهر PageV06P543 الحياة الدنيا وقناعة بالفاني كما قال التي قبلها < # > 77 ( { ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم } ) 77 < # > [ الزمر : 49 ] وكما قال قارون لما قيل له { وأحسن كما أحسن الله إليك ~~} : ( قال ) : { إنما أوتيته على علم عندي } وفرحهم به لأداهم إلى التوسع ~~في الدنيا والتلذذ بما واستهزوا بما اتتهم به الرسل من علم الباطن الداعي ~~إلى الإعراض عن الفاني والإقبال على الباقي والخوف مما بعد الموت من الأمور ~~الغائبة والأهوال الآتية والكوائن العظيمة المستورة بحجاب هذه الحياة ~~الدنيا الواهي , على ما فيها من الذوات والمعاني والأحوال والأوجال ~~والدواهي , والذي حركهم إلى الفرح بما عندهم هو ما هم فيه من الزهرة مع ما ~~يرون من تقلل الرسل وأتباعهم من الدنيا , وإسراع المصائب إليهم , وكثرة ما ~~يعانونه من الهموم والأنكاد , ويكابدونه من الأنداد والأضداد , فاشتد ~~استهزاؤهم بهم وبما أتوا به من بعدهم ذلك محالا وباطلا وضلالا , وكانوا لا ~~ينفكون من فعل الفرح الأشر البطر بالتضاحك والتمايل كما قال الله تعالى { ~~فلما جاءهم إذا هم منها يضحكون } ونصبوا للرسل واتباعهم المكايد , وأحاطوا ~~بهم المكر والغوايل , وهموا بأخذهم فأنجينا رسلنا ومن آمن بهم منهم ~~وأتيناهم بما ms4478 أزال فرحهم , وأطال غمهم وترحهم { وحاق } أي أحاط على وجه ~~الشدة { بهم بما كانوا } أي عادة مستمرة . | ولما كان استهزائهم بالحق ~~عظيما جدا , عد استهزائهم بغيرة عدما , وأشار إلى ذلك بتقديم الجال فقال : ~~{ به يستهزؤون * } من الوعيد الذي كانوا قاطعين ببطلانه فعلم قطعا أنه إنما ~~يفرح من العلم بما تضمن النجاة والسعادة الأبدية على أن سوق الكلام هكذا ~~مليء بالاستهزاء بهم والتهكم عليهم لأنهم نصبوا العالم المطيق المنطيق الذي ~~إذا غلب خصمه فأسكته وألقمه الحجر فأخرسه وأفحمه بواضح الحجة وقويم المحجة ~~ظهر عليه السرور وغلبه الفرح فإن عاند خصمه ووقف مع وهمه استهزأ به وتضاحك ~~منه - هذا مع ما عنده من عمايات الجهل التي لا يكفرون على إنكارها بدليل ~~اعتراف هؤلاء الذين أرسل إليهم هذا النبي الكريم أن أهل الكتاب أعلم منهم , ~~فكانوا يوجهون ركابهم إلى اليهود يسألونهم عن أمرهم وأمره على أنه قد أتاهم ~~بما يعلي به قدرهم على أهل الكتاب , ويجعلهم المخصوصين بالسيادة على مر ~~الأحقاب , وهم يأبون بمجادلتهم بالباطل إلا سفولا وإعراضا عن الصواب , ~~وعدولا ونكوصا ونكولا , والآية مرشدة إلى أنه لا يتعلم إلا من ظن من نفسه ~~القصور , ولهذا كل أقبل شيء للعلم الصغار , والآية من الاحتباك : إثبات ~~الفرح أولا دليل عل حذف ضده ثانيا , وإثبات الاستهزاء ثانيا دليل على حذف ~~مثله أولا . | ولما كانت هذه السورة في بيان العزة التي هي نتيجة كمال ~~العلم وشمول القدرة , PageV06P544 وكان عظم العزة بحسب عظمة المأخوذ بها ~~المعاند لها , كرر ذكر المجادلة في هذه السورة تكريرا أذن بذلك فقال في ~~أولها { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } ثم دل على أنهم مأخوذون ~~من غير أن يغني عنهم جدالهم الذي أنتجه ضلالهم , وعلى توابع ذلك ترغيبا ~~وترهيبا إلى أن قال { هو الذي يريكم آياته } وذكر بعض ما اشتد إلفهم له حتى ~~سقطت غرابته عندهم , فنبههم على ما فيه ليكفهم عن الجدال ويغتنوا به على ~~اقتراح غيره , ثم ذكر قصة موسى عليه الصلاة والسلام مذكرا لهم ما حصل من ms4479 ~~تعذيب المكذبين المجادلين بعد وقوع ما اقترحوا من الآيات بقولهم { فائت ~~بآية إن كنت من الصادقين } ومضى يذكر وينذر ويحذر في تلك الأساليب التي هي ~~أمضى من السيوف , وأجلى من الشموس في الصحو دون الكسوف , حتى قال { الذين ~~يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا ~~} ثم شرع في إتمام قصة موسى عليه السلام إلى ان قال { إن الذين يجادلون في ~~آيات الله بغير سلطان أتاهم لشدة الإلف وضوحها جدال المجادل , وضلال ~~المماحك المماحل , لولا أنه قد أخرجتها شدة الألف لها من حيز الغرابة من ~~خلق الخافقين وتكوير الملوين , وبسط الأرض ورفع السماء وتصوير الإنسان وما ~~فيه من عظيم الشأن , فكشفت ستورها , وبين دلالتها وظهورها , ولفت الكلام ~~إلى تهديد المجادلين بقوله منكرا عليهم { ألم تر إلى الذين يجادلون خصمه ~~بما هو من حججه كالشمس نورا وطلعة وظهورا أنكر بالاستفهام الذي هو أمر من ~~وقع السهام . | فلما ثبت بذلك عنادهم وغلظتهم وقوتهم في لددهم واشتدادهم , ~~بين جهلهم بذلهم عند ما أحكموا عقده من شرهم , فقال مبينا لما أجمل من ~~الحيق مسببا عنه لافتا القول إلى مظهر العظمة ترهيبا : { فلما رأوا } أي ~~عاينوا { بأسنا } أي عذابنا الشديد على ما له مجامع العظمة , ومعاقد العز ~~ونفوذ الكلمة , كما ظهر لنا في هذا البأس من غير إشكال ولا إلباس , وأكدوا ~~ذلك نافين لما كانوا فيه من الشرك : بقولهم { وحده } ودل على إنحلال عراهم ~~ووهي قواهم بزيادة التصريح في قولهم : { وكفرنا بما كنا } أي جبلة وطبعا { ~~به مشركين * } لأنا علمنا أنه لا يغني من دون الله شيء . | < < # | غافر : ( 81 - 85 ) ويريكم آياته فأي . . . . . # > > ^ ( فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في ~~عباده وخسر هنالك الكافرون ) ^ } ) PageV06P545 | ولما كان الكفر بالغيب ~~سببا لعدم قبول الإيمان عند الشهادة قال : { فلم يك } أي لم يصح ولم يقبل ~~بوجه من الوجوه لأنهع لا كون يساعد على ذلك ولا بأدنى درجات الكون ، فأشار ~~بكان إلى أن هذا أمر مستقر وشأن ms4480 مستمر لكل أمة ليس خاصا بالمحدث عنهم ومن ~~مضى قبلهم وبحذف لام الكلمة إلى أنهم أمعنوا في الترقق بتقرير الإيمان ~~وتكريره وتسريحه ، والوقت ضيق والمجال حصير ، وقد أزفت الآزفة ، ليس لها من ~~دون الله كاشفة ، فلم يكونوا لفوات الوقت موفين بما طلب منهم { ينفعهم ~~إيمانهم } أي يتجد لهم نفعة بعد ذلك لأنه إيمان إلجاء واضطرار لا إيمان ~~طواعية واختيار { لما رأوا } وأظهر موضع الإضمار زيادة في الترهيب ، فقال : ~~{ بأسنا } لأن الإيمان لا يتحقق ولا يتصور إلا مع الغيب ، وأما عند الشهادة ~~فقد كشفت سريرته على أنه قد فاتت حقيقته وصثورته ، فلو ردوا لعادوا ، ولو ~~أتاهم بعد ذلك العذاب لانقادوا ، ولهذا السر قال تعالى صارفا القول إلى ~~الاسم المقتضي لمزج الحكمة بالعظمة : { سنت الله } أي سن الملك الأعظم ~~المحيط علما وقدرة ذلك ف يكل دهر سنة ، ولذا قال { التي قد خلت في عباده } ~~أن الإيمان بعد كشف الغطاء لا يقبل ، وكل أمة كذبت الرسل أهلكت ، وكل من ~~أجيب إلى الإيمان المقترحة فلم يؤمن عذب ، سنها سنة وأمضاها عزمة ، فلا غير ~~لها ، فربح إذ ذاك المؤمنون { وخسر } أي هلك أو تحقق وتبين أنه خسر . ولما ~~كان المكان لا ينفك عن الزمان ، استعير ظرفه له وليدل على غاية التمكن فقيل ~~: { هنالك } أي في ذلك الوقت العظيم الشأن بما كان فيه وكان { الكافرون } ~~أي العريفون في هذا الوصف فلا انفكاك بينهم وبينه ، وقد التف آخرها بما بين ~~من كمال العزة وتمام القدرة وشمول العلم مما رتب من أسباب الهداية والإضلال ~~ووالإشقاء والإسعاد والنجاة والإهلاك بأولها أي التفاف ، واكتنفت البداية ~~والنهاية بيان ذلك مع ما اشتمل عليه الوسط أيضا منه أعظم اكتناف ، فسبحان ~~من هذا إنزاله ، وتبارك اسمه وجل جلاله ، ولا إله سواه ولا حوةل ولا قوة ~~إلا بالله ، رب سهل كريم . PageV06P546 < # > سورة فصلت < # > < < # | فصلت : ( 1 - 6 ) حم # > > ^ ( حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم ~~يعلمون * بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون * وقالوا قلوبنا في أكنة ~~مما تدعونا إليه وفي ms4481 آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون * ~~قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه ~~واستغفروه وويل للمشركين ) ^ } ) | سورة فصلت مكية - آياتها أربع وخمسون ~~وتسمى حم السجدة مقصودها الإعلام بأن العلم إنما هو ما اختاره المحيط بكل ~~شيء قدره وعلما من علمه لعباده فشرعه , لهم , فجاءتهم به عنه رسله , وذلك ~~العلم هو الحامل على الإيمان بالله والاستقامة على طاعته المقترن بهما - ~~كما تقدم في الزمر في قوله ^ ( { هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ~~) ^ [ آية : 9 ] فتكون عاقبته الكشف الكلي حين يكون سبحانه سمع العالم الذي ~~يسمع به , ( بصره الذي يبصر به , ويده التي يبطش بها , ورجله التي يمشي بها ~~) - إلى آخر الحديث القدسي الذي معناه أنه يوفقه سبحانه فلا يفعل إلا ما ~~يرضيه , وعلى ذلك دل اسمها { فصلت } بالإشارة إلى ما في الآية المذكورة ~~فيها هذه الكلمة من الكتاب المفصل لقوم يعلمون . | والسجدة بالإشارة إلى ما ~~في آيتها من الطاعة له بالسجود الذي هو أقرب مقرب من الملك الديان , ~~والتسبيح الذي هو المدخل الأول للإيمان { بسم الله } الذي لم يرض لإحاطته ~~بأوصاف الكمال من جلال الكتاب إلا ما اقترن بجمال العمل { الرحمن } الذي ~~وسع كل شيء رحمة وعلما ففصل الكتاب تفصيلا وبينه غاية البيان { الرحيم } ~~الذي خص العلماء العاملين بسماع الدعوة ونفوذ الكلمة { حم * } أي حكمة محمد ~~التي أعجزت الخلائق . | PageV06P547 ولما ختمت غافر الكفرة جادلوا في آيات ~~الله بالباطل , وفرحوا بما عندهم من علم ظاهر الحياة الدنيا , وأنهم عند ~~البأس انسلخوا عنه وتبرؤوا منه ورجعوا إلى ما جاءت به الرسل فلم يقبل منهم ~~, فعلم أن كل علم لم ينفع عند الشدة والبأس فليس بعلم , بل الجهل خير منه , ~~وكان ذلك شاقا على النبي صلى الله عليه وسلم خوفا من أن يكون آخر أمر أمته ~~الهلاك , مع الإصرار على الكفر إلى مجيء البأس , وأن يكون أغلب أحواله صلى ~~الله عليه وسلم النذارة , افتتح سبحانه هذه السورة بأن هذا القرآن رحمة لمن ~~كان له ms4482 علم وله قوة توجب له القيام فيما ينفعه , وكرر الوصف بالرحمة في صفة ~~العموم وصفة الخصوص إشارة إلى أن أكثر الأمة مرحوم , وأعلم أن الكتاب فصل ~~تفصيلا وبين تبيينا لا يضره جدال مجال , وكيد مماحك مماحل , وأنه مغن بعجز ~~الخلق عنه عن اقتراح الآيات فقال مخبرا عن مبتدأ : { تنزيل } أي بحسب ~~التدريج عظيم { من الرحمن } أي الذي له الرحمة العامة للكافر والمؤمن ~~بإنزال الكتب وإرسال الرسل { الرحيم * } أي الذي يخص رحمته بالمؤمنين ~~بإلزامهم ما يرضيه عنهم . | ولما تشوف السامع إلى بيان هذا التنزيل المفرق ~~بالتدريج , بين أنه مع ذلك حاو لكل خير فقال مبدلا من تنزيل : { كتاب } أي ~~جامع قاطع غالب . | ولما كان الجمع ربما أدى إلى اللبس قال : { فصلت } أي ~~تفصيل الجوهر { آياته } أي بينت بيانا شافيا في اللفظ والمعنى مع كونها ~~مفصلة إلى أنواع من المعاني , وإلى مقاطع وغايات ترقى جلائل المعاني إلى ~~أعلى النهايات , حال كونه { قرآنا } أي جامعا مع التفصيل , وهو مع الجمع ~~محفوظ بما تؤديه مادة ( قرا ) من معنى الإمساك , وهو مع جمع اللفظ وضبطه ~~وحفظه وربطه منشور اللواء منتشر المعاني لا إلى حد , ولا نهاية وعد , بل ~~كلما دقق النظر جل المفهوم , ولذلك قال تعالى : { عربيا } لأن لسان العرب ~~أوسع الألسن ساحة , وأعمقها عمقا وأغمرها باحة , وأرفعها بناء وأفصحها لفظا ~~, وأبينها معنى وأجلها في النفوس وقعا , قال الحرالي : وهو قرأن لجمعه , ~~فرقان لتفصيله , ذكر لتنبيهه على ما في الفطر والجبلات , وجوده حكيم ~~لإنبائه الاقتضاءات الحكمية , مجيد لإقامته قسطاس العدل , عربي لبيانه عم ~~كل شيء , كما قال تعالى في سوره أحسن القصص , وتفصيل كل شيء مبين لمحوه ~~الكفر بما أبان من إحاطة أمر الله , محفوظ لإحاطته حيث لم يختص فيقبل ~~العدول عن سنن . | ولما كان لا يظهر إلا لمن له قابلية ذلك , وأدمن اللزوم ~~ذلا للأعتاب , والقرع خضوعا وحبا للأبواب , قال معلقا ب ( فصلت أو تنزيل ) ~~أو ( الرحمن الرحيم ) : { لقوم } أي ناس فيهم قوة الإدراك لما يحاولونه { ~~يعملون * } أي فيهم قابلية العلم وتجدد الفهم PageV06P548 بما ms4483 فيهم من ~~سلامة الطبع وسلاسة الانقياد لبراهين العقل والسمع وحدة الأذهان وفصاحة ~~اللسان وصحة الأفكار وبعد الأغوار , وفي هذا تبكيت لهم في كونهم لا ينظرون ~~محاسنه فيهتدوا بها كما يعتنون بالنظر في القصائد حتى يقضوا لبعضها على بعض ~~حتى أنهم ليعلقون بعضها على الكعبة المشرفة تشريفا له , وفيه حث لهم - وهم ~~أولو العزائم الكبار - على العلم بع ليغتنوا عن سؤال اليهود , وفيه بشرى ~~بأنه تعالى يهب العرب بعد هذا الجهل علما كثيرا , وعن هذا الكفر إيمانا ~~عظيما كبيرا , وفي الآية إشارة إلى ذم المقترحين المشار إليهم آخر التي ~~قبلها بأنهم قد أتاهم ما أغناهم عنه من آيات هذا الكتاب الذي عجزوا عن ~~مباراته , ومناظرته ومجاراته وذلك في غاية الغرابة , لأنه كلام من جنس ~~كلامهم في كونه عربيا , وقد خالفت كلامهم وأسجاعهم , مع كونه ليس شعرا ولا ~~سجعا أصلا ولا هم من أنواع نثرهم , ولا من ضروب خطبهم , فعجزوا عن الإيتان ~~بشيء من مثله في مر الأحقاب وكر الدهور والأعضار , وكفى بذلك معجزة شديدة ~~الغرابة بمن ينيب . | وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير : لما تضمنت سورة ~~غافر بيان حال المعاندين وجاحدي الآيات , وأن ذلك ثمرة تكذيبهم وجدلهم , ~~وكان بناء السورة على هذا الغرض بدليل افتتاحها وختمها , ألا ترى قوله ~~تعالى < # > 77 ( { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا } ) 77 < # > [ غافر : 4 ] وتأنيس نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله < # > 77 ( { فلا يغررك تقبلهم في البلاد } ) 77 < # > [ غافر : 4 ] فقد تقدم ذلك من غيرهم فأعقبهم سوء العاقبة والأخذ الوبيل ~~{ كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه } ~~فعصمتهم واقية < # > 77 ( { أنا لننصر رسلنا } ) 77 < # > [ غافر : 51 ] وقال تعالى : < # > 77 ( { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب } ) 77 ~~< # > [ غافر : 5 ] أي رأيت ما حل بهم وقد بلغك خبرهم , فلا اعتبر هؤلاء بهم ~~< # > 77 ( { أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~كانوا هم أشد منهم قوة وإثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما ms4484 كان لهم من ~~الله من واق } ) 77 < # > [ غافر : 21 ] وإنما أخذهم بتكذيبهم الآيات { ذلك بأنهم كانت تأتيهم ~~رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله } ثم ذكر تعالى من حزب المكذبين فرعون ~~وهامان وقارون , وبسط القصة تنبيها على سوء عاقبة من عتند وجادل بالباطل ~~وكذب الآيات , ثم قال تعالى بعد آيات { إن الذين يجادلون في آيات الله بغير ~~سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } إذ الحول والقوة ليست ~~لهم < # > 77 ( { فاستعذ بالله } ) 77 < # > [ الأعراف : 300 ] من شرهم , فخلق غيرهم لة استبصروا أعظم من خلقهم < # > 77 ( { لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق PageV06P549 الناس } ) 77 < # > [ غافر : 57 [ وهو غير آمنين من الأخذ من كلا الخلقين < # > 77 ( { إنما نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء } ) 77 < # > [ سبأ : 9 ] ثم قال تعالى بعد هذا { ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات ~~الله أنى يصرفون } إن أمرهم لعجيب في صرفهم عن استيضاح الآيات بعد بيانها , ~~ثم ذكر تعالى سوء حالهم في العذاب الأخروي وواهي اعتذارهم بقولهم < # > 77 ( { ضلوا عنا بل لمن نكن ندعو من قبل شيئا } ) 77 < # > [ غافر : 74 ] ثم صبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله : < # > 77 ( { فاصبر إن وعد الله حق } ) 77 < # > [ الروم : 60 ] ثم أعاد تنبيههم فقال تعالى : { أفلم يسيروا في الأرض } ~~إلى ختم السورة , ولم يقع من هذا التنبيه الذي دارت عليه آي هذه السورة في ~~سورة الزمر شيء ولا من تكرار التحذير من تكذيب الآيات , فلما بينت على هذا ~~الغرض أعقبت بذكر الآية العظيمة التي تحديت بها العرب , وقامت بها حجة الله ~~سبحانه على الخلق , وكان قيله لهم : احذروا ما قدم لكم , فقد جاءكم محمد ~~صلى الله عليه وسلم بأوضح آية وأعظم برهان { تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب ~~فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا } وتضمنت هذه السورة ~~العظيمة من بيان عظيم الكتاب وجلالة قدره وكبير الرحمة به ما لا يوجد في ~~غيرها من أقرانها كما أنها في الفصاحة تبهر العقول بأول وهلة , فلا يمكن ms4485 ~~العربي الفصيح في شاهد برهان أدنى توقف , ولا يجول في وهمه إلى معارضة بعض ~~آيها أدنى تشوف , وأنه لكتاب عزيز { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد } { ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت ~~آياته أعجمي وعربي } فوبخهم سبحانه وتعالى وأدحض حجتهم وأرغم باطلهم وبكت ~~دعاويهم ثم قال { قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في اذانهم ~~وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد } { إنما يستجيب الذين يسمعون ~~} وقرعهم تعالى في ركيك جوابهم عن واضح حجته بقولهم { قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه وفي آذاننا وقر } وقولهم { لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه } ~~وهذه شهادة منهم على أنفسهم بالانقطاع عن معارضته , وتسجيلهم بقوة عارضته , ~~ثم فضحهم بقوله { قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به } - الآية , ~~وتحملت السورة مع هذا بيان هلاك من عاند وكذب ممن كان قبلهم وأشد قوة منهم ~~, وهم الذين قدم ذكرهم مجملا في سورة غافر في آيتي { أو لم يسيروا في الأرض ~~} { أفلم يسيروا } فقال تعالى مفصلا لبعض ذلك الإجمال { فإن أعرضوا فقل ~~أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } ثم قال { فأما عاد فاستكبروا في الأرض ~~بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة } ثم قال تعالى { فأرسلنا عليهم ريحا ~~صرصرا } الاية , ثم قال { وأما ثمود } فبين تعالى حالهم وأخذهم , فاعتضد ~~التحام السورتين , واتصال المقصدين - والله أعلم - انتهى . | PageV06P550 ~~ولما كان حال الإنسان إن مال إلى جانب الخوف الهلع أو إلى جانب الرجاء ~~البطر , فكان لا يصلحه إلا الاعتدال , بالتوسط الموصل إلى الكمال , بما ~~يكون لطبعه بمنزلة حفظ الصحة ودفع المرض لبدنه , قال واصفا ل ( قرآنا ) { ~~بشيرا } أي لمن اتبع { ونذيرا } أي لمن امتنع فانقطع . | روى أبو نعيم في ~~الحلية في تلاجمة إمامنا الشافعي رضي الله عنه وأرضاه أنه روي عن علي بن ~~أبي طالب كرم الله وجه أنه قال في خطبة له : وأعجب ما في الإنسان قلبه , ~~وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها إن ms4486 سنح له الرجاء ادلهمه الطمع , وإن ~~هاج به الطمع أهلكه الحرص , وإن ملكه اليأس قتله الأسف , وإن عرض له الغضب ~~اشتد به الغيظ , وإن سعد بالرضى نسي التحفظ , وإن ناله الخوف شغله الحزن , ~~وإن أصابته مصيبة قصمه الجزع , وإن أفاد مالا أطغاه الغنى , وإن عضته فاقة ~~شغله البلاء , وإن أجهده الجوع قعد به الضعف , فكل تقصير به مضر وكل إفراط ~~به مفسد . | ولما كانت عادتهم دوام الاحتياط في كل بشارة ونذارة بأمر دنيوي ~~, سبب عن هذا مخالفتهم لعادتهم في ترك الحزم بالجزم بالإعراض فقال : { ~~فأعرض أكثرهم } أي عن تجويز شيء من بشائره أو نذائره { فهم } لذلك { لا ~~يسمعون * } أي يفعلون فعل من لا يسمع فهم لا يقبلون شيئا مما دعا إليه وحث ~~عليه . | ولما أخبر عن إعراضهم , أخبر عن مباعدتهم فيه فقال : { وقالوا } ~~أي عند إعراضهم ممثلين لمباعدتهم في عدم قبولهم : { قلوبنا في أكنة } أي ~~أغشية محيطة بها , ولما كان السياق في الكهف للعظمة كان الأنسب له أداة ~~الاستعلاء فقال { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة } وعبروا هنا بالظرف إبعادا ~~لأن يسمعوا { مما } أي مبتدئة تلك الأغشية وناشئة من الأمر الذي { تدعونا } ~~أيها المخبر بأنه نبي { إليه } فلا سبيل له إلى الوصول إليها لنفيه أصلا . ~~| ولما كان القلب أفهم لما يرد إليه من جهة السمع قالوا : { وفي آذاننا } ~~التي هي أحد الطرق الموصلة إلى القلوب { وقر } أي ثقل قد أصمها عن سماعه { ~~ومن بيننا وبينك } أي مبتدئ من الحد الذي فصلك منا والحد الذي فصلنا منك في ~~منتصف المسافة قي ذلك { حجاب } ساتر كثيف , فنحن لا نراك لنفهم عنك ~~بالإشارة , فانسدت طرق الفهم لما نقول { فاعمل } أي بما تدين به . | ولما ~~كان تكرار الوعظ موضعا للرجاء في رجوع الموعوظ قطعوا ذلك الرجاء بالتأكيد ~~بأداته , وزادوه بالنون الثالثة والتعبير بالاسمية فقالوا : { إننا عاملون ~~* } أي بما ندين به فلا مواصلة بيينا بوجه ليستحي أحد منا من الآخر في عمله ~~أو يرجع إليه , ولو قال { وبيينا } من غير { من } لأفهم أن البينين بأسرهما ~~حجاب ms4487 , فكان كل من الفريقين ملاصقا لبينه , وهو نصف الفراغ الحاصل بينه ~~PageV06P551 وبين خصمه , فيكون حينئذ كل فريق محبوسا بحجابة لا يقدر على ~~عمل فينا في ما بعده أو يكون بينهما اتصال أقله بالإعلام بطرق من أراد من ~~المتباينين الحجاب , فأفادت ( من ) التبعيض مع إفادة الابتداء , فإنهم لا ~~يثبتون الحجاب في غير أمور الدين . | ولما أخبروا باعراضهم وعللوا بعدم ~~فهمهم بما يدعو إليه , أمره سبحانه بجواب يبين أنهم على محض العناد فقال : ~~{ قل } أي لهؤلاء الذين عجزوا عن رد شيء من أمرك بشيء يقبله ذو عقل فادعوا ~~ما ينادي عليهم بالعجز : { إنما أنا بشر مثلكم } لا غير بشر مما لا يرى , ~~والبشر يرى بعضه بعضا ويسمعه ويبصره فقولكم أنه لا وصول لكم إلى رؤيتي ولا ~~إدراك شيء مما أقول مما لا وجه له أصلا . | ولما كان ادعاؤهم لعدم المواصلة ~~بينهم قد تضمن شيئين : أحدهما فيه , والآخر فيما يدعو إليه , ونقض الأول , ~~قال في الثاني : { يوحى إلي } أي بطريق يخفى عليكم { إنما إلهكم } أي الذي ~~يستحق العبادة { إله واحد } لا غير واحد , وهذا مما دلت عليه الطرق النقلية ~~, وانعقد عليه الإجماع في أوقات الضرورات النفسانية , أي لست مغايرا للبشر ~~ممن يخفى عليكم شخصه كالملك , ولا يعجم عليهم مراده بصوته كسائر الحيوانات ~~, ومع كوني بشرا فلست بمغاير لكم في الصنف بكوني أعجميا , بل أنا مثلكم ~~سواء في كوني عربيا , ومع ذلك كله فأصل ما أوحي إلي ليس معبرا عنه بجمل ~~طوال تمل أو تنسى , أو يشكل فهمها , وإنما هو حرف واحد وهو التوحيد , فلا ~~عذر لكم أصلا في عدم فهمه ولا سماعه ولا رؤية قائله . | ولما قطع حجتهم ~~وأزال علتهم , سبب عن ذلك قوله : { فاستقيموا } أي اطلبوا واقصدوا وأوجدوا ~~القوام متوجهين وإن كان في غاية البعد عنكم { إليه } غير معرجين أصلا على ~~نوع شرك بشفيع ولا غيره . | ولما كان أعظم المراد من الوحي العلم والعمل , ~~وكان رأس العلم التوحيد فعرفه وأمر بالاستقامة فيه , أتبعه رأس العمل وهو ~~ما أنبأ عن الاعتراف بالعجز مع ms4488 الاجتهاد فقال : { واستغفروه } أي اطلبوا ~~منه غفران ذنوبكم , وهو محوها عينا وأثرا حتى لا تعاقبوا عليها ولا تعاتبوا ~~بالندم عليها , والإقلاع عنها حالا ومآلا . | واما أمر بالخير , رغب فيه ~~ووهب من ضده , فكان التقدير للترغيب : فالفلاح والفوز لمن فعل ذلك , فعطف ~~عليه ما السياق له فقال : { وويل } أي وسواة وهلاك { للمشركين * } . | < < # | فصلت : ( 7 - 12 ) الذين لا يؤتون . . . . . # > > ^ ( الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون * إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون * قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في ~~يومين PageV06P552 وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين * وجعل فيها رواسي من ~~فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين * ثم ~~استوى إلى السمآء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا ~~طآئعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سمآء أمرها وزينا السمآء ~~الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كانت العقول والشرائع ناطقة بأن خلاصة السعادة في أمرين : ~~التعظيم لأمر الله , والشفقة على خلق الله , وكان أفضل أبواب التعظيم لأمر ~~الله الإقرار بوحدانيته , فكان أخس الأعمال التي بين العبد وربه الإخلال ~~بذلك , وكان اخس الأعمال التي بين العبد وربه الإخلال بذلك , وكان أخس ~~الأعمال التي بين العبد وبين الخلق منع ما أوجه الله في الزكاة , وكان معنى ~~الشرك الحكم بأن ما لا شيء له أصلا وما لا يمكن أن يكون له ملك تام على شيء ~~أصلا قد شارك من له الكل خلقا وتصرفا فيما هو عليه من الملك التام الذي لا ~~شوب فيه , وكانت الزكاة إشراك من له ملك غير تام لمثله في جزء يسير من ماله ~~. | قال ذاما لمن أبى أن يشارك الخلائق وأشرك بالخالق : { الذين لا يؤتون } ~~أي أمثالهم من أولاد آدم { الزكاة } من المال الذي لا صنع لهم في خلقه , ~~فهو مخلف عن أبيهم آدم , فالقياس يقتضي اشتراكهم كلهم فيه على حد سواء , ~~ولكنا رحمناهم بتخصيص كل واحد منهم بما ملكت يمينه منه بطريقة , فقد ms4489 حكموا ~~في أمر ربهم بما لا يرضونه لأنفسهم , فإنهم أبوا أن يشركوا ببذل الزكاة بعض ~~أخوانهم في بعض مالهم الذي ملكهم له ضعيف , وأشركوا ما لا يملك شيئا أصلا ~~بما لا نفع مع المالك المطلق . | ولما كان مما تضمنه إشراكهم وإنكارهم ~~البعث أنهم أداهم شحهم إلى استغراقهم في الدنيا والأقبال بكلياتهم على ~~لذاتها , فأنكروا الآخرة , فصار محط حالهم أنهم أثبتوا لمن لا فعل أصلا ~~فعلا لا يمكنه تعاطيه بوجه , ونفوا عن الفاعل المختار الذي هم لأفعاله ~~الهائلة في كل وقت يشاهدون , وإليه في منافعهم ومضارهم يقصدون , ما أثبت ~~لنفسه من فعله , فقال مؤكدا تنبيها على أن إنكارهم هذا مما لا يكاد يصدق : ~~{ وهم بالآخرة } أي الحياة التي بعد هذه ولا بعد لها { هم } أي بخاصة من ~~بين أهل الملل { كافرون * } فاختصموا بإنكار شيء لم يوافقهم عليه أحد في حق ~~من يشاهدون في كل وقت من أفعاله أكثر من ذلك , وأثبتوا لمن لم يشاهددوا له ~~فعلا قط ما لا يمكنه فعله أصلا , وهم يدعون العقول الصحيحة والآراء المتينة ~~ورضوا لأنفسهم بالدناءة في منع الزكاة وحكموا بأعظم منها على الله وهم ~~يدعون مكارم الأخلاق ومعالي الهمم , فأقبح بهذه عقولا وأسفل بها همما فقد ~~تضمنت الآية أن الويل لمن اتصف بصفات ثلاثة : الشرك الذي هو ضد التعليم ~~لأمر الله , والامتناع من الزكاة الذي هو ضد الشفقة على PageV06P553 خلق ~~الله وإنكار القيامة المؤدي إلى الاستغراق فيما أبغض الله في طلب الدنيا ~~ولذاتها وهو من الاستهانة بأمر الله , قال الأصبهاني : وتمام الكلام في أنه ~~لا زيادة على هذه المراتب الثلاثة أن الإنسان له ثلاثة أيام : أمس واليوم ~~والغد , فمعرفة كيف ينبغي وقوع الأحوال في الاليوم الحاضر هو بالإحسان إلى ~~أهل العلم بقدر الطاقة , ومعرفة الأحوال في اليوم المستقبل بالإقرار بالبعث ~~والقيامة , فإذا كان الإنسان على ضد الحق في هذه المراتب الثلاثة كان في ~~نهاية الجهل والضلال . | ولما ذكر ما للجاهلين وعيدا وتحذيرا , ذكر ما ~~لأضدادهم وعدا وتبشيرا , فقال مجيبا لمن تشوف لذلك مؤكدا لإنكار من ms4490 ينكره : ~~{ إن الذين آمنوا } أي بما آتاهم الله من العلم النافع { وعملوا الصالحات } ~~من الزكاة وغيرها ليكون عملهم شرعيا نافعا , ولما كان افتتاح السورة ~~بالرحمن الرحيم مشعرا بأن الأسباب الظاهرية انمحت عند السبب الحقيقي الذي ~~هو رحمته , أعرى الخبر عن الفاء , فقال إيذانا بعظم الجزاء لأن سببه رحمة ~~الرحيم , ولو كان بالفاء لآذنت أنه على مقدار العمل الذي هو سببه : { لهم ~~أجر } أي عظيم { غير ممنون * } أي مقطوع - جزاء على سماحهم بالفاني اليسير ~~من أموالهم في الزكاة وغيرها وما أمر الله به من أقوالهم في الآخرة والدنيا ~~, والممنون : المقطوع من مننت الحبل أي قطعته بقطع مننه ومنه قولهم : قد ~~منه السفر أي قطعه وأذهب منته . | ولما ذكر سبحانه سفههم في كفرهم بالآخرة ~~, شرع في ذكر الأدلة على قدرته عليها وعلى كل ما يريد بخلق الأكوان وما ~~فيها الشامل لهم ولمعبوداتهم من الجمادات وغيرها الدال على أنه واحد لا ~~شريك له , فقال منكرا عليهم ومقررا بالوصف لأنهم كانوا عالمين بأصل الخلق : ~~{ قل } أي لمن أنكر الآخرة منكرا عليه بقولك : { أئنكم } وأكد لإنكارهم ~~التصريح بما يلزمهم من الكفر { لتكفرون } أي توجدون حقيقة الستر لأنوار ~~العقول الظاهرة { بالذي خلق الأرض } أي على سعتها وعظمتها من العدم { في ~~يومين } فتنكرون قدرته على إعادة ما خلقه منها ابتداء مع اعترافكم بأنه ~~ابتدأ خلقها وخلق ذلك منها , وهذا اليومان الأحد والاثنين - نقل هذا عن ابن ~~عباس رضي الله عنه ما وعبدالله بن سلام رضي الله عنه - قال ابن الجوزي : ~~والأكثرين , وحديث مسلم الذي تقدم في سورة البقرة < # > 77 ( { خلق الله التربة يوم السبت } ) 77 < # > يخالف هذا , فإن البداءة فيه PageV06P554 بيوم السبت وهو مصرح بأن خلق ~~الأرض وما فيها في ستة أيام كما هو ظاهر هذه الآية , ويجاب بأن المراد ~~بالخلق فيه إخراج أقواتها بالفعل , والمراد هنا تهيئتها لقبول ذلك , ويشكل ~~أيضا بأن الأيام إنما كانت بدوران الأفلاك , وإنما كان ذلك بعد تمام الخلق ~~بالفعل , فالظاهر أن المراد باليوم ما قاله الحرالي : مقدار ما يتم فيه أمر ms4491 ~~ظاهر أو مقدار يومين تعرفونها من أيام الدنيا . | ولما ذكر كفرهم بالبعث ~~وغيره , عطف على { تكفرون } قوله : { وتجعلون } أي مع هذا الكفر { له ~~أندادا } مما خلقه , فتثبتون له أفعالا وأقوالا مع أنكم لم تروا شيئا من ~~ذلك , فأنكرتم ما تعملون مثله وأكبر منه , وأثبتم ما لم تعملوه أصلا , هذا ~~هو الضلال المبين . | ولما بكتهم على قبيح معتقدهم , عظم ذلك بتعظيم شأنه ~~سبحانه فقال : { ذلك } أي الإله العظيم { رب العالمين * } أي موجدهم ~~ومربيهم , وذلك يدل قطعا على جميع ما له من صفات الكمال . | ولما ذكر ما هم ~~به مقرون من إبداعها , أتبعه ما جعل فيها من الغرائب , فقال عاطفا على ما ~~تقديره : أبدع الأرض على ما ذكر : { وجعل } ولا يجوز عطفه على صلة الموصول ~~للفصل بأجنبي { فيها رواسي } هي أشدها وهي الجبال , ونبه على أنها مخالفة ~~للرواسي في كونها تحت ما يراد إرساؤه فقال : { من فوقها } فمنعتها من الميد ~~, فعل ذلك لكونه أدل على القدرة , فإنها لو كانت من تحت لظن أنها , أساطين ~~حاملة , ولتظهر منافع الجبال بها أنفسها وبما فيها , ويشاهد أنها أثقال ~~مفتقرة إلى حامل . | ولما هيأها لما يراد منها , ذكر ما أودعها فقال : { ~~وبارك فيها } أي جعلها قابلة ميسرة للسير إليه والإقبال عليه , ودالة على ~~جميع صفاته الحسنى وأسمائه العلى وغير ذلك من المعارف والقدر والقوى { وقدر ~~فيها أقواتها } أي جعلها مع البركة على مقدار لا تتعداه , منهاج بديع دبره ~~في الأزل وارتضاه , وقدره فأمضاه , ومن ذلك أنه خص بعض البلاد بشيء لا يوجد ~~في غيرها لتنظيم عمارة الأرض كلها باحتياج بعضهم إلى بعض , فكان جميع ما ~~تقدم من إيداعها وإيداعها ما ذكر من متاعها , دفعة واحدة لا ينقص عن حاجة ~~المحتاجين أصلا , وإنما ينقص توصلهم أو توصل بعضهم إليه فلا يجد له حينئذ ~~ما يكفيه , وفي الأرض أضعاف كفايته , ثم ذكر فذلكة خلق الأرض وما فيها فقال ~~: { في أربعة أيام } وهذا العدد عن ضم اليومين الماضيين إلى يومي الأقوات ~~وهما الثلاثاء والأربعاء , أو يكون المعنى في تتمته ms4492 أربعة أيام , ولا يحمل ~~على الظاهر ليكون ستة لأنه سيأتي للسماوات يومان فكانت تكون ثمانية , ~~فتعارض آية { ألم السجدة } { لله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام } وفصل مقدار ما خلقها فيه ومقدار ما خص PageV06P555 الأقوات ~~والمنافع لأحاطة العلم بأنه يخص كل أمر من الأمرين يومان , ونص على الأولين ~~ليكون ذلك أدل على القدرة فيحسن موقع النعي عليهم بما فصل به الآيتين من ~~اتخاذ الأنداد , وإنما كان أدل على القدرة , لأنه إيجاد ذوات محسوسة من ~~العدم قائمة بأنفسها بخلاف البركة , وتقدير الأقوات فإنه أملا لا يقوم ~~بنفسه , فلم يفرد يوميه بالذكر , بل جعلهما تابعين كما أن ما قدر فيهما ~~تابع , ولم يفعل ذلك في أقل من لمح البصر مع تمام القدرة عليه , لأن هذا ~~أدل على الاختيار وأدخل في الابتلاء والاختيار , ليضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا , فيكون أعظم لأجورهم لأنه أدل على تسليمهم , وجعل مدة خلقها ضعف مدة ~~السماء مع كونها أصغر من السماء دلالة على أنها هي المقصودة بالذات لما ~~فيها من الثقلين , فزادت بما فيها من كثرة المنافع وتباين أصناف الأعراض ~~والجواهر لأن ذلك أدخل في المنة على سكانها , والاعتناء بشأنهم وشأنها , ~~وزادت أيضا بما فيها من الابتلاء بالتهيئة للمعاصي والمجاهدات والمعالجات ~~التي يتنافس فيها الملأ الأعلى ويتخاصم - كل ذلك دلالة على أن المدة ما هي ~~لأجل القدرة بل لأجل التنبيه على ما في المقدر من المقدور وعجائب الأمور , ~~وليعلم أيضا بخلق السماء التي هي أكبر جرما وأتقن جسما وأعظم زينة وأكثر ~~منافع بما لا يقايس في أقل من مدة خلق الأرض أن خلقها في تلك المدة ليس ~~للعجز عن إيجادها في أقل من اللمح , بل لحكم تعجز عن حملها العقول , ولعل ~~تخصيص السماء بقصر المدة دون العكس لإجراء أمرها على ما نتعارفه من أن بناء ~~السقف أخف من بناء البيت تنبيها على أنه بنى أمر دارنا هذه على الأسباب ~~تعليما للتأني وتدريبا على السكينة والبعد من العجلة . | ولما كان لفظ { ~~سواء } الذي هو بمعنى ms4493 العدل الذي لا يزيد عن النصف ولا ينقص يطلب اثنين , ~~تقول : سواء زيد وعمرو { إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } قال تعالى مزيلا لما ~~أوهمه قوله : { أربعة أيام } من أنها للأقوات والبركة ليكون مع يومين من ~~الأرض ستة , ناصبا على المصدر : { سواء } أي التوزيع إلى يومين ويومين على ~~السواء { للسائلين * } أي لمن سأل أو كان بحيث يسأل ويشتد بحثه بسؤال أو ~~نظر عن التوفيق بين ظاهر هذه الآية وبين غيرها , لا بد في كل يوم منها من ~~زيادة عن الذي قبله أو نقص , ومجموع الأربعة كأربعة من أيام الدنيا لا تزيد ~~عليها ولا تنقص , وقراءة يعقوب بجر ( سواء ) معينة لأن تكون نعتا ل ( أربعة ~~) وقراءة أبي جعفر بالرفع خبر لمبتدأ محذوف , وعن خلقها وتتميمها في أربعة ~~أيام كانت فصولها أربعة , قال ابن برجان : ألا PageV06P556 ترى الأمر إلى ~~السماء أولا في إنزال الماء فيخلقه فيما هنالك ثم ينزله إلى الأرض والنبات ~~والحيوان عن الماء الذي ينزل من السماء إلى الأرض بمنزلة النسل بين الذكر ~~والأنثى وبمنزلة تسخير السماء والأرض وما بينهما لما وجدنا له فافهم - أمر ~~قويم وحكمة شائعة آية قضاؤه بركات الأرض في أربعة أيام بواسطة ما قدر في ~~السماء من أمر وهي الأربعة الفصول من السنة . | الشتاء الربيع الصيف ~~والخريف , فهذه الأيام معلومة بالمشاهدة , فيهن يتم زرع الأرض وبركات ~~الدنيا وجميع ما يخرجه منها من فؤائد وعجائب , قال : وقوله ( السائلين ) ~~تعجيب وإغراب وتعظيم للمراد المعنى بالخطاب , وقد يكون معنى السواء زائدا ~~إلى ما تقدم أن بهذه الأربعة الأيام استوت السنة مطالعها ومغاربها وقربها ~~وبعدها وارتفاعها ونزولها في شمالي بروجها وجنوبيها باحكام ذلك كله وتوابعه ~~- انتهى . | ولما كانت السماوات أعظم من الأرض في ذاتها بنور أبنيتها ~~واتساعها وزينتها ودوران أفلاكها وارتفاعها , نبه على ذلك بالتعبير بأداة ~~التراخي , ولفظ الاستواء وحب الغاية الدال على عظيم العناية فقال : { ثم ~~استوى } أي قصد قصدا هو القصد منتهيا قصده { إلى السماء وهي } أي والحال ~~أنها { دخان } بعد ما فتقها من الأرض , قالوا : كان ذلك الدخان ms4494 بخار الماء ~~فهو مستعار من المرتفع من النار , وهو تشبيه صوري , فالسماء متقدمة في ~~الدخانية على الأرض , تقدم الذكر على الأنثى ثم خلقت ذات الرض وبعد تصوير ~~السماء أولا إيجادا وتتميما لتسوية السماء بعد أن كانت دخانا , ويومان ~~لتتميم المنافع فتداخلت الأعداد لتداخل الأفعال , { فقال لها } أي عقب ~~مقارنتين لما قدرته فيكما وأردته منكما من إخراج المنافع من المياه والنبات ~~والمعادن وغيرها , ووضع المصدر موضع الحال مبالغة فقال : { طوعا أو كرها } ~~أي طائعين أو كارهتين في إخراج ما أودعتكما من الأمانة في أوقاتها وعلى ما ~~ينبغي من مقاديرها وهيآتها طوع تسخير لا تكليف { قالتا أتينا } أي نحن وما ~~فينا ما بيننا . | ولما جعلهما موضع المخاطبة للتي هي للعقلاء والتكلم , ~~قال جامعا لهما باعتبار أفرادهما وما فيهما جمع من يعقل : { طائعين * } أي ~~في كل ما رسمته فينا لا نحمل من ذلك شيئا بل نبذله على ما أمرت به لا نغير ~~ولا نبدل , وذلك هو بذلهما للأمانة , وعدم حملها , وجمع الأمر لهما في ~~الإخبار لا يدل على جمعه في الزمان , بل قد يكون القول لهما متعاقبا { ~~فقضاهن } أي خلقهن وصنعهن حال كونهن معدودات { سبع سماوات } PageV06P557 ~~صنعا نافذا هو كالقضاء لا تخلف فيه { في يومين } أي الخميس والجمعة إذا حسب ~~مقدار ما يخصهن من التكوين في الستة الأيام التي كان فيها جحميع الخافقين , ~~وما بينهما كان بمقدار ما خص واحدا من الأرض ومن أقواتها لا يزيد على مدة ~~منهما ولا ينقص , فيكون الذي خصهما ثلث المجموع , قال ابن جرير : وإنما سمي ~~يوم الجمعة لأن الله تعالى جمع فيه خلق السماوات والأرض . | يعني فرغ من ~~ذلك وأتمه { وأوحى } أي ألقى بطريق خفي وحكم مبتوت قوي { في كل سماء أمرها ~~} أي الأمر الذي دبرها ودبر منافعها به على نظام محكم لا يختل , وزمام مبرم ~~لا ينحل . | ولما عم , خص ما للتي تلينا إشارة إلى تشريفنا , فقال صارفا ~~القول إلى مظهر العظمة تنبيها على ما في هذه الآية من العظم : { وزينا } أي ~~بما لنا من العظمة ms4495 { السماء الدنيا } أي القربى إليكم لأجلكم { بمصابيح } ~~من زواهر النجوم , وشفوفها عنها لا ينافي أن تكون في غيرها مما هو أعلى ~~منها , ودل السياق على أن المراد : زينة { و } حفظناها بها { حفظا } من ~~الشياطين , فالآية من الاحتباك : حذف فعل الحفظ بدلالة المصدر , ومصدر ~~الزينة بما دل عليه من فعلها . | ولما كان هذا أمرا باهرا , نبه على عظمته ~~بقوله صارفا الخطاب إلى صفتي العز والعلم إعلاما بأنهما أساس العظمة ~~ومدارها : { ذلك } أي الأمر الرفيع والشأن البديع { تقدير العزيز } الذي لا ~~يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء { العليم * } المحيط علما بكل شيء وكما قدر ~~سبحانه ذلك بعزته وعلمه قضى أنه لا يفيد العز الدائم إلا ما شرعه من العلم ~~, وفي ختمه بالوصفين بشارة للأمة التي خوطبت بهما أنه يوتيها من عزه وعلمه ~~لا سيما بالهبة وما شاكلها من الطبائع وغيرها ما لم يؤت أمه من الأمم قبلها ~~, وسر خلقه سبحانه العالم في مدة ولم يكن قي لمحة وجعلها ستة لا أقل ولا ~~أكثر أنه لو خلقه في لمحة لكان ذلك شبهة لمن يقول : إنه فاعل بالذات لا ~~بالاختيار , فاقتضى الحال عددا , ثم اقتضى الحال أن يكون ستة لأنها أول عدد ~~يدل على الكمال لأنها عدد تام كسورها لا تزيد عنها ولا تنقص , فآذن ذلك بأن ~~للفاعل نعوت الكمال وأوصاف التمام والتعال , ولم يخلقه فيما دون ذلك من ~~العدد لأنه ناقص , وخلق الأرض في يومين مكررين باعتبار الذات والمنافع ~~إيذانا بما يقع فيها من المعصية بالشرك الذي هو تثنية وإفك , ولم يكرر في ~~السماء لأن آياتها أدل على التوحيد ولم يحصل من أهلها ما يدل على الوعيد , ~~وليكون إيجادها في أقل من مدة الأرض - مع أنها أكبر جرما وأعجب صنعا وأتقن ~~جسما - أدل على الفعل بالاختيار بعجائب الحكم وغرائب الأسرار الكبار . | ~~PageV06P558 < < # | فصلت : ( 13 - 16 ) فإن أعرضوا فقل . . . . . # > > ^ ( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود * إذ جآءتهم ~~الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شآء ربنا ~~لأنزل ms4496 ملائكة فإنا بمآ أرسلتم به كافرون * فأما عاد فاستكبروا في الأرض ~~بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم ~~قوة وكانوا بآياتنا يجحدون * فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات ~~لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون ) ^ ~~} ) | ولما كان هذا القدر من العلم موجبا للانقياد لكل خير من الوحدانية ~~وغيرها , والإقبال على الحق في كل أمر , فكان المتمادي على إعراضه قبل ~~الوعظ به كأنه جدد إعراضا غير إرعراضه الأول , قال مفصلا بعض قوله { فأعرض ~~أكثرهم } : { فإن أعرضوا } أي استروا على إعراضهم , أو أعرض غيرهم عن قبول ~~ما جئتهم به من الذكر بعد هذا البيان الواضح في هذه الآيات التي دلت على ~~الوحدانية والعلم والقدرة وغيرها من صفات الكمال أتم دلالة { فقل } أي لهم ~~: إن لكم سلفا سلكتم طريقهم في العناد , فإن أبيتم إلا الإصرار ألحقناكم ~~بهم كأمثالهم وهو معنى { أنذرتكم صاعقة } , أي حلول صاعقة مهيأة لمن كشف له ~~الأمر فعاند , فإن وظيفة الحجة قد تمت على أكمل الوجوه , قال البغوي وابن ~~الجوزي : والصاعقة المهلكة من كل شيء - انتهى . | والحاصل أنه عذاب شديد ~~الوقع كأنه في شدة وقعه صاعقة . | ولما كان التخويف بما تسهل مشاهدة مثله ~~أوقع في النفس قال : { مثا صاعقة عاد وثمود * } أي الذين تنظرون ديارهم ~~وتستعظمون آثارهم , وعلل إيقاع ذلك بهم بقوله : { إذا } ويجوز أن يكون ظرفا ~~لصاعقة وظرفيته لا تنافي عليته أي حين { جاءتهم الرسل } لأن الزمان الطويل ~~يجوز نسبة ما وقع في جزء منه إليه , ولما كانت الرسل إنما أتت بالفعل في ~~بعض الزمان أدخل الجار فقال : { من بين أيديهم } أي من قبلهم لأن النذير ~~الأول نذير لكل من أتى بعده بأنه إن واقع ما واقعه أتاه ما عذب به { ومن ~~خلفهم } وهم من أتى إليهم لأنهم لم يكونوا يعلمون إيتانهم , فالخلف كناية ~~عن الخفاء , والقدام عن الجلاء , ولا شك أن الإنسان لما انقاد له من قبله ~~فسمعه منه أقبل مما رآه بعينه ms4497 , لأن النفس لا تنقاد لما خالفها إلا بعد ~~جدال وجهاد , فإذا تطاول الزمن وانقاد له الغير , سهل عليها الأمر , وخف ~~عليها الخطب , وأيضا الآتي إلى ناس إنما يأتيهم بعد وجودهم وبلوغهم حد ~~التكيف , فهو بهذا آت إليهم من ورائهم أي بعد وجودهم أو يكون ما بين الأيدي ~~هو من جاءهم لأنهم علموا بمجيئه علم من ينظر من قدامه , وما خلفهم ما غاب ~~عنهم ممن PageV06P559 تقدمهم , فلم تنقل إليهم أخبارهم إلا على وجوه تحتمل ~~الطعن , أو المعنى : أتاهم رسولهم الذي هو بإظهار المعجزة كجميع الرسل ~~بالوعظ من كل جانب يخفى عليهم أو يتضح لهم وأعمل فيهم كل حيلة بكل حجة حتى ~~لم يدع لهم شبهة , ثم بين أن مجيء الرسل ينفي عبادة غير الله وقصر العبادة ~~عليه , فقال مظهرا مع العبادة الاسم الذي هو أولى بها : { أن } أي بأن ~~قولوا لهم { لا تعبدوا إلا الله } أي الذي له جميع صفات الكمال . | ولما ~~كان هذا موضعا لتشوف السامع إلى خبرهم عند ذلك إجابة بقولهم : { قالوا } أي ~~كل منهم : { لو شاء ربنا } أي والذي ربانا أحسن تربية وجعلنا من خواصه بما ~~حبانا به من النعم أن يرسل إلينا رسولا { ملائكة } فأرسلهم إلبينا بما ~~يريده منا لكنه لم ينزل ملائكة فلم يشأ أن يرسل رسولا , فتسبب عما قالوه من ~~القياس الاستثنائي الذي استنتجوا فيه من نقيض تاليه نقيض مقدمه , لما جعلوا ~~بين المقدم والتالي من الملازمة بزعمهم قولهم : { فإنا بما } أي بسبب الذي ~~ولما كانوا لم ينكروا مطلق رسالتهم , إنما أنكروا كونها من الله , بنوا ~~للمجهول قولهم مغلبا تعالى في الترجمة عنهم للخطاب على الغيبة لأنه أدخل في ~~بيان قلة أدبهم : { أرسلتم } أي أيها الرسل ومن كان على مثل حالهم من البشر ~~{ به } لأن قياسنا قد دل على أنه تعالى لم يشأ الإرسال , فأنتم لستم بمرسل ~~عنه لأنكم بشر لا ملائكة وقد كذبوا في قياسهم الذي لم يأخذوه عن عقل ولا ~~نقل لأنه لا ملازمة بين مشيئة الإرسال إلى الناس كافة أو إلى أمة ms4498 منهم وبين ~~أن يكون المرسل إليهم كلهم ملائكة . | ولما جمعهم فيما اجتمعوا فيه حتى ~~كأنهم تواصوا به , فصل ما اختلفوا فيه فقال مسببا عما مضى من مقالهم : { ~~فأما عاد } أي قوم هود عليه الصلاة والسلام { فاستكبروا } أي طلبوا الكبر ~~وأوجوه { في الأرض } أي كلها التي كانوا فيها بالفعل وبقيتها بالقوة , أو ~~في الكل بالقعل لكونهم ملكوها كلها . | ولما كان الكبر قد يكون بالحق كما ~~على من خالف أمر الله قال : { بغير الحق } أي الأمر الذي يطابقه الواقع , ~~وهو إنكار رسالة البشر , فإن الواقع إرسالهم { وقالوا } أي وضموا إلى ~~استكبارهم على قبول ما جاءهم من الحق أن قالوا متعاظمين على أمر الله بما ~~أتاهم الله من فضله : { من أشد منا قوة } فنحن نقدر على دفع ما يأتي من ~~العذاب الذي يهددنا به هود عليه الصلاة والسلام لأنهم كانوا أشد الناس قوى ~~وأعظمهم أجساما . | ولما كان التقدير أن يقال إنكارا عليهم : ألم يروا أن ~~الله لو شاء لجعلهم كغيرهم , عطف عليه قوله : { أو لم يروا } أي يعلموا ~~علما كما هو كالمشاهدة لأنه غريزة في PageV06P560 الفطرة الأولى فهو علم ~~ضروري { أن الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما { الذي خلقهم } ولم يكونوا ~~شيئا { هو أشد منهم قوة } ومن علم أن غيره أقوى منه وكان عاقلا انقاد له ~~فيما ينفعه ولا يضره , واجتماع قوتهم التي هي شدة البنية وقوته سبحانه التي ~~هي كمال القدرة وهي صفة قائمة بذاته سبحانه إنما هو من الآثار الناشئة عن ~~القوة , فلذلك جمعا بأشد . | ولما بين أنهم أجدوا الكبر , عطف عليه من ~~غرائزهم ما هو أصل لكل سوء , فقال مبينا قرط جهلهم باجرائهم على العظمة ~~التي شأنها قصم الظالم وأخذ الآثم : { وكانوا } أي طبعا لهم { بآياتنا } ~~على ما لها من العظمة بنسبتها إلينا { يجحدون * } أي ينكرون إنكارا يضمحل ~~عنده كل إنكار عنادا مع علمهم بأنها من عندنا { فأرسلنا } بسبب ذلك على ما ~~لنا من العظمة , ودل على صغارهم وحقارتهم بأداة الاستعلاء فقال : { عليهم } ~~وزاد في تحقيرهم بأن أخبر أنه ms4499 أهلكهم لأجل ما تعززوا به من قوة أبدانهم ~~ووثاقة خلقهم بما هو من ألطف الأشياء جسما وهو الهواء فقال : { ريحا } أي ~~عظيمة { صرصرا } أي شديدة البرد والصوت والعصوف حتى كانت تجمد البدن ببردها ~~فتكون كأنها تصره - أي تجمعه - في موضع واحد فتمنعه التصرف بقوته , وتقطع ~~القلب بصوتها , فتقهر شجاعته , وتحرق بشدة بردها كل ما مرات عليه . | ولما ~~تقدم في هذا السياق استكبارهم على الوجه المذكور وادعاؤهم أنهم أشد الناس ~~قوة اقتضى الحال تحقيرهم في إهلاكهم , فذكر الأيام دون الليالي وإن تضمنتها ~~فقال تعالى : { في أيام } ولما كان جمع القلة قد يستعار للكثرة حقق أن ~~المراد القلة بوصفه بجمع السلامة فقال : { نحسات } وكان ذلك أدل على هذا ~~المراد من إفراد اليوم كما في القمر لأنه قد يراد به زمان يتم فيه أمر ظاهر ~~ولو طالت مدته , ويصح للجنس فيشمل مع القليل ما يصلح له جمع الكثرة . | ~~وفيه - مع أنه نذارة - رمز للمنزل عليه هذا الوحي صلى الله عليه وسلم بأعظم ~~بشارة لما أومأ إليه افتتاح السورة باسمي الرحمة , وقوله تعالى { بشيرا ~~ونذيرا } ومن جعل أيام هذا العذاب ثمانية , أشار إلى الحلم والتأني كما ~~أشار إليه ما تقدم من خلق هذا الوجود في ستة أيام , وقد كان قادرا على كل ~~من التعذيب والإيجاد في لحظة واحدة , فأشار ذلك إلى أنه في السنة السادسة ~~من الهجرة يكون الفتح السببي بعمرة الحديبية التي كانت سبب نزول سورة الفتح ~~, وفي السابعة يكون الاعتمار الذي كان عليهم أشد من وقوع الصارم البتار , ~~حتى ذهب عمرو بن العاص من أجل ذلك إلى الحبشة لئلا يرى من دخول النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ما لا صبر له عليه , وفي PageV06P561 ~~الثامنة يكون الفتح الحقيقي بعشرة آلاف مقاتل أكثرهم دارع لا يرى منهم إلا ~~الحدق , حتى خالوا بياض لأمهم السراب , فظنوا بهم غاية العذاب , فكانوا ~~رحمة , وعاد رأوا السحاب فظنوه رحمة فكان عذابا ونقمة , ووصفها بالنحس ~~مبالغة مثل رجل عدل ليدل على أنها كانت قابلة لانفعال ms4500 الجسد وما كان فيه من ~~القوى بهذه الريح , وهو مصدر جمع لاختلاف أنواع النحس فيها - هذا على قراءة ~~الجماعة بسكون الحاء , وأما قراءة ابن عامر والكوفيين بكسر الحاء فهي صفة ~~من فعل بالكسر مثل : فرح فهو فرح , وأول هذه الأيام الأربعاء في قول يحيى ~~بن سلام , وقال غيره : وما عذب قوم إلا يوم الأربعاء { لنذيقهم } وأضاف ~~الموصوف إلى صفته على المبالغة من وادي رجل عدل فقال : { عذاب الخزي } أي ~~الذي يهيئهم ويفضحهم ويذلهم بما تعظموا وافتخروا على كلمة الله التي أتتهم ~~بما رسله , وصف العذاب بالخزي الذي هو للمعذب به مبالغة في إخزائه له { في ~~الحياة الدنيا } ليذلوا عند من تقيد بالوهم { ولعذاب الآخرة } الذي أعد ~~للمتكبرين { أخزى } أي أشد إخزاء كما قالوا : هو أعطاهم للدراهم وأولادهم ~~للمعروف , وأكد لإنكارهم له . | ولما انتفت مدافعتهم عن أنفسهم , نفى دفع ~~غيرهم فقال : { وهم } أي أصابهم هذا العذاب وسيصيبهم عذاب الآخرة والحال ~~أنهم { لا ينصرون * } أي لا يوجد ولا يتجدد لهم نصر أبدا بوجه من الوجوه . ~~| < < # | فصلت : ( 17 - 21 ) وأما ثمود فهديناهم . . . . . # > > ^ ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صاعقة ~~العذاب الهون بما كانوا يكسبون * ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون * ويوم ~~يحشر أعدآء الله إلى النار فهم يوزعون * حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم ~~وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون * وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا ~~أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ) ^ } ) | ~~ولما أنهى أمر صاعقتهم , شرع في بيان صاعقة ثمود فقال : { وأما ثمود } وهم ~~قوم صالح عليه الصلاة والسلام { فهديناهم } أي بينا لهم طريق الهدى من أنا ~~قادرون على البعث وعلى كل شيء فلا شريك لنا , وكان بيان ذلك بالناقة غاية ~~البيان فأبصروا ذلك بأبصارهم التي هي سبب أبصار بصائرهم غايه الإبصار , ~~فكرهوا ذلك لما يلزمه من الناشئ عن عمى اليصر أو البصيرة أو هما معا { على ~~الهدى } أي أوجدوا من الأفعال والأقوال ما يدل على حب ذلك وعلى طلب حبه ~~فعموا فضلوا , وقال القشيري ms4501 : قيل : PageV06P562 إنهم آمنوا وصدقوا ثم ~~ارتدوا وكذبوا , فأجراهم مجرى إخوانهم في الاستئصال . | { فأخذتهم } أي ~~بسبب ذلك أخذ قسر وهوان { صاعقة العذاب } وأبلغ في وصفه بجعله نفس الهون ~~فقال : { الهون } أي ذي الهون , قامت ضمته مقام ما في الهون من الصيغة فعلم ~~أن المراد المهين المخزي { بما كانوا } أي دائما { يكسبون * } أي يتجدد ~~تحصيلهم له وعدهم له فائدة , فالآية من الاحتباك : ذكر الهداية أولا دليلا ~~على حذف الضلال ثانيا والعمى ثانيا دليلا على حذف الإبصار أولا , وسره أنه ~~نسب إليه أشرف فعليه , وأسند إليهم ما لا يرضاه ذو الروح . | ولما أتم ~~الخبر عن الكافرين من الفريقين , أتبعه الخبر عن مؤمنيهم بشارة لمن اتبع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ونذارة لمن صد عنه فقال : { ونجينا } أي تنجية ~~عظيمة { الذين آمنوا } أي أوجدوا هذا الوصف ولو على أدنى وجوهه من الفريقين ~~{ وكانوا } أي كونا عظيما { يتقون * } أي يتجدد لهم هذا الوصف في كل حركة ~~وسكون فلا يقدمون على شيء بلا دليل . | ولما ذكر حالهم في الدنيا , وأشار ~~إلى حال الآخرة , أتبعه تفصيل ذلك فقال : { ويوم } أي اذكر أيام أعداء الله ~~في الدنيا في إنزال عذابه بهم وإحلال مثلاته بساحاتهم , واذكر يوم يحشرون - ~~هكذا كان الأصل , ولكنه بين ما عذبوا به ليعم كل من اتصف به من الأولين ~~والاخرين فقال : { يحشر } أي يجمع بكثرة بأمر قاهر لا كلفة علينا فيه - هذا ~~على قراءة الجماعة بالبناء للمفعول , وعلى قراءة ناقع ويعقوب بالنون مبينا ~~للفاعل يكون ناظرا إلى سياق ( ونجينا ) وفي كلتا القراءتين معنى العظمة , ~~فلذلك ناسبهما الاسم الأعظم الذي هو أعظم من مظهر العظمة الذي وقع الصرف ~~عنه لما في ذكره من زيادة التوبيخ لهم والتهجين لفعلهم والتخسيس لعقولهم في ~~قولهم : { أعداء الله } أي الملك الأعظم ولا يخفى إعرابه بحسب كل قراءة { ~~إلى النار } دار الأشقياء { فهم } بسبب حشرهم { يوزعون * } أي يدفعون وبرد ~~بأيسر أمر أولهم على آخرهم , ومن يريد أن يعرج منهم يمينا أو شمالا ظنا أنه ~~قد يخفى بسبب كثرتهم ويزجرون زجر إهانة ms4502 , ويجمع إليهم من شذ منهم , ة فإن ~~كل شيء من ذلك نوع من العذاب . | ولما بين إهانتهم بالوزع , بين غاياتها ~~فقال : { حتى إذا } وأكد الكلام لإنكارهم مضمونه زيادة النافي ليكون ~~اجتماعه مع الإثبات نفيا للضد فيفيد القوة بمضمون الخبر في تحقيقه وثباته ~~واتصاله بالشهادة على الفور فقال : { ما جاؤوها } أي النار التي كانوا بها ~~يكذبون { شهد عليهم } حين التكوير فيها مركومين بعضهم على بعض . | ولما ~~PageV06P563 كان في مقام الترهيب , وكان التفصيل أهول قال : { سمعهم } ~~أفرده لتقارب الناس فيه { وأبصارهم } جمع لعظم التفاوت فيها { وجلودهم بما ~~} وأثبت الكون بيانا لأنهم كانوا مطبوعين على ما أوجب لهم النار من الأوزار ~~فقال : { كانوا يعملون * } أي يجددون عمله مستمرين عليه , فكأن هذه الأعضاء ~~تقول في ذلك الحين إقامة للحجة البالغة : أيها الأكوان والحاضرون من الإنس ~~والملائكة والجان , اعلموا أن صاحبي كان يعمل بي كذا وكذا مع الإصرار , ~~فاستحق بذلك النار , وغضب الجبار - ثم يقذف به . | ولما أخبر بهذا الذي ~~يفتت الحجارة لو علقت ساعة ما , أخبر أنه لم يفدهم الرجوع عن طبعهم الجافي ~~وبلادتهم الكثيفة , فقال عاطفا على ما تقديره : فلم تفدهم هذه الشهادة خجلا ~~من الله ولا خضوعا في أنفسهم ولا رجوعا عن الجدال والعناد كما لم يفدهم ذلك ~~مجرد علم الله فيهم : { وقالوا لجلودهم } ودخل فيها ما صرح به من منافعها ~~بها لفقد ما يدعو إلى التفصيل . | ولما فعلت فعل العقلاء خاطبوها مخاطبتهم ~~فقالوا : { لم شهدتم علينا } . | ولما كان هذا محل عجب منهم , وكان متضمنا ~~لجهلهم بظنهم أنه كان لها قدرة على السكوت , وكان سؤالهم عن العلة ليس على ~~حقيقته وإنما المراد به اللوم , أجيب من تشوف إلى الجواب بقوله معبرا ~~لنطقها بصيغة ما يعقل : { قالوا } معتذرين : { أنطقنا } قهرا { الله } الذي ~~له مجامع العز على وجه لم نقدر على التخلف عنه . | ولما كان حال الكفار ~~دائما دائرا بين غباوة وعناد , أقاموا على ذلك دليلن شهوديين فقالوا : { ~~الذي أنطق كل شيء } أي فعلا أو قوة أو حالا ومقالا . | ولما كانت الأشياء ~~كلها متساوية ms4503 الأقدام في الإنطاق والإخراس وغيرهما من كل ما يمكن بالنسبة ~~إلى قدرته سبحانه , نبهوهم على ذلك بقولهم : { وهو خلقكم أول مرة } والعلم ~~القطعي حاصل عندكم بأنكم كنتم عدما ثم نطفا لا تقبل النطق في مجاري العادات ~~بوجه , ثم طوركم في أدوار الأطوار إلى أن أوصلكم إلى حيز الإدراك , فقسركم ~~على النطق بحيث لو أردتم سلبه عن أنفسكم ما قدرتم . | ولما كان الخلق شيئا ~~واحدا فعبر عنه بالماضي وكان الرجوع تارة بالحس وتارة بالمعنى وكان الذي ~~بالمعنى كثير التعدد بكثرة التجدد قال : { وإليه } أي إلى غيره { ترجعون * ~~} أي في كل حين بقسركم بأيسر أمر على كل ما يريد من أول ما خلقتم إلى ما لا ~~نهاية له , فلو كان لكم نوع علم لكفاكم ذلك واعظا في الدنيا تعلمون به أنكم ~~في غاية العجز , وأن له العظمة والكبر والقدرة والقهر , روى مسلم في صحيحه ~~عن أنس رضي الله عنه قال : كنا عند PageV06P564 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال : ( هل تدرون مم أضحك ) ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم , قال ( من ~~مخاطبة العبد ربه , يقول : يا رب ألم تجرني من الظلم ؟ قال : يقول : بلى , ~~اقل : فيقول : فإني لا أجيز إلا شاهدا مني , قال : فيقول : كفى بنفسك اليوم ~~شهيدا وبالكرام الكاتبين شهودا , قال : فيختم على فيه فيقال لأركانه : ~~انطقي , فتنطق بأعماله , ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول : بعدا لكن وسحقا ~~فعنكن كنا أناضل ) . | < < # | فصلت : ( 22 - 26 ) وما كنتم تستترون . . . . . # > > ^ ( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ~~ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون * وذلكم ظنكم الذي ظننتم ~~بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين * فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن ~~يستعتبوا فما هم من المعتبين * وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين أيديهم ~~وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم ~~كانوا خاسرين * وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون ) ^ } ) | ولما اعتذروا بما إخبارهم به في هذه الدنيا وعظ وتنبيه ms4504 , ~~وفي الآخرة توبيخ وتنديم , قالوا مكريين للوعظ محذرين من جميع الكون : { ~~وما كنتم } أي بما هو لكم كالجبلة { تستترون } أي تتكفلون الستر عند ~~المعاصي وأنتم تتوهمون , وهو مراد قتادة بقوله ؛ تظنون . | { أن يشهد عليكم ~~} بتلك المعاصي . | ولما كان المقصود الإبلاغ في الزجر , أعاد التفصيل فقال ~~: { سمعكم } وأكد بتكرير النافي فقال : { ولا أبصاركم } جمع وأفرد لما مضى ~~{ ولا جلودكم ولكن } إنما استتاركم لأنكم { ظننتم } بسبب إنكاركم البعث ~~جهلا منكم { أن الله } الذي له جميع الكمال { لا يعلم } أي في وقت من ~~الأوقات { كثيرا مما تعملون * } أي تجددون عمله مستمرين عليه , وهو ما كنتم ~~تعدونه خفيا فهذا هو الذي جرأكم على ما فعلتم , فإن كان هذا ظنكم فهو كافر ~~, وإلا كان عملكم عمل من يظنه فهو قريب من الكفر والمؤمن حقا من علم أن ~~الله مطلع على سره وجهره , فلم يزل مراقبا خائفا هائبا , روى الشيخان في ~~صحيحهما واللفظ للبخاري في كتاب التوحيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ~~قال : اجتمع عن البيت ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي كثيرة شحم بطونهم قليلة ~~فقه قلوبهم , فقال أحدهم : أترون أن الله يسمع ما نقول ؟ قال الآخر : يسمع ~~إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا , وقال الآخر : إن PageV06P565 كان يسمع إذا ~~جهرنا فأنه يسمع إذا أخفينا , فأنزل الله { وما كنتم } - الآية , قال ~~البغوي ؛ قيل : الثقفي عبد ياليل وختناه , والقرشيان : ربيعة وصفوان بن ~~أمية . | ولما كان ذكر المعصية وما جرأ عليها يقتضي انتقاصا يقدح في ~~الإلهية , بين أنه الموجب للغضب فقال : { وذلكم } أي الأمر العظيم في ~~القباحة , ثم بينه بقوله : { ظنكم } أي الفاسد , ووصفه بقوله : { الذي ~~ظننتم بربكم } أي الذي طال إحسانه إليكم من أنه لا يعلم حالكم , ثم أخبر ~~عنه بقوله : { أردناكم } أي تسبب عنه خاصة أنه أهلككم . | وأما معاصي ~~الجوارح مع التوحيد والتنزيه فأمرها أسهل , والحاصل أن كل ظن كان غير مأذون ~~فيه من الشارع فهو يردي صاحبه . | ولما كان الصباح محل رجاء الفراح , فكان ~~شر الأتراح ما كان فيه , قال : { فأصبحتم } أي ms4505 بسبب أن ما أعطيتموه من ~~النعم لتستنفذوا به أنفسكم من الهلاك كان سبب هلاككم { من الخاسرين * } أي ~~العريقين في الخسارة , المحكوم بخسارتهم في جميع ذلك اليوم , وصوره بأقبح ~~صورة وهو الصباح , فالمعنى أنه إذا صار حالكم حال من أصبح كذلك لم يكن ~~للربح وقت يتدارك فيه بخلاف ما لو وجد ذلك عن المساء فإنه كان ينتظر الصباح ~~للسعي في الربح , ويوم القيامة لا يوم بعده يسعى فيه للربح , فينبغي للمؤمن ~~أن يكون حال خلوته أشد ما يكون هيبة لله . | ولما كان ذلك , تسبب عنه قوله ~~لافتا القول عن خطابهم إيذانا بشدة الغضب وإشارة ألى أنهم لما وصلوا إلى ما ~~ذكر من الحال أعيا عليهم المقال , فلم يقدروا على نطق بلسان , ولا إشارة ~~برأس ولا بنان : { فإن يصبروا } أي على ما جوزوا به فليس صبرهم بنافعهم , ~~وهو معنى قوله : { فالنار مثوى } أي منزلا { لهم وإن يستعتبوا } أي يطلبوا ~~الرضى بزوال العتب عليهم ليعفي عنهم ويترك عذابهم . | ولما ذكر وعيدهم في ~~الدنيا والآخرة , أتبعه كفرهم الذي هو سبب الوعيد , وعطفه على ما تقديره : ~~فإنا طبعناهم طبيعة سوء تقتضي أنهم لا ينفكون عما يوجب العتب , فأعرضوا ولم ~~تنفعهم النذرى بصاعقة عاد وثمود , فقال صارفا القول إلى مظهر العظمة إشارة ~~إلى أن التصرف في القلوب أمر عظيم جدا : { وقيضنا } أي جئنا وأتحنا وبعثنا ~~وسببنا ووكلنا وهيأنا , من القيض الذي هو المثل , وقشر البيضة الأعلى ~~اليابس { لهم PageV06P566 قرناء } أي أشخاصا أمثالهم في الأخلاق والأوصاف ~~أقوياء وهم كونهم شديدي الالتصاق بهم والإحاطة في غاية النحس والشدة في ~~اللؤم والخبث واللجاجة فيما يكون به ضيق الخير واتساع الشر من غواة الجن ~~والإنس { فزينوا لهم } أي من القبائح { ما } وعم الأشياء كلها فلم يأت ~~بالجار فقال : { بين أيديهم } أي يعلمون قباحته حتى حسنوه لهم فارتكبوه ~~ورغبوا فيه { وما خلفهم } أي ما يجهلون أمره ولا يزالون في كل شيء يزينونه ~~ويلحون فيه ويكررونه حتى يقبل , فإن التكرير مقرون بالتأثير , قال القشيري ~~: إذا أراد الله بعبدا سوءا قيض له إخوان ms4506 سوء وقرناء سوء يحملونه على ~~المخالفات ويدعونه إليها , وإذا أراد الله بعبد خيرا قيض له قرناء خير ~~يعينونه على الطاعات ويحملونه عليها ويدعون إليها , ومن ذلك الشيطان , وشر ~~منه النفس وبئس القرين , تدعو اليوم إلى ما فيه الهلاك وتشهد غدا عليه . | ~~ولما كان التقدير : فلم يدعوا قبيحة حتى ارتكبوها , عطف عليه قوله : { وحق ~~} أي وجب وثبت { عليهم القول } أي بدوام الغضب . | ولما كان هذا مما يوجب ~~شدة أسفه صلى الله عليه وسلم , خفف منه بقوله : { في } أي كائنين في جلمة { ~~أمم } أي كثيرة . | ولما عبر عنهم بما يقتضي تعظيمهم بأنهم مقصودون , حقرهم ~~بمضير التأنيث فقال : { قد خلت } أي لم تتعظ أمه منهم بالأخرى . | ولما كان ~~الخلو قد يكون بالموت في زمانهم , بين أنه مما مضى وفات . | ولما كان بعض ~~من مضى غير مستغرق لجميع الزمان , عبر ب ( من ) فقال : { من قبلهم } أي في ~~الزمان , وقدم الأقوى لتفهم القدرة عليه القدرة على ما دونه من باب الأولى ~~, فإن الإنس كانوا يعدون أنفسهم دون الجن فيعوذون بهم فقال : { من الجن ~~والأنس } ثم علل حقوق الشقاء عليهم بقوله منبها بالتأكيد على أنهم ينكرون ~~أن تكون القبائح موجبة للخسر { إنهم } أي جميع المذكورين منهم وممن قبلهم : ~~{ كانوا } أي طبعا وفعلا { خاسرين * } فعلى العاقل أن يجتهد في اختيار ~~أصحابه وأخذانه وأحبابه , فإن العاقبة فيهم حسنة جسيمة أو قبيحة وخيمة , ~~روى صاحب الفردوس عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( إذا أراد الله بعبد شرا قيض له قبل موته شيطانا فلا يرى حسنا إلا ~~قبحه ولا قبيحا إلا حسنه عنده ) . | ولأحمد وأبي داود والنسائي وأبي يعلى ~~وابن حبان في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( إذا أراد الله بوالي خيرا جعل له وزير صدق , إن نسي ذكره , وإن ذكر ~~أعانه , وإن أراد به غير PageV06P567 ذلك جعل له وزير سوء إن نسي لم يذكره ~~وإن ذكر لم يعنهوروى البخاري عن أبي سعيد الخدري ms4507 وأبي هريرة رضي اله عنهما ~~والنسائي عن أبي هريرة وحده رضي الله عنه والبخاري أيضا عن أبي أيوب رضي ~~الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ) ما بعث الله من نبي ولا ~~استخلف من خليفة إلا كانت له بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه , وبطانة ~~تأمره بالشر وتحضه عليه , والمعصوم من عصمه الله تعالى ( . | وفي رواية ~~النسائي : ) ما من وال إلا وله بطانتان : بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن ~~المنكر , وبطانة لا تألوه خبالا , فمن وقي شرها فقد وقي , وهو إلى من يغلب ~~عليه منهما ( ورواية البخاري عن أبي أيوب نحوها . | ولما أخبر بخسرانهم , ~~دل عليه بما عطف على ما أرشد إليه السياق من تقديره من وقولي : فأعرضوا - ~~أي هؤلاء العرب - وقالوا - هكذا كان ألأصل ولكنه قال تنبيها على الوصف الذي ~~أوجب إعراضهم : { وقال الذين كفروا } أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من ~~الحق { لا تسمعوا } أي شيئا من مطلق السماع { لهذا القرآن } تعيينا ~~بالإشارة احترازا من غيره من الكتب القديمة كالتوارة , قال القشيري : لأنه ~~يغلب القلوب ويسلب العقول , وكل من استمع له صبا إليه { وألغوا } أي أهذوا ~~من لغي - بالكسر يلغى - بالفتح - إذا تكلم بما لا فائدة فيه { فيه } أي ~~اجعلوه ظرفا للغو بأن تكثروا من الخرافات والهذيانات واللغو بالمكاء ~~والتصدية أي الصفير والتصفيق وغيرهما في حال تلاوته ليقع تاليه في السهو ~~والغلط , قال القشيري : قالوا ذلك ولم يعلموا أن من نور قلبه بالإيمان وأيد ~~بالفهم وأمد بالبصيرة وكوشف بسماع السر من الغيب , فهو الذي يسمع ويؤمن , ~~والذي هو في ظلمات جهله لا يدخل الإيمان قلبه , ولا يباشر السماع سره . | { ~~لعلكم تغلبون * } أي ليكون حالكم حال من يرجى له أن يغلب ويظفر بمراده في ~~أن يميل إليه أحد , أو يسكت أو ينسى ما كان يقول , وهذا يدل على أنهم ~~عارفون بأن من سمعه ولا هوى عنده مال إليه وأقبل بكلتيه عليه , وقد فضحوا ~~أنفسهم بهذا فضيحة لا مثل لها , وذلك لأنهم تحدوا به في أن يأتوا بشيء من ~~مثله ms4508 ليعدوا غالبين فلم يجدوا شيئا يترجون به الغلب إلا الصفير والتصفيق ~~ونحوه من اللغو في معارضة ما علا من أعلى ذرى الكلام إلى حيث لا ~~PageV06P568 مطمع ولا مرام , فلا يفيد ما أتوا به معنى غير أنهم عاجزون عن ~~المعارضة قاطعون بأنهم متى أتوا بشيء منها افتضحوا , وقطع كل من سمعه بأنهم ~~مغلوبون . | < < # | فصلت : ( 27 - 30 ) فلنذيقن الذين كفروا . . . . . # > > ^ ( فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا ~~يعملون * ذلك جزآء أعدآء الله النار لهم فيها دار الخلد جزآء بما كانوا ~~بآياتنا يجحدون * وقال الذين كفروا ربنآ أرنا اللذين أضلانا من الجن والإنس ~~نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين * إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي ~~كنتم توعدون ) ^ } ) | ولما استحقوا بهذا العقوبة , سبب عن ذلك مؤكدا ~~لإنكارهم قوله تعالى : { الذين كفروا } أي هؤلاء وغيرهم { عذابا شديدا } في ~~الدنيا بالحرمان وما يتبعه من فنون الهوان وفي الآخرة بالنيران { ولنجزينهم ~~} أي بأعمالهم . | ولما كان من قدر على الأغلظ , قدر على ما دونه قال : { ~~أسوا } أي جزاء أسوأ العمل { الذين كانوا } بما هو لهم كالغرائز { يعملون * ~~} مواظبين عليه . | ولما أبلغ سبحانه في الترهيب من عقابهم , زاد في تعظيمه ~~وفضله لطفا لمن أراد هدايته من عباده وإقامة الحجة على غيرهم فقال : { ذلك ~~} أي الجزاء الأسوأ العظيم جدا { جزاء } ولما كانت عداوة من لا يطاق آمرا ~~زائد العظمة , نبه على ذلك بصرف الكلام عن مظهرها إلى أعظم منه فقال : { ~~أعداء الله } أي الملك الأعظم , لأنهم ما كانوا يفعلون ما دون الأسوأ إلا ~~عجزا عنه لأن جبلتهم تقتضي ذلك , وبينه بقوله : { النار } وفصل بعض ما فيها ~~بقوله : { لهم فيها } أي النار { دار الخلد } أي المحل المحيط بهم الدائر ~~من غير علم من زواية أو غيرها يعرف به خصوص موضع منه , مع إيذانه بالدوام ~~واللزوم وعدم الانفكاك , أو هو على التجريد بمعنى : هي لهم دار خلود كما ~~كان لهم في الدنيا دار سرور بمعنى أنها كانت لهم نفسها ms4509 دار لهو وغرور . | ~~ولما كانوا على أعمالهم التي استحقوا بها هذا العذاب مصرين إصرارا يمتنع ~~انفكاكهم عنه , زاد حسنا قوله : { جزاء } أي وفاقا { بما كانوا } أي جبلة ~~وطبعا , ورد الكلاك إلى مظهر العظمة المقتضي للنكال فقال : { بآياتنا } أي ~~على ما لها من العظمة { يجحدون * } أي ينكرون عنادا من غير مراعاة لعلوها ~~في نفسها ولا علوها بنسبتها إلينا , فلأجل جحودهم كانوا يقدمون على ما لا ~~يرضاه عاقل من اللهو وغيره . | ولما تراءى لهم أن الذي أوجب لهم هذا السوء ~~جلودهم بالشهادة عليهم وقرناؤهم بإضلالهم لهم وكان التباعض والعداوة قد وقع ~~بين الجميع , فصار تمني كل للآخر PageV06P569 السوء زيادة في عذابهم , ~~وكانت مساءة جلودهم مساءتهم , خصوا القرناء بإرادة الانتقام منهم , فحكى ~~سبحانه قولهم بقوله عطفا على { وقالوا لجلودهم } أو على ما تقديره : فعلموا ~~حينئذ انهم كانوا على ضلال لتقصيرهم في النظر وتقليدهم لغيرهم : { وقال ~~الذين كفروا } أي غطوا أنوار عقولهم داعين بما لو يسمع لهم , فهو زيادة في ~~عقوبتهم , وحكايته لنا وعظ وتحذير : { ربنا } أي أيها الذي لم يقطع قط ~~إحسانه عنا { أرنا } الصنفين { اللذين أضلانا } عن المنهج الموصل إلى محل ~~الرضوان { من الجن والإنس } المزينين لنا ارتكاب السوء خفية وجهرا , قرأ ~~الجماعة بكسر الراء من أرنا , وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب والسوسي عن ~~أبي عمرو وأبو بكر عن عاصم بإسكان الراء هنا خاصة . | قال الأصبهاني : يحكى ~~عن الخليل أنك إذا قلت : أرني ثوبك - بالكسر فالمعنى بصرنيه , وإذا قلته ~~بالسكون فهو استعطاء , ومعناه أعطني ثوبك , ونظيره اشتهار الإيتاء في معنى ~~الإعطاء , وأصله الإحضار - انتهى . | { نجعلهما تحت أقدامنا } في النار ~~إذلالا لهما كما جعلانا تحت أمرهما { ليكونا من الأسفلين * } أي من أهل ~~الدرك الأسفل وممن هو دوننا كما جعلانا كذلك في الدنيا في حقيقة الحال ~~بإتباعنا لهما فيما أراد بنا , وفي الاخرة بهذا المال , والظاهر أن المراد ~~أن كل أحد يتمنى أن يعرف من أضله من القبيلتين ليفعل ذلك إن قدر عليه . | ~~ولما ذكر الأعداء وقرناءهم نذارة , أتبعه ذكر الأولياء وأوداءهم بشارة ms4510 , ~~فقال مبينا لحالهم القابل للإعراض وثمراته جوابا لمن يسأل عنهم مؤكدا لأجل ~~إنكار المعاندين : { إن الذين } قال أبو حيان : قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : نزلت في الصديق رضي الله عنه وأرضاه . | { قالوا } أي قولا حقيقيا ~~مذعنين به بالجنان وناطقين باللسان تصديقا لداعي الله في دار الدنيا ~~متذللين حيث ينفع الذل جامعين بين الأس الذي هو المعرفة والاعتقاد , ~~والبناء الذي هو العمل الصالح بالقول والفعل عل السداد , فإن أصل الكمالات ~~النفسانية يقين مصلح وعمل صالح , تعرف الحق لذاته والخير لتعمل له ورأس ~~المعارف اليقينية ورئيسها معرفة الله , ورأس الأعمال الصالحة الاستقامة على ~~حد الاعتدال من غير ميل إلى طرف إفراط أو تفريط : { ربنا } أي المحسن إلينا ~~{ الله } المختص بالجلال والإكرام وحده لا شريك له . | ولما كان الثبات على ~~التوحيد ومصصحاته إلى الممات أمرا في علو رتبته لا يرام إلا بتوفيق ذي ~~الجلال والإكرام , أشار إليه بأداة التراخي فقال : { ثم استقاموا } طلبوا ~~وأوجدوا القوام بالإيمان بجميع الرسل وجميع الكتب ولم يشركوا به صنما ولا ~~ثنا ولا آدميا ولا ملكا ولا كوكبا ولا غير بعبادة ولا رياء , وعملوا بما ~~يرضيه وتجنبوا كل ما PageV06P570 يسخطه وإن طال الزمان , امتثالا لما أمر ~~به أول السورة في قوله { إنما إلهككم إله واحد فاستقيموا إليه } فمن كان له ~~أصل الاستقامة في التوحيد أمن من النار بالخلود , ون كان له كمال الاستقامة ~~في الأصول والفروع أمن الوعيد { تتنزل } على سبيل التدريج المتصل { عليهم } ~~من حين نفخ الروح فيهم إلى أن يموتوا ثم إلى أن يدخلوا الجنة باطنا فظاهرا ~~{ الملائكة } بالتأييد في جميع ما ينوبهم فتستعلي الأحوال الملكية على ~~صفاتهم البشرية وشهواتهم الحيوانية فتضمحل عندها , وتشرق مرائيهم , ثم شرح ~~ما يؤيدونهم به وفسره فقال : { ألا تخافوا } أي من شي مثله يخيف , وكأنهم ~~يثبتون ذلك في قلوبهم { ولا تحزنوا } أي على شيء فاتكم , فإن ما حصل لكم ~~أفضل منه , فأوقاتكم الأخراوية فيها بل هي كلها روح وراحة , فلا يفوتهم ~~لذلك محبوب ولا يلحقهم مكروه { وابشروا } أي املأوا صدوركم سرورا ms4511 يظهر أثره ~~على بشرتكم بتهلل الوجه ونعمة سائر الجسد { بالجنة التي كنتم } أي كونا ~~عظيما على ألسنة الرسل { توعدون * } أي يتجدد لكم ذلك كل حين بالكتب والرسل ~~, وقال الرازي في اللوامع : يبشرون في ثلاثة مواضع : عند الموت , وفي القبر ~~, ويوم البعث - انتهى . | وهذا محول على الكلام الحقيقي وما قبله على أنهم ~~يفعلون معه ما ترجمته ذلك . | < < # | فصلت : ( 31 - 33 ) نحن أولياؤكم في . . . . . # > > ^ ( نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي ~~أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم * ومن أحسن قولا ممن دعآ ~~إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) ^ } ) | ولما أثبتوا لهم ~~الخير , ونفوا عنهم الضير , عللوه بقولهم : { نحن أولياؤكم } أي أقرب ~~الأقرباء إليكم , فنحن نفعل معكم كل ما يمكن أن يفعله القريب { في الحيالة ~~الدنيا } نجتلب لكم المسرات ونبعد عنكم المضرات ونحملكم على جميع الخيرات ~~بحيث يكون لكم فيها ما تؤثره العقول بالامتناع مما تهواه النفوس وإن تراءى ~~للرائين في الدنيا أن الأمر بخلاف ذلك , فنوقظكم من المنام , ونحملكم على ~~الصلاة والصيام , ونبعدكم عن الآثام , ضد ما تفعله الشياطين مع أوليائهم { ~~وفي الآخرة } كذلك حيث يتعادى الأخلاء إلا الأتقياء { ولكم فيها } أي ~~الآخرة في الجنة وقبل دخولها في جميع اوقات الحشر { ما تشتهي } ولو على ~~أدنى وجوه الشهوة بما يرشد إليه حذف المفعول { أنفسكم } لأجل ما منعتموها ~~من الشهوات في الدنيا { ولكم } . | ولما كان السياق للذين استقاموا العام ~~للسابقين وأصحاب اليمين على ما أشير إليه الختم بصفة المغفرة وتقديمها , ~~قيد بالظرف بخلاف ما في يس فقال : { فيها } أي PageV06P571 الآخرة { ما ~~تدعون * } أي ما تؤثرون دعاءه وطلبه وتسألونه وتمنونه بشهوة نفوسكم ورغبة ~~قلوبكم . | ولما كان هذا كله بالنسبة إلى ما يعطزن شيئا يسيرا , نبه عليه ~~بقوله : { نزلا } أي هذا كله يكون لكم كما يقدم إلى الضيف عند قدومه إلى أن ~~يتهيأ ما يضاف به . | ولما كان من حوسب عذب , فلا يدخل أحد الجنة إلا ~~بالرحمة , أشار إلى ذلك بقوله : { من } أي كائنا النزل من ms4512 { غفور } له صفة ~~المحو للذنوب عينا وأثرا على غاية لا يمكن وصفها { رحيم * } أي بالغ الرحمة ~~بما ترضاه الإلهية , فالحاصل أن المفسد يقيض الله له قرناء والملائكة ~~يعينونه ويحببونه ويبعدونه ويكرهونه في جميع المضرات - والله يتولى ~~الصالحين . | ولما كان هذا لمن كمل نفسه , أتبعه بمن أكمل غيره إشارة إلى ~~أن السعادة التامة أن يكتسب الإنسان من الصفات الفاضلة مما يصير بها كاملا ~~في نفسه , فإذا فرغ اشتغل بتكميل الناقص عاطفا على ما تقديره : ما أحسن هذا ~~الذي كمل نفسه , وقاله تنويها بعلو قدر النفع المتعدي وحثا على مداومة ~~الدعاء وإن دعوا وقالوا { قلوبنا في أكنة } ثم قالوا { لا تسمعوا لهذا ~~القرآن } فإنهم لم يقولوا من ذلك شيئا إلا ذكرت أجوبته الشافية الكافية ~~فاندفعت جميع الشبهات وزالت غياهب الضلالات , فصار تحذير الدعاء موضعا ~~للقبول { ومن أحسن قولا } أي من جهة القول { ممن دعا } وحد الضمير دلالة ~~على قلة هذا الصنف { إلى الله } أي الذي عم بصفات كماله جميع الخلق فهو ~~يستعطف كل أحد بما تعرف إليه سبحانه به من صفاته { وعمل } أي والحال أنه قد ~~عمل { صالحا } في نفسه ليكون ذلك أمكن لدعائه أعم من أن يكون ذلك لصالح نية ~~أو قولا أو عملا للجوارح الظاهرة سرا كان أو علنا , ولذا حذف الموصوف لئلا ~~يوهم تقيده بالأعمال الظاهرة وللاغناء عنها بقوله ( دعا ) بخلاف ما كان ~~سياقه للتوبة كآية الفرقان أو اعتقاد الحشر كآية الكهف , فإنه لا بد فيه من ~~إظهار العمل ليكون شاهدا على صحة الإعتقاد وكمال التوبة , والدعاء هنا مغن ~~عن ذلك { وقال } مؤكدا عند المخالف والمؤالف قاطعا لطمع المفسد فيه : { ~~إنني من المسلمين * } أي الراسخين في صفة الإسلام متظاهرا بذلك لا يخاف في ~~الله لومة لائم وإن سماه أيناء زمانه كذا جافيا وغليظا عاسيا لتصلبه في ~~مخالفته إياهم فيما هم عليه بتسهله في انقياده لكل ما أمره به ربه سبحانه . ~~| < < # | فصلت : ( 34 - 37 ) ولا تستوي الحسنة . . . . . # > > ^ ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك ~~وبينه ms4513 PageV06P572 عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما ~~يلقاهآ إلا ذو حظ عظيم * وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو ~~السميع العليم * ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ~~ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان التقدير : لا أحد أحسن قولا منه , بل هو المحسن وحده , فلا ~~يستوي هذا المحسن وغيره أصلا , ردا عليهم أن حالهم أحسن من حال الدعاة إلى ~~الله , وكان القيام بتكميل الخلق يحتاج إلى جهاد للنفس عظيم من تحمل المشاق ~~والصبر على الأذى , وغير ذلك من جميع الأخلاق , عطف عليه التفرقة بين ~~عمليهما ترغيبا في الحسنات فقال : { ولا تستوي } أي وإن اجتهدت في التحرير ~~والاعتبار { الحسنة } أي لا بالنسبة إلى أفراد جنسها ولا بالنسبة إلى ~~عامليها عند وحدتها , لتفاوت الحسنات في أنفسها , والحسنة الواحدة باعتبار ~~نيات العاملين لها واجتهادهم فيها ولا بالنسبة إلى غيرها , وإلى ذلك إشارة ~~بالتأكيد في قوله : { ولا السيئة } أي في نفسها ولا بالنسبة إلى جنس آخر . ~~| ولما أنتج هذا الحث على الإقبال على الحسن والإعراض عن السيء , وأفهم أن ~~كلا من القسمين متفاوت الجزئيات متعالي الدرجات , وكان الإنسان لا ينفك عن ~~عوارض تحصل له من الناس ومن نفسه يحتاج إلى دفع بعضها , أنتج عند قصد ~~الأعلى فقال : { ادفع } أي كل ما يمكن أن يضرك من نفسك ومن الناس { بالتي } ~~أي الخصال والأحوال التي { هي أحسن } على قدر الإمكان من الأعمال الصالحات ~~فالعفو عن المسيء حسن , والإحسان أحسن منه { فإذا الذي بينك وبينه عداوة } ~~عظيمة قد ملأت ما بين البنيين فاجأته حال كونه { كأنه ولي } أي قريب ما ~~يفعل القريب { حميم * } أي في غاية القرب لا يدع مهما إلا قضاه وسهله ويسره ~~, وشفا علله , وقرب بعيده , وأزال درنه , كما يزيل الماء الحار الوسخ . | ~~ولما كانت هذه الخصلة أما جامعا لجميع مصالح الدين والدنيا قال منبها على ~~عظيم وبديع نبلها حاثا على الاستظلال بجميع ظلها مشيرا بالبناء للمفعول إلى ~~أنها هي ms4514 العمدة المقصودة بالذات على وجه منبه على أنها مخالفة لجبلة ~~الأنسان حثا على الرغبة في طلبها من واهبها { وما يلاقها } أي يجعل لاقيا ~~لهذه الخصلة التي هي مقابلة الإساءة باحسن الحسن وهو الإحسان الذي هو أحسن ~~من العفو والحلم والصبر والاحتمال بأن يعلق الله تعالى إرادته على وجه ~~الشدة والمبالغة بإلقائها إليه { إلا الذين صبروا } أي وجدت منهم هذه ~~الحقيقة وركزت في طباعهم , فصاروا يكظمون الغيظ PageV06P573 ويحتملون ~~المكاره , وكرر إظهار البناء للمفعول للتنبيه على أنه لا قدرة عليها أصلا ~~إلا بتوفيق الخالق بأمر وطني يقذفه وحيا تظهر ثمرته على سائر البدن , فقال ~~دالا باعادة النافي على زيادة العظم وعلى لأن أصحاب هذه الخصلة على رتبتين ~~كب رتبة منها مقصودة في نفسها { وما يلقاها } على ما هي عليه من العظمة { ~~إلا } وأفرد هنا بعد جمع الصابر على ندرة المستقيم على هذه لخصلة { ذو حظ } ~~أي نصيب وقسم وبخت { عظيم * } أي جليل في الدنيا والآخرة عند الله وعند ~~الناس . | ولما كان التقدير : فأن لقيت ذلك وأعاذك الله من الشيطان فأنت ~~أنت , عطف عليه قوله معبرا بأداة الشك المفهمة لجواز وقوع ذلك في الجملة , ~~مع العلم بأنه صلى الله عليه وسلم معصوم إشارة إلى رتبة الإنسان من حيث هو ~~إنسان وإلى أن الشيطان يتوهم مع علمه بالعصمة أنه يقدر على ذلك فيعلق أمله ~~به , وكأنه لذلك أكد لأنه نزعه له في محل الإنكار { وإما } ولما كانت وسوسة ~~الشيطان تبعث على ما لا ينبغي , وكان العاقل لا يفعل ما لا ينبغي إلا ~~بالالجاء , شبه المتعاطي له بالمخنوس الذي حمله النخس على ارتكاب ما يضر ~~فقال : { ينزغنك } أي ينخسنك ويطعننك طعنا مفسدا فيحصل لك تألم { من ~~الشيطان } البعيد من الرحمة المحترق باللعنة . | ولما كان المقام خطرا لأن ~~الطبع مساعد للوسواس , جعل النزغ نفسه نازعا إشارة إلى ذلك فقال : { نزغ } ~~أي وسوسة تحرك نحو الموسوس من أجله وتبعث إليه بعث المنخوس إلى الجهة التي ~~يوجه إليها , فإن ينبعث إلى تلك الجهة بعزم عظيم { فاستعذ بالله } أي ms4515 استجر ~~بالملك الأعلى واطلب منه الدخول في عصمته مبادرا إلى ذلك حين نخس بالنزعة ~~فإنه لا يقدر في أول الخطرة , فإنك إن لم تخالف أول الخطرة صارت فكرة فيحصل ~~العزم فتقع الزلة فتصير قسوة فيحصل التمادي - نبه عليه القشيري . | ولما ~~كانت الاستعاذة هنا من الشطيان , وكان نزغه مما يعلم لا مما يرى وكانت صفة ~~السمع نعم ما يرى وما لا يرى , قال مؤكدا لوقوف الجامدين مع الظواهر : { ~~إنه هو } أي وحده { السميع } وختم بقوله : { العليم * } الذي يسمع كل مسموع ~~من استعاذتك وغيرها , ويعلم كل معلوم من نزغه وغيره , فهو القادر على رد ~~كيده , وتوهين أمره وأيده , وليس هو كما جعلتموه له من الأنداد الصم البكم ~~التي لا قدرة لها على شيء أصلا . | ولما ذكر أنهم جعلوا له أندادا مع أنه ~~خلق الأرض في يومين , وختم ذلك بأن أحسن الحسن الدعاء إلى الله , وختم ~~الأمر بالدعاء بصفة العلم , أتبعه دلائل التوحيد إعلاما بأن التوحيد أحسن ~~الحسن يطرد كل شيء , وتنبيها على أن الدعوة إلى الله تعالى PageV06P574 ~~عبارة عن تنوير الدلائل الدالة على الذات والصفات , وذلك ببيان الأفعال ~~وآثارها وهو العالم بجميع ما فيه من الأجزاء والأبعاض جوهرا وعرضا , وبدأ ~~بذكر الفلكيات لأنها ادل , فقال عاطفا على ما تقديره : فمن آياته الناشئة ~~عن شمول علمه المستلزم لشمول قدرته المنتجة لإعادته لمن يريد ونفوذ تصرفه ~~في كل ما يشاء المستلزم لتفرده بالإلهية أنه خلق الخافقين كما مضى في ستة ~~أيام : { ومن آياته } الدالة على وحدانيته : | وفي كل شيء له آية تدل على ~~أنه الواحد | ولما كانت الظلمة عدما والنور وجودا والعدم مقدم قال : { ~~الليل والنهار } أي الدالان باختلافهما وهيئتهما على قدرته على البعث وعلى ~~كل مقدور { والشمس والقمر } اللذان هما الليل والنهار كالروح لذوي الأجساد ~~, وهذه الموجوات - مع ما مضى من خلق الخافقين - كتاب الملك الديان , إلى ~~الإنس والجان , المشهود لهم بالعيان كما قيل يا إنسان : | تأمل سطور ~~الكائنات فإنها من الملك الأعلى إليك رسائل وقد خط غيها لو تأملت خطة إلا ~~كل ms4516 شيء ما خلا الله باطل | ولما ثبت له سبحانه التفرد بالخلق والأمر , وكان ~~باطنا إلا عند من نور الله أو كانت الشمس والقمر من آياته المعرفة المشيرة ~~في وجود الدنيا والآخرة إليه , وكانا مشاهدين , وكان الإنسان قاصر العقل ~~مقيد الوهم بالمشاهدات لما عنده من الشواغل إلا من عصم الله , أنتج قوله ~~محذرا من عبادتهما لما يرة لهما من البهاء وفيهما من المنافع : { لا تسجدوا ~~للشمس } التي هي أعظم أوثانكم فإنها من جملة مبدعاته , وأعاد النافي تأكيدا ~~للنفي لأن النهي عن كل منهما على حدته ولذلك أظهر موضع الإضمار فقال : { ~~ولا للقمر } كذلك . | ولما نهى عن السجود لهما , أمر بالسجود بما يبين ~~استحقاقه لذلك وعدم استحقاقهما أو استحقاق شيء غيرهما له فقال : { واسجدوا ~~} ونبه على مزيد عظمته بالإظهار موضع الإضمار فقال : { لله } أي الذي له كل ~~كمال من غير شائبة نقص من أقول أو تجدد حلول { الذي خلقهن } أي الأربعة ~~لأجلكم فهو الذي يستحق الإلهية , وأنث لأن ما لا يعقل حكمه حكم المؤنث في ~~الضمير وهي أيضا آيات , وفيه إشارة إلى تناهي سفولها عما أهلوها له وذم ~~عابديها بالإفراط في الغباوة , ويمكن أن يكون عد القمر أقمارا لأنه يكون ~~تارة هلالا وأخرى بدرا وأخرى محوا , فلذلك جمع إشارة إلى قهرهما بالتغيير ~~له في الجرم ولمهما بالتسيير , ولذلك عبر بضمير المؤنث الذي يكون لجمع ~~الكثرة مما لا يعقل . | PageV06P575 ولما ظهر أن الكل عبيده , وكان السيد ~~لا يرضى بإشراك عبده عبدا آخر في عبادة سيده قال : { إن كنتم إياه } أي ~~خاصة بغاية الرسوخ { تعبدون * } كما هو صريح قولكم في الدعاء في وقت ~~الشدائد لا سيما في البحر , ومحصل قولكم { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى } فإن أشركتم به شيئا بسجود أو غيره فما خصصتموه بالعبادة لأن السجود ~~من العبادة وفعله ولو في وقت واحد لغيره إشراك في الجملة , ومن أشرك به لم ~~يعبده وحده , ومن لم يعبده وحده لم يعبده أصلا , لأنه أغنى الأغنياء , لا ~~يقبل إلا الخالص وهو أقرب إلى عباده ms4517 من كل شيء فيوشك أن ينتقم بإشراككم , ~~وفي الآية إشارة إلى الحث على صيانة الآدميين عن أن يقع منهم سجود لغيره ~~رفعا لمقامهم عن أن يكونوا ساجدين لمخلوق بعد أن كانوا مسجودا لهم , فإنه ~~سبحانه أمر الملائكة الذين هم أشرف خلقه بعدهم بالسجود آدم وهم في ظهره ~~فتبكر اللعين إبليس , فابد لعنه , فشتان ما بين المقامين . | < < # | فصلت : ( 38 - 41 ) فإن استكبروا فالذين . . . . . # > > ^ ( فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا ~~يسأمون * ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت ~~وربت إن الذي أحياها لمحى الموتى إنه على كل شيء قدير * إن الذين يلحدون في ~~آياتنا لا يخفون علينآ أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة ~~اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير * إن الذين كفروا بالذكر لما جآءهم ~~وإنه لكتاب عزيز ) ^ } ) | ولما كانوا في هذا الأمر بين طاعة ومعصية , وكاك ~~درء المفاسد مقدما , سبب عن ذلك قوله معبرا بأداة الشك تنبيها لهم على أن ~~استكبارهم بعد إقامة هذه الأدلة ينبغي أن لا يتوهم , وصرف القول إلى الغيبة ~~تحقيرا لهم وإبعادا على تقدير وقوع ذلك منهم { فإن استكبروا } أي أوجدوا ~~الكبر عن اتباعك فيما أمرتهم به من التوحيد فلو يوحدوا الله ولم ينزهوه ~~تعالى عن الشريك { فالذين عند } وأظهر موضع الإصخار معبرا بوصف الإحسان ~~بشارة له ونذارة لهم { ربك } خاصة لا عندهم لكونهم مقربين لديه في درجة ~~الرضاء والكرامة ولكونهم مما يستغرق به الآدميون ولكون الكفار لا قدرة لهم ~~على الوصول إليهم بوجه : { يسبحون له } أي يوقعون التنزيه عن النقائص ~~ويعبدون عن الشركة لأجل علوه الأقدس وعزه الأكبر لا لشيء غيهر إخلاصا في ~~عبادته وهم لا يستكبرون . | ولما كان حال الكفار في الإخلاص مختلفا في ~~الشدة والرخاء , أشار إلى تقبيح ذلك منهم بتعميم خواصه عليهم الصلاة ~~والسلام بالإخلاص حالتي الإثبات الذي هو حالة بسط في الجملة , والمحو الذي ~~هو حالة قبض كذلك يجددون هذا التنزيه مستمرين عليه في كل وقت فقال ms4518 : { ~~بالليل والنهار } أي على مر الملوين الجديدين لا PageV06P576 يفترون . | ~~ولما كان في سياق الفرص لاستكبارهم المقتضي لإنكارهم , أكد بالعاطف والضمير ~~فقال مؤذنا بأن هذا ديدنهم لا ينفكون عنه : { وهم } أي والحال أنهم على هذا ~~الدوام { لا يسئمون * } أي لا يكاد لهم في وقت من الأوقات فتور ولا ملل , ~~فهو غني عن عبادة هؤلاء بل وعن عبادة كل عابد , والحظ الأوفر لمن عنده وأما ~~هو سبحانه فلا يزيده شيئا ولا ينقصه شيء فدع هؤلاء أن استكبروا وشأنهم , ~~فيعلمون من الخاسر , فالآية من الاحتباك : ذكر الاستكبار أولا دليلا على ~~حذفه ثانيا والتسبيح ثانيا دليلا على حذفه أولا , وسر ذلك أنه ذكر أقبح ما ~~لأعدائه وأحسن ما لأوليائه . | ولما ذكر بعض آيات السماء لشرفها , ولأن ~~بعضها عبد , ومن آثار الإلهية , فذكر دلالتها على وحدانيته اللازم منه ~~إبطال عبادتها , أتبعه بعض آيات الأرض بخلاف ما في يس , فإن السياق هناك ~~للبعث ةآيات الأرض أدل فقال : { ومن آياته } أي الدالة على عظم شأنه وعلو ~~سلطانه { أنك ترى الأرض } أي بعضها بحاسة البصر وبعضها بعين البصيرة قياسا ~~على ما أبصرته , لأن الكل بالنسبة إلى القدرة على حد سواء . | ولما كان ~~السياق للوحدانية , عبر بما هو أقرب إلى حال العابد ما مضى في الحج فقال : ~~{ خاشعة } أي يابسة لا نبات فيها فهي بصورة الذليل الذي لا منعة عنده لأنه ~~لا مانع من المشيء فبها لكونها متطأمنة بعد الساتر لوجهها بخلاف ما إذا ~~كانت مهتزة رابية متزخرفة تختال بالنبات . | ولما كان إنزال الماء مما ~~استأثر به سبحانه , فهو من أعظم الأدلة على عظمة الواحد , صرف القول إلى ~~مظهر العظمة فقال : { فإذا أنزلنا } بما لنا من القدرة التامة والعظمة { ~~عليها الماء } من الغمام أو سقناه إليها من الأماكن العالية وجلبنا به إليه ~~من الطين ما تصلح به للانبات وإن كانت سبخة كأرض مصر { اهتزت } أي تحركت ~~حركة عظيمة كثير سريعة , فكانت كمن يعالج ذلك بنفسه { وربت } أي تشققت ~~فارتفع ترابها وخرج منها النبات وسما في الجو مغطيا لوجهها , وتشعبت ms4519 عروقه ~~, وغلظت سوقه , فصار يمنع سلوكها على ما كان فيه من السهولة , وصار بحسن ~~زيه بمنزلة عليها فطرها بمياه المعارف فظهرت فيها بركات الندم وعفا عن ~~أربابها ما قصروا في صدق القدم وأشرقت بحلى الطاعات وزهت بملابس القربات , ~~وزكت بأنواع التجليات . | ولما كان هذا دليلا مشاهدا على القدرة على إيجاد ~~المعدوم , وإعادة البالي المحطوم , أنتج ولا بد قوله مؤكدا لأجل ما هم في ~~من الإنكار صارفا القول عن مظهر PageV06P577 العظمة إلى ما ينبه على القدرة ~~على البعث ولا بد : { إن الذي أحياها } بما أخرج من نباتها الذي كان بلي ~~وتحطم وصار ترابا { لمحيي الموتى } كما فعل بالنبات من غير فرق . | ولما ~~كانوا مع إقرارهم بتمام قدرته كأنهم ينكرون قدرته لإنكارهم البعث قال معللا ~~مؤكدا : { أنه على كل شيء قدير * } لأن الممكنات متساوية الأقدام بالنسبة ~~إلى القدرة , فالقادر قدرة تامة على شيء منها قادر على غيره . | ولما بين ~~أن الدعوة إلى الله أعظم المناصب , وأشرف المراتب , وبين أنها إنما تحصل ~~ببيان دلائل التوحيد التي من اعظمها البعث , وبينه إلى أن كان بهذا الحد من ~~الوضوح , كان مجز التهديد من أعرض عن قبوله : فقال في عبارة عامة له ولغيره ~~, مؤكدا تنبيها على أن فعلهم فعل يظن أنه سبحانه لا يطلع على أعماله : { إن ~~الذين يلحدون * } أي يميلون بصرف المعاني عن القصد وسنن العدل بنحو قولهم { ~~ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } , أو يماحلون باللغو بالمكاء ~~والتصدية وغير ذلك من أنواع اللغظ وكل ما يشمله عما تصح إرادته . | ولما ~~كان الاجتراء على الإلحاد قادحا في الاعتراف بالعظمة , أعاد مظهرها فقال : ~~{ في آياتنا } على ما لها من العظمة الدالة على مل لنا من الوحدانية وشمول ~~العلم وتمام القدرة : ولما كان العلم بالإساءة مع القدرة سببا للأخذ , قال ~~مقررا للعلم بعد تقرير القدرة : { لا يخفون علينا } أي في وقت من الأوقات ~~ولا وجه من الوجوه , ونحن قادرون على أخذهم , فمتى شئنا أخذنا , ولا يعجل ~~إلا ناقص يخشى الفوت . | ولما كان الإلحاد سببا لإلقاء صاحبه ms4520 في النار , ~~وكان التقدير : ونحن نحلم عن العصاة فمن رجع إلينا أمن من كل مخوف , ومن ~~أعرض إلى الممات ألقيناه في النار , سبب عنه قوله تعالى : { أفمن يلقى في ~~النار } أي على وجهه بأيسر أمر بسبب إلحاده في الآيات وإعراضه عن الدلالات ~~الواضحات , فيكون خائفا يوم القيامة لما يرى من مقدمات ذلك حتى يدهمه ما ~~خاف منه { خير أم من يأتي } إلينا { آمنا يوم القيامة } حين نجمع عبادنا ~~للعرض علينا للحكم بينهم بالعدل فيدخل الجنة دار السلام فيدوم أمنه , ~~والآية من الاحتباك : ذكر الإلقاء في النار أولا دليلا على دخول الجنة ~~ثانيا , والأمن ثانيا دليلا على الخوف أولا , وسره أنه ذكر المقصود بالذات ~~, وهو ما وقع الخوف لأجله أولا , والأمن الذي هو العيش في الحقيقة ثانيا . ~~| ولمام كان هذا رادا ولا بد للعاقل عن سوء أعماله إلى الإحسان رجاء إنعام ~~الله وإفضاله , أنتج قوله مهددا ومخوفا ومتوعدا صارفا القول عن الغيبة إلى ~~الخطاب لأنه أدل على الغضب على التمادي بعد هذا البيان : { اعملوا ما شئتم ~~} أي فقد علمتم مصير المشيء والمحسن , فمن أراد شيئا من الجزاءين فليعمل ~~أعماله , فإنه ملاقيه . | ولما PageV06P578 كان العامل لا يطمع في الإهمال ~~إلى على تقدير خفاء الأعمال , والمعمول له لا يترك الجزاء إلا لجهل أو عجز ~~, بين أنه سبحانه محيط العلم عالم بمثاقيل الذر فقال مرغبا مرهبا مؤكدا ~~لأنهم يعملون عمل من يظن أن أعماله تخفى , عادلا عن مظهر العظمة إلى ما هو ~~أدل شيء على الفردانية , لئلا يظن ان مزيد العلم بواسطة كثيرة : { إنه } ~~وقجم أعمالهم تنبيها على الاهتمام بشأنها جدا فقال : { بما تعملون } أي في ~~كل وقت { بصير * } بصرا وعلما , فهو على كل شيء منكم قدير . | ولما جعل ~~إليهم الاختيار في العمل تهديدا , أتبعه الإخبار بما لمن خالقه , فقال ~~مؤكدا لإنكارهم مضامين ما دخل عليه التأكيد : { إن الذين كفروا } أي ستروا ~~مرائي العقول الدالة على الحق مكذبين { بالذكر } الذي لا ذكر في الحقيقة ~~غيره { لكتاب * } أي جامع لكل خير { عزيز * } أي لا يوجد ms4521 مثله فهو يغلب كل ~~ذكر ولا يغلبه ذكر ولا يقرب من ذلك , ويعجز أصلا عن إقعاد مناهض . | < < # | فصلت : ( 42 - 45 ) لا يأتيه الباطل . . . . . # > > ^ ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد * ~~ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم * ~~ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته ءاعجمي وعربي قل هو للذين ~~آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ~~ينادون من مكان بعيد * ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت ~~من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب ) ^ } ) | ولما كان من معاني ~~العزة أنه ممتنع بمتانة رصفه وجزاله نظمه وجلالة معانيه من أن يلحقه تغيير ~~ما , بين ذلك بقوله : { لا يأتيه الباطل } أي البين البطلان إيتان غلبة ~~فيصير أو شيء منه باطلا بينا , ولما كان المراد تعميم النفي , لا نفي ~~العموم , أدخل الجار فقال : { من بين يديه } أي من جهة الظاهر مثل ما أمر ~~أخبر به عما كان قبله { ولا من خلفه } من جهة العلم الباطن مثل علم ما لم ~~يشتهر من الكائن والآتي سواء كان حكما أو خبرا لأنه في غاية الحقية والصدق ~~, والحاصل أنه لا يأتيه من جهة من الجهات , لأن ما قدام اوضح يكون , وما ~~خلف أخفى ما يكون , فما بين ذلك من باب الأولى , فالعبارة كنابة عن ذلك لأن ~~صفة الله لا وراء لها ولا أمام على الحقيقة , ومثل ذلك ليس وراء الله مرمى ~~, ولا دون الله منتهى , ونحوه مما تفهم العرب ومن علم لسانها المراد به دون ~~لبس , ثم علل ذلك بقوله : { تنزيل } أي بحسب التدريج لأجل PageV06P579 ~~المصالح { من حكيم } بالغ الحكمة فهو يضع كل شيء منه في محاله في وقت ~~النزول وسياق النظم { حميد * } أي بالغ الإحاطة الكمال من الحكمة وغيرها ~~والتنزه والتطهر والتقدس عن كل شائبة نقص , يحمده كل خلق بلسان حاله إن لم ~~يحمده بلسان قاله , بما ظهر عليه ms4522 من نقصه أو كماله , والخبر محذوف تقديره : ~~خاسرون لا محالة لأنهم لا يقدرون على شيء مما يوجهونه إليه من الطعن لأنهم ~~عجزة ضعفاء صغرة كما قال المعري : | أرى الجوزاء تكبر أن تصادا فعاند من ~~تطيق له عنادا | وحذف الخبر أهول لتذهب كل مذهب . | ولما وصف الذكر بأنه لا ~~يصح ولا يتصور أن يلحقه نقص , فبطل قولهم { لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا ~~فيه } ونحوه مما مضى وحصل الأمن منه , أتبعه التسلية مما يلحق به من الغم ~~ليقع الصبر على جميع أقوالهم فقال : { ما يقال لك } أي يبرز إلى الوجود ~~قوله سواء كان في ماضي الزمان أو حاضره آو آتيه من شيء من الكفار أو غيرهم ~~يحصل به ضيق صدر أو تشويش فكر من قولهم { قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه } ~~إلى آخره . | وغير ذلك مما تقدم أنهم قالوه له متعنتين به { إلا ما } أي ~~شيء { وقد قيل } أي حصل قوله على ذلك الوجه { للرسل } وأن لم يقل لكل واحد ~~منهم فإنه قيل للمجموع , ونبه على أن ذلك ليس لمستغرق للزمان بل تارة وتارة ~~بإدخال الجار في قوله : { من قبلك } ولما حصل بهذا الكلام ما أريد من ~~التأسية , فكان موضع التوقع لهم أن يحل بهم ما حل بالأمم قبلهم من عذاب ~~الاستئصال , وكان صلى الله عليه وسلم شديد الشفقة عليهم والمحبة لصلاحهم , ~~سكن سبحانه ورعه بالإعلام بأن رحمته سبقت غضبه فقال مخوفا مرجيا لأجل إنكار ~~المنكرين : { إن } وأشار إلى مزيد رفعته بذكر صفة الإحسان وإفراد الضمير ~~فقال : { ربك } أي المحسن إليك بأرسالك وإنزال كتابه إليك , ومن أكرم بمثل ~~هذا لا ينبغي له أن يحزن لشيء يعرض { لذو مغفرة } أي عظيمة جدا في نفسها ~~وزمانها ومكانها لمن يشاء منهم , فلا يقطع لأحد شقاء . | ولما رغبهم ~~باتصافه بالمغفرة , رهبهم باتصافه بالانتقام , وأكد باعادة ( ذو ) والواو ~~فقال : { وذو عقاب } والختم بما رويه الميم مع تقديم الاسم الميمي في التي ~~قبلها دال للأشعري الذي قال بأن الفواصل غير مراعية في الكتاب العزيز , ~~وإنما المعول عليه المعاني ms4523 لا غير , والمعنى هنا على إيلام من كانوا يؤلمون ~~أولياءه باللغو عند التلاوة الدالة على غاية العناد , فلذلك قدم حكيم , ولم ~~يقل شديد , وقال : { أليم * } أي كذلك , فلا يقطع لأحد نجاة إلا من أخبر هو ~~سبحانه بإشقائه أو إنجائه , وقد تقدم فعله لكل PageV06P580 من الأمرين أنجى ~~ناسا وغفر لهم كقوم يونس عليه الصلاة والسلام , وعاقب آخرين , وسيفعل في ~~قومك من كل من الأمرين ما هو الأليق بالرحمة بإرسالك , كما أشار إليه ~~ابتداؤه بالمغفرة , فالآية نحو : إن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم , ولعله ~~لم يصرح هنا تعظيما للقرآن الذي الكلام بسببه . | ولما افتتحت السورة بأنه ~~أنزل على أحسن الوجوه وأجملها وأعلاها وأبينها وأكملها من التفصيل , والجمع ~~والبيان بهذا اللسان العظيم الشأن , فقالوا فيه ما وقعت هذه التسلية لأجله ~~من قولهم { فلوبنا في أكنة } إلى آخره , وكان ربما قال قائل ؛ لو كان بلسان ~~غير العرب , وأعطى هذا النبي فهمه والقدرة وعلى تنبييه لكان أقوى في ~~الإعجاز وأجدر بالاتباع , أخبر أن الأمر ليس كذلك , لأنهم لم يقولوا : هذا ~~الشك حصل لهم في أمره , بل عنادا , والمعاند لا يرده شيء , فقال على سبيل ~~التأكيد , معلما بأن الأمر على غير ما ظنه هذا الظان , وقال الأصبهاني : ~~إنه جواب عن قولهم { وقالوا قلوبنا في أكنه } . | والأحسن عندي أن يكون ~~عطفا على { فصلت آياته قرآنا عربيا } وبناه للمفعول لأنه بلسانهم فلم يحتج ~~إلى تعيين المفصل , فيكون التقدير : فقد جعلناه عربيا معجزا , وهم أهل ~~العلم باللسان , فأعرضوا عنه وقالوا فيه ما تقدم , ولفت القول عن وصف ~~الإحسان الذي اقتضى أن يكون عربيا إلى مظهر العظمة الذي هو محط إظهار ~~الاقتدار وإنفاذ الكلمة { ولو جعلناه } أي هذا الذكر بما لنا من العظمة ~~والقدرة { قرآنا } أي على ما هو عليه من الجمع { أعجميا } أي لا يفصح وهو ~~مع ذلك على وجه يناسب عظمتنا ليشهد كل أحد أنه معجز للعجم كما أن معجز ~~للعرب وأعطيناك فهمه والقدرة على إفهامهم إياه { لقالوا } أي هؤلاء ~~المتعنتون فيه كما يقولون في هذا بغيا ms4524 وتعنتا : { لولا } أي هلا ولم لا { ~~فصلت آياته } أي بينت على طريقة نفهمها بلا كلفة ولا مبين , حال كونه قرآنا ~~عربيا كما قدمنا أول السورة . | ولما تبين بشاهد الوجود أنهم قالوا في ~~العربي الصرف وبشهادة الحكيم الودود , وأنهم يقولون في الأعجمي الصرف , لم ~~يبق إلا المختلط منهما المنقسم إليهما , فقال مستانفا منكرا عليهم للعلم ~~بأن ذلك منهم مجرد لدد لا طلبا للوقوف على سبيل الرشد : { أعجمي } أي ~~أمطلوبكم أو مطلوبنا - على قراءة الخبر من غير استفهام - أعجمي { وعربي } ~~مفصل باللسانين , والأعجمي كما قاله الرازي في اللوامع : الذي لا يفصح ولو ~~كان عربيا والعجمي من العجم ولو تفاصح بالعربية . | ولما كان من الجائز أن ~~يقولوا : نعم , ذلك مطلوبنا , وكان نزولا من الرتبة العليا إلى ما دونها مع ~~أنه لا يجيب إلى المقترحات إلا مريد للعذاب , أو عاجز عن إنفاذ ما ~~PageV06P581 نريد , بين أن مراده نافذ من غير هذا فقال : { قل هو } أي هذا ~~القرآن على ما هو عليه من العلو الذي لا يمكن أن يكون شيء يناظره { للذين ~~آمنوا } أي أردنا وقوع الإيمان منهم { هدى } بيان لكل مطلوب { شفاء } لما ~~في صدروهم من داء الكفر والهواء شفاء للعلماء حيث استراحوا من كد الفكرة ~~وتحير الخواطر وشفاء لضيق صدور المريدين بما فيه من التنعيم بقراءته ~~والتلذذ بالتفكر فيه , ولقلوب المحبين من لواعج الاشتياق بما فيه من لطائف ~~المواعيد , ولقلوب العارفين بما يتوالى عليها من أنوار التحقيق وآثار خطاب ~~الرب العزيز { والذين لا يؤمنون } أي أردنا أنه لا يتجدد منهم إيمان { في ~~آذانهم وقر } أي ثقل مذهب للسمع مصم , فهم لذلك لا يسمعون سماعا ينفعهم ~~لأنهم بادروا إلى رده أول ما سمعوه وتكبروا عليه فصاروا لا يقدرون على ~~تأمله فهزهم الكسل وأصمهم الفشل فعو عليهم فهمه { وهو عليهم } أي خاصة { ~~عمى } مستعل على أبصارهم وبصائرهم لازم لهم , فهم لا يعونه حق الوعي , ولا ~~يبصرون الداعي به حق الإبصار , فلهم به ضلال وداء , فلذلك قالوا { ومن ~~بيننا وبينك حجاب } وذلك لما يحصل لهم من ms4525 الشبه التي هيئت قلوبهم لقبولها , ~~أو يتمادى بهم في الأوهام التي لا يألفون سوى فروعها وأصولها , فقد بان لأن ~~سبب الوقر في آذانهم الحكم بعدم إيمانهم للحكم بإشقائهم , فالآية من ~~الاحتباك : ذكر الهدى والشفاء اولا دليلا على الضلال والداء ثانيا , والوقر ~~والعمى ثانيا دليلا على السمع والبصائر أولا , وسر ذلك أنه ذكر أمدح صفات ~~المؤمنين وأذم صفات الكافرين , لأنه لا أحقر من أصم أعمى . | ولما بان بهذا ~~بعدهم عن عليائه وطردهم عن فنائه قال : { أولئك } أي البعداء البغضاء ~~مثالهم مثال من { ينادون } أي يناديهم من يريد نداءهم غير الله { من مكان ~~بعيد * } فهم بحيث لا يتأبى سماعهم , وأما الأولون فهم ينادون بما هيئوا له ~~من القبول من مكان قريب , فهذه هي القدرة الباهرة , وذلك أن شيئا واحدا ~~يكون لناس في غاية القرب ولناس معهم في مكانهم في أنهى البعد . | ولما كان ~~التقدير : فلقد آتيناك الكتاب على هذه الصفة من العظمة , فاختلفت فيه أمتك ~~على ما أعلمناك به أول البقرة من انقسام الناس فعاقبنا الذين تكبروا عليه ~~أن ختمنا على مشاعرهم , عطف عليه مسليا قوله مؤكدا لمن يقول من أهل الكتاب ~~إضلالا : لو كان نبيا ما اختلف الناس عليه ونحو ذلك مما يلبس به : { ولقد ~~آتينا } أي على ما لنا من العظمة { موسى الكتاب } أي الجامع لما فيه هداهم ~~{ فاختلف } أي وقع الاختلاف { فيه } أي من أمته كما وقع في هذا الكتاب لأن ~~الله تعالى خلق الخلق للاختلاف مع ما PageV06P582 ركب فيهم من العقول ~~الداعية إلى الإنفاق { ولولا كلمة } أي إرادة { سبقت } في الأزل , ولفت ~~القول إلى صفة الأحسان ترضية بالقدر وتسلية , وزاد بإفراده بالإضافة فقال : ~~{ من ربك } أي المحسن إليك بتوفيق الصالح لاتباعك وخذلان الطالح بالطرد عنك ~~لإراحتك منه من غير ضرر لدينك وبإهمال كل إلى أجل معلوم ثم إمهال الكل إلى ~~يوم الفصل الأعظم من غير استئصال بعذاب كما صنعنا بغيرهم من الأمم { لقضي } ~~أي وقع القضاء الفصيل { بينهم } المختلفين بإنصاف المظلوم من ظالمه الآن . ~~| ولما علم بهذا وغيره ms4526 أن يوم القيامة قد قدره وجعله موعدا من لا يبدل ~~القول لديه , فاتضح أنه لا بدلا منه ولا محيد عنه وهو يجادلون فيه , قال ~~مؤكدا : { إنهم لفي شك } أي محيط بهم { منه } أي القضاء يوم الفصل { مريب * ~~} أي موقع في الريب وهو التهمة والاضطراب بحيث لا يقدرون على التخلص من ~~دائرته أصلا . | < < # | فصلت : ( 46 - 48 ) من عمل صالحا . . . . . # > > ^ ( من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها وما ربك بظلام للعبيد * ~~إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا ~~تضع إلا بعلمه ويوم يناديهم أين شركآئي قالوا آذناك ما منا من شهيد * وضل ~~عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا ما لهم من محيص ) ^ } ) | ولما تقرر بما ~~مضى أن المطيع ناج , وتحرر أن العاصي هالك كانت النتيجة من غير تردد : { من ~~عمل صالحا } كائنا من كان من ذكر أو أنثى { فلنفسه } أي فنفع عمله لها ~~ببركتها به لا يتعدادها , والنفس فقيرة إلى التزكية بالأعمال الصالحة لأنها ~~محل النقائص , فلذا عبر بها , وكان قياس العبارة في جانب الصلاح . | ( ومن ~~عمل سيئا ) فأفاد العدول إلى ما عبر به مع ذكر العمل أولا الذي مبناه العلم ~~أن الصالح تتوقف صحته على نيته , وأن السيء يؤاخذ به عامله في الجملة من ~~الله أو الناس ولو وقع خطأ فلذا قال : { ومن أساء } أي في عمله { فعليها } ~~أي على نفسه خاصة ليس على غيره منه شيء . # ولما كان لمقصد السورة نظر كبير إلى الرحمة , كرر سبحانه وصف الربوبية ~~فيها كثيرا , فقال عاطفا على ما تقديره : فما ربك بتارك جزاء أحد أصلا خيرا ~~كان أو شرا : { وما ربك } أي المحسن إليك بإرسالك لتتميم مكارم الأخلاق . | ~~ولما كان لا يصح أصلا ولا يتصور أن ينسب إليه سبحانه ظلم , عبر للدلالة على ~~ذلك بنكرة في سياق النفي دالة على النسبة مقرونة بالجار فقال : { بظلام } ~~أي بذم ظلم { للعبيد * } أي الجنس فلا يتصور أن يقع منه ظلم لأحد أصلا لأن ~~له الغنى المطلق والحكمة البالغة ms4527 , وعبر ب ( عبيد ) دون عباد لأنه موضع ~~إشفاق وإعلام بضعف وعدم قدرة على PageV06P583 انتصار وعناد يدل على طاعة ~~وعدم حقارة بل إكرام هذا أغلب الاستعمال , ولعل حكمة التعبير بصيغة ~~المبالغة الإشارة ألى أنه ترك الحكم والأخذ للمظلوم من الظالم , لكن بليغ ~~الظلم من جهة الحكمة التي هي وضع الأشياء في أتقن محالها ثم من جهة وضع ~~الشيء وهو العفو عن المسيء وترك الانتصار للمظلوم في غير موضعه , ومن جهة ~~التسوية بين المحسن والمسيء , وذلك أشد في تهديد الظالم لأن الحكيم لا ~~يخالف الحكمة فكيف إذا كانت المخالفة في غاية البعد عنها - هذا مع أن ~~التعبير بها لا يضر لأنها موضوعة أيضا للنسبة إلى أصل المعنى مطلقا ولأن ~~نفي الظلم مصرح به في آيات أخرى . | ولما تضمنت الآية السالفة الجزاء على ~~كل جليل وحقير , وقليل وكثير , والبراءة من الظلم , كما قال تعالى { وضى ~~بينهم بالحق وهم لا يظلمون } < # > 77 ( { ووفيت كل نفس ما علمت } ) 77 < # > [ آل عمران : 25 ] { وهو أعلم بما يفعلون } وأشير إلى التوعد بالجزاء ~~في يوم الفصل لأنا نشاهد أكثر الخلق يموت من غير جزاء , وكان من عادتهم ~~السؤال عن علم ذلك اليوم , وكان ترك الجزاء إنما يكون للعجز , والظلم إنما ~~يكون للجهل , لأنه وضع الأشياء في غير محالها فعل الماشي في الظلام , دل ~~على تعاليه عن كل منهما بتمام العلم المستلزم لشمول القدرة على وجه فيه ~~جوابهم عن السؤال عن علم الوقت الذي تقوم به الساعة الذي كان سببا لنزول ~~هذه الآية - كما ذكره ابن الجوزي - بقوله على سبيل التعليل : { إليه } أي ~~إلى المحسن إليك لا إلى غيره { يرد } من كل راد { علم الساعة } أي التي لا ~~ساعة في الحقيقة غيرها , لما لها من الأمور التي لا نسبة لغيرها بها , فهي ~~الحاضرة لذلك في جميع الأذهان , وإنما يكون الجزاء على الإساءة والإحسان ~~فيها حتى يظهر لكل أحد ظهورا بينا لكل أحد أنه لا ظلم أصلا , فلا يمكن أن ~~يسأل أحد سواه عنها ويخبر عنها بما يغنى في تعيين ms4528 وقتها وكيفيتها وصنعتها , ~~وكلما انتقل السائل من مسؤول ألى أعلم منه وجده كالذي قبله حتى يصل الأمر ~~إلى الله تعالى , والعالم منهم هو الذي يقول : الله أعلم , فاستئثاره ~~بعلمها دال على تناهي علمه , وحجبه له عن كل من دونه دال على تمام قدرته , ~~واجتماع الأمرين مستلزم لبعده عن الظلم , وأنه لا يصح اتصافه به , فلا بد ~~من إقامته لها ليوفي كل ذي حق حقه , ويأخذ لكل مظلوم ظلامته غير متعتع . | ~~ولما كانوا ينازعون في وقوعها فضلا عن العلم بها , عدها أمرا محققا مفروغا ~~منه وذكر ما يدل على شمول علمه لكل حادث في وقته دليلا على علمه بما يعين ~~وقت الساعة , وذلك على وجه يدل على قدرته عليها وعلى كل مقدور بما لا نزاع ~~لهم فيه من PageV06P584 ثمرات النبات والحيوان التي هي خبء في ذوات ما هي ~~خارجة منه , فهي كخروج الناس بعد موتهم من خبء الأرض , فقال مقدما للرزق ~~على الخلق كما هو الأليق , عطفا على ما تقديره : فما يعلمها ولا يعلمها إلا ~~هو : { وما تخرج } أي في وقت من الأوقات الماضية والكائنة والاية , فإن ( ~~ما ) نافية لا تدخل إلا على معناه الحلول , فالمراد مجرد تصوير إن كان ~~زمانه قد مضى أو لم يأت , وأكد النفي بالجار فقال : { من ثمرات } أي صغيرة ~~أو كبيرة صلحة أو فاسدة من الفواكه والحبوب وغيرها ؛ والإفراد في قراءة ~~الجماعة للجنس الصالح للقليل والكثير , نبهت قراءة نافع وابن عامر وحفص عن ~~عاصم بالجمع على كثرة الأنواع { من أكملها } جمع كم وكمامة بالكسر فيهما ~~وهو وعاء الطلع وغطاء النور , وكل ما غطى على وجه الإحاطة شيئا من شابه أن ~~يخرج فهوكم , ومنه قيل للقلنسوة : كمة , ولكم القميص ونحوه : كم , رأى إلا ~~بعلمه { وما تحمل من أنثى } خداجا أو تماما , ناقصا أو تاما , وكذا النفي ~~باعادة النافي ليشمل كلا على حياله , وعبر ( لا ) لأن الوضع ليس كالحمل يقع ~~في لحظة بل يطول زمان انتظاره فقال : { ولا تضع } حملا حيا أو ميتا { إلا } ~~حال كونه ملتبسا { بعلمه ms4529 } ولا علم لأحد غيره بذلك , ومن ادعى علما به ~~فليخبر بأن ثمرة الحديقة الفلانية والبستان الفلاني والبلد الفلاني تخرج في ~~الوقت كذا أو لا تحمل العام شيئا , ومن المعلوم أنه لا يحيط بهذا علما إلا ~~الله سبحانه وتعالى . | ولما ثبت بهذا علمه صريحا وقدرته لزوما وعجز من ~~سواه وجهله , وتقرر بذلك أمر الساعة من أنه قادر عليها بما أقام عليها بما ~~أقام من الأدلة , وأنه لا بد من كونها لما وعد به من تكوينها لينصف لمظلوم ~~من ظالمه لأنه حكيم ولا يظلم أحدا وإن كانوا في إيجادها ينازعون , ولم ~~ينكرون قال تعالى مصورا ما تضمنه ما سبق من جهلهم , ومقررا بعض أحوال ~~القيامة , عاطفا على أرشد السياق إلى تقديره من نحو : فهو على كل شيء قدير ~~لأنه على كل شيء شهيد وهم بخلاف ذلك , مقررا قدرته تصريحا وعجز ما ادعوا من ~~الشركاء : { ويوم يناديهم } أي المشركين بعد بعثهم من القبور , للفصل بينهم ~~في سائر الأمور فيقول المحسن إليك بأنواع الإحسان الذي منه إنصاف المظلوم ~~من ظالمه على سبيل الأمور فيقول المحسن إليك بأنواع الإحسان الذي منه إنصاف ~~المظلوم من ظالمه على سبيل التوبيخ والتقريع والتنديم : { أين شركائي } أي ~~الذين زعمتم أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم ويحمونكم من العقاب واللوم , ~~والعامل في الظرف { قالوا } أي المشركون : { آذناك } أي اعلمناك سابقا ~~بألسنة أحوالنا والآن بألسنة مقالنا , وفي كلتا الحالتين أنت سامع لذلك ~~لأنك سامع لكل ما يمكن أن يسمع وإن لم يسمعه غيرك , PageV06P585 ولذا عبروا ~~بما منه الإذن { ما منا } وأكدوا النفي بإدخال الحار في المبتدأ المؤخر ~~فقالوا : { من شهيد * } أي حي دائما حاضر جون غيبة , مطلع على ما يريد من ~~غير خفاء بحيث لا يغيب عن علمه شيء فيخبر بما يخبر به على سبيل القطع ~~والشهادة , فآل الأمر إلى أن المعنى : لا نعلم أي ما كنا نسميهم شركاء لأنه ~~ما منا من هو محيط العلم . | ولما قرر جهلهم , أتبعه عجزهم فقال : { وضل } ~~أي ذهب وشد وغاب وخفي { عنهم } ولما كانت ms4530 معبوداتهم إما ممن لا يعقل ~~كالأصنام وإما في عداد ذلك لكونهم لا فعل لهم في الحقيقة , عبر عنهم بأداة ~~ما لا يعقل فقال : { ما كانوا } أي دائما { يدعون } في كل حين على وجه ~~العادة . | ولما كان دعاؤهم لهم غير مستغرق القبل , أدخل الجار فقال : { من ~~قبل } فهم لا يرونه فضلا عن أنهم يجدون نفعه ويلقونه , كأنهم كانوا لما هم ~~عريقون فيه من الجهل وسوء الطبع يتوقعون أن يظفروا بهم فيشفعوا لهم , فلذلك ~~عبر بالظن في قوله : { وظنوا } أي في ذلك الحال { ما لهم } وأبلغ في النفي ~~بإدخال الجار على المبتدأ المؤخر فقال { من محيص * } أي مهرب وملجأ ومعدل . ~~| < < # | فصلت : ( 49 - 51 ) لا يسأم الإنسان . . . . . # > > ^ ( لا يسأم الإنسان من دعآء الخير وإن مسه الشر فيئوس قنوط * ولئن ~~أذقناه رحمة منا من بعد ضرآء مسته ليقولن هذا لي ومآ أظن الساعة قآئمة ولئن ~~رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم ~~من عذاب غليظ * وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر ~~فذو دعآء عريض ) ^ } ) | ولما دل أتباعهم للظن حتى في ذلك اليوم الذي تنكشف ~~فيه الأمور , وتظهر عظائم المقدور , وغلقاؤهم بأيدهم فيه على أنهم في غاية ~~العراقة في الجهل والرسوخ في العجز , أتبع ذلك الدليل على أن ذلك طبع هذا ~~النوع فلا يزال متبدل الأحوال متغير المناهج , إن أحسن بخير انفتح عظمه ~~وتطاول كبرا , وإن مس ببلاء تضاءل ذلا وأمتلأ ضعفا وعجزا , وذلك ضد مقصود ~~السورة الذي هو العلم , بيانا لأن حال هذا النوع بعيد من العلم , عريق ~~الصفات في الجهل والشر إلا من عصمه الله فقال تعالى : { لا يسئم } أي يمل ~~ويضجر { الإنسان } أي من الإنس بنفسه الناظر في أعطافه , الذي لم يتأهل ~~للمعارف الإلهية والطرق الشرعية { من دعاء الخير } أي من طلبه طلبا عظيما , ~~وذلك دال مع شرهه على جهله , فإنه لو كان عالما بان الخير يأتيه أو لا ~~يأتيه لخفف عن نفسه من جهده في الدعاء ^ ( { ولو كنت أعلم بالغيب لاستكثرت ms4531 ~~من الخير وما مسني السوء } ) ^ [ الأعراف : 188 ] { وإن مسه الشر } أي هذا ~~النوع قليله وكثيره بغتة من جهة لا يتوقعها PageV06P586 { فيؤوس } أي عريق ~~في اليأس , وهو انقطاع الرحاء والأمل والحزن العظيم والقطع بلزوم تلك ~~الحالة بحيث صار قدوة في ذلك { قنوط * } أي مقيم في دار انقطاع الأمل ~~والخواطر الرديئة , فهو تأكيد للمعنى على أحسن وجه وأتمه , وهذا هو ما طبع ~~عليه الجنس , فمن أراد الله به منهم خيرا عصمه , ومن أراد به شرا أجراه مع ~~الطبع فكان كافرا , وهو أن ينقطع رجاؤء من الخير , والقنوط أن يظهر عليه ~~آثار اليأس فيتضاءل وينكسر , وبدأ بصفى القلب لأنها عي المؤثرة فيها يظهر ~~على الصورة من الانكسار . | ولما دل ذلك على عظيم جهله وغلبة أفكاره ~~الرديئة على عقله , أتبعه تأكيدا لذلك ما يدل على أن حاله بعد هذا اليأس ~~الذي قطع فيه ملزوم الشر وامتناع حصول الخير أنه لو عاودته النعمة بغتة من ~~وجه لا يرجوه , وليس له دليل على ما دوامها وانصرافها لعاد إلى البطر ~~والكبر والأشر , ونسي ما كان فيه من الشدة , فقال مسندا إلى نفسه الخير بعد ~~أن ذكر الشر , ولم يسنده إليه تعليما للأدب معبرا بمظهر العظمة تنبيها على ~~أن ذلك من جليل التدبير { ولئن أذقناه } أي الإنسان الذي غلبت عليه حالة ~~الأنس بنفسه حنى أسفلته عن أبناء جنسه إلى رتبة الحيوانات العجم بل دونها . ~~| ولما أخبر آخر الآية السالفة عن حاله عند الشر , قدم هنا ضده على صلته ~~اهتماما به خلاف ما في سورة هود عليه السلام فقال : { رحمة منا } أي نعمة ~~عظيمة دلت على إكرامه من جهة لا يرجوها , وهو من فائدة التعبير بأداة الشك ~~, ودل بإثبات الجار على انفصالها عن الضر مع قرب زمانها منه ليكون قد جمع ~~مباشرة الأحوال الثلاث : الانتقام والإكرام وما بينهما من الوسط الذي بين ~~حالتي الرضا والسخط , ثم شرع بيان ذلك فقال : { من بعد ضراء } أي محنة وشدة ~~عظيمة { مسته } فطال بروكها عليه ؛ وأجاب القسم لتقدمه على الشرط بقوله : { ~~ليقولن } بمجرد ms4532 ذوق تلك الرحمة على أنها ربما كانت بلاء عظيما لكونها ~~استدراجا إلى الهلاك : { هذا } أي الأمر العظيم { لي } أي مختص بي لما لي ~~من الفضل , لا مشاركة لأحد معي فيه مع أنه ثابت لا يتغير انتقالا من حالة ~~اليأس إلى حالة الأمن والبطر والكبر والأشر على قرب الزمن من ذوق المحن ~~وينسى أنها من فضل الله ليقيدها بشكرها , ويطردها بكفرها { قائمة } أي ~~ثابتا قيامها , فقطع الرجاء منها سواء عبر عن ذلك بلسان قاله أو بلسان حاله ~~, لكونه يفعل أفعال الشاك فيها كما كان قطع الرجاء من الخير عند مباشرته ~~للشر لكنه هنا قال على سبيل التقدير : والفرض , لدفع من يعظه محققا لدوام ~~نعمته : { ولئن رجعت } أي على سبيل PageV06P587 الفرض بقسر قاسر ما { إلى ~~ربي } أي الذي أحسن إلي بهذا الخير الذي أنا فيه { إن لي عنده } وأكده على ~~من يعظه بأنه يعذب إن لم يحسن قبله وقالبه { للحسنى } أي الحالة والرتبة ~~البالغة في الحسن حدا لا يوصف لأني أهل لذلك , والدليل على تأهيلي له ما ~~أنا فيه الآن من الخير , ونسي ما يشاهده غالبا من أن كثيرا من النعم يكون ~~للاستدارج , ومن أن كثيرا من الناس يكون في غاية النعمة فيصبح وقد أحاطت به ~~كل نقمه , فهو بين أمنيتين في الدنيا بقوله هذا , وفي الاخرة يقول : يا ~~ليتي كنت ترابا , فلا يزال في المحال - نعوذ بالله من سوء الحال . | ولما ~~كان هذا هو الكفر الصراح لنسيان نعمة المنعم وجعله الإنعام من الواجب ~~اللازم وشكه فيما أخبر سبحانه على ألسنة جميع الرسل أنه محط حكمته , سبب ~~عنه سبحانه قوله , مؤكدا في نظير تأكيد هذا الناسي : { فلننبئن } أي تنبئة ~~عظيمة بخير الوصف فيها مستقصاة على سبيل العدل , وجعل الضمير الوصف تصريحا ~~بالعموم وبيانا للعلة الموجبة فقال : { الذين كفروا } أي ستروا ما دلت عليه ~~العقول , وأوجبته صرائح النقول , من إقامة الساعة لأظهار جلاله وجماله , ~~ومن أنه تعالى يحل بالإنسان السراء والضراء ليخافه ويرجوه ويشكره ويدعو { ~~بما عملوا } لا ندع منه قليلا ولا كثيرا ms4533 صغيرا ولا كبيرا , فليرون عيانا ضد ~~ما ظنوه في الدنيا من أن لهم الحسنى < # > 77 ( { وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا } ) 77 < # > [ الفرقان : 23 ] { من عذاب غليظ * } لا يدع جهة من أجسامهم ولا قواهم ~~إلا أحاط بها ولا تقوى على دفعة قواهم . | ولما بين جهل الإنسان في حالات ~~مخصوصة باليأس عند مس الشر , والأمن عن ذوق النعمة بعد الضر , بين حاله عند ~~النعمة مطلقا ودعاءه عند الشر وإن كان قانطا تكريرا لتقلب أحواله وتناقص ~~أقواله وأفعاله تصريفا لذلك على وجوه شتى ليكون داعيا له إلى عدم الأنفة من ~~الرجوع عن الكفر إلى الإيمان , ومسقطا عنه خوف الشبه بذلك والنسبة إلى ~~الخفة وعدم الثبات , فقال معبرا بأداة التحقيق دلالة على غلبة نعمه تعالى ~~في الدنيا لنقمه , ودلالة على حالة الإنسان عند مس النعمة من جهة يتوقعها ~~بعد بيان حاله عند مسها بغتة من غير توقع تأكيدا لبيان جهله حيث جعل ظرف ~~النعمة ظرفا للإعراض من غير خوف من نزعها على قرب عهده بالضر : { وإذا ~~أنعمنا } مما لنا من العظمة يعبر في هذا الجانب بما عبر به في الذي بعده ~~إيذانا بأن المعرض مسيء لمجرد الإعراض لا المبالغة فيه فقال : { أعرض * } ~~أي انحرف عن وسواء القصد إلينا عنا في PageV06P588 جميع مدة النعمة - بما ~~أفهمه الظرف , فلم يقيد تلك النعمة بالشكر بعد ما رأى من حلالنا , قاطعا ~~تلك النعمة خير محض ظاهرا وباطنا فهو يستديمها , وربما كانت بلاء استدراجا ~~وامتحانا { وناء } أي أبعد إبعادا شديدا بحيث جعل بيننا وبينه حجابا عظيما ~~حال كونه مال { بجانبه } أي بشقه كناية عن تكبره وبأوه وإعجابه بنفسه وزهوة ~~وتصويرا له بمن كلمته فازور عنك والتوى , وأبعد في ضلاله وغوى . | ولما ~~تقدم حال الإنسان عند مس الشر بغتة , بين حاله عند مسه وهو يتوقعه , فقال ~~معبرا في جانب الشر بأداة التحقيق على غير عادة القرآن في الأغلب , ليدل ~~على أنه لزيادة جهله على الحد يلزم الكبر وإن كان يتوقع الشر ولا يزال حاله ~~حال الآمن ms4534 إلى أن يخالطه وحينئذ تنحل عراه وتضمحل قوله : { وإذا مسه الشر } ~~أي هذا النوع قليله وكثيره لانتقامنا منه , فالآية من الاحتابك : ذكر ~~الإنعام أولا دليلا الانتقام ثانيا وذكر الشر ثانيا دليل الخير أولا , وسره ~~تعليم الأدب بنسبة الإنعام دون الشر إليه وإن كان الكل منه . | ولما كان ~~تعظيم العرض دالا على عظمة الطول , قال معبرا بما يدل على الملازمة والدوام ~~: { فذو دعاء } أي في كشفه , وربما كان نعمة باطنة وهو لا يشعر ولا يدعو ~~إلا عند المس , وقد كان ينبغي له أن يشرع في الدعاء عند التوقع بل قبله ~~تعرفا إلى الله تعالى في الرخاء ليعرفه في الشدة وهو خلق شريف لا يعرفه إلا ~~أفراد خصهم الله بلطفه , فدل تركه على عدم شره لما مضى وخفة لما يأتي ~~ومفاجأته للزوم الدعاء عند المس على دعم صبره وتلاشي جلده وقله حيائه { ~~عريض * } أي مديد العرض جدا , وأما طوله فلا تسأل عنه , وهذا كناية عن ~~النهاية في الكثرة . | < < # | فصلت : ( 52 - 54 ) قل أرأيتم إن . . . . . # > > ^ ( قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق ~~بعيد * سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم ~~يكف بربك أنه على كل شيء شهيد * ألا إنهم في مرية من لقآء ربهم ألا إنه بكل ~~شيء محيط ) ^ } ) | ولما ذكر سبحانه من احوالهم المندرجة في أحوال هذا ~~النوع كله ما هو مكشوف بشاهد الوجود من أنه لا ثبات لهم لا سيما عند ~~الشدائد إعلاما بالعراقة في الجهل والعجز , دل على الأمرين معا بما لا يمكن ~~عاقلا دفعه من أنهم لا يجوزون الممكن فيعدون له ما يمتعه على تقدير وقوعه , ~~فأمره صلى الله عليه وسلم أن يذكر ذلك إيذانا بالإعراض عنهم دليلا على ~~تناهي الغضب : { قل أرأيتم } أي أخبروني { إن كان } أي هذا القرآن الذي ~~نصبتم لمغالبته حتى الإعراض عن السماع باللغو حال قراءته من الصفير ~~والتصفيق PageV06P589 وغير ذلك , وليس ذلك منكم صادرا عن حجة قاطعة في أمره ~~أتم ms4535 معها على يقين بل هو عن خفة وعدم تأمل منكم أنه { من عند الله } الذي ~~له الإحاطة بجميع صفاات الجلال والجمال فهو لا يغالب . | ولما كان الكفر به ~~على هذا التقدير في غاية البعد , وكان مقصود السورة دائرا على العلم , نبه ~~على ذلك بأداة التراخي مع الدلالة على أن ذلك ما كان منهم إلا بعد تأمل ~~طويل , فكانوا معاندين حتى نزلوا بالصفير والتصفيق من أعلى رتب الكلام إلى ~~أصوات الحيوانات العجم فقال : { ثم كفرتم به } أي بعد إمعان النظر فيه ~~والتحقق لأنه حق , فكنتم بذلك في شقاق هو في غاية البعد من الملائمة لمن لم ~~يزل يستعطفكم بجميل أفعاله , ويردكم بجليل أقواله وآمن به غيركم لأنه من ~~عند الله { من أضل } منكم - هكذا كان الأصل ولكنه قال : { ممن هو في شقاق } ~~أي لأولياء الله { بعيد * } تنبيها على أنهم صاروا كذلك , وأن من صار كذلك ~~فقد عرض نفسه لسطوات الله وتعالى التي من واقعته هلك لا محالة , ومن أهدى ~~ممن هو في إسلام قريب وهو الذي آمن لأنه سالم الله الذي من سالمه سالمه كل ~~شيء , فنجا من كل خطر - فالآية من الاحتباك : ذكر الكفر أولا دليلا على ~~الإيمان ثانيا , والضلال ثانيا دليلا على الهدى أولا , وسره أن يذكر المضار ~~أصدع للقلب فهو أنفع في الوعظ . | ولما كان هذا محزنا للشفوق عليهم لإفهامه ~~لشدة بعدهم عن الرجوع , قال منبها على أنه إذا أراد سبحانه قرب ذلك منهم ~~غاية القرب لافتا القول إلى مظهر العظمة إيذانا بسهولة ذلك عليه : { سنريهم ~~} أي عن قرب بوعد لا خلف فيه { آياتنا } أي على ما لها من العظمة { في ~~الآفاق } أي النواحي , جمع أفق كعنق وأعناق , أبدلت الهمزة الثانية ألفا ~~لسكونها بعد مثلها , أي وظهر من نواحي الفلك أو مهب الرياح , وذلك بما يفتح ~~الله من البلاد بغلب أهلها بوقائع كل واحد منها علم من أعلام النبوة , ~~وشاهد عظيم كاف في صحة الرسالة , تصديقا لوعده سبحانه وما أهلك من أهلها ~~لنصر أنبيائه ورسله وبما فيها من ms4536 عجائب الصنع وغرائب الآثار والوضع باختلاف ~~الأحكام مع اتفاق جواهرها في النجانس - وغير ذلك من الآيات بالبصر اللاتي ~~يشرحها بآيات السمع . | ولما كان الإيمان بالغيب هو المعتبر , وكل ما كان ~~أقرب إليه كان أقرب إلى الكمال , وكانت آيات الآفاق أقرب إلى ذلك , بدأ بها ~~, ثم قال : { وفي أنفسهم } أي من ما في الآدمي نفسه من بدائع الآيات وعجائب ~~الخلق وغرائب الصنعة وما فيه من أمارات الحدوث واختلاف الأوصاف وغير ذلك من ~~الشواهد المطابقة لما تضربه من الأمثال PageV06P590 والدلائل المعقولة عند ~~اعتبار الأقوال والأفعال , وبما في بلاد العرب من الآيات المرئية من نفي ~~بعد إسراعهم إليه وإطباقهم عليه وإثبات التوحيد عن جميعهم بعد إبعادهم عنه ~~وقتالهم الداعي إليه , وقد بين سبحانه في هذه من آيات الآفاق في آية { ~~أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } وما شاكلها , وفي الأنفس في آيات ~~{ فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود والذي من بعدهم } ونحوها , وآيات ~~{ لا يسئم الإنسان من دعاء الخير } إلى آخرها الدالة على أن الإنسان مبني ~~أمره على الجهل والعجز , فأكثر ما يتصوره ليس كما تصوره , فعليه أن يتأمل ~~كتاب ربه ويتدبره - والله أعلم , قال الرازي في اللوامع : الاستدلال ~~بالأفعال على فاعلها واضح وطريق لائح , والأفعال على قسمين أحدهما الآفاق ~~وهو جملة العالم , والثاني النفوس , فإن تصرف التدبير وعلم صفاتها من أنها ~~باقية بغير البدن لا يحتاج في قوامها عرف ربه وصفاته من وحدانيته وعلمه ~~وقدرته وإرادته وتصرفه في جلمة العالم يعني وأن وجوده تعالى مباين وجود ~~غيره . | ولما كان التقدير : ولا نزال نواتر ذلك شيئا في أثر شيء , عطف ~~عليه قوله : { حتى يتبين لهم } غاية البيان بنفسه من غير إعمال فكر { أنه } ~~أي القرآن { الحق } الكامل في الحقية الذي تطايقه الوقائع وتصادقه الأحوال ~~العارضة والصنائع , فيجتعوا عليه ويقبلوا بكل قلوبهم إليه , فلا يأباه في ~~جزيرة العرب إنسان , ولا يختلف فيه منهم اثنان , ثم ينثون في أرجاء الأرض ~~بطولها والعرض فيظهر بهم على سائر الأديان , ويبيد على أيديهم أهل الكفران ~~, في ms4537 سائر البلدان , ويزول كل طغيان , فيكون ظهورهم في هذا الوقت وضعف ~~المؤمنين بعد أن كان سببا لازدياهم من الكفر عظمة لهم ولكل من يأتي بعدهم ~~يوجب الثبات في محال الزلزال علما بأن الله أجرى عادته أن يكون للباطل ريح ~~تخفق ثم تسكن , ودولة تظهر ثم تضمحل , وصولة تجول ثم تحول . | ولما كان هذا ~~القول منبها على أن في الآفاق والأنفس من الآيات المرئية التي يقرأها أولو ~~الأبصار بالبصائر , ويتأملها بأعين السرائر , أمرا لا يحيط به الوصف , فكان ~~حاديا على تجريد الأفكار للنظر والاعتبار , والوقوف على بعض ما في ذلك من ~~لطائف الأسرار , كان كأنه قيل : ألم يروا بعقولهم ما في ذلك من الأدلة على ~~أن القرآن من عند الله فيكفيهم عن شهادة شيء خارج عن أنفسهم , عطف عيله ~~قوله : { أو لم يكف } وأكد بإدخال الجار , وحقق الفاعل فقال مؤكدا بالباء ~~ومحققا أنه الفاعل PageV06P591 صارفا القول إلى وصف الإحسان إيذانا بالرفق ~~بهم بردهم إليه دون ارتكابهم ما يوجب نكالهم وإهلاكهم واستئصالهم : { بربك ~~} أي المحسن إليك بهذا البيان المعجز للإنس والجان شهادة بأنه من عنده { ~~أنه } أي أو لم يكف شهادة ربك لأنه { على كل شيء شهيد * } لا يغيب عنه شيء ~~من الأشياء , لا هذا القرآن ولا غيره , وقد شهد لك فيه بإعجازه لجميع الخلق ~~بكل ما تضمنته آياته , ونطقت به كلماته , ففيه أعظم بشاءة بتمام أمر الدين ~~وظهوره على المعتدين , وذلك لأن كل أحد يجد في نفسه أنه إذا أراد ثبوت حق ~~ينكره من هو عليه لصاحب الحق من الشهود ما يتحقق قولهم فيه ووصوله بهم إليه ~~أنه يكون مطمئنا لا ينزعج بالجحد علما منه بأن حقه لا بد أن يظهر ويخزي ~~معانده ويقهر , وفي هذا تأديب لكل من كان على حق ولا يجد من يساعده على ~~ظهوره فإن الله شاهده فلا بد أن يظهر أمره فتوكل على الله إنك على الحق ~~المبين . | ولما لم يبق بعد هذا لمتعنت مقال , ولا شبهة أصلا لضال , كان ~~موضع المناداة على من استمر على ms4538 عناده بقوله مؤكدا لادعائهم إنهم على جلية ~~من أمرهم , { ألا إنهم } أي الكفرة { في مرية } أي جحد وجدال وشك وضلال على ~~العبث { من لقاء } وصرف القول إلى إضافة وصف الإحسان إليهم إشارة إلة أنه ~~لا بد من كمال تربيتهم بالبعث لأنه أحكم الحاكمين فقال : { ربهم } أي ~~المحسن إليهم بأن خلقهم ورزقهم للحساب والجزاء بالثواب والعقاب كما هو شأن ~~كل حكيم فيمن تحت أمره . | ولما كانوا مظهرين الشك في القدرة على البعث , ~~قرره إيمانهم معترفون به من قدرته على كل يء من البعث وغيره فقال : { ألا ~~إنه } أي هذا المحسن إليهم { بكل شيء } أي من الأشياء جملها وتفاصيلها ~~كلياتها وجزيائتها أصولها وفروعها غيبتها وشهادتها ملكها وملكوتها { محيط * ~~} قدرة وعلما من كثير الأشياء وقليلها كليها وجزئيها , فعما قليل يجمعهم ~~على الحق ويبدلهم بالمرية إذعانا وبالشك يقينا وبرهانا , فرحمته عامة لجميع ~~أهل الوجود وخاصة لمن من عليه الإيمان الموصل إلى راحة الأمان , فكيف يتصور ~~في عقل أن يترك البعث ليوم الفصل الذي هو مدار الحكمة , ومحط إظهار النعمة ~~والنقمة , وقد علم بذلك انطباق آخرها المادح للكتاب المقرر للبعث والحساب ~~على أولها المفصل للقرآن المفيض لقسمي الرحمة : العامة والخاصة لأهل ~~الأكوان , وعلى ما اقتضاه العدل والإحسان , بالبشارة لأهل الإيمان , ~~والنذارة لأهل الطغيان - والله الهادي وعليه التكلان . | . . . | ~~PageV06P592 < # > سورة الشورى < # > < < # | الشورى : ( 1 - 5 ) حم # > > ^ ( حم * عسق * كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز ~~الحكيم * له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم * تكاد السماوات ~~يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن ~~الله هو الغفور الرحيم ) ^ } ) | سورة الشورى مكية - آياتها ثلاث وخمسون ~~وتسمى حم عسق مقصودها الاجتماع على الدين الذي أساسه الإيمان , وأم دعائمه ~~الصلاة , وورح أمره الألفة بالمشاورة المقتضية لكل أهل الدين كلهم في سواء ~~كما أنهم في العبودية لشارعه سواء , وأعظم نافع في ذلك الإنفاق والمؤاساة ~~فيما في اليد , والعفو والصفح عن المسيء , والإذعان للحق وإن صعب وشق , ~~وذلك كله الداعي إليه هذا الكتاب الذي ms4539 هو روح جسد هذا الدين المعبر عما دعا ~~إليه من محاسن الأعمال , وشرائف الخلال بالصراط المستقيم , وإلى ذلك لوح ~~آخر آخر السورة الماضية { حتى يتبين لهم أنه الحق } { ألا إنه بكل شيء محيط ~~} وصرح ما في هذه من قوله : { أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه إلا المودة في ~~القربى } { استجيبوا لربكم } { نهدي به من نشاء من عبادنا } { وإنك لتهدي ~~إلى صارط مستقيم } { ألا إلى الله تصير الأمور } وتسميتها بالشورى واضح ~~المطابقة لذلك لما في الانتهاء وكذلك بالأحرف المتقطعة فإنها جامعة للمخارج ~~الثلاثة : الحلق والشفة واللسان , وكذا جمعها لصنفي المنقطوطة والعاطلة , ~~ووصفي المجهورة والمهموسة , وهي واسطة جامعة بين حروف أم الكتاب الذكر ~~الأول , وحروف الرقآن العظيم , وهذا المقصود هو غاية المقصود من أختها سورة ~~مريم الموافقة لها في الابتداء بالتساوي في عدد الحروف المقطعة , وفي ~~الانتهاء من حيث أن من اختص بمصير الأمور , كان المختص بالقدرة على إهلاك ~~القرون , وذلك لأن مقصودها اتصافه تعالى بشمول الرحمة بإفاضة جميع النعم ~~على جميع خلقه , وغاية PageV06P593 هذا الاجتماع على الدين , ولما توافقتا ~~في المقصود في الابتداء والانتهاء , واختصت الشورى بأن حروفها اثنان , دل ~~سبحانه بذلك أرباب البصائر على أنه إشارة إلى أن الدين قسمان : أصول وفروع ~~, دلت مريم على الأصول < # > 77 ( { ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه تمترون } ) 77 < # > [ مريم : 34 ] , وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم , < # > 77 ( { هل تعلم له سميا } ) 77 < # > [ مريم : 65 ] والشورى على مجموع الدين أصولا وفروعا { شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك } الآية , هذا موافقة البداية , ~~وأما موافقة النهاية فهو أنهما ختمتا بكلمتين : أول كل منهما آخر الأخرى ~~وآخر كل أول الأخرى وإيذانا بأن السورتين دائرة واحدة محيطة بالدين متصلة ~~لا انفصام لها , وذلك أن آخر مريم أول الشورى وآخر الشورى أو مريم { فإنما ~~يسرناه بلسانك } , الآية { هو كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله ~~العزيز الحكيم } { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } { ما كنت تدري ما ~~الكتاب ولا الإيمان ms4540 } إلى آخرها هو { ذكر رحمة ربك عبده زكريا } - إلى آخر ~~القصة في الدعاء بارث الحكمة والنبوة الذي روحه الوحي والله الهادي , وكذا ~~تسميتها ببعضها بدلالة الجزء على الكل { بسم الله } الذي أحاط بضفات الكمال ~~, فنفذ أمره , فاستجاب له كل شيء طوعا أو كرها { الرحمن } الذي عمت رحمته ~~فهيأت عباده لقبول أمره { الرحيم } الذي خص اولياءه بما ترتضيه الإلهية من ~~رحمته , فجمع كلمتهم على دينه عقدا وفعلا ومآلا { حم عسق * } هذه الحروف ~~يجوز أن تكون إشارة إلى كلمات منتظمة من كلام عظيم يشير إلى أن معنى هذا ~~الجمع يجوز أن يقال : حكمة محمد علت وعمت فعفت سقام القلوب , وقسمت حروفها ~~قسمين موافقة لبقية أخواتها وبعدها آيتين , ولم تقسم { كهيعص } لأنها آية ~~واحد ولا أخت لها ولم تقسم { المص } مثلا وإن كان لها أخوات لأنها آية ~~واحدة , ولم يعد في شيء من القرآن حرف واحد آية , ويجوز أن يعتبر مفردة ~~فتكون إشارة إلى أسرار تملأ الأقطار , وتشرح الصدور والأفكار , فإن نظرت ~~إلى مخارجها وجدتها قد حصل الابتداء فيها بأدنى وسط الحلق بأقصاه من اللسان ~~في اسم العين , وهو جامع للحلق واللسان , وقصد رابعا إلى اللسان بالسين ~~التي هي من أدناه إلى الشفتين وهو رأسه ولها التصاق بطونا إلى أصل اللسان , ~~وهو اقصاه من الشفة بالقاف , ولاسم هذا الحرف جمع بالابتداء بأصل اللسان مع ~~سقف الحلق والاختام بالشفة العليا والثنيتين السفليين , ففي هذه الحروف ~~ثلاثة وهي أكثرها لها نظر بما فيها من الجمع إلى مقصود السورة , وقد ~~PageV06P594 اتسق الابتداء فيها فيما كان من حرفين جمعهما مخرج بالأعلى ثم ~~بالأدنى إشارة إلى أنه يكون لأهل هذا الدين بعد الظهور بطون كما كان في ألو ~~الإسلام حيث حصر النبي صلى الله عليه وسلم وأقاربه في الشعب , وذلك أيضا ~~إشارة إلى أنه من تحلية الظاهر ينتقل إلى تصفية الباطن من زين ظاهره بجمع ~~الأعمال الصالحة صحح الله باطنه بالمراقبة الخالصة الناصحة على أن في هذا ~~التدلي بشرى بأن الحال الثاني يكون أعلى من الأول , كما كان ms4541 عند الظهور من ~~الشعب بما حصل من نقض الصحيفة الظالمة الذي كان الضيق سببا له , لأن الثاني ~~من مراتب هذه الحروف أقوى صفة مما هو أعلى منه مخرجا , فإن الحاء له من ~~الصفات الهمس والرخاوة والاستفال والانفتاح والميم له من الصفات والجهر ~~والشدة والانفتاح والاستفال وبين الشدة والرخاوة , والعين لها من الصفات ما ~~للميم سواء , والسين لها من الصفات ما للحاء , وتزيد بالصفير , والقاف له ~~من الصفات الجهر والشدة والانفتاح والاستعلاء والقلقلة فالحرف الأول أكثر ~~صفاته الضعف , ويزيد بالإمالة التي قرأ بها كثر من القراء , والثاني ~~والثالث على السواء , وهما إلى القوة أرجح قليلا , وذلك كما تقدم من وسط ~~الحال عند الخروح من الشعب , والرابع فيه قوة وضعف وضعفه أكثر , فإن فيه ~~للضعف ثلاث صفات وللقوة صفتين , وذلك كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ~~عند آخر أمره بمكة المشرفة حين مات الوزيران خديجة رضي الله عنها وأبو طالب ~~لكن ربما كانت الصفتان القويتان عاليتين على الصفات الضعيفة بما فيهما ~~بالانتشار بالصفير والجمع الذي مضت الإشارة إليه من الإشارة إلى ضخامة تكون ~~باجتماع أنصار كما وقع من بيعة الأنصار , والخامس وهو الأخير كله قوة كما ~~وقع بعد الهجرة عند اجتماع الكلمة وظهور العظمة , كما قال صلى الله عليه ~~وسلم : ( فلما هاجرنا انتصفنا من القوم وكانت سجال الحرب بيننا وبينهم ) ثم ~~تكاملت القوة عند تكامل الاجتماع بعد قتال أهل الردة بعد موته صلى الله ~~عليه وسلم لا جرم انتشر أهل هذا الدين في الأرض يمينا وشمالا , فما قام لهم ~~مخالف , ولا وافقهم أمه من الأمم على ضعف حالهم وقلتهم وقوة غيرهم وكثرتهم ~~إلا دمروا عليهم فجعلوهم كأمس الدار , وقد جمعت هذه الحروف كما مضى وصفي ~~المجهورة والمهموسة كانت المجهورة أغلبها إشارة إلى ظهور هذا الدين على كل ~~دين كما حققه شاهد الوجود , وصنفي المنقطوطة والعاطلة , وكانت كلها عاطلة ~~إلا حرفا واحدا , إشارة إلى أن أحسن أحوال المؤمن أن يكون أغلب أحواله لا ~~يرى له صفة من الصفات بل يعد في ms4542 زمرة الأموات وإلى أن المتحلي بالأعمال ~~الصالحة الخالصة من أهل القلوب من أرباب هذا الدين قليل جدا , وكان المنقوط ~~آخرها إشارة إلى أن نهاية المراتب عند أهل الحق PageV06P595 الجمع بعد ~~المحو والفرق وكان حرف الشفة من بين حروفها الميم , وهي ذات الدائرة ~~المستوية الاستداؤة إشارة إلى أن لأهل هذا الدين من الاجتماع فيه والانطباق ~~عليه والإطافة به والإسراع من الفم المختتم بالشفتين ما لا يبلغه غيرهم ~~بحيث أنه لا نهاية له مع حسن استنارته بتناسب استدارته , ثم إنك إذا بلغت ~~نهاية الجمع في هذه الأحرف بأن جمعت أعداد مسمياتها وهو مائتان وثمانية ~~وسبعون وفي السنة الموافقة لهذه العدد كانت ولادتي , فكان الابتداء في هذا ~~الكتاب الديني في شعبان كان سني قد شارف أربعا وستين سنة , وهو موافق لعدد ~~حرفي { دن } أمرا من الدين الذي هو مقصود السورة , فكأنه أمر إذ ذاك ~~بالشروع في الكتاب ليحصل مقصودها , وسنة وصولي إلى هذه السورة وهي سنة إحدى ~~وسبعين في شعبان منها كان سني قد شارف أربعا وستين سنة , وهو عدد موافق ~~لعدد أحرف { دين } الذي هو مقصود السورة , فأنا أرجو بهذا الاتفاق الغريب ~~أن يكون ذلك مشيرا إلى أن الله تعابى يجمع بكتابي هذه الذي خصني بإلهامه ~~وادخر لي المنحة بحله وإبرامه , واعتناقه والتزامه , أهل هذا الدين القيم ~~جمعا عظيما جليلا جسيما , يظهر له أثر بالغ في اجتماعهم وحسن تأسيهم برؤوس ~~نقلته وأتباعه , ومن الآثار الجليلة في لحظها للجمع أنه لما كان مقصود سورة ~~مريم عليها السلام بيان اتصاف الرحمن , المنزل لهذا القرآن , بشمول الرحمة ~~لجميع الأكوان , وكانت هذه السورة لرحمة خاصة من آثار تلك الرحمة العامة , ~~وهي الاجتماع على هذا الدين المراد ظهوره وعلوه على كل دين وقهره لكل أمر , ~~فكان لذلك محيطا قاهرا لحظ كل قاهر وظالم , وكانت هذه الرحمة الخاصة - ~~لنسبتها إلى الخلق - ثانية لتلك العامة ومنشعبة منها , وكانت لكونها من ~~أوصاف الخلق الخلق بمنزلة اليسار , وتلك لكونها من صفة الحق بمنزلة اليمين ~~, لذلك - والله أعلم - قال الاستاذ أبو الحسن ms4543 الحرالي في كتاب له من الحرف ~~: ولما كان ذلك - أي هذه الأسم المجتمع من هذه أصابع اليسار ثم وضعت على ~~هانجة ظلم أو جور استولى عليه بحكم إحاطة حكمة الله , وكانت خمسها مضافة ~~إلى خمس { كهيعص } المستولية على حكمة اليمين محيطا ذلك بالعشر المحيط بكل ~~الحكمة التي مسندها الياء الذي هو أول العشر ومحل الاستواء بما هو عائد ~~وحدة الألف - انتهى . | ولما كانت هذه الحروف - والله أعلم - مشيرة إلى ~~الاجتماع كما أشار إليه آخر السورة الماضية , قال الله سبحانه وتعالى : { ~~كذلك } أي مثل هذه الإيحاء العظيم الشأن PageV06P596 الذي أخبرك به ربك ~~صريحا أول ( فصلت ) من أن الإله إله واحد وآخرها من أنه ما يقال لك غلا ما ~~قد قيل للرسل من قبلك , ومن أنه يجمع أمتك على هذا الدين بما يتبين لهم أن ~~هذا القرآن هو الحق بما يريهم من الآيات البينات والدلالات الواضحات في ~~الآفاق وفي أنفسهم وبشهادته سبحانه باعجاز القرآن لجميع الإنس والجان ولا ~~سيما إذا أقدم ضال على معارضته كمسيلمة فإنه يتبين لهم الأمر بذلك غاية ~~البيان ( وبضدها تتبين الأشياء ) ورمز لك به سبحانه تلويحا اول هذه السورة ~~بهذه الأحرف المقطعة التي هي أعلى واغلى من الجواهر المرصعة - إلى مثل ذلك ~~, فهما نوعان من الوحي : صريح وعبارة , وتلويح وإشارة . | ولما كان المقصود ~~الإفهام لأن الإيحاء منه سبحانه عادة مستمرة إلى جميع أنبيائه ورسله ~~والبشارة له صلى الله عليه وسلم بتجديده له , مدة حياته تثبيتا لفؤاده , ~~ودلالة على دوام وداده , عبر بالمضارع الدال على التجدد والاستمرار , وتقدم ~~في أول البقرة نقلا عن أبي حيان ومن قبله الزمخشري وغيره أنه قد لا يلاحظ ~~منه زمن معين , بل يراد مطلق الوجود فقال : { يوحة إليك } أي سابقا ولاحقا ~~ما دمت حيا لا يقطع ذلك عنك أصلا توديعا ولا قلى بما يريد من أمره مما يعلى ~~لك مقدارك , وينشر أنوارك ويعلي منارك . | ولما كان الاهتمام بالوحي لمعرفة ~~أنه حق - كما أشارت إليه قراءة ابن كثير بالبناء للمفعول - والموحي إليه ~~لمعرفة أنه رسول ms4544 حقا وكان المراد بالمضارع مجرد إيقاع مدلوله لا يفيد ~~الاستقبال صح أن يتعلق به قوله مقدما على الفاعل : { وإلى الذين } والقائم ~~مقام الفاعل في قراءة ابم كثير ضمير يعود على ( كذلك ) . | ولما كان الرسل ~~بعض من تقدم في بعض أزمنة القبل , ادخل الجار فقال : { من قبلك } أي من ~~الرسل الكرام والأنبياء الأعلام , بأن أمتك أكثر الأمم وأنك أشرف الأنبياء ~~, وأخذ كل منهم العهد باتباعك , وأن يكون من أنصارك وأشياعك . | ولما قدم ~~ما هو الأهم من الوحي والموحى إليه , أتى بفاعل { يوحي } في قراءة العامة ~~فقال : { الله } أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال . . | وهو مرفوع عند ابن ~~كثير بفعل مضمر تقديره الذي يوحيه . | ولما كان نفوذ الأمر دائرا على العزة ~~والحكمة قال : { العزيز } أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء { الحكيم * } ~~الذي يضع ما يصنعه في أتقن محاله , فلأجل ذلك لا يقدر على نقض ما أبرمه , ~~ولا نقص ما أحكمه . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت سورة ~~غافر ما تقدم من بيان حالي المعاندين والجاحدين , وأعقبت بسورة السجدة ~~بيانا أن حال كفار العرب في ذلك كحال من تقدمه وإيضاحا لأنه الكتاب العزيز ~~وعظيم الكتاب العزيز وعظيم برهانه , ومع ذلك فلم يجد على من PageV06P597 ~~قضى عليه تعالى بالكفر , اتبعت السورتان بما اشتملت عليه سورة الشورى من أن ~~ذلك كله إنما جرى على ما سبق في عمله تعالى بحكم الأزلية { فريق في الجنة ~~وفريق في السعير } { وما أنت عليهم بوكيل } { ولو شاء الله لجعلهم أمة ~~واحدة } { ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم } { وهو على جمعهم إذا يشاء قدير } ~~{ وما أنتم بمعجزين في الأرض } { ومن يضلل الله فما له من سبيل } { إن عليك ~~إلا البلاغ } { نهدي به من نشاء من عبادنا } فتأمل هذه وما التحم بها مما ~~لم يجر في السورة المتقدمة منه إلا النادر , ومحكم ما استجره , وبناء هذه ~~السورة على ذلك ومدار آيها , يلح لك وجه اتصالها بما قبلها والتحامها بما ~~جاورها . | ولما ختمت سورة السجدة بقوله تعالى { إلا أنهم ms4545 في مرية من لقاء ~~ربهم } اعقبها سبحانه بتنزيهه وتعاليه عن ريبهم وشكهم , فقال تعالى { تكاد ~~السماوات يتفطرن من فوقهن } كما أعقب بمثله في قوله تعالى { وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إذ تكاد السماوات يتفطرون منه } ولما تكرر في ~~سورة حم السجدة ذكر تكبر المشركين وبعد انقيادهم في قوله تعالى { فأعرض ~~أكثرهم وقالوا قلوبنا في أكنة } إلى ما ذكر تعالى من حالهم المنبئة عن بعد ~~استجابتهم قال تعالى في سورة الشورى { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } - ~~انتهى . | ولما أخبر سبحانه أنه صاحب الوحي بالشرائع دائما قديما وحديثا , ~~علل ذلك بأنه صاحب الملك العام فقال : { له ما في السموات } أي من الذوات ~~والمعاني { وما في الأرض } كذلك . | ولما كان العلو مستلزما للقدرة قال : { ~~وهو العلي } أي على العرض الذي السماوات فيه علو رتبة وعظمة ومكانة لا مكان ~~وملابسة , فاستلزم ذلك أن تكون له السماوات كلها والأراضي كلها مع ما فيها ~~{ العظيم * } أي فلا يتصور شيء في وهم ولا يتخيل في عقل إلا وهو أعظم منه ~~بالقهر والملك , فلذلك يوحي إلى من يشاء بما يشاء من إقرار وتبديل , لا ~~اعتراض لأحد عليه . | ولما كان السياق مفهما عظيم ملكه سبحانه وقدرته بكثرة ~~ما في الأكوان من الأجسام والمعاني التي هي لفظاعتها لا تحتمل , قال مبينا ~~لذلك : { تكاد السماوات } أي على عظم خلقهن ووثاقة إبداعهن , وفلقهن بما ~~أعلم به الواقع , ونبه عليه بتذكير { تكاد } في قراءة نافع والكسائي { ~~يتفطرن } أي يتشققن ويتفرط أجزاؤهن مطلق انفطار في قراءة من قرأ بالنون ~~وخفف وهم هنا أبو عمرو وشعبة عن عاصم , وتفطرا شديدا في قراءة الباقين ~~بالتاء المثناة من فوق مفتوحة وتشديد الطاء , مبتدئا ذلك { من PageV06P598 ~~فوقهن } الذي جرت العادة أن يكون أصلب مما تحته , فانفطار غيره من باب ~~الأولى , وابتداء الانفطار من ثم لأن جهة الفوق أجدر بتجلي ما يشق حمله من ~~عظيم العظمة والجلال والكبرياء والعزة التي منها ما يحمل من الملائكة الذي ~~لا تسع عقولهم وصفهم على ما عليه من كل واحد ms4546 منهم من عظم الخلق في الهيئة ~~والطول والمتانة والكبر إلى غير ذلك مما لا يحيط به علما إلا الذي يراهم ~~بحيث إن أحدهم إذا أشير إلى الأرض حملها كما قال صلى الله عليه وسلم ( أطت ~~السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا فيه ملك قائم يصلي ) ومن غير ~~ذلك من العظمة والكبرياء والجبروت والعلاء , أو يكون انفطارهن من عظيم ~~شناعة الكفر بالذي خلق الأرض في يومين وجعلهم له أندادا كما قال في السورة ~~المناظرة لهذه سورة مريم < # > 77 ( { تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا ~~للرحمن ولدا } ) 77 < # > [ آية : 90 ] ونقص ما في هذه عن تلك لأنه لم يذكر هنا للولد , وهذا ~~كناية عن التخويف بالعذاب لأن من المعلوم أن العالي إذا انفطر تهيأ للسقوط ~~, فإذا سقط أهلك من تحته فكيف إذا كان من العلو والعظم وثقل الجسم على صفة ~~لا يحيط بها إلا بارئها , فذكر الفوق تصوير لما يترتب على هذه الانفطار من ~~البلايا الكبار , وعلى هذا يحسن أني يعود الضمير على الأراضي التي كفروا ~~بفاطرها . | ولما بين أن سبب كيدودة انفطارهن حلالة العظمة التي منها كثرة ~~الملائكة وشناعة الكفر , بين لها سببا آخر وهو عظيم قولهم , فقال : { ~~والملائكة } أي والحال أنهم , وعدل عن التأنيث مراعاة للفظ إلى التذكير ~~وضمير الجمع , إشارة إلى قوة التسبيح وكثرة المسبحين فقال : { يسبحون } أي ~~يوقعون التنزيه والتقديس لله سبحانه وتعالى ملتبسين { بحمد ربهم } أي ~~بإثبات الكمال للمحسن إليهم تسبيحا يليق بما لهم - بما أشارت إليه الإضافة ~~دائما لا يفترون , فلهم بذلك زجل وأصوات لا تحملها العقول , ولا تثبت لها ~~الجبال , فلا تستبعدن ذلك , فكم من صاعقة سمعتها من السحاب فرجت لها الأرض ~~فتصدعت لها الأبنية المتينة والجبال الصلاب , ولفت القول إلى صفة الإحسان ~~لمدح الملائكة بالإشارة إلى أنهم عرفوا إحسان المحسن وعملوا في الشكر بما ~~اقتضاه إحسانه فصار تعريضا بذم الكفرة بما غطوا من إحسانه , وتذرعوا من ~~كفرانه . | ولما كانوا لما عندهم من العلم بجلال الله ms4547 سبحانه يستحيون منه ~~سبحانه كما يفعل أهل الأرض ويقولون ما لا يليق بحضرته الشماء وجنابه الأسمى ~~, وكانوا يعلمون مما PageV06P599 جادلهم سبحانه عنهم أنه له بهم عناية , ~~فكانوا يرون أن الأقرب إلى رضاه الاستغفار لهم , فلذلك عبر عنهم سبحانه ~~بقوله حاذقا ما أوجبه السياق في { غافر } من ذكر الإيمان , إشارة إلى أن ~~أقرب الخلق من العرش كأبعد الناس في الإيمان المشروط بالغيب إبلاغا في ~~التنزيه لأنه لا مقتضى له هنا : { ويستغفرون } أي وهم مع التسبيح يطلبون ~~الغفران { لمن في الأرض } لما يرون من شدة تقصيرهم في الوفاء بحق تلك ~~العظمة , التي لا تضاهى , أما للمؤمن فمطلقا , وأما للكافر فبتأخير ~~المعالجة , وكذا لبقية الحيوانات , وذلك لما يهولهم مما يشاهدونه من عظمة ~~ذي الكبرياء وجلالة ذي الجبروت . | قال ابن برجان : لم يشأ الله جل ذكره ~~كون ضيء إلا قيض ملائكة من عباده يشفعون في كونه , وكذلك في إبقاء ما شاء ~~إبقاءه وإعدام ما شاء إعدامه , وهذه أصول الشفاعة فلا تكن من الممترين , ~~وألطف من ذلك أن تكون كيدودة انفطارهن في حال تسبيح الملائكة واستغفارهم ~~لما يرين من فوقهن من العظمة , ومن تحتهن من ذنوب الثقلين , فلولا ذكرهم ~~لتفطرن وحضر العذاب , فعوجل الخلق بالهلاك , وقامت القيامة , وقضيا الأمر , ~~وإذا كانت كيدودة الانفطار مع هذا التنزيه والاستغفار , فما ظنك بما يكون ~~لو عرى الأمر عنه وخلا منه , ولذلك ذكر العموم هنا ولم يخص المؤمنين ~~بالاستغفار كما في { غافر } لما اقتضاه السياق هنا من العموم , ولأن مقصود ~~غافر تصنيف الناس في الآخرة هذه الجمع على الدين في الدنيا فناسب ذلك إفراد ~~الذين تلبسوا بالإيمان , ومقصود هذه الجمع على الدين في الدنيا فناسب ~~الدعاء للكل ليجازي كل بما يستحقه من إطلاق المغفرة في الدارين للمؤمن ~~وتقييدها بالتأخير في الدنيا للكافر . | ولما كانت أفعال أهل الأرض ~~وأقوالهم عظيمة المخالفة لما يرضيه سبحانه فهم يستحقون المعاجلة بسببها , ~~أجاب من كأنه قال : هذا يستجاب لهم في المؤمنين , فكيف يستجاب لهم في ~~الكافرين ليجمع الكلام التهييب والتهويل في أوله والبشارة واللطف ms4548 والتسير ~~في آخره , فقال لافتا القول عن صفة الإحسان إلى الاسم الأعظم تعريفا بعظيم ~~الأمر حملا على لزوم الحمد وإدامة الشكر : { ألا إن الله } أي الذي له ~~الإحاطة بصفات الكمال , فله جميع العظمة , وأكد لأن ذلك لعظمة لا يكاد يصدق ~~{ هو } أي وحده , ورتب وصيفه سبحانه على أعلى وجوه البلاغة فبدأ بما أفهم ~~إجابة الملائكة وأتبعه الإعلام بمزيد الإكرام فقال : { الغفور الرحيم * } ~~أي العام الستر والإكرام على الوجه الأبلغ أما لأهل الإيمان فواضح دنيا ~~وآخرة , وأما لأهل الكفران ففي الدنيا فهو يرزقهم ويعافيهم ويملي لهم < # > 77 ( { ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة } ) ~~77 < # > [ فاطر : 45 ] وأما الله فلا يغفر لأهل معصيته , ولو أراد ذلك ما تمكن ~~. | PageV06P600 < < # | الشورى : ( 6 - 9 ) والذين اتخذوا من . . . . . # > > ^ ( والذين اتخذوا من دونه أوليآء الله حفيظ عليهم ومآ أنت عليهم ~~بوكيل * وكذلك أوحينآ إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم ~~الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير * ولو شآء الله لجعلهم أمة ~~واحدة ولكن يدخل من يشآء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير * أم ~~اتخذوا من دونه أوليآء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير ~~) ^ } ) | ولما كان التقدير : فالذين تولوه وماتوا في ولا يته فهو يغفر ~~ذنوبهم بمعنى أنه يزيلها عينا وأثرا , عطف عليه قوله : { والذين اتخذوا } ~~أي عالجوا فطرهم الأولى وعقولهم حتى أخذوا { من دونه } أي من أدنى رتبة من ~~رتبته { أولياء } يعبدونهم كالأصنام وكل من ابتع هواه في شيء من الأشياء , ~~فقد اتخذ الشيطان الآمر له بذلك وليا من دون الله بمخالفة أمره . | ولما ~~كان ما فعلوه عظيم البشاعة , اشتد التشوف إلى جزائهم عليه فأخبر عنه سبحانه ~~بقوله معبرا بالاسم الأعظم إشارة إلى وضوح ضلالهم وعظم تهديدهم معريا له عن ~~الفاء لئلا يتوهم أن الحفظ مسبب عن الاتخاذ المذكور عادلا إلى التعبير ~~بالجلالة تعظيما لما في الشرك من الظلم وتغليظا لما يستحق فاعله من الزجر : ~~{ الله ms4549 } أي المحيط بصفات الكمال { حفيظ عليهم } أي رقيب وراع وشهيد على ~~اعمالهم , لا يغيب عنه شيء من أحوالهم , فهو إن شاء أبقاهم على كفرهم ~~وجازاهم عليه بما أعده للكافرين , وإن شاء تاب عليهم ومحا ذلك عينا وأثرا , ~~فلم يعاقبهم ولم يعاتبهم , وإن شاء محاه عينا وأبقى الأثر حتى يعاتبهم { ~~وما أنت عليهم بوكيل * } أي حتى يلزمك أن تراعي جميع أحوالهم من أقوالهم ~~وأفعالهم , فتحفظها وتقسرهم على تركها ونحو ذلك مما يتولاه الوكيل مما يقوم ~~فيه مقام الموكل سواء قالوا { لا تسمعوا لهذا القرآن } أو قالوا { قلوبنا ~~في أكنة } أو غير ذلك . | ولما كان الإيحاء السابق أول السورة للبشرى لأنها ~~المقصود بالذات وكانت البشرى مقتضية تلويحا ورمزا بالأحرف المقطعة لاجتماع ~~أهل الدين وغلبتهم على سائر الأديان وأن دينهم يعم سائر الأمم ويحيط بجميع ~~الخلق , ولا يريد أحد بأهله سوءا إلا كان له فيه رفعة كما مضى بيانه , ~~وكانت رمزا لأن المقام للانذار بما تشهد به السورة الماضية , وكان المراد ~~بها التكرار حتى لا تزال لذاذتها في أذن المبشر وحلاوتها في قلبه , ذكرها ~~بلفظ المضارع الدال على التجدد والتكرار والحدوث والاستمرار , وكان المتعنت ~~ربما حمله على الوعد بالإيحاء في المستقبل , وكان العاقل يكفيه في النذرى ~~PageV06P601 مرة واحدة فقال معبرا بالماضي الدال على الإمضاء والقطع ~~والقضاء الحتم في كل من الإيحاء وفائدته التي هي الأنذار , عاطفا على ما ~~يتصل بالآية السالفة المختومة بنفي الوكالة مما تقديره : إنما عليك البلاغ ~~بالبشارة والنذارة , وقد أوحينا إليك البشارة رمزا , كما جرت به عادة ~~الأحباب في محاورات الخطاب , ولفت القول إلى مظهر العظمة لأن الإنذار من ~~مجازه : { وكذلك } أي ومثل ذلك الإيحاء الذي قدمنا أنا حبوناك به من وحي ~~الإشارة بالحروف المقطعة { أوحينا } بما لنا من العظمة مع الفرق بين كل ~~ملبس { إليك قرآنا } جامعا لكل حكمة { عربيا } فهو بين الخطاب واضح الصواب ~~معجز الجناب { لتنذر } أي به { أم القرى } مكة التي هي أم الأرض وأصلها , ~~منها دحيت ولشرفها أوقع الفعل عليها , عدا لها عداد العقلاء , ثم ms4550 بين أن ~~المراد أهلها بقوله : { ومن } أي وتنذر من { حولها } وهم سكان جميع الأرض ~~التي هي امها , وبذلك فسره البغوي فقال : قرى الأرض كلها , وكذا القشيري ~~وقال : العالم محدق بالكعبة ومكة لأنها سرة الأرض . | ولما كان مفعول { ~~تنذر } الثاني على ما هدى إليه السياق ما عذبت به الأمم السالفة والقرون ~~الماضية حين تمادى بهم الكفر وغلب عليهم الظلم في اتخاذهم أولياء من دون ~~الله , عطف عليه : { وتنذر } أي أم القرى ومن حولها مع عذاب الأمم في ~~الدنيا { يوم الجمع } أي لجميع الخلائق ببعثهم من الموت , حذف المفعول ~~الأول من الشق الثاني , والمفعول الثاني من الأول , فالآية من الاحتباك : ~~ذكر المنذرين أولا دلالة على إرادتها ثانيا , وذكر المنذر به وهو يوم الجمع ~~ثانيا دلالة على المنذر به من عذاب الأمم أولا , ليذهب به الوهم في المحذوف ~~كل مذهب , فيكون أهول , وذكر هذا المذكور أفخم وأوجل . | ولما كان الإنذار ~~- وهو الإعلام بموضع المخافة - تارة يكون عما لا علم به , وهو الأغلب , ~~وتارة عما وقع العمل به ثم خالف المنذر به علمه أعمال من لا علم له به , ~~نبه على هذا من القسم الثاني بقوله في جملة حالية : { لا ريب فيه } أي لأنه ~~قد ركز في فطرة كل أحد أن الحاكم إذا استعمل عبيده في شيء ثم تظالموا فلا ~~بد له بما تقتضيه السياسة من جمعهم لينصف بينهم وإلا عد سفيها , فما ظنك ~~بأحكم الحاكمين . | ولما تشوف السامع إلى ما يفعل في جمعهم , وكان الثقلان ~~لما طبعوا عليه من النقصان أهل فرقة وطغيان , ذكر نهايته معبرا بما هو من ~~الفرقة بقوله مسوغا الابتداء بالنكرة للتفصيل أو تقرير الوصف : { فريق } أي ~~من المجموعين أهل فرقة تداركهم الله بأن جعلهم أهل جمع { في الجنة } فصلا ~~منه وهم الذين قبلوا الإنذار وبالغوا في الحذار PageV06P602 { وفريق } أي ~~منهم خذلهم الله ووكلهم إلى أنفسهم فزادوا في الفرقة { في السعير * } عدلا ~~منه , قال القشيري : كما أنهم في الدنيا فريقان : فريق في درجات الطاعة ~~وحلاوات العبادات , وفريق في ظلمات الشرك ms4551 وعقوبات الجحد والشك , فلذلك ~~غذاهم فريقان : فريق هم أهل اللقاء , وفريق هم أهل البلاء والشقاء . | روى ~~الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : خرج علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال : ( أتدرون ما هذا الكتابان ) قال ~~: قلنا لا , إلا أن تخبرنا يا رسول الله ! قال للذي في يده اليمنى ( هذا ~~كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم , ثم أجمل ~~على آخرهم , ولا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا ) ثم قال للذي في يساره ( ~~هذا كتاب أهل النار بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم , ثم أجمل على آخرهم , ~~لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا ) فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : فلأي شيء نعمل إن كان هذا أمرا قد فرغ منه , قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ( سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل الجنة وإن عمل أي ~~عمل وإن صاحب النار يختم له بعمل النار وإن عمل أي عمل ) قال بيده فقبضها , ~~ثم قال ( فرغ ربكم عز وجل من العباد , ثم قال باليمنى فنبذ بها فقال : فريق ~~في الجنة , ونبذ باليسرى فقال : فريق في السعير ) قال ابن كثير : وهكذا ~~رواه النسائي والترمذي جميعا , وقال الترمذي : حسن صحيح غريب . | ولما كان ~~ملوك الدنيا غالبا لا يريدون أن يعصى أمرهم , فإذا حذروا من شيء أرادوا أن ~~لا يقرب , فإن فعله أحد كان فعله له خارجا من مرادهم , فكانت عقوبتهم له ~~لخروجه عن المراد شفاء لما حصل لهم من داء الغيظ , بين أمه سبحانه على غير ~~ذلك , وأنه منزه عن خروج شيء عن مراده , وعن أن يلحقه نفع بطاعة أو ضر ~~بمعصية , وإن عقوبته إنما هي على مخالفة أمره مع الدخول تحت مراده بإلجائه ~~وقسره , وهذا في نفس الأمر , وأما في الظاهر فالأمر أن لا يظهر أنه لشيء ~~منهما إلا صرف الاختيار , فقال صارفا القول عن مظهر العظمة استيفاء لإنذار ~~ما هو حقيق به منها إلى الاسم الجامع صفات العظمة ms4552 وغيرها لاقتضاء الحال له ~~: { ولو شاء الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { لجعلهم } أي المجموعين { ~~امة واحدة } للعذاب أو الثواب ولكنه لم يشأ ذلك بل شاء أن يكونوا فريقين : ~~مقسطين وظالمين , ليظهر فضله وعدله وأنه إله جبار واحد PageV06P603 قهار , ~~لا يبالي بأحد وهو معنى قوله : { ولكن يدخل من يشاء } أي إدخاله { في رحمته ~~} بخلق الهداية في قلبه فتكون أفعالهم في مواضعها وهو المقسطون , ويدخل من ~~يشاء في نقمته بخلق الضلال في قلوبهم فيكونون ظالمين , فلا يطون لهم فعل في ~~حاق موضعه , فالمقسطون ما لهم من عدو ولا نكير { والظالمون } أي العريقون ~~في الظلم الذين شاء ظلمهم فيدخلهم في لعنته { ما لهم من ولي } يلي أمورهم ~~فيجتهد في إصلاحها { ولا نصير * } ينصرهم من الهوان , فالآية ثانيا دليلا ~~على أضداده أولا , وسره أنه ذكر السبب الحقيقي في أهل السعادة ليحملهم على ~~مزيد الشكر , والسبب الظاهري في أهل الشقاوة لينهاهم عن الكفر . | ولما كان ~~التقدير : هل قصر هؤلاء الذين تنذرهم هممهم وعزائهم وأقوالهم وأفعالهم على ~~الله تعالى اتعاظا وانتذارا بهذا الكلام المعجز , عادل به قوله : { أم ~~اتخذوا } أي عالجوا فطرهم الشاهدة بذلك بشهادة أوقات الاضطرار حتى لفتوها ~~عنه سبحانه فأخذوا { من دونه أولياء } هم عالمون بأنه وحده الضار النافع ~~علمهم بأنه { هو } وحده { الولي } لا غيره , ويجوز أن يكون مسببا عن هذا ~~الاستفهام الإنكاري التوبيخي كأنه قيل : هل قصروا هممهم عليه سبحانه , فسبب ~~أنه وحمده المستحق لما يقصدونه من التولي { وهو } أيضا وحده لا غيره { يحيي ~~الموتى } أي يجدد إحيائهم في أي وقت يشاؤه { وهو } أي وحده { على كل شيء ~~قدير * } أي بالغ القدرة لا يشاركه شيء في ذلك بشهادة كل عاقل , وأكده ~~بالقصر لأن شركهم بالأولياء إنكار لاختصاصه بالولاية . | < < # | الشورى : ( 10 - 13 ) وما اختلفتم فيه . . . . . # > > ^ ( وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت ~~وإليه أنيب * فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام ~~أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير * له مقاليد السماوات ms4553 ~~والأرض يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إنه بكل شيء عليم * شرع لكم من الدين ما ~~وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا ~~الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من ~~يشآء ويهدي إليه من ينيب ) ^ } ) | ولما كانوا جميعا يقرون بجميع ما وصف به ~~نفسه المدسقة وفي هذه الآية عند PageV06P604 الشدائد , بعضه تصريحا من ~~الوحدانية في الولاية والإحياء في هذه الدار والقدرة على كل شيء , وبعضه ~~تصريحا من الوحدانية في الولاية والإحياء في هذه الدار والقدرة على كل شيء ~~, وبعضه لزوما وهو الإحياء بالبعث , تسبب عن ذلك قطعا أن بقال مع صرف القول ~~إلى الخطاب إشارة إلى أنه تعالى قريب إليهم كل خير وقرب إليهم فهم ~~الوحدانية لعقولهم بعد أن فطرهم على لزومها عند الاضطرار , فما اتفقتم فيه ~~من أمره سبحانه فهو الحق , وذلك هو أصل الدين الذي أطبق عليه الخلائق في ~~وقت الاضطرار , لم يتلعثم فيه منهم ضعيف , ولا جبار منيف , عطف عليه قوله : ~~{ وما اختلفتم } أي أيها الخلق { فيه من شيء } وذلك هو الفروع مطلقا ~~والأصول في حال الرفاهية { فحكمه إلى الله } أي الذي هو الولي لا غيره وهو ~~القدير لا غيره , فلا يخرج شيء عن أمره , فحصوا عنه تجدوه في كتابه لأنه ~~فيه تبيان كل شيء , فإن قصرت أفهامكم عن إخراجه منه فاطلبوه في سنة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم , فإن عز عليكم ففي إجماع أهل دينه , فإن أعوزكم ذلك ~~فقي القياس على شيء من ذلك . | قال القشيري : هذه الأشياء هي قانون الشريعة ~~, وجملتها من كتاب الله , فإن الكتاب هو الذي يدل على صحة هذه الجملة - ~~انتهى . | وما اجتهدتم فيه على ما شرع لكم وفصلتموه بما ظهر لكم على حكم ~~بذل الجهد مضى , وما لا فصله بينكم سبحانه في هذا اليوم أن أراد بنصر المحق ~~وخذلان الظالم , وإن أراد إلى يوم الدين , فإن شاء عفا وإن شاء عاقب عليه , ~~فلا حكم لغيره لا في الدنيا ms4554 ولا في الآخرة . | ولما أنتج هذا أنه لا عظيم ~~غيره , ولا إله إلا هو , ترجم ذلك بقوله مخاطبا للكل : { ذلكم } أي العظيم ~~الرتبة جدا { الله } المحيط بجميع أوصاف الكمال , فلا شريك له في شيء منه ~~بوجه { ربي } الذي لا مربي له غيره في ماض ولا حال ولا استقبال . | ولما ~~كان ذلك , أنتج ولا بد قوله : { عليه } أي وحده { توكلت } أي أسلمت جميع ~~أمري { وإليه } أي لا إلى غيره { أنيب * } أي أرجع بالتوبة إذا قصرت في شيء ~~من فروع شرعه وأرجع إلى كتابه إذا نابني أمر من الأمور , فأعرف منه حكمه ~~فافعلوا أنتم كذلك , اجعلوه الحكم تفلحوا , ولا تعدلوا عنه في شيء من ~~الأشياء تهلكوا . | ولما تقرر بهذا الكلام أنه قد ركز في الفطر أنه لا إله ~~غيره لأنه خالق سواه كما يهدي إليه الاضطرار وإن أغفل عنه البطر , وصفه ~~بالدليل على ذلك الذي جبل عليه جميع الفطر : { فاطر السماوات والأرض } أي ~~مبتدئها بالخلق والإخراج من العدم , وكل ما اتخذتموه وليا من دونه فهو ~~منهما , فهو مما فطره كما يعلم كل أحد منكم ذلك لا يتمارى فيه , فهذا هو ~~السبب في العلم المركوز في الفطر من أنه الواحد الذي لا إله معه كما كان في ~~الأزل ولا شيء معه . | PageV06P605 ولما ذكر سبحانه ما شق العدم بإيجاده من ~~غير سبب أصلا , أتبعه ما سببه عن ذلك فأنشأه من العناصر التي أبدعتها يد ~~القدرة في الخافقين , فقال معبرا بالفعلية تذكيرا بما يوجب لهم الاعتراف ~~بما اعترف به نبيه صلى الله عليه وسلم من أنه وحده ربه لا شريك له في ذلك , ~~فيوجب التوكل عليه وحده : { جعل لكم } أي بعد أن خلقكم من الأرض { من ~~أنفسكم أزواجا } يكون بالسكون إليها بقاء نوعكم , ولما كانت الأنعام ~~ومنافعها لأجلنا قال : { ومن } أي وجعل لكم من { الأنعام } الي هي أموالكم ~~وجمالكم وبها أعظم قوامكم { أزواجا } أي من انفسها , يكون بها أيضا بقاء ~~نوعها , وكذا جميع الحيوانات , ومعنى قوله مغلبا العقلاء : { يذرؤكم } أي ~~يخلقكم ويكثركم ولما كان الأزواج ms4555 في غاية المحبة للزواج بحيث إنه مستول على ~~القلوب , كان كأنه محيط بهم فقال : { فيه } أي في ذلك التزاوج بحيث يجعلكم ~~مولعين به , من قوله ذراه : خلقه وكثره وأولعه بالشيء , فيكون لكم في ~~الأزواج من البشر نطفا وجمالا وولادة , وفي الأنعام غذاء وشرابا واكلا , ~~وغير ذلك مما لكم فيه من المنافع , ولا تزالون في هذا الوجه والتزاوج نسلا ~~بعد نسل وجيلا بعد جيل . | ولما تقرر في الأوهام وثبت في كثير من الأذهان ~~أنه لا يكون شيء إلا بسبب التزواج , كان ربما سرى شيء من هذا الوهم في حق ~~الخالق سبحانه فنفاه على أبلغ وجه بقوله : استئنافا في جواب من يسأل عنه : ~~{ ليس } وقدم الخبر لأن المراد نفيه فأولاه النافي دلالة على شدة العناية ~~بنفسه فقال : { كمثله } أي مثل نفسه في ذاته ولا في شيء من صفاته : { شيء } ~~يزاوجه أو يناسبه , وكل ما اتخذتموه وليا من دونه , فله ما يزاوجه ويماثله ~~, فالمراد بالمثل هنا النفس وهو أصله وحقيقته في اللغة من قولهم : مثل ~~الرجل يمثل - إذا قام وانتصب , قال الإمام عبد الحق الإشبيلي في كتابه ~~الواعي : و المثل يكون هو الحديث نفسه < # > 77 ( { مثل الجنة التي وعد المتقون } ) 77 < # > [ الرعد : 35 ] فمثلها هو الخبر عنها , وقيل : المثل ههنا الصفة < # > 77 ( { ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم } ) 77 < # > [ البقرة : 214 ] أي صفتهم , نقل ذلك الهروي ونقل عن أبي عبد الله ~~القزاز قوله : < # > 77 ( { ضرب مثل فاستمعوا له } ) 77 < # > [ الحج : 73 ] كذلك , لأنه قال : { إن الذي تدعون } الآية فصار الخبر ~~عن ذلك هو المثل , قال : وهو على أصل ما ذكرنا أن مثل الشيء صفته وصورته , ~~وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ { مثال } وقرأ { أمثال الجنة ~~التي وعد المتقون } ثم قال : وهذا كله يدل على أن معنى { مثل } صفة صورة , ~~قال أبو عبد الله : مثلت له الشيء تمثيلا : صورته له حتى كأنه ينظر إليه , ~~وفي الحديث : ( مثلت PageV06P606 لي الجنة والنار ) انتهى . | في القاموس : ~~المثل - بالكسر والتحريك وكأمر : المشبه ms4556 , والمثل محركة : الحجة والحديث ~~والصفة , والمثيل : المقدار والقصاص وصفة الشيء والفراش , جمعه أمثلة ومثل ~~, والتمثال - بالكسر : الصورة ومثل قائما : قام منتصبا كمثل بلاضم مثولا - ~~انتهى . | وفي شمس العلوم : والعرب تقيم المثل مقام النفس فتقول : مثلي لا ~~يقول هذا أي أنل انتهى . | فقد بان أن المثل بالإسكان والتحريك واحد , وأنه ~~في الأصل عبارة عن نفس الشيء وصورته , ثم شاع فيما يشابهه , فمعنى مثل أي ~~انتصب تشكل وتصور فكانت له صورة وشكل لأن بالانتصاب تتحقق صورته وتظهر , ~~وكذا مثل بمعنى لصق الأرض وإن كان ظهوره بالقيام أوضح , وكذا مثل بمعنى لصق ~~الأرض وإن كان ظهوره بالقيام أوضح , وكذا مثل إذا زال عن مكانه لأنه حصل ~~الانتصاب أو اللصوق , وزاد الانتقال , ويوضح ذلك قولهم : مثله له - إذا ~~صوره حتى كأنه ينظر إليه , فعلم قطعا أن معنى الآية ما قلته , وأنه لو قيل ~~{ ليس كمثله شيء } , من غير كاف , لربما قال بعض أهل التعنت : هذا معناه ~~أنه ليس شيئا , لأنا قد علمنا أن المثل هو الشيء , وقد كانوا يتعنتون بدون ~~هذا , لأنه يؤدي إلى محالين هما في غاية الضمور يحاشى عن أحدهما فكيف إذا ~~اجتمعا من له أدنى حكمة فكيف بأحكم الحكماء , أحدهما أن له مثلا , والثاني ~~أن مثله لا مثل له مع الحكم بأنه مثله , وذلك تناقض ظاهر يتعالى الله عن ~~إرادة مثله علوا كبيرا - والله الموفق . | ولما كان قد أبطن نفسه سبحانه ~~بهذا التنزيه إبطانا عظيما , وكان هذا الإعراق في البطون لا تحتمله العقول ~~, فلا يؤمن عليها النزوع إلى التعطيل , قربه بنوع ظهور بذكر ما نعقله من ~~الأوصاف بعد الأمن من التشبيه لمن يأمل الكلام , وحكم العقل وطرد الوهم , ~~فأتى بأوضح ما نحسه من أوصافنا . | واظهره مع استلزامه لبقية الصفات فقال : ~~{ وهو } أي والحال أنه لا غيره { السميع البصير * } أي الكامل في السمع ~~والبصر والعلم من البصر والبصيرة , ومن المقطوع به أن ذلك لا يكون على وجه ~~الخصوص إلا بالوحدانية والحياة والقدرة والإرادة والكلام , فاستوفت هذه ~~الآية ما لوح إليه العاطف فيب ms4557 قوله ( وما اختلفتم ) بعد ما صرح به , فالله ~~هو الولي من أصول الدين بالصفات السبع على أتم وجه - والله الموفق , قال ~~الحرالي : السمع إدراك ألطف المثلين وهو الاسم , والصر إدراك أظهر المثلين ~~وهو الصورة , وبالحق سبحانه بدأ كل مثل لطيف فهو السميع بالحقيقة أن ~~PageV06P607 لا يسمع ما هو مبتدئ ألطف مثيله , أو لا يبصر ما هو مبدئ أظهر ~~مثيله , ولما كان سبحانه وتعالى عليما بأمثال البادئات قبل كونها كان سميعا ~~لها بصيرا لها قبل كونها , وإنما يستجد السمع والبصر من يتبع علمه إدراك ~~حسه , لا من هو دائما سميع بصير بما هو دائما عليم , فهو سبحانه يسمع ~~الأشياء وإن لم تتسم , ويراها وإن لم تتصور , رؤيته لها وسمعه في خلقها ~~وبريها وتصويرها رؤية دائمة وسمع دائم , والخلق لا يرون الشيء قبل تصوره ~~ولا يسمعونه قبل تكلمه - انتهى . | فقد صرحت الآية بتنزيهه عن مساو في شيء ~~ما , فمن ادعى لأحد مساواته في شيء من صفاته علم أو غيره فقد أشرك به في ~~تلك الصفة وهو أشد ملامة من المشرك بالصنم ونحوه من المخلوقات لأن إشراك ~~هذا ظاهر الوهي واضح الخلل بين السفسفة , وإشراك الأول خفي لا يقدر على حله ~~إلا راسخ وإن كان كل منهما يصير إلى الركاكة والهذيان لأنه لا يسوغ في عقل ~~أن يكون أحد شريكا لأحد في شيء إلا وهو مساو له في حقيقة الذات , وصالح في ~~الجملة لأن يقوم مقامه في جميع الصفات , فإياك ثم إياك من مزلة ربما استغوى ~~بها الشيطان بعض من يريد الترقي في درجات العرفان , ليخرجه من جميع الأديان ~~. | ولما قرر أمر الوحي بما ثبت به من الإعجاز , وأرهم الآيات في الآفاق , ~~بأن له ما في الوجود , وأنه هو الذي فطره , وكان ربما كان للإنسان شيء ولم ~~يكن كامل التصرف فيه بأن يكون مفاتيح خزائنه مع غيره من شريك أو غيره , ~~وكان ربما اخترع الإنسان بناء وكان لغيره , أخبر إكمالا لتنزيه الآية ~~السالفة وشرحا له أنه تعالى ليس كمثله شيء كغيره في هذا ms4558 أيضا بل كما كان أن ~~له ما في الخافقين وهو مخترعهما فله مفاتيح خزائنهما , فقال : { له } أي ~~وحده { مقاليد السماوات والأرض } أي خزائنهما ومفاتيح خزائنهما من الأمطار ~~والأنبات وغيرهما وقد ثبت أنه ابتدعهما , وأن له جميع ما فيهما مما اتخذ من ~~دونه وليا وغيره , قال القشيري : والمفاتيح الخزائن وخزائنه مقدوراته - ~~انتهى . | ولما كان قد حصر الأمر فيه دل عليه بقوله : { يبسط الرزق } أي ~~الذي فيهما ولا مانع إلا قدرته { لمن يشاء } أي أن يبسطه له { ويقدر } أي ~~يضيق ويقبض على من يشاء كما وسع على فارس والروم وضيق على العرب وفاوت في ~~الأفراد , بين أفراد من وسع عليهم ومن ضيق عليهم , فدل ذلك قطعا على أنه لا ~~شريك له وأنه هو المتصرف وحده فقطع بذلك أفكار الموفقين من عباده من غيره ~~ليقبلوا عليه ويتفرغوا له , فإن عبادته هي المقاليد بالحقيقة < # > 77 ( { استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم ~~بأموال } ) 77 < # > [ الآية 12 : نوح ] < # > 77 ( { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار } ~~) 77 < # > [ الطلاق : 11 ] < # > 77 ( { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات PageV06P608 ~~من السماء والأرض } ) 77 < # > [ الأعراف : 96 ] { ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم ~~سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم } < # > 77 ( { ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل } ) 77 < # > [ الآية 66 : المائدة ] . | ولما كان كأنه قيل : لم فعل ذلك ؟ علله ~~بقوله مؤكدا لأن أعمال غالب الناس في المعاصي عمل من يظن أنه سبحانه يخفى ~~عليه عمله : { إنه بكل شيء عليم * } فلا فعل له إلا وهو جار على أتقن ما ~~يكون من قوانين الحكمة , فلو أنه وسع العرب وقواهم ثم أباحهم ملك أهل فارس ~~والروم لقبل بقوتهم ومكنتهم , وله في كل شيء دق أو جل من الحكم ما يعجز عن ~~إدراك لطائفة افاضل الأمم . | ولما ثبت أن له كل شيء وأنه لا متصرف في ~~الوجود سواه , أنتج ذلك أنه لا ناهج لطرق الأديان التي هي أعظم الرزق وأعظم ~~قاسمة للرزق غيره , فأعلمهم أنه لم ms4559 يشرع دينا قديما وحديثا غير ما اتفقوا ~~عليه وقت الشدائد . | فقال دالا على ما ختم به الآية التي قبلها من شمول ~~علمه ومرغبا في لزوم ما هدى إليه ودل عليه : { شرع } أي طرق وسن طريقا ~~ظاهرا بينا واضحا { لكم } أيتها الأمة الخاتمة من الطرق الظاهرة المستقيمة ~~{ من الدين } وهو ما يعمل فيجازي عليه . | ولما كان السياق للدين , وكانوا ~~هم المقصودين في هذا السياق بالأمر به , لأن الشارع لهم قد أنتجه , وكانوا ~~لتقليدهم الآباء يرون أن ما كان منه أقدم كان أعظم وأحكم , ذكر لهم أول ~~الآباء المرسلين إلى المخالفين فقال : { ما } أي الذي { وصى به } توصية ~~عظيمة بعد إعلامه بانه شرعه { نوحا } في الزمان الأقدم كما ختم به على لسان ~~الخاتم , وأرسل به من توسط بينهما من الأنبياء المشاهير لأنه لا يرضيه سواه ~~, فإن كنتم إنما تأنفون من الدخول في هذا الدين لحدوثه فإنه أقدم الأديان ~~وكل ما سواه حادث مع أنه ما بعث نبيا من أنبيائكم ولا من غيرهم إلا به ومع ~~أنه توفرت على الشهادة به الفطر الأولى دائما والفطر اللاحقة حتى من القلوب ~~العاتية في أوقات الشدائد أبدا فأدخلوا فيه على بصيرة . | ولما كان الإعجاز ~~خاصا بنا , أبرزه في مظهر العظمة معبرا بالوحي , وبالأصل في الموصلات , ~~ودالا على زيادة عظمته بتقديمه على من كانوا قبله مع ترتيبهم عند ذكرهم على ~~ترتيبهم في الوجود فقال : { والذي أوحينا إليك } وأفرد الضمير زيادة في ~~عظمته دلالة على أنه لا يفهمه حق فهمه غيره صلى الله عليه وسلم , ودل على ~~عظمه ما كان لإبراهيم وبنيه بما ظهر من آثاره بمظهر العظمة , وعلى نقصه عما ~~إلى نبينا صلى الله عليه وسلم بالتعبير بالوصية فقال : { وما وصينا } أي ~~على ما لنا من العظمة الباهرة التي ظهرت بها تلك المعجزات { به إبراهيم } ~~الذي نجيناه من كيد نمرود بالنار وغيرها ووهبنا له على الكبر إسماعيل ~~وإسحاق , وهو PageV06P609 أعظم آباء العرب وهو يدعون أكبر بالآباء فليكونوا ~~على ما وصيناه به { وموسى } الذي أنزلنا عليه التوراة موعظة ms4560 وتفصيلا لكل ~~شيء { وعيسى } الذي أنزلنا عليه الإنجيل فيه هدى ونور وموعظمة , ودخرناه في ~~سمائنا شريعة الخاتم الفاتح . | ولما اشتد تشوف السامع إلى الموحى الموصى ~~به , أبرزه في أسلوب الأمر فقال مبدلا من معمول ( شرع ) أو مستأنفا : { أن ~~أقيموا } أي أيها المشروع لهم من هذه الأمة الخاتمة ومن الأمم الماضية { ~~الدين } أي الذي عليه الخلائق بالرجوع إلى ما فطروا عليه وقت الاضطرار وهو ~~التوحيد والوصف بجميع صفات الكمال على الإطلاق وغير ذلك من كل ما أرسل به ~~رسله هذا على تقدير أن تكون { أن } مصدرية , ويجوز أن تكون مفسرة لتقدم ما ~~هو بمعنى القول . | ولما عظمه الأمر بالاجتماع , أتبعه التعظيم بالنهي عن ~~الافتراق فقال : { ولا تتفرقوا } أي تفرقا عظيما بما أشار إليه إثبات التاء ~~, وكأن ذلك إشارة إلى التحذير من التفرق في الأصل وإذن في الاجتهاد على قدر ~~في الفرع { فيه } أي الدين في أوقات الرخاء عند التقلب في لذيذ ما أنعم به ~~الشارع له الآمر به المرغب في اتباعه المرهب من اجتنابه , واجتمعوا على ما ~~أرسله الذي أثبتم له جميع صفات الكمال عند الشدائد من غير خلاف أصلا في شيء ~~من الأشياء , فإن التفرق سبب الهلاك , والاجتماع سبب النداة , فكونوا يدا ~~واحدة يا أهل الكتاب قال تعالى { يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا ~~وبينكم أن لا نعبد الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من ~~دون الله } . | ولما نهى عن التفرق , حث على لزوم الاجتماع اللازم به تعليل ~~النهي بقوله : { كبر على المشركين } أي جل وعمظم وشق حتى ضاقت به صدورهم , ~~وهو { ما تدعوهم إليه } أيها النبي الفاتح الخاتم من الاجتماع أبدا على ما ~~اجتمعوا عليه وقت الاضطرار من وحدانيته الواحد القهار , فلأجل كبره عليهم ~~هم يسعون في تفرقكم عنه فإن تفرقتم عنه كنتم قد تابعتم العدو الحسود ~~وخالفتم الولي الودود . | ولما كان الإخبار بكره عليهم ربنا أوهم اتباع ~~أتباعهم له , أزال ذلك الوهم بقوله جوابا لمن كأنه قال : كيف السبيل مع ذلك ~~إلى ms4561 دخول أحد في هذا الدين , عادلا عن مظهر العظمة إلى أعظم منه تعظيما ~~للقدرة على جميع القلوب : { الله } أي الذي له مجامع العظمة ونفوذ الأمر { ~~يجتبي } أي يختار بغاية العناية ويصرف { إليه } أي إلى هذا الدين الذي ~~تدعوهم إليه { من يشاء } اجتباءه . | ولما ذكر سبحانه بهذا المراد بغير ~~تكسب منه , أتبعه المعنى بالسلوك فقال : PageV06P610 { ويهدي إليه } ~~بالتوفيق للطاعة { من ينيب * } أي فيه أهلية لأن يحدد الرجوع إلى مراتب ~~طاعاته كل حين بباطنه بعد الرجوع بظاهر إلى ما كتبه له من الدرجات كأنه كان ~~الوصول إليها قد نزل عنها وهو بترقيه في المنازلات بأحوال الطاعات يرجع ~~إليها . | < < # | الشورى : ( 14 - 16 ) وما تفرقوا إلا . . . . . # > > ^ ( وما تفرقوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة ~~سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي ~~شك منه مريب * فلذلك فادع واستقم كمآ أمرت ولا تتبع أهوآءهم وقل آمنت بمآ ~~أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنآ أعمالنا ولكم ~~أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير * والذين يحآجون ~~في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب ~~شديد ) ^ } ) | ولما كان المراد بالمشركين مع عباد الأوثان أهل الكتاب ~~الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله لقبولهم منهم التحليل ~~والتحريم , وكان ذلك مفهما لأنهم فارقوا أهل الطاعة , وكان ذلك موهما لأنهم ~~ما فارقوهم إلا عن جهل , قال عاطفا على ما تقديره : فأتى الرسل إلى الناس ~~فأقاموا لهم الدين وبينوا لهم غاية التبيين فاجتبى الله بعضهم وأضل بعضهم ~~فافترقوا : { وما تفرقوا } أي المشركين من قبلكم من أهل الكتاب وغيرهم في ~~أديانهم { إلا } وأدخل الجار لعدم استغراق الزمان فقال : { من بعد ما جاءهم ~~} أي على ألسنة أنبيائهم الذين لم يدعوا لبسا { العلم } أي بما لا يسوغ معه ~~التفرق ومنه أن الفرقة ضلالة , وأشار الجار أيضا إلى أن التفرق كان مع ~~العلم لم يكن طال الزمان فترطق إلى ms4562 علمهم نسيان كل ذلك بيانا لعظيم قدرة ~~الله تعالى في تصرفه في القلوب , فإياكم أن يكون حالكم كحالهم فليشتد خوفكم ~~لربكم ورجاءكم له . | ولما ترك طريق العلم عجبا ومستبعدا , قال مبينا أن ~~الذي حملهم على ذلك حظوظ الأنفس التي لا نجاة منها إلا بعصمة الله تعالى : ~~{ بغيا } أي حال كون تفرقهم عداوة ولا شبهة فيها هي بينة الظلم لأجل الأنفس ~~واتباع الأهواء التي يجب على العبد البعد عنها بأن لا تكون له إرادة أصلا ~~بل تكون إراداته تابعة لأمر مولاه . | ولما كان مطلق البغي منافيا لمكارم ~~الأخلاق , فكان ارتكابه عجبا , زاد في التعجب منه ببيان أن البغي لم يعد ~~جماعتهم إلى غيرها , بل كان خاصا بها , فقال : { بينهم } . | ولما كان ذلك ~~يقتضي المعالجة , قال عاطفا على ما تقديره : فلولا قدرة الله ولطفه لما ~~اجتمعوا بعد الفرقة أبدا : { ولولا كلمة } أي لا تبديل لها { سبقت } أي في ~~الأزل PageV06P611 بتأخيرهم إلى آجالهم . | ولما كان إمهالهم والرفق بهم ~~رحمة لهم , بين أن ذلك إنما هو لأجل خير الخلق ليكونوا أتباعا فيزدادوا ~~لذلك شرفا , وأفرده بالذكر تنبيها على ذلك فقال مؤنسا له صلى الله عليه ~~وسلم بلفت الكلام إلى صفة الإحسان إرضاء له بما يرجوه في امته , وزاد 1 لك ~~بالإضافة إلى ضميره فأفهم أن إحسانه إليهم إحسان يليق بمقامه , ويلتئم ~~بمراده الشريف ومرامه : { من ربك } أي المحسن إليك بجعلك خير الخلائق ~~وإمامهم , سبقت الكلمة بإمهالهم { إلى أجل مسمى } ضربه لآجالهم ثم لجمعهم ~~في الآخرة { لقضي } على أيسر وجه وأسهله { بينهم } حين الافتراق بإهلاك ~~الظالم وإنجاء المحق . | ولما أخبر عن حال المتقدمين , وكان من في زمانه ~~صلى الله عليه ولم من أهل الكتاب يدعون غاية العلمل بها والاجتماع عليها , ~~وهي كلها إلى المبادرة إلى إرث هذا الكتاب الخاتم الجامع , وكان بعضهم ~~يتلبس بالتنسك والإعراض عن الدنيا وغير ذلك مما يقتضي أنه على بصيرة من ~~أمره , وإنكار أن يكون عنده نوع شك , قال على وجه يعم غيرهم , مؤكدا تنبيها ~~على ذلك : { وإن الذين } ولما كان ms4563 المراد الوصول إلى الكتاب من غير منازع , ~~ولم تدع حاجة إلى العلم بالموصل , بني للمفعول قوله : { أورثوا الكتاب } أي ~~الكامل الخاتم , وهم هذه الأمة بما نسخ كتابهم ما تقدمه كان غيرهم كأنه مات ~~, فورثوا كما قال تعالى { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا } [ ~~فاطر : 32 ] فكان حالهم في تمكنهم من التصرف في الكتاب بالحفظ والفهم وعدم ~~المنازع في ادعائه حال الوارث والموروث منه فقال : { من بعدهم } أي ~~المتفرقين , وأثبت الجار لعدم استغراق الزمان { لفي شك منه } أي إيراث ~~للكتاب المقتضي للاجتماع لا للتفرق لما فيه من الخير , وذلك لعملهم عمل ~~الشاك فيقولون : إنه سحر وشعر وكهانة , ونحو ذلك , وأن الآتي به غير صادق ~~بعد اطلاعهم على ما اتى به من المعجزات وبعد معرفتهم به , أما العرب ومن ~~ساكنهم من أهل الكتاب فبإعجازه مع ما في أهل الكتاب من البشارة به , وأما ~~غير من ساكنهم فبدعوة كتابهم { مريب * } أي موقع في التهمة الموقعة في ~~كتابنا , ويجوز أن يكون الضمير لأهل الكتاب خاصة والكتاب كتابهم , وشكهم ~~فيه عملهم بغير ما دعاهم إليه من اتباع كتابنا باتباع نبينا صلى الله عليه ~~وسلم . | ولما ثبت بهذا زيغهم عن اوأمر الكتاب الآتي من الله , سبب عنه ~~أمره صلى الله عليه وسلم بإبلاغ الناس ما ينفعهم عن رسالة ربه الذي أنزل ~~تلك الكتب في آية واحد مفصلة بعشر كلمات في كل كلمة منها حكم برأسه , قالوا ~~: ولا نظير لها إلا آية الكرسي فإنها عشرة أصول كل أصل منها مستقل برأسه ~~فقال مسببا عن حالهم الاجتهاد في إزالتها والعمل PageV06P612 بضدها : { ~~فلذلك } أي لهذا الوحي العلي الرتبة الذي وصينا بمقاصده جميع الرسل أصحاب ~~الشرائع الكبار من أولي العزم وغيرهم , أو لذلك التصرف المباعد للصواب ~~والشك في أمر الكتاب . | ولما كان سياق الدعوة للخلق إلى ما أوحى إليه ~~فأنزل عليه , قدم قوله : { فادع } إلى من أرسلك الله به من الاتفاق على ما ~~أمر به الإله من الاجتماع على الملة الحنيفية . | ولما كان الداعي لغيره لا ~~ينفع دعاءه لذلك ms4564 الغير ما لم ينفع نفسه , قال : { واستقم } أي اطلب القوم ~~من ربك على مشاق الدعوة ليعينك عليه وأوجده على ما يدعو إليه كتابه مما ~~تدعو إليه ويجب عليه { كما أمرت } ممن لا أمر لغيره في تفاصيل الدعاء من ~~اللين والغلظة والتوسط وغير ذلك من تحديث الناس بما تحتمل عقولهم وتربيتهم ~~على حسب ما ينفعهم . | ولما كان كل ما خالف كتابنا هوى , وكل ما خالف ~~كتابنا فهو على مجرد الهوى , قال : { ولا تتبع } أي تعمدا { أهواءهم } في ~~شيء ما , فإن الهوى لا يدعو إلى خير , والمقصود من كل أحد أن يفعل ما أمر ~~به لأجل أنه أمر به لا لأجل أنه يهواه . | ولما كانوا قد تفرقوا في الكتاب ~~وشكوا فآمنوا ببعض وكفروا ببعض , أمره بما يخالف حالهم فقال : { وقل } أي ~~لجميع أهل الفرق , وكل من يمكن له القول فإنك أرسلت إلى جميع الخلق : { ~~آمنت بما } أي بكل شيء . | ولما كان أكمل الناس إيمانا أكثرهم استحضارا ~~لأوصاف الكمال من الجلال والجمال , صرف القول إلى الاسم الأعظم إشارة إلى ~~سلوك أعلى المسالك في ذلك فقال : { أنزل الله } أي الذي له العظمة الكاملة ~~{ من كتاب } لا أفرق بين شيء من كتبه ولا أحد من رسله , بل كل كتاب ثبت ~~النظرية , قال أبو علي القالي في ذيل الأمالي : حدثنا أبو بكر - هو ابن ~~الأنباري - حدثنا أبو جعفر محمد بن عثمان رضي الله عنه رجل فقال : يا أمير ~~المؤمنين ما الإيمان أو كيف الإيمان ؟ قال : الإيمان على أربع دعائم : على ~~الصبر واليقين والعدل والجهاد , والصبر على أربع شعب : على الشوق والشفق ~~والزهادة والترقب , فمن اشتاق إلى الجنة سلى عن الشهوات , ومن أشفق من ~~النار رجع عن الحرمات , ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات , ومن ارتقب ~~الموت رجع عن الحرمات , ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات , ومن ارتقب ~~الموت سارع إلى الخيرات , واليقين على أربع شعاب : تبصرة الفطنة وتاويل ~~الحكمة وموعظة العبرة وسنة الأولين , فمن تبصر الفطنة تأول الحكمة , ومن ~~تأول الحكمة عرف بالعبرة , ومن عرف العبرة ms4565 عرف السنة , ومن عرف السنة ~~فكأنما PageV06P613 كان في الأولين , والعدل على أربع شعب : على غائص الفهم ~~وزهرة الحلم وروضة العلم وشرائع الحكم , فمن فهم جمع العلم , ومن حلم لم ~~يضل في الحكم , ومن علم عرف شرائع الحكم , ومن حلم لم يفرط أمره , وعاش في ~~الناس . | والجهاد على أربع شعب : على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~والصدق في المواطن وشنآن الفاسقين , فمن أمر بالمعروف شد ظهر المؤمنين , ~~ومن نهى عن المنكر أرغم آناف الفاسقين , ومن صدق في المواطن فقد قضى عليه , ~~ومن شنئ المنافقين غضب الله وغضب الله له فأزلفه وأعلى مقامه , قال : فقام ~~الرجل فقبل رأسه . | ولما أخبر بالعدل في القوة النظرية , أتبعه ذلك في ~~القوة العملية فقال : { وأمرت } أي ممن له الأمر كله بما أمرني به مما أنزل ~~علي { لأعدل } أي لأجل أن أعدل { بينكم } أيها المفرقون في الأديان من ~~العرب والعجم من الجن والإنس كما دعى إليه كمال القوة العملية , ثم علل ذلك ~~بقوله : { الله } أي الذي له الملك كله { ربنا وربكم } أي موجدنا ومتولي ~~جميع أمورنا , فلهذا أمرنا بالعدل على سبيل العموم لأن الكل عباده . | ولما ~~كان الرب واحدا , انتج عنه قوله : { لنا أعمالنا } خاصة بنا لا تعدونا إلى ~~غيرنا { ولكم أعمالكم } خاصة بكم لا تعدونا إلى غيركم , لأنه لا داعي لأن ~~نأخذ عمل بعضنا فنعطيه لغيره , لأن ذلك لا يفعله إلا ذو غرض , وهو سبحانه ~~محيط بصفات الكمال , فهو منزه عن الأغراض , ولما وصل بتمام هذه الجملة في ~~إزالة الريب وإثبات الحق إلى ما هو كالشمس لثبوت الرسالة بالمعجزات وإعجاز ~~هذا الكتاب وتصادقه مع ما عند أهل الكتاب , وبيان هاتين المقدمتين اللتين ~~لا نزاع بين أحد من الخلق فيهما كانت نتيجة ذلك : { لا حجة } أي موجودة ~~بمحاجة أحد منا لصاحبه { بيننا وبينكم } لأن الأمر وصل إلى الانكشاف التام ~~فى فائدة بعدة للمحاجة فما بقي إلا المجادلة بالسيوف , وإدارة كؤوس الحتوف ~~, لأنا نعلم بإعلام الله لنا في كتابه الذي دلنا إعجازه لخللائق على أنه ~~كلامه , فنحن نسمعه ms4566 لذلك منه أنا على محض الحق وأنكم على محض الباطل , وقد ~~أعذرنا إليكم وأوصلنا ببراهينه إلى المشاهدة فلم يبق إلا السيف عملا بفضيلة ~~الشجاعة . | ولما كان هذا موضع أن يقال : أفما تخافون الله فيمن تقاتلونه ~~وهو عباده , أجاب بقوله مظهرا غير مضمر تعظيما للأمر : { الله } أي الذي هو ~~أحكم الحاكمين { يجمع بيننا } أي نحن وأنتم على دين واحد أراد فلا يكون ~~قتال , وفي الاخرة على كل حال { فهو يحكم بيننا } < # > 77 ( { وسيعلم الذين ظلموا أي منلقب ينقلبون } ) 77 < # > [ الشعراء : 227 ] فما أقدمنا على القتال إلا عن بصيرة . | PageV06P614 ~~ولما كان الجامع بين ناس قد يكون مآلهم إلى غيره , بين أن الأمر فيه على ~~غير ذلك , فقال عاطفا على ما تقديره : فمنه كان المبدأ : { وإليه } أي لا ~~إلى غيره من حيث هذا الاسم الجامع لجميع الصفات { المصير * } حسا ومعنى ~~لتمام عزته وشمول عظمته وكمال رحمته , وما كان فيما بين المبدأ والمعاد من ~~الأمور التي كانت بحيث يظن أنها خارجة - لتصرف الغير فيها - إنما كانت ~~ابتلاء منه يقيم بها الحجة على العباد على ما يتعارفونه بينهم , وما كان ~~المتصرف فيها غيره فتصرفهم إنما كان أمرا طارئا يصحح عليهم الحجة ويلزمهم ~~الحجة . | ولما كان التقدير : فالذين رجعوا إليه طوعا في هذه الدار بعد هذا ~~البيان والإظهار , وتركوا الجدال حجتهم ثابتة ولهم الرضا والنعيم المقيم , ~~عطف عليه قوله مبتدئا بالموصول ليصله بما يفهم التجدد والاستمرار : { ~~والذين يحاجون } أي يوردون تشكيكا على ديه على دينه الحق من الشبه ما ~~يسمونه حججا , ولعل الإدغام يشير إلى أن أهل هذا الضرب منافقون يلقون شبههم ~~في خفاء فتشربها قلوب أمثالهم فتصير أهوية فيضعف أمرها ويؤيده تقييد الدحوض ~~بما عند الرب { في الله } أي في دين الملك الأعظم ليعيدوا الناس بعدما ~~دخلوا في نور الهدى إلى ظلام الضلال . | ولما كانت إقامة الحجة وإظهار ~~المعجزة أمرا ملزما لجميع من بلغه الاستجابة لوصول الأمر إلى حد من البيان ~~سقط معه الجدال , قال معلما إن ما كان في قوة الوجود يصح أن يطلق ms4567 عليه أنه ~~موجود , ومنبها بالجار على ذم هذا الجدال ولو قل زمنه : { من بعدما } ولما ~~كان المقصود مطلق الاستجابة لا من مجيب معين قال : { استجيب له } أي استجاب ~~له الرسول صلى الله عليه وسلم , وصار الناس كلهم بما يبين لهم مستحبين ~~بالقوة وإن لم يستجيبوا بالفعل , فإن الأمر قد ظهر غاية الظهور , ولم يبق ~~إلا العناد , فهذه الجملة هي المراد والثمرة من قوله { لا حجة بيننا وبينكم ~~} . | ولما كان من خالف ظاهره باطنه ضعيف الحجة هلهل النسج , قال معبرا ~~بمبتدأ ثان مفردا للحجة إشارة إلى ضعفها : { حجتهم } أي التي زعموها حجة , ~~وأخبر عن هذا المبتدأ الثاني ليكون هو وخبره خبرا عن الأول فقال : { داحضة ~~} أي زالقة فهي ذاهبة غير ثابتة لأجل أنها في معارضة ما ظهوره كالشمس بل ~~أجلى , والعبارة لفت إلى صفة الإحسان والعندية إشارة إلى شدة ظهور ما في ~~حجتهم من الدحوض لأن { عند } للأمور الظاهرة المألوفة , وصفة التربية للعطف ~~والرفق , والإضافة إلى ضميرهم تقتضي مزيد لطف وعطف , فهو إشارة إلى أنها ~~هباء منثور عند تدقيق النظر ولا سيما إذا كان بصفة عزة وقهر وغضب , فالمعنى ~~أن دحوضها ظاهرا جدا ولو عوملوا بصفة الإحسان ولو PageV06P615 خصوا بمزيد ~~عطف وبر , فأين هذا مما لو قيل { لدى عليم قدير } فإنه يفهم أن دحوضها لا ~~يدركه إلا بليغ العلم تام القدرة , وهو مع ذلك غريب فيصير فيه نوع مدح ~~لحجتهم في الجملة : { عند ربهم } أي المحسن إليهم بإفاضة العقل الذي جعلهم ~~به في أحسن تقويم , فمهما جردوه عن الهوى , دلهم على أن جميع ما كانوا فيه ~~باطل , وفيه إشارة إلى أن أدنى ما يعذبهم به قطع إحسانه عنهم , وأنه يظهر ~~بطلان ما سموه حجة لكل عاقل فيورثهم الخزي في الدنيا والعذاب في الأخرى على ~~أن قطع إحسانه هو عند التأمل أعلى العذاب { وعليهم } زيادة على قطع الإحسان ~~{ غضب } أي عقوبة تليق بحالهم المذموم ووصفهم المذؤوم ومنه الطرد , فهم ~~مطرودون عن بابه , مبعودون عن جنابه , مهانون بحجابه . | ولما أفهم التعبير ~~ب ( على ms4568 ) ذمهم باستعلاء النقم عليهم لم يشكل التعبير باللام , بل كان ~~مفهما التهكم والملام فقال : { ولهم } أي مع ذلك { عذاب شديد * } لا تصلون ~~إلى إدراك حقيقة وصفه , والآية مشيرة إلى الانتصار على أهل الردة وضربهم ~~بكل شدة لسوء منزلتهم عنده كما كشف عنه الحال عند ندب الصديق إليهم بالقتال ~~رضي الله عنه وأرضاه . | < < # | الشورى : ( 17 - 20 ) الله الذي أنزل . . . . . # > > ^ ( الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب ~~* يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها ~~الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد * الله لطيف بعباده يرزق ~~من يشآء وهو القوي العزيز * من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان ~~يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب ) ^ } ) | ولما جزم ~~سبحانه بما توعدهم بعد بعد أن حكم على حجتهم بالدحوض , وكان لا يجزم بالشيء ~~إلا من كان نافذ الأمر محيط الحكم , نبه على أنه كذلك , مبينا ما به يعرف ~~ثبات الحجج ودحوضها المستلزم للغضب من الله المستعقب للعذاب , بقوله لافتا ~~القول إلى الاسم الأعظم تنبيها على عظمة المخبر عنه : { الله } أي الذي له ~~جميع الملك { الملك } وأشار بالتعبير بالإنزال إلى أن المراد جملة الكتاب ~~الذي لا مطعن في شيء منه فقال : { انزل الكتاب } أي أوجد إنزاله هو لا غيره ~~{ بالحق } أي متلبسا على أكمل الوجوه بالأمر الثابت الذي لا يبدل وبسبب ~~العمل الحق العام للأقوال والأفعال والعقائد لتعرف الحجج الثابتة من غيرها ~~. | ولما كان الكتاب آمرا بالعدل قالا وحالا , وكان من محسوسات أوامره ~~التقدير بالمقادير الضابطة , قال مخصصا معبرا بأقومها إشارة إلى أن الكتاب ~~أعدل عدالة عند PageV06P616 العقل وأبين من الميزان للحس : { والميزان } أي ~~الأمر به مريدا به عينه حقيقة وجميعها بل جميع العدل الذي تقدم في { لا عدل ~~بينكم } مجازا . | ولما ثبت أن من جادل فيه كانت حجته داحضة إذا حوسب في ~~الساعة فكان معذبا , وكان التقدير بما هدى إليه السياق له صلى الله عليه ms4569 ~~وسلم فيما يقاسي في إنفاذ ما أمر به من العدل في جميع أقواله وأفعاله وصبره ~~على أذاهم : فمن فزع إلى الكتاب في المعاني وإلى الميزان في الأعيان فبنى ~~أمره على تحقيق العدل فيهما بمها فاز , ومن أهمل ذلك خاب يعاجل في الدنيا ~~بالأخذ لكون أجله الذي سبقت الكلمة بتأخيره إليه قد حضر , عطف عليه قوله ~~موجها الخطاب إلى أعلى الخلق تعظيما للأمر : { وما يدريك } يا أكمل الخلق { ~~لعل الساعة } التي أشير إليها في هذه الآية بقوله { عند ربهم } بعد أن صرح ~~بها في آية . | ولما كان تأنيث الساعة غير حقيقي لأنها بمعنى الوقت , ذكرها ~~فقال : { قريب * } فأفهم ذلك أنها ذات الشدائد وأن شدائدها ذكور الشدائد ~~وأن قربها أسرع من لمع البرق لما له من الثبات في الحق , أو ذكرها على ~~إرادة السبب أي ذات قرب , أو على حذف مضافة أي مجيئها , وعلى كل حال فهو ~~دال على تفخيمها أي إنك بمظنة من قرب القيامة , فيقع بهم ما توعدوا به مما ~~ينبغي الإشفاق منه , فيظهر فيها العدل بموازين القسط لجميع الاعمال ظهورا ~~لا يتمارى فيه أحد فيشرف من وفى , ويخزي من جار وجفا . | ولما تصور بهذا ~~قربها مشارا بالتعبير بلعل إلى أن حال المستعجل بها حال المترجي لشيء محبوب ~~وهو جهل منه عظيم , شرع في تفصيل الناس في أمرها فقال مشيرا إلى أنه ينبغي ~~للعاقل الاستعداد لها للخلاص في وقتها لظهور دلائلها من غير بحث عن قربها ~~أو بعدها , فغنه لا بد من كونها { يستعجل بها } أي يطلب أن تكون قبل الوقت ~~المضروب لها { الذين لا يؤمنون بها } أي لا يتجدد لهم ذلك أصلا وهم غير ~~مشفقين منها ويظنون أنها الباطل , وكان الحال يقتضي أن يكونوا أنفر الناس ~~منها لكن حملهم على ذلك تكذيبهم بها واستهزاؤهم وظنهم عدم كونها جهلا ممن ~~هم معترفون بقدرته وعلوه وعظمته . | ولما دل على جهل الكافرين , دل على ~~أضدادهم فقال : { والذبين آمنوا } وإن كانوا في أول درجات الإيمان { مشفقون ~~} أي خائفون خوفا عظيما { منها } لأن الله ms4570 هداهم بإيمانهم , فصارت معادن ~~المعارف , وقلوبهم منابع الأنوار , فأيقنوا بما فيها من الأهوال الكبار , ~~فخافوا للطافتهم أن يكونوا مع صلاحهم من أهل النار . | ولما قدم الإشفاق ~~تنبيها على أن العاقل ينبغي أن يخشى ما يمكن وقوعه , قال : { ويعلمون ~~PageV06P617 أنها الحق } إعلاما بأنهم على بصيرة من أمرها , فهم لا ~~يستعجلون بها , فالآية من الاحتباك : ذكر الاستعجال أولا دليلا على حذف ضده ~~ثانيا , والإشفاق ثانيا دليلا عل حذف ضده اولا . | قال ابن كثير : وقد روي ~~من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان والسنن والمسانيد أن رجلا سأل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوت جهوري وهو في بعض أسفاره فناداه : يا ~~محمد , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من صوته ( هاؤم ) فقال : متى ~~الساعة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه : ( ويحك أنها كائنة فما أعددت لها ~~؟ ) فقال : حب الله ورسوله , فقال : ( أنت مع من أحببت ) . | قال ابن كثير ~~: فقوله في الحديث ( المرء مع من أحب ) متواتر لا محالة , والغرض أنه لم ~~يجبه عن وقت الساعة , بل أمره بالاستعداد لها - انتهى , وهو مشروط بالبراءة ~~من أعداء الله بدليل قصة أبي طالب فإنه لم ينفعه حب الولي نفعا تاما بدون ~~البراءة من العدو . # ولما أعلم بتعريف الحق أنها ثابتة كاملا لا انقضاء له أصلا ولا زوال ~~لآثارها , أنتج قوله مؤكدا معظما في مقابلة إنكارهم : { ألا إن الذين ~~يمارون } أي يظهرون شكهم في معرض اللجاجة لتسخرج ما عساه يكون فيها من ~~اللبن { في الساعة } أي القيامة وما تحتوي عليه { لفي ظلال } أي ذهاب جائر ~~عن الحق { بعيد * } جدا عن الصواب , فإن لها من الأدلة الظاهرة في العقل ~~المؤيد بجازم النقل ما ألحقها حال غيابها بالمحسوسات لو كشف الغطاء ما ~~ازددت يقينا . | ولما كان حاصل أمر الفريقين أنه أظهر خوف الكافرين في غاية ~~الأمن وأبطن أمن المؤمنين في أزعج خوف , وكان هذا عين اللطف , فأنه الوصول ~~إلى الشيء بضده , ويطلق على إيصال البر إلى الخلق على وجه يدق إدراكه , ~~وكان أكثر ما يبطئ ms4571 بالإنسان في أمر الدين اهتمامه بالرزق , أنتج ذلك قوله : ~~{ الله } أي الذي له الأمر كله فهو يفعل ما يريد { لطيف } أي بالغ في ~~العالم وإيقاع الإحسان بإيصال المنافع , وصرف المضار على وجه يلطف إدراكه , ~~قال القشيري : اللطيف العالم بدقائق الأمور وغوامضها وهو الملطف المحسن ~~وكلاهما في صفته سبحانه صحيح , وأكثر ما يستعمل اللطف في وصفه بالإحسان في ~~الأمور الدينية , وقال الرازي في اللوامع : هو اسم مركب من علم PageV06P618 ~~ورحمة ورفق خفي { بعباده } - انتهى . | أما المؤمن فواضح , وأما الكافر ~~فأقل لطفه به أنه لا يعاجله في الدنيا ولا يعذبه فوق ما يستحق في الأخرى , ~~فالاسم الأول تخويف والثاني ترجية ظاهرة باطنها تخويف , إشارة إلى ما ينبغي ~~من الخوف والرجاء , وأن يكون الخوف أغلب . | ولما كان أظهر ما يكون هذا ~~الوصف في الرزق , فإنه يوسع على من لا حيلة له , ويحرم من هو في غاية القوة ~~والقدرة , ويرفع الضعيف الجبان ويخفض القوي الشجاع , وكل ذلك على حسب ما ~~يعلم من بواطنهم ويزيد من أعمالهم , قال دالا على ذلك استئنافا لمن سأل عن ~~كيفية اللطف : { يرزق من يشاء } مهما شاء على سبيل من السعة أو الضيق أو ~~التوسط لا مانع له من شيء من ذلك , ويمنع الرزق عمن يشاء إذا علم فراغ أجله ~~فيتوفاه إليه فأجهدوا أنفسكم في طلب مرضاته , ولا تلتفتوا إلى الخوف من ~~الحاجة فإنه قد فرغ من تقدير الرزق ونهى عن المبالغة في طلبه . | ولما كان ~~ذلك لا يستطيعه أحد سواه لما يحتاج إليه من القوة الكاملة والعزة الشاملة ~~قال : { وهو القوي } أي فلا يضيق عطاؤه بشيء { العزيز * } فلا يقدر أحد أن ~~يمنعه عن شيء . | ولما بين بهذا أن الرزق ليس إلا في يده , أتبعه ما يزهد ~~في طلب رزق البدن , ويرغب في رزق الروح فقال على سبيل الاستئناف جوابا لمن ~~يسأل : هل يكون الرزق بشدة السعي أولا , وبدأ برزق الروح لشرفه : { من كان ~~} أي من شريف أو دنيء { يريد } ولما كان مدار مقصد السورة على الدين , وكان ~~الدين معاملة ms4572 بين العبد وربه يقصد به ما يقصد بالحرث من حصول الفائدة , ~~وكان الحرث من أجل أسباب المكاسب , وكانت الجنة قيعانا غراسها ذكر الله , ~~عبر عن مطلق الكسب بالحرث فقال : { حرث الآخرة } أي أعمالها وإنجاحها إلا ~~الله , وكان الآدمي يظن لنفسه في ذلك قدرة , نبه سبحانه بالالتفات إلى ~~أسلوب العظمة أن أمره سبحانه في ذلك لا يستطاع دفاعه ولا ممانعته ونزاعه : ~~{ نزد له } أي بعظمتنا التي لا يقدر أحد على تحويلها { في حرثه } بأن يعينه ~~على الأعمال الصالحة بإنارة القلب وتصفية الحال وتهدئة السر ونفوذ البصر ~~فيما يضر وينفع ويضاعف له ثوابها من العشر لكل حسنة إلى ما لا نهاية له ~~ويغطيه , من الدنيا التي أعرض عنها ما قدر له إعانة له على ما أقبل عليه من ~~الآخرة , وطى ذكر الدنيا في هذا الشق تنبيها على أنها أحقر من أن تذكر مع ~~أنه معلوم من آيات أخر { ومن كان } أي من قوي أو ضعيف { يريد حرث الدنيا } ~~أي أرزاقها التي تطلب بالكد والسعي PageV06P619 ويستنمي به مكتفيا به مؤثرا ~~له على الآخرة { نؤته منها } ما قسمناه له , ولو تهاون به ولم يطلبه لأتاه ~~, ولا ينال كل ما يتمناه ولو جهد كل الجهد , وأم الآخرة فكل ما نواه طالبها ~~من أعمالها حصل له وإن لم يعمله { وما } أي والحال أن طالب الدنيا ما { له ~~في الآخرة من نصيب * } أصلا , روى أبي بن كعب رضي الله أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( بشر هذه الأمة بالسنا والرفعة والنصرة والتمكين في الأرض ~~فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب ) رواه أحمد ~~وابن حبان في صحيحه والحاكم - وقال : صحيح الإسناد - والبهيقي , وذلك لأن ~~الأعمال بالنيات , وإنما لكل امرئ ما نوى , وهذا تهاون بها فلم ينوها وهي ~~أشرف من أن تقبل على من أعرض عنها وتبعد عمن أقبل عليها حتى تهلكه في ~~مهاويها , والآخرة تقبل على من أقبل عليها أضعاف إقباله , وتنادي من أدبر ~~عنها لينتهي عن غيه وضلاله , قال ms4573 الرازي في اللوامع : أهل الإرادة على ~~أصناف : مريد للدنيا ومريد للآخرة ومريد للحق جل وعلا , وعلامة إرادة ~~الدنيا أن يرضى في زيادة دنياه بنقص دينه والإعراض عن فقراء المسلمين وأن ~~تكون حاجاته في الدعاء مقصورة على الدنيا , وعلامة إرادة الآخرة بعكس ذلك , ~~وأما علامة إرادة الله سبحانه وتعالى كما قال { ويريدون وجهه } طرح الكونين ~~والحرية عن الخلق والخلاص من يد النفس - انتهى , وحاصله أن يستغرق أوقاته ~~في التوفية بحقوق الحق وحقوث الخلق وتزكية النفس لا طمعا في جنة ولا خوفا ~~من نار , بل امتثالا لأمر الملك الأعلى الذي لا إله غيره لأنه أهل لذلك مع ~~اعترافه لأنه لن يقدر الله حق قدره . | < < # | الشورى : ( 21 - 24 ) أم لهم شركاء . . . . . # > > ^ ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة ~~الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم * ترى الظالمين مشفقين مما ~~كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما ~~يشآءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير * ذلك الذي يبشر الله عباده الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن ~~يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور * أم يقولون افترى على الله ~~كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته إنه ~~عليم بذات الصدور ) ^ } ) | PageV06P620 ولما تقرر ما شرع من الدين مما وصى ~~به جميع النبيين فبانت أصوله , واتضحت فروعه وفصوله , وظهرت غرائبه وأشرقت ~~فرائده وآياته , وختم بالقانون الأعظم في أمر الدارين مما هو مشاهد ولا ~~يقدر عليه غيره , فكان التقدير من غير خفاء : هذا شرع الله الذي ارتضاه ~~لعباده وحكم بأن الإقبال عليه غير ضار بطلب الرزق وقدر الأرزاق فلا قدرة ~~لأحد أن يزيد في رزقه شيئا , ولا أن ينقص منه شيئا , أقبلوه ؟ عادل ذلك ~~بقوله تعالى مقررا موبخا منبها على ما هو الأصل في الضلال عن قوانينه ~~المحررة وشرائعه الثابتة المقررة : { أم لهم } أي لهؤلاء الذيب يروغون ~~يمينا ms4574 وشمالا { شركاء } على زعمهم شاركوا الشارع الذي مضى بيان عزته وظهور ~~جلاله وعظمته في أمره حتى { شرعوا } أي الشركاء الذين طرقوا ونهجوا { لهم } ~~أي للكفار , ويجوز أن يكون المعنى : شرع الكفار لشركائهم { من الدين } في ~~العبادات والعادات التي تقرر في الأذهان أنه لا بد من الجزاء عليها لما جرت ~~به عوائدهم عن محاسبة من تحت أيديهم وقدروا لهم من الأرزاق , وعدل عن أسلوب ~~العظمة إلى الاسم الأعظم إشارة إلى ما فيه مع العظمة من الإكرام الذي من ~~جملته الحلم المقتضي لعدم معاجلتهم بالأخذ فقال تعالى : { ما لم يأذن به ~~الله } أي يمكن العباد منه بأمرهم به وتقديرهم عليه الملك الذي لا أمر لأحد ~~معه , وقد محقت صفاته كل صفة وتضاءل عندها كل عظمة , فأقبلوا عليه دون غيره ~~لكونه معتدا به , فإن كان كذلك فليسعدوا من أقبل على الدنيا التي هي محط ~~أمرهم فلا يعرفون غيرها بأن يعطوه جميع مراده ويشقوا من أراد الآخرة وسعى ~~لها سعيها , ونسب الشرع إلى الأوثان لأنها سببه كما كانت سبب الضلال في ~~قوله سبحانه وتعالى حكاية عن إبراهيم خليله عليه الصلاة والسلام { رب إنهن ~~أظللن كثيرا من الناس } ويضاف الشركاء إليه تارة لأنهم متخذوها وتارة إلى ~~الله تعالى لأنهم أشركوهم به , والعبارة تأتي بحسب المقام . | ولما علم ~~قطعا أن التقدير : فلولا أن هذه الأفعال التي يفعلونها من غير إذن منه لا ~~تنقص من ملكه سبحانه شيئا , ولا تضر إلا فاعلها مع إنها بإرادته , فكانت ~~لمنعهم عنها لم يصلوا إلى شيء منها , عطف عليه قوله تعالى : { ولولا كلمة ~~الفصل } التي سبق في الأزل أنها لا تكون ولما كان أمرهم هينا , بني الفعل ~~للمفعول , فقال : { لقضي بينهم } أي بين الذين امتثلوا أمره فالتزموا شرعه ~~وبين الذين اتبعوا ما شرعوه لمن سموهم شركاء في أقرب وقت ولكنه قد سبق ~~القضاء في أزل الأزل بمقادير الأشياء وتحديدها على وجوه الحكمة , فهي تجري ~~على حد لها ولا تقدم لشيء منها ولا تأخر ولا تبدل ولا تغير , وستنكشف لكم ~~الأمور وتظهر ms4575 مخبآت المقدور فلا يقع الفصل إلا في الآخرة كما سبق به القضاء ~~بأن يكون للمقسطين نعيم مقيم . | PageV06P621 ولما كانوا ينكرون أن يقع بهم ~~عذاب , قال مؤكدا عطفا على ما قدرته بما أرشد إليه السياق : { وإن الظالمين ~~} بشرع ما لم يأذن به الله من الشرك وغيره { لهم عذاب أليم * } أي مؤلم ~~إيلامه . | ولما علم من هذا السياق كما ترى أنه لا بد من الفصل , وأن الفصل ~~لا يكون إلا يوم القيامة , قال شارحا للفصل بين الفريقين في ذلك اليوم ~~مقبلا على خطاب أعلى الخلق إشارة إلى أن هذا لا يفهمه حق الفهم ويوقن به حق ~~الإيقان غيره صلى الله عليه وسلم , أو يكون المراد كل من يصح أن يخاطب ~~إشارة إلى أن الأمر في الوضوح بحيث لا يختص به أحد دون أحد فقال : { ترى } ~~أي في ذلك اليوم لا يشك فيه عاقل لما له من الأدلة الفطرية الأولية ~~والعقلية والنقلية { الظالمين } أي الواضعين الأشياء في غير مواضعها { ~~مشفقين } أي خائفين أشد الخوف كما هو حال من يحاسبه من هو أعلى منه وهو ~~مقصر . | ولما كان الكلام في الذين ظلمهم صفة راسخة لهم , كان من المعلوم ~~أن كل عملهم عليهم , فلذلك عبر بفعل الكسب مجردا فقال : { مما كسبوا } أي ~~عملوا معتقدين لأنه غاية ما ينفعهم { وهو } أي جزاءه ووباله الذي هو من ~~جنسه حتى كأنه هو { واقع بهم } لا محالة من غير أن يزيدهم خوفهم إلا عذابا ~~في غمرات النيران , ذلك هو الخسران المبين , ذلك الذي ينذر به الذين ظلموا ~~{ والذين آمنوا } يصح أن يكون معطوفا على مفعول { ترى } وأن يكون معطفوفا ~~على جميع الجملة فيكون مبتدأ { وعملوا الصالحات } وهي التي أذن الله فيها ~~غير خائفين مما كسبوا لأنهم مأذون لهعم في فعله وهو مغفور لهم ما فطروا فيه ~~{ في روضات الجنات } أي في الدنيا بما يلذذهم الله به من لذائد الأقوال ~~والأعمال والمعارف والأحوال , وفي الاخرة حقيقة بلا زوال { لهم ما يشاؤون } ~~أي دائما أبدا كائن ذلك لكونه في غاية الحفظ ms4576 والتربية والتنبيه على مثل هذا ~~الحفظ لفت إلى صفة الإحسان , فقال : { عند ربهم } أي الذي لم يوصلهم إلى ~~هذا الثواب العظيم إلا حسن تربيته لهم , ولطف بره بهم على حسب ما رباهم . | ~~ولما ذكر ما لهم من الجزاء عظمه فقال : { ذلك } أي الجزاء العظيم الرتبة ~~الجليل القدر { هو } لا غيره { الفضل } أي الذي هو أهل لأن يكون فاضلا عن ~~كفاية صاحبه , ولو بالغ في الإنفاق { الكبير * } الذي ملأ جميع جهات الحاجة ~~وصغر عنده كل ما ناله غيرهم من هذا الحطام , فالآية كما ترى من الاحتباك : ~~أثبت الإشفاق أولا دليلا على حذف الأمن ثانيا , والجنات ثانيا دليلا على ~~حذف النيران أولا . | ولما ذكر محلهم ومآلهم فيه , بين دوامه زيادة في ~~تعظيمه فقال مبتدئا : { ذلك } أي الأمر العظيم من الجنة ونعيمها , وأخبر عن ~~المبتدأ بقوله : { الذي يبشر } أي مطلق PageV06P622 بشارة عند من خفف ~~وبشارة كثيرة عند من ثقل , وزاد البشارة بالاسم الأعظم , فقال لافتا القول ~~إليه : { الله } أي الملك الأعظم والعائد وهو ( به ) محذوف تفخيما للمبشر ~~به لأن السياق لتعظيمه بالبشارة وبجعلها بأداة البعد وبالوصف بالذي , وذكر ~~الاسم الأعظم والتعبير بلفظ العباد مع الإضافة إلى ضميره سبحانه فأفهم حذفه ~~أن الفعل واقع عليه واصل بغير واسطة إليه , فصار كأنه مذكور وظاهر ومنظور ~~فقال : { عباده } ومن المعلوم أن كل أحد يعظم من اختصه لعبوديته . | ولما ~~أشعر بالإضافة لصلاحهم , نص عليه بقوله : { الذين آمنوا } أي صدقوا بالغيب ~~{ وعملوا } تحقيقا لإيمانهم { الصالحات } وذلك الذي مضى قلبه الذي ينذر به ~~الذين كفروا . | ولما كانت العادة جارية بأن البشير لا بد له من حياء وإن ~~لم يسأل لأن بشارته قائمة مقام السؤال , قال كعب بن مالك رضي الله عنه : ~~لما أذن الله بتوبته علينا ركض نحوي راكض على فرس وسعى ساع على رجليه , ~~فأوفى على جبل سلع ونادى : يا كعب بن مالك أبشر , فقد تاب الله عليك , فكان ~~الصوت أسرع من الفرس , فلما جاءني الذي سمعت صوته خلعت له ثوبي , فدفعتهما ~~إليه , والله ما أملك يومئذ غيرهما ms4577 , واستعرت ثوبين فلبستهما - إلى آخر ~~حديثه , كان كأنه قيل : ماذا تطلب على هذه البشارة , فأمر بالجواب بقوله : ~~{ قل } أي لمن توهم فيك ما جرت به عادة المبشرين : { لا أسئلكم } أي الآن ~~ولا في مستقبل الزمان { عليه } أي البلاغ بشارة ونذارة { أجرا } أي وإن قل ~~{ إلا } أي لكن أسألكم { المودة } أي المحبة العظيمة الواسعة . | ولما ~~كانوا يثابرون على صلة الأرحام وإن بعدت والأنساب لذلك قال : { في القربى } ~~أي مظروفة فيها بحيث يكون القربى موضعا للمودة وظرفا لها , لا يخرج شيء من ~~محبتكم عنها , فإنها يها يتم أمر الدين ويكمل الاجتماع فيه , فإنكم إذا ~~وصلتم ما بيني وبينكم من الرحم لم تكذبوني بالباطل , ولم تردوا ما جئتكم به ~~من سعادة الدارين , فأفلحتم كل الفلاح ودامت الألفة بيننا حتى نموت ثم ندخل ~~الجنة فتستمر ألفتنا دائما أبدا وقد شمل ذلك جميع القرابات ولم يكن بطن من ~~قريش إلا وله صلى الله عليه وسلم فيهم قرابة , رواه البخاري عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما وقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة , وروى عن ~~سعيد بن جبير : إلا أن تؤدوني في قرابتي أي تبروهم وتحسنوا إليهم , قال ابن ~~كثير : وقال السدي : لما جيء بعلي بن الحسين أسيرا فأقيم على درج ~~PageV06P623 دمشق قام رجل من أهل الشام فقال : الحمد لله الذي قتلكم ~~واستأصلكم وقطع قرن الفتنة , فقال له علي : أقرأت القرآن ؟ قال : نعم قال : ~~ما قرأت { قلا لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } قال : وإنكم ~~لأنتم هم , قال : نعم . | وعن العباس رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول ~~الله ! إن قريشا إذا لقي بعضهم بعضا لقوهم ببشر حسن وإذا لقونا لقونا بوجوه ~~لا نعرفها , فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وقال : ( والذي نفسي ~~بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ورسوله ) , وعنه أنه دخل على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إنا لنخرج فنرى قريشا تحدث , فإذا ~~رأونا سكتوا , فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم ودر ms4578 عرق بين عينيه , ثم ~~قال : ( والله لا يدخل قلب امرئ مسلم إيمان حتى يحبكم لله ولقرابتي ) وعبر ~~في المنقطع بأداة الاستثناء إعراقا في النفي بالإعلام بأنه لا يستثني أجر ~~اصلا إلا هذه المودة إن قدر أحد أنها تكون أجرا , ويجوز أن تكون ( إلا ) ~~بمعنى ( غير ) فيكون من باب : | ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من ~~قراع الكتائب | فمن كان بينه وبين أحد من المسلمين قرابة فهو مسؤول أمن ~~يراقب الله في قرابته تلك , فيصل صاحبها بكل ما تصل قدرته إليه من جميع ما ~~أمره الله به من ثواب أو عقاب , فكيف بقرابة النبي صلى الله عليه وسلم فانه ~~قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني وأبو نعيم في الحيلة عن أبي ذر ~~رضي الله عنه : ( مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح عليه الصلاة والسلام , من ~~ركب فيها نجا , ومن تخلف عنها هلك ) وقال فيما رواه في الفردوس عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما : ( أصحابي بمنزلة النجوم في السماء بأيهم اقتديتم اهتديتم ~~) . | قال الأصبهاني : ونحن الآن في بحر التكليف محتاجون إلى السفينة ~~الصحيحة والنجوم الزارهة , فالسفينة حب الآل , والنجوم حب الصحب , فنرجو من ~~الله السلامة والسعادة بحبهم في الدنيا والآخرة - والله أعلم . | ~~PageV06P624 ولما كان التقدير حتما : فمن يقترف سيئة فعيله وزرها , ولكنه ~~طوى لأن المقام للبشارة كما يدل عليه ختم الآية مع سابقه , عطف عليه قوله : ~~{ ومن يقترف } أي يكسب ويخالط ويعمل بجد واجتهاد وتعمد وعلاج { حسنة } أي ~~ولو صغرت , وصرف القول إلى مظهر العظمة إشارة إلى أنه لا يزيد في الإحسان ~~إلا العظماء , وإلى أن الإحسان قد يكون سببا لعظمة المحسن فقال : { نزد } ~~على عظمتنا { له فيها حسنا } بما لا يدخل تحت الوهم , ومن الزيادة أن يكون ~~له مثل أجر من اقتدي به فيها إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئا , ~~وهذا من أجر الرسل على إبلاغه إلى الأمم , فهم أغنياء عن طلب غيره - هذا إن ~~اهتدوا به , وإن دعاهم فلم يهتدوا كان له مثل أجورهم ms4579 لو اهتدوا , فإن عدم ~~اهتدائهم ليس من تقصيره , بل قدر الله وما شاء فعل . | ولما كانوا يقولون : ~~إنا قد ارتكبنا من المساوئ ما لم ينفع معه شيء , قال نافيا لذلك على سبيل ~~التأكيد معلى مبينا القول إلى الاسم الأعظم أن مثل ذلك لا يقدر عليه ملك ~~غيره على الإطلاق : { إن الله } أي الذي لا يتعاظمه شيء { غفور } لكل ذنب ~~تاب منه صاحبه أو كان يقبل الغفران وإن لم يتب منه إن شاء , فلا يصدن أحدا ~~سيئة عملها عن الإقبال على الحسنة . | ولما كان إثبات الحسنة فضلا عن ~~الزياة عليها لا يصح إلا مع الغفران , ولا يمكن أن يكون مع المناقشة , فذكر ~~ذلك الوصف الذي هو أساس الزيادة , أفادها - أي الزيادة - بقوله : { شكور * ~~} فهو يجزي بالحسنة أضعافها ويترك سائر حقوقه . | ولما أثبت أنه أنزل ~~الكتاب بالحق , ودل على ذلك إلى أن ختم بنفي الغرض في البلاغ فحصل القطع ~~بضمون الخبر , كان كأنه قيل إنكارا عليهم وتوبيخا لهم : هل عملوا بما ~~نبهناهم عليه مما يدعون أنهم عريقون فيه من صلة الرحم والإقبال على معالي ~~الأخلاق باجتناب السئيات وارتكاب الحسنات , والبعد عن الكذب والمكابرة ~~والبهتان , فاعتقدوا أنه حق وأنه وحي من عند الله بما قام على ذلك من ~~البرهان : { أم يقولون } عنادا : { افترى } أي تعمد أن يقطع , وقدم ذكر ~~الملك الأعظم تنبيها على أنه لا أفظع من الكذب على ملك الملوك مع فهم ~~المفعول به من لفظ الافتراء فقال : { على الله } الذي أحاط بصفات الكمال , ~~فله العلم الشامل بمن يتقول عليه والقدرة التامة على عقابه { كذبا } حين ~~زعم أن هذا القرآن من عنده وأنه أرسله لهذا الدين . | ولما كان التقدير ~~قطعا : إنهم ليقولون ذلك وكان قولهم له قولا معلوم البطلان لأنه تحداهم ~~بشيء من مثله في زعمه أنه له مثلا ليعلم صحة قولهم فلم يأتوا بشيء وهم وإن ~~كانوا قد يدعون أنه يمنعهم من ذلك أنهم لا يستجيزون الكذب مبطلون لا يمتري ~~PageV06P625 عاقل في بطلان منهم أيضا منهم أن ينسوا ما يأتون به ms4580 إلى اله ~~على أنه لو طلب منهم ذلك لما كان عذرا , لأنه لا يتوقف أحد في أن الضرورات ~~تبيح المحذورات , وأنه يرتكب أخف الضررين لدفع أثقلهما , فالإيتان بكلام ~~يسر يسكن به فتن طوال وتنقطع به شرور كبار في غاية الحسن لأن الخطب فيه سهل ~~, والأمر يسير , فكان ذلك وهم يرتكبون أكبر منه من قطع الأرحام وتفريق ~~الكلمة لقتل النفوس وتخريب الديار وإتلاف الأموال دليلا قاطعا على أنهم ~~إنما يتركونه عجزا , تسبب عن قولهم هذا وهو نسبتهم له إلى تعمد الكذب أن ~~قال تعالى ردا عليهم ببيان كذبهم فيما قالوا ببيان ما له صلى الله عليه ~~وسلم من نور القلب اللازم عن استقامة القول : { فإن } وأظهر الجلالة ولم ~~يضمر تعظيما للأمر بأن الختم لا يقدر عليه إلا المتصف بجميع صفات الكمال ~~على الإطلاق من غير تقيد أصلا فقال : { يشأ الله } أي الذي له الإحاطة ~~بالكمال { يختم } وجرى على الأسلوب السابق في الخطاب لأعظم أولي الألباب ~~فقال معبرا بأداة الاستعلاء : { على قلبك } فيمنعه من قبول روح هذا الوحي ~~كما ختم على قلوب أعدائك من قبول ذلك , فتستوي حينئذ معهم في دعم القدرة ~~على الإيتان بشيء منه وتصير لو قلت وقد أعاذك الله عما يقولون مما يصح ~~نسبته إلى الباطل لم تقله إلا ومعه الأدلة قائمة على بطلانها , وكان الأصل ~~في الكلام : أم يقولون ذلك وأنهم لكاذبون فيه بسبب أن الله قد شرح صدرك ~~وأنار قلبك فلا تقول فولا إلا كانت الأدلة قائمة على صدقه , ولكنه ساق ~~الكلام هكذا لأنه مع كونه أنصف دال على تعليق بالافتراء على ختم القلوب , ~~وذلك دالا قطعا على أنهم هم الكاذبون لما على قلوبهم من الختم الموجب لأنها ~~تقول ما الأدلة قائمة على كذبه . | ولما كان التقدير كما دل عليه السياق : ~~ولكنه لم يشأ ذلك , بل شاء جعله قابلا لروح الوحي واعيا لفنون العلم فهو ~~يقذف بأنواع المعارف , ويهتف بتلقي أعاجيب اللطائف , ويثبت الله ذلك كله من ~~غير مانع ولا صارف , عطف عليه قوله : { ويمح الله } أي ms4581 الذي له جميع صفات ~~الكمال { الباطل } وهو قولهم ( افترى ) وكل كذب فلا يدع له أثرا , وهنالك ~~يظهر خسران الجاحد وينقطع لسان الألد المعاند , ولم يذكر أن آلة المحو ~~الكلمات وغيرها استهانة به الإشارة إلى أنه تارة يمحوه بنفسه بلا سبب وتارة ~~بأضعف الأسباب وتارة بأعلى منه , وحذفت واوه في الخط في جميع المصاحف مع ~~أنه استئناف غير داخل في الجواب لأنه تعالى يمحو الباطل مطلقا إيماء إلى ~~أنه سبحانه يمحق رفعه وعلوه وغلبته التي دلت عليها الواو مطابقة بين خطه ~~ولفظه , ومعناه تأكيدا PageV06P626 للبشارة يمحوه محوا لا يدع له عينا ولا ~~أثرا لمن ثبت لصولته : وصبر كما أمر لحولته , اعتمادا على صادق وعد الله ~~إيمانا بالغيب وثقة بالرسل عليهم الصلاة والسلام , وفي الحذف أيضا تشبيه له ~~بفعل الأمر إيماء إلى أن إيقاع هذا المحو أمر لا بد من كونه على أتم الوجوه ~~وأحكمها وأعلاها وأتقنها كما يكون المأمور به من الملك المطاع , وأما الحق ~~فإنه ثابت شديد مضاعف فلذا قال : { ويحق } أي يثبت على وجه لا يمكن زواله { ~~الحق } أي كل من شأنه الثبات لأنه أذن فيه وأقره , وعظم الحق وإحقاقه بذكر ~~آلة الفعل فقال : { بكلماته } أي التي ^ ( { لو كان البحر مدادا } ) ^ [ ~~الكهف : 109 ] الآية التي يقولون إن ما أتاهم من العبارة عنها افتراء للكذب ~~, والحاصل أنه سبحانه أثبت صفاء لبه ونورانية قلبه وسداد قول وصاب أمره , ~~وظلام قلوبهم وبطلان أقوالهم إثباتا مقرونا بدليله أما لأهل البصائر ~~فبعجزهم عن معارضته , وأما للأغبياء فإبثات قوله ومحو قولهم . | ولما كانوا ~~يعلمون أنه على حق وهم على باطل , وكان من أحاط علمه بشيء قدر على ما يريده ~~من ذلك الشيء , بين ذلك بقوله معللا على وجه التأكيد لأن عملهم عمل من يظن ~~أن الله لا يعلم مكرهم : { إنه عليم } أي بالغ { بذات الصدور * } أي ما هو ~~فيها مما يعمله صاحبه ومما لا يعلمه فيبطل باطله ويثبت حقه وإن كره الخلائق ~~ذلك ^ ( { ولتعلمن نبأه بعد حين } ) ^ [ ص : 88 ] ولقد صدق الله فأثبت ~~ببركة هذا ms4582 القرآن كل ما كان يقول صلى الله عليه وسلم وأبطل بسيف هذا ~~البرهان كل ما كانوا يخالفونه فيه , ومن أصدق من الله قيلا . | < < # | الشورى : ( 25 - 30 ) وهو الذي يقبل . . . . . # > > ^ ( وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما ~~تفعلون * ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله والكافرون ~~لهم عذاب شديد * ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ~~ما يشآء إنه بعباده خبير بصير * وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر ~~رحمته وهو الولي الحميد * ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من ~~دآبة وهو على جمعهم إذا يشآء قدير * ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ~~ويعفوا عن كثير ) ^ } ) | ر بضلالهم وجزم بإبطال أعمالهم , رغبهم رحمة منه ~~لهم في التوبة التي هي من الحق الذي يحقه ولو على أقل وجوها بأن يقولوها ~~بألسنتهم ليبلغه ذلك عنهم , فإن قول اللسان يوشك أن يدخل إلى لا غيره أزلا ~~وأبدا { والذي يقبل التوبة } كلما شاء بالغة له أو متجاوزا { عن عباده } ~~الذين خالصون لطاعته , سئل أبو الحسن البوشنجي عن التوبة فقال : إذا ذكرت ~~الذنب فلا تجد له حلاوة في قلبك . | ولما كان القبول قد يكون في المستقبل ~~مع الأخذ بما مضى قال : { ويعفو عن PageV06P627 السيئات } أي التي كانت ~~التوبة عنها صغيرة أو كبيرة وعن غيرها فلا يؤاخذ بها أن شاء لأن التوبة تجب ~~ما قبلها كما أن الإسلام الذي هو توبة خاصة يجب ما كان قبله . | ولما كانت ~~تعدية القبول ب ( عن ) مفهمة لبلوغه ذلك بواسطة , فكان ربما اشعر بنقص في ~~العلم , أخبر بما يوجب التنزيه عن ذلك ترغيبا وترهيبا بقوله : { ويعلم } أي ~~والحال أنه يعلم كل وقت { ما تفعلون } أي كل ما يتجدد لهم عمله سواء كان عن ~~عاصم ورويس عن يعقوب بالخطاب لافتا للقول عن غيب العباد لأنه أبلغ في ~~التخويف وقرأ الباقون بالعيب نسقا على العباد وهو , أعم وأوضح في المراد ~~فعفوه عن سعة الحلم . | ولما رغب بالعفو زاد الإكرام ms4583 فقال : { ويستجيب } أي ~~يوجد بغاية العناية والطلب إجابة { الذين آمنوا } أي دعاء الذي أقروا ~~بالإيمان في كل ما دعوه به أو شفعوا عنده فيه لأنه لولا إرادته لهم الإكرام ~~بالإيمان ما آمنوا , وعدى الفعل بنفسه تنبيها على زيادة بره لهم ووصلتهم به ~~{ وعملوا } تصديقا لدعواهم الإيمان { الصالحات } فيثيبهم النعيم المقيم { ~~ويزيدهم } أي مع ما دعوا له ما يدعوا به ولم يخطر على قلوبهم ولما كان هذا ~~وإن كان الأول فضلا منه أبين في الفضل قال تعالى : { من فضله } على أنه ~~يجوز تعليقه بالفعلين . | ولما رغب الذين طالت مقاطعتهم في المواصلة بذكر ~~إكرامهم إذا أقبلوا عليه , رهب الذين استمروا على المقاطعة فقال : { ~~والكافرون } أي العريقون في هذا الوصف , الذين منعتهم عراقتهم من التوبة ~~والإيمان { لهم عذاب شديد * } ولا يجيب دعاءهم , فغيرهم من العصاة لهم عذاب ~~غير لازم التقيد بشديد , والآية من الاحتباك : ذكر الاستجابة أولا دليلا ~~على ضدها ثانيا دليلا على ضده أولا , وسره أنه ذكر الحامل على الطاعة ~~والصاد عن المعصية . | ولما كان المتبادر من الاستجابة إيجاد كل ما سألوه ~~في هذه الدنيا على ما أرادوه وكان الموجود غير ذلك بل كلن أكثر أهل الله ~~مضيقا عليهم , وكانت الإجابة إلى كل ما يسأل بأن يكون في هذه الدار يؤدي في ~~الغالب إلى البطر المؤدي إلى الشقاء فيؤدي ذلك إلى عكس المراد , قال على ~~سبيل الاعتذار لعباده وهو الملك الأعظم مبينا أن استجابته تارة تكون كما ~~ورد به الحديث لما سألوه , وتارة تكون بدفع مثله من البلاء وتارة تكون ~~بتأخيره إلى الدار الآخرة { ولو } أي هو يقبل ويستجيب والحال أنه لو { بسط ~~} ولما كان هذا المقان عظيما لاحتياجه إلى الإحاطة بأخلاقهم وأوصافهم وما ~~يصلحهم PageV06P628 ويفسدهم والقدرة على كل بذل ومنع , عبر بالاسم الأعظم ~~فقال : { الله } أي الملك الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال تنبيها على عظمة ~~هذا المقام : { الرزق } لهم - هكذا كان الأصل , لكنه كره أن يظن خصوصيته ~~ذلك بالتائبين فقيل : { لعباده } أي كلهم التائب منهم وغيره بأن أعطاهم فوق ~~حاجتهم { لبغوا ms4584 في الأرض } أي لصاروا يريدون كل ما يشتهونه , فإن لم يفعل ~~سعوا في إنفاذه كالملوك بما لهم من المكنة بكل طريق يوصلهم إليه فيكثر ~~القتل والسلب والنهب والضرب ونحو ذلك من أنواع الفساد , وقد تقدم في النحل ~~من الكلام على البغي ما يتقن به علم هذا المكان . | ولما كان معنى أنه ~~سبحانه لا يبسط ذلك بحسب ما يريدونه , بني عليه قوله سبحانه : { ولكن ينزل ~~} أي لعباده من الرزق { بقدر } أي بتقدير لهم جملة ولكل واحد منهم لا يزيد ~~غن تقدير دره ولا ينقصها { ما يشاء } من الماء الذي هو أصل الرزق والبركات ~~التي يدبر بها عباده كما اقتضته حكمته التي بنى عليها أحوال هذه الدرر . | ~~ولما كان أكثر الناس يقول في نفسه : لو بسط إلي الرزق لعملت الخير , وتجنبت ~~الشر , وأصلحت غاية الإصلاح , قال معللا ما أخبر به في أسلوب التأكيد : { ~~إنه } وكان الأصل : بهم , ولكنه قال : { بعباده } لئلا يظن أن الأمر خاص ~~بمن وسع عليهم أو ضيق عليهم : { خبير بصير * } يعلم جميع ظواهر أمورهم ~~وحركاتهم وانتقالاتهم وكلامهم وبواطنها فيقيم كل واحد فيما يصلح له من فساد ~~وصلاح وبغي وعدل , ويهيئ لكل شيء من ذلك أسبابه . | ولما ذكر إنزال الرزق ~~على هذ المنوال , وكان من الناس ممن خذله الإضلال من يقول : إن ما الناس ~~فيه من المطر والنبات وإخراج الأقوات إنما هو عادة للدهر بين أنه سبحانه هو ~~الفاعل لذلك بقدرته واختياره بما هو كالشمس من أنه قد يحبس المطر عن إبانه ~~وإعادته في وقته وأوانه , حتى ييأس الناس منه ثم ينزل إن شاء , فقال معبرا ~~بالضمير الذي هو غيب لأجل أن إنزال الغيث من مفاتيح الغيب : { وهو } أي لا ~~غيره قادر على ذلك فإنه هو { الذي ينزل الغيث } أي المطر الي يغاث به الناس ~~أي يجابون إلى ما سألوا ويغاثون ظاهرا كما ينزل الوحي الذي يغاثون به ظاهرا ~~وباطنا . | ولما كان الإنزال لا يستغرق زمان القنوط , أدخل الجار فقال : { ~~من بعد ما قنطوا } أي يئسوا من إنزاله وعملوا انه ms4585 لا يقدر على إنزاله غيلاه ~~, ولا يقصد فيه سواه , ليكون ذلك أدعى لهم إلى الشكر وينشره - هكذا كان ~~الأصل ولكنه لما بين أنه غيث قال بيانا ذلك أدعى لهم إلى الشكر وينشره - ~~وهكذا كان الأصل ولكنه لما بين أنه غيث قال بيانا لأنه رحمة , وتعميما ~~لأثره من النبات وغيره : { وينشر رحمته } أي على السهل والجبل فينزل من ~~السحاب المحمول بالريح من الماء ما يملأ الأرض بحيث لو اجتمع PageV06P629 ~~عليه الخلائق ما اطاقوا حمله , فتصبح الأرض ما بين غدران وأنهار , ونبات ~~ونجم وأشجار , وحب وثمار , وغير ذلك من المنافع الصغار والكبار , فلله ما ~~أعلى هذه القدرة الباهرة والآية الظاهرة , فيخرج من الأرض التي هي من ~~صلابتها تعجز عنها المعاول نجما هو في لينه ألين من الحرير , وفي لطافته ~~ألطف من النسيم , ومن سوق الأشجار التي تثني فيها المناقير أغصانا ألطف من ~~ألسنة العصافير , فما أجلف من ينكر إخراجه الموتى من القبور , أو يحيد من ~~ذلك بنوع من الغرور . | ولما أنكر عليهم فيما مضى اتخاذ ولي من دونه بقوله ~~تعالى { أم اتخذوا من دونه أولياء } وأثبت أنه هو الولي , وتعرف إليهم ~~بآثاره التي حوت أفأنين أنواره , وكانت كلها في غاية الكمال موجبة للحمد ~~المتواتر المنوال , قال : { وهو } أي وحده لا غيره { الولي } أي الذي لا ~~أحد أقرب منه إلى عباده في شيء من الأشياء { الحميد * } أي الذي استحق ~~مجامع الحمد مع أنه يحمد من يطيعه فيزيده من فضله ويصل حبله دائما بحبله . ~~| ولما كان ما مضى من بسط الرزق وقبضة , وإنزال الغيث وحبسه . | من الآيات ~~العظمية , عمم بذكر ما ذلك بعض منه , وهو دال على جميع ما ختم به الآية ~~السالفة من الحمد الذي هو الاتصاف بجميع صفات الكمال فقال عاطفا على ما ~~تقديره : فذلك من آيات الله الدالة على قدرته واختياره وإنه هو الذي يحيي ~~هذا الوجود بالمعاني من روح الوحي وغيره تارة والأعيان من الماء وغيره أخرى ~~: { ومن آياته } العظيمة على ذلك وعلى استحقاقه لجميع صفات الكمال { خلق ~~السماوات } التي ms4586 تعملون أنها متعددة بما ترون من أمور الكواكب { والأرض } ~~أي جنسها على ما هما عليه من الهيئات وما اشتملا عليه من المنافع والخيرات ~~{ وما بث } أي فرق بالأبدان والقلوب على هذا المنوال الغريب من الحس ~~والحركة بالاختيار مع التفاوت في الأشكال , والقدور والهيئات والأخلاق وغير ~~ذلك من النقص والكمال . | ولما كانت الأرض بناء والسماء سقفه , فمن كان في ~~أحدهما صح نسبته إلى أنه في كل منهما : الأسفل بالإقلال والأعلى بالإظلال ~~قال تعالى : { فيهما } أي السماوات والأرض ولا سيما وقد جعل لكل منها تسببا ~~في ذلك بما أوعهما من الجواهر وأنشأ عنهما من العناصر . | ولما كانت الحياة ~~التي هي سبب الانتشار والدب ربنا أورثت صاحبها كبرا وغلظا في نفسه نظن أنه ~~تام القدرة , أنث تحقيرا لقدرته وتوهية لشأنه ورتبته فقلل { من دابة } أي ~~شيء فيه أهلية الدبيب بالحياة من الإنس والجن وسائر الحيوانات على اختلاف ~~أصنافهم وألوانهم وأشكالهم ولغاتهم وطباعهم وأنواعهم اقطارهم PageV06P630 ~~ونواحيهم وأصقاعهم ومن نظر إلى صنائعه سبحانه تيقن وجوده وقدرته واختياره , ~~ثم إذا أمعن في النظر وتابع التدبر في الفكر وصل إلى معرفة الصانع بأسمائه ~~وصفاته وما ينبغي له ويستحيل عليه فيحمده بمحامدة التي لا نهاية لها ويسبحه ~~بسبحانه ثم إن أمعن سما إلى الوقوف على حكمة ما جاءت به الرسل ونزلت به ~~الكنب . | ولما كنا عالمين بأن من أوجد أشياء على ضم أشتاتهم متى شاء مع ~~نقص التصرف والعجز في التقلب كنا جديرين بالعلم القطعي بمضمون قوله تعالى : ~~{ وهو } أي بما له من صفات العظمة التي يعلم الظاهر معها , وما غاب عنا ~~أكبر { على جمعهم } أي هذه الدواب من ذوي العقول وغيرهم بعد تفرقهم بالقلوب ~~والأبدان بالموت وغيره من الحظوظ والأهواء وغير ذلك . | ولما كان الجمع لا ~~بد منه , عبر بأداة التحقق فقال معلقا بجمع : { إذا } وحقق النظر إلى البعث ~~فعبر بالمضارع فقال : { يشاء قدير * } أي بالغ القدرة كما كان بالغ القدرة ~~عند الإيجاد من العدم بجمعهم في صعيد واحد يسمعههم الداعي وينفذهم البصر , ~~ولما ذكرهم سبحانه بنعمه ms4587 , وكان السياق لتعداد ما ناسب مقصود هذه السورة ~~منها , كان الفكر جديرا بأن يخطر له ما في الدنيا من الأمراض والأنكاد ~~والهموم والفهوم بالإشقاء فيها والإسعاد , قال شافيا لعي سؤاله عن ذلك ما ~~فيه من نعمته على وجه دال على تمان قدرته , عاطفا على ما هو مضمون ما مضى ~~بما تقديره : فهو الذي خلقكم ورزقكم وهو المتصرف فيكم بعد بثكم بالعافية ~~والبلاء تمام التصرف , فلا نعمة عندكم ولا نقمة إلا منه , ولا يقدر أصحابها ~~على ردها ولا رد شيء مها فهو وليكم وحده { وما أصابكم } واجههم بالخطاب ~~زيادة في تقريب الطائع وتكبيت العاصي , وعم بقوله : { من مصيبة } وأخبر عن ~~المبتدأ بقوله : { فبما } أي كائن بسبب الذي - هذا على قراءة نافع وابن ~~عامر , وإثبات الفاء في الباقين زيادة في إيضاح السببية فقرأوا ( فبما ) ~~لتضمن المبتدأ الشرط أي فهو بالذي . | ولما كانت النفوس مطبوعة النفوس ~~مطبوعة على النقائض , فهي لا تنفك عنها إلا بمعونة من الله شديدة , وكان ~~عملها كله أو جله عليها , فعبر بالفعل المجرد إشارة إشارة إلى ذلك فقال : { ~~كسبت } ولما كان العمل غالبا باليد قال : { أيديكم } أي من الذنوب , فكل ~~نكد لاحق إنما هو بسبب ذنب سابق أقله التقصير , روى ابن ماجة في سننه وابن ~~حبان في صحيحه - والحاكم واللفظ له وقال : صحيح الإسناد - عن ثوبان رضي ~~الله عنه قال : قال رسول PageV06P631 الله : ( لا يرد القدر إلا الدعاء ولا ~~يزيد في العمر إلا البر , وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ) فالآية ~~داعية لكل أحد إلى المبادرة عند وقوع المصيبة إلى محاسبة النفس ليعرف من ~~أين تقصيره , فيبادر عند وقوع المصيبة إلى محاسبة النفس ليعرف من أين جاء ~~تقصيره , فيبادر إلى التوبة عنه والإقبال على الله لينقذ نفسه من الهلكة , ~~وفائدة ذلك وإن كان الكل بخلقه وإرادته إظهار الخضوع والتذلل واستشعار ~~الحاجة والافتقار إلى الواحد القهار , ولولا ورود الشريعة لم يوجد سبيل إلى ~~الهدى , ولا إلى هذه الكمالات البديعية , ومثل هذه التنبيهات ليستخرج من ~~العبد ما أودع في طبيعته وركز ms4588 في غريزته كغرس وزرع سبق إليه وشمس لاستخراج ~~ما أودع في طبيعته من المعلومات الإلهية والحكم العلية . | ولما ذكر عدله , ~~أتبعه فضله فقال : { ويعفو عن كثير * } ولولا عفوه وتجاوزه لما ترك على ~~ظهرها من دابة ويدخل في هذا ما يصيب الصالحين لإنالة درجات وفضائل وخصوصيات ~~لا يصلون إليها إلا بها لأن اعمالهم لم تبلغها فهي خير واصل من الله لهم , ~~وقيل لأبي سليمان الداراني : ما بال العقلاء أزلوا اللوم عمن أساء إليهم ؟ ~~قال : لأنهم علموا أن الله ابتلاهم بذنوبهم - وقرأ هذه الآية . | < < # | الشورى : ( 31 - 35 ) وما أنتم بمعجزين . . . . . # > > ^ ( ومآ أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ~~* ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام * إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد ~~على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور * أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن ~~كثير * ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص ) ^ } ) | ولما كان ~~من يعاقب بما دون الموت ربما ظن أنه عاجز قال : { وما أنتم بمعجزين } ~~لوأريد محقكم بالكلية ولا في شيء أراد سبحانه منكم كائنا ما كان . | ولما ~~كان من ثبت قدرته على محل العلو بخلقه وما أودعه من المصنوعات أجدر بالقدرة ~~ما دونه , أشار إلى ذلك بقوله : { في الأرض } ولما كان الكلام في العقوبة ~~في الدنيا قبل الموت , ولم يكن أحد يدعي فيها التوصل إلى السماء , لم يدع ~~داع إلى ذكرها بخلاف ما مضى في العنكبوت . | ولما نفى امتناعهم بأنفسهم , ~~وكان له سبحانه من العلو ما تقصر PageV06P632 عنه العقول , فكان كل شيء ~~دونه , فكان قادرا على كل شيء قال : { وما لكم } أي عند الاجتماع فكيف عند ~~الانفراد . | ولما كانت الرتب في غاية السفول عن رتبته والتضاؤل دون حضرته ~~, أثبت الجار منبها على ذلك فقال : { من دون الله } أي المحيط بكل شيء عظمة ~~وكبرا وعزة , وعم بقوله : { من ولي } أي يكون متوليا لشيء من أموركم ~~بالاستقلال { ولا نصير * } يدفع عنكم شيئا يريده سبحانه بكم . | ولما دل ~~سبحانه على تمام قدرته واختياره ms4589 وختم بنفسي الشريك اللازم للوحدانية التي ~~اعتقادها أساس الأعمال الصالحة , دل عليها بأعظم الآيات عندهم وأوضحها في ~~أنفسهم وأقربها إلى إفهامهم لما لهم من الإخلاص عندها فقال تعالى : { ومن ~~آياته } أي الدالة على تمام قدرته واختياره ووحدانيته وعظيم سلطانه تسخيره ~~وتذليله لسير الفلك فيه حاملة ما لا يحمله غيرها , وهو معنى قوله : { ~~الجوار } أي من السفن , وهي من الصفات التي جرت مجرى الأعلام , ودل على ~~الموصوف ما بعده فلذلك حذف لأن القاعدة أن الصفة إذا لم تخص الموصوف امتنع ~~حذفه فنقول : مررت بمهندس , ولا تقول : مررت بماش - إلا بقرينة كما هنا . | ~~ولما كانت ثقيلة في أنفسها , وكان يوضع فيها من الأحمال ما يثقل الجبال , ~~وكان كل ثقيل ليس له من ذاته إلا الغوص في الماء , كانت كأنها فيه لا عليه ~~لأنها جديرة بالغرق فقال تعالى محذرا من سطواته متعرفا بجليل نعمته معرفا ~~بحقيقة الجواري : { في البحر كالأعلام * } أي الجبال الشاهقة بما لها من ~~العلو في نفسها عن الماء ثم بما يوصلها وما فيه من الشراع عليها من ~~الارتفاع , وقال الخليل : كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم . | ولما كان ~~كأنه قيل : وما تلك الآيات ؟ ذكر ما يخوفهم منها ويعرفهم أن جميع ما أباحهم ~~إياه من شؤونها إنما هو بقدرته واختياره فقال : { إن يشاء } أي الله الذي ~~حملكم فيها على ظهر الماء آية بينة سقط اعتبارها عندكم لشدة الفكر لها { ~~يسكن الريح } التي يسيرها وأنتم مقرون أن أمرها ليس إلا بيده { فيظللن } أي ~~فتسبب عن ذلك أنهن يظللن أنيقمن ليلا كان أول نهارا , ولعله عبر به مع أن ~~أصله الإقامة نهارا لأن النهار موضع الاقتدار على الأشياء وهو المنتظر عند ~~كل متعسر للسعي في إزالة عسره وتيسر أمره { رواكد } أي ثوابت مستقرات من ~~غير سير { على ظهره } ثباتا ظاهرا بما دل عليه إثبات اللامين وفتح لامه ~~الأولى للكل . | PageV06P633 ولما كان ذلك موضع إخلاصهم الدعوة لله ~~والإعراض عن الشركاء فإنهم كانوا يقولون في مثل هذا الحال : اخلصوا فإن ~~آلهتكم - أي من الأصنام ms4590 وغيرها من دون الله - لا تغني في البحر شيئا , ~~وكانوا ينسبون ذلك شركاء مع طلوعهم إلى البر كانوا بمنزلة من لا يعد ذلك ~~آية أصلا , فلذلك أكد قوله : { إن في ذلك } أي ما ذكر من حال السفن في ~~سيرها وركودها مما لا يقدر عليه إلا الله سبحانه بدليل ما للنا سكافة من ~~الإجماع على التوجه في ذلك إليه خاصة والانخلاع مما سواه { لآيات } أي على ~~أن إحاطته سبحانه بجميع صفات الكمال أمر مركوز في العقول ثابت في الفطر ~~الأولى مما لا يصد عنه إلا الهوى , وعلى أن بطلان أمر ما دونه لذلك هو من ~~الظهور بمكان لا يجهل . | ولما كانوا يتمادحون بالصبر على نوازل الحدثان ~~والشكر لكل إحسان ويتذامون بالجزع والكفران , وكان ذلك يقتضي ثباتهم على ~~حال واحد فإن كان الحق عليهم لمعبوداتهم فرجوعهم عنها عند الشدائد مما لا ~~ينحو نحوهولا يلتفت لفتة أحد من كمل الرجال الذين يجانبون العار والاتسام ~~بمسيم الإغمار , وإن كان الحق كما هو الحق لله فرجوعهم عنه عند الرخاء بعد ~~إنعامه عليهم بإنجائهم من الشدة لا يفعله ذو عزيمة , قال مشيرا إلى ذلك ~~بصغتي المبالغة : { لكل صبار } أي في الشدة { شكور * } أي في الرخاء وإن ~~كثر مخالفوه , وعظم نزاعهم له , وهاتان صفتا المؤمن المخلص الذي كل خمته ~~بالنظر في الآيات فهو يستملي منها العبر ويجلو بها من البصيرة عين البصر . ~~| ولما نبه بهذا الاعتراض بين الجزاء ومعطوفه على ما فيه من دقائق المعاني ~~في جلائل المباني , قال مكملا لما في ذلك من الترغيب في صورة الترهيب : { ~~أو } أي أو أن يشاء في كل وقت أراده , واسند الإيباق إلى الجواري تأكيدا ~~لإرادة العموم في هلاك الركاب فقال : { يوبقهن } أي يهلكهن بالإغراق بإرسال ~~الريح وغير ذلك من التباريح حتى كأنهن بعد ذلك العلو في وقبه أي حفره , ~~وطاق في الماء وقعره , وقد تقدم تحقيق معنى ( وبق ) بجميع تقاليبه في سورة ~~الكهف , ومنه أن وبق كوعد ووجل وورث وبوقا وموبقا : هلك , والموبق كمجلس : ~~المهلك وكل شيء حال بين ms4591 شيئين لأن الوقبة تحول بين ما فيها وبين غيره , ~~ومنه قيل للموعد : موبق , وأوبقه : حبسه أو أهلكه . | ولما كان الإهلاك لهن ~~إهلاكا للركاب , قال مبينا أنها المقصودون مجردا الفعل إشارة إلى أن ابن ~~آدم لما طبع عليه من النقائص ليس له من نفسه فعل خال عن شوب نقص حثا له على ~~اللجوء إلى الله في تهذيب نفسه وإخلاص فعله : { بما كسبوا } أي فعلوا من ~~المعاصي بجدهم فيهواجتهادهم . | ولما كان التقدير تفصيلا للإيباق : فيغرق ~~كل من فيهن إن شاء ويغرق كثيرا منهم PageV06P634 إن شاء عطف عليه قوله : { ~~ويعف } أي إن يشاء { عن كثير * } أي من الناس الذين في هذه السفن الموبقه , ~~فينجيهم بعوم أو حمل عى خشبة أو غير ذلك , وإن يشأ يرسل الريح طيبة فينجيها ~~ويبلغها أقصى المراد إلى غير ذلك من التقادير الداخلة تحت المشيسة , فالفعل ~~كما ترى عطف على يوبق , وعطف بالواو لأنه قسم من حالي الموبقة , وهو بمعنى ~~ما ورى عن أهل المدينة من نصب ( يعفو ) بتقدير ( إن ) ليكون المعنى : يوقع ~~إيباقا وعفوا . | ولما كان هذا كله على صورة الاختبار لن يستبصر فيدوم ~~إخلاصه , ومن يرجع إلى العمى فلا يكون خلاصه , قال مبينا بالنصب للصرف عن ~~العطف على شيء من الأفعال الماضية لفساد المعنى لكونها في حيزالشرط , فيصير ~~العلم أيضا مشروطا : { ويعلم الذين يجادلون } أي عند النجاة بالعفو . | ~~ولما كان مقام العظمة شديد المنافاة للمجادلة , لفت القول إليه فقال : { في ~~آياتنا } أيهذه التي لا تضاهي عظمتها ولا تقايش جلالتها وعزتها رجوعا إلى ~~ما كانوا عليه من الشرك والنزاع في تمام القدرة بإنكار البعث , ومن واو ~~الصرف يعرف أن مدخولها مفرد في تأويل المصدر لأن النصب فيها بتقدير أن ~~فيكون مبتدأ خبره ما يدل عليه السياق فالتقدير هنا : وعلمه سبحانه ~~بالمجادلين عند هذا حاصل , والتعبير عنه بالمضارع لإفادة الاستمرار لتجدد ~~تعلق العلم بكل مجادل كلما حصل جدال , وقراءة نافع وابن عامر بالرفع دالة ~~على هذا , فإن التقدير : وهو يعلم - فالرفع هنا والنصب سواء , قال الرضي في ~~شرح قول ms4592 ابن الحاجب في نواصب الفعل : والفاء - أي ناصبة - بشرطين : السببية ~~, والثاني أن يكون قبلها أحد الأشياء الثمانية , والواو الواقعتين بعد ~~الشرط قبل الجزاء نحو أن تأتني فتكرمني أو تكرمني أنت , أو بعد الشرط ~~والجزاء : إن تأتني إنك فأكرمك أو وأكرمك , وذلك لمشابهة الشرط في الأول ~~والجزاء في الثاني النفي , إذ تأتيني إنك فأكرمك أو وأكرمك , وذلك لمشابهة ~~الشرط في الأول والجزاء في الثاني النفي , إذ الجزاء مشروط ووجوده بوجود ~~الشرط , ووجود الشرط مفروض , فكلاهما غير موصوفين بالوجود حقيقة , وعليه ~~حمل قوله تعالى { ويعلم الذين } في قراءة النصب , ثم قال : وكذا ويقول في ~~الفعل المنصوب بعد واو الصرف أنهم لما قصدوا فيها معنى الجمعية نصبوا ~~المضارع بعدها ليكون الصرف عن سنن الكلام المتقدم مرشدا من أول الأمر أنها ~~ليست للعطف فهي إذن إما واو الحال وأكثر دخولها على الاسمية فالمضارع بعدها ~~في تقدير مبتدأ محذوف الخبر وجوبا , فمعنى قم وأقوم : قم وقيامي ثابت : أي ~~في حال ثبوت قيامي , وأما بمعنى مع وهي لا تدخل إلا على الاسم قصدوا ها هنا ~~مصاحبة الفعل للفعل منصوبا ما بعدها , فمعنى قم وأقوم : قم PageV06P635 مع ~~قيامي كما قصدوا في المفعول معه مصاحبة الاسم للاسم فنصبوا ما بعد الواو , ~~ولو جعلنا الواو عاطفة للمصدر متصيد من الفعل قبله النجاة , أي لم يكن منك ~~قيام وقيام مني , لم يكن فيه نصوصية على معنى الجمع , والأولى في قصد ~~النصوصية في شيء على معنى أن يجعل على وجه يكون ظاهرا فيما قصدوا النصوصية ~~عليه , وإنا شرطوا في نصب ما بعد فاء السببية كون ما قبلها أحد الأشياء ~~المذكورة أي الأمر والنهي والنفي والاستفهام والتمني والعرض والتحضيض ~~والرجاء لأنها غير حاصلة المصادر فتكون كالشرط الذي ليس بمتحقق الوقوع , ~~ويكون ما بعد الفاء كجزائها ثم حملوا ما قبل واو الجمعية في وجوب كون أحد ~~الأشياء المذكورة على ما قبل فاء السببية التي هي أكثر استعمالا من الواو ~~في مثل هذا الموضع أعني في انتصاب المضارع بعدها , وذلك لمشابهة الواو ~~للفاء في ms4593 أصل العطف , وفي صرف ما بعدهما عن سنن العطف لقصد السببية في ~~إحدهما والجمعية في الأخرى , ولقرب الجمعية من التعقب الذي هو لازم السببية ~~ثم قال : وكذا ربما لم يصرف بعد واو الحال قد تدخل على المضارع المثبت كما ~~ذكرنا في باب الحال , نحو قمت وأضرب زيدا أي وأنا أضرب . | ولما كان علم ~~القادر بالمعصية موجبا لعذاب من عصاه , كان كأنه قيل : قد خسر من فعل ذلك ~~فيا ليت شعري ما يكون حالهم ؟ أجاب بقوله : { ما لهم من محيص * } أي محيد ~~ومفر أصلا عن عذابه , ولا بشيء يسير , وإن تأخر في نظركم إيقاع العذاب بهم ~~فإن عذابه سبحانه منه ما هو باطن وهو الاستدراج بالنعم وهذا لا يدركه إلا ~~أرباب القلوب المقربون لدى علام الغيوب , ومنه ما هو ظاهر , ويجوز أن يكون ~~( الذين ) فاعل ( يعلم ) , وحينئذ تكون هذه الجملة في محل نصب لسدها مسد ~~مفعول العلم . | < < # | الشورى : ( 36 - 39 ) فما أوتيتم من . . . . . # > > ^ ( فمآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى ~~للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ~~ما غضبوا هم يغفرون * والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى ~~بينهم ومما رزقناهم ينفقون * والذين إذآ أصابهم البغي هم ينتصرون ) ^ } ) | ~~ولما علم أن جميع النعم من الغيث وأثاره , ومن نشر الدواب برا وبحرا بمعرض ~~من الزوال وهو عظيم التقلبات هائل الأحوال سبب عنه قوله محقرا لدنياهم وما ~~فيها من الزهرة بسرعة الذبول والزوال , والأفوال والارتحال , ولهم بأنها مع ~~ما ذكر لا قدرة لهم على شيء منها إلا يموت يمن عليهمبها , وأما هم فقوم ~~ضعفاء لا قدرة لهم على شيء وليس لهم من أنفسهم إلا العجز , فلو عقلوا ~~لعلموا ولو علموا لعلمموا عمل العبيد , PageV06P636 وأطاعوا القوي الشديد : ~~{ فما أوتيتم } أي أيها الناس { من شيء } أي من النعم الظاهرة , وأجاب ( ما ~~) الشرطية بقوله : { فمتاع الحياة الدنيا } أي القريبة الدنيئة لا نفع فيه ~~لأحد إلا مدة حياته , وذلك جدير بالإعراض عنه وعما يسببه من الأعمال إلا ما ms4594 ~~يقرب إلى الله { وما } أي والذي , ولفت الكلام عن مظهر العظمة إلى أعظم ~~منها بذكر الاسم الجامع للترغيب في ذكر آثار الأوصاف الجمالية والترهيب من ~~آثار النعوت الجلالية فقال : { عند الله } أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما من نعم الدارين { خير } أي في نفسه وأشد خيرية من النعم ~~الدنيوية المحضة لانقطاع نفعها . | ولما كانت النعم الدنيوية قد تصحب ~~الإنسان طول عمره فتسبب بذلك إلى البقاء قال : { وأبقى } أي من الدنيوية ~~لأنه لا بد من نزعها منه بالموت , ولذلك قيد بالحياة فلا تؤثر الفاني على ~~خساسته على الباقي مع نفاسته . | ولما بين ما لها من النفاسة ترغيبا فيها , ~~بين من هي له فقال : { للذين آمنوا } أي أوجدوا هذه الحقيقة { وعلى } أي ~~والحال أنهم صدقوها بأنهم على , ولفت القول إلى صفة الإحسان لأنها نسب شيء ~~للمتوكل , وأحكم الأمر بالإضافة إشارة إلى ( إنه إحسان ) هو في غاية ~~المناسبة لحالهم فقال : { ربهم } أي الذي لم يروا إحسانا قط إلا منه وحده ~~بما رباهم من الإخلاص له { يتوكلون } أي يحملون جميع أمورهم عليه كما يحمل ~~غيرهم متاعه على من يتوسم فيه قوة على الحمل ولا يلتفتون في ذلك إلى شيء ~~غيره أصلا لينتفي عنهم بذلك الشرك الخفي كما انتفى بالإيمان الشرك الجلي , ~~والتعبير بأداة الاستعلاء تمثيل للإسناد والتفويض إليه بالحمل عليه لأن ~~الحمل أبين في الراحة , وأظهر في البعد من الهم والمشقة , ولعل التعبير ~~بالمضارع للتخفيف في أمر التوكل بالرضى بتجديده كلما تجدد مهم , ومن كان ~~كذلك كان الله ملم , فيشاركون أهل الدنيا في نيل نعمها ويفارقونهم في أن ~~ربهم سبحانه يجعلها على وجه لا حساب عليهم فيها , بل ولهلم فيها الأجور ~~الموجبة للنعمة والحبور , وفي أنه يجعلها كافية لمهماتهم وسادة لخلاتهم , ~~ويزيدهم الباقيات الصالحات التي يتسبب عنها نعيم الآخرة بعد راحة الدنيا . ~~| ولما كان كل من الإيمان والتوكل امرا باطنا فكان لا بد من دلائله من ~~ظواهر الأعمال , وكانت تخليات من الرذائل وتحليات بالفضائل وكانت التخليات ~~لكونها درء للمفاسد مقدمة على التحليات ms4595 التي هي جلب للمصالح قال عاطفا على ~~{ الذين } : { والذين يجتبنون } أي يكلفون أنفسهم أن يجابوا { كبائر الإثم ~~} أي جنس الفعال الكبار التي لا توجد إلا ضمن أفرادها ويحثل بها دنس للنفس ~~, فيوجب عقابا لها مع الجسم , وعطف على { كبائر } قوله : { والفواحش } وهي ~~ما أنكره الشرع والعقل والطبع التي PageV06P637 هي آيات الله الثلاث التي ~~نصبها حجة على عباده وله الحجة الباغلة فاستعظم الناس أمرها ولو أنها صغائر ~~لدلالتها على الإخلال بالمروءة كسرقة لقمة والإقرار على المعصية من شيخ ~~جليل القدر لمن لا يخشاه ولا يرجوه , وقرأ حمزة والكسائي : كبير , وهو ~~للجنس , فهو بمعنى قراءة الجمع أو هي أبلغ لشمولها المفرد . | ولما ذكر ما ~~قد تقود إليه المطامع دون حمل الغضب الصرع قال منبها على عظمته معبرا بأداة ~~التحقق دلالة على أنه لا به منه توطينا للنفس عليه معلقا بفعل الغفر : { ~~وإذا } وأكد بقوله : { ما } وقدم الغضب إشارة إلى الاهتمام بإطفاء جمره ~~وتبريد حره فقال : { غضبوا } أي غضبا هو على حقيقته من أمر مغضب في العادة ~~, وبين بضمير الفصل أن بواطنهم في غفرهم كظواهرهم فقال : { هم يغفرون } أي ~~الإحصاء والإخفاء بأنهم كلما تجدد لهم غضب جددوا غفرا أي محوا للذنب عينا ~~وأثرا مع القدرة على الانتقام فسجاياهم تقتضي الصفح دون الانتقام ما لم يكن ~~من الظالم بغي لأنه لا يؤاخذ على مجرد الغضب إلا متكبر , الكبر لا يصلح ~~لغير الإله وذلك لأنه لا يغيب أحلامهم عند اشتداد الأمر ما يغيب أحلام ~~غيرهم من طيش الجهل وسفاهة الرأي , فدل ذلك على أن الغفر دون غضب لا يعد ~~بالنسبة إلى الغفر معه , وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه ~~قط إلا أن تنتهك حرمات الله , وروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم قال : كان ~~المؤمنون يكرهون أن يستذلوا وكانوا أذا قدروا عفوا . | ولما أتم ما منه ~~التحلي , أتبعه ما به التخلي , وذكر أوصافا أربعة هي قواعد النصفة ما انبنى ~~عليها قط ربعها إلا كان الفاعلون لها كالجسد الواحد لا تأخذهم نازلة في ms4596 ~~الدنيا ولا في الآخرة فقال : { والذين استجابوا } أي أوجدوا الإجابة بمالهم ~~من العلم الهادي إلى سبيل الرشاد { لربهم } أي الداعي لهم إلى إجابته ~~إحسانه إليهم إيجادا من شدة حمل أنفسهم عليه يطلبونه من أنفسهم طلبا عظيما ~~صادقا لم يبق معه لأحدهم نفس ولا بقية من وهم ولا رسم إلا على موافقة رضاه ~~سبحانه لأنهم يعملون أنه ما دعاهم إليه وهو مربيهم لصلاحهم وسعدهم وفلاحهم ~~, لأنه محيط العلم شديد الحرمة لا يتهم بوجه من الوجوه . | ولما كان هذا ~~عاما لكل خير دعا إليه سبحانه , خص أعظم عبادات البدن , وزاد في عظمتها ~~بالتعبير بالإقامة فقال : { وأقاموا } أي بما لهم من القوة { الصلاة } ~~فأفهم ذلك مع اللام أنهم أوجدوا صورتها محمولة بروحها على وجه يقتضي ثبوتها ~~دائما . | ولما كانت الاستجابة توجب للاتحاد القلوب بالإيمان الموجب ~~للاتحاد في الأقوال والأفعال , والصلاة توجب الاتحاد بالأبدان , ذكر ~~الاتحاد بالأقوال الناشئ عنه عند أولي PageV06P638 الكمال الاتحاد في ~~الأفعال , فقال معبرا بالاسمية حثا على أن جعلوا ذلك لهم خلقا ثابتا لا ~~ينفك : { وأمرهم } أي كل ما ينوبهم مما يحوجهم إلى تدبير { شورى } أي ~~يتشاورون فيه مشاورة عظيمة مبالغين مما لهم من قوة الباطن وصفائه في ~~الإخلاص والنصح , من الشور وهو العرض والإظهار { بينهم } أي بحيث إنهم لا ~~فرق في حال المشاورة بين كبير منهم وصغير بل كل منهم وصغير بل كل منها يصغي ~~إلى الآخر وينظر في حصته وسقمه بتنزيله على أصول الشرع وفروعه , فلا يستبدل ~~أحد منهم برأي لدوام اتهامه لرأيه لتحققه نقصه بما له من غزارة العلم وصفاء ~~الفهم ولا يعجلون في شيء بل صار التأبي لهم خلقا , وسوق المشورة هذا السياق ~~دال على عظيم جدواها وجلالة نفعها قال الحسن رحمه الله : ما تساور قوم إلا ~~هدوا لأرشد أمرهم - على أنه روى الطبراني في الصغير والأوسط لكن بسند ضعيف ~~عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما خاب من استخار ~~ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد ) وروى في الأوسط ms4597 عن ابن عباس رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أراد أمرا فشاور فيه أمرأ ~~مسلما وفقه الله لأرشد أمره ) . | ولما كانت المواساة بالأموال بعد الاتحاد ~~في الأقوال والافتاق في الأفعال أعظم جامع على محاسن الخلال , واظهر دال ~~على ما ادعى من الاتحاد في الحال والمال قال مسهلا عليهم أمرها بأنه لا ~~مدخل لهم في الحقيقة في تحصيلها راضيا منهم باليسير منها : { ومما } ولفت ~~القول إلى مظهر العظمة تذكيرا بما يتعارفونه بينهم من أنه لا مطمع في ~~التقرب من العظماء إلا بالهدايا فقال : { رزقناهم } أي بعظمتنا من غير حول ~~منهم ولا قوة { ينفقون * } أي يديمون الإنفاق كرما منهم وإن قل ما بأيديهم ~~اعتمادا على فضل الله سبحانه وتعالى لا يقبضون أيديهم كالمنافقين , وذلك ~~الإنفاق على حسب ما حددناه لهم فواسوا بالمشورة في فضل عقولهم وبالإنفاق في ~~فضل أموالهم تقوى منهم ومراقبة الله لا شهوة نفس . | ولما كان في العقوبة ~~مصلحة ومفسدة فندب سبحانه غلى المغفرة تقديما لدرء المفسدة لأن الإنسان ~~لعدم علمه بالقلوب لا يصح له بوجه أن يعاقب بمجرد الغضب PageV06P639 لأنه ~~قد يخطئ فيعاقب من أغضبه , وهو شريف الذات كريم الطبع على الهمة أبي النفس ~~, ما وقع منه الذنب الذي أغضب إلا خطأ معفوا عنه أو كذب عليه فيه فيربي في ~~نفسه أخته تفسد ذات البين فيجر إلى خراب كبير , وكانت غدامة الغفر جالبة ~~للفساد مجرئة على العناد , وكان البغي هو التمادي في السوء محققا لقصد ~~الذنب مجوزا للإقدام على الانتقام , وكان الانتصار من الفجار ربما أحوج مع ~~قوة الجنان إلى إنفاق المال , عقب الإنفاق بمدح الانتصار بقوله : { والذين ~~} وذكر أداة التحقق إشارة إلى أن شرطها لا بد من وقوعه بالفعل أو بالقوة ~~فقال ناصبا بفعل الانتصار مقدما لما من شأن النفس الاهتمام بدفعه لعدم ~~صبرها عليه : { إذا أصابهم } أي وقع بهم وأثر فيهم { البغي } وهو التمادي ~~على الرمي بالشر { هم } أي بأنفسهم خاصة لما لهم من قوة الجنان والأركان ~~المعلمة بأن ما تقدم من ms4598 غفرانه ما كان إلا لعلو شأنهم لا لهوانهم { ينتصرون ~~* } أي يوقعون بالعلاج بما أعطاهم الله من سعة العقل وشدة البطش وقوة القلب ~~النصر لأنفسهم في محله على ما ينبغي من زجر الباغي عن معاودتهم وعن ~~الاجتراء على غيرهم مكررين لذلك كلما كرر لهم فيكون ذلك من غصلاح ذات البين ~~, ليسوا بعاجزين ولا في أمر جينهم متوانين , والتعبير في هذه الأفعال ~~بالإسناد إلى الجمع إلى إلى أنه لا يكون تمام التممكن الرادع إلا مع ~~الاجتماع , ومن كان فيها مفردا كان همه طويلا وبثه جليلا , قال النخعي : ~~كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق . | < < # | الشورى : ( 40 - 44 ) وجزاء سيئة سيئة . . . . . # > > ^ ( وجزآء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب ~~الظالمين * ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل * إنما السبيل على ~~الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم * ولمن ~~صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور * ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده ~~وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل ) ^ } ) | ولما ~~كان الإذن في الانتصار في هذا السياق المادح مرغبا فيه مع ما للنفس من ~~الداعية إليه , زجر عنه لمن كان قلب أولا بكفها عن الاسترسال فيه وردها على ~~حد المماثلة , وثانيا بيسميته سيئة وإن كان على طريق المشاكلة , وثالثا ~~بالندب إلى العفو , فصار المحمود منه إنما هو ما كان لإعلاء كلمة الله لا ~~شائبة فيه للنفس اصلا فقال : { وجزاء سيئة } أي أي سيئة كانت { سيئة مثلها ~~} أي لا تزيد عليها في عين ولا معنى أصلا , وقد كلفت هذه الجمل بالدعاء إلى ~~أمهات الفضائل الثلاث العلم والعفة والشجاعة على أحسن الوجوه , فالمدح ~~بالاستجابة والصلاة دعاء إلى العلم , وبالنفقة PageV06P640 إلى العفة , ~~وبالانتصار إلى الشجاعة , حتى لا يظن ظان أن إذعانهم لما مضى مجرد ذل , ~~والقصر على المماثلة دعاء إلى فضيلة التقسيط بين الكل وهي العدل , وهذه ~~الأخيرة كافلة بالفضائل الثلاث , فإن من علم المماثلة كان عالما ms4599 , ومن قصد ~~الوقوف عندها كان عفيفا , ومن قصر نفسه على ذلك كان شجاعا , وقد ظهر من ~~المدح بالانتصار بعد المدح بالغفران أن الأول للعاجز والثاني للمتغلب ~~المتكبر بدليل البغي . | ولما كان شرط المماثلة نادبا بعد شرع العدل الذي ~~هو القصاص إلى العفو الذي هو الفصل لأن تحقق المثلية من العبد الملزوم ~~للعجز لا يكاد يوجد , سبب عنه قوله : { فمن عفا } أي بإسقاط حقه كله أو ~~بالنقص عنه لتحقق البراءة مما حرم من المجاوزة { وأصلح } أي أوقع الإصلاح ~~بين الناس بالعفو والإصلاح لنفسه ليصلح الله ما بينه وبين الناس , فيكون ~~بذلك منتصرا من نفسه لنفسه { فأجره على الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال ~~فهو يعطيه على حسب ما يقتضيه مفهوم هذا الاسم الأعظم , وهذا سر لفت الكلام ~~إليه عن مظهر العظمة وقوله صلى الله عليه وسلم : ( ما زاد عبدا بعفو إلا ~~عزا ) . | ولما كان هذا ندبا إلى العفو بعد المدح بالانتصار , بين أن علته ~~كراهة أن يوضع شيء في غير محله لأنه لا يعلم المماثلة في ذلك إلا الله , ~~فقال مضمرا إشارة إلى أن المثلية من الغيب الخفي مؤكدا لكف النفس لما لها ~~من عظم الاسترسال في الانتصار : { إنه لا يحب الظالمين * } أي لا يكرم ~~الواضعين للشيء في غير محله دأب من يمشي في مأخذ الاشتقاق إذا كان عريقا في ~~ذلك سواء كان ابتداء أو مجاوزة في الانتقام بأخذ الثأر . | ولما كان هذا ~~سادا لباب الانتصار لما يشعر به من أنه ظلم على كل , قال مؤكدا نفيا لهذا ~~الإشعار : { ولمن انتصر } أي سعى في نصر نفسه بجهده { بعد ظلمه } أي بعد ~~ظلم الغير له وليس قاصد البعد عن حقه ولو استغرق انتصاره جميع زمان البعد . ~~| ولما بين تعالى ما لذلك الناظر في مصالح العباد المنسلخ من خط نفسه ~~إحسانا إلى عباد الله من الرتبة العليا , بين ما لهذا الذاب عن نفسه القاصد ~~لشفاء صدره وذهاب غيظه , فقال رابطا للجزاء بفاء السبب بيانا لقصور نظره ~~على دفع الظلم عن نفسه , ويجوز كون ms4600 { من } موصولة والفاء لما للموصول من ~~شبه الشرط . | ولما عبر أولا بالإفراد فكان ربما قصر الإذن على الواحد لئلا ~~تعظم الفتنة , جمع PageV06P641 إشارة إلى أن الفتنة إنما هي في إقرار الظلم ~~لا في نصر المظلوم واحدا كان أو جماعة فقال : { فأولئك } أي المنتصرون لأجل ~~دفع ظلم الظالم عنهم فقط { ما عليهم } وأكد بإثبات الجار فقال : { من سبيل ~~* } أي عقاب ولا عتاب , وروى النسائي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت : ما علمت حتى دخلت علي زينب رضي اله عنها بغير إذن وهي غضبى ثم أقبلت ~~علي فأعرضت عنها حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : دونك فانتصري , فأقبلت ~~عليها حتى رأيتها قد يبس ريقها في فيها ما ترد علي شيئا , فرأيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يتهلل وجه . | ولما نفى السبيل عنه بعد تشوف السامع إلى ~~موضع ما أشعر به الكلام السابق من الظلم , بين ذلك فقال : { إنما السبيل } ~~أي الطريق السالك الي لا منع منه اصلا بالحرج والعنت { على } وجمع إعلاما ~~بكثرة المفسدين تجرئة على الانتصار منهم وإن كانوا كثيرا فإن الله خاذلهم ~~فقال : { الذين يظلمون الناس } أي يوقعون بهم ظلمهم تعمدا عدوانا { ويبغون ~~} أي يتجاوزن الحدود { في الأرض } بما يفسدها بعد إصلاحها بتهيئتها للصلاح ~~طبعا وفعلا وعلما وعملا . | ولما كان الفعل قد يكون بغيا وإن كان مصحوبا ~~بحق كالانتصار المقترن بالتعدي فيه قال : { بغير الحق } أي الكامل ولما ~~أثبت عليهم بهذا الكلام السبيل , كان السامع جديرا بأن يسأل عنه فقال : { ~~أولئك } أي البغضاء البعداء من الله { لهم عذاب أليم * } أي مؤلم بما آلموا ~~من ظلموه من عباد الله بحيث يعم إيلامه وأرواحهم بما لها من المشاعر ~~الظاهرة والباطنة . | ولما أفهم سياق هذا الكلام وترتيبه هكذا أن التقدير : ~~فلمن صبر عن الانتصار أحسن حالا ممن انتصر , لأن الخطأ في العفو أولى من ~~الخطأ في الانتقام , عطف عليه مؤكدا لما أفهمه السياق أيضا من مدح المنتصر ~~: { ولمن صبر } عن الانتصار من غير انتقام ولا شكوى { وغفر } فصرح بإسقاط ~~العقاب ms4601 والعتاب فمحا عين الذنب وأثره : { إن ذلك } أي ذلك الفعل الواقع منه ~~البالغ في العلو جدا لا يوصف { لمن عزم الأمور * } أي الأمور التي هي لما ~~لها من الأهلية لأن يعزم عليها قد صارت في أنفسها كأنها دوات العزم أو ~~متأهلة لأن تعزم على ما تريد , والعزم : الإقدام على الأمر بعد الروية ~~والفكرة , قال أبو علي بن الفراء ؛ آيات العفو محمولة على الجاني النادم , ~~وآيات مدح الانتصار على المصر , وذلك إنما يحمد مع القدرة على تمام النصرة ~~كما قال يوسف PageV06P642 عليه الصلاة والسلام لإخوته < # > 77 ( { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم } ) 77 < # > [ الآية : 92 ] وقال : فعل النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة ~~منها الموقف الأعظم الذي وقفه يوم الفتح عند باب الكعبة وقال لقريش وهو ~~تحته كالغنم المطيرة ( ما تظنون أني فاعل بكم يا معشر قريش ) قالوا : خيرا ~~, أخ كيرم وابن أخ كريم , قال ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) وروى أحمد وأبو ~~داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا شتم أبا بكر رضي الله عنه فلما رد ~~عليه قام صلى الله عليه وسلم ثم قال : ( يا أبا بكر ! ثلاث كلهن حق ما من ~~عبد مظلم مظلمة فعفى عنها لله إلا أعز الله بها نصره , وما فتح رجل باب ~~عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة وما فتح رجل باب مسألة يريد بها ~~كثرة إلا زاده الله بها قلة ) . | ولما بان في هذا الكلام المقتصر على ~~الصبر والجامع إليه الغفر والمقتضي بالنصر أدرجهم كلهم في دائرة الحق , ~~أتبعه من خرج عن تلك الدائرة , فقال مخبرا أن ما شاءه كان وما لم يشأه لم ~~يكن عطفا على نحو : فمن يهدي الله للوقوف عند هذه الحدود فما له من مضل , ~~مبينا بلفظ الجلال أن ما شرعه من الطريق في غاية الوضوح لا يزيغ عنه أحد ~~إلا بطرد عظيم : { ومن يضلل الله } أي الذي له صفات الكمال إضلالا واضحا ~~بما أفاده الفك بعدم البيان أو بعدم التوفيق لمطلق الصبر ms4602 أعم من أن يكون ~~الاقتصار على أخذ الحق وبتأخير الحق إلى وقت وبالعفو وبالغفر . | ولما كان ~~الضال عن ذلك لا يكون إلا مجبولا على الشر , سبب عنه قوله : { فما له } أي ~~في ذلك الوقت { من ولي } أي يتولى أمره في الهداية بالبيان لما أخفاه الله ~~عنه أو التوفيق لما بينه له { من بعده } أي من بعد معاملة الله له معاملة ~~البعيد من وكله إلى نفسه وغيره من الخلق في شيء من زمان البعد ولو قل . | ~~ولما كان مبنى أمر الضال على الندم ولو بعد حين , قال عاطفا على نحو : فترى ~~الظالمين قبل رؤية العذاب في غاية الجبروت والبطر والتكذيب بالقدرة عليهم , ~~فهم لذلك لا يرجون حسابا ولا يخافون عقابا : { وترى } وقال : { الظالمين } ~~موضع ( وتراهم ) لبيان أن الضال لا يضع شيئا في موضعه , ولما كان عذابهم ~~حتما , عبر عنه بالماضي فقال : { لما رأوا العذاب } أي المعلوم مصير الظالم ~~إليه رؤية محيطة بظاهره وباطنه يتمنون الرجعة إلى الدنيا لتدارك ما فات من ~~الطاعات الموجبة للنجاة { يقولون } PageV06P643 أي مكررين مما اعتراهم من ~~الدهش وغلب على قلوبهم من الوجل : { هل إلى مرد } أي رد إلى دار العمل ~~وزمانه مخلص من هذا العذاب { من سبيل } . | < < # | الشورى : ( 45 - 48 ) وتراهم يعرضون عليها . . . . . # > > ^ ( وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال ~~الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا إن ~~الظالمين في عذاب مقيم * وما كان لهم من أوليآء ينصرونهم من دون الله ومن ~~يضلل الله فما له من سبيل * استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له ~~من الله ما لكم من ملجأ يومئذ وما لكم من نكير * فإن أعرضوا فمآ أرسلناك ~~عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ وإنآ إذآ أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها ~~وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور ) ^ } ) | ولما أثبت ~~رؤيتهم العذاب , أثبت دنوهم من محله وبين حالهم في ذلك الدنو فقال : { ~~وتراهم } أي يا أكمل الخلق ويا أيها المتشوف إلى ms4603 العلم بحالهم بعينك حال ~~كونهم { يعرضون } أي يجدد عرضهم ويكرر , وهو إلجاؤهم إلى أن يقارنوها ~~بعرضهم الذي يلزم محاذاتهم لها ايضا بطولهم ليعلموا أنها مصيرهم فلا مانع ~~لها منهم { عليها } أي النار التي هي دار العذاب مكررا عرضهم في طول الموقف ~~مع ما هم فيه من تلك الأهوال بمقاساة ما عليهم من الأحمال الثقال حال كونهم ~~{ خاشعين } أي في غاية الضعة والإلقاء باليد خشوعا هو ثابت لهم . | ولما ~~كان الخشوع قد يكون محمودا قال : { من الذل } لأنهم عرفوا إذ ذاك ذنوبهم ~~وانكشفت لهم عظمة من عصوه . | ولما كان الذل ألوانا , صوره بأقبح صورة فقال ~~معبرا بلفظ النظر الذي هو مماسة البصر لظاهر المبصر : { ينظرون } أي يبتدئ ~~نظرهم المتكرر { من طرف } أي تحريك للأجفان { خفي } يعرف فيه الذل لأنه لا ~~يكاد من عدم التحديق يظن أنه يطوف لأنهم يسارقون النظر مسارقة كما ترى ~~الإنسان ينظر إلى المكاره , والصبور ينظر إلى السيف الذي جرد له فهو بحيث ~~لا يحقق منظورا إليه , بل ربما تخليه بأعظم مما هو عليه . | ولما صور حالهم ~~وكان من أفظع الأشياء وأقطعها للقلوب شماتة العدو , قال مبشرا لجميع أصناف ~~أهل الإيمان ورادعا لأهل الكفران : { وقال } أي في ذلك الموقف الأعظم على ~~سبيل التعبير لهم والتبكيت والتوبيخ والتقريع { الذين آمنوا } أي أوقعوا ~~هذه الحقيقة سواء كان إيقاعهم لها في أدنى الراب أو أعلاها عند رؤيتهم ~~إياهم على هذا الحال , مؤكدين لتحقيق مقالهم عند من قضى بضلالهم والإعلام ~~بما لهم من السرور بصلاح PageV06P644 حالهم , والحمد لمن من عليهم بحس ~~منقلبهم ومآلهم , ويجوز أن يكون قولهم هذا في الدنيا لما غلب على قلوبهم من ~~الهيبة عندما تحققوا ههذ المواعظ : { إن الخاسرين } أي { وأهليهم } ~~بمفارقتهم لهم إما في إطباق العذاب إن كانوا مثلهم في الخسران أو في دار ~~الثواب إن كانوا من أهل الإيمان . | ولما أخبر بخسارتهم بين ظرفها تهويلا ~~لها , ويجوز أن يكون ظرفا لهذا القول وهو أردع لمن له مسكة لأن من جوز أن ~~يخسر وأن عدوه يطلع على خسارته ms4604 ويظهر الشماتة به , كان جديرا بأن يترك ~~السبب الحامل على الخسارة فقال : { يوم القيامة } أي الذي هو يوم فوت ~~التدراك لأنه للجزاء لا للعمل لفوات شرطه بفوات الإيمان بالغيب لانكشاف ~~الغطاء . | ولما كان هذا نهاية الخسارة , أنتج قوله مناديا ذاكرا سبب هذه ~~الخسارة المعينة مؤكدا لأجل إنكار الظالمين لها وإن كان من تتمه قول ~~المؤمنين هناك , فالتأكيد مع ما يفيد الإخبار إنكار الظالمين لها من ردع ~~المنكر للإعلام بما لهم من اللذة فيما رأوا من سوء حالهم وتقطع أوصالهم ~~ورجائهم من أن ينقطع عنهم ذلك كما ينقطع عن عصاة المؤمنين : { ألا إن ~~الظالمين } أي الراسخين في هذا الوصف فهم بحيث لا ينفكون عن فعل الماشي في ~~الظلام بوضع الأشياء في غير مواضعها { في عذاب مقيم * } لا يزايلهم أصلا , ~~فلذلك لا يفرغون منه في وقت من الأوقات , فلذلك كان خسرانهم لكل شيء . | ~~ولما كانت العادة جارية بأن من وقع في ورطة وجد في الأغلب وليا ينصره لأو ~~سبيلا ينجيه , قال عاطفا على { وتراهم } أو ( ألا إن ) : { وما كان } أي صح ~~ووجد { لهم } وأعرق في النفي فقال : { من أولياء } فما لهم من ولي لأن ~~النصرة إذا انتفت من الجمع انتفت من الواحد من باب الأولى . | ولما كان من ~~يفعل فعل القريب لا يفيد إلا إن كان قادرا على النضرة قال : { ينصرونهم } ~~أي يوجدون نصرهم في وقت من الأوقات لا في الدنيا بأن يقدروا على إنفاذهم من ~~وصف الظلم ولا في الآخرة بإنقاذهم مما جرى عليهم من العذاب . | ولما كان ~~الله تعالى يصح منه أن يفعل ما يشاء بواسطة أو غيرها قال : { من دون الله } ~~أي ما صح ذلك وما استقام بوجه بغيره , وأما هو فيصح ذلك لمن اتصف بوصفهم ~~كائنا من كان , فقال بناء على نحو : لأنه هو الذي أضلهم : { ومن يضلل الله ~~} أي يوجد ضلاله إيجادا بليغا بما أفاده الفك على سبيل الاستمرار بعدم ~~البيان له أو بعدم التوفيق بعد البيان : PageV06P645 { فما له } بسبب إظلال ~~له جميع صفات الجلال والإكرام , وأعرق ms4605 في النفي بقوله : { من سبيل * } أي ~~تنجية من الضلال ولا مما تسبب عنه من العذب . | ولما كان هذا , أنتج قطعا ~~قوله : { استجيبوا } أي اطلبوا الإجابة وأوجدوها , ولفت القول إلى الوصف ~~الإحساني تذكيرا بما يحث على الوفاق , ويخجل من الخلاف والشقاق , فقال : { ~~لربكم } الذي لم تروا إحسانا إلا وهو منه فيما دعاكم إليه برسوله صلى الله ~~عليه وسلم من الوفاء بعهده في أمره ونهيه , ولا تكونوا ممن ترك ذلك فتكونوا ~~ممن علم أنه أضله فانسد عليه السبيل . | ولما كان الخوف من الفوت موجبا ~~للمبادرة , قال مشيرا بالجار إلى أنه يتعد بأدنى خير يكون في أدنى زمن يتصل ~~بالموت : { من قبل أن يأتي يوم } أي يكون فيه ما لا يمكن معه فلاح ؛ ثم ~~وصفه بقوله لافتا إلى الاسم الأعظم الجامع لأوصاف الإحسان والإنعام على ~~المطعين والقهر والانتقام من العاصين : { لا مرد } أي لا رد ولا موضع رد ~~ولا زمان رد { له } كائن { من الله } أي الذي له جميع العظمة وإذا لم يكن ~~له مرد منه لم يكن مرد من غيره , ومتى ذاك أنتج قوله : { ما لكم } وأعرق في ~~النفي بقوله : { من ملجأ يومئذ } أي مكان تلجؤون إليه في ذلك اليوم وحصن ~~تتحصنون فيه من شيء تكرهونه , وزاد في التأكيد بإعادة النافي وما في حيزه ~~إبلاغا في التحذير فقال : { وما لكم من نكير * } أي من إنكار يمكنكم به من ~~النجاة لأن الحفظة يشهدون عليكم فإن صدقتموهم وإلا شهدت عليكم أعضاؤكم ~~وجلودكم , ولا لكم من أحد ينكر شيئا مما تتجاوزون به ليخلصكم منه . | ولما ~~أنهى ما قدمه في قوله { شرع لكم من الدين } نهايته , ودل عليه وعلى كل ما ~~قادته الحكمة في حيزه حتى لم يبق لأحد شبهة في شيء من الأشياء , كان ذلك ~~سببا لتهديدهم على الإعراض عنه وتسلية رسولهم صلى الله عليه وسلم فقال ~~معرضا عن خطابهم إيذانا بشديد الغضب : { فإن أعرضوا } أي عن إجابة هذا ~~الدعاء الذي وجبت إجابته والشرع الذي وضحت وصحت طريقته بنا تأيد به من ~~الحجج , ولفت القول ms4606 إلى مظهر العظمة دفعا لما قد يوهم الإرسال من الحاجة ~~فقال : { فما أرسلناك } مع ما لنا من العظمة { عليهم حفيظا } أي نقهرهم على ~~امتثال ما أرسلناك به . | ولما كان التقدير . | فأعرض عن غير إبلاغهم لأنا ~~إنما أرسلناك مبلغا , وضع موضعه : { إن } أي ما { عليك إلا البلاغ } لما ~~أرسلناك به , وأما الهداية والإضلال فإلينا . | ولنا ضمن لهذه الآية ما ~~أرسله له , أتبعه ما جبل عليه الإنسان بيانا لأنه صلى الله عليه وسلم لا ~~PageV06P646 حكم له على الطباع وأن الذي عليه إنما هو الإسماع لا السماع , ~~فقال عاطفا على ما قبل آية الشرع من قوله { يبسط الرزق لمن يشاء } حاكيا له ~~في أسلوب العظمة تنبيها على أنه الذي حكم عليهم بالإعراض عما هو جدير بأن ~~لا يعرض عنه عاقل , وإيماء إلى أن الإنسان لغلبه جهله وقلة عقله يجترئ ~~بأدنى تأنيس على من تجسد الجبال لعظمته وتندك الشوامخ من هيبته : { وإنا ~~إذا أذقنا } بعظمتنا التي لا يمكن مخالفتها . | ولما كان من يفرح بالنعمة ~~عند انفراده بها مذموما , عبر بالجنس الصالح للواحد فما فوقه تنبيها على أن ~~طبع الإنسان عدم الاهتمام بشدائد الإخوان إلا من أقامه الله في مقام ~~الإحسان فقال : { الإنسان } أي بما جبلناه عليه من النقص بالعجلة وعدم ~~التمالك { منا رحمة } أي نوعا من أنواع الإكرام من صحة أو غنى ونحو ذلك , ~~وأفرد الضمير إشارة إلى أنه مطبوع على أنه ليس عليه إلا من نفسه ولو كان ~~أهل الأرض كلهم على غير ذلك , وكذا عبر بالإنسان فقال : { فرح بها } أي ولو ~~أن أهل الأرض كلهم على غير ذلك , وكذا عبر بالإنسان فقال : { فرح بها } أي ~~ولو أن أهل الأرض كلهم في نقمة وبؤس وعمى فأخرجه الفرح عن تأمل ما ينفعه ~~ليشكر , فكان ذلك لذلك كافرا للنعمة لأنه أبدل الشكر بالفرح والكفر فتوصل ~~بالعافية إلى المخالفة , فأوقع نفسه في أعظم البلاء . | ولما دل باداة ~~التحقق على أن النعمة هي الاصل لعموم رحمته , وأنها سبقت غضبه , دل على أن ~~السيئة قليلة بالنسبة إليها باداة ms4607 الشك والمضارع فقال : { وإن } ولما كانت ~~المشاركة في الشدائد تهون المصائب , فكان من يزيد غمه بخصوص مصيبته عند ~~العموم مذموما , نبه على نقص الإنسان بذلك بالجمع فقال : { تصبهم سيئة } أي ~~نقمة وبلاء وشدة . | ولما كانت الرحمة فضلا منه , أعلمهم أن السيئة مسببة ~~عنهم فقال : { بما قدمت أيديهم } وعبر باليد عن الجملة لأن اكثر العمل بها ~~. | ولما كان الجواب على نهج الأول : حزنوا فكفروا , وعدل عنه إلى ما يدل ~~على أن جنس الإنسان موضع الكفران , ولما كانوا يدعون الشكر وينكرون الكفر , ~~أكد قوله وسبب عن تلك الإصابة والإذاقة معا إشارة إلى أنه لا اصل لغيرهما , ~~فقال مظهرا موصع الضمير لينص على الحكم على الجنس من حيث هو : { فإن ~~الإنسان } أي الآنس بنفسه المعرض من غيره بما هو طبع له بسبب مسه بضر { ~~كفور * } أي يبلغ الستر للنعم نساء له , ينسى بأول صدمة من النقمة جميع ما ~~تقدم له من النعم , ولا يعرف إلا الحالة الراهنة , فإن كان في نعمه أشر ~~وبطر , وإن كان في نقمه أيس وقنط , وهذا حال الجنس من حيث هو , ومن وفقه ~~الله جنبه ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن إن أصابته سراء شكر ~~فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) . | وليس ذلك إلا المؤمن ~~, والآية من الاحتباك : قكر الفرح أولا دالا على الحزن ثانيا , وذكر ~~الكفران ثانيا دال على حذفه أولا . | PageV06P647 < < # | الشورى : ( 49 - 51 ) لله ملك السماوات . . . . . # > > ^ ( لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء إناثا ويهب ~~لمن يشآء الذكور * أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما إنه عليم ~~قدير * وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشآء إنه علي حكيم ) ^ } ) | ولما قدم سبحانه في هذه السورة ~~أن له التصرف التام في عالم الخلق بالأجسام المرئية وفي عالم الأمر ~~بالأرواح الحسية والمعنوية القائمة بالأبدان والمدبرة للأديان , وغير ذلك ~~من بديع الشأن , فقال في افتتاح السورة { كذلك يوحى إليك ms4608 وإلى الذين من ~~قبلك } وأتبعه أشكاله إلى أن قال { أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشأ ~~الله يختم على قلبك } الآية { فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفكسم ~~أزواجا ومن الأنعام أزواجا } - الآية { له مقاليد السماوات والأرض } { الله ~~لطيف بعباده يرزق من يشاء } { من كان يريد حرث الآخرة } - الاية , { ولو ~~بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض } , { ومن آياته الجوار في البحر ~~كالاعلام } - الاية إلى أن ذكر أحوال الآخرة في قوله { وترى الظالمين لما ~~رأوا العذاب يقولون } - الآيات , وختم بتصرفه المطلق في الإنسان من إنعام ~~وانتقام , وما له من الطبع المعوج مع ما وهبه له من العقل المقيم في أحسن ~~تقويم , فدل ذلك على أن له التصرف التام ملكا وملكوتا خلقا وأمرا , أتبعه ~~الدليل على أن تصرفه ذلك على سبيل الملك والقهر إيجادا وإعداما إهانة ~~وإكراما , فقال صارفا القول عن أسلوب العظمة التي من حقها دوام الخضوع ~~وإهلاك الجبابرة إلى أعظم منها بذكر الاسم الأعظم الجامع لمظهر العظمة ~~ومقام اللطف والإحسان والرحمة نتيجة لكل ما مضى : { لله } أي الملك الأعظم ~~وحده لا شريك له { ملك السماوات } كلها على علوها وارتفاعها وتطابقها ~~وكبرها وعظمها وتباعد أقطارها { والأرض } جميعها على تباينها وتكاثفها ~~واختلاف اقطارها وسكانها واتساعها . | ولما أخبر بانفراده بالملك , دل عليه ~~بقوله تعالى : { يخلق } أي على سبيل التجدد والاستمرار { ما يشاء } أي وأن ~~كان على غير اختيار العباد , ثم دل على ذلك بما يشاهد من حال الناس فانه ~~لما استوى البشر في الإنسانية والنكاح الذي هو سبب الولادة اختلفت أصناف ~~أولادهم . | كان ذلك أدل دليل على أنه لا اختيار لأحد معه وأن الأسباب لا ~~تؤثر أصلا إلا به . | ولما كانت ولادة الإناث أدل دليل على أنه لا اختيار ~~الولد وكانوا يعدونه من البلاء الذي ختم به ما قبلها قدمهن في الذكر فقال : ~~{ يهب } خلقا ومولدا { لمن يشاء } أولادا { إناثا } أي فقط ليس معهن ذكر ~~كما في لوط عليه السلام , وعبر سبحانه فيهن بلفظ الهبة لأن الأوهام العادية ~~قد تكتنف العقل ms4609 فتحجبه عن تأمل محاسن PageV06P648 التدبيرات الإلهية , ~~وترمي به في مهاوي الأسباب الدنيوية , فيقع المسلم مع إسلامه في مضاهاة ~~الكفار في كراهة البنات وفي وادي الوأد بتضييعهن أو التقصير في حقوقهن ~~وتنبيها على أن الأنثى نعمة , وأن نعمتها لا تنقص عن نعمة الذكر وربما زادت ~~, وإيقاظا من سنة الغفلة على أن التقديم وإن كان لما قدمته لا يقدم تأنيسا ~~وتوصية لهن واهتماما بأمرهن , نقل ابن مليق عن ابن عطية عن الثعلبي أن ~~واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال : من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل ~~الذكر لأن الله تعالى بدأ بالإناث , ولذلك رغب النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الإحسان إليهن في أحاديث كثيرة ورتب على ذلك أجرا كبيرا ولأجل تضمين الهبة ~~مع الخلق عداها باللام مع أن فعلها متعد بنفسه إلى مفعولين لئلا يتوهم أن ~~الولد كان لغير الوالد ووهبه الله له . | ولما كان الذكر حاضرا في الذهن ~~لشرفه وميل النفس إليه لا سيما وقد ذكر به ذكر الإناث , عرف لذلك وجبرا لما ~~فوته من التقديم في الذكر تنبها على انه ما أخر إلا لما ذكر من المعنى فقال ~~: { ويهب لمن يشاء الذكور * } أي فقط ليس بينهن أنثى كما صنع لإبراهيم عليه ~~السلام وهو عم لوط عليه السلام . | ولما فرغ من القسمين الأولين عطف عليهما ~~قسيما لهما ودل على أنه قسم بأو فقال : { أو يزوجهم } أي الأولاء بجعلهم ~~ازواجا لأأي صنفين حال كونهم { ذكرانا وإناثا } مجتمعين في بطن ومنفردين ~~كما منح محمدا صلى الله عليه وسلم , ورتبها هنا على الأصل تنبيها على أنه ~~ما فعل غير ذلك فيما مضى إلا لنكت جليلة فيجب تطلبها , وعبر في الذكر بما ~~هو ابلغ في الكثرة ترغيبا في سؤاله , والخضوع لديه رجاء نواله . | ولما فرغ ~~من أقسام الموهوبين الثلاثة , عطف على الإنعام بالهبة سلب ذلك , فقال موضع ~~أن يقال مثلا : ولا يهب شيئا من ذلك لمن يشاء : { ويجعل من يشاء عقيما } أي ~~لا يولد له كيحيى بن زكريا عليهما الصلاة والسلام - كذا قالوه , والظاهر ms4610 ~~أنه لا يصح مثالا فإنه لم يتزوج , قال ابن ميلق , وأصل العقيم اليبس المانع ~~من قابلية التأثر لما من شأنه أن يؤثر , والداء العقام هو الذي لا يقبل ~~البرء - انتهى . | فهذا الذي ذكر أصرح في المراد لأجل ذكر العقم , وأدل على ~~القدرة لأن شامل لمن له قوة الجماع والإنزال لئلا يظن أن عدم الولد لعدم ~~تعاطي أسبابه , وذكروا في هذا القسم عيسى عليه السلاة والسلام . | ولا يصح ~~لأنه ورد أنه يتزوج بعد نزوله ويوله له , وهذه القسمة الرباعية في الأصول ~~كالقسمة الرباعية في الفروع , بعضهم لا من ذكر ولا أنثى كآدم عليه الصلاة ~~والسلام , وبعضهم من ذكر فقط كحواء عليها السلام , وبعضهم من أنثى فقط ~~كعيسى عليه السلام وبعضهم من ذكر وأنثى وهو أغلب الناس , فتمت الدلالة على ~~أنه ما شاء PageV06P649 كان ولا راد له وما لم يشأ لم يكن , ولا مكون له ~~ولا مانع أعطى ولا معطي لما منع . | ولما دل هذا الدليل الشهودي على ما ~~بينت الآية عليه من إثبات الملك له وحده مع ما زادت به من جنس السياق ~~وعذوبة الألفاظ وإحكام الشك وإعجاز الترتيب والنظم , كانت النتيجة قطعا ~~لتضمن إشراكهم به الطعن في توحده بالملك مقدما فيها الوصف الذي هو أعظم ~~شروط الملك : { إنه عليم } أي بالغ العلم بمصالح العباد وغيرها { قدير * } ~~شامل القدرة على تكوين ما يشاء . | ولما تم القسم الأول مما بنى على العلم ~~والقدرة , والقدرة فيه أظهر وفاقا لما ختمت به الآية , وكان قد يكون خلقه ~~إياه إبداعا من غير توسط سبب , وقد يكون بتوسيط سبب , أتبعه القسم الآخر ~~الأعلى الذي العلم فيه أظهر وهو الوحي الذي ختمت آيته أول السورة بالحكمة ~~التي هي سر التقدير في القسم الأول الكلام في قلبه قال : { وما } أي وهو ~~سبحانه تام العلم شامل القدرة غرز في البشر غريزة العلم وأقدره على النطق ~~به بقدرته وحيا منه إليه كما أوحى إلى النحل ونحوها والحال أنه ما { كان ~~لبشر } من الأقسام المذكورة , وحل المصدر الذي هو اسم ( كان ms4611 ) ليقع التصريح ~~بالفاعل والمفعول على أتم وجوهه فقال : { أن يكمله } وأظهر موضع الإضمار ~~إعظاما للوحي وتشريفا لمقداره بجلالة إيثاره قفال : { الله } أي يوجد الملك ~~الأعظم الجامع لصفات الكمال في قلبه كلاما { إلا وحيا } أي كلاما خفيا ~~يوجده فيه بغير واسطة بوجه خفي لا يطلع عليه أحد إلا بخارق العادة إما ~~بإلبهام أو برؤيا منام أو بغير ذلك سواء كان ذلك مع الرؤية ليكون قسما لما ~~بعده أولا أو يخلق فيه ذلك ومن هذا القسم الأخير < # > 77 ( { وأوحينا إلى أم موسى } ) 77 < # > [ القصص : 7 ] < # > 77 ( { وأوحى ربك إلى النحل } ) 77 < # > [ النحل : 68 ] < # > 77 ( { وأوحى في كل سماء أمرها } ) 77 < # > [ فصلت : 12 ] فإن إيداعها القوى التي يحصل بها المنافع مثل إيداع ~~الإنسان قوة الكلام ثم قوة التعبير عنه - والله أعلم . | وهذا معنى قول ~~القاضي عياض في الشفاء في آخر الفصل الثاني من الباب الرابع في الإعجاز : ~~وقد قيل في قوله تعالى { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا } الآية أي ~~ما يليقه في قلب دون واسطة , ومعنى قول الإمام شهاب الدين السهروردي في ~~الباب السادس والعشرين من عوارفه : والعلوم اللدنية في قلوب المنقطعين إلى ~~الله ضرب من المكالمة . | PageV06P650 ولما كان الحجاب الحسي يخفي ما وراءه ~~عن العيان , استعير لمطلق الخفاء فقال : { أو من } أي كلاما بلا واسطة , ~~لكنه مع السماع لعين كلام الله كائن صاحبه من { وراء حجاب } أي من وجه لا ~~يرى فيه المتكلم مع السماع للكلام على وجه الجهر , قال القشيري : والمحجوب ~~العبد لا الرب , والحجاب أن يخلق في محل الرؤية ضد الرؤية , وتعالى الله أن ~~يكون من وراء حجاب لأن ذلك صفة الأجسام - انتهى . | والآية يمكن تنزيلها ~~على الاحتباك بأن يكون ذكر الحجاب ثانيا دليلا على نفيه أولا , وذكر الوحي ~~الدال على الخفاء أولا دليلا على الجهر ثانيا , والحجاب ثانيا دليلا على ~~الرؤية أولا , وسره أن ترك التصريح والدلالة عليها بالحجاب أولى بسياق ~~العظمة . | ولما كان الذي بلا واسطة مع كونه اخفى القسام ليس فيه صوت ولا ~~ترتب ms4612 في كلمات , عبر فيه بالمصدر وعبر بما يلقيه الملك بما يدل على التجدد ~~فقال : { أو يرسل } وهو عطف على المصدر بعد تقدير حله { رسولا } أي من ~~الملائكة . | ولما كان الوحي مسببا عن الإرسال ومرتبا عليه قال : { فيوحي } ~~أي على سبيل التجديد والترتيب , وقرأ نافع برفع يرسل ويوحي بتقدير : أو هو ~~يرسل . | ولما كان ربما ظن أن للواسطة فعلا يخرج عن فعله , رد ذلك بقوله : ~~{ بإذنه } أي بإقدار وتمكينه , فذلك المبلغ إنما هو آلة . | ولما كان رسوله ~~لا يخرج عما وحده له بوجه قال : { ما يشاء } أي لا يتعدى مراده وإقداره ~~أصلا فهم المكلم في الحقيقة وقد بان أنها ثلاثة أقسام : أولها فيه قسمان , ~~خص الأول بقسميه بالتصريح باسم الوحي لأنه كما مر أخفاها وهو أيضا يقع دفعه ~~, والوحي يدور معناه على الخفاء والسرعة . | ولما كانت الأقسام دالة على ~~العظمة الباهروة , وكانت للروح البدني لأن روح الوحي يكسب الروح البدني ~~حياة العلم كما أفاد الروح البدن حياة بالإرادة والحس , كانت النتيجة مؤكدة ~~لتضمن طعنهم في الرسول والقرآن والتوحيد طعنهم في مضمون الجملة : { إنه } ~~أي الذي له هذا التصرف العظيم في هذا الوحي الكريم { علي } أي بالغ العلو ~~حدا مما لا يليق به من الأوصاف وبما يكون للخلق عن جنابه من السفول بما ~~عليهم من الحجب فلا يلبس شيء مما يعبر به تقريبا للعقول فيحمل على ما يوهم ~~نقصا , فإن المجازات في لسان العرب شهيرة { حكيم * } يتقن ما يفعله إتقانا ~~ر تحيط العقول بإدراكه فيسكن روح العلم الذي هو من ألطف أسراره في روح ~~البدن المدبر له فيكون سرا في سر كمات كان برا بعد بر , ويجعل ذلك تارة ~~بواسطة وتارة بغير واسطة على حسب ما يقتضيه الحال , ويعبر عن كل معنى بما ~~يقتضيه حاله في ذلك PageV06P651 السياق , ومهما أوهم شيء من ذلك نقصا فرد ~~المستبصر إلى المحكم من التأويل على ما يقتضيه الشائع من استعمالات رجع ~~رجوعا بينا متقنا بحيث يصير في غاية الجلاء . | < < # | الشورى : ( 52 - 53 ) وكذلك أوحينا إليك . . . . . # > > ^ ( وكذلك ms4613 أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشآء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم * صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير ~~الأمور ) ^ } ) | ولما كان الوحي روحا مدبرا للروح كما أن الروح مدبر للبدن ~~, صرح به فقال : { وكذلك } أي ومثل ما أخبرناك بالكيفيات التي نوحيها إلى ~~عبادنا { أوحينا إليك } صارفا القول إلى مظهر العظمة تعظيما لما أوحى إليه ~~وأفاض من نعمه عليه على جميع تلك الأقساك , فالتفت في الروع مذكورا غير ~~منكور , والسماع من دون الحجاب أصلا منقول في الإخبار عن ليلة المعراج ~~ومعقول في السماع من وراء الحجاب أيضا ذكر فيها في قوله : ( أمضيت فريضتي ~~وخففت عن عبادي ) والوحي بواسطة الملك كثيرا جدا , وأعظم الوحي وشرفه بقوله ~~منكرا تعظيما لما عنده من الروح الأمري بإفادة أن هذا الكتاب الذي أبكم ~~الفصحاء وأعجز البلغاء وحير الألباب من الحكماء شعبة منه وذرة بارزة عنه , ~~ويمكن أن يكون تنكير تعظيم وإجلال وتكريم { روحا } أي من خالطه صار قلبه ~~حيا ومن عري عنه كان قلبه ميتا . | وزاد عظمه بقوله : { من أمرنا } أي ~~بجعله من قسم الأمر وإظهاره مظهر العظمة فيا له من علو يتضاءل دونه كل شامخ ~~ويتحاقر إكبارا له كل مادح , والمراد بهذا رد ما تقدم من نسبتهم له صلى ~~الله عليه وسلم إلى الإفتراء لأنه تعالى لم يختم على قلبه بل فتحه بيد ~~القدرة وأحياء بروح الوحي فأنطقه بالحكم التي خضعت لها الحكماء , وأقرت ~~بالعجز عن إدانتها ألباب العلماء , ودل على ذلك بقوله , نافيا مبينا حاله ~~صلى الله عليه وسلم قبل هذا الوحي : { ما كنت } أي فيما قبل الأربعين التي ~~مضت لك وأنت بين ظهراني قومك مساويا لهم في كونك لا تعلم شيئا ولا تتفوه ~~بشيء من ذلك وهو معنى { تدري } وعبر بأداة الاستفهام إلى أن ما بعدها مما ~~يجب الاهتمام به والسؤال عنه , وعلق بجملة الاستنفهام الدارية عن العمل ~~وسدت مسد مفعولي ms4614 الدارية { ما الكتاب } أي ما كان في جلبتك أن تعلم ذلك ~~بأدنى أنواع العلم بمجادلة ولا غيرها { ولا الإيمان } أي بتفصيل الشرائع ~~على ما حددناه لك بما أوحيناه إليك , وهو صلى الله عليه وسلم وإن كان قبل ~~النبوة مقرا بوحدانية الله تعالى وعظمته لكنه لم يكن يعلم الرسل على ما هم ~~عليه , PageV06P652 ولا شك ان الشهادة له نفسه صلى الله عليه وسلم بالرسالة ~~ركن الإيمان ولم يكن له علم بذلك , وكذا الملائكة واليوم الآخر فيصح نفي ~~المنفي لفواته بفوات جزئه . | ولما كان المعنى : ولكن نحن أدريناك بذلك كله ~~, عبر عنه إعلاما بأن الخلق كانوا في ظلام لكونهم كانوا يفلعون بوضع ~~الأشياء في غير مواضعها فعل من يمشي في الظلام بقوله : { ولكن جعلناه } أي ~~الروح الذي هو الكتاب المنزل منا إليك المعلم بالإيمان وكل عرفان بما لنا ~~من العظمة { نورا يهدي } على عظمتنا { به من نشاء } خاصة لا يقدر أحد على ~~هدايته بغير مشيئتنا { من عبادنا } بخلق الهداية في قلبه , قال ابن برجان : ~~فمن رزقه الفرقان الذي يفرق بين المتشابهات والنور الذي يمشي به في الظلمات ~~, فذلك الذي أبصر شعاع النور وشاهد الضياء المبثوث في العالم المفطور , ~~وعلى قدر إقباله عليه والتفرغ عن كل شاغل عنه يكون قبوله له وهدايته به , ~~وقال الأصبهاني في سورة النور : هو الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار ~~مثلا على اظلرض والجدار وغيرهما , يقال : استنارت اظلرض , وقال حجة الإسلام ~~الغوالي ضي الله عنه : ومن المعلوم ان هذه الكيفية إنما اختصت بالفضيلة ~~والشرف لن المرئيات على كونها مستنيرة فكذلك يتوقف على وجود اليعن الباصرة ~~وهي المدركة وبها الإدراك , فكان وصف االاظهار بالنور الباصر أحق بالنور ~~المبصر فلا جرم اطلقوا اسم النور على نور العين المبصرة فقالوا في الخفاش : ~~إن نور عينيه ضعيف , وفي العمى انه فقد نور البصر , غذا ثبت هذا فنقول : ~~للأنسان بصر وبصيرة , وكل واحد من الإدراكين يقنضي نورا , ونور العقل اثوى ~~وأسد من نور العين , لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا إدراكها ولا ms4615 ~~آلاتها , والقوة العاقلة تدرك نفسها , وغدراكها وآلتها فتور العقل اكمل من ~~نور البصر , والقوة العاقلة تدرك الكليات والقوة الباصرة لا تدركها , ~~وإدراك الكليات أشرف لانه لا يتغير بخلاف الجزئيات , وغدراك العقل منتج ~~وادراك الجزئي غير منتج , والقوة العاقلة تدرك ظاهر الأشياء وبطانها فان ~~الباطن والظاهر من جسمه واللون القائم به , والقوة العاقلة نورا بالنسبة ~~إلى الظاهر والباطن , والقوة الباصرة ظلمة بالنسبة إلى الباطن , ومدرك ~~الفوة العاقلة هو الله وصفاته وأفعاله , ومدرك القوة هو الألوان والأشكال ~~فيكون نسبة شؤرف القوة العاقلة إلى شرف القفوة الباصرة كنسبة شرف ذات الله ~~إلى شرف الألوان والأشكال , PageV06P653 والقوة الباصرة كالخدم والقوة ~~العاقلة كالامبير , والامير أشرف من الخادم , والقوة الباصرة قد تغلط ~~والقوة العاقلة لا تغلط , إن الإدراك العقلي أكمل وأقوى وأشرف من الإدراك ~~البصري , وكل واحد من الإدراكين يقتضي الظهور الذي هو أشرف خواص النور , ~~فكان الإدراك العقلي أولى بكونه نورا , والإدراك العقلي قسمان : أحدهما ~~واجب الحصول عند سلامة القوى والالات وهي التعقلات الفطرية , والثاني ما ~~يكون مكتسبا , وهي التعقلات النظرية , ولا يكون منت لوازم جوهر الإنسان ~~لأنه حال الطفولية لم يكن عالما البتة , فهذه الأنورا إنما حصلت بعد أن لم ~~تكن فلا بد لها من سبب , والفطرة الإنسانية قد يعتريها الزيغ فلا بد مكن ~~هاد ومرشد , ولا مرشد فوق كلام الله وأنبيائه , فتكون منزلة ىيات القرآن ~~عند عين العقل منزلة نور الشمس ونور العقل يشبه نور العين , وبهذا يظهر ~~معنى قوله تعالى : < # > 77 ( { فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا } ) 77 < # > [ التغابن : 8 ] { قد جاءكم برهان من ربكم } < # > 77 ( { وأنزلنا إليكم نورا مبينا } ) 77 < # > [ النساء : 74 ] وإذا ثبت أن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم أقوى من ~~نور الشمس وجب أن تكون نفسه القدسية اعظم في النوراينة من الشمس كما أن ~~الشمس في علم الأجسام العقلية لسائر النفوس البشرية ولا تستفيد النور ~~العقلي من شيء من النفوس البشرية , فلذلك وصف الله الشمس بأنها سراج , ووصف ~~محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه سراج , قن قال : ولمراتب ms4616 الأنوار في عالم ~~الأرواح مثال , وهو أن ضوء الشمس إذا وصل إلى القمر ثم دخل في كوة بيت ووقع ~~على مرآة منصوبة على حائط ثم انعكس منه إلى طشت الشمس , التي هي المعدن , ~~وثانيهما في القمر , وثالثهما في المرآة , ورابعهما في الماء , وخامسها في ~~السقف , وكل من كان أقرب إلى المعدن كان أقوى فكذا الأنوار السماوية لما ~~كانت مترتبة لا جرم كان النور المفيد اشد غشراقا , ثم تلك الانوار لا تزال ~~مترتبة المراد بقوله < # > 77 ( { يوم يقوم الروح والملائكة صفا } ) 77 < # > [ النبأ : 38 ] ثم نقول : إن هذه الأنوار الحسية سفلية كانت كانوار ~~النيران أو علوية كأنوار فإنها ممكنة لذواتها والممكن لذاته لا يستحق ~~الوجود لذاته بل وجوده من غيره , والعدم هو الظلمة والوجود هو النور , فكل ~~ما سوى الله زظلم مستنير بإنارة الله تعالى , وكذا جميع معارفها ودجودها ~~حاصل من وجود الله تعالى فإن الحق سبحانه هو الذي أظهرها بالوجود بعد أن ~~PageV06P654 كانت في ظلمات العدم , وأفاض عليها أنوار المعارف بعد أن كانت ~~في ظلمات الجهالة , فلا ظهور لشيء من الأشياء إلا بإظهاره , وخاصة النور ~~إعطاء الإظهار والتجلي والانكشاف , وعند هذا يظهر أن النور المطلق هو الله ~~سبحانه وإن إطلاق النور على غيره مجاز , وكل ما سوى الله من حيث هو هو ظلمة ~~محضة لأنه من حيث هي هي ممكنات , والممكن من حيث هو هو معدوم , والمعدوم ~~مظلم , فالنور إذا نظر من حيث هو ممكن مظلم , فأما إذا التفت إليها من حيث ~~أن الحق سبحانه افاض عليها نور بنور , وأضاف النور إلى الخافقين في قوله { ~~نور السماوات والأرض } لأنهما مشحونتان بالأنوار العقلية والأنوار الحسية , ~~أما الحسية فما نشاهده في السماوات من الكواكب وغيرها , وفي الأرض من ~~الأشعة المنسبطة على سطوح الأجسام حتى ظهرت بها الأكوان المختلفة , ولولاها ~~لما كان للألوان ظهور بل وجود , وأما الأنوار العقلية فلعالم الأعلى مشحون ~~بها وهي جواهر الملائكة , والعالم الأدنى مشحون بها وهي القوى النباتية ~~والحيوانية والإنسانية , والنور الإنساني السفلي ظهر نظام العالم بأسره كما ms4617 ~~أنه بالنور الملكي ظهر نظام العالم العلوي , وإذا عرفت هذا عرفت أن العالم ~~بأسره مشحون بالأنوار البصرية الظاهرة والعقلية الباطنة , ثم عرفت أن ~~السفلية فائضة بعضها من بعض وإن بينها ترتيبا في الغايات , ثم ترتقي جملتها ~~إلى نور الأنوار ومعدنها ومنبعها الأول , وذلك هو الله وحده لا شريك له , ~~فإذا الكل نوره , ثم قال : قال الإمام الغزالي : قد بن أن القوة المدركة ~~أنوار . | ومراتب القوة المدركة الإنسانية خمسة , أحدهما القوة الحساسة وهي ~~التي تلتقي ما تورده الحواس الخمس , وكأنها اصل الروح الحواني إذ بها يصير ~~الحيوان حيوانا , وهي موجودة للصبي والرضيع وثانيها القوة الخيالية وهي ~~التي تسبب ما أوردته الحواس وتحفظه مخزونا عندها لتعرضه عن القوة العقلية ~~عند الحاجة إليه , وثالثهما القوة العقلية المدركة للحقائق الكلية , ~~ورابعهما القوة الفكرية وهي التي تأخذ المعارف العقلية فتؤلفها تأليفا ~~تستنتج منه علما بالمجهول , وخامسها القوة القدسية التي يختص بها الأنباء ~~وبعض الأولياء , وتنجلي فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت , إليه إشار قوله ~~{ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } الآية , وإذا عرفت هذه القوى فهي ~~بجملتها أنوار إذ بها تظهر أصناف الموجودات , وهذه المراتب الخمس يمكن ~~تشبيهها PageV06P655 بالأمور الخمسة التي ذكرها الله في المشكاة والزجاجة ~~والمصباح والشجرة والزيت , أما الروح الحساس فإذا نظرت إلى خاصته وجدت ~~أنواره خارجة من ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين , فأرتفق مثال له من عالم ~~الأجسام المشكاة , وأما الثاني وهو الروح الخيالي فله خواص ثلاثة : الأول ~~أنه من طينة العالم السفلي الكثيف لأن الشيء المتخيل ذو شكل وحيز , ومن شأن ~~العلائق الجسمانية أن تحجب عن الأنوار العقلية المحضة , والثاني أن هذا ~~الخيال الكثيف إذا صفا ورق صار موازنا للمعارف العقلية ومؤديا لأنوارها , ~~ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني العقلية كما يستدل بالشمس ~~على الملك , وبالقمر على الوزير , وبختم فروج الناس وأفواهم على الأذان قبل ~~الصبح , والثالث أن الخيال في البداية محتاج إليه لتضبط به المعارف العقلية ~~ولا تضطرب , وأنت لا تجد شيئا في الأجسام يشبه الخيال في هذه الصفات إلا ~~الزجاجة ms4618 فإنها في الأصل من جوهر كثيف ولكن صفا ورق حتى صار لا يحجب نور ~~المصباح بل يؤديه على وجهه ثم يحفظه من الانطفاء بالزجاج , واما الثالث وهو ~~القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف الإلهية فلا يخفى ~~عليك وجه تمثيله بالمصباح , وأما الرابع وهو القوة الفكرية فمن خاصيتها ~~أنها تأخذ ماهية واحدة ثم تقسمها إلى قسمين كقولنا : الموجود إما واجب وإما ~~ممكن , ثم تجعل كل قسم قسمين , وهكذا إلى أن تنتهي إلى ما لا يقبل القسمة , ~~ثم تنتهي بالاخرة إلى نتائج هي ثمرتها , فبالحري أن يكون مثاله من هذا ~~العالم بشجرة السفرجل والتفاح بل بشجرة الزيتون خاصة لأن لب الإشراق وقلة ~~الدخان , وإذا كانت الماشية التب يكثر دجرها ونسلها والشجرة التي يكثر ~~ثمرتها تسمى مباركة فالتي لا نهاية لمنفعتها وثمرتها أولى أن تسمى شجرة ~~مباركة , وإذا كانت الماشية التي يكثر درها ونسلها والشجرة التي تكثر ~~ثمرتها تسمى مباركة فالتي لا نهاية لمنفعتها وثمرتها أولى أن تسمى شجرة ~~مباركة , وإذا كانت شعب الإفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام , ~~فبالحري أن لا تكون شرقية ولا غريبة , وأما الخامس وهو القوة القدسية ~~النبوية فهي في نهاية الشرف والصفاء , فإن القوة الفكرية تنقسم إلى ما ~~تحتاج إلى تعليم وإلى ما لا يحتاج إليه , ولا بد من وجود هذا القسم دفعا ~~للتسلسل فبالحري أن يعبر عن هذا القسم لكماله وصفاته بأنه يكاد زيته يضيء ~~ولو لم تمسه نار , فهذا المثال موافق لهذه الأقسام , وهذه الأنوار مرتبة ~~بعضها على بعض , فالحس هو الأول وهو كالمقدمة للخيال , والخيال كالمقدمة ~~للعقل - انتهى كلام الغزالي رحمه الله تعالى عن نقل الأصفهاني في تفسيره ~~عنه - والله أعلم . | ولما كان المعنى بناء على ما تقدم من صفة الروح ~~الإلهي : فهديناك به , عطف PageV06P656 عليه قوله تعالى : { وإنك لتهدي } ~~أي تبين وترسد , وأكده لإنكارهم ذلك { إلى صراط } أي طريق واضح جدا , وإن ~~عانيت في البيان مشقة بنفسك وبالوسائط بما أفادته التعدية ب ( إلى ) فيفهم ~~من ذلك أنه يهدي للصراط بدون ذلك ms4619 من العناية لمن يسر الله أمره ويهدي ~~الصراط لمن هو أعظم توفيقا من ذلك { مستقيم } أي شديد التقوم لأنه كأنه ~~يريد أن يقوم نفسه فهو بعد وجود تقومه حافظ لها من أدنى خلل , وهو كل ما ~~دعا إليه من خصال هذا الدين الحنيف الذي هو ملة إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام , ثم أبدل منه تعظيما لشأنه قوله بدل كل معرفة من نكرة لافتا القول ~~من مظهر والنقمة ترغيبا وترهيبا : { صراط الله } أي الملك الأعظم الجامع ~~لصفات الكمال , ثم وصفه بأنه مالك لما افتتح هذا الكلام بأن له ملكه فقال : ~~{ الذي له } ملك { ما في السماوات } أي هو جميع السماوات التي هي في عرشه ~~والأرض لأنها في السموات وما في ذلك من المعاني والأعيان { وما في الأرض } ~~. | ولما أخبر سبحانه أنه المخترع لجميع الأشياء والمالك لعالمي الغيب ~~والشهادة والخلق والأمر وأنه المتفرد بالعظمة كلها , وكان مركوزا في العقول ~~مغروزا في الفطر أن من ابتدأ شيئا وليس له كفوء قادر على إعادته وأن يكون ~~مرجع أمره كله إليه , فلذلك كانت نتيجة جميع ما مضى على سبيل المناداة على ~~المنكرين لذلك وعدا ووعيدا لأهل الطاعة والمعصية بناء على ما تقديره : كيف ~~يكون له ما ذكر على سبيل الدوام ونحن نرى لغيره أشياء كثيرة تضاف إليه ~~ويوقف تصريفها والتصرف فيها عليه : { إلا إلى الله } أي المحيط بجميع صفات ~~الكمال الذي تعالى عن مثل أو مدان وهو الكبير المتعالي , لا إلى أحد غيره { ~~تصبر } أي على الدوام وإن كانت في الظاهر في ملك غيره بحيث يظن الجاهل أن ~~ملكها مستقر له , قال أبو حيان : أخبر بالمضارع والمراد به الديمومة كقوله ~~: زيد يعطي ويمنع أي من شأنه ذلك ولا يراد به حقيقة المستقبل : { الأمور } ~~أي كلها من الخلق والأمر معنى وحسا خفيا في الدنيا بما نصب من الحكام وجعل ~~بين الناس من الأسباب , وجليا فيما وراءها حيث قطع ذلك جميعه وحده العزيز ~~الحكيم العلي العظيم , فقد رجع آخر السورة على اولها , وانعطف مفصلها على ~~موصلها , واتصل من ms4620 حيث كونه في الوحي الهادي في أول الزخرف على أتم عادة ~~لهذا الكتاب المنير من اتصال الخواتم فيه بالبوادي والروائح بالغوادي - ~~والله أعلم بالصواب . | . . . . | PageV06P657 < # > سورة الزخرف < # > < < # | الزخرف : ( 1 - 7 ) حم # > > ^ ( حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون * ~~وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم * أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما ~~مسرفين * وكم أرسلنا من نبي في الأولين * وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به ~~يستهزئون ) ^ } ) | مقصدوها البشارة بإعلاء هذه الأمة بالعقل والحكمة حتى ~~يكونوا أعلى الأمم في العلم وما ينشأ عنه شأنا لأن هدايتهم بأمر لدني هو من ~~أغرب الغريب الذي هو للخواص , فهو في الرتبة الثانية من الغرابة وأن ذلك ~~أمر لا بد لهم منه وإن اشتدت نفرتهم منه وإعراضهم عنهوأنه لذكر لك ولقومك ~~حتى تكونوا أهلا للجنة وفيه ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون ~~, ولم يقل : وهم , وعلى ذلك دلت تسميتها بالزخرف لما في آيتها من أنه لو ~~أراد أن يعم الكفر جميع الناس لعمهم بسبوغ النعم , ولكنه لم يعمهم بذلك , ~~بل فاوت بينهم فأفقر بعضهم وأكثر بؤسهم وضرهم وفرق أمرهم , ليسهل ردهم عن ~~الكفر الذي أدتهم إليه طبائعهم وحظوظهم ونقائصهم بما يشهدون من قباحة الظلم ~~والعدوان إلى ما يرونه من محاسن الدين والإيمان , ولذة الخضوع للملك الديان ~~, فتخضع لهم الملوك والأعيان , ويصير لهم الفرقان على جميع أهل العصيان { ~~بسم الله } الذي له مقاليد الأمور كلها فهو يعلي من شاء وإن طال سفوله { ~~الرحمن } الذي نال بره جميع خلقه على حسب منازلهم عنده { الرحيم } الذي ~~يقبل بمن شاء إلى ما يقربه لديه زلفى وإن وصل في البعد إلى الحد الأقصى { ~~حم } حكمة محمد التي أوحاها الله إليه . | ولما قدمن آخر تلك أنه جعل ما ~~أوحي إليه صلى الله عليه وسلم نورا يهدي به من يشاء , وكان قد تقرر في ~~السورة الماضية ما له من الجلالة بأناه تنزيله , وختم بأنه لا أمر يخرج عنه ~~سبحانه PageV07P003 إشارة إلى أنه يردهم عن غيبهم وكانوا يمكرون أن ms4621 يرجعوا ~~, فاقتضى الحال غاية التأكيد , وكان إقسام الله تعالى بالأشياء إعلاما ~~بجلالة ما فيها من الحكم وتنبيها على النظر فيما أودعها من الأسرار التي ~~أهلها للإقسام بها , افتتح هذه بتعظيم هذا الوحي بالإقسام به حثا على تدبر ~~ما فيه من الوجوه التي أوجبت أن يكون قسما ثم تعظيم أثره . | فقال : { ~~والكتاب } أي وإعجاز هذا الجامع لكل خير وغير ذلك من أنواع عظمته { المبين ~~} أي البين في نفسه , المبين لجميع ما فيه من العظمة والشرائع والسنن , ~~واللطائف والمعارف والمنن , بيانا عظيما شافيا . | ولما كانوا ينكرون أن ~~يرجعوا به عما هم فيه , وأن يكون من عند الله , أكد ما يكذبهم من قوله فيما ~~مضى آخر الشورى أنه نور وهدى وروح معبرا بالجعل لذلك دون الإنزال لأنه قددل ~~عليه جميع السور الماضية تارة بلفظه وأخرى بلفظ الوحي , فقال مقسما بالكتاب ~~على عظمة الكتاب , قال السمين : ومن البلاغة عندهم كون القسم والمقسم عليه ~~من واد واحد , وهذا إن أريد بالكتاب القرآن فإن أريد به أعم منه كان بعض ~~القئم به , وصرف القول إلى مظهر العظمة تشريفا للكتاب : { إنا جعلناه } أي ~~صيرناه ووضعناه وسميناه مطابقة لحاله بالتعبير عن معانيه بما لنا من العظمة ~~{ قرآنا } أي مع كونه مجموع الحروف والمعاني جامعا , ومع كونه جامعا فارقا ~~بين المتبسات { عربيا } أي جاريا على قوانين لسانهم في الحقائق والمجازات ~~والمجاز فيه أغلب لأنه أبلغ ولا سيما اللكنايات والتمثيلات , وصرف القول عن ~~تخصيص نبيه صلى الله عليه وسلم بالخطاب إلى خطابهم تشريفا له صلى الله عليه ~~وسلم ولهم فيما يريده بهم وتنبيها على سفول أمرهم في وقت نزولها فقال : { ~~لعلكم تعقلون * } أي لتكونوا أيها العرب على رجاء عند من يصح منه رجاء من ~~أن تعقلوا أنه من عندنا لم تبغوا له أحدا علينا وتفهموا معانيه وجميع ما في ~~طاقة البشر مما يراد به من حكمه وأحكامه , وبديع وصفه ومعجز وصفه ونظامه , ~~فترجعوا عن كل ما أنتم فيه من المغالبة , ولا بد أن يقع هذا الفعل , فإن ~~القادر إذا عبر ms4622 بأداة الترجي حقق ما يقع ترجيه , ليكون بين كلامه وكلام ~~العاجز فرق , وسيبلغ هذا الجامع أقصاكم كما عرض على أدناكم وكل منكم يعلم ~~أنه عاجز عن مباراة آية منه في حسن معناها , وجزالة ألفاظها وجلالة سبكها , ~~ونظم كل كلمة منها بالمحل الذي لا يمكن زحزحتها عنه بتقديم ولا تأخير , ولا ~~أن يبدل شيء منها بما يؤدي معناه أو يقوم مقامه , كما أن ذلك في غاية ~~الظهور في موازنة < # > 77 ( { في القصاص حياة } ) 77 < # > [ البقرة : 179 ] مع ( القتل أنفى للقتل ) وذلك بعض آية فكيف بآية فما ~~فوقها فتخضع له جبابرة ألبابكم وتسجد له جباه عقولكم . | وتذل لعظزته شوامخ ~~أفكاركم , فتبادرون إلى تقبله وتسارعون إلى حفظه وتحمله . | PageV07P004 ~~علما منكم بأنه فخر لكم لا يقاربه فخر , وعز لا يدانيه عز , ثم يتأمل ~~الإنسان منكم من خالفه فيه من بعيد أو قريب ولد أو والد إلى أن تدين له ~~الخلائق , وتتصاغر لعظمته الجبال الشواهق , والآية ناظرة إلى آية فصلت < # > 77 ( { ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا } ) 77 < # > الآية { فصلت : 44 ] . | ولما كانوا ينكرون تعظيمه عنادا وإن كانوا ~~يقرون بذلك في بعض الأوقات , قال مؤكدا لذلك وتنبيها على أنه أهل لأن يقسم ~~به , ويزاد في تعظيمه لأنه لا كلام يشبه , بل ولا يدانيه بوجه : { وإنه } ~~أي القرآن , وقدم الظرفين على الخبر المقترن باللام اهتماما بهما ليفيد ~~بادئ بدء أن علوه وحكمته ثابتة في الأم وأن الأم في غاية الغرابة عنده { في ~~أم الكتاب } أي كائنا في أصل كل كتاب سماوي , وهو اللوح المحفوظ , وزاد في ~~شرفه بالتعبير بلدى التي هي لخاص الخاص وأغرب المستغرب ونون العظمة فقال ~~مرتبا للظرف على الجار ليفيد أن أم الكتاب من أغرب الغريب الذي عنده { ~~لدينا } على ما هو عليه هناك { لعلي } . | لوما كان العلي قد يتفق علوه ~~ولاتصحبه في علوه حكمة , فلا يثبت له علوه , فيتهور بنيانه وينقص سفوله ~~ودنوه , قال : { حكيم } أي بليغ في كل من هاتين الصفتين راسخ فيهما رسوخا ~~لا يدانيه فيه كتاب فلا يعارض في علي ms4623 لفظه , ولا يبارى في حكيم معناه , ~~ويعلو ولا يعلى عليه بنسخ ولا غيره , بل هناك مكتوب بأحرف وعبارات فائقة ~~رائقة تعلو عن فهم أعقل العقلاء , ولا يمكن بوجه أن يبلغها أنبل النبلاء , ~~إلا بتفهيم العلي الكبير , الذي هو على كل شيء قدير . | وقال الإمام أبو ~~جعفر بن الزبير , لما أخر سبحانه بامتحان خلف بني إسرائيل في شكهم في ~~كتابهم بقوله : < # > 77 ( { وإن الذين أورثوا الكتاب في بعدهم لفي شك منه مريب } ) 77 < # > [ الشورى : 14 ] ووصى نبيه صلى الله عليه وسمل بالتبري من سيئ حالهم ~~والتنزه عن سوء محالهم فقال < # > 77 ( { ولا تتبع أهواهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب } ) 77 < # > الآية [ الشورى : 15 ] وتكرر الثناء على الكتاب العربي كقوله < # > 77 ( { وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا } ) 77 < # > [ الشورى : 7 ] وقوله < # > 77 ( { الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان } ) 77 < # > [ الشورى : 17 ] وقوله { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ~~ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } - إلى ~~آخر السورة , أعقب ذلك بالقسم به وعضد الثناء عليه فقال { حم والكتاب ~~المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي ~~حكيم } ولما أوضح عظيم حال الكتاب وجليل نعمته به , أردف ذلك بذكر سعة عفوه ~~وجميل إحسانه إلى عباده ورحمتهم وبكتابه مع إسرافهم وقبيح مرتكبهم فقال : { ~~أفنضرب عنكم الذكر PageV07P005 صفحا إن كنتم قوما مسرفين } ولما قدم في ~~الشورى قوله { لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ~~ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما } فأعلم ~~أن ذلك إنما يكون بقدرته وإرادته , والجاري على هذا أن يسلم الواقع من ذلك ~~ويرضى بما قسم واختار , عنف تعالى في هذه السورة من اعتدى وزاغ فقال { وإذا ~~بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم } فكمل الواقع هنا ~~بما تعلق به , وكذلك قوله تعالى { ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في ~~الأرض } وقوله في الزخرف ms4624 { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر ~~بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة } إلى آخره - انتهى . | ولما أفهم تكرير هذا ~~التأكيد أنهم يطعنون في علاه , ويقدحون في بديع حلاه , فعل من يكره ويأباه ~~, إرادة للإقامة على ما لا يحبه الله ولا يرضاه , قال منكرا عليهم : { ~~أفنضرب } أي نهملكم فنضرب أن ننحي ونسير مجاوزين { عنكم } خاصة من بين بني ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام { الذكر } أي الوعظ السمتلزم للشرف { صفحا } ~~أي بحيث يكون حالنا معكم حال المعرض المجانب بصفحة عنقه , فلا نرسل إليكم ~~رسولا , ولا ننزل معه كتابا فهو مفعول له أي نضرب لأجل إعراضنا عنكم , أو ~~يكون ظرفا بمعنى جانبا أي نضربه عنكم جانبا , قال الجامع بين العباب ~~والمحكم , أضربت عن الشيء : كففت وأعرضت , وضرب عنه الذكر وأضرب عنه : صرفه ~~, وقال الإمام عبد الحق في الواعي : والأصل في ضرب عنه الذكر أن الراكب إذا ~~ركب دابته فأراد أن يصرفه عن جهته ضربه بعصاه ليعدله عن جهته إلى الجهة ~~التي يريدها , فوضع الضرب في موضع الصرف والعدل , قال الهروي : قال الأزهري ~~: يقال : ضربت عنه وأضربت بمعنى واحد , ونقل النواوي عنه أنه قال : إن ~~المجرد قليل , فالحاصل أن الضرب إيقاع الشيء على آخر بقوة , فمجرده متعد ~~إلى واحد , فإن عدي إلى آخر ب ( عن ) ضمن معنى الصرف , وإذازيدت همزة النقل ~~فقيل : أضربت عنه , أفادت الهمزة قصر الفعل , وأفهمت إزالة الضرب , فمعنى ~~الآية : أفنضرب صارفين عنكم الذكر صفحا , أي معرضين إعراضا شديدا حتى كأنا ~~ضربنا الذكر لينصرف عنكم معرضا كإعراض من ولى إلى صفحة عنقه , ثم علل ~~إرادتهم هذا الإعراض بما يقتضي الإقبال بعذاب أو متاب فقال : { إن } أي ~~أنفعل ذلك لأن { كنتم قوما مسرفين } أي لأجل أن كان الإسراف جبلة لكم وخلقا ~~راسخا , وكنتم قادرين على القيام به في تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم ~~والقدح فيما يأتي به والاستهزاء بأمره بترككم خشية من شدتكم أو رجاء من غير ~~تذكير لتوبتكم وقد جعل حينئذ المقتضى مانعا , فإن المسرف أجدر بالتذكير ~~وأحوج إلى ms4625 الوعظ , هذا PageV07P006 إن كان مقربا , وأما البعيد فإنه لا ~~يلتفت إليه من أول الأمر , بل لو أراد القرب طرد , وعلى قراءة نافع وحمزة ~~والكسائي بكسر ( إن ) على كونها شرطية يكون الكلام مسبوقا على غاية ما يكون ~~من الإنصاف , فيكون المعنى : أنترككم مهملين فننحي عنكم الذكر والحال أنكم ~~قوم يمكن أن تكونوا متصفين بالإسراف , يعني أن المسرف أهل لأن يوعظ ويكلم ~~بما يرده عن الإسراف , وأنتم وإن ادعيتم أنكم مصلحون لا تقدرون أن تدفعوا ~~عنكم إمكان الإسراف فكيف يدعف عنكم إنزال الذكر الواعظ وأنتم بحيث يمكن أن ~~تكونوا مسرفين فتحتاجون إليه - هذا ما لا يفعله حكيم في عباه , بل هو ~~سبحانه للطفه وزيادة بره ل ايترك دعاء عباده إلى رحمته وإن كانوا مسرفين قد ~~أمعنوا في الشراد , والجحد والعناد , فيدعوهم بأبلغ الحجة , وهو هذا القرآن ~~الذي هو أشرف الكتاب على لسان هذاالنبي الذي هو أعظم الرسل ليهتدي من قدرت ~~هدايته وتقوم الحجة على غيره . | ولما كان المعنى أن لا نترككم هملا , كان ~~كأنه قيل : هيهات منكم فلنرفعنكم كما رفعنا بني إسحاق من إسرائيل وعيسى ~~عليهم الصلاة والسلام , فلقد أرسلنا إليكم مع أنكم أعلى الناس رسولا هو ~~أشرفكم نسبا وأزكاكم نفسا وأعلاكم همة وأرجحكم عقلا وأوفاكم أمانة وأكرمكم ~~خلقا وأوجهكم عشيرة , فعطف قوله تأنيسا للنبي صلى الله عليه وسلم وتأسية ~~وتعزية وتسلية : { وكم أرسلنا } أي على ما لنا من القدرة على ذلك والعظمة ~~الباهرة المقتضية لذلك . | ولما كان الإرسال يقع على أنحاء من الأشكال , ~~ميزه بأن قال : { من نبي في الأولين } ثم حكى حالهم الماضية إشارة إلى ~~استمرار حال الخلق على هذا فقال : { وما } أي والحال أنه ما { يأتيهم } ~~وأغرق في النفس بقوله : { من نبي } أي في أمة بعد أمة بعد أمة وزمان بعد ~~زمان { إلا كانوا } أي خلقا وطبعا وجبلة { به يستهزءون * } كما استهزأ قومك ~~, وتقديم الظرف للإشارة إلى أن استهزاءهم به لشدة مبالغتهم فيه كأنه مقصور ~~عليه . | < < # | الزخرف : ( 8 - 13 ) فأهلكنا أشد منهم . . . . . # > > ^ ( فأهلكنآ أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين ms4626 * ولئن سألتهم من خلق ~~السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم * الذي جعل لكم الأرض مهدا ~~وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون * والذي نزل من السمآء مآء بقدر فأنشرنا ~~به بلدة ميتا كذلك تخرجون * والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك ~~والأنعام ما تركبون * لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم ~~عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ) ^ } ) | ~~PageV07P007 ولما كان الاستهزاء برسول الملك استهزاء به , وكانت المماليك ~~إنما تقام بالسياسة بالرغبة والرهبة وإيقاع الهيبة حتى يتم الجلال وتثبت ~~العظمة , فكان لذلك لا يجوز في عقل عاقل أن يقر ملك على الاستهزاء به , سبب ~~عن الاستهزاء بالرسل الهلاك فقال : { فأهلكنا } وكان الأصل الإضمار , ولكنه ~~أظهر الضمير بيانا لما كان في الأولين من الضخامة صارفا أسلوب الخطاب إلى ~~الغيبة إقبالا على نبيه صلى الله عليه وسلم تسلية له وإبلاغا في وعيدهم ~~فقال : { أشد منهم } أي من قريش الذي يستهزئون بك { بطشا } من جهة العد ~~والعدد والقوة والجلد فما ظنهم بأنفسهم وهم أضعف منهم إن تمادوا في ~~الاستهزاء برسول الله الأعلى . | ولما ذكر إهلاك أولئك ذكر أن حالهم عن ~~الإهلاك كان أضعف حال حال ليعتبر هؤلاء فقال : { ومضى مثل الأولين * } أي ~~وقع إهلاك الذي كان مثلا يتمثل به من بعدهم , وذكر أيضا في القرآن الخبر ~~عنه بما حقه أن يشير مشير المثل بل ذكر أن من عبده الأولون واعتمدوا علهي ~~مثل بيت العنكبوت فكيف بالأولين أنفسهم فكيف بهؤلاء , فإن الحال أدى إلى ~~انهم أضعف من الأضعف من بين العنكبوت فينتظروا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك ~~, بأيدي جند الله من البشر أو الملائكة . | ولما كان التقدير : فلئن سألتهم ~~عمن سمعوا بخبره ممن ذكرناهم من الأولين ليعترفن بما سمعوا من خبرهم لأنا ~~لم نجعل لهم على المباهتة فيه جرأة لما طبعناهم عليه في أغلب أحوالهم من ~~الصدق , عطف عليه قولهم مبينا لجهلهم بوقوعهم في التناقض مؤكدا له لما في ~~اعترافهم به من العجب المنافي لحالهم : { ولئن سألتهم ms4627 } أيضا عما هو أكبر ~~من ذلك وأدل على القدرة , وجميع صفات الكمال فقلت لهم : { من خلق السموات } ~~على علوها وسعتها { والأرض } على كثرة عجائبها وعظمتها { ليقولن } أي من ~~غير توقف . | ولما كان السؤال عن المبتدأ , كان الجواب المطابق ذكر الخبر , ~~فكان الجواب هنا : الله - كما في غيره من الآيات , لكنه عدل عنه إلى ~~المطابقة المعنوية لافتاص القول عن مظهر العظمة إلى ما يفيد من الأوصاف ~~القدرة على كل شيء , وأنه تعالى يغلب كل شيء , ولا يغلبه شيء مكررا للفعل ~~تأكيدا لاعترافهم زيادة في توبيخهم وتنبيها على عظيم غلطهم , فقال معبرا ~~بما هو لازم لاعترافهم له سبحانه بالتفرد بالإيجاد لأنه أنسب الأشياء ~~لمقصود السورة وللإنابة التي هي مطلعها . | { خلقهن } الذي هو موصوف بأنه { ~~العزيز العليم * } أي الذي يلزم المعترف بإسناد هذا الخلق إليه أن يعترف ~~بأنه يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء وأن علمه محيط بكل شيء , فيقد على إيجاده ~~على وجه من PageV07P008 البداعة ثم على أكمل منه ثم أبهج منه وهلم جرا إلى ~~ما لا نهاية له - هذا هو الأليق بكمال ذاته وجليل صفاته , ونعوذ بالله من ~~عمى المعتزلة والفلاسفة أصحاب الأذهان الجامدة والعقول الكاسدة والعرب ~~لجهلهم يعبدون مع اعترافهم بهذا غيره , وذلك الغير لا قدرة له على شيء أصلا ~~, ولا علم له بشيء أصلا , فقد كسر هذا السؤال بجوابه جحتهم , وبان به غلطهم ~~وفضيحتهم , حتى بان لأولي الألباب أنهم معاندون . | ولما كان جوابهم بغير ~~هاتين الصفتين ودل بذكرهما على أنهما لا زمان لاعترافهم تنبيها لهم على ~~موضع الحجة , أتبعهما من كلامه دلالة على ذلك قوله التفاتا إلى الخطاب لأنه ~~أمكن في التقريع والتوبيخ والتشنيع وتذكيرا لهم بالإحسان الموجب للإذعان ~~وتفصيلا للقدرة : { الذي جعل لكم } فإنه لو كان ذلك قولهم لقالوا لنا { ~~الأرض مهدا } أي فراشا , قارة ثابتة وطية , ولو شاء لجعلها مزلزلة لا يثبت ~~فيها شيء كما ترون من بعض الجبال , أو جعلها مائدة لا تثبت لكونها على تيار ~~الماء , ولما جعل الأرض قرارا لأشباحكم جعل الأشباح قرارا لأرواحكم ms4628 وطوقها ~~حمل قرارها وقوة التصرف به في حضورها وأسفارها ليدلكم ذلك على تصرفه سبحانه ~~في الكون وتصريفه له حيث أراد , وأنه الظاهر الذي لا أظهر منه والباطن الذي ~~لا أبطن منه , قال القشيري : فإذا انتهى مدة كون النفوس على الأرض حكم الله ~~بخرابها , كذلك إذا فارقت الأرواح الأشباح بالكلية قضى الله بخرابها , ~~وأعاد الفعل تنبيها على تمكنه تعالى من إقامة الأسباب لتيسير الأمور الصعاب ~~إعلاما بأنه لا يعجزه شيء : { وجلع لكم فيها سبلا } أي طرقا تسلكونها بين ~~الجبال والأودية , ولو شاء لجعلها بحيث لا يسلك في مكان منها كما جعل بعض ~~الجبال كذلك , ثم ذكر العلة الغائبة في ذلك فقال : { لعلكم تهتدون } أي ~~ليكون خلقنا لها كذلك جاعلا حالكم حال من يرجى له الهداية إلى مقاصد الدنيا ~~في الأفار وغيرها ظاهرا فتتوصلون بها إلى الأقطار الشاسعة والأقاليم ~~الواسعة للأمور الرافقة النافعة , فإنها إذا تكرر سلوكها صار لها من الآثار ~~الناشئة من كثرة التكرار ما يهدي كل مار وإلىالمقاصد الأخرى وحكمتها باطنا ~~إذا تأمل الفطن حكمة مسخرها وواضعها وميسرها . | ولما كان إنزال الماء من ~~العلو في غاية العجب لا سيما إذا كان في وقت دونه وقت , وكان إنبات النبات ~~به أعجب , وكان دالا على البعث ولا بد , وكان مقصود السورة أنه لا بد من ~~ردهم عن عنادهم بأعظم الكفران إلى الإيمان , والخضوع له بغاية الإذعان , ~~قال دالا على كمال القدرة على ذلك وغيره بالتنبيه على كمال الوصف بالعطف ~~وبإعادة الموصول الدال على الفاعل المذكر بعظمته للتنبيه على أن الإعادة ~~التي هذا PageV07P009 دليلها هي سر الوجود , فهي أشرف مما أريد من الآية ~~الماضية بمهد الأرض وسلك السبل : { والذي نزل } أي بحسب التدريج , ولولا ~~قدرته الباهرة لكان دفعة واحدة أو قريبا منها { من السماء } أي المحل ~~العالي { ماء } عذبا لزروعكم وثماركم وشربكم بأنفسكم وأنعامكم { بقدر } وهو ~~بحيث ينفع الناس ولا يضر بأن يكون على مقدار حاجاتهم , ودل على عظمة ~~الإنبات بلفت القول إلى مظهر العظمة تنبيها على أنه الدليل الظاهر على ما ~~وصل ms4629 به من نشر الأموات فقال مسببا عن ذلك : { فأنشرنا } أي أحيينا , ~~والمادة تدور على الحركة والامتداد والانبساط { به } أي الماء { بلدة } أي ~~مكانا يجتمع الناس فيه للإقامة معتنون بإحيائه متعاونون على دوام إبقائه { ~~ميتا } أي كان قد يبس نباته وعجز أهله عن إيصال الماء إليه ليحى به , ولعله ~~أنت البلد وذكر الميت إشارة إلى أن بلوغها في العضف والموت بلغ الغاية بضعف ~~أرضه في نفسها وضعف أهله عن إحيائه وقحط الزمان واضمحلال ما كان به من ~~النبات . | ولما كان لا فرق بين جمع الماء للنبات من أعماق الأرض بعد أن ~~كان ترابا من جملة ترابها وإخراجه كما كان رابيا يهتز بالحياة على هيئته ~~وألوانه وما كان من تفاريعه أغصانه بأمر الله وبين جميع الله تعلى لما تفتت ~~من أجساد الآدميين وإخراجه كما كان بروحه وجميع جواهره وأعراضه إلا أن الله ~~قادر بكل اعتبار وفي كل وقت بلا شرط أصلا , والماء لا قدرة له إلا بتقدير ~~الله تعالى , كان فخرا عظيما لأنتنتهز الفرصة لتقدير ما هم له منكرون وبه ~~يكفرون من أمر البعث , فقال تعالى إيقاظا لهم من رقدتهم بعثا من موت سكرتهم ~~: { كذلك } أي مثل هذا الخراج العظيم لما تشاهدونه من النبات { تخرجون } من ~~الموت الحسي والمعنوي بأيسر أمر من أمره تعالى وأسهل شأن فتخرجون في زمرة ~~الأموات من الأرض ثانيا < # > 77 ( { فإذا أنتم بشر تنتشرون } ) 77 < # > [ الروم : 20 ] وتخرجون من ظلمة الجهل إلى نور الإيمان فإذا أنتم حكماء ~~عالمون . | ولما انتهزت هذه الفرصة , وسوغ ذكرها ما أثره سوء اعتقادهم من ~~عظيم الغصة , شرع في إكمال ما يقتضيه الحال من الأوصاف , فقال عائدا إلى ~~أسلوب العزة والعلم للإيمان إلى الحث على تأمل الدليل على بعث الأموات ~~بانتشار الموات معيدا للعاطف تنبيها على كمال ذلك الوصف الموجف التحقيق ~~مقصود السورة من القدرة على ردهم بعد صدهم : { والذي خلق الأزواج } أي ~~الأصناف المتشاكلة التي لا يكمل شيء منها غاية الكمال إلا بالآخر على ما ~~دبره سبحانه في نظم هذا الوجود { كلها } من ms4630 النبات والحيوان , وغير ذلك من ~~سائر الأكوان , لم يشاركه في شيء منها أحد . | PageV07P010 ولما ذكر ~~الأزواج , وكان المتبادر إلى الذهب إطلاقها على ما هو من نوع واحد , دل على ~~أن المراد ما هو أعم , فقال ذاكرا ما تشاكل في الحمل وتباين في الجسم : { ~~وجعل لكم } لا لغيركم فاشكروه { من الفلك } أي السفن العظام في البحر { ~~والأنعام } في البر { ما تركبون * } وحذف العائد لفهم المعنى تغليبا ~~للمتعدي بنفسه في الأنعام على المتعدي بواسطة في الفلك . | ولما ذكر النعمة ~~الناشئة عن مطلق الإيجاد , ذكر بنعمة الراحة فيه فقال معللا : { لتستووا } ~~أي تكونوا مع الاعتدال والاستقرار والتمكن والراحة { على ظهوره } أي ظهور ~~كل من ذلك المجعول , فالضمير عائد على ما جمع الظهر نظرا للمعنى تكثيرا ~~للنعمة , وأفرد الضمير ردا على اللفظ دلالة على كمال القدرة بعظيم التصريف ~~برا وبحرا أو تنبيها بالتذكير على قوة المركوب لأن الذكر أقوى من الانثى . ~~| ولما أتم النعمة بخلق كل ما تدعو إليه الحاجة , وجعله على وجه دال على ما ~~له من الصفات , ذكر ما ينبغي أن يكون من غايتها على ما هو المتعارف بينهم ~~من شكر المنعم , فقال دالا على عظيم قدر النعمة وعلو غايتها وعلو أمر الذكر ~~بحرف التراخي : { ثم تذكروا } أي بقلوبكم , وصرف القول إلى وصف التربية حثا ~~على تذكر إحسانه للانتهاء عن كفرانه والإقبال على شكرانه فقال : { نعمة ~~ربكم } الذي أحسن إليكم بنعمة تسخيرها لكم وما تعرفونها من غيرها . | ولما ~~كان الاعتدال عليه أمرا خارفا للعادة بدليل ما لا يركب من الحيوانات في ~~البر والجوامد في البحر وإن كان قد أسقط العجب فيه كثرة إلفه ذكر به فقال : ~~{ إذا استويتم عليه } ولما كان تذكر النعمة يبعث الجنان واللسان والأركان ~~على الشكر لمن أسداها قال : { وتقولوا } أي بألسنتكم جمعا بين القلب ~~واللسان . | ولما كان الاستواء على ذلك مقتضيا لتذكر النقص بالاحتياج إليها ~~في بلوغ ما ركبت لأجله وفي الثبات عليها وخوف العطب منها وتذكر أن من لا ~~يزال يحسن إلى أهل العجز الذين هم في ms4631 قبضته ابتداء وانتهاء من غير شيء ~~يرجوه منهم لا يكون إلا بعيدا من صفات الدناءة وأن استواءه على عرشه ليس ~~كهذا الاستواء المقارن لهذه النقائص وأنه ليس كمثله شيء , كان المقام ~~للتنزيه فقال : { سبحان الذي سخر } أي بعلمة الكامل وقدرته التامة { لنا ~~هذا } أي الذي ركبناه سفينة كان أو دابة { وما } أي والحال أنا ما { كنا } ~~ولما كان كل من المركوبين في الواقع أقوى من الركاب , جعل عدم إطاقتهم له ~~وقدرتهم عليه كأنه خاص به , فقال مقدما للجار دلالة على ذلك : { له مقرنين ~~} أي ما كان في جبلتنا إطاقة أن يكون قرنا له PageV07P011 وحده لخروج قوته ~~من بين ما نعالجة ونعانيه عن طاقتنابكل اعتبار ولامكافئين في القوة غالبين ~~ضابطين , مطيقين من أقرن الأمر : أطاقه وقوي عليه فصار بحث يقرنه بما شاء . ~~| < < # | الزخرف : ( 14 - 18 ) وإنا إلى ربنا . . . . . # > > ^ ( وإنآ إلى ربنا لمنقلبون * وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسان ~~لكفور مبين * أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين * وإذا بشر أحدهم بما ~~ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم * أومن ينشأ في الحلية وهو في ~~الخصام غير مبين ) ^ } ) | ولما كان كل راكب شيئا من هذين الصنفين مستحضرا ~~كل حين أنه ينقل بطن شقة أسفاره إلى محل قراره , ذكرهم سبحانه بذلك أن ظهر ~~هذه الأرض لهم مثل ظهور السفن والدواب يسبحون بها في لجج أمواج الزمان ~~وتصاريف الحدثان , هم على ظهرها مسافرون , ولكنهم لطول الإلف عنه غافلون , ~~وقليلا ما يذكرون , وأنهم على خطر فيما صاروا إليه من ظهور هذه الأشياء ~~يوشك أن يكون سبب موتهم ومثير هلكهم وقتهم , فقال عاطفا على ما تقديره : ~~فمن ربنا كان ابتداؤنا لا نعلم شيئا ولا نقدر على شيء , والآن نحن متى شئنا ~~ساكنون , ومهما أردنا منتشرون { وإنا إلى ربنا } المحسن إلينا بالبداءة ~~والإقرار على هذه التنقلات على هذه المراكيب لا إلى غيره { لمنقلبون } أي ~~لصائرون ومتوجهون وسائرون بالموت وما بعده إلى الدار الآخرة انقلابا لا ~~إياب معه إلى هذه الدار , فالآية منبهة بالسير الدنيوي على ms4632 السير الأخروي , ~~وأكد لأجل إنكارهم للبعث حتى لا يزالوا مراقبين للمنعم عليهم , ويجوز أن ~~يكون المعنى أنه لما أمرهم بالمراقبة على نعمة الركوب , عبر بالانقلاب ~~تذكيرا بنعمته عليهم في حال الدعة والسكون قبل الانقلاب وبعده , أي وإنا ~~بعد رجوعنا إلى نعمة ربنا لمنقلبون أي وإنا في نعمة في كل حال , روى أحمد ~~وأبو داود والترمذي - وقال : حسن صحيح - والنسائي عن علي رضي الله عنه أنه ~~وضع رجله في الركاب وقال : بسم الله , فملا استوى على الدابة قال : الحمد ~~لله الذي سخر لنا هذا - الآية , ثم حمد الله ثلاثا وكبر ثلاثا ثم قال : ~~سبحانك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي , ثم شحك , وأخبر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فعل مثله , وقال : ( يعجب الرب من عبده إذا قال : رب اغفر ~~لي ويقول : علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري ) روى أحمد عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردفه على دابة , فلما استوى ~~عليها كبر ثلاثا وحمد الله ثلاثا وسبح ثلاثا وهلل الله واحدة PageV07P012 ~~ثم استلقى عليه فضحك ثم أقبل علي فقال : ( ما من امرىء مسلم يركب دابته ~~فيصنع كما صنعت إلا أقبل الله عليه يضحك إليه كما ضحكت إليك ) وروى أحمد ~~ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان إذا ركب راحلته ثلاثا ثم قال : ( سبحان الذي سخر لنا ~~هذا الآية ) , ثم يقول : ( اللهم إني أسألك في سفري هذاالبر والتقوى ومن ~~العمل ما ترضى اللهم هون علينا السفر واطو لنا البعيد , اللهم أنت الصاحب ~~في السفر والخليفة في الأهل , اللهم اصبحنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا ) , ~~وكان إذا رجع إلى أهله قال : ( آئبون تائبون إن شاء الله عابدون لربينا ~~حامدون ) وروى أحمد عن أبي لاس الخزاعي رضي الله عنه قال : يا رسول الله ! ~~ما نرى أن تحملنا هذه , فقال : ( ما من بيعد إلا في ذروته شيطان فاذكروا ~~اسم الله عليها إذا ركبتموها ms4633 كما أمركم ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل ~~الله عز وجل ) . | ولما علم بهذا الاعتراف منه وما تبعه من التقريب أن ~~العالم كله متزاوج بتسخير بعضه لبعض , فثبت أن خالقه مباين له لا يصح أصلا ~~أن يكون محتاجا بوجه لأنه لا مثل له أصلا , كان موضع التعجيب من نسبتهم ~~الولد إليه سبحانه : فقال لافتا القول عن خطابهم للإعراض المؤذن بالغضب : { ~~وجعلوا } أي ولئن سألتهم ليقولن كذا اللازم منه قطعا لأنه لا مثل { له } ~~والحال أنهم نسبوا له وصيروا بقولهم قبل سؤالك إياهم نسبة هم حاكمون بها ~~حكما لا يتمارون فيه كأنهم تمكنون من ذلك تمكن الجاعل فيه يجعله { من عباده ~~} الذين أبدعهم كما أبدع غيرهم { جزءا } أي ولدا هو لحصرهم إياه في الأنثى ~~أحد قسمي الأولاد , ولد فهو جزء من والده , ومن كان له جزء كان محتاجا فلم ~~يكن إلها وذكل لقولهم : الملائكة بنات الله , فثبت بذلك طيش عقولهم وسخافة ~~آرائهم . | ولما كان هذا في غاية الغلظة من الكفر , قال مؤكدا لإنكارهم أن ~~يكون عندهم PageV07P013 كفر : { إن الإنسان } أي هذا النوع الذي هم بعضه { ~~لكفور مبين } أي مبين الكفر في نفسه مناد عليها بالكفر بيانا لذلك لكل أحد ~~هذا ما يقتضيه طبعه بما هو عليه من النقص بالشهوات والظهوظ ليبين فضل من ~~حفظه الله بالعقل على من سواه من جميع المخلوقات بمجاهدته لعدو وهو بين ~~جنبيه مع ظهور قدرة الله الباهرة بذلك . | ولما كان كأنه قيل إنكارا عليهم ~~وتهكما بهم حيث لم يرضوا بأن جعلوا لمن إليه الجعل من عباده جزءا حتى جعلوه ~~شر الجزئين الإناث , وهم أشد الناس نفرة منهن : أوهل له ذلك الجزء الذي ~~جعلتموه إناثا غيره قسرا بحيث لم يقدر أن ينفك عنه كما قدم في السورة التي ~~قبله ن نفسه المقدس أنه يهب لمن يشاء إناثا ولا يقدر على التقصير عنهن بوجه ~~, عادله بقوله عائدا إلى الخطاب لأنه أعقد في التبكيت على اختيار الغي عن ~~الصواب : { أم اتخذ } أي عالج هو نفسه فأخذ بعد المعالجة وهو خالق ms4634 الخلق ~~كلهم { مما يخلق } أي يجدد إبداعه في كل وقت كما اعترفتم { بنات } فلم يقدر ~~بعد التكليف والتعب على غير البنات التي هي أبغض الجزئين إليكم , ونكر ~~لتخصيصهم اتخاذه ببعض هذا الصنف الذي شاركه فيه غيره , وعطف على قوله ( ~~اتخذ ) ليكون منفيا على أبلغ وجه لكونه في حيز الإنكار : { وأصفاكم } وهو ~~السيد وأنتم عبيده { بالبنين } أي الجزء الأكمل لديكم المستحق لأن يكون ~~دائما مستحضرا في الخاطر فلذلك عرفه ولأنهم ادعوا أن هذا النوع كله خاص بهم ~~لم يشاركهم في شيء منه , فكان هذا الكفر الثاني أعرق في المحال من الأول ~~للزيادة على مطلق الحاجة بالسفه في أنه رضي بالدون الخسيس فلم يشاركهم في ~~شيء من الأعلى , بل جعل لهم ذلك خالصا صافيا عن أدنى ما يشوبه من كدر . | ~~ولما كانت نسبة الولد إليه سبحانه مما لا يبنغي أن يخطر بالبال على حال من ~~الأحوال . | وكانت نسبته على سبيل الحقيقة أبعد منها على طريق المثال بأن ~~يقال : الملائكة عنده في العزة بمنزلة البنات عند الأب , قال مرشدا إلى أن ~~ما قالوه لو كان على قصد التمثيل في غاية القباحة فضلا عن أن يكون على ~~التحقيق , عائدا إلى الإعراض المؤذن بالمقت والإبعاد . | { وإذا } أي جعلوا ~~ذلك والحال أنه إذا { بشر } من أي مبشر كان { أحدهم } أطلق عليه ذلك تنبيها ~~على أنه مما يسر كالذكر سواء في أن كلا منهما ولد وتارة يسر وتارة يضر وهو ~~نعمة من الخالق لأنه خير من العقم { بما ضرب } وعدل عن الوصف بالربوبية ~~لأنه قد يدعى المشاركة في مطلق التربية إلى الوصف الدال على عموم الرحمة , ~~فتأمله بمجرده كاف في الزجر عن سوء قولهم فقال : { للرحمن } أي الذي لا ~~نعمة على شيء من الخلق إلا وهو منه { مثلا } أي جعل له شبها وهو الأنثى , ~~وعبر به دونه أن يقول : بما جعل , موضع ( بما ضرب ) تعليما للأدب ~~PageV07P014 في حقه سبحانه في هذه السورة التي مقصودها العلم الموجب للأدب ~~وزيادة في تقبيح كفرهم لا سيما إن أرادوا الحقيقة بالإشارة ms4635 إلى أن الولد لا ~~يكون إلا مثل الوالد , لا يتصور أصلا أن يكون خارجا عن شبهه في خاص أوصافه ~~. | ولما كان تغير الوجه لا سيما بالسواء لا يدرك حق الإدراك إلا بالنهار , ~~عبر بما هو حقيقة في الدوام نهارا وإن كان المراد هنا مطلب الدوام : { ظل } ~~أي دام { وجه مسودا } أي شديد السواد لما يجد من الكراهة الموصلة إلى الحنق ~~بهذه البشارة التي أبانت التجربة عن أنها قد تكون سارة { وهو كظيم } أي ~~حابس نفسه على ما ملئ من الكرب فكيف يأنف عاقل من شيء ويرضاه لعبده فضلا عن ~~مكافيه فضلا عن سيده - هذا ما لا يرضى عاقل أن يمر بفكره فضلا عن أن يتفوه ~~به . | ولما كان الملك لا يأخذ في جنده إلا من يصلح للجندية بالمجالدة ~~والمجادلة أو بإحداهما , نبه على إنكار آخر بأن الإنثا لا يصلحن لشيء من ~~هذين الوصفين , فقال معبدا لإنكار الثالث تنبيها على أنه بالغ جدا في إثارة ~~الغضب : { أو من } أي اتخذ من لا يرضونه لأنفسهم . . . | لنفسه مع أنفتهم ~~منه واتخذ من { ينشؤا } أي على ما جرت به عوائدكم على قراءة الجماعة , ومن ~~تنشؤونه وتحلونه بجهدكم على قراءة ضم الباء وتشديد الشين { في الحلية } أي ~~في الزينة فيكون كلا على أبيه لا يصلح لحرب ولا معالجة طعن ولا ضرب { وهو } ~~أي والحال أنه , وقدم لإفادة الاهتمام قوله : { في الخصام } إذا احتيج إليه ~~{ غير مبين } أي لا يحصل منه إبانة مطلقة كاملة لما يريده لنقصان العقل ~~وضعف الرأي بتدافع الحظوظ والشهوات وتمكن السعة , فلا دفاع عنده بيد ولا ~~لسان . | < < # | الزخرف : ( 19 - 23 ) وجعلوا الملائكة الذين . . . . . # > > ^ ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب ~~شهادتهم ويسألون * وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن ~~هم إلا يخرصون * أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون * بل قالوا إنا ~~وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون * وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في ~~قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا ms4636 وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم ~~مقتدون ) ^ } ) | ولما كان ربما ظن أن المحذور إنما هو جعلهم عيهم السلام ~~إناثا بقيد النسبة إليه سبحانه , نبه على أن ذلك قبيح في نفسه مطلقا ~~لدلالته على احتقارهم وانتقاصهم فهو كفر ثالث إلى الكفرين قبله : نسبة ~~الولد إليه سبحانه ثم جعل أخص النوعين , فقال : PageV07P015 { وجعلوا } أي ~~مجترئين على ما لا ينبغي لعاقل فعله { الملائكة الذين هم } متصفون بأشرف ~~الأوصاف أنهم { عباد الرحمن } العامة النعمة الذي خلقهم فهم بعض من يتعبد ~~له وهم عباده وحقيقة لأنهم ما عصوه طرفه عين , فهم أهل لأن يكونوا على أكمل ~~الأحزوال , وقراءة ( عند ) بالنون شديدة المناداة عليهم بالسفه , وذلك أن ~~أهل حضرة الملك الذين يصرفهم في المهمات لا يكونون إلا على أكمل الأحوال ~~وعنديته أنهم لم يعصوه قط وهم محل مقدس عن المعاصي مشرف بالطاعات وأهل ~~الاصطفاء , وذكر المفعول الثاني للجعل الذي بمعنى التعبير الاعتقادي والقول ~~فقال : { إناثا } وذلك أدنى الأوصاف خلقا وذاتا وصفة , ثم دل على كذبهم في ~~هذا المطلق ليدل على كذبهم في المقيد من باب الأولى فقال تهكما بهم وتوبيخا ~~لهم وإنكارا عليهم إظهارا لفساد عقولهم بأن دعاويهم مجردة عن الأدلة : { ~~أشهدوا } أي حضروا حضورا هم فيه على تمام الخبرة ظاهرا وباطنا - هذا هو ~~معنى قراءة الجماعة , وأدخل نافع همزة التوبيخ على أخرى مضمومة بناء الفعل ~~للمفعول تنبيهاص على عجزهم عن شهود ذلك إلا بمن يشهدهم إياه , وهو الخالق ~~لا غيره , ومدها في إحدى الرايتين زيادة في المادة عليهم بالفضيحة , وسهل ~~الثانية بينها وبين الواو إشارة إلى انحطاط أمرهم وسفول آرائهم وأفعالهم , ~~وجميع تقلباتهم وأحوالهم كما سيكشف عنه الزمان ونوازل الحدثان { خلقهم } أي ~~مطلب الخلق في أصله أو عند الولادة أو بعدها على حال من الأحوال حضورا أوجب ~~لهم تحقق ما قالوا بأن لم يغيبوا عن شيء من ألأحوال الدالة على ذلك أعم من ~~أن تكون تلك الشهادة حسية بنظر العين أو معنوية بعلم ضروري أو استدلالي ~~بعقل أو سمع . | ولما كان الجواب قطعاك لا ms4637 , قال مهددا لهم مؤكدا لتهديدهم ~~بالسين لظنهم أن لا بعث ولا حساب ولا حشر ولا نشر فقال : { ستكتب } بكتابة ~~من وكلناهم بهم من الحفظة الذين لا يعصوننا فنحن نقدرهم على جميع ما نأمرهم ~~به - هذا على قراءة التهديد في قراءة النون المفيدة للعظمة والبناء للفاعل ~~ونصب الشهادة { شهادتهم } أي قولهم فيهم أنهم إناث الذي لا ينبغي أن يكون ~~إلا بعد تمام المشاهدة , فهو قول ركيك سخيف ضعيف - بما أشار إليه التأنيث ~~في قراءة الجماعة { ويسألون } عنها عند الرجوع إلينا , ويجوز أن يكون في ~~السين استعطاف إلى التوبة قبل كتابة ولاعلم لهم به , فإنه قد روى أبو أمامة ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( كاتب الحسنات على يمين الرجل ~~وكاتب السيئات على يسار الرجل , وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات , ~~فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا , وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين ~~لصاحب PageV07P016 الشمال : دعه سبع ساعات , لعله يسبح الله أو يستغفر ) ~~رواه الشعبي والبغوي من طريقه والطبراني والبيهقي من طريق جعفر عن القاسم ~~عن أبي أمامة والبيهقي من رواية بشر بن نمير عن لقاسم نحوه وأبو نعيم في ~~الحلية وابن مدويه من طريق إسماعيل بن عياش عن عاصم بن رجاء عن عورة بن ~~رويم عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه , وروى الحاكم وقال : صحيح ~~الإسناد عن أم عصمة العوصية رضي الله تعالى عنها قال : ( ما من مسلم يعمب ~~ذنبا إلا وقف الملك ثلاث ساعات , فإن استغفر من ذنبه لم يوقعه عليه ولم ~~يعذب يوم القيامة ) . | ولما ذكر أنهم يسألون بطريق الأولى عن العبادة , ~~نبه على أنهم عبدوهم مع ادعاء الأنوثة فيهم , فقال معجبا منهم في ذلك وفي ~~جعل قولهم حجة دالة على صحة مذهبهم وهو من أوهى الشبه , : { وقالوا } أي بع ~~دعبادتهم لهم ونهيهم عن عبادة غير الله : { لو شاء الرحمن } أي الذي له ~~عموم الرحمة { ما عبدناهم } لأن عموم الرحمة يمنع الإقرار على ما لا ينبغي ~~ولكنه لم يشأ عدم عبادتنا لهم فعبدناهم ms4638 طوع مشيئته , فعبادتنا لهم حق , ~~ولولا أنها حق يرضاه لنا لعجل لنا العقوبة . | ولما كان كأنه قيل : بماذا ~~يجابون عن هذا , قال منبها على جوابهم بقوله دالا على أن أصول الدين لا ~~يتكلم فيها إلا بقاطع : { ما لهم بذلك } أي بهذا المعنى البعيد عن الصواب ~~الذي قصدوا جعله دليلا على حقية عبادتهم لهم وهو أنه سبانه لا يشاء إلا ما ~~هو حق ويرضاه ويأمر به , ومن أن الملائكة إناث , وأكد الاستغراق بقوله : { ~~من علم } أي لأنه لو لزم هذا لكان وضعه بعموم الرحمة حينئذ اضطراريا لا ~~اختياريا فيؤدي إلى نقص لا إلى كمال , ولكان أيضا ذلك يؤدي إلى إيجاب أن ~~يكون الناس كلهم مرضيا عنهم لكونهم على حق , وذلك مؤد بلا ريب إلى كون ~~النقيضين معا حقا , وهو بديهي الاستحالة . | ولما كان العلم قد ينتفي ~~والمعلوم ثابت في نفسه قال نافيا لذلك : { إن هم } أي PageV07P017 ما هم { ~~إلا يخرصون } أي يكذبون في هذه النتيجة التي زعموا أنها دلتهم على رضى الله ~~سبحانه لكفرهم فإنها مبنية على أنه سبحانه لا يشاء إلا ما هو حق , والذين ~~جرأهم على ذلك أنهم يجددون على الدوام القول بغير تثبت ولا تحر , فكان أكثر ~~قولهم كذبا , فصاروا لذلك يجترئون على تعمد القول للظن الذي لا يأمن صاحبه ~~من الوقوع في صريح , وسيأتي تمام إبطال هذه الشبهة بقوله تعالى { قل إن كان ~~للرحمن ولد فأنا أول العابدين } وأن ذلك هو المراد لا ما طال الخبط فيه ~~لإهمال في السوابق واللواحق الموجبة لسوق المقال , مطابقا لمقتضى الحال , ~~وقد جهلوا في هذا الكلام عدة جهالات : ادعاء الولدية للغني المطلق , وكون ~~الولد أدنى الصنفين , وعبادتهم لهم مع أنفسهم منهم بغير دليل , واحتياجهم ~~على صحة فعلهم بتقدير علم على ذلك وهو قد نهاهم عنه بلسان كل رسول , وظنهم ~~أنه لا يشاء إلا ما هو الحق المؤدي إلى الجميع بين النقيضين إذ لا ريب فيه ~~ولا خفاء به . | ولما كان الإيمان بالملائكة الذين هم جند الملك من دعائم ~~أصول الدين , وكان ms4639 الإيمان بالشيء إن لم يكن على ما هو عليه الشيء ولو ~~بأدنى الوجوه كان مختلا , وأخبر سبحانه أنهم وصفوهم بغير ما هم عليه ففرطوا ~~بوصفهم بالبنات حتى الأمرين من صريح العقل بما أشار إليه ما مضى , أتبع ذلك ~~أنهم عريئون أيضا من صحيح النقل , فقال معادلا لقوله { أشهدوا خلقهم } ~~إنكارا عليهم بعد إنكار , موجبا ذلك أعظم العار , لافتا القول عن الوسف ~~بالرحمة تنبيها بمظهر العظمة على أن حكمه تعالى متى برز لم يسع سامعة إلا ~~الوقوف عنده والامتثال على كل حال وإلا حل به أعظم النكال : { أم آتيناهم } ~~بما لنا من العظمة { كتابا } أي جامعا لما يريدون اعتقاده من أقوالهم هذه { ~~من قبله } أي القرآن أخبرناهم فيه أنا جعلناهم إناثا وأنا لا نشاء إلا ما ~~هو حق نرضاه ونأمر به { فهم } أي فتسبب عن هذا الإيتاء أنهم { به } أي وحده ~~{ مستمسكون } أي موجودون الاستمساك به وطالبون للثبات عليه في عبادة غير ~~الله , وفي أن ذلك حق لكونه لم يعاجلهم بالعقوبة , وفي وصفهم الملائكة ~~بالأنوثة , وفي غير ذلك من كل ما يرتكبونه باطلا , والإنكار يقتضي نفي ما ~~دخل عليه من إيتاء الكتاب كما انتفى إشهاده لهم خلقهم , وهذه المعادلة التي ~~لا يشك فيها من له بصر بالكلام تدل على صحة كون الإشارة في { ما لهم بذلك ~~من علم } شاملة لدعواهم الأنوثة في الملائكة . | PageV07P018 ولما كان ~~الجواب قطعا عن هذين الاستفهامين : ليس لهم ذلك على مطلق ما قالوا ولا ~~مقيده من صريح عقل ولا صحيح نقل إلى من يصح النقل عنه من أهل العلم ~~بالأخبار الإلهية , نسق عليه قوله إرشادا إليه : { بل قالوا } أي في جوابهم ~~عن قول ذلك واعتقاده مؤكدين إظهارا جهلا أو تجاهلا لأن ذلك لم يعب عليهم ~~إلا لظن أنه لا سلف لهم أصلا فيه , فإذا ثبت أنه عمن تقدمهم انفصل النزاع : ~~{ إنا وجنا آباءنا } أي وهم أرجح منا عقولا وأصبح أفهاما { على أمة } أي ~~طريقة عظيمة يحق لها أن تقصد وتؤم مثل رحلة بمعنى شيء هو أهل لأن ms4640 يرحل إليه ~~, وكذا قدوة ونحوه . | وقراءة الكسر معناها حالة حسنة يحق لها أن تؤم { ~~وإنا على آثارهم } أي خاصة لا على غيرها ونحن في غاية الاجتهاد والقص ~~للآثار وإن لم نجد عينا نتحققها . | ولماعلم ذلك من حالهم , ولم يكن صريحا ~~في الدلالة على الهداية , بينوا الجار والمجرور , وأخبروا بعد الإخبار ~~واستنتجوا منه قولهم استئنافا لجواب من سأل : { مهتدون } أي نحن , فإذا ثبت ~~بهذا الكلام المؤكد أنا ما أتينا بشيء من عند أنفسنا ولا غلطنا في الاتباع ~~واقتفاء الآثار , فلا اعتراض علينا بوجه , هذا قوله في الدين بل في أصوله ~~التي من ضل في شيء منها هلك , ولو ظهر ألأحد منهم خلل في سعي أبيه الدنيوي ~~الذي به يحصل الدينار والدرهم ما اقتدى به أصلا وخالفه أي مخالفة , ما هذا ~~إلا لمحض الهوى وقصور النظر , وجعل محطه الأمر الدنيوي الحاضر , لا نفوذ ~~لهم في المعاني بوجه . | ولما كان ترك المدعو للدليل واتباعه للهوى غائظا ~~موجعا ومنكئا مولما , قال يسليه صلى الله عليه وسلم عاطفا على قوله : { ~~وكذلك } أي ومثل هذا الفعل المتناهي في البشاعة فعلت الأمم الماضية مع ~~إخوانك الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ؛ ثم فسر ذلك بقوله : { ما أرسلنا } ~~مع ما لنا من العظمة . | ولما كانت مقالة قريش قد تقدمت والمراد التسلية ~~بغيرهم , وكان صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فلا أمة لغيره في زمانه ولا ~~بعده يسليه بها , سلاه بمن مضى , وقدم ذكر القبلية اهتماما بالتسلية ~~وتخليصا لها من أن يتوهم أنه يكون معه في زمانه أو بعده نذير , وإفهاما لأن ~~المجد لشريعته إنما يكون مغيثا لأمته وبشيرا لا نذير لثباتهم على الدين ~~بتصديقهم جميع النبيين فقال تعالى : { من قبلك } أي في الأزمنة السالفة حتى ~~القريبة منك جدا , فإن التسلية بالأقرب أعظم , وأثبت الجار لأن الإرسال ~~بالفعل لم يعم جميع الأزمنة وأسقط هذه القبلية في ( سبأ ) لأن المراد فيها ~~التعميم لأنه لم يتقدم لقريش ذكر حتى يخص من قبلهم . | ولما كان أهل القرى ~~أقرب إلى العقل وأولى بالحكمة والحكم , قال ms4641 : PageV07P019 { في قرية } ~~وأعرق في النفي بقوله : { من نذير } وبين به أن موضع الكراهة والخلاف ~~الإنذار على مخالفة الأهواء { إلا قال مترفوها } أي أهل الترفه بالضم وهي ~~النعمة والطعام الطيب والشيء الطريق يكون خاصة بالمترف , وذلك موجب للقلة ~~وهو موجب للراحة والبطالة الصارف عن جهد الاجتهاد إلى سفالة التقليد , وهو ~~موجب لركون الهواء ولو بان الدليل , وهو موجب للبغي والإصرار عليه واللجاجة ~~فيه والتجبر والطغيان , ومعظم الناس في الأغلب أتباع لهؤلاء : { إنا وجنا ~~آباءنا } أي وهم أعرف منا بالأمور { على أمة } أي أمر جامع يستحق أن يقصد ~~ويؤم وطريقة ودين , وأكدوا قطعا لرجاء المخالف من لفتهم عن ذلك { وإنا على ~~آثارهم } لا غيرها , ثم بينوا الجار والمجرور وأخبروا خبرا ثانيا واستأنفوا ~~لإتمام مرادهم قولهم إيضاحا لأن سبب القص القدوة : { مقتدون } أي مستنون أي ~~راكبون سنن طريقهم لازمون له لأنهم مقتدون لأن تقدم عليهم , وحالنا أطيب ما ~~يكون في الاستقامة وأقرب وأسرع . | < < # | الزخرف : ( 24 - 28 ) قال أولو جئتكم . . . . . # > > ^ ( قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبآءكم قالوا إنا بمآ أرسلتم ~~به كافرون * فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة المكذبين * وإذ قال إبراهيم ~~لأبيه وقومه إنني برآء مما تعبدون * إلا الذي فطرني فإنه سيهدين * وجعلها ~~كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون ) ^ } ) | ولما كان كأنه قيل : فقال كل ~~نذير : فما أصنع ؟ أجاب بقوله : { قل } أي يا أيها النذير - هذا على قراءة ~~الجماعة , وعلى قراءة ابن عامر وحفص وعاصم يكون التقدير أن السامع قال : ~~فما قال النذير في جوابهم ؟ فأجيب بقوله : قال إنكارا عليهم : { أولو } أي ~~أتقتدون بآبائكم على كل حال وتعدونهم مهتدين ولو { جئتكم } والضمير فيه ~~للنذير , وفي قراءة أبي جعفر : أو لو جئتكم للنذر كلهم { بأهدى } أي أمر ~~أعظم في الهداية وأوضح في الدلالة { ما وجدتم } أي أيها المقتدون بالآباء { ~~عليه آباءكم } كما تضمن قولكم أنكم تقنفون في اتباعهم بالآثار في أعظم ~~الأشياء , وهو الدين الذي الخسارة فيه خسارة للنفس وأنتم تخالفونهم في أمر ~~الدنيا إذا وجدتم طريقا أهدى من التصرف فيها من ms4642 طريقهم ولو بأمر يسير , ~~ويفتخر أحدكم بأنه أدرك من ذلك ما لم يدرك أبوه فحصل من المال أكثر مما حصل ~~, فيا له من نظر ما أقصره , ومتجر ما أخسره . | ولما كان من المعلوم أن ~~النذر قالوا لهم ما أمروا به ؟ فتشوف السامع إلى جوابهم لهم , أجيب بقوله : ~~{ قالوا } مؤكدين ردا لما قطع به كل عاقل سمع هذا الكلام من أنهم يبادرون ~~النظر في الدليل والرجوع إلى سواء السبيل : { إنا بما أرسلتم به } أي أيها ~~PageV07P020 المدعون للإرسال من أي مرسل كان , ولو ثبت ما زعمتموه من ~~الرسالة ولو جئتمونا بما هو أهدى { كافرون } أي ساترون لما ظهر من ذلك ~~جهدنا حتى لا يظهر لأحد ولا يتبعهم فيه مخلوق . | ولما علم بهذا أن أمرهم ~~وصل إلى العناد المسقط للاحتجاج , سبب عنه قوله موعظة لهذه الأمة وبيانا ~~لما خصها به من الرحمة : { فانتقمنا } أي بما لنا من العظمة التي استحقوا ~~بها { منهم } أي بسبب التعرف لذلك وبالاستفهام إشارة إلى أن ذلك أمر هو ~~جدير لعظمه بخفاء سببه فقال : { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { المكذبين * } ~~أي إرسالنا فإنهم هلكوا أجمعون , ونجا المؤمنون أجمعون , فليحذر من رد ~~رسالتك من مثل ذلك . | ولما ذكر لهم الأدلة وحذرهم بالأخذ وتحرر أنهم مع ~~التقليد لا ينفكون عنه , ذكرهم بأعظهم آبائهم ومحط فخرهم وأحقهم بالاتباع ~~للفوز بأتباع الأب في ترك التقليد أو في تقليده إن كان لا بد لهم من ~~التقليد لكونه أعظم الآباء ولكونه مع الدليل , فقال عاطفا على ما تقديره ~~للإرشارة إلى تأمله وإمعان النظر فيه : اذكر لهم ذلك : { وإذ } أي واذكر ~~لهم حين { قال } أعظم آبائهم ومحط فخرهم والمجمع على محبته وحقية دينه منهم ~~ومن أهل الكتاب وغيرهم { إبراهيم لأبيه } من غير أن يقلده كما أنتم قلدتم ~~آبائكم , ولما كانت مخالفة الواحد للجمع شديدة , ذكر لهم حاله فيها بيانا ~~لأنهم أحق منهم بالانفكاك عن التقليد { وقومه } الذين كانوا هم القوم في ~~الحقيقة لاحتوائهم على ملك جميع الأرض كما قلت : إنا لكم سواء ولما كانوا ~~لا ms4643 يتخيلون أصلا أن أحدا يكون مخالفا لهم , أكد بالحرف وإظهار نون الوقاية ~~فقال : { إنني } وزاد بالنعت بالمصدر الذي يستوي فيه الواحد وغيره والمذكر ~~وغيره لكونه مصدرا وإن وقع موقع الصفة باللفظ الدال على أنه مجسد من ~~البراءة جعله على صورة المزيد لزيادة التأكيد فقال : { براء } ومن ضمه جعله ~~وصفا محضا مثل طوال في طويل { مما تعبدون } في الحال والاستقبال مهما كان ~~غير من اشتبه , فإنهم كانوا مشركين فلا بد من الاستثناء ومن كونه متصلا , ~~قال الإمام أبو علي الحسن بن حييى بن نصر الجرجاني في كتاب بيان نظم القرآن ~~ما حاصله : سر قول السلف أن الكلمة هنا أي الآية في قوله كلمة باقية { لا ~~إله إلا الله } أن النفي والتبرئة واحد فإنني براء بمنزلة لا , وقوله { مما ~~تعبدون } بمنزلة إله إذا كل معبود يسمى إلها فآل ذلك إلى : لا إله { إلا ~~الذي فطرني } قال : فقد ضممت بهذا التأويل إلى فهمك الأول الذي استفدته من ~~الخبر فهم المعرفة الحقيقية الذي أفاد له طباعك بالعبرة , ونبه PageV07P021 ~~بالوصف بالفطر على دليل اعتقاده أي الذي شق العدم فأخرجني منه ثم شق هذه ~~المشاعر والمدرك , ومن كان بهذه الباهرة كان منفردا بالعظمة . | ولما كان ~~الله سبحانه - وله المن - قد أنعم بعد الإيجاد بما أشار إليه من العقل ~~والحواس المهيئ , للهداية من غير طلب , فكان جديرا بأن يمنح قاصده بأعظم ~~هداية قال مسببا عن قطعه العلائق من سواه , مؤكدا لأجل من ينكر وصوله إلى ~~حد عمي عنه أسلافه { فإنه سيهدين } أي هداية هي الهداية إلى ما لاح لي من ~~الحقائق من كل ما يصلحني لتوجهي إليه وتوكلي عليه , لا مرية عندي في هذا ~~الإعتقاد , وقد أفاد بهذه المقترنة بالسين هدايته في الاستقبال بعد أن أفاد ~~بقوله المحكي في الشعراء { فهو يهدين } الهداية في الحال وكأنه خص هذا ~~بالسين لأجل ما عقبها به من عقبه , فجعل هدايتهم هدايته { وجعلها } أي جعل ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام هذه الكلمة التي هي التوحيد بدليله { كلمة ~~باقية في عقبه } أي ذريته ms4644 دعا وهو مجاب الدعوة في قوله : { وأجنبني وبني أن ~~نعبد الأصنام } وفي قوله { ومن ذريتي ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو ~~عليهم آيتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم } : { ~~لعلهم يرجعون * } أي ليكون حالهم حال من ينظر إليهم إن حصل منهم مخالفة ~~وأعوجاج حال من يرجى رجوعه , فإنهم إذا ذكروا أن أباهم الأعظم الذي بنى لهم ~~البيت وأورثهم الفخر قال ذلك تابعوه , ويجوز أن يتعلق بما يتعلق به ( إذ ) ~~أي اذكر لهم قول أبيهم ليكون حالهم عند من يجهل العواقب حال من يرجى رجوعه ~~عن تقليد الجهلة من الآباء إلى اتباع هذا الأب الذي اتباعه لا يعد تقليدا ~~لما على قوله من الأدلة التي تفوت الحصر فتضمن لمتبعها حتما تمام النصر , ~~وفي سوقه المترجي إشارة إلى أنهم يكونون صنفين : صنفا يرجع وآخر لا يرجع . ~~| < < # | الزخرف : ( 29 - 32 ) بل متعت هؤلاء . . . . . # > > ^ ( بل متعت هؤلاء وآبآءهم حتى جآءهم الحق ورسول مبين * ولما جآءهم ~~الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون * وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل ~~من القريتين عظيم * أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة ~~الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير ~~مما يجمعون ) ^ } ) | ولما كان من المعلوم أن السامع يقول لمن أحاط علمه ~~بهم ويعلم سرهم وعلنهم : يا رب بل رجعوا , أجيب بقوله : { بل } أي لم ~~يرجعوا بل استمروا لأجل إظهاري لقدرتي على القلوب بإقحام أربابها برضاهم ~~واختيارهم في أقبح الخطوب وأفحش الذنوب على ترك الطريق المنيع والصراط ~~الأقوم وزاغوا عنه زيغا عظيما , واستمروا في PageV07P022 ضلالهم وتيههم ولم ~~أعاجلهم بالعقوبة لأني { متعت } بإفراده ضميرهم سبحانه لأن التمتيع يتضمن ~~إطالة العمر التي لا يقدر عليها ظاهرا ولا باطنا سواه وأما الانتقام فقد ~~يجعله بأيدي عباده من الملائكة وغيرهم فهو من وادي < # > 77 ( { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين } ) 77 < # > [ القلم : 45 ] { هؤلاء } أي الذين بحضرتك من المشركين وأعداء الدين { ~~وآباءهم } فمددت من الأعمار مع سلامة ms4645 الأبدان ومتانة الأركان , وإسباغ ~~النعم والإعفاء من البلايا والنقم , فأبطرتهم نعمي وأزهدتهم أيادي جودي ~~وكرمي , وتمادى بهم ركوب ذلك الباطل { حتى جاءهم الحق } بهذا الدين المتين ~~{ ورسول مبين } أي أمره ظاهر في نفسه , لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت ~~بديهية تنبئك بالخبر وهو مع ظهوره ف نفسه مظهر لكل معنى يحتاج إليه , و { ~~متعت } بالخطاب من لسان الرسول المنزل عليه هذا الكتاب لأنه يدعو انتهازا ~~للفرصة لعله يجاب بما يزيل الغصة يقول : يا رب قد أقمتهم لمن يجهل العواقب ~~في مقام من يرجى رجوعه فما قضيت بذلك بل متعت إلى آخره . | ولما كان ~~التقدير : فلم يردهم التمتيع بإدرار النعم عليهم وإسراعنا بها إليهم مع ~~وضوح الأمر لهم , بل كان الإنعام عليهم سببا لبطرهم , وكان البطر سببا ~~لتماديهم على الاستعانة بنعمتنا على عصيان أمرنا وهم يدعون أنهم أتبع الناس ~~للحق وأكفهم عن الباطل , عطف عليه قوله ؛ { ولما جاءهم الحق } أي الكامل في ~~حقيته بمطابقة الواقع إياه من غير إلباس ولا اشتباه , الظاهر في كماله لكل ~~من له أدنى لب بما عليه القرآن من الإعجاز في نظنه , وما عليه ما يدعو إليه ~~من الحكمة من جميع حكمه , والتصادق مع ما يعلمونه من دين إبراهيم عليه ~~PageV07P023 الصلاة والسلام قبل أن يبدلوه ومن أمر موسى وعيسى عليهما ~~الصلاة والسالم من التوحيد , زادوا على تلك الغفلة التي أدى إليها البطر ~~بالنعمة ما هو شر من ذلك وهو التكذيب بأن { قالوا } مكابرة وعنادا وحسنا ~~وبغيا من غير وقفة ولا تأمل : { هذا } مشيرين إلى الحق الذي يطابقه الواقع ~~, فلا شيء أثبت منه وهو القرآن وغيره مما أتى به من دلائل العرفان { سحر } ~~أي خيال لا حقيقة له , ولما كان الحال مقتضيا من غير شك ولا وقفة لمعرفتهم ~~لما جاء به وإذعانهم له قالوا مؤكدين لمدافعه ما ثبت في النفوس من ذلك : { ~~وإنا به كافرون } أي عريقون في ستره بخصوصه حتى لا يعرفه أحد ولا يكون له ~~تابع . | ولما أخبر عن طعنهم في القرآن أتبعه الإخبار عن ms4646 طعنهم فيمن جاء به ~~تغطية لأمره عملا بأخبارهم في ختام ما قبلها عن أنفسهم بالكفر زيادة ~~وإمعانا فيما كانت النعم أدتهم إليه من البطر فقال : { وقالوا } لما قهرهم ~~ما ذكروا به مما يعرفونه من أمر إبراهيم عليه الصلاة والسلام من النبوة ~~والرسالة , وكذا من بعده من أولاده فلم تيهيأ لهم الإصرار على العناد ~~بإنكار أن يكون النبي من البشر قول من له أمر عظيم في التصرف في الكون ~~والتحكم على الملك الذي لا يسأل عما يفعل , فأنكروا التخصيص بما أتوا به من ~~التخصيص في قولهم : { لولا } أي هل لا ولولا . | ولما كان إنزال القرآن ~~نجوما على حسب التدريج , عبروا بما يوافق ذلك فقالوا : { نزل } أي من ~~المنوزل الذي ذكره محمد صلى الله عليه وسلم وعينوا مرادهم ونفوا اللبس ~~فقالوا بقسر وغلظة كلمة على من يطلبهم لإصلاح حالهم { هذا القرآن } أي الذي ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وادعى أنه جامع لكل خير , ففيه إشارة إلى ~~التحقير { على رجل من القريتين } أي مكة والطائف , ولم يقل : إحدى - اغتناء ~~عنها بوحدة رجل { عظيم } أي بما به عندهم من العظمة والجاه والمال والسن ~~ونحو ذلك وهم عالمون أن شأن الملك إنما هو إرسال من يرتضونه لا من يقترحه ~~الرعية , ويعلمون أن للملك المرسل له صلى الله عليه وسلم الغني المطلق ~~لكنهم جهلوا - مع أنه هو الذي أفاض المال والجاه - أنه ندب إلى الزهد فيهما ~~والتخلي عنهما , وأنه لا يقرب إليه إلا إخلاص الإقبال عليه الناشئ عن طهارة ~~الروح وذكاء الأخلاق وكمال الشمائل والتحلي بسائر الفضائل والتخلي عن جميع ~~الرذائل , فقد جعلوا لإفراطهم في الجهل الحالة البهيمية شرطا للوصول إلى ~~الحالة الملكية المضادة لها بكل اعتبار . | ولما تضمن قولهم إثبات عظمة ~~لأنفسهم بالاعتراض على الملك , قال منكرا عليهم موبخا لهم بما معناه أنه ~~ليس الأمر مردودا إليهم ولا موقوفا عليهم بل هو إلى الله وحده < # > 77 ( { والله أعلم حيث يجعل رسالته } ) 77 < # > [ الأنعام : 124 ] { أهم } أي أهؤلاء الجهلة العجزة { يقسمون } أي على ~~التجدد ms4647 والاستمرار : ولفت القول عن إفراد الضمير إلى صفة الرحمة المضافة ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشريفا له وإظهارا لعلي قدره : { رحمت ربك } ~~أي إكرام المحسن إليك وإنعامه وتشريفه بأنواع اللطف والبر وإعظامه بما رباك ~~له من تخصيصك بالإرسال إليهم بتأهيلهم للإنقاذ من الضلال , وجعلك وأنت ~~ألفضل العالمين الرسول إليهم ففضلوا بفضيلتك مع أنك أشرفهم نسبا وأفضلهم ~~حسبا وأعظمهم عقلا وأصفاهم لبا وأرحمهم قلبا ليتصرفوا في تلك الرحمة التي ~~هي روح الوجود وسر الأمر بحسب شهواتهم وهم لا يقدرون على التصرف المتاع ~~الزائل بمثل ذلك . | ولما نفى أن يكون لهم شيء من القسم قال جوابا لمن كأنه ~~قال : فمن القاسم ؟ دالا على بعدهم عن أن يكون إليهم شيء ن قسم ما أعد ~~لأديانهم بما يشاهدونه من بعدهم عن قسم ما أعد لأبدانهم , لافتا القوم عن ~~صفة الإحسان إلى مظهر العظمة إشارة PageV07P024 إلى أنها تأبى المشاركة في ~~شيء وتقتضي التفرد : { نحن قسمنا } أي بما من العظمة { بينهم } أي في الأمر ~~الذي يعمهم ويوجب تخصيص كل منهم بما لديهم { معيشتهم } التي يعدونه رحمة ~~ويقصرون عليها النعمة { في الحياة الدنيا } التي هي أدنى الأشياء عندنا , ~~وإشار إلى أنها حياة ناقصة لا يرضاها عاقل , وأما الآخرة فعبر عنها ~~بالحيوان لأنا لو تركنا قسمها إليهم لتعاونوا على ذلك فلم يبق منهم أحد ~~فكيف يدخل في الوهم أن يجعل إليهم شيئا من الكلام في أمر النبوة التي هي ~~روح الوجود , وبها سعادة الدارين : { ورفعنا } بما لنا من نفوذ الأمر { ~~بعضهم } وإن كان ضعيف البدن قليل العقل { فوق بعض } وإن كان قويا عزيز ~~العقل { درجات } في الجاه والمال ونفوذ الأمر وعظم القدر لينتظر حال الوجود ~~, فإنه لا بد في انتظامه من تشارك الموجودين وتعاونهم , تفاوتنا بينهم في ~~الجثث والقوى والهمم ليقتسموا الصنائع , والمعارف والبضائع , ويكون كل ميسر ~~لما خلق له , وجانحا إلى ما هي له لتعاطيه , فلم يقدر أحد من دنيء أو غني ~~أن يعدو قدره وترتقي فوق منزلته . | ولما ذكر ذلك , علله بما ثمرته عمارة ~~الأرض ms4648 فقال : { ليتخذ } أي بغاية جهده { بعضهم بعضا } ولما كان المراد هنا ~~الاستخدام دون الهزء لأنه لا يليق التعليل به , أجمع القراء على ضم هذا ~~الحرف هنا فقال : { سخريا } أي أن يستعمله فيما ينوبه أو يتعسر أو يتعذر ~~عليه مباشرته ويأخذ للأآخر منه من المال ما هو مفتقر إليه , فهذا بماله , ~~وهذا بأعماله , وقد يكون الفقير أكمل من الغني ليكمل بذلك نظام العالم لأنه ~~لو تساوت المقادير لتعطلت المعايش , فلم يقدر أحد أن ينفك عما جعلناه إليه ~~من هذا الأمر الدنيء فكيف يطمعون في الاعتراض في أمر النبوة , أيتصور عاقل ~~أن يتولى قسم الناقص ونكل العالي إلى غيرنا , قال ابن الجوزي : فإذا كانت ~~الأرزاق بقدر الله لا بحول المحتال وهي دون النبوة فكيف تكون النبوة - ~~انتهى . | وهذا هو المراد بقوله تعالى صارفا القول عن مظهر العظمة والسلطان ~~إلى الوصف بالإحسان إظهارا لشرف النبي صلى الله عليه وسلم { ورحمة ربك } أي ~~المربي لك ولمدبر لأمرك بإرسالك وإنارة الوجود برسالتك التي هي لعظمتها ~~جديرة بأن تضاف إليه ولا يسمى غيرك رحمة { خير مما يجمعون } من الحطام ~~الفاني فإنه وإن تأتي فيه خير باستعماله في وجوه البر بشرطه , فهذا بالنسبة ~~إلى النبوة , وما قارنا مما دعا إلى الإعراض عن الدنيا متلاش . | < < # | الزخرف : ( 33 - 39 ) ولولا أن يكون . . . . . # > > ^ ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم ~~سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون * ~~وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين * ومن ~~يعش عن ذكر PageV07P025 الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين * وإنهم ~~ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون * حتى إذا جآءنا قال يليت بيني ~~وبينك بعد المشرقين فبئس القرين * ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في ~~العذاب مشتركون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما دلت صريح آية التمتيع وتلويح ما بعدها أن البسط في الرزق الموجب ~~للعلو مع أنه خسيس المنزلة ناقص المقدار مقتض للخروج عن السواء , وكان ~~التقدير : فنحن نخص بهذا الخير للأفراد في الأدوار ms4649 الآحاد من الأبرار ~~لنستنقذ بهم من شئنا من الضلال ونعطي الحطام للعتاة الطغام الأراذل ابتلاء ~~للعباد ليبين لهم أهل البغي من أهل الرشاد , ولولا ما اقتضته حكمتنا بترتيب ~~هذا الوجود على الأسباب من المفاوتة بين الناس لقيام الوجود لساوينا بينهم ~~, وعطف : عليه قوله مذكرا بلطفه بالمؤمنين وبره لهم برفعه ما يقضتي لهم ~~شديد المجاهدة وعظيم المصابرة والمكابدة لحال تزل فيه الأقدام عن سنن الهدى ~~من الميل والإصغاء إلى مظان الغنى والملك وتمام المكنة والعظمة : { ولولا ~~أن يكون الناس } أي أهل التمتع بالأموال بما فيهم من الاضطراب والأنس ~~بأنفسهم { أمة واحد } أي في الضلال بالكفر لاعتقادهم أن إعطاءنا المال دليل ~~على محبتنا لمن أعطيناه لحبهم الدنيا وجعلها محط أنظارها وهممهم إلا من عصم ~~الله { لجعلنا } أي في كل زمان وكل مكان بما لنا من العظمة التي لم يقدر ~~أحد على معارضتها لحقارة الدنيا من جهة إعطائها للمبعد الممقوت , وعلى أن ~~صفة الرحمة مقتضية لتناهي بسط النعم على الكافر لولا العلة التي ذكرها ~~سبحانه من الرفق بالمؤمنين . | ولما كان تزيين الظرف دائما بحسب زينة ~~المظروف , دل على ما لهم من ملابسهم ومراكبهم وغير ذلك من أمورهم بزينة ~~المنازل , فقال مبدلا من { لمن } بدل الاشتمال لأن سوقه على طريق الإبدال ~~أروع : { لبيوتهم } أي التي ينزلونها { سقفا } أي هذا الجنس في قراءة ابن ~~كثير وأبي عمرو بالموحدة بدليل قراءة الباقين بضمتين جمعا { من فضة } كأنه ~~خصها لإفادتها النور { ومعارج } أي من فضة , وهي المصاعد من الدرج لأن ~~المشي عليها مثل مشي الأعرج { عليها يظهرون } أي يعلون ويرتقون على ظهورها ~~إلى المعالي { ولبيوتهم أبوابا } أي من فضة أيضا . | ولما كان إفراد السرير ~~يوهم أنه واحد يدار به على الكل , جمع ليفهم أن لكل واحد ما يخصه من الأسرة ~~بخلاف السقف فإنه لال يهوم ذلك فلعله قرئ بإفراد وجمعه , فقال : { وسررا } ~~بالجمع خاصة , ودل على هدوء بالهم وصفاء أوقاتها PageV07P026 وأحوالهم ~~بقوله : { عليها يتكئون } ودل على ما لا يتناهى من غير ذلك بقوله : { ~~وزخرفا } أي هذبا وزينة ms4650 عامة كاملة . | ولما كان لفظ الزخرف دالا على كون ~~ذلك أمرا ظاهريا متلاشيا عند التحقيق , دل عليه بقوله مؤكدا لما تقرر في ~~النفوس من أن السادة في مثل ذلك , وما كان مقررا عندهم من أن السعيد في ~~الأول سعيد في الآخرة على تقدير كونها : { وإن } أي وما { كل ذلك } أي ~~الأمر البعيد عن الخير لكونه في الأغلب مبعدا مما يرضينا , ولأن صاحبه لا ~~يزال فقيرا وإن استوسقت له الدنيا ملكا وملكا , لأنه لا بد أن يبقى في نفسه ~~شيء لا تبلغه قدرته فهو لا يزال مغبونا { لما } أي إلا - هذا على قراءة ~~عاصم وحمزة بالتشديد : وهي في قراءة الباقين بالتخفيف فارقة بين النافية ~~والمخففة , وما مؤكدة والخبر هو { متاع الحياة الدنيا } أي التي اسمعها دال ~~على دناءتها وأن لها ضرة هي الآخرة , وهو منقطع بالموت , فلذلك اقتضت رحمته ~~أن لا يضيق على المؤمنين في الأغلب لأن السعة تنقصهم في الآخرة ويطول ~~الحساب { والآخرة } التي لا دار تعدلها بل لا دار الحقيقة إلى هي . | ولما ~~كانت الإضافة إلى الجليل دالة على جلالة إليه فقال : { عند ربك } وأشار ~~بالوصف بالرب إلى أن الجلالة بالحسن والراحة , وبالإضافة إليه صلى الله ~~عليه وسلم في أعلى الغايات { للمتقين } أي الذين هم دائما واقفون عن أدنى ~~تصرف إلا بدليل لا يشاركهم فيها غيرهم , وهذا ملا ذكر عمر رضي الله عنه ~~كسرى وقيصر وما كانا فيه من النعم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ~~ترضى أن يكون لهم الدنيا ولنا الأخرى ) ولا يبعد أن يكون ما صار إليه ~~الفسقة من الجبابرة من زخرفة الأبنية وتركيب السقوف وغيرها من مساوئ الفتنة ~~بأن يكون الناس أمة واحدة بالكفر قرب الساعة حتى لا تقوم الساعة على من ~~يقول : الله , وفي الزمن الدجال من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة ~~بحيث إنهم لا عداد لهم في جانب الكفرة لأن كلام الملوك لا يخلو عن حقيقة , ~~وإن خرج مخرج الشرط فكيف بملك الملوك . | ولما كان التقدير : ولكنا لم نجعل ms4651 ~~ذلك علما منا بأن الناس كادوا يكونون أمة واحدة وإن كنا نقيض من جبلناه على ~~الخير على الإيمان لكن ينقصه ما أوتي في الدنيا من خطر في الآخرة لأن من ~~وسع عليه في دنياه اشتغل في الأغلب عن ذكر الله فنفرت منه الملائكة ولزمته ~~الشياطين , فساقه ذلك إلى كل سوء , ومن يتق الله فيديم ذكره يؤيده ~~PageV07P027 بملك فهو له معين , عطف عليه قوله معبرا عن غفلة البصيرة ~~بالعشا الذي هو ضعف البصر تصورا لم نينسى ذكر الله بأقبح صورة تنفيرا عن ~~ذلك { من يعش } أي يفعل فعل المعاشي , وهو من شاء بصره بالليل والنهار أو ~~عمي على قراءة شاذه وردت عن يعقوب بفتح الشين وركب الأمور متجاوزا { عن ذكر ~~الرحمن } الذي عمت رحمته , فلا رحمة على أحد إلا وهي منه كما فعل هؤلاء حين ~~متعناهم وآباءهم حيث أبطرهم ذلك , وهو شيء يسير جدا , فأعرضوا عن الآية ~~والدلائل فلم ينظروا فيها إلا نظرا ضعيفا كنظر من عشي بصره { نقيض } أي ~~نقرر ونسلط ونقدر عقابا { له } على إعراضه عن ذكر الله { شيطانا } أي شخصا ~~ناريا بعيدا من الرحمة يكون غالبا محيطا به مضيقا عليه مثل قيض البيضة وهو ~~القشر الداخل { فهو له قرين } مشدود به كما يشد الأسير , ملازم فلا يمكنه ~~التخلص منه ما دام متعاميا عن ذكر الله , فهو يزين له العمى ويخيل إليه أنه ~~على عين الهدى , كما أن من يستبصر بذكر الرحمن يسخر له ملك فهو له ولي ~~يبشره بكل خير , فذكر الله حصن حصين من الشطيان , متى خرج العبد منه أسره ~~العدو كما ورد في الحديث , قال في القاموس : العشى مقصور : سوء البصر ~~بالليل والنهار أو العمى , عشى كرضى ودعا , والعشوة بالضم والكسر : ركوب ~~الأمر على غير بيان , قال ابن جرير : وأصل العشو النظر بغير ثبت لعلة في ~~العين , وقال الرازي في اللوامع : وأصل اللغة أن العين والشين والحرف ~~المعتل يدل على ظلام وقلة وضوح في الشيء . | ولما كانت { من } عامة , وكان ~~القرين للجنس , وأفرده لأنه نص على ms4652 كل فرد , فكان التقدير : فإنهم ~~ليحملونهم على أنواع الدنايا ويفتحون لهم أبواب الرذائل والبلايا , ويحسنون ~~لهم ارتكاب القبائح والرزايا , عطف عليه قوله مؤكدا لما في أنفس الأغلب . | ~~كما أشار إليه آخر الآية - أن الموسع عليه هو المهتدي . | جامعا دلالة على ~~كثرة الضال : { وإنهم } أي القرناء { ليصدونهم } أي العاشين { عن السبيل } ~~أي الطريق الذي من حاد عنه هلك , لأنه لا طريق في الحقيقة سواه . | ولما ~~كانت الحيدة عن السبيل إلى غير سبيل , بل إلى معاطب لا يهتدي فيها دليل , ~~عجبا , أتبعه عجبا آخر فقال : { ويحسبون } أي العاشون مع سيرهم في المهالك ~~لتزيين القرناء بإحضار الحظوظ والشهوات وإبعاد المواعظ : { أنهم مهتدون } ~~أي عريقون في هذا الوصف لما يستدرجون به من التوسعة عليهم والتضييق على ~~الذاكرين . | PageV07P028 ولما كان من ضل عن الطريق , ومن ظن أنه على صواب ~~لا يكاد يتمادى بل ينجلي له الحال عن قرب ضم إلى العجبين الماضيين عجبا ~~ثالثا بيانا له على ما تقديره : ونملي لهذا العاشي استدراجا له وابتلاء ~~لغيره ونمد ذلك طول حياته { حتى } وحقق الخبر بقوله : { إذا } ولما علم من ~~الجمع فيما قيل أن المراد الجنس , وكان التوحيد أدل دليل على تناول كل فرد ~~, فكان التعبير به أهول , وكان السياق دالا على من الضمير له قال : { جاءنا ~~} أي العاشي , ومن قرأ بالتثنية أراد العاشي والقرين { قال } أي العاشي ~~تندما وتحسرا لا انتفاع له به لفوات محله وهو دار العمل : { يا ليت بيني ~~وبينك } أيها القرين { بعد المشرقين } أي ما بين المشرق والمغرب على ~~التغليب - قاله ابن جرير وغيره , أو مشرق الشتاء والصيف أي بعد أحدهما عن ~~الآخر ؛ ثم سبب عن هذا التمني قوله جامعا له أنواع المذام : { فبئس القرين ~~} أي إني علمت أنك الذي أضلني وأوصلني غلى هذا العيش الضنك والمحل الدحض ~~وأحسست في هذا الوقت بذلك الذي كنت تؤذيني به أنه أذى بالغ , فكنت كالذي ~~يحك جسمه لما به من قروح متأكلة حتى يخرج منه الدم فهو في أوله يجد له لذة ~~بما هو مؤلم له ms4653 في نفسه غاية الإيلام . | ولما كان الإيلام قد يؤذي الجسد , ~~وكان التقدير حتما بما هدى إليه السياق فيقال لهم : فلن ينفعكم ذلك اليوم ~~يوم جئتمونا إذ تمنيتهم هذا التمني حين عاينتم تلك الأهوال اشتراككم اليوم ~~في يوم الدنيا في الظلم وتمالؤكم عليه منافرة بعضكم لبعض , عطف عليه قوله : ~~{ ولن ينفعكم اليوم } أي في الدنيا شيئا من نفع أصلا { إذ } حين { ظلمتم } ~~حال كونكم مشتركين في الظلم متعاونين عليه متناصرين فيه , واحد منكم يقول ~~لصاحبه سرورا به وتقربا إليه وتوددا : يا ليت أنا لا نفترق أبدال فنعم ~~القرين أنت , فيقال لهم توبيخا : { أنكم في العذاب } أي العظيم , وقدمه ~~اهتماما بالزجر به والتخويف منه { مشتركون } أي اشتراككم فيه دائما ظلمكم ~~أنفسكم ظلما باطنا بأمور أخفاها الطبع على القلوب وهو موجب للارتباك في ~~أشراك المعاصي الموصلة إلى العذاب الظاهر يوم التمني ويوم القيامة عذابا ~~ظاهرا محسوسا , وذلك كمن يجرح جراحة بالغة وهو مغمي عليه فهو معذب بها قطعا ~~, ولكنه لا يحس إلا إذا أفاق فهو كما تقول أناس يريدون أن يتمالؤوا على قتل ~~نفس محرمة : لن ينفعكم اليوم إذا تتعاونون على قتله اشتراككم غدا في الهلاك ~~بالسجن الضيق والضرب المتلف وضرب الأعناق , مرادك بذلك زجرهم عن ظلمهم ~~بتذكيرهم بأنهم يصلون إلى هذا الحال ويزول ما هم فيه من المناصرة فلا ~~ينفعهم شيء منها - والله الموفق , فالآية من الحتباك , وبه زال عنها ما كان ~~من إعراب المعربين لها موجبا للرتباك ( فيا ليت ) - إلى آخره , دال على ~~تقدير ضده ثانيا ( ولن ينفعكم ) - إلى آخره , دال على تقدير مثله أولا . | ~~PageV07P029 < < # | الزخرف : ( 40 - 45 ) أفأنت تسمع الصم . . . . . # > > ^ ( أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين * فإما ~~نذهبن بك فإنا منهم منتقمون * أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون * ~~فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم * وإنه لذكر لك ولقومك وسوف ~~تسألون * واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون الرحمن آلهة ~~يعبدون ) ^ } ) | ولما كان صلى الله عليه وسلم شديد الإرادة لإقبالهم ms4654 يكاد ~~يقتل نفسه أسفا إدبارهم , وكان هذا الزجر الذي لا يسمعه من له أدنى عقل إلا ~~خلع قلبه فرجع عن غيره وراجع رشده قد تلا عليهم فلم ينتفعوا به , فكان كأنه ~~قيل : إن هؤلاء لصم عمي محيط بهم الضلال إحاطة لا يكادون ينفكون عنه من كل ~~جانب , فلا وصول لأحد إلى إسماعهم ولا تبصيرهم ولا هدايتهم , قال بانيا ~~عليه مسببا عنه تخفيفا على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقاسي من الكرب ~~في المبالغة في إبلاغهم حرصا على إقبالهم والغم من إعراضهم بهمزة الأنكار ~~الدالة على نفي ما سيقت له : { أفأنت } أي وحدك من غير إرادة الله تعالى { ~~تسمع الصم } وقد أصممناهم بما صببنا في مسامع أفهامهم من رصاص الشقاء { أو ~~تهدي العمي } الذين أعميناهم بما غشينا به أبصار بصائرهم من أغشية البلادة ~~والخسارة , فصار ما اختارون لأنفهسم من العشى عميا مقرونا بصممهم { ومن كان ~~} أي جبلة وطبعا { في ضلال مبين } أي بين في نفسه أن ضال وأنه محيط بالضلال ~~مظهر لكل أحد ذلك , فهو بحيث لا يخفى على أحد , فالمعنى : ليس شيء من ذلك ~~إليك , بل هو إلى الله القادر على كل شيء , وأما أنت فليس عليك إلا البلاغ ~~. | ولما كان هذا كالمؤيس منهم , وكان اليأس من صلاح الخصم موجبا لتمني ~~الراحة منه بموت أحدهما , سبب عن التقديرين قوله مبينا أن الإملاء لهم ليس ~~لعجز عنهم ولا لإخلاف في الوعد , مؤكدا بالنون و ( ما ) ثم ( أنا ) ~~والاسمية لمن يظن خلاف ذلك , ولأنه صلى الله عليه وسلم مشرف عنده سبحانه ~~وتعالى معظم لديه فذهابه به مما يستبعد , ومن حقه أن ينكر , وكذا إراءته ما ~~توعدهم به لأن المظنون إكرامهم لأجله : { فإما نذهبن بك } أي من بين أظهرهم ~~بموت أو غيره { فإنا منهم } أي الذين تقدم التعريض بأنهم صم عمي ضلال لأنهم ~~لن تنفعهم مشاعرهم { منتقمون } أي بعد فراقك لأن وجودك بين أظهرهم هو سبب ~~تأخير العذاب عنهم { أو نرينك } وأنت بينهم { الذي وعدناهم } أي من العذاب ~~وعبر فيه بالوعد ليدل ms4655 على الخير بلفظه وعلى الشر بأسلوبه فيعم { فإنا } بما ~~تعلم من عظمتنا التي أنت أعلم الخلق بهم { عليهم مقتدرون } على كلا ~~التقديرين , وأكد ب ( أن ) لأن أفعالهم أفعال من ينكر قدرته , وكذا ~~بالإتيان بنون العظمة وصيغة الافتعال , وأحد هذين التقديرين سبق العلم ~~الأزلي بأنه لا يكون , فالآية من أدلة القدرة على المحال PageV07P030 لغيره ~~وهي كثيرة جدا , وقد أكرم الله نبينا محمدا صلى الله عليه وسمل عن أن يريه ~~شيئا يكرهه في أمته حتى قبض . | ولما أوقف سبحانه السامع بهاتين الشرطيتين ~~بين الخوف والرجاء لبيان الاستبداد بعلم الغيب تغليبا للخوف , وأفهم السياق ~~وإن كان شرطا أن الانتقام منهم أمر لا بد منه , وأنه لا قدرة لأحد على ضرهم ~~ولا نفعهم إلا الله , سبب عنه قوله : { فاستمسك } أي أطلب وأوجد بجد عظيم ~~على كل حال الإمساك { بالذي أوحي إليك } من حين نبوتك وإلى الآن في ~~الانتقام منهم وفي غيره . | ولما كان المقام لكثرة المخالف محتاجا إلى ~~تأكيد يطيب خواطر الأتباع ويحملهم على حسن الابتاع , علل ذلك بقوله : { إنك ~~على صراط } أي طريق واسع واضح جدا : { مستقيم } موصول إلى المقصود لا يصح ~~أصلا أن يلحقه شيء من عوج , فإذا فعلت ذلك لم يضرك شيء من نقمتهم . | ولما ~~أثبت حسنه في نفسه المتقضي للزومه , عطف عليه نفعه لهم . | وأكد لإنكارهم ~~فقال : { وإنه } أي الذي أوحى إليك في الدنيا { لذكر } أي شرف عظيم جدا ~~وموعظة وبيان , عبر عن الشرف بالذكر للتنبيه على أن سببه الإقبال على الذكر ~~وعلى ما بينه وشرعه والاستمساك به والاعتناء بشأنه : { لك ولقومك } قريش ~~خصوصا والعرب عموما وسائر من اتبعك ولو كان من غيرهم من جهة نزوله على واحد ~~منهم وبلسانهم , فكان سائر الناس تبعا لهم ومن جهة إيراثه الطريقة الحسنى ~~والعلوم الزاكية الواسعة وتأثيره الظهور على جميع الطوائف والإمامة لقريش ~~بالخصوص كما قال صلى الله عليه وسلم : ( لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي ~~في الناس اثنان ما أقاموا الدين ) فمن أقام هذا الدين كان شريفا مذكورا في ~~ملكوت ms4656 السماوات والأرض , قال ابن الجوزي : وقد روى الضحاك عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سئل : لمن هذا الأمر , من ~~بعدك , لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية , فكان بعد ذلك إذا سئل قال : ~~لقريش - وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فهم من هذا أنه يلي على ~~المسلمين بحكم النبوة وشرف القرآن , وأن قومه يخلفونه من بعده في الولاية ~~بشرف القرآن الذي أنزل على رجل منهم - انتهى . | ولما كان التقدير : فسوف ~~تشرفون على سائر الملوك وتعلمون , عطف عليه قوله : PageV07P031 { وسوف ~~تسألون } أي تصيرون في سائر أنواع العلم محط رحال السائلين دنيا ودنيا بحيث ~~يسألكم جميع أهل الأرض من أهل الكتاب ومن غيرهم عما يهمهم من أمر دينهم ~~ودنياهم لما يعتقدون من أنه لا يوازيكم أحد في العلم بعد أن كنتم عندهم ~~أحقر الأمم ضعفا وجهلا كما وقع لبني إسرائيل حيث رفعهم الله , وكان ذلك ~~أبعد الأشياء عند فرعون وآله , ولذلك كانوا يتضاحكون استهزاء بتلك الآيات ~~وينسبون الآتي بها إلى ما لا يليق بمنصبه العالي من المحالات , وتسأولن عن ~~حقه وأداء شكره وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له , وهذا بوعد صادق لا ~~خلف فيه أصلا . | ولما أبطل سبحانه إلهية غيره التي أجى إليها الجهل , ~~واستمر إلى أن ختم بالعلم الموجب لمعرفة الحق , فكان التقدير إبطالا ~~لشبهتهم الوهمية القائلة { لو شاء الرحمن ما عبدناهم } : فاستحضر جميع ما ~~اوحى إليك وتأمله غاية التأمل , هل ترى فيه خفاء في الإلهية لشيء دون الله ~~, عطف عليه قوله نفيا لدليل سمعي كما أشير إليه بقوله { أم آتيناهم كتابا } ~~{ واسأل من أرسلنا } أي على ما لنا من العظمة . | ولما كان الممكن تعرفه من ~~آثار الرسل إنما هو لموسى وعيسى ومن بينهما من أنبياء بني إسرائيل عليهم ~~الصلاة والسلام الحافظ لسنتهم من التوراة والإنجيل والزبور وسفر الأنبياء , ~~قال مثبتا للجار المفهم لبعض الزمان : { من قبلك } ولما كان أتباعهم قد ~~غيروا وبدلوا فلم تكن بهم ثقة , عبر بالرسل ms4657 فقال : { من رسلنا } أي بقراءة ~~أتباعهم لكتبهم التي حرفوا بعضها , وجعلت كتابك مهيمنا عليها فإنهم إذا ~~قرؤوها بين يديك وعرضوها عليك علمت معانيها وفضحت تحريفهم وببنت اتفاق ~~الكتب كلها برد ما ألبس عليهم من متشاببها إلى محكمها , فالمراد من هذا نحو ~~المراد من آية يونس < # > 77 ( { فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك } ) 77 < # > [ رقم : 94 ] ومن آي الأنبياء < # > 77 ( { هذا ذكر من معي وذكر من قبلي } ) 77 < # > [ رقم : 24 ] مع زيادة الإشارة إلى تحريفهم , فالمسؤول في الحقيقة ~~القرآن المعجز على لسان الرسول الذي شهدت له جميع الرسل الذين أخذ عليهم ~~العهد بالإيمان به والمتابعة له , وبهذا التقرير ظهر ضعف قول من قال : إن ~~المراد سؤال الرسل حقيقة لما جمعوا له صلى الله عليه وسلم في بيت المقدس ~~ليلة الإسراء , فإنه ليس المراد من هذا إلا تبكيت الكفار من العرب وممن ~~عزهم من أهل الكتاب بقولهم : دينكم خير من دينه وأنتم أهدى سبيلا منه , ~~فإنهم إذا أحضروا كتبهم علمت دلالتها القطعية على اختصاصه سبحانه بالعبادة ~~كما بينته في كتابي هذا يرد المتشابه منها إلى المحكم , وجعلها ابن جرير ~~مثل قوله تعالى < # > 77 ( { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر } ) 77 < # > [ النساء : 59 ] وقالك ومعلوم أن معنى PageV07P032 ذلك : فردوه إلى ~~كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , قال : فاستغنى بذكر الرسل عن ~~ذكر الكتب . | وهو عين ما قلته , ولو كان المراد حقيقة السؤال وسؤال جميع ~~الرسل لقال ( قبلك ) بإسقاط ( من ) ليستغرق الكل - والله أعلم . | ولما ذكر ~~المسؤول مفخما له مبا اقتضته العبارة من الإرسال والإضافة إليه , ذكر ~~المسؤول عنه بقوله تعالى : { أجعلنا } أي أبحنا وأمرنا ورضينا على ما لنا ~~من العظمة والقدرة التامة , مما ينافي ذلك , وقرر حقارة ما سواه بقوله : { ~~من دون } وزاد بقوله : { الرحمن } أي الذي رحمته عمت جميع الموجودات { آلهة ~~} ولما كان قد جعل لكل قوم وجهة يتوجهون في عبادتهم إلها , وشيئا محسوسا ~~بغلبة الأوهام على الأفهام يشهدونه وكان ربما تعنت ms4658 به متعنت , قال محترزا : ~~{ يعبدون } أي من عابد ما بوجه ما . | ولما كان المترفون مولعين بأن يزدروا ~~من جاءهم بالرد عن أغراضهم الفاسدة بنوع من الازدراء كما قال كفار قريش { ~~لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } ولا يزالون يردون هذا ~~وأمثاله من الضلال حتى يقهرهم ذو الجلال بما أتتهم به رسله إما بإهلاكهم أو ~~غيره وإن كانوا في غاية القوة , أورد سبحانه قصة موسى عليه الصلاة والسلام ~~شاهدة على ذلك بما قال فرعون لموسى عليه الصلاة والسلام من نحو ذلك ومن ~~إهلاكه على قوته وإنجاء بني إسرائيل على ضعفهم , وتسلية للنبي صلى عليه ~~وسلم وترجية . | < < # | الزخرف : ( 46 - 51 ) ولقد أرسلنا موسى . . . . . # > > ^ ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ إلى فرعون وملئه فقال إني رسول رب ~~العالمين * فلما جآءهم بآياتنآ إذا هم منها يضحكون * وما نريهم من آية إلا ~~هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون * وقالوا يأيها الساحر ادع ~~لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون * فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ~~* ونادى فرعون في قومه قال يقوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ~~أفلا تبصرون ) ^ } ) | ولما كان التقدير : فلقد أرسلنا جميع رسلنا وهم أشرف ~~الخلق بالتوحيد الذي جئت به , وما كنا في إرسالنا إياهم مراعين لما يريده ~~الأمم من جاه أو مال أو غير ذلك , فلا وجه للاتكال عليك فيما أرسلناك به من ~~التوحيد وغيره , ولا لمعاداتك فيه , عطف عليه أول من أرشد إلى سؤال أتباعهم ~~فقال مؤكدا أجل ما يعاندون به من إنكار الرسالة , وأتى بحرف التوقع لما ~~اقتضاه من الأمر بسؤال الرسل عليهم الصلاة والسلام : { ولقد أرسلنا } أي ~~بما ظهر من عظمتنا . | ولما كان الإرسال منه سبحانه ليس على حسب العظمة في ~~الدنيا بما يراه أهلها كما قال هؤلاء { لولا نزل هذا القرآن } - الآية , ~~قال مناقضا لهم : { موسى } أي الذي PageV07P033 كان فرعون يرى أنه أحق ~~الناس بتعظيمه لأنه رباه وكفله { بآياتنا } أي التي قهر بها عظماء الخلق ~~وبجابرتهم , فدل ذلك على صحة ms4659 دعواه وعلى جميع الآيات لتساويها في القدرة ~~وخرق العادة . | ولما كان السياق لسؤال النبي صلى الله عليه وسلم الرسل عن ~~أمر التوحيد , كانت الآيات كافية , فلم يذكر السلطان لأنه للقهر والغلبة : ~~{ إلى فرعون } أي لأنه طغى وبغى وادعى أنه هو الرب الأعلى ووافقه الضالون : ~~{ وملأه } الذين جعلهم آلهة دونه وعبدهم قومهم فلم يقرهم على ذلك لأنا ما ~~رضيناه { فقال } بسبب إرسالنا { إني رسول } وأكد لأجل إنكارهم ما أنكره ~~قومك من الرسالة . | ولما كان الإحسان سببا للإذعان قال : { رب العالمين * ~~} أي مالكهم ومربيهم ومدبرهم . | ولما كانوا قد فعلوا من الرد لرسالته صلى ~~الله عليه وسلم والاستهزاء بها ما فعلته قريش , قال مسليا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم ومهددا لهم تسبيبا عما تقديره : فقالوا له ائت بآية , فأتى بها ~~على ما تقدم غير مرة بما هو كالشمس بيانا وحسنا : { فلما جاءهم بآياتنا } ~~بالإتيان بآيتي اليد والعصا اللتين شهدوا فيهما عظمتنا ودلتاهم على قدرتنا ~~على جميع الآيات { إذا هم } أي بأجمعهم استهزاء برسولنا , وطال ما يضحك ~~عليهم هو ومن آمن برسالته وبما جاء به عنا يوم الحسرة والندامة { منها ~~يضحكون } أي فاجؤوا المجيء بها من غير توقف ولا كسل بالضحك سخرية واستهزاء ~~. | ولما كان ربما ظن ظان أن في الآية ما يقبل شيئا من ذلك , بين حالها ~~سبحانه بقوله : { وما } أي والحال أنا ما { نريهم } على ما لنا من الجلال ~~والعلو والكمال , وأعرق في النفي بإثبات الجار وأداة الحصر لأجل من قد ~~يتوهم أنهم معذورون في ضحكهم فقال : { من آية إلا هي أكبر } أي في الرتبة { ~~من أختها } أي التي تقدمت عليها بالنسبة إلى علم الناظرين لها لأن الآدمي ~~لما له من النسيان إذا أتاه الثاني من المتساويين رأى جميع من أتاه ناسيا ~~ولا بعض من أتى الأول فيقطع بأنه أكبر منه , أو أن هذا كناية عن أنها كلها ~~ي نهاية العظمة كما قال شاعرهم : | ( من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ) | أو ~~أن بينها في الكبر عموما وخصوصا من وجه , وأحسن من ذلك ms4660 ما أشار إليه ابن ~~جرير من أن كل آية أوضح في الحجة عليهم وأوكد مما قبلها , لأنها دلت على ما ~~دلت عليه وزادت ما أفادته المعاضدة من الضخامة فصارت هي مع ما قبلها أكبر ~~مما قبلها عند ورودها وإقامة الحجة بها . | ولما كان التقدير : فاستمروا ~~على كفرهم ولم يرجعوا لشيء من الآيات لأنا أصممناهم وأعميناهم وأحطنا بهم ~~الضلال لعلمنا بحالهم , عطف عليه قوله : { وأخذناهم } أي أخذ قهر وغلبة { ~~بالعذاب } أي كله لأنا واترنا عليهم ضرباته على وجه PageV07P034 معلم بأنا ~~قادرون على ما نريد منه فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم { آيات مفصلات } والقطع : البرد الكبار الذي لم يعهد مثله ملتهبا ~~بالنار , وموت الأبكار , فكانت آيات على صدق موسى عليه الصلاة والسالم بما ~~لها من الإعجاز , وعذابا لهم في الدنيا موصولا بعذاب الآخرة , فيا لها من ~~قدرة باهرة وحكمة ظاهرة { لعلهم يرجعون } أي ليكون حالهم عند ناظرهم الجاهل ~~بالعواقب حال من يرجى رجوعه . | ولما كان فرعون في كثير من الضربات التي ~~كان يضربه بها سبحانه - كما مضى في الأعراف عن التوراة - يقول لموسى عليه ~~الصلاة والسلام : قد أخطأت والرب بار وأنا وشعبي فجار , فصلينا بين يدي ~~الرب فإنه ذو إمهال وأناة , فيصرف عني كذا , فإذا صرف الله ذلك عنهم عاد ~~على ما كان عليه من الفجور , كان فعله ذلك فعل من لا يعتقد أنه موسى عليه ~~الصلاة والسلام نبي حقيقة , بل يعتقد أنه ساحر , وأن أفعاله إنما هي خيال , ~~فكذلك عبر عن هذا المعنى بقوله عطفا على ما تقديره , فلم يرجعوا : { وقالوا ~~} أي فرعون بالمباشرة وأتباعه بالموافقة له : { يا أيها الساحر } فنادوه ~~بأداة البعد مع الإفهام بقالوا دون ( نادوا ) أنه حاضر إشارة إلى بعده من ~~قلوبهم , والتعبير بهذا توبيخ لقريش بالإشارة إلى أنهم وغيرهم ممن مضى ~~يرمون الرسول بالسحر ويقرون برسالته عند الحاجة إلى دعائه في كشف ما عذبهم ~~ربهم به , وذلك قادح فيما يدعون من الثبات والشجاعة والعقل والإنصاف ~~والشهامة , وذلك كما وقع لقريش لما قال النبي صلى الله ms4661 عليه وسلم ( اللهم ~~أعني عليهم بسنين كسني يوسف ) فقحطوا , فلما اشتد عليهم البلاء أتى أبو ~~سفيان بن حرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة الشريفة فقال : يا ~~محمد إنك قد جئت بصلة الأرحام وإن قومك قد هلكوا فادع اللهلهم , فدعا لهم ~~فأغيثوا , فلا شك أن ترجمة حالهم هذا الذي ذكره الله من التناقض الذي لا ~~يضاه لنفسه عاقل , وهو وصفه بالسحر وطلب الدعاء منه يمنع اعتقاد أنه ساحر , ~~واعتقاد أنه ساحر يمنع طلب الدعاء منه عند العاقل { ادع لنا ربك } أي ~~المحسن إليك بما يفعل معك من هذه الأفعال التي نهيتنا بها إكراما لك { بما ~~} أي بسبب ما { عهد عندك } من أنه يفعل من وضعها ورفعها على ما تريد على ما ~~أخبرتنا أنه إن آمنا أكرمنا , وغن تمادينا أهاننا , ثم عللوا ذلك بقولهم ~~مؤكدا تقريبا لحالهم البعيدة من الاعتداء بما يخبر به شاهد الوجود : { إننا ~~لمهتدون } أي اهتداء ثابتا يصير لنا وصفا لازما عند كشف ذلك عنا . | ~~PageV07P035 ولما كان العاقل لا يخبر عن نفسه إلا بما هو صحيح , فكيف إذا ~~كان عظيما بين قومه فكيف إذا أكد ذلك بأنواع من التأكيد , فكان السامع لهذا ~~الكلام يقطع بصدقه , بين تعالى ما يصحح أن حالهم حال من يعتقد أنه ساحر ~~بأنهم أسرعوا الخيانة بالكذب فيه من غير استحياء ولا خوف , فقال معبرا ~~بالفاء دلالة على ذلك : { فلما كشفنا } على ما لنا من العظمة التي ترهب ~~الجبال { عنهم العذاب } أي الذي أنزلناه بهم { إذا هم ينكثون } أي فاجؤوا ~~الكشف بتجديد النكث بإخلاف بعد إخلاف { ونادى فرعون } أي زيادة على نكثه { ~~في قومه } أي الذين لهم غاية القيام معه , وأمر كلا منهم أن يشيع قوله ~~إشاعة تعم البعيد كما تشمل القريب فتكون كأنها مناداة إعلاما بأنه مستمر ~~على الكفر لئلا يظن بعضهم أنه رجع . | ولما كان كأنه قيل : لم نادى ؟ أجاب ~~بقوله : { قال } أي خوفا من إيمان القبط لما رأى من أن ما شاهدوا من باهر ~~الآيات مثله يزلزل ويأخذ بالقلوب : { يا قوم ms4662 } مستعطفا لهم بإعلامهم بأنهم ~~لحمة واحدة , ومستنهضا بوصفهم بأنهم ذوو قوة على ما يحاولونه , مقرراص هلم ~~على عذره في نكثه بقوله : { أليس لي } أي وحدي { ملك مصر } أي كله , فلا ~~اعتراض على بني إسرائيل ولا غيرهم , لينتج له ذلك على زعمه أن غلبته على ~~بني إسرائيل ومقاهرته على إخراجهم من تحت يده بغى على من له الملك فتكون ~~فسادا فلا بأس عليه إذا خدع من فعل به ذلك بما عاهده عليه عند مس الضر , ~~ولم يقرأ بالصرف ليكون نصا على مراده من العلمية , ولأن المصر يطلق على ~~المدينة الواحدة , والتنوين يأتي للتحقير وهو ضد مراده . | ولما كان قد حصل ~~له مما رأى من الآيات وورد عليه من تلك الضربات بأنواع المثلات ما أدهشه ~~بحيث صار في عداد من يشك أتباعه في ملكه , دل عليه بما بناه من الحال : { ~~وهذه } أي والحال أن هذه { الأنهار } وكأنه كان قد أكثر من تشقيق الخلجان ~~إلى بساتينه وقصوره , ونحو ذلك من أموره فقال : { تجري من تحتي } أي من أي ~~موضع أردته بما لا يقدر عليه غيري , وزاد في التقرير بقوله : { أفلا تبصرون ~~} أي الذي ذكرته لكم فتعلموا ببصائر قلوبكم أنه لا ينبغي لأحد أن ينازعني , ~~وهذا لعمري قول من ضعفت قواه وانحلت عراه . | < < # | الزخرف : ( 52 - 58 ) أم أنا خير . . . . . # > > ^ ( أم أنآ خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين * فلولا ألقي عليه ~~أسورة من ذهب أو جآء معه الملائكة مقترنين * فاستخف قومه فأطاعوه إنهم ~~كانوا قوما فاسقين * فلمآ آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين * فجعلناهم ~~سلفا ومثلا للآخرين * ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون * وقالوا ~~PageV07P036 أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون ) 73 ~~< # > } ) 71 < # > | ولما أرشد السياق إلى أن التقدير : أفهذا الذي جاء يسلنا عبيدنا بني ~~إسرائيل خير عندكم مني ؟ نسق عليه قوله : { أم أنا خير } مع ما وصفت لكم من ~~صخامتي وما لي من القدرة على إجراء المياه التي بها حياة كل شيء , ونقل ms4663 ابن ~~الجوزي وغيره من المفسرين عن سيبويه وأتساذه الخليل أنها معادلة لتقريرهم ~~بالإبصار , فكأنه قال : أفلا تبصرون ما ذكرتكم به فترون لعدم إبصاركم أنه ~~خير مني أم أنا خير منه لأنكم لا تبصرون , وكان هو أحق بهذه النصيحة منهم ~~فإنه أراهم الطريق الواضحة إلى الضلال والموسلة إليه من غير مشقة ولا تعب ~~بقوله : أفلا تبصرون أم أنتم بصراء , فيكون ذلك احتباكا تقديره : أفلا ~~تبصرون ما نبهتكم عليه , فذكر الإبصار أولا دليلا على حذف مثلها ثانيا ~~والخيرية ثانيا دليلا على حذف مثلها أولا , وحقر من عظمة الآتي له بتلك ~~الآيات صلى الله عليه وسلم لئلا يسرع الناس إلى اتباعه لأن آياته - لكونها ~~من عند الله - كالشمس بهجة وعلوا وشهرة فقال : { من هذا } فكنى بإشارة ~~القريب عن تحقيره , ثم وصفهم بما يبين مراده فقال : { الذي هو مهين } أي ~~ضعيف حقير قليل ذليل , لأنه يتعاطى أموره بنفسه , وليس له ملك ولا قوة يجري ~~بها نهرا ولا ينفذ بها أمرا { ولايكاد يبين } أي لا يقرب من أن يعرب عن ~~معنى من المعاني لما في لسانه من الحبسة فلا هو قادر في نفسه ولا له قوة ~~بلسانه على تصريف المعاني وتنويع البيان يستجلب القلوب ويدهش الألباب فيكثر ~~أتباعه ويضخم أمره , وقد كذب في جميع قوله , فقد كان موسى عليه الصلاة ~~والسالم أبلغ أهل زمانه قولا وفعلا بتقدير الله الذي أرسله له وأمره غياه ~~ولكن الخبث أسند هذا إلى ما بقي في لسانه من الحبسة تخييلا لأتباعه لأن ~~موسى عليه الصلاة والسام ما دعا بإزالة حبسته بل بعقدة منها . | ولما كان ~~عند فرعون وعند من كان مثله مطموس البصيرة فاقد الفهم وقوفا مع الوهم أن ~~القرب من الملوك والغلبة على الأمور لا تكون إلا بكثرة الأعراض الدنيوية , ~~والتحلي بحلي الملوك , سبب عن ادعائه لرسالته عن ملك الملوك اللازمة للقرب ~~منه قوله : { فلولا } ولما كانت الكرامات والحبى والخلع تلقى على المكرم ~~بها إلقاء , عبر به فقال : { ألقي } أي من أي ملق كان { عليه } من عند ~~مرسله الذي ms4664 يدعي أنه الملك بالحقيقة { أسورة } جمع أسورة - قاله الزجاج , ~~وصرف لصيرورته على وزن المفرد نحو علانية وكراهية , والسوار : ما يوضع في ~~العصم من الحلية { من ذهب } ليكون ذلك أمارة على صدق صحة دعواه كما نفعل ~~نحن عند إنعامنا على أحد من عبيدنا بالإرسال إلى ناحية من النواحي لمهم من ~~المهمات { أو جاء معه } أي صحبته عندما أتى إلينا بهذا PageV07P037 النبأ ~~الجسيم والملم العظيم { الملائكة } أي هذا النوع , وأشار إلى كثرتهم بما ~~بين من الحال بقوله : { مقترنين } أي يقارن بعضهم بعضا بحيث يملؤون الفضاء ~~ويكونون في غاية القرب منه بحيث يكون مقارنا لهم ليجاب إلى هذا الأمر الذي ~~جاء يطلبه كما نفعل نحن إذا أرسلنا رسولا إلى أمر يحتاج غلى دفاع وخصام ~~ونزاع , فكان حاصل أمره كما ترى أنه تعزز بإجراء المياه , فأهلكه الله بها ~~إيماء إلى أن من تعزز بشيء دون الله أهلكه الله به , واستصغر موسى عليه ~~الصلاة والسلام وعابه بالفقر والغي فسلطه إشارة إلى أنه ما استصغر أحد شيئا ~~إلا غلبه - أفاده القشيري . | ولما كان كلامه هذا واضعا له عند من تأمل لا ~~رافعا , وكان قد مشى على أتباعه لأنهم مع المظنة دون المنة , فهم أذل شيء ~~لمن ثبتت له رئاسته دنيوية وإن صار ترابا , وأعصى شيء على من لم تفقه له ~~الناس وإن فعل الأفاعيل العظام , تشوف السامع إلى ما يتأثر عنه فقال : { ~~فاستخف } أي بسبب هذه الخدع التي سحرهم بها في هذا الكلام الذي هو في ~~الحقيقة محقر له موهن لأمره قاصم لملكه عند من له لب { قومه } الذين لهم ~~قوة عظيمة , فحملهم بغروره على ما كانوا مهيئين له في خفة الحلم { فأطاعوه ~~} بأن أقروا بملكه وأذعنوا لضخامته واعترفوا بربوبيته وردوا أمر موسى عليه ~~الصلاة والسلام . | ولما كان كلامه كما مضى أعظم موهن لأمره وهو منقوض على ~~تقدير متانته بأن موسى صلى الله عليه وسلم على نبينا وعليه وسلم أتى بما ~~يغني عما قاله من الأساورة وظهور الملائكة بأنه مهما هددهم فعله ومهما ~~طلبوه منه أجابهم ms4665 إليه , فلم يكن للقبط داع إلى طاعة فرعون بعدما رأوا من ~~الآيات غلا المشاكلة في خباثة الأرواح , علل ذلك سبحانه بقوله مؤكدا لما ~~يناسب أحوالهم فيرتضي أفعالهم وهم الأكثر : { إنهم كانوا } أي بما في ~~جبلاتهم من الشر والنفاق لأنهم كانوا { قوما } أي عندهم قوة شكائم توجب لهم ~~الشماخة إلا عند من يقهرهم بما يألفون من أسباب الدنيا { فاسقين } أي ~~عريقين في الخروج عن طاعة الله إلى معصية , قد صار لهم ذلك خلقا ثانيا , ~~وكأن مدة محاولة الكليم عليه الصلاة والسلام لهم كانت قريبة , فلذلك عبر ~~بالفاء في قوله : { فلما آسفونا } أي فعلوا معناه ما يغضب إغضابا شديدا ~~بإغضاب أوليائنا كما في الحديث القدسي ( مرضت فلم تعدني ) لنكثرهم مرة بعد ~~مرة وكرة في إثر كرة { انتقمنا منهم } أي أوقعنا بهم على وجه المكافأة لما ~~فعلوا برسولنا عليه السلام عقوبة عظيمة منكرة PageV07P038 مكروهة كأنها ~~بعلاج { فأغرقناهم } في اليم { أجمعين } إهلاك نفس واحدة لم يفلت منهم أحد ~~على كثرتهم وقوتهم وشدتهم , وهذا لا يكون في العادة إلا بعد علاج كثر أو ~~اعتناء كبير . | ولما كان إهلاكهم بسبب إغضابهم لله وبالكبر على رسله , ~~كانوا سببا لأن يتعظ بحالهم من يأتي بعدهم فلذلك قال تعالى : { فجعلناهم } ~~أي بأخذنا لهم على هذه الصورة من الإغراق وغيره مما تقدمه { سلفا } متقدما ~~لكل من يهلك بعدهم إهلاك غضب في الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة وقدوة ~~لمن يريد العلو في الأرض فتكون عاقبته في الهلاك في الدارين أو إحداهما ~~عاقبتهم كما قال سبحانه عز من قائل وتبارك وتعالى < # > 77 ( { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار } ) 77 < # > [ القصص : 41 ] : { ومثلا } أي حديثا عجيبا سائرا مسير المثل { للآخرين ~~} الذين خلفوا بعدهم من زمنهم إلى آخر الدهر فيكون حالهم عظة لناس وإضلالا ~~لآخرين , فمن قضى أن يكون على مثل حالهم عمل مثل أعمالهم , ومن أراد النجاة ~~مما نالهم تجنب أفعالهم , فمن أريد به الخير وفق لمثل خير يرده عن غيه , ~~ومن أريد به الشر , وجعل له منهم مثلا يجترئ به على شره ms4666 , ويقوى على خبثه ~~ومكره , فيجعل الشرير ما أوتوه من الدنيا من النعمة والحبرة الرفاهية ~~والنصرة مثلا له في التوصل إليه مما كانوا عليه من الظلم , ويجعل الخير ~~إهلاكهم مثلا له فيبعد عن أفعالهم لينجو من مثل نكالهم , يقول أحدهم : أخذ ~~الفلانيون أخذ آل فرعون , أي لم يفلت منهم إنسان ونحو ذلك من أمثالهم في ~~جميع أحوالهم , ونقول نحن : إنا نهلك من ظلم وتمادى في ظلمه بعد تحذيرنا له ~~وغشم وإن عظم آله وأتباعه , وظن عزه وامتناعه , كدأب آل فرعون , ويقول من ~~أريد به الشر : ليس على ظهرها أحد يبقى إن خاف العواقب فأحجم عن شهواته ~~وانهمك في رياض أهويته وإرادته وشهي طيباته وكذا ذاته كما وقع لفرعون فإنه ~~لم يرجع لشيء عن رئاسته , وبلوغ النهاية منه صلفه ونفاسته إلى أن ذهب به ~~كما ذهب بغيره سواء سار بسيره أو بغير سيره , ولقد ضل به قوم وأضلوا , ~~وحلوا لمن داناهم عرى الدين فزلوا , وما كفاهم ذلك حتى ادعوا أنه من أعز ~~المقربين لأن الذي كان آخر كلامه الإيمان , فجب ما كانا قبله ولم يتدنس ~~بعده فمات طاهرا مطرها ليس فيه شيء من الدنس مع أن ذلك ما كان إلا عند ~~اليأس حيث لا نفع فيه , وغروا الضعفاء بأن قالوا : إنه لا صريح في القرآن ~~بعذابه بعد الموت تعمية عن الدليل القطعي المنتظم من قوله تعالى < # > 77 ( { وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين } ) 77 < # > [ يونس : 83 ] < # > 77 ( { وإن المسرفين هم أصحاب النار } ) 77 < # > [ غافر : 43 ] المنتج من غير شك أن فرعون من أصحاب النار , وقوله تعالى ~~< # > 77 ( { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم PageV07P039 فانظر كيف كانت ~~عاقبة الظالمين } ) 77 < # > [ القصص : 40 ] < # > 77 ( { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون } ) 77 < # > < # > 77 ( { وأبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين } ) ~~77 < # > وقوله تعالى < # > 77 ( { كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد } ) 77 < # > إلى أن قال < # > 77 ( { إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب } ) 77 < # > [ ص : 14 ] غير ms4667 ذلك من محكم الآيات وصريح الدلالات البينات , وكذا غير ~~فرعون وقومه من الصالحين والطالحين جعلهم سبحانه سلفا ومثلا للآخرين , فمن ~~أراد به خيرا يسر له مثل خير الحتذى به , ومن أراد به شرا أضله بمثل سوء ~~الأشياء به , فقد جعل الله عيسى عليه الصلاة والسلام مثلا لتمام قدرته على ~~اختراع الاشياء بأسباب وبغير أسباب , وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأزهدهم ~~وأقربهم إلى الخير وأبعدهم عن الشر , فاقتدى به من أراد الله به الخير في ~~مثل ذلك فاهتدى به , وضل به آخرون وضربوا به لأنفسهم أمثال الآلهة , وصاروا ~~يفرحون بما لا يا رضاه عاقل ولا يراه , وضربه قومك مثلا لآلهتهم لما أخبرنا ~~أنهم معهم حصب جهنم وسروا بذلك وطربوا وظنوا أنهم فازوا وغلبوا : { ولما ~~ضرب ابن مريم } أي ضربه ضارب منهم مثلا لآلهتهم { إذا قومك } أي الذين ~~أعطيناهم قدرة على القيام بما يحاولونه { منه } أي ذلك المثل يصدون أي ~~يضجون ويعلون أصواتهم سرورا بأنهم ظفروا على زعمهم بتناقض , فيعرضون به عن ~~إجابة دعائك , يقال : صد عنه صدودا : أعرض , وصد يصد ويصل : ضج - قاله في ~~القاموس , فلذلك قال ابن الجوزي : معناهما جميعا - أي قراءة ضم الصاد ~~وقراءة كسرها - يضجون , ويجوز أن يكون معنى المضمومة : يعرضون , قال ابن ~~برجان : والكسر أعلى القراءتين - انتهى . | وذلك أن قريشا قالوا كما مضى في ~~الأنبياء { إنا وما نعبد في جهنم } مقتض أن يكون عيسى كذلك , وأن نستوي ~~نحند وآلهتنا به , فإنه مما عبد ونحن راضون بمساواته لنا - إلى آخر ما ~~قالوا وما رد عليهم سبحانه به من الآية من العام الذي أريد به الخصوص كما ~~هو مقتضى كلامهم ولسانهم في أن الأصل في ( ما ) لما لا يعقل , وذلك هو ~~المراد من قوله تعالى حاكيا عنهم : { وقالوا آلهتنا } التي نعبدها من ~~الأصنام والملائكة { خير أم هو } أي عيسى فنحن راضون بأن نكون معه . | ولما ~~اشتد التشوف إلى جوابهم , وكان قد تقدم الجواب عنه في الأنبياء , قدم عليه ~~هنا أن مرادهم بذلك إنما هو المماحكة والمماحلة والمراوغة والمقاتلة فقال ms4668 ~~تعالى : { ما ضربوه } أي ما ضرب الكفار : ابن الزبعري حقيقة وغيره من قومك ~~مجازا , المثل لآلهتهم بعيسى عليه الصلاة والسلام { لك إلا جدلا } أي ~~لإرادة أن يقتلوك عن دعوتك مغالطة وهم عالمون بأن ما ألزموك به غير لازم ~~ولم يعتقدوا لزومه قط لأن الكلام ما كان PageV07P040 إلا في أصنامهم , ولأن ~~الخصوص في كلامهم شائع , ولأنه قد عقب بما يبين الخصوص ويزيل اللبس على ~~تقدير تسليمه , فلم يقتدروا قط بما ألزموا به أنه لازم { بل هم قوم } أي ~~أصحاب قوة على القيامة بما يحاولونه { خصمون } أي شديدو الخصام قادرون على ~~اللدد , روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي إمامة رضي الله عنهم , ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا ~~أوتوا الجدل , ) ثم قرأ الآية ( | < < # | الزخرف : ( 59 - 63 ) إن هو إلا . . . . . # > > ^ ( إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل * ولو نشآء ~~لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون * وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها ~~واتبعون هذا صراط مستقيم * ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين * ولما جآء ~~عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه ~~فاتقوا الله وأطيعون ) ^ } ) | ولما تضمن هذا أنه غير مهان , صرح به على ~~وجه الحصر قصر قلب لمن يدعي أنه مقصور على الإلهية فقال : { إن } أي ما { ~~هو } أي عيسى عليه الصلاة والسلام { ألا عبد } وليس هو بإله { أنعمنا } أي ~~بما لنا من العظمة والإحسان { عليه } أي بالنبوة والإقدار على الخوارق { ~~وجعلناه } بما خرقنا به العادة في ميلاده وغير ذلك من آياته { مثلا } أي ~~أمراعجيبا مع وضوحه وجلائه فيه خفاء وموضع شبهة بأن جعلناه من أنثى فقط بلا ~~واسطة ذكر ليض بذلك من يقف مع المحسوسات , ودللنا على الحق فيه بما منحنا ~~به من الخوارق وزكاء الأخلاق وطيب الشيم والإعراق إسعادا لمن أعليناه بنور ~~قلبه وصفاء لبه إلى إحسان النظر في المعاني { لبني إسرائيل } الذين هم أعلم ~~الناس به , بعضهم بالمشاهدة وبعضهم بالنقل القريب ms4669 , فلما جاءهم على تلك ~~الحالة الجلية في كونها حقا بما كان على يديه ويدي أمه من الكرامات , آمن ~~به من بصره الله منه بالحق من أمره بما كان فيه من الكرامات , وكان كلما ~~رأى رجلا منهم على منهاجه في أعماله وكرامته اهتدى إلى الحق من أمره , وقال ~~: هذا مثله عيسى عليه الصلاة والسلام فانتفع بالنبي ومن تبعه بإحسان , فنال ~~من الله الرضوان , وقال أيضا هذا الموفق مستبصرا في أمر عيسى عليه الصلاة ~~والسلام : مثله في ذلك مثل أبيه آدم عليه الصلاة والسلام في إخراجه من أنثى ~~بلا ذكر , بل آدم عليه الصلاة والسلام أعجب , ومثل ابن خالته يحيى ~~PageV07P041 وجده إسحاق عليهما الصلاة والسلام في إخراج كل منهما بسبب هو ~~في غاية الضعف , هذه أمثاله الحسنة وقال من أراد الله به الضلال منهم غير ~~ذلك من المحال , فلما جعلوا له أمثال السوء ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة ~~, وقال ابن برجان : خصهم - أي بني إسرائيل - بالذكر لأنهم المفتونون ~~بالدجال المسارعون إليه , ثم قال : وإنما المثل في ذلك متى جاء الدجال بتلك ~~الآيات يدعو إلى نفسه فيعارض ما يأتي به عيسى عليه الصلاة والسلام من إحياء ~~الموتى وتأييده بروح القدس , أي فيضل عن الأمر الواضح من أراد الله فتنته - ~~انتهى , والأحسن أن يكون معنى كونه مثلا أنه جعل أمره واضحا جدا بحيث أنه ~~يمثل به فيكون موضحا لغيره , ولا يحتاج هو إلى مثل يوضحه عند من له أدنى ~~بصيرة . | ولما كان التقدير : فلو شئنا لجعلنا الناس كلهم من أنثى بلا ذكر ~~, ولو شئنا لساويناكم بهم في ذلك الذي ضربناه عليهم من الذل عندما جعلوا له ~~مثل السوء فزدنا ما أنتم فيه من الذل والحقارة عن سائر الأمم بأن سلطانهم ~~عليكم حتى استباحوكم , ولو شئنا لمحوناكم أجمعين عن وجه الأرض فتركناها ~~بيتا ؟ لا أنيس بها , عطف عليه قوله : { ولو } معبرا بصيغة المضارع إشارة ~~إلى دوام قدرته على تجديد الإبداع فقال : { نشاء لجعلنا } أي على ما لنا من ~~العظمة ما هو أغرب مما صنعناه في ms4670 أمر عيسى عليه الصلاة والسلام { منكم } أي ~~جعلا مبتدئا منكم , إما بالتوليد كما جعلنا عيسى عليه الصلاة والسلام من ~~أنثى من غير ذكر وجعلنا آدم عليه الصلاة والسلام من تراب من غير أنثى ولا ~~ذكر وإما بالبدلية { ملائكة في الأرض يخلفون * } أي يكونون خلفا لكم شيئا ~~بعد شيء بعد إعدامكم فجعلناهم مثلا لكم كما جعلنا عيسى عليه الصلاة والسلام ~~مثلا لبني إسرائيل , ويجوز أن يكون المعنى : لجعلنا بعضكم ملائكة بأن نحول ~~خلقتهم فنجعلهم خلفا لمن تحولوا عنهم ونخلف بعضهم بعضا , فإنهم من جملة ~~عبادنا أجسام تقبل التوليد كما تقبل الإبداع , وعلى كلا التقديرين فذلك ~~إشارة إلى أن الملائكة ذوات ممكنة من جملة عبيده سبحانه , يصرفهم في مراده ~~إن شاء في السماء , وإن شاء في الأرض , لا شيء منكم إلا وهو بعيد جدا عن ~~رتبة الإلهية إرشادا لهم إلى الإعتقاد الحق في أمره سبحانه بشمول قدرته ~~وكمال علمه اللازم منه أنه لا إله إلا هو . | ولما ذكر سبحانه الإعدام ~~والخلافة بسببه فرضا , ذكر أن إنزاله إلى الأرض آخر الزمان أمارة على إعدام ~~الناس تحقيقا , فقال مؤكدا لأجل إنكارهم : { وإنه } أي عيسى عليه الصلاة ~~والسلام { لعلم للساعة } أي نزوله سبب للعلم بقرب الساعة التي هي إعدامه ~~الخلائق كلهم بالموت , وكذا ما نقل عنه من أنه كان يحيى وكذا إبراؤه ~~الأسقام سبب PageV07P042 عظيم للقطع بالساعة التي هي القيامة , فهو سبب ~~للعلم بالأمرين : عموم الإعدام وعموم القيام . | ولما كان قريش يستنصحون ~~اليهود يسألونهم - لكونهم أهل الكتاب - عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم , ~~وكان النصارى مثلهم في ذلك , وكان كون عيسى عليه الصلاة والسلام من أعلام ~~الساعة أمرا مقطوعا به عند الفريقين , أما النصارى فيقولون : إنه الذي أتى ~~إليهم ورفع إلى السماء كما هو عندنا , وأما اليهود فيقولون : إنه إلى الآن ~~لم يأت , ويأتي بعد , فثبت بهذا أمر عيسى عليه الصلاة والسلام فيما أخبر ~~الله تعالى عنه من إنعامه عليه , ومن أنه من أعلام الساعة بشهادة الفرق ~~الثلاثة اليهود والنصارى والمسلمين ثباتا عظيما جدا ms4671 , فصارت كأنها مشاهدة , ~~فلذلك سبب عما سبق قوله على لسان نبيه عليه الصلاة والسلام , لافتا القول ~~إلى مواجهتهم مؤكدا في مقابلة إنكارهم لها بما ثبت من شهادة الفرق الثلاثة ~~: { فلا تمترن } أي تشكوا أدنى شك وتضطربوا أدنى اضطراب وتجحدوا أدنى جحد ~~وتجادلوا أدنى جدل { بها } أي بسببها , يقال : مرى الشيء وامتراه : استخرجه ~~, ومراه مائة سوط : ضربه , ومراه حقه , أي جحده , والمرية بالضم والكسر : ~~الجدل والشك { واتبعون } أي أوجدوا تبعكم بغاية جهدكم { هذا } أي كل ما ~~أمرتكم به من هذا وغيره { صراط } أي طريق واسع واضح { مستقيم } أي لا عوج ~~فيه . | ولما حثهم على السلوك لصراط الولي الحميد بدلالة الشفوق النصوح ~~الرؤوف الرحيم , حذرهم من العدو البعيد المحترق الطريد , فقال دالا على ~~عظيم فتنته بما له من التزيين للمشتهى والأخذ من المأمن والتلبيس للمشكل ~~والتغطية للخوف بالتأكيد , لما هم تابعون من ضده على وجه التقليد : { ولا ~~يصدنكم } أي عن هذا الطريق الواضح الواسع المستقيم الموصل إلى المقصود ~~بأيسر سعي { الشياطين } ولما كان كأنه قيل ما له يصدنا عن سبيل ربنا ؟ ذكر ~~العلة تحذيرا في قوله : { إنه لكم } أي عامة , وأكد الخبر لأن أفعال ~~التابعين لكم أفعال من ينكر عداوته : { عدو مبين } أي واضح العداوة في نفسه ~~مناد بها , وذلك بإبلاغه في عداوة أبيكم حتى أنزلكم بإنزاله عن محل الراحة ~~إلى موضع النصب , عداوة ناشئة عن الحسد , فهي لا تنفك أبدا . | ولما قدم ~~سبحانه أنه أنعم على عيسى عليه الصلاة والسلام وجعله مثلا لبني إسرائيل , ~~ولوح إلى اختلافهم وأن بعضهم نزل مثله على غير ما هو به , وحذر من اقتدى ~~بهم في نحو ذلك الضلال , وأمر باتباع الهادي , ونهى عن اتباع المضل , صرح ~~بما كان من حالهم حين أبرزه الله لهم على تلك الحالة الغريبة , فقال عاطفا ~~على ما تقدم تقديره بعد قوله تعالى { وجعلناه مثلا } : { ولما جاء عيسى } ~~أي إلى بني إسرائيل بعد PageV07P043 موسى عليهما الصلاة والسلام : { ~~بالبينات } أي من الآيات المسموعة والمرئية , { قال } منبها لهم : { قد ~~جئتكم } ما يدلكم قطعا ms4672 على أنه آية من عند الله وكلمة منه أيضا { بالحكمة } ~~أي الأمر المحكم الذي لا يستطاع نقضه ولا يدفع إلا بالمعاندة لأخلصكم بذلك ~~مما وقعتم فيه من الضلال . | ولما كان المراد بالحكمة ما نسخ من التوراة ~~وغيره من كل ما أتاهم به , فكان التقدير : لتتبعوه وتتركوا ما كنتم عليه ~~أمرا خاصا هو من أحكم الحكمة فقال : { ولأبين لكم } أي بيانا واضحا جدا { ~~بعض الذي تختلفون } أي الآن { فيه } ولا تزالون تجددون الخلافة بسببه , ~~وهذا البعض الظاهر بما يرشد إليه ختام الآية أنه المتشابه الذي كفروا بسببه ~~بينه بيانا يرده غلى المحكم , ويحتمل أن يكون بعض المتشابه , وهو ما يكون ~~بيانه كافيا في رد بقية المتشابه إلى المحكم بالقياس عليه , فإن الشأن في ~~كل كتاب أن يجمع المحكم والمتشابه , فالمحكم ما لا لبس فيه , والمتشابه ما ~~يكون ملبسا , وفيه ما يرده إلى المحكم لكن على طريق الرمز والإشارة الةتي ~~لا يذوقها إلا أهل البصائر ليتبين بذلك الصادق من الكاذب فالصادق الذي رسخ ~~علما وإيمانا يرد المتشابه منه إلى المحكم , أو يعجز فيقول : الله أعلم , ~~ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا , ولا يتزلزل , والكاذب يتبع المتشابه ~~فيجريه على ظاهره فيشبه كأهل الاتحاد الجوامد المفتونين بالمشاهدة ويؤول ~~بحسب هواه بما لا يتمشى على قواعد العلم ولا يوافق المحكم فيفتتن . | ولما ~~صح بهذا أن الذي أرسله الملك الأعلى الذي له الأمر كله , فهو فعال لما ~~يشاءن وكان الحامل على الانتفاع بالرسل عليهم الصلاة والسلام التقوى , سبب ~~عنه قوله تعالى : { فاتقوا الله } أي خافوه لما له من الجلال بحيث لا ~~تقدموا على شيء إلا ببيان منه لأن له كل شيء منكم ومن غيركم , ومن المعلوم ~~لكل ذي عقل أنه لا يتصرف في ملك الغير بوجه من الوجوه إلا بإذنه { وأطيعوا ~~} فيما أنقلكم إليه وأبينه لكم مما أبقيكم عليه , فإني لا آخذ شيئا إلا عنه ~~, ولا أتلقى إلا منه , فطاعتي لأمره بما يرضيه هي ثمرة التقوى , ولكما زاد ~~المتقي في أعمال الطاعة زادت تقواه . | < < # | الزخرف ms4673 : ( 64 - 69 ) إن الله هو . . . . . # > > ^ ( إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم * فاختلف الأحزاب ~~من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم * هل ينظرون إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون * الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين * ~~يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون * الذين آمنوا بآياتنا وكانوا ~~مسلمين ) ^ } ) | PageV07P044 ولما أمرهم بطاعته , علل ذلك بما أزال تهمته ~~ما يطاع فيه , فقال مؤكدا لما في أعمالهم من المجاملة المؤذنة بالتكذيب : { ~~إن الله } أي الذي اختص بالجلال والجمال , فكان أهلا لأن يتقى { هو } أي ~~وحده { ربي وربكم } نحن في العبودية بإحسانه إلينا وسيادته لنا على حد سواء ~~, فلولا أنه أرسلني لما خصني عنكم بهذه الآيات البينات { فاعبدوه } بما ~~آمركم به لأنه صدقني في أمركم باتباع ما ظهر على يدي فصار هو الآمر لا أنا ~~ولما كان دعاؤه إلى الله بما لا حظ له عليه الصلاة والسلام فيه دل قطعيا ~~على صدقه ولا سيما وقد اقترن بالمعجزات مع كونه في نفسه في غاية الخفية لا ~~يستطاع بعضه بوجه , أشار إلى ذلك كله على وجه الاستنتاج مما مضى مرغبا فيه ~~دالا على اقتضائه الطاعة { هذا } أي الأمر العظيم الذي دعوتكم إليه { صراط ~~أي طريق واسع جدا وضاح { مسقتيم } لا عوج له . | < # > ذكر ما يدل على أنه أتبى بالحكمة من الإنجيل < # > : قال متى أحد مترجميه الأربعة وقد خلطت تراجمهم وأغلب السياق لمتى : ~~فلما خرج يسوع وجاء إلى نواحي صور وصيدا إذا بامرأة كنعانية - وقال مرقس : ~~يونانية - خرجت من تلك التخوم تصيح وتقول : ارحمني يا رب يا ابن داود ابنتي ~~بها شيطان رديء , فمل يجبها بكلمة , فجاء تلاميذه وسألوه قائلين : اصرف هذه ~~المرأة لأنها تصيح خلفنا , أجاب وقال لهم : لم أرسل إلا إلى الخراف من بيت ~~إسرائيل , فأتت وسجدت له قائلة : يا رب أعني فأجاب : ليس هو جيدا أن يؤخذ ~~خبز البنين فيعطى للكلاب , فقالت : نعم ! يا رب , والكلاب تأكل من الفتات ~~الذي يسقط من موائد أربابها , حينئذ أجاب يسوع ms4674 وقال لها : يا امرأة عظيمة ~~أمنتك يكون لك كما أردت , فبرئت ابنتها منه تلك الساعة , وقال مرقس : فقال ~~لها من أجل هذه الكلمة اذهبي , قد خرج الشيطان من ابنتك , فهذبت إلى ابنتها ~~فوجدت الصبية على السرير والشيطان قد خرج منها , فجاؤوا إليه بأخرس أصم ~~فطلبوا إليه أن يضع يده عليه , فأخرجوه وحده من الشعب , وترك أصابعه في ~~أذنيه , وتفل ثم مس لسانه ونظر إلى السماء وشهد وقال : الفاثا الذي هو ~~التفتح , وللوقت انفتح سمعه وسمع , وانحل رباط لسانه وتكلم مستويا , ووصاهم ~~أن لا يقولوا لأحد شيئا فأتاهم فكانوا ينكرون كثيرا ويبهتون جدا , قائلين : ~~ما أحسن كل شيء ! يصنع الخرس يتكلمون والصم يسمعون , وقال مرقس : ثم جاء ~~إلى بيت صيدا فقدموا إليه أعمى , وطلبوا منه أن يلمسه , فأخذ بيد الأعمى ثم ~~أخرجه خارجا من القرية , وتفل PageV07P045 في عينيه ووضع يده عليه وسأله : ~~ما ينظر ؟ قال : أنظر الناس مثل الشجر يمشون , فوضع يده أيضا على عينيه , ~~فأبصر حينا ونظر إلى كل شيء ظاهرا , قال : ثم جاء إلى ناحية قيسارية فيلقس ~~فسأل تلاميذه : ماذا يقول الناس في ابن الإنسان ؟ فقال قوم : يوحنا ~~المعمدان , وآخرون : إليا , وآخرون : إرميا , وواحد من الأنبياء , فقال لهم ~~: فأنتم ماذا تقولون ؟ أجاب سمعان بطرس - وقال : أنت هو المسيح , أجاب يسوع ~~وقال له : طوبى لك يا سمعان ابن يونان لأنه ليس جسد يعسى وأبواب الجحيم لا ~~تقوى عليه ولك أعطي ملكوت السماوات , وما ربطته الأرض يكون مربوطا في ~~السموات , وما حللته على الأرض يكون محلولا في السموات , وبدأ يسوع من ذلك ~~الوقت يخبر تلاميذه أنه ينبغي أن يمضي إلى يروشلين ويقبل الآما كثيرة من ~~المشايخ ورؤساء الكهنة والكتبة , وقال : من أراد أن يخلص نفسه فليهلكها , ~~وهن أهلك نفسه من أجلي وجدها , وما ينع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر ~~نفسه ؟ وماذا يعطي الإنسان فداء لنفسه , وقال لوقا : وكان جمع كثير ينطلق ~~فالتفت لهم وقال لهم : من يأتي إلي ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وبينه ~~وإخوته وأخواته نعم حتى نفسه , فلا ms4675 يقدر أن يكون لي تلميذا , من منكم يريد ~~أن يبني برجا ولا يجلس أولا ويحسب نفقته ؟ وهل له ما يكمله لكيما يستهزىء ~~به كل من ينظره إذا وضع الأساس ولم يقدر على إكماله , وأي ملك يخرج إلى ~~محاربة ملك آخر فلا يجلس أولا ويفكر هل يستطيع أن يلقي بعشرة آلاف الموافي ~~إيه في عشرين ألفا إلا فما دام بعيدا منه يرسل رسلا رسل سلامة , وهكذا كل ~~منكم إن لم يرفض كل شيء له لا يقدر أن يكون لي تلميذا , وذكر لوقا أيضا أنه ~~عليه الصلاة والسلام كان في وليمة فقال مثلا لأنهم كانوا يتخيرون المتكآت ~~فقال لهم : متى دعاك أحد إلى عرس فلا تجلس في أول الجماعة , فلعله قد دعا ~~هناك أكرم منك عليه فيأتي الذي دعاه فيقول له : يا حبيب ! ارتفع إلى فوق , ~~حينئذ يكون لك مجدا قدام المتكئين معك لأن كل من يرتفع يتضع , وكل من يتضع ~~يرتفع , وقال للذي دعاه : وإذا صنعت وليمة فلا تدع أحباءك ولا إخوتك ولا ~~أقاربك ولا إغنياء جيرانك لعلهم أن يدعوك أيضا فيكون لك مكافأة , لكن إذا ~~صنعت طعاما فادع المساطكين والعور والضعفاء والعميان , وطوباك لأنه ليس لك ~~ما يكافئونك , ومجازاتك تكون في قيامة الصديقين , فسمع واحد من المتكئين ~~ذلك , فقال له : طوبى لمن يأكل خبزا في ملكوت الله , وقال متى : وجاء ~~تلاميذ يسوع إليه وقالوا له : من هو العظيم في ملكوت السماوات , فدعا طفلا ~~وأقامه بينهم وقال : الحق أقول : إن لم ترجعوا وتكونوا مثل الصبيان لا ~~تدخلوا ملكوت السماوات , ومن اتضع مثل هذا الصبي فهو العظيم في ملكوت ~~السماوات , ومن قبل صبيا مثل هذا باسمي فقد قبلني , PageV07P046 قال مرقس : ~~ومن قبلني فليس يقبلني فقط بل والذي أرسلني , وقال لوقا : ومن قبلني فقد ~~قبل الذي أرسلني , والذي هو الصغير فيكم هو الأكبر , قال متى : ومن شك أحد ~~هؤلاء الصغاؤ الؤمننين فخير أن يعلق حجر الرحى في رقبته , ويغرق في البحر , ~~الويل للعالم من الشكوك لكمن الويل للأإنسان الذي يأتي منه الشكوك , إن ms4676 ~~شكتك يدك أو رجلك فاقطعها وألقها عنك , فخير لك أن تدخل الحياة وأنت أعرج ~~أو أعشم من أن يكون لك يدان أو رجلان وتلقى في نار الأبد , وقال مرقس : ~~وتذهب إلى جهنم حتى لا تطفأ نارها ولا يموت دورها - انتهى . | وإن شكتك ~~عينك فاقلعها وألقها عنك فخير لك أن تدخل الحياة بعين واحدة من أن يكون لك ~~عينان وتلقى في جهنم , وقال مرقس : وكل شيء بالنار يملح وكل ذبيحة تملح ~~بالملح جيد هو الملح , فإن فسد الملح فبما ذا يملح فليكن فيكم الملح , ~~ويكون سلام بعضكم بعضا , وقال لوقا : ثم قال : من أجل أقوام يقولون : إنهم ~~صديقون ويحقرون البقية , هذا المثل رجلان صعدا إلى الهيكل ليصليا , أحدهما ~~فريسي والآخر عشار , فأما الفريسي فإنه كان يصلي بهذا في نفسه : اللهم إني ~~أشكرك لأني لست مثل سائر الناس العاصين الظلمة الفجار , ولا مثل هذا العشار ~~, فكان قائما من بعيد ولا يرى أن يرفع عينيه إلى السماء , وكان يضرب على ~~صدره ويقول : اللهم اغفر لي فإني خاطئ , أقول لكم : إن هذا نزل إلى بيته ~~أمر من ذلك لأن كل من يرفع نفسه يتضع , ولك من يضع نفسه يرتفع , ثم قدم ~~إليه صبيان ليضع يده عليهم , فلما نظرهم التلاميذ نهروهم فقال : دعوا ~~الصبيان يأتوا إلي ولا تمنعوهم لأن ملكوت الله لمثل هؤلاء , الحق أقول لكم ~~, إن من لا يقبل ملكوت الله مثل صبي لا يدخلها , وقال متى : انظروا لا ~~تحقروا أحد هؤلاء الصغار , لم يأت ابن الإنسان إلا ليطلب ويخلص من كان ضالا ~~, ماذا تظنون إذا كان الإنسان مائة خروف فضل منها واحد ليس يترك التسعة ~~والتسعين في الجبل , ويمضي يطلب الضال ؟ وقال لوقا : حتى يجده , الحق أقول ~~لكم , إنه يفرح به أكثر من التسعة والتسعين التي لم تضل , هكذا ليس مشيئة ~~ربي الذي في السموات أن يهلك أحد من هؤلاء الصغار , وقال لوقا : ودنا منه ~~العشارون والخطأة ليسمعوا منه فتذمر الفريسيون والكتبة قائلين : هذا يقبل ~~الخطأة ويأكل معهم , فقال لهم : أي رجل منكم ms4677 له مائة خروف فيتلف واحد منها ~~ليس يترك التسعة والتسعين في البرية ويمضي إلى الضال حتى يجده , فإذا وجده ~~حمله على منكبيه فرحا , ويأتي به إلى بيته ويدعو أصدقاءه وجيرانه ويقول لهم ~~: افرحوا معي لوجودي خروفي الضال , أقول لكم : إنه يكون فرح في السماء ~~بخاطىء واحد يتوب أكثر من التسعة والتسعين الصديق الذين لا يحتاجون إلى ~~توبة , وأي امرأة لها عشر دراهم يتلف واحد PageV07P047 منها أليس توقد ~~سراجا وتكنس بيتها وتطلبه مجتهدة حتى تجده , فإذا وجدته دعت أحبابها ~~وجاراتها قائلة : افرحوا لي لوجودي درهمي الضال , هكذا أقول لكم : يكون فرح ~~قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب , وقال : إنسان له ابنان فقال الأصغر يا ~~أبتاه ! أعطني نصيبي من مالك فقسم بينهما ماله , وبعد أيام قليلة جمع ~~الأصغر كل شيء له وسافر إلى كورة بعيده , وبذر ماله هناك بعيش بذخ , فملا ~~نفد كل شيء له حدث جوع شديد في تلك الكورة فافتقر وانقطع إلى رجل منها ~~فأرسله إلى حقله يرعى خنازير , وكان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي ~~كانت الخنازير تأكله , فلا يعطى ذلك , ففكر في نفسه وقال : كم من أجراء أبي ~~يفضل عنهم الخبز وأنا ههنا أهلك جوعا , أقوم أمضي إلى أبي وأقول : يا أبتاه ~~! أخطأت في السماء وبين يديك , ولست بمستحق أن أدعى لك ابنا لكن اجعلني ~~كأحد أجرائك فجاء إليه فنظره أبوه فتحنن وأسرع واعتنقه وقبله فقال : يا ~~أبتاه ! أخطأت في السماء وقدامك , ولست بمستحق أن ادعى لك ابنا , فقال أبوه ~~لعبيده : قدموا الحلة الأولى وألبسوه وأعطوه خاتما في يده , وحذاء في رجليه ~~, وائتوا بالعجل المعلوف واذبحوه ونأكل ونفرح لأن ابني هذا كان ميتا فعاش , ~~سمع المزاهر واتفاق الأصوات والرقص , فدعا واحدا من الغلمة وسأله فقال له : ~~إن أخاك قدم , وذبح أبوك العجل المعلوف , فغضب ولم يرد أن يدخل , فخرج أبوه ~~وطلب إليه فقال : كم لي من سنة أخدمك ولم أخالف لك وصية قط ولم تعطني جديا ~~واحد أتنعم به مع أصدقائي , فلما جاء ابنك هذا الذي أكل ms4678 مالك مع الزناة ~~ذبحت له العجل المعلوف , فقال له : يا بني ! أنت معي في كل حين وفي كل شيء ~~هو لي , وينبغي لك أن تسر وتفرح لأن أخاك هذا كان متيا فعاش , وضالا فوجد . ~~| وقال : رجل كان عنيا يلبس الأرجوان وكان يتنعم كل يوم ويلذ , ومسكين كان ~~اسمه العازر مطروحا عند بابه مضروبا بقروح , وكان يشتهي أن يشبع من الفتات ~~الذي يسقط من مائدة ذلك الغني , وكانت الكلام تأتي وتلطع قروحه , فلما مات ~~ذكل المسكين أخذته الملائكة إلى حصن إبراهيم , ومات ذلك الغني وقبو فرفع ~~عينيه في الهاوية وهو في العذاب , فنظر إبراهيم من بعيد والعازر في حصنه , ~~فنادى : يا أبتاه إبراهيم ! ارحمني وأرسل العازر ليبل طرف إصبعه بما يبرد ~~لساني لأني معذب في اللهب , فقال له إبراهيم : يا ابني اذكر أنك قد قتلت ~~جيرانك في حياتك والعازر في بلائه والآن فهو يستريح ههنا وأنت تعذب , ومع ~~ذلك فبيننا وبينكم أهوية عظيمة نائية لا يقدر أحد على العبور من ههنا إليكم ~~, ولا من هنا إلينا , قال له : أسألك يا أبتاه أن ترسله إلى بيت أبي , فإن ~~خمسة أخوة لكي يناشدهم PageV07P048 لئلا يأتوا إلى موضع هذا العذاب , قال ~~له إبراهيم : عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا منهم , فقال له : يا أبتاه ~~إبراهيم ! إن لم يمض إليهم واحد من الأموات ما يتوبون ؟ فقال له : إن كانوا ~~لا يسمعون من موسى والأنبياء فليس إن قام واحد من الأموات يصدقونه , وقال ~~لتلاميذه : سوف تأتي الشكوك والويل , الذي تأتي الشكوك من قبله خير له لو ~~علق حجر رحى الحماز في عنقه ويطرح في البحر من أن يشك أحدا من هؤلاء ~~الضعفاء - والله أعلم . | ولما كان الطريق الواضح القديم موجبا للاجتماع ~~عليه , والوفاق عند سلوكه , بين أنهم سببوا عنه بهذا الوعظ غير ما يليق ~~بهما بقوله : { فاختلف } وبين أنهم أكثروا الاختلاف بقوله : { الأحزاب } أي ~~إنهم لم يكونوا فرقتين فقط , بل فرقا كثيرة . | ولما كانت العادة أن يكون ~~الخلاف بين أمتين وقبيلتين ونحو ذلك , وكان اختلاف الفرقة الواحدة عجبا ms4679 , ~~بين أنهم من أهل القسم فقال : { من بينهم } أي اختلافا ناشئا ابتدأ من بين ~~بني إسرائيل الذين جعلناهم مثلا لهم : وقال لهم : قد جئتكم بالحكمة , فسبب ~~عن اختلافهم قوله : { فويل } وكان أن يقال : لهم , ولكنه ذكر الوصف الموجب ~~للويل تعميما وتعليقا للحكم به . | ولما كان في سياق الحكمة , وهو وضع ~~الشيء في أتقن مواضعه , جعل الوصف الظلم الذي أدى إليه الاختلاف فقال : { ~~للذين ظلموا } أي وضعوا الشيء في غير موضعه مضادة لما أتاهم صلى الله عليه ~~وسلم به من الحكمة { من عذاب يوم أليم } أي مؤلم , وإذا كان اليوم مؤلما ~~لما الظن بعذابه . | ولما عم الظالمين بالوعيد بذلك اليوم فدخل فيه قريش ~~وغيرهم , أتبعه ما هو كالتعليل مبرزا له في سياق الاستفهام لأنه اهول فقال ~~: { هل } وجرد الفعل إشارة إلى شدة القرب حتى كأنه يمرأى فقال : { ينظرون } ~~أي ينتظرون { إلا الساعة } أي ساعة الموت العام والبعث والقيام , فإن ذلك ~~لتحقق أمره كأنه موجود منظور إليه . | ولما قدم الساعة تهويلا تنبيها على ~~أنها لشدة ظهور دلائلها كأنها مرئية بالعين هزا لهم إلى تقليب أبصارهم ~~لتطلب رؤيتها , أبدل منها زيادة في التهويل قوله تعالى : { أن تأتيهم } ~~وحقق احتمال رؤيتها بقوله : { بغتة } ولما كان البعث قد يطلق على ما يجهل ~~من بعض الوجوه , أزال هذا الاحتمال بقوله : { وهم لا يشعرون } أي لا يحصل ~~لهم بعين الوقت الذي يجيء نوع من أنواع العلم , ولا بما كالشعرة منه . | ~~ولما كانت الساعة تطلق على الحبس بالموت وعلى النشر بالحياة , بين ما يكون ~~في الثاني الذي هم له منكرون من أحوال المبعوثين على طريق الاسئتناف في ~~جواب من يقول : هل يقومون على ما هم عليه الآن ؟ فقال : { الأخلاء } أي في ~~الدار { يومئذ } أي PageV07P049 إذ تكون الساعة وهي ساعة البعث التي هي بعض ~~مدلول الساعة { بعضهم لبعض عدو } ولما ينكشف لهم من أن تأخيرهم في الحياة ~~هو السبب في عذابهم , فيقول التابع للمتبوع : أنت غررتني فضررتني , ويقول ~~المتبوع : بل أنت كبرتني فصغرتني , ورفعتني فوضعتني , ونحو هذا من الكلام ms4680 ~~المؤلم أشد الإيلام { إلا المتقين } الذين تقم أمرهم بالتوقى وحثهم عليها . ~~| ولما أفعهم هذا أنهم لا عداوة بينه , بل يكونون في التواد على أضعاف ما ~~كانوا عليه في الدنيا لما ظهر لهم من توادهم فيها وتناصرهم هو أفضى بهم إلى ~~الفوز الدائم برضوان الله , وصل به حالا بين فيها ما يتلقاهم به من تواد ~~فيه سبحانه تشريفا لهم وتسكينا لما يقتضيه ذلك المقام من الأهوال : { لعباد ~~} أي مقولا لهم هذا , فخص بالإضافة إليه كما خصوه بالعبادة { لا خوف } أي ~~بوجه من الوجوه ه { عليكم اليوم } أي في الآخرة مما يحويه ذلك اليوم العظيم ~~من الأهوال والأمور الشداد والزلازل { ولا أنتم تحزنون } أي لا يتجدد لكم ~~حزن على شيء فات في وقت من الأوقات الآتية لأنكم لا يفوتكم شيء تسرون به . ~~| ولما ناداهم بما يطمع فيه سائر أهل الموقف لأن كل حزب يقولون : نحن عباده ~~, خص المرادين بما يوئس غيرهم ولئلا يكون الوصف بالتقوى موقفا لمن سمعه ~~اليوم من الكفار عن الدخول وكانوا لا يستطيعون ذلك , فوصف سبحانه المتقين ~~بما يهون الوصول إلى درجتهم على غيرهم فقال : { الذين آمنوا } أي أوجدوا ~~هذه الحقيقة { بآياتنا } الظاهر عظمتها في نفسها أولا وبنسبتها إلينا ثاينا ~~{ وكانوا } أي دائما بما هو لهم كالجبلة والخلق { مسلمين } أي منقادين ~~للأوامر والنواهي أتم انقياد , فبذلك يصلون إلى حقيقة التقوى التامة . | < ~~< # | الزخرف : ( 70 ) ادخلوا الجنة أنتم . . . . . # > > ^ ( ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون * يطاف عليهم بصحاف من ذهب ~~وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون * وتلك الجنة ~~التي أورثتموها بما كنتم تعملون * لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون * إن ~~المجرمين في عذاب جهنم خالدون * لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون * وما ظلمناهم ~~ولكن كانوا هم الظالمين * ونادوا يمالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ) ^ ~~} ) | ولما ذكر ما لهم بشارة لهم وترغيبا لغيرهم في اللحاق بهم على وجه فيه ~~إجمال , شرح ذلك بقوله : { ادخلوا الجنة } ولما كانت الدار لا تكمل إلا ~~بالرفيق السار , قال تعالى : { أنتم وأزواجكم } أي نساؤكم ms4681 اللاتي كن ~~مشاكلات لكم في الصفات , وأما PageV07P050 قرناؤهم من الرجال فدخلوا في ~~قوله { كانوا مسلمين } { تحبرون } أي تكرمون وتزينون فتسرون سرورا يظهر ~~أثره عليكم مستمرا يتجدد أبدا . | ولما كان هذا أمرا سائقا إلى حالهم سابقا ~~لمن كان واقفا عنهم إلى وصالهم , أقبل على ما لعله يوقفه الاشتغال بلهو أو ~~مال محركا لما جهل منه , ومنبها على ما غفل عنه , فقال عائدا غلى الغيبة ~~ترغيبا في التقوى : { يطاف عليهم } أي المتقين الذين جعلناهم بهذا النداء ~~ملوكا { بصحاف } جمع صحفة وهي القصعة { من ذهب } فيها من ألوان الأطعمة ~~والفواكه والحلوى ما لا يدخل تحت الوهم . | ولما كانت آنية الشرب في الدنيا ~~أقل من آنية الأكل , جرى على ذلك المعهود , فعبر بجمع القلة في قوله : { ~~وأكواب } جمع كوب وهو كوز مستدير مدور الرأس لا عروة له , قد تفوق عن شيء ~~منه اليد أو الشفقة أيو يلزم منها بشاعة في شيء من دائر الكوز , وإيذانا ~~بأنه لا حاجة أصلا إلى تعليق شيء لتزيد أوصافه عن أذى أو نحو ذلك . | ولما ~~رغب فيها بهذه المغيبات , أجمل بما لا يتمالك معه عاقل عن المبادرة إلى ~~الدخول فيما يخصها فقال : { وفيها } أي الجنة . | ولما كانت اللذة محصورة ~~في المشتهى قال تعالى : { ما تشتهيه الأنفس } من الأشياء المعقولة ~~والمسموعة والملموسة وغيرها جزاء لهم على ما منعوا أنفسهم من الشهوات في ~~الدنيا , ولما كان ما يخص المبصرات من ذلك أعظم , خصها فقال : { وتلذ ~~الأعين } من الأشيء المبصرة التي أعلاها النظر إلى جهه الكريم تعالى , جزاء ~~ما تحملوه من مشاق الاشتياق . | ولما كان ذلك لا يكمل طيبه إلا بالدوام , ~~قال عائدا إلى الخطاب لأنه أشرف وألذ مبشر لجميع المقبلين على الكتاب , ~~والملتفت إليهم بالترغيب في هذا الثواب , بشارة لهذا النبي الكريم عليه ~~أفضل الصلاة والسلام بما قدمه في أول السورة وأثنائها من بلوغ قومه نهاية ~~العقل والعلم والموصلين إلى أحسن العمل الموجب للسعادة : { وأنتم فيها ~~خالدون } لبقائها وبقاء كل ما فيها , فلا كلفة عليكم أصلا من خوف من زوال ~~ولا ms4682 حزن من فوات . | ولما كان التقدير : الجنة التي لمثلها يعمل العاملون , ~~عطف عليه قوله مشيرا إلى فخامتها بأداة البعد : { وتلك الجنة } أي العالية ~~المقام { التي } ولما كان الإرث أمكن للملك . | وكان مطمح النفوس إلى ~~المكنة في الشيء مطلقا لا يبعد , بني للمفعول قوله تعالى : { أورثتموها } ~~ولما كان ما حصله الإنسان بسعيه ألذ في نفسه لسرورة بالتمتع به وبالعمل ~~الذي كان من سببه , قال تعالى : { بما } وبين أن العمل كان لهم كالجبلة ~~التي PageV07P051 جبلوا عليها , فالمنة لربهم في الحقيقة بما زكى لهم ~~أنفسهم بقوله : { كنتم تعملون } أي مواظبين على ذلك لا تفترون . | ولما كان ~~الأكل أعم الحاجات وأعم الطلبات , قال تعالى مبينا أن جميع أكلهم تفكه ليس ~~فيه شيء تقوتا لأنه لا فناء فيها لقوة ولا غيرها لتحفظ بالأكل ولا ضعف { ~~لكم فيها فاكهة } أي ما يؤكل تفكها وإن كان لحما وخبزا . | ولما كان ما ~~يتفكه في الدنيا قليلا قال تعالى : { كثيرة } ودل مع الكثرة على دوام ~~النعمة بقصد التفكه بكل شيء فيها بقوله : { منها } أي لا من غيرها مما يلحظ ~~فيها التقوت { تأكلون } فلا تنفد أبدا ولا تتأثر بأكل الآكلين لأنها على ~~صفة الماء النابع , لا يؤخذ منه شيء إلا خلف مكانه مثله أو أكثر منه في ~~الحال . | ولما ذكر ما للقسم الثاني من الإخلاء وهم المتقون ترغيبا لهم في ~~التقوى , أتبعه ما لأضدادهم اهل القسم الأول تحذيرا من مثل أعمالهم , فقال ~~استئنافا مؤكدا في مقابلة إنكارهم : { إن المجرمين } أي الراسخين في قطع ما ~~أمر الله به أن يوصل { في عذاب جهنم } أي النار التي من شأنها لقاء داخلها ~~بالتجهم والكراهة والعبوسة كما كان يعمل عند قطعه لأولياء الله تعالى { ~~خالدون } لأن إجرامهم كان طبعا لهم لا ينفكون عنه أصلا ما بقوا . | ولما ~~بين إحاطته بهم إجاطة الظرف بمظروفه , وكان من المعلوم أن النار لا تفتر ~~عمن لابسته إلا بمفتر بمنعها بماء يصبه عليها أو تقليل من وقودها أو غير ~~ذلك خرقا للعادة , بين أن لا يعتريها نقصان أصلا كما ms4683 يعهد في عذاب الدنيا ~~لأنهم هم وقودها فقال تعالى : { لا يفتر عنهم } أي يقصد إضعافه بنوع من ~~الضعف , فنيف التفتير نفي للفتور من غير عكس , قال البيضاوي : وهو من فترت ~~عنه الحمى - إذا سكنت , والتركيب للضعف . | ولما كان انتظار الفرج مما يخفف ~~عن المتضايق , نفاه بقوله : { وهم فيه مبلسون } أي ساكتون سكوت يأس من ~~النجاة والفرج . | ولما كان ربما ظن من لا بصيرة له أن هذا العذاب أكبر ~~وأكثر مما يستحقونه , أجاب سبحانه بقوله ليزيد عذابهم برجوعهم باللائمة على ~~نفسوهم ووقوعهم في منادمات الندامات : { وما ظلمناهم } نوعا من الظلم لأنه ~~تعالى مستحيل في حقه الظلم { ولكن كانوا } جبلة وطبعا وعملا وصنعا دائما { ~~هم } أي خاصة { الظالمين } لأنهم بارزوا المنعم عليهم بالعظائم ونووا أنهم ~~لا ينفكون عن ذلك بقوا , والأعمال بالنيات , ولو كانوا يقدرون على أن لا ~~يموتوا لما ماتوا . | PageV07P052 ولما كان من مفهوم الإبلاس السكوت , أعلم ~~بأن سكوتهم ليس دائما لأن الإنسان إذا وطن نفسه على حالة واحدة ربما خف عنه ~~بعد الألم , فقال مبينا أنهم من البعد بمحل كبير لا يطمعون معه في خطاب ~~الملك , وأنهم مع علمهم باليأس يعلقون آمالهم بالخلاص كما يقع للمتمنين ~~للمحالات في الدنيا ليكون ذلك زيادة في المهم : { ونادوا } ثم بين أن ~~المنادي خازن النار فقال مؤكدا لبيان البعد بأداته : { يا مالك } وقراة ( ~~يا مال ) للإشارة إلى أن العذاب أوهنهم عن إتمام الكلام , ولذا قالوا : { ~~ليقض علينا } أي سله سؤالا حتما أن القضاء الي لا قضاء مثله , وهو الموت ~~على كل وحد منا , وجروا على عادتهم في الغباوة والجلافة فقالوا : { ربك } ~~أي المحسن إليك فلم يروا لله عليهم إحسانا وهم في تلك الحالة , فلا شك أن ~~إحسانه ما انقطع عن موجود أصلا , وأقل ذلك أنه لا يعذب أحدا منهم فوق ~~استحقاقه , ولذلك جعل النار دركات كما كانت الجنة درجات , ويجوز أن تكون ~~عبارتهم بذلك تغييظا له بما رأوا من ملابسة النار من تأثير فيه , ونداؤهم ~~لا ينافي إبلاسهم لأنه السكوت عن يأس , فسكوتهم المقيد ms4684 باليأس دائم , فلذلك ~~سألوا الموت , والحاصل أنهم لا يتكلمون ما يدل على رجاء الفرج بل هم ساكتون ~~أبدا عن ذلك . . . | اليأس لا على رجاء الفرج باللحاق برتبة المتقين . | ~~ولما ذكر نداءهم , استأنف ذكر جوابهم بقوله : { قال } أي مالك عليه الصلاة ~~والسلام مؤكدا لأطماعهم لأن كلامهم هذا بحيث يفهم الرجاء ويفهم بأن رحمة ~~الله تعالى التي هي موضع الرجاء خاصة بغيرهم { إنكم ماكثون } . | < < # | الزخرف : ( 78 - 83 ) لقد جئناكم بالحق . . . . . # > > ^ ( لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون * أم أبرموا أمرا فإنا ~~مبرمون * أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون * قل ~~إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين * سبحان رب السماوات والأرض رب العرش ~~عما يصفون * فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ) ^ } ) | ~~ولما ذكر سبحانه الساعة عند عيسى عليه الصلاة والسلام فقال { وإنه لعلم ~~للساعة } وأكد أمرها وشرح بعه أحوالها إلى أن ختم بمادل على انحلال عزائمهم ~~ولين شكائمهم , وكانوا غير مقريب بذلك , قال مؤكدا جوابا لمن يبصر بعض ~~البصر فيقول : أحق هذا ؟ ويتوقع الجواب : { لقد جئناكم } أي في هذه السورة ~~خصوصا وجميع القرآن عموما , سمى مجيء الرسل مجيئا لهم لما لمجيئهم من ~~العظمة التي أشارت إليها النون { بالحق } الكامل في الحقية , ولما كان ظهور ~~حقيته بحيث لا يخفى على أحد ولكن شدة البغض وشدة الحب تريان الأشياء على ~~غير ما هي عليه , قال إشارة إلى PageV07P053 ذلك : { ولكن أكثركم } أي أيها ~~المخاطبون { للحق كارهون } لما فيه من المنع عن الشهوات فلذلك أنتم تقولون ~~: إنه ليس بحق لأجل كراهتكم فقط , لا لأجل أن في حقيته نوعا من الخفاء . | ~~ولما كان هذا خبرا لا جواب فيه لظهور الدلائل وتعالي العظمة إلا الرجوع , ~~وكان من لا يرجع إنما يريد بمحاربة الإله الأعظم , قال عادلا عن الخطاب ~~إنزالا لهم بالغيبة منزلة البعيد الذي لا يلتفت إليه معادلا لما { أمرا } ~~تقديره : أرجعوا لما ظهر لهم من الحق الظاهر { أم أبرموا } أي أحكموا { ~~أمرا } في رد أمرنا ومعاداة أوليائنا مع علمهم بأنا مطلعون ms4685 عليهم . | ولما ~~كان سبحانه مطلعا بطية أمرهم وغائب سرهم , سبب عما سأل عنه من إبرامهم ما ~~دل على أنه عالم به وقد أبرم له قبل كونه ما يزيله ويعدمه ويحيله , على ~~سبيل التأكيد لإنكارهم أن يغلبوا فقال : { فإنا مبرمون } أي دائما للأمور ~~لعلمنا بها قبل كونها وقدرتنا واختيارنا , تلك صفتنا التي لا تحول بوجه : ~~العلم والقدرة والإرادة , لم يتجدد لنا شيء لم يكن . | ولما كان إصرارهم ~~بين العزم على مجاهرة القدير بالمعاداة وبين معاملته وهو عليم بالمساترة ~~والممكارة في المعاداة والمباكرة والمسالمة والمناكرة قال تعالى : { أم ~~يحسبون أنا } على ما لنا من العظمة المقتضية بجميع صفات الكمال { لا نسمع } ~~ولما كان المراد إثبات أن علمه تعالى محيط بالخفي والجلي , نسبة كل منهما ~~إليه على السواء , ذكرهما وقدم من شأنه أن الخفي ولو كان في الضمائر فيما ~~يعصينا , ولما كان ربما وقع في الأوهام أن المراد بالسمع إنما هو العلم لأن ~~السر ما يخفى وهو يعم ما في الضمائر وهي مما يعلم , حقق أن المراد به ~~حقيقته بقوله : { ونجواهم } أي كلامهم المرتفع حتى كأنه على نجوة أي مكان ~~عال , فعلم أن المراد حقيقة السمع , وأنه تعالى يسمع كل ما يمكن أن يسمع ~~ولو لم يكن في قدرتنا نحن سماعه , فنكون فيه كالأصم بالنسبة إلى ما نسمعه ~~نحن من الجهر ولا يسمعه هو لفقد قوة السمع فيه , لا لأنه مما من حقه ألا ~~يسمع . | ولما كان إنكار عدم السماع معناه السماع , صرح به فقال : { بلى } ~~أي نسمع الصنفين كليهما على حد سواء { ورسلنا } وهم الحفظة من الملائكة على ~~ما لهم من الظمة بنسبتهم إلينا . | ولما كان حضور الملائكة عمعنا وكتابتهم ~~لجميع أعمالنا على وجه لا نحس به نوع أحساس أمرا هو في غاية الغرابة , قال ~~معبرا بلدى التي يعبر بها عبر PageV07P054 اشتداد الغرابة : { لديهم يكتبون ~~} أي يجددون الكتابة كلما تجدد ما يقتضيها لأن الكتابة أوقع في التهديد , ~~لأن من علم أن أعماله محصاة مكتوبة تجنب ما يخاف عاقبته . | ولما تقدم أول ~~السورة ms4686 تبكيتهم والتعجيب منهم في ادعاءهم لله ولدا من الملائكة وهددهم ~~بقوله { ستكتب شهادتهم ويسألون } وذكر شبههم في قولهم { لو شاء الرحمن ما ~~عبدناهم } وجهلهم فيها بقوله { ما لهم بذلك من علم } ونفى أن يكون لهم على ~~ذلك دليل سمعي بقوله منكرا موبخا { أم آتيناهم كتابا } ومر في توهية أمرهم ~~في ذلك وغيره بما لاحم بعضه بعضا على ما تقدم إلى ما تمم نفي الدليل السمعي ~~على طريق النشر المشوش بقوله تعالى { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } , ~~ونظم به ما أتى به رسول أهل الكتاب مما يصدق ما أتى به كتابنا من التوحيد ~~وما هدد به من أعراض عنه إلى أن أخبر أنه الحق الذي لا زوال أصلا لشيء منه ~~, وأن رسله سبحانه تكتب جميع أعمالهم من شهادتهم في الملائكة وغيرها , أعاد ~~الكلام في إبطال شبهتهم في أن عبادتهم لهم لو كانت ممنوعةى لم يشأها الذي ~~له عموم الرحمة لأن عموم رحمته يمنع على زعمهم مشيئة ما هو محرم , فقال بعد ~~أن نفى قوله { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } أن يكون لهم دليل سمعي ~~على أحد من رسله عليهم الصلاة والسلام . | { قل إن كان للرحمن } أي العام ~~الرحمة { ولد } على ما زعمتم , والمراد به الجنس لادعائهم في الملائكة , ~~وغيرهم في غيرهم , وقراءة حمزة والكسائي بضم ثم سكون على أنه جمع على إرادة ~~الكثرة . | ولما كان المعنى : فأنا ما عبدت ذلك الولد ولا أعبده , ولو شاء ~~الرحمن ما تركت عبادته , ولكنه شاء تركي لها وشاء فعلكم لها , فإحداهما ~~قطعا مشيئة للباطل , وإلا لاجتمع النقيضان بأن يكون الشيء حقا باطلا في حال ~~واحد من وجه واحد , وهو بديهي الاستحالة , فبطلت شبهتكم بدليل قطعي - هكذا ~~كان الأصل , ولكنه عدل عنه إلى ما يفيد معناه وزيادة أنه يعبد الله مخلصا ~~ولا يعبد غيره , أنه لا يستحق اسم العبادة لإا ما كان له خالصا , فقال : { ~~فأنا } أي في الرتبة { أول العابدين } للرحمن , العبادة التي هي العبادة ~~ولا يستحق غيرها أن يسمى عبادة ms4687 وهي الخالصة , أي فأنا لا أعبد غيره لا ولدا ~~ولا غيره , ولم يشأ الرحمن لي أن أعبد الولد , أو يكون المعنى : أنا أول ~~العابدين للرحمن على وجه الإخلاص , لم أشرك به شيئا أصلا في وقت من الأوقات ~~مما سميتموه ولدا أو شريكا أو غيره , ولو شاء ما عبدته على وجه الإخلاص , ~~ولا شك عندكم وعند غيركم أن من أخلص لأحد كان أولى من غيره برحمة , فلو أن ~~الإخلاص له ممنوع ما شاء لي , ولولا أن عبادة غيره ممنوعة لشاءها لي , ولو ~~أن له ولدا لشاء لي عبادته , فإن عموم رحمته لكافة خلقه لكونهم خلقه ~~PageV07P055 وخصوصها بي لكوني عبده خالصا له يمنع على زعمكم من أن يشقيني ~~وأنا أخلص له , فبطلت شبهتكم بمثلها بل أقوى منها , وهذا مما علق بشيء هو ~~بنقيضه أولى , وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن ( أن ) نافية بمعنى : ما ~~ينبغي أي ما كان له ولد , فإني أول من عبده رتبة وما علمت له ولدا , ولو ~~كان له ولد لعلمته فعبدته تقربا إليه بعبادة ولده . | ولما بطلت الشبهة على ~~تقدير ببرهان , وعلى آخر بشبهة أقوى منها , وظهر الأمر واتضح الحق في أنه ~~سبحانه يشاء لشخص فعل شيء ولآخر عدم فعل ذلك الشيء وفعل ضده أو نقيضه , ومن ~~المعلوم قطعا أنه لا يكون فعل النقيضين ولا الضدين في آن واحد حقا من وجه ~~واحد , فعرف بذلك أن العبرة في الحلال والحرام بأمره ونهيه لا بإرادته , ~~وأنه لولا ذلك لما علم أنه فاعل بالاختيار يخص من يشاء منعباده بما يشاء ~~بعد أن عمهم بما شاء , كان موضع التنزيه عما نسبوه إليه من الباطلن فقال ~~منزها على وجه مظهر أنه لا يصح أن ينسب إليه ولد أصلا : { سبحان رب } أي ~~مبدع ومالك { السموات } ولما كان المقام للتنزيه وجهة العلوية أجدر , لأنه ~~أبعد عن النقص والنقيض , ولم يقتض الحال إعادة لفظ الرب بخلاف ما يأتي آخر ~~الجاثية , فإنه لإثبات الكمال ونظره إلى جميع الأشياء على حد سواء فقال : { ~~والأرض } أي اللتين ms4688 كل ما فيهما ومن فيهما مقهور مربوب محتاج لا يصح أن ~~يكون له منه سبحانه نسبة بغير العبودية بالإجاد والتربية . | ولما كانت ~~خاصة الملك أن يكون له ما لا يصل إليه غيره بوجه أصلا , قال محققا لملكه ~~لجميع ما سواه ومن سواه وملكه له , ولم يعد العاطف لأن العرش من السماوات : ~~{ رب العرش } أي المختص به لكونه خاصة الملك الذي وسع كرسيه السموات والأرض ~~{ عما يصفون } من أنه له ولد أو شريك . | ولما حصحص الحق لمعت في الموجود ~~كله أعلام الصدق بعد بطلان شبهتهم وبيان أغلوطتهم , عرف أنهم فاعلون بوضع ~~الأشيء في غير مواضعها فعل الخائض اللاعب , فقال مسببا عن ذلك : { فذرهم } ~~أي اتركهم على أسوأ أحوالهم { يخوضوا } أي يفعلوا فعل الخائض في الماء في ~~وضع رجله التي هي عماده فيما لا يعرفه , وقد لا ينقصه ولا يزيده { حتى ~~يلاقوا } أي يفعلوا بتصريم أعمارهم في فعل ما لا ينفعهم فعل المجتهدين في ~~أن يلقوا { يومهم الذي يوعدون } بوعد لا خلف فيه فيظهر فيه وعيدهم ويحق ~~تهديدهم . | PageV07P056 < < # | الزخرف : ( 84 - 89 ) وهو الذي في . . . . . # > > ^ ( وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم * ~~وتبارك الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ~~ترجعون * ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم ~~يعلمون * ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون * وقيله يرب إن ~~هؤلاء قوم لا يؤمنون * فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون ) ^ } ) | ولما ~~نزهه سبحانه عن الولد ودل على ذلك بأنه مالك كل شيء وملكه , وكان ذلك غير ~~ملازم للألوهية , دل على أنه مع ذلك هو الإله لا غيره في الكونين بدليل ~~بديهي يشترك في علمه الناس كلهم , وقدم السماء ليكون أصلا في ذلك يتبع لأن ~~الأرض تبع لها في غالب الأمور , فقال دالا على أن نسبة الوجود كله إليه على ~~حد سواء لأنه منزه عن الاحتياج إلى مكان أو زمان عاطفا على ما تقديره : ~~تنزه عما نسبوه إليه الذي هو معنى ms4689 { سبحان } : { وهو الذي } هو { في السماء ~~إله } أي معبود لا يشرك به شيء { وفي الأرض إله } توجه الرغباب إليه في ~~جميع الأحوال , ويخلص له في جميع أوقات الأضطرار , فقد وقع الإجماع من جميع ~~من في السماء والأرض على إلهيته فثبت استحقاقه لهذا الرتبة وثبت اختصاصه ~~باستحقاقها في الشدائد فباقي الأوقات كذلك من غير فرق لأنه لا مشارك له في ~~مثل هذا الاستحقاق , فعبادة غير باطلة , قال في القاموس : أله - أي بالفتح ~~- إلاهة وألوهة وألوهية : عبد عبادة , ومنه : لفظ الجلالة - وأصله : إله ~~بمعنى معبود وكل ما اتخذ معبودا فهو إله عند متخذه , وأله كفرح : تحير , ~~فقد علم من هذا جزاز تعلق الجار بإله . | ولما كان الإله لا يصلح للألوهية ~~إلا إذا كان يضع الأشياء في محلها بحيث لا يتطرق إليه فساد , ولا يضرها ~~إفساد مفسد , وكان لا يكون كذلك إلا بالغ العلم قال : { وهو الحكيم } أي ~~البليغ الحكمة , وهي العلم الذي لأجله وجب الحكم قال تعالى : { العليم } أي ~~البالغ في علمه إلى حد لا يدخل في عقل العقلاء أكثر من وصفه به على طريق ~~المبالغة ولو وسعوا أفكارهم وأطالوا أنظارهم لأنه ليس كمثله شيء في ذاته ~~ولا صفة من صفاته ليقاس به , وكل من ادعى فيه أنه شريك له لا يقدر من أشرك ~~به أن يدعي له ما وصف به من الإجماع على ألوهيته ومن كمال علمه وحكمه , ~~فثبت قطعا ببطلان الشركة بوجه يفهمه كل أحد , فلا خلاص حينئذ إن خالف كائنا ~~من كان , وإذا قد صح أنه الإله وحده وأنه منزه عن شريك وولد وكل شائبة نقص ~~كان PageV07P057 بحيث لا يخاف وعيده , فلا يخوض ولا يعلب عبده , ومن خاض ~~منهم أو لعب فلا يلومن إلا نفسه , فإن عمله محفوظ بعلمه فهو مجاز عليه ~~بحكمته . | ولما نزه ذاته الأقدس وأثبت لنفسه استحقاق الإلهية بالإجماع من ~~خلقه بما ركزه في فطرهم وهداهم إليه بعقولهم , أتبع ذلك أدلة أخرى بإثبات ~~كل كمال بما تسعه العقول وبما لا تسعه مصرحا بالملك فقالك { وتبارك } أي ms4690 ~~ثبت ثباتا لا يشبهه ثبات لأنه لا زوال مع التيمن والبركة وكل كمال , فلا ~~تشبيه له حتى يدعي أنه ولد له أو شريك , ثم وصفه بما يبين تباركه واختصاصه ~~بالإلهية فقال : { الذي له ملك السموات } أي كلها { والأرض } كذلك { وما ~~بينهما } وبين كل اثنين منها , والدليل على هذا الإجماع القائم على توحيده ~~عند الاضطرار . | لما ثبت اختصاصه بالملك وكان الملك لا يكون إلا عالما ~~بملكه وكان ربما ادعى مدع وتكذب معاند في الملك أو العلم , قطع الأطماع ~~بقوله : { وعنده } أي وحده { علم الساعة } سائقا له مساق ما هو معلوم الكون ~~, لا مجال للخلاف فيه إشارة إلى ما عليها من الأدلة القطعية المركوزة في ~~الفطرة الأولى فكيف يما يؤدي إليه الفكر من الذكر المنبه عليه السمع , ولأن ~~من ثبت اختصاصه بالملك وجب قبول أخباره لذاته , وخوفا من سطواته , ورجاء في ~~بركاته { وإليه } أي وحده لا إلى غيره بعد قيام الساعة { ترجعون } بأيسر ~~أمر تحقيقا لملكه وقطعا للنزاع في وحدانيته , وقراءة الجماعة وهم من عدا ~~ابن كثير وحمزة والكسائي وورش عن يعقوب بالخطاب أشد تهديدا من قراءة ~~الباقين بالغيب , وأدل على تناهي الغضب على من لا يقبل إليه بالمتاب بعد ~~رفع كل ما يمكن أن يتسبب عنه ارتياب . | ولما أرشد السياق قطعا إلى التقدير ~~: فلا شريك له في شيء من ذلك ولا ولده ولا يقدر أحد منهم على التخلف عن ~~الرجوع إليه كما أنه لا يقدر أحد على مدافعة قضائه وقدره , عطف عليه قوله : ~~{ ولا يملك } أي بوجه م الوجوه في وقت ما { الذين يدعون } أي يجعلونهم في ~~موضع الدعاء بعبادتهم لهم , وبين سفول رتبتهم بقوله تعالى : { من دونه } من ~~أدنى رتبة من رتبته من الأصنام والملائكة والبشر وغيرهم { الشفاعة } أي فلا ~~يكون منهم شفيع كما زعموا أنهم شفعاؤهم { إلا من شهد } أي منهم { بالحق } . ~~| أي التوحيد الذي يطابقه الواقع إذا انكشف أتم انكشاف وكذا ما يتبعه فإنه ~~يكون أهلا لأن يشفع كالملائكة والمسيح عليهم الصلاة والسلام , والمعنى أن ~~أصنامهم التي ادعوا ms4691 أنها تشفع لهم لا تشفع غير أنه تعالى ساقه على أبلغ ما ~~يكون لأنه كالدعوى . | ولما كان ذلك مركوزا حتى في فطر الكفار فلا يفزعون ~~في وقت الشدائد إلا إلى PageV07P058 الله , ولكنهم لا يلبثون أن يعملوا من ~~الإشراك بما يخالف ذلك , فكأنه لا علم لهم قال : { وهم } أو والحال أن من ~~شهد { يعلمون } أي على بصيرة مما شهدوا به , فلذلك لا يعملون بخلاف ما ~~شهدوا إلا جهلا منهم بتحقيق معنى التوحيد , فلذلك يظنون أنهم لم يخرجوا عنه ~~وإن أشكروا , أو يكون المعنى : وهم من أهل العلم , والأصنام ليسوا كذلك , ~~وكأنه أفرد أولا إشارة إلى أن التوحيد فرض عين عل ىكل أحد بخصوصه وإن خالفه ~~كل غير , وجمع ثانيا إيذانا بالأمر بالمعروف ليجتمع الكل على العلم ~~والتوحيد هو الأساس الذي لا تصح عبادة إلا به , وتحقيقه هو العلم الذي لا ~~علم يعدله , قال الرازي في اللوامع : وجميع الفرق إنما ضلوا حيث لم يعرفوا ~~معنى الواحد على الوجه الذي ينبغي إذ الواحد قد يكون مبدأ العدد , وقد يكون ~~مخالطا للعدد , وقد يكون ملازما للعدد , والله تعالى منزه عن هذه الواحدات ~~- انتهى . | ففي الآية تبكيت لهم في أنهم يوحدون في أوقات , فغذا أنجاهم ~~الذي وحدوه جعلوا شكرهم له في الرخاء إشراكهم به , ومنع لهم من ادعاء هذه ~~الرتبة , وهي الشهادة بالحق لأنهم انسلخوا بإشراكهم عن العلم , وأن ~~الملائكة لا تشفع لهم لأن ذكل يؤدي إلى أن تكون قد عملت بخلاف ما تعلم , ~~وذلك ينتج الانسلاخ من العلم المؤهل للشفاعة , وقال ابن الجوزي : وفي الآية ~~دليل على أن شرط جميع الشهادات أن يكون الشاهد عالما بما يشهد به . | ولما ~~كان التقدي رلتقرير وجود إلهيته في الأرض بالاجتماع : فلئن سألتهم من ~~ينجيهم في وقت كروبهم ليقولن : اللهن ليس لمن ندعوه من دونه هناك فعل , ~~فقال عطفا عليه : { ولئن سألتهم } أي الكفار { من خلقهم } أي العابدين ~~والمعبودين معا , أجابوا بما يدل على عمى القلب الحقيقي المجبول عليه ~~والمطبوع بطابع الحكمة الإلهية عليه , ولم يصدقوا في جواب ms4692 مثله بقوله : { ~~إذ سألتهم } : { ليقولن الله } الذي له جميع صفات الكمال هو الذي خلق الكل ~~ليس لمن يدعوه منه شيء , ولذلك سبب عنه قوله : { فأنى } أي كيف ومن أي جهة ~~بعد أن أثبتوا له الخلق والأمر { يؤفكون } أي يقلبون عن وجوه الأمور إلى ~~أقفائها من قالب ما كائنا من كان , فيدعون أن له شريكا تارة بالولدية , ~~وتارة بغيرها , مع ما ركز في فطرهم مما ثبت به أنه لا شريك له لأن له الخلق ~~والأمر كله . | ولما أبطل سبحانه شبهتهم ووهى غاية التوهية أمرهم في شركهم ~~وادعائهم الولد وغير ذلك مما تضمنته أقوالهم الفاسدة المنسوبة إليهم في هذه ~~السورة , وأقام حجج الحق , ونصب براهين الصدق , وأبت ما ينفعهم , وحذرهم ما ~~يضرهم , حتى ختم ذلك بقوله مقسما مع جلالة قدره وعظم أمره { لقد جئناكم ~~بالحق } ثم حصر أمرهم في رد PageV07P059 ذلك إن ردوه غلى قسمين في حالين : ~~حال مجاهرة وحال مماكرة , وأخبر أ , ه لا نجاة لهم على حالة منهما , وأخبر ~~أن رسله تعالى يكتبون جميع أمورهم , ذلك مع غناه عن ذلك لعلمه بما يكتبونه ~~من ذلك وغيره مما لا يطلعون , عليه , فكان ذلك فخرا عظيما ملاحما أشد ~~الملاحمة لما قدمه من شبهتهم في ادعاء الولد فأكد إبطالها وحقق زوالها , ~~وختم بالعتجيب من حالهم في تركهم وجوه الأمور واتباعهم أقفائها , وكان من ~~جملة ذلك عملهم عمل من يظن أن الله سبحانه لا يسمع قولهم الموجب لأخذهم ~~وقول رسوله : الموجب لنصره , عطف على ما مضى من إنكارهم عليهم عدم سماعه ~~لقولهم , ولما كان اشتدادهم في تكذيبهم ومباعدتهم وعنادهم لا يزداد بمرور ~~الزمان إلا قوة أوقع في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم أسفا ورقة وشفقة ~~عليهم وعطفا , وصار يشكا أمرهم إلى ربه شكوى المضطر سرا وعلنا إرادة ~~التيسير في أمرهم والتهوين لشأنهم , فاختير للتعبير عن هذا المعنى مصدر ( ~~قال ) المشترك لفظه مع لفظ الماضي المبني للمجهول إشارة إلى أن شكواه بذلك ~~كأنها صارت أمرا ضروريا له لا اختيار له في قوله فكأنه صار ms4693 قولا من غير ~~قائل أو من غير قصد , لأنه صار حالا من الأحوال , ووصل به الضمير من غير ~~تقدم على سرهم المقدر بعد { بلى } في قوله تعالى : { إنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم بلى } أو وهو قراءة عاصم له وحمزة بالجر فإنه ظاهر في تعلقه بذلك ~~لعطفه على لفظ { الساعة } , وقرئ شاذا بالرفع , ووجهه أن الواو للحال , أي ~~كيف يصرفون عن اتباع رسولنا الآمر لهم بتوحيدنا في العبادة كما أنا توحدنا ~~بالخلق والحال أن قيله كذا في شكايتهم , أفيظنون أنا لا ننصره وقد أرسلناه ~~: { وقيله } الذي صار في ملازمته وعدم انفكاكه حالا من الأحوال , الدال على ~~وجه ثيله وانكسار نفسه بما دلت عليه كسرة المصدر وياؤه المجانسة لها , ~~والتعبير بقوله : { يا رب } دال على ذلك بما تفيده ( يا ) الدالة على بعد , ~~أو تقديره , والرب الدال على الإحسان والعطف والشفقة والتدبير والسيادة ~~الاختصاص والولاية , وذلك على غير العادة في دعاء المقربين , فإنها جارية ~~في القرآن بإسقاط أداة النداء . | ولما كان الإرسال إليهم - والمرسل قادر - ~~مقتضيا لإيمانهم , أكاد ما ظهر له من حالهم بقوله زيادة في التحسر وإشارة ~~إلى أن تأخير أمرهم يدل على أن إيمانهم مطموع فيه : { إن هؤلاء } لم يضفهم ~~إلى نفسه بأن يقول : قومي , ونحو ذلك من العبارات ولا سماهم باسم قبيلتهم ~~لما ساءه من حالهم , وأتى بهاء المنبهة قبل اسم على غير عادة PageV07P060 ~~الأصل إشارة إلى أن استشعر من نفسه بعدا استصغارا لها واحتقارا { قوم } أي ~~أقوياء على الباطل { لا يؤمنون } أي لا يتجدد منهم هذا الفعل . | ولما كان ~~هذا قولا دالا على غاية ما يكون من بلوغ الجهد , تسبب عنه ما يسره بإيمانهم ~~وبلوغهم الرتب العالية التي هي نتيجة ما كان مترجى لهم أول السورة , وذلك ~~كله ببركته صلى الله عليه وسلم في سياق ظاهره التهديد وباطنه - بالنسبة إلى ~~علمه - البشارة بالتشديد فقال : { فاصفح عنهم } أي اعف عمن أعرض منهم صفحا ~~فلا تلتفت إليهم بغير التبليغ { وقل } أي لهم : { سلام } أي شأني الآن ~~متاركتكم بسلامتكم مني وسلامتي منكم ms4694 { فسوف يعلمون } بوعد لا خلف فيه , ~~فهذا ظاهره تهديد كبير , وقراءة المدنيين وابن عامر بالخطاب أشد تهديدا , ~~وباطنه من التعبير بالصفح عنهم والسلام بشارة لأنهم يصيرون علماء فيفوقون ~~الأمم في العلم بعد أن يفوقهم في العقل - بما أفهمه أول السورة - فيعلون ~~الأمم في المشي على مناهيج العقل , فلله دره من آخر عانق الأول , ومقطع رد ~~إلى المطلع تنزل , يا ناظم اللآلئ ! أين تذهب عن هذا البناء العالي , وتغفل ~~عن هذا الجوهر الرخص الغالي , وتضل عن هذا الضياء اللامع الملألىء , ثم ~~أعلاه فأنزله , وأغلاه بدر المعاني وفضله . | . . . . | PageV07P061 < # > سورة الدخان < # > < < # | الدخان : ( 1 - 8 ) حم # > > ^ ( حم * والكتاب المبين * إنآ أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا ~~منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم * أمرا من عندنآ إنا كنا مرسلين * رحمة من ~~ربك إنه هو السميع العليم * رب السماوات والأرض وما بينهمآ إن كنتم موقنين ~~* لا إله إلا هو يحيي ويميت ربكم ورب آبآئكم الأولين ) ^ } ) | مقصودها ~~الإنذار من الهلكة لمن لم يقبل ما في الذكر الكريم الحكيم من الخير والبركة ~~رحمة جعلها بين عامة مشتركة , وعلى ذلك دل اسمها الدخان إذا تؤملت آياته ~~وإفصاح ما فيها وإشاراته { بسم الله } الملك الجبار الواحد القهار { الرحمن ~~} الذي عم بنعمة النذارة { الرحيم } الذي خص أهل وداده برحمة البشارة . | ~~تقدمت الإشارة إلى شيء من أسرار أخواتها . | ولما ختمت الزخرف ببشارة باطنة ~~ونذارة ظاهرة , وكان ما بشر به سبحانه من علم العرب وسلامتهم من غوائل ما ~~كانوافيه مستبعدا , افتتح هذا بمثل ذلك مقسما عليه . | فقال : { والكتاب } ~~أي الجامع لكل خير { المبين } أي البين في نفسه , الموضح لما تقدم من دقيق ~~البشارة لأهل الصفاء والبصارة , واضح النذارة بصريح العبارة , وغير ذلك من ~~كل ما يراد منه , ولأجل ما ذكر من الاستبعاد أكد جواب القسم وأتى به في ~~مظهر العظمة فقال : { إنا } أي بما لنا من العظمة { أنزلناه } أي الكتاب ~~إما جميعا إلى بيت العزة في سماء الدنيا أو ابتدأنا إنزاله إلى الأرض { في ~~ليلة مباركة } أي ليلة القدر - قاله ابن عباس رضي ms4695 الله عنهما أو النصف من ~~شعبان , فلذلك يتأثر عنه من التأثيرات ما لم تحط به الأفهام في الدين ~~والدنيا , قال الأستاذ أبو القاسم القشيري : ينزل إلى سماء الدنيا كل سنة ~~بمقدار ما كان جبريل عليه السلام ينزله على الرسول صلى الله عليه وسلم في ~~تلك السنة وسماها { مباركة } لأنها ليلة افتتاح الوصلة وأشد الليالي بركة ~~يكون العبد فيها PageV07P062 حاضرا بقلبه مشاهدا لربه , يتنعم فيها بأنوار ~~الوصلة ويجد فيها نسيم القربة , وقال الرازي في اللوامع : وأعظم الليالي ~~بركة ما كوشف فيها بحقائق الأشياء . | ولما كان هذا موضحا لما لوح به آخر ~~تلك من البشارة في ظاهر النذارة , علل الإنزال أو استأنف ما فيه من واضح ~~النذارة الموصل إلى المعاني المقتضية للبشارة , فقال مؤكدا لأجل تكذيبهم : ~~{ إنا } أي على ما نحن عليه من الجلال { كنا } بما لنا من العظمة دائما ~~لعبادنا { منذرين } لا نؤاخذهم من غير إنذار , فلأجل رحمتنا لهؤلاء القوم ~~وهم أرق الناس طبعا وأصفاهم قلوبا وأوعاهم سمعا نوصلهم بما هيأناهم به من ~~ذلك إلى ما لم يصل غيرهم إليه ولم قاربه من المالي في الأخلاق والشمائل ~~والاكتساب لجميع الفضائل . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت ~~سورة حم السجدة وسورة الشورى من ذكر الكتاب العزيز ما قد أشير إليه مما لم ~~تنطو سورة غافر على شيء منه , وحصل من مجموع ذلك الإعلام بتنزيله من عند ~~الله وتفصيله وكونه قرآنا عربيا إلى ما ذكر تعالى من خصائصه إلى قوله < # > 77 ( { وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون } ) 77 < # > [ الزخرف : 44 ] وتعلق الكلام بعد هذا بعضه ببعض إلى آخر السورة , ~~افتتح تعالى سورة الدخان بما يكمل ذلك الغرض , وهو التعريف بوقت إنزاله إلى ~~سماء الدنيا فقال تعالى : { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } ثم ذكر من فضلها ~~فقال { فيها يفرق كل أمر حكيم } فحصل وصف الكتاب بخصائصه والتعريف بوقت ~~إنزاله إلى سماء الدنيا وتقدم الأهم من ذلك في السورتين قبل , وتأخر ~~التعريف بوقت إنزاله إلى السماء الدنيا إذ ليس في التأكيد كالمتقدم , ثم ms4696 ~~وقع إثر هذا تفصيل وعيد قد أجمل في قوله تعالى { فاصفح عنهم وقل سلام فسوف ~~يعلمون } وما تقدمه من قوله { أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون } وقوله سبحانه { ~~أم يحسبون أنا نسمع سرهم ونجواهم } وتنزيهه سبحانه وتعالى نفسه عن عظيم ~~افترائهم في جعلهم الشريك والولد - إلى آخر السورة , ففصل بعض ما أجملته ~~هذا الآي في قوله تعالى في صدر سورة الدخان { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان ~~مبين } وقوله تعالى { يوم نبطش البطشة الكبرى } , والإشارة إلى يوم بدر , ~~ثم ذكر شأن غيرهم في هذا وهلاكهم بسوء ما ارتكبوا ليشعروا أن لا فارق إن هم ~~عقلا واعتبروا , ثم عرض بقرنهم في مقالته ما بين لابتيها أعز مني ولا أكرم ~~, ثم ذكر تعالى : { شجرة الزقوم } إلى قوله : { ذق إنك أنت العزيز الكريم } ~~والتحم هذا كله التحاما يبهر العقول , ثم اتبع بذكر حال المتقين جريا على ~~المطرد من شفع الترغيب والترهيب ليبين حال الفريقين وينتج علم الواضح من ~~الطريقين , ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم { فإنما يسرناه بلسانك لعلهم ~~يتذكرون } وقد PageV07P063 أخبره مع بيان الأمر ووضوحه أنه { إنما يتذكر من ~~يخشى } ثم قال { فارتقب } وعدك ووعيدهم { إنهم مرتقبون } . | ولما وصف ليلة ~~إنزال هذا القرآن بالبركة , وأعلم أن من أعظم بركتها النذارة , وكانت ~~النذارة مع أنها فرقت من البشارة أمرا عظيما موجبا لفرقان ما بين المحاسن ~~والمساوىء من الأعمال قائدة إلى كل خير بدليل أن أتباع ذوي البركة من ~~العماء , وإذا تعارض عندهم أمر العالم والظالم , قدموا أمر الظالم لما ~~يخافون من نذارته , وأهملوا أمر العالم وإن عظم الرجاء لبشارته , قال معللا ~~لبركتها بعد تعليل الإنزال فيها , ومعمما لها يحصل فيها من بركات التفضيل : ~~{ فيها } أي الليلة المباركة سواء قلنا : إنها ليلة القدر أو ليلة النصف ~~أصالة أو مآلا { يفرق } أي ينشر ويبين ويفصل ويوضح مرة بعد مرة { كل أمر ~~حكيم } أي محكم الأمر لا يستطاع أن يطعن فيه بوجه من جميع ما يوحى به من ~~الكتب وغيرها والرزاق والآجال والنصر والهزيمة والخصب والقحط وغيرها ms4697 من ~~جميع أقسام الحوادث وجزئيا في أوقاتها وأماكنها , ويبين ذلك للملائكة من ~~تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل فيجدونه سواء فيزدادون بذلك إيمانا , ~~قال البغوي رحمه الله : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يكتب من أم الكتاب ~~في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير والشر , والأرزاق والآجال , ~~قال : وروى أبو الضحى عنه أن الله تعالى يقضي الأقضية في ليلة النصف من ~~شعبان فيسلمها إلى أربابها في ليلة القدر . | وقال الكرماني : فيسلمها إلى ~~إلى أربابها وعملها من الملائكة ليلة السابع والشعرين من شهر رمضان . | ~~ولما كان هذا مفهما لأمور لا حصر لها , بين أنه لا كلفة عليه سبحانه فيه , ~~ولا تجدد عنده في وقت من الأوقات لشيء لم يكن قبل إلا تعليق القدرة على وفق ~~الإرادة , فقال مؤكدا لفخامة ما تضمنه وصفه بأنه حكيم : { أمرا } أي حال ~~كون هذا كله مع انتشاره وعدم انحصاره أمرا عظيما جدا واحدا لا تعدد فيه ~~دبرناه في الأزل وقررناه وأتناه واخترناه ليوجد في أوقاته بتقدير , ويبرز ~~على ما له من الإحكام في أحيانه في في أقل من لمح البصر , ودل على أنه ليس ~~مستغرقا لما تحت قدرته سبحانه بإثبات الجار فقال : { من عندنا } أي من ~~العاديات والخوارق وما وراءها . | ولما بين حال الفرقان الذي من جملته ~~الإنذار , علله بقوله مؤكدا ملا هلم من الإنكار : { إنا } أي بما لنا من ~~أوصاف الكمال وكمال العظمة { كنا } أي أزلا وأبدا { مرسلين } أي لنا صفة ~~الإرسال بالقدرة عليها في كل حين والإرسال لمصالح العباد , لا بد فيه من ~~الفرقان بالبشارة والنذارة وغيرهما حتى لا يكون لبس , فلا يكون لأحد على ~~الله حجة بعد الرسل , وهذا الكلام المنتظم والقول الملتحم بعضه ببعض , ~~المتراصف أجمل رصف في وصف ليلة الإنزال PageV07P064 دال على أنه لم تنزل ~~صحيفة ولا كتاب إلا في هذه الليلة , فيدل على أنها ليلة القدر للأحاديث ~~الواردة في أن الكتب كلها نزلت فيها كما بينته في كتابي ( مصاعد النظر ~~للإشراف على مقاصد السور ) وكذا قوله ms4698 في سورة القدر { تنزل الملائكة والروح ~~فيها بإذن ربهم من كل أمر } فإن الوحي الذي هو مجمع ذلك هو روح الأمور ~~الحكيمة , وبين سبحانه حال الرسالات بقوله : { رحمة } وعدل لأجل ما اقتضاه ~~التعبير بالرحمة عما كان من أسلوب التكلم بالعظمة من قوله ( منا ) إلى قوله ~~: { من ربك } أي المحسن إليك بإرسالك وإرسال كل نبي مضى من قبلك , فإن ~~رسالاتهم كانت لبث الأنوار في العباد , وتمهيد الشرائع في العباد , حتى ~~استنارت القلوب , واطمأنت النفوس , بما صارت تعهد من شرع الشرائع وتوطئة ~~الأديان , فتسهلت طرق الرب لتعميم رسالتك حتى ملأت أنوارك الآفاق , فكنت ~~نتيجة كل من تقدمك من الرفاق . | ولما كانت الرسالة لا بد فيها من السمع ~~والعلم , قال : { إنه هو } أي وحده { السميع } أي فهو الحي المريد { العليم ~~} فهو القدير البصير المتكلم , يسمع ما يقوله رسله وما يقال لهم , وكل ما ~~يمكن أن يسمع وإن كان بحيث لا يسمعه غيره من الكلام النفسي وغيره الذي هو ~~بالنسبة إلى سمعنا كنسبة ما تسمعه من الكلام إلى سمع الأصم وسمعه ليس ~~كأسماعنا , بل هو متعلق بالمسموعات على ما هي عليه قبل وجودها كما أن علمه ~~متعلق بالمعلومات كما هي قبل كونها . | ولما ذكر إنزال الكتاب على تلك ~~الحال العظيمة البركة لأجل الإرسال , وبين أن معظم ثمرة الإرسال الإنذار ~~لما للمرسل إليهم من أنفسهم من التوراة , دل على ذلك من التدبير المحكم ~~الذي اقتضته حكمة التربية فقال : { رب } أي مالك ومنشئ ومدبر { السماوات } ~~أي جميع الأجرام العلوية { والأرض } وما فيها { وما بينهما } مما تشاهدون ~~من هذا الفضاء , وما فيه من الهواء وغيره , مما تعلمون من اكتساب العباد , ~~وغيرهما مما لا تعلمون , ومن المعلوم أنه ذو العرش والكرسي فعلم بهذا أنه ~~مالك الملك كله . | ولما كانوا مقرين بهذا الربوبية ويأنفون من وصفهم بأنهم ~~غير محققين لشيء يعترفون به , أشار إلى ما يلزمهم بهذا الإقرار إن كانوا ~~كما يزعمون من التحقيق فقال : { إن كنتم موقنين } أي إن كان لكم إيقان بأنه ~~الخالق لما ركز في غرائزكم ms4699 وجبلاتكم رسوخ العلم الصافي السالم عن شوائب ~~الأكدار من حظوظ النفوس وعوائق العلائق , PageV07P065 فأنتم تعلمون أنه لا ~~بد لهذه الأجرام الكثيفة جدا المتعالي بعضها عن بعض بلا ممسك تشاهودنه مع ~~تغير كل منها بأنواع الغير من رب , وأنه لا يكون وهي على هذا النظام إلا ~~وهو كامل العلم شامل القدرة , مختار في تدبيره , حكيم في شأنه كله وجيمع ~~تقديره , وأنه لا يجوز في الحكمة أن يدع من فيها من العلماء العقلاء الذين ~~هم خلاصة ما فيهما هملا يبغي بعضهم على بعض منغير رسول معلم بأوامره , ~~وأحكامه وزواجره , منبه لهم على أنه ما خلق هذا الخلق كله إلا لأجلهم , ~~ليحذروا سطواته ويقيدوا بالشكر على ما حباهم به من أنواع هباته . | ولما ~~ثبت بهذا النظر الصافي ربوبيته , وبعدم اختلال التدبير على طول الزمان ~~وحدانيته , وبعدم الجري على نظام واحد من كل وجه فعله بالاختيار وقدرته , ~~صرح أي وإلا منبها لهم على أن النظر الصحيح أنتج ذلم ولا بد فقال تعالى : { ~~لا إله إلا هو } أي وإلا لنازعه في أمرهما أو بعضه منازع , أو أمكن أن ~~ينازع فيكون محتاجا لا محالة . | وإلا لدفع عنه من يمكن نزعه له وخلافه ~~إياه , فلا يكون صالحا للتدبير والقهر لكل من يخالف رسله والإيحاء لكل من ~~يوافقهم على مر الزمان وتطاول الدهر ومد الحدثان على نظام مستمر , وحال ~~ثابت مستقر . | ولما ثبت أنه لا مدبر للوجود غيره , ثبت قوله تعالى : { ~~يحيى ويميت } لأن ذلك من أجل ما فيهما من التدبير , وهو تنبيه على تمام ~~دليل الوحدانية لأنه لا شيء مما فيهما يبقى ليسند التدبير إليه , ويحال شيء ~~من الأمور عليه , فهما جملتان : الأولى نافية لما أثبتوه من الشركة , ~~والثانية مثبتة لما نفوه من البعث . | ولما ثبت أنه المختص بالإفاضة والسلب ~~, وكان السلب إدل على القهر , ذكرهم ما لهم من ذلك ي أنفسهم فقال سبحانه : ~~{ ربكم } أي الذي أفاض عليكم ما تشاهدونه من النعم في الأرواح وغيرها { ورب ~~آبائكم } ولما كانوا يشاهدون من ربوبيته لأقرب آبائهم ما يشاهدون ms4700 لأنفسهم , ~~رقي نظرهم إلى النهاية فقال : { الأولين } أي الذين أفاض عليهم ما أفاض ~~عليكم ثم سلبهم ذلك كما تعلمون , فلم يقدر أحد منهم على ممانعة ولا طمع في ~~منازعة بنوع مدافعة . | < < # | الدخان : ( 9 - 15 ) بل هم في . . . . . # > > ^ ( بل هم في شك يلعبون * فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان مبين * يغشى ~~الناس هذا عذاب أليم * ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون * أنى لهم الذكرى ~~وقد جآءهم رسول مبين * ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون * إنا كاشفو العذاب ~~قليلا إنكم عآئدون ) ^ } ) | PageV07P066 ولما كان أكثرهم منكرا لما لزمه ~~القطع به بهذا البرهان الزاهر والسلطان الظاهر القاهر عنادا ولددا وإن كان ~~باطنه على غير ذلك , فكان فعله فعل الشاك اللاعب , كان التقدير لأجل ما ~~يظهر من حالهم : لكنكم غير موقنين لعلم من العلوم , بنى عليه قوله مع الصرف ~~إلى الغيبة إعراضا عنهم أيذانا بالغضب , وأنهم أهل للمعاجلة بالعطب : { بل ~~هم } أي بضمائرهم { في شك } لأنهم لا يجردون أنفسهم من شوائب المكدرات ~~لصفاء العلم , ثم أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم أن الشاغل لهم عن هذا المهم ~~حال الصبيان مع ادعائهم الكمال بأخلاق الأجلاء من الرجال فقال : { يلعبون } ~~أي فعلون دائما فعل التارك لما هو فيه من أجد الجد الذي لا مرية فيه اللعب ~~الذي لا فائدة فيه ولا ثمرة له بوجه بعد فعل الشاك بالإعراض وعدم الإسراع ~~إلى التصديق والإيقاظ . | ولما كان هذا موضع أن يقول الرسول صلى الله عليه ~~وسلم المفهوم من السياق : فماذا صنع فيهم بعد هذا البيان , الذي لم يدع ~~لبسا لإنسان ؟ سبب عن ذلك قوله تسلية له وتهديدا لهم : { فارتقب } أي انتظر ~~بكل جهد عاليا عليم نظارا لأحوالهم نظر من هو حارس لها , متحفظا من مثلها ~~بهمة كهمة الأسد الأرقب , والفعل متعد ولكنه قصر تهويلا لذهاب الوهم في ~~مفعوله كل مذهب , ولعل المراد في الأصل ما يحصل من أسباب نصرك وموجبات ~~خذلانهم { يوم تأتي السماء } أي فيما يخيل للعين لما يغشي البصر من شدة ~~الجهد بالجوع إن كان المراد ما حصل ms4701 لهم من المجاعة الناشئة عن القحط الذي ~~سببه قوله صلى الله عليه وسلم ( اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ) وروي في ~~الصحيح أن الرجل منهم كان يرى ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان , وفي ~~الواقع أن المراد عند قرب الساعة وعقب قيامها , فإنه ورد أنه يأتي إذ ذاك ~~فيغشي الناس ويحصل للمؤمن منه كهيئة الزكان , ويجوز أن يكون المراد أعم من ~~ذلك كله وأوله وقت القحط وكان آية على ما بعده , أو منه ما يأتي عند خروج ~~الدخان من القحط الذي يحصل قبله أو غيره كما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ( إني قد خبأت لك خبأ فما هو ؟ ) قال : الدخ , ففسر بالدخان , فلذلك ~~قال تعالى : { بدخان مبين } أي واضح لا لبس فيه عند رائية ومبين لما سواه ~~من الآيات للفطن { يغشى الناس } أي المهددين بهذا , وهم الذين رضوا بحضيض ~~النوس والاضطراب عن أوج الثبات في رتبة الصواب , روى مسلم في صحيحه عن أبي ~~PageV07P067 هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : بادروا ~~بالأعمال ستا : الدجال والدخان ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وأمر ~~العامة وخويصة أحدكم . | ولما كان من المعلوم أنهم يقولون عند إتيانه جريا ~~على عادة جهلهم : ما هذا ؟ أجيبوا بقوله تعالى حكاية عن لسان الحال , أو ~~قول بعضهم أو بعض أولياء الله : { هذا عذاب أليم } يخلص وجعه إلى القلب ~~فيبلغ في ألمه بما كنتم تؤلمون دعائكم إلى الله برد مقولهم والاستخفاف ~~باغتراركم بكثرة العدد والقوة والمدد . | ولما كان كأنه قيل : فما قالوا ~~حين تحققوا ذلك ؟ قيل : قالوا وقد انحلت عرى تلك الغزائم , ووهت تلك القوى ~~من كل عازم , وسفلت بعد العو تلك الشوامخ من الهمم مدعين أنهم لغاية ~~الإذعان من أهل القرب والرضوان : { ربنا } أي أيها المبدع لنا والمحسن ~~إلينا { اكشف عنا العذاب } ثم عللوا ذلك بما علموا أنه الموجب كشفه , ~~فقالوا مؤكدين لما لحالهم من المنافاة لخبرهم : { إنا مؤمنون } أي عريقون ~~في وصف الإيمان واصلون إلى رتبة الإيقان , وهذا يصح أن يراد ms4702 به بعد طلوع ~~الشمس من مغربها , روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( لا تقوم الساعة حتى تطلع اشمس من مغربها , فإذا ~~طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون , وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها ) ثم قرأ ~~الآية , وإن كان المراد بالعذاب ما حصل من القحط كان هذا الإيمان على سبيل ~~الوعد . | ولما كان كشف الآيات وإظهار العذاب لا يفيد في الدلالة على الحق ~~أكثر مما أفاده الرسول صلى الله عليه وسلم بما أقامه من المعجزات بل إفادة ~~الرسول أعظم , أجيب من كأنه سأل عن حالهم عند ذلك بقوله معرضا عن خطابهم , ~~إيذانا بدوام مصابهم , لئلا يظن أنه ما كشف عنهم العذاب إلا لظن أنهم ~~صادقون : { أنى } أي كيف ومن أين { لهم الذكرى } أي هذا التذكر العظيم الذي ~~وصفوا به أنفسهم { وقد } أي والحال أنه قد { جاءهم } ما هو أعظم من ذلك بما ~~لا يقاس { رسول مبين } أي ظاهر غاية الظهور أنه رسولنا , وموضح غاية ~~الإيضاح لما جاء به عنا بما أظهر من الآيات , وغير ذلك من الدلالات . | ~~ولما كان الإعراض عنه مع ماله من العظمة بالبيان استخفافا به وبمن جاء من ~~PageV07P068 بعده , أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال : { ثم } أي بعد ما له ~~من علي الرتبة في نفسه وبالإضافة إلى من أرسله . | ولما كانت الفطر الأولى ~~داعية إلى الإقبال على الحق , نازعة إلى الانقطاع إلى الله والعكوف ببابه , ~~واللجاء إلى جنابه , إلا بجهد من النفس في النفور وعلاج دواعي الثبور , ~~أشار إلى ذلك بالتعبير بصيغة التفعل فقال : { تولوا عنه } أي أطاعوا ما ~~دعاهم إلى الإدبار عنه من دواعي الهوى ونوازع الشهوات والحظوظ { وقالوا } ~~أي زيادة على إساءتهم بالتولي : { معلم } أي علمه غيره من البشر { منون } ~~فلم يبالوا باتناقض البين الأمر , وهذا يدل على أن من لا يبالي بعرضه ولا ~~حياء له لا طيب لدائه لأنه لا وجود لدوائه , وأنه إذا مس بما يلينه ويرده ~~ويهينه لا يؤمن من رجوعه إلى الحال السيىء عند ms4703 كشف ذلك الضر عنه . | ولما ~~لفت سبحانه الخطاب عنهم إهانة لهم , بين أن سببه أن داءهم عضال , فليس به ~~أبدا زوال , فقال مؤكدا لاستبعادهم زوال ما هم فيه : { إنا } أي على ما لنا ~~من العظمة بالعلم المحيط وغيره { كاشفوا العذاب } أي عنكم بدعاء رسولكم صل ~~الله عليه وسلم في القول بأن الدخان ما كانوا يرونه بسبب الجوع من القحط { ~~قليلا } إقامة للحجة عليكم لا لخفاء ما في ضمائركم علينا . | ولما كانوا قد ~~أكدوا الإخبار بإيمانهم , وهو باطل , أكد سبحانه الإخبار بكذبهم , ومن أصدق ~~منه سبحانه قيلا , فقال تحقيقا لقوله تعالى ^ ( { ولو ردوا لعادوا لما نهوا ~~عنه } ) ^ ^ ( { وإنهم لكاذبون } ) ^ [ الأنعام : 28 ] : { إنكم عائدون } ~~أي ثابت عودكم بعد كشفنا عنكم في ذلك الزمن القصير إلى الكفران وإن أكدتم ~~حصول الإيمان بأكيد الإيمان لما في جبلاتكم من العوج ولطباعكم من المبادرة ~~إلى الزلل , فإيمانكم هذا الذي أخبرتم برسوخه عرض زائل وخيال باطل , وإن ~~كان هذا في آخر الزمان فلا يدع أن يكون الخطاب لهم على حقيقته بملك أو غيره ~~ممن يرده الله تعالى لأن ذلك زمان خرق العادات ونقض المطردات إقامة للحجة ~~عليهم وله الحجة البالغة , وتأديبا لنا وتعليما . | < < # | الدخان : ( 16 - 18 ) يوم نبطش البطشة . . . . . # > > ^ ( يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون * ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون ~~وجآءهم رسول كريم * أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين ) ^ } ) | ~~ولما كان اليوم قد يراد به المن المجتمع في حكم من الأحكام , وكان زمان ~~الدخان إن كان المراد به القحط الذي كان قبل يوم بدر أو ما يقرب من الساعة ~~يسمى يوما واحدا لاتحاد ذلك الحكم , أبدل من { يوم الدخان } قوله تهديدا ~~بشق الأكباد : { يوم نبطش } أي بما لنا من العظمة , والبطش : الأخذ بقوة { ~~ابطشة الكبرى } أي التي تنحل لها عراهم وتنخل بها عزائمهم وقواهم ولا ~~يحتملها حقائقهم ولا مناهم , سواء PageV07P069 كانت البطشة يوم بدر أو غيره ~~فيخسر هنالك من كشف حال الابتلاء عن طغيانه , وتمرده على ربه وعصيانهن ~~ويجوز أن يكون هذا ظرفا لعائدون ms4704 . | ولما كان ما له سبحانه من الحلم وطول ~~الإمهال موجبا لأهل البلادة والغلظة الشك في وعيده , قال مؤكدا { إنا ~~منتقمون } أي ذلك سفة ثابتة لم نزل نفعلها بأعدائنا لنسر أضدادهم في ~~أوليائنا . | ولما كان التقدير : لفقد فتناهم بإرسالك إليهم ليكشف ذلك لمن ~~لا يعلم الشيء إلا بعد وقوعه عما نعلمه في الأزل , وفيما لا يزال ولم يزل , ~~من بواطن أمورهم , فتقوم الحجة على من خالفنا على مقتضى عاداتكم , عطف عليه ~~محذرا لقريش ومسليا للنبي صلى الله عليه وسلم قوله : { ولقد فتنا } أي ~~فعلنا على ما لنا من العظمة فعل الفاتن وهو المختبر الذي يريد أن يعلم ~~حقيقة الشيء بالإملاء والتمكين ثم الإرسال . | ولما كان من المعلوم أن قوم ~~فرعون لم يستغرقوا الزمان ولا كانوا أقرب الناس زمانا إلى قريش , نزع الجار ~~قبل الظرف لعدم الإلباس أو أنه عظم فتنتهم لما كان لهم من العظمة والمكمنة ~~, فجعلها لذلك كأنها مستغرقة لجميع الزمان فقال : { قبلهم } أي قبل هؤلاء ~~العرب ليكون ما مضى من خبرهم عبرة لهم وعظة . | ولما كان فرعون من أقوى من ~~جاءه رسول قبلهم بما كان له من الجنود والأموال والمكنة , وكان الرسول الذي ~~أتاه قد جمع له - صلى الله عليه وسلم - الآيات التي اشتملت على التصرف في ~~العناصر الأربعة . | فكان فيها الماء والتراب والنار والهواء , وكانوا إذا ~~أتتهم الآية قالوا : يا أيها الساحر ! ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا ~~لمهتدون , فإذا كشف عنهم ذلك عادوا إلى ما كانوا عليه كما أخبر تعالى عن ~~هؤلاء عند مجيء الدخان - إلى غير ذلك أجمعين , فكانوا أجلى مثل لقوله تعالى ~~في التي قبلها < # > 77 ( { فأهلكنا أشد منهم بطشا } ) 77 < # > [ الزخرف : 8 ] خصهم بالذكر من بين المفتونين قبل فقال : { قوم فرعون } ~~أي مع فرعون لأن ما كان فتنة لقومه كان فتنة له لأن الكبير أرسخ في الفتنة ~~بما أحاط به من الدنيا , وسيأتي التصريح به في آخر القصة { وجاءهم } أي ~~المضافين والمضاف إليه في زيادة فتنتهم { رسول كريم } أي يعلمون شرفه نسبا ~~وأخلاقا ms4705 وأفعالا , ثم زاد بيان كرمه بما ظهر لله به من العناية بما أيده به ~~من المعجزات . | ولما أخبر بمجيئه إليهم بالرسالة التي لا تكون إلا بالقول ~~, فسر ما بلغهم منها بقوله : { أن أدوا } أي أوصلوا مع البشر وطيب النفس , ~~وأبرز ذلك في صيغة الأمر الذي لا يسوغ مخالفته ولما كان بين موسى عليه ~~الصلاة والسلام وبين تصرفه في قومه حائل كثيف منظلم فرعون وقومه , أشار ~~إليه بحرف الغاية فقال : { إلي } ونبهه على أنه لا PageV07P070 حكم له ~~عليهم بقوله { عباد الله } أي بني إسرائيل الذين استعبدتموهم ظلما وليست ~~عليهم عبودية إلا للذي أظهر في أمورهم صفات جلاله وجماله بما صنع مع آبائهم ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن بعده وما سيظهر مما ترونه وما يكون بعدكم ~~. | ولما كان لهم به من النفع إن تبعوا ما جاءهم به والضر إن ردوه ما ليس ~~لغيرهم , وكان لا يقدر على تأدية بني إسرائيل إليه من أهل الأرض غيرهم ~~لاحتوائهم عليهم كان تقديم الجار في أحكم مواضعه فلذلك قال مؤكدا فإنكارهم ~~لرسالته عليه الصلاة والسلام : { إني لكم } أي خاصة بسبب ذلك { رسول } أي ~~من عند من لا تكون الرسالة الكاملة إلا منه , ولما كان الإنسان لا يأتمن ~~على السياسة إلا ثقة كافيا , قال واصفا لنفسه بما يزيل عذهرم ويقيم الحجة ~~عليهم : { أمين } أي بالغ الأمانة لأن الملك الديان لا يرسل إلا من كان ~~كذلك . | < < # | الدخان : ( 19 - 24 ) وأن لا تعلوا . . . . . # > > ^ ( وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين * وإني عذت بربي ~~وربكم أن ترجمون * وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون * فدعا ربه أن هؤلاء قوم ~~مجرمون * فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون * واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون ~~) ^ } ) | ولما كان استبعاد عبد الغير بغير حق في صورة العلو على مالك ~~العبد قال : { وأن لا تلعوا } أي تفعلوا باستعبادكم لبني إسرائيل نبي الله ~~ابن خليل الله فعل العالي { على الله } الذي له مجامع العظمة ومعاقد العزة ~~بنفوذ الكلمة وجميع أصاف الكمال فإنكم إن فعلتم ذلك أخذكم بعزته ودمركم ms4706 ~~بعظمته . | ولما كان علو من يتصرف في العبد على مالك العبد لا يثبت إلا بعد ~~ثبوت أنه ملكه وأنه لا يحب التصرف فيه , علل ذلك بقوله مؤكدا لأجل أن ما ~~أتى به بصدد أن ينكروه لأن النزوع عما استقر في النفس ومضى عليه الإلف بعيد ~~: { إني آيتكم } وهو يصح أن يكون سام فاعل وأن يكون فعلا مضارعا . | ولما ~~كان فعلهم فعل العالي على السلطان , قال : { بسلطان } أي أمر باهر قاهر من ~~عند مالكهم , لا يسوغ لأحد الاستعلاء عليه فكيف بالاستعلاء على من هو بأمره ~~{ مبين } أي وضاح في نفسه سلطنته ومظهر لغيره ذلك . | ولما كان من العجائب ~~أن يقتل منهم نفسا ثم يخرج فارا منهم ثميأتي إليهم لا سيما إتينا يقاهرهم ~~فيه في أمر عظيم من غير أن يقع بينهم وبينه ما يمحو ما تقدم منه , نبههم ~~على إتيانه هذا على هذا الحال آية أخرى دالة على السلطان , فقال مؤكدا ~~تكذيبا لظنهم أنه في قبضتهم : { وإني عذت } أي اعتصمت وامتنعت { بربي } ~~الذي رباني على PageV07P071 ما اقتضاه لطفه بي وإحسانه إلي { وربكم } الذي ~~أعاذني من قتلكم لي بكم على ما دعت إيه حكمته من جبروتكم وتكبركم وقوة ~~مكنتكم { أن ترجمون } أي أن يتجدد في وقت من الأوقات قتل منكم لي , ما ~~أتيتكم حتى توثقت من ربي في ذلك , فإني قلت { إني اخاف أن يقتلون } فقال < # > 77 ( { سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا } ~~) 77 < # > [ القصص : 38 ] فهو من أعظم ياتي أن لا تصلوا على قوتكم وكثرتكم إلى ~~قتلي منع أنه لا قوة لي بغير الله الذي أرسلني . | ولما كان التقديرك فإن ~~آمنتم بذلك وسلمتم لي أفلحتم , عطف عليه قوله : { وإن لم تؤمنوا لي } أي ~~تصدقوا لأجلي ما أخبرتكم به { فاعتزلون } أي وإن لم تعتزلوني هلكتم , ولا ~~تقدرون على قتلي بوجه وأنا واحد ممن تسومونهم سوء العذاب , وما قتلتم ~~أبناءهم إلا من أجلي , فرباني على كف من ضاقت عليه الأرض بسببي وسفك الدماء ~~في شأني , ومنعه الله من أن ms4707 يصل إلي منه سوء قبل أن أعوذ به , فكيف به بعد ~~أن أرسلني وعذب به فأعاذني , واستجرت به فأجارني . | ولما كان التقدير : لم ~~يؤمنوا به ولا لأجله ولم يتعزلوه , بل بغوا له الغوائل وراموا أن يواقعوا ~~به الدواهي والقواصم , فلم يقدروا على ذلك وآذوا قومه وطال البلاء , سبب ~~عنه قوله : { فدعا ربه } الذي أحسن إليه وضمن له سياسته وسياسة قومه , ثم ~~فسر ما دعا به قوله : { أن هؤلاء } أي الحقيرون الأراذل الذليلون { قوم } ~~أي لهم قوة على القيام بما يحاولونه { مجرمون } أي عريقون في قطع ما أمرت ~~به أن يوصل , وذلك متضمن وصل ما أمرت به أن يقطع , فكان المعنى : فدعا بهذا ~~المعنى , ولذلك أتى ( بأن ) الدالة على المصدرية . | ولما كان ممن يستجيب ~~دعاءه ويكرم نداءه , سبب عن ذلك قوله : { فأسر } أي فقلنا له : سر عامة ~~الليل - هذا على قراءة المدنيين وابن كثير بوصل الهمزة وعلى قراءة غيرهم ~~بالقطع المعنى : أوقع السرى وهو السير عامة الليل { بعبادي } الذين هم أهل ~~لإضافتهم إلى جنابي , قومك الذين أرسلناك لإسعادهم باستنقاذهم ممن يظلمهم ~~وتفريغهم لعبادتي لا لعبادة غيري . | ولما كان سبحانه قد تقدم إلى بني ~~إسرائيل في أن يكونوا متهيئين في الليلة التي أمر بالسرى فيها بحيث لا يكون ~~لأحد منهم عاقة أصلا كما تقدم بيانه في الأعراف عن التوراة , بين تأكيده ~~لذلك بقوله : { ليلا } فصار تأكيدا بغير اللفظ , وإنما أمره بالسير في ~~الليل لأنه أوقع بالقبط موت الأبكار ليلا , فأمر فرعون موسى عليه الصلاة ~~والسلام أن يخرج بقومه في ذلك خوفا من أن يموت القبط . | PageV07P072 ولما ~~علم الله تعالى أنهم إن تأخروا إلى أن يطلع الفجر ويرتفع عنهم الموت , ~~منعوهم الخروج , وإن تأخروا إلى آخر الليل أدركوهم قبل الوصول إلى البحر ~~فيقتلوهم , علل هذا الأمر بقوله مؤكدا له لأن حال القبط عندما أمروهم ~~بالخروج كان حال من لا يصدق له ترجع في قوله : { إنكم متبعون } أي مطلوبون ~~بغاية الشهوة والجهد من عدوكم , فلا يغرنكم ما هم فيه عند أمركم بالخروج من ~~الجزع ms4708 من إقامتكم بين أظهرهم وسؤالهم لكم في الخروج عنهم بسب وقوع الموت ~~الفاشي فيهم , فإن القلوب بيد الله , فهو يقسي قلب فرعون بعد رؤية هذه ~~الآيات حين يرتفع عنهم الموت ويفرغون من دفن موتاهم فيطلبكم لما دبرته في ~~القدم من سياستكم بإغراقهم أجمعين ليظهر مجدي بذلك وأدفع عنكم روع مدافعتهم ~~فإني أعلم أنه لا قوة لكم ولا طاقة بهم , فلم أكلفكم لمباشرة شيء من أمرهم ~~. | ولما أمره بالإسراء وعلله , أمره بما يفعل فيه وعلله فقال : { واترك ~~البحر } أي إذا أسريت بهم وتبعك العدو ووصلت إليه وأمرناك بضربه لينفتح ~~لتدخلوا فيه فدخلتم ونجوتم { رهوا } بعد خروجكم منه بأجمعكم أي منفرجا ~~واسعا ساكنا بحيث يكون المرتفع من مائه مرتفعا والمنخفض منخفضا كالجدار , ~~وطريقه الذي سرتم به يابسا ذا سير سهل على الحالة التي دخلتم فيها ليدخل ~~فيه عدوكم فنمجد بإغراقهم كما وعدناكم , وقال البغوي : راهيا أي ذي رهو ~~فسمي بالمصدر - وعزاه إلى مقاتل - انتهى . | ولما كانت هذه أسبابا لدخول آل ~~فرعون فيه , علل لما يكون عنها تسكينا لقلوبهم في ترك البحر طريقا مفتوحا ~~يدخله العدو , فقال مؤكدا لأجل استبعاد بني إسرائيل مضمون الخبر لأنه من ~~خوارق العادات مع ما لفرعون وآله في قلوبهم من الهيبة الموجبة لأن يستبعدوا ~~معها عمومهم بالإهلاك { إنهم جند مغرقون } أي متمكنون في هذا الوصف وإن كان ~~لهم وصف القوة والتجمع الذي محطه النجدة الموجبة للعلو في الأمور . | < < # | الدخان : ( 25 - 31 ) كم تركوا من . . . . . # > > ^ ( كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم * ونعمة كانوا فيها ~~فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين * فما بكت عليهم السمآء والأرض وما ~~كانوا منظرين * ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين * من فرعون إنه ~~كان عاليا من المسرفين ) ^ } ) | ولما أرشد السياق ولا بد إلى تقدير : ~~فأسرى موسى بعباد الله كما أمره الله فتعبهم آل فرعون كما أخبر سبحانه , ~~ففتح الله البحر بباهر قدرته وأمسك ماءه كالجدران بقاهر عظمته وتركه بعد ~~طلوعهم منه على حالته فتبعهم عباد الشيطان بما فاض عليهم من PageV07P073 ~~شقاوته فأغرقهم الله ms4709 بعزته لم يفلت منهم أحد , عبر سبحانه عن هذا كله بقوله ~~على طريق الاستئناف : { كم تركوا } أي الذي سبق الحكم بإغراقهم فغرقوا { من ~~جنات } أي بساتين هي في غاية ما يكون من طيب الأرض وكثرة الأشجار وزكاء ~~الثمار والنبات وحسنها الذي يسر المهموم ويستر الهموم , ودل على كرم الأرض ~~بقوله : { وعيون وزروع } أي مما هو دون الأشجار . | ولما كان ذلك لا يكمل ~~إلا بمنازل ومناظر في الجنان غيرها فقال : { ومقام كريم } أي مجلس شريق هو ~~أهل لأن يقيم الإنسان فيه , لأن النهاية فيما يرضيه . | ولما كان ذلك قد ~~يكون بتعب صاحبة فيه , دل على أنه كان بكد غيرهم وهم في غاية الترف , وهذا ~~هو الذي حملهم على اتباع من كان يكفيهم ذلك حتى أداهم إلى الغرق قال : { ~~ومقام كريم } أي مجلس شريف هو أهل لأن يقيم الإنسان فيه , لأن النهاية فيما ~~يرضيه . | ولما كان ذلك قد يكون بتعب صاحبة فيه , دل على أنه كان بكد غيرهم ~~وهم في غاية الترف , وهذا هو الذي حملهم على اتباع من كان يكفيهم ذلك حتى ~~أداهم إلى الغرق قال : { ونعمة } هي بفتح النون اسم للتنعم بمعنى الترفه ~~والعيش اللين الرغد , وأما التي بالكسر فهي الإنعام { كانوا فيها } أي ~~دائما { فاكهين } أي فعلهم في عيشهم فعل المترفه لا فعل من يضطر إلى إقامة ~~نفسه . | ولما كان هذا أمرا عظيما لا يكاد يصدق أن يكون لأحد , دل على عظمه ~~وحصوله لهم بقوله : { كذلك } أي الأمر كما أخبرنا به من تنعيمهم وإخراجهم ~~وإغراقهم وأنهم تركوا جميع ما كانوا فيه لم يغن عنهم شيء منه , فلا يغترن ~~أحد بما ابتليناه به من النعم لئلا يصنع به من الإهلاك ما صنعنا بهم . | ~~ولما أفهم سوق الكلام هكذا إغراقهم كلهم , زاده إيضاحا بالتعبير بالإرث ~~الذي حقيقته الأخذ عن الميت أخذا لا منازع فيه فقال عاطفا على ما تقدم ~~تقديره بعد اسم الإشارة : { وأورثناهم } أي تلك الأمور العظيمة { قوما } أي ~~ناسا ذوي قوة في في القيام على ما يحاولونه , وحقق أنهم ms4710 غيرهم تحقيقا ~~لإغراقه بقوله : { آخرين } قال ابن برجان , وقال في سورة الظلمة : ( وعيون ~~وكنوز ) مكان ( وزروع ) لما كان المعهود من الزرع الحصد في أقرب المدة أورث ~~زروعها وجناعها وما فيها من مقام كريم قوما بآل فرعون فإنهم أهلكوا ولا نبي ~~إسرائيل فإنهم قد عبروا البحر , ولما توطد ملكهم في الأرض المقدسة اتصل ~~بمصرن فورثوا الأرض بكنوزها وأموالها ونعمتها ومقامها الكريم - انتهى . | ~~ولما كان الإهلاك يوجب أسفا على المهلكين ولو من بعض الناس ولا سيما إذا ~~كانوا جمعا فكيف إذا كانوا أهل مملكة ولا سيمنا إذا كانوا في نهاية الرئاسة ~~, أخبر بأنهم كانوا لهوانهم عنده سبحانه وتعالىعلى خلاف ذلك , فسبب عما مضى ~~قوله : { فما بكت عليهم } استعارة لعدم الاكتراث لهم لهوانهم { السماء ~~والأرض } وإذا لم يبك السكن فما ظنك بالساكن الذي هو بعضه , روى أبو يعلى ~~في مسنده والترمذي في PageV07P074 جامعه - وقال : غريب والربذي والرقاشي ~~يضعفان في الحديث - عن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( ما من مسلم إلا وله في السماء بابان , باب يصعد منه عمله وباب ينزل ~~منه رزقه فإذا مات بكيا عليه ) وتلا هذه الآية , وقال علي رضي الله عنه : ~~إن المؤمن إذا مات بكى مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء . | ولما جرت ~~العادة بأن العدو قد يستمهله عدوه في بعض الأوقات لمثل وصية وقضاء حاجة ~~فيمهله , أخبر تتميما لعدم الاكتراث بهم أنهم كانوا دون ذلك فقال : { وما ~~كانوا } ولما كان هذا لكونه خيرا عنهم بعد مضيهم المقصود منه تحذير من ~~بعدهم فقط , لم يذكر التقييد بذلك الوقت بإذن ونحوها دلالة على أن ما كانوا ~~فيه من طويل الإمهال كان كأنه لم يكن لعظم هذا الأخذ بخلاف ما مر في في ~~الحجر من التخويف من إنزال الملائكة عليهم , فإن تقييد عدم الإنظار بذلك ~~الوقت لرد السامعين عن طلب إنزالهم فقال تعالى : { منظرين } أي ممهلين عما ~~أنزلنا بهم من المصيبة من ممهل ما لحظه فما فوقها يتداركوا بعض ما فرطوا ~~فيه وينظروا ms4711 في شيء مما يهمهم بل كان أخذهم لسهولته علينا في أسرع من اللمح ~~, لم يقدرا على دفاع , فنالهم عذاب الدنيا وصاروا إلى عذاب الآخرة فخسروا ~~الدارين وما ضروا غير أنفسهم . | ولما كان إنقاذ بني إسرائيل من القبط أمرا ~~باهرا لا يكاد يصدق فضلا عن أن يكون بإهلاك أعدائهم , أكد سبحانه الإخبار ~~بذلك إشارة إلى ما يحق له من العظمة تنبيها على أنه قادر أن يفعل بهذا ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه كذلك وإن كانت قريش يرون ذلك محالا وأنهم ~~في قبضتهم فقال : { ولقد نجينا } أي بما لنا من العظمة ( تنجية عظيمة ) مع ~~كونها بسبب الآيات المتفرقات كانت على التدريج { بني إسرائيل } عبدنا ~~المخلص لنا { من العذاب المهين } بسبب أنهم كانوا عندهم في عداد العبيد ~~يتسخدمون الرجال والنساء بل أذل للزيادة على التصرف العبيد بالتذبيح ~~للأبناء ولما تشوف السامع إلى صاحب ذلك العذاب قال مبدلا مما قبله إفهاما ~~لأن فرعون نفسه كان عذابا لإفراطه في أذاهم : { من فرعون } ثم علل ذلك بما ~~يعرف منه صحة الوصف للعذاب فقال مؤكدا لأن حال قريش في استذلال المؤمنين حل ~~من يكذب بأن الله أنجى بني إسرائيل على ضعفهم فهو ينجي غيرهم من الضعفاء أو ~~يكذب بأن PageV07P075 فرعون كان قويا { إنه كان عاليا } في جبلته العراقة ~~في العلو { من المسرفين } أي العريقين في مجاوزة الحدود . | < < # | الدخان : ( 32 - 37 ) ولقد اخترناهم على . . . . . # > > ^ ( ولقد اخترناهم على علم على العالمين * وآتيناهم من الآيات ما فيه ~~بلاء مبين * إن هؤلاء ليقولون * إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين * ~~فأتوا بآبآئنا إن كنتم صادقين * أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم ~~أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين ) ^ } ) | ولما كانت قريش تفتخر بظواهر الأمور ~~من الزينة والغرور ويعدونه تعظيما من الله ويعدونضعف الحال في الدنيا شقاء ~~وبعدا من الله , رد عليهم قولهم بما أتى بني إسرائيل على ما كانوا فيه من ~~الضعف وسوء الحال بعد إهلاك آل فرعون بعذاب الاستئصال , فقال مؤكدا ~~لاستبعاد قريش أن يختار من قل حظه من ms4712 الدنيا : { ولقد } اخترناهم أي فعلنا ~~بما لنا من العظمة في جعلنا لهم خيارا فعل من اجتهد في ذلك , وعظم أمرهم ~~بقوله بانيا على ما تقديره : اختيارا مستعليا { على علم } أي منا بما يكون ~~منهم من خير وشر , وقد ظهر من آثاره أنكم صرتم تسألونهم وأنتم صريح ولد ~~إسماعيل عليه الصلاة والسلام عمنا ينوبكم وتجعلونهم قدوتكم فيما يصيبكم ~~وتضربون إليه أكباد الإبل , وهكذا المفضل عليه فقال : { على العالمين } أي ~~الموجودين في زمانهم بما أنزلنا عليهم من الكتاب وأرسلنا إليهم من الرسل . ~~| ولما أعلم باختيارهم , بين آثار الاختيار فقال : { وآتيناهم } أي على ما ~~لنا من العظمة { من الآيات } أي العلامات الدالة على عظمتنا واختيارنا لهم ~~من حين أتى موسى عبدنا عليه الصلاة والسلام فرعون إلى أن فارقهم بالوفاة ~~وبعد وفاته على أيدي الأنبياء المقررين يحيله إلى غير ما كان عليه , وذلك ~~بفرق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وغير ذلك مما رأوه من الآيات ~~الستع , وفي هذا ما هو رادع للعرب عن بعض أقوالهم من خوف التخطف من العرب ~~والفقر لقطع الجلب عنهم وغير ذلك { مبين } أي بين لنفسه موضح التخطف من ~~العرب والفقر لقطع الجلب عنهم وغير ذلك { مبين } أي بين لنفسه موضح لغيره , ~~وما أنسب هذا الختم لقوله أول قصتهم ( ولد فتنا قبلهم قوم فرعون ) . | ولما ~~ثبت بما مضى أنه سبحانه متصف بالإحياء والإماتة , وكان إنكار ذلك عنادا لا ~~يستطيع أحد يثبت الإله أن ينكره , وكان الإقرار بذلك في بعض وإنكاره في بعض ~~تحكما ومخالفا لحاكم العقل وصارم النقل , وكان من الآيات التي أوتوها ~~إحياؤهم بعد إماتتهم حين طلبوا الرؤية فأخذتهم الصاعقة , وحين خرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف حذر PageV07P076 الموت , وكان ذلك هو البعث بعينه , وكان ~~العرب ينكرونه ويبالغون في إنكارهم له ولا يسألونهم عنه , قال موبخا لهم ~~شيرا بالتأكيد إلى أنه لا يكاد يصدق أن أحدا ينكر ذلك لما له من الأدلة : { ~~إن } وحقرهم بقوله : { هؤلاء } أي الأدنياء الأقلاء الأذلاء { ليقولون } أي ~~بعد قيام الحجة البالغة عليهم مبالغين في ms4713 الإنكار في نظير تأكيد الإثبات : ~~{ إن } أي ما . | ولما كان قد تقدم قوله تعالى { يحيي ويميت } وهم يعلمون ~~أن المراد به أن يتكرر منه ألحياء للشخص الواحدن وكان تعالى قد قال ولا ~~يخاطبهم إلا بما يعرفونه < # > 77 ( { وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } ) ~~77 < # > [ البقرة : 28 ] أي بالانتشار بعد الحياة وقال < # > 77 ( { أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين } ) 77 < # > [ غافر : 11 ] قالوا : ما { هي إلا موتتنا } على حذف مضاف أي ما الحياة ~~إلا حياة موتتنا { الأولى } أي التي كانت قبل نفخ الروح - كما سيأتي في ~~الجاثية { إن هي إلا حياتنا الدنيا } وعبروا عنها بالموتة إشارة إلى أن ~~الحياة في جنب الموت المؤبد على زعمهم أمر متلاش لا نسبة لها منه , وساق ~~سبحانه كلامهم على هذا الوجه إشارة إلى أن الأمور إذا قيس غائبها على ~~شاهدها , كان الإحياء بعد الموتة الثانية أولى لكونه بعد حياة من الإحياء ~~بعد الموتة الأولى , فحط الأمر على أن الأبتداء كان من موت لم يتقدمه حياة ~~, أكدوه بما يفهمه تصريحا فقالوا برد ما أثبته الله على لسان رسوله صلى ~~الله عليه وسلم : { وما نحن } وأكدوا النفي فقالوا : { بمنشرين } أي من ~~منشر ما بالبعث بحيث نصير ذوي حركة اختيارية ننتشر بها بعد الموت , يقال : ~~نشره وأنشره - إذا أحياه . | ولما كانوا يزعموه أن دعوى الإحياء لا يصح إلا ~~إذا شاهدوا أحدا من الأموات الذين يعرفونه حيا بعد أن تمزق جلده وعظامه , ~~سببوا عن إنكارهم مخاطبين للنبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه : { فأتوا } ~~أي أيها الزاعمون أنا نبعث بعد الموت إيذانا بأنهم لا يصدقون بذلك وغن كثر ~~معتقدوه من جنس بشرهم وتبعهم { بآبائنا } أي لكوننا نعرفهم ونعرف وفور ~~عقولهم فلا نشك في أن ذلك إحياء لمن مات ليكون ذلك آية لنا على البعث , ~~وأكدوا تكذيبهم بقوله : { إن كنتم صادقين } أي ثابتا صدقكم . | ولما أخبروا ~~على هذه العظمة تنطعا لأنها لو وقعت لم يكن بأدل على ثبوت النبوة المستلزمة ~~لتصديق كل ما يقول لهم الرسول صلى الله ms4714 عليه وسلم وما يأتيهم به من الآيات ~~, غير خائفين من الله وهم يعلمون قدرته وإهلاكه للماضين لأجل تكذيب الرسل ~~عليهم الصلاة والسلام , وكأنهم يدعون خصوصيته في مكنة من عين أو معنى ينجون ~~بها من مساواة من قبلهم في ذلك فقال تعالى منكرا عليهم : { أهم خير } أي في ~~الدين والدنيا { أم قوم PageV07P077 تبع } أي الذين ملك بهم تبع الأرض ~~بطولها والعرض وحيرة الحيرة وبنى قصر سمرقند وكان مؤمنا , وقومه حمير ومن ~~تبعهم أقرب المهلكين إلى قريش زمانا ومكانا . | وكان له بمكة المشرفة ما ~~ليس لغيره من الآثار , وقال الرازي في اللوامع : هو أول من كسا البيت ونحر ~~بالشعب ستة آلاف بدنة وأقام به ستة أيام وطاف به وحلق . | وقال البغوي بعد ~~أن ذكر قصته مع الأنصار لما قتل ابنه غيلة بالمدينة الشريفة وما وعظته به ~~اليهود في الكف عن إخراب المدينة لأنها مهاجر نبي من قريش : فصدقهم وتبع ~~دينهم , وذلك قبل نسخه , وقال عن الرقاشي : آمن تبع بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة عام , وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لا ~~تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا . | ولما كان ذلك في سياق التهديد بالإهلاك ~~لأجل مخالفتهم , وكان الإهلاك لذلك إنما كان لبعض من تقدم زمانهم لا لجميع ~~الخلق , أدخل الجار فقال : { والذين من قبلهم } أي من مشاهير الأمر كمدين ~~وأصحاب الأيكة والرس وثمود وعاد . | ولما كان كأنه قيل : ما لهؤلاء الأمم ؟ ~~قيل : { أهلكناهم } أي بعظمتنا وإن كانوا عظماء لا يشعرهم هؤلاء فيما لهم ~~من المكنة لقطعهم من أمر الله به أو يوصل من الرسل وأتباعهم , وتكذيبهم بما ~~أتوا به , ولذلك علل الإهلاك تحذيرا للعرب بقوله مؤكدا لظنهم أن هلاكهم ~~إنما هو على عادة الدهر : { إنهم كانوا } أي جبلة وطبعا { مجرمين } أي ~~عريقين في الإجرام , فليحذر هؤلاء إذا ارتكبوا مثل أفعالهم من مثل حالهم ~~وأن يحل بهم ما حل بهم . | < < # | الدخان : ( 38 - 45 ) وما خلقنا السماوات . . . . . # > > ^ ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهمآ إلا ~~بالحق ولكن ms4715 أكثرهم لا يعلمون * إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين * يوم لا يغني ~~مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون * إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم * ~~إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون ) ^ } ) | ولما كان ~~التقدير للاستدلال على الجزاء الذي جامعه التكفل بجميع أنحائه يوم القيامة ~~: فإنا ما خلقنا الناس عبثا يبغي بعضهم على بعض ثم لا يؤاخذون , عطف عليه ~~ما هو أكبر في الظاهر منه فقال : { وما خلقنا السماوات } أي على عظمها ~~واتساع كل واحدة منها واحتوائها لما تحتها , وجمعها لأن العمل كلما زاد كان ~~أبعد من العبث مع أن إدراك تعددها مما يقتضي المشاهدة بما فيها من الكواكب ~~, ووحد في سورة الأنبياء تخصيصا بما يتحقق المكذبون بالبعث رؤيته لما ذكر ~~هناك من اختصاص ( لدن ) بما بطن . | PageV07P078 ولما كان الدليل على تطابق ~~الأرضي دقيقا وحدها فقال : { والأرض } أي على ما فيها من المنافع { وما ~~بينهما } أي النوعين وبين كل واحدة منها وما يليها { لاعبين } أي على ما ~~لنا من العظمة التي يدرك من له أدنى عقل تعليها عن اللعب لأنه لا يفعله إلا ~~ناقص , ولو تركنا الناس يبغي بعضهم على بعض كما تشاهدون ثم لا نأخذ لضعيفهم ~~بحقه من قويهم لكان خلقنا لهم لعبا , بل اللعب أخف منه , ولم نكن على ذلك ~~التقدير مستحقين لصفة القدوسية , فإنه ( لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها بالحق ~~من قويها غير متعتع ) - رواه ابن ماجة عن أبي سعيد وابن جميع في معجمه عن ~~جابر , وصاحب الفردوس عن أبي موسى رضي الله عنهم رفعوه , وهو شيء لا يرضى ~~به لنفسه أقل حكم الدنيا , فكان هذا برهانا قاطعا على صحة الحشر ليظهر هناك ~~الفصل بالعدل والفضل . | ولما كان أكثر الخلق لا يعلم ذلك لعظمته عن النظر ~~في دليله وإن كان قطعيا بديهيا . | { ولكن أكثرهم } أي أكثر هؤلاء الذين ~~أنت بين أظهرهم وهم يقولون : { إن هي إلا موتتنا الأولى } وكذا من نحا ~~نحوهم { لا يعلمون } أي أنا خلقنا الخلق بسبب إقامة الحق فهم لأجل ms4716 ذلك ~~يجترئون على المعاصي ويفسدون في الأرض لا يرجون ثوابا ولا يخافون عقابا , ~~ولو تذكروا ما ركزناه في جبلاتهن لعلموا علما ظاهرا أنه الحق الذي لا معدل ~~عنه كما يتولى حكمها المناصب لأجل إظهار الحكم بين رعاياهم , ويشرطون الحكم ~~بالحق , ويؤكدون على أنفسهم أنهم لا يتجاوزونه . | ولما كان كأنه قيل : إنا ~~نرى أكثر المظلومين يموتون بمرير غصصهم مقهورين , وأكثر الظالمين يذهبون ~~ظافرين بمطالبهم مسرورين , فمتى يكون هذا الحق ؟ قال جوابا لذلك مؤكدا لأجل ~~PageV07P079 تكذبيهم : { إن يوم الفصل } عند جمع الأولين والآخرين من جميع ~~المكلفين الذين ينتظره كل أحد للفرق بين كل ملبس , فلا يدع نوعا منه حتى ~~أنه يميز بين المكاره المحاب ودار النعيم وغار الجحيم , وبين أهل كل منهما ~~بتمييز المحق من المبطل بالثواب والعقاب وهو بعد البعث من الموت { ميقاتهم ~~} أي وقت جمع الخلائق للحكم بينهم الذي ضرب لهم في الأزل وأنزلت به الكتب ~~على ألسنة الرسل { أجمعين } لا يتخلف عنه أحد ممن مات من الجن والإنس ~~والملائكة وجميع الحيوانات . | ولما ذكر هذا اليوم الذي دل على عظمته بهذه ~~العبارة إفرادا وتركيبا , ذكر من وصفه ما يحمل على الخوف والرجاء , أو رق ~~من أعلى أو أسفل { عن مولى } أريد أخذه بما وقع منه { شيئا } من الإغناء . ~~| ولما كان الإغناء تارة يكون بالرفق وأخرى بالعنف , صرح بالثاني لأنه ~~أعظمها والسياق للإهلاك والقهر فقال : { ولا هم } أي القسمان { ينصرون } أي ~~من ناصر ما لو أراد بعضهم نصرة بعض , أو أراد غيرهم لو فرض أن ينصرهم , ~~وعبر بالجمع الذي أفاده الإبهام للمولى ليتناول القليل والكثير منه لأن ~~النفي عنه نفي عن الأفراد من باب الأولى . | ولما نفى الإغناء استثنى منه ~~فقال : { إلا من رحم الله } أي أراد إكرامه الملك الأعظم وهم المؤمنون يشفع ~~بعضهم لبعض بإذن الله في الشفاعة لأحدهم فيكرم الشافع فيه بقبول شفاعته ~~ويكرمه بقبوله الشفاعة فيه . | ولما كان ما تقدم دالا على تمام القدرة في ~~الإكرام والانتقام , وكان الإكرام قد يكون عن ضعف , قال نافيا لذلك ومقررا ~~لتمام ms4717 القدرة اللازم منه الاختصاص بذلك مؤكدا له تنبيها على أنه ما ينبغي ~~أن يجعل نصب العين وتعقد عليه الخناصر , ولأن إشراكهم وتكذيبهم بالبعث ~~يتضمن التكذيب بذلك : { إنه هو } أي وحده { العزيز } أي المنيع الذي لا ~~يقدح في عزته عفو ولا عقاب , بل ذلك دليل على عزته فإنه يفعل ما يشاء فيمن ~~يشاء من غير مبالاة بأحد . | ولما كان العزيز قد لا يرحم قال : { الرحيم } ~~أي الذي لا تمنع عزته أن يكرم من يشاء . | ولما كان السياق للانتقام , أخبر ~~عن حال الفجار على سبيل الاستئناف , فقال مؤكدا لما يكذبون به : { إن شجرة ~~الزقوم } التي تقدم من وصفها ما يقطع القلوب من أنها تخرج من أصل الجحيم , ~~وأن طلعها كأنه رؤوس الشياطين , وغيره مما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى ~~والذي تعرفونه من ذلك في الدنيا أنها شجرة صغيرة الورق ذفرة أي شديد النتن ~~- مرة , من الزقم , أي اللقم الشديد والشوب والمفرط , وقال عبد الحق في ~~كتابه الواعي : الزقوم شجرة غبراء صغيرة الورق لا شوك لها ذفرة لها كعابر ~~في PageV07P080 سوقها أي عقد كالأنابيب ولها ورد تجرسه النحل , ورأس ورقها ~~قبيح جدا , وهي مرعى , ومنابتها السهل , قال ابن برجان : وهي في النار في ~~مقابلة شجرة طوبى في الجنة , يضطرون إلى أكلها وإلى شرب الغسلين كما يضطر ~~أهل الدنيا لإدخال الطعام والشراب { طعام الأثيم } أي المبالغ في اكتساب ~~الآثام حتى مرن عليها فصارت به إلى الكفر { كالمهل } أي القطران الرقيق وما ~~ذاب من صفر أو حديد أو دردية , روى أحمد والترمذي - وقال : لا نعرفه إلا من ~~حديث رشدين - وابن حبان في صحيحه والحاكم من وجه آخر - وقال الحاكم : صحيح ~~الإسناد - عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله { ~~كالمهل } قال : ( كعكر الزيت فإذا قرب إلى وجهه سقطت فروة وجهه فيه ) . | { ~~تغلي } أي الشجرة - على قراءة الجماعة بالتأنيث , والطعام على قراءة ابن ~~كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب بالتذكير ولا يعود الضمير على المهل لأنه ~~مشبه ms4718 به { في البطون } أي من شدة الحر . | < < # | الدخان : ( 46 - 54 ) كغلي الحميم # > > ^ ( كغلي الحميم * خذوه فاعتلوه إلى سوآء الجحيم * ثم صبوا فوق رأسه ~~من عذاب الحميم * ذق إنك أنت العزيز الكريم * إن هذا ما كنتم به تمترون * ~~إن المتقين في مقام أمين * في جنات وعيون * يلبسون من سندس وإستبرق ~~متقابلين * كذلك وزوجناهم بحور عين ) ^ } ) | ولما كان للتذكير بما يعرف ~~شأن عظيم من الإقبال أو التنفير وإن كان دون ما شبه به قال : { كغلي } أي ~~مثل غلي { الحميم } أي الماء الذي تناهى حره بما يوقد تحته , فهو يثبت كأنه ~~يريد أن يتخلص مما هو فيه من الحر , روى - وقال حسن صحيح - والنسائي وابن ~~ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم - وقال صحيح على شرطهما - عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أن قطرة من الزقوم قطرت ~~في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معائشهم فكيف بمن يكون هذا طعامه ) . | ~~PageV07P081 ولما كان كأنه قيل : ما للأثيم يأكل هذا الطعام , وما الحامل ~~له عليه وعلى مقاربة مكانه , أجيب بأنه مقهور عليه , يقتضيه صفة العزة فيه ~~الرحمة لإعادته بأن يقال اللزبانية : { خذوه } أي أخذ قهر فلا تدعوه يملك ~~من أمره شيئا { فاعتلوه } أي جروه بقهر بغلظة وعنف وسرعة إلى العذاب ~~والإهانة بحيث يكون كأنه محمول , وقال الرازي في اللوامع : والعتل أن يأخذ ~~بمجامع ثوبه عند صدره يجره , وقراءة الضم أدل على تناهي الغلظة والشدة من ~~قراءة الكسر { إلى سواء } أي وسط { الجحيم } أي النار التي في غاية ~~الاضطرام والتوقد , وهي موضع خروج الشجرة التي هي طعامه . | ولما أفهم هذا ~~صار في موضع يحيط به العذاب فيه من جميع الجوانب , بين أن له نوعا آخر من ~~النكد رتبته في العظمة مما يستحق العطف بأداة التراخي فقال : { هم صبوا } ~~أي في جميع الجهة التي هي { فوق رأسه } ليكون المصبوب محيطا بجميع جسمه { ~~من عذاب الحميم } أي العذاب الذي يغلي به الحميم أو الذي هو الحميم نفسه , ~~والتعبير عنه بالعذاب أهول , وهذا ms4719 في مقابلة ما كان لهم من البركة بما ينزل ~~من السماء من المطر ليجتمع لهم حر الظاهر بالحميم والباطن بالزقوم . | ولما ~~علم بهذا أنه لا يملك من أمر نفسه شيئا , بل وصل إلى غاية الهوان , دل عليه ~~بالتهكم بما كان يظن في نفسه من العظمة التي يترفع بها في الدنيا على أوامر ~~الله , فقيل بناء على ما تقديره : يفعل به ذلك مقولا له : { ذق } أي من هذا ~~أوصلك إليه تغررك على أولياء الله . | ولما كان أولياء الله منالرسل ~~وأتباعهم يخبرون في الدنيا أنه . | لإبائه أمر الله - هو الذليل , وكان هذا ~~الأثيم وأتباعه يكذبون بذلك ويؤكدون قولهم المقتضي لعظمته لإحراق أكباد ~~الأولياء حكى له قولهم على ما كانوا يلفظون به زيادة في تذعيبه بالتوبيخ ~~والتقريع معللا للأمر بالذوق : { إنك } وأكد بقوله : { أنت } وحدك دون ~~هؤلاء الذين يخبرون بحقارتك { العزيز } أي الذي يغلب ولا يغلب { الكريم } ~~أي الجامع إلى الجود شرف النفس وعظم الإباء , فلا تنفعك عن ستر مساوئ ~~الأخلاق بإظهار معاليها فلست بلئيم أي بخيل مهين النفس خسيس الإباء , فهو ~~كناية عن مخاطبته بالخسة مع إقامة الدليل على ذلك بما هو فيه من المهالك , ~~وقراءة الكسائي بفتح ( إن ) دالة على هذا العذاب قولا وفعلا على ما كان ~~يقال له من هذا الدنيا ويعتقد هو أنه حق . | ولما دل على أنه يقال هذا لكل ~~من الأثماء ويفعل به على حدته , دل على ما يعمون به , فقال مؤكدا ردا ~~لتكذيبهم سائقا لهم على وجه مفهم أنه علة ما ذكر من عذابهم : { إن هذا } أي ~~العذاب قولا وفعلا وحالا { ما كنتم } أي جبلة وطبعا طبعناكم عليه لتظهر ~~قدرتنا في أمركم دنيا وأخرى { به تمترون } أي تعالجون أنفسكم PageV07P082 ~~وتحملونها على الشك فيه وتردونها عما لها من الفطرة الأولى من التصديق ~~بالممكن لا سيما لمن جرب صدقه وظهرت خوارق العادات على يده بحيث كنتم لشدة ~~ردكم له كأنكم تخصونه بالشك . | ولما وصف سبحانه ما للمبالغ في المساوئ ~~وأفرده أولا إشارة إلى قليل في قوم هذا النبي ms4720 الكرمي الذي تداركهم الله ~~بدعوته تشريفا له وإعلاء لمقداره , وجمع آخرا ذاكرا من آثار مناستحق به ذلك ~~من مشاركة في أوزاره , ففهم أن وصفه انقضى , ومر ومضى , فتاقت النفس إلى ~~تعرف ما لأضداده الذين خالفوه في مبدئه ومعاده , قال مؤكدا لما لهم من ~~التكذيب : { إن المتقين } أي العريقين في هذا الوصف { في مقام } أي موضع ~~إقامة لا يريد الحال فيه تحولا عنه { أمين } أي يأمن صاحبه فيه من كل ما لا ~~يعجبه . | ولما كان الوصف بعد الوصف شديد الترغيب في الشيء , قال مبدلا من ~~( مقام ) : { في جنات } أي بساتين تقصر العقول عن إدراك وصفها كل وصفها { ~~وعيون } كذلك بحيث تقر بها العيون , ولما كان قد أشار إلى وصف ما للباطن من ~~لذة النظر ولباس الأكل والشرب , أتبعه كسوة الظاهر وما لكل من القرب فقال : ~~{ يلبسون } ولما وصف ما أعد لهم من اللبس في الجنة , دل على الكثرة جدا ~~بقوله : { من سندس } وهو ما رق من الحرير يعمل وجوها , وزاد صنفا آخر فقال ~~: { وإستبرق } وهو ما غلظ منه يعمل بطائن , وسمي بذلك لشدة بريقه . | ولما ~~كان وصف الأثماء بما لهم من القبض الشاغل لكل منهم عن نفسه وغيره بعد ما ~~تقدم في الزخرف في آية الأخلاء ما أعلم بكونهم مدابرين وصف أضدادهم بما لهم ~~من البسط مع الاجتماع فقال : { متقابلين } أي ليس منهم أحد يدابر الآخر لا ~~حسا ولا معنى , وود أن كلا منهم يقابل الآخر ناظرا إليه , فإذا أرادوا ~~النساء حالت الستور بينهم . | ولما كان هذا أمرا يبهر العقل , فلا يكاد ~~يتصوره , قال مؤكدا له : { كذلك } أي الأمر كما ذكرنا سواء لا مرية فيه . | ~~ولما كان ذلك لا يتم السرور به إلا بالأزواج قال : { وزوجناهم } أي قرناهم ~~كما تقرن الأزواج , وليس المراد به العقد لأنه فعل متعد بنفسه وهو لا يكون ~~في الجنة لأن فائدته الحل , والجنة ليست بدار كلفة من تحليل أو تحريم , ~~وذكر مظهر العظمة تنبيها على كمال الشرف { بحور } أي على حسب التوزيع ~~بجواري بيض حسان نقيات ms4721 الثياب { عين } أي واسعات الأعين . | < < # | الدخان : ( 55 - 59 ) يدعون فيها بكل . . . . . # > > ^ ( يدعون فيها بكل فاكهة آمنين * لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة ~~الأولى ووقاهم عذاب الجحيم * فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم * فإنما ~~يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون * فارتقب إنهم مرتقبون ) ^ } ) | PageV07P083 ~~ولما كان الإنسان في الدنيا يخشى كلفة النفقات , وصف ما هنالك من سعة ~~الخيرات فقال : { يدعون } أي يطلبون طلباص هو بغاية المسرة { فيها بكل } لا ~~يمتنع عليهم صنف من الأصناف ببعد مكان ولا فقد أوان , ولا غير ذلك من الشأن ~~, وقال : { فاكهة } إيذانا بأن ذلك مع سعته ليس فيها شيء لإقامة البينة ~~وإنما هو للفتكه ومجرد التلذذ . | ولما كان التوسع في التلذذ يخشى منه ~~غوائل جمة قال : { آمنين } أي وهم في غاية الأمن من كل مخوف . | ولما ذكر ~~الأمان , وكان أخوف ما يخاف أهل الدنيا الموت , قال : { لا يذوقون فيها } ~~أي الجنة { الموت } أي لا يتجدد لهم أوائل استطعامه فكيف بما وراء ذلك . | ~~ولما كان المراد نفي ذلك على وجه يحصل معه القطع بالأمن على أعلى الوجوه , ~~وكان الاستثناء معيار العموم , وكان من المعلوم أن ما كان في الدنيا من ذوق ~~الموت الذي هو معنى من المعاني قد استحال عوده , قال معللا معلقا على هذا ~~المحال : { إلا الموتة } ولما كان المعنى مع إسناد الذوق إليه لا يلبس لأن ~~ما قبل نفخ الروح ليس مذوقا , عبر بقوله : { الأولى } وقد أفهم التقييد ~~بالظرف أن النار يذاق فيها الموت , والوصف بالأولى أن المذوق موتة ثانية , ~~فكان كأنه قيل : لكن غير المتقين ممن كان عاصيا فيدخل النار المتقين أعم من ~~الراسخين وغيرهم , فيكون الحكم على المجموع , أي أن الكل لا يذوقون , ~~وبعضهم - وهم من أراد الله من العصاة - يذوقونه في غيرها وهو النار , ويجوز ~~أن تكون الموتة الأولى كانت في الجنة المجازية فلا يكون تعليقا بمحال , ~~وذلك أن المتقي لم يزل فيها في الدنيا مجازا بما له من التسبب وبما سبق من ~~حكم الله له بها , قال صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن إذا ms4722 عاد أخاه لم يزل ~~في خرفة الجنة حتى يرجع ) , قيل : وما خرفة الجنة ؟ قال : ( جناها ) ( وإذا ~~مررتم برياض الجنة فارتعوا ) وكذا المحكوم له بما هو فيها عند الموت وبعده ~~بما له من التمتع بالنظر ونحوه من الأكل للشهداء وغير ذلك مما ورد في ~~الأخبار الصحيحة , ومن ذلك ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه أن عمه ~~النضر رضي الله عنه PageV07P084 قال يوم أحد : يا سعد بن معاذ الجنة ورب ~~النضر إني لأجد ريحها من دون أحد , ثم قاتل حتى قتل . | ثم يكون تمام ذلك ~~النعيم بالجنة بعد البعث , قال ابن برجان : الدنيا إذا تحققت في حق المؤمن ~~المتقي وتتبع النظر فيها فإنها جنة صغرى لتوليه سبحانه إياهم فيها وقربه ~~منهم ونظره إليهم وذكرهم له وعبادتهم إياه وشغلهم به وهو معهم أنهما كانوا ~~. | ولما كان السياق للمتقين قال : { ووقاهم } أي جملة المتقين في جزاء ما ~~اتقوه { عذاب الجحيم } أي التي تقدم إصلاء الأثيم لها , وأما غير المتقين ~~من العصاة فيدخل الله من أراد منهم النار فيعذر كلا منهم على قدر ذنوبه ثم ~~يمتهم فيها ويستمرون إلى أن يأذن الله في الشفاعة فيهم فيخرجهم ثم يحييهم ~~بما يرش عليهم أهل الجنة من ماء الحياة , روى الإمام أحمد في مسنده ومسلم ~~في الإيمان من صحيحه وابن حبان في الشفاعة من سننه والدرامي في صفة الجنة ~~والنار من سننه المشهور بالمسند , وابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أما أهل ~~النار الذين هم أهلها ) - وقال الدارمي : الذين هم للنار - ( فإنهم لا ~~يموتون فيها ولا يحيون , ولكن ناس منكم أصابتهم النار بذنوبهم ) - أو قال : ~~( بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة ) وقال الإمام أحمد : ( فيميتهم إماتة ) ~~وقال الدرامي : ( فإن النار تصيبهم على قدر ذنوبهم فيحرقون فيها حتى إذا ~~كانوا فحما أذن في الشفاعة فجيء بهم ) وقال الدرامي : ( فيخرجون من النار ~~ضبائر ضبائر فنبتوا على أنهار الجنة , ثم قيل : يا أهل الجنة , أفيضوا ~~عليهم , فينبتون ms4723 ) وقال الدرامي فتنبت لحوهم نبات الحبة في حميل السيل . | ~~الضبائر قال بعد الغافر الفارسي في مجمع الرغائب : جمع ضبارة مثل عمارة ~~عمائر : جماعات الناس , وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( يدخل ناس في النار حتى إذا صاروا فحما أدخلوا الجنة ~~, فيقول أهل الجنة : من هؤلاء ؟ , فيقال : هؤلاء الجهنميون ) ولأحمد بن ~~منيع عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ~~يوضع الصراط ) فذكر شفاعة المؤمنين في إخوانهم بعد جواز الصراط وإذن الله ~~لهم في إخراجهم , قال : ( فيخرجونهم منها فيطرحونهم في ماء الحياة فينبتون ~~نبات الزرع في غثاء السيل ) , ولابن أبي عمر عن عبيد بن عمير رضي الله عنه ~~قال : قال رسول PageV07P085 الله صلى الله عليه وسلم : ( يخرج الله قوما من ~~النار بعد ما امتحشوا فيها وصاروا فحما فيلقون في نهر على باب الجنة يسمى ~~نهر الحياة , فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل - أو كما تنبت ~~الثعارير - فيدخلون الجنة , فيقال : هؤلاء عتقاء الرحمن ) . | الثعاير - ~~بالثاء المثلثة والعين والراء المهملتين : نبات كالهليون , وروى الترمذي - ~~وقال : حسن صحيح - وروي من غر وجه عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( يعذب ناس من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا ~~فيها حمما ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة فيرش عليهم ~~أهل الجنة الماء فينبتون كما تنبت الغثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة . ~~| ) ولما كان السياق للمتقين , فكان ربما ظن أن هذا الذي فعل بهم حق لهم لا ~~بد و لا محيد عنه , بين أن الأمر على غير ذلك , وأنه سبحانه لو واخذهم ولم ~~يعاملهم بفضله وعفوه لهلكوا , فقال : { فضلا } أي فعل بهم ذلك لأجل الفضل , ~~ولذلك عدل عن مظهر العظمة فقال تعالى : { من ربك } أي المحسن إليك بكمال ~~إحسانه إلى اتباعك إحسانا يليق بك , قال الرازي في اللوامع : أصل الإيمان ~~رؤية الفضل في جميع الأحوال , ولما عظمه تعالى بإظهار هذه ms4724 الصفة مضافة إليه ~~صلى الله عليه وسلم , زاد في تعظيمه بالإشارة بأداة البعد فقال : { ذلك } ~~أي الفضل العظيم الواسع { هو } أي خاصة { الفوز } أي الظفر بجميع المطالب { ~~العظيم } الذي لم يدع جهة الشرف إلا ملأها . | ولما قدم سبحانه في هذه ~~السورة ما للقرآن من البركة بما اشتمل عليه من البشارة والندارة والجمع ~~والفرق , وذكرهم بما يقرون به من أنه مبدع هذا الكون مما يستلزم إقرارهم ~~بتوحيده المستلزم لأنه يفعل ما يشاء من إرسال وإنزال وتنبيه وبعث وغير ذلك ~~, وهددهم بما لا يقدر عليه غيره من الدخان والبطشة , وفعل بعض ذلك , وذكرهم ~~بما يعرفون من أخبار من مضى من قروم القرون وأنهم مع ذلك كله أنكروا البعث ~~, ثم ذكر ما يقتضي التحذير والتبشير - كل ذلك في أساليب فأتت كل المدى , ~~فأعجزت جميع القوى , مع ما لها من المعاني الباهرة , والبدائع الزاهرة ~~القاهرة , سبب عن قوله فذلكة للسورة : { فإنما يسرناه } أي جعلنا له يسرا ~~عظيما وسهولة كبيرة . | ولما كان الإنسان كلما زادت فصاحته وعظمت بلاغته , ~~كان كلامه أبين وقوله أعذب وأرصن وأرشق وأمتن , وكان صلى الله عليه وسلم ~~أفصح الناس وأبعدهم لذلك من التكلف , أضافه إليه فقط فقال : { بلسانك } أي ~~هذا العربي المبين وهم عرب تعجبهم الفصاحة PageV07P086 { لعلهم يتذكرون } ~~أي ليكونوا عند من يراهم وهو عارف بلسانهم ممن شأنه كشأنهم على رجاء من أن ~~يتذكروا أن هذا القرآن شاهد بإعجازه بصحة ما فيه من التوحيد والرسالة ~~وغيرهما مما سبق إليك وجلى عليك وإلا لقدروا هم وهم أفصح الناس على معارضة ~~شيء منه فيتذكروا ما غفلوا عنه من أنه عزيز بإهلاكه الجبابرة , وأنه حكيم ~~بنصبه الآيات لأنبيائه وتأييدهم بالمعجزات , ومن أن الكبير منهم لا يرضى أن ~~يطعن أحد في كبريائه ولا أن يترك من له عليه حكم وهو تحت قهره أن يبغي ~~بعضهم على بعض ثم لا ينصر المظلوم منهم على ظالمه ويأخذ بيده حتى لا يستوي ~~المحسن بالمسيء , فإذا تذكروا ذلك مع ما يعرفون من قدرة الملك وكبريائه ~~وحكمته علموا قطعا أنه ms4725 لا بد من البعث للتمييز بين أهل الصلاح والفساد , ~~والفصل بين جميع العباد , فتسبب عن ذلك قوله : { فارتقب } أي ما رجيتك به ~~من تذكرهم الستلزم لهدايتهم . | ولما كانوا يظهرون تجلدا ولددا أنهم لا ~~يعبؤون بشيء من القرآن ولا غيره مما يأتي به ولا يعدون شيئا منه آية , أخبر ~~عما يبطنون من خوفهم وانتظارهم لجميع ما يهددهم به مؤكدا لأجل ظن من حمل ~~تجلدهم على أنه جلد فقال : { إنهم } وزاد الأمر بالإخبار بالاسم الدال على ~~الثبات والدوام فقال : { مرتقبون } أي تكليفهم أنفسهم المراقبة وإجهادهم ~~أفكارهم في ذلك دائم لا يزايلهم بل قد قطع قلوبهم وملأ صدورهم , فقد انطبق ~~آخر السورة على أولها , بل وعلى المراد من مجملها ومفصلها , بذكر الكتاب ~~والأرتقاب لأنواع العذاب - والله الهادي إلى الصواب , إنه الكريم الوهاب . ~~| . . . | PageV07P087 < # > سورة الجاثية < # > < < # | الجاثية : ( 1 - 5 ) حم # > > ^ ( حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * إن في السماوات ~~والأرض لآيات للمؤمنين * وفي خلقكم وما يبث من دآبة آيات لقوم يوقنون * ~~واختلاف الليل والنهار ومآ أنزل الله من السمآء من رزق فأحيا به الأرض بعد ~~موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون ) ^ } ) | مقصودها الدلالة على أن ~~منزل هذا الكتاب - كما دل عليه في الدخان - ذو العزة لأنه لا يغلبه شيء وهو ~~يغلب كل شيء , والحكمة لأنه لم يضع شيئا إلا في أحكم مواضعه , فعلم أنه ~~المختص بالكبرياء , فوضع شرعا هو في غاية الاستقامة لا تستقل العقول ~~بإدراكه ولا يخرج شيء منه عنه , أمر فيه ونهى , ورغب ورهب ثم بطن حتى أنه ~~لا يعرف , ثم ظهر حتى أنه لا يجهل , فمن المكلفين من حكم عقله وجانب هواه ~~فشهد جلاله فسمع وأطاع , ومنه من تبع هواه فضل عن نور العقل فزاغ وأضاع ~~فاقتضت الحكمة ولا بد أن يجمع سبحانه الخلق ليوم الفصل فيظهر كل الظهور ~~ويدبن عباده ليشهد رحمته المطيع وكبرياءه العاصي , وينشر العدل ويظهر الفضل ~~, ويتجلى في جميع صفاته لجميع خلقه , وعلى ذلك دل اسمها الشريعه , واسمها ~~الجاثية واضح الدلالة فيه إذا تؤمل كل من آيتهما ms4726 - والله سبحانه وتعالى ~~الهادي . | { بسم الله } الذي تفرد بتمام العز والكبرياء { الرحمن } الذي ~~أحكم رحمته البيان العام للسعداء والأشقياء { الرحيم } الذي خص بملابس ~~طاعته الأولياء { حم * } أي حكمة محمد إليها المنتهى كما تقدم في الدخان ما ~~أفهم إنزاله من أم الكتاب جملة غلى بيت العزة , ودل على بركته مما دل على ~~حكمة منزله وعزته بالبشارة والنذارة والإيقاع بالمجرمين بعد طول الحلم ~~والأناة والنجاة للمتقين وغير ذلك من أمور هي في غاية الدلالة على ذلك ~~لأنها راجعة إلى الحسن لمن ألقى السمع , وهو شهيد , وأشار إلى سهولتها على ~~من تأمل هذا الذكر المترجم بلسان أعلى الخلق وأكملهم وأشرفهم خلائق وأفضلهم ~~, ابتداء هذه بالإعلام بأنه زاد ذلك يسرا وسهولة بإنزاله منجما بحسب ~~الوقائع مطابقا لها أتم مطابقة بعد إنزاله جملة من أم PageV07P088 الكتاب ~~ثم مرتبا لما أنزل منه ترتيبا يفهم علوما ويوضح أسرارا غامضة مهمة فقال : { ~~تنزيل الكتاب } أي إنزال الجامع لكل خير مفرقا لزيادة التسهيل في التفهيم ~~والإبلاغ في اليسر في التعليم وغير ذلك من الفضل العميم وزاده عظما بقوله : ~~{ من الله } أي كائن من المحيط بصفات الكمال . | ولما كان - كما مضى - ~~للعزة والحكمة أعظم بركة هنا قال : { العزيز الحكيم * } فكان كتابه عزيزا ~~حكيما لا كما تقول الكفرة من أنه شعر أو كذب أو كهانة لأنه لا حكمة لذلك ~~ولا عزة بحيث لتبس أمره بأمره هذا الكتاب المحيط بدائرة الحكمة والصواب , ~~ودل بشواهد القدرة وآثار الصنعة من نسخة هذا الكتاب على الصفتين وعلى ~~وحدانيته فيهما اللازم منه تفرده المطلق فقال مؤكدا لأجل من ينكر ذلك ولو ~~بالعمل , وترغيبا في تدقيق النظر بتأمل آيات الوجود التي هذا الكتاب شرح ~~لمغلقها وتفصيل لمجملها . | وإيماء إلى أنها أهل لصرف الأفكار إلى تأملها { ~~إن في } ولما كانت الحواميم - كما روى أبو عبيدة في كتاب الفضائل عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما - لباب القرآن , حذف ما ذكر في البقرة من قوله ( خلق ) ~~ليكون ما هنا أشمل فقال : { السماوات } أي ذواتها بما لها من الدلالة على ~~صانعها ms4727 وخلقها على ما فيها من العبر بما فيها من المنافع وعظيم الصنعة ما ~~لها من الشفوف الدال على تعددها بما فيها من الكواكب { والأرض } كذلك وبما ~~حوت من المعادن والمعايش والمنابع والمعاون { لآيات } أي دلائل على وحدنيته ~~وجميع كماله , فإن من المعلوم أنه لا بد لكل من ذلك من صانع متصف بذلك { ~~للمؤمنين * } أي لأنهم برسوخهم في هذا الوصف الشريف أهل للنظر لأن ربهم ~~يهديهم بإيمانهم فشواهد الربوبية لهم منهما لائحة , وأدلة الإلهية فيهما ~~واضحة , ولعله أشار بالتعبير بالوصف إلى أنه لا بد في رد شبه أهل الطبائع ~~من تقدم الإيمان , وأن من لم يكن راسخ الإيمان لم يخلص من شكوكهم . | وقال ~~الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت السورة المتقدمة إيضاح أمر الكتاب ~~وعظيم بيانه وأنه شاف كاف وهدى ونور , كان أمر من كفر من العرب أعظم شيء ~~لانقطاعهم عجزهم وقيام الحجة به عليهم حتى رضوا بالقتل والخزي العاجل وما ~~قاموا بادعاء معارضته ولا شتوفوا إلى الإسناد إلى عظيم تلك المعارضة , أتبع ~~ذلك تعالى تنبيها لنبيه والمؤمنين إلى ما قد نصبه من الدلائل سواه مما صد ~~المعرض عن الاعتبار بها أو ببعضها مجرد هواه , ومن أضل ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله , فقال تعالى بعد القسم بالكتاب المبين { إن في السماوات ~~والأرض لآيات للمؤمنين } أي لو لم تجئهم يا محمد بعظيم آية الكتاب فقد كان ~~لهم فيما نصبنا من الأدلة أعظم برهان وأعظم تبيان < # > 77 ( { أو لم PageV07P089 يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات ~~والأرض وما بنيهما إلا بالحق وأجل مسمى } ) 77 < # > { الروم : 8 ] فملا نبه بخلق السماوات والأرض , أتبع بذكر ما بث في ~~الأرض فقال { وفي خلقكم وما بث فيهما من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف ~~اليل والنهار } أي في دخول أحدهما على الآخر بألطف اتصال وأربط انفصال { لا ~~الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار } ثم نبه على ~~الاعتبار بإنزال الماء من السماء وسماه رزقا بحط القياس فقال { وما أنزل ~~الله من رزق ms4728 فأحيا به الأرض بعد موتها } ثم قال { وتصريف الرياح آيات لقوم ~~يعقلون } الاستدلال بهذه الآي يستدعي بسطا يطول , ثم قال { تلك آيات الله ~~نتلوها عليك بالحق } أي علاماته ودلائله { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } ثم ~~قال { فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون } أبعد ما شاهدوه من شاهد الكتاب ~~وما تضمنه خلق السماوات والأرض وما فيهما وما بينهن من عجائب الدلائل ~~الواضحة لأولي الألباب , فإذا لم يعتبروا بشيء من ذلك فبماذا يعتبر , ثم ~~أردف تعالى بقريعهم وتوبيخهم في تصميمهم مع وضوح الأمر فقال { ويل لكل أفاك ~~أثيم } الآيات الثلاث , ثم قال { هذا هدى } وأشار إلى الكتاب وجعله نفس ~~الهدى لتحمله كل أسباب الهدى وجميع جهاته , ثم توعد من كفر به ثم أردف ذلك ~~بذكر نعمه وآلائه ليكون ذلك زائدا في توبيخهم , والتحمت الآي عاضدة هذا ~~الغرض تقريعا وتوبيخا ووعيدا وتهديدا إلى آخر السورة - انتهى . | ولما ذكر ~~سبحانه بالنظر في آيات الآفاق , أتبعها آيات الأنفس فقال : { وفي خلقكم } ~~أي المخالف لخلق الأرض التي أنتم منها بالاختيار والعقل والانتشار والقدرة ~~على السار والضار { وما يبث } أي ينشر ويفرق بالحركة الاختيارية بثا على ~~سبيل التجد والاستمرار { من دآبة } مما تعلمون ومما لا تعلمون بما في ذلك ~~من مشاركتكم في الحركة بالاختيار والهداية للمنافع بإدراك الجزئيات ~~ومخالفتكم في الصورة والعقل وإدراك الكليات وغير ذلك من مخالفة الأشكال ~~والمنافع والطبائع ونحوها { آيات } أي على صفات الكمال ولا سيمنا العزة ~~والحكمة , وهي على قراءة حمزة والكسائي ويعقوب بالنصب هنا , وفي الذي بعده ~~عطف الآيتين على حيز إن في الآية الأولى من الاسم والخبر , فلهذه الآية نظر ~~إلى التأكيد , وهو على قراءة الجماعة مبتدأ بالعطف على ( إن ) وما في حيزها ~~, وهي أبلغ لأنها تشير إلى أن ما في تصوير الحيوان وجميع شأنه من عجيب ~~الصنع ظاهر الدلالة على الله فهو بحيث لا ينكره أحد , فهو غني عن التأكيد , ~~ويجوز أن تكون الآية على قراءة النصب من الاحتباك : حذف أولا الخلق بما دل ~~عليه ثانيا , وثانيا ذوات الأنفس ms4729 بما دل عليه من ذوات السماوات أولا . | ~~PageV07P090 ولما كانت آيات الأنفس أدق وأدل على القدرة والاختيار بما لها ~~من التجدد والاختلاف , قال : { لقوم } أي فيهم أهلية القيام بما يحاولونه { ~~يوقنون * } أي يتجدد لهم العروج في درجات الإيمان إلى أن يصلوا إلى شرف ~~الإيقان , فلا يخالطهم شك في وحدانيته ؛ قال الحرالي في تفسير { أو كالذي ~~مر على قرية } : آية النفس منبهة على آية الحس , وآية الحس منبهة على آية ~~النفس , إلا أن آية النفس أعلق , فهي لذلك أهدى , غاية آية الآفاق الإيمان ~~, وغاية آية النفس اليقين . | ولما ذكر الظرف وما خلق لأجله من الناس , ضم ~~إليهم بعض ما خلقه لأجلهم لشرفه بالحياة , أتبعه ما أودع الظرف من المرافق ~~لأجل الحيوان فقال : { واختلاف اليل والنهار } بذهاب أحدهما ووجود الآخر ~~بعد ذهابه على التعاقب آية متكررة للدلالة على القدرة على الإيجاد بعد ~~الإعدام بالبعث وغيره , وجر ( اختلاف ) بتقدير ( في ) فينوب حرف العطف مناب ~~عامل واحد للابتداء عند من رفع ( آيات ) , ومناب ( إن ) عند من نصب , فلم ~~يلزم نيابته مناب عاملين مختلفين في الابتداء في الرفع وفي ( إن ) في النصب ~~. | ولما كان المطر أدل مما مضى على البعث والعزة , لأن الشيء كلما قل ~~الإلف له كان أمكن للتأمل فيه , أولاه إياه فقال : { وما أنزل الله } أي ~~الذي تمت عظمته فنفذت كلمته . | ولما كان الإنزال قد يستعمل فيما اتى من ~~علو معنوي وإن لم يكن حسيا , بين أن المراد هنا الأمران فقال : { من السماء ~~} ولما كانت منافع السماء غير منحصرة في الماء قال : { من رزق } أي مطر ~~وغيره من الأسباب المهيئة لإخراج الرزق { فأحيا به } أي بسببه وتعقبه { ~~الأرض } أي الصالحة للحياة , ولذلك قال : { بعد موتها } أي يبسها وتهشم ما ~~كان فيها من النبات وانقلابه بالاختلاط بترابها ترابا , فإذا نزل عليها ~~الماء جمعه منها فأخرجه على ما كان عليه كلما تجدد نزوله , ولذلك لم يأت ~~بالجار إشارة إلى دوام الحياة بالقوة إن لم يكن بالفعل . | ولما ذكر ما ~~يشمل الماء , ذكر سبب السحاب الذي يحمله ms4730 فقال : { وتصريف الرياح } في كل ~~جهة من جهات الكون وفي كل معنى من رحمة وعذاب وغير ذلك من الأسباب , ولم ~~يذكر الفلك والسحاب كما في البقرة لاقتضاء اللبابية المسماة بها الحواميم , ~~ذلك لأنهما من جملة منافع التصريف , وتوحيد حمزة والكسائي أبلغ لأن تصريف ~~الشيء الواحد في الوجوه الكثير أعجب { آيات } قراءة الرفع أبلغ لإشارتها ~~بعدم الحاجة إلى التأكيد إلى أن ما في الآية ظاهر الدلالة على القدرة ~~والاختيار للصانع بما في التصريف من الاختلاف , والماء بما يحدث عنه من ~~الإنبات أوضح دلالة من بقيتها على PageV07P091 البعث , ولاجل شدة ظهورها ~~ناط الأمر فيها بالعقل فقال : { لقوم يعقلون * } وقال القالي : والمعنى أن ~~المنصفين لما نظروا في السماوات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمنوا , ~~فإذا نظروا في خلق أنفسهم ونحوها ازدادوا إيمانا فأيقنوا , فإذا نظروا في ~~سائر الحوادث عقلوا واستحكم علمهم . | < < # | الجاثية : ( 6 - 12 ) تلك آيات الله . . . . . # > > ^ ( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته ~~يؤمنون * ويل لكل أفاك أثيم * يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن ~~لم يسمعها فبشره بعذاب أليم * وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك ~~لهم عذاب مهين * من ورآئهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا ~~من دون الله أوليآء ولهم عذاب عظيم * هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم ~~عذاب من رجز أليم * الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ) ^ } ) | ولما ذكر هذه الآيات العظيمات , ~~وكانت كلها مشتركة في العظم , بعد ما أشار إلى تباين رتبها في الخفاء ~~والجلاء بفواصلها , قال مشيرا إلى علو رتبها بأداة البعد : { تلك } أي ~~الآيات الكبرى { آيات الله } أي دلائل المحيط بصفات الكمال التي لا شيء ~~أجلى ولا أظهر ولا أوضح منها . | ولما كان كأنه قيل : ما لها ؟ قال , أو ~~يكون المراد : نشير إليها حال كوننا { نتلوها } أي نتابع قصها { عليك } ~~سواء كانت مرئية أو مسموعة , متلبسة { بالحق } أي الأمر الثابت الذي لا ~~يستطاع ms4731 تحويله فليس بسحر ولا كذب , فتسبب عن ذلك حينئذ الإنكار عليهم وعلى ~~من يطلب إجابتهم إلى المقترحات طمعا في إيمانهم في قوله تعالى : { فبأي ~~حديث } أي خبر عظيم صادق يتجدد علمهم به يستحق أن يتحدث به , واستغرق كل ~~حديث فقال : { بعد الله } أي الحديث الأعظم عن الملك الأعلى { وآياته } أي ~~والحديث عن دلالاته العظيمة { يؤمنون * } من خاطب - وهم الجمهور - ردوه على ~~قوله ( وفي خلقكم ) وهو أقوى تبكيتا , وغيرهم وهم أبو عمرو وحفص عن عاصم ~~وروح عن يعقوب رأوا أن ذلك الخطاب صرف إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~في قوله { نتلوها عليك بالحق } . | ولما كان لا يبقى على الكفر نوع بقاء ~~فضلا عن الإصرار بعد هذا البيان إلا من يستحق النكال لمجاهرته بالعناد , ~~قال على وجه الاستنتاج مهددا : { ويل } أي مكان معروف في جهنم { لكل أفاك } ~~أي مبالغ في صرف الحق عن وجهه { أثيم * } أي مبالغ في اكتساب الإثم وهو ~~الذنب , وعمل ما لا يحل مما يوجب العقاب , وفسر هذا بقوله : { يسمع آيات ~~الله } أي دلالات الملك الأعظم الظاهرة حال كونها { تتلى } أي PageV07P092 ~~يواصل استماعه لها بلسان القال أو الحلا من أي تال كان , عالية { عليه } ~~بجميع ما فيها من سهولة فهمها وعذوبة ألفاظها وظهور معانيها وجلالة مقاصدها ~~مع الإعجاز فكيف إذا كان التالي أشرف الخلق . | ولما كانت تلاوتها موجبة ~~لإقلاعه فكان إصراره مع بعد رتبته في الشناعة مستبعدا كونه قال : { ثم يصر ~~} أي يدوم دوما عظيما على قبيح ما هو فيه حال كونه { مستكبرا } أي طالبا ~~الكبر عن الإذعان وموجدا له . | ولما كان مع ما ذكر من حاله يجوز أن يكون ~~سماعه لها , خفف من مبالغته في الكفر , بين أنها لم تؤثر فيه نوعا من ~~التأثير , فكان قلبه أشد قسوة من الحجر فقال : { كأن } أي كأنه { لم يسمعها ~~} فعلم من ذلك ومن الإصرار وما قيد به من الاستكبار أن حاله عند السماع ~~وقبله وبعده على حد سواء , وقد علم بهذا الوصف أن كل منلم ترده آيات الله ~~تعالى ms4732 كان مبالغا في الإثم والإفك , فكان له الويل . | ولما كان الإصرار ~~معناه الدوام المتحكم , لم يذكر الوقر الذي هو من الأمراض الثابتة كما ذكره ~~في سورة لقمان , قال ابن القطاع وابن ظريف في أفعالهما , أصر على الذنب ~~والمكروه : أقام , وقال عبد الغافر الفارسي في المجمع : أصررت على الشيء أي ~~أقمت ودمت عليه , وقال ابن فارس في المجمل : والإصرار : العزم على الشيء ~~والثبات عليه , وقال أبو عبد الله القزاز في ديوانه ونقله عن عبد الحق في ~~واعيه , وأصل الصر الإمساك , ومنه يقال : أصر فلان على كذا , أي أقام عليه ~~وأمسكه في نفسه وعقهد لأنه قد يقول ما ليس في نفسه وما لا يعتقده , والرجل ~~مصر على الذنب أي ممسك له معتقد عليه , ثم قال : من الإصرار عليه وهو العزم ~~على أن لا يقلع عنه , وقال الأصفهاني تبعا لصاحب الكشاف : وأصله من أصر ~~الحمار على العانة , وهو أن ينحني عليها صارا أذنيه . | ولما أخبر عن ثباته ~~على الخبث , سببب عنه تهديده في أسلوب دال - بما فيه من التهكم - على شدة ~~الغضب وعلى أنه إن كان له بشارة فهي العذاب فلا بشارة له أصلا فقال تعالى : ~~{ فبشره } أي على هذا الفعل الخبيث { بعذاب } لا يدع له عذوبة أصلا { أليم ~~* } أي بليغ الإيلام . | ولما بين تعالى كفره بما يسمع من الآيات , أتبعه ~~ما هو أعم منه فقال : { وإذا علم } أي أي نوع كان من أسباب العلم { من ~~آياتنا } أي على ما لها من العظمة بإضافتها إلينا { شيئا } وراءه وكان كلما ~~رأوا الإنسان في غاية التمكن منه , قال مبينا للعذاب : { جهنم } أي تأخذهم ~~لا محالة وهم في غاية الغفلة عنها بترك الاحتراز منها , ويحسن التعبير ~~بالوراء أن الكلام في الأفاك , وهو انصراف الأمور عن أوجهها إلى اقفائها ~~فهو PageV07P093 ماش أبدا إلى ورائه فهو ماش إلى النار بظهره , ويستعمل , ( ~~وراء ) في الإمام , فيكون حينئذ مجارا عن الإحاطة أي تأخذهم من الجهة التي ~~هم بها عالمون والجهة التي هم بها جاهلون , فتلقاهم بغاية التجهم والعبوسة ~~والغيظ والكراهة ms4733 ضد ما كانوا عليه عند العلم بالآيات المرئية والمسموعة من ~~الاستهزاء الملازم للضحك والتمايل بطرا وأشرا , ومثل ما كانوا عليه عند ~~الملاقاة للمصدقين بتلك الآيات . | ولما كانوا يظهرون الركون إلى ما ~~بأيديهم من الأعراض الفانية , قال : { ولا يغني عنهم } أي في دفع ذلك { ~~شيئا } أي من إغناء . | ولما كان هؤلاء لما هم عليه من العمى يدعون إغناء ~~آلهتهم عنهم , قال مصرحا بها : { ولا ما اتخذوا } أي كلفوا أنفسهم أي كلفوا ~~أنفسهم بأخذه مخالفين لما دعتهم إليها فطرهم الأولى السليمة من البعد عنها ~~. | ولما كان كفرهم إنما هو الإشراك , فكانوا يقولون ( الله ) أيضا , قال ~~معبرا بما يفهم سفول ما سواه : { من دون الله } أي أدنى رتبة من رتب الملك ~~الأعظم { أولياء } أي يطمعون في أن يفعلوا معهم ما يفعله القريب من النفع ~~والذب والدفع { ولهم } مع عذابه بخيبة الأمر { عذاب عظيم * } لا يدع جهة من ~~جهاتهم ولا زمانا من أزمانهم ولا عضوا من أعضائهم إلا ملأه . | ولما أخبر ~~عما لمن أعرض عن الآيات بما هو أجل موعظة وأردع زاجر عن الضلال , قال مشيرا ~~إلى ما افتتح به الكلام من المتلو الذي هذا منه : { هذا } أي التنزيل ~~المتلو عليكم { هدى } أي عظيم جدا بالغ في الهداية كامل فيها , فالذين ~~اهتدوا بآيات ربهم لأنهم - لم يغتروا بالحاضر لكونه زائلا فاستعملوا عقولهم ~~فآمنوا به لهم نعيم مقيم { والذين كفروا } أي ستروا ما دلتهم عليهم مرائي ~~عقولهم به - هكذا كان الأصل , ولكنه نبه على أن كل جملة من جمله , بل كل ~~كلمة من كلماته دلالة واضحة عليه سبحانه فقال : { بآيات ربهم } أي وهذه ~~التغطية بسبب التكذيب بالعلامات الدالة على وحدانية المحسن إليهم فضلوا عن ~~السبيل لتفريطهم في النظر لغروهم بالحاضر الفاني { لهم عذاب } كائن { من ~~رجز } أي عقاب قذر شديد جدا عظيم القلقلة وةالاضطراب متتابع الحركات , قال ~~القزاز , الرجز والرجس واحد { أليم * } أي بليغ الإيلام , الآية من ~~الاحتباك : ذكر الهدى أولا دليلا على الضلال ثانيا , والكفر والعذاب ثانيا ~~دليلا على ضدهما أولا , وسره أنه ذك ms4734 رالسبب المسعد ترغيبا فيه , والشمقى ~~ترهيبا منه . | ولما ذكر سبحانه وتعالى صفة الربوبية , ذكر بعض آثارها وما ~~فيها من أياته , فقال مستأنفا دالا على عظمتها بالاسم الأعظم : { الله } أي ~~الملك الأعلى المحيط بجميع PageV07P094 صفات الكمال . | ولما كان آخر ~~الآيات التي قدمها الرياح , ذكر ما يتصرف بتسييرها فقال : { الذي سخر } أي ~~وحده منغير حول منكم في ذلك بوجه من الوجوه { لكم } أيها الناس بربكم ~~وفاجركم { البحر } بما جعل فيه مما لا يقدر عليه إلا واحد لا شريك له فاعل ~~بالاختيار من القبلية للسير فيه بالرقة والليونة والاستواء مع الريح ~~الموافقة وأنه يطفوا عليه ما كان من الخشب مع ما علم من صنعته على هذا ~~الوجه الذي تم به المراد { لتجري الفلك } أي السفن { فيه بأمره } ولو كانت ~~موقرة بأثقال الحديد الذي يغوص فيه أخف شيء منه كالإبرة وما دونها . | ولما ~~كان التقدير : لتعبروا بذلك فتعلموا أنه بقدرته خاصة لتؤمنوا به , عطف عليه ~~قوله : { ولتبتغوا } أي تطلبوا بشهوة نفس واجتهاد بما تحملون فيه من ~~البضائع وتتوصلون إليه من الأماكن والمقاصد بالصيد والغوص وغير ذلك { من ~~فضله } لم يصنع شيئا منه سواه . | ولما كان التقدير : لتظهر عليكم آثار ~~نعمته , عطف عليه قوله تعالى : { ولعلكم تشكرون * } أي ولتكونوا بحيث يرجوا ~~منكم من ينظر حالكم ذلك الشكر من أنعم عليكم به ليزيدكم من فضله في الدنيا ~~والآخرة . | < < # | الجاثية : ( 13 - 15 ) وسخر لكم ما . . . . . # > > ^ ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون * قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما ~~بما كانوا يكسبون * من عمل صالحا فلنفسه ومن أسآء فعليها ثم إلى ربكم ~~ترجعون ) ^ } ) | ولما ذكر آية البحر لعظمتها , عم بمنافع الخافقين دلالة ~~على أنه ما خلق ذلك كله , على عظمه إلا لنا , تنبيها على أن الأمر عظيم ~~فقال تعالى : { وسخر لكم } أي خاصة ولو شاء لمنعه { ما في السماوات } ~~بإنزاله إليكم منبها على أنها يحث لا يمكنكم الوصول إليه بوجه , وأكد ~~بإعادة الموصول لأن ms4735 السياق للدلالة على عزته وحكمته الدالتين على توحده ~~باستحقاق العبادة الذي هم له منكرون كما دلتا على توحده بالإيجاد والسيادة ~~وهم معترفون بذلك بألسنتهم , وأفعالهم أفعال من ينكره , فقال : { وما في ~~الأرض } وأوصالكم إليه ولو شاء لجعلكم كما في السماء لا وصول لكم إليه , ~~وأكد ما دل على ما مضى من العموم بقوله : { جميعا } حال كون ذلك كله من ~~أعيان تلك الأشياء ومن تسخيرها { منه } لا صنع لأحد غيره في شيء منه في ذلك ~~, قال الرازي في اللوامع : قال أبو يعقوب النهر جوري : سخر لك الكل لئلا ~~يسخرك منها شيء , وتكون مسخرا لمن سخر لك الكل وهو الله تعالى , فإنه يقبح ~~بالمخدوم أن يخدم خادمه , وقال القشيري : ما من شيء من الأعيان الظاهرة إلا ~~ومن وجه للانسان به انتفاع , فمن أن يستسخرك ما هو مسخر لك . | PageV07P095 ~~ولما صح أنه لا شريك له في شيء من الخلق لا من الذوات ولا من المعاني , حسن ~~جدا قوله , مؤكدا لأن عملهم يخالفه : { إن في ذلك } أي الأمر العظيم وهو ~~تسخيره لنا كل شيء في الكون { لآيات } أي دلالات واضحات على أنهم في ~~الالتفات إلى غيره في ضلال مبين بعد تسخيره لنا ما لنا من الأعضاء والقوى ~~على هذا الوجه البديع مع أن من هذا المسخر لنا ما هو أقوى منا { لقوم } أي ~~ناس فيهم أهلية للقيام بما يجعل إليهم { يتفكرون * } أنه المتوحد باستحقاق ~~الإلهية فلا يشركون به شيئا . | ولما علمت دلائل التوحيد على وجه علم منه ~~أنه قد بسط نعمه على جميع خلقه طائعهم وعاصيهم , فعلمت بواسطة ذلك الأخلاق ~~الفاضلة والأفعال الحميدة , وكان على المقبل عليه المحب له التخلق بأوصافه ~~, أنتج قوله مخاطبا لأفهم خلقه عنه وأطوعهم له الذي الأوامر إنما هي له من ~~شدة طواعته تكوين لا تكليف : { قل } أي بقالك وحالك { للذين آمنوا } أي ~~ادعوا التصديق بكل ما جاءهم من الله : اغفروا تسننا به من أساء إليكم . | ~~ولما كان هذا الأمر في الذروة من اقتضاء الإحسان إلى المسيء فكيف بالصفح ~~عنه ms4736 , كان كأنه علة مستقلة في الإقبال عليه والقبول منه والإعراض عن مؤاخذة ~~المسيء , فإن ذلك يقدح في كمال الإقبال عليه مع أن من كان يريد هو سبحانه ~~الانتقام منه فهو يكفي أمره , ومن لم يرد ذلك منه فلا حيلة في كفه بوجه ~~فالاشتغال به عبث فنبه على ذلك بأن جعل جواب الأمر قوله : { يغفروا } أي ~~يستروا سترا بالغا . | ولما كان العاقل من سعى جهده في نفع نفسه , وكان ~~الأذى لعباد الله مظنة لتوقع الغضب منه وقادحا فيما يرجى من إحسانه قال : { ~~للذين } وعبر في موضع { أساؤوا إليهم } بقوله تعالى : { لا يرجون } أي ~~حقيقة ومجازا , والتعبير في موضع الخوف بالرجاء لما فيه من الاستجلاب ~~والترغيب والتأليف والاستعطاف , وقال بعد ما نبه عليه بتلك العبارة من جليل ~~الإشارة : { أيام الله } أي مثل وقائع الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال في ~~الأمم الخالية بإدلة الدول تارة لهم وأخرى عليهم , وفيه أعظم ترغيب في الحث ~~على الغفران للموافق في الدين , وتنبيه على أنه لا يقدم على الإساءة إلى ~~عبيده إلا من أعرض عنه , فصار حاله حال الآئس من صنائعه سبحانه في جزائه ~~للمسيء والمحسن في الأيام والليالي , وعبر بالاسم الشريف تنبيها على ما له ~~من الجلال والجمال في معاملة كل منهما , قال ابن برجان : وهذه الآية وشبهها ~~من النسي المذكور في قوله تعالى < # > 77 ( { ما ننسخ من آية أو ننسها } ) 77 < # > [ البقرة : 106 ] وليس بنسخ بل هو حكم ضعف , ونزل بعد الهجرة آية ~~الجهاد والأمر بالمعروف , وتركت هذه وأمثالها مسطورة PageV07P096 في القرآن ~~لما عسى أن يدور من دوائر أيام الله ومن أيامه إزالة أهل الكفر تنبيها ~~للمسلمين ليراجعوا أمرهم ويصلحوا ما بينهم ربهم . | ولما كان من قوصص على ~~جنايته في الدنيا , سقط عنه أمرها في الآخرة , وكان المسلط للجاني ف ~~يالحقيقة إنما هو الله تعالى وكان تسليطه إياه لحكم بالغة تظهر غاية الظهور ~~في الآخرة , علل الأمر بالغفران مهددا للجاني ومسليا للمجني عليه : { ليجزي ~~} أي الله في قراءة الجماعة بالتحتانية والبناء للفاعل , ونحن بما لنا ms4737 من ~~العظمة في قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي بالنون , وبناه أبو جعفر للمعفول ~~فيكون النائب عن الفاعل الخير أو الشر بتقدير حرف الجر لجزائهم في الدنيا ~~وفي الآخرة حيث يظهر الحكم وينجلي الظلم . | ولما كان ربما جوزي جميع ~~الجناة , وربما عفي عن بعضهم بالتوبة عليه أو غيرها تفضلا لحكم أخرى ويثاب ~~المظلوم عل ىظلامته لمثل ذلك قال : { قوما } أي من الجناة وإن كانوا في ~~غاية العلو الكبرياء والجبروت ومن المجني عليهم وإن كانوا في غاية الضعف { ~~بما } أي بسبب الذي { كانوا } أي في جبلاتهم وأبرزوه إلى الخارج { يكسبون * ~~} أي يفعلون على ظن أنه ينفعهم أو بسبب كسبهم من خير أو شر , والحاصل أنه ~~تعالى يقول : أعرض عمن ظلمك وكل أمره إلي فإني لا أظلمك ولا أظلم أحدا , ~~فسوف أجزيك على صبرك أجزيه على بغيه وأنا قادر , وأفادت قراءة أبي جعفر ~~الإبلاغ في تعظيم الفاعل وأنه معلوم , وتعظيم ما أقيم مقامه وهو الجزاء ~~بجعله عمدة مسندا إليه لأن عظمته على حسب ما أقيم مقامه , فالتقدير لكون ~~الفعل يتعدى إلى مفعولين كما قال تعالى < # > 77 ( { وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا } ) 77 < # > [ الدهر : 12 ] ليجزي الملك الأعظلم الجزاء الأعظم من الخير للمؤمن ~~والشر للكافر قوما , فجعل الجزاء كالفاعل وإن كان مفعولا كما جعل ( زيد ) ~~فاعلا في مات زيد وإن كان مفعولا في المعنى : تنبيها على عظيم تأثير الفعل ~~فإنه لا انفكاك عنه لأنه يجعل متمكنا من المجزي تمكن المجزي من جزائه ~~ومحيصا به لأن الله تعالى بعظم قدرته يجعل عمل الإنسان نفسه جزاء له , قال ~~الله تعالى < # > 77 ( { سيجزيهم وصفهم } ) 77 < # > [ الأنعام : 139 ] بما كانوا يعملون , ويجوز أن يكون النائب عن الفاعل ~~ضمير ( الذين ) بالنظر إلى لفظه فيكون المعنى : سجيزي الذين آمنوا ناسا ~~كانوا أقوياء على القيام في أذاهم بسبب أذاهم لهم فيجعل كلا منهم فداء لكل ~~منهم من النار , وربما رأوا بعض آثار ذلك في الدنيا , روى مسلم والترمذي عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms4738 قال : ( ما نقصت ~~صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا , وما PageV07P097 تواضع أحد ~~إلا رفعه الله عز وجل ) . | ولأحمد والترمذي اللفظ له وقال حسن صحيح عن أبي ~~كبشة الأنماري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ~~ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه : ما نقص مال عبد من صدقة , وما ظلم ~~عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله عزا , ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح ~~الله باب فقر ) - أو كلمة نحوها , وروى الحاكم وصحح إسناده , قال المنذري : ~~وفيه انقطاع عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال : ( من سره أن يشرف له البنيان ~~وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه ) . | ولما رغب ~~سبحانه ورهب وتقرر أنه لا بد من الجزاء , زاد في الترغيب والترهيب بأن ~~النفع والضر لا يعدوهم فقال شارحا للحزاء : { من عمل صالحا } قال أو جل { ~~فلنفسه } أي خاص عمله يرى جزاءه في الدنيا أو في الآخرة { ومن أساء } أي ~~كذلك إساة قلت أو جلت { فعليها } خاصة إساءته كذلك , وذلك في غاية الطهور ~~لأنه لا يسوغ في عقل عاقل أن ملكا يدع عبيده من غير جزاء ولا سيما إذا كان ~~حكيما وإن كانت نقائص النفوس قد غطت على كثير من العقول ذلك ومن جزائه أنه ~~يديل المسيء على المحسن لهفوة وقعت له ليراجع حاله بالتوبة . | ولما كان ~~سبحانه قادرا لا يفوته شيء كان بحيث لا يعجل فأخر الجزاء إلى اليوم الموعود ~~: { ثم } أي بد الابتلاء بالإملاء في الدنيا والحبس في البرزخ { إلى ربكم } ~~أي المالك لكم وحده لا إلى غيره { ترجعون * } | < < # | الجاثية : ( 16 - 19 ) ولقد آتينا بني . . . . . # > > ^ ( ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من ~~الطيبات وفضلناهم على العالمين * وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا ~~من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما ~~كانوا فيه يختلفون * ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهوآء ~~الذين ms4739 لا يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم ~~أوليآء بعض والله ولي المتقين ) ^ } ) | PageV07P098 ولما علم بهذه الحكم ~~ما افتتحت به السورة من أن منزل هذا الكتاب عزيز حكيم , فكان التقدير فذلكة ~~لذلك : لفقد آتيناك الكتاب والحكم والنبوة وفضلناك وأمتك على العالمين ~~وأرسلناك لتنبه الناس على ما أمامهم وكان قومه بعد ائتلافهم على الضلال قد ~~اختلفوا بهذا الكتاب الذي كان ينبغي لهم أن يشتد اجماعهم به واستنصارهم من ~~أجله , عطف عليه مسليا قوله : { ولقد آتينا } أي على ما لنا من العظمة ~~والقدرة الباهرة { بني إسرائيل } نبي الله ابن عمكم إسحاق نبي الله ابن ~~أبيكم إبراهيم خليل الله عليهم الصلاة والسلام { الكتاب } الجامع للخيرات ~~وهو يعم التوارة والإنجيل والزبور وغيرها مما أنزل على أنبيائهم { والحكم } ~~أي العلم والعمل الثابتين ثبات الاحكام بحيث لا يتطرق إليهما فساد بما ~~للعلم من الزينة بالعمل , وللعمل من الإتقان بالعلم { والنبوة } التي تدرك ~~بها الأخبار العظيمة التي لا يمكن اطلاع الخلق عليها بنوع اكتساب منهم , ~~فأكثرنا فيهم من الأنبياء { ورزقناهم } بعظمتنا لإقامة أبدانهم { من ~~الطيبات } من المن والسلوى وغيرهما من الأرزاق اللدنية وغيرها { وفضلناهم } ~~بما لنا من العزة { على العالمين } وهم الذين تحقق إيجادنا لهم في زمانهم ~~وما قبله فإنا آتيناهم من الآيات المرئية والمسموعة وأكثرنا فيهم من ~~الأنبياء ما لم نفعله لغيرهم ممن سبق , وكل ذلك فضيلة ظاهرة { وآتيناهم } ~~مع ذلك { بينات من الأمر } الموحى به إلى أنبيائهم من الأدلة القطعية ~~والأحكام والمواعظ المؤيدة بالمعجزات , ومن صفات الأنبياء الآتين بعدهم ~~وغير ذلك مما هو في غاية الوضوح لمن قضينا بسعادته , وذلك أمر يقتضي الألفة ~~والاجتماع وقد كانوا متفقين وهم في زمن الضلال لا يختلفون إلا اختلافا ~~يسيرا لا يضر مثله ولا يعد اختلافا . | ولما كان حالهم بعد هذا الإيتاء ~~مجملا , فصله فقال تعالى : { فما اختلفوا } أي أوقعوا الاختلاف والافتراق ~~بغاية جهدهم , ولما لم يكن اختلافهم مستغرقا لجميع الزمن الذي بعد الإيتاءن ~~أثبت الجار فقال : { إلا منبعد ما جاءهم العلم } الذي من شأنه ms4740 الجمع على ~~المعلوم , فكان ما هو سبب الاجتماع سببا لهم في الافتراق لأن الله تعالى ~~أراد ذلك وهو عزيز . | ولما كان هذا عجبا , بين علته نحذرا من مثلها فقال : ~~{ بغيا } أي للمجاوزة في الحدود التي اتقضاها لهم طلب الرئاسة والحسد ~~وغيرهما من نقائص النفوس . | ولما كان البغي على البعيد مذموما , زاده عجبا ~~بقوله : { بينهم } واقعا فيهم لم يعدهم إلى غيرهم , وقد كانوا قبل ذلك وهم ~~تحت أيدي القبط في غاية الاتفاق واجتماع الكلمة على الرضا بالذل , ولذلك ~~استأنف قوله الذي اقتضاه الحال على ما يشاهده العباد من أفعال الملوك فيمن ~~خالف أوامرهم , مؤكدا لأجل إنكارهم . | { إن ربك } أي المحسن PageV07P099 ~~إليك بإرسالك وتكثير أمتك وحفظهم مما ضل به القرون الأولى وبيان يوم الفصل ~~الذي هو محط الحكمة بيانا لم يبينه على لسان أحد ممن سلف { يقضي بينهم } ~~بإحصاء الأعمال والجزاء عليها , لأن هذا مقتضى الحكمة والعزة { يوم القيامة ~~} الذي ينكره قومك الذين شرفناهم برسالتك مع أنه لايجوز في الحكمة إنكاره { ~~فيما كانوا } أي بما هو لهم كالجبلة { فيه يختلفون * } بغاية الجهد متعمدين ~~له بخلاف ما كان يقع منهم خطأ فإنه يجوز في الحكمة أن يتفضل عليهم بالعفو ~~عنه فقد علم أنه لا يجوز في الحكمة أصلا أن يترك المختلفون من غير حكم ~~بينهم لأن هذا لا يرضاه أقل الملوك فإنه لايعرف الملك إلا بالقهر والعزة ~~ولا يعرف كونه حكيما إلا بالعدل , وإذا كان هذا لا يرضاه ملك فكيف يرضاه ~~ملك الملوك , وإذا كان هذا القضاء مقتضى الحكمة كان لا فرق فيه بين ناس ناس ~~, فهو يقتضي بينكم أيضا كذلك , ومن التأكيد للوعد بذلك اليوم التعبير باسم ~~الرب مضافا إليه صلى الله عليه وسلم . | ولما كان معنى هذا أنه سبحانه ~~وتعالى جعل بني إسرائيل على شريعة وهددهم على الخلاف فيها , فكان تهديدهم ~~تهديدا لنا , قال مصرحا بما اقتضاه سوق الكلام وغيره من تهديدنا منبها على ~~علو شريعتنا : { ثم } أي بعد فترة من رسلهم ومجاوزة رتب كثيرة عالية على ~~رتبة شريعتهم { جعلناك } أي ms4741 بعظمتنا { على شريعة } أي طريقة واسعة عظيمة ~~ظاهرة مستقيمة سهلة موصلة إلى المقصود هي جديرة بأن يشرع الناس فيها ~~ويخالطوها مبتدئة { من الأمر } الذي هو وحينا وهو حياة الأرواح كما أن ~~الأرواح حياة الأشباحز ولما بين بهذه العبارة بعض فضلها على ما كان قبلها , ~~سبب عنه قوله موجها الخطاب إلى الإمام بما أراد به المأمومين ليكون أدعى ~~إلى اجتهادهم , فإن أمرهم تكليف وأمر إمامهم تكوين : { فاتبعها } أي بغاية ~~جهدك . | ولما كانت الشريعة العقل المحفوظ الذي أخبر الله أنه به يأخذ وبه ~~يعطي , كان الإعراض عنها إلى غيرها إنما هو هوى , ولما كان أحاد الأمة غير ~~معصومين أشار إلى العقو عن هفواتهم بقوله تعالى : { ولا تتبع } أي تتعمدا ~~أن تتبعوا { أهواء الذين لا يعلمون * } أي لا علم لهم أو لهم علم ولكنهم ~~يعملون عمل من ليس لهم علم أصلا من كفار العرب وغيرهم , فإن من تعمد ~~اتباعهم فعلت بهم ما فعلت ببني إسرائيل حيث لعنتهم على لسان داود وعيسى ابن ~~مريم عليهما الصلاة والسلام بعد ما لعنتهم على لسان موسى عليه الصلاة ~~والسلام , ثم علل هذا النهي مهددا بقوله : مؤكدا تنبيها على أن من خالف أمر ~~الله لأجل أحد كان عمله عمل من يظن أنه يحميه : { إنهم } وأكد النفي فقال ~~تعالى : { لن يغنوا عنك } أي لا PageV07P100 يتجدد لهم نوع إغناء مبتدىء { ~~من الله } المحيط بكل شيء قدرة وعلما واصل إليه , وكل ما لا يكون ذا وصلة ~~به فهو عدم { شيئا } من إغناء إن تبعتهم كما أنهم لن يقدروا لك على شيء من ~~أذى إن خالفتهم وناصبتهم . | ولما كان التقدير : فإنهم ظلمة لا يضعون شيئا ~~في موضعه , ومن ابتعهم فهو منهم قال تعالى عاطفا عليه : { وإن } وكان الأصل ~~: وإنهم ولكنه أظهر للاعلام بوصفهم فقال : { الظالمين } أي العريقين في هذا ~~الوصف الذميم { بعضهم أولياء بعض } فلا ولاية - أي قرب - بينهم وبين الحكيم ~~أصلا لتباعد ما بين الوصفين فكانت أعمالهم كلها باطلة لبنائها على غير أساس ~~خلافا لمن يظن بها غير ذلك تقيدا بالأمور ms4742 الظاهرة في هذه الدار { والله } ~~أي الذي له جميع صفات الجلال والجمال والعز والكمال { ولي المتقين * } الين ~~همهم الأعظم الاتصاف بالحكمة باتخاذ الوقايات المنجية لهم من سخط الله ولا ~~ولاية بينه وبين الظالمين . | < < # | الجاثية : ( 20 - 22 ) هذا بصائر للناس . . . . . # > > ^ ( هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون * أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سوآء محياهم ومماتهم سآء ~~ما يحكمون * وخلق الله السماوات والأرض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم ~~لا يظلمون ) ^ } ) | ولما أوصل سبحانه إلى هذا الحد من البيان , الفائت ~~لقوى الإنسان , قال مترجما عنه : { هذا } أي الوحي المنزل . | ولما كان في ~~عظم بيانه وإزالة اللبس عن كل ملبس دق أو جل بحيث لا يلحقه شيء من خفاء , ~~جعله نفس البصيرة , مجموعة جمع كثرة بصيغة منتهى الجموع كما جعله روحا فقال ~~: { بصائر للناس } أي الذين هم في أدنى المراتب , يبصرهم بما يرضهم وما ~~ينفعهم , فما ظنك بمن فوقهم من الذين آمنوا ثم الذين يؤمنون ومن فوقهم . | ~~ولما بين ما هو لأهل السفول , بين ما هو لأهل العلو فقال تعالى : { وهدى } ~~أي قائد إلى كل خير , مانع من كل زيغ { ورحمة } أي كرامة وفوز ونعمة { لقوم ~~يوقنون * } أي ناس فيهم قوة القيام بالوصول إلى العلم الثابت وتجديد الترقي ~~في درجاته إلى ما لا نهاية له أبدا . | ولما كان التقدير بعد هذا البيان ~~الذي لم يدع لبسا في أمر الحساب بما حده من الملك الذي يوجب ما له من ~~العظمة والحكمة أن يحاسب عبيده لثواب المحسن وعقاب المسيء : أعلم هؤلاء ~~المخاطبون - لأنهم لا يعدون أن يكونوا من الناس أو من الذين يوقنون بهذه ~~البصائر لما لهم من حسن الغرائز المعلية لهم عن حضيص الحيوان إلى أوج ~~الإنسان أنا نفرق بين المسيئين الذين بعضهم أولياء بعض وبين PageV07P101 ~~المحسنين الذين نحن أولياؤهم , عطف عليه سبحانه وتعالى قوله : { أم } قال ~~الأصبهاني : قال الإمام : كلمة وضعت للاستفهام عن شيء حال كونه معطوفا على ~~آخر سواء كان المعطوف مذكورا أو مضمرا - انتهى ms4743 . | وكان الأصل : حسبوا , ~~ولكنه عدل عنه للتنبيه على أن ارتكاب السوء معم للبصيرة مضعف للعقل كما ~~أفاده التعبير بالحسبان كما تقدم بيانه في البقرة فقال : { حسب الذين ~~اجترحوا } أي فعلوا بغاية جهدهم ونزوع شهواتهم { السيئات أن نجعلهم } مع ما ~~لنا من العظمة المانعة من الظلم المقتضية للحكمة { كالذين آمنوا وعملوا } ~~تصديقا لإفرارهم ظاهرا وباطنا وسرا وعلانية { الصالحات } بأن نتركهم بلا ~~حساب للفصل بين المحسن والمسيء . | ولما كانت المماثلة مجملة , بينهما ~~اشتئنافا بقوله مقدما ما هو عين المقصود من الجملة الأولى : { سواء } أي ~~مستو استواء عظيما { محياهم ومماتهم } أي حياتهم وموتهم وزمان ذلك ومكانه ف ~~يالارتفاع والسفول واللذة والكدر وغير ذلك من الأعيان والمعاني . | ولما ~~كان هذا مما لا يرضاه أحد لمن تحت يده ولا يغيره , قال معبرا بمجمع الذم : ~~{ ساء ما يحكمون * } أي بلغ حكمهم هذا في نفسه ولا سيما وهم بإصرارهم عليه ~~في تجديد له كل ساعة أقصى نهايات السوء , فهو مما يتعجب منه , لأنه لا يدري ~~الحامل عليه , وذلك أنه نسبوا الحكيم الذي لا حكيم في الحقيقة غيره إلى ما ~~لا يفعله أقل الناس فيمن تحت يده . | ولما أنكر التسوية وذمهم على الحكم ~~بها , أتبع ذلك الدليل القطعي على أن الفريقين لا يستويان وإلا لما كان ~~الخالق لهذا الوجود عزيزا ولا حكيما , فقال دالا على إنكار التسوية وسوء ~~حكمهم بها , عاطفا على ما تقديره : فقد خلق الله الناس كلهم بالحق وهو ~~الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع , وهو ثبات أعمال المحسنين وبطلان أفعال ~~المسيئين , عطف عليه قوله : { وخلق الله } أي الذي له جميع أوصاف الكمال ~~ولا يصح ولا يتصور أن يحلقه نوع نقص { السماوات والأرض } اللتين هما ظرف ~~لكم وابتدئت باطلاص , فمتى وجد سبب الشيء وانتفى مانعه وجد , ومتى وجد مانع ~~الشيء وانتفى سببه انتفى , لا يتخلف ذلك أصلا , ولذلك جملة ما وقع من ~~خلقهما طابقه الواقع الذي هو قدرة الله وعلمه وحكمته وجميع ما له من صفات ~~الكمال التي دل خلقهما عليها , فإذا كان الظرف على هذا الإحكام ms4744 فما الظن ~~بالمظروف الذي ما خلق الظرف إلا من أجله , هل يمكن في الحكمة أن يكون على ~~غير ذلك فيكون الواقع الذي هو تفضيل المحسن على المسيء غير مطابق لأحوالهم ~~, ومن جملة المظروف ما بينهما فلذا لم يذكر هنا , ولو كان ذلك من غير بعث ~~ومجازاة بحسب الأعمال لما كان هذا الخلق العظيم بالحق بل بالباطل الذي ~~تعالى عنه الحكيم فكيف وهو أحكم الحاكمين . | PageV07P102 ولما كان التقدير ~~: ليكون كل مسبب مطابقا لأسبابه , عطف عليه قوله : { ولتجزى } بأيسر أمر { ~~كل نفس } أي منكم ومن غيركم { بما } أي بسبب الأمر الذي . | ولما كان ~~السياق للعموم , وكان المؤمن لا يجزى إلا بما عمله على عمد منه وقصد ليكتب ~~في أعماله , عبر بالكسب الذي هو أخص من العمل فقال : { كسبت } أي كسبها من ~~خير أو شر , فيكون ما وقع الوعد به مطابقا لكسبها { وهم } أي والحال أنهم { ~~لا يظلمون * } أي لا يوجد من موجد ما في وقت من الأوقات جزاء لهم في غير ~~موضعه , وهذا على ما جرت به عوائدكم في العدل والفضل , ولو وجد منه سبحانه ~~غير ذلك لم يكن ظلما منه لأنه المالك المطلق والملك الأعظم , فلو عذب أهل ~~سماواته وأهل أرضه كلهم لكان غير ظالم لهم في نفس الأمر , فهذا الخطاب إنما ~~هو على ما نتعارفه من إقامة الحجة بمخالفة الأمر . | < < # | الجاثية : ( 23 ) أفرأيت من اتخذ . . . . . # > > ^ ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه ~~وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ) ^ } ) | ~~ولما بين غاية البيان أنه الإله وحده بما له من الإحاطة بجميع صفات الكمال ~~, وأنه لا بد من جمعه الخلائق ليوم الفصل للحكم بينهم بما له من الحكمة ~~والقدرة , وحقر الهوى ونهى عن اتباعه , وكانوا هم قد عظموه بحيث جعلوه ~~معبودا , فلزم من ذلك تحقيرهم الإله , ولم يرجعوا عن ضلالهم , تسبب عن ذلك ~~التعجيب ممن يظن أنه يقدر على رد أحد منهم عن غيه بشيء من الأشياء فقال : { ~~أفرءيت } أي أعلمت ms4745 علما هو في تيقنه كالمحسوس بحاسة البصر التي هي أثبت ~~الحواس { من اتخذ } أي بغاية جهده واجتهاده { إلهه هواه } أي حول وصف الإله ~~حتى صار هوى لنفسه , فهو تابع لهواه ليس غير , فهو في أودية الضلال يهيهم ~~على غير سنن فهو معرض لكل بلاء , فخسر أكثر من ربحه لكونه بلا دليل , ~~ولدليل على أنهم لا يعبدون إلا مجرد الهوى ما رواه البخاري في وفد بني ~~حنيفة من المغازي من صحيحه عن أبي رجاء العطاردي وهو مخضرم ثقة أدرك ~~الجاهلية ومات سنة خمس ومائة عن مائة وعشرين سنة , قال : كنا نعبد الحجر , ~~فإذا وجدنا حجرا أحسن منه ألقيناه وأخذنا الآخر , فإذا لم نجد حجرا جمعنا ~~جثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ثم طفنا به - انتهى . | ومع ذلك ~~فكيفما قلبت أمرهم وجدته شعبة يسيرة من كفر الاتحادية , ولك متشبثات قريش ~~التي عابهم الله بها تشبثت بها الاتحادية حتى قولهم ^ ( { وما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى } ) ^ PageV07P103 [ الزمر : 3 ] ولو قدم الهوى ~~لكان المعنى أنه حول وصفه إلى الألوهية فاضمحل الهوى , ولم يبق إلا ما ينسب ~~إلى الإلهية كما اضمحل الطين في : اتحدث الطين حرقا , فصار المعنى أن ~~العابد لا يتحرك إلا بحسب ما يأمره به الإله ويصير التركيب يفيد تعظيمه ~~بغلبة الإثبات وإذهاب الهوى غاية الإذهاب , ولو كان التقديم في هذا لحسب ~~السياق من غير اختلاف المعنى لقدم هنا الهوى لأن السياق والسباق له وقد ~~تقدم في سورة الفرقان ما ينفع هنا ومفعول ( رأى ) الثاني مقدر يدل عليه ~~قوله آخر الكلام { فمن يهديه } تقديره : أيمكن أحدا غير الله دايته ما دام ~~هواه موجودا , وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ما ذكر الله هوى في القرآن ~~إلا ذمه - انتهى . | ومعناه أنه يهوي بصاحبه في الهواء الممدود وهو الفضاء ~~, أي ينزل به عن درجة عليا إلى ما دونها . | فهو في سفول ما دام تابعا له ~~لأنه بحيث لا قرار ولا تمكن , فلذلك هو يوجب الهوان , قال الأصبهاني : سئل ~~ابن المقفع عن الهوى ms4746 , فقال : هوان سرقة نونه , فنظمه من قال : | نون ~~الهوان من الهوى مسروقة وأسير كل هوى أسير هوان | وقال آخر ولم يخطىء ~~المعنى وأجاد : | إن الهوى لهو الهوان بعينه فإذا هويت فقد لقيت هوانا | { ~~وأضله الله } أي بما له من الإحاطة { على علم } منه بما فطر عليه من أنه لا ~~يكون أثر بلا مؤثر , ومن أنه لا يكون منفردا بالملك إلا وهو مستحق للتفرد ~~بالعبادة , وهو أنه لم يخلق الكون إلا حكيم , وأن الحكيم لا يدع من تحت يده ~~يبغي بعضهم على بعض من غير فصل بينهم لا سيما وقد وعد بذلك ولا سيما والوعد ~~بذلك في أساليب الإعجاز التي هم أعرف الناس بها , أو على علم من المضل بأن ~~الضال مستحق لذلك لأنه جبله جبلة شر . | ولما كان الضال أحوج إلى سماع صوت ~~الهادي منه إلى غيره , وكان من لا ينتفع بما هو له في حكم العادم له قال : ~~{ وختم } أي زيادة على الإضلال الحاضر { على سمعه } فلا فهم له في الآيات ~~المسموعة . | ولما كان الأصم قد يفهم بالإشارة قال : { وقلبه } أي فهو لا ~~يعي ما من حقه وعيه . | ولما كان المجنون الأصم قد يبصر مضاره ومنافعه ~~فيباشرها مباشرة البهائم قال : { وجعل على بصره غشاوه } فصار لا يبصر ~~الآيات المرئية , وترتيبها هكذا لأنها في سياق الإضلال كما تقدم في البقرة ~~. | ولما صار هذا الإنسان الذي صار لا يسمع الهادي فيقصده ولا يعي المعاني ~~لينتفع بما تقدم له علمه , ولا يبصر حق البصر ليهتدي ببصره دون رتبة ~~الحيوان , قال تعالى منكرا مسببا للإنكار عما تقدمه : { فمن يهديه } وأشار ~~إلى قدرة الله عليه بقوله : { من PageV07P104 بعد الله } أي إضلال الذي له ~~الإحاطة بكل شيء . | ولما كان من المعلوم قطعا أنه لا هادي له غير , سبب ~~عنه الإنكار لعدم التذكر حثا على التذكر فقال مشيرا بإدغام تاء التفعل إلى ~~عدم الاحتياج بسبب وضوحه إلى كثير تذكر : { أفلا تذكرون * } أي يكون لكم ~~نوع تذكر فتذكرون أنهم لا يسمعون الآيات المتلوة ولا يعتبرون بالآيات ~~المرئية ms4747 مع ما لكل منهما من الظهور , وأن من كان هذا حاله فلا سبيل لمخلوق ~~مثله إلى هدايته . | < < # | الجاثية : ( 24 - 27 ) وقالوا ما هي . . . . . # > > ^ ( وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر ~~وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون * وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما ~~كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبآئنآ إن كنتم صادقين * قل الله يحييكم ثم ~~يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ~~ولله ملك السماوات والأرض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون ) ^ } ) | ~~ولما كان التقدير للدلالة على الختم على مشاعرهم , فقد قالوا مع اعترافهم ~~بتفرده تعالى بخلقهم ورزقهم وخلق جميع الموجدات في إنكار الوحدانية : إن له ~~شركاء , عطف عليه قوله : { وقالوا } أي في إنكارهم البعث مع اعترافهم بأنه ~~قادر على كل شيء ومعرفتهم أنه قد وعد بذلك في الأساليب المعجزة وأنه لا ~~يليق بحكيم أصلا أن يدع من تحت يده يتهارجون من غير حكم بينهم : { ما هي } ~~أي الحياة { إلا حياتنا } أي أيها الناس { الدنيا } أي هذه التي نحن فيها ~~مع أن تذكر مدلول هذا الوصف الذي هو أمر نسي لا يعقل إلا بالإضافة إلى حياة ~~أخرى بعدى كاف في إثبات البعث . | ولما أثبتوا بادعائهم الباطل هذه الحياة ~~أتبعوها حالها فقالوا : { نموت ونحيا } أي تنزع الروح من بعض فيموت , وتنفخ ~~في بعض آخر فيحيى , وليس وارء الموت حياة أخرى للذي مات , فقد أسلخوا ~~أنفسهم بهذا القول من الإنسانية إلى البهيمية لوقوفهم مع الجزئيات , ولما ~~كان هلاكهم في زعمهم لا آخر له , عدوا الحياة في جنبه عدما فلم يذكروها ~~وقالوا بجهلهم : { وما يهلكنا } أي بعد هذه الحياة { إلا الدهر } أي الزمان ~~الطويل بغلبته علينا بتجدد إقباله وتجدد إدبارنا بنزول الأمور المكروهة بنا ~~, من دهره - إذا غلبة . | ولما أسند إليهم هذا القول الواهين بين حالهم عند ~~قوله فقال تعالى : { وما } أي قالوه والحال أنه ما { إن } أي ما { هم إلا ~~يظنون * } بقرينة أن الإنسان كلما تقدم ms4748 في السن ضعف , وأنه لم يرجع أحد من ~~الموتى . | ولما كان هذا من قولهم عجبا , زاده عجبا بحالهم عند سماعهم ~~للبراهين القطعية , PageV07P105 فقال عاطفا على ( قالوا ) : { وإذا تتلى } ~~أي تتابع بالقراءة من أي تال كان { عليهم آياتنا } أي على ما لها من العظمة ~~في نفسها وبالإضافة إلينا حال كونها { بينات } أي في غاية المكنة في ~~الدلالة على البعث , فلا عذر لهم في ردها { ما كان } أي بوجه من وجوه الكون ~~{ حجتهم } أي قولهم الذي ساقوه مساق الحجة , وهو لا يستحق أن يسمى شبهة { ~~إلا أن قالوا } قولا ذميما ولم ينظروا إلى مبدئهم { ائتوا } أيها التالون ~~للحجج البينة من النبي - صل الله عليه وسلم - وأتباعه الذين اهتدوا بهداه { ~~بآبائنا } الموتى , وحاصل هذا أنه ما كان لهم كفاهم مناداتهم على أنفسهم ~~بالجهل حتى عرضوا لأهل البينات بالكذب فقالوا : { إن كنتم صادقين * } أي ~~عريقين في الكون في أهل الصدق الراسخين فيه من أنه سبحانه وتعالى يبعث ~~الخلق بعد موتهم , وذلك استبعاد منهم لأن يقدر المعلوم قطعا أن من قدر على ~~إنشاء شيء من العدم قدر على إعادةه بطريق الأولى . | ولما كان سبحانه ~~وتعالى إنما يقبل الإيمان عند إمكان تصوره , وذلك إذا كان بالغيب لم يجبهم ~~إلى إحياء آبائهم إكراما لهذه الأمة لشرف نبيها عليه أفضل الصلاة والسلام ~~لأن سنته الإلهية جرت بأن من لم يؤمن بعد كشف الأمر بإيجاد الآيات ~~المقترحات أهلكه كما فعل بالأمم الماضية , فرفعهم عن الحس إلى التدريب على ~~قدرة وعلما وحكمة { يحييكم } أي يجدد هذا تجديدا لا يحصى كما أنتم به مقرون ~~إحياء لأجساد يخترعها من غير أن يكون لها أصل في الحياة { ثم يميتكم } بأن ~~يجمع أرواحكم من أجسادكم فيستلها منها لا يدع ( شيئا ) منها في شيء من ~~الجسد وما ذلك على الله بعزيز فإذا هو كما كان قبل الإحياء كما تشاهدون , ~~ومن قدر على هذا الإبداء على هذا الوجه من التكرر ثم على تمييز ما بث من ~~الروح في حال سلها من تلك الأعضاء الظاهر عادة مستمرة ms4749 كان المخبر عنه بأنه ~~يجمع الخلق بعد موتهم من العريقين في الصدق , فلذلك قال من غير تأكيد : { ~~ثم يجمعكم } أي بعد التمزق فيعيد فيكم أرواحكم كما كانت بعد طول مدة الرقاد ~~, منتهين { إلى يوم القيامة } أي القيام الأعظم لكونه عاما لجميع الخلائق ~~الذين أماتهم . | ولما صح بهذا الدليل القطعي المدعى , أنتج قوله : { لا ~~ريب } أي شك بوجه من الوجوه { فيه } بل هو معلوم علما قطعيا ضروريا { ولكن ~~أكثر الناس } بما لهم من السفول بما ركبنا فيهم من الحظوظ والشهوات التي ~~غلبت على غريزة العقل فردوا بها PageV07P106 أسفل سافلين في حد النوس وهو ~~التردد لم يرتقوا إلى الإيمان { لا يعلمون * } أي لا يتجدد لهم علم لما لهم ~~من النوس والتردد والسفول عن أوج العقل إلى حضيض الجهل , فهم واقفون مع ~~المحسوسات , لا يلوح لهم ذلك مع ما له من الظهور التظهر قدرتنا ويتحقق ~~اسمنا الباطن كما تحقق عند من هديناه لعلم ذلك . | ولما دل على قدرته على ~~الإعادة بهذا الدليل الخاص الذي تقديره : فالله الذي ابتدأ خلقكم من الأرض ~~على هذا الوجه قادر على إعادتكم , عطف عليه دليلا آخر جامعا فقال تعالى : { ~~ولله } أي الملك الأعظم وحده { ملك السموات } كلها { والأرض } التي ابتدأكم ~~منها , ومن تصرف في ملكه بشيء من الأشياء , كان قادرا على مثله ما دام ملكا ~~. | ولما كان التقدير : له ملك ذلك أبدا , فهو يفعل فيه اليوم ما تشاهدون ~~مع رفع هذا وخفض هذا , فلو أن الناس سلموا لقضائه لوصلوا إلى جميع ما وصلوا ~~إليه بالبغي والعدوان , فإنه لا يخرج شيء عن أمره ولكن أكثر الناس اليوم في ~~ريبهم يترددون , بنى عليه قوله تعالى : { ويوم تقوم الساعة } أي توجد ~~وتتحقق تحقق القائم الذي هو على كمال تمكنه وتمامه أمره الناهض بأعباء ما ~~يريد , وكرر سبحانه للتهويل والتأكيد قوله : { يومئذ } أي إذا تقول يخسرون ~~- هكذا كان الأصل , ولكنه قال للتعميم والتعليق بالوصف : { يخسر المبطلون * ~~} أي الداخلون في الباطل العريقون في الاتصاف به , الذين كانوا لا يرضون ~~بقضائي فيستعجلون فيتوصلون إلى ms4750 مراداتهم بما لم آمر به , ولا يزالون يبغون ~~إلى أن يأتي الوقت الذي قدرت وصلوهم إليها فيه , فيصلون ويظنون أنهم وصلوا ~~بسعيهم , وأنهم لو تركوا لما كان لهم ذلك فيخسروا لأجل سعيهم بما جعلت لهم ~~من الاختيار بمرادي فيهم على خلاف أمري , خسارة مستمرة التجدد لا انفكاك ~~لهم عنها ويفوز المحقون . | < < # | الجاثية : ( 28 - 32 ) وترى كل أمة . . . . . # > > ^ ( وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم ~~تعملون * هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إن كنا نستنسخ ما كنتم تعملون * فأما ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ذلك هو الفوز المبين * ~~وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين * ~~وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن ~~نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ) ^ } ) | ولما كان ذلك من أن اليوم مهولا , ~~عم في الهول بقوله مصورا لحاله : { وترى } أي في ذلك اليوم { كل أمة } من ~~الأمم الخاسرة فيها والفائزة { جاثية } أي مجتمعة لا PageV07P107 يخلطها ~~غيرها , وهي مع ذلك باركة على الركب رعبا واستيفازا ملا لعلها تؤمر به , ~~جلسة المخاصم بين يدي الحاكم , ينتظروا القضاء الحاتم , والأمر الجازم ~~اللازم , لشدة ما يظهر لها من هول ذلك اليوم . | ولما كان كأن قيل : هم ~~مستوفزون , قال : { كل أمة } أي من الجاثين { كنتم } بما هو لكم كالجبلات { ~~تعملون * } أي مصرين عليه غير راجعين عنه من خير أو شر . | ولما أخبر ~~بالجزاء , بين كيفي ما به يطبق بين كتاب الإنزال وكتاب الأعمال , فما حكم ~~به كتاب الإنزال أنفذه الكبير المتعال , فقال مشيرا إلى كتاب الإنزال بأداة ~~القريب لقبه وسهولة لهمه : { هذا كتابنا } أي الذي أنزلناه على ألسنة رسلنا ~~{ ينطق } أي يشهد شهادة هي في بيانها كالنطق { عليكم بالحق } أي الأمر ~~الثابت الذي يطابقه الواقع من أعمالكم , ذلك بأن يقول : من عمل كذا فهو ~~كافر , ومن عمل كذا فو عاص , ومن عمل كذا فهو مطيع , فيطبق ذلك على ما ~~عملتموه فإذا ms4751 الذي أخبر به الكتاب مطابق لأعمالكم لا زيادة فيه ولا نقص , ~~كل كلي ينطبق على جزئيه سواء بسواء كما نعطيكم علم ذلك في ذلك اليوم , ~~فينكشف أمر جبلاتكم وما وقع منكم من جزئيات الأفعال لا يشذ عنه منه ذرة , ~~وتعلمون أن هذا الواقع منكم مطابق لما أخبر به الكتاب الذي أنزلناه , فهو ~~حق لأن الواقع طابقه , هذا نطقه عليكم , وأما نطقه لكم فالفضل : الحسنة ~~بعشر أمثالها إلى ما فوق ذلك . | ولما كانت العادة جارية في الدنيا بإقامة ~~الحقوق بكتابة الوثائق , وكانوا كأنهم يقولون : من يحفظ أعمالنا على كثرتها ~~مع طول المدة وبعد الزمان , وكانوا ينكرون أمر الحفظة وغيره مما أتت به ~~الرسل , أكد قوله مجيبا بما يقرب إلى عقل من يسأل عن ذلك : { إنا } على ما ~~لنا من القدرة والعظمة الغنية عن الكتابة { كنا } على الدوام { نستنسخ } أي ~~نأمر ملائكتنا بنسخ أي نقل { ما كنتم } طبعا لكم وخلقا { تعلمون * } قولا ~~وفعلا ونية , فإن كان المراد بالنسخ مطلق النقل فهو واضح , وإن كان النقل ~~من أصل فهو إشارة إلى لوح الجبلات المشار إليه بكنتم أو من اللوح المحفوظ ~~ليطابق به ما يفعله العامل , ومن المشهور بين الناس أن كل أحد يسطر في ~~جبينه ما يلقاه من خير أو شر . | ولما صرح بالمطلين حسب ما اقتضاه الحال ~~كما تقدم , وأشار إلى المحقين , PageV07P108 صرح بما لوح إيه من أمر ~~المحقين وعطف عليهم أضدادهم , فقال بادئا بهم على طريق النشر المشوش مفصلا ~~: { فأما الذين آمنوا } أي من الأمم الجاثية { وعملوا } تصديقا لدعواهم ~~الإيمان { الصالحات فيدخلهم } أي في ذلك اليوم الذي ذكرنا عظمته وشدة هوله ~~{ ربهم } الذي أحسن إليهم بالتوفيق بالأعمال الصالحة المرضية الموصلة { في ~~رحمته } أي تقريبه وإكرامه بجليل الثواب وحسن المآب , وتقول لهم الملائكة ~~تشريفا : سلام عليكم أيها المؤمنون , ودل على عظيم الرحمة بقوله : { ذلك } ~~الإحسان العالي المنزلة { هو } أي لا غيره { الفوز } . | ولما كان السياق ~~لغباوتهم وخفاء الأشياء عليهم قال تعالى : { المبين * } الذي لا يخفى على ~~أحد شيء من أمره , لأنه لا ms4752 يشوبه كدر أصلا ولا نقص , بخلاف ما كان من ~~أسبابه في الدنيا , فإنها - مع كونها كانت فوزا - كانت خفية جدا على غير ~~الموقنين { وأما الذين كفروا } أي ستروا ما جلته لهم مرائي عقولهم وفطرهم ~~الأولى من الحق الذي أمر الله به ولو عملوا جميع الصالحات غير الإيمان , ~~فيدخلهم الملك الأعظم في لعنته . | ولما كان هذا الستر سببا واضحا في ~~تبكيتهم قال : { أفلم } أي فيقال لهم : ألم يأتكم رسلي , وأخلق لكم عقولا ~~تدلكم على الصواب من التفكر في الآيات المرئية من المعجزات التي يأتوكم بها ~~وأنزل عليكم بواسطتهم آيات مسموعة فلم { تكن آياتي } على ما لها من عظمة ~~الإضافة إلي وعظمة الإتيان إليكم على ألسنة رسلي الذين هم أشرف خلقي . | ~~ولما كانت هذه الآيات توجب الإيمان لما لها من العظمة بمجرد تلاوتها , بني ~~للمعفول قوله : { تتلى } أي تواصل قراءتها من أي تال كان , فكيف إذا كانت ~~بواسطة الرسل , تلاوة مستعلية { عليكم } لا تقدرون على رفع شيء منها بشيء ~~يرضاه منصف { فاستكبرتم } أي فتسبب عن تلاوتها التي من شأنها إيراث الخشوع ~~والإخبات والخضوع أن طلبتم الكبر لأنفسكم وأوجدتموه على رسلي وآياتي { ~~وكنتم } خلقا لازما { قوما } أي ذوي قيام وقدرة على ما تحاولونه { مجرمين * ~~} أي عريقين في قطع ما يستحق الوصل , وذلك هو الخسران المبين , والآية من ~~الاحتباك : ذكر الإدخال في الرحمة أولا دليلا على الإدخال في اللغنة ثانيا ~~, وذكر التبكيت ثانيا دليلا على التشريف أولا , وسره أن ما ذكره أدل على ~~شرف الولي وحقارة العدو { وإذا } أي وكنتم إذا { قيل } من أي قائل كان ولو ~~على سبيل التأكيد : { إن وعد الله } الذي كل أحد يعلم أنه محيط بصفات ~~الكمال { حق } أي ثابت لا محيد عنه يطابقه الواقع من البعث وغيره لأن أقل ~~الملوك لا يرضى بأن يخلف وعده فكيف به سبحانه وتعالى فكيف إذا كان الإخلاف ~~PageV07P109 فيه مناقضا للحكمة { والساعة } التي هي مما وعد به وهي محط ~~الحكمة فهي أعظم ما تعلق به الوعد { لا ريب فيها } بوجه من الوجوه لأنها ~~محل ms4753 إظهار الملك لما له من الجلال والجمال أتم إظهار { قلتم } راضين ~~لأنفسكم بحضيض الجهل : { ما ندري } أي الآن دراية علم ولو بذلنا جهدنا في ~~محاولة الوصول إليه { ما الساعة } أي نعرف حقيقتها فضلا عما تخبروننا به من ~~أحوالها . | ولما كان أمرها مركوزا في الفطر لا يحتاج إلى كبير نظر , بما ~~يعلم كل أحد من تمام قدرة الله تعالى , فمتى نبه عليها نوع تنبيه سبق إلى ~~القلب علمها , سموا ذلك ظنا عنادا واستكبارا , فقالوا مستأنفين في جواب من ~~كأنه يقول : أفلم تفدكم تلاوة هذه الآيات البينات علما بها : { إن } أي ما ~~{ نظن } أي نعتقد ما تخبروننا به عنها { إلا ظنا } وأما وصوله إلى درجة ~~العلم فلا . | ولما كان المحصور لا بد وأن يكون أخص من المحصور فيه كان ~~الظن الأول بمعنى الإعتقاد , ولعله عبر عنه بلفظ الظن تأكيدا لمعنى الحصر , ~~ولذلك عطفوا عليه - تصريحا بالمراد لأن الظن قد يطلق على العلم - قولهم : { ~~وما نحن } وأكدوا النفي فقالوا : { بمستيقنين * } أي بموجود عندنا اليقين ~~في أمرها ولا بطالبين له - هذا مع ما تشاهدونه من الآيات في الآفاق وفي ~~أنفسكم وما يبث من دابة وما ينبهكم على ذلك من الآيات المسموعة , وهذا لا ~~ينافي آية { إن هي إلا حياتنا الدنيا } لأن آخرها مثبت للظن , فكأنهم كانوا ~~تارة يقوى عندهم ما في جبلاتهم وفطرهم الأولى من أمرها فيظنونها , وتارة ~~تقوى عليهم الحظوظ مع ما يقترن بها من الشبهة المبنية على الجهل فيظنون ~~عدمها فيقطعون به لما للنفس إليه من الميل , أو كانوا فرقتين - والله أعلم ~~. | < < # | الجاثية : ( 33 - 35 ) وبدا لهم سيئات . . . . . # > > ^ ( وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون * وقيل ~~اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين * ~~ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا فاليوم لا يخرجون ~~منها ولا هم يستعتبون ) ^ } ) | ولما وصلوا إلى حد عظيم من العناد , التفت ~~إلى أسلوب الغيبة إعراضا عنهم إيذانا بشديد الغضب فقال تعالى : { وبدا } أي ~~ولم يزالوا يقولون ms4754 ذلك إلى أن بدت لهم الساعة بما فيها من الأوجال , ~~والزلازل والأهوال , وظهر { لهم } غاية الظهور { سيئات ما } ولما كان ~~السياق للكفرة , وكانوا مؤاخذين بجميع أعمالهم فإنه ليس لهم أساس صالح يكون ~~سببا لتكفير شيء مما تقلبوا فيه ولم يقتض السياق خصوصا مثل الزمر , عبر ~~بالعمل الذي هو أعم من الكسب فقال : { علموا } فتمثلت لهم وعرفوا مقدار ~~جزائها واطلعوا على جميع ما يلزم على ذلك { وحاق بهم } أي أحاط على حال ~~القهر والغلبة , PageV07P110 قال أبو حيان : ولا يستعمل إلا في إلا في ~~المكروه . | { ما كانوا } جبلة وخلقا { به يسهزءون * } أي يوجدون الهزء به ~~على غاية الشهوة واللذة إيجاد من هو طالب لذلك { وقيل } أي لهم على قطع ~~الأحوال وأشدها قولا لا معقب له , فكأنه بلسان كل قائل : { اليوم ننساكم } ~~أي نفع لمعكم بالترك من جميع ما يصلحكم فعل المنسي الذي نقطع عنه جميع ~~إحساننا فيأتيه كل شر { لقاء يومكم هذا } أي الذي عملتم في أمره عمل الناسي ~~له , ومن نسي لقاء اليوم نسيء لقاء الكائن فيه بطريق الأولى , وقد عابهم ~~الله سبحانه تعالى بذلك أشد العيب لأن ما عملوه ليس من فعل الحزمة أن ~~يتركوا ما ضرره محتمل لا يعتدون له , وإنما هذا فعل الحمق الذين هم عندهم ~~أسقال لا عبرة لهم ولا وزن لهم , وعبر بالنسيان لأن علمه مركوز في طبائعهم ~~, وعبر في فعله بالمضارع ليدل على الاستمرار , وفي فعلهم بالماضي ليدل على ~~أن من وقع منه ذلك وقتا ما وإن قل كان على خطر عظيم بتعريض نفسه لاستمرار ~~الإعراض عنه . | ولما كان تركه على هذا الحال يلزم منه استمرار العذاب , ~~صرح به إيضاحا له لئلا يظن غير ذلك , فقال مبينا لحالهم : { ومأواكم النار ~~} ليس لكم براح عنها أصلا , لأن أعمالكم أدخلتكموها , ولا يخرج منها إلا من ~~أذنا من إخراجه , نحن قد جعلناكم في عداد المنسي فلا يكون م نقبلنا لكم فرج ~~{ وما لكم } في نفس الأمر سواء أفكرتم وأنتم مكذبون في مدافعة هذا اليوم أو ~~تركتموه ترك المنسي ms4755 { من ناصرين * } ينقذونكم من ذلك بشفاعة ولا مقاهرة . | ~~ولما ذكر جزاءهم على ما هو الحق المساوي لأعمالهم طبق الفعل بالفعل , علله ~~بما لزم على أعمالهم فقال : { ذالكم } أي العذاب العظيم { بأنكم اتخذتم } ~~أي بتكليف منكم لأنفسكم وقسر على خلاف ما أدى إليه العقل , وجاءت به الرسل ~~, وساعدت عليه الفطر الأول { آيات الله } أي الملك الأعظم الذي لا شيء أعظم ~~منه { هزوا } أي جعلتموها عين ما أنزلت للإبعاد منه { وغرتكم } لضعف عقولكم ~~{ الحياة الدنيا } أي الدنية فآثرتمها لكونها حاضرة وأنت كالبهائم لا يعدو ~~نظركم المحسوس فقلتم : لا حياة غيرها ولا بعث ولا حساب , ولو تعقلتم وصفكم ~~لها لأداكم إلى الإقرار بالأخرى . | ولما أوصلهم إلى هذا الحد من الإهانة , ~~سبب عنه زيادة في إهانتهم وتلذيذا لأوليائه الذين عادوهم فيه وإشماتا لهم ~~بهم : { فاليوم } بعد إيوائهم فيها { لا يخرجون } بمخرج ما { منها } لأن ~~الله لا يخرجهم ولا يقدر غيره على ذلك { ولا هم } خاصة { يستعتبون * } أي ~~يطلب من طالب ما منهم الإعتاب , وهو الاعتذار بما يثبت لهم PageV07P111 ~~العذر ويزل عنهم العتب الموجب للغضب بعمل من الأعمال الصالحات لأنهم في دار ~~الجزاء لا دار العمل . | < < # | الجاثية : ( 36 - 37 ) فلله الحمد رب . . . . . # > > ^ ( فلله الحمد رب السماوت ورب الأرض رب العالمين * وله الكبريآء في ~~السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) ^ } ) | ولما أثبت سبحانه بعده بإثبات ~~الآيات المرئية والمسموعة وإعزاز أوليائه وإدلال أعدائه من غير مبالاة بشيء ~~ولا عجز عن شيء مع الإحاطة التامة بكل شيء قدرة وعلما , تسبب عن ذلك حتما ~~قوله تعالى : { فلله } أي الذي له الأمر كله { الحمد } أي الإحاطة بجميع ~~صفات الكمال . | ولما أبان سبحانه أن ذلك ثابت له لذاته لا لشيء آخر , أثبت ~~أنه لا بالإحسان والتدبير فقال تعالى : { رب السماوات } أي ذات العلو ~~والاتساع والبركات . | ولما كان السياق لإثبات الاختصاص بالكمال , وكانوا ~~قد جعلوا له سبحانه ما دل على أنهم لا شبهة لهم في عبادتهم بحصر أمرهم في ~~الهوى , أعاد ذكر الرب تأكيدا وإعلاما أن له في كل واحد من الخافقين أسرارا ms4756 ~~غير ما له في الآخر , فالتربية متفاوتة بحسب ذلك , وأثبت العاطف إعلاما بأن ~~كمال قدرته في ربوبيته للأعلى والأسفل على حد سواء دفعا لتوهم أن حكمه في ~~الأعلى أمكن لتوهم الاحتياج إلى مسافة فقال تعالى : { ورب الأرض } أي ذات ~~القبول للواردات . | ولما خص الخافقين تنبيها على الاعتبار بما فيهما من ~~الآيات لظهورها , عم تنبيها على أن له وراء ذلك من الخلائق ما لا يعلمه إلا ~~لله سبحانه وتعالى فقال مسقطا العاطف لعدم الاحتياج إليه بعد إثبات استواء ~~الكونين الأعلى والأسفل في حكمه من حيث العلم والقدرة للتنزه عن المسافة , ~~وذلك لا يخرج عنه شيء من الخلق لأنه إما أن يكون علويا أو سفليا { رب ~~العالمين * } فجمع ما مفرده يجل على جميع الحوادث لأن العالم ما سوى الله . ~~| تنبيها على أصنافه وتصريحا بها وإعلاما بأنه أريد به مدلوله المطابقي لا ~~البعض بدلالة التضمن , وأعاد ذكر الرب تنبيها على أن حفظه للخلق وتربيته ~~لهم ذو ألوان بحسب شؤون الخلق , فحفظه لهذا الجزء على وجه يغاير حفظه لجزء ~~آخر , وحفظه للكل من حيث هو كل على وجه يغاير حفظه لكل جزء على حدته , مع ~~أن الكل بالنسبة إلى تمام القدرة على حد سواء . | ولما أفاد ذلك غناه الغنى ~~المطلق وسيادته وأنه لا كفوء له , عطف عليه بعض اللوازم لذلك تنبيها على ~~مزيد الاعتناء به لدفع ما يتوهمونه من ادعاء الشركة التي لا يرضونها ~~لأنفسهم فقال : { وله } أي وحده { الكبرياء } أي الكبر الأعظم الذي لا ~~نهاية PageV07P112 له : { في السماوات } كلها { والأرض } جميعها اللتين ~~فيهما آيات للمؤمنين , روى مسلم وأبو داود وابن ماجة عن أبي هريرة ومسلم عن ~~أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قالرسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~يقول الله عز وجل : ( الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدا منهما ~~أدخلته النار ) , وفي رواي : عذبته , وفي رواية : قصمته . | { وهو } وحده { ~~العزيز } الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء { الحكيم * } الذي يضع الأشياء في ~~أتقن مواضعها ولا يضع شيئا إلا كذلك كما أحكم ms4757 أمره ونهيه وجميع شرعه , ~~وأحكم نظم هذا القرآن جملا وآيات , وفواصل وغايات , وبعد أن حرر معانيه ~~وتنزيله جوابا لما كانوا يعتنون به , فصار معجزا في نظمه ومعناه وإنزاله ~~طبق أجوبة الوقائع على ما اقتضاه الحال , فانبق آخرها على أولها بالصفتين ~~المذكورتين , وبالحث على الاعتبار بآيات الخافقين , والتصريح بما لزم ذلك ~~من الكبرياء المقتضية لإذلال الأعداء وإعزاز الأولياء . | والله الهادي إلى ~~الصواب وإله المرجع والمآب - والله أعلم بمراده . | . . . | PageV07P113 < # > سورة الأحقاف < # > < < # | الأحقاف : ( 1 - 3 ) حم # > > ^ ( حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم * ما خلقنا السماوات ~~والأرض وما بينهمآ إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عمآ أنذروا معرضون ) ^ ~~} ) | مقصودها إنذار الكافرين بالدلالة على صدق الوعد في قيام الساعة ~~اللازم للعزة والحكمة الكاشف لهما أتم كشف بما وقع الصدق في الوعد به من ~~إهلاك المكذبين بما يضاد حال بلادهم وأنه لا يمنع من شيء من ذلك مانع لأن ~~فعل ذلك لا شريك له فهو المستحق للإفراد بالعبادة , وعلى ذلك دلت تسميتها ~~بالأحقاف الدالة على هدوء الريح وسكون الجو بما دلت عليه قصة قوم هود عليه ~~الصلاة والسلام من التوحيد وإنذارهم بالعذاب دنيا وأخرى ومن إهلاكهم وعدم ~~إغناء ما عبدوه عنهم ولا يصح تسميتها بهود ولا تسمية هود بالأحقاف لما ذكر ~~من المقصود بكل منهما { بسم الله } الذي لا يذل من والى ولا يعز من عادى { ~~الرحمن } الذي سبقت رحمته غضبه بزواجر الإنذار { الرحيم * } الذي يخص حزبه ~~بعمل الأبرار للفوز في دار القرار بدخول الجنة والنجاة من النار . | { حم * ~~} حكمة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي النهاية في الصواب والسداد أحكمها ~~الذي أحاطت قدرته فهو لا يخلف الميعاد . | ولما بنيت الجاثية على النظر في ~~آيات الخافقين خطابا لأهل الإيمان استدلالا على يوم الفصل المدلول عليه في ~~الدخان بآية ^ ( { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين } ) ^ [ ~~الأنبياء : 16 ] والتي بعدها , فأنتجت العلم بأن الكبرياء لخالقهما بما ~~يشاهد من قهره للملوك فمن سواهم بالموت وما دونه من غير مبالاة بأحد وبينت ~~- بما أفهمه الملك والكبرياء والحكمة ms4758 لأن عادة من كان بهذا الوصف ألا يكون ~~كلامه إلا بحسب الحاجة . | أن الكتاب منزل نجوما لبيان ما يحاولون به مدحض ~~لحجتهم هادم لعزتهم بحكمته وعزته , فثبت الحشر وحق النشر , وختم بصفتي ~~العزة والحكمة , ذكر بما ثبت من ذلك كله تأكيدا لأمر البعث وتحقيقا لليوم ~~الآخر على وجه مبين أن الخلق كله آيات وحكم PageV07P114 واعتبارات لأنه ~~أثبت أنه كله حق , ونفى عنه كل باطلب , فقال خطابا لأهل الأوثان من سائر ~~الأديان الصابية والمجوس وغيرهم الذين افتتحت السورة بهم وختمت بالفسف ~~الجامع لهم الموجب لكفرهم : { تنزيل الكتاب } أي الجامع لجميع الخيرات ~~بالتدريج على حسب المصالح { من الله } أي الجبار المتكبر المختص بصفات ~~الكمال الذي هو الحمد بما دلت عليه ربوبيته , وختم بقوله : { العزيز الحكيم ~~* } تقريرا لأنه لم يضع شيئا إلا في أوفق محاله , وأنه الخالق للشر كما أنه ~~الخالق للخير ولجميع الافعال وأنه يعز أولياءه ويذل أعداءه ويحكم أمر دينه ~~فيظهره على الدين كله من غير أن يقدر أحد على معارضته في شيء منه فصارت آية ~~الجاثية مقدمة لهذه وهذه نتيجة . | ولما ثبت في الجاثية مضمون قوله تعالى ~~في الدخان { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين } بما ذكر فيهما ~~من الآيات والمنافع والحكم , أثبت هنا مضمون ما بعد ذلك بزيادة الأجل فقال ~~دالا على عزته وحكمته : { وما خلقنا } أي على ما لنا من العظمة الموجبة ~~للتفرد بالكبرياء { السموات والأرض } على ما فيهما من الآيات التي فصل ~~بعثها في الجاثية . | ولما كان من المقاصد هنا الرد على المجوس وغيرهم ممن ~~ثبت خلقا لغير الله قال : { وما بينهما } أي من الهواء المشحون بالمنافع ~~وكل خير وكل شر من أفعال العباد وغيرهم , وقال ابن برجان في تفسيره : جميع ~~الوجوه . | أوله وآخره نسخة لأم الكتاب والسماوات والأرض إشارة إلى بعض ~~الوجود , وبعضه يعطي من الدلالة على المطلوب ما يعطيه الكل بوجه ما , غير ~~أن علا أصح دلالة وأقرب شهادة وأبين إشارة , وما صغر من الموجودات دلالته ~~مجملة يحتاج المستعرض فيه إلى التثبت وتدقيق النظر ms4759 والبحث - انتهى . | { ~~إلا بالحق } أي الأمر الثابت من القدرة التامة والتصرف المطلق , فخلق ~~الباطل بالحق لأنه تصرف في ملكه الذي لا شائبة لغيره فيه للابتلاء ~~والاختبار للمجازاة بالعدل والمن بالفضل إلى غير ذلك من الحكم التي لا ~~يعلمها سواه , وفي خلق ذلك على هذا الوجه أعظم دلالة على وجود الحق سبحانه ~~, وأنه واحد لا شريك له , ودل على قهره بقوله : { وأجل مسمى } أي لبعث ~~الناس إلى دار القرار لفصل أهل الجنة من أهل النار , وفناء الخافقين وما ~~نشأ عنهما من الليل والنهار . | ولما كان التقدير : وأمرنا الناس بالعمل في ~~ذلك الأجل بطاعتنا ووعدناهم عليها جنان النعيم , فالذين آمنوا على ما ~~أنذروا مقبلون , ومن غوائله مشفقون , فهم بطاعتنا عاملون , عطف عليه من ~~السياق له من قوله : { والذين كفروا } أي ستروا من أعلام الدلائل ما لو ~~خلوا أنفسهم وما فطرناها عليه لعلموه فهم لذلك { عما أنذروا } ممن هم ~~PageV07P115 عارفون بأن إنذاره لا يتخلف { معرضون * } ومن غوائله آمنون , ~~فهم بما يغضبنا فاعلون , شهدت عندهم شواهد الوجود فما سمعوا لها ولا أصغوا ~~إليها وأنذرتهم الرسل والكتب من عند الله فأعرضوا عنها واشمأزوا منها . | < ~~< # | الأحقاف : ( 4 - 6 ) قل أرأيتم ما . . . . . # > > ^ ( قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم ~~لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذآ أو أثارة من علم إن كنتم ~~صادقين * ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة ~~وهم عن دعآئهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا بعبادتهم ~~كافرين ) ^ } ) | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى : لما ~~قدم ذكر الكتاب وعظيم الرحمة به وجليل بيانه , وأردف ذلك بما تضمنته سورة ~~الشريعة من توبيخ من كذب به وقطع تعلقهم وأنه سبحانه قد نصب من دلائل ~~السماوات والأرض إلى ما ذكر في صدر السورة ما كل قسم منها كاف في الدلالة ~~وقائم بالحجة , ومع ذلك فلم يجر عليهم التمادي على ضلالهم والانهماك في سوء ~~حالهم وسيىء محالهم , أردفت ms4760 بسورة الأحقاف تسجيلا بسوء مرتكبهم وإعلاما ~~باليم منقلبهم فقال تعالى { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ~~وأجل مسمى } ولو اعتبرا بعظيم ارتباط ذلك الحق وإحكامه وإتقانه لعلموا أنه ~~لم يوجد عبثا , ولكنهم عموا عن الآيات وتنكبوا عن انتهاج الدلالات { والذين ~~كفروا عما أنذروا معرضون } ثم أخذ سبحانه وتعالى في تعنيفهم وتقريرعهم في ~~عبادة ما لا يضر ولا ينفع فقال { أفرأيتم ما تدعون من دون الله } - إلى ~~قوله : { وكانوا بعبادتهم كافرين } ثم ذكر عنادهم عن سماع الآيات فقال : { ~~وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } الآيات , ثم التحم الكلام وتناسج إلى آخر ~~السورة - انتهى . | ولما قرر سبحانه الأصل الدال على التوحيد وإثبات العدل ~~والحرمة بالبعث للفصل , وكانوا يقولون : إنهم أعقل الناس , وكان العاقل لا ~~يأمن غوائل الإنذار إلا أن أعد لها ما يتحقق دفعه لها وكان لا يقدر على دفع ~~المتوعد إلا من يساوه أو يزيد عليه بشركة أو غيرها , وكانوا يدعون في ~~أصنامهم أنها شركاء , بنى على ذلك الأصل فتاريعه , وبدأ بإبطال متمسكهم ~~فقال سبحانه وتعالى آمرا له صلى الله عليه وسلم بأن ينبههم على سفههم بأنهم ~~أعرضوا عما قد يضرهم من غير احتراز منه دالا على عدم إلهية ما دعوه آلهة ~~بعدم الدليل على إلهيتها من عقل أو نقل , لأن منصب الإلهية لا يمكن أن يثبت ~~وله من الشرف ما هو معلوم بغير دليل قاطع : { قل } أي لهؤلاء المعرضين ~~أنفسهم لغاية الخطر منكرا عليهم تبكيتا وتوبيخا : { أرءيتم } أي أخبروني ~~بعد تأمل ورؤية باطنة { ما تدعون } PageV07P116 أي دعاء عبادة , ونبه على ~~سفولهم بقوله تعالى : { من دون الله } أي الملك الأعظم الذي كل شيء دونه , ~~فلا كفوء له . | ولما كان من المعلوم أن الاستفهام عن رؤية ما مشاهدتهم له ~~معلومة لا يصح إلى بتأويل أنه عن بعض الأحوال , وكان التقدير : أهم شركاء ~~في الأرض , استأنف قوله : { أروني ما } وأكد الكلام بقوله سبحانه وتعالى : ~~{ ماذا خلقوا } أي اخترعوه { من الأرض } ليصح ادعاء أنهم شركاء فيها ~~باختراع ذلك الجزي . | ولما كان معنى الكلام ms4761 وترجمته : أروني أهم شركاء في ~~الأرض ؟ عادله بقوله : { أم لهم } أي الذين تدعونهم { شرك في السماوات } أ ~~] نوع من أنواع الشركة : تدبير - كما يقول أهل الطبائع , أو خلق أو غيره , ~~أروني ذلك الذي خلقوه منها ليصح ادعاؤكم فيهم واعتمادكم عليهم بسببه . | ~~فالآية من الاحتباك : ذكر الخلق أولا دليلا على حذفه ثانيا , والشركة ثانية ~~دليلا على حذفها أولا . | ولما كان الدليل أحد شيئين : سمع وعقل , قال ~~تعالى : { ائتوني } أي حجة على دعواكم في هذه الأصنام أ , ها خلقت شيئا , ~~أو أنها تستحق أن تعبد { بكتاب } أي واحد يصح التمسك به , لا أكلفكم إلى ~~الإتيان بأكثر من كتاب واحد . | ولما كانت الكتب متعددة ولم يكن كتاب قبل ~~القرآن عاما لجميع ما سلف من الزمان , أدخل الجابر فقال تعال : { من قبل ~~هذا } أي الذي نزل علي كالتوراة والإنجيل والزبور , وهذا من أعلام النبوة ~~فإنها كلها شاهدة بالوحدانية , لو أتى بها آت لشهدت عليه . | ولما ذكر ~~الأعلى الذي لا يجب التكليف إلا به , وهو النقل القاطع , سهل عليهم فنزل ~~إلى ما دونه الذي منه العقل , وأقنع منه ببقية واحدة ولو كانت أثرا لا عينا ~~فقال : { أو أثارة } أي بقية رسم صالح للاحتجاج , قال ابن برجان : وهي ~~البقية من أثر كل شيء يرى بعد ذهابه وحال رؤيته بأثرها خلق عن سلف يتحدثون ~~بها في آثارهم , قال البغوي : وأصل الكلمة من الأثر وهو الرواية . | { من ~~علم } أي قطعي بضرورة أو تجربة أو مشاهدة أو غيره ولو ظنا يدل على ما ~~ادعيتم فيهم من الشركة . | ولما كان لهم من النفرة من الكذب واستشناعه ~~واستبشاعه واستفظاظه ما ليس لأمة من الأمم , أشار إلى تقريعهم بالكذب إن لم ~~يقيموا دليلا على دعواهم بقوله تعالى : { إن كنتم } أي بما هو لكم كالجبلة ~~{ صادقين * } أي عريقين في الصدق على ما تدعون لأنفسكم . | ولما أبطل ~~سبحانه وتعالى قولهم في الأصنام بعدم قدرتها على إتيان شيء من ذلك لأنها من ~~جملة مخلوقات في الأصل , أتبعه إبطاله بعدم علمها ليعلم قطعا أنهم أضل ~~الناس ms4762 حيث ارتبطوا في أجل الأشياء - وهو أول الدني - بما لا دليل عليه أصلا ~~, PageV07P117 فقال تعالى منكرا أن يكون أحد أضل منهم , عاطفا على ما هدى ~~السياق حتما إلى تقديره وهو : فمن أضل ممن يدعي شيئا من الأشياء وإن قل بلا ~~دليل : { ومن أضل ممن } يدعي أعظم الأشيء بغير دليل ما عقلي ولا نقلي , فهو ~~{ يدعوا } ما لا قدرة له ولا علم , وما انتفت قدرته وعلمه لم تصح عبادته ~~ببديهة العقل , وأرشد إلى سفولها بقوله تعالى : { من دون الله } أي من أدنى ~~رتبة من رتب الذي له جميع صفات الجلال والجمال والكمال , فهو سبحانه يعلم ~~كل شيء ويقدر على كل شيء بحيث يجيب الدعاء ويكشف البلاء ويحقق الرجاء إذا ~~شاء , ويدبر عبده لما يعلم من سره وعلنه بما لا يقدر هو على تدبير نفسه به ~~, ويريد العبد في كثير من الأشيء ما لو وكل العبد فيه إلى نفسه وأجيب إلى ~~طلبته كان فيه حتفه , فيدبره سبحانه بما تشتد كراهيته له فيكشف الحال عن ~~أنه لم يكن له فرج إلا فيه { من لا يستجيب له } أي لا يوجد الإجابة ولا ~~يطلب إيجادها من الأصنام وغيرها لأنه لا أهلية له لذلك . | ولما كان أقل ~~الاستجابة مطلق الكلام , وكانوا في الآخرة يكلمونهم في الجملة وإن كان بما ~~يضرهم , غيى هذا النفي بوقت لا ينفع فيه استجابة أصلا ولا يغني أحد عن أحد ~~أبدا فقال تعالى : { إلى يوم القيامة } أي الذي صرفنا لهم من أدلته ما هو ~~أوضح من الشمس ولا يزيدهم لك إلا إنكارا وركونا إلى ما لا دليل عليه أصلا ~~وهم يدعون الهداية ويعيبون أشد عيب الغواية . | ولما كان من لا يستجيب قد ~~يكون له علم بطاعة الإنسان له ترجى معه إجابته يوما ما , فنى ذلك بقوله ~~زيادة في عيبهم في دعاء ما لا رجاء في نفعه : { وهم عن دعائهم } أي دعاء ~~المشركين إياهم { غافلون * } أي لهم هذا الوصف ثابت لا يفكون عنه , لا ~~يعلمون من يدعوهم ولا من لا يدعوهم , وعبر بالغفلة ms4763 التي هي من أوصاف ~~العقلاء للجماد تغليبا إن كان المراد أعم من الأصنام وغيرها ممن عبدوه من ~~عقلاء الإنس والجن وغيرهم واتصافا إن كان المراد الأصنام خاصة , أو تهكما ~~كأنه قيل : هم علماء فإنكم أجل مقاما من أن تعبدوا ما لا يعقل , وإنما عدم ~~استجابتهم لكم دائما غفلة دائمة كما تقول لمن كتب كتابا كله فاسد : أنت ~~عالم لكنك كنت ناعسا . | ونحو هذا . | ولما غيى سبحانه بيوم القيامة فأفهم ~~أنهم يستجيبون لهم فيه , بين ما يحاورونهم به إذ ذاك فقال : { وإذا حشر } ~~أي جمع بكره على أيسر وجه وأسهل أمر { الناس } أي كل من يصح منه النوس - أي ~~التحرك - يوم القيامة { كانوا } أي المدعوون { لهم } أي للداعين { أعداء } ~~ويعطيهم الله قوة الكلام فيخاطبونهم بكل ما يخاطب به العدو عدوه { وكانوا } ~~أي المعبودون { بعبادتهم } أي الداعين , وهم المشركون - إياهم { كافرين * } ~~PageV07P118 لأنهم كانوا عنها غافلين كما قال سبحانه وتعالى في سورة يونس ~~عليه الصلاة والسلام ^ ( { وقال شركاؤوهم ما كنتم إيانا تعبدون } ) ^ [ ~~يونس : 28 ] . | < < # | الأحقاف : ( 7 - 9 ) وإذا تتلى عليهم . . . . . # > > ^ ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جآءهم ~~هذا سحر مبين * أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا ~~هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم * قل ~~ما كنت بدعا من الرسل ومآ أدري ما يفعل بي ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلي ~~ومآ أنا إلا نذير مبين ) ^ } ) | ولما بين أنهم في غاية السفه في عبادة ما ~~لا دليل بوجه على عبادته , أتبعه بيان أنهم في غاية الغباوة بإنكار ما لا ~~شيء أبين منه , فقال عاطفا على { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } : { ~~وإذا تتلى } أي تقرأ من أي قارئ كان على وجه المتابعة { عليهم آياتنا } أي ~~التي لا أعظم منها ف يأنفسها وبإضافتها إلينا { بينات } لا شيء أبين منها ~~قالوا - هكذا كان الأصل ولكنه بين الوصف الحامل لهم على القول فقال : { قال ~~الذين كفروا } أي ستروا تلك الأنوار ms4764 التي أبرزتها تلك التلاوة لها - هكذا ~~كان الأصل ولكنه قال : { للحق } أي لأجله { لما } أي حين { جاءهم } بيانها ~~لأنها مع بيانها لا شيء أثبت منها وأنهم بادروا أول سماعهم لها إلى إنكارها ~~دون تفكر : { هذا } أي الذي تلي { سحر } أي خيال لا حقيقة له { مبين * } أي ~~ظاهر في أنه خيال , فدل قولهم هذا - بمبادرتهم إليه من غير تأمل أصلا , ~~وبكونه أبعد الأشياء عن حقيقة ما قيل فيه - على أنهم أكثر الناس عنادا ~~وأجرؤهم على الكذب وهم يدعون أنهم أعرق الناس في الإنصاف وألزمهم للصدق . | ~~ولما دلت هذه الآيات بعظيم حججها وزخار ما أغرق من لججها , على أن ما ~~يدينون به أوهى من الخيال , وأن هذاالكتاب في صدقه وكل شيء من أمره أثبت من ~~الجبال , فكانوا أجدر الخلق بأن يقولوا : رجعنا عما كنا فيه وآمنا , كان ~~موضع أن يقال : هل أقروا بأنك صادق في نسبة هذا الكتاب إلى الله , فعادله ~~بقوله دليلا عليه : { أم يقولون } مجددين لذلك متابعين له { افتراه } أي ~~تعمد كذبه , فيكون ذلك من قولهم عجبا لأنه قول مقرون بما يكذبه ويبطله كما ~~يأتي في تقريره . | ولما كان كأنه قيل : إنهم ليقولون ذلك , وقد قرحوا ~~القلوب به فماذا يردهم عنه ؟ قيل : { قل } ما هو أشد عليهم من وقع النبل , ~~وهو ما يرد ما رموك به عليهم بحجة هي أجلى من الشمس في الظهيرة صحوا ليس ~~دونها سحاب . | ولما كان من عادة الملوك أنه PageV07P119 متى كذب عليهم أحد ~~عاجلوه بالعقوبة قال : { إن افتريته } أي تعمدت كذبه على زعمكم وأنا إنما ~~أريد به نصيحتكم , فالذي أفتريه عليه وأنسبه إليه يعاقبني على ذلك ولا ~~يتركني أصلا , وذلك هو معنى قوله : { فلا تملكون } أي أيها المنصوحون في ~~وقت من الأوقات بوجه من الوجوه { لي من الله } أي الملك الأعظم العزيز ~~المتكبر الحكيم { شيئا } مما يدر عني انتقامه مني لأن الملك لا يترك من كذب ~~عليه مطلق كذب , فكيف بمن يتعمد الكذب عليه في الرسالة بأمور عظيمة ويلازمه ~~مساء وصباحا غدوا وراحا , فأي حامل ms4765 لي حينئذ عل ىافترائه , والمقصود به لا ~~ينفعني , والمكذوب عليه لا يتركني ؛ ثم علل ما أفاده الكلام من وجوب ~~الانتقام بقوله : { هو أعلم } أي منكم ومن كل أحد { بما تفيضون فيه } من ~~نسبتي إلى الكذب , فلو أنه كما تقولون ما ناظرني فضالا عن أنه يؤيدني ~~وينصرني , وفيه على ذلك تهديد لهم وتسلية له وتفريج عنه . | ولما كان ~~الإملاء وحده ليس قاطعا في ذكل وإن كان ظاهرا فيه , فكان لا بد في دعوى ~~الصدق من دلي لقاطع وبرهان ساطع , وكانت شهادة الملك الذي الكلام فيه أعظم ~~الأدلة لأنه الأعلم , ومدار الشهادة العلم , فأنتج الكلام قطعا قوله : { ~~كفى } وأكد الكلام بما قرن بالفاعل من حرف الجر تحقيقا للفعل ونفيا للمجاز ~~فقال : { به شهيدا } أي شاهدا بليغ الشهادة لأنه الأعلم بجميع أحوالنا { ~~بيني وبينكم } يشهد بنفسه الأقدس للصادق منا وعلى الكاذب , وقد شهد بصدقي ~~بعجزكم عن معارضة شيء من هذا الكتاب الذي أتيت به فثبت بذلك أنه كلامه لأني ~~لا أقدر وحدي على ما لا تقدرون عليه فرادى ولا مجتمعين وأنتم عرب مثلي , بل ~~وأنا أمي وفيكم أنتم الكتبة والذين خالطوا العلماء وسمعوا أحاديث الأمم ~~وضربوا - بعد بلاد العجم - في بلاد العرب , فظهر بذلك ظهور الشمس أنكم ~~كاذبون { وهو الغفور } الذي من شأنه أن يمحو الذنوب كلها أعيانها وآثارها ~~فلا يعاقب عليها ولا يعاتب { الرحيم * } الذي يكرم بعد المغفرة ويفضل ~~بالتوفيق لما يرضيه , ففي هذا الختام ترغيب للنبي صلى الله عليه وسلم في ~~الصفح عنهم فيما نسبوه إليه في افتتاحها من الافتراء , وندب إلى الإحسان ~~إليهم , وترغيب لهم في التوبة , ومنع من أن يقولوا : فلم لا يعاجلنا ~~بالعقوبة على نسبتنا لك إلى الكذب إن كنت صادقا بأنه يجوز أن يمهل الكاذب , ~~وأما أنه يؤيده بما يشد به كذبه اللازم منه أنه يزيد فيه فلا يجوز , لأن ~~ذلك قادح ف يالحكمة وفي الكبرياء وفي الملك . | ولما كان من أعظم الضلال أن ~~ينسب الإنسان إلى الكذب من غير دليل في شيء لم يبتدعه , بل تقدمه ms4766 بمثله ناس ~~قد ثبت صدقهم في مثل ذلك ومضت عليه الأزمان وتقرر غاية التقرر في القلوب ~~والأذهان , قال تعالى : { قل } أي لهؤلاء الذين نسبوك إلى PageV07P120 ~~الافتراء : { ما كنت } أي كونا ما { بدعا } أي منشئا مبتدعا محدثا مخترعا ~~بحيث أكون أجنبيا منقطعا { من الرسل } لم يتقدم لي منهم مثال في أصل ما جئت ~~به , وهو الحرف الذي طال النزاع بيني وبينكم فيه وعظم الخطب وهو التوحيد ~~ومحاسن الأخلاق بل قد تقدمني رسل كثيرون أتوا بمثل ما أتيت به ودعوا إليه ~~كما دعوت وصدقهم الله بمثل ما صدقني به , فثبتت بذلك رسالاتهم وسعد بهم من ~~صدقهم من قومهم , وشقي بهم من كذبهم , فانظروا إلى آثارهم , واسألوا عن ~~سيرهم من أتباعهم وأنصارهم وأشياعهم , قال الإمام أبو عبد الله القزاز في ~~ديوانه : والبدعة الاسم لما ابتدع وضد البدعة السنة , لأن السنة ما تقدم له ~~إمام , والبدعة ما اخترع على غير مثال , وفي الحديث ( كل بدعة ضلالة وكل ~~ضلالة في النار ) معنا - والله أعلم - أن يبتدع ما يخالف السنة إذ كانت ~~البدعة ضد السنة , فإذا أحدث ما يخالفها كان بغحداثه لها ضالا مشركا , وكان ~~من أحدث في النار , ولم يدخل تحت هذا ما يخترع الإنسان من أفعال البر يسمى ~~بدعة لعدم فعله قبل ذلك فيخرج عما ذكرنا إن كان له نظير في الأصول , وهو ~~الحض على كل أفعال البر ما علم منها وما لم يعلم , فإن أحدث محدث منذلك ~~شيئا فكأنه زيادة فيما تقدم من البر وليس بضد لما تقدمه من السنة , بل هو ~~باب من أبوابها , ويقولون : ما فلان ببدعة في هذا الأمر أي ليس هو بأول من ~~أصابه ولكن سبقه غيره أيضا , قال الشاعر : | ولست ببدع من النائبات ونقض ~~الخطوب وإمرارها | ويقال : أبدع بالرجل - إذا كلت راحلته , وأبدعت الركاب ~~إذا كلت وعطبت , وقيل : كل من عطبت ركابه فانقطع به فقد أبدع به , وقال في ~~القاموس : والبدعة الحدث في الدين بعد الإكمال أو ما استحدث بعد صلى الله ~~عليه وسلم من الأهواء والأعمال , وأبدع ms4767 بالرجل : عطبت ركابه , وبقي منقطعا ~~به , وأبدع فلان بفلان : قطع به وخذله , ولم يقم بحاجته , وحجته بطلت , ~~وقال الصغاني في مجمع البحرين : وشيء بدع - بالكسر أي مبتدع , وفلان بدع في ~~هذا الأمر أي بديع , وقوم أبداع , عن الأخفش : والبديع المبتدع والبديع ~~المبتدع أيضا , وأبدعت حجة فلان - إذا بطلتب وأدبعت : أبطلت - يتعدى ولا ~~يتعدى . | ولما أبت بموافقته صلى الله عليه وسلم للرسل أصل الكلام وبقي أن ~~يقال : إن التكذيب في أن الله أرسله به , قام الدليل على صدقه في دعواه , ~~وذلك بأنه مماثل لهم في أصل الخلقة ليس له من ذاته من العلم إلا ما لهم , ~~وليس منهم أحد يصح له حكم على المغيبات , فلولا PageV07P121 أن الله أرسله ~~لما صح كل شيء حكم به على المستقبلات ولم يتخلف من ذلك شيء فقال : { وما ~~أدري } أي في هذا الحال بنوع حيلة وعمل واجتهاد { ما } أي الذي { يفعل } أي ~~من أي فاعل كان سواء كان هو الله تعالى بلا وساطة أو بواسطة غيره { بي } ~~وأكد النفي ليكون ظاهرا في الاجتماع وكذلك في الانفراد أيضا فقال : { ولا } ~~أي ولاأدري الذي يفعل { بكم } هذا في أصل الخلقة وأنتم ترونني أحكم على ~~نفسي بأشياء لا يختل شيء منها مثل أن أقول : إني آتيكم من القرآن بما ~~يعجزكم , فلا تقدرون كلكم على معارضة شيء منه فيضح ذلك على سبيل التكرار لا ~~يتخلف أصلا , فلولا أن الله أرسلني به لم أقدر وحدي على ما لا تقدرون عليه ~~كلكم , وإن قدرت على شيء كنتم أنتم أقدر مني عليه , وفي الآية بعمومها دليل ~~على أن لله أن يفعل ما يشاء , فله أن يعذب الطائع وينعم العاصي , ولو فعل ~~ذلك لكان عدلا وحقا وإن كنا نعتقد أنه لا يفعله . | ولما سوى نفسه الشريفة ~~بهم في أصل الخلقة , وكان قد ميزه الله عنهم بما خصه من النبوة والرسالة , ~~أبرز له ذلك - سبحانه وتعالى على وجه النتيجة فقال : { إن } أي ما { أتبع } ~~أي - بغاية جهدي وجدي { إلا ما } أي الذي { يوحى } أي يجدد ms4768 إلقاؤه ممن لا ~~يوحي بحق إلا هو { إلي } على سبيل التدريج سرا , لا يطلع عليه حق اطلاعه ~~غيري , ومنه ما أخبر فيه عن المغيبات فيكون كما قلت , فلا يرتاب في أني لا ~~أقدر على ذلك بنفسي فعلم أنه من الله . | ولما نسبوه إلى الافتراء تارة ~~والجنون أخرى , وكان السبب الأعظم في نسبتهم له إلى ذلك صدعهم بما يسوءهم ~~على غير عادته السالفة وعادة أمثاله , قال على سبيل القصر القلبي : { وما ~~أنا } أي بإخباري لكم عما يوحى إلي { إلا نذير } أي لكم ولكل من بلغه ~~القرآن { مبين * } أي ظاهر أني كذلك في نفسه مظهر له - أي كوني نذيرا - ~~ولجميع الجزيئات التي أنذر منها بالأدلة القطعية . | < < # | الأحقاف : ( 10 - 13 ) قل أرأيتم إن . . . . . # > > ^ ( قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * وقال ~~الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونآ إليه وإذ لم يهتدوا به ~~فسيقولون هذآ إفك قديم * ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق ~~لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين * إن الذين قالوا ربنا الله ~~ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ^ } ) | PageV07P122 ولما أثبت ~~أنه من عند الله بشهادة الله نفسه بعجزهم عن المعارضة , قبح عليهم إصرارهم ~~على التكذيب على تقدير شهادة أحد ممن يثقون بهم يسألونهم عنه من أهل الكتاب ~~فقال تعالى : { قل أرءيتم } أي أخبروني وبينوا لي وأقيموا ولو ببعض حجة أو ~~برهان { إن كان } أي هذا الذي يوحى إلي وآتيكم به وأنذركم وأعلمكم أنه من ~~الله فإنه { من عند الله } أي الملك الأعظم . | ولما كان مقصود السورة ~~إنذار الكافرين الذين لا ينظرون في علم , بل شأنهم تغطية المعارف والعلوم , ~~عطف بالواو الدالة على مطلق الجميع الشامل لمقارنة الأمرين المجموعين من ~~غير مهلة فيدل على الإسراع في الكفر من غير تأمل قال : { وكفرتم به } أي ~~على هذا التقدير { وشهد شاهد } أي واحد وأكثر { من بني إسرائيل } الذين جرت ms4769 ~~عادتكم أن تستفتوهم وتثقوا بهم { على مثله } أي مثل ما في القرآن من أن من ~~وحد فقد آمن , ومن أشرك فقد كفرن وأن الله أنزل ذلك في التوراة والإنجيل ~~وجميع أسفارهم , فطابقت عليه كتبهم , وتظافرت به رسلهم , وتواتر على الدعاء ~~إليه والأمر به أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام , ثم سبب عن شهادته وعقب ~~وفصل فقال : { فآمن } أي هذا الذي شهد هذه الشهارة بهذا القرآن عندما رآه ~~مصدقا لما ذكر وعلم أنه الكتاب الذي بشرت به كتبهم , فاهتدى إلى وضع الشيء ~~في محله فوضعه ولم يستكبر . | ولما كان الحامل لهم بعد هذه الأدلة على ~~التمادي على الكفر إنما هو الشماخة والأنفقة قال : { واستكبرتم } أي أوجدتم ~~الكبر بالإعراض عنه طالبين بذلك الرئاسة والفخر والنفاسة , فكنتم بعد شهادة ~~هذا الشاهد معاندين من غير شبهة أصلا فضللتم فكفرتم فوضعتم الشيء في غير ~~موضعه فانسد عليكم باب الهداية . | ولما كانوا يدعون أنهم أهدى الناس ~~وأعدلهم , وكان من رد شهادة الخالق والخلق ظالما شديد الظلم , فكان ضالا ~~علىعلم , قال الله تعالى مستأنفا دالا على أن تقدير الجواب : أفلم تكونوا ~~بتخلفكم عن الإيمان بعد العلم قد ظلمتم ظلما عظيما بوضع الكفرن موضع ~~الإيمان , فتكونوا ضالين تاركين للطريق الموصل على عمد { إن الله } أي ~~الملك الأعظم ذا العزة والحكمة { لا يهدي القوم } أي الذين لهم قدرة على ~~القيام بما يريدون محاولته { الظالمين * } أي الذين من شأنهم وضع الأمور ~~غير مواضعها , فلأجل ذلك لا يهديكم لأنه لا أحد أرسخ منكم في الظلم الذي ~~تسبب عنه ضلالكم , أما من كان منكم عالما فالأمر فيه واضح , وأما من كان ~~منكم جاهلا فهو كالعالم لعدم تدبره مثل هذه الأدلة التي ما بين العالم ~~بلسان العرب وبين انكشافها له إلا تدبها مع ترك الهوى , وقال الحسن - كما ~~نقله البغوي - الجواب : فمن أضل منكم كما قال في PageV07P123 ( فصلت ) < # > 77 ( { قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به من أضل ممن هو في ~~شقاق بعيد } ) 77 < # > [ فصلت : 52 ] فالآية من الاحتباك : ذكر الإيمان أولا ms4770 دليلا على ضده ~~ثانيا , والاستكبار والظلم وعدم الهداية ثانيا دليلا على أضدادها أولا , ~~وسره أنه شكر سببي السعادة ترغيبا وترهيبا . | ولما دل على أن تركهم ~~للإيمان إنما هو تعمد للظلم استكبارا , عطف على قولهم { إنه سحر } ما دل ~~على الاستكبار فقال تعالى : { وقال الذين كفروا } أي تعمدوا تغطية الحق { ~~للذين } أي لأجل إيمان الذين { آمنوا } إذ سبقوهم إلى الإيمان : { لو كان } ~~إيمانهم بالقرآن وبهذا الرسول { خيرا } أي من جملة الخيور { ما سبقونا إليه ~~} ونحن أشرف منهم وأكثر أموالا وأولادا وأعلم بتحصيل العز والسؤدد الذي هو ~~مناط الخير فكأن لم يسبقونا إلى شيء من هذه الخيرات التي نحن فائزون بها ~~وهم صفر منها , لكنه ليس بخير , فلذلك سبقوا إليه فكان حالهم فيه حالهم ~~فيما هو محسوس من أمورهم في المال والجاه . | ولما أخبر عما قالوا حين ~~سبقهم غيرهم , أخبر عما يقولون عند تعمد الإعراض عنه فقال : { وإذ } اي ~~وحين { لم يهتدوا به } يقولون عنادا وتكبرا : لو كان هدى لأبصرناه ولم ~~يعلموا أنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور . | ولما ~~أخبر عما قالوا حين سبقهم غيرهم , أخبر عما يقولون عند تعمد الإعراض ولما ~~كان التقدير : فإن قيل لهم : فما هو ؟ أجابه بقوله مسببا عن هذا المقدر ~~علما من أعلام النبوة : { فسيقولون } بوعد لا خلف فيه لأن الناس أعداء ما ~~جهلوا ولأنهم لم يجدوا على ما يدعونه من أنه لو كان خيرا لسبقوا غيرهم إليه ~~دليلا : { هذا } أي الذي سبقتم إليه { إفك } أي شيء مصروف عن وجهه إلى قفاه ~~{ قديم * } أفكه غيره وعثر هو عليه فأتى به ونسبه إلى الله . | ولما كان ~~هذا الكلام ساقطا في نفسه لما قام من الأدلة الباهرة على صدق القرآن وكان ~~الوقوف مع المحسوسات غالبا عليهم لعدم نفوذهم في المعقولات , دل على بطلانه ~~لموافقة القرآن لأعظم الكتاب القديمة التوراة التي اشتهر أنها من عند الله ~~وأن الآتي بها كلم وقد صدقه الله في الإتيان بها بما لم يأت به قبله من ~~المعجزات والآيات البينات وهم ms4771 يستفتون أهلها , فقال على وجه التبكيت لهم ~~والتوبيخ : { ومن } أي قالوا ذلك والحال أنه كان في بعض الزمن الذي من { ~~قبله } أي القرآن العظيم الذي حرموا تدبر آياته وحل مشكلاته وأعجزهم فصاحته ~~{ كتاب موسى } كلم الله وصفوته عليه الصلاة والسام وهو التوراة التي كلمه ~~الله بها تكليما حال كون كتابه { إماما } أي يستحق أن يؤمه كل من سمع به في ~~أصول الدين مطلقا وفي جميع ما فيه قبل تحريفه PageV07P124 ونسخه وتبديله { ~~ورحمة } لما فيه من نعمة الدلالة على الله والبيان الشافي فهبهم طعنوا في ~~هذ االقرآن وهم لا يقدرون على الطعن في كتاب موسى الذي قد سلموا لأهله أنهم ~~أهل العلم وجعلوهم حكماء يرضون بقولهم في هذا النبي الكريم , وكتابهم مصادق ~~لكتابهم فقد صروا بذلك مصدقين بما كذبوا به , ولذلك قال الله تعالى : { ~~وهذا } أي القرآن المبين المبين { كتاب } أي جامع لجميع الخيرات . | ولما ~~أريد تعميم التصديق بجميع الكتب الإلهية والحقوق الشرعية , حذف المتعلق ~~فقال : { مصدق } أي لكتاب موسى عليه الصلاة والسلام وغيره من الكتب التي ~~تصح نسبتها إلى الله تعالى فإن جميع الكتب التي جاءةت به الرسل ناطقة بتوحد ~~الله وأن هذا الكتاب لميخرج عن هذا فأنى يضح فيهما هذا شأنه أن يكون إفكا , ~~إنما الإفك ما كذب كتب الله التي أتت بها أنبياؤه وتواثها أولياؤه . | ولما ~~كان الكتاب قد تقوم الأدلة على مصادقته لكتب الله ويكون بغير لسان المكذب ~~به فيكون في التكذيب أقل ملامة , احترز عن ذلك بقوله : { لسانا } أي أشير ~~إلى هذا المصدق القريب منكم زمانا ومكانا وفهما حال كونه { عربيا } في أعلى ~~طبقات اللسان العربي مع كونه أهل الكتب تناولا وأبعدها عن الكليف , ليس هو ~~بحيث يمنعه علوه بفخامة الألفاظ وجلالة المعاني وعلو النظم ورصافة السبك ~~ووجازة العبارة , وظهور المهاني ودقة الإشارة مع سوهلة الفهم وقرب المتناول ~~بعد بعد المغزى . | ولما دل على أن الكتاب حق , بين ثمرته فقال : { لينذر } ~~أي أشير إلى الكتاب في هذا الحال لينذر الكتاب بحسن بيانه وعظيم شأنه { ~~الذين ظلموا ms4772 } سواء كانوا عريقين في الظلم أم لا , فأما العريقون فهو لهم ~~نذري كاملة , فإنهم لا يهتدون كما تقدم , وأما غيرهم فيهتدي بنذارته ويسعد ~~بعبارته وإشارته , وليبشر الذين أحسنوا في وقت ما { ما } هو { بشرى } كاملة ~~{ للمحسنين * } لا نذارة لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة , فالآية من ~~الاحتباك : أثبت أولا { ينذر } و { الذين ظلموا } دلالة على حذف نحوه ثانيا ~~, { وبشرى } و { للمحسنين } ثانيا دلالة على { نذري } { وللظالمين } أولا . ~~| ولما بين حالة المحسنين شرح أمرهم فقال مستأنفا في جواب من سأل عنهم وعن ~~بشراهم : { إن الذين قالوا ربنا } أي خالقنا ومولانا والمحسن إلينا { الله ~~} سبحانه وتعاللى لا غيره . | ولما كانت الاستقامة - وهي الثبات على كل ما ~~يرضي الله مع ترتبها على التوحيد - عزيزة المنال عليه الرتبة , وكانت ف ~~يالغالب لا تنال إلا بعد منازلات طويلة ومجاهدات شديدة , أشار إلى كل من ~~بعدها وعلو رتبتها بأداة التراخي فقال : { ثم } أي بعد قولهم ذلك الذي ~~وحدوا به { استقاموا } أي طلبوا القوم طلبا عظيما وأوجدوه . | PageV07P125 ~~ولما كان الوصف لرؤوس المؤمنين , عد أعمالهم أسبابا فأخبر عنهم بقوله : { ~~فلا خوف عليهم } أي يعلوهم بغلبة الضرر , ولعله يعبر في مثل هذا بالاسم ~~إشارة إلى أن هيبته بالنظر إلى جلاله وقهره وجبروته وكبره وكماله لا تنتفي ~~, ويحصل للأنسان باستحضارها إخبات وطمأنينة ووقار وسكينة يزيده في نفسه ~~جلالا ورفعة وكمالا , فاملنفي خوف يقلق النفس { ولا هم } في ضمائرهم ولا في ~~ظواهرهم { يحزنون * } أي يتجدد لهم شيء من حزن أصلا . | < < # | الأحقاف : ( 14 - 16 ) أولئك أصحاب الجنة . . . . . # > > ^ ( أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزآء بما كانوا يعملون * ووصينا ~~الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصاله ثلاثون ~~شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي ~~أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك ~~وإني من المسلمين * أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن ~~سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ) ^ } ) | ولما نفى ms4773 ~~عنهم المحذور , مدهم بإيثار السرور , فقال تعالى : { أولائك } أي العلو ~~الدرجات { أصحاب الجنة } ولما دلت الصحبة على الملازمة , صرح بها بقوله ~~تعالى : { خالدين فيها } خلودا لا آخرا له , جوزوا بذلك { جزاء } ولما ~~كانوا محسنين فكانت أعمالهم في غاية الخلوص جعلها تعالى أسبابا أولا وثانيا ~~, فقال مشيرا إلى دوامها لأنها في جبلاتهم { بما كانوا } أي طبعا وخلقا { ~~يعملون * } على سبيل التجديد المستمر . | ولما تفضل سبحانه وتعالى على ~~الإنسان بعد الأعمال التي هيأه لها وأقدره عليها ووفقه لها أسبابا قرن ~~بالوصية بطاعته - لكونه المبدع - الوصية بالوالدين لكونه تعالى جعله سبب ~~الإيجاد , فقال في هذا السياق الذي عد فيه الأعمال لكونه سياق الإحسان التي ~~أفضلها الصلاة على ميقاتها , وثانيها في الرتبة بر الوالدين كما في الصحيح ~~, وفي الترمذي : ( رضى الله في رضى الوالدين وسخطه في سخطهما ) وعلى هذا ~~المنوال جرت عادة القرآن يوصي بطاعة الوالدين بعد الأمر بعبادته ^ ( { وإذ ~~أخذ الله ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا } ) ^ [ ~~البقرة : 83 ] ^ ( { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا } ~~) ^ [ النساء : 36 ] وكذاما بعدهما عاطفا على ما قدرته أو السورة من نحو أن ~~يقال : وأمرنا الناس أجميعن أن يكونوا بطاعتنا في مهلة الأجل عاملين ~~ولمعصيتنا مجتنبين : { ووصينا الإنسان } أي هذا النوع الذي أنس بنفسه { ~~بوالديه } ولما PageV07P126 استوفى { وصى } مفعوليه كان التقدير : ليأتي ~~إليهما حسنا , وقرأ الكوفيون : { إحسانا } وهو أوفق للسياق . | ولما كان حق ~~الأب ظاهرا لا له من الكسب والإنفاق والذب والتأديب لم يذكره , وذكر ما ~~للأم لأن أمده يسير , فربما استهين به فقال مستأنفا أو معللا : { حملته أمه ~~} أي بعد أن وضعه أبوه بمشاركتها في أحشائها , حملا { كرها } بثقل الحبل ~~وأمراضه وأوصابه وأعراضه { ووضعته } أي بعد تمام مدة حمله { كرها } فدل هذا ~~- مع دلالته على وجوب حق الأم - على أن الأمر في تكوينه لله وحده , وذكر ~~أوسط ما للأم من مدة التعب بذكر أقل مدة الحمل وأنهى مدة الرضاع لانضباطها ~~فقال تعالى : { وحمله وفصاله } أي ومدة حمله وغاية فطامه من الرضاع , وعبر ms4774 ~~بالفصال لإرادة النهاية لأن الفطام قد يكون قبل النهاية لغرض ثم تظهر ~~الحاجة فتعاد الرضاعة { ثلاثون شهرا } فانصرف الفصال إلى الكامل الذي تقدم ~~في البقرة فعرف أن أقل مدة الحمل ستة أشهر , وبه قال الأطباء , وربما أشعر ~~بأن أقل مدة الرضاع سنة وتسعة أشهر لأن أغلب الحمل تسعة أشهر . # ولما كان ما بعد ذلك تارة يشترك في مؤنته الأبوان وتارة ينفرد أحدهما , ~~طوي ذكرهما , وذكر حرف الغاية مقسما للموصي إلى قسمين : مطيع وعاصي , ذاكرا ~~ما لكل من الجزاء بشارة ونذارة , إرشادا إلى أن المعنى : واستمر كلا على ~~أبويه أو أحدهما { حتى إذا بلغ أشده } قال في القاموس : قوته , وهو ما بين ~~ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين , واحد جاء على بناء الجمع كأنك ولا نظير لهما , ~~أوجمع لا واحد له من لفظه , أو واحده شدرة بالكسر مع أن فعلة لا تجمع على ~~أفعل , أو شد ككلب وأكلب أو شد كذئب وأذؤب , وما هما بمسموعين بل قياس - ~~انتهى , وقد مضى في سورة يوسف ما ينفع هنا جدا , وروى الطبراني في ترجمة ~~ابن أحمد بن لبيد البيروتي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : الأشد ~~ثلاث وثلاثون سنة , وهو الذي رفع عليه عيسى ابن مريم - قال الهيثمي : وفيه ~~صدقة بن يزيد وثقة أبو زرعة وأبو حاتم وضعفه أحمد وجماعة وبقية رجاله ثقات ~~, قال الزمخشري : وهو أول الأشد وغايته الأربعون : ولما كانت أيام الصبى ~~والشباب وإن كانت صفوة عمر الإنسان وأوقات لذاذته ومجتمع شمله وراحاته فيها ~~يظهر له سر عمره في الغالب لغلبة الأنفس الخبيثة عليه البهيمية والسبعية ~~PageV07P127 لما يحملانه عليه من نتائج الشهوات ونوازع الغضب والبطالات , ~~عبر بما يدل على القحط والشؤم والضيق تنبيها على ذلك , فقال شارحا للستواء ~~ومعبرا عنه : { وبلغ أربعين سنة } فاجتمع أشده وتم حزمه وجده , وزالت عنه ~~شرة الشباب وطيش الصبا ورعونة الجهل , ولذلك كان هذا السن وقت بعثة ~~الأنبياء , وهو يشعر بأن أوقات الصبى أخف في المؤاخذة مما بعدها وكذا ما ~~بين أول الأشد والأربعين { قال } إن ms4775 كان محسنا قابلا لوصية ربه : { رب } أي ~~أيها المحسن إلي بالإجياد وتيسير الأبوين وغيرهما وتسخيره { أوزعني } أي ~~اجعلني أطيق { أن أشكر نعمتك } أي وازعا للشكر أي كافا مرتبطا حتى لا ~~يغلبني في وقت من الأوقات , وذلك الشكر بالتوحيد في العبادة كما أنه يوحد ~~بنعمة الإيجاد والترزيق , ووحدها تعظيما للأمر بالإشارة إلى أن النعمة ~~الواحدة لا يبلغ شكرها إلا بمعونة الله مع أن ذكر الأبوين يعرف أن المراد ~~بها الجنس . | ولما كان ربما ظن ظان أن المراد بنعمته قدرته على الإنعام ~~ليكون المعنى : أن أشكر لك لكونك قادرا على الإنعام , قال : { التي أنعمت ~~علي } أي بالفعل لوجوب ذلك علي لخصوصه بي { وعلى والدي } ولو بمطلق الإيجاد ~~والعافية في البدن , لأن النعمة عليهما نعمة علي , وقد مضى في النمل ما ~~يتعين استحضاره هنا ولما كان المقصود الأعظم من النعمة الماضية نعمة ~~الإيجاد المراد من شكرها التوحيد , أتبعها تمام الشكر فقال , { وأن أعمل } ~~أي أنا في خاصة نفسي { صالحا } . | ولما كان الصالح في نفسه قد يقع الموقع ~~لعدم الإذن فيه قال : { ترضاه } والتنكير إشارة إلى العجز عن بلوغ الغاية ~~فإنه لن يقدر الله حق قدره أحد . | ولما دعا لنفسه بعد أن أوصى برعاية حق ~~أبيه , لقنه سبحانه الدعاء لمن يتفرع منه , حثا على رعاية حقوقهم لئلا ~~يسلطهم على عقوقه فقال : { وأصلح } أي أوقع الإصلاح , وقال : { لي في ذريتي ~~} لأن صلاحهم يلحقه نفعه , والمراد بقصر الفعل وجعلهم ظرفا له أن يكون ~~ثابتا راسخا سرايا فيهم وهم محيطون به فيكونوا صالحين . | ولما استحضر عند ~~كمال العقل في الأربعين أن ما مضى من العمر كان إغلبه ضائعا فدعا , وكان من ~~شرط قبول الدعاء التوبة , علله بقوله : { إني تبت } أي رجعت { إليك } أي عن ~~كل ما يقدح في الإقبال عليك , وأكده إعلاما بأن حاله في الإقبال على ~~الشهوات حال من يبعد منه الإقلاع فينكر إخباره به , وكذا قوله : { وإني من ~~المسلمين * } أي الذين أسلموا ظواهرهم وبواطنهم لك فانقادوا أتم انقياد ~~وأحسنه . | ولما وصف هذا المؤمن بادئا به ms4776 لكونه في سياق الإحسان , وكان ~~المراد بالإنسان PageV07P128 الجنس , قال مادحا له بصيغة الجمع منبها على ~~أن قبول الطاعات مشروط ببر الوالدين لأن ما ظهر دليل ما بطن , ومن لا يشكر ~~من كان من جنسه لا سيما وهو أقرب الناس إليه لا سيما وهو السبب في إيجاده ~~لم يشكر الله كما في الحديث ( لا يشكر الله من لا يشكر الناس ) ومن صلح ما ~~بينه وبني الله صلح ما بينه وبين الناس عامة لا سيما الأقارب نسبا أو مكانا ~~لا سيما الوالدين : { أولائك } أي العالو الرتبة { الذين نتقبل } بأسهل وجه ~~{ عنهم } وأشار سبحانه بصيغة التفعل إلى أنه عمل في قبوله عمل المعتني , ~~وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون فيه وفي الذي بعده , ويدل على ذلك قوله ~~تعالى : { أحسن } ويجوز أن يراد به مطلق الدعاء أو الطاعات ويكون ما دون ~~الأحسن مقبولا , قبولا مطلقا على مقدار النية فيه , وتكون التعدية بعن ~~إشارة إلى أن جبلاتهم مبنية على الترقي في معارد الكمال في كل وقت إلى غير ~~نهاية , فتكون هذه المحاسن ليست منهم بمعنى أنهم مجبولون على أعلى منها في ~~نهاياتهم والعبرة بالنهايات ولذلك قال تعالى : { ما علموا } ولم يقل : ~~أعمالهم . | ولما كان الإنسان محل النقصان وإن كان محسنا , نبه على ذلك ~~وعلى أن شرط تكفير السيئات التوبة بقوله تعالى : { ونتجاوز } أي بوعد مقبول ~~لا بد من كونه , وهو معنى قراءة حمزة والكسائي بالنون في الفعلين { عن ~~سيئاتهم } أي فلا يعابهم عليها . | ولما كان هذا مفهمهما لأنهم من أهل ~~الجنة , صرح به زيادة في مدحهم بقوله : { في أصحاب الجنة } أي أنه فعل بهم ~~ذلك وهم في عدادهم لأنهم لم يزالوا فيه لأنهم ما برحوا بعين الرضا . | ولما ~~كان هذا وعدا , أكد مضمونه بقوله : { وعد الصدق } لكونه مطابقا للواقع { ~~الذين كانوا } بكون ثابت جدا { يوعدون * } أي يقطع لهم الوعد به في الدنيا ~~ممن لا أصدق منهم , وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام . | < < # | الأحقاف : ( 17 - 18 ) والذي قال لوالديه . . . . . # > > ^ ( والذي قال لوالديه أف لكمآ أتعدانني أن أخرج وقد ms4777 خلت القرون من ~~قبلي وهما يستغثيان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذآ إلا أساطير ~~الأولين * أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن ~~والإنس إنهم كانوا خاسرين ) ^ } ) | ولما ذكر سبحانه هذا المحسن بادئا به ~~لكون المقام للأحسان , أتبعه المسيء المناسب لمقصود السورة المذكور صريحا ~~في مطلعها فقال تعالى : { والذي قال لوالديه } مع اجتماعهما كافرا فنعمهما ~~نابذا لوصيتنا بهما فكان كافرا بنعمة أعظم منعم محسوس بعد الكفر بنعم أعظم ~~منعم مطلقا , والتثنية مشيرة إلى أنه أغلظ الناس كبدا , PageV07P129 لأن ~~العادة جرت بقبول الإنسان كلام أصله ولو كان واحدا , وأن الاجتماع مطلقا له ~~تأثير فكيف إذا كان والدا : { أف } أي تضجر وتقذر واسترذال وتكره مني ~~ولغاتها أربعون - حكاها في القاموس , والمتواتر منها عن القرء ثلاث : الكسر ~~بغير تنوين وهو قراءة الجمهور , والمراد به أن المعنى الذي قصده مقترن ~~بسفول ثابت , ومع التنوين وهو قراءة المدنيين وحفص والمراد به أنه سفول ~~عظيم سائر معالدهر بالغلبة والقهر , والفتح من غير تنوين وهو قراءة ابن ~~كثير وابن عامر ويعقوب , والمراد به اقتران المعنى المقصود بالاشتهار بالعو ~~والانتشار مع الدوام , وقد تقدم في الإسراء عن الحرالي - وهو الحق - أن ~~التأفيف أنهى الأذى وأشده , فإن معناه أن المؤفف به لاخطر له ولا وزن أصلا ~~, ولا يصلح لشيء بل هو عدم بل العدم خير منه مع أنهى القذر . | ولما كان ~~كأنه قيل : لمن هذا التأفيف ؟ قال : { لكما } ولما كانا كأنهما قالا له : ~~لم هذا التقذير العظيم بعد الإحسان لا تقدر على جزائنا به , قال مبكتا ~~موبخا منكرا على تقدير كونه وعدا : { أتعدانني } أي على سبيل الاستمرار ~~بالتجديد في كل وقت { أن أخرج } أي من مخرج ما يخرجني من الأرض بعد أن غبت ~~فيها وصرت ترابا أحيى كما كنت أول مرة { وقد } أي والحال أنه قد { خلت } أي ~~تقدمت وسبقت ومضت على سنن الموت { القرون } أي الأجيال الكثيرة من صلابتهم ~~, وأثبت الجار لأن القرن لا ينخرم إلا بعد مدرة طويلة ms4778 , فالانخرام في ذلك ~~غير مستغرق للزمان فقال : { من قبلي } أي قرنا بعد قرن وأمة بعد أمة ~~وتطاولت الأزمان وأغلبهم يكذب بهذا الحديث فأنا مع الأغلب , وتأيد ذلك بأنه ~~لم يرجع أحد منهم { وهما } أي والحال أنهما كلما قال لهما ذلك { يستغيثان ~~الله } أي يطلبان بدعائهما من له جميع الكمال أن يعينهما بإلهامة قبول ~~كلامهما , قائلين لولدهما مجتهدين بالنصيحة له بعد الاجتهاد بالدعاء : { ~~ويلك } كما يقول المشفق إذا زاد به الكرب وبلغ منه الغم , إشارة إلى أنه لم ~~يبق له إن أعرض إلا الويل وهو الهلاك { آمن } أي أوقع الإيمان الذي لا ~~إيمان غيره , وهو الذي ينقذ من كل هلكة , ويوجب كل فوز بالتصديق بالعبث ~~وبكل ما جاء عن الله , ثم عللا أمرهما على هذا الوجه مؤكدين في مقابلة ~~إنكاره فقالا : { إن وعد الله } أي الملك الأعظم المحيط بجميع صفات المهابة ~~والكمال الموصوف بالعزة والحكمة { حق } أي ثابت أعظم ثبات لانه لو لم يكن ~~حقا لكان نقصا من جهة الإخلاف الذي لا يرضاه لنفسه أقل العرب فكيف وهو يلزم ~~منه منافاة الحكمة بكون الخلق حينئذ على وجه العبث لأنهم عباد ورعايا لا ~~يعرضون على ملكهم الذي أبدعهم مع علمه بما هم عليه من ظلم بعضهم لبعض وبغي ~~بعضم على بعض { فيقول } مسبباص عن قولهما ومعقبا له : { ما هذا } أي ~~PageV07P130 الذي ذكرتماه لي من البعث { إلا أساطير الأولين * } أي خرافات ~~كتبها على وجه الكذب الأولائل وتناقلها منهم الأعمار جيلا بعد جيل فصارت ~~بحيث يظن الضعفاء أنها صحيحة - هذا والعجب كل العجب أنه بتصديقه لا يلزمه ~~فساد على تقدير من التقادير الممكنة , بل يحمله التصديق على محاسن الأعمال ~~ومعالي الأخلاق التي هو مقر بأنها محاسن من لزوم طريق الخير وترك طريق الشر ~~, وتكذيبه يجره إلى المرح والأشر , والطبر وأفعال الشر , ودنايا الأخلاق مع ~~احتمال الهلاك الذي يخوفانه به وهو لا ينفي أنه متحتمل وإن استبعده فما ~~دعوه إليه كما ترى لا يأباه عاقل ولكنها عقول كادها باريها . | ولما كان ~~هذا الكلام , ومع بلوغ ms4779 النهاية في حسن الانتظام , وقد حصر الإنسان هذين ~~القسمين مثلا بليغا لكفار العرب ومؤمنيهم , فالأول للمؤمنين التابعين لملة ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام , الآتي بها أعظم أنيائه الكرام محمد عليه ~~الصلاة والسلام الذي يعرفونه منه والثاني للكفار المنابذين لأعظم آبائهم ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي يعرفونه منه نقلا يتوارثونه من آبائهم , ~~وق { آنا معجزا كأنهم سمعوه من خالقهم أناه موحد لله مقر بالبعث محذر من ~~غوائله , وكان قد ابتدأ سبحانه الحديث عنهم بما ذكر مما كفروا فيه المنعمين ~~واستحقوا كلتا السوءتين , خزي الدنيا وعذاب الآخرة , أخبر عنهم بما أنتجه ~~نقلا يتوارثونه من آبائهم , وقرآنا معجزا كأنهم سمعوه من خالقهم أنه موحد ~~لله مقر بالبعث محذر من غوائله , وكان قد ابتدأ سبحانه الحديث عنهم بما ذكر ~~مما كفروا فيه المنعمين واستحوا كلتا السوءتين , خزي الدنيا وعذاب الآخرة , ~~أخبر عنهم بما أنتجه تكذيبهم بموعد ربهم وعقوقهم لوالديهم حقيقة أو تعليما ~~بقوله : { أولائك } أي البعداء من العقل والمروءة وكل خير { الذين حق } أي ~~ثبت ووجب . | ولما كان هذا وعيدا , دل عليه بأداة الاستعلاء فقال : { عليهم ~~القول } أي الكامل في بابه بأنهم أسفل السافلين , وهذا يكذب من قال : إنها ~~نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما , فإنه أسلم وصار من أكابر ~~الصحابة رضي الله عنهم أجمعين , فحقت له الجنة . | ولما أثبت لهم هذه ~~الشنيعة , عرف بكثرة من شاركهم فيها فقال : { في } أي كائنين في { أمم } أي ~~خلائق كانوا بحيث يقصدهم الناس ويتبع بعضهم بعضا { قد خلت } تلك الأمم . | ~~ولما كان المحكوم عليه بعض السالفين , أدخل الجار فقال : { من قبلهم } ~~فكانوا قدوتهم { من الجن } بدأ بهم لأن العرب تستعظمهم وتستجير بهم , وذلك ~~لأنهم يتظاهرون لهم يؤذونهم ولم يقطع أذاهملهم وتسلطهم عليهم ظاهرا وباطنا ~~إلا القرآن , فإنه أحرقهم بأنواره وجلاهم عن تلك البلاد بجلي آثاره { ~~والإنس } وما نفعتهم كثرتهم ولا أغنت عنهم قوتهم , ثم علل حقوق الأمر عليهم ~~أو استأنف بقوله مؤكدا تكذيبا لظن هذا القسم الذي الكلام فيه أن الصواب مع ~~الأكثر : { إنهم ms4780 } أي كلهم { كانوا } أي جبلة وطبعا وخلقا لا يقدرون على ~~الانفكاك عنه { خاسرين * } أي عريقين في هذا الوصف . | PageV07P131 < < # | الأحقاف : ( 19 - 21 ) ولكل درجات مما . . . . . # > > ^ ( ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون * ويوم ~~يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ~~فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تفسقون * واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ~~ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ) ^ } ) | ولما ~~قسمهم في الأعمال , جمعهم في العدل والإفضال فقال : { لكل } أي من فريقي ~~السعداء والبعداء من القبيلتين : الجن والإنس , في الدنيا والآخرة { درجات ~~} أي دركات أي منازل ومراتب متفاضلين فيها { من } أجل { ما عملوا } أو من ~~جوهره ونوعه من الأعمال الصالحة والطالحة . | ولما كان التقدير : ليظهر ~~ظهورا بينا أنه سبحانه فاعل بالاختيار بالمفاوته بين العقلاء ويظهر بينا لا ~~وقفة فيه أن الحقائق على غير ما كان يتراءى لهم في الدنيا , فإن حجب ~~المكاره والشهوات كانت ترى الأمور على خلاف ما هي عليه , عطف عليه قوله في ~~قراءة البصريين وعاصم وهشام عن ابن عامر بخلاف عنه : { وليوفيهم } أي ربهم ~~الذي تقدم إقبال المحسن عليه ودعاؤه له , وقراءة الباقين بالنون أنسب لمطلع ~~السورة ولما يشير إليه من كشف حجب الكبرياء في يوم الفصل . | ولما كان ~~سبحانه يعلم مثاقيل اذر وما دونها وما فوقها ويجعل الجزاء على حسبها في ~~المقدار والشبه والجنس والنوع والشخص حتى يكاد يظن العامل أن الجزاء هو ~~العمل قال : { أعمالهم } أي جزاءها من خير وشر وجنة ونار - وهذا ظاهر , أو ~~نص في أن الجن يثابون بالإحسان كما يعاقبون بالعصيان , وسورة الرحمن كلها ~~خطاب للثقلين بالثواب لأهل الطاعة , والعقاب لأهل المعصية من كل من ~~القبيلتين ؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه , ويجزى مطيعهم بالثواب كما ~~يجازى عاصيهم بالعقاب - قاله مالك وابن أبي ليلى والضحاك وغيرهم كما نقله ~~البغوي { وهم } أي والحال أنهم { لا يظلمون ms4781 * } أي لا يتجدد لهم شىء من ~~ظالم ما من ظلم في جزاء أعمالهم بزيادة في عقاب أو نقص من ثواب , بل ~~الرحمانية كما كانت لهم في الدنيا فهي لهم في الآخرة فلا يظلم ربك أحدا بأن ~~يعذبه فوق ما يستحقه من العقاب , أو ينقصه عما يستأهل من الثواب . | ولما ~~كان الظاهر في هذه السورة الإنذار كما يشهد به مطلعها , قال ذاكرا بعض ما ~~يبكت به المجرمون يوم البعث الذي كانوا به يكذبون ويكون فيه توفية جزاء ~~الأعمال , عاطفا على ما تقديره : اذكر لهم هذا لعلهم يأنفون أن يكونوا ~~المسيئين فيكونوا من المحسنين : { ويوم } أي واذكر لهم يوم يعرضون - هكذا ~~كان الأصل ولكنه أظهر PageV07P132 الوصف الذي أوجب لهم الجزاء إشارة إلى أن ~~الأمر كان ظاهرا لهم ولكنهم ستروا , أنوار عقولهم فقال : { يعرض الذين ~~كفروا } أي من الفريقين المذكورين { على النار } أي يصلون لهبها ويقلبون ~~فيها كما يعرض اللحم الذي يشوى , مقولا لهم على سبيل التنديم والتقريع ~~والتوبيخ والشتنيع لأنهم لم يذكروا الله حق ذكره عند شهواتهم بل نالوها مع ~~مخالفة أمره سبحانه ونهيه : { أذهبتم } في قراءة نافع وأبي عمرو والكوفيين ~~بالإخبار , وقراءة الباقين بالاستفهام لزيادة الإنكار والتوبيخ { طيباتكم } ~~أي لذاتكم باتباعكم الشهوات { في حياتكم } ونفر منها بقوله تعالى : { ~~الدنيا } أي القريبة الدنية لأجلها حتى نلتموها { واستمتعتم } أي طلبتم ~~وأوجدتم انتفاعكم { بها } وجعلتموها غاية حظكم في رفعتكم ونعمتكم . | ولما ~~كان ذلك استهانة بالأوامر والنواهي للاستهانة بيوم الجزاء , سبب عنه قوله ~~تعالى : { فاليوم تجزون } أي على إعراضكم عنا بجزاء من لا تقدرون التقصي من ~~جزائه بأيسر أمر منه { عذاب الهون } أي الهوان العظيم المجتمع الشديد الذي ~~فيه ذلك وخزي { بما كنتم } جبلة وطبعا { تستكبرون } أي تطلبون الترفع ~~وتوجدونه على الاستمرار { في الأرض } التي هي لكونها ترابا وموضوعة على ~~الزوال والخراب , أحق شيء بالتواضع والذل والهوان . | ولما كان الاستكبار ~~يكون بالحق لكونه على الظالمين فيكون ممدوحا , قيده بقوله : { بغير الحق } ~~أي الأمر الذي يطابقه الواقع وهو أوامرنا ونواهينا , ودل بأداة الكمال على ~~أنه لا ms4782 يعاقب على الاستكبار مع الشبهة { وبما كنتم } على الاستمرار { ~~تفسقون * } أي تجددون الخروج عن محيط الطاعة الذي تدعو إليه الفطرة الأولى ~~العقل إلى نوازع المعاصي . | ولما هددهم سبحانه بالأمور الأخروية , وستر ~~الأمر بالتذكير بها لكونها مستورة وهم بها يكذبون في قوله ( ويوم ) , وختم ~~بالعذاب على الاستكبار المذموم والفسق , عطف عليه تهديهم بالأمور المحسوسة ~~لأنهم متقيدون بها مصرحا بالأمر بالذكر فقال تعالى : { واذكر } أي لهؤلاء ~~الذين لا يتعظون بمحط الحكمة الذي لا يخفى على ذي لب , وهو البعث . | ولما ~~كان أقعد ما يهددون به في هذه السورة وأنسبه لمقصودها عاد لكونهم أقوى ~~الناس أبدانا وأعتاهم رقابا وأشدهم قلوبا وأوسعهم ملكا وأعظمهم استكبارا ~~بحيث كانوا يقولون { من أشد منا قوة } وبنوا البنيان الذي يفني الدهر ولا ~~يفنى , فلا يعمله إلا من نسي الموت أو رجا الخلود واصطنعوا جنة على وجه ~~الأرض لأن ملكهم عمها كلها مع قرب بلادهم لكونها في بلاد العرب من قريش ~~ومعرفتهم PageV07P133 بأخبارهم ورؤيتهم لديارهم وكون عذابهم نشأ من بلدهم ~~بدعاء من دعا منهم , ذكر أمرهم على وجه دل على مقصود السورة , وعبر بالأخوة ~~تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم لأن فظيعة القوم لمن هو منهم ويعلمون ~~مناقبه ومفاخره أنكأ فقال : { أخا عاد } وهو أخو هود عليه الصلاة والسلام ~~الذي كان بين قوم لا يعشرهم قومك في قوة ولا مكنة , وصدعهم مع ذلك بمر الحق ~~وبادأهم بأمر الله , لم يخف عاقبتهم ونجيته منهم , فهو لك قدوة وفيه أسوة , ~~ولوقومك في قصدهم إياك بالأذى من أمره موعظة . | ولما ذكره عليه الصلاة ~~والسلام لمثل هذه المقاصد الجليلة , أبدل منه قصته زيادة في البيان , فقال ~~مبينا أن الإنذار هو المقصد الأعظم من الرسالة : { إذ } أي حين { أنذر قومه ~~} أي الذين لهم قوة زائدة على القيام فيما يحاولونه { بالأحقاف } قال ~~الأصبهاني : قال ابن عباس : واد بين عمان ومهرة , قال : وقال مقاتل : كانت ~~منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له مهرة , إليه ينسب الإبل المهرية ~~, وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع , فإذاهاج العود ms4783 رجعوا إلى منازلهم , ~~وكانوا من قبيلة إرم . | وقال قتادة : كانوا مشرفين على البحر بأرض يقال ~~لها الشجر , والأحقاف جمع حقف بالكسر , وهو رمل الربيع , فإذا هاج العود ~~رجعوا إلى منازله , وكانوا من قبيلة إرم . | وقال قتادة : كانوا مستطيل ~~مرتفع فيه انحناء , وقال ابن زيد : هو ما استطال من الرمل كهيئة الجبل ولم ~~يبلغ أن يكون جبلا , وقال في القاموس : وهو الرمل العظيم المستدير , وأصل ~~الرمل , واحقوقف الرمل والظهر والهلال : طال واعوج . | ومن الأمر الجلي أن ~~هذه الهيئة لا تكون في بلاد الريح بها غالبة شديدة لأنه لو كان ذلك انسف ~~الجبل نسفا بخلاف بلاده الجبال كمكة المشرفة , فإن الريح تكون بها غاية في ~~الشدة لأنها إما أن تصك الجبل فتنعكس راجعة بقوة شديدة , أو يكون هناك جبال ~~فتراد بينها أو تنضغط فتخرج مما تجد من الفروج على هيئة مزعجة فينبغي أن ~~يكون أهل الجبال أشد من ذلك حذرا . | ولما ذكر النذير والمنذرين ومكانهم ~~لما ذكر من المقاصد , ذكر أنهم أعرضوا عنه ولم يكن بدعا من الرسل ولا كان ~~قومه جاهلين بأحوالهم , فاستحقوا العذاب تحذيرا من مثل حالهم , فقال : { ~~وقد } أي والحال أنه قد { خلت } أي مرت ومضت وماتت { النذر } أي الرسل ~~الكثيرون الذين محط أمرهم الإنذار . | ولما لم يكن إرسالهم بالفعل مستغرقا ~~لجميع الأزمنة , أدخل الجار فقال : { من بين يديه } أي قبله كنوح وشيث وآدم ~~عليه الصلاة والسلام فما كان بدعا منها { ومن خلفه } أي الذين أتوا من بعده ~~فما كنت أنت بدعا منهم . | ولما أشار إلى كثرة الرسل , ذكر وحدتهم في أصل ~~الدعاء , فقال مفسرا للإنذار معبرا بالنهي : { ألا تعبدوا } أي أيها العباد ~~المنذرون , بوجه من الوجوه , شيئا من الأشياء { إلا الله } الملك الذي لا ~~ملك PageV07P134 غيره ولا خالق سواه ولا منعم إلا هو , فإني أراكم تشركون ~~به من لم يشركه في شيء من تدبيركم , والملك لا يقر على مثل هذا . | ولما ~~أمرهم ونهاهم , علل ذلك فقال محذرا لهم من العذاب مؤكدا لما لهم من الإنكار ~~لاعتمادهم على قوة ms4784 أبدانهم وعظيم شأنهم : { إني أخاف عليكم } لكونكم قومي ~~وأعز الناس علي { عذاب يوم عظيم * } لا يدع جهة إلا ملأها عذابه , إن ~~أصررتم على ما أنتم فيه من الشرك . | < < # | الأحقاف : ( 22 - 25 ) قالوا أجئتنا لتأفكنا . . . . . # > > ^ ( قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من ~~الصادقين * قال إنما العلم عند الله وأبلغكم مآ أرسلت به ولكني أراكم قوما ~~تجهلون * فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما ~~استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى ~~إلا مساكنهم كذلك نجزي القوم المجرمين ) ^ } ) | ولما تشوف السامع إلى ~~جوابهم عن هذه الحكمة , أجيب بقوله تعالى : { قالوا } أي منكرين عليه : { ~~أجئتنا } أي يا هود { لتأفكنا } أي تصرفنا عن وجه أمرنا إلى قفاه { عن ~~آلهتنا } فلا نعبدها ولا نعتد بها . | ولما كان معنى الإنكار النفي , فكان ~~المعنى : إنا لا ننصرف عنها , سببوا عنه قولهم { فأتنا بما تعدنا } سموا ~~الوعيد وعدا استهزاء به . | ولما كان ذلك معناه تكذيبه , زادوه وضوحا ~~بقولهم معبرين بأداة الشك إشارة إلى أن صدقه في ذلك من فرض المحال : { إن ~~كنت } أي كما يقال عنك . | كونا ثابتا { من الصادقين * } في أنك رسول من ~~الله وأنه يأتينا بما تخافه علينا من العذاب إن أصررنا . | ولما تضمن قولهم ~~هذا نسبة داعيهم عليه الصلاة والسلام إلى ما لا دلالة لكلامه عليه بوجه , ~~وهو ادعاء العلم بعذابهم والقدرة عليه وتكذبيه في كل منهما اللازم منه ~~أمنهم اللازم منه ادعاؤهم العلم بأنهم لا يعذبون , وكانوا كاذبين في جميع ~~ذلك كان كأنه قيل : بم أجابهم ؟ فقيل : { قال } مصدقا لهم في سلب علمه بذلك ~~وقدرته عليه , مكذبا لهم في نسبتهم إليه ادعاء شيء منهما وإلى أنفسهم بأنه ~~لا يقع : { إنما العلم } أي المحيط بكل شيء عذابكم وغيره { عند الله } أي ~~المحيط بجميع صفات الكمال , فهو ينزل علم ما توعدون على من يشاء إن شاء ~~ولاعلم لي الآن ولا لكم بشيء من ذلك ولا قدرة . | ولما كان العلم المحيط ~~يستلزم ms4785 القدرة , فكان التقدير : فليست القدرة على الإتيان بعذابكم إلا له ~~سبحانه وتعالى لا لي ولا لغيري , وليس علي إلا البلاغ كما أوحى إلي ربي ~~بقوله سبحانه ^ ( { إن عليك إلا البلاغ } ) ^ [ الشورى : 48 ] وقد أبلغتكم ~~ما أرسلت به PageV07P135 إليكم من الوعظ بأن أعمالكم أعمال من قد أعرض عن ~~سيده وعرض نفسه للهلاك والعذاب بإشراكه بالمحسن المطلق من لا يكافئه بوجه ~~فهو يحث يخشى عليه الأخذ , عطف عليه قوله : { وأبلغكم } أي أيضا في الحال ~~والاستقبال { ما أرسلت } أي ممن لا مرسل في الحقيقة غيره , فإنه يقدر على ~~نصر رسوله { به } أي من التوحيد وغيره , سواء كان وعدا أو وعيدا أو غيرهما ~~لو لم يذكر الغاية لأن ما أرسل به صالح لهم ولغيرهم . | ولما كان معنى ~~الإخبار بالإبلاغ أنه ليس علي إلا ذلك , وكان معنى قصر العلم المطلق على ~~الله تصديقهم في نفي علمه عليه الصلاة والسلام بذلك , حسن قوله مستدركا ~~علمه بجهلهم : { ولكني أراكم } أي أعلمكم علما هو كالرؤية { قوما } غلاظا ~~شدادا عاسين { تجهلون * } أي بكم مع ذلك صفة الجهل , وهو الغلظة في غير ~~موضعها مع قلة العلم , تجددون لك على سبيل الاستمرار بسبب أنكم تفعلون ~~بإشراككم بالمحسن المطلق وهو الملك الأعظم من لا إحسان له بوجه أفعال من ~~يستحق العذاب ثم لا تجوزون وقوعه وتكذبون من ينبهكم على أن ذلك أمر يحق أن ~~يحترز منه , وتنسبونه إلى غير ما أرسل له من الإنذار من ادعاء القدرة على ~~العذاب ونحوه . | ولما تسبب عن قولهم هذا إتيان العذاب فأتاهم في سحاب أسود ~~, استمروا على جهلهم وعادتهم في الأمرن وعدم تجويز الانتقام , وكأن إتيانه ~~كان قريبا من استعجالهم به , فلذلك أتى بالفاء في قوله مسببا عن تكذيبهم ~~مبينا لعظيم جهلهم بجهلهم في المحسوسات , مفصلا لما كان من حالهم عند رؤية ~~البأس : { فملا رأوه } أي العذاب الذي يعدهم به { عارضا } أي سحابا أسود ~~بارزا في الأفق ظاهر الأمر عند من له أهلية النظر , حال كونه قاصدا لعارضا ~~فهو نكرة إضافته لفظية وإن كان مضافا إلى ms4786 معرفة , وكذا ( ممطرنا ) { قالوا ~~} علىعادة جهلهم مشيرين إليه بأداة القرب الدالة على أنهم في غاية الجهل , ~~لأن جهلهم به استمر حتى كاد أن يواقعهم : { هذا عارض } أي سحاب معترض في ~~عرض السماء أي ناحيتها { ممطرنا } لكونهم رأوه أسود مرتادا فظنوه ممتلئا ~~ماء يغاثون به بعد طول القحط وإرسال رسلهم إلى مكة المشرفة ليدعوا لهم ~~هنالك الله الذي استخفوا به بالقدح في ملكه بأن أشركوا به من هو دونهم , ~~علما منهم بأن شركاءهم لا تغني عنهم في الإمطار شيئا , غافلين عن ذنوبهم ~~الموجبة لعذابهم , فلذلك قال الله تعالى مضربا عن كلامهم , والظاهر أنه ~~حكاية لقول هود عليه الصلاة والسلام في جواب كلامهم : { بل هو } أي هذا ~~العارض الذي ترونه { ما استعجلتم به } أي طلتم العجلة في إتيانه إليكم من ~~العذاب . | PageV07P136 ولما اشتد تشوف السامع إلى معرفته قال : { ريح } أي ~~ركمت هذا السحاب الذي رأيتموه { فيهاعذاب أليم * } أي شديد الإيلام , كانت ~~تحمل الظعينة في الجو تحملها وهودجها حى ترى كأنها جرادة , وكانوا يرون ما ~~كان خارجا عن منازلهم من الناس والمواشي تطير بهم الريح بين السماء والأرض ~~ثم تقذف بهم { تدمر } أي تهلك إهلاكا عظيما شديدا سريعا تأتي بغتة على طريق ~~الهجوم { كل شيء } أي أتت عليه , هذا شأنها فمن سلم منها كهود عليه الصلاة ~~والسلام ومن آمن به رضي الله عنهم فسلامته أمر خارق للعادة كما أن أمرها في ~~إهلاك كل ما مرت عليه أمر خارق للعادة , والجملتان يحتمل أن تكونا وصفا ~~لريح ويحتمل وهو أعذب وأهز للنفس وأعجب أن تكونا استئنافا , ولما كان ربما ~~ظن ظان أنها مؤثرة بنفسها قال : { بأمر ربها } أي المبدع لها والمربي ~~والمحسن بالانتقام بها من أعدائه . | ولما ذكرها بهذا الذكر الهائل , وكان ~~التقدير : جاءتهم فدمرتهم لم تترك منهم أحدا , سبب عن ذلك زيادة في التهويل ~~قوله : { فأصبحوا } ولما اشتد إصغاء السامع إلى كيفية إصباحهم , قال مترجما ~~لهلاكهم : { لا ترى } أي أيها الرائي , فلما عظمت روعة القلب وهول النفس ~~قال تعالى : { إلا مساكنهم } أي جزاء على ms4787 إجرامهم , فانطبقت العبارة على ~~المعنى , وعلم أن المراد بالإصباح مطلق الكون , ولكنه عبر به لأن المصيبة ~~فيه أعظم , وعلم أنه لم يبق من المكذبين ديار ولا نافخ نار , وهذا كناية عن ~~عموم الهلاك لهم سواء كان الرمل دفنهم أو على وجه الأرض مرتبين كما في ~~الآية الأخرى < # > 77 ( { فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية } ) 77 < # > [ الحاقة : 7 ] وروي أن هودا عليه الصلاة والسلام لما أحس بالريح اعتزل ~~بمن آمن معه في حظيرة فأمالت الريح على الكفرة الأحقاف التي كانت مجتمعهم ~~إذا تحدثوا ومحل بسطهم إذا لعبوا , فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام , ~~ثم كشفت عنهم فاحتملتهم فقذفتهم في البحر وكذا أهلكت مواشيهم وكل شيء لهم ~~فيه روح ولم يصب هودا عليه الصلاة والسلام ومن معه رضي الله عنهم منها إلا ~~ما لين أبشارهم ونعش أرواحهم , والآية على هذا على حقيقتها في أنه لم يصبح ~~الصباح ومنهم أحد يرى . | ولما طارت لهذا الهول الأفئدة واندهشت الألباب , ~~قال تعالى منبها على زبدة المراد بطريق الاستئناف : { كذلك } أي مثل هذا ~~الجزواء الهائل في أصله أو جنسه أو نوعه أو شخصه من الإهلاك { نجزي } ~~بعظمتنا دائما إذا شئنا { القوم } وإن كانوا أقوى ما يكون { المجرمين * } ~~أي العريقين في الإجرام الذين يقطعون ما حقه الوصل فيصلون ما حقه القطع , ~~وذلك الجزاء هو الإهلاك على هذا الوجه الشنيع , فاحذروا أيها العرب مثل ذلك ~~إن لم ترجعوا . | PageV07P137 < < # | الأحقاف : ( 26 - 29 ) ولقد مكناهم فيما . . . . . # > > ^ ( ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة ~~فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات ~~الله وحاق به ما كانوا به يستهزئون * ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا ~~الآيات لعلهم يرجعون * فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة ~~بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون * وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن ~~يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ) ~~^ } ) | لما كان هذا محلا يتوقع ms4788 فيه الإخبار عن حال مكنتهم ليعلم هل تركوا ~~الدفع لمانع فيهم أو لأن ما أتاهم بحيث لا يمكن لأحد دفاعه , قال ذاكرا حرف ~~التوقع مخوفا للعرب مقسما لأن قريشا قد قال قائلهم : إنهم يدفعون العذاب ~~بدفع الزبانية , ونحوها : { ولقد } أي فعل بهم ذلك والحال أنا وعزتنا قد { ~~مكناهم } تمكينا تظهر به عظمتنا { فيما إن } أي الذي ما { مكناكم فيه } من ~~قوة الأبداء وكثرة الأموال وغيرها , وجعل النافي ( أن ) لأنها أبلغ من ( ما ~~) لأن ( ما ) تنفي تمام الفوت لتركبها من الميم والألف التي حقيقة إدراكها ~~فوت تمام الإدراك و ( أن ) تنفي أدنى مظاهر مدخولها فكيف بما وراءه من ~~تمامه لأن الهمزة أول مظهر لفوت الألف والنون لمطلق الإظهار - هذا إلى ما ~~في ذلك من عذوبة اللفظ وصونه عن ثقل التكرار إلى غير ذلك من بدائع الأسرار ~~. | ولما كانت قريش تفتخر بعقولها فرمبا ظنت أنها فيالعقل ومقدماته من ~~الحواس أمكن منهم , وأنهم ما أتى عليهم إلا من عدم فيهمهم , قال تعالى : { ~~وجعلنا } أي جعلا يليق بما ( زدناهم عليكم ) من المكنة على ما اقتضته ~~عظمتنا { لهم سمعا } بدأ به لأن المقام للإنذار المنبه بحاسة السمع على ما ~~في الآيات المرئيات من المواعظ , المرئيات من مطابقة واقعها لأخبار السمع , ~~وجمع لكثرة التفاوت في أنوار الأبصار , وكذا في قوله : { وأفئدة } أي قلوبا ~~ليعرفوا بها الحق فيتبعوه والباطل فيجتنبوه ويشكروا من وهبها لهم , وختم ~~بها لأنها الغاية التي ليس بعد الإدراك منتهى ولا وراءها مرمى , وعبر بما ~~هو من التفود وهو التجرد إشارة إلى أنها في غاية الذكاء { فما أغنى عنهم } ~~في حال إرسالنا إليهم الرحمة على لسان نبينا هود عليه الصلاة واسلام ثم ~~النقمة بيد الريح { سمعهم } وأكد النفي بتكرير النافي فقال : { ولا أبصارهم ~~} وكذا في قوله : { ولا أفئدتهم } أي لما أردنا إهلاكهم , وأكد بإثبات ~~الجار فقال : { من شيء } أي من الإغناء , وإن قل لا في دفع العذاب , ولا في ~~معرفة الصواب , بل صرفوا ما وهبنا لهم من القوى فيما لا ينبعي PageV07P138 ~~تعليق الهمم به ms4789 من أمور الدنيا حتى فاقوا في ذلك الأمم وعملوا أعمال من ~~تخلد كما قيل : | والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا | ولما ذكر نفي الإناء , ~~ذكر ظفره على وجه يفهم التعليل , فإنه إذا ذكر الانتقام في وقت فعل الشيء ~~علم أن علته فعل ذلك الشيء فقال : { إذ كانوا } أي طبعا لهم وخلقا { يجحدون ~~} أي يكررون على مر الزمان الجحد { بآيات الله } أي الإنكار لما يعرف من ~~دلائل الملك الأعظم { وحاق } أي أحاط على جهة الأحراق والعظم بأمور لكونه ~~خلقا وجه المخلص منها { بهم ما } أي عقاب الذي { كانوا } على جهة الدوام ~~لكونه خلقا لهم { به يستهزءون * } أي يوجدونه على سبيل الاستمرار إيجاد من ~~هو طالب له عاشق فيه . | ولما تم المراد من الإخبار بهلاكهم على ما لهم من ~~المكنة العظيمة ليتعظ بهم من سمع أمرهم , أتبعهم من كان مشاركا لهم في ~~التكذيب فشاركهم في الهلاك , فقال مكررا لتخويفهم دالا على إحاطة قدرته ~~بإحاطة علمه , { ولقد أهلكنا } بما لنا من العظمة والقدرة المحيطتين ~~الماضيتين بكل ما نريد { ما حولكم } أي يا أهل مكة { من القرى } كأهل الحجر ~~وسبا ومدين والأيكة وقوم لوط وفرعون وأصحاب الرس وثمود وغيرهم ممن فيهم ~~معتبر , ولما كان الموعوظ به الإهلاك ذكر مقدما , فتشوف السامع إلى السؤال ~~عن حالهم في الآيات فقال عاطفا بالواو التي لا يمنع معوطفها التقدم على ما ~~عطف عليه : { وصرفنا الآيات } أي حولنا الحجج البينات وكررناها موصلة مفصلة ~~مزينة محسنة على وجوه شتى من الدلالات , خالصة عن كل شبهة . | ولما كان ~~تصريف الآيات لا يخص أحدا بعينه , بل هو لكل من رآه أو سمع به لم يقيدها ~~بهم وذكر العلة الشاملة لغيرهم فقال : { لعلهم } أي الكفار { يرجعون * } أي ~~ليكونوا عند من يعرف حالهم في رؤية الآيات حال من يرجع عن الغي الذي كان ~~يركبه لتقليد أو شبهة كشفته الآيات وفضحته الدلالات فلم يرجعوا , فكان عدم ~~رجوعهم سبب إهلاكنا لهم . | ولما كانوا قد جعلوا محط الهم في الشركاء أنهم ~~سبب التواصل بينهم والتفاوت , وادعوا أنهم ms4790 يشفعون فيهم فيقربونهم إلى الله ~~زلفى ويمنعونهم من العذاب في الآخرة , وكان أددنى الأمور التسوية بينه وبين ~~عذاب الدنيا , سبب عن أخباره عن إهلاك الأمم الماضية قوله مقدما للعلة التي ~~جعلها محط نظرهم منكرا عليهم موبخا لهم : PageV07P139 { فلولا } أي فهل لا ~~ولم لا { نصرهم } أي هؤلاء المهلكين { الذين اتخذوا } أي اجتهدوا في صرف ~~أنفسهم عن دواعي العقل والفطر الأولى حتى أخذوا , وأشار إلى قلة عقولهم ~~ببيان سفولهم فقال : { من دون الله } أي الملك الذي هو أعظم من كل عظيم { ~~قربانا } أي لأجل القربة التقريب العظيم يتقربون إليها ويزعمون أنها تقربهم ~~إلى الله { آلهة } أشركوهم مع الملك الأعظم لأجل ذلك - قاتلهم الله وأخزاهم ~~. | ولما كان التخصيص يفهم أنهم ما نصروهم , أضرب عنه فقال : { بل ضلوا } ~~أي غابوا وعموا عن الطريق الأقوم وبعدوا { عنهم } وقت بروك النقمة وقروع ~~المثلة حسا ومعنى . | ولما كان التقدير : فذلك الاتخاذ الذي أدتهم إليه ~~عقولهم السافل جدا البعيد من الصواب كان الموصل إلى مآلهم هذا , عطف عليه ~~قوله : { وذلك } أي الضلال البعيد من السداد الذي تحصل من هذه القصة من ~~إخلاف ما كانوا يقولون : إن أثوانهم آلهة , وإنها تضر وتنفع وتقربهم إلى ~~الله وتشفع لهم عنده { إفكهم } أي صرفهم الأمور عن وجهها إلى أقفائها , ~~ويجوز أن تكون الإشارة إلى العذاب , أي وهذا العذاب جزاؤهم في مقابلة إفكهم ~~{ وما كانوا } أي على وجه الدوام لكونه في طباعهم { يفترون * } أي يتعمدون ~~كذبه لأن إصرارهم عليه بعد مجيء الآيات لا يكون إلا لذلك لأن من نظر فيها ~~مجردا نفسه عن الهوى اهتدى . | ولما كان ما ذكر من البعد من الإيمان ~~معتصريف العظات والعبر والآيات يكاد أن يؤنس السامع من إيمان هؤلاء ~~المدعوين , قربه دلالة على عزته وحكمته بالتذكير بالإيمان من هم أعلى منهم ~~عتوا وأشد نفرة وأبعد إجابة وأخفى شخصا , فقال جوابا عما وقع له صلى الله ~~عليه وسلم في عرض نفسه الشريفة على القبائل وإبعادهم عنه لا سيما أهل ~~الطائف , دالا على تمام القدرة بشارة للمنزل عليه صلى الله ms4791 عليه وسلم ~~وتوبيخا لما تأخر عن إجابته من قومه عاطفا على ما تقدره : اذكر هذه الأخبار ~~: { وإذ } أي واذكر حين { صرفنا إليك } أي وجهنا توجيها خالصا حسنا متقنا ~~فيه ميل إليك وإقبال عليك , وإعراض عن غيرك , بوادي نخلة عند انصرافك من ~~الطائف حين عرضت نفسك الشريفة عليهم بعد موت النصيرين فردوك ردا تكاد تنشق ~~منه المرائر , وتسل من تذكاره النواظر . | ولما كان استعطاف من جل على ~~النفرة وإظهار من بني على الاجتنان أعظم في النعمة , عبر بما يدل على ذلك ~~فقال : { نفرا } وهو اسم يطلق على ما دون العشرة , وهو المراد هنا , ويطلق ~~على الناس كلهم , وحسن التعبير به أن هؤلاء لما خصوا بشرف السبق وحسن ~~المتابعة كانوا كأنهم هم النفر لا غيرهم { من الجن } من أهل نصيبين من ~~الناحسة التي منها عداس الذي جبرناك به في الطائف بما شهد به لسيديه عتبة ~~وشيبة ابني PageV07P140 ربيعة أنك خير أهل الأرض مع أنه ليس لهؤلاء النفر ~~من جبلاتهم إلا لنفرة والاجتنان وهو الاختفاء والستر فعلناهم ألفين لك ~~ظاهرين عندك لتبلغهم ما أرسلناك به فإنا أرسلناك إلى جميع الخلائق , وهذا ~~جبر لك وبشارة بإيمان النافرين من الإنس كما أيدناك منهم بعد نفرة أهل ~~الطائف بعداس , ثم وسفهم بقوله : { يستمعون القرآن } أي يطلبون سماع الذكر ~~الجامع لكل خير , الفارق بين كل ملبس وأنت في صلاة الفجر في نخلة تصلي ~~بأصحابك , ودل على قرب زمن الصرف من زمن الحضور بتعبيره سبحانه بالفاء في ~~قوله تعالى مفصلا لحالهم : { فلما حضروه } أي صاروا بحيث يسمعونه { قالوا } ~~أي قال بعضهم ورضي الآخرون : { أنصتوا } أي اسكتوا وميلوا بكلياتكم ~~واستمعوا حفظا للأدب على بساط الخدمة , وفيه تأدب مع العلم في تعلمه وأيضا ~~مع معلمه , قال القشيري : فأهل الحضور صفتهم الذبول والسكون والهيبة ~~والوقار , والثورات والانزعاج يدل على غيبة أو قلة تيفظ ونقصان من الاطلاع ~~, ودل على أن ما استمعوه كان يسيرا وزنه قصيرا , وعلى تفصيل حالهم بعد ~~انقضائه بالفاء في قوله تعالى : { فلما } أي فأنصتوا فحين { قضي } أي حصل ms4792 ~~الفراغ من قراءته الدالة على عظمته من أي قارئ كان { ولوا } أي أوقعوا ~~التولية - أي القرب - بتوجيه الوجوه والهمم والعزائم { إلى قومهم } الذين ~~فيهم قوة القيام بما يحاولونه , ودل على حسن تقبلهم لما سمعوه ورسوخهم في ~~اعتقاده بقوله تعالى : { منذرين * } أي مخوفين لهم ومحذرين عواقب الضلال ~~بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~جعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم . | < < # | الأحقاف : ( 30 - 32 ) قالوا يا قومنا . . . . . # > > ^ ( قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين ~~يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم * يقومنآ أجيبوا داعي الله وآمنوا به ~~يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم * ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز ~~في الأرض وليس له من دونه أوليآء أولئك في ضلال مبين ) ^ } ) # ولما كان كأنه قيل : ما قالوا لهم في إنذارهم ؟ قيل : { قالوا } أي ~~لقومهم حين أقبلوا عليهم { يا قومنا } مترفقين لهم ومشفقين بهم بذكر ما يدل ~~على أنهم منهم يهمهم ما يهمهم ويكربهم كما قيل : # % وإن أخاك الحق من كان معك % % ومن يضر نفسه لينفعك % % ولما كانوا - ~~بنزول ما ف يأسفار الأنبياء من بني إسرائيل والزبور والإنجيل خالية من ~~الأحكام والحدود إلا يسيرا من ذلك في الإنجيل - قاطعين أو كالقاطعين بأنه ~~لا ينزل PageV07P141 كتاب يناظر التوراة في الأحكام والحدود ، وغيرها فكان ~~قومهم ربما توقفوا في الإخبار بإنزال ما هو أشرف من ذلك ، أكدوا قولهم { ~~إنا سمعنا } أي بيننا وبين القارئ واسطة ، وأشاروا إلى أنه لم ينزل بعد ~~التوراة شيء جامع لجميع الشرائع فقالوا على سبيل التبين لما سمعوا : { ~~كتابا } أي ذكرا جامعا ، لا كما نزل بعد التوراة على بني إسرائيل { أنزل } ~~أي ممن لا منزل في الحقيقة غيره ، وهو مالك الملك وملك الملوك لأن عليه من ~~روق الكتب الإلهية ما يوجب القطع لسامعه بأنه منها فكيف إذا انضم إلى ذلك ~~الإعجاز ، وعلموا قطعا بعربيته أنه عربي وبأنهم كانوا يضربون مشارق الأرض ~~ومغاربها ويسمعون قراءة ms4793 الناس لما يحدثونه من الحكم والخطب والكهانة ~~والرسائل والأشعار ، وبأنه مباين لجميع ذلك أنه قريب العهد بالنزول من محل ~~العظمة ، فقالوا مثبتين للجاز : { من بعد موسى } عليه الصلاة والسلام ، فلم ~~يعتدوا بما أنزل بين هذا الكتاب وبين التوراة من الإنجيل وما قبله ، لأنه ~~لا يساوي التوراة في الجمع ، ولا يعشر هذا الكتاب في الأحكام والحكم ~~واللطائف والمواعظ مع ما زاد به من الإعجاز وغيره . | ولما أخبروا بأنه ~~منزل ، أتبعوه ما يشهد له بالصحة فقالوا : { مصدقا لما بين يديه } أيس من ~~جميع كتب بني إسرائيل الإنجيل وما قبله ، ثم بينوا تصديقه بقولهم : { يهدي ~~إلى الحق } أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع فلا يقدر أحد على إزالة شيء ~~مما يخبر به ، الكامل في جميع ذلك { وإلى طريق } موصل إلى المقصود الأعظم ~~وهو الإيمان بمنزله { مستقيم * } فهو يوصل بغاية ما يمكن من السرعة , لا ~~يمكن أن يكون فيه عوج , فيقدر السالك فيه على أن يختصر طريقا يكون وترا لما ~~تقوس منه . | ولما أخبروهم بالكتاب وينوا أنه من عند الله وأنه أقرب موصل ~~إيه , فكان قومهم جديرين بأن يقولوا : فما الذي ينبغي أن نفعل ؟ أجابوهم ~~بقوله : { يا قومنا } الذين لهم قوة العلم والعمل { أجيبوا داعي الله } أي ~~الملك الأعظم المحيط بصفات الجلال والجمال والكمال , فإن دعوة هذا الداعي ~~عامة لجميع الخلق , فالإجابة واجبة على كل من بلغه أمره . | ولما كنا ~~المجيب قد يجيب في شيء دون شيء كما كان أبو طالب عم النبي صلى الله عليه ~~وسلم , عطفوا في خطابهم لهم في الدعوة أن قالوا : { وآمنوا به } أي أوقعوا ~~التصديق بسبب الداعي لا بسبب آخر , فإن المفعول معه مفعول مع من أرسله وهو ~~الله الذي جلت قدرته وآمنوه من كل تكذيب , أو الضمير للمضاف إليه وهو الله ~~بدليل قولهم : { يغفر لكم } : فإنه يستر ويسامح { من ذنوبكم } أي الشرك وما ~~شابهه مما هو حق لله PageV07P142 تعالى أي وذلك الستر لا يكون إلا إذا حصل ~~منكم الإجابة التامة والتصديق التام وأدخلوا ( من ) إعلاما بأن مظالم ~~العباد ms4794 لا تغفر إلا بإرضاء أهلها وكذا ما يجازى به صاحبه في الدنيا ~~بالعقوبات ولنكبات والهموم ونحوها مما أشار إيه قوله تعالى < # > 77 ( { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير } ) 77 < # > [ الشورى : 30 ] { ويجركم } أي يمنعكم ( إذاأجبتم ) منع الجار لجاره ~~لكونكم بالتحيز إلى داعيه صرتم من حزبه { من عذاب أليم * } واقتصارهم على ~~المغفرة تذكير بذنوبهم لأن مقصودهم الإنذار لا ينافي صريح قوله ي هذه ~~السورة < # > 77 ( { ولكل درجات مما عملوا } ) 77 < # > [ الأنعام : 132 ] في إثبات الثواب , ونقله أبو حيان عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال : لهم ثواب وعليهم عقاب يلتقون في الجنة ويزدحمون على ~~أبوابها . | ولما فرغوا من التعريف بالحق والدلالة عليه والدعاء إليه ~~والإنذار بالرفق بما أفهم كلامهم من أنهم إن لم يجيبوا انتقم منهم بالعذاب ~~الأليم , أتبعوه ما هو أغلظ إنذارا منه فقالوا : { ومن لا يجب } أي لا ~~يتجدد منه أن يجيب { داعي الله } أي الملك الأعظم المحيط بكل شيء الذي لا ~~كفوء له ولا طاقة لأحد بسخطه فعم بدعوة هذا الرسول صلى الله عليه وسلم جميع ~~الخلق . | ولما دل الكتاب والسنة كما قدمته في سورتي الأنعام والفرقان على ~~عموم الرسالة , وكان التارك لإجابة من عمت رسالته عاصيا مستحقا للعذاب , ~~عبر عن عذابه , بما دل على تحتمه فقال تعالى : { فليس بمعجز } أي لما يقضي ~~به عليه { في الأرض } فإنه آ ] ة سلك فيها فهو في ملكه وملكه وقدرته محيطة ~~به { وليس له من دونه } أي الله الذي لا يجير إلا هو { أولياء } يفعلون ~~لأجله ما يفعل القريب مع قريبه من الذب عنه والاستشفاع له والافتداء ~~والمناصبة لأجله . | ولما انتفى عنه الخلاص من كل وجه , وكان ذلك لا يختلف ~~سواء كان العاصي واحدا أو أكثر , أنتج قوله سبحانه وتعالى معبرا بالجمع ~~لأنه أدل على القدرة ودلالة على أن العصاة كثيرة لملاءمة المعاصي لأكثر ~~الطبائع : { أولائك } أي البعيدون من كل خير { في ضلال مبين * } أي ظاهر في ~~نفسه أنه ضلال , مظهر لكل أحد قبح إحاطتهم به , قال ms4795 القشيري : ويقال : ~~الإجابة على ضربين : إجابة الله , وإجابة الداعي , فإجابة الداعي بشهود ~~الواسطة وهو الرسول صلى الله عليه وسلم , وإجابة الله بالجهر إذا بلغت ~~المدعو رسالته صلى الله عليه وسلم على لسان السفير , وبالسر إذا حصلت ~~التعريفات من الواردات على القلب , فمستجيب بنفسه , ومستجيب بقلبه , و ~~مستجيب بروحه , ومستجيب بسره , ومن توقف عن دعاء الداعي إياه هجر فما كان ~~يخاطب به . | PageV07P143 < < # | الأحقاف : ( 33 - 35 ) أو لم يروا . . . . . # > > ^ ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن ~~بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير * ويوم يعرض الذين كفروا ~~على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون * فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم ~~يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون ) ^ } ) | ولما أتم سبحانه وتعالى ما اقتضاه مقصود هذه السورة من ~~أول الدين وفروعه والتحذير من سطواته بذكر بعض مثلاته , وختم بضلالة من لم ~~يجب الداعي , نبه على أن أوضح الأدلة على إحاطته بالجلا والجمال وقدرته على ~~الأجل المسمى الذي خلق الخلق لأجله ما جلى به مطلع السورة من إبداع ~~الخافقين وما فيهما من الآيات الظاهرة للأذن والعين , فقال مبكتا لهم على ~~ضلالهم عن إجابة الداعي ومنكرا عليهم وموبخا لهم مرشدا بالعطف على غير ~~مذكور إلى أن التقدير : ألم ير هؤلاء الضلال ما نصبنا في هذه السورة من ~~أعلام الدلائل وواضح الرسائيل في المقاصد والوسائل , عطفا عليه قوله تعالى ~~ردا لمقطع السورة بتقرير المعاد على مطلعها المقرر للبدء بخلق الكونين ~~بالحق : { أو لم يروا } أي يعلموا علما هو في الوضوح كالرؤية { أن الله } ~~ودل على هذا الاسم الأعظم بقوله : { الذي خلق السموات } على ما احتوت عليه ~~مما يعجز الوصف من العبر { والأرض } على ما اشتملت عليه من الآيات المدركة ~~بالعيان والخبر { ولم يعي } أي يعجز , يقال : عيي بالأمر - إذ لم يهتد لوجه ~~مراده أو عجز عنه ولم ms4796 يطق إحكامه , قال الزجاج : يقال : عييت بالأمر - إذ ~~لم تعرف وجهه , وأعييت : تعبت , وفي القاموس : وأعيى بالأمر : كل { بخلقهن ~~} أي بسببه فإنه لو حصل له شيء من ذلك لأدى إلى نقصان فيهما أو في إحدهما , ~~وأكد الإنكار المتضمن للنفي بزيادة الجار في حيز ( إن ) فقال تعالى : { ~~بقادر } أي قدرة عظيمة تامة بليغة { على أن يحيي } أي على سبيل التجديد ~~مستمرا { الموتى } والأمر فيهم لكونه إعادة ولكونهم جزاء يسيرا منها ذكر ~~اختراعه أصغر شأنا وأسهل صنعا . | ولما كان هذا الاستفهام الإنكاري في معنى ~~النفي , أجابه بقوله تعالى { بلى } قد علموا أنه قادر على ذلك علما هو في ~~إتقانه كالرؤية بالبصر لأنهم يعلمون أنه المخترع لذلك , وأن الإعادة أهون ~~من الابتداء في مجاري عاداتهم , ولكنهم عن ذلك , غافلون لأنهم عنه معرضون , ~~ولما كانوا مع هذه الأدلة الواضحة التي هي أعظم من المشاهدة بالبصر ينكرون ~~ما دلت عليه هذه الصنعة من إحاطة القدرة , علل ذلك مؤكدا له بقوله مقررا ~~للقدرة على وجه عام يدخل فيه البعث الذي ذكر أول السورة أنه ما خلق هذا ~~PageV07P144 الخلق إلا لأجله ليختم بما بدأ به { إنه على كل شيء } أي هو ~~أهل لأن تتعلق القدرة به { قدير * } . | ولما ثبت البعث بما قام من الدلائل ~~ذكر ببعض ما يحصل في يومه من الأهوال تحذيرا منه , فقال عاطفا على ما ~~تقديره : اذكر لهم هذا القياس الناطق بالمراد وما مضى في هذه السورة من ~~الزواجر { ويوم } أي واذكر يوم { يعرض } بأيسر أمر من أوامرنا { الذين ~~كفروا } أي ستروا بغفلتهم وتماديهم عليه هذه الأدلة الظاهرة { على النار } ~~عرض الجند على الملك فيسمعوا من تغيظها وزفيرها ويروا من لهيبها واضطرامها ~~وسعيرها ما لو قدر أن أحدا يموت من ذلك لماتوا من معاينته وهائل رؤيته . | ~~ولما كان كأنه قيل : ماذا يصنع بهم في حال عرضهم ؟ قيل : يقال على سبيل ~~التبكيت والتقريع ولتوبيخ : { أليس هذا } أي الأمر العظيم الذي كنتم به ~~توعدون ولرسلنا في أخبارهم تكذبون { بالحق } أي الأمر الثابت الذي يطابقه ~~الواقع , فلا ms4797 قدرة لكم على صليه أمر هو خيال وسحر , فلا تبالون بوروده . | ~~ولما اشتد تشوف السمامع العالم بما كانوا يبدون من الشماخة والعتو إلى ~~جوابهم , قال في جوابه مستأنفا : { قالوا } أي مصدقين حيث لا ينفع التصديق ~~: { بلى } وما كفاهم البدار إلى تكذيب أنفسهم حتى أقسموا عليه لأن حالهم ~~كان مباعدا للإقرار , وذكروا صفة الإحسان زيادة في الخضوع والإذعان { وربنا ~~} أي إنه لحق هو من أثبت الأشياء , وليس فيه شيء مما يقارب السحر , ثم ~~استأنف جواب من سأل عن جوابه لهم بقوله تعالى : { قال } مبكتا لهم بيانا ~~لذلهم موضع كبرهم الذي كان في الدنيا مسببا عن تصديقهم هذا الذي أوقعوه في ~~غير موضعه وجعلوه في دار العمل التي مبناها على الإيمان بالغيب تكذيبا ~~معبرا بما يفهم غاية الاستهانة لهم : { فذوقوا العذاب } أي باشروه مباشرة ~~الذائق باللسان ثم صرح بالسبب فقال : { بما كنتم } أي خلقا وخلقا مستمرا ~~دائما أبدا { تكفرون * } في دار العمل . | ولما علم بما قام من الأدلة ~~وانتصب من القواطع أن هذا مآلهم , سبب عنه قوله ردا على ما بعد خلق ~~الخافقين في مطلعها من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ونسبتهم له إلى ~~الافتراء وما بعد : { فاصبر } أي على مشاق ما ترى في تبليغ الرسالة , قال ~~القشيري : والصبر هو الوقوف بحكم الله والثبات من غير بث ولا استكراه . | { ~~كما صبر أولوا العزم } أي الجد في الأمر والجحزم في الجد والإرادة والمقطوع ~~بها والثبات الذي لا محيد عنه , الذين مضوا في أمر الله مضيا كأنهم أقسموا ~~عليه فصاروا كالأسد في جبلته والرجل الشديد PageV07P145 الشجاع المحفوف ~~بقبيلته , قال الرازي في اللوامع : فارقت نفوسهم الشهوات والمنى فبذلوا ~~نفوسهم لله صدقا لاتفاق النفس القلب على البذل . | ولما تشوف السامع إلى ~~بيانهم قال : { من الرسل } عليهم الصلاة والسلام , وقيل وهو ظاهر جدا : أن ~~( من ) للتبعيض , والمراد بهم أصحاب الشرائع الذين اجتهدوا في تأسيس ~~قواعدها وتثبيت معاقدها , ومشاهيرهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله ~~وسلامه عليهم أجمعين وقد نظمهم بعضهم في قوله : | أولو العزم نوح والخليل ms4798 ~~بن آزر وموسى وعيسى والحبيب محمد | والخلاف في تعيينهم كثير منتشر هذا ~~القول أشهر ما فيه , وكله مبني على أن ( من ) للتبعيض وهو الظاهر , والقول ~~بأنهم جميع الرسل - قال ابن الجوزي - قاله ابن زيد واختاره ابن الأنباري ~~وقال : ( من ) للتجنيس لا للتبعيض , وفي قول أنهم جميع الأنبياء إلا يونس ~~عليه الصلاة والسلام - قال ابن الجوزي : حكاه الثعلبي . | ولما أمره بالصبر ~~الذي من أعلى الفضائل , نهاه عن العجلة التي هي من أمهات الرذائل , ليصح ~~التحلي بفضيلة الصبر الضامنة للفوز والنصر فقال : { ولا تستعجل لهم } أي ~~تطلب العجلة وتوجدها بأن تفعل شيئا مما يسوهم في غير حينه الأليق به . | ~~ولما كان ما أمر به ونهى عنه في غاية الصعوبة , سهله بقوله مستأنفا : { ~~كأنهم يوم يرون } أي في الدنيا عند الموت مثلا أو في الآخرة والتحذير منه ~~لأهل المعاصي والبشارة فيه لأهل الطاعة , فأما هذه الطائفة فإذا رأوا { ما ~~يوعدون } من ظهور الدين في الدنيا والبعث في الآخرة , وبناه للمفعول لأن ~~المنكىء هو الإيعاد لا كونه من معين { لم يلبثوا } أي في الدنيا حيث كانوا ~~عالين { إلا ساعة } . | ولما كانت الساعة قد يراد بها الجنس وقد تطلق على ~~الزمن الطويل , حقق أمرها وحقرها بقوله : { من نهار } ولما تكفل ما ذكر في ~~هذه السورة من الحجج الظاهرة . | والبراهين الباهرة ببيان ما هو مقصودها ~~بحيث لم يبق فيه لبس , وكان مقصودها آئلا إلى سورة إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام , وهو التوحيد اللام منه إحاطة العلم بكل شيء وشمول القدرة لكل شيء ~~ختمت بما ختمت به إبراهيم إلا أن لحواميم لبابا , حذف المبتدأ ومتعلق الخبر ~~وقيل : { بلاغ } أي هذا الذي ذكر هنا هو من الظهور وانتشار النور بحيث يرد ~~المنذرين ويوصلهم إلى رضى العزيز الحكيم الكافل بالنور الدائم والنعيم ~~المقيم , ومن لم يوصله فذلك الذي حكم العزيز بشقائه فلا حيلة لغيره في ~~شفائه من عظيم دائه , ولذلك سبب عن كونه بلاغا قوله زيادة على ختام إبراهيم ~~ما يناسب PageV07P146 مطلعها : { فهل يهلك } بني للمفعول من أهلك , لأن ~~المحذور ms4799 الهلاك وإن لم يعين المهلك , وللدالة على أن إهلاكهم عليه سبحانه ~~وتعالى يسير جدا { إلا القوم } الذين فيهم أهليه القيام بما يحاولنه من ~~اللدد { الفاسقون * } أي العريقون في إدامة الخروج من محيط ما يدعو إليه ~~هادي العقل والفطرة الأولى من الطاعة الآتي بها النقل إلى مضل المعصية ~~الناهي عنها واعقل , وأما الذين فسقوا والذين يفسقون فإن هادي هذه السورة ~~يردهم ويوصلهم إلى المقصود , فهذا الآخر نتيجة قوله أولها { والذين كفروا ~~عما أنذرووا معرضون } وذكر اليوم الموعود هو الأجل الذي أوجد الخافقان ~~لأجله وبسببه والدلالة على القدرة بخلقهما من غير إعياء هو ذكره أولهما ~~أنهما ما خلقا إلا بالحق . | وذكر البلاغ هو تنزيل الكتاب من الله وحكمه ~~على العريق بالفسق بالهلاك مع الهادي الشفيق ولغيره بالنجاة بعد انسيابه في ~~الفسق مع التكرر هو من ثمرات العزة والحكمة , فقد التحم هذا الآخر بذاك ~~الأول التي تليها أحسن التئام فسبحان من جعله أشرف الكلام , لكونه صفة ~~الملك العلام , منزلا على خاتم الرسل الكرام , ورسول - الملك العلام - صلى ~~الله عليه وعلى آله وأصحابه وأهل بيته الكرام وسلم تسليما كثيرا . | . . . ~~. | PageV07P147 < # > سورة محمد < # > < < # | محمد : ( 1 - 3 ) الذين كفروا وصدوا . . . . . # > > ^ ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم * والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم ~~سيئاتهم وأصلح بالهم * ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا ~~اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم ) ^ } ) | مقصودها ~~التقدم إلى المؤمنين في حفظ حظيرة الدين بإدامة الجهادة للكفار , حتى ~~يلزموهم الصغار , أو يبطلوا ضلالهم كما أصل الله أعمالهم , لا سيما أهل ~~الردة الذين فسقوا عن محيط الدين إلى أودية الضلال المبين , والتزام هذا ~~الخلق الشريف إلى أن تضع الحرب أوزارها بإسلام أهل الأرض كلهم بنزول عيسى ~~عليه الصلاة والسلام , وعلى ذلك دل اسمها { الذين كفروا } لأن من المعلوم ~~أن من صدك عن سبيلك قاتلته و أنك إن لم تقاتله كن مثله , واسمعها محمد واضح ~~في ذلك لأن الجهاد كان خلقه ms4800 عليه أفضل الصلاة والسلام إلى أن توفاه الله ~~تعالى وهو نبي الرحمة بالملحمة لأنه لا يكون حمد وثم نوع ذم كما تقدم ~~تحقيقه في سورة فاطر وفي سبإ وفي الفاتحة , ومتى كان كف عن أعداء الله كان ~~الذم , وأوضح أسمائها في هذا المقصد القتال , فإن من المعلوم أنه لأهل ~~الضلال { بسم الله } الملك الأعظم الذي أقام جنده للذب عن حماه { الرحمن } ~~الذي عمت رحمته تارة بالبيان وأخرى بالسيف والسنان { الرحيم * } الذي خص ~~حزبه بالحفظ في طريق الجنان . | لما أقام سبحانه الأدلة في الحواميم حتى ~~صارت كالشمس , لا يزيغ عنها إلا هالك , وختم بأنه يهلك بعد هذه الأدلة ~~القوم الفاسقون , افتتح هذه بالتعريف بهم فقال سبحانه وتعالى : { الذين ~~كفروا } أي ستروا أنوار الأدلة فضلوا على علم { وصدوا } أي امتنعوا بأنفسهم ~~ومنعوا غيرهم لعراقتهم في الكفر { عن سبيل الله } أي الطريق الرحب المستقيم ~~الذي شرعه الملك الأعظم { أضل } أي أبطل إبطالا عظيما يزيل العين والأثر ~~PageV07P148 { أعمالهم * } التي هي أرواحهم المعنوية وهي كل شيء يقصدون به ~~نفع أنفسهم من جلب نفع أو دفع ضر بعد أو وفر سيئاتهم وأفسد بالهم , ومن ~~جملة أعمالهم ما يكيدونكم بهل أنها إذا ضلت عما قصدوا بها بجعله سبحانه لها ~~ضالة ضائعة هلكت من جهة أنها ذهبت في المهالك ومن جهة أنها ذهبت في غير ~~الجهة التي قصدت لها فبطلت منفعتها المقصودة منها فصارت هي باطلة فأذهبوا ~~أنتم أرواحهم الحسية بأن تبطلوا صورهم وأشباحهم بأن تقطعوا أوصالهم وأنتم ~~في غاية الاجتراء عليهم , فإن ربهم الذي أوجدهم قد أبطلهم وأذن لكم في ~~إبطالهم , فإنه قد علم أن لا صلاح لهم والمؤذي طبعا يقتل شرعا , فمن قدرتم ~~على قتله فهو محكوم بكفره , محتوم بخيبته وخسره . | وقال الإمام أبو جعفر ~~بن الزبير : لما انبنت سورة الأحقاف على ما ذكر من مآل من كذب وافترى وكفر ~~وفجر , وافتتحت السورة بإعراضهم , ختمت بما قد تكرر من تقريعهم وتوبيخهم , ~~فقال تعالى : { ألم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن ~~بقادر على ms4801 أن يحيي الموتى } أي لو اعتبروا بالبداءة لتيسر عليهم أمر العودة ~~, ثم ذكر عرضهم على النار إلى قوله { فهل يهلك إلا القوم الفاسقون } فلما ~~ختم بذكر هلاكهم , اففتح السورة الأخرى بعاجل ذلك اللاحق لهم في دنياهم ~~فقال تعالى : { فإذا لقيتم الذين كفرا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا ~~الوثاق , فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها } الآية بعد ابتداء ~~السورة بقوله { الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم } فنبه على أن ~~أصل محنتهم إنما هو بما أراده تعالى بهم في سابق علمه ليعلم المؤمنون أن ~~الهدى والضلال بيده , فنبه على الطريقين بقوله { أضل أعمالهم } وقوله في ~~الآخر { كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم } ثم بين أنه تعالى لو شاء لانتصر ~~منهم ولكن أمر المؤمنين بقتالهم ابتلاء واختبارا , ثم حض المؤمنين على ما ~~أمرهم به من ذلك فقال : { إن تنصروا الله ينصركم } ثم التحمت الآي - انتهى ~~. | ولما ذكر أهل الكفر معبرا عنهم بأدنى طبقاتهم ليشمل من فوقهم , ذكر ~~أضدادهم كذلك ليعم من كان منهم من جميع الفرق فقال تعالى : { والذين آمنوا ~~} أي أقروا بالإيمان باللسان { وعملوا } تصديقا لدعواهم ذلك { الصالحات } ~~أي الأعمال الكاملة في الصلاة بتأسيسها على الإيمان . | ولما كان هذا الوصف ~~لا يخص أتباع محمد صلى الله عليه وسلم , خصهم بقوله تعالى : { وآمنوا } أي ~~مع ذلك . | ولما كان بعضهم كحيي بن أخطب ومن نحا نحوه قد طعن في القرآن ~~بنزوله منجما مع أن التوراة ما نزلت إلا كذلك , وليس أحد منهم يقدر أن ~~ينكره قال : { بما نزل } أي ممن لا منزل إلا هو منجما مفرقا ليجددوا بعد ~~الإيمان به إجمالا الإيمان بكل نجم منه { على محمد } النبي الأمي العربي ~~القرشي المكي ثم المدني الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل صلى ~~الله عليه وسلم , ولما كان هذا PageV07P149 معلما بأن كل إيمان لم يقترن ~~بالإيمان به صلى الله عليه وسلم لم يعتد به , اعترض بين المبتدأ وجوابه بما ~~يفهم علته حثا عليه وتأكيدا له فقال تعالى : { وهو } أي هذا ms4802 الذي نزل عليه ~~صلى الله عليه وسلم مختص بأنه { الحق } أي الكامل في الحقية لأن ينسخ ولا ~~ينسخ كائنا { من ربهم } المحسن إليهم بإرساله , أما إحسانه إلى أمته فواضح ~~, وأما سائر الأمم فبكونه هو الشافع فيهم الشفاعة العظمى يوم القيامة , ~~وأمته هي الشاهدة لهم . | ولما ثبت بهذا أنهم أحق الناس بالحق , بين ما ~~أثمر لهم ذلك دالا على أنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره , فلا يسع ~~الخلق إلا العفو لأنهم وإن اجتهدوا في الإصلاح بدا لهم لنقصانهم من سيئات ~~أو هفوات فقال تعالى : { كفر } أي غطى تغطية عظيمة { عنهم } في الدارين ~~بتوبتهم وإيمانهم لأن التوبة تجب ما كان قبلها كالإيمان { سيئاتهم } أي ~~الأعمال السيئة التي لحقتهم قبل ذلك بما يظهر لهم من المحاسن وهدى أعمالهم ~~. | ولما كان من يمل سوءا يخاف عاقبته فيتفرق فكره , إذ لا عشية لخائف قال ~~تعالى : { وأصلح بالهم * } اي موضع سرهم وفكرهم بالأمن والتوفيق والسداد ~~وقوة الفهم والرشاد لما يوفقهم له من محاسن الأعمال ويطيب به اسمهم في ~~الداري , قال ابن برجان : وإذا أصلح ذلك من العبد صلح ما يدخل إليه وما ~~يخرج عنه وما يثبت فيه , وإذا فسد فبالضد من ذلك . | ولذلك إذا اشتغل البال ~~لم ينتفع من صفات الباطن بشيء , وقد علم أن الآية من الاحتباك : ذكر ضلال ~~الكفار أولا دليلا على إرادة الهدى للمؤمنين ثانيا , وإصلاح البال ثانيا ~~دليلا على حذف إفساده أولا . | ولما كان الجزاء من جنس العمل , علل ما تقدم ~~من فعله بالفريقين بقوله : { ذلك } أي الأمر العظيم الذي ذكر هنا من جزاء ~~الطائفتين { بأن } أي بسبب أن { الذين كفروا } أي ستروا مرائي عقولهم { ~~اتبعوا } أي بغاية جهدهم ومعالجتهم لما قادتهم إليه فطرهم الأولى { الباطل ~~} من العمل الي لا حقيقة له في الخارج يطابقه , وذلك هو الابتداع والميل مع ~~الهوى إيثارا للحظوظ فضلوا { وأن الذين آمنوا } أي ولو كانوا في أقل درجات ~~الإيمان { اتبعوا } أي بغاية جهدهم متابعين لما تدعو إليه الفطرة الأولى ~~مخالفين لنوازع الشهوات ودواعي الحظوظ ms4803 على كثرتها وقوتها { الحق } أي الذي ~~له واقع يطابقه وذلك هو الحكمة وهي العمل بموافقة العلم وهو معرفة المعلوم ~~على ما هو عليه { من ربهم } الذي أحسن إليهم بإيجادهم وما سببه من حسن ~~اعتقادهم فاهتدوا . | ولما علم من هذا أن باطن حال الذين كفروا الباطل , ~~وباطن حال الذين آمنوا الحق , وتقدم في البقرة أن المثل هو ما يتحصل في ~~باطن الإدراك من حقائق الأشياء المحسوسة , فيكون ألطف من الشيء المحسوس , ~~وأن ذلك هو وجه الشبه , علم أن مثل كل منالفريقين ماعلم من باطن حاله فمثل ~~الأول الباطل ومثل الثاني الحق , PageV07P150 فلذلك قال سبحانه استئنافا ~~جوابا لمن كأن قال لما أدركه من دهش العقل لما راعه من علو هذا المقال : هل ~~يضرب مثل مثل هذا : { كذلك } أي مثل هذا الضرب العظيم الشأن { يضرب الله } ~~أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال { للناس } أي كل من فيه قوة الاضطراب ~~والحركة { أمثالهم * } أي أمثال أنفسهم وأمثال الفريقين المتقدمين أو أمثال ~~جميع الأشيء التي يحتاجون إلى بيان أمثالها مبينا لها مثل هذا البيان ليأخذ ~~كل واحد من ذلك جزاء حاله , فقد علم من هذا المثل أن من اتبع الباطل أضل ~~الله عمله ووفر سيئاته وأفسد باله , ومن اتبع الحق عمل به ضد ذلك كائنا من ~~كان , وهو غاية الحث على طلب العلم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم والعمل بهما . | < < # | محمد : ( 4 - 5 ) فإذا لقيتم الذين . . . . . # > > ^ ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا ~~الوثاق فإما منا بعد وإما فدآء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشآء الله ~~لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل ~~أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم ) ^ } ) | ولما تحرر أن الكفار أحق الخلق ~~بالعدم لأن الباطل مثلهم وحقيقة حالهم , سبب عنه قوله : { فإذا لقيتم } أي ~~أيها المؤمنون { الذين كفروا } ولو بأدنى أنواع الكفر في أي مكان كان وأي ~~زمان اتفق . | ولما كان المراد القتل المجهر بغاية التحقق , عبر عنه مؤكدا ~~له ms4804 من الاختصار بذكر المصدر الدال على الفعل مصورا له بأشنع صوره مع ما فيه ~~من الغلظة على الكفار والاستهانة بهم فقال تعالى : { فضرب الرقاب } أي ~~عقبوا لقيكم لهم من غير مهلة بأن تضربوا رقابهم ضربا بالصدق في الضرب بما ~~يزهق أرواحهم , فإن ذلك انتهاز للفرصة وعمل بالأحوط , وكذلك النفس التي هي ~~أعدى العدو إذا ظفرت بها وجب عليك أن لا تدع لها بقية , قال القشيري : ~~فالحية إذا بقيت منها بقية فوضعت عليها إصبع ثبت فيها سمها . | ولما كان ~~التقدير : ولا يزال ذلك فعلكم , غياه بقوله : { حتى } وبشرهم بالتعبير ~~بأداة التحقق فقال تعالى : { إذا أثخنتموهم } أي أغلظتم القتل فيهم ~~وأكثرتموه بحيث صاروا لا حراك بهم كالذي ثخن فأفرط ثخنه ؛ فجعل ذلك شرطا ~~للأسر كما قال تعالى ^ ( { وما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ~~} ) ^ [ الأنفال : 67 ] ثم قال تعالى مبينا لما بعد الثخن : { فشدوا } أي ~~لأنه لا مانع لكم الآن من الأسر { الوثاق } أي الرباط الذي يستوثق به من ~~الأسر بالربط على أيديهم مجموعة إلى أعناقهم - مجاز عن الأسر بغاية ~~الاستيلاء والقهر . | ولما كان الإمام مخيرا في أسراهم بين أربعة أشياء : ~~القتل والإطلاق مجانا والإطلاق بالفدية وهي شيء يأخذه عوضا عن رقابهم ~~والاسترقاق , عبر عن ذلك بقوله PageV07P151 مفصلا : { فإما منا } أي أن ~~ينعموا عليهم إنعاما { بعد } أي في جميع أزمان ما بع الأسر باستبقائهم ثم ~~بعد الإنعام باستبقائهم إما أن يكون ذلك مع الاسترقاق أو مع الإطلاق ثم ~~الإطلاق إما مجانا { وإما فداء } بمال أو بأسرى من المسلمين ونحو ذلك , ~~فأفهم التعبير بالمن الذي معناه الإنعام أن الإبقاء غير واجب بكل جائز , ~~ودخل في الإبقاء ثلاث صور : الاسرقاق والإطلاق مجانا وبالفداء فصرح سبحانه ~~وتعالى بالفداء الذي معناه الأخذ على وجه أن قسيم للمن , فعلم أن المراد به ~~الإبقاء مع عدم الأخذ فدخل فيه الإطلاق مجانا وهو واضح والسترقاق لأنه ~~إنعام بالنسبة إلى القتل , وأفهم التعبير بالمن الذي معناه الإنعام من ~~المنان الذي هو اسمه تعالى ومعناه المعطي ابتداء ms4805 جواز القتل لأن الإنعام ~~مخير فيه لا واجب لأنه لو كان واجبا كان حقا لا نعمة , فقد دخلت السور ~~الأربع في التعبير بهاتين الكلمتين - والله الهادي , وكل هذا على ما يراه ~~الإمام أو نائبه مصللحة , قال القشيري : كذلك حال المجاهدة مع النفس إذا ~~كان في إغفاء ساعة وإفطار يوم ترويح للنفس من الكد وقوة على الجهد فيما ~~يستقبل من الأمر على ما يحصل به الاستصواب من شيخ المريد وفتوى لسان الوقت ~~أو فراسة صاحب المجاهدة - انتهى . | وقد أفهم هذا السياق أن هذا الحكم ثابت ~~غير منسوخ والأمر بالقتل وحده في غيرها من الآيات عام غير مخصوص بما أفهمته ~~الغاية من أن التقدير : والجهاد على هذه الصفة باق وماض مع كل أمير را كان ~~أو فاجرا , لا يزال طائفة من الأمة قائمين به ظاهرين على الحق لا يضرهم من ~~خذلهم حتى يأتي أمر الله , وهو - والله أعلم - المراد بقوله تعالى : { حتى ~~} أي افعلوا ما أمرتكم به على ما جددت لكم إلى أن { تضع الحرب أوزارها } ~~وهي أثقالها أي الآلات التي تثقل القائمين بها من النفقات والسلاح والكراع ~~ونحوه , وذلك لا يكون وفي الأرض كافر , وذلك على زمن عيسى عليه الصلاة ~~والسلام حين تخرج الأض بركاتها , وتكون الملة واحدة وهي الإسلام لله رب ~~العالمينن فيتخذ الناس حديد السلاح سككا ومناجل وفؤوسا ينتفعون بها في ~~معاشهم كما ورد في الحديث : ( الجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر ~~أمتي الدجال ) - رواه في الفردوس عن أنس رضي الله عنه ( الجهاد واجب عليكم ~~مع كل بر وفاجر ) رواه داود عن أبي هريرة رضي الله عنه . | PageV07P152 ~~ولما كانت الحرب كريهة إلى النفوس شديدة المشقة , أكد أمرها بما معناه : إن ~~هذا أمر قد فرغ منه , فقال تعالى : { ذلك } أي الأمر العظيم العالي الحسن ~~النافع الموجب لكل خير . | ولما كان هذا ربما أوهم أن التأكيد في هذا الأمر ~~لكون الحال لا يمكن انتظامه إلا به , أتبعه ما يزيل هذا الإيهام فقالك { ~~ولو } ولما كان لو عبر بالماضي ms4806 أفاد أنه كان ولم يبق , عبر بالمضارع الدال ~~على الحال وما بعده فقال : { يشاء الله } أي الملك الأعظم الذي له جميع ~~صفات الكمال والقدرة على ما يمكن { لانتصر منهم } أي بنفسه من غير أحد ~~انتصارا عظيما بأن لا يبقى منهم أحدا { ولكن } أوجب ذلك عليكم { ليبلوا } . ~~| ولما كان الابتلاء ليس خاصا بفريق منهم بل عاما للفريقين لأنه يكشف عن ~~أهل المحاسن وأهل المساوئ من كل منهم , قال تعالى : { بعضكم } من الفرقة ~~المؤمنين بالإنكار عليهم من الفرقة الطاغين حتى يكون لهم بذلك اليد البيضاء ~~{ ببعض } أي يفعل في ذلك فعل المختبر ليترتب عليه الجواء على حسب ما ~~تألفونه من العوائد . | ولما أفهم هذا أن الابتلاء بين فريقين بالجهاد , ~~قال عاطفا على ما تقديره : فالذين قاتلوا أو قتلوا في سبيل الشيطان أضل ~~أعمالهم : { والذين قتلوا } وفي قراءة البصريين وحفص { قتلوا } وهي أكثر ~~ترغيبا والأولى أعظم ترجية { في سبيل الله } أي لأجل تسهيل طريق الملك ~~الأعظم المتصف بجميع صفات الكمال . | ولما كان في سياق الترغيب , قرن الخبر ~~بالفاء إعلاما بأن أعمالهم سبببه فقال تعالى : { فلن يضل } أي يضيع ويبطل { ~~أعمالهم * } لكونها غير تابعة لدليل بل يبصرهكم باللأدلة ويوفقهم لاتباعها ~~, وهو معنى قوله تعالى تعليلا : { سيهديهم } أي في الدارين بوعد لا خلق فيه ~~بعد المجاهدة إلى كل ما ينفعهم مجددا ذلك على سبيل الاستمرار { ويصلح بالهم ~~} أي موضع فكرهم فيجعله مهيأ لكل خير بعيدا عن كل شر آمنا من المخاوف ~~مطمئنا بالإيمان بما فيه من السكينة , فإذاقتل أحد في سبيله تولى سبحانه ~~وتعالى ورثته بأحسن من تولي المقتول لو كان حيا . | < < # | محمد : ( 6 - 9 ) ويدخلهم الجنة عرفها . . . . . # > > ^ ( ويدخلهم الجنة عرفها لهم * يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ~~ينصركم ويثبت أقدامكم * والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم * ذلك بأنهم ~~كرهوا مآ أنزل الله فأحبط أعمالهم ) ^ } ) | ولما كان هذا ثوابا عظيما ~~ونوالا جسيما , أتبعه ثوابا أعظم منه فقال تعالى : { ويدخلهم الجنة } أي ~~دار القرار الكاملة في النعيم , وأجاب من كأنه يسأل عن كيفية PageV07P153 ~~إدخالهم إياها وكيفيتها ms4807 عند ذلك بقوله تعالى : { عرفها لهم * } أي بتعريف ~~الأعمال الموصلة إليها والتوفيق لهم إليها في الدنيا وأيضا بالتبصير ~~بالمنازل في الآخرة حتى أن أحدهم يصير أعرف بمنزله فيها منه بمنزله في ~~الدنيا , وطيب رائحتها وجعل موضعها عاليا وجدرانها عالية وهي ذات أغراف ~~وشرف , وفي هذه الآية بشرى عظيمة لمن جاهد ساعة ما بأن الله يميته على ~~الإسلام المستلزم لئلا يضيع له عمل , ويؤيده ما رواه الطبراني في الكبير عن ~~فضلاة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول : ( للإسلام ثلاث أبيات : سفلى وعليا وغرفة , فأما السفلى ~~فالإسلام دخل فيه عامة المسلمين فلا تسأل أحدا منهم إلا قال : أنا مسلم , ~~وأما العليا فتفاضل أعمالهم بعض المسلمين أفل من بعض , وأما الغرفة العليا ~~فالجهاد في سبيل الله لا ينالها إلا أفضلهم ) . | ولما ذكر القتال , تشوف ~~السامع إلى حال المقاتل من النصر والخذلان فأجاب بما يعرف بشرط النصر فقال ~~: { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بذلك وإن كان في أدنى الدرجات بما ~~أشعرت به أداة البعد والصلة بالماضي { إن تنصروا الله } أي يتجدد لكم نية ~~مستمرة وفعل دائم على نصرة دين الملك الأعظم بإيضاح أدلته وتبيينها وتوهية ~~شبه أهل الباطل وقتالهم , ويكون ذكل خالصا له لا لغيره من النيات الفاسدة ~~المعلولة بطلب الدنيا أو الشهرة بالشجاعة والعلم وطيب الذكر الغضب للأهل ~~وغير ذلك { ينصركم } فإنه الناصر لا غيره من عدد أو عدد فيقمع أعداء الدين ~~بأيديكم . | ولما كان النصر قد يكون مع العجز والكسل والجبن والفشل بين أنه ~~يحميهم من ذلك فقال : { ويثبت أقدامكم * } أي تثبيتا عظيما بأن يملأ قلوبكم ~~سكينة واطمئنانا وأبدانكم قوة وشجاعة في حال القتل ووقت البحث والجدال , ~~وعند مباشر جميع الأعمال , فتكونوا عالين قاهرين في غاية ما يكون من طيب ~~النفوس وانشراح الصدور ثقة بالله واعتزازا به وإن تملأ عليكم أهل الأرض . | ~~ولما ذكر أهل الإيمان , بين ما لأهل الكفران , فقال سبحانه : { والذين ~~كفروا } أي ستروا ما دل عليه العقل وقادت إليه ms4808 الفطر الأولى , وبين أن سوء ~~أعمالهم أسباب وبالهم بالفاء . | فقال مؤكدا بجعل الخبر مفعولا مطلقا لأجل ~~استبعادهم بما لهم من القوة PageV07P154 بكثرة العدد والملاءة بالعدد : { ~~فتعسا } أي فقد عثروا فيقال لهم ما يقال للعاثر الذي يراد أنه لا يقوم : ~~تعسا لا قيام معه , كما يقال لمن عثر وأريد قيامه : تعسا لك , والمراد ~~بالتعس الانحطاط والسفول والهوان والقلق . | ولما كان كأنه قيل : لمن هذا ؟ ~~قيل : { لهم } فلا يكادون يثبتون في قتال لمن صلحت من الأعمال . | ولما كان ~~الإنسان قد يعثر ويقع ويقال له : تعسا , ويقوم ذلك , ولا يبطل عمله , بين ~~أن قوله ليس كذلك , بل مهما قاله كان لا يتخلف أصلا , فقال معبرا بالماضي ~~إشارة إلى التحتم فيه , وأما الاستقبال فربما تاب على بعضهم فيه عاطفا على ~~ما تقديره فقال تعالى لهم ذلك : { وأضل أعمالهم * } وإن كانت ظاهرة الإيقان ~~لأجل تضييع الأساس بالإيمان . | ولما بين ما صنع بهم ليجترئ به حزبه عليهم ~~, بين سببه ليجتنب فقال : { ذلك } الأمر البعيد من الخير { بأنهم } أي بسب ~~بأنهم { كرهوا } بغضوا وخالفوا وأنكروا { ما أنزل الله } أي الملك الأعظم ~~الذي لا نعمة إلا منه , والذي أنزله من القرآن والسنة هو روح الوجود الذي ~~لا يعاندونه , فلما كرهوا الروح الأعظم بطلت أرواحهم فتبتها أشباحهم , وهو ~~معنى قوله مسببا بيانا لمعنى إضلال أعمالهم : { فأحبط } أي أبطل إبطالا لا ~~صلاح معه { أعمالهم * } بسب أنهم أفسدوها بنياتهم فصارت وإن كانت صورها ~~صالحة ليس لها أرواح , لكونها واقعة على غير ما أمر به الله الذي لا أمر ~~إلا له يقبل من العمل إلا ما حده ورسمه , وهذا وعيد للأمةبأنها إن تخلت عن ~~نصر الله والجهاد في سبيله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلها سبحانه ~~إلى نفسها وتخلى عن نصرها وسلط عليها عدوها , ولقد وجد بعض ذلك من تسلط ~~الفسقة لما وجد التهاون في بعض ذلك والتواكل فيه . | < < # | محمد : ( 10 - 14 ) أفلم يسيروا في . . . . . # > > ^ ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر ~~الله عليهم وللكافرين أمثالها * ذلك ms4809 بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم * إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام ~~والنار مثوى لهم * وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم ~~فلا ناصر لهم * أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا ~~أهواءهم ) ^ } ) | ولما كان لا يستهين بهذه القضايا ويجترئ مثل هذه البلايا ~~إلا من أمن العقوبة , ولا يأمن العقوبة إلا من أعرض عن الله سبحانه وتعالى ~~, وكان يكفي في الصد عن الأمرين وقائعه تعالى بالأمم الخالية لأجل تكذيب ~~رسله ومناصبة أوليائه والاعتداء على PageV07P155 حدوده , قال منكرا عليهم ~~وموبخا لهم تقدما إليهم بالتحذير من بطشه وسطوته وشديد أخذه وعقوبته , ~~مسببا تصحيح أعمالهم وبنائها على أساس { في الأرض } أي التي فيها آثار ~~الوقائع فإنها هي الأرض في الحقيقة لما لها من زيادة التعريف بالله { ~~فينظروا } عقب سيرهم وبسبه . | ولما كانت وقائعه خلعة للقلوب بما فيها من ~~الأمور الباهرة الناطقة بها ألسنة الأحوال بعد التنبيه بالمقال , ساق ذلك ~~بسوقه في أسلوب الاستفهام مساقا منبها على أنه من العظمة بحيث يفرغ الزمان ~~للعناية بالسؤال عنه فقال : { كيف كان عاقبة } أي آخر أمر { الذين } ولما ~~كان ميمكنهم معرفة ذلك من جميع المهلكين , نبه بإثبات الجار على أنهم بعضهم ~~بل بعض المكذبين للرسل , وهم الذين سمعوا أخبارهم ورأوا ديارهم بعاد وثمود ~~ومدين وسا وقوم لوط فقال تعالى : { من قبلهم } ولما كان كأنه قيل : ما لهم ~~؟ قال : { دمر الله } أي أوقع الملك الأعظم الهلاك العظيم الداخل بغي إذن , ~~الهاجم بغتة { عليهم } بما علم أهاليهم وأحوالهم وكل من رضي فعالهم أو ~~مقالهم , وعدل عن أن يقول : ( ولهؤلاء ) إلى قوله : { وللكافرين } تعميما ~~وتعليقا للحكم بالوصف وهو العارقة في الكفر , فكان فيه بشارة بأن بعضهم ~~سينجيه الله تعالى من أسباب الهلاك لكونه ليس عريقا في الكفر , لأنه لم ~~يطبع عليه { أمثالها * } أي أمثال هذه العاقبة . | ولما بين أن يعلي ~~أولياءه ويذل أعداءه , بين ms4810 علته فقال : { ذلك } أي الأمر العظيم الذي فعله ~~بالفريقين { بأن الله } أي بسبب أن الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال { ~~مولى الذين آمنوا } أي القريب من المصدقين به المرضين له , فهو يفعل معهم ~~بما له من اللال والجمال ما يفعل القريب بقريبه الحبيب له , قال القشيري : ~~ويصح أن يقال : أرجى آية في كتاب الله هذه الآية لأنه لم يقل : الزهاد ~~والعباد وأصحاب الأوراد والاجتهاد . | يعني بل ذكر أدنى أسنان أهل الإيمان ~~. | { وأن الكافرين } أي العريقين في هذا الوصف { لا مولى لهم * } بهذا ~~المعنى , لأنهم بعيدون من الله الذي لا يعبد على الحقيقة إلا هو , فلا ~~ينفعهم قرب قريب أصلا وإن كان الله مولاهم بغير هذا المعنى بل بمعنى أنه ~~سيدهم ومالكهم , وفيه إيماء إلى أنه سبحانه وتعالى ولي من لم يكن عريقا في ~~الكفر فيخرجه من الظلمات إلى النور . | ولما تشوف السامع إلى تعرف تمام ~~آثار الولاية , قال شافيا لعي سؤالهم مؤكدا لأجل كثرة المكذبين : { إن الله ~~} أي الذي له جميع الكمال { يدخل الذين آمنوا } أي أوقعوا التصديق { وعملوا ~~} تصديقا لما ادعوا أنهم أوقعوه { الصالحات } فتمتعوا بما PageV07P156 ~~رزقهم الله من الملاذ لا على وجه أنها ملاذ بل على وجه أنها مأذون فيها , ~~وهي بلاغ إلى الآخرة وأكلوا لا للترفه بل لتقوية البدن على ما أمروا به ~~تقوتا لا تمتعا { جنات } أي بساتين عظيمة الشأن موصوفة بأنها { تجري } وبين ~~قرب الماء من وجهها بقوله : { من تحتها الأنهار } أي فهي دائمة النمو ~~والبهجة والنصارة والثمرة لأن أصول أشجارها ربى وهي بحيث متى أثرت بقعة ~~مناه أدنى إثارة جرى منها نهر , فأنساهم دخولهم عصص ما كانوا فيه في الدنيا ~~من نكد العيش ومعاناة الشدائد , وضموا نعيمها إلى ما كانوا فيه في الدنيا ~~من نعيم الوصلة بالله ثم لا يحصل لهم كدر ما أصلا , وهي مأواهم لا يبغون ~~عنها حولا , وهذا في نظير ما زوي عنهم من الدنيا وضيق فيها عيشهم نفاسة ~~منهم عنها حتى فرغهم لخدمته وألزمهم حضرته حبا لهم وتشريفا لمقاديرهم { ~~والذين كفروا ms4811 } أي غطوا ما دل عليه العقل فعملوا لأجل كفرهم الأعمال ~~الفاسدة المبعدة عن جناب الله { يتمتعون } أي ف يالدنيا بالملاذ لكونها ~~ملاذ كما تتمتع الأنعام , ناسين ما أمر الله معرضين عن لقائه بل عن الموت ~~أصلا بل يكون ذكر الموت حاثا لهم على الانهماك في اللذات مسابقة له جهلا ~~منهم بالله { ويأكلون } على سبيل الاستمرار { كما تأكل الأنعام } أكل ~~التذاذ ومرح من أي موضع كان وكيف كان الأكل في سبعة أمعاء , أي في جميع ~~بطونهم من غير تمييز للحرام من غيره لأن الله تعالى أعطاهم الدنيا ووسع ~~عليهم فيها وفرغهم لها حتى شغلهم عنه هوانا بهم وبغضا لهم لأنه علم حالهم ~~قبل أن يوجدهم فيدخلهم نارا وقودها الناس والحجارة { والنار } أي والحال أن ~~ذات الحرارة العطمى والإحراق الخارج عن الحد { مثوى } أي منزل ومقام { لهم ~~* } تنسيهم أول انغماسهم فيها كل نعيم كانوا فيه ثم لا يصير لهم نعيم ما ~~أصلا , بل لا ينفك عنهم العذاب وقتا ما , فالآية من الاحتباك , ذكر الأعمال ~~الصالحة ودخول الجنات أولا دليلا على حذف الفاسدة ودخول النار ثانيا , ~~والتمتع والمثوى ثانيا دليلا على حذف التعلل والمأوى أولا , فهو احتباك في ~~احتباك واشتباك مقارن لاشتباك . | ولما وعد سبحانه أنه ينصر من ينصره لأنه ~~مولاه ويدخله دار نعمته , ويخذل من يعانده لأنه عاداه إلى أن يدخله دار ~~شقوته , كان التقدير دليلا على ذلك : فكأين من قوم هم أضعف من الذين اتبعوك ~~نصرناهم على من كذبتهم , فلا خاذل لهم , فعطف عليه قوله : { وكأين } ولما ~~كانت قوة قريش في الحقيقة ببلدهم , وكان الإسناد إليها أدل على تمالؤ أهلها ~~وشدة اتفاقهم حتى كأنهم كالشيء الواحد قال : { من قرية } أي كذبت رسولها { ~~هي أشد قوة } وأكثر عدة { من قريتك } ولما كان إنزال هذه بعد الهجرة , عين ~~فقال : { التي أخرجتك } أي أخرجك أهلها متفقين في أسباب الإخراج من أنواع ~~الأذى PageV07P157 على كلمة واحدة حتى كأن قلوبهم قلب واحد فكأنها هي ~~المخرجة - وهي مكة - كذبوك وآذوك حتى أخرجناك من عندهم لننصرك عليهم بمن ms4812 ~~أيدناك بهم من قريتك هذه التي آوتك من الأننصار نصرا جاريا على ما تألفونه ~~وتعتادونه { أهلكناهم } بعذاب الاستئصال كما اقتضت عظتنا , وحكى حالهم ~~الماضية بقوله : { فلا ناصر لهم * } . | ولما كان هذا دليلا شهوديا بعد ~~الأدلة العقللية على ما تقدم الوعد به , سبب عنه الإنكار عليهم فقال : { ~~أفمن كان } أي في جميع أحواله { على بينة } أي حالة ظاهرة البيان في أنها ~~حق { من ربه } المربي المدبر له المحسن إليه بما يقيم من الأدلة التي تعجز ~~الخلائق أجمع عن أن يأتوا بواحد منها فبصر سوء عمله وأريه على حقيقته فرآه ~~سيئا فاجتنبه مخالفا لهواه , قال القشيري : العلماء في ضياء برهانهم ~~والعارفون في ضياء بيانهم . | { كمن زين له } بتزيين الشيطان بتسليطنا له ~~عليه وخلقنا للآثار بأيسر أمر { سوء عمله } من شرك أو معصية دونه . | ولما ~~كان التقدير : فرآه حسنا فعمله ملازما له , فكان على عمى وضلال , وكان قد ~~أفرد الضمير لقبول ( من ) له من جهة لفظها , جمع ردا على معناها بتعميم ~~القبح مثنى وفرادى , وإشارة إلى أن القبيح يكون أولا قليلا جدا , فمتى غفل ~~عنه فلم تحسم مادته دب وانتشر فقال عاطفا على ما قدرته : { واتبعوا أهواءهم ~~* } فلا شبهة لهم في شيء من أعمالهم السيئة فضلا عن دليل , والآية من ~~الاحتباك ذكر البينة أولا دليلا على ضدها ثانيا , والتزيين واتباع الهوى ~~ثانيا دليلا على ضدهما أولا , وسره أنه ذكر الأصل الجامع للخير ترغيبا ~~والأل الجامع للشر ترهيبا . | < < # | محمد : ( 15 ) مثل الجنة التي . . . . . # > > ^ ( مثل الجنة التي وعد المتقون فيهآ أنهار من مآء غير آسن وأنهار من ~~لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم ~~فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا مآء حميما ~~فقطع أمعآءهم ) ^ } ) | ولما تكرر ذكر الجنة والنار في هذه السورة إلى أن ~~ختم بهذه الآية التي قسم الناس فيها إلى أولياء مهتدين وأعداء ضالين معتدين ~~, فهدى سياقها إلى أن التقدير : أفمن كان على بينة من ربه أحياه الحياة ~~الطيبة ms4813 في الدارين , ومن تبع هواه أراده فيها , أتبعه وصف الجنة التي هي ~~دار أوليائه قادهم إليها الهدى , والنار التي هي دار أعدائه ساقهم إليها ~~الضلال المحتم للردى , فقال : { مثل الجنة } أي البساتين العظيمة التي تستر ~~داخلها من كثرة أشجارها . | ولما تكرر وعده سبحانه للذين آمنوا بالجنة ~~بالاسم الأعظم الجامع وبعضها PageV07P158 بالضمير العائد إليه , صار الوعد ~~بها في غاية التحقق فعبر عنه هنا بالماضي المبني للمفعول إشارة إلى أنه أمر ~~قد تحقق بأسله أمر , وفرغ منه إلى أن صار حاضرا لا مانع منه إلا الوصف الذي ~~علق به الوعد ووصفها بصفات تفيد القطع بأنه لا يقدر عليها إلا الله فصار ~~مجرد ذكرها والإخبار به عنها بصيغة المجهور أعلى لأمره فقال : { التي وعد ~~المتقون } أي الذي حملتهم تقواهم بعد الوقوف عن كل فعل لم يدل عليه دليل ~~على أن استمعوا منك فانتفعوا بما دللتهم عليه من أمور الدين حتى انقسم ~~الناس إلى ثلاثة أقسام : مقبل عليه بكليته فهو متبع , ومعرض عنه جملة , ~~وسمتمع غير منتفع . | ولما كان التقدير : مثل بستان عظيم لا يسقط ورقه ولا ~~ينقطع ثمره ولا يتفطن نعيمه لما فيه من الأنهار المتنوعة , وكان ما هو بههذ ~~الصفة إنما هو موهوم لنا ثبت صدقه بالمعجزات فقال استئنافا : { فيها } أي ~~الجنة الموعودة . | ولما كان ما يعهدونه من الجنان لا يحتمل والامتنان , ~~فقال : { أنهار من ماء } ولما كان ماء الدنيا مختلف الطعوم على ثلاثة : حلو ~~وعذب وملح , مع اتحاد الأرض ببساطتها وشدة اتصالها للدلالة على أن فاعل ذلك ~~قادر مختار , وقد يكون آسنا أي متغيرا عن الماء الذي يشرب بريح منتنة من ~~أصل خلقه أو من عارض عرض له من منبعه أو مجراه قال : { غير آسن } أي ثابت ~~له في وقت ما شيء من الطعم أو الريح أو اللون بوجه من الوجوه وإن طالت ~~إقامته وإن أضيف إليه غيره فإنه لا يقبل التغير بوجه . | ولما كان أكثر ~~شرابه بعد الماء اللبن , ثنى به فقال سبحانه : { وأنهار من لبن } ولما كان ~~التغير غير ms4814 محمود , وكانوا يعهدون ف يالدنيا أن اللبن كله على جميع أنواعه ~~طيب حال نزوله من الضرع مع اختلاف ذوات الدر في الأشكال والأنواع والمقادير ~~والأمزجة , ومع انفصال كل واحدة منها من الأخرى , وأنه إنما يتغير بعد حلبه ~~, عبر بما ينفي التغير في الماضي فقال : { لم يتغير طعمه } أي بنفسه عن أصل ~~خلقته وإن أقام مدى الدهر , وهذا يفهم أنهم لو أرادوا تغييره لشهوة اشتهوها ~~تغير , وأنه مع طيبه على أنواع كثيرة كما كان في الدنيا متنوعا . | ولما ~~كان أكثر ما بعد اللبن الخمر قال : { وأنهار من خمر } ولما كانت الخمر يكثر ~~طعمها , وإنما يشربها شاربوها لأثرها , وأنه متى تغير طعمها زال اسمها , ~~عرف أن كل ما في خمر الجنة في غاية الحسن غير متعرض لطعم فقال : { لذة } أي ~~ثابتة لها اللذة ودائمة حال شربها وعبده { للشاربين * } في طيب الطعم وحسن ~~العاقبة . | PageV07P159 ولما كان العسل أعزها وأقلها , أخره وإن كان أجلها ~~فقال : { وأنهار من عسل } ولما كان عسل الدنيا لا يوجد إلا مخلوطا بالشمع ~~وغيره من القذى قال : { مصفى } أي هو صاف صفاء ما أجتهد في تصفيته من ذلك , ~~وهذا الوصف ثابت له دائما لا انفكاك له عنه في وقت ما , فقد حصل بهذا غاية ~~التشويق إلى الجنة بالتمثيل بما يستلذ به من أشربة الدنيا لأنه غاية ما ~~نعلم من ذكل مجردا عما ينقصه أو ينغصه مع الوصف بالغزارة والاستمرار قال ~~البغوي : قال كعب الأحبار : نهر دجلة نهر ماء أهل الجنة , ونهر الفرات نهر ~~لبنهم , ونهر مصر نهر خمرهم , ونهر سبحان نهر عسلهم . | وهذه الأنهار ~~الأربعة تخرج من نهر الكوثر . | وقال ابنعبد لحكم في فتوح مصر : حدثنا ~~عثمان بن صالح ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن معاوية بن أبي سفيان ~~رضي الله عنهما سأل كعب الأحبار رضي الله عنه : هل تجد لهذا النيل في كتاب ~~الله تعالى خبرا ؟ قال : أي والذي فلق البحر لموسى , إني لأجده ف يكتاب ~~الله أن الله عز وجل يوحي إليه في كل عام ms4815 مرتين , ويحي إليه عن جريه أن ~~الله يأمرك أن تجري , فيجري ما كتب الله له ثم يوحي إليه بعد ذلك : يا نيل ~~غر حميدا . | حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن ~~أبي الخير عن كعب الأحبار أنه كان يقول : أربعة أنها من الجنة وضعها الله ~~عز وجل في الدنيا . | فالنيل نهر العسل في الجنة , والفرات نهر الخمر في ~~الجنة . | وسيحان نهر الماء في الجنة . | وجيحان نهر اللبن في الجنة . | ~~حدثنا سعيد بن أبي مريم حدثنا الليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة قالا حدثنا ~~يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن أبي جنادة الكناني أنه سمع كعبا يقول : ~~النيل في الآخرة عسلا أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل , ~~ودجلة في الآخرة لبنا أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل , ~~والفرات خمرا أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله عز وجل , وجيحان ماء ~~أغزر ما يكون من الأنهار التي سمى الله وأصل هذا كله ما في الصحيح في صفة ~~الجنة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( سيحان ~~وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة ) وقال أبو حيان في حكمة ترتيبها غير ~~ما تقدم : إنه بدئ بالماء الذي لا يستغنى عنه في المشروبات , ثم باللبن إذ ~~كان يجري مجرى المطعومات PageV07P160 في كثير من أقوات العرب وغيرهم , ثم ~~بالخمر لأنه إذا حصل الري والمطعوم تشوفت النفس إلى ما يتلذذ به , ثم ~~بالعسل لأن فيه الشفاء في الدنيا مما يعرض من المطعوم والمشروب - انتهى . | ~~وأحسن منه أنه لما كان السياق للتعجب في ضرب المثل لأنه قول لا ينفك عن ~~غرابة بدأ بأنهار الماء لغرابتها في بلادهم وشدة حاجتهم إليها , ولما كان ~~خلوها عن تغير أغرب نفاه , ولما كان اللبن أقل فكان جريه أنهارا أغرب , ثنى ~~به , ولما كان الخمر أعز ثلث به , ولما كان العسل أشرفها وأقلها ختم به , ~~ونبه - مع هذا التذكير متمحض ms4816 للشرابية كالخمر وبعضها في غذائية وهي فيه ~~أغلب , وهو العسل , وبعضها ينزع إلى كل منهما وهو اللبن كلها من الماء مع ~~تمايزها مذاقا وأثرا في الغذاء والدواء وغير ذلك , فإن لماء أصل النبات , ~~ومن النبات يكون اللبن والخمر والعسل بما لا يخفى من الأسباب , وأما الآخرة ~~فغنيه عن الأسباب لظهور اسمه الظاهر سبحانه هناك لأنه لا ابتلاء فيها , ~~وبهذا فهم للترتيب سر آخر وهو أنه تعالى قدم الماء لأنه الأصل لها , وتلاه ~~بأقرب الأشياء إليه في الشرابية والطبع : اللبن , ثم بما هو أقرب إلى اللبن ~~من جهة أنه شراب فقط , ثم بالعسل لأنه أبعدها منه . | ولما كانت الثمار ألذ ~~مستطاب بعد سائغ الشراب قال تعالى : { ولهم فيها } ولما كان أهلها متفاوين ~~في الدرجات فلا تجمع جنان أغلبهم جميع ما في الجنة من الثمار بعض فقال : { ~~من كل الثمرات } أي جميع أصنافها على وجه لا حاجة معه من قلة ولا انقطاع . ~~| ولما كان العيش لا يطيب مع الإنصاف بما يوجب العتب , قال مشيرا إلى أنه ~~لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره , لأن الرتب متضائلة عن رتبته سبحانه : { ~~ومغفرة من ربهم } أي المحسن إليهم بمحو ذنوبهم السالفة أعيانها وأثارها ~~بحيث لا يخشون لها عاقبة بعقاب . | لا عتاب وعدم بلوغهم إلى ما يحق له من ~~الشكر سبحانه . | ولما أرشد هذا السياق إلى أن التقدير : أفمن هو في هذا ~~النعيم الأكبر المقيم , بنى عليه قوله : { كمن هو خالد } أي مقيم إقامة لا ~~انقطاع معها , ووحده لأن الخلود يعم من فيها على حد سواء { في النار } أي ~~التي لا يطفأ لهيبها , لا يفك أسيرها ولا يؤنس عريبها . | ولما كان كل واحد ~~من داخليها له سقي يخصه على حسب عمله ولا يظلم ربك أحدا . | كان المؤثر ~~لضرهم السقي على الكيفية التي تذكر لا كونه من ساق معين , بني للمجهول قوله ~~مسندا إلى ضمير الجمع قوله تعالى : { وسقوا } أي عوض ما ذكر من شراب أهل ~~الجنة { ماء حميما } أي في غاية الحرارة { فقطع أمعاءهم * } ويمكن ms4817 أن ~~PageV07P161 تكون الآية من الاحتباك , وذلك أنه تعالى لما قدم أن المؤمنين ~~في جنات تجري من تحتها الأنهار , وأن الكافرين مأواهم النار , وكان التقدير ~~إنكاره على من لم يرتدع للزواجر تنبيها على أن عمله عمل من يسوي بين الجنة ~~والنار لأن كون النار جزاء لمثله والجنة جزاء المؤمن صار في حد لا يسوغ ~~إنكاره : أمثل الجنة الموصوفة كمثل النار , ومن هوخالد في الجنة كمن هو ~~خالد في النار - والله الموفق للصواب . | < < # | محمد : ( 16 - 17 ) ومنهم من يستمع . . . . . # > > ^ ( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا ~~العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوآءهم * ~~والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ) ^ } ) | ولما كان التقدير بعد هذا ~~التمثيل والوصف والتشويق الذي يبهر العقول : فمن الناس من يسمع منك بغاية ~~المحبة والإنصاف فيعليه الله بفهم ما يتلوه واعتقاده والعمل به واعتماده ~~وهم المتقون الذين وعدوا الجنة , عطف عليه قوله تعالى : { ومنهم من يستمع } ~~أي بغاية جهده لعله يجد في المتلو مطعنا يشك به على الضعفاء , وبين تعالى ~~بعدهم بقوله : { إليك } ولما أفرد المستمع نظرا إلى لفظ ( من ) إشارةإلى ~~قلة المستمع جمع نظرا إلى معناه إشارة إلى كثرة المعرضين الجامدين ~~المستهزئين من المستمعين منهم والسامعين فقال تعالى : { حتى } أي واستمر ~~إجهادهم لأنفسهم بالإصغاء حتى { إذا خرجوا } أي المستمعون والسامعون جميعا ~~{ من عندك قالوا } أي الفريقان عمى وتعاميا واستهزاء . | ولما كان مجرد ~~حصول العلم النافع مسعدا , أشار إلى تعظيمه ببنائه لما لم يسم فاعله فقال ~~تعالى : { للذين أوتوا العلم } أي بسبب تهيئة الله لهم بما آتاهم من صفاء ~~الأفهام لتجردهم عن النفوس والحظوظ وانقيادهم لما تدعوا إليه الفطرة الأولى ~~: { ماذا قال } أي النبي صلى الله عليه وسلم { آنفا } أي قبل افتراقنا ~~وخروجنا عنه من ساعة - أي أول وقت - تقرب منه , من أنفة الصلاة - بالتحريك ~~, وهو ابتداؤها وأولها , قال أبو حيان : حال , اي مبتدئا , أي ما القول ~~الذي ائتنفه الآن قبل انفصالنا عنه . | ورد كونه ظرفا بأنه تفسير معنى ms4818 , ~~وأنه لا يعلم أحدا من النحاة عده في الظروف . | وقال البغوي : ائتنفت الأمر ~~: ابتدأته , وأنف الشيء أوله , قال مقاتل : وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يخطب ويعيب المنافقين , فإذاخرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه استهزاء : ماذا قال محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال ابن ~~عباس رضي الله عنه : وقد سئلت فيمن سئل . | PageV07P162 ولما دل هذا من ~~المصغي ومن المعرض على غاية الجمود الدال على غاية الشقاء , أنتج قوله : { ~~أولئك } أي خاصة هؤلاء البعداء من الفهم ومن كل خير { الذين طبع الله } أي ~~الملك الأعظم الذي لا تناهي لعظمه جل وعلا { على قلوبهم } أي فلم يؤمنوا ~~ولم يفهموا فهم الانتفاع لأن مثل هذا الجمود لا يكون إلا بذلك . | ولما كان ~~التقدير : إنهم ضلوا حتى صاروا كالبهائم , عطف عليه ما هو من أفعال البهائم ~~فقال : { واتبعوا } أي بغاية جهدهم { أهواءهم * } أي مجانبين لوازع العقل ~~وناهي المروءة , فلذلك هم يتهاونون بأعظم الكلام ويقبلون على جمع الحطام , ~~فهم أهل النار المشار إليهم قبل آية ( مثل الجنة ) بأنهم زين لهم سوء ~~أعمالهم . | ولما ذكر ما هم عليه وشنع عليهم أقبح الذكر , ذكر الذين آتاهم ~~العلم فقال : { والذين اهتدوا } أي اجتهدوا باستماعهم منك في مطاوعة داعي ~~الفطرة الأولى إلى الوقوع على الهدى بالصدق في الإيمان والتسليموالإذعان ~~بأنواع المجاهدات { زادهم } أي الله الذي طبع على قلوب الجهلة { هدى } بأن ~~شرح صدورهم ونورها بأنوار المشاهدات فصارت أوعية للحكمة ( إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ) { وآتاهم تقواهم * } أي بين لهم ما ~~هو أهل لأن يحذر ووفقهم لاجتنابه مخالفة للهوى , فهم القسم الأول من آية ~~توطئة المثل { الذين هم على بينة من ربهم } ومعنى الإضافة أنه آتى كلا منهم ~~منها بحسب ما يقتضيه حاله , قال ابن برجان : التقوى عمل الإيمان كما ان ~~أعمال الجوارح عمل الإسلام - انتهى . | < < # | محمد : ( 18 - 19 ) فهل ينظرون إلا . . . . . # > > ^ ( فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جآء أشراطها فأنى لهم ~~إذا جآءتهم ذكراهم * فاعلم أنه لا ms4819 إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم ) ^ } ) | ولما كان أشد ما يتقى ~~القيامة التي هم بها مكذبون , سبب عن اتباعهم الهوى قوله تعالى : { فهل ~~ينظرون } أي ينتظرون , ولكنه جرده إشارة إلى شدة قربها { إلا الساعة } ولما ~~كان كأنه قيل : ما ينتظرون من أمرها ؟ أبدل منها قوله : { أن تأتيهم } أي ~~تقوم عليهم , وعبر بالإتيان زيادة في التخويف { بغتة } أي فجاءة من غير ~~شعور بها ولا استعداد لها . | PageV07P163 ولما دل ذلك على مزيد القرب , ~~وكان مجيء علامات الشيء أجل على قربه مع الدلالة على عظمته , قال معللا ~~للبغتة : { فقد } ودل على القوة بتذكير الفعل فقال : { جاء أشراطها } أي ~~علاماتها المنذرات بها من مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ( بعثت أنا ~~والساعة كهاتين ) انشقاق القمر المؤذن بآية الشمس في طلوعها من مغربها وغير ~~ذلك , وما بعد مقدمات الشيء إلا حضوره . | ولما كان المجيء من أهوالها ~~تذكرها قبل حلولها للعمل بما يقتضيه التذكر , وكانت إذا جاءت شاغلة عن كل ~~شيء , سبب عن مجيئها قوله تعالى : { فأنى } أي فكيف ومن أين { لهم إذا ~~جاءتهم } أي الساعة وأشراطها المعينة لها مثل طلوع الشمس من مغربها { ~~ذكراهم * } لأنهم في أشغل الشغل ولو فرغوا لما تذكروا فعملوا ما أفاد لفوات ~~وقت الأعمال وشرطها , وهو العمل على الإيمان بالغيب , وهكذا ساعة الإنسان ~~التي تخصه وهي موته وأشراطها الجاثة على الذكرى وهو المرض والشيب ونحو ذلك ~~, ومن أشراطها المعينة لها التي لا ينفع معها العمل الوصول إلى حد الغرغرة ~~. | ولما علم بذلك أن الذكرى غير نافعة إذا انقضت هذه الدار التي جعلت ~~للعمل أو جاءت الأشراط المحققة الكاشفة لها , سبب عنه أمر أعظم الخلق ~~وأشرفهم وأرقاهم وأجملهم صلى الله عليه وسلم تكوينا ليكون لغيره تكليفا ~~فقال تعالى : { فاعلم أنه } أي الشأن الأعظم الذي { لا إله إلا الله } أي ~~انتفى انتفاء عظيما أن يكون معبود بحق غير الملك الأعظم , فإن هذا العلم هو ~~أعظم الذكرى المنجية من أهوال الساعة , وإنما تكون عالما إذا كان نافعا ~~وإنما يكون ms4820 نافعا إذا كان مع الإذعان والعمل بما يقتضيه وإلا فهو جهل صرف , ~~وهذا العلم يفيد أنه لا بد من قيام الساعة لأن الإله وعد بذلك وهو متصف ~~بالكمال ولا شريك له يمنعه من إنجاز وعده . | قال القشيري : والبعد يعلم ~~أولا ربه بدليل وبحجة فعلمه بنفسه ضروري وهذا هو أصل الأصول , وعليه بني كل ~~علم استدلالي , ثم تزداد قوة علمه بزيادة البيان وكثرة الحجج وتناقص علمه ~~بنفسه بغلبات ذكره لله بقلبه , فإذا انتهى إلى حال المشاهدة واستيلاء سلطان ~~الحقيقة عليه صار علمه في تلك الحالة ضروريا ويقل إحساسه بنفسه حتى يصير ~~علمه بنفسه كالاستدلال وكأنه غافل عن نفسه أو ناس لنفسه , ويقال : الذي رأى ~~البحر غلب عليه ما يأخذه في الرؤية للبحر عن ذكر نفسه فإذا ركب البحر قوي ~~هذا الحال , فإذا غرق في البحر فلا إحساس له بشيء سوى ما هو PageV07P164 ~~مستغرق فيه ومستهلك , ولهذه الكلمة من الأسرار ما يملأ الأقطار منها أنها ~~بكلماتها الأربع مركبة من ثلاثة أحرف إشارة إلى الوتر الذي هو الله سبحانه ~~وتعالى والشفع الذي هو الخلق أنشأه تعالى أزواجا , ومنها حرف لساني وحرفان ~~حلقيان : الهاء والألف , غير أن الألف عبر عنها بمظهرها وهو الهمزة ظاهرا ~~مرتين وخفيا في أداة التعريف في الابتداء مرة , وذكرت بلفظها أربع مرات , ~~فتلك سبع هي أتم العدد لذلك وبني الخلق عليه , فالسماوات سبع والأراضي كذلك ~~سبع إشارة إلى أن الإله الحق الذي هو غيب محض إنما علم بالتنزيل بأفعاله , ~~فهي وصلة إلى معرفته وهي منقسمة إلى علوي وسفلي كما أن الألف التي هي ~~كالغيب لأنها لا يمكن النطق بها ابتداء نزلت في مظهر الهمزة التي تكررت في ~~هذه الكلمة مرتين في مقابلة الكونين العلوي والسفلي وبينهما ما لا نعلمه ~~مما خفي عنا كما خفيت همزة الوصل . | وعبر في الأمر بهذه الكلمة بالعلم ~~إعلاما بأن عمل القلب بها هو العمدة العظمى لكن لما كانت حروفها حلقيا ~~ولسانيا كان في ذلك إشارة إلى أنه لا يكفي في أمرها إلا إذعان الباطن ~~ومطابقة ms4821 الظاهر الذي هو اللسان , فهو ترجمان القلب , ومتى لم يطابق اللسان ~~القلب حيث لا مانع كان صاحبه من أهل آية الصافات وأحرفها اللفظية أربعة عشر ~~حرفا على عدد السماوات والأرض الدالة على الذات الأقدس الذي هو غيب محض ~~والمقصود منها مسمى الجلالة الذي هو الإله الحق سبحانه وتعالى وجلاله ~~الدالة عليه خمسة أحرف على عدة دعائم الإسلام الخمس : ووتريته دلالة على ~~التوحيد , ولم يجعل فيها شيئا شفهيا لتمكن ملازمتها لكونها أعظم مقرب إلى ~~الله وأقرب موصل إليه مع الإخلاص , فإن الذاكر بها يقدر على المواظبة عليها ~~ولا يعلم جليسه بذلك أصلا , لأن غيرك لا يعلم ما في وراء شفتيك إلا بإعلامك ~~, وكما دل الكلام على التوحدي بهذه الكلمة صريحا دل على كلمة الرسالة التي ~~لا ينفع التوحيد إلا بها تلويحا بتسيمة السورة ( سورة محمد ) , فهي القتال ~~لأنه أمر صلى الله عليه وسلم أن يقاتل الناس حتى يصرحا بما صرحت به السورة ~~من كلمة التوحيد , وهي سورة محمد صلى الله عليه وسلم لأن التوحيد لا ينفع ~~بدون الشهادة له بالرسالة , وبين الكلمتين مزيد اتفاق يدل على تمام الاتحاد ~~والاعتناق , وذلك أن أحرف كل منهما إن نظرنا إليها خطا كانت اثني عشرة حرفا ~~على عدد أجزاء السنة يكفر كل حرف منها شهرا , وإن نظرنا إليها نطقا كانت ~~أربعة عشر حرفا لملأ الخافقين نورا وعظمة ومهابة وجلالة واحتشاما , وإن ~~نظرنا إليها بالنظرين معا كانت خمسة عشر لا يوقفها عن ذي العرش خالق ~~الكونين موقف , وهو سر غريب دال على الحكم الشرعي الذي هو عدم انفكاك ~~إحداهما عن الأخرى , فمن لم يجمعهما اعتقاده لم يقبل إيمانه , وقدمت هذه ~~السورة في هذا سابقة لأن لها السبق PageV07P165 وذكرت الأخرى في الفتح ~~تالية , وسميت سورة هذه بالقتال وسورة الكلمة المحمدية بالفتح إشارة إلى ~~أشارة إلى أنه ما قاتل أحد عليهما مع الإخلاص إلا فتح عليه ولا يقدر أحد ~~على مخالفته مع مناصبته إلا نفاقا على وجه الذل والاضطراب . | ولما كان ~~حصول التوحيد الذي هو كمال النفس موجبا ms4822 للإجابة كما في حديث أبي هريرة رضي ~~الله تعالى عنه عند الترمذي وأبي يعلى ( ما من مؤمن يدعو الله بدعوة إلا ~~استجيب له ما لم يكن إثما أو قطيعة رحم ) الحديث , قال معلما أنه يجب على ~~الإنسان بعد تكميل نفسه السعي في تكميل غيره ليحصل التعاون على ما خلق ~~العباد له , { واستغفر } أي اطلب الغفران من الله بعد العلم بأنه لا كفوء ~~له بالدعاء له وبالاجتهاد في الأعمال الصالحة { لذنبك } , وهو كل مقام عال ~~ارتفعت عنه إلى أعلى منه , وأوجده أنت من نفسك من أساء إليك لتكثر أبتاعك , ~~فإن الاستقامة مهيئة للإمامة . | ولما كان تكميل النفس مرقيا إلى تكميل ~~الغير ليكون له مثل أجره , قال تعالى مبينا لهذه النعمة العظيمة والمنة ~~الجسيمة معيدا للجار معبرا بالإيمان والوصف إيذانا بأن أعلى الأمة محتاج ~~إلى ذلك , لأنه لا يقدر أحد أن يقدر الله حق قدره , وهذا مشرفا لهذه الأمة ~~حيث أمر الشفيع المجاب الدعوة بالاستغفار لهم وهو بالدعاء والحث على ~~الاجتهاد في الأعمال الصالحة , حاذفا المضاف إشارة إلى الاحتياج إلى ~~المغفرة في كل حال لما للإنسان من النقصان بالخطأ والنسيان : { وللمؤمنين ~~والمؤمنات } أي الراسخين في الإيمان لأنهم أحق الناس بذلك منك لأن ما عملوا ~~من خير كان لك مثل أجره , ولا يخلو أحد منهم من تقصير في المعارف الإلهية ~~والعمل بموجبها أو هفوة . | ولما كان معرفة من ينذب ومن لا يذنب متوقفة على ~~إحاطة العلم , قال عاطفا على ما تقديره : فالله يعلم حركاتكم وسكناتكم سرا ~~وجهرا ويعلم أنكم لا بد أن تعملوا بغسل الذنوب , بالروجع لى طاعة علام ~~الغيوب { والله } المحيط بجميع صفات الكمال { يعلم متقلبكم } أي تقلبكم ~~ومكانه وزمانه { والله } المحيط بجميع صفات وقراره للراحة وكل ما يقع فيه ~~من الثواء في وقته في الدنيا والآخرة من حين كونكم نطفا إلى ما لا آخر له . ~~| < < # | محمد : ( 20 - 22 ) ويقول الذين آمنوا . . . . . # > > ^ ( ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذآ أنزلت سورة محكمة وذكر ~~فيها القتال PageV07P166 رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك ms4823 نظر المغشي ~~عليه من الموت فأولى لهم * طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله ~~لكان خيرا لهم * فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) ~~73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان دليل على إحاطة العلم , علم ما أبطنه الإنسان ولا سيما إن ~~كان مخالفا لما أظهره , قال دالا على إحاطة علمه بإظهار أسرار المنافقين ~~عاطفا على { ومنهم من يستمع إليك } : { ويقول } على سبيل التجيد المستمر { ~~الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك بألسنتهم وفيهم الصادق والمنافق دالين على ~~صدقهم في إيمانهم بالتحريض على طلب الخير بتجد الوحي الذي هو الروح الحقيقي ~~: { ولا نزلت } على سبيل التدريج , وبناه للمفعول دالة على إظهار أنهم ~~صاروا في صدقهم في الإيمان اعتقادهم أن التنزيل لا يكون إلا من الله بحيث ~~لا يحتاجون إلى التصريح به { سورة } أي سورة كانت لنسر بسماعها نتعبد ~~بتلاوتها ونعمل بما فيها كائنا ما كان , ويستمر الوحي فينا متجددا مع تجدد ~~الزمان ليكون ذلك اأنشط لنا وأدخل في تحريك عزائمنا { فإذا أنزلت سورة } أي ~~قطعة من القرآن تكامل نزولها كلها تدريجا أو جملة , وزادت على مطلوبهم ~~بالحس بأنها { محكمة } أي مبينة لا يلبس شيء منها بنوع إجمال ولا ينسخ ~~لكونه جامعا للمحاسن في كل زمان ومكان { وذكر فيها القتال } بأي ذكر كان , ~~والواقع أنه لا يكون إلا ذكرا مبينا أنه لا يزداد إلا وجوبا وتأكدا حتى تضع ~~الحرب أوزارها , قال البغوي : وكل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد ~~القرآن على المنافقين . | وهو مروي عن قتادة { رأيت } أي بالعين والقلب { ~~الذين في قلبوهم مرض } أي ضعف في الدين أو نفاق من الذين أقروا بالإيمان ~~وطلبوا تنزيل القرآن وكانوا قد أقسموا بالله جهد أيمانهم : لئن أمرتهم ~~ليخرجن { ينظرون إليك } كراهة لما نزل عليك بعد أن حرضوا على طلبه { نظر ~~المغشي عليه } ولما كان للغشي أسبباب , بين أن هذا أشدها فقال تعالى : { من ~~الموت } الذي هو نهاية الغشي فهو لا يطرف بعينه بل هو شاخص لا يطرف كراهة ~~للقتال من الجبن ms4824 والخور . | ولما كان هذا أمرا منابذا للإنسانية لأنه مباعد ~~للدين والمروءة , سبب عنه أعلى التهيديد فقال متوعدا لهم بصورة الدعاء بأن ~~يليهم المكروه : { فأولى } أي أشد ميل وويل وانتكاس وعثار موضع لهم في ~~الهلكة كائن { لهم * } أي خاص بهم , وفسرته بذلك لما تقدم في آخر الأنفال ~~من أن مادة ( ولى ) تدور على الميل , فإذا كانت على صيغة أفعل التفضيل - ~~وهو قول الأكثر - جاءت الشدة , قال الأصمعي : إنه فعل ماض أي قاربهم ما ~~يهلكهم وأولاجهم الله الهلاك , وقال الرضي في باب المعرفة والنكرة : إنه ~~علم للوعيد PageV07P167 وفيه وزن الفعل فلذا منع من الصرف , وليس بأفعل ~~تفضيل ولا أفعل فلا ولا اسم فعل لأن أبا زيد حكى لحاق تاء التأنيث له ~~فقالوا : أولاة الآن - كأرملة وهو من وله الشر أي قرنه حال , وقبوله للتاء ~~لا يضر الوزن , لأن ذلك في علم آخر . | ولما علم بما ذكر من التسبب أن هذا ~~الدعاء عليهم لما تقدم من سوء أدبهم في مقالهم , وقبح ما ظهر من فعالهم , ~~حصل التوشوف إلى ما ينبغي لهم , فقال تعالى على طريق النشر المشوش : { طاعة ~~} أي منهم { وقول معروف } أي بالتسليم والإذعان وحسن الانقياد خير لهم مما ~~أظهروا من المحبة في الطاعة وما كشف حالهم عنه من الكراهة , ونكر الاسمين ~~ليكونا صالحين للتعظيم وما دونه , ثم سبب عنهما قوله مسندا إلى الأمر ما هو ~~لأهله تأكيدا لمضمون الكلام : { فإذا عزم الأمر } أي فإذا أمر بالقتال الذي ~~ذكر في أول السورة وغيره من الأوامر أمرا مجزوما به معزوما عليه { فلو ~~صدقوا الله } أي الملك الأعظم المحيط قدرة وعلما في قولهم الذي قالوه في ~~طلب التنزيل { لكان } صدقهم له { خيرا لهم * } أي من تعللهم وتسللهم عنه ~~لواذا على تقدير التنزيل في تسليم أن في جماحهم عن الأمر وتقاعدهم عنه نوع ~~خير , ويجوز أن يكون ( خير ) اسما لا للتفضيل ليفهم أن كذبهم شر لهم . | ~~ولما كان هذا تبكيتا لهم منأجل فتورهم عن أمر الله , سبب عن ذكل الفتور ~~بيان ما يحصل منه من ms4825 عظيم الفساد ويتأثر به من خراب البلاد وشتات العباد في ~~معرض سؤال في أسلوب الخطاب بد التبكيت والتهديد في أسلوب الغيبة تنبيها على ~~تناهي الغضب وبلوغه الغاية فقال تعالى : { فهل عسيتم } أي فتسبب عن تسرعكم ~~إلى السؤال في أن يأمركم الملك بما يرضيه , فإذا أجابكم فرحمكم بما يعلم ~~أنه أصلح الأشياء لكم وهو الجهاد كرهتموه ووجهتم منه وقعدتم عنه ان يقال ~~لكم لما يرى منكم من المخايل الدالة لعى ضعف الإيمان : هل يمكن عندكم نوع ~~إمكان وتتوقعون شيئا من توقع أن يكون حالكم جديرا وخليقا لتغطية علم ~~العواقب عنكم فتخافون من أنفسكم . | ولما كان المقام لذم الإعراض عن الأمر ~~, فصل بين ( عسى ) وخبرها بشرطية معبر فيها بالتولي بصيغة التفعل إشارة مع ~~نهاية الذم إلى أن المعرض عن أمر الله معرض عما تدعوه الفطرة الأولى ~~القويمة والعقل السديد إلى حسنه , فهو لا يعرض عنه إلا بمجاهدة منه لنفسه ~~فقال تعالى : { إن توليتم } أي بأنفسكم عن الجهاد الذي أمركم به ربكم الذي ~~عرفكم من فوائده ما لا مزيد عليه مما لا يتركه معه عاقل ولا يتخيل تركه إلا ~~على سبيل الفرض - بما أشارت إليه أداة الشرط - أو حصلت توليتكم بتحصيل محصل ~~أوجبها لكم وزينها في أعينكم حتى فعلتموها , وهذا المعنى الثاني هو المراد ~~ببنائه للمجهول في PageV07P168 رواية رويس عن يعقوب { أن تفسدوا } أي ~~توقعوا الإفساد العظيم الذي يستمر تجديده منكم { في الأرض } بقتال يكرهه ~~الله ويسخطه ويغضب أشد غضب على فاعله وتكونوا في غاية الجرأة عليه , فإن ~~الذي رحكمك بإنزال ما أنزل حكم بأن من جبن عما يرضيه رغبة في الآخرة اجترأ ~~على ما يسخطه حبا في الدنيا , وقد كنتم في الجاهلية على ذلك في الغارة من ~~بعضكم على بعض ونحو ذلك { وتقطعوا } تقطعيا عظيما شديدا كثيرا منتشرا كبيرا ~~{ أرحامكم * } فتكونوا بذلك أعزة على المؤمنين كما كنتم أذلة على الكافرين ~~, وأقل ما في إعراضكم خذلانكم للمؤمنين المجاهدين بما قد يكون سببا لظهور ~~الكافرين عليهم فتكونوا بذلك قد جمعتم بين قطيعة أرحامهم وفقدكم ms4826 لما كان ~~يصل إليكم من منافعهم , فإن كففتم بعدهم عن قتلهم كنتم مع ما فاتكم من ~~خيرهم أجبن الناس وأرضاهم بالار , وإن تعاطيتم الأخذ بثأرهم كنتم كمن أخذ ~~في فعل ما أمر به بعد فواته وأن له ذلك , وقد علم من هذا أن من أمر ~~بالمعروف وجاهد أهل المنكر أمن الإفساد في الأرض وقطعية الرحمن , ومن تركه ~~وقع فيهما , ويمكن أن يكون ( توليتم ) من ولاية الأمر , فتكون الآية مشيرة ~~إلى ولاية الفجرة ومنذرة بذلك أن اصنع الأمر بالمعروف , وقد وقع ذلك وشوهد ~~ما ابتنى عليه من الفساد والقطيعة , وعزائم الأنكاد وسوء الصنيعة . | < < # | محمد : ( 23 - 26 ) أولئك الذين لعنهم . . . . . # > > ^ ( أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم * أفلا يتدبرون ~~القرآن أم على قلوب أقفالهآ * إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين ~~لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل ~~الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم ) ^ } ) | ولما بين لهم ما ~~يكون ممن تثاقل عن أمر الله , لأن الملك لا يطرق احتمالا في شيء إلا وهو ~~واقع فرقا بين كالمه وكلام غيره , فكيف بملك الملوك المحيط بكل شيء قدرة ~~وعلما , بين حالهم الذي أنتج لهم ذلك , فقال ملتفتا عنهم إيذانا بالغضب ~~مخاطبا لمن جبل على الشفقة على خلق الله والرحمة لهم إعلاما له بأن هؤلاء ~~قد تحتم شقاؤهم فليسوا بأهل للشفاعة فيهم ولا للأسى عليهم : { أولئك } أي ~~البعداء البغضاء { الذين لعنهم الله } أي طردهم أشد الطرد الملك الأعظم لما ~~ذكر من إفسادهم وتقطيعهم ؛ ثم سبب عن لعبهم قوله تعالى : { فأصمهم } عن ~~الانتفاع بما يسمعون { وأعمى أبصارهم * } عن الارتفاق بما يبصرون , فليس ~~سماعهم سماع ادكار , ولا إبصارهم إبصار اعتبار , فلا سماع لهم ولا إبصار . ~~| PageV07P169 ولما أخبر بذلك فكان ربما سأل من لا يعي الكلام حق وعيه عن ~~السبب الموجب للعن المسبب للصم والعمى , أجابه بقوله منكرا موبخا مظهرا ~~لتاء التفعل إشارة إلى أن المأمور به صرف جميع الهمة ليهتدوا إلى كل خير { ~~القرآن } بأن يجهدوا ms4827 أنفسهم في أن الأرحام والإخلاص لله في لزوم كل طاعة ~~والبراءة من كل معصية مثل الأمر بالمعرف من الجهاد بالسيف وما دونه , وربما ~~دل إظهار التاء على أن ذلك من أظهر ما في القرآن من المعاني , فلا يحتاج في ~~العثور عليه إلى كبير تدبر - والله أعلم . | ولما كان الاستفهام إنكاريا ~~فكان معناه نفيا , فهو لكونه داخلا على النفي نفي له فصار إثباتا , فكان ~~كأنه قيل : هل يجدوون التدبر تجديدا مستمرا لترق قلوبهم به وتنير بصائرهم ~~له , فيكفوا عن الإفساد والتقطيع , عادله بقوله مشبها للقلوب بالصناديق ~~دالا على ذلك التشبيه بذكر ما هو مختص بالصناديق من الأقفال : { أم على ~~قلوب } من قلوب الغافلين لذلك , ونكرها لتبعيضها وتحقيرها بتعظيم قسوتها { ~~أقفالها * } أي الحقيقة بها الجديرة بأن تضاف إليها , فهي لذلك لا تعي شيئا ~~ولا تفهم أمرا ولا تزداد إلا غباوة وعنادا , لأنها لا تقدر على التدبر , ~~قال القشيري : فلا تدخلها زواجر التنبيه ولا ينبسط عليها شعاع العلم , فلا ~~يحصل لهم فهم الخطاب , والباب إذا كان مقفلا فكما لا يدخل فيه شيء فلا يخرج ~~ما فيه , فلا كفرهم يخرج ولا الإيمان الذي يدعون إليه يدخل - انتهى . | ~~والإضافة تشعر بأن بعض المتولين على قلوبهم أقفال , لكن ليست متمكنة فيها , ~~فهو سبحانه يفتحها بالتوبة عليهم إذا أراد , وأما الأولون فلا صلاحية لهم , ~~وفي هذه الآية أعظم حاث على قبول أوامر الله لا سيما الجهاد في سبيله وأشد ~~زاجر عن الإعراض عنه لأن حاصلها أنه لعن من أعرض عنه لكونه لا يتدبر القرآن ~~مع وضوحه ويسره ليعلم فوائد الجهاد الداعية إليه المحببة فيه , فكان كأن ~~قلبه مقفل , والآية من الاحتباك : ذكر التدبر أولا دليلا على ضده ثانيا , ~~والأقفال ثانيا دليلا على ضدها أولا , وسره أنه ذكر نتيجة الخير الكافلة ~~بالسعادة أولا وسبب الشر الجامع للشقاوة ثانيا . | ولما أخبر سبحانه وتعالى ~~بأقفال قلوبهم , بين منشأ ذلك , فقال مؤكدا تنبها لمن لا يهتم بهعلى أنه ~~مما ينبغي الاهتمام بالنظر فيه ليخلص الإنسان نفسه منه , وتكذيبا لمن يقال ~~: إن ms4828 ذلك حسن : { إن الذين ارتدوا } أي عالجوا نفوسهم في منازعة الفطرة ~~الأولى في الرجوع عن الإسلام , وهو المراد بقوله : { على أدبارهم } أي من ~~أهل PageV07P170 الكتاب وغيرهم , فقلبوا وجوه الأمور إلى ظهورها , فوقعوا ~~في الضلال فكفروا . | ولما كان الذي يلامون عليه ترك ما أتاهم به النبي صلى ~~الله عليه وسلم مما أوحاه الله سبحانه إليه من الشريعة , لا ما في غرائزهم ~~من الملة التي يكفي في الهداية إليها نور العقل , وكان الذم لاحقا بهم ولو ~~كان ارتدادهم في أدنى وقت , أثبت الجار فقال : { من بعد ما تبين } غاية ~~البيان الذي لا خفاء معه بوجه وظهر غاية الظهور { لهم } بالدلائل التي هي ~~من شدة ظهورها غنية عن بيان مبين { الهدى } أي الذي أتاهم به رسولنا صلى ~~الله عليه وسلم . | ولما كانوا قد أحرقوا بذلك أنفسهم وأبعدوها به غاية ~~البعد عن كل خير , عبر عن المغوي بما يدل على ذلك فقال تعالى : { الشيطان } ~~أي المتحرق باللعنة البعيد من الرحمة { سول } أي حسن { لهم } بتزيينه ~~وإغوائه الذي حصل لهم منه استرخاء في عزائمهم وفتور في هممهم فجروا معه في ~~مراده في طول الأمل , والإكثار من مواقعه الزلل والأماني من جميع الشهوات ~~والعلل , بعد أن زين لهم سوء العمل , بتمكين الله له منهم , وهذا لما علم ~~سبحانه منهم حال الفطرة الأولى { وأملى لهم * } أي أطال في ذلك ووسع بتكرار ~~ذلك عليهم على تعاقب الملوين ومر الجديدين حتى نسوا المواعظ وأعرضوا عن ~~الذكر هذا على قراءة الجماعة بفتح الهمزة واللام , وأما على قراءة البصريين ~~بضم الهمزة وكسر اللام فالمراد أن الله تعالى هو المملي - أي الممهل - لهم ~~بإطالة العمر وإسباغ النعم , وتسهيل الأماني والحلم , عن المعاجلة بالنقم , ~~حتى اغتروا , وهي أيضا موافقة لقوله تعالى < # > 77 ( { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين } ) 77 < # > [ القلم : 45 ] , وأما في قراءة أبي عمرو بفتح الياء فهو فعل ماض مبني ~~للمفعول , ودل على أن المملي هو الله سبحانه وتعالى قراءة يعقوب بإسكان ~~الياء على أنه مضارع همزته ms4829 للمتكلم . | ولما بين تسليطه الشيطان عليهم , ~~بين سببه فقال : { ذلك } أي الأمر البعيد من الخير وما دل عليه صريح العقل ~~{ بأنهم } أي بسبب أن هؤلاء المتولين { قالوا للذين كرهوا ما } أي جميع ما ~~{ نزل الله } أي الملك الأعظم على التدريج بحسب الوقائع تنزيلا فيه إعجاز ~~الخلق في بلاغة التركيب مع فصاحة المفردات وجزالتها مع السهولة في النطق ~~والعذوبة في السمع والملاءمة للطبع كما يشهد به كل ذوق من الأغبياء ~~والأذكياء على تباينهم في مراتب الغباوة والذكاء , وإعجاز آمخر لهم في ~~رصانة المعنى وحمته , وثالث في مطابقته للحال الذي اقتضى نزوله مطابقة يعجز ~~الخلق عن الإتيان بمثلها , ورابع بنظمه مع ما نزل قبله من الآيات , لا على ~~ترتيب النزول , بل على ما اقتضته الحكمة التي تتضاءل دونها الأفكار , وتولى ~~خاسئة من جلالتها على الأدبار , بصائر أولي PageV07P171 الأبصار , وهؤلاء ~~المقول لهم هذا الكلام هم - والله أعلم - المصارحون بالكفر , قالوا لهم بعد ~~هذه الأدلة من الإعجازات , وما تقدمها من الآيات البينات الواضحات : { ~~سنطيعكم } بوعد صادق لا خلق فيه { في بعض الأمر } وهو القتال في سبيل الله ~~الذي تقدم أنهم عند نزول سورة يذكر بها يصيرون كالذي يغشى عليه من الموت , ~~فأنتم في أمان من أن نقاتلكم أبدا , فإنا إنما أسلمنا للأمان على دمائنا ~~وأموالنا , والذي نحبه مما ينزل هو التأمين لمن أقر بكلمة الإسلام والقناعة ~~منه بالظاهر والوعد العام بالتبسط في البلاد والتوسعة فيالأرزاق ونحو ذلك , ~~فكانوا بذلك كفرة فإن الدين لا يتجزأ , فمن أضع من أوله شيئا فقد أضاعه كله ~~, والتقييد بالبعض يفهم أنهم لا يطيعونهم في البعض الآخر , وهو إظهار ~~الإسلام والتصور بصورة المسالمة , وذلك كله بأن الله تعالى جبلهم جبلة ~~هيأهمفيها لمثل هذا , فلما قالوه مضيعين لما من عليهم من غريزة العقل ~~استحقوا في مجاري عاداتنا لاختيارهم طاعة العدو - مع تعييب علم العواقب ~~عنهم - أن يخذلوا ويسلط عليهم ليكون أخذهم في الظاهر ممن أطاعوه في الباطن ~~, ولو أنهم استمسكوا بدينهم وكانوا مع أهله يدا على من سواهم لم يقدر عليهم ms4830 ~~عدو , ولا طرقتهم طارقة يكرهونها سوء . | ولما كان من له أدنى عقل لا يخون ~~إلا إذا ظن أن خيانته تخفي ليأمن عاقبتها , صور قباحة ما ارتكبوه فقال : { ~~والله } أي قالوا ذلك والحال أن الملك الأعظم المحيط بكل شيء علما وقدرة { ~~يعلم } على مر الأوقات { إسرارهم * } أي كلها هذا الذي أفشاه عليهم وغيره ~~مما في ضمائرهم مما لم يبرز على ألسنتهم , ولعلهم لم يعلموه هم فضلا عن ~~أقوالهم التي تحدثت بها ألسنتهم فبان بذلك أنه لا أديان لهم ولا عقول ولا ~~مروءات . | < < # | محمد : ( 27 - 30 ) فكيف إذا توفتهم . . . . . # > > ^ ( فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم * ذلك بأنهم ~~اتبعوا مآ أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم * أم حسب الذين في قلوبهم ~~مرض أن لن يخرج الله أضغانهم * ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ~~ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم ) ^ } ) | ولما بين تعالى إحاطة ~~علمه بهم , أتبعه إحاطة قدرته فقال تعالى مسببا عن خيانتهم وهم في القبضة ~~بما لا يخفى مما يريدون به صيانة أنفسهم عن القتل معبرا بالاستفهام تنبيها ~~على أن حالهم ممايجازون به على هذا الاستحقاق له من البشاعة والقباحة ~~والفظاعة ما يحق السؤال عنه لأجله فقال : { فكيف } أي حالهم { إذا توفتهم ~~الملائكة } أي قبضت رسلنا وهم ملك الموت وأعوانه أرواحهم كاملة , فجازتها ~~إلى دار الجزاء PageV07P172 مقطوعة عن جميع أسبابهم وأنسابهم فلم ينفعهم ~~تقاعدهم عن الجهاد في تأخير آجالهم , وصور حالهم وقت توفيهم فقال : { ~~يضربون } أي يتابعون في حال التوفية ضربهم { وجوههم } التي هي أشرف جوارحهم ~~التي جنبوا عن الحرب صيانة لها عن ضرب الكفار . | ولما كان حالهم في جبنه ~~مقتضيا لضرب الأقفاء , صوره بأشنع صوره فقال : { وإدبارهم * } التي ضربها ~~أدل ما يكون على هوان المضروب وسفالته ثم تتصل بعد ذلك آلآمهم وعذابه ~~وهوانهم إلى ما لا آخر له . | ولما كان كفران النعيم يوجب مع إحلال النعم ~~إبطال ما تقدم من الخدم قال : { ذلك } أي الأمر العظيم الإهانة من فعل ~~رسلنا بهم { بأنهم اتبعوا } أي عالجوا فطرهم الأولى في أن تبعوا ms4831 عنادا منهم ~~{ ما أسخط الله } أي الملك الأعظم وهو العمل بمعاصيه من موالاة أعدائه ~~ومناواة أوليائه وغير ذلك . | ولما كان فعل ما يسخط قد يكون مع الغفلة عن ~~أنه يسخط , بين أنهم ليسوا كذلك فقال تعالى : { وكرهوا } أي بالإشراك { ~~رضوانه } بكراهتهم أعظم أسباب رضاه وهو الإيمان , فهم لما دونه بالقعود عن ~~سائر الطاعات أكره , لأن ذلك ظاهر غاية الظهور في أنه مسخط ففاعله مع ذلك ~~غير معذور في ترك النظر فيه { فأحبط } أي فلذلك تسبب عنه أنه أفسد { ~~أعمالهم * } الصالحة فأسقطها بحيث لم يبق لها وزن أصلا لتضييع الأساس من ~~مكارم الأخلاق من قرى الضيف والأخذ بيد الضعيف والصدقة والإعتاق وغير ذلك ~~من وجوه الإرفاق . | ولما صور سبحانه ما أثرته خيانتهم بأقبح صوره , فبان ~~به أنه ما حملهم على ما فعلوه إلا جهلهم وسفاهتهم , فأنتج إهانتهم بالتبكيت ~~فقال عاطفا على ما تقديره : أعلموا حين قالوا ما يسخطنا أنا نعلم سرهم ~~ونجواهم , وإن قدرتنا محيطة بهم ليكونوا قد وطنوا أنفسهم على أنا نظهر ~~للناس ما يكتمونه نأخذهم أخذا وبيلا فيكونوا أجهل الجهلة : { أم } حسبوا ~~لضعف عقولهم - بما أفهمه التعبير بالحسبان - هكذا كان الأصل , ولكنه عبر ~~بما دل على الآفة التي أدتهم إلى ذلك فقال تعالى : { حسب الذين في قلوبهم } ~~التي إذا فسدت فسد جميع أجسادهم { مرض } أي آفة لا طب لها حسبانا هو في ~~غاية الثبات بما دل عليه التأكيد في قوله سبحانه وتعالى : { أن لن يخرج ~~الله } أي يبرز من هو محيط بصفات الكمال للرسول صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين رضوان الله عليهم على سبيل التجديد والاستمرار { أضغانهم * } أي ~~ميلهم وما يبطنونه في دواخل أكشحهم من اعوجاجهم الدال على أحقادهم , وهي ~~أنهم كاتمون عداوة في قلوبهم مصرون عليهم يترقبون الدوائر لانتهاز فرصتها , ~~ليس الأمر كما توهموا بل الله يفضحهم ويكشف تلبيسهم . | PageV07P173 ولما ~~علم من ذلك إحاطة علمه سبحانه وتعالى وشمول قدرته علم ما له سبحانه من باهر ~~العظمة وقاهر العزة , فنقل الكلام إلى أسلوبها تنبيها على ذلك عاطفا على ما ms4832 ~~تقديره : خابت ظنونهم وفالت آراؤهم فلنخرجن ما يبالغون في تسره حتى لا ندع ~~منه شيئا يريدون إخفاءه إلا كشفناه وأبديناه للناس وأوضحناه , فإنا نعلمهم ~~ونعلم ذلك منهم من قبل أن نخلقهم , فلو نشاء لفضحناهم حتى يعرفهم الناس ~~أجمعون , فلا يخفى منهم أحد على أحد منهم فقال تعالى : { ولو } ويجوز أن ~~تكون واو للحال أي أم حسبوا ذلك والحال أنا لو { نشاء } أي وقعت منا مشيئة ~~الآن أو قبله أو بعده . | ولما كانوا لشدة جهلهم لا يتصورون أن سائرهم كلها ~~معلومة مقدور على أن يعلمها بشر مثلهم , أكد قوله : { لأريناكهم } أي رؤية ~~تامة كاشفة لك الغطاء عنهم { فلعرفتهم } أي فتعقبت رؤيتك إياهم معرفتك لهم ~~أنت بخصوصك { بسيماهم } أي بسبب علاماتهم التي نجعلها عالية عليهم غالبة ~~لهم في إظهار ضمائرهم عليها لا يقدرون على مدافعتها بوجه , ولم يذكرهم ~~سبحانه بأسمائهم إبقاء على قراباتهم المخلصين من الفتن . | ولما انقضى ما ~~علق بالمشيئة مما كان ممكنا له في الماضي وغيره , عطف عليه ما يجزه له مما ~~كشف منأمرهم في المستقبل فقال مؤكدا لاستبعاد من يستبعد ذلك منهم أو ممن ~~شاركهم في مرض القلب من غيرهم فقال في جواب قسم محذوف دل عليه باللام : { ~~ولتعرفنهم } أي بعد هذا الوقت معرفة تتجدد بحسب تجدد أقوالهم مستمرة ~~باستمرار ضمائرهم الخبيثة وإسرارهم { في لحن القول } أي الصادر منهم , ~~ولحنه فحواه أي معناه ومذهبه وما يدل عليه ويلوح به من مثله عن حقائقه إلى ~~عواقبه وما ( يؤول إليه ) أمره مما يخفى على غيرك , وقال ابن برجان : هو ما ~~تنحوا إليه بلسانك أي تميل إليه ليفطن لك صاحبك وتخفيه على من لم يكن له ~~عهد بمرادك , وعلىالقول بالتحقيق فلحن لك صاحبك وتخفيه على من لم يكن له ~~عهد بمرادك , وعلى القول بالتحقيق فلحن القول ما يبدوا من غرض الكلام ~~وخفيات الخطاب وسياق اللفظ وهيئة السحنة حال القول وإن لم يرد المتكلم أن ~~يظهره ولكنه على الأغلب يغلبه حالا , فلا يقدر على كل كتمه وإن كان في ~~تكليمه معتمدا على ذلك ms4833 , وحقيقته حال يلوح عن السر وإظهار كلام الباطن يكاد ~~يناقض كلام اللسان بحال خفية ومعان يقف عليها باطن التخاطب وقال : | ولقد ~~لحنت لكم لكيما تفقهوا واللحن يعرفه ذوو الألباب | وقال آخر : | عيناك قد ~~دلتا عيناي منك على أشياء لولاهما ما كنت أدريها | وقال أبو حيان : كانوا ~~اصطلحوا على الفاظ يخاطبون بها الرسول صلى الله عليه وسلم مما ظاهره ~~PageV07P174 حسن ويعنون به القبيح , وقال الأصبهاني : وقيل للمخطىء : لاحن ~~لأنه يعدل بالكلام عن الصواب : وقال البغوي : للحن وجهان : صواب وخطأ , ~~فالفعل من الصواب لحن يلحن لحنا فهو لحن - إذا فطن للشيء , والفعل من الخطأ ~~لحن يلحن لحنا فهو لاحن , والأصل فيه إزالة الكلام عن جهته , قال : فكان ~~بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي صلى الله عليه وسلم إلا عرفه , وقال ~~الثعلبي : وعن أنس رضي الله عنه : ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين , كان يعرفهم بسيماهم , ولقد كنا في ~~غزوة وفيها سبعة من المنافقين يشكرهم الناس فناموا ذات ليلة وأصبحوا على ~~جبهة كل واحد منهم مكتوب ( هذا منافق ) ومثل ابن عباس رضي الله عنهم بقوله ~~: ( ما لنا إن أطعنا من الثواب ) قال : ولا يقولون : ما لنا إن عصينا من ~~العقاب . | ولما أخبر سبحانه أنه يعلم ظواهرهم وبواطنهم , وأنه يجليهم ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم في صور ما يخفونه من أقوالهم , وأكد ذلك لعلمه ~~بشكهم فيه , واجههم بالتبكيت زيادة في إهانتهم عاما لغيرهم إعلاما بأنه ~~محيط بالكل فقال عاطفا على ما تقديره : فالله يعلم أقولكم : { والله } أي ~~مما له من صفات الكمال { يعلم أعمالكم * } كلها الفعلية والقولية جليها ~~وخفيها , علما ثابتا غيبيا وعلما راسخا شهوديا يتجدد بحسب تجددها مستمرا ~~باستمرار ذلك . | < < # | محمد : ( 31 - 33 ) ولنبلونكم حتى نعلم . . . . . # > > ^ ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم * إن ~~الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشآقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن ~~يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم * يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول ms4834 ولا تبطلوا أعمالكم ) ^ } ) | ولما أخبر سبحانه أنه يعرفهم لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم , أتبعه الإخبار بأنه يعرفهم لكافة المؤمنين أيضا , ~~فقال مؤكدا لأجل ظنهم أن عندهم من الملكة الشديدة والعقل الرصين ما يخفون ~~به أمورهم : { ولنبلونكم } أي نعاملكم معاملة المبتلى بأن تخالطكم بما لنا ~~من صفات العظمة بالأوامر الشديدة على النفوس النواهي الكريهة إليها والمصاب ~~, خلطة مميلة محيلة , وهكذا التقدير في الفعلين الآتيين في قراءة الجماعة ~~بالنون جريا على الأسلوب الأول , وفي قراءة أبي بكر عن عاصم بالياء الضمير ~~لله تعالى الذي هو محيط بصفات العظمة الراجعة إلى القهر وغيرها من صفات ~~الإكرام الآئلة إلى الإنعام , فهو في غاية الموافقة لقراءة النون { حتى ~~نعلم } بالابتلاء علما شهوديا يشهده غيرنا مطابقا لما كنا تعلمه علما غيبيا ~~فنستخرج من سرائركم ما كوناه فيكم وجبلناكم عليه مما لا يعلمه أحد ~~PageV07P175 منكم بل ولا تعلمونه أنتم حق علمه { المجاهدين منكم } في ~~القتال وفي سائر الأعمال والشدائد والأهوال امتثالا للأمر بذلك . | ولما ~~كان عماد الجهاد الصبر على المكاره قال تأكيدا لأمره : { والصابرين } أي ~~على شدائد الجهاد وغيره من الأنكاد , قال القشيري : فبالابتلاء والامتحان ~~تتبين جواهر الرجال , فيظهر المخلص ويتضح المماذق وينكشف المنافق . | ولما ~~نصب معيارا للعلم بالذوات , أتبعه مسبارا للمعرفة للأخيار , فقال عاطفا على ~~( نعلم ) في رواية الجماعة وعلى ( نبلو ) في الرواية عن يعقوب بإسكان الواو ~~: { ونبلوا أخباركم } أي نخالطها بأن نسلط عليها من يحرفها فيجعل حسنها ~~قبيحا وقبيحا مليحا ليظهر للناس العامل لله والعامل للشيطان , فإن العامل ~~لله إذا سمى قبيحه باسم الحسن علم أن ذلك إحسان من الله إليه فيستحيي منه ~~ويرجع إليه , وإذا سمى حسنه باسم القبيح واشتهر به علم أن ذلك لطف من الله ~~به كيلا يدركه العجب أو يهاجمه الرياء فيزيد في إحسانه , والعامل للشيطان ~~يزداد في القبائح . | لأن شهرته عند الناس محط نظره , ويرجع عن الحسن لأنه ~~لم يوصله إلى ما أراد به من ثناء الناس عليه بالخبر ولم يؤكد بنا , وفي ~~قراءة يعقوب إشارة إلى أن إحالة حال ms4835 المخبر بعد ظهور خبره أسهل من إحالته ~~قبل ظهوره , وعن الفضيل أنه كان إذا قرأ هذه الآية بكى وقال : اللهم لا ~~تبلنا فإنك إن بلوتنا هتكت أستارنا وفضحتنا . | ولما جرت العادة بأن ~~الإنسان لا يعذب ولا يهدد إلى من ضره كما تقدم من الإخبار بنكالهم وقبيح ~~أعمالهم مهيئا للسؤال عن ذلك فاستأنف قوله مؤكدا لظنهم أنهم هم الغالبون ~~لحزب الله : { إن الذين كفروا } أي غطوا من دلت عليه عقولهم من ظاهر آيات ~~الله لا سيما بعد إرسال الرسول المؤيد بواضح المعجزات صلى الله عليه وسلم { ~~وصدوا } أي امتنعوا ومنعوا غيرهم زيادة في كفرهم { عن سبيل الله } أي ~~الطريق الواضح الذي نهجه الملك الأعظم . | ولمنا كان أكثر السياق للمساترين ~~بكفرهم , أدغم في قوله : { وشاقوا الرسول } أي الكامل في الرسلية المعروفة ~~غاية المعرفة . | ولما كان سبحانه قد عفا عن إهمال الدليل العقلي على ~~الوحدانية قبل الإرسال , قال مثبتا الجار إعلاما بأناه لايغفر لمضيعه بعد ~~الإرسال ولو في أدنى وقت : { من بعد ما تبين } أي غاية التبين بالمعجز { ~~لهم الهدى } بحث صار ظاهرا بنفسه غير محتاج بما أظهره الرسول من الخوارق ~~إلى مبين , ومنه ما أخبرت به الكتب القديمة الإليهة . | ولما كان المناصب ~~للرسول إنما ناصب من أرسله , دل على ذلك بقوله معريا له من الفاء دلالة على ~~عدم التسبيب بمعنى أن عدم هذا الضر موجود عملوا أو لم يعملوا وجدوا أو لم ~~يوجدوا { لن يضروا الله } أي ملك الملوك , ولم يقل : الرسول { شيئا } أي ~~كثيرا ولا قليلا من ضرر بما تجمعوا عليه من الكفر والصد . | PageV07P176 ~~ولما كان التقدير : إنما ضروا أنفسهم ناجزا بأنهم أتعبوها مما لم يغن عنهم ~~شيئا . | عطف عليه : { وسيحبط } أي يفسد فيبطل بوعد لا خلق فيه { أعمالهم * ~~} من المحاسن لبنائها من المنافق على غير أساس ثابت , فهو إنما يرائي بها , ~~ومن المجاهر على غير أساس أصلا , فلا ينفعهم شيء منها , ومن المكائد التي ~~يريدون بها توهين الإسلام ونجعل تدميرهم بها في تدبيرهم وإن تناهوا في ~~إحكامها , فلا تثمر لهم ms4836 إلا عكس مرادهم سواء . | ولما حدى ما تقدم كله من ~~ترغيب المخلص وترهيب المتردد والمبطل إلى الإخلاص ودعا إلى ذلك مع بيان أنه ~~لا غرض أصلا , وإنما هو رحمة ولطف وإحسان ومن , أنتج قوله مناديا من احتاج ~~إلى النداء من نوع بعد لاحتياجه إلى ذلك وعدم مبدرته قبله : { يا أيها ~~الذين آمنوا } أي أقروا بألسنتهم { أطيبعوا الله } أي الملك الأعظم تصديقا ~~لدعواكم طاعته بشدة الاجتهاد فيها أنها خالصة , وعظم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بإفراده فقال تعالى : { وأطيعوا الرسول } لأن طاعته من طاعة الذي ~~أرسله , فإذا فعلتم ذلك حققتم أنفسكم وأعمالكم كما مضى أول السورة , فتكون ~~صحيحة ببنائها على الطاعة بتصحيح النيات وتصفيتها مع الإحسان للصورة في ~~الظاهر ليكمل العمل صورة وروحا . | ولما كانت الاطاعة قد تحمل على إقامة ~~الصورة الظاهرة , قال منبها على الإخلاص لتكمل حسا ومعنى : { ولا تبطلوا ~~أعمالكم * } أي بمعصيتهما , فإن الأعمال الصالحة بلا معنى , فهي مما يكون ~~هباء منثورا مثل ما فعل أولئك المظهرون للإيمان المبطنون للمشاققة بالنفاق ~~والرياء والعجب والملء والأذى ونحو ذلك من المعاصي , ولكن السياق بسياقه ~~ولحاقه يدل على أن الكفر هو المراد الأعظم بذلك , والآية من الاحتباك : ذكر ~~الطاعة أولا دليلا على المعصية ثانيا , والإبطال ثانيا دليلا على الصحة ~~أولا , وسره أنه أمر بمبدأ السعادة ونهى عن نهاية الفساد ثانيا , لأنه أعظم ~~في النهي عن الفساد لما فيه من تقبيح صورته وهتك سريرته . | < < # | محمد : ( 34 - 36 ) إن الذين كفروا . . . . . # > > ^ ( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر ~~الله لهم * فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم ~~أعمالكم * إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا ~~يسألكم أموالكم ) ^ } ) | ولما دل ما أخبر به أولا عن المشاققين على أنهم ~~مغلوبون في الدنيا خاسرون في الآخرة , وكانت الخسارة في الآخرة مشروطة بشرط ~~, علل ما أمر به المؤمنون هنا من الطاعة ونهوا عنه من إبطال الأعمال ~~بالمعصية , زيادة في حثهم على ما أمر ms4837 به بعلتين كل PageV07P177 منهما مستقل ~~بامتثال أمره واجتناب نهيه : غحدهما عدم المغفرة , والثانية بطلان الأعمال ~~والأموال بكون الدنيا لا حقيقة لها , وقدم الأولى لأن الثانية - وهي أن ~~الدنيا لعب - كالعلة الحاصلة على ما أوجبها , ومن حسن التعليم بيان الحكم ~~ثم تعليله بأقرب ما يحمل عليه أو يصد عنه , فكأنه قيل : لا تبطلوها بالصد ~~عن سبيل الله الحامل عليه الإقبال على الدنيا التي هي عين الباطل , فإنكم ~~إن فعلتم ذلك فاتتكم المغفرة , وذلك من معنى قوله تعالى مؤكدا لإنكارهم ~~مضمونه : { إن الذين كفروا } أي أوقعوا الكفر بفعلهم فعل الساتر لما دله ~~عليه عقله من آيات الله المرئية ثم المسموعة { وصد وا عن سبيل الله } أي ~~طريق الملك الأعلى الواضح المستقيم الموصل إلى كل ما ينبغي أن يقصد كل من ~~أراده بتماديهم على باطلهم وأذاهم لمن خالفهم . | ولما كان هذا أمرا قبيحا ~~منجهات عديد لما فيه من مخالفة الملك الأعظم المرهوب بطشه المحذورة سطوته , ~~ومن ترك الواسع إلى الضيق والمستقيم إلى المعوج والموصل إلى الفوز إلى ~~الموصل إلى الخيبة , فكان التمادي فيه في غاية البعد , نبه على ذلك بأداة ~~التراخي فقال : { ثم ماتوا } أي بعد المدلهم في مضمارهم بالتطويل في ~~أعمارهم { وهم } أي والحال أنهم { كفار } ولما كان السبب الأعظم في الإحباط ~~الموت على الكفر , نبه عليه بالفاء الدالة على ربط الجزاء بالشرط وتسببه ~~عنه فقال مؤكدا له لإنكارهم ذلك : { فلن يغفر الله } أي المحيط بجميع صفات ~~الكمال التي تمنع من تسوية المسيء بالمحسن { لهم } فلا يمحو ذنوبهم ولا ~~يستر عيوبهم , بل يفضح سرائرهم ويوهن كيدهم ويردهم على أعقابهم في كل ما ~~يتقلبون فيه لأنهم قد أبطلوا أعمالهم بالخروج عن دائرة الطاعة , فمل يبق ~~لهم ما يغفر لهم بسببه , وقد دلت هذه الآية على ما دلت عليه آية البقرة من ~~أن إحباط العمل في المرتد مشروط بالموت على الكفر . | ولما قدم سبحانه ذم ~~الكفرة وأنه عليهم وأنه يبطل أعمالهم في الدنيا في الحرب وغيرها , وختم بأن ~~عداوته لهم متحتمة لا انكفاك لها ms4838 , وكان ذلك موجبا للاجتراء عليهم , سبب ~~عنه قوله مرغبا لهم في لزوم الجهاد محذرا من تركه : { فلا تهنوا } أي ~~تضعفوا ضعفا يؤدي بكم إلى الهوان والذل { وتدعوا } أي أعداءكم { إلى السلم ~~} أي المسالمة وهي الصلح { وأنتم } أي والحال أنكم { الأعلون } على كل من ~~ناواكم لأن الله عليهم , ثم عطف على الحال قوله : { والله } أي الملك ~~الأعظم الذي لا يعجزة شيء ولا كفوء له { معكم } أي بنصره ومعونته وجميع ما ~~يفعله الكرمي إذا كان مع غيره , ومن علم أن سيده معه وعلم أنه قادر على ما ~~يريد لم يبال بشيء أصلا { ولن يتركم أعمالكم * } أي فيسلبكموها فيجعلكم ~~وترا منها بمعنى أنه يبطلها كما يفعل مع أعدائكم PageV07P178 في إحباط ~~أعمالهم فيصيرون مفردين عنها لأنكم لم تبطلوا أعمالكم بجعل الدنيا محط ~~أمركم , فلا يجوز لإمام المسلمين أن يجيب إلى مسالمة الكفار وبه قوة على ~~مدافعتهم , ولايحل له ترك الجهاد إلا لمعنى يظهر فيه النظر للمسلمين , ومتى ~~لم يجاهد في سبيل الله انصرف بأسه إلى المسلمين . | ولما أتم العلة الأولى ~~أقبل على الثانية الصادة عن الطاعة القائدة إلى المعصية الملائمة للشهوة ~~المبطلة للأعمال الموجبة للتهاون المؤدي إلى عدم المغفرة , فقال مرغبا في ~~طاعته الموجبة للفوز الدائم ببيان قصر أيام المحنة وتجرع مرارات المشقة : { ~~إنما الحياة } وأشار إلى دناءتها تنفيرا عنها بقوله : { الدنيا } ولما كان ~~مطلق العلو موجبا لأعظم اللذاذة فيكيف إذا كان موجبه الدين الضامن لدوام ~~اللذة موصولا دنيويها بأخرويها , وكان اللعب ما ينشأ من زيادة البسط وينقضي ~~بسرعة مع دلالته على الخفةكالرقص , قدمه إشارة إلى أن العاقل من يسعى في ~~زيادة بسط يحمل على الرزانة ويدوم , وأتبعه اللهو لأنه ما يستجلب به السرور ~~كالغنا إشارة إلى أنه إن كان المراد بالدنيا زيادة بسطها فهو ينقضي بسرعة , ~~مع ما فيه من الرعونة , وإن كان المراد أصل البسط والسرور فعندكم منه ~~بالعلو الحاصل لكم بالجهاد ما هو في غاية العظمة والجد والثبات فلا سفه ~~أعظم من العدول عنه إلى ما إن سر حمل على الطيش ms4839 وانقضى بسرعة , فقال : { ~~لعب } أي أعمال ضائعة سافلة تزيد في السرور ويسرع اضمحلاله , تتبعوها ~~تكفروا وتبطروا وتجترئوا على الله , وإن تكفرا به وتجترئوا عليه تبطل ~~أجوركم فلا يكون لكمأجر ولا مال لأنه يبطل أعمالكم وأموالكم بكونها تصير ~~صورا لا معاني لها . | ولما صور سبحانه الدنيا بألذ صورها عند الجاهل ~~وأمضها عند العاقل , وحاصله أنها زيادة سرور لمن كان مسرورا , واستجلاب له ~~لمن كان مضرورا , لكنه سريع الانصرام بخلاف ثمرة الاجتماع على الدين من ~~سرور العلو بالإسلام , فإنه باق على الدوام , علم أن التقدير بناء على ما ~~تبع وصف الدنيا , والآخرة جد وعمل وحضور فإن تقبلوا عليها تؤمنوا وتتقوا ~~فلا تخدعنكم الدنيا على دناءتها عن نيل الآخرة بالجهاد الأكبر والأصغر على ~~شرفها وشرفه , قال بانيا على ما أرشد السياق إلى تقديره : { وإن تؤمنوا ~~وتتقوا } أي تخافوا فتجعلوا بينكم وبين غضبه سبحانه وقاية من جهاد أعدائه ~~ومقاساة لفح إيقاد الحروب وحر الأمر بالمعروف وإنفاق الأموال في ذلك , ~~فتكونوا جادين فتتركوا اللهو واللعب القائدين إلى الكفر { يؤتكم } أي الله ~~الذي فعلتم ذلك من أجله في PageV07P179 الدار الآخرة { أجوركم } أي ثواب كل ~~أعمالكم لبنائها على الأساس ولأنه غني لا ينقصه إلا عطاء , والآية من ~~الاحتباك : ذكر الحياة الدنيا واللهو واللعب أولا دال على ذكر الآخرة والجد ~~ثانيا , وذكر الإيمان والتقوى ثانيا دال على حذف ضدهما الكفران والجرأة ~~أولا , وسره ان تصوير الشيء بحال الصبي والسفيه أشد في الزجر عنه عند ذوي ~~الهمم العالية , وذكر الأجر المرتب على الخوف الذي هو فعل الحزمة أعون على ~~تركه . | ولما كان الملعوب به الملهو منه يسأل اللاعب اللاهي من ماله , ولا ~~يقنع عند سؤاله , فيكون سببا لضياع أعماله وأمواله , بين أن المعبود بخلاف ~~ذلك في الأمرين , وأنه يعطي ولا يأخذ لنفسه شيئا وإنما أخذه أمره بمواصلة ~~بعضكم لبض فقال تعالى : { ولا يسئلكم } أي الله في الدنيا { أموالكم * } أي ~~لنفسه ولا كلها , وهذا مفهم لأنهم إن لم يتقوا بما ذكر سلط عليه من يأخذ ~~أموالهم بما يخرج أضغانم , قال ms4840 ابن برجان : ومتى سئلوا أموالهم بخلوا , فإن ~~أكرهوا على ذلك أشحنوا ضغائن وحقائد , ولم يكن من الإمام لهم نصيحة ولا ~~منهم للإمام ولا لبعضهم لبعض , وكان الخلاف , وفي ذلك الحالقة , وهو إنذار ~~منه سبحانه بما يكون بعد , وما أنذر شيئا إلا كان منه ما شاء الله . | < < # | محمد : ( 37 - 38 ) إن يسألكموها فيحفكم . . . . . # > > ^ ( إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم * هاأنتم هؤلاء تدعون ~~لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله ~~الغني وأنتم الفقرآء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) ~~^ } ) | ولما كان الإنسان , لما جبل عليه من النقصان , قد يهلك جميع أمواله ~~لهوا ولعبا بالمقامرة ونحوها , ولا ينهاه ذلك بل لا يزيده إلا إقبالا رجاء ~~أن يظفر , ولو سئل جميع ماله في الطاعة لبخل , قال تعالى ذاكرا لهم ذلك ~~تنبيها عليه وإيماء إلى حلمه تعالى عنهم وتحببه إليه معللا ما قبله : { أن ~~يسئلكموها } أي الأموال كلها , ولما كانت الأموال قد تطلق على معظمها , حقق ~~المعنى بقوله : { فيحفكم } أي يبالغ في سؤالكم ويبلغ فيه الغاية حتى ~~يستأصلها فيجهدكم بذلك { تبخلوا } فلا تعطوا شيئا { ويخرج } أي الله أو ~~المصدر المفهوم من ( تبخلوا ) بذلك السؤال { أضغانكم * } أي ميلكم عنه حتى ~~يكون آخر ذلك عداوة وحقدا , وقد دل إضافة الأضغان إلى ضميرهم أن كل إنسان ~~ينطوي بما له من النقصان , على ما جبل عليه من الإضغان , إلا من عصم الرحيم ~~الرحمن , قال الرازي : وهذا دليل على أن العبد إذا منع في مواسم الخيرات ~~سوى الزكاة لم يخرج من البخل , فحد البخل منع ما يرتضيه الشرع والمروءة فلا ~~بد من مراعاة المروءة ورفع قبح الأحدوثة , وذلك يختلف باختلاف الأشخاص , ~~وقدم المادة مهما ظهر له أن فائدة البذل أعظم من فائدة الإمساك ثم يشق عليه ~~البذل فهو بخيل محب للمال , والمال لا ينبغي أن PageV07P180 يحب لذاته بل ~~لفائدته , وحفظ المروءة أعظم وأفضل وأقوى من التنعم بالأكل الكثير مثلا . | ~~ولما أخبر ببخلهم لو سئلوا جميع أموالهم أو أكثرها , دل عليه ms4841 بمن يبخل منهم ~~عما سأله منهم وهو جزء يسير جدا من أموالهم , فقال منبها لهم على حسن ~~تدبيره لهم وعفوه عنهم عند من جعل ( ها ) للتنبيه , ومن جعل الهاء بدلا من ~~همزة استفهام جعلها للتوبيخ والتقريع , لأن من حق من دعاه مولاه أن يبادر ~~للإجابة مسرورا فضلا أن يبخل , وفي هاء التنبيه ولا سيما عند من يرى تكررها ~~تأكيد لأجل استبعادهم أن أحدا يبخل عما يأمر الله به سبحانه : { هأنتم } ~~وحقر أمرهم أو أحضره في الذهن وصوره بقوله : { هؤلاء تدعون } أي إلى ربكم ~~اذي لا يريد بدعائكم إلا نفعكم وأما هو فلا يلحقه نفع ولا ضر { لتنفقوا } ~~شيئا يسيرا من الزكاة وهي ربع العشر ونحوه , ومن نفقة الغزو وقد يحصل من ~~الغنيمة أضعافها وقد يحصل من المتجر أو أكثر , وقد عم ذلك وغيره قوله : { ~~في سبيل الله } أي الملك الأعظم الذي يرجى خيره ويخشى ضيره , بخلاف من يكون ~~وما يكون به اللهو اللعب . | ولما أخبر بدعائهم , فصلهم فقال تعالى : { ~~فمنكم } أي أيها المدعون { من يبخل } وهو منكم لا شك فيه , وحذف القسم ~~الآخر وهو ( ومنكم من يجود ) لأن المرا الاستدلال على ما قبله من البخل . | ~~ولما كان بخله عمن أعطاه المال بجزء يسير منه إنما طلبه ليقع المطلوب منه ~~فقط زاد العجب بقوله : { ومن } أي والحال أنه من { يبخل } بذلك { فإنما ~~يبخل } أي بماله بخلا صادرا { عن نفسه } التي هي منبع الدنايا , فلا تنفس ~~ولا تنافس إلا في الشيء الخسيس , فإن نفع ذلك الذي طلب منه فبخل به إنما هو ~~له , وأكده لأنه لا يكاد أحد يصدق أن عاقلاص يتجاوز بماله عن نفع نفسه , ~~ولذا حذف ( ومن يجد فإنما يجد على نفسه ) لفهمه عن السياق واستغناء الدليل ~~عنه , هذا والأحسن أن يكون ( يبخل ) متضمنا ( يمسك ) ثم حذف ( يمسك ) ودل ~~عليه بحال محذوفة دل عليها التعدية بعن . | ولما كان سؤال المال قد يوهم ~~شيئا , قال مزيلا له مقررا لأن بخل الإنسان إنما هو عن نفسخه عطفا على ما ~~تقديره : لأن ضرر ms4842 بخله إنما يعود عليه وهو سبحانه لم يسألكم ذلك لحاجته ~~إليه ولا إلى شيء منكم , بل لحاجتكم إلى الثواب , وهو سبحانه قد بنى أمور ~~هذه الدار كما اقتضته الحكمة على الأسباب : { والله } أي الملك الأعظم الذي ~~له الإحاطة بجميع صفات الكمال { الغني } أي وحده { وأنتم } أيها المكلفون ~~خاصة { الفقراء } لأن العطاء ينفعكم والمنع يضركم . | فمن افتقر منكم إلى ~~فقير مثله وقع PageV07P181 في الذل والهوان , وقد جرت عادتكم أن يداخلكم من ~~السرور ما لا يجد إذا طلب من أحد منكم أحد من الأجواد الأغنياء شيئا طمعا ~~في جزائه , فكونوا كذلك وأعظم إذا طلب منكم الغنى المطلق . | ولما كان ~~التقدير : فإن تقبلوا بنولكم تفلحوا عطف عليه قوله مرهبا لأن الترهيب أردع ~~: { وإن تتولوا } أي توقعوا التولي عنه تكلفوا أنفسكم ضد ما تدعو إليه ~~الفطرة الأولى من السماح بذلك الجزاء اليسير جدا الموجب للثواب الخطير ~~والفوز الدائم , ومن الجهاد في سبيله , والقيام بطاعته , لكونه المحسن الذي ~~لا محسن في الحقيقة غيره { يستبدل } أي يوجد { قوما } فيهم قوة وكفاية لما ~~يطلب منهم محاولته . | ولما كان ذلك مفهما أنهم غيرهم , لكنه لا يمنع أن ~~يكونوا - مع كونهم غير أعيانهم - من قومهم أو أن يشأ دونهم في الصفات وإن ~~كانوا من غير قومهم , نبه على أنهم يكونون من غير قومهم وعلى غير صفاتهم , ~~بل هم أعلى منهم درجة وأكرم خليقة وأحسن فعلا فقال تعالى : { غيركم } أي ~~بدلا منكم وهو على غير صفة التولي . | ولما كان الناس متقاربين في الجبلات ~~, وكان المال محبوبا , كان من المستبعد جدا أن يكو نهذا البذل على غير ما ~~هم عليه , قال تعالى مشيرا إلى ذلك بحرف التراخي تأكيدا لما أفهمه ما قلته ~~من التعبير ب ( غير ) وتثبيتا له : { ثم } أي بعد استبعاد من يستبعد وعلوا ~~الهمة في مجاوزة جميع عقبات النفس والشيطان : { لا يكونوا أمثالكم * } في ~~التولي عنه بترك شيء مما أمر به أو فعل شيء مما نهى عنه , ومن قدر على ~~الإيجاد قدر على الإعدام . | بل هو أهون في مجاري ms4843 العادات , فقد ثبت أنه ~~سبحانه لو شاء لانتصر من الكفار , إما بإهلاكهم أو إما بناس غيركم بضرب ~~رقابهم وأسرهم , وغير ذلك من أمرهم , وثبت بمواصلة ذم الكفار مع قدرته ~~عليهم أنه أبطل أعمالهم , فرجع بذلك أول السورة غلى آخرها , وعانق موصله ما ~~ترى من مفصلها , وعلم أن معنى هذا الآخر وذلك الأول أنه سبحانه لا بد من ~~إذلاله للكافرين وإعزازه للمؤمنين لأنهم إن أقبلوا على ما يرضيه فجاهدوا ~~نصرهم نصرا عزيزا بما ضمنه قوله تعالى { إن تنصروا الله ينصركم وثبت ~~أقدامكم } وإن تتولوا أتى بقوم غيركم يقبلون عليه فيصدقهم وعده , فصار ~~خذلانهم أمرا متحتما , وهو معنى أول سورة محمد - والله الموفق لما يريد من ~~الصواب . | . . . | PageV07P182 < # > سورة الفتح < # > مقصودها مدلول اسمها الذي يعم فتح مكة وما تقدمه من صلح الحديبية وفتح ~~خيبر ونحوهما ، وما وقع تصديق الخبر به من غلب الروم على أهل فارس وما تفرع ~~من فتح مكة المشرفة من إسلام أهل جزيرة العرب وقتال أهل الردة وفتوح جميع ~~البلاد الذي يجمعه كله إظهار الذين على الدين كله ، وهذا كله في غاية ~~الظهور بما نطق ابتداؤها { ليظهر على الدين كله } { محمد رسول الله } إلى ~~قوله { ليغيظ بهم الكفار } أي بالفتح الأعظم وما دونه من الفتوحات { وعد ~~الله الذين آمنوا وعملوةا الصالحات منهم مغفرة } كما كان في أولهاع للرسول ~~صلى الله عليه وسلم { وأجرا عظيما } كذلك بسائر الفتوحات وما حوت من ~~اللغنائم للثواب الجزيل على ذلك في دار الجزاء { بسم الله } الملك الأعظم ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلما { الرحمن } الذي عم المكلفين بنعمة الوعد ~~والوعيد { الرحيم } الذي اختص أهل حزبه لأقامة دينه الحق فأظهرهم على سائر ~~العبيد < < # | الفتح : ( 1 - 4 ) إنا فتحنا لك . . . . . # > > ^ ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما * وينصرك الله نصرا عزيزا * هو ~~الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود ~~السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما ) ^ } ) | لما كانت تلك سورة الجهاد ms4844 ~~وكانت هذه سورة محمد بشارة للمجاهدين من أهل هذا الدين بالفوز والنصر ~~والظفر على كل من كفر , وهذا كما سيأتي من إيلاء سورة النصر لسورة الكافرون ~~, فأخبرت القتال عن الكافرين بإبطال الأعمال والتدمير وإهلاكهم بالتقال , ~~وإفساد جميع الأحوال , وعن الذين آمنوا بما نزل على محمد صلى الله عليه ~~وسلم بالهداية وإصلاح البال , وختمها بالتحريض على مجاهدتهم بعد أن ضمن لمن ~~نصره منهم النصر وتثبيت الأقدام , وهدد من أعرض باستبدال غيره به , وإن ذلك ~~البدل لا يتولى عن العدو PageV07P183 ولا ينكل عنه , فكان ذلك محتما لسفول ~~الكفر وعلو الإيمان , وذلك بعينه هو الفتح المبين , فافتتح هذه بقوله على ~~طريق النتيجة لذلك بقوله مؤكدا إعلاما بأنه لا بد منه وأنه مما ينبغي أن ~~يؤكد لابتهاد النفوس الفاضلة به , وتكذيب من في قلبه مرض وهم أغلب الناس في ~~ذلك الوقت . | { إنا } إي بما لنا من العظمة التي لا تثبت لها الجبال { ~~فتحنا } أي أوقعنا الفتح المناسب لعظمتنا لكل متعلق بإتقان الأباب المنتجة ~~له من غير شك , ولذلك عبر عنه بالماضي . | ولما كانت منفعة ذلك له صلى الله ~~عليه وسلم كلمة الله يكون به فيعليه ويمتلىء الأرض من أمنه , فلا يعمل منهم ~~أحد حسنة إلا كان له مثل أجرها ويكونون على قصر زمنهم ثلثي أهل الجنة , ~~فيكون ذلك شرفا له - إلى غير ذلك الأسرار , التي يعيى دون أيسرها الكفار , ~~قال : { لك } أي بصلح الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة التي نزلت ~~هذه السورة في شأنه , يصحبان في الرجوع منه إلى المدينة المشرفة , قال ~~الأزهري : لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية , وذلك أن المشركين اختلطا ~~بالمسلمين فسمعوا كلامهم فرأوا ما لا أعدل منه كثير , وكذا كان من الفتح ~~تقوية أمره صلى الله عليه وسلم بالتصديق فيما أنزل عليه من سورة من غلبهم ~~على أهل فارس في رواية من قال : إنه كان في زمن الحديبية , ثم زاده تأكيدا ~~بقوله : { فتحا } وزاد في إعظامه بقوله : { مبينا * } أي لا لبس فيه على ~~أحد , بل يعلم ms4845 كل ذي عقل به أنك ظاهر على جميع أهل الأرض لأنك كنت وحدك , ~~وكان عند أهل الكفر أنك في أيديهم , وأن أمرك لا يعدو فمك , فتبعك ناس ~~ضعفاء فعذبوهم وكانوا معهم في أسوأ الأحوال , وتقرر ذلك في إذهانهم مددا ~~طوالا ثلاث عشرة سنة , ثم انقذ الله أتباعك منهم بالهجرة إلى النجاشي رحمه ~~الله تعالى أولا , وإلى المدينة الشريفة ثانيا , وهم مطمئنون بأنك أنت - ~~وأنت رأسهم - لا ينتظم لهم بدونك أمر , ولا يحصل لكسرهم ما لم يتكن معهم ~~جبر , بأنك في قبضتهم لا خلاص لك أبدا منهم ولا انفكاك من بلدتهم , ~~فاستخرجك الله من عندهم بعد أن حماك على خلاف القياس وأنت بينهم من أن ~~يقتلوك , مع اجتهادهم في ذلك واستفراغهم قواهم في أذاك , ثم بذلوا جهدهم في ~~منعك من الهجرة فما قدروا , ثم في ردك فما أطاقوا ولا فازوا ولا ظفروا . | ~~بل غلبوا وقهروا , ثم أيدك بأنصار أبرار أخيار فكنتم على قلتكم كالليوث ~~الكواسر والبحار الزواخر , ما ملتم على جهة إلا غمرتموها , وفزتم بالنصف من ~~أربابها قتلتموها أو أسرتموها ولم تزالوا تزدادون وتقوون , وهم ينقصون ~~ويضعفون , حتى أتيتموهم في بلادهم التي هم قاطعون بأنهم ملوكها , يتعذر على ~~غيرهم غلبهم عليها بل PageV07P184 سلوكها , فما دافعوكم عن دخول عليهم إلا ~~بالراح , وسألوكم في وضع الحرب للدعة والإصلاح , فقد ظهرت أعلام الفتح أتم ~~ظهور , وعلم أرباب القلوب أنه لا بد أن تكون في امتطائكم الذرى وسموكم إلى ~~رتب المعالي وأي أمور , وروى الإمام أحمد عن مجمع بن جارية الأنصاري رضي ~~الله عنه قال : شهدنا الحديبية مع النبي صلى الله عليه وسلمن فلما انصرفنا ~~منها إذا الناس يهزون الأباعر فقال بعضهم : ما بال الناس ؟ قالوا : أوحي ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : فخرجنا نوجف , فوجدنا النبي صلى ~~الله عليه وسلم واقفا على راحلته عند كراع الغميم , فلما اجتمع عليه الناس ~~قرأ { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } فقال عمر رضي الله عنه : أو فتح هو يا ~~رسول الله ؟ قال : ( نعم , والذي نفسي بيده ms4846 ) . | وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير : ارتباط هذه السورة بالتي قبلها واضح من جهات - وقد يغمض بعها - ~~منها أن سورة القتال لما أمروا فيها بقتال عدوهم في قوله تعالى { فإذا ~~لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } الآية , وأشعروا بالمعونة عند وقوع الصدق ~~في قوله رإن تنصروا الله ينصركم } استدعى ذلك تشوف النفوس إلى حالة العاقبة ~~فعرفوا ذلك في هذه السورة فقال تعالى { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } - الآيات ~~, فعرف تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بعظيم صنعه له , وأتبع ذلك بشارة ~~المؤمنين العامة فقال { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين } - الآيات ~~, والتحمت إلى التعريف بحال مننكث من مبايعته صلى الله عليه وسلم , وحكم ~~المخلفين من الأعراب , والحض على الجهاد , وبيان حال ذوي الأعذار , وعظيم ~~نعمته سبحانه على أهل بيعته { لقد رضي الله عن المؤمنين } وأثابهم الفتح ~~وأخذ المغانم وبشارتهم بفتح مكة { لتدخلن المسجد الحرام } إلى ما ذكر ~~سبحانه من عظيم نعمته عليهم وذكرهم في التوراة والإنجيل ما تضمنت هذه ~~السورة الكريمة , ووجه آخر وهو أنه لما قال الله تعالى في آخر سورة القتال ~~{ فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم ~~} كان هذا إجمالا في عظيم ما منحهم وجليل ما أعطاهم , فتضمنت سورة محمد ~~تفسير هذا الإجمال وبسطه , وهذا يستدعي من بسط الكلام ما لم تعتمده في هذا ~~التعليق , وهو بعد مفهوم مما سبق من الإشارات في الوجه الأول , ووجه آخر ~~مما يغمض وهو أن قوله تعالى { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا ~~أمثالكم } إشارة إلى من يدخل في ملة الإسلام من الفرس وغيرهم عند تولي ~~العرب , وقد أشار أيضا إلى هذا قوله تعالى < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه } ) 77 < # > [ المائدة : 54 ] وأشار إلى ذلك عليه الصلاة PageV07P185 والسلام : ( ~~ويل للعرب من شر قد اقترب , فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا ) - ~~وعقد السابة بالإبهام , أشار عليه الصلاة والسلام إلى تولي العرب واستيلاء ms4847 ~~غيرهم الواقع في الآيتين , وإنما أشار عليه الصلاة والسلام بقوله ( اليوم ) ~~إلى التقديم والتأخير , وفرغ هذا الأمر إلى أيام أبي جعفر المنصور , فغلبت ~~الفرس والأكراد وأهل الصين وصين الصين - وهو ما يلي يأجوج ومأجوج - وكان ~~فتحا وعزا وظهورا لكلمة الإسلام , وغلب هؤلاء في الخطط والتدبير الإماري ~~وسادوا غيرهم , ولهذا جعل صلى الله عليه وسلم مجيئهم فتحا فقال : ( فتح ~~اليوم ) ولو أراد غير هذا لم يعبر بفتح , ألا ترى قول عمر لحذيفة رضي الله ~~عنهما في حديث الفتن حين قال له ( إن بينك وبينها بابا مغلقا ) فقال عمر : ~~أيفتح ذلك الباب أم يكسر ؟ فقال : بل يكسر . | ففرق بين الفتح والكسر , ~~وإنما أشار إلى قتل عمر رضي الله عنه , ولذا قال عليه الصلاة والسلام ( فتح ~~) وقال : ( من ردم يأجوج ومأجوج ) وأراد من نحوهم وجهتهم وأقاليمهم , لأن ~~الفرس ومن أتى معهم هم أهل الجهات التي تلي الردم , فعلى هذا يكون قوله ~~تعالى : { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم } إشارة إلى غلبة منذكرنا ~~وانتشارهم في الولاياة والخطط الدينية والمناصب العلمية . | ولما كان هذا ~~قبل أن يوضح أمره يوهم نقصا وخطأ , بين أنه تجديد فتح وإعزاز منه تعالى ~~لكلمة الإسلام , فقال تعالى : { إنا فتحنا لك فتحا مبنيا } الآيات , ذكر ~~القاضي أبو بكر بن العربي في تلخيض التلخيض علماء المالكية مشيرا إلى تفاوت ~~درجاتهم ثم قال : وأمضاهم في النظر عزيمة وأقواهم فيه شكيمة أهل خراسان : ~~العجم أنسابا وبلدانا , والعرب عقائد وإيمانا , الذين ينجز فيهم وعد الصادق ~~المصدوق , ولمكهم الله مقاليد التحقيق حين أعرضت العرب عن العلوم وتولت ~~عنها , وأقلبت على الدنيا واستوثقت منها , قال أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : يا رسول الله ! من هؤالء الذين قال الله { وإن تتولوا يستبدل ~~قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } فأشار عليه الصلاة والسلام إلى سلمان ~~وقال : ( لو كان الإيمان في الثريا لناله رجال من هؤلاء ) - انتهى . | ولما ~~أخبر سبحانه بالفتح عقب سورة { الذين كفروا } بشارة بظهور أهل هذا الدين ~~وإدبار الكافرين - كما سيأتي في إيلاء سورة النصر بسورة ms4848 الكافرين , لذلك ~~علل الفتح PageV07P186 بالمغفرة وما بعدها رمزا إلى وفاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم - بروحي هو وأبي وأمي - وإيماء إلى أن المراد من أخراجه إلى دار ~~الفناء إنما هو إظهار الدين القيم وغزهاق الباطل لتعلوا درجته وتعظم رفعته ~~, فعند حصول الفتح ثم المراد كما كانت سورة النصر الوالية للكافرين رامزية ~~إلى ذلك كما هو مشهور ومذكور ومسطور , فالفتح الذي هو أحد العلامات الثلاث ~~المذكورة كما يف سورة النصر على جميع المناوين , الذي هو السبب الأعظم في ~~ظهور دينه على الدين كله الذي هو العلامة العظمى على اقتراب أجله - نفسي ~~فداؤه وإنسان عيني من كل سوء وقاؤه - فقال تعالى : { ليغفر لك الله } مشيرا ~~بالانتقال من أسلوب العظمة بالنون إلى أسلوب الغيبة المشير إلى غاية ~~الكبرياء بالإسناد إلى الاسم الأعظم إلى أن هذه المغفرة بحسب إحاطة هذا ~~الاسم الجامع لجميع الأسماء الحسنى : { ما تقدم من ذنبك } أي الذي تقدم في ~~القتال أمرك بالاستغفار له وهو مما ينتقل به من مقام كامل إلى مقام فوقه ~~أكمل منه , فتراه بالنسبة إلى أكملية المقام الثاني ذنبا , وكذا قوله : { ~~وما تأخر } قال الرازي : المغفرة المعتبرة لها درجات كما أن الذنوب لها ~~درجات ( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) انتهى . | ويجوز أن يكون المراد : ~~لتشاهد المغفرة باللنقلة إلينا بعد علم اليقين بعين اليقين وحق اليقين , ~~فالمعنى أن الله يتوفاه صلى الله عليه وسلم عقب الفتح ودخول جميع العرب ~~الذين يفتتحون جميع البلاد ويهيد الله بهم سائر العباد في دينه , ويأس ~~الشيطان من أن يعبد في جزيرتهم إلا بالمحقرات لوجود المقصود من امتلاء ~~الأكوان بحسناته صلى الله عليه وسلم , وعموم ما دل عليه اسمه المذكور في ~~هاتين السورتين من حمده تعالى بكماله في ذاته وصفاته ببلوغ أتباعه إلى حد ~~لا يحصرون فيه بعد , ولا يقف لهم مخلوق على حد . | ولما كان تمام النعمة ~~يتحقق بشيئين : إظهار الدين والتقلة إلى مرافقة النبيين , قال تعالى مخبرا ~~بالشيئين : { ويتم نعمته عليك } بنقلك من عالم الشهادة إلى عالم الغيب , ~~ومن عالم الكون والفساد ms4849 إلى عالم الثبات والصلاح , الذي هو أخص بحضرته ~~وأولى برحمته وإظهار أصحابك من بعدك على جميع أهل الملل , ويدحضون شبه ~~الشيطان , ويدمغون كل كفران , وينشرون رايات الإيمان في جميع البلدان , بعد ~~إذلال أهل العدوان , ومحو كل ضغيان . | ولما كانت هدايتهم من هدايته , ~~أضافها سبحانه إليه إعلاما له أنها هداية تليق بجانبه الشريف سرورا له فقال ~~: { ويهديك } أي بهداية جميع قومك { صراطا مستقيما * } أي واضحا جليلا جليا ~~موصلا إلى المراد من كتاب لا عوج فيه بوجه , هداية تقتضي لزومه والثبات ~~عليه { وينصرك الله } بنصرهم على ملوك الأمم وجلائهم PageV07P187 لسائر ~~الغمم , نصرا يليق إسناده إلى اسمه المحيط بسائر العظم { نصرا عزيزا } أي ~~يغلب المنصور به كل من ناواه ولا يغلبه شيء مع دوامه فلا ذل بعده لأن الأمة ~~التي تنصف به لا يظهر عليها أحد , والدين الذي قضاه لأجله لا ينسخه شيء . | ~~ولما كان صلى الله عليه وسلم المؤمنين برؤياه أنه يطوف بالكعبة الشريفة , ~~وعز على العمرة عام الحديبية , وخرج صلى الله عليه وسلم وخرج معه خلاصة ~~أصحابه ألف وخمسمائة , فكانوا مؤقنين أنهم يعتمرون في وجههم ذلك , وقر ذلك ~~في صدورهم وأشربته قلوبهم , فصار نزعه منها أشق شيء يكون , قصدهم المشركون ~~بعد أن بركت ناقته وصالحهم صلى الله عليه وسلم على أن يرجع عنهم في ذلك ~~العام ويعتمر في مثل ذلك الوقت من القابل , وكان ذلك - بل أدنى منه - ~~مزلزلا للاعتقاد مطرقا للشيطان الوسوسة كثير بسببه , قال تعالى دالا على ~~النصر بتثبيت المؤمنين في هذا المحل الضنك إظهارا لتمام قدرته ولطيف حكمته ~~: { هو } أي وحده { الذي أنزل } في يوم الحديبية { السكينة } أي الثبات على ~~الدين { في قلوب المؤمنين } أي الراسخين في الإيمان وهم أهل الحديبية بعد ~~أن دهمهم فيها ما من شأنه أن يزعج النفوس ويزغ القلوب من صد الكفار ورجوع ~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم دون مقصودهم , فلم يرجع أحد منهم عن الإيمان ~~بعد أن ماج الناس وزلزلوا حتى عمر رضي الله عنه - مع أنه الفاروق ومع وصفه ~~في الكتب السالفة ms4850 بأنه قرن من حديد - فما الظن بغيره في فلق نفسه وتزلزل ~~قلبه , وكان للصديق رضي الله عنه من القدم الثانبت والأصل الراسخ ما علم به ~~رضي الله عنه أنه لا يسابق , ثم ثبتهم الله أجمعين , قال الرازي : والسكينة ~~الثقة بوعد الله , والصبر على حكم الله , بل السكينة ههنا معين بجمع فوزا ~~وقوة وروجا , يسكن إليه الخائف ويتسلى به الحزين , وأثر هذه السكينة الوقار ~~والخشوع وظهور الحزم في الأمور - انتهى . | وكل من رسخ في الإيمان , له في ~~هذه الآية نصيب جناه دان . | ولما أخبر بما لا يقدر عليه غيره , علله بقوله ~~: { ليزدادوا } أي بتصديق الرسول حين قال لهم : إنهم لا بد أن يدخلوا مكة ~~ويطوفوا بالبيت العتيق , وحلهم الله به من الشبهة بتذكرهم أنه لم يقل لهم : ~~إنهم يدخلون العام { إيمانا } بهذا التصديق بلغيب من أن صلحهم للكفار ~~ورجوعهم من غير بلوغ قصدهم هو عين الفتح لترتب الصلح عليه وترتب فشو ~~الإسلام على الصلح كما كشف عنه الوجود بعد ذلك ليقيسوا عليه غيره من ~~الأوامر { مع إيمانهم } الثابت من قبل هذه الواقعة , قال القشيري رحمه الله ~~: بطلوع أقمار اليقين على نجوم علم اليقين , ثم بطلوع شمس حق اليقين على ~~بدر عين اليقين . | PageV07P188 ولما كان ربما ظن شقي من أخذ الأمور ~~بالتدريج شيئا في القدرة قال : { ولله } أي الذي أنزل السكينة عليهم ليكون ~~نصرهم في هذه العمرة بالقوة ثم يكون عن قريب بالفعل والحال أنه له وحده { ~~جند السماوات والأرض } أي جميعها , ومنها السكينة , يدبرهم بلطيف صنعه ~~وعجيب تدبيره , فلو شاء لنصر المؤمنين الآن بالفعل , ودمر على أعدائهم ~~بجنود أو بغير سبب , لكنه فعل ذلك ليكون النصر بكم , فيعلوا أمركم ويعظم ~~أجركم , ويظهر الصادق في نصره من الكاذبن , فإن الدار دار البلاء , وبناء ~~المسببات على الأسباب على وجه الأغلب فيه الحكمة , لا القهر وظهور الكلمة , ~~فاسمه الباطن هو الظاهر في هذه الدار , فلذلك ترى المسببات مستورات ~~بأسبابها , فلا يعلم الحقائق إلا البصراء ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم ~~لما نزلت عليه ms4851 هذه السورة فتلاها عليه قال بعض الصحابة رضوان الله عليهم ~~أجمعين : أي رسول الله وفتح هو ؟ قال بعضهم : لقد صدونا عن البيت وصدوا ~~هدينا , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بئس الكلام هذا , بل هو ~~أعظم الفتح , أما رضيتم أن تطرقوهم في بلادهم فيدفعوكم عنها بالراح ~~ويسألوكم التضير ويرغبون إلكم في الأمن وقد رأوا منكم ما كرهوا وأظفركم ~~الله عليهم وردكم سالمين مأجورين , فهو أعظم الفتوح , أنسيتم يوم أحد إذ ~~تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم , أنسيتم يوم الأحزاب إذ ~~جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنون ) , فقال المسلمون : صدق الله ورسوله فهو أعظم الفتوحز ~~والله يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه لأنت أعلم بالله وأمره منا . | ~~وأنزل الله تأكيدا لأمر الرؤيا لمن أشكل عليهم حالها { لقد صدق الله رسوله ~~الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام } الآية , فهذه الأشياء كلها كما ترى ~~راجعة إلى الخفاء بالتعجب في أستار الأسباب , فلا يبصرها إلا أرباب التدقيق ~~في النظر في حكمة الله سبحانه . | ولما كان مبنى ما مضى كله على القدرة ~~بأمور خفية يظهر منها من الضعف غير ما كشف عنه الزمان من القوة , وكان تمام ~~القدرة متوقفا على شمول العلم قال تعالى : { وكان الله } أي الملك الأعظم ~~أزلا وأبدا { عليما } بالذوات والمعاني { حكيما * } في إتقان ما يصنعن فرده ~~لهم عن هذه العمرة بعد أن بدر أمر الصلح ليأمن الناس فيداخل بعضهم بعضا لما ~~علم من أنه لا يسمع القرآن أحد له عقل مستقيم ويرى ما عليه أهله من شدة ~~الاستمساك به والبغض لما كانوا فيه من متابعة الآباء إلا بدار إلى المتابعة ~~ودخل PageV07P189 في الدين برغبة , وأدخل سبحانه خزاعة في صلح النبي صلى ~~الله عليه وسلم وبني بكر وهم أعداؤهم في صلح قريش ليبغوا عليهم فتعينهم ~~قريش الصلح بعد أن كثرت جنود الله وعز ناصر الدين , فيفتح الله بهم مكة ~~المشرفة , فتنشر أعلام الدين , وتخفق ألوية النصر المبين , ويدخل ms4852 الناس في ~~الدين أفواجا , فظيهر دين الإسلام على جميع الأديان . | < < # | الفتح : ( 5 - 8 ) ليدخل المؤمنين والمؤمنات . . . . . # > > ^ ( ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما * ويعذب المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات الظآنين بالله ظن السوء عليهم دآئرة السوء ~~وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وسآءت مصيرا * ولله جنود السماوات ~~والأرض وكان الله عزيزا حكيما * إنآ أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ) ^ } ) | ~~ولما دل على التفح بالنصر وما معه , وعلل الدين بالسكينة , علل علة الدليل ~~وهي { ليزدادوا إيمانا } وعلل ما دل عليه ملك الجنود من تدبيرهم وتدبير ~~الأكوان بهم بقوله تعالى زيادة في السكينة : { ليدخل } أي بما أوقع في ~~السكينة { المؤمنين والمؤمنات } الذين جبلهم جبلة خير بجهاد بعضهم ودخول ~~بعضهم في الدين بجهاد المجاهدين , ولو سلط على الكفار جنوده من أو لاأمر ~~فأهلكوهم أو دمر عليهم بغير واسطة لفات دخول أكثرهم الجنة , وهم من آمن ~~منهم بعد صلح الحديبية { جنات } أي بساتين لا يصل إلى عقولكم من وصفها إلا ~~ما تعرفونه بعقولكم وإن كان الأمر أعظم من ذلك { تجري } ودل وقرب وبعض ~~بقوله : { من تحتها الأنهار } فأي موضع أردت أن تجري منه نهرا قدرت على ذلك ~~, لأن الماء قريب من وجه الأرض مع صلابتها وحسنها . | ولما كان الماء لا ~~يطيب إلا بالقرار تعالى : { خالدين فيها } أي لا إلى آخر . | ولما كان ~~السامع لهذا ربما ظن أن فعله ذلك باستحقاق , قال إشارة إلى أنه لا سبب إلا ~~رحمته : { ويكفر } اي يستر سترا بليغا شاملا { عنهم سيئاتهم } التي ليس من ~~الحكمة دخول الجنة دار القدس قبل تكفيرها , بسبب ما كانوا متلبسين به منها ~~من الكفر وغيره , فكان ذلك التكفير سببا لدخولهم الجنة { وكان ذلك } أي ~~الأمر العظيم من الإدخال والتكفير المهيىء له , وقدم الظرف تعظيما لها فقال ~~تعالى : { عند الله } أي الملك الأعظم ذي الجلال والإكرام { فوزا عظيما * } ~~يملأ جميع الجهات . | ولما كان من أعظم الفوز إقرار العين بالانتقام من ~~العدو وكان العدو المكاتم أشد ms4853 من العدو المجاهر المراغم قال تعالى : { ~~ويعذب المنافقين } أي يزيل كل ما لهم من PageV07P190 العذوبة { والمنافقات ~~} بما غاظهم من ازدياد الإيمان { والمشركين والمشركات } بصدهم الذي كان ~~سببا للمقام الدحض الذي كان سببا لإنزال السكينة الذي كان سببا لقوة أهل ~~الإسلام بما تأثر عنه من كثرة الداخلين فيه , الذي كان سببا لتدمير أهل ~~الكفران , ثم بعد ذلك عذاب النيران . | ولما أخبر بعذابهم , أتبعه وصفهم ~~بما سبب لهم ذلك فقال تعالى : { الظانين بالله } أي المحيط بجميع صفات ~~الكمال { ظن السوء } من أنه لا يفي بوعده في أنه ينصره رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وأتباعه المؤمنين أو أنه لا يبعثهم . | أو أنه لا يعذبهم لمخالفة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم . | ومشاققة أتباعه . | ولما أخبر سباحنه وتعالى ~~بعذابهم فسره بقوله : { عليهم } أي في الدنيا والآخرة بما يخزيهم الله به ~~من كثرة جنوده وغيظهم منهم وقهرهم بهم { دائرة السوء } التي دبروها وقدروها ~~للمسلمين لا خلاص لهم منها , فهم مخذولون في كل موطن خذلانا ظاهرا يدركه كل ~~أحد , وباطنا يدركه من أراد الله تعالى من أرباب البصائر كما اتفق في هذه ~~العمرة , والسوء - بالتفح والضم : ما يسوء كالكره إلا أنه غلب في إن يضاف ~~إلى ما يراد ذمه , ولمضموم جار مجرى الشر الذي هو ضد الخير - قاله في ~~الكشاف . | ولما كان من دار عليه السوء قد لا يكون مغضوبا عيه , قال : { ~~وغضب الله } أي الملك الأعظم بما له من صفات الجلال والجمال فاستعلى غضبه { ~~عليهم } , وهو عبارة عن أنه يعاملهم معاملة الغضبان بما لا طاقة لهم به . | ~~ولما كان الغضب قد لا يوجب الإهانة والإبعاد قال : { ولعنهم } أي طردهم ~~طردا سفلوا به أسفل سافلين , فبعدوا به عن كل خير . | ولما قرر ما لهم في ~~الدارين , وكان قد يظن أنه يخص الدنيا فلا يوجب عذاب الآخرة , أتبعه بما ~~يخصها فقال : { وأعد } أي هيأ الآن { لهم جهنم } تلقاهم بالعبوسة والغيظ ~~والزفير والتجهم كما كانوا يتجهمون عباد الله مع ما فيها من العذاب بالحر ~~والبرد والإحراق , وغير ذلك من ms4854 أنواع المشاق . | ولما كان التقدير : فساءت ~~معدا , عطف عليه قوله : { وساءت مصيرا * } . | ولما كان هذا معلما بأن ~~الكفار - مع ما يشاهد منهم من الكثرة الظاهرة والقوة المتضافرة المتوافرة - ~~لا اعتبار لهم لأن البلاء محيط بهم في الدارين , وكان ذلك أمرا يوجب تشعب ~~الفكر في المؤثر فيهم ذلك , عطف على ما تقديره إعلاما بأن التبدبير على ~~هذاالوجه لحكم ومصالح يكل عنها الوصف , ودفعا لما قد يتوهمه من لم يرسخ ~~إيمانه مما يجب التنزيه عنه : فلله القوة جميعا يفعل ما يشاء فيمن يشاء من ~~غير سبب ترونه : { ولله } أي الملك الأعظم { جنود السماوات والأرض } فهو ~~يسلط ما يشاء منها على من يشاء . | PageV07P191 ولما كان ما ذكر من عذاب ~~الأعداء وثواب الأولياء متوقفا على تمام العلم ونهاية القدرة التي يكون بها ~~الانتقام والسطوة قال تعالى : { وكان الله } الملك الذي لا أمرلأحد مع أزلا ~~وأبدا { عزيزا } يغلب ولا يغلب { حكيما * } يضع الشيء في أحكم مواضعه , فلا ~~يستطاع نقض شيء مما ينسب إليه سبحانه وتعالى . | ولما تبين أنه ليس لغيره ~~مدخل في إيجاد النصر , وكانت السورة من أولها حضرة مخاطبة وإقبال فلم يدع ~~أمر إلى نداء بياء ولا غيرها . | وكان كأنه قيل : فما فائدة الرسالة إلى ~~الناس ؟ أجيب بقوله تقريرا لما ختم به من صفتي العزة والحكمة . | { إنا } ~~بما لنا من العزة والحكمة { أرسلناك } أي بما لنا من العظمة التي هي معنى ~~العزة والحكمة إلى الخلق كافة { شاهدا } على أفعالهم من كفر وإيمان وطاعة ~~وعصيان , من كان بحضرتك فبنفسك ومن كان بعد موتك أو غائبا عنك فبكتابك , مع ~~ما أيدناك به من الحفظة من الملائكة . | ولما كانت البشارة محبوبة إلى ~~النفوس رغبهم فيما عنده من الخيرات وحببهم فيه بصوغ اسم الفاعل منها مبالغة ~~فيه فقال تعالى : { ومبشرا } أي لمن أطاع بأنواع البشائر . | ولما كانت ~~لنذارة كريهة جدا , لا يقدم على إبلاغها إلا من كمل عرفانه بما فيها من ~~المنافع الموجبة لتجشم مرارة الإقدام على الصدع بها , أتى بصيغة المبالغة ~~فقال تعالى : { ونذيرا * } . | < < # | الفتح : ( 9 - 10 ms4855 ) لتؤمنوا بالله ورسوله . . . . . # > > ^ ( لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا * إن ~~الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث ~~على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما ) ^ } ) | ولما ~~ذكر حال الرسالة , ذكر علتها فقال : { لتؤمنوا } أي الذين حكمنا بإيمانهم ~~ممن أرسلناك إليهم - هذاعلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالغيب , وعلى قراءة ~~الباقين بالخطاب المعنى . | أيها الرسول ومن قضينا بهداه من أمته , مجددين ~~لذلك في كل لحظة مستمرين عليه , وكذا الأفعال بعده , وذلك أعظم لطفا لما في ~~الأنس بالخطاب من رجاء الاقتراب { بالله } أي الذي لا يسوغ لأحد من خلقه - ~~والكل خلقه - التوجه إلى غيره لاستجماعه لصفات الجلال والإكرام { ورسوله } ~~الذي أرسله من له كل شيء ملكا وملكا إلى جميع خلقه . | ولما كان الإيمان ~~أمرا باطنا , فلا يقبل عند الله إلا بدليل , وكان الإيمان بالرسول إيمانا ~~بمن أرسله , والإيمان بالمرسل إيمانا بالرسول , وحد الضمير فقال : { ~~ويعزروه } PageV07P192 أي يعينوه ويقووه وينصروه على كل من ناواه ويمنعوه ~~عن كل من يكيده , مبالغين في ذلك باليد واللسان والسيف , وغير ذلك من الشأن ~~فيؤثروه على أنفسهم وغيرها , تعظيما له وتفخيما - هذا حقيقة المادة , وما ~~الفه فهو إما من باب الإزالة كالعزور بمعنى الديوث , وإما من باب الأول ~~كاللوم والضرب دون الحد , فإنه يوجب للملوم ولمضروب وتجنب ما نقم عليه ~~فيعظم , فهو من إطلاق الملزوم على اللازم , وهو من وادي ما قيل : | عداي ~~لهم فضل علي ومنة فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ~~وهم نافسوني فاقتنيت المعاليا | ولما كان المعنى يحتمل الإزالة كما ذكر , ~~خلص المراد بقوله : { ويوقروه } أي يجتهدوا في حسن اتباعه في تبجيله ~~وإجلاله بأن يحملوا عنه جميع الأثقال , ليلزم السكينة باجتماع همه وكبر ~~عزمه لزوال ما كان يشعب فكره من كل ما يهمه { ويسبحوه } أي ينزهوه عن كل ~~وصمة من إخلاف الوعد بدخول مكة والطواف بالبيت الحرام ونحو ذلك , ويعتقدوا ~~فيه الكمال المطلق , والأفعال الثلاثة يحتمل أن يراد بها الله ms4856 تعالى , لأن ~~من سعى في قمع الكفار فقد فعل فعل المعزر الموقر , فيكون إما عائدا على ~~المذكور وإما أن يكون جعل الاسمين واحدا إشارة إلى اتحاد المسميين , في ~~الأمر فلما اتحد أمرها وحد الضمير إشارة إلى ذلك . | ولما كانت محبة الله ~~ورسوله ترضى منها بدون النهاية قال كائنا عن ذلك : { بكرة وأصيلا * } أي ~~وعشيا إيصانا لما بين النهار والليل بذلك . | ولما ذكر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ما أرسله له , وختم الآية بأنه لا يرضى من ذكره وذكر رسوله إلا ~~بالمداومة بالفعل أو بالقوة مع توحيده الضمير إشارة إلى وحدة الإرادة ~~والمداوة بالفعل أو بالقوة مع توحيده الضمير إشارة إلى وحدة الإرادة ~~والمحبة من الرسول والمرسل , أوضح المراد بتوحيد الضمير بقوله مرغبا في ~~اتباعه ومرهبا لأتباعه عن أدنى فترة أو توان فيما دخلوا فيه من الإيمان ~~الذي هو علة الرسال , وما ذكره معه في جواب من يسأل : ما سبب توحيد الضمير ~~والمذكور اثنان ؟ مؤكدا لأجل ما غلب على الطباع البشرية من التقيد بالوهم ~~والنكوص عما غاب ولا مرشد إليه سوى العقل : { إن الذين } . | ولما كان ~~المضارع قد يراد به مطلق الوقوع لا بقيد زمن معين كما نقلته في أول سورة ~~البقرة عن أبي حيان وغيره , عبر به ترغيبا في تجديد مثل ذلك والاستمرار ~~عليه فقال : { يبايعونك } أي في بيعة الرضوان وقبلها وبعدها على ما جئت به ~~من الرسالة التي مقصودها الأعظم النذارة التي مبناها على المخالفة التي ~~تتقاضى الشدائد التي PageV07P193 عمادها الثبات والصبر , وسميت ( مبايعة ) ~~لأنهم بايعوا أنفسهم فيها من الله بالجنة وهذا معنى الإسلام , فكل من أسلم ~~فقد باع نفسه سبحانه منه < # > 77 ( { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } ) 77 < # > [ التوبة : 111 ] , الآية . | { إنما يبايعون الله } أي الملك الأعظم ~~لأن عملك كله من قول وفعل له < # > 77 ( { وما ينطق عن الهوى } ) 77 < # > [ النجم : 3 ] . | ولما عظم بيعته بما رغب فيها ترغيبا مشعرا بالترهيبن ~~زادها تعظيما بما الترهيب فيه أظهر من الأول , فقال مبينا للأول : { يد ~~الله } أي المتردين بالكبرياء ms4857 . | ولما كان منزها . | عما قد يتوهم من ~~الجارحة مما فيه شائبة نقص , أومأ إلى نفي ذلك بالفوقية مع ما فيه من ~~الدلالة على تعظيم البيعة فقال : { فوق أيديهم } أي في المبايعة عالية ~~عليهم بالقدرة والقوة والقهر والعزة , والتنزه عن كل شائبة نقص , ولذلك كرر ~~الاسم الأعظم في هذه ثلاث مرات إشارة إلى العظمة الفائتة للوصف والغيب ~~العالي عن الإدراك , ثم أعاد ذكره بالضمير إيذانا بالغيب المحض , هذا هو ~~المراد من تعظيم البيعة وإجلال الرسول صلى الله عليه وسلم مع العلم القطعي ~~بتنزيه الله سبحانه عن كل شائبة نقص من حلول أو اتحاد كما هو واضح في مجاري ~~عادات العرب ظاهر جدا في دأبهم في محاوراتهم , لا يشك فيه منهم عاقل عالم ~~أو جاهل أصلا , فلعنة الله على من حمله على الظاهر من أهل العناد ببدعة ~~الاتحاد على من تبعهم على ذلك من الرعاع الطغام الذي شاقوا الله ورسوله ~~عليه الصلاة والسلام , وجميع الأئمة الأعلام , وسائر أهل الإسلام : ورضوا ~~لأنفسهم بأن يكونوا أتباع فرعون اللعين , ونهايك به في ضلال مبين . | ولما ~~كان كلام الله تعالى - وإن جرى مجرى الشرط والتهديد لا بد أن يقع منه شيء ~~وإن قل , وكان من سر التعبير بالمضارع ( يبايعونك ) الإشارة إلى نكث الجد ~~بن قيس أصل بيعته على الإسلام فإنه اختبأ في الحديبية وقت البيعة في وقت من ~~الأوقات , فلم يبايع , سبب عن ذلك وفصل ترغيبا وترهيبا , فقال معبرا ~~بالماضي إيذانا بأنه لا ينكث أحد من أهل هذه البيعة : { فمن نكث } أي نقض ~~في وقت م نالأوقات فجعلها كالكساء الخلق والحبل البالي الذي ينقض { فإنما ~~ينكث } وعبر بالمضارع إشارة إلى أن من فعل النكث فهو في كل لحظة ناكث نكثا ~~جديدا { على نفسه } لا على غيرها فإنه بمرأى من الله ومسمع وهو قادر عليه ~~جدير بأن يعاقبه بعد ما عجل لنفسه من العار العظيم في الدنيا ويستحل به على ~~نكثه عذابا أليما , ولا يضر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فإن ~~الله ناصره لا ms4858 محالة , وكذا كل منكوث به غذا أراد الله نصرته فإن يده ~~سبحانه فوق كل يد . | ولما أتم الترهيب لأنه مقامه للحث على الوفاء الذي به ~~قيام الدين على أبلغ وجه , PageV07P194 أتبعه على عادته الترغيب إتماما ~~للحث فقال تعالى : { ومن أوفى } أي فعل الإتمام والإكثار والإطالة { بما ~~عهد } وقدم الظرف اهتماما به فقال : { عليه الله } أي الملك المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما من هذه المبايعة وغيرها فغنما وفاؤه لنفسه { فسيؤتيه } أي بوعد ~~لا خلف فيه { أجرا عظيما * } لا يسع عقولكم شرح وصفه , ومن قرأ بالنون أظهر ~~ما ستر في الجلالة من التعظيم , والآية من الاحتباك : ذكر أولا أن النكث ~~عليه دليلا على أن الوفاء له ثانيا , وإيتاء الأجر ثانيا دليلا على إحلال ~~العقاب أولا وسره أنه بين أن ما يرديه الناكث من الأذى لغيره إنما هو واقع ~~به , لأن ذلك أعظم في الترهيب عن النكث لما جبل الإنسان عليه من النفرة عن ~~ضر نفسه وبعده عنه , وذكر الأجر للموفي لأنه أعظم في الترغيب , وسبب بيعة ~~الرضوان هذه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فهم من بروك ناقته في ~~الحديبية الإشارة من الله سبحانه وتعالى إلى أنه لم يأذن في دخولهم البلد ~~الحرام في هذه السفرة , فمشى مع إرادته سبحانه وتعالى لأنه ليس فيها مخالفة ~~لما أمر به سبحانه إلى أن وقع الصلح الذي كان الفتح هو بعينه , وكان في ~~غضون ذلك أن أرسل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه إلى مكة المشرفة ليخبر ~~قريشا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجئ لقتال وأنه لا يريد إلا الاعتمار ~~, فأرجف مرجفون بأنه قد قتل , فعزم النبي صلى الله عليه وسلم على مناجزتهم ~~فبايع الصحابة رضي الله عنهم على أن لا يفروا عنه , فبايع كل من كان معه ~~إلا جد بن قيس , فإنه اختبأ تحت إبط بعيره فلم يبايع , وقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ( كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر ) | < < # | الفتح : ( 11 - 15 ) سيقول لك المخلفون . . . . . # > > ^ ( سيقول لك المخلفون ms4859 من الأعراب شغلتنآ أموالنا وأهلونا فاستغفر ~~لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن ~~أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا * بل ظننتم أن ~~لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن ~~السوء وكنتم قوما بورا * ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنآ أعتدنا للكافرين ~~سعيرا * ولله ملك السماوت والأرض يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء وكان الله ~~غفورا رحيما * سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم ~~يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون ~~بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا ) ^ } ) | PageV07P195 ولما ذكر ~~سبحانه وتعالى أهل بيعة الرضوان , وأضافهم إلى حضرة الرحمن , تشوف ~~السامعإلى الخبر عمن غاب عن ذلك الجناب , وأبضأ عن حضرة تلك العمرة , ~~فاستؤنف الإخبار عما ينافقون به بقوله تعالى : { سيقول } أي بوعد لا خلف ~~فيه , وأكد أمر نفاقهم تنبيها على جلدهم فيه ووقاصهم به ولطف النبي صلى ~~الله عليه وسلم وشدة رحمته ورفقه وشفقته فقال : { لك } أي لأنهم يعلمون أنك ~~ألطف الخلق عشرة وأعظمهم شفقة على عباد لله , فهم يطمعون في قبولك من فساد ~~عذرهم ما لا يطمعون فيه من غيرك من خلص المؤمنين , وغاب عنهم - لما عندهم ~~من غلظ الأكباد أن الكذب بحضرتك في غاية القباحة لأنك أعظم الخلق وأفطنهم , ~~مع يأتيك من الأنباء عن علام الغيوب , وحقر أمرهم بسلب العقل عنهم وجعلهم ~~مفعولين الفاعلين إشارة إلى أنهم طردوا عن هذا المقام , لأنهم أشار لئام , ~~فقال تعالى { المخلفون } أي الذين - خلفهم الله عنك ولم يرضهم لصحبتك في ~~هذه العمرة , فجعلهم كالشيء التافه الذي يخلفه الإنسان , لأنه لا فائدة فيه ~~فلا يؤبه له ولا يعبأ به , وذلك إنه صلى الله عليه وسلم لما أراد الاعتمار ~~ندب أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين لذلك , وندب من الأعراب الذين حول ~~المدينة الشريفة من كان قد أقر بالإسلام , فمل يرد الله حضورهم لأن إسلامهم ms4860 ~~لم يكن خالصا فلو حضروا لفسد بهم الحال , وإن حفظ الله بحوله وقوته من ~~الفساد , أعقب ذلك فسادا آخر وهو أن يقال : إنه لم يكف عنهم الأعداء إلا ~~الكثرة , فتخلفوا لماعلم الله في تخلفهم من الحكم . | ولما كان قد تخلف ~~بالجسد من خلص الأنصار وغيرهم من كان حاضرا معه صلى الله عليه وسلم بالقلب ~~أخرجهم بقوله : { من الأعراب } أي أهل البادية كذبا وبهتانا جرأة على الله ~~ورسوله { شغلتنا } أي عن إجابتك في هذه العمرة { أموالنا وأهلونا } أي لأنا ~~لو تركناها ضاعت , لأنه لم يكن لنا من يقوم بها وأنت قد نهيت عن إضاعة ~~المال والتفريط في العيال , ثم سببوا عن هذا القول المراد به السوء قولهم : ~~{ فاستغفر } أي اطلب المغفرة { لنا } من الله إن كنا أخطأنا أو قصرنا . | ~~ولما كان هذا ربما يغتر به من لا خبرة له , رده تعالى بقوله منبها على أن ~~من صدق مع الله لم يشغله عن شاغل , ومن شغله عنه شيء كان شوما عليه : { ~~يقولون } وعبر بالمضارع إشارة إلى أن هذا ديدن لهم لا ينفكون عنه . | ولما ~~صح بعد ذلك إيمان , لم يعبر بالأفواه دأبه , في المنافقين , بل قال : { ~~بألسنتهم } أي في الشغل والاسغفار , وأكد ما أفهمه ذكر اللسان من أنه قول ~~ظاهري نفيا للكلام الحقيقي الذي هو النفسي بكل اعتبار بقوله : { ما ليس في ~~قلوبهم } لأنهم لم يكن شغل ولا كانت لهم نية في سؤال الاستغفار . | ~~PageV07P196 ولما كان فعلهم هذا من تخلفهم واعتلالهم وسؤالهم الاستغفار ظنا ~~منهم أنهم يدفعون عن أنفسهم بذلك المكروه ويحصلون لها المحبوب وكان كأنه ~~قيل : قد علم كذبهم , فماذا يقال لهم ؟ استأنف سبحانه الجواب بقوله : { قل ~~} أي لهؤلاء الأغبياء واعظا لهم مسببا عن مخادعتهم لمن لا يخفى عليه خافية ~~إشارة إلى أن العاقل يقبح عليه أن يقدم على ماهو بحيث تخشى عاقبته : { فمن ~~يملك لكم } أيها المخادعون { من الله } أي الملك الذي لا أمر لأحد معه لأنه ~~لا كفوء له { شيئا } يمنعكم منه { إن أراد بكم } أي خاصة { ضرا } أي ms4861 نوعا ~~من أنواع الضرر عظيما أو حقيرا , فأهلك الأموال والأهلين وأنتم محتاطون في ~~حفظهما فلا ينفعها حضوركم أو أهلككم أنتم { أو أراد بكم نفعا } بحفظهما به ~~مع غيبتكم فلا يضرها بعدكم عنهان ويحفظكم في أنفسكم , وقد علم من تصنفيه ~~سبحانه حالهم إلى صنفين مع الإبهام أنه يكون لبعضهم الضر لأن منهم من ارتد ~~في زمن الردة , ولبعضهم النفع لأنه ثبت على الإسلام . | ولما كان التقدير ~~قطعا : لا أحد يملك منه سبحانه لهم شيئا من ذلك بل هو قادر على كل ما يريد ~~منه , فعلكم لما عندكم من الجلافة والغباوة والكثافة فعل من يظن أنه لا ~~يقدر عليكم ولا يعلم كثيرا مما تعملون , فيخفى عليه كذبكم , وليس الأمر كما ~~ظننتم فإنه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم , بنى عليه ما أرشد إلى تقديره ~~فقال تعالى : { بل كان الله } أي المحيط أزلا وأبدا بكل شيء قدرة علما { ~~بما تعلمون } أي الجهلة { خبيرا * } أي يعلم بواطن أموركم هذه وغيرها كما ~~يعلم ظواهرها . | ولما ضرب عن ظنهم أن كذبهم يخفى عيه بأمر عام , وقدمه ~~لأنه أعم نفعا بما فيه من الشمول , أتبعه الإضراب عن مضمون كلامهم فقال : { ~~بل } أي ليس تخلفكم لما أخبرتم به من الاشتغال بالأهل والأموال { ظننتم } ~~وأنتم واقفون مع الظنون الظاهرة , ليس لكم نفوذ إلى البواطن , وأشار إلى ~~تأكد ظنهم على زعمهم فقال : { أن لن ينقلب } ولما كان الكلام فيما هو شأن ~~الرسول من الانبعاث والمسير , قال مشيرا إلى أن من أرسل رسولا إلى شيء وهو ~~لا يقدر على نصره ليبلغ ذلك الشيء إلى الغاية التي أرادها منه كان عاجزا ~~عما يريد : { الرسول } وعظم التابعين فقال : { والمؤمنون } معبرا بما يحق ~~لهم من الوصف المفهم للرسوخ وأفهم تأكيد ذلك عندهم بقوله تعالى : { إلى ~~أهليهم أبدا } أي لما في قلوبكم من عظمة المشركين وحقارة المؤمنين فحملكم ~~ذلك على أن قلتم : ما هم في قريش إلا أكلة رأس . ولما كان الإنسان قد يظن ~~ما لا يجب , قال مشيرا بالبناء للمفعول إلى أن ما حوته ms4862 قلوبهم مما ينبغي أن ~~ينزه سبحانه وتعالى عن نسبته إليه وإن كان هو الفاعل له في PageV07P197 ~~الحقيقة : { وزين ذلك } أي الأمر القبيح الذي خراب الدنيا { في قلوبكم } ~~حتى أحببتموه . | ولما علم أن ذلك سوء , صرح به على وجه يعم غيره فقال : { ~~وظننتم } أي بذلك وغيره مما يترتب عليه من إظهار الكفر وما يتفرع منه { ظن ~~السوء } أي الذي لم يدع شيئا مما كيره غاية الكراهة إلا أحاط به . | ولما ~~انكشف جميع أمره كشف أره فقال : { وكنتم } أ يبالنظر إلى جمعكم من حيث هو ~~جمع في علمنا قبل ذلك بما جبلناكم عليه وعلى ما كشفه الحال عنه من له بصيرة ~~{ قوما } أي مع قوتكم على ما تحاولونه { بورا * } أي في غاية الهلاك ~~والكساد والفساد , وعدم الخير لأنكم جبلتم على ذلك الفساد , فلا انفكاك لهم ~~عنه , وهذا كما مضى بالنظر إلى الجميع من حيث هو جمع لا بالنسبة إلى كل فرد ~~فإنه قد أخلص منهم بعد ذلك كثير , وثبتوا فلم يرتدوا . | ولما كان التقدير ~~: ذلك لأنكم لم تؤمنوا , فمن آمن منكم ومن غيركم وأخلص , أبحناه جنة وحريرا ~~, عطف عليه قوله معمما : { ومن لم يؤمن } منكم ومن غيركم { بالله } أي الذي ~~لا موجود في الحقيقة سواه { ورسوله } أي الذي أرسله لإظهار دينه وهو الحقيق ~~بالإضافة إليه , معبرا عنه بالاسم الأعظم , وللزيادة في تعظيمه وتحقير ~~شانئه وتوهية كيد التفت إلى مقام التكلم بمظهر العظمة فقال : { فإنا } أي ~~على ما لنا من العظمة { أعتدنا } له أو لهم هكذا كان الأصل , ولكنه قال ~~معلقا للحكم بالوصف إيذانا بأن من لم يجمع الإيمان بهما فهو كافر , وإن ~~السعير لمن كان كفره راسخا فقال تعالى : { للكافرين } أي الذين لا يجمعون ~~الإيمان بالمرسل والرسول فيكونون بذلك كفارا , ويستمرون على وصف الكفر ~~لأنهم جبلوا عليه { سعيرا * } أي نارا شديدة الإيقاد والتهلب , فهي عظيمة ~~الحر توجب الجنون وإيقاد الباطن بالجوع بحيث لا يشبع صاحبه والانتشار بكل ~~شر , فإن التنكير هنا للتهويل والتعظيم , وهذه الآية مع ما أرشد السياق إلى ~~عطفها عليه ms4863 ممن يؤمن دالة - وإن كانت في سياق الشرط - على أن أكثرهم يخلص ~~إيمانه بعد ذلك . | ولما انقضى حديث الجنود عامة ثم خاصة من المنتدبين ~~والمخلصين وختم بعذاب الكافرين , وكان المتصرف في الجنود ربما كان بعض خواص ~~الملك , فلا يكون تصرفه فيهم تاما , وكان الملك قد لا يقدر على عذاب من ~~أراد من جنوده , وكان إذا قدر قد لا يقدر على العذاب بكل ما يريده من ~~السعير الموصوف وغيره لعدم عموم ملكه قال تعالى عاطفا على آية الجنود : { ~~ولله } أي الملك الأعظم وحده { ملك السموات والأرض } أي من الجنود وغيرها , ~~يدبر ذلك كله كيف يشاء لا راد لحكمه ولا معقب . | PageV07P198 ولما لم يكن ~~في هؤلاء من عذب بما عذب الأمم الماضية من الريح وغيرها , لم ذكر ما بين ~~الخافقين , وذكر نتيجة لتفرد بالملك بما يقتضيه الحال من الترغيب والترهيب ~~: { يغفر لمن يشاء } أي لا اعتراض لأحد عليه بوجه ما { ويعذب من يشاء } أي ~~لأنه لا يجب عليه شيء ولا يكافيه شيء , وليس هو كالملوك الذين لايتمكنون من ~~مثل ذلك لكثرة الأكفاء المعارضين لهم في الجملة , وعلم من هذا التقسيم ~~المبهم أيضا أن منهم منيرتد فيعذبه , ومنهم من يثبت على الإسلام فيغفر له ~~لأنه لا يعذب بغير ذنب وإن كان له أن يفعل ذلك , لأنه لا يسأل عما يفعل ~~وملكه تام , فتصرفه فيه عدل كيفما كان . | ولما كان من يفعل الشيء في وقت ~~قد لا يستمر على وصف القدرة عليه قال تعالى : { وكان الله } أي المحيط ~~بصفات الكمال أزلا وأبدا , لم يتجدد له شيء لم يكن . | ولما ابتدأ الآية ~~بالمغفرة ترغيبا في التوبة , ختم بذلك لأن المقام له , وزاد الرحمة تشريفا ~~لنبي المرحمة بالترغيب والدلالة على أن رحمته غلبت غضبه فقال : { غفورا } ~~أي لذنوب المسيئين { رحيما * } أي مكرما بعد الستر بما منه - أي من الذم - ~~أنهم هالكون بعد أن قدم أنه لعنهم , وكان قد وعد سبحانه أهل الحديبية فتح ~~خيبر جبرا لهم بما منعهم من الاستيلاء على مكة المشرفة لما له في ms4864 ذلك من ~~الحكم البالغة الدقيقة , وختم بأنه نافذ الأمر , وكان ذلك مستلزما لإحاطة ~~العلم , دل على كلا الأمرين بقوله استئنافا , جوابا لمن كاأنه قال : هل ~~يغفر للمخلفين حتى يكونوا كأنهم ما تخلفوا ؟ : { سيقول } أي بوعد لا خلف ~~فيه . | ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم بحيث لا مطمع لأحد فى أن يظفر ~~منه بشيء من خلاف الأمر الله , أسقط ما عبر به في ذكرهم أولا من خطابه وقال ~~: { المخلفون } أي لمن يطمعون فيه من الصحابة أن يسعى في تمكينهم من المسير ~~في جيشه صلى الله عليه وسلم لخفاء الحكم عليه ونحو ذلك , ولم يقيدهم ~~بالأعراب ليعم كل من كان يتخلف من غيرهم { إذا انطلقتم } بتمكين الله لكم { ~~إلى مغانم } . | ولما أفهم اللفظ الأخذ , والتعبير بصيغة منتهى الجموع ~~كثرتها , صرح بالأول رفعا للمجاز فقال : { لتأخذوها } أي من خيبر { ذرونا } ~~أي على أي حالة شئتم من الأحوال الدنية { نتبعكم } ولما كان يلزم من ~~تمكينهم من ذلك إخلاف وعد الله بأنها تخص أهل الحديبية , وأنه طرد ~~المنافقين وخيب قصدهم , علل تعالى قولهم بقوله : { يريدون } أي بذهابكم ~~معكم { أن يبدلوا كلام الله } أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما في الإخبار ~~بلعنهم وإبارتهم , وأن فتح خيبر مختص بأهل الحديبية , لا يشركهم فيه إلا من ~~وافقهم PageV07P199 في النية والهجرة , ليتوصولا بذلك إلى تشكيك أهل ~~الإسلام فيه , والمراد أن فعلهم فعل من يريد ذلك , ولا يبعد أن يكونوا ~~صنفين : منهم من يريد ذلك , ومنهم من لم يرده ولكن فعل من يريده . | ولما ~~كان السامع جديرا بأن يسأل عما يقال لهم , قال مخاطبا لأصدق الخلق عليه ~~الصلاة والسلام : { قل } أي يا حبيب لهم إذا بلغك كلامهم أنت بنفسك , فإن ~~غيرك لا يقوم مقامك في هذا الأمر المهم , قولا مؤكدا : { لن تتبعونا } وإن ~~اجتهدتم في ذلك , وساقه مساق النفي وإن كان المراد به النهي , لأنه مع كونه ~~آكد يكون علما من أعلام النبوة , وهو أزجر وأدل على الاستهانة . | ولما أذن ~~هذا التأكيد أنه من عند من لا يخالف أصلا ms4865 في مراده , بينه تعالى بقوله : { ~~كذلكم } أي مثل هذا القول البديع الشأن العلي الرتبة { قال الله } أي الذي ~~لا يكون إلا ما يريد وليس هو كالملوك الذين لا قدرة لهم على الغفران لمن ~~شاؤوا والعقاب لمن شاؤوا { من قبل } هذا الوقت , وهو الذي لا يمكن الخلف في ~~قوله , فإنه قضى أن لا يحضر ( خيبر ) المرادة بهذه الغنائم إلا من حضر ~~الحديبية , وأمر بذلك فكان ما قال بعد اجتهاد بعض المخلفين في إخلافه فإنهم ~~غيرهم الطمع بعد سماعهم قول الله هذا , فطلبوا أن يخرجوا معه صلى الله عليه ~~وسلم فمنعوا فلم يحضرها غيرهم أحد , وذلك أنه صلى الله عليه وسلم رجع من ~~الحديبية في ذي الحجة سنة ست , فأقام إلى أثناء محرم سنة سبع , وخرج بأهل ~~الحديبية إلى خيبر ففتحهاالله عليه , وأخذ جميع أموالها من المنقولات ~~والعقارات , وأتى إليه صلى الله عليه وسلم وهو بها بعد فتحها ابن عمه جعفر ~~بن أبي طالب رضي الله عنه وبعض من معهم من مهاجر الحبشة , فأشركهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم مع أهل الحديبية لأنهم لم يكونوا مخلفين بل كانوا ~~متخلفين لعذر عدم الإدراك . | ولما كانوا منافقين لا يعتقدون شيئا من هذه ~~الأقوال , بل يظنون أنها حيل على التوصل إلى المرادات الدنيوية , سبب عن ~~قولهم له ذلك تنبيها على جلافتهم وفساد ظنونهم : { فسيقولون } : ليس الأمر ~~كما ذكر مما ادعى أنه قول الله { بل } إنما ذلكم لأنكم { تحسدوننا } فلا ~~تريدون أن يصل إلينا من مال الغنائم شيء . | ولما كان التقدير : وليس الأمر ~~كما زعموا , رتب عليه قوله : { بل كانوا } أي جبلة وطبعا { لا يفقهون } أي ~~لا يفهمون فهم الحاذق الماهر { إلا قليلا * } في أمر دنياهم , ومن ذلك ~~إقرارهم بالإيمان لأجلها , وأما أمور الآخرة فلا يفهمون منها شيئا . | < < # | الفتح : ( 16 - 17 ) قل للمخلفين من . . . . . # > > ^ ( قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم ~~أو يسلمون فإن PageV07P200 تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما ~~توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما * ليس على الأعمى حرج ms4866 ولا على الأعرج حرج ~~ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~ومن يتول يعذبه عذابا أليما ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان ذلك يوقع في نفس السامع السؤال عن هذا الطرد : هل يستمر ؟ ~~أجيب بأنهم سيمتحنون بأمر شاق يحدثه الله للتمييز بين الخلص وغيرهم , فقال ~~مكررا لوصفهم بالتخلف إعلاما بأنهم في الحقيقة ما تخلفوا , بل منعوا طردا ~~لهم وإبعادا معذبا لهم بما خلفهم عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه ~~العمرة من الخوف من قتال قريش لشدة بأسهم كما أثاب المحبين له صلى الله ~~عليه وسلم بضد ما عزموا عليه من القتال إلى النصر أو الموت من كف أيديهم ~~عنهم بما جعله الله سببا للفتح الأعظم والتفرغ لفتح خيبر وأخذ غنائمها ~~الكثيرة من غير كبير كلفة { قل } يا أعظم الخلف { للمخلفين } وزاد في ذمهم ~~بنسبتهم إلى الجلافة فقال : { من الأعراب } أي أهل غلظ الأكباد , ويجوز أن ~~يكون هذا القيد للاحتراز عن المخلفين من أهل المدينة فيكون إشارة إلى أن ~~الأعراب ينقسمون عند هذا الدعاء إلى مطيع وعاص - كما أشار إليه تقسيمه ~~سبحانه لهم - وأن المخلفين من أهل المدينة لمثل ما اعتل به الأعراب لا مطمع ~~في صلاحهم : { ستدعون } بوعد لا خلف فيه بإخبار محيط العلم والقدرة دعوة ~~محيطة ونفيرا عاما لما أفهمه الإسناد إلى جميعهم من داع صحت إمامته فوجبت ~~طاعته , ودل على بعدهم من أرضهم بقوله تعالى : { إلى قوم } . | ولما أفهم ~~التعبير بذلك أن لهم قوة وشدة على ما يحاولونه , أوضح المعنى بقوله : { ~~أولي بأس } أي شدة في الحرب وشجاعة مع مكر ودهاء { شديد } . | ولما كان ~~المعنى كأنه قيل : لماذا ؟ قال تعالى : { تقاتلونهم } أي بأمر إمامكم { أو ~~يسلمون } أي يدعوكم إليهم ليكون أحد الأمرين المظهرين لأن كلمة الله هي ~~العليا : المقاتلة منكم أو الإسلام منهم , فإن لم يسلموا كان القتال لا غير ~~, وإن أسلموا لم يكن قتال , لأن الإمام لا غرض له إلا إعلاء كلمة الله , ~~ولا يكون شيء غير هذين الأمرين ms4867 من إبقاء بجزية أو مصالحة أو متاركة إلى مدة ~~, ونحو ذلك , وهذا الداعي هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه والقوم بنو حنيفة ~~وغيرهم من أهل الدرة الذين كان الدعاء لهم أول خلافة الصديق رضي الله عنه , ~~وأما قول من قال : إنهم ثقيف , فضعيف , لأن الدعاء لم يكن إليهم إنما كان ~~المقصود بالذات فتح مكة , وكان أمر هوازن وثقيف وغيرهما تبعا له في غزوته , ~~لم يكن بينهم شيء , وأيضا فإن ثقيف لما عسر أمرهم تركهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى أسلموا بعد ذلك , وترك أيضا فلال هوازن فلم يتبعهم ولم يؤمر ~~باتباعهم , فظاهر الآية أنه إذا انتشب القتال لم يترك إلا أن حصل الإسلام , ~~والقول بأنهم فارس والروم ضعيف أيضا , فإن PageV07P201 كلا منهم تقبل منه ~~الجزية , وتأويله بأنه إسلام لغوي لا داع له مع إمكان الحقيقة , وقد كان ما ~~أشار إليه التقسيم فإنهم لما دعوا إليهم انقسموا إلى مجيب وهم الأكثر , وقد ~~آتاهم الله الأجر الحسن في الدنيا بالغنيمة والذكر الجميل وهو المرجو في ~~الآخرة , ومرتد وهم قليل وقد أذاقهم الله العذاب الأليم في الدنيا بالقتل ~~على أقبح حال , وهو يذيقهم في الآخرة أعظم النكال , وأما قتال غي العرب ~~فأطاع فيه الكل ولم يحصل فيه ما أشير إليه من التقسيم , فتحقق بهذا أنهم ~~أهل الردة - والله الموفق , ولذلك سبب عن دعوة الحق قوله مرددا القول في ~~حالهم مبهما له إشارة إلى أنهم عند الدعاء ينقسمون إلى مقبل ومتول : { فإن ~~تطيعوا } أي توقعوا الطاعة للداعي إلى ذلك , وهو أبو بكر رضي الله عنه { ~~يؤتكم الله } أي الذي له الإحاطة والقدرة على الإعطاء والمنع , لا راد ~~لأمره { أجرا حسنا } دنيا وأخرى , جعل الله طاعة أبي بكر رضي الله عنه في ~~هذا الأمر بالخصوص كطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي طاعته طاعة ~~الله , جزاء له على خصوصه في مزيد تسليمه لما فعله النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الصلح وثباته بما أجاب به عمر رضي الله عنهما بمثل جواب النبي ms4868 صلى ~~الله عليه وسلم من غير أن يكون حاضرا له كما هو معلوم من السيرة . | ولما ~~كانت مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن يقوم مقامه لا تكون إلا من ~~منازعة في الفطرة الأولى ومعالجة لها , عبر بالتفعل فقال : { وإن تتولوا } ~~عن قبول دعوته عصيانا { كما توليتم } أي عالجتم أنفسكم وكلفتموها التولي ~~بالتخلف عن الرسول صلى الله عليه وسلم { من قبل } أي بعض الأزمان التي ~~تقدمت على هذا الدعاء , وذلك في الحديبية { يعذبكم } أي يخالطكم بعقوبة ~~تزيل العذوبة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما { عذابا أليما * } لأجل تكرر ~~ذلك منكم . | ولما توعد المتخلفين بتخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم توعدهم في التقاعد عن هذا الإمام القائم بعده بالحق , وكان أهل الأعذار ~~لا يتيسر لهم ما أريد بهذا الدعاء , وكان الدين مبنيا على الحنيفية السمحة ~~, استأنف قوله تعالى مسكنا لما اشتثاره الوعيد من روعهم : { ليس على الأعمى ~~} أي في تخلفه عن الدعاء إلى الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم أو مع ~~غيره من أئمة الدعاء { حرج } أي ميل بثقل الإثم لأجل أن عماه موهن لسعيه ~~وجميع بطشه , ولأجل تأكيد المعنى تسكينا لما ثار منروعة المؤمن كرر النافي ~~والحرج في كل جملة مستقلة تأكيدا لهذا الأمر فقال : { ولا على الأعرج } وإن ~~كان نقصه أدنى من نقص العمى { حرج } وجعل كل جملة مستقلة تأكيدا لهذا الحكم ~~. | ولما ذكر هذين الأثرين الخاصين المزيد ضررهما في العاقة عن كمال الجهاد ~~, عم بقوله : { ولا على المريض } أي بأي مرض { حرج } فلم يخرج أهل هذه ~~الأعذار الذين PageV07P202 لم يمنعهم إلا إعذارهم عن أهل الحديبية , وأطلب ~~الحرج المنفي ليقبل التقدير بالتخلف ولا حاجة لأن حضورهم لا يخلوا عن نفع ~~في الجهاد , وذكر هكذا دون أسلوب الاستثناء إيذانا بأنهم لم يدخلوا في ~~الوعيد أصلا حتى يخرجوا منه . | ولما بشر المطيعين لتلك الدعوة وتوعد ~~القاعدين عنها وعذر المعذورين , وكانت إجابة المعذورين جائزة , بل أرفع من ~~قعودهم , ولذلك لم ينف إجابتهم إنما نفى الحرج , قال معمما ms4869 عاطفا على ما ~~تقديره : فمن تخلف منهم فتخلفه مباح له : { ومن يطع الله } أي المحيط بجميع ~~صفات الكمال المفيض من آثار صفاته على من يشاء ولو كان ضعيفا , المانع منها ~~من يشاء وإن كان قويا { ورسوله } من المعذورين وغيرهم فيما ندبا إليه من أي ~~طاعة كانت إجابته { يدخله } أي الله الملك الأعظم جزاء له { جنات تجري } ~~ونبه على قرب منال الماء بإثبات الجار في قوله : { من تحتها الأنهار } أي ~~ففي أي موضع أردت أجريت نهرا { ومن يتول } أي كائنا من كان من المخاطبين ~~الآن وغيرهم , عن طاعة من الطاعات التي أمرا بها من أي طاعة كانت { يعذبه } ~~أي على توليه في الدارين أو إحداهما { عذابا أليما * } وقراءة أهل المدينة ~~والشام { ندخله ونعذبه } بالنون أظهر في أرداة العظمة لأجل تعظيم النعمة ~~والنقمة . | < < # | الفتح : ( 18 - 21 ) لقد رضي الله . . . . . # > > ^ ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في ~~قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا * ومغانم كثيرة يأخذونها ~~وكان الله عزيزا حكيما * وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف ~~أيدي الناس عنكم ولتكون آية للمؤمنين ويهديكم صراطا مستقيما * وأخرى لم ~~تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديرا ) ^ } ) | ولما ~~وعد المطيع وأوعد العاصي , وكانت النفوس إلى الوعد أشد التفاتا , دل عليه ~~بثواب عظيم منه أمر محسوس يعظم جذبه للنفوس القاصرة عن النفوذ في العالم ~~الغيب , فقال مؤكدا لأن أعظم المراد به المذبذبون , مفتتحا بقد لأن السياق ~~موجب للتوقع لما جرى من السنة الإلهية أنها إذا شوقت إلى شيء دلت عليه ~~بمشهود يقرب الغائب الموعود : { لقد رضي الله } أي الذي له الجلال والجمال ~~{ عن المؤمنين } أي الراسخين في الإيمان , أي فعل معهم فعل الراضي بما جعل ~~لهم من الفتح وما قدر له من الثواب , وأفهم ذلك أنه لم يرض عن الكافرين ~~فخذلهم في الدنيا مع ما وعد لهم في الآخرة , فالآيات تقرير لما ذكر من جزاء ~~الفريقين بأمور مشاهدة . | ولما ذكر الرضى , ذكر وقته ms4870 للدلالة على سببه ~~فقال : { إذ } أي حين , وصور PageV07P203 حالهم إعلاما أنها سارة معجبة ~~شديدة الرسوخ في الرضى فقال : { يبايعونك } في عمرة الحديبية لما صد ~~المشركون عن الوصول إلى البيت , فبعثت عثمان رضي الله عنه إليهم ليخبرهم ~~بأنك لم تجىء لقتال وإنما جئت للعمرة , فبلغك أنهم قتلوه فندبت إلى البيعة ~~لمناجزتهم فبايعك كل من كان معك على أن لا يفروا لتناجز بهم القوم ؛ وزاد ~~الأمر بيانا وقيده تفضيلا لأهل البيعة بقوله : { تحت الشجرة } واللام للعهد ~~الذهني , وكانت شجرة في الموضع الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم نازلا به ~~في الحديبية , ولأجل هذا الرضى سميت بيعة الرضوان , وروى البغوى من طريق ~~الثعلبي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدخل ~~النار أحد ممن بايع تحت الشجرة ) . | ولما دل على إخلاصهم بما وصفهم , سبب ~~عنه قوله : { فعلم } أي لما له من الإحاطة { ما في قلوبهم } أي من مطابقته ~~لما قالوا بألسنتهم في البيعة , وأن ما حصل لبعضهم من الاضطراب في قبول ~~الصلح والكآبة منه إنما هو لمحبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإيثار ما ~~يريد من إعلاء دينه وإظهاره لا عن شك في الدين , وسبب عن هذا العلم ترغيبا ~~في مثل هذا المحدث عنهم قوله : { فأنزل السكينة } أي بثبات القلوب ~~وطمأنيتها في كل حالة ترضي الله ورسوله , ودل على عظمها بحيث إنها تغلب ~~الخوف وإن عظم بقوله : { عليهم } فأثر ذلك أنهم لم يخافوا عاقبة القتال لما ~~ندبوا إليه وإن كانوا في كثرة الكفار كالشعرة لبيضاء في جنب الثور الأسود , ~~لا أثر الصلح بما يتراءى فيه من الضعف وغيره من مخايل النقص في قلوبهم في ~~ذلك المقام الدحض والمواطن الضنك إلا ريثما رأوا صدق عزيمة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ومضى أمره في ذلك بما يفعل ويقول . | ولما ذكر منه سبحانه وتعالى ~~عليهم بما هو الأصل الذي لا يبنى إلا عليه , أتبعه آثاره فقال : { وأثابهم ~~} أي أعطاهم جزاء لهم على ما وهبهم من الطاعة والسكينة فيها ms4871 جزاء , مقبلا ~~عليهم , يملأ مواضع احتياجهم , هو أهل لأن يقصده الإنسان ويتردد في طلبه ~~لما له من الإقبال والمكنة والشمول { فتحا } بما أوقع سبحانه من الصلح ~~المترتب على تعجيز قريش عن القتال { قريبا * } بترك القتال الموجب بعد ~~راحتهم وقوتهم وجمومهم لاختلاط بعض الناس ببعض فيدخل في الدين من كان ~~مباعدا له لما يرى من محاسنه , فسيكون الفتح الأعظم فتح المكة المشرفة الذي ~~هو سبب لفتح جميع البلاد . | PageV07P204 ولما ذكر الفتح ذكر بعض ثمرته ~~فقال : { ومغانم } فنبه بصيغة منتهى الجموع إلى إلى عظيمة , ثم صرح بذلك في ~~قوله : { كثيرة } ولما كان الشيء ربما أطلق على ما هو بالقوة دون الفعل , ~~أزال ذلك بقوله تعالى { يأخذونها } وهي خيبر . | ولما كان ذلك مستبعدا ~~لكثرة الكفار وقلة المؤمنين , بين سببه فقال عاطفا على ما تقديره : بعزة ~~الله وحكمته : { وكان الله } أي الذي لا كفوء له { عزيزا } أي يغلب ولا ~~يغلب { حكيما * } يتقن ما يريد فلا ينقض . | ولما قرب ذلك وتأكد وتحرر ~~وتقرر , أقبل سبحانه وتعالى عليهم بالخطاب تأكيدا لمسامعهم فقال مزيلا لكل ~~احتمال بتردد في خواطر المخلفين : { وعدكم الله } أي الملك الأعظم { مغانم ~~} وحقق معناها بقوله : { كثيرة تأخذونها } أي فيما يأتي من بلدان شتى لا ~~تدخل تحت حصر , ثم سبب عن هذا الوعد قوله : { فعجل لكم } أي منها { هذه } ~~أي القضية التي أوقعها بينكم وبين قريش من وضع الحرب عشر سنين , ومن أنكم ~~تأتون في العام المقبل في مثل هذا الشهر معتمرين فإنها سبب ذلك كله , عزاه ~~أبو حيان لابن عباس رضي الله عنهما وهو في غاية الظهور , ويمكن أن يكون ~~المعنى : التي فتحها عليكم من خيبر من سببها وأموالها المنقولات وغيرها { ~~وكف أيدي الناس } أي من أهل خيبر وحلفائهم أسد وغطفان أن يعينوا أهل خيبر ~~أو يغيروا على عيالاتكم بعد ما وهموا بذلك بعد ما كف أيدي قريش ومن دخل في ~~عهدهم بالصلح { عنكم } على ما أنتم فيه من القلة والضعف . | ولما كان ~~التقدير : رحمة لكم على طاعتكم لله ورسوله وجزاء لتقوى أيديكم ms4872 , وتروا ~~أسباب الفتح القريبة بما يدخل من الناس في دينكم عند المخاطبة بسبب الإيمان ~~, عطف عليه قوله : { ولتكون } أي هذه الأسباب من الفتح والإسلام { آية } أي ~~علامة هي في غاية الوضوح { للمؤمنين } أي منكم على دخول المسجد الحرام ~~آمنين في العمرة ثم في الفتح ومنكم ومن غيركم من الراسخين في الإيمان إلى ~~يوم القيامة على جميع ما يخبر الله به على ما وقع التدريب عليه في هذا ~~التدبير الذي دبره لكم من أنه لطيف يوصل إلى الأشياء العظيمة بأضداد أبابها ~~فيما يرى الناس فلا يرتاع مؤمن لكثرة المخالفين وقوة المنابذين أبدا , فإن ~~سبب كون الله مع العبد هو الاتباع بالإحسان الذي عماده الرسوخ في الإيمان ~~الذي علق الحكم به , فحيث ما وجد عليه وجد المعلق وهو النصر بأسباب جلية أو ~~خفية { ويهديكم } في نحو هذا الأمر الذي دهمكم فأزعجكم بالثبات عند سماع ~~الموعد والوعيد والثقة بمضمونه لأنه قادر حكيم , فهو لا يخلف الميعاد بأن ~~يهديكم { صراطا مستقيما } أي طريقا واسعا واضحا موصلا إلى الكرامة من ~~PageV07P205 غير شك , وهذا من أعلام النبوة فإنه لم يزغ أحد من المخاطبين ~~بهذه الآية وهم أهل الحديبية وكأنه والله أعلم لذلك لم يقل : ويهديهم - ~~بالغيب على ما اقتضاه السياق لئلا يغم غيرهم ممن يظهر صدقه في الإيمان ثم ~~يزيغ , ولذا أكثر تفاصيل هذه السورة من أعلام النبوة , فإنه وقع الإخبار به ~~قبل وقوعه . | ولما سرهم سبحانه بما بشرهم به من كون القضية فتحا ومن غنائم ~~خيبر , أتبع ذلك البشارة دالا على أنها لا مطمع لهم في حوزه ولا علاجه لولا ~~معونته فقال : { وأخرى } أي ووعدكم مغنم كثيرة غير هذه وهي - والله أعلم - ~~مغانم هوازن التي لم يحصل قبلها ما يقاربها . | ولما كان في علمه سبحانه ~~وتعالى أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم مقرون فيها إلا من لا يمكنه في ~~العادة أن يهزمهم ليحوي الغنائم , فكان ما في علمه تعالى لتحققه كالذي وقع ~~وانقضى , قال تعالى : { لم تقدروا } أي بما علمتم من قراركم { عليها } ولما ~~توقع ms4873 السامع بعد علمه بعجزهم عنها الإخبار عن السبب الموصل إلى أخذها بما ~~تقرر عند من صدق الوعد { بها } فكانت بمنزلة ما أدير عليه سورة مانع من أن ~~يغلب منها شيء عن حوزتكم أو يقدر غيركم أن يأخذ منها شيئا , ولذلك وللتعميم ~~ختم الآية بقوله : { وكان الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال أزلا وأبدا { ~~على كل شيء } منها ومن غيرها { قديرا * } بالغ القدرة لأنه بكل شيء عليم . ~~| < < # | الفتح : ( 22 - 25 ) ولو قاتلكم الذين . . . . . # > > ^ ( ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا ~~نصيرا * سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا * وهو الذي ~~كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله ~~بما تعملون بصيرا * هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا ~~أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم ~~منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين ~~كفروا منهم عذابا أليما ) ^ } ) | ولما قدم سبحانه أنه كف أيدي الناس عنكم ~~أجمعين , ذكر حكمهم لو وقع قتال , فقال مقررا لقدرته عاطفا على نحو : فلو ~~أراد لمكنكم من الاعتمار , مؤكدا لأجل استبعاد من يستبعد ذلك من الأعراب ~~وغيرهم : { ولو قاتلكم } أي في هذا الوجه { الذين كفروا } أي أوقعوا هذا ~~الوصف من الناس عموما الراسخ فيه ومن دونه , وهم أهل مكة ومنلهم إلى كراع ~~الغميم , ولم يكن أسلم بعد { لولوا } أي بغاية جهدهم { الأدبار } منهزمين . ~~| PageV07P206 ولما كان عدم نصرهم بعد التولية مستبعدا أيضا لما لهم من ~~كثرة الإمداد وقوة الحمية , قال معبرا بأداة البعد : { ثم } أي بعد طول ~~الزمان وكثرة الأعوان { لا يجدون } في وقت من الأوقات { وليا } أي يفعل ~~معهم فعل القريب من الحياطة والشفقة والحراسة من عظيم ما يحصل من رعب تلك ~~التولية { ولا نصيرا * } . | ولما كانت هذه عادة جارية قديمة مع أولياء ~~الله تعالى حيثما كانوا من الرسل وأتباعا , وأن جندنا لهم الغالبون , قال ~~تعالى : { سنة الله ms4874 } أي سن المحيط بهذا الخلق في هذا الزمان وما بعده كما ~~كان محيطا بالخلق في قديم الدهر , ولذلك قال : { التي قد خلت } أي سنة ~~مؤكدة لا تتغير , وأكد الجار لأجل أن القتال ما وقع الزمان الماضي إلا بعد ~~نزول التوراة فقال : { من قبل } وأما قبل ذلك فإنما كان يحصل الهلاك بأمر ~~من عند الله بغير أيدي المؤمنين { ولن تجد } أيها السامع { لسنة الله } ~~الذي لا يخلف قولا لأنه محيط بجميع صفات الكمال { تبيدلا * } أي تغيرا من ~~مغير ما , يغيرها بما يكون بدلها . | ولما تقرر أن الكفار مغلوبون وإن ~~قاتلوا , وكان ذلك من خوارق العادات مع كثرتهم دائما وقلة المؤمنين حتى ~~يأتي أمر الله موقعا للعلم القطعي بأنه ما دبره إلا الواحد القهار القادر ~~المختار , عطف عليه عجبا آخر وهو عدم تغير أهل مكة في هذه العمرة للقتال ~~بعد تعاهدهم وتعاقدهم عليه مع ما لهم من قوة العزائم وشدة الشكائم , فقال ~~عاطفا على ما تقديره : هو الذي سن هذه السنة العامة : { وهو الذي كف } أي ~~وحده من غير معين له على ذلك { أيديهم } أي الذين كفروا من أهل مكة وغيرهم ~~, فإن الكل شرع واحد { عنكم وأيديكم } أيها المؤمنون { عنهم } . | ولما كان ~~الكفار لو بسطوا أيديهم مع ما حتمه الله وسنه من تولية الكفار دخلوا مكة ~~قال : { ببطن مكة } أي كائنا كل منكم ومنهم في داخل مكة هم حالا وأنت مآلا ~~, وعن القفال أنه قال : يجوز أن يراد به الحديبية لأنها من الحرم - انتهى . ~~| وعبر بالميم دون الباء كما في آل عمران إشارة إلى أنه فعل هنا ما اقتضاه ~~مدلول هذا الاسم من الجمع والنقض والتنقية , فسبب لهم أسباب الاجتماعية ~~والتنقية من الذنوب - بما أشارت إليه آية العمرة حالا وآيات الفتح مآلا , ~~ووفى بما يدل عليه اسمها من الأهل على خلاف القياس . | ولما كان هذا ليس ~~مستغرقا لجميع الزمان الآتي , بل لا بد أن يبسط أيدي المؤمؤمنين بها يوم ~~الفتح , أدخل الجار فقال تعالى : { من بعد أن أظفركم } أي أوجد فوزكم بكل ms4875 ~~ما طلبتم منهم وجعل لكم الطول والعز { عليهم } وذلك فيما رواه أصحاب . | ~~PageV07P207 السير قالوا : ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم خراش بن أمية ~~الخزاعي رضي الله عنه فبعثه إلى قريش بمكة وحمله على بعير له فقال له ~~التغلب : ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له فعقروا جمل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأرادوا قتله , فمنعه الأحابيش فخلوا سبيله حتى أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبعثت قريش أربعين رجلا منهم أو خمسين وأمروهم أن يطوفوا ~~بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أحابه أحدا فأخذوا أخذا ~~فأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وخلى سبيلهم , وقد كانوا ~~رموا في عسكره بالحجارة والنبل , ثم ذكروا إرساله صلى الله عليه وسلم ~~لعثمان رضي الله عنه إلىمكة ثم إرسال قريش لسهيل بن عمرو في الصلح , وروى ~~مسلم في صحيحه عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : لما اصطلحنا واختلط ~~بعضنا ببعض أتيت شجرة فاضطجعت في أصلها فأتاني أربعة من المشركين من أهل ~~مكة , فجعلوا يقعون في النبي صلى الله عليه وسلم فأبغضتهم , فتحولت إلى ~~شجرة أخرى , وعلقوا سلاحهم واضطجعوا , فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل ~~الوادي : يا آل المهاجرين : قتل ابن زنيم , فاخترطت سيفي ثم شددت على أولئك ~~الأربعة وهم رقود فأخذت سلاحهم , فجعلته ضغثا في يدي , ثم قلت والذي كرم ~~وجه محمد صلى الله عليه وسلم ! لا يرفع أحد منك رأسه إلا ضربت الذي فيه ~~عيناه ثم جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء عمي عامر ~~رضي الله عنه برجل من العبلات يقال له مكرز يقوده إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على فرس مجفف في سبعين من المشركين , فنظر إليهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال : دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه , فعفا عنهم فأنزل ~~الله تعالى { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم } الآية - انتهى . | ~~وروى مسلم والنسائي عن أنس بن مالك رضي ms4876 الله عنه أن ثمانين رجلا من أهل مكة ~~هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل التنعيم متسلحين , يريدون ~~غرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم , وفي رواية النسائي : ~~قالوا : نأخذ محمدا - صلى الله عليه وسلم وأصحابه , فأخذهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم سلما فاستحياهم فأنزل الله عز وجل { وهو الذي كف أيديهم عنكم } ~~الآية . | ولما كان هذا ونحوه من عنف أهل مكة وغلظتهم وصلابتهم وشدتهم ورفق ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولينه لهم مما أحزن أغلب الصحابة رضي الله تعالى ~~عنهم قال تعالى سلبهم : { وكان الله } أي المحيط بالجلال والإكرام { بما ~~يعلمون } أي الكفار - على قراءة أبي عمرو بالغيب , وأنتم - على قراءة ~~الباقين بالخطاب في ذلك الوقت وفيما بعده كما كان قبله { بصيرا * } أي محيط ~~العلم ببواطن ذلك كما هو محيط بظواهره فهو يجريه في PageV07P208 هذه الدار ~~التي ربط فيها المسببات بأسبابها على أوثق الأسباب في نصركم وغلبكم لهم ~~وقسركم , وستعلمون ما دبره من دخولكم مكة المشرفة آمنين لا تخافون في عمرة ~~القضاء صلحا ثم في الفتح بجحفل جرار قد نيطت أظفار المنايا بأسنة رماحه , ~~وعادت كؤوس الحمام طوعا لبيض صفاحه , فيؤمن أكثر أهل مكة وغيرهم ممن هو ~~الآن جاهد عليكم , ويصيرون أحب الناس فيكم يقدزن أنفسهم في جهاد الكفار ~~دونكم , فيفتح الله بكم البلاد , ويظهركم - وهو أعظم المحامين عنكم - على ~~سائر العباد . | ولما كان ما مضى من وصفهم على وجه يشمل غيرهم من جميع ~~الكفار , عينهم مبينا لسبب كفهم عنهم مع استحقاقهم في ذلك الوقت للبوار ~~والنكال والدمار فقال : { هم } أي أهل مكة ومن لا فهم { الذين كفروا } أي ~~أوغلوا في هذا الوصف بجميع بواطنهم وتمام ظواهرهم { وصدوكم } زيادة على ~~كفرهم في عمرة الحديبية هذه { عن المسجد الحرام } أي مكة , ونفس المسجد ~~الحرام , والكعبة , للإخلال بما أنتم فيه من شعائر الإحرام بالعمرة { ~~والهدي } أي وصدوا ما أهديتموه إلى مكة المشرفة لتذبحوه بها وتفرقوه على ~~الفقراء , ومنه أربعون , وفي رواية : سبعون بدنة , كان أهداها ms4877 النبي صلى ~~الله عليه وسلم { معكوفا } أي حال كونه مجموعا محبوسا مع رعيكم له وإصلاحه ~~لما أهدى لأجله { أن يبلغ محله } أي الموضع الذي هو أولى المواضع لنحره , ~~وهو الذي إذا أطلق انصرف الذهن إليه , وهو في العمرة المروة , ويجوز الذبح ~~في الحج والعمرة في أي موضع كان من الحرم , فالموضع الذي نحر فيه النبي صلى ~~الله عليه وسلم في هذه المرة عند الإحصار ليس محله المطلق . | ولما كان ~~التقدير : فلولا ما أشار إليه من ربط المسببات بأسبابها لسلطكم عليهم ~~فغلبتموهم على المسجد وأتممتم عمرتكم على ما أردتم , ثم عطف عليه أمرا أخص ~~منه فقال : { ولولا رجال } أي مقيمون بين أظهر الكفار بمكة { مؤمنون } أي ~~عريقون في الإيمان فكانوا لذلك أهلا للوصف بالرجولية { ونساء مؤمنات } أي ~~كذلك حبس الكل عن الهجرة العذر لأن الكفار لكثرتهم استضعفوهم فمنعوهم ~~الهجرة , على أن ذلك شامل لمن جبله اللهعلى الخير وعلم منه الإيمان وإن كان ~~في ذلك الوقت مشركا { لم تعلموهم } أي لم يحط علمكم بهم من جميع الوجوه ~~لتميزوهم بأعيانهم عن المشركين لأنهم ليس لهم قوة التمييز زمنهم بأنفسهم ~~وأنتم لا تعرفون أماكنهم لتعاملوهم بما هم له أهل ولا سيما في حال الحرب ~~والطعن والضرب , ثم أبدل من ( الرجال والنساء ) قوله : { أن تطؤهم } أي ~~تؤذوهم بالقتل أو ما يقاربه من الجراح والضرب والنهب ونحوه من الوطء الذي ~~هو الإيقاع بالحرب منه قوله صلى الله عليه وسلم ( آخر وطأة وطئها الله بوج ~~) يكون ذلك PageV07P209 الأذى منكم لهم على ظن أنهم مشركون أذى الدائس ~~لمدوس وتضغطوهم وتأخذوهم أخذا شديدا بقهر وغلبة تصيرون به لا تردون يد لامس ~~ولا تقدرون على مدافعة { فتصيبكم } أي فيتسبب عن هذا الوطء أن يصيبكم { ~~منهم } أي من جهتهم وبسببهم { معرة } أي مكروه وأذى هو كالحرب في انتشاره ~~وأذاه , وإثم وخيانة بقتال دون إذن خاص , وبعدم الإمعانن في البحث , وغرم ~~وكفارة ودية وتأسف وتعيير ممن لا علم له , ثم علق بالوطء المسبب عنه إابة ~~المعرة إتماما للمعنى قوله : { بغير علم } أي ms4878 بأنهم من المؤمنين . | ولما ~~دل السياق على أن جواب ( لولا ) محذوف تقديره : لسلطكم عليهم وما كف أيديكم ~~عنهم , ولكنه علم ذلك , وعلم أنه سيؤمن ناس من المشركين فمن عليكم بأن رفع ~~حرج إصابتهم بغير علم عنكم , وسبب لكم أسباب الفتح الذي كان يتوقع بسبب ~~تسليطكم عليهم بأمر سهل , وكف أيديكم ولم يسلطكم عليه { ليدخل الله } أي ~~الذي له جميع صفات الكمال { في رحمته } أي إكرامه وإنعامه { من يشاء } من ~~المشركين بأن يعطفهم إلى الإسلام , ومن المؤمنين بأن يستنقذهم منه على أرفق ~~وجه , ولما كان ذلك , أنتج قوله تعالى : { لو تزيلوا } أي تفرقوا فزال أحد ~~الفريقين عن الآخر زوالا عظيما يحث لا يختلط صنف بغيره فيؤمن وطء المؤمنين ~~له بغير علم { لعذبنا } أي بأيديكم بتسليطنا أبو بمجرد أيدنا من غير واسطة ~~{ الذين كفروا } أي أوقعوا ستر الإيمان . | ولما كان هذا عاما لجميع من ~~اتصف بالكفر من أهل الأرض , صرح بما دل عليه السياق فقال : { منهم } أي ~~الفريقين وهم الصادون { عذابا أليما * } أي شديد الإيجاع بأيديكم أو من ~~عندنا لنوصلكم إلى قصدكم من الاعتمار والظهر على الكفار , ففيه اتعذار ~~وتدريب على تأدب بعضهم مع بعض , وفي الإشارة إلى بين سر من أسرار منع الله ~~تعالى لهم من التسليط عليهم حث للعبد على أن لا يتهم الله في قضائه فربما ~~عسر عليه أمرا يظهر له أن السعادة كانت فيه وفي باطنه سم قاتل , فيكون منع ~~الله له منه رحمة في الباطن وإن كان ننقمة في الظاهر , فألزم التسليم مع ~~الاجتهاد في الخير والحرص عليه والندم على فواته وإياك والاعتراض , وفي ~~الآية أيضا أن الله تعالى قد يدفع عن الكافر لأجل المؤمن . | < < # | الفتح : ( 26 - 27 ) إذ جعل الذين . . . . . # > > ^ ( إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله ~~سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ~~وكان الله PageV07P210 بكل شيء عليما * لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون ms4879 ~~فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما بين شرط استحقاقهم للعذاب , بين وقته , وفيه بيان لعلته , فقال ~~: { إذ } أي حين { جعل الذين كفروا } أي ستروا ما تراءى من الحق في مرأى ~~عقولهم { في قلوبهم } أي قلوب أنفسهم { الحمية } أي المنع الشديد والأنفة ~~والإباء الذي هو في شدة حره ونفوذه في أشد الأجسام كالسم والنار , ولما كان ~~مثل هذه الحمية قد تكون موجبة للرحمة بأن تكون لله , قال مبينا معظما ~~لجرمها , { حمية الجاهلية } التي مدارها مطلق المنع أي سواء كان بحق أو ~~بباطل , فتمنع من الإذعان للحق , ومبناها التشفي على مقتضى الغضب لغير الله ~~فتوجب تخطي حدود الشرع , ولذلك أنفوا من دخول المسلمين مكة المشرفة لزيارة ~~البيت العتيق الذي الناس فيه سواء , ومن الإقرار بالبسملة , فأنتجت لهم هذه ~~الحمية أن تكبروا عن كلمة التقوى وطاشوا وخفوا إلى الشرك الذي هو أبطل ~~الباطل . | ولما كانت هذه الحمية مع الكثرة موجبة ولا بد ذل من تصوب إليه ~~ولا سيما إن كان قليلا , بين دلالة على أن الأمر تابع لمشيئته لا لجاري ~~العادة أنه تأثر عنها ضد ما تقتضيه عادة , فقال مسببا عن هذه الحمية : { ~~فأنزل الله } أي الذي لا يغلبة شيء وهو يغلب كل شيء بسبب حميتهم { سكينته } ~~أي الشيء اللائق إضافته إليه سبحانه من الفهم عن الله والروح والموجب لسكون ~~القلب المؤثر للإقدام على العدو والنصر عليه , إنزالا كائنا { على رسوله } ~~صلى الله عليه وسلم الذي عظمته من عظمته , ففهم عن الله مراده في هذه ~~القضية فجرى على أتم ما يرضيه { وعلى المؤمنين } رضي الله تعالى عنهم ~~العريقين في الإيمان لأنهم أتباع رسول صلى الله عليه وسلم وأنصار دينه ~~فألزمهم قبول أمره الذي فهمه عن الله وخفي عن أكثرهم حتى فهمتموه صلى الله ~~عليه وسلم عند نزول سورة محمد وحماهم عن همزات الشياطين , ولم يدخلهم ما ~~دخل الكفار من الحمية ليقاتلوا غضبا لأنفسهم فيتعدوا حدود الشرع { وألزمهم ~~} أي المؤمنين إلزام إكرام أو تشريف , لا إلزام إهانة ms4880 وتعنيف { كلمة التقوى ~~} وهي كل قول أو فعل ناشىء عن التقوى وإعلاء كلمة الإخلاص المتقدم في سورة ~~القتال وهي لا إله إلا الله التي هي أحق الحق , يقتضي التحقق بمدلولها من ~~أنه لا فاعل إلا الله الثبات على كل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من التوحيد والبسملة والرسالة مع تغيير الكتابة بكل منهما لأجل الكفار ~~في ذلك المقام الدحض الذي لا يكاد يثبت فيه قدم , وأضافها إلى التقوى التي ~~هي اتخذا ساتر يقي حر النار فجعلها وصفا لازما لهم غير منفك عنهم ~~PageV07P211 لأنها سببها الحامل عليها , ويجمع الحامل على التقوى اعتقاد ~~الواحدانية وهي لا إلا الله فإنها كلمة - كما قال الرازي - أولها نفي الشرك ~~وآخرها تعلق بالإلهية , وهذا من أعلام النبوة , فإن أهل الحديبية الذين ~~ألزموا هذه الكلمة ماتوا كلهم على الإسلام { وكانوا } أي جبلة وطبعا . | ~~ولما كان من الكفار من يستحقها في علم الله فيصير مؤمنا , عبر فأفعل ~~التفضيل فقال تعالى : { أحق بها } أي كلمة التقوى من الكفار والأعرب وغيرهم ~~من جميع الخلق , ولمثل هذا التعميم أطلق الأمر بحذف المفضل عليه , ولما كان ~~الأحق بالشيء قد لا يكون أهله من أول الأمر قال تعالى : { وأهلها } أي ~~ولاتها والملازمون لها ملازمة العشير بعشيره والدائنون لها والآلفون لها . ~~| ولما كان الحكم بذلك لا يكون إلا لعالم قال عاطفا على ما تقديره : لما ~~علم الله من صلاح قلوبهم وصفائها : { وكان الله } أي المحيط بالكائنات كلها ~~علما وقدرة { بكل شيء } من ذلك وغيره { عليما * } أي محيط العلم الدقيق ~~والجلي , والآية من الاحتباك : ذكر حمية الجاهلية أولا دليلا على ضدها ~~ثانيا , وكلمة التقوى ثانيا دليلا على ضدها أولا , وسره أنه ذكر مجمع الشر ~~أولا ترهيبا منه ومجمع الخير ثانيا ترغيبا فيه . | ولما قرر سبحانه وتعالى ~~علمه بالعواقب لإحاطة علمه ووجه أسباب كفه أيدي الفريقين وبين ما فيه من ~~المصالح وما في التسليط من المفاسد من قتل من حكم بإيمانه من المشركين ~~وإصابة من لا يعلم من المؤمنين - وغير ذلك إلى ms4881 ختم بإحاطة علمه المستلزم ~~لشمول قدرته . | أنتج ذلك قوله لمن توقع الإخبار عن الرؤيا التي أقلقهم ~~أمرها وكاد بعضهم أن يزلزله ذكرها على سبيل التأكيد : { لقد } . | ولما كان ~~للنظر إلى الرؤيا اعتباران : أحدهما من جهة الواقع وهو غيب عن الصحابة رضي ~~الله تعالى عنهم أجمعين : والآخر من جهة الإخبار وهو مع الرؤيا شهادة ~~بالنسبة إليه سبحانه وتعالى , عبر بالصدق والحق فقال تعالى : { صدق الله } ~~أي الملك الذي لا كفوء له المحيط بجميع صفات الكمال { رسوله } صلى الله ~~عليه وسلم الذي هو أعز الخلائق عنده وهو غني عن الإخبار عما لا يكون أنه ~~يكون , فكيف إذا كان المخبر رسوله { الرؤيا } التي هي من الوحي لأنه سبحانه ~~يرى الواقع ويعلم مطابقتها في أنكم تدخلون المسجد الحرام آمنين يحلق بعض ~~ويقصر آخرون , متلبسا خبره ورؤيا رسوله صلى الله عليه وسلم { بالحق } لأن ~~مضمون الخبر إذا وقع فطبق بين الواقع وبينه , وكان الواقع يطابقه لا يخرم ~~شيء منه عن شيء منه , والحاصل أنك إذا نسبتها للواقع طابقته فكان صدقا , ~~وإذا نسبت الواقع إليها طابقها فكانت حقا . | ولما أقسم لأجل التأكيد لمن ~~كان يتزلزل , أجابه بقوله مؤكدا بما يفهم القسم أيضا PageV07P212 إشارة إلى ~~عظم الزلزال . | { لتدخلن } أي بعد هذا دخولا قد تحتم أمره { المسجد } أي ~~الذي يطاف فيه باكلعبة ولا يكون دخوله إلى بدخول الحرم { الحرام } أي الذي ~~أجاره الله من امتهان الجبابرة ومنعه من كل ظالم . | ولما كان لا يجب عليه ~~سبحانه وتعالى شيء وإن وعد به , أشار إلى ذلك بقوله تأديبا لهم أن يقول ~~منهم بعد ذلك : ألم يقل أننا ندخل البيت ونحو ذلك , ولغيرهم أن يقول : نحن ~~ندخل : { إن شاء الله } أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال , حال كونكم { ~~آمنين } لا تخشون إلا الله منقسمين بحسب التحليق والتقصير إلى قسمين { ~~محلقين رءوسكم } ولعله أشار بصيغة التفعيل إلى أن فاعل الحق كثير , وكذا { ~~ومقصرين } غير أن التقديم يفهم أن الأول أكثر . | ولما كان الدخول حال ~~الأمن لا يستزلم الأمن بعده قال تعالى : { لا ms4882 تخافون } أي لا يتجدد لكم خوف ~~بعد ذلك إلى أن تدخلوا عليهم عام الفتح قاهرين لهم بالنصر , ولما كان من ~~المعلوم أن سبب هذا الإخبار إحاطة العلم , فكان التقدير , هذا أمر حق يوثق ~~غاية الوثوق لأنه إخبار عالم الغيب والشهادة , صدق سبحانه فيه , وما ركم ~~عنه هذه الكرة على هذا الوجه إلا لأمور دبرها وشؤون أحكمها وقدرتها , قال ~~عاطفا على { صدق } مسببا عنه أو معللا : { فعلم } أي بسبب , أو لأنه علم من ~~أسباب الفتح وموانعه وبنائه على الحكمة { ما لم تعلموا } أي أيها الأولياء ~~{ فجعل } أي بسب إحاطة علمه { من دون } أي أدنى رتبة من { ذلك } أي الدخول ~~العظيم في هذا العام { فتحا قريبا * } يقويكم به من فتح خيبر ووضع الحرب ~~بين العرب بهذا الصلح , واختلاط بعض الناس بسبب ذلك ببعض , الموجب لإسلام ~~بشر كثير تتقوون بهم , فتكون تلك الكثرة والقوة سبب هيبة الكفار المانعة ~~لهم من القتال , فتقل القتلى رفقا بأهل حرم الله تعالى إكراما لهذا النبي ~~الكريم صلى الله عليه وسلم عن إغارة وإصابة من عنده من المسلمين المستضعفين ~~من غير علم . | < < # | الفتح : ( 28 - 29 ) هو الذي أرسل . . . . . # > > ^ ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا ) ^ } ) | ولما أخبر بهذه الأمور الجليلة الدقيقة المبنية على ~~إحاطة العلم , عللها سبحانه وبين الصدق فيها بقوله تعالى : { هو } أي وحده ~~{ الذي أرسل رسوله } أي الذي لا رسول أحق منه بإضافته إليه - صلى الله عليه ~~وسلم { بالهدى } الكامل الذي يقتضي أن يستقيم به أكثر الناس , ولو أنه أخبر ~~بشيء يكون فيه أدنى مقال لم يكن الإرسال بالهدى { ودين الحق } PageV07P213 ~~أي الأمر الثابت الكامل في الثبات الذي يطابقه الواقع { ليظهره } أي دينه { ~~على الدين كله } دين أهل مكة والعرب عباد الأصنام , الذي يقتضي إظهاره عليه ~~دخوله إليه آمنا , وإظهاره على من سواهم من أهل الأديان الباطلة بأيدي ~~صحابته الأبرار والتابعين لهم بإحسان إظهارا يتكامل بنزول عيسى عليه الصلاة ~~والسلام مع الرفق بالخلق والرحمة لهم , فلا يقتل إلا من ms4883 لا صلاح له أصلا , ~~وعلى قدر الجبروت يحصل القهر , فلأجل ذلك هو يدبر أمره بمثل هذه الأمور ~~التي توجب نصره وتعلي قدره مع الرفق بقومه وجميل الصنع لأتباعه , فلا بد أن ~~تروا من فتوح أكثر البلاد وقهر الملوك الشداد ما تعرفون به قدرة الله ~~سبحانه وتعالى . | ولما كان في سياق إحاطة العلم , وكان التقدير : شهد ربه ~~سبحانه بتصديقه في كل ما قاله بإظهار المعجزات على يده , بنى عليه قوله ~~تعالى { وكفى بالله } أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال { شهيدا * } أي ~~ذا رؤية وخبرة بطية كل شيء ودخلته لما له الغنى في أمره , ولا شهيد في ~~الحقيقة إلا هو سبحانه لأنه لا إحاطة وخبرة ورقبة إلا له سبحانه , وهو يشهد ~~بكل ما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الصورة خصوصا وفي غيرها ~~عموما . | < < # | الفتح : ( 28 - 29 ) هو الذي أرسل . . . . . # > > ^ ( محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ~~ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك ~~مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى ~~على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) ^ } ) | ولما ختم سبحانه بإحاطة العلم ~~بالخفايا والظواهر في الأخبار بالرسالة ، عينها في قوله جوابا لمن يقول : ~~من الرسول المنوه باسمه : { محمد رسول الله } أي الملك الذي لا كفوء له ، ~~فهو الرسول الذي لا رسول يساويه لأنه رسول إلى جميع الخلق ممن أدرك زمانه ~~بالفعل فيالدنيا ومن تقدمه بالقونة فيها وبالفعل في الآخرة يوم يكون الكل ~~تحت لوائه ، وقد أخذ على الأنبياء كلهم الميثاق بأن يؤمنوا بع إن أدركوه ، ~~وأخذ ذلك الأنبياء على أممهم ، لا يكتب الرحمة التي وسعت كل شيء إلا لمن ~~وقع العلم بالمحيط بأنه يؤمن به . فما عمل عامل عملا صالحا إلا كان له مثل ~~أجره ، تقدم ذلك العامل أو تاخر ، كان من أهل السماء أو من أهل الأرض ، ~~وهذا أمر لا ms4884 يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى ، وأشار بذلك إلى هذا الاسم ~~بخصوصه في سورة محمد إلى أنه صلى الله عليه وسلم هو الختام ، بما أشارت ~~إليه الميم التي مخرجها ختام المخارج ، وهي محيطة بما أشارت إليه ~~PageV07P214 صورته ، وكررت في الاسم بعده التأكيد ، وهو ثلاث - كما أشار ~~إليه اسمه : أحمد إلى أنه مع كونه خاتما فهو فاتح بما أشار إليه قوله صلى ~~الله عليه وسلم ' كنت أولهم خلقا وآخرهم بعثا ' واختصت به سورة الصف ليعادل ~~ذلك بتصريح المبشر به عليه الصلاة والسلام بالبعدية في قولهع { برسول يأتي ~~من بعدي اسمع أحمد } [ الصف : 6 ] وأشارت الميم أوله أيضا إلى بعثه عن د ~~الأربعين ، وما بقى من حروفه وهي حمد يفيد له كمال الحمد بالفعل في السنة ~~الثانية والخمسين من عمره وهي الثانية عشرة من نبوته ببيعة الأنصار رضي ~~الله عنهم ، وقد أشارت هذه السورة إلى كلمة الإخلاص تلويحا مما ذكرت من ~~كلمة الرسالة تصريحا وبطنت سطوة الإلهية وظهرت الرحمة المحمدية - كما أشارت ~~القتال إلى الرسالة تلويحا وصرحت بسطوة الإلهية بكلمة الإخلاص والناشئة عن ~~القتال تصريحا ، وقد تقدم في القتال نبذة من أسرار الكلمتين ، ولما ذكر ~~الرسول ذكر المرسل إليهم فقال تعالى : { والذين معه } أي بمعية الصحبة من ~~أصحابه وحسن التيعية من التابعين لهم بإحسان . ولما كان شرف القوم شرفا ~~لرئيسهم ، مدحهم بما يشمله فقال تعالى : { أشداء على الكفار } فهم لا ~~تأخذهم بهم رأفة بل هم معهم كالأسد على فريسته ، لأن الله أمرهم بالغلظة ~~عليهم { رحماء بينهم } كالوالد مع الولد ، لأن الله تعالى أمرهم باللين ~~للمؤمنين ، ولا مؤمن في زمانهم إلا من كان من أهل دينهم ، فهو يحبهم ~~ويحبونه بشهادة آية المائدة . | ولما كان هذا بخلاف ما وصفت به الأمم ~~الماضية من أنهم ما اختلفوا إلا من بعدما جاءهم العلم بغيا بينهم ، فكان ~~عجبا ، بين الحامل عليه بقوله : { تراهم } أي أيها الناظر لهم { ركعا سجدا ~~} أي دائمي الخضوع فأكثر أوقاتهم صلاة قد غلبت صفة الملائكة على صفاتهم ~~الحيوانية ، فكانت الصلاة آمرة لهم بالخير مصفية ms4885 عن كل نقص وضير . | ولما ~~كانت الصلاة مما يدخله الرياء ، بين إخلاصهم بقوله : { يبتغون } أي يطلبون ~~بذلك وغيره من جميع أحوالهم بغاية جهدهم تغليبا لعقولهم على شهواتهم ~~وحظوظهم { فضلا } أي زيادة من الخير { من الله } أي الذي له الإحاطة بصفات ~~الكمال والجمال الذي أعطاهم ملكة الغلظة على الكفار بما وهبهم من جلاله ~~والرقة على أوليائه بما أعطاهم من رحمته التي هيأهم بها للإحسان إلى عياله ~~فنزعوا الهوى من صدورهم فصاروا يرونه وحده سيدهم المحسن إليهم لا يرون سيدا ~~غيره ، ولا محسن سواه ، ولما ذكر عبادتهم وطلبهم الزيادة منها ومن غيرها من ~~فضل الله الذي لا يوصل إلى عبادته إلا بمعونته ، أتبعه المطلوب الأولى فقال ~~: { ورضوانأ } أي رضاء منه عظيما . PageV07P215 | ولما ذكر كثرة عبادتهم ~~وأتبعها إخلاصهم فيها اهتماما به لأنه لا يقبل عملا بدونه ، دل على كثرتها ~~بقوله : { سيماهم } أي علامتهم التي لا تفارقهم { في وجوههم } ثم بين ~~العلامة بقوله : { من أثر السجود } فهي نور يوم القيامة - رواه الطبراني عن ~~أبي بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا مع ما لهم من مثل ~~ذلك في الدنيا من أثر الخشوع والهيبة بحيث إنه إذا رئي أحدهم أورث لرائيه ~~ذكر الله ، وإذا قرأ أورثت قراءته حزنا وخشوعا وإخباتا وخضوعا ، وإن كان رث ~~الحال ردئ الهيئة ، ولا يظن أن من السيما ما يصنعه بعض المرائين من هيئة ~~أثر السجود في جبهته ، فإذا ذلك من سيما الخوارج ، وفي نهاية ابن الأثير في ~~تفسير الثفن ، ومنه حديث أبي الدرداء رضي الله عنه : رأى رجلا بين عينيه ~~مثل ثفنة العنز ، فقال : لو لم يكن هذا لكان خيا يعني كان على جبهته أثر ~~السجود ، وإنما كرهها خوفا من الرياء بها ، وقد روى صاحب الفردوس عن أنس ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إني لأبغض الرجل ~~وأكرهه إذا رأيت بين عينيه أثر السجود . | ولما أتم وصفهم بهذا الأمر الذي ~~لا يقدر عليه أحد إلا من صفاء الله من جميع ms4886 حظوظه وشهواته ، أشار إلى علوه ~~فقال : { ذلك } أي هذا الوصف العالي جدا البديع المثال البعيد المنال { ~~مثلهم في التوراة } فإنه قال فيها : أتانا ربنا من سببنا وشرق لنا من جبل ~~ساعير ، وظهر لنا من جبل فاران ، معه ربوات الأطهار على يمنه ، أعطاهم ~~وحببهم إلى الشعوب وبارك على جميع أطهاره وهم يتبعون آثارك . فظهوره من ~~فاران صريح في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإنه لم يأت منها - وهي جبال ~~مكة باتفاقهم - بعد نزول التوراة بالنبوة غيره صلى الله عليه وسلم ، وربوات ~~الأطهار إشارة إلى كثرة أمته ، وأنهم في الطهارة كالملائكة ، وأيه ذلك ~~جعلهم من أهل اليمين ، ووصفهم بالتحبيب إلى ىالشعوب ، فكل ذلك دال على ما ~~وصفوا به منا من شهادة الوجود - هذا مع ما وجدته في التوراة بعد تبديلهم ~~لما بدلوا منها وإخفائهم كما قال الله تعالى لكثير ، وروى أصحاب فتوح ~~البلاد في فتح بيت المقدس من كعل الأحبار أن سبب إسلامه أن أباه كان أخبره ~~أنه ذخر عنه ورقتين جعلهما في كوة وطين عليهما ، وأمره أن يعمل بهما بعد ~~موته ، قال : فلما مات فتحت عنهما فإذا فيهما : محمد رسول الله خاتم ~~النبيين لا نبي بعده مولده بمكة ومهاجره بطيبة ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب ~~في الأسواق ، ولا يجزي السيئة بالسيئة ، ولكن يجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ~~ويغفر ويصفح ، وإن أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل PageV07P216 شيء ~~وعلى كل حال ، ويذلل ألسنتهم بالتكبير ، وينصر الله نبيهم على كل من ناواه ~~، يغسلون فروجهم بالماء ، ويؤثرون على أواسطهم ، وأناجيلهم في صدورهم ، ~~يأكلون قربانهم في بطونهم ويؤجرون عليها ، تراحمهم بينهم تراحم بين الأم ~~والأب ، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم ، هم السابقون ~~المقربون والشافعون والمشفع لهم وأصله في الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي ~~الله عنهما وفي الدارمي عن كعب هذا ، ولأصحاب الفتوح عن سمرة عن كعب قال : ~~قلت لعمر رضي الله عنه وهو بالشام عند انصرافه : يا أمير المؤمنين إنه ~~مكتوب في كتاب الله إن هذه البلاد ms4887 التي كان فيها بنو إسرائيلف وكانوةا ~~أهلها مفتوحة على رجل من الصالحين ، رحيم بالمؤمنين شديد على الكافرين ، ~~سره مثل علانيته ، وعلانيته مثل سره ، وقوله لا يخالف فعله ، والقريب ~~والبعيد عنده في الحق سواء ، أتباعه رهبان بالليل أسد بالنهار ، متزاحمون ~~متباذولن فقثال عمر : ثطكلتك أمك أحق ما تقول ؟ قلت : أي وةالذي أنزل ~~التوراة على موسى والذي يسمع ما نقول إنه لحق ، فقال عمر : فالحمد لله الذي ~~أعزنا وشرفنا وأكرمنا ورحمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم ورحمته التي وسعت كل ~~شيء - هذا على أ ، المراد بالمثل الوصف ، ويمكن أن يكون على حقيقته ، ويكون ~~الذي في التوراة ما ترجمته ' هم على أعدائهم كفرن الحديد وفيما بينهم فيء ~~النفع والتواصل كالماء والصعيد ، ولربهم كخامة الزرع مع الريح والصديق ~~النصيح ، وفي الإقبال على الآخرة كالمسافر الشاحب والباكي الناحب ' فعبر ~~عنه في كتابنا بما ذكر . | ولماذكر مثلهم في الكتاب الأول ، أتبعه الكتاب ~~الثاني الذي هو ناسخ ليعلم أنه قد أخذ على كل ناسخ لشريعنه أن يصفهم لأمته ~~ليتبعوهم إذا دعوهم فقال : { ومثلهم في الإنجيل } أي الذي نسخ الله به بعض ~~أحكام التوراة { كزرع } أي مثل زرع { أخرج شطأه } أي فراخه وورقه وما خرج ~~حول أصوله ، فكان ذلك كله مثله . | ولما ذكر هذا الإخراج سبب عنه قوله { ~~فأزره } أي فأحاط به الشطأ ، فقواه وطهره من غير نبتة نبتت عنه فتضعفه ~~وساواه وحاذاه وعاونه ، ويظهر أن قراءة الهمزة بالمد على المفاعلة أبلغ من ~~قراءة ابن عامر بالقصر ، لأن الفعل إذا كان بين اثنين يتجاذبانه كان ~~الاجتهاد فيه أكثر ، ثم سبب عن المؤازرة قوله { فاستغلظ } أي وجد فيه ~~القيام العدل وجودا عظيما كأ ، ه كان بغاية الاجتهاد والمعالجة { على سوقه ~~} أي قصبه ، جمع ساق ، وهو ما قام عليه الشيء ، حال كونه هذا المذكور من ~~الزرع والشطأ { يعجب الزراع } ويجوز كونه استئنافا للتعجب منه والمبالغة في ~~مدحه وإظهار السرور في أمره ، PageV07P217 | وإذا أعجبهم وهم في غاية ~~العناية بأمره والتفقد لحاله والملابسه له ومعرفة معانية كان لغيرهم أشد ~~إعجابا ، ومثل لأنهم ms4888 يكونون قليلين ثم يكثرون مع البهجة في عين الناظر لما ~~لهم من الرونق الذي منشؤه نور الإيمان وثبات الطمأنينة والإيقان وشدة ~~الموافقة من بعضهم لبعض ، ونفي المخالف لهم وإبعاده ، وقد تقدم في هذا ~~الكتاب في آخر المائدة أمثال ضربت في الإنجيل بالزرع أقربها إلى هذا مثل ~~حبة الخردل فراجعه . | ولما أنهى سبحانه مثلهم ، ذكر الثمرة في جعلهم كذلك ~~فقال : { يغيظ } معلقا له بما يؤخذ من معنى الكلام وه جعلهم كذلك لأجل أن ~~يغيظ { بهم } أي غيظا شديدا بالغ القوة والإحكام { الكفار } وذلك أنهم لما ~~كانوا أولأمر قليلا ، كان الكفار طامعين في أن لا يتم لهم أمر ، فكلما ~~ازدادوا كثرة مع تمادي الزمان زاد غيظ الكفار منهم ، فكيف إذا رأوا مع ~~الزيادة والقوة منهم حسنا ونضارة ورونقا وبهجة ن فهو في الغيظ مما لو كانوا ~~في أول الأمر كثيرا لأنه كان يكون دفعه ويقصر زمنه ، فمن أبغض صحابيا خيف ~~عليه الكفر لأنهم أول مراد بالآية ، وغيرهم بالقصد الثاني وبالتبع ، ومن ~~أبغضهم كلهم كان كافرا ، وإذا حملناه على غيرهم كان دليلا على أن كل من ~~خالف الإجماع كفر ، قاله القشيري . | ولما ثم مثلهم وعلة جعلهم كذلكط ، ~~بشرهم فقال فيموضع وعدهم لتعليق الوعد بالوصف على عادة القرآن ترغيبا في ~~التمسك به وترهيبا من مجانبته : { وعد الله } أي الملك الأعظم { الذين ~~آمنوا } ولما كان الكلام في الدين معه صلى الله عليه وسلم ، وكانت المعية ~~ظاهرة في الاتحاد في الدين لم تكن شاملة للمنافقين ، فلم يكن الاهتمام ~~بالتقييدة بمنهم هنا كالاهتمام به في سورة النور ، فأخره وقدم العمل لأن ~~العناية به هنا أكصر ، لأنه من سيماهم المذكورة فقال : { وعملوا } أي ~~تصديقا لدعواهم الكون معه في الدين { الصالحات } ولما كان قوله ' معه ' يعم ~~كما مضى من بعد الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وكان الخلل فيمن بعدهم كثيرا ~~، قيد بقوله : { منهم } أي من الذين معه صلى الله عليه وسلم سواء كانوا من ~~أصل الزرع أو فراخه وةهم التابعون لهم بإحسان . | ولما كان الإنسان وإن ~~اجتهد مقصرا عن ms4889 بلوغ ما يحق له من العبادة ، أشار إلى ذلك بقوله : { مغفرة ~~} أي لما يقع منهم من الهفوات أو الذنوب والسيئات { وأجرا عظيما } بعد ذلك ~~الستر ، وقد جمعت هذه الآية الخاتمة لهذه السورة جميع حروف المعجم بشارة ~~تلويحية مع ما فيها من البشائر التصريحية باجتماع أمرهم وعلو نصرهم ، وذلك ~~أنه لما كانت هذه العمرة قد حصل لهم فيها كسر لرجوعهم قبل وصولهم إلى قصدهم ~~من الدخول إلى مكة المشرفة والطواف بالبيت العتيق ، ولم يكن ذلك بسبب ~~PageV07P218 خلل أتى من قبلهم كما كان في غزوة أحد على ما مضى من بيانه في ~~آل عمران التي هي سورة التوحيد الذي كلمته كلمة التقوى عند الآية الثانية ~~لهذه ، بشرهم سبحانه بما في هذه السورة من البشائر الظاهرة تصريحا وبما في ~~هذه الآية الخاتمة من جمعها لجميع حروف المعجم تلويحا إلى أن أمرهم لا بد ~~من تمامه ، واشتداد سلكه وانبرامه ، واتساق شأنه وانتظامه ، وخفوق ألويته ~~وأعلامه ، وافتتحها بميم ' محمد ' وهي مضمومة ، وختمها بميم ' عظيما ' ~~المنصوبة إشارة بما للميم من الختام بمخرجها إلى أن تمام الأمر قد دنا جدا ~~إبانمة ، وحضر زمانه ، وبما في أولها من الضم إلى رفعه دائمة في حمد كثير ، ~~وبما في آخرها من النصب إلى تمام الفتح وانتشاره ، وقربه واشتهاره ، على ~~وجه عظيم ، وشرف في علو جسيم وأومأ تدويرها إلى أ ، ه أمر لا انتهاء له ، ~~بل كلما ختم أبتدأ ، وقد ظهر من هذا وما في صريح الآية من القوة المعزة ~~للمؤمنين المذلة للكافرين رد مقطعها على مطلعها بالفتح للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والتسكين العظيم لأصحلبه رضي الله عنهم ، والرحمة والمغفرة والفوز ~~العظيم لجميع أتباعه وأنصاره وأشياعه رضي الله تعالى عنهم أجمعين ، وجعلنا ~~بمنه وكرمه منهم ، وهذا آخر القسم الأول من القرآن ، وهو المطول ، وقد ختم ~~كما ترى بسورتين هما في الحقيقة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وحاصلهما الفتح ~~له بالسيف والنصر على من قاتله ظاهرا كما ختم الثاني المفصل بسورتين هما ~~نصرة له صلى الله عليه وسلم بالحال على من ms4890 قصده بالضر باطنا - والله الهادي ~~للصواب وإليه المرجع والمآب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه . # PageV07P219 < # > سورة الحجرات < # > | مقصودها الإرشاد إلى مكارم الأخلاق بتوقير النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالأدب معه في نفسه وفي أمته ، وحفظ ذلك من إجلاله بالظاهر ليكون دليلا على ~~الباطن فيسمى إيمانا ، كما أن الإيمان بالله يشترط فيه فعل الأعمال الظاهرة ~~والإذعان لفعلها بشرائطها وأركانها وحدودها لتكون بينة على الباطن وحجة ~~شاهدة له { الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون } [ ~~العنكبوت : 2 ] فحاصل مقصودها مراقبة النبي صلى الله عليه وسلم في الأدب ~~مغعه لأتها أول المفصل الذي هو ملخص القرآن كما كان مقصود الفاتحة التي هي ~~أول القرآن مراقبة الله ، وابتدئ ثاني المفصل بحرف منن الحروف المقطعة كما ~~ابتدئئ ثاني ما عداه بالحروف المقطعة ، واسمها الحجرات واضح الدلالة على ~~ذلك بما دلت عليه آيته { بسم الله } الملك الجبار المتكبر الذي من أخل ~~بتعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم لم يرض عنه عملا { الرحمن } الذي من عموم ~~رحمته إقامة الآداب للتوصل إلى حسن المآب { الرحيم } الذي خص أولي الألباب ~~الإقبال على ما يوجب لهم جميل الثواب . < < # | الحجرات : ( 1 - 3 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن ~~الله سميع عليم * يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون * إن ~~الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ~~لهم مغفرة وأجر عظيم ) ^ } ) | ولما نوه سبحانه في القتال بذكر النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ابتدائها باسمه الشريق وسمى السورة به , وملأ سورة محمد ~~بتعظيمه , وختمها باسمه , ومدح أتباعه لأجله , افتتح هذه باشتراط الأدب معه ~~في القول والفعل للعد من حزبه والفوز بقربه , ومدار ذلك معالي الأخلاق , ~~وهي إما مع الله سبحانه وتعالى أو مع رسوله صلى الله عليه وسلم أو مع ~~غيرهما وإن كان كل قسم لا يخلو عن ms4891 لحظة الآخر , وغيرهما إما أن يكون داخلا ~~مع المؤمنين PageV07P220 في رتبة الطاعة أو خارجا عنها , وهو الفاسق , ~~والداخل في طاعة المؤمنين السالك لطريقتهم إما أن يكون حاضرا عندهم أو ~~غائبا عنهم , فهذه خمسة أقسام , فصل النداء بسببها خمس مرات , كل مرة لقسم ~~منها , واففتح بالله لأن الأدب معه هو الأصل الجامع للكل والأس الذي لا ~~يبنى إلا عليه , فقال مناديا للمتسمين بأول أسنان القلوب تنبيها على أن سبب ~~نزولها من أفعالهم أهل الكمال , فهو هفوة تقال , وما كان ينبغي أن يقال , ~~وليشمل الخطاب المعهود للأدنى - ولو مع النفاق - من فوقه من باب الأولى . | ~~{ يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان { لا تقدموا } وحذف المفعول ~~ليعم كل ما يصح تقديمه فيذهب الوهم كل مذهب , ويجوز أن يكون حذفه من قصد ~~إليه أصلا , بل يكون النهي موجها إلى نفس التقدمة أي لا تتلبسوا بهذا الفعل ~~, ويجوز أن يكون من قدم - بالتشديد بمعنى أقدم وتقدم أي شجع نفسه على ~~التقدم , ومنه مقدمة الجيش , وهم متقدموه , وأشار إلى تهجين ما نهوا عنه ~~وتصوير شناعته , وإلى أنهم في القبضة ترهيبا لهم فقال : { بين يدي الله } ~~أي الملك الذي لا يطاق انتقامه . | ولما كان السياق للنهي عن التقديم ~~والتقدم , وكان مقتضى الرسالة إنفاذ الأوامر والنواهي عن الملك من غير أن ~~يكون من المرسل إليهم اعتراض أصلا , وبذلك استحق أن لا يتكلم بحضرته في مهم ~~ولا يفعل مهم إلا بإذنه , لأن العبيد لما لهم من النقص لا استقلال لهم بشيء ~~أصلا , عبر بالرسول دون النبي بعد أن ذكر اسمه تعالى الأعظم زيادة في تصوير ~~التعظيم فقال : { ورسوله } أي الذي عظمته ظاهرة جدا , ولذلك قرن اسمه باسمه ~~وذكره بذكره , فهو تميهدي لما يأتي من تعظيمه , فالتعبير بذلك إشارة إلى أن ~~النفس إذا خليت وفطرتها الأولى , امتلأت بمجرد رؤيته هيبة منه , وإجلالا له ~~, فلا يفعل أحد غير ذلك إلا بتشجيع منه لنفسه وتكليفها ضد ما تدعو إليه ~~الفطرة الأولى القويمة . | فالمعنى : لا تكونوا متقدمين في شيء من الأشياء ~~والله ms4892 يقول الحق ويهدي السبيل , ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغ عنه لا ~~ينطق عن الهوى , فعلىالغير الاقتداء والاتباع , لا الابتداء والابتداع , ~~سواء كان النبي صلى الله عليه وسلم غائبا أو حاضرا بموت أو غيره , فإن ~~آثاره كعينه , فمن بذل الجهد فيها هدي للأصلح , < # > 77 ( { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا } ) 77 < # > [ العنكبوت : 69 ] . | ولما استعار للدلالة على القدرة التعبير باليدين ~~وصور البينة ترهيبا من انتقام القادر إذا خولف , صرح بذلك بقوله تعالى : { ~~واتقوا الله } أي اجعلوا بينكم وبين غضب الملك الأعظم وقاية , فإن التقوى ~~مانعة من أن تضعيوا حقه وتخالفوا أمره وتقدموا على شيء لم تعلموا رضاه فيه ~~. | PageV07P221 ولما كان سبحانه مع كل بعلمه , وأقرب إليه من نفسه , فكان ~~مع ذلك غيبا محضا لكونه محتجبا برداء الكبر وإزار العظمة والقهر , وكان ~~الإنسان لما غاب عنه نساء , ذكره مرهبا بقوله مستأنفا أو معللا مؤكدا ~~تنبيها على ما في ذلك من الغرابة والعظمة التي يحق للإنسان مجاهدة نفسه ~~لأجلها في الإيمان به والمواظبة على الاستمرار على استحضاره , لأن أفعال ~~العاصي أفعال من ينكره : { إن الله } أي الذي له الغحاطة بصفات الكمال . | ~~ولما كان ما يتقدم فيه إما قولا أو فعلا قال : { سميع } أي لأقوالكم أن ~~تقولوها { عليم * } أي بأعمالكم قبل أن تعملوها . | وقال الإمام أبو جعفر ~~بن الزبير , لما وصف سبحانه عباده المصطفين صحابه نبيه والمخصوصين بفضيلة ~~مشاهدته وكريم عشرته فقال < # > 77 ( { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم } ) 77 ~~< # > [ الفتح : 29 ] ( إلى آخره ) , فأثنى سبحانه عليهم وذكر وصفه تعالى ~~بذلك في التوراة والإنجيل , وهذه خصيصة انفردا بمزية تكريمها وجرت على واضح ~~قوله تعالى < # > 77 ( { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف } ) 77 < # > [ آل عمران : 110 ] إلى آخره , وشهدت لهم بعظيم المنزلة ليده , ناسب ~~هذا طلبهم بتوفية العشب الإيمانية قولا وعملا ظاهرا وباطنا على أوضح عمل ~~وأخلص نية , وتنزيههم عما وقع من قبلهم في مخاطبات أنبيائهم كقول بني ~~إسرائيل < # > 77 ( { يا موسى ادع لنا ربك } ) 77 < # > [ الأعراف : 134 ] إلى ms4893 ما شهد من هذا الضرب بسوء حالهم فقال تعالى : { ~~يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } الآية و { يا أيها ~~الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول - والله ~~غفور رحيم } فطلبوا بآدب تناسب علي إيمانهم وإن اغتفر بعضه لغيرهم من ليس ~~في درجتهم وقد قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين فكأن قد قيل لهم : لا ~~تغفلوا ما منح لكم في التوراة والإنجيل , فإنها درجة لم ينلها غيركم من ~~الأمم فقابلوها بتنزيه أعمالكم عن أن يتوهم في ظواهرها أنها صدرت عن عدم ~~اكتراث ف يالخطاب , أو سوء قصد في الجواب , وطابقوا بين ظواهركم وبواطنكم ~~وليكن علنكم منبئا بسليم سرائركم { إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ~~أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى } ثم عرفوا بسوء حال من عدل به عن ~~هذه الصفة فقال تعالى { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ~~} ثم أمروا بالتثبت عند نزغة الشيطان , أو تقول ذي بهتان { يا أيها الذين ~~آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ } الآية , ثم أمرهم بصلاح ذات بينهم والتعاون في ~~ذلك بقتال الباغين العتاة وتحسين العشرة والتزام ما يثمر الحب والتودد ~~الإيماني والتواضع , وأن الخير كله في التقوى { إن أكرمكم عند الله أتقاكم ~~} وكل ذلك محذر لعلي صفاتهم التي وصفوا بها في خاتمة سورة محمد . | ~~PageV07P222 ولما ثبت إعظام الرسول صلى الله عليه وسلم بأن لا يفتات عليه ~~بأن يتأهب ما هو وظيفته من التقدم في الأمور وقطع المهمات , فلا يكلم إلا ~~جوابا أو سؤالا في أمر ضروري لا يمكن تأخيره , وكان من يكلمه لذلك ربما رفع ~~صوته رفعا الأولى به غيره مما هو دونه , وكان من جملة أحواله أن يوحى إليه ~~بالأمور العظيمة , وكان رفع الصوت إذ ذاك من المشوشات في حسن التلقي للوحي ~~مع ما فيه من قلة الاحترام والإخلاء بالإجلال والإعظام , قال ذاكرا لثاني ~~الأقسام , وهو ما كان النظر فيه إلى مقامه صلى الله عليه وسلم بالقصد الأول ~~, مستنجا مما مضى من وصفه ms4894 بالرسالة الدالة على النبوة , آمرا بحفظ حرمته ~~ومراعاة الأدب في خدمته وصحبته بتبجيله وتفخيمه , وإعزازه وتعظيمه , مكررا ~~لندائهم بما ألزموا أنسهم به من طاعته بتصديقه واستعداء لتجديد الاستنصار ~~وتطرية الندب إلى الإنصات وإشارة إلى أن المنادى له أمر يستحق أن يفرد ~~بالنداء ويستقل بالتوصية : { يا أيها الذين آمنوا } مكررا للتعبير بالأدنى ~~من أسنان القلوب للتنبيه على أن فاعل مثل هذه المنهيات والمتحاج فيها إلى ~~التنبيه بالنهي قد فعل من هذا حاله { لا ترفعوا أصواتكم } أي في شيء من ~~الأشياء { فوق صوت النبي } أي الذي يتلقى عن الله , وتلقيه عنه متوقع في كل ~~وقت , وهذا يدل على أن أذى العلماء الذين هيأهم الله لتلقي فهم دينه عند ~~شديد جدا , فإن تكدير أوقاتهم يمنعهم عن كثير من ذلك . | ولما بين ما في ~~ذلك لأجل النبوة , بين ما ينبغي في نفسه من المزية فقال : { ولا تجهروا ~~بالقول } أي إذا كلمتموه سواء كان ذلك بمثل صوته أو أخفض من صوته , فإن ذلك ~~غير مناسب لما يهاب به العظماء , ويوقر الكبراء . | ولما شمل هذا كل جهر ~~مخصوص , وهو ما يكون مسقطا للمزية , قال : { كجهر بعضكم لبعض } أي فإنكم إن ~~لم تفعلوا ذلك لم يظهر فرق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين غيره . | ~~ولما نهى عن ذلك , بين ضرره فقال مبينا أن من الأعمال ما يحبط ولا يدرى أنه ~~محبط , ليكون العامل كالماشي في طريق خطر لايزال يتوقى خطره ويديم حذره : { ~~أن } أي النهي لأجل خشية أن { تحبط } أي تفسد فتسقط { أعمالكم } أي التي هي ~~الأعمال بالحقيقة وهي الحسنات كلها { وأنتم لا تشعرون } أي بأنها حبطت , ~~فإن ذلك إذا اجترأ الإنسان عليه استخف به وإذا استف به واظب عليه , وإذا ~~واظب عليه أوشك أن يستخف بالمخاطب فيكفر وهو لا يشعر . | ولما تقدم سبحانه ~~في الإخلاء بشيء من حرمته صلى الله عليه وسلم ونهى عن رفع الصوت والجهر ~~الموصوف , أنتج المخافة عنده على سبيل الإجلال , فبين ما لمن حافظ على ذلك ~~الأدب العظيم , فقال مؤكدا لأن ms4895 في المنافقين وغيرهم من يكذب بذلك , وتنبيها ~~. | PageV07P223 على أنه لمحبة الله له ورضاه به أهل لأن يؤكد أمره ويواظب ~~على فعله : { إن الذين يغضون } أي يخفضون ويلينون لما وقع عليهم من السكينة ~~من هيبة حضرته , قال الطبري : وأصل الغض الكف في لين { أصواتهم } تخشعا ~~وتخضعا ورعاية للأدب وتوقيرا . | ولما كان المبلغ ربما أنساه اللغط ورفع ~~الأصوات ما كان يريد أن يبلغه ( إنه بينت لي ليلة القدرة فخرجت لأخبركم بها ~~فتلاحى رجلان فأنسيتها وعسى أن يكون خيرا لكم ) قال : { عند رسول الله } أي ~~الذي من شأنه أن يعلو كلامه على كل كلام , لأنه مبلغ من الملك الأعظم وعبر ~~بعند التي للظاهر إشارة إلى أن أهل حضرة الخصوصية لا يقع منهم إلا أكمل ~~الأدب . | ولما ابتدأ ذكرهم مؤكدا تنبيها على عظيم ما ندبوا إليه , زاده ~~إعظاما بالإشارة إليهم بأداة البعد فقال : { أولئك } أي العالو الرتب لما ~~لهم من علو الهمم بالخضوع لمن أرسله مولاهم الذي لا إحسان عندهم إلا منه { ~~الذين امتحن الله } أي فعل المحيط بجميع صفات الكمال فعل المختبر بالمخالطة ~~البليغة بالشدائد على وجه يؤدي إلى المنحة باللين والخلوص من كل درن , ~~والانشراح والاتساع { قلوبهم } فأخلصها { للتقوى } أي الخوف المؤدي إلى ~~استعداد صاحبه قإبامة ما يقيه من كل مكروه , والامتحان : اختبار بليغ يؤدي ~~إلى خبر , فالمعنى أنه طهر قلوبهم ونقاها كما يمتحن الصائغ الذهب والفضة ~~بالإذابة للتنقية والتخليص من كل غش لأجل إظهار ما بطن فيها من التقوى ~~ليصير معلوما للخلق في عالم الشهادة كما كان معلوما له سبحانه في عالم ~~الغيب , وهو خروجهم عن العادات البشرية ومفارتهم لما توجبه الطبيعة , وهو ~~حقيقة التوحيد , فإن التقوى لا تظهر إلا عند المحن والشدائد بالتكليف ~~وغيرها , ولا تثبت إلا بملازمة الطاعة في المنشط والمكره والخروج عن مثل ~~ذلك . | ولما كان الإنسان وإن اجتهد في الإحسان محلا للنقصان , استأنف ~~الإخبار عن جزائهم بقوله : معربا له من فاء السبب , إشارة إلى أن ذلك بمحض ~~إحسانه : { لهم مغفرة } أي لهفواتهم وزلاتهم { وأجر عظيم * } أي جزاء ms4896 لا ~~يمكن وصفه على محاسن ما فعلوه . | < < # | الحجرات : ( 4 - 7 ) إن الذين ينادونك . . . . . # > > ^ ( إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات أكثرهم لا يعقلون * ولو أنهم ~~صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم * يأيها الذين آمنوا ~~إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيببوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم ~~نادمين * وآعلموا أن فيكم رسول الله لو PageV07P224 يطيعكم في كثير من ~~الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الأيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر ~~والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما نهى سبحانه عن الإخلاء بالأدب , وأمر بالمحافظة على التعظيم , ~~وذكر وصف المطيع , أتبع ذلك على سبيل النتيجة وصف من أخل به , فقال مؤكدا ~~لأجل أن حالهم كان حال من يدع عقلا تاما : { إن الذين ينادونك } أي يجددون ~~نداءك من غير توبة والحال أن نداءهم إياك كائن { من وراء } إثبات هذا الجار ~~يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان داخلها , ولو سقط لم يفد ذلك , بل كان ~~يفيد أن نسبة الأماكن التي وراءها الحجرات كلها بالنسبة وإليهم على حد سواء ~~, وذلك بأن يكون الكل خارجها , والوراء : الجهة التي تواريك وتواريها من ~~خلف أو قدام . | ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم من العظمة في نفسه وفي ~~تبلغ رسالات الله في هيئتها بمكان من العظمة بحيث لا يخفى على أحد . | فليس ~~لأحد أن يفتات فيها عليه ولا أن يعجله عن شيء , وكان نداؤه لذلك من وراء ~~حجرته واحدة كندائه من وراء كل حجرة جمع فقال : { الحجرات } ولم يضفها إليه ~~إجلالا له , وليسمل كوني في غيرها أيضا , والمعنى : مبتدئين النداء من جهة ~~تكون الحجرات فيها بينك وبينهم فتكون موازية لك منهم ولهم منك , وهي جمع ~~حجرة , وهي ما حوط من قطع الأرض بحائط يمنع ممن يكون خارجه من أذى من يكون ~~داخله بقول أو فعل , فإنه يكون فيما يختص به من الاجتماع بنسائه أو إصلاح ~~شيء من حاله , لا يتهيأ له بحضور الناس فيما يتقاضاه المروءة , وأسند الفعل ~~إلى الجمع ms4897 وإن كان المنادي بعضهم للرضى به أو السكوت عن النهي . | ولما كان ~~الساكت قد لا يكون راضيا قال : { أكثرهم } أي المنادي والراضي دون الساكت ~~لعذر { لا يعلقون * } لأنهم لم يصبروا , بل فعلوا معه صلى الله عليه وسلم ~~كما يفعل بعضهم مع من يماثله , والعقل يمنع من مثل ذلك لمن اتصف بالرئاسة ~~فكيف إذا كانت رئاسة النبوة والرسالة عن الملك الجبار الواحد القهار . | ~~ولما ذمهم بسوء عملهم , أرشدهم إلى ما يمدحون به من حسنه فقال : { ولو أنهم ~~} أي المنادي والراضي { صبروا } أي حبسوا أنفسهم ومنعوها عن مناداتهم , ~~والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها وهو حبس فيه شدة , وصبر عن كذا - ~~محذوف الفعل لكثرة دوره , أي نفسه { حتى تخرج } من تلقاء نفسك عند فراغ ما ~~أنت فيه مما يهمك من واردات الحق ومصالح الخلق . ولما كان الخروج قد يكون ~~لي غيرهم من المصالح , فلا يسوغ في الأدب أن يقطع ذاك عليهم قال : { إليهم ~~} أي ليس PageV07P225 لهم أن يكلموك حتى تفرغ لهم فتقصدهم فإنك لا تفعل ~~شيئا في غير حينه بمقتضى أمر الرسالة { لكان } أي الصبر . | ولما كان العرب ~~أهل معال فهم بحيث لا يرضون إلا الأحسن فقال : { خيرا لهم } أي من ~~استعجالهم في إيقاظك وقت الهاجرة وما لو قرعوا الباب بالأظافير كما كان ~~يفعل غيرهم من الصحابة رضي الله عنهم , وهذا على تقدير أن يكون ما ظنوا من ~~أن فيه خيرا فكانوا يعقلون , ففي التعبير بذلك مع الإنصاف بل الإغضاء ~~والإحسان هز لهم إلى المعالي وإرشاد إلى ما يتفاخرون به من المحاسب , قال ~~الرازي : قال أبو عثمان : الأدب عند الأكابر يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلى ~~والخير في الأولى والعقبى - انتهى . | وأخيرية صبر في الدين معروفة , وأما ~~في الدنيا فإنهم لو تأدبوا لربهم زادهم النبي صلى الله عليه وسلم في الفضل ~~فأعتق جميع سبيهم وزادهم , والآية في الاحتباك : حذف التعليل بعدم الصبر ~~أولا لما دل عليه ثانيا , والعقل ثانيا لما دل عليه من ذكره أولا . | ولما ~~ذكر التقدير تأديبا لنا وتدريبا ms4898 على الصفح عن الجاهل وعذره وتعليمه : ~~ولكنهم لم يصبروا وأساؤوا الأدب فكان ذلك شرا لهم والله عليم بما فعلوا ~~حليم حيث لم يعاجلهم بالعقوبة لإساءتهم الأدب على رسوله صلى الله عليه وسلم ~~, عطف عليه استعطافا لهم مع إفهامه الترهيب : { والله } أي المحيط بصفات ~~الكمال { غفور } أي ستور لذنب من تاب من جهله { رحيم * } يعامله معاملة ~~الراحم فيسبغ عليه نعمه . | ولما تابوا , أعتبهم الله في غلظتهم على خير ~~خلقه أن جعلهم أغلظ الناس على شر الناس : الدجال , فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : ( إنهم أشد الناس عليه ) . | ولما أنهى سبحانه ما أراد من النهي ~~عن أذى الرسول صلى الله عليه وسلم في نفسه , وكان من ذلك أذاه في أمته , ~~فإنه عزيز عليه ما عنتوا وكان من آذاه فيهم فاسقا , وكان أعظم الأذى فيهم ~~ما أورث كربا حربا , وكان ربما اتخذ أهل الأغراض هذه الآدب ذريعة إلى أذى ~~بعض المسلمين فقذفوهم بالإخلال بشيء منها فوقعوا هم فيها فيما قذفوا به ~~غيرهم من الأخلال بحقه والتقيد بولائه ورقه , وكان لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الأخلاق الطاهرة والمالي الظاهرة ما يؤمن معه أن يوقع شيئا في ~~غير محله , أن يأمر بأمر من غير حله - هذا مع ما له من العصمة , قال منبهاص ~~على ما في القسم الثالث من مكارم الأخلاق من ترك العجز بالاعتماد على أخبار ~~الفسقة , تخاطبا لكل من أقر بالإيمان على طريق الاستنتاج مما مضى , نادبا ~~إلى الاسترشاد بالعقل الذي نفاه عن أهل الآية السالفة , PageV07P226 والعفو ~~عن المذنب والرحمة لعباد الله , مناديا بأداة البعد إشارة إلى أن من احتاج ~~إلى التصريح بمثل هذا التنبيه غير مكتف بما أفاده من قواعد الشرع وضع نفسه ~~في محل بعيد , وتنبيها على أن ما في حيزها كلام له خطب عظيم ووقع جسيم : { ~~يا أيها الذين آمنوا } وعبر بالفعل الماضي الذي هو لأدنى أسنان القلوب , ~~وعبر بأداة الشك إيذانا بقلة الفاسق فيهم وقلة مجيئه إليهم بخبر له وقع , ~~فقال : { إن جاءكم } أي في وقت ms4899 من الأوقات { فاسق } أي خارج من ربقة ~~الديانة أي فاسق كان { بنبأ } أي خبر يعظم خطبه فيؤثر شرا , أي خير كان مما ~~يكون كذلك ؟ { فتبينوا } أي عالجوا البيان وهو فصل الخطأ من الصواب , ~~استعمالا لغريزة العقل المنفي عن المنادين واتصافا بالغفران والرحمة ~~ليرحمكم الله ويغفر لكم , وهذه القراءة غاية لقراءة حمزة والكسائي بالمثلثة ~~ثم المثناة الفوقية , والسياق مرشد إلى أن خبر الفاسق كالنمام والساعي ~~بالفساد كما أنه لا يقبل لفذلك لا يرد حتى يمتحن , وإلى أن خبر العدل لا ~~وقفة فيه , وإلا لاستوى مع الفاسق , فالتثبت معلل بالفسق , فإذا انتفى ولم ~~توجد علة أخرى توجب التثبت وجب القبول , والمعلق على شيء بكلمة ( إن ) عدم ~~عند عدمه , والتبين بأحد شيئين : بمراجعة النبي صلى الله عليه وسلم إن كان ~~حاضرا , وبمراجعة آثاره من كتاب الله وسنته إلى أن تبين الأمر منهما إن كان ~~غائبا , فإنه لا تكون أبدا كائنة إلا وفي الكتاب والسنة المخرج منها . | ~~ولما أمر بالتبين , ذكر علته فقال : { أن } أي لأجل كراهة أن { تصيبوا } أي ~~بأذى { قوما } أي هم مع قوتهم النافعة لأهل الإسلام براء مما نسب إليهم { ~~بجهالة } أي مع الجهل بحال استحاقهم ذلك . | ولما كان الإنسان إذا وضع شيئا ~~في غير موضعه جديرا بالندم , سبب عن ذلك قوله : { فتصبحوا } اي فتصيروا , ~~ولكنه عبر بذلك لأن أشنع الندم ما استقبل الإنسان صباحا وقت انتباهه وفراغه ~~وإقباله على لذاته { على ما فعلتم } أي من إصابتهم { نادمين * } أي عرقين ~~في الأسف على ما فات مما يوقع الله في نفوسكم من أمور ترجف القلوب وتخور ~~الطباع , وتلك سنته في كل باطل , فإنه لكونه مزلزلا في نفسه لا ينشأ عنه ~~إلا الزلزال والندم على ما وقع من تمني أنه لم يقع , وهو غم يصحب الإنسان ~~صحبة لها دوام بما تدور مادته عليه مما يرشد إليه مدن ودمن , وهو ينشأ من ~~تضييع أثقال الأسباب التي أمر الإنسان بالسعي فيها كما أشار إليه حدث ( ~~احرص على ما ينفعك ولا تعجز فإن غلبك أمر فقل ms4900 : قدر الله وما شاء فعل , ولا ~~تقل لو أني فعلت كذا , فإن ) لو ( تفتح عمل الشيطان ) والفاسق المذكور في ~~الآية المراد به الجنس , والذي نزل ذلك بسببه هو الوليد بن عقبة , ولم يزل ~~كذلك حتى أن عثمان رضي الله عنه PageV07P227 ولاه الكوفة فصلى بالناس وهو ~~سكران صلاة الفجر أربعا ثم قال : هل أزيجكم فعزله عثمان رضي الله عنه . | ~~ولما كان إقدامهم على كثير من الأمور من غير مشاورة لمن أرسله الله رحمة ~~لعباده ليعلمهم ما يأتون وما يذرون عمل من لا يعلم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قريب منه , وكان الإعراض عنه حيا وعن بذلك الجهد في استخراج ~~الأمور من شريعته بعد موته أمرا مفسدا للبين إن لميعتبر ويتنبه له غاية ~~التنبه , أخبرهم به منزلا لهم منزلة من لا يعلم أنه موجود معه مشيرا بكلمة ~~التنبيه إلى أن من أخل بمراعاة ذلك في عداد الغافلين فقال : { واعلموا } أي ~~أيها الأمة , وقدم الخبر إيذانا بأن بعضهم باعتراضه أو بإقدامه على ما لا ~~علم له به يعمل علم من لا يعلم مقدار ما خصه الله به من إنعامه عليه به صلى ~~الله عليه وسلم , فهو يفيد توبيخ من فعل ذلك : { أن فيكم } أي على وجه ~~الاختصاص لكم ويا له من شرف { رسول الله } أي الملك الأعظم المتصف بالجلال ~~والإكرام على حال هي أنكم تريدونه أن يتبع أذاكم , وذلك أمر شنيع جدا , ~~فإنه لا يليق أن يتحرك إلا بأمر من أرسله , فيجب عليكم الرجوع عن تلك ~~الحالة , فإنك تجهلون أكثر مما تعلمون , ولإرادتهم إن لا يطيعهم في جميع ~~الأمور عبر بالمضارع فقال : { لو يطيعكم } وهو لايحب عنتكم ولا شيئا يشق ~~عليكم { في كثير من الأمر } أي الذي تريدونه على فعله من أنه يعمل في ~~الحوادث عل مقتضى ما يعن لكم وتستصوبونه ليكون فعله معكم فعل المطواع لغيره ~~التابع له , فينقلب حينئذ الحال , ويصير المبتوع تابعا والمطاع طائعا { ~~لعنتم } أي لاءمتم وهلكتم , ومن أراد دائما أن يكون أمر الرسول الله صلى ~~الله ms4901 عليه وسلم تابعا لأمره فقد زين له الشيطان الكفران , فأولئك هم ~~الغاوون , وسباق ( لو ) معلم قطعا أن التقدير : ولكنه صلى الله عليه وسلم ~~لا يطيعكم لكراهة لما يشق عليكم لما هو متخلق به من طاعة الله والوقوف عند ~~حدوده والتقيد في جميع الحركات والسكنات بأمره , مع ما له من البصرة في ~~التمييز بين الملبسات والخبرة التامة بالأمور المشتبهات , التي هي سبب هلاك ~~الأغلب لكونها لا يعلمها كثير من الناس , والتقييد بالكثير معلم بأنهم ~~يصيبون وجه الرشاد في كثير من الأمور . | ولما كان التقدير حتما بما هدى ~~إليه السياق : ولو خالفتموه في الأمور التي لا يطيعكم فيها لعنتم , استدرك ~~عنه قوله : { ولكن الله } أي الملك الأعظم الذي يفعل ما يريد { حبب إليكم ~~الإيمان } فلزمتهم طاعته وعشقتم متابعته . | ولما كان الإنسان قد يحب شيئا ~~وهو يعلم فيه عيبا , فيكون جديرا بأن يتزلزل فيه , نفى ذلك بقوله : { وزينه ~~في قلوبكم } أي فلا شيء عندكم أحسن منه ولا يعادله ولا يقاربه بوجه { وكره ~~إليكم الكفر } وهو تغطية ما أدت إليه الفطرة الأولى والعقول المجردة عن ~~الهوى من الحق PageV07P228 بالجحود { والفسوق } وهو المروق من رقبة الدين , ~~ولو من غير تغطية بل بغير تأمل { والعصيان } وهو الامتناع من الانقياد عامة ~~فلم تخالفوه , ورأيتم خلافه هلاكا , فصرتم والمنة لله أطوع شيء للرسول صلى ~~الله عليه وسلم , فعلم من هذا أن الله تعالى هو الفاعل وحده لجميع الأفعال ~~من الطاعات والمنعاصي والعادات والعبادات , لأنه خالق لكم , ومدحو لفعل ~~الله بهم لأنهم الفاعلون في اظاهرة فهو واقع موقع : أطعتم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ولم تخالفوه , وإنماوضع فعل الله وهولا يمدحون عليه موضع فعلهم ~~الذي يمدحون عليه للحث على الشكر والإنسلاخ من العجب . | ولماأرشد السياق ~~إلى متابعتهم على هذا الوجه , أنتج قوله مادحا لهم ثانيا الكلام عن خطابهم ~~إلى خطابه صلى الله عليه وسلم ليدل على عظم هذه الأوصاف وبينه بأداة البعد ~~على علو مقام المتصف : { أولئك } أي الذين أعلى الله القادر على كل شيء ~~مقاديرهم { هم } أي خاصة ms4902 { الراشدون * } أي الكاملون في الرشد وهو الهدى ~~على أحسن سمت وتقدير , وفي تفسير الأصبهاني : الرشد الاستقامة على طريق ~~الحق مع تصلب فيه - انتهى . | والذي أنتج الرشاد متابعة الحق , فإن الله ~~تكفل لمن تعمد الخير وجاهد نفسه على البر بإصابة الصواب وإحكام المساعي ~~المنافي للندم , { والذين جاهدا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ~~} وقد دل السياق على أنهم كانوا في خبر الوليد صنفين : صنف صدقه وأراد غزوة ~~بني المصطلق وأشار به , وصنف توقف , وأن الصنفين سلموا آخر الأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فهدوا , فالآية من الاحتباك وهي شبيهة به : دلت الشرطية ~~في { لو يطيعكم } على الاستدراكية , والاستدراكية في { ولكن الله } على ~~تقدير الشرطية دلالة ظاهرة . | < < # | الحجرات : ( 8 - 11 ) فضلا من الله . . . . . # > > ^ ( فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم * وإن طآئفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين * إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ~~ترحمون * يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ~~ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا ~~بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ) ^ ~~} ) | ولما ذكر التحبيب والتزيين والتكريه وما أنتجه من الرشاد , ذكر علته ~~إعلاما بأنه تعالى لا يحب عليه شيء حثا على الشكر فقال : { فضلا } أي زيادة ~~وتطولا وامتنانا عظيما جسيما ودرجة عالية من الله الملك الأعظم الذي بيده ~~كل شيء { ونعمة } أي وعيشا حسنا ناعما وخفضا ودعة وكرامه . | PageV07P229 ~~ولما كان التقدير : فالله منعم بفضل , بيده كل ضر ونفع , عطف عليه قوله : { ~~والله } أي المحيط بصفات الكمال { عليم } أي محيط العلم , فهو يعلم أحوال ~~المؤمنين وما بينهم من التفاضل { حكيم * } بالغ الحكمة , فهو يضع الأشياء ~~في أوفق محالها وأتقنها , فلذلك وضع نعمته من الرسالة والإيمان على حسب ~~علمه وحكمته . | ولما كانت النميمة ونقل ms4903 الأخبار الباطلة الذميمة ربما جرت ~~فتنا وأوصلت إلى القتال , وكان العليم الحكيم لا ينصب سببا إلا ذكر مسببه ~~وأشار إلى دوائه , وكان لا ينهى عن الشيء إلا من كان متهيئا له لما في ~~جبلته من الداعي إليه , فكان قد يواقعه ولو في وقت , قال تعالى معلما لنا ~~طريق الحكمة في دفع ما جرت إليه الأخبار الباطلة من القتال , معبرا بأداة ~~الشك إشارة إلى أن ما في حيزها لا ينبغي أن يقع بينهم , ولا أن يذكروه إلا ~~على سبيل الفرض : { وإن طائفتين } أي جماعتان بالفعل أو القوة جدير كل ~~جماعة منهما بأن يجتمع على ما دهمها من الأمير بحيث تصير من شدة مراعاته ~~كالطائفة حوله والمتحلقة به , بحيث لا يدرى من شدة اجتماعها على ذلك أولها ~~من آخرها { من المؤمنين } أي ممن هو معدود في عداد العريقين في الإيمان ~~سواء كان هو عريقا أو فاعلا ما يطلق عليه به الاسم فقط . | ولما كانت ~~الشناعة والفساد في قتال الجماعة أكثر , عبر بضمير الجمع دون التثنية ~~تصويرا لذلك بأقبح صورة فقال : { اقتتلوا } أي فاختلطوا بسبب القتال حتى ~~كانوا كالفرقة الواحدة { فأصلحوا } أي فأوقعوا الإصلاح ليحصل الصلح . | ~~ولما كانت العبرة في الصلح إذا وقع بين الطائفتين ما يسكن به الشر وإن تخلف ~~شذان من الجانبين لا يعبأ بهم , عبر بالتثنية دون الجمع فقال : { بينهما } ~~أي بالوعظ والإرشاد الدنيوي والأخروي , ولا تظنوا أن الباغي غير مؤمن ~~فتجاوزوا فيه أمر الله . | ولما كان البغي من أشنع الأمور فكان ينبغي أن لم ~~يلم به أحد , عبر بأداة الشك إرشادا إلى ذلك فقال : { فإن بغت } أي أوقعت ~~الإرادة السيئة الكائنة من النفوس التي لا تأمر بخير { إحداهما } أي ~~الطائفتين { على الأخرى } فلم ترجع إلى حكم الله الذي خرجت عنه ولم تقبل ~~الحق . | ولما كان الإضمار هنا ربما أوهم لبسا فتمسك به متعنت في أمر فساد ~~, أزال بالإظهار كل لبس فقال : { فقاتلوا } أي أوجدوا واطلبوا مقاتلة { ~~التي } . | ولما كان القتال لا يجوز إلا بالاستمرار على البغي , عبر ~~بالمضارع إفهاما ms4904 لأنه متى زال البغي ولو بالتوبة من غير شوكة حرم القتال ~~فقال : { تبغي } أي توقع الإرادة وتصر عليها , وأديموا القتال لها { حتى ~~تفيء } أي ترجع مما صارت إليه من جر القطيعة الذي كأنه حر الشمس حين نسخه ~~الظل إلى ما كانت فيه من البر والخير الذي هو كالظل الذي ينسخ الشمس , وهو ~~معنى قوله تعالى : { إلى أمر الله } أي التزام ما أمر به الملك PageV07P230 ~~الذي لا يهمل الظالم , بل لا بد أن يقاصصه وأمره ما كانت عليه من العدل قبل ~~البغي . | ولما كانت مقاتلة الباغي جديرة بترجيعه , أشار إلى ذلك بقوله : { ~~فإن فاءت } أي رجعت إلى ما كانت عليه من التمسك بأمر الله الذي هو العدل { ~~فأصلحوا } أي أوقعوا الإصلاح { بينهما } . | ولما كان الخصام يجر في الغالب ~~من القول والفعل ما يورث للمصلحين إحنة على بعض المتخاصمين , فيحمل ذلك على ~~الميل مع بعض على بعض , قال : { بالعدل } ولا يحملكم القتال على الحقد على ~~المقاتلين فتحيفوا . | ولما كان العدل في مثل ذلك شديدا على النفوس لما ~~تحملت من الضغائن قال تعالى : { وأقسطوا } أي وأزيلوا القسط - بالفتح وهو ~~الجور - بأن تفعلوا القسط بالكسر وهو العدل العظيم الذي لا جور فيه , في ~~ذلك وفي جميع أموركم , ثم علله ترغيبا فيه بقوله مؤكدا تنبيها على أنه من ~~أعظم ما يتمادح به , وردا على من لعله يقول : إنه لا يلزم نفسه الوقوف عنده ~~إلا ضعيف : { إن الله } أي الذي بيده النصر والخذلان { يحب المقسطين * } أي ~~يفعل مع أهل العدل من الإكرام فعل المحب . | ولما أمر بما قد يفضي إلى ~~القتال , وكان الباغي ربما كان أقرب إلى الصلح من جهة النسب من المبغي عليه ~~فروعي , وكان القتال أمرا شاقا ربما حمل على الإحجام عن الإصلاح , علل ذلك ~~سبحانه بما قدم فيه قرابة الدين على قرابة النسب , وكشف كشفا تاما عن أنه ~~لا يسوغ له تركه لما يؤدي إليه من تفريق الشمل المؤدي إلى وهن الإسلام ~~وأهله المؤدي إلى ظهور الباطل المؤدي إلى الفساد الأعظم الذي لا ms4905 تدارك له ~~فقال تعالى : { إنما المؤمنون } أي كلهم وإن تباعدت أنسابهم وأغراضهم ~~وبلادهم { إخوة } لانتسابهم إلى أصل واحد وهو الإيمان , لا بعد بينهم , ولا ~~يفضل أحد منهم على أحد بجهة غير جهة الإيمان . | ولما كانت الأخوة داعية ~~ولا بد إلى الإصلاح , سبب عنها قوله : { فأصلحوا } ولما كانت الطائفة قد ~~تطلق على ما هو أصل لأن يطاف حوله كما يطلق على ما فيه أهليه التحليق ~~والطواف , وكان أقل ما يكون ذلك في الأثنين , وأن مخاصمتهما يجر إلى مخاصمة ~~طائفتين بأن يغضب لكل ناس من قبيلته وأصحابه , قال واضعا الظاهر موضع ~~المضمر مبالغة في تقرير الأمر وتأكيده , وإعلاما بأن المراد بالطائفة القوة ~~لا الفعل بحيث يكون ذلك شاملا للاثنين فما فوقهما : { بين أخويكم } أي ~~المختلفين بقتال أو غيره كما تصلحون بين أخويكم من النسب , إلا تفعلوه تكن ~~فتنة في الأرض وفساد كبير , بل الأمر كما نقل عن أبي عثمان الحيري أن أخوة ~~الدين أثبت من أخوة النسب , PageV07P231 وقرأ يعقوب { إخوتكم } بالجمع , ~~وقراءة الجماعة أبلغ لدلالتها على الاثنين فما فوقهما بالمطابقة { واتقوا ~~الله } أي الملك الأعظم الذين هم عباده في الإصلاح بينهما بالقتال وغيره , ~~لا تفعلوا ما صورته إصلاح وباطنه إفساد , وأشار إلى سهولة الأمور عنده ~~ونفوذ أمره وأن النفوس إنما تشوفها إلى الإكرام لا إلى كونه منمعين , فبنى ~~للمفعول قوله تعالى : { لعلكم ترحمون * } أي لتكونوا إذا فعلتم ذلك على ~~رجاء عند أنفسكم ومن ينظركم من أن يكرمكم الذي لا قادر في الحقيقة على ~~الإكرام غيره بأنواع الكرامات كما رحمتم إخوتكم بإكرامهم عن إفساد ذات ~~البين التي هي الحالقة , وقد دلت الآية أن الفسق بغير الكفر لا يخرج عن ~~الإيمان , وعلى أن الإصلاح من أعظم الطاعات , وعلى وجوب نصر المظلوم لأن ~~القتال لا يباح بدون الوجوب , قال القشيري : وذلك يدل على عظم وزر الواشي ~~والنمام والمضرب في إفساد ذات البين , وقال : من شرط الأخوة أن لا تحوج ~~أخاك إلى الاستعانة بك والتماس النصرة منك , ولا تقصر في تفقد أحواله بحيث ~~يشكل عليك موضع ms4906 حاجته فيحتاج إلى مسألتك . | ولما نهى عن الإسراع بالإيقاع ~~بمجرد سماع ما يوجب النزاع , وختم بما ترجى به الرحمة , وكان ربما كان ~~الخبر الذي أمر سبحانه بتبينه صريحا , نهى عن موجبات الشر التي يخبر بها ~~فتكون سببا للضغائن التي يتسبب عنها الشر الذي هو سبب للنقمة رحمة لعباد ~~الله وتوقعا للرحمة منه , فقال على سبيل النتيجة من ذلك ذاكرا ما في القسم ~~الرابع من الآداب والمنافع من وجوب ترك أذى المؤمنين في حضورهم والإزراء ~~بحالهم المذهب لسرورهم الجالب لشرورهم : { يا أيها الذين آمنوا } أي أوقعوا ~~الإقرار بالتصديق { لا يسخر } أي يهزأ ويستذل . | ولما كانت السخرية تكون ~~بحضرة ناس , قال معبرا بما يفهم أن من شارك أو رضي أو سكت وهو قادر فهو ~~ساخر مشارك للقائل : { قوم } أي ناس فيهم قوة المحاولة , وفي التعبير بذلك ~~هز إلى قيام الإنسان على نفسه وكفها عما تريده من النقائص شكرا لما أعطاه ~~الله من القوة : { من قوم } فإن ذلك يوجب الشر لأن أضعف الناس إذا حرك ~~للانتقاص قوي بما يثور عنده من حظ النفس . | ولما كان الذي يقتضيه الرأي ~~الأصيل أنه لا يستذل الإنسان إلا من أمن أن يصير في وقت من الأوقات أقوى ~~منه في الدنيا وفي الآخرة , علل بقوله : { عسى } أي لأنه جدير وخليق لهم { ~~أن يكونوا } أي المستهزأ بهم { خيرا منهم } فينقلب الأمر عليهم ويكون لهم ~~سوء العاقبة , قال ابن مسعود رضي الله عنه : البلاء موكل بالقول ولو سخرت ~~من كلب خشيت أن أحول كلبا ؛ وقال القشيري : ما استضعف أحدا أحدا إلا ~~PageV07P232 سلط عليه , ولا ينبغي أن تعتبر بظاهر أحوال الناس , فإن في ~~الزوايا خبايا , والحق سبحانه يستر أولياءه في حجاب الظنة , كذا في الخبر ( ~~كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره ) . | ولما ~~كان إطلاق القوم لمن كان فيه أهلية المقاومة وهم الرجال , قال معبرا ما هو ~~من النسوة بفتح النون أن ترك العمل : { ولا نساء من نساء } ثم علل النهي ~~بقوله : { عسى } أي ms4907 ينبغي أن يخفن من { أن يكن } المسخور بهن { خيرا منهن } ~~أي الساخرات . | ولما كانت السخرية تتضمن العيب , ولا يصرح فيها , وكان ~~اللمز العيب نفسه , رقي الأمر إليه فقال : { ولا تلمزوا } أي تعيبوا على ~~وجه الخفية { أنفسكم } بأن يعيب بعضكم بعضا بإشارة أو نحوها , فكيف إذا كان ~~على وجه الظهور , فإنكم في التواصل والتراحم كنفس واحدة , أو يعمل الإنسان ~~ما يعاب به , فيكون قد لمز نفسه أو يلمز غيره فيكون لمزه له سببا لأن يبحث ~~عن عيوبة فيلمزه فيكون هو الذي لمز نفسه { ولا تنابزوا } أي ينبز بعضكم ~~بعضا , أي يدعو على وجه التغير والتسفل { بالألقاب } بأن يدعو المرء صاحبه ~~بلقب يسوءه سواء كان هو المخترع له أولا , وأما ألقاب المدح فنعم هي ~~كالصديق والفاروق . | ولما كان الإيمان قيدا لأوابد العصيان , وكان النبز ~~والسخرية قطعا لذلك القيد , علل بما يؤذن فأنه فسق , معبرا بالكلمة الجامعة ~~لجميع المذام تنفيرا من ذلك فقال : { بئس الاسم الفسوق } أي الخروج من ربقة ~~الدين { بعد الإيمان } ترك الجار إيذانا بأن من وقع في ذلك أوشك أن يلازمه ~~فيستغرق زمانه فيه فإن النفس عشاقة للنقائص , ولا سيما ما فيه استعلاء , ~~فمن فعل ذلك فقد رضي لنفسه أو يوسم بالفسق بعد أن كان موصوفا بالإيمان . | ~~ولما كان التقدير : فمن تاب فأولئك هم الراشدون , وكان المقام بالتحذير ~~أليق , عطف عليه قوله : { ومن لم يتب } أي يرجع عما نهى الله عنه , فخفف عن ~~نفسه ما كان شدد عليها { فأولئك } أي البعداء من الله { هم } أي خاصة { ~~الظالمون * } أي العريقون في وضع الأشياء في غير مواضعها . | PageV07P233 < ~~< # | الحجرات : ( 12 - 14 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا ~~تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ~~واتقوا الله إن الله تواب رحيم * يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم ~~خبير * قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ms4908 أسلمنا ولما يدخل ~~الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن ~~الله غفور رحيم ) ^ } ) | ولما كان الإنسان ربما دعا صاحبه بلقب له شيء غير ~~قاصد به عيبه , أو فعل فعلا يتنزل على الهزء غير قاصد به الهزء , نهى تعالى ~~عن المبادرة إلى الظن من غير تثبت لأن ذلك من وضع الأشياء في غير مواضعها , ~~الذي هو معنى الظلم فقال خاتما بالقسم الخامس منبها على ما فيه من المعالي ~~والنفائس : { يا أيها الذين آمنوا } أي اعترفوا بالإيمان وإن كانوا في أول ~~مراتبه { اجتنبوا } أي كلفوا أنفسكم أن تتركوا وتبعدوا وتجعلوا في جانب ~~بعيد عنكم { كثيرا من الظن } أي في الناس وغيرهم فاحتاطوا في كل ظن ولا ~~تمادوا معه حتى تجزموا به فتقدموا بسببه على ما يقتضيه من الشر إلا بعد ~~التبين لحقه من باطله بأن يظهر عليه أمارة صحيحة وسبب ظاهر , والبحث عن ذلك ~~الذي أوجب الظن ليس بمنهي عنه كما فتش النبي صلى الله عليه وسلم في قصة ~~الإفك وتثبت حتى جاءه الخبر اليقين من الله , وأفهم هذا أن كثيرا منه مجتنب ~~كما في الاجتهاد حيث لا قاطع , وكما في ظن الخير بالله تعالى , بل قد يجب ~~كما قال تعالى : ^ ( { ولولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم ~~خيرا } ) ^ [ النور : 12 ] وقد أفاد التنكير شيائع النهي في كل ظن , فكان ~~بمعنى ( بعض ) مع الكفالة بأن كثيرا منه منهي عن الإقدام عليه إلا بعد تبين ~~أمره , ولو عرف لأفهم أنه لا يجتنب إلا إذا اتصف بالكثرة , قال القشيري : ~~والنفس لا تصدق , والقلب لا يكذب , والتمييز بين النفس والقلب مشكل , ومن ~~بقيت عليه من حظوظة بقية وإن قلت فليس له أن يدعى بيان القلب , بل هو بنفسه ~~ما دام عليه شيء من بقيته , ويجب عليه أن يتهم نفسه في كل ما يقع له من ~~نقصان غيره , ثم علل ذلك مثيرا إلى أن العاقل من يكف نفسه عن أدنى احتمال ~~من الضرر احتمالا مؤكدا لأن أفعال الناي عند الظنون ms4909 أفعال من هو جازم بأنه ~~بريء من الإثم : { إنبعض الظن إثم } أي ذنب يوصل صاحبه لاستحقاق العقوبة ~~كالظن في أصول الدين , وحيث يخالفه قاطع , قال الزمخشري رحمه الله تعالى : ~~الهمزة في الإثم عن الواو وكأنه يثم الأعمال أي يكسرها بإحباطه . | ~~PageV07P234 ولما نهى عن اتباع الظن , أتبعه ما يتفرع عنه فقال : { ولا ~~تجسسوا } أي تمعنوا في البحث عن العورات ولا يكون ذلك إلا في المستورين . | ~~ولما كانت الغيبة أعم من التجسس , قال : { ولا يغتب } أي يتعمد أن يذكر { ~~بعضكم بعضا } في غيبته بما يكره , قال القشيري : وليس تحصل الغيبة من الخلق ~~إلا بالغيبة عن الحق , وقال أبو حيان : قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~الغيبة إدام كلاب الناس . | ولما كان تمزيق عرض الناس كتمزيق أديمهم ولا ~~يكون ذلك ساتر عظمة الذي به قوامه كما أن عرضه ساتر عليه , وكونه لا يرد عن ~~نفسه بسبب غيبته كموته وأعمال الفم والجوف في ذلك كله , وكان هذا لوتأمله ~~العاقل كان منه على غاية النفرة , ولكنه لخفائه لا يخطر بباله , جلاه له في ~~قوله تقريرا وتعبيرا بالحب عما هو في غاية الكراهة لما للمغتاب من الشهوة ~~في الغيبة ليكون التصوير بذلك رادا له عنها ومكرها فيها : { أيحب } وعم ~~بقوله : { أحدكم } وعبر بأن الفعل تصويرا للفعل فقال : { أن يأكل } وزاد في ~~التنفير بجعله في إنسان هو أخ فقال : { لحم أخيه } وأنهى الأمر بقوله : { ~~ميتا } . | ولما كان الجوا قطعا : لا يحب أحد ذلك , أشار إليه بما سبب من ~~قوله : { فكرهتموه } أي بسب ما ذكر طبعا فأولى أن تكرهوا الغيبة المحرمة ~~عقلا , لأن داعي العقل بصير عالم , وداعي الطبع أعمى جاهل , وقد رتب سبحانه ~~هذه الحكم أبدع ترتيب , فأمر سبحانه بالتثبت . | وكان ربما أحدث ضغينة , ~~نهى عن العمل بموجبه من السخرية واللمز والنبز والتمادي مع ما ينشره ذلك من ~~الظنون , فإن أبت النفس إلا تماديا مع الظن فلا يصل إلى التجسس والبحث عن ~~المعايب , فإن حصل الاطلاع عليها كف عن ذكرها , وسعى في سترها , وفعل ذلك ~~كله لخوف ms4910 الله , لا شيء غيره , فإن وقع في شيء من ذلك بادر المتاب رجاء ~~الثواب . | ولما كان التقدير : فاتركوه بسبب كراهتهم لما صورته , عطف عليه ~~ما دل على العلة العظمى وهي خوف الله تعالى فقال : { واتقوا الله } أي ~~اجعلوا بينكم وبين الملك الأعظم وقاية بترك ذلك وإصلاح ذات البين . | ولما ~~كان التقدير : فإن الله يتوب عليكم إن تركتموه , علله بما دل على أن ذلك ~~صفة له متكررة التعلق فقال : { إن الله } أي الملك الأعظم { تواب } أي مكرر ~~للتوبة , وهي الرجوع عن المعصية إلى ما كان قبلها من معاملة التائب وإن كرر ~~الذنب , فلا ييأس أحد وإن كثرت ذنوبه وعظمت { رحيم * } يزيده على ذلك أن ~~يكرمه غاية الإكرام . | PageV07P235 ولما ذكر سبحانه الأخوة الدينية تذكيرا ~~بالعاطف الموجب للإكرام , المانع من الانتقام , ونهى عن أمور يجر إليها ~~الإعجاب بالنفس من جهة التعظيم بالآباء والعراقة في النسب العالي , أسقط ~~ذلك مبينا أن لا نسب إلا ما يثمره الإيمان الي بدأ به من التقوى , وعبر بما ~~يدل على الذبذبة والاضطراب إشارة إلى سفول رتبة من افتخر بالنسب , وإلى أن ~~من لم يتعظ بما مضى فيعلو عن رتبة الذين آمنوا فقد سفل سفولا عظيما : { يا ~~أيها الناس } أي كافة المؤمن وغيره { إنا } على عظمتنا وقدرتنا { خلقناكم } ~~أي أوجدناكم عن العدم على ما أنتم عليه من المقادير في صوركم وما أنتم عليه ~~من التشعب الذي يفوت الحصر , وأخرجنا كل واحد منكم { من ذكر } هو المقصود ~~بالعزم والقوة { وأنثى } هي موضع العضف والراحة , لا مزية لأحد منكم في ذلك ~~على آخر , ولا فخر في نسب . | ولما كان تفضيلهم إلى فرق لكل منهما تعرف به ~~أمرا باهرا , عبر فيه بنون العظمة فقال : { وجعلناكم } أي بعظمتنا { شعوبا ~~} تتشعب من أصل واحد , جمع شعب بالفتح وهو الطيبقة الأولى من الطبقات الست ~~من طبقات النسب التي عليها العرب { وقبائل } تحت الشعوب , وعمائر تحت ~~القبائل , وبطونا تحت العمائر , وأفخاذا تحت البطون , وفصائل تحت الأفخاذ , ~~والعشائر تحت الفصائل , خزيمة شعب , وكنانة قبيلة , وقريش عمارة , وقصي ms4911 بطن ~~, وعبد مناف فخذ , وهاشم فصيلة , والعباس عشيرة , قال البغوي : وليس بعد ~~العشيرة حي يوصف به - انتهى . | واقتصر على الأولين لأنهما أقصى ما يسهل ~~على الآدمي معرفته فما دونه أولى , ثم ذكر علة التشعب ليوقف عندها فقال : { ~~لتعارفوا } أي ليعرف الإنسان من يقاربه في النسب ليصل من رحمه ما يحق له , ~~لا لتواصفوا وتفاخروا . | ولما كانت فائدة التفاخر بالتواصف عندهم الإكرام ~~لمن كان أفخر , فكانت الآية السالفة التي ترتبت عليها هذه آخرة بالتقوى كان ~~التقدير : فتتقوا الله في أقاربكم وذوي أرحامكم , فقال مبطلا للتفاخر ~~بالأنساب معللا لما أرشد إلى تقديره السياق مؤكدا لأجل ما عندهم من أن ~~الكرم إنما هو بالنسب : { إن أكرمكم } أيها المتفاخرون { عند الله } أي ~~الملك الذي لا أمر لأحد معه ولا كريم إلا من أكرمكم بكرمه ولا كمال لأحد ~~سواه { أتقاكم } فذلك هو الذكر الذي يصح أصله باقتدائه بأبيه آدم عليه ~~السلام فلم يمل إلى الأنوثة وإن كان أدناكم نسبا ولذلك أكده , وهذا معنى ~~قوله صلى الله عليه وسلم : ( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا ~~فقهوا ) أي علموا بأن كانت لهم ملكة الفقه فعلموا بما عملوا PageV07P236 ~~كما قال الحسن رحمه الله : إنما الفقيه العامل بعلمه . | وقد تقدم أن هذا ~~هو المراد بقوله تعال : < # > 77 ( { هل يتسوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } ) 77 < # > [ الزمر : 9 ] لما دل عليه سياقها وسباقها , والأتقى لا يفتخر على غيره ~~لأنه لا يعتقد أنه أتقى , قال الرازي في اللوامع : أكرم الكرم التقوى , وهو ~~مجمع الفاضسل الإنسانية , وألأم اللؤوم الفجور , وذلك أن الكرم اسم للأفعال ~~المحمودة , وهذه الأفعال إنما تكون محمودة إذا كانت عن علم , وقصد بها الله ~~, وهذا هو التقوى , فليس التقوى إلا العلم وتحري الأفعال المحمودة - انتهى ~~. | وذلك لأن التقوى تثبت الكمالات وتنفي النقائص فيصير صاحبها بشريا ملكيا ~~. | ولما كان هذا مركوزا في طبائعهم مغروزا في جبلاتهم متوارثا عندهم أن ~~الفخر إنما هو بالأنساب , وأن الكريم إنما هو من طاب أصله , وكان قلع ذلك ~~من نفوسهم فيما أجبى به سبحانه ms4912 العادة في دار الأسباب يتوقف على تأكيد , ~~أكد سبحانه معللا قوله { خيبر * } محيط العلم بالبواطن والسرائر أيضا , روى ~~البغوي بسند من طريق عبد الله بن حميد عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته ليستلم الأركان بمحجنه , فملا ~~خرج لم يجد مناخا فنزل على أيدي الرجال , ثم قام فخطبهم ثم حمد الله وأثنى ~~عليه وقال : ( الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها بآبائها , ~~إنما الناس رجلان : بر تقي كريم على الله , وفاجر شقي هين على الله - ثم ~~تلا ) يا أيها الناس ( الآية , ثم قال : أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ~~ولكم ) وأخرجه أبو داود والترمذي وحسنة والبيهقي - قال المنذري , بإسناد ~~حسن , واللفظ له - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال قال : ( إن الله عز وجل أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء , ~~الناس بنو آدم وآدم من تراب , مؤمن تقي وفاجر شقي , لينتهين أقوام يفتخرون ~~برجال إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي ~~تدفع النتن بأنفها ) . | ولما أمر سبحانه بإجلال رسوله صلى الله عليه وسلم ~~وإعظامه , ونهى عن أذاه فينفسه أو في أمته , ونهى عن التفاخر الذي ه وسبب ~~التقاطع والتداحر , وختم بصفتة الخبر , دل عليها بقوله مشيرا إلى أنه لا ~~يعتد بشيء مما أمر به أو نهى عنه إلا مع الإخلاص فقال : { قالت الأعراب } ~~أي أهل البادية من بني أسد وغيرهم الذين هم معدن الغلظة والجفاء الذين تقدم ~~تأديبهم في سورة محمد , وألحق التاء في فعلهم إشارة إلى ضعفهم في العزائم , ~~PageV07P237 قال ابن برجان : هم قوم شهدوا شهادة الحق وهم لا يعلمون ما ~~شهدوا به غير أن أنفسهم ليست تنازعهم إلى التكذيب : { آمنا } أي بجميع ما ~~جئت به فامتثلنا ما أمرنا به في هذه السورة ولنا النسب الخالص , فنحن أشرف ~~من غيرنا من أهل المدر . | ولما كان الإيمان التصديق بالقلب فلا اطلاع عليه ~~لآدمي إلا بإطلاعه سبحانه ms4913 فكانوا كاذبين في دعواه , قال : { قل } أي تذكيبا ~~لهم مع مراعات الأدب في عدم التصريح بالتكذيب : { لم تؤمنوا } أي لم تصدق ~~قلوبكم لأنكم لو أمنتم لم تمنوا بإيمانكم لأن الإيمان التصديق بجميع ما لله ~~من الكمال الذي منه أنه لولا منه بالهداية لم يحصل الإيمان , فله ولرسوله - ~~الذي كان ذلك على يديه - المن والفضل . | ولما كان التقدير ما كان الأصل في ~~أن يكون الرد به وهو : فلا تقولوا : آمنا , فإنه كذب , وعدل عنه للاحتراز ~~عن النهي عن القول بالإيمان , عطف عليه قوله : { ولكن قولوا } لأنكم أسلمتم ~~للدنيا لا للدين , وعدل عنه لئلا تكون شهادة لهم بالإسلام في الجملة : { ~~أسلمنا } أي أظهرنا الانقياد في الظاهر للأحكام الظاهرة فأمنا من أن نكون ~~حزبا للمؤمنين وعونا للمشركين , يقول : أسلم الرجل - إذا دخل في السلم , ~~كما يقال : أشتى - إذا دخل في الشتاء , ولم يقل : ولكن أسلمتم , لما فيه من ~~الشهادة لهم بالإسلام الملازم للإيمان المنفي عنه , فكان يكون تناقضا , ~~والآية من الاحتباك : نفي الإيمان الشرعي أولا يدل على إثبات الإسلام ~~اللغوي ثانيا , والأمر بالقول بالإسلام ثانيا يدل على النهي عن القول ~~بالإيمان أولا . | ولما كانت ( لم ) غير مستغرقة , عطف عليها ما يستغرق ما ~~مضى من الزمان كله ليكون الحكم بعدم إيمانهم مكتنفا بأمرهم بالاقتصاد على ~~الإخبار بإسلامهم , فقال معلما بأن ما يجتهدون في إخفائه منكشف لديه ( ألا ~~يعلم من خلق ) . | { ولما يدخل } أي إلى هذا الوقت { الإيمان } أي المعرفة ~~التامة { في قلوبكم } فلا يعد إقرار اللسان إيمانا إلا بمواطأة القلب , ~~فعصيتم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأحبطتم أعمالكم , والتعبير ب ( لما ~~) يفهم أنهم آمنوا بعد ذلك , ويجوز أن يكون المراد بهذا النفي نفي التمكن ~~في القلب , لا نفي مطلق الدخول بدليل { إنما المؤمنون } دون { إنما الذين ~~آمنوا } . | ولما كان التقدير : فإن تؤمنوا يعلم الله ذلك من قلوبكم غنيا ~~عن قولكم , عطف عليه قوله ترغيبا لهم في التوبة : { وإن تطيعوا الله } أي ~~الملك الذي من خالفه لم يأمن عقوبته { ورسوله } الذي طاعته من طاعته ms4914 على ما ~~أنم عليه من الأمر الظاهري فتؤمن قلوبكم { لا يلتكم } أي ينقصكم ويبخسكم من ~~لاته يليته , وهي لغة أهل الحجاز , وقرأ البصريان : يألتكم من الألت وهو ~~النقص أيضا , وهي لغة أسد وغطفان , وهما PageV07P238 المخاطبون بهذه الآية ~~المعاتبون بها , قال أبو حيان : قال مجاهد : نزلت في بني أسد بن خزيمة - ~~انتهى . | فلذلك اختار أبو عمرو القراءة بها , وعدل عن لغة الحجاز { من ~~أعمالكم شيئا } فلا حاجة إلى إخباركم عن إيمانكم بغير ما يدل عليه من ~~الأقوال والأفعال , قال ابن برجان : فعموم الناس وأكثر أهل الغفلة مسلمون ~~غير مؤمنين , فإن يعلموا علم ما شهدوا وعقدوا عليه عقدا علما ويقينا لهم ~~المؤمنون . | وفي الآية احتباك من وجه آخر : ذكر عدم الإيمان أولا دليلا ~~على إثباته ثانيا , وذكر توفير الأعمال ثانيا دليلا على بخسها أو إحباطها ~~أولا , وسره أنه نفى أساس الخير أولا ورغب في الطاعة بحفظ ما تعبوا عليه من ~~الأعما ثانيا . | ولما كان الإنسان مبنيا على النقصان , فلو وكل إلى عمله ~~هلك , ولذهب عمله فيما يعتريه من النقص , قال مستعطفا لهم إلى التوبة , ~~مؤكدا تنبيها على أنه مما حيق تأكيده لأن الخلائق لا يفعلون مثله : { إن ~~الله } أي الذي له صفات الكمال { غفور } أي ستور للهفوات والزلات لمن تاب ~~وصحت نيته , ولغيره إذا أراد , فلا عتاب ولا عقاب { رحيم * } أي يزيد على ~~الستر عظيم الإكرام . | < < # | الحجرات : ( 15 - 18 ) إنما المؤمنون الذين . . . . . # > > ^ ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا ~~بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون * قل أتعلمون الله بدينكم ~~والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم * يمنون عليك ~~أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن ~~كنتم صادقين * إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون ) ^ ~~} ) | ولما نفى عنهم الإيمان , وكان ربما غلط شخص في نفسه فظن أنه مؤمن , ~~وليس كذلك , أخبر بالمؤمن على سبيل الحصر ذاكرا أمارته الظاهرة الباطنة , ~~وهي أمهات الفضائل ms4915 : العلم والعفة والشجاعة , فقال جوابا لمن قال : فمن ~~الذي آمن ؟ عادلا عن جوابه إلى وصف الراسخ ترغيبا في الاتصاف بوصفه وإيذانا ~~بأن المخبر عن نفسه بآية إيمانه لا يريد إلا أنه راسخ : { إنما المؤمنون } ~~أي العريقون في الإيمان الذي هو حياة القلوب , قال القشيري : والقلوب لا ~~تحيا إلا بعد ذبح النفوس , والنفوس لا تموت ولكنها تعيش { الذين آمنوا } أي ~~صدقوا معترفين { بالله } معتقدين جميع ما له من صفات الكمال { ورسوله } ~~شاهدين برسالته , وهذا هو المعرفة التي هي العلم , وغياتها الحكمة , وهذا ~~الإثبات هنا يدل على أن المنفي فيما قيل الكمال لا المطلق , وإلا لقال ( ~~إنما الذين آمنوا ) . | PageV07P239 ولما كان هذا عظيما والثبات عليه أعظم ~~, وهو عين الحكمة , أشار إلى عظيم مزية الثبات بقوله : { ثم } أي بعد ~~امتطاء هذه الرتبة العظيمة { لم يرتابوا } أي ينازعوا الفطرة الأولى في ~~تعمد التسبب إلى الشك ولم يوقعوا الشك في وقت من الأوقات الكائنة بعد ~~الإيمان , فلا يزال على تطاوله الأمنة وحصول الفتن وصفهم بعد الريب غضا ~~جديدا , ولعله عبر بصيغة الافتعال إشارة إلى العفو عن حديث النفس الذي لا ~~يستطيع الإنسان دفع أصله ويكرهه غاية الكراهة ويجتهد في دفعه , فإذا أنفس ~~المذموم المشي معه والمطاولة منه حتى يستحكم . | ولما ذكر الأمارة الباطنة ~~على وجه جامع لجميع العبادات المالية والبدنية قال : { وجاهدوا } أي أوقعوا ~~الجهاد بكل ما ينبغي أن تجهد النفس فيه تصديقا لما ادعوه بألسنتهم من ~~الإيمان { بأموالهم } وذلك هو العفة { وأنفسهم } أعم من النية وغيرها , ~~وذلك هو الشجاعة , وقدم الأموال لقلتها في ذلك الزمان عند العرب { في سبيل ~~الله } أي طريق الملك الأعظم بقتال الكفار وغيره من سائر العبادات المحتاجة ~~إلى المال والنفس لا الذين يتخلفون ويقولون : شغلتنا أموالنا وأهلونا , قال ~~القشيري : جعل الله الإيمان مشروطا بخصال ذكرها , وذكر بلفظ ( إنما ) وهي ~~للتحقيق , تقتضي الطرد والعكس , فمن أفرد الإيمان لا يوجب الأمان لصاحبه ~~فخلافه أولى به . | ولما عرف بهم بذكر أمارتهم على سبيل الحصر , أنتج ذلك ~~حصرا آخر قطعا لأطماع المدعين على وجه ms4916 أثنى عليهم فيه بما تعظم المدحة به ~~عندهم ترغيبا في مثل حالهم فقال : { أولئك } أي العالو الرتبة الذين حصل ~~لهم استواء الأخلاق والعدل في الدين بجميع أمهات الأخلاق { هم } أي خاصة { ~~الصادقون * } قالا وحالا وفعالا , وأما غيرهم فكاذب . | ولما كانوا كأنهم ~~يقولون : نحن كذلك , أمره صلى الله عليه وسلم بالإنكار عليهم والتوبيخ لهم ~~دلالة على ما أشار إليه ختام الآية إحاطة علمه الذي تميز به الصادق من غيره ~~من جميع الخلق فقال : { قل } أي لهؤلاء الأعراب مجهلا لهم مبكتا : { ~~أتعلمون } أي أتخبرون إخبارا عظيما بلغيا , كأنهم لما آمنوا كان ذلك إعلاما ~~منهم , فملا قالوا آمنا كان ذلك تكريرا , فكان في صورة التعليم , فبكتهم ~~بذلك { الله } أي الملك الأعظم المحيط قدرة وعلما { بدينكم } فلذلك تقولون ~~: آمنا , ففي ذلك نوع بشرى لهم لأنه أوجد لهم دينا وأضافه إليهم - قاله ابن ~~برجان . | ولما أنكر عليهم وبكتهم وصل به ما يشهد له فقال : { والله } أي ~~والحال أن الملك المحيط بكل شيء { يعلم ما في السموات } كلها على ~~PageV07P240 عظمها وكثرة ما فيها ومن فيها . | ولما كان في سياق الرد عليهم ~~والتبكيت لهم كان موضع التأكيد فقال : { وما في الأرض } كذلك . | ولما كان ~~المقام للتعميم , أظهر ولم يضمر لئلا يوهم الاختصاص بما ذكر من الخلق فقال ~~: { والله } أي الي له الإحاطة الكاملة { بكل شيء } أي مما ذكر ومما لم ~~يذكر { عليم * } . | ولما كان قولهم هذا صورته صورة المنة , قال مترجما له ~~مبكتا لهم عليه معبرا بالمضارع تصويرا لحاله في شناعته , { يمنون عليك } أي ~~يذكرون ذكر من اصطنع عندك صنيعة وأسدى إليك نعمة , إنما فعلها لحاجتك إليها ~~لا لقصد الثواب عليها , لأن المن هو القطع - قال في الكشاف : لأنه إنما ~~يسديها إليه ليقطع بها حاجته لا غير , من غير أن يعمد لطلب مثوبة , ثم يقال ~~: من عليه ضيعة - إذا اعتده عليه منة وإنعاما . | ولما كان الإسلام ظاهرا ~~في الدين الذي هو الانقياد بالظاهر مع إذعان الابطن لم يعبر به , وقال : { ~~إن أسلموا } أي أوقعوا الانقياد للأحكام في ms4917 الظاهر . | ولما كان المن هو ~~القطع من العطاء الذي لا يراد عليه جزاء , قال : { قل } أي في جواب قولهم ~~هذا : { لا تمنوا } من عبرا بما من المن إشارة إلى أن الإسلام لا يطلب ~~جزاؤه إلا من الله , فلا ينبغي عده صنيعة على أحد , فإن ذلك يفسده { علي ~~إسلامكم } لو فرض أنكم كنتم مسلمين أي متدينين بدين الإسلام الذي هو انقياد ~~الظاهر مع إذعان الباطن , أي لا تذكروه على وجه الامتنان أصلا , فالفعل وهو ~~{ تمنوا } مضمن ( تذكروا ) نفسه لا معناه كما تقدم في { ولتكبروا الله على ~~ما هداكم } { بل الله } أي الملك الأعظم الذي له المنة على كل موجود ولا ~~منة عليه بوجه { يمن عليكم } أي يذكر أنه أسدى إليكم نعمه ظاهرة وباطنة ~~منها ما هو { أن } أي بأن { هداكم للإيمان } أي بينة لكم أو وفقكم للاهتداء ~~وهو تصديق الباطن مع الانقياد بالظاهر , والتعبير عن هذا بالمن أحق مواضعه ~~, فإنه سبحانه غير محتاج إلى عمل فإنه لا نفع يلحقه ولا ضر , وإنما طلب ~~الأعمال لنفع العاملين أنفسهم , ومن عليهم بأن أرسل رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فبين لهم فكذبوه بأجمعهم , فلم يزل يقويه حتى أظهر فيه آية مجده وأظهر ~~دينه على الدين كله , ودخل فيه الناس طوعا وكرها على وجوه من المجد يعرفها ~~من استحضر السيرة ولا سيما من عرف أمر بني أسد وغطفان الذين نزلت فيهم هذه ~~الآيات , وكيف كان حالهم في غزوة خيبر وغيره . | ولما كان المراد بهذا ~~تجهيلهم وتعليمهم حقائق الأمور , لا الشهادة لهم بالهداية , قال منبها على ~~ذلك : { إن كنتم } أي كونا أنتم عريقون فيه { صادقين * } في ادعائكم ~~PageV07P241 ذلك , فإنه على تقدير الصدق إنما هو بتوفيق الله وهو الذي خلق ~~لكم قدرة الطاعة , فهو الفاعل في الحقيقة فله المنة عليكم , قال الأستاذ ~~أبو القاسم القشيري : من لاحظ شيئا من أعماله وأحواله فإن رآها دون نفسه ~~كان شركا , وإن رآها لنفسه كان مكرا , فكيف يبمن العبد بما هو شرك أو مكر , ~~والذي يجب عليه قبول المنة كيف يرى ms4918 لنفسه على غيره منة , هذا لعمري فضيحة , ~~والمنة تكدر الصنيعة , إذا كانت من المخلوقين , وبالمنة تطيب النعمة إذا ~~كانت من قبل الله . | ولما نفى عنهم ما هو باطن , وختم جدالهم سبحانه بهذه ~~الشرطية , فكان ربما توهم قاصر النظر جامد الفكر عدم العلم بما هو عليه , ~~أزال ذلك على وجه عام , وأكده لذلك فقال : { إن الله } أي المحيط بكل شيء ~~قدرة وعلما { يعلم } أي بطريق ثبوت الصفة وتجريد التعلق واستمراره كلما ~~تجدد محدث أو كان بحيث يتجدد { غيب السماوات } أي كلها { والأرض } كذلك . | ~~ولما أريد التعميم من غير تقييد بالخافقين أظهر ولم يضمر قوله : { والله } ~~أي الذي له الإحاطة بذلك وبغيره مما لا تعلمون { بصير } أي عالم أتم العلم ~~ظاهرا وباطنا { بما تعملون * } من ظاهر إسلامكم وباطن إيمانكم في الماضي ~~والحاضر والآتي سواء كان ظاهرا أو باطنا سواء كان قد حدث فصار إيمانكم في ~~الماضي والحاضر والآتي سواء جبلاتكم وهو خفي عنكم - هذا على قراءة الخطاب ~~التفات إليهم لاستنقاذ من توهم منهم هذا التوهم , وهي أبلغ , وعلى قراءة ~~ابن كثير بالغيب يكون على الأسلوب الأول مما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإبلاغه لهم , فهو سبحانه عالم بمن انطوى ضميره على الإيمان , ومن هو متكيف ~~بالكفران - ومن يموت على ما هو عليه , ومن يتحول حاله بإبعاد عنه أو جذب ~~إليه , قال القشيري رحمه الله تعالى : ومن وقف ههنا تكدر عليه العيش إذ ليس ~~يدري ما غيبه فيه , وفي المعنى قال : | أبكي وهل تدرين ما يبكيني أبكي حذرا ~~أن تفارقينيوتقطعي حبلي وتهجريني | انتهى . | وفي ذلك أعظم زجر وترهيب لمن ~~قدم بين يدي الله ورسوله ولو أن تقدمه في سره . | فإنه لا تهديد أبلغ من ~~إحاطة العلم , فكأنه قيل : لا تقدموا بين يديه فإن الله محيط العلم فهو ~~يعلم سركم وجهركم , فقد رجع هذا الآخر إلى الأول , والتف به التفاف الأصل ~~بالموصل . | . . . . | PageV07P242 < # > 70 ( سورة ق ) 70 < # > | ومقصودها تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في الرسالة التي معظمها ~~الإنذار وأعظمه الإعلام بيوم الخروج بالدلالة ms4919 على ذلك بعد الآيات المسموعة ~~العنية بإعجازها عن تأييد بالآيات المرئية الدالة قطعا على الإحاطة بجميع ~~صفات الكمال ، وأحسن من هذا أن يقال : مقصودها الدلالة على إحاطة القدرة ~~التي هي نتيجة ما ختمت به الحجرات من إحاطة العلم لبيان أنه لا بد من البعث ~~ليوم الوعيد ، فتكتنف هذه الإحاطة بما يحصل من الفضل بين العباد بالعدل لأن ~~ذلك هو سر الوجود وذلك هو نتيجة مقصود البقرة ، والذي تكفل بالدلالة على ~~هذا كله ما شوهد من إحاطة مجد القرآن بإعجازه في بلوغه في كل من جميع ~~المعاني وعلو التراكب وجلالة المفردات وتلازم الحروف وتناسب النظم ورشاقة ~~الجمع وحلاوة التفضيل إلى حد لا تطيقه القوى ، ومن إحاطة القدرة بما هدى ~~إليه القرآن من آأيات الإيجاد والإعدام ، وعلى كل من الاحتمالين دل اسمها ' ~~ق ' لما في آياته من إثبات المجد بهذا الكتاب ، والمجد هو الشرف والكرم ~~زالرفعة والعلو ، وذلك لا يكون إلا والآتي به كذلك ، وهو ملازم لصدقه في ~~جميع ما أتى به ، وللقاف وحدها أتم دلالة على ذلك ، أولا بمخرجها فإنه من ~~أصل اللسان مما يلي الحلق ويحاذيه من الحنك الأعلى ، فإن ذلك إشارة إلى أن ~~مقصود السورة الأصل و العلو ، وكل منها دال على الصدق دلالة قوية ، فإن ~~الأصل في وضع الخبر الصدق ، ودلالته على الكذب وضعية لا عقلية ، وهي أيضا ~~محيطة باسمها أو مسماها بالمخارج الثلاث ، والإحاطة بالحق لا تكون إلا مع ~~العلو ، وهو لا يكون إلا مع الصدق ، ولإحاطتها سمي بها الجبل المحيط بالأرض ~~، هذا بمخرجها ، وأما صفتها فإنها عظيمة في ذلك فإن لها الجهر والشدة ~~والانفتاح والاستعلاء والقلقة ، وكل منها ظاهر الدلالة على ذلك جدا ، وأدل ~~ما فيها من المخلوقات على هذا المقصد النخل ، PageV07P243 لما انفردت به ~~عما شاركها من النبلات بالإحاطة بالطول وكثرة المنافع ، فإنها جامعة للفكه ~~بالقلب ثم الطلع ثم البسر ثم الرطب وبالاقتيات بالتمر وبالخشب والحطب ~~والقطا والخوض النافع للافتراش والليف النافع للحبال ، ودون ذلك وأعلاه من ~~الخلال ، هذا مع كثرة ملابسة العرب الذين هم ms4920 أول مدعو بهذا الكتاب الذكر ~~لها ومعرفتهم بخواصهعا ، وأدل ما فيها الطول مع أنه ليس لعروقها من ~~الامتداد في الأرض والتمكن ما لغيرها ، ومثل ذلك غير كاف في العادة في ~~الإمساك عن السقوط وكثرة الحمل وعظم الإفناء وتناضد الثمر ، ولذلك سميت ~~سورة الباسقات لا النخل { بسم الله } الذي من إحاطة حمده بيانه ما لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم من إحاطة الحمد ، ولقدرته سبحانه من الإحاطة التي ليس ~~لها حد { الرحمن } الذي عم خلقه برحمته حين أرسل إليهم محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بشرائعه ، فهو أصدق العباد ، وأظهر بعظيم معجزاته أن قدرته ما لها من ~~نفاذ { الرحين } الذي خص بالفوز في دار القرار أهل الرغاد . < < # | ق : ( 1 - 6 ) ق والقرآن المجيد # > > ^ ( ق والقرآن المجيد * بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم فقال الكافرون ~~هذا شيء عجيب * أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد * قد علمنا ما تنقص ~~الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ * بل كذبوا بالحق لما جآءهم فهم في أمر مريج * ~~أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج ) ^ } ) ~~| لما ختم سبحانه الحجرات بإحاطة العلم قال أول هذه : { ق } إشارة إلى أنه ~~هو سبحانه وحده المحيط علما وقدرة بما له من العلو والشدة والقوة القيومية ~~والقهر ونافذ القضاء والفتح لما أراد من المغلقات , بما أشارت إليه القاف ~~بصفاتها وأظهرته بمخرجها المحيط بما جمعه مسماها من المخارج الثلاث : الحلق ~~واللسان والشفاه . | وقد قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في سر افتتاح ~~المفصل بهذا الحرف فقال في آخر كتابه في هذا الحرف : اعلم أن القرآن منزل ~~مثاني , ضمن ما عدا المفصل منه الذي هو من قاف إلى آخر الكتاب العزيز ~~وفاتحة ما يختص بأولي العلم والفقه من مبسوطات الحكم ومحكمات الأحكام ~~ومطولات الأقاصيص , ومتشابه الآيات , والسورة المفتتحة بالحروف الكلية ~~للإحاطة لغيبية المتهجى المسندة إلى آحاد الأعداد , فلعلو رتبة إيراده ~~وطوله ثنى الحق سبحانه الخطاب وانتظمه في سور كثيرة العدد يسير عدد الآي ~~قصيرة مقدارها , ذكر فيها من أطراف القصص والمواعط والأحكام ms4921 والثناء وأمر ~~الجزاء ما يليق بسماع العامة ليسهل عليهم سماعه وليأخذوا بحظ مما أخذه ~~الخاصة وليكرر على أسماعهم في قراءة الأئمة له في الصلوات المفروضة التي لا ~~مندوحة لهم عنها ما يكون . | PageV07P244 لهم خلفا مما يعلوهم من مضمون ~~سائر السور المطولات , فكان أحق ما افتتح به مفصلهم حرف ق الذي هو وتر ~~الآحاد , والظاهر منها مضمون ما يحتوي عليه مما افتتح بألف لام ميم , وكذلك ~~كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقرأ في خطبة يوم الجمة إليهم لأنهم صلاة ~~جامعة الظاهر بفاتحة المفصل الخاص بهم , وفي مضمونها من معنى القدرة والقهر ~~المحتاج إليه في إقامة أمر العامة ما فيه كفاية , وشفعت بسورة المطهرة ~~فخصوا بما فيه القهر والإنابة , واختصرت سورة نون من مقتضى العلم بما هو ~~محيط بأمر العامة المنتهي إلى غاية الذكر الشامل للعالمين . | ولما كان ~~جميع السور المفتتحة بالحروف المتضمنة للمراتب التسع , العاشر الجامع قواما ~~وإحاطة في جميع القرآن , ولذلك كانت سورة قاف وسورة ن قواما خاصا وإحاطة ~~خاصة بما يخص العامة من القرآن الذين يجمعهم الأرض بما أحاط بظاهرها من ~~صورة جبل قاف , وما أحاط بباطنها من صورة حيوان ( نون ) الذي تمام أمرهم ~~بما بين مددي إقامتها ولهذا السورة المفتتحة بالحرف ظهر اختصاص القرآن ~~وتميزه عن سائر الكتب لتضمنها الإحاطة التي لا تكون إلا بما للخاتم الجامع ~~, واقترن بها من التفضيل في سورها ما يليق بإحاطتها , ولإحاطة معانيها ~~وإتمامها كان كل ما فسرت به من معنى يرجع إلى مقتضاها , فهو صحيح في ~~إحاطتها ومنزلها من أسماء الله وترتبها في جميع العوالم , فلا يخطىء فيها ~~مفسر لذلك لأنه لكما قصد وجها من التفسير لم يخرج عن إحاطة ما تقتضيه , ~~ومهما فسرت به من أنها من أسماء الله تعالى أو من أسماء الملائكة أو من ~~أسماء الأنبياء أو من مثل الأشياء , وصور الموجودات أو من أنها أقسام أقسم ~~بها , أو فواتح عرفت بها السور , أو أعداد تدل على حوادث وحظوظ من ظاهر ~~الأمر أو باطنه على اختلاف رتب ms4922 وأحوال مما أعطيه محمد صلى الله عليه وسلم ~~من مقدار أمد الخلافة والملك والسلطنة وما ينتهي إليه أمره من ظهور الهداية ~~ونحو ذلك مما يحيط بأمد يومه إلى غير ذلك , وكل داخل في إحاطتها , ولذلك ~~أيضا لا تختص بمحل مخصوص تلزمه علامة إعراب مخصوصة فمهما قدر في مواقعها من ~~هذه السورة جرا أو نصبا أو رفعا , فتداخل في إحاطة رتبتها ولم يلزمها معنى ~~خاص ولا إعراب خاص لما لما يكن لها انتظام , لأنها مستقلات محيطات , وإنما ~~ينتظم ما يتم معنى - كل واحد من المنتظمين بحصول الانتظام , وذلك يخص من ~~الكلم بما يقصر عن إحاطة مضمون الحروف حتى أنه متىا وقع استقلال وإحاطة في ~~كلمة لم يقع فيها انتظام . | PageV07P245 ولما أشار سبحانه إلى هذه الإحاطة ~~بالقاف , أقسم على ذلك قسما هو في نفسه دال عليه فقال : { والقرآن } أي ~~الكتاب الجامع الفارق { المجيد * } الذي له العلو والشرف والكرم والعظمة ~~على كل كلام , والجواب أنهم ليعلمون ما أشارت إليه القاف من قوتي وعظمتي ~~وإحاطة علمي وقدرتي , وما اشتمل عليه القرآن من المجد بإعجازه واشتماله على ~~جميع العظمة , ولم ينكروا شيئا من ذلك بقلوبهم , ومجيد القرآن كما تقدم في ~~أثناء الفاتحة ما جريب إحكامه من بين عاجل ما شهد وآجل ماعلم بعلم ما شهد , ~~وكان معلوما بالتجربة المتيقنة بما تواتر من القصص الماضي , وما شهد من ~~الأثر الحاضر وما يتجدد مع الأوقات من أمثاله وأشباهه , وإذا تأملت السورة ~~وجدت آيها المنزلة على جميع ذلك , فإنه سبحانه ذكرهم فيها ما يعلمون من خلق ~~السماوات والأرض وما فيهما ومن مصارع الأولين وكذا السورة الماضية ولا سيما ~~آخرها المشير إلى أنه أدخل على الناس الإيمان برجل واحد غلبهم بمجده ~~وإعجازه لمجد منزله بقدرته وإحاطة علمه - والله الهادي , ومن أحاط علما ~~بمعانيه وعمل ما فيه مجد عند الله وعند الناس . | وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير : لما كانت سورة الفتح قد انطوت على جملة من الألطاف التي خص الله ~~بها عباده المؤمنين كذكره تعالى أخوتهم وأمرهم بالتثبت عند ms4923 غائلة معتد فاسق ~~{ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ } الآية , وأمرهم بغض الأصوات ~~عند نبيهم وأن لا يقدموا بين يديه ولا يعاملوه في الجهر بالقول كمعاملة ~~بعضهم بعضا , وأمرهم باجتناب كثير من الظن ونهيهم عن التجسس والغيبة , ~~وأمرهم بالتواضع في قوله { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } ~~وأخبرهم تعالى أن استجابتهم وامتثالهم هذه الأوامر ليست بحولهم , ولكن ~~بفضله وإنعامه , فقال : { ولكن الله حبب إليك الإيمان وزينه في قلوبكم وكره ~~إليكم الكفر والفسوق والعصيان } الآيتين , ثم أعقب ذلك بقوله { يمنون عليك ~~أن أسلموا } الآية , ليبين أن ذلك كله بيده ومن عنده , أراهم سبحانه حال من ~~قضى عليه الكفر ولم يحبب إليه الإيمان ولا زينه في قلبه , بل جعله في طرف ~~من حال منأمر ونهى في سورة الفتح مع المساواة في الخلق وتماثل الأدوات فقال ~~تعالى : { والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم } الآيات , ثم ذكر ~~سبحانه وتعالى وضوح الأدلة { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم } الآيات , ثم ~~ذكر حال غيرهم ممن كان على رأيهم { كذبت قبلهم قوم نوح } ليتذكر بمجموع هذا ~~من قدم ذكره بحاله وأمره ونهيه في سورة الفتح , ويتأدب المؤمن بآداب الله ~~ويعلم أن ما أصابه من الخير فإنما هو من فضل ربه وإحسانه , ثم التحمت الآي ~~إلى قوله خاتمة السورة { نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم } الآيات - ~~انتهى . | PageV07P246 ولما كان هذا ظاهرا على ما هدى إليه السياق , بنى ~~عليه قوله دلالة أخرى على شمول علمه : { بل } أي أن تكذيبهم ليس لإنكار شيء ~~من مجده ولا لإنكار صدقك الذي هو من مجده بل لأنهم { عجبوا } أي الكفار , ~~وأضمرهم قبل الذكر إشارة إلى أنه إذا ذكر شيئا خارجا عن سنن الاستقامة ~~انصرف إليهم , والعجب من تغير النفس لأمر خارج عن العادة . | ولما كان ~~المقام لتخويف من قدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من عليه ~~بالإسلام أو غيره , أو لتخويف من أنكر البعث , اقتصر على النذارة فقال : { ~~أن جاءهم منذر } أنذرهم حق ms4924 الإنذار من عذاب الله عند البعث الذي هو محط ~~الحكمة , وعجب منهم هذا العجب بقوله : { منهم } لأن العادة عندهم وعند جميع ~~الناس أنه إذا كان النذير منهم لم يداخلهم في إنذاره شك بوجه من الوجوه , ~~وهؤلاء خالفوا عادة الناس في تعجبهم من كون النذير - وهو أحدهم - خص ~~بالرسالة دونهم , ولم يدركوا وجه الخصوصية لكونه مثلهم , فكذلك أنكروا ~~رسالته وفضل كتابه بألسنتهم نفاسة وحسدا لأنهم كانوا معترفين بخصائصه التي ~~رفعه الله تعالى عليهم بها قبل الرسالة فحطهم عجبهم ذلك إلى الحضيض من ~~دركات السفه وخفة الأحلام , لأنهم عجبوا أن كان الرسول بشرا وأوجبوا أن ~~يكون الإله حجرا , وعبجوا من أن يعادوا من تراب , وتثبت له الحياة , ولم ~~يعجبوا أن يبتدؤوا من تراب ولم يكن له أصل في الحياة , ولذلك سبب عنه قوله ~~: { فقال } أي بسبب إنذاره بالبعث وعقبه { الكافرون } فأظهر في موضع ~~الإنذار إيذانا بأنهم لم يخف عليهم شيء من أمره , ولكنهم ستروا تعديا بمرأى ~~عقولهم الدالة لعى جميع أمره دلالة ظاهرة , وعبر بما دل على النذارة لأنها ~~المقصود الأعظم من هذه السورة , وجميع سياق الحجرات ظاهر فيها : { هذا } أن ~~يكون النذير منا خصص بالرسالة من دوننا , وكون ما أنذر به هو البعث بعد ~~الموت { شيء عجيب * } أي بليغ في الخروج عن عادة أشكاله , وقد كذبوا في ذلك ~~, أما من جهة النذير فإن أكثر الرسل من الطوائف الذين أرسلوا إليهم , وقليل ~~منهم من كان غريبا ممن أرسل إليه , وأما من جهة البعث فإن أكثر ما في الكون ~~مثل ذلك من إعادة كل من الملوين بعد ذهابه وإحياء الأرض من بعد موتها ~~وابتداء الإحياء لجميع موات الحيوان وإخراج النبات والأشجار والثمار وغير ~~ذلك مما هو ظاهر جدا . | ولما كان المتعجب منه مجملا , أوضحه بقوله حكاية ~~عنهم مبالغين في الإنكار , بافتتاح إنكارهم باستفهام إنكاري : { إذا متنا } ~~ففارقت أرواحنا أشباحنا { وكنا ترابا } لا فرق بينه وبين تراب الأرض . | ~~ولما كان العامل في الظرف ما تقديره : نرجع ؟ دل عليه PageV07P247 بقوله ~~والإشارة بأداة البعد إلى عظيم ms4925 استبعادهم : { ذلك } أي الأمر الذي هو في ~~تمييز ترابنا من بقية التراب في غاية البعد , وهو مضمون الخبر برجوعنا { ~~رجع } أي رد إلى ما كنا عليه { بعيد * } جدا لأنه لا يمكن تمييز ترابنا من ~~بقية التراب . | ولما كان السياق لإحاطة العلم بما نعلم وما لا نعلم , توقع ~~السامع الجواب عن هذا الجهل , فقال مزيلا لسببه , مفتتحا بحرف التوقع : { ~~قد } أي بل نحن على ذلك في غاية القدرة لأنا قد { علمنا } بما لنا من ~~العظمة { ما تنقص الأرض منهم } أي من أجزائهم المتخللة من أبدانهم بعد ~~الموت وقبله , فإنه لو زاد الإنسان بكل طعام يأكله ولم ينقص صار كالجبل بل ~~نحن دائما في إيجاد وإعدام تلك الأجزاء , وذلك فرع العلم بها كل جزء في ~~وقته الذي كان نقصه فه قل ذلك الجزء أو جل , ولم يكن شيء من ذلك إلا ~~بأعيينا بما لنا من القيومية والخبرة النافذة في البواطن فضلا عن الظواهر ~~والحفظ , الذي لا يصوب إلى جنابه عي ولا غفلة ولا غير , ولكنه عبر بمن لأن ~~الأرض لا تأكل عجب الذنب , فإنه كالبزر لأجسام بني آدم . | ولما كانت ~~العادة جارةي عند جميع الناس بأن ما كتب حفظ , أجرى الأمر على ما جرت به ~~عوائدهم فقال مشيرا بنون العظمة إلى غناه عن الكتاب : { وعندنا } أي على ما ~~لنا من الجلال الغني عن كل شيء { كتاب } أي جامع لكل شيء { حفيظ * } أي ~~بالغ في الحفظ لا يشذ عنه شيء من الأشياء دق أو جل , فكيف يستبعدون على ~~عظمتنا أن لا نقدر على تمييز ترابهم من تراب الأرض ولم يختلط في علمنا شيء ~~من جزء منه بشيء من جزء آخر فضلا عن أن يختلط شيء منه بشيء آخر من تراب ~~الأرض أو غيرها . | ولما كان التقدير : وهم لا ينكرون ذلك من عظمتنا لأنهم ~~معترفون بأنا خلقنا السماوات والأرض وخلقناهم من تراب وإنا نحن ننزل الماء ~~فينبت النبات , أضرب عنه بقوله : { بل الذين كذبوا بالحق } أي الأمر الثابت ~~الذي لا أثبت منه { لما } أي ms4926 حين { جاءهم } لما ثار عندهم من أجل تعجبهم من ~~إرسال رسولهم من حظوظ النفوس وغلبهم من الهوى , حسدا منهم من غير تأمل لما ~~قالوه ولا تدبر , ولا نظر فيه ولا تفكر , فلذلك قالوا ما لا يعقل من أن من ~~قدر على إيجاد شيء من العدم وإبدائه لا يقدر على إعادته بعد إعدامه وإفنائه ~~. | ولما تسبب عن انتسابهم في هذا القول الواهي وارتهانهم في عهدته ~~اضطرابهم في الرأي : هل يرجعون فينسبوا إلى الجهل والطيش والسفة والرعونة ~~أم يدومون عليه فيؤدي ذلك مع كفرهم بالذي خلقهم إلى أعظم من ذلك من القتال ~~والقتل , والنسبة إلى الطيش والجهل , قال معبرا عن هذا المعنى : { فهم } أي ~~لأجل مبادرتهم إلى هذا القول PageV07P248 السفساف { في أمر مريج * } أي ~~مضطرب جدا مختلط , من المرج وهو اختلاط النبت بالأنواع المختلفة , فهم تارة ~~يقولون : سحر , وتارة كهانة , وتارة شعر , وتارة كذب , وتارة غير ذلك , ~~والاضطراب موجب للاختلاف , وذلك أدل دليل على الإبطال كما أن الثبات ~~والخلوص موجب للاتفاق , وذلك أدل دليل على الحقية , قال الحسن : ما ترك قوم ~~الحق إلا مرج أمرهم - وكذا قال قتادة , وزاد : والتبس عليهم دينهم . | ولما ~~أخبرهم أنهم قالا عن غير تأمل أنكر عليهم ذلك موبخا لهم دالا على صحة ما ~~أنكروه وفساد إنكارهم بقوله , مسببا عن عجلتهم إلى الباطل , { أفلم ينظروا ~~} أي بعين البصر والبصيرة { إلى السماء } أي المحيط بهم وبالأرض التي هم ~~عليها . | ولما كان هذا اللفظ يطلق على كل ما علا من سقف وسحاب وغيره وإن ~~كان ظاهرا في السقف المكوكب حققه بقوله : { فوقهم } فإن غيرهم إنما هو فوق ~~ناس منهم لا فوق الكل . | ولما كان أمرها عجبا , فهو أهل لأن يسأل عن ~~كيفيته دل عليه بأداة الاستفهام فقال : { كيف بنيناها } أي أوجدناها على ما ~~لنا من المجد والعزة مبنية كالخيمة إلا أنها من غير عمد { وزينها } أي بما ~~فيها من الكواكب الصغار والكبار السيارة والثابتة { وما } أي الحال أنه ما ~~{ لها } وأكد النفي بقوله : { من فروج * } أي فتوق وطاقات وشقوق , بل ms4927 هي ~~ملساء متلاصقة الأجزاء , فإن كانت هذه الزينة من تحتها فالذي أوقع ذلك على ~~هذا الإحكام الذي يشاهدونه بما فيه من المنافع والستر الذي لا يختل على مر ~~الجديدين , فهو من القدرة بحيث لا يعجزه شيء , وإن كانت الزينة من فوقها ~~فكذلك , وإن كان بعضها من فوق وبعضها من تحت فالأمر عظيم , وهذا يدل على أن ~~المساء كرة مجوفة الوسط مقببة كالبيضة , فإن نفي الفورج فيها على هذا الوجه ~~المؤكد يدل على ذلك دلالة ظاهرة , وأفرد السماء ولم يجمع لأن بناءها على ما ~~ذكر وإن كانت واحدة يدل على كمال القدرة , فإن البناء المجوف لا يمكن بانيه ~~إكمال بنائه من غير أن يكون له فروج , وإن اختل ذلك كان موضع الوصل ظاهرا ~~للرائين ما فيه من فتور وشقوق وقصور وما يشبه ذاك , ولم يمكنه مع ذلك ~~الخروج منه , إن كان داخله فلم يقدر على حفظ خارجه , وإن كان خارجه لم ~~يتمكن من حفظ داخله , وهذا الكون محفوظ من ظاهره وباطنه , فعلم أن صانعه ~~منزه عن الاتصاف بما تحيط به العقول بكونه داخل العلم أو ظهير أو معين , ~~وجمع الفرج للدلالة على إرادة الجنس بالسماء بعد ما أفاده إفراد لفظها , ~~فيدل الجمع مع إرادة الجنس على التوزيع , مع الإفهام إل أن الباني لو احتاج ~~في هذا الخلق الواسع الأطراف المتباعد الأكناف إلى فرج واحد لاحتاج إلى ~~فروج كثيرة . | فإن PageV07P249 هذا الجرم الكبير لا يكفي فيه فرج واحد لمن ~~يحتاج إلى الحركة , فنزل كلام العليم الخبير على مثل هذه المعاني , ولا يظن ~~أنه غيرت فيه صنعة من الصنع لأجل الفاصلة فقط , فإن ذلك لا يكونه إلا من ~~محتاج , والله متعال عن ذلك , ويجوز - وهو أحسن - أن يراد بالفروج قابلية ~~الإنبات لتكون - مثل الأرض - يتخللها المياه فيمتد فيها عروق الأشجار ~~والنبات وتظهر منها , وأن يراد بها الخلل كقوله تعالى ^ ( { ما ترى في خلق ~~الرحمن من تفاوت فراجع البصر هل ترى من فطور } ) ^ [ الملك : 3 ] أ خلل ~~واختلاف وفساد , وهو لا ينفي الأبواب والمصاعد ms4928 - والله أعلم . | < < # | ق : ( 7 - 11 ) والأرض مددناها وألقينا . . . . . # > > ^ ( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ~~* تبصرة وذكرى لكل عبد منيب * ونزلنا من السمآء مآء مباركا فأنبتنا به جنات ~~وحب الحصيد * والنخل باسقات لها طلع نضيد * رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ~~ميتا كذلك الخروج ) ^ } ) | سبحانه على تمام قدرته وكما ل علمه وغير ذلك من ~~صفات الكمال بآية السماء , أتبع ذلك الدلالة على أنه لا يقال فيه داخل ~~العالم ولا خارجه لأنه متصل به ولا منفصل عنه , نبه على ذلك بالدلالة على ~~آية الأرض , وأخرها لأن السماء أدل على المجد الذي هذا سياقه , لأنها أعجب ~~صنعة وأعلى علوا وأجل مقدارا وأعظم أثرا , وأن الأرض لكثرة الملابسة لها ~~والاجتناء من ثمارها يغفل الإنسان عن دلالتها , بما له في ذلك من الصنائع ~~والمنافع , فقال : { والأرض } أي المحيط بهم { مددناها } أي جعلناها لما ~~لنا من العظمة مبسوطة لا مسنمة . | ولما كان الممدود يتكفأ , قال : { ~~وألقينا } بعظمتنا { فيها رواسي } أي جبالا ثوابت كان سببا لثباتها , ~~وخالفت عادة المراسي في أنها من فوق , والمراسي تعالجونها أنتم من تحت . | ~~ولما كان سكانها لا غنى لهم عن الرزق , قال ممتنا عليهم : { وأنبتنا } بما ~~لنا من العظمة { فيها } وعظم قدرتها بالتبعيض فقال : { من كل زوج } أي صنف ~~من النبات تزاوجه أشكاله بأرزاقكم كلها { بهيج * } أي هو في غاية الرونق ~~والإعجاب , فكان - مع كونه رزقا - متنزها . | ولما ذكر هذه الصنائع الباهرة ~~, عللها بقوله : { تبصرة } أي جعلنا هذه الأشياء كلها , أي لأجل أن تنظروها ~~بأبصاركم , ثم تتفكروا ببصائركم , فتعبرا منها إلى صانعها , فتعلموا ما له ~~من العظمة { وذكرى } أي ولتتذكروا بها تذكرا عظيما , بما لكم من القوى ~~والقدر فتعلموا بعجزكم عن كل شيء من ذلك أن صانعها لا يعجزه شيء , وأنه ~~محيط بجمي عصفات الكمال , ولو ألم بجنابه شائبة من شوائب النقص لما فاض عنه ~~هذا الصنع الغريب البديع . | PageV07P250 ولما كان من لا ينتفع بالشيء كأنه ~~عادم لذلك الشيء , قصر الأمر على المنتفع فقال : { لكل عبد } يتذكر بما ms4929 له ~~من النقص وبما دل عليه هذا الصنع من الكمال أنه عبد مربوب لصانعه . | ولما ~~كان الإنسان لما له من النقصان لا يزال كلما أعلاه عقله أسفله طبعه , فكان ~~ربما ظن أنه لا يقبل إذا رجع , رغبة في الرجوع بقوله : { منيب * } أي رجاع ~~عما حطه عنه طبعه إلى ما يعليه إليه عقله , فيرجع من شهود هذه الأفعال إلى ~~شهود هذه الصفات إلى علم الذات . | ولما كان إنزال الماء أبهر الآيات ~~وأدلها على أنه أجل من أن يقال : إنه داخل العالم أو خارجه , أو متصل به أو ~~منفصل عنه , مع أن به تكون النبات وحصول الأقوات وبه حياة كل شيء , أفرده ~~تنبيها على ذلك فقال : { ونزلنا } أي شيئا فشيئا في أوقات على سبيل التقاطر ~~وبما يناسب عظمتنا التي لا تضاهى بغيب , بما له من النقل والنبوع والنفوذ ~~فنزل دفعة واحدة فأهلك ما نزل عليه فزالت المفقرة وعادت المنفعة مضرة { من ~~السماء } أي المحل العالي الذي لا يمسك فيه الماء عن دوام التقاطر إلا ~~بقاهر { ماء مباركا } أي نافعا جدا ثابتا لا خيالا محيطا بجميع منافعكم . | ~~ولما كان الماء سببا في تكون الأشياءن وكان ذلك سببا في انعقاده حتى يصير ~~خشبا وحبا وعنبا , وغير ذلك عجبا , قال : { فأنبتنا } معبرا بنون العظمة { ~~به جنات } من الثمر والشجر والزرع وغيره مما تجمعه البساتين فتجن - أي تستر ~~- الداخل فيها . | ولما كان القصب الذي يحصد فيكون حبه قوتا للحيوان وساقه ~~للبهائم , خصه بقوله : { وحب الحصيد } أي النجم الذي من شأنه أن يحصد من ~~البر والشعير ونحوهما , وأومأ بالتقييد إلى أن هذه الحبوب أشرف من حب ~~اللآلىء الذي ينبته الله نم المطر لأنها لقيام النبتة ؟ وتلك للزينة , ولما ~~كان النخل من أعجبه ما يتكون منه مع ما له من المنافع التي لا يساويه فيها ~~شجر , والطباق للرزع بالطول والقصر والاتساق بالاقتيات للآدميين والبهائم , ~~قال : { والنخل باسقات } أي عاليات طويلا على جميع الأشجار المثمرة ذوات ~~أثمار طيبة { لها } مع يبس ساقها { طلع نضيد * } أي مصفوف متراكم بعضه فوق ms4930 ~~بعض , وهو حشو طلعه , والطلع ذلك الخارج من أعلى النخلة كأنه فعلان مطبقان ~~, والحمل النضيد بينهما , والطرف محدد , أو الطلع ما يبدو من ثمر النخل أول ~~ظهورها , وذلك القشر يسمى الكفرى لتعطيته إياه على أحكم مما يكون وأوثق , ~~والطلع يشبه ما للناقة المبسق من اللبا المتكون في ضرعها قبل النتاج , ثم ~~يصير بعد اتحاده في البياض وهو كلع إلى الافتراق حال الينوع إلى أحمر وأصفر ~~وأخضر وغير ذلك من الألوان الغريبة , والأوصاف العجيبة , وهي محيطة المنافع ~~بالتفكه على عدة أنواع والاقتيات وغير ذلك , وطلعها مخالف لعادة أكثر ~~الأشجار فإن ثمارها مفردة , كل حبة منفردة عن أختها . | PageV07P251 ولما ~~ذكر سبحانه بعض ما له في الماء من العظمة , ذكر له علة هي غاية في المنة ~~على الخلق فقال : { رزقا للعباد } أي أنبتنا به ذلك لأجل أنه بعض ما جعلناه ~~رزقهم . | ولما كان ذلك أعظم مذكر للبصراء بالبعث والجميع صفات الكمال , ~~أتبعه ما له من التذكير بالبعث بخصوصه فقال : { وأحيينا به } أي الماء ~~بعظمتنا { بلدة } وسمها بالتاء إشارة غلىأناه في غاية الضعف والحاجة إلى ~~الثبات والخلو عنه , وذكر قوله : { ميتا } للزيادة في تقرير تمكن الحاجة ~~فيها . | ولما كان هذا خاصة من البعثن قال على سبيل النيجة : { كذلك } أي ~~مثل هذا الإخراج العظيم { الخروج * } الذي هو لعظمته كأنه مختص بهذا المعنى ~~, وهو بعث الموتى من قبورهم على ما كانوا عليه في الدنيا , لا فرق بين خروج ~~النبات بعد ما تهشم في الرض وصار ترابا كما كان من بين أصفره وأبيضه وأحمره ~~وأخضره وأزرقه إلى غير ذلك , وبين إخراج ما تفتت من الموتى كما كانوا في ~~الدنيا , قال أبو حيان : ذكر تعالى في السماء ثلاثة : البناء والتزيين ونفي ~~الفروج , وفي الأرض ثلاثة : المد وإلقاء الرواسي والإنبات , قابل المد ~~بالبناء لأن المد وضع والبناء رفع , وإلقاء الرواسي بالتزيين بالكواكب ~~لارتكاز كل واحد منها - أي على سطح ما هو فيه , والإنبات المترتب على الشق ~~بانتفاء الفروج , فلا شق فيها , ونبه فيما تعلق به الإنبات على ما يقطف ms4931 كل ~~سنة ويبقى أصله , وما يزرع كل سنة أو سنتين ويقطف كل سنة , وعلى ما اختلط ~~من جنسين , فبعض الثماء فاكهة لا قوت , وأكثر الزرع قوت والثمر فاكهة وقوت ~~. | < < # | ق : ( 12 - 16 ) كذبت قبلهم قوم . . . . . # > > ^ ( كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخوان لوط ~~* وأصحاب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد * أفعيينا بالخلق الأول بل ~~هم في لبس من خلق جديد * ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن ~~أقرب إليه من حبل الوريد ) ^ } ) | ولما وصل الأمر إلى حد لا خفاء معه , ~~فصح أنهم يعلمون ذلك ولم يحملهم على التصريح بالتكذيب به إلا المبادرة إلى ~~ذلك بغلبة الهوى من غير تأمل لعاقبته , فصار من باب لزوم الغلط , وكان ~~السياق لإنكار البعث الذي جاء به منذر من القوم المنذرين , كان كأنه قيل : ~~إن إنكار هؤلاء أعجب , فهل وقع هذا لأحد قط , فقال تعالى مسليا لهذا النبي ~~الكريم لأن المصيبة إذا عمت هانت , مبينا لمجد القرآن ولمجد آياته تحقيقا ~~لإنذار وتحذيرا به لا للنصيحة : { كذبت } وسم الفعل بالتاء إشارة إلى ~~هوانهم في جنب هذا المجد ولما كان هؤلاء الأحزاب المذكورون لقوتهم وكثرتهم ~~كأنهم أهل المجد قاطبة قد استغرقوا زمانها ومكانها , أسقط الجار فقال : { ~~قبلهم } . | PageV07P252 ولما لم تكن لهم شهرة يعرفون بها قال : { قوم نوح ~~} وأشار إلى عظيم التسلية بأنهم جاءهم منذر منهم , وكانوا في القوة في ~~القيام فيما يحاولونه والكثرة بحيث لا يسع الأفهام جميع أوصافهم , فآذوا ~~رسولهم وطال أذاهم قريبا من عشرة قرون ولما اكن آخر أمرهم أنه التقى عليهم ~~الماءان : ماء السماءن وطلع إليهم ماء الأرض فأغرهم , أتبعهم من طائفتهم ~~قصتهم بأن نزل بهم الماء فأوبقهم لما بين حاليهم من الطباق دلالة على عظيم ~~القدرة والفعل بالاختيار فقال : { وأصحاب الرس } أي البئر التي تقوضت بهم ~~فخسفت مع ما حولها فذهبت بهم وبكل ما لهم كما ذكرت قصتهم في الفرقان . | ~~ولما كانت آية قوم صالح من أعظم الدلالات على القدرة على البعث , وكان ~~إهلاكهم مناسبا لإهلاك ms4932 من قبلهم , أما لأصحاب الرس فكان بارجفة التي هي على ~~مبدأ الخسف , وأما لقوم نوح فلأن الرجفة تأثرت عن الصيحة التي حملتها الريح ~~التي من شأنها حمل السحاب الحامل للماء , أتبعهم بهم , وكانوا أصحاب بئر ~~ولم يخسف بهم فقال : { وثمود * } ولما اتفق قوم هود عليه السلام والقبط ~~بالإهلاك بالريح التي أثرت بها صيحة ثمود , أولئك مع الحجارة والرمل وهؤلاء ~~بالماء الذي فرقه الله بالريح عند ضرب العصي , وكان لكل منهما من ضخامة ~~الملك وعز السلطان ما هو مشهور قدم أشدهما أبدانا وأوسعهما ملكا لأن ~~إهلاكهم كان أدل دليل على القدرة وأقرب شبها بهلاك ثمود فقال : { وعاد } ~~وعطف عليه أقرب الطائفتين شبها بالهلاك بقوم نوح وأصحاب الرس فقال : { ~~وفرعون } نص عليه لأنه ليس في مادة هذا الغرق كافره غيره , والنص عليه يفهم ~~غيره , وما تقدم في غير هذه السورة غير مرة من وصفه بأنه ملك قاهر وأنه ~~استخفهم فأطاعوه فيعلم كفرهم طاعة له , وأنه ليوافق ما قبله وما بعده . | ~~ولما كان السياق للعزة والشقاق , فلم يدع داع إلى إثبات ذي الأوتاد . | ~~ولما كان هلاك المؤتفكات جامعا في الشبهة بهلاك جميع من تقدم بالخسف وغمرة ~~الماء بعد القلب في الهواء , أتبعهم بهم معبرا عنهم بأخصر من تسميه قبائلهم ~~أو مدنهم لأنها عدة مدن , وعبر بالأخوة دون القوم أصهاره الذين جبرا بينهم ~~وبينه مع المصاهرة بالمناصرة لملوكهم ورعاياهم على من ناواهم بنفسه وعمه ~~إبراهيم عليهما السلام كما مضى بيانه في البقرة ما صار كالأخوة , ومع ذلك ~~عاملوه بما اشتق من لفظ هذا الجمع من الجناية له والأنفسهم وغيرهم . | ولما ~~كان الشجر مظنة الهواء البارد والروح , وكان أصحابه قد عذبوا بضد ذلك قال : ~~{ وأصحاب الأيكة } لمشاركتهم لهم في العذاب بالنار , وأولئك بحجارة الكبريت ~~النازلة من العلو وهؤلاء بالنار بالنازلة من ظلمة السحاب , وعبر عنهم ~~بالواحدة والمراد PageV07P253 الغيضة إشارة إلى أنها من شدة التفافها ~~كالشجرة الواحد . | ولما كان { تبع } مع كونه من قومه ملكا قاهرا , وخالفوه ~~مع ذلك , وكان لقومه نار في بلادهم يتحاكمون إليها ms4933 فتأكل الظالم , ختم بهم ~~فقال : { وقوم تبع } مع كونه مالكا , وهو يدعوهم إلى الله , فلا يظنه أن ~~التكذيب مخصوص بمن كان قويا لمن كان مستضعفا , بل هو واقع بمن شئنا من قوي ~~وضعيف , لا يخرج شيء عن مرادنا . | ولما لم يكن هنا ما يقتضي التأكيد مما ~~مر بيانه في ص قال معريا منه : { كل } أي من هذه الفرق { كذب الرسل } أي ~~كلهم بتكذيب رسولهم , فإن الكل متساوون فيما يوجب الإيمان من إظهار العجز ~~والدعاء إلى الله { فحق } فتسبب عن تكذيبهم لهم أنه ثبت عليهم ووجب { وعيد ~~} أي أي الذي كانوا يكذبون به عند إنذارهم لهم إياه , فعجلنا لهم منه في ~~الدنيا ما حكمنا به عليهم في الأزل فأهلكناهم إهلاكا عاما كإهلاك نفس واحدة ~~على أنحاء مختلفة كما هو مشهور عند من له بأمثاله عناية وأتبعناه ما هو في ~~البرزخ وأخرنا ما هو في القيامة إلى البعث , بإهلاكنا لهم على تنائي ديارهم ~~وتباعد أعصارهم وكثرة أعدادهم أن لنا الإحاطة البالغة فتسل بإخوانك ~~المرسلين وتأس بهم , ولتحذر قومك ما حل بمن كذبهم إن أصروا . | ولما ذكر ~~سبحانه التسلية بتذكيب هذه الأحزاب بعد ذكر تكذيب قريش وإقامة الأدلة ~~القاطعة على ما كذبوا به وبطلان تكذيبهم , وختم بحقوق الوعيد الذي شوهدت ~~أوائله بإهلاكهم , فثبت صدق الرسل وثبتت القدرة على كل ما يريد سبحانه بهذا ~~الخلق من الإيجاد والإعدام أنكر عليهم التكذيب ووبخهم عليه تقريرا لحقوق ~~الوعيد , فقال مسببا عن تكذيبهم بعد ما ذكر أنه خلق جميع الوجود : { ~~أفعيينا بالخلق } أي حصل لنا على ما لنا من العظمة الإعياء , وهو العجز ~~بسبب الخلق في شيء من إيجاده وإعدامه { الأول } أي من السماوات والأرض وما ~~بينهما حين ابتدأناه اختراعا من العدم , ومن خلق الإنسان وسائر الحيوان ~~مجددا , ثم في كل أوان من الأطوار المشاهدة على هذه التدريجات المعتادة بعد ~~أن خلقنا أصله على ذلك الوجه مما ليس له أصل في الحياة , وفي إعدامه بعد ~~خلقه جملة كهذه الأمم أو تدريجا كغيرهم ليظنوا بسبب العجز بالخلق الأول ms4934 ~~الذي هو أصعب في مجاري العادات من الإعادة أن نعجز عن الإعادة ثانيا , يقال ~~: عيي بالأمر - إذا لم يهتد لأمره أو لوجه مراده أو عجز عنه , ولم يطق ~~إحاكمه . | ولما كان التقدير قطعا بما دلت عليه همزة الإنكار : لم نعي بذلك ~~بل أوجدناه على غاية الإحكام للظرف والمظروف وهم يعلمون ذلك ولا ينكرونه ~~ويقرون بتمام القدرة عليه , وفي طيه الاعتراف بالبعث وهم لا يشعرون أضرب ~~عنه لقولهم الذي PageV07P254 يخل باعتقادهم إياه فقال : { بل هم في لبس } ~~أي خلط شديد وشبهة موجبة للتكلم بكلام مختلط لا يعقل له معنى بل السكوت عنه ~~أجمل , قال علي رضي الله عنه : يا جار , إنه لملبوس عليك , اعرف بالحق تعرف ~~أهله . | ولبس الشيطان عليهم تسويله لهم أن البعث خارج عن العادة فتركوا ~~لذلك القياس الصحيح والحكم بطريقة الأولى { من } أجل { خلق جديد * } أي ~~الإعادة . | ولما ذكر خلق الخافقين , أتبعه خلق ما هو جامع لجميع ما هو ~~فيها فقال : { ولقد } أي والحال أنا قد { خلقنا } بما لنا من العظمة { ~~الانسان } وهو أعجب خلقا وأجمع من جميع ما مضى ذكره بما فيه من الأنس ~~والطغيان , والذكر والنسيان , والجهل والعرفان , والطاعة والعصيان , وغير ~~ذلك من عجيب الشأن , ووكلنا به من جنودنا من يحفظه فيضبط حركاته وسكناته ~~وجميع أحواله { ونعلم } أي والحال أننا نعلم بما لنا من الإحاطة { ما توسوس ~~} أي تكلم على وجه الخفاء , { به } الآن وفيما بعد ذلك مما لم ينقدح بعد من ~~خزائن الغيب إلى سر النفس كما علمنا ما تكلم { نفسه } وهي الخواطر التي ~~تعترض له حتى أنه هو ربما عجز عن ضبطها , فنحن نعلم أن قلوبهم عالمة ~~بقدرتنا على أكمل ما نريد وبصحة القرآن وإعجازه وصدق الرسول به صلى الله ~~عليه وسلم وامتيازه , وإنما حملهم الحسد والنفاسة والكبر والرئاسة على ~~الإنكار باللسان حتى صار ذلك لهم خلقا وتمادوا يه حتى غطى على عقولهم , ~~فصاروا في لبس محيط بهم من جميع الجوانب . | ولما كان العالم بالشيء كلما ~~كان قريبا منه كان علمه به أثبت وأمكن ms4935 , قال ممثلا لعلمه ومصورا له بما ~~نعلم أنه موجبه : { ونحن } بما لنا من العظمة { أقرب إليه } قرب علم وشهود ~~من غير مسافة { من حبل الوريد * } لأن أبعاضه وأجزاءه تحجب بعضها بعضا , ~~ولا يحجب علم الله شيء , والمراد به الجنس , والوريدان عرقان كالحبلين ~~مكتنفان لصفحتي العنق في مقدمها متصلات من الرأس إلى الوتين وهو عرق القلب ~~, وهذا مثل في فرط القرب , وإضافته مثل مسجد الجامع , وقد مضى في تفسري ~~سورة المائدة عند قوله ^ ( { والله يعصمك من الناس } ) ^ [ المائدة : 67 ] ~~ما ينفع هنا , قال القشيري : وفي هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم , وروح ~~وأنس وسكون قلب لقوم . | < < # | ق : ( 17 - 19 ) إذ يتلقى المتلقيان . . . . . # > > ^ ( إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد * ما يلفظ من قول ~~إلا لديه رقيب عتيد * وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ) ^ } ) ~~| ولما كان سبحانه قد وكل بنا حفظة تحفظ أعمالنا وتضبط أقوالنا وأحوالنا , ~~فكان المعروف لنا أن سبب الاستحفاظ خوف الغفلة والنسيان , قدم سبحانه ~~الإخبار بكمال علمه فأمن ذلك المحذور , علق بأقرب أو نعلم قوله تأكيدا لما ~~علم من إحاطة علمه من PageV07P255 عدم حاجته , وتخويفا بما هو أقرب إلى ~~مألوفتنا { إذ } أي حين { يتلقى } أي بغاية الاجتهاد والمراقبة والمراعاة ~~من كل إنسان خلقناه وأبرزناه إلى هذا الوجود { المتلقيان } وما أدراك ما ~~هما ؟ ملكان عظيمان حال كونهما { عن اليمين } لكل إنسان قعيد منهما { وعن ~~الشمال } كذلك { قعيد * } أي رصد وحبس مقاعد لذلك الإنسان بأبلغ المقاعدة ~~ونحن أقرب منهما وأعلم علما , وإنما استحفظناهما لإقامة الحجة بهما على ~~مجاري عاداتكم وغير ذلك من الحكم . | ولما كانت الأفعال اللسانية والقلبية ~~والبدنية ناشئة عن كلام النفس , فكان الكلام جامعا , قال مبينا لإحاطة علمه ~~بإحاطة من أقامه لحفظ هذا الخلق الجامع في جواب من كأنه قال : ما يفعل ~~المتلقيان : { ما يلفظ } أي يرمي ويخرج المكلف من فيه , وعم في النفي بقوله ~~: { من قول } أي مما تقدم النهي عنه في الحجرات من الغيبة وما قبلها وغير ~~ذلك قل أو جل { إلا لديه ms4936 } أي الإنسان أو القول على هيئة من القدرة والعظمة ~~هي من أغرب المستغرب { رقيب } من حفظتنا شديد المراعاة له في كل من أحواله ~~{ عتيد * } أي حاضر مراقب غير غافل بوجه , روى البغوي بسنده من طريق ~~الثعلبي عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~( كاتب الحسنات على يمين الرجل , وكاتب السيئات على يسار الرجل , وكاتب ~~الحسنات أمير على كاتب السيئات , فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا , ~~وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال : دعه سبع ساعات لعله يسبح أو ~~يستغفر ) . | ولما كان مثل إرسال الخافقين ثم الموت ثم النفخ بإرسال الملك ~~في الدنيا إلى الناس لعرضهم فيصير الإنسان منهم ساعيا في التزين للملك بما ~~يعجبه في مقصود ذلك العرض في الأجل الذي ضربه لهم , فإذا جاء ذلك الوقت ~~الذي هو كالموت أخذته الرسل فباءوا به كما يفعل حال الموت بالميت ومن ~~أحضروه منهم حبسوه على باب الملك لتكامل المعروضين , فإذا كمل جمعهم وأمر ~~بقيامهم للعرض زعق لهم المنادي بالبوق الذي يسمى النفير وهو كالصور , فلهذا ~~قال تعالى مبينا لإحاطة قدرته بجميع خلقه عاطفا على ما تقديره : فاضطرب ذلك ~~الإنسان الموكل به في الوقت المأمور بالتردد فيه بما يرضي الله بالقول ~~والفعل على حسبت إرادته سبحانه سواء كان موافقا للأمر أو مخالفا إلى أن ~~أوان الرحيل معبرا بالماضي تنبيها على أن الموت مع أنه لا بد منه قريب جدا ~~: { وجاءت } أي أتت وحضرت { سكرة الموت } أي حالته عند النزع PageV07P256 ~~وشدته وغمرته , يصير الميت بها كالسكران , لا يعي وتخرج بها أحواله وأفعاله ~~وأقواله عن قانون الاعتدال , ومجيئا متلبسا { بالحق } أي الأمر الثابت الذي ~~يطابقه الواقع فلا حيلة في الاحتراس منه من بطلان الحواس وكشف الغطاء عن ~~أحوال البرزخ من فتنة السؤال وضيق المجال أو سعة الحال , وقيل للميت بلسان ~~الحال إن لم يكن بلسان القال : { ذلك } أي هذا الأمر العظيم العالي الرتبة ~~الذي يحق لكل أحد الاعتداد له بغاية الجد { ما } أي الأمر الذي ms4937 { كنت } ~~جبلة وطبعا . | ولما كانت نفرته منه وهربه من وقوعه بحفظ الصحة ودواء ~~الأداء في الغاية , كان كأنه لا ينفر غلا منه , فأشار إلى ذلك بتقديم الجار ~~فقال : { منه تحيد * } أي تميل وتنفر وتروع وتهرب . | < < # | ق : ( 20 - 26 ) ونفخ في الصور . . . . . # > > ^ ( ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد * وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد * ~~لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد * وقال قرينه ~~هذا ما لدي عتيد * ألقيا في جهنم كل كفار عنيد * مناع للخير معتد مريب * ~~الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد ) ^ } ) | ولما كان ~~التقدير : فأخذ ذلك الإنسان بالقهر من بين الأهل والإخوان , والعشائر ~~والجيران , وضم إلى عسكر الموتى وهم بالبرزخ نزول , ولانتظار بقيتهم حلول , ~~ولم يزالوا كذلك حتى تكامل القادمون عليهم الواصلون إليهم , عطف عليه قوله ~~مبينا لإحاطة من عامل الملكوت والعز والجبروت : { ونفخ } أي بأدنى إشارة ~~وأيسر أمر { في الصور } وهو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام للموت ~~العام والبعث العام عند وهو عليه الصلاة والسلام والقتم الصور من حين بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر متى يؤمر , فيا لها ~~من عظمة ما أغفلنا عنها , وأناسنا لها , وآمننا منها , والمراد بهذه نفخة ~~البعث . | ولما كان ذلك الأثر عن النفس هو سرا الوجود , وأشار إلى عظمته ~~بقوله : { ذلك } أي الوقت الكبير العظيم الأهوال والزلازل والأوجال { يوم ~~الوعيد * } أي الذي يقع فيه ما وقع الإيعاد به . | PageV07P257 ولما كان ~~التقدير : فكان من تلك النفخة صيحة هائلة ورجة شاملة , فقال الناس عامة من ~~قبورهم , وحصل ما في صدورهم , عطف عليه قوله بيانا لإحاطة العرض : { وجاءت ~~كل نفس } أي مكلفة كائنا { معها سائق } يسوقها إلى ماهي كارهة للغاية لعلمه ~~بما قدمت من النقائص { وشهيد * } يشهد عليها بما عملت , والظاهر من هذا أن ~~السائق لا تعلق له بالشهادة أصلا , لئلا تقول تلك النفس : إنه خصم , والخصم ~~لا تقبل شهادته , ويقال حينئذ للمفرط في الأعمال في أسلوب التأكيد جريا على ms4938 ~~ما كان يستحقه إنكاره في الدنيا , وتنبيها على أنه لعظمه مما يحق تأكيده : ~~{ لقد كنت } أي كونا كأنه جبلة لك { في غفلة } أي عظيمة محيطة بك ناشئة لك ~~{ من هذا } أي من تصور هذا اليوم على ما هو عليه من انقطاع الأسباب , ~~والجزاء بالثوب أو العقاب لأنه على شدة جلائه خفي على من اتبع الشهوات { ~~فكشفنا } بعظمتنا بالموت ثم بالعبث { عنك غطاءك } الذي كان يحجبك عن رؤيته ~~من الغفلة بالآمال في الجاه والأموال وسائر الحظوظ والشهوات , تحقيقا لما ~~له سبحانه من الإحاطة بالتقدير والتعجيز , وعن الواسطي : من كشف عنه غطاء ~~الغفلة أبصر الأشياء كلها في أسر القدرة وانكشف له حقائق الأشياء بأسرها , ~~وهذا عبارة عن العلم بأحوال القيامة . | ولما تسبب عن هذا الكشف الانكشاف ~~التام , عبر عنه بقوله : { فبصرك اليوم } أي بعد البعث { حديد * } أي في ~~غاية الحدة والنفوذ , فلذا تقر بما كنت تنكر . | ولما أخبر أخبر تعالى بما ~~تقوله له الملائكة أو من أراد من جنوده , وكان قد أخبر أن معبوداتهم من ~~الأصنام والشياطين وغيرها تكون عليهم يوم القيامة ضدا , أخبر بما يقول ~~القرين من السائق والشهيد والشيطان الذي تقدم حديثه في الزخرف , فقال عاطفا ~~على القول المقدر قبل ( لقد ) معبرا بصيغة المضي تأكيدا لمضمونه وتحقيقا : ~~{ وقال قرينه } أي الشيطان الذي سلط على إغوائه واستدراجه إلى ما يريد . | ~~نقله الكرماني عن ابن الطائع والعاصي في غاية العجب , لأن الطائع ينابذ ~~هواه فيكون ملكيا مجردا من حظوظه ونوازع نفوسه وما بنيت عليه من النقائص ~~والشهوات , والعاصي طوع يدي الشيطان , يصرفه في أغراضه كيف يشاء , فيطيعه ~~بغاية الشهوة مع علمه بعداوته , وأن طاعته لا تكون إلا بمخالفة أمر الله ~~الولي الودود , وكان العاصي أكثر كثرة يكون الطائع فيها بالنسبة إليه ~~كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود , وكان ذلك منابذا للعقل , أشار إلى ~~هذه المنابذة بأداة من لا يعقل وإلى جميع ما في أمره من العجب بلدي فقال : ~~{ ما لدي } أي الأمر الذي عندي من الأمر المستغرب جدا لكون المطيع عصاني , ~~وهو ms4939 PageV07P258 مطبوع على النقائص والحظوظ التي يرى أنها حياته ولذته ~~وراحته , والعاصي أعاطني وهو يعلم بعقله أني شر محض , وترك الخير المحض وهو ~~عالم بأن في ذلك هلاكه { عتيد * } أي حاضر مهيأ لما يراد منه . | ولما كانت ~~العادة جارية بأن من أحضر إليه شيء تبادر إلى أمهر بقوله أو فعل , وصل بذلك ~~ما هو نتيجته , وبدأ بالعاصي لأن المقام له , فقال ما يدل على أنه لا وزن ~~له , فلا وقفة في عذابه بحسباه ولا غيره , مؤكدا خطابا للمؤكد بالإلقاء أ ~~وخطابا للسائق والشهيد , أو السائق وحده مثنيا لضميره تثنية للأمر كأنه قال ~~: ألق ألق - تأكيدا له وتهويلا : { ألقيا } أي اطرحا دفعا من غير شفقة , ~~وقيل : بل هو تثنية وأصل ذلك أن الرفقة أدنى ما يكون ثلاثة , فجرى كلام ~~الواحد على صاحبه , ألا ترى أن الشعراء أكثر شيء قيلا : يا صاحبي يا خليلي ~~, والسر فيه إذا كان المخاطب واحدا إفهامه أنه يراد منه الفعل بجد عظيم ~~تكون قوته فيه معادلة لقوة اثنين { في جهنم } أي النار التي تلقى الملقى ~~فيها بما كان يعامل به عباد الله من الكبر والعبوسة والتكره والتعصب , ولما ~~كان المقصود تعليل إلقائه بوصف يعم غيره ليكون لطفا لمن أراد الله عصمته ~~ممن سمع هذا المقال وحجة على من أراد الله إهانته : { كل كفار عنيد * } أي ~~مبالغ في تسر الحق والمعاداة لأهله من غير حجة حمية وأنفة نظرا إلى استحسان ~~ما عنده والثبات عليه تجبرا وتكبرا على ما عند غيره ازدراء له كائنا من كان ~~{ مناع } أي كثير المنع { للخير } من { مريب * } أي داخل في الريب وهو الشك ~~والتهمة في أمر الدين , وموقع غيره فيه , ثم أبدل من ( كل ) قوله بيانا ~~لمبالغته في الكفر الذي أوجب له كل شر { الذي جعل } كفرا مضاعفا وعنادا ~~ومنعا للخير الذي يجب عليه في قلبه ولسانه وبدنه , وتجاوزا للحدود دخولا في ~~الشك وإدخالا لغيره فيه { مع الله } أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ~~, فليس أمره خفيا عن كل ذي عقل { إلها } ولما ms4940 كان ربما تعنت متعنت متعنت ~~فنزل الآية على من يدعو الله بغير هذا الاسم الأعظم , صرح بالمراد بقوله : ~~{ آخر } وزاد الكلام أنه مأخوذ من التأخر الناظر إلى الرداءة والسقوط عن ~~عين الاعتبار بالكلية . | ولما كان هذا قد جحد الحق الواجب لله لذاته مع ~~قطع النظر عن كل شيء ثم ما يجب له من جهة ربوبيته وإنعامه على كل موجود , ~~ثم من جهة إدامة إحسانه مع المعصية بالحلم , وعاند في ذلك وفي إثباته للغير ~~ما لا يصح له بوجه من الوجوه , سبب عن وصفه قوله : { فألقياه في العذاب } ~~أي الذي يزيل كل عذوبة { الشديد * } . | PageV07P259 < < # | ق : ( 27 - 33 ) قال قرينه ربنا . . . . . # > > ^ ( قال قرينه ربنا مآ أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد * قال لا ~~تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد * ما يبدل القول لدي ومآ أنا بظلام ~~للعبيد * يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد * وأزلفت الجنة ~~للمتقين غير بعيد * هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ * من خشي الرحمن بالغيب ~~وجآء بقلب منيب ) ^ } ) | ولما كان القرين قد قال ما تقدم مريدا به - جهلا ~~منه - الخلاص من العذاب بإظهار أنه ليس بأوصاف هذه النفس , بل من كبار ~~المؤمنين , فأجيب مقاله بإلقاء تلك النفس معللا للأمر بإلقائها بما شمل هذا ~~القرين , فتوشوف السامع إلى ما يكون من حاله , وكانت العادة جارية أن من ~~تكلم في شخص بما فيه مثله ولا سيما إن كان هو السبب فيه أو كان قد تكلم ذلك ~~الشخص فيه , فكان قياس ذلك يقتضي ولا بد أن تقول تلك النفس القول فيها , ~~وهذا عند الأمر بإلقائها : ربنا هو أطغاني : أجاب تعالى عند هذا التشوف ~~بقوله : { قال قرينه } مناديا بإسقاط الأداة دأب أهل أهل القرب إيهما أنه ~~منهم : { ربنا } أيها المحسن إلينا أيتها الخلائق كلهم { ما أطغيته } أي ~~أوقعته فيما كان يه من الطغيان , فإنه لا سلطان لي عليه وأنت أعلم بذلك { ~~ولكن كان } بجبلته وطبعه { في ضلال بعيد * } محيط به من جميع جوانبه لا ~~يمكن رجوعه معه , فلذلك كان يبادر ms4941 إلى كل ما يغضب الله , وإن حركته إليه أن ~~فإنه لا يحتاج إلى أدنى تحريك فيثور له ثورة من هو مجبول مركوز في طباعه . ~~| ولما كان كأنه قيل : بم يجاب عن هذا ؟ وهل يقبل منه ؟ قيل : لا { قال } ~~أي الملك المحيط علما وقدرة الذي حكم عليهم في الأزل : { لا تختصموا } أي ~~لا توقعوا الخصومة بهذا الجد والاجتهاد { لدي } أي في دار الجزاء بهذه ~~الحضرة التي هي فوق ما كنتم تدركونه من الأخبار عنها بكثير , وأعجب بما ~~يدرك حق الإدراك , فقد أتم انكشاف ما كان يستغربه الخاصة بل خاصة الخاصة , ~~ففات بانكشافها نفع إيمان جديد { وقد } أي والحال أنه قد { قدمت } أي تقدمت ~~, أي أمرت وأوصيت قبل هذا الوقت موصلا ومنهيا { إليكم } أي كل ما ينبغي ~~تقديمه حتى لم يبق لبس ولا تركت لأحد حجة بوجه , وجعلت ذلك رفقا بكم ملتبسا ~~{ بالوعيد * } أي التهديد وهو التخويف العظيم على جميع ما ارتكبتموه من ~~الكفران والعدوان في الوقت الذي كانت فيه هذه الحضرة التي هي غيب الغيب ~~ومستورة بستائر الكبرياء والعظمة وبل كان ما دونها من الغيب مستورا , فكان ~~الإيمان به نافعا . | ولما كانت الأوقات كلها عنده سبحانه حاضرة , عبر ~~سبحانه في تعليل ذلك ب ( ما ) التي للحاضر دون ( لا ) التي للمستقبل فقال : ~~{ ما يبدل } أي يغير من مغير ما كان PageV07P260 من كان بوجه من الوجوه ~~بحيث يجعل له بدل فيكون فيه خلف { القول لدي } أي الواصل إليكم من حضرتي ~~التي لا يحاط بأمر غرابتها بأن من أشرك بي لا أغفر له وأغفر ما دون ذلك لمن ~~أشاء , والعفو عن بعض المذنبين ليس تبديلا لأن دلائل العفو تدل على تخصيص ~~الوعيد , وأنه مشروط بشرائط { وما أنا } وأكد النفي فقال : { بظلام } أي ~~بذي ظلم { للعبيد * } لا القرين ولا من أطغاه ولا غيرهم , فأعذب من لا ~~يستحق أو أعفو عمن قلت : إني لا أغفر له وأمرت جندي فعادوه في , ولو عفوت ~~عنه كنت مع تبديل القول قد يؤتهم بإكرام من عادوه في ليس إلا . | ولما ms4942 كان ~~هذا التقاول مما يهول أمره ويقلع القلوب ذكره , صور وقته بصورة تزيد في ذلك ~~الهول , وينقطع دون وصفها القول , ولا يطمع في الخلاص منها بقوة ولا حول , ~~فقال ما معناه : يكون هذا كله { يوم } ولما كان المقصود الإعلام بأن النار ~~كبيرة مع ضيقها , فهي تسع من الخلائق ما لا يقع تحت حصر , وأنها مع كراهتها ~~لمن يصلاها وتجهمها لهم تحب تهافتهم فيها وجلبهم إليها عبر عنه على طريق ~~الكناية بقوله : { نقول } أي على ما لنا من العظمة التي لا يسوغ لشيء أن ~~يخفى عنها { لجهنم } دار العذاب مع الكراهة والعبوسة والتجهم إظهارا للهول ~~بتصوير الأمر المهدد به , وتقريع الكفار , وتنبيه من يسمع هذا الخبر عن هذا ~~السؤال من الغفلة : { هل امتلأت } فصدق قولنا < # > 77 ( { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } ) 77 < # > [ هود : 119 ] وذلك بعد أن يلقى فيها من الخلائق ما لا يحيط به الوصف , ~~فتقول : لا , { وتقول } طاعة لله ومحبة في عذاب أعدائه وإخبارا بأنها لم ~~تمتلىء لأن النار من شأنها أنها كلما زيدت حطبا زادت لهبا : { هل من مزيد * ~~} أي زيادة أو شيء من العصاة إزادة , سواء كان كثيرا أو قليلا , فإني أسع ~~ما يؤتى به إلي ولا تزال كذلك كما ورد في الحديث ( لا تزال جهنم يلقى فيها ~~وتقول هل من مزيد حتى يضع الجبار فيها قدمه ) أي يضربها من جبروته بسوط ~~إهانة فينزوي بعضها إلى بعض وتقول : قط قط وعزتك , ثم يستمرون بين دولتي ~~الحر والزمهرير , وقد جعل الله سبحانه لذلك آية في هذه الدار باختلاف ~~الزمان في الحر والبرد , فإذا أفرط الحر جاءت رحمته تعالى بالبرد وبالماء ~~من السماء فامتزجا معا فكان التوسط , وإذا أفرط البرد جاءت رحمته بالحر ~~بواسطة الشمس , فامتزج الموجدان , فكان له توسط , وكل ذلك له دوائر موزونة ~~بأقساط مقسطة معلومة بتقدير العيزيز العليم - ذكر ذلك ابن برجان . | ~~PageV07P261 ولما ذكر النار وقدمها لأن المقام للإنذار , أتبعها دار ~~الأبرار , فقال سارا لهم بإسقاط مؤنة السير وطي شقة البعد : { وأزلفت } أ ~~يقربت بأيسر ms4943 أمر مع الدرجات والحياض الممتلئة { الجنة للمتقين } أي ~~العريقين في هذا الوصف , فإذا رأوها تسابقوا إليها وتركوا ما كانوا فيه من ~~الموقف من منابر النور وكثبان المسك ونحو هذا , وأما غيرهم من أهل الإيمان ~~فقد يكون لهم على غير هذا الوصف , فيساق إليها الذين اتقوا كما مضى في ~~الزمر . | ولما كان القرب أمرا نسبيا أكده بقوله : { غير بعيد * } أي ~~إزلافا لا يصح وصفه ببعد . | ولما كان التقريب قد لا يدري الناظر ما سببه , ~~قال سارا لهم : { هذا } أي الإزلاف والذي ترونه من كل ما يسركم { ما } أي ~~الأمر الذي { توعدون } أي وقع الوعد لكم به في الدنيا , وعبر بالمضارع ~~حكاية للحال الماضية , وعبر عن الإزلاف بالماضي تحقيقا لأمره وتصيرا لجضوره ~~الآن ليكون المضارع من الوعد في أحكم مواضعه , وأبهم الأمر لأنه أكثر ~~تشويقا , والتعيين بعد الإبهام ألذ , فلذلك قال بيانا للمتقين , معيدا ~~للجار لما وقع بينه وبين المبدل منه من الجملة الاعتراضية جوابا لمن كأنه ~~قال : لمن هذا الوعد ؟ فقال تعالى : { لكل أواب } أي رجاع إلى الاستقامة ~~بتقوى القلب إن حصل في ظاهره عوج , فنبه بذلك على أنه من فضله لم يشترط في ~~صحة وصفه بالتقوى دوام الاستقامة { حفيظ } أي مبالغ في حفظ الحدود وسار ~~العهود بدوام الاستقامة والرجوع بعد الزلة , ثم أبدل من ( كل ) تتميما ~~لبيان المتقين قوله : { من خشي } ولم يعد الجار لأنه لا اعتراض قبله كالأول ~~, ونبه على كثرة خشيته بقوله : { الرحمن } لأنه إذا خاف مع استحضار الرحمة ~~العامة للمطيع والعاصي كان خوفه مع استحضار غيرها أولى , وقال القشيري : ~~التعبير بذلك للإشارة إلى أنها خشية تكون مقرونة بالأنس يعني الرجاء كما هو ~~المشروع , قال : ولذلك لم يقل { الجبار } أو { القهار } قال : ويقال : ~~الخشية ألطف من الخوف , فكأنها قريبة من الهيبة { بالغيب } أي مصاحبا له من ~~غير أن يطلب آية أو أمرا يصير به غلى حد المكاشفة , بل استغنى بالبراهين ~~القاطعة التي منها أنه مربوب , فلا بد له من رب , وهو أيضا بيان لبليغ ~~خشيته . | ولما كان النافع ms4944 من الطاعة الدائم إلى الموت , قال : { وجاء } أي ~~بعد الموت { بقلب منيب * } أي راجع إلى الله تعالى بوازع العلم , ولم يقل : ~~بنفس , لطفا بالعصاة لأنهم وإن قصرت نفوسهم لم يكن لها صدق القدم فلهم ~~الأسف بقلوبهم , وصدق الندم . | PageV07P262 < < # | ق : ( 34 - 37 ) ادخلوها بسلام ذلك . . . . . # > > ^ ( ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود * لهم ما يشآءون فيها ولدينا مزيد ~~* وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص * ~~إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) ^ } ) | ولما كان ~~الإخبار بكونها لهم وإن كان أمرا سارا لا يتضي دخولها في ذلك الوقت , زاد ~~سرورهم بالإذن بقوله معبرا بضمير الجميع بضمير الجميع بيانا لأن المراد من ~~( من ) جميع المتقين : { ادخلوها } أي يقال لهم : ادخلوا الجنة . | ولما ~~كان المراد استقبالهم بالإذاذ بالبشارة قال : { بسلام } أي بصاحبين للسلامة ~~من كل يمكن أن يخاف , فأنتج ذلك قوله إنهاء للسرور إلى غاية لا توصف : { ~~ذلك } أي اليوم العظيم جدا { يوم } ابتداء أو تقرير { الخلود * } أي ~~الإقامة التي لا آخر لها ولا نفاذ لشيء من لذاتها أصلا , ولذلك وصل به قوله ~~جوابا لمن كأنه قال : على أي وجه خلودهم ؟ : { لهم } بظواهرهم وبواطنهم { ~~ما يشؤون } أي يتجدد مشيئتهم أو تمكن مشيئتهم له { فيها } أي الجنة { ~~ولدينا } أي عندنا من الأمور التي في غاية الغرابة عندهم وإن كان كل ما ~~عندهم مستغربا { مزيد * } أي مما لا يدخل تحت أوهامهم يشاؤه , فإن سياق ~~الامتنان يدل على أن تنوينه للتعظيم , والتعبير بلدى يؤكد ذلك تأكيدا ~~يناسبها بأن يكونوا كل لحظة في زيادة على أمانيهم عكس ما كانوا في الدنيا , ~~وبذلك تزداد علومهم , فمقدورات الله لا تنحصر , لأن معلوماته لا تنتهي . ~~ولما ذكر سبحانه أول السورة تكذيبهم بالقدرة على اعترافهم بما يكذبهم في ~~ذلك التكذيب , ثم سلى وهدد بتكذيب الأمم السابقة , وذكر قدرته عليهم , ~~وأتبعه الدلالة على كمال قدرته إلى أن ختم بالإشارة إلى أن قدرته لا نهاية ~~لها , ولا تحصر بحد ولا تحصى بعد ms4945 , ردا على أهل العناد وبدعة الاتحاد في ~~قولهم ( ليس في الإمكان أبدع مما كان ) عطف على ما قدرته بعد { فحق وعيد } ~~من إهلاك تلك الأمم مما هو أعم منه بشموله جميع الزمان الماضي وأدل على ~~شمول القدرة , فقال : { وكم أهلكنا } أي بما لنا من العظمة . | ولما كان ~~المراد تعميم الإهلاك في جميع الأزمان لجميع الأمم , نزع الجار بيانا ~~لإحاطة القدرة فقال : { قبلهم } وزاد في دلالة التعميم فأثبته في قوله : { ~~من قرن } أي جيل هم في غاية القوة , وزاد في بيان القوة فقال : { بطشا } أي ~~قوة وأخذا لما يريدونه بالعنف والسطوة والشدة , وحذف الجار هنا يدل على أن ~~كل من كان قبل قريش كانوا أقوى منهم , وإثباته في ص يدل على أن المذكورين ~~بالإهلاك هناك مع الاتصاف بالنداء المذكور بعض المهلكين لا كلهم . | ولما ~~أخبر سبحانه بأشديتهم سبب عنه قوله : PageV07P263 { فنقبوا } أي أوقعوا ~~النقب { في البلاد } بأن فتحو فيها الأبواب الحسية والمعنوية وخرقوا في ~~أرجائها ما لم يقدر غيرهم عليه وبالغوا في السير في النقاب , وهي طرق ~~الجبال والطرق الضيقة فضلا عن الواسعة وما في السهول , بعقولهم الواسعة ~~وآرائهم النافذة وطبائعهم القوية , وبحثوا مع ذلك عن الأخبار , وأخبروا ~~غيرهم بما لم يصل إليهم , وكان كل منهم نقبا في ذلك أي علامت فيه فصارت له ~~به مناقب أو مفاخر . | ولما كان التقدير : ولم يسلموا مع كثربة تنقيبهم ~~وشدته من إهلاكنا بغوائل الزمان ونوازل الحدثان , توجه سؤال كل سامع على ما ~~في ذلك من العجائب والشدة والهول والمخاوف سؤال تنبيه للذاهل الغافل , ~~وتقريع وتبيكت للمعاند الجاهل , بقوله : { هل من محيص * } أي معدل ومحيد ~~ومهرب وإن دق , من قضائنا ليكون لهؤلاء وجه ما في رد أمرنا . | ولما ذكرنا ~~هنا من المواعظ ما أرقص الجماد , فكيف بمن يدعي أنه من رؤوس النقاد , أنتج ~~قوله مؤكدا لأجل إنكار الجاحد وعناد المعاند : { إن في ذلك } أي الأمر ~~البديع من العظات التي صرفناها هنا على ما ترون من الأساليب العجيبة والطرق ~~الغريبة في الإهلاك وغيره { لذكرى } أي تذكيرا ms4946 عظيما جدا . | ولما كان ~~المتذكر بمصارع المهلكين تارة بأن يكون حاضرا فيرى مصارعهم حال الإيقاع بهم ~~أو يرى آثارهم بعد ذلك , وتارة يخبر عنها , قال بدائا بالرائي لأنه أجدر ~~بالتذكير : { لمن كان } أي كونا عظيما { له قلب } هو في غاية العظمة ~~والنورانية إن رأى شيئا من ذلك فهو بحيث يفهم ما يراه ويعتز به , ومن لم ~~يكن كذلك فلا قلب له لأن قلبه لما كان غير نافع كان عدما . | ولما كان قد ~~بدأ بالناظر لأنه أولى بالاعتبار وأقرب إلى الادكار , ثنى بمن نقلت إليه ~~الأخبار فقال : { أو ألقى } أي إلقاء عظيما بغاية إصغائه حتى كأنه يرمي ~~بشيء ثقيل من علو إلى سفل { السمع } أي الكامل الذي قد جرده عن الشواغل من ~~الحظوظ وغيرها إذا سمع ما غاب عنه { وهو } أي والحال أنه في حال إلقائه { ~~شهيد * } أي حاضر بكليته , فهو في غاية ما يكون من تصويب الفكر وجمع الخاطر ~~, فلا يغيب عنه شيء مما تلي عليه وألقي إليه , فيتذكر بما ذكرناه به عن ~~قدرتنا من الجزئيات ما أنتجه من القدرة على كل شيء , ورأى مجد القرآن فعلم ~~أنه كلام الله فسمعه منه فصدق الرسول , وقبل كل ما يخبر به , ومن سمع شيئا ~~ولم يحضر له ذهنه فهو غائب , فالأول العالم بالقوة وهو المجبول على ~~الاستعداد الكامل فهو بحيث لا يحتاج إلى غير التدبر لما عنده من الكمال ~~المهيأ بفهم ما يذكر به القرآن , والثاني القاصر بما عنده من كثافة الطبع ~~فهو بحيث يحتاج إلى التعليم فيتذكر بشرط أن يقبل بكليته , ويزيل الموانع ~~كلها , PageV07P264 فلذلك حسن جدا موقع ( أو ) المقسمة وعلم منه عظيم شرف ~~القرآن في أنه مبشر للكامل والناقص , ليس منه مانع غير الإعراض . | < < # | ق : ( 38 - 43 ) ولقد خلقنا السماوات . . . . . # > > ^ ( ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من ~~لغوب * فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب * ~~ومن الليل فسبحه وأدبار السجود * واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب * ~~يوم يسمعون الصيحة ms4947 بالحق ذلك يوم الخروج * إنا نحن نحيي ونميت وإلينا ~~المصير ) ^ } ) | ولما دل على تمام علمه وشمول قدرته بخلق الإنسان إثره ما ~~ذكره من جميع الأكوان , ثم بإعدامه لأصناف الإنسان في كل زمان , ذكر بخلق ~~ما أكبر منه في المقدار والإنسان بعضه على وجه آخر , فقال عاطفا على { ولقد ~~خلقنا الانسان } وأكد تنبيها لمنكري البعث وتبكيتا , وافتتحه بحرف التوقع ~~لأن من ذكر بخلق شيء توقع الإخبار عما هو أكبر منه : { ولقد خلقنا } أي بما ~~لنا من العظمة التي لا يقدر قدرتها ولا يطاق حصرها { السموات والأرض } على ~~ما هما عليه من الكب روكثرة المنافع { وما بينهما } من الأمور التي لا ~~ينتظم الأمر على قاعدة الأسباب والمسببات بدونها { في ستة أيام } الأرض في ~~يومين , منافعها في يومين , والسماوات في يومين , ولو شاء لكان ذلك في أقل ~~من لمح البصر , ولكمنه سن لنا التأني بذلك { وما مسنا } لأجل ما لنا من ~~العظمة { من لغوب * } أي إيعاء فإنه لو كان لاقتضى ضعفا فاقتضى فسادا , ~~فكان من ذلك شيء على غير ما أردناه , فكان تصرفنا فيه غير تصرفنا ي الباقي ~~, وأنتم تشاهدون الأمر في الكل على حد سواء من نفوذ الأمر وتمام التصرف , ~~من اللغب وهو الإعياء , والريش اللغاب وهو الفاسد . | ولما دل سبحانه على ~~شمول العلم وإحاطة القدرة , وكشف فيهما الأمر أتم كشف , كان علم الحبيب ~~القادر بما يفعل العدو أعظم نذارة للعدو وبشارة للولي , سبب عن ذلك قوله : ~~{ فاصبر على ما } أي جميع الذي { يقولون } أي الكفرة وغيرهم . | ولما كانت ~~أقوالهم لا تليق بالجناب الأقدس , أمر سبحانه بما يفيد أن ذلك بإرادته وأنه ~~موجب لتنزيهه , وكماله , لأنه قهر قائله على قوله , ولو كان الأمر بإرادة ~~ذلك القائل استقلالا لكان ذلك في غاية البعد عنه , لأنه موجب للهلاك , فقال ~~: { وسبح } أي أوقع التنزيه عن كل شائبة نقص متلبسا { بحمد ربك } أي بإثبات ~~الإحاطة بجميع صفات الكمال للسيد المدبر المحسن إليك بجميع هذه البراهين ~~التي خصك بها تفضيلا لك على جميع الخلق في جميع ما ms4948 { قبل طلوع الشمس } ~~بصلاة الصبح , وما يليق به من PageV07P265 التسبيح غيرها { وقبل الغروب } ~~بصلاة العصر والظهر كذلك فالعصر أصل لذلك الوقت والظهر تبع لها . | ولما ~~ذكر ما هو أدل على الحب في المعبود لأنه وقت الانتشار إلى الأمور الضرورية ~~التي بها القوام والرجوع لقصد الراحة الجسدية بالأكل والشرب واللعب ~~والاجتماع بعد الانتشار والانضمام مع ما ي الوقتين من الدلالة الظاهرة على ~~طي الخلق ثم نشرهم , أتبه ما يكون وقت السكون المراد به الراحة بلذيذ ~~الاضطجاع والمنام فقال : { ومن الليل } أي في بعض أقواته { فسبحه } بصلاتي ~~المغرب والعشاء وقيام الليل لأن الليل وقت الخلوات وهي ألذ المناجاة . | ~~ولما ذكر الفرائض التي لا مندوحة عنها على وجه يشمل النوافل من الصلاة ~~وغيرها , أتبعها النوافل المقيدة بها فقال : { وأدبار السجود * } أي الذي ~~هو أكل بابه وهو صلاة الفرض بما يصلى بعدها من الرواتب والتسبيح بالقول ~~أيضا , قال الرازي : واعمل أن ثواب الكلمات بقدرة صدورها عن جنان المعرفة ~~والحكمة وأن تكون عين قلبه تدور دوران لسانه ويلاحظ حقائقها ومعانيها , ~~فالتسبيح تنزيه من كل ما يتصور في الوهم أو يرتسم في الخيال أو ينطبع في ~~الحواس أو يدور في الهواجس , والحمد يكشف عن المنة وصنع الصنائع وأنه ~~المتفرد بالنعم . | انتهى . | ومعناه أن هذا الحمد هو الحقيقة , فإذا ~~انطبقت في الجنان قامت باللسان , وتصورت بالأركان , وحمل على الصلاة لأنها ~~أفضل العبادات , وهي جامعة بما فيها من الأقوال والأفعال لوجهي الذكر : ~~التنزيره والتحميد , وهاتان الصلاتان المصدر بهما أفضل الصلوات فهما أعظم ~~ما وقع التسبيح بالحمد , والمعنى . | والله أعلم . | أن الاشتغال استمطار ~~من المحمود المسبح للنصر على المكذبين , وأن الصلاة أعظم ترياق للنصر ~~وإزالة الهم , ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى ~~الصلاة . | ولما سلاه سبحانه عما يسمع منهم من التكذيب وغيره من الأذى ~~بالإقبال على علي حضرته والانتظار لنصرته , أتبعه تعزية الإشارة فيها أظهر ~~بما صوره يوم مصيبتهم وقربه حتى أنه يسمع في وقت نزول هذه الآية ما يه لهم ~~من المثلات ms4949 وقوارع المصيبات , تحذيرا لهم وبشرى لأوليائه بتمام تأييده ~~عليهم ونصره لهم في الدنيا والآخرة فقال : { واستمع } أي اسمع بتعمدك للسمع ~~بغاية جهدك بإصغاء سمعك وإقبال قلبك بعد تسبيحك بالحممد ما يقال لهم { يوم ~~يناد المناد } لهم في الدنيا يوم بدر أول الأيام التي أظهر الله فيها ~~لأوليائه مجده بالانتقام من أعدائه , وفي الآخرة يوم القيامة في صورة ~~النفخة الثانية وما بعده . | ولما كان المراد إظهار العظمة بتصوير تمام ~~القدرة , وكان ذلك يتحقق PageV07P266 بإسماع البعيد من محل المنادي كما ~~يسمع القريب سواء , وكان القرب ملزوما للسماع , قال مصورا لذلك : { من مكان ~~} هو صخرة بيت المقدس { قريب } أي يسمع الصوت من بعد كما يسمعه من قرب , ~~يكونون في البقاع سواء لا تفاوت بينهم أصلا . | ولما عظم هذا المقام بما ~~كساه من ثوب الإجمال أبدل منه إيضاحا وزيادة في التعظيم قوله : { يوم ~~يسمعون } أي الذين ينادون { الصيحة } أي صيحة أصمتهم المستنفر لهم إلى بدر ~~في الدنيا , فكانت صيحة قاضية بصممهم عن جميع تصرفاتهم , وصيحة النفخة ~~الثانية في الصورة في الآخرة فهما نفختا حشر إلى القضاء بين المحق والمبطل ~~{ بالحق } أي لأمر الثابت الذي كانوا يسمونه سحرا , ويعدونه خيالا , ~~فيعلمون حينئذ أن الواقع قد يطابقه , فكان حقا فإنه قد طابقه الواقع , فكان ~~الإخبار به صدقا . | ولما عظمه سبحانه باجمال بعد إجمال , إشارة إلى أن ما ~~فيه من شديد الأهوال , يطول شرحه بالمقال , زاده تعظيما بما أنتجه الكلام ~~فقال : { يوم الخروج } أي الذي لا خروج أعظم منه وهو خروجهم من بيوتهم في ~~الدنيا إلى مصارعهم ببدر , ومن قبورهم من الأرض التي خلقوا منها إلى ~~مقامعهم في النار . | ولما ينيت دعائم القدرة ودقت بشائر النصرة وختم بما ~~يصدق على البعث الذي هو الإحياء الأعظم دالا بما هو مشاهد من أفعاله , ~~وأكده لإنكارهم البعث , فقال : { إنا } أي بما لنا من العظمة { نحيي ونميت ~~} تجدد ذلك شيئا بعد شيء سنة مستقرة وعادة مستمرة كما تشاهدونه , فقد كان ~~منا بالإحياء الأول البدء { وإلينا } خاصا بالإماتة ثم الإحياء { المصير * ~~} أي ms4950 الصيرورة ومكانها وزمانها بأن نحيي جميع من أمتناه يوم البعث ونحشرهم ~~إلى محل الفصل , فنحكم بينهم وليس المعاد بأصعب من المبدأ , فمن أقر به ~~وأنكر البعث كان معاندا أو مجنونا قطعا . | < < # | ق : ( 44 - 45 ) يوم تشقق الأرض . . . . . # > > ^ ( يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير * نحن أعلم بما ~~يقولون ومآ أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) ^ } ) | ولما تحقق ~~بذلك أمر البعث غاية التحقق , صور خروجهم يه فقال معلقا بما ختم به ~~الابتداء مما قبله زيادة في تفخيمه وتعظيمه وتبجيله : { يوم تشقق الأرض } ~~وعبر بفعل المطاوعة لاقتضاء الحال له , وحذف تاء المطاوعة إشارة إلى سهولة ~~الفعل وسرعته { عنهم } أي مجاوزة لهم بعد أن كانوا في بطنها فيخرجون منها ~~أحياء كما كانوا على ظهرها أحياء , حال كونهم { سراعا } إلى إجابة مناديها ~~, وأشا إلى عظمه بقوله : PageV07P267 { ذلك } أي الإخراج العظيم جدا { حشر ~~} أي جمع بكره , وزاد في بيان عظمة هذا الأمر بدلالته على اختصاصه باتقديم ~~الجار فقال : { علينا } أي خاصة { يسير * } فكيف يتوقف عاقل فيه فضلا عن أن ~~ينكره , وأما غيرنا فلا يمكنه ذلك بوجه . | انتهى . | ولما أقام سبحانه ~~الأدلة على تمام قدرته وشمول علمه وختم بسهولته عليه واختصاصه به , وصل ~~تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بتهديدهم على تكذيبهم بالعلم الذي هو أعظم ~~التهديد فقال : { نحن } أي لا غيرنا ولا هم أنفسهم { أعلم } أي من كل من ~~يتوهم فيه العلم { بما يقولون } أي في الحال والاستقبال من التكذيب بالعبث ~~وغيره مع إقرارهم بقدرتنا . | ولما كان التقدير : فنحن قادرة , على ردهم ~~عنه بما لنا من العلم المحيط وأنت لهم منذير تنذرهم وبال ذلك , عطف عليه ~~قوله : { وما أنت عليهم } ولما أفاد حرف الاستعلاء القهر والغلبة صرح به ~~مؤكدا في النفي فقال : { بجبار } أي متكبر قهار عات تردهم قهرا عما تكره ~~منهم من الأقوال والأفعال , إنما أنت منذر , ولما نفى عنه الجبروت , أثبت ~~لهم ما أفهمه واو العطف من النذارة كما قدرته قبله , فقال مسببا عنه معبرا ~~بالتذكير الذي يكون عن ms4951 نسيان لأن كل ما في القرآن من وعظ إذا تأمله الإنسان ~~وجده شاهدا في نفسه أو فيما يعرفه من الآفاق { فذكر } أي بطريق البشارة ~~والنذارة { بالقرآن } أي الجامع بمجده لكل خير المحيط كل صلاح { من يخاف ~~وعيد * } أي يمكن خوفه , وهو كل عاقل , ولكنه ساقه هكذا إعلاما بأن الذي ~~يخاف بالفعل فيكشف الحال عن إسلامه هو المقصود بالذات , وغيره إنما يقصد ~~لإقامة الحجة عليه لا لدده ولا يؤسف عليه ولا يتأثر بتكذيبه بل يعتقد أنه ~~عدم لا تضر عداوته ولا تنفع ولايته , وما آذى إلا نفسه وكل من والاه في ~~الدنيا والآخرة , وهذا هو المجد للقرآن ولمن أنزله ولمن أتى به عنه بتمام ~~قدرة من هو صفته وشمول علمه , فقد انعطف هذا الآخر على ذلك الأول أشد ~~انعطاف , والتفت فروعه بأصله أتم التفاف , فاعترفت به أولو براعة وأهل ~~الإنصاف والاتصاف بالتقدم في كل صناعة بالسبق الذي لا يمكن لحاقه أي اعتراف ~~. | والله الهادي للصواب . | . . | PageV07P268 < # > 70 ( سورة الذاريات ) 70 < # > مقصودها الدلالة على صدق ما أنذرت به سورة ق تصريحا وبشرت به تلويحا ~~ولا سيما آخرها من مصاب الدنيا وعذاب الآخرة ، واسمها الذاريات ظاهر في ذلك ~~بملاحظة جواب القسم فإنه مع القسم لشدة الارتباط كالآية الواحدة وإن كان ~~خمسا ، والتعبير عن الرياح بالذاريات أتم إشارة إلى ذلك ، فإن تكذيبهم ~~بالوعيد لكونهم لا يشعرون بشيء من أسبابه وإن كانت موجودة معهم كما أن ما ~~يأتي من السحاب من الرحمة والنقمة أسبابه وإن كانت موجودة ، وهي الرياح وإن ~~كانوا لا يرونها ، واريح من شأنها الذرء وهو التفريق ، فإذا أراد الله جمعت ~~فكان ماأراد ، فإنها تفرق الأبخرة ، فإذا أراد الله سبحانه جمعها فحملها ما ~~أوجد فيها فأوقرها به فأجراها إجراء سهلا ، فقسم منها ما أراد تارة برقا ~~وأخرى رعدا ، يصل صليل الحديد على الحديد ، أو الحجر على مثله مع لطافة ~~السحاب ، كل ما يشاهد فيه من الأسباب ، وآونة مطرا شديد الانصباب ومرة بردا ~~ومرة ثلجا يرجى ويهاب نن وحينا صواعق ونيرانا لها أي التهاب ، ووقتا ms4952 جواهر ~~ومرجانا بديعة الإعجاب ، فتكون مرة سرورا ورضوانا ، وأخرى غموما وأحزانا ، ~~وغبنا وخسرانا ، على أنهم أخيل الناس في يعض ذلك ، يعرفون السحاب الذي يخيل ~~المطر والذي لا يخليه والذي مطرهع دان ، والذي لم يئن له أن يمطر . إلى غير ~~ذلك من أشياء ذكرها أهل الأدب وحملها أهل اللغة عنهم ، وكل ذلك بتصريف ~~الملائكة عن أمر الله ، ولذلك . والله أعلم . سن أن يقال عنمد سماع الرعد : ~~سبحان الله سبوح قدوس ، بيانا لأن المصرف الحق هو الله تعالى { رب الملائكة ~~} أي الذي أقيموا لهذا { الروح } الذي يحمله هذا الجسم من مطر أو نار أو ~~غيرهما والله الموفق { بسم الله } المحيط بصفات الكمال فهو لا PageV07P269 ~~يخلف الميعاد { الرحمن } الذي عم الخلائق بنعمة الإيجاد { الرحيم } الذي خص ~~من اختاره بالتوفيق لما يرضاه من المراد . < < # | الذاريات : ( 1 - 8 ) والذاريات ذروا # > > ^ ( والذاريات ذروا * فالحاملات وقرا * فالجاريات يسرا * فالمقسمات ~~أمرا * إنما توعدون لصادق * وإن الدين لواقع * والسمآء ذات الحبك * إنكم ~~لفي قول مختلف ) ^ } ) | لما ختم سبحانه ق بالتذكير بالوعيد , افتتح هذه ~~بالقسم البالغ على صدقه , فقال مناسبا بين القسم والمقسم عليه : { ~~والذاريات } أي الرياح التي من شأنها الإطارة والرمي والتفريق والإذهاب , ~~وأكد ذلك بقوله : { ذروا * } أي بما تصرفها فيه الملائكة , قال الأصبهاني : ~~الرياح تحت أجنحة الكروبيين حملة العرش , فتهيج من ثم فتقع بعجلة الشمس ثم ~~تهيج عن عجلة الشمس فتقع برؤوس الجبال , ثم من رؤوس الجبال تقع في البر , ~~فأما الشمال فإنها تمر تحت عدن فتأخذ من عرف طيبها فتمر على أرواح الصديقين ~~, ثم تأخذ حدها من كرسي بنات نعش إلى مغرب الشمس , وتأتي الدبور حدها من ~~مغرب الشمس إلى مطلع سهيل , وتأتي الجنوب حدها من مطلع سهيل إلى مطلع الشمس ~~, وتأتي الصبا حدها من مطلع الشمس إلى كرسي بنات نعش , فلا تدخل هذه في حد ~~هذه ولا هذه في حد هذه . | ولما كانت غاية الذرو التهيئة للحمل , قال مسببا ~~ومعقبا : { فالحاملات } أي من السحب التي فرقت الريح أصلها وهو الأبخرة , ~~وأطارته في الجو في جهة العلو ms4953 ثم جمعته , فانعقد سحابا فبسطه مع الالتئام ~~فحمله الله ما أوجد فيه من مراده من الماء والصواعق وغيرها { وقرا * } أي ~~حملا ثقيلا , وقد كان قبل ذلك لا يرى شيء منه ولا من محموله , فتحققوا قدرة ~~الله على كل ما يريد وإن لم تروا أسبابه , ولا يغرنكم بالله الغرور . | ~~ولما كان الحمل إنما هو الوضع في الأماكن التي يراد ضرها أو نفعها , وكان ~~سير الغمام بعد الحمل في ساحة الجو وباحة الأفق من غير ممسك يرى أدل على ~~القدرة , ولا سيما غذا كان مع الجري الذي يضرب به لسرعته المثل , وكذا جري ~~السفن في باحة البحر بعد ثقلها بالوسق قال : { فالجاريات يسرا * } أي جريا ~~ذا سهولة . | ولما كان في غاية الدلالة على تمام القدرة بغريق محمولها في ~~الأراضي المجتاحة ولا سيما إن تباعدت أماكن صبه ومواطن سكبه , وكان ذلك ~~التفريق هو غاية الجري المترتب على الحمل المترتب على الذرو , قال مسببا ~~معقبا مشيرا بالتفعيل , إلى غرابة فصلها لقطراتها وبداعة تفريقها لرحمتها ~~من عذابها , وغير ذلك من أحوال الجاريات PageV07P270 وتصريف الساريات : { ~~فالمقسمات } أي من السحب بما تصرفها فيه الملائكة عليهم السلام , وكذا ~~السفن بما يصرفها الله به من الرياح اللينة أو العاصبة من سلامة وعطب وسرعة ~~وإبطاء , وكذا غيرهما من كل أمر تصرفه الملائكة بين العباد وتقسمه . | ولما ~~كان المحمول مختلفا كما تقدم , قال جامعا لذلك : { أمرا * } أي من الرحمة ~~أو العذاب , قال الرازي في اللوامع : وهذه أقسام يقسم الله بها ولا يقسم ~~بها الخلق لأن قسم الخلق استشهاد على صحة قولهم بمن يعلم السر كالعلانية ~~وهو الله تعالى , وقسم الخالق إرادة تأكيد الخبر في نفوسهم فيقسم ببعض ~~بدائع خلقه على وده يوجب الاعتبار ويدل على توحيده , فالرياح بهبوبها ~~وسكونها لتأليف السحاب وتذرية الطعام واختلاف الهواء وعصوفها مرة ولينها ~~أخرى والسحاب بنحو وقوفها مثقلات بالماء من غير عماد وصرفها في وقت الغنى ~~عنها بما لو دامت لأهلكت , ولو انقطعت بتسخير البحر لجريانها وتقدير الريح ~~لها بما لو زاد لغرق , ولو ركد لأهلك ms4954 , والملائكة تقسم الأمور بأمر ربها , ~~كل ذلك دليل على وجود الصانع الحكيم , والفاطر العليم , القادر الماجد ~~الكريم . | ولما كانوا يكذبون بالوعيد , أكد الجواب بعد التأكيد بنفس القسم ~~فقال : { إنما } أي الذي { توعدون } أي من الوعد للطائع والوعيد للعاصي , ~~وإن لم تروا أسبابه , ولما كان ما توعدا به لتحقق وقوعه وقربه كأنه موجود ~~يخاطبهم عن نفسه , عبر عن المصدر باسم الفاعل فقال : { لصادق * } أي مطابق ~~الإخبار به للواقع , وسترون مطابقته له إذا وقع , وتعلمون أن ذلك الواقع حق ~~ثابت لا خيال لمطابقته للخبر , قال ابن برجان : واعلم أن الله عز وجل ما ~~أقسم بقسم إلا مطابقا معناه لمعان في المقسم من أجله بسراج منير يهدي به ~~الله تعالى من يشاء , وإنما يعمي عن رؤية ذلك ظواهر إشخاص للمحسوسات , ويصم ~~عن إسماع ندائها ضوضاء المشاهدات , ولولا ذلك لنودوا بها من مكان قريب , ~~وقال البيضاوي : كأنه استدل باقتداره على هذه الأشياء العجيبة المخالفة ~~لمقتضى الطبيعة على اقتداره على البعث . | ولما كان أجل وعيدهم وما يتعلق ~~بالجزاء يوم القيامة وكانوا ينكرونه , قال : { وإن الدين } أي المجازاة لكل ~~أحد بما كسب يوم البعث , والشرع الذي أرسلت به هذا النبي الكريم { لواقع * ~~} لا بد منه وإن أنكرتم ذلك , فيظهر دنيه على الدين كله كما وعد بذلكن ثم ~~نقيم الناس كلهم للحساب . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه : ~~لما ذكر سبحانه المواعيد الأخروية في PageV07P271 سورة ق وعظيم تلك الأحوال ~~من لدن قوله { وجاءت سكرة الموت بالحق } إلى آخر السورة , أتبع سبحانه ذلك ~~بالقسم على وقوعه وصدقه فقال : { والذاريات ذروا } إلى قوله : { إنما ~~توعدون لصادق وإن الدين لواقع } والدين الجزاء , أي أنهم سيجازون على ما ~~كان منهم ويوفون قسط أعمالهم { فلا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } { ~~إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } . | ولما أقسم الله على صدق وعده ووقوع ~~الجزاء , عقب ذلك بتكذيبهم بالجزاء وازدرائهم فقال { يسألون أيان يوم الدين ~~} ثم ذكر تعالى حال الفريقين وانتهاء الطريقين إلى قوله : { وفي الأرض آيات ~~للموقنين } فوبخ تعالى من ms4955 لم يعمل فكره ولا بسط نظره فيما أودع سبحانه في ~~العالم من العجائب , وأعقب بذكر إشارات إلى أحوال الأمم وما أعقبهم تكذيبهم ~~, وكل هذا تنبيه لبسط النظر إلى قوله : { ومن كل شيء خلقنا } بقوله : { ~~كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } أي إن هذا ~~دأبهم وعادتهم حتى كأنهم تعاهدا عليه وألقاء بعضهم إلى بعض فقال تعالى : { ~~تواصوا به أم هم قوم طاغون } أي عجبا لهم يف جريهم على التكذيب والفساد في ~~مضمار واحد , ثم قال تعالى : { بل هم قوم طاغون } أي أن علة تكذيبهم هي ~~التي اتحدت فاتحد معلولها , والعلة طغيانهم وإظلام قلوبهم بما سبق { ولو ~~شئنا لأتينا كل نفس هداها } ثم زاد نبيه عليه السلام أشياء مما ورد على ~~طريقة تخييره عليه السلام في أمرهم من قوله تعالى : { فتول عنهم فما أنت ~~بملوم } ثم أشار تعالى بقوله : { وذكر فإن الكذرى تنفع المؤمنين } إلى أن ~~إحراز أجره عليه السلام إنما هو في التذكار والدعاء إلى الله تعالى , ثم ~~ينفع الله بذلك من سبقت له السعادة { إنما يتسجيب الذين يسمعون } ثم أخبر ~~نبيه عليه الصلاة والسلام بأن تكذيبه سينالهم قسط ونصيب مما نال غيرهم من ~~ارتكب مرتكبهم , وسلك مسلكهم , فقال تعالى { وإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ~~ذنوب أصحابهم } إلى آخر السورة - انتهى . | ولما أخبر سبحانه عن ثبات خبره ~~, أتبعه الإخبار عن وهي كلامهم , فقال مقسما عليه لمبالغتهم ي تأكيد ~~مضامينه مع التناق بفعله الجميل وصنعه الجليل , إشارة إلى أنهم لم يتخلقوا ~~من أخلاقه الحسنى بقول ولا فعل : { والسماء ذات الحبك * } أي الآيات ~~المحتبكة بطرائق النجوم المحكمة , الحسنة الصنعة , الجيدة الرصف والزينة , ~~حتى كأنها منسوجة , الجميلة الصنعة الجليلة الآثار , الجامعة بين القطع ~~والاختلاط والاتفاق والاختلاف , وأصل الحبك الإحكام في امتداد واطراد - ~~قاله الرازي في اللوامع . | { إنكم } يا معشر قريش { لفي قول } محيط بكم في ~~أمر القرآن والآتي به وجميع أمر دنيكم وغيره مما تريدون به إبطال الدين ~~الحق { مختلف * } كاختلاف PageV07P272 طرائق السماء التي لا تكاد تنتظم ms4956 , ~~ولا يعرف أولها من آخرها , واختلاف هذه الأشياء المقسم بها من أول السورة ~~واختلاف غاياتها لكنه مع ذلك متدافع , وإن كنتم تجتهدون في تزيينه وتقريبه ~~للأفهام وتحسينه فإنه لا يكاد إذا عرضه الناقد على الفكر النافذ ينضبط ~~بضابط ولا يرتبط برابط , بل تارة تقولون : هذا شعر فيلزمكم وصفه بما تصفون ~~به الشعر من الاتساق بالوزن المجرد والروي المتحد , والعذوبة والرشاقة , ~~وتارة تقولون : هذا سحر فيلزمكم مع الإفرار بالعجز عنه أنه لا حقائق له ~~والواقع أنه لا يتأمله ذو فهم إلا رأى حقائقه أثبت من الجبال , وتارة ~~تقولون : أضغاث أحلام , فيلزمكم أنه لا ينضبط بضابط , ولا يكون له مفهوم ~~يحصل , ولا يعجز أحد عن تلفيق مثله , فقد أبطلتم قولكم : إنه شعر وإنه سحر ~~. | وارة تقولون : إنه كهانة فيلزمكم أن تعتقدوا منه ما تعتقدون في أقوال ~~الكهان من الغخبار باملغيبات وإظهار الخبء وفصل الحكم , فقد نقضتم جميع ~~أقوالكم الماضية وناديتم على أنفسكم بالمباهتة , تقولون في الآتي به : إنه ~~شاعر وساحر ومجنون وكاهن وكاذب , وكل قول منها ينقض الآخر , وأنتم تدعون ~~أنكم أصدق الناس وأبعدهم عن عار الكذب , وأنكم أعقل الناس وأنصفهم , فقد ~~تباعد أولا ما بين أقوالكم , ثم ما بينها وبين أفعالكم , فكان اختلاف طرائق ~~النجوم دالا على مانع مختار تام العلم كامل القدرة , وكذا اختلاف قولكم على ~~هذا الوجه مع ما لكم من العقول دال على قاهر لكم على ذلك , فهما آيتان في ~~الآفاق وفي أنفسكم . | < < # | الذاريات : ( 9 - 18 ) يؤفك عنه من . . . . . # > > ^ ( يؤفك عنه من أفك * قتل الخراصون * الذين هم في غمرة ساهون * ~~يسألون أيان يوم الدين * يوم هم على النار يفتنون * ذوقوا فتنتكم هذا الذي ~~كنتم به تستعجلون * إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم ~~كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم ~~يستغفرون ) ^ } ) | ولما كان هذا الاختلاف مما لا يكاد يصدق لأنه لا يقع ~~فيه عاقل , بين سببه بأنهم مغلوبون عليه بقهر يد القدرة فقال : { يؤفك } أي ~~يصرف بأيسر أمر وأسهله عن ms4957 سنن الاستقامة , ويقلب من وجهه لقفاه { عنه } أي ~~يصدر صرفه عن هذا القول مجازا لما يلزمه من عاره , فهو لأجل ذلك يقوله { من ~~أفك * } أي قلبه قلب قاهر أي تبين بهذا الصرف الذي هو أعظم الصرف أنه حكم ~~في الأزل حكما ثابتا جامعا , فصار لا يصد عنه قول ولا فعل إلا كان مقلوبا ~~وجهه إلى قفاه لا يمكن أن يأتي منه بشيء على وجهه , فكأنه لا مأفوك سواه ~~لشدة افكه وعجيب أمره . | PageV07P273 ولما كان الكذب الإخبار بما لا حقيقة ~~له وتعمد الافتراء , وكان الخرص الكذب والافتراء والاختلاف وكل قول بالظن , ~~قال معلما بما لهم على قولهم هذاك قتلوا أو قتلتم - هكذا كان الأصل ولكنه ~~أظهر الوصف الذي استحقوه بقولهم : { قتل الخراصون * } أي حصل بأيسر أمر قتل ~~الكذابين ولا محالة من كل قاتل , والمتقولين بالظن المنقطعين للكلام من أصل ~~لا يصلح للخرص وهو القطع , وهم الذين يقولون عن غير سند من كتاب أو سنة أو ~~أثارة من علم , وهو دعاء أو خبر لأنه مجاب : { الذين هم } خاصة { في غمرة } ~~أي أعماق من العمى والضلال , غارقون في سكرهم وجهلهم الذي غمرهم , ولذلك هم ~~مضطربون اضطراب من هو يمشي في معظم البحر فهو لا يكاد ينتظم له أمر من قول ~~ولا فعل ولا حال { ساهون * } أي عريقون في السهو وهو النسيان والغفلة ~~والحيرة وذهاب القلب إلى غيره ما يهمه , ففاعل ذلك ذو ألوان متخالفة من هول ~~ما هو فيه وشدة كربه . | ولما حكم بسهوهم , دل عليه بقوله : { يسئلون } أي ~~حينا بعد حينا بعد حين على سبيل الاستمرار استهزاء بقولهم : { أيان } أي ~~متى وأي حين { يوم الدين * } أي وقوع الجزاء الذي يخربنا به , ولولا أنهم ~~بهذه الحالة لتذكروا من أنفسهم أنه ليس أحد منهم يبث عبيده أو أجراءه في ~~عمل من الأعمال إلا وهو يحاسبهم على أعمالهم , وينظر قطعا في أحوالهم , ~~ويحكم بينهم في أقوالهم وأفعالهم فكيف يظن بأحكم الحاكمين أن يترك عبيدة ~~الين خلقهم على هذا النظام المحكم وأبدع لهم هذين الخافقين وهيأ ms4958 لأجلهم ~~فيهما ما لا ضرورة لهم في التزود للمعاد إلى سواه فيتركهم سدى يوجدهم عبثا ~~. | ولما تقرر أمر القيامة بالتعبير بساهون قال : { يوم } أي نقول يوم { هم ~~على النار يفتنون * } أي يرمون فيحرقون ويعذبون ويصبحون . . . | من ~~الاختلاف مقولا لهم على سبيل القرع والتوبيخ : { ذوقوا فتنتكم } . . . | ~~العقوبة من الفتنة المحيطة . . . | واستعجالكم ما توعدون استهزاء وتكذيبا { ~~هذا الذي كنتم به تستعجلون * } أي تطلبون عجلته . . . | { إن المتقين } أي ~~الذين كانت التقوى لهم وصفا ثابتا { في جنات } أي بساتين عظيمة نحن داخلها ~~. . . | { وعيون * } . . . | { آخذين . . . | ما } أي كل شيء { آتاهم . . . ~~| ربهم } أي المحسن إليهم . . . | بتمام عليمه وشامل قدرته وهو لا يدع لهم ~~لذة إلا أنحفهم بها فيقبلونها بغاية الرغبة لأنها في غاية النفاسة . | ولما ~~كان هذا أمرا عظيما يذهب الوهم في سببه كل مذهب , علله بقوله مؤكدا لنسبة ~~الكفار لهم إلى الإساءة : { إنهم كانوا } أي كونا هو كالجبلة . | ولما كان ~~الإنسان إما يكون مطيعا في مجموع عمره أو في بعضه . . . | على الطاعة , ~~وكانت الطاعة تجب ما قبلها , وتكون سببا في تبديل السيئات PageV07P274 ~~حسنات فضلا منه من سبحانه , فكان كل من القسمين مطيعا في جميع زمانه , نزع ~~الجار فقال : { قبل ذلك } أي في دار العمل , وقيل : أخذوا ما فرض عليهم ~~بغاية القبول لأنهم كانوا قبل فرض الفرائض يعملون على المحبة وهو معنى { ~~محسنين * } أي في معاملة الخالق والخلائق , يعبدون الله كأنهم يرونه , ثم ~~فسر إحسانهم معبرا عنه بما هو في غاية المبالغة بقوله : { كانوا } أي لما ~~عندهم من الإجلال له والحب فيه بحيث كأنهم مطبوعون عليه , ولغاية التأكيد ~~وقع الإسناد إليهم مرتين { قليلا من الليل } الذي هو وقت الراحات وقضاء ~~الشهوات , وأكد المعنى بإثبات ( ما ) فقال : { ما يهجعون * } أي يفعلون ~~الهجوع وهو النهوم الخفيف القليل , فما ظنك بما فوقه لأن الجملة تثبت ~~هجوعهم وهو النوم للراحة , وكسر التعب وما ينفيه , وذكر الليل لتحقق المعنى ~~فإن الهجوع النوم ليلا , فالمعنى أ , هم يحيون أكثر الليل وينامون أقله . | ~~ولما كان المحسن لا يرى نفسه إلا مقصرا , قال دالا ms4959 على ذلك وعلى أن تهجدهم ~~يتصل بآخر الليل مؤكدا بالإسناد مرتين أيضا : { وبالأسحار } قال ابن زيد : ~~السحر : السدس الأخير من الليل { هم } أي دائما بظواهرهم وبواطنهم { ~~يستغفرون * } أي يعدون مع هذا الاجتهاد أنفسهم مذنبين يسألون غفران ذنوبهم ~~لوفور علمهم بالله وأنهم لا يقدرون على أن يقدروه حق قدره وإن اجتهدوا لقول ~~سيد الخلق ( لا أحصي ثناء عليك ) وإبراز الضمير دال على أن غيرهم لو فعل ~~هذا ليلة لأعجب بنفسه ورأى أنه لا أحد أفضل منه , وعلى أن استغفارهم في ~~الكثرة يقتضي أنهم يكونون بحيث يظن أنهم أحق بالتذلل من المصرين على ~~المعاصي , فإن استغفارهم ذلك على بصيرة لأنهم نظروا ما له سبحانه في الآفاق ~~وفي أنفسهم من الآيات والحكم البالغة التي لا تحصى فعلموا أنه أهل لأن يطاع ~~ويخشى فاجتهدوا وتركوا الهجوع , وأجروا الدموع , ثم قابلوا ذلك بنعمه فإذا ~~الأعمال في غاية التقصير فأقبلوا على الاستغفار عالمين بأنه لا يمكن أن ~~يقدر حق قدره . | < < # | الذاريات : ( 19 - 25 ) وفي أموالهم حق . . . . . # > > ^ ( وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم * وفي الأرض آيات للموقنين * وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون * وفي السمآء رزقكم وما توعدون * فورب السمآء والأرض ~~إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون * هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين * إذ ~~دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون ) ^ } ) | ولما ذكر معاملتهم ~~للخالق , أتبعه المعاملة للخلائق تكميلا لحقيقة الإحسان فقال : PageV07P275 ~~{ وفي أموالهم } أي كل أصنافها { حق } أي نصيب ثابت . | ولما كان السياق ~~هنا للإحسان , فكان إحسانهم لفظ محبتهم إلى عباد الله لا يوقفهم عن الواجب ~~بخلاف ما في ( سأل ) من سياق المصلين مطلقا ترك وصفه بالمعلومية فقال : { ~~للسائل } أي الذي ينبه على حاجته بسؤال الناس وهو المتكفف { والمحروم * } ~~وهو المتعفف الذي لا يجد ما يغنيه , ولا يسأل الناس ولا فطن له ليتصدق عليه ~~, وهذه صفة أهل الصفة رضي الله عنهم , فالمحسنون يعرفون صاحب هذا الوصف لما ~~لهم من نافذ البصيرة ولله بهم من العناية . | ولما دل إقسامه بالسماء وما ~~قبلها من الذاريات على ما له في العلويات ms4960 من الآيات إلى أن ختم بالأموال ~~التي تنبتها الأرض , فكان التقدير : ففي السماوات آيات للمؤمنين دالات على ~~عظمته واستحقاقه للعبادة بغاية الخضوع رغبا ورهبا , عطف عليه قوله : { وفي ~~الأرض } مما فيه أيضا من الاختلاف بالمعادن الكثيرة المتباينة مع اتحاد ~~أصلها والنبات والحيوان والجماد والبر والبحر وغير ذلك من الأسرار الدالة ~~على الفاعل المختار { آيات } أي دلالات عظيمات هي مع وضوحها بعد التأمل ~~خفيات { للموقنين * } الذين صار الإيقان لهم غريزة ثابتة , فهم لذلك ~~يتفطنون لرؤية ما فيها مع ما يلابسهم منها من الأسباب فيشغلهم ولا يرون ~~أكثر أسباب ما فيها من الآيات فأداهم ذلك إلى الإيقان بما نبهت عليه الرسل ~~مما تستقل به العقول من البعث وغيره , قال القشيري : من الآيات فيها أنها ~~تحمل كل شيء , فكذلك العارف يحمل كل أحد ومن استثقل أحدا أو تبرم برؤيته ~~أحدا لغيبته عن الحقيقة ومطالعة الخلق بعين التفرقة . | وأهل الحقائق لا ~~يتصفون بهذه الصفة , ومن الآيات فيها أنه يلقى عليها كل قذاراة وقمامة ~~فتنبت كل زهر ونور وكذلك العارف يتشرب ما يلقى من الجفاء ولا يترشح إلا بكل ~~خلق علي وشيمة زكية . | ولما أشار إلى آيات الآفاق , أتبعها آيات الأنفس ~~فقال : { وفي أنفسكم } أي من الآيات التي شاركتم بها الجماد , ثم فارقتموه ~~بالنمو ثم بالحس ثم فارقتم الحيوان الخسيس بالعقل الموصل إلى بدائع العلوم ~~ودقائق الفهوم . | ولما كانت أظهر الآيات , سبب عن التبيه عليها الإنكار ~~عليهم في ترك الاعتبار بها فقال : { أفلا تبصرون * } أي بأبصاركم وبصائركم ~~فتتأملوا ما في ذلك من الآيات وتتفكروا هل ترون أسباب أكثرها , فإن كل هذه ~~آيات دالة على قدرة الصانع على كل ما يريد واختياره , وأنه ما خلق هذا لخلق ~~سدى , فلا بد أن يجمعهم إليه للعرض عليه , فالموقنون لا يزالون ينظرون في ~~أمثال هذا بعيون باصرة وأفهام نافذة , فكلما رأوا آية اعتبروا بها , ~~فازدادوا إيمانا إلى إيمانهم , وإيقانا مع إيقانهم , وأول نظرهم فما أودعوا ~~من الآيات الحاجة , فمن تأملها PageV07P276 علم أنه عبد , ومتى علم ذلك علم ~~أن له ms4961 ربا غير محتاج , ومن أبصر جميع الصفات والأسماء فنفذ فهمه في شفاف ~~الكائنات , فارتقى إلى أعلى الدرجات . | ولما بان بما قدمته في { المقسمات ~~أمرا } ما في جهة العلو من الأسباب الموجبة للنعمة والعذاب , قال : { وفي ~~السماء } أي جهة العلو { رزقكم } بما يأتي من المطر والرياح والحر والبرد ~~وغير ذلك مما رتبه سبحانه لمنافع العباد { وما توعدون * } وجميع ما أتتكم ~~به الرسل من الوعد والوعيد والصعقة والزلزال وغير ذلك من الأهوال وموجبات ~~النكال , وكذا الرحمة والخير والنعمة وكل ما يتعلق به الآمال , فكما أنكم ~~تصدقون بذلك وأنتم لا ترونه فكذلك صدقوا بالجنة والنار وإن لم تروها , فإنه ~~لا فرق بين ماء ينزله الله فيكون منه رياض وجنات وشك وأدواء ومرارات , ~~وسموم وعقارب وحيات , وخشاش وسباع وحشرات , وبين ماء يعيد به الأموات , ثم ~~يحشرهم إلى جنان ونيران , فكما أنه لا مرية في إظهار هذا الغيب فكذلك لا ~~لبس في إظهار ذلك الغيب , ومن المعنى أيضا أنك لا تشتغل برزق فإنه في ~~السماء , ولا سبيل لك إلى العروج إليها , واشتغل بما كلفته من الخدمة لمن ~~عنده الرزق ففي السماء الرزق وإليها يرفع العمل , فإن أردت أن ينزل إليك ~~رزقك فأصعد إليها الصالح من عملك , ولهذا قالوا : الصلاة فرع باب الرزق { ~~واصطبر عليها لا نسئلك رزقا نحن نرزقك } . | ولما أقسم بما له من المقدورات ~~لمن وقف مع المحسوسات المشهورات , فترقوا بذلك إلى أعلى الدرجات , وانكشف ~~ما له من الكمال انكشافا تاما , وعلم أن في خزائنه سبحانه كل ما أخبرت عنه ~~به الرسل من وعد ووعيد , سبب عنه قوله مقسما بنفسه الأقدس لكن بصفة مألوفة ~~فقال : { فورب } أي مبدع ومدبر { السماء والأرض } بما أودع فيهما مما ~~علمتموه وما لم تعلموه { إنه } أي الذي توعدونه من الخير والشر والجنة ~~والنار وتقدم الإقسام عليه أنه صادق { لحق } أي ثابت يطابقه الواقع فقد جمع ~~الحق مع الصدق { مثل ما أنكم } أي وأنتم مساوون لبقية ما في الأرض من ~~الجمادات وغيرها { تنطقون * } نطقا مجددا في كل وقت مستمرا , ليس ms4962 هو بخيال ~~ولا سحر , أي أن ذلك لحق مثل ما أن هذا حق , فالذي جعل لكم قوة النطق من ~~بين ما في الأرض بأسباب لا ترونها وتحصونها , ومع ما عداكم من ذلك بأسباب ~~مثل ذلك قادر على الإتيان بوعده من الرزق وغيره ما دمتم تحتاجون إلى ذلك ~~بما جعل فيكم من الحياة التي يصح بها العلم الناشىء عنه النطق المحوج إلى ~~الرزق من أي جهة أرادوا , وإن لم تروا أسبابه كما أنه لو أراد لأنطق جمكيع ~~من في السموات والأرض من الجمادات بما يقيمه لها من الأسباب التي أقامها ~~لكم وإن لم تروا ذلك . | PageV07P277 ولما بين بما مضى من القسم وما أتبعه ~~من أنه أودع في السموات والأرض وما بينهما أسبابا صالحة للإتيان بما وعدناه ~~من الخير , وما توعدنا من الشر وإن كنا لم نرها وهو قادر مختار , فصار ذلك ~~كالمشاهد , ولا وجه للتكذيب بوعد ولا وعيد , دل عليه وصوره بما شوهد من ~~أحوال الأمم وبدأ - لأن السياق للمحسنين - برأس المحسنين من أهل هذه ~~الأنباء الذي أخبرته الملائكة عليهم السلام بما سببه معه وإن كان على غير ~~العادة . | فتعجب زوجته من ذلك مع كونها أعلى نساء ذلك الزمان , وأتبع قصته ~~قصة لوط ابن أخيه عليهما السلام لاتصال ما بين قصتيهما في الزمان , ~~ولمناسبة عذابهم لما أقسم به في أول السورة , فإنه سبحانه أمر الذاريات ~~فاقتلعتهم بقراهم وحملتها كما تحمل السحاب ثم كبتهم فرجمتهم , والأرض فخسفت ~~بهم , والملائكة الموكل ة بمثل ذلك , ففعلوا جميع ما أمروا به ورأوهم في ~~قريتهم وقصدوهم بالمكر لأنهم خفي عليهم أمرهم , وأتوا الخليل عليه السلام ~~وهو أعلى ذلك الزمان وهم في ذلك ولم يعلم أول الأمر بشيء من حالهم ولا ظنهم ~~إلا آدميين , فقال مفخما لأمر القصة بتخصيص الخطاب لأعلى الخلق وأنفذهم ~~فهما إشارة إلى أنه لا يفهم هذا حق فهمه سواه على طريق الاستفهام على عادة ~~العرب في الإعلام بالأمور الماضية وإن كان المخبر عالما بأن المخاطب لا علم ~~له بذلك لأن المقصود ليس إلا ms4963 التنبيه على أن ذلك الأمر مما ينبغي الاهتمام ~~به والبحث فيه ليعرف ما فيه , من الأمور الجليلة ؛ قال أبو حيان : تقرير ~~لتجتمع نفس المخاطب كما تبدأ المرء إذا أردت أن تحدثه بعجيب فتقرره : هل ~~سمعت ذلك أم لا ؟ فكأنك تقتضي بأن يقول : لا , ويستطعمك الحديث - انتهى . | ~~{ هل أتاك } يا أكمل الخلق { حديث ضيف } عبر عنهم بلفظ الواحد إشارة إلى ~~اتحاد كلمتهم { المكرمين * } أي الذين هم أهل الكرامة , وأكرمهم إبراهيم ~~عليه السلام بقوله وفعله , ففي حديثه ذلك آية بينة على ما بين في هذه ~~السورة من قدرة الله تعالى وصدق وعده ووعيده , مع ما فيه من التسلية لك ~~ولمن تبعك , والبشارة بإكرام المصدق وإهانة المكذب , قال القشيري : وقيل : ~~كان عددهم اثني عشر ملكا , وقيل : جبريل عليه السلام , وكان معه تسعة , ~~وقيل : كانوا ثلاثة : { إذ } أي حديثهم حين { دخلوا عليه } أي دخو استعلاء ~~مخالف لدخول بقية الضيوف { فقالوا سلاما } أي نحدث , ثم استأنف الأخبار عن ~~جوابه بقوله : { قال } أي بلسانه : { وسلاما } أي ثابت دائم , فهو أحسن من ~~تحيتهم . | ولما كان ما ذكر من دخولهم وسلامهم غير مستغرب عند المخاطبين ~~بهذا , وكانت القصة قد ابتدئت بما دل على غرابة ما يقص منها , تشوف السامع ~~إلى ما كان PageV07P278 بعد هذا فأجيب بقوله : { قوم } أي ذوو قوة على ما ~~يحاولونه ويقومون فيه { منكرون * } أي حالهم لإلباسه أهل لأن ينكره المنكر ~~, وقدم هذا على موضعه الذي كان أليق به فيما يظهر بادي الرأي , وإيضاحا لأن ~~السياق لخفاء الأسباب على الأدمي وبعدها وإن كانت في غاية الظهور والقرب ~~ولو أنه غاية العلو فإن إنكاره لهم كان متأخرا عن إحضار الأكل لكونهم لم ~~يأكلوا , وهذا القول كان في نفسه ولم يواجههم به . | < < # | الذاريات : ( 26 - 37 ) فراغ إلى أهله . . . . . # > > ^ ( فراغ إلى أهله فجآء بعجل سمين * فقربه إليهم قال ألا تأكلون * ~~فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم * فأقبلت امرأته في صرة ~~فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم * قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم * ~~قال فما خطبكم ms4964 أيها المرسلون * قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين * لنرسل ~~عليهم حجارة من طين * مسومة عند ربك للمسرفين * فأخرجنا من كان فيها من ~~المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين * وتركنا فيهآ آية للذين ~~يخافون العذاب الأليم ) ^ } ) | ولما اشار إلى أنه حين إنكاره لهم لم يعرف ~~من أي نوع هم ولا خصوص ما هم فيه , رتب على رده لسلامهم أنه أسرع غاية ~~الإسراع في إحضار ما ينبغي للضيف على ظن أنهم آدميون فقال : { فراغ } أي ~~ذهب في خفية وخفة ومواضع سترة عن أعينهم كما هو من آداب الضيافة خوفا من أن ~~يمنعوه أو يكدر عليهم الانتظار : { إلى أهله } أي الذين عندهم بقرة { فجاء ~~بعجل } أي فتى من أولاد البقر { سمين * } قد شواه وأنضجه { فقربه إليهم } ~~ولما أخبر بما ينبغي الإخبار به من أمر الضيافة إلا الأكل , كان من المعلوم ~~أن التقدير : فكان كأنه قيل : فماذا قال لهم حين لم يأكلوا ؟ قيل : { قال } ~~أي متأدبا غاية التأدب ملوحا بالإنكار : { ألا تأكلون * } أي منه . | ولما ~~كان كأنه قيل : فمل يأكلوا , سبب عنه قوله : { فأوجس } أي أضمر إضمار الحال ~~في جميع سره { منهم خيفة } لأجل إنكاره عدم أكلهم فإنه لما رأى إعراضهم عن ~~الطعام ذهب وهمه في سبب إتيانهم إليه كل مذهب { قالوا } مؤنسين له : { لا ~~تخف } وأعلموه بأنهم رسل الله { وبشروه بغلام } على شيخوخته ويأس امرأته ~~بالطعن في السن بعد عقمها , وهو إسحاق عليه السلام . | ولما كان السياق ~~لخفاء الأباب كان في الذروة وصفه بقوله : { عليم * } أي مجبول جبلة مهيأة ~~للعلم ولا يموت حتى يظهر علمه بالفعل في أوانه . | ولما كانا بعيدين عن ~~قبول الولد , تسبب عن ذلك قوله , دالا على أن الولد إسحاق مع الدلالة على ~~أن خفاء الأسباب لا يؤثر في وجود المسببات : { فأقبت } أي PageV07P279 من ~~سماع هذا الكلام { امرأته } ولما كانت قد امتلأت عجبا , عبر بالظرف فقال : ~~{ في صرة } أي صيحة وكرب من الصرير قد أحاط بها , فذهب وهمهما في ذلك كل ~~مذهب { فصكت } أ يضربت بسبب تعجبها بأطراف ms4965 أناملها فعل المتعجب { وجهها } ~~لتلاشي أسباب الولد في علمها بسبب العادة مع معرفتها بأن العبرة في الأسباب ~~وإن كانت سليمة بالمسبب لا بها , قال البغوي : وأصل الصك ضرب الشيء بالشيء ~~العريض { وقالت } تريد أن تستبين الأمر هل الولد منها أم من غيرها : { عجوز ~~} ومع العجز { عقيم * } فهي في حال شبابها لم تكن تقبل الحبل , قال القشيري ~~رحمه الله تعالى : قيل : إنها كانت يومئذ ابنة ثمان وتسعين سنة . | ولما ~~كان في هذا أشد تشوف إلى الجواب , استأنف تعالى الجوا بقوله : { قالوا كذلك ~~} أي مثل ما قلناه من هذه البشرى العظيمة { قال ربك } أي المحسن إليك ~~بتأهيلك لذلك على ما ذكرت من حالك وبتأهيلك من قبل الاتصال بخليله صلى الله ~~عليه وسلم . | ولما كان محط تعجبها أن ذلك كان بأيام شبابها أولى , عللوا ~~إخبارهم تأكيدا له مؤكدين لأن قولها وفعلها فعل المنكر وإن كانت ما أرادت ~~به إلا الاستثبات : { إنه هو } أي وحده { العليم } الذي يضع الأشياء في أحق ~~مواضعها فرتب عظمة هذا المولود على كل من عقمك وعجزك ؛ ثم عللوا ذلك بقولهم ~~: { الحكيم * } أي المحيط العلم فهو كذلك لا يعجزه شيء لما تقدم من البرهان ~~في سورة طه أن إحاطة العلم مستلزم شمول القدرة . | ولما كان الخليل عليه ~~السلام أعلم أهل زمانه بالأمور الإلهية , علم أن اجتماع الملائكة على تلك ~~الهيئة التي يراهم فيها ليس لهذه البشارة فقط , فلذلك استأنف تعالى الجواب ~~لمن كان كأنه قال : ما كان من حاله وحالهم بعد هذا ؟ بقوله : { قال } أي ~~قال مسببا عما رأى من حالهم : { فما خطبكم } أي خبركم العظيم { أيها ~~المرسلون * } أي لأمر عظيم { قالوا } قاطعين بالتأكيد بأن مضمون خبرهم حتم ~~لا بد منه , ولا مدخل للشفاعة فيه : { إنا أرسلنا } أي بإرسال من تعلم { ~~إلى قوم مجرمين * } أي هم في غاية القوة على ما يحاولونه وقد صرفوا ما أنعم ~~الله به عليهم من القوة في قطع ما يحق وصله ووصل ما يحق قطعه { لنرسل عليهم ~~} أي من السماء التي فييها ما وعد العباد ms4966 به وتوعدوا { حجارة من طين * } أي ~~مهيأ للاحتراق والإحراق { مسومة } أي معلمة بعلامة العذاب المخصوص . | ولما ~~كان قد رأوا اهتمامه بالعلم بخبرهم خشية من أن يكونوا أرسلوا لعذاب أحد يعز ~~عليه أمره , أمنوا خوفه بوصف الإحسان فقالوا : { عند ربك } أي المحسن إليك ~~بهذه البشارة وغيرها { للسرفين * } أي المتجاوزين للحدود غير قانعين ~~PageV07P280 ولما كان من المعلوم أن القوم يكونون تارة في مدر وتارة في شعر ~~, وعلم من الآيات السالفة أن العذاب مختص بذوي الإسراف , سبب عن ذلك مفصلا ~~لخبرهم قوله تعلى معلما أنهم في مدر : { فأخرجنا } بما لنا من العظمة بعد ~~أن ذهبت رسلنا إليهم ووقعت بينهم وبين لوط عليهم السلام محاولات معروفة لم ~~تدع الحال هنا إلى ذكرها , والملائكة سبب عذابهم , وأهل القرية المحالون في ~~أمرهم لا يعرفون ذلك , وهذه العبارة إن كانت إخبارا لنا كانت خبرا عما وقع ~~لنعتبر به , وإن كانت لإبراهيم عليه السلام كان معناها أن الحكم الأعظم وقع ~~بإخراجهم بشارة له بنجاتهم { من كان فيها } أي قراها . | ولما كان القل ~~بعماد البدن الذي به صلاحه أو فساده , فكان عمله أفضل الأعمال أنه به يكون ~~استسلام الأعضاء أو جماحها , بدأ به فقال : { من المؤمنين * } أي المصدقين ~~بقلوبهم لأنا لا نسويهم بالمجرمين فخلصناهم من العذاب على قلتهم وضعفهم ~~وقوة المخالفين وكثرتهم , وسبب عن التعبس والسرت والتعرض للظواهر والبواطن ~~قوله : { فما وجدنا } أسند الأمر إليه تشريفاص لرسله إعلاما بأن فعلهم فعله ~~{ فيها غير بيت } واحد وهو بيت لوط ابن أخي إبراهيم عليه السلام , وقيل : ~~كان عدة الناجين منهم ثلاثة عشر , ولما كان الإسلام قد تطلق على الظاهر فقط ~~وإن كان المراد من غير اعتراض أصلا وهم إبراهيم وآله عليهم السلام فإنهم ~~أول من وجد منه الإسلام الأتم , وتسموا به كما مضى في البقرة وسموا به ~~أتباعهم , فكان هذا البيت الواحد صادقا عليه الإيمان الذي هو التصديق ~~والإسلام الذي هو الانقياد , قال البغوي : وصفهم الله التلازم وإن اختلف ~~المفهومان , وقال الأصبهاني : وقيل : كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة ~~عشر ms4967 . | ولما وكان إبقاء آثار المهلكين ادل على قدرة من أهلكهم قال : { ~~وتركنا } أي بما لنا من العظمة { فيها } أي تلك القرى بما أوقعنا بها من ~~العذاب الذي كان مبدؤه أنسب شيء بفعل الذاريات من السحاب فإنا قلعنا قراهم ~~كلها وصعدت في الجو كالغمام إلى عنان السماء ولم يشعر أحد من أهلها بشيء من ~~ذلك ثم قلبت وأتبعت الحجارة ثم خسف بها وغمرت بالماء الذي لا يشبه شيئا من ~~مياه الأرض كما أن خباثتهم لم تشبه خباثة أحد ممن تقدمهم من أهل الأرض { ~~آية } أي علامة عظيمة على قدرتنا على ما نريد { للذين يخافون } كما تقدم ~~آخر ق أنهم المقصودون في الحقيقة بالإنذار لأنهم المنتفعون به دون من قسا ~~قله ولم يعتبر { العذاب الأليم * } أي أن يحل بهم كما PageV07P281 بهذه ~~القرى في الدنيا من رفع الملائكة لهم في الهواء الذراري إلى عنان السماء ~~وقلبهم وإتباعهم الحجارة المحرقة , وغرمهم بالماء المناسب لفعلهم بنتنه ~~وعدم نفعه , وما ادخر لهم في الآخرة أعظم . | < < # | الذاريات : ( 38 - 46 ) وفي موسى إذ . . . . . # > > ^ ( وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين * فتولى بركنه وقال ~~ساحر أو مجنون * فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم * وفي عاد إذ ~~أرسلنا عليهم الريح العقيم * ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم * ~~وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين * فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة ~~وهم ينظرون * فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين * وقوم نوح من قبل ~~إنهم كانوا قوما فاسقين ) ^ } ) | ولما قدم سبحانه أحق القصص الدالة على ~~قسمه وما أقسم عليه بما فيها من خفاء الأسباب مع وجودها , ثم ما فيها من ~~إنزال ما به الوعيد من السماء بالنار والماء الذي أشير إليه بالمقسمات , مع ~~الفرقة بين المسلم والمجرم , أتبعها قصة من أيده بحاملات فيها مطر وبرد ~~ونار مضطرمة , كما مضى بيانه في الأعراف , ثم بعد ذلك بريح فرقت البحر ~~ونشفت أرضه ودخله فرعون والقبط , وهو واذح الأمر في أنه سبب لهلاكهم وهم لا ~~يشعرون به , فقال ms4968 عاطفا على المقدر في قصة إبراهيم عليه السلام أو الظاهر ~~في { وفي الأرض } أو على ( في ) التي في قوله { وتركنا فيها آية للذين ~~يخافون } وهذا أقرب من غيره وأولى : { وفي موسى } أي في قصته وأمره آية على ~~ذلك عظيمة { إذ أرسلناه } بعظمتنا { إلى فرعون } الذي كان قد أساء إلى ~~إبراهيم عليه السلام بعد عظيم إحسانهم إله وإلى جميع قومه بما أحس إليهم ~~يوسف عليه السلام { بسلطان مبين * } أي معجزات ظاهرة في نفسه منادية من شدة ~~ظهورها بأنها معجزة , فكان فيها دلالة واضحة على صدق وعيده ومع ذلك فلم ~~ينفعهم علمها ولذلك سبب عنه وعقب به قوله : { فتولى } أي كلف نفسه الإعراض ~~بعد ما دعاه علمها إلى الإقبال إليها , وأشار إلى توليه بقوله : { بركنه } ~~أي بسب ما يركن إليه من القوة في نفسه وبأعوانه وجنوده أو بجميع جنوده - ~~كناية عن المبالغة في الإعراض , { وقال } معلما بعجزه عما أتاه به وهو لا ~~يشعر : { ساحر } ثم ناقض كمناقضتكم فقال بجهله عما يلزم على قوله : { أو ~~مجنون * } أي لاجترائه علي مع ما لي من عظيم الملك بمثل هذا الذي يدعو إليه ~~ويتهدد عليه . | ولما وقعت التسلية بهذا للأولياء , قال تعالى محذرا ~~للأعداء : { فأخذناه } أي أخذ غضب وقهر بعظمتنا بما استدرجناه به وأوهناه ~~به من العذاب الذي منه سحاب حامل ماء PageV07P282 وبردا ونارا وصواعق { ~~وجنوده } أي كلهم { فنبذناهم } أي طرحناهم طرح مستهين بهم مستخف لهم كما ~~تطرح الحصيات { في اليم } أي البحر الذي هو أهل لأن يقصد بعد أن سلطانا ~~الريح فغرقته لما ضربه موسى عليه السلام بعصاه ونشفت أرضه , فأيبست ما ~~أبرزت فيه من الطرق لنجاة أوليائنا وهلاك أعدائنا { وهو } أي والحال أن ~~فرعون { مليم * } أي آت بما هو بالغ في استحقاقه الملامة , ويجوز أن يكون ~~حالا من { أليم } بمعنى أنه فعل بهم فعل اللائم من ألامه - إذا بالغ في ~~عذله , وصار ذا لائمة أي لهم , فعل المصلحين في إنجاء الأولياء وإغراق ~~الأعداء بالالتئام والانطباق عليهم , قال في القاموس : اللوم العدل , لام ~~لوما وألامه ms4969 ولومه للمبالغة , وألام : أتى ما يلام عليه أو صار ذا لائمة , ~~ولأمه بالهمز كمنعه , نسبه إلى اللوم , والسهم : أصلحه كألامه ولأمه فالتأم ~~, ولا يضر يونس عليه السلام أن يعبر في حقه بنحو هذه العبارة , فإن أسباب ~~اللوم تختلف كما أن أسباب المعاصي تختلف في قوله < # > 77 ( { وعصوا رسله } ) 77 < # > [ هود : 59 ] < # > 77 ( { وعصى آدم ربه } ) 77 < # > [ طه : 121 ] وبحسب ذلك يكون اختلاف نفس اللوام ونفس المعاصي . | ولما ~~أتم قصة من جمع له السحاب والماء والنار والريح , أتبها قصة من أتاهم بريح ~~ذارية لم يوجد قط مثلها , وكان أصلها موجودا بين ظهرانيهم وهم لا يشعرون , ~~بل قاربت الوصول إليهم وهم يظنونها مما ينفعهم : { وفي عاد } أي آية عظيمة ~~{ إذ } أي حين { أرسلنا } بعظمتنا { عليهم } إرسال علو وأخذ { الريح } ~~فأتتهم تحمل سحابة سوداء وهي تذروا الرمل وترمي بالحجارة على كيفية لا تطاق ~~{ العقيم * } أي التي لا ثمرة لها فلا تلقح شجرا ولا تنشىء سحابا ولا تحمل ~~مطرا ولا رحمة فيها ولا بركة فلذلك أهلكهم هلاك الاستئصال , ثم بين عقمها ~~وإعقامها بقوله : { ما تذر } أي تترك على حال ردية , وأعرق في النفي فقال : ~~{ من شيء } ولما كان إهلاكها إنما هو بالفاعل المختار , نبه على ذلك بأداة ~~الاستعلاء فقال : { أتت عليه } أي إتيان إرادة مرسلها , استعلاها على ظاهره ~~وباطنه , وأما من أريدت رحمته كهود عليه السلام ومن معه رضي الله عنهم فكان ~~لهم روحا وراحة لا عليهم { إلا جعلته كالرميم * } أي الشيء البالي الذي ~~ذهلته الأيام والليالي , فصيره البلى إلى حالة الرماد , وهو في كلامهم ما ~~يبس من نبات الأرض ودثر - قاله ابن جريج , وخرج بالتعبير ب ( تذر ) هود ~~عليه السلام ومن معه من المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين , فإنهم تركتهم على ~~حالة حسنة لم يمسهم منها سوء كما أشير إلى مثل ذلك بأداة الاستعلاء . | ~~PageV07P283 ولما تم ما اقتضاه سياق السورة من قصة أهل الريح الذارية , ~~أتبعها قصة من أهلكوا بما يحمله السحاب من الريح وما تحمله الريح من صوت ~~الصحية الراجفة الماحقة فقال ms4970 : { وفي ثمود } أي قوم صالح عليه السلام آية ~~عظيمة كذلك { إذ } أي حين { قيل لهم } ممن لا يخلف المعياد : { تمتعوا } أي ~~بلبن الناقة وغيره مما مكناكم فين من الزرع والنخيل والأبنية في الجبال ~~والسهول وغير ذلك من جلائل الأمور الذي أمرناكم به ولا تطغوا { حتى حين * } ~~أي وقت ضربناه لآجالكم { فعتوا } أي أوقعوا بسبب إحساننا إليهم العتو , وهو ~~التكبر والإباء { عن أمر ربهم } أي مولاهم الذي أعظم إحسانه إليهم فعقروا ~~الناقة وأرادوا قتل نبيه عليه السلام { فأخذتهم } بسبب عتوهم أخذ قهر وعذاب ~~{ الصاعقة } أي الصيحة العظيمة التي حملتها الريح , فأوصلتها إلى مسامعهم ~~بغاية العظمة , ورجت ديارهم رجة أزالت أرواحهم بالصعق , وقوله : { وهم ~~ينظرون * } دال على أنها كانت في غمام , وكان فيها نار , ويجوز - مع كونه ~~من النظر - أن يكون أيضا من الانتظار , فإنهم وعدوا نزول العذاب بعد ثلاثة ~~أيام , وجعل لهم في كل يوم علامة وقعت بهم فتحققوا وقوعه اليوم الرابع { ~~فما } أي فتسبب عن ذلك أنه ما { استطاعوا } أي تمكنوا , وأكد النفي فقال : ~~{ من قيام } أي بعد مجيئها بأن عاجلتهم بإهلاكها عن القيام . | ولما كان ~~الإنسان قد لا يتمكن من القيام لعارض في رجليه وينتصف من عدوه بما يرتبه من ~~عقله ويدبره برأيه قال : { وما كانوا } أي كونا ما { منتصرين } أي لم يكن ~~فيهم أهلية للانتصار بوجه , لا بأنفسهم ولا بناصر ينصرهم فيطاوعونه في ~~النصرة لأن تهيؤهم لذل سقط بكل اعتبار . | ولما أتم قصة من أهلكوا بما من ~~شأنه الإهلاك وهو الصاعقة , أتبعهم قصة من أهلكوا بما من شأنه الإحياء , ~~وهو الماء الذي جل ما يشتمل عليه الحلامات التي أثرتها الذاريات , وقد ~~كانوا موجودين في الأرض والسماء - وأسبابه مهيأة - وهم لا يسحون بشيء من ~~ذلك , وأما عبادنا المؤمنون فهيأنا لهم أسباب النجاة من السفينة وغيرها , ~~وأعلمناهم بها , فكان كل ما أردنا وقاله عنا أولياؤنا فقال مغيرا للأسلوب ~~تنبيا على العظمة بنفسه الإهلاك لكونه بما من شأن الإحياء والإبقاء والتصرف ~~في الأسباب : { وقوم } أي وأهلكنا قوم { نوح } على ما كان ms4971 فيهم من الكثرة ~~وقوة المحاولة والقيام بما يريدونه , ويجوز أن يكون معطوفا على ( فيها ) أي ~~وتركناهم آية , ويحسن هذا الإعراب أنهم هلكوا جميعا وكانوا جميع أهل الأرض ~~, وعم عذابهم جميع الأرض , كانوا لهم الآية , ويؤيد هذا الإعراب قراءة أي ~~عمرو وحمزة والكسائي بالجر عطفا على ضمير ( فيها ) . | PageV07P284 ولما ~~كان إهلاكهم على عظمه وانتشاره في بعض الزمان , أجخل الجار فقال : { من قبل ~~} أي قبل هذه الأمم كلها , ثم علل إهلاكهم بقوله : { إنهم كانوا } خلقا ~~وطبعا , لا حيلة لغيرنا من أهل الأسباب في صلاحهم { قوما } أي أقوياء { ~~فاسقين * } أي عريقين في الخروج عن حظيرة الدين . | < < # | الذاريات : ( 47 - 51 ) والسماء بنيناها بأيد . . . . . # > > ^ ( والسمآء بنيناها بأيد وإنا لموسعون * والأرض فرشناها فنعم ~~الماهدون * ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون * ففروا إلى الله إني لكم ~~منه نذير مبين * ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين ) ^ } ~~) | ولما كان إهلاكهم بالماء الذي نزل من السماء , وطلع من الأرض بغير حساب ~~, كان ربما ظن ظان أن كان الخلل كان فيهما , ثم أصلح بعد ذلك كما يقعل لبعض ~~من يصنع من الملوك صنعا يبالغ في إتقانه فيختل , قال عاطفا على ما نصب ( ~~يوم ) مبينا أن فعل ذلك ما كان بالاختيار , دالا على وحدانيته لتمام القدرة ~~الدالة على ما تقدم من أمر البعث : { والسماء بنيناها } بما لنا من العظمة ~~{ بأيد } أي بقوة وشدة عظيمة لا يقدر قدرها . | ولما كانت المساء أليق ~~لعظمتها وطهارتها بصفات الإلهية , قال , وأكد لما يلزم إنكارهم البعث من ~~الطعن في القدرة : { وإنا } على عظمتنا مع ذلك { لموسعون * } أي أغنياء ~~وقادرةن ذوو سعة لا تتناهى , أي قدرة , من الوسع وهو اللطافة , وكذلك ~~أوسعنا مقدار جرمها وما فيها منالرزق عن أهلها فالأرض كلها على اتساعها ~~كالنقطة في وسط دائرة السماء بما اقتضته صفة الإلهية التي لا يصح فيها ~~الشركة أصلا , ومطيقون لما لا يحصى من أمثال لك , ومما هو أعظم منه مما لا ~~يتناهى , ومحيطون بكل شيء قدرة وعلما , وجديرون وحقيقون بأن يكون ذكل ms4972 من ~~أوصافنا فنوصف به لما يشاهد لنا من القوة على كل ما نريد , فلسنا كمن ~~يعرفون من الملوك لأنهم إذا فعلوا لا يقدرون على أعظم منه وإن قدروا كان ~~ذلك منهم بكلفة ومشقة , وسترون في اليوم الآخر ما يتلاشى وما تريدون في ~~جنبه , ومن اتساعنا جعلها بلا عمد مع ما هي عليه من العظمة إلى غير ذلك من ~~الأمور الخارقة للعوائد : { والأرض فرشناها } كذلك بما لنا من العظمة إلى ~~غير ممهدة جديرة بأن يستقر عليها الأشياء وهي آية على تمهيدنا لأرض الجنة ~~وشقنا لأنهارها وغرسنا لأشجارها { فنعم } أي فتسبب عن ذلك أن يقال في وصفنا ~~: نعم { الماهدون * } أي نحن لكمال قدرتنا , فما نزل من السماء شيء ولا نبع ~~من الأرض شيء إلا بإرادتنا وتقديرنا واختيرانا من الأزل لأنا إذا صنعنا ~~شيئا علمنا ما يكون منه من حين إنشائه إلى حين إنباته , ولا يكو نشيء منه ~~إلا بتقديرنا , وذلك تذكير بالجنة والنار , فما فوقها من خير فهو آية على ~~الجنة , وما فيها من جبال ووهاد وعر وخروبة فهو آية على النار . | ~~PageV07P285 ولما كان الأشياء المتضادة من الشيء الواحد أدل على اقدرة من ~~هذا الوجه , قال : { من كل شيء } أي من الحيوان وغيره { خلقنا } بعظمتنا . ~~| ولما كان الفلاسفة يقولون : لا ينشأ عن الواحد إلا واحد , قال ردا عليهم ~~: { زوجين } أي مثله شيئين كل منهما يراوح الآخر من وجه وإن خالفه من آخر , ~~ولا يتم نفع أحدهما إلا بآخر من الحيوان والنبات وغيرها ويدخل فيه الأضداد ~~من الغنى والفقر , والحسن والقبح , والحياة والموت , والضياء والظلام , ~~والليل والنهار , والصحة والسقم , والبر والبحر , والسهل والجبل , والشمس ~~والقمر , والحر والبرد , والسماوات والأرض , وان الحر والبرد من نفس جهنم ~~آية بينة عليها , وبناءهما على الاعتدال في بعض الأحوال آية على الجنة ~~مذكرة بها مشوقة إليها . | ولما كان ذلك في غاية الدلالة على أن كلا من ~~الزوجين يحتاج إلى الآخر وأنه لا بد أن ينتهي الأمر إلى واحد لا مثل له ~~وأنه لا يحتاج بعد ذلك التنبيه إلى ms4973 تأمل كبير قال : { لعلكم تذكرون * } ~~فأدغم تاء التفعل الدالة على العلاج والاجتهاد والعمل فصار : فتكونوا عند ~~من ينظر ذلك حق النظر على الرجاء من أن يتذكروا قليلا من التذكر فيهديكم ~~إلى سواء السبيل . | ولما كان كل شيء مما سواه لا بد له من ضد يضاده أو ~~قرين يسد مسده , وأما سبحانه فلا مثل له لأنه لو كان له مثل لنازعه , فلم ~~يقدر على كل ما يريد < # > 77 ( { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } ) 77 < # > [ الأنبياء : 22 ] وثبت أنه أهلك القرون الأولى بمخالفة الرسل عليهم ~~الصلاة والسلام , فثبت أن وراء المكلفين عذابا يحق لهم الفرار منه , وثبت ~~أن كل شيء غيره محتاج إلى زوجه ثبت حاجة الكل إليه , وأنه لا كفاية عند شيء ~~في كل ما يرام منه , وجب أن لا يفزع إلا إلى الواحد الغني فسبب عن ذلك قوله ~~: { ففروا } أي أقبلوا وألجؤوا . | ولما درب عباده في هذه السورة بصفة ~~الربوبية كثيرا , فتأهلوا إلى النفوذ في الغيب , وكانت العبادة لا تكون ~~خالصة إلا إن علقت بالذات لا لشيء آخر , ذكر اسم الذات فقال : { إلى الله } ~~أي غلى الذي لا مسمى له من مكافىء , وله الكمال كله , فهو في غاية العلو , ~~فلا يقر ويسكن أحد إلى محتاج مثله فإن المحتاج لا غنى عنده , ولا يقر ~~سبحانه . | إلا من تجرد عن حضيض عوائقه الجسمية إلى أوج صفاته الروحانية , ~~وذلك من وعيده إلى وعده اللذين دل عليهما بالزوجين , فتنقل السياق بالتحذير ~~والاستعطاف والاستدعاء , فهو من باب ( لا ملجأ منك إلا إليك أعوذ بك منك ) ~~واستمر إلى آخر السورة في ذكره إشارة إلى علي أمره , ثم علل بقوله مؤكدا ~~لما لهم من الإنكار : { إني PageV07P286 لكم منه } أي لا من غيره { نذير } ~~أ يمن أن يفر أحد إلى غيره فإنه لا يحصل له قصده . | لما أقام الدليل ~~العقلي الظاهر جدا بما يعلمه أحد في نفسه على ما قاله في هذا الكلام الوحيد ~~قال : { مبين * } ففرار العامة من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا , ومن الكسل ms4974 ~~إلى التشمير حذرا وحزما , ومن الشيق إلى السعة ثقة ورجاء , وفرار الخاصة من ~~الخير إلى الشهود , ومن الرسوم إلى الأصول , ومن الحظوظ إلى التجريد , ~~وفرار خاصة الخاصة مما دون الحق إلى الحق إشهادا في شهود جلاله واستغراقا ~~في وحدانيته , قال القشيري : ومن صح فراره إلى الله صح فراره مع الله - ~~انتهى . | وهو بكمال المتابعة ليس غيره , ومن فهم منه اتحادا بصفة أو ذات ~~فقد ما حد طريق القوم فعليه لعنه الله . | < < # | الذاريات : ( 52 - 55 ) كذلك ما أتى . . . . . # > > ^ ( كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون * ~~أتواصوا به بل هم قوم طاغون * فتول عنهم فمآ أنت بملوم * وذكر فإن الذكرى ~~تنفع المؤمنين ) ^ } ) | ولما ثبت أنه لا ملجأ إلا إلى الله الواحد المنزه ~~عن الزوج , وذلك هو الله الذي له الكمال كله , وكان ربما وقع في وهم أن في ~~الوجود من غير الزوجين المعروفين من نفزع إليه كما نفزع إلى وزير الملك ~~وبوابه ونحو ذلك مما يوصل إليه , قال محذرا من سطواته : { ولا تجعلوا } أي ~~بأهوائكم { مع الله } وكرر الاسم الأعظم ولم يضمر تعيينا للمراد لأنه لم ~~يشاركه في التسمية به أحد وتنبيها على ما له من صفات الكمال وتعميما لوجوه ~~المقاصد لئلا يظن , وقيل ( معه ) إن المراد انلهي عن الجعل من جهة الفرار ~~لا من جهة غيرها { إلها } . | ولما كان المراد كمال البيان , منع مجاز ~~التجيد منع تعنت من يطعن بتكثير الأسماء كما أشار إليه بقوله { قل ادعوا ~~الله أو ادعوا الرحمن } الآية بقوله : { آخر } ثم علل النهي مع التأكيد ~~لطعنهم في نذارته فقال : { إني لكم منه } أي لا من غيره فإن غيره لا يقدر ~~على شيء { يذير } أي محذر من الهلاك الأبدي بالعقوبة التي لا خلاص منها إن ~~فعلتم ذلك { مبين * } أي لا أقول شيئا من واضح النقل إلا ودليله ظاهر من ~~صريح العقل . | ولما ذكر قولهم المختلف الذي منه تكذيب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ونسبته إلى السحر والجنون وغير ذكل من الفنون , ومنه ms4975 الإشراك مع ~~اعترافهم بأنه لا خالق إلا الله ولا كاشف ضر غيره إلى غير ذلك من انواع ~~الاضطراب , وأخبر بهلاكتهم على ذلك وحذرهم منه ودل عليه إلى أن ختم بإنذار ~~من اتخذ إلها غيره قال مسليا : { كذلك } أي مثل قول قومك المختلف العظيم ~~الشناعة , البيعد من الصواب , بما له من الاضطراب , PageV07P287 وقع لمن ~~قبلهم , ودل على هذا المقدر بقوله مستأنفا : { ما أتى الذين } ولما كان ~~الرسل إنما كان إرسالهم في بعض الأزمان الماضية ولم يستغرقوا جميعها بالفعل ~~, أثبت الجار في قوله : { من قبلهم } وعمم النفي بقوله : { من رسول } أي من ~~عند الله { إلا قالوا } ولو بعضهم برضا الباقين : { ساحر أو مجنون * } لأن ~~الرسول يأتهيم بمخالفة مألوفاتهم التي قادتهم إليها أهواؤهم , والهوى هو ~~الذي أوجب لهم هذا التناقض الظاهر سواء كانت ( أو ) للتفصيل بأن بعضهم قال ~~واحدا وبعضهم قال آخر , أو كانت للشك لأن الساحر يكون لبيبا فطنا آتيا بما ~~يعجز عنه كثير من الناس , والمجنون بالضد من ذلك , ثم عجب منهم بقوله : { ~~أتواصوا به } أي أوصى بهذا بعض الأولين والآخرين بعضا . | ولما ساق هذا في ~~أسلوب الاستفهام إلى قول ينبغي السؤال عن سببه لما له من الخفاء , أجاب عنه ~~بأنهم لم يتواصوا به لأن الأولين ما اجتمعوا مع الآخرين : { بل هم } ~~اجتمعوا في وصف أداهم إلى ذلك . | وهو أنهم { قوم } أي ذوو شماخة وكبر { ~~طاغون * } أي عالون في الكفر مسرفون في الظلم والمعاصي مجاوزون للمقدار , ~~وأشار بالضمير إلى أن الطغيان أمر ذاتي لهم , فهو يمدح منه سبحانه بأنه هو ~~الذي قهرهم بسوقهم إلى هلاكهم بقدرته التامة وعلمه الشامل . | ولما كان صلى ~~الله عليه وسلم , يكاد يتلف نفسه الشريفة - بأبي هو وأمي - غما عليهم وأسفا ~~لتخلصهم عن الإسلام وخوفا أن لا يكون وفى بما عليه من التنبيه والإعلام , ~~سبب تعالى عن حالهم قوله : { فتول عنهم } أي كلف نفسك الإعراض عن الإبلاغ ~~في إبلاغهم بالمجادلة والصدع بالتغليظ بعد ما تقدم منك من الإبلاغ { فما ~~أنت } بسبب الإعراض بعد الإنذار { بملوم * } أي بمستحق ms4976 الملامة سبب إعراض ~~من أعرض منهم عنك , فإني إنما حكمت بذلك لأني إنما قسمت الناس إلى مؤمن ~~تنفعه الذكرى , وطاغ لا ينفعه شيء , ولذلك قال : { وذكر } أي بالرفق واللين ~~, ولما أصروا على التكذيب والإعراض حتى أيس منهم , أكد ما سببه عن التذكير ~~بقوله : { فإن الذكرى } أي التذكر بالنذارة البليغة { تنفع المؤمنين * } أي ~~الذين قدر الله أن يكونوا عريقين في وصف الإيمان ولا بد من إكثار التذكير ~~ليلغلب ما عندهم من نوازع الحظوظ وصوارف الشهوات , مع ما هم مجبولون عليه ~~من النسيان . | < < # | الذاريات : ( 56 - 60 ) وما خلقت الجن . . . . . # > > ^ ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * مآ أريد منهم من رزق ومآ ~~أريد أن يطعمون * إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين * فإن للذين ظلموا ~~ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون * فويل للذين كفروا من يومهم الذي ~~يوعدون ) ^ } ) | PageV07P288 ولما كان هذا ربما أوهم أن سواهم غير مقدور ~~عليهم , قال مؤكدا بالحصر دالا على أنه هو الذي قسم الناس إلى طاغين ~~ومؤمنين بالعطف على ما تقديره : فما حكم عليهم بذلك الضلال والهدى غيري , ~~وما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب إلا لاستخلاص المؤمنين وإقامة الحجة على ~~الضالين : { وما خلقت الجن والإنس } الذين أكثرهم كافرون { إلا ليعبدون * } ~~أي لينجروا تحت أقضيتي على وجه ينفعون به أنفسهم أو يضرونها لا لشيء يلحقني ~~أنا منه شيء من نفع أو ضرر , فإني بنيتهم على العجز وأودعتهم نوازع الهوى , ~~وركبت فيهم غرائز فهيأتهم لاتباع الهدى , فمن أطاع عقله كان عابدا لي فارا ~~إلي مع جريه تحت الإرادة , عبادة شرعية أمرية يستفيد بها الثواب , ومن أطاع ~~الهوى كان عابدا لي مع مخالفته أمري عبادة إرادية قسرية يستحق بها العقاب , ~~وكل تابع لهواه إذا حقق النظر علم أن الخير في غير ما هو مرتكبه , فما ~~ألزمه ما هو فيه مع علمه بأن غيره خير منه إلا قهر إرادتي , فهذه عبادة ~~لغوية , وذاك عبادة شرعية , وقد مر في آخر هود ما ينفع هنا , وهذا كله معنى ~~قول ابن عباس : إلا ليقروا لي بالعبادة طوعا ms4977 وكرها ولما حصر سبحانه خلقهم ~~في إرادة العبادة , صرح بهذا المفهوم بقوله : { ما أريد منهم } أي في وقت ~~من الأوقات , وعم في النفي بقوله : { من رزق } أي شيء من الأشياء على وه ~~ينفعني من جلب أو دفع , لأني منزه عن لحاق نفع أو ضر , كما يفعل غيري من ~~الموالي بعبيدهم من الاستكثار بغلاتهم والاستعانة بقواتهم لأني الغني ~~المطلق وكل شيء مفتقر إلي { وما أريد } أصلا { أن يطمعون * } أي أن يرزقوني ~~رزقا خاصا هو الإطعام , فرما أكلتها الكلاب ثم بالت على الأصنام . | ثم لا ~~يصدهم ذلك , وهذه الآية دليل على أن الرزق أعم من الأكل , والتعبير ~~بالإرادة دال على ما قلت إنه مقصود بالعبادة . | وهو الجري تحت الإرادة , ~~تارة بموافقة الشرع وتارة بمخالفته . | ولما كان الاهتمام بأمر الرزق - وقد ~~ضمنه سبحانه - شاغلا عن كثير من العبادة , وكان الغنسان يظن أن الذي حثل له ~~ما حواه من الرزق سعيه , قال حاصرا ذلك مؤكدا إزالة لتلك الظنون معللا ~~لافتا الكلام إلى سياق الاسم الأعظم الذي لم يتسم به غيره , نصا على المراد ~~وبالغا من الإرشاد أقصى المراد : { إن الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال ~~المنزه عن شوائب النقص { هو } أي لا غيره { الرزاق } أي على سبيل التكرار ~~لكل حي وفي كل وقت . | ثم وصفه بما يبن هوان ذلك فقال : { ذو القوة } أي ~~التي لا تزول بوجه { المتين * } أي الشديد الدائم الشدة . | PageV07P289 ~~ولما أقسم سبحانه على الصدق في وعيدهم , ودل على ذلك حتى يجمع قصد أحوالهم ~~على إرادته . | وختم بقوته التي لا حد لها , سبب عن ذلك إيقاعه بالمتوعدين ~~, فقال مؤكدا لأجل إنكارهم : { فإن للذين ظلموا } أي الذين أوقعوا الأشياء ~~في غير مواقعها . | ولما كان القسم على ما يوعدون بما يحمل المطر , عبر عن ~~نصيبهم الذي قدره عليهم من ذلك بقوله : { ذنوبا } أي خطا من العذاب طويل ~~الشر , كأنه من طوله صاحب ذنب وهو على ذنوبهم { مثل ذنوب أصحابهم } أي ~~الذين تقدم ظلمهم بتكذيب الرسل وهو في مشابهته له كالدلو الذي يساجل به دلو ms4978 ~~آخر , وذلك دليل واضح على أن ما يوعدون صادق , وأن الدين واقع { فلا ~~يستعجلون * } أي يطلبوا أن آتيهم به قبل أوانه اللاحق به , فإن ذلك لا ~~يفعله إلا ناقص , وأنا متعال عن ذلك لا أخاف الفوت ولا يلحقني عجز ولا أوصف ~~به , ولا بد أن أوقعه بهم في الوقت الذي قضيت به في الأزل , لأنه أحق ~~الأوقات بعقابهم لتكامل ذنوبهم , وحينئذ تكون فيا له من تهديد ما أفظعه , ~~ووعيد ما أعظمه وأوجعه , أمرا لا يدفعه دافع , ولا يمنع من وقوعه مانع , ~~ولذلك سبب عنه قوله : { فويل } أي شر حال وعذاب يوجب الندب والتفجع { للذين ~~كفروا } أي ستروا ما ظهر من هذه الأدلة التي لا يسع عاقلا إنكارها { من ~~يومهم } إضافة إليهم لأنه خاص بهم دون المؤمنين { الذي يوعدون * } في ~~الدنيا والآخرة , وقد انطبق آخرها على أولها بصدق الوعيد , وثبت بالدليل ~~القطعي لك القسم الأكيد - والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب . | . . ~~. | PageV07P290 < # > سورة الطور < # > | مقصودها تحقيق وقوع العذاب الذي هو مضمون الوعيد المقسم على وقوعه في ~~الذاريات الذي هو مضمون الإنذار المدلول على صدقه في ق ، فإن وقوعه أثبت ~~وأمكن من الجبال التي أخبر الصادق بسيرها ، وجعل دك بعضها آية يمكن عامره ~~وغيره إخرابه ، والسقف الذي يمكن رافعه وضعه ، والبحر الذي يمكن من سجره أن ~~يرسله ، وقد بان أن اسمها أدل ما يكون على ذلك بملاحظة القسم وجوابه حتى ~~بمفردات الألفاظ في خطابه { بسم الله } الملك الأعظم ذي الملك والملكوت { ~~الرحمن } الذي عم بالرحموت من حققه { الرحيم } الذي خص برحمته وتوفيقه أهل ~~القنوت . | < < # | الطور : ( 1 - 10 ) والطور # > > ^ ( والطور * وكتاب مسطور * في رق منشور * والبيت المعمور * والسقف ~~المرفوع * والبحر المسجور * إن عذاب ربك لواقع * ما له من دافع * يوم تمور ~~السمآء مورا * وتسير الجبال سيرا ) ^ } ) | لما ختمت الذاريات بتحقيق ~~الوعيد , افتتحت هذه بإثبات العذاب الذي هو روح الوعيد , فقال تعالى : { ~~والطور * } وذلك أنهم لما كانوا يقولون عما أتاهم به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم : إنه سحر خيال لا حقيقة له , أقسم بالجبل - الذي ms4979 هو عندهم وعند غيرهم ~~من ذوي العقول - أثبت الأرض وأشدها وأصلبها , وعبر عنه بالطور الذي هو ~~مشترك بين مطلق الجبل وبين المضاف إلى سينا الذي كان فيه نبوة موسى عليه ~~السلام وإنزال كثير من كتابه وغير ذلك - آيات تعلمها بنو إسرائيل الذين ~~يستنصحونهم ويسألونهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ويرضون بقولهم فيه فمن ~~آياته أنه كانت فيه الرحمة بمناجاة موسىعليه السلام وما كتب له فيه على ~~ألواح الجوهر وما أنزل عليه من الناموس الذي جعله هدى ورحمة وموعظة وذكرا ~~وتفصيلا لكل شيء وكان فيه مع الرحمة العذاب بما أتاهم من الصاعقة التي ~~PageV07P291 أماتتهم ثم أحياهم الله وربما كانوا يشهدون من السحاب الذي ~~تخلله فيكون كقتار الأتون , وفيه بروق كأعظم ما يشاهد من النار , وأبواق ~~تزعق بصوت هائل , ولما شوهد من اندكاك لجبل عند التجلي وصعق موسى عليه ~~السلام إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف الظلمات , وأيضا فالطور كل جبل ~~ينبت , وإنبات الجبل عجيب , فإن نباته لا يكون إلا بسبب , وسبب النبات ~~الماء , والماء منبث في الأرض لتركبها عليه وهو مواز لما انكشف منه من ماء ~~البحار , وكلما علت الأرض بعدت عن الماء , والجبال أبعدها منه , فسبب ~~إنباته خفي جدا لا يعلمه إلا الله ومن فهمه إياه . | ولما كانت الأرض لوح ~~السماء التي منها الوعيد , وكانت الجبال أشدها , فذكر أعظمها آية , وكان ~~الكتاب لوح الكتاب , وكانت الكتب الإلهية أثبت الكتب , وكان طور سينا قد ~~نزل كتاب إلهي قال : { وكتاب } وحقق أمره بقوله : { مسطور * } أي متفق ~~الكتابة بسطور مصفوفة من حروف مرتبة جامعة لكلمات متفقة ككتاب موسى عليه ~~السلام الذي أنزله عليه وكلمه بكثير منه في الطور وتنكيره للتعظيم لأنه إن ~~كان المراد به الكتب الإلهية فهو أثبت الأشياء , وإن كان المراد صحيفة قريش ~~فقد كانوا ظنوها أثبت العهود , وذكر أمتن ما يكتب فيه وأشده وأتقنه فقال : ~~{ في رق } أي في جلد مهيأ بالقشر للكتابة { منشور * } أي مهيأ للقرأءة ~~والاتعاظ بما فيه , ويمكن أن يكون أراد به جميع الكتب المنزلة ms4980 عاما بعد خاص ~~, قال الرازي : قال الصادق : إن الله تجلى لعبده بكتابه كما تجلى بالطور ~~لما كان محلا للتجلي خلقا , والكتاب لما كان محلا للتجلي أمرا , أجراهما في ~~قرن - انتهى . | ويجوز أن يكون أراد به سبحانه صحيفة الظلم التي كتبوها بما ~~تعاقدوا عليه من أنهم لا يعاشرون بني هاشم ولا يكلمونهم ولا يبايعونهم ولا ~~يشاورونهم ولا يناكحونهم ولا يؤازرونهم ولا يعاملونهم حتى يسلموا إليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وعلقوها في جوف الكعبة فانحاز بنو هاشم إلى شعب ~~أبي طالب خلف أبي قبيس وتبعهم بنو المطلب رهط إمامنا الشافعي رضي الله عنه ~~, فتحيزوا معهم من بين بني عبد مناف , فكان ذلك سبب شرفهم على مدى الدهر , ~~فأرسل الله على الصحيفة - بعد أن مضى على ذلك سنتان حين جهدهم العيش ومضهم ~~الزمان وزلزلتهم القوارع زلزالا شديدا وهم ثابتون ليظهر الله بذلك شرف ~~منشاء من عباده - الأرضة , فأبقت ما فيها من أسماء الله تعالى ومحت ما كان ~~من ظلمهم وقطيعتهم , فكان ذلك سببا لأن قام في نقضها معشر منهم , فنقضها ~~الله بهم , وكانوا إذا ذاك كفرة كلهم ليظهر الله قدرته سبحانه على كل من ~~النقض والإبرام بما شاء ومن شاء { والبيت المعمور * } الذي هو قيام للناس ~~كما كانت قبة الزمان قياما لبني إسرائيل , هذا إن كان تعالى أراد به الكعبة ~~التي علقوا فيها الصحيفة بعد PageV07P292 أن كانوا لما عمروها اختلفوا فيمن ~~يضع الحجر الأسود في اموضعه , وزاد بهم الاختلاف حتى تهيؤوا للقتال ~~وتحالفوا عليه , فكان منهم لعقة الدم , ومنهم المطيبون كما هو مشهور في ~~السير , ثم وفقوا لأن رضوا أن يحكم بينهم أو داخل من باب عينوه , فكان أول ~~داخل منه النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا بأجمعهم : هذا محمد هذا الأمين , ~~رضينا بحكمه , فحكم صلى الله علي وسلم بأن يوضع الحجر الشريف في ثوب ويأخذ ~~رئيس كل قبيلة بطرف من أطرافه ويرفعوه كلهم , فلما وازى موضعه أخذه هو صلى ~~الله عليه وسلم بيده الشريفة فوضعه في موضعه , فكان الفخر له ms4981 مضاعفا بحكمه ~~وإصلاحه بينهم , واختصاصه بوضعه وهو معمور بالزوار والخدمة وكثرة الحاشية . ~~| ولما كان البيت لا بد في مسمكاه من السقف قال : { والسقف المرفوع * } ~~يريد سقف الكعبة إشارة إلى أنه محكم البناء مغلق الباب متقن السقف إتقانا ~~هو أعظم من إتقان سقف قبة الزمان التي شاهد فيها بنو إسرائيل من العظمة ~~الإلهية والجلال ما إن سألتموهم عنه أخبروكم به , ومع ذلك سلط على الصحيفة ~~- التي في جوفه , ولعلها كانت في سقفه بحيث لا يصل إليها أحد - ما أفسدها ~~تحقيقا لثبوت ما أراد من أمره تحذيرا مما توعد به , ويمكن أن يراد به مع ~~ذلك السماء التي فيها ما توعدون , ومن المعلوم أن لكل ذي عقل أن أقل السقوف ~~لا يرتفع توعدون , ومن المعلوم أن لكل ذي عقل أن أقل السقوف لا يرتفع بغير ~~عمد إلا بأسباب لا ترى , فكيف بالسماء التي لها من السعة والعظمة والثخن ~~وما فيها من الكواكب ما لها مما لا يسع العقول شرحه , وهم لا ينظرون أسبابه ~~كما قال تعالى < # > 77 ( { بغير عمد ترونها } ) 77 < # > [ الرعد : 2 ] ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إنه العرش ~~وهو سقف الجنة . | ولما كان الماء أقوى من كل ما تقدم , ختم به فقال : { ~~والبحر المسجور * } أي الذي فيه من الماء أكثر من ملئه وهو ساجره أي مانعه ~~- كما يمنع الكلب بساجوره عن الانسباح , ولو أراد خلاه فاندفق فجرى فأهلك ~~ما مر عليه من جبل وكتاب وبيت كما شوهد لما شجره سبحانه لبني إسرائيل ~~فانفلق , ونشفت أرضه ثم لما أراد سببه أن فرعون فعذهبم به فأهلكهم حتى لم ~~يبق منهم أحد . | ولما أقسم بما يدل على نبوة موسى عليه السلام وثلث بما ~~أشار إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم , وثنى بما هو مشترك بينهما , وكان ~~الأول مع ذلك دالا على استقرار الأرض , والثالث على صلاحيتها للسكنى , ~~والثاني على الحافظ في ذلك , وربع بما كمل املنافع , وحذر من السقوط كما ~~خوفب الأول من الخسف , وخمس بما دل على ms4982 ما أريد بالأول من الاستقرار لأنه ~~لو كان ميل لانطلق البحر إلى جهته , أجاب القسم بقوله : PageV07P293 { إن ~~عذاب } ولما كان سبحانه عظيم الإكرام له صلى الله عليه وسلم , أضاف العذاب ~~إلى صفة الإحسان والتربية الخاصة به , وأضاف الصفة إلى ضميره إيذانا بأنه ~~يريه في أمته ما يسره , وإن مماثلة ( ذنوبهم كذنوب أصحابهم ) الماضين إنما ~~هي في مجرد الإذلال , لا في أنه يستأصلهم كما استأصل أولئك فقال : { ربك } ~~أ يالذي تولى تربيتك أي عذاب أراده نزول ما هو ثقيل من مكان عال كما أنه لو ~~أراد لقلب الأرض التي ثبتها وأوقع السقف الذي رفع , وأطلق البحر الذي سجر , ~~كما علم من إطلاقه البحر فلقه على آل فرعون حتى إغرقهم به { ما له من دافع ~~* } لأنه لا شريك لموقعه لما دلت عليه هذه الأقسام من كمال قدرته وجلال ~~حكمته وضبط أعمال العباد للمجازاة سواء قلنا : إن الكتاب هو الذي يكتبه ~~الحفظة أ الذي يضبط الدين , فملا أوقع الجزواء بهم في الصحيفة , ونقض ~~معاقدتهم , وفض جمعهم , أخرج معاشرك من ذلك الضيق فكذلك يؤيدك حتى توقع بهم ~~وتنق جمعهم وتكسر شوكتهم ونقتل سرواتهم ويظهر دينك على دينهم , ويصير من ~~بقي منهم من حزبك وأنصار دينك , قال البغوي : قال جبير بن مطعم رضي الله ~~عنه : قدمت المدينة لأكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر , ~~فدفعت إليه وهو يصلي بأصحابه المغرب وصوته يخرج من المسجد فسمعته يقرأ { ~~والطور - إلى قوله : إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع } فكأنما صدع قلبي ~~حين سمعته , ولم أكن أسلمت يومئذ , فأسلمت خوفا من نزول العذاب ما كنت أظن ~~أن أقوم من مقامي حتى يقع بي العذاب . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ~~لما توعد تعالى كفار قريش ومن كان على طريقتهم من سائر من كذب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنهم سيصيبهم ما أصاب غيرهم من مكذبي الأمم , المنبه ~~على ذكرهم في السورة قبل , ثم أشار سبحانه إلى عظيم ما ينالهم من الخزي ~~وأليم العذاب ms4983 بقوله : < # > 77 ( { فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون } ) 77 < # > [ الذاريات : 60 ] أقسم سبحانه على صحة ذلك ووقوعه - والعياذ به سبحانه ~~من سخطه وأليم عذابه - فقال تعالى : { والطور - إلى قوله : إن عذاب ربك ~~لواقع ما له من دافع } ثم أومأ سبحانه إلى مستحقيه ومستوجبيه فقال { فويل ~~يومئذ للمكذبين } ثم ذكر ما يعنفون به ويوبخون على ما سلف منهم من نسبته ~~عليه الصلاة والسلام إلى السحر فقال تعالى < # > 77 ( { ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون } ) 77 < # > [ سبأ : 42 ] { أفسحر هذا أم أنتم لا PageV07P294 تبصرون } ثم أعقب ~~بذكر حال المؤمنين المستجيبين , ثم ذكر إثر إعلامه بحال الفريقين - نعمته ~~على نبيه عليه الصلاة والسلام وعصمته ووقاتيه مما يقول المفترون فقال تعالى ~~{ فذكر فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون } ثم جرت الآي على توبيخهم في ~~مقالتهم ووهن انتقالاتهم , فمرة يقولون : كاهن , ومرة يقولون : مجنون , ~~ومرة يقولون : شاعر يترقب موته . | فوبحهم على ذلك كله وبين كذبهم وأرغمهم ~~وأسقط ما بأيديهم بقوله { فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين } وهذا هو ~~المسقط لما تقولاه أولا وآخرا , وهذا الذي لم يجدوا عنه جوابا , ورضوا ~~بالسيف والجلاء , لم يتعرضوا لتعاطي معارضته , وهذاهو الوارد في قوله تعالى ~~في صدر سورة البقرة ^ ( { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة ~~من مثله } ) ^ [ البقرة : 23 ] الآيات , فما نطقوا في جوابه ببنت شفة ^ ( { ~~قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله } ~~) ^ [ الإسراء : 88 ] فتبارك من جعله آية باهرة وحجة قاهرة - انتهى . | ~~ولما أثبت وقوع العذاب , تشوفقت نفس الموقن إلى وقته , قال مستأنفا لبيان ~~أنه وقاع على تلك الصفة : { يوم تمور } أي تتحرك وتضطرب وتجيء وتذهب وتتكفأ ~~تكفأ السفينة وتدور دوران الرحى , ويموج بعضها في بعض , وتختلف أجزاؤها ~~بعضها في بعض , ولا تزول عن مكان ؛ قال البغوي : والمور يجمع هذه المعاني ~~فهو في اللغة الذهاب والمجيء والتردد والدوران والضطراب , قال الرازي : ~~وقيل : تجيء وتذهب كالدخان ثم تضمحل . | { السماء } التي هي سقف بيتكم ~~الأرض { مورا ms4984 * } أي اضطرابا شديدا { وتسير الجبال } أي تنتقل من أمكنتها ~~انتقال السحاب , وحقق معناه بقوله : { سيرا } فتصير هباء منثورا وتكون ~~الأرض قاعا صفصفا . | < < # | الطور : ( 11 - 16 ) فويل يومئذ للمكذبين # > > ^ ( فويل يومئذ للمكذبين * الذين هم في خوض يلعبون * يوم يدعون إلى ~~نار جهنم دعا * هذه النار التي كنتم بها تكذبون * أفسحر هذا أم أنتم لا ~~تبصرون * اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سوآء عليكم إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون ) ^ } ) | ولما حقق العذاب وبين يومه , بين أهله بقوله مسببا عن ذلك ~~: { فويل } هي كلمة يقولونها لمن وقع في الهلاك , ومعناه حلول شر فاضح يكون ~~فيه ندبة وتفجع { يومئذ } أي يوم إذ يكون ما تقدم ذكره { للمكذبين * } أي ~~العريقين في التكذيب وهم من مات على نسبة الصادقين إلى الكذب . | ولما كان ~~التذكيب قد يكون في محله , بين أن المراد تكذيب ما محله الصدق فقال : { ~~الذين هم } أي من بين الناس بظواهرهم وبواطنهم { في خوض } أي أعمالهم ~~PageV07P295 وأقوالهم أعمال الخائض في ماء , فهو لا يدري أين يضع رجله . | ~~ولما كان ذلك قد يكون من دهشة بهم أو غم , نفى ذلك بقوله : { يلعبون * } ~~فاجتمع عليهم أمران موجبان للباطل : الخوض واللعب , فهم بحيث لا يكاد يقع ~~لهم قول ولا فعل في موضعه , فلا يؤسس على بين أو حجة . | ولما صور تكذيبهم ~~بأشنع صورة , بين ويلهم ببيان ظرف وما يفعل فيه فقال : { يوم يدعون } أي ~~يدفعون دفعا عنيفا بجفوة وغلظة من كل ما يقيمه الله لذلك , ذاهبين ومنتهين ~~{ إلى نار جهنم } وهي الطبقة التي تلقاهم بالعبوسة والكراهة والغليظ ~~والزفير , وأكد المعنى وحققه بقوله : { دعا * } قال البغوي : وذلك أن خزنه ~~جهنم يعلون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم فم يدفعون دفعا ~~على وجوههم وزجا في أقفيتهم , مقولا لهم تبكيتا وتوبيخا : { هذه النار } أي ~~الجسم المحرق المفسد لما أتى عليه , الشاغل عن اللعب { التي كنتم } ~~بجبلاتكم الفاسدة . | ولما كان تكذيبهم بها في أقصى درجات التكذيب , وكان ~~سببا لكل تكذيب , كان كأنه مقصور عليه فقال مقدما للظرف إشارة إلى ذلك , { ~~بها ms4985 تكذبون * } أي في الدنيا على التجديد والاستمرار . | ولما كانوا يقولون ~~عنادا : إن القرآن بما فيه من الوعيد سحر , سبب عن ذلك الوعيد قوله مبكتا ~~موبخا متهكما : { أفسحر هذا } أي الذي أنتم فيه من العذب مع هذا الإحراق ~~الذي تصلون منه { أم أنتم } في منامه ونحوه { لا تبصرون * } بالقلوب كما ~~كنتم تقولون في الدنيا < # > 77 ( { قلوبنا في أمنة } ) 77 < # > [ فصلت : 5 ] ولا بالأعين كما كنتم تقولون للمذرين < # > 77 ( { من بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون } ) 77 < # > [ فصلت : 5 ] أي أنتم عمي عن المخبر عنه مع إحراقه لهم كما كنتم عميا ~~عن الخبر أي هل تستطيعون أن تقولوا إنكم لا تبصرون المخبر عنه كما كنتم ~~تقولون في الخبر كذبا وفجورا , ثم يقال لهم بعد هذا التبكيت الذي يقطع بأن ~~جوابهم يكون بأن يقولوا : لا وعزة ربنا ما هو بسحر ولا خيال , بل هو حقيقة ~~, ونحن في غاية الإبصار على سبيل الإخزاء , والامتهان والإذلال : { اصلوها ~~} أي باشروا حرها وقاسوه وواصلوه كما كنتم تواصلون أذى عبادي بما يحرق ~~قلوبهم { فاصبروا } أي فيتسبب عن تكذيبكم في الدنيا ومباشرتكم لها الآن أن ~~يقال لكم : اصبروا على هذا الذي لا طاقة لكم به { أو لا تصبروا } فإنه لا ~~محيص لكم عنها { سواء عليكم } أي الصبر والجزع . | ولما كان المعهود أن ~~الصبر له مزية على الجزع , بين أن ذلك حيث لا تكون المصيبة إلا على وجه ~~الجزاء الواجب وقوعه فقال معللا : { إنما تجزون } أي يقع جزاؤكم الآن وفيما ~~يأتي على الدوام { ما كنتم } أي دائما بما هو لكم كالجبلة { تعملون * } مع ~~الأولياء غير مبالين بهم , فكان هذا ثمرة فعلكم بهم . | PageV07P296 < < # | الطور : ( 17 - 21 ) إن المتقين في . . . . . # > > ^ ( إن المتقين في جنات ونعيم * فاكهين بمآ آتاهم ربهم ووقاهم ربهم ~~عذاب الجحيم * كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون * متكئين على سرر مصفوفة ~~وزوجناهم بحور عين * والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ~~ذريتهم ومآ ألتناهم من عملهم من شيء كل امرىء بما كسب رهين ) ^ } ) | ولما ~~ذكر ما للمكذبين من العذاب المشار ms4986 إليه بكلمات القسم , أتبعه ما لأضدادهم ~~من الصواب المنبه عليه أيضا بتلك الكلمات ليتم الخبر ترغيبا وترهيبا , فقال ~~جوابا لمن كأنه قال : فما لمن عاداهم فيك ؟ مؤكدا لما للكفار من التكذيب : ~~{ إن المتقين } أي الذين صارت التقوى لهم صفة راسخة { في جنات } أي بساتين ~~دائما في الدنيا حكما وفي الآخرة . | ولما كانت البساتين ربما يشقى داخلها ~~أو صاحبهان نفى هذا بقوله : { ونعيم * } أي نعيم في العاجل , يعني بما هم ~~فيه من الأنس , والآجل بالفعل , وزاد في تحقيق التنعم بقوله : { فاكهين } ~~أي معجبين متلذذين { بما آتاهم ربهم } الذي تولى تربيتهم بعملهم باطلاعات ~~إلى أن أوصلهم إلى ذهاب النعيم , فهو لأن عظمته من عظمته لا يبلغ كنه وصفه ~~. | ولما كان المتنعم قد تكون نعمته بعد عذاب , فبين أنهم ليسوا كذلك فقال ~~: { ووقاهم } أي قبل ذلك { ربهم } أي المتفضل بتربيتهم بكفهم عن المعاصي ~~والقاذورات { عذاب الجحيم * } أي النار الشديدة التوقد . | ولما كان من ~~باشر النعمة وجانب النقمة في هناء عظيم , قال مترجما لذلك على تقدير القول ~~: { كلوا } أي أكلا هنيئا { هنيئا } أي لا نقص فيه , وهو صفة في موضع ~~المصدر أي هنأتم بمعنى أن كل ما تتناولونه مأمون العاقبة من التخمة والسقم ~~ونحوها { بما كنتم } أي كونا راسخا { تعملون * } أي مجددين له على سبيل ~~الاستمرار حتى كأنه طبع لكم . | ولما كان النعيم لا يتم إلا بأن يكون ~~الإنسان مخدوما , نبه عليه بقوله : { متكئين } أي مستندين استناد راحة , ~~لأنهم يخدمون فلا حاجة لهم إلى الحركة { على سرر مصفوفة } أي منصوبة واحدا ~~إلى جنب واحد , مستوية كأنها السطور على أحسن نظام وأبدعه , قال الأصبهاني ~~: والصفة : مد الشيء على الولاء . | ولما كان السرور لا يتم إلا بالتنعم ~~بالنساء قال : { وزوجناهم } أي تزويجا يليق بما لنا من العظمة . | ولما ~~كانت تلك الدار غنية عن الأسباب , فكانوا غنيين عن العقد , قا لمشيرا ~~بالباء إلى صرف الفعل عن ظاهره فإنه إذا كان بمعنى النكاح تعدى بنفسه , ~~وتضمين الفعل ( قرناهم ) أي جعلناهم أزواجا مقرونين { بحور } أي نساء هن في ~~شدة ms4987 بياض العين PageV07P297 وشدة سوادها واستدارة حدقتها ورقة جفونها في ~~غاية لا توصف { عين * } أي واسعات الأعين في رونق وحسن . | ولما وصف حال ~~المتقين من أعداء المكذبين وبدأ بهم لشرفهم , أتبعهم من هو أدنى منهم حالا ~~لتكون النعمة تامة فقال : { والذين آمنوا } يعني أقروا بالإيمان ولم يبدلوا ~~ولا بالغوا في الأعمال الصالحة . | ولما كان من هؤلاء من لا يتبه ذريته ~~بسبب إيمانه لأنه يرتد عنه , عطف على فعلهم تمييزا لهم واحترازا عمن لم ~~يثبت قوله : { واتبعتهم } أي بما لنا من الفضل الناشىء عما لنا من العظمة { ~~ذرياتهم } الصغار والكبار وإن كثروا , والقرار لأعينهم بالكبار بايمانهم ~~والصغار بإيمانهم آبائهم { بإيمان } أي بسب إيمان حاصل منهم , ولو كان في ~~أدنى درجات الإيمان , ولكنهم ثبتوا عليه إلى أن ماتوا , وذلك هو شرط ~~إتباعهم الذريات , ويجوز أن يراد وهو أقرب : بسبب إيمان الذرية حقيقة إن ~~كانوا كبارا , وحكما إن كانوا صغارا , ثم أخبر عن الموصول بقوله : { ألحقنا ~~بهم } أي فضلنا لأجل عمل آبائهم { ذرياتهم } وإن لم يكن للذرية بالسبب وهو ~~المعنى : ( ولأجل عين ألف عين تكرم ) ويلحق بالذرية من النسب الذرية بالسبب ~~وهو المحبة , فإن كان معها آخذ لعلم أو عمل كانت أجدر , فتكون ذرية الإفادة ~~كذرية الولادة , وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( المرء مع من أحب ) ~~في جواب من سأل عمن يحب القوم ولم يلحق بهم . | ولما كان ربما خيف أن ينقص ~~الآباء بسبب إلحاق ذرياتهم بهم شيئا من درجاتهم , قال : { وما ألتناهم } أي ~~نقصنا الآباء وحبسنا عنهم { من عملهم } وأكد النفي بقوله : { من شيء } بسبب ~~هذا الإلحاق وكان من فوق رتبتهم من الذين يؤمنون والمؤمنين والمتقين وغيرهم ~~أولى منهم , وإنما فصلهم منهم لأن هؤلاء قد لا يوقنون قبل دخول الجنة ~~العذاب , قال جامعا للفريقين , أو يقال - ولعله أقرب - أنه لما ذكر اتباع ~~الأدنى للأعلى في الخير فضلا , أشفقت النفس من أن يكون إتباع في الشر فأجاب ~~تعالى بأنه لا يفعل بقوله : { كل امرىء } أي من الذين آمنوا والمتقين ~~وغيرهم { بما كسب ms4988 } أي من ولد وغيره { رهين * } أي مسابق ومخاطر ومطلب وآخر ~~شيئا بدل كسبه وموفي على قدر ما يستحقه ومحتبس به إن كان عاصيا , فمن كان ~~صالحا كان آخذا بسبب صلاح ولده لأنه كسبه , ولا يؤخذ به ذلا وهو حسن في ~~نفسه لأجل الحكم بإيمانه سواء كان PageV07P298 حقيقة أو حكما وكل حسن مرتفع ~~, فلذلك يلتحق بأبيه , وأما الإساءة فقاصرة على صاحبها يؤخذ بها ويرهن ~~بذنبه ولا يؤخذ بذنب غيره , والحاصل أن المعالي التي هي كالحياة تفيض من ~~صاحبها على غيره فتحييه , والمساوئ التي هي كالموت لا يتعدى صاحبها , قال ~~الرازي في اللوامع : اعلم أن الذوات بقاؤها ودوامها ببقاء صورها , فحيث ما ~~كانت الصورة المقومة لها أدوم كانت الذوات بها أقوم , وأن النفوس الإنسانية ~~ذوات وصورها علومها وأخلاقها , فحيث ما كانت العلوم حق اليقين ثم عين ~~اليقين , والأخلاق مقومة على نهج الشرع المبين , كانت النفوس دائمة بدوامها ~~غير مستحيلة , إذ لا تتطرق الاستحالة إلى اليقين والعمل الحق , وغير كائنة ~~ولا فاسدة إذ ليس عن اليقين ولا العلوم الحقيقية من عالم الكون والفساد , ~~وإن لم تبلغ النفس إلى كمال اليقين فتعلقت بدليل صاحبه كما انخرطت في سلكها ~~حتى يخرط الإنسان في سلك محبته , لو أحب أحدكم حجرا لحشر معه , فإن الدين ~~هو الحب في الله والبغض في الله , ولهذا اكتفى الشرع من المكلفين بالإسلام ~~وتسليم وتفويض وتحكيم دون الوقوف على المسائل العويصة بالبراهين الواضحة ~~الصحيحة , وما لم يبلغ الولد حد التكليف واخترم ألحقوا بآبائهم وحكم عليهم ~~بحكم عقائدهم وآرائهم حتى يكون حكم آبائهم جاريا عليهم وحكم القيامة نافذا ~~فيهم , وأما إذا كانت الصورة القائمة بالذوات مستحيلة بأن كانت جهلا وباطلا ~~ينقص أوله آخره وآخره أوله , كانت ذات النفس لا تنعدم ولا تفنى بل تبقى على ~~حال لا يموت فيها ولا يحي , فإنها لو فنيت لاستراحت ولو بقيت لاستطابت , ~~فهي على استحالة بين الموت والحياة , وهذه الاستحالة لا تكون إلا في أجساد ~~وأبدان ^ ( { كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها } ) ^ [ النساء : 56 ] ~~انتهى . | وهو كما ms4989 ترى في غاية النفاسة , ويؤيده ( يحشر المرء على دين ~~خليله فلينظر أحدكم من يخالل ) ويجوز أن تكون الجملة تعليلا لما قبلها من ~~النفي , أي ما نقصناهم لأنه قد سبق في حكمنا بأن يكون ( كل امرىء ) قدرنا ~~أن يرتهن بما قد ينقصه { بما كسب } أي لا يضر ما كسب ما كسبه غيره ( رهين ) ~~أي معوق عن النعيم حتى يأتيه بما يطلق من العمل الصالح . | < < # | الطور : ( 22 - 27 ) وأمددناهم بفاكهة ولحم . . . . . # > > ^ ( وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون * يتنازعون فيها كأسا لا لغو ~~فيها ولا تأثيم * ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون * وأقبل بعضهم ~~على بعض يتسآءلون * قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين * فمن الله علينا ~~ووقانا عذاب السموم ) ^ } ) | PageV07P299 ولما جمعهم في إلحاق الذرية بهم ~~لأنهم من أعظم النعيم , وأمنهم مما قد يخشى من نقصهم بنقصه غيرهم , وعلل ~~ذلك ليكون أرسخ في النفس , أتبعه بما يشاكله فقال : { وأمددناهم } أي آمنوا ~~والمتقين ومن ألحق بهم من ذرياتهم بما لنا من العظمة زيادة على ما تقدم { ~~بفاكهة } . | ولما كانت الفاكهة ظاهرة فيما يعرفونه في الدنيا وإن كان عيش ~~الجنة بجميع الأشيء تفكها ليس فيه شيء يقصد به حفظ البدن قال : { ولحم مما ~~يشتهون * } ليس فيه شيء منه مما لا يعجبهم غاية الإعجاب . | ولما كان هذا ~~النعيم العظيم المقيم يدعو إلى المعاشرة , بالقرينة العاطرة , بين أن ذلك ~~حالهم اللازمة الظاهرة , من الخصال اللائقة الطاهرة , فقال : { يتنازعون } ~~أي يشربون متجاذبين مجاذبة الملاعبة لفرظ المحبة والسرور وتحلية المصاحبة { ~~فيها كأسا } أي خمرا من رقة حاشيتها تكاد أن ان لا ترى في كأسها . | ولما ~~كان في خمر الدنيا غوائل نفاها عنها فقال : { لا لغو } أي سقط مما يضر ولا ~~ينفع { فيها } أي في تنازعها ولا بسبها لأنها لا تذهب بعقولهم ولا يتكلمون ~~إلا بالحسن الجميل { ولا تأثيم * } أي ولا شيء فيها مما يلحق شرابها إثما ~~ولا يسوغ نسبه . | ولما كانت المعاطاة لا يكمل بسطها ولا يعظم إلا بخدم ~~وسقاة قال : { ويطوف عليهم } أي بالكؤوس وغيرها من أنواع التحف ms4990 { غلمان } ~~ولما كان أحب ما إلى الإنسان ما يختص به قال : { لهم } ولم يضفهم لئلا يظن ~~أنهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فيشفق كل من خدم أحد في الدنيا بقول ~~أو فعل أن يكون خادما له في الجنة فيحزن بكونه لا يزال تابعا , وأفاد ~~التنكير أن كل من دخل الجنة وجد له خدما لم يعرفهم قبل ذلك { كأنهم } في ~~بياضهم وشدة صفائهم { لؤلؤ مكنون * } أي مصون في الصدق لم تغيره العوارض , ~~هذا حال الخادم فما ظنك بالمخدوم . | ولما كان ألذ ما إلى الحبيب وأعظم ما ~~يكون من أربه ذكر محبوبه والثناء عليه بما من به , قال تعالى شارحا لذلك ~~عاطفا على ما تقديره : فأقبلوا على تعاطي ما ذكر من النعم : { وأقبل بعضهم ~~} لما ازدهارهم من السرور , وراقهم من اللذة والحبور { على بعض يتساءون * } ~~أي يسأل بعضهم بعضا عن السبب الموصل له إلى هذا النعيم الذي لا يقدر مخلوق ~~على وصفه حق وصفه , ثم استأنف شرح ذلك بقوله : { قالوا } أي قال كل منهم ~~مؤكدا استلذاذا بما أداهم إلى ما هم فيه لأنه لا يكاد يصدق , مسندين النعمة ~~بفعل الكون إلى الله الذي بما أداهم إلى ما هم فيه لأنه لا يكاد بقوله : { ~~قالوا } أي قال تنبيها على أن الخوف الحامل على الكف عن المعاصي يشترط فيه ~~الدوام , بخلاف الرجاء الحامل على الطاعات , فإنه يكفي فيه ما تيسر كما ~~تأتي الإشارة إليه بإثبات PageV07P300 الجار : { إنا كنا قبل } أي في دار ~~العمل { في أهلنا } على ما لهم من العدد والعدد والنعمة والسعة , ولنا بهم ~~من جوالب اللذة والدواعي إلى اللعب { مشفقين * } أي عريقين في الخوف من ~~الله لا يلهينا عنه شيء مع لزومنا لما نقدر عليه من طاعته لعلمنا بأنا لا ~~نقدره لما له من العظمة والجلال والكبرياء والكمال حق قدره , وأنه لو ~~واخذنا بأصغر ذنوبنا أهلكنا , قال الرازي : والإشفاق : دوام الحذر مقرونا ~~بالترحم , وهو أن يشفق على النفس قبل أن تجمح إلى العناد , وله أقسام : ~~إشفاق على العمل أن يصير إلى الضياع ms4991 , وإشفاق على الخليقة لمعرفة مقاديرها ~~, وإشفاق على الوقت أن شوبه تفرق وعلى القلب أن يمازجه عارض وعلى النفس أن ~~يداخلها - انتهى . | ولما حكى عنهم سبحانه أنهم أثبتوا لأنفسهم عملا تدريبا ~~لمن أريدت سعادته , فكان بحيث يظن أنهم رأوه هو السبب لما وصلوا إليه , ~~قالوا نافين لهذا الظن , مبينين أن ما هم فيه إنما هو ابتداء تفضل من الله ~~تعالى لأن إشفاقهم منه سبحانه لكيلا يعتمد الإنسان على شيء من عمله فلا ~~يزال معظما لربه خائفا منه : { فمن الله } الذي له جميع الكمال بسب إشفاقنا ~~منه { علينا } بما يناسب كماله فأمننا { ووقانا } أي وجنبنا بما سترنا به { ~~عذاب السموم * } أي الحر النافذ في المسام نفوذ السم . | < < # | الطور : ( 28 - 34 ) إنا كنا من . . . . . # > > ^ ( إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم * فذكر فمآ أنت بنعمة ~~ربك بكاهن ولا مجنون * أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون * قل تربصوا ~~فإني معكم من المتربصين * أم تأمرهم أحلامهم بهذآ أم هم قوم طاغون * أم ~~يقولون تقوله بل لا يؤمنون * فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين ) ^ } ) | ~~ولما ذكروا إشفاقهم , بينوه مؤكدين أيضا لمثل ذلك بقولهم : { إنا كنا } أي ~~بما طبعنا عليه وهيئنا له . | ولما كان الدعاء بمعنى فعل العبادة , وكانت ~~تقع في بعض الزمان , أثبت الجار إشارة إلى ذلك مع إسقاطه قبل هذا في الدعاء ~~بالقوة إشارة إلى أن التحلي بالفضائل يرضى منه باليسر , والتخلي عن ~~الرذائيل لا بد فيه من البراءة عن كل قليل وكثير فقيل : { من قبل } أي في ~~الدنيا { ندعوه } أي نسأله ونعبده بالفعل , وأما خوفنا بالقوة فقد كان في ~~كل حركة وسكنة , ثم عللوا دعاءهم إياه مؤكدين لأن إنعامه عليهم مع تقصيرهم ~~مما لا يكاد يفعله غيره , فهو مما يعجب منه غاية العجب فقالوا : { إنه هو } ~~أي وحده { البر } الواسع الجود الذي عطاؤه حكمة ومنعه رحمة , لأنه لا ينقصه ~~إعطاء ولا يزيده منع , فهو يبر عبده المؤمن بما يوافق نفسه فربما بره ~~بالنعمة وربما بره بالبؤس , فهو يختار له من الأحوال ms4992 ما هو خير له ليوسع له ~~في العقبى , فعلى المؤمن أن PageV07P301 لا يتهم ربه في شيء من قضائه { ~~الرحيم * } المكرم لمن أراد من عباده بإقامته فيما يرضاه من طاعته , ثم ~~بإفضاله عليه وإن قصر في خدمته . | ولما كان هذا مع تشويقه إلى الجنة ~~والأعمال الموصله إليها وعظا يرقق القلوب ويجلي الكروب , سبب عنه قوله : { ~~فذكر } أي جدد التذكير بمثل هذا لكل من يرجو خيره ودم على ذلك , وسماه ~~تذكيرا لأنه مما يعلمه الإنسان إذا أمعن النظر من نفسه أو من الآفاق , وعلل ~~التذكير بقوله : { فما أنت } أي وأنت أشرف الناس عنصرا وأكملهم نفسا ~~وأزكاهم خلائق هم بها معترفون لك قبل النبوة { بنعمت ربك } أي بسبب ما أنعم ~~به عليك المحسن إليك من هذا الناموس الأعظم بعد تأهيلك له بما هيأك به من ~~رجاحة العقل وعلو الهمة وكرم الفعال وجود الكف وطهارة الأخلاق وشرف النسب , ~~وأكد النفي بقوله : { بكاهن } أي تقول كلاما - مع كونه سجعا متكلفا - أكثره ~~فارغ وتحكم على المغيبات بما يقع خلاف بعضه . | ولما كان اللكاهن والمجنون ~~اتصال بالجن , أتبع ذلك قوله : { ولا مجنون * } أي تقول كلاما لا نظام له ~~مع الإخبار ببعض المغيبات , فلا يفترك قولهم هذا عن التذكير فإنه قول باطل ~~لا تلحقك به معرة أصلاح وعما قليل يكون عيبا لهم لا يغسله عنهم إلا اتباعهم ~~لك , فمن اتبعك منهم غسل عاره , ومن استمر على عناده استمر تبابه وخساره . ~~| ولما كانت نسبته صلى الله عليه وسلم فيما أتاهم به من هذا القرآن الآمر ~~بالحكمة إلى أنه أتى به عن الجن الذين طبعهم افساد مما لا ينبغي أن يتخيله ~~أحد فضلا أن يقوله له صلى الله عليه وسلم , ولا يكاد يصدق أن أحدا يرميه به ~~, فكان في طيه سؤال تقريع وتوبيخ , نبه على ذلك بالعطف على ما تقديره : ~~أيقولون هذا القول البعيد من أقوال أهل العقول : { أم يقولون } ما هو أعجب ~~في مجرد قوله فضلا عن تكريره , فأم معادلة للاستفهام قبلها لا مقطوعة , ~~وكذا جميع ما بعدها وهو ms4993 معنى ما نقله البغوي عن الخليل أنه قال : ما في ~~سورة الطور من ذكر ( أم ) كله استفهام وليس بعطف . | { شاعر } يقول كلاما ~~موزونا بالقصد , يلزمه التكلف لذلك فيغلب إلزام الوزن قائله حتى يجعل اللفظ ~~هو الأل ويجعل المعنى تابعا له , فيأتي كثير من كلامه ناقص المعاني هلهل ~~النسج مغلوبا فيه على أمره معترفا إذا وقف عليه بتقصيره متعذرا مما زانه ~~بهزعم من أوزانه , وساق سبحانه هذا وكذا ما بعده من الأقسام على طريق ~~الاستفهام مع أن نسبتها إليهم محققة , تنبيها على أن مثل هذا لا يقوله عاقل ~~, وإن قاله أحد لم يكد الناقل عنه يصدق : { نتربص } أي ننتظر { به ريب ~~المنون * } أي حوادث الدهر من الموت وغيره القاطعة , من المن وهو القطع . | ~~ولما كان كأنه قيل لهم : إنهم ليقولون ذلك , قال معلما جوابهم : { قل ~~تربصوا } PageV07P302 ولم يعرج على محاججتهم في قولهم هذا تنبيها على أنه ~~من السقوط بمنزلة لا يحتاج معها إلى رد مجادلة , ثم سبب عن أمره لهم ~~بالتربص قوله : { فإني معكم } وأكده تنبيها على أنه يرجو الفرح بمصيبتهم ~~كما يرجون الفرح بمصيبته وإن كانت كثرتهم وقوتهم عندهم مانعة من مثل هذا ~~التربص { من المتربصين * } أي العريقين في التربص وإن ظننتم خلاف ذلك , ~~وأشار بالمعية إلى أنه مساو لهم في ذلك وإن ظنوا لكثرتهم وقوتهم ووحدته ~~وضعفه أن الأمر خلاف ذلك , قال القشيري : جاء في التفسير أن جميعهم - أي ~~الذي تربصوا به - ماتوا , قال : ولا ينبغي لأحد أن يؤمل نفاق سوقه بموت أحد ~~لتنتهي النوبة إليه فقل من تكون هذه صفته إلا سبقته المنية , ولا يدرك ما ~~تمناه من الأمنية . | ولما كان قولهم هذا مما لا يقال أصلا وإن قيل على ~~بعده كان قوله كأنه على جهة سبق اللسان أو نحو ذلك , نبه عليه بمعادلة ما ~~تقديره : أقالوا ذلك ذهولا : { أم تأمرهم } أي نزين لهم تزيينا يصير مآلهم ~~إليه من الانبعاث كالأمر { أحلامهم } أي عقولهم التي يزعمون أنهم اختصوا ~~بجودتها دون الناس بحيث إنه كان يقال فيهم : أولوا الأحلام ms4994 . | والنهي { ~~بهذا } أي وهم يعتقدون صحته وأنه العدل السواء لأنه متقيدون بالأحلام ~~والنهي على ما فيه من الفساد بالتناقض بعد اختلال كل قول منه على حدته كما ~~تقدم بيانه , وهو توبيخ عظيم بالإشارة إلى أنه ليست لهم عقول أصلا لقولهم ~~هذا , فإن الكاهن شرطه أن يكون في غاية المعرفة عندهم حتى أنهم يجعلونه ~~حكما وربما عبدوه , والمجنون لا يصلح لصالحة لأنه لا يعقل , والشاعر بعيد ~~الأمر بوزن الكلام وكثرته من سجع الكاهن وغيه وكلام المجنون : { أم هم } ~~بظواهرهم وبواطنهم { قوم } أي ذوو قوة على ما يحاولونه فهم لذلك { طاغون } ~~أي مجازون للحدود , وذلك عادة لهم بما أفهمه الوصف , فهم لذلك لا يبالون ~~بالعناد الظاهر في مخالفته لما تأمر به الأحلام والنهى , ولا يقوله إلا ~~الطغاة السفهاء مع ظهور الحق لهم , فهم يقولون الكلام المتناقض غير مبالين ~~بأحد ولا مستحيين من أن ينسبوا إلى العدوان والمبالغة في العصيان , والآية ~~من الاحتباك : ذكر الأحلام أولا دليلا على ضدها ثانيا , والطغيان ثانيا على ~~ضده ( العدل السواء ) أولا , وسره أن ما ذكر أشد تنفيرا من السوء وأعظم ~~تقبيحا له وتحذيرا منه { أم يقولون } ما هو أفحش عارا من التناقض : { تقوله ~~} أي تكلف قوله من عند نفسه كذبا وليس بشعر ولا كهانة ولا جنون , وهم على ~~كثرتهم وإلمام بعضهم بالعلم وعرافة آخرين في الشعر والخطب والترسل والسجع ~~يعجزونه عن مثله بل عن مثل شيء منه . | ولما كان الكلام حقيقة في النفس , ~~وكانوا يعلمون بطلان جميع ما يقولونه من ذلك , كان التقدير : لم يقولوا ~~شيئا من ذلك حقيقة واعتقادا { بل لا يؤمنون * } أي لا يقرون بالحق مع علمه ~~مببطلان قولهم وتناقضه عنادا منهم لا تكذيبا في الباطن . | PageV07P303 ~~ولما كان هذا القول أظهر بطلانا من كل ما قالوه لأن تكذيبهم لهم على تقدير ~~كذبه - على زعمهم - غير موقوف على شيء خارج عن القوة , طالبهم بالمعارضة ~~لأناهم إذا عارضوه بمله انفصل النزاع , ولذلك سبب عما مضى قوله تكذيبا لهم ~~في قولهم هذا الذي أظهروه بألسنتهم يوقفون به غيرهم ms4995 عن الخير : { فليأتوا } ~~أي على تقدير أرادوه { بحديث } أي كلام مفرق مجدد إتيانه مع الأوقات لا ~~تكلفهم أن يأتوا به جملة { مثله } أي القرآن في البلاغة وصحة المعاني ~~والإخبار بالمغيبات مما كان أو يكون على ما هي عليه والحكم . | ولما كان ~~المقصود هنا مطلق التعجيز للمكذبين لا بقيد الاجتماع كما في سبحان لأن نزول ~~هذه أوائل ما نزل , تحداهم بالإتيان بالمثل في التنجيم والتطبيق على ~~الوقائع سورا أو آيات أو دون ذلك , تحدث وتجدد شيئا في أثر شيء - بما أشار ~~إليه التعبير بالحدوث , ولذلك أعراه عن تظاهرهم بالاجتماع ودعاء المستطاع , ~~ولكونهم كاذبين في جزمهم بنسبته إلى التقول وغيره , أشار إلى ذلك بقوله ~~مقرعا لهم إلهابا إلى الخوض في المعارضة : { إن كانوا } أي كونا هم راسخون ~~فيه { صادقين * } أي في أنه تقوله من عند نفسه شيئا فشيئا , كونا هم عريقون ~~فيه كما يزعمون سواء ادعوا أنه شاعر أو كاهن أو مجنون أو غير ذلك , لأن ~~العادة تحيل أن يأتي بواحد من قوم وهو مساو لهم بما لا يقدرون كلهم على ~~مثله , والعاقل لا يجزم بشيء إلا وهو عالم به , ويلزم من علمهم بذلك قدرتهم ~~على مثل ما يأتي به , فإنه صلى الله عليه وسلم مثلهم في الفصاحة والبلد ~~والنسب , وبعضهم يزيد عليه بالكتابة وقول الشعر ومخالطة العلماء , ومزاولة ~~الخطب والرسائل وغير ذلك , فلا يقدر على ما يعجزون عنه إلا بتأييد إلهي , ~~وهو المراد من تكذيبهم , وقد علم من هذا ومما تقدم من نحوه مفرقا في السور ~~التي فيها مثله أن المتحدى به في كل سورة غير المتحدى به في الأخرى - والله ~~الهادي , وهذه الأقسام الماضية من تكذيبهم تتأتى أن تكون على تقدير ~~الإعتقاد للإله على ما هو عليه من صفات الكمال فأتباعها قسما على تقدير ~~التعطيل , وإذا لم يكن إله لم يكن رسول فيأتي التذكيب , ثم أتبع ذلك قسما ~~آخر هو على تقدير إثبات الإله لكن مع الضعف بالشركة , ولكون الشركة تارة ~~تكون من المتكلم وتارة من غيره , قدم منها ما ms4996 للمتكلم على زعمه , وقدم ~~تقدير شركته بالخلق ثم بضبط الخزائن ثم بالكتابة ثم بسماع الأسرار ثم بضعف ~~السعة بالرضا بالصنف الأردأ . | < < # | الطور : ( 35 - 38 ) أم خلقوا من . . . . . # > > ^ ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السماوات والأرض ~~بل لا يوقنون * أم عندهم خزآئن ربك أم هم المسيطرون * أم لهم سلم يستمعون ~~فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين ) ^ } ) | PageV07P304 ولما مضت فضيحتهم ~~بالتحدي , وكانت عندهم فضيحة التناقض دون فضيحة المعارضة , فكانوا يقدمونها ~~عليها , فلم يحدث أحد منهم يوما من الأيام بشيء مما يعارضه به علما منهم ~~بأنهم يصيرون بذلك إلى خزي لا يمكن أن يغسل عاره كما صار مسيلمة , لأنهم ~~كانوا أعقل العرب وكان التقدير كما هدى إليه السياق : فإنك مستو معهم ~~بالنسبة إلى إيجاد الله لكم , هو سبحانه خالقهم كما أنه خالقك , ولا خصوصية ~~لك منه على زعمهم : أهو خالقهم كما هو خالقك فيلزمهم أن يأتوا بمثل ما تأتي ~~به , وكان ذلك زعمهم : أهو خالقهم كما هو خالقك فيلزمهم أن يأتوا بمثل ما ~~تأتي به , وكان ذلك على تقدير إقرارهم بالله وادعائهم لكذبه صلى الله عليه ~~وسلم , عادله سبحانه تبكيتا لهم وإظهارا لفضائح هي أشنع مما فروا منه من ~~المعارضة بقوله على تقدير أن يكونوا منكرين للإله أو مدعين لأن يكونوا آلهة ~~: { أم خلقوا } أي وقع خلقهم على هذه الكيفية المتقنة { من غير شيء } ~~فيكونوا مخالفين لصريح العقل إذ تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الاسم كتعلقه ~~بالمخلوق ليسلم لهم أنك تأتي بما لا يقدرون على معارضته لأنك أقوى منهم ~~بكونك مستندا إلى خالق وهم ليسوا مستندين إلى شيء أو ليكونوا لذلك أقوى منك ~~وأعلى , فيكون لهم التكبر عليك { أم هم الخالقون * } أي الذين لهم هذا ~~الوصف فيكونون قد خلقوا أنفسهم ليكونوا بذلك شركاء فيكون الخالق والمخلوق ~~واحدا , وهو مثل القسم الذي قبله في عدم الاستناد إلى شيء أو يكون ثبوت هذا ~~الوصف لهم موجبا لأن يكونوا على ثقة مما يقولون وللتكبر عليك , فإن ادعوا ~~ذلك حكم أدنى الخلق بجنونهم ؛ { أم ms4997 خلقوا } أي على وجه الشركة { السموات ~~والأرض } فهم لذلك عالمون بما فيها على وجه الإحاطة واليقين حتى عملوا أنك ~~تقولته ليصير لهم رده التهكم عليه . | ولما كان التقدير : لم يكن شيء من ~~ذلك ليكون لهم شبهة في الكلام فيك , عطف عليه قوله : { بل لا يوقنون * } أي ~~ليس لهم نوع يقين ليسكنوا إلى شيء واحد لكونه الحق أو ليعلموا أن هذه ~~الملازم الفاضحة تلزمهم فيكفوا عن أمثالهم { أم عندهم } أي خاصة دون غيرهم ~~{ خزائن } ولما كان ذكر الحرمة لا يقتضيه مقصود السورة الذي هو العذاب , لم ~~تذكر كما في ص وسبحان فقيل : { ربك } المحسن إليك بإرسالك بهذا الحديث ~~فيعلموا أن هذا الذي أثبت به ليس من قوله لأنه لا تصرف له في الخزائن إلا ~~بهم , فيصح قولهم : إنك تقولته وحينئذ يلزمهم فضائح لا آخر لها , منها أن ~~يأتوا بحديث مثله بل أحسن منه من تلك الخزائن { أم هم } لا غيرهم { ~~المسيطرون * } أي الرقباء الحافظون والجبارون والمسلطون الرؤساء الحكماء ~~الكتبة , ليكونوا ضابطين للأشياء كلها كما هو شأن كتاب السر عند الملوك ~~فيعلموا أنك تقولت هذا الذكر لأنهم لم يكتبوا به إليك { أم لهم سلم } ~~يصعدون به إلى السماء { يستمعون } أي يتعمدون PageV07P305 السمع لكل ما ~~يكون فيها ومنها { فيه } أي في ذلك السلم وبسببه كما يكون بعض من يحضر ~~مجالس الملوك في الدنيا ويعلم ما يقع فيها ليكونوا ضابطين لما يأتي من ~~الملك فيعلموا أن ما قالوه فيك حق ولما كان من يكون هكذا متمكنا من الإتيان ~~منها بالعجائب , سبب عنه قوله : { فليأت مستمعهم } إن ادعوا ذلك { بسلطان ~~مبين * } أي حجة قاهرة بينة في نفسها , موضحة لأنها من السماء على صحة ما ~~يرمونك به . | < < # | الطور : ( 39 - 43 ) أم له البنات . . . . . # > > ^ ( أم له البنات ولكم البنون * أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون * ~~أم عندهم الغيب فهم يكتبون * أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون * أم ~~لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون ) ^ } ) | ولما كان ما مضى على ~~تقدير وجود الإله مع الشركة ms4998 , وكان ادعاؤهم الولد عظيما جدا لدلالته على ~~حاجته وضعفه , وكان جعله بنات أعظم لأنه دال مع ضعفه على سفهه , دل على ~~استعظامه بالالتفات إلى خطابهم بعذابهم فقال : { أم له البنات } أي كما ~~ادعيتم { ولكم } أي خاصة { البنون * } لتكونوا أقوى منه فتكذبوا رسوله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم وتردوا قوله من غير حجة فتكونوا آمنين من عذاب ~~يأتيكم منه لضعفه وقوتكم , وهذه الأقسام كلها على تقدير التكذيب , وهي هنا ~~بذكر ما على تقدير التصديق , وإنما وقع الرد فيها لعارض عرض . | ولما كان ~~المكذب بشيء قد يكون معترفا بأنه من عند إله , وأن إلهه متصف بجميع صفات ~~الكمال فلا شريك له , وإنما تكذيبه لقادح لا يقدر عليه , وكرب رمى بجميع ~~أنكاده إليه , أعرض عنهم التفاتا إلى الأسلوب الأول فقال مخاطبا له صلى ~~الله عليه وسلم تنويها بذكره ورفعا لعظيم قدره وتسلية لما يعلم من نفسه ~~الشريفة البراءة منه : { أم تسألهم } أي أيها الطاهر الشيم البعيد عن مواضع ~~التهم { أجرا } على إبلاغ ما أتيتهم به { فهم من مغرم } ولو قل , والمغرم : ~~التزام ما لا يجب { مثقلون * } أي حمل عليهم حامل بذلك ثقلا فهم لذلك ~~يكذبون من كان سببا في هذا الثقل بغير مستند ليسترحوا مما جره لهم من الثقل ~~. ولما كان من يدعي الانفراد بشيء يحسد من يدعي مشاركته فيه قال : { أم ~~عندهم } أي خاصة بهم { الغيب } أي علمه { فهم يكتبون * } أي يجددون للناس ~~كتابة جميع ما غابة عنهم مما ينفعهم ويضرهم حتى يحسدونك فيما شاركتهم به ~~منه , فيردوه لذلك , وينسبوك إلى ما نسبوك إليه مما يعلم كل أحد ترافعك عنه ~~وبعدك منه { أم يريدون } بهذا القول الذي يرمونك به { كيدا } أي مكرا أو ~~ضررا عظيما يطفئون به نور PageV07P306 الله بزعمهم مع علمهم بأنك صادق فيه ~~, فهم بسبب إرادتهم ذلك هكذا كان الأصل , ولكنه قال تعميما وتعليقا للحكم ~~بالوصف : { فالذين كفروا } أي ستروا الأجلة تارة عنادا وتارة بالإعراض عن ~~تأملها { هم } أي خاصة { المكيدون * } أي يختص وبال الكيد بلزومه لهم وقطعه ~~لدابرهم لأن ms4999 من كان الإله عليه كان خاسرا , وأقرب مآلهم من الكيد الظاهر في ~~بدر عن انتهاء سنين عدتها عدة ما هنا من ( أم ) وهي خمسة عشرة مرة لأن بدرا ~~كانت في الثانية من الهجرة , وهي الخامسة عشرة من النبوة , فقد سبب الله ~~فيها من الأسباب ما أوجب سعيهم إلى هلاكهم بأمور خارقة للعادة , فلو كانت ~~لهم بصائر لكفتهم في الهداية , والرد عن الضلالة والغواية . | ولما كان ~~التقدير : أكذلك الأمر عادله بقوله : { أم لهم إله } يمنعهم من التصديق ~~بكتابنا , أو يستندون إليه للأمان من عذابنا { غير الله } الذي أحاط بجميع ~~صفات الكمال , فلا يمكن بوجه من الوجوه ولا على تقدير من التقدير أن يكون ~~معه إله , ولذلك وصل به قوله : { سبحان الله } أي الملك الأعظم الذي تعالى ~~أن يداني جنابه شائبة نقص { عما يشركون } من الأصنام وغيرها , وأخر سبحانه ~~هذا القسم وهو من الشركة لكن بالغير لأنه آت على تقدير التصديق للرسول صلى ~~ولأنه دينهم الذي أوقفهم عن الهدى , فأوقعهم في الردى , ليحتم بنفسه ~~والتنزيه عن الإقسام فيحصل به غاية القصد والمرام . | والحاصل أنه قسم به ~~سبحانه حالهم ف يردهم القرآن إلى التكذيب وغيره , ولما كان التكذيب - وهو ~~النسبة إلى الكذب وهو عدم المطابقة للواقع - إما في الإرسال , وإما في ~~المعاني , وما وقع به الإرسال إما لنقص في الرسول وإما النقص في المرسل , ~~والذي في رسول إما أن يكون لأمر خارج عنه أو لأمر داخل فيه , ولما كان ~~الخارج قد يكون معه نقص دخل بذاته , ولما كان ذلك قد يكون فيه ما يمجح به ~~ولو من وجه , وهو الكهانة بدأ بها , وأتبعه الداخل لذلك بادئا بما قد يمدح ~~به وهو الشعر . | ولما كان القول بجميع الكهانة والشعر والجنون في شخص واحد ~~على غاية من ظهور التناقص لا يخفى , أتبعها الرمي بالتهكم على عقولهم . | ~~ولما كان الكذب في الرمي بالتقول قد يخفى , أتبعه دليله بالعجز عن المعارضة ~~. | ولما قسم ما رموا به الرسول , أتبعهم ما ألزمهم به في المرسل , ولما ~~كان ذلك إما ms5000 أن يكون بالتعطيل أو لا , وكان التعطيل أشد , بدأ به وهو الخلق ~~من غير شيء , ولما كان النقص مع الإقرار بالوجود إما أن يكون بالشركة أولا ~~, وكان بالشركة إما أن يكون المكذب هو المشارك أولا , وكانت الشركة المكذب ~~أقعد في التكذيب بدأبها , ولما كانت شركة المكذب إما ان تكون في الخلق أو ~~لا , وكان الأول إما أن يكون بخلق النفس أو الغير , وكانت الشركة بخلق ~~النفس ألصق , PageV07P307 بدأ بها قوله : { أم هم الخالقون } ولما كانت ~~الشركة بغر الخلق إما أن يكون بضبط الحواس أو لا , وكان الثاني إما أن يكون ~~بضبط الكتاب فيها وإليه الإشارة بالمسيطر , أو بضبط ما يؤمر به فيها وإليه ~~الإشارة بالسلم أوا بسفه صاحب الخزائن لرضاه بالنبات , وكان كل قسم أشد مما ~~بعده رتبه هكذا . | ولما انتهى ما يرجع إلى التكذيب , أتبعه الرد لا ~~للتكذيب بل لأمره آخر , ولما كان ذلك الأمر إما من الآتي أو من المأتي إليه ~~أو من غيرهما , كان ما من الآتي ألصق بدأ به وهو المغرم , ولما كان ما من ~~المأتي إليه إما لحسد أو غيره , وكان امر الحسد أشد , بدأ به وهو المشاركة ~~في الأبناء بما يكون به الفخر والرئاسة وهو علم الغيب - الناظر بوجه ~~للكهانة المبدوء بها في قسم مع كونه قسيما لما فرض فيه المكذب مشاركا لخلوه ~~عما قارن تلك الأقسام من التكذيب , هذا تمام القول في إبطال ما لزمهم فيما ~~تقولوه في أمر القرآن , وقد تضمن ما ترى من تأصيله وتقسيمه وتفصيله من بيان ~~مقدورات الله وعجائب مصنوعاته ما ألزمهم حتما التوحيد الملزم بتصديق ~~الرسالة والإذعان للحق مع ما له من الإعجاز في ترتيبه ونظمه وتهذيبه ~~وتسهيله وتقريبه مجلوا أسلوبه العظيم بألفاظ هي الدر النظيم , ومعان علت عن ~~لاحق بغريزة أو تعليم , يكاد لها أثبت القلوب يهيم فيطير , وأبلغ البلغاء ~~في افنان روحها يتدله ويحير , فكان ذلك كما قال جبير بن مطعم رضي الله عنه ~~كما روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه رضي الله عنهم ms5001 أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور , وقال البخاري في التفسير : ~~فلما بلغ هذه الآية { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } { أم خلقوا ~~السموات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون } - إلى ~~قوله : { فليأت مستمعهم بسلطان مبين } كاد قلبي يطير . | وسبق في أول ~~السورة ما ذكره البغوي من هذا الحديث . | < < # | الطور : ( 44 - 49 ) وإن يروا كسفا . . . . . # > > ^ ( وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا سحاب مركوم * فذرهم حتى ~~يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون * يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون ~~* وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون * واصبر لحكم ربك ~~فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم * ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم ) ^ ~~} ) | PageV07P308 ولما كان التقدير تسكينا لقلب من يريد إجابتهم إلى ~~الآيات المقترحات طمعا في إيمانهم : فلقد تلونا عليهم في هذه السورة وغيرها ~~من الآيات , وخلونا من المعجزات البينات , وأتينا من تناقضهم في هذه ~~التقسيمات , بما يهد الجبال الشامخات , وبينا من فضائحهم بحين سوقها وحلاوة ~~ذوقها , وصحة معانيها وإحكام مبانيها , ما يزلزل الراسيات , ويحل العزمات , ~~ويفرج الأزمات , ويصد ذوي المروات عن أمثال هذه النقائص الفاضحات , لما لها ~~من الأدلة الواضحات , ولكنهم لما ألزمناهم به من العكس لا يؤمنون , وكدناهم ~~بما أعمينا من بصائرهم فهم لا يعلمون أنهم الميكيدون , عطف عليه قوله : { ~~وإن يروا } أي معاينة { كسفا } قطعة , وقيل : قطعا واحدتها كسفة مثل سدرة ~~وسدر { من السماء } نهارا جهارا { ساقطا يقولوا } لددا وتجلدا في البغي ~~إصرارا , وتعلقهم بما أمكنهم من الشبه تخييلا على العقول وإيقافا لذوي ~~الآراء والفهوم دأب الأصيل في نصر الباطل ومكابرة الحق لما لهم من العراقة ~~يعمى القلوب بما لنا من القدرة على صرفهم عن وجوه الأمر : هذا { سحاب } فإن ~~قيل لهم : هو مخالف للسحاب بصلابته , قالوا : { مركوم * } أي تراكم بعضه ~~على بعض فتصلب , ولذلك سبب عن هذا الحال الدال على أنهم وصلوا في عمى ~~الصائر إلى أنه لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون ms5002 , قوله لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم ومن تبعه : { فذرهم } أي اتراكهم على شر أحوالهم { حتى يلاقوا } سعيا ~~بسوء أعمالهم { يومهم } كما أنه هو يسعى إليهم لا ستحقاقهم لما فيه { الذي ~~فيه } لا في غيره لأن ما حكمنا به لا يتقدم ولا يتأخر { يصعقون * } بالموت ~~من شدة الأهوال وعظيم الزلزال كما صعق بنو إسرائيل في الطور , ولكنا ~~لانقيمهم كما أقمنا أولئك إلا عند النفخ في الصور لنحشرهم إلى الحساب الذي ~~يكذبون به , والظاهر أن هذا اليوم يوم بدر فإنهم كانوا قاطعيت بالنصرة فيها ~~فما أغنى أحد منهم عن أحد منهم عن أحد شيئا كما قال أبو سفيان بن الحارث : ~~ما هو إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا ويأسروننا كيف ~~شاؤوا . | { يوم لا يغني } أي بوجه من الوجوه { عنهم كيدهم } الذي يرمونه ~~بهذه الأقوال المتناقضة { شيئا } أي من الإغناء في دفع شيء يكرهونه من ~~الموت ولا غيره كما يظنون أنه يغني عنهم في غير ذلك من أحوال هذه الدار ~~بتثبيط الناس عن اتباع القرآنبما يصفونه به من البهتان { ولا هم ينصرون * } ~~أي لا يتجدد لهم نصر من أحد ما في ساعة ما . | ولما أفهم هذا الكلام السابق ~~أن التقدير : فإن لكل ظالم في ذلك اليوم عذابا لا يحيط به الوصف , فإن ~~الإصعاق من أشد ما يكون من العذاب , عطف عليه قوله مؤكدا لما لهم من ~~الإنكار أي ينصر عليهم المؤمنون وهم من الكثرة والقوة بحيث لا مطمع ~~PageV07P309 فيهم لأحد لا سيما لمن هم مثل في الضعف والقلة { وإن } وكان ~~الأصل لهم , ولكنه أظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال : { للذين ظلموا ~~} أي أوقعوا الأشياء في غير مواقعها كما يقولون في القرن , ويفعلونه من ~~العصيان ويعتقدون من الشرك والبهتان { عذابا دون ذلك } أي غير عذاب ذلك ~~اليوم الصعب المرير , أو أدنى رتبة منه , إن كان المراد بالعصفق ما يكون ~~بعد البعث فبعذاب البزرخ في القبور , وإن كان المراد به الموت فيما يلقونه ~~في الدنيا من عذابي بواسطتكم مثل تحيزكم إلى الأنصار في ms5003 دار الهجرة ومعدن ~~النصرة وصيرورتكم في القوة بحيث تناصبونهم الحرب , وتعاطونهم الطعن والضرب ~~, فتكونوا بعد أن كنتم طوع أيديهم قذى في أعينهم وشجا في حلوقهم ودحضا ~~لأقدامهم ونقضا لإبرامهم , ومثل القحط الذي حصل لهم والسرايا التي لقيتموها ~~فيها مثل سرية حمزة أسد الله وأسد رسوله , وعبيدة بن الحارث وعبيد الله بن ~~جحش التي كانت مقدمة لغزوة بدر . | ولما كان بعضهم يبصر هذا مثل عتبة بن ~~ربيعة والوليد بن مغيرة والنضر بن الحارث ويقولون : والله ما هو شاعر ولا ~~كاهن ولا ساحر ولا مجنون , وليكونن لقوله الذي يقول نبأ , قال : { ولكن ~~أكثرهم } بسصبب ما يرون من كثرتهم وحسن حالهم في الدنيا وقوتهم { لا يعلمون ~~* } أي يتجدد لهم علم بتقويتكم عليهم لأنهم لا علم لهم أصلا حتى يروا ذلك ~~معاينة . | ولما كان العلم المحيط من الملك القاهر أعظم مسل للولي وأكبر ~~مخيف للعدو , قال عاطفا على { فذرهم } أو على ما تقديره : فكن أنت العلماء ~~بذلك ليكون فيه لك أعظم تسلية : { واصبر } أي أوجد هذه الحقيقة لتصبر على ~~ما أنت فيه من أداء الرسالة وما لها من الكلف من أذى الناس وغيره ولكونه في ~~مقام الأعراض عن الكفار وكون إعراضه عنهم أصعب عليه من مقاساة إنذاره وإن ~~نشأ عنها تكذيبهم واستهزاؤهم , اشتدت العناية هنا بالصبر فقدم , وأيضا فإن ~~الإعراض عنهم مقتض لعدهم فانين , وذلك هو مقام الجمع , والجمع لا يصلح إلا ~~بالفرق , فلذلك قدم الأمر بالصبر , وذكر الحكم إشارة إلى أنه متمكن في مقام ~~الفرق كما أنه عريق في مقام الجمع بخلاف المدثر , فإن سياقها للإنذار ~~الناشىء عنه غاية الإذى فاشتدت العناية هناك بتقديم ذكر الإلهة نظرا لإى ~~الفناء عن الفانين وإن كان مباشرا لدعائهم , وعبر بما يذكر بحسن التربية ~~زيادة في التعزية فاقتضى هذا السياق أن رغبه سبحانه بقوله : { لحكم ربك } ~~أي المحسن إليك فإنه هو المريد لذلك لولو لم يرده لم يكن شيء منه , فهو ~~إحسان منه إليك وتدريب لك وترقية في معارج الحكم , وسبب عن ذلك قوله لما ~~يغلب على ms5004 الطبع البشري في بعض أوقات PageV07P310 الامتحان من نوع نسيان : { ~~فإنك بأعيننا } جمع لما اقتضته نون العظمة التي هذا سياقها , وهي ظاهرة في ~~الجمع وإشارة إلى أنه محفوف بالجنود الذين رؤيتهم من رؤيته سبحانه فهو ~~مكلوء مرعى به وبجنوده وفاعل في حفظه فعل من له أعين محيطة بمحفظه من كل ~~جهة من جهاته . | ولما كانت الطاعة أعظم ناصر وأكبر معز , وكانت الصلاة ~~أعظمها قال : { وسبح } أي أوقع التنزيه عن شائبة كل نقص بالقلب واللسان ~~والأركان , متلبسا { بحمد ربك } أي المحسن إليك , فأثبت له كل كمال مع ~~تنزيهه له عن كل نقص , فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يريد إلا ما هو ~~حكمة بالغة { حين تقوم * } أي من الليل في جميع الأوقات التي هي مظنة ~~القيام على الأمور الدنيوية والأشغال النفسانية , وهي أوقات النهار الذي هو ~~للانتشار بصلاة الصبح والظهر والعصر , وتحتمل العبارة التسبيح عند كل قيام ~~بكفارة المجلس وهو ( سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله أنت أستغفرك وأتوب ~~إليك ) فإنها تكفر ما كان في المجلس - كما رواه أبو داود والترمذي وقال : ~~حسن صحيح غريب والنسائي وابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم { ومن الليل } الذي هو محل السكون والراحة { ~~فسبحه } كذلك بالنية والقول كلما انتبهت وبالفعل بصلاة المغرب والعشاء ~~وصلاة الليل , والتعظيمه صرح بذلك وقدمه على الفعل , والضمير يعود على ~~المضاف إليه , وأشار إلى التهجد بعد دخوله فيما قبله بقوله : { وإدبار ~~النجوم * } أي وسبحه في وقت إدبارهم أي إذا أدبرت , وذلك من آخر الليل في ~~نصفه الثاني : وكلما قارب الفجر كان أعلى وبالإجابة أولى , وإلى قرب الفجر ~~تشير قراءة الفتح جمع دابر أي في أعقابها عند خفائها أو أفولها , وذلك ~~بصلاة الفجر سنة وفرضا أحق وأولى لأنه وقت إدبارها حقيقة , فصارت عبادة ~~الصبح محثوثا عليها مرتين تشريفا لها وتعظيما لقدرها فإن ذلك ينجي من ~~العذاب الواقع , وينصر على العدو الدارع , من المجاهر المدافع , والمنافق ~~المخادع , وقد رجع آخرها على ms5005 أولها , ومقطعها على موصلها , بحلول العذاب ~~على الظالم , وبعده عن الطائع السالم - والله الموفق . | . . . . | ~~PageV07P311 < # > سورة النجم < # > | مقصودها ذم الهوى لأنتاجه الضلال والعمى بالإخلاد إلى الدنيا التي هي ~~دار الكدور والبلاء ، والتصرم والفناء ، ومدح العلم لإثماره الهدى في ~~الإقبال على الأخرى لأنها دار البقاء في السعادة أو الشقاء ، والحث على ~~اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في نذارتهع التي بينتها سورة ق وصدقتها ~~الذاريات وأوقعتها وعينتها الطور كما تتبع في بشارته لأن علمه هنو العلم ~~لأنه لا ينطق عن الهوى لا في صريح الكناية ولا في بيانه له لأن الكل عن ~~الله الذي له صفات الكمال فلا بد من بعث الخلق إليه وحشرهم لديه لتظهر ~~حكمته غاية الظهور فيرفع أهل التزكي والظهور ، ويضع أهل الفجور ، ويفضح كل ~~متحل بالزور ، متجل للشرور ، وعلى ذلك دل اسمها النجم عن تأمل القسم ~~والجواب وما نظم به من نجوم الكتاب { بسم الله } الذي أحاط بصفات الكمال ~~فلا يكون رسوله إلا من ذي الكمال { الرحمن } الذي عم الموجودالت بصفة ~~الجمال { الرحيم } الذي خص أهل وده بالإنقاذ من الضلال والهداية إلى ما ~~يرضي من الخلال وصالح الأعمال . < < # | النجم : ( 1 - 7 ) والنجم إذا هوى # > > ^ ( والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن ~~هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى ) ~~^ } ) | ولما ختمت الطور بأمره صلى الله عليه وسلم بالتسبيح والتحميد , ~~وكان أمره تكوينا لا تكليفا , فكان فاعلا لا محالة , وذاك بعد تقسيمهم ~~القول في النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كاهن وساحر ومجنو , وكان لذلك تعلق ~~بالشياطين , وكانت الشياطين مباينة للقرآن بختلها وبمنعها بالرجوم من ~~النجوم كما بين آخر الشعراء , افتتحت هذه بالحث على الاهتدا بهدية ~~والاستدلال بدله واتباع أثره , ولما كان م نذلك تسبيحه بالحمد في إدبار ~~النجوم أقسم أول هذه بالنجم على وجه أعم مما في آخر تلك فعبر بعبارة تفهم ~~عروجه وصعوده لأنه لا يغيب في في الأفق الغربي واحد من السيارة إلا وطلع من ms5006 ~~الأفق الشرقي في نظير له منها لما يكون عند ذلك من تلك العبارة العالية , ~~والأذكار الزاكية , مع ما فيه من عجيب PageV07P312 الصنع الدال على وحدانية ~~مبدعه من زينة السماء التي فيها ما توعدون والحراسة من المردة حفظا لنجوم ~~الكتاب والاهتداء به الدين والدنيا , وغير ذلك من الحكم التي يعرفها ~~الحكماءء , فقال تعالى : { والنجم } أي هذا الجنس من نجوم السماء أو القرآن ~~لنزوله منجما مفرقا وهم يسمون التفريق تنجيما - أو النبات , قال البغوي : ~~الشياطين عند الاستراق كما رواه عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما إن كان ~~المراد السمائي , فكانت عنده العبادة والاستغفار والدعاء للملك الجبار ~~بالأسحار , أو صعد فكان به اهتداء المصلي والقارئ والساري , فإنه يقال : ~~هوى هويا - بالتفح إذا سقط , وبالضم - إذا علا وصعد , أو نزل به الملك ~~للإصعاد وللإبعاد والاطلاع على عجائب المقدور , أو إذا سقط منبسطا على ~~الأرض أو ارتفع عنها إن كان المراد النبات , لما فيه من غيريب الصنعة وجليل ~~التقدير الدال على عام القدرة وكمال العلم والتوحد بالملك والغنى المطلق . ~~| ولما أقسم بهذا القسم الجليل , أجابه بقوله معبرا بالماضي نفيا لما كانوا ~~رموه به وليسهل ما قبل النبوة فيكون ما بعدها بطريقة الأولى : { ما ضل } أي ~~عدل عن سواء المحجة الموصلة إلى غاية المقصود أي أنه ما عمل الضالين يوما ~~من الأيام فمتى تقول القرآن عنده ولا علم فيه عمل المجانين ولا غيرهم ما ~~رموه به وأما < # > 77 ( { وجدك ضالا } ) 77 < # > [ الضحى : 7 ] فالمراد غير عالم , وعبر بالصحبة مع كونها أدل على القصد ~~مرغبة لهم فيها ومقبلة بهم إليه ومقبحة عليهم اتهامه في إنذاره وهم يعرفون ~~طيب أعرافه وطهارة شمائله وأخلاقه فقال : { صاحبكم } أي في إنذاره لكم في ~~القيامة فلا وجه لكم في اتهامه . | ولما كان الهدى قد يصحبه ميل لا يقرب ~~الموصول إلى القصد وإن حصل به نوع خلل في القرب أو نحوه فقد يكون القصد مع ~~غير صالح قال : { وما غوى * } وما مال أدنى ميل ولا كان مقصوده مما يسوء ~~فإنه محروس من ms5007 أسبابه التي هي غواية الشياطين وغيرها , وقد دفع سبحانه عن ~~نبينا صلى الله عليه وسلم , وأما بقية الأانبياء فدفعوا أنفسهم < # > 77 ( { ليس بي ضلالة } ) 77 < # > [ الأعراف : 61 ] < # > 77 ( { ليس بي سفاهة } ) 77 < # > [ الأعراف : 67 ] , ونحو ذلك - قاله القشيري . | ولما كان قد يكون مع ~~الهدى مصادفة قال : { وما ينطق } أي يجاوز نطقه فمه في وقت من الأوقات لا ~~في الحال ولا في الاستقبال , نطقا ناشئا { عن الهوى } أي من أمره ~~PageV07P313 كالكهان الذين يغلب كذبهم صدقهم والشعراء وغيرهم , وما تقول ~~هذا القرآن من عند نفسه . | ولما أكد سبحانه في نفسه ذلك عند التأكيد ~~تنزيها له عما نسب إليه , فكان ذلك مظنة السؤال عن أصل ما تقوله , أجاب ~~بالحصر والآية أرح وأدفع لإنكارهم البالغ فقا : { إن } أي ما { هو } أي ~~الذي يتكلم به من القرآن وبيانه , وكل أقواله وأفعاله وأحواله بيانه { إلا ~~وحي } أي من الله تعالى , وأكده بقوله : { يوحى * } أي يجدد إليه إيحاؤه ~~منا وقتا بعد وقت , ويجوز أن يجتهد صلى الله عليه وسلم , فإذا استقر ~~اجتهاده على شيء أوحي مع أن من يرد ما يجتهد فيه إلى ما أوحي إليه بريء من ~~الهوي . | وقال أبو جعفر ابن الزبير في برهانه : لما قطع سبحانه تعليقهم ~~بقوله : ساحر وشاعر ومجنون - إلى ما هو به مما علموا أنه لا يقوم على ساق , ~~ولكن شأن المنقطع المبهوت أن يستريح إلى ما أمكنه وإن لم يغن عنه , أعقب ~~الله سبحانه بقسمة على تنزيه نبيه وصفيه من خلقه عما تقوله توهمه الضعفاء ~~فقال تعالى : { والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى } ثم أتبع سبحانه هذا ~~القسم ببسط الحال في تقريبه عليه السلام وإدنائه وتلقيه لما يتلقاه من ربه ~~وعظيم منزلته لديه , وفي إبداء ذلك يحركهم عز وجل ويذكرهم ويوبخهم على سوء ~~نكاياتهم بلطف واستدعاء كريم منعم فقال تعالى : { أفرأيتم اللات والعزى } ~~والتحمت الآي على هذه الأغراض إلى الإعلام بانفراده سبحانه بالإيجاد والقهر ~~والإعزاز والانتقام , لا يشراكه في شيء من ذلك غيره فقال : { وأن إلى ربك ~~المنتهى ms5008 وأنه هو أضحك وأبكى } . | ولما بين ذلك فقال : { فبأي آلاء ربك ~~تتمارى } أي في أي نعمة تشكون أم بأي آية تكذبون ؟ ثم قال : { هذا نذير من ~~النذر الأولى } وإذا ان عليه الصلاة والسلام . . . | فشأن مكذبيه شأن مكذبي ~~غيره - انتهى . | ولما كان الوحي ظاهرا فيما بواسطة الملك , تشوف السامع ~~إلى بيان ذلك فقال مبينا له بأوصافه لأن ذلك أضخم في حقه وأعلى لمقداره : { ~~علمه } أي صاحبكم الوحي الذي أتاكم به { شديد القوى * } أفلا تعجبون من هذه ~~البحار الزاخرة التي فأقكم بها وهو أمي فإن معلمه بهذه الصفة التي هو بها ~~بحيث ينفذ كل ما أمره الله به { ذو مرة } أي جزم في قوة وقدرة عظيمة على ~~الذهاب فيما امر به والطاقة لحمله في غير آية النشاط والحدة كأنه ذو مزاج ~~غلبت عليه الحدة فهو صعب المراس ماض في مراوته على طريقة واحدة على غاية من ~~الشدة لا توصف لا التفات له بوجه إلى غير ما أمر به , فهو على غاية الخلوص ~~فهو مجتمع القوى مستحكم الشأن شديد الشكيمة , لا بيان في شيء بزواله ومن ~~جملة ما أعطى من القوة والقدرة على التشكل , وإلى ذلك كله أشار بما ~~PageV07P314 سبب عن هذا من قوله : { فاستوى * } فاستقام واعتدل بغاية ما ~~يكون من قوته على أكمل حالاته في الصورة التي فطر عليها { وهو } أي والحال ~~أن جبرائيل عليه السلام , وجوزوا أن يكون الضمير المنفصل للنبي صلى الله ~~عليه وسلم أي استوى جبرائيل عليهما السلام معه { بالأفق الأعلى * } أي ~~الناحية التي هي النهاية في العلو والفضل من السماوات مناسبة لحالة هذا ~~الاستواء , وذلك حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم جالسا على كرسي بين ~~السماء والأرض قد سد الأفق . | < < # | النجم : ( 8 - 10 ) ثم دنا فتدلى # > > ^ ( ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده مآ أوحى ~~) ^ } ) | ولما كان الدنو من الحضرة الإليهة - التي هي مهيئة لتلقي الوحي - ~~من العلو والعظمة بحيث لا يوصف , أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال : { ثم } ~~أي بعد ذلك الاستواء ms5009 العظيم { دنا } أي جبرائيل عليه السلام من الجناب ~~الأقدس دنو زيادة في كرامة لا دنو مسافة , وكل قرب يكون منه سحبانه فهو مع ~~أنه منزه عن المسافة الموجود وبصره وجهين : قرب إلى كل موجود من نفسه , ~~وقرب لاية حتى يكون سمع الموجود وبصره بمعنى أنه لا يسمع ولا يبصر إلا ما ~~يرضاه - اشار إليه ابن برجان , فأخذ الوحي الذي أذن له في أخذه في ذلك ~~الوقت { فتدلى } عقب ذلك من الله رسولا إلى صاحبكم أي أنزل إليه نزولا هو ~~فيه كالمتدلي إليه بحبل فوصل إليه ولم ينفصل عن محله من الأفق الأعلى لما ~~له من القوة والاستحكام , قال البيضاوي : فإن التدلي هو استرتسال متعلق ~~كتدلي الثمرة { فكان } في القرب من صاحبكم في رأي من يراه منكم { قاب } أي ~~على مسافة قدر { قوسين } من قسيكم , قال الرازي في اللوامع : أي بحيث الوتر ~~في القوس مرتين , وعن ابن عباس رضي الله عنهما : القوس الذراع بلغة ~~أزدشنوءة , وقال ابن برجان : قاب القوسين : ما بين السيين , وقيل : ما بين ~~القبضة والوتر { أو أدنى * } بمعنى أن الناظر منكم لو رآه لتردد وقال ذلك ~~لشدة مايرى له من القرب منه صلى الله عليه وسلم , روى مسلم في الإيمان من ~~صحيحه عن الشيباني قال : ( سألت زر بن حبيش عن قوله تعالى { فكان قاب قوسين ~~} فقال : أخبرني أبن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ~~جبرائيل عليه السلام له ستمائة جناح ) { فأوحى } أي ألقى سرا من كلام الله ~~بسبب هذا القرب , وعقبه بقوله : { إلى عبده } أي عبد الله , وإضماره من غير ~~تقدم ذكره صريحا لما هو معلوم مما تقدم في آخر الشورى أن كلام الله يكون ~~وحيا بواسطة رسول يوحي PageV07P315 بإذنه سبحانه , والمقام يناسب الإضمار ~~لأن الكلام هو الوحي الخفي , وعبر بالبعد إشارة إلى أنه لم يكن أحد ليستحق ~~هذا الأمر العظيم غيره لأنه لم يتعبد قط لأحد غير الله , وكل من عاداه حصل ~~منهم تعبد لغيره في الجملة , فكان أحق الخلق بهذا الوصف ms5010 مع أنه كان يتعبد ~~لله في غار حراء وغيره , وهذه النزلة - والله أعلم - كانت على هذا التقدير ~~في أول الوحي لما كان بحراء وفرق منه صلى الله عليه وسلم فرجع ترجف بوادره ~~, وقال : زملوني زملوني . | وأشار إلى عظمة ما أنزل بقوله : { ما أوحى * } ~~أي إنه يجل عن الوصف فأجمل له ما فصل له بعد ذلك , هذا الذي ذكر من تفسير ~~لضمائر مظاهر العبارة وإن كان الإضمار في جميع الأفعال لا يخلو عن التباس ~~وإشكال , ويمكن لأجل احتمال الضمائر لما يناسبها من الظواهر أن يكون ضمير { ~~دنا } وما بعده لله تعالى , وحينئذ يصير في { عبده } واضحا كما تقدم في هذا ~~الوجه جعله له سبحانه لأنه لا يجوز لغيره , روى البخاري في التوحيد في باب ~~{ وكلم الله موسى تكليما } عن أنس رضي الله عنه في قصة الإسراء برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من الكعبة ( أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو ~~نائم في المسجد الحرام فقال أولهم ) : أيهم هو ؟ فقال أوسطهم : هو خيرهمن ~~فقال آخرهم : خذوا خيرهم , وكانت تلك الليلة , فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى ~~فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه , وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا ~~تنام قلوبهم , فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم , فتولاه منهم ~~جبرئيل عليه السلام فشق جبرئيل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه ~~فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ثم أتى بطست من ذهب فيه نور من ذهب ~~محشوا إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه , ثم أطبقه ثم ~~عرج به إلى السماء الدنيا , فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل السماء : من ~~هذا ؟ فقال : جبرئيل , قالوا : ومن معك , قال : معي محمد , قالوا : وبعث ~~إليه , قال : نعم , قالوا : فمرحبا به وأهلا - ثم ذكر عروجه إلى السماوات ~~السبع , وأنه لما وصل إلى السماء السابعة علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا ~~الله حتى جاء سدرة المنتهى , ودنا الجبار رب العزة فتدلى منه فكان ms5011 قاب ~~قوسين أو أدنى , فأوحى إليه فيما يوحي الله إليه خمسين صلاة - فذكر مشورة ~~موسى عليهما السلام في سؤال التخفيف حتى صارت خمسا كل واحدة بعشرة , ودنا ~~الجبار رب العزة في هذا الوجه وهو رب العزة ( وهو في غاية الحسن إذا جمعته ~~مع ما يأتي في هذا الوجه المنقول عن جعفر الصادق رضي الله عنه فيكون المعنى ~~أنه صلى الله عليه وسلم لما استوى بالأفق الأعلى فوصل إلى حد لا يمكن ~~المخلوق الصعود عنه تنزل له الخالق سبحانه , ولذلك عبر عنه ب { ثم } يعني ~~أنه PageV07P316 سبحانه تنزل له تنزلا لا يمكن الاطلاع على كنه رتبته في ~~العلو والعظمة , ثم نزل ثم تنزل . | ولما كانت العبارة ربما أوهمت شيا لا ~~يليق به نفاه صلى الله عليه وسلم بما في الرواية من تخصيص التعبير باسم ~~الجبار فعلم أنه قربه تقريبا يليق به , وسمى ذلك دنوا فكان الدنو والتدلي ~~تمثيلا لما وصل منه سبحانه إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم بغاية السهولة ~~واليسر واللطافة مع اتصاله بالحرات القدسية , والتعبير بالتدلي لإفهام ~~العلو مثل ما كني بالنزول كل ليلة إلى سماء الدنيا عن أجابة الدعاء بفتح ~~أبواب السماء كما رويناه في جزء العيشي من حديث عثمان بن أبي العاص رضي ~~الله عنه تمثيلا بما نعرفه من حا لالملوك في أن أحدهم يكون نزوله عن سريره ~~أدنى في إتيان خواصه إليه , وفتح بابه أدنى لمن يليهم , ولكما نزل درجة كان ~~الإذن أعم إلى أن يصل إلى الإذن العام لجميع الناس , هذا علم المخاطبين بأن ~~ذلك على سبيل التمثيل بمن يحتاج إلى هذه الدرجات , وأما من هو غني عن كل ~~شيء فله سبحانه المثل الأعلى ولا يشبه شيئا , ولا يشبهه شيء , وفي { قرآن ~~الفجر } من سورة سبحان لهذا مزيد بيان , وقال القاضي عياض في الشفاء ما ~~حاصله أن تلك الضمائر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : قال جعفر بن محمد - ~~يعني الصادق بن الباقر : أدناه ربه حتى كان منه كقاب قوسين , وقال أيضا : ~~انقطعت الكيفية ms5012 عن الدنو , ألا ترى كيف حجب جبريل عليه السلام عن دنوه ودنا ~~محمد صلى الله عليه وسلم إلى ما أودع قلبه من المعرفة أيضا : والدنو من ~~الله تعالى لا حد له , ومن العباد بالحدود - انتهى . | وحينئذ يكون ضمير ( ~~استوى ) له صل الله عليه وسلم , ويكون المعنى : فتسبب عن تعليم جبريل له ~~استواوه - أي اعتدال علمه - إلى غاية لم يصلها غيره من الخلق علما وكسبا ~~بالملك والملكوت والحال أنه بالأفق الأعلى ليلة الإسراء , وتدليه كناية عن ~~وصوله بسبب عظيم حامل السبب للمتدلي , وعبر به وهو ظاهر في النزول من علو ~~مع عدم الانفصال منه لئلا يوهم اختصاص جهة العلو به سبحانه دون بقية الجهات ~~, ومنه ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ) وكذا قيل في الإشارة ب ( لا ~~تفضلوني على يونس بن متى ) ومن المحاسن جدا أن تكون ألف { تدلى } المقلبة ~~عن ياء في هذا الوجه بدلا من لام فيكون من التدلل وهو الانبسباط ~~PageV07P317 وثوقا بالمحبة , يقال : تدلل عليه , أي انبسط ووثق بمحبته ~~فأفرط عليه , وانبساطه صلى الله عليه وسلم في تلك الحالة إفراط كثرة سؤاله ~~, وشفاعته في أمته , وبذكل ظهر إلى عالم الشهادة أنه أرحم الخلق كما كان ~~معلوما إلى عالم الغيب , فتسبب عنه زيادة تقريبه حتى كان قاب قوسين أو أدنى ~~, وإبراز هذا الكلام في هذه الضمائر المتحملة لهذه الوجوه من غير ظاهر يعين ~~المراد يناسب لتلك الحالة , فإنها كانت حالة غيب وخفاء وستر , وكان العلم ~~فيها واسعا , وسوق الضمائر هكذا يكثر احتمال الكلام للوجوه , فيتسع العلم ~~مع أنه ليس فيها وجه يؤدي إلى لبس في الدين ولا ركاكة في معنى ولا نظم ولا ~~مجال للعلم - والله أعلم . | < < # | النجم : ( 11 - 18 ) ما كذب الفؤاد . . . . . # > > ^ ( ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة ~~أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما ~~زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) ^ } ) | ولما أثبت هذا ~~الكلام ما أثبت من القرب من ms5013 النبي صلى الله عليه وسلم ممن أوحى إليه على ~~كلا التقديرين , قرره على وجه أفاد الرؤية فقال : { ما كذب الفؤاد } أي ~~القلب ألذي هو في غاية الذكاء والاتقاد { ما رأى } البصر أي حين رؤية البصر ~~كان القلب , لا أنها رؤية بصر فقط تمكن فيها - للخلو - عن حضور القلب - ~~النسبة إلى الغلط , وقال القشيري ما معناه : ما كذب فؤاد محمد صلى الله ~~عليه وسلم ما رآه بصره , بل رآه على الوصف الذي علمه قبل أن رآه فكان علمه ~~حق اليقين , وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال : سألت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ( هل رأيت ربك ؟ قال : ) نور إلي أراه ( , وفي صحيح ~~مسلم أيضا عن مسروق أنه قال لعائشة رضي الله عنها لما أنكرت الرؤية : ألم ~~يقل الله تعالى { ولقد رآه بالأفق المين } و { لقد رآه نزلة أخرى } فقالت : ~~أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ) إنما ~~هو جبرئيل عليه السلام , لم أره على صورته التي خلق عليها غير هاتين ~~المرتين , رأيته منهبطا من السماء سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض ( ~~قال البغوي : وذهب جماعة إلى أنه رآه فقال بعضهم : جعل بصره في فؤاده , ثم ~~روي من صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ) رآه بفؤاده مرتين ~~( وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه وهو قول أنس رضي الله عنه , وقال ابن برجان ~~ما معناه : إن PageV07P318 النوم والصعق من آيات الله على لقاء الله وهي ~~مقدمات لذلك , ولكل حقيقة حق يتقدمها كأشراط الساعة , والإسراء وإن لم يكن ~~موتا ولا صعقا ولا نوما على أظهر الوجوه فقد خرج عن مشاهدات الدنيا إلى ~~مشاهدات الأفق الأعلى فلا تنكر الرؤية هنالك , فالإسراء حالة غير حالة ~~الدنيا , بل هي من أحوال الآخرة وعالم الغيب - والله الهادي . | ولما تقرر ~~ذلك غاية التقرر , وكان موضع الإنكار عليهم , قال مسببا عن ذلك : { ~~أفتمارونه } أي تستخرجون منه بجدالكم له فيما أخبركم به شكا فيه ولا ms5014 شك فيه ~~, وعبر بالمفاعلة في قراءة الجماعة عن حمزة والكسائي ويعقوب إشارة غلى ~~اجتهادهم في تشكيكه , من مري الشيء : استخرجه , ومري الناقة : مسح شرعها , ~~فأمرى : در لبنها , والمرية بالكسر والضمر : الشك والجدل { على ما يرى * } ~~على صفة مطابقة القلب والبصر , وذلك مما لم تجر العادة بدخول الشك فيه وال ~~قبوله للجدال , وزاد الأمر وضوحا بتصوير الحال الماضية بالتعبير بالمضارع ~~إشارة إلى أنه كما لم يهم لم يلبس الأمر عليه , بل كأنه الآن ينظر . | ولما ~~كان الشيء أقوى ما يكون إذا حسر البصر , فإذا وافقه كون القلب في غاية ~~الحضور كان أمكن , فإذا تكرر انقطعت الأطماع عن التعلق بالمجادلة منه , قال ~~مؤكدا لأجل إنكارهم : { ولقد رآه } أي الله تعالى أو جبرئيل عليه السلام ~~على صورته الحقيقية , روى مسلم في الإيمان عن عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما قال { ما كذب الفؤاد ما رأى } { ولقد رآه نزلة أخرى } , قال : ( رآه ~~بفؤاده مرتين ) وجعل ابن مرجان الإسراء مرتين : الأولى بالفؤاد مقدمة وهذه ~~بالعين . | ولما كان ذلك لا يتأتي إلا بتنزل يقطع مسافات البعد التي هي ~~الحجب ليصير به بحيث يراه البشر , عبر بقوله : { نزلة } وانتصب على الظرفية ~~لأن الفعلة بمعنى المرة الأعلى , وعين الوقت بتعين المكان فقال : { عند ~~سدرة المنتهى * } أي الشجرة التي هي كالسدر وينتهي إليها علم الخلائق ~~وينتهي إليها ما يعرج من تحت وما ينزل من فوق , فيتلقى هنالك , وذلك - ~~والله أعلم - ليلة الإسراء في السنة الثالثة عشرة من النبوة قبل الهجرة ~~بقليل بعد الترقي في معراج الكمالات من السنين على عدد السماوات وما بينهما ~~من المسافات , فانتهى إلى منتهى يسمع فيه صريف الأقلام , وعظمها بقوله : { ~~عندها } أي السدرة { جنة المأوى * } الذي لا مأوى في الحقيقة غيره لأنه لا ~~يوازي في عظمه , PageV07P319 وزاد في تعظيمها بقوله : { إذ يغشى السدرة ما ~~يغشى * } أي يغطيها ويركبها وسمره ؟ من فراش الذهب والرفرف الأخضر ~~والملائكة والنبق وغير ذلك فإن الغشو النبق { ما يغشى } لا تحتملون وصفه ~~وهو بحيث يكاد أن لا يحصى , وإليه الإشارة ms5015 بقوله صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث : ( وغشيها , ألا وإني لا أدري ما هي فليس أحد من خلق الله يستطيع ~~أن ينعتها ) أو كما قال صلى الله عليه وسلم , وأكد الرؤية وقررها مستأنفا ~~بقوله : { ما زاغ } أي ما مال أدنى ميل { البصر } أي الذي لا بصر لمخلوق ~~أكمل منه , فما قصر عن النظر فيما أذن له فيه ولا زاد { وما طغى * } أي ~~تجاوز الحد إلى ما لم يؤذن له فيه مع أن ذلك العالم غريب عن بني آدم , وفيه ~~من العجائب ما يحير الناظر , بل كانت له العفة الصادقة المتوسطة بين الشره ~~والزهادة على أتم قوانين العدل , فأثبت ما رآه على حقيقته , وكما قال ~~السهروردي في أول الباب الثاني والثلاثين من عوارفه : وأخبر تعالى بحسن ~~أدبه في الحضرة بهذه الآية , وهذه غامضة من غوامض الأدب , اختص بها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . | ولما كانوا قد أنكروا الإسراء إنكارا لم يقع ~~لهم في غيره مثله , زاد في تأكيده على وجه يعم غيره فقال : { لقد رأى } أي ~~أبصر بسبب ما أهلناه له من الرسالة إبصارا ساريا إلى البواطن غير مقتصر على ~~الظواهر { من آيات ربه } أي المحسن إليه بما لم يصل إليه أحد قبله ولا يصل ~~إليه أحد بعده , ومن ادعى ذلك فهو كافر { الكبرى * } من ذلك ما رآه في ~~السموات من الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام إشارة بكل شيء إلى أمر ~~دقيق جليل وحالة شريفة , وقال الإمام أبو القاسم السهيلي في الروض الأنف : ~~والذي أقول في هذا أن مأخذ فهمه من علم التعبير , فإنه من علم النبوة , ~~وأهل التعبير يقولون : من رأى نبيا بعينه في المنام فإن رؤياه تؤذن بما ~~يشبه من حال ذلك النبي في شده أو رخاء أو غير ذلك من الأمور التي أخبر بها ~~عن الأنبياء في القرآن والحديث , وحديث الإسراء كان بمكة , ومكة حرم الله ~~وأمنه , وقطانها جيران الله لأن فيها بيته , فأول ما رأى صلى الله عليه ~~وسلم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام آدم عليه ms5016 الصلاة والسلام الذي كان ~~في أمن الله وجواره , فأخرجه إبليس عدوه منها , وهذه القصة تشبهها الحالة ~~الأولى من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم حين أخرجه أعداؤه من حرم الله ~~وجوار بيته , فكر به ذلك وغمه فأشبهت قصته في هذا قصة آدم عليه الصلاة ~~والسلام مع أن آدم تعرض عليه أرواح ذريته البر والفاجر منهم , فكان في ~~السماء الدنيا بحيث يرى الفريقين لأن أرواح أهل الشقاء لا تلج في السماء ~~ولا تفتح لهم أبوابها , كما قال الله تعالى , ثم رأى في الثانية عيسى ويحيى ~~عليهما الصلاة والسلام PageV07P320 وهما الممتحنان باليهود , أما عيسى عليه ~~السلام فكذبته اليهود وآذته وهموا بقتله فرفعه الله إليه , وأما يحيى عليه ~~السلام فقتلوه , ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله إلى المدينة ~~صار إلى حالة ثانية من الامتحان , وكانت محنته فيها باليهود آذوه وظاهروا ~~عليه وهموا بإلقاء الصخرة عليه لقتلوه فنجاه الله كما نجى عيسى عليه السلام ~~منهم , ثم سموه في الشاة ولم تزل تلك الأكلة تعاوده حتى قطعت أبهره كما قال ~~عند الموت وهكذا فعلنوا بابني الخالة يحيى وعيسى لأن أم يحيى أشياع بنت ~~عمران أخت مريم بنت عمران أمهما جنة , وأما لقاؤه ليوسف عليه السلام في ~~السماء الثالثة فإنه يؤذن بحالة ثالثة تشبه حالة يوسف عليه السلام , وذلك ~~أن يوسف ظفر بإخواته من بعد ما أخرجوه من بين ظهرانيهم فصفح عنهم وقال < # > 77 ( { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم } ) 77 < # > [ يوسف : 92 ] الآية , وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم أسر يوم بدر ~~جملة من أقاربه الذين أخرجوهم فيهم عمه عقيل فمنهم من أطلق , ومنهم من قبل ~~أفديته , ثم ظهر عليهم بعد ذلك عام الفتح فجمعهم فقال لهم : ( أقول ما قال ~~أخي يوسف : لا تثريب عليكم اليوم ) ثم لقاؤه إدريس عليه السلام في السماء ~~الرابعة وهو المكان الذي سماه الله مكانا عليا وإدريس أول من آتاه الله ~~الخط بالقلم , فكان ذلك مؤذنا بالحالة الرابعة وهو علو شأنه عليه السلام ~~حتى أخاف الملوك وكتب ms5017 إليهم يدعوهم إلى طاعته حتى قال أبو سفيان وهو عند ~~ملك الروم حين جاء كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ورأى ما رأى من خوف هرقل ~~: لقد أمر ابن أبي كبشة حتى أصبح يخافه ملك بني الأصفر , وكتب عنه بالقلم ~~إلى جميع ملوك الأرض فمنهم من اتبعه على دينه كالنجاشي وملك بني عمان ومنهم ~~من هادئه وأهدى إليه وأتحفه كهرقل والمقوقس , ومنهم من تعصى عليه فأظهره ~~الله عليه , فهذا مقام علي , وخط بالقلم كنحو ما أوتي إدريس عليه السلام , ~~ولقاؤه في السماء الخامسة لهارون عليه السلام المحبب في قومه يؤذن بحب قريش ~~وجميع العرب له بعد بعضهم فيهن ولقاؤه في السماء السادسة لموسى عليه السلام ~~يؤذن بحالة تشبه حالة موسى عليه السلام حين أمر بغزو الشام , فظهر على ~~الجبابرة الذين كانوا فيها , وأدخل بني إسرائيل البلد الذي خرجوا منه بعد ~~هلاك عدوهم , ولذلك غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تبوك من أرض الشام ~~وظهر على صاحب دومة حتى صالحه على الجزية بعد أن أتى به أسيرا , وافتتح مكة ~~ودخل أصحابه البلد الذي خرجوا منه , ثم لقاؤه في السماء السابعة إبراهيم ~~عليه السلام لحكمتين : إحداهما أنه رآه عند البيت المعمور مسندا ظهره إليه ~~, والبيت المعمور جبال مكة , وإليه تحج PageV07P321 الملائكة كما أن ~~إبراهيم عليه السلام هو الذي بنى الكعبة وإذن في الناس بالحج إليها , ~~والحكمة الثانية أن آخر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم حجه إلى البيت ~~الحرام , وحج معه في ذلك العام نحو من سبعين ألفا من المسلمين , ورؤية ~~إبراهيم عليه السلام عند أهل التأويل تؤذن بالحج لأنه الداعي إليه والرافع ~~لقواعد الكعبة المحجوجة - انتهى . | وهذا المقام هو الإسراء وما تفرع منه ~~الموصل إلى أعلى ما يكون من تجريد التوحيد , فجعل سبحانه عنوانه المفروض ~~فيه الحاجز بين الإسلام والشرك وهو الصلاة الجامعة لمعاني الدين الشاملة ~~لجميع البركات بأن جعلت خمسين مستغرقة لجميع الفراغ ثم ردت إلى خمس دون ~~القوى بكثير ثم رتب عليها جزاء الخمسين ورفع كل واحدة من ms5018 صلاة الجماعة إلى ~~سبع وعشرين صلاة وفضل صلاتي الطرفين : الصبح الثنائية والعصر الرباعية ~~بشهادة فريقي الملائكة وكتبتهما في صحيفتي كل من الجمعين , فقال حمزة ~~الكرماني في جوامع التفسير : فأسري به في شهر ربيع الأول قبل الهجرة من بيت ~~أم هانىء رضي الله عنها , ثم ساق حديث الإسراء مساقا عجيبا جدا طويلا . | < ~~< # | النجم : ( 19 - 22 ) أفرأيتم اللات والعزى # > > ^ ( أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الأخرى * ألكم الذكر وله ~~الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى ) ^ } ) | ولما أخبر سبحانه من استقامة طريق ~~نبيه عليه الصلاة والسلام مما ثبتت رسالته بما أوحي إليه وما أراه من آياته ~~التي ظهر بها استحقاقه سبحانه الإلهية متفردا بها , سبب عنه الإنكار عليهم ~~في عبادة معبوداتهم على وجه دال على أنها لا تصلح لصالحة فقال : { أفرأيتم ~~} أي أخبروني بسبب ما تلوت عليكم من هذه الآيات الباهرات . | هل رأيتم رؤية ~~خبرة بالباطن والظاهر { اللات } وهو صنم ثقيف { والعزى } وهي شجرة لغطفان ~~وهما أعظم أصنامهم فإنهم كانوا يحلفون بهما { ومناة } وهو صخرة لهذيل ~~وخزاعة , ودل على أنها عندهم بعدهما في الربوبية بقوله مشيرا بالتعدد ~~بالتعبير عنه بما عبر به إلى أن شيئا منها لا يصلح لصالحة حتى ولا أن يذكر ~~: { الثالثة الأخرى * } أي إنه ما كفاهم في خرق سياج منها العقل في مجرد ~~تعديد الإله بجعله الاثنين حتى أضافوا ثالثا أقروا بأنه متأخر الرتبة فكان ~~الإله عندهم قد يكون سافلا ويكون ملازما للإنزال وللسفول بكونه أنثى , قال ~~الرازي في اللوامع : وأنثوا أسماءها تشبيها لها بالملائكة على زعمهم بأنها ~~بنات الله - انتهى , ولا شك عند من له أدنى معرفة بالفصاحة أن هذا ~~الاستفهام الإنكاري والتعبير بما شأنهم بالولادة التي هي أحب الأشياء إلى ~~الإنسان بل الحيوان لا يوافقه أن يقال بعده ما يقتضي مدحا بوجه في الوجوه , ~~فتبين بطلان ما نقل نقلا واهيا من أنه قيل حين قرئت هذه السورة في هذا ~~المحل : تلك الغوانيق العلا - إلى آخره لعلم كل PageV07P322 عربي أن ذلك ~~غاية في الهذيان في هذا السياق , فلا وصلة بهذا السياق ms5019 المعجز بوجه . | ~~ولما كان التقدير بما أفهمه السياق , كيف ادعيتم أنها آلهة أهي كذلك مع أن ~~عادتكم احتقار الإناث من أن تكون لكم أولادا , فكيف رضيتم أن تكون لكم آلهة ~~, وتكونوا لها عبادا مع أنها لم تنزل لكم وحيا ولا أرسلت لكم رسولا ولا ~~فعلت مع أحد منكم شيئا مما كرمنا به عبدنا محمدا صلى الله عليه وسلم ولا ~~أرتكم قط آية ولا هي متأهلة لشيء من ذلك , بل لا تملك ضرا ولا نفعا وادعيتم ~~أنها بناته واستوطنها جنيات هي بناته وادعيتم مع ادعاء مطلق الوليدة لمن لا ~~يلم به حاجة ولا شبه له أن له أردأ الصنفين , فكان ذلك نقصا مضموما إلى نقص ~~- وعلا سبحانه تعالى عن صاحبه أو ولد , فاستحققتم بذلك الإنكار الشديد , ~~وعلم بهذا التقدير الذي هدى إليه السياق بطلان حديث الغرانيق ولا سيما مع ~~تعقيبه بقوله : { ألكم } أي خاصة { الذكر } أي النوع الأعلى { وله } أي ~~وحده { الأنثى * } أي النوع الأسفل . | ولما كان الاستفهام إنكاريا رد ~~الإنكار بقوله فذلكة لفعلهم : { تلك } أي هذه القسمة البعيدة عن الصواب { ~~إذا } أي إذ جعلتم البنات له والبنين لكم { قسمة ضيزى * } أي جائرة ناقصة ~~ظالمة فيما يحسن للحق للغاية عرجاء غير معتدلة حيث خصصتم به ما أوصلتكم ~~الكراهة له إلى دفنه حيا , وقد علم أن الآية من الاحتباك : دل ذكر اسمها في ~~أسلوب الإنكار على حذف إنكار كونها آلهة وإنكار تخصيصة بالإناث على حذف ما ~~يدل على أنهم جعلوها بناته . | < < # | النجم : ( 23 - 28 ) إن هي إلا . . . . . # > > ^ ( إن هي إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم مآ أنزل الله بها من ~~سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جآءهم من ربهم الهدى * أم ~~للإنسان ما تمنى * فلله الآخرة والأولى * وكم من ملك في السماوات لا تغني ~~شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ويرضى * إن الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى * وما لهم به من علم إن يتبعون إلا ~~الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ms5020 ) ^ } ) | ولما أفهم هذا الإنكار بطلان ~~قولهم هذا , حصر القول الحق فيها فقال مستأنفا : { إن } أي ما { هي } أي ~~هذه الأصنام { إلا أسماء } أي لا حقائق لها , فما ادعيتم لها من الإلهية ~~ليس لها من ذلك إلا الأسماء , وأكد ذلك بقوله مبينا : { سميتموها } أي ~~ابتدعتم تسميتها أنتم , واجتث قولهم من أصله فقال : { أنتم وآباؤكم } أي لا ~~غير بمجرد الهوى لم تروا منها آية ولا كلمتكم قط كلمة تعتدونها , وعلى ~~تقدير أن تتكلم الشياطين PageV07P323 على ألسنتها فأي طريقة قويمة شرعت لكم ~~وأي كلام مليح أو بليغ وصل إليكم وأي آية كبرى أرتكموها - انتهى . | ولما ~~عمل بهذا أن الله تعالى لم يأمرهم بشيء من ذلك , صرح به نافيا أن يدل على ~~ما وسموه به دليل فقال : { ما } ولما قدم في الأعراف ترك النافي للتدريج ~~لما تقدم بما اقتضاه , فنى هنا الإفعال النافي لأصل الفعل سواء كان ~~بالتدريج أو غيره لأن المفصل لباب القرآن فهو للمقاصد , وذلك كاف في ذم ~~الهوى الذي هو مقصود السورة فقال : { أنزل الله } الذي له جميع صفات الكمال ~~{ بها } أي بالاستحقاق للأسماء ولا لما وسمتموها به من الإلهية , وأعرق في ~~النفي بقوله : { من سلطان } أي حجة تصلح مسلطا على ما يدعي فيها . | ولما ~~كان هذا النفي المستغرق موجبا للخصم إيساع الحيلة في ذكر دليل على أي وجه ~~كان , وكان هؤلاء قد أبلسوا عند سماع هذا الكلام ولم يجدوا ما يقولون ولا ~~يجدوا , فكان من حقهم أن يرجعوا فلم يرجعوا , أعرض عنهم إيذانا بشديد الغبن ~~قائلا : { إن } أي ما { يتبعون } أي في وقت من الأوقات في أمر هذه الأوثان ~~بغاية جهدهم من أنها آلهة , وأنها تشفع لهم أو تقربهم من الله { إلا الظن } ~~أي غاية أمرهم لمن يسحن الظن بهم , فالظن ترجيح أحد الحائزين على رغم الظان ~~. | ولما كان الظن قد يكون موافقا للحق مخالفا للهوى قال : { وما تهوى ~~الأنفس } أي تشتهي , وهي - لما لها من النقص - لا تشتهي أبدا إلا بما يهوي ~~بها عن غاية أوجها إلى أسفل حضيضها ms5021 , وأما المعالي وحسن العواقب فإنما تشوق ~~إليها العقل , قال القشيري : فالظن الجميل بالله فليس من هذا الباب , ~~والتباس عواقب الشخص عليه ليس من هذه الجملة بسبيل , إنما الظن المعلول في ~~الله وصفاته وأحكامه . | { ولقد } أي العجب أنهم يفعلون ذلك والحال أنه قد ~~{ جاءهم من ربهم } أي المحسن إليهم { الهدى * } أي الكامل في بابه إلى ~~الدين الحق الناطق بالكتاب الناطق بالصواب على لسان الرسول صلى الله عليه ~~وسلم , والرأي يقتضي أن من رأى الهدى تبعه ولو أتاه به عدوه , فكيف إذا ~~أتاه به من هو أفضل منه من عند من إحسانه لم ينقطع عنه قط . | ولما كان ~~التقدير : أعليهم أن يتركوا أهويتهم ويهتدوا بهدى ربهم الذي لا ملك لهم معه ~~{ أم } لهم ما تمنوا - هكذا كان الأصل , ولكنه ذكر الأصل الموجب لاتباع ~~الهوى فقال : { للإنسان } أي جاه ومال وطول عمر ورفاهية عيش ومن كفره ~~وعناده , وقوله < # > 77 ( { لئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } ) 77 < # > [ فصلت : 50 ] PageV07P324 ولما كان الاستفهام إنكاريا , كان المعنى : ~~ليس له ما تمنى , وكان ذلك دليلا قطعيا على أنه مربوب مقهور ممن له الأمر ~~كله , فسبب عنه قوله : { فلله } أي الملك الأعظم وحده . | ولما كانت الأخرى ~~دار اللذات وبلوغ جميع الأماني وحرمانها , وكانوا يدعزون فيها على تقدير ~~كونها جميع ما يتمنون من شفاعة آلهتهم وإجابتها إلى إسعادهم ونحو ذلك , قدم ~~قوله : { الآخرة } فهو لا يعطي الأماني فيها إلا لمن تبع هاده وخالف هواه { ~~والأولى * } فهو لا يعطي جميع الأماني فيها لأحد أصلا كما هو مشاهد , فمن ~~ترك هواه فيها نال أمانيه في الآخرة , فلهذا قدمها لا للفاصلة فإنه لو قيل ~~( الأخرى ) لصلحت للفاصلة . | ولما كان التقدير : فكم من شخص ترونه في ~~الأرض مع أنه في غاية المكنة فيما يظهر لكم لا يصل إلى ربع ما يتمناه , عطف ~~عليه قوله , مظهرا لضخامة ملكه وأنه لا يبالي بأحد , دالا على الكثرة : { ~~وكم من ملك } أي مقرب , ودل على زيادة قربه بشرف مسكنه فقال : { في السموات ~~} أي وهم في ms5022 الكرامة والزلفى { لا تغني } أي لا تجزي وتسد وتكفي , ولما كان ~~رد الجمع لحال اجتماعهم أدل على العظمة , عبر بما يحتمل ذلك فقال : { ~~شفاعتهم } أي عن أحد من الناس { شيئا } فقصر الأمر ورده بحذافيره إليه ~~بقوله : { إلا } ودل باثبات الجار على أنه مع ما يحده سبحانه لا مطلقا فقال ~~: { من بعد أن يأذن } أي يمكن ويريد { الله } أي الذي لا أمر لأحد أصلا معه ~~, وعبر بأن والفعل دلالة على أنه لا عموم بعد الإذن بجميع الأوقات , وإنما ~~ذلك يجدد بعد تجدد الإذن على حينه وقبل الأمر الباب ؟ لعموم العظمة بقوله : ~~{ لمن يشاء } أي بتجدد تعلق مشيئته به لأن يكون مشفوعا أو شافعا . | ولما ~~كان الملك قد يأذن في الشفاعة وهو كاره , قال معلما أنه ليس كأولئك : { ~~ويرضى * } فحينئذ تغني شفاعتهم إذا كانوا من المأذون لهم - كل هذا قطعا ~~لأطماعهم وعن قولهم بمجرد الهوى أي آلهتهم تشفع لهم . | ولما أخبر باتباعهم ~~للهوى ونفى أن يكون لهم من ذلك ما يتمنونه دل على اتباعهم للهوى بقوله موضع ~~{ أنهم } : { إن الذين } وأكد تنبيها على أنه قول بالغ في العجب الغاية فلا ~~يكاد يصدق أن عاقلا بالآخرة يقوله بما جرى لهم على قولهم ذلك وأمثاله بقوله ~~: { لا يؤمنون } أي لا يصدقون ولا هم يقرون { بالآخرة } ولذلك أكد قوله : { ~~ليسمون الملائكة } أي كل واحد وهم رسل الله { تسمية الأنثى } بأن قالوا : ~~هي بنات الله , كما يقال في جنس الأنثى : بنات { وما } أي والحال أنهم ما { ~~لهم به } أي بما سموهم به , وأعرق في النفي بقوله : { من علم } ولما نفى ~~علمهم شوف السامع إلى الحامل لهم على ذلك فقال : { إن } أي ما { يتبعون } ~~أي بغاية ما يكون في ذلك وغيره { إلا الظن } . | PageV07P325 ولما كانوا ~~كالقاطعين بأن ذلك ينفعهم , أكد قوله : { وإن الظن } أي مطلقا في هذا وغيره ~~, ولذلك أظهر في موضع الإضمار { لا يغني } إغناء مبتدئا { من الحق } أي ~~الأمر الثابت في نفس الأمر الذي هو حقيقة الشيء وذاته بحيث يكون الظن بدله ~~, والظن إنما يعبر ms5023 به في العمليات لا العلميات ولا سيما الأصولية { شيئا } ~~من الإغناء عن أحد من الخلق فإنه لا يؤدي أبدا إلى الجزم بالعلم بالشيء على ~~ما هو عليه في نفس الأمر فهو ممنوع في أصول الدين , فإن المقصود بتحقق ~~الأمر على ما هو عليه في الواقع , وأما الفروع فإن المكلف به فيها هو الظن ~~لكن بشرطه المأذون فيه , وهو رده إلى الأصول المستنبط منها لعجز الإنسان ~~على القطع في جميع الفروع , تنبيها على عجزه وافتقاره إلى الله ليقبل عليه ~~ويتبرأ من حوله وقوته ليكشف له من الأحقاف . | < < # | النجم : ( 29 - 32 ) فأعرض عن من . . . . . # > > ^ ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك ~~مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى * ولله ~~ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى * الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك ~~واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون ~~أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) ^ } ) | ولما كانوا بعد مجيء ~~الهدى قد أصبروا على الهوى , وكانت هذه السورة في أوائل ما نزل , والمؤمنون ~~قليل , سبب عن ذلك : { فأعرضوا عن من تلوى * } أي كلف نفسه خلاف ما يدعو ~~إليه العقل والفطرة من ولى { عن ذكرنا } أي ذكره إيانا , فأعرض عن الذكر ~~الذي أنزلناه فلم ينله ولم يتدبر معانيه فلا يلتفت إلى شيء علمه فإنه مطموس ~~على قلبه ولو كان ذهنه أرق من الشعر فإنه لا يؤول إلا إلى شر ^ ( { ولا ~~تذهب نفسك عليهم حسرات } ) ^ [ فاطر : 8 ] فإنه ما عليك إلا البلاغ . | ~~ولما كان المعرض في وقت قد يقبل في آخر , دل على دوامه على وجه بليغ بقوله ~~: { ولم يرد } أي في وقت من الأوقات { إلا الحياة الدنيا * } أي الحاضرة ~~ليقصده بالمحسوسات كالبهائم في العمى عن دناءتها وحقارتها , ثم ترجم جملتي ~~الإعراض والإرادة بقوله : { ذلك } أي الأمر المتناهي في الجهل والقباحة { ~~مبلغهم ms5024 } أي نهاية بلوغهم وموضع بلوغهم والحاصل لهم , وتهكم بهم بقوله : { ~~من العلم } أنه لا علم لهم لأن عيون بصائرهم عمي , ومرائبها كثيفة مظلمة لا ~~تكشف عن نظر الآخرة التي هي أصل العلوم كلها , ثم علل هذه الجملة بقوله ~~مؤكدا قطعا لطمع من يظن أن وعظه وكلامه يرد أحدا من غيره وإن أبلغ في أمره ~~ودعائه في سره وجهره , وإعلاما بأن PageV07P326 ذلك إنما هو من الله , فمن ~~وعظ له سبحانه راجيا منه في إيمانه أوشك أن ينفع به كما فعل في وعظ مصعب بن ~~عمير رضي الله عنه فصغى له أسيد بن حضير وسعد بن معاذ رضي الله عنهما في ~~ساعة واحدة كما هو مشهور { إن ربك } أي المحسن إليك بالإرسال وغيره { هو } ~~أي وحده { أعلم بمن ضل عن سبيله } ضلالا مستمرا , فلا تعلق أملك بأن يصل ~~علمه إلى ما وراء الدنيا , وعبر بالرب إارة إلى أن ضلال هذا من الإحسان ~~إليه صلى الله عليه وسلم لأنه لودخل في دنيه لأفسد أكثر مما يصلح كما قال ~~تعالى : < # > 77 ( { ولا أوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم } ) 77 < # > [ التوبة : 47 ] وذلك لأنه جبل جبلة غير قابلة للخير { أعلم بما اهتدى ~~* } أي ظاهرا وباطنا . | ولما كان هذا ربما أوهم أن من ضل على هذه الحالة ~~ليس في قبضه , قال نافعا لهذا الإبهام مبينا أن له الأسماء الحسنى ~~ومقتضياتها في العالم موضع ( والحال أنه له ) أو عطفا على ما تقديره : فلله ~~من في السموات ومن في الأرض : { ولله } أي الملك الأعظم وحده { ما في ~~السموات } من الذوات والمعاني فيشمل ذلك السموات والأراضي , فإن كل سماء في ~~التي تليها , والأرض في السماء { وما في الأرض } وكذلك الأراضي والكل في ~~العرش وهو ذو العرش العظيم . | ولما أمره صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم ~~وسلاه وأعلمه أن الكل في ملكه , فلو شاء لهداهم ورفع النزاع , ولكنه له في ~~ذلك حكم تحار فيها الأفكار , علل الإعراض كما تقدم في الجاثية في قوله : < # > 77 ( { قل للذين آمنوا يغفروا } ) 77 ms5025 < # > [ الجاثية : 14 ] بقوله : { ليجزي } أي يعاقب هو سبحانه كافيا لك ما ~~أهمك من ذلك , ويجوز أن يكون التقدير : وكما أنه سبحانه مالك ذلك فهو ملكه ~~ليحكم بجزاء كل على حسب ما يستحق , فإن الحكم نيتجة الملك { الذين أساؤوا } ~~بالضلال { بما عملوا } أي بسببه وبحسبه إما بواسطتك وبسيوفك وسيوف أتباعك ~~إذا أذنت لكم في القتال , وإما بغير ذلك بالموت حتف الأنف بضرب الملائكة ~~وجوههم وأدبارهم , ثم بعذاب الآخرة على جميع ذنوبهم من غير أن يكون عجل لهم ~~في الدنيا شيء ينقص بسببه عذاب الآخرة { ويجزي } أي يثبت ويكرم { الذين ~~أحسنوا } أي على ثباتهم على الدين وصبرهم عليه وعلى أذى أعدائهم { بالحسنى ~~* } أي الثبوت الذي هو في غاية الحسن ما بعدها غاية , فإن الحسنى تأنيث ~~الأحسن . | ولما وعد الذين وقع منهم الإحسان , وصفهم فقال : { الذين ~~يجتنبون } أي يكلفون أنفسهم ويجهدونها على أن يتركوا { كبائر الإثم } أي ما ~~عظم الشارع إثمه بعد الحريمه بالوعيد والحد , وعطف على { كبائر الإثم } ~~قوله : { والفواحش } والفاحشة من الكبائر ما يكرهه الطبع وينكره العقل ~~ويستخسه . | PageV07P327 ولما أفهم هذا التقييد أن من خالط ما دون كان ~~مغفورا له , صرح به فقال : { ألا } أي لكن { اللمم } معفو , فمن خالطه لا ~~يخرج عن عداد من أحسن , فهو استثناء منقطع , ولعله وضع فيه { إلا } موضع { ~~لكن } إشارة إلى الصغير يمكن أن يكون كبيرا باستهانته مثلا كما قال تعالى < # > 77 ( { وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم } ) 77 < # > [ النور : 15 ] واللمم هو صغار الذنوب , والمراد هنا ما يحصل منها في ~~الأحيان كأنه وقع في صحابه فلتة بغير اختيار منه , لا ما يتخذ عادة أاو ~~يكثر حتى يصير كالعادة , قال الرازي في اللوامع : وأصله مقاربة الذنب ثم ~~الامتناع منه قبل الفعل , قال ذو النون : ذكر الفاحشة من العارف كفلعها من ~~غيره - انتهى . | يقال : وألم بالمكان - إذا قل لبثه فيه , وقال البغوي : ~~قال السدي : قال أبو صالح أنه سئل عن اللمم فقال : هو الرجل يلم بالذنب ثم ~~لا يعاوده , قال : فذكرت ذلك لابن عباس رضي الله ms5026 عنهما فقال : لقد أعانك ~~عليها ملك كريم , ثم قال البغوي : فأصل الملم والإلمام ما يعمله الإنسان ~~الحين بعد الحين , ولا يكون له إعادة ولا إقامة عليه - انتهىا - وعلى هذا ~~يصح أن يكون الاستثناء متصلا . | ولما كان الملوك لا يغفرون لمن تكررت ~~ذنوبه إليهم وإن صغرت , فكان السامع يستعظم أن يغفر ملك الملوك سبحانه مثل ~~هذا , علل ذلك بقوله : { إن ربك } أي المحسن إليك بإرسالك رحمة للعالمين ~~والتخفيف عن أمتك { واسع المغفرة } فهو يغفر الصغائر حقا أوجبه على نفسه ~~ويغفر الكبائر إن شاء بخلاف غيره من الملوك فإنه لو أراد ذلك ما أمكنه ~~اتباعه , ولو جاهد حتى تمكن من ذلك في وقت فسدت مملكته فأدى ذلك إلى زوال ~~الملك من يدره أو اختلاله . | ولما وصف الذين أحسنوا فكان ربما وقع في وهم ~~أنه لا يعلمهم سبحانه إلا بأفعالهم , وربما قطع من عمل بمضمون الآية أنه ~~ممن أحسن , قال نافيا لذلك : { هو أعلم بكم } أي بذواتكم وأحوالكم منك ~~بأنفسكم { إذ } أي حين { أنشاكم } ابتداء { من الأرض } التي طبعها طبع ~~الموت : البرد واليبس بإنشاءإبيكم آدم عليه السلام منها وتهيئتكم للتكوين ~~بعد أن لم يكن فيكم تقوية قريبة ولا بعيدة أصلا يميز الثواب الذي يصلح ~~لتكونكم منه والذي لا يصلح { وإذ } أي حين { أنتم أجنة } أي مستورون . | ~~ولما كان البشر قد يكون في بطن الأرض وإن كان الجنين معروفا للطفل في البطن ~~, حقق معناه بقوله : { في بطون أمهاتكم } بعد أن مزج بلك التراب البارد ~~اليابس الماء والهواءن فنشأت الحرارة والرطوبة , فكانت هذه الأربعة الأخلاط ~~الزكية والدنية , ولكن لا علم لكم أصلا , فهو يعلم إذ ذاك ما أنتم صائرون ~~إليه من خير وشر وإن عملتم PageV07P328 مدة من العمر بخلاف ذلك فإنه يعلم ~~ما جبلكم عليه من ذلك وأنتم لا تعلمون إلا ما يكون في أنفسكم حال كونه أنكم ~~لا تحيطون به إذ ذاك علما . | ولما كان من عادة من سلم من الذنوب أن يفتخر ~~على من قارفها لما بني الإنسان عليه من محبة الفخر لما ms5027 جبل عليه من النقصان ~~, وكان حاله قد يتبدل فيسبق عليه الكتاب فيشقى , سبب عن ذلك قوله : { فلا ~~تزكوا } أي تمدحدوا بالزكاة وهو البركة والطهارة عن الدناءة { أنفسكم } أي ~~حقيقة بان يثني على نفسه فإن تزكيته لنفسه من علامات كونه محجوبا عن الله - ~~قال القشيري - أو مجازا بأن يثني على غيره من إخوانه فإنه كثيرا ما يثني ~~بشيء فيظهر خلافه , وربما حصل له الأذى بسببه ( وإن العبد ليعمل بعمل أهل ~~الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع ) الحديث , ولذلك علل بقوله ~~: { هو أعلم } أي منكم ومن جميع الخلق { بمن اتقى } أي جاهد نفسه حتى حصل ~~فيه تقوى , فهو يوصله فوق ما يؤمل من الثواب في الدارين , فكيف بمن صار له ~~التقوى وصفا ثابتا . | < < # | النجم : ( 33 - 38 ) أفرأيت الذي تولى # > > ^ ( أفرأيت الذي تولى * وأعطى قليلا وأكدى * أعنده علم الغيب فهو يرى ~~* أم لم ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى * ألا تزر وازرة وزر ~~أخرى ) ^ } ) | ولما أره سبحانه بالإعراض عمن تولى عن التشرف بذكر الملك ~~الأعظم واللجاء إليه , ونهى عن التزكية للجهل بالعواقب , وكان قد ارتد ناس ~~عن الإسلام , كان سبب ارتدادهم إخباره صلى الله عليه وسلم عن بعض ما رأى من ~~الآيات الكبرى ليلة الإسراء , وكان لما نزلت عليه صلى الله عليه وسلم سجدة ~~النجم وسجد فيها صلى الله عليه وسلم سجد معه - كما في البخاري - المسلمون ~~والمشركون والجن والإنس , ولم يكن في ظن أحد من الخلق انقلابهم على أدبارهم ~~بعد حتى ولا في ظن المرتدين , سبب عن ذلك قوله : { أفرأيت } أي أخبروني { ~~الذي تلى * } أي عن ذكرنا عبد أن كان حريصا عليه , يظن هو وأهله أنه عريق ~~في أهله بإيمانه وأعماله في أيام إيمانه { وأعطى قليلا وأكدى * } أي قطع ~~ذلك العطاء على مكده وقلته وأبطله وأفسده فصار كالحافر الذي وصل في حفره ~~إلى كدية , يقال لحافر البئر : أجبل - إذا وصل إلى جبل , وأكدى - إذا وصل ~~إلى كدية أي صفاة عظيمة شديدة لا تعمل فيها المعاول , فصار ms5028 لا يقدر معها ~~على شيء من علمه , ولا يستطيع النفوذ فيها PageV07P329 بشيء من حيله , وقد ~~كان قبل ذلك ما صادق التراب الليل يظن أنه لا يمنعه مانع مما يريد , فهذا ~~دليل خبري شهودي على أنه لا علم لأحد من الخلق بما حباه الله في نسه فضلا ~~عن غيره , فلا ينبغي لأحد أن يزكي نفسه ولا غيره , قيل : نزلت في الوليد بن ~~المغيرة أسلم ثم ارتد لتعيير بعض المشركين له , وقوله له ( ارجع وأنا أتحمل ~~عنك العذاب ) وهي تصلح لكل من ارتد ظاهرا أو نافق أو انهمك في المعاصي بعد ~~إيمانه معرضا عن الأعمال الصالحة . | ولما كان هذا - وقد وقع في خطر عظيم ~~من إفساد العمل في الماضي وتركه في المستقبل فصار على خطأ عظيم في أحدهما - ~~يتعلق بأصل الدين : الكفر والإيمان , وكان مثل هذا لا يفعله عاقل بنفسه إلا ~~عن بصيرة , قال تعالى موبخا له مقرعا : { أعنده } أي خاصة { علم الغيب } أي ~~كله بحيث لا يشاركه في مشارك يمكن أن يخفى عليه شيء منه { فهو } أي فيتسبب ~~عن ذلك أنه { يرى * } أي الرؤية الكاملة فيعلم جميع ما ينفعه فيرتكبه وجميع ~~ما يضره فيجتنبه ويعلم أن هذا القليل الذي أعطاه قد قبل وأمن به من العطب ~~فاكتفى به . | ولما كان الغبي قد يظن أن عمل غيره ينفعه , عبر عنه جامعا ~~للوعظ والتهويل بقوله : { أم لم ينبأ } أي يخبر إخبارا عظيما متتابعا { بما ~~في صحف موسى * } أي التوراة المنسوبة إليه بإنزالها عليه وكذا ما يتبعها من ~~أسفار الأنبياء الذين جاؤوا بعده بتقريرها . | ولما قدم كتاب موسى عليه ~~السلام لكونه أعظم كتاب بعد القرآن مع أنه موجود بين الناس يمكن مراجعته , ~~قال : { وإبراهيم } ومدحه بقوله دالا بتشديد الفعل على غاية الوفاء : { ~~الذي وفى } أي أتم ما أمر به وما امتحن به وما قلق شيئا من قلق , وكان أول ~~من هاجر قومه وصبر على حر ذبح الولد وكذا على حر النار ولم يستعن بمخلوق , ~~وخص هذين النبيين لأن المدعين من بني إسرائيل اليهود والنصارى ms5029 يدعون متابعة ~~عيسى عليه السلام , ومن العرب يدعون متابعة إبراهيم عليه السلام , ومن ~~عداهم لا متمسك لهم ولا سلف في نبوة محققة ولا شريعة محفوظة , ثم فسر الذي ~~في الصحف أو استأنف بقوله : { ألا تزر } أي تأثم وتحمل { وازرة } أي نفس ~~بلغت مبلغا تكون فيه حاملة { وزر أخرى * } أي حملها الثقيل من الإثم , يعني ~~فمن يحمل عنه أثم أحد الشقين الذي لزمه فلا بد أن يكون آثما وهما قبل ~~التولي وما بعده . | < < # | النجم : ( 39 - 48 ) وأن ليس للإنسان . . . . . # > > ^ ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه ~~الجزآء PageV07P330 الأوفى * وأن إلى ربك المنتهى * وأنه هو أضحك وأبكى * ~~وأنه هو أمات وأحيا * وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى * من نطفة إذا تمنى * ~~وأن عليه النشأة الأخرى * وأنه هو أغنى وأقنى ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما نفى أن يضره إثم غيره نفى أن ينفعه سعي غيره فقال : { وأن ليس ~~للإنسان } كائنا من كان { إلا ما سعى * } فلا بد أن يعلم الحق في أي جهة ~~فيسعى , ودعاء المؤمنين للمؤمن سعيه بمواددته لهم ولو بموافقته لهم في ~~الدين وكذا الحج عنه والصدقة ونحوهما , وأما الولد فواضح في ذلك , وأما ما ~~كان لسبب العلم ونحوهما فكذلك , وتضحية للنبي صلى الله عليه وسلم في عزامته ~~أصل كبير في ذلك , فإن من تبعه فقد وادده , وهذا أصل في التصدق عن الغير ~~وإهداء ما له من الثواب في القراءة ونحوها . | ولما ثبت أنه ليس له ولا ~~عليه إلا ما عمل , وكان في الدنيا قد يفعل الشيء من الخير والشر ولا يراه ~~من فعله لأجله ولا غيره نفى أن يكون الآخرة كذلك بقوله : { وأن سعيه } أي ~~من خير وشر { سوف } أي من غير شك بوعد لا خلف فيه وإن طال المدى . | ولما ~~كان الاطلاع نفسه مرضيا أو مخزيا لا بالنسبة لأحد بعينه , بناه للمجهول ~~بقوله : { يرى * } ولما كان المخوف منه المجاواة مطلقا لا من مجاز معين قال ~~: { ثم يجزاه } ولما كان في هذه الدار ربما وقعت المسامحة ببعض الأشياء ms5030 ~~والغفلة عن بعضها , قال : { الجزاء الأوفى * } أي الإثم الأكمل , إن كان ~~خيرا فمع المضاعفة , وإن كان غيره فعلى السواء لمن أراد الله ذلك له ويعفو ~~عن كثير , لكنه تذكرة له . | ولما كانت رؤية الأعمال لا تقطع برؤية ~~المتوكلين بها من الملائكة أو غيرها ممن أقامه الله لذلك , وكان الرائي ~~كلما كان أكثر كان الأمر أهول , وكان رؤية الملك الأعظم أخوف , قال عاطفا ~~على { لا تزر } مبينا بحروف الغاية أن الرائين للأعمال كثير لكثرة جنوده ~~سبحانه : { وأن إلى ربك } أي المحسن إليك لا غيره { المنتهى * } أي ~~الانتهاء برجوع الخلائق حسا بالبعث ومعنى بالعمل والعلم , وإسناد الأمور ~~وإرسال الآمال , ومكان رجوعهم وزمانه كما كان منه المبتدأ , أكد ذلك خلقا ~~لذلك كله وحسابا عليه , روي البغوي من طريق أبي جعفر الرازي عن أبي بن كعب ~~رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال ( لا فكرة في ~~الرب ) قال : ومثل هذا ما روي عن أبي هريرة رضي PageV07P331 الله عنه ~~مرفوعا : ( تفكروا في الخلق ولا تتفكروا في الخالق فإنه لا يحيط به الفكرة ~~) ورواه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس رضي الله عنهما : ( ا تتفكروا في ~~الله فإنكم لن تقدروا قدره ) , هذا هو المراد وهو واضح , فمن أول الآية ~~باتحاد أو غير ذلك من الأغلحاد فعليه لعنة الله وعلى الذاب عنه والساكت عنه ~~. | ولما ذكر تعالى الأمور الاختيارية وقدمها لأنها محط للبلاء وسلب علمها ~~عن أصحابها , وحذر من عاقبتها بإحاطته بكل شيء , وكان معنى ذلك أنه القادر ~~على غيره والعالم لا غيره , عطف عليه قوله ذاكرا للأمور الاضطرارية التي هي ~~في غاية التنافي إكمالا للدليل على أنه يعلم ما في النفوس دون أصحابها ~~وغيرهم وأنه إليه المنتهى إعادة وإبداء , يوقف ما يشاء على ما يريد من ~~الأسباب التي تفعل بإذنه من الضحك أو الكباء وغيرهما من الأمور المنافية ~~التي لولا الإلف لها لقضى الإنسان أن المتلبس بأحدهما لا يتلبس بضده أصلا ~~من غيرها { وأنه } ولما كانت التأثيرات الإدراكية تحال ms5031 على أسبابها , أكد ~~الكلام فيها فقال : { هو } أي لا غيره { أضحك وأبكى * } أي ولا يعلم أحد ~~قبل وقت الضحك أو البكاء أنه يضحك أو يبكي ولا أنه يأتيه ما يعجبه أو يحزنه ~~, ولو قيل له حالة الضحك أنه بعد ساعة يبكي لأنكر ذلك , وربما أدركه ما ~~أبكاه وهو في الضحك وبالعكس . | ولما كانت الإماتة والإحياء أعظم تنافيا ~~بما مضى , فكانت القدرة على إيجادها في السخص الواحد أعظم ما يكون , وكان ~~ربما نسب إلى من قتل داوى من مرض أو أطلق من وجب قتله , أكد فقال : { وأنه ~~هو } أي لا غيره . | ولما كان الإلباس في الموت أكبرن وكان الموت انسب ~~للبكاء , والإحياء أنسب للضحك , وكان طريق النشر المشوش أفصح , قدمه فقال : ~~{ أمات وأحيا * } وإن رأيتم أسبابا ظاهرية فإنه لا عبرة بها أصلا في نفس ~~الأمر بل هو الذي خلقها . | ولما كان ذكر الإحياء , وكان تصنيف الولد إلى ~~نوعيه ظاهرا في اختصاصه , بل وهو في غاية التعذر على من سواه , أعراه عن ~~مثل التأكيد في الذي قبله فقال : { وأنه خلق الزوجين } ثم فسرها بقوله : { ~~الذكر والأنثى * } فإنه لو كان ذلك في غيره لمنع PageV07P332 البنات لأنها ~~مكروهة لكل أحد , ثم ذكر ما يظهر ولا بد أنه من صنعه فتسبب أن مادة الاثنين ~~واحدة وهو الماء الذي هو أشد الأشياء امتزاجا فقال : { من نطفة } وصور ~~كونها منها بقوله : { إذا تمنى * } أي تراق وتدفق بالفعل لا قبل ذلك ليمكن ~~فيه طعن بأنه كان بدءا أو غيره بل أنتم تعلمون أنه لا يخلق الولد إلا بعد ~~الإمناء بالفعل , وخرج أصله ما يمكن خلقا من خلق الله أن يعرف بمجرد رؤيته ~~أهو صالح للأنثى فقط أو للذكر فقط أو لهما أو للأشكال بالخنوثة . | ولما ~~ساق هذه الأشياء دليلا على إحاطة علمه فلزمها أن دلت على تمام قدرته , ~~وختمها بالنشأة الأولى فلزم من ذلك الإقرار حتما بأنه قادر على البعث , عبر ~~بما يتقضي أنه لما تقدم به وعده على جميع ألسنة رسله صار واجبا عليه بمعنى ~~أنه لا ms5032 بد من كونه لأنه لا يبدل القول لديه , لا غير ذلك , فعبر بحرف ~~الاستعلاء تأكيدا له ردا لإنكارهم إياه فقال : { وأن عليه } أي خاصا به ~~علما وقدرة { النشأة } أي الحياة وهو ممدود لابن كثير وأبي عمرو ومقصور ~~لغيرهما مصدر نشأ - إذا حنى وربى وسن { الأخرى * } أي التي الاختيارية ~~والاضطرارية له بكل الأمرين لسبب وكان مقسوما بين الإناث والذكور بحكمة ~~كالمعترض إنما أوجب ذكر النشأة الأولى , تعقب ذكرهما به وكان ذكر الغنى مع ~~أنه يدل على الفقر أليق بالامتنان , والنسبة إلى الرب , وكان الغنى الحقيقي ~~إنما يكون في تلك الدار , أخر ذكره فقال : { وأنه } ولما كان ربما نسب إلى ~~السعي وغيره , أكد بالفعل في الحقيقة إنما هو غنى النفس , وهو رضاها بما ~~قسم لها وسكونها وطمأنينتها , وإنما الله به فهو غني , وهو في الجنانة مغني ~~وإن كان في الدنيا { وأقنى * } أي أمكن من المال وأرضى بجميع الأحوال قال ~~البغوي : أعطى أصول المال وما يدخر بعد الكفاية , قال : وقال الأخفش أقنى ~~أفقر - انته . | ونقل الأصبهاني مثله عن أبي زيد , فتكون الهمزة للإزالة ~~ويقال , أفناه بكذا أرضاه , وأقناه الصد : أمكنه منه . | < < # | النجم : ( 49 - 52 ) وأنه هو رب . . . . . # > > ^ ( وأنه هو رب الشعرى * وأنه أهلك عادا الأولى * وثمود فمآ أبقى * ~~وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى ) ^ } ) | ولما كانت الشعرى ~~لأنها تقطع السماء عرضا أدل النجوم بعد تمام القدرة على الفعل بالاختيار مع ~~أنا مما دخل تحت ذلك الجنس المقسم به أول السورة , وهي PageV07P333 لمرورها ~~في سيرها عرضا على جميع المنازل التي كانت العرب تستمطر بها وتنسب بالإتيان ~~بالحد الموجب للغنى إليها كانت قد عبها من دون الله أبو كبشة الخزاعي ~~لكونها عنده أجل الكواكب , قال تعالى دالا بالتأكيد على سفاهة من عبدها : { ~~وأنه هو } أي لا غيره { رب الشعرى * } أي الكاملة في معناها وهي العبور , ~~وأهل علم النجوم يقولون , إن الأحكام النجومية المنسوبة إليها أصح ما ينسب ~~إلى العالم العلوي , وهي نجم يضيء خلف الجوزاء , ويسمى كلب الجبال , وسميت ~~الجوزاء بالجبار تشبيها ms5033 لها بملك على كرسيه وعلى رأسه تاج , وقال الرازي في ~~اللوامع : هي أحد كوكبي ذراعي الأسد , وقال ابن القاص في كتاب دلائل القبلة ~~: وترى عند صلاة الصبح نيرة زائدا نورها على نور سائر الكواكب حولها , وقد ~~طمس الصبح نور سائر الكواكب , وأما الشعرى الأخرى فهي الغميصاء - بالغين ~~المعجمة والصاد المهملة - فهي أقل نورا منها , ولذلك سميت الغميصاء , وقال ~~القزازم في جامعه : وقيل : بكت على أختها فغمصت عينها , أي غارت وذهبت . | ~~ولما دل سبحانه على كمال علمه وشمول قدرته بأمور الخافقين : العلوي والسفلي ~~, فكان ذلك داعيا إلى الإقبال على ما يرضيه , وناهيا عن الإلمام بما يسخطه ~~, شرع في التهديد لمن وقف عن ذلك بما وقع في مصارع الأولين من عجائب قدرته ~~فقال : { وأنه أهلك عادا } ولم يأت بضمير الفصل لأنه لم يدع في أحد غيره ~~إهلاكهم , وهول أمرهم بقوله : { الأولى * } أي القدماء في الزمان جدا دلالة ~~على أنه المنصرف في جميع الأزمنة , وقدمهم لأن الشر أتاهم من حيث ظنوه خيرا ~~وجزموا بأنه من الأنواء النافعة التي كانت عادتهم استمطارها , وقيل : إن ~~عادا قبيلتان : والأولى قوم هود عليه السلام والأخرى إرم ذات العماد - قاله ~~جماعة منهم القشيري , قال البغوي : وكان لهم عقب فكانوا عادا الأخرى , وقال ~~ابن جرير : وعادا الأولى هم الذين عنى الله بقوله < # > 77 ( { ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم } ) 77 < # > [ الفجر : 6 - 7 ] وإنما قيل لهم عادا الأولى لأن بني لقيم بن هزال ~~هزيل بن عنبل بن عاد كانوا أيأم أرسل الله على هؤلاء عذابه سكانا بمكة مع ~~إخوانهم من العمالقة ولد عمليق بن لاوذ بن سام بن وح عليه السلام فلم يصبهم ~~من العذاب ما أصاب قومه وهم عاد الأخرى , ثم هلكوا بعد بغي بعضنهم على بعض ~~فتانوا , وقال غير ابن جرير : إن إرم هم عاد الأخرى , وعطف عليهم قوله : { ~~وثمودا } أي أهلكهم ثم سبب عن الإهلاك قوله : { فما أبقى * } أي من ~~الفريقين أحدا , ومن قال : إن عادا قبيلتان جعل عدم الإبقاء خاصا بثمود , ~~وقراءة عاصم وحمزة ms5034 ويعقوب بمنع الصرف نص في أنه قوم صالح عليه السلام , ~~وقراءة الباقين بالصرف أنسب للأهلاك والإعدام . | PageV07P334 ولما قدم من ~~كان إهلاكهم بنفس الريح التي هي مبدأ الأمطار الآتية لهم في السحاب , ~~وأتبعهم من إهلاكهم بها بحملها للصيحة إرجافها بهم , أتبعهم من كان إهلاكهم ~~بالماء الذي هو غاية السحاب فقال : { وقوم نوح } أي أهلكهم لأجل ظلمهم ~~بالتكذيب , ولما كان إهلاكهم في بعض لزمان الماضي قال : { من قبل } أي قبل ~~الفريقين فصار في الكلام تهويلان يهزان القلب ويفعلان في النفس وصف هؤلاء ~~بالقبيلتين وأولئك بالأولى , ولوا تقدميهم ما كان هذا , وعلل هلاكه بما ~~يؤذن أنه لا فرق عنده بين قوي وضعيف وقليل وكثير مؤكدا لان ما اشتهر من ~~طغيان عاد يوجب أنهم أطعى الناس : { إنهم كانوا } أي بما لهم من الأخلاق ~~التي هي كالجبال التي لا انفكاك عنها { هم } أي خاصة { أظلم } من الطائفتين ~~المذكورتين { وأطغى * } أي وأشد تجاوزا في الظلم وعلوا وإسرافا في المعاصي ~~وتجبرا وعتوا لتمادي دعوة نوح عليه السلام ولأنهم أطول أعمارا وأشد أبدانا ~~, وكانوا مع ذلك ملء الأرض , ويجوز أن يكون الضمير للفرق الثلاثة . | < < # | النجم : ( 53 - 62 ) والمؤتفكة أهوى # > > ^ ( والمؤتفكة أهوى * فغشاها ما غشى * فبأي آلاء ربك تتمارى * هذا ~~نذير من النذر الأولى * أزفت الآزفة * ليس لها من دون الله كاشفة * أفمن ~~هذا الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون * وأنتم سامدون * فاسجدوا لله ~~واعبدوا ) ^ } ) | ولما ذكر الهلاك بالريح الاصفة الناشئة عنها ثم بالماء ~~الناشئ عن السحاب الناشئ عن الريح , ذكر الإهلاك بالريح والنار والماء ~~إعلاما بأنه الفاعل وحده بما أراد من العذاب من العناصر التي سبب الحياة ~~مجتمعة ومنفردة , فقال مقدما عن العامل إعلاما بالتخصيص بما ذكر من العذاب ~~إفادة فإنه تعالى قادر على كل شيء فلم يعذب فرقة بما عذب به الأخرى : { ~~والمؤتفكة } أي المدن المقلبة عن وجوهها إلى أقفائها بقدرة جعلتها من شدتها ~~وعظمتها كأنها انقلبت نفسها من غير قالب وذلك أنه سبحانه فتقها من الأرض ~~ففتقها ثم دفعها في الهواء إلى عنان السماء ثم قلبها وأتبعها ms5035 حجارة النار ~~الكبريتية وغمرها بالماء الذي لا يشبه شيء من مياه الدنيا , ولذلك قال : { ~~أهوى * } أي رفع وحط وأنزلن فكان الإنزال إهواء حقيقيا , والرفع مجازيا ~~لأنه سببه وهي مدن قوم لوط عليه السلام , وأشار إلى الحجارة والماء بقوله ~~مسببا عن الإهواء ومعاقبا له : { فغشاها } أي أتبعها ما غطاها فكان لها ~~بمنزلة الغشاء , وهولها بقوله : { ما غشى * } أي أمرا عظيما من الحجارة ~~وغيرها لا يسع العقول وصفه , وقد اشتمل ما ذكره سبحانه من الصحف على بيان ~~ما ينفع من الأعمال وما يضر وبيان التوحيد باحاطة الله سبحانه بالنهايات ~~التي لا نهاية بعدها علما وقدرة لاختصاصه ببيان المصنوعات PageV07P335 ~~وببيان البعث للتخويف بالآجل وإهلاك المرتدين للتخويف بالعاجل لمن كان قلبه ~~جافيا عن النفوذ إلى الآجل . | ولما أهلك كل واحدة من هذه الفرقة فلم يبق ~~من فجارها أحد , وأنجى من أطاعه منهم فمل يهلك منهم أحد , وكان إهلاكه لكل ~~منها بشيء غير ما هلك به الفريق الآخر , فدل كل من ذلك على تمام علمه وكمال ~~قدرته , وكان كمل ما تقدم في هذه السورة من النعم والنقم لكونه كان أتم ~~أوجه الحكم نعمة على كل مؤمن لما فيها من الترغيب في ثوابه والترهيب من ~~عقابه , خاطب سبحانه رأس المؤمنين لأن خطابه له أشد في تذكير غيره فقال ~~مسببا عما مضى : { فبأي آلاء ربك } أي عطية المحسن إليك التي هي وجه ~~الإنعام والإكرام وهي إشارة المعرفة به سباحنه بمنزلة ظل الشخص من الشخص ~~كما أنه لايتصور ظل إلا لشخص فكذلك فعل الفاعل ولا أثر للمؤثر { تتمارى * } ~~أي تشك بإجالة الخواطر في فكرك في إراذة هداية قومك بحيث لا تريد أن أحدا ~~منهم يهلك وقدحكم ربك بإهلاك كثير منهم لما اقتضته حكمته , وكان بعض خطرك ~~في تلك الإجالة يشكك بعضا , ولما تم الكلام على هذا المنهاج البديع والنط ~~الرفيع في حسان البيان للمواعظ والشرع والقصص القديمة والإنذار العظيم ~~التام على وجه معجز من وجوه شتى , أنتج قوله مرغبا مرهبا خاتما السورة بما ~~بدأ هنا به من ذكره ms5036 صلى الله عليه وسلم : { هذا } النبي صلى الله عليه وسلم ~~{ نذير } أي محذر بليغ التحذير , ولما كانت الرسل الماضون عليهم الصلاة ~~والسلام قد تقررت رسالتهم في النفوس وسكنت إليها القلوب , بحيث أنه لا يسع ~~إنكارها , فكان قد أخبر عن إنكار من كذبهم لأجل تكذيبهم , وإنجائهم وإنجاء ~~من صدقهم لأجل نصرتهم , وكان لا فرق بينه صلى الله عليه وسلم وبينهم في ذلك ~~إلا أن الرحمة به أبلغ وأغلب , مرعبا في اتباعه مرهبا من نزاعه , قال : { ~~من النذر الأولى * } يجب له ما وجب لهم وأنتم كالمنذرين الأولي , فاحذروا ~~ما حل بالمكذبين منهم وارجوا ما كان للمصدقين . | ولما كان كل آت قريبا , ~~وكانت الساعة - وهي ما أنذر به من القيامة ومما دونها - لا بد من إتيانها ~~لما وقع من الوعد الصادق به المتحف بالدلائل التي لا تقبل شكا بوجه من ~~الوجوه , فكان باعتبار ذلك لا شيء أقرب منها , قال دالا على ذلك بصيغة ~~الماضي الذي قد تحقق وقوعه وباشتقاق الواقع الفاعل مما منه الفعل : { أزفت ~~الآزفة * } أي دنت الساعة الدانية في نفسها التي وصفت لكم بالفعل بالقرب ~~غير مرة لأنها محط الحكمة وإظهار العظمة , وما خلق الخلق إلا لأجلها , ~~المشتملة على الضيق وسوء العيش من القيامة , وكل ما وعدتموه في الدنيا مما ~~يكون به ظهور هذا الدين وقمع PageV07P336 المفسدين زولما ضاق الخناق من ~~ذكرها على هذا الوجه , تشوف السامع إلى دفعها , فاستأنف قوله : { ليس لها } ~~واستدرك بقوله : { من دون الله } أي من أدنى رتبة من رتبة الملك المحيط بكل ~~شيء قدرة وعلما { كاشفة * } أي كاشف يوجدها ويقيمها ويجلي علمها , أو يدفع ~~كربها وهمها وإن بالغ في الكشف وبذلك الجهد فيه , فالهاء للمبالغة , ويجوز ~~أن تكون مصدرا كالجاثية والكاذبة والباقية فيكون الهاء للتأنيث . | ولما ~~أفهم هذا أن الله يكشفها أي يكشف كربها ممن يريد من عباده ويثقله على من ~~يشاء , ويكشف علمها بإقامتها , ولا حيلة لغيره في شيء من ذلك بوجه , سبب ~~عنه وعما تقدمه من الإنذار قوله منكرا موبخا , { أفمن هذا الحديث } أي ms5037 ~~القول العظيم الذي يأتيكم على سبيل الاتجدد بحسب الوقائع والحاجات { تعجبون ~~* } إنكارا وهو في غاية ما يكون من ترقيق القلوب . | ولما كان المعجب قد ~~يمسك نفسه عن الضحك , بين أنهم ليسوا كذلك فقال : { وتضحكون } أي استهزواء ~~تجددون ذلك في كل وقت مبتدأ ضحككم منه وهو بعيد من ذلك , ولما كان إنما ~~يورث الحزن بكونه نزل بالحزن قال : { ولا تبكون * } أي كما هو حق من يسمعه ~~. | ولما كان البكاء قد يكون على التقصير في العمل , بين أن الأمر أخطر من ~~ذلك فقال : { وأنتم } أي والحال أنكم في حال بكائكم { سامدون * } أي دائبون ~~في العمل جاهدون في العمل , فإن الأمر جد , فالدأب في العمل والجد فيه ~~حينئذ عل للبكاء , فكأنه قيل : ولا تدأبون في العمل فتبكون , وإنما قلت ذلك ~~لأن ( سمد ) معناه دأب في العمل ورفع رأسه تكبرا وعلا , وسمد الإبل : جد في ~~السير , وسار سيرا شديدا , واسماد : ورم , وسمد : قام متحيرا وحزن وسر وغفل ~~ولها وقام وحصل ونام واهتم وتكبر وتحير وبطر وأشر , وسمد الأرض : سهلها , ~~وأيضا جعل فيها السماد , أي السرقين , والشعر : استأصله , وهو لك سمدا أي ~~سرمدا , والسميد : الحواري , ذكر ذلك مبسوطا القزاز في جامعه وصاحب القاموس ~~. | فالمادة كما ترى تدور على انتشارها على الدأب في العمل فتارة بذكر ~~مبدئه الباعث عليه , وتارة الناشئ عنه , وتارة ما بينهما , وهو الجد في ~~العمل , فينطلق الاسم على كل من ذلك تارة حقيقة ومرة بمجاز الأول , وأخرى ~~بمجاز الكون , فالقصد باعث , وكذا الاهتمام والقيام ورفع الرأس ناشئان ~~عنهما , وذلك أوله , والسدم بمعنى احرص والهم واللهج بالشي , والسديم : ~~الضباب الرقيق , هو مبدأ الكشف , والمسدم : البعير المهمل وما دبر ظهره , ~~كأنه من الإزالة , وركية سدم : متدفقة - للمعالجة في فتحها , ولأن تدفقها ~~دأب في العمل , وكذا PageV07P337 سدم الباب أي ردمه , والدسم : الودك , ~~لأنه منشط على العمل ومنشأ منه , والوضر والدنس , ودسم المطر الأرض : بلها ~~قليلا , لأنه مبدأ الكثير , والقارورة : سدها , والباب : أغلقه , لأنه ~~يعالج في فتحه , والدسمة : غبرة إلى السواد - كأنه مبدأ السواد والدسيم لما ms5038 ~~لم يكن أبواه من نوع واحد - كأنه مبدا لكل نوع منهما ولأنه يلزم الخلط في ~~العادة العلاج , ومنه الدسمة للرديء من الرجال - كأنه لم يكمل فيه النوع , ~~ولأن نقص الشيء عن عادته يلزمه العلاج والفعل بالاختيار , والديسم : الرفيق ~~بالعمل المشفق , وأنا على دسم من الأمر أي طرف منه , والمسد - محركة : ~~المحور من الحديد , لأنه آلة الفتل , وحبل من الليف أو ليف المقل لأنه محل ~~الدأب , والمساد : نحى السمن , ودمسه : دفنه , يصلح ان يكون مبدأ ومقصدا , ~~ومنه دمس بينهم : أصلح لأنه دفن أحقادهم وعالج في ذلك , والدمس : إخفاء ~~الشيء والظلام , لأنه منشئ التعب , ودمس الموضع : درس - للتعب في معرفته , ~~ودمس الإهاب : غطاه فيمشط شعره , والدمس : الشخص , وبالتحريك : ما غطى , ~~والدودمس بالضم : حية مجر نفشة الغلاصيم تنفخ فتحرق ما أصابت بنفخها , ومن ~~آثاره النشئة عن الورم , وكذ القيام متحيرا والغفلة والسرور والحزن واللهو ~~والنوم والكبر والتبختر والعلو والعتا , والسميد أي الحواري , والسمد ~~بمعنىن السرمد : والسمد : الهم مع ندم أو الغيظ مع حزن , والديماس : الكن , ~~وما بين ذلك سصمد الأرض والشعر والسير الشديد والجد فيه , وهو نفس الدأب , ~~وكذا السديم للكثير الذكر , وماء مسدم وعاشق مسدم : شديد العشق , والدسيم : ~~ظلمة السواد , والدسيم , الكثير الذكر , ودسم البعير : طلاه بالحناء - ~~والمسد : إداب السير - وبالتحريك : المضفور المحكزم الفتل , ورجل ممسود : ~~مجدول الخلق - شبه به - وهي بها , ودمس بينهم : أصلح , وهو من الدفن أيضا ~~لأنه دفن أحقادهم فنبين أن جعل السمود في الآية بمعنى الدأب في العمل هو ~~الأولى , وأن كون الجملة حالا من جعلها معطوفة على { تضحكون } - انتهى ~~والله أعلم . | ولما حث على السمود , فسره مسببا عن الاستفهام ومدخوله قوله ~~: { فاسجدوا } أي اخضعوا خضوعا كثيرا بالسجود الذي في الصلاة { لله } أي ~~الملك الأعظم { واعبدوا * } أي بكل أنواع العبادة فإنه { ما ضل صاحبكم } عن ~~الأمر بذلك { وما غوى } قال الرازي في اللوامع : قال الإمام محمد بن علي ~~الترمذي : تعبدنا ربنا مخلصين أن نكون له كالعبيد وأن يكون لعبيده كما هو ~~لهم - انتهى , ولو كان السمود بمعنى اللهو ms5039 كان الأنسب تقدميه على { تبكون } ~~- والله أعلم , وقد ظهر أن آخرها نتيجة أولها , ومفصلها ثمرة موصلها - ~~والله الهادي . | . . . | PageV07P338 < # > سورة القمر < # > | مقصودها بيان آخر النجم في أمر الساعة من تحققها وشدة قربها ~~وتصنيفرآن والضحك والبكاء والعمل - إلى طالب علم مهتد به ، وإلى متبع نفسه ~~هواها وشهواتها ضال بإهمالها فهو خائب ، وذلك لأنه سبحانه وعد بذلك بإخبار ~~نبيه صلى الله عليه وسلم وتحقق صدقه بما أيده به من آياته التي ثبت بها ~~اقتداره على ما يريد من الإيجاد الإعدام ، فثبت تفرده بالملك وأيد اقترابها ~~بالتاثير في آية الليل بما يدل على الاقتدار على نقض السماوات المستلزم ~~لإهلاك . . . فإن ذلك . . . بأنه ما بقي يدل على الاقتدار على نقض السماوات ~~المستلزم لإهلاك . . فإن ذلك . . . بأنه ما بقي إلا تأثير آية النهار ~~وعندما يكون طي الانتشار وعموم البوار المؤذن بالإحضار لدى الواحد القهار ، ~~وأدل ما فيها على هذا الغرض كله أول آياتها ، فلذلك سميت بما تضمنته من ~~الاقتراب المنجم به النجم بالإشارة لا بالعبارة ، ولم تسم بالانشقاق لأنه ~~إذا أطلق انصرف إلى الأتم ، فالسماء أحق به { بسم الله } الذي أحاط علمه ~~فتمت قدرته { الرحمن } الذي وسعت رحمته كل شيء فعمت الشقي والسعيد { الرحيم ~~} الذي خص بإتمام النعمة من اصطفاه فأسعدتهم رحمته . < < # | القمر : ( 1 ) اقتربت الساعة وانشق . . . . . # > > ^ ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) ^ } ) | لما ختمت النجم بالتهديد ~~باقتراب القيامة التي ينكرونها بعد أن فتحها بالأقسام البلس ( ؟ ) ف يالنجم ~~الذي هو أعم من القمر وغيره بتسييره طلوعا وأفولا وصعودا وهبوطا , اففتح ~~هذه بذلك مع الدلالة عليه عقلا وسمعا في التأثير في أعظم آيات الله وغير ~~ذلك ليقطع العباد عن الفساد , ويستعدوا لها قبل مجيئها أحسن استعداد , فقال ~~دالا على عظيم اقتداره عليها بتأنيث فعلها : { اقتربت الساعة } اشتدت قربا ~~الساعة : اللحظة التي لا ساعة في الحقيقة غيرها التي تقوم فيها القيامة ~~لأنه قل ما بقي بيننا وبينها بالنسبة إلى ما مضى من زمن آدم عليه السلام ~~لبعث خاتم الأنبياء الذي لم يبق بعد أمته أمة تنتظر , فيكون في الزمان مهلة ms5040 ~~لذلك . | PageV07P339 ولما كان الإخبار باقترابها يحتاج عند المعاند غلى ~~آية دالة عليه , وكانت الآيات السماوية أعظم , فاتأثير فيها أدل على تمام ~~الاقتدار , وكان المر أدل على الأنواء التي بها منافع الخلق في معاشهم , ~~وكانت العرب أعرف الناس بها , دلهم على التأثير فيه على اقترابها مع ~~الإرهاب من شدائد العذاب بإعدام الأسباب فقال : { وانشق } بغاية السرعة ~~والسهولة { القمر * } آية للرسول المنذر لكم بها , كفان انشقاقه - مع ~~الدلالة على ذلك بإعجاز القرآن وغيره - دالا على كونها وقربها أيضا ~~بالتأثير العظيم الخارق لعادة ما قبله من التأثير في أحد النيرين اللذين ~~هما أعظم الأسباب المقامة للمعايش الدال على القدرة على التأثير في الآخرة ~~الدال ذلك على القدرة على تمام التصرف فيهما من جمعهما وخسفهما واعتدامهما ~~ولسببهما ( ؟ ) الذي هو من أسباب خراب الأرض , يقول الإنسان عنده : أين ~~المفر ؟ المؤذن بطي العالم المعلم بأن له ربا فاعلا بالاختيار مدبرا بالحكم ~~الدال على بعث عباده ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون , فيثيب من تابع ~~رسله ويعاقب من خالفهم , وانشقاق القمر على حقيقيته في زمان النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمر شهير جدا , وإجماع أهل التفسير عليه كما قاله القشيري , وقال ~~: رواه ابن مسعود رضي الله عنده ولا مخالف له فيه - انتهى . | وذلك أن ~~قريشا سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية ( فأراهم انشاق القمر ~~بحيث طلعت فرقة عن يمين حراء وأخرى عن يساره ) - رواه الشيخان عن ابن مسعود ~~وأنس رضي الله عنهما , ومعلوم أن الأمة تلقت كتابيهما بالقبول فهو يكاد ~~يلحق بالمتواتر وقد أيده القرآن فمل يبق فيه شك , قال القشيري : سبب نزولها ~~أن مشركي العرب من قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن كنت صادقا فشق ~~- انتهى , ومن قال : المراد به ( سيشق ) يحتاج في صرف الماضي عن حقيقته إلى ~~المستقبل إلى صارف وأنى له ذلك ولا سميا وقد تأيدت الحقيقة بالنسبة الصحيحة ~~الشهيرة . | وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير : لما أعلمهم سبحانه بأن إليه ~~المنتهى , وأن عليه النشأة الأخرى , وإذا ذاك يقع ms5041 جزاء كل نفس بما أسلفت , ~~أعلمهم سبحانه بقرب ذلك وحسابه ليزدجر من وفقه للازدجار فقال تعالى : { ~~اقتربت الساعة وانشق القمر } ثم إن سورة ص تضمنت من عناد المشركين وسوء ~~حالهم وتوبيخهم في عبادتهم ما لا يضر ولا ينفع ما يكاد يوجد في غيرها مما ~~تقدمها , وبعد التنبيه في السورة قبلها والتحريك PageV07P340 بآيات لا ~~يتوقف علنها إلا من أضله الله وخذله , وأثبتت السورة بعد على تمهدي ما ~~تضمنته سورة ص فلم يخل سورة منها من توبيخهم وتقريعهم لقوله في الزمر < # > 77 ( { والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى } ) 77 < # > [ الزمر : 3 ] وقوله : < # > 77 ( { لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء } ) 77 < # > [ الزمر : 4 ] وقوله : < # > 77 ( { قل الله أبعد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه } ) 77 < # > [ الزمر : 14 ] وقوله مثلا لحالهم : < # > 77 ( { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون } ) 77 < # > [ الزمر : 29 ] الآية إلى ما بعد من التقريع والتوبيخ , وقوله في سورة ~~غافر : < # > 77 ( { ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في ~~البلاد } ) 77 < # > { غافر : 4 ] وقوله : < # > 77 ( { ذلكم بأنه إذ دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم ~~لله } ) 77 < # > [ غافر : 12 ] وقوله : < # > 77 ( { أفلم يسيروا في الأرض } ) 77 < # > [ غافر : 21 - 82 ] الآية , وقوله : < # > 77 ( { ببالغيه } ) 77 < # > [ غافر : 56 ] وقوله : < # > 77 ( { ألم تر إلى الذين يجادلون في أيات الله أنى يصرفون } ) 77 < # > [ غافر : 69 ] { الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعملون ~~} إلى قوله : < # > 77 ( { فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون } ) 77 < # > [ غافر : 77 ] وقوله : < # > 77 ( { أو لم يسيروا في الأرض } ) 77 < # > [ غافر : 82 ] إلى ما تخلل هذه الآيات , وقوله في فصلت < # > 77 ( { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة } ) 77 < # > [ فصلت : 5 ] < # > 77 ( { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه } ) 77 < # > [ فصلت : 26 ] < # > 77 ( { إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا } ) 77 < # > [ فصلت : 40 - 44 ms5042 ] إلى قوله : < # > 77 ( { أولئك ينادون من مكان بعيد } ) 77 < # > [ فصليت : 40 - 44 ] وقوله : < # > 77 ( { سنريهم آيتانا في الآفاق وفي أنفسهم } ) 77 < # > [ فصلت : 53 ] إلى آخر السورة , وقوله في الشورى : < # > 77 ( { والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم ~~بوكيل } ) 77 < # > [ الشورى : 6 ] < # > 77 ( { كبر على المشركين ما تدعوهم إليه والذين يحاجون في الله من بعد ~~ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم } ) 77 < # > [ الشورى : 13 ] الآية < # > 77 ( { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدني ما لم يأذن به الله } ) 77 < # > [ الشورى : 21 ] الآية < # > 77 ( { فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ } ) 77 ~~< # > [ الشورى : 48 ] وقوله في الزخرف : < # > 77 ( { أفنضرب عنكم الذكر صفحا } ) 77 < # > [ الزخرف : 5 ] الآية , < # > 77 ( { وجعلوا له من عباده جزءا } ) 77 < # > [ الزخرف : 15 ] إلى ما تردد في هذه السورة مما قرعوا به أشد التقريع , ~~وتكرر في آيات كثيرة فتأملها مثل قوله تعالى في الدخان { بل هم في شك ~~يلعبون } إلى قوله : < # > 77 ( { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } ) 77 < # > [ الدخان : 9 - 16 ] وقوله : { إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين } إلى قوله ~~هذا < # > 77 ( { ما كنتم به تمترون } ) 77 < # > [ الدخان : 40 - 50 ] وقوله في الجاثية : { فبأي حديث بعده يؤمنون } ~~إلى قوله : < # > 77 ( { والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب PageV07P341 من رجز أليم } ) ~~77 < # > [ الأعراف : 185 - 162 ] وقوله : < # > 77 ( { أفرءيت من اتخذ إلهه هواه } ) 77 < # > [ الجاثية : 23 ] إلى آخر السورة , وقوله في الأحقاف : < # > 77 ( { والذين كفروا عما أنذروا معرضون } ) 77 < # > [ الاحقاف : 3 ] ومعظم هذه الآية لم يخرج عن هذا إلى ختامها , وكذلك ~~سورة القتال ولم يتضمن إلا الأمر مقتلهم وأسرهم وتجعيل حربهم < # > 77 ( { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } ) 77 < # > [ محمد : 4 ] وأما سورة الفتح فما تضمنته من البشارة والفتح أشد على ~~الكفار من كل ما قرعوا به , ولم تخرج عن الغرض المتقدم , وكذا سورة الحجرات ~~لتضمنها من الأمر بتقدير النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله ما يقر عين ~~المؤمن ويقتل العدو الحاسد وما فيها أيضا ms5043 من إتلاف أمر المؤمنين وجمع ~~كلمتهم وتآخيهم , وموقع هذا لا يخفى على أحد , وأما سورة الذاريات والطور ~~والنجم فما تضمنته مما ذكرناه قبل أوضح شيء , وبذلك افتتحت كل سورة منها ~~فتأمل مطالعها ففي ذلك كفاية في الغرض - والله تعالى هو أعمل بالصواب , ~~فلما انتهى ما قصد من تقريع مكذبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغت الآي ~~في هذه السورة من ذلك أقصى غاية , وتمحض باطلهم وانقطع دابرهم , ولم يحيروا ~~جوابا فيما عرض عليهم سبحانه في سورة القمر من أحوال الأمم مع أنبيائهم , ~~وكان القصد من ذلك - والله أعلم - مجرد التعريف بأنهم ذكروا فكذبوا فأخذنا ~~ليتبين لهؤلاء أن لا فرق بينهم وبين غيرهم وأن لا يغرهم عظيم حلمه سبحانه ~~عنهم , فهذه اسورة إعذار عند تبكيتهم وانقطاع حجتهم بما تقدم وبعد أن انتهى ~~الأمر في وعظهم وتنبيههم بكل آية إلى غاية يعجز عنها البشر , ولهذا افتتح ~~سبحانه هذه السورة بقوله تعالى : { ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدر حكمة ~~بالغة فما تغن النذر } وختمها سبحانه بقوله : { أكفاركم خير من أولائكم أم ~~لكم براءة في الزبر } وهذا يبين ما قدمنا وكان قد قيل لهم : أي فرق بينكم ~~وبين من تقدم حتى ترتكبوا مرتكبهم وتظنوا أنكم ستفوزون بعظيم جزائكم , فذكر ~~سبحانه لهم قصة كل أمة وهلاكها عند تكذيبها بأعظم إيجاز وأجزل إيراد وأفخم ~~عبارة وألطف إشارة , فبدأ بقصة قوم نوح بقوله : { كذبت قوم نوح } إلى قوله ~~: { ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابي ونذر } ثم اتسمر في ذكر ~~الأمم مع أنبيائهم حسبنا ذكروا في السورة الوارد فيها إخبارهم من ذكر أمة ~~بعد أمة إلا أن الواقع هنا من قصصهم أوقع في الزجر وأبلغ في الوعظ وأعرق في ~~الإفصاح بسوء منقلبهم وعاقبة تكذيبهم , ثم ختمت كل قصة بقوله : { فكيف كان ~~عذاب ونذر } وتخلل هذه القصص بقوله تعالى : { ولقد سيرنا القرآن للذكر فهل ~~من مدكر } وهي إشارة إلى ارتفاع عذر من تعلق باستصعاب الأمور على زواجره ~~وتنبيهاته ومواعظه ويدعي بعد ذلك واستعلاقه فقيل ms5044 له إنه ميسر قريب المرام , ~~وهذا فيما يحصل عند التنبيه PageV07P342 والتذكير لما عنده بكون الاستجابة ~~بإذن الله تعالى ووراء ذلك من المشاكل والمتشابه ما لا يتوقف عليه ما ذكره ~~وحسب عموم المؤمنين الإيمان بجميعه والعمل بمحكمه , ثم يفتح الله تعالى فهم ~~ذلك على من شرفه به وأعلى درجته , فيتبين بحسب ما يشرح الله تعالى صدره { ~~يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات } ومن تيسر المقصود ~~المتقدم تكرار قصص الأنبياء مع أممهم في عدة سور أي حفظ مها أطلع على ما هو ~~كاف في الاعتبار بهم , ثم إذا ضم بعضه إلى بعض اجتمع منه ما لم يكن ليحصل ~~محمد صلى الله عليه وسلم , وصراطا مستقيما ونورا مبينا , ولما ذكر سبحانه ~~عواقب الأمم في تكذيبهم قال لمشركي العرب : { أكفاركم خير من أولائكم } ومن ~~هذا النمط قول شعيب عليه السلام : < # > 77 ( { ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم ~~هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعدي } ) 77 < # > [ هود : 89 ] ثم قال تعالى : { أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ~~ويولون الدبر } إي إنكم تعلقتم بتألفكم وجماعتكم فسأفرق ذلك بهزيمكتم يوم ~~بدر بقتل صناديدكم فما حجتكم بعد هذا , إنما مساق القصص في هذه السورة ~~واعتماد التعريف بحال من ذكر في أن كذبوا وعاندوا , فأعقب تذكيبهم أخذهم ~~وهلاكهم , ثم تعقب هذا كله بصرف الكلام في مشركي العرب في قوله : { أكفاركم ~~خير من أولائكم } وليس شيء من السور المذكورة فيها قصص على هذا الاستيفاء ~~كالأعراف وهود , وبظاهرهما ليس في شيء من ذلك تعقيب بذكر مشركي العرب على ~~الصفة الواردة هنا , فأنبأ ذلك بكمال المقصود من الوعظ والتحريك بذكره ~~وانقضاء هذا الغرض , وذلك أنهم ذكروا أولا بعرض أحوال الأمم والتعريف بما ~~آل إليه أمرهم , وكان ذلك في صورة عرض من يريد تأديب طائفة من إليه نظرهم ~~قبل أن يظهر منهم تمرد وعناد , فهو يستلطف في دعائهم ولا يكلمهم تكليم ~~الواجد عليهم , بل يفهم الإشفاق والاستعطاف وإرادة الخير ms5045 بهم ثم يذكرهم ~~بذلك ويكرره عليهم المرة بعد المرة وإن تخلل ذلك ما يبين منهم فظاعة ~~التهيديد وشدة الوعيد , فلا يصحبه تعيين المخاطبة وصرف الكلام بالكلية إليه ~~, بل يكون ذلك على طريق التعريض والتوبيخ , ثم لو كان لا يحتقر بما قبله ~~وما بعده من التلطف حتى إذا تكررت الموعظة فلم تقبل , فهنا محل الغضب وشدة ~~الوعيد , وعلى هذا وردت السور المذكور فيها حال الأمم كسورة الأعراف وهود ~~والمؤمنين والظلة والصافات , وما من سورة منها إلا والتي بعدها أشد في ~~التعريف وأمل في الزجر بعد التعريف , فتأمل تعقيب القصص في سورة الأعراف ~~بقوله تعالى : < # > 77 ( { وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون } ) 77 < # > [ الأعراف : 174 ] وقوله بعد موعظة PageV07P343 بالغة بذكر من حرمه بعد ~~إشرافه عل الفوز وهو الذي أخلد إلى الأرض واتبع هواه فقال بعد ذلك < # > 77 ( { فاقصص القصص لعلهم يتفكرون } ) 77 < # > [ الأعراف : 176 ] وتذكيره إياه لمحنة الغفلة إلى ما ختمت به السورة ~~وذلك غير خاف في التلطف بالموعظة وقال تعالى بعد قصص سورة هود : < # > 77 ( { وكذلك أخذ ربك } ) 77 < # > [ هود : 102 ] الآية , وقال تعالى : { فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء - ~~إلى قوله : < # > 77 ( { وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص } ) 77 < # > [ هود : 109 ] وتكررت الآي إلى آخر السورة يجاري ما ذكر ولم تبق هذه ~~وآي الأعراف في تلطف الاستدعاء , وقال تعالى في قصص آخر سورة المؤمنين : < # > 77 ( { فذرهم في غمرتهم إلى حين - إلى قوله : لا يشعرون } ) 77 < # > [ المؤمنون : 54 ] ثم قال : < # > 77 ( { ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا مترفيهم ~~بالعذاب إذا هم يجأرون } ) 77 < # > [ المؤمنون : 64 ] استمرت الآي على شدة الوعيد يتلو بعضها بعضا إلى ~~قوله : < # > 77 ( { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون } ) 77 < # > [ المؤمنون : 115 ] وقوله تعالى بعد : { إنه لا يفلح الكافرون } { ~~المؤمنون : 17 ] ولم يبين هذه الآي , وبين الواقعة عقب قصص سورة هود , وقال ~~في آخر قصص الظلمة : < # > 77 ( { وإنه لتنزيل رب العالمين } ) 77 < # > [ الشعراء : 192 ] إلى قوله خاتمة السورة : < # > 77 ( { وسيعلم الذين ظلموا ms5046 أي منقلب ينقلبون } ) 77 < # > [ الشعراء : 227 ] فوبخهم وعنفهم ونزه نبيه صلى الله عليه وسلم عن ~~توهمهم وعظيم إفكهم وافترائهم , وكل هذا تعنيف وإن لم يتقدم له مثله في ~~السورة المذكورة , ثم هو صريح في مشركي العرب معين لهم في غير تلويح ولا ~~تعريض , ثم إنه وقع عقب كل قصة في هذه السورة قوله تعالى : { إن في ذلك } ~~وفيه تهديد ووعيد , وقال تعالى في آخر والصافات : < # > 77 ( { فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون أم خلقنا الملائكة إناثا وهم ~~شاهدون ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبونه } ) 77 < # > [ الصافات : 149 ] وهذا أعظم التوبيخ وأشد التقريع , ثم نزه نبيه ~~سبحانه عن بهتان مقالهم وسوء ارتكابهم وقبح فعالهم , بقوله : < # > 77 ( { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } ) 77 < # > [ الصافات : 180 ] فلما أخذوا بكل مأخذ فما أغنى ذلك عنهم قال تعالى في ~~سورة القمر : { ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر } { حكمة بالغة فما ~~تغني النذر } , ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : { فتول عنهم } ولم ~~يقع أمره صلى الله عليه وسلم بتركهم والإعراض عنهم والتولي إلى بعد حصول ~~القصص في السورة المذكورة وأخذهم بكل طريق , وأول أمره بذلك صلى الله عليه ~~وسلم في سورة السجدة { فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون } ثم في سورة ~~والذريات { فتول عنهم فما أنت بملوم } بأشد وعيد وأعظم تهديد بعقب كل قصة ~~بقوله : { ولقد تركناها آية فهل من مذكر } وقوله : { فكيف كان عذابي ونذر } ~~ثم صرف إليهم بما تقدم قوله : { أكفاركم خير من أولائكم أم لكم براءة في ~~الزبر } فبلغ ذلك أعظم PageV07P344 مبلغ في البيان وإعذار , ثم قال تعالى : ~~{ وكل شيء فعلوه في الزبر } ففرق سبحانه بسابق حكمته فيهم { إنا كل شيء ~~خلقناه بقدر } وانقضى ذكر القصص فلم يتعرض لها مستوفاة على المساق فيما بعد ~~إلى آخر الكتاب - فسبحان من رحم به عباده المتقين وجعله آية وأي آية باهرة ~~إلى يوم الدين , وقطع عناد الجاحدين وغائلة المعتدين وجعله بيانا كافيا ~~ونورا هاديا وواعظا شافيا - جعلنا الله سبحانه وتعالى ممن ms5047 اهتدى واعتلق ~~بسببه إنه أهل الاستجابة والعفو والمغفرة - انتهى . | < < # | القمر : ( 2 - 7 ) وإن يروا آية . . . . . # > > ^ ( وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر * وكذبوا واتبعوا أهوآءهم ~~وكل أمر مستقر * ولقد جآءهم من الأنبآء ما فيه مزدجر * حكمة بالغة فما تغني ~~النذر * فتول عنهم يوم يدعو الداع إلى شيء نكر * خشعا أبصارهم يخرجون من ~~الأجداث كأنهم جراد منتشر ) ^ } ) | ولما كان التقدير : فأعرض الكفار عن ~~آية انشقاقه وقالوا : سحر , مع علمهم بأنه دال قطعا على صدق من انشق ~~لتصديقه , عطف عليه الإعلام بحالهم في المستقبل فطما لمن يطلبه من المؤمنين ~~إجابة مقترحة من مقترحاتهم رجاء إيمانهم فقال : { وإن يروا } أي فميا يأتي ~~{ آية } أي أية آية كانت { يعرضوا } أي عن الانتفاع بها كما أن أعرضوا عن ~~هذه لما رأوها , وقال بعضهم : سحر , وقال بعضهم : أملهوا حتى يجيء السفار , ~~فإن قالوا : إنهم رأوا كما رأيتم فليست بسحر , فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر ~~أهل الأرض كلهم , فجاء السفار وشهدوا برؤيته منشقا , ومع ذلك فلم يؤمنوا { ~~ويقولوا } أي على سبيل التجديد منهم والاستمرار : هذا { سحر } أي هذا الذي ~~يأتينا به هذا الرجل من وادي الخيال الذي لا حقيقة له وهو { مستمر * } أي ~~لأنه فارق السحر بأنه لا ينكشف في الحال لأنه محكم ثابت دائم بشموله ~~وإحاطته بجميع الأنواع , ولذلك يتأثر عنه غاية الخوارق المتباينة الأنواع ~~الكثيرة . | ولما فطم عن التشوف إلى إجابتهم في المقترحات على ما قدرته , ~~تسبب منهم عن الانشقاق بقوله : { وكذبوا } أي بكون الانشقاق دالا على صدق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وجزموا بالتكذيب عنادا أو خبثا منهم . | ولما ~~كان التكذيب في نفسه قد يكون حقا , قال مبينا أنه باطل , فبين عن حالهم ~~بقوله : { واتبعوا } أي بمعالجة فطرهم الأولى المستقيمة في دعائها إلى ~~التصديق { أهواءهم } أي حتى نابذوا ما دلتهم عليه بعد الفطرة الأولى عقولهم ~~, قال القشيري : إذا حصل اتباع الهوى فمن شؤمنه يحصل التكذيب , لأن الله ~~سبحانه وتعالى يلبس على قلب صاحبه حتى لا يستبصر الرشد , واتباع الرضى ~~مقرون PageV07P345 بالتصديق لأن الله ms5048 تعالى ببركات الاتباع للحق يفتح عين ~~البصيرة فيأتي بالتصديق - والله الهادي . | ولما كان ذلك مفظعا لقلوب ~~المحقين , سلاهم بالوصول إلى محط تظهر فيه الحقائق وتضمحل فيه الشقاشق , ~~فقال عاطفا على ما تقديره : فسيستقر أمر كل من أمر المحق والمبطل في قراره ~~, ويطلع على دقائقه وأسراره : { وكل أمر } من أموركم وغيرها { مستقر * } أي ~~ثابت وموجود , انتهاؤه إلى غاية تظهر فيها حقيقته من غير حيلة تصاحبه إلى ~~رد ذلك القرار ولا خفاء على أحد , فلا بد أن ينتهي الحق من كل شيء من ~~الآجال والهدايات والضلالات والسعادات والشقاوات وغيرها إلى نهايته فيثبت ~~ثبوتا لا زوال له , وينتهي الباطل مما دعاه الخلق فيه إلى غايته فيتلاشى ~~تلاشيا لا ثبات له بوجه من الوجوه , فإذا استقرت الأمور ظهر ما لهم عليه ~~وعلموا الخاسر من الفائز , وفي مثل هذا قال ابن عمرو التيمي أخو القعقاع في ~~وقعة السي ( ؟ ) من بلاد العراق : | والموت خيلنا لما التقينا بقارن ~~والأمور لها انتهاء . | وقرأ أبو جعفر بالجر صفة لأمر , فيكون معطوفا على ~~الساعة أي واقترب كل أمر الباطل وفواته . | ولما حذر وبشر قال معلما أنه ~~محيط العلم بأمرهم من قبل الإجابه إلى شق القمر وأنه ما شقه لطمع في ~~إيمانهم بلا للأعلام بخذلانهم مؤكدا لمن يتعلق رجاؤه بأن تواتر الآيات ربما ~~أوجب لهم التصديق المتضمن لأن ما جاءهم ليس فيه كفاية : { ولقد جاءهم } من ~~قبيل الانشقاق { من الأنباء } أي الأمور العظيمة المرئية , المسموعة التي ~~تستحق لعظمتها أن يخبر بها إخبارا عظيما سيما ما جاء في القرآن من تفصيل ~~أصول الدين وفروعه وأخبار الأولين والآخرين والأولى والأخرى { ما فيه } ~~خاصة { مزدجر * } أي موضع للزجر من شأنه أن يكون لهم به انزجار عظيم عما ~~فيه من الباطل , ولكن لم يزدجر منهم إلا من أراد الله , قال القشيري : لأن ~~الله أسبل على أبصارهم سجوف الجهل فعموا عن مواضع الرشد . | ولما كان ما ~~فيه ذلك قد لا يكون محكما , بينه بقوله : { حكمة } عظيمة { بالغة } أي لها ~~معظم البلوغ إلى منتهى غايات الحكمة لصحتها ms5049 وطهارتها ووضوحها , ففيها مع ~~الزجر ترجية ومواعظ وأحكام ودقائق تجل عن الوصف . | ولما تسبب عنها ~~انزجارهم , سبب عن ذلك قوله : { فما } نفيا صريحا أو باستفهام إنكاري موبخ ~~{ تغن النذر * } الإنذارات والمنذرون والأمور المنذر بها - إنما المعني ~~بذلك هو الله تعالى , فما شاءه كان وما لم يشأه لم يكن , ولعل الإشارة ~~بإسقاط يا ( تغني ) بإجماع المصاحف من غير موجب في اللفظ إلى أنه كما سقطت ~~غاية أحرف الكلمة سقطت نمرة الإنذار وهو القبول . | PageV07P346 ولما كان ~~صلى الله عليه وسلم التعلق بطلب نجاتهم , فهو لذلك ربما اشتهى إجابتهم إلى ~~مقترحاتهم , سبب عن ذلك قوله : { فتول عنهم } أي كلف نفسك الإعراض عن ذلك ~~فما عليك إلا البلاغ , وأما الهداية فإلى الله وحده . ولما بين اقتراب ~~الساعة بالإجابة إلى بعض مقترحاتهم القائمة مقامها كلها بدلالته على القدرة ~~عليها , وأتبع ذلك الفطم عن طلب الإجابة إلى شيء فيها لأنها لا تغني شيئا , ~~تطلعت النفوس الكاملة إلى وصف الساعة فأجاب عن ذلك على سبيل الاستئناف بذكر ~~ظرفها وذكر . . . | ما يقع فيه من الأهوال , فقال معلقا بما تقديره : ~~الساعة كائنة على وجه الاقتراب الشديد : { يوم يدع } ويجوز - والله أعلم - ~~أن يكون الناصب له { تول } لأنهم لما أعرضوا حين دعاهم كان جزاءهم أن يعرض ~~عنهم يوم حاجتهم إليه لأن الجزاء من جنس العمل , فكأنه قيل بعد أن عد ~~القيامة أمرا محققا لا يأتي النزاع فيه : تول عنهم في ذلك اليوم العبوس ~~الذي أنت فيه الشافع المقبول . . . | واتركهم لأهواله ودواهيه , فقد بان ~~الخاسر فتوليهم إنما يضرهم , لأن توليهم عنك لا يضرك شيئا أصلا , وتوليك ~~عنهم يضرهم ضررا ما بعدهم ضرر - والله أعلم , وحذف واو ( يدعو ) للرسم ~~بإجماع المصاحف من غير موجب لأن المقام لبيان اقترابها , فكأنه إشارة إلى ~~كونها بأدنى دعاء , وأيضا ففي حذفه تشبيه للخبر بالأمر إشارة إلى أن هذا ~~الدعاء لا بد على أن يكون على أعظم وجه أتقنه وأهوله وأمكنه كما يكون كل ~~مأمور من الأمر المطاع , والوقف على هذا وامثاله بغير واو لجميع القراء ~~موافقة ms5050 للرسم لأن القاعدة أن ما كان فيها رواية أتبعت وإن خالفت الرسم أو ~~الأصل , وما لم يرد فيه عن أحد منهم رواية اتبع فيه الرسم وإن خولف الأصل , ~~لأن التخفيف معهود في كلام العرب كالوال والمتعال من أسمائه الحسنى , لكن ~~قال علامة القراءات شمس الدين الجزري في كتابه المسمى بالنشر في هذه الأحرف ~~الأربعة : هذا و { يدع الإنسان } في سبحان و { يمح الله الباطل } في شورى و ~~{ سندع الزبانية } في العق : نص الحافظ أبو عمرو الداني عن يعقوب على الوقف ~~عليها بالواو على الأصل , ثم قال : قلت : وهو من انفراده , وقد قرأت به من ~~طريقه { الداع } أي النفخ في الصور { إلى شيء نكر * } عظيم الوصف في ~~النكارة بما تكرهه النفوس فتوجل منه القلوب لأنه لا شيء منه إلا وهو خارج ~~عما تقدمه من العادة . | ولما بين دعاءه بما هال أمره , بين حال المدعوين ~~زيادة في الهول فقال : { خشعا أبصارهم } أي ينظرون نظرة الخاضع الذليل ~~السافل المنزلة المستوحش الذي هو بشر حال , ونسب الخشوع إلى الأبصار لأن ~~العز والذل يتبين من النظر فإن الذل أن يرمي به صاحبه إلى الأرض مثلا مع ~~هيئة يعرف منها ذلك كما قال تعالى : { خاشعين من الذل PageV07P347 ينظرون ~~من طرف خفي } وإفراده في قراءة أبي عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي على أن ~~الخشوع بلغ في النهاية من الشدة ونسبته إلى كل بصر على حد سواء , وجمع على ~~لغة ( أكلوني البراغيث ) تفي قراءة الباقين بضم الخاء وتشديد الشين مفتوحة ~~أو مستندا المدعوين , والإبصار يدل بعض الإشارة إلى أن كل ذلك موزع على ~~الأبصار . | ولما بين من حاله هكذا ما يدل على نكارة ذلك اليوم , بين كيفية ~~خروجهم بيانا لما يلزم من تصوره زيادة الذعر فقال : { يخرجون } أي على سبيل ~~التجدد الأشرف فالأشرف { من الأجداث } أي القبور المهيأ لسماع النفخ في ~~الصور { كأنهم } في كثرتهم وتراكم بعضهم على بعض من كبيرهم وصغيرهم وضعيفهم ~~وقويهم { جراد منتشر * } أي منبث متفرق حيران مطاوع لمن نشره بعدما كان فيه ~~من سكون مختلط ms5051 ببعضه ببعض , لا جهة له في الحقيقة يقصدها لو خلى ونفسه . | ~~< < # | القمر : ( 8 - 12 ) مهطعين إلى الداع . . . . . # > > ^ ( مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر * كذبت قبلهم قوم ~~نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر * فدعا ربه أني مغلوب فانتصر * ~~ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر * وفجرنا الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر ~~قد قدر ) ^ } ) | ولما كان الانتشار قد يكون وجه المهل والوقار , قال مبينا ~~أن الأمر على خلاف ذلك زيادة في هول ذلك اليوم وتقريرا لما تقدم من وصفه : ~~{ مهطعين إلى الدع } أي مسرعين خائفين مقبلين بأبصارهم عليه لا يقعلون عنه ~~, مادين أعناقهم نحوه مصوبي رؤوسهم لا يلتفتون إلى سواه كما يفعل من ينظر ~~في ذلك وخضوع وصمت واستكانة . | ولما بين حال الكل حصر حال المبطلين فقال : ~~{ يقول } أي على سبيل التكرار : { الكافرين } أي الذين كانوا في الدنيا ~~عريقين في ستر الأدلة وإظهار الأباطيل المضلة : { هذا } أي الوقت الذي نحن ~~فيه بما نرى من الأهوال { يوم عسر * } أي في غاية العسر الصعوبة والشدة , ~~وذلك بحسب حالهم فيه . | ولما تقدم أمره سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~بالتولي عنهم تهديدا لهم , وصرح بما أراد من أمر الساعة لما دعا إلى ذلك من ~~تقدم ذكرهم , ولأنها أشد هول يهددون به , وبيانا أن الخلق ما خلق إلا ~~لأجلها لأنها محط الحكمة , وختم بعسرها على الكافرين , تمم ذلك التهديد ~~بعذاب الدنيا ردعا لأهل الغلظة الموكلين بالمحسوسات , فذكر عسر يوم كان على ~~الكافرين فيها , فقال مهددا لقريش بجعل القصة مثلا لهم في إهلاكهم وفي أمر ~~الساعة من حيث إنه كما أهلك أهل الأرض في آن واحد بما أرسله من الماء فهو ~~قادر على أن يهلكهم في آن واحد بالصيحة , وكما صرف هذا التصريف الي ما سمع ~~بمثله في PageV07P348 الإهلاك فهو قادر على أن يصرفه في الإحياء عند البعث ~~على وجه ما عهد مثله تنبت فيه الأجساد وتحيا فيه العباد , جوابا لمن كأنه ~~قال : هذا ما يوعدونه بعد الموت , فهل لهم عذاب قبله دال على كمال القدرة ms5052 : ~~{ كذبت } أو أوقعت التكذيب العظيم الذي عموا به جميع الرسالات وجميع الرسل ~~, وأنث فعلهم تحقيرا لهم وتهوينا لأمرهم في جنب قدرته . | ولما كان ما كان ~~من تصميمهم عليه وعزمهم على عدم الانفكاك عنه لكونه جبلة مستغرقا لجميع ما ~~بعدهم من الزمان , وكانوا قد سنوا سنة التكذيب فكان عليهم مع وزرهم وزر من ~~أتى بعدهم , وكان ما قبلهم من الزمان يسيرا في جنب ما بعده عدما , فلذلك ~~ذكر الظرف من غير حرف جر لأنه مع أنه الحق أعظم في التسلية فقال : { قبلهم ~~} أي في جميع ما سلف من الزمان ومضى بعضه بالفعل وبعضه بالقوة لقوة العزم : ~~{ قوم نوح } مع ما كان بهم من القوة ولهم من الانتشار في جميع الأقطار . | ~~ولما ذكر تكذيبهم إشارة إلى أنه جبلة لهم جحدوا بها النبوة رأسا فلاحظ لهم ~~في التصديق للحق فلا يفترق حالهم بالنسبة إلى أحد من الناس كان من كان , ~~فلذلك سبب عن هذا المطلق قوله : { فكذبوا عبدنا } أي على ما له من العظمة ~~نسبة إلينا لكونه لم يتعبد لغيرنا قط مع تشريفنا إياه بالرسالة , فكان ~~تكذيبهم فرا مما دخل في تكذيبهم المطلق الشامل لكل ما يمكن تكذيبه وهو ميد ~~( ؟ ) { وقالوا } مع التكذيب أيضا زيادة على تغطية ما ظهر منه من الهداية : ~~{ مجنون } أي فهذا الذي يظهر له من الخوارق من أمر الجن . | ولما كان إعلاء ~~الصوت على النبي كائنا من كان عظيم القباحة جدا زائد الفظاظة فكيف إذا كان ~~مرسلا فكيف إذا كان من أولي العزم فكيف إذا كان على سبيل الإنكار عليه , ~~فكيف إذا كان على صورة ما يفعل ممن لا خطر له بوجه , قال بانيا للمجهول ~~إشارة إلى تبشيعه من غير نظر إلى قائل وإيذانا بأن ذلك لم يكن من أكابرهم ~~فقط بل من كبيرهم وصغيرهم : { وازدجر * } أي أعملوا أنفسهم في انتهاره ~~وتوعده وتهديده وانتشر ذلك في جميعهم بغاية ما يكون من الغلظة كفاله عن ~~الرسالة ومنعا له عنها , والمعنى أنهم قالوا : إنه استظهر عليهم بالجنون . ~~| ولما طال ذلك منهم ms5053 ومضت عليه أجيالهم جيلا عبد جيل حتى مضى له من إنذارهم ~~أكثر مما مضى من الزمان لأمة هذا النبي الحاتم إلى يومنا هذا , وأخبره الله ~~أنه لن يؤمن منهم إلا من قدر آمن معه , تسبب عن ذلك الدعاء بالراحة منهم , ~~فلذلك قال صارفا وجه الخطاب إلى صفة الإحسان والربوبية والامتنان إيذانا ~~بأنه أجاب دعاءه ولبى PageV07P349 نداءه : { فدعا ربه } أي الذي رباه ~~بالإحسان إليه برسالته معلما له لما أيس من أجابتهم : { إني مغلوب } أي من ~~قومي كلهم بالقوة والمنعة لا بالحجة , وأكده لأنه من يأبى عن الملك الأعظم ~~يكون مظنة النصرة , وإبلاغا في الشكاية إظهارا لذل العبودية , لأن الله ~~سبحانه عالم بسر العبد وجهره , فما شرع الدعاء في أصله إلا لإظهار التذلل , ~~وكذا الإبلاغ فيه { فانتصر * } أي أوقع نصري عليهم أنت وحدك على أبلغ وجه . ~~| ولما استجاب له سبحانه , سبب عن دعائه قوله , عائدا إلى مظهر العظمة ~~إعلاما بمزيد الغضب الموجب دائما للاستيعاب بالغضب : { ففتحنا } أي تسبب عن ~~دعائه أنا فتحنا فتحا يليق بعظمتنا { أبواب السماء } كلها في جميع الأقطار ~~, وعبر بجمع القلة عن الكثرة لأن عادة العرب أن تستعيره لها وهو أرشق وأشهر ~~من بيبان , وسياق العظمة يأبى كونه لغيرها . | ولما كان المراد تهويل أمر ~~الماء بذكر حاله التي كان عليها حتى كأن المحدث بذلك شاهد جعلت كأنه آية ~~فتحت بها السماء فقال : { بماء منهمر * } أي منصب بأبلغ ما يكون من السيلان ~~والصب عظما وكثرة , ولذلك لم يقل : بمطر , لأنه خارج عن تلك العادة , ~~واستمر ذلك أربعين يوما { وفجرنا } أي صدعنا بما لنا من العظمة وشققنا ~~وبعثنا وأرسلنا { الأرض عيونا } أي جميع عيون الأرض , ولكنه عدل عنه ~~للتهويل بالإبهام ثم البيان , وإفادة لأن وجه الأرض صار كله عيونا . | ولما ~~كان الماء اسم جنس يقع على الأنواع المختلفة كما يقع على النوع الواحد , ~~وكان قد ذكر ماء السماء والأرض , سبب عن ذلك قوله : { فالتقى الماء } أي ~~المعهود وهو ماء السماء وماء الأرض بسبب فعلنا هذا , وزاد في تعظيمه بأداة ~~الاستعلاء فقال ms5054 : { على أمر } ولما تقررت هذه العظمة لهذه الواقعة , فكان ~~ربما ظن أنه صار جزافا , وزاد على الحد المأمور به , أشار إلى أنه بالنسبة ~~إلى عظمته في غاية الحقارة فقال : { قد قدر * } أي مع كونه مقدورا عليه في ~~كل وقت بغاية السهولة قد وقع تقديره في الأزل , فلم يستطع أن يزيد على ذلك ~~قطرة فما فوقها ولا أن يهلك غير من أمرناه بإهلاكه , وأشار بالتخفيف إلى ~~غاية السهولة في ذلك سبحانه . | < < # | القمر : ( 13 - 18 ) وحملناه على ذات . . . . . # > > ^ ( وحملناه على ذات ألواح ودسر * تجري بأعيننا جزآء لمن كان كفر * ~~ولقد تركناها آية فهل من مدكر * فكيف كان عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن ~~للذكر فهل من مدكر * كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر ) ^ } ) | ولما ذكر ما ~~علم منه بقرينة ما ذكر من خرقه للعادة , وأن إجابته لدعوته عليه الصلاة ~~والسلام , ذكر تمام الانتصار بنجاته فقال : { وحملناه } أي بما لنا من ~~العظمة PageV07P350 على متن ذلك الماء بعد أن صار جميع وجه الأرض مجرى ~~واحدا , وحذف الموصوف تهويلا بالحث على تعرفة بتأمل الكلام فقال : { على ~~ذات } أي سفينة ذات { ألواح } أي أخشاب نجرت حتى صارت عريضة { ودسر * } جمع ~~دسار وهو ما يشد به السفينة وتوصل بها ألواحها ويلج بعضها ببعض بمسمار من ~~حديد أو خشب أو من خيوط الليف على وجه الضخامة والقوة الدفع والمتانة , ~~ولعله عبر عن السفينة بما شرحها تنبيها على قدرته على ما يريد من فتق الرتق ~~ورتق الفتق بحيث يصير ذلك المصنوع , فكان إلى ما هيأه ليراد منه وإن كان ~~ذلك المراد عظيما وذلك المصنوع . | ولما كان ذلك خارقا للعادة فكان يمكن أن ~~يكون في السفينة خارق آخر بإسكانها على ظهر الماء من غير حركة , بين أن ~~الأمر ليس كذلك فقال مظهرا خارقا آخر في جريها : { تجري } أي السفينة { ~~بأعيننا } أي محفوظة أن تجخل بحر الظلمات , أو يأتي عليها غير ذلك من ~~الآفات , بحفظنا على ما لنا من العظمة حفظ من ينظر الشيء كثرة ولا يغيب عنه ~~أصلا , وجوزوا أن يكون ms5055 جمع تكسير لعين الماء , ثم علل ذلك بقوله : { جزاء } ~~أي لعبدنا نوح عليه السلام , ولكنه عبر هنا بما يفهم العلة ليحذر السامع ~~وقوع مثل ذلك العذاب له إن وقع منه مثل فعل قومه فقال : { لمن } وعبر عن ~~طول زمان كفرهم بقوله : { كان كفر * } أي وقع الكفر به وهو أجل النعم , ~~فقال على أهل ذلك الزمان وذلك جزاء من كفر النعم , ويجوز أن يكون المراد به ~~قومه بين أنه وقع الكفر منهم وقوعا كأنهم مجبولون عليه حتى كأنه وقع عليهم ~~لتوافق قراءة مجاهد بالبناء . | للفاعل . | ولما تم الخبر عن نجاته بحمله ~~فيها , نبه عن آثارها بقوله : { ولقد تركناها } أي هذه الفعلة العظيمة من ~~جري السفينة على هذا الوجه وإبقاء نوعها دالة على ما لنا من العظمة , وقيل ~~: تلك السفينة بعينها بقيت على الجودي حتى أدرك بقايا ما هذه الأمة { آية } ~~أي علامة عظيمة على ما لنا من العلم المحيط والقدرة التامة { فهل من مدكر * ~~} أي مجتهد في التذكير بسبب هذا الأمر لما يحق على الخلق من شكر الخالق بما ~~هدت إليه رسله كما قالوه . | ولما قدم تعالى قوله : { فما تغن النذر } ~~وأتبعه ذكر إهلاكه المكذبين , وكان ما ذكره من شأنهم أمرهم في الجلالة ~~والعظمة بحيث يحق للسامع أن يسأل عنه ويتعرف أحواله ليهتدي بها على ذلك ~~بقوله مسببا عن التذكير باستفهام الإنكار والتوبيخ : { فكيف كان } أي وجد ~~وتحقق { عذابي } أي لمن كذب وكفر وكذب رسلي { ونذر * } أي الإنذارات ~~الصادرة عني والمنذرون المبلغون عني فإنه أنجى نوحا عليه السلام ومن آمن ~~PageV07P351 معه من أولاده وغيرهم ومتعهم بعد إهلاك عدوهم وجعل الناس الآن ~~كلهم من نسله , قال القشيري : في هذا قوة لرجاء أهل الدين إذا لقوا في دين ~~الله محنة فجحد غيرهم ما آتاه الله أن يهلك الله عن قريب عدوهم ويمكنهم من ~~ديارهم وبلادهم ويورثهم ما كان إليهم , وكذلك سنة الله في جميع أهل الضلال ~~- انتهى . | وكان المعنى في تكرير ذلك عليهم بعد التذكي بما أتيناهم به من ~~قصص هذه الأمم ميسرا ms5056 لفهم صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم كيف كان أخذي لهم ~~وعاقبة تخويفي إياهم لعلهم يتعظون فينفعهم إنذار المنذرين . | ولما كان هذا ~~التفصيل مما أنزل أول القرآن تيسيرا على الأمة , نبه على ذلك بقوله : { ~~ولقد يسرنا } أي على ما لنا من العظمة { القرآن } أي على ما له من الجمع ~~والفرق والعظمة المناسبة لكونه صفة لنا { للذكر } أي الاتعاظ والتذكر ~~والتدبر والفهم والحفظ والتشريف لمن يراعيه , قال ابن برجان : أنزلناه ~~باللسان العربي وأنزلناه للأفهام تنزيلا وخاطبناهم بعوائدهم وأعلمنا من قبل ~~أعمالهم وأقبسناهم المعرفة واليقين من قبل ذواتهم وضربنا لهم الأمثال ~~وأطلنا لهم في هذه الأعمال ليتذكروا الميثاق المأخذ عليهم , وقال القشيري : ~~يسر قراءته على ألسنة قوم , وعلمه على قلوب قوم , وفهمه على قلوب قوم , ~~وحفظه على قلوب قوم , وكلهم أهل القرآن وكلهم أهل وخاصته - انتهى . | ~~والآية ناظرة بالعطف لجئناهم بعبارات لا يشمون رائحتها , وبلاغات لا يهتدون ~~أنا ولو شئنا بما لنا من العظمة لجئناهم بعبارات لا يشمون رائحتها , ~~وبلاغات لا يتهدون إلى وجه معناها أصلا لكننا لم نفعل ذلك بل خاطبناهم ~~بأبلغ من بلاغتهم مع تيسير فهم ما خاطبناهم به فكان في ذلك إعجازان : ~~أحدهما أنه فوق القرآن العظيم الجامع ترجمة لأفعاله سبحانه في هذا الوجود ~~الشاهد والغائب الذي أخبرنا عنه وشرحنا لما أنزل علينا من أسمائه الحسنى ~~وصفاته العليا التي تعرف لنا بها , وكان سبحانه قد جعل خلق الآدمي جامعا , ~~فما من شيء من أفعاله إلا وفي نفسه منه أثر ظاهر ناظر للتفكر في القرآن ~~والتعرف للأسرار منه بالتذكير الذي يكون . . . | لما كان الإنسان يعرفه ثن ~~نسيه حتى صار لا يستقل باستحضاره فإذا ذكر به ذكره , فقال منبها على عظيم ~~فعل العلم والقرآن الذي هو طريقه بالتكرار والتعبير بما هو من الذكر على ~~أنه المحفوظ للإنسان بما هيأ له من تيسير أمره { فهل من مدكر * } قال ~~ابخاري في آخر صحيحه : قال مطر الوراق : هل من طالب علم فيعان عليه , وقد ~~تكررت هذه الموعظة في هذه السورة أربع مرات , وذكر الجملة الأخيرة منها ms5057 ~~منفكة عن تيسير القرآن مرتين : مرة في أول القصص وهي PageV07P352 قصة نوح ~~عليه السلام , ومرة كما يأتي في آخرها , وذلك عقب قصة فرعون وهو قوله : { ~~فكيف كان عذابي ونذر } مثل ذلك , وكررت { فبأي ألاء ربكما تكذبان } في ~~الرحمن إحدى وثلاثين مرة , فنظرت في سر ذلك فظهر لي - والله الهادي - أن ~~الذي تقدم في سورة المفصل على هذه السورة أربع سور هذه السورة خاتمتها ~~فأشير إى التذكر بكل سورة منها حثا على تدبرها بىية ختمت كلماتها بكلمة ~~عادت حروفها في السور الخمس وأدغم حرف منها في آخر بعد قلب كل منهما , ~~فكانت هذه الكلمة التي مدلولها الذكر مشيرة إلى الحواس الخمس الظاهرة التي ~~هي مبادئ العلم , وكان ما في أول هذه المواعظ وآخرها لخلوه عن ذكر القرآن ~~موازيا للحرفين اللذين طرفهما للوهن بالتعبير والقلب لكن كان الحرفان ~~بالإدغام كحرف واحد , كانت الجملتان الموازيتان لهما كآية واحدة من تلك ~~الأربع , وكان هذا الأول والآخر مشارا به إلى هذه السورة التي جمكعت ~~التذكير بالسورة الأربع , وأعريت عن ذكر تيسير القرآن لافتتاح السور السور ~~بمحو وما يقرب من المحو وهو آية الليل والتيسير فيها والساعة التي هي أغيب ~~الغيب , وكل من فيها سوى الله محو لسلب الأمر كله عنهم وخصت بها الأولى ~~والآخرة لجامع بينهما من غرق العصا في الماء ونجاة المطيعين بعضهم بالسفينة ~~وبعضهم بنفس البحر الذي هو مسرح السفن , وكانت الموعظة المذكور فيها القرآن ~~في ختام قصة نوح عليه السالم مع عمومها لجميع القرآن إشارة إلى خصوص ~~التذكير بسورة ق لما بينهما من جامع الإحاطة بإحاطة جبل ق بالأرض كلها ~~وطوفان قوم نوح عليه السلام بعموم جميع الأرض والتي في سورة عاد إشارة إلى ~~سورة الذاريات لأن كلاهم كان بالريح , والتي في قصة ثمود إشارة إلى التذكير ~~بالطور بجامع ما بينهما من الرج وارجف والذل والصعق , أما في قصة ثمود ~~فظاهر , وأما في الطور فلما كان من دكه وصعق بني إسرائيل فيه , وقد ذكر ~~الصعق في آخر الطور , وما في قصة لوط ms5058 إشارة إلى النجم لأن مدائنهم ارتفعت ~~إلى عنان السماء ثم أهويت وأتبعت الحجارة , فلما كان الأمر هكذا , وكانت ~~النعم محيطة بالإنسان من جهاته الست , فضربت الحواس الخمس في الجهات الست , ~~فكانت ثلاثين , كأنه قيل : هل مذكر بهذا القرآن , ولا سيما ما تقدم على هذه ~~السورة منه في المفصل ما لله عليه من النعم في نفسه وفي الآفاق المشار إلى ~~القسم الأول منها بمذكر وإلى الثاني بتكرير ذكر الآلاء فكل آية تكرير ~~انتهىل إلى العدد المخصوص وإلى المجموع بالمجموع ليعلم أن نعم الله محيطة ~~به على وجه لا يقدر على صنعه إلا الله الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ~~التي أعظمها - من حيث كونه أساسا يبنى عليه - الوحدانية المنزهة عن الشركة ~~فيخشى من معصيته أن يسلبه نعمه أو واحدة منها فلا يجد من يقوم PageV07P353 ~~بها ولا بشيء منها غيره أو يعذبه بشيء مثل عذاب هذه الأمم أو بغير ذلك مما ~~له من إحاطة القدرة والعلم فلا يجد من يرد عنه شيئا منه سبحانه , وأما ~~الواحد الزائد فهو إشارة إلى أن المدار في ذلك الإدراك هو العقل والحواس ~~كما أن المقصود بذلك كله واحد وهو الله تعالى , وكل هذه الأشياء أسباب ~~لمعرفته وأيضا فالواحد إشارة إلى أن زيادة الآلاء من فضل الله تعالى لا ~~تنقطع كما أن الواحد الذي هو أصل العدد لا يزال , فكلما أغنت زيادتها ابتدأ ~~دور ثم ابتدأ دور آخر دائما أبدا , وللتكرير نكتة أخرى بديعة جدا , وهي ~~تأكيد التقرير دلالة على اشتداد الغضب المقتضي لأنهى العقوبة كما أن من ~~اشتد غضبه من إنكار شخص لشيء من قتله إذا بينه غاية البيان بأمور متنوعة ~~وهو يتمرد ويلد بحضرتهم , قال له : هل ظهر لك هذا ؟ فيقول ذاك المنكر : نعم ~~ظهر لي , فلا يريد ذلك إلا غضبا لما تقدم له من عظيم غضبه ولدده فيذكر له ~~معنى آخر ثم يقول : هل ظهر لك هذا ؟ فيقول : نعم والله لا يعرج على اعترافه ~~ذلك ويذكر له نوعا آخر , ويقول مثل ذلك وكفاية كل ms5059 نوع منها لما أريد منه من ~~البيان , وقال في الكشاف : فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء ~~الأولين أدكارا واتعاظا وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث عليه ~~والبعث على ذلك كله وأن يقرع لهم العصى مرات ويقعقع لهم السن تارات , لئلا ~~يغلبهم السهود ويستولي عليهم حكم الغفلة , وهكذا حكم التكريرات لتكون العبر ~~حاضرة للقلوب مصورة للأذهان مذكورة غير منسية في أوان - انتهى , ولمثل ما ~~مضى أو قريب منه كرر التهويل بالعذاب ست مرات : أربع منها { فكيف كان عذابي ~~ونذر } وانثان منها { فذوقوا عذابي ونذر } فهما بمنزلة واحدة من الأربع ~~ليرجع الست إلى الخمس الدال عليها { مدكر } إشارة إلى أن الحواس الخمس كما ~~ضربت في الجهات الست لأجل النعم التي هي جلب المصالح ضربت فيها للتذكير ~~بدفع النقم الذي هو درأ المفاسد والتحذير منها , ومن فوائد تكرر الست ~~الراجعة إلى الخمس كما ضربت في الجهات الست لأجل النعم التي هي جلب المصالح ~~ضربت فيها للتذكير بدفع النقم الي هو درأ المفاسد ولتحذير منها , ومن فوائد ~~تكرر الست الراجعة إلى الخمس مرتين : مرة لجلب النعم وأخرى لدفع النقم أن ~~الحواس مكررة ظاهرا وباطنا , فمن ذل لسانه بالقرآن ظاهرا صحت حواسه الظاهرة ~~ونورت له الباطنة , ومن أبى عذب بسبب الباطنة فتفسد الظاهرة , واختير ~~للمواعظتين عدد الست مع إرادة جماعة إلى خمسة لأن الست عدد تام وذلك لأن ~~عدد كسورها إذا جمعت سادتها ولم تزد عنها ولم تنقص وهي النصف والثلث والسدس ~~, وهذا العدد مساو لدعائم الإسلام الخمس وحظيرته الجهاد التي هي ~~PageV07P354 عماد تقوى المتقين أهل مقعد الصدق الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إلى نبيهم صلى الله ~~عليه وسلم وما أنزل من قبله المشار به إلى الصيام < # > 77 ( { كتب عليكم الصيام كما كتب على الذني من قبلكم } ) 77 < # > [ البقرة : 183 ] والحج < # > 77 ( { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا } ) 77 < # > [ البقرة : 125 ] والجهاد < # > 77 ( { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } ) 77 < # > [ البقرة : 214 - 216 ] إلى قوله ms5060 : { كتب عليكم القتال وهو كره لكم } ~~وذلك إشارة إلى أن هذا الدين تام لا زيادة فيه ولا نقص لأن النبي الذي أرسل ~~ختام الأنبياء , وتمام الرسل الأصفياء . | ولما كان قوم عاد قد تكبروا ~~بشدتهم وقوتهم , وكانت حال قريش قريبة من ذلك لقولهم إنهم أمنع العرب ~~وأقواهم وأجمعهم للكمالات وأعلاهم , كرر ذلك في قصتهم مرتين زيادة في تذكير ~~قريش وتحذيرهم ولا سيما وقد كان بدء عذابهم من بلدهم مكة المشرفة كما هو ~~مشروح في قصتهم , وكرر الأمر بالذوق في ذلك أتاهم أكبر منه فكانوا كأمس ~~الدابر , فلكل مرة من العذاب من الأمر بالذوق , وخصوا بالأمر بالذوق لما في ~~فاحشتهم الخبيثة ما يسلتذونه , وقد عم عذاب هذه الأمم جميع الجهات بما لقوم ~~نوح ولوط عليهما السلام من جهة الغرق بالماء الماطر وحجارة السجيل ومن ~~البحث من الماء النابع والخسف , وما في عموم عذابهم من استغراق بقية الجهات ~~- والله الهادي . | ولما انقضت قصة نوح عليه السلام على هذا الهول العظيم , ~~كان ذلك موجبا للسامع أن يظن أنه لا يقصر أحد بعدهم وإن لم يرسل برسول فكيف ~~إذا أرسل , فتشوف إلى علم ما كان بعده هل كان كما ظن أم رجع الناس إلى ~~طباعهم ؟ وكانت قصة عاد أعظم قصة جرت بعد قوم نوح عليه السلام فيما يعرفه ~~العرب فيصلح أن يكون واعظا لهمن وكان عذابهم بالريح التي أهلكتهم ونسفت ~~جبالهم التي كانت في محالهم من الرمال المتراكمة , فنقلها إلى أمكنة أخرى ~~أقرب دليل إلى أنه تعالى يسير الجبال يوم الدين , هذا إلى ما في صفها ~~الخارج عن العوائد من تصوير النفخ في الصورة تارة للقيامة وتارة للأحياء , ~~فأجيب بقوله : { كذبت عاد } أي أوقعت التكذيب العام المطلق الذي أوجب ~~تكذيبهم برسولي هود عليه السلام في دعوته لهم إلي وإنذاره لهم عذابي . | ~~ولما كان عادة الملوك أو بعضهم أنه إذا أهلك قوما كثيرين من جنده نجا ناس ~~مثلهم بمثل ذنوبهم أن يرفع بهم , ويستألفهم لئلا يهلك جنده , نجا ناس مثلهم ~~بمثل ذنوبهم ان يرفع بهم , ويستألفهم ms5061 لئلا يهلك جنده , فيختل ملكه , عقب ~~الإخبار بتكذبيهم الإعلام بتعديهم لأنه لا يبالي بشيء لأن كل شيء في قبضته ~~, ولما كان تكذيبهم إلا بإرادته كا أن عذابه بمشيئته , قال مسببا عن ذلك : ~~{ فكيف } أي فعلى PageV07P355 الأحوال لأجل تكذيبهم { كان عذابي لهم ونذر * ~~} أي وإنذاري إياهم بلسان رسولي , وكرر في آخر قصتهم هذا الاستخبار , فكان ~~في قصتهم مرتين كما تقدم من سره - والله أعلم . | < < # | القمر : ( 19 - 26 ) إنا أرسلنا عليهم . . . . . # > > ^ ( إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر * تنزع الناس ~~كأنهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر ~~فهل من مدكر * كذبت ثمود بالنذر * فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا ~~لفي ضلال وسعر * أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر * سيعلمون غدا ~~من الكذاب الأشر ) ^ } ) | ولما ذكر تكذيبهم وأعقبه تعذيبهم , علم السامع ~~أنه شديد العظمة فاستمطر أن يعرفه فاستأنف قوله , مؤكدا تنبيها على أن ~~قريشا أفعالهم في التكذيب كأفعالهم كأنهم يكذبون بعذابهم : { إنا أرسلنا } ~~بعظمتنا , وعبر بحرف الاستعلاء إعلاما بالنقمة فقال : { عليهم ريحا } ولما ~~كانت الريح ربما كانت عيانا , وصفها بما دل على حالها فقال : ووصف سيرهم ~~إلى الداعي بالإسراع , ناسب أن يعبر عن عذابهم بأقل ما يمكن , فعبر باليوم ~~الذي يراد به الجنس الشامل للقليل والكثير وقد يعبر به عن مقدار من الزمان ~~يتم فيه أمر ظاهر سواء لحظة أو أياما أو شهورا أو كثيرا من ذلك أو أقل كيوم ~~البعث ويوم بدر ويوم الموت بقوله تعالى : - ^ ( { إلى ربك يومئذ المساق } ) ~~^ - [ القيامة : 35 ] : { في يوم } وأكد شؤمها بذم زمانها فقال : { نحس } ~~أي شديد القباحة , قيل : كان يوم الأربعاء آخر الشهر وهو شوال لثمان بقيت ~~إلى غروب الأربعاء , وحقق لأن المراد باليوم الجنس لا الواحد بالوصف فقال : ~~{ مستمر * } أي قوي في نحوسته نافذ ماض فيما أمر به من ذلك شديد أسبابه , ~~موجود مرارته وجودا مطلوبا من مرسله في كل وقت , مستحكم المرارةقويها ~~دائمها إلى وقت إنفاذ المراد . | ولما علم وصفها في ذاتها , أتبعه ms5062 وصفها ~~بما يفعل فيه فقال : { تنزع } أي تأخذ من الأرض بعضهم من وجهها وبعضهم من ~~حفر حفروها ليتمنعوا بها من العذاب , وأظهر موضع الإضمار ليكون نصا في ~~الذكور , والإناث فعبر بما هو من النوس تفضيلا لهم فقال : { الناس } الذين ~~هم صور لا ثبات لهم بأرواح التقوى , فتطيرهم بين السماء والأرض كأنهم ~~الهباء المنثور , فتقطع رؤوسهم من جثثهم وتغير ألوانهم تعتيما لهم إلى ~~السواد , ولذا قال : { كأنهم } أي حين ينزعون فيلقون لا أرواح فيهم كأنهم { ~~أعجاز } أي أصول { نخل } قطعت رؤوسها . | ولما كان الحكم هنا على ظاهر ~~حالهم , PageV07P356 وكان الظاهر دون الباطن , حمل على اللفظ قوله : { ~~منقعر * } أي منقصف أي منصرع من أسفل قعره وأصل مغرسه , والتشبيه يشير إلى ~~أنهم طوال قد قطعت رؤوسهم , وفي الحافة وقع التشبيه في الباطن الذي فيه ~~الأعضاء الرئيسة , والمعاني اللطيفة , فأنث الوصف حملا على معنى النخل لا ~~للطفها - والله أعلم . | ولما طابق ما أخبر به من عذابهم ما هو له به أولا ~~, أكد ذلك لما تقدم من سره فقال مسببا عنه مشيرا إلى أنه لشدة هوله مما يجب ~~السؤال عنه : { فكيف كان } أيها السائل , ولفت القول إلى الإقرار تنبيها ~~للعبيد على المحافظة على مقام التوحيد : { عذابي } لمن كذب رسلي { ونذر * } ~~أي وإنذاري أو رسلي في إنذارهم هل صدق . | ولما أتم سبحانه تحذيره من مثل ~~حالهم بأمر ناظر أتم نظر إلى تدبير ما في سورة الذاريات , أتبع ذلك التنبيه ~~على أنه ينبغي للسامع أن يتوقع الحث على ذلك , فقال مؤكدا لما لأكثر ~~السامعين من التكذيب بالقال أو بالحال معلما أنه سهل طريق الفرار من مثل ~~هذه الفتن الكبار إليه , وسوى من الاعتماد عليه , عائدا إلى مظهر العظمة ~~إيذانا بأن تيسير القرآن لما ذكر من إعجازه لا يكون إلا لعظمة تفوت قوى ~~البشر , وتعجز عنها القدرة { ولقد يسرنا } على ما لنا من العظمة في الذات ~~والصفات { القرآن } الجامع الفارق كله وما أشارت إليه هذه القصة من مفصله { ~~للذكر } للحفظ والشرف بالإيجاز وعذوبة اللفظ وقرب الفهم وجلالة المعاني ms5063 ~~وجزالة السبك وتنويع الفنون وتكثير الشعب وإحكام الربط { فهل من مدكر * } ~~أي تسبب عن هذا الأمر العظيم الذي فعلناه أنه موضع السؤال عن أحوال ~~السامعين : هل فيهم من يقبل على حفظه ثم تدبره وفهمه ويتعظ بما حل بالأمم ~~السالفة , ويتذكر جميع ما صرف من الأقوال وينزلها على نفسه وما لها من ~~الأحوال , ويجعل ذلك لوجهنا فيلقيه بتشريفه به أمر دنياه وأخراه . | ولما ~~كان هذا موضع الإقبال على تدبر مواعظ القرآن , وكان ثمود أعظم وعظ كان بعد ~~عاد لما في صيحتهم الخارجة عن العهود من تصوير الساعة بنفختيها المميتة ثم ~~المحيية , وقال مؤنثا فعلهم إشارة إلى سفول هممهم وسفول فعلهم معلما أن من ~~كذب هلك - على طريق الجواب لمن لعله يقول استبعادا لتكذيب بعد ما جرى في ~~القصتين الماضيتين من التعذيب : { كذبت ثمود } أي قوم صالح { بالنذر * } ~~الإنذارات والمنذرين كلهم لأنهم شرع واحد , ثم علل ذلك وعقبه بقوله معلما ~~بالضمير أن المباشر بهذا الكفر رجالهم لئلا يظن أنهم نساء فقط : { فقالوا } ~~منكرين لما جاءهم من الله غاية الإنكار : { أبشرا } إنكارا لرسالة هذا ~~النوع ليكون إنكار النبوة إنكارا لنبوة نبيهم على أبلغ PageV07P357 الوجوه ~~, وأعظم الإنكار بقولهم مقدمين عدم الانفراد عنهم لخصوصيته : { منا } أي ~~فلا فضل له علينا فما وجه اختصاصه بذلك من بيننا , وزادوا ذلك تأكيدا ~~فقالوا : { واحدا } أي ليس معه من يؤيده , ثم فسر الناصب لقوله : { بشرا } ~~بقوله : { نتبعه * } أي نجاهد نفسنا في خلع مألوفنا وخلاف آبائنا والإقرار ~~على أنفسنا بسخافة العقل والعراقة في الجهل ونحن أشد الناس كثرة وقوة وفهما ~~ودراية , ثم استنتجوا عن هذا الإنكار الشديد قولهم مؤكدين الاستشعار بأن ~~كلامهم أهل لأن يكذب : { إنا إذا } أي إن اتبعناه { لفي ضلال } أي ذهاب عن ~~الصواب محيط بنا { وسعر * } أي تكون عاقبتنا في ذلك الضلال الكون في أوائل ~~أمر لا ندري عاقبته , فإنه لم يجرب ولم يختبر ولم يمعن أحد قبلنا سلفا لنا ~~فيجرنا ذلك إلى جنون وجوع ونار كما يكون من يأتوه في القفار في أنواع من ~~الحر بتوقد ms5064 حر الجبال وحر الضلال وحر الهموم والأوجال - وذلك من النار التي ~~توعدنا بها , وهو معنى تفسير ابن عباس رضي الله عنهما له بالعذاب , وجعل ~~سفيان بن عيينه له جمع سعير , والمعنى إنا نكون إذا اتبعناك كما تقول ~~جامعين بين الضلال والعذاب بسائر أنواعه . | ولما كان فيما قالوه أعظم ~~تكذيب مدلول على صحته في زعمهم بما أمؤوا إليه من كونه آدميا مثلهم , وهو ~~مع ذلك واحد من أحادهم فليس هو بأمثلهم وهو منفرد فلم يتأيد فكره بفكر غيره ~~حتى يكون موضع الوثوق به , دلوا عليه بأمر آخر ساقوه أيضا مساق الإنكار , ~~وأموؤا بالإلقاء إلى أنه في إسراعه كأنه سقط من علو فقالوا : { أألقي } أي ~~أنزل بغتة في سرعة لأنه لم يكن عندهم في مضمار هذا الشأن ولم يأتمروا فيه ~~قبل إتيانه به شيء منه بل أتاهم به بغتة في غاية الإسراع . | ولما كان ~~الإلقاء يكون للأجسام غالبا , فكان لدفع هذا الوهم تقديم النائب عن الفاعل ~~أولى بخلاف ما تقدم في ص فقالوا : { الذكر } أي الوحي الذي يكون به الشرف ~~الأعظم , وعبرا بعلى إشارة إلى أن مثل هذا الذي تقوله لا يقال إلا عن قضاء ~~غالب وأمر قاهر فقال : { عليه } ودلوا على وجه التعجب والإنكار بالاختصاص ~~بقولهم : { من بيننا } أي وبننا من هو أولى بذلك سنا وشرفا ونبلا . | ولما ~~كان هذا الاستفهام لكونه إنكاريا بمعنى النفي , أضربوا عنه بقولهم على وجه ~~النتيجة عطفا على ما أفهمه الاستفهام من نحو : ليس الأمر كما زعم : { بل هو ~~} لما أبدنياه من الشبه { كذاب } أي بليغ في الكذب { أشر * } أي مرح غلبت ~~عليه البطالة متفرغ للقطع مهيأ له خشن الأمر سيئ الخلق والأثر فهو يريد ~~الترفع . | PageV07P358 ولما كان هذا غاية الذم لمن يستحق منهم غاية المدح ~~, أجاب تعالى عنه موعظة لعباده لئلا يتقولوا ما يعلمون بطلانه أو يقولوا ما ~~لا يعلمون صحته بقوله : { سيعلمون } بوعد لا خلف فيه . | ولما كان المراد ~~التقريب لأنه أقعد عند نزول العذاب في الدنيا ويوم القيامة , وقراءة ابن ~~عامر وحمزة ورويس ms5065 عن يعقوب بالخطاب التفات يعلم بغاية الغضب { من الكذاب ~~الأشر * } أي الكذب والأشر وهو احتقار الناس والاستكبار على ما أبدوه من ~~الحق مختص به ومقصود عليه لا يتعداه إلى مرميه وذلك بأنهم جعلوا الكذب ~~ديدنه ولم يتعدهم حتى يدعى شيء منه لصالح عليه الصلاة والسلام , فكان ~~الكلام معينا لهم في الكذب قاصرا عليهم بسياقه على هذا الوجه المبهم المنصف ~~الذي فيه من روعة القلب وهز النفس ما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى , ~~وكلما كان الإنسان أسلم طبعا وأكثر علما كان له أعظم ذوقا . | < < # | القمر : ( 27 - 31 ) إنا مرسلو الناقة . . . . . # > > ^ ( إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر * ونبئهم أن المآء ~~قسمة بينهم كل شرب محتضر * فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر * فكيف كان عذابي ~~ونذر * إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ) ^ } ) | ولما ~~علم من هذا أنه سانه فصل الأمر بينهم , تشوف السامع إلى علم ذلك فقال تعالى ~~مستأنفا دالا بأنهم طالبوه بآية دالة على صدقه : { إنا } أي بما لنا من ~~العظمة { مرسلو الناقة } أي موجدوها ومخرجوها كما اقترحوا من حجر أهلناه ~~لذلك وخصصناه من بين الحجارة دلالة على إرسالنا صالحا عليه السلام : مخصصين ~~له من بين قومه , وذلك أنهم قالوا لصالح عليه السلام : نريد أن نعرف المحق ~~منا بأن ندعو آلهتنا وتدعو إلهك فمن أجابه إلهه علم أنه المحق , فدعوا ~~أوثانهم فلم تجبهم , فقالوا : ادع أنت , فقال : فما تريدون ؟ قالوا : تخرج ~~لنا من هذه الصخرة ناقة تبعر عشراء , فأجابهم إلى ذلك بشرط الإيمان , ~~فوعدوه بذلك وأكدوا فكذبوا بعد ما كذبوا في أن آلهتهم تجيبهم , وصدق هو صلى ~~الله عليه وسلم في كل ما قال فأخبره ربه سبحانه أنه يجيبهم إلى إخراجها { ~~فتنة لهم } أي امتحانا يخالطهم به فيميلهم عن حالتهم التي وعدوا بها ~~ويجيبهم عنها , وسبب سبحانه عن ذلك أمره بانتظارهم فيما يصنعون بعد إخراجهم ~~لما توصلهم إليه عواقب الفتنة فقال : { فارتقبهم } أي كلف نفسك انتاظارهم ~~فيما يكون لهم جزاء على أعمالهم انتظار من يحرسهم وهو عالم عليم فإنهم ms5066 ~~واصلون بأعمالهم إلى الداهية التي تسمى بأم العرقوب ليكونوا كمن جعل في ~~رقبته , ودل بصيغة الافتعال على أنه يكون له منه أذى بالغ قبل انفصال ~~النزاع فقال : { واصطبر * } أي الج نفسك واجتهد في الصبر عليهم { ونبئهم } ~~PageV07P359 أي أخبرهم إخبارا عظيما بأمر عظيم , وهو أن الماء الذي يشربونه ~~وهو ماء بئرهم { أن المائ قسمة بينهم } أي بين ثمود وبين الناقة , غلب ~~عليها ضمير من يعقل , يعني إذا بعثناها كان لهم يوم لا تشاركهم فيه في ~~الماء , ولها يوم لا تدع في البئر قطرة يأخذاه أحد بعثناها كان لهم يوم لا ~~تشاركهم فيه في الماء , ولها يوم لا تدع في البئر قطرة يأخذها أحد منهم , ~~وتوسع الكل بدل الماء لبنا . | ولما أخبر بتوزيع الماء , أعلم أنه على وجه ~~غريب بقوله استئنافا : { كل شرب } أي من ذلك وحظ منه ومورد البرو وقت يشرب ~~فيه { محتضر * } أي أهل لما فيه من الأمر العجيب أن يحضره الحاضرون حضورا ~~عظيما , وتتكلف أنفسهم لذلك لأنه صار في كثرته وحسنه كماء الحاضرة للبادية ~~وتأهل لأن تعارضه حاضروه من حسنه ويرجعوا إليه وأن يجتمع عليه الكثير ~~ويعودوا أنفسهم عليه . | ولما كان التقدير : فكان الأمر كما ذكرنا , واستمر ~~الأمد الذي ضربنا فافتتنوا كما أخبرنا { فنادوا } بسبب الفتنة { صاحبهم } ~~قار بن سالف الذي انتدبوه بطرا وأشرا لقتل الناسقة وكذبنا فيها بوعدهم ~~الإيمان وإكرامها بالإحسان وهو أشقى الأولين { فتعاطى } أي أوقع بسبب ~~ندائهم التعاطي الذي لا تعاطي مثله , فتناول ما لا يحق له يتناوله بسبب ~~الناقة وهو سيفه بيده قائما في الأمر الناشئ عن هذا الأخذ على كل حال , ~~ورفع رأسه بغاية الهمة ومد يديه مدا عظيما ورفعها وقام على أصابع رجليه حين ~~عاطوه ذلك أي سألوه فيه فطاوعهم وتناول الناقة بذلك السيف غير مكترث ولا ~~مبال { فعقر * } أي فتسبب عن هذا الجد العظيم أن صدق فيما أثبت لهم الكذب ~~في الوعد بالإحسان إليها والأشر , وهو إيقاع العقر الذي ما كان في ذلك ~~الزمان عقر مثله وهو عقر الناقة التي هي آية ms5067 الله وإهلاكها . | ولما وقع ~~كذبهم على هذا الوجوه العظيم المبني على غاية الأشر , حقق الله تعالى صدقه ~~في توعدهم على تقدير وقوع ذلك , فأوقع عذابهم سبحانه على وجه هو من عظمه ~~أهل لأن يتساءل عنه , فنبه سبحانه على عظمة بإيراده في أسلوب الاستفهام ~~مسببا عن فعل الأشقى فقال : { فكيف كان } وحافظ على مقام التوحيد كما مضى ~~فقال : { عذابي } أي كان على حال ووجه هو أهل لأن يجتهد في الإقبال على ~~تعرفه والسؤال عنه { ونذر * } أي إنذاري . | ولما علم تفرغ ذهن السائل ~~الواعي , استأنف قوله مؤكدا إشارة إلى أن عذابهم مما يستلذ وينجح به , ~~وإرغاما لمن يستبعد النصيحة الواحد بفعل مثل ذلك , وإعلاما بأن القدرة على ~~عذاب من كذب من غيرهم كهي على عذابهم فلا معنى للتكذيب : { إنا } بما لنا ~~من العظمة { أرسلنا } إرسالا عظيما , ودل على كونه عذابا بقوله : { عليهم ~~صيحة } وحقر شأنهم بالنسبة إلى عظمة عذابهم بقوله تعالى : { واحدة } صاحها ~~عليهم جبريل عليه السلام فلم يكن بصحيته هذه التي هي واحدة PageV07P360 ~~طاقة , وتلاشى عندها صياحهم حين نادوا صاحبهم لعقر الناقة . | ولما تسبب ~~عنها هلاكهم قال : { فكانوا } كونا عظيما { كهشيم المحتظر * } أي محطمين ~~كالشجر اليابس الذي جعله الراعي ومن في معناه ممن يجعل شيئا يأوي إليه ~~ويحتفظ به ويحفظ به ماشيته في وقت ما لا يقاله ( ؟ ) وهو حظيره أي شيء ~~مستدير مانع في ذلك الوقت لمن يدخل إليه فهو يتهشم ويتحطم كثير منه وهو ~~يعمله فتدوسه الغنم ثم تتحطم أولا فأولا , وكل ما سقط منه شيء فداسته الغنم ~~كان هشيما , وكأنه الحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته . | < < # | القمر : ( 32 - 39 ) ولقد يسرنا القرآن . . . . . # > > ^ ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر * كذبت قوم لوط بالنذر * ~~إنآ أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر * نعمة من عندنا كذلك نجزي ~~من شكر * ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر * ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ ~~أعينهم فذوقوا عذابي ونذر * ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر * فذوقوا عذابي ~~ونذر ) ^ } ) | ولما كان التقدير : لفقد أبلغنا في الموعظة ms5068 لكل من يسمع هذه ~~القصة , عطف عليه قوله مؤكدا لأجل من يعرض عن هذا القرآن ويعلل إعراضه عنه ~~بصعوبته : { ولقد يسرنا } أي على ما لنا من القدرة والعظمة { القرآن } أي ~~الكتاب الجامع لكل خير , الفارق بين كل ملبس { للذكر } أي الحفظ والتذكير ~~والتذكر وحصول انباهة به والشرف إلى الدارين . | ولما كان هذا غاية في وجوب ~~الإقبال عليه لجميع المتولين , قال : { فهل من مدكر * } أي ناظر فيه بسبب ~~قلونا هذا بعين الإنصاف والتجرد عن الهوى ليرى كل ما أخبرنا به فنعينه عليه ~~. | ولما كان النذير : كأنه قال المنذرين لم يتعظوا به فزاد في وعظهم , ~~وكانت قصة لوط عليه السلام مع قومه أعظم ما كان بعد ثمود مما تعرفه العرب ~~بالأخبار ورؤية الآثار , ومع ما في قصتهم من تصوير الساعة من تبديل الأرض ~~ير الأرض , استأنف قوله : { كذبت قوم لوط } أي وهم في قوة عظيمة على ما ~~يحاولونه وإن كانوا في تكذيبهم هذا في ضعف وقوع النساء عن التجرد مما دل ~~عليه تأنيث الفعل بالتاء وكذا ما قبلها من القصص { بالنذر * } أي الإنذار ~~والإنذارات والمنذرين , ودل على تناهي القباحة في مرتكبهم بتقديم الإخبار ~~عن عذابهم فقال : { إنا } أي بما لنا من العظمة { أرسلنا } ودل على أنه ~~إرسال إهانة بقوله : { عليهم } ودل على هوانهم وبلوغ أمره كل ما يراد به ~~بقوله : { حاصبا } أي ريحا ترمي بحجارة هي دون ملء فكانت مهلكة لهم محرقة ~~خاسفة مفرقة { إلا آل لوط } وهم من آمن به وكان بحيث إذا رأيته فكأنك رأيت ~~لوطا عليه السلام لما يلوح عليه من أفعاله والمشي على منواله في أقواله ~~وأحواله وأفعاله . | PageV07P361 ولما كان استثناؤهم مفهما إنجاءهم مع ~~التجويز لإرسال شيء عليهم غير مقيد بما ذكر , قال مستأنفا جوابا لمن كأنه ~~قال : ما حالهم : { تجيناهم } أي تنجيه عظيمة بالتدريج , وذكر أول الشروع ~~لإنجاءهم فقال : { بسحر * } أي بآخر ليلة من الليالي وهي التي عذب فيها ~~قومه , فكأنه تنكيره لأنا لا نعرف تلك الليلة بعينها , ولو قصدت سحر الليلة ~~التي صبحت منها كان معرفة ms5069 لا ينصرف , والسحر : السدس الأخير من الليل : ~~الوقت الذي يكون فيه الإنسان لا سيما النساء والأطفار في غاية الغفلة ~~بالاستغراق في النوم , ويفتح الله فيها أبواب السماء باذن الدعاء ليحصل منه ~~الإجابة لأن الملوك إذا فتحو أبوابهم كان ذلك إذنا للناس في الدخول لقضاء ~~الحوائج , فالنزول وفتح الأبواب كناية عن ذلك - والله سبحانه وتعالى متعال ~~عن حاجة إلى نزول أو فتح باب أو غير ذلك . | ولما كان المراد من الموعظين ~~الطاعة التي هي سبب النجاة , فلذا قال ذاكرا للإنعام معبرا عنه بغاية ~~المقصود منه معرفا أن انتقامه عدل ومعافاته فضل , لأن أحدا لا يقدر أن ~~يكافئ نعمه ولا نعمة منها , معللا للنجاة : { نعمة من عندنا } أي عظيمة ~~غريبة جدا لشكرهم , ولما كان كأنه قيل : هل هذا مختص بهم . . . | الإنجاء ~~من بين الظالمين وهو مختص بهم , أجاب بقوله : { كذلك } أي مثل هذا الإنجاء ~~العظيم الذي جعلنا جزاء لهم { نجزي } بقدرتنا وعظمتنا { من شكر * } أي أوقع ~~الشكر بجميع أنواعه فآمن وأطاع ليس . . . | بالأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر كائنا من كان من سوقه أو سلطان جائر شجاع أو جبان , فاننا عليه ~~بالإنجاء بعد هلاك عدوه , قال القشيري : والشكر على نعم الدفع أتم من الشكر ~~على نعم النفع , ولا يعرف ذلك إلا كل موفق كيس فالآية من الاحتباك : ذكر ~~الإنعام أولا - لأنه السبب الحقيقي - دليلا على حذفه ثانيا , والشكر ثانيا ~~- لأنه السبب الظاهر - دليلا على حذفه أولا . | ولما كان التقدير دفعا ~~لعناد . . . | استشارف السامع إلى ما كان من حاله صلى الله عليه وسلم معهم ~~قبل العذاب : لقد بالغ في شكرنا بوعظهم ونصحهم ودعائهم إلنيا صرفا لما ~~أنعمنا به عليه من الرسالة في أتم مواضعه , عطف عليه إيماء إليه قوله , ~~مؤكدا لأن تمادي المحذور من العذاب على الإقامة في موجبه يكاد أن لا يصدق : ~~{ ولقد أنذرهم } أي رسولنا لوط عليه السلام { بطشتنا } أي أخذتنا لهم ~~المقرونة بشدة ما لنا من العظمة , ووحد إشارة إلى أ , ه لا يستهان بشيء من ~~عذابه سبحانه بل الأخذة الواحدة ms5070 كافية لما لنا من العظمة فهي غير محتاجة ~~إلى التثنية , ودل على أن إنذاره كان جديرا بالقبول لكونه واضح الحقيقة بما ~~سبب عن ذلك من قوله : { فتماروا } أي تكلفوا الشك الواهي PageV07P362 { ~~بالنذر * } أي الإنذار مصدرا والإنذارات أو المنذرين حتى أداهم إلى التكذيب ~~, فكان سببا للأخذ . | ولما كان ترك الاحتياط في إعمال الحيلة في وجه ~~الخلاص من إنذار النذير عظيم العرافة في السفه دل على أنهم تجاوزوا ذلك إلى ~~انتهاك حرمة النذير , فقال مقسما لأن مثل ذلك لا يكاد يقع فلا يصدق من حكاه ~~: { ولقد راودوه } أي زادوا في التكذيب الموجب للتعذيب أن عالجوا معالجة ~~طويلة تحتاج إلى فتل ودوران { عن ضيفه } ليسلمهم إليهم وهم ملائكة في هيئة ~~شباب مرد , وأفردوا وإن كان المراد الجنس استعظاما لذلك لو كان الضيف واحدا ~~{ فطمسنا } أي فتسبب عن مراودتهم أن طمسنا بعظمتنا { أعينهم } فسويناها مع ~~سار الوجوه فصارت بحيث لا يرى لها شق , قال البغوي : هذا قول أكثر المفسرين ~~, وذلك بصفقة صفقها لهم جبريل عليه الصلاة والسلام , وقال القشيري : مسح ~~بجناحيه على وجوههم فعموا ولم يهتدوا للخروج , وقال ابن جرير : والعرب تقول ~~: طمست الريح الأعلام - إذا دفنتها بما يسفي عليها من التراب . | فانطلقوا ~~هرابا مسرعين إلى الباب لا يهتدون إليه ولا يقعون عليه بل يصادمون الجدران ~~خوفا مما هو أعظم من ذلك وهم يقولون : عند لوط أسحر الناس , وما أدتهم ~~عقولهم أن يؤمنوا فينجوا أنفسهم مما حل بهم , قال القشيري : وكذلك أجرى ~~الله سبحانه سنته في أوليائه بأن يطمس على قلوب أعدائهم حتى يلتبس عليهم ~~كيف يؤذون أولياءه ويخلصهم من كيدهم . | ولما كان . . . | أول عذابهم قال : ~~{ فذوقوا } أي فتسبب عن ذلك أن قال قائل عن الله بلسان القال أو الحال : ~~أيها المكذبون ذوقوا بسبب تكذيبكم لرسلي في إنذارهم { عذابي ونذر * } أي ~~وعاقبة إنذاري على ألسنة رسلي . | ولما كان بقاؤهم بعد هذا على حال كفرهم ~~عجبا إذ العادة قاضية بأن من أخذ ارعوى ولو كان أفجر الخلق , وسأل العفو ~~عنه صدقا أو كذبا خداعا ومكرا ms5071 لخلص مما هو فيه . . . | بثباتهم على تكذيبهم ~~حتى عذبوا على قرب العهد فقال مقسما : { ولقد صبحهم } أي أتاهم في وقت ~~الصباح , وحقق المعنى بقوله : { بكرة } أي في أول النهار بلادهم ورفعها ثم ~~قلبها , وحصبها بحجارة من نار وخسفها غمرها بالماء المنتن الذي لا يعيش به ~~حيوان { مستقر * } أي ثابت عليهم غير مزايل بخيال ولا سحر كما قالوا عند ~~الطمس فإنه أهلكهم فاتصل بعذاب البرزخ المتصل بعذاب القيامة المتصل بالعذاب ~~الأكبر في الطبقة التي تناسب أعمالهم من عذاب النار فقال لهم لسان الحال إن ~~لم ينطلق لسان القال : { فذوقوا } بسبب أعمالكم { عذابي ونذر * } . | ~~PageV07P363 < < # | القمر : ( 40 - 44 ) ولقد يسرنا القرآن . . . . . # > > ^ ( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر * ولقد جآء آل فرعون النذر ~~* كذبوا بئاياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر * أكفاركم خير من أولئكم أم ~~لكم برآءة في الزبر * أم يقولون نحن جميع منتصر ) ^ } ) | ولما كرر هذا ~~التكرير , علم منه أن سبب العذاب التكذيب بالإنذار لأي رسول كان , وكان ~~استئناف كل قصة منبها على أنها أهل على حدتها لأن يتعظ بها , علم أن ~~التقدير : فلقد بلغت هذه المواعظ النهاية لمن كان له قلب , فعطف عليه قوله ~~مذكرا بالنعمة التي لا عدل لها : { ولقد يسرنا } أي تعالى جدنا وتناهى ~~مجدنا { القرآن } الجامع الفارق { للذكر } ولو شئنا لأعليناه بما لنا من ~~العظمة إلى الحد حتى تعجز القوي عن فهمه , كما أعليناه إلى رتبة وقفت القوى ~~عن معارضته في نظمه , أو مطلع لا يتشبث بأذيال أدنى علمه , إلا الأفراد من ~~حذاق العباد , فكيف بما فوق ذلك . | ولما كانوا مع ذلك واقفين عن المبادرة ~~إليه والإقبال عليه , قال تطلفا بهم وتعطفا عليهم مسببا عن ذلك : { فهل } ~~وأكد فقال : { من مدكر * } مفتك لنفسه من مثل هذا الذي أوقع فيه هؤلاء ~~أنفسهم ظنا منهم أن الأمر لا يصل إلى ما وصل إليه جهلا منهم وعدم اكتراث ~~بالعواقب . | ولما كان الآخر ينبغي له أن يحذر ما وقع للأول , وكان قوم ~~فرعون قد جاء بعد قوم لوط عليه السلام , فكان ربما ms5072 ظن أنهم لم ينذروا لأن ~~من علم أن العادة جرت أن من كذب الرسل هلك أنكر أن يحصل ممن تبع ذلك تكذيب ~~, قال مقسما : { ولقد جاء آل فرعون } أي ملك القبط بمصر وأشرافه الذين إذا ~~رؤوا كان كأنه رئي فيهم لشدة قربهم منه وتخلقهم بأخلاقهم { النذر * } أي ~~المنذرون بنذارة موسى وهارون عليهما السلام , فإن نذارة بعض الأنبياء ~~كنذارة الكل لأنه يأتي أحد منهم إلا وله من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ~~, والمعجزات كلها متساوية في خرق العادة , وكان قد أنذرهم يوسف عليه السلام ~~, ولما كان كأنه قيل : فما فعلوا عند مجيء ذلك إليهم , قال : { كذبوا } أي ~~تكذيبا عظيما متسهينين { بآياتنا } التي أتاهم بها موسى عليه السلام وغيرها ~~لأجل تكذيبهم بها على ما لها من العظمة المعرفة قطعا عن أنها من عندنا . | ~~ولما كانت خوارق العادات كما مضى متساوية الأقدام في الدلالة على صدق الآتي ~~بها , وكانوا قد صمموا على أنه مهما أتاهم بآياة كذبوا بها , كانوا كأنهم ~~قد أتتهم كل آية لفذلك قال : { كلها } وسبب عن ذلك القول : { فأخذناهم } أي ~~بما لنا من العظمة بنحو ما أخذنا به قوم نوع من الإغراق { أخذ عزيز } أي لا ~~يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء PageV07P364 { مقتدر * } أي لا يعجل بالأخذ لأنه ~~لا يخاف الفوت ولا يخشى معقبا لحكمه , بالغ القدرة إلى حد للا يدرك الوصف ~~كنهه لأن صيغة الافتعال مبناها على المعاجلة من عاجل فعلا أجهل نفسه فيه , ~~فكان على أتم الوجوه , وهذه الغاية هي المرادة ليس غيرها , فهوتمثيل لأنه ~~سبحانه يخاطبنا بما نعبده , وبهذه المبالغة فلم يلفت منهم أحد , وقد ختمت ~~القصص بمثل ما افتتحت به من عذاب المفسدين بالإغراق ليطابق الختم البدء , ~~وكانت نجاة المصلحين من الأولين بالسفينة , وكانت نجاة المصلحين من الآخرين ~~بأرض البحر كانت هي سفينتهم , ليكون الختم أعظم من البدء كما هو شأن أهل ~~الاقتدار . | ولما بلغت هذه المواعظ الانتهاء , وعلت أقدامها على رتبة ~~السها , ولم يبين ذلك كفار قريش عن شرادهم , ولا فتر من جحودهم وعنادهم ms5073 , ~~كان لسان حالهم قائلا : إنا لا نخاف شيئا من هذا , فكان الحال مقتضيا لأن ~~يقال لهم إلزاما بالحجة : { أكفاركم } الراسخون منكم في الكفر الثابتون ~~عليه يا أيها المكذبون لهذا النبي الكريم الساترون لشموس دنيه { خير } في ~~الدنيا بالقوة والكثرة أو الدين عند الله أو عند الناس { من أولائكم } أي ~~الكفار أي الكفار العظماء الجبابرة الأشداء الذين وعظناكم بهم في هذه ~~السورة ليكون ذلك سببا لافتراق حالهم منهم فيأمنوا العذاب مع جامع التكذيب ~~وإن لم يكن لهم براءة من الله { أم لكم } أجمعين دونهم كفاركم وغير كفاركم ~~{ براءة } من العذاب من الله { في الزبر * } أي الكتب الآتية من عنده ~~أأمنتم بها من العذاب مع أنهم خير منكم , فالآية من الاحتباك : أثبت ~~الخيرية أولا دليلا على حذفها ثانيا , والبراءة ثانيا دليلا على حذفها أولا ~~. | ولما بلغوا إلى هذا الحد من التمادي في الكفر مع المواعظ البالغة ~~والاستعطاف المكين , استحقوا أعظم الغضب , فأعرض عنهم الخطاب إيذانا بذلك ~~وإهانة لهم واحتقارا وإقبالا على النبي صلى الله عليه وسلم تسلية فقال ~~عاطفا على ما تقديره : أيدعون جهلا ومكابرة شيئا من هذين الأمرين : { أم ~~يقولون } أي هؤلاء الذي أنت بين أظهرهم تعاملهم باللين في القال والقيل ~~والصفح الجميل امتثالا لأمرنا تعظيما لقدرك فاستهانوا بك : { نحن جميع } أي ~~جمع واحد مبالغ في اجتماعه فهو في الغاية من الضم فلا افتراق له { منتصر * ~~} أي على كل من يناويه لأنهم على قلب رجل واحد , فالإفراد للفظ ( جميع ) ~~ولإفهام هذا المعنى , أو أن كل واحد محكوم له بالانتصار . | < < # | القمر : ( 45 - 48 ) سيهزم الجمع ويولون . . . . . # > > ^ ( سيهزم الجمع ويولون الدبر * بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ~~* إن المجرمين في ضلال وسعر * يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر ~~) ^ } ) | PageV07P365 ولما كان لسان الحال ناطقا بأنهم يقولون : هذا كله ~~فأي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ونحوها , وقال بعضهم : لئن بعثنا ~~لأوتينا وولدا , ولا شك أنهم كانوا في غاية الاستحالة لغلبة المؤمنين لهم ~~على قلتهم وضعفهم , استأنف الجواب بقوله : { سيهزم } بأيسر أمر من ms5074 أي هازم ~~كان بوعد لا خلف فيه , وقراءة الجمهور بالبناء للمفعول مفهمة للعظمة بطريقة ~~كلام القدرين , فهي أبلغ من قراءة يعقوب بالنون والبناء للفاعل الدالة على ~~العظمة صريحا { الجمع } الذي تقدم أنه بولغ في جمعه فصدق الله وعده وهمزوا ~~في يوم بدر وغيره في الدنيا عن قريب , ولم يزالوا يضعفون حتى اضمحل أمرهم ~~وزال بالكلية سرهم , وهي من دلائل النبوة البينة { ويولون الدبر * } أي يقع ~~توليتهم كلهم بهذا الجنس بأن يكون واليا لها من منهم مع الهزيمة لأنه لم ~~يتولهم في حال الهزيمة نوع مسكنة يطنعون بها في الخيار , وكل من إفراد ~~الدبر والمنتصر وجمع المولين أبلغ مما لو وضع غيره موضعه وأقطع للتعنت . | ~~ولما ونقع هذا في الدنيا , وكان في يوم بدر , وكان ذلك من أعلام النبوة , ~~وكان ربما ظن ظان أن ذلك هو النهاية , كان كأنه قيل : ليس ذلك الموعد ~~الأعظم , { بل الساعة } القيامة التي يكون فيها الجمع الأعظم والهول الأكبر ~~{ موعدهم } أي الأعظم للجزاء المتوعد به { والساعة أدهى } من كل ما يفرض ~~وقوعه في الدنيا , أفعل تفضيل من الداهية وهي أمر هائل لا يهتدى لدوائه { ~~وأمر * } لأن عذابها للكفار غير مفارق ومزايل . | ولما أخبر عن الساعة بهذا ~~الإخبار الهائل , علله مقسما لأهلها مجملا بعض ما لهم عند قيامها بقوله ~~مؤكدا لما أظهروا من التكذيب : { إن المجرمين } أي القاطعين لما أمر الله ~~بأن يوصل { في ضلال } أي عمى عن القصد بتكذيبهم بالبعث محيط بهم مانع من ~~الخلاص من دواهي الساعة وغيرها , ومن الوصول إلى شيء من مقاصدهم التي هم ~~عليها الآن معتمدون { وسعر } أي نيران تضطرم وتتقد غاية الاتقاد { يوم } أي ~~في ذلك اليوم الموعود به { يسبحون } أي في الساعة دائما بأيسر وجه إهانة ~~لهم من أي صاحب كان { في النار } أي الكاملة في النارية { على وجوههم } ~~لأنهم في غاية الذل والهوان جزاء بما كانوا يذلون أولياء الله تعالى , ~~مقولا لهم من أي قائل اتفق : { ذوقوا } أي لأنهم لا منعة لهم ولا حمية ~~عندهم بوجه { مس سقر * } أي ms5075 ألم مباشر الطبقة النارية التي تلفح بحرها ~~فتلوح الجسم وتذيبه فيسيل ذهنه . . . | وعصارا كما يسيل الدبس وعصارة الرطب ~~فتسمى النخلة بذلك مسقارا . | < < # | القمر : ( 49 - 55 ) إنا كل شيء . . . . . # > > ^ ( إنا كل شيء خلقناه بقدر * ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح بالبصر * ~~ولقد أهلكنآ أشياعكم فهل من مدكر * وكل شيء فعلوه في الزبر * وكل صغير ~~وكبير PageV07P366 مستطر * إن المتقين في جنات ونهر * في مقعد صدق عند مليك ~~مقتدر ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما أخبر بقيام الساعة وما يتفق لهم فيها جزاء لأعمالهم التي قدرها ~~عليهم وهي ستر فرضوا بها لاتباع الشهوات واحتجوا على رضاه بها , وكان ربما ~~ظن ظان أن تماديهم على الكفر لم يكن بإرادته سبحانه , علل ذلك منبها على أن ~~الكل فعله , وإنما نسبته إلى العباد بأمور ظاهرية , تقوم عليهم بها الحجة ~~في مجاري عاداتهم , فقال : { أنا } أي بما لنا من العظمة { كل شيء } أي من ~~الأشياء المخلوقة كلها صغيرة وكبيرها . | ولما كان هذا التعميم في الخلق ~~أمرا أفهمه النصب , استأنف قوله تفسيرا للعامل المطوي وإخبارا بجعل ذلك ~~الخلق كله على نظام محكم وأمر مقدر مبرم { خلقناه بقدر * } أي قضاء وحكم ~~وقياس مضبوط وقسمة محدودة وقودة بالغة وتدبير محكم في وقت معلوم ومكان ~~محدود مكتوب في ذلك اللوح قبل وقوعه تقيسه الملائكة بالزمان وغيره من العد ~~وجميع أنواع الأقيسة - فلا العذاب بقدرتنا ومشيئتنا فاصبروا عليه وارضوا به ~~كما كنتم ترضون أعمالكم السيئة ثم تحتجون على عبادنا بأنها مشيئتنا بنحو < # > 77 ( { ولو شاء الله ما أشركنا } ) 77 < # > [ الأنعام : 148 ] فقد أولكم إلى ما ترون وانكشف أتم انكشاف أنه لا ~~يكون شيء على خلاف مرادنا , ولا يقال لشيء قدرناه : لم ؟ قال الرازي في ~~اللوامع : الكمية ساقطة عن أفعاله كما أن الكيفية والكمية ساقطتان عن ذاته ~~وصفته - انتهى . ولا يكون شيء من أرمه سبحانه إلا ما هو على غاية الحكمة , ~~ولو كان الخلق لا يبعثون بعد الموت ليقع القصاص والقياس العدل ليكون القياس ~~جزافا لا بقدر وعدل , لأن المشاهد أن الفساد في هذه الدار من المكلفين ms5076 من ~~الصلاح أضعافا مضاعفة , وقرئ في الشواذ برفع ( كل ) وجعله ابن جني أقوى من ~~النصب , وليس كذلك لأن الرفع لا يفيد ما ذكرته , وما حمله على ذلك إلا أنه ~~معتزلي , والنصب على ما قدرته قاصم لأهل الاعتزال . | ولما بين أن كل شيء ~~بفعله , بين يسر ذلك وسهولته عليه فقال : { وما أمرنا } أي كل شيء أردناه ~~وإن عظم أثره , وعظم القدر وحقر المقدورات بالتأنيث فقال : { إلا واحدة } ~~أي فعلة يسيرة لا معالجة فيها وليس هناك إحداث قول لأنه قديم بل تعلق ~~القدرة بالمقدور على وفق الأرادة الأزلية , ثم مثل لنا ذلك بأسرع ما يعقله ~~وأخفه فقال ؛ { كلمح بالبصر * } فكما أن لمح أحدكم ببصره لا كلفة عليه فيه ~~, فكذلك الأفعال كلها , بل أيسر من ذلك . | PageV07P367 ولما أخبر بتمام ~~قدرته , وكان إهلاك من ذكر من الكفار وإنجاء من ذكر من الأبرار في هذه ~~السورة نحوا مما ذكر من أمر الساعة في السهولة والسرعة , دل على ذلك بإنجاء ~~أوليائه وإهلاك أعدائه فذكر بهم جملة وبما كان من أحوالهم بأيسر أمر لأن ~~ذلك أوعظ للنفوس وأزجر للعقول , فقال مقسما تنبيها على عادتهم في الكفر مع ~~هذا الوعظ فعل المكذب بهلاكهم لأجل تكذيبهم عاطفا على ما تقديره : ولقد ~~أنجينا رسلنا وأشياعهم من كل شيء خطر : { ولقد أهلكنا } أي بما لنا من ~~العظمة { أشياعكم } الين أنتم وهن شرع واحد في التكذيب , والقدرة عليكم ~~كالقدرة عليهم , فاحذروا أن يصيبكم ما أصابهم , فلذلك سبب عنه قوله : { فهل ~~من مدكر * } أي بما وقع لهم أنه مثل من مضى بل أضعاف . . . | , وأن قدرته ~~سبحانه عليه كقدرته عليهم ليرجع عن غيه خوفا من سطوته سبحانه . | ولما تمت ~~الدلالة على إحاطة القدرة بما شوهد من الأفعال الهائلة التي لا تسعها قدرة ~~غيره سبحانه , وكانوا يظنون أن أحواله غير مضبوطة لأنه لا يمكن ضبطها ولا ~~يسعها علم عالم ولا سيما إذا ادعى أنه واحد , شرع في إتمام الإخبار بعظمة ~~القدر بالإخبار بأن أفعالهم كلها مكتوبة فضلا عن كونها محفوظة فقال : { وكل ~~شيء فعلوه } أي ms5077 الأشياء في أي وقت كان , كأن بالكتابة { في الزبر * } أي ~~كتب الحفظة فليحذروا من أفعالهم فإنها غير منسية , هذا ما أطبق عليه القراء ~~مما أدى إلى هذا المعنى من رفع كل , لأنه لو نصب لأوهم تعلق الجار بالفعل ~~فيوهم أنهم فعلوا في الزبر كل شيء من الأشياء وهو فاسد . | ولما خصهم , عم ~~بقوله واعظا ومخوفا ومحذرا بأن كل شيء محفوظ فمكتوب فمعروض على الإنسان يوم ~~الجمع : { وكل صغير وكبير } من الجواهر والمعاني منهم ومن غيرهم { مستطر * ~~} أي مكتوب على وجه عظيم من اجتهاد الحفظة في كتابته وتحريره مع يسر ذلك ~~وسهولته . | زولما أخبر عن أحوال الكفرة في الدنيا والآخرة واعظا بها ~~وإعلاما بعظمته وعلي صفاته وسعة مملكته وشامل علمه وقدرته , ختم بأحوال ~~القسم الآخر من أهل الساعة وهم أهل طاعته تتميما لذلك وإشارة وبشارة للسالك ~~في أحسن المسالك , فقال مؤكدا ردا على المنكر : { إن المتقين } أي العريقين ~~في وصف الخوف من الله تعالى الذي أداهم إلى أن لا يفعلوا شيئا إلا بدليل . ~~| ولما كان من البساتين والمياه وما هو ظاهر بكل مراد على عكس ما عليه ~~الضال البعيد عن القسد الواقع في الهلاك والنار قال : { في جنات } أي في ~~بساتين ذات أشجار تسر داخلها , قال القشيري : والجمع إذا قوبل PageV07P368 ~~بالجمع فالأحاد تقابل الأحاد . | ولما كانت الجنان لا تقوم وتدوم إلا ~~بالماء قال : { ونهر * } وأفرده لأن التعبير ب ( في ) مفهم لعمومهم به عموم ~~ما كأنه ظرف وهم مظروفون له , ولكثرة الأنهار وعظمها حتى أنها لقرب بعضها ~~من بعض واتصال منابعها وتهيئ جميع الأرض لجري الأنهار منها كأنها شيء واحد ~~, وما وعد به المتقون من النعيم في تلك الدار فرقائقه معجلة لهم في هذه ~~الدار , فلهم اليوم جنات العلوم وأنهار المعارف , وفي الآخرة الأنهار ~~الجارية والرياض والأشجار والقصور والزخارف , وهو يصلح مع ذلك لأن يكون مما ~~منه النهار فيكون المعنى : أنهم في ضياء وسعة لا يزايلونه أصلا بضد ما عليه ~~المجرم من العمى الناشئ عن الظلام , ولمثل هذه الأغراض أفرد مع إرادة ms5078 الجنس ~~لا للفاصلة فقط . | ولما كانت البساتين لا تسكن في الدنيا لأنه ليس فيها ~~جميع ما يحتاجه الإنسان , بين أن حال تلك غير حال هذه , فقال مبدلا مما ~~قبله : { في مقعد } أي تلك الجنان محل إقامتهم التي تراد للقعود { صدق } أي ~~فيما أراده الإنسان صدق وجوده الإرادة ولا لإرادة الجنس مع أن الإبدال يفهم ~~أنه لا موضع في تلك الجنان إلا وهو الصالح للتسمية بهذا الاسم ولأنهم ~~لاتحاد قلوبهم ورضاهم كأنهم في مقعد واحد على أنه قرئ بالجمع . | ولما كان ~~هذا غير معهود , بين أن سببه تمكين الله لهم منه لاختصاصه لهم وتقريبه ~~إياهم لإرضائه لهم , فقال مقيدا لذلك بالتعبير بالعندية لأن عنديته سبحانه ~~تعالى منزهة عن قرب الأجسام والجهات : { عند مليك } أي ملك تام الملك { ~~مقتدر } أي شامل اقدرة بالغها إلى حد لا يمكن إدراكه لغيره سبحانه كما تقدم ~~قريبا , فهو يوصلهم إلى كل خير ويدفع عنهم كل ضير , وكما أن لهم في الآخرة ~~عندية الإشهاد فلهم في الدنيا عندية الإمداد , ولهذا الاسم الشريف سر في ~~الانتصار على الظالمين , ولقد ختمت السورة كما ترى كما ابتدئت به من أمر ~~الساعة , وكانت البداية للبداية والنهاية للنهاية , وزادت النهاية بيان ~~السبب الموجد لها , وهو قدرته سبحانه وعز شأنه وعظمت رحمته وإحسانه , وعفوه ~~ومغفرته ورضوانه , ولتصنيف الناس فيها إلى كافر مستحق للانتقام , ومؤمن ~~مؤهل لغاية الإكرام , لم يذكر الاسم الأعظم الجامع الذي يذكر في سياق مقتضى ~~جمع الجلال والإكرام لصنف واحد وهو من يقع منه الإيمان ولا يتدنس بالعصيان ~~, وهم الذين آمنوا , ولمشاركتها للسورتين اللتين بعدها في هذا العرض , وهو ~~الكلام في حق الصنفين فقط من غير ذكر عارض ممن آمن , أشرك الثلاثة في الخلو ~~عن ذكر الاسم PageV07P369 الأعظم فلم يذكر في واحدة منها وجاء فها من ~~الصفات ما يقتضي العظمة على أهل الكفران , وما ينبئ عن الإكرام والإحسان ~~لأهل الإيمان < # > 77 ( { ولمن خاف مقام ربه جنتان } ) 77 < # > { الرحمن : 46 ] ولهذا ختمت هذه الصفة الملك المقتضي للسطوة التامة ~~والإكرام البالغ وعدم المبالاة ms5079 بأحد كائنا من كان , لأن الملك من حيث ه ~~وملك إما يقتضي مقامه إهانة العدو وإكرام الولي , وجعل ذلك على وجه ~~المبالغة أيضا , كل ذلك للإعلام بأن تصريفه سبحانه لأحوال الآخرة كما قصد ~~في هذه السورة من تصريفه في أحوال الدنيا من إهلاك الأعداء وإنجاء الأولياء ~~, وكأن هذه السورة كانت هكذا لأنها جاءت عقب النجم التي شرح فيها الإسراء ~~وكان للنبي صلى الله عليه وسلم من العظمة بخرق العوائد باختراق السموات , ~~والوصول إلى أنها الغاية من المناجاة , وغيره من سر الملكوت ومحل الجبروت , ~~بعد أن لوح بمقامه عليه الصلاة والسلام بالطور ليعلم الفرق ويوصف كل بما هو ~~الحق , فكان ذلك مقتضيا لئلا يكون بعده من الناس إلا مؤمن خالص , فإن كان ~~غيره فهو معاند شديد الكفر , وكأنها جعلت ثلاثا لإرادة غاية التأكيد لهذا ~~المعنى الشديد , فلما انقضت الثلاثة كان متبركا به في معظم آيات الحديد ثم ~~توجت كل آية من آيات المجادلة به إشارة إلى أنه قد حصل غاية التشوف إليه ~~ترهيبا لمن يعصي ولا سيما من يظاهر , وترغيبا في الطاعة للملك الغافر , ~~والله الموفق لما يريد إنه قوي فعال لما يريد . | . . . | PageV07P370 < # > سورة الرحمن < # > | وتسمى عروس القرآن . | مقصودها الدلالة على كا ختمت به سورة من عظيم ~~الملك وتمام الاقتدار بعموم رحمته وسبقها لغضبه ، المدلول عليه بكمال علمه ~~، اللازم عنه شمول قدرته ، المدلول عليه بتفصيل عجائب مخلوقاته وبدائع ~~مصنوعاته في اسلوب التذكيرلا بنعماته ، والامتنان بجزيل آلائه ، على وجه ~~منتج للعلم بإحاطته بجميع أوصاف الكمال ، فمقصودها بالذات إثبات الاتصاف ~~بعموم الرحمة ترغيبا في إنعامه وإحسانه ، وترهيبا من انتقامه بقطع مزيد ~~امتنانه ، وعلى ذلك دل اسمها الرحمن لأنه العام الامتنان واسمها عروس ~~القرآن واضح البيان في ذلك ، لأنها الحاوية لما فيه من حلى وحلل ، وجواهر ~~وكلل ، والعروس بجميع النعم والجمال ، والبهجة من نوعها والكمال { بسم الله ~~} الذي ظهرت إحاطة كماله بما ظهر من عجائب مخلوقاته { الرحمن } الذي ظهر ~~عموم رحمته بما بهر من بدائع مصنوعاته واشتهر من عظيم آياته وبيناته { ~~الرحيم } الذي ظهر ms5080 اختصتصه لأهل طاعته بما تحققوا به من الذل المفيد للعز ~~بلزوم عباداته . < < # | الرحمن : ( 1 - 10 ) الرحمن # > > ^ ( الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان * الشمس والقمر ~~بحسبان * والنجم والشجر يسجدان * والسمآء رفعها ووضع الميزان * ألا تطغوا ~~في الميزان * وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان * والأرض وضعها ~~للأنام ) ^ } ) | ولما ختم سبحانه القمر بعظيم الملك وبليغ القدرة , وكان ~~الملك القادر لا يكمل ملكه إلا بالرحمة , وكانت رحمته لا تتم إلا بعمومها , ~~قصر هذه السورة على تعداد نعمه على خلقه في الدارين , وذلك من آثار الملك , ~~وفصل فيها ما أجمل في آخر القمر من مقر الأولياء والأعداء في الآخرة , ~~وصدرها بالاسم الدال على عموم الرحمة براعة للاستهلال , وموازنة لما حصل ~~بالملك والاقتدار من غياية التبرك والظهور والهيبة PageV07P371 والرعب باسم ~~هو مع انه في غاية الغيب دال على أعظم الرجاء مفتتحا لها بأعظم النعم وهو ~~تعليم الذكر الذي هز ذوي الهمم العالية في القمر إلى الإقبال عليه بقوله { ~~ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } لأنه لما كان للعظمة الدالة عليها ~~نون { يسرنا } التي هي عماد الملك نظران : نظر الكبرياء والجبروت يقتضي أن ~~يتكلم بما يعجز خلقه من كل جهة في الفهم والحفظ والإتيان بمثله وكل معنى من ~~معانيه , ونظر الإكرام والرحمة , وكانت رحمته سابقة لغضبه نظر بها لخلقه لا ~~سيما هذه الأمة المرحومة فيسر لها الذكر تحقيقا للرحمة المقطعة أوائل السور ~~, ومنع المتعنت من أن يقول : إنه لا معاني لها بأن الفهم الحروف المقطعة ~~أوائل اسور , ومنع المتعنت من أن يقول : إنه لا معاني لها بأن فهم بعض ~~الأصفياء بعض أسرارها , فقال جوابا لمن كانه قال : من هذا المليك المقتدر , ~~فقيل : { الرحمن * } أي العام الرحمة , قال ابن برجان : وهو ظاهر اسمه الله ~~, وباطن اسمه الرب , جعل هذه الأسماء الثلاثة في ظهروها مقام الذات يخبر ~~بها عنه وحجابا بينه وبين خلقه , يوصل بها الخطاب منهم إليهم , ثم أسماؤه ~~الظاهرة مبينة لهذه الأسماء الثلاثة - انتهى . | ومن مقتضى اسمه { الرحمن } ~~انبثت جميع النعم , ولذا ذكر في هذه ms5081 السورة أمهات النعم في الدارين . | ~~ولما كان لا شيء من الرحمة أبلغ ولا أدل على القدرة من إيصار بعض صفات ~~الخالق إلى المخلوق نوع إيصال ليتخلقوا به بحسب ما يمكنهم منه فيحصلوا على ~~الحياة الأبدية والسعادة السرمدية قال : { علم القرآن * } أي المرئي ~~المشهود بالكتابة والمتلو المسموع الجامع لكل خير , الفارق بين كل لبس , ~~وكان القياس يتقضي أن لا يعلم المسموع أحد لأنه صفة من صفاته , وصفاته في ~~العظم كذاته , وذاته غيب محض , لأن الخلق أحق من أن يحيطوا به علما , ( ~~وأين الثريا من يد المتناول ) فدل تعليمه القرآن على أنه يقدر أن يعلم ما ~~أراد من أراد < # > 77 ( { وعلمآدم الاسماء كلها } ) 77 < # > [ البقرة : 31 ] ولا يخفى ما في تقديمه على جميع النعم من المناسبة لأن ~~أجل النعم نعمة ادين التي تتبعها نعمة الدنيا والآخرة , وهو أعلى مراتب , ~~فهو سنام الكتب السماوية وعمادها ومصداقها والعبار عليها , وفائدتها ~~الإيصال إلى مقعد الصدق المتقدم لأنه بين ما يرضي الله ليعمل به وما يسخطه ~~ليجتنب . | وقال الإمام جعفر بن الزبير : من المعلوم أن الكتاب العزيز وإن ~~كانت آية كلها معجزة باهرة وسورة في جليل النظم وبديع التأليف قاطعة ~~بالخصوم قاهرة , فبعضها أوضح من بعض في تبين إعجازها , وتظاهر بلاغتها ~~وإيجازها : ألا ترى إلى تسارع PageV07P372 الأفهام إلى الحصول على بلاغة ~~آيات وسور من أول وهلة دون كبير تأمل كقوله تعالى { وقيل يا أرض ابتلغي ~~ماءك ويا سماء أقلعي } [ هود : 44 ] وقوله < # > 77 ( { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين } ) 77 < # > [ الحجر : 94 ] , الآيات , لا يتوقف في باهر إعجازها إلا من طبع الله ~~على قلبه أو سد دونه باب الفهم بأنى له بر لوجه وقوعه , وسورة القمر من هذا ~~النمط , ألا ترى اختصار القصص فيه مع حصول أطرافها وتوفية أغراضها , وما ~~جرى مع كل قصة من الزجر والوعظ والتنبيه والإعذار , ولولا أني لم أقصد ~~التعليق ما بنيته عليه من ترتيب السور لأوضحت ما أشرت إليه مما لم أسبق ~~إليه , ولعل الله سبحانه ييسر ذلك فيما باليد من ms5082 التفسير نفع الله به ويسر ~~فيهن فملا انطوت هذه السورة على ما ذكرنا وبان فيها عظيم الرحمة في تكرر ~~القصص وشفع العظات , وظهرت حجة الله على الخلق , وكان ذلك من أعظم ألطافه ~~تعالى لمن يسره لتدبر القرآن ووفقه لفهمه واعتباره , أردف ذلك سبحانه ~~بالتنبيه على هذه النعمة فقال تبارك وتعالى { الرحمن علم القرآن خلق ~~الإنسان علمه البيان } وخص من أسمائه الحسنى هذاالاسم إشعارا برحمته ~~بالكتاب وعظيم إحسانه به { وإن عدوا نعمة الله لا تحصوها } [ إبراهيم : 34 ~~] ثم قد تمهد أن سورة القمر إعذار ومن أني للعباد بجميل هذا اللطف وعظيم ~~هذا الحلم حتى يرادوا إلى بسط الدلالات وإيضاح البينات إن تعذر إليهم زيادة ~~في البلاغ , فأنبأ تعالى أن هذا رحمة فقال { الرحمن علم القرآن } ثم إذا ~~تأملت سورة القمر وجدت خطابها وإعذارها خاص ببني آدم بل بمشركي العرب منهم ~~فقط , فاتبعت سورة القمر بسورة الرحمن تنبيها للثقلين وإعذارا إليهم ~~وتقريرا للجنسين على ما أوع سبحانه في العالم من العجائب والبراهيم الساطعة ~~فتكرر فيها التقرير والتنبيه بقوله تعالى : { فبأي آلاء ربكما تكذبنا } ~~خطابا للجنسين وإعذارا للثقلين فبان اتصالها بسورة القمر أشد البيان - ~~انتهى . | ولما كان كأنه قيل : كيف علمه وهو صفة من صفاته ولمن علمه , قال ~~مستأنفا أو معللا : { خلق الإنسان * } أي قدره وأوجده على هذا الشكل ~~المعروف والتركيب الموصوف منفصلا عن جميع الجمادات وأصله منها ثم عن سائر ~~الناميات ثم عن غيره دليل على خلقه لكل شيء موجود < # > 77 ( { إنا كل شيء خلقناه بقدر } ) 77 < # > [ القمر : 49 ] والإنسان وإن كان اسم جنس لكن أحقهم بالإرادة بهذا ~~أولهم وهو آدم عليه السلام , وإرادته - كما قال ابن عباس رضي الله عنهما - ~~لا تمنع إرادة الجنس من حيث هو . | ولما كان كأنه قيل : فكان ماذا بخلقه , ~~قال : { علمه البيان * } وهو القوة الناطقة , وهي الإدراك للأأمور الكلية ~~والجزئية والحكم الحاضر والغائب بقياسه على PageV07P373 الحاضر تارة ~~بالتوسم وأخرى بالحساب ومرة بالعيافة والزجر وطورا بالنظر في الآفاق وغير ~~ذلك من الأمور مع التمييز بين الحسن والقبيح ms5083 وغير ذلك ما أدعه سبحانه ~~وتعالىله مع تعبيره عما أدركه بما هو غائب في ضميره وإفهامه للغير تارة ~~بالقول وتارة بالفعل نطقا وكتابة وإشارة وغيرها , فصار بذلك ذا قدرة على ~~الكمال في نفسه والتكميل لغيره , فهذا تعليم البيان الذي مكن من تعليم ~~القرآن , وهذا وإن كان سبحانه جبلنا عليه وخلقناه به قد صار عندنا مألوفا ~~ومشهورا معروفا , فهو عند غيرنا على غير ذلك مما أوضحه لنا سبحانه نعمة ~~علينا بمحاجته لملائكته الكرام عن نبينا آدم عليه الصلاة والسلام وما أبدى ~~لهم من علمه وبهرهم من رسم كل شيء بمعناه واسمه . | ولما بين سبحانه النعمة ~~في تعليم القرآن الذي هو حياة الأرواح , وبين الطريق فيها , دل على البيان ~~بذكر البينات التي يجمعها أمر ويفرقهام آخر , ولها مدخل في حياة الأشباح , ~~وعددها على سبيل الامتنان بيانا لأنها من أكبر النعم فقال في جواب من قال : ~~ما بيانه ؟ بادئا بالكوكب الأعظم الذي هو أعظم نورا وأكبر جرما وأعم نفعا ~~لليكون خضوعه لقبول الآثار أدل على خضوع غيره بيانا لحكمته في تدبيره وقوته ~~في تقديره : { الشمس } وهي آية النهار { والقمر } وهو آية الليل اللذان كان ~~بهما البيان الإبراهيمي , ولعله بدأ لهذه الأمة بغاية بيانه عليه الصلاة ~~والسلام تشريفا لها بالإشارة غلى علو أفهامها { بحسبان * } أي جريهما , ~~يجري كل منهما - مع اشتراكهما في أنهما كوكبان سماويان - بحساب عظيم جدا لا ~~تكاد توصف جلالته في دقته وكثرة سعته وعظم ما يتفعر عليه من المنافع ~~الدينية ولدنيوية , ومن عظم هذا الحساب الذي أفادته صيغة الفعلان أنه على ~~نهج واحد لا يتعداه , تعلم به الأعوام والشهور والأيام والساعات والدقائق ~~والفصول في منازل معلومة , ويعرف موضع كل منهما في الآفاق العلوية وما يحدث ~~له وما يتأثر عنه في الكوائن السفلية بحيث أن به انتظام غالب الأمور ~~السفلية إلى غير ذلك من الأمور التي خلقهما الله عليها ولها , وبين الإنسان ~~وبين كل منهما من المسافات ما لا يعلمه على التحرير إلا العليم الخبير , ~~وهذا على تطاول الأويام والدهور لا يختل ms5084 ذرة دلالة على أن صانعه قيوم لا ~~يغفل , ثم بعد هذا الحساب المستجد والحساب الأعظم الذي قدر لتكوير الشمس ~~وانكدار القمر دلالة على أنه فاعل بالاختيار مع ما أفاد ذلك من تعاقب ~~الملوين تارة بالاعتدال وتارة بالزيادة وأخرى بالنقص , وغير ذلك من الأمور ~~في لطائف المقدور . | ولما كان سيرهما على هذا المنهاج مع ما لهما فيه من ~~الدؤب فيه بالتغير والتنقل طاعة منهما لمدبرهما ومبدعهما ومسيرهما , وكان ~~خضوعهما - وهما النيران الأعظمان - PageV07P374 دالا على خضوع ما دونهما من ~~الكواكب بطريق الأولى , كان ذكرهما مغنيا عن ذكر ما عداهما بخصوصه , ~~فأتبعهما حضور ما هو للأرض كالكواكب للسماء في الزينة والنفع بأن من أكثر ~~الأقوات لجميع الحيوان والملابس من القطن والكتان وغير ذلك من عجيب الشأن , ~~معبرا بما يصلح لبقية الكواكب فقال : { والنجم } أي وجميع الكواكب السماوية ~~وكل نبت ارتفع من الأرض ولا ساق له من النبات الأرضية التي هي أصل قوام ~~الإنسان وسائر الحيوان { والشجر } وكل ما له ساق ويتفكه به أو يقتات { ~~يسجدان * } أي يخضعان وينقادان لما يراد منهما ويذلان للانتفاع بهما انقياد ~~الساجد من العقلاء لما أمر به بجريهما لما سخرا له وطاعتهما لما قدرا فيه ~~غير إباء على تجدد الأوقات من نمو في النبات ووقوف واخضرار ويبس وإثمار ~~وعطل , لا يقدر النجم أن يعلو إلى رتبة الشجرة ولا الشجرة أن يسفل إلى وهدة ~~النجم إلىغير ذلك مما صرفنا فيه من سجود الظلال ودوران الجبال والمثال مما ~~يدل على وحدانية الصانع وفعله بالاختيار , ونفي الطبائع , ومن تسيير في ~~الكواكب وتدبير في المنافع في الحر والبرد اللذين جعل سبحانه بهما الاعتدال ~~في النبات من الفواكهة والأقوات , وغير ذلك من وجود الانتفاعات . | ولما ~~كان تغير ما تقدم من الشمس والقمر والنجم والشجر يدل دلالة واضحة على أنه ~~سبحانه هو المؤثر فيه , وكانت السماء والأرض ثابتتين على حالة واحدة , فكان ~~ربما أشكل أمرهما كما ضل فيهما خلق من أهل الوحدة أهل الجمود والاغترار ~~والوقوف مع الشاهد وغيرهم , وكان إذا ثبت أنه تعالى المؤثر ms5085 فيهما , فلذلك ~~قال مسندا التأثير فيهما إليه بعد أن أعرى ما قبلهما من مثله لما إغنى عنه ~~من الدلالة بالتغير والسير والتنقل عطفا بالأرض ففتقها منها وأعلاها عنها ~~بما يشهد لذلك من العقل عند كل من له تأمل في أن كل جسم ثقيل ما رفعه عما ~~تحته إلا رافع , ولا رافع لهذه إلا الله فإنه لا يقدر على التأثير غيره , ~~ولعظمها قدمها على الفعل تنبيها على التفكر فيما فيها من جلالة الصنائع ~~وأنواع البدائع , ومعنى بأنه جعلها منشأ أحكامه ومصدر قضاياه ومتنزل أوامره ~~ونواهيه ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على أنبيائه . | ولما كانت ~~السماء مع علوها الدال على عزة موجدها ومدبرها دالة على عدله باعتدال جميع ~~أحوالها من الحر والبرد والمطر والثلج والندى والطل وغير ذلك في أن كل فصل ~~منها معادل لضده وأنها لا ينزلها سبحانه إلا بقدر معلوم , وإلا لفسدت الأرض ~~كلها , ودلنا على أنه شرع لنا مثل ذلك العدل لتقوم أحوالنا وتصلح أقوالنا ~~وأفعالنا بما PageV07P375 قامت به السماوات والأرض فقال : { ووضع الميزان * ~~} أي العدل الذي بدر به الخافقين من الموازنة وهي المعادلة لتنتظم أمورنا . ~~| ولما ذكر أولا القرآن الذي هو ميزان المعلومات , ودل على رحمانيته بأنواع ~~من البيان , الذي رقي به الإنسان فصار أهلا للفهم , وذكره نعمة الميزان ~~للمحسوسات , أقبل بالخطاب عليه لافتا له عن أسلوب الغيبة تنشيطا له إلى ~~ارتقاء مراتب الكمال بحسن الامتثال معللا فقال : { أن } أي لأن { لا تطغوا ~~} أي لا تتجاوزا الحدود { في الميزان * } أي الأشياء الموزونة من الموزونات ~~المعروفة والعلم والعمل المقدر أحدهما بالآخر , وفي مساواة الظاهر والباطن ~~والقول والفعل , فالميزان الثاني عام لميزان المعلومات وميزان المحسوسات . ~~| ولما كان التقدير : فاقتدوا بأفعالي وتخلقوا بكل ما آمر به من أقوالي , ~~عطف عليه قوله : { وأقيموا الوزن * } أي جميع الأفعال التي يقاس لها ~~الأشياء { بالقسط } . | ولما كان المراد العدل العظيم , بينه بالتأكيد بعد ~~الأمر بالنهي عن الضد فقال : { ولا تخسروا الميزان * } أي توقعوا في شيء من ~~آلة العدل التي يقدر بها الأشياء من الذرع والوزن ms5086 والعدل والكيل ونحو - ~~نوعا من أنواع الخسر - بما دل عليه تجريد الفعل فتخسروا ميزان أعمالكم ~~وجزائكم يوم القيامة , وقد علم بتكرير الميزان ما أريد من التأكيد في الأمر ~~به لما له من الضخامة سواء كان بمعنى واحد أو بمعان مختلفة . | ولما ذكر ~~إنعامه الدال على اقتداره برفع السماء , ذكر على ذلك الوجه مقابلها بعد أن ~~وسط بينهما ما قامتا به من العدل تنبيها على شدة العناية والاهتمام به فقال ~~: { والأرض } أي ووضع الأرض : ثم فسر ناصبها ليكون كالمذكور مرتين إشارة ~~إلى عظيم تدبيره لشدة ما فيه من الحكم فقال : { وضعها } أي دحاها وبسطها ~~على الماء { للأنام * } أي كل من فيه قابلية النوم أو قابلية الونيم وهو ~~الصوت بعد أن وضع لهم الميزان الذي لا تقوم الأرض إلا به . | < < # | الرحمن : ( 11 - 19 ) فيها فاكهة والنخل . . . . . # > > ^ ( فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام * والحب ذو العصف والريحان * فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان * خلق الإنسان من صلصال كالفخار * وخلق الجآن من مارج من ~~نار * فبأي آلاء ربكما تكذبان * رب المشرقين ورب المغربين * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان * مرج البحرين يلتقيان ) ^ } ) | ولما كان في سياق بيان ~~الرحمة بمزيد الإنعام , وكان إقامة البينة أعظم نعمة , وكانت الفواكه ألذ ~~ما يكون , وكانت برقتها وشدة لطافتها منافية للأرض في يبسها PageV07P376 ~~وكثافتها , فكان كونها فيها عجبا دالا على عظيم قدرته , وكان ذكرها يدل على ~~ما تقدمها من النعم من جميع الأقوات , بدأ بها ليصير ما يتقدمها كالمذكور ~~مرتين , فقال مستأنفا وصفها بما هو أعم : { فيها فاكهة } أي ضروب منها ~~عظيمة جدا يدرك الإنسان بما له من البيان تباينها في الصور والألوان , ~~والطعوم والمنافع - وغير ذلك من بديع الشأن . | ولما كان المراد بتنكيرها ~~تعظيمها , نبه عليه بترعيف بنوع منها , ونوه به لأن فيه مع التفكه التقوت , ~~وهو أكثر ثمار العرب المقصودين بهذا الذكر بالقصد الأول فقال : { والنخل } ~~ودل على تمام القدرة بقوله : { ذات } أي صاحبة { الأكمام * } أي أوعية ~~ثمرها , وهو الطلع قبل أن ينفتق بالثمر , وكل نبت يخرج ما هو مكمم فهو ذو ms5087 ~~كمام , ولكنه مشهور في النخل لشرفه وشهرته عندهم , قال البغوي : وكل ماستر ~~شيئا فهو كم وكمة , ومنه كم القميص , وفيه تذكير بثمر الجنة الذي ينفتق عن ~~نباهم , وذكر أصل النخل دون ثمره للتنبيه عن كثرة منافعه من الليف والسعف ~~والجريد والجذوع وغيرها من المنافع التي الثمر منها . | ولما ذكر ما يتقات ~~من الفواكه وهو في غاية الطول , أتبعه الأصل في الاقتيات للناس والبهائم ~~وهو بمكان من القصر , فقال ذاكرا ثمرته لأنها المقصودة بالذات : { والحب } ~~أي من الحنطة وغيرها , ونبه على تمام القدرة بعد تنبيه بتمايز هذه ~~المذكورات مع أن أصل الكل الماء بقوله : { ذو العصف } أي الورق والبقل الذي ~~إذا زال عنه ثقل الحب كان ما تعصفه الرياح التي تطيره , وهو التبن الذي هو ~~من قوت البهائم . | ولما كان الريحان يطلق على كل نبت طيب الرائحة خصوصا , ~~وعلى كل نبت عموما , أتبعه به ليعم ويخص جميع ما ذكر من سائر النبات وغيره ~~على وجه مذكر بنعمه بغذاء الأرواح بعد ما ذكر غذاء الأشباح فقال : { ~~والريحان * } ولما كان من كفر به سبحانه بإنكاره أو غنكار شيء من صفاته , ~~أو كذب بأحد من رسله قد أنكر نعمه أو نعمة منها فلزمه بانكاره لتلك النعمة ~~إنكار جميع النعم , لأن الرسل داعية إلى الله بالتذكير بنعمه , وكان ما مضى ~~من هذه السورة إلى هنا اثنتي عشرة آية على عدد الكوفي والشامي , عدد فيها ~~أصول نعمه سبحانه على وجه دل بغاية البيان على أن له كل كمال , وكان هذا ~~العدد أول عدد زائد إشارة إلى تزايد النعم لأن كسوره النصف والثلث الربع ~~والسدس تزيد على أصله , وكان قد مضى ذكر الثقلين الجن والإنس في قوله { ~~الأنام } قال تعالى إشارة إلى أنهم المقصودون بالوعظ , منكرا موبخا مبكتا ~~لمن أنكر شيئا من نعمه أو قال قولا أو فعل فعلا يلزم منه إنكار شيء منها ~~مسببا عما مضى من تعداد هذه PageV07P377 النعم المتزايدة التي لا يسوغ ~~إنكارها ولا إنكار شيئ منها فيجب شكرها : { فبأي آلاء } أي نعم عطايا ms5088 { ~~ربكما } أي المحسن إليكما بما أسدى من المزايا التي أسداها إليكم على وجه ~~الكبرياء والعظمة وهي دائمة لا تنقطع من غير حاجة إلى مكافأة أحد ولا غيرها ~~- أيها الثقلان - المدبر لكما الذي لا مدبر ولا سيد لكما غيره , من آياته ~~وصنائعه وحكمه وحكمته وعزته في خلقه واستسلام الكل له وخضوعهما إليه , فإن ~~كل هذه النعم الكبار آيات دالة عليه وصنائع محكمة وأحكام وحكم ظهرت بها ~~عزته وبانت بها قدرته { تكذبان * } فمخاطبته بهذا الثقلين دليل على أن هذه ~~الأشياء تعم على الجن كما أنها تعم على الإنس , وأن لهم من ذلك ما لهم , ~~وذكره لهذه الآية بعد ذكر هذا العدد من الآيات إشارة إلى أن زيادة النعم ~~إلى حد لا يحصى بحيث أن استيفاء عددها لا تحيط به عقول المكلفين لئلا يظنوا ~~أنه لا نعمة غير ما ذكر في هذه السورة , والتعبير عنها بلفظ الآلاء من أجل ~~أنها النعم المخصوصة بالملوك لما لها من اللمعان والصف المميز لها من غيرها ~~ولما لرؤيتها من الخير والدعاء , وهي وإن كانت من الوا فيمكن أخذها من ~~اللؤواء إلى أن الأصل الهمزة واللام , فإذا انضم إليهما لام أخرى أو ألف ~~ازداد المعنى الذي كان ظهورا لأن الألف غيب الهمزة وباطنها , واللام هي عين ~~ما كان فلم يحصل خروج عن ذلك المعنى , فإذا نظرت إلى الآل كان المعنى أن ~~تلك النعم الكبار الملوكية تظهر للعباد معرفته سبحانه وأنه يؤل إليه كل شيء ~~أولا من غير نزاع كما أنه كان بكل شيء , وتكل عن نظرها الأبصار النوابذ كما ~~تكل عن رؤية الأشخاص التي يرفعها الآل لأنها تدل عليه سبحانه . . . | نعم ~~عظيمة وإن كانت نقما لأنه لا نعمة تدل مثل ما دل عليه سبحانه , وكرر هذه ~~الآية في هذه السورة من هنا بعد كل آية إلى آخرها لما تقدم في القمر من أن ~~المنكر إذا تكرر إنكاره جدا بحيث أحرق الأكباد في المجاهرة بالعناد حسن سرد ~~ما أنكره عليه , ولكما ذكر بفرد منه قيل له : لم تنكره ؟ سواءأقر ms5089 به حال ~~التقرير أو استمر على العناد , فالتكرار حينئذ يفيد التعريف بأن إنكاره ~~تجاوز الحد , ولتغاير النعم وتعددها واختلافها حسن تكرير التوقيف عليها ~~واحدة واحدة تنبيها على جلالتها , فإن كانت نعمة فالأمر فيها واضح , وإن ~~كانت نمقة فالنعم دفعها أو تأخير الإيقاع بها , ولما تقدم من أن كل تذكير ~~بما أفاده الله تعالى من النعم بالحواس الخمس مضوربة في الجهات الست على ~~أنك إذا اعتبرت نفس الآية وجدتها مشيرة إلى ذلك , فإن كل كلمة منها - إلا ~~الأخيرة في رسم من أثبت ألفها من كتبة المصاحف - خمسة أحرف أن اعتبرت هجاء ~~الأولين والثالثة خمسة في الرسم ستة في الهجاء والنطق , فهي للحواس وللجهات ~~لأن الكل من الرب , والكلمة الأخيرة ستة أحرف إن اعتبرت رسمها في المصاحف ~~التي PageV07P378 أسقطت ألفها , فإن في إثباتها وحذفها اختلافا بين أئمة ~~المصاحف , وهي إشارة إلى الجهات التي يملك الإنسان التصرف فيها , أما ~~الحواس فلا اختيار له فيها , وإن اعتبرت هجاءها بحسب النطق كانت سبعة أحرف ~~إشارة إلى أن النعم أكثر من أن تحصى لما تقدم من أسرار عدد السبعة وإلى أن ~~تكذيب المكلفين متكاثر جدا , فلذلك كان في غاية المناسبة أن تبسط هذه النعم ~~على عدد ضرب الحواس الخمس في الجهات الست , وذلك في الحقيقة فائدة , فإنه ~~من المألوف المعروف والجميل الموصوف أن التكرير عند التكذيب إلى ثمان ذكرت ~~أولا عقب النعم , فكانت على عدد السبع الذي هو أول عدد تام لأنه جمع الفرد ~~والزوج وزوج الفرد وزوج الزوج , وزاد بواحد إشارة إلى أنه كلما انقضى دور ~~من عدد تام جدير لنعم أخرى فهي لا تتناهى لأن موليها له القدرة الشاملة ~~والعلم التام ورحمته سبقت غضبه , وفي كونها ثمانية إشارة إلى أنها سبب إلى ~~الجنة ذات الألواب الثمانية إن شكرت , وفي تعقيبها بسبع نارية إشارة إلى ~~أنها سببتها للنار أقرب لكونها حفت بالشهوات , وفي ذلك إشارة إلى أن من ~~اتقى ما توعد عليه بشكر هذه النعم وقي أبواب النار السبعة , ثم عقبها ~~بثمانية ذكر فيها جنة ms5090 المقربين إشارة إلى أن من عمل لما وعده كما أمره به ~~الله نال أبواب الجنة الثمانية , وثمانية أخرى عقب الجنة أصحاب اليمين ~~إشارة إلى مثل ذلك والله أعلم , وكان ترتيبها في غاية الحسن , ذكرت النعم ~~أولا استعطافا وترغيبا في الشكر ثم الأهوال ترهيبا ودرأ للمفسدة بالعصيان ~~والكفر ثم النعم الباقية لجلب المصالح , وبدأ بأشرفها فذكر الجنة العليا ~~لأن القلب إثر التخويف يكون أنشط والهمم تكون أعلى والعزم يكون أشد , ~~فحينئذ هذه الآية الأولى من الإحدى والثلاثين مشيرة إلى أن نعمة البصر من ~~جهة الأمام , فكأنه قيل : أبنعمة البصر مما يواجهكم أو غيرها تكذبان . | ~~ولما كان قد تقدم في إشارة الخطاب الامتنان بخلق الإنسان , ثم ذكر أصول ~~النعم عليه على وجه بديع الشأن , إلى أن ذكر غذاء روحه : الريحان , أبتع ~~ذلك تفصيلا لما أجمل فقال : { خلق الإنسان } أي أصل هذا النوع الذي هو من ~~جملة الأنام الذي خلقنا الريحان لهم والغالب عليه الأنس بنفسه وبما ألفه . ~~| ولما كان أغلب عناصره التراب وإن كان من العناصر الأربعة , عبر عن إشارة ~~به إلى مطابقة اسمه - بما فيه مما يقتضي الأنس الذي حاصله الثبات على حالة ~~واحدة - لمسماه الذي أغلبه التراب لنقله وثباته ما لم يحركه محرك , وعبر عن ~~ذلك بما هو في PageV07P379 غاية البعد عن قابلية البيان فقال : { من صلصال ~~} أي يابس له صوت إذا نقر عليه { كالفخار * } أي كالخزف المصنوع المشوي ~~بالنار لانه أخذه من التراب ثم خلطه بالماء حتى صار طينا ثم تركه حتى صار ~~حماء مسنونا مبينا , ثم صوره كما يصور الإبريق وغيره من الأواني ثم أيبسه ~~حتى صار في غاية الصلابة فصار كالخزف الذي إذا نقر عليه صوت صوتا يعلم منه ~~هل فيه عيب أم لا , كما أن الآدمي بكلامه يعرف حاله وغاية أمره ومآله , ~~فالمذكور هنا غاية تخليقه وهو أنسب بالرحمانية , وفي غيرها تارة مبدؤه ~~وتارة إنشاؤه , فالأرض أمه والماء أبوه ممزوجين بالهواء الحامل للجزء الذي ~~هو من فيح جهنم , فمن التراب جسده ونفسه , ومن الماء روحه وعقله ms5091 , ومن ~~النار غوايته وحدته , ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ومذامه . | ولما ~~كان الجان الذي شمله أيضا اسم الأنام مخلوقا من العناصر الأربعة , وأغلبها ~~في جبلته النار , قال تعالى : { وخلق الجان } أي هذا النوع المستتر عن ~~العيون بخلق أبيهم , وهو اسم جمع للجن . | ولما كان الجن يطلق على الملائكة ~~لاستتارهم , بين أنهم لم يرادوا به هنا فقال : { من مارج } أي شيء صاف خالص ~~مضطرب شديد الاضطراب جدا والاختلاط , قال البغوي : وهو الصافي من لهب النار ~~الذي لا دخان فيه , وقال القشيري , هو اللهب المختلف بسواد النار - انتهى . ~~| ومرجت نارهم - أي اختلطت - ببرد الزمهرير . | ولما كان المارج عاما في ~~النار وغيرها , بينه بقوله : { من نار * } هي أغلب من عناصر , فتعين المراد ~~بذكر النار لأن الملائكة عليهم السلام من نور لا من نار , وليس عندهم مروج ~~ولا اضطراب , بل هم في غاية الثبات على الطاعة فيما أمروا به , وقد عرف ~~بهذا كل مضطرب قدره لئلا يتعدى طوره . | ولما كان خلق هذين القبيلين على ~~هذين الوجهين اللذين هما في غاية التنافي مستورا أحدهما عن الآخر مع منع كل ~~من التسلط على الآخر إلا نادرا , إظهارا لعظيم قدرته وباهر حكمته من أعظم ~~النعم , قال مسببا عنه : { فبأي آلاء ربكما } أي النعم الملوكية الناشئة عن ~~مبدعكما ومربيكما وسيدكما { تكذبان * } أي بنعمة البصر من جهة الوراء ~~وغيرها من خلقكم على هذا النمط الغريب , وإيداعكم ما أودعكم من القوى , ~~وجعلكم خلاصة مخلوقاته , ومن منع أحد قبيليكم عن الآخر , وتيسيره لكم ~~الأرزاق والمنافع , وحملكم على الحنيفية السمحة , وقدرته على إعادتكم كما ~~قدر على ابتدائكم . | ولما ذكر سبحانه هذين الجنسين اللذين أحدهما ظاهر ~~والآخر مستتر , إرشادا إلى التأمل فيما فيهما من الدلالة على كمال قدرته , ~~فكانا محتاجين إلى ما هما فيه من PageV07P380 المحل , وكان صلاحه مما دبر ~~سبحانه فيه من منازل الشروق الذي هو سبب الأنوار والظهور , والغروب الذي هو ~~منشأ الظلمة والخفاء , أتبعه قوله منبها على النظر في بديع صنعه الدال على ~~توحيده : { رب } أي هو خالق ومدير ms5092 { المشرقين } ومدبرهما على كيفية لا يقدر ~~على شيء منها غيره { ورب المغربين * } كذلك , وهذه المشارق والمغارب هي ما ~~للشتاء من البروج , السافلة الجنوبية التي هي سبب الأمطار والثلوج , التي ~~هي سبب الحياة والظهور , حال كون الشمس منحدرة في آفاق السماء , وما للصيف ~~من البروج العالية في جهة الشمال التي هي سبب التهشم والأفول والشمس مصعدة ~~في جو السماء , وما بينهما من الربيع الذي هو للنمو , والخريف الذي هو ~~للذبول , فهي آية الإيجاد والإعدام , فأول المشارق الصيف وقت استواء الليل ~~والنهار عند حلول الشمس بأول البروج الشمالية صاعدة وهو الكبش , يعتدل ~~الزمان حينئذ بقطعها الجنوبية واستقبالها الشمالية , ثم آخر مشارقه إذا ~~كانت الشمس في آخر الشمالية وأول الجنوبية عند حلولها برأس الميزان يعتدل ~~الزمان ثانيا لاستقبالها البروج الجنوبية , ثم بحلولها بآخر القوس ورأس ~~الجدي يكون الانتهاء في قصر الأيام وطول الليالي لتوسطها البروج الجنوبية , ~~ثم بحلولها كذلك عند خروجها من برج التوأمين إلى السرطان من بروج الشمال , ~~وهي آخر درجات الشمس , يكون طول الأيام وقصر الليالي , فيختلف على هذين ~~الفصلين الحر والبرد , وكون الشمس في أول برج الحمل هو مبثابة طلوعها من ~~المشرق في أول كل نهار , وكونها في الاعتدار الثاني عند استقبالها البروج ~~الجنوبية إذا حلت برأس الميزان هو بمثابة غروبها , ثم بكونها في الانتهائين ~~في طول الأيام حين حلولها برج السرطان هو بمنزلة استوائها في الصيف في كبد ~~السماء كما أن حلولها برأس الجدي عند الانتهاء في الشتاء في قصر الأيام ~~وطول الليالي هو بمثابة استوائها فيما يقابل استواءها في الشتاء في كبد ~~السماء في النهار - ذكر ذلك ابن برجان وقال بعد ذلك : سخر سبحانه لعباده ~~جهنم - بواسطة الشمس - وهي أعدى عدو لهم , فأخرج لهما بواسطتها الزرع ~~الزيتون والرمان والنخيل والأعناب والجنان المعروشات وغير المعروشات ومن كل ~~الثمرات . | ولما كان في هذا من النعم ما لا يحصى , قال مسببا : { فبأي ~~آلاء ربكما } الذي دبر لكم هذا التدبير العظيم { تكذبان * } أي بنعمة ~~البصرة من جهة اليمين أو غيرها من تسخير ms5093 الشمس والقمر دائبين دائرين لإدارة ~~الزمان وتجديد الأيام , وعدد الشهور والأعوام , واعتدال الهواء واختلاف ~~الأحوال على الوجه الملائم لمصالح الدنيا ومعايشها على منهاج محفوظ وقانون ~~لا يزيغ . | PageV07P381 ولما كانت باحة البحر لجري المراكب كساحة السماء ~~لسير الكواكب مع ما اقتضى ذكره من تضمن ذكر المشارق والمغارب للشتاء الحاصل ~~فيه من الأمطار ما لو جرى على القياس لأفاض البحار , فأغرقت البراري ~~والقفار , وعلت على الأمصار وجميع الأقطار , فقال : { مرج } أي أرسل الرحمن ~~{ البحرين } أي الملح والعذب فجعلهما مضطربين , من طبعهما الاضطراب , حال ~~كونهما { يلتقيان * } أي يتماسان على ظهر الأرض بلا فصل بينهما في رؤية ~~العين وفي باطنها , فجعل الحلو آية دالة على مياه الجنة , والملح آية دالة ~~على بعض شراب أهل النار لا يروي شاربه ولا يغنيه , بل يحرق بطنه ويعييه , ~~أو بحري فارس والروم هما ملتقيان في البحر المحيط لكونهما خليجين منه . | < ~~< # | الرحمن : ( 20 - 26 ) بينهما برزخ لا . . . . . # > > ^ ( بينهما برزخ لا يبغيان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * يخرج منهما ~~اللؤلؤ والمرجان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * وله الجوار المنشئات في البحر ~~كالأعلام * فبأي آلاء ربكما تكذبان * كل من عليها فان ) ^ } ) | ولما كان ~~التقاء المايعين ولا سيما مع الاضطراب الدائم الاختلاط فيحيل ما لأحدهما أو ~~لكل منهما من الصفات إلى الصفات الأخرى , فتشوفت النفس إلى المانع من مثل ~~ذلك في البحرين , قال مستأنفا : { بينهما برزخ } أي جاجز عظيم من القدرة ~~المجردة على الأول وتسيب الأرض على الثاني يمنعهما مع الالتقاء من الاختلاط ~~, وقال ابن برجان : البرزخ ما ليس هو بصريح هذا ولا بصريح هذا , فكذلك ~~السهل والجبل بينهما برزخ يسمى الخيف , كذلك الليل والنهار بينهما برزخ ~~يسمى غبشا , كذلك بين الدنيا والآخرة برزخ ليس من هذا ولا من هذا ولا هو ~~خارج عنهما , وكذلك الربيعان هما برزخان بين الشتاء والصيف بمنزلة غبش أول ~~النهار وغبش آخره , جعل بين كل صنفين من الموجودات برزخا ليس من هذا ولا من ~~هذا وهو منهما كالجماد والنبات والحيوان . | ولما كانت نتيجة ذلك كذلك قال ~~: { لا يبغيان * } أي ms5094 لا يطغيان في هلاك الناس كما طغيا فأهلكا من على ~~الأرض أيام عليه الصلاة والسلام , ولا يبغي واحد منهما على الآخر بالممارجة ~~, ولا يتجاوزان ما حده لهما خالقهما ومدبرهما لا في الظاهر ولا في الباطن , ~~فمتى حفرت على جنب المالح وجدت الماء العذب , وإن قربت الحفرة منه بل كلما ~~قربت كان أحلى , فخلطهما الله سبحانه في رأى العين وحجز بينهما في رأى عين ~~القدرة , هذا وهما جمادان لا نطق لهما ولا إدراك , فكيف يبغي بعضكم على بعض ~~أيها المدركون العقلاء . | PageV07P382 ولما كان هذا أمرا باهرا دالا دلالة ~~ظاهرة على تمام قدرته لا سيما على الآخرة , قال مسببا عنه : { فبأي آلاء ~~ربكما } أي الموجد لكما والمربي { تكذبان * } أي بنعمة الإبصار من جهة ~~اليسار أيو غيره , فهلا اعتبرتم بهذه الأصول من أنواع الموجودات فصدقتم ~~بالآخرة لعلمكم بهذه البرازخ أن موتتكم هذه برزخ وفصل بين الدنيا والآخرة ~~كالعشاء بين الليل والنهار , ولو استقر أتم ذلك في آيات السماوات والأرض ~~وجدتموه شائعا في جميع الأكوان . | ولما ذكر المنة بالبحر ذكر النعمة بما ~~ينبت فيه كما فعل بالبر , فقال معبرا بالمبني للمفعول لأن كلا من وجوده فيه ~~والتسليط على إخراجه منه خارق من غير نظر إلى مخرج معين , والنعمة نفس ~~الخروج , ولذلك قرأ غير نافع والبصريين بالبناء للفاعل من الخروج : { يخرج ~~منهما } أي بمخالطة العذب الملح من غير واسطة أو بواسطة السحاب , فصار ذلك ~~كالذكر والأنثى , قال الرازي : فيكون العذب العذب كاللقح للملح , وقال أبو ~~حيان : قال الجمهور : إنما يخرج من الإجاج في المواضع التي يقع فيها ~~الأنهار والمياه العذبة فناسب إسناد ذلك إليهما , وهذا مشهور عند الغواصين ~~, وقال ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة مولاه رضي الله عنه : تكون هذه ~~الأشياء في البحر بنزول المطر لأن الصدف وغيرها تفتح أفواهها للمطر - انتهى ~~. | فتكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر البحر كالجسد الغاذي , والدليل ~~على أنه من ماء المطر كما قال الأستاذ حمزة الكرماني : إن من المشهور أن ~~السنة إذا أجدبت هزلت الحيتان , وقلت الأصداف ms5095 والجواهر - انتهى . | ثم لا ~~شك في أنهما وإن كانا بحرين فقد جمعها وصف واحد بكونهما ماء , فيسوغ إسناد ~~الخروج إليهما كما يسند خروج الإنسان إلى جميع البلد , وإنما خرج من دار ~~منها كما نسب الرسل إلى الجن والإنس بجمعهما في خطاب واحد فقال : < # > 77 ( { رسل منكم } ) 77 < # > [ الأنعام : 130 ] وكذا < # > 77 ( { وجعل القمر فيهن نورا } ) 77 < # > [ نوح : 16 ] ومثله كثير { اللؤلؤ } وهو الدر الذي هو في غاية البياض ~~والإشراق والصفاء { والمرجان * } أي القضبان الحمر التي هي في غاية الحمرةن ~~فسبحان من غاير بينهما في اللون والمنافع والكون - نقل هذا القول ابن عطية ~~عن ابن مسعود رضي الله عنه , وقال : وهذا هو المشهور الاستعمال - انتهى , ~~وقال جمع كثير : إن اللؤلؤ كبار الدر والمرجان صغاره . | ولما كان ذلك من ~~جليل النعم , سبب عنه قوله : { فبأي آلاء ربكما } أي المالك لكما الذي هو ~~الملك الأعظم { تكذبان * } مع هذه الصنائع العظمى , أبنعمة البصر من جهة ~~الفوق أو غير ذلك من خلق المنافع في البحار وتسليطكم عليها وإخراج الحلي ~~الغريبة وغيرها . | PageV07P383 ولما كان قد ذكر الخارج منه بماء السماء , ~~ذكر السائر عليه بالهواء , وأشار بتقديم الجار إلى أن السائر في الفلك لا ~~تصريف له , وإن ظهر له تصريف فهو لضعفه كلا تصريف , فقال : { وله } أي لا ~~لغيره , فلا تغتروا بالأسباب الظاهرة فتقوا معها فتسندوا شيئا من ذلك إليها ~~كما وقف أهل الاغترار بالشاهد , الذين أجمد أهل الأرض أذهانا وأحقرهم شأنا ~~فقالوا بالاتحاد والوحدة { الجوار } أي السفن الكبار والصغار الفارغة ~~والمشحونة . | ولما كانت حياة كل شيء كونه على صفة كماله , وكانت السفن ~~تبنى من خشب مجمع وتوصل حتى تصير على هيئة تقبل المنافع الجمة , وكانت تربى ~~بذلك الجمع كما تربى النبات والحيوان , وكانت ترتفع على البحر ويرفع شراعها ~~وتحدث في البحر بعد أن كانت مستترة بجبال الأمواج قال تعالى : { المنشآت } ~~من نشأ - إذا وربا , والسحابة : ارتفعت , وأصل الناشئ كل ما حدث بالليل ~~وبدأ , ومعنى قراءة حمزة وأبي بكر بكسر الشين أنها رافعة شراعها بسبب ~~استمساكها عن ms5096 الرسوب ومنشئة للسير , ومعنى قراءة الباقين أنه أنشأها الصانع ~~وأرسلها ورفع شراعها . | ولما كانت مع كونها عالية على الماء منغمسة فيه مع ~~أنه ليس لها من نفسها إلا الرسوب والغوص قال : { كالأعلام * } أي كالجبال ~~الطوال . | ولما كان ما فيها من المنافع بالتكسب من البحر بالصيد وغيره ~~والتوصل إلى البلاد الشاسعة للفوائد الهائلة , وكانت أعمالهم في البحر ~~الإخلاص الذي يلزم منها الإخلاص في البر , لأنهما بالنسبة إلى إبداعه لهما ~~وقدرته على التصرف فيهما بكل ما يريده على حد سواء , سبب عن ذلك قوله : { ~~فبأي آلاء ربكما } أي النعمة العظمى { تكذبان * } أبنعمة البصر من تحتكم أو ~~غيرها من الأسفار , في محل الأخطار , والإنجاء عند الاضطراب والريح في محل ~~الخسار , والإرشاد إلى ذلك بعد خلق مواد السفن وتعليم صنعتها وتسخيها ~~والفلك لعدصي لوهما ( ؟ ) بمثابة جميع الكون , فخدامها كالملائكة في إقامة ~~الملكوت وتحسين تماسكه بإذن ربهم , والمسافرون بها الذين أنشئت لأجلهم وزان ~~المأمورين المكلفين المتهيئين الذين من أجلهم خلقت السماوات والأرض وما ~~بينهما فعبر بهم من غربتهم إلى قرارهم , ومن غيبتهم إلى حضورهم ومشاهدهم , ~~ومدبرها أمرها في أعلاها يأمرهم بأمره فيعدونه ويسمعون له , ثم قد يصرف ~~الاعتبار إلى أن تكون آية على قطع المؤمن أيام الدنيا فالدنيا هي البحر , ~~والسفينة جسمه , وباطن العبد هو المحمول فيها , العقل صاحب سياستها , ~~والقوى خدمتها , وأمر الله وتدبيره محيط بها , والإيمان أمنتها , والتوفيق ~~ريحها , والذكر شراعها , والرسول سائقها بما جاء به من عند ربه , والعمل ~~الطيب يصلح شأنها - ذكر ذلك ابن برجان PageV07P384 ولما أخبر تعالى أنه خلق ~~السماوات والأرض وما بث فيهما من المنافع من الأعيان والمعاني , واستوفى ~~الأرض بقسميها برا وبحرا , مضمنا ذلك العناصر الأربعة التي أسس عليها ~~المركبات , وكان أعجب ما للمخلوق من الصنائع ما في البحر , وكان راكبه في ~~حكم العدم , دل على أنه المتفرد بجميع ذلك بهلاك الخلق , فقال مستأنفا ~~معبرا بالاسمية الدالة على الثبات وب { من } للدلالة على التصريح تهويلا ~~بفتاء العاقل على فناء غير العاقل بطريق الأولى : { كل من عليها } أي الأرض ms5097 ~~بقسميها والسماء أيضا { فان * } أي هالك ومعدوم بالفعل بعد أن كان هو وغيره ~~من سائر ما سوى إليه , وليس لذل ككله من ذاته إلا العدم , فهو فان بهذا ~~الاعتبار , وإن كان موجودا فوجوده بين عدمين أولهما أنه لم يكن , وثانيهما ~~أنه يزول ثم هو فيما بين ذلك يتعاوره الإيجاد والإفناء في حين من أحواله ~~وأعراضه وقواه , وأسباب الهلاك محيطة به حسا ومعنى وهو لا يراها كما أنها ~~محيطة بمن هو في السفينة من فوقه ومن تحته ومن جميع جهاته . | < < # | الرحمن : ( 27 - 34 ) ويبقى وجه ربك . . . . . # > > ^ ( ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام * فبأي آلاء ربكما تكذبان * ~~يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن * فبأي آلاء ربكما تكذبان * ~~سنفرغ لكم أيها الثقلان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * يمعشر الجن والإنس إن ~~استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ^ } ) | ولما كان الوجه أشرف ما في الوجود , ~~وكان بعر به عما أريد به صاحب الوجه مع أنه لا يتصور بقاء الوجه صاحبه , ~~فكان التعبير به عن حقيقة ذلك الشيء أعظم وأدل على الكمال , وكان من المقرر ~~عند أهل الشرع أنه سبحانه ليس كمثله شيء فلا يتوهم أحد منهم من التعبير به ~~نقصا قال : { ويبقى } أي بعد فناء الكل , بقاء مستمرا إلى ما لا نهاية له { ~~وجه ربك } أي المربي لك بالرسالة والترقية بهذا الوحي إلى ما لا يحد من ~~المعارف , وكل عمل أريد به وجهه سبحانه وتعالى خالصا . | ولما ذكر مباينته ~~للمخلوقات , وصفه بالإحاطة الكاملة بالنزاهة والحمد , وقال واصفا الوجه لأن ~~المراد به الذات الذي هو أشرفها معبرا به ولأنها أبلغ من ( صاحب ) وبما ~~ينبه على التنزيه عما ربما توهمه من ذكر الوجه بليد جامد مع المحسوسات يقيس ~~الغائب - الي لا يتعريه حاجة ولا يلم بجنابه الأقدس نقص - بالشاهد الذي كله ~~نقص وحاجة { ذو الجلال } أي العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي تقتضي ~~إجلاله عن كل ما لا يليق به { والإكرام ms5098 * } أي الإحسان العام وهو صفة فعله ~~. | ولما كان الموت نفسه فيه نعم لا تنكر , وكان موت ناس نعمة على ناس , مع ~~ما PageV07P385 ختم به الآية من وصفه بالإنعام قال : { فبأي آلاء ربكما } ~~أي المربي لكما على هذا الوجه الذي مآله إلى العدم إلى أجل مسمى { تكذبان * ~~} أي أيها الثقلان الإنس والجان , أبنعمة السمع من جهة الأمام أو غيرها من ~~إيجاد الخلق ثم إعدامهم وتخليف بعضهم في أثر بعض وإيراث البعض ما في يد ~~البعض - ونحو ذلك من أمور لا يدركها على جهتها إلا الله تعالى . | ولما كان ~~أدل دليل على العدم الحاجة , وعلى دوام الوجود الغنى , قال دليلا على ما ~~قبله : { يسئله } أي على سبيل التجدد والاستمرار { من في السموات } أي كلهم ~~{ والأرض } أي كلهم من ناطق أو صامت بلسان الحال أو القال أو بهما , ولما ~~كان كأنه قيل : فماذا يفعل عند السؤال , وكان أقل الأوقات المحدودة ~~المحسوسة { اليوم } عبر به عن أقل الزمان كما عبر به عن أخف الموزونات ~~بالذرة فقال مجيبا لذلك : { كل يوم } أي وقت من الأوقات من يوم السبت وعلى ~~اليهود علنة الله وغضبه حيث قالوا في السبت ما هو مناف لقوله سبحانه وتعالى ~~: < # > 77 ( { ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من ~~لغوب } ) 77 < # > [ ق : 38 ] < # > 77 ( { ولا يؤده حفظهما هو العلي العظيم } ) 77 < # > [ البقرة : 255 ] { هو في شأن } أي من إحداث أعيان وتجديد معان أو ~~إعدام ذلك , قال القشيري : في فنون أقسام المخلوقات وما يجريه عليها من ~~اختلفا الصفات - انتهى . # وهو شؤون يبديها لا شؤون يبتدئها تتعلق قدرته على وفق إرادته على ما تعلق ~~به العلم في الأزل أنه يكون أو يعدم في أوقاته , فكل شيء قانت له خاضع لديه ~~ساجد لعظمته شاهد لقدرته دال عليه { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } وذلك ~~التعير - مع أنه من أجل النعم - أدل دليل على صفات الكمال له وصفات النقص ~~للمتغيرات وأنها عدم في نفسها ولأنها نعم قال : { فبأي آلاء ربكما } أي ~~المربي ms5099 لكما بهذا التدبير العظيم لكل ما يصلحكما { تكذبان * } أبنعمة السمع ~~من جهة الخلف أو غيرها من تصريفه إياكم فيما خلقكم له هو أعلم به منكم من ~~مايشكم وجميع تقلباتكم , وقد تكررت في هذه الآية نعمة الله سبحانه وتعالى ~~لا تحصى لأنها تزيد على السبعة التي هي العدد التام الواحد هو مبدأ لدور ~~جديد من العدد إشارة إلى أنه كلما انقضى منها دور ابتدأ دور آخر , ووجه آخر ~~وهو أن الأخيرة صرح فيها ب { من في السموات والأرض } والسبع التي قبلها ~~يختص بأهل الأرض إشارة إلى أن أمهات النعم سبع كالسماوات والأرض والكواكب ~~السيارة ونحو ذلك . | ولما انقضى عد النعم العظام على وجه هو في غاية ~~الإمكان من البيان , وكان تغير PageV07P386 سائر الممكنات من النبات ~~والجماد والملائكة والسماوات والأرض وما حوتا مما عدا الثقلين على نظام ~~واحد لا تفاوت فيه , وأما الثقلان فأحوالهما لأجل تنازع العقل والشهوات لا ~~تكاد تنضبط , بل تغير حال الواحد منهم في اللحظة الواحد إلى ألوان كثيرة ~~متضادة لما فيهم من المكر وأحوال المغالبة والبغي والاستئثار باللهو بالأمر ~~والنهي , وكان أكرهم يموت بناره من غير أخذ ثأره , واقتضت الحكمة ولا بد ~~أنه لا بد لهم من يوم يجتمعون فيه يكون بينهما فيه الفصل على ميزان العدل , ~~خصهما بالذكر فقال آتيا في النهاية بالوعيد لأنه ليس للعصاة بعد الإنعام ~~والبيان إلا التهديد الشديد للرجوع غلى طاعة الملك الديان , والالتفات في ~~قراءة الجماعة بالنون إلى التكلم أشد تهديدا من قراءة حمزة والكسائي ~~بالتحتية على نسق ما مضى : { سنفرغ } أي بوعد قريب لا خلف فيه من جميع ~~الشؤون التي ذكرت { لكم } أي نعمل علم من يفرغ للشيء فلا يكون له شغل سواه ~~بفراغ جنودنا من الملائكة وغيرهم مما أمرناهم به مما سبقت به كلمتنا ومضت ~~به حكمتنا من الآجال والأرزاق وغير ذلك فينتهي كله ولا يكون لهم حينئذ عمل ~~إلا جمعكم ليقضي بينكم : { أيه الثقلان * } بالنصفة , والثقل هو ما يكون به ~~قوام صاحبه , فكأنهما سميا بذلك تمثيلا لهما بذلك إشارة ms5100 إلى المقصودان ~~بالذات من الخلائق , وقال الرازي في اللوامع : وصفا بذلك يعظم ذلك شأنهما , ~~كأن ما عداهما لا وزن له بالإضافة إليهما - انتهى . | وهذا كما قال صلى ~~الله عليه وسلم ( إني تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ) وقال جعفر ~~الصادق : سيما بذلك لأنهما مثقلان بالذنوب . | ولما كان هذا من أجل النعم ~~التي يدور عليها العباد , ويصلح بها البلاد , وتقوم بها السماوات والأرض , ~~لأن مطلق التهديد يحصل به انزجار النفس عما لها من الانتشار فيما يضر ولا ~~ينفع , فكيف بالتهديد بيوم الفصل قال : { فبأي آلاء ربكما } أي المحسن ~~إليكما بهذا الصنع المحكم { تكذبان * } أبنعمة السمع عن اليمين أو بغيرها ~~من إثابة أمل طاعته وعقوبة أمل معصيته , وسمى ابن برجان هذا الإخبار الذي ~~لا نون جمع فيه خطاب القبض يخبر فيه عن موجوداته وما هو خالقه , قال : وذلك ~~إخبار منه عن محض الوحدانية , وما قبله من { سنفرغ } ونحوه وما فيه نون ~~الجمع إخبار عن وصف ملكوته وجنوده وهو خطاب البسط . | ولما كان التهديد ~~بالفراغ ربما أوهم أنهم الآن معجوز عنهم أو عن بعض أمرهم , بين بخطاب القبض ~~المظهر لمحض الواحدانية أنهم في القبضة , لا فعل لأحد منهم PageV07P387 ~~بدليل أنهم لا يصلون إلى جميع مرادهم مما هو في مقدورهم , ولكنه ستر ذلك ~~بالأسباب التي يوجد التقيد بها إسناد الأمور إلى مباشرتها فقال بينا للمراد ~~بالثقلين : { يا معشر } أي يا جماعة فيهم الأهلية والعشرة والتصادق { الجن ~~} قدمهم لمزيد قوتهم ونفوذهم في المسام وقدرتهم على الخفاء والتشكل في ~~الصور بما ظن أنهم لا يعجزهم شيء { والإنس } أي الخواص والمستأنسين ~~والمؤانسين المبني أمرهم على الإقامة والاجتماع . ولما بان بهذه التسمية ~~المراد بالتثنية , جمع دلالة على كثرتهم فقال : { إن استطعتم } أي إن وجدت ~~لكم طاعة الكون في { أن تنفذوا } أي تسلكوا بأجسامكم وتمضوا من غير مانع ~~يمنعكم { من أقطار } أي نواحي { السموات والأرض } التي يتخللها القطر ~~لسهولة انفتاحها لشي تريدونه من هرب من الله من إيقاع الجزاء بينكم , أو ~~عصيان عليه في قبول أحكامه وجري مراداته وأقضيته ms5101 عليكم من الموت وغيره أو ~~غير ذلك { فانفذوا } وهذا يدل على أن كل واحدة منها محيطة بالأخرى لأن ~~النفوذ لا يكون حقيقة إلا مع الخرق . | ولما كان نفوذهم في حد ذاته ممكنا ~~ولكنه منعهم من ذلك بأنه لم يخلق في أحد منهم قوته ولا سيما وقد منعهم منه ~~يوم القيامة بأمور منها إحداق أهل السماوات السبع بهم صفا بعد صف وسرادق ~~النار قد أحاط بالكافرين ولا منفذ لأحد إلا على الصراط ولا يجوزه إلا كل ~~ضامر يخف , أشار إليه بقوله مستأنفا : { لا تنفذون } أي من شيء من ذلك { ~~إلا بسلطان } إلا بتسليط عظيم منه سبحانه بأمر قاهر وقدرة بالغة وأنى لكم ~~بالقدرة على ذلك , قال البغوي : وفي الخبر : يحاط على الخلق بالملائكة ~~وبلسان من نار ثم ينادون : يا معشر الجن الآية . | انتهى , وهذا حكاية ما ~~يكون من ذلك يوم القيامة له أنه خاص بهم . | ولما كان هذا نظرهم فيما بينهم ~~وبين بقية الحيوانات بما أعطاهم من القوى الحسية والمعنوية وما نصب لهم , ~~المصاعد العقلية والمعارض النقلية التي ينفذون بها إلى غاية الكائنات ~~ويتخللون بما يؤديهم إليه علمها إلى أعلى المخلوقات , ثم نظرهم فيما بين ~~الحيوانات وبين النباتات ثم بينها وبين الجمادات دالا دلالة واضحة على أنه ~~سبحانه وتعالى يعطي من يشاء من يشاء , فلو أراد قواهم على النفوذ منها , ~~ولو قواهم على ذلك لكان من أجل النعم , وأنه سبحانه قادر على ما يريد منهم ~~, فلو شاء أهلكم ولكنه يؤخرهم إلى آدالهم حلما منه وعفوا منه عنهم , سبب عن ~~ذلك قوله : { فبأي آلاء ربكما } أي المحسن إليكما المربي لكما بما تعرفون ~~به قدرته على كل ما يريد PageV07P388 { تكذبان * } أبنعمة السمع من جهة ~~اليسار أو غيرها من جعلكم سواء في أنكم لا تقدرون على مخالفة مراده سواء ~~ابتدأ بخلقكم أو اليوم المشهود وقد أشهدكم قبل على أنفسكم وعهد إليكم أو ~~بتكشيط السماوات وقد شاهدتم تكشيط السحاب بعد بسطه أو بالجزاء وقد رأيتم ~~الجزاء العاجل وشاهدتم ما أصاب الأمم الماضية . | < < # | الرحمن : ( 35 - 45 ms5102 ) يرسل عليكما شواظ . . . . . # > > ^ ( يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان * فإذا انشقت السمآء فكانت وردة كالدهان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * ~~فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن * فبأي آلاء ربكما تكذبان * يعرف ~~المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام * فبأي آلاء ربكما تكذبان * هذه ~~جهنم التي يكذب بها المجرمون * يطوفون بينها وبين حميم آن * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان ) ^ } ) | ولما سلب عنهم القدرة على النفوذ المذكور تنبيها ~~على سلب جميع القدرة عنهم وعلى أن ما يقدرون عليه إنما هو بتقديره لهم نعمة ~~منه عليهم , ولما كان منهم من بلغ الغاية في قسوة القلب وجمود الفكر فهو ~~يحيل العجز عن بعض الأمور إلى أنه لم يجر بذلك عادة , لا إلى أنه سبحانه ~~المانع من ذلك , فعمهم شيء من ذلك سطوته فقال { يرسل عليكما } أي أيها ~~المعاندون , قال ابن عباس رضي الله عنهما : حين تخرجون من القبور بسوقكم ~~إلى المحشر { شواظ } أي لهب عظيم منتشر مع التضايق محيط بكم من كل جانب له ~~صوت شديد كهيئته ذي الخلق الضيق الشديد النفس . | ولما كان الشواظ يطلق على ~~اللهب الذي لا دخان فيه وعلى دخان النار وحرها وعلى غير ذلك , بينه بقوله : ~~{ من نار ونحاس } أي دخان هو في غاية الفظاعة فيه شرر متطاير وقطر مذاب , ~~قال ابن جرير : والعرب تسمي الدخان نحاسا بضم النون وكسرها , وأجمع القراء ~~على ضمها - انتهى . | وجرها أبو عمرو وابن كثير عطفا على { نار } ورفعه ~~الباقون عطفا على { شواظ } . | ولما كان ذلك ممكنا عقلا وعادة , وكانوا ~~عارفين بأنهم لو وقعوا في مثل ذلك لم يتخلصوا منه بوجه , سبب عنه قوله : { ~~فلا تنصران * } قال ابن برجان : هذا مصداق قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ( يخرج عنق من نار فيقول بكل جبار عنيد فيلتقطهم من بين الجمع لقط ~~الحمام حب السمسم , ويغشي المجرمين دخان جهنم من بين المؤمنين ولا يضرهم , ~~وآية الشواظ وعنق النار هنالك صواعق ما هنا وبروقه والنار المعهودة ) . | ~~ولما كان التهديد بهذا لطفا بهم ms5103 فهو نعمة عليهم والعفو عن المعالجة بإرسالة ~~لذلك , سبب عنه قوله : { فبأي آلاء ربكما } أي المربي لكما بدفع البلايا ~~وجلب المنافع PageV07P389 { تكذبان * } أبنعمة السمع من فوق أو غيرها , ألم ~~يكن لكم فيما شهدتموه في الدنيا من دلائل ذلك وآياته ما يوجب لكم الإيمان . ~~| ولما كان هذا مما لم تجر عادة بعمومه وإن استطرد بجريانه منه في أشياء ~~منه في أماكن متفرقة كأشخاص كثيرة , بين لهم وقته بقوله : { فإذا } أي ~~فيتسبب عن هذا الإرسال إنه إذا { انشقت السماء } من هوله وعظمته فكانت ~~أبوابا لنزول الملائكة وغيرهم , وغير ذلك من آيات الله { فكانت } لما ~~يصيبها من الحر { وردة } أي حمراء مشرقة من شدة لهيبه , وقال البغوي : كلون ~~الفرس الورد وهو الأبيض الذي يضرب إلى حمرة وصفرة . | { كالدهان } أي ذائبة ~~صافية كالشيء الذي يدهن به أو كالأديم الأحمر والمكان الزلق , وآية ذلك في ~~الدنيا الشفقان عند الطلوع وعند الغروب , وجواب { إذا } محذوف تقديره : ~~علمتم ذلك علما شهوديا أو فما أعظم الهول حينئذ ونحو ذا أن يكون الجواب ~~شيئا دلت عليه الآيات الآتية نحو : فلا يسأل أحد إذ ذاك عن ذنبه , وحذفه ~~أفخم ليذهب الوهم فيه كل مذهب . | ولما كان حفظ السماء عن مثل ذلك بتأخير ~~إرسال هذا وغيره من الأسباب وجعلها محل الروح والحياة والرزق من أعظم ~~الفواضل قال مسببا عنه : { فبأي آلاء ربكما } أي المربي لكما هذا التدبير ~~المتقن { تكذبان * } أبنعمة المسع من تحت أو غيرها وليس شيء بما أخبرتكم به ~~من أحوال الآخرة إلا قد أقمت لكم في الدنيا ما تهتدون به إلى العلم بكونه , ~~ولما كان يوم القيامة ذا ألوان كثيرة وموافقة مهولة طويله شهيرة تكون في كل ~~منها شؤون عظيمة وأمور كبيرة , ذكر بعض ما سببه هذا الوقت من التعريق ~~بالمعاصي والطائع بآيات جعلها الله سببا في علمها فقال : { فيومئذ } أي ~~فسبب عن يوم انشقت السماء لأنه { لا يسئل } سؤال تعرف واستعلام بل سؤال ~~تقريع وتوبيخ وكلام , وذلك أنه لا يقال له : هل فعلت كذا ؟ بل يقال له : لم ms5104 ~~فعلت كذا , على أنه ذلك اليوم طويل , وهو ذو ألوان تارة يسأل فيه وتارة لا ~~يسأل , والأمر في غاية الشدة , وكل لون من تلك الألوان يسمى يوما , فقد مضى ~~في الفاتحة أن اليوم عبارة عن وقت يمتد إلى انقضاء أمر مقدر فيه ظاهر من ~~ليل أو نها رأو غيرهما لقوله تعالى { إلى ربك يومئذ المساق } [ القيامة : ~~30 ] أي يوم إذا بلغت الروح التراقي وهو لا يختص بليل ولا نهار , وبناه ~~للمفعول تعظيما للأأمر بالإشارة إلى أن شأن المترف بالذنب لا يكون خاصا ~~بعهد دون عهد بل يعرفه كل من أراد علمه , وأضمر قبل الذكر لما هو مقدم في ~~الرتبة ليفهم الاختصاص فوجد الضمير لأجل اللفظ فقال : { عن ذنبه } أي خاصة ~~وقد سئل المحسن عن حسنته سؤال تشريف له وتنديم لمن دونه . | ولما كان الإنس ~~أعظم مقصود بهذا , ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم منهم , وكان ~~التعريف PageV07P390 بالشاهد المألوف أعظم في التعريف , وكان علم أحوال ~~الشيء الظاهر أسهل , قدمهم فقال : { إنس } ولما كان لا يزلم من علم أحوال ~~الظاهر علم أحوال الخفي , بين أن الكل عليه سبحانه هين فقال : { ولا جان * ~~} ولما كان هذا التمييز من أجل النعم لئلا يؤدي الالتباس إلى ترويع بعض ~~المطيعين عاملا أو نكاية بالسؤال عنه قال : { فبأي آلاء ربكما } أي الذي ~~ربى كلا منكم بما لا مطمع في إنكاره ولا خفاء فيه { تكذبان * } أبنعمة الشم ~~من الأمام أم من غيرها . | ولما كان الكلام عاما عرف انه خاص بتعرف المجرم ~~من غيره دون التعزير بالذنب أو غيره من الأحوال فقال معللا لعدم السؤال : { ~~يعرف } أي لكل أحد { المجرمون } أي العريقون في هذا الوصف { بسيماهم } أي ~~العلامات التي صور الله ذنوبهم فيها فجعلها ظاهرة بعد أن كانت باطنة , ~~وظاهرة الدلالة عليهم كما يعرف أن الليل إذا جاء لا يخى على أحد أصلا وكذلك ~~النهار ونحوهما لغير الأعمى , وتلك السيما - والله أعلم - زرقة العيون ~~وسواد الوجوه والعمى والصمم والمشي على الوجوه ونحو ذلك , وكما يعرف ~~المحسنون بسيماهم من ms5105 بياض الوجوه وإشراقها وتبسمها , والغرة والتحجيل ونحو ~~ذلك , وسبب عن هذه المعرفة قوله مشيرا بالبناء للمفعول إلى سهولة الأخذ من ~~أي آخذ كان { فيؤخذ بالنواصي } أي منهم وهي مقدمات الرؤوس { والأقدام * } ~~بعد أن يجمع بينهما كما أنهم كانوا هم يجمعون ما أمر الله به أن يفرق , ~~ويفرقون ما أمر الله به أن يجمع , فيسحبون بها سحبا من كل ساحب أقامه الله ~~لذلك لا يقدرون على الامتناع بوجه فيلقون في النار . | ولما كان ذلك نعمة ~~لا يقام بشكرها لكل من يسمعها لأن كل أحد ينتفي من الإجرام ويود للمجرمين ~~عظيم الانتقام , سبب عنه قوله : { فبأي آلاء ربكما } أ النعم الكبار من ~~الذي دبر مصالحكم بعد أن أوجدكم { تكذبان * } أبنعمة الشم من الوراء أم ~~بغيرها مما يجب أن يفعل من الجزاء في الآخرة لكل شخص بما كان يعمل في ~~الدنيا أو غير ذلك من الفضل . | ولما كان أخذهم على هذا الوجه مؤذنا بأنه ~~يصير إلى خزي عظيم , صرح به في قوله , بانيا على ما هدى إليه السياق من نحو ~~: أخذا مقولا فيه عند وصولهم إلى محل النكال على الحال التي ذكرت من الأخذ ~~بنواصيهم وأقدامهم , { هذه } أي الحفرة العظيمة الكريهة المنظر ( القريبة ~~منكم ) الملازمة للقرب لكم { جهنم التي يكذب } أي ماضيا وحالا ومآلا ~~استهانة < # > 77 ( { ولو ردوا - إلى الدنيا - بعد إدخالهم إياها - لعادوا لما نهوا ~~عنه } ) 77 < # > [ الأنعام : 28 ] { بها المجرمون * } أي العريقون في الإجرام , وهو قطع ~~ما من PageV07P391 حقه أن يوصل وهو ما أمر الله به , وخص هذا الاسم إشارة ~~إلى أنها تلقاهم بالتجهم والعبوسة والكلاحة والفظاظة كما كانوا يفعلون مع ~~الصالحين عند الإجرام المذكور , قال ابن برجان : وقرأ عبد الله ( هذه جهنم ~~التي كنتم بها تكذبان فتصليانها لا تموتان فيها ولا تحييان ) ثم استأنف ما ~~يفعل بهم فيها فقال : { يطوفون بينها } أي بين دركة النار التي تتجهمهم { ~~وبين حميم } أي ماء حار هو من شدة حرارته ذو دخان . | ولما كان هذا السام ~~يطلق على البارد , بين أمره فقال : { آن } أي ms5106 بالغ حره إلى غاية ليس وراءها ~~غاية , قال الرازي في اللوامع : وقيل : حاضر , وبه سمي الحال بالآن لأنه ~~الحاضر الموجود , فإن الماضي لا تدارك له والمستقبل أمل وليس لنا إلا الآن ~~, ثم ( الآن ) ليس بثابت طرفة عين , لأن الآن هوالجزء المشترك بين زمانين , ~~فهم دائما يترددون بين عذابي النار المذيبة للظاهر والماء المقطع بحره ~~للباطن لا يزال حاضرا لهم تردد الطائف الذي لا أول لتردده ولا آخر . | ولما ~~كانت عذاب المجرم - القاطع لما من شأنه أن يكون متصلا - من أكبر النعم ~~وأسرها لكل أحد حتى لمن سواه من المجرمين , سبب قوله : { فبأي آلاء ربكما } ~~أي المحسن إليكما أيها الثقلان بإهلاك المجرم في الدارين وإنجاء المسلم مما ~~أهلك به المجرم لطفا بالمهددين ليرتدعوا ونزجروا عما يكون سبب إهلاكهم هم ~~ومن والاهم من بيناته , في السماوات والأرض , وما أراكم من مطالع الدنيا من ~~الشمس التي هي آية النهار والقمر الذي هو آية الزمهرير , وغير ذلك من آياته ~~المحكمة المرئية المسموعة , وقد كررت هذه الآية عقب ذكر النار وأهالها سبع ~~مرات تنبيها على استدفاع أبوابها السبعة كما مضى - والله المستعان . | < < # | الرحمن : ( 46 - 57 ) ولمن خاف مقام . . . . . # > > ^ ( ولمن خاف مقام ربه جنتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * ذواتآ أفنان ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان * فيهما عينان تجريان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * ~~فيهما من كل فاكهة زوجان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * متكئين على فرش ~~بطآئنها من إستبرق وجنى الجنتين دان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * فيهن ~~قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن * فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ^ } ~~) | ولما كان قد عرف ما للمجرم المجترئ على العظائم , وقدمه لما اقتضاه ~~مقام التكبر من الترهيب وجعله سبعا إشارة إلى أبواب النار السبعة , عطف ~~عليه ما للخائف الذي أده خوفه إلى الطاعةوجعله صمانية على عدد أبواب الجنة ~~الثمانية فقال : { ولمن } PageV07P392 أي ولكل من , ووحد الضمير مراعاة ~~للفظ { من } إشارة إلى قلة الخائفين { خاف } أي من الثقلين . | ولما كان ~~ذكر الخوف من الزمان المضروب للحساب والتدبير والمكان المعد لهما أبلغ من ms5107 ~~ذكر الخوف من الملك المحاسب المدبر , والخوف مع ذكر وصف الإكرام أبلغ من ~~ذكر الخوف عند ذكر أوصاف الجلال , قال دالا بذلك على أن المذكور رأس ~~الخائفين : { مقام ربه } أي مكان قيامه الذي يقيمه وغيره فيه المحسن إليه ~~للحكم وزمانه الذي ضربه له وقيامه عليه وعلى غيره بالتدبير , فهو رقيب عليه ~~وعليهم , فكيف إذا ذكر مقام المنتقم الجبار المتكبر فترك لهذا ما يغضبه ~~وفعل ما يرضيه { جنتان } عن يمين وشمال , واحدة للعلم والعقل وأخرى للعلم , ~~ويمكن أن يراد بالتثنية المبالغة إفهاما لأنهما جنان متكررة ومتكثرة مثل < # > 77 ( { ألقيا في جهنم كل كفار عنيد } ) 77 < # > [ ق : 24 ] ونحو ذلك . | ولما كانت هذه نعمة جامعة , سبب عنها قوله : { ~~فبأي آلاء ربكما } أي نعم المربي لكما والمحسن إليكم بإحسانه الكبار التي ~~لا يقدر غيره على شيء منها { تكذبان * } أبنعمة الشم من اليسار المنبعثة من ~~القلب أو غيرها من تربة جنان الدنيا بنفس جهنم من حر الشمس وحرورها , فجعل ~~من ذلك جميع الفواكه والزروع إلى غير ذلك من المرافق التي طبخها بها < # > 77 ( { وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } ~~) 77 < # > [ يوسف : 105 ] وغير ذلك من نعمه التي لا تحصى . | ولما كانت البساتين ~~لا يكمل مدحها إلا بكثرة الأنواع والألوان والفروع المشتبكة والأغصان , قال ~~واصفا لهما : { ذواتا } أي صاحبتا برد عين الكلمة فإن أصلها ( ذوو ) { ~~أفنان * } أي جميع فن يتنوع فيه الثمار , وفنن وهو الغصن المستقيم طولا ~~الذي تكون به الزينة بالورق والثمر وكمال الانتفاع , قال عطاء : في كل غصن ~~فنون من الفاكهة ؛ ولهذا سبب عنه قوله : { فبأي آلاء ربكما } أي المربي ~~لكما والمحسن إليكما { تكذبان * } أبنعمة الشم من جهة الفوق أو غيرها مما ~~ذكره لكم من وصف الجنة الذي جعل لكم من أمثاله ما تعتبرون به . | ولما كانت ~~الجنان لا تقوم إلا بالأنهار قال : { فيهما عينان } أي في كل واحدة عين { ~~تجريان * } أي في كل مكان شاء صاحبهما وإن علا مكانه كما تصعد المياه في ~~الأشجار في كل غصن ms5108 منها , وإن زاد علوها جرى على عيني دموعه الجاريتين من ~~خشية الله وذلك على مثال جنان الدنيا , والشمس صاعدة في البروج الشمالية من ~~تكامل المياه وتفجرها عيونا في أيام الربيع والصيف لقرب العهد بالأمطار { ~~فبأي آلاء ربكما } أي PageV07P393 المالك لكما والمحسن إليكما { تكذبان * } ~~أبنعمة الشم من جهة التحت أو غيرها مما ذكره وجعل له في الدنيا أمثالا ~~كثيرا . | ولما كان بالمياءه حياة النبات وزكاؤه , قال ذاكرا أفضل النبات : ~~{ فيهما } أي هاتين الجنتين العاليتين , ودل على جميع كل ما يعلم وزيادة ~~بقوله : { من كل فاكهة } أي تعلمونها أو لا تعلمونها { زوجان } أي صنفان ~~يكمل أحدهما بالآخر كما لا يدرك كنه أحد الزوجين بسبب العمل بما يرضى ~~والآخر بالانتهاء عما يسخط { فبأي آلاء ربكما } أي النعم الكبار التي رباها ~~الموجد لكما المحسن إليكما { تكذبان * } أبنعمة اللمس من الأمام أو غيرها ~~من أنه أوجد لكما جنان الدنيا بواسطة حر النار التي هي أعدى عدوكما إشارة ~~إلى أنه قادر على أنه يوجد برضوانه ومحبته من موضع غضبه وانتقامه إكراما , ~~فقد جعل ما في الدنيا مثالا لما ذكر في الآخرة , فبأي شيء من ذلك تكذبان , ~~لا يكمل الإيمان حتى يصدق المؤمن أنه تعالى قادر على أن يجعل من جهنم جنة ~~بأن يجعل من موضع سخطه رحمة ويشاء ذلك ويعتبر ذلك بما أرانا من نموذجه . | ~~ولما كان التفكه لا يكمل حسنه إلا مع التنعم من طيب الفرش وغيره , قال ~~مخبرا عن الذين يخافون مقام ربهم من قبيلي الإنس والجن مراعيا معنى { من } ~~بعد مراعاة لفظها تحقيقا للواقع : { متكئين } أي لهم ما ذكر في حال الاتكاء ~~وهو التمكين بهيئة المتربع أو غيره من الكون على جنب , قال في القاموس : ~~توكأ عليه : تحمل , واعتمد كأوكأ , والتكأة كهمزة : العصا , وما يتوكأ عليه ~~, وضربه فأتكأه : ألقاه على هيئة المتكئ أو على جانبه الأيسر , وقال ابن ~~القطاع : وضربته حتى أتكأته أي سقط على جانبه , وهو يدل على تمام التنعم ~~بصحة الجسم وفراغ البال { على فرش } وعظمها بقوله مخاطبا للمكلفين بما ~~تحتمل ms5109 عقولهم وإلا فليس في الجنة ما يشبهه على الحقيقة شيء من الدنيا { ~~بطائنها } أي فما ظنك بظواهرها ووجوهها { من إستبرق } وهو ثخين الديباج ~~يوجد فيه من حسنه بريق كأنه من شدة لمعانه يطلب إيجاده حتى كأنه نور مجرد . ~~| ولما كان المتكىء قد يشق عليه القيام لتناول ما يريد قال : { وجنا ~~الجنتين } أي مجنيهما اسم بمعنى المفعول - كأنه عبر به ليفهم سهولة نفس ~~المصدر الذي هو الاجتناء { دان * } أي قريب من كل من يريده من متكىء وغيره ~~لا يخرج إلى صعود شجرة , وموجود من كل حين يراد غير مقطوع ولا ممنوع . | ~~ولما كان ربما وجد مثل من ذلك شاهد له من إغصان تنعطف بجملتها فتقرب وأخرى ~~تكون قريبة من ساق الشجرة فيسهل تناولها قال : { فبأي آلاء ربكما } أي ~~النعم الكبار الملوكية التي أوجدها لكما هذا المربي لكما الذي يقدر على كل ~~ما يريد PageV07P394 { تكذبان * } أبنعمة اللمس من جهة الوراء أم غيرها من ~~قدرته على عطف الأغصان وتقريب الثمار . | ولما كان ما ذكر لا تتم نعمته إلا ~~بالنسوان الحسان , قال دالا على الكثرة بعد سياق الامتنان بالجمع الذي هو ~~أولى من التثنية بالدلالة على أن في كل بستان جماعة من النسوان , لما بهن ~~من عظيم اللذة وفرط الأنس : { فيهن } أي الجنان التي علم مما مضى أن لكل ~~فرد من الخائفين منها جنتين . | ولما كان سياق الامتنان معرفا بأن جمع ~~القلة أريد به الكثرة مع ما ذكر من محسناته في سورة ( ص ) قال معبرا به : { ~~قاصرات الطرف } أي نساء مخدرات هن في وجوب الستر بحيث يظن من ذكرهن بغير ~~الوصف من غير تصريح , قد قصرن طرفهن وهممهن على أزواجهن ولهن من الجمال ما ~~قصرن به أزواجهن عن الالتفات إلى غيرهن لفتور الطرف وسحره وشدة أخذه للقلوب ~~جزاء لهم على قصر هممهم في الدنيا على ربهم . | ولما كان الاختصاص بالشيء ~~لا سيما المرأة من أعظم الملذذات قال : { لم يطمثهن } أي يجامعهن ويتسلط ~~عليهن في هذا الخلق الذي أنشئن فيه نوع من أنواع السلطة سواء ms5110 من غنسيات أو ~~جنيات أو غير ذلك , يقال : طمثت المرأة كضرب وفرح : حاضت , وطمثها الرجل : ~~افتضها وأيضا جامعها , والبعير عقلته , فكأنه قيل : هن أبكار لم يخالط موضع ~~الطمث منهن { إنس } ولما كان المراد تعميم الزمان أسقط الجار فقال : { ~~قبلهم } أي المتكئين { ولا جان * } وقد جمع هذا كل من يمكن منه جماع من ~~ظاهر وباطن , وفيه دليل على أن الجني يغشى الإنسي كما نقل عن الزجاج { ~~تكذبان * } أبنعمة اللمس من جهة اليمنى أم غيرها مما جعله الله لكم مثالا ~~لهذا من الأبكار الحسان , أو غير ذلك من أنواع الإحسان . | < < # | الرحمن : ( 58 - 65 ) كأنهن الياقوت والمرجان # > > ^ ( كأنهن الياقوت والمرجان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * هل جزآء ~~الإحسان إلا الإحسان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * ومن دونهما جنتان * فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان * مدهآمتان * فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ^ } ) | ولما دل ~~ما تقدم من وصف المستمتع بهن بالعزة والنفاسة , زاده على وجه أفاد أنه يكون ~~بهن غاية ما يكون من سكون النفس وقوة القلب وشدة البدن واعتدال الدم وغير ~~ذلك من خواص ما شبههن به فقال : { كأنهن الياقوت } الذي هو في صفاته بحيث ~~يشف عن سلكه وهو جوهر معروف , قال في القاموس : أجوده الأحمر الرماني نافع ~~PageV07P395 للوسواس والخفقان وضعف القلب شربا ولجمود الدم تعليقا : { ~~والمرجان * } في بياضه , وصغار الدر أنصع بياضا , قال أبو عبد الله القزاز ~~: والمرجان صغار اللؤلؤ , وهذا الذي يخرج من نبات البحر أحمر معروف - انتهى ~~. | وقد يستفاد من ذلك أن ألوانهن وهو مع ذلك صابت لا يعتريه تغير ليطابق ~~الحديث الذي فيه ( يرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة ) وقال أبو حيان : شبههن ~~بهما فيما يحسن التشبيه به فالياقوت في أملاسه وشفوفه والمرجان في أملاسه ~~وجمال منظره { فبأي آلاء ربكما } أي النعم الغريبة البالغة في الحسن من ~~المالك الملك المربي ببدائع التربية { تكذبان * } أبنعمة اللمس من جهة ~~اليسرى أم غيرها مما جعله مثالا لما ذكر من وصفهن من تشبيه شيء بشيئين ~~لبلوغ الأمر في الحسن إلى حد لا يساويه فيه شيء واحد ليشبه به ms5111 , فهو كما ~~قيل : بيضاء في دعج صفراء في نعج كأنها فضة قد شابها ذهب , وقد جعل سبحانه ~~الأشياء الشفافة مثلا لذلك وأنت ترى بعض الأجسام يكاد يرى فيه الوجه بل في ~~سواد العين أعظم غرة حيث يرى فيه الوجه فإن السواد منشأ الظلام . | ولما ~~كان ألذ ما أفاده الإنسان منالنعم ما كان تسبب منه , قال سارا لهم بذلك مع ~~ما فيه من لذة المدح لا سيما والمادح الملك الأعلى , معظما له بسياق ~~الاستفهام المفيد للإثبات بعد النفي المفيد للاختصاص على وجه الإنكار ~~الشديد على من يتوهم غير ذلك : { هل جزاء الإحسان } أي في العمل الكائن من ~~الإنس أو الجن أو غيرهم { إلا الإحسان * } أي في الثواب , فهذا من المواضع ~~التي أعيدت فيها المعرفة والمعنى مختلف , روى البغوي بسنده عن أنس رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( هل تدرون ما قال ربكم ؟ ) قالوا : ~~الله ورسوله أعلم , قال : ( يقول : هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا ~~الجنة ) وذلك جزاء إحسان العبد في العمل في مقابلة إحسان ربه إليه بالتربية ~~{ فبأي آلاء ربكما } أي النعم العظيمة الحسن من السيد الكريم العظيم الرحيم ~~الجامع لأوصاف الكمال { تكذبان * } أبنعمة اللمس من جهة الفوق أم غيرها مما ~~جعله الله سبحانه مثالا في أن من أحسن قوبل بمثل إحسانه , وهذه الآية ختام ~~ثمان آيات حاثة على العمل الموصل إلى الثمانية الأبواب الكائنة لجنة ~~المقربين - والله الهادي . | ولما كان قد علم مما ذكر أول هذا الكلام من ~~الخوف مع ذكر وصف الإكرام , PageV07P396 وآخره من ذكر الإحسان أن هذا ~~الفريق محسنون , وكان من المعلوم أن العاملين طبقات , وأن كل طبقة أجرها ~~على مقدار أعمالها , اقتضى الحال بيان ما أعد لمن دونهم : { ومن دونهما } ~~أي من أدنى مكان , رتبة مما تحت جنتي هؤلاء المحسنين المقربين { جنتان * } ~~أي كلل واحد لمن دون هؤلاء المحسنين من الخائفين وهم أصحاب اليمين , قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما : دونهما في الدرج , وجعل ابن برجان الأربع موزعة ~~بين الكل , وأن تخصيص ms5112 هذه العدة إشارة إلى أنها تكون جامعة لما في فصول ~~الدنيا الأربعة : الشتاء والربيع والصيف والخريف , وفسر بذلك قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ( جنتان من ذهب أوتيتهما وما فيهما وجنتان من فضة أوتيتهما ~~وما فيهما ) ثم جوز أن يكون المراد بالدون الأدنى إلى الإنسان , وهو البرزخ ~~, فتكون هاتان لأهل البرزخ كما كان { وإن للذين السابغة إلى الأعلى دون ذلك ~~} من عذاب القبر { فبأي آلاء ربكما } أي المحسن بنعمة السابغة إلى الأعلى ~~ومن دونه { تكذبان * } أبنعمة اللمس من جهة التحت أم غيرها مما جعله الله ~~في الدنيا مثالا لهذا من أن بعض البساتين أفضل من بعض إلى غير ذلك من أنواع ~~التفضيل . | ولما كان ما في هاتين من الماء دون ما في الباقيتين , فكان ~~ربما ظن أن ماءهما لا يقوم بأعلى كفايتهما قال : { مدهامتان * } أي خضراوان ~~خضرة تضرب من شدة الري إلى السواد , من الدهمة , قال الأصبهاني : الغالب ~~على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض وفي الأوليين ~~الأشجار والفواكه { فبأي آلاء ربكما } أي نعم المحسن إلى العالي منكما ومن ~~دونه بسعة رحمته { تكذبان * } أبنعمة الذوق من جهة الأمم أم غيرها مما جعله ~~مثالاص لذلك من جنان الدنيا الكثية الري وغيره . | < < # | الرحمن : ( 66 - 78 ) فيهما عينان نضاختان # > > ^ ( فيهما عينان نضاختان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * فيهما فاكهة ~~ونخل ورمان * فبأي آلاء ربكما تكذبان * فيهن خيرات حسان * فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان * حور مقصورات في الخيام * فبأي آلاء ربكما تكذبان * لم يطمثهن إنس ~~قبلهم ولا جآن * فبأي آلاء ربكما تكذبان * متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان ~~* فبأي آلاء ربكما تكذبان * تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) ^ } ) | ~~ولما كان ذكر ما يدل على ريهما , حققه بقوله : { فيهما } أي في كل جنة لكل ~~شخص منهم { عينان نضاختان * } أي تفوران بشدة توجب لهما رشاش الماء بحيث لا ~~PageV07P397 ينقطع ذلك , ولم يذكر جريهما فكأنهما بحيث يرويان جنتهما ولا ~~يبلغان الجري , والنضخ دون الجري وفوق النضخ , قال الأصبهاني : وأصل النضخ ~~بالمعجمة - انتهى . | وكأنهما لمن تغرغر عيناه بالدمع ms5113 فتمتلئان من غير جري ~~, وقال ابن برجان ما معناه أن حر ( ؟ ) عدم جريهما لكونهما على مثال جنة ~~خريف ما ههنا وشتاء به لبعد عهدهما بنزول الماء وسكنا في أعمالق الأرض ~~لينعكس بالنبع والفوران صاعدا مع أن الجنة لا مطر فيها { فبأي آلاء ربكما } ~~أي نعم المربي البليغ الحكمة في تربية { تكذبان * } أبنعمة الذوق من جهة ~~ماوراء اللسان أم غيرها مما جعله مثالا لذلك من الأعين التي تفور ولا تجري ~~والأنابيب المصنوعة لفوران لأنها بحيث تروق ناظرها لصعودها بقوة نبعها ~~وترشيشها من النعم الكبار . | ولما ذكر الري والسبب فيه , ذكر ما ينشأ عنه ~~فقال : { فيهما فاكهة } الدنيا التي جعلت مثالا لهاتين الجنتين فقال : { ~~ونخل ورمان * } فإن كلا منهما فاكهة وإدام , فلذا خص تشريفا وتنبيها على ما ~~فيهما من التفكه وأولاهما أعم نفعا وأعجب خلقا فلذا قدم { فبأي آلاء ربكما ~~} أي نعم المحسن إليكما إيها الثقلان بجليل التربية { تكذبان * } أبنعمة ~~الذوق من اليمين أم من غيرها مما جعل مثالا لهذا من جنان الدنيا وغير ذلك . ~~| ولما كان ما ذكر لا تكمل لذته إلا بالأنيس , وكان قد ورد أنه يكون في بعض ~~ثمار الجنة وحمل أشجارها نساء وولدان كما أن أمثال ذلك في بطن مياه الدنيا ~~< # > 77 ( { وجعلنا من الماء كل شيء حي } ) 77 < # > [ الأنبياء : 30 ] قال جامعا على نحو ما مضى من الإشارة إلى أن الجنتين ~~لكل واحد من أفراد هذا الصنف : { فيهن } أي الجنان الأربع أو الجنان التي ~~خصت للنساء , وجوز ابن برجان أن يكون الضمير للفاكهة والنخل والرمان فإنه ~~يتكون منها نساء وولدان في داخل قشر الرمان ونحوه { خيرات } أي نساء بليغ ~~ما فيهن من الخير , أله خير مثقلا لأن ( خير ) الذي للتفضيل لا يجمع جمع ~~سلامة , ولعله خفف لاتصافهن بالخفة في وجودهن وجميع شأنهن , ولكون هاتين ~~الجنتين دون ما قبلهما { حسان * } أي في غاية الجمال خلقا وخلقا { فبأي ~~آلاء ربكما } أي نعم الكامل الإحسان إليكما { تكذبان * } أبنعمة الذوق من ~~جهة اليسار أمن من غيرها ممن جعله مثالا لتكوين النساء ms5114 والولدان والملابس ~~والحلي من ثمار الأشجار والزروع التي من المياه التي بها العيش , ففيها ~~التوليد وغير ذلك مما تظهره الكفرة لأهل العبرة لأن كل ما في الجنة ينشأ عن ~~الكلمة من الرزق كما ينشأ عنه سبحانه في هذه الدار على تسبيب . . . | ~~والحكمة , ثم بينهن بقوله : { حور } أي ذوات أعين شديدة سواد السواد وشديدة ~~بياض PageV07P398 البياض , وقال ابن جرير : بيض جمع { مقصورات } أي على ~~أزاجهن ومحبوسات , صيانة عن التبذل , فهو كناية عن عظمتهن { في الخيام * } ~~التي هي من الدر المجوف الشفاف جزاء لمن قصر نفسه عن . . . | الله فكف ~~جوارحه عن الزلات , وصان قلبه عن الغفلات { فبأي آلاء ربكما } أي الجليل ~~الإحسان إليكما { تكذبان * } أبنعمة الذوق من جهة الفوق أم بغيرها مما جعله ~~مثالا لهذا في الدنيا , فإنه كما خلقنا من تراب ثم طورنا في أطوار الخلقة ~~بحسب حكمة الأسباب كذلك خلق أولئك من أرض الجنة ورياضها وفواكهها عن كلمة ~~السكان من غير أسباب . | ولما كانت أنفس الأخيار ذوي الهمم العالية الكبار ~~في الالتفات إلى الأبكار قال : { لم يطمثهن } أي يتسلط عليهن نوع سلطة { ~~إنس } وعم الزمان بحذف الجار فقال : { قبلهم } أي انتفى الطمث المذكور في ~~جميع الزمان الكائن قبل طمث أصحاب هذه الجنان لهن , فلو وجد في لحظة من ~~لحظات القبل لما صدق النفي { ولا جان * } فهن في غاية الاختصاص كل بما عنده ~~{ فبأي } أي فتسبب عن هذا التعدد لمثل هذه النعم العظيمة أنا نقول تعجيبا ~~ممن يكذب توبيخا له وتنبيها على ما له تعالى من النعم التي تفوت الحصر : ~~بأي { آلاء ربكما } أي النعم الجليلة من المدبر لكما بما له من القدرة ~~التامة والعظمة الباهرة العامة { تكذبان * } أبنعمة الذوق من تحت أم بغيرها ~~مما جعله مثالا لهذا من الأبكار المخدرات , وجميع ما ذكر من النعم العامة ~~الظاهرة في كل حالة في الدنيا والآخرة , وختم بالتقرير أربع وعشرون ثمان ~~منها أول السورة من النعم الدنياوية , وست عشرة جنان , وجعلها على هذا ~~العدد , إشارة إلى تعظيمها بتكثيرها فإنه عدد تام لأنه جامع ms5115 لأكثر الكسور , ~~ولذا قسم الدرهم وغيره أربعة وعشرون قيراطا . | ولما تم التقرير بالنعم ~~المحيطة بالجهات الست والحواس الخمس على الوجه الأكل من درء المفاسد وجلب ~~المصالح كما تقدمت الإشارة إليه بمدكر , بقوله : < # > 77 ( { فهل من مدكر } ) 77 < # > [ القمر : 17 ] في القمر , بالحسن فيها إلى الحواس الخمس وبتكرارها , ~~وتكرار < # > 77 ( { كيف كان عذابي ونذر } ) 77 < # > [ القمر : 18 ] ستا إلى الجهات الست من جهة الوراء والخلف , أوترها ~~بنعمة أخرى واحدة إشارة إلى أن السبب في هذا اعتقاد وحدانية الواحد تعالى ~~اعتقادا أدى الخضوع لأمر مرسل كلما جاء من عنده تعالى فلذلك كانت نعمة لا ~~تنقطع أصلا , بل كلما تم دور منها ابتدأ دور آخر جديد , وهكذا على وجه لا ~~انقطاع له أبدا كما أن الواحد الذي هو أصل العدد لا انتهاء له أصلا , وهذه ~~النعمة الدالة على الراحة الدائمة التي هي المقصودة بالذات على وجه لا يرى ~~أغرب منه ولا أشرف , فقال تعالى مبينا حال المحسنين ومن دونهم مشركا لهم في ~~الراحة على ما لا عين رأت ولا أذن PageV07P399 سمعت ولا خطر على قلب بشر : ~~{ متكئين } أي لهم ذلك في حال الاتكاء ديدنا لأنهم لا شغل لهم بوجه إلا ~~التمتع { على رفرف } أي ثياب ناعمة وفرش رقيقة النسج من الجيباج لينة ~~ووسائد عظيمة ورياض باهرة وبسط لها أطراف فاضلة , ورفرف السحاب هدبه أي ~~ذيله المتدلي . | ولما كان الأخصر أحسن الألوان وأبهجها قال : { خضر وعبقري ~~} أي متاع كامل من البسط وغيرها هو في كماله وغرابته كأنه من عمل الجن ~~لنسبته إلى بلدهم , قال في القاموس : عبقر موضع كثير الجن , وقرية بناؤها ~~في غاية الحس , والعبقري الكامل من كل شيء , والسيد والذي ليس فوقه شيء , ~~وقال الرازي : هو الطنافس المخملة , قال ابن جرير : الطنافس الثخان , وقال ~~القشيري : العبقري عند العرب كل ثوب موشى , وقال الخيل : كل جليل نفيس فاخر ~~من الرجال وغيرهم , ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه ~~: ( فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه ) وقال قطرب : ليس ms5116 هو من المنسوب بل ~~هو بمزلة كرسي وبختي . | ولما كان المراد به الجنس , دل على كثرته بالجمع ~~مع التعبير بالمفرد إشارة إلى وحدة تكامله بالحسن فقال : { حسان * } أي هي ~~في غاية من كمال الصنعة وحسن المنظر لا توصف { فبأي آلاء ربكما } أي النعم ~~العظيمة من المحسن الواحد الذي لا محسن غيره ولا إحسان إلا منه ولا تعد ~~نعمه ولا تحصي ثناء عليه { تكذبان * } وبهذه الآية تمت النعم الثمان ~~المختصة بجنة أصحاب اليمين إشارة إلى العمل لأبوابها الثمانية . | والله ~~الموفق . | ولما دل ما ذكر في هذه السورة من النعم على إحاطة مبدعها بأوصاف ~~الكمال , ودل بالإشارة بالنعمة الأخيرة على أن نعمه لا نهاية لها لأنه مع ~~أن له الكمال كله متعال عن شائبة نقص , فكانت ترجمة ذلك قوله في ختام نعم ~~الآخرة مناظرة لما تقدم من ختام نعم الدنيا معبرا هناك بالبقاء لما ذكر ~~قبله , من الفناء , وهذا بما من البركة إشارة إلى أن نعمه لا انقضاء لها : ~~{ تبارك } قال ابن برجان : تفاعل من البركة , ولا يكاد يذكره جل ذكره إلا ~~عند أمر معجب - انتهى , ومعناه ثبت ثباتا لا يسع العقول جمع وصفه لكونه على ~~صيغه المفاعلة المفيدة لبذل الجهد إذا كانت ممن تمكن منازعته , وذلك مع ~~اليمن والبركة والإحسان . | ولما كان تعظيم الاسم أقعد وأبلغ في تعظيم ~~المسمى قال : { اسم ربك } أي المحسن إليك بإنزال هذا القرآن الذي جبلك على ~~متابعته فصرت مظهرا له وصار خلقا لك فصار إحسانه إليك فوق الوصف , ولذكل ~~قال واصفا للرب في قراءة الجمهور : { ذي الجلال } أي العظمة الباهرة فهو ~~المنتقم من الأعداء { والإكرام * } أي PageV07P400 الإحسان الذي لا يمكن ~~الإحاطة به فهو المتصف بالجمال الأقدس المقتضي لفيض الرحمة على جميع ~~الأولياء , وقراءة ابن عامر { ذو } صفة للاسم , وكذا هو في مصاحف أهل الشام ~~, والوصفان الأخيران من شبه الاحتباك حذف من الأول متعلق الصفة وهو النقمة ~~للأعداء , ومن الثاني أثر الإكرام وهو الرحمة للأولياء , فإثبات الصفة أولا ~~يدل على حذف ضدها ثانيا , وإثبات الفعل ثانيا يدل ms5117 على حذف ضده أولا , وقال ~~الرازي في اللوامع : كأنه يريد بالاسم الذي افتتح به السورة وقد انعطف آخر ~~السورة على أولها على وجه أعم , فيشمل الإكرام بتعليم القرآن وغيره ~~والانتقام بإدخال النيران وغيرها - الله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب . ~~| . . . | PageV07P401 < # > سورة الواقعة < # > | مقصودها شرح أحوال الأقسام الثلاثة المذكورة في الرحمن للأولياء من ~~السابقين واللاحقين والأعداء المشاققين من المصارحين والمنافقين من الثقلين ~~للدلالة على تمام القدرة بالفعل بالاختيار الذي دل عليه آخر الرحمن بإثبات ~~الكمال ودل عليه آخر هذه بالتنزيه بالنفي لكل شيء به نقص ثم الإثبات بوصف ~~العظمة بجميع الكمال من الجمال والجلال ، ولو استوى الناس لم يكن ذلك من ~~بليغ الحكمة ، فإن استواءهم يكون شبهة لأهل الطبيعة ، واسمها الواقعة دال ~~على ذلك بتأمل آياته وما يتعلق الظرف به { بسم الله } الذي له الكمال كله ~~ففاوت بين الناس في الأحوال { الرحمن } الذي عم بنعمة البيان وفاضل قبولها ~~بين أهل الإدبار وأهل الإقبال { الرحيم } الذي أقبل بأهل حزبه إلى أهل قربه ~~ففازوا بمحاسن الأقوال والأفعال . < < # | الواقعة : ( 1 - 14 ) إذا وقعت الواقعة # > > ^ ( إذا وقعت الواقعة * ليس لوقعتها كاذبة * خافضة رافعة * إذا رجت ~~الأرض رجا * وبست الجبال بسا * فكانت هبآء منبثا * وكنتم أزواجا ثلاثة * ~~فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة * وأصحاب المشأمة مآ أصحاب المشأمة * ~~والسابقون السابقون * أولئك المقربون * في جنات النعيم * ثلة من الأولين * ~~وقليل من الآخرين ) ^ } ) | لما صنف سبحانه الناس في تلك إلى ثلاث أصناف : ~~مجرمين وسابقين ولاحقين , وختم بعلة ذلك وهو أنه ذو الانتقام والإكرام , ~~شرح أحوالهم في هذه السورة وبين الوقت الذي يظهر فيه إكرامه وانتقامه بما ~~ذكر في الرحمن غاية الظهور فقال بانيا على ما أرشده السياق إلى أن تقديره : ~~يكون ذلك كله كونا يشترك في علمه الخاص والعام : { أذا وقعت الواقعة * } أي ~~التي لا بد من وقوعها ولا واقع يستحق أن يسمى الواقعة بلام الكمال وتاء ~~المبالغة غيرها , وهي النفخة الثانية التي يكون عنها البعث الأكبر الذي هو ~~القيامة الجامعة لجميع الخلق للحكم بينهم على الانفراد الظاهر الذي لا ms5118 مدعى ~~PageV07P402 للمشاركة فيه بوجه من الوجوه , ويجوز أن يكون { إذا } منصوبا ~~بالمحذوف لتذهب النفس فيه كل مذهب , فيكون أهول أي إذا وقعت كانت أمورا ~~يضيق عنها نطاق الحصر . و ولما كان هذا معناه الساعة التي أبرم القضاء بأنه ~~لا بد من كونها , عبر عنه بانيا على مبتدأ محذوف فقال : { ليس لوقعتها } أي ~~تحقق وجودها { كاذبة * } أي كذب فهي مصدر عبر عنه باسم الفاعل للمبالغة ~~بأنه ليس في أحوالها شيء يمكن أن ينسب إليه كذب ولا يمشي فيها كذب أصلا ولا ~~يقر عليه , بل كل ما أخبر بمجيئه جاء من غير أن يرده شيء , وكل ما أخبر ~~بنفيه انتفى فلا يأتي به شيء , وقرر عظمتها وحقق بعث الأمور فيها بقوله ~~مخبرا عن مبتدأ محذوف : { خافضة } أي هي لمن يشاء الله خفضه من عظماء أهل ~~النار وغيرهم مما يشاؤه من الجبال وغيرها إلى أسفل سافلين { رافعة * } أي ~~لضعفاء أهل الجنة وغيرهم من منازلهم وغيرها مما يشاؤه إلى عليين , لا راد ~~لأمره ولا معقب لحكمه . | ولما كان في هذا من الهول ما يقطع القلوب الواعية ~~أكده بقوله وزاد ما يشاء منه أيضا بقوله مبدلا من الظرف الأول بعض ما يدخل ~~في الرفع والخفض : { إذا رجت الأرض } أي كلها على سعتها وثقلها بأيسر أمر { ~~رجا * } أي زلزلت زلزالا شديدا بعنف فانخفضت ارتفعت ثم انفضت بأهلا انتفاضا ~~شديدا , قال البغوي : والرج في اللغة التحريك . | ولما ذكر حركتها المزعجة ~~, أتبعها غايتها فقال : { وبست الجبال } أي فتتت على صلابتها وعظمها بأدنى ~~إشارة وخلط حجرها بترابها حتى صار شيئا واحدا , وصارت كالعهن المنفوش , ~~وسيرت وكانت تمر مر السحاب { بسا * فكانت } أي بسبب ذلك { منبثا * } أي ~~منتشرا متفرقا بنفسه من غير حاجة إلى هواء يفرقه فهو كالذي يرى في شعاع ~~الشمس إذا دخل في كوة . | ولما ذكر غاية مبادئها المرجفة المرهبة , ذكر ~~مبادئ غاياتها فقال : { وكنتم } أي قسمتم بما كان في جبلاتكم وطباعكم في ~~الدنيا { أزواجا ثلاثة * } أي أصنافا لا تكمل حكمة صنف منها إلا بكونها ~~قسمين : أعلى ودونه ms5119 , ليكون ذلك أدل على تمام القدرة وهم أصحاب الميمنة ~~المنقسمين إلى سابقين وهم المقربون , وإلى لاحقين وهم الأبرار أو أصحاب ~~اليمين , وكأنهم من أولي القلب الذي هو العدل السواء من أصحاب المشأمة إلى ~~آخر أصحاب الميمنة فأصحاب السواء هم المقربون , وبقية أصحاب الميمنة إلى ~~أعلى ودونه , وقد تبينت الأقسام الثلاثة آخر السورة , قال البيضاوي : وكل ~~صنف PageV07P403 يكون أو يذكر مع نصف آخر زوج . | ولما قسمهم إلى ثلاثة ~~أقسام وفرع تقسيمهم , ذكر أحوالهم وابتدأ ذلك بالإعلام بأنه ليس الخبر ~~كالخبر كما أنه ليس العين كالأثر فقال : { فأصحاب الميمنة * } أي جهة ~~اليمين وموضعها وأعمالها , ثم فخم أمرهم بالتعجيب من حالهم بقوله منبها على ~~أنهم أهل لأن يسأل عنهم فيما يفهمه اليمين من الخير والبركة فكيف إذا عبر ~~عنها بصيغة مبالغة فقال : { ما } وهو مبتدأ ثان { أصحاب الميمنة * } أي جهة ~~اليمين وموضعها وأعمالها , والجملة خبر عن الأولى , والرابط تكرار المبتدأ ~~بلفظه , قال أبو حيان رحمه الله تعالى : وأكثر ما يكون ذلك في موضع التهويل ~~والتعظيم . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تقدم الإعذار في ~~السورتين المتقدمتين والتقرير على عظيم البراهين , وأعلم في آخر سورة القمر ~~أن كل واقع في العالم فبقضائه سبحانه وقدره < # > 77 ( { إنا كل شيء خلقناه بقدر } ) 77 < # > [ القمر : 49 ] < # > 77 ( { وكل شيء فعلوه في الزبر } ) 77 < # > { القمر : 52 ] وأعلمهم سبحانه في الواقعة بانقسامهم الأخروي فافتتح ~~ذكر الساعة { إذا وقعت الواقعة } إلى قوله { وكنتم أزواجا ثلاثة } فتجردت ~~هذه السورة للتعريف بأحوالهم الأخروية , وصدرت بذلك كما جرد في هذه السورة ~~قبل التعريف بحالهم في هذه الدار , وما انجر في السور الثلاث جاريا على غير ~~هذا الأسلوب فبحكم استدعاء الترغيب والترهيب لطفا بالعباد ورحمة ومطالعها ~~مبنية على ما ذكرته تصريحا لا تلويحا , وعلى الاستيفاء لا بالإشارة ~~والإيماء , ولهذا قال تعالى في آخر القصص الأخراوية في هذه السورة : { هذا ~~نزلهم يوم الدين } فأخبر أن هذا حالهم يوم الجزاء وقد قدم حالهم الدنياوي ~~في السورتين قبل وتأكيد التعريف المتقدم فيما بعد , وذلك قوله { فأما ms5120 إن ~~كان من المقربين } إلى خاتمتها - انتهى . | ولما ذكر الناجين بقسميهم , ~~أتبعهم أضدادهم فقال : { وأصحاب المشأمة } أي جهة الشؤم وموضعها وأعمالها , ~~ثم عظم ذنبهم فقال : { ما أصحاب المشأمة } أي لأنهم أهل لأن يسأل عما ~~أصابهم من الشؤم والشر والسوء بعظيم قدرته التي ساقتهم إلى ما وصلوا إليه ~~من الجزاء الذي لا يفعله بنفسه عاقل بل ولا بهيمة مع ما ركب فيهم من العقول ~~الصحيحة والأفكار العظيمة وصان الأولين عن خذلان هؤلاء فأوصلهم إلى النعيم ~~المقيم . | ولما ذكر القسمين , وكان كل منهما قسمين , ذكر أعلى أهل القسم ~~الأول ترغيبا في أحسن حالهم ولم يقسم أهل المشأمة ترهيبا من سوء مآلهم فقال ~~: { والسابقون } أي إلى أعمال الطاعة أصحاب الجنتين الأوليين في الرحمن وهم ~~أصحاب القلب { السابقون * } أي هم الذين يستحقون الوصف بالسبق لا غيرهم ~~لأنه منزلة أعلى من PageV07P404 منزلتهم فلذلك سبقوا إلى منزلتهم وهي جنتهم ~~وهم قسمان كما يأتي عن الرازي , وعن المهدوي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : ( السابقون الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سألوه بذلوه وحكموا ~~للناس كحكمهم لأنفسهم ) . | ولما بين علو شأنهم ونسب السبق إليهم , ترجمه ~~نازعا للفعل منهم بقوله : { أولئك } أي العالو الرتبة جدا من الذين هم ~~أصحاب الميمنة { المقربون * } أي الذين اصطفاهم الله تعالى للسبق فأرادهم ~~لقربه أو أنعم عليهم بقربه ولولا فعله في تقريبهم لم يكونوا سابقين , قال ~~الرازي في اللوامع : المقربون تخلصوا من نفوسهم فأعمالهم كلها لله دينا ~~ودنيا من حق الله وحق الناس , وكلاهما عندهم حق الله , والدنيا عندهم ~~آخرتهم لأنهم يراقبون ما يبدو لهم من ملكوته فيتلقونه بالرضا والانقياد , ~~وهم صنفان فصنف قلوبهم في جلاله وعظمته هائمة قد ملكتهم هيبتهم فالحق ~~يستعملهم , وصنف آخر قد أرخى من عنانه , فالأمر عليه أسهل لأنه قد جاور ~~بقلبه هذه الحطة ومحله أعلى فهو أمين الله في أرضه , فيكون الأمر عليه أسهل ~~لأنه قد جاوز - انتهى . | ثم بين تقريبه لهم بقوله : { في جنات النعيم * } ~~أي الذي لا نعيم غيره لأنه لا كدر فيه بوجه ولا ms5121 منغص , والصنف الآخر منهم ~~المتقربون والمتشاققون من أصحاب المشأمة , أولئك المغضوب عليهم المبعودون , ~~ومن دونهم الضالون البعيدون وهم أصحاب الشمال . | ولما ذكر السابقين فصلهم ~~فقال : { ثلة } أي جماعة كثيرة حسنة , وقال البغوي : والثلة جماعة غير ~~محصورة العدد , { من الأولين * } وهم الأنبياء الماضون عليهم الصلاة ~~والسلام , ومن آمن بهم من غير واسطة رضي الله عنهم { وقليل من الآخرين * } ~~وهم من آمن بمحمد - عليه الصلاة والسلام مائة ألف ونيفا وعشرين ألفا , وكان ~~من خرج مع موسى عليه السلام من مصر وهم من آمن به من الرجال المقاتلين ممن ~~هو فوق العشرين ودون الثمانين وهم ستمائة ألف فما ظنك بمن عداهم من الشيوخ ~~ومن دون العشرين من التابعين والصبيان ومن النساء , فكيف بمن عداه من سائر ~~النبيين عليهم الصلاة والسلام . | المجددين من بني إسرائيل وغيرهم , وقيل ( ~~الثلة والقليل كلاهما من هذه الأمة ) , رواه الطبراني وابن عدي عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما , وفيه أبان بن أبي عياش وهو متروك ورواه إسحاق بن راهويه ~~مسدد بن مسرهد وأبو داود الطيالسي وإبراهيم الحربي PageV07P405 والطبراني ~~من رواية علي بن زيد وهو ضعيف عن عقبة بن صهبان عن أبي بكرة رضي الله عنه ~~مرفوعا وموقوفا , والموقوف أولى بالصواب , وتطبيقه على هذه الأمة سواء كان ~~مرفوعا أو موقوفا صحيح لا غبار عليه , فتكون الصحابة رضي الله عنهم كلهم من ~~هذه الثلة وكذا من تبعهم بإحسان إلى رأس القرن الثالث وهم لا يحصيهم إلا ~~الله تعالى , ومن المعلوم أنه تناقص الأمر بعد ذلك إلى أن صار السابق في ~~الناس أقل من القليل لرجوع الإسلام إلى الحال الذي بدأ عليها من الغربة ( ~~بدأ الإسلام غريبا وسيكون غريبا فطوبى للغرباء ) ويجوز أن يقدر أيضا : وثلة ~~- أي جماعة كثيرة هلكى - من الأولين , وهم المعاندون من الأمم الماضين , ~~وقليل من الآخرين - وهم المعاندون من هذه الأمة . | < < # | الواقعة : ( 15 - 23 ) على سرر موضونة # > > ^ ( على سرر موضونة * متكئين عليها متقابلين * يطوف عليهم ولدان ~~مخلدون * بأكواب وأباريق وكأس من معين * لا يصدعون عنها ولا ينزفون * ~~وفاكهة ms5122 مما يتخيرون * ولحم طير مما يشتهون * وحور عين * كأمثال اللؤلؤ ~~المكنون ) ^ } ) | ولما ذكر السابقين في الخير بصنفيهم مشيرا إلى السابقين ~~في الشر بصنفيهم , ذكر جزاء أهل الخير ليعلم منه جزاء أولئك , فقال مبينا ~~أنهم ملوك لكن ملكهم لا ينافس فيه ولا يحاسد , بل هو كله يقابل بالوداد ~~والصفاء { على سرر } وهو ما يسر الإنسان من المقاعد العالية المصنوعة ~~للراحة والكرامة التي هي آية الملك وهو العرش { موضونه * } أي منسوجة نسجا ~~مضاعفا منضودة داخلا بعضها في بعض مقارب النسج معجبا كالدرع لكن نسجها ~~بالذهب مفصلا بالجوهر من الدر والياقوت . | ولما ذكر السرر وبين عظمتها , ~~ذكر غايتها فقال : { متكئين } أي متكئين هيئة المتربع أو غيرها من الجنب أو ~~غيرها { عليها } ولما كان الجمع إذا كثر كان ظهور بعض أهله إلى بعض , أعلم ~~أن جموع أهل الجنة على غير ذلك فقال : { متقابلين * } فلا بعد ولا مدابرة ~~لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض ولا يكره بعضهم بعضا . | ولما كان المتكىء قد ~~يصعب عليه القيام لحاجته قال : { يطوف عليهم } أي لكفاية كل ما يحتاجون ~~إليه { ولدان } على أحسن صورة وزي وهيئة { مخلدون * } قد حكم ببقائهم على ~~ما هم عليه من الهيئة , قال البغوي : تقول العرب لمن كبر ولمن شمط : إنه ~~مخلد , قال : قال الحسن : هم أولاد أهل الدنيا , لم يكن لهم حسنات يثابون ~~عليها ولا سيئات يعاقبون لعيها لأن الجنة لا ولادة فيها , فهم خدم أهل ~~الجنة . | PageV07P406 ولما كان مدحهم هذا في غاية الإبلاغ مع الإيجاز , ~~وكان فيه - إلى تبليغ ما لهم - تحريك إلى مثل أعمالهم , وكان الأكل الذي هو ~~من أعظم المآرب مشارا إليه بالمدح العظيم الذي من جملته الاستراحة على ~~الأسرة التي علم أن من عادة الملوك أنهم لا يتسنمونها إلا بعد قضاء الوطر ~~منه فلم يبق بعده إلا ما تدعو الحاجة إليه من المشارب وما يتبعها قال تعالى ~~: { بأكواب } أي كيزان مستديرة الأفواه بلا عرى ولا خراطيم لا يعوق الشارب ~~منها عائق عن الشرب من أي موضع أراد منها فلا يحتاج أن ms5123 يحول الإناء إلى ~~الحالة التي تناوله عنها ليشرب , ويمكن أن تكون البدأة بالشراب لما نالوا ~~من المتاعب من العطش كما لمن يشرب من الحوض فيكون حينئذ قبل الأكل والله ~~أعلم { وأباريق * } أي أواني لها عرى وخراطيم فيها من أنواع المشارب ما ~~تشتهي الأنفس وتلذ الأعين { وكأس } أي إناء معد للشرب فيه والشراب نفسه . | ~~ولما كان الشراب عاما بينه بقوله : { من معين * } أي خمر جارية صافية صفاء ~~الماء ليس يتكلف عصرها بل ينبع كما ينبع الماء . | ولما أثبت نفعها وما ~~يشوق إليها , نفى ما ينفر عنها فقال : { لا يصدعون } أي تصدعا يوجب ~~المجاوزة { عنها } أي بوجع في الرأس ولا تفرق لملالة { ولا ينزفون * } أي ~~يذهب بعقولهم بوجه من الوجوه أي يصرع شرابهم , من نزفت البئر - إذا نزح ~~ماؤها كله , ونزف فلان : ذهب عقله أو سكر , وبنى الفعلان لملجهول لأنه لم ~~تدع حاجة إلى معرفة الفاعل , وقال الرازي في اللوامع : قال الصادق : لا ~~تذهل عقولهم عن موارد الحقائق عليهم ولا يغيبون عن مجالس المشاهدة بحال . | ~~ولما بدأ بالألذ الهاضم للأكل , تلاه بما يليه مما يدعو إليه الهضم تصريحا ~~به بعد التلويح فقال : { وفاكهة مما يتخيرون * } أي هو فيها بحيث لو كان ~~فيها جيد وغيره واختاروا وبالغوا في التنقية لكان مما يقع التخير عليه , ~~ولما ذكر ما جرت العادة بتناوله لمجرد اللذة , أتبعه ما العادة أنه لإقامة ~~البينة وإن كان هناك لمجرد اللذة أيضا فقال : { ولحم طير } ولما كان في لحم ~~الطير مما يرغب عنه , احترز عنه بقوله : { مما يشتهون * } أي غاية الشهوة ~~بحيث يجدون لآخرة من اللذة ما لأوله . | ولما كان لم يكن بعد الأكل والشرب ~~أشهى من الجماع , قال عاطفا على { ولدان } : { وحور العين * } أي يطفن ~~عليهم , وجره حمزة والكسائي عطفا على { سرر } فإن النساء في معنى التكاء ~~لأنهن يسمين فراشا . | ولما كان المثل في الأصل الشيء نفسه كما مضى في ~~الشورى قال : { كأمثال } أي مثل أشخاص { اللؤلؤ المكنون * } أي المصون في ~~الصدف عما قد يدنسه . | PageV07P407 < < # | الواقعة : ( 24 - 34 ) جزاء بما ms5124 كانوا . . . . . # > > ^ ( جزآء بما كانوا يعملون * لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما * إلا ~~قيلا سلاما سلاما * وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين * في سدر مخضود * وطلح ~~منضود * وظل ممدود * ومآء مسكوب * وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ممنوعة * ~~وفرش مرفوعة ) ^ } ) | ولما أبلغ في وصف جزائهم بالحسن والصفاء , دل على أن ~~أعمالهم كانت كذلك لأن الجزاء من جنس العمل فقال تعالى : { جزاء } أي فعل ~~لهم ذلك لأجل الجزاء { بما كانوا } جبلة وطبعا { يعملون * } أي يجددون عمله ~~على جهة الاستمرار . | ولما أثبت لها الكمال وجعله لهم , نفى عنها النقص ~~فقال : { لا يسمعون } أي على حال من الأحوال { فيها لغوا } أي شيئا مما لا ~~ينفع فإن أنكا . . . | بالسميع الحكيم ذلك , واللغو : الساقط { ولا تأثيما ~~* } أي ما يحصل به الإثم أو النسبة إلى الإثم , بل حركاتهم وسكناتهم كلها ~~رضى الله , وما قطع قلوب السائرين إلى الله إلا هاتان الخصلتان بينا أحدهم ~~يبني ما ينفعه مجتهدا في البناء إذ هو غلبه طبعه فهدم أكثر ما بنى , وبينا ~~هو يظن أنه قد قرب إذا هو تحقق بمثل ذلك أنه قد بعد , نزحت داره وشط مزاره ~~, فالله المستعان . | ولما كان الاستثناء , معيار العموم , ساق بصورة ~~الاستثناء قوله : { إلا قيلا } أي هو في غاية اللطافة والقة بما دل عليه ~~المبني على ما قبلها محاسن مع ما تدل عليه مادة قوله . | ولما تشوف السامع ~~إليه بالعبير بما ذكر , بينه بقوله : { سلاما } ودل على دوامه بتكريره فقال ~~: { سلاما * } أي لا يخطر في النفس ولا يظهر في الحس منهم قول إلا دالا على ~~السلام لأنه لا عطب فيها أصلا , وساقه مساق الاستثناء المتصل دلالة على أنه ~~إن كان فيها لغو فهو ذلك حسب , وهو ما يؤمنهم يونعمهم ويبشرهم مع أنه دال ~~على حسن العشرة وجميل الصحبة وتهذيب الأخلاق وصفاء المودة . | ولما أتم ~~سبحانه القسم الأول القلبي السوائي المولي من الثلاثة بقسميه , وذكر في ~~جزائه مما لأصحاب المدن ما لا يمكنهم الوصول إليه , عطف عليه الثاني الذي ~~هو دونه لذلك وهم والله أعلم الأبرار وهم ms5125 أيضا صفنان , وذكر في جزائهم من ~~جنس ما لأهل البوادي أنهى ما يتصورونه ويتمنونه فقال : { وأصحاب اليمين * } ~~ثم فخم أمرهم وأعلى مدحهم لتعظيم جزائهم , والإشارة إلى أنهم أهل لأن يسأل ~~عن حالهم فإنهم في غاية الإعجاب فقال : { وما أصحاب اليمين } ولما عبر عنهم ~~بما أفهم أنهم أولو القوة والجد في الأعمال , والبركة في جمع الأحوال , ذكر ~~عشيهم بادئا بالفاكهة لأن عيش الجنة كله تفكه , ذاكرا منها ما ينبت في بلاد ~~العرب من غير كلفة بغرس ولا خدمة , وأشار إلى PageV07P408 كثرة ما يذكره ~~بأن جعله ظرفهم , فقال من غير ذكر لسرير الملك الذي حبا به المقربين من ~~الملك , ولم يزد على ذلك المأكول وما معه بما يتصور للبهائم : { في سدر } ~~أي شجر نبق متدلي الأغصان من شدة حمله , من سدر الشعر - إذا سدله { مخضود * ~~} أي هو مع أنه لا شوك له ولا عجم بحيث تنثني أغصانه من شدة الحمل , من خذد ~~الشوك : قطعه , والغصن : ثناه وهو رطب , وفي ذكر هذا تنبيه على أن كل ما لا ~~نفع فيه أو فيه نوع أذى له في الجنة وجود كريم لأن الجنة إنما خلقت للنعيم ~~. | ولما ذكر ما يطلع في الجبال والأماكن المعطشة والرمال , أتبعه ما لا ~~يطلع إلا على المياه دلالة على أن أماكنهم في غاية السهولة والري فقال : { ~~وطلح } أي شجر موز أو نخل , وقال الحسن : شجر له ظل بارد طيب الرائحة وقال ~~الفراء وأبو عبيدة : شجر عظام لها شوك , وقيل : هو أم غيلان , وله نور كثير ~~, ويحكى عن أبي تراب النخشبي أنه كان سائرا مع قوم من الصوفية على قدم ~~التوكل , فجاعوا أياما فقال : أتريدون أن تأكلوا , قالوا : نعم , فضرب بيده ~~على شجرة غيلان فإذا عليها عراجين موز , فأكلوا إلا شابا منهم , فقال : لا ~~آكل ولا أصحبك بعدها , لأني كنت أسير بلا معلوم , وقد صرت أنت الآن معلومي ~~, كلما جعت التفتت نفسي إليك . | { منضود * } أي منظوم بالحمل من أعلاه إلى ~~أسفله متراكم يتراكب بعضه على بعض على ترتيب هو في غاية ms5126 الإعجاب , قال في ~~القاموس : ن الطلح : شجر عظيم , والطع : والموز , والطلع من النخل : شيء ~~يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود , والطرف محدد , أو ما يبدو من ~~ثمرته أول ظهورها . | ولما ذكر ما لا يكون إلا في البلاد الحارة قال : { ~~وظل ممدود * } أي مستوعب للزمان والمكان فهو دائم الاستمداد كما بين ~~الإسفار وطلوع الشمس لا فناء له ولا نهاية . | ولما كان ما ذكر من الري لا ~~يستلزم الجري قال : { وماء مسكوب * } أي جار في منازلهم من غير أخدود ولا ~~يحتاجون فيه إلى جلب من الأماكن البعيدة , ولا الإدلاء في بئر كما لأهل ~~البوادي . | ولما ذكر ما تقدم , عم بقوله : { وفاكهة كثيرة * } أي أجناسها ~~وأنواعها وأشخاصها . | ولما كانت لا تكون عندنا إلا في أوقات يسيرة , بين ~~أن أمر الجنة على غير ذلك فقال : { لا مقطوعة } ولما كانت في الدنيا قد يعز ~~التوصل إليها مع وجودها لشيء من الأشياء أقله صعود الشجرة أو التحجز بجدار ~~أو غيره قال : { ولا ممنوعة * } ولما كان التفكه لا يكمل الالتذاذ به إلا ~~مع الراحة قال : { وفرش مرفوعة * } أي هي رفيعة القدر وعالية بالفعل لكثرة ~~الحشو ولتراكم بعضها على بعض ولأنها على السرر , وروى PageV07P409 البغوي ~~من طريق النسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : ( ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام ) . | ~~< < # | الواقعة : ( 35 - 46 ) إنا أنشأناهن إنشاء # > > ^ ( إنآ أنشأناهن إنشآء * فجعلناهن أبكارا * عربا أترابا * لأصحاب ~~اليمين * ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين * وأصحاب الشمال مآ أصحاب ~~الشمال * في سموم وحميم * وظل من يحموم * لا بارد ولا كريم * إنهم كانوا ~~قبل ذلك مترفين * وكانوا يصرون على الحنث العظيم ) ^ } ) | ولما كانت ~~النساء يسمين فرشا , قال تعالى معيدا للضمير على غير ما يتبادر إليه الذهن ~~من الظاهر على طريق الاستخدام مؤكدا لأجل إنكار من ينكر البعث : { إنا } أي ~~بما لنا من القدرة والعظمة التي لا يتعاظمها شيء { أنشأناهن } أي الفرش ~~التي معناها النساء من أهل الدنيا بعد الموت ولو عن ms5127 الهرم والعجز بالبعث , ~~وزاد في التأكيد فقال : { إنشاء * } أي من غير ولادة , بل جمعناهن من ~~التراب كما فعلنا في سائر المكلفين ليكونوا كأبيهم آدم عليه الصلاة والسلام ~~في خلقه من تراب , فتكون الإعادة كالبداءة , ولذلك يكون الكل عند دخول ~~الجنة على شكله عليه الصلاة والسلام , ويجوز أن يكون المراد بهن الحور ~~العين فيكون إنشاء مبتدعا لم يسبق له وجود . | ولما كان للنفس أتم التفات ~~إلى الاختصاص , وكان الأصل في الأنثى المنشأة أن تكون بكرا , نبه على أن ~~المراد بكارة لا تزول إلا حال الوطىء ثم تعود , فكلما عاد إليها وجدها بكرا ~~, فقال : { فجعلناهن } أي الفرش الثيبات وغيرهن بعظمتنا المحيطة بكل شيء { ~~أبكارا * } أي بكارة دائمة لأنه لا تغيير في الجنة ولا نقص . | ولما كان ~~مما جرت به العادة أن البكر تتضرر من الزوج لما يلحقها من الوجع بإزالة ~~البكارة , دل على أنه لا نكد هناك أصلا بوجع ولا غيره بقوله : { عربا } جمع ~~عروب , وهي الغنجة المتحببة إلى زوجها , قال الرازي في اللوامع : الفطنة ~~بمراد الزوج كفطنة العرب . | ولما كان الاتفاق في السن أدعى إلى المحبة ~~ومزيد الألفة قال : { أترابا * } أي على سن واحدة وقد واحد , بنات ثلاث ~~وثلاثين سنة وكذا أزواجهن . | قال الرازي في اللوامع : أخذ من لعب الصبيان ~~بالتراب - انتهى , وروى البغوي من طريق عبد بن حميد عن الحسن : قال أتت ~~عجوز النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ! ادع الله أن يدخلني ~~الجنة , فقال : ( يا أم فلان ! إن الجنة لا تدخلها عجوز ) , فولت تبكي , ( ~~قال : أخبرها أنها لا تدخلها وهي عجوز , إن الله تعالى يقول : إنا أنشأناهن ~~, الآية ) رواه الترمذي عنه في الشمائل هكذا مرسلا , ورواه البيهقي في كتاب ~~البعث عن عائشة رضي PageV07P410 الله عنها والطبراني في الأوسط من وجه عنها ~~, ومن وجه آخر عن أنس رضي الله عنه , قال شيخنا حافظ عصره ابن حجر : وكل ~~طرقه ضعيفة , وروى البغوي أيضا من طريق الثعلبي عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنه عن النبي صلى الله عليه ms5128 وسلم في هذه الآية قال : ( عجائزكن في الدنيا ~~عمشا رمصا فجعلهن أبكارا ) . | ولما كان هذا الوصف البديع مقتضيا لما يزدهي ~~عنه النفس لأن يقال : لمن هؤلاء ؟ وإن كان قد علم قبل ذلك , نبه عليه بقوله ~~تعالى : { لأصحاب اليمين * } ويجوز أن يتعلق ب { أترابا } نصا على أنهن في ~~أسنان أزواجهن . | ولما أنهى وصف ما فيه أهل هذا الصنف على أنهى ما يكون ~~لأهل البادية بعد أن وصف ما للسابقين بأعلى ما يمكن أن يكون لأهل الحاضرة , ~~وكان قد قدم المقايس في السابقين بين الأولياء والآخرين , فعل هنا كذلك ~~فقال : { ثلة من الأولين * } أي من أصحاب اليمين { وثلة } أي منهم { من ~~الآخرين * } فلم يبين فيهم قلة ولا كثرة , والظاهر أن الآخرين أكثر , فإن ~~وصف الأولين بالكثرة لا ينافي كون غيرهم أكثر ليتفق مع قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ( إن هذه الأمة ثلثا أهل الجنة , فإنهم عشرون ومائة صف , هذه ~~الأمة منهم ثمانون صفا . | ) ولما أتم وصف ما فيه الصنفان المحمودان , وبه ~~تمت أقسام أصحاب الميمنة الأربعة الذين هم أصحاب القلب واليمين , اتبعه ~~أضدادهم فقال : { وأصحاب الشمال } أي الجهة التي تتشاءم العرب بها وعبر بها ~~عن الشيء الأخس والحظ الأنقص , والظاهر أنهم أدنى أصحاب المشأمة كما كان ~~أصحاب اليمين دون السابقين من أصحاب الميمنة , ثم عظم ذمهم ومصابهم فقال : ~~{ ما أصحاب الشمال * } أي إنهم بحال من الشؤم هو جدير بأن يسأل عنه . | ~~ولما ذمهم وعابهم , ذكر عذابهم ليعلم أن القسم الأشد منهم في الشؤم أشد ~~عذابا فقال : { في سموم } أي ظرفهم المحيط بهم لفح من لفح النار شديد يتخلل ~~المسام { وحميم * } أي ماء حار بالغ في الحرارة إلى حد يذيب اللحم . | ولما ~~كان للتهكم في القلب من شديد الوقد ما يجل عن الوصف والحد قال : { وظل } ثم ~~أتبعه ما صرح بأنه تهكم فقال : { من يحموم * } أي دخان أسود كالحمم أي ~~الفحم شديد السواد بما أفهمته الزيادة وشبه صيغة المبالغة : ولما كان ~~المعهود من الظل البرد والإراحة , نفى ذلك عنه فقال : { لا بارد ms5129 } ليروح ~~النفس { ولا كريم * } ليؤنس به ويلجأ إليه ويرجى خيره ويعول في حال عليه ~~بأن يفعل ما يفعله الواسع الخلق الصفوح من الإكرام , بل هو مهين , سماه ظلا ~~لترتاح النفس إليه ثم نفى عنه نفع الظل وبركته لينضم حرقان : اليأس بعد ~~الرجاء إلى إخراق اليحموم فتصير الغصة غصتين . | PageV07P411 ولما أنتج هذا ~~أنه على خلق اللئيم فهو موضع الحرارة والضيق والخسة والشدة , علله بقوله : ~~{ إنهم } أكده وإن كان فيهم أهل الضر لاجتماعهم في الاسترواح إلى منابذة ~~الدين باتباع الشهوات , ولأن ما مضى لهم بالنسبة إلى هذا العذاب حال ناعم , ~~وعبر بالكون دلالة على العراقة في ذلك ولو تهيئهم له جبلة وطبعا فقال : { ~~كانوا } أي في الدنيا . | ولما كان ذلك ملازما للاستغراق في الزمان بميل ~~الطباع , نزع الجار فقال : { قبل ذلك } أي الأمر العظيم الذي وصلوا إليه { ~~مترفين * } أي في سعة من العيش منهمكين في الشهوات مستمتعين بها متمكنين ~~فيها لترامي طباعهم إليها فأعقبهم ما في جبلاتهم من الإخلاد إلى الترف عدم ~~الاعتبار والاتعاظ في الدنيا والتكبر على الدعاة إلى الله , وفي الآخرة شدة ~~الألم لرقة أجسامهم المهيأة للترف بتعودها بالراحة بإخلادها إليها وتعويلها ~~عليها { وكانوا } أي مع الترف { يصرون } أي يقيمون ويدومون على سبيل ~~التجديد مما لهم من الميل الجبلي إلى ذلك { على الحنث } أي الذنب , ومنه ~~قولهم : بلغ الغلام الحنث , أي الحلم الذي هو وقت المؤاخذة بالذنب , ويطلق ~~الحنث على الكذب والميل إلى الأبطيل واليمين الغموس ونقض العهد المؤكد . | ~~ولما كان ذلك قد يكون من المعهود مما يغتفر بكونه صغيرا أو في وقت يسير قال ~~: { العظيم * } دالا على أنهم يستهينون العظائم من القبائح والفواحش . | < ~~< # | الواقعة : ( 47 - 55 ) وكانوا يقولون أئذا . . . . . # > > ^ ( وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون * أو ~~آبآؤنا الأولون * قل إن الأولين والآخرين * لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم * ~~ثم إنكم أيها الضآلون المكذبون * لآكلون من شجر من زقوم * فمالئون منها ~~البطون * فشاربون عليه من الحميم * فشاربون شرب الهيم ) ^ } ) | ولما وصفهم ~~بالترف والإصرار على السرف , وكان ذلك يلازم ms5130 البطالة , وكان يلزم عنها ~~الغباوة والفساد الموجب للشقاوة , ذكر إنكارهم لما لا أبين منه , فقال ~~عاطفا على ما أفهمه التعبير عن الإثم بالحنث من نحو : فكانوا يقسمون بالله ~~جهد أيمانهم أنهم لا يبعثون وأن الرسل كاذبون : { وكانوا يقولون * } أي ~~إنكارا مجددين لذلك دائما جلافة أو عنادا : { أئذا } أي أنبعث إذا , وحذف ~~العامل لدلالة { مبعوثون } عليه , ولا يعمل هو لأن الاستفهام وحرف التأكيد ~~اللذين لهما الصدر معناه { متنا } أي فلم يبق في رد أرواحنا طب بوجه { وكنا ~~} أي كونا ثابتا { ترابا وعظاما } ولما كان استفهامهم هذا لإنكار أن يكون ~~في شيء من إقامة أبدانهم أو رد أرواحهم طب , أعاد الاستفهام تاكيدا ~~لإنكارهم فقال : { أءنا لمبعوثون * } أي كائن وثابت بعثنا ساعة من الدهر , ~~وأكدوا ليكون إنكارهم لما دون المؤكد بطريق الأولى . | PageV07P412 ولما ~~كانت أفهامهم واقفة مع المحسوسات لجمودهم . | وكان البلى كلما كان أقوى كان ~~ذلك البالي في زعمهم من البعث أبعد , قالوا مخرجين في جملة فعلية عطفا على ~~الواو من { معبوثون } من غير تأكيد بضمير الفصل بالاستفهام : { أو آباؤنا } ~~أي يبعث أي الذين قد بليت مع لحومهم عظامهم , فصاروا كلهم ترابا ولا سيما ~~إن حملتهم السيول ففرقت ترابهم في كل أوب , وذهبت به في كل صوب , وسكن نافع ~~وابن عامر الواو على أن العاطف { أو } ويجوز أن يكون العطف على محل ( إن ) ~~واسمها . | ولما كانوا في غاية الجلافة , رد إنكارهم بإثبات ما نفوه , ~~وزادهم الإخبار بإهانتهم ثم دل على صحة ذلك بالدليل العقلي لمن يفهمه , ~~فقال مخاطبا لأعلى الخلق وأوقفهم به لأن هذا المقام لا يذوقه حق ذوقه إلا ~~هو كما أنه لا يقوم بتقريره لهم والرفق بهم إلا هو : { قل } أي لهم ولكل من ~~كان مثلهم , وأكد لإنكارهم : { إن الأولين } الذين جعلتم الاستبعاد فيهم ~~أوليا , ونص على الاستغراق بقوله : { والآخرين * } ودل على سهولة بعثهم ~~وأنه في غاية الثبات , منبها على أن نقلهم بالموت والبلى تحصيل لا تفويت : ~~{ لمجموعون * } بصيغة اسم المفعول , في المكان الذي يكون فيه الحساب . | ~~ولما كان جمعهم بالتدريج ms5131 , عبر بالغاية فقال : { إلى ميقات } أي زمان ومكان ~~{ يوم معلوم * } أي معين عند الله , ومن شأنه أن يعلم بما عنده من الأمارات ~~, والميقات : ما وقت به الشيء منزمان أو مكان أي حد . | ولما كان زمان ~~البعث متراخيا عن نزول القرآن , عبر بأداته وأكد لأجل إنكارهم فقال : { ثم ~~} أي بعد البعث بعد الجمع المدرج { إنكم } وأيد ما فهمه من أصحاب الشمال هم ~~القسم الأدنى من أصحاب المشأمة فقال : { أيها الضالون } أي الذين غلبت عليه ~~الغباوة فيهم لا يفهمون , ثم أتبع ذلك ما أوجب الحكم عليهم بالضلال فقال : ~~{ المكذبون * } أي تكذيبا ناشئا عن الضلال والتقيد بما لا يكذب به إلا عريق ~~في التكذيب بالصدق { لآكلون من شجر } منبته النار . | ولما كان الشجر معدن ~~الثمار الشهية كالسدر والطلح , بينه بقوله : { من زقوم * } أي شيء هو في ~~غاية الكراهة والبشاعة في المنظر ونتن الرائحة والأذى , قال أبو عبد الله ~~القزاز في ديوانه الجامع وعبد الحق في واعيه : الزقم : شوب اللبن والإفراط ~~فيه , يقال : بات يزقم اللبن زقما , ومن هذا الزقوم الذي ذكرهالله تبارك ~~وتعالى , وقالا : قال أبو حنيفة : الزقوم شجرة غبراء صغيرة الورق لا شوك ~~لها زفرة لها كعابر في رؤوسها ولها ورد تجرشه النحل , ونورها أبيض ورأس ~~ورقها قبيح جدا , وهي مرعى , ومنابتها السهل , وقال في القاموس : في الدفر ~~بالدال PageV07P413 المهملة , الدفر - بالتحريك : وقوع الدود في الطعام ~~والذل والنتن , ويسكن , وقال في المعجمة : الذفر - محركة : شدة ذكاء الريح ~~كالذفرة أو يخص برائحة الإبط المنتن , والنتن وماء الفحل , والذفراء من ~~الكتائب : السهكة من الحديد , والكعبرة بضمتين عين وراء مهملتين : عقدة ~~أنبوب الزرع , وعن السهيلي أن أبا حنيفة ذكر في النبات أن شجرة باليمن يقال ~~لها الزقوم لا ورق لها , وفروعها أشبه شيء برؤوس الحيات , وقال البيضاوي : ~~شجرة صغير الورق دفرة مرة تكون بتهامة , وفي القاموس : والزقمة : الطاعون ~~وقال في النهاية : فعول من الزقم : اللقم الشديد والشرب المفرط , وقال ابن ~~القطاع : زقم زقما : بلع , ومن الاشتراط والشجرة المنتنة والبشعة المنظر ~~أنه شيء كريه يضطر آكله ms5132 إلى التملؤ منه بنهمة وهمة عظيمة , ومن المعلوم أن ~~الحامل له على هذا مع هذه الكراهة لا يكون إلا في أعلى طبقات الكراهة , ~~ولذلك حسن جدا موقع قوله مسببا عن الأكل : { فمالئون } أي ملأ هو في غاية ~~الثبات وأنتم في غاية الإقبال عليه مع ما هو عليه من عظيم الكراهة { منها } ~~أي الشجرة , أنثه لأنه جمع شجر أو هو اسم جنس , وهم يكرهون الإناث فتأنيثه ~~- والله أعلم - زيادة في تنفيرهم منه { البطون * } أي لشيء عجيب يضطركم إلى ~~تناول هذا الكريه مما هو أشد منه كراهة بطبقات من جوع أو غيره , وإن فسرت ~~بما قالوا من أنه معروف لهم أنه الزبد بالتمر لم يضر ذلك بل يكون المعنى ~~أنهم يتملؤون منها تملأ من يأكل من هذا في الدنيا مع أنه من المعلوم أنه لا ~~شيء في النار المعدة للعذاب لمن أعدت لعذابه حسن . | ولما كان من يأكل ~~كثيرا يعطش عطشا فيشرب ما قدر عليه رجاء تبريد ما به من حرارة العطش , سبب ~~عنه قوله : { فشاربون عليه } أي على هذا المليء أو الأكل { من الحميم * } ~~أي الماء الذي هو في غاية الحرارة بحث ضوعف إحماؤه وإغلاؤه . | ولما كان ~~شربهم لأدنى قطرة من ذلك في غاية العجب , أتبعه ما هو أعجب منه وهو شدة ~~تملئهم منه فقال مسببا عما مضى : { فشاربون } أي منه { شرب } بالفتح في ~~قراءة الجماعة وبالضم لنافع وعاصم وحمزة , وقرئ شاذا بالكسر والثلاثة مصادر ~~, قال في القاموس : وشرب كسمع شربا ويثلث أ والشراب مصدر وبالضم والكسر ~~اسمان , وبالفتح القوم : يشربون , وبالكسر : الماء والحظ منه , والمورد ~~ووقت الشرب , والكل يصلح هنا { الهيم * } أي الإبل العطاش لأن بها الهيام ~~وهو داء يشبه الاستسقاء جمع أهيم , وقال القزاز : جمع هيماء وهو أي - ~~اليهام - بالضم : داء يصيب الإبل فتشرب ولا تروى - انتهى . | وقال : ذو ~~الرمة : | PageV07P414 فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد صداها ولا يقضي عليها ~~هيامها | ويقال : الهيم : الرمل , ينصب فيه كل ما صب عليه , والمعنى أنه ~~يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى الأكل ms5133 ثم من العطش ما يضطرهم إلى الشرب ~~على هذه الهيئة . | < < # | الواقعة : ( 56 - 61 ) هذا نزلهم يوم . . . . . # > > ^ ( هذا نزلهم يوم الدين * نحن خلقناكم فلولا تصدقون * أفرأيتم ما ~~تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن ~~بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ) ^ } ) | ولما ~~كان كأنه قيل : هذا عذابهم كله , قيل تهكما بهم ونكاية لهم : { هذا نزلهم } ~~أي ما يعد لهم أول قدومهم مكان ما يعد للضيف أول حلوله كرامة له { يوم ~~الدين * } أي الجزاء الذي هو حكمة القيامة , وإذا كان هذا نزلهم فما ظنك ~~بما يأتي بعده على طريق من يعتني به فما ظنك بما يكون لمن هو أغنى منهم من ~~المعاندين وهو في طريق التهكم مثل قول أبي الشعراء الضبي : وكنا إذا الجبار ~~بالسيف ضافنا جعلنا القنا والمرهفات له نزلا ولما ذكر الواقعة وما يكون ~~فيها للأصناف الثلاثة , وختم بها على وجه بين فيه حكمتها وكانوا ينكرونها , ~~دل عليه بقوله : { نحن } أي لا غيرنا { خلقناكم } أي بما لنا من العظمة , ~~ولعل هذا الخطاب للدهرية المعطلة من العرب . | ولما كانوا منكرين للبعث ~~عدوا منكرين للابتداء وإن كانوا من المخلصة بالمقريب بالخلق لأنهما لما ~~بينهما من الملازمة لا انفكاك لأحدهما عن الآخر فقال : { فلولا } أي فتسبب ~~عن ذلك أن يقال تهديدا ووعيدا : هلا ولم لا { تصدقون * } أي بالخلق الذي ~~شاهدتموه ولا منازع لنا فيما فيه فتصدقوا بما لا يفرق بينه وبينه إلا بأن ~~يكون أحق منه في مجاري عاداتكم , وهو الإعادة فتعملوا عمل العبيد لساداتهم ~~ليكون حالكم حال مصدق بأنه مربوب . | ولما حضضهم على التصديق بالاستدلال ~~بإيجادهم , وكان البعث إنما هو تحويلهم من صورة بالية إلى الصورة التي ~~كانوا عليها من قبل , سبب عن تكذيبهم به مع تصديقهم بالخلق عدم النظر في ~~تبديل الصور في تفاصيله , أو سبب عن قول من عساه يقول من أهل الطبائع : ~~إنما خلقنا من نطفة حدثت بحرارة كامنة , فقال : { أفرأيتم } أي أخبروني هل ~~رأيتم بالبصر أو البصيرة أنا خلقناكم فيهديكم ms5134 ذلك أنا نقدر على الإعادة كما ~~قدرنا على البداءة فرأيتم { ما تمنون * } أي تريقون - من النطف التي هي مني ~~في الأرحام بالجماع . | ولما كانت العبرة بالمسبب لا بالسبب , نبه على ذلك ~~بتجديد الإنكار تنبيها على PageV07P415 أنهم وإن كانوا مترفين بتفرده ~~بالإبداع , فإن إنكارهم للبعث مستلزم لإنكارهم لذلك فقال : { ءأنتم تخلقونه ~~} أي توجدونه مقدرا على ما هو عليه من الاستواء والحكمة بعد خلقه من صورة ~~النطفة إلى صورة العلقة ثم من صورة العلقة إلى صور المضغة ثم منها إلى صور ~~العظام والأعصاب { أم نحن } خاصة . | ولما كان المقام لتقرير المنكرين ذكر ~~الخبر المفهوم من السياق على وجه أفهم أن التقدير : أو أنتم الخالقون له أن ~~نحن ؟ فقال : بل نحن { الخالقون * } أي الثابت لنا ذلك , فالآية من ~~الاحتباك : ذكر أولا { تخلقون } دليلا على حذف مثله له سبحانه ثانيا , وذكر ~~الاسم ثانيا دليلا على حذف مثله لهم أولا , وسر ذلك أنه ذكر ما هو الأوفق ~~لأعمالهم مما يدل على وقت التجدد ولو وقتا ما , وما هو الأولى بصفاته ~~سبحانه مما يدل على الثبات والدوام . | ولما كان الجواب : أنت الخالق وحدك ~~, وكان الطبيعي ربما قال : اقتضى ذلك الحرارة المخمرة للنطفة , وكانت ~~المفاوتة للآجال مع المساواة في اسمية الحياة من الدلائل العظيمة على تمام ~~القدرة على الإفناء والإبداء بالاختيار مبطلة لقول أهل الطبائع دافعة لهم , ~~أكد ذلك الدليل بقوله : { نحن } أي بما لنا من العظمة لا غيرنا { قدرنا } ~~أي تقديرا عظيما , لا يقدر سوانا على نقض شيء منه { بينكم } أي كلكم لم ~~نترك أحدا منكم بغير حصة منه { الموت } أي أوجبناه على مقدار معلوم لكل أحد ~~لا يتعداه , فقصرنا عمر هذا وربما كان في الأوج من قوة البدن وصحة المزاج , ~~فلو اجتمع الخلق كلهم على إطالة عمره ما قدروا أن يؤخروه لحظة , وأطلنا عمر ~~هذا وقد يكون في الحضيض من ضعف البدن واضطراب المزاج لو تمالؤوا على تقصيره ~~طرفة عين لعجزوا , وأنتم معترفون بأنه سبحانه رتب أفعاله على مقتضى الكمال ~~والقدرة والحكمة البالغة , فلو كانت ms5135 فائدة الموت مجرد القهر لكانت نقصا ~~لكونه يعم الغني والفقير والظالم والمظلوم , ولكان جعل الإنسان مخلدا أولى ~~وأحكم , ففائدته غير مجرد القهر وهي الحمل على إحسان العمل للقاهر خوفا من ~~العرض عليه والمحاسبة بين يديه ثم النقلة إلى دار الجزاء والترقية إلى ~~العلوم التي البدن حجابها من تمييز الخبيث والطيب والعلم بمقادير الثواب ~~والعقاب , وغير ذلك مما يبصره أولو الألباب . | ولما كان حاصل الموت أنه ~~تغيير الصورة التي كانت إلى غيرها , وكان من قدر على تحويل صورة إلى شيء ~~قدر على تحويلها إلى شيء آخر مماثل لذلك الشيء قال : { وما نحن } أي على ما ~~لنا من العظمة , وأكد النفي فقال : { بمسبوقين * } أي بالموت ولا عاجزين ~~ولا مغلوبين { على أن نبدل } تبديلا عظيما { أمثالكم } أي صوركم وأشخاصكم ~~لما تقدم في الشورى من أن المثل في الأصل هو الشيء نفسه { وننشئكم } ~~PageV07P416 أي إنشاء جديدا بعد تبديل ذواتكم { في ما لا تعلمون * } فإن ~~بعضهم تأكله السباع أو الحتيان أو الطيور فتنشأ أبدانها منه , بعضهم يصير ~~ترابا فربما نشأ منه نبات فأكلته الدواب , فنشأ منه أبدانها , وربما صار ~~ترابه من معادن الأرض كالذهب والفضة والحديد والحجر ونحو ذلك , وقد لمح إلى ~~ذلك قوله تعالى : { قل كونوا حجارة أو حديدا أو خلقا } غلى آخرها , أو يكون ~~المعنى كما قال البغوي : نأتي بخلق مثلكم بدلا منكم ونخلقكم فيما لا تعلمون ~~من الصور . | أي بتغيير أوصافكم وصوركم في صور أخرى بالمسخ , ومن قدر على ~~ذلك قدر على الإعادة . | < < # | الواقعة : ( 62 - 69 ) ولقد علمتم النشأة . . . . . # > > ^ ( ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون * أفرأيتم ما تحرثون * ~~أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون * لو نشآء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون * إنا ~~لمغرمون * بل نحن محرومون * أفرأيتم المآء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من ~~المزن أم نحن المنزلون ) ^ } ) | ولما كان التقدير : فلقد علمتم النشأة ~~الثانية النطفية , عطف عليه قوله مؤكدا تنبيها على أنهم لما كانوا يعملون ~~بخلاف ما يعلمون كانوا كأنهم منكرون لهذا العلم : { ولقد علمتم } أي أيها ~~العرب { النشأة الأولى } الترابية لأبيه آدم عليه ms5136 الصلاة والسلام : أو ~~اللحمية لأمكم حواء عليها السلام حيث لم يكن هناك طبيعة تقتضي ذلك , وإلا ~~لوجد مثل ذلك بعد ذلك , والنطفية لكم , وكل منها تحويل من شيء إلى غيره , ~~فالذي شاهدتم قدرته على ذلك لا يقدر على تحويلكم بعد أن تصيروا ترابا إلى ~~ما كنتم عليه أولا من الصورة ؟ ولهذا سبب عما تقدم قوله : { فلولا } أي ~~فهلا ولم لا { تذكرون * } أي تذكرا عظيما تكرهون أنفسكم وإن كان فيه خفاء ~~ما - مما أشار إليه الإدغام من أن الملوم عليه غيب , وكذا بعض ما قيس به أن ~~من قدر على هذه الوجوه من الإبداءات قدر على الإعادة , بل هي أهون في مجاري ~~عاداتكم . | ولما كان علمهم بأمر النبات الذي هو الآية العظمى لإعادة ~~الأموات أعظم من علمهم بجميع ما مضى , وكان أمره في الحرث وإلقاء البذر فيه ~~أشبه شيء بالجماع وإلقاء النطفة , ولذلك سميت المرأة حرثا , وصل بما مضى ~~مسببا عنه قوله منكرا عليهم : { أفرأيتم } اي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو ~~البصيرة ما نبهناكم عليه وفيما تقدم فتسبب عن تنبهكم لذلك أنكم رأيتم { ما ~~تحرثون * } أي تجددون حرثه على سبيل الاستمرار بتهيئة أرضه للبذر وإلقاء ~~البذر فيه . | ولما كانوا لا يدعون القدرة على الإنبات بوجه , وكان القدر ~~عليه قادرا على كل شيء , وهم يعتقدون في أمر البعث ما يؤدي إلى الطعن في ~~قدرته , كرر الإنكار عليهم PageV07P417 فقال : { ءأنتم تزرعونه } أي ~~تنبتونه بعد طرحكم البذر فيه وتحفظونه إلى أن يصير مالا { أم نحن } خاصة , ~~وأكد لما مضى بذكر الخبر المعلوم من السياق فقال : { الزارعون * } أي ~~المنبتون له والحافظون , فالآية من الاحتباك بمثل ما مضى في أختها قريبا ~~سواء . | ولما كان الجواب قطعا : أنت الفاعل لذلك وحدك ؟ قال موضحا لأنه ما ~~زرعه غيره بأن الفاعل الكامل من يدفع عما صنعه ما يفسده , ومن إذا أراد ~~إفساده لم يقدر أحد على منعه { لو نشاء } أي لو عاملناكم بصفة العظمة , ~~وأكد لأن فعلهم فعل الآمن من ذلك مع أنهم في غاية الاستبعاد لأن يهلك زرعهم ms5137 ~~كما زرعوه أو لأن المطعوم أهم من المشروب وأعظم , فإنه الأصل في إقامة ~~البدن والمشروب تبع له فقال : { لجعلناه } أي بتلك العظمة { حطاما } أي ~~مكسرا مفتتا لا حب فيه قبل النبات حتى لا يقبل الخروج أو بعده ببرد مفرط أو ~~حر مهلك أو غير ذلك فلا ينتفع به { فظلتم } أي فأمتم بسبب ذلك نهارا في وقت ~~الأشغال العظيمة وفي كل وقت وتركتم كل ما يهمكم { تفكهون * } قال في ~~القاموس : فكههم بملح الكلام : أطرافهم بها وفكه - كفرح فكها فهو فكه وفاكه ~~: طيب النفس أو يحدث صحبه فيضحكم ومنه تعجب كتفكه , والتفاكه : التمازح , ~~وتفكه : تندم : والأفكوكة : الأعجوبة , وقال ابن برجان : الفكه هو المتردد ~~في القول سببت ذلك التلف أو تتعجبون أو تحدثون في ذلك ولم تعرجوا على شغل ~~غيره كما تفعلون عند الأشياء السارة التي هي في غاية الإعجاب والملاحة ~~والملاءمة , ولهذاعبر عما المراد به الإقامة مع الدوام ب { ظل } الذي معناه ~~أقام نهارا إشارة إلى ترك الاشغال التي تهم ومحلها النهار ويمنع الإنسان من ~~أكثر ما يهمه من الكلام لهذا النازل الأعظم , وحذف إحدى لامي ظل وتاء ~~التفعل من تفكه إشارة إلى ضعف المصابين عن الدفاع في بقائهم وفي كلامهم حال ~~بقائهم الضعيف , وكون المحذوف عين الفعل وهو الوسط , إشارة إلى خلع القلب ~~واختراق الجوف والقهر العظيم , فلا قدرة لأحد منهم على ممانعة هذا النازل ~~بوجه ولا على تبريد ما اعتراه منه من حرارة الصدر وخوف الفقر بغير الشكاية ~~إلى آماله ممن يعلم أنه لا ضر في يده ولا نفع , ورمبا كان ذلك إشارة إلى ~~أنه عادته سبحانه قرب الفرج من شدائد الدنيا ليكون الإنسان متمكنا من الشكر ~~لا عذر له في تركه , ويكون المعنى أنكم مع كثرة اعتيادكم للفرج بعد الشدة ~~عن قرب تيأسوا أول ما يصدمكم البلاء , فتقبلون على كثرة الشكاية , ولا ~~ينفعكم كثرة التجارب لإدرار النعم أبدا . | ولما ذكر تفكههم , وكان التفكه ~~يطلق على ما ذكر من التعجب والتندم وعلى PageV07P418 التنعم , قال الكسائي ~~: هو من الأضداد , تقول العرب ms5138 : تفكهت أي تنعمت , وتفكهت , أي حزنت , بين ~~المراد بقوله حكاية لتفكههم : { إنا } وأكد إعلاما بشدة بأسهم فقال { ~~لمغرمون * } أي مولع بنا وملازمون بشر دائم وعذاب وهلاك لهلاك رزقنا , أو ~~مكرمون بغرامة ما أنفقنا ولم ينتفع به , وقراءة أبي بكر عن عاصم بالاستفهام ~~لإنكار هذا الواقع والاستعظام له والتعجب منه , وهي منبهة على أنهم لشدة ~~اضطرابهم من ذلك الحادث مذبذبون تارة يجزمون باليأس والشر وتارة يشكون فيه ~~وينسبون الأمر إلى سوء تصرفهم , وعليه يدل إضرابهم : { بل نحن } أي خاصة { ~~محرمون * } أي حرمنا غيرنا زرعه , قال في القاموس : الغرام : الولوع والشر ~~الدائم والهلاك والعذاب , والغرامة ما يلزم أداؤه , وحرمه : منعه , ~~والمحروم , الممنوع عن الخير ومن لا ينمى له مال والمحارف - أي بفتح الراء ~~- وهو الممنوع من الخير الذي لا يكاد يكتسب , وقال الأصبهاني في تفسيره : ~~والمحروم ضد المرزوق , أي والمرزوق المجرود بالجيم وهو المحظوظ . | ولما ~~وقفهم على قدرته في الزرع مع وجود أسبابه , وقدمهم بشدة إليه , وكان ربما ~~ألبس نوع لبس لأن لهم فيه سببا في الجملة , أتبعه التوقيف على قدرته على ~~التصرف في سببه الذي هو الماء الذي لا سبب لهم في شيء من أمره أصلا , فقال ~~مسببا عما أفادهم هذا التنبيه مذكرا بنعمة الشرب الذي يحوج إليه الغذاء : { ~~أفرءيتم } أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة ما نبهنا عليه مما مضى في ~~المطعم وغيره , أفرأيتم { الماء } ولما كان منه ما لا يشرب , وكانت النعمة ~~في المشروب أعظم , قال واصفا له بما إغنى عن وصفه بالعذوبة , وبين موضع ~~النعمة التي لا محيد عنها فقال : { الذي تشربون * } ولما كان عنصره في جهة ~~العلو , قال منكرا عليهم مقررا لهم : { أءنتم أنزلتموه } ولما كان الإنزال ~~قد يطلق على مجرد إيجاد الشيء النفيس , وكان السحاب من عادته المرور مع ~~الريح لا يكاد يثبت , عبر بقوله تحقيقا لجهة العلو وتوقيفا عل موضع النعمة ~~في إثباته إلى أن يتم حصول النفع به : { من المزن } أي السحاب المملوء ~~الممدوح الذي شأنه الإسراع في المضي , وقال الأصبهاني , وقيل : السحاب ms5139 ~~الأبيض خاصة , وهو أعذب ماء { أم نحن } أي خاصة , وأكد بذكر الخبر وهو لا ~~يحتاج إلى ذكره في أصل المعنى فقال : { المنزلون * } أي له , رحمة لكم ~~وإحسانا إليكم بتطييب عيشكم على ما لنا من مقام العظمة الذي شأنه الكبر ~~والجبروت وعدم المبالاة بشيء , والآية من الاحتباك بمثل ما مضى في الآيتين ~~السابقتين سواء . | PageV07P419 < < # | الواقعة : ( 70 - 76 ) لو نشاء جعلناه . . . . . # > > ^ ( لو نشآء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون * أفرأيتم النار التي تورون * ~~أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون * نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين * ~~فسبح باسم ربك العظيم * فلا أقسم بمواقع النجوم * وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ~~) ^ } ) | ولما كان الجواب : أنت وحدك فعلت ذلك على غناك عن الخلق بما لك ~~من الرحمة وكمال الذات والصفات , قال مذكرا بنعمة أخرى : { لو نشاء } أي ~~حال إنزاله وبعده قبل أن ينتفع به . | ولما كانت صيرورة الماء ملحا أكثر من ~~صيرورة النبت حطاما , ولم يؤكد لذلك وللتنبيه على أن السامعين لما مضى ~~التوقيف على تمام القدرة صاروا في حيز المعترفين فقال تعالى : { جعلناه } ~~أي بما تقتضيه صفات العظمة { أجاجا } أي ملحا مرا محرقا كأنه في الأحشاء ~~لهيب النار المؤجج فلا يبرد عطشا ولا ينبت نبتا ينتفع به . | ولما كان هذا ~~مما لا يساغ لإنكاره , سبب عنه على سبيل الاستمرار باستعمال { فلولا تشكرون ~~* } أي فهل لا ولم لا تجددون الشكر على سبيل الاستمرار باستعمال ما أفادكم ~~ذلك من القوى في طاعة الذي أوجده لكم ومكنكم منه وجعله ملائما لطباعكم ~~مشتهى لنفوسكم نافعا لكم في كل ما ترونه . | ولما كانت النار سببا لعنصر ما ~~فيه الماء فيتحلب فيتقاطر كما كان الماء سببا لتشقيق الأرض بالزرع , ولم ~~يكن لمخلوق قدرة على التصول بنوع سبب , أتبعه بما كما أتبع الزرع بالماء ~~لذلك ولبيان القدرة على ما لا سبب فيه لمخلوق في السفل كما كان إنزال الماء ~~عريا عن سنتهم في العلو , فقال مسببا عما مضى تنبيها على أنه أهلهم للتأمل ~~في مصنوعاته والتبصر في عجائب آياته فقال : { أفرءيتم } أي أخبروني هل ~~رأيتم ms5140 بالأبصار والبصائر ما تقدم فرأيتم { النار } ولما كان المراد نارا ~~مخصوصة توقفهم على تمام قدرته وتكشف لهم ذلك كشفا بينا بإيجاد الأشياء من ~~أضدادها فقال : { التي تورون * } أي تستخرجون من الزند فتوقودون به سواء ~~كان الزند يابسا أو أخضر بعد أن كانت خفية فيه لا يظن من لم يجرب ذلك أن ~~فيه نارا أصلا , فكان ذلك مثل التورية التي يظهر فيها شيء ويراد غيره , ثم ~~صار بعد ذلك الخفاء إلى ظهور عظيم وسلطة متزايدة على الآخر فتتقدح منها ~~النار على أن النار في كل شجر , وإنما خص المرخ والعفار لسهولة القدح منهما ~~, وقد قالوا : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار . | ولما كان هذا من ~~عجائب الصنع , كرر التقرير والإنكار تنبيها عليه فقال : { ءأنتم أنشأتم } ~~أي اخترعتم وأوجدتم وأودعتم وأحييتم وربيتم وأوقعتم { شجرتها } أي المرخ ~~PageV07P420 والعفار التي تتخذون منها الزناد الذي يخرج منه , وأسكنتموها ~~النار مختلطة بالماء الذي هو ضدها وخبأتموها في تلك الشجرة لا يعدو واحد ~~منها على الآخر مع المضادة فيغلبه حتى يمحقه ويعدمه { أم نحن } أي خاصة , ~~وأكد بقوله : { المنشئون * } أي لها بما لنا من العظمة على تلك الهيئة , ~~فمن قدر على إيجاد النار التي هي أيبس ما يكون من الشجرة الأخضر مع ما فيه ~~من المائية المضادة لها في كيفيتها , كان أقدر على إعادة الطرواة والغضاضة ~~في تراب الجسد الذي كان غضا طريا فيبس وبلي , والآية من الاحتباك بمثل ما ~~مضى في أخوتها سواء . | ولما كان الجواب قطعا : أنت وحدك , قال دالا على ~~ذلك تنبيها على عظم هذا الخبر : { نحن } أي خاصة { جعلناها } بما اقتضته ~~عظمتنا , وقدم من منافعها ما هو أولى بسياق البعث الذي هو مقامه فقال : { ~~تذكرة } أي شيئا تتذكرونه وتتذكرون به تذكرا عظيما جليلا عن كل ما أخبرنا ~~به من البعث وعذاب النار الكبرى وما ينشأ فيها من شجرة الزقوم وغير ذلك مما ~~ننيره لأولي البصائر والفهوم من المعلوم , قال ابن برجان : فوزان قدح ~~الزناد من الشجر , والزناد وزان الصيحة بهم ووزان إنشائه ms5141 الأجسام وبإنشائها ~~من غيبها أن النار الكبرى في غيب ما نشاهده , وهذا من آثار كونها في الجو - ~~انتهى . | وعلق بحا سبحانه كثيرا من أسباب المعاش التي لا غنى عنها ليكون ~~مذكرا لهم بما أوقدوا به حاضرا دائما فيكون أجدر باتعاظهم { ومتاعا } أي ~~إنشاء وبقاء وتعميرا ونفعا وإيصالا إلى غاية المراد من الاستضائة والاصطلاء ~~والإنضاج والتحليل والإذابة والتعقيد والتكليس , وهروب السباع وغير ذلك , ~~والمراد أنها سبب لجميع ذلك { للمقوين } أي الجياع الذي أقوت بطونهم - أي ~~خلت - من الفقر والإغناء من من النازلين بالأرض القواء , والقواء بالكسر ~~والمد أي القفر الخالية المتباعدة الأطراف البعيدة من العمران , وكل آدمي ~~مهيأ للقواء فهو موصوف به وإن لم يكن حال الوصف كذلك , وقال الرازي : أقوى ~~من الأضداد : اغتنى وافتقر , وقال أبو حيان : وهذه الأربعة التي ذكرها الله ~~تعالى ووقفهم عليها من أمر خلقهم وما به قوام عيشهم من المطعوم والمشروب , ~~والنار من أعظم الدلائل على البعث إذ فيها انتقال من شيء إلى شيء إحداث شيء ~~من شيء , ولذلك أمر في آخرها بتنزيهه - انتهى . | ولما دل سبحانه في هذه ~~الآيات على عجائب القدرة وغرائب الصنع , فبدأ بالزرع وختم بالنار والشجر , ~~وأوجب ما نبه التذكر لأمرها والتبصر في شأنها أنها من أسباب ما قبلها , ~~وأنه سبب لها لكونه سببا لها لإثبات ما هي له , وكان مجموع ذلك PageV07P421 ~~إشارة إلى العناصر الأربعة , قال ابن برجان : إلا أن الماء والأرض لخلق ~~الأركان , والاخلاق والصفات للهواء والنار , وكان ذلك من جميع وجوهه أمرا ~~باهرا , أشار إلى زيادة عظمته بالأمر بالتنزيه مسببا عما أفاد ذلك , فقال ~~معرضا عمن قد يلم به الإنكار مقبلا على أشرف خلقه إشارة إلى أنه لا يفهم ~~هذا المقام حق فهمه سواه ولا يعمل به حق عمله غيره : { فسبح } أي أوقع ~~التنزيه العظيم عن كل شائبة نقص من ترك البعث وغيره ولا سيما بعد بلوغ هذه ~~الأدلة هذه الأدلة إلى حد المحسوس تسبيح متعجب من آثار قدرته الدالة على ~~تناهي عظمته وتسبيح شكر له وتعظيم له وإكبار ms5142 وتنزيه عما يقول الجاحدون ~~وتعجيب منهم مقتديا بجميع ما في السماوات والأرض , ومن أعجب ذلك أنه سخر ~~لنا في هذه الدار جهنم , قال ابن برجان : جعل منها بحرارة الشمس جنات ~~وثمرات وفواكه وزروع ومعايش . | ولما كان تعظيم الاسم أقعد في تعظيم المسمى ~~قال : { باسم } أي متلبسا بذكر اسم { ربك } أي المحسن بعد التربية إليك ~~بهذا البيان الأعظم بما خصك به مما لم يعطه أحدا غيرك , وأثبتوا ألف الوصل ~~هنا لأنه لم يكثر دوره كثرته في البسملة منها وحذفوه منها لكثرة دورها وهم ~~شأنهم الإيجاز وتقليل الكثير إذا عرف معناه , وهذا معروف لا يجهل , وإثبات ~~ما أثبت من أشكاله مما لا يكثر دليل على الحذف منه , وكذا لا تحذف الألف مع ~~غير الباء في اسم الله ولا مع الباء في غير الجلالة من الأسماء لما تقدم من ~~العلة . | ولما كان المقام للتعظيم قال : { العظيم * } الذي ملأ الأكوان ~~كلها عظمة , فلا شيء منها إلا وهو مملوء بعظمته تنزها عن أن تلحقه شائبة ~~نقص أو يفوته شيء من كمال , قال القشيري : وهذه الآيات التي عددها سبحانه ~~تمهيد لسلوك طريق الاستدلال وكما في الخبر ( تفكر ساعة خير من عبادة ستين ~~سنة ) هذه الفكرة التي نبه الله عليها . | ولما كان من العظمة الباهرة ما ~~ظهر في هذه السورة من أفانين الإنعام في الدارين , وبدأ بنعمة الآخرة ~~لكونها النتيجة , ثم دل عليها بإنعامه في الدنيا فكان تذكيرا بالنعم لتشكر ~~, ودلالة على النتيجة لتذكر , وفي كل حالة تستحضر فلا تكفر , فوصلت الدلالة ~~إلى حد هو أوضح من المحسوس وأضوأ من المشموس , وكان مع هذه الأمور الجليلة ~~في مظهر أعجز الخلائق على أن يأتوا بمثله من كل وجه , أما من جهة الجواب عن ~~PageV07P422 تشبههم وتعنتهم فلكونه يطابق ذلك مطابقة لا يمكن أن يكون شيء ~~مثلها , ويزيد على ذلك بما شاء الله من المعارف من غير أن يدع لبسا , وأما ~~من جهة المفردات فلكونها النهاية في جلالة الألاظ ورشاقة الحروف وجمع ~~المعاني , فيفيد ذلك أنه لا تقوم كلمة أخرى ms5143 مقام كلمة منه أصلا , وأما من ~~جهة التركيب فلكون كل كلمة منها أحق في مواضعها بحيث إنه لو قدم شيء منها ~~أو أخر لاختل المعنى المراد في ذلك السياق بحسب ذلك المقام , وأما من جهة ~~الترتيب في الجمل والآيات والقصص في المبادئ والغايات فلكونه مثل تركيب ~~الكلمات , كل جملة منتظمة بما قبلها انتظام الدر اليتيم في العقد المحكم ~~النظيم , لأنها إما أن تكون علة لما تلته أو دليلا أو متممة بوجه من الوجوه ~~الفائقة على وجه ممتع الجناب جليل الحجاب لتكون أحلى في فمه , وأجلى بعد ~~ذوقه في نظمه وسائر عمله , فكان ثبوت جميع ما أخبر به على وجه لا مغتمر فيه ~~ولا وقفة في اعتقاد حسنه , فثبت أن الله تعالى أرسل الآتي بهذا القرآن صلى ~~الله عليه وسلم بالهدى وبالحق , لا أنه آتاه كل ما ينبغي له , فآتاه الحكمة ~~وهي البراهين القاطعة واستعمالها على وجوهها , والموعظة الحسنة , وهي ~~الأمور المرققة للقلوب المنورة للصدور , والمجادلة التي هي على أحسن الطرق ~~في نظم معجز موجب للإيمان , فكان من سمعه ولم يؤمن لم يبق له من الممحلات ~~إلا أن يقول : هذا البيان ليس لظهور المدعى وثبوته بل لقوة عارضة المدعي ~~وقوته على تركيب الأدلة وصوغ الكلام وتصريف وجوه المقال , وهو يعلم أنه ~~يغلب لقوة جداله لا لظهور مقاله , كما أنه ربما يقول أحد المتناظرين عند ~~انقطاعه لخصمه : أنت تعلم ان الحق معي لكنك تستضعفيني ولا تنصفني , فحينئذ ~~لا يبقى للخصم جواب إلا الإقسام بالإيمان التي لا مخرج عنها أنه غير مكابر ~~وأنه منصف , وإنما يفزع إلى الإيمان لأنه لو أتى بدليل آخر لكان معرضا لمثل ~~هذا , فيقول : وهذا غلتني فيه لقوة جدالك وقدرتك على سوق الأدلة ببلاغة ~~مقالك , فلذلك كانوا إذا أفحمهم النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : إنه يريد ~~أن يتفضل علينا فيما نعلم خلافه , فلم يبق إلا الإقسام , فأنزل الله أنواعا ~~من الأقسام بعد الدلائل العظام , ولهذا كثرت الآيات في أواخر القرآن , وفي ~~السبع الأخيرة خاصة أكثر , فلذلك سبب عن ms5144 هذه الأدلة الرائعة والبراهين ~~القاطعة قوله : { فلا أقسم } بإثبات ( لا ) النافية , إما على أن يكون ~~مؤكدة بأن ينفي ضد ما أثبته القسم , فيجمع الكلام بين إبات المعنى المخبر ~~به ونفي ضده , وإما على تقدير أن هذا المقام يستحق لعظمته وإنكارهم له أن ~~يقسم عليه بأعظم من هذا على ما له من العظمة لمن له علم - والله أعلم . | ~~PageV07P423 ولما كان الكلام السابق في الماء الذي جعله سبحانه مجمعا ~~للنعيم الدنيوية الظاهرة وقد رتب سبحانه لإنزاله الأنواء على منهاج دبره ~~وقانون أحكمه , وجعل إنزال القرآن نجوما مفرقة وبوارق متلالئة متألقة قال : ~~{ بمواقع النجوم * } أي بمساقط الطوائف القرآنية المنيرة النافعة المحيية ~~للقلوب , وبهبوطها الذي ينبني عليه ما ينبني من الآثار الجليلة وأزمان ذلك ~~وأماكنه وأحواله , وبمساقط الكوكب وأنوائها وأماكن ذلك وأزمانه في تدبيره ~~على ما ترون من الصنع المحكم والفعل المتقن المقوم , الدال بغروب الكواكب ~~على القدرة على الطي بعد النشر والإعدام بعد الإيجاد , وبطلوعها الذي يشاهد ~~أنها ملجأة إليه إلجاء الساقط من علو إلى سفل لا يملك لنفسه شيئا , لقدرته ~~على الإيجاد بعد الإعدام , وبآثار الأنواء على مثل ذلك بأوضح منه - إلى غير ~~ذلك من الدلالات التي يضيق عنها العبارات , ويقصر دون علينا مديد الإشارات ~~, ولمثل هذه المعاني الجليلة والخطوب العظيمة جعل في الكلام اعتراضا بين ~~القسم وجوابه , وفي الاعتراض اعتراضا بين الموصوف وصفته تأكيدا للكلام , ~~وهزا لنافذ الأفهام تنبيها على أن الأمر عظيم والخطب فادح جسيم , فقال ~~موضحا له بالتأكيد رحمة للعبيد بالإشارة إلى أنهم جروا على غر ما يعلمون من ~~عظمتنا فعدوا غير عالمين : { وإنه } أي هذا القسم على هذا المنج { لقسم لو ~~تعلمون } أي لو تجدد لكم في وقت علم لعلمتم أنه { عظيم } وإقسامه لنا على ~~ذلك ونحن أقل قدرا وأضعف أمرا إعلاما بما له من الرحمة التي من عظمها أنه ~~لا يتركنا سدى - كل ذلك ليصلح أنفسنا باتباع أمره والوقوف عند زجره , قال ~~ابن برجان : ومن إتقانه جل جلاله في خليقته وحكمه في بريته أن جعل لكل واقع ms5145 ~~من النجوم الفلكية طالعا يسمى بالإضافة إلى الواقع الرقيب دون تأخر , وذلك ~~هو المشار إليه بقوله تعالى : < # > 77 ( { رب المشرقين ورب المغربين فبأي آلاء ربكما تكذبان } ) 77 < # > [ الرحمن : 18 ] يجمع ذلك الشمس والقمر والنجوم وهي نجوم منازل القمر ~~عددها ثمانية وعشرون منزلة سوى تحجبها الشمس فتمت والنجوم وهي نجوم منازل ~~القمر عددها ثمانية وعشرون وربما استتر ليلتين , فالقمر ينزل في هذه ~~المنازل كل ليلة منزلة حتى يتمها لتمام الشهر , وإما الشمس فإنها تقيم فيها ~~أربعة عشر يوما ويسمى حلولها في هذه المحال ثم طلوع المنزلة التي تليها ~~لوقوع هذا رقيب لها نوء - انتهى , وهو يعني أن من تأمل هذه الحكم علم ما في ~~هذا القسم من العظم , وأشبع القول فيها أبو الحكم , وبين ما فيها من بدائع ~~النعم , ثم قال : ويفضل الله بفتح رحمته كما يشاء فينزل من السماء ماء ~~مباركا يكسر به من برد الزمهرير فيرطبه ويبرد من حر السعير فيعدله , وقسم ~~السنة على أربعة فصول أتم فيها أمره في الأرض بركاتها وتقدير أقواتها , قال ~~< # > 77 ( { وبارك فيها وقدر بها أقواتها في أربعة PageV07P424 أيام } ) ^ [ ~~فصلت : 10 في قراءتنا ( فيها ) بدل ( بها ) } ا . | ه . | ثم قال : وجعل ~~هذه الدنيا على هذا الاعتبار الجنة الصغرى , ولو أتم القسم على هذا الوجه ~~ثم على الاعتبار تخفيفه الفيح وإنارته الزمهرير والسعير هي جهنم الصغرى . | ~~< < # | الواقعة : ( 77 - 85 ) إنه لقرآن كريم # > > ^ ( إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون * تنزيل ~~من رب العالمين * أفبهذا الحديث أنتم مدهنون * وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون * ~~فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن ~~لا تبصرون ) ^ } ) | ولما أتم القسم على هذا الوجه الجليل , أجابه بقوله ~~مؤكدا لما لهم من ظاهر الإنكار : { إنه } أي القرآن الذي أفهمته النجوم ~~بعموم أفهامها { لقرآن } أي جامع سهل قريب مفقه مبين للغوامض ذو أنواع ~~جليلة { كريم * } ظهرت فيه أفانين إنعامه سبحانه فيما دق من أمور هذه ~~الدنيا وجل من أمور الدارين بما ذكر في هذه السورة وما تقدمها ms5146 من إصلاح ~~المعاش والمعاد , فهو بالغ الكرم منزه عن كل شائبة نقص ولؤم ودناءة , من ~~كرمه كونه من الملك الأعلى إلى خير الخلق بسفارة روح القدس وبلسان العرب ~~الذين اتفق الفرق على أن لسانهم أفصح الألسن وعلى وجه أعجز العرب . | ولما ~~ذكر المعنى , ذكر محل النظم الدال عليه بلفظ دال على نفس النظم فقال : { في ~~كتب } أي خط ومخطوط فيه جامع على وجه هو في غاية الثبات { مكنون * } أي هو ~~في ستر مصون لما له من النفاسة والعلو في السماء في اللوح المحفوظ , وفي ~~الأرض في الصدور المشرفة , وفي السطور في المصاحف المكرمة المطهرة , محفوظا ~~مع ذلك من التغيير والتبديل . | ولما كان ما هو كذلك قد يحصل له خلل يسوء ~~خدامه قال : { لا يسمه } أي الكتاب الذي هو مكتوب الذي هو مكتوب فيه أعم من ~~أن يكون في السماء أو في الأرض أو القرآن أو الكتوب منه فضلا عن أن يتصرف ~~فيه { إلا المطهرون * } أي الطاهرون الذين بولغ في تطهيرهم وهم رؤوس ~~الملائكة الكرام , ولم يكن السفير به إلا هم ولم ييسر الله حفظه إلا لأطهر ~~عباده , ولم يعرف معناه إلا لأشرف حفاظه وأطهرهم قلوبا , ومن عموم ما ~~يتحمله اللفظ من المعنى بكونه كلام العالم لكل شيء فهو لا يحمل لفظا إلا ~~وهو مراد له أنه يحرم منه على من لم يكن له في غاية الطهارة بالبعد عن ~~الحدثين الأكبر والأصغر , فهو على هذا نفي بمعنى النهي وهو بألغ , قال ~~البغوي : وهو قول أكثر أهل العلم , وروي بإسناد من طريق أبي مصعب عن مالك ~~عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو ابن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ~~لعمرو بن حزم رضي الله عنه ( أن لا PageV07P425 يمس القرآن إلا طاهر ) ~~والمراد به المصحف للجوار كما في النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو . | ~~ومما يحتمله أيضا التعبير باللمس أنه لا يقرأه بلسانه إلا طاهر , فإن أريد ~~الجنابة كان النهي للحرمة أو للأكمل . | ولما ذكر الذي منه صيانته ms5147 , أتبعه ~~شرفه بشرف منزله وإنزاله على حال هو في غاية العظمة مسميا له باسم المصدر ~~للمبالغة ولأن هذا المصدر أغلب احواله , ولذلك غلب عليه هذا الأسم : { ~~تنزيل } أي وصوله إليكم بالتدريج بحسب الوقائع والتقريب للأفهام والتأني ~~والترقية من حال إلى حال وحكم بواسطة الرسل من الملائكة . | ولما كان هذا ~~في غاية الاتفاق واليسر ذكر من صفاته ما يناسبه فقال : { من رب العالمين * ~~} من الخالق العالم بتربيتهم . | ولما افصح من وصف هذا الكتاب العظيم ما ~~يقتضي أن يكون بمجرده مثبتا لما لا تدركه العقول من كماله وكافيا في ~~الإذعان لاعتقاده فكيف إذا كان ما تحكم العقول وتقضي بفساد ما سواه , فكيف ~~إذا كان مما يتذكر الإنسان مثله في نفسه , عجب منهم في جعله سببا لإنكار ~~البعث الذي إذا ذكر الإنسان أحوال نفسه كفاه ذلك في الجزم به فقال منكرا ~~تعجبا : { أفبهذا } ولما كان الإنسان مغربما بما يجدد له من النعم ولو هان ~~فكيف إذا أعلى النعم قال : { الحديث } أي الذي تقدمت أوصافه العالية وهو ~~متجدد إليكم إنزاله وقتا بعد وقت { أنتم } أي وأنتم العرب الفصحاء ~~والمفوهون البلغاء { مدهنون * } أي كذابون منافقون بسببه تظهرون غير ما ~~تبطنون أنه كذاب وأنتم تعلمون صدقه بحسن معانيه , وعجزكم عن مماثلته في ~~نظومه ومبانيه , وتقولون : لو شئنا لقلنا مثل هذا : وجميع أفعالكم تخالف ~~هذا فإنكم تصبرون لوقع السيوف ومعانقة الحتوف , ولا تأتون بشيء يعارضه ~~يبادئ شيئا منه أو ناقضه أو تلاينون أيها المؤمنون من يكذب به ويطعن في ~~علاه أو يتوصل ولو على وجه خفيإلى نقض شيء من عراه , تهاونا به ولا يتصلبون ~~في تصرفه تعظيما لأمره حتى يكونوا أصلب من الحديد , قال في القاموس : دهن : ~~نافق , والمداهنة : إظهار خلاف ما تبطن كالإدهان والغش , وقال البغوي رحمه ~~الله : هو الإدهان وهو الجري في الباطن على خلاف الظاهر , وقال الرازي : ~~والفرق بين المداراة والمداهنة يرجع إلى القصد , فما قصد به غرض سوى الله ~~فهو المداهنة , وما قصد به أمر يتعلق بالدين فهو المداراة , وقال ابن برجان ~~: الإدهان ms5148 والمداهنة : الملاينة في الأمور والتغافل والركون إلى التجاوز - ~~انتهى . | فهو على هذا PageV07P426 إنكار على من سمع أحدا يتكلم في القرآن ~~بما لا يليق ثم لا يجاهره بالعداوة , وأهل الاتحاد كابن عربي الطائي صاحب ~~الفصوص وابن الفارض صاحب التائية أول من صوبت إليه هذه الآية , فإنهم ~~تكلموا في القرآن على وجه يبطل الدين أصلا ورأسا ويحله عروة عروة , فهم أضر ~~الناس على هذا الدين , ومن يؤول لهم أو ينافح عنهم ويعتذر لهم أو يحسن الظن ~~بهم مخالف لإجماع الأمة أنجس حالا منهم فإن مراده إبقاء كلامهم الذي لا ~~أفسد للإسلام منه من غير أن يكون لإبقائه مصلحة ما بوجه من الوجوه . | ولما ~~كان هذا الق { آن متكفلا بسعادة الدارين , قال تعالى : { وتجعلون رزقكم } ~~أي حظكم ونصبيكم وجميع ما تنتفعون به من هذا الكتاب وهو نفعكم كله { أنكم ~~تكذبون * } أي توجدون حقيقة التكذيب في الماضي والحال , وتجددون ذلك في كل ~~وقت به وبما أرشد إليه من الأمور الجليلة وهي كل ما هو أهل للتصديق به ~~وتصفونه بالأوصاف المتناقضة , ومن ذلك ما أرشد إليه من أنه لا فاعل إلا ~~الله تعالى فتقولون أنتم إذا أمطركم ما يرزقكم به : هذا بنوء كذا , معتقدين ~~تأثير ذلك النوء , وإنما هو بالله تعالى , فجعلتم جزاء الرزق وبذل الشكر ~~على لارزق التكذيب , وقال ابن برجان : وضياء يقين جليته , وما أنزلته من ~~السماء من بكرات قدرتها ومن رياح أرسلتها , وسحب ألفتها , تجعلون مكان ~~الشكر على ذلك التكذيب . | ولما أنكر عليهم هذا الإنكار , وعجب منهم هذا ~~التعجيب في أن ينسبوا لغيره فعلا أو يكذبوا له خبرا , سبب عن ذلك تحقيقا ~~لأنه لا فاعل سواه قوله : { فلولا } وهي أداة تفهم طلبا بزجر وتوبيخ وتقريع ~~بمعنى هل لا ولم لا { إذا بلغت } أي الروح منكم ومن غيركم عند الاحتضار , ~~أضمرت من غير ذكر لدلالة الكلام عليها دلالة ظاهرة { الحلقوم * } وهو مجرى ~~الطعام في الحلق , والحلق مساغ الطعام والشراب معروف , فكان الحلقوم أدنى ~~الحلق إلى جهة اللسان لأن الميم لمنقطع التمام , { وأنتم } أي ms5149 والحال أنكم ~~أيها العاكفون حول المحتضر المتوجعون له { حينئذ } أي حين إذ بلغت الروح ~~ذلك الموضع . | ولما كان بصرهم لكونه لا ينفذ في باطن كالعدم قال : { ~~تنظرون * } أي ولكم وصف التحديث إليه ولا حيلة لكم ولا فعل بغير النظر , ~~ولم يقل : تبصرون , لئلا يظن أن لهم إدراكا بالبصر لشيء من البواطن من ~~حقيقة الروح وغيرها نحوها { ونحن } أي والحال أنا نحن بما لنا من العظمة { ~~أقرب إليه } أي المحتضر حقيقة بعلمنا وقدرتنا PageV07P427 التامة وملائكتنا ~~{ منكم } على شدة قربكم منه { ولكن لا تبصرون * } أي مع تحديقكم إليه لا ~~يتأثر عن ذلك التحديث غايته , وهو الإبصار لقربنا منه , ولا ملائكتنا ~~الموكلين بقبض روحه , لتعلموا أن الفعل لنا لا لغيرنا , فلا يتجدد لكم شيء ~~من هذا الوصف لتدركوا به حقيقة ما هو فيه , فثبت ما أخبرنا به من الاختصاص ~~بباطن العلم والقدرة اللذين عبرنا عنهما بالقرب الذي هو أقوى أسبابها . | < ~~< # | الواقعة : ( 86 - 96 ) فلولا إن كنتم . . . . . # > > ^ ( فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونهآ إن كنتم صادقين * فأمآ إن ~~كان من المقربين * فروح وريحان وجنات نعيم * وأمآ إن كان من أصحاب اليمين * ~~فسلام لك من أصحاب اليمين * وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * فنزل من ~~حميم * وتصلية جحيم * إن هذا لهو حق اليقين * فسبح باسم ربك العظيم ) ^ } ) ~~| ولما كان الكلام لإثبات هذه الأغراض المهمة قبل جواب ( لولا ) أعادها ~~تأكيدا لها وتبينا فقال : { فلولا إن كنتم } أيها المكذبون بالبعث وغيره { ~~غير مدينين * } أي مقهورين مملوكين مجربين محاسبين بما عملتم في دار البلاء ~~التي أقامكم فيها أحكم الحاكمين بامتناعكم بأنفسكم عن أن يجازيكم أو يمنع ~~غيركم لكم منه , وأصل تركيب ( دان ) للذل والانقياد - قاله البيضاوي { ~~ترجعونها } أي الروح إلى ما كانت عليه { إن كنتم } أي كونا ثابتا { صدقين * ~~} أي في أنكم غير مقهورين على الإحضار على الملك الجبار الذي أقامكم في هذه ~~الدار للابتلاء والاختبار , وأنه ليس لغيركم أمركم , وفي تكذيبكم لما يخبر ~~به من الأمور الدنيوية بذل شكركم , وهذا دليل على أنه لا حياة لمن بلغت ms5150 ~~روحه الحلقوم أصلا وهذا إلزام لهم بالبعث حاصله أنه سبحانه إن كان لا ~~يعيدكم فليس هو الذي قدر الموت عليكم , وإن كان لم يقدره فما لكم لا ~~ترفعونه عنه لأنه من الفوادح التي لا يدرك علاجها , وأنتم تعالجون مقدماته ~~. | وإن قلتم : إنه مقدر لا يمكن علاجه , لزمكم الإقرار بأن البعث مقدر لا ~~يمكن علاجه , فإن أنكرتم أحدهما فأنكروا الآخر , وإن أقررتم بأحدهما فأقروا ~~بالآخر , وإلا فليس إلا العناد , فإن قلتم : نحن لا نعلم أنه قدره فاعلموا ~~أنه لو لم يكن بتقديره لأمكنت مقاومته وقتا ما لا سيما والنفوس مجبولة على ~~كراهته , وفي الموتى الحكماء والملوك , وتقريبه أنكم قد بالغتم في الجحود ~~بآيات الله تعالى وأفعاله في كل شيء إن أرسل إليكم رسولا قلتم : ساحر كذاب ~~, وإن صدقه مرسله بكتاب معجز قلتم : سحر وافتراء وأمر عجاب , وإن رزقكم من ~~الماء الذي به حياة كل شيء مطرا ينعشكم به قلتم : صدق نوء كذا , على حال ~~مؤد إلى التعطيل والإهمال والعبث , فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن عند ~~بلوغه الحلقوم PageV07P428 إن لم يكن ثم مدبر لهذا الكون بالإرسال والإنزال ~~وإفاضة الأرواح وقبضها وبعث العباد لدينونتهم على ما فعلوا فيما أقامهم فيه ~~, تمثيل بأفعال الملوك على ما يعهد , فكما أن ملوك الدنيا لا يرسل أحد منهم ~~إلى أحد من رعيته فيأخذه قهرا إلا للدينونة فكيف يظن بملك الملوك غير ذلك , ~~فتكون ملوك الدنيا أحكم منه , فإن كان ليس بتمام القدرة فافعلوا برسله كما ~~تفعلون برسل الملوك , فإنه ربما خلص المطلوب منهم بنوع من أنواع الخلاص بعد ~~بلوغه إلى باب الملك فإرساله سبحانه هو مثل إرسال الملوك غير أنه لتمام ولا ~~ليخفف عنه شيئا مما هو فيه بغير ما أمر به سبحانه على ألسنة رسله من الدعاء ~~ولاصدقة ولا ليعلم حاله بوجه من الوجوه بل الأمر كما قيل : | إذا غيب المرء ~~استسر حديثه ولم يخبر الأفكار عنه بما يغني | ولما كان التقدير : لا يقدر ~~أحد أصلا على ردها بعد بلوغها إلى ذلك المحل لأنا ms5151 نريد جمع الخلائق ~~للدينونة بما فعلوا فيما أقمناهم فيه وأمرناهم به ولا يكون إلا ما تريد , ~~فكما انكم مقرون بأنه خلقكم من تراب وبأنه يعيدكم قهرا إلى التراب { يلزمكم ~~حتما أن تقروا بأنه قادر على أن يعيدكم من التراب فإن أنكرتم هذا نعيد ~~الخلائق إلى التراب لنجمعهم فيه ثم نبعثهم منه لنجازي كلا بما يستحق ~~ونقسمهم إلى أزواج ثلاثة { فأما إن كان } أي الميت منهم { من المقربين * } ~~أي السابقين الذين اجتذبهم الحق من أنفسهم فقربهم منه فكانوا مرادين قبل أن ~~يكونوا مريدين , وليس القرب قرب مكان لأنه تعالى منزهه عنه , وإنما هو ~~بالتخلق بالصفات الشريفة على قدر الطاقة البشرية ليصير الإنسان روحا خالصا ~~كالملائكة لا سبيل للحظوظ والشهوات عليه , فإن قربهم إنما هو بالانخلاع من ~~الإرادة أصلا ورأسا , وذلك أنه لا شهوات لهم فلا أغراض فلا فعل إلا أمروا ~~به فلا إرادة , إنما الإرادة للمولى سبحانه وهو معنى < # > 77 ( { وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي } ) 77 < # > [ النحل : 90 ] أي مطلق الإرادة في غير أمر من الله , لأن المملوك الذي ~~هو لغيره لا ينبغي ان يكون له شيء لا إرادة ولا غيرها - وفقنا الله تعالى ~~لذلك { فروح } اي فله راحة ورحمة ما ينعشه من نسيم الريح ومعنى قراءة يعقوب ~~بالضم طمأنينة في القلب وسكينة وحياة لا موت بعدها { وريحان } أي رزق عظيم ~~ونبات حسن بهج وأزاهير طيبة الرائحة . | ولما ذكر هذه اللذاذة , ذكر ما ~~يجمعها وغيرها فقال : { وجنات } أي بستان جامع للفواكه والرياحين وما يكون ~~عنها وتكون عنه . | PageV07P429 ولما كان جنان الدنيا قد يكون فيها نكد , ~~أضاف هذه الجنة إلى المراد بهذه الجنان إعلاما بأنها لا تنفك عنه فقال : { ~~نعيم * } أي ليس فيها غيره بل هي مقصورة عليه { وأما إن كان } أي الميت ~~منهم { من أصحاب اليمين * } أي الذين هم الدرجة الثانية من أصحاب الميمنة { ~~فسلام } أي سلامة ونجاة وأمر وقول دال عليه . | ولما كان ما يواجه به ~~الشريف من ذلك أعلى قال : { لك } أي يا أعلى الخلق أو أيها المخاطب . | ~~ولما ms5152 كان من أصاب السلام على وجه من الوجوه فائزا , فكيف إذا كان مصدرا ~~للسلام ومنبعا منه قال : { من أصحاب اليمين * } أي انهم في غاية من السلامة ~~وإظهار السلام , لا يدرك وصفها , وهو تمييز فيه معنى التعجيب , فإن إضافته ~~لم تفده تعريفا , وفي اللام و { من } مبالغة في ذلك , فالمعنى : فأما هم ~~فعجبا لك وأنت أعلى الناس في كل معنى , وأعرفهم بكل أمر غريب منهم في ~~سلامتهم وسلامتهم وتعافيهم وملكهم وشرفهم وعلو مقامهم , وذلك كله إنما ~~أعطوه لأجلك زيادة في شرفك لاتباعهم لدينك , فهو مثل قول القائل حيث قال : ~~| فيا لك من ليل كأن نجومه بكل مقار العمل شدت يذبل | وقول القائل أيضا حيث ~~قال : أي عجبا لك من ليل وعجبا من أنو شروان . | ولما ذكر الصنفين الناجيين ~~, أتبعهما الهالكين جامعا لهم في صنف واحد لأن من أريدت له السعادة يكفيه ~~ذلك , ومن ختم بشقائه لا ينفعه ذلك الإغلاظ والإكثار فقال { وأما إن كان } ~~أي ذلك الذي أخذناه من أصحاب المشأمة وأنتم حوله تنقطع أكبادكم له ولا ~~تقدرون له على شيء أصلا { من المكذبين } . | ولما كان المكذب تارة يكون ~~معاندا , وتارة يكون جاهلا مقتصرا , قال : { الضالين } أي أصحاب الشمال ~~الذين وجهوا وجهة هدى فزاغوا عنها لتهاونهم في البعث { فنزل } أي لهم وهو ~~ما يعد للقادم على ما لاح { من حميم * } أي ماء متناه في الحرارة بعد ما ~~نالوا من العطش كما يرد أصحاب الميمنة الحوض كما يبادر به القادم ليبرد به ~~غلة عطشه ويغسل به وجهه ويديه { وتصليه جحيم * } أي لهم بعد النزل يصلوا ~~النار الشديدة التوقد صليا عظيما . | ولما تم ما أريد إثبات البعث على هذا ~~الوجه المحكم البين , وكانوا مع البيان يكذبون به , لفت الخطاب عنهم إلى ~~أكمل الخلق , وأكد تسميعا لهم فقال سائقا له PageV07P430 مساق النتيجة : { ~~إن هذا } أي الذي ذكر في هذه السورة من أمر البعث الذي كذبوا به في قولهم { ~~إننا لمبعوثون } ومن قيام الأدلة عليه . | ولما كان من الظهور في حد لا ~~يساويه فيه غيره ms5153 . | زاد في التأكيد على وجه التخصيص فقال : { لهو حق ~~اليقين * } أي لكونه لما عليه من الأدلة القطعية المشاهدة كأنه مشاهد مباشر ~~, قال الأصبهاني : قال قتادة في هذه الآية : إن الله عز وجل ليس تاركا أحدا ~~من الناس حتى يوقفه على اليقين من هذا القرآن , فأما المؤمن فأيقن في ~~الدنيا فنفعه ذلك , وأما المنافق فأيقن يوم القيامة حيث لا ينفعه - انتهى . ~~| ولما تحقق له هذا اليقين , سبب عنه أمره بالتنزيه له سبحانه عما وصفوه به ~~مما يلزم منه وصفه بالعجز بعد تقسيمه للأزواج الثلاثة على طريق الإيجاز كما ~~أمره بذلك بعد الفراغ من تقسيمهم على طريق الإطناب إشارة إلى أن المفاوتة ~~بينهم مع ما لهم من العقول من أعظم الأدلة على الفعل بالاختيار وعلى فساد ~~القول بالطبيعة : { فسبح } أي أوقع التنزيه كله عن كل شائبة نقص بالاعتقاد ~~والقول والفعل والصلاة وغيرها بأن تصفه بكل ما وصف به نفسه من الأسماء ~~الحسنى وتنزهه عن كل ما نزه عنه نفسه المقدس , ولقصره الفعل لإفادة العموم ~~أثبت الجار بقوله : { باسم ربك } أي المحسن إليك بما خصك به مما لم يعطه ~~أحدا غيرك عما وصفه به الكفرة من التكذيب بالواقعة , وإذا كان هذا لا سمه ~~فكيف بما له وهو { العظيم * } الذي ملأت عظمته جميع الأقطار والأكوان , ~~وزادت على ذلك بما لا يعلمه حق العلم سواه لأن من له هذا الخلق على هذا ~~الوجه المحكم , وهذا الكلام الأعز الأكرم , لا ينبغي لشائبة نقص أن تلم ~~بجنابه , أو تدنو من فناء بابه , وقد انطبق آخر السورة على أولها في ~~الإخبار بالبعث وتصنيف الخلائق فيه إلى الأصناف المذكورة في أولها أي ~~انطباق , وزاد هذا الآخر بأن اعتنق بدليله أي اعتناق , واتفق مع أول التي ~~بعدها أيذ اتفاق , وطابقه أجل طباق , وختمت بصفتي الرحمة والعظمة , وجلت عن ~~الاسم الجامع كاللتين قبلها لما ذكره في أواخر القمر بصفتي الرحمة يذكر في ~~واحدة من الثلاث أحد من أهل المعصية المصاحبة للأيمان , ليخاطب بالاسم ~~الجامع للإهانة والإحسان , وإنما ذكر أهل الكفراين المستوجبين ms5154 للهوان ~~بالخلود في النيران , وأهل الإيمان المتأهلين للإحسان بتأبيد الإمكان في ~~أعلى الجنان - انتهى . | . . . . | PageV07P431 < # > 70 ( سورة الحديد ) 70 < # > | مقصودها بيالنت ا ، عموم الرسالة لعموم الإلهية بالبعث إلى الأزواج ~~الثلاثة المذكورة في السورتين الماضيتين من الثقلين تحقيقا لأنه سبحانه ~~مختص بجميع صفات الكمال تحقيقا لتنزهه عن طكل شائبة نقص المبدوء به هذه ~~السورة المختوم به ما قبلها الراد لقولهم { أئنا لمبعوثون أو آباؤنا ~~الأولون } [ الواقعة : 47 - 48 ] المقتضي لجهاد من يحتاج إلى الجهاد ممن ~~عصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وما ترتب عليه من النفقة ردا لهم ~~عن النقائص الجسمانية وإعلاء إلى الكلمات الروحانية التي دعا إليها الكتاب ~~حذرا من سواء الحساب يوم التجلي للفصل بين العباد بالعدل ليدخل أهل الكتاب ~~وغيرهم في الدين طوعا أو كرها ، ويعلم أهل الكتاب الذين كانوا يقولون : ليس ~~أحد أفضل منه ، فضيلة هذا الرسول صلى الله عليه وسلم على جمكيع من تقدمه من ~~الرسل عليهم الصلاة والسلام بعموم رسالته وشمول خلافته ، وانتشار دعوته ~~وكثرة أمته تحقيقا لأنه لا حد لفائض رحمته سبحانه لتكون هذه السورة التي هي ~~آخر النصف الأول والتي بعدها التي هي أول النصف الثاني من حيث العدد غاية ~~للمقصود من السورة التي هي أوله عند الالتفات والرد كما كانت السورة التي ~~غاية النصف الأول يفي المقدار وهي الإسراء ، وكذا السورة التي هي أول النصف ~~الثاني وهي الكهف كاشفتين لمقصد الأولى فيما دعت إليه من الهداية وشدت إليه ~~من الإنذار ، على ذلك دل اسمها الحديد يتأمل آياته وتدبر سر ما ذكر فيه ~~وغاياته ، أسند صاحب الفردوزس عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : ' لا تحتجموا يوم الثلاثاء فإن سورة الحديد أنزلت يوم الثلاثاء ~~' { بسم الله } الذي أحاطت إلالهيته بجميع الموجودات { الرحمن } الذي وسعهم ~~جوده فيي جميع الحركات والسكنات { الرحيم } الذي خص من بينهم بما له من ~~الاختيار يفي كمال الاقتدار أهل ولا يته بما يرضيه من العبادات . ~~PageV07P432 < < # | الحديد : ( 1 - 4 ) سبح لله ما . . . . . # > > ^ ( سبح لله ما ms5155 في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم * له ملك ~~السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير * هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن وهو بكل شيء عليم * هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السمآء ~~وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ) ^ } ) | ولما ~~ختمت الواقعة بالأمر بتنزيهه عما أنكره الكفرة من البعث , جاءت هذه لتقرير ~~ذلك التنزيه وتبيينه بالدليل والبرهان والسيف والسنان فقال تعالى كالتعليل ~~لآخر الواقعة : { سبح } أي أوقع التسبيح بدلالة الجبلة تعظيما له سبحانه ~~وإقرارا بربوبيته وإذعانا لطاعته , وقصره , وهو متعد ليدل على العموم بقصره ~~, وعلى الإخلاص بتعديته باللام وجعله ماضيا هنا وفي الحشر والصف ومضارعا في ~~الجمعة والتغابن ليدل على أن مما أسند إليه التسبيح هو من شأنه وهجيراه ~~وديدنه وتخصيص كل من الماضي والمضارع بما افتتح به لما يأتي في أول الجمعة ~~, والإتيان بالمصدر أول الإسراء أبلغ من حيث إنه يدل إطلاقه على استحقاق ~~التسبيح من كل شيء وفي كل حال { لله } أي الملك المحيط بجميع صفات الكمال { ~~ما في السموات } أي الأجرام العالية والذي فيها وهي الأرض ومن فيها وكل ~~سماء ومن فيها , وما بينهما لأنها كلها في العرش الذي هو أعلى الخلق . | ~~ولما كان الكلام آخر الواقعة مع أهل الخصوص بل هو أخص أهل الخصوص , لم يحتج ~~إلى تأكيد فحذف ما جعلا للخافقين كشيء واحد لأن نظره لهما نظر علو نظرا ~~واحدا لما أخبر به عنهما من التنزيه فقال : { والأرض * } أي وما فيها وكذا ~~نفس الأراضي كما تقدم , فشمل , ذلك جميع الموجودات لأنه إذا سبح ذلك كله ~~فتسبيح العرش بطريق الأولى وتنزيه هذه الاشياء بما فيهعا من الأيات الدالة ~~على أنه سبحانه لا يلم بجنابه شائبة نقص , وأن كل شيء واقف على الباب يشاهد ~~الطلب , قال القشيري : التسبيح : التقديس ولتنزيه , ويكون بمعنى سباحة ~~الأسرار في بحار الإجلال , فيظفرون بجواهر التوحيد , وينظمونها في عقد ~~الإيمان ms5156 , ويرصعونها في أطواق الوصلة . | ولما قرر ذلك , دل على أنه لا ~~قدرة لشيء على الانفكاك عنه , وأن له كل كمال , فهو المستحق للتسبيح والحمد ~~فقال : { وهو } أي وحده { العزيز } الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء { ~~الحكيم * } الذي أتقن كل شيء صنعه . | وقال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير ~~العاصمي في برهانه : لما تقدم قوله سبحانه وتعالى ^ ( { فلولا تصدقون } ) ^ ~~[ الواقعة : 57 ] وفيه من التقريع والتوبيخ لمن قرع به ما لا PageV07P433 ~~خفاء به , ثم اتبع بقوله تعالى < # > 77 ( { أفرءيتم ما تمنون } ) 77 < # > [ الواقعة : 58 ] الآيات إلى قوله < # > 77 ( { ومتاعا للمقوين } ) 77 < # > [ الواقعة : 73 ] فعزروا ووبخوا على سوء جهلهم وقبح ضلالهم , ثم قال ~~سبحانه وتعالى بعد ذلك < # > 77 ( { أبهذا الحديث أنتم مدهنون } ) 77 < # > [ الواقعة : 81 ] واستمر توبيخهم إلى قوله : < # > 77 ( { إن كنتم صادقين } ) 77 < # > [ الواقعة : 87 ] فلما أشارت هذه الآيات إلى قبائح مرتكباتهم , أعقب ~~تعالى ذلك تنزيهه عز وجل عن سوء ما انتحلوه وضلالهم فيما جهلوه فقال تعالى ~~< # > 77 ( { فسبح باسم ربك } ) 77 < # > [ الواقعة : 69 ] أي نزهه عن عظيم ضلالهم وسوء ابجترائهم , ثم أعقب ذلك ~~بقوله { سبح لله ما في السموات والأرض } أي سبح باسم ربك , فهي سنة العالم ~~بأسرهم < # > 77 ( { وله أسلم من في السموات والأرض } ) 77 < # > [ آل عمران : 83 ] { سبح لله ما في السموات والأرض } ثم أتبع ذلك بقوله ~~: { له الملك وله الحمد } فبين تعالى انفراده بصفة الجلال ونعوت الكمال , ~~وأنه المتفرد بالملك والحمد وأنه الأول والآخر والظاهر والباطن إلى قوله : ~~{ وهو عليم بذات الصدور } فتضمنت هذه الآيات إرغام من أشير إلى حاله في ~~الآية المتقدمة من سورة الواقعة وقطع ضلالهم والتعريف بما جهلوه من صفاته ~~العلى وأسمائه الحسنى جل وتعالى , وافتتحت آي السورتين واتصلت معانيها ثم ~~صرف الخطاب إلى عباده المؤمنين فقال تعالى { آمنوا بالله ورسوله } واستمرت ~~الآي على خطابهم إلى آخر السورة - انتهى . | ولما أخبر بذلك , دل على وجه ~~مصرح بما أفهمه الأول من تسبيح السماوات والأرض بقوله : { له } أي وحده { ~~ملك السموات والأرض } أي وملك ما فيهما وما ms5157 بينهما ظاهرا وباطنا , فالملك ~~الظاهر ما هو الآن موجود في الدنيا من أرض مدحية وسماء مبنية وكواكب مضية ~~وأفلاك علية ورياح محسوسة وسحاب مرئية - وما تفصل إلى ذلك من خلق وأمر , ~~والملك الباطن الغائب عنا , وأعظمه المضاف إلى الآخر وهو الملكوت , قال ~~القشيري : الملك مبالغة من الملك يعني بدلالة الضمة , قال , والملك بالكسر ~~اي القدرة على الإبداع فلا مالك إلا الله , وإذا قيل لغيره : مالك , فعلى ~~المجاز بالأحكام المتعلقة في الشريعة على ملك الناس أي بتصحيحه أو إفساده ~~ونحوه ذلك , فالآية من الاحتباك : ذكر ما بين السموات والأرض أولا دليلا ~~على حذف ما بينهما ثانيا , وذكر الخافقين ثانيا دليلا على حذف مثل ذلك أولا ~~ليكون التسبيح والملك شاملا للكل . | ولما كان ذلك مما لا نزاع فيه , وكان ~~ربما عاند معاند , دل عليه بما لا مطمع فيه لغيره فقال مقدما الإحياء لأنه ~~كذلك في الخارج ولأن زمن الحياة أكثر لأن البعث حياة دائمة لا موت بعدها : ~~{ يحيي } أي له صفة الإحياء فيحيي ما يشاء من الخلق بأن يوجده على صفة ~~الإحياء كيف شاء في أطور يتقلبها كيف شاء وكيف يشاء ومما يشاء PageV07P434 ~~{ ويميت } اي له هاتان الصفتان على سبيل الاختيار والتجد والاستمرار , فهو ~~قادر على البعث بدليل ما ثبت له من صفة الإحياء . | ولما كان هذا شاملا ~~للقدرة على التجديد والإعادة , عم الحكم بقوله : { وهو على كل شيء } أي من ~~الإحياء والإماتة وغيرهما من كل ممكن { قدير * } أي بالغ القدرة إلى حد لا ~~يمكن الزيادة عليه . | ولما أخبر بتمام القدرة , دل على ذلك بقوله : { هو } ~~أي وحده { الأول } أي بالأزلية قبل كل شيء فلا أول له , والقديم الذي منه ~~وجود كل شيء وليس وجوده من شيء لأن كل ما نشاهده متأثر لأنه حقير , وكل ما ~~كان ما كان كذلك فلا بد له من موجد غير متأثر { والآخر } بالأبدية , الذي ~~ينتهي إليه وجود كل شيء في سلسلة الترقي وهو بعد فناء كل شيء ولو بالنظر ~~إلى ما له من ذاته فلا آخر ms5158 له لأنه يستحيل عليه نعت العدم لأن كل ما سواه ~~متغير , بنوع من التغيير جاز إعدامه , وما جاز إعدامه فلا بد له من معدوم . ~~| يكون بعده ولا يمكن إعدامه . | ولما كان السبق يقتضي البطون , والتأخر ~~يوجب الظهور , وكانا أمرين متضادين لا يكاد الإنسان يستقل بتعلقهما في شيء ~~واحد , نبه على اجتماعهما فيه , فقال مشيرا بالواو إلى تمام الاتصاف وتحققه ~~: { والظاهر } أي بالأحدية للعقل بأدلته الظاهرة في المصنوعات بما له من ~~الأفعال ظهورا لا يجهله عاقل , وهو الغالب في رفعته وعلوه فليس فوقه شيء { ~~والباطن } بالصمدية وعن انطباع الحواس وارتسام الخيال وتصور الفهم والفكر ~~وبتمام العلم والحكمة بما له من العظمة في ذاته بكثرة التعالي والحجب بطونا ~~لا يكتنه شيء , وقال القشيري : الأول بلا ابتداء , الآخر بلا انتهاء . | ~~الظاهر بلا الإحاطة التامة لأنها لما كانت متضادة كانت بحيث لو أعريت عن ~~الواو لربما ظن أن وجودها لا على سبيل التمكن , فلا تكون محيطة بل مقيدة ~~بحيثية مثلا فجاءت الواو دلالة على تمكن الوصف وإحاطته وإنه واقع بكل ~~اعتبار ليس واحد من الأوصاف مكملا لشيء آخر ولا شارحا لمعناه , فهو أول على ~~الإطلاق وآخر كذلك , وظاهر حتى في حال بطونه وباطن كذلك , وهذا على الأصل ~~فإن صفاته تعالى محيطة فلا إشكال , إنما الإشكال عند الخلو من العطف فهو ~~الأغلب في إيرادها كما آخر الحشر , ولعل ذلك مراد الكشاف بقوله : إن الواو ~~الأولى معناها الدلالة على الجامع بين الصفتين الأولية والآخرية , أي جمعا ~~هو في غاية المكنة , والثالثة على أنه الجامع بين الظهور والخفاء , وأما ~~الوسطى فعلى أنه الجامع بين مجموع الصفتين الأولين ومجموع الصفتين ~~الأخيرتين , فهو المستمر الوجود في جميع الأوقات الماضية والآتية . | انتهى ~~. | PageV07P435 ولما كان من ظهر لشيء بطن عن غيره , ومن بطن لشيء غاب عنه ~~علمه , وكان سبحانه في ظهوره على ذلك بمعنى أنه ليس فوقه شيء , وفي بطونه ~~بحيث ليس دونه شيء , فقد جمعت الأوصاف إحاطة العلم والقدرة , أعلم نتيجة ~~ذلك فقال : { وهو بكل شيء عليم * } أي لكون الأشياء ms5159 عنده على حد سواء , ~~والبطون والظهور إنما هو بالنسبة إلى الخلق , وأما هو سبحانه فلا باطن من ~~الخلق عنده بل هو في غاية الظهور لديه لأنه الذي أوجدهم , وهذا معنى ما قال ~~البغوي رحمه الله تعالى : سأل عمر رضي الله عنه كعبا عن هذه الآية فقال : ~~معناها أن علمه بالأول كعلمه بالآخر , وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن - انتهى ~~. | لأن العلم يستلزم القدرة على حسبه . | ولما كان الصانع للشيء عالما به ~~, دل على علمه ومنا تقدم ومن تقدم من وصفه بقوله : { هو } أي وحده { الذي ~~خلق السموات } وجمعها لعلم العرب بتعددها { والأرض } أي الجنس الشامل للكل ~~, أفردها لعدم توصلهم إلى العلم بتعددها { في ستة أيام } سنا للتأني ~~وتقريرا للأيام التي أوترها سباعها الذي خلق فيه الإنسان الذي دل خلقه ~~باسمه { الجمعة } على أنه المقصود بالذات وبأنه السابع على أنه نهاية ~~المخلوقات - انتهى . | ولما كان تمكن الملك من سرير الملك كناية عن انفراده ~~بالتدبير وإحاطة قدرته وعلمه , وكان ذلك هو روح الملك , دل عليه منبها على ~~عظمته بأداة التراخي فقال : { ثم استوى } أي أوجد السواء وهو العدل إيجاد ~~من هو شديد العناية { على العرش } المحيط بجميع الموجودات بالتدبير المحكم ~~للعرش وما دونه ومن دونه لتصور للعباد الملك , بمعنى أنه انفر بالدبير , ~~وقد لا يكون هناك سرير فضلا عن جلوس . | ولما كان المراد بالاستواء ~~الانفراد بالتدبير , وكان التدبير لا يصح إلا بالعلم والقدرة , كشفه بقوله ~~دالا على أن علمه بالخفايا كعلمه بالجلايا : { يعلم ما يلج } أي يدخل دخولا ~~يغيب به { في الأرض } أي من النبات وغيره من أجزاء الأموات وغيرها وإن كان ~~ذلك بعيدا من العرش , فإن الأماكن كلها بالنسبة إليه على حد سواء في القرب ~~والبعد { وما يخرج منها } كذلك , وفي التعبير بالمضارع دلالة على ما أودع ~~في الخافقين من القوى فصار بحيث يتجدد منهما ذلك بخلقه تجدد استمرار إلى ~~حين خرابهما . | ولما قرر ذلك فيما قد يتوهم بعده لبعده عن العرش بسفوله ~~تنبيها على التنزه عن التحيز فكان أولى بالتقديم , أتبعه قسيمه ms5160 وهو جهة ~~العلو تعميما للعمل بسائر الخلق فقال : { وما ينزل من السماء } ولم يجمع ~~لأن المقصود حاصل بالواحدة مع إفهام التعبير بها الجنس السافل للكل , وذلك ~~من الوحي والأمطار والحر والبرد وغيرهما من الأعيان PageV07P436 والمنافع ~~التي يوجدها سبحانه من مقادير أعمار بني آدم وأرزاقهم وغيرها من جميع ~~شؤونهم { وما يعرج } أي يصعد ويرتقي ويغيب { فيها } كالأبخرة والأنوار ~~والكواكب والأعمال وغيرها . | ولما كان من يتسع ملكه يغيب عنه علم بعضه ~~لبعده عنه , عرف أنه لا مسافة أصلا بينه وبين شيء من الأشياء فقال : { وهو ~~معكم } أي أيها لاثقلان المحتاجان إلى التهذيب بالعلم والقدرة المسببين عن ~~القرب { أين ما كنتم } فهو عالم بجميع أموركم وقادر عليكم تعاليا عن اتصال ~~بالعلم ومماسة , أو انفصال عنه بغيبة أو مسافة , قال أبو العباس ابن تيمية ~~في كتابه الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان : لفظ ( مع ) لا يقتضي ~~في لغة العرب أن يكون أحد الشيئين مختلطا بالآخر لقوله < # > 77 ( { اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } ) 77 < # > [ التوبة : 119 ] وقوله : { محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار } ولفظ ( مع ) جاءت في القرآن عامة وخاصة , فالعامة < # > 77 ( { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ~~ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم } ) 77 < # > [ المجادلة : 7 ] فافتتح الكلام بالعلم واختتمه بالعلم , ولهذا قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما والضحاك وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل : هو معهم بعلمه ~~, وأما المعية الخاصة فقوله تعالى : < # > 77 ( { إن الله مع الذين اتقوا والذين هزم محسنون } ) 77 < # > [ النحل : 128 ] وقوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام : < # > 77 ( { إنني معكما أسمع وأرى } ) 77 < # > [ طه : 46 ] وقال : < # > 77 ( { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } ) 77 < # > [ التوبة : 40 ] يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه , فهو دون أبي جهل وغيره من أعدائه , ومع الذين اتقوا والذين هم ~~محسنون دون الظالمين المعتدين , فلو كان معنى المعية أنه بذاته في كل مكان ~~تناقض الخبر الخاص والخبر ms5161 العام , بل المعنى أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده ~~دون أولئك , وقوله تعالى : < # > 77 ( { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } ) 77 < # > [ الزخرف : 84 ] أي هو إله في الماء وإله في الأرض كما قال تعالى : < # > 77 ( { وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم } ) 77 < # > [ الروم : 27 ] وكذلك في قوله تعالى : { وهو الله في السماوات وفي ~~الأرض } كما فسره أئمة العلم كأحمد وغيره أنه المعبود في السماوات والأرض . ~~| ولما كانت الأعمال منها ظاهر وباطن , عبر في أمرها باسم الذات دلالة على ~~شمولها بالعلم والقدر وتنبيها على عظمة الإحاطة بها وبكل صفة من صفاته فقال ~~: { والله } أي المحيط بجميع صفات الكمال , وقدم الجار لمزيد الاهتمام ~~والتنبيه على تحقق الإخاطة كما مضى التنبيه عليه غير مرة وتمثيله بنحو : ~~أعرف فلانا ولا أعرف PageV07P437 غيره ؛ فقال : { بما تعملون } أي على سبيل ~~التجدد والاستمرار { بصير * } أي عالم بجلائله ودقائقه . | < < # | الحديد : ( 5 - 7 ) له ملك السماوات . . . . . # > > ^ ( له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور * يولج الليل في ~~النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور * آمنوا بالله ورسوله ~~وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير ) ~~^ } ) | صانع الشيء قد لا يكون ملكا , وكان الملك لا يكمل ملكه إلا بعلم ~~جميع ما يكون في مملكته والقدرة عليه , وكان إنكارهم للبعث إنكارا لأن يكون ~~ملكا , أكد ذلك بتكرير الإخبار به فقال : { له } أي وحده { ملك السماوات } ~~وجمع لاقتضاء المقام له { والأرض } أفرد لخفاء تعددها عليهم مع إرادة الجنس ~~, ودل على دوام ملكه وإحاطته بقوله عاطفا على ما تقديره : فمن الله المبدأ ~~, معبرا بالاسم الأعظم الجامع لئلا يظن الخصوص بأمور ما تقدم : { وإلى الله ~~} أي الملك الذي لا كفؤ له وحده { ترجع } بكل اعتبار على غاية السهولة { ~~الأمور * } أي كلها حسا بالبعث ومعنى بالإبداء والإفناء , ودل على ذها ~~الإبداء والإفناء بأبدع الأمور وأروقها فقال : { يولج } أي يدخل ويغيب ~~بالنقص والمحو { اليل في النهار } فإذا قد قصر بعد طوله , وقد انمحى بعد ~~تشخصه وحلوله ms5162 , فملأ الضياء الأقطار بعد ذلك الظلام { ويولج النهار } الذي ~~عم الكون ضياؤه وأناره لألأؤه { في اليل } الذي قد كان غاب في علمه , فإذا ~~الظالم قد طبق الآفاق , والطول , الذي كان له قد صار نقصا . | ولما كان في ~~هذا إظهار أخفى الأشياء حتى يصير في غاية الجلاء , أتبعه علم ما هو عند ~~الناس أخفاء ما يكون فقال : { وهو } أي وحده { عليم } أي بالغ العلم { بذات ~~الصدور * } أي ما يصحبها فتخفيه فلا يخرج منها الهمزات على مدى الأيام على ~~كثرة اختلافها وتغيرها وغن خفيت على أصحابها . | ولما قامت الأدلة على ~~تنزيهه سبحانه عن شائبة كل نقص , وإحاطته بكل صفة كمال , المقتضي لثبوت أن ~~الملك له , الموجب قطعا لتفرده بعموم الإلهية , المقتضي لإرسال من يريده ~~إلى جميع من في ملكه , وختم بالعلم بالضمائر التي أجلها الإيمان , قال آمرا ~~بالإذعان له ولرسوله صلى الله عليه وسلم : { آمنوا } أي أيها الثقلان { ~~بالله } أي الملك الأعظم الذي لا مثل له { ورسوله } الذي عظمته من عظمته . ~~| ولما كان الإيمان أساسا , والغنفاق وجها ظاهرا ورأسا , قال جامعا بين ~~الأساس الحامل الخفي والوجه الظاهر الكامل البهي : { وأنفقوا } أي في إظهار ~~دينه : ورغبهم في ذلك بطلب اليسير مما أعطاهم الله PageV07P438 وزهدهم منه ~~بقوله : { مما جعلكم } أي بقدرته { مستخلفين } أي مطلوبا موجودا خلافتكم { ~~فيه } وهو له دونكم بما يرضي من استخلفكم في تمهيد سبيله فطيبوا بها نفسا ~~لأنها ليست في الحقيقة لكم وإنما أنتم خزان , وخافوا من عزلكم من الخلافة ~~بانتزاعها من أيديكم بتولية غيركم أمرها , إما في حياتكم , وإما بعد مماتكم ~~, كما فعل بغيركم حين أوصل إليكم ما وصل من أموالهم : ( فليس لكم منها إلا ~~ما أكلتم فأفنيتم أو لبستم فأبليتم أو تصدقتم فأبقيتم - وفي رواية : ~~فأمضيتم ) وليهن الإنفاق منها عليكم كما يهون على الإنسان النفقة من مال ~~غيره إذا كان أذن له فيه . | ولما أمر بالإنفاق ووصفه بما سهله , سبب عنه ~~ما يرغب فيه فقال مبالغا في تأكيد الوعد لما في ارتكابه من العسر بالتعبير ~~عنه بالجملة الاسمية وبناء ms5163 الحكم على الضمير بالوصف بالكبير وغير ذلك : { ~~فالذين آمنوا } وبين أن هذا خاص بهم لضيق الحال في زمانهم فقال : { منكم ~~وأنفقوا } أي من أموالهم في الوجوه التي ندب إليها على وه الإصلاح كما دل ~~عليه التعبير بالإنفاق { لهم أجر كبير * } أي لا تبلغ عقولكم حقيقة كبره ~~فاغتنموا الإنفاق في أيام الستخلافكم قبل عزلكم وإتلافكم . | < < # | الحديد : ( 8 - 10 ) وما لكم لا . . . . . # > > ^ ( وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ~~ميثاقكم إن كنتم مؤمنين * هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من ~~الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم * وما لكم ألا تنفقوا في سبيل ~~الله ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ~~والله بما تعملون خبير ) ^ } ) | ولما رغب في الإنفاق والإيمان , وكان ~~الإيمان مقتضى بالإنفاق , عجب ممن لا يبادر إلى الحاصل على كل خير , فقال ~~مفصلا لما أجمل من الترغيب فيهما , بادئا بأبين كل خير , منفسا عنهم ~~بالتعبير بأداة الاستقبال بالبشارة بالعفو عن الماضي مرهبا موبخا لمن لا ~~يبادر إلى المضمون ما دخل عليه الاستفهام , عاطفا على ما تقديره : فما لكم ~~لا تبادرون إلى ذلك : { وما } أي وأي شيء { لكم } من الأعذار أو غيرها في ~~أنكم , أو حال كونكم { لا تؤمنون بالله } أي تجددون الإيمان - أي تجديدا ~~مستمرا - بالملك الأعلى أي الذي له الملك كله ولأمر كله بعد سماعكم لهذا ~~الكلام : لأن ( لا ) لا تدخل على مضارع إلا وهو بمعنى الاستقبال , ولو عبر ~~بعبارة تدل على الحال لربما تعنت PageV07P439 متعنت فقال : فأت ما طلب منا ~~, والذي بعد هذا من الحال التي هي في معنى دالة على هذا , وهي قوله : { ~~والرسول } أي والحال أن الذي له الرسالة العامة { يدعوكم } صباحا ومساء على ~~ما له من مقتضيات القبول منه من حسن السمت وجلالة القدر وإظهار الخوارق ~~وغير ذلك { لتؤمنوا } أي لأجل أن تجددوا الإيمان { بربكم } أي الذي أحسن ~~تربيتكم ms5164 بأن جعلكم من أمة هذه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وشرفكم به { ~~وقد } أي والحال أنه قد { أخذ ميثاقكم } أي وقع أخذه فصار في غاية القباحة ~~ترك ما وقع التوثق بسببه بنصب الأدلة والتمكين من النظر بإبداع العقول , ~~وذلك كله منضم إلى أخذ الذرية من ظهر آدم عليه الصلاة والسلام وإشهادهم على ~~أنفسهم وإشهاد الملائكة عليهم , وبنى الفعل للمفعول في قراءة أبي عمرو ~~ليكون المعنى أي أخذ كان لأن الغدر عند الكرماء شديد نم غير نظر إلى معين ~~لا سيما العرب فكيف إذا كان الآخذ الملك الأعظم القادر على كل شيء العالم ~~بكل شيء , ورسوله الذي تعظيمه من تعظيمه , كا صرحت به قراءة الجماعة ~~بالبناء للفاعل ولا يخفى الإعراب , والحاصل أنهم نقضوا الميثاق في الإيمان ~~, فلم يؤاخذهم حتى أرسل الرسل . | ولما حثهم على تجديد الإيمان على سبيل ~~الاستمرار بالعجب من ترك ذلك , وكان كل واحد يدعي الراقة في الخير , هيجهم ~~وألهبهم بقوله : { إن كنتم } أي جبلة ووصفا ثابتا { مؤمنين * } أي عريقين ~~في وصف الإيمان , وهو الكون على نور الفطرة الأولى . | ولما وصفه بالربوبية ~~, دل عليها بقوله : { هو } أي وحده لا غيره { الذي ينزل } أي على سبيل ~~التدريج والموالاة بحسب الحاجة . | ولما كان الخطاب في هذه السورة للمخلص , ~~قال مضيفا إلى ضميره غير مقرون بما يدل على الجلال والكبرياء { على عبده } ~~أي الذي هو أحق الناس بحضرة جماله وإكرامه لأنه ما تعبد لغيره قط { آيات } ~~أي علامات هي من ظهورها حقيقة بتأن يرجع إليها ويتقيد بها { بينت } جدا على ~~ما له من النعوت التي هي في غاية الوضوح { ليخرجكم } أي الله أي عبده بما ~~أنزل إليه مع أنه بشر مثلكم , والجنس إلى جنسه أميل ومنه أقبل , ولا سيما ~~إن كان قريبا ولبيبا أريبا { من الظلمات } التي أنتم منغمسون فيها من ~~الحظوظ والنقائص التي جبل عليها الإنسان والغفلة والنسيان , الحاملة على ~~تراكم الجهل , فمن آتاه سبحانه العلم والإيمان فقد أخرجه نم هذه الظلمات ~~التي طرأت عليه { إلى نور } الذي كان وصفا ms5165 لروحه وفطرته الأولى السليمة . | ~~ولما كان التقدير : فإن الله به للطيف خبير , عطف عليه قوله مؤكدا لأجل ~~زلزال PageV07P440 من يطول به البلاء من المؤمنين وإنكار الكفار : { وإن ~~الله } أي الذي له صفات الكمال { بكم } قدم الجار لأن عظيم رحمته لهذه ~~الأمة موجب لعد نعمته على غيرنا عدما بالنسبة إلى نعمته علينا { لرؤوف رحيم ~~* } أي كنتم بالنظر إلى رحمته الخاصة التي هي لإتمام النعمة صنفين : منكم ~~من كان له به وصلة بما يفعل في أيام جاهليته من الخيرات كالإنفاق في سبيل ~~المعروف , وعبر بالإنفاق لكونه خيرا لا رياء ونحوه فيها كالصديق رضي الله ~~عنه فعاد عليه , بعد عموم رحمته بالبيان , بخصوص رحمة عظيمة أوصلته إلى ~~أعظم درجات العرفان , ومنكم من كان بالغا في اتباع الهوى فابتدأه بعد عموم ~~رحمة البيان بخصوص رحمة هداه بها إلى أعمال الجنان , ويه دون ما قبلها في ~~الميزان , وفوقها من حيث إنها بدون سبب من المرحوم . | ولما أمرهم بالإيمان ~~والإنفاق , وكان الإيمان مع كونه الأساس الذي لا يصح عمل بدونه ليس فيه شيء ~~من خسران أو نقصان , فبدأ به لذلك , ورغب بختم الآية بالإشارة بالرأفة إلى ~~أن من توصل إليه بشيء من الإيمان أو غيره زاده من فضله ( من تقرب مني شبرا ~~تقربت منه ذراعا - إلى قوله : ومن أتاني يمشي أتيته هرولة ) عطف عليه ~~الترغيب في التوصل إليه بالإنفاق منكرا على من تركه موبخا لمن حاد عنه هو ~~يعلم أنه فان , مفهما بزيادة ( أن ) المصدرية اللوم على تركه في جميع ~~الأزمنة الثلاثة فقال : { وما } أي وأي شيء يحصل { ألا تنفقوا } أي توجدوا ~~الإخراج للمال { في سبيل الله } أي في كل ما يرضي الملك الأعظم الذي له ~~صفات الكمال لتكون لكم به وصلة فيخصكم بالرأفة التي هي أعظم الرحمة , فإنه ~~أم بخل به أحد عن وجه خير إلا سلط الله عليه غرامة في وجه شر , وأظهر موضع ~~الإضمار في جملة حالية باعثا على الإنفاق بأبلغ بعث فقال : { ولله } تأكيدا ~~للعظمة بالندب إلى ذلك باستحضار جميع صفات الكمال ms5166 لا سيما صفة الإرث ~~المقتضية للزهد في الموروث { ميراث } أي الإرث والموروث والموروث عنه وغير ~~ذلك { السماوات والأرض } جميعا لا شيء فيهما أو منهما إلا هو كذلك يزول عن ~~المنتفع به ويبقى لله بقاء الإرث , ومن تأمل أنه زائل هو وكل ما في يدد ~~والموت من ورائه , ويد طوارق الحوادث مطبقة به , وعما قليل ينقل ما في يده ~~إلى غيره هان عليه الجود بنفسه وماله . | ولما رغبهم في الإنفاق على ~~الإطلاق , رغبهم في المبادرة إليه , مادحا أهله خاصا منهم أهل السياق فقال ~~: { لا يستوي } . | ولما كان المراد أهل الإسلام بين بقوله : PageV07P441 { ~~منكم من أنفق } أي أوجد الإنفاق في ماله وجميع قواه وما يقدر عليه . | ولما ~~كان المقصود الإنفاق في زمان الإيمان لا مطلق الزمان , خص بالجار فقال : { ~~من قبل الفتح } أي الذي هو فتح جميع الدنيا في الحقيقة وهو فتح مكة الذي ~~كان سببا لظهور الدين على الدين كله لما نال المنفق إذ ذاك بالإنفاق من ~~كثرة المشاق لضيق المال حينئذ , وذلك مستلزم لكون المنفق أنفذ بصيرة ونفقته ~~أعظم غنى وأد نفعا , وفيه دليل على فضل أبي بكر رضي الله عنه فإنه أول من ~~أنفق ولم يسبقه في ذلك أحد , وفيه نزلت الآية - كما حكاه البغوي عن الكلبي ~~. | ولما كان المراد بالإيمان خدمة الرحمة , وكان الإنفاق وإن كان مصدقا ~~للإيمان لا يكمل تصديقه إلا ببذل النفس قال : { وقاتل } أي سعيا في إنفاق ~~نفسه لمن آمن به , وحذف المنفي للتسوية به وهو من لم ينفق مطلقا أو بقيد ~~القبيلة لدلالة ما بعده , ولعله ألإرد الضمير إشارة إلى قلة السابقين . | ~~ولما كان نفي المساواة لا يعرف منها الفاضل منغيره , وقد كان حذف قسيم من ~~أنفق لوضوحه والتنفير منه ودلالة ما بعده عليه , فنى اللبس بقوله : { أولئك ~~} أي المنفقون المقاتلون وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار , ~~المقربون من أهل الرتبة العية لمبادرتهم إلى الجود بالنفس والمال { أعظم ~~درجة } وبعظم الدرجة يكون عظم صاحبها { من الذين أنفقوا } ولما كان المراد ~~التفضيل على أوجد الإنفاق ms5167 والقتال في زمان بعد ذلك , لا على من استغرق كل ~~زمان بعده بالإنفاق والقتال أدخل الجار فقال : { من بعد وقاتلوا } ولما كان ~~التفضيل مفهما اشتراك الكل في الفضل , صرح به ترغيبا في الإنفاق على كل حال ~~فقال : { وكلا } أي من القسمين { وعد الله } أي الذي له الجلال والكمال ~~والإكرام { الحسنى } أي الدرجة التي هي غاية الحسن وإن كانت في نفسها ~~متفاوتة , وقرأ ابن عامر { وكل } وهو أوفق لما عطف عليه . | ولما كان زكاء ~~الأعمال إنما هو بالنيات , وكان التفضيل مناط العلم , قال مرغبا في إحسان ~~النيات مرهبا من التقصير فيها : { والله } أي الذي له الإحاطة الشاملة ~~بجميع صفات الكمال , وقدم الجار إعلاما بمزيد اعتناء بالتمييز عند التفضيل ~~فقال : { بما تعملون } أي تجددون عمله على مر الأوقات { خبير * } أي عالم ~~بباطنه وظاهره علما لا مزيد عليه بوجه , فهو يجعل جزاء الأعمال على قدر ~~النيات التي هي أرواح صورها . | < < # | الحديد : ( 11 - 12 ) من ذا الذي . . . . . # > > ^ ( من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم * يوم ~~ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم ) ^ } ) | ~~PageV07P442 ولما فضل السابقين بالإنفاق , ووعد بالحسنى اللاحقين بحسن ~~الاتباع , وأشار إلى أنه ربما ألحقهم ببعضهم بصفاء الإخلاص فتوفرت الدواعي ~~على البذل , أثمر ذلك قوله مسيما الصدقة التي صورتها صورة أخراج من غير عوض ~~باسم القرش الذي هو إخراج بعوض ترغيبا فيها لما أعد عليها من الجزاء المحقق ~~فكيف إذا كان مضاعفا : { من } وأكد بالإشارة بقوله : { ذا } لأجل أم للنفوس ~~من الشح { الذي يقرض الله } أي يعطي الذي له جميع صفات الجلال والإكرام ~~بإعطاء المستحق لأجله عطاء من ماله هو على صورة القرض لرجائه الثواب { قرضا ~~حسنا } أي طيبا خالصا فيه متحريا به أفضل الوجوه كيبة به النس من غير من ~~ولا كدر بتسويف ونحوه . | ولما كان ما يعطي الله المنفق من الجزاء مسببا عن ~~إنفاقه , ربطه بالفاء فقال عطفا على { يقرض } : { فيضاعفه له ms5168 } مرغبا فيه ~~بجعله مبالغا بالتضعيف أولا وجعله من باب المفاعلة ثانيا , وكذا التفضيل في ~~قراءة ابن كثير وابن عامر ويعقوب { فيضعفه } وقرأه ابن عامر ويعقوب بالنصب ~~جوابا للاستفهام تأكيدا للربظ والتسبيب . | ولما كانت المضاعفة منه سبحانه ~~لا يعلم كنهها إلى هو قال : { وله } أي المقرض من بعد ما تعقلونه من ~~المضاعفة زيادة على ذلك { أجر } لا يعلم قدره إلى الله , وهو معنى وصفه ~~بقوله : { كريم * } أي حسن طيب زاك نام . | ولما بين ما لهذا المقرض , بين ~~بعض وصفه بالكرم ببيان وقته فقال : { يوم } أي لهم ذلك في الوقت الذي { ترى ~~} فيه بالعين , وأشار إلى أن المحبوب من المال لا يخرج عنه ولا سيما مع ~~الإقتار إلا من وقر الدين في قلبه بتعبيره بالوصف فقال : { المؤمنين ~~والمؤمنات } أي الذي صار الإيمان لهم صفة راسخة { يسعى } شعارا لهم وأمارة ~~على سعادتهم { نورهم } الذي يوجب إبصارهم لجميع ما ينفعهم فيأخذوه وما ~~يضرهم فيتركوه , وذلك بقدر أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها بنور العلم ~~الذي هو ثمرة الإيمان كما أنهم قدموا المال الذي إنما يقتنيه الإنسان لمثل ~~ذلك جزامء وفاقا . | ولما كان من يراد تعظيمه يعطى ما يجب وما بعده شريفا ( ~~؟ ) في الأماكن التي يحبها قال : { بين أيديهم } أي حيث ما توجهوا , ولذلك ~~حذف الجار { وبأيمانهم } أي وتلتصق بتلك الجهة لأن هاتين الجهتين أشرف ~~جهاتهم , وهم إما من السابقين , وإما من أهل اليمين , ويعطون صحائفهم من ~~هاتين الجهتين , والشقي بخلاف ذلك لا نور له ويعطى صحيفته بشماله ومن وراء ~~ظهره , فالأول نور الإيمان والمعرفة والأعمال المقولة , والثاني نور ~~الإنفاق لأنه بالإيمان - نبه - عليه الرازي . | ولما ذكر نفوذهم فيما يحبون ~~من الجهات وتيسيره لهم , أتبعه ما يقال لهم من PageV07P443 المحبوب في ~~سلوكهم لذلك المحبوب فقال : { بشراكم لايوم } أي بشراتكم العظيمة في جميع ~~ما يستقبلكم من الزمان . | ولما تشوفوا لذلك أخبروا بالمبشر به بقوله مخبرا ~~إشارة إلى أن المخبر به يحسد من البشرى لكونه معدن السرور { جنات } أي ~~كائنة لكم تتصرفون فيها أعظم تصرف , والخبر في الأصل ms5169 دخول , ولكنه عجل عنه ~~لما ذكر من المبالغة ثم وصفها بما لا تكمل اللذة إلا به فقال ؛ { تجري } ~~وأفهم القرب بإثبات الجار فقال : { من تحتها الأنهار } ولما كان ذلك لا تتم ~~مع خوف الانقطاع قال : { خالدين فيها } خلودا لا آخر له لأن الله أورثكم ~~ذلك ما لا يورث عنكم كما كان الحكم الدنيا لأن الجنة لا موت فيها . | ولما ~~كان هذا أمرا سارا في ذلك المقام الضنك محبا بأمر استأنف مدحه بقوله : { ~~ذلك } أي هذا الأمر العظيم جدا { هو } أي وحده { الفوز العظيم * } أي الذي ~~ملأ بعظمته جميع الجهات من ذواتكم وأبدانكم ونفوسكم وأرواحكم . | < < # | الحديد : ( 13 - 15 ) يوم يقول المنافقون . . . . . # > > ^ ( يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من ~~نوركم قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه ~~الرحمة وظاهره من قبله العذاب * ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم ~~فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جآء أمر الله وغركم بالله ~~الغرور * فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي ~~مولاكم وبئس المصير ) ^ } ) | ولما عظم هذا الأجر الكريم ببيان ما لأهله في ~~الوقت الكائن فيه , عظمه بما لأضدادهم من النكال , فقال مبدلا من الظرف ~~الأول : { يوم يقول } أي قولا مجددا يلجئ إليه نم الأمور العظيمة الشاقة { ~~المنافقون والمنافقات } أي بالعراقة في إظهار الإيمان وإبطان الكفران { ~~للذين آمنوا } أي ظاهرا وباطنا , وأما من علا من هذا السن من المؤمنين ومن ~~فوقهم فالظاهر أنهم لا يرونهم ليطمعوا في مناداتهم ( وأين الثريا من يد ~~المتناول ) { انظرونا } أي انظرونا بأن تمكثوا في مكانكم لنلحق بكم , وكأن ~~الفعل جرد في قراءة الجماعة لاقتضاء الحال الإيجاز بغاية ما توصل المقدرة ~~إليه خوف الفوت , لأن المسؤولين يسرعون إلى الجنة كالبرق الخاطف , وقد حققت ~~المعنى قراءة حمزة بقطع الهمزة وكسر الظاء أي أخرونا في المشي وتأنوا علينا ~~وأمهلوا علينا , لا تطلبوا منا السرعة فيه بل امكثوا في مكانكم لننظر في ~~أمرنا كيف نلحق بكم , والحاصل أنهم عدوا تأنيهم في ms5170 المشي وتلبثهم ليلحقوا ~~بهم إنظارا لهم { نقتبس } أي نأخذ ونصيب ونستصبح { من نوركم } أي هذا الذي ~~نراه لكم ولا يلحقنا منه بشيء كما كنا في الدنيا نرى إيمانكم بما نرى من ~~ظواهركم ولا نتعلق من ذلك بشيء جزاء وفاقا , وسبب هذا القول PageV07P444 ~~أنهم يعطون مع المؤمنين نورا خديعة لهم بما خادعوا في الدنيا لتعظم عليهم ~~المشقة بفقده لأنه لا يلبث أن يبعث الله عليهم ريحا وظلمة فتطفئ نورهم ~~ويبقون في الظلمة , وإلى ذلك ينظر قول المؤمنين { أتمم لنا نورنا } أي لا ~~تطفئه كما أطفأت نور المنافقين . | ولما كان المنكئ لهم إنما هو الرد من أي ~~قائل كان , بنى للمفعول قوله : { قيل } أي لهم جوابا لسؤالهم قول رد وتوبيخ ~~وتهكم وتنديم : { ارجعوا وراءكم } أي في جميع جهات الوراء التي هي أبعد ~~الجهات عن الخير كما كنتم في الدنيا لا تزالون مرتدين على أعقابكم عما ~~يستحق أن يقبل عليه ويسعى إليه { فالتمسوا } بسبب ذلك الرجوع { نورا } ويصح ~~أن يراد بالوراء الدنيا لأن هذا النور إنما هو منها بسبب ما عملوا فيها من ~~الأعمال الزاكية والمعارف الصافية , ولهذا قال الإمام الغزالي رحمه الله ~~تعالى في كتاب المحبة من الإحياء : إن هذه الآية تدل على أن الأنوار لا بد ~~أن يتجدد أصلها في الدنيا ثم يزداد في الآخرة إشراقا فأما أن يتجدد ثم نور ~~فلا . | ولما كان التقدير : فرجعوا أو فأقاموا في الظلمة , سبب عنه وعقب ~~قوله : { فضرب } مبنيا للمفعول على نحو الاول , ولإفادة أن الضرب كان في ~~غاية السرعة والسهولة , ويجوز أن تكون الفاء معقبة على ما قبله من غير ~~تقدير { بينهم } أي في جميع المسافة التي بين الذين آمنوا وأضدادهم في وقت ~~قولهم هذا . | ولما كان المقصود أن ضربه كان في غاية السرعة , لم يوقع ~~الفعل وأتى بالفاء ليفيد أنه كان كأنه عصا ضرب به الأرض ضربه واحدة , فقال ~~: { بسور } أي جدار محيط محيل بين الجنة والنار لا يشذ عنه أحد منهم ولا ~~يقدر أحد ممن سواهم أن يتجاوزه إليهم { له باب ms5171 } موكل به حجاب لا يفتحون ~~إلا لمن أذن الله له من المؤمنين بما يهديهم إليه من نورهم الذي بين أيديهم ~~لشفاعة أو نحوها { باطنه } أي ذلك السورة الباب وهو الذي من جهة الذين ~~آمنوا جزاء لإيمانهم الذي هو غيب { فيه الرحمة } وهي مالهم من الكرام ~~بالجنة التي هي ساترة ببطن من فيها بأشجارها وبأسبابها كما كانت بواطنهم ~~ملاء رحمة { وظاهره } أي السور أيو الباب الذي يظهر لأهل النار , مبتدئ { ~~من قبله } أي تجاه ذلك الظاهر وناحيته وجهته وعنده { العذاب * } من النار ~~ومقدماتها لاقتصار أهله على الظواهر من غير أن يكون لهم نفوذ إلى باطن وعكس ~~ما أرادوا من حفظ ظواهرهم في الدنيا مع فساد بواطنهم , ودل على ما أفهمه ~~التعبير بالمضارع في ( يقول ) من التكرير بقوله استئنافا : { ينادونهم } أي ~~المنافقون والمنافقت , يواصلون النداء وهم في الظلمة للذين آمنوا يترفقون ~~لهم في مدة هذا القول والضرب : { ألم نكن } أي بكليتنا { معكم } أي فيما ~~كنتم فيه من الدين فنستحق المشاركة فيما صرتم إليه بسبب ذلك الدين الذين ~~كنا PageV07P445 معكم فيه { قالوا } أي الذين آمنوا { بلى } قد كنتم معنا { ~~ولكنكم فتنتم } أي كنتم بما كان لكم من الذبذبة تختبرون { أنفسكم } ~~فتخالطونها باختبار أحوال الدين مخالطة محيلة لها مميلة عما كانت عليه من ~~أصل الفطرة من الاستقامة , تريدون بذلك أن تظهر لكم فيه أمور محسوسة ~~لتخلصوا فيه من الشكوك فتخلصوا , فما آمنتم بالغيب فأهلكتموها وتبعتم أيضا ~~الأمور التي كنتم تفتنون بها من الشهوات , فأوجبتهم لكم الإعراض عن المعالي ~~الباطنات { وتربصتم } أي كلفتم أنفسكم أن أخرجتموها عن الفطرة الأولى ~~فأملهتم وانتظرتم لتروا الأمر عيانا أو لم تفعلوا كما فعلنا من الإيمان ~~بالغيب وترك التجربة ونسبة ما يحصل لنا مما فيه فتنة إلى أنفسنا بتقصيرنا , ~~وكنا كلما حصل لنا ما يزلزل نقول : هذا ما وعدنا الله ورصوله وصدق الله ~~ورسوله ولا يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما وانتظرتم أيضا الدوائر بأهل ~~الإيمان لتظهروا النفاق { وارتبتم } أي شككتم بتكليف أنفسكم الشك بذلك ~~التربص { وغرتكم الأماني } أي ما تتمنون ms5172 أي تريدون وتقدرون من الإرادات ~~التي معها شهوة عظيمة من الأطماع الفارغة لاتي لا سبب لها غير شهوة لانفس ~~إياها بما كنتم تتوقعون لنا من دوائر السوء { حتى جاء أمر الله } أي قضاء ~~الملك المتصف بجميع صفات الكمال فلا كفوء له ولا خلف لقوله من الموت ~~ومقدمات من الأمور الدهشة , فكما كنتم في الدنيا مقصرين كنتم في هذا الموطن ~~{ وغركم بالله } أي الملك الذي له جميع العظمة , فهو بحيث لا يخلف الميعاد ~~وهو الولي الودود { الغرور } أي من لا صنع له إلا الكذب وهو الشيطان وهو ~~العدو الحسود , فإنه ينوع لكم بغروره التسويف ويقول : إن الله غفور رحيم ~~وعفو كريم , وماذا عسى أن تكون ذنوبكم عنه وهو عظيم ومحسن وحليم ونحو هذا , ~~فلا يزال حتى يوقع الإنسان , فإذا أوقع واصل عليه مثل ذلك حتى يتمادى , ~~فإذا تمادى صار الباعث له حينئذ من قبل نفسه فصار طوع يده . | ولما أقروا ~~لهم بالكون الجامع , وذكروا ما حصل به والفرق المانع فظهر أن لا كون , ~~سببوا عنه قوله : { فاليوم } أي بسبب أفعالكم تلك { لا يؤخذ } بناء للمفعول ~~أي نوع من أنواع الفداء وهو البدل والعضو للنفس على أي حال من قلة أو كثرة ~~أو حسن أو غيره لأن الإله غني وقد فات محل العمل الذي شرعه لإنقاذ أنفسكم . ~~| ولما كانوا مكذبين أكد فقال : { ولا من الذين كفروا } أي أظهروا كفرهم ~~ولم يستروه كما سترتموه أنتم لمساواتكم لهم في الكفر . | ولما كان كأنه قيل ~~: فأين نكون ؟ قال : { مأواكم } أي منزلكم ومسكنكم ومجمعكم { النار } لا ~~مقر لكم غيرها , تحرقكم كما كنتم تحرقون قلوب الأولياء بإقبالكم على ~~الشهوات , وإضاعتكم حقوق ذوي الحاجات , PageV07P446 وأكد ذلك بقوله : { هي ~~} أي لا غيرها { موالكم } أي قربكم ومصيركم وناصركم على نحو ( تحية بينهم ~~ضرب وجيع ) فهي أولى لكم , لا قرب لكم إلى غيرها , ولا غيرها مولى ولا مصير ~~إلى سواها ولا ناصر إلا هي . | ولما كان التقدير : فبئس المولى هي , عطف ~~عليه قوله : { وبئس المصير - * } أي هذه النار التي صرتم إليها ms5173 . | < < # | الحديد : ( 16 - 17 ) ألم يأن للذين . . . . . # > > ^ ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ~~ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير ~~منهم فاسقون * اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات ~~لعلكم تعقلون ) ^ } ) | هذا وعظا شافيا لسقام القلوب , وكاشفا لغطاء الكروب ~~, انتج قوله حاثا على الإقبال على كتابه الذي رحم به عباده بإنزاله على ~~لسان نبيه صلى الله عليه وسلم على وجه معلم بإعجازه انه كلام مستعطفا لهم ~~إلى جنابه زاجرا لهم عما سألهم بعضهم فيه سلمان رضي الله عنه من أن يحدثهم ~~علن التوراة والإنجيل , فكانوا كلما سألوه عن شيء أنزل سبحانه آية يزجرهم ~~بها وينبههم على أن هذا القرآن فيه كل ما يطلب إلى أن أنزل هذه الآية زاجرة ~~هذا الزجر العظيم لئلا يظن ظان أن القرآن غير كاف , مخوفا لهم بما وقع لأهل ~~الكتاب من الإعراض عن كتابهم , قال الكلبي نزلت في المنافقين بعد الهجرة ~~بسنة , وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إن الله استبطأ قلوب المؤمنين على ~~رأس ثلاثة عشرة سنة من نزول القرآن , فقال : { ألم يأن } أي يحن ونتهي ~~ويدرك إلى غاية { للذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان بألسنتهم صدقا أو كذبا { ~~أن تخشع } أي أن يكون لهم رتبة عالية في الإيمان بأن تلين وتسكن وتخضع وتذل ~~وتطمئن فتخبت فتعرض عن الفاني وتقبل على الباقي { قلوبهم لذكر الله } أي ~~الملك الأعظم الذي لا خير إلا منه فيصدق في إيمانه من كان كاذبا ويقوى في ~~الدين من كان ضعيفا , فلا يطلب لذلك دينه دواء ولا لمرض قلبه شفاء في غير ~~القرآن , فإن ذكر الله يجلو أصداء القلوب ويصقل مرائيها . | ولما كان الذكر ~~وحده كافيا في الخشوع والإنابة والخضوع لأنه مجمع لكل رغبة ومنبع لكل رهبة ~~, وكان من الناس من لا نفوذ له فيما له سبحانه من الجلال والإكرام قال : { ~~وما نزل } أي الله تعالى بالتدريج - على قراءة الجماعة بالتشديد , وما وجد ~~إنزاله من ms5174 عند الله على حاتم رسله صلى الله عليه وسلم على قراءة نافع وحفص ~~عن عاصم ورويس بخلف عنه عن يعقوب بالتخفيف { من الحق } أي من الوعد الوعيد ~~والوعظ وغير ذلك على نبيكم صلى الله عليه وسلم من القرآن إشارة إلى أن غير ~~هذا الذكر دخله الدخيل , وأما هذا فثابت ثباتا لا يقدر أحد على إزالته . | ~~PageV07P447 ولما كان للمسابقة والمنافسة أمر عظيم في تحريك الهمم لأهل ~~الأنفة وأولي المعالي قال : { ولا يكونوا كالذين } ولما كان العلم بمجرده ~~كافيا في إعلاء الهمة فكيف إذا كان من عند الله فكيف إذا كان بكتاب , إشارة ~~إلى ذلك بالبناء للمجهول فقال : { أوتوا الكتاب } أي لو كان الإتيان من عند ~~غير الله لكان جديرا بالهداية فكيف وهو من عنده . | ولما كان إنزال الكتب ~~لم يكن إلا على بني إسرائيل فلم يكن مستغرقا للزمان الماضي أدخل الجار فقال ~~: { من قبل } أي قبل ما نزل إليكم وهم اليهود والنصارى . | ولما كانوا في ~~كل قليل يعبرون قال عاطفا على { أوتوا الكتاب } . | { فطال عليهم الأمد } ~~أي الزمان الذي ضربناه لشرفهم ومددناه لعلوهم من أول إيتائهم الكتاب الذي ~~من شأنه ترقيق القلوب , والأمد الأجل , وكل منهما يطلق على المدة كلها وعلى ~~آخرها , وكذا الغاية بقول النحاة : ( من ) لابتداء الغاية و ( إلى ) ~~لانتهائها , والمراد جميع المدة { فقسمت } أي بسبب الطول { قلوبهم } أي ~~صلبت واعوجت حتى كانت بحيث لا تنفعل للطاعات والخير فكانوا كل قليل في تعنت ~~شديد على أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام يسألونهم المقترحات , وأما بعد ~~ايتائهم فأبعدوا في القساوة , فمالوا إلى دار الكدر بكلياتهم وأعرضوا عن ~~دار الصفاء فانجروا إلى الهلاك باتباع الشهوات , قال القشيري : وقسوة القلب ~~إنما تحصل من اتباع الشهوة وإن الشهة والصفوة لا تجتمعان . | ولما كان ~~التقدير : فبعضهم ثبت على تزلزل , عطف عليه قوله : { وكثير منهم } أخرجته ~~قساوته عن الدين أصلا ورأسا فهم { فاسقون * } أي عريقون في وصف الإقدام على ~~الخروج من دائرة الحق التي عداها لهم الكتاب , وعن عبد الله بن الزبير عن ~~عبد الله بن مسعود ms5175 رضي الله عنه أنه قال : ( لم يكن بين إسلامهم وبين أن ~~نزلت هذه الآية يعاتبهم الله بها إلا أربع سنين ) رواه الطبراني في الكبير ~~, قال الهيثمي : وفيه موسى بن يعقوب الربعي وثقه ابن معين وغيره وضعفه ابن ~~المديني وبقية رجاله رجال الصحيح . | انتهى . | ولما كان الموجب الأعظم ~~للقسوة إنكار البعث , وكان العرب يزيدون على أهل الكتاب من موجبات القسوة ~~به , وكان عمل العامل بما يدل على القسوة عمل من ينكره , قال مهددا به ~~مقررا لما ابتدأ به السورة من أمر الغحياء مشيرا إلى القدر على إحياء ~~القلوب ممثلا لإزالة القسمة عنها بصقل الذكر والتلاوة ترغيبا في إدامة ذلك ~~: { اعلموا } PageV07P448 أي يا من آمن بلسانه { أن الله } أي الملك الأعظم ~~الذي له الكمال كله فلا يعجزه شيء { يحيي } أي على سبيل التجديد والاستمرار ~~كما تشاهدونه { الأرض } اليابسة بالنبات . | ولما كان هذا الوصف ثابتا ~~دائما بالفعل وبالقوة أخرى , وكان الجار هنا مقتضيا للتعميم قال : { بعد ~~موتها } من غير ذكر الجار وكما أنه يحييها فيخرج بها النبات بعد أن كان قد ~~تفتت وصار ترابا فكذلك يحيي بجمع أجسامهم وإفاضة الأرواح كما فعل بالنبات ~~وكما فعل بالإجسام أول مرة سواء , لا فرق بوجه إلا بأن يقال : الابتداء ~~أصعب في العادة , فاحذروا سطوته واخشوا غضبه وارجوا رحمته لإحياء القلوب , ~~فإنه قادر على إحيائها بروح الوحي كما أحيا الأرض بروح الماء لتصير ~~بإحيائها بالذكر خاشعة بعد قسوتها كما صارت الأرض بالماء رابية بعد خشوعاه ~~وموتها . | ولما انكشف الأمر بهذا غاية الانكشاف , أنتج قوله : { قد بينا } ~~أي على ما لنا من العظمة , ولما كان العرب يفهمون من لسانهم ما لا يفهم ~~غيرهم فكانوا يعرفون - من إعجاز القرآن بكثرة فوائده وجلالة مقاصده ودقة ~~مسالكه وعظمة مداركه , وجزالة تراكيبه ومتانة أساليبه وغيره ذلك من شؤونه ~~وأنواعه وفنونه , المنتج لتحقق أنه كلام الله - ما لا يعلمه غيرهم فكأنما ~~كانوا مخصوصين بهذا البيان , فقدم الجار فقال : { لكم الآيات } أي العلامات ~~المنيرات . | ولما كان السياق للبعث , وكان من دعائم أصول الدين , وكان ms5176 ~~العقل كافيا في قياسه على النبات , وكان الفعل الذي لا يعود إلى سعادة ~~الآخرة ناقصا ( , وكان العقل الذي لا ينجي صاحبه مساويا للعدم , قال معبرا ~~بأداة التراخي بخلاف ما سبق في آل عمران فإنه من مصالح النفس التي اختفت , ~~ودواع تدعو غلى فهمها , وتبعث إلى إتقان علمها { لعلكم تعقلون * } أي ~~لتكونوا عند من يعلم ذلك ويسمعه من الخلائق على رجاء من حصول العقل لكم بما ~~يتجدد لكم من فهمه على سبيل التواصل الدار بالاستمرار . | < < # | الحديد : ( 18 - 20 ) إن المصدقين والمصدقات . . . . . # > > ^ ( إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم ~~أجر كريم * والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهدآء عند ربهم ~~لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم * اعلموا ~~أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال ~~والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما ~~وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيآ إلا متاع ~~الغرور ) ^ } ) | ولما كانت الصدقة كالبذر الذي تقدم أن الله تعالى يحييه ~~ويضاعفه أضعافا كثيرة PageV07P449 على حسب زكاء الأرض , قال منتجا مما مضى ~~ما يعرف أن من أعظم ما دل على الخشوع المحثوث عليه والبعد عن حال الذين ~~أوتوا الكتاب في القسوة الصدقة بالإنفاق الذي قردنه في أولها بالإيمان , ~~وحث عليه في كثير نم آياتها تنبيها على أنه ثمرته التي لا تخلف عنه , معبرا ~~عنه بما يرشد إلى أنه المصدق لدعواه , وأكده لمن يشك في البعث نم إنكار ~~بركة الصدقة عاجلا أو آخلا تقديا بالمحسوسات : { إن المصدقين } أي العريقين ~~في هذا الوصف من الرجال { والمصدقات } أي من النساء بأمواهلم على الضعفاء ~~الذين إعطاؤهم يدل على الصدق في الإيمان لكون المعطى لا يجرى منه نفع دنيوي ~~, ولعله أدغم إشارة إلى إخفاء الإكثار من الصدقة حتى تصير ظاهرة , وقراءة ~~ابن كثير وأبي بكر عن عاصم بالتخفيف تدل مع ذلك على التصديق بالإيمان , فكل ~~من القراءات يدل عليهما , ومن التفصي بذكر النوعين تعرف شدة ms5177 الاعتناء . | ~~ولما كانت صيغة التفعل تدل على التكلف حثا على حمل النفس على التطبع بذلك ~~حتى يصير لها خلقا في غاية الخفة عليها فقال عاطفا على صلة الموصول في اسم ~~الفاعل معبرا بالماضي بعد إفهام الوصف الثبات دلالة على الإيقاع بالفعل ~~عطفا على ما تقديره موقعا ضميرا المذكر على الصنفين تغليبا الذين صدقوا ~~إيمانهم بالتصدق : { وأقرضوا الله } الذي له الكمال كله بتصديقهم سواء ~~كانوا من الذكور أو الإناث , وإنفاقهم في كل ما ندب إلى الإنفاق فيه , وأكد ~~ووصف بقوله : { قرضا حسنا } أي بغاية ما يكون من طيب النفس وإخلاص النية في ~~الصدقة والنفقة في سبيل الخير , وحسنه أن يصرف بصره إلى النظر إلى فعله ~~والامتياز به وطلب العوض عليه , قال الرازي : { يضاعف } أي ذاك القرض { لهم ~~} ويثابون بحسب تلك المضاعفة لأن الذي كان القرض له سبحانه حليم كريم ولا ~~يرضى في الخير إلا بالفضل , وثقل في قراءة ابن كثير وابن عامر وأبي جعفر ~~ويعقوب دلالة على المبالغة في التكثير , وعبر بالمفاعلة في قراءة الجماعة ~~لإفهام أن تلك الكثرة مما لا بد من كونه , وأنه عمل فيه عمل من يباري آخر ~~ويغالبه , وبنى للمفعول دلالة على باهر العظمة اللازم عنه كونه بغاية ~~السهولة { ولهم } أي مع المضاعفة { أجر كريم * } أي لا كدر فيه بانقطاع ولا ~~قلة ولا زيادة بوجه من الوجوه أصلا . | ولما بين سبحانه وتعالى أن الصدقة ~~كالبذر الذي هو من أحسن الأرباح وأبهجها , بين الحامل عليها ترغيبا فيها , ~~فقال عاطفا بالواو , إشارة إلى التمكن في جميع هذه الصفات : { ولاذين آمنوا ~~} اي أوجوا هذه الحقيقة العظيمة في أنفسهم { بالله } أي الملك الأعلى الذي ~~له الجلال والإكرام { ورسله } اي كلهم لما لهم من النسبة إليه , ~~PageV07P450 فمن كذب بشيء على أحد منهم أوعمل عمل المكذب له لم يكن مؤمنا ~~به { أولئك } أي الذين لهم الرتب العالية والمقامات السامية { هم } اي خاصة ~~لا غيرهم { الصديقون } أي الذين هم في غاية الصدق والتصديق لما يحق له أن ~~يصدقه من سمعه , وقال القشيري : الصديق من ms5178 استوى ظاهره وباطنه , ويقال : هو ~~الذي يحمل الأمر على الأشق ولا ينزل إلى الرخص , ولا يحتاج للتأويلات , ~~ولما كان الصديق لا يكون عريقا في الصديقية إلا بالتأهيل لرتبة لاشهادة قال ~~تعالى : { والشهداء } معبرا بما مفرده شهيد عاطفا بالواو إشارة إلى قوة ~~التمكن في كل من الوصفين , قال القشيري : هم لاذين يشهدون بقلوبهم بواطن ~~الوصل ويعتكفون بأسرارهم في أوطان القربة , وزاد المر عظما بقوله : { عند ~~ربهم } أي الذي أحسن إليهم بالقربة بمثل تلك الرتبة العالية من الشهادة لله ~~بكل ما أرسل به رسله , والأنبياء الماضين على أممهم والحضور في جميع الملاذ ~~بالشهادة في سبيل الله , قال مجاهد : كل مؤمن صديق وشهيد - وتلا هذه الآية ~~{ لهم } أي جميع من مضى من الموصفين بالخير { أجرهم } أي الذي جعله ربهم ~~لهم { ونورهم } أي الذي زادهموه من فضله برحمته , أولئك أصحاب النعيم ~~المقيم . | ولما ذكر أهل اسعادة جامعا لأصنامهم , أتبعهم أهل الشقاوة لذلك ~~قال : { والذين كفروا } أي ستروا ما دلت عليه أنوار عقولهم ومرائي فكرهم { ~~وكذبوا بآياتنا } على ما لها من العظمة بنسبتها إلينا سواء كانوا في ذلك ~~مساترين أو مجاهرين أو عمل العالم بها عمل المكذب { أولئك } أي المبعدون من ~~الخير خاصة { أصحاب الجحيم * } أي النار التي هي غاية في توقدها , خالدون ~~فيها من بين العصاة , وأما غيرهم فدخولهم لها إذا دخلوها ليس على وجه ~~الصحبة الدالة على الملازمة , وأولئك هم الكاذبون الذي لا تقبل لهم شهادة ~~عند ربهم , لهم عقابهم وعليهم ظلامهم , والآية من الاحتباك : ذكر الصديقية ~~وما معها أولا دليلا على أضدادها ثانيا , والجحيم ثانيا دليلا على النعيم ~~أولا , وسره أن الأول أعظم في الكرامة , والثاني أعظم في الإهانة . | ولما ~~ذكر سبحانه حال الفريقين : الأشقياء والسعداء , فتقرر بذلك أمر الآخرة , ~~فعلموا أنها الحيوان الذي لا انقضاء له من إكرام أو هوان , وكان الموجب ~~للهوان فيها إنما هو الإقبال على الدنيا لحضورها ونسيان الآخرة لغيابها , ~~قال منتجا مما مضى مبينا لحقيقة ما يرغب فيه المكلف المركب على الشهوة من ~~العاجلة بما نزهه فيه ms5179 مصدرا له بما يوجب غاية اليقظة والحضور : { اعملوا } ~~أي أيها العباد المبتلون , وأكد المعنى بزيادة { ما } لما للناس من الغفلة ~~عنه فقال قاصرا قصر قلب : { إنما الحيوة الدنيا } أي الحاضرة التي رغبت في ~~الزهد فيها والخروج عنها بالصدقة والقرض الحسن { لعب } PageV07P451 أي تعب ~~لا ثمرة له فهو باطل كلعب الصبيان { ولهو } أي شيء يفرح الإنسان به فيلهيه ~~ويشغله عما يعنيه ثم ينقضي كلهو الفتيان , ثم أتبع ذلك عظم ما يلهي في ~~الدنيا فقال : { وزينة } أي شيء يبهج العين ويسر النفس كزينة النسوان , ~~وأتبعها ثمرتها فقال : { وتفاخر } أي كتفاخر الأقران يفتخر بعضهم على بعض . ~~| ولما كان ذلك مخصوصا بأهل الشهوات قال : { بينكم } أي يجر إلى الترفع ~~الجار إلى الحسد والبغضاء , ثم أتبع ذلك ما يحصل به الفخر فقال : { وتكاثر ~~} أي من الجانبين { في الأموال } أي التي لا يفتخر بها إلا أحمق لكونها ~~مائلة { والأولاد } الذين لا يغتر بهم إلا سفيه لأنهم الأعداء , وأن جميع ~~ما ذكر زائل وأن الدنيا آفاتها هائلة , وإنما هي فتنة وابتلاء يظهر بها ~~الشكرين من غيره , ثم إلى ذلك كله قد يكون ذهابه عن قرب فتكون على أضداد ما ~~كان عليه , فيكون أشد في الحسرة , ومطابقة ذلك لما بعده ان الإنسان ينشأ في ~~حجر وليه فيشب ويقوى ويكسب المال والولد وثم تغشاه الناس فيكون بينهم امور ~~معجبة وأحوال ملهية مطربة , فإذا تم شبابه وأطفأه مجيئه وذهابه وأشكاله ~~وأترابه , أخذ في الانحطاط ولا يزال حتى يشيب ويسقم ويضعف ويهرم وتصيبه ~~النوائب والقوارع والمصائب في ماله وجسمه وأولاده وأصحابه , ثم في آخر ذلك ~~يموت , فإذا قد اضحمل أمره ونسي عما قليل ذكره , وصار ماله لغيره وزينته ~~متمتعا بها سواه فالدنيا حقيرة وأحقر منها طالبها وأقل منها خطر المزاحم ~~فيها , فما هي إلا جيفة , وطلاب الجيفة ليس لهم خطر , وأخسهم من بخل بها , ~~قال القشيري : وهذه الدنيا المذمومة هي ما يشغل العبد عن الآخر فكل ما ~~يشغله عن الآخرة فهو الدنيا - انتهى . | ولما قرر سبحانه أنها ظل زائل وعرض ~~هائل ms5180 , وكان بعض الناس يتنبه فيشكر وبعضهم يعمى فيكفر , كان القسم الثاني ~~أكثر لأن وجودها وإقبالها يعمي أكثر القلوب عن حقارتها , ضرب لذلك مثلا ~~مقررا لما مضى من وصفها لأن للأمثال في تقرير الأشياء وتصويرها ما ليس ~~لغيرها فقال تعالى : { كمثل } أي هذا الذي ذكرته من أمرها يشبه مثل { غيث } ~~أي مطر حصل بعد جدب وسوء حال . | ولما كان المثل في سياق التحقير للدنيا ~~والتنفير عنها , عبر عن الزارع بما ينفر فقال : { أعجب الكفار } أي الزراع ~~الذين حصل منهم الحرث والبذرة الذي يستره الحارث بحرثه كما ستر الكافر ~~حقيقة أنوار الإيمان لما يحصل من الجحد والطغيان ولا يتناهى إعجاب الزارع ~~إلى حد يلهي عن الله إلا مع الكفر به سبحانه فإن المؤمن وإن أعجبه ذلك ~~يتذكر به قدرة الله سبحانه وتعالى عظمته وما أعد لأهل طاعته في الآخرة , ~~فيحمله ذلك على الطاعة , فالتعبير بالكفار الذي هو بمعنى الزراع دونه إشارة ~~إلى عظمة PageV07P452 ذلك النبات فإنه لا يعجب العارفين به الممارسين له ~~الذي لهم غياة الإقبال على تلك الحرفة فالمنافسة فيها إلا ما يكون منها ~~نهاية في الإعجاب , وإلى أنه لا يعجب أحدا شيء من الدنيا إعجابا يركن ويأنس ~~به أنسا يؤدي إلى ما في الآية من اللهو وما معه إلا لكفر في نفسه أقله كفر ~~النعمة التي من شأنها أن تدعو إلى تذكر الخالق وتذكر الجميل على الشكر , ~~وترك الشكر كفر { نباته } اي نبات ذلك الغيب كما يعجب الكافر في الكفر في ~~الغالب بسط الدنيا له استدراجا من الله تعالى . | ولما كان الزرع يشيخ بعد ~~مديدة فيضمحل كما هو شأن الدنيا كلها قال : { ثم يهيج } أي يسرع تحركه فيتم ~~جفافه فيحين حصاده { فتراه مصفرا } أي عقب ذلك بالقرب منه على حالة لا ثمر ~~معها بل ولا نبات , ولذلك قال معبرا بالكون لأن السياق للتزهيد في الدنيا ~~وأنها ظل زائل لا حقيقة لها : { ثم } أي بعد تناهي جفافه وابيضاضه { يكون } ~~أي كونا كأنه مطبوع عليه , وأبلغ سبحانه في تقرير اضمحلاله بالإتيان مع ms5181 فعل ~~الكون هنا للمبالغة لأن السياق لتقرير أن الدنيا عدم وإن كانت في غاية ~~الكثرة والإقبال والمؤاتاة بخلاف ما مضى في الزمر فقال : { حطاما } كأن ~~الحطامية كانت في جبلته وأصل طبعه . | ولما ذكر الظل الزائل , ذكر أثره ~~الثابت الدائم مقسما له على قسمين , فقال عاطفا على ما تقديره هذا حال ~~الدنيا في سعرة زوالها وتحقق فنائها واضمحلالها : { وفي } أي هذا الذي غر ~~من حال الدنيا وهو في { الآخرة } على أحدهما { عذاب شديد } أي لمن أخذها ~~بغير حقها معرضا عن ذكر الله لأن الاغترار بها سببه , فكان كأنه هو . | ~~ولما قدم ما هو السبب الأغلب لأن أكثر الخلق هالك , أتبه الصنف الناجي . | ~~فقال : { ومغفرة } أي لأهل الدرجة الأولى في الإيمان { من الله } أي الملك ~~الأعظم لمن يذكر بما صنعه له في الدنيا عظمته سبحانه وجلاله فتاب من ذنوبه ~~, ورجع إليه في التطهير من عيوبه { ورضوان } لأهل الدرجة العليا وهم من ~~أقبل عليه سبحانه فشكره حق شكره ببذل وسعه فيما يرضيه , فآخر الآية تقسيم ~~للدنيا على الحقيقة لئلا يظن من حصرها فيما ذكر أول الآية أنها لا تكون إلا ~~كذلك , فالمعنى أن الذي ذكره أولا هو الأغلب لأحوالها عاقبته النار , وما ~~كان منها من إيمان وطاعة ونظر توحيد الله وتعظيم ومعرفة تؤدي إلى أخذها ~~تزودا ونظرها اعتبارا وتعبدا , فهو آخره لا دنيا , وقد تحرر أن مثل الغيث ~~المذكور الحطام وتارة يعقبه نكد لازم وأخرى سرور دائم , فمن عمل في ذلك عمل ~~الحزمة فحرس الزرع ما يؤذيه وحصده في وقته وعمل فيه ما ينبغي ولم ينس حق ~~الله فيه سره أثره وحمدت عاقبته , ومن أهمل ذلك أعقبه الأسف , وذلك هو مثل ~~PageV07P453 الدنيا : من عمل فيها بأمر الله أعقبته حطاميتها سرورا دائما , ~~ومن أهمل ذلك أورتثه حزنا لازما , وكما كان التقدير : فما الآخرة لمن سعى ~~لها سعيها وهو مؤمن إلا حق مشهور وسعي مشكور , عطف عليه قوله : { وما ~~الحياة الدنيا } أي لكونها تشغل بزينتها مع أنها زائلة { إلا متاع الغرور * ~~} أي لهو في نفسه ms5182 غرور لا حقيقة له إلا ذلك , لأنه لا يجوز لمن أقبل على ~~التمتع إلا ذلك لأنه لا يسر بقدر ما يضر . | < < # | الحديد : ( 21 ) سابقوا إلى مغفرة . . . . . # > > ^ ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السمآء والأرض أعدت ~~للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم ~~) ^ } ) # ولما بين أن الدنيا خيال ومحال ليصرف الكملة من العباد عنها لسفولها ~~وحقارتها , وأن الآخرة بقاء وكمال ليرغبوا غاية الرغبة فيها وليشتاقوا كل ~~الاشتياق لكمالها وشرفها وجلالها , أنتج ذلك قوله تعالى : { سابقوا } أي ~~افعلوا في السعي لها بالأعمال الصالحة حق السعي فعل من يسابق شخصا فهو يسعى ~~ويجتهد غاية الاجتهاد في سبقه , ولكن ربما كان قرينه بطيئا فسار هوينا , ~~وأما المسارعة فلا تكون إلا بجهد النفس من الجانبين مع السرعة في العرف , ~~فآية آل عمران الآمرة بالمسارعة الأخص من المسابقة أبلغ لأنها للحث على ~~التجرد عن النفس والمال وجميع الحظوظ أصلا ورأسا , ولذلك كانت جنتها ~~للمتقين الموصوفين . | وأما هذه ففي سياق التصديق الذي هو تجرد عن فضول ~~الأموال ولذلك كانت جنته للذين آمنوا . | ولما كان المقام عظيما , والإنسان ~~- وإن بذلك الجهد - ضعيفا , لا يسعه إلا الفعو سواء كان سابقا أو لاحقا من ~~الأبرار والمقربين , نبه على ذلك بقوله في السابقين ؛ { إلى مغفرة } أي ستر ~~لذنوبكم عينا وأثرا { من ربكم } أي المحسن إليكم بأن رباكم وطوركم بعد ~~الإيجاد بأنواع الأسباب بأن تفعلوا أساب ذلك بامتثال أوامره سبحانه واجتناب ~~زواجره . | ولما كان المقصود من المغفرة ما يترتب عليها من نتيجتها قال : { ~~وجنة } أي وبستان هو من عظم أشجارها واطراد أنهارها بحيث يستر داخله . | ~~ولما كان ذلك لا يكمل إلا بالسعة قال : { عرضها } أي فما ظنك بطولها . | ~~ولما كان السياق كما بين للتجرد عن فضول الأموال فقط لأن الموعود به دون ما ~~في آل عمران فأفرده وصرح بالعرض فقال : { كعرض السماء والأرض } أي لو وصل ~~بعضها ببعض , فآية آل عمران تحتمل الطول وجميع السماوات والأرض على هيئتها ~~, ويحتمل أن يكون ذلك على ms5183 تقدير أن تقد كل واحدة منهما ويوصل رأس كل قدة ~~برأس الأخرى , وتمتد جميع القدات إلى نهايتها على مثل الشراك , وهذه الآية ~~ظاهرها عرض واحد وأرض واحدة { أعدت } أي هيئت هذه الجنة الموعود بها وفرغ ~~من أمرها بأيسر أمر { للذين آمنوا } PageV07P454 أي أوقعوا هذه الحقيقة وهم ~~من هذه الأمة إيقاعا لا ريب معه ولو أنه على أدنى الوجوه فكانوا من ~~السابقين , وهذا يدل على أن الجنة موجودة الآن في آيات كثيرة , وأن الإيمان ~~كاف في استحقاقها , وأحاديث الشفاعة مؤيدة لذلك { بالله } أي الذي له جميع ~~العظمة لأجل ذاته مخلصين له بالإيمان { ورسله } فلم يفرقوا بين أحد منهم , ~~فهذه الجنة غير مذكورة في آل عمران , وإن قيل : إن السماء هنا للجنس لكون ~~السياق فيه الصديقون والشهداء كانت أبلغته تلك بالتصريح بالجمع وعدم ~~التصريح بالعرض لكونها في سياق صرح فيه بالجهاد , وقد جرت السنة الإلهية ~~بإعظام للمجاهدين لشدة الخطر في أمر النفس وصعوبة الخروج عنها وعن جميع ~~المألوفات . | ولما كان من ذكر من الوعد بالمغفرة والجنة عظيما لا سيما لمن ~~آمن ولو كان إيمانه على أعلى الدرجات ومع التجرد من جميع الأعمال , عظمه ~~بقوله ردا على من يوجب عليه سبحانه شيئا من ثواب أو عقاب : { ذلك } أي ~~الأمر العظيم جدا { فضل الله } أي الملك الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه { ~~يؤتيه من يشاء } ولعل التعبير بالمضارع للإشارة إلى هذا خاص بهذه الأمة ~~التي هي أقل عملا وأكثر أجرا , فإذا حسدهم أهل الكتاب قال تعالى : هل ~~ظلمتكم من أمركم شيئا , فإذا قالوا : لا , لأن المصروف من الأجر لجميع ~~الطوائف على حسب الشرط , قال : ذلك فضلي أوتيه من أشاء . | { والله } أي ~~والحال أن الملك المختص بجميع صفات الكمال فله الأمر كله { ذو الفضل العظيم ~~* } أي الذي جل عن أن يحيط بوصفه العقول . | < < # | الحديد : ( 22 - 23 ) ما أصاب من . . . . . # > > ^ ( مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن ~~نبرأهآ إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما ms5184 فاتكم ولا تفرحوا بمآ ~~آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) ^ } ) | ولما كانت الدنيا مانعة عن ~~العكوف إلى الآخرة بلذاتها وآلائها , وكانت كما أنها منزل رخاء هي دار بلاء ~~, وكان قد اقتصر سبحانه في الآية السالفة على الأول لأن السياق للإنفاق ~~والترغيب في معالي الأخلاق وجعل المسابقة إلى السعادة نتيجة الزهد فيها , ~~تحركت النفس إلى اسؤال عما يعوق عن الخير من الضرب بسياط البلاء فقال مسليا ~~عنه لأن النفوس أشد تأثرا بالمكاره وأسرع انفعالا بالمقارع ومحققا ومغريا ~~بالإعلام بأنه لم يكن فيها خير ولا شر إلا بقضاء حتم في الأزل وقدر أحكم ~~ووجب حين لم يكن غيره شيء عز وجل , وذكر فعل المؤنث الجائز التذكير لكون ~~التأنيث غير حقيقي إشارة إلى عظم وقع الشر : { ما أصاب } وأكد النفي فقال : ~~{ من مصيبة } وهي في الأصل لكل آت من خير أو شر إلا أن العرف خصها بالشر , ~~وعم الساكن والمتحرك PageV07P455 بقوله : { في الأرض } أي من منابتها ~~ومياهها ونحو ذلك { ولا في أنفسكم } أي بموت ومرض وعين وعرض { إلا } هي ~~كائنة { في كتاب } أي مكتوب لأنه مقدر مفروغ من القدم , وبين أن الكتابة ~~حدثت بعد أن كان هو سبحانه ولا شيء معه بإدخال الجار فقال : { من قبل أن ~~نبرأها } أي نخلق ونوجد ونقدر المصيبة والأرض والأنفس , وهذا دليل على أن ~~اكتساب العباد يجعله سبحانه وتقديره . | ولما كان ذلك متعذرا على الملخوق ~~فهو أشد شيء تكرها له وقوفا مع الوهم قال مؤكدا : { إن ذلك } أي الأمر ~~الجليل وهو علمه بالشيء وكتبه له على تفاصيله قبل كونه , ثم سوقه النفوس ~~والأسباب إلى إخراجه بعد التكوين على مقدار ما سبق علمه به وكتبه له { على ~~الله } أي على ما له من الإحاطة بالكمال { يسير * } لأن عمله محيط بكل شيء ~~وقدرته شاملة لا يعجزها شيء . | ولما بين هذا الأمر العظيم الدال على ما له ~~سبحانه من الكبرياء والعظمة , بين ثمرة أعماله بقوله : { لكيلا } أي ~~أعملناكم بأن على ما لنا من العظمة قد فرغنا من التقدير , فلا يتصور ms5185 فيه ~~تقديم ولا تأخير ولا تبديل ولا تغيير , لأن الحزن لا يدفعه , ولا السرور ~~يجلبه ويجمعه , كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا معاذ ليقل همك ما ~~قدر يكن ) أجل أن لا { تأسوا } أي تحزنوا حزنا كبيرا زائدا { على } ما في ~~أصل الجبلة , يوصل إلى المبلغ بتعاطي أسبابه والتمادي فيها ليتأثر عنها ~~السخط وعدم الرضا بالقضاء , فربما جر ذلك إلى أمر عظيم { ما فاتكم } من ~~المحبوبات الدنيوية { ولا تفرحوا } أي تسروا سرورا يوصل إلى البطر بالتمادي ~~مع ما في أصل الجبلة { بما آتاكم } أي جاءكم منها على قراءة أبي عمرو ~~بالقصر , وأعطاكم الله على قراءة الباقين بالمد , وهي تدل على أن النعم لا ~~بد في إيجادها وإبقائها من حافظ , ثم إنها لو خليت ونفسها فاتت لأنه ليس من ~~فقد ما لديه من أعيان ومعان قبل أن تأمره بالعدم والوجدان , فلم يغيره ذلك ~~عن المسابقة المذكورة , فالمنهي عنه التمادي مع الحزن حتى يخرج عن الصبر ~~ومع الفرح الصادق : ما لك تأسف على مفقود ولا يرده إليك الوفت , وما لك ~~تفرح بوجود ولا يتركه في يدك الموت - انتهى , ولقد عزى الله المؤمنين رحمة ~~لهم في مصائبهم وزهدهم في رغائبهم بأن أسفهم على فوت المطلوب لا يعيده , ~~وفرحهم بحصول المحبوب لا PageV07P456 يفيدهم , ولأن ذلك لا مطمع في بقائه ~~إلا بادخاره عند الله , وذلك بأن يقول في المصيبة : قدر الله وما شاء الله ~~فعل ويصير في النعمة هكذا قضى , وما أدري ما مثله ^ ( { هذا من فضل ربي ~~ليبلوني أشكر أم أكفر } ) ^ [ النمل : 40 ] فلا يزال خائفا عند النقمة ~~راجيا أثر النعمة , قائلا في الحالين : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ~~, وأكمل من هذا أن يكون مسرورا بذكر ربه له في كلتا الحالتين كما قال ~~القائل : | سقيا لمعهدك الذي لو لم يكن ما كان قلبي للصبابة بمعهدا | وهذه ~~صفة المتحررين من رق النفئ , وقيمة الرجال إنما تعرف بالوارادات المغيرة , ~~فمن لم تغيره المضار ولم يتأثر بالمسار فهو سيد وقته , أشار إليه ms5186 القشيري . ~~| ولما كان الإمعان في استجلاب الأسى إنما هو من اليأس ونسيان النعم وزيادة ~~الفرح الموصل إلى المرح إنما يجره الكبر والمرح , وكان في أوصاف أهل الدنيا ~~عاطفا على ما تقديره : { فإن الله لا يحب كل يؤوس كفور } { والله لا يحب } ~~أي لا يفعل فعل المحب بأن يكرم { كل مختال } أي متكبر نظر إلى ما في يده في ~~الدنيا { فخور * } قال القشيري : الاختيال من بقايا النفس ورؤيتها , والفخر ~~من رؤية خطر ما به يفتخر . | < < # | الحديد : ( 24 - 25 ) الذين يبخلون ويأمرون . . . . . # > > ^ ( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني ~~الحميد * لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم ~~الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ~~ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ) ^ } ) | من جملة صفات المختال ~~المكاثر بالمال البخل , وكان قد تقدم الحث على الإنفاق , وكان ما يوجبه لذة ~~الفخار والاختيال التي أوصل إليها المال حاملة على البخل خوفا من الإقتار ~~الموجب عند أهل الدنيا للصغار , قال تعالى واصفا للمختال أو { لكل } : { ~~الذين يبخلون } أي يوجدون هذه الحقيقة مع الاستمرار { ويأمرون الناس } أي ~~كل من يعرفونه { بالبخل } إرادة أن يكون لهم رفقاء يعملون بأعمالهم الخبيثة ~~فيحامون عنهم أو أنهم يوجبون بأعمالهم من التكبر والبطر في الأموال ~~بأعمالهم الخبيثة البخل استدراجا من الله لهم بخل غيرهم لأنه إذا رأهم ~~عظموا بالمال بخل ليكثر ماله ويعظم , وذلك كله نتيجة فرحهم بالموجود وبطرهم ~~عند إصابته , فكانوا آمرين بالبخل لكونهم أسبابا له والسبب كالآمر في إيجاد ~~شيء . | PageV07P457 ولما كان التقدير : فمن أقبل على ما ندب إليه من ~~الإقراض الحسن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الله شكور حليم , عطف ~~عليه قوله ذاما للبخل محذرا منه : { من يتول } أي يكلف نفسه من الإعراض ضد ~~ما في فطرته من حبة الخير والإقبال على الله { فإن الله } أي الذي له جميع ~~صفات الكمال { هو } أي وحده { الغني } أي عن ماله وإنفاقه وكل شيء إلى الله ~~مفتقر { الحميد * } أي المستحق ms5187 للحمد وسواء حمده الحامدون أم لا , وقراءة ~~نافع وابن عامر بإسقاط هو مفيدة لحصر المبتدأ في الخبر للتعريف وإن كانت ~~قراة الجماعة آكد . | ولما ظهرت الأدلة حتى لم يبق لأحد علة , وانتشر نورها ~~حتى ملأ الأكوان , وعلا علوا تضاءل دون عليائه كيوان , وكان فيما تقدم شرح ~~مآل الدنيا وبين حقيقتها , وأن الأدمي إذا خلي ونفسه ارتكب ما لا يليق من ~~التفاخر وما شاكله وترك ما يراد به مما دعي إليه من الخير جهلا منه ~~وانقيادا مع طبعه , وكان ختم الآية السابقة ربما أوهم المشاركة , قال تعالى ~~نافيا ذلك في جواب من توقع الإخبار عن سائر الأنبياء : هو أوتوا من البيان ~~وما أزال اللبس , مؤكدا لإزالة العذر بإقامة الحجج بإرسال الرسل بالمعجزات ~~الحاضرة والكتب الباقية , معلما أن من أعرض كلف الإقبال بالسيف , فإن ~~الحكيم العظيم تأبى عظمته وحكمته أن يخلي المعرض عن بينة ترده عما هو فيه , ~~وقسر يكفيه بما لهم بنا من الاتصال من الملائكة إلى الأنبياء على جميعهم ~~أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام , ومن الأنبياء إلى الأمم { بالبينات ~~} أي الموجبة للإقبال في الحال لكونها لا لبس فيها أصلا , ودل على عظمة ~~أنبيائه علهيم الصلاة والسلام بأنهم لعلو مقاماتهم بالإرسال كأنهم أتو إلى ~~العباد من موضع عال جدا فقال : { وأنزلنا } بعظمتنا التي لا شيء أعلى منها ~~{ معهم الكتاب } أي الحافظ في زمن الاستقبال في الأحكام والشرائع . | ولما ~~كان فهم الكتاب ربما أشكل فإنه يحتاج إلى ذهن صقيل وفكر طويل , وصبر كبير ~~وعلم كثير - قال الرازي : وبهذا قيل : لولا الكتاب لأصبح العقل حائرا ولولا ~~العقل لم ينتفع بالكتاب , عقبه بما يشترك في معرفته الكبير والصغير , ~~والجاهل والنحرير , وهو أقرب الأياء إلى الكتاب في العلم بمطابقة الواقع ~~لما يرد فقال : { والميزان } أي العدل والحكمة , ولعله كل ما يقع به ~~التقدير حسا أو معنى , وتعقيبه به إشارة إلى أن عدم زيغه لعدم حظ ونحوه , ~~فمن حكم الكتاب خاليا عن حظ نفس وصل إلى المقصود { ليقوم الناس } أي الذين ~~فيهم قابلية التحرك إلى المعالي ms5188 كلهم { بالقسط } أي العدل الذي لا ~~PageV07P458 مزيد عليه لانتظام جميع أحوالهم , هذا لمن أذعن للبينات لذات ~~من أقامها أو للرغبة فيها عنده . | ولما كان الإعراض بعد الإبلاغ في ~~الإيضاح موجبا للرد عن الفساد بأنواع الجهاد , قال مهددا وممتنا ترغيبا ~~وترهيبا معبرا عن الخلق بالإنزال تشريفا وتعظيما : { وأنزلنا } أي خلقنا ~~خلقا عظيما بما لنا من القدرة { الحديد } أي المعروف على وجه من القوة ~~والصلابة واللين والحدة لقبول التأثير يعد به كالبائن لما في الأرض , فلذلك ~~سمي إيجاده إنزالا , ولأن الأوامر بالإيجاد والإعدام تنزل من السماء على ~~أيدي الملائكة لأن السماء محل الحوادث الكبار , والبدائع والأسرار , لأن ~~الماء الذي هو أصله وأصل كل نام ينزل من السماء وتكون الأرض له بمنزلة ~~الرحمن للنطفة . | ولما وقع التشوف إلى سبب إنزاله , قال : { ومنافع للناس ~~} بما يعمل منه من مرافقهم ومعاونهم لتقوم أحوالهم بذلك , قال البيضاوي : ~~ما من صنعة إلا والحديد آلتها . | ولما كان التقدير : ليعلم الله من يعصيه ~~ويخذل أولياءه , بوضع بأسه في غير ما أمر به نصرة لشيطانه وهواه وافتنانه , ~~عطف عليه قوله : { وليعلم الله } أي الذي له جميع العظمة علم شهادة لأجل ~~إقامة الحجة بما يليق بعقول الخلق فيكون الجزاء على العمل لا على العلم , ~~وأوقع ضمير الدين عليه سبحانه تعظيما له لأنه شارعه فقال : { من ينصره } أي ~~يقبل مجدا على الاستمرار على نصر دينه { ورسله } بالذب عنهم والدعاء إليهم ~~, كاثنا ذلك النصر { بالغيب } من الوعد والوعيد , أي بسبب تصديق الناصر لما ~~غاب عنه من ذلك , أو غائبا عن كل ما أوجب له النصرة , وروي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه قال : ينصورنه ولا يبصرونه - انتهى . | فلم يدع سبحانه في ~~هذه الآية لأحد عذرا بالرسل الذين هم الجنس مع تأييدهم بما ينفي عنهم اللبس ~~, والكتاب العالي عن كلام الخلق , والعقل الذي عرف العدل , والسلاح الذي ~~يرد أولي الجهل , كما قال صلى الله عليه وسلم : ( بعثت بين يدي الساعة ~~بالسيف ) فبيان الشرائع بالكتاب , وتقويم أبواب العدل بالميزان , وتنفيذ ~~هذه المعاني بالسيف , فإن ms5189 مصالح الدين من غير هيبة السلطان لا يمكن رعايتها ~~, فالملك والدين توأمان , فالدين بلا ملك ضائع , والملك من غير دين باطل , ~~والسلطان ظل الله في الأض , فظواهر الكتاب للعوام , ووزن معارفه لأهل ~~الحقائق PageV07P459 بالميزان , ومن خرج عن الطائفتين فله الحديد وهو السيف ~~لأن تشويش الدين منه - نبه عليه الرازي . | ولما كان طالب النصرة مظنة ~~لتوهم الضعف , قال نافيا لذلك مؤكدا قطعا لتعنت المتعنتين مظهرا للاسم ~~الأعظم إشارة إلى أن من له جميع صفات الكمال لا يمكن أن تطرقه حاجة : { إن ~~الله } أي الذي له العظمة كلها . | ولما لم يكن هنا داع إلى أكثر من هذا ~~التأكيد : بخلاف ما أشير إليه من الإخراج من الديار المذكورة في الحج ونحوه ~~, قال معلما بأنه غني عن كل شيء معريا الخبر من اللام : { قوي } أي فهو ~~قادر على إهلاك جميع أعدائه وتأييد من ينصره من أولياءه { عزيز * } فهو غير ~~مفتقر إلى نصر أحد , وإنما دعا عباده إلى نصر دينه ليقيم الحجة عليهم فيرحم ~~من أراد بامتثال المأمور , ويعذب من يشاء بارتكاب المنهي , ببنائه هذه ~~الدار على حكمة ربط المسببات بالأسباب . | < < # | الحديد : ( 26 - 27 ) ولقد أرسلنا نوحا . . . . . # > > ^ ( ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب ~~فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون * ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ~~ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ~~ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغآء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها ~~فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون ) ^ } ) | ولما عم الرسل ~~جامعا لهم في البينات , فكان السامع جديرا بأن يتوقع التعيين , وخص من ~~بينهم من أولي العزم أبوين جامعين في الذرية والرسالة , لأن ذلك أنسب ~~لمقصود السورة لتبيين فضل محمد صلى الله عليه وسلم الذي عم برسالته عموما ~~لم يكن لأحد غيره , فنوح عليه السلام أرسل لأهل الأرض لكونهم كانوا على ~~لسان واحد , وعموم إبراهيم عليه السلام بأولاده علهيم السلام ونص بعدها على ~~عيسى عليه السلام بما له من عموم الرسالة إلى بني ms5190 إسرائيل بالنسخ والتشريع ~~, ثم من نزوله في هذه الأمة بالتقرير والتجديد فقالك { ولقد أرسلنا } أي ~~بما لنا من صفات الكمال والجمال والجلال { نوحا } الأب الثاني , وجعلنا ~~الأغلب على رسالته مظهر الجلال { وإبراهيم } أبا العرب والروم وبني إسرائيل ~~الذي أكثر الأنبياء من نسله , وجعلنا الأغلب على رسالته مجلى الإكرام { ~~وجعلنا } بما لنا من العظمة { في ذريتهما النبوة } المقتضية للوصلة بالملك ~~الأعظم لتنفيذ الأوامر { والكتاب } الجامع للأحكام الضابط للشرائع بأن ~~استنبأنا بعض ذريتهما وأنزلنا إليهم الكتب فلا يوجد نبي ولا كتاب إلا وهو ~~مدل إليهما بأمتن الأسباب وأعظم الأنساب . | PageV07P460 ولما كان مظهر ~~العظمة متضيا لإشقاء من أريد إشقاؤه مع عدم المبالاة به , كائنا من كان , ~~سواء اتصل بالأولياء أو الأعداء لئلا يأمن أحد فيقع في الخسران أو ييأس أحد ~~فيلزم الهوان قال : { فمنهم } أي ذرية هذين الصنفين { مهتد } هو بعين الرضا ~~منا - وهو من لزم طريق الأصفياء واستمسك بعهدهم ولم يزغ أصلا وإن كان من ~~أولاد الأعداء . | ولما كان من زاغ بعد تذكيره بالكتب والرسل , كان مستحقا ~~للمبالغة في الذم ولو أنه واحد فكيف إذا كان كثيرا , نبه بتغيير السياق على ~~ذلك وعلى أن الأغلب الضلال فقال : { وكثير منهم } أي الذرية الموصوفين { ~~فاسقون * } هم بعينه السخط وإن كانوا أولاد الأصفياء وهم من خالف الأولياء ~~بمنابذة أو ابتداع أو زيغ عن سبيلهم بما لم ينهجوه من تفريظ وإفراط . | ~~ولما كان من مقاصد هذه السورة العظمى الإعلام بنسخ الشرائع كلها بشريعة هذا ~~النبي الفاتح العام الرسالة لجميع الخلائق صلى الله عليه وسلم , قال مشيرا ~~إلى عظمة الإرسال والرسل بأداة التراخي : { ثم قفينا } أي بما لنا من ~~العظمة تقفية لها من العظمة ما يجل وصفه { على آثارهم } أي الأبوين ~~المذكورين ومن مضى قبلهما من الرسل , ولا يعود الضمير على { الذرية } لأنها ~~باقية مع الرسل وبعدهم { برسلنا } أي فأرسلناهم واحدا في أثر واحد بين ما ~~لا يحصى من الخلق من الكفرة محروسين منهم في الأغلب بما تقتضيه العظمة , لا ~~ننشئ آثار الأول منهم حتى نرسل الذي ms5191 بعده في قفاه , فكل رسول بين يدي الذي ~~بعده , والذين بعده في قفاه - فهو مقف له لأن الأول ذاهب إلى الله والثاني ~~تابع له , فنبينا صلى الله عليه وسلم أعرف الناس في هذا الوصف لأنه لا نبي ~~بعده , ولهذا كان الوصف أحد أسمائه . | ولما كان عيسى عليه السلام أعظم من ~~جاء بعد موسى عليه السلام من بني إسرائيل فهو الناسخ لشرعيته والمؤيد به ~~هذا النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم في تجديد دينه وتقرير شريعته , وكان ~~الزهد والرأفة والرحمة في تابعيه في غاية الظهور مع أن ذلك لم يمنعهم من ~~القسوة المنبه سابقا على أن الموجب لها طول الأمد الناشئ عنها الإعراض عن ~~الآيات الحاضرة معه والكتاب الباقي بعده , خصه بالذكر وأعاد العامل فقال : ~~{ وقفينا } أي أتبعنا بما لنا من العظمة على آثارهم قبل أن تدرس { بعيسى ~~ابن مريم } وهو آخر من قبل النبي الخاتم عليهم الصلاة والسلام , فأمته أول ~~الأمم بالأمر باتباعه صلى الله عليه وسلم { وآتيناه } بما لنا من العظمة { ~~الإنجيل * } كتابا ضابطا لما جاء به مقيما لملته مبينا للقيامة مبشرا ~~بالنبي العربي موضحا لأمره كثرا من ذكره { وجعلنا } لعزتنا { في قلوب الذين ~~اتبعوه } أي بغاية جهدهم , فكانوا على مناهجه { رأفة } أي أشد رقة على من ~~كان يتسبب إلى PageV07P461 الاتصال بهم { ورحمة } أي رقة وعطفا من لم يكن ~~له سبب في الصلة بهم كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم رحماء بينهم حتى ~~كانوا أذلة على المؤمنين مع أن قلوبهم في غاية الصلابة فهم أعزة على ~~الكافرين , وترتيب الوصفين هكذا أدل دليل على أنهما لم يقصد بهما مراعاة ~~الفواصل في { رؤف رحيم } كما قاله بعض المفسرين وتقدم في آخر براءة أن ذلك ~~قول لا يحل التصويب إليه ولا التعويل عليه وإن قاله من قال { ورهبانية } أي ~~أمورا حاملة على الرهبية والتزيي بزيها والعمل على حسبها مبالغة في العبادة ~~والرياضة والانقطاع عن الناس . | ولم قدم المعمول لفعل غير مذكر ليدل عليه ~~بما يفسره ليكون مذكورا مرتين تأكيدا له إفهاما ms5192 لذم نفس الابتداع , أتبعه ~~المفسر لعامله فقال : { ابتدعوها } أي حملوا أنفسهم على عملها والتطيق بها ~~من غير أن يكون لهم فيها سلف يعلمونه أو يكون بما صرح به كتابه وإن كانت ~~مقاصده لا تأباها فاعتزلوا لأجلها الناس , وانقطعوا في الجبال على العامل ~~سر آخر وهو الصلاحية للعطف على ما قبلها لئلا يتوهم في لفظ الابتداع أن لا ~~صنع لله فيها { ما كتبناها } أي فرضناها بعظمتنا { عليهم } في كتابهم ولا ~~على لسان رسولهم { إلا } أي لكن ابتدعوها { ابتغاء } أي لأجل تكليفهم ~~أنفسهم الوقوع بغاية الاجتهاد في تصفية القلوب وتهذيب النفوس وتزكية ~~الأعمال على { رضوان الله } أي الرضا العظيم من الملك الأعظم , وساق ~~المنقطع مساق المتصل إشارة إلى أنه مما يرضي الله , وأنه ما ترك فرضها ~~عليهم إلا رحمة لهم لأجل صعوبتها , وأنه صيرها بعد إلزامهم بها كالمكتوبة , ~~فيكون التقدير حينئذ : إلا لأجل أن يبتغوا رضوانه على وجه الثبات والدوام , ~~قال الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المصري في ~~كتابه ( فتوح مصر والمغرب ) : فلما أن أغرق الله عز وجل فرعون وجنوده كما ~~حدثنا هانئ بن المتوكل عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن تبيع قال : ~~استأذن الذين كانوا آمنوا من السحرة لموسى عليه السلام في الرجوع إلى أهله ~~وماله بمصر فأذن لهم ودعا لهم بترهبوا مع موسى عليه السلام حتى توفاه الله ~~عز وجلن ثم انقطعت الرهبانية بعدهم حتى ابتدعها بعد ذلك أصحاب المسيح عليه ~~السلام . | ولما تسبب عن صعوبتها أنهم أضاعوها بالتقصير عن شؤونها والسفول ~~عن عليائها PageV07P462 قال : { فما رعوها } أي حفظوها كلهم بحفظ من هو ~~مرتاع من خوف ضياعها { حق رعايتها } بصون العناية في رعاية الأعمال ~~والأحوال والأقوال , فصون الأعمال توفيرها ورعاية الوقت الوقف مع حضور على ~~بساط شهود الجلال - ذكره الرازي . | بل غلبت عليهم صفات البشر فقصر بعضهم ~~عن عالي مداها , وانحطوا عن شامخ ذراها , هذا تنفير عظيم عن البدع , وحث ~~شديد على لزوم ما سنه الله وشرع , وتحذير من التشديد , فإنه ms5193 لن يشاد الدين ~~أحد إلا غلبه وهو الترحال إلى البدعة ولهذا أكثر في أهل الرهبانية المروق ~~من الدين بالاتحاد والحلول وغير ذلك من البلايا ولو كان يظهر أن التشديد ~~والتعمق خير لأن الشارع الذي أحاط علما بما لم يحط به نهى عنه , وقد أفادت ~~التجربة أنه قد يغر لأن هؤلاء ابتدعوا ما أرادوا الخير , فكان داعيا لكثير ~~منهم إلى دار البوار , وفيه أيضا حث عظيم على المداومة على ما اعتيد من ~~الأعمال الصالحة خصوصا , ماعمل النبي صلى الله عليه وسلم عملا إلا دوام ~~عليه , وكان ينهى عن التعمق في الدين , ويأمر بالرفق والقصد . | ولما كانت ~~متابعة النفس في التقصير بالإفراط قد توصل إلى المروق من الدين فيوجب الكفر ~~فيحط على الهلاك كله , أشار إلى ذلك بقوله : { فآتينا } أي بما لنا من صفات ~~الكمال { الذين آمنوا } أي استمروا على الإيمان الكامل , ولعل في التعبير ~~بالماضي بعد إرادة التعميم للأدنى والأعلى إشارة إلى إن المتعمق بين إيمان ~~وكفر لا تجرد معصيته كما أشار إليه ختم الآية فهو في غاية الذم للتعمق ~~والمدح للاتقصاد { منهم } أي من هؤلاء المبتدعين لأنهم رعوها حق رعايتها ~~ووصلوا إيمانهم بعيسى ومن قبله عليهم الصلاة والسلام بإيمانهم بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم الذي دعا إليه الخروج عن النفس الذي هو روح الرهبانية ~~بموافقتهم لما في كتابهم من من البشائر به { أجرهم } أي اللائق بهم وهو ~~الرضوان المضاعف . | ولما كانت متابعة الأهواء تكسب صفات ذميمة تصير ملكات ~~راسخة للأنفس , أشار إلى ذلك بالعدول عن النهج الأول فقال : { وكثير منهم } ~~أي هؤلاء الذين ابتدعوا فضيعوا { فاسقون * } أي عريقون في وصف الخروج عن ~~الحدود التي حدها الله تعالى , روى البغوي من طريق الثعلبي عن ابن مسعود ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من آمن بي فقد رعاها حق ~~رعايتها , ولمن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون ) انتهى . | ومثل هذه ~~PageV07P463 الرهبانية في أنها لا تأباها قواعد الدين ما يفهمه بعض العلماء ~~من الكتاب والسنة فيتذكره , فيكون أخذنا له ms5194 من الأصول التي نبه عليها لا ~~منه , كما أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يفعلون أشياء فإن قررهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم كانت شرعا لنا وكنا آخذين لها من تفسيره صلى الله ~~عليه وسلم لا منهم , فإن من ملكه الله رتبة الاجتهاد في شيء وأمكنه فيه من ~~القواعد فأداه اجتهاده إلى أن هذا مندوب إليه مرغوب فيه مثلا , كان ذلك بما ~~يشهد له من قواعد الدين بمنزلة ما قاله الصحابة رضي الله عنهم فأقرهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم , ولا فرق بين أن يقرره النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه ~~أو بقواعد شريعته , ومهما كان مقررا بقواعد شرعه كان عليه أمره , ومهما لم ~~يكن مقررا بها كان مما ليس عليه أمره فهو رد على قائله , فهذا فرق بين ~~البدع الحسنة والبدع القبيحة - والله الموفق , وذكر ابن برجان تنزيل هذا ~~الحديث الذي فيه ( لتتبعن سسن من كان قبلكم ) فذكر أن أصحاب عيسى عليه ~~السلام عملوا بعده بالإنجيل حتى قام فيهم ملك بدل كتابهم , وشايعه على ذلك ~~روم ويونان , فعضف أهل الإيمان , فاستذلوهم حتى هبروا إلى البراري , وعملوا ~~الصوامع والبتدعوا الرهبانية , وكذلك كان في هذه لتصديق الحديث الشريف فإنه ~~لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعه خلفاؤه بإحسان , فلما مضت ~~الخلافة الراشدة تراكمت الفتن كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد ~~البلاء على المتمسكين بصريح الإيمان , ورجم البيت العتيق بحجارة المنجنيق ~~وهدم , وقتل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما واستبيحت مدينة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثلاثة أيام , وقتل خيار من فيها فرأى المسلمون العزلة واجبة ~~, فلزموا الزوايا والمساجد وابتنوا الروابط على سواحل البحر وأخذوا في ~~الجهاد للعدو والنفوس , وعالجوا تصفية أخلاقهم ولزموا الفقر أخذا من أحوال ~~أهل الصفة , وتسموا بالصوفية وتكلموا على الورع والصدق والمنازل والأحوال ~~والمقامات فهؤلاء وزان أولئك - والله الموفق . | ذكر ما في الإنجيل ما من ~~الحكم التي توجب الزهد في الدنيا والإقبال على لاله التي يصح تمسك أهل هذه ~~الرهبانية بها ms5195 : قال متى وغيره وأغلب السياق لمتى : إن أخطأ عليك أخوك ~~فاذهب أعتبه وحدكما , فإن سمع منك فقد ربحت أخاك , وإن لم يسمع منك فخذ معك ~~واحدا أو اثنين , لأن من فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كل كلمة , وإن لم يسمع ~~منهم فقل للبيعة , فإن لم يسمع من البيعة فيكون عندك كالوثني والعشار , ~~الحق أقول لكم , وقال لوقا : انظروا الآن إن أخطأ إليك أخوك فانهه , فإن ~~تاب فاغفر له , فإن أخطأ إليك سبع دفعات في اليوم ورجع إليك سبع دفعات يقول ~~لك : أنا تائب , فاغفر PageV07P464 له , وقال متى : حينئذ جاء إليه بطرس ~~وقال له : إذا أخطأ إلي أخي لم إغفر له سبع مرات , قال : ليس أقول لك إلى ~~سبع مرات , بل إلى سبعين مرة , ولهذا يشبه ملكوت السماوات ملكا أراد أن ~~يحاسب عبيده , فلما بدأ بمحاسبتهم قدم إليه عبد مديون عليه جملة وزنات , ~~ولم يكن معه ما يوفي , فأمر سيده أن تباع امرأته وبنوه وكل ما له حتى يوفي ~~, فخر ذلك العبد له ساجدا قائلا : يا رب , ترأف علي تأن , أوفك كل مالك , ~~فتحنن علهي سيده وترك له كل ما عليه , فخرج ذلك العبد فوجد عبدا من أصاقائه ~~عليه مائة دينار فأمسكه وخنقه وقال : أعطني ما عليك , فخر ذلك العبد على ~~رجليه وطلب إليه قائلا : ترأف علي فأنا أعطيك مالك , فأبى ومضى ورتكه في ~~السجن حتى يوفي الدين , فرأه العبد أصحابه فحزنوا عليه جدا وأعلموا سيده ~~بكل ما كان منه , حينئذ دعاه سيده وقال له : ايها العبد الشرير ! كل ما كان ~~عليك تركت بذلك لأنك سألتني , ما كان ينبغي لك أن ترحكم ذلك العبد صاحبك ~~كرحمتي إياك , وغضب سيده ودفعه إلى المعذبين حتى يوفي جميع ما عليه , هكذا ~~أبي السماواي يصنع بكم إن لم تغفروا لإخوانكم سيئاتهم من كل قلوبكم , فملا ~~أكمل يسوع هذا الكلام انتقل من الجليل وجاء إلى تخوم يهود عبر الأردن فتبعه ~~جمع كثير فأبرأهم هناك , قال لوقا : فلما أكمل أيام صعوده أقبل بوجهه إلى ~~يروشليم , وأرسل مخبرين ms5196 قدام وجهه فمضوا ودخلوا قرية السامرة , لكيما يعدوا ~~له فلم يقبلوه فقال تلميذاه يعقوب ويوحنا : يا رب تريد أن نقول فتنزل عليهم ~~نار من السماء فتهلكهم كما فعل إليا , فالتفت فنهرهما قائلا : لستما تعرفان ~~أي روح أنتما , إن ابن البشر لم يأت ليهلك نفوس الناس بل يحيي , ومضى إلى ~~قرية أخرى , وقال متى : حينئذ قدم إليه صبيان ليضع يده عليهم ويباركهم ~~فنهرهم التلاميذ فقال لهم يسوع : جعوا الصبيان ولا منعوهم أن يأتوا إلي لأن ~~ملكوت السماوات لمثل هؤلاء , ووضع يده عليهم وبارك لهم , وقال مرقس : الحق ~~أقول لكم , إن من لا يقبل ملكوت الله مثل صبي لا يدخلها , واحتضنهم ووضع ~~يده عليهم وباركهم , وقال متى : ومضى من هناك وجاء إليه واحد وقال : يا ~~معلم صالح - وقال مرقس : أيها الملعم الصالح - ما أعمل من الصلاح لأرث ~~الحياة الدائمة , قال له : لماذا تقول : صالح , ولا صالح إلا الله الواحد , ~~إن كنت تريد أن تدخل الحياة احفظ الوصايا , قال له : وما هي ؟ قال يسوع : ~~لا تقتل ولا تسرق ولا تزن ولا تشهد الزور , وقال مرقس : لا تجر , أكرم أباك ~~وأمك - حب قريبك مثلك , قال له الشاب : كل هذا قد حفظته من صغري , قال له ~~يسوع : إن كنت تريد أن تكون كاملا فاذهب , وقال مرقس : فنظر إليه يسوع ~~وأحبه , وقال : تريد أن تكون كاملا , واحدة بقيت عليك : امض وبع كل شيء لك ~~وأعطه PageV07P465 للمساكين ليكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني , فلما ~~سمع الشاب الكلام مضى حزينا لأنه كان له مال كثير , فقال يسوع لتلامذته : ~~الحق أقول لكم ! إنه يعسر على الغني الدخول إلى ملكوت السماء , وأيضا أقول ~~لكم : إنه أسهل أن يدخل الجمل في ثقب الإبرة من غني يدخل ملكوت السموات , ~~فلما سمع التلاميذ بهتوا جدا وقالوا : من يقدر أن يخلص , فنظر يسوع وقال ~~لهم : أما عند الناس فلا يستطاع هذا , وأما عند الله فكل يستطاع , حينئذ ~~أجاب بطرس وقال له : هو ذا نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك , فماذا عسى أن ~~يكون ms5197 لنا , قال لهم يسوع : الحق والحق أقول لكم ! أنتم الذين اتبعتموني في ~~الجبل الآتي إذا جلس ابن الإنسان على كرسي مجده تجلسون أنتم على اثني عشر ~~كرسيا , تدينون اثني عشر سبط بني إسرائيل , كل ما ترك بنين أو أخا أو أخوات ~~أو أبا أو أما أو امرأة أو بيتا أو حقلا من أجل اسمي يأخذ مائة ضعف ويرث ~~حياة الأبد , وقال لوقا : ما من أحد ترك منزلا أو والدين أو إخوة أو امرأة ~~أو مالا من أجل ملكوت الله إلا وينال العوض أضعافا كثيرة في هذا الزمان وفي ~~الدهر الآتي حياة الأبد , وقال متى وغيره : كثيرا أولون يصيرون آخرين : ~~وأخرون يصيرون أولين , يشبه ملكوت السموات إنسانا رب بيت خرج الغداة ~~ليستأجر فعله لكرمه , فشارك الأكرة على دينار واحد في اليوم - إلى آخر ما ~~مضى في الأعراف من البشارة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم في مثل الفعلة في ~~الكرم الذي فضل آخرهم وهو العامل قليلا على من عمل أكثر النهار وقد ساقه ~~ابن برجان في آخر تفسير سورة الحديد عن الإنجيل بعبارة أخرى تفسيرا كثيرا ~~من عبارة النسخة التي نقلت ذاك منها , فأحببت أن أذكره عبارة ابن برجان هنا ~~تكميلا للفائدة , قال : وفي الكتاب الذي يذكر أنه الإنجيل : وكثيرا يتقدم ~~الآخرون الأولون ويكون الأولون ساقة الآخرين : ولذلك يشبه ملكوت السموات ~~برجل ملي خرج في استئجار الأعوان لحفر كرم في أول النهار , وعامل كل واحد ~~في نهاره على درهم ثم ادخلهم كرمه , فلما كان في الساعة الثالثة بصر لغيرهم ~~في الرحاب لا شغل لهم فقال : اذهبوا أنتم أيضا إلى الكرم وسآمر لكم بحقوقكم ~~, ففعلوا , ثم فعل مثل ذلك في الساعة السادسة والتاسعة , فلما كان في ~~الساعة الإحدى عشرة وجد غيرهم وقوفا فقال لهم : لم وقفتم هنا طول نهاركم ~~دون عمل ؟ فقالوا له : إنا لم يستأجرنا أحد , فقال لهم : اذهبوا أنتم سآمر ~~لكم بحقوقكم , فلما انقضى النهار قال لوكيله : ادع الأعوان وأعطهم أجرتهم ~~وابدا بالآخرين حتى تنتهي إلى الأولين , فبدأ بالذين دخلوا ms5198 يرجون الزيادة , ~~فأعطى كل واحد منهم درهما , فاستذكروا ذلك على صاحب الكرم وقالوا : سويتنا ~~بالذين لم يعملوا PageV07P466 إلا ساعة من النهار في شخوصنا طول نهارنا ~~وعذابنا بحرارته , فأجباب أحدهم وقال : لست أظلمك يا صديق , أما عاملتني ~~على درهم فخذ حقك وانطلق فإنه يوافقني أن أعطي الآخر كما أعطيتك , أفلا يحل ~~لي ذلك ؟ وإن كنت حسودا فإني أنا رحيم , ومن أجل ذلك يتقدم الآخرون الأولين ~~, ويكون الأولون ساقة الآخرين فالمدعوون كثير , والخيرون قليل , وذكر ابن ~~برجان أن الساعة السادسة لعيسى عليه السلام وأصحابه في أول الأمر والتاسعة ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم والحادية عشرة لآخر الزمان - كأنه يعني ما بعد ~~الدجال من أيام محمد صلى الله عليه وسلم التي يكون فيها عيسى عليه السلام ~~مجدا , ولهذا جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم التي يكون فيها عيسى عليه ~~السلام مجددا , ولهذا جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيح شيئا ~~واحدا من العصر إلى غروب الشمس , ثم قال متى في بقية ما مضى من الإنجيل في ~~النسخة التي نقلت منها عقب ما تقدم أنه في الأعراف : فصعد يسوع إلى يروشليم ~~وأخذ الاثني عشر , حينئذ جاءت إليه أم ابني زبدي - هما يعقوب ويوحنا - مع ~~ابنيها وسجدت له , فقال لها : ماذا تريدين ؟ قالت : أن يجلس ابناي أحدهما ~~عن يمينك والآخر عن يسارك في ملكوتك , أجاب يسوع : أما جلوسهما عن يميني ~~ويساري فليس لي بل للذي أعده لهم ربي , فملا سمع العشرة تقمقموا على ~~الآخرين - وقال مرقس : على يعقوب ويوحنا - فدعاهم يسوع وقال لهم : أما ~~علمتم أن رؤساء الأمم يسودونهم وعظماءهم مسلطون عليهم , ليس هكذا يكون فيكم ~~, لكن من أراد أن يكون فيكم كبيرا فيكون لكم خادما , ومن أراد أن يكون فيكم ~~أولا فيكون لكم عبدا , وقال مرقسك فيكون آخر للكل وخادما للجميع , كذل ابن ~~الإنسان لم يأت ليخدم بل ليخدم , ويبذل نفسه فداء عن كثير , فلما خرج من ~~أريحا تبعه جمع كثير وإذا أعميان جالسان على الطريق فسمعا أن يسوع مجتاز ~~فصرخا قائلين ms5199 : ارحمنا يا رب يا ابن داود , فوقف يسوع ودعاهما وقال لهما : ~~ما تريدان أن أفعل لكما , قالا له : يا رب , أن تفتح أعيننا , فتحنن يسوع ~~ولمس أعينهما وللوقت أبصرت أيعنهما وتبعاه , وعبارة مرقس عن ذلك : وجاء إلى ~~إريحا وخرج من هناك وتبعه تلاميذه وجمع كثير وإذا طيماس بن طماس الأعمى ~~جالس يسأل عن الطريق - وقال لوقا : يتوسل - فسمع الجمع المجتاز فسأل : ما ~~هذا , فأخبروه أن يسوع الناصري جاء , وقال مرقس : فلما سمع بأن يسوع مقبل ~~بدأ يصيح ويقول : يا يسوع الناصري ابن داود ارحمني , فانتهروه ليسكت , ~~فازداد صياحا قائلا : يا رب يا ابن داود , ارحمني , فوقف يسوع وقال : ادعوه ~~, فدعي الأعمى وقالوا له : ثق وقم فإنه يدعوك , وطرح ثوبه ونهض وجاء إلى ~~يسوع فأجابه يسوع وقال له : ما تريد أن أصنع بك ؟ فقال له الأعمى : يا معلم ~~, وقال لوقا : يا رب - أن أبصرت , فقال له يسوع : PageV07P467 اذهب إيمان ~~خلصك , وللوقت أبصر , وتبعه في الطريق - قال لوقا : يمجد الله - وكان جميع ~~الشعب الذين رأوه يسبحون الله . | وقال أيضا : وكان بينما هو منطلق إلى ~~يروشليم اجتاز بين السامرة والجليل , وفيما هو داخل إلى إحدى القرى استقبله ~~عشرة رجال برص فوقفوا من بعيد ورفعوا أصواتهم قائلين : يا يسوع الملعم ~~ارحمنا ! فنظر إليهم وقال لهم : اذهبوا وأروا أنفسكم للكهنة , وفيما هم ~~منطلقون طهروا , فلما رأى أحدهم أنه قد طهر رجع بصوت عظيم بمجد الله وخر ~~على وجهه عند رجليه شاكرا له , وكان سامريا , أجاب يسوع وقال : أليس العشرة ~~قد طهروا فأين التسعة , ألم يجدوا ليرجعوا ويمجدوا الله ما خلا هذا الغريب ~~, ثم قال له : قم فامض , إيمانكم خلصك . | قال متى : ولما قربوا من يروشلين ~~وجاؤوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون - وقال مرقس : عند باب فاجي وبيت عنيا ~~جانب طور الزيتون - قال متى : حينئذ أرسل يسوع اثنين من تلاميذه : وقال ~~لهما : اذهبا إلى القرية التي أمامكما فتجدان أتانه مربوطة وجحشا معهما ~~فحلاهما وائتياني بهما ! فإن قال لكما أحد شيئا فقولا له : إن الرب محتاج ms5200 ~~إليهما ! فهو يرسلهما للقوت , كان هذا ليتم ما قيل في النبي القائل قولوا ~~لابنة صهيون هوذا ملكك يأتيك متواضعا راكبا على أتانه وجحش ابن أتانة , ~~فذهب التلميذان وصنعا كما أمرهما يسوع , فأتيا بالأتانة والجحش وتركوا ~~ثيابهم عليهما , وجلس معهما , وجمع كثير فرشوا ثيابهم في الطريق وآخرون ~~قطعوا أغصانا من الشجر وفرشوها في الطريق , وعبارة مرقس عن ذلك : تجد أن ~~جحشا مربوطا لم يركبه أحد من الناس قط , فحلاه وائتيا به , فإن قال لكما ~~أحد : ما تفعلان بهذا ؟ فقولا : إن الرب محتاج إليه من ساعة يرسله , فذهبا ~~ووجدا الجحش مربوطا عند الباب خارجا عن الطريق فحلاه فقال لهما قوم من ~~القيام هناك : ما تصنعان ؟ فقالا لهم كما قال يسوع فتركوهما , وجاءا بالجحش ~~إلى يسوع فألقوا عليهم ثيابهم وجلس عليهم وكثير بسطوا ثيابهم في الطريق ~~وآخرون قطعوا أغصانا من الحقل وفرشوها في الطريق . | قال متى : والجمع الذي ~~تقدمه والذي تبعوا صرخوا قائلين : أوصنا يا ابن داود مبارك الآتي باسم الرب ~~, قال مرقس : ومباركة المملكة الآتية باسم الرب لأبينا داود أوصنا في ~~العلاء , وقال لوقا : وكان لما قرب من منحدر جبل الزيتون بدأ جمع الملأ ~~والتلاميذ يفرحون ويسبحون الله ويمجدونه بجميع الأصوات من أجل القوات التي ~~نظروا قائلين : تبارك الملك الآتي باسم الرب والسلامة في السماء والمجد في ~~العلا , وقوم نم الفريسيين من بين الجمع قالوا له : ما معلم انتهر تلاميذك ~~, فقال لهم : إن سكت التلاميذ نطقت الحجارة , فلما قرب نظر المدينة وبكى ~~عليها وقال : لو علمت في هذا اليوم ما لك فيه من السلامة , فأما الآن فإنه ~~قد خفي عن عينيك , وسوف تأتي أيام تلقى أعداؤك معلمك ويحيطون بك ويضيقون ~~عليك من كل PageV07P468 موضع ويقتلونك وبنيك فيك ولا يتركوا فيك حجرا , ~~وقال متى : فلما دخل إلى يروشليم ارتجت المدينة كلها قائلين : من هذا ؟ ~~فقال الجمع : هذا يسوع النبي الضي هو من ناصرة الجليل , فدخل يسوع إلى هيكل ~~الله وأخرج جميع الذين يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارف وكراسي ~~باعة الحمام وقال ms5201 لهم : مكتوب أن بيتي بيت الصلاة يدعى , وأنتم جعلتموه ~~مغارة للصوص . | وقال يوجنا : فصعد يسوع إلي يروشليم فوجد في الهيكل باعة ~~البقرة والكباش والحمام وصيارف جلوسا , فصنع محرضة من حبل وأخرج جميعهم من ~~الهيكل فطرد البقر والخراف وبدد دراهم الصيارف وقلب موائدهم , وقال متى : ~~وقدم إليه عميان وعرج في الهيكل فشفاهم , فرأى رؤساء الكهنة العجائب التي ~~صنع ولاصبيان يصيحون في الهيكل ويقولون : أوصنا يا ابن داود , مبارك الآتي ~~باسم الرب , فتقمقموا وقالوا : ما تسمع ما يقول هؤلاء , فقال لهم يسوع : ~~نعم , أما وبات هناك في بيت هنيا وفي غد عبر إلى المدينة فجاع ونظر إلى ~~شجرة تين على الطريق فجاء إيلها فلم يجد فيها شيئا إلا الورق , فقال لها : ~~لا يخرج منك ثمرة إلى للوقت , أجبا يسوع وقال لهم : الحق أقول لكم ! إن كان ~~لكم إيمان ولا تشكون ليس مثل هذه الشجرة التين فقط تصنعون ولكن تقولون لهذا ~~الجبل : تعال واسقط في البحر , فيكون , وقال مرقس : إن كان لكم إيمان بالله ~~, لحق أقول لكم : إن من قال لهذا الجبل : انتقل واسقط في هذا البحر , ولا ~~يشك في قلبه بل يصدق فيكون له الذي قال : من أجل هذا أقول لكم : إن كل ما ~~تسألونه في الصلة بإيمانه أنكم تنالونه فيكون لكم , وقال متى : وكل ما ~~تسألونه في الصلاة بإيمان تنالونه , وقال مرقس : فقال له يوحنا , يا معلم ! ~~رأينا واحدا يخرج الشياطين باسمك فمعناه لأنه لم يتبعنا , قال لهم يسوع : ~~لا تمنعوه ليس يصنع أحد قوة باسمي , ويقدر سريعا أن يقول على الشر , كل من ~~ليس هو عليكم فهو معكم ومن سقاكم كأس ماء باسم أبيكم المسيح الحق أقو لكم : ~~إن أجره لا يضيع . | وفيه مما لا يجوز إطلاقه في شرعنا إطلاق الأب على الله ~~وإطلاق الرب على غيره بلا قيد , وقد تقدم التنبيه على مثل ذلك غير مرة - ~~والله الهادي للصواب . | < < # | الحديد : ( 28 - 29 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من ~~رحمته ويجعل لكم نورا ms5202 تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم * لئلا يعلم أهل ~~الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء ~~والله ذو الفضل العظيم ) ^ } ) | PageV07P469 ولما قرر سبحانه أن الرسل ~~دعاة للحق إلى سيدهم طوعا أو كرها بالكتاب والحديد , وقرر أن السعادة كلها ~~في اتباعهم , وأن البدع لا تأتي بخير وإن زيد الشيطان أمرها وخيل أنه خير , ~~وأن أصحاب الذي كان نسخ شريعة من قبله ابتدعوا بدعة حسنة فوكل إليها ففسق ~~أكثرهم , فاقتضى ذلك إرسال من يسنخ كل شريعة تقدمته نسخا لا زوال له لأنه ~~لا نبي بعده ونهى عن البدع نهيا لم يتقدمه أحد إلى مثله , أنتج ذلك قوله ~~تعالى : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بذلك إقرارا صحيحا بنبي مما تقدم ~~أو بالنبي صلى الله عليه وسلم { اتقوا الله } أي خافوا عقابه فاجعلوا بينكم ~~وبين سخطه - لأنه الملك الأعظم - وقاية بحفظ الأدب معه ولا تأمنوا مكره , ~~فكونوا على حذر من أن يسلبكم ما هوبهكم , فاتبعوا الرسول تسلموا , وحافظوا ~~على اتباعه لئلا تهلكوا { وآمنوا برسوله } أي الذي لا رسول له الآن غيره , ~~إيمانا مضموما إلى إيمانكم بالله فإنه لا يصح الإيمان به إلا مع الإيمان ~~برسوله , وبأن تثبتوا على الإيمان به , وتضموا الإيمان به إلى الإيمان بمن ~~تقدمه يا أهل الكتاب , لأن رسالته عامة , لقد نسخ جميع ما تقدمه من الأديان ~~فإياكم أن يميلكم عنه ميل من حسد أو غيره , فبادروا إلى إجابته والزموا ~~جميعا حذره فلا تميلوا إلى بدعة أصلا { يؤتكم } ثوابا على اتباعه { كفلين } ~~أي نصيبين ضخمين { من رحمته } تحصينا لكم من العذاب كما يحصن الكفل الراكب ~~من الوقوع , وهو كساء يعقد على ظهر البعير فيلقى مقدمه على الكاهل ومؤخره ~~على العجز , وهذا التحصين لأجل إيمانكم به صلى الله عليه وسلم وإيمانكم بمن ~~تقدمه مع خفة العمل ورفع الأصار وهو أعلى بالأجر من الذي عمل الخير في ~~الجاهلية , وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عنه ( أسلمت على ما ~~أسلفت من خير ms5203 ) ودل على أن الكفلين برفع الدرجات وإفاضة خواص من الخيرات ~~بقوله : { ويجعل لكم } أي مع ذلك { نورا } مجازيا في الأولى بالتوفيق للعمل ~~من المعلوم والمعارف القلبية وحسيا في الآخرة بسبب العمل { تمشون به } أي ~~مجازا في الأولى بالتوفيق للعمل , وحقيقة في الآخرة بسبب العمل . | ولما ~~كان الإنسان لا يخلو من نقصان , فلا يبلغ جميع ما يحق للرحمن , قال : { ~~ويغفر لكم } أي ما فرط منكم من سهو وعمد وهزل وجد . | ولما قرر سبحانه وذلك ~~, أتبعه التعريف بأن الغفران وما يتبعه صفة له شاملة لمن يريده فقال : { ~~والله } أي المحيط بجميع صفات الكمال والعظمة والكبرياء { غفور } أي بليغ ~~المحو للذنب عينا وأثرا { رحيم * } أي بليغ الإكرام لمن يغفر له ويوفقه ~~للعمل بما يرضيه . | PageV07P470 ولما كان أهل الكتاب قد تابعوا أهيتهم على ~~بغض الأميين , وأشربت قلوبهم أن النبوة مختصة بهم لأنهم أولاد إبراهيم عليه ~~السلام من ابنة عمه , والعرب - وإن كانوا أولاده - فإنهم من الأمة وما دروا ~~أن كونهم من أولاده مرشح لنبة بعضهم وكونهم من الأمة , مهيئ لعموم الرسالة ~~لأجل عموم النسب , قال دالا على انهم صاروا كالبهائم لا يبصرون إلا ~~المحسوسات معلقا الجار ب { آمنوا } و { يؤتكم } وما بعد : { لئلا يعلم } أي ~~ليعلم علما عظيما يثبت مضمون خبره وينتفي ضده - بما أفاده زيادة النافي { ~~أهل الكتاب } أي من الفريقين الذي اقتصروا على كتابهم وأنبيائهم ولم يؤمنوا ~~بالنبي الخاتم وما أنزل { ألا } أي أنهم لا { يقدرون } أي في زمن من ~~الأزمان { على شيء } أي وإن قل { من فضل الله } أي الملك الأعلى الذي خصكم ~~بما خصكم به لا يمنع ولا بإعطائكم حيث نزع النبوة منهم ووضها في بني عمهم ~~إسماعيل عليه السلام الذي كانوا لا يقيمون لهم وزنا فيقولون : إنهم بنو ~~الأمة , وإنهم أميون , وإنهم ليس عليهم منهم سبيل , وجعل النبوة التي خصكم ~~بها عامة - كما أشار إليه ما في ابن الأمة من شمول بنسبته وانشعابه وحيث ~~عملوا كثيرا وأعطوا قليلا : ( اليهود من أول النهار على قيراط قيراط , ~~والنصارى من الظهر على ms5204 قيراط قيراط , وهذه الأمة من صلاة العصر على قيراطين ~~قيراطين , فقال الفريقان : ما لنا أكثر عملا وأقل أجرا , قالك هل ظلمتكم من ~~حقكم شيئا , قالوا : لا , قال : ذلك فضلي أوتيه من أشاء ) وذكر ابن برجان ~~معنى هذا الحديث - كما تقدم عنه قريبا - من الإنجيل وطبقه عليه وذكرته أنا ~~في الأعراف , روى الإمام أحمد في مواضع من المسند والبخاري في سبعة مواضع ~~في الصلاة والإجارة وذكر بني إسرائيل وفضائل القرآن والتوحيد , والترمذي في ~~الأمثال - وقال : حسن صحيح - من وجوه شتى جمعت بين ألفاظها عن ابن عمر رضي ~~الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( مثلكم ) - وفي هذه الرواية ~~: ( مثل هذه الأمة ) , وفي رواية : ( مثل أمتي ) وفي رواية : إنما مثلكم ~~ومثل اليهود والنصارى كرجل , وفي رواية : ( مثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل ~~رجل استعمل عملاء ) , وفي رواية : ( استأجر أجراء ) فقال : ( من يعمل لي من ~~صلاة الصبح ) وفي رواية أخرى : ( من غدوة إلى نصف النهار على قيراط , ألا ~~فعملت اليهود ) - وفي رواية : ( قالت اليهود : نحن - فعملوا , ثم قال : من ~~يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط , ألا فعملته النصارى ) , ~~وفي رواية : ( قالت النصارى : نحن , فعملوا , ثم قال : من يعمل لي من صلاة ~~العصر إلى غروب الشمس ) - وفي رواية : إلى أن تغيب الشمس - ( على قيراطين ~~قيراطين , ألا فأنتم الذين عملتم ) , وفي رواية : ( تعملون ) , وفي رواية ( ~~أنتم PageV07P471 المسلمون تعملون من صلاة العصر إلى الليل ) , وفي رواية ( ~~إلى مغارب ) , وفي رواية : ( مغرب الشمس على قيراطين قيراطين قيراطين ألا ~~لكم الأجر مرتين , فغضبت اليهود والنصارى ) وقالوا : ( نحن ) - وفي رواية : ~~( ما لنا - أكثر عملا وأقل عطاء ) , وفي رواية ( أجرا , قال الله تعالى هل ~~) - وفي رواية : ( وهل - نقصتكم ) - وفي رواية : ( هل ظلمتكم - من حقكم ~~شيئا ) وفي رواية : ( أرجكم شيئا , قالوا : لا , قال : فإنه ) - وفي رواية ~~: ( فإنما - هو فضل ) , وفي رواية : ( فذلك فضلي أوتيه من أشاء ) , وفي ~~رواية : ( أعطيه من شئت ) وفي رواية : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~قائم على المنبر يقول : ( ألا إن ms5205 بقاءكم ) , وفي رواية : ( إنما بقاؤكم ) , ~~وفي رواية : ( إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم ) - وفي رواية : ( فيما ~~سلف من قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر والمغرب ) - وفي رواية : ( إلى ~~غروب الشمس ) , وفي رواية : ( ألا إن مثل آجالكم في آجال الأمم قبلكم كما ~~بين صلاة العصر إلى مغيربان ) , وفي رواية : ( إلى مغرب ) , وفي رواية : ( ~~إلى مغارب الشمس , أعطي ) - وفي رواية : ( أوتي - أهل التوراة التوراة , ~~فعملوا بها حتى انتصف النهار فعجزوا , فأعطوا قيراطا قيراطا , وأعطي ) - ~~وفي رواية : ( ثم أوتي - أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى ) - وفي رواية ~~: ( إلى - صلاة العصر ) وفي رواية ( حتى صليت العصر , ثم عجوا فأعطوا ~~قيراطا قيراطا , ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس ) , وفي رواية ~~: ( حتى غروب الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين ) , وفي رواية : ( ثم أوتينا ~~القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين , فقال أهل الكتابين ~~) - وفي رواية : ( أهل التوراة والإنجيل - ربنا هؤلاء الأقل منا عملا وأكثر ~~أجرا ) , وفي رواية : ( جزاء ) , وفي رواية : ( أي ربنا أعطيت هؤلاء ~~قيراطين قيراطين وأعطتينا قيراطا قيراطا , ونحن أكثر عملا منهم , قال الله ~~تبارك وتعالى : هل ) وفي رواية : ( فهل ظلمتكم من أجركم ) - وفي رواية : ( ~~من أجوركم - من شي ؟ فقالوا : لا , فقال : فهو فضلي ) , وفي رواية ( فذلك ~~فضلي , أوتيه من أشاء ) وقد أخذ بعض العلماء من هذا الحديث ما قبل هذه ~~الأمم وترك على ذلك أحوالهم فقالك إنه دال على قوم نوح وإبراهيم عليهما ~~السلام , كان لهم الليل , فكان قوم نوح في أوله في ظلام صرف طويل لم يلح ~~لهم شيء من تباشير الضياء ولا أمارات الصبح , ونوح عليه السلام يخبرهم به ~~ويأمرهم بالتهيؤ له , فلذلك طال بلاؤه عليه السلام بهم , وما آمن معه إلا ~~قليل , وأما قوم إبراهيم عليه السلام فكانوا كأنهم في أواخر الليل , قد ~~لاحت لهم تباشير الصباح وأومضت لهم بوارق الفلاح , فلذلك آمن لوط عليه ~~السلام وكذا سارة زوجته وأولاده منها ومن غيرها كلهم , واستمر الإسلام في ~~أولاده والنبوة حتى جاء موسى عليه السلام , PageV07P472 فكان وقته كما ms5206 بين ~~الصبح والظهر , فكان قومه تارة وتارة , تارة يحسبون أنهم في ضياء كيفما ~~كانوا , فيرغون يمينا وشمالا فيكونون كمن دخل غيرانا وكهوفا وأسرابا ثم ~~يخرجون منها فيرجعون إلى الضياء , فكانت غلطاتهم تارة كبارا وتارة صغارا , ~~وأما قوم عيسى عليه السلام فكانوا كمن هو في الظهيرة في شدة الضياء فالغلط ~~منه لا يكون إلا عن عمى عظيم , فلذلك كان غلطهم أفظع الغلط وأفحشه - والله ~~الموفق - { وإن } أي ولتعلموا أن { الفضل } أي الذي لا يحتاج إليه من هو ~~عنده { بيد الله } أي الذي له الأمر كله { يؤتيه من يشاء } منهم أو من ~~غيرهم نبوة كانت أو غيرها . | ولما كان ربما ظن ظان أنه لا يخص به إلا لأنه ~~لا يسع جميع الناس دفع ذلك بقوله : { والله } أي الذي أحاط بجميع صفات ~~الكمال { ذو الفضل العظيم * } أي مالكه ملكا لا ينفك عنه ولا ملك لأحد فيه ~~معه ولا تصرف بوجه أصلا , فلذلك يخص من يشاء بما يشاء , فلا يقدر أحد على ~~اعتراض بوجه , فقد نزه له التنزيه الأعظم جميع ما في السماوات والأرض فهو ~~العزيز العحكيم الذي لا عزيز غيره ولا حكيم سواه , فقد انطبق كما ترى آخرها ~~على أولها , ورجع مفصلها على موصلها - والله الهادي للصواب وإليه المرجع ~~والمآب . | . . . | PageV07P473 < # > سورة المجادلة < # > مقصودها الإعلام بإيقاع البأس الشديد ، الذي أشارت إليه الحدسيد ، بمن ~~حاد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لما له سبحانه من تمام العلم ، اللازم ~~عنه تمام القدرة ، اللازم عنه الإحاطة بجميع صفات الكمال ، وعلى ذلك دلت ~~تسميتها بالمجادلة بأول قصتها وآخرها ، وعلى تكرير الاسم الأعظم الجامع في ~~القصة وجميع السورة تكريرا لم يكن في سواها بحيث لم تخل منه آية ، وأما ~~الآيات التي تكرر في كل منها المرتين فأكثر فكثرة كل ذلك ، للدلالة على أن ~~الأكثر منها المراد فيها بالخطاب من يصح أن ينظر إليه تارة بالجلال ، وتارة ~~بالكمال ، فيجمع له الوصفان ، وهو من آمن ووقع منه هفوة أو عصيان ، ولهذا ~~ضمتها أشياء شدد النكير فيها حين وقع بعض أهل الإيمان ms5207 ، ولم يبحها لهم عند ~~وقوعهم فيها ردا للشرع إلى ما دعا إليه الطبع كما فعل في غيرها كالأكل ~~والجماع في ليل رمضان من غير تقييد بيقظة ولا منام ، لمنابذتها للحكمة ، ~~وبعدها عن موجبات الرحمة ، وهذا مؤيد لما تقدم من سر إخلاء الواقعة والرحمن ~~والقمر من هذا الاسم الجامع . والله الموفق { بسم الله } الذي أحاط علمه ~~فتمت قدرته فكملت جميع صفاته { الرحمن } الذي شمل الخلائق جودا بالإيجاد ~~وإرسال هداته { الرحيم } الذي خص أصفياءه فتمت عليهم نعمة مرضاته . < < # | المجادلة : ( 1 ) قد سمع الله . . . . . # > > ^ ( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله ~~يسمع تحاوركمآ إن الله سميع بصير ) ^ } ) | لما ختمت الحديد بعث إثبات عجز ~~الخلق بعظيم الفضل له سبحانه , وكان سماع أصوات جميع الخلائق من غير أن ~~يشغل صوت عن صوت وكلام عن كلام من الفضل العظيم , وكان قد تقدم ابتداع بعض ~~المتعبدين من الرهبانية بما لم يصرح لهم بالإذن فيه , فكان سببا للتضييع , ~~وكان الظاهر على نوعين : موقت ومطلق , وكان الموقت مما يدخل في الرهبانية ~~لأنه من التبتل وتحريم ما أحل الله من الطيبات , وكان بعض الصحابة ~~PageV07P474 رضي الله عنهم قد منع نفسه بالموقت منه من مرغوبها مما لم يأت ~~عن الله , فظاهر من امرأته محافظة على كمال التعبد خوفا من الجماع في نهار ~~رمضان , وكان ذلك مما لم يأذن به بل نهى عنه كما روى أبو داود عن أنس رضي ~~الله عنه والطبراني في الأوسط على سهل بن حنيف رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ( لا تشددوا على أنفسكم , فإنما هلك من كان قبلكم ~~بتشديدهم على أنفسهم , وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات ) وكان بعض ~~الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - قد ظاهر مطلقا فشكت امرأته ما لحقها من ~~الضرر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهتفت باسم الله , وكان علمه ~~سبحانه بخصوص شكاية هذه المرأة المسكينة وإزالة ضررها بحكم عام لها ولغيرها ~~من عباده حتى صارت واقعتها رخصة عامة للمسلمين إلى يوم القيامة معلما ms5208 بأنه ~~ذو الفضل العظيم , وأنه الظاهر الباطن , ذو الملك كله , وكان قد أمر ~~بالإيمان به وبرسوله ووعد على ذلك بالنور , كان السامع لذلك جديرا بتوقع ~~البيان الذي هو النور في هذه الرهبانية التي ابتدعت في هذه الأمة , وتخفيف ~~الشديد الذي وقع عن بعضهم ليعلم أهل الكتاب ما لهذه الامة من الكرامة على ~~ربها وأنه يختص برحمته من يشاء فقال : { قد سمع الله } أي أجاب بعظيم فضله ~~الذي أحاط بجميع صفات الكمال فوسع سمعه الأصوات { قول } وعبر بالوصف دون ~~الاسم تعريفا برحمته الشاملة فقال : { التي تجادلك } أي تبالغ في أن تقبلك ~~إلى مرادها { في زوجها } أي في الأمر المخلص له من ظهاره رحمة لها { وتشتكي ~~} أي تتعمد بتلك المجادلة الشكوى , منتهية { إلى الله } أي الملك العظيم ~~الرحيم الذي أحاط بكل شيء علما , ولصدقها في شكواها وقطع رجائها في كشف ما ~~بها من غير الله كانت هي والنبي صلى الله عليه وسلم متوقعين أن الله يكشف ~~ضرها { والله } أي والحال أن الذي وسعت رحمته كل شيء لأنه له الأمر كله { ~~يسمع تحاوركما } أي مراجعتكما التي يحور - أي يرجع فيها إلى كل منكما جواب ~~كلامه من الآخر كأنها لثقل ما قدح في أمرها ونزل من ضرها ناشئة عن حيرة . | ~~ولما كان ذلك في غاية ما يكون من خرق العادة بحيث إن الصديقة عائشة رضي ~~الله عنها قالت عند نزول الآية : ( الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات , لقد ~~كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا في جانب البيت ما أسمع كثيرا مما ~~تقول ) أكده تنبيها على شدة غرابته ولأنه ربما استبعده من اشتد جهله ~~لعراقته في التقيد بالعادات فقال : { إن الله } أي الذي PageV07P475 أحاط ~~بجميع صفات الكمال فلا كفؤ له { سميع بصير * } أي بالغ السمع لكل مسموع , ~~والبصر لكل ما يبصر والعلم لكل ما يصح أن يعلم أزلا وأبدا , وقد مضى نحو ~~هذا التناسب في المائدة حين أتبع تعالى آية القسيسين والرهبان قوله تعالى < # > 77 ( { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ms5209 الله لكم } ) 77 < # > [ المائدة : 87 ] غير أن هذا خاص وذاك عام , فهذا فرد منه , فالمناسبة ~~واحدة لأن الأخص في ضمن الأعم , والحاصل أنه سبحانه امتن عليهم بما جعل في ~~قلوبهم من الرهبانية وغيرها , وأخبر أنهم لم يوفوها حقها , وأنه آتى ~~مؤمنيهم الأجر , وأمر المسلمين بالتقوى واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~ليحصل لهم من فضله العظيم ضعف ما حصل لأهل الكتاب , ونهاهم عن التشديد على ~~أنفسهم بالرهبانية , فصاروا مفضلين من وجهين : كثرة الأجر وخفة العمل , ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء - والله أعلم , روى البزار من طريق خصيف عن عطاء من ~~غيرهما أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا قال : يا رسول الله ! إني ~~ظاهرت من امرأتي ورأيت ساقها في القمر فواقعتها قبل أن أكفر , قال ( كفر ~~ولا تعد ) وروى أبو داود عن عكرمة أن رجلا ظاهر من امرأته ثم واقعها قبل أن ~~يكفر , فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : ( ما حملك على ما صنعت ~~؟ ) قال : رأيت بياض ساقيها في القمر , قال : ( فاعتزلها حتى تكفر عنك ) ~~قال المنذري : وأخرجه أيضا عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وسلم عكرمة عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه , وأخرجه ~~النسائي وابن ماجة والترمذي - وقال : حديث حسن غريب صحيح - وقال النسائي : ~~المرسل أولى بالصواب من المسند , وقال أبو بكر المعافري : ليس في الظهار ~~حديث صحيح يعول عليه , قال المنذري : وفيما قاله نظر , فقد صححه الترمذي ~~كما ترى , ورجال إسناده ثقات , وسماع بعضهم من بعض مشهور , وترجمة عكرمة عن ~~ابن عباس رضي الله عنهم احتج بها البخاري في غير موضع - انتهى . | وللترمذي ~~- وقال حسن غريب - عن سلمة بن صخر رضي الله عنه في المظاهر يواقع قبل أن ~~يكفر قال : ( كفار واحدة ) وروى أحمد PageV07P476 والحاكم وأصحاب السنن إلا ~~النسائي وحسنه الترمذي , قال ابن الملقن : وصححه ابن حبان والحاكم - من ~~طريق سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر البياضي رضي الله عنه قال : كنت أمرأ ~~أصيب ms5210 من النساء ما لا يصيب غيري , فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من ~~امرأتي شيئا يتابع بي حتى أصبح فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان , فبينا هي ~~تخدمني ذات ليلة تكشف لي منها شيء فما لبث أن نزوت عليها , فلما أصبحت خرجت ~~إلى قومي فأخبرتهم الخبر وقلت : امشوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم , قالوا : لا والله : فانطلقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته , ~~فقال ( أنت بذاك يا سلمة ؟ ) قلت : أنا بذاك يا رسول الله مرتين , وأنا ~~صابر لأمر الله , فاحكم في بما أراك الله , وفي رواية : فأمض في حكم الله ~~فإني صابر لذلك , قال ( حرر رقبة ) قلت : والذي بعثك بالحق ما أملك غيرها - ~~وضربت صفحة رقبتي , قال : فصم شهرين متتابعين , قلت : وهل أصبت الذي أصبت ~~إلا من الصيام , قال : ( فاطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا ) , قال : ~~ولاذي بعثك بالحق , لقد بتنا وحشين ما لنا طعام , قال : ( فانطلق إلى صاحب ~~صدقة بني زريق فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر وكل أنت وعيالك ~~بقيتها ) فرجعت إلى قومي فقلت : وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي , ووجدت عند ~~النيب صلى الله عليه وسلم السعة وحسن الرأي , وفي رواية : والبركة وقد ~~أمرني - أو أمر لي - بصدقتكم , وفي رواية : فادفعوها إلي , فدفعوها إلي ) . ~~| وأعله عبد الحق بالانقطاع , وأن سليمان لم يدرك سلمة , حكى ذلك الترمذي ~~عن البخاري , وقال الترمذي : إن سلمة بن صخر يقال له سلمان أيضا , ورواه ~~الإمام أحمد أيضا من طريق أخرى قال حدثنا عبد الله بن إدريس - هو الأودي - ~~عن محمد بن إسحاق عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سليمان بن يسار عن سلمة بن ~~صخر البياضي رضي الله عنه قال : كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري , ~~فلما دخل شهر رمضان خفت فتظاهرت من امرأتي في الشهر فبينا هي تخدمني ذات ~~ليلة إذ تكشف لي منها شيء فلم ألبث أن وقعت عليها , فأتيت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأخبرته فقال ( حرر ms5211 رقبة ) , فقلت : والذي بعثك بالحق , ما ~~أملك غير رقبتي , قال : ( صم شهرين متتابعين ) , قالت : وهل أصابني ما ~~أصابني إلا في الصيام ؟ قال : ( فأطعم ستين مسكينا ) PageV07P477 وهذا سند ~~حسن متصل إن شاء الله إن سلم من تدليس ابن إسحاق , وروى الحاكم والبهقي من ~~طريق محمد بن عبد الرحمن بن إسحاق , وروى الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن ~~عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبد الرحمن ( أن سلمة بن صخر البياضي ري ~~الله عنه جعل امرأته عليه كظهر أنه إن غشيها حتى يمضي رمضان , وقد ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ) اعتق رقبة ( وقصة سلمة هذه أصل ~~الظهار المؤقت , وقد دلت على أنه لا عود فيه لا كفارة عليه إلا بوطئها في ~~مدة الظهار , وروى أبو داود عن خويلة بنت مالك بن ثعلبة رضي الله عنها قال ~~: ) ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت رضي الله عنه فجئت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أشكوا إليه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول : ( ~~اتقي الله فإنه ابن عمك ) , فما برحت حتى نزل القرآن { قد سمع الله } إلى ~~الفرض , فقال : ( يعتق رقبة ) , قالت : لا يجد , قال : ( يصوم شهرين ~~متتابعين ) , قالت : يا رسول الله , إنه شيخ كبير ما به من صيام , قال ( ~~فليطعم ستين مسكينا ) , قالت : ما عنده من شيء يتصدق به قالت : فأتي ساعتئذ ~~بعرق من تمر , قلت : يا رسول الله , فإني أعينه بعرق آخر , قال : ( قد ~~أحسنت أذهبي فأطعمي بها عنه ستين مسكينا , وارجعي إلى ابن عمك ) قال : ~~والعرق ستون صاعا , وفي رواية : والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعا , وروى ~~الدارقطني أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ( إن أوس بن الصامت رضي الله ~~عنه ظاهر من امرأته خويلة بنت ثعلبة رضي الله عنها فشكت إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالت : ظاهر مني حين كبر سني ورق عظمي , فأنزل الله آية الظهار ~~, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأوس اعتق رقبة , قال : مالي بذلك ~~يدان , قال ms5212 : ) فصم شهرين متتابعين ( , قال : أما إني إذا أخطأني أن آكل في ~~اليوم مرتين يكل بصري , قال ) فأطعم ستين مسكينا ( , قال : ما أجد إلا أن ~~تعينني منك بعون وصلة , فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر ~~صاعا حتى جمع الله له , والله رحيم ) قال : وكانوا يرون أن عنده مثلها , ~~وذلك لستين مسكينا , قال : ما أجد إلا أن تعينني والبيهقي ( أن خولة بنت ~~ثعلبة رضي الله عنها رآها زوجها وهو أوس بن الصامت أخو عبادة رضي الله ~~عنهما وهي تصلي فراودها فأبت فغضب , وكان به لمم وخفة فظاهر منها , فأتت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في , ~~فلما خلا PageV07P478 سني ونثرت له بطني جعلني عليه كأمه ) وللطبراني من ~~طريق أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي قال : ( كانت خولة بنت ثعلبة تحت أوس ~~بن الصامت وكان به لمم , فقال في بعض هجراته : أنت علي كظهر أمي , قال : ما ~~أظنك إلا قد حرمت علي , فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا ~~رسول الله إن أوس بن الصامت أبو ولدي وأحب الناس إلي والذي أنزل عليك ~~الكتاب ما ذكر طلاقا , فرادت النبي صلى الله عليه وسلم مرارا , ثم قالت : ~~اللهم إني أشكو إليك فاقتي ووحدتي وما يشق علي من فراقه ) الحديث , ومن ~~طريق أبي العالية قال : فجعل كلما قال لها ( حرمت عليه ) هتفت وقالت : أشكو ~~إلى الله , فلم ترم مكانها حتى نزلت الآية , وروى أبو داود عن هشام بن عروة ~~أن جميلة كانت تحت أوس ابن الصامت وكان رجلا به لمم فكان إذا اشتد به لممه ~~ظاهر من امرأته فأنزل الله عز وجل فيه كفارة الظهار , وأخرجه من حديث عروة ~~عن عائشة رضي الله عنها مثله . | وقال القشيري : وفي الخبر أنها قالت : يا ~~سول الله إن أوسا تزوجني شابة غنية ذات أهل ومال كثير , فملا كبر عنده سني ~~, وذهب مالي وتفرق أهلي , وجعلني عليه كظهر أمه , وقد ندم وندمت , وإن لي ~~صبية صغارا ms5213 إن ضممتهم إليه ضاعوا , وإن ضممتهم إلي جاعوا , يعني ففرج الله ~~عنها , وقد حصل من هذا مسألة , وهو أن كثيرا من الأشياء ظاهر العلم يحكم ~~فيه بشيء ثم الضرورة تغير ذلك الحكم لصاحبها , قال البغوي : وكان هذا أول ~~ظهار في الإسلام , وقال أبو حيان : وكان عمر رضي الله عنه يكرم خولة رضي ~~الله عنها إذا دخلت عليه ويقول : سمع الله لها , فالمظاهرة في حديث سلمة ~~رضي الله عنه ومن نحا نحوه رهبانية مبتدعة لم ترع حق رعايتها كرهبانية ~~النصارى , ولم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم في ابتداعها حق الاتباع , ~~وأما في قصة خولة رضي الله عنها فهي مصيبة كأن ينبغي فيها التسليم وعدم ~~الحزم كما في آية < # > 77 ( { لكيلا تأسوا } ) 77 < # > [ الحديد : 23 ] الآية على أن امتناعها من زوجها حين راودها فيه إلمام ~~بالرهبانية , وإزالة شكايتها مع أنها امرأة ضعيفة من عظيم الفضل , وزاده ~~عظما جعله حكما عاما لمن وقع فيه من جميع الأمة . | PageV07P479 < < # | المجادلة : ( 2 ) الذين يظاهرون منكم . . . . . # > > ^ ( الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا ~~اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور ) ^ ~~} ) | تعالى الخبر عن إحاطة العلم , استأنف الإخبار عن حكم الأمر المجادل ~~بسببه , فقال ذاما للظهار , وكاسيا له ثوب العار : { الذين } ولما كان ~~الظهار منكرا لكونه كذبا , عبر بصيغة التفعل الدالة عليه فقال : { يظهرون } ~~أي يوجدون الظهار في أي رمضان كان وكأنه أدغم تاء التفعل والمفاعلة لأن ~~حقيقته أنه يذهب ما أحل الله له من مجامعة زوجته . | ولما كان الظهار خاصا ~~بالعرب دون سائر الأمم , نبه على ذلك تهجينا له عليهم وتقبيحا لعادتهم فيه ~~, تنبيها على أن اللائق بهم أن يكونوا أبعد الناس من هذا الكلام لأن الكذب ~~لم يزل مستهجنا عندهم في الجاهلية , ثم ما زاده الإسلام إلا استهجانا فقال ~~: { منكم } أي أيها العرب المسلمون الذين يستقبحون الكذب ما لا يستقبحه ~~غيرهم وكذا من دان دينهم { من نسائهم } أي يحرمون نساءهم على أنفسهم تحريم ~~الله عليهم ظهور ms5214 أمهاتهم بأن يقول أحدهم لزوجته شيئا من صرائحه مثل أنت علي ~~كظهر أمي وكنايتاته كأنت أمي , وكل زوج صح طلاقه صح ظهاره من حر أو عبد ~~مسلم أو ذمي دخل بالزوجة أو لا قادرا على الجماع أو عاجزا , صغير كانت ~~الزوجة أو كبيرة , عاقلة كانت أم مجنونة , سليمة كانت أو رتقاء , مسلمة ~~كانت أو ذميمة , ولو كانت رجعية . | ولما كان وجه الشبه التحريم , وكان ~~للتحريم رتبتان : عليا موصوفة بالتأبيد والاحترام , ودنيا خالية عن كل من ~~الوصفين , وكان التقدير خبرا للمبتدأ : مخطئون في ذلك لأنه كذب , لأن ~~التشبيه إن أسقطت أداته لم يكن حمله على الحقيقة ليكون من الرتبة العليا ~~ولو على أدنى أحوالها من أنه طلاق لا رجعة فيه , كما كانوا يعتقدونه , وإن ~~أثبتت ليكون من الدنيا لم يكن صحيحا لأنه ممنوع منه لأن التشريع إنما هو ~~لله , والله لم يكن يشرع ذلك , كان تعليل شقي التشبيه يفيد معنى الخبر ~~بزيادة التعليل , حذف الخبر , واكتفى بالتعليل فقال معللا له مهجنا للظهار ~~الذي تعوده العرب من غير أن يشاركهم فيه أحد من الأمم : { ما هن } أي ~~نساؤهم { أمهاتهم } على تقدير إرادة أحدهم أعلى رتبتي التحريم , والحاصل ~~أنهم لما كانوا يعتقدون أنه طلاق لا رجعة فيه جعلوا معتقدين أن المرأة أم ~~لأن الحرمة المؤبدة من خصائص الأم فخوطبوا بذلك تقريعا لهم لأنه أردع , وفي ~~سورة الأحزاب ما يوضح هذا . | ولما كانوا قد مرنوا على هذا الحكم في ~~الجاهلية , واستقر في أنفسهم استقرارا لا يزول إلا بغاية التأكيد , ساق ~~الكلام كذلك في الشقين فقال : { إن } أي ما { أمهاتهم } PageV07P480 أي ~~حقيقة { إلا اللائي ولدنهم } ونساؤهم لم تلدهم , فلا يحرمن عليهم حرمة ~~مؤبدة للإكرام والاحترام , ولا هن ممن ألحق بالأمهات بوجه يصح وكأزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإنهن ية أمهات لما لهن نم حق الإكرام والاحترام ~~والإعظام ما لم يكن لغيرهن لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعظم في أبوة ~~الدين نم أب النسب وكذلك المرضعات لما لهن من الإرضاع الذي هو وظيفة الأم ms5215 ~~بالأصالة , وأما الزوجة فمباينة لجميع ذلك . | ولما فرغ من تعليل الشق ~~الأول على أتم وجه , أتبعه تعليل الآخر كذلك , فقال عاطفا عليه مؤكدا لأنهم ~~كانوا قد ألفوا قوله فأشربته قلوبهم : { وإنهم } اي المظهرون { ليقولون } ~~أي في هذا التظهر على كل حالة { منكرا من القول } ينكره الحقيقية والأحكام ~~, قال ابن الملقن في عمدة المحتاج : وهو حرام اتفاقا كما ذكره الرافعي في ~~الشهادات . | { وزورا } أي قولا مائلا عن السداد , منحرفا عن القصد , لأن ~~لازوجة معدة للاستمتاع الذي هو في الغاية من الامتهان , والأم في غاية ~~البعد عن ذلك لأنها أهل لكل احترام , فلا هي أم حقيقة ولا شبيهة بها بأمر ~~نصبه الشارع للاحترام كالإرضاع , وكونها فراشا لعظيم كالنبي أو للأب أو ~~للحرمة كاللعان , فقد علم أن ذلك الكلام ليس بصدق ولا جاء به مسوغ , فهو ~~زور محض , وأخصر من هذا أن يقال : ولما كان ظهارهم هذا يشتمل على فعل وقول ~~, وكان الفعل هو التحريم الذي هو موضع وجه الشبه , وكانت العادة في وجه ~~الشبه أن يقنع منه بأدنى ما ينطلق عليه الاسم , وكانوا قد خالفوا ذلك ~~فجعلوه في أعلى طبقاته وهو الحرمة المؤبدة التي يلزم منها أن تكون المشابهة ~~من كل وجه في الحرمة مع أن ذلك بغير مستند من الله تعالى الذي لا حكم لغيره ~~, ألزمهم أن يكون الشبه من كل وجه مطلقا ليكونوا جاعلين الزوجة إما حقيقة ~~لا دعوى كما جعلوا الحرمتين كذلك من غير فرق بل أولى لأن الشبه إنما وقع ~~بين الحيثيتين لا بين الحرمتين - ثم وقفهم على جهلهم فيه فقال { ما هن } ~~إلى آخره , ولما وقفهم على جهلهم في الفعل وقفهم على جهلهم في القول : فقال ~~: وأنهم إلى آخره , قال النووي في الروضة : قال الأصحاب : الظهار حرام , ~~وله حكمان : أحدهما تحريم الوطء إذا وجبت الكفارة إلى أن يكفر , والثاني ~~وجوب الكفارة بالعود - انتهى , وهذا القول وإن أفاد التحريم فإنه يفيد ~~لكونه ممنوعا منه على وجه ضيق حرج المورد عسر المخرج ليكون عسره زاجرا عن ~~الوقوع فيه , قال ms5216 أبو عبد الله القزاز في ديوانه الجامع : وظاهر الرجل ~~امرأته وظاهر من امرأته إذا قال : أنت علي كظهر أمي أو كذاب محرم , وإنما ~~استخصوا الظهر في الظهار قال : ركوبك علي للنكاح كركوب أمي , وكان الظهار ~~في الجاهلية طلاقا , ولذلك PageV07P481 أشكل معنى قوله تعالى { ثم يعودون ~~لما قالوا } وقال ابن الأثير في النهاية : ظاهر الرجل من امرأته ظهارا ~~وتظهر وتظاهر إذا قال لها : أنت علي كظهر أمي , وكان في الجاهلية طلاقا , ~~وقيل : إنهم أرادوا أنت علي كبطن أمي أي كجماعها , فكنوا بالظهر عن البطن ~~للمجاورة , وقيل إن إتيان المرأة وظهرها إلى السماء كان حراما عندهم , وكان ~~أهل المدينة يقولون : إذا أتيت المرأة ووجهها إلى الأرض جاء الولد أحول , ~~فلقصد الرجل المطلق منهم إلى التغليظ في تحريم امرأته عليه شبهها بالظهر ثم ~~لم يقنع بذلك حتى جعلها كظهر أمه , وإنما عدى الظهار ب { من } لأنهم كانوا ~~إذا ظاهروا المرأة تجنبوها كما يتجنبون المطلقة ويحترزون منها , فكأنه قوله ~~: ظاهر من امرأته , أي بعد واحترز منها كما قيل : آلى من امرأته , لما ضمن ~~معنى التباعد عدى ب { من } - انتهى , قال : وقال ابن الملقن في العمدة شرح ~~المنهاج : وكان طلاقا في الجاهلية , ونقل عن صاحب الحاوي أنه عندهم لا رجعة ~~فيه , قال : فنقل الشارع حكمه إلى تحريم بعد العود ووجوب الكفارة - انتهى ~~وقال أبو حيان : قال أبو قلابة وغيره : وكان الظهار في الجاهلية يوجب عندهم ~~فرقة مؤبدة . | ولما كان التقدير : فإن الله حرمه , عطف عليه مرغبا في ~~التوبة وداعيا إليها قوله مؤكدا لأجل ما يعتدقون من غلظه وأنه لا مثنوية ~~فيه { وإن الله } أي الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه في شرع ولا غيره { ~~لعفو } من صفاته أن يترك عقاب من شاء { غفور * } من صفاته أن يمحو عين ~~الذنب وأثره حتى أنه كما لا يعاقب عليه لا يعاتب , فهل من تائب طلبا للعفو ~~عن زلله , والإصلاح لما كان من خلله . | < < # | المجادلة : ( 3 - 4 ) والذين يظاهرون من . . . . . # > > ^ ( والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما قالوا ms5217 فتحرير رقبة من ~~قبل أن يتمآسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير * فمن لم يجد فصيام ~~شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك ~~لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله وللكافرين عذاب أليم ) ^ } ) | ولما ~~هجن سبحانه الظهار , وأثبت تحريمه على أبلغ وجه وآكده , وكان ما مضت عليه ~~العوائد لا بد أن يبقى منه بقايا , أتبع ذلك بيان حكم هذه الواقعة وما لعله ~~يقع من نظائرها فقال : { والذين يظاهرون } ولما كان في بيان الحكم , أسقط ~~التقييد إعلاما بعمومه الكفار كعمومه المسلم ليفيد تغليظ العقاب عليه لئلا ~~يتوهم أنه يخص العرب الذين قصد تهجينه عليهم بأنهم انفرادوا به عن سائر ~~الناس فقال : { من نسائهم } بدون { منكم } . | PageV07P482 ولما كان مقتضى ~~اللفظ المباعدة ممن قيل ذلك فيها , لكان إمساكها بعده ينبغي أن يكون في ~~غاية البعد , قال مشيرا إلى ذلك بأداة البعد { ثم يعودون } أي بعد هذا ~~القول { لما قالوا } بالفعل بأن يعاد هذا القول مرة أخرى أبو بالقوة بأن ~~يمسكوا المقول ذلك لها زمنا يمكن أن يعاد فيه هذا القول مرة ثانية من غير ~~مفاقة بلفظ مما ناط الله الفرقة به من طلاق أو سراح أو نحوهما , فيكون ~~المظاهر عائدا إلى هذا القول بالقوة لإمكان هذا بأن يعود إلى قوله مرة أخرى ~~وهلم جرا , أو يكون التقدير لنقض ما قالوا : فيحلوا ما حرموا على أنفسهم ~~بعدم البت بالطلاق , فإن كان الظهار معلقا لم يلزم حكمه إلا بالحنث , فإن ~~طلق في الحال وإلا لزمته الكفارة , وحق العبارة التعبير باللام لدلالتها ~~على الاصتال كما يقتضيه الحال بخلاف ( إلى ) فإنها تدل على مهلة وتراخ , ~~هذا في الظهار المطلق , وأما الموقت بيوم أو شهر أو نحو ذلك فلا يكون عائدا ~~فيه إلا بالوطء في الوقت المظاهر فيه , وأما مجرد إمساكها فليس بعود لأنه ~~إنما أمسكها لما له فيها من الحل بعد وقت الظهار . | ولما كان المبتدلأأ ~~الموصول مضمنا معنى الشرط , أدخل الفاء في خبره ليفيد السببية فيتكرر ~~الوجوب بتكرر سببه فقال ms5218 : { فتحرير } أي فعليهم بسبب هذا الظهار والعود ~~تحرير { رقبة } أي سليمة عن عيب يخل بالعمل كاملة الرق مقيدة أيضا بمؤمنة ~~لأنها قيدت بذلك في كفارة القتل , فيحمل هذا على ذاك , ولأن معاوية بن ~~الحكم رضي الله عنه كانت له جارية فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ( علي ~~رقبة أفأعتقها , فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله فأخبرته بما ~~دل على توحيدها فقال : ) من أنا ( ؟ فقالت : أنت رسول الله , قال : ) ~~أعتقها فإنها مؤمنة ( رواه مالك ومسلم , فعلل الإجزاء بالإيمان ولم يسأله ~~عن سبب الوجوب , فدل على أنه لا فرق بين واجب وواجب , والموجب للكفارة ~~الظهار والعود جميعا كما أ الموجب في اليمين اليمين والحنث معا . | ولما ~~كان التحرير لا يستغرق زمن القبل بل يكون في بعضه , أدخل الجار فقال : { من ~~قبل } ولما كان المراد المس بعد المظاهرة لا مطلقا قال : { أن يتماسا } أي ~~يتجدد منهما مس وهو الجماع سواء كان ابتداء المباشرة منه أو منها بما ~~أفادته صيغة التفاعل , وهو حرام قبل التكفير ولو كان على أدنى وجوه التماس ~~وأخفاها بما أشار إليه الإدغام PageV07P483 ولو كان بإيلاج الحشفة فقط مع ~~الإنزال أو بدونه , وأما مقدمات الجماع فهي فيها كالحائض لا تحرم على ~~الأظهر , فإن جامع عصى ولم تجب كفارة أخرى , لما روى الترمذي عن سلمة بن ~~صخر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في المظاهر يواقع قبل أن ~~يكفر , قال : ( كفارة واحدة ) . | ولما كان الوعظ هو الزجر عن الفعل ~~الموعوظ لأجله , قال مستأنفا : { ذلكم } أي الزجر العظيم جد الذي هو عام ~~لكم من غير شبهة { توعظون به } أي يكون بمشقة زاجرا لكم عن العود إلى ~~مقاربة مثل ذلك فضلا عن مقارفته لأن من حرم من أجلها الله تحريما متأبدا ~~على زعمه كان كأنه قد قتلها , ولكون ذلك بلفظ اخترعه وانتهك فيه حرمة أمه ~~كان كأنه قد عصى معصية أوبق بها نفسه كلها إيباقا أخرجه إلى أن يقتلها عضوا ~~عضوا بإعتاق رقبة تماثل رقبته ورقبة من كان ms5219 قتلها . | ولما كان التقدير : ~~فالله بما يردعكم بصير , عطف عليه قوله : { والله } أي الذي له الإحاطة ~~بالكمال , وقدم الجار إشارة إلى إرادة المبالغة للتنبيه على الاهتمام ~~بإلزام الانتهاء . | عن ذلك فقال : { بما تعملون } أي تجددون فعله { خبير * ~~} أي عالم بظاهره وباطنه , فهو عالم بما يكفره , فافعلوا ما أمر الله به ~~وقفوا عند حدوده , قال القشيري : والظهار - الله صلى الله عليه وسلم أمره ~~ولوح بشيء ما وقال : إنه حكمه لا يخل الله من بيان ساق إليه شرعه فقضى فيه ~~بما انتظم فيه الجواب ارتفاع شكواها . | ولما كانت الكفارة مرتبة , وكان ~~المظاهر كأنه قد قتل نفسه بقتل المظاهر عنها كما مضى , فكان مفتقرا إلى ما ~~يحيي نفسه فشرع له العتق الذي هو كالإحياء , شرع له عند العجز عنه ما يميت ~~نفسه التي إماتتها له إحياؤها , وكان الشهران نصف المدة التي ينفخ فيها ~~الروح , فكان صومها كنصف قتل النفس التي قتلها إحياء الروح وإنعاش العقل , ~~فكان كأنه إماتتها فجعله سبحانه بدلا عن القتل الذي هو كالإحياء فقال : { ~~فمن لم يجد } أي الرقبة المأمور بها بأن كان فقيرا , فإن كان غنيا وماله ~~غائب فهو واجد { فصيام } أي فعليه صيام { شهرين } . | ولما كان المراد كسر ~~النفس كما مضى , وكانت المتابعة أنكى ولذلك سمي رمضان شهر الصبر , قيد ~~بقوله : { متتابعين } أي على أكمل وجوه التتابع على حسب الإمكان بما أشار ~~إليه الإظهار , فلو قطع التتابع بشيء ما ولو كان بنسيان النية وجب عليه ~~الاستئناف والإغماء لا يقعطع التتابع لأنه ليس في الوسع PageV07P484 وكذا ~~الإفطار بحيض أو نفاس أو جنون بخلاف الإفطار بسفر أو مرض أو خوف على حكمل ~~أو رضيع لأن الحيض معلوم فهو مستثنى شرعا , وغيره مغيب للعقل - مزيل ~~للتكليف , وأما المرض ونحوه ففيه تعمد الإفطار مع وجود العقل . | ولما كان ~~الإمساك عن المسيس قد يكون أوسع من الشهرين , أدخل الجار فقال : { من قبل } ~~وحل المصدر إفادة لمن يكون بعد المظاهرة فقال : { أن يتماسا } فإن جامع ~~ليلا عصى ولم ينقطع التتابع . | ولما كان إطعام نفس ms5220 قوت نصف يوم كإماتة ~~نفسه بالصيام يوما قال تعالى : { فمن لم يستطع } أي يقدر على الصيام قدرة ~~تامة - بما أشار إليه إظهار التاء لهرم أو مرض أو شبق مفرط يهيجه الصوم { ~~فإطعام } أي فعليه إطعام { ستين مسيكنا } لكل مسكين ما يقوته نصف يوم , وهو ~~مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك نحو نصف قدح بالمصري , وهو ملء ~~حفنتين بكفي معتدل الخلق من غالب قوت البلد , وهو كما في الفطرة سواء , ~~وحذف قيد المماسة لذكره في الأولين , وعلهل الحكمة في تخصيص هذا به أن ذكره ~~في أول الخصال لا بد منه , وإعادته في الثاني لطول مدته فالصبر عنه فيها ~~مشقة , وهذا يمكن أن يفعل في لحظة لطيفة لا مشقة للصبر فيها عن المماسة , ~~هذا إذا عاد , فإن وصل الظهار بالطلاق أو مات أحدهما في الحال قبل إمكان ~~الطلاق فلا كفارة , قال البغوي : لأن العود في القول هو المخالفة , وفسر ~~ابن عباس رضي الله عنهما العود بالندم فقال : يندمون ويرجعون إلى الألفة , ~~وهذا يدل على ما قال الشافعي رضي الله عنه : فإن ظاهر عن الرجعية انعقد ~~ظهاره فإن راجعها لزمته الكفارة لأن الرجعة عود . | ولما ذكر الحكم , بين ~~علته ترغيبا فيه فقال : { ذلك } أي الترخيص العظيم لكم والرفق بكم والبيان ~~الشافي من أمر الله الذي هو موافق للحنيفية السمحة ملة أبيكم إبراهيم عليه ~~الصلاة والسلام كاان { لتؤمنوا } أي وهذا الفعل العظيم الشاق ليتجدد ~~إيمانكم ويتحقق وجوده { بالله } أي الملك الذي لا أمر لأحد معه فتطيعوه ~~بالانسلاخ من فعل الجاهلية { ورسوله } الذي تعظيمه من تعظيمه وقد بعث بملة ~~أبيه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام , فلو ترك هذا الحكم الشديد على ما كان ~~عليه في الجاهلية لكان مشككا في البعث بتلك الملة السمحة . | ولما رغب في ~~ها الحكم , رهب من التهاون به فقال : { وتلك } أي هذه الأفعال المزكية وكل ~~ما سلف من أمثالها في هذا الكتاب الأعظم { حدود الله } أي أوامر الملك ~~الأعظم ونواهيه وأحكامه التي يجب امتثالها والتقيد بها لترعى حق رعايتها ~~فالتزموها ms5221 PageV07P485 وقفوا عندها ولا تعتدوها فإنه لا يطاق انتقامه إذا ~~تعدى نقضه أو إبرامه . | ولما كان القتديرك فللمؤمنين بها جنات النعيم , ~~عطف عليه قوله { وللكافرين } أي العريقين في الكفر بها أو بشيء من شرائعه { ~~عذاب أليم * } بما آلموا المؤمنين به من الأعتداء . | < < # | المجادلة : ( 5 - 6 ) إن الذين يحادون . . . . . # > > ^ ( إن الذين يحآدون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد ~~أنزلنآ آيات بينات وللكافرين عذاب مهين * يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم ~~بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد ) ^ } ) | ولما ذكر ~~حدوده , ولوح بالعطف على غير معطوف عليه إلى بشارة حافظها , وصرح بتهديد ~~متجاوزيها أتبع ذلك تفصيل عذابهم الذي منه بشارة المؤمنين بالنصر عليهم , ~~فقال مؤكدا لأجل إنكارهم لأن يغلبوا على كثرتهم وقوتهم وضعف حزبه وقلتهم : ~~{ إن الذين يحادون الله } أي يغالبون الملك الأعلى على جحوده ليجعلوا حدودا ~~غيرها , وذلك صورته صورة العداوة , مجددين ذلك مستمرين عليه بأي محادة كانت ~~ولو كانت خفية - بما أشار إليه الإدغام كمحادة أهل الاتحاد الذين يتبعون ~~المتشابه فيجرونه على ظاهره فيخلون به المحكم لتخل الشريعة بأسرها , فإن ~~كثيرا من السورة نزل في المنافقين واليهود والمهادنين كما يأتي في النجوى ~~وغيرها { ورسوله } الذي عزه من عزه { كبتوا } أي صرعوا وكباو لوجوههم ~~وكسروا وأذلوا وأخزوا فلم يظفروا وردوا بغيظهم في كل أمر يرومونه نم أي ~~كانت كان بأيسر أمر وأسهله , وعبر بالماضي إشارة إلى تحقق وقوعه والفراغ من ~~قضائه كما فرغ مما مضى , فلا قال لتكون الدعوى مقرونة بدليلها : { كما كبت ~~الذين } ولما كان المحادين لم يستغرقوا جميع الأزمان الماضية والأماكن , ~~أدخل الجار فقال : { من قبلهم } أي المحادين كقوم نوح ومن بعدهم ممن أصر ~~على العصيان , ولم ينقد لدليل ولا برهان , قال القشيري : ومن ضيع لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم سنة وأحدث في دينه بدعة انخرط في هذا السلك , ووقع ~~في هذا الذل ولما استوفى المقام حظه بيانا وترغيبا وترهيبا , عطف على أول ~~السورة أو على ما يقدر من نحو : فقد كان لكم فيما ms5222 مضى من أول الإسلام إلى ~~هذا الأوان مما يدل على كونه سبحانه بالنصر والمعونة مع نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وأتباعه رضي الله عنهم معتبر , قوله : { وقد أنزلنا } أي بما لنا من ~~العظمة عليكم وعلى من قبلكم { آيات بينات } أي دلالات عظيمة هي في غاية ~~البيان لذلك ولكل ما يتوقف عليه الإيمان بترك المحادة ويحصل الإعان . | ~~ولما كان التقدير : فللمؤمنين بها نعيم مقيم في مقام أمين , عطف عليه قوله ~~: { وللكافرين } أي الراسخين في الكفر بها وتغيرها من أمر الله { عاب مهين ~~* } بما PageV07P486 تكبروا واغتروا على أولياء الله وشرائعه , يهينهم ذلك ~~العذاب ويذهب عزهم وشماختهم ويتركون به محادتهم . | ولما ذكر عذابهم , ذكر ~~وقته على وجه مقرر لما مضى من شمول علمه وكمال قدرته فقال : { يوم يبعثهم ~~الله } أي يكون ذلك في وقت إعادة الملك الأعظم للكافرين المصرح بهم ~~والمؤمنين المشار إليه أحياء كما كانوا { جميعا } في حال كونهم مجتمعين في ~~البعث . | ولمان كان لا أوجع من التبكيت بحرضة بعض الناس فكيف إذا كان وعقب ~~قوله : { فينبئهم } أي يخبرهم إخبارا عظيما مستقصى { بما عملوا } إخزاء لهم ~~وإقامة للحجة عليهم . | ولما كان ضبط لك أمرا عظيما , استأنف قوله بيانا ~~لهوانه عليه : { أحصاه الله } أي أحاط به عددا كما وكيفا وزمانا ومكانا بما ~~له من صفات الجلال والجمال . | ولم ذكر إحصاءه له , فكان ربما ظن أنه مما ~~يمكن في العادة إحصاؤه , نفى ذلك بقوله : { ونسوه } أي كلهم مجتمعين لخروجه ~~عن الحد في الكثرة فكيف بكل واحد على انفراده ونسوا ما فيه المعاصي تهاونا ~~بها , وذلك عين التهاون بالله والاجتراء عليه , قال القشيري : إذا حوسب أحد ~~في القيامة على عمل عمله تصور له ما فعله ثم يذكر حتى كأنه في تلك الحالة ~~قام من بساط الزلة فيقع عليه من الخجل والندم ما ينسى في جنبه كل عقوبة , ~~فسبيل المسلم أن لا يخالف أمر مولاه ولا يحوم حوله مخالفة أمره , فإن جرى ~~المقدور ووقع في هجنة التقصير فليكن من زلته على بال , وليتضرع إلى الله ~~بحسن ms5223 الابتهال . | ولما كان التقدير بما أرشد إليه العطف على غير مذكور : ~~فالله بكل شيء من ذلك وغيره عليم , عطف عليه قوله : { والله } أي بما له من ~~القدرة الشاملة والعلم المحيط { على كل شيء } على الإطلاق من غير مثنوية ~~أصلا { شهيد * } أي حفيظ حاضر لا يغيب , ورقيب لا يفعل , حفظه له ورقبه ~~وحضوره إياه مستعل عليه قاهر له بإحاطة قهره بكل شيء ليمكن حفظه له على أتم ~~وجه يريده . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما نزه سبحانه نفسه عن ~~تقول الملحدين , وأعلم أن العالم بأسره ينزهه عن ذلك بألسنة أحوالهم لشهادة ~~العوالم على أنفسها بافتقارها لحكيم أوجدها , لا يمكن أن يشبه شيئا منها بل ~~يتنزه من أوصافها ويتقدس عن سماتها , فقال < # > 77 ( { سبح لله ما في السماوات والأرض } ) 77 < # > [ الحديد : 1 ] ومضت أي تعرف بعظيم سلطانه وعلي ملكه , ثم انصرف الخطاب ~~إلى عباده في قوله : < # > 77 ( { آمنوا بالله ورسوله } ) 77 < # > PageV07P487 [ الحديد : 7 ] إلى ما بعد ذلك من الآي , وكان ذلك ضرب من ~~الالتفات , والواقع هنا منه أشبه بقوله سبحانه في سورة البقرة ^ ( { وإذا ~~قال ربك للملائكة } ) ^ [ البقرة : 30 ] فإنه بعد تفصيل حال المتقين وحال ~~من جعل في طرف منهم وحال من يشبه بظاهره بالمتقين وهو معدود في شرار ~~الكافرين , فملا تم هذا النمط عدل بعده إلى دعاء الخلق إلى عبادة الله ~~وتوحيده ^ ( { يا أيها الناس اعبدوا ربكم } ) ^ [ البقرة : 21 ] ثم عدل ~~بالكلام جملة وصرف الخطاب إلى تعريف نبيه عليه الصلاة والسلام بين أيدي ~~الخلق ^ ( { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خلفية } ) ^ [ البقرة ~~: 30 ] فجاء ضربا من الالتفات فكذا الواقع هنا بين سبحانه حال مشركي العرب ~~وقبح عنادهم وقرعهم ووبخهم في عدة سور غالب آيها جار على ذلك ومجدد له ~~أولها سورة ( ص ) كما نبه عليه في سورة القمر , وإلى الغاية التي ذكرت فيها ~~إلى أن وردت سورة القمر منبئة بقطع دابرهم , وانجر فيها الإعذار المنبه ~~عليه وكذا في سورة الرحمن بعدها , ثم أعقب ذلك بالتعريف بحال النزل ~~الأخراوي ms5224 في سورة الواقعة مع زيادة تقريع وتوبيخ على مرتكبات استدعت تسبيحه ~~تعالى وتقديسه عن شنيع افترائهم فأتبعت بسورة الحديد , ثم صرف فيها الخطاب ~~إلى المؤمنين , واستمر ذلك إلى آخر السورة , جرت سورة المجادلة على هذا ~~القصد مصورفا خطابها إلى نازلة تشوف المؤمنين إلى تعرف حكمها , وهو الظهار ~~المبين أمره فيها , فلم يعد في الكلام بعد كما كان قد صرف إليه في قوله { ~~آمنوا بالله ورسوله } بأكثر من التعرض لبيان حكم يقع منهم , ثم أن السور ~~الواردة بعد إلى آخر الكتاب استمر معظمها على هذا الغرض لانقضاء ما قصد من ~~التعريف بأخبار القرون السالفة والأمم الماضية , وتقريع من عاند وتوبيخه , ~~وذكر مثال الخلق واستقرارهم الأخراوي , وذكر تفاصيل التكاليف والجزاء عليها ~~من الثواب والعقاب , وما به استقامة من استجاب وآمن وما يجب أن يلتزمه على ~~درجات التكاليف وتأكيدها , فلما كمل ذلك صرف الكلام إلى ما يخص المؤمنين في ~~أحكامهم وتعريفهم بما فيه من خلاصهم , فمعظم آي سورة بعد هذا شأنها , وإن ~~اتجر غيرها فلا استدعاء موجب وهو الأقل كما بينا - انتهى . | < < # | المجادلة : ( 7 ) ألم تر أن . . . . . # > > ^ ( ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من ~~نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ~~إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء ~~عليم ) ^ } ) | ولما كان هذا الإخبار عن إحاطة علمه وشمول قدرته مع أنه ~~بديهي التصور - يحتاج عند من جره الهوى إلى الشرك المقتضي للنقص إلى دليل ~~معه فقد كان العرب ينكرون أن يسع الناس كلهم إله واحد , قال تعالى دالا على ~~ذلك بدليل شهودي ليفيد PageV07P488 الإنسان بما يراه من المحسوسات , قاصرا ~~الخطاب على أعلى الخلق إشارة إلى أنه لا يفهم ذلك حق فهمه غيره : { ألم تر ~~} اي تعلم علما هو في وضوحه كالرؤية بالعين { أن الله } أي الذي له صفات ~~الكمال كلها { يعلم ما في السماوات } كلها . | ولما كان الخطاب لأعلى ms5225 الخلق ~~, وكان المقام لإحاطة العلم , وكان خطابه صلى الله عليه وسلم بذلك إشارة ~~للسامعين إلى وعورة هذا المقام وأنه بحيث لا يكاد يتصوره ولا يفهمه حق فهمه ~~إلا هو صلى الله عليه وسلم ومن ألحق به ممن صفا فهمه وسوى ذهنه وانخلع من ~~الهوى والعوائق , جمع وأكد بإعادة الموصوف , فإفراده صلى الله عليه وسلم ~~بالخطاب بعد أن كان مع المظاهرين ثم المحادين إشارة إلى التعظيم وتأكيده ~~تنبيه على صعوبة المقام بالتعميم ليرعى حق الرعي توفية بحق التعليم كما ~~رعته الصديقة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قولها ( سبحان من وسع ~~سمعه الأصوات ) يعني في سماعه مجادلة المرأة وهو في غاية الخفاء فقال تعالى ~~: { وما في الأرض } أي كليات ذلك وجزئياته , لا يغيب عنه شيء منه , بدليل ~~أن تدبيره محيط بذلك على أتم ما يكون , وهو يخبر من يشاء من أنبيائه ~~وأصفيائه بما يشاء من أخبار ذلك , القاصية والدانية , الحاضرة والغائبة , ~~الماضية والآتية , فيكون كما أخبر . | ولما كان ذلك وإن كان معلوما يتعذر ~~إحاطة الإنسان بكل جزئي منه , دل عليه بما هو أقرب منه فقال : { ما تكون } ~~بالفوقانية في قراءة أبي جعفر لتأنيث النجوى إشارة إلى العلم بها ولو ضعفت ~~إلى أعظم حد , وقرأ الباقون بالتحتانية للحائل , ولأن التأنيث غير حقيقي , ~~وهي على كل حال من ( كان ) التامة , وعمم النفي بقوله : { من نجوى } أي ~~تناجي متناجين , جعلوا نجوى مبالغة , والنجوى : السر والمسارون , اسم ومصدر ~~- قاله في القاموس , وقال عبد الحق في الواعي : النجوى الكلام بين الاثنين ~~كالسر والتشاور - انتهى . | وأصله من النجوى - للمرتفع من الأرض , والنجو : ~~الخلوص والقطع وكشط الجلد والحدث والكشف , لأن المسارر يرفع ما كان في ~~ضميره إلى صاحبه ويخلصه بمساررته له ويقطعه من ضميره ويكشطه منه ويحدثه ~~ويكشفه . | ولما كانت النجوى لا تكمل إلا بثالث يحفظ الأنس بإدامة الاجتماع ~~لأن الاثنين ينفردان عند عروض حاجة لأحجهما ويكونان في التناجي والتشاور ~~كالمتنازعين , والثالث وسط بينهما مع أنه سحبانه وتر يحب الوتر , والثلاثة ~~أول أوتار العدد , كما كان حافظا ms5226 لها في أزل الأزل قال : { ثلاثة } أي في ~~حال من الأحوال { إلا هو رابعهم } أي مصيرهم أربعة , فهو اسم فاعل والمعنى ~~بعلمه وقدرته كما يكون كل من المتناجين عالما بنجوى البعض , فروح النجوى ~~العلم بالسر . | ولما كان الثلاثة قد يريد أحدهم أن ينفرد بآخر منهم , ~~فيصير الثالث وحده , فإذا PageV07P489 كانوا أربعة دام الأنس بينهم ثم لا ~~يكمل إلا بخامس يحفظ الاجتماع إذا عرضت لأحد الاثنين حاجة قال : { ولا خمسة ~~} أي من نجواهم { إلا هو سادسهم } كذلك , فالحاصل أنه ما يكون من وتر إلا ~~كان هو سبحانه شافع وتريته , وأما وتريته هو سبحانه فقد كانت ولا شيء معها ~~أصلا , وستكون ولا حي معها , فلا وتر في الوجود على الحقيقة غيره . | ولما ~~علم بالتكرير أن ما ذكر على سبيل المثال لا لمعنى يخصه من جهة بالعلم , عم ~~بقوله : { ولا أدنى } فبدأ بالقليل لأنه قبل الكثير وهو أخفى منه { من ذلك ~~} أي الذي ذكر وهو الواحد والاثنان والأربعة لاذي بعيد عن رتبته وإن كان قد ~~شرفه سبحانه بإطلاق معيته بعد أن لا نسبة له منها . | ولما كان العلم ~~بالكثير أعسر من أجل النتشاره قال : { ولا } أي يكون من نجوى { أكثر } أي ~~من ذلك كالستة فما فوقها لا إلى نهاية - هذا التقدير على قراءة الجماعة ~~بالجر بفتحة الراء ورفع يعقوب على محل من { نجوى } { إلا هو معهم } أي يعلم ~~ما يجري منهم وبينهم , ويلزم من إحاطة علمه إحاطة قدرته كما تقدم في طه ~~لتكمل شهادته . | ولما كان العموم في المكان يستلزم العموم في الزمان , ~~وكان المكان أظهر في الحس قال : { أين ما } أي في أي مكان { كانوا } فإنه ~~لا مسافة بينه وبين شيء من الأشياء لأنه الذي خلق المسافة , وعلمه بالأشياء ~~ليس لقرب مكان حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة ولا بسبب من الأسباب غير وجوه ~~على ما هو عليه من صفات الكمال , قال الرازي : ما فارق الأكوان الحق ولا ~~قارنها , كيف يفارقها وهو موجدها وحافظها ومظهرها , وكيف يقارن الحدث القدم ~~وهو به قوام الكلم , وهو ms5227 القيوم على الكل - انتهى . | والحاصل أنه سبحانه ~~لا يخفى عليه شيء من العالم وإن بلغ في دقته إلى ما لا ينقسم , وهو شاهد ~~لذلك كله حفظا وعلما وإحاطة وحضورا , وآية ذلك في خلقه أن جملة الجسم يحيا ~~بالروح , فلا يبقى جزء منه إلا وهو محفوظ بالروح يحس بسبها وهو سبحانه لا ~~يحجب علمه ولا شيئا من صفاته حجاب , فقد صحت المعية وهو بحيث لا يحيويه ~~المكان ولا يحصره العد , يقبض الملخوق ويبسطه , لا يصعد المخلوق ولا صفته ~~ولا فعله ولا معنى من معانيه إلى صفة من صفاته , إنما له من المكان المكانة ~~, ومن العلم العلا , ومن الأسماء والصفات مقتضاها - أشار إلى لك ابن برجان ~~وقال : ومن تدبر ما قرأه وتفهم ما تعلمه أدرك من التحقيق ما نحن بسبيل ~~تبيانه ما قدر له , ألا ترى إلى الجن أين مكانهم وإن كانوا موصوفين به ثم ~~الملائكة أرفع قدرا ومكانة , بل إن الروح من جميع الجملة التي تحمله , به ~~حييت وبه تدبيرها وبه قيامها بإن الله خالقه , PageV07P490 قال عليه الصلاة ~~والسلام في خطبته الكبرى وهي آخر خطبة خطبها أخرجها الحارث بن أبي أسامة : ~~رقي المنبر وقال : ( أيها الناس ادنو وأوسعوا لمن خلقكم ) - ثلاث مرات , ~~فدنا الناس وانضم بعضهم إلى بعض , التفتو علم يروا أحدا , فقال رجل منهم ~~بعد الثالثة : لمن نوسع يا رسول الله أللملائكة ؟ فقال : ( لا إنهم إذ ~~كانوا معكم لم يكونوا بين أيديكم ولا من خلفكم ولكن عن أيمانكم وعن شمائلكم ~~) وعلى ذلك فليسوا في مكان الأيمان هنا والشمائل بل في المكان من لك , ~~فالله جل جلاله أعلى وأجل وأنزه مكانة وأكرم استواء - انتهى . | ولما كان ~~الإنسان نساء ولا سيما إن تمادى به الزمان , قال عاطفا على ما تقديره , ~~فيضبط عليهم حركاتهم وسكناتهم من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم , ويحفظها على ~~طول الزمان كما كان حافظا لها قبل خلقها ثم أزل الأزل { ثم ينبئهم } أي ~~يخبر أصحابه إخبارا عظيما { بما عملوا } دقيقة وجليلة { يوم القيامة } الذي ~~هو المراد العظيم , علله بما هو دليل ms5228 على الشهادة فقال مؤكدا لما لهم من ~~الإنكار قولا أو فعلا بالاشتراك الذي يلزم منه النقص { إن الله } أي الذي ~~له الكمال كله . | ولما كان المقام للإبلاغ في إحاطة العلم , قدم الجار كما ~~مضت الإشارة إليه غير مرة قال : { بكل شيء } مما ذكر وغيره { عليم * } أي ~~بالغ العلم فهو على كل شيء قدير , فهو على كل شيء شهيد , لأن نسبة ذاته ~~الأقدس إلى الأشياء كلها على حد سواء لا فرق أصلا بين شيء وآخر , قال ~~القشيري : معية الحق سبحانه وإن كانت على العموم بالعلم والرؤية وعلى ~~الخصوص بالفضل والنصرة , فلهذا الخطاب في قلوب أهل المعرفة أثر عظيم إلى أن ~~ينتهي الأمر بهم إلى التأويل , فللوله والهيمان في خمار خمار هذا عين رغد . ~~| < < # | المجادلة : ( 8 - 10 ) ألم تر إلى . . . . . # > > ^ ( ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ~~ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به ~~الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس ~~المصير * يأيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ~~ومعصية الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون * إنما ~~النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضآرهم شيئا إلا بإذن الله وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون ) ^ } ) | PageV07P491 ولما كان هذا الدليل أيضا ~~تتعذر الإحاطة به , قال دالا عليه بأمر جزئي واقع بعلم المحدث عنه حقيقة , ~~فإن عاند بعده سقط عنه الكلام إلا بحد الحسام : { ألم تر } أي تعلم علما هو ~~كالرؤية , ودل على سفول رتبه المرئي بإبعاده عن أعلى الناس قدرا بحرف ~~الغاية فقال : { إلى الذين } ولما كان العاقل من إذا زجر عن شيء انزجر حتى ~~يتبين له أنه لا ضرر عليه في فعل ما زجر عنه , عبر بالبناء للمفعول فقال : ~~{ نهوا } أي من ناه ما لا ينبغي للمنهي مخالفته حتى يعلم أنه مأمون الغائلة ~~{ عن النجوى } أي الإسرار لإحلال أنفسهم بذلك في محل التهمة بما لا يرضى من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms5229 - كما قال أبو العلاء المعري : | والخل ~~كالماء يبدي لي ضمائره مع الصفاء ويخفيها من الكدر | ولما كان الناهي هو ~~الله , فكان هذا للنهي أهلا لأن يبعد منه غاية البعد , عبر بأداة التراخي ~~فقال : { ثم يعودون } أي على سبيل الاستمرار لأنه إذا وقعت مرة بادروا إلى ~~التوبة منها أو فلتة وقعت معفوا عنها { لما نهوا عنه } أي من غير أن يعدوا ~~لما يتوقع من جهة الناهي من الضرر عدة { ويتناجون } أي يقبل جميعهم على ~~المناجاة إقبالا واحدا , فيفعل كل منهم ما يفعله الآخر مرة بعد أخرى على ~~سبيل الاستمرار , وقراءة حمزة { وينتجون } بصيغة الافتعال يدل على التعمد ~~والمعاندة { بالإثم } أي بالشيء الذي يكتب عليهم به الإثم بالذنب وبالكذب ~~وبما لا يحل . | ولما ذكر المطلق أتبعه المقيد بالشدة فقال : { والعدوان } ~~أي العدو الذي هو نهاية في قصد الشر بالإفراط في مجاوزة الحدود . | ولما ~~كان ذلك شرا في نفسه أتبعه الإشارة إلى أن الشيء يتغير وصفه بالنسبة إلى من ~~يفعل معه فيكبر بكبر المعصي فقال : { ومعصيت الرسول } أي الذي جاء إليهم من ~~الملك الأعلى , وهو كامل الرسلية , لكونه مرسلا إلى جميع الخلق وفي كل ~~الأزمان , فلا نبي بعده , فهو لذلك يستحق غاية الإكرام . | ولما أنهى تعظيم ~~الذنب إلى غايته آذن بالغضب بأن لفت الكلام إلى الخطاب فقال : { وإذا جاؤوك ~~} أيها الرسول الأعظم الذي يأتيه الوحي ممن أرسله ولم يغب أصلا عنه لأنه ~~المحيط علما وقدرة { حيوك } أي واجهوك بما يعدونه تحية من قولهم : السام ~~عليك ونحوه , وعم كل لفظ بقوله : { بما لم يحيك به الله } أي الملك الأعلى ~~الذي لا أمر لأحد معه فمن تجاوز ما شرعه فقد عرض نفسه لسخطه , ومما دخل فيه ~~قوله بعض الناس لبعض ( صباح الخير ) ونحوه معرضا عن السلام . | ولما كان ~~المشهور عنهم أنهم يخفون ذلك جهدهم ويعلنون بإملاء الله لهم أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا يطلع عليه , وإن اطلع عليه لم يقدر على أن ينتقم ~~منهم , عبر عن ذلك بقوله : { ويقولون } أي عند PageV07P492 الاستدراج ms5230 ~~بالإملاء مجددين قولهم مواظبين عليه { في أنفسهم } من غير أن يطلعوا عليه ~~أحدا : { لولا } أي هلا ولم لا { يعذبان الله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء ~~على زعم من باهانا { بما نقول } مجددين مع المواظبة إن كان يكرهه - كما ~~يقول محمد صلى الله عليه وسلم . | ولما تضمن هذا علمه سبحانه وتعالى بهذه ~~الجزئية من هؤلاء القوم ثبت بذلك علمه سبحانه بجميع ما في الكون , لأن نسبة ~~الكلم إليه على حد سواء , فإذا ثبت علمه بالبعض ثبت علمه بالكل فثبتت قدرته ~~على الكلم فكان على كل شيء شهيدا , قال مهددا لهم مشيرا إلى أنه لا ينبغي ~~لأحد أن يقول مثل هذا إلا إن كان قاطعا بأنه لا يحصل له عذاب , أو يحصل له ~~منه ما لا يبالي به ثم يرده بقوته : { حسبهم } أي كفايتهم في الانتقام منهم ~~وفي عذابهم ورشقهم بسهام لهيبها ومنكئ شررها وتصويب صواعقها { جهنم } أي ~~الطبقة التي تلقاهم بالتجهم والعبوسة والتكره والفظاظة . | فإن حصل لهم في ~~الدنيا عذاب كان زيادة على الكفاية , فاستعجالهم بالعذاب محض رعونة { ~~يصلونها } أي يقاسون عذابها دائما إني أعددتها لهم . | ولما كان التقديرية ~~فإنهم يصيرون إليها ولا بد , تسبب عنه قوله : { فبئس المصير * } أي مصيرهم ~~, وسبب ذلك أن اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم ينظرون إلى ~~المؤمنين ويتغامزون يوهمونهم أنهم يتناجون فيما يسوءهم فيظنون أنه بلغهم ~~شيء من إخوانهم الذين خرجوا في السرايا غزاة في سبيل الله من قتل أو هزيمة ~~فيحزنهم ذلك , فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن ~~التناجي في هذه الحالة فلم ينتهوا , وروى أحمد والبزاز والطبراني بإسناد - ~~قال الهيثمي في المجمع إنه جيد لأن حمادا مسع من عطاء بن السائب في حالة ~~الصحة - عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن اليهود كانوا يقولون لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : سام عليك . | ثم يقولون في أنفسهم : لولا يعذبنا ~~الله بما نقول , فنزلت . | وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه ms5231 وسلم قال عند ذلك : ( إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا ) ~~وعليك ( . | ولما نهى عن النجوى وذم على فعلها وتوعد عليه فكان ذلك موضع أن ~~يظن أن النهي عام لكل نجوى وإن كانت بالخير , استأنف قوله مناديا بالأداة ~~التي لا يكون ما بعدها له وقع عظيم , معبرا بأول أسنان الإيمان باقتضاء ~~الحال له : { يا أيها الذين آمنوا } PageV07P493 أي ادعوا أنهم أوجدوا هذه ~~الحقيقة { إذا تناجيتم } أي قلع كل منكم الكلام من نفسه فرفعه وكشفه لصاحبه ~~سرا { فلا تتناجوا } أي توجدوا هذه الحقيقة ظاهرة كتناجي المنافقين { ~~بالإثم } أي الذنب وكل فعل يكتب بسببه عقوبة . | ولما عم خص فقال : { ~~والعدوان } أي الذي هو العدو الشديد بما يؤذي وإن كان العادي يظن أنه لا ~~يكتب عليه به إثم . | ولما كان السياق لإجلال النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~أنه لا تعرف حقيقة الإثم إلا منه قال تعالى : { ومعصيت الرسول } أي الكامل ~~في الرسلية فإن ذلك يشوش فكره فلا يدعه يبلغ رسالات ربه وهو منشرح الصدر ~~طيب النفس . | ولما علم أن نهيهم إنما هو عن شر يفسد ذات البين هو ما لا ~~يريدون إطلاع النبي صلى الله عليه , صرح بقوله حثا على إصلاح ذات البين لأن ~~خير الأمور ما عاد بإصلاحها , وشر الأمور ما عاد بإفسادها : { وتناجوا ~~بالبر } أي بالخير الواسع الذي فيه حسن التربية , ولما كان ذلك قد يعمل ~~طبعا , حث على القصد الصالح بقوله : { والتقوى } وهي ما يكون في نفسه ظاهرا ~~أنه يكون سترة تقي من عذاب الله بأن يكون مرضيا لله ولرسوله . | ولما كانت ~~التقوى أم المحاسن , أكدها ونبه عليها بقوله : { واتقوا الله } أي اقصدوا ~~قصدا يتبعه العمل أن تجعلونا بينكم وبين سخط الملك الأعظم وقاية , ولما ~~كانت ذكرى الآخرة هي مجمع المخاوف ولا سيما فضائع الأسرار على رؤوس الأشهاد ~~قال : { الذي إليه } أي خاصة { تحشرون * } أي تجمعون بأيسر أمر وأسهله بقهر ~~وكره , وهو يوم القيامة , فيتجلى فيه سبحانه للحكم بين الخلق والإنصاف ~~بينهم بالعدل ومحاسبتهم على النقير والقطمير لا ms5232 يخفى عليه خافية ولا تقي ~~منه واقية تنكشف فيه سرادقات العظمة , ويظهر ظهورا تاما نفوذ الكلمة , ~~ويتجلى في مجالي العز سطوات القهر , وتنبث لوامع الكبر , فإذا فعلتم ذلك ~~مستحضرين لذلك لم تقدموا على شيء تريدون إخفاءه من النبي صلى الله عليه ~~وسلم , فيكون ذلك لعينه وأطهر لكم . | ولما شدد سبحانه في أمر النجوى وكان ~~لا يفعلها إلا أهل النفاق , فكان ربما ظن ظان أنه يحدث عنها ضرر لأهل الدين ~~, قال سارا للمخلصين وغاما للمنافقين ومبينا أن ضرررها إنما يعود عليهم : { ~~إنما النجوى } أي العهودة وهي المنهي عنها , وهي ما كره صاحبه أن يطلع عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقيل : ما خيله الشيطان من الأحكام ~~المكروهة للإنسان { من الشيطان } أي مبتدئه من المحترق بطرده عن رحمة الله ~~تعالى فإنه الحامل عليها بتزيينها ففاعلها تابع لأعدى أعدائه مخالفة ~~لأوليائه . | ولما بين أنها منه , بين الحامل له على تزيينها فقال : { ~~ليحزن } أي الشيطان ليوقع PageV07P494 الحزن في قلوب { الذين آمنوا } أي ~~يتوهمهم أنهم بسبب شيء وقع ما يؤذيهم , والحزن : هم غليظ وتوجع يرق له ~~القلب , حزنه وأحزنه بمعنى , وقال في القاموس : أو أحزنه : جعله حزينا , ~~وحزنه : جعل فيه حزنا . | فعلى هذا قراءة نافع من أحزن أشد في المعنى من ~~قراءة الجماعة . | ولما كان ربما خيل هذا من في قلبه مرض أن في يد الشيطان ~~شيئا من الأشياء , سلب ذلك بقوله : { وليس } أي الشيطان وما حمل عليه من ~~التناجي , وأكد النفي بالجار فقال : { بضارهم } أي الذين آمنوا { شيئا } من ~~الضرر وإن قل وإن خفي - بما أفهمه الإدغام { إلا بإذن الله } أي تمكين ~~الملك المحيط بكل شيء علما وقدرة , روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون ~~الثالث إلا بإذنه فإن ذلك يحزنه ) ولما كان التقدير : فقد علم أنه لا يخشى ~~أحد غير الله لأنه لا ينفذ إلا ما أراده , فإياها فليخش المربوبون , عطف ~~عليه قوله : { وعلى الله } أي الملك ms5233 الذي لا كفوء له , لا على أحد غيره { ~~فليتوكل المؤمنون } أي الراسخون في الإيمان في جميع أمورهم , فإنه القادر ~~وحده على إصلاحها وإفسادها , ولا يحزنوا من أحد أن يكيدهم بسره ولا بجهره , ~~فإنه إذا توكلوا عليه وفوضوا أمورهم إليه , لم يأذن في حزنهم , وإن لم ~~يفعلوا أحزنهم , وخص الراسخين لإمكان ذلك منهم في العادة , وأما أصحاب ~~البدايات فلا يكون ذلك منهم إلا خرق عادة . | < < # | المجادلة : ( 11 - 12 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح ~~الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات والله بما تعملون خبير * يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ~~فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور ~~رحيم ) ^ } ) | ما يحزن من السر لكونه اختصاصا عن الجليس بالمقال فينشأ عنه ~~ظن الكدر وتباعد القلوب , أتبعه الاختصاص بالمجلس الذي هو بماعدة الأجسام ~~اللازم لها من الظن ما لزم من الاختصاص بالسر في الكلام فينشأ عنه الحزن , ~~معلما لهم بكمال رحمته وتمام رأفته بمراعاة حسن الأدب بينهم وإن اكن من ~~أمور العادة دون أحكام العبادة , فقال مخاطبا لأهل الدرجة الدنيا في ~~الإيمان لأنهم المحتاجون لمثل هذا الأدب : { يا أيها الذين آمنوا } حداهم ~~بهذا الوصف على الامتثال { إذا قيل لكم } أي من أي قائل كان فإن الخير يرغب ~~فيه لذاته : { تفسحوا } أي توسعوا أي كلفوا أنفسكم في إيساع المواضع { وفي ~~المجلس } أي الجلوس أو مكانه لأجل من يأتي فلا يجد مجلسا . | PageV07P495 ~~يجلس فيه , والمراد بالمجلس جنس المكان الذي هم ماكثون به بجلوس أو قيام في ~~صلاة أو غيرها لأنه أهل لأن يجلس فيه . | وذلك في كل عصر , ومجلس النبي صلى ~~الله عليه وسلم أولى بذلك , وقراءة عاصم بالجمع موضحة لإرادة الجنس { ~~فافسحوا } أي وسعوا فيه عن سعة صدر { يفسح الله } أي الذي له الأمر كله ~~والعظمة الكاملة { لكم } في كل ما تكرهون ضيقه من الدارين . | ولما كانت ~~التوسعة يكفي فيها ms5234 التزحزح مع دوام الجلوس تارة وأخرى تدعو الحاجة فيها إلى ~~القيام للتحول من مكان إلى آخر قال : { وإذا قيل } أي من قائل كان - كما ~~مضى - إذا كان يريد الإصلاح والخير { انشزوا } أي ارتفعوا وانهضوا إلى ~~الموضع الذي تؤمرون به أو يقتضيه الحال للتوسعة أو غيرها من الأوامر ~~كالصلاة أو الجهاد وغيرهما { فانشزوا } أي فارتفعوا وانهضوا { يرفع الله } ~~الذي له جميع صفات الكمال , عبر بالجلالة وأعاد إظهارها موضع الضمير ترغيبا ~~في الامتثال لما للنفس من الشح بما يخالف المألوف { الذين آمنوا } وإن ~~كانوا غير علماء { منكم } أيها المأمورون بالتفسح السامعون للأوامر , ~~المبادرون إليها في الدنيا والآخرة بالنصر وحسن الذكر بالتمكن في وصف ~~الإيمان الموجب لعلو الشأن بطاعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم في سعة ~~صدورهم بتوسعتهم لإخوانهم . | ولما كان المؤمن قد لا يكون من المشهورين ~~بالعلم قال : { والذين } ولما كان العلم في نفسه كافيا في الإعلاء من غير ~~نظر إلى مؤت معين , بنى للمفعول قوله : { أوتوا العلم } أي وهم مؤمنون { ~~درجات } درجة بامتثال الأمر وأخرى بالإيمان , ودرجة بفضل علمهم وسابقتهم - ~~روى الطبراني وأبو نعيم في كتاب العلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : ( من جاءه أجله وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام ~~لم يفضله النبيون إلا بدرجة واحدة ) , رواه الدرامي وابن السني في رياضة ~~المتعلمين عن الحسن غير منسوب , قال شيخنا : فقيل : هو البصري فيكون مرسلا ~~, وعن الزبير : العلم ذكر فلا يحبه إلا ذكور الرجال . | وكلما كان الإنسان ~~أعلم كان أذكر , ولعله ترك التقييد ب ( من ) في هذا وإن كانت مرادة ليفهم ~~أن العلم يعلي صاحبه مطلقا , فإن كان مؤمنا عاملا بعلمه كان النهاية , وإن ~~كان عاصيا كان أرفع من مؤمن عاص وعار عن العلم , وإن كان كافرا كانت رفعته ~~دنيوية بالنسبة إلى كافر لا يعلم , ودل على ذلك بختم الآية PageV07P496 ~~بقوله مرغبا مرهبا : { والله } أي والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلما { ~~بما تعملون } أي حال الأمر وغيره { خبير * } أي عالم بظاهره وباطنه ms5235 , فإن ~~كان العلم مزينا بالعمل بامتثال الأوامر واجتناب النواهي وتصفية الباطن ~~كانت الرفعة على حسبه , وإن كان على غير ذلك فكذلك , وقدم الجار ومدخوله ~~وإن كان علمه سبحانه بالأشياء كلها على حد سواء تنبيها على مزيد الاعتناء ~~بالأعمال , لا سيما الباطنة من الإيمان والعلم اللذين هما الروح الأعظم , ~~لأن المقام لنزول الإنسان عن مكانه بالتفسح والانخفاض والارتفاع , ولا يخفى ~~ما في ذلك من حظ النفس الحامل على الجري مع الدسائس , فكان جديرا بمزيد ~~الترهيب , وسبب الآية أن أهل العلم لما كانوا أحق بصدر المجلس لأنهم أوعى ~~لما يقول صاحب المجلس , كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ليليني ~~أولوا الأحلا منكم والنهى ) , وكان صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من ~~المهاجرين والأنصار فجاء أناس من أهل بدر منهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبق ~~غيرهم إلى المجلس فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : السلام ~~عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته , فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم سلموا على القوم فردوا عليهم فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فلم ~~يفعلوا فقال لمن حوله من غير أهل بدر : قم يا فلان وأنت يا فلان , فأقام من ~~المجلس بقدر القادمين من أهل بدر , فشق ذلك على من أقيم , وعرف النبي صلى ~~الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم , فقال المنافقون : ألستم تزعمون أن ~~صاحبكم يعدل , فوالله ما عدل على هؤلاء , إن قوما أخذوا مجالسهم وأحبوا ~~القرب من نبيهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه مكانهم , فأنزل الله هذه الآية , ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم ~~يجلس فيه , ولكن افسحوا يفسح الله لكم ) رواه مسلم عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما , وقال الحسن : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قاتل ~~المشركين فصف أصحابه رضي الله عنهم للقتال تشاحوا على الصف الأول فيقول ~~الرجل لإخوانه : توسعوا لنلقى العدو فنصيب الشهادة , فلا يوسعون له رغبة ~~منهم في الجهاد والشهادة ms5236 , فأنزل الله هذه الآية , وهي دالة على أن الصالح ~~إن كره مجاورة فاسق منع من مجاورته لأنه يؤذيه ويشغله عن كثير PageV07P497 ~~من مهماته , وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ا ضرر ولا ضرار ) وقال : ~~( أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة فإن جار البادية يتحول ) وقال : ( ~~شر الناس من لا يآمن جاره بوائقه ) فقال تعالى معظما لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم وناهيا عن إبرامه صلى الله عليه وسلم بالسؤال والمناجاة , ونافعا ~~للفقراء والتمييز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا , ولما نهى ~~عما يحزن من المقال والمقام , وكان المنهي عنه من التناجي إنما هو لحفظ قلب ~~الرسول صلى الله عليه وسلم عما يكدره فهو منصرف إلى مناجاتهم غيره , وكان ~~ذلك مفهما أن مناجاتهم له صلى الله عليه وسلم لا حرج فيها , وكان كثير منهم ~~يناجيه ولا قصد له إلا الترفع بمناجاته فأكثروا في ذلك حتى شق عليه صلى ~~الله عليه وسلم , وكان النافع للإنسان إنما هو كلام من يلائمه في الصفات ~~ويشاكله في الأخلاق , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناس من ~~الدنيا تقذرا لها لأجل بغض الله لها , أمر من أراد أن يناجيه بالتصدق ليكون ~~ذلك أمارة على الاجتهاد في التخلق بأخلاقه الطاهرة من الصروف عن الدنيا ~~والإقبال على الله , ومظهرا له عما سلف من الإقبال عليها فإن الصدقة برهان ~~على الصدق في الإيمان , وليخفف عنه صلى الله عليه وسلم ما كانوا قد أكثروا ~~عليه من المناجاة , فلا يناجيه إلا من قد خلص إيمانه فيصدق , فيكون ذلك ~~مقدمة لانتفاعه بتلك المناجاة كما أن الهدية تكون مهيئة للقبول كما ورد ( ~~نعم الهدية أمام الحاجة ) فقال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا ~~أنهم أوجدوا هذه الحقيقة أغنياء كانوا أو فقراء { إذا ناجيتم } أي أردتم ان ~~تناجوا { الرسول } صلى الله عليه وسلم أي الذي لا أكمل منه في الرسلية فهو ~~أكمل الخلق ووظيفته تقتضي أن يكون منه الكلام بما أرسله به الملك وتكون ~~هيبته مانعة من ابتدائه ms5237 بالكلام , فلا يكون من المبلغين إلا الفعل ~~بالامتثال لا غير { فقدموا } أي بسبب هذه الإرادة العالية على سبيل الوجوب ~~ومثل النجوى كشخص له يدان يحتاج ان يطهر نفسه ليتأهل للقرب من الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فقال : { بين يدي نجواكم } أي قبل سركم الذي PageV07P498 ~~تريدون أن ترتفعوا به { صدقة } تكون لكم برهانا قاطعا على إخلاصكم كما ورد ~~أن الصدقة برهان , فهي مصدقة لكم في دعوى الإيمان التي هي التصديق بالله ~~تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وبكل ما جاء به عن الله تعالى , ومعظمه ~~الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة , ولذلك استأنف قوله : { ذلك } أي ~~الخلق العالي جدا من تقديم التصدق قبل المناجاة يا خير الخلق , ولعله أفرده ~~بالخطاب لأأنه لا يعلم كل ما فيه من الأسرار غيره . | وعاد إلى الأول فقالك ~~{ خير لكم } أي في دينكم من الإمساك عن الصدقة { وأطهر } لأن الصدقة طهرة ~~ونماء وزيادة في كل خير , ولذلك سميت زكاة { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها } والتعبير بأفعل لأنهم مطهرون قبله بالإيمان . | ولما أمر ~~بذلك , وكانت عادته أن لا يكلف بما فوق الوسع للتخفيف على عباده لا سيما ~~هذه الأمة قال : { فإن لم تجدوا } أي ما تقدمونه . | ولما كان المعنى ~~الكافي في التخفيف : فليس عليكم شيء , دل عليه بأحسن منه فقال : { فإن الله ~~} أي الذي له جميع صفات الكمال , وأكده لاستبعاد مثله فإن المعهود من الملك ~~إذا ألزم رعيته بشيء أنه لا يسقطه أصلا ورأسا , ولا سيما إن كان يسيرا , ~~ودل على أنه سبحانه لن يكلف بما فوق الطاقة بقوله : { غفور رحيم * } أي له ~~صفتا الستر للمساوئ والإكرام بإظهار المحاسن ثابتتان على الدوام فهو يغفر ~~ويرحم تارة بعدم العقاب للعاصي وتارة للتوسعة للضيق بأن ينسخ ما يشق إلى ما ~~يخف , وهذه الآية قيل : إنها نسخت قبل العمل بها , وقال علي رضي الله عنه : ~~ما عمل بها أحد غيري , أردت المناجاة ولي دينار فصرفته بعشرة دراهم وناجيته ~~عشر مرات أتصدق في كل مرة بدرهم , ثم ظهرت فشق ms5238 ذلك على الناس , فنزلت ~~الرخصة في ترك الصدقة , وروى النسائي في الكبرى والترمذي وقال : حسن غريب ~~وابن حبان وأبو يعلى والبزار عن علي رضي الله عنه أنه قال : لما نزلت قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مرهم أن يصدقوا ) قلت : بكم يا رسول الله ~~؟ قال : ( دينار ) , قلت : لا يطيقون . | قال : ( فنصف دينار ) , قلت : لا ~~يطيقون , قال : فبكم ؟ قلت : بشعيرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~( إنك لزهيد ) , فأنزل الله تعالى { أأشفقتم } الآية . | وكان عليه رضي ~~الله عنه يقول : بي خفف الله عن هذه الأمة . | وعدم عمل غيره PageV07P499 ~~لا يقدح فيه لاحتمال أن يكون لم يجد عند المناجاة شيئا أو أن لا يكون احتاج ~~إلى المناجاة . | < < # | المجادلة : ( 13 - 15 ) أأشفقتم أن تقدموا . . . . . # > > ^ ( أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله ~~عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما ~~تعملون * ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ~~ويحلفون على الكذب وهم يعلمون * أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم سآء ما ~~كانوا يعملون ) ^ } ) | ولما دل ختم الآية على التخفيف , وكان قد يدعي ~~مدعون عدم الوجدان كذبا فيحصل لهم حرجن وكان تعالى شديد العناية بنجاة هذه ~~الأمة , دل على لطفه بهم بنسخه بعد فرضه . | فقال موبخا لمن يشح على المال ~~نادبا إلى الخروج عنه نم غير إيجاب : { أأشفقتم } أي خفتم من العيلة لما ~~يعدكم به الشيطان من الفقر خوفا كاد أن يفطر قلوبكم { أن تقدموا } أي ~~بإعطاء الفقراء وهم إخوانكم { بين يدي نجواكم } أي للرسول صلى الله عليه ~~وسلم , وجمع لأنه أكثر توبيخا من حيث إنه يدل على أن النجوى تتكرر , وذلك ~~يدل على عدم خوفهم من مشقة النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ووجود خوفهم من ~~فعل التصدق فقال : { صدقات } وكان بعضهم ترك وهو واجد فبين سبحانه رحمته ~~لهم بنسخها عنهم لذلك في موضع العقاب لغيرهم عند الترك . | ولما كان من ~~قبلنا إذا كلفوا الأمر الشاق ms5239 وحملوا على التزامه بمثل رفع الجبل فوقهم , ~~فإضا خالفوا عوقبوا , بين فضل هذه الأمة بأنه خفف عنهم , فقال معبرا بما قد ~~يعشر بأن بعضهم ترك عن قدرة : { فإذ } أي فحين { لم تفعلوا } أي ما أمرتم ~~به من الصدقة للنجوى بسبب هذا الإشفاق { وتاب الله } أي الملك الأعلى الذي ~~كان من شأن ما هو عليه نم العظمة أن يعاقب من ترك أمره { عليكم } أي رجع ~~بمن ترك الصدقة عن وجدان , وبمن تصدق وبمن لم يجد إلى مثل حاله قبل ذلك من ~~سعة الإباجة والعفو والتجاوز والمعذرة والرخصة والتخفيف قبل الإيجاب ولم ~~يعاقبكم على الترك ولا على ظهور اشتغال ذلك منكم , قال مقاتل بن حيان : كان ~~ذلك عشر ليال ثم نسخ , وقال الكبي : ما كانت إلا ساعة من نهار . | وعلى كل ~~منهما فهي لم تتصل بما قبلها نزولا وإن اصتلت بها تلاوة وحلولا { فأقيموا } ~~بسبب العفو عنكم شكرا على هذا الكرم والحلم { الصلاة } التي هي طهرة ~~لأرواحكم ووصلة لكم بربكم { وآتوا الزكاة } التي هي نزاهة لأبدانكم وتتطهير ~~ونماء لأموالكم وصلة بإخوانكم , ولا تفرطوا في شيء من ذلك PageV07P500 ~~فتهملوه , فالصلاة نور تهدي إلى المقاصد الدنيوية والأخروية , وتعين على ~~نوائب الدارين , والصدقة برهان على صحة القصد في الصلاة . | ولما خص أشرف ~~العبادات البدنية وأعلى المناسك المالية , عم فقال حاثا على زيادة النور ~~والبرهان اللذين بهما تقع المشاكلة في الأخلاق فتكون المناجاة عن أعظم ~~إقبال وإنفاق فقال : { وأطيعوا الله } أي الذي له الكمال كله فلم يشركه في ~~إبداعه لكم على ما أنتم عليه أحد { ورسله } الذي عظمته من عظمته في سائر ما ~~يأمر به فإنه ما أمركم لأجل إكرام رسولكم صلى الله عليه وسلم إلا بالحنيفية ~~السمحة , وجعل المحافظة على ذلك قائمة مقام ما أمركم به , ثم نسخه عنكم من ~~تقديم الصدقة على النجوى . | ولما كان قد عفا عن أمر أشعر السياق بأنه وقع ~~فيه تفريط , فكان ذلك ربما جرى على انتهاك الحرمات , رهب من جنابه بإحاطة ~~العلم , وعبر بالخبر لأن أول الآية وبخ على ms5240 أمر باطن ولم يبالغ بتقديم ~~الجار لما فيها من الأمور الظاهرة . | فقال عاطفا على ما تقديره : فالله ~~يحب الذين يطيعون : { والله } أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما { خبير بما ~~تعملون * } أي تجددون عمله , يعلم بواطنه كما يعلم ظواهره . | ولما أخبر ~~بإحاطة علمه ردعا لمن يغتر بطول حلمه , دل على ذلك باطلاعه على نفاق ~~المنافقين الذي هو أبطن الأشياء , فقال معجبا مرهبا معظما للمقام بتخصيص ~~الخطاب بأعلى الخلق صلى الله عليه وسلم تنبيها على أنه لا يفهم ذلك حق فهمه ~~غيره : { ألم تر } ودل على بعدهم عن الخير بحرف الغاية فقال : { إلى الذين ~~تولوا } أي تكلفوا بغاية جهدهم أن جعلونا أولياءهم الذين ينزلون بهم أمورهم ~~{ قوما } ابتغوا عندهم العزة اغترارا بما يظهر لهم منهم من القوة { غضب ~~الله } أي الملك الأعلى الذي لا ند له { عليهم } أي على المتولين والمتولين ~~لأنهم قطعوا ما بينهم وبينه , والأولون هم المنافقون تولوا اليهود , وزاد ~~في الشناعة عليهم بقوله مستأنفا : { ما هم } أي اليهود المغضوب عليهم { ~~منكم } أيها المؤمنون لتوالوهم خوفا من السيف ورغبة في السلم { ولا منهم } ~~أي المنافقين , فتكون موالاتهم لهم لمحبة سابقة وقرابة شابكة , ليكون ذلك ~~لهم عذرا , بل هم مذبذبون , فهم مع المؤمنين بأفواقهم , ومع الكفار بقلوبهم ~~, فما تولوهم إلا عشقا في النفاق لمقاربه ما بينهم فيه , أو يكون المعنى : ~~ما المنافقون المتولون من المسلمين ولا من اليهود المتولين , وزاد في ~~الشناعة عليهم بأقبح الأشياء الحالم على كل رذيلة , فقال ذاكرا لحالهم في ~~هذا الاتحاد : { ويحلفون } أي المنافقون يجددون الحلف على الاستمرار , ودل ~~بأداة الاستعلاء على أنهم في غاية الجرأة على استمرارهم على الإيمان ~~الكاذبة بأن التقدير : مجترئين { على الكذب } في دعوى الإسلام وغير ذلك مما ~~يقعون فيه من عظائم الآثام , فإذا عوتبوا عليه بادروا إلى الإيمان . | ~~PageV07P501 ولما كان الكذب قد يطلق في اللغلة على ما يخالف الواقع وإن كان ~~عن غير تعمد بأن يكون الحالف يجهل عدم مطابقته للواقع , قال نافيا لذلك ~~مبينا أنهم جرؤوا على اليمين الغموس : { وهم ms5241 يعلمون * } أي أنهم كاذبون فهم ~~متعمدون , وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصجابه : ( يدخل عليكم ~~رجل قلبه قلب جبار وينظر بعيني شيطان ) فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق ~~أسمر قصيرا خفيف اللحية , فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( علام تشتمني ~~أنت وأصحابك , فحلف بالله ما فعل ) فقال له : ( فعلت ) فجاء بأصحابه فحلفوا ~~بالله ما سبوه , فنزلت . | ولما أخبر عن حالهم , أتبعه الإخبار عن مآلهم , ~~فقال دالا - كما قال القشيري - على أن - من وافق مغضوبا عليه أشرك نفسه في ~~استحقاق غضب من هو غضبان عليه , فمن تولى مغضوبا عليه نم قبل الله استوجب ~~غضب الله وكفى بذلك هوانا وحزنا وحرمانا , معبرا بما دل على أنه أمر قد فرغ ~~منه : { أعد الله } أي الذي له العظمة الباهرة فلا كفوء له , وعبر بما دل ~~على التهكم بهم فقال : { لهم عذابا } أي أمرا قاطعا لكل عذوبة { شديدا } ~~يعلم من رآه ورآهم أن ذواتهم متداعية إليه ضعيفة عنه . | ولما أخبر بعذابهم ~~, علله بما دل على أنه واقع في أتم مواقعه فقال مؤكدا تقبيحا على من كان ~~يستحسن أفعالهم : { إنهم ساء } أي بلغ الغاية مما يسوء , ودل على أن ذلك ~~كان لهم كالجبلة بقوله : { ما كانوا يعملون * } أي يجددون عمله مستمرين ~~عليه لا ينفكون عنه من غشهم المؤمنين ونصحهم الكافرين وعيبهم للإسلام وأهله ~~, واجترائهم على الأيمان الكاذبة , وأصروا على ذلك حتى زادهم التمرن عليه ~~جرأة على جميع المعاصي . | < < # | المجادلة : ( 16 - 19 ) اتخذوا أيمانهم جنة . . . . . # > > ^ ( اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين * لن تغني ~~عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * ~~يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا ~~إنهم هم الكاذبون * استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب ~~الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ) ^ } ) | ولما دلت هذه الجملة على ~~سوء أعمالهم ومداومتهم عليها , أكد ذلك بقوله : { اتخذوا } أي كلفوا فطرهم ~~الأولى المستقيمة لما لهم من العراقة ms5242 في اعوجاج الطبع والمحبة للأذى { ~~إيمانهم } الكاذبة التي لا تهون على من في قلبه مثقال حبة من خردل ~~PageV07P502 من إيمان { جنة } أي وقاية وتسرة من كل ما يفضحهم من النفاق ~~كائنا ما كان , أو يوجب قتلهم بما يقع منهم من الكفران . | ولما كان علمه ~~بأنه يرضى منهم بالظاهر ويصدق إيمانهم هو الذي جرأهم على العظائم , فكانوا ~~يرغبون الناس في النفاق بعاجل الشهوات وثبطونهم عن الدين بما فيه من عاجل ~~الكلف وآجل الثواب , سبب عن قبول إيمانهم قوله مظهرا بزيادة التوبيخ لهم : ~~{ فصدوا } أي كان قبول ذلك منهم وتأخير عقابهم سببا لإيقاهم الصد { عن سبيل ~~الله } أي شرع الملك الأعلى الذي هو الطريق إلى رضوانه الذي هو سبب الفوز ~~الأعظم , فإنهم كانوا يثبطون من لقوا عن الدخول في الإسلام ويوهون أمره ~~ويحقرونه , ومن رآهم قد خلصوا من المكاره بأيمانهم الحانثة وردت عليهم ~~الأرزاق استدراجا وحصلت لهم الرفعة عند الناس بما يرضونهم من أقوالهم ~~المؤكدة بالإيمان غره ذلك فاتبع سنتهم في أقوالهم وأفعالهم , وسنج على ~~منوالهم , غرورا بظاهر أمرهم , معرضا عما توعدهم الله سبحانه عليه من جزاء ~~خداعهم ومكرهم , وأجرى الأمر على أسلوب التهكم باللام التي تكون في المحبوب ~~فقال : { فلهم } أي فتسبب عن صدهم أنهم كان لهم { عذاب مهين * } جزاء بما ~~طلبوا بذلك الصد إعزاز أنفسهم وإهانة أهل الإسلام . | ولما كان لهم أموال ~~وأولاد يتعززون بها , قال مستأنفا دالا على أن من استتر بجنة دون طاعته ~~لتسلم دنياه وراءه تكشف لسهام التقدير من حيث لا يشعر , ثم لا دينه يبقى ~~ولا دنياه تسلم : { لن تغني } أي بوجه من الوجوه { عنهم } أي في الدنيا ولا ~~في الآخرة بالافتداء ولا بغيره { أموالهم } وأكد النفي بإعادة النفي ~~للتنصيص على كل منهما فقال : { ولا أولادهم } أي بالنصرة والمدافعة { من ~~الله } إي إغناء مبتدئا من الملك الأعلى الذي لا كفوء له { شيئا } أي من ~~إغناء ولو قل جدا , فمهما أراد بهم سبحانه كان ونفد ومضى , لا يدفعه شيء ~~تكذيبا لمن قال منهم : لئن كان يوم القيامة ms5243 لتكونن أسعد فيه منكم كما نحن ~~الآن ولننصرن بأفنسنا وأموالنا وأولادنا . | ولما انتفى الإغناء المبتدئ من ~~الله فانتفى بانتفائه كل إغنائه سواه , أنتج ذلك قوله : { أولئك } أي ~~البعداء من كل خير { أصحاب النار } ولما أفهمت الصحبة الملازمة , أكدها ~~بقوله : { هم } أي خاصة لاضمحلال عذاب غيرهم - لكونهم في الهاوية - في جنب ~~عذابهم { فيها } أي خاصة دون شيء يقصر عنها { خالدون * } أي مقيمون باقون ~~دائمون لازمون إلى غير نهاية . | ولما كان إفسادهم لذات البين سرا , وحلفهم ~~على نفي ذلك جهرا مع الإلزام بقبول ما ظهر من ذلك منهم مع علمه سبحانه ~~وتعالى بأنه كذب غائظا موجعا , وكان ربما توهم متوهم أنه تعالى كما ألزم ~~بقبولنا لما ظهر منهم في دار العمل يأمر بقبولهم في PageV07P503 دار الجزاء ~~, قال نافيا لذلك معزيا للمؤمنين بأنهم يفعلون ذلك معه سبحانه بعد كشف ~~الغطاء وتحقيق الأمور , لأن الإنسان يبعث على ما مات عليه , لأن ذلك جبلته ~~التي لا ينفك عنها , ولا ينفعهم ذلك , ذاكرا ظرف الخلود وإظهار التعذيب : { ~~يوم يبعثهم الله } أي الملك الذي له جميع صفات الكمال بإحيائهم عما كانوا ~~فيه من الموت وردهم إلى ما كانوا قبله { جميعا } لا يترك أحدا منهم ولا من ~~غيرهم إلا أعاده إلى ما كان عليه قبل موته { فيحلفون } أي فيتسبب عن ظهور ~~القدرة التامة لهم ومعاينة ما كانوا يكبون به من البعث والنار أنهم يحلفون ~~{ له } أي الله في الآخرة أنهم مسلمون فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين ~~, ونحوه من الأكذوبات التي تزيدهم ضررا , ولا تغني عنهم شيئا بوجه من ~~الوجوه , جريا على ما طبعوا عليه من إيثار الهوى والقصور على النظر في ~~المحسوسات التي ألفوها { كما يحلفون } في الدنيا { لكم } لكونكم لا تعلمون ~~الغيب مع توقعهم أن لا يحلف لك إلا من يظن أنك تكذبه : قال القشيري : ~~عقوبتهم الكبرى ظنهم الأجنبية , وغاية الجهد كبهم على مناخرهم في وهدة ~~ندمهم . | ولما كان الذي يحملهم على الإقدام على ذلك ضعف عقولهم وتوغلهم في ~~النفاق ومرودهم عليه حتى بعثوا على مثل ms5244 ذلك مع علمهم بأن ذلك لا ينجيهم ~~لإحاطة علمه سبحانه , عبر بالحسبان , فقال دالا على أنهم في الغاية من ~~الجهل وقلة العقل : { ويحسبون } أي في القيامة بأيمانهم الكاذبة { أنهم على ~~شيء } أي يحصل لهم به نفع لتخيلهم أن أيمانهم تروج على الله فتنجيهم كما ~~كانت في الدنيا تنجيهم . | ولما أفهم ذلك أن أمورهم لا حقائق لها لا في ~~إخبراتهم ولا في أيمانهم ولا في حسبانهم , قال مناديا عليهم مؤكدا لتكذيب ~~حسبانهم : { ألا إنهم } أي خاصة { هم الكاذبون * } أي المحكومون بكذبهم في ~~حسبانهم وفي أخبارهم في الدارين لعراقتهم في وصف الكذب حيث لا يتسحيون من ~~الكذب عند الله . | ولما كان هذا الانهماك فيما لا يغني مما يحصل لسامعه ~~غاية العجب من وقوع عاقل فيه مرة من الدهر , فضلا عن ملازمته , أخبر عن ~~الحامل لهم عليه , فقال مستأنفا : { استحوذ } أي طلب أن يغلب ويسوق ويسرع ~~ويضرب الحوطة ويحث ويقهر ويستولي { عليهم الشيطان } مع أنه طريد ومحترق , ~~ووجد منه جميع ذلك , ووصل منهم إلى ما يريده , وملكهم ملكا لم يبق لهم معه ~~اختيار فصاروا رعيته وأقطاعهن , وصار هو محيطا بهم من كل جهة , غالبا عليهم ~~ظاهرا وباطنا , من قولهم : حذت الإبل أي استوليت عليها , وحاذ الحمال ~~العانة - إذا جمعها وساقها غالبا لها , والحوذ : السوق السريع , ومنه ~~PageV07P504 الأحوذي : الخفيف في المشي لحدقه , وجاء على الأصل على لحكم ~~الصحيح لأنه لم يبن على حاذ كافتقر فإنه لا مجرد له , لم يقولوا : فقر : { ~~فأنساهم } أي فتسبب عن استحواذه عليهم أنه أنساهم { ذكر الله } أي الذي له ~~الأسماء الحسنى والصفات العلى بعد أن كان ذكره مركوزا في فطرهم الأولى , ~~فصاروا لا يذكرونه أصلا بقلب , ولا لسان . | ولما كان ذلك , أنتج ولا بد ~~قوله : { أولئك } أي الذين احلوا أنفسهم أبعد منزل { حزب الشيطان } أي ~~أتباعه وجنده وجماعته وطائفته وأصجحابه والمحدقون به والمتحيزون إليه لدفع ~~ما حزبه أي نابه واشتد عليه , المبعدون المحترقون لأنهم تبعوه ولم يخافوا ~~في مجازيته وإنفاذ ما يريد لومة لائم مع أنه كله نقائص ومعايب ms5245 , وهم ~~مطبوعون على بغضه , وتركوا من له الكمال كله , وكر وحبه مركوز في فطرهم ~~فلذلك كانت ترجمة هذا ونتيجته قوله : { ألا } وأكد لظنهم الريح بما لهم في ~~الدنيا من الكثرة وظهرو التعاضد والاستدراج بالبسط والسعة فقال : { إن حزب ~~الشيطان } أي الطريد المحترق { هم } أي خاصة { الخاسرون * } أي العريقون في ~~هذا الوصف لأنهم لم يظفروا بغير الطرد والاحتراق . | < < # | المجادلة : ( 20 - 22 ) إن الذين يحادون . . . . . # > > ^ ( إن الذين يحآدون الله ورسوله أولئك في الأذلين * كتب الله لأغلبن ~~أنا ورسلي إن الله قوي عزيز * لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن ~~حزب الله هم المفلحون ) ^ } ) | ولما بين ما اوصلهم إليه نسيان الذكر من ~~الخسار , بين أنه أوقعهم في العداوة , فقال معللا الخسار والنسيان والتحزب ~~, وأكد تكذيبا لحالفهم على نفي ذلك مظهرا موضع الغضمار للتنبيه على الوصف ~~الموقع في الهلاك : { إن الذين يحادون } ولعل الإدغام لسترهم ذلك الإيمان , ~~ويفهم منه الحكم على من جاهر بطريقة الأولى { الله } أي يعفلون مع الملك ~~الأعظم الذي لا كفوء له فعل من ينازع ىخر في أرض فيغلب على طائفة منها ~~فيجعل لها حدا لا يتعداه خصمه { ورسوله } الذي عظمته من عظتمه . | ولما ~~كانوا لا يفعلون ذلك إلا لكثرة أعوانهم وأتباعهم , فيظن من رآهم أنهم ~~الأعزاء الذين لا أحد أعز منهم , قالتعالى نفيا لهذا الغرور الظاهر : { ~~أولئك } أي الأباعد الاسافل { في الأذلين * } أي الذين يعرفون أنهم أذل ~~الخلق بحيث يوصف كل PageV07P505 منهم بأنه الأذل مطلقا من غير مفضل عليه ~~ليعم كل من يمكن منه ذل , وذلك في الدنيا والآخرة سواء كانوا فارس والروم ~~أو أعظم منهم سواء كانوا ملوكا كفرة كانوا أو فسقة , كما قال الحسن : إن ~~للمعصية في قلبوهم لذلا , وإن طقطقت بهم اللجم . | ولما أنزلهم بالحضيض ~~الأسفل , علل ms5246 ذلك بما يدل على أنه سبحانه لا شريك له بإتما كلماته بنصر ~~أوليائه على ضعفهم وخذلان أعدائه على قوتهم لأنه سبحانه لا غيب محض لا ~~دلالة عليه إلا بأفعاله فقال : { كتب } أي فعل فعل من أبرم أمرا ففرغ منه ~~وكتبه فأوجب وحتم وقضى وبت { الله } أي الملك الذي لا كفوء له { لأغلبن } ~~أكد لما لهم من ظن الغلب بالكثرة والقوة { أنا ورسلي } أي بقوة الجدال وشدة ~~الجلاد , فهو صادق بالنسبة إلى من بعث بالحرب , وإلى من بعث بالحجة , وعلل ~~هذا القهر بقوله مؤكدا لأن أفعالهم مع أوليائه أفعال من يظن ضعفه : { إن ~~الله } أي الذي له الأمر كله { قوي } فهو يفيض من باطن قوته من يظهر به ~~ظاهر قدرته أوليائه , فإن القوي من له استقلال باطن بما يحمله القائم في ~~الأمر ولو ضوعف عليه ما عسى أن يضاعف وحمايته مام يتطرق إلى الإجلال بشدة ~~وبطش منبعث عن ذلك الاستقلال الباطن , وما ظهر من أثر ذلك فهو قدرة , فلا ~~اقتدار يظهر من الخلق إلا بالاستناد إلى القوة بالله , ولا قيام بالحقيقة ~~لباطن إلا بالله الذي بيده ملكوت كل شيء , فلذلك كان بالحقيقة لا قوي إلا ~~هو . | ولما كان القوي من المخلوقات قد يكون غيره أقوى من غيره ولو في وقت ~~, نفى ذلك بقوله : { عزيز * } أي غالب غلبة لا يجد معها المغلوب نوع مدافعة ~~وانفلات , ثابت له هذا الوصف دائما . | ولما ظهر بهذا كالشمس أن من والاه ~~سبحانه كان فائزا , ومن عاداه كان خاسرا , كانت نتيجته قطعا التحذير من ~~موالاة أعداء الله في سياق النفي المفيد للمبالغة في النهي عنه والزجر عن ~~قربانه فقال : { لا تجد } أي بعد هذا البيان { قوما } أي ناسا لهم قوة على ~~ما يريدون محاولته { يؤمنون } أي يجددون الإيمان ويديمونه { بالله } أي ~~الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى { واليوم الآخر } الذي هو موضع ~~الجزاء لكل عامل بكل ما عمل , الذي هو محط الحكمة { يوادون } أي يحصل منهم ~~ودل لا ظاهرا ولا باطنا - بما أشار إليه الإدغام وأقله الموافقة ms5247 في ~~المظاهرة { من حاد الله } أي عادى بالمناصبة في الاحدود الملك الأعلى لذلك ~~فالمحادة لا تخفى وإن كانت باطنة يستتر بها زيادة النفرة منهم { ورسوله } ~~فإن من حاده فقد حاد الذي أرسله , بل لا تجدهم إلا يحادونهم , لا أنهم ~~يوادونهم , وزاد ذلك تأكيدا بقوله : { ولو كانوا آباءهم } الذين ~~PageV07P506 أوجب الله على الأبناء طاعتهم بالمعروف , وذلك كما فعل أبو ~~عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه , قتل أباه عبد الله بن الجرح يوم أحد { ~~أو آبناءهم } الذي جبلوا على محبتهم ورحمتهم كما فعل أبو بكر رضي الله عنه ~~فإنه دعا ابنه يوم بدر إلى المبارزة , وقال : دعني يا رسول الله أكن في ~~الرعلة الأولى , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( متعنا بنفسك يا ~~أبا بكر , أما تعلم أنك بمنزلة سمعي وبصري ) { أو أخوانهم } الذين هم ~~أعضادهم كما فعل مصعب بن عمير رضي الله عنه , قتل أخاه عبيد بن عمير يوم ~~أحد وخرق سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الصفوف يومئذ على أخيه عتبة بن أبي ~~وقاص غير مرة ليقتله فراع عنه روعان الثعلب , فنهاه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال : أتريد أن تقتل نفسك وقتل محمد بن مسلمة الأنصاري رضي الله ~~عنه أخاه من الرضاع كعب بن الأشرف اليهودي رأس بني النضير { أو عشيرتهم } ~~الذين هم أنصارهم وأمدادهم كما فعل عمر رضي الله عنه , قتل خاله العاصي بن ~~هشام بن المغيرة يوم بدر وعلي وحمزة وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم قتلوا ~~يوم بدر بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة , وعن الثوري أن ~~السلف كانوا يرون أن الآية نزلت فيمن يصحب السلطان - انتهى . | ومدار ذلك ~~على أن الإنسان يقطع رجاءه من غير الله , وإن لم يكن كذلك لم يكن مخلصا في ~~إيمانه . | ولما كان لا يحمل على البراءة ممن هذا شأنه إلا صريح الإيمان , ~~أنتج قوله : { أولئك } أي الأعظمون شأنا الأعلون همما { كتب } أي وصل وأثبت ~~وصلا وهو في لحمته كالخرز في الأديم , وكالطراز ms5248 في الثوب الرقيم , فلا ~~انفكاك له { في قلوبهم الإيمان } فجعلها أوعية له فأثمر ذلك نور الباطن ~~واستقامة الأعمال في الظاهر { وأيدهم } أي قواهم وشددهم وأعانهم وشجعهم ~~وعظمهم وشرفهم { بروح } أي نور شريف جدا يفهمون به ما أودع في كتابه وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم من كنوز العلم والعمل فهو لقلوبهم كالروح للأبدان ~~, فلا يفعلون شيئا من أحوال أهل الجاهلية كالمظاهرة , وزاد هذا التأييد ~~شرفا بقوله : { منه } أي أحياهم به فلا انفكاك لذلك عنهم في وقت من الأوقات ~~فأثمر لهم استقامة المناهج ظاهرا وباطنا , فقهروا بالدلائل والحجج , وظهروا ~~بالسيف المفني للمهج , وعملوا الأعمال الصالحة فكانوا للدنيا كالسرج , فلا ~~تجد شيئا PageV07P507 أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة ~~أعدائه , بل هو عين الإخلاص , ومن جنح إلى منحرف عن دينه أو داهن مبتدعا في ~~عقده نزع الله نور التوحيد من قلبه . | ولما أخبر بما آتاهم في الدنيا وهو ~~غير مفارق لهم في الآخرة , أخبر بما يؤتيهم في الآخرة فقال : { ويدخلهم ~~جنات } أي بساتين يستر داخلها من كثرة أشجارها , وأخبر عن ريها بقوله : { ~~تجري } ولما كانت المياه لو عمت الأرض لم يكن بها مستقر , أثبت الجار فقال ~~: { من تحتها الأنهار } أي فهي لذلك كثيرة الرياض والأشجار والساحات ~~والديار . | ولما كان ذلك لا يلذ إلا بالدوام قال : { خالدين فيها } . | ~~ولما كان ذلك لا يتم إلا برضا مالكها قال : { رضي الله } أي الملك الأعظم ~~الذي له الأمر كله فلا التفات إلى غيره { عنهم } ولما كان ذلك لا يكمل ~~سروره إلا برضاهم ليتم حسن المجاورة قال : { ورضوا عنه } أي لأنه أعطاهم ~~فوق ما يؤملون . | ولما أخبر عنهم بما يسر كل سامع فيشتاق إلى مصاحبتهم ~~ومعاشرتهم ومرافقتهم ومقاربتهم ومدحهم وعرفهم بقوله : { أولئك } أي الذين ~~هم في الدرجة العليا من العظمة لكونهم قصروا ودهم على الله علما منهم بأنه ~~ليس النفع والضر إلا بيده { حزب الله } أي جند الملك الأعلى الذي أحاط ~~بجميع صفات الكمال وأولياءه , فإنهم هم يغضبون له ولا يخافون فيه لومة لائم ~~. | ولما تبين ms5249 مما أعد لهم وأعد لأضدادهم أنهم المختصون بكل خير , قال على ~~طريق الإنتاج مما مضى مؤكدا لما لأضدادهم من الأنكاد : { إلا إن حزب الله } ~~أي جند الملك الأعلى وهم هؤلاء الموصوفون ومن والاهم { هم } أي خاصة لا ~~غيرهم { المفلحون * } أي الذين حازوا الظفر بكل ما يؤملون في الدارين , وقد ~~علم من الرضى من الجانبين والحزبية والإفلاح عدم الانفكاك عن السعادة فأغنى ~~ذلك عن تقييد الخلود بالتأييد , خصهم بذلك لأن له العزة والقوة والعلم ~~والحكمة , فلذلك علم أمر المجادلة ورحم شكواها إكراما لها بحكمته لأنه ~~منابذ للحكمة لأنه مرضى عنه , وحرم الظهار بسبب شكواها لأنها من حزبه وسمع ~~لها , ومن سمع له فهو تشبيه خارج عن قادة التشبيهات , وفيه امتهان للأم ~~التي لها في دينه غاية الإكرام بالتسوية بالزوجة التي هي محل الافتراش , ~~وختم آيها بأن من تعدى حدوده فعاود أحوال الجاهلية فهو مجادله سبحانه فهو ~~من حزب الشيطان , فقد عاد آخرها إلى أولها بأدل دليل على أحسن سبيل , لأن ~~هذا القرآن العظيم أشرف حديث وأقوم قيل وهذا مقصود التي بعدها , ولا شك أنه ~~موجب للتنزيه مبعد عن التشريك والتشبيه , فسبحان من أنزله آية دائمة البيان ~~, موجبة للإيمان , قامعة للطغيان , على مدى الدهور وتطاول الأزمان . | . . ~~. | PageV07P508 < # > سورة الحشر < # > مقصودها بيان ما دل عليه آخر المجادلة من التنزه عن شوائب النقص بإثبات ~~القدرة الشاملة بدليل شهودي على أنه يغلب هو ورسله ، ومن حاده في الأذلين ، ~~لأنه قوي عزيز ، المستلزمة للعلم التام المستلزم الحكمة البالغة المستلزمة ~~للحشر المظهر لفلاح المفلح وخسار الخاسر على زجه الثبات الكاشف أتم كشف ~~لجميع صفات الكمال ، وأدل ما فيها على ذلكط تأمل قصة بني النضير المعلم ~~بأول الحشر المؤذن بالحشر الحقيقي بالقدرة عليه بعد إطباق الولي والعدو على ~~ظن أنه لا يكون ، فلذا سميت الحشر وببني النضير لأنه سبحانه وتعالى حشرهم ~~بقدرته من المدينة الشريفة إلى خيبر والشام والحيرة ثم حشرهم وغيرهم من ~~اليهود الحشر الثاني من خيبر إلى الشام الذي هو آية الحشر الأعظم إلى أرض ~~الحشر لقهر ms5250 هذا النبي الكريم أهل الكتاب المدعين لأنهم أفضل الناس وأنهم ~~مؤيدون بما لهم من الدين الذي أصله قويم بما لوحت إليه الحديد كما قهر أهل ~~الأوثان الذين هم عالمون بأنهم بدلوا الدين الصحيح فثبتت بظهور دينه على كل ~~دين على حد سواء كما وعد به سبحانه صدقه في كل ما جاء به بعد التوحيد - ~~الإيمان بالبعث الآخر لأنه محط الحكمة وموضع إظهار النقمة والرحمة { بسم ~~الله } الملك الأعظم الذي لا راد لأمره فلا خلف لعباده { الرحمن } الذي عمت ~~نعمةى إيجاده فلا محيص عن معاده { الرحيم } الذي خص أهل وداده بالتوفيق لما ~~يرضيه عنهم فيوجب لهم الفوز بإسعاده . < < # | الحشر : ( 1 - 2 ) سبح لله ما . . . . . # > > ^ ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم * هو ~~الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن ~~يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ~~وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يأولي ~~الأبصار ) ^ } ) | PageV07P509 لما ختمت المجادلة بأنه معز أهل طاعته , ~~ومذل أهل معصيته ومحادته , علله بتنزهه عن النقائص تأييدا للوعد بنصرهم ~~فقال : { سبح } أي أوقع التنزيه الأعظم عن كل شائبة نقص { لله } الذي أحاط ~~بجميع صفات الكمال . | ولما كان الكفار من جميع بني آدم قد عبد بعضهم الشمس ~~وبعضهم القمر وبعضهم غيرهما من الكواكب , وكانت الكواكب مبثوثة في السماوات ~~كلها لا تخص سماء بعينها وكذا الملائكة , جمع دلالة على أن الكل عبيد فقال ~~: { ما في السماوات } أي كلها . | ولما كان الكلام في النهي عن موادة الذي ~~يحادون الله , وكان ذلك لمن دون الخلص , أكد بإعادة النافي لاحتياجهم ~~للتأكيد فقال : { وما } ولما كان جميع ما عبدوه ما أشركوا به من الأرضيات ~~من شجر وصنم وبقر وغيرها لا يعد والأرض التي هم عليها , أفرد فقال : { في ~~الأرض } . | ولما شمل هذا جميع العالم , أشار إلى أن عظمته لا تنتهي فقال : ~~{ وهو } أي والحال أنه وحده { العزيز } الذي يغلب كل شيء ولا بمتنع ms5251 عليه ~~شيء { الحكيم * } الذي نفذ علمه في الظواهر والبواطن وأحاط بكل شيء فأتقن ~~ما أراد , فكل ما خلقه جعله على وحدانيته دليلا , وإلى بيان ما له من العزة ~~والحكمة سبيلا . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لا خفاء باتصال أيها ~~بما تأخر من آي سورة المجادلة , ألا ترى أن قوله تعالى { يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم } إنما يراد به يهود فذكر سبحانه سوء ~~سريرتهم وعظيم جرأتهم ثم قال في آخر السورة { لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله } فحصل من هذا كله تنفير المؤمنين ~~عنهم وإعلامهم بأن بغضهم من الإيمان وودهم من النفاق لقبيح ما انطووا عليه ~~وشنيع ما ارتكبوه , فلما أشارت هذه الآي إلى ما ذكر أتبعت بالإعلام في أول ~~سورة الحشر بما عجل لهم من هوانهم وإخراجهم من ديارهم وأموالهم وتمكين ~~المسلمين منهم , جريا على ما تقدم الإيمان إليه سوء مرتكبهم , والتحمت الآي ~~باتحاد المعنى وتناسبه , وتناسج الكلام , وافتتحت السورة بالتنزيه لبنائها ~~على ما أشار إليه غضبه تعالى عليهم إذ لا يكون إلا على أعظم جريمة وأسوأ ~~مرتكب وهو اعتداؤهم وعصيانهم المفصل في مواضع من الكتاب وقد قال تعالى فيهم ~~بعد ذكر غضبه عليهم < # > 77 ( { أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل } ) 77 < # > [ المائدة : 60 ] وقال تعالى : < # > 77 ( { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ~~ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } ) 77 < # > [ المائدة : 78 ] فبين تعالى أن لعنته إياهم إنماترتبت على عصيانهم ~~واعتدائهم , وقد فصل اعتداءهم أيضا في مواضع , فلما كان الغضب مشيرا إلى ما ~~ذكر من عظيم الشرك , PageV07P510 أتبعه سبحانه وتعالى تنزيه نفسه جل وتعالى ~~فقال : { سبح لله ما في السماوات وما في الأرض } وإنما يرد مثله من التنزيه ~~أثر جريمة تقع من العباد وعظيمة يرتكبونها وتأمل ذلك حيث وقع , ثم عاد ~~الكلام إلى الإخبار بما فعل تعالى بأهل الكتاب مما يتصل بما تقدم , ثم ~~تناسجت الآي - انتهى . | ولما نزه نفسه الأقدس دل ms5252 على ذلك التنزه على العزة ~~والحكمة بدليل شهودي من أنه أنفذ ما كتب من أنه يغلب هو ورسله ومن أنه كبت ~~الذين حادوه وخيب ظن الذين نافقوا , فتولوا اليهود من أهل الكتاب ليعتزوا ~~بهم , فأذل اليهود وطردهم من مهبط الوحي وأخزى المنافقين الذي جعلوهم محط ~~اعتمادهم وموضع ولا يتهم وودادهم , فقال : { هو } أي وحده من غير إيجاف خيل ~~ولا ركاب { الذي أخرج } على وجه القهر { الذين كفروا } أي ستروا ما في ~~كتبهم من الشواهد التي تشهد لمحمد صلى الله عليه وسلم بأنه النبي الخاتم ~~وما في فطرهم الأولى من أن اتباع الحق أحق , وقبح عليهم كفرهم بقوله موضع { ~~من بني النضير } أو { اليهود } مثلا : { من أهل الكتاب } أي الذي أنزله ~~الله على رسوله موسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم , وفي التعبير ب { ~~كفروا } إشعار بأنهم الذين أزالوا بالتبديل أو الإخفاء ما قدروا عليه مما ~~بقي من التوراة دالا على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم . | ولما كان الوطن ~~عديل الروح لأنه للبدن كالبدن للروح , فكان الخروج منه في غاية العسر , دل ~~على مزيد قهرهم به بأن قال : { من ديارهم } ولما كان كان منهم من جلا من ~~المدينة الشريفة إلى خيبر , وهم آل أبي الحقيق وآل حيي بن أحطب ولحق سائرهم ~~بأريحا من أرض الشام أرض المحشر , ولحق بعضهم بالحيرة , لوح إلى فتح خيبر ~~وحشرهم منها حشرا ثانيا بقوله معللا أو موقتا : { لأول } أي لأجل أول أو ~~عند أول { الحشر } وفي ذلك إشارة إلى أن كل بلد حشروا إليه سيفتح , ~~ويزلزلون منه زلزلة أخرى , لا تزال مصائبهم بأهل الإسلام قائمة حتى يكون ~~الحشر الأعظم بالقيامة , والحشر : الجمع من مكان والسوق إلى غيره بكره , ~~وسمي أولا لأنهم أول من أجلي من اليهود من جزيرة العرب , والحشر الثاني لهم ~~من خيبر على زمن عمر رضي الله عنه , وعند ابن إسحاق أن إجلاءهم في مرجع ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أحد وفتح قريظة في مرجعه من الأحزاب وبينهما ~~سنتان , قال لهم النبي ms5253 صلى الله عليه وسلم : ( اخرجوا ) قالوا : إلى أين , ~~قال : ( إلى أرض المحشر ) , وقال ابن عباس رضي الله عنهما : من شك أن ~~المحشر بأرض الشام فليقرأ PageV07P511 هذه الآية . | انتهى , وهذا الحشر ~~يدل على المحشر الأعظم وبينه على قوله صلى الله عليه وسلم : ( بعثت أنا ~~والساعة كهاتين ) . | ولما كان قد أخبر أن حشرهم لم يكن بسبب غير محض قدرته ~~, استأنف شرح ذلك بقوله : { ما ظننتم } أي أيها المؤمنون { أن يخرجوا } أي ~~يوقعوا الخروج من شيء أورثتموه مهم لما كان لكم من الضعف ولهم من لاقوة ~~لكثرتهم وشدة بأسهم وشكيمتهم وقرب بني قريظة منهم فكانوا بصدد مظاهرتهم , ~~وأهل خيبر أيضا غير بعيدين عنهم وكلهم أهل ملتهم , والمنافقون من أنصارهم ~~وأسرتهم , فخابت ظنونهم في جميع ذلك وفالت أراؤهم وسلط عليهم المؤمنون على ~~قلتهم وضعفهم , وإذا أراد الله نصر عبد استأسد أرنبه وإذا أراد قهر عدو ~~استنوق أسده . | ولما كانت الحصون تمنع إلى إتيان الأمداد قال : { وظنوا ~~أنهم } ودل على قوة ظنهم وثباته بالجملة الاسمية فقال : { مانعتهم حصونهم } ~~أي ثابت لها المنع ولهم الامتناع , قالوا : وفي تقديم الخبر على المبتدأ ~~دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم , وفي جعل ضميرهم اسم ( إن ) ~~وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم أنهم في عز ومنعة لا مطمع ~~معها في معازتهم , ودل على ضعف عقولهم بأن عبر عن جنده باسمه وباسمه الأعظم ~~فقال : { من الله } أي الملك الأعظم الذي لا عز إلا له وأنتم جنده , لا ~~تقاتلون إلا فيه وبه , بأسكم من بأسه , فقد اجتمع الظنان على شيء واحد . | ~~ولما كان إسناد ما للمضاف إلى المضاف إليه شائعا في لسان العرب وكثيرا جدا ~~لأنه لا يلتس على من له إلمام بكلامهم , وبليغا مجيئه بما صور لهم من حقارة ~~أنفسهم التي اضطرتهم إلى الجلاء { من حيث لم يحتسبوا } أي من الجهة التي لم ~~يحملوا أنفسهم على حسبها وهي خذلان المنافقين لهم رعبا كرعبهم واستضعافا ~~كاستضعاف أنفسهم عن مقاومة جند الله بعد أن كان الشيطان زين لهم غير ذلك ms5254 , ~~وملأ قلوبهم من الأطماع الفارغة حتى قطعوا بما مناهم وقربه لهم وأغواهم . | ~~ولما كان التقدير : فأوهنهم الله بذلك , عطف عليه قوله : { وقذف } أي أنزل ~~إنزالا كأنه قذفه بحجارة , فثبت وارتكز { في قلوبهم الرعب } أي الخوف الذي ~~سكنها فرضها وملأها وعبر منها إلى جميع قواهم فاجتثها من أصلها , ثم بين ~~حالهم عند ذلك PageV07P512 أو فسر قذف الرعب بقوله : { يخربون بيوتهم } أي ~~يبالغون - على قراءة أبي عمرو بالتشديد - في غخرابها , أي إفسادها , فإن ~~الخربة الفساد , وقراءة غيره يفهم الفعل المطلق الذي لا ينافي المقيد { ~~بأيديهم } ضعفا منهم - بما أشار إليه جمع القلة , ويأسا من قوتهم ليأخذوا ~~ما استحسنوا من آلاتها , فكان الرجل منهم لما تحملوا للرحيل يهدم بيته عن ~~نجاف بابه وما استحسن من خشبه فيضعه على ظهر بعيره فيأخذه وينقب الجدار ~~ويهدم السقف حسدا للمسلمين أن يسكنوها بعدهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمرهم أن يخلوا له عن البلد ولهم ما حملت إبلهم . | ولما كان السبب في ~~تخريب الصاحبة رضي الله عنهم لبيوتهم ما أحرقوهم به من المكر والغدر كانوا ~~كأنهم أمروهم بذلك , فنابوا عنهم فيه , فقال أيضا بجمع القلة للدلالة على ~~أن الفعل له سبحانه وحده : { وأيدي المؤمنين } أي الراسخين في الإيمان ~~استيلاء وغلبة عليهم وقد كان المؤمنون يخربون ما ضيق عليهم المجال منها ~~لأجل القتال , وقدم تخريبهم لأنه أعجب . | ولما كان في غاية الغرابة أن ~~يفعل الإنسان في نفسه كما يفعل فيه عدوه , سبب عن ذلك قوله : { فاعتبروا } ~~أي احملوا أنفسكم بالإمعان في التأمل في عظيم قدرة الله تعالى على أن ~~تعبروا من ظواهر العلم في هذه القضية بما دبر الله في إخراجهم إلى بواطن ~~الحكمة بأن لا تعدوا لكم ناصرا نم الخلق ولا تعتمدوا على غير الله , فإن ~~الاعتبار - كما قال القشيري - أحد قوانين الشرع , ومن لم يعتبر بغيره اعتبر ~~به غيره - انتهى . | وقد احتج بالآية مثبتو القياس فإنه مجاوز من الأصل إلى ~~الفرع , والمجاوزة اعتبار , وهو مأمور به في هذه الآية فهو واجب . | ولما ~~كان الاعتبار ms5255 عظيم النفع , لا يحصل إلا للكمل , زاده تعظيما بقوله تعالى : ~~{ يا أولي الأبصار * } بالنظر بأبصاركم وبصائركم في غريب هذا الصنع لتحققوا ~~به ما وعدكم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من إظهار دينه وإعزاز نبيه ~~ولا تعتمدوا على غير الله كما اعتمد هؤلاء على المنافقين , فإن من اعتمد ~~على مخلوق أسلمه ذلك إلى صغاره ومذلته , ولا تلموا بغدر كما أرادوا أن ~~يغدروا برسول الله صلى الله عليه وسلم فيطرحوا عليه وهو قاعد بفناء دار من ~~دورهم رحى من السطح ليقتلوه بها - زعموا , ولا تفعلوا شيئا من قبيح أفعالهم ~~لئلا يحصل لكم مثل نكالهم كما أحكمه قوله صلى الله عليه وسلم ( لتتبعن سنن ~~من كان قبلكم ) الحديث , وذلك الغدر منهم بعد أن حرضوا قريشا على غزوة أحد ~~ودلوهم PageV07P513 على بعض العورات , وقال البغوي : إن كعب بن الأشرف أتى ~~قريشا بعد أحد في أربعين راكبا فحالفهم على النبي صلى الله عليه وسلم فنزل ~~جبريل عليه السلام عليه يخبره بذلك , وقال : إنه لما قصدهم عليه السلام ~~أرسلوا إليه أن يخرج في ثلاثين ويخرج منهم ثلاثون ليسمعوا منه , فإن آمنوا ~~به آمن الكل , فأجابهم فأرسلوا أن الجمع كثير فاخرج في ثلاثة ليخرج ثلاثة ~~منا , فأرسلت امرأة منهم إلى أخيها وكان مسلما أنهم اشتملوا على الخناجر ~~يريدون الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فكف صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~, وكل ما ذكر من أسباب قصتهم كما ترى دائر على المكر بل هو عين المكر . | < ~~< # | الحشر : ( 3 - 5 ) ولولا أن كتب . . . . . # > > ^ ( ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة ~~عذاب النار * ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله ومن يشآق الله فإن الله شديد ~~العقاب * ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة على أصولها فبإذن الله وليخزي ~~الفاسقين ) ^ } ) | ولما دل هذا على غاية الوهن منهم فكان موضع التعجب من ~~الكف عن قتلهم , بين أن السبب في ذلك أمهر الباهر وعزه القاهر حثا على ما ~~ختم به الآية السابقة من الاعتبار والتدبر ms5256 والاستبصار فقال : { ولولا أن ~~كتب الله } أي فرض فرضا حتما الملك الذي له الأمر كله , ودل عليه أنه كتب ~~إذلالا وإخزاء بقوله : { عليهم } أي بخصوصهم فيما كتب على بني إسرائيل في ~~الأزل كما كتب على بني قينقاع { الجلاء } أي الخروج من ديارهم والجولان في ~~الأرض , فأما معظمهم فأجلاهم بخت نصر من بلاد الشام إلى العراق , وأما ~~هؤلاء حماهم الله بمهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك الجلاء وجعله ~~على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم , فأجلاهم فذهب بعضهم إلى خيبر ~~وبعضهم إلى الشام مرة بعد مرة { لعذبهم في الدنيا } أي بالسيف كما سيفعل ~~بأحوالهم من بني قريظة الذين كتب عليهم العذاب دون الجلاء من قتل المقاتلة ~~وسبي الذرية , فإنه تعالى قد قضى قضاء حتما إنه يطهر المدينة بلد الوحي ~~منهم . | ولما كان التقدير : ولكنه كتب عليهم ذلك فهو عذابهم الآن في ~~الدنيا لا محالة وإن اجتمع أهل الأرض على نصرهم , عطف عليه قوله على طريق ~~التهكم بالتعبير بأداة النفع : { ولهم } أي على كل حال أجلوا أو تركوا { في ~~الآخرة } التي هي دار البقاء { عذاب النار * } وهو العذاب الأكبر . | ولما ~~أخبر بما نالهم في الدنيا وينالهم في الآخرة , علله بقوله : { ذلك } أي ~~الأمر العظيم الذي فعله بهم من الجلاء ومقدماته في الدنيا ويفعله بهم في ~~الآخرة { بأنهم } ولما كانوا قد ضموا فى هذه القضية إلى ما كانوا عليه من ~~الكفر الظاهر كفرا باطنا بما PageV07P514 أرادوا من إلقاء الرحى وغيره من ~~الأذى مكرا منهم , أدغم في قوله : { شاقوا الله } أي الملك الأعلى الذي له ~~الإحاطة التامة , فكانوا في شق غير شقه بأن صاروا في شق الأعداء المحاربين ~~بعد ما كانوا في شق الموادعين . | ولما جرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إخفاءهم لما أرادوا أن يفعلوا به بالإخفاء لخلاصه منهم بأن رجع إلى المدينة ~~الشريفة وترك أصحابه رضي الله عنهم عندهم قال : { ورسوله } الذي إجلاله من ~~أجلاله . | ولما أخبر بفعله وبسببه , عطف عليه تأكيدا لمضمونه وإفاده لأنه ~~يفعل في ms5257 غيرهم ممن كان على أمرهم أعظم من فعلهم فقال : { ومن يشاق الله } ~~أي يوقع في الباطن مشاققة الملك الأعلى الذي لا كفوء له في الحال أو الماضي ~~أو الاستقبال سواء أبطن معها مشاققة أخرى أو لا , وترك الإدغام على حاله ~~لأنهم ما أظهروا معاداة وإنام كان ما فعلوا مكرا ومساترة , وذلك أخف من ~~المجاهرة , وأظهر في الأنفال لقوة أمر المجاهرين كما مضى , ولم يعد ذكر ~~الرسول تفخيما له بإفهام أن مشاققته مشاققة لله من غير مثنوية أصلا , ~~وإشارة إلى أنهم بالغوا في إخفاء مشاققتهم , فلم يظهر عليها غير الله , فلم ~~يحصل منهم في ذلك مفاعلة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه لم ~~يمكر بهم , وإنما جاهرهم حين أعلمه الله بمكرهم بخلاف ما تقدم في الأنفال , ~~فإن المقام اقتضى هناك الذكر لأنهم مكروا به كما قال تعالى < # > 77 ( { وإذ يمكر بك الذين كفروا } ) 77 < # > [ الأنفال : 30 ] الآية وهو صلى الله عليه وسلم أخفى أمر هجرته وأعمل ~~الحيلة في الخلاص من مكرهم على حسب ما أمره الله به فحصلت المفاعلة في تحيز ~~كل من الفريقين إلى شق غير شق الآخرة خفية { فإن الله } أي المحيط بجميع ~~العظمة يشدد عقابه له لأنه { شديد العقاب * } وذلك كما فعل ببني قريظة بعد ~~هذا حيث نقضوا عهدهم وأظهروا المشاققة في غزوة الأحزاب وكما فعل أهل خيبر , ~~وكانوا يماكرون ويساترون في الأولى عند فتحها وفي الثانية عند إجلائهم منها ~~, فقد سوى بين المساترين والمجاهرين في العذاب وهو للمجاهرين أشد عذابا كما ~~هو واضح . | ولما دل سبحانه على عزته وحكمته بما فعل ببني النضير الذين ~~يقولون إنهم أشجع الناس وأشدهم شكيمة بما لهم من الأصالة والاصطفاء على ~~العالمين , مع التأييد بالكتاب والحكمة , وختم بأن من شاق رسوله فقد شاقه , ~~ومن شاقه فقد شدد عقابه , أتبعه بيا ما عاقبهم به من قطع الصحابة رضي الله ~~عنهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لنخلهم الذي هو أعز عليهم من أبكارهم ~~وهم ينظرون إليه لا يغنون شيئا ولا منعة ms5258 لديهم فقال : { ما } وهي شرطية ~~وأتبعها بشرطها الناصب لها فقال : { قطعتم } أي كل ما قطعتموه , وبين ما في ~~( ما ) من الإبهام بقوله معبرا عن النخل , بما يفيد نوعه وأنه هان عليهم ~~القطع ولان : PageV07P515 { من لينة } وهي ضرب من النخل , قال ابن اسحاق : ~~هو ما خالف العجوة من النخل , وقال ابن هشام : اللينة من الألوان , وهي ما ~~لم يكن برنية ولا عجوة من النخل فيما حدثني أبو عبيدة - انتهى . | وقال ~~صاحب القاموس اللون : الدقل من النخل , وهي جماعة واحدتها لونه ولينة , قال ~~المهدوي : وروي عن ابن عباس رضي الله عنما أيضا أنها لون من النخل , وقال ~~البغوي : ورواية زاذان عن ابن عباس رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقطع نخلهم إلا العجوة . | وأهل المدينة يسمون ما خلا العجوة من ~~التمر الألوان واحدها لون ولينة , وقال عطية والحسن ومجاهد وابن زيد وعمرو ~~بن ميمون : اللينة : النخلة , اسمان بمعنى واحد , وجمعها لين وليان , وقال ~~سفيان الثوري : اللينة ما تمرها لون وهو نوع من التمر شديد الصفرة يشف عن ~~نواة فيرى من خارج , قال البغوي : يغيب فيها الضرس , وكان من أجود تمرهم ~~وأعجبها إليهم , وكانت النخلة الواحدة ثمنها ثمن وصيف أحب إليهم من وصيف , ~~فلما رأوهم يقطعونها شق عليهم وقالوا للمؤمنين : إنكم تكرهون الفساد وأنتم ~~تفسدون , دعوا هذه النخلة , فإنما هي لمن غلب عليها , وقال الرازي في ~~اللوامع واختلاف الألوان فيها ظاهر لأنها أول حالها بيضاء كصدف مليء درا ~~منضدا , ثم غبراء ثم خضراء كأنها قطع زبرجد خلق فيها الماء ثم حمراء كأنها ~~ياقوت رص بعضه ببعض ثم صفراء كأنها شذو عقيان , ولذلك إذا بلغ الإرطاب ~~نصفها سميت مجزعة لاختلاف ألوانهات الجزع الظفاري . | ولما كان ما فسر ~~بمؤنث هو اللينة , أعاد المضير مؤنثا فقال : { أو تركتموها } ولما كان ~~الترك يصدق ببقائها مغروسة أو مقطوعة قال : { قائمة } ولما كان المراد ~~نخيلا كثيرة لإرادة الجنس قال : { على أصولها } بجمع الكثرة { فبإذن الله } ~~أي فقطعها بتمكين الملك الأعظم ورضاه , قال القشيري : وفي هذا ms5259 دليل على أن ~~الشريعة غير معللة وإذا جاء الأمر الشرعي بطل طلب التعليل وسكتت الألسنة عن ~~التقاضي ب ( لم ) وحضور الاعتراض والاستقباح بالبال خروج عن حد العرفان . | ~~ولما فطم عن طلب العلل خطابا للكمل , طيب قلوب من دونهم بعلة معطوفة على ما ~~تقديره : فليس ذلك بفساد ولكنه صلاح أذن لكم فيه ليشفي به صدور المؤمنين ~~ويذهب غيظ قلوبهم , فقال واضعا موضع ضميرهم ظاهرا يدل على ما أوجب خزيهم : ~~{ وليخزي الفاسقين * } الذين هم أصلاء في المروق من دائرة الحق بأن بذلهم ~~ويفضحهم ببيان كذبهم في دعواهم العز والشجاعة والتأييد من الله لأنهم على ~~الدين الحق وأنه لا يتطرق إليه نسخ , وروى أبو يعلى عن جابر رضي الله عنه ~~أنه قال : رخص لهم في قطع النخل ثم شدد عليهم فأتوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا : يا رسول الله ! علينا إثم فيما PageV07P516 قطعنا أو علينا ~~فيما تركنا , فأنزل الله الآية - انتهى وكان ناس من المؤمنين مالوا إلى ~~الكف عن القطع لما سموه اليهود فسادا وطائفة أشاروا بالاستمرار على القطع ~~لأنه يغيظهم , فصوب سبحانه في الآية من أمر بالكف وحلل من أشاور بالاستمرار ~~بالقطع من الإثم , فدلت الآية على جواز إفساد أموال أهل الحرب على أي حال ~~كان مثمرا كان أو لا بالتحريق والتغريق والهدم وغيره لإخزائهم بذلك . | < < # | الحشر : ( 6 ) وما أفاء الله . . . . . # > > ^ ( ومآ أفآء الله على رسوله منهم فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ~~ولكن الله يسلط رسله على من يشآء والله على كل شيء قدير ) ^ } ) | ولما ~~كانت الغنائم التي تقسم بين الجيش إنما هي ما قاتلوا عليه , وأما ما أتى ~~منها بغير قتال قتال فهو فيء يأخذه الإمام فيقسمه خمسة أخماس , ثم يقسم ~~خمسا منها خمسة أقسام , أحدها وهو كان للنبي صلى الله عليه وسلم يكون بعده ~~لمصالح المسلمين , والأقسام الأربعة الأخرى من هذا الخمس لمن ذكر في الآية ~~بعدها , والأربعة الأخماس الكائنة من أصل القسمة وهي التي كانت لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لأنها حصلت بكفايته وإرعابه للعدو ms5260 , تفرق بين المرتزقة ~~من جميع النواحي , فكانت الأموال كلها لله إنعاما على من يعبده بما شرعه ~~على ألسنه رسله عليهم الصلاة والسلام , كانت أموال الكفار في أيديهم غصبا ~~غصبوه من أوليائه , فخص سبحانه رسول صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير ~~يضعها حيث يشاء لأنها فيء فقال : { وما أفاء الله } أي رد الملك الذي له ~~الأمر كله ردا سهلا بعد أن كان فيما يظهر في غاية العسر والصعوبة { على ~~رسوله } فصيره في يده بعد أن كان خروجه عنها بوضع أيدي الكفار عليه ظلما ~~وعدوانا كما دل عليه التعبير بالفيء الذي هو عود الظل إلى الناحية التي كان ~~ابتدأ منها { منهم } أي ردا مبتدئا من الفاسقين , فبين أن هذا فيء لا غنيمة ~~, ويدخل في الفيء أموال من مات منهم عن غير وارث وكذا الجزية , وأما ~~الغنيمة فهي ما كان بقتال وإيجاف خيل وركاب . | ولما كان الحرب إنما هو كر ~~وفر في إسراع وخفة ورشاقة بمخاتلة الفرسان ومراوغة الشجعان ومغاورة أهل ~~الضر والطعان , قال معللا لكونه فيئا : { فما أوجفتم } أي أسرعتم , وقال ~~ابن إسحاق : حركتم واتبعتم في السير - انتهى , وذلك الإيجاف للغلبة { عليه ~~} وأعرق في النفي بالجار فقال : { من خيل } وأكد بإعادة النافي لظن من ظن ~~أنه غنيمة لإحاطتهم بهم فقال : { ولا ركاب } أي إبل , غلب ذلك عليها نم بين ~~المركوبات , ولا قطعتم من أجله مسافة , فلم تحصل لكم كبير مشقة في حوز ~~أموالهم لأن قريتهم كانت في حكم المدينة الشريفة ليس بينها وبين ما يلي ~~منها مسافة بل هي ملاصقة لإحدى قرى الأنصار التي المدينة اسم لها كلها , ~~وهي قرية بني عمرو بن PageV07P517 عوف في قباء بينهما وبين القرية التي كان ~~رسول الله نازلا بها نحو ميلين , فمشى الكل مشيا ولم يركب إلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ولم يقاتلوا بها قتالا بعد , فلذلك جعلها الله فيئا ولم ~~يجعلها غنيمة , فهي تقسم قسمة الفيء , لا قسمة الغنيمة , فخمسها لأهل خمسة ~~الغنيمة وهم الأصناف الخمسة المذكورون في الآية التي بعدها , وما ms5261 فضل فهو ~~الأربعة الأخماس له صلى الله عليه وسلم مضمومة إلى ما حازه من خمس الخمس . ~~| ولما كان معنى هذا : فما كان التسليط بكم , استدرك بقوله : { ولكن الله } ~~أي الذي له العز كله فلا كفوء له { يسلط رسله } أي له هذه السنة في كل زمن ~~{ على من يشاء } بجعل ما آتاهم سبحانه من الهيبة رعبا في قلوب أعدائه , فهو ~~الذي سلط رسوله صلى الله عليه وسلم على هؤلاء بأن ألقى في روعه الشريف أن ~~يذهب إليهم فيسألهم الإعانة في دية العامريين اللذين قتلهمنا عمرو بن أمية ~~الضمري رضي الله عنه خطأ , فلما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جانب ~~بيت من بيوتهم , وكانوا موادعين له صلى الله عليه وسلم نقضوا عهدهم خفية ~~مكرا منهم بعد أن رحبوا به ووعدوه الإعانة وأمروا أحدهم أن يرمي عليه من ~~فوق السطح صخرة لتقتله , فأعلمه الله بهذا فذهب وترك أصحابه هناك حتى لحقوا ~~به , وهذا بعد ما كان حيي فعل من قدومه مكة وندبه لقريش إلى حرب النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومعاقدته لهم على أن يكون معهم عليه عليه الصلاة والسلام , ~~وإعلام الله بذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهم بعد ما أصبح ~~أنكم قد خنتم الله ورسوله , فأردتم أن تفعلوا كذا , وأن الأرض لله ورسوله , ~~فاخرجوا منها وقد أجلتكم عشرا , فمكثوا على ذلك أياما يتجهزون ودس إليه ابن ~~أبي ومن معه من المنافقين أنهم معهم في الشدة والرخاء لا يسلمونهم , وقال ~~ابن أبي : معي ألفان من قومي وغيرهم نم العرب يدخلون حصنكم فيموتون من عند ~~آخرهم , وتمدكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان فطمع حيي بن أخطب في ذلك فأرسل إنا ~~لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك , فقصدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في المؤمنين يحمل رايته على بن أبي طالب رضي الله عنه فصلى العصر بفنائهم ~~بعد أن استعمل على المدينة ابن أم مكتوم رضي الله عنه وأقم عليهم ست ليال ~~وهم متحصنون , فقطع من نخلهم ms5262 وحرق فنادوه أن قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه ~~على من صنعه فما بالك تقطع النخل , وتربصوا نصر ابن أبي ومن معه على ما ~~قالوا فلم يفوا لهم , فألقى الله الرعب في قلوبهم فأرسلوا بالأجابة , فقال ~~: لا إلا أن يكون لي سلاحكم وما لم تقدروا على حمله على إبلكم من أموالكم , ~~فتوقفوا ثم أجابوا حملوا من أموالهم ما استقلت به الإبل إلا الحلقة , ~~وذهبوا على ستمائة بعير , وأظهروا الحلي والحلل وأبدى نساؤهم زينتهن فلحق ~~بعضهم بخيبر وبعضهم بالشام وخلوا الأموال والحلقة لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولم يسلم منهم إلا PageV07P518 رجلان يامين بن عمرو وأبو سعد بن وهب , ~~أسلما على أموالهما فأحرزاها فجعل الله أموال من لم يسلم منهم فيئا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خاصة به يضعها حيث يشاء كما روي ذلك في الصحيح عن ~~عمر ري الله عنه في قصة مخاصمة علي والعباس رضي الله عنهما , وفيه أنه من ~~خصائصه صلى الله عليه وسلم فإنه قال : إن الله قد خص رسوله صلى الله عليه ~~وسلم في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدا غيره , ثم قرأ { ما أفاء الله على ~~رسوله منهم } إلى قوله تعالى : { قدير } فكانت خالصة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والله ما احتازها دونكم ولا استأثر بها عليكم قد أعطاكموها وبثها ~~فيكم حتى بقي منها هذا المال - يعني الذي وقع خصامهما فيه , فكان ينفق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على أهله نفقة سنتهم من هذا المال ثم يأخذ ما بقي ~~فيجعله مجعل ما لله , وفي الصحيح أيضا عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر ~~رضي الله عنه قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله صلى ~~الله عليه وسلم ما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب , فكانت لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم خاصة ينفق على أهله منها نفقة سنة ثم يجعل ما بقي في ~~السلاح والكراع عدة في سبيل الله - انتهى , وقد قسم رسول الله صلى الله ms5263 ~~عليه وسلم أموالهم بعد ما تركه لنفسه بين المهاجرين , لم يعط الأنصار منه ~~شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة شديدة : أبو دجانة سماك بن خرشة وسهل بن ~~حنيف والحارث بن الصمة رضي الله عنهم , وكان لسيف ابن أبي الحقيق عندهم ذكر ~~فنفله سعد بن معاذ رضي الله عنه وقال الأصبهاني : إن الفيء كان يقسم على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة وعشرين سهما أربعة أخماسها وهي ~~عشرون سهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل بها ما يشاء ويحكم فيها ما ~~أراد , والخمس الباقي على ما يقسم عليه خمس الغنيمة - يعني على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وذوي القربى ومن بعدهم , هكذا كان عمله صلى الله عليه ~~وسلم في صفاياه , فملا توفي كانت إلى إمام المسلمين وكذا جميع ما ترك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لأنه قال : ( لا نورث , ما تركناه صدقة ) . | فولي ~~ذلك أبو بكر رضي الله عنه ثم عمر رضي الله عنه , فكانا يفعلان فيها ما فعله ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقال الأصبهاني رضي الله عنه أيضا عن مالك ~~بن أوس بن الحدثان رضي الله عنه : قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه < # > 77 ( { إنما الصدقات للفقراء } ) 77 < # > [ التوبة : 60 ] حتى بلغ { عليم حكيم } ثم قال : هذه لهؤلاء ثم قرأ < # > 77 ( { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه } ) 77 < # > [ الأنفال : 41 ] ثم قال هذه لهؤلاء , ثم قرأ < # > 77 ( { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى } ) 77 < # > [ الحشر : 7 ] حتى بلغ < # > 77 ( { الفقراء المهاجرين والذين تبوءوا الدار والإيمان والذين جاؤوا ~~من بعدهم } ) 77 < # > [ الحشر : 7 ] ثم قال : استوعبت هذه المسلمين عامة فليس أحد إلا له ~~فيها حق , ثم قال : لئن عشت ليأتين الراعي نصيبه منه لم يعرف جبينه فيه - ~~انتهى . | PageV07P519 وقال ابن عطية : ما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ~~لبني النضير ومن فدك فهو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم , وليس على حكم ~~الغنيمة التي يوجف عليها ويقاتل ms5264 فيها , ومذهب الشافعي رضي الله عنه أن هذه ~~الأموال التي هي فيء كيبقية الفيء يقسم على خمسة أسهم : خمس منها للأصناف ~~المذكورة أولها النبي صلى الله عليه وسلم وأربعة أخماسها له صلى الله عليه ~~وسلم وحده , وأجاب الشافعي عن قول عمر رضي الله عنه , ( فكانت هذه لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خاصة ) بأنه عام أريد به الخاص , ومعناه , فكان ما ~~بقي منها في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إعطاء الخمس لأربابه خاصا ~~به صلى الله عليه وسلم , لا يشك أحد في خصوصيته به , ثم إنه مع ذلك ما ~~حتازه دونهم بل كان يفعل ما ذكر في الحديث من الإيثار , قال الشافعي رضي ~~الله عنه : لأنا لا نشك أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الأصناف ~~المذكورين في الآية منها حقهم وقد عهدنا أن حق هؤلاء الأصناف من مال ~~المشركين الخمس كما هو صريح في سورة الأنفال , واستفيد من قول عمر رضي الله ~~عنه ( إنها كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ) أنه كان له ما كان يشترك فيه ~~المسلمون من الخمس من الغنيمة التي حصلت بما حصل للكفار من الرعب منهم , ~~والذي كان يشترك فيه المسلمون بعد الخمس هو أربعة الأخماس والنبي صلى الله ~~عليه وسلم قام مقام المسلمين فيه إذ هم لم يوجفوا عليه بخيل ولا ركاب , ~~وإنما حصل ذلك بالرعب الذي ألقاه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في قلوب ~~المشركين , فكانت الأربعة الأخماس تختص ممن كان السبب في حصول الجميع كما ~~في الغنيمة , فعلى هذا الفيء الغنيمة لا يختلفان في أن الأربعة الأخماس ~~تختص لمن كان السبب في حصول الجميع وأن خمس المالين يكون للأصناف المذكورة ~~, والذي كان لهد صلى الله عليه وسلم من الفيء من الأربعة الأخماس يكون بعد ~~موته صلى الله عليه وسلم للمقاتلة لأنه حصل بالرعب الحاصل للكفار منهم ~~كأربعة أخماس الغنيمة التي حصلت بقتالهم . | ولما كانت قدرته سبحانه عامة ~~بالتسليط وغيره , أظهر ولم يضمر فقال : { والله } أي الملك الذي له ms5265 الكمال ~~كله { على كل شيء } أي أي شيء يصح أن تتعلق المشيئة به وهو كل ممكن من ~~التسليط وغيره { قدير * } أي بالغ القدرة إلى أقصى الغايات , والآية تدل ~~على أن إيجاف الخيل والركاب وقصد العدو إلى الأماكن الشاسعة له وقع كبير في ~~النفوس ورعب عظيم . | < < # | الحشر : ( 7 ) ما أفاء الله . . . . . # > > ^ ( مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنيآء منكم ومآ ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب ~~) ^ } ) | ولما نزع سبحانه أموالهم من أيدي الجيش , بين مصرف غيرها مما كان ~~مثلها بأن فتح له صلى الله عليه وسلم بغير قتال فقال مستأنفا جوابا لمن ~~كأنه قال : هل يعم هذا الحكم كل فيء PageV07P520 يكون بعد بني النضير : { ~~ما أفاء الله } أي الذي اختص بالعزة والحكمة والقدرة { على رسوله } ولما ~~كان سبحانه محيط العلم بأنه يسلط على أهل وادي القرى وغيرهم أعظم من هذا ~~التسليط , قال ليكون علما من أعلام النبوة : { من أهل القرى } أي قرية بني ~~النضير وغيرها من وادي القرى والصفراء وينبع وما هنالك من قرى العرب التي ~~تسمى قرى عربية { فالله } أي الملك الأعلى الذي الأمر كله بيده { وللرسول } ~~لأنه أعظم خلقه , فرتبته تلي رتبته , وهذان يتراءى أنهما قسمان وليس كذلك , ~~هما قسم واحد , ولكنه ذكر سبحانه نفسه المقس تبركا , فإن كل أمر لا يبدأ به ~~فهو أجذم , وتعظيما لرسوله صلى الله عليه وسلم إعلاما بأنه لا هوى له أصلا ~~في شيء من الدنيا , وإنما رضاه رضا مولاه , خلقه القرآن الذي هو صفة الله ~~فهو مظهره ومجلاه , وسهمه صلى الله عليه وسلم يصرف بعده لمصالح المسلمين ~~كالسلاح والثغور والعلماء والقضاة والأئمة . | ولما أبان هذا الكلام لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الفضل والعظمة ما لا يدخل تحت الوصف , أتبعه ~~تعظيما آخر بتعظيم أقاربه لأجله , ولذلك أعاد العامل فقال : { ولذي القربى ~~} أي منهم لأن رتبتهم من بعد رتبته وهم بنو ms5266 هاشم وبنو المطلب رهط إمامنا ~~الشافعي رضي الله عنه سواء فيه غنيهم وفقيرهم , لأن أخذهم لذلك بالقرابة لا ~~بالحاجة كما هو مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه . | ولما ذكر أهل الشرف , ~~أتبعه أهل الضعف جبرا لوهنهم فقال مقدما أضعفهم : { واليتامى } أي الذين هم ~~أحق الناس بالعطف لأن مبنى الدين على التخلق بأخلاق الله التي من أجلها ~~تقوية الضعيف وجبر الكسير { والمساكين } فإنهم في الضعف على أثرهم ودخل ~~فيهم الفقراء فإنه إذا انفرد لفظ الفقير أو المساكين دخل كل منهما في الآخر ~~, وإنما يفرق إذا جمع بينهما , وكذا الفيء والغنيمة إذا أفردا جاز أن يدخل ~~كل في الآخر , وإذا جمعا فالفيء ما حصل بغير قتال وإيجاد خيل وركاب , ~~والغنيمة ما حصل بذلك { وابن السبيل } وهم الغرباء لانقطاعهم عن أوطانهم ~~وعشائرهم , وقسمة الفيء على هذه الأصناف كما مضى أن يقسم خمسة أقسام : خمس ~~منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذكر معه من المخلوقين وذكر الله ~~فيهم للتبرك , لأن الأصناف المذكورة هي التي يعبر عنها باسمه سبحانه , ~~والأربعة الأخماس خاصة له صلى الله عليه وسلم ينفق منها نفقة سنة وما فضل ~~عنه أنفقه في مصالح المسلمين السلاح والكراع ونحوه , وما كان له صلى الله ~~عليه وسلم في حياته فهو للمصالح بعد وفاته , كما كان يفعل بعد ما يفضل عن ~~حاجته , قال الشافعي رضي الله عنه في الأم : وما أخذ من مشرك بوجه من ~~الوجوه غير ضيافة من مر بهم من المسلمين فهو على وجهين لا يخرج منهما , ~~كلاهما مبين في كتاب الله تعالى وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفي ~~فعله فأحدهما الغنيمة , قال الله تعالى في PageV07P521 سورة الأنفال : < # > 77 ( { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول } ) 77 < # > [ الأنفال : 41 ] والوجه الثاني الفيء , وهو مقسوم في كتاب الله في ~~سورة الحشر , قال الله تبارك وتعالى : { وما أفاء الله على رسوله منهم - ~~إلى قوله : رؤف رحيم } فهذان المالان اللذان خولهما الله من جعلهما له من ~~أهل دينه , وهذه أموال ms5267 يقوم بها الولاة لا يسعهم تركها . | فالغنيمة والفيء ~~تجتمعان في أن فيهما معا الخمس من جميعهما لمن سماه الله تعالى , ومن سماه ~~الله تعالى في الآيتين معا سواء مجتمعين غير مفترقين , ثم يفترق الحكم في ~~الأربعة الأخماس بما بين الله عز وجل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وفي ~~فعله فإنه قسم أربعة أخماس الغنيمة , والغنيمة هي الموجف عليها بالخيل ~~والركاب لمن حضر من غني وفقير , والفيء وهو ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ~~, فكانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم في قرى عرينة التي أفاءها الله عليها ~~أن أربعة أخماسها لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة دون المسلمين يضعه ~~رسوله الله صلى الله عليه وسلم حيث أراه الله عز و جل , ثم ذكر حديث عمر ~~رضي الله عنه من رواية مالك بن أوس بن الحدثان رضي الله عنه في خصام علي ~~والعباس رضي الله عنهما , قال الشافعي : فأموال بني النضير التي أفاء الله ~~على رسوله صلى الله عليه وسلم التي ذكر عمر رضي الله عنه فيها ما بقي منها ~~في يد النبي صلى الله عليه وسلم بعد الخمس وبعد أشياء فرقها النبي صلى الله ~~عليه وسلم منها بين رجال من المهاجرين لم يعط منها أنصاريا إلا رجلين ذكرا ~~فقرا وهذا مبين في موضعه , وفي هذا الحديث لالة على أن عمر رضي الله عنه ~~إنما حكى أن أبا بكر رضي الله عنه وهو أمضيا ما بقي من هذه الأموال التي ~~كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه ما رأيا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يعمل به فيها , وأنهما لم يكن لهما مما لم يووجف عليه المسلمون ~~من الفيء ما كان والأمر الذي لم يختلف فيه أحد من أهل العلم عندنا علمته ~~ولم يزل يحفظ من قولهم أنه ليس لأحد ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من صفي الغنيمة ولا من أربعة أخماس ما لم يوجف عليه منها , وقد مضى من كان ms5268 ~~ينفق عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أزواجه وغيرهن إن كان معهن , ~~فلم أعلم أحدا من أهل العلم قال لورثتهم تلك النفقة التي كانت لهم , ولا ~~خلاف أن تجعل تلك النفقات حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل فضول غلات ~~تلك الأموال فيما فيه صلاح الإسلام وأهله , قال الشافعي : والجزية من الفيء ~~وسبيلها سبيل جميع ما أخذه مما أوجف من مال مشرك أن يخمس فيكون لمن سمى ~~الله عز وجل الخمس وأربعة أخماسه على ما سأبينه إن شاء الله تعالى , وكذلك ~~كل ما أخذ من مشرك من مال غير إيجاف , وذلك مثل ما أخذ منه إذا اختلف في ~~بلاد المسلمين ومثل ما أخذ منه إذا مات ولا وارث له , وغير ذلك ما أخذ من ~~ماله , وقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فيء من PageV07P522 غير ~~قرى عرينة , وذلك مثل جزية أهل البحرين وهجر وغير ذلك فكان له أربعة ~~أخماسها يمضيها حيث أراد الله عز وجل وأوفى خمسه من جعله الله له - انتهى . ~~| ولما حكم سبحانه هذا الحكم في الفيء المخالف لما كانوا عليه في الجاهلية ~~من اختصاص الأغنياء به , بين علته المظهرة لعظمته سبحانه وحسن تدبيره ~~ورحمته فقال معلقا بما علق به الجار : { كي لا يكون } أي الفيء الذي سيره ~~الله سبحانه بقوته وما خص به نبيه صلى الله عليه وسلم من قذف الرعب في قلوب ~~أعدائه ومن حقه أن يعطاه الفقراء { دولة } أي شيئا يتناوله أهل الغنى ~~والشرف على وجه القهر والغلبة إثرة جاهلية - هذا على قراءة الجماعة , وقرأ ~~أبو جعفر وهشام عن ابن عامر بالتأنيث من { كان } التامة و { دولة } بالرفع ~~على أنها فاعل { بين الأغنياء منكم } يتداولونه بينهم فإنهم كانوا يقولون : ~~من عزيز , ومنه قال الحسن : اتخذوا عباد الله خولا ومال الله دولا - يريد ~~من غلب منهم أخذه واستأثر به , وقيل : الضم اسم للمتداول كالغرفة اسم لما ~~يغترف , والفتح التداول . | ولما كان التقدير : فافعلوا ما أمرتكم من قسمته ~~لمن أمرت به , عطف ms5269 عليه قوله : { وما } أي وكل شيء { آتاكم } أي أحضر إليكم ~~وأمكنكم منه { الرسول } أي الكامل في الرسلية من هذا وغيره { فخذوه } أي ~~فتقبلوه تقبل من حازه { وما نهاكم عنه } من جميع الأشياء { فانتهوا } لأنه ~~لا ينطق عن الهوى ولا يقول ولا يفعل إلا ما أمره به الله ربه , فمن قبل ذلك ~~هانت عليه الأمور كما ورد ( القرآن صعب مستصعب على من تركه ميسر على من ~~طلبه وتبعه ) روي أن الآية نزلت في ناس من الأنصار قالوا : لنا من هذه ~~القرى سهمنا . | ولما كان الكف عما ألفته النفوس صعبا , ولا سيما ما كان مع ~~كونه تمتعا بمال على وجه الرئاسة , رهب من المخالفة فيه بقوله : { واتقوا ~~الله } أي اجعلوا لكم بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاية من عذاب ~~الملك الأعظم المحيط علما وقدرة , وعلل ذلك بقوله , معظما له بإعادة ~~الجلالة مؤكدا لأن فعل المخالف فعل المنكر : { إن الله } أي الذي له وحده ~~الجلال والإكرام على الإطلاق { شديد العقاب * } أي العذاب الواقع بعد الذنب ~~, ومن زعم أن شيئا مما في هذه السورة نسخ بشيء مما في سورة الأنفال فقد ~~أخطأ , لأن الأنفال نزلت في بدر وهي قبل هذه بمدة . | < < # | الحشر : ( 8 - 9 ) للفقراء المهاجرين الذين . . . . . # > > ^ ( للفقرآء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا ~~من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوءوا ~~الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ ~~أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون ) ^ } ) | PageV07P523 ولما نزع سبحانه أموال الفيء وما كانت عليه ~~في الجاهلية , وبين مصرف الفيء من القرى , وتهدد في المخالفة في ذلك ~~لصعوبته على النفوس , فكان ذلك جديرا بالتقبل بعد أن أفهم أن أموال بني ~~النضير لمن سلطه عليهم وهو رسوله صلى الله عليه وسلم , وكان من المعلوم من ~~حاله صلى الله عليه وسلم الإيثار على نفسه والقناعة بما دون الكفاف , بين ~~المصرف فيها بعد كفاية صلى الله ms5270 عليه وسلم لأن بيان ذلك هو المقصود الأعظم ~~لكونه حاصلا حاضرا , الموطأ له بأموال أهل القرى , فقال مبدلا من { الله ~~وللرسول } وما عطف عليهما لأن من أعطى المهاجرين لهجرتهم وتجردهم من ~~أموالهم وديارهم فإنما أعطاهم لوجه الله ووجه رسوله صلى الله عليه وسلم , ~~ولا يكون بدلا من { ذي القربى } لئلا يختص بفقيرهم , أو يكون جوابا لمن ~~كأنه قال : قد سمعنا وأطعنا فلمن يكون ما سلط الله ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم من أموالهم ؟ فقيل له : { للفقراء } أي الذي كان الإنسان منهم يعصب ~~الحجر على بطنه من الجوع ويتخذ الحفرة في الشتاء لتقيه البرد , ما له دثار ~~غيرها بعد أن كان له من الأموال ما يسعه ويفضل منه ما يصل به غيره , وإنما ~~وصفه بالفقر لأنهم كانوا عند نزولها كذلك , ثم خصص بالوصف فقال : { ~~المهاجرين } ولما كانت الهجرة قد تطلق على من هجر أهل الكفر من غير مفارقة ~~الوطن فقال : { الذين أخرجوا } وبناه للمفعول لأن المنكئ الإخراج , لا كونه ~~من مخرج معين { من ديارهم } ولما كان الإخراج هنا مضمنا معنى المنع , ~~واختبر التعبير به إشارة إلى أن المال السترة للإنسان لأنه ظرف له , قال : ~~{ وأموالهم } . | ولما كان غلب الدنيا من النقائص , بين أنه إذا كان من ~~الله لم يكن كذلك , وأنه لا يكون قادحا في الإخلاص , وأن أمر بني النضير ~~إنما يسر تحقيقا لرجائهم فقال : { يبتغون } أي أخرجوا حال كونهم يطلبون على ~~وجه الاجتهاد . | وبين أنه لا يجب عليه شيء لأحد بقوله تعالى : { فضلا من ~~الله } أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له لأنه المختص بجميع صفات الكمال من ~~الدنيا والدين والآخرة فيغنيهم بفضله عمن سواه { ورضوانا } يوفقهم لما ~~يرضيه عنهم ولا يجعل رغبتهم في العوض منه قادحا في الإخلاص فيوصلهم إلى دار ~~كرامته . | ولما وصفهم بتعليق بواطنهم به سبحانه وقطعها بالرضا بالإخراج ~~عمن أو عما سواه , وصفهم ببذل ظواهرهم له فقال : { وينصرون } أي على سبيل ~~التجديد في كل وقت والاستمرار { الله } أي الملك الأعظم المجيد { ورسوله } ~~الذي عظمته من عظمته ms5271 بأنفسهم وأموالهم ليضمحل حزب الشيطان . | ولما بان ما ~~له بهم سبحانه من العناية ترقب السامع من مدحهم ما يليق بهذا الإحبار . | ~~فقال مستأنفا ما هو كالعلة لتخصيصهم : { أولئك } أي العالو الرتبة في ~~الأخلاق الفاضلة { هم } أي خاصة لا غيرهم PageV07P524 { الصادقون } ~~العريقون في هذا الوصف لأن مهاجرتهم لما ذكر وتركهم لما وصف دل على كمال ~~صدقهم فيما ادعوه من الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم حيث نابذوا ~~من عاداهما وهو القريب الصافي نسبا ودارا وأولوا أولياءهما من كانوا وإن ~~بعدت دارهم وشط مزارهم , وهذا يدل على أن مبنى الدين على إقامة البينات ~~بالثبات عن الابتلاءات على أن العون قد يأتي على قدر البلاء لأن الله تعالى ~~قد خص المهاجرين من أذن فيه من أموال بني النضير . | ولما مدح المهاجرين ~~وأعطاهم فطابت نفوس الأنصار بذلك وكانوا في كل حال معه صلى الله عليه وسلم ~~كالميت بين يدي الغاسل , مهما شاء فعل , وهما أراد منهم صار إليه ووصل , ~~أتبعه مدحهم جبرا لهم وشكرا لصنيعهم فقال عاطفا على مجموع القصة : { والذين ~~تبوؤ } أي جعلوا بغاية جهدهم { الدار } الكاملة في الدور وهي التي أعدها ~~الله في الأزل للهجرة وهيأها للنصرة وجعلها دائرة على جميع البلدان محيطة ~~بها غالبة عليها محل إقامتهم وملابستهم وصحبتهم وملازمتهم لكونها أهلا لأن ~~يعود إليها من خرج منها فلا يهجرها أصلا , فهي محل مناه وليست موضعا يهاجر ~~منه لبركتها أو خيرها . | ولما كان المراد الإبلاغ في مدحهم , قال مضمنا ( ~~تبوؤا ) معنى لازم : { والإيمان } أي ولابسوه وصحبوه وخصوه بالصحبة ولزموه ~~لزوما هو كلزوم المنزل الذي لا غنى لنازله عنه , ويجوز أن يكون الإيمان ~~وصفا للدار بإعادة العاطف للإشارة إلى التمكن في كل من الوصفين فيكون كأنه ~~قيل : تبوؤوا المدينة التي هي الدار وهي الإيمان لأنها محل تمكن الإيمان ~~وانتشاره وظهوره في سائر البلدان فلشدة ملابستها له سميت به , ويجوز أن ~~يكون المعنى : ومحل الإيمان إشارة إلى أنهم ما أقاموا بها لأجل أن أموالهم ~~بها بل محبة في الإيمان علما منهم بأنه ms5272 لا يتم بدره , ويكمل شرفه وقدره , ~~وتنشر أعلامه ويقوى ذكره إلا بها , ولولا ذلك لهجروها وهاجروا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم في أي مكان حله , فهو مدح لهم بأنه متصفون بالهجرة ~~بالقوة مع اتصافهم بالنصرة بالفعل . | ولما كان انفرادهم بإقامة الإيمان في ~~الدار المذكورة قبل قدوم المهاجرين عليهم مدحا تاما , قال مادحا لهم بذلك ~~دالا بإثبات الجار على أنهم لم يستغرقوا زمان القبل من حين إرسال الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بالأمرين : { من قبلهم } أي قبل هجرة المهاجرين لأن ~~وصفهم بالهجرة لم يكن إلا بعد إيجادها فالأنصار جمعوا التمكن في الإيمان ~~إلى التمكن في الدار من قبل أن يجمع المهاجرون بينهما بالهجرة . | ولما ~~ابتدأ ذكرهم هذا الابتداء الجليل , أخبر عنهم بقوله : { يحبون } أي على ~~سبيل التجديد والاستمرار , وقيل العطف على المهاجرين , وهذه حال فيكون هذا ~~حكما PageV07P525 بالمشاركة { من هاجر } وزادهم محبة فيهم وعطفا عليهم ~~بقوله : { إليهم } لأن القصد إلى الإنسان يوجب حقه عليه لأنه لولا كمال ~~محبته له ما خصه بالقصد إليه , والدليل الشهودي على ما أخبر الله عنه به من ~~المحبة أنهم شاطروا المهاجرين في أموالهم وعرضوا عليهم أن يشاطروهم نساءهم ~~على شدة غيرتهم , فأبى المهاجرون المشاطرة في النساء وقبلوا منهم الأموال . ~~| ولما أخبرهم بالمحبة ورغبهم في إدامتها , عطف على هذا الخبر ما هو من ~~ثمراته فقال : { ولا يجدون } أي أصلا { في صدورهم } التي هي مساكن قلوبهم ~~فتصدر منها أوامر القلوب فضلا عن أن تنطق ألسنتهم . | ولما كان المراد نفي ~~الطلب منهم لما خص به المهاجري , وكان الحامل على طلب ذلك الحاجة , وكان كل ~~أحد يكره أن ينسب إلى الحاجة وإن أخبر بها عن نفسه في وقت ما لغرض قال : { ~~حاجة } موقعا اسم السبب على المسبب { مما أوتوا } أي المهاجرون من الفيء ~~وغيره من أموال بني النضير وغيرهم من أي مؤت كان فكيف إذا كان المؤتي هو ~~الله ورسوله صلى الله عليه وسلم , وإذا لم يجدوا حاجة تدعوهم إلى الطلب ~~فلأن لا يجدون حسدا ولا غيظا من باب ms5273 الأولى , فهذه الآية من أعظم حاث على ~~حسن الإخاء محذر من الحسد والاستياء . | ولما أخبر عن تخليهم عن الرذائل ~~أتبعه الإخبار بتحليهم بالفضائل فقال : { ويؤثرون } عظم ذلك بقصر الفعل ~~فصار المعنى : يوقعون الأثرة وهي اختيار الأشياء الحسنة لغيرهم تخصيصا لهم ~~بها لا على أحبائهم مثلا بل { على أنفسهم } فيبذلون لغيرهم { كائنا } من ~~كان ما في أيديهم , وذكر النفس دليل على أنهم في غاية النزاهة من الرذائل ~~لأن النفس إذا ظهرت كان القلب أطهر , وأكد ذلك بقوله : { ولو كان } أي كونا ~~هو في غاية المكنة { بهم } أي خاصة لا بالمؤثر { خصاصة } أي فقر وخلل في ~~الأحوال وحاجة شديدة تحيط بهم من كل جانب , من خصائص البناء وهي فرجه . | ~~ولما كان التقدير : فمن كان كلك فهو من الصادقين : عطف عليه قوله : { ومن } ~~ولما كان المقصود النزاهة عن الرذيلة من أي جهة كانت , وكان علاج الرذائل ~~صعبا جدا , لا يطيقه الإنسان إلا بمعونة من الله شديدة , بنى للمفعول قوله ~~: { يوق شح نفسه } أي يحصل بينه وبين أخلاقه الذميمة المشار إليها بالنفس , ~~وقاية تحول بينه وبينها , فلا يكون مانعا لما عنده , حريصا على ما عند غيره ~~حسدا , قال ابن عمر رضي الله عنه : الشح أن تطمح عين الرجل فيما ليس له , ~~قال صلى الله عليه وسلم : < # > 77 ( { اتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم , حملهم على أن سفكوا دماءهم ~~واستحلو محارمهم } ) 77 < # > PageV07P526 ولما كان النظر إلى التطهير من سفساف الأخلاق عظيما , سبب ~~عنه إفهاما لأنه لا يحصل ما سببه عنه بدونه قوله { فأولئك } : أي العالو ~~المنزلة { هم } أي خاصة لا غيرهم { المفلحون * } أي الكاملون في الفوز بكل ~~مراد , قال القشيري : وتجرد القلب من الأعراض والأملاك صفة السادة والأكابر ~~, ومن أسرته الأخطار وبقي في شح نفسه فهو في مصارفه معاملته ومطالبة الناس ~~في استيفاء حظه , فليس له من مذاقات هذه الطريقة شيء . | وشرح الآية أن ~~الأنصار كانوا لما قدم عليهم المهاجرون قسموا دورهم وأموالهم بينهم وبينهم ~~, فلما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ms5274 أموال بني النضير خطب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فذكر ما صنعوا بالمهاجرين من إنزالهم إياهم وأثرتهم على ~~أنفسهم , ثم قال ( إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله علي ~~من بني النضير ) , وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في منازلكم ~~وأموالكم , وإن أحببتم أعطتيهم وخرجوا من دياركم , فقال السعداء رضي الله ~~عنهما : بل يقسم بين المهاجرين خاصة ويكونون في دورنا كما كانوا , وقالت ~~الأصنار : رضينا وسلمنا , وفي رواية أنهم قالوا : اقسم فيها هذه خاصة واقسم ~~لهم من أموالنا ما شئت , فنزلت { ويؤثرون على أنفسهم } - الآية , وقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار , وقال أبو ~~بكر الصديق رضي الله عنه : جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار ) , فوالله ما ~~مثلنا ومثلكم إلا كما قال العنزي : | جزى الله عنا جعفرا حين أزلقت بنا ~~نعلنا في الواطئين فزلتأبوا أن يملونا ولو أنا منا تلاقي الذي يلقون منا ~~لملت | فهم لعمري الحقيقون باسم إخوان الصفاء , وخلان المروءة والوفاء , ~~والكرامة والاصطفاء , ورضي الله عنهم وعن تابعيهم من الكرام الخلفاء ~~والسادة والحنفاء . | < < # | الحشر : ( 10 ) والذين جاؤوا من . . . . . # > > ^ ( والذين جآءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنآ إنك رءوف رحيم ) ~~^ } ) | ولما أثنى الله سبحانه وتعالى على المهاجرين والأنصار رضي الله ~~عنهم بما هم أهله , التابعين لهم بإحسان مايوجب لهم الثناء فقال عاطفا على ~~المهادرين فيقتضي التشريك معهم , أو على أصل القصة من عطف الجمل : { والذين ~~جاؤوا } أي من أي طائفة كانوا , ولما كان المراد المجيء ولو في زمن يسير , ~~أثبت الجار فقال : { من بعدهم } أي بعد المهاجرين والأنصار وهم من آمن بعد ~~انقطاع الهجرة بالفتح وبعد إيمان PageV07P527 الأنصار الذين أسلموا بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة , ثم ذكر الخبر أو الحال على نحو ~~ما مضى في الذي قبله فقال تعالى : { يقولون } أي على سبيل التجديد ~~والاستمرار تصديقا لغيمانهم بدعائهم لمن سنة لهم : { ربنا } أي أيها ms5275 المحسن ~~إلينا بإيجاد من مهد الدين قبلنا . | ولما كان الإنسان وإن اجتهد موضعا ~~للنقصان قال ملقنا لنا : { اغفر } أي أوقع الستر على النقائص أعيانها ~~وآثارها { لنا } ولما بدؤوا بأنفسهم , ثنوا بنم كان السبب في إيمانهم ~~فقالوا : { ولإخواننا } أي في الدين فإنه أعظم أخوة , وبينوا العلة بقولهم ~~: { الذذين سبقونا بالإيمان } ولما لقنهم سبحانه حسن الخلافة لمن مهد لهم ~~ما هم فيه , أتبعه تلقين ما يعاشرون به أعضادهم الذين هم معهم على وجه يعم ~~من قبلهم , فقال معلما بأن الأمر كله بيده حثا على الالتجاء إليه من أخطار ~~النفس التي هي أعدى الأعداء : { ولا تجعل } وأفهم قوله : { في قلوبنا } أن ~~رذائل النفس قل أن تنفك وأنها إن كانت مع صحة القلب أوشك أن لا تؤثر { غلا ~~} أي ضغنا وحسدا وحقدا وهو حرارة وغليان يوجب الانتقام { للذين آمنوا } أي ~~أقروا بالإيمان وإن كانوا في أدنى درجاته . | ولما كان هذا دعاء جامعا ~~للخير , لقنهم ما يجيبهم في لزومه والتخلق به مع ما فيه من التملق للإله ~~والتعريض له بقوة الرجاء فقال : { ربنا } أي أيها المحسن إلينا بتعليم ما ~~لمن نكن نعلم , وأكدوا إعلاما بأنهم يعتقدون ما يقولونه وإن ظهر من أفعالهم ~~ما يقدح في اعتقادهم ولو في بعض الأوقات فقالوا : { إنك رؤوف } أي راحم أشد ~~الرحمة لمن كانت له بك وصلة بفعل من أفعال الخير { رحيم * } مكرم غاية ~~الإكرام لمن أردته ولو الرأفة , أو لا فنكون من أهل الرحمة , فقد أفادت هذه ~~الآية أن من كان في قلبه غل على أحد من الصحابة رضي الله عنهم فليس ممن عنى ~~الله بهذه الآية . | < < # | الحشر : ( 11 - 14 ) ألم تر إلى . . . . . # > > ^ ( ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل ~~الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم ~~لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون * لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا ~~لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون * لأنتم أشد رهبة في ~~صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون ms5276 * لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى ~~محصنة أو من ورآء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم ~~قوم لا يعقلون ) ^ } ) | ولما دل على أن هذا الثناء للصادقين في الإيمان ~~بإقامة السنة بالهجرة والإيثار والاجتهاد في الدعاء لمن تبين الإيمان فسهل ~~به طريق الأمان , فأخرج ذلك المنافقين وأفهم أنهم لا يفعلون ذلك لأنهم لا ~~رسوخ لهم في الإيمان الحامل على ذلك , دل على PageV07P528 نفاقهم الموجب ~~لكذبهم بقوله متمما للقصة مخاطبا لأعلى الخلق إشارة إلى أنه لا يطلع على ~~نفاسهم لما لهم فيه نم دقة المكر حق الاطلاع غيره صلى الله عليه وسلم معجبا ~~من حالهم في عدم رسوخهم مع ما يرون من المعجزات والآيات البينات ويرون من ~~حال المؤمنين من إسباغ الرحمة عليهم بتسهيل الأمور والنصرة على الجبارة ~~والإعراض عن الدنيا مع الإقبال على الآخرة والاجتهاد في الدين الذي هو وحده ~~داع إلى الإيمان ومرقق للقلوب ومبين للحقائق غاية البيان : { ألم تر } أي ~~تعلم علما هو في قوة الجزم به كالمشاهد يا أعلى الخلق , وبين بعدهم عن ~~جنابه العالي ومنصبه الشريف الغالي بإداة الانتهاء فقال تعالى : { إلى ~~الذين نافقوا } أي أظهروا غير ما أظهروا غير ما أضمروا , أظهروا الخير ~~وبالغوا في إخفاء عقائدهم بالشر مبالغة من ساجل غيره , وهم عبد الله بن أبي ~~وأصحابه , قالوا : والنفاق لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبله , وهو ~~استعارة من فعل الضب في نافقائه وقاصعائه , وصور حالهم بقوله : { يقولون ~~لإخوانهم } أي من الموالاة بالضلالة . | ولما جمعهم في الكفر وإن افترقوا ~~في المساترة والمجاهرة , وصف المجاهرين بنوع مساترة توجب النفرة منهم وتقضي ~~بهلاك من صادقهم فقال : { الذي كفروا } أي غطوا أنوار المعارف التي دلتهم ~~على الحق , وعينهم بما أبلغ في ذمهم من حيث إنهم ضلوا على علم فقال : { من ~~أهل الكتاب } وهم بنو النضير هؤلاء , وبكتهم بكذبهم فيما أكدوا الموعد به ~~لأنه في حيز ما ينكر من جهة أنهم لا يقدرون على المجاهرة بكفرهم فكيف ~~بالمبارزة بالخلاف لقومهم الأنصار والنبي صلى الله عليه ms5277 وسلم فيهم في قولهم ~~: { لئن أخرجتم } أي من مخجر ما من بلدهم الذي في المدينة الشريفة فخرجتم ~~من غير أن تقاتلوا { لنخرجن معكم } فكان ما قضي به على إخوانهم من الإخراج ~~فألا وكل بمنطقهم . | ولما كان من المعلوم أن للمنافقين أقارب من أكابر ~~المؤمنين , وكان من المعلوم : أنهم يقومون عليهم في منعهم من القيام معهم ~~نصيحة لهم وإحسانا إليهم , وكان تجويز بني النضير موهنا لذلك , قالوا ~~مؤكدين للكون معهم : { ولا نطيع فيكم } أي في خذلانكم , والمعنى أنه لو فرض ~~أنه صار أحد في القرب منكم مثل قرب المظروف من الظرف ما أطعناه في التقصير ~~فيما يسركم { أحدا } أي يسألنا خذلانكم من الرسول والمؤمنين , وأكدوا ~~بقولهم : { أبدا } أي ما دمنا نعيش , وبمثل هذا العزم استحق الكافر الخلود ~~الأبدي في العذاب . | ولما قدموا في معونتهم ما كان فألا قاضيا عليهم , ~~أتبعوه قولهم : { وإن قوتلتم } أي من أي مقاتل كان فقاتلتم ولم تخرجوا { ~~لننصرنكم } فالآية من الاحتباك : ذكر الإخراج أولا دليلا على ضده ثانيا , ~~والقتال ثانيا دليلا على حذف ضده أولا , ومعنى PageV07P529 الآية أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير : ( اخرجوا من بلدي ولا تساكنوني , قد ~~هممتم بالغدر بن وقد أجلتكم عشرا , فمن رئي بعد لك منكم ضربت عنقه ) فأرسل ~~إليهم ابن أبي بما تقدم . | ولما كان قولهم هذا كلاما يقضي عليه سامعه ~~بالصدق من حيث كونه مؤكدا مع كونه مبتدأ من غير سؤال فيه , بين حاله سبحانه ~~بقوله : { والله } أي يقولون ذلك والحال أن المحيط بكل شيء قدرة وعلما { ~~يشهد } بما يعلم من بواطنهم في عالم الغيب . | ولما كان بعض من يسمع قولهم ~~هذا ينكر أن لا يطابقه الواقع , وكان إخلافهم فيه متحققا في علم الله , ~~أطلق عليه ما لا يطلق إلا على ما كشف الواقع عن أنه غير مطابقة , فقال ~~تشجيعا دلائل النبة لأنه إخبار بمغيب بعيدة عن العادة بشهادة ما ظننتم أن ~~يخرجوا فحققه الله عن قريب . | ولما كان الكذب في قولهم هذا كونه إخبارا ~~بما لا يكون ms5278 , شرحه بقوله مؤكدا بأعظم من تأكيدهم : { لئن أخرجوا } أي بنو ~~النضير من أي مخرج كان { لا يخرجون } أي المنافقون { معهم } أي حمية لهم ~~لأسباب يعلمها الله { ولئن قوتلوا } أي اليهود من أي مقاتل كان فكيف بأشجع ~~الخلق وأعلمهم صلى الله عليه وسلم { لا ينصرونهم } أي المنافقون ولقد صدق ~~الله وكذبوا في الأمرين معا : القتال والإخراج , لا نصروهم ولا خرجوا معهم ~~, فكان ذلك من أعلام النبوة , وعلم به من كان شاكا فضلا عن الموقنين , صدق ~~الكلام على ما لم يكن ولا ليكون في قوله تعالى : { ولئن نصروهم } أي ~~المنافقون في وقت من الأوقات { ليولن } أي المنافقون ومن ينصرونه , وحقرهم ~~بقوله : { الأدبار } ولما كان من عادة العرب الكر بعد الفر , بين أنهم لا ~~كرة لهم بعد هذه الفرة وإن طال المدى فقال : { ثم لا ينصرون * } أي لا ~~يتجدد لفريقيهم ولا لواحد منهما نصرة في وقت من الأوقات , وقد صدق سبحانه ~~لم يزل المنافقون واليهود في الذل ولا يزالون . | ولما كان ربما قيل : إن ~~تركهم لنصرهم إنما هو لخوف الله أو غير ذلك مما يحسن وقعه , علل بما ينفي ~~ذلك ويظهر أن محط نظرهم المحسوسات كالبهائم فقال مؤكدا له لأجل أن أهل ~~النفاق ينكرون ذلك وكذا من قرب حاله منهم : { لا أنتم } أيها المؤمنون { ~~أشد رهبة } أي من جهة الرهبة وهو تمييز محول عن المبتدأ أي لرهبتكم الكائنة ~~فيهم PageV07P530 أشد وأعظم { في صدورهم } أي اليهود ومن ينصرهم مام أفاض ~~إليها من قلوبهم { من الله } أي من رهبتهم التي يظهرونها لكم منه بكل صفة ~~من صفاته فرهبتهم منكم بسبب لإظهارهم أنه يرهبون الله رياء لكم . | ولما ~~كان هذا مما يتعجب منه المؤمن علله بقوله : { ذلك } أي الأمر الغريب وهو ~~خوفهم الثابت اللازم من مخلوق مثلهم ضعيف يزينهم له وعدم خوفهم من الخالق ~~على ما له من العظمة وذاته ولكونه غنيا عنهم { بأنهم قوم } أي على ما لهم ~~من القوة { لا يفقهون * } أي لا يتجدد لهم بسبب كفرهم واعتمادهم على مكرهم ~~في وقت من الأوقات ms5279 فهم يشرح صدورهم ليدركوا به أن الله هو الذي ينبغي إن ~~يخشى لا غيره , بل هم كالحيوانات لا نظر لهم إلى الغيب إنما هم مع ~~المحسوسات , والفقه هو العلم بمفهوم الكلام ظاهره الجلي وغامضه الخفي بسرعة ~~فطنة وجودة قريحة . | ولما أخبر برهبتهم دل عليها بقوله : { لا يقاتلونكم } ~~أي كل من الفريقين اليهود والمنافقين أو أحدهما . | ولما كان الشيء قد يطلق ~~ويراد بعضه , حقق الأمر بقوله : { جميعا } أي قتالا يقصدونه مجاهرة وهم ~~مجتمعون كلهم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن { إلافي قرى محصنة } أي ~~ممنعة بحفظ الدروب وهي السكك الواسعة بالأبواب والخنادق ونحوها { أو من ~~وراء جدار } أي محيط بهم سواء كان بقرية أو غيرها لشدة خوفهم , وقد أخرج ~~بهذا ما حصل من بعضهم عن ضرورة كاليسير , ومن كان ينزل من أهل خيبر من ~~الحصن يبارز ونحو ذلك , فإنه لم يكن عن اجتماع , أو يكون هذا خصا ببني ~~النضير في هذه الكرة . | ولما كان ربما ظن أن هذا عن عجز منهم لازم لهم ~~دفعه بقوه إعلاما بأنه إنما هو من معجزات هذا الدين : { بأسهم } أي قوتهم ~~ما فيهم من الصفات التي يتأثر عنها العذاب { بينهم شديد } أي إذا أداروا ~~رأيا أو حارب بعضهم بعضا فجرأ المؤمنين عليهم بأن ما ينظرونه من شدتهم ~~وشجاعتهم إذا حاربوا المشركين لا ينكر عند محاربة المؤمنين كرامة أكرم الله ~~بها المؤمنين تتضمن علما من أعلام النبوة تقوية لإيمانهم وإعلاء لشأنهم . | ~~ولما كانت علة الشدة الاجتماع , شرح حالتي الشدة والرهبة بقوله مخاطبا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم إشارة إلى شدة ما يظهرون من ألف بعضهم لبعض : { ~~تحسبهم } أي اليهود والمنافقين يا أعلى الخلق ويا أيها الناظر من كان ذلك ~~التعاطف الظاهر { جميعا } لما هم فيه من اجتماع الدفاع وعن لك نشأت الشدة { ~~وقلوبهم شتى } أي مفترقة أشد افتراق , وعن ذلك نشأت الرهبة , وموجب هه ~~الشتات اختلاف الأهواء التي لا جامع لها من نظام العقل كالبهائم وإن ~~اجتمعوا في عداوة أهل الحق كاجتماع البهائم في الهرب PageV07P531 من ms5280 الذئب ~~, قال القشيري : اجتماع النفوس مع تنافر القلوب واختلافها أصل كل فساد ~~وموجب كل تخاذل , ومقتض لتجاسر العدو , واتفاق القلوب والاشتراك في الهمة ~~والتساوي في القصد يوجب كل ظفر وكل سعادة . | ولما كان السبب الأعظم في ~~الافتراق ضعف العقل , قال معللا : { ذلك } أي الأمر الغريب من الافتراق بعد ~~الاتفاق الذي يخيل الاجتماع { بأنهم قوم } أي مع شدتهم { لا يعقلون * } فلا ~~دين لهم يجمعهم لعلمهم أنهم على الباطل فهم أسرى الأهوية , والأهوية في ~~غاية الاختلاف , فالعقل مدار الاجتماع كما كان الصحابة رضوان الله عليهم ~~أجمعين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كما أن الهوى مدار الاختلاف . | < ~~< # | الحشر : ( 15 - 17 ) كمثل الذين من . . . . . # > > ^ ( كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم * ~~كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله ~~رب العالمين * فكان عاقبتهمآ أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزآء ~~الظالمين ) ^ } ) | ولما كان الإخبار بعدم عقلهم دعوى دل عليها بأمر مشاهد ~~فقال : { كمثل } أي قصتهم في عدم فقههم بل عقلهم الذي نشأ عنه إخراجهم هذا ~~وما سببه من مكرهم وغدرهم واعتمادهم على ابن أبي ومن معه من المنافقين كمثل ~~قصة { الذين من قبلهم } ولما كان إدخال الجار مع دلالته على عدم استغراق ~~زمان القبل يدل على قرب الزمن , صرجح به فقال : { قريبا } وهم كما قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما بنو قينقاع من أهل دينهم اليهود أظهروا بأسا شديدا عند ~~ما قصدهم النبي صلى الله عليه وسلم غزوة بدر فوعظهم وحذرهم بأس الله فقالوا ~~: لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم , ~~وأما والله لو قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس , ثم مكروا بامرأة من المسلمين ~~فأرادوها على كشف وجهها فأبت فعقدوا طرف ثوبها من تحت خمارها , فما قامت ~~انكشفت سوأتها فصاحت فغار لها شخص من الصحابة رضي الله عنهم , فقتل اليهودي ~~الذي عقد ثوبها فقتلوه , فانتقض عهدهم , فأنزل النبي صلى الله عليه وسلم ~~بساحتهم جنود ms5281 الله فأذلهم الله ونزلوا من حصنهم على حكمه صلى الله عليه ~~وسلم وقد كانوا حلفاء ابن أي , ولم يغن عنهم شيئا غير أنه سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أن لا يقتلهم وألح عليه حتى كف عن قتلهم فذهبوا عن ~~المدينة الشريفة بأنفسهم من غير حشر لهم بالإلزام بالجلاء . | ولما كان ~~كأنه قيل : ما كان خبرهم ؟ قال : { ذاقوا وبال } أي وخامة وسوء عاقبة { ~~أمرهم } في الدنيا وهو كفرهم وعداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحزبه ~~الذين هم حزب الله , وسماه أمرا لأنه مما ائتمروا فيه { ولهم } أي في ~~الآخرة { عذاب أليم * } أي شديد الإيلام , PageV07P532 ولما شبه سبحانه ~~أمرهم في طاعتهم لابن أبي ومن معه وهم البعداء المحترقون بسبب إبعاد ~~المؤمنين لهم بإبعاد الله واحتراق أكبادهم لذلك مع ما أعد لهم في الآخرة ~~بأمر بني قينقاع , شبه قصة الكل بقصة الشيطان ومن أطعه من الإنس والجن , ~~فقال مبينا لمعنى ما حط عليه آخر الكلام : { كمثل } أي مثل الكلم الواعدين ~~بالنصر والمغترين بوعدهم مع علمهم بأن الله كتب في الذكر < # > 77 ( { أغلبن أنا ورسلي } ) 77 < # > [ المجالة : 21 ] في إخلافهم الوعد وإسلامهم إياهم عند ما حق الأمر ~~يشبه مثل { الشيطان } أي البعيد من كل خير لبعده من الله المحترق بعذابه , ~~والشيطان هنا مثل المنافقين { إذا قال للإنسان } أي كل من فيه نوس واضطراب ~~وهو هنا مثل اليهود : { اكفر } أي بالله بما زين له ووسوس إليه من اتباع ~~الشهوات القائم مقام الأمر . | ولما كان الإنسان بما يساعد تزيين الشيطان ~~عليه من شهواته وحظوظه وأخلاقه يطيع أمره غالبا قال : { فلما كفر } أي أوجد ~~الكفر على أي وجه كان , ودلت الفاء على إسراعه في متابعة تزيينه { قال } أي ~~الشيطان الذي هو هنا عبارة عن المنافقين مؤكدا لما لمن تعلق بن بمن أكد له ~~الوعد بشيء من صادق الاعتماد عليه والتكذيب بأنه يخذبه : { إني بريء منك } ~~أي ليس بيني وبينك علاقة في شيء أصلا ظنا منه أن هذه البراءة تنفعه شيئا ~~مما استوجبه المأمور بقبوله ms5282 لأمره , وذلك كناية عن أنه فعل معه من الإعراض ~~منه والتمادي في كل ما يدل على إهماله من أكد البراءة منه , وذلك كما فعل ~~المنافقون باليهود جرؤوهم على أمر ينهى وهو الإقامة في بلدهم , فلما نصبوا ~~الحرب طمعا في نصرهم فعل المنافقون بتباطؤهم عنهم فعل المتبرئ منهم فكان ~~ذلك أشد عليهم مما لم يطمعوهم في نصرهم لأن هذا بمنزله انهزامهم عنهم من ~~الصف الموجب لانهزامهم لا محالة , ثم علل البراءة بقوله : { إني أخاف الله ~~} أي الملك الذي لا أمر لأحد معه فلا تطاق صولته , ثم شرح ذلك بقوله : { رب ~~العالمين * } أي الذي أوجدهم من العدم ورباهم بما يدل على جميع الأسماء ~~الحسنى والصفات العلى , فلا يغني أحد من خلقه عن أحد شيئا إلا بإذنه وهو لا ~~يغفر أصلا لمن يقدح ربوبيته ولا سيما إن نسبها إلى غيره , وكان هذا كمثل ما ~~يجد الإنسان بعد الوقوع في المعصية من الندم والحيرة , فإذا وجد ذلك وهم ~~بالتوبة زين له المعصية وصعب عليه أمر التوبة وعسره وجرأه على المعصية ~~بيعنها أو على ما هو أكبر منها , ولا يزال كذلك حتى يتعذر عليه الرجوع ~~فيتحقق هلاطكه وهلاك من أوقعه , فلذلك سبب عنه قوله : { فكان } ولما كان ~~تقديم الشيء على محله موجبا لروعة تنبيه الإنسان للتفتيش عن السبب والتشويق ~~إلى المؤخر قال : { عاقبتهما } مقدما لخبر ( كان ) { أنهما } أي الغار ~~والمغرور { في النار } حال PageV07P533 كونهما { خالدين فيها } لأنهما ظلما ~~ظلما لا فلاح معه . | ولما كان ذلك قد يحمل على أنه في الإنسان بعينه , قال ~~معلقا بالوصف , تعميما وزجرا عنه : { وذلك } أي العذاب الأكبر { جزاء ~~الظالمين * } أي كل من وضع العبادة في غير محلها . | < < # | الحشر : ( 18 - 21 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا ~~الله إن الله خبير بما تعملون * ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم ~~أنفسهم أولئك هم الفاسقون * لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة ~~هم الفآئزون * لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من ms5283 خشية ~~الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ) ^ } ) | ولما أبلغ سبحانه ~~في المواعظ في هذه السورة قولا وفعلا , وكانت الإيقاعات المذكورة فيها ~~مسببة عن الخيانات ممن كان له عهد فنقضه , أو ممن كان أظهر الإيمان فأبان ~~فعله كذبه , قال سبحانه وتعالى استنتاجا عن ذلك وعظا للمؤمنين لأن الوعظ ~~بعد المصائب أوقع في النفس وأعظم في ترقيق القلب وتحذيره مما يوجب العقوبة ~~: { يا أيها الذين آمنوا } مناديا لهم نداء البعد معبرا بأدنى أسنان ~~الإيمان لأنه عقب ذكر من أقر بلسانه فقط { اتقوا الله } أي اجعلوا لكم ~~وقاية تقيكم سخط الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه ولا بد أن يستعرض عبيده ~~, فاحذروا عقوبته بسب التقصير فيما حده لكم من أمر أو نهي { وتنظر نفس } أي ~~كل نفس تنظر إلى نفاستها وتريد العلو على أقرانها , ولعله وحدها للإشارة مع ~~إفادة التعميم إلى قلة الممثل لهذا الأمر جدا { ما قدمت } أي من الزاد الذي ~~يكون به صلاح المنزل الذي من لم يسع في إصلاحه لم يكن له راحة , هل يرضي ~~الملك ما قدمته فينجيها أو يغضبه فيرديها . | ولما كان الأجل مبهم الوقت , ~~فكان لقاء الله في كل يوم بل كل لحظة للعاقل مترقبا لكونه ممكنا مع كونه ~~على الإطلاق محققا لا يجهله أحد , قال مشيرا بتنكيره وإبهامه إلى تهويله ~~وإعظامه : { لغد } أي لأجل العرض بعد الموت أو في يوم القيامة الذي هو في ~~غاية القرب لأن هذه الدنيا كلها يوم واحد يجيء فيه ناس ويذهب آخرون , ~~والموت أو الآخرة غده , لا بد من كل منهما , وكل ما لا بد منه فهو في غاية ~~القرب لا سيما إن كان باقيا غير منقض , وكل من نظر لغده أحسن مراعاة يومه , ~~وتنوينه للتعظيم من جهات لا تحصى . | ولما أمر بتقواه سبحانه خوفا من ~~سطواته أمر بتقواه لأجل مراقبته حياء من جلالته وهيبته تأكيدا للأمر لأن ~~مدار النجاة على التقوى لأن مكايد الشيطان دقيقة , فمن لم يبالغ ~~PageV07P534 في محاسبة نفسه وتفقد ما يمكن أن يكون من الخلل ms5284 في أعماله أوشك ~~أن يحبط الشيطان أعماله فقال تعالى : { واتقوا الله } أي الجامع لجميع صفات ~~الكمال أي اتقوه حياء منه , فالتقوى الأولى لإيجاد صور الأعمال , وهذه ~~لتصفيتها وتزكية أرواحها , ولذلك علل بقوله مرغبا مرهبا : { إن الله } أي ~~الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى { خبير } أي عظيم الاطلاع على ~~ظواهركم وبواطنكم والإحاطة { بما تعملون * } فلا تعملون عملا إلا كان بمرأى ~~منه ومسمع فاستحيوا منه , وكرر الاسم الأعظم كراهية أن يظن تقييد التقوى ~~بحيثية من الحيثيات تعظيما لهذا المقام إعلاما بأن شؤونه لا تنحصر وأن ~~إحاطته لا تخص مقاما دون مقام ولا شأنا سوى شأن . | ولما هز إلى تقواه تارة ~~بالخوف وأخرى بالحياء تأكيدا لها , وعلل ذلك بما له شعبة من التحذير , وكان ~~الإنسان لما له من النسيان أحوج إلى التحذير , قال مؤكدا لشعبته وإيضاحا ~~لأن التقوى الثانية لمحاسبة النفس في تصفية العمل : { ولا تكونوا } أيها ~~المحتاجون إلى التحذير وهم الذي آمنوا { كالذين نسوا الله } أي أعرضوا عن ~~أوامره ونواهيه وتركوها ترك الناسين لمن برزت عنه مع ما له من صفات الجلال ~~والإكرام لما استغواهم به من أمره الشيطان حتى أبعدهم جدا عن العمران { ~~فأنساهم } أي فتسبب عن ذلك أن أنساهم بما له من الإحاطة بالظواهر والبواطن ~~{ أنفسهم } فلم يقدموا لها ما ينفعها وإن قدموا شيئا كان مشوبا بالمفسدات ~~من الرياء والعجب , فكانوا مما قال فيه . | سبحانه وتعالى < # > 77 ( { وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية ~~} ) 77 < # > [ الغاشية : 2 - 3 - 4 - 5 ] لأنهم لم يدعوا بابا من أبواب الفسق فإن ~~رأس الفسق الجهل بالله , ورأس العلم ومفتاح الحكمة معرفة النفس , فأعرف ~~الناس بنفسه أعرفهم بربه ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) . | ولما كانت ثمرة ~~ذلك أنهم أضاعوها - أي التقوى - فهلكوا قال : { أولئك } أي البعيدون من كل ~~خير { هم } أي خاصة دون غيرهم { الفاسقون * } أي العريقون في المروق من ~~دائرة الدين . | ولما تم الدليل على أن حزب الله هم المفلحون لما أيدهم به ~~في هذه الحياة الدنيا من ms5285 النصر والشدة على الأعداء واللين والمعاضدة ~~للأولياء وسائر الأفعال الموصلة إلى جنة المأوى , وصرح في آخر الدليل ~~بخسران حزب الشيطان فعلم أن لهم مع هذا الهوان عذاب النيران , وكان المغرور ~~بعد هذا بالدنيا الغافل عن الآخرة لأجل شهوات فانية وحظوظ زائرة عاملا عمل ~~من يعتقد أنه لا فرق بين الشقي بالنار والسعيد بالجنة لتجشمه التجرع ~~لمرارات الأعمال المشتملة عليها , أشج ذلك قوله منزلا لهم منزلة الجازم ~~بذلك PageV07P535 أو الغافل عنه تنبيها لهم على غلطهم وإيقاظا من غفلتهم : ~~{ لا يستوي } أي بوجه من الوجوه { أصحاب النار } التي هي محل الشقاء الأعظم ~~{ وأصحاب الجنة } التي هي دار النعيم الأكبر لا في الدنيا ولا في الآخرة ~~وهي من أدلة أنه لا يقتل مسلم بكافر . | ولما كان نفي الاستواء غير معلم في ~~حد ذاته بالأعلى من الأمرين , كان هذا السياق معلما بما حفه من القرائن ~~بعلو أهل الجنة , صرح به في قوله : { أصحاب الجنة هم } أي خاصة { الفائزون ~~* } المدركون لكل محبوب الناجون من كل مكروه , وأصحاب النار هم الهالكون في ~~الدارين كما وقع في هذه الغزوة لفريقي المؤمنين وبني النضير ومن والاهم من ~~المنافقين , فشتان ما بينهما . | ولما كان قد مر في هذه السورة فضلا عما ~~تقدمها من حكمة هذا القرآن وإعجازه تارة بمطابقته لما نزل بسببه مطابقة ~~تجلو عنه كل إشكال , وتارة بما يشاهد من صدقه فيما أخبر بإتيانه من الأفعال ~~, وأخرى بما يتدى به من الأقوال , ومرة بنظم كل جملة مع ما تقدمها على ما ~~لم يكن لبشر مثله في الأحوال إلى غير ذلك من أمور لا يحصرها المقال , ترتب ~~على ذلك قوله مبينا أن سبب افتراق الفريقين في العقبى افتراقهم في هذا ~~القرآن في الأولى تمثيلا للقلوب في قسوتها أو لينها عند سماع القرآن وتخيلا ~~توبيخا للقاسي ومدحا للعاطف اللين لافتا القول إلى أسلوب العظمة لاقتضاء ~~الحال لها : { لو أنزلنا } بعظمتنا التي أباها هذا الإنزال { هذا القرآن } ~~أي الجامع لجميع العلوم , الفارق بين كل ملتبس - المبين لجميع الحكم { على ~~جبل } أي ms5286 أي جبل كان { لرأيته } مع صلابته وفوته يا أشرف الخلق إن لم يتأهل ~~غيرك لمثل تلك الرؤية { خاشعا } أي مطمئنا مختبا على صلابته متذللا باكيا { ~~متصدعا } أي متشققا غاية التشقق كا تصدع الطور لتجلينا له بما دون ذلك من ~~العظمة التي جلونا كلامنا الشريف لموسى عليه السلام في ملابسها { من خشية ~~الله } أي من الخوف العظيم من له الكمال كله حذرا من أن لا يكون مؤديا ما ~~افترض عليه من تعظيم القرآن عند سماعه فما لابن لآدم وقد آتاه الله من ~~العقل ما لم يؤت الجبل يستخف بحقه , ويعرض عما فيه من العبر , وفي الآية ~~مدح للنبي صلى الله عليه وسلم في ثباته لما لا تثبت له الجبال , وذم ~~للمعرضين بكونهم أقسى من الجبال . | ولما كان التقدير تبكيتا وتوبيخا لمن ~~لم يرق للقرآن < # > 77 ( { أفلم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ~~} ) 77 < # > [ الحديد : 16 ] فإنا قد فصلنا لهم الحلال والحرام والأمر والنهي ~~وأوضحنا الحكم ودللنا على المتشابه وقصصنا الأقاصيص بعد جعلهم عقلاء ناطقين ~~, فتلك أقاصيص الماضين لعلهم يعتبرون عطف عليه قوله : { وتلك الأمثال } أي ~~التي لا يضاد فيها شيء { نضربها للناس } أي الذي يحتاجونها PageV07P536 وهم ~~من فيهم تذبذب واضطراب { لعلهم يتفكرون * } أي لتكون حالهم عند من ينظرهم ~~حال من يجرى تفكره في تلك الأمثال فينفعه ذلك إذا أراد التفكر إلى التذكر ~~فرأى تنبيه الرسول صلى الله عليه وسلم له أن كل ما في القرآن من شيء فيه ~~مشاهد منه متطابق له كتاب الخلق وكتاب الأمر فتخلى عن الشهوات البهيمية ~~فنجا من الحظوظ النفسية فتحلى بالملابس الروحانية فصار بالمجاهدات ~~والمنازلات إلى الصفات الملكية فكان أهلا للمقامات القدسية في الجنان ~~العلية . | < < # | الحشر : ( 22 - 24 ) هو الله الذي . . . . . # > > ^ ( هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن ~~الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ~~العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون * هو الله الخالق البارىء ~~المصور له الأسمآء ms5287 الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ~~) ^ } ) | ولما أعلى سبحانه أولياءه بأن فتح السورة بالإيمان بالغيب وهو ~~العزيز الحكيم بعد التنزيه عن نقائص التعطيل وكل شائبة نقص وينزل لعباده في ~~أسباب الصفات والأفعال إلى أن أوصلهم إلى محسوس الأمثال فتأهلوا للفناء في ~~ذاته وما على صفاته الموجبة لخشيته , رقاهم إلى التكفر في تفصيل ما اففتح ~~به , فقال عادلا عن أسلوب العظمة إلى أعظم منها بإسبال حجب العزة على منهاج ~~الحكمة : { هو } أي الذي وجوده من ذاته فلا عدم له أصلا بوجه من الوجوه , ~~فلا يستحق الوصف ب ( هو ) غيره لأنه الموجود دائما أزلا وأبدا , فهو حاضر ~~في كل ضمير غائب بعظمته عن كل حسن , فلذلك يتصدع الجبل من خشيته . | ولما ~~عبر بأخص أسمائه , أخبر عنه لطفا بنا وتنزلا لنا بأشهرها الذي هو مسمي ~~الأسماء كلها فقال : { الله } أي المعبود الذي لا ينبغي العبادة إلا له , ~~الذي بطن بما لم تحط ولا تحيط به العقول من نعوت الكبرياء والعظمة والغكرام ~~, فظهر بأفعاله التي لا تضاهى بوجه غاية الظهور , فتميز غاية التميز , فلم ~~يلحقه شرك أصلا في أمة من الأمم ولا نسمة من النسم , قال الحرالي في شرح ~~الأسماء : وهو لوه القلوب والعقول أي محارها الذي لا تدركه , فلزم الخلق من ~~توحيد اسم الإله ما حصل لهم من توحيد اسم الله من الأحدية الإحاطية - انتهى ~~- فلذلك كان وصفه { الذي لا إله إلا هو } فإنه لا مجانس له ولا يليق ولا ~~يصبح ولا يتصور أن يكافئه أو يدانيه شيء والإله أول اسم الله فلذلك - لا ~~يكون أحدا مسلما إلا بتوحيده فتوحيده فتوحيده فرض وهو أساس كل فريضة , ~~وتوحيد سائر الأسماء نقل وهو أساس كل نافلة , فمن وحده في الكل فقد كمل ~~دينه PageV07P537 وتمت النعمة عليه وإلا كان من الذين آمنوا , فإن كان ذلك ~~منه قولا عصم من نار الأحكام على الأبدان في الدنيا , وإن كان علما تخلص من ~~نار الهلع على النفوس في الدنيا , وهو الجزع عند مس الشر , والمنع ms5288 والبخل ~~عند مس الخير , ولن يشهد التوحيد في هذه الكلمة التي مضمونها توحيد اسم ~~الإله إحسانا إلا بعد إحصاء جميع الأسماء علما , قال الحرالي : والإله : ~~التعبد وهو التذلل , فمن توهم حاجته بشيء وتوهم أن عنده قوام حاجته تذلل ~~فكان تذلله له تألها , وكل من عبد ما أحاط عينه فقد خذل عقله عن تصحيح معنى ~~الإله الذي يجب أن يكون غيبا , فكان تصحيح معنى الإله أنه غيب قائم مستحق ~~للعبادة والتذلل لأجل قيامه والاستغناء به . | ولما أخبر بتفرده , دل عليه ~~بآية استحقاقه لذلك , فقال مقدما لما متقدم في الوجود : { عالم الغيب } أي ~~الذي غاب عن علم جميع خلقه . | ولما كنا ربما ظن أن وصفه بالغيب أمر نسبي ~~سمي غيبا بالنسبة لناس دون ناس , دل بذكر الضد على أن المراد كل ما غاب وكل ~~ما شهد فقال تعالى : { والشهادة } أي الذي وجد فكان بحيث يحسه ويطلع عليه ~~بعض خلقه . | ولما تعالى في صفات العظمة ونعوت الجلال والكبر فبطن غاية ~~البطون , أخذ رحمة العبادة بالتنزيل لهم بالتعرف إليه بعواطف الرحمة فقال ~~بانيا الكلام على الضمير إعلاما بأن المحدث عنه أولا هو بعينه المحدث عنه ~~ثانيا : { هو الرحمن } أي العام الرحمة , قال الحرالي رحمه الله تعالى : ~~والرحمة إجراء الخلق على ما يوافق حسبهم ويلائم خلقهم وخلقهم ومقصد أفئدتهم ~~, فإذا اختص ذلك بالبعض كان رحيمية , وإذا استغرق كان رحمانية , ولاستغراق ~~معنى اسم الرحمن لم يكن لإتمام في معنى استغراقه - يعني باسم الله . | ولما ~~كانت الرحيمية خاصة بما ترضاه الإليهة قال تعالى : { الرحيم * } أي ذو ~~الرحمة العامة المسعدة في الظاهر والرحمة الخاصة المسعدة في الباطن , قال ~~الحرالي : الرحمة من الرحيم اختصاص من شملته الرحمانية بمزية ما أوثر به من ~~الرحمة في مقابلة من آل أمره إلى نعمه ليجمع مقتضى الاسمين بني عموم ~~الرحمانية واختصاص الرحيمية : ولما أظهر على الخلق خصوص الإيثار , أجرى ~~عليهم اسم الرحيم كرحمة الخلق أبناءهم . | ولما كان حق اسم الرحيم إثبات ~~رحمة غير مجذوذة ولم يكن ذلك للخلق لم يكن بالحقيقة الرحيم إلا ms5289 الله الذي ~~إذا اختص بالرحمة لم يحدها < # > 77 ( { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا ~~انفصام لها والله سميع عليم } ) 77 < # > [ البقرة : 256 ] PageV07P538 ( إن الله لا ينزع العلم انتزاعا بعد أن ~~أعطاكموه ) < # > 77 ( { وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض ~~إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ } ) 77 < # > [ هود : 108 ] فلذلك لا رحيم بالحقيقة إلا الله تحقيق علم كما أنه لا ~~رحمان إلا الله بادي معنى . | ولما كان الملك كمال استيلاء على الخلق ~~يقصرهم به ملكهم على بعض مستطاعهم ويدينهم - على حسب دينهم أي ما وضع لهم ~~من عادة قصره لهم وحكمة عليهم وبحسب إحصائه عليهم دقيق أعمالهم وإحاطته ~~بخفي أحوالهم والاطلاع على سرائرهم بتحقيق استيفاء الجزاء فيتحقق بذلك كمال ~~الملك , فكان لذلك لا تتحقق حقيقة الملك فيمن هو دون العلم بالسر وأخفى , ~~والمحصي الحسيب لمثاقيل الدر , الخبير بخبأ الكون , فكان لا ملك في الحقيقة ~~إلا الله , ولكنه تعالى لما كان قد أولى الخلق من رفعه بعضهم فوق بعض ما ~~أجرى عليهم اسم الملك فتنة لهم فضل بسبب ذلك قوم ادعوا الملك الحقيقي , ~~فغلط من أراد الله من الخلق فيهم فضلوا بهم , أعاد التهليل مع اسمه الملك ~~كما ابتدأ مع اسمه الإله أول أسماء الله , ولذلك أيضا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الذي رواه الشيخان وأبو داود ~~والترمذى في حديث الذي يسمى ملك الملوك في رواية المسلم : ( لا ملك إلا ~~الله ) , فقال مصرحا بما في باطن اسمي الرحمة من القهر والجبر على النسق ~~الأول في البناء على الضمير تأكيد لتعين المحدث عنه وتوحيده : { هو الله } ~~أي الذي لا يقدر على تعميم الرحمة لمن أراد وتخصيصها بمن شاء { الذي لا إله ~~} أي معبود بحق { إلا هو الملك } فلا ملك في الحقيقة إلا هو لأنه لا يحتاج ~~إلى شيء , فإنه مهما أراد كان . | ولما كان الملك أصل ما لحق الخلق من ~~الآفات لأنه رأس الشرف الذي هو ms5290 باب الترف الملازم لمخالفة كتاب الله أما في ~~الأعمال فيكون فتنة , وأما في الرأي فيكون علوا وكبرا وكفرا , فإن أمر الله ~~في آدم على ماهو نبوة ثم ينزل فيصير خلافة ثم ينتهي نزوله فيكون ملكا ثم ~~تتداعى الأحداث , فلمكان تداعي الملك لموجبات الذم قال عقب صفات الملك : { ~~القدوس } مصرحا بما لزم عن تمام ملكه من أنه بليغ في النزاهة عن كل وصم ~~يدركه حسن أو يتصوره خيال أو يسبق إليه وهم أيو يختلج به ضمير , فإن القدس ~~طهر لا يقبل التغير ولا يلحقه رجس فلا يزال على وصف الحمد بثبات القدس , ~~ولمكان ما حول سبحانه الخلق من حال طهر لا يظهر فيه تغير بما دونه أجرى ~~عليهم PageV07P539 اسم القدس كروح الدس المؤيد للشارع ينفث في روعة المؤيد ~~لشاعره في مكافحته عنه , ولأجل قصر تخلي الخالق بالملك في قليل متاع الدنيا ~~رغب النبي البعد صلى الله عليه وسلم عنه , واختار العبودية الدائمة بدوام ~~العزة لسيده , فوضح بذلك علم أن لا قدوس إلا الله حقيقة معنى وتصحيح إحاطة ~~. | ولما كان سبحانه لتمام ملكه وعلو ملكه وكمال قدسه لا يتصور أن يلحقه ~~نقص في ذات ولا صفة ولا فعل , فلا يقبح منه إهلاك على حال من الأحوال ولا ~~مس بضر في الدنيا والآخرة في وقت من الأوقات لأنه سبحانه , لعلمه بالظواهر ~~والبواطن على حد سواء , يصنع الأمور في أحكم مواضعها بما لا يدركه غيره ~~أصلا أو لا يدركه حق إدراكه فاحتيج إلى ما يؤمن من ذلك , وكان السلام حد ما ~~بين الألفة والفرقة وحد ما بين الرحمة والسطوة وهو أدنى منال الجاهل من ~~عباد الرحمن , ومنال المعتدي من المقتدر , وكان سلام المسلم للجاهل مدارة ~~لئلا يزيد في جهلة عليه , أو ارتقابا لاستقبال مكنة , وكان الله لا يعبأ ~~بالخلق ولا يحتاج لارتقاب مكنة لأنه لا يعجزه شيء فلم يتحقق السلام بكل ~~معنى من وجود السلامة له وإفاضتها على غيره تماما إلا منه إعفاء من معالجة ~~استحقاق السطوة وحفيظة لحرمة اختصاص الرحمة , أتبع ذلك مؤمنا ms5291 للعاصي من ~~المعاجلة واللمطيع من سوء المعاملة قوله : { السلام } لأنه حد ما بينهما ~~ظاهرا , ولذلك أردفه بما يتعلق بالابطن لتحصل إحاطة السلامة ظاهرا وباطنا ~~فقال : { المؤمن } لأن الأمن حد ما بين المحبة والكره فيمن لا وسيلة له ~~للحق السلامة ظاهرا وباطنا فقال : { المؤمن } لأن ممن يستحق منه الحب , ~~ولذلك لم يقبل بذلك الحق ممن كان ظاهر الوسيلة للحب - إلا بالحب فلم يثبت ~~إيمان المؤمن بمجرد الإيمان حبا له بل إيثارا لمحبته على كل حب ومساواة ~~لأخيه المؤمن فيما يحب لنفسه , وأدناه الأمنة في الغيب من الغيبة والعيب ~~إلى غاية الأمان من بوائق الغشم والظلم من الجار المستحق حفظ جاره في غيبه ~~, فالأحلال بالإيمان لكونه الأمنة في الغيب نفاق , والإخلال بالإسلام لكونه ~~السلم في المواجهة إحرام , فبأدنى إخلال في جانب الحق أو الخلق ينثلم ~~الإسلام لكونه السلم في المواجهة هو في الحقيقة من الله تعالى فهو الذي ~~يعزى إليه الأمن والأمان بإفادته أسبابه ومنع أسباب المخاوف فلا أمن في ~~الوجود ولا أمان إلا وهو مستفاد من جهته . | ولما كان الاطلاع على بين ما ~~ذكر ليتحقق معنى السلم والأمن , وعلى كل من تلك الحدود خفيا جدا يفتقر إلى ~~مزيد علم , قال : { المهيمن } فإن الهيمنة شهادة خبرة وإحاطة وإبصار لكلية ~~ظاهر الأمر وباطنه بحيث لا يخفى منه خافية هوية ولا بادية ظاهر , ولإحاطة ~~معناه لا يكاد يقع له في الخلق مسوغ إطلاق إلا مسامحة لأن الخلق لا ~~PageV07P540 يشهدون إلا الظواهر ولا يشهدون من الباطن , ولذلك انعجم معناه ~~على كثير من فصحاء العرب , فمفهوم معناه مومجب توحيده فواضح إذ لا مهيمن ~~بمعنى أنه شهيد على الوجه المشروح مع الأمانة المأمونة والحفظ والرعاية ~~فيكون قائما على كل شيء بكل ما له من رزق وعمل وأجل إلا هو , ولذلك كان ~~القرآن الذي هو صفته سبحانه وتعالى مهيمنا على جميع الكتب التي قبله مصدقا ~~لما يستحق التصديق منها مكذبا لما يستحق التكذيب , فمن كان به أمهر كان ~~بذلك أعلم . | ولما كان تمام الخبرة ملزوما لتمام القدرة , صرح ms5292 بها اللازم ~~فقال ؛ { العزيز } والعزة غلبة لا يجد معها المغلوب وجه مدافعة وجه مدافعة ~~ولا انفلات ولا إعجاز , فالعزيز الذي صعب على طالبه إدراكه مع افتقار كل ~~شيء إليه في كل لحظة , الشديد في انتقامه الذي لا معجز له في إنفاذ حكمه , ~~ولذلك ينظم كثير بآيات إمضاء الأحكام متصلا بالحكمة والعلم إنباء عن العدل ~~, قال الغزالي : وهو الذي يقل وجود مثله وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول ~~إليه . | ولما كان المغلوب على الشيء فيؤخذ من يده قد لا ينقاد باطنا فلا ~~يباشر ما غلب عليه للغالب وقد لا يكون العز ظاهرا لكل أحد , أردفه بقوله : ~~{ الجبار } وهو العظيم الذي يفوت المقاوم مناله , فهو على هذا من أسماء ~~الذات ويصلح أمور من يريد من الخلق ويقهرهم على ما يريد , فهم أحقر من أن ~~يعصوه طرفة عين بغير إرادته , والحبر : طول يلجيء الأدنى لما يريد منه ~~الأعلى وغيب من الأعلى ما يحاول مناله منه الأدنى مع الظهور التام الذي ~~تدور مادته عليه , فالجبار لا يخرج شيء من قبضته , وتقصر الأيدي عن حمى عز ~~حصرته , ولا ينال منه إلا ما نول , وهو أبعد شيء عن أوصاف الخلق لمنال ~~الذباب منهم منا شاء وعجزهم عنه , ولما فيه من الإلجاء كان هو الاسم الذي ~~يجليء النار لقصرها على مراده منها من الحسب الذي جبلها على ضده من ~~الاستزادة فلا تزال تقول ما جبلت عليه : هل من زيد , حتى يضع الجبار فيها ~~قدمه أي يهينها فإن القدم موضع الإهانة , وهذه الإهانة - هي من مبدأ ظهور ~~غلبة الرحمة للغضب , فله الملك ظهورا بالأيدي الظاهرة من الإنسان وما دونه ~~, وله الملكوت بطونا بالأيدي الباطنة من الملك وما دونه , ولو الجبروت ~~اختصاصا من وراء كل ملك وملكوت . | ولما كان الإلجاء قد يكون بنوع ملاطفة , ~~أتبعه قوله : { المتكبر } ليعم الإلجاء الظاهر والباطن فالكبرياء جملة تأدي ~~أمر الله وظاهر خلقه الذي يجيد الخلق صغرهم من دونه وكبره عليهم وامتناعه ~~عما لا يريد من مرادهم , لأن الكل حقيرون بالإضافة إلى جلاله وعز جبروته ms5293 ~~وعظمته وكماله , ولسواء الخلق في عام حضرة القدرة شملهم الصغر PageV07P541 ~~فلم يصح منهم كبر , ولا شرع لهم تكبر , فلم يكن للخلق منهم حقيقة حظ ولا ~~لبس حق , فاختص بهذا الاسم لاستيلائه على الظواهر بإظهار ما لهم من الكبر ~~لعدم الحاجة إلى شيء وبإلجاء غيره إلى الاحياج إليه والإيقاع بجبابرتهم ~~وإذلالهم وغير ذلك من الأمور المزعجة المرهبة من غير مبالاة بشيء كما اختص ~~بالجبار لاستيلائه على البواطن . | ولما تقرر بما ذكر من مظاهر عظمته ~~استيلاؤه على الظواهر والبواطن باللطف والعنف , أنتج ذلك تعاليه عن شوب نقص ~~لا سيما بالشرك فقال سبحانه : { سبحان الله } أي تنزه الملك الأعلى الذي ~~اختص بجميع صفات الكمال تنزها لا تدرك العقول منه أكثر من أنه علا عن أوصاف ~~الخلق فلا يدانيه شيء من نقص { عما يشركون * } أي من هذه المخلوقات من ~~الأصنام وغيرهما مما في الأرض أو في السماء من كبير وصغير . | وجليل وحقير ~~. | ولما تم دليل الوحدانية بما حل من التفهيم بالتدني إلى الملك ثم ~~بالتعلي إلى التكبر فأنتج هذه الخاتمة , ابتدأ سبانه دليلا آخر هو في غاية ~~التنزل والوضوح , فقال مفتتحا بما افتتح به الأول من الترتيب في المراتب ~~الثلاث , غيب الغيب ثم الغيب ثم الظهور على مراتبه , إعلاما بأنه لا براح ~~عن الإيمان بالغيب , ومن برح عنه هلك { وهو } أي الذي لا شيء يستحق أن يطلق ~~عليه هذا الضمير غيره لأن وجوده من ذاته ولا شيء غيره إلا وهو ممكن فهو أهل ~~لأن لا يكون فلا يكون له ظهور لكيون له بطون . | ولما ابتدأ بهذا الغيب ~~المحض الذي هو أظهر الأشياء , أخبر عنه بأشهر الأسماء الذي لم يقع فيه شركة ~~بوجه فقال : { الله } أي الذي ليس له سمي فلا كفوء له فهو المعهود بالحق ~~فلا شريك له بوجه . | ولما بدأ سبحانه بهذا الدليل الجامع بين الغيب الذي ~~لا خالق على الحقيقة إلا هو لأن الخلق فرض حد وقدر في مطلق منه لم يكن فيه ~~بعد حد ولا قدر كالحاذي يخلق أي يقدر في ms5294 الجلد حدا وقدرا لنعل ونحوه وهو ~~سابق للفري والبري ونحو ( سبق العلم العمل ) فالخالق في الحقيقة هو الذي كل ~~شيء عنده بمقدار , الذي يقول < # > 77 ( { يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق } ) 77 < # > [ الزمر : 6 ] { وإن الفرق والترتيب , ومن ناشئة الفرق والترتيب ~~الإحياء والإماتة , ومن معاد الفرق والإحياء والإماتة على أو لأمره الجمع ~~والرب , فلا يملك الخلق والفرق إلا من يملك الجميع والرب , وقد أوتي الحق ~~ملكة ما في الفرق والشتات , ولم يملكوا جميع ما فرقوا ولا PageV07P542 ألف ~~ما شتتوا كالقاطع عضوا لا يقدر على لأمه , والهادم بناء لا يقدر على رمه ~~على حده , والكاسر شيئا لا يقدر على وصله , فلأن الخلق لا يحيطون بتقدير ما ~~يسرعون في قدره ولا يقدرون بعد الفرق والفري على رمه ووصله كان المحيط ~~التقدير في الشيء من جميع جهاته وجملة حدوده , القادر على جمع ما فرق الذي ~~كما بدء أول خلق يعيده هو أحسن الخالقين , وتلايح تحت هذا اللبس في إطلاق ~~اسم الخالق على الخالق الحق ذي الحول والقوة والقدرة والإحاطة والأبداء ~~والإعادة , وعلى الخالق من الخلق المقدر بغير إحاطة علم ولا تأصيل حول ولا ~~قدرة , ولا إتمام إبداء لاحظ من إعادة أنه لا خالق إلا الله كما أنه لا ~~معيد لما بدأ إلا الله , وأن ليس إطلاق هذا الاسم على الخلق مبدأ فتنته ~~التي يضل بها نم يشاء ويهدي من يشاء , وتحقيق أفراد الخلق لله فيما ظهر على ~~أيدي أهل الملك والملكوت وإحاطة جبروته بما ظهر وما بطن من أعمالهم ~~وصنائعهم , هو أول مجمع من مجامع التوحيد , وهو أساس لإيمان أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم , حيث فرض عليهم في الفاتحة { إياك نعبد وإياك نستعين } فهم ~~خير أمة أخرجت للناس حيث أخلصوا الدين لله , ولموقع الشرك فيه كان القدرية ~~مجوس هذه الأمة . | ولما كان الخالق الحق هو من أتقن التقدير والبريء وإن ~~كان إغلب الخلق لقصورهم لا يفهمون منه إلا مطلق التقدير كما قال شاعرهم : | ~~ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ms5295 ثم لا يفري | أردفه تنبيها على ذلك ~~وتصريحا وتأكيدا قوله : { البارئ } أي الذي يدقق بما وقع به التقدير ويقطعه ~~ويصلحه لقبول الصورة على أتم حال , فإن كان من المحيط العلم كان تمام ~~التهيؤ للصورة على كمال المشيئة فيها , وإن كان ممن لا يحيط علما طرأ له في ~~البرء من النقص عن التمام ما لا يمكن معه حصول المقصود في الصورة , ولا ~~يكاد يقع الإحسان للخلق في مصوراتهم إلا وفاقا لا يعلمون كنهه ولا يثقون ~~بحصوله . | ولما كان من يهيئ الأمور للتصوير قد لا يتقنه قال : { المصور } ~~فإن التصوير إتمام تفصيل الخلق الظاهر وإكمال تخطيطه وإحكام أعضائه وهو حد ~~ما انتهى إليه الخلق في الظهور , وليس وراء ظهور الصور كون إلا لطائف ~~تطويرها في إسنان كمالها بعد بعثها بإحيائها بما لها من الروح المقوم لها ~~سواء كان حيوانيا أو غيره إلى غاية كما لها الذي يعطيه المصور لها إفضالا ~~ومزيجا ويظهره إبداعا , ويتضح الفرق جدا بين الأسماء الثلاثة بالبناء فإنه ~~يحتاج أولا إلى مقدر يقدر ما لا بد منه من الحجر واللبن والخشب والحديد ~~ومساحة الأرض وعدد الأبنية وطولها وعرضها , وهذا يتولاه المهندس فيرسمه وهو ~~الخلق ثم يحتاج إلى حجار ينحت الحجارة ويهيئها لتصلح لمواضعها التي تكون ~~PageV07P543 فيها من الأبواب وأوساط الجدر وأطرافها وزواياها غير ذلك , ~~وكذا الخشاب والحداد في الخشب والحديد وهو البرئ ثم يأخذ الكل البناء ~~فيضعها مواضعها إلى أن تقوم صورتها التي رسمها لمهندس أولا وقدرها , ولا ~~تقوم الصورة بالحق إلا إذا كانت محكمة بحسب الطاقة كما أن البناء يضع ~~الحجارة أولا ثم يجعل الخشب فوقها لا بالاتفاق بل بالحكمة , ولو قلب ذلك لم ~~تثبت الصورة ولم يكن لها الاسم إلا على أقل وجوه الضعف فكل من كان أحكم كان ~~تصويره أعظم , ولذلك لا مصور في الحقيقة إلا الله الخالق البارئ المصور ~~سبحانه , قال الرازي في اللوامع : والتصير موجود في كل أجزاء العالم وإن ~~صغر حتى في الذرة والنملة بل في كل عضو من أعضاء النملة , بل الكلام ms5296 يطول ~~في طبقات العين وعددها وهيئاتها وشكلها ومقاديرها وألوانها , ووجه الحكمة ~~فيها , فمن لم يعرف صورتها لم يعرف مصورها إلا بالاسم المجمل , وهكذا القول ~~في كل صورة لكل حيوان ونبات بل لكل جزء من نبات وحيوان . | ولما علم من هذا ~~أنه لا بد أن يكون المصور بالغ الحكمة , أردفه بقوله تعالى : { له } أي ~~خاصة لا لغيره { الأسماء الحسنى } اي من الحكيم وغيره ممن لا يتم التصوير ~~إلا به ولا تدركونه أنتم حق إدراكه . | ولما أخبر سبحانه أول السورة أن ~~الكائنات أوجدت تسبيحه خضوعا لعزته وحمته , ودل على ذلك بما تقدم إلى أن ~~أسمعه الآذان الواعية بالأسماء الحسنى , دل على دوام اتصافه بذلك من يحتاج ~~لما له من النقص من الخلق إلى التذكير فعبر بالمضارع فقال : { يسبح } أي ~~يكرر التنزيه الأعظم من كل شائبة نقص على سبيل التجدد والاستمرار { له } أي ~~على وجه التخصيص بما أفهمه قصر المتعدي وتعديته باللام { ما في السماوات } ~~ولما كان هذا المنزه الذي استجلى التنزيه من الأسماء الحسنى قد أشرقت ~~أنفاسه ولطفت أقطاره وأغراسه حتى صار علويا فرأى الأرض عالية كالسماء لما ~~شاركتها به في الدلالة على تمام كماله لجعلها معها لأنه لا يحتاج إلى تأكيد ~~كالشيء الواحدج بإسقاط ( ما ) وألصقها بها إلاحة إلى ذلك فقال : { والأرض } ~~فمن تأمل الوجود مجملا ومفصلا , علم تسبيح ذلك كله بنعوت الكمال وأوصاف ~~الجلال والجمال { وهو } اي والحال أنه وحده { العزيز } أي الذي يغلب كل شيء ~~ولا يغلبه شيء ولا يوجد له مثل , ويعز الوصول إليه ويشتد الحاجة إليه . | ~~ولما كان من يكون بهذه الصفة لا يتم أمره وثبت كل ما يريده إلا إن كان على ~~قانون الحكمة قال : { الحكيم * } من الحكمة وهي إتقان الحكم وإنهاؤها إلى ~~جد لا يمكن نقضهن والحكم قال الحرالي : المنع عما يترامى إليه المحكوم ~~إيالة عليه وحمله PageV07P544 على ما يمتنع منه نظرا له , ففي ظاهره الجهد ~~وفي باطنه الرفق , وفي عاجله الكره , وفي آجله الرضى والروح , فموقعه في ~~الأبدان المداواة ( تداووا عباد الله فإن الذي ms5297 أنزل الداء أنزل الدواء ) , ~~وموقعه ف الأديان التزام الأحكام والصبر والمصابرة على مجاهدة الأعمال ~~وجهاد الأعداء ظاهرا من عدو الدين والبغي وباطنا من عدو النفس ( أعدى عدوك ~~نفسك التي بين جنبيك ) ومن بعض الأهل والولد عدو , والشيطانعدو يجري من ابن ~~آدم مجرى الدم < # > 77 ( { أن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } ) 77 < # > [ فاطر : 6 ] فالحمل على جميع أنواع الصبر والمصابرة ظاهرا بالإيالة ~~العالية هو الحكم والعلم بالأمر الذي لأجله وجب الحكم من قوام أمر عاجلته ~~وحسن العقبى في آجلته من الحكمة , فالحكم مباح التعليم للناس عامة بل واجب ~~أن يتعلم كل امرئ من الأحكام ما يخصه , وأن ينتدب طائفة لعلم ما يعم جميع ~~الناس < # > 77 ( { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين } ) 77 < # > { التوبة : 122 ] والحكمة التي هي العلم بما لأجله وجب الحكم من مشروطه ~~التعليم بالتزكية < # > 77 ( { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } ) 77 < # > [ الجمعة : 2 ] فما يعلمهم الحكمة إلا بعد التزكية فمن تزكى فهو من ~~أهلها ومن يترك فليس من أهلها , فالحكمة تحلي مرارة جهد العمل بالأحكام ~~فييسر بها ما يعسر دونها , والحكم ضيق الأمر للنفس كما أن السجن ضيق الخلق ~~للبدن , والحكمة تود محمل ضيق الحكم لأنها تخرج وتؤول إلى سعة الواسع , ولا ~~يتم الحكم وتستوي الحكمة غلا بحسب سعة العلم . | ولما لم يكن للخلق من ~~العلم إلا بقدر ما يهبهم الله لم يكن لهم من الحكمة إلا مقدار ما يورثهم < # > 77 ( { ولقد آتينا لقمان الحكمة } ) 77 < # > [ لقمان : 12 ] ولما كان إنما العلم عند الله كان إنما الحكمة حكمة ~~الله وإنما الحكم حكم الله , فهو الحكيم الذي لا حكيم إلا هو - انتهى . | ~~وقد علم سر اتبع الأسماء الشريفة من غير عطف , وذاك أنه لما ابتدأ ب ( هو ) ~~وأخبر عنه بالاسم العلم الأعظم المفرد المصون الجامع لجميع معاني الأسماء ~~الحسنى , أتبعه تلك الأوصاف العلى من غير عطف إعلاما بأنه لا شيء ms5298 منها يؤدي ~~جميع معناه بالمفهوم المتعارف عند أهل اللغة , ولذلك جمع بعدها الأسماء ~~إشارة إلى أنه لا يجمع معناه إلا جميع الأوصاف المنزلة في كتبه والمأخذوة ~~عن أوليائه التي استأثر بها في غيبه وليس شيء مما ذكر ههنا مضادا في المعنى ~~الظاهري للآخر كالأول والآخر حتى يظن لأجله PageV07P545 نقص في المعنى بسبب ~~ترك العطف , وأما ترتيبها هكذا فلأن كل اسم منها كما مضى شارح لما خفي من ~~الذي قبله ومبين للازمه , وموضع لما ألاح أنه من مضمونه , وقد انعطف على ~~افتتاحها وختامها وعانق ابتداؤها تمامها , ووفى مطلعها مقطعها , وزاد وبلغ ~~الغاية من الإرشاد إلى سبيل الرشاد , فسبحان من أنزله برحمته رحمة للعباد , ~~وهاديا إلى الصواب والسداد . | . . . | PageV07P546 < # > سورة الممتحنة < # > | مقصودها براءة من أقر بالإيمان ممن اتسم بالعدوان دلالة على صحة ~~مدعاه كما أن الكفار تبرؤوا من المؤمنين وكذبوا بما جاءهم من الحق لئلا ~~يكونوا على باطلهم أحرص من المؤمنين على حقهم ، وتسميتها بالممتحنة أوضح ~~شيء فيها وأدله على ذلك لأن الصهر أعظم الوصل وأشرفها بعد الدين ، فإذا نفى ~~ومنع دل على أعظم المقاطعة لدلالته على الامتهان بسبب الكفران الذي هو أقبح ~~العصيان { بسم الله } الكافي من لجأ إليه فمن تولاه أغناه عمن سواه { ~~الرحمن } الذي عم بنعمة الإيجاد من فلق عن وجوده العدم وبراه وشمل ، برحمته ~~البيان من حاطه بالعقل ورعاه { الرحيم } الذي خص بالتوفيق من أحبه وارتضاه ~~. < < # | الممتحنة : ( 1 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء تلقون إليهم ~~بالمودة وقد كفروا بما جآءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ~~ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغآء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة ~~وأنا أعلم بمآ أخفيتم ومآ أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سوآء السبيل ) ^ } ~~) | ولما كان التأديب عقب الإنعام جديرا بالقبول , وكان قد أجرى سبحانه ~~سنته الإلهية بذلك , فأدب عباده المؤمنين عقب سورة الفتح السببي بسرة ~~الحجرات , وكانت سورة الحشر مذكرة بالنعمة في فتح بني النضير ومعلمة بأنه ~~لا ولي إلا الله , ولذلك ختمها ms5299 بصفتي العزة والحكمة بعد أن افتتحها بهما , ~~وثبت أن من حكمة حشر الخلق , وأن أولياء الله هم المفلحون , وأن أعادءه هم ~~الخاسرون , وكان الحب في الله والبغض في الله أفضل الأعمال وأوثق عرى ~~الإيمان , ولذلك ذم سبحانه من والى أعداءه وناصرهم , وسماهم مع التكلم ~~بكلمة الإسلام منافقين , أنتج ذلك قطعا وجوب البراءة من أعدائه والإقبال ~~على خدمته وولائه , فقال معيدا للتأديب عقب سورة الفتح على أهل PageV07P547 ~~الكتاب بسورة جامعة تتعلق بالفتح الأعظم والفتح السببي : { يا أيها الذين ~~آمنوا } مناديا بأداة العبد وإن كان من نزلت بسببه من أهل القرب , ومعبرا ~~بالماضي إقامة لمن والى الكفار نوع موالاة في ذلك المحل إلهابا له وتهييجا ~~إلى الترفع عنه لئلا يقدح في خصوصيته ويحط من علي رتبته مع اللطف به ~~بالتمسية له بالإيمان حيث شهد سبحانه على من فعل نحو فعله مع بني النضير ~~بالنفاق وأحله محل أهل الشقاق , فحكم على القلوب في الموضعين فقال هناك : { ~~الذين نافقوا } كما قال هنا : { الذين آمنوا } . | ولما كان قد تقدم في ~~المجادلة النهي الشديد عن إظهار مطلق الموادة للكفار , وفي الحشر الزجر ~~العظيم عن إبطان ذلك فتكفلت السورتان بالمنع من مصاحبة ودهم ظاهرا أو باطنا ~~, بكت هنا من اتصف بالإيمان وقرعه ووبخه على السعي في موادتهم والتكلف ~~لتحصيلها , فإن ذلك قادح في اعتقاد تفرده سبحانه بالعزة والحكمة , فعبر ~~لذلك بصيغة الافتعال فقال بعد التبكيت بالنداء بأداة البعد والتعبير بأدنى ~~أسنان الإيمان : { لا تتخذوا } وزاد في ذلك المعنى من وجهين : التعبير بما ~~منه العداوة تجرئة عليهم وتنفيرا منهم والتوحيد لما يطلق على الجمع لئلا ~~يظن أن المنهي عنه المجموع بقيد الاجتماع والإشارة إلى أنهم في العداوة على ~~قلب واحد , فأهل الحق أولى بأن يكونوا كذلك في الولاية فقال : { عدوي } أي ~~وأنتم تدعون موالاتي ومن المشهور أن مصادق العدو أدنى مصادقة لا يكون وليا ~~فيكف بما هو فوق الأدنى وهو فعول من عدى , وأبلغ في الإيقاظ بقوله : { ~~وعدوكم } أي العريق في عداوتكم ما دمتم على مخالفته في الدين ms5300 . | ولما وحد ~~لأجل ما تقدم من الإشارة إلى اتحاد الكلمة , بين أن المراد الجمع فقال : { ~~أولياء } ثم استأنف بيان هذا الاتحاد بقوله مشيرا إلى غاية الإسراع ~~والمبادرة إلى ذلك بالتعبير بقوله : { تلقون } أي جميع ما هو في حوزتكم مما ~~لا تطمعون فيه إلقاء الشيء الثقيل من علو { إليهم } على بعدهم منكم حسا ~~ومعنى { بالمودة } أي بسببها . | ولما توقع السامع التصريح بمضادتهم في ~~الوصف الذي ناداهم به بعد التلويح إليه , ملهيا ومهيجا إلى عداوتهم ~~بالتذكير بمخالفهم إياه في الإعتقاد المستلزم لاستصغارهم لأنه أشد المخالفة ~~{ وقد } أي هو الحال أنهم قد { كفروا } أي غطوا جميع ما لكم من الأدلة { ~~بما } أي بسبب ما { جاءكم من الحق } أي الأمر الثابت الكامل في الثبات الذي ~~لا شيء أعظم ثباتا منه , ثم استأنف بين كفرهم بما يبعد من مطلق موادتهم ~~فضلا عن السعي فيها بقوله مذكرا لهم بالحال الماضية زيادة في التنفير منهم ~~ومصورا لها بما يدل على الإصرار بأنهم { يخرجون الرسول } أي الكامل في ~~الرسلية الذي يجب على كل PageV07P548 أحد عداوة من عاداه أدنى عداوة ولو ~~كان أقرب الناس فكيف إذا كان عدوا , وبين أن المخاطب من أول السورة من ~~المهاجرين وأن إيراده على وجه الجمع للسير والتعميم في النهي بقوله : { ~~وإياكم } أي من دياركم من مكة المشرفة . | ولما بين كفرهم , معبرا بالمضارع ~~إشارة إلى دوام أذاهم لمن آمن المقتضي لخروجه عن وطنه , علل الإخراج بما ~~يحقق معنى الكفر والجداوة فقال : { أن } أي أخرجوكم من أوطانكم لأجل أن { ~~تؤمنوا } أي توقعوا حقيقة الإيمان مع التجديد والاستمرار . | ولما كان ~~الإيمان به سبحانه مستحقا من وجهي الذات والوصف لفت الخطاب من التكلم إلى ~~الغيبة للتنبيه عليهما فقال : { بالله } أي الذي اختص بجميع صفات الكمال , ~~ولما عبر بما أبان أنه مستحق للإيمان لذاته أردفه بما يقتضي وجبو ذلك ~~لإحسانه فقال : { ربكم } ولما ألهبهم على مباينتهم لهم بما فعلوا معهم ~~وانقضى ما أريد من التنبيه بسياق الغيبة عاد إلى التكلم لأنه أشد تحببا ~~وأعظم استعطافا وأكمل على الرضا ms5301 فألهبهم بما كان من جانبهم من ذلك الفعل أن ~~لا يضيعوه , فقال معلما إن ولايته سبحانه لاتصح إلا بالإيمان , ولا يثبت ~~الإيمان إلا بدلائله من الأعمال , ولا تصح الأعمال إلا بالإخلاص , ولا يكون ~~الإخلاص إلا بمابينه الأعداء : { إن كنتم } أي كونا راسخا حين أخرجوكم من ~~أوطانكم لأجل إيمانكم بي { خرجتم } أي منها وهي أحب البلاد إليكم { جهادا } ~~أي لأجل الجهاد { في سبيلي } أي بسبب إرادتكم تسهيل طريقي التي شرعتها ~~لعبادي أن يسلكوها { وابتغاء مرضاتي } أي ولأجل تطلبكم بأعظم الرغبة لرضاي ~~ولكل فعل يكون موضعا له , وجواب هذا الشرط محذوف لدلالة { لا تتخذوا } عليه ~~. | ولما فرغ من بيان حال العدو وشرط إخلاص الولي , وكان التقدير : فلا ~~تتخذوهم أولياء , بنى عليه قوله مبينا { تلقون } إعلاما بأن الإسرار إلى ~~أحد بما فيه نفعه لا يكون إلا توددا : { تسرون } أي توجدون إسرار جميع ما ~~يدل على مناصحتهم والتودد إليهم , وأشار إلى بعدهم عنهم بقوله : { إليهم } ~~إبلاغا في التوبيخ بالإشارة إلى أنهم يتجشمون في ذلك مستفتين إبلاغ الأخبار ~~التي يريد النبي صلى الله عليه وسلم وهو المؤيد بالوحي كتمها عنهم على وجه ~~الإسرار خوف الافتضاح والإبلاغ إلى المكان البعيد { بالمودة } أي بسببها أو ~~بسبب الإعلام بأخبار يراد بها أو يلزم منها المودة . | ولما كان المراد ~~بالإسرار الستر على من يكره ذلك , قال مبكتا لمن يفعله : { وأنا } أي ~~والحال أني { أعلم } أي من كل أحد من نفس الفاعل { بما أخفيتم } أي من ذلك ~~{ وما أعلنتم } فأي فائدة لإسراركم إن كنتم تعلمون أني عالم به , وإن كنتم ~~تتوهمون أني لا أعلمه فهي القاصمة . | PageV07P549 ولما كان التقدير بما ~~هدى إليه العاطف : فمن فعل منكم فقد ظن أني لا أعلم الغيب أو فعل ما يقتضي ~~ظن ذلك , عطف عليه قوله : { ومن يفعله } أي يوجد الاتخاذ سرا أو علنا أو ~~يوجد الإسرار بالمودة فالإعلان أولى في وقت من الأوقات ماض أو حال أو ~~استقبال . | ولما كان المحب قد يفعل بسبب الإدلال ما يستحق به التبكيت , ~~فإذا بكت ظن أن ذلك ms5302 ليس على حقيقته لأن محبته لا يضرها شيء , وكان قد ستر ~~المعايب بأن أخرج الكلام مخرج العموم , صرح بأن هذا العتاب مراد به الإحباب ~~فقال : { منكم } وحقق الأمر وقربه بقوله : { فقد ضل } أي عمي ومال وأخطأ { ~~سواء السبيل * } أي قويم الطريق الواسع الموسع إلى القصد قويمه وعدله , ~~وسبب نزول هذه الآية روي من وجوه كثيرة فبعضه في الصحيح عن علي ومنه في ~~الطبراني عن أنس ومنه في التفاسير ( أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن ~~هاشم بن عبد مناف أتت المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح ~~مكة فسألها ما أقدمها , فقالت : ذهب موالي وقد احتجت حاجة شديدة , وكنتم ~~الأهل والعشيرة والموالي , فحث رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد ~~المطلب وبني المطلب فأعطوها وكسوها وحمولها , فكتب معها حاطب بن أبي بلتعة ~~حليف بني أسد بن عبد العزى من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم , فأعطاها عشرة دنانير , فنزل جبريل ~~عليه السلام بالخبر فبعث رسول الله الله صلى الله عليه عمر وعليا وعمارا ~~والزبير وطلحة والمقداد وأبا مرثد وكانوا كلهم فرسانا فقال : ) انطلقوا حتى ~~تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب من حاط إلى المشركين , فخذوه منها ~~وخلوا سبيلها , وإن لم تدفعه غليكم فاضربوا عنقها ( فانطلقوا تعادي بهم ~~خيلهم , فأدركوها في ذلك المكان فأنكرت وحلفت بالله , ففتشوها فلم يجدوه ~~فهموا بالرجوع , فقال علي رضي الله عنه : ما كذبنا ولا كذبنا , وسل سيفه ~~فقال : أخرجي الكتاب أو لألقين الثياب ولأضربن عنقك , فقالت : على أن لا ~~تردوني , ثم أخرجته من عقاصها قد لفت عليه شعرها , فخلوا سبيلها , فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاطب : ) ل تعرف الكتاب ( , قال : نعم , قال ~~: ) فما حملك على هذا ( ؟ قال : لا تعجل يا رسول الله , والله ما كفر منذ ~~أسلمت ولا غششت منذ نصحتك ولا احببتهم منذ فارقتهم , ولكن لم يكن أحد من ~~المهاجرين إلا وله بمكة من يدفع الله ms5303 به عن عشيرته , وكنت غريبا خليفا فيهم ~~, وكان أهلي بين ظهرانيهم فأردت أن أتخذ عندهم يدا يدفع الله بها عن أهلي , ~~وقد علمت أن الله تعالى ينزل بهم بأسه , وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا , ~~فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) صدق ولا تقولوا له إلا خيرا ( , ~~فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق ~~, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع ~~على أهل بدر PageV07P550 فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ( , ففاضت ~~عينا عمر رضي الله عنه وقال : الله ورسوله أعلم , فأنزل الله { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم } الآيات . | ولاق الإماما أبو جعفر بن ~~الزبير : افتتحت - يعني هذه السورة - بوصية المؤمنين على ترك موالاة ~~أعدائهم ونهيهم عن ذلك وأمرهم بالتبرؤ منهم , وهو المعنى الوارد في قوله ~~خاتمة المجادلة { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله له ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم } إلى آخر السورة , وقد حصل منها أن ~~أسنى أحوال أهل الإيمان وأعلى مناصبهم ^ ( { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ~~وإيدهم بروح منه } ) ^ [ المجادلة : 22 ] فوصى عباده في افتتحا الممتحنة ~~بالتنزه عن موالاة الأعداء ووعظهم بقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام والذين ~~معه في تبرئهم من قومهم ومعاداتهم , والاتصال في هذا بين , وكأن سورة الحشر ~~وردت مورد الاعتراض المقصود بها تمهيد الكلام وتنبيه السامع على ما به تمام ~~الفائدة لما ذكر أن شأن المؤمنين أنهم لا يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا أقرب الناس إليهم , اعترض بتنزيهه عن مرتكباتهم , ثم أتبع ذلك ما ~~عجله لهم من النقمة والنكال , ثم عاد الأمر إلى النهي عن موالاة الأعداء ~~جملة له , ثم لما كان أو لسورة الممتحنة إنما نزل في حاطب بن أبي بلتعة رضي ~~الله عنه وكتابه لكفار قريش بمكة , والقصة مشهورة وكفار مكة ليسوا من يهود ~~, وطلبوا المعادة للجميع واحد , فلهذا فضل بما هو من تمام الإخبار بحال ms5304 ~~يهود , وحينئذ عاد الكلام إلى الوصية عن نظائرهم من الكفار المعاندين , ~~والتحمد السور الثلاث وكثر في سورة الممتحنة تزداد الوصايا والعهود , وطلب ~~بذلك كله ولهذا المناسبة ذكر فيها الحكم في بيعة النساء وما يشترط عليهن في ~~ذلك , فمبنى السورة على طلب الوفاء افتتاحا واختتاما حسب ما بين في التفسير ~~لينزه المؤمن عن حال من قدم ذكره في سورة الحشر وفي خاتمة سورة المجادلة - ~~انتهى . | < < # | الممتحنة : ( 2 - 3 ) إن يثقفوكم يكونوا . . . . . # > > ^ ( إن يثقفوكم يكونوا لكم أعدآء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم ~~بالسوء وودوا لو تكفرون * لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة يفصل ~~بينكم والله بما تعملون بصير ) ^ } ) | ولما كان ما بينه تعالى من أخراجهم ~~لهم موضحا بعداوتهم وكان طول كفهم عن قصدهم بالأذى من سنة الأحزاب سنة خمس ~~إلى سنة ثمان ربما شكك في أمرها , وكان PageV07P551 سبحانه قد أعز المؤمنين ~~بعد ذلهم وقواهم بعد وهنهم وضعفهم , وثقفهم بعد جهلهم , بين ظلال معتقد ذلك ~~بأن كف الكفار إنما هو لعجزهم وأنهم لو حصل لهم ما هو للمسلمين الآن من ~~القوة لبادروا إلى إظهار العداوة مع أن ذلك في نصر الشيطان , فأولياء ~~الرحمن الوى باتباع ما آتاهم من الإيمان , فقال مبينا لبقاء عداوتهم : { إن ~~يثقفوكم } أي يجدوكم في وقت من الأوقات ومكان من الأماكن وهم يطمعون في ~~أخذكم بكونهم أقوى منكم أو أعرف بشيء مما تيوصل به إلى الغلبة , وأشار ~~بأداة الشك إلى أن وجدانهم وهم على صفة الثقافة مما لا تحقق له , وإنما هو ~~على سبيل الفرض والتقدير , وأنه إنما علم سبحانه أنه لو كان كيف كان يكون , ~~مع أنه مما لا يكون , ونبه على عراقتهم في العداوة بالتعبير بالكون فقال : ~~{ يكونوا لكم } أي خاصة { أعداء } أي يعدون إلى أذاكم كل عدو يمكنهم وإن ~~واددتموهم . | ولما كانت العداوة قد تكون بإغراء الغير , عرف أنهم لشدة ~~غيظهم لا يقتصرون على ذلك فقال : { ويبسطوا إليكم } أي خاصة وإن كان هناك ~~في ذلك الوقت من غيركم من قتل أعز الناس إليهم { أيديهم } أي بالضرب إن ms5305 ~~استطاعوا { وألسنتهم } أي بالشتم مضمومة إلى فعل أيديهم فعل من ضاق صدره ~~بما نجرع من آخر من غيركم من القصص حتى أوجب له غاية السعة { بالسوء } أي ~~بكل ما من شأنه أن يسوء . | ولما كان أعدى الأعداء لك من تمنى أن يفوتك أعز ~~الأشياء لديك , وكان أعز الأشياء عند كل أحد دينه , قال متمما للبيان : { ~~وودوا } أي وقعت منهم هذه الودادة قبل هذا لأن مصيبة الدين أعظم فهم إليها ~~أسرع لأن دأب العدو القصد إلى أعظم ضرر يراه لعدوه , وعبر بما يفهم التمني ~~الذي يكون في المحالات ليكون المعتى أنهم أحبوا ذلك غاية الحب وتمنوه , ~~وفيه بشرى بأنه من قبيل المحال { لو تكفرون * } أي يقع منكم الكفر الموجب ~~للهلاك الدائم , وقدم الأول لأنه أبين في العداوة وإن كان الثاني أنكا . | ~~ولما كانت عداوتهم معروفة وإنما غطاها محبة القرابات لأن الحب للشيء يعمي ~~ويصم , فخطأ رأيهم في موالاتهم بما أعلمهم به من حالاتهم , زهد فيها مما ~~يرجع إلى حال من والوهم لأجلهم بما تورثه من الشقاء الدائم يوم البعث , ~~فقال مستأنفا إعلاما بأنها خطأ على كل حال : { لن تنفعكم } أي بوجه من ~~الوجوه { أرحامكم } أي قراباتكم الحاملة لكم على رحمتهم والعطف عليهم { ولا ~~أولادكم } الذي هم أخص أرحامكم إن واليتم أعداء الله لأجلهم فينبغي أن لا ~~تعدوا قربهم منكم بوجه أصلا , ثم علل ذلك بينه بقوله : { يوم القيامة } أي ~~القيام الأعظم . | ولما كان النافي وقوع الفصل لا كونه من فصال معين قال ~~بانيا للمفعول PageV07P552 على قراءة أبي عمرو ونافع وابن كثير وأبي جعفر ~~وابن عامر من أكثر طرقه إلا أن شدد الصاد للمبالغة في الفصل : { يفصل } أي ~~يوقع الفصل وهو الفرقة العظيمة بانقطاع جميع الأسباب { بينكم } أي أيها ~~الناس فيدخل من شاء من أهل طاعته الجنة , ومن شاء من أهل معصيته النار , ~~فلا ينفع أحد أحدا منكم بشيء من الأشياء إلا إن كان قد أتى الله بقلب سليم ~~فيأذن الله في إكرامه بذلك . | ولما كان التقدير إعلاما بأن الله هو الفاصل ms5306 ~~وهو الضار النافع بما دلت عليه قراءة الباقين إلا أن حمزة والكسائي بضم ~~الياء وفتح الفاء وكسر الصاد مشددة إشارة إلى عظمة هذا الفصل بخروجه عن ~~المألوف عودا إلى الاسم الأعظم إشارة إلى عظم الأمر بانتشار الخلائق ~~وأعمالهم : فالله على ذلك قدير , عطف عليه قوله : { والله } أي الذي له ~~الإحاطة التامة { بما تعملون } أي من كل عمل في كل وقت { بصير * } فيجازيكم ~~عليه في الدنيا والآخرة , وقد مضى غيره مرة أن تقديم الجار في مثل هذا ~~للتنبه على مزيد الاعتناء بعلم ذلك لا على الاختصاص ولا لأجل الفواصل . | < ~~< # | الممتحنة : ( 4 - 5 ) قد كانت لكم . . . . . # > > ^ ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم ~~إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم ~~العداوة والبغضآء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبراهيم لأبيه ~~لأستغفرن لك ومآ أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا ~~وإليك المصير * ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنآ إنك أنت ~~العزيز الحكيم ) ^ } ) | ولما أبلغ سبحانه في وعظهم في ذلك , وكانت عادته ~~التربية بالماضين , كان موضع توقع ذلك فقال معبرا بأداة التوقع : { قد كانت ~~} أي وجدت وجودا تاما , وكان تأنيث الفعل إشارة إلى الرضا بها ولو كانت على ~~أدنى الوجوه { لكم } أي أيها المؤمنون { أسوة } أي موضع اقتداء وتأسية ~~وتسنن وتشرع وطريقة مرضية { حسنة } يرغب فيها { في إبراهيم } أي في قول أبي ~~الأنبياء { والذين معه } أي ممن كانوا قبله من الأنبياء , قال القشيري : ~~وممن آمن به في زمانه كابن أخيه لوط عليهما الصلاة والسلام وهم قدوة أهل ~~الجهاد والهجرة { إذ } أي حين { قالوا } وقد كان من آمن به أقل منكم وأضعف ~~{ لقومهم } الكفرة , وقد كانوا أكثر من عدوكم واقوى وكلان لهم فيهم أرحام ~~وقرابات ولهم فيهم رجاء بالقيام والمحاولات . | ولما كان ما ذكر من ضعفهم ~~وقوة قومهم مبعدا لأن يبارزوهم , أكدوا قولهم فقالوا : { إنا } أي من غير ~~وقفة ولا شك { برءاء } أي متبرئون تبرئة ms5307 عظيمة { منكم } PageV07P553 وإن ~~كنتم أقرب الناس إلينا ولا ناصر لنا منهم غيركم . | ولما تبرؤوا منهم ~~أتبعوه ما هو أعظم عندهم منهم وهو سبب العداوة فقالوا : { ومما تعبدون } أي ~~توجدون عبادته في وقت من الأوقات الماضية المفيد التعبير عنها بالمضارع ~~تصوير الحال أو الحاضرة أو الآتية كائنا من كان لا نخاف شيئا نم ذلك لأن ~~إلهنا الذي قاطعنا كل شيء في الانقطاع إليه لا يقاويه شيء , ولا تقدرون ~~أنتم مع إشراككم به على البراءة منه . | ولما كانوا مشركين قالوا مستثنين ~~ومبينين لسفول كل شيء عن متعالي مرتبة معبودهم : { من دون الله } أي الملك ~~الأعظم الذي هو كاف لكل مسلم . | ولما كانت البراءة على أنحاء كثيرة , ~~بينوا أنها براءة ا لدين الجامعة لكل براءة فقالوا : { كفرنا بكم } أي ~~أوجدنا الستر لكل ما ينبغي ستره حال كوننا مكذبين بكل ما يكون من جهتكم من ~~دين وغيره الذي يلزم منه الإيمان , وهو إيقاع الأمان من التكذيب لمن يخبرنا ~~بسبب كل ما يضاده مصدقين بذلك . | ولما كان المؤمن على جبلة مضادة لجبلة ~~الكافر , عبر بما يفهم أن العداوة كانت موجودة ولكنها كانت مستورة , فقال ~~دالا على قوتها بتذكير الفعل : { وبدا } أي ظهر ظهورا عظما , وعلى عظمتها ~~بالدلالة بنزع الخافض على أنها شاحنة لجميع البينين فقال : { بيننا وبينكم ~~} أي في جمع الحد الفاصل بين كل واحد منا وكل واحد منكم { العداوة } وهي ~~المباينة في الأفعال بأن يعدو كل على الآخر ولا يكون ذلك إلا عندما يتسخف ~~الغيظ الإنسان لإرادة أن يشفي صدره من شدة ما حصل له من حرارة الخنق . | ~~فالعداوة مما يمتد فيكون مالئة لظرفها , قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في ~~تلوحيه على توضيح صدر الشريعة في أوائله في علاقات المجاز : الفعل المنسوب ~~إلى ظرف الزمان بواسطة تقدير ( في ) دون ذكره يقتضي كون الظرف معيارا له ~~غير زائد عليه مثل صمت الشهر , يدل على صوم جميع أيامه بخلاف صمت في الشهر ~~, فإذا امتد الفعل الظرف ليكون معيارا له فيصح حمل اليوم - في نحو صرت يوم ms5308 ~~كذا - على حقيقته , وهو ما يمتد من الطلوع إلى الغروب , وإذا لم يمتد الفعل ~~- يعني مثل حمل اليوم على النهار الممتد بل يجب أن يكون مجازا عن جزء من ~~الزمان الذي لا يعتبر في الغرف ممتدا , وهو الآن سواء كان من النهار أو من ~~الليل بدليل قوله تعالى : < # > 77 ( { ومن يولهم يومئذ دبره } ) 77 < # > [ الأنفال : 16 ] فإن التولي عن الزحف حرام ليلا كان أو نهارا ولأن ~~مطلق الآن جزء من الآن اليومي وهو جزء من اليوم , فيكون مطلق الآن جزءا من ~~اليوم , فتحقق العلاقة . | ولما كان ذلك قد يكون لغير الغض بل لتأديب ونحوه ~~قالوا : { والغضاء } أي PageV07P554 وهي المباينة بالقلوب بالبغض العظيم . ~~| ولما كان ذلك قد يكون سريع الزوال قالوا : { أبدا } ولما كان ذلك مرئيا ~~من صلاح الحال , وكان قد يكون لحظ نفس بينوا غايته على وجه عرفت به علته ~~بقولهم : { حتى تؤمنوا } أي توقعوا الأمان من التكذيب من أمركم بالإيمان ~~وأخبركم عن الرحمن , حال كونكم مصدقين ومعترفين { بالله } أي الملك الذي له ~~الكمال كله . | ولما كانوا يؤمنون به مع الإشراك قالوا : { وحده } أي ~~تكونوا مكذبين بكل ما يعبد من دونه . | ولما حث سبحانه المخاطبين على ~~التأسي بقوله إبراهيم ومن معه في الوقت عليهم السلام استثنى منه فقال ~~تأنيسا لمن نزلت القصة بسببه واستعطافا له وهو حاطب ابن أبي بلتعة رضي الله ~~عنه : { إلا قول إبراهيم } أي فلا تأسي لكم به { لأبيه } واعدا له قبل أن ~~يبين له أنه ثابت العداوة لله تعالى لكونه مطبوعا على قلبه , فلا صلاح له , ~~يقال : إن أباه وعده أنه يؤمن فاستغفر له , فلما تبين له , أنه لا يؤمن ~~تبرأ منه : { لأستغفرن } أي لأوجدن طلب الغفران من الله { لك } فإن هذا ~~الاستغفار لكافر , فلا ينبغي لهم أن يتأسوا به فيه مطلقا غير ناظرين إلى ~~علم أنه مطبوع على قلبه أو في حيز الرجوع . | ولما وعده بالاستفغار ترغيبا ~~له , رهبه لئلا يترك السعي في النجاة بما معناه أنه ليس في يدي غير ~~الاستغفار , فقال : { وما أملك ms5309 لك } أي لكونك كافرا { من الله } أي لأنه ~~الملك الأعلى المحيط بنعوت الجلال , وأعرق في النفي بقوله : { من شيء } ~~والاستثناء وقع على هذا القول بقيد الاجتماع , ولا يلزم منه التعرض للأجزاء ~~, فلا تكون هذه الجملة على حيالها مستثناة لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما نادى : ( واصباحاه ) حين أنزل الله سبحانه وتعالى { وأنذر عشيرتك ~~الأقربين } كان يقول لكل من سماه : ( لا أملك لك من الله شيئا ) حتى قال في ~~آخر ذلك : ( يا فاطمة بنت محمد ! سليني من مالي ما شئت لا أغن عنك من الله ~~شيئا ) . | ولما حثهم على التأسي بقول الخلص , وقدم منه المحافاة لأنها ~~المقصودة , واستثنى ما لا ينبغي التأسي فيه اعتراضا به بين أجزاء مقالهم ~~بيانا للاهتمام به للتنفير منه من قوله , أتم ما يؤيسي فيه فقال مبينا أنهم ~~ما أقدموا على مجافاتهم بما قال إلا وقد قرروا جميع ما يقولونه ورضوا به ~~دون موادتهم وانقطعوا إلى الله وحده انقطاعا تاما يفعل بهم ما يشاء من ~~تسليطهم عليهم أو حمايتهم منهم , لكنهم سألوا الحماية لا لذاتها ولا ~~لأنفسهم بل لئلا يزيد ذلك أعداءهم ضلالا { ربنا } أي أيها المحسن إلينا ~~بتخليصك لنا PageV07P555 من الهلاك باتباعهم { عليك } أي لا على غيرك { ~~توكلنا } أي فعلنا في جميع أمورنا معك فعل من يحملها على قوى ليكفيه أمرها ~~لأنا نعلم أنك تكفي إذا شئت كل ملم , وأنه لا يذل من واليت ولا يعز من ~~عاديت وقد عادينا فيك قوما عتاة أقوياء ونحن ضعفاء , ورضينا بكل ما يحصل ~~لنا منهم غير أن عافيتك هي أوسع لنا . | ولما كان الذي ينبغي لكل أحد وإن ~~كان محسنا أن يعد نفسه مقصرا شاردا عن ربه لأنه لعظم جلاله لا يقدر أحد أن ~~يقدره حق قدره , وأن يعزم على الاجتهاد في العباة قالوا مخبرين بذلك عادين ~~ذلك العزم رجوعا : { وإليك } أي وحدك لا إلى غيرك { أنبنا } أي رجعنا بجميع ~~ظواهرنا وبواطننا . | ولما كان المعنى تعليلا : فإنه منك المبدأ , عطف عليه ~~قوله : { وإليك } أي وحدك { المصير * } ولما أخبروا ms5310 بإسلامهم له سبحانه ~~وعللوه بما اقتضى الإحاطة فاقتضى مجموع ذلك الثناء الأتم , فلزم منه الطلب ~~, صرحوا به فقالوا داعين بإسقاط الأدة للدلالة على غاية قربه سبحانه بما له ~~من الإحاطة : { ربنا } أي أيها المربي لنا والمحسن إلينا { لا تجعلنا } ~~بإضعافنا والتسليط علينا { فتنة } أي موضع اختبار { للذين كفروا } بأن ~~يعذبونا بعذاب يميلنا عما نحن عليه ويميلهم عما وصلوا إليه بسبب إسلامنا من ~~الزلازل بما يوجب ذلك لهم من اعتقاد لو أنك كنت راضيا بديننا لكنا على الحق ~~وكانوا هم على الباطل ما أمكنت منا , فيزيدهم ذلك طغيانا ظنا منهم أنهم على ~~الحق وأنا على الباطل . | ولما كان رأس مال المسلم الأعظم الاعتراف ~~بالتقصير وإن بلغ النهاية في المجاهدة فإن الإله في غاية العظمة والبعد في ~~نهاية الضعف , فبلوغه ما يحق له سبحانه لا يمكن بوجه قالوا { واغفر لنا } ~~أي استر ما عجزنا فيه وامح عينه وأثره . | ولما طلبوا منه الحياطة من جميع ~~الجوانب , عللوه زيادة في التضرع والخضوع واستجاز المطلوب مكررين صفة ~~الإحسان زيادة في الترقق والاستعطاف بقولهم : { ربنا } أي المحسن إلينا , ~~وأكدوا إعلاما بشدة رغبتهم بحسن الثناء عليه سبحانه واعترافا بأنهم قد ~~يفعلون ما فيه شيء نم تقصير فيكون من مثل أفعال من لا يعرفه سبحانه فقالوا ~~: { إنك أنت } أي وحدك لا غيرك { العزيز } الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء ~~{ الحكيم * } الذي يضع الأشياء في أوفق محالها فلا يستطاع نقضها , ومن كان ~~كذلك فهو حقيق بأن يعطى من أمله فوق ما طلب . | < < # | الممتحنة : ( 6 - 8 ) لقد كان لكم . . . . . # > > ^ ( لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن ~~يتول فإن الله هو الغني الحميد * عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم مودة والله قدير والله غفور PageV07P556 رحيم * لا ينهاكم الله عن ~~الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ~~إن الله يحب المقسطين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما أتم ما حثهم على التأسي فيه بذكر أعظم آبائهم لأن دواعي الإنسان ms5311 ~~إلى المداراة عما يخاف عليه من أقاربه وآله وجميع أحواله عظيمة جدا غن كان ~~المدارأ عظيما لا سيما إن كان قد تقدم له صداقة وبه ألفه , فكان جديرا بعد ~~الوعظ والتأسية أن يبقى عنده بقايا ولا سيما والناس متفاوتون , منهم من ~~يدره أيسر وعظ ومنهم من يحتاج إلى أكثر من ذلك أعاد التأسية تأكيدا لها على ~~وجه بلغ الذروة من جمال الترغيب وجلال الترهيب , وليكون فيها أتم دلالة على ~~أن ما بينهما من قول إبراهيم عليه السلام المأمور بالتأسي به من الدعاء ~~وغيره إلا ما استثنى لتشتد الرغبة فيه , فقال مصدرا بما دل على القسم إشارة ~~إلى أن من فعل غير هذا كان فعله فعل منكر لحسن هذا التأسي , ولذلك ذكر ~~الفعل الذي أنثه في الأول : { لقد كان لكم } أي أيها الذين ادعوا الإيمان , ~~وقدم الظرف بيانا للاهتمام به فقال : { فيهم } أي إبراهيم عليه السلام ومن ~~معه { أسوة حسنة } وأبدل من { لكم } ما هو الفصيل في الدلالة على الباطل , ~~فقال مشيرا إلى أن من لم يتأس بهم في هذا لم يكن راجيا لما ذكر : { لمن كان ~~} أي جبل على أنه { يرجوا الله } أي الملك المحيط بجميع صفات الكمال فهو ذو ~~الجلال الذي يجبر ولا يجار عليه , والإكرام الذي هو جدير بأن يعطى جميع ما ~~يسأله { واليوم الآخر } الذي يحاسب عليه , النقير والطمير , فلا يلومن إلا ~~نفسه , فقد أذن لإمام المسلمين إن عثر عليه في عقوبته , فإن علم الغيب الذي ~~أعلمناه نبينا صلى الله عليه وسلم بأن حاطبا رضي الله عنه صحيح العقيدة غير ~~متأهل للعقوبة منقطع بموته صلى الله عليه وسلم ولا يبقى إلى ما نصبناه من ~~الشعائر , وأقمناه من الدلائل . | ولما كان التقدير : فمن أقبل على هذا ~~التأسي لكونه يرجو الله واليوم الآخر فلم يخلد إلى الدنيا , يتوله الله فإن ~~الله رحيم ودود , عطف عليه قوله : { ومن يتول } أي يوقع الإعراض عن أوامر ~~الله تعالى في وقت من الأوقات مطلقا لكونه أخلد إلى الدنيا بمعالجة الفطرة ~~الأولى , وأكد لأن ms5312 فاعل ذلك كالمنكر لمضمون الكلام فقال : { فإن الله } أي ~~الذي له الأحاطة الكاملة { هو } أي خاصة { الغني } أي عن كل شيء { الحميد * ~~} أي الذي له الحمد المحيط لإحاطته بأوصاف الكمال في حال الطاعة له ~~والمعصية فإن العاصي عبد لإرادته , كما أن المطيع عبد لآمره وإرادته ولطفه ~~, فلا يخرج شيء عن مراده , وكل شيء خاضع لحكمه , وقد بينت الآية أدب العشرة ~~لما ألهبت PageV07P557 وهيجت على المفارقة للعصاة والتبرء منهم حسا ومعنى , ~~وإظهار ذلك لهم قولا وفعلا , إلى أن تحصل التوبة , ومن لم يفعل ذلك كان ~~شريكا في الفعل فيكون شريكا في الجزاء كما ورد , ثم لا يمنعه ذلك أن يكون ~~أكيله وجليسه , فضرب الله قلوب بعضهم ببعض , ولعنهم على ألسنة الأنبياء , ~~ومن فعل ما أمره الله به كان فعله جديرا بأن يكون سبب الوصله والقرب ~~والمودة , فالآية من الاحتباك : ذكر الرجاء أولا دليلا على ضده ثانيا , ~~والتولي ثانيا دليلا على ضده أولا , وسره أنه ذكر سبب السعادة ترغيبا وسبب ~~الشقاوة ترهيبا . | ولما أتم وعظهم بما هو الأنفع والأقرب إلى صلاحهم ~~ففعلوا , وكان ذلك شاقا لما جبل عليه البشر من حب ذوي الأرحام والعطف عليهم ~~, فتشوفت النفوس إلى تخفيف بنوع من الأنواع , أتبعه الترجئة فيما قصد حاط ~~رضي الله عنه بغير الطريق الذي يتوصل به فقال على عادة الملوك في الرمز إلى ~~ما يريدونه فيقنع الموعد به بل يكون ذلك الرمز عنده أعظم من البت من غيرهم ~~لما لهم نم العظمة التي تقتضي النزاهة عما يلم بشائبه نقص , وذلك أعظم في ~~الإيمان بالغيب لأن الوعود لا توزال بين خوف ورجاء جاوبا لمن كأنه كان يقول ~~: كيف يكون الخلاص من مثل هذه الواقعة وقد بنيت يا رب هذه الدار على حكمة ~~الأسباب : { عسى الله } أي أنتم جديريون بأن تطمعوا في الملك المحيط بكل ~~شيء قدرة وعلما { أن يجعل } بأسباب لا تعلمونها { بينكم وبين } أي في جميع ~~الحد الفاصل بين المجموعين أو بين كل شخصين من الجمعين { الذين عاديتم } أي ~~بالمخالفة في الدين { منهم ms5313 } أي من هؤلاء الذين عادوكم بما تقدم بأعيانهم ~~من أهل مكة { مودة } وقد جعل ذلك علام الفتح تحقيقا لما رجاه سبحانه , ~~وأجرى سنته الإلهية بأن من عادتيه فيه جعل عاقبة ذلك إلى ولاية عظيمة , ومن ~~تهاونت في مقاطعته فيه سبحانه أقامه لك ضدا . | ولما كان التقدير : فالله ~~بكم رفيق , عطف عليه تذكيرا لهم بما له سبحانه من العظمة قوله { والله } أي ~~الذي له الأحاطة بالكمال : { قدير } أي بالغ القدرة على كل ما يريده فهو ~~يقدر على تقليب القلوب وتيسير العسيرن فملا تم الرجاء لم يبق إلا كدر الذنب ~~فأتبعه تطييبا للقلوب مما نزلت هذه الآيات بسببه قوله : { والله } أي الذي ~~له جميع صفات الكمال { غفور } أي محاء لأعيان الذنوب وآثارها { رحيم * } ~~يكرم الخاطئين إذا أراد بالتوبة ثم بالجزاء غاية الإكرام , قال الرازي في ~~اللوامع : كان النبي صلى الله عليه وسلم استعمل أبا سفيان رضي الله عنه على ~~بعض اليمن , فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل فلقي ذا الحجار ~~مرتدا فقاتله , فكان أول من قاتل على لردة , فتلك المودة بعد المعادة . | ~~PageV07P558 ولما تم الوعظ والتأسية وتطبيب النفوس بالترجئة , وكان وصف ~~الكفار بالإخراج لهم من ديارهم يحتمل أن يكون بالقوة فيعم , ويحتمل أن يكون ~~بالفعل فيخص أهل مكة أو من باشر الأذى الذي تسبب عنه الخروج منهم , بين ذلك ~~بقوله مؤذنا بالإشارة إلى الاقتصاد في الولاية والعداوة كما قال صلى الله ~~عليه وسلم : ( أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما . | وأبغض ~~بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما ) { لا ينهاكم الله } أي الذي ~~اختص بالجلال والإكرام { عن الذين لم يقاتلوكم } أي بالفعل { في الدين } أي ~~بحيث تكونوا مظروفين له ليس شيئا من أحوالهم خارجا عنه , فأخرج ذلك القتال ~~بسبب حق دنيوي لا تعلق له بالدين , وأخرج من لم يقاتل أصلا كخزاعة والنساء ~~, ومن ذلك أهل الذمة بل الإحسان غليهم من محاسن الأخلاق ومعالي الشيم لأنهم ~~جيران . | ولما كان الذين لم يقاتلوا لذلك ربما كانوا ms5314 قد ساعدوا على ~~الإخراج قال : { ولم يخرجوكم } وقيد بقوله : { من دياركم } ولما كان قد وسع ~~لهم سبحانه بالتعميم في إزالة النهي خص بقوله مبدلا من ( الدين ) : { أن } ~~أي لا ينهاكم عن أن { تبروهم } بنوع من أنواع البر الظاهرة فإن ذلك غير ~~صريح في قصد المواددة { وتقسطوا } أي تعدلوا العدل الذي هو في غاية الاتزان ~~بأن تزيلوا القسط الذي هو الجور , وبين أن المعنى : موصلين لذلك الإقساط { ~~إليهم } إشارة إلى أن فعل الإقساط { إليهم } إشارة إلى أن فعل الإقساط ضمن ~~الاتصال , وإلى أن ذلك لا يضرهم وإن تكفلوا الإرسال إليهم من البعد بما أذن ~~لهم فيه فإن ذلك من الرفق والله يحب الرفق في جميع الأمور ويعطي عليه ما لا ~~يعطي على الخرق , ثم علل ذلك بقوله مؤكدا دفعا لظن من يرى أذى الكفار بكل ~~طريق , { إن الله } أي الذي له الكمال كله { يحب } أي يفعل المحب مع { ~~المقسطين * } أي الذين يزيلون الجور ويوقعون العدل . | < < # | الممتحنة : ( 9 - 10 ) إنما ينهاكم الله . . . . . # > > ^ ( إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم ~~وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون * يأيها ~~الذين آمنوا إذا جآءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن ~~علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ~~وآتوهم مآ أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ آتيتموهن أجورهن ولا ~~تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ أنفقوا ذلكم حكم الله ~~يحكم بينكم والله عليم حكيم ) ^ } ) | PageV07P559 ولما علم الحال من هذا ~~وما في أول السورة , أتبعه التصريح بما أفاده مجموعا أحسن جمع مصورا أحسن ~~تصوير فقال تعالى : { إنما ينهاكم الله } أي الذين له الإحاطة الكاملة علما ~~وقدرة { عن الذين قاتلوكم } متعمدين لقتالكم كائنين { في الدين } ليس شيء ~~من ذلك خارجا عنه , لتكون العداوة في الله { وأخرجوكم من دياركم } أي ~~بأنفسهم لبغضكم { وظاهروا } أي عاونوا غيرهم { على إخراجكم } ولما تناول ~~هذا المقصودين صريحا , وكان النهي الذي موضعه الأفعال قد علق بأعيانهم ms5315 ~~تأكيدا له , عرف بالمقصود بقوله : { أن } أي إنما ينهاكم عن المذكورين في ~~أن { تولوهم } أي تكلفوا فطركم الأولى أن تفعلوا معهم جميع ما يفعله القريب ~~الحميم الشفيق فتصرحوا بأنهم أولياؤكم وتناصروهم ولو كان ذلك على أدنى ~~الوجوه - بما أشار إليه إسقاط التاء . | ولما كان التقدير : فمن أطاع ~~فأولئك هم المفلحون , عطف عليه قوله : { ومن يتولهم } أي يكلف نفسه الحمل ~~على غير ما يدعو إيله الفطرة الأولى من المنابذة , وأطلق ولم يقيد ب ( منكم ~~) ليعم المهاجرين وغيرهم والمؤمنين وغيرهم : { فأولئك } أي الذين أبعدوا عن ~~العدل { هم } أي خاصة لا غيرهم العريقون في أنهم { الظالمون * } أي ~~العريقون في إيقاع الأشياء في غير مواضعها كمن يمشي في مأخذ الاشتياق بسبب ~~هذا التولي . | ولما كان نزول هذه الآيات الماضية في التفح الأعظم حين قصد ~~النبي صلى الله عليه وسلم سنة ثمان المسير بجنود الله إلى مكة المشرفة - ~~شرفها الله تعالى - لدخولها عليهم بالسيف حين نقضوا بقتالهم لخزاعة الذي ~~كانوا قد تحيزوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكانوا في عقده وعهده في صلح ~~الحديبية الذي كان سنة ست على وضع الحرب بينهم وبين النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومن دخل في عقه , وكان من لك الصلح أن من جاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم من قريش ومن دخل في صلحهم رده إليهم وإن كان مسلما , ومن جاءهم من كان ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يردوه إليه بحيث قام من ذلك وقعد كثير من ~~الصحابة رضي الله عنه من إعظمهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى سكنه ~~الصديق رضي الله عنه بما وقر في صدره من الحكم , ورد إليهم صلى الله عليه ~~وسلم أبا بصير رضي الله عنه , وكان رده غليهم للوفاء بالعهد بسبب التصديق ~~لقوله صلى الله عليه وسلم ( أما من جاءنا منهم فرددناه إليهم فسيجعل الله ~~له فرجا ومخرجا ) وقصته في ذلك كله مشهورة , وكانت ( من ) من صيغ العموم , ~~وكانت دلالة العام قطعية PageV07P560 في الحكم على الأفراد ظنية - كما ms5316 قال ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه - في الدلالة على الجزئي من تلك الأفراد بخصوصه ~~حيث لا قرينة لأن تلك الصيغ ترد تارة على عمومها وتارة يراد بها بعض ~~الأفراد فتكون من العام الذي أريد به الخصوص , وتارة يقع فيها التخصيص , ~~فتكون من العام الذي أريد به الخصوص فطرقها الاحتمال فاحتاج ما دلت عليه من ~~الظاهر إلى قرينة , وكان دخول النساء تحت لفظ ( من ) في صلح الحديبية أما ~~عربا عن القرينة أو أن القرينة القتال الذي وقع الصلح عليه بسببه صارفة عنه ~~, وكذا قرينة التعبير عنهن ب ( ما ) دون ( من ) في كثير من الكتاب العزيز < # > 77 ( { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } ) 77 < # > [ النساء : 22 ] < # > 77 ( { والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم } ) 77 < # > [ النساء : 24 ] < # > 77 ( { وأحل لكم ما وراء ذلكم } ) 77 < # > [ النساء : 24 ] < # > 77 ( { فما استمتعتم به منهن } ) 77 < # > 24 ] < # > 77 ( { فما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات } ) 77 < # > [ النساء : 25 ] < # > 77 ( { إلا على أزواجكم أو ما ملكت أيمانكم } ) 77 < # > [ المؤمنون : 6 ] , وكان قد ختم سبحانه هذه الآيات التي أدب بها في ~~غزوة الفتح بما أبان به ما لا يخرج عن الصلح في عمرة الحديبية مما هو قرب ~~إلى الخير من البر والعدل , ونهى عن تولي الكفار , فكانت المصاهرة ~~والمناكحة من أعظم التولي , وصل بذلك ما لا يخرج عنه ولا يحل بالعهد في أن ~~من جاء من الكفار إلى النبي صلى الله عليه وسلم رده إليهم وإن كان مسلما , ~~فقال مخاطبا لأدنى أسنان أهل الإيمان الذين الفهم وأنا به قلبه الشريف من ~~فنون العلم ليكوفوا النبي صلى الله عليه وسلم مقدمات البيعة منه لهن : { يا ~~أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان - وهو إيقاع الأمان من التكذيب - لمن ~~يخبرهم ما ينبغي التصديق به بسبب تصديقهم بالله سبحانه وتعالى . | ولما كان ~~في علمه سبحانه وتعالى أنه يأتيهم نساء يهربن بدينهن إلى الله , بشرهم بذلك ~~بالتعبير بأداة التحقيق فقال : { إذا } أي صدقوا ما ادعيتموه من الإيمان ~~بأنه في أي زمان { جاءكم } ولما كان ms5317 لا يهجر داره وعشيرته لا سيما إن كانوا ~~أقارب بسبب كفرهم إلا من رسخ في الإيمان ذكرا كان أو أنثى قال : { المؤمنات ~~} أي النساء اللاتي صار وصف الإيمان لهن صفة راسخة بدلالة الهجرة عليه : { ~~مهاجرات } للكفار ولأرضهم { فامتحنوهن } أي اختبروهن تأكيدا لما لت عليه ~~الهجرة من الإيمان التحليف بأنهن ما خرجن لحدث أحدثته ولا بغضا في زوج ولا ~~رغبة في عشير ولا خرجن إلا حبا لله ورسوله ورغبة في دين الإسلام , قال ~~الإمام شهاب الدين ابن النقيب في الهداية من مختصره للكفاية لفقيه المذهب ~~نجم الدين أحمد بن الرفعة في شرح التنبيه : واختلف PageV07P561 قول الشافعي ~~رحمه الله تعالى : هل كان النبي صلى الله عليه وسلم شرط لقريش في الصلح رد ~~النساء ففي قول : لم يشترطه بل أطلق رد من جاءه فتوهموا تناول النساء , ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم عالما بعدم دخولهن , فأطلق ذلك حذيفة يعني ~~ومن شرعه ان الحرب خدعة , وفي قوله : شملهن الشرط , لكن هل شرطه صريحا أم ~~دخلن في الإطلاق فيهن وجهان أظهرهما الثاني , وهل كان شرطهن جائزا فيه ~~وجهان : أحدهما نعم ثم نسخ , وهل ناسخه الآية المذكورة أم منع النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الرد فيه وجهان مبنيان على أنه هل يجوز نسخ السنة ~~بالقرآن وفيه قولان للشافعي رحمه الله تعالى , ومختاره منهما المنع وهو ~~الجديد , وكذا لا يجوز عنده وعند أصحابه نسخ الكتبا بالسنة وإن كانت ~~متواترة - انتهى . | ومعناه أنه لم يقع فإن وقع نسخها بالقرآن كان معه سنة ~~, وإن وقع نسخه بالسنة كان معها قرآن , وهو معنى قول ابن السبكي في جمع ~~الجوامع : قال الشافعي رضي الله عنه : وحيث وقع بالسنة فمعها قرآن أو ~~بالقرآن فمعه سنة عاضدة تبين توافق الكتاب والسنة . | ولما كان الاختبار ~~ربما دل إيمانهن لا يعلم إلا به , نفى ذلك بقوله مستأنفا في جواب من يقول : ~~أليس الله بعالم بذلك , ومفيدا أن علمكم الذي تصلون إليه بالامتحان ليس ~~بعلم , وإنما سماه به إيذانا بأن الظن الغالب في حقكم بالاجتهاد ms5318 والقياس ~~قائم مقام العلم يخرج من عنده < # > 77 ( { ولا تقف ما ليس لك به علم } ) 77 < # > [ الإسراء : 36 ] : { الله } المحيط بكل شيء قدرة وعلما { أعلم } أي ~~منكم ومنهن بأنفسهن { بإيمانهن } هل هو كائن أو لا على وجه الرسوخ أو لا , ~~فإنه محيط بما غاب كإحاطته بما شهد , وإنما وكل الأمر إليكم في ذلك سترا ~~للناس ولئلا تكون شهادته لأحد بالإيمان والكفران موصلة إلى عين اليقين ~~فيخرج عن مبنى هذه الدار , قال القشيري : وفي الجملة الامتحان طريق إلى ~~المعرفة , وجواهر النفس تتبين بالتجربة , ومن أقدم على شيء من غير تجربة ~~يجني كأس الندم , قال : { فإن علمتموهن } أي العلم المتمكن لكم وهو الظن ~~المؤكد بالأمارات الظاهرة بالحلف وغيره { مؤمنات } أي مخلصات في الهجرة ~~لأجل الإيمان , والتعبير بذلك لإيذان بمزيد الاحتياط . | ولما ذكر هذا ~~الامتحان بين أنه علة لحمايتهن والدفع عنهن فأتبعه مسببه فقال : { فلا ~~ترجعوهن } أي بوجه من الوجوه { إلى الكفار } وإن كانوا أزواجا , ومن الدليل ~~على أن هذا ظاهر في المراد وأن القرائن موضحة له أنه صلى الله عليه وسلم ~~لما أبى أن يرد إليهم من جاءه من النساء لم يعب أحد من الكفار ذلك , ولا ~~نسب إلى عهده صلى الله عليه وسلم - وحاشاه - خللا , ولولا أن ذلك لملؤوا ~~الأرض تشغيبا كما فعلوا في سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه إلى نخله ~~التي نزل بسببها < # > 77 ( { يسألونك عن الشهر الحرام } ) 77 < # > [ البقرة : PageV07P562 217 ] الآيات على ان الأخبار الصحيحة وغيرها ~~ناطقة بأن هذه الآية نزلت في الحديبية قبل أن ينفصل الأمر غاية الانفصال ~~ويستقر , روى البخاري في المغازي من صحيحه والبغوي من طريقه وهذا لفظه من ~~المروان والمسور بن مخرمة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا : كاتب ~~سهيل بن عمرو فكان ما اشترط على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتيك أحد ~~منا وإن كان على دينك إلا رددته إلينا , فكاتبه النبي صلى الله عليه وسلم ~~على ذلك , فرد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهل بن عمرو ms5319 , ولم يأته أحد من ~~الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلما , وجاءت المؤمنات مهاجرات , ~~وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى يرجعها إليهم كما أنزل ~~الله فيهن { إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن } وقال البغوي : قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا حتى إذا ~~كان بالحديبية صالحه مشركو مكة على أن من أتاه من اهل مكة رده إليهم فجاءت ~~سبيعة بنت الحارث مسلمة بعد الفراغ من الكتاب , فأقبل زوجها , وكان كافر , ~~فقال : يا محمد ! اردد علي امرأتي فإنك قد شرطت أن ترد علينا من أتاك منا , ~~وهذه طينة الكتاب لم تجف , فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا ~~جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن } وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : امتحانها أن تستحلف أنها ما هاجرت لبغض زوج ولا عشقا لرجل من ~~المسلمين ولا رغبة عن أرض ولا لحدث أحدثته ولا التماس الدنيا وما خرجت إلا ~~رغبة في الإسلام وحبا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم , فاستحلفها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ذلك فحلفت فلم يردها وأعطى زوجها ما أنفق عليها , ~~فزوجها عمر رضي الله عنه , وكان صلى الله عليه وسلم يرد من جاءه من الرجال ~~وحبس من جاءه من النساء بعد الامتحان , ويعطي أزواجهن مهورهن , ودعوى النسخ ~~ليست بشيء إلا تؤول بأنه لما كان من العالم الذي أريد به الخصوص أن بعض ما ~~تناوله ظاهر اللفظ من الحكم مرفوع , وذلك بأن الله لا يأمر بإخلاف الوعد ~~فكيف بنقض العهد . | ولما نهى عن رد المهاجرات إلى المشركين وعبر بالكفار ~~تعميما , علل ذلك بقوله مقدما حكمهن تشريفا لهن لهجرتهن : { لا هن } أي ~~الأزواج { حل } أي موضع حل ثابت { لهم } أي للكفار باستمتاع ولا غيره . | ~~ولما كان نفي الحل الثابت غير مانع من تجدد حل الرجال لهن ولو على تقدير من ~~التقادير وفرض من الفروض , قال معيدا لذلك ومؤكدا لقطع العلاقة من ~~PageV07P563 كل جانب : { ولا هم } أي ms5320 رجال الكفار { يحلون } أي تجدد في وقت ~~من الأوقات أن يحلوا { لهن } أي للمؤمنات حتى لو تصور أن يكون رجالهن نساء ~~وهن ذكورا ما حلوا لهن بخلاف أهل الكتاب , كذا تنفك الملازمة في مسألة ~~المظاهرة والإيلاء فيحل للمرأة أن تستمتع به إذا كان نائما مثلا , وأما هو ~~فيحرم عليه ذلك قبل التكفير , وقال البيضاوي : الأولى لحصول الفرقة , ~~والثانية للمنع من الاستئناف - انتهى , فنفت هذه الجملة الفعلية من وجه ~~تجدد الحل للنساء فأفهمت الجملتان عدم الحرج فيما كان قبل ذلك تطييبا لقلوب ~~المؤمنات . | ولما نهى عن الرد وعلله , أمر بما قدم من الإقساط إليهم فقال ~~: { وآتوهم } أي الأزواج { ما أنفقوا } أي عليهن من المهور فإن المهر في ~~نظير أصل العشرة ودوامها وقد فوتتها المهاجرة فلا يجمع عليه خسران الزوجية ~~والمالية , وأما الكسوة والنفقة فإنها لما يتجدد من الزمان . | ولما جزم ~~بتأييد منعهن عن الكفار , أباحهن للمسلمين فقال على وجه الرفق واللطف : { ~~ولا جناح } أي ميل وحرج { عليكم } أيها المشرفون بالخطاب { أن تنكحوهن } أي ~~تجددون زواجكم بهن بعد الاستبراء وإن كان أزواجهن من الكفار لم يطلقوهن ~~لزوال العلق منهم عنهن ولأن الإسلام فرق بينهم فإنه لن يجعل الله للكافرين ~~على المؤمنين سبيلا . | ولما كان قد أمر برد مهور الكفارن فكان ربما ظن أنه ~~مغن عن تجديد مهر لهن إذا نكحهن المسلم نفى ذلك بقوله : { إذا آتيتموهن } ~~أي لأجل النكاح { أجورهن } ولما قطع ما بين الكفار والمسلمات مع الإعراض عن ~~الكفار لعصاينهم قطع ما بين المؤمنين والكافرات مع الإقبال عليهم لطاعتهم ~~رفعا لشأنهم فقال : { تمسكوا } أي بعدم كان إمساك المرأة مع عداوتها ~~لمخالفتها في الدين دليلا على غاية الرغبة فيها , دل على ذلك إشارة إلى ~~التوبيخ بالتضعيف في قراءة البصريين فقال : { تمسكوا } أي بعدم التصريح في ~~الطلاق { بعصم الكوافر } جمع عصمة وهي ما يديم علقة النكاح { واسألوا } أي ~~أيها المؤمنون الذين هبت أزواجهم إلى الكفار { ما أنفقتم } أي من مهر ~~نسائكم اللاتي اعتصمن عنكم بهم أو فررن إليهم , ولما أمر برد مهور المؤمنين ms5321 ~~إلى الكفار وأذن للمؤمنين ف المطالبة بمهور أزواجهم , أذن للكفار في مثل ~~ذلك إيقاعا للقسط بين عباده مسلمهم وكافرهم معبرا بالأمر مع الغيبة إعراضا ~~عنهم إعلاما بشدة كراهته سبحانه للظلم وأنه يستوي فيه الكافر مع عداوته ~~بالمؤمن مع ولايته : { وليسألوا } أي الكفار { ما أنفقوا } أي من مهور ~~أزواجهم اللاتي أسلمن واعتصمن بكم عنهم , وهل هذا الحكم باق , قال قوم : ~~نعم , وقال عطاء ومجاهد وقتادة : نسخ فلا يعطي الكفار شيئا ولو شرطنا ~~الإعطاء . | PageV07P564 ولما كان هذا حكما عدلا لا يفعله مع عدوه ووليه ~~إلا حكيم , قال مشيرا إلى مدحه ترغيبا فيه بميم الجمع إلى العموم : { ذلكم ~~} أي الحكم الذي ذكر في هذه الآيات البعيدة بعلو الرتبة عن كل سفه { حكم ~~الله } أي الملك الذي له صفات الكمال , فلا ينبغي لشائبة نقص أن يلحقه . | ~~ولما كان هذا مما يفرح به ويغنم عند تقدير فواته , قال مستأنفا مبشرا ~~بإدامة تجديد أمثاله لهم : { يحكم } أي الله أو حكمه على سبيل المبالغة , ~~ودل على استغراق الحكم لجميع ما يعرض بين العباد وأنه سبحانه لم يهمل شيئا ~~منه بإعراء الجار من قوله : { بينكم } أي في هذا الوقت وفي غيره على هذا ~~المنهاج البديع , وذلك لأجل الهدنة التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبينهم , وأما قبل الحديبية فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمسك النساء ولا ~~يرد الصداق . | ولما كان التقدير : فالله حكم عدل , قال : { والله } أي ~~الذي له الإحاطة التامة { عليم } أي بالغ العلم لا يخفى عليه شيء { حكيم * ~~} أي فهو لتمام علمه يحكم كل أموره غاية الإحكام فلا يستطيع أحد نقض شيء ~~منها . | < < # | الممتحنة : ( 11 - 13 ) وإن فاتكم شيء . . . . . # > > ^ ( وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت ~~أزواجهم مثل مآ أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون * يأيها النبي إذا ~~جآءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا ~~يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في ~~معروف فبايعهن واستغفر لهن ms5322 الله إن الله غفور رحيم * يأيها الذين آمنوا لا ~~تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب ~~القبور ) ^ } ) | ولما كان المظنون بالكافر عدم العدل فلا يعطون المؤمنين ~~مهور نسائهم الكافرات , قال مداويا لذلك الداء : { وإن فاتكم } أي ~~بالانفلات منكم بعد الهجرة أو بإدامة الإقامة في بلاد الحرب { شيء } أي قل ~~أو كثر { من أزواجكم } أي من أنفسهن أو مهورهن { إلى } أي متحيزا أو واصلا ~~إلى { الكفار } فعجزتم عنه { فعاقبتم } أي تمكنتم من المعاقبة بأن فات ~~الكفار شيء من أزواجهم بالهجرة إليكم أو اغتنمتم من أزواج الكفار فجاءت ~~نوبة ظفركم بأداء المهر إلى إخوانكم طاعة وعدلا عقب نوبتهم التي اقتطعوا ~~فيها ما أنفقتم عصيانا وظلما { فآتوا } أي فاحضروا وأعطوا من مهر المهاجرة ~~{ الذي ذهبت أزواجهم } أي منك إن اختاروا الأخذ { مثل ما أنفقوا } على ~~PageV07P565 الكافرة الفائتة إلى الكفار مما غنمتم من أموالهم أو بأن ~~تدعفوا إليهم مثل مهر أزواجهم مما كنتم تعطونه لازواج المهاجرات , فيكون ~~ذلك جزاء وقصاصا لما فعل الكفار . | ولما كان التجزي في مثل ذلك عسرا على ~~النفس فإن المهور تتفاوت تارة وتتساوى تارة أخرى وتارة تكون نقودا وتارة ~~تكون عروضا إلى غير ذلك من الأحوال مع أن المعامل عدو في الدين فلا يحمل ~~على العدل فيه إلا خالص التقوى قال : { واتقوا } أي في الإعطاء والمنع وغير ~~ذلك { الله } الذي له صفات الكمال وقد أمركم بالتخلق بصفاته على قدر ما ~~تطيقون , ثم وصفه بما يؤكد صعوبة الأمر ويحث على العدل فقال ملهبا لهم كل ~~الإلهاب هازا لهم بالوصف بالرسوخ في الإيمان : { الذي أنتم به } أي خاصة { ~~مؤمنون * } أي متمكنون في رتبة الإيمان . | ولما خاطب سبحانه المؤمنين الذي ~~لهم موضع الذب والحماية والنصرة بما وطن به المؤمنات في دار الهجرة فوقع ~~الامتحان وعرف الإيمان , أمر النبي صلى الله عليه وسلمت بعد الحكم بإيمانهن ~~بمبايعتهن فقال { يا أيها النبي } مخاطبا له بالوصف المقتضي للعلم , ودل ~~على تحقق كون ما يخبر به من مجيئهن بأداة التحقيق ms5323 علما من أعلام النبوة ~~فقال : { إذا جاءك المؤمنات } جعل إقبالهن عليه صلى الله عليه وسلم لا سيما ~~مع الهجرة مصححا لإطلاق الوصف عليهن { يبايعنك } أي كل واحدة منهن تبايع { ~~على أن لا يشركن } أي يوقعن الإشراك لأحد من الموجودات في وقت من الأوقات { ~~بالله } أي الملك الذي لا كفوء له { شيئا } أي من إشراك على الإطلاق . | ~~ولما كان الشرك بذل حق الملك لمن لا يستحقه , أتبعه أخذ مال المالك بغير حق ~~لاقتضاء الحال لذلك بتمكن المرأة من اختلاص مال الزوج وعسر تحفظه منها فقال ~~: { ولا يسرقن } أي يأخذن مال الغير بغير استحقاق في خفية , وأتبع ذلك بذل ~~حق الغير لغير أهله فقال : { ولا يزنين } أي يمكن أحدا من وطئهن بغير عقد ~~صحيح . | ولما كان الزنى قد يكون سببا في إيجاد أو إعدام نسمة بغير حقها , ~~اتبعه إعدام نسمة بغير حقه فقال : { ولا يقتلن أولادهن } أي بالوأد كما ~~تقدم في النحل وساء في ذلك كونه من زنى أو لا . | ولما ذكر إعدام نسمة بغير ~~حق ولا وجه شرعي أتبعه ما يشمل إيجاد نسمة بغير حل , فقال مقبحا له على ~~سبيل الكناية عنه بالبهتان وما معه بالتصوير له بلوازمه وآثاره لأن استحضار ~~القبيح وتصويير صورته أزجر عنه فقال : { ولا يأتين ببهتان } أي ولد من غير ~~الزوج يبهت من الحاقة به حيرة في نفيه عنه { يفترينه } أي يتعمدن كذبه , ~~وحقق المراد به وصوره بقوله : { بين أيديهن } أي بالحمل في البطون { ~~وأرجلهن } أي PageV07P566 بالوضع من الفروج ولأن عادة الولد مع أنه يسقط ~~بين أيدي أنه ورجليها أنه يمشي أمامها , وهذا شامل لما كان من شبهة أو لقطة ~~. | ولما حقق هذه الكبائر العظيمة تعظيما لأمرها لعسر الاحتراز منها , وأكد ~~النهي عن الزنى مطابقة وإلزاما لما يجر إليه من الشرور القتل فما دونه , ~~وغلظ أمر النسب لما يتفرع عليه من إيقاع الشبهات وانتهاك الحرمات , عم في ~~النهي فقال : { ولا يعصينك } أي على حال من الأحوال { في معروف } أي فرد ~~كان منه صغيرا كان أو كبيرا , وفي ms5324 ذكره مع العلم بأنه صلى الله عليه وسلم ~~لا يأمر إلا به إشعار بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق , وقدم المنهيات ~~على المأمورات المستفادة من المعروف لأن التخلي عن الرذائل مقدم على التخلي ~~بالفضائل لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح : { فبايعهن } أي التزم لهن ~~بما وعدت على ذلك من إعطاء الثواب لمن وفت منهن في نظير ما ألزمن أنفسهن من ~~الطاعة . | ولما كان الإنسان محل النقصان لا سيما النسوان رجاهن سبحانه ~~بقوله : { واستغفر } أي اسأل { لهن الله } أي الملك الأعظم ذا الجلال ~~والإكرام في الغفران إن وقع منهن تقصير وهو واقع لأنه لا يقدر أحد ان يقدر ~~الله حق قدره . | ولما كانت عظمته سبحانه مانعة لعظيم الهيبة من سؤاله ما ~~طمع به , علله بقوله معيدا الاسم الأعظم لئلا يظن بإضماره وتقيده بحيثية ~~الهجرة من النساء ونحو ذلك مؤكدا لما طبع الأدمي عليه من أنه لا يكاد يترك ~~المسيء من عقاب أو عتاب فضلا عن التفضيل بزيادة الإكرام : { إن الله } أي ~~الذي له صفات الجلال والإكرام فلو أن الناس لا يذنبون لجاء بقوم يذنبون ~~فيستغفرون فيغفر لهم لتظهر صفة إكرامه { غفور } أي بالغ الستر للذنوب عينا ~~وأثرا { رحيم * } أي بالغ الإكرام بعد الغفران فضلا منه وإحسانا , وقد حقق ~~سبحانه ذلك وصدق , ومن أصدق من الله قيلا , فأقبل النساء للبيعة عامة ثاني ~~يوم الفتح على الصفا بعد فراغه صلى الله عليه وسلم من بيعة الرجال فنزلت ~~هذه الآية وهو على الصفا فقام عمر بن الخطاب رضي الله أسفل منه يبايعهن ~~بأمره ويبلغهن عنه وهند بنت عتبة متنقبة لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته ~~على الرجال , وبايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد , فقال { ولا يسرقن } ~~فقالت : إن إبا سفيان رجل شحيح وإني أصيب من ماله هنات فلا أدري أيحل لي أم ~~لا ؟ فقال أبو سفيان : ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غير فهو لك حلال , ~~فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال : ( وإنك لهند بنت عتبة ) , ~~قالت : نعم ms5325 , فاعف عني ما سلف عفا الله عنك , فقال : { ولا يزنين } فقال : ~~أو تزني الحرة , فقال { ولا يقتلن أولادهن } فقالت : ربيناهم صغارا ~~وقتلتموهم كبارا وأنتم وهم أعلم , PageV07P567 وكان ابنها حنظلة بن أبي ~~سفيان قتل يوم بدر فضحك عمر رضي الله عنه حتى استلقى وتبسم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وذكر البهتان وهو أن تقذف ولدا على زوجها ليس منه , قالت ~~هند : والله إن البهتان لقبيح وما تدعونا إلا إلى الرشد ومكارم الأخلاق , ~~فقال { ولا يعصينك في معروف } فقالت : ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن ~~نعصيك في شيء , وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا تحل ~~له , وكانت أسماء بنت يزيد بن السكن في المبايعات فقالت : يا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ابسط يدك نبايعك , فقال : ( إني لا أصافح النساء لكن آخذ ~~عليهن ) , وعن الشعبي أنه صلى الله عليه وسلم دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه ~~ثم غمسن أيديهن فيه , وعنه أنه صلى الله عليه وسلم لقنهن في المبايعة ( ~~فيما استطعتن وأطقتن ) فقالت : الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا . | ولما ~~ذكر ما أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم في المبايعات بعد أن عد الذين آمنوا ~~أصلا في امتحان المهاجرات فعلم نم لك أن تولي النساء مع أنه لا ضرر فيهن ~~بقتال ونحوه لا يسوغ إلا بعد العلم بإيمانهن , وكان الختم بضفتي الغفران ~~والرحمن مما جرأه على محاباة المؤمنين لعبض الكفار من أزواج أو غيرهم ~~لقرابة أو غيرها لعلة يبديها الزوج أو غير لك من الأمور , كرر سبحانه الأمر ~~بالبراءة من كل عدو , ردا لآخر السورة على أولها تأكيدا للإعراض عنهم ~~وتنفيرا من توليهم كما أفهمته آية المبايعة وآية الامتحان , فقال ملذذا لهم ~~بالإقبال بالخطاب كما فعل أولها بلذيذ العتاب : { يا أيها الذين آمنوا } . ~~| ولما كان الميل عن الطريق الأقوام على خلاف ما تامر به الفطرة الأولى فلا ~~يكون إلا عن معالجتها , عبر بالتفعل كما عبر به أول السورة بالافتعال فقال ~~: { لا تتولوا ms5326 } أي تعالجوا أنفسكم أن تتولوا { قوما } أي ناسا لهم قوة على ~~ما يحاولونه فغيرهم من باب الأولى { غضب الله } أي أوقع الملك الأعلى الغضب ~~{ عليهم } لإقبالهم على ما أحاط بهم من الخطايا فهو عام في كل من اتصف بذلك ~~يتناول اليهود تناولا أوليا . | ولما كان السامع لهذا يتوقع بيان سبب الغضب ~~, قال معللا ومبينا أنه لا خير فيهم يرجى وإن ظهر خلاف ذلك : { قد يئسوا } ~~أي تحققوا عدم الرجاء { من الآخرة } أي من أن ينالهم منها خير ما لإحاطة ~~معاصيهم بهم أو لعدم اعتقادهم لقيامها ولا ييأس من روح الله إلا القوم ~~الكافرون , فيوشك من والهم يكتب منهم فيحل بهم الغضب { كما PageV07P568 يئس ~~} من نيل الخير منها { الكفار } ولما كان من مات فصار أهلا للدفن كشف له عن ~~أحوال القيامة فعرف أنه ناج أو هالك , وكان الموتى أعم من الكفار , وموتى ~~الكفار أعم ممن يدفن منهم فقال : { من أصحاب القبور * } فإن الكفار منهم قد ~~علموا يأسهم من حصول الخير منها علما قطعيا , ويجوز أن يكون { من } ~~ابتدائية فيكون المعنى : كما يئس عباد الأوثان من لقاء من مات , فدفن ~~باعتقاد أنه لا اجتماع بينهم أصلا لأنه لا يمكن بعثه لا إلا الدنيا ولا غلى ~~الآخرة لأنه لا آخرة عندهم أصلا لا سيما إن كان أيأسهم تغطية الدلائل مع ~~وضوحها لو أنصفوا , فلا تتولوا من هذه صفته فيكون بينكم وبينه ما بين ~~القريب مع قريبه من تولى كل منهم من الآخر ما يتولاه القريب الصديق وسكناته ~~لا يفلح هو ولا من تولاه , وأقل ما في ولايته من الضرر أنها تنقطع المعاونة ~~فيها , والمشاركة بالموت وإن كان بعد الموت مشاركة ففي العذاب الدائم ~~المستمر الذي لا ينقطع عنهم والخزي اللازم , وقد علم أن هذا الآخر هو أولها ~~, وهذا الموصل مفصلها , فسبحانه من أنزله كتابا معجزا حكيما , وقرآنا موجزا ~~جامعا عظيما . | . . . | PageV07P569 < # > سورة الصف < # > | وتسمى الحواريين . | مقصودها الحث على الاجتهاد التام في الاجتماع ~~على قلب واحد في جهاد من دعت الممتحنة إلى البراءة منهم ، بحملهم ms5327 على الدين ~~الحق ، أو محقهم عن جديد الأرض أقصى المحق ، تنزيها للملك الأعلى عن الشرك ~~، وصيانة لجنابه الأقدس عن الإفك ، ودلالة على الصدق في البراءة منهم ~~والعداوة لهم ، فهي نتيجة سورة التوبة ، وأدل عما فيها على هذا المقصد الصف ~~بتأمل آيته ، وتدبر ما له من جليل النفع في أوله وأثنائه وغايته ، وكذا ~~الحواريون { بسم الله } الملك الأعظم الذي له الأمر كله لأنه لا كفوء له ، ~~{ الرحمن } الذي عم بنعمة البيان عما يرضيه ممن شاقه ، فقد شرع لكل أحد أن ~~يرده أو يقبله { الرحيم } الذي خص بإتمام الإنعام الموصل إلى دار السلام من ~~شاء من عباده فهيأه لذلك وأهله . < < # | الصف : ( 1 - 4 ) سبح لله ما . . . . . # > > ^ ( سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم * يأيها ~~الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون * إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) ^ } ~~) | لما ختمت الممتحنة بالأمر بتنزيهه سبحانه عن تولي من يخالف أمره ~~بالتولي عنهم والبراءة منهم اتباعا لأهل الصافات المتجردين عن كل ما سوى ~~الله لا سيما عمن كانوا غذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون , افتتحت ~~الصف بما هو كالعلة لذلك فقال : { سبح لله } اي أوقع التنزيه الأعظم للملك ~~الأعظم الذي له { ما في السموات } من جميع الأشياء التي لا يغفل من أفلاكها ~~ونجومها وغير ذلك من جواهرها وأعراضها في طلوعها وأفولها وسيرها في ذهابها ~~ورجوعها وإنشاء السحاب وإنزال المياه وغير ذلك . | ولما كان الخطاب مع غير ~~الخلص أكده فقال : { وما في الأرض } أي بامتثال جميع ما يراد منه مما هو ~~كالمأمور بالنسبة إلى أفعال العقلاء من نزول المياه وإخراج النبات من النجم ~~والشجر وإنضاج الحبوب والثمار - وغير ذلك من الأمور الصغار والكبار . | ~~PageV07P570 ولما كان امتثال غير العاقل وعصيان العاقل ربما أوهم نقصا قال ~~: { وهو } أي وحده لا شريك له { العزيز } أي العظيم النفع الذي يغلب كل شيء ~~ولا يغلبه شيء , ويعسر الوصول إليه { الحكيم * } أي ms5328 الذي يضع الأشياء في ~~أتقن مواضعها , فما مكن العاقل من المعصية إلا لإظهار صفات الكمال من العلم ~~والقدرة والحلم والكرم والرحمة والغضب وغير ذلك , وقد علم بهذا التنزيه ~~وختم آيته بهاتين الصفتين أنه تعالى منزه عما تضمنه يأس الكفار المذكور من ~~أنه لا بعث وعن أني يجعل سبحانه لهم حظا في الآخرة لأن كلا من عدم البعث ~~والتسوية بين المسيء والمحسن نقص . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ~~افتتحت بالتسبيح لما ختمت به سورة الممتحنة من قوله < # > 77 ( { لا تتولوا قوما غضب الله عليهم } ) 77 < # > [ الممتحنة : 13 ] وهم اليهود , وقد تقدم الإيماء إلى ما استوجبوا به ~~هذا فأتبع بالتنزيه لما تقدم بيانه فإنه مما تعقب به ذكر جرائم المرتكبات ~~ولا يرد في غير ذلك , ثم أتبع ذلك بأمر العباد بالوفاء وهو الذي حد لهم في ~~الممتحنة ليتنزهوا عن حال مستوجبي الغضب بنقيض الوفاء والمخالفة بالقلوب ~~والألسنة < # > 77 ( { يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } ) 77 < # > [ آل عمران : 167 ] < # > 77 ( { ليا بألسنتهم وطعنا في الدين } ) 77 < # > [ النساء : 46 ] < # > 77 ( { من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم } ) 77 < # > [ المائدة : 41 ] < # > 77 ( { ويقولون آمنا بالله والرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم } ) 77 < # > [ النور : 47 ] وبمجموع هذا استجمعوا اللعنة والغضب فقيل للمؤمنين : < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } ) 77 < # > [ الصف : 2 ] احذروا أن تشبه أحوالكم حال من استحق المقت واللعنة ~~والغضب , ثم أتبع بحسن الجزاء لمن وفى قولا وعقدا ولسانا وضميرا , وثبت على ~~ما أمر به فقال : < # > 77 ( { إن الله يحب الذي يقاتلون في سبيله صفا } ) 77 < # > [ الصف : 4 ] الآية ثم تناسج ما بعد . | ولما كان الوارد من هذا الغرض ~~في سورة الممتحنة قد جاء على طريق الوصية وسبيل النصح والإشفاق , أتبع في ~~سورة الصف بصريح العتب في ذلك والإنكار ليكون بعد ما تمهد في السورة قبل ~~أوقع في الزجر , وتأمل كم بين قوله سبحانه < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } ) 77 < # > [ الممتحنة : 1 ] وما تضمنته ms5329 من اللطف وبين قوله < # > 77 ( { لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون } ) 77 < # > [ الصف : 2 ] انتهى . | ولما تقدمت في الممتحنة قصة الفتح الأعظم في ~~شأن حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وجل منابذة الكفار بكل اعتبار علما على ~~صحة الهجرة وادعى التجرد لجهاد أعداء الله , وقصة الفتح السببي من تحريم ~~المؤمنات على المشركين وتحريم المشركين على المؤمنات في غزوة الحديبية , ~~وأبدى سبحانه في ذلك من الصنائع التي تعجز قوى الخلق عنها أن رتب ما في ~~الفتح السببي على ما في الفتح الفعلي الحقيقي , فجعل الأول . | PageV07P571 ~~في الزمان آخر في الرتبة والآخر في الزمان أولا في الرتبة مع شدة الإحكام ~~في ترصيف النظام والبلوغ في الرشاقة والانسجام إلى حد لا يطيقه نوافذ ~~الأفهام مع بداعة المعاني ومتانة المباني , وكان فعل من ناصح الكفار ممن ~~أمن بلسانه وأذعن بجنانه وهاجر بأركانه نوع مناصحة فعل من يقول مالا يفعل ~~في منابذتهم والتجرد بعداوتهم , فذكر أول هذه السورة من تنزيهه بألسنة ~~أحوال ما لا يعقل ما يخجل المسلم بشيء من ذلك تأديبا لأمثاله , وتدريبا لمن ~~يلم بشء من المخالفة بباله , وكان العاقل أولى من غيره بتنزيه جناب القدس ~~بالطاعة , فكيف إذا كان ممن أقر بالإيمان وتقلد عهدة الإذعان , وكان من عصى ~~منهم مناديا على نفسه بمخالفة قوله لفعله , ومن نزهه حق تنزيهه لم يقصر في ~~حق من حقوقه بتضييع شيء نم أوامره كما أن تنزيه ما لا يعقل بأن لا يخالف ~~شيئا من مراده , قال مرهبا بنداء البعد والتوبيخ الذي من مبادئ الغضب ~~والإنكار بالاستفهام والتعبير بما يفهم أدنى مراتب الإيمان : { يأيها الذين ~~آمنوا } أي ادعوا الإيمان { لم } قال في الكشاف : هي لام الإضافة داخلة على ~~( ما ) الاستفهامية كما دخل عليها غيرها من حروف الجر في بم وفيم ومم وعم ~~وإلام وعلام , وإنما حذفت الألف لأن ( ما ) والحرف كشيء واحد , ووقع ~~استعمالها بزيادة هاء السكت أو الإسكان , ومن أسكن في الوصل فلإجرائه مجرى ~~الوقف كما سمع ms5330 ثلاثه أربعه بالهاء وإلقاء حركة الهمزة عليها محذوفة , وقال ~~الرضي في الموصول : إنها حذفت لأن لها صدر الكلام ولم يمكن تأخير الجار ~~عنها فقدم وركب معها حتى يصير المجموع موضوعة للاستفهام , فلا يسقط ~~الاستفهام عن مرتبة الصدر , وجعل حذف الألف دليل التركيب { تقولون } أي من ~~دعوى الإيمان التي مقتضاها إلزام الإخلاص في جميع الأحوال { ما لا تفعلون * ~~} أي ما لا تصدقونه بالفعل الذي يكون بغاية الرغبة والقوة فتتخذوا العدو ~~وليا بالإقبال عليه وإرسال التنصح إليه وقد تلفظتم بالإيمان الذي يستلزم ~~المعاداة لكل من كفر , وخلف الوعد في نفسه قبيح ومع الخالق أقبح . | ولما ~~كان ذلك مهلكا , رحم المخاطبين بتعظيمه لينجوا أنفسهم بالكف عنه فقال : { ~~كبر } فقصد به التعجيب وهو تعظيم الأمر في قلوب السامعين لأن التعجب لا ~~يكون إلا في أرم خارج عن نظائره وأشكاله , وفسر ما قصد منه للدلالة على ~~خلوصه في المقت بقوله : { مقتا } أي عظم جدا وما أعظمه من بغض هو أشد البغض ~~, وزاد في تبشيعه زيادة في التنفير منه بقوله : { عند الله } أي الملك ~~الأعظم الذي يحقر عنده كل متعاظم . | ولما أبلغ في تبشيعه تشوفت النفس إلى ~~المسند إليه ذلك قال : { أن تقولوا } أي عظم من تلك الجهة أن يقع في وقت من ~~الأوقات أو حال من الأحوال قولكم { ما PageV07P572 لا تفعلون * } وقال ~~القشيري : ويقال : لم يتوعد الله على زلة بمثل ما توعد على هذا - انتهى . | ~~وكل ما ذكروه في سببها صالح للسببية قول بعضهم لو ندري أحب الأعمال إلى ~~الله لاجتهدنا فيه ثم ولوا يوم أحد , وتوانى بعضهم في الجهاد , وكون صهيب ~~رضي الله عنه قتل يوم بدر رجلا آذى المسلمين وأنكى فيهم وادعى غيره أنه ~~قتله فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر وعبد الرحمن بن عوف ~~لصهيب رضي الله عنهم : أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنك قتلته , فقال ~~صهيب رضي الله عنه : ( إنما قتلته لله ولرسوله , فأخبر عمر وعبد الرحمن رضي ~~الله عنهما النبي صلى الله عليه وسلم فقال ms5331 : ) أكذلك أبا يحيى ( , فقال : ~~نعم يا رسول الله والتزام المنافقين أحكام الإسلام , وتخلفهم إخلافا في ~~الأمور العظام , وكذا قصة حاطب رضي الله عنه . | ولما عظم ما يكرهه بعد ما ~~ألهب به من تنزيه غير العاقل , فكان العاقل جديرا بأن يسأل عما يحبه لينزهه ~~به , قال ذاكرا الغاية التي هي أم جامعة لكل ما قبلها من المحاسن , مؤكدا ~~لأن الخطاب مع من قصر أو هو في حكمه : { إن الله } أي الذي له جميع صفات ~~الكمال { يحب } أي يفعل فعل المحب مع { الذي يقاتلون } أي يوقعون القتال { ~~في سبيله } أي بسبب تسهيل طريقه الموصلة إلى رضاه إيقاعا مظروفا للسبيل , ~~واللسان , والإنسان بالسيف والسنان { صفا } أي مصطفين حتى كأنهم في اتحاد ~~المراد على قلب واحد كما كانوا في التساوي في الاصطفاف كالبدن الواحد . | ~~ولما كان الاصطفاف يصدق مع التقدم والتأخرر اليسير نفى ذلك بقوله حالا بعد ~~حال : { كأنهم } أي من شدة التراص والمساواة بالصدور والمناكب والثبات في ~~المراكز { بنيان } وزاد في التأكيد بقوله : { مرصوص * } أي عظيم الاتصال ~~شديد الاستحكام كأنما رص بالرصاص فلا فرجة فيه ولا خلل , فإن من كان هكذا ~~كان جديرا بأن لا يخالف شيء من أفعاله شيئا من أقواله , فالرص إشارة إلى ~~اتحاد القلوب والنيات في موالاة الله ومعاداة من عاداه المنتج لتسوية ~~الصفوف في الصلاة التي هي محاربة الشيطان , والحرب التي هي مقارعة حزبه ~~أولى الطغيان , والأفعال التي هي ثمرات الأبدان . | PageV07P573 < < # | الصف : ( 5 - 6 ) وإذ قال موسى . . . . . # > > ^ ( وإذ قال موسى لقومه يقوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله ~~إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين * وإذ قال ~~عيسى ابن مريم يبني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من ~~التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا ~~هذا سحر مبين ) ^ } ) | ولما كان التخلف عن أمر الله تعالى والغفلة عن شيء ~~يؤدي تركه إلى التهاون به والإخلال بأدب من آدابه موجبا للكون في صف ~~الشيطان ومفارقة حزب الرحمن , فيكون ms5332 أذى الرسول صلى الله عليه وسلم , فيوجب ~~ذلك الشقاء كله لأنه جدير بأن يجر إلى أكبر منه إلى أن تحيط الخطايا فتبيح ~~الرزايا , وكان للتذكير بالمشاهدات والأمور الواقعات ما ليس لغيره في ~~التأجيب ومرجع الترهيب , ذكر بما كان لبني إسرائيل ترهيبا من مثل حالهم , ~~لئلا يوقع في نكالهم , حين تقاعسوا عما أمروا به من فتح بيت المقدس من الله ~~تعالى غضب من فعلهم ذلك فسماهم فاسقين وضربهم بالتيه أربعين سنة , وأمات في ~~تلك الأربعين كل من توانى منهم في ذلك , فلم يدخل إلى بيت المقدس منهم أحد ~~, فحرموا البلاد التي تقاعدوا عن فتحها , وهي بعد مكة والمدينة خير بلاد ~~الله تعالى ومهاجر أبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومواطن أبويهما إسحاق ~~ويعقوب عليهما الصلاة والسلام وأنزه الأرض , وأكثرها خيرا وأبركها , مع ما ~~كانوا فيه من لاضيق والنكد من التيه الذي هو طرد عن جناب الله بما اراد - ~~بما أشار إليه التعبير عن زمنه بالسنين - إلى ما أبقوا بعدهم نم سوء الذكر ~~وشناعة القالة إلى آخر الدهر فقال تعالى : { وإذ } عطفا على ما تقديره : ~~اذكروا ما فعل بعضكم - بما أشرت إليه أول هذه الآيات من الآداب من تنبيه ~~الكفار بما قد يمنع من الفتح أو يكون سببا في عسره أو في إهلاك خلق كثير من ~~عباي الذي خلقتهم في أحسن تقويم من المؤمنين وغيرهم , أو من الفرار من ~~الكفار عند المقارعة , أو التقاعس عن اللقاء عند البعث عليه , فآذى ذلك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أذاه من أذى الله فحلم عنكم , وقبل بما ~~له من بليغ الرحمة بكم والشفقة عليكم منكم , وكان أنهى ما عاتبكم به مرسوله ~~سبحانه النداء بما هو أدنى الأسنان في الإيمان في نظير إطلاقه على بني ~~إسرائل الفسق بالوصف المؤذن بالرسوخ : واذكروا حين { قال موسى لقومه } وهم ~~- مع كونه منهم - ممن له قوة على ما يحاولونه : { يا قوم } استعطافا لهم ~~واستنهاضا إلى رضى ربهم { لم تؤذونني } أي تجددون إذائي مع الاستمرار ~~بالتواني في أمر الله والتقاعد ms5333 عن فتح بيت المقدس مع قولي عن الله أنكم ~~فاتحوها إن أطعمتموه وأن الله أقسم لآبائكم أنه ما نحكموها لا محالة . | ~~ولما كان هذا الاستفهام الإنكار موجبا لتوقع ما يأتي بعده من موجب التعظيم ~~PageV07P574 بدل الأذى , والتبيجيل والانقياد موضع التوقف والإباء , قال ~~محققا بحرف التحقيق مضمون الكلام : { وقد } أي والحال أنكم { تعلمون } أي ~~علمتم قطعيا مع تجدده لكم في كل وقت بتجدد أسبابه بما آتيتكم به من ~~المعجزات وبالكتاب الحافظ لكم من الزيغ { أني رسول الله } أي الملك الأعظم ~~الذي لا كفوء له ورسوله أيضا يعظم ويحترم لا أنه تنتهك جلالته وتخترم { ~~إليكم } لا أقول لكم شيئا إلا عنه , ولا أنطق عن الهوى , فعصياني عصاينه مع ~~أني ما قلت لكم شيئا إلا تم , وإن كنتم قاطعين بخلافه فهي معصيته لا حامل ~~عليها أصلا إلا رداءة الجبلات . | ولما تحنن إليهم واستعطفهم وذكرهم ما ~~يعلمون من رسليته وصلته بالله بما شاهدوا من الآيات التي هي أعظم الإحسان ~~إليهم , أعلم أنهم أوشكوا العصيان , فقال معبرا عن ذلك بالفاء تسبيبا عن ~~هذا القول الذي هو أهل لأن يسبب الثبات وتعقيبا وتقريبا : { فلما زاغوا } ~~أي تحقق زيغهم عن قرب عن أوامر الله في الكتبا الآتي إليهم بما أبوا من ~~قبول أمره في الإقدام على الفتح { أزاغ الله } أي الذي له الأمر كله { ~~قلوبهم } من الاستواء , وجمع الكثرة يدل على أنه لم يثبت منهم إلا القليل ~~فهزمهم بين يدي أعدائهم وضربهم بالتيه لأنهم فسقوا عن أمر الله { فالله } - ~~لا يهديهم , فأسند الذنب إليهم والعقوبة إليه وإن كان الكل فعله تعليما ~~لعباده الأدب وإعلاما بأن أفعالهم الاختيارية ينسب إليهم كسبها ويقوم به ~~الحجة عليهم لعدم علمهم بالعاقبة { والله } أي الملك الأعظم الذي له الحكمة ~~البالغة لأنه المستجمع لصفات الكمال { لا يهدي } أي بالتوفيق بعد هداية ~~البيان { القوم الفاسقين * } أي العريقين في الفسق الذين لهم قوة المحاولة ~~فلم يحملهم على الفسق ضعف , فاحذروا أن تكونوا مثلهم في العزائم فتساووهم ~~في عقوبات الجرائم - انتهى . | ولما كان أذى النبي صلى ms5334 الله عليه وسلم ~~بمخالفة أمره تارة يكون مع العلم برسالته والإقرار بها وتارة مع الإنكار , ~~وقدم العتاب على ما كان منه على تقدير التصديق , وذكر فيه بقصة موسى عليه ~~الصلاة والسلام الذي كانوا يؤذونه مع العلم برسالته , وهدد بما اتفق لهم من ~~زيغ القلوب التي هي عماد الأبدان وصلاح الإنسان , أتبعه ما يكون منه عند ~~فرض الإنكار . | ولما كان رد المنكر تارة بالعقل وتارة بالنقل , وكان الذي ~~بالعقل يكون بنظر المعجزات ولا سيما إخراج الخبأ وقد كان منه في قصة حاطب ~~رضي الله تعالى عنه في إخراج كتابه الذي اجتهد في إخفائه واجتهدت الظعينة ~~الحاملة له في كتمانه ما فيه مقنع في العلم بالرسالة وتحقق الجلالة , أتبع ~~ذلك دليلا نقليا تأييدا للعقل مع كونه دليلا على صحة الإخبار بإزاغة قلوب ~~بني إسرائيل جزاء على زيغهم عن الحق فقال : { وإذ } أي واذكروا حين { قال ~~عيسى } ووصفه بما حقق من هو فقال : { ابن مريم } أي لقوم PageV07P575 موسى ~~عليهما الصلاة والسلام الذين أرسل إليهم وثبتت نبوته لديهم بالمعجزات مع ~~إخلاص الدعوة لله وتصديق من كان قبله من أهل الله : { يا بني إسرائيل } ~~وذكرهم بما كان عليه أبوهم من الدين وما وصى به نبيه من التمسك بالإسلام , ~~ولم يعبر بالقوم كما قال موسى عليه الصلاة والسلام لأنه لا أب له فيهم وإن ~~كانت أمه منهم , فإن النسب إنما هو من جهة الأب , وأكد لإنكار بعضهم فقال : ~~{ إني رسول الله } أي الملك الأعظم الذي أحاط علمه بكل شيء { إليكم } أي لا ~~إلى غيركم , حال كوني { مصدقا } نصبه بما في الرسول من رائحة الفعل ولا ~~ينصب ب ( إليكم ) لأنه صفة للرسول , وحروف الجر لا تعمل بأنفسها بل بما ~~فيها من معنى الفعل , فإذا كانت صلات لم تكن متضمنة لمعنى فعل فلا تعمل , ~~وهو الحرف الذي يسمى في غير ( الكتاب العزيز ) لغوا { لما بين يدي } أي ~~تقدمني وكان من قبلي { من التوراة } التي تعلمون أن الله تعالى أنزلها على ~~موسى عليه الصلاة والسلام وهي أول الكتب التي ms5335 نزلت بعد الصحف وحكم بها ~~النبيون , فتصديقي لها مع تأييدي لها مؤيد لأن ما أقمته من الدلائل حق ~~ومبين أنها دليلي فيما لم أنسخه منه كما يستدل الإنسان بما قدامه من ~~الأعلام ويراعيه ببصره . | ولما ذكر أول الكتب ذكر أيضا أول الأنبياء خلقا ~~وآخرهم بعثا وهو آخر الرسل ليكون في ذلك إشارة إلى أن البشراة به في ~~التوراة والإنجيل فقال : { ومبشرا } أي في حال تصديقي للتوراة . | ولما ~~كانت رسالته صلى الله عليه وسلم عامة لجميع الخلق لم يذكر في رسالته حرف ~~الغاية كما ذكر في الرسالتين المذكورتين قبل فقال : { برسول } أي إلى كل من ~~شملته المربوبية { يأتي } ولما كان إتيانه بعده بمدة طويلة أدخل الجار فقال ~~: { من بعدي } ولما كان الإتيان بغاية البيان وإزاحة اللبس بكل اعتبار أقعد ~~في العتاب لمن هفا بعده والأخذ لمن جفا فنقض عهده , أتى بالاسم الذي ما ~~شارك النبي صلى الله عليه وسلم فيه أحد في زمانه ولا قبله أصلا , ووزنه دال ~~على المبالغة في معناه فقال : { اسمه أحمد } أي دال على أنه أبلغ الخلق ~~حامدا ومحمودا وهو اسمه صلى الله عليه وسلم في السماء التي سيصير إليها هذا ~~المبشر , وفي تخصيصه بالذكر احتراز عن أن يتوهم أن البعدية في الرتبة لأنه ~~يليح بتصديره بالهمزة التي هي أول الحروف مخرجا وأشد حروف الحلق الذي هو ~~أول المخارج وتضمينه الميم إلى أنه صلى الله عليه وسلم كما أنه خاتم بما ~~أشار إليه أشهر أسمائه وأعظمها ( محمد ) لابتدائه المخارج , لا نبي بعده ~~فهو فاتح مقدم باعتبار الذكر والشرف والحكم بالوصف الشريف لا نبي قبله في ~~الخلق وجبت له النبة وإن آدم لمنجدل في طينه وبين الروح والجسد كما ~~PageV07P576 في الحديث الذي أخرجه أحمد عن ميسرة الفجر رضي الله عنه ~~والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه وأخرجه البيهقي في أول دلائل النبوة ~~وقال : إن معناه أنه كذلك في قضاء الله وتقديره , وكأنه يريد قضاء مكتوبا ~~في أم الكتاب ومذكورا لمن أراد من الملائكة قبل إتمام خلق آدم ms5336 عليه الصلاة ~~والسلام فإنه يحتمل أنه سبحانه وتعالى لما صور آدم عليه الصلاة والسلام جعل ~~طينته شفافة تشف عن ذريته وجعل لصالحيهم نورا يرى دون غيره , فلما رأوا ~~أعظمهم نورا سألوا عنه فأخبرهم سبحانه وتعالى به وأثبت ما أراد من أوصافه ~~في أم الكتاب كام أنه كان نبيا بالإخبار في دعوة أبيه إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام وببشارة عيسى ابن مريم عليه الصلاة ولاسلام وبأمارات النور الذي ~~خرج من أمه كما في الحديث الذي رواه البيهقي في الدلائل وغيره عن العرباض ~~بن سارية رضي الله عنه ( إني عبد الله وخاتم النبيين ) وفي رواية ( إني عبد ~~الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته وسأخبركم عن ذلك ؛ دعوة أبي ~~إبراهيم وبشارة عيسى بي ورؤيا أمي التي , وكذلك أمهات النبيين يرين ) وأن ~~أم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأت حين وضعته نورا أضاءت له قصور الشام , ~~فتأويل ذلك بذكره سبحانه له لملائكته مثل تأويله بدعوة إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام في قوله تعالى حكاية عنه < # > 77 ( { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة } ) 77 < # > [ البقرة : 129 ] وبشارة عيسى مثل تأويله بالنور الذي يحتمل أن يكون ~~الملائكة عيلهم السلام ( رأوا في شفاف طينة آدم عليه السلام والله سبحانه ~~وتعالى أعلم . | وكانت سورة القتال أحق باسمه الدال على الختم لأن الختام ~~محتاج إلى علاج في لأم ما كان من نصدع الافتراق , وكذا سورة الفتح لما ~~يلزمه من محاولة المنغلق وإزالة الأغلاق , وختام السورتين بالميم عظيم ~~المناسبة لذلك لأن الميم اسم لتمام الظاهر المقام بالألف , وإلى ذلك إشارة ~~رسم ألف التنوين في الفتح PageV07P577 بعد الميم مع أنه لا يخلو من إشارة ~~إلى أنه الفاتح مع كونه الخاتم , ويؤيد ذلك افتتاح السورة بأول حروف الاسم ~~المليح إلى التفح , وكانت هذه السورة أحق به لأنه أدل دال على الاتفاق ~~واجتماع الكلمة دون اختلاف وافتراق , كما كان عند نزول آدم عليه الصلاة ~~والسلام وبعده بمدة , وإلى ذلك اشار ختمها وختم نظيرتها الصافات بالنون ~~الذي ms5337 هو مظهر مبين محيط بما أظهره , فهو مبشر لهذه الأمة بالاجتماع والظهور ~~على الاسم الذي يحيط اخره بجميع أهل الأرض على زمن المبشر عيسى عليه السلام ~~المؤيد للمبشر به بتجديد أمره وإقامة دينه صلى الله عليه وسلم , وآخر هذه ~~نتيجة آخر الصافات بالحمد الذي هو الإحاطة بأوصاف الكمال - والله تعالى ~~أعلم بالصواب ( . | < # > ذكر ما يصدق هذه الآية من الإنجيل من تصديقه للتوارة < # > وبشارته بأحمد صلى الله عليه وسلم , قال : وكان رجل مريض اسمه العازر ~~من بيت عنيا وهو أخو مريم ومرتا , فأرسلت الأختان إلى يسوع أن الذي تحبه ~~مريض , فأقام في الموضع الذي هو فيه يومين ثم قال تلاميذه : امضوا بنا إلى ~~اليهودية , فقال له تلاميذه : الآين يا معلم أراد اليهود رجمك وأنت تريد ~~المضي إليهم , فقال : إن العازر حبيبنا قد نام , فأنا انطلق فاوقظه , فقال ~~: يا سيدنا , إن كان نائما فهو يستيقط فقال العازر مات , فأقبلوا إلى بيت ~~عنيا , فإذا له أربعة أيام في القبر وكانت بيت عنيا من يروشليم على نحو ~~خمسة عشرة غلوة , وكان كثير من اليهود قد جاؤوا إلى مرتا ومريم يعزوهما , ~~فلما سمعت مرتا بقدوم يسوع خرجت لتلقاه فقالت له : يا سيد , لو كنت ههنا لم ~~يمت أخي وأنا أعلم أن الله يعطيك كل ما سألته , قال : سيقوم أخوك , قالت : ~~أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة , ثم جاءت مريم للقائه , فظن اليهود الذين ~~كانوا يعزونها أنها تذهب إلى القبر فتبعوها , فلما انتهت إلى المكان الذي ~~كان فيه يسوع خرت على قدميه ساجدة , فلما رآها تبكي ورأى اليهود الذين ~~كانوا معها قال : أين وضعتموه ؟ فقالوا له : يا سيد , تعالى وانظر , فدمع ~~يسوع فقال اليهود : انظروا كيف كان يحبه , فقال ناس منهم : أما كان هذا ~~الذي فتح عيني الأعمى يقدر أن يجعل هذا لا يموت , فجاء إلى القبر وكان ~~مغارة وعليه وعليه حجر موضع فقال : ارفعوا الصخرة , فقالت له مرتا أخت ~~الميت : يا سيد , إنه قد انت لأن له أربعة أيام , قال لها يسوع : ألم أقل ~~لك ms5338 إن آمنت رأيت مجد الله , فرفعوا الصخرة فرفع يسوع بصره إلى فوق وقال : ~~أشكرك , لأنك تسمع لي , أقول هذا من أجل هذا الجمع ليؤمنوا أنك أرسلتني , ~~قال هذا القول ونادى بصوت عظيم وصاح : عازر اخرج , فخرج الميت ويداه ورجلاه ~~ملفوفة باللفائف ووجهه ملفوف بعمامة , فقال يسوع : حلوه ودعوه يمضي , وإن ~~كثيرا من اليهود الذين جاؤوا إلى مريم لما رأوا ما صنع يسوع آمنوا , ~~PageV07P578 ومضى قوم منهم إلى الفريسيين فأخبروهم , فجمع عظماء الكهنة ~~والفريسيون محفلا فقالوا : ماذا نصنع إذ كان هذا الرجل يعمل آيات كثيرة وإن ~~تركناه فيؤمن به جميع الناس وتأتي الروم فتنقلب على أمتنا وموضعنا , وإن ~~واحدا منهم اسمه قيافا كان أعظم الكهنة في تلك السنة قال لهم : إنه خير لنا ~~أن يموت واحد في الشعب من ان تهلك الأمة كلها - إلى آخر مامضى في النساء ~~عند قوله تعالى : < # > 77 ( { وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم } ) 77 < # > { النساء : 157 ] الآيات , نرجع إلى متى قال : حينئذ ذهب الفريسيون ~~وتشاوروا ليصطادوه بكلمة فأرسلوا إليه تلاميذهم والهردوسيين قائلين : يا ~~معلم , قد علمنا أنك محق وطريق الله بالحق تعلم ولا تبالي بأحد ولا تنظر ~~لوجه إنسان فقل لنا ما عندك , أيجوز لنا أن نعطي الجزية لقيصر أم لا ؟ فعلم ~~يسوع شرهم فقال : لماذا تجربوني يا مراؤون أروني دينار الجزية , فأتوه ~~بدينار فقال لهم يسوع : لمن هذه الصورة والكتابة ؟ فقالوا : لقيصر , حينئذ ~~قال لهم : أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله , فلما سمعوا تعجبوا وتركوه ~~ومضوا , وقال يوحنا : فقال يسوع : أنا ماكث فيكم زمانا يسيرا , ثم انطلق ~~إلى من أرسلني وتطلبوني فلا تجدوني , وحيث أكون أنا لستم تقدرون على المجيء ~~إلي فقال اليهود فيما بينهم : إلى أين هذا مزمع أن يذهب حتى لا نجده , لعله ~~مزمع أن قيامة , وسألوه - فذكر سؤالهم وجوابه لهم إلى أن قال في آخر جوابه ~~: أما قرأتم ما قيل لكم من الله , وقال مرقس : في سفر موسى قول الله على ~~العوسج إذ قال : أنا هو إله إبراهيم وإله إسحاق ms5339 وإله يعقوب وأنتم تضلون ~~كثيرا , وعبارة لوقا : فقد نبأ بذلك موسى في العليقة كما قال الرب : أنا ~~إله إبراهيم وإله إسحاق وإله يعقوب , وقال متى : فلما سمع الجمع بهتوا من ~~تعليمه , فلما سمع ذلك الفريسيون أنه قد أبكم الزنادقة اجتمعوا عليه جميعا ~~وسأله كاتب منهم ليجربه قائلا , يا معلم ! أي الوصايا أعظم في الناموس ؟ ~~قال له يسوع : تحب الرب إلهك من كل قلبك , وقال : اسمع , يا إسرائيل , الرب ~~إلهك واحد هو , تحب إلهك من كل قلبك - انتهى , ومن كل نفسك ومن كل فكرك , ~~هذه الوصية الأولى العظيمة , والثانية التي تشبهها أن تحب قريب مثل نفسك , ~~قال مرقس : ليس وصية أعظم من هاتين - انتهى , في الوصيتين سائر الناموس ~~والانبياء يتعلق , قال مرقس : فقال له الكاتب : فحينئذ يا معلم الحق قلت ~~أنه واحد ليس آخر غيره , وأن تحبه من كل القلب ومن كل النية ومن كل النفس ~~ومن كل القوة , وتحب القريب مثلك , هذه أفضل من جميع الذبائح والمحترقات , ~~فلما رأى يسوع عقله أجابه قائلا : لست بعيدا من ملكوت الله , وقال لوقا : ~~فقال ليسوع : ومن هو قريبي ؟ قال يسوع : كان رجل نازلا من PageV07P579 ~~يروشليم إلى أريحا , فوقع بين اللصوص فسلبوه وجرحوه ومضوا وتركوه مثخنا ~~قريب الموت , واتفق ان كاهنا نزل في تلك الطريق فأبصره وجاز , وكذلك لاوي ~~جاء إلى المكان فأبصره وجاز , وإن سامريا جاز به , فلما رآه تحنن ودنا منه ~~وضمد جراحاته وحمله على دابته وجاء به إلى الفندق وعني بأمره , وفي الغد ~~أخرج بدينارين أعطاهما فمن من هؤلاء الثلاثة تظن أنه قد صار قريبا للذي وقع ~~بين اللصوص , فقال له : الذي صنع معه رحمة , فقال له يسوع : اذهب أنت وافعل ~~هكذا , وقال مرقس : فلم يتجرأ أحد أن يسأله ثم قال : وكانت جماعة كثيرة ~~يسمعون منه بشهوة , وقال يوحنا : وآمن باسمه عند كونه بإيروشليم في عيد ~~الفسح كثير لأنهم عاينوا الآيات التي عمل , ثم قال : وكان رجل من الفريسيين ~~اسمه نيقوديميس رئيسا لليهود أتى إلى يسوع ليلا وقال له : يا معلم ms5340 نحن نعلم ~~أنك من الله أتيت معلما لأنه ليس بقدر أحد أن يعمل هذه الآيات التي تعمل ~~أنت إلا من كان الله معه , قال متى : وحينئذ كلم يسوع الجمع وتلاميذه وقال ~~: على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون وكل ما قالوه لكم احفظوه أنتم ~~وافعلوه , ومثل أعمالهم لا تصنعوا لأنهم يقولون ولا يفعلون , لأنهم يربطون ~~أحمالا ثقالا صعبة الحمل لكي يراؤوا الناس , يعرضون أرديتهم ويعظمون أطراف ~~ثيابهم , ويحبون أول الجماعات في الولائم وصدور المجالس في المجامع والسلام ~~في الأسواق , وأن يدعوهم الناس معلمين , فأما أنتم فلا تدعوا لكم معلما على ~~الأرض ولا مدبرا فإن مدبركم واحد هو المسيح , وأنتم جميعا إخوة , ولا تدعوا ~~لكم أبا على الأرض فإن أباكم واحد , هو الذي في السماوات , والكبير الذي ~~فيكم يكون لكم خادما , فمن رفع نفسه اتضع , ومن وضع نفسه ارتفع , الويل لكم ~~أيها الكتبة والفريسيون , لأكلكم بيوت الأرامل والأيتام , لعلة تطويل ~~صلاتكم , ومن أجل هذا تأخذون أعظم دينونة , الويل لكم أنكم تغلقون ملكوت ~~السماوات قدام الناس فلا أنتم تدخلون ولا تتركون الداخلين يدخلون , الويل ~~لكم أنكم تطوفون البر والبحر لتصطفوا غريبا واحدا , فإذا صار صيرتموه لجهنم ~~ابنا مضعفا , لكم الويل يا أيها الهداة العيمان الذين يقولون : من حلق ~~بالهيكل فليس عليه شيء , ومن حلف بذهب الهيكل يخطىء , أيها الجهال العمي ~~أيما أعظم ؟ الذهب أن الهيكل الذي يقدس الذهب , ومن حلف بالمذبح فلا شيء , ~~ومن خلف بالقربان الذي فوقه فهو يخطىء يا جهال وعميان , أيما أعظم ؟ ~~القربان أم المذبح الذي يقدس القربان ؟ ومن حلف بالمذبح فقد حلف به وبكل ما ~~فوقه , ومن حلف بالهيكل فهو يحلف به وبالساكن PageV07P580 فيه , ومن حلف ~~بالسماء فهو يحلف بكرسي الله وبالجالس عليه , الويل لكم أنكم تعشرون الشبث ~~والنعنع والكمون وتتركون أثقل الناموس الحكم والرحمة والإيمان , وقال لوقا ~~: تعشرون النعنع والسداب وكل البقول , وترفضون حكم الله ومحبته , قد كان ~~ينبغي أن تعقلوا هذا ولا تغفلوا عن تلك - انتهى , يا هداة عيمان الذين ~~يتركون البعوضة ويبلغون الجمل , الويل لكم أنكم ms5341 تنقون خارج الكأس والسكرجة ~~وداخلهما مملوء اختطافا وظلما , أيها الأعمى , نق أولا داخل الكأس والسكرجة ~~لكيما يتطهر خارجهما , وقال لوقا : اعطو الرحمة فكل شيء يتطهر لكم - الويل ~~لكم لأنكم لا تشبهون القبور المكلسة التي ترى من خارجها حسنة وداخلها مملوء ~~عظام الأموات وكل نجس , وقال لوقا : لأنكم مثل القبور المخفية والناس يمشون ~~عليها ولا يعلمون - انتهى . | وكذلك أنتم ترون الناس ظواهركم مثل الصديقين ~~, ومن داخل ممتلئون إثما ورياء , قال لوقا : وأنتم أيها الكتبة الويل لكم ~~لأنكم تحملون أوساقا وأثقالا وأنتم لا تدنون منها بإحدى أصابعكم , الويل ~~لكم لأنكم أخذتم مفاتيح الغرفة فما دخلتم , ومنعتم الذين يريدون الدخول - ~~انتهى , الويل لكم لأنكم تبنون قبور الأنبياء , قال لوقا : الذين قتلهم ~~آباؤكم - انتهى , وتزينون مدافن الصديقين وتقولون : لو كنا فيأيام آبائنا ~~لم نشاركهم في دم الأنبياء , فأنتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة ~~الأنبياء إنكم تكملون مكيلة آبائكم , أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون ~~من دينونة جهنم , من أجل هذا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة فتقتلون منهم ~~وتصلبون وتجلدون منهم في مجامعكم وتطردونهم من مدينة إلى مدينة لكي يأتي ~~عليكم دم الصديقين المسفوك على الأرض , وقال لوقا : وأنتم تشهدون وتسرون ~~بأعمال آبائكم لأنهم قتلوهم وأنتم تبنون قبورهم , ولهذا قالت حكمة الله : ~~هوذا أرسل إليهم أنبياء ورسلا فيقتلون منهم ويطردونهم لينتقم عن دم جميع ~~الأنبياء الذي أهريق من أول العالم إلى هذا الجيل . | وقال متى : من دم ~~هابيل الصديق إلى دم زكريا بن براشيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح , ~~الحق أقول لكم إن هذا كله يأتي على هذا الجيل , يا أورشليم , يا قتلة ~~الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم من مرة أردت أن أجمع بنيك فيك كما تجمع ~~الدجاجة فراخها تحت جناحيها فلم تريدوا , هوذا يترك بينكم لكم خرابا , أنا ~~أقول لكم : إني لا تروني من الآن حتى تقولوا : مبارك الآتي باسم الرب , ~~وقال مرقس : ثم جاء يسوع عند باب الخزانة ينظر الجمع يلقي نحاسا في الخزانة ~~وأغنياء كثير ألقوا كثيرا , فجاءت امرأة أرملة مسكينة ms5342 , فألقت فلسين ~~فاستدعى تلاميذه وقال لهم : الحق أقول لكم , إن هذه الأرملة المسكينة ألقت ~~أكثر من الكل الذين ألقوا في الخزانة , لأن الكل القوا من فضل ما عنده , ~~وهذه ألقت مع مسكنتها كل ما لها , ثم PageV07P581 خرج من الهيكل - انتهى . ~~| هذا ما فيه الدلالة على الرسالة وتصديق التوراة , وأما البشارة بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم فقد تقدم في هذا الكتاب مفرقا في السور كالأعراف والنساء ~~وغيرهما , وقال ابن هشام في تهذيب السيرة النبوية جمع ابن إسحاق , قال ابن ~~إسحاق : وقد كان فيما بلغني عما كان وضع عيسى ابن مريم عليهما الصلاة ~~والسلام فيما جاءه من الله تعالى في الانجيل لأهل الإنجيل من صفة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مما أثبت يحنس الحواري لهم حين نسخ لهم الإنجيل عن عهد ~~عيسى ابن مريم في رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم أنه قال : من أبغضني ~~فق أبغض الرب , ولولا أني صنعت بحرضتهم صنائع لم يصنعها أحد قبلي ما كانت ~~لهم خطيئة , ولكن من الآن بطروا وظونوا أنهم يعزونني وأيضا للرب ولكن لا بد ~~أن تتم الكلمة التي في الناموس أنهم أبغضوني مجانا أي باطلا فلو قد جاء ~~المنحمنا هذا الذي يرسله الله إليكم من عند الرب روح القدس هذا الذي من عند ~~الرب خرج فهو شهيد علي وأنتم أيضا لأنكم قديما كنتم معي في هذا قلت لكم لكي ~~لا تشكوا . | فالمنحمنا بالسريانية محمد صلى الله عليه وسلم وهو بالرومية ~~البارقليطس - انتهى . | ولما تم الدليل النقلي على نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم وعلى كونه أشرف الأنبياء فاتحا لهم وخاتما عليهم , دل على إلزام بني ~~إسرائيل الزيغ فقال : { فلما جاءهم } أي عيسى أو محمد صلى الله عليه وسلم ~~بني إسرائيل وغيرهم { بالبينات } أي من المعجزات العظيمة التي لا يسوغ ~~لعاقل إلا التسليم لها ومن الكتاب المبين { قالوا } أي عند مجيئها سواء من ~~غير نظرة لتأمل ولا غيره : { هذا } أي المأتي به من البينات أو الآتي بها ~~على المبالغة كما دل عليه ms5343 قراءة حمزة ( ساحر ) إشارة بالإشارة إلى القريب ~~بعد الإشارة - بفاء التعقب إلى شدة اتصال الكفر بأول أوقات المجيء : { سحر ~~} فكانوا أول كافر به , لأن هذا وصف لهم لازم سواء بلغهم ذلك وهم بمفردهم ~~أو منضما إليهم غيرهم { مبين * } أي في البيان في سحريته حتى أن شدة ظهوره ~~في نفسه لكل من رآه أنه سحر عنادا منهم ومكابرة للحق الذي لا لبس فيه . | < ~~< # | الصف : ( 7 - 9 ) ومن أظلم ممن . . . . . # > > ^ ( ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله ~~لا يهدي القوم الظالمين * يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ~~ولو كره الكافرون * هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين ~~كله ولو كره المشركون ) ^ } ) | ولما كان التقدير إعلاما بأنهم أظلم الناس ~~لتعمدهم للكذب : فمن أظلم منهم لتهتكهم في ذلك , عطف عليه قوله : { ومن ~~أظلم } وعم كل من اتصف بوصفهم فقال : { ممن افترى } أي تعمد { على الله } ~~أي الملك الأعلى { الكذب } الذي هو أقبح الأشياء { وهو } أي والحال أنه { ~~يدعى } أي من أي داع كان { إلى الإسلام } الذي هو PageV07P582 أحسن الأشياء ~~فيكفي في الدعاء إليه أدنى تنبيه لأنه الاعتراف بالحق لمن هو له , فيجعل ~~مكان الإجابة افتراء الكذب في تلك الحالة الحسنى . | ولما كان التقدير : ~~فهو لا يهديه الله لأجل ظلمه , عطف عليه قوله : { والله } أي الذي له الأمر ~~كله فلا أمر لأحد معه { لا يهدي القوم } أي لا يخلق الهداية في قلوب من ~~فيهم قوة المحاولة للأمور الصعاب { الظالمين * } أي الذين يخبطون في عقولهم ~~خبط من هو في الظلام . | ولما أخبر عن درهم للرسالة , علله بقوله : { ~~يريدون } أي يوقعون إرادة ردهم للرسالة بافترائهم { ليطفئوا } أي لاجل أن ~~يطفئوا { نور الله } أي الملك الذي لا شيء يكافيه { بأفواههم } أي بما ~~يقولون من الكذب لا منشأ له غير الأفواه لأنه لا اعتقاد له في القلوب لكونه ~~لا يتخيله عاقل , فهم في ذلك كالنافخين في الشمس إرادة أن يمحو نفخهم عينها ~~وينقص شينهم زينها , فمثل إرادتهم لإخفاء القرآن ms5344 بتكذيبهم وجميع كيدهم بمن ~~يريد إطفاء الشمس بنفخه فهو في أجهد وأضل الضلال : | وفي تعب من يسحد الشمس ~~ضوءها ويجهد أن يأتي لها بضريب | فأفاد قصر الفعل أن إرادتهم كلها مصورفة ~~لهذا الغرض وأنه لا إرادة لهم غير ذلك وأنه لا ينبغي أن يكون لهم إرادة ~~لأنهم عبيد , والإرادة لا ينبغي إلا للسيد ليكون إرادة العبد تابعة لها , ~~فتكون امتثالا لإرادته , فكأنه لا إرادة له , فهو أبلغ مما في براءة لأن ~~هذه نتيجتها . | ولما أخبر بعلة إرادتهم وأشار إلى وهي أمرهم بعد أن أخبر ~~بردهم للحق وجرأ عليهم بالإخبار بإضلالهم , زاد ذلك بقوله مظهرا غير مضمر ~~تنبيها على جميع صفات الجلال والإكرام : { والله } أي الذي لا مدافع له ~~لتمام عظمته . | ولما كانت هذه السورة نتيجة سورة براءة التي أخبر فيها ~~بأنه يأبى إلا إتمام نوره , أخبر في هذه بنتيجة ذلك وهي ثبات تمام النور ~~ودوامه , لأن هذا شأن الملك الذي لا كفوء له إذا أراد شيئا فكيف إذا أرسل ~~رسولا فقال : { متم } وهذا المعنى يؤيد قول الجمهور أنها مدينة بعد التأييذ ~~بذكر الجهاد , فإن فرضه كان بعد الهجرة من والظاهر نم ترتيبها على الممتحنة ~~التي نزلت في غزوة الفتح أنها بعد براءة في النزول أيضا . | ولما كان النور ~~لإظهار صور الأشياء بعد انطماسها سببا لوضع الأشياء في أتقن مواضعها , وكان ~~ما اتى من عند الله من العلم كذلك , جعل عينه فأطلق عليه اسمه فقال : { ~~نوره } فلا يضره ستر أحد له بتكذيبه ولا إرادة إطفائه , وزاد ذلك بقوله : { ~~ولو PageV07P583 كره } أي إتمامه له { الكافرون * } أي الراسخون في صفة ~~الكفر المجتهدون في المحاماة عنه . | ولما أخبر بذلك , علله بما هو شأن كل ~~ملك فكيف بالواحد في ملكه فقال : { هو } أي الذي ثبت أنه جامع لصفات الجمال ~~والجلال وحده من غير أن يكون له شريك أو وزير { الذي أرسل } بما له نم ~~القوة والأرادة { رسوله } اي الحقيق بأن يعظمه كل من بلغه أمره لأن عظمته ~~من عظمته , ولم يذكر حرف الغاية إشارة إلى ms5345 عموم الإرسال إلى كل من شمله ~~الملك كما مضى { بالهدى } أي البيان الشافي { ودين الحق } أي الملك الذي ~~ثباته لا يدانيه ثبات , فلا ثبات لغيره , فثبات هذا الدين بثباته , ويجوز ~~أن يكون المعنى : والدين الذي هو الحق الثابت في الحقية الكامل فيها كمالا ~~ليس لغيره , فيكون من إضافة الموصوف إلى صفته إشارة إلى شدة التباسه بها { ~~ليظهره } أي يعليه مع الششهرة وإذلال المنازع { على الدين } أي جنس الشريعة ~~التي تجعل ليجازي من يسلكها ومن يزيغ عنها , بها يشرع فيها من الأحكام { ~~كله } فلا يبقى دين إلا كان دونه وانمحق به وذل أهله له ذلا لا يقاس به ذل ~~{ ولو كره } أي إظهاره { المشركون * } أي المعاندون في كفرهم الراسخون في ~~تلك المعاندة , وأعظم مراد بهذا أهل العناد ببدعة الاتحاد , فإنهم أم تركوا ~~شيئا مما سواه حتى أشركوا به - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا , - وهم ~~مع بعد نحلتهم من العقول وفسادها من الأوهام ومصادمتها لجميع النقول في ~~غاية الكثرة لمصير الناس إلى ما وعد الله ورسوله - وصدق الله ورسوله - من ~~أن أكثره قد مرجت عهودهم وخفيت أماناتهم وصاروا حثالة كحثالة التمر لا يعبأ ~~الله بهم , لكنهم على كثرتهم بما تضمنته هذه الآية في أمثالها في غياة الذل ~~ولله الحمد لا عز له إلا بإظهار الاتباع للكتاب والسنة وهم يعلمون أنهم ~~يكذبون في هذه الدعوى لأنهم في غاية المخالفة لهما بحيث يعتقدون أنهما شرك ~~لإثباتهما لله تعالى وجودا يخالف وجود الخلق وهم يقولون مكابرة للضرورة أن ~~الوجود واحد وأنه لا موجود ظاهرا وباطنا سواه , ولذلك سموا الوجود به ثم لا ~~يردهم علمهم بذلهم وأنهم لا عز لهم إلا بحمى الشريعة عن ضلالهم فأعجب لذلك ~~وألجأ إلى الله تعالى بسؤال العافية , فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء ~~, وضربهم بالذل مع كثرتهم في غاية الدلالة على الله سبحانه لأن الملك ~~الكامل القدرة لايقر من يطعن في ملكه ويسعى فر رد رسالته وإهانة رسله ولقد ~~أنجز سبحانه كثيرا من وعده بما دل - لكونه تغليبا ms5346 على أقوى الملوك من ~~الأكاسرة والقياصرة - على لاقدرة على الباقين , وذلك أنه لما تقاعد قومه عن ~~نصرته وانتدبوا PageV07P584 لتكذيبه وجحد ما شاهدوه من صدقه يسر الله له ~~أنصارا من أمته هم نزاع القبائل وأجاد الأفاضل وسادات الأماثل فبلغوا في ~~تأييده أقصى الأمل . | < < # | الصف : ( 10 - 11 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * ~~تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم ~~إن كنتم تعلمون ) ^ } ) | ولما أنتج هذا كله نصر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على كل حال ودمار من يخالف أمره , أنتج قطعا أن الجهاد معه متجر رابح ~~لأن النصر مضمون , والموت منهل لا بد من وروده سواء خاض الإنسان الحتوف أو ~~احترس في القصور المشيدة , فقال تعالى في أسلوب النداء والاستفهام لأنه ~~أفخم وأشد تشويقا بالأداة التي لا يكون ما بعدها إلا بالغا في العظم إلى ~~النهاية : { يا أيها الذين آمنوا } أي قالوا في إقرارهم بالإيمان ما عليهم ~~أن يفعلوا بمقتضاه { هل أدلكم } وأنا المحيط علما وقدرة , فهي إيجاب في ~~المعنى ذكر بلفظ الاستفهام تشويقا ليكون أوقع في النفس فتكون له أشد تقبلا ~~, والآية أيضا نتيجة ما مضى باعتبار آخر لأنه لما وبخ على انحلال العزائم ~~واخبر بما يجب من القتال , وبكت على أذى الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالمخالفة , وأبخر أن من خالفه لا يضر إلا نفسه , كان موضع الاستباق في ~~طاعته فرتب عليه الاشتياق إلى ذكر ثمرته فذكرها , ولما كان فعل حاطب رضي ~~الله عنه لأجل أنه لا نجاح أهله الذين كانوا بمكة في أنفسهم ولا في شيء من ~~مالهم , وكان هذا في معنى التجارة قال : { على تجارة } وقراءة ابن عامر { ~~تنجيكم } بالتشديد أنسب لهذا المقام من قراءة الجماعة بالتخفيف , وقراءة ~~الجماعة أنسب لمقصود حاطب رضي الله عنه { من عذاب أليم * } بالإجاحة في ~~النفس أو المال . | ولما كان الاتجار إجهاد النفس في تحصيل الربح النافع , ~~وكان الإيمان والجهاد أعظم إجهاد النفس في تحصين - الجنة الباقية التي ms5347 لا ~~ريح توازيها , فاستعار لهما اسمها , وكان جواب النداء الإقبال وجواب ~~الاستفهام نعم , عدوا كأنهم أقبلوا وأنعموا تنبيها على ما هو الأليق بهم , ~~فاستأنف لهم بيان التجارة بأنه الجمع بين الإيمان الذي هو أساس الأعمال ~~كلها , والجهاد بنوعيه المكمل للنفس والمكمل للغير فقال : { تؤمنون } أي ~~آمنوا بشرط تجديد الإيمان على سبيل الاستمرار { بالله } الذي له جميع صفات ~~الكمال { ورسوله } الذي تصديقه آية الإذعان المعنوية والخضوع لكونه ملكا { ~~وتجاهدون } أي وجاهدوا بيانا لصحة إيمانكم على سبيل التجديد والاستمرار . | ~~ويدل على أنهما بمعنى الأمر ما أرشد إليه جزم ما أقيم في موضع الجواب مع ~~قراءة عبد الله ر ضي الله عنه : آمنوا وجاهدوا - بصيغة الأمر { في سبيل ~~الله } أي بسبب تسهيل طريق الملك الأعظم الموصل إليه الذي لا أمر لغيره ~~بحيث يكون ظرفا لكم في جميع هذا الفعل فلا شيء PageV07P585 يكون منه خارجا ~~عنه ليكون خالصا بفتح بلد الحج ليسهل الوصول إليه من كل من أراده وغير ذلك ~~من شرائعه فتكونوا ممن يصدق فعله قوله , وهذا المعنى لا وقفة فيه لأنه فرق ~~بين قولنا : فلان فعل كذا - الصادق بمرة , وبين قولنا بفعله الدال على أن ~~فعله قد صار ديدنا له , فالمعنى : يا من فعل الإيمان إن أردتم النجاة ~~فكونوا عريقين في وصف الإيمان حقيقين به ثابتي الإقدام فيه وأديموا الجهاد ~~دلالة على ذلك فإن الجهاد لما فيه من الخطر والمشقة والضرر أعظم دليل على ~~صدق الإيمان , ويؤيد ذلك أن السياق لقصة حاطب رضي الله عنه المفهمة في ~~الظاهر لعدم الثبات في الإيمان وإرادة الجهاد الدال على المصدق فيه , ولذلك ~~قال عمر رضي الله عنه ما قال - والله الهادي . | ولما كان الجميع بين الروح ~~وعديلها المال على وجه الرضى والرغبة أدل على صحة الإيمان , قال : { ~~بأموالكم } وقدمها لعزتها في ذلك الزمان ولأنها قوام الأنفس والأبدان , فمن ~~بذل ماله كله لم يبخل بنفسه لأن المال قوامها . | ولما قدم اقوم أتبعه ~~القائم به فقال : { وأنفسكم } ولما أمر بهذا في صيغة الخبر اهتماما به ~~وتأييدا لشأنه ms5348 , أشار إلى عظمته بمدحه قبل ذكر جزائه , فقال : { ذلكم } أي ~~الأمر العظيم من الإيمان وتصديقه بالجهاد { تعلمون * } أي إن كان يمكن أن ~~يتجدد لكم علم في وقت من الأوقات فأنتم تعلمون أن ذلك خير لكم , فإذا علمتم ~~, أنه خير أقبلتم عليه فكان لكم به أمر عظيم , وإن كانت قلوبكم قد طمست ~~طمسا لا رجاء لصلاحها فصلوا على أنفسكم صلاة الموت . | < < # | الصف : ( 12 - 14 ) يغفر لكم ذنوبكم . . . . . # > > ^ ( يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة ~~في جنات عدن ذلك الفوز العظيم * وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر ~~المؤمنين * يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طآئفة من ~~بني إسرائيل وكفرت طآئفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين ) ^ ~~} ) | ولما كان معنى ( تؤمنون ) : فالأمر كما تقدم , لكنه حول عن ذلك لما ~~ذكر , وكان أهم ما إلى الإنسان خوفه مما هدد عليه , أمن سبحانه من ذلك دالا ~~على اصل الفعل بجزم ما هو في موضع الجواب فقال : { يغفر لكم } أي خاصة دون ~~من لم يفعل ذلك { ذنوبكم } أي بمحو أعيانها وآثارها كلها . | ولما قرع ~~القلوب من كدر العقاب والعتاب , لذذها بطيب الثواب فقال : { ويدخلكم } أي ~~بعد التزكية بالمغفرة رحمة لكم { جنات تجري } ودل على قرب PageV07P586 ~~الجاري وتخلله الأراضي بالجار فقال : { من تحتها } أي تحت أشجارها وغرفها ~~وكل متنزه فيها { الأنهار } فهي لا تزال غضة زهراء , ولم يحتج هذا الأسلوب ~~إلى ذكر الخلود لغناء ما بعده عنه , دل على الكثرة المفرطة في الدور بقوله ~~بصيغة منتهى الجموع : { ومساكن } ولما كانت المساكن لا تروق إلا بما ~~يقارنها من المعاني الحسنة قال : { طيبة } أي في الاتساع واختلاف أنواع ~~الملاذ وعلو الأبينة والأسرة مع سهولة الوصول إليها وفي بهجة المناظر وتيسر ~~مجاري الريح بانفساح الأبنية مع طيب الغرف , لم يفسد الماء الجاري تحتها ~~شيئا من ريحها ولا في اعتدالها في شيء مام يراد منها . | ولما كانت لا ms5349 يرغب ~~فيها إلا بدوام الإقامة , بين صلاحتيها لذلك بقوله : { في جنات عدن } أي ~~بساتين هي أهل للإقامة بها لا يحتاج في إصلاحها إلى شيء خارج يحتاج في ~~تحصيله إلى الخروج عنها له , ولا آخر لتلك الإقامة , قال حمزة والكرماني في ~~كتابه جوامع التفسير : هي قصبة الجنان ومدينة الجنة أقربها إلى العرش . | ~~ولما كان هذا أمرا شريفا لا يوجد في غيرها قال : { ذلك } أي الأمر العظيم ~~جدا وحده { الفوز العظيم * } . | ولما ذكر ما أنعم عليه به في الأخرى لأنه ~~أهم لوامها , كان التقدير بما دل عليه العطف . | هذا لكم , عطف عليه ما جعل ~~لهم في الدنيا فقال : { وأخرى } أي ولكم نعمة , أو يعطيكم , أو يزيدكم نعمة ~~أخرى . | ولما كان الإنسان أحب في العاجل وأفرح بالناجز قال : { تحبونها } ~~أي محبة كثيرة متجددة متزايدة , ففي ظاهر هذه البشرى تشويق إلى الجهاد ~~وتحبيب , وفي باطنها حث على حب الشهادة بما يشير إليه من التوبيخ أيضا على ~~حل العاجل والتقريع : { نصر من الله } أي الذي أحاطت عظمته بكل شيء لكم ~~وعلى قدر إحاطته تكون نصرته { وفتح قريب } أي تدخلون منه إلى كل ما كان ~~متعسرا عليكم من حصون أعدائكم وغيرها من أمورهم في حياة نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم أعظمه فتح مكة الذي كتب حاطب رضي الله عنه بسببه , وبعد مماته , ~~وفيه شهادة لحاطب رضي الله عنه بأنه يحب نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ~~والفتح عليه مكة وغيرها لصحة إيمانه كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم ~~الذي لا ينطق عن الهوى . | ولما كان ما تقدم من المعاتبة إنذارا لمن خالف ~~فعله قوله من الذين آمنوا , وكان المقام قد أخذ حظه من الإنذار والتوبيخ , ~~طوى ما تقديره : فأنذر من لم يكن راسخا في الدين من المنافقين , ومن خالف ~~فعله قوله من المؤمنين : عطف عليه دلالة عليه ليكون أوقع في النفس لمن يشير ~~إليه طيه من الاستعطاف قوله : { وبشر المؤمنين * } أي الذين صار الإيمان ~~لهم وصفا راسخا كحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه ms5350 بان الله يفتح لك البلاد ~~شرقا وغربا , وأول ذلك مكة المشرفة ولا يحوجهم إلى أن يدرؤوا عن عشائرهم ~~PageV07P587 وأموالهم ولا أن يكون شيء من أفعالهم يخالف شيئا من أقوالهم . ~~| ولما هز سبحانه إلى الجهاد وشوق إليه بأنه متجر رابح , ولوح إلى النذارة ~~بالتنشيط بالبشارة , فتهيأت النفوس إلى الإقبال عليه وانبعثت أي انبعاث , ~~حض عليه بالإيجاب المقتضي للثواب أو العقاب , فقال مناديا بأداة البعد ~~والتعبير بما يدل على أدنى الأسنان تأنيبا على أنه لا يعدم الوصف بالإيمان ~~إلا مقرون بالحرمان تشويقا وتحببا : { يأيها الذين آمنوا } أي أقروا بذلك ~~فأذعنوا بهذا الوعظ غاية الإذعان أني أمرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يقول لكم : { كونوا } أي بغاية جهدكم { أنصار الله } أي راسخين في وصف ~~النصرة وفي الذروة العليا من ثبات الأقدام في تأييد الذي له الغنى المطلق ~~لتكونوا - بما أشارت إليه قراءة الجماعة بالإضافة - بالاجتهاد في ذلك كأنكم ~~جميع أنصاره , فإنكم أشرف من قوم عيسى عليه الصلاة والسلام , وما ندبكم ~~سبحانه لنصرته إلا لتشريفكم بمصاحبة رسله الذين هم خلاصة خلقه عليهم الصلاة ~~والسلام فقولوا سمعنا وأطعنا نحن أنصار الله وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~بالتنوين ولام الجر على معنى : كونوا بعض أنصاره , ويشبه أن يكون المأمور ~~به في هذه القراءة الثبات على الإيمان ولو في أدنى الدرجات , وفي قراءة ~~الجمهور الرسوخ فيه . | ولما كان التقدير على صفة هي من الثبات والسرعة على ~~صفة الحواريين , عبر عن ذلك بقوله : { كما } أي كونوا لأجل أني أنا ندبتكم ~~بقولي من غير واسطة ولذذتكم بخطابي مثل ما كان الحواريون أنصار الله حين { ~~قال عيسى ابن مريم } حين أرسلته إلى بني إسرائيل ناسخا لشريعة موسى عليه ~~الصلاة والسلام { للحواريين } أي خلص أصحابه وخاصته منهم : { من أنصاري } ~~حال كونهم سائرين في منازل السلوك والمعاملات ومراحل المجاهدات والمنازلات ~~{ إلى الله } أي المحيط بكل شيء فنحن إليه راجعون كما كنا به مبدوئين . | ~~ولما اشتد تشوف السامع إلى جوابهم , أبان ذلك بقوله : { قال الحواريون } ~~معلمين أنه جادون في ذلك ms5351 جدا لا مزيد عليه عاملين فيما دعاهم إليه عمل ~~الواصل لا السائر لعلمهم أنه إجابته إجابة الله لأنه لا ينطق عن الهوى فليس ~~كلامه إلا عن الله : { نحن } أي بأجمعنا { أنصار الله } أي الملك الأعلى ~~الذي هو غني عنا وقادر على تمام نصرنا , ولو كان عدونا كل أهل الأرض ننصره ~~الآن بالفعل , لا نحتاج إلى تدريب يسير ولا نظر إلى غير , لاستحضارنا لجميع ~~ما يقدر عليه الآدمي من صفات جلاله وجماله وكماله , ولذلك أظهروا ولم ~~يضمروا . | ولما كان التقدير : ثم دعوا من خالفهم من بني إسرائيل وبارزوهم ~~, سبب عنه PageV07P588 قوله : { فآمنت } أي به { طائفة } أي ناس فيهم أهلية ~~الاستدارة لما لهم من الكثرة { من بني إسرائيل } أي قومه { وكفرت طائفة } ~~أي منهم , وأصل الطائفة : القطعة من الشيء { فأيدنا } أي قوينا بعد رفع ~~عيسى عليه الصلاة والسلام { الذين آمنوا } أي الذين أقروا بالإيمان المخلص ~~منهم وغيره في القول والفعل وشددنا قلوبهم { على عدوهم } الذين عادوهم لأجل ~~إيمانهم . | ولما كان الظفر بالمحبوب أحب ما يكون إذا كان أول النهار , ~~تسبب عن تأييده قوله : { فأصبحوا } أي صاروا بعد ما كانوا فيه من الذل { ~~ظاهرين * } أي عالين غالبين قاهرين في أقوالهم وأفعالهم لا يخافون أحدا إلا ~~الله ولا يتسخفون منه , فالتأييد تارة يكون بالعلم وتارة بالفعل < # > 77 ( { علمه شديد القوى } ) 77 < # > [ النجم : 5 ] فصار علمه في غاية الإحكام وتبعته قوة هي في منتهى ~~التمام , لأنه ناشىء عن علم مستفاد من قوة , وإلا لقال : علمه كثير العلم . ~~| < # > 77 ( { قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك ~~} ) 77 < # > [ النمل : 40 ] قوة مستفادة من علم , والظاهر كما هو ظاهر قوله تعالى : ~~< # > 77 ( { جاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } ) 77 < # > [ آل عمران : 55 ] وغيرها أن تأييد المؤمنين به كان بعد رفعه بيسير حين ~~ظهر الحواريون وانبثوا في البلاد يدعون إلى الله بما آتاهم من الآيات , ~~فاتبعهم الناس , فملا تمادى الزمان ومات الحواريون رضي الله عنهم افترق ~~الناس وجب إليهم ms5352 الفساد , فغلب أهل الباطل وضعف أهل الحق حتى كانوا عند بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم عدما أو في حكم العدم , - كما دلت عليه قصة سلمان ~~الفارسي رضي الله عنه , فقد رجع آخر السورة كما ترى بما وقع من التنزه عما ~~يوهمه علو الكفرة من النقص بنصر أوليائه وقسر أعدائه , ومن الأمر مما أخبر ~~أولها أنه يحبه من القتال في سبيله حثا عليه وتشويقا إليه - على أولها , ~~واتصل بما بشر به من آمن ولو على أدنى وجوه الإيمان من العز موصلها بمفصلها ~~, بما أزيل من الأسباب الحاملة له على المداراة , والأمور التي أوقعته في ~~المماشاة مع الكفار والمجاراة , فأوجب ذلك رسوخ الإيمان , وحصول الإتقان , ~~المقتضي للتنزيه بالفعل عن كل شوب نقصان , والله الموفق للصواب وعليه ~~التكلان . | . . | PageV07P589 < # > سورة الجمعة < # > مقصودها بيان مسمى الصف بدليل هو أوضح شرائع الدين وأوثق عرى الإسلام ~~وهو الجمعة التي اسمها مبين للمراد منها من فرضية الاحتماع فيها وإيجاب ~~الإقبال عليها وهو التجرد عن غيرها والانقطاع لما وقع من التفرق حال الخطبة ~~عمن بعث للتزكية بالاجتماعه عليه في الجهاد وغيره في العسر واليسر والمنشط ~~والمكره ، واسمها الجمعة أنسب شيء فيها لهذا المقصد بتدبر آياته وتأمل ~~أوائله وغاياته ، الحاثة على قوة التواصل والاجتماع ، والحاملة على دوام ~~الإقبال على المزكي والحب له والاتباع { بسم الله } الذي أحاط علمه بكل ~~معلوم فتم بيانه { الرحمن } الذي عمت نعمة بيانه بعد شمول كرامة إيجاده فهو ~~العظيم شأنه { الرحيم } الذي خص حزبه بالتوفيق لما يرضاه فثبت فيي سويداء ~~كل منهم حبه له وإيمانه به . < < # | الجمعة : ( 1 - 4 ) يسبح لله ما . . . . . # > > ^ ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز ~~الحكيم * هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين * وآخرين منهم لما ~~يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم * ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل ~~العظيم ) ^ } ) | ولما ختمت الصف بالإقبال ببعض بني إسرائيل على جنابه ~~الأقدس بعد زاغوا ms5353 فأزاغ الله قلوبهم كلهم أو الشاذ منهم بما أفهمه إطلاق ~~الضمير عليهم ثم تأييدهم على من استمر منهم على الزيغ , فثبت أن له تمام ~~القدرة استلزم لشمول العلم اللازم منه التنزه عن كل شائبة نقص , وكان ~~سبحانه قد ذكر التسبيح الذي هو الأعظم الأشهر للتنزيه بلفظ الماضي ثلاثة ~~مرات في افتتاح ثلاثة سور , وذلك نهاية الإثبات المؤكد , فثبت بذلك أنه وقع ~~تنزيهه من كل ناطق وصامت , أخبر أول هذه السورة أن ذلك التنزيه على وجه ~~التجديد والاستمرار بالتعبير بالمضارع لاستمرار ملكه فقال : { يسبح } أي ~~يوقع PageV07P590 التنزيه الأعظم الأبهى الأكمل { لله } أي الملك المحيط ~~بكل شيء قدرة وعلما , وأكد بذلك لما في التغابن ولم يحتج بعد الإقرار ~~بالوقوع على هذا الوجه إلى التأكيد بأكثر من مرة وجعل بين كل مسبحتين سورة ~~خالية من ذلك ليكون ذلك أدل على قصد التأكيد من حيث شدة الاعتناء بالذكر , ~~وإن وقع فصل ويكون التأكيد أكثر تنبيها وأعظم صدعا وتذكيرا . | ولما كان ~~تقريع العاقل الناطق بطاعة الصامت أعظم , قال : { ما في السماوات } وإن كان ~~العاقل يدخل في ذلك ما عليه فيكون تسبيحه تارة طوعا موافقة للأمر , وتارة ~~كرها بالانقياد مع الإرادة , وتسبيح الصامت طوعا في كل حال . | ولما كان ~~الخطاب مع الذين آمنوا , دعا ذلك إلى التأكيد لاحتياجهم إليه فقال : { وما ~~في الأرض } كذلك . | ولما ثبت بالسور الثلاثة الماضية أن الموجودات أوقعت ~~له التسبيح , وأخبرت هذه باستمرار ذلك على سبيل التجديد , دل ذلك مع ~~التنزيه عن النقائص على إثبات الكمال الذي لا يكون إلا لملك عظيم الشأن ~~مطاع الأمر , وكان الاقتصار على الصامت بالتعبير بما هو ظاهر فيه ربما أوهم ~~شيئا , قال مصرحا بما أفهمه السياق : { الملك } أي الذي ثبتت له جميع ~~الكمالات فهو ينصر من يشاء من جنده ولو كان ذليلا فيصبح ظاهرا { القدوس } ~~الذي انتفت عنه جميع النقائص , فلا يكون شيء إلا بإذنه وتنزه عن إحاطة أحد ~~من الخلق بعلمه أو إدراك كنة ذاته فليس في أيدي الخلق إلا التردد في شهود ~~أفعاله , والتبدر ms5354 لماهيم نعوته وجلاله , وأحقهم بالقرب والعداد في حزبه ~~المتخلق بأوصافه على قدر اجتهاده , فينبغي للمؤمن التنزه عن أن يقول ما لا ~~يفعل أو يبني شيئا من أموره على غير إحكام , وقد مضى شرح الاسمين الشريفين ~~قريبا وذكر خلاصة شرحهما بما هو خاصة الملك وآية الطهارة للطاهر فقال : { ~~العزيز } أي الذي يغلب كل شيء لا يغلبه شيء , فلو أراد لجعل العقلاء كلهم ~~أيضا مع تسبيحهم بالجري تحت مراده طوعا وكرها مسبيحين بالموافقة لأمره طوعا ~~{ الحكيم * } الذي يوقع كل ما أراده في أحكم مواضعه وأتما وأتقنها . | وقال ~~الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما ختمت سورة الصف بالثناء على الحواريين في ~~حسن استجابتهم وجميل إيمانهم , وقد أمر المؤمنين بالتشبه بهم في قوله تعالى ~~: < # > 77 ( { يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله } ) 77 < # > [ الصف : 14 ] كان ذلك مما يوهم فضل أتباع عيسى عليه السلام على أتبع ~~محمد صلى الله عليه وسلم فاتبع ذلك بذكر هذه الأمة , والثناء عيلها , ~~فافتتحت السورة بالتنزيه عما أشار إليه قوله : < # > 77 ( { وكفرت طائفة } ) 77 < # > [ الصف : 14 ] فإنهم ارتكبوا العظيمة وقالوا بالنبوة , فنزه ~~PageV07P591 سبحانه نفسه عن ذلك ثم قال : < # > 77 ( { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم } ) 77 < # > [ الجمعة : 2 ] إلى قوله : < # > 77 ( { ذو الفضل العظيم } ) 77 < # > [ الجمعة : 4 ] ثم أعلم تعالى بحال طائفة لاح لهم نور الهدى ووضح لها ~~سبيل الحق فعميت عن ذلك وارتبكت في ظلمات جهلها ولم تزدد بما حملت إلا حيرة ~~وضلالة فقال تعالى : < # > 77 ( { مثل الذي حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ~~} ) 77 < # > [ الجمعة : 5 ] الآيات وهي في معرض التنبيه لمن تقدم الثناء عليه ورحمه ~~الله إياه لئلا يكونوا فيما يتلو عليهم نبيهم من الآيات ويعلمهم من الكتاب ~~والحكمة مثل أولئك الممتحنين , فإنهم مقتوا ولعنوا بعد حملهم التوراة , ~~وزعموا أنهم حمله والوفاء به فوعظ هؤلاء بمثالهم لطفا من الله لهذه الأمة { ~~وما يتذكر إلا أولوا الألباب } انتهى . | ولما كانت القدرة على تزكية ms5355 الجلف ~~الجافي بحمله على التنزيه أدل على القدرة على غيره , وكان قد أسلف عن بني ~~إسرائيل أنهم لم يقبلوا التزكية بل زاغوا , دل على قدرته في عزته وحكمته ~~وملكه وقدسه على تزكية جميع العقلاء بقوله : { هو } أي وحده { الذي بعث } ~~أي من حضرة غيب غيبه بشرع أوامره ونواهيه { في الأميين } أي العرب لأنهم ~~كانوا معروفين من بين سائر الأمم لا يكتبون بل هم على الخلقة الأولى حين ~~الخروج من بطن الأم , وذكر ظرف البعث وإهمال غياته دال على أنها كل من ~~يتأتى البعث إليه وهم جميع الخلق , ويجوز أن تطلق الأمية على جميع أهل ~~الأرض لأن بعثه صلى الله عليه وسلم كان حين ذهب العلم من الناس , ولأن ~~العرب أصل فجميع الباقين تبع لهم , فلا بدع أن يحمل عليهم وصفهم { رسولا } ~~ولما كان تقويم الشيء بمثله أعجب قال : { منهم } بل الأمة بمعنى عدم ~~الكتابة والتجرد عن كل تكلف وصف لازم له دائما وعلمه لما يكن يعلم من غير ~~تطلب , فكانت آصار البشرية عند مندرسة , وأنوار الحقائق بعث فيهم أقرب إلى ~~مساواتهم له لو أمكنهم , بالكتب لأن منشأ مشاكلته لحال من الإعجاز , وذكر ~~بعثه منهم إن خص الوصف بالعرب لا ينفي بعثه إلى غيرهم ولا سيما مع ما ورد ~~فيه من الصرائح وأثبته من الدلائل القواطع , فذكر موضع البعث وابتداءه ~~فتكون الغاية مطلقةن تقديرها : إلى عامة الخلق . | ولما كان كونه منهم ~~مفهما لأنه لا يزيد عليهم من حيث كونه منهم وإن زاد فبشيء يسير , عجب من ~~أمره ونبه على معجزة عظيمة له بقوله مستأنفا : { يتلوا } أي يقرأ قراءة ~~يتبع بعضها بعضا على وجه الكثرة والعلو والرفعة { عليهم } مع كونه أميا ~~مثلهم { آياته } أي يأتيهم بها على سبيل التجدد والمواصلة آية بينة على ~~صدقه لأنه أمي مثلهم بل فيهم PageV07P592 الكاتب والعالم وإن كانوا معمورين ~~في كثرتهم فما خصه عنهم بذلك إلا القادر على كل شيء . | ولما كان المقام ~~لتنزيه ولتأديب من وقع في موادة الكفار ونحو ذلك , قدم التزكية فقال : { ~~ويزكيهم } أي ms5356 عن الأخلاق الرذيلة والعقائد الزائغة , فكانت تزكيته لهم مدة ~~حياته بنظره الشريف إليهم وتعليمه لهم وتلاوته عليم , فربما نظر إلى ~~الإنسان نظرة محبة فزكاه الله بها , وربما سرت تلك النظرة إلى ثان فأشرقت ~~أنوارها عليه على حسب القابليات كما وقع لعمير بن وهب ثم صفوان بن أمية ~~وكذا ذو النور الطفيل بن عامر الدوسي رضي الله عنه ثم قومه , فأما عمير ~~فكان من أعظم المؤذين للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن آمن به فتذاكر مع ~~صفوان وقعة بدر في الحجر ومن فقدوا من صناديدهم وأنه ليس في العيش بعدهم ~~خير , ثم تمنوا رجلا بقتال النبي صلى الله عليه وسلم , فقال عمير : لولا ~~فقري وبنات لي وعيال أخشى عليهم الضيعة من بعدي لأتيته بغلة أسيري عندهم ~~فقتلته , فاغتنمها صفوان فعاهده أن يكفي عياله إن مات وأن يواسيه إن عاش , ~~فقال : اكتم عني ثلاثا , ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهداه الله ~~فحلف صفوان أن لا يكلمه أبدا , فلما فتحت مكة فر صفوان ليركب البحر من جدة ~~, فاستأذن عمير النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذهب إليه فلحقه فلم يزل به حتى ~~رجع ثم أسلم فكان من خيار الصحابة رضي الله عنه , واما ذو النور فحين دعاه ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم سأل آية يعينه الله بها على قومه فآتاه الله ~~نورا حين أشرف على الحي الذيث هو منه , ثم دعا أباه وأمه فأسلما , ثم ~~صاحبته فكذلك ثم قومه , فما تخلف منهم أحد , وأما غير الصحابة رضي الله ~~عنهم فتزكيته لهم بآثاره بحسب القابليات والأمور التي قضى الله أن يكون ~~مهيأ , فمن كان له أعشق كان لاتباعه ألزم , فكان في كتاب الله وسنته أرسخ ~~من سيرة وغيرها علما وعملا فكان أشد زكاء . | ولما كانذوا بعد التزكية التي ~~هي تخلية عن لارذائل أحوج ما يكون إلى تحلية بالفضائل قال : { ويعلمهم ~~الكتاب } اي المنزل عليه الجامع لكل خير ديني ودنيوي في الأولى والأخرى { ~~والحكمة } وهي غاية الكتاب في قوة فهمه والعمل ms5357 به , فهي العلم المزين ~~بالعمل والعمل المتقن بالعلم معقوله ومنقوله ليضعوا كل شيء منه في أحكم ~~مواضعه فلا يزيغوا عن الكتاب كما زاغ بنو إسرائيل , فيكون مثلهم كمثل ~~الحمار يحمل أسفارا ولو لم يكن له صلى الله عليه وسلم معجزة إلا هذه لكانت ~~غاية . | ولما كان الوصف بالأمية مفهما للضلال , وكان كثير منهم حال إنزال ~~هذه السورة يعتقد أنهم على دين متين وحال جليل مبين , وكانوا بعد هدايته ~~لهم بعد الأمية سيضلون لأن الإرسال من حضرة غيب الغيب في العلوم المنفية ~~للأمية إلى ما لم تصل إليه أمة PageV07P593 من الأمم قبلهم , وكان ذلك ~~موجبا للتوقف في كونهم كانوا أميين , أكد هذا المفهوم بقوله : { وإن } أي ~~والحال أنهم { كانوا } أي كونا هو كالجبلة لهم . | ولما كان كونهم ذلك في ~~بعض الزمن الماضي , أدخل الجار فقال : { من قبل } أي قبل إرساله إليهم من ~~حين غيروا دين أبيهم إسماعيل عليه الصلاة والسلام وعبدوا الأصنام { لفي ~~ضلال } أي بعد عنم المقصود { مبين * } أي ظاهر في نفسه مناد لغيره أنه ضلال ~~باعتقادهم الأباطيل الظاهرة وظنهم أنهم على شيء وعموم الجهل لهم ورضاهم به ~~واختيارهم له وعيبهم من يميل إلى التعلم وينحو نحو التبصر كما وقع لهم مع ~~زيد بن عمرو بن نفيل وغيره , فوصفهم بهذا غاية في نفي التعلم من مخلوق عن ~~نبيهم إعظاما لما جاء به من الإعجاز وتقريرا لشدة احتياجهم إلى نبي يرشدهم ~~إلى الهدى , وينقذهم مما كانوا فيه من العمى والردى . | ولما كانت تزكيته ~~لهم مع أميتهم وغباوتهم لوصف الأمية في الجهل أمرا باهرا في دلالته على ~~تمام القدرة , زاد في الدلالة على ذلك بإلحاق كثير ممن في غيرهم من الأمم ~~مثلهم في الأمية بهم فقال : { وآخرين } أي وبعثه في آخرين { منهم } في ~~الأمية لا في العربية { لما يلحقوا بهم } أي في وقت من الأوقات الماضية في ~~صفة من الصفات , بل هم أجلف الناس كعوام المجوس واليهود والنصارى والبرابر ~~ونحوهم من طوائف العجم الذين هم ألكن الناس لسانا وأجمدهم أذهانا وأكثفهم ~~طبعا ms5358 وشأنا , وسيلحقهم الله بهم في العلم والتزكية . | ولما كان عدم ~~إلحاقهم بهم في الماضي ربما أوهم شيئا في القدرة , وإلحاقهم بهم في ~~المستقبل في غاية الدلالة على القدرة , قال : { وهو } أي والحال أنه واحده ~~{ العزيز } الذي يقدر على كل شيء ولا يغلبه شيء فهو يزكي من يشاء ويعلمه ما ~~أراد من أي طائفة كان , ولو كان أجمد أهل تلك الطائفة لأن الأشياء كلها ~~بيده { الحكيم * } فهو إذا أراد شيئا موافقا لشرعه وأمره جعله على أتقن ~~الوجوه وأوثقها فلا يستطاع نقضه , ومهما أراده كيف كان فلا بد من إنفاذه ~~فلا يطلق رده بوجه , ويكون المراد بالآخرين العجم , وأن اله تعالى سيلحقهم ~~بالعرب , قال ابن عمر رضي الله عنهما وسعيد بن جبير أيضا رضي الله عنه وهو ~~راية ليث عن مجاهد ويؤيده ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا سأل ~~عنهم لما نزلت سورة الجمعة فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على ~~سلمان رضي الله عنه وقال : ( لو كان الإيمان عند الثثريا لناله رجال من ~~هؤلاء ) . | PageV07P594 ولما كان هذا أمرا باهرا , عظمه بقوله على وجه ~~الاستثمار من قدرته : { ذلك } أي الأمر العظيم الرتبة من تفضيل الرسول ~~وقومه وجعلهم متبوعين بعد أن كان العرب أتباعا لا وزن لهم عند غيرهم من ~~الطوائف { فضل الله } أي الذي له جميع صفات الكمال , والفضل ما لم يكن ~~مستحقا بخلاف الفرض { يؤتيه من يشاء } بحوله وقوته بأن يهيئه له ولو كان ~~أبعد الناس منه { والله } أي الملك الأعظم { ذو الفضل } ولما كانت ( آل ) ~~دالة على الكمال دل على ذلك بقوله : { العظيم * } أي الذي يحقر دونه كل ~~عطاء من غيره . | < < # | الجمعة : ( 5 - 6 ) مثل الذين حملوا . . . . . # > > ^ ( مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ~~بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين * قل ~~يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أوليآء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن ~~كنتم صادقين ) ^ } ) | ولما أدب عباده المؤمنين في الممتحنة عما ms5359 يؤذي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم واتممه في الصف بما ذر منغزاغة القلوب لمن آذى ~~نبيه موسى عليه الصلاة والسلام , وأعلم أنه سبحانه جمع الآداب كلها في هذا ~~الكتاب الذي أنزله على نبيهم الذي جعله خاتم الأنبياء وأشرف الأصفياء , ودل ~~على فضله العظيم بتعليم الجاهل , دل على عقابه الأليم تتيميما للدلالة على ~~باهر قدرته بتجهيل العالم بإزاغة قلبه وإذهاب لبه بيأسه من الآخرة لغضبه ~~عليه تحذيرا من الوقوع بما يوجب الإضلال بعد العلم , فقال جوابا لمن كأنه ~~قال : هذا فضله علىالجاهل فكيف فعله بالعالم ؟ فقال تحذيرا من يزكي فلا ~~يتزكى بأن يقول ما لا يعمل , ويحمل الكتاب فيحمله غير عالم به من أن يفعل ~~به ما فعل باليهود من الذل في الدنيا والخزي والعذاب في الآخرة بإزاغة ~~القلوب وإحاطة الذنوب فيكون أقبح مما قيل فيه . | من فاته العلم وأخطا ~~الغنى فذاك والكلب على حد سوا | { مثل الذين } ولما كان العلم ولا سيما ~~الرباني يجب أن يفرح به ويرغب فيه من أي موصل كان , بني للمجهول قوله ~~وصيانة لاسمه الشريف عن أن يذكر عن العصيان : { حملوا التوراة } أي كلفوا ~~وألزموا حمل الكتاب الذي آتاه الله لبني إسرائيل على لسان موسى عليه الصلاة ~~والسلام بأن علمهم إياها سبحانه وكلفهم حفظ ألفاظها عن التغيير والنسيان ~~ومعانيها عن التحريف والتلبيس وحدودها واحكامها عن الإهمال والتضييع . | ~~ولما كان تركهم لحملها وهي من عند الله وعلى لسان رجل منهم هو أعظم في ~~أنفسهم وأجلهم إحسانا إليهم في غاية البعد ولا سيما مع طول الزمان المسهل ~~لحفظها PageV07P595 الميسر لتدبرها وتعرف مقدارها , عبر بأداة البعد فقال : ~~{ ثم لم يحملوها } بأن حفظوا ألفاظها ولم يعملوا بما فيها من الوصية باتباع ~~عيسى عليه الصلاة والسلام إذا جاءهم ثم محمد صلى الله عليه وسلم إذا جاء , ~~فهي ضارة لهم بشهادتها عليهم قاذفة لهم في النار من غير نفع أصلا { كمثل } ~~أي مثل مثل { الحمار } الذي هو أبله الحيوان , فهو مثل في الغباوة , حال ~~كونه { يحمل أسفارا } أي كتبا من العلم ms5360 كاشفة للأمور تنفع الألباء , جمع ~~سفر , وهو الكتاب الكبير المسفر عما فيه . | ولما كان المثل الجامع لهما - ~~وهو وجه الشبه - شخصا مثقلا متعبا جدا بشيء لا نفع له به أصلا فهو ضرر عليه ~~صرف لا يدرك ما هو حامله غير أنه متعب ولا يدري أصخر هو أم كتب , أنتج قوله ~~معبرا بالأداة التي هي لجمامع الذم ترهيبا للآدميين من أن يتهاونوا بشيء من ~~أحكام القرآن فيكونوا أسوأ مثلا من أهل الكتاب فيكونوا دون الحمار لان ~~رسولهم صلى الله عليه وسلم أعظم وكتابهم أعلى وأفخم فقال : { بئس مثل القوم ~~} أي الذين لهم قوة شديدة على محاولة ما يريدونه فلم يؤتوا من عجز يعذرون ~~به { الذين كذبوا } أي عمدوا على علم عنادا منهم وكفرا { بآيات الله } أي ~~دلالات الملك الأعظم على رسله ولا سيما محمد صلى الله عليه وسلم وجميع ما ~~يرضيه مثلهم فإن مثلهم قد تكفل بتعريف أنهم قد اجتمعوا مع الحمار في وصف هو ~~الروح الباطني , وهو الضرر الصرف الذي لانفع فيه بوجه بأنفع الأشياء , وهو ~~ما دل على الله فضمن شعادة الدارين , وهذا المثل وإن كان نصا في اليهود ~~فيهو لجميع قراء السوء من كل ملة لاشتراكهم معهم في وجه الشبه كما أن مثل ~~الكلب في الأعراف على هذا النحو , وكأنه لميدخل سبحانه هذه الأمة في ذلك ~~صريحا إشارة إلى حفظها منن غير أن يكلها غلى نفسها كما أنه آتاها العلم مع ~~المية منها ومن رسولها من غير أن يكلهم إلى كتابة ولا تقدم علم ما ولا تكلف ~~لشيء . | ولما كان التقدير : فاستحقوا الوصف بجميع المذام لأنهم ظلموا أشد ~~الظلم , عطف عليه قوله : { والله } أي الذي له جميع صفات الكمال لا يهديهم ~~- هكذا كان الأصل , ولكنه اظهر تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال : { لا ~~يهدي القوم } أي لا يخلق الهداية في قلوب الأقوياء الذين تعمدوا الزيغ : { ~~الظالمين * } أي الذين تعمدوا الظلم بمنابذة الهدى الذي هو البيان الذي لم ~~يدع لبسا حتى صار الظلم لهم صفة راسخة . | ولما كان قولهم أنهم ms5361 أولياء الله ~~وأحباؤه في غاية البعد من هذا المثل , استأنف ما يدل على صحة المثل قطعا , ~~فقال معرضا عنهم آمرا لمن كذبوه بتبكيتهم : { قل } أي يا أيها الرسول الذي ~~هم قاطعون بأنه رسوله الله : { يا أيها الذين هادوا } أي تدينوا ~~PageV07P596 باليهودية . | ولما كان الحق يصدع من له أدنى مسكة , فكانوا ~~جديرين بالرجوع عن العناد , عبر بأداة الشك فقال : { إن زعمتم } أي قلتم ~~قولا هو معرض للتكذيب ولذلك أكدتموه { أنكم أولياء الله } أي الملك الأعلى ~~الذي لا أمر لأحد معه , خصكم بذلك خصوصية مبتدأة { من دون } أي أدنى رتبة ~~من رتب { الناس } فلم تتعد الولاية تلك الرتبة الدنيا إلى أحد منكم غيركم , ~~بل خصكم بذلك عن كل من فيه أهلية الحركة لا سيما الأميين { فتمنوا الموت } ~~وأخبروا عن أنفسكم بذلك للقلة من دار البلاء إلى محل الكرامة والآلاء { إن ~~كنتم } أي كونا راسخا { صادقين * } أي عريقين عند أنفسكم في الصدق فإن من ~~علامات المحبة الاشتياق إلى المحبوب , ومن التطوع به أن من كان في كدر وكان ~~له ولي قد وعده عند الوصول إليه الراحة التي لا يشوبها ضرر أنه يتمنى ~~النقلة إلى وليه , روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم ( والذي نفسي بيده ~~لا يقولها منكم أحد إلا غص بريقه ) فلم يقلها أحد منهم علما منهم بمصدقه ~~صلى الله عليه وسلم فلم يقولوا ولم يؤمنوا عنادا منهم . | < < # | الجمعة : ( 7 - 9 ) ولا يتمنونه أبدا . . . . . # > > ^ ( ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين * قل إن ~~الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة ~~فينبئكم بما كنتم تعملون * يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) ^ } ~~) | ولما كان التقدير : فقال لهم رسول صلى الله عليه وسلم امتثالا لأمرنا ~~ذلك , فلم يتمنوه في الوقت الحاضر , تصديقا منا لنبوته وتعجيزا وتحقيقا ~~لمعجزات رسالته , دل على هذا المقدر بما عطف عليه من قوله الدال قطعا على ~~صدقه بتصديقهم ms5362 له بالكف عما أخبر أنهم لا يفعلونه : { ولا يتمنونه } أي في ~~المستقبل , واكتفى بهذا في التعبير بلا لأن المذكور من دعواهم هنا أنهم ~~أولياء لا كل الأولياء فهي دون دعوى الاختصاص بالآخرة , وأيضا الولاية ~~للتوسل إلى الجنة , ولا يلزم منها الاختصاص بالنعمة بدليل أن الدنيا ليست ~~خالصة للأولياء المحقق لهم الولاية , بل البر والفاجر مشتركون فيها . | ~~ولما أخبر بعدم تمنيهم , وسع لهم المجال تحقيقا للمراد فقال : { أبدا } ~~وعرف أن سببه معرفتهم بأنهم أعداء الله فقال : { بما قدمت } ولما كان أكثر ~~الأفعال باليد , نسب الكل إليها لأنها صارت عبارة عن القدرة فقال : { ~~أيديهم } أي من المعاصي التي أحاطت بهم فلم تدع لهم حظا في الآخرة بعلمهم . ~~| ولما كان التقدير تسببا عن هذا : لئلا يقولوا : سلمنا جميع ما قيل في ~~الظالمين لكنا لسنا منهم فالله عليم بهم في أفعالهم ونياتهم , عطف عليه ~~قوله معلقا بالوصف PageV07P597 تعميما وإعلاما بأن وصف ما قدموا من الظلم { ~~والله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء قدرة وعلما { عليم } أي بالغ العلم ~~محيط بهم - هكذا كان الأصل , ولكنه قال : { بالظالمين * } تعميما وتعليقا ~~بالوصف لا بالذات , فالمعنى أنه عالم بأصحاب هذا الوصف الراسخين فيه منهم ~~ومن غيرهم فهو يجازيهم على ظلمهم وهم يعلمون ذلك , وأعظم مصدق الله - ومن ~~أصدق من الله قيلا - في هذا أنهم ما قوتلوا قط إلا أرزوا إلى حصونهم وقراهم ~~كما مر في سورة الحشر , فدل ذلك على أنهم أحرص على الحياة الدنيا من الذين ~~أشركوا كما مر في سورة البقرة فإنهم عالمون بأنهم يصيرون إلى النار , ~~والعرب يظنون أنهم لا يبعثون فهم لا يخافون ما بعد الموت وهم شجعان يقدمون ~~على الموت كما قال عنترة بن شداد العبسي : | بكرت تخوفين المنون كأنني ~~أصبحت عن عرض الحتوف بمعزل فأجبتها ان المنية منهل لا بد أن أسقى بذاك ~~المنهل فافني حياتك لا أبا لك واعلمي أني امرؤ سأموت إن لم أقتل | ولما كان ~~عدم تمنيهم علم من اعلام نبوته صلى الله عليه وسلم لموافقته ما أخبر به ms5363 , ~~وكان ذلك فعل من يعتقد أن التمني يقدمه عن أجله وعدمه يؤخره , فصاروا بين ~~التكذيب بما عندهم ونهاية البلادة , أمره صلى الله عليه وسلم بتنبيههم على ~~بلادتهم تبكيتا لهم فقال : { قل } وأكد إعلاما لهم بأنه يلزم من فعلهم هذا ~~إنكار الموت الذي لا ينكره أحد فقال : { إن الموت } وزاد في التقريع ~~والتوبيخ بقوله : { الذي تفرون منه } أي بالكف عن التمني الذي هو أيسر ما ~~يكون مع أنه يوصلكم إلى تكذيب من أنتم جاهدون في تكذيبه , وأكد وقوعه بهم ~~لأن عملهم عمل من هو منكر له , وربطه بالفاء جعلا لفرارهم كالسبب له , فإن ~~الجبن من أسباب الموت مع ما يكسب من العار كما قال : ( إن الجبار حتفه من ~~فوقه ) أي هو غالب عليه العالي على السافل فقال : { فإنه ملاقيكم } أي ~~مدرككم في كل وجه سلكتموه بالظاهر أو الباطن . | ولما كان الحبس في البرزخ ~~أمرا - مع أنه لا بد منه - مهولا , نبه عليه وعلى طوله بأداة التراخي فقال ~~: { ثم تردون } ونبه بالبناء للمفعول على القهر منه سبحانه والصغار منهم ~~وأنه عنده في غاية السهولة { إلى عالم الغيب } وهو كل ما غاب عن العباد فهو ~~مخبر عن أخلاقكم عن علم . | ولما كان بعض الفلاسفة يقر بعلمه تعالى ~~بالكليات , وينكر علمه بالجزئيات قال : { والشهادة } وهي كل ما ظهر وتشخص ~~ولو لواحد من الخلق قبل كونه وبعد كونه . | ولما كان التوقيف على الأعمال ~~فظيعا مرجفا , قال مسببا عن الرد : { فينبئكم } أي يخبركم إخبارا عظيما ~~مستقصى مستوفى { بما كنتم } أي بما PageV07P598 هو لكم كالجبلة { تعملون * ~~} أي بكل جزء منه مما برز إلى الخارج ومما كان في جبلاتكم ولو لقيتم ~~لعلمتموه ليجازيكم عليه . | ولما قبح سبحانه المخالقة بين القول والفعل ~~وصور صاحبها بصورة الحمار على الهيئة السابقة , وحذر من ذلك بما هيأ به ~~العاقل للإجابة إلى دوام الطاعة بعد أن بين أن جميع الكائنات مقرة بشمول ~~ملكه بما لها من التسبيح بألسنة الأحوال , والقيام في مراداته بغاية ~~الامتثال , فكان العاقل جديرا بالمبادرة إلى غاية التسبيح بلسان المقال ms5364 , ~~وختم بالتحذير من الإخبار يوم الجمع الأعظم بجميع الأعمال , قال على طريق ~~الاستنتاج مما مضى من الترغيب والترهيب , نادبا لهم - ليكونوا أولياء الله ~~- إلى التزكية المذكورة التي هي ثمرة الرسالة بما حاصله الإقبال بالكلية ~~على الله والإعراض بالكلية عن الدنيا ليجمع المكلف بين التحلي بالمزايا ~~والتخلي عن الدنايا , فخص من المزايا أعظم تسبيح يفعله العاقل في أيام ~~الأسبوع وهو الإسراع بالاجتماع العظيم في يوم الجمعة الذي يناظر الاجتماع ~~لإجابة المنادي في يوم الجمع الأكبر , ثم الإقبال الأعظم بفعل صلاة الجمعة ~~التي هي سر اليوم الذي ضيعه اليهود واستبدلوا به ما كان سبب تعذيبهم بعذاب ~~لم يعذب به أحد من العالمين كما جعل نتيجة السورة الماضية النداء بالإرشاد ~~إلى الإيمان والجهاد الموجب للأمان : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا ~~بألسنتهم بالإيمان وألهبهم بأدة البعد - المشيرة إلى احتياجهم إلى التزكية ~~- إلى المبادرة إلى الإقبال على ما يتعقب ذلك من الأوامر { إذا نودي } أي ~~من أي مناد كان من أهل النداء { للصلاة } أي لأجل الحضور إليها وإليه عند ~~قعود الإمام على المنبر للخطبة . | ولما كانت الإجابة يكفي في إيجابها ~~للنداء في الوقت المعروف للنداء ولا يشترط لها استغراق النداء لجميع اليوم ~~أتى بالجار فقط : { من يوم الجمعة } أي اليوم الذي عرض على من قبلنا فأبوه ~~فكانوا كمثل الحمار يحمل أسفارا وادخره الله لنا ووفقنا لقبوله , فكانوا ~~لنا تبعا مع تأخرنا عنهم في الزمان , سمي بذلك لوجوب الاجتماع فيه للصلاة , ~~فعلة بالسكون ويضم اسم للمفعول كالضحكة للمضحوك منه , فإن فتح ميمه كان ~~بمعنى الوقت الجامع كالضحكة للكثير الضحك , ومن جمعه أن فيه اجتمع خلق آدم ~~عليه الصلاة والسلام فاجتمع بخلقه جميع الخلق , وهو مذكر بيوم البعث والجمع ~~الذي يقع فيه الإنباء بالأعمال , وتظهر فيه ظهورا بينا تاما الجلال والجمال ~~< # > 77 ( { يوم يناد المناد من مكان قريب } ) 77 < # > [ ق : 41 ] وفيه تقوم الساعة , روى مالك عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ms5365 فيه ~~خلق آدم عليه الصلاة والسلام وفيه أهبط وفيه مات وفيه تيب عليه , وفيه تقوم ~~الساعة , وما من دابة إلا وهي مصيحة يوم الجمعة من حين تصبح حتى ~~PageV07P599 تطلع الشمس مشفقا من الساعة إلا الجن والإنس , وفيه ساعة لا ~~يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه إياه ) . | وفي ~~آخر الحديث أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال : إنها آخر ساعة يوم ~~الجمعة , وأول الصلاة بما هو أعم من فعلها وانتظارها لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصليها ) وكان ~~النداء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم عند باب المسجد إذا صعد صلى الله ~~عليه وسلم على المنبر , فإذا نزل بعد الخطبة أقيمت الصلاة , وكذافي زمن أبي ~~بكر وعمر رضي الله عنهما , فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس وتباعدت ~~المنازل وقلت الهمم زاد مؤذنا آخر على داره التي تسمى الزوراء , فإذا جلس ~~على المنبر أذن المؤذن ثانيا الأذان الذي كان على زن النبي صلى الله عليه ~~وسلم , فإذا نزل من المنيبر أقيمت الصلاة , ولم يعب أحد على عثمان زيادة ~~الأذان الأول لعلمهم أنه من السنة بما جعل إليه النبي صلى الله عليه وسلم ~~حين قال : ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) . | ولما كان ~~المراد إيجاب المعنى جزما من غير تردد مع قطع كل علاقة بلا التفات إلى شيء ~~من غير ما عذر الشارع به , عبر عنه بالسعي , وهو معنى قول الحسن أنه السعي ~~بالنية لا بالقدم , فقال : { فاسعوا } أي لتكونوا أولياء الله ولا تهاونوا ~~في ذلك لتكونوا أعداءه كاليهود { إلى ذكر الله } أي الخطبة والصلاة المذكرة ~~بالملك الأعظم الذي من انقطع عن خدمته هلك , هذا المراد بالسعي لا حققة بل ~~هي منهي عنها كما قال صلى ا لله عليه وسلم : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها ~~تسعون ولكن ائتوها وعليكم السكينة , فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ) . ~~| ولما أمر بالمبادرة إلى تجارة الآخرة , وكان ms5366 طلب الأرباح لكونها حاضرة ~~أعظم مانع عن أمور الآخرة لكونها غايته , وكان البيع أجل ذلك لتعين الفائدة ~~فيه ولكونه أكثر PageV07P600 ما يشتغل به أهل الأسواق لكثرة الوافيدن غلى ~~الأمصار يوم الجمعة من الحواضر واجتماعهم للتجارة عند تعالي النهار , قال ~~ناهيا عن تجارة الدنيا وكل ما يعوق عن الجمعة معبرا به عنها لأنه أعظمها : ~~{ وذروا البيع } أي اتركوه ولو على أقبح حالاته وأذلها واحقرها , فأفاد ~~النهي عن غيره من باب الأولى , ووقت التحريم من الزوال إلى فراغ الصلاة , ~~فغن خالف وباع صح العقد مع عصيانه , فإن النهي ليس لعينه لوا لما هو داخل ~~فيه ولا لما هو خارج ولازم له بل لأمر مقارن بطريق الاتفاق , وهو ما هو فيه ~~من الذهول عن الواجب فهو كالصلاة في الدار المغصوبة والثوب المغصوب والوضوء ~~بالماء . | ولما أمر بما هو شاق على النفوس معبرا بالفعل المريض لفظا ومعنى ~~, رغب فيه بقوله : { ذلكم } أي الأمر العالي الرتبة من فعل السعي وترك ~~الاشتغال بالدنيا { خير لكم } لأن الذي أمركم به له الأمر كله وهو يريد ~~تطهيركم في أديانكم وأبدانكم وأموالكم وبيده إسعادكم وإشقاؤكم , وألهب إلى ~~ذلك وزاد في الحث عليه بقوله : { إن كنتم } أي بما هو لكم كالجبلة { تعلمون ~~* } أي يتجدد لكم علم في يوم من الأيام فأنتم ترون ذلك خيرا , فإذا علمتموه ~~خيرا أقبلتم عليه فكان ذلك لكم خيرا , وصلاة الجمعة فرض عين على كل من جمع ~~البلوغ والعقل والحرية والذكورة والإقامة إذا لم يكن له عذر مما ذكره ~~الفقهاء , وإنما عبر عنها بهذا إشارة إلى أن عاقلا لا يسعه أن يترك ما يعلم ~~أنه أعلى وجوه الخير , وكل من لا يجب عليه حضور الجمعة فإذا حضر وصلى مع ~~الإمام سقط عنه فرض من الظهر ولا يكمل به عدد الجمعة إلا صاحب العذر , فإنه ~~إذا حضر يكمل به العدد . | < < # | الجمعة : ( 10 - 11 ) فإذا قضيت الصلاة . . . . . # > > ^ ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا ~~الله كثيرا لعلكم تفلحون * وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا ms5367 إليها وتركوك ~~قآئما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين ) ^ } ) ~~| ولما حث على الصلاة وأرشد إلى أن وقتها لا يصلح لطلب شيء غيرها , وأنه ~~متى طلب فيه شيء من الدنيا محقت بركته مع ما اكتسب من الإثم , بين وقت ~~المعاش فقال مبيحا لهم ما كان حظر عليهم , ولهذا قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : إن شئت فاخرج وإن شئت فاقعد : { فإذا قضيت الصلاة } أي وقع الفراغ ~~منها على أي وجه كان { فانتشروا } أي فدبوا وتفرقوا مجتهدين في الأرض في ~~ذلك { في الأرض } جميعها إن شئتم , لا حجر عليكم ولا حرج رخصة من الله لكم ~~{ وابتغوا } أي وتعمدوا وكلفوا أنفسكم مجتهدين بالسعي في طلب المعاش { من ~~فضل الله } أي زفلة الملك الأعلى PageV07P601 الذي له كل كمال ولا يجب لأحد ~~عليه شيء بالبيع والشراء وغيرهما من مصالح الدين والدنيا التي كنتم نهيتم ~~عنها . | ولما كان السعي في طلب الرزق ملهيا عن الذكر , بين أنه أعظم السعي ~~في المعاش وأن من غفل عنه لم ينجح له مقصد وإن تحايل له بكل الحيل وغير ذلك ~~فقال : { واذكروا الله } أي الذي بيده كل شيء ولا شيء لغيره فإنه لا رخصة ~~في ترك ذكره أصلا . | ولما كان العبد مطلوبا بالعبادة في كل حال فإنه مجبول ~~على النسيان , فمهما فتر عن نفسه استولت عليها الغفلة فمرنت على البطالة ~~فهلكت قال : { كثيرا } أي بحث لا تغفلوا عنه بقلوبكم أصلا ولا بألسنتكم حتى ~~عند الدخول إلى الخلاء وعند أول الجماع وعند الإنزال , واستثنى من اللساني ~~وقت التلبس بالقذر كالكون في قضاء الحاجة . | ولما كان مراد الإنسان من ~~جميع تصرفاته الفوز بمراداته قال معللا لهذا الأمر : { لعلكم تفلحون * } أي ~~لتكونوا عند الناظر لكم والمطلع عليكم من أمثالكم ممن يجهل العواقب على ~~رجاء من أن تظفروا بجميع مطلوباتكم , فإن الأمور كلها بيد من تكثرون ذكره , ~~وهو عالم بمن يستحق الفلاح فيسعفه به وبمن عمل رياء ونحوه فيخيبه , فإذا ~~امتثلتم أمره كان جديرا بتنويلكم ما تريدون , وإن ms5368 نسيتموه كنتم جديرين بأن ~~يكلكم إلى أنفسكم فتهلكوا . | ولما كان التقدير مما ينطق به نص الخطاب : ~~هذه أوامرنا الشريفة وتقديساتنا العظيمة وتفضلاتنا الكريمة العميمة , فما ~~لهم إذا نودي لها توانى بعضهم في الإقبال إليها , وكان قلبه متوجها نحو ~~البيع ونحوه من الأمور الدنيوية عاكفا عليها ساعيا بجهده إليها فخالف قوله ~~أنه أسلم لرب العالمين فعله هذا , عطف عليه قوله : { وإذا رأوا } أي بعد ~~الوصول إلى موطنها المريح ومحلها الفسيح الشرح المليح , والاشتغال بأنها ~~العالي { تجارة } أي حمولا هي موضع للتجارة . | ولما ذكر ما من شأنه إقامة ~~المعاش أتبعه ما هو أنزل منه وهو ما أقل شؤونه البطالة التي لا يجنح إليها ~~ذو قدر ولا يلقي لها باله فقال : { أول لهوا } أي ما يلهي عن كل نافع . | ~~ولما كان مطلق الانفضاض قبيحا لأنه لا يكون إلا تقربا على حال سيئ , فض ~~الفم والطلع : كسرهما , فكيف إذا كانت علته قبيحة , قال تعالى معبرا به : { ~~انفضوا } أي نفروا متفرقين من العجلة . | ولما كان سبب نزول الآية أنه اكن ~~أصاب الناس جوع وجهد , فقد دحية الكلبي رحمه الله تعالى بعير تحمل الميرة , ~~وكان في عرفهم أن يدخلوا في مثل ذلك بالطبل والمعازف والصياح , وكان قصد ~~بعض المنفضين العير , وبعضهم ما قارنها من اللهو , PageV07P602 ولكن قاصد ~~التجارة هو الكثر , أنث الضمير فقال معلما بالاهتمام بها لأن اللهو مسبب ~~عنها : { إليها } وللدالة على أنه إذا ذم قاصدها مع ما فيها من النفع ~~والإنسان لا بد له من إصلاح معاشه لقيام حاله ولا سيما والحاجة إذ ذاك ~~شديدة , كان الذم لقصد اللهو نم باب الأولى . | ولما كان ذلك حال الخطبة ~~التي هي جديرة بشدة الإصغاء إليها والاتعاظ بها في صرف النفس عن الدنيا ~~والإقبال على الآخرة قال : { وتركوك } أي تخطب حتى بقيت في اثني عشر رجلا , ~~قال جابر رضي الله عنه : أنا أحدهم , ودل على مشروعية القيام بقوله : { ~~قائما } فالواجب خطبتان : قائما يفصل بينهما بجلوس , والواجب فيهما أن يحمد ~~الله تعالى ويصلي على النبي صلى الله عليه ms5369 وسلم ويوصي بتقوى الله تعالى , ~~هذه الثلاثة واجبة في الخطبتين معا , ويجب أن يقرأ في الأولى آية من القرآن ~~وفي الثانية أن يدعو للمؤمنين , فلو ترك واحدة من هذه الخمس لم تصح الخطبة ~~عند الشافعي رضي الله عنه , ولجواز الجمعة خمس شرائط : الوقت وهو وقت الظهر ~~, والعدد وهو الأربعون , والإمام والخطبة ودار الإقامة , فإن فقد شرط وجبت ~~الظهر , ولا تبتدأ الخطبة إلا بعد تمام , وبقاء هذا العدد شرط إلى آخر ~~الصلاة , فإن انفض بعضهم ثم عاد ولم يفته شيء من الأركان صحت . | ولما كان ~~هذا فعل من سفلت همته عن سماع كلام الحق من الحق , أمره صلى الله عليه وسلم ~~بوعظهم إلهابا لهم إلى الرجوع إلى تأهلهم للخطاب ولو بالعتاب قال : { قل } ~~أي لهم ترغيبا في الرجوع إلى ما كانوا عليه من طلب الخير من معدنه : { ما ~~عند الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال من الأعراض العاجلة في الدنيا من ~~واردات القلوب وبادر الحقيقة , الحاصل من سماع الخطبة الآمر بكل خير , ~~الناهي عن كل شر , المفيد لتزكية الباطن وتقويم الظاهر والبركة في جميع ~~الأحوال والآجلة في الآخرة مام لا يدخل تحت الوصف { خير } ولما قدم التجارة ~~أولا اهتماما بها , قدم هنا ما كانت سببا له ليصير كل منهما مقصودا بالنهي ~~فقال : { نم اللهو } ولما بدأ به لإقبال الإغلب في حال الرفاهية عليه قال ~~معيدا الجار للتأكيد : { ومن التجارة } أي وإن عظمت . | ولما كان من عنده ~~الشيء قد لا يعطيه بسهولة وإذا أعطاه لا يعطيه إلا من يحبه قال : { والله } ~~أي ذو الجلال والإكرام وحده { خير الرازقين * } لأنه يرزق متاع الدنيا ~~لسفوله ولكونه زادا إلى الآخر البر والفاجر والمطيع والعاصي , ويعطي نم ~~يريد ما لا يحصيه العد ولا يحصره الحد , وأما المعارف الإلهية والأعمال ~~الدينية الدال عليها رونق الصدق وصفاء الإخلاص وجلالة المتابعة فلا يؤتيها ~~إلا الأبرار وإن كانوا أضعف الناس PageV07P603 وأبعدهم من ذلك ولا يفوت ~~أحدا أقبل على ما شرعه شيئا كان ينفعه فلا تظنوا أن الغنى في البيع ~~والتجارة ms5370 إنما هو في متابعة أمر من أحل البيع وأمر به وشرع ما هو خير منه ~~تزكية وبركة ونماء في الظاهر والباطن , روى صاحب الفردوس عن انس بن مالك ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من قال يوم الجمعة ) ~~اللهم أغنني بحلالك عن حرامك وبطاعتك عم معصيتك وبفضلك عمن سواك سبعين مرة ~~لم تمر به جمعتان حتى يغنيه الله تعالى ( وأصل الحديث أخرجه أحمد والترمذي ~~- وقال حسن - عن علي رضي الله عنه , وفي الباب عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~, فأقبلوا على متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم وألزموا هدية واستمسكوا ~~بغرزة تنالوا خيري الدارين بسهولة , فقد رجع آخر السورة كما ترى على أولها ~~بما هو من شأن الملك من الرزق وإنالة الأرباح والفوائد ولا سيما إذا كان ~~قدوسا وتبكيت من اعرض عن خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم اللازم منه ~~استمرار الإقبال عليه ودوام الإقامة بين يديه , لأنه لا يدعوهم إلا لما ~~يحييهم من الصلاة والوعظ الذي هو عين تنزيه الله وتسبيحه < # > 77 ( { يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة } ) 77 < # > [ آل عمران : 164 ] يزكيهم ربهم ويزرقهم من فضله إنه كريم وهاب - والله ~~أعلم بالصواب . | . . . | PageV07P604 < # > سورة المنافقون < # > مقصودها كمال التحذير مما يثلم الإيمان من الأعمال الباطنة ، والترهيب ~~مما يقدح في الإسلام من الأحوال الظاهرة ، بمخالفة الفعل للقول فإنه نفاق ~~في الجملة فيوشك يجر إلى كمال النفاق فيخرج من الدين ويدخل الهاوية ، ليكون ~~هذا التحذير سببا في صدق الأقوال ثم صدق الأعمال ثم صدق الأخلاق ثم صدق ~~الأحوال ثم قف الأنفاس ، فصدق القول أن لا يقول القائل إلا عن برهان ، وصدق ~~العمل أن لا يكطون للبدعة عليه سلطان ، وصدق الأخلاق أن لا يلاحظ ما يبدو ~~منه من الإحسان بعد المبالغة فيه بعين النقصان ، وصدق الأحوال أن يكون على ~~كشف وبيان وصدق الأنفاس أن لا يتنفس إلا عن وجود كالعيان ، وتسميتها ~~بالمنافقين واضحة في ذلك { بسم الله } الذي له الإحاطة العظمى علما وقدرة ~~فمن زاغ أراده { الرحمن } الذي ms5371 ستر بعموم رحمته من أراد من عباده وفضح من ~~شاء وإن دقق مكره وأخفاه { الرحيم } الذي وفق أهل وده بإتمام نعمته لما ~~يحبه ويرضاه . < < # | المنافقون : ( 1 - 2 ) إذا جاءك المنافقون . . . . . # > > ^ ( إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن ~~سبيل الله إنهم سآء ما كانوا يعملون ) ^ } ) | لما نهى سبحانه في الممتحنة ~~عن اتخاذ عدوه وليا , وذم في الصف على المخالفة بين القول والفعل , وحذر ~~آخر الجمعة من الإعراض عن حال من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم على حال ~~من الأحوال ولما مع الوفاق , لأن صورة ذلك كله صورة النفاق , قبح في أول ~~هذه حال من أقبل عليه على حال النفاق , لأنه يكون كاليهود الذين حملوا ~~التوراة ثم لم يحملوها , واستمرت السورة كلها في ذمهم بأقبح الذم ليكون ~~زاجرا عن كل ما ظاهره نفاق , فقال تعالى : { إذا جاءك } أي يا أيها الرسول ~~المبشر به في التوراة والإنجيل PageV07P605 { المنافقون } أي العريقون في ~~وصف النفاق وهو إسلام الظاهر وكفر الباطن , وأغلبهم من اليهود { قالوا } ~~مؤكدين لأجل استشعارهم لتكذيب من يسمعهم لما عندهم من الارتياب : { نشهد } ~~قال الحسن : هو بمنزلة يمين كأنهم قالوا : نقسم { إنك } - التأكيد لذلك ~~وإيهاما لأن قوة تأكيدهم لشدة رغبتهم في مضمون ما يقولونه { لرسول الله } ~~أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة , فوافقوا الحق بظاهر أحوالهم , وخالفوا ~~بقلوبهم وأفعالهم . | ولما كانت الشهادة الإخبار عن علم اليقين لأنها من ~~الشهود وهو كما الحضور وتمام الاطلاع ومواطأة القلوب للألسنة , صدق سبحانه ~~المشهود به وكذبهم في الإقسام بالشهادة ومواطأة ألسنتهم لقلوبهم فقال : { ~~والله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { يشهد } شهادة هي الشهادة لأنها ~~محيطة بدقائق الظاهر والباطن { أن المنافقين } أي الراسخين في وصف النفاق { ~~لكاذبون * } أي في إخبارهم عن أنفسهم أنهم يشهدون لأن قلوبهم لا تطابق ~~ألسنتهم فهم لا يعتقدون ذلك , ومن شرط قول الحق أن يتصل ظاهره باطنه وسره ~~بعلانيته , ومتى تخالف ذلك فهو كذب , لا المراد أنهم كاذبون ms5372 في صحة ما ~~تضمنته شهادتهم من أنك رسول الله والحاصل أن الشهادة تتضمن شيئين : صدق ~~مضمون الخبر والإذعان له , فصدقهم في الأول وكذبهم في الثاني فصاروا ~~بنفاقهم أسفل حالا وشر مآلا من اليهود . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير ~~: لما أعقب حال المؤمنين فيما خصهم الله به مما انطوت عليه الآيات الثلاث ~~إلى صدر سورة الجمعة إلى قوله : < # > 77 ( { والله ذو الفضل العظيم } ) 77 < # > [ الجمعة : 4 ] بذكر حال من لم ينتفع بما حمل حسبما تقدم , وكان في ذلك ~~من المواعظ والتنبيه ما ينتفع به من سبقت له السعادة , أتبع بما هو أوقع في ~~الغرض وأبلغ في المقصود , وهو ذكر طائفة بين أظهر من قدم لاثناء عليهم ومن ~~أقرانهم وأترابهم وأقاربهم , تلبست في الظاهر بالإيمان , وأظهرت الانقياد ~~والإذعان , وتعرضت فأعرضت وتنصلت فيما وصلت , بل عاقتها الأقدار , فعميت ~~البصائر والأبصار , ومن المطرد المعلوم أن اتعاظ الإنسان بأقرب الناس إليه ~~وبأهل زمانه أغلب من اتعاظه بمن بعد عنه PageV07P606 زمانا ونسبا , فأتبعت ~~سورة الجمعة بسورة المنافقين وعظا للمؤمنين بحال أهل النفاق , وبسط من ~~قصصهم ما يلائم ما ذكرناه , وكان قيل لهم : ليس من أظهر الانقياد ~~والاستجابة , ثم بني إسرائيل ثم كان فيما حمل كمثل الحمار يحمل اسفارا ~~بأعجاب من حال إخوانكم زمانا وقرابة , وأنتم أعرف الناس بهم وأنهم قد كانوا ~~في الجاهلية موصوفين بجودية الرأي وحسن النظر ^ ( { وإذا رأيتهم تعجبك ~~أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم } ) ^ [ المنافقين : 4 ] ^ ( { ولكن ~~المنافقين لا يفقهون } ) ^ [ المنافقين : 7 ] قلت : وقد مر في الخطبة ما ~~رويناه في مصنف ابن أبي شيبة من قول أناس من المؤمنين : كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين فيبشر بها المؤمنين ~~ويحرضهم , وأما سورة المنافقين فيوئس بها المنافقين ويوبخهم , وهذا نحو ما ~~ذكرناه أولا - انتهى . | ولما كان المعنى أنهم لم يعتقدوا ما شهدوا به , ~~وكان كأنه قيل : فما الحامل لهم على هذا الكلام المؤكد والكذب في غاية ~~القباحة لا سيما عند العرب , علله بقوله مسميا شهادتهم إيمانا لأن الشهادة ms5373 ~~تجري مجرى القسم في إرادة التوكيد , ولذلك يتلقى بما يتلقى به القسم : { ~~اتخذوا } أي أخذو بجهدهم { أيمانهم } أي كلها من شهادتهم هذه المجتهد في ~~توكيدها وكل يمين سواها { الجنة } أي وقاية تقيهم المكاره الدنيوية ~~ويستترون بها منها فيصونون بها دماءهم وأموالهم , فاستضاؤوا بنور الإجابة ~~فلم ينبسط عليهم شعاع نور السعادة فانطفأ نوهرم بقهر الحرمان , وبقوا في ~~ظلمات القسمة السابقة بحكم الخذلان { فصدوا } أي فسبب لهم اتخاذهم هذا أن ~~أعرضوا بأنفسهم مع سوء البواطن وحرارة الصدور , وحملوا غيرهم على الإعراض ~~لما يرى من سيئ أحوالهم بتلك الظواهر مع بقائهم على ما كانوا ألفوه من ~~الكفر الذي يزينه الشيطان { عن سبيل الله } اي عن طري قالملك الأعظم الذي ~~شرعه لعباده ليصلوا به إلى محل رضوانه , ووصلوا إلى ذلك بخداعهم ومكرهم ~~بجرأتهم على الإيمان الحانثة التي يمشون حالهم بها لما شرعه الله في هذه ~~الحنيفية السمحة من القناعة من الحالف بيمينه فيما لا يعلم إلا من قبله . | ~~ولما كان ما أخبر به من حالهم في غاية القباحة , أنتج قوله : { إنهم } ~~وأكده لأن حالهم بعجبهم وعجب كثيرا ممن قاربهم { ساء ما كانوا } أي جبلة ~~وطبعا { يعملون * } أي يجددون عمله مستمرين عليه بما هو كالجبلة من جرأتهم ~~على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وخلص عباده بالأيمان الحانثة . | < < # | المنافقون : ( 3 - 6 ) ذلك بأنهم آمنوا . . . . . # > > ^ ( ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون * وإذا ~~رأيتهم تعجبك PageV07P607 أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة ~~يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون * وإذا قيل ~~لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون * ~~سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي ~~القوم الفسقين ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كانت المعاصي تعمي القلب فكيف بأعظمها , علله بقوله : { ذلك } ~~أي الأمر العظيم في البعد من الخير من الكذب بالإخبار بالشهادة والحلف على ~~الصدق والصد عن السبيل والوصف لعملهم بالسوء { بأنهم آمنوا } أي بسبب ms5374 أنهم ~~أقروا بالإيمان بألسنتهم منغير مطابقة لقلوبهم . | ولما كان الكفر مستبعدا ~~فكيف إذا كان بعد الإقرار , عبر بأداة البعد لذلك ولتفهم الذم على التعقيب ~~من باب الأولى , ولئلا بتوهم أن الذم إنما هو على تعقيب الإيمان بالكفر فقط ~~, لا على مطلقه , فالعبير بثم يفهم أن من استمر طول عمره على الإيمان ثم ~~كفر قبل موته بلحظة كان له هذا الذم فقال : { ثم كفروا } أي سرا فهابوا ~~الناس ولم يهابوا الله . | ولما كان مجرد الطبع على القلب في غاية البشاعة ~~, كان مفهما لبشاعة ما كان منه من الله من باب الأولى , بني للمجهول قوله : ~~{ فطبع } أي فحصل الطبع وهو الختم مع أنه معلوم أنه لا يقدر على ذلك غيره ~~سبحانه { على قلوبهم } لأجل اجترائهم على ما هو أكبر الكبائر على وجه ~~النفاق حتى مرنوا على الكفر واستحكموا فيه , وكذلك من ترك الجمعة ثلاثة ~~مرات تهاونا بها { فهم } أي فتسبب عن ذلك أنهم { لا يفقهون * } أي لا يقع ~~لهم فقه في شيء من الأشياء فهم لا يميزون صوابا من خطأ ولا حقا من باطل لأن ~~المختوم عليه لا يصل إليه شيء ولا يخرج منه شيء . | ولما وصف سبحانه ~~بواطنهم بما زهد فيهم لأن الإنسان بعقله كما أن المأكول بشكله , وكانت لهم ~~أشكال تغز ناظرها لأن العرب كانت تقول : جمال المنظر يدل غالبا على حسن ~~المخبر , قال تعالى : { وإذا رأيتهم } أي أيها الرسول على ما لك من الفطنة ~~ونفوذ الفراسة أو أيها الرائي كائنا من كان بعين البصير { تعجبك أجسامهم } ~~لضخامتها وصباحتها , فإن غايتهم كلهم بصلاح ظواهرهم وترفيه أنفسهم , فهم ~~أشباح وقوالب ليس وراءها ألباب وحقائق , قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان ~~ابن أبي - يعني - الذي نزلت السورة بسببه - جسيما فصيحا صحيحا ذلق اللسان , ~~وقوم من المنافقين في مثل صفته وهم رؤساء المدينة , وكانوا يحضرون مجلس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستندون فيه ولهم جهارة المناظرة وفصاحة ~~الألسن , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن حضر يعجبون بهياكلهم . | ~~ولما وصف ms5375 البواطن والظواهر , وكان قوله : المرء بأصغيره قلبه ولسانه مشروطا ~~كما PageV07P608 هو ظاهر العبارة بمطابقة اللسان للقلب , قال معبرا بأداة ~~الشك إشارة إلى أنهم لا يكلمونه صلى الله عليه وسلم إلا اضطرارا لأنهم لا ~~يحبون مكالمته ولا باعث لهم عليها لما عندهم من أمراض القلوب : { وإن ~~يقولوا } أي يوجد منهم قول في وقت من الأوقات { تسمع لقولهم } أي لأنه يكون ~~بحيث يلذذ السمع ويروق الفكر لما فيه من الادهان مع الفصاحة فهو يأخذ ~~بمجامع القلب . | ولما اخبر عن ظاهرهم , دل على أن ذلك الظاهر أمر لا حقيقة ~~له , أنهم لما وطنوا أنفسهم على الوقاحة وخلعوا لباس الحياء بالكذب بذلوا ~~جميع الجهد في تحسين القول لأنه لا درك عليهم فيه فيما يحسبون بوجه لأنهم ~~لا يحسبون للآخرة حسابا فقال : { كأنهم } أي في حسن ظواهرهم وسوء بواطنهم ~~وفي الجبن والخور وعدم الانتفاع بهم في شيء من فهم أو ثبات فإنهم لا حقيقة ~~لهم { خشب } ن جمع كثرة لخشبة وهو دليل على كثرتهم . | ولما كان الخشب ربما ~~أطلق على المغروس , نفى ذلك بقوله منبها بالتشديد على الكثرة : { مسندة } ~~أي قد قطعت من مغارسها وقشرت وأسندت إلى الجدر لئلا يفسدها التراب , فهي ~~بيض تلوح تعجب ناظرها ولا ثبات لها ولا باطن بثمرة ولا سقي فلا مدد سماوي ~~لها أصلا يزكيها نوع زكاء فقد فقدت روح الإثبات الذي به كمالها كما فقد ~~المنافق روح الذي به كمال الناطق وبقاؤه , فهم في تلك الحالة أشباح بلا ~~أرواح أجسام بلا أحلام . | ولما كان من يقول ما لا يفعل يصير متهما لكل من ~~يكلمه , لأنه لإخلافه له قد صار عدوه فيتوهم الناس كلهم أعداء له فيكسبه ~~ذلك أشد الجبن , وذلك هو السبب الأعظم في تحسين قوله , قال : { يحسبون } أي ~~لضعف عقولهم وكثرة ارتيابهم لكثرة ما يباشرون من سوء أعمالهم { كل صيحة } ~~أي من نداء مناد في انفلات دابة أو إنشاد ضالة , ونحو ذلك { عليهم } أي ~~واقعة . | ولما كان من يظن عداوة الناس له يكون هو عدوا لهم , قال نتيجة ms5376 ما ~~مضى : { هم } أي خاصة { العدو } أي كامل العداوة بما دل عليه الإخبار ~~بالمفرد الذي يقع على الجمع دون الجمع إشارة إلى أنهم - في شدة عداوتهم ~~للاسلام وأهله وكمال قصدهم وشدة سعيهم فيه - على قلب واحد وإن أظهروا ~~التودد في الكلام والتقرب به إلى أهل الإسلام , فإن ألسنتهم معكم إذا لقوكم ~~, وقلوبهم عليكم مع أعدائكم , فهو عيون لهم عليكم . | ولما بين ذلك من سوء ~~أحوالهم سبب عنه قوله : { فاحذرهم } لأن أعدى الأعداء العدو المداحي الذي ~~يكاشرك وتحت ظلوعه الداء الدوي , فإن من استشعر أنك عدو له بغى لك الغوائل ~~, وأغلب من يعجبك قوله على هذا الوصف يكون , ولكنه يكون بلطف الله ~~PageV07P609 دائم الخذلان منكوسا في أكثر تقلباته بيد القهر والحرمان لسر ~~قوله تعالى : { قاتلهم الله } أي أحلهم الملك المحيط علما وقدرة محل من ~~يقاتله عدو قاهر له أشد مقاتلة على عادة الفعل الذي يكون بين اثنين . | ~~ولما كان حالهم في غاية العجب في صرفهم عن الإسلام أولا بالعمى عن الآيات ~~الظاهرات , وثانيا عن الإخبار بأسرارهم , وخفي مكرهم وأخبارهم , وفي عدم ~~صرفهم عما هم عليه من قبح السرائر وسوء الضمائر بتعكيس مقاصدهم , وتخييب ~~مصادرهم في مكارهم ومواردهم , دل على ذلك بقوله : { أنى } أي كفي ومن أي ~~وجه { يؤفكون * } أي يصرفهم عن إدراك قبح ما هم عليه صارف ما كائنا ما كان ~~ليرجعوا عنه إلى حسن الدين والأنس به وإدراك بركته وعظيم أثره . | ولما كان ~~هذا أمرا عظيما قطعا عن الله ورسوله فيحتاد فاعله حاجة شديدة إلى التطهير ~~وهو جدير بعظمه أن لا يطهره غاية الطهر إلا سؤال النبي صلى الله عليه وسلم ~~وكانوا لم يفعلوا ذلك , دل على سوء بواطنهم وغلظ أكبادهم وأنهم كالخشب ~~المسندة في أنهم لا ثمرة لهم ولا زكاء أصلا بقوله : { وإذا قيل لهم } أي من ~~أي قائل كان : { تعالوا } أي ارفعوا أنفسكم مجتهدين في ذلك بالمجيء إلى ~~أشرف الخلق الذي لا يزال مكانه عاليا لعلو مكانته { يستغفر لكم } أي يطلب ~~الغفران لأجلكم خاصة بعد أن تتولوا من ms5377 ذنبكم من أجل هذا الكذب الذي أنتم ~~مصرون عليه . # ولما تقدم عاملان , أعمل الثاني منهما كما هو المختار من مذهب البصريين ~~فرفع قوله : { رسول الله } أي أقرب الخلق إلى الملك الأعظم الذي لا شبيه ~~لجوده { لووا رؤوسهم } أي فعلوا اللي بغاية الشدة والكثرة , وهو الصرف إلى ~~جهة أخرى إعراضا وعتوا وإظهارا للبغض والنفرة , وبالغوا فيه مبالغة تدل على ~~أنهم مغلوبون عليه لشدة ما في بواطنهم من المرض { ورأيتهم } أي بعين ~~البصيرة { يصدون } أي يعرضون إعراضا قبيحا عما دعوا إليه مجددين لذلك كلما ~~دعوا إليه , والجملة في موضع المفعول الثاني لرأيت { وهم مستكبرون * } أي ~~ثابتوا الكبر عما دعوا إليه وعن إحلال أنفسهم في محل الاعتذار , فهم لشدة ~~غلظتهم لا يدركون قبح ما هم عليه ولا يهتدون إلى دوائه , وإذا أرشدهم غيرهم ~~ونبههم لا ينبهون , فقد روي أنه لما نزل القرآن فيهم أتاهم شائرهم من ~~المؤمنين وقالوا : ويحكم افتضحتم واهلكتم أنفسكم , فأتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وتولوا إليه واسألوه أن يستغفر لكم , فأبوا ذلك فأنزل الله ~~هذه الآية , وروي أن ابن أبي رأسهم لوى رأسه وقال لهم : أشرتم علي بالإيمان ~~فآمنت وأشرتم علي بأن أعطي زكاة مالي ففعلت , ولم يبق إلا أن تأمروني ~~بالسجود لمحمد . | ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب صلاحهم فهو يحب ~~أن يستغفر لهم , وربما ندبه إلى ذلك PageV07P610 بعض أقاربهم , فكان ~~استغفاره بحيث يسأل عنه , قال منبها على أنهم ليسوا بأهل للاستغفار لأنهم ~~لا يؤمنون . | { سواء } أي غلب واستعلى هذا الاستواء الذي عالجوا أنفسهم ~~عليه حتى تخلقوا به فصار مجردا عن أدنى ميل وكلفة { عليهم } . | ولما كان ~~قد سلخ في هذا السياق عن الهمزة معنى الاستفهام كان معنى { استغفرت لهم } ~~أي في هذا الوقت { أم لم تستغفر لهم } أي فيه أو فيما بعده - مستو عندهم ~~استغفارك لهم وتركه , لأنه لا أثر له عندهم , ولهذا كانت نتيجته - عقوبة ~~لهم - النفي المبالغ فيه بقوله : { لن يغفر الله } أي الملك الأعظم { لهم } ~~ولعل التعبير بالاستفهام بعد سلخ معناه ms5378 للاشارة إلى أنهم لو شاهدوا الملك ~~يستفهمك عن ذلك ما ردهم عن نفاقهم وما زادهم ذلك على ما عندهم شيئا , وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قيد هذه الآية بآية براءة المحتملة للتخيير وأنه ~~إن زاد على السبعين كان الغفران مرجوا , فاستجاز بذلك الصلاة على ابن أبي ~~رأس المنافقين والاستغفار له لما عنده صلى الله عليه وسلم من عظيم الشفقة ~~على عباد الله ومزيد الرحمة لهم ولا سيما من كان في عداد أصحابه والأنصار ~~رضي الله عنهم به عناية . | ولما كان التقدير لتعليل المبالغة في الإخبار ~~بعد الغفران لهم : لأن فسقهم قد استحكم فصار وصفا لهم ثابتا , عبر عن ذلك ~~بقوله : { إن الله } أي الذي له صفات الكمال { لا يهدي القوم } أي الناس ~~الذي لهم قوة في أنفسهم على ما يريدونه { الفاسقين * } لأنهم لا عذر لهم في ~~الإصرار على الفسق وهو المروق من حصن الإسلام بخرقه وهتكه مرة بعد مرة ~~والتمرن عليه حتى استحكم فهم راسخون في النفاق والخروج عن مظنة الإصلاح . | ~~< < # | المنافقون : ( 7 - 8 ) هم الذين يقولون . . . . . # > > ^ ( هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله ~~خزآئن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون * يقولون لئن رجعنآ إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن ~~المنافقين لا يعلمون ) ^ } ) | ولما كان هذا داعيا إلى السؤال عن الأمر ~~الذي فسقوا به , قال مبينا له : { هم } أي خاصة بواطنهم { الذين يقولون } ~~أي أوجدوا هذا القول ولا يزالون يجددون لأنهم كانوا مربوطين بالأسباب ~~محجوبين عن شهود التقدير غير محققين بتصريف الأحكام , فأنطقهم ما خامر ~~قلوبهم من تمني إطفاء نور الله فتواصوا فيما بينهم بقولهم : { لا تنفقوا } ~~أيها المخلصون في النصرة { على من } أي الذين { عند رسول الله } أي الملك ~~المحيط بكل شيء , وهم فقراء المهاجرين , وكأنهم عبروا بذلك وهم لا يعتقدونه ~~تهكما PageV07P611 وإشارة إلى أنه لو كان رسوله وهو الغنى المطلق لأغنى ~~أصحابه ولم يحوجهم إلى أن ينفق الناس عليهم , وما درى الأغبياء أن ذلك ~~امتحان منه ms5379 سبحانه لعباده - فسبحان من يضل من يشاء - حتى يكون كلامه أبعد ~~شيء عن الصواب بحيث يعجب العاقل كيف يصدر ذلك من إحد , أو أن هذه ليست ~~عبارتهم وهو الظاهر , وعبر سبحانه عنهم بذلك إشارة إلى أن كلامهم يؤول إلى ~~إرادة ضر من الله معه توقيفا على كفرهم وتنبيها على أن من أرسل رسولا لا ~~يكله إلى أحد بل يكفيه جميع ما يهمه من غير افتقار إلى شيء أصلا , فقد أرسل ~~سبحانه إليه صلى الله عليه وسلم بمفاتيح خزائن الأرض فأباها وما كفاهم هذا ~~الجنون حتى زادوه ما ظنوا أن أبواب الرزق تغلق إذا امتنع المنفقون من الناس ~~عن إنفاقهم , وعبروا بحرف غياية ليكون لما بعده حكم ما قبله فقالوا : { حتى ~~نفضوا } أي يتفرقوا تفرقا قبيحا فيه كسر فيذهب أحد منهم إلى إهله وشغله ~~الذي كان له قبل ذلك , قال الحرالي : ( حتى ) كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما ~~بعدها في حكم ما قبلها مقابل معنى ( إلى ) , وقال أهل العربية : لا يجر بها ~~إلى آخر أو متصل بالآخر نحو الفجر في < # > 77 ( { حتى مطلع الفجر } ) 77 < # > [ القدر : 5 ] وحتى آخر الليل , ولا تقولوا : حتى نصف الليل , وما درى ~~الأجلاف أنهم لو فعلوا ذلك أتاح الله غيرهم للانفاق , أو أمر رسوله صلى ~~الله عليه وسلم فدعا في الشيء اليسير فصار كثيرا , أو كان بحيث لا ينفد , ~~أو أعطى كلا يسيرا من طعام على كيفية لا تنفد معها كتمر أبي هريرة وشعير ~~عائشة وعكة أم أيمن رضي الله عنهم وغير ذلك كما روي ذلك غير مرة , ولكن ليس ~~لمن يضل الله من هاد , ولذلك عبر في الرد عليهم بقوله : { ولله } أي قالوا ~~ذلك واستمروا على تجديد قوله والحال أن للملك الذي لا أمر لأحد معه فهو ~~الآمر الناهي { خزائن السماوات } أي كلها { والأرض } كذلك من الأشياء التي ~~أوجدها فهو يعطي من يشاء منها ما يشاء حتى من أيديهم , لا يقدر أحد على منع ~~شيء من ذلك لا مما في يده ولا مما في يد ms5380 غيره , ونبه على سوء غباوتهم وأنهم ~~تقيدوا بالوهم حتى سفلوا عن رتبة البهائم كما قال بعضهم : إن كان محمد ~~صادقا فنحن شر من البهائم , أشار إلى ذلك بقوله : { ولكن المنافقين } أي ~~العريقين في وصف النفاق . | ولما كان ما يساق إلى الخلق من الأرزاق فيظن ~~كثير منهم أنهم حصلوه بقوتهم , عبر بالفقه الأخص من العلم فقال : { لا ~~يفقهون * } أي لا يتجدد لهم فهم أصلا لأن البهائم إذا رأت شيئا ينفعها يوما ~~ما في مكان طلبته مرة أخرى , وهؤلاء رأوا غير مرة ما أخرج الله من خوارق ~~البركات على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينفعهم ذلك , فمن رأى أن ~~PageV07P612 رزقه بيد الخلق فألهاه ذلك عن الله حتى ضيع حقوقه وداهن في ~~دينه فقد برئ من القرآن , ودل على عدم فقههم بقوله تعالى : { يقولون } أي ~~يوجدون هذا القول ويجددونه مؤكدين له لاستشعارهم بأن أكثر قومه ينكره : { ~~لئن رجعنا } أي نحن أيتها العصابة المنافقة من غزاتنا هذه - التي قد رأوا ~~فيها من نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ما يعجز الوصف وهي غزوة بني المصطلق ~~حي من هذيل بالمريسيع وهو اء من مياههم من ناحية قديد إلى الساحل وفيها ~~تكلم ابن أبي بالإفك وأشاعه - { إلى المدينة } ودلوا على تصميمهم على عدم ~~المساكنة بقولهم : { ليخرجن الأعز } يعنون أنفسهم { منها الأذل } وهم ~~كاذبون في هذا , لكنهم تصوروا لشدة غباوتهم أن العزة لهم وأنهم يقدرون على ~~إخراج المؤمنين { ولله } أي والحال أن كل من له نوع بصيرة يعلم أن للملك ~~الأعلى الذي له وحده عز الإلهية { العزة } كلها , فهو قهار لمن دونه وكل ما ~~عداه دونه . | ولما حصر العزة بما دل على ذلك من تقديم المعمول , أخبر أنه ~~يعطي منها من أراد وأحقهم بذلك من أطاعه فترجم ذلك بقوله : { ولرسوله } لأن ~~عزته من عزته بعز النبوة والرسالة وإظهار الله دينه على الدين كله , وكذلك ~~أيضا أن العزة لمن أطاع الرسول بقوله : { وللمؤمنين } أي الذين صار الإيمان ~~لهم وصفا راسخا لأن عزتهم بعزة الولاية , ونصر ms5381 الله إياهم عزة لرسولهم صلى ~~الله عليه وسلم , ومن تعزز بالله لم يلحقه ذل . | ولما كان جهلهم في هذا ~~أشد لكثرة ما رأوا من نصرة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ومن تابعه رضي ~~الله عنهم وإعلائهم على كل من ناواهم , قال منبها على ذلك : { ولكن ~~المنافقين } أي الذي ساتحكم فيهم مرض القلوب . | ولما كانت الدلائل على عزة ~~الله لا تخفى على ولا المنازعة فيه , ومن المنع نم أكثر المرادات , ومن نصر ~~الرسول وأتباعهم بإهلاك أعدائهم بأنواع الهلاك , وبأنه سبحانه ما قال شيئا ~~إلا تم ولا قالت الرسل شيئا إلا صدقهم فيه , ختم الآية بالعلم الأعم من ~~الفقه فقال : { لا يعلمون * } أي لا لأحد لهم علم الآن , ولا يتجدد في حين ~~من الأحيان , فلذلك هم يقولون مثل هذا الخراف , وروي أنه لما نزلت هذه ~~الآية جاء عبد الله ولد عبد الله بن أبي ابن سلول الذي نزلت بسبببه إلى ~~أبيه , وذلك في غزوة المريسيع لبني المصطلق فأخذ بزمام ناقة أبيه وقال : ~~أنت والله الذليل , ورسول الله صلى الله عليه وسلم العزيز , ولما دنوا من ~~المدينة الشريف جر سيفه وأتى أباه فأخذ بزمام ناقته . | وزجرها إلى ورائها ~~وقال : إياك وراءك والله لا تدخلها حتى يأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولئن لم تقر بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز وأنت الأذل لأضربن ~~عنقك , قال : أفاعل أنت ؟ قال : نعم , قال : أشهد أن العزة لله ولرسوله ~~وللمؤمنين , وشكا ولده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره أن يدعه ~~يدخل المدينة , فأطلق فدخل . | PageV07P613 < < # | المنافقون : ( 9 - 11 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن ~~يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون * وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن ~~يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلهآ والله خبير بما تعملون ) ^ } ) | ولما كان ~~هذا الذي حكاه سبحانه وتعالى عن المنافقين بحيث يعجب غاية ms5382 العجب من تصور ~~قائله له فضلا عن أن يتفوه به فكيف بأن يعتقده , نبه على أن العلة الموجبة ~~له طمس البصيرة , وأن العلة ف طمس البصيرة الإقبال بجميع القلب على الدينا ~~رجوعا على إيضاح ما تقدم في نتيجة الجمعة من الإذن في طلب الرزق والتحذير ~~من مثل فعل حاطب رضي الله عنه وفعل من انصرف عن خطبة لتلك العير , وكان هذا ~~التنبيه على وجه حاسم لمادة شرهم في كلامهم فإن كلمة الشح كما قيل مطاعة , ~~ولو بأن تؤثر أثرا ما ولو بأن تقتر نوع تقتير في وقت ما , فقال مناديا لمن ~~يحتاج إلى ذلك : { يا أيها الذين آمنوا } أي أخبروا بما يقتضي أن بواطنهم ~~مذعنة كظواهرهم { لا تلهكم أموالكم } ولما كان الخطاب مع من يحتاج إلى ~~التأكيد قال : { ولا أولادكم } أي لا تقبلوا على شيء من ذلك بجمع قلوبكم ~~إقبالا يحيركم سواء كان ذلك في إصلاحها أو التمتع بها بحيث تشتغلون وتغفلون ~~{ عن ذكر الله } أي من توحدي الملك الأعظم الذي له الإحاطة الكاملة بكل شيء ~~فله الملك وله الحمد يعطي من يشاء ويمنع من يشاء , فإذا كان العبد ذاكرا له ~~بقلبه دائما لم يقل كقول المنافقين ^ ( { لا تنفقوا } ) ^ [ المنافقين : 7 ~~] ولا ^ ( { ليخرجن الأعز منها الأذل } ) ^ [ المنافقين : 8 ] لعلمه أن ~~الأمر كله لله , وأنه لن يضر الله شيئا , ولا يضر بذلك إلا نفسه , وهذا ~~يشمل ما قالوه من التوحيد والصلاة والحج والصوم وغير ذلك , ولإرادة ~~المبالغة في النهي وجه النهي إلى الأموال والأولاد بما المراد منه نهيهم . ~~| ولما كان التقدير : فمن انتهى فهو من الفائزين , عطف عليه قوله : { ومن ~~يفعل } أي يوقع في زمن من الأزمان على سبيل التجديد والاستمرار فعل { ذلك } ~~أي الأمر البعيد عن أفعال ذوي الهمم من الانقطاع إلى الاشتغال بالفاني ~~والإعراض عن الباقي والإقبال على العاجل مع نسيان الآجل { فأولئك } أي ~~البعداء عن الخير { هم } أي خاصة { الخاسرون * } أي العريقون في الخسارة ~~حتى كأنهم كانوا مختصين بها دون الناس , وذلك ضد ما أرادوا بتوفير النظر ~~إليهم ms5383 والإقبال عليهم من السعي للتكثير والزيادة والتوفير , وفي إفهامه أن ~~من شغله ما يهمه من أمر دينه الذي أمره سبحانه به ونهاه عنه إضاعته وتوعده ~~عليها كفاه سبحانه أمر دنياه الذي ضمنه له ونهاه أن يجعله أكبر همه وتوعده ~~على ذلك , فما ذكره إلا من وجده في جميع أموره دينا ودنيا , وتوجه إليه في ~~PageV07P614 جميع نوائبه , وأقبل عليه بكل همومه , وبذل نفسه له بذل من ~~يعلم أنه مملوك مربوب فقد أمر ربه على نفسه واتخذه وكيلا فاستراح من ~~المخاوف , ولم يمل إلى شيء من المطامع فصار حرا . | ولما حذر من الإقبال ~~على الدنيا , رغب في بذلها مخالفة للمنافقين فقال : { وأنفقوا } أي ما ~~أمرتم به من واجب أو مندوب , وزاد في الترغيب بالرضى منهم اليسير مما هو ~~كله له بقوله : { من ما رزقناكم } أي من عظمتنا وبلغ النهاية في ذلك بالرضا ~~بفعل ما أمر به مع التوبة النصوح في زمن ما ولو قل بما أرشد إليه إثبات ~~الجار , فقال مرغبا في التأهب للرحيل والمبادرة لمباغتة الأجل , محذرا من ~~الاغترار بالتسويف في أوقات السلامة : { من قبل } وفك المصدر ليفيد ( أن ) ~~مزيد القرب فقال : { أن يأتي } ولما كان تقديم المفعول كما تقدم في النسا ~~أهوال قال : { أحدكم الموت } أي برؤية دلائله وأماراته , وكل لحظة مرت فهي ~~من دلائله وأماراته . | ولما كانت الشدائد تقتضي الإقبال على الله , سبب عن ~~ذلك بقوله : { فيقول } سائلا في الرجعة , وأشار إلى ترقيقها للقلوب بقوله : ~~{ رب لولا } أي هل لا ولم لا { أخرتني } أي أخرت موتي إمهالا لي { إلى أجل ~~} أي زمان , وبين أن مراده استدراك ما فات ليس إلا بقوله : { قريب فأصدق } ~~أي للتزود في سفري هذا الطويل الذي أنا مستقبله , قال الغزالي في كتاب ~~التوبة من الإحياء : قال بعض العارفين : إن ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه ~~أنه قد بقي من عمرك ساعة , وأنك لا تستأخر عنها طرفة عين فيبدوا للعبد من ~~الأسف والحسرة مما لو كانت له الدنيا بحذافيرها لخرج منها على أن يضم إلى ~~تلك ms5384 الساعة ساعة أخرى ليستعتب فيها ويتدارك تفريطه , يقول : يا ملك الموت ! ~~أخرني يوما أعتذر فيه إلى ربي وأتوب وأتزود فيها صالحا لنفسي , فيقول : ~~فنيت الساعات فلا ساعة , فيغلق عليه باب التوبة فيتغرغر بروحه وتردد أنفاسه ~~في شراسيفه ويتجرع غصة البأس عن التدارك وحسرة الندامة على تضييع العمر , ~~فيضطرب أصل إيمانه في صدمات تلك الأهوال , فإذا زهقت نفسه فإن كان سبقت له ~~من الله الحسنى خرجت روحه على التوحيد , فذلك حسن الخاتمة , وإن سبق له ~~القضاء بالشقوة والعياذ بالله تعالى خرجت روحه على الشك والاضطراب , وذلك ~~سوء الخاتمة , ومن ترك المبادرة إلى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين ~~: أحدهما أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير رينا وطبعا فلا ~~يقبل المحو , الثاني أن يعاجلة المرض أو الموت فلا يجد مهلة للاشتغال ~~بالمحو , فيأتي الله تعالى بقلب غير سليم , والقلب أمانة الله عند عبده , ~~قال بعض العارفين : إن لله تعالى إلى عبده سرين على سبيل الإلهام : أحدهما ~~إذا خرج من بطن أمه PageV07P615 يقول له : عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرا ~~نظيفا واستودعتك وائتمنتك عليه فانظر كيف تحفظ الأمانة وانظر كيف تلقاني , ~~والثاني عند خروج روحه يقول : عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك هل حفظتها حتى ~~تلقاني على العهد فألقاك على الوفاء أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعذاب . ~~| ولعله أدغم تاء التفعل إشارة إلى أنه إذا أخر فعل ذلك على وجه الإخفاء ~~ليكون أفضل , أو يكون إدعامها اختصارا لبلوغ الأمر إلى حد محوج إلى الإيجاز ~~في القول كما طلب في الزمن , ويؤيده قراءة الجماعة غير أبي عمرو { وأكن } ~~بالجزم عطفا على الجواب الذي هدى السياق إلى تقديره , فإن حال هذا الذي ~~أشرف هذا الإشراف يقتضي أن يكون أراد إن ( أخرتني أتصدق ) ولكنه حذفه لضيق ~~المقام عنه واقتضاء الحال لحذفه , وهو معنى ما حكاه سيبويه عن الخليل أن ~~الجزم على توهم الشرط الذي دل عليه التمني على الموضع , فإن الجازم غير ~~موجود , ومعنى ما قال غيره أن ( لولا ) لكونها تحضيضية متضمنة معنى الأمر ms5385 ~~ومعنى الشرط , فكأنه قيل : أخرني , فيكون جوابه العاري عن الفاء مجزوما ~~لفظا والمقرون بها مجزوما محلا ف ( اكن ) عطف على المحل , ونصب أبو عمرو ~~عطفا على اللفظ لأنه جواب التمني الذي دلت عليه ( لولا ) وإجماع المصاحف ~~على الحذف الواو لا يضره لأنه قال : إنها للاختصار , وهو ظاهر , وذلك ~~للمناسبة بين اللفظ والخط والزمان والمراد , ومن هنا تعرف جلالة القراء ~~ومرادهم إن شاء الله تعالى بقولهم في الضابط المشهور وإن توافق رسم المصحف ~~ولو احتمالا { من الصالحين * } أي العريقين في هذا الوصف العظيم , وزاد في ~~الحث على المبادرة بالطاعات قبل الفوات بقوله مؤكدا لأجل عظيم الرجاء من ~~هذا المحتضر للتأخير عطفا على ما تقديره : فلا يؤخره الله فيفوته ما أراد : ~~{ ولن } ويجوز أن تكون الجملة حالا أي قال ذلك والحال أنه لن { يؤخر الله } ~~أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له فلا اعتراض عليه { نفسا } أي أي نفس كانت ~~, وحقق الأجل بقوله : { إذا جاء أجلها } أي وقت مكوتها الذي حده الله لها ~~فلا يؤخر الله نفس هذا القائل لأنها من جملة النفوس التي شملها النفي . | ~~ولما كان المعنى على طريق النتائج التي لا شك في إراشاد اللفظ إليها : الله ~~عالم فإنه يقول ذلك , عطف عليه قوله حاثا على المسارعة إلى الخروج عن عهدة ~~الطاعات والاستعداد لما لا بد منه من اللقاء محذرا من الإخلال ولأنه لا ~~تهديد كالعلم : { والله } أي الذي له الإحاطة الشاملة علما وقدرة { خبير } ~~أي بالغ الخبرة والعلم ظاهرا وباطنا { بما تعلمون * } أي توقعون عمله في ~~الماضي والحال والمآل كله ظاهره وباطنه من هذا الذي أخبرتكم أن المحتضر ~~العاصي يقوله ومن غيره منه ومن غيره أيها الناس - هذا على قراءة الجمهور ~~بالخطاب , وعلى قراءة أبي بكر عن PageV07P616 عاصم بالغيب يمكن أن يراد ~~المنافقون , ويمكن أن يعم فيكون الضمير للنفس على المعنى ويمكن أن يكون ~~الضمير للناس على الالتفات للإعراض تخويفا لهم , ولذلك علم سبحانه كذب ~~المنافقين في أنهم يعتقدون ما شهدوا به في أمر الرسالة وعلم جميع ما ms5386 قص من ~~أخبارهم < # > 77 ( { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } ) 77 < # > [ الملك : 14 ] والله أعلم . | . . . . | PageV07P617 < # > سورة التغابن < # > | مقصودها الإبلاغ في التحذير مما حذرت منه المنافقون بإقامة الدليل ~~القاطع على أنه لا بد من العرض على الملك الدنيونية على النقير والقطمير ~~يوم القيامة يوم الجمع الأعظم ، واسمها التغابن واضح الدلالة على ذلك ، وهو ~~أدل ما فيها عليه فلذلك سميت به { بسم الله } مالك الملك فلا كفوء له ولا ~~مثيل { الرحمن } الذي وسع الخلائق بره الجليل { الرحيم } الذي خص ممن عمه ~~بالبر قوما فوفقهم للجميل . < < # | التغابن : ( 1 - 3 ) يسبح لله ما . . . . . # > > ^ ( يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو ~~على كل شيء قدير * هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون ~~بصير * خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير ) ^ } ) ~~| تلك بإثبات القهر بنفوذ الأمر وإحاطة العلم , افتتح هذه بإحاطة الحمد ~~ودوام التنزه عن كل شائبة نقص , إرشادا إلى النظر في أفعاله والتفكر في ~~مصنوعاته لأنه الطريق إلى معرفته , وأما معرفته بكنه الحقيقة فمحال فإنه لا ~~يعرف الشيء كذلك إلا مثله ولا مثل له , فقال مؤكدا لما أفهمه أول الجمعة : ~~{ يسبح } أي يوقع التنزيه التام مع التجديد والاستمرار { لله } الذي له ~~الإحاطة بأوصاف الكمال { ما في السماوات } الذي من جملته الأراضي وما فيها ~~فلا يريد من شيء منه شيئا إلا كان على وفق الإرادة , فكان لذلك الكون ~~والكائن شاهدا له بالبراءة عن كل شائبة نقص . | ولما كان الخطاب مع من تقدم ~~في آخر المنافقين ممن هو محتاج إلى التأكيد , قال مؤكدا بإعادة الموصول : { ~~وما في الأرض } أي كذلك بدلالتها على كماله واستغنائه , وقد تقدم أن موافقة ~~العاقل للأمر مثل موافقة غير العاقل للارادة , فعليه أن يهذب نفسه غاية ~~التهذيب فيكون في طاعته بامتثال الأوامر كطاعة غير العاقل في متثاله لما ~~يراد منه . | ولما ساق سبحانه ذلك الدليل النقلي كمال نزاهته على وجه يفهم ~~الدليل PageV08P003 العقلي لمن له لب كما قال علي رضي الله ms5387 عنه : لا ينفع ~~مسموع إذا لم يكن مطبوع , كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع , وذلك لكونه ~~سبحانه جعلهم مظروفين كما هو المشاهد , والمظروف محتاج لوجود ظرفه قلبه فهو ~~عاجز فهو مسبح دائما إن لم يكن بلسان قاله كان بلسان حاله , وصانعه الغني ~~عن الظرف فغيره سبوح , علل ذلك بقوله : { له } أي وحده { الملك } أي كله ~~مطلقا في الدنيا والآخرة , وهو السيادة العامة للخاص والعام والسياسة ~~العامة بركنيها دفع الشرور وجلب الخيور الجالب للسرور والحبور من الإبداع ~~والإعدام , فهو أبلغ مما في الجمعة , فإن الملك قد يكون ملكا في الصورة , ~~وذلك الملك الذي هو ظاهر فيه لغيره , فداوم التسيبح الذي اقتضته عظمة الملك ~~هنا أعظم من ذلك الدوام . | ولما أتبعه في الجمعة التنزيه عن النقص , أتبعه ~~هنا الوصف بالكمال فقال : { وله } أي وحده { الحمد } أي الإحاطة بأوصاف ~~الكمال كلها فلذلك ينزهه جميع مخلوقاته , فمن فهم تسبيحها فذلك المحسن , ~~ومن كان في طبعه وفطرته الأولى بالفهم ثم ضيعه يوشك أن يرجع فيفهم , ومن لم ~~يهيأ لذلك فذلك الضال الذي لا حيلة فيه { وهو } أي وحده { على كل شيء } أي ~~أي ممكن أن يتعلق به المشيئة { قدير * } لأنه واحده بكل شيء مطلقا عليم , ~~لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى الأشياء كلها على حد سواء وهذا واضح جدا ~~, ولأن من عرف نفسه بالنقص عرف ربه بالكمال وقوة السلطان والجلال . | وقال ~~الإمام أبو جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى : لما بسط في السورتين قبل من ~~حال من حمل التوراة من بني إسرائيل ثم لم يحملها , وحال المنافقين ~~المتظاهرين بالإسلام , وقلوبهم كفرا وعنادا متكاثفة الإظلام , وبين خروج ~~الطائفتين عن سواء السبيل المستقيم , وتنكبهم عن هدى الدين القويم , وأوهم ~~ذكر اتصافهم بمتحد أصوافهم خصوصهم في الكفر بوسم الانفراد وسما ينبئ عن ~~عظيم ذلك الإبعاد , سوى ما تناول غيرهم من أحزاؤ الكفار , فأنبأ تعالى عن ~~أن الخلق بجملتهم وإن تشعبت الفرق وافترقت الطرق راجعون بحكم السوابق إلى ~~طريقين فقال تعالى < # > 77 ( { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم ms5388 مؤمن } ) 77 < # > [ التغابن : 2 ] وقد أوضحنا الدلائل أن المؤمنين على درجات , وأهل ~~الكفر ذو طبقات , وأهل النفاق أدونهم حالا وأسوأهم كفرا وضلالا إن المنافقي ~~في الدرك الأسفل من النار ( وافتتحت السورة بالتنزيه لعظيم مرتكب المنافقين ~~في جهلهم ولو لم تنطو سورة المنافقين من عظيم مرتكبهم إلى على ما حكاه ~~تعالى من قولهم < # > 77 ( { لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } ) 77 < # > [ المنافقين : 8 ] وقد أشار PageV08P004 قوله تعالى < # > 77 ( { يعلم ما في السماوات وما في الأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون ~~والله عليم بذات الصدور } ) 77 < # > [ التغابن : 4 ] إلى ما قبله وبعده من الآيات إلى سوء جهل المنافقين ~~وعظيم حرمانهم في قولهم بألسنتهم مما لم تنطو عليه قلوبهم < # > 77 ( { والله يشهد أن المنافقين لكاذبون } ) 77 < # > [ المنافقين : 1 ] واتخاذهم أيمانهم جنة وصدهم عن سبيل الله إلى ما ~~وصفهم سبحانه به , فافتتح سبحانه وتعالى سورة التغابن بتنزيهه عما توهموه ~~من مرتكباتهم التي لا تخفى عليه سبحانه < # > 77 ( { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم } ) 77 < # > [ التوبة : 78 ] ثم قال تعالى : < # > 77 ( { ويعلم ما تسرون وما تعلنون } ) 77 < # > [ التغابن : 4 ] فقرع ووبخ في عدة آيات ثم أشار إلى ما منعهم من تأمل ~~الآيات , وصدهم عن اعتبار المعجزات , وأنه الكبر المهلك غيرهم , فقال تعالى ~~مخبرا عن سلفهم في هذا المرتكب , ممن أعقبه ذلك أليم العذاب وسوء المنقلب < # > 77 ( { ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا ~~فكفروا وتولوا } ) 77 < # > [ التغابن : 6 ] ثم تناسج الكلام معرفا بمآلهم الأخروي ومآل غيرهم إلى ~~قوله < # > 77 ( { وبئس المصير } ) 77 < # > [ التغابن : 10 ] ومناسبة ما بعد يتبين في التفسير بحول الله - انتهى . ~~| ولما كان أعظم الدلائل عليه سبحانه آيات الآفاق { سنريهم آياتنا في ~~الآفاق } وآيات الأنفس , وقدم الأول علويه وسفليه لوضوحه , أتبعه الثاني ~~دليلا على عموم قدرته الدال على تمام ملكه بأنه المختص بالاختراع لأعجب ~~الأشياء خلقا والحمل على المكاره فقال : { هو } أي وحده { الذي خلقكم } أي ~~أنشأكم على ما أنتم عليه بأن قدركم وأوجدكم بالحق على وفق التقدير ms5389 خلافا ~~لمن أنكر ذلك من الدهرية وأهل الطبائع . | ولما كان قد تقدم في سورة ~~المنافقين ما أعلم أنهم فريقان , عرف في هذه أن ذلك مسبب عن إبداعه لأن من ~~معهود الملك أن يكون في مملكته الولي والعدو والمؤالف والمخالف والطائع ~~والعاصي والملك ينتقم ويعفو ويعاقب وثيب ويقدم ويؤخر ويرفع ويضع , ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم ( لو لم تذنبوا فتستغفروا لذهب الله بكم ثم جاء ~~بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم ) أخرجه مسلم والترمذي عن أبي أيوب رضي ~~الله عنه , فقال تعالى دما للعدو إشارة إلى أنه عالم به وقادر عليه , وما ~~كان منه شيئا إلا بإرادته , وفيه تلويح إلى أنه الأكثر ومع كثرته هو الأضعف ~~, لأن الله تعالى ليس معه بمعونته وإلا لأعدم الصنف الآخر : { فمنكم } أي ~~فتسبب عن خلقه لكم وتقديره لأشباحكم التي تنشأ PageV08P005 عنها الأخلاق إن ~~كان منكم بإبداعه لصفاتكم كما أبدع لذواتكم { كافر } أي عريق في صفة الكفر ~~مهلك نفسه بما هيأه لاكتسابه ويسره له بعد ما خلقه في أحسن تقويم على ~~الفطرة الأولى , وفي الحديث أن الغلام الذي قتله الخضر عليه السلام طبع ~~كافرا فمعنى أن فطرته الأولى خلقت مهيأة للكفر , والعامة تضاف إلى الله ~~تعالى فيقال : أوجه القدرة على الحركة والسكون وخلق الحركة والسكون , ~~والافعال الخاصة متعلق الأمر والنهي { ومنكم مؤمن } أي راسخ في الإيمان في ~~حكم الله تعالى في الأزل منج نفسه بالأعمال الصالحة التي طابق بها العلم ~~الأزلي , فهو سبحانه خلق الكافر وخلق كفره فعلا له , والمؤمني وإيمانه فعلا ~~له , لأنه خلق القدرة والاختيار وغيب أمر العاقبة , فكل منهما يكتب ~~باختياره بتقدير الله , ولا يوجد من كل منهما إلا ما قدره عليه وأراده منه ~~لأن وجود غير المقدور عجز , وخلاف المراد المعلوم جهل , وقد علم من هذه ~~القسمة علما قطعيا أن أحد القسمين مبطل ضال مخالف لأمر الملك الذي ثبت ملكه ~~, ومن المعلوم قطعا من ظالمه , ومن الشماهد أن بعضهم يموت على كفرانه من ~~غير نقص يلحقه , وبعضهم على إيمانه كذلك , فعلم أن ms5390 هذه الدار ليست دار ~~الفصل , وأن الدار المعدة له إنما هي بعد الموت والبعث , وهذا مما هو مركوز ~~في الطبائع لا يجهله أحد , ولكن الخلق أعرضوا عنه بما هم فيه من القواطع , ~~فصار مما لا يخطر بإنكارهم , فصار بحيث لا تستقل به عقولهم , ولكنهم إذا ~~ذكروا به وأوضحت هلم هذه الواطع التي أشار سبحانه غليها وجدوا النفس عن ~~الحظوظ والمرور مع الألف عدوه كلهم من الضروريات , وعلم ن تسبيبه تقسيمهم ~~هذا عن تقديره وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره . | ولما كان التقدير : فالذي ~~أبدعكم وحملكم على ذلك وفاوت بينكم على كل شيء قدير , عطف عليه قوله تعالى ~~: { والله } أي الذي له الإحاطة الكاملة بفعله ذلك , وقدم الجار لا للتخصيص ~~بل إشارة إلى مزيد الأعتناء كما تقول لمن سألك : هل تعرف كذا , وظهر منه ~~التوقف في علمك له : نعم أعرفه ولا أعرف غيره , فقال : { بما تعملون * } أي ~~توقعون عمله كسبا { بصير * } أي بالغ العلم بذلك , فهو الذي خلق جميع ~~أعمالكم التي نسب كسبها إليكم , وهو خالق جميع الاستعدادات والصفات كما خلق ~~الذوات خلافا للقدرية لأنه لا يتصور أن يخلق الخالق ما لا يعلمه , ولو سئل ~~الإنسان كم مشى في يومه من خطوة لم يدر , فيكف لو سئل أين موشع مشيه ومتى ~~زمانه فكيف وإنه PageV08P006 ليمشي أكثر مشيه وهو غافل عنه , ومن جهل ~~أفعاله كما وكيفا وأينا وغير ذلك لم يكن خالقا لها بوجه . | ولما ذكر ~~المظروف ذكر ظرفه دالا على تمام إحاطته بالبواطن , والظواهر بأنه يخلق ~~الشيء العظيم جدا فيأتي على وفق الغرادة ثم لا يحتاج غلى أن يزاد فيه ولا ~~أن ينقص منه فقال : { خلق السماوات } التي هي السقف لبيت عبيد الملك على ~~كبرها وعلوها كطا ترون { والأرض } التي هي قرار بيتهم ومهاده على سعتها وما ~~فيها من المرافق والمعاون { بالحق } أي بالأمر الذي يطابقه الواقع فلا ~~زائدا عنه ولا ناقصا بل جاء الواقع منها مطابقا لما أراد سواء لا كما يريد ~~أحدنا الشيء فإذا أوجده لم يكن على وفق مراده ms5391 سواء , وبسبب إظهار الأمر ~~الثابت وإبطال الباطل فهو خالق المسكنين : الدنيوي والأخروي , خلافا لمن لا ~~يقول بذلك من صابئ وفلسفي وغيرهم . | ولما كان أهل الطبائع يقولون : إن ~~الأفلاك لها تأثير بحسب الذات والطبع , قال نافيا لذلك مذكرا بنعمته لتشكر ~~: { وصوركم } أي أيها المخاطبون على صور لا توافق شيئا من صور العلويات ولا ~~السفليات ولا فيها صورة توافق الأخرى من كل وجه { فأحسن صوركم } فجعلها ~~أحسن صور الحيوانات كلها كما هو مشاهد في الدنيا وكذا في الآخرة خلافا لأهل ~~التناسخ مع أن وضعها في نفسها أحسن الأوضاع , لو غير شيء منها عن مكانه إلى ~~شيء مما نعلمه فحصلت البشاعة به مع تفضيل الآدي بتزيينه بصفوة أوصاف ~~الكائنات وجعل سبحانه أعضاء متصرفة بكل ما يتصرف به أعضاء سائر الحيوان مع ~~زيادات اختص بها الآدمي إلى حسن الوجه وجمال الجوارح , فهو أحسن بالنسبة ~~إلى النوع من حيث هو هو , وبالنسبة إلى الأفراد في نفس الأمر وإن كان بعضها ~~أحسن من بعض , فقبح القبيح منه إنما هو بالنسبة إلى أحسن منه , ولذا قال ~~الحكماء , شيئان لا غاية لهما : الجمال والبيان , فخلق الانسان في أحسن ~~تقويم لا ينفي أن يكون للنوع الذي جعل أحسن أفراد أنواع لما فوقه من الجنس ~~, لا نهاية لأحسنية بعضها بالنسبة إلى بعض يشاهد ما وجد من أفراد نوعه من ~~الذوات فقدرة الله لا تتناهى , فإياك أن تصغي لما وقع في كتب الإمام ~~الغزالي أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان , وإن كان قد علم أنه اعترض عليه ~~في ذلك واجاب عنه في الكتاب الذي أجاب فيه عن أشياء اعترض عليه فيها فإنه ~~لا عبرة بذلك الجواب أيضا , فإن ذلك ينحل إلى أنه سبحانه وتعالى لا يقدر ~~على أن يخلق أحسن من هذا العالم , وهذا لا يقوله أحد , وهو لا ينقص مقدار ~~الغزالي فإن كل أحد يؤخذ من كلامه ويرد كما قال الإمام مالك رضي الله عنه , ~~وعزاه الغزالي بنفسه إلى ابن عباس رضي الله عنهما , وقال الإمام الشافعي ~~رضي الله ms5392 عنه وأرضاه : PageV08P007 صنفت هذه الكتاب وما ألوت فيها جهدا ~~وإني لأعلم أن فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول : ^ ( { ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ) ^ [ النساء : 82 ] ولما كان التقدير : ~~فكان منه سبحانه المبدأ , عطف عليه قوله : { وإليه } أي وحده { المصير * } ~~أي بعد البعث بعين القدرة التي قدر بها على البدأة فمن كان على الفطرة ~~الأولى لم يغيرها أدخله الجنة , ومن كان قد أفسدها فجعل روحه نفسا بما ~~طبعها به من حيث جسده أدخله النار , وفي الدنيا أيضا بانفراده بالتدبير , ~~فلا يكون من الملك والسوقة إلا ما يريد , لا ما يريد ذلك المريد الفاعل . | ~~< < # | التغابن : ( 4 - 5 ) يعلم ما في . . . . . # > > ^ ( يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله ~~عليم بذات الصدور * ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ~~ولهم عذاب أليم ) ^ } ) | ولما تقرر بما مضى إحاطة قدرته بما دل على ذلك من ~~إبداعه للخلق على هذا الوجه المحكم وشهد البرهان القاطع بأن ذلك صنعه وحده ~~, لا فعل فيه لطبيعة ولا غيرها , دل على أن ذلك بسبب شمول علمه إلى إلى أن ~~من لم يكن تام العلم فهو ناقص القدرة فقال : { والأرض } ولما ذكر حال الظرف ~~على وجه يشمل المظروف , وكان الاطلاع على أحوال العقلاء أصعب , قال مؤكدا ~~بإعادة العامل : { ويعلم } أي على سبيل الاستمرار { ما تسرون } أي حال ~~الانفراد وحال الخصوصية مع بعض الإفراد . | ولما كانت لدقتها وانتشارها ~~بحيث ينكر بعض الضعفاء الإحاطة بها , وكان الإعلان ربما خفي لكثرة لغط ~~واختلاط أصوات ونحو ذلك أكد فقال : { وما تعلنون } من الكليات والجزيئات ~~خلافا لمن يقول : يعلم الكليات الكليات خاصة . | ولما ذكر حال المظروف على ~~وجه يشمل ظروفه وهي الصدور , وكان الإضمار تعظيما : { والله } أي الذي له ~~الإحاطة التامة لكل كمال { عليم } أي بالغ العلم { بذات } أي صاحبة { ~~الصدور * } من الأسرار والخواطر التي لم تبرز إلى الخارج PageV08P008 سواء ~~كان صاحب الصدر قد علمها أو لا , وعلمه لكل ذلك على حد سواء لا تفاوت ms5393 فيه ~~بين علم الخفي وعلم الجلي , لأن نسبة المقتضي لعلمه وهو وجود ذاته على ما ~~هي عليه من صفات الكمال إلى الكل على حد سواء , فراقبوه في الإخراص وغيره ~~مراقبة من يعلم أنه بعينه لا يغيب عنه واحذروا أن يخالف السر العلانية , ~~فإن حقه أن يتقي ويحذر , وتكرير العلم في معنى تكرير الوعيد وتقديم تقرير ~~القدرة على تقريره لأن دلالة المخلوقات على قدرته أولا وبالذات , وكمال ~~قدرته يستلزم كمال علمه لأن من لا يكمل علمه لا تتم قدرته , فلا يأتي ~~مصنوعه محكما . | ولما تقرر الإيمان به من أنه الملك الذي له وحده الملك , ~~وأشار بما يشاهد من انقسام عبيده إلى مؤمن وكافر إلى أنه لا من الأخذ على ~~يد الظالم منهما كما هي عادة الملوك , لا يسوغ في الحكمة ولا في العادة غير ~~ذلك , وأخبر أن علمه محيط لنسبته إلى العلويات والسفليات والظواهر والبواطن ~~على حد سواء , أتبع ذلك وجوب الإيمان برسله لجمع الكلمة عليه سبحانه لنكمل ~~الحياة بإصلاح ذات البين يقع الخلاف فتفسد الحياة ووجوب الاعتبار لمن مضى ~~من أممهم , فمن لم يعتبر عثر على مهواه من الأمل , ودل عليه بإهلاكه من ~~خالفهم إهلاكا منسقا في خرقه للعادة وخصوصه لهم على وجه مقرر ما مضى من ~~انفراده بالملك معلم أن الكفرة هم المبطلون فقال : { ألم يأتكم } أي أيها ~~الناس ولا سيما الكفار لتعلموا أنه شامل العلم محيط القدرة ينتقم من المسيء ~~{ نبؤوا الذين } وعبر بما يشمل شديد الكفر وضعيفه فقال : { كفروا } أي ~~خبرهم العظيم . | ولما كان المهلكون على ذلك الوجه بعض الكفار وهم الذين ~~أرسل إليهم الرسل , فلم يستغرقوا ما مضى من الزمان قال : { من قبل } ~~كالقرون المذكورين في الأعراف , ثم سبب عن كفرهم وعقب قوله : { فذاقوا } أي ~~باشروا مباشرة الذائق بالعدل الثاني كما كانوا فيه مما يستحق أن يشاور فيه ~~ويؤمر وينهى وثقله ووخامة مرعاه في الدنيا , وأصله الثقل كيفما قلب { ولهم ~~} أي مع ما ذاقوه بسببه في الدني { عذاب أليم * } في البرزخ ثم القيامة ~~التي هي موضع ms5394 الفصل الأعظم . | < < # | التغابن : ( 6 - 7 ) ذلك بأنه كانت . . . . . # > > ^ ( ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا ~~وتولوا واستغنى الله والله غني حميد * زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى ~~وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير ) ^ } ) | ولما ذكر ما ~~أحله بهم سبحانه وأشار إلى القطع بأنه من عنده باتساقه في خرقه العوائد ~~بالاستئصال والخصوص لمن كذب الرسل والتنجية لمن صدقهم , علله بقوله : ~~PageV08P009 { ذلك } أي الأمر الشنيع العظيم من الوبال الدال قطعا على أن ~~الكفر أبطل الباطل وأنه مما يغضب الخالق . | ولما لم يكن مقصودها كمقصود ~~غافر من تصنيف الناس صنفين , وإنما حصل تصنيفهم هنا بالعرض للدلالة على ~~الساعة اكتفى بضمير الشأن فقال : { بأنه } أي بسبب أن الشأن العظيم البالغ ~~في الفظاعة { كانت تأتيهم } على عادة مستمرة { رسلهم } أي رسل الله الذين ~~أرسلهم إليهم وخصهم بهم ليكونوا موضع سرورهم بهم { بالبينات } أي الأمور ~~التي توضح غاية الإيضاح أنهم رسل الله من الكتب وغيرها , فشهداو الأمر من ~~معدنه , فلذلك كان عذابهم أشد . | ولما كان سبحانه وتعالى قد أودع الإنسان ~~من جملة ما منحه به خاصة لطيفة وهي العزة وحب الكبر والعلو , فمن وضعها ~~موضعها بالتكبر على من أمر الله بالتكبر عليه وهم شياطين الإنس والجن ممن ~~عصاه سبحانه نجا , ومن وضعها في غير موضعها بالتكبر على أولياء الله رب ~~العزة هلك , بين تعالى أن الكفار وضعوها في غير موضعها : { فقالوا } أي ~~الكل لرسلهم منكرين غاية الإنكار تكبرا : { أبشر } أي هذا الجنس وهو مرفوع ~~على الفاعلية لأن الاستفهام يطلب الفعل , ولما كان تكذيب الجمع أعظم , وكان ~~لو أفرد الضمير لم يكن له روعة الجمع قال : { يهدوننا } فأنكروا على الملك ~~الأعظم إرساله لهم { فكفروا } بذلك عقب مجيء الرسل وبسببه من غير نظر وتفكر ~~وأدنى تأمل وتبصر حسدا للرسل لكونهم مساوين لهم في البشرية فاستبعدوا أن ~~يخصوا من بينهم بأمر ولا سيما إن كان عظيما جدا , فلزمهم ارتكاب أقبح ~~الأمور وهو استبعاد أن يكون النبي بشرا مع الإقرار بأن ms5395 يكون الإله حجرا { ~~وتولوا } أي كلفوا أنفسهم خلاف ما تدعو وذلك أنهم قالوا : إن الله عظيم لا ~~يشبه البشر فينبغي أن يكون رسله من غير البشر , ولو تأملوا حق التأمل ~~لعلموا ان هذا هكذا , وأن الرسل إنما هي ملائكة , لكن لما كان لا يقوى جميع ~~البشر على رؤية الملائكة كما هو مقتضى العظيمة التي توهموها ولم يثبتوها ~~على وجهها , خص سبحانه نم البشر ناسا وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ~~بقوى زائدة طوقهم بها على معالجتهم , فأتوا إليهم ليكونوا واسطة بين الله ~~وبين خلقه لأن بعض الجنس أميل إلى بعض وأقبل . | ولما كان هذا كله إنما هو ~~لمصالح الخلق لا يعود على الله سبحانه وتعالى وعز شأنه نفع من وجوده ولا ~~يلحقه ضرر من عدمه ولا بالعكس , نبه على ذلك بقوله { واستغنى الله } أي فعل ~~الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه فعل من يطلب الغنى عنهم وأوجده إيجادا ~~عظيما ممن هداه لاتباع الرسل فأعرض عنهم حين أعرضوا عن PageV08P010 رسله ~~فضرهم إعراضه عنهم ولم يضره إعراضهم وما ضروا إلا أنفسهم وأطلق الاستغناء ~~ليعم كل شيء . | ولما كان التعبير بذلك قد يوهم حدوث ما لم يكن له , نفى ~~ذلك بقوله مظهرا زيادة في العظمة : { والله } أي المستجمع لصفات الكمال من ~~غير تقيد بحيثية { غني } عن الخلق جميعا { حميد * } له صفة الغنى المطلق ~~والحمد الأبلغ الذي هو الإحاطة بجميع أوصاف الكمال على الدوام أزلا وأبدا , ~~لم يتجدد له شيء لم يكن . | ولما قرر وجوب الإيمان به وبرسله وكتبه وبالقدر ~~خيره وشره , وقسم الناس إلى مؤمن وكافر , وأخبر أن الكافر تكبر عن الرسل , ~~عين الموجب الأعظم لكفرهم بقوله دالا على وجوب الإيمان بالعبث وترك القياس ~~والرأي فإن عقل الإنسان لا يستقل ببعض أمور الإلهية , معبرا بما أكثر ~~إطلاقه على ما يشك فيه ويطلق على الباطل إشارة إلى أنهم شاكون وإن كانوا ~~جازمين , لكونهم لا دليل لهم , وإلى أنهم في نفس الأمر مبطلون : { زعم } ~~قال ابن عمر رضي الله عنهما : هي كنية الكذب , وفي حديث ms5396 أبي مسعود رضي الله ~~عنه عند أبي داود : ( بئس مطية الرجل زعموا ) { الذين كفروا } أي أوقعوا ~~الستر لما دلت عليه العقول من وحدانية الله تعالى ولو على أدنى الوجوه . | ~~ولما كان الزعم ادعاء العلم وكان من يتعدى إلى مفعولين , أقام سبحانه ~~مقامهما قوله : { أن لن يبعثوا } أي من باعث ما بوجه من الوجوه . | ولما ~~كان قد أشار سبحانه بنوعي المؤمن والكافر إلى الدليل القطعي الضروري على ~~وجود المبطل اللازم منه ودعه اللازم منه وجب البعث , اكتفى في الأمر ~~بإجابتهم بقوله : { قل } أي لهم : { بلا } أي لتبعثن , ثم أكده بصريح القسم ~~فقال : { وربى } أي المحسن إلي بالانتقام ممن كذب بي , وبإحقاق كل حق أميت ~~, وإبطال كل باطل أقيم { لتبعثن } مشيرا ببنائه للمفعول إلى أنه ويكون على ~~وجه القهر لهم بأهو شيء وأيسر أمر وكذلك قوله : { ثم لتنبؤن } أي لتخبرن ~~حتما إخبارا عظيما ممن يقيمه الله لإخباركم { وذلك } أي الأمر العظيم عندكم ~~من البعث والحساب { على الله } أي المحيط بصفات الكمال وحده { يسير * } ~~لقبول المادة وحصول القدرة , وكون قدرته سبحانه كذلك شأنها , نسبة الأشياء ~~الممكنة كلها جليلها وحقيها إليها على حد سواء . | PageV08P011 < < # | التغابن : ( 8 - 10 ) فآمنوا بالله ورسوله . . . . . # > > ^ ( فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير * ~~يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر ~~عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز ~~العظيم * والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس ~~المصير ) ^ } ) | ولما كان في رد قولهم على هذا الوجه مع الإقسام من غير ~~استدلال إشارة إلى تأمل الكلام السابق بما اشتمل عليه من الأدلة التي منها ~~ذلك البرهان البديهي , سبب عنه قوله فذلكة لما مضى من الأدلة وجمعا لحديث ~~جبريل عليه الصلاة والسلام في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر والقدرة خيره وشره والإسلام والإحسان : { فأمنوا بالله } أي الذي لا ~~أظهر من أن له الإحاطة الكاملة بكل شيء وأنه لا كفؤ له ولا راد لأمره . | ~~ولما ms5397 دعاه هذا إلى الإيمان به سبحانه عقلا ونقلا ذكرا وفكرا , ثنى بالإيمان ~~بالرسل من الملائكة والبشر فقال : { ورسوله } أي كل من أرسله ولا سيما محمد ~~صلى الله عليه وسلم بما ثبت من تصديقه بالمعجزات من أنه رسوله , ويلزم من ~~الإيمان به الإيمان بمن أبلغه من الملائكة . | ولما كانت تلك المعجزات ~~موجبات للعلم كانت أحق الأشياء باسم التور فإن النور هو المظهر للأشياء بعد ~~انحجابها برداء الظلام وكان أعظم تلك المعجزات وأحقها بذلك كتب الله ~~المنزلة على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام , وأعظمها القرآن الذي هو مع ~~إعجازه بيان لكل شيء , قال : { والنور } وعينه بقوله : { الذي أنزلنا } أي ~~بما لنا من العظمة فكان معجزا فكان بإعجازه ظاهرا بنفسه مظهرا لغيره , وهذا ~~وإن كان هو الواقع لكن ذكر هذا الوصف صالح لشمول كل ما أوحاه الله سبحانه ~~وتعالى إلى رسله صلى الله عليه وسلم , ومن المعلوم أن أعظمه القرآن المنزل ~~على أشرف رسله صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين , فهو أحق ذلك باسم النور ~~لما مضى من إعجازه , فمن آمن به أدخل الله قلبه من أنوار الفهوم والألطاف ~~والسكينة ما يضيء الأقطار . | ولما كان التقدير : والله محاسبكم على ما ~~قابلتم به إنعامه عليكم بذلك من إيمان وكفران , عطف عليه مرغبا مرهبا قوله ~~: { والله } أي المحيط علما وقدرة , وقدم الجار لما تقدم غير مرة من مزيد ~~التأكيد فقال : { بما تعملون } أي توقعون عمله في وقت من الأوقات { خبير * ~~} أي بالغ العلم بباطنه وظاهره . | ولما أخبر بالبعث وأقسم عليه , وأشار ~~إلى دليلة السابق , وسبب عنه ما ينجي في يومه , ذكر يومه وما يكون فيه ~~ليحذر فقال متبعا ما مضى من دعائم الإيمان دعامة اليوم الآخر واعظا لمن ~~يقول : يا ليت شعري ما حالي بعد ترحالي ؟ وقامعا لمن يقول : لا حال بعد ~~الترحال , بالإعلام بأنها أحوال أي أحوال , تشيب الأطفار , وتقصم ظهور ~~PageV08P012 الرجال , بل تهد شم الجبال : { يوم } أي تبعثون في يوم { ~~يجمعكم } أي أيها الثقلان . | ولما كان الوقت المؤرخ به فعل من الأفعال ~~إنما يذكر ms5398 لأجل ما وقع فيه , صار كأنه علة لذلك الفعل فقال تعالى : { ليوم ~~الجمع } لأجل ما يقع في ذلك اليوم الذي يجمع فيه أهل السماوات وأهل الأرض ~~من الحساب والجزاء الذي يكون فوزا لناس فيكونون غابنين , ويكون خيبة لناس ~~فيكونون مغبونين , وكل منهم يطلب أن يكون غابنا . | ولما كان هذا المقصد ~~أمرا عظيما مقطعا ذكره الأكباد , قال مشيرا إلى هوله بأداة البعد مستأنفا : ~~{ ذلك } أي اليوم العظيم المكانة الجليل الأوصاف { يوم التغابن } الذي لا ~~تغابن في الحقيقة غيره لعظمه ودوامه , والغبن : ظهور النقصان للحظ الناشىء ~~عن خفاء لأنه يجمع فيه الأولون والأخرون وسائر الخلق أجمعون , ويكون فيه ~~السمع والإبصار على غاية لا توصف بحث إن جميع ما يقع فيه يمكن أن يطلع عليه ~~كل أحد من أهل ذلك الجمع , فذا فضح أحد افتضح عند الكل , وما عبد يدخل ~~الجنة إلى أري مقعده نم النار لو أساء ليزداد شكرا , وما من عبد يدخل النار ~~إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة فيغبن كل كافر بتركه الإيمان ~~وكل مؤمن بتقصيره في الإحسان , ومادة ( غبن ) تدور على الخفاء من مغابن ~~الجسد وهي ما يخفى عن العين , وسمي الغبن في البيع - لخفائه عن صاحبه , ~~فالكافر والظالم يظن أنه غبن المؤمن بنعيم الدنيا الذي استأثر به الكافر , ~~وبالنقص الذي أدخله الظالم على المظلوم , وقد غبنهما يشبه غبن , فقد بعث ~~ذكر هذا اليوم على هذا الوجه على التقوى اتم بعث , وهي الحاملة على اتباع ~~الأوامر واجتناب النواهي لئلا يحصل الغبن بفوات النعيم أو نقصانه , ويحصل ~~بعده للكافر العذاب الأليم . | ولما كان كل أحد يحسب أن يكون في النور , ~~ويكره أن يكون في الظلام , ويحب أن يكون غابنا , ويكره أن يكون مغبونا , ~~أرشدت سوابق الكلام ولواحقه إلى أن التقدير , فمن آمن كان في النور , وكان ~~في ذلك اليوم برجحان ميزانه من الغابنين , ومن كفر كان في الظلام , وكان في ~~ذلك اليوم بنقصان ميزانه من المغبونين , فعطف عليه قوله بيانا لآثار ذلك ~~الغبن , وتفضيلا له بإصلاح الحامل ms5399 على التقوى وهو أمور منها القوة العلمية ~~: { ومن يؤمن } أي يوقع الإيمان ويجدده على سبيل الاستمرار { بالله } أي ~~الملك الأعظم الذي لا كفؤ له . | ولما ذكر الرأس وهو إصلاح القوة العلمية , ~~أبته البدن وهو إصلاح بقولة العملية فقال : { ويعمل } تصديقا لإيمانه { ~~صالحا } أي عملا هو مما ينبغي الاهتمام بتحصيله لأنه لا مثل له في جلب ~~المنافع ودفع المضار . | PageV08P013 ولما كان الدين مع سهولته متينا لن ~~يشاده أحد إلا غلبه , قال حاملا على التقوى بالوعد بدفع المضار , ولعله ~~أفرد الضمير إشارة إلى أن زمان التكفير والدخول متفاوت بحسب طول الحساب ~~وقصره , كلما فرغ واحد من الحساب دخل الجنة إن كان من أهلها : { يكفر } أي ~~الله - على قراءة الجماعة بأن يستر سترا عظيما { عنه سيئاته } التي غلبه ~~عليها نقصان الطبع , وأتبع ذلك الحامل الآخر وهو الترجئة يجلب المسار لأن ~~الإنسان يطير إلى ربه سبحانه بجناحي الخوف والرجاء والرهبة والرغبة ~~والنذارة والبشارة فقال : { ويدخله } أي رحمة له وإكراما وفضلا { جنات } أي ~~بساتين ذات أشجار عظيمة وأغصان ظليلة تستر داخلها , ورياض مديد منوعة ~~الأزاهير عطرة النشر تبهج رائيها , وأشار إلى دوام ريها بقوله : { تجري } ~~ولما كان عموم الماء لجميع الأرض غير ممدوع , بين أنه في خلالها على أحسن ~~الأحوال فقال : { من تحتها } وبين عظمه بقوله : { الأنهار } ولما كان ~~النزوح أو توقعه عن مثل هذا محزنا , أزال توقع ذلك بقوله جامعا لئلا يظن ~~الخلود لواحد بعينه تصريحا بأن من معناها الجمع وأن كل من تناولته مستوون ~~في الخلود : { خالدين فيها } وأكد بقوله : { أبدا } والتقدير على قراءة ~~نافع وابن عامر بالنون : نفعل التكفير والإدخال إلى هذا النعيم بما لنا من ~~العظمة فإنه لا يقدر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء إلا الله سبحانه , ولا ~~تكون هذه القدرة تامة إلا لمن كان عظيما لا راد لأمره أصلا . | ولما كان ~~هذا أمرا باهرا جالبا بنعيمه سرور القلب , أشار إلى عظمته بما يجلب سرور ~~القلب بقوله : { ذلك } أي الأمر العالي جدا من الغفران والإكرام , لا غيره ~~{ الفوز العظيم ms5400 * } لأنه جامع لجميع المصالح مع دفع المضار وجلب المسار . | ~~ولما ذكر الفائزون بلزومه التقوى ترغيبا , أتبعه الخائب بسبب إفساد القوتين ~~الحاملتين على التقوى : العلمية والعملية ترهيبا , فقال بادئا بالعلمية : { ~~والذين كفروا } أي غطوا أدلة ذلك اليوم فكانوا في الظالم . | ولما ذكر ~~إفسادهم القوة العلمية , أتبعه العملية فقال : { وكذبوا } أي أوقعوا جميع ~~التغطية وجميع التكذيب { بآياتنا } بسببها مع ما لها من العظمة بإضافتها ~~إلينا , فلم يعملوا شيئا . | ولما بين إفسادهم للقوتين , توعدهم بالمضار ~~فقال معريا من الفاء في جانبي الأشقياء والسعداء طرحا للأسباب , لأن نظر ~~هذه السورة إلى الجبلات الت لا مدخل فيها لغيره أكثر بقوله : < # > 77 ( { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن } ) 77 < # > [ التغابن : 2 ] فإن ذلك أحدر بالخوف منه ليكون أجدر بالبعد عما يدل ~~على الجبلة الفاسدة من الأعمال السيئة : { أولئك } أي البعداء البغضاء { ~~أصحاب النار } ولما كان السجن إذا رجي PageV08P014 الخلاص منه قلل من خوف ~~داخله , وكان التعبير بالصحبة مشعرا بالدوام المقطع للقلوب لأنه مؤيس من ~~الخلاص , أكده بقوله : { خالدين فيها } وزاد في الإرهاب منها بقوله مشيرا ~~إلى مضار القلب بعد ذكر مضار القالب : { وبئس المصير * } أي جمعت المذام ~~كلها الصيرورة إليها وبقعتها التي للصيرورة إليها , فكيف بكونها على وجه ~~الإقامة زمنا طويلا فكيف إذا كان على وجه الخلود . | < < # | التغابن : ( 11 - 14 ) ما أصاب من . . . . . # > > ^ ( مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله ~~بكل شيء عليم * وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا ~~البلاغ المبين * الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون * يأيها ~~الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا ~~وتغفروا فإن الله غفور رحيم ) ^ } ) | ولما كان من تعرفه من المرغبي ~~والمرهبين لا يفعل ذلك إلا فيما ليس قادرا على حفظه وضطبه حتى لا يحتاج ~~العامل في عمل ذلك إلى رقيب يحفظه ووكيل يلزمه ذلك العمل ويضطبه , وكان قول ~~المنافقين المتقدم في الإنفاق والإخراج من المصائب , وكانت المصائب تطيب ~~إذا كانت من الحبيب ms5401 , قال جوابا لمن يتوهم عدم القدرة متمما ما مضى من خلال ~~الأعمال بالإيمان بالقدر خيره وشره , مرغبا في التسليم مرهبا من الجزع ~~قاصرا الفعل ليعم كل مفعول : { ما أصاب } أي أحدا يمكن المصائب أن تتوجه ~~إليه , وذكر الفعل إشارة إلى القوة , وأعرق في النفي بقوله : { من مصيبة } ~~أي مصيبة كانت دينية أو دنيوية من كفر أو غيره { إلا بإذن الله } أي يوجد ~~باعثا على أول ركني الإسلام وهو صلاح القوة العلمية : { ومن يؤمن بالله } ~~أي يوجد الإيمان في وقت من الأوقات ويجدده بشهاد إن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله بسبب الملك الأعظم وتقديره وإذنه { يهد قلبه } أي يزده ~~هداية بما يجدده له من التوفيق في كل وقت حتى يرسخ إيمانه فتنزاح عنه كل ~~مصيبة , فإنه يتذكر أنها من الله وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه , وما أخطأه ~~لم يكن لصيبه فيسلم بقضائه فيصبر له ويفعل ويقول بل يحصل له بسببها عدة ~~أرباح وفوائد , فتكون حيانه طيبة بالعافية الشاملة في الدينيات PageV08P015 ~~والكونيات لأن بالعافية في الكونيات تطيب الحياة في الدنيا , وبالعافية في ~~الدينيات تطيب الحياة في الآخرة فتكون العيشة راضية , وذلك بأن يصير عمله ~~صوابا في سرائره وضرائه فيترك كل فاحشة دينية بدنية وباطنة قلبية ويترك ~~الهلع في المصائب الكونية كالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس واثمرات وذلك ~~أنه بصلاح القلب ينصلح البدن كله . | ولما كان التقدير تعليلا لذلك : فالله ~~على كل شيء قدير فهو لا يدع شيئا يكون إلا بإذنه , عطف عليه قوله : { والله ~~} أي الملك الذي لا نظير له { بكل شيء } مطلقا من غير مثنوية { عليم * } ~~فإذا تحقق من هدى قلبه ذلك زاح كل اعتقاد باطل من كفر أو بدعة أو صفة خبيثة ~~. | ولما كان التقدير : فاصبروا عن هجوم المصائب , عطف عليه قوله تحذيرا من ~~أن يشتغل بها فتوقع في الهلاك وتقطع عن أسباب النجاة دالا على تعلم أمور ~~الدين من معاداتها مشيرا إلى أن العبادة لا تقبل إلا بالاتباع لا بالابتداع ~~: { وأطيعوا الله } أي الملك الأعلى ms5402 الذي له الأمر كله فافعلوا في كل مصيبة ~~ونائبة تنوبكم وقضية تعروكم ما شرعه لكم , وأكد بإعادة العامل إشارة إلى أن ~~الوقوف عند الحدود ولا سيما عند المصائب في غاية الصعوبة فقال : { وأطيعوا ~~الرسول } أي الكامل في الرسلية - صلى الله عليه وسلم - فإنه المعصوم بما ~~خلق فيه من الاعتدال وما زكى به من شق البطن وغسل القلب مرارا , وما أيد به ~~من الوحي , فما كانت الأفعال بإشارة العقل مع الطاعة لله والمتابعة لرسوله ~~صلى الله عليه وسلم في كل إقدام وإحجام كانت معتدلة , سواء كانت شهوانية أو ~~غضبية , ومتى لم تكن كذلك كانت منحرفة إلى أعلى وإلى أسفل فكانت مذمومة , ~~فإن الله تعالى بلطف تدبيره ركب في الإنسان قوة غضبية دافعة لما يهلكه ~~ويؤذيه , وقة شهوانية جالبة لما ينميه ويقويه , فاعتدال الغضبية شجاعة ~~ونقصها جبن وزيادتها تهور , فالناس باعتبارها جبان وشجاع ومتهور , واعتدال ~~الشهوانية عفة ونقصانها زهادة وزيادتها شره , والناس باعتبارها زهيد وعفيف ~~وشره , وكلا طرفي قصد الأمور ذميم , وميزان العدال متابعة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فيما شرعه , فبذلك تنزاح الفتن الظاهرة والباطنة , ولا طريق إلى ~~الله إلا بما شرعه , وكل طريق لم يشرعه ضلال من الكفر إلى ما دونه , ثم سبب ~~عن أمره ذلك قوله معبرا بإداة الشك إشارة إلى البشارة بحفظ هذه الأمة من ~~الردة ومشعرا بأن بعضهم يقع من ذلك ثم يقرب رجوعه أو هلاكه : { فإن توليتم ~~} أي كلفتم أنفسكم عندما تدعو إليه المفهومة من طرفي القصد فما على رسولنا ~~شيء من توليكم { فإنما على رسولنا } أضافه إليه على وجه العظمة تعظيما له ~~وتهديدا لمن يتولى عنه { البلاغ المبين * } أي الظاهر PageV08P016 في نفسه ~~المظهر لكل أحد أنه أوضح له غاية الإيضاح ولم يدع لبسا , ليس إليه خلق ~~الهداية في القلوب . | ولما كان كان هذا موجعا لإشعاره بإعراضهم مع عدم ~~الحيلة في ردهم , عرف بأن ذلك إنما هو إليه وأنه القدر عليه فقال جوابا لمن ~~كأنه قال : فما الحيلة في أمرهم - مكملا لقسمي الدين بالاستعانة بعد بيان ms5403 ~~قسمه الآخر وهو العبادة : { الله } أي المحيط بجميع صفات الكمال { لا إله ~~إلا هو } فهو القدر على الإقبال بهم لوا يقدر على ذلك غيره , فإليه اللجاء ~~في كل دفع ونفع وهو المستعان في كل شأن فإياه فليرج في هدايتهم المهتدون { ~~وعلى الله } أي الذي له الأمر كله لا على غيره . | ولما كان مطلق الإيمان ~~هو التصديق بالله باعتقاد أنه القادر على كل شيء فلا أمر لأحد معه ولا كفوء ~~له فكيف بالسوخ فيه , نبه على هذا المقتضي للربط بالفاء والتأكيد بلام ~~الأمر في قوله : { فليتوكل المؤمنون * } أي يوجد التوكيل إيجادا هو في غاية ~~الظهور والثبات العريقون في هذا الوصف في رد المتولي منهم إن حصل منهم تول ~~وكذا في كل مفقود فالعفة ليست مختصة بالموجود فكما أن قانون العدل في ~~الموجود الطاعة فقانون العدل في المفقود التوكل وكذا فعل الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم , فكان لهم الحظ الأوفر في كل توكل لا سيما حين ارتدت العرب بعد ~~موت النبي صلى الله عليه وسلم وكان أحقهم بهذا الوصف الصديق رضي الله تعالى ~~عنه كما يعرف ذلك من ينظر الكتب المصنفة في السير وأخبار الردة لا سيما ~~كتابي المسمى في أخبار الردة . | ولما كانت أوامر الدين تارة تكون باعتبار ~~الأمر الديني من سائر الطاعات المحضة , وتارة باعتبار الأمر التكويني وهو ~~ما كان بواسطة مال أو أهل أو ولد , أتم سبحانه القسم الأول في الآيتين ~~الماضيتين , شرع في الأمر الثاني لأنه قد ينشأ عنه فتنة في الدين وقد ينشأ ~~عنه فتنة في الدنيا , ولما كانت الفتنة بالإقبال عليه والإعراض عنه أعظم ~~الفتن , لأنها تفرق بين المرء وزوجه وبين المرء وابنه وتذهل الخليل عن ~~خليله - كما شوهد ذلك في بدء الإلام , وكان أعظم ذلك في الردة , وكان قد ~~تقدم النهي عن إلهاء الأموال والأولاد , وكان النهي عن ذلك في الأولاد نهيا ~~عنه في الأزواج بطريق الأولى , فلذلك اقتصر عليهم دون الأزواج , وكان ~~المأمور بالتوكل ربما رأى أن تسليم قياده لكل أحد لا يقدح في ms5404 التوكل , أشار ~~إلى أن بناء هذه الدار على الأسباب مانع من ذلك فأمر بنحو ( اعقلها وتوكل ) ~~( واحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ) الحديث , فقال جوابا عن ذلك ~~لمن يحتاج إلى السؤال عن مثله مبينا للأوامر بالاعتبار للامتحان التكويني ~~وإن كان أولى الناس ببذل الجهد في تأديبه وتقويمه وتهذيبه أقرب PageV08P017 ~~الأقارب وألصق الناس بالإنسان وهو كالعلة لآخر ( المنافقون ) : { يا أيها ~~الذين آمنوا } ولما كان الأزواج أقرب عداوة من الأولاد قدمهن , فقال مؤكدا ~~لمن يستبعد ذلك : { إن من أزواجكم } وإن أظهرن غاية المودة { وأولادكم } ~~وإن أظهروا أيضا غاية الشفقة والحنان { عدوا لكم } أي لشغلهم لكم عن الدين ~~أو لغير ذلك من جمع المال وتحصيل الجاه لأجلهم والتهاون بالنهي عن المنكر ~~فإن الولد مجبنة وغير ذلك , قال أبو حيان رحمه الله تعالى : ولا أعدى على ~~الرجل من زوجه وولده إذا كانا عدوين وذلك في الدنيا والآخرة , أما في ~~الدنيا فبإذهاب ماله - كما هو معروف - وعرضه , وأما في الآخرة فيما يسعى في ~~اكتسابه من الحرام لأجلهم وبما يكسبانه منه بسبب جاهه . | فالرجل من رأى ~~ذلك نعمة من الله فجعله معينا له على طاعته لا قاطعا ومعوقا عما يرضيه بأن ~~يلتهي بمحبته وعداوته وبغضته . | ولما أخبر عن العداوة , عبر بما قدم يفهم ~~الواحد فقط تخفيفا , ولما أمر بالحذر جمع إشارة إلى زيادة التحذير والخوف ~~في كل أحد ولو كان أقرب الأقرباء لأن الحزم سوء الظن كما رواه الطبراني في ~~الأوسط , فسبب عن الإخبار بالعداوة الأمر بالحذر في قوله : { فاحذروهم } أي ~~بأن تتقوا الله في كل أمرهم فتطلبوا في السعي عليهم الكفاف من حله وتقتصروا ~~عليه , ولا يحملنكم حبهم في كل أمرهم فتطلبوا وليشتد حذركم منهم بالعمل بما ~~أمر الله حتى في العدل بينهم لئلا يتمكنوا من أذاكم فيعظم بهم الخطب ويكون ~~فاتنا لكم في الدين إما بالردة - والعياذ بالله تعالى - أو بالشغل عن ~~الطاعة أو بالإقحام في المعصية ومالفة السنة والجماعة ولما كان قد يقع ما ~~يؤذي مع الحذر لأنه لا يغني من ms5405 قدر أو مع الاستسلام , وكان وكل المؤذي إلى ~~الله أولى وأعظم في الاستنصار , قال مرشدا إلى ذلك : { وإن تعفوا } أي ~~توقعوا المجاوزة عن ذنوبهم بعدم العقاب عليها فإنه لا فائدة في ذلك لأن من ~~طبع على شيء لا يرجع , وإنما النافع الحذر الذي أرشد إليه سبحانه لئلا يكون ~~سببا للو المنهي عنه . | ولما كان الرجوع عن الحظوظ صعبا جدا , أكد سبحانه ~~فقال : { وتصفحوا } أي بالإعراض عن المقابلة بالتثريب باللسان { وتغفروا } ~~أي بأن تستروا ذنوبهم سترا تاما شاملا للعين والأصر بالتجاوز بعد ترك ~~العقاب عن العتاب , فلا يكون منكم اشتغال بعداوتهم ولا ما قد يجرها عما ~~ينفع من الطاعة , ولما كان التقدير : يغفر الله لكم , سبب عنه قوله : { فإن ~~الله } أي الجامع لصفات الكمال { غفور } أي بالغ المحو الأعيان الذنوب ~~وآثرها جزاء لكم على غفرانكم لهم وهو جدير بأن يصلحهم لكم بسبب غفرانكم لهم ~~فإنه { رحيم * } يزيدكم بعد ذلك الستر بالإنعام إن أكرمتموهم , فتخلقوا ~~بأخلاقه سبحانه يزدكم من فضله . | PageV08P018 < < # | التغابن : ( 15 - 18 ) إنما أموالكم وأولادكم . . . . . # > > ^ ( إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم * فاتقوا الله ~~ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك ~~هم المفلحون * إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور ~~حليم * عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم ) ^ } ) | على البعض , كان كأنه ~~قيل : فما حكم سائره ؟ فكأن الحكم بذلك يلزم ضاما إليهم المال الذي به قيام ~~ذلك كله وقدمه لأنه أعظم فتنة : { إنما } وأسقط الجار لأن شيئا من ذلك لا ~~يخلو عن شغل القلب فقال : { أموالكم } أي عامة { وأولادكم } كذلك { فتنة } ~~أي اختبار مميل عن الله لكم وهو أعلم بما في نفوسكم منكم لكن ليظهر في عالم ~~الشهادة من يميله ذلك فيكون عليه نقمة ممن لا يميله فيكون له نعمة , فربما ~~رام الإنسان صلاح ماله وولده فبالغ فأفسد نفسه ثم لا يصلح ذلك ماله ولا ~~ولده , وذلك أنه من شأنه أن يحمل على كسب الحرام ومنع الحق والإيقاع في ~~الإثم , روي عن أبي ms5406 نعيم في الحلية في ترجمة سفيان الثوري عنه أنه قال : ( ~~يؤتى برل يوم القيامة فيقال له : أكل عياله حسناته ) ( ويكفي فتنة المال ~~قصة ثعلبة بن حاطب أحد من نزل فيه قوله فتنة تعالى : ^ ( { ومنهم من عاهد ~~الله لئن أتانا من فضله لنصدقن } ) ^ [ التوبة : 75 } ) وكأنه سبحانه ترك ~~ذكر الأزواج في الفتنة لأن منهم من يكون صلاحا وعونا على الآخرة . | ولما ~~كان التقدير : ففي الاحتراز من فتنهم تعب كبير , لا يفوت به منهم إلى حظ ~~يسير , وكانت النفس عند ترك مشتبهاتها ومحبوباتها قد تنفر , عطف عليه مهونا ~~له بالإشارة إلى كونه فانيا وقد وعد عليه بما لا نسبة له منه مع بقائه قوله ~~: { والله } أي ذو الجلال { عنده } وناهيك بما يكون منه بسبيل جلاله وعظمه ~~{ أجر } ولم يكتف سبحانه بدلالة السياق على أن التنوين للتعظيم حتى وصفه ~~بقوله : { عظيم * } أي لمن ائتمر بأوامره التي إنما نفعها لصاحبها , فلم ~~يقدم على رضاه مالا ولا ولدا , وذلك الأجر أعظم من منفعتكم بأموالكم ~~وأولادكم على وجه ينقص من الطاعة . | ولما كان التقدير : وعنده عذاب أليم ~~لمن خالف , سبب عنه قوله فذلك أخرى لما PageV08P019 تقدم من السورة كلها : ~~{ فاتقوا الله } مظهرا غير مضمر تعظيما للمقام واحترازا من أن يتوهم نوع ~~تقيد فأفهم الإظهار إن المعنى : اجعلوا بينكم وبين سخط الملك الأعلى وقاية ~~من غير نظر إلى حيثية ولا خصوصية بشيء ما , باجتناب نواهيه بعد امتثال ~~نواهيه بعد امتثال أوامره , فإن التقوى إذا انفردت كان المراد بها فعل ~~الأوامر وترك المناهي , وإذا جمعت مع غيرها أريد بها اجتناب النواهي فقط . ~~| ولما كان الأمر إذا نسب إليه سبحانه أعظم من مقالة قائل , فلا يستطيع أحد ~~أن يقدره سبحانه حق قدره , خفف ويسر بقوله : { ما استطعتم } أي ما دمتم في ~~الجملة قادرين مستطيعين , ويتوجه عليكم التكليف في العلميات والعمليات , ~~وابذلوا جهدكم في ذلك في الإيمانيات لما علمتم من ذاته ومراتبته وصفاته ~~وتعالى وأفعاله , وغير ذلك من جميع أعمالكم الظاهرة والباطنة , وأعظمه ~~الهجرة والجهاد , فلا يمنعكم الإخلاد إليها ذلك ms5407 والتقوى فيما وقع من ~~المكروهات بالندم والإقلاع مع العزم على ترك العود , وفيما لم يقع ~~بالاحتراس عن أسبابه , وبذلك الإنسان جميع جهده هو الاتقاء حق التقاة فلا ~~نسخ - والله أعلم . | ولما كان إظهار الإسلام فيه مشقة كالأعمال قال : { ~~واسمعوا } أي سماع إذعان وتسليم لما توعظنون به ولجميع أوامره { وأطيعوا } ~~أي وصدقوا ذلك الإذعان بمباشرة الأفعال الظاهرة في الإسلاميات من القيام ~~بأمر الله والشفقة على خلق الله في كل أمر ونهي على حسب الطاقة , وحذف ~~المتعلق ليصدق بكل طاعة من الكل والبعض وكذا في الإنفاق . | ولما كان ~~الإنفاق شديدا أكد أمره بتخصيصه بالذكر فقال : { وأنفقوا } أي أوقعوا ~~الإنفاق كما حد لكم فيما أوجبه أو ندب إليه وإن كان في حق من اطلعتم منها ~~على عداوة , والإنفاق لا يخص نوعا بل يكون ما رزق الله من الذاتي والخارجي ~~. | ولما كان الحامل على الشح وما يخطر في البال من الضروات التي أعزها ~~ضرورة النفس , رغب فيه بما ينصرف إليه بادئ بدء ويعم جميع ما تقدم فقال : { ~~خيرا } أي يكن ذلك أعظم خير واقع { لأنفسكم } فإن الله يعطي خيرا منه في ~~الدنيا ما يزكي به النفس , ويدخر عليه من الجزاء في الآخرة ما لا يدري كنهه ~~, فلا يغرنكم عاجل شيء من ذلك فإنما هو زخرف وغرور لا طائل تحته . | ولما ~~ذكر ما في الإنفاق من الخير عم في جميع الأوامر فقال : { ومن يوق } بناه ~~للمفعول تعظيما للترغيب فيه نفسه مع قطع الناصر عن الفاعل أي يقيه واق أي ~~واق كان - وأضافه إلى ما الشؤم كله منه فقال : { شح نفسه } فيفعل في ماله ~~وجميع ما أمر به ما يطيقه مما أمر به موقنا به مطمئنا إليه حتى PageV08P020 ~~يرتفع عن قلبه الأخطار , ويتحرز عن رق المكونات , والشح : خلق باطن هو ~~الداء العضال رأس الحية وكل فتنة ضلالة , والبخل فعل ظاهر ينشأ عن الشح , ~~والنفس تارة تشح بترك الشهوة من المعاصي فتفعلها , وتارة بإعطاء الأعضاء في ~~الطاعات فتتركها , وتارة بإنفاق المال , ومن فعل منا فرض عليه خرج ms5408 عن الشح ~~. | ولما كان الواقي إنما هو الله تعالى سبب عن وقايته قوله : { فأولئك } ~~أي العالو الرتبة { هم } أي خاصة { المفلحون * } أي الذين حازوا جميع ~~المرادات بما اتقوا الله فيه من الكونيات من المال والولد والأهل والمشوشات ~~من جميع القواطع . | ولما أمر ورهب من ضده على وجه أعم , رغب فيه تأكيدا ~~لأمره لما فيه نم الصعوبة لا سيما في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فإن ~~المال فيه كان في غاية العزة ولا سيما إن كان في لوازم النساء اللاتي افتتح ~~الأمر بأن منهن أعداء ولا سيما إن كان في حال ظهور العداوة , فقال بيانا ~~للإفلاح متلطفا في الاستدعاء التعبير بالقرض مشيرا إلى أنه على خلاف الطبع ~~بأدة الشك : { إن تقرضوا الله } أي الملك الأعلى ذا الغنى المطلق المستجمع ~~لجميع صفات الكمال بصرف المال وجميع قواكم التي جعلها فتنة لكم في طاعاته , ~~ورغب في الإحسان فيه بالإخلاص وغيره فقال : { قرضا حسنا } أي على صفة ~~الإخلاص والمبادرة ووضعه في أحسن مواضعه على أيسر الوجوه وأجملها وأهنأها ~~وأعدلها , وأعظم التغريب فيه بأن رتب عليه الربح في الدنيا والغفران في ~~الآخرة فقال : { يضاعفه لكم } أي لأجلكم خاصة أقل ما يكون للواحد عشرا إلى ~~ما لا يتناهى على حسب النيات , قال القشيري : يتوجه الخطاب بهذا على ~~الأغنياء في بذلك أموالهم وعلى الفقراء في إخلاء أيامهم وأوقاتهم عن ~~مراداتهم وإيثار مراد الحق على مراد أنفسهم , فالغني يقال له : آثر على ~~مرادك في مالك وغيره , والفقير يقال له : آثر حكمي في نفسك وقلبك ووقتك . | ~~ولما كان الإنسان لما له النقصان وإن اجتهد لا يبلغ جميع ما أمر به لأن ~~الدين وإن كان يسيرا فهو متين ( لن يشاده أحد إلا غلبه ) قال : { ويغفر لكم ~~} أي يوقع الغفران وهو محو ما فرط عينه وأثره لأجلكم ببركة الإنفاق , وقد ~~تضمنت هاتان الجملتان جلب السرور ودفع الشرور , وذلك هو السعادة كلها . | ~~ولما كان التقدير : فالله غفور رحيم , عطف عليه قوله : { والله } أي الذي ~~لا يقاس عظمته بشيء { شكور } أي بليغ ms5409 الشكر لمن يعطي لأجله ولو كان قليلا ~~فيثيبه ثوابا PageV08P021 جزيلا خارجا عن الحصر وهو ناظر إلى المضاعفة { ~~حليم * } لا يعاجل بالعقوبة على ذنب من الذنوب وإن عظم بل يمهل كثيرا طويلا ~~ليتذكر العبد الإحسان مع العصيان فيتوب , ولا يهمل ولا يغتر بحلمه , فإن ~~غضب الحليم لا يطاق , وهو راجع إلى الغفران . | ولما كان الحليم قد يتهم في ~~حلمه بأن ينسب غلى الجهل بالذنب أو بمقداره قال : { عالم الغيب } وهو ما ~~غاب عن الخلق كلهم فيشمل ما هو داخل القلب مما تؤثره الجبلة ولا علم لصاحب ~~القلب به فضلا عن غيره . | ولما كان قد يظن أنه لا يلزم من علمم ما غاب علم ~~ما شهد , أو يظن أن العلم إنما يتعلق بالكليات , قال موضحا أن علمه ~~بالعالمين بكل من الكليات والجزيئات قبل الكون وبعده على حد سواء : { ~~والشهادة } وهو كل ما ظهر فكان بحيث يعلمه الخلق , وهذا الوصف داع إلى ~~الإحسان من حيث إنه يوجب للؤمني ترك ظاهر الاسم وباطنه وكل قصور وفتور ~~وغفلة وتهاون فيعبد الله كأنه يراه . | ولما شمل ذلك كل ما غاب عن الخلق ~~وما لم يغب عنهم فلم يبق إلى أن يتوهم أن تأخير العقوبة للعجز قال : { ~~العزيز } أي الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء . | ولما كان ذلك قد يكون لأمر ~~آخر لا يمدح عيله قال : { الحكيم * } أي أنه ما أخره إلا لحكمة بالغة يعجز ~~عن إدراكها الخلائق , وقد أقام الخلائق في طاعته بالجري تحت إرادته , وتارة ~~يوافق ذلك أمره فيسمى طاعة . | وتارة يخالف فيسمى معصية , فمن أراد أتم ~~نعمته عليه بالتوفيق للطاعة بموافقته أمره بإحاطة علمه والإتقان في التبدير ~~ببالغ حكمته وإدامة ذلك وحفظه عن كل آفة بباهر عزته , ومن أراد منعه ذلك ~~بذلك أيضا والكل تسبيح له سبحانه بإفادة أنه الواحد القهار , وقد أحاط أول ~~الجمعة بهذه السورة أولها وآخرها , فجاءت هذه شارحة له وكاشفة عنه على وجه ~~أفخم لأن مقصود هذه نتيجة مقصد تلك , وقد رجع - بالتنزه عن شوائب النقص ~~والاختصاص بجميع صفات ms5410 الكمال وشمول القدرة للخق وإحاطة العلم بأحوال الكافر ~~والمؤمن - على افتتحها حسن ختامها , وعلم علما ظاهرا جلالة انتظامها , ~~وبداعة اتساق جميع آيها وبراعة التئامها . والله الموفق للصواب . | . . . . ~~| PageV08P022 < # > سورة الطلاق < # > | لمقصودها تقدير حسن التدبير في المفارقة والمهاجرة بتهذيب الأخلاق ، ~~بالتقوى لا سيما في الإنفاق ، لا سيما إن كان ذلك عند الشقاق ، لا سيما إن ~~كان في أمر النساء لا سيما عند الطلاق ، ليكونالفراق على نحو التواصل ~~والتلاق ، واسمها الطلاق أجمع ما يكون لذلك ، فلذا سميت به وكذا سورة ~~النساء القصرى لأن العدل في الفراق بعض مطلق العدل الذي هو محط مقصود سورة ~~النساء { بسم الله } الذي له جميع صفات الكمال { الرحمن } الذي عم برحمته ~~النوال { الرحيم } الذي خص بالرحمة ذوي الهمم العوال . < < # | الطلاق : ( 1 ) يا أيها النبي . . . . . # > > ^ ( يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ~~واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا ) ^ } ) | لما ختمت التغابن بأنه تعالى شكور حليم عزيز ~~حكيم مع تمام العلم وشمول القدرة , بعد التحذير من النساء بالعداوة , وكانت ~~العداوة تجر إلى الفراق , افتتح هذه بزم لأنفس عند ثوران الحظوظ بزمام ~~التقوى , وأعلى الخطاب جدا بتوجيهه إلى أعلى الخلق تنبيها على عظمة الأحكام ~~الواردة في هذه السورة فإنها مبنية على الأسماء الأربعة لتتلقى بغاية ~~الرغبة فقال : { يا أيها النبي } مخصصا له صلى الله عليه وسلم , ذاكرا ~~الوصف الذي هو سبب التلقي لغرائب العلوم ورغائب الحكم والفهوم . | ولما علم ~~من الإقبال عليه صلى الله عليه وسلم عظمة الحكمة , ومن التعبير في النداء ~~بأداة التوسط التي لا تذكر في أمر مهم جدا أن الذي هو أقرب أهل الحرضة غير ~~مقصود بها من كل وجه , وأن القصد التنبيه لجلالة هذه الأحكام , وبذل الجهد ~~في تفهيمها والعمل بها , فلذا أقبل على الأمة حين انتبهوا وألقوا أسماعهم , ~~فقال معبرا بأداة التحقق لأنه من أعظم PageV08P023 مواضعها : { إذا طلقتم ms5411 } ~~وعلم من ذلك عموم الحكم له صلى الله عليه وسلم لكن لما كان للإنسان مع ~~نسائه حالان أحدهما المشاححة , كان غيره أولى بالخطاب فيه , وثانيهما الجود ~~والمصالحة بالحلم والعفو , فكان هو صلى الله عليه وسلم أولى بذلك فجاءت له ~~سورة التحريم { النساء } أي أردتم طلاق هذا النوع واحدة منه فأكثر { ~~فطلقوهن } أي إن شئتم مطلق طلاق ثلاثا أو دونها , وكلما قل كان أحب بدليل ~~ما يأتي من لواحق الكلام من الإشارة إلى الرجعة { لعدتهن } أي في وقت أو ~~عند استقبال العدة أي استقبال طهر يحسب منها , وهو الطهر الذي لم يجامع فيه ~~إن كانت مدخولا بها , ذلك معنى قراءة ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم ( في ~~قبل عدتهن ) فهذا طلاق السنة وغيره طلاق البدعة , فإن الطلاق في الحيث ~~تطويل للعدة لأنه غير محسوب , ولا بد أن يكون الطهر لم يجامع فيه لأنها إذا ~~جومعت ربما حملت فطالت العدة , وهذا اللام للوقت مثلها في ( كتب هذا لخمس ~~بقين من شهر كذا ) واختير التعبير بها لأنها تفهم مع ذلك أن ما دخلت عليه ~~كالعلة الحاملة على متعلقها , فصار كأنه قيل : طلقوا لأجل العدة وإذا كان ~~لأجلها علم أن المراد تخفيفها على المرأة بحسب الطاقة لأن مبنى الدين على ~~اليسر , وذلك دال على أن العدة بالأسهار , وأن الطلاق في الحيض حرام لأن ~~الأمر بشاء نهي عن ضده , ولا يدل على عدم الوقوع لأن النهي غير مستلزم ~~للفساد , وقد بين ذلك كله ( حديث ابن عمر رضي الله عنهما في طلاقه زوجته في ~~الحيض الذي كان سبب النزول , فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وأمره أن ~~يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم إن شاء امسك وإن شاء طلق قبل أن يمس ) وعلم ~~أن من عدتها بغير الأقراء التي يمكن طولها وقصرها وهي غير المدخول بها ~~والتي لم تحض والآئسة والحامل لا سنة في طلاقها ولا بدعة , وكذا للخالعة ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لثابت بن قيس رضي الله عنه في الخلع من ms5412 ~~غير استفصال عن حال امرأته لأنه إنما يكون في الغالب عن تشاجر وتساؤل من ~~المرأة , ويقع الطلاق البدعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمر رضي ~~الله عنهما بالمراجعة منه , ويأثم به بعد العلم , ولو طلق في الحيض وراجع ~~جاز له أن يطلق حال انقضاء الحيض قبل المجامعة , والأمر بالإمساك إلى كمال ~~الطهر والحيض الذي بعده للندب حتى لا يكون في صورة من راجع للطلاق ولا بدعة ~~في جمع الثلاثة لأنه لا إشارة إله في الآية ولا في حديث ابن عمر رضي الله ~~عنهما الذي هو سببها , نعم قد يدعي ذلك في آية البقرة في قوله تعالى : < # > 77 ( { الطلاق PageV08P024 مرتان } ) 77 < # > [ البقرة : 229 ] و ( الطلاق أبغض الحلال إلى الله ) كما رواه أبو داود ~~وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما فأبغضه إليه أنهاه ( وما حلف به ولا ~~استحلف إلا منافق ) كما في الفردوس عن أنس رضي الله عنه . | ولما كان نظر ~~الشارع إلى العدة شديدا لما فيها من الحكم بالتأني لاحتمال الندم وبالظن ~~لبراءة الرحم احتياطا للأنساب وبقطع المنازعات والمشاجرات المفضية إلى ذهاب ~~الأموال والارواح , وقد أفهمه التعبير باللام , صرح به بصيغة الأمر فقال : ~~{ وأحصوا } أي اضبطوا ضبطا كأنه في إتقانه محسوس بعد الحصي { العدة } ~~لتكملوها ثلاثة أقراء كما تقدم الأمر به ليعرف زمان النفقة والرجعة والسكنى ~~وحل النكاح لأخت المطلقة مثلا ونحو ذلك من الفوائد الجليلة . | ولما كان ~~الطلاق على غير هذا الوجه حراما للضرار ومخالفة الأمر وكذا التهاون في ~~الضبط حتى يحتمل أن تنكح المرأة قبل الانقضاء , أمر بمجانبة ذلك كله بقوله ~~: { واتقوا } أي في ذلك { الله } أي الملك الأعظم الذي له الخلق والأمر ~~لذاته في الزمن والإحصار لأن في ذلك ما هو حقه { ربكم } أي لإحسانه في ~~تربيتكم في حملكم على الحنيفية السمحة ودفع جميع الآصار عنكم . | ولما أمر ~~بالتقوى وناط بعضها بصفة الإحسان فسره بقوله : { لا تخرجوهن } أي أيها ~~الرجال في حال العدة { من بيوتهن } أي المساكن التي وقع وهي سكنهن , وكأنه ~~عبر ms5413 بذلك إشارة إلى أن استحقاقها لإيقاء العدة به في العظمة كاستحقاق ~~المالك , ولأنها كانت في حال العصمة كأنها مالكة له , فليس من المروءة ~~إظهار الجفاء بمعنها منه , ولأنها إن روجعت كانت حاصلة في الحوزة ولم يفحش ~~الزوج في المقاطعة , وإن لم يحصل ذلك فظهر أنها حامل لم تحصل شبهة في الحمل ~~. | ولما كان ذلك ربما أفهم أنه لحقهن فقط نفاه بقوله : { ولا يخرجن } أي ~~بأنفسهن إن أردن ذلك من غير مخرج من جهة الزوج أو غيره , فعلم من ذلك تحتم ~~ا ستكمال العدة في موضع السكنى وأن الإسكان على الزوج , وتخرج لضرورة بيع ~~الغزل وجذاذ PageV08P025 النخل ونحوه . | ولما كان منطوق ذلك أنه لا يجوز ~~له إخراجها كارهة , ولا يجوز لها أن تخرج بنفسها فقط وهو كاره فأفهم ذلك ~~أنهما لو اتفقا جاز لأن ذلك خارج عن المنهي , استثنى من كلا شقي المنهي عنه ~~بقوله . | { إلآ أن يأتين } أي جنس المطلقات الصادق بواحدة وأكثر { بفاحشة ~~} أي خصلة محرمة شديدة القباحة { مبينة } أي ظاهرة في نفسها ظهورا بينا عند ~~كل من أريد بيانها له , وذلك كالبذاءة منها على الزوج أو أقاربه فإنه ~~كالنشوز يسقط حقها من السكنى , فيجوز له إخراجها لقطع الشر , وهو معنى ~~قراءة أبي رضي الله عنه : إلا أن يفحشن عليكم , وكالزنا فتخرج بنفسها ~~ويخرجها غيرها من الزوج وغيره لإقامة الحد عليها وغير ذلك من الفواحش كما ~~أنه يطلقها للنشوز فإنه لا سكنى لها حينئذ . | ولما كان التقدير : هذه ~~أحكام هذا الفرع , عطف عليه تعظيما لها قوله تعالى : { وتلك } أي الأحكام ~~العالية جدا بما فيها من الجلالة وبانتسابها إلى الملك الأعلى من هذا الذي ~~ذكر في هذه السورة وغيره { حدود الله } أي الملك الأعظم الذي هو نور ~~السماوات والأرض . | ولما كان التقدير : فمن تحاماها فقد أنصف نفسه بأخذه ~~النور المبين , عطف عليه قوله : { ومن يتعد } أي يقع منه في وقت من الأوقات ~~أنه يتعمد أن يعدو { حدود الله } أي الملك الأعظم { فقد ظلم نفسه } بأن ~~مشاها في الظلام فصارت تضع ms5414 الأشياء في غير مواضعها , فصار بمعرض الهلاك ~~بالعقاب كما أن الماشي في الظلام معرض للوقوع في حقرة والدوس على شوكة أو ~~حية أو عقرب أو سبع , أو لأن ينفرد بقاطع , أو أن يضل عن الطريق إلى مهالك ~~لا يمكن النجاة منها , ومثال ذلك الحكيم إذا وصف دواء بقانون معلوم في وقت ~~محدود ومكان مخصوص فخولف لم لم يضر يضر المخالف ذلك الحكيم وإنما ضر نفسه . ~~| ولما كان له الخلق جميعا تحت أوامره سبحانه مع أنها كلها خير لا شر فيه ~~بوجه إسرار وإغوار , لا تدرك ولا تحصى , وقد يظهر بعضها لسان الحدثان بيد ~~القدرة , وكان متعديها ظالما وكانمن أقرب ظلمه وأبينه الإيقاع في مهاوي ~~العشق , فسره سبحانه بقوله مبينا عظمته بخطاب الإعلاء : { لا تدري } أي يا ~~أيها النبي الكرمي ما يكون عن ذلك من الأمور التي يحدثها الله لتشير على ~~المطلق بشيء مما يصلحه فغيرك من باب الأولى . | ولما نفى عنه العلم المغيب ~~لاختصاصه سبحانه به وحذف المتعلق إعراقا في التعميم , وكان كل أحد فيما ~~يحدث له من الأمور ما بين رجاء وإشفاق , عبر عن ذلك بأداة صالحة لها فقال : ~~{ لعل الله } أي الذي بيده القلوب ومقاليد جميع الأمور { يحدث } أي يوجد ~~شيئا حادثا لم يكن إيجادا ثابتا لا يقدر الخلق على التسبب في PageV08P026 ~~زواله فيكون مستغرقا لزمان العمر كما أشار إليه نزع الخافض في قوله تعالى : ~~{ بعد ذلك } أي الحادث من الإشارة بالضرار بالإخراج أو تطويل العدة أو غير ~~ذلك { أمرا * } أي من الأمور المهمة كالرغبة المفرطة في الزوجة فلا يتأتى ~~ذلك إما بأن كان الضرار بالطلاق الثلاثة أو بأن كانت من ذوي الأنفة فأثرت ~~فيها الإساءة وفيمن ينتصر لها فمنعت نفسها منه . | وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير : لما تقدم قوله ^ ( { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله } ) ^ [ المنافقين : 9 ] وقوله في التغابن : ^ ( { إن ~~من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم } ) ^ [ التغابن : 14 ] وقوله تعالى ~~^ ( { إنما أموالكم وأولادكم فتنة } ) ^ [ التغابن : 15 ] والمؤمن قد يعرض ms5415 ~~له ما يضطر إلى فراق نم نبه على فتنته وعظيم محنته , وردت هذه السورة منبه ~~على كيفية الحكم في هذا الافتراق , وموضحة أحكام الطلاق , وأن هذه العداوة ~~وإن استحكمت ونار هذه الفتنة , إن اضطرمت لا توجب التبرؤ بالجملة وقطع ~~المعروف ^ ( { لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } ) ^ [ الطلاق : 1 ] ~~ووصى سبحانه بالإحسان المجمل في قوله : ^ ( { أو تسريح بإحسان } ) ^ [ ~~البقرة : 229 ] وبين تفصيل ذلك وما يتعلق به , فهذا الرفق المطلوب بإيقاع ~~الطلاق في أول ما تستعده المطلقة في عدتها وتحسبه من مدتها تحذيرا من إيقاع ~~الطلاق في الحيض الموجب تطويل العدة وتكثير المدة , وأكد هذا سبحانه بقوله ~~^ ( { واتقوا الله ربكم } ) ^ [ الطلاق : 1 ] ثم نبه سبحانه على حقهن أيام ~~العدة من الإبقاء في مستقرهن حين إيقاع الطلاق إلى انقضاء العدة فقال : ^ ( ~~{ لا تخرجوهن من بيوتهن } ) ^ [ الطلاق : 1 ] إلى ما استمرت عليه السورة من ~~بيان الأحكام المتعلقة بالطلاق وتفصيل ذلك كله . | ولما كان الأولاد إذا ~~ظهر منهم ما يوجب فراقهم وإبعادهم غير مفترقين إلى ما سوى الرفض والترك ~~بخلاف المرأة , لم يحتج إلى ما احتيج إليه في حقهن فقد وضح وجه ورود سورة ~~الطلاق في هذا الموضع - والله سبحانه وتعالى أعلم انتهى . | < < # | الطلاق : ( 2 - 3 ) فإذا بلغن أجلهن . . . . . # > > ^ ( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي ~~عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله ~~فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ) ^ } ) | ولما حد ~~سبحانه ما يفعل في العدة , أتبعه ما يفعل عند انقضائها فسبب عما أمره بها ~~فيها معبرا بأداة التحقق لأن الخطاب على تقدير الحياة , معلما أن له الرجعة ~~إلى آخر PageV08P027 جزء من العدة لأنها إذا ثبتت في آخرها البعيد من ~~الطلاق كان ما قبله أولى لأنه أقرب إلى الطلاق فقال : { فإذا بلغن } أي ~~المطلقات { أجلهن } أي شارفن انقضاء العدة مشارفة عظيمة { فأمسكوهن ms5416 } أي ~~بالمراجعة , وهذا يدل على أن الأولى من الطلاق ما دون البائن لا سيما ~~الثلاث . | ولما كان الإنسان لما له من النقصان لا يقدر على كمال الإحسان ~~قال منكرا : { بمعروف } أي حسن عشرة لا بقصد المضارة بطلاق آخر لأجل إيجاب ~~عدة أخرى ولا غير ذلك { أو فارقوهن } أي بعدم المراجعة لتتم العدة فتملك ~~نفسها { بمعروف } بإيفاء الحق مع حسن الكلام وكل أمر عرفه الشرع - أي حسنه ~~- فلا يقصد أذاها بتفريقها من ولدها مثلا أو منه إن كانت محبة له مثلا بقصد ~~الأذى فقط من غير مصلحة وكذا ما أشبه ذلك من أنواع الضرر بالفعل أو القول , ~~فقد تضمنت الآية بإفصاحها الحث على فعل الخيرات وبإبهامها اجتناب المنكرات ~~. | ولما كان كل من المرافقة والمفارقة أمرا عظيما , تبنى عليه أحكام فتحرم ~~أضدادها , فيكون الخلاف فيها في غاية الخطر , وكان الإشهاد أليق بالمراد , ~~وأقطع للنزاع , قال تعالى حاثا على الكيس واليقظة والبعد عن أفعال المغفلين ~~العجزة : { وأشهدوا } أي على المراجعة أو المفارقة { ذوي عدل } أي مكلفين ~~حرين ثقتين يقظين { منكم } أي مسلمين وهو أمر إرشاد مندوب إليه , وعن ~~الشافعي رضي الله تعالى عنه وجوبه في الجرعية والصحيح الأول , ومن فوائده ~~أن لا يموت أحدهما فيدعي الآخر الزوجية ببقاء علقة العدة ليرث . | ولما كان ~~أداء الشهادة يعسر على الشاهد لترك مهماته وعسر لقاء الحكم الذي يؤدي عنده ~~, وربما بعد مكانه , وكان للعدل في الأداء عوائق أيضا , وكان الشهود من ~~المأمورين بالإشهاد , حث على الأداء على وجه العدل بقوله : { وأقيموا } أي ~~أيها المأمورون حيث كنتم شهودا { الشهادة } أي التي تحملتموها بأدائها على ~~أكمل أحوالها كما يفعل من يريد إقامة شيء ليصير واقفا بنفسه غير محتاج إلى ~~ما يدعمه . | ولما كان ربما ميل أحد من المشهود عليهما الشاهد بشيء من ~~المرغبات فأداها على وجهها لذلك الشيء لا لكونه الحق , قال مرغبا مرهبا { ~~لله } أي مخلصين لوجه الملك الأعلى المحيط بكل شيء علما وقجرة وهو ذو ~~الجلال والإكرام في أدائها على وجه الحق ظاهر وباطنا , لا لأجل ms5417 المشهود له ~~ولا المشهود عليه , ولا شيء سوى وجه الله . | ولما كانت أحكامه سبحانه ~~وتعالى لا سيما في الكتاب المعجز مقرونة بعللها وفيها عند التأمل رقائق ~~ودقائق تخشع لها القلوب وتجب الأفئدة في داخل الصدور قال { ذلكم } أي الذي ~~ذكرت لكم أيتها الأمة من هذه الأمور البديعة النظام العالية المرام ~~PageV08P028 وأولاها بذلك هنا الإشهاد وإقامة الشهادة . | ولما كانت أوامر ~~الله تعالى وقصصه وأحكامه وجميع كلامه مختصا من بين كلام الناس بأنه يرقق ~~القلوب ويلين الشكائم لكونه روحا لما فيه العدل الذي تهواه النفوس , وتعشقه ~~الألباب , وتميل إليه الطبائع , وقامت به السموات والأرض , ولما فيه أيضا ~~من ذكر من تعشقه الفطر القويمة من جميع أهل الخير من الأنبياء والملائكة ~~والأولياء , مع تشريف الكل بذكر الله , سمي وعظا , وبني للمجهول إشارة إلى ~~أن الوعظ بنفسه نافع ولو لم يعرف قائله , وإلى أن الفاعل معروف أنه الله ~~لكونه سمي وعظا مع كونه أحكاما فقال : { يوعظ به } أي يلين ويرقق { من كان ~~} أي كونا راسخا , من جميع الناس { يؤمن بالله } أي يوقع ويجدد منكم ومن ~~غيركم على سبيل الاستمرار من صميم قلبه الإيمان بالملك الذي له الكمال كله ~~. | ولما كان البعث محط الحكمة لأن الدنيا مزرعة للآخرة , ولا يكون زرع ~~بغير حصاد , كان خلو الإيمان عنه معدما للإيمان فقال : { واليوم الآخر } ~~فإنه المحط الأعظم للترقيق , أما من لم يكن متصفا بذلك فكأنه لقساوة قلبه ~~ما وعظ به لأنه لم ينتفع به أبدا . | ولما كانت العبادة لا تكون إلا ~~بالإعانة , وكان التقدير : فمن اتعظ بذلك كان اتعاظه شاهدا له بإيمانه بذلك ~~, وكان متقيا , عطف عليه قوله اعتراضا بين هذه الأحكام تأكيا للترغيب في ~~الإعانة المترتبة على التقوى : { ومن يتق الله } أي يخف الملك الأعظم فيجعل ~~بينه وبين ما يسخطه وقاية مما يرضيه , وهو اجتلاب ما أمر به واجتناب ما هنى ~~عنه من الطلاق وغيره ظاهرا وباطنا , وذلك صلاح قوي العلم بالإيمان والعمل ~~بفعل المأمور به وترك المهي عنه لأنه تقدم أن التقوى إذا انفردت في ms5418 القرآن ~~عن مقارن عمت الأمر والنهي , وإذا قرنت بغيرها نحو إحسان أو رضوان خصت ~~المناهي : { يجعل } أي الله سبحانه بسبب التقوى { له مخرجا * } بدفع المضار ~~من كل ضيق أحاط به في نظير ما اجتنب من المناهي { ويرزقه } بحوله وقوته ~~بجلب المسار في الدين والدنيا والآخرة في نظير ما اجتلب من فعل الأوامر . | ~~ولما كان أحلى الهبات ما جاء من مكان لا يرجى قال : { من حيث لا يحتسب } أي ~~لا يقوى رجاؤه له , ولما أكد في هذا وأعظم الوعد لأنه وإن كان عاما لكل متق ~~فتعلقه بما تقدم أقوى والنظر فيما تقدم إلى حقوق العباد أكثر , والمضايقة ~~فيها أشد , والدواعي إليها أبلغ , فالاتقاء فيه بعدم الطلاق في الحيض ~~والإضرار بالمرأة بتطويل العدة أو الإخراج من المسكن وكتمان الشهادة والعسر ~~في أدائها والإخلال بشيء منها والتأكيد والإبلاغ في الوعد لأجل ما جبل عليه ~~الإنسان من القلق في أموره , عطف على PageV08P029 ذلك قوله : { ومن يتوكل } ~~أي يسند أموره كلها ويفوضها معتمدا فيها { على الله } أي الملك الذي بيده ~~كل شيء ولا كفوء له فقد جمع الأركان الثلاثة التي لا يصلح التوكيل إلا بها ~~, وهي العلم المحيط لئلا يدلس عليه , والقدرة التامة لئلا يعجز , والرحمة ~~بالمتوكل والعناية به لئلا يحيف عليه , والتوكل يكون مع مباشرة الأسباب وهو ~~من المقامات العظيمة وإلا اتكالا , وليس بمقام بل خسة همة وعدم مروءة , ~~لأنه إبطال حكمة الله التي أحكمها في الدنيا من ترتيب المسببات على الأسباب ~~- قاله الملوي { فهو } أي الله في غيب غيبه فضلا عن الشهادة بسبب توكله { ~~حسبه } أي كافيه , وحذف المتعلق للتعميم , وحرف الاستعلاء للاشارة إلى أنه ~~قد حمل أموره كلها عليه سبحانه لأنه القوي الذي لا يعصيه شيء , والكريم ~~الذي يحسن حمل ذلك ورعيه , والعزيز الذي يدفع عنه كل ضار ويجلب له كل سار , ~~إلى غير ذلك من المعاني الكبار , فلا يبدو له في عالم الشهادة شيء يشقيه لا ~~من الغيب ولا من غيب الغيب , وفي الحديث ( لو أنكم توكلتم على الله حق ~~توكله ms5419 لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتورح بطانا ) ان ضرب المقادير من ~~القادر موجبا لعدم الغخلال بشيء منها , علل ذلك بما اقتضى تحتم الوعد ~~والتوكل فقال : { قد جعل الله } أي الملك الذي لا كفوء له ولا معقب لحكمه ~~جعلا مطلقا من غير تقيد بجهة ولا حيثية { لكل شيء قدرا * } أي تقديرا لا ~~يتعداه في مقداره وزمانه ومكانه وجميع عوارضه وأحواله وإن اجتهد جميع ~~الخلائق في أن يتعداه , فمن توكل استفاد الأجر وخفف عنه الألم , وقذف في ~~قلبه السكينة , ومن لم يتوكل لم ينفعه ذلك , وزاد أمله وطال غمه بشدة سعيه ~~وخيبة أسبابه التي يعتقد أنها هي المنجحة , فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله ~~السخط , جف القلم فلا يزاد في المقادير شيء ولا ينقص منها شيء , ويحكى أن ~~رجلا أتى عمر رضي الله عنه فقال : PageV08P030 أولني مما أولاك الله فقال : ~~أتقرأ القرأن ؟ قال : لا , قال : إنا لا نولي من لا يقرأ القرآن , فانصرف ~~الرجل واجتهد حتى تعلم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر فيوليه , فلما تعلم ~~القرآن تخلف عن عمر فرآه ذات يوم فقال : يا هذا ! أهجرتنا , فقال : يا أمير ~~المؤمنين ! لست ممن يهجر ؟ ولكني تعلمت القرآن فأغناني الله عن عمر وعن باب ~~عمر , قال : أي آية أغنتك ؟ قال : تعالى : ^ ( { ومن يتق الله يجعل له ~~مخرجا ويزرقه من حيث لا يحتسب } ) ^ [ الطلاق : 2 و 3 ] انتهى . | ومن توكل ~~على غيره سبحانه وتعالى ضاع لأنه لا يعلم المصالح وإن علمها لم يعلم أين هي ~~, وإن علم لم يعلم متى يتسعملها وإن علم لم يعلم كم المقدار المستعمل , وإن ~~علم لم يعلم كيف يستعملها وهو سبحانه المنفرد بعلم ذلك كله وما لا يعلمه حق ~~علمه غيره , والآية تفهم أن من لم يتق الله يقتر عليه , وهو موافق لما روى ~~ابن حبان في صحيحه والحاكم واللفظ له - وقال : صحيح الإسناد - عن ثوبان رضي ~~الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا يرد القدر إلا ~~الدعاء ولا يزيد في العمر إلا ms5420 البر , وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ) ~~وتفهم أن من لم يتوكل لم يكف شيئا من الأشياء . | < < # | الطلاق : ( 4 - 6 ) واللائي يئسن من . . . . . # > > ^ ( واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ~~واللاتي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له ~~من أمره يسرا * ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ~~ويعظم له أجرا * أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن ~~وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى ) ^ } ) | ولما ~~وسط بين العدد هذه الجمل الواعظة دلالة على عظمتها حثا على امتثالها ~~والمبادرة إليها , وختم بالتقدير , أتبع ذلك بيان مقادير العدد على وجه ~~أبان أن الكلام الماضي كان في الحوائض الرجعيات فقال : { واللائي يئسن } أي ~~من المطلقات { من المحيض } أي الحيض وزمانه لوصولها إلى سن يجاوز القدر ~~الذي ترجو فيه النساء الحيض فصارت بحيث لا ترجوه , وذلك السن خمس وخمسون ~~سنة أو تسون سنة , وقيل : سبعون وهن القواعد , وأما من انقطع حيضها في زمن ~~ترجوا فيه الحيض فإنها تنتظر سن اليأس . | PageV08P031 ولما كان هذا الحكم ~~بأزواج المسلمين لحرمة فرشهم وحفظ أنسابهم قال : { من نسائكم } أي أيها ~~المسلمون سواء كن مسلمات أو من أهل الكتاب , ولما كان الموجب للعدة إنما هو ~~الدخول لا مجرد الطلاق قال : { إن ارتبتم } بأن أجلتم النظر في أمرهن , ~~فأداكم إلى ريب في هل هن حاملات أم لا , وذلك بالدخول عليهن الذي هو سبب ~~الريب بالحمل في الجملة { فعدتهن ثلاثة أشهر } كل شهر يقوم مقام حيضة لأن ~~أغلب عوائد النساء أن يكون كل قرء في شهر . | ولما أتم قسمي ذوات الحيض ~~إشارة وعبارة قال : { واللائي لم يحضن } أي لصغرهن أو لأنهن لا حيض لهن ~~أصلا وإن كن بالغات فعدتهن ثلاثة أشهر أيضا , وهذا مشير إلى أن أولات الحيض ~~بائنات كن أو لا عدتهن ثلاثة قروء كما تقدم في البقرة ms5421 لأن هذه الأشهر عوض ~~عنها , فأما أن يكون القرء - وهو الطهر - بين حيضتين , أو بين الطلاق ~~والحيض , وهذا كله في المطلقة , وأما المتوفى عنها زوجها فأربعة أشهر وعشرا ~~كما في البقرة . | ولما فرغ من آئسات الحوامل أتبعه ذكر الحوامل فقال : { ~~وأولات الأحمال } أي من جميع الزوجات المسلمات والكفار المطلقات على كل حال ~~والمتوفى عنهن إذا كان حملهن من الزوج مسلما كان أو لا { أجلهن } أي لمنتهى ~~العدة سواء كان لهن مع الحمل حي أم لا { أن يضعن } ولما كان توحيد الحمل لا ~~ينشأ عنه لبس , وكان الجمع ربما أوهم أنه لا تحل واحدة منهن حتى يضع جمعا ~~قال : { حملهن } وهذا على عمومه مخصص لآية < # > 77 ( { يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ) 77 < # > [ البقرة : 234 ] لأن المحافظة على عمومه أولى من المحافظة على عموم ~~ذلك في قوله : { أزواجا } لأن عموم هذه بالذات لأن الموصول من صيغ العموم , ~~وعموم { أزواجا } بالعرض لأنه بدلي لا يصلح لتناول جميع الأزواج في حال ~~واحد , والحكم معلل هنا بوصف الحملية بخلاف ذاك ولأن سبيعة بنت الحارث وضعت ~~حملها بعد وفاة زوجها بليال , فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج ~~, ولأن هذه الآية متأخرة النزول عن آية البقرة , فتقديمها على تلك تخصيص , ~~وتقديم تلك في العمل بعمومها رفع لما في الخاص من الحكم فهو نسخ والأول هو ~~الراجح للوفاق عليه , فإن كان الحمل من زنا أو شبهة فلا حرمة له , والعدة ~~بالحيض . | ولما كانت أمور النساء في المعاشرة والمفارقة من المعاسرة ~~والمياسرة في غاية المشقة , فلا يحمل على العدل فيها والعفة إلا خوف الله , ~~كرر تلميعا بالحث على التقوى إشارة إلى ذلك وترغيبا في لزوم ما حده سبحانه ~~, فقال عاطفا على ما تقديره : فمن لم يحفظ هذه الحدود عسر الله عليه أموره ~~: { ومن يتق الله } أي يوجد الخوف من PageV08P032 الملك الأعظم إيجادا ~~مستمرا ليجعل بينه وبين سخطه وقاية من طاعاته اجتلابا للمأمور واجتنابا ~~للمنهي { يجعل له } أي يوجد إيجادا مستمرا التقوى ( إن الله لا يمل حتى ms5422 ~~تملوا ) { من أمره } أي كله في النكاح وغيره { يسرا * } أي سهولة وفرجا ~~وخيرا في الدارين بالدفع والنفع , وذلك أعظم من مطلق المخرج المتقدم في ~~الآية الأولى . | ولما كان تكرير الحث على التقوى للسؤال عن سببه , استأنف ~~قوله كالتعليل له : { ذلك } أي الأمر المذكور من جميع هذه الأحكام العالية ~~المراتب { أمر الله } أي الملك الأعلى الذي له الكمال كله , ونبه على علو ~~رتبة الأمر بقوله : { أنزله إليكم } ولما كان التقدير : فمن أباه هوى في ~~مهاوي المهلكات إلى أسفل سافلين , عطف عليه قوله : { ومن يتق الله } أي ~~الذي لا أمر لأحد معه بالاجتلاب والاجتناب , ولما كان الإنسان محل العجز ~~والنقصان , أنسه بأنه إذا وقع منه زلل فراجعه بالتقوى لطف به فيه جزاء على ~~تقواه بالدفع والنفع فقال : { يكفر } أي يغطي تغطية عظيمة ويتسر ويغيب ~~ويسقط { عنه } جميع { سيئاته } ليتخلى عن المبعدات فإن الحسنات يذهبن ~~السيئات . | ولما كان الكريم لا يرضى لمن أقبل إليه بالعفو فقط قال : { ~~ويعظم له أجرا * } بأن يبدل سيئاته حسنات ويوفيه أجرها في الدارين مضاعفا ~~فيتحلى بالمقربات , وهذا أعظم من مطلق اليسر المقتدم . | ولما قدم التكفير ~~وأتبعه الأجر الكبير , وكان قد تقدم إيجاب ترك المطلقة في منزل الطلاق وأذن ~~في إخراجها عند الفاحشة المبينة , وكان ربما كان منزل الطلاق مستعارا , ~~وكان مما لا يليق بالزوج , وكان ربما نزل الكلام السابق عليه , استأنف ~~البيان له بما لا يحتمل لبسا فقال آمرا بعد ذلك النهي على وجه مشير بسابقه ~~ولاحقه إلى الحلم عنهن فيما يمكن الحلم فيه حفظا للقلوب وإبعادا للشقاق بعد ~~الإيحاش باطلاق لئلا يعظم الكسر والوحشة : { أسكنوهن } أي هؤلا ءالمفارقات ~~في العدة إن كن مطلقات حاملات كن أو لا مبتوتات كن أو رجعيات بخلاف ما كان ~~من العدة عن وفاة بغير حمل أو كان عن شبهة أو فسخ . | ولما كان المراد ~~مسكنا يليق بها وإن كان بعض مسكن الرجل , إدخل أداة التبعيض فقال : { من ~~حيث سكنتم } أي من أماكن سكناكم لتكون قريبة منكم ليسهل تفقدكم لها للحفظ ~~وقضاء الحاجات ms5423 . | ولما كان الإنسان ربما سكن في ماضي الزمان ما لا يقدر ~~عليه الآن قال مبينا للمسكن المأمور به مبقيا للمواددة بعدم التكليف بما ~~يشق : { من وجدكم } أي سعتكم وطاقتكم بإجارة أو ملك أو إعارة حتى تنقضي ~~العدة بحمل كانت أو غيره . | ولما كان الإسكان قد يكون مع الشنآن قال : { ~~ولا تضاروهن } أي حال السكنى في المسكن ولا في غيره . | ولما كانت المضارة ~~قد يكون لمقصد حسن بأن PageV08P033 يكون تأديبا لأمر بمعروف ليتوصل بصورة ~~شر قليل ظاهر إلى خير كثير قال : { لتضيقوا } أي تضييقا بالغا لا شبهة في ~~كونه كذلك مستعليا { عليهن } حتى يلجئهن ذلك إلى الخروج . | ولما كانت ~~النفقة واجبة للرجعية , وكانت عدتها تارة بالأقراء وتارة بالأشهر وتارة ~~باحمل , وكان ربما توهم أن ما بعد الثلاثة الأشهر من مدة الحمل للرجعية ~~وجميع المدة لغيرها لا يجب الإنفاق فيه قال : { وإن كن } أي المعتدات { ~~أولات حمل } أي من الأزواج كيف ما كانت العدة من موت أو طلاق بائن أو رجعي ~~{ فأنفقوا عليهن } وإن مضت الأشهر { حتى يضعن حملهن } فإن العلة الاعتداد ~~بالحمل , وهذه الشرطية تدل على اختصاص الحوامل من بين المعتدات البوائن ~~بوجوب النفقة . | ولما غيى سبحانه وجوب الإنفاق بالوضع , وكانت قد تريد ~~إرضاع ولدها , وكانت اشتغالها بإرضاعه يفوت عليها كثير من مقاصدها ويكسرها ~~, جبرها بأن قال حاثا على مكافأة الأخوان على الإحسان مشيرا بأداة الشك إلى ~~أنه لا يجيب عليها الإرضاع : { فإن أرضعن } وبين أن النسب للرجال بقوله ~~تعالى : { لكم } أي بأجرة بعد انقطاع علقة النكاح { فآتوهن أجورهن } على ~~ذلك الإرضاع . | ولما كان ما يتعلق بالنساء من مثل ذلك موضع المشاجرة لا ~~سيما أمر الرضاع , وكان الخطر في أمره شديدا , وكان الله تعالى قد رحم هذه ~~الأمة بأنه يحرك لكل متشاححين من يأمرهما بخير لا سيما في أمر الولد رحمة ~~له قال مشيرا إلى ذلك : { واتمروا } أي ليأمر بعضكم بعضا في الإرضاع والأجر ~~فيه وغير ذلك وليقبل بعضكم أمر بعض , وزادهم رغبة في ذلك بقوله : { بينكم } ~~أي إن هذا الخير ms5424 لا يعدوكم , وأكد ذلك بقوله : { بمعروف } ونكره سبحانه ~~تحقيقا على الأمة بالرضى بالمستطاع , وهو يكون مع الخلق بالإنصاف , ومع ~~الناس بالخلاف , ومع الحق بالاعتراف . | ولما كان ذلك موجبا للمياسرة , ~~وكان قد يوجد في الناس من الغالب عليه الشر , قال مشيرا بالتعبير بأداة ~~الشك إلى أن ذلك وإن وجد فهو قليل عاطفا على ما تقديره فإن تياسرتم فهو ~~حظكم وأنتم جديرون بسماع هذا الوعد بذلك : { وإن تعاسرتم } أي طلب كل منكم ~~ما يعسر على الآخر بأن طلبت المرأة الأجرة وطلب الزوج إرضاعها مجانا فليس ~~له أن يكرهها . | ولما كان سبحانه قد تكفل بأرزاق عباده وقدرها قبل إيجادهم ~~. | قال مخبرا جبرا للأب بما يصلح عتابا للأم : { فسترضع } أي بوعد لا خلف ~~فيه , وصرف الخطاب إلى الغيبة إيذانا بأن الأب ترك الأولى فيما هو جدير به ~~من المياسرة لكونه حقيقا بأن يكون أوسع بطانا وأعظم شأنا من أن يضيق عما ~~ترضى PageV08P034 المرأة استنانا به صلى الله عليه وسلم في أنه ما خير بين ~~أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما أو قطعية رحم فقال : { له } أي ~~الأب { أخرى * } أي مرضعة غير الأم ويغني الله عنها وليس له إكرهها إلا إذا ~~لم يقبل ثدي غيرها , وهذا الحكم لا يختص بالمطلقة بل المنكوحة كذلك . | < < # | الطلاق : ( 7 ) لينفق ذو سعة . . . . . # > > ^ ( لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله لا ~~يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا ) ^ } ) | ت المعاسرة ~~في الغالب في ترك السماح , وكان ترك السماح من خوف الإعدام , نبه سبحانه ~~على أنذلك ليس بعذر تقسيم الناس إلى موسع عليه وغيره , ولأن الأليق بالموسع ~~عليه أن يوسع ولا يسيء الظن بربه وقد جرب رفده , وأن المقتر عليه لا ينبغي ~~أن يفعل من يخاف أن يخلف وعده , فقال شارحا للمياسرة : { من سعته } التي ~~أوسعها الله عليه . | ولما كان الإعطاء من غير تقدير ملزوما للسعة , كان ~~التقدير كناية عن الضيق فقال : { ومن قدر } أي ضيق وسكنت عليه حركته ms5425 ورقدت ~~عنه معيشته { عليه رزقه } بأن جعله الله الذي لا يقدر على التضييق والتوسيع ~~غيره بقدر ضرورياته فقط من غير وسع لشيء غيرها لأمر من الأمور التي يظهر ~~الله بها عجز العباد رحمة لهم ليهذب به نفوسهم , وبناه للمفعول تعليما ~~للأدب معه سبحانه وتعالى : { فلينفق } أي وجوبا على المرضع وغيرها من أوجبه ~~الله عليه أو ندبه إليه , وبشر سبحانه وتعالى بأنه لا يخلي أحدا من شيء ~~يقوم به ما دام حيا بقوله مشيرا بالتبعيض إلى ما أوجبه سبحانه لا يستغرق ما ~~وهبه : { مما آتاه الله } أي الملك الذي لا ينفذ ما عنده ولا حد لجوده , ~~ولو من رأس المال ومتابع البيت ومن ثمن الضيعة إن لم يكن له من الغلة لأنه ~~سبحانه قد ضمن الإخلاف , ومن ملك ما يكفيه للوقت ثم اهتم للزيادة للغد فذلك ~~اهتمام غير مرحوم , وصاحبه غير معان , وفي هذا إرشاد إلى الاقتداء به صلى ~~الله عليه وسلم في عدم التكلف واليسر في كل أمر على حسب الأوقات . | ولما ~~كان تعالى له التكليف بما لا يطاق , أخبر بأنه رحم العباد بأنه لا يفعله , ~~فقال معللا أو مستأنفا جوابا لمن يقول : فما يفعل من لم يكن له موجود أصلا ~~, محببا في دينه صلى الله عليه وسلم مما فيه نم اليسر : { لا يكلف الله } ~~أي الذي له الكمال بأوصاف الرحمة والإنعام علينا بالتخفيف { إلا ما آتاها } ~~وربما أفهم , أن من كلف إنفاقا وجد من فضل ما عنده ما يسده من الأثاث ~~الفاضل عن سد جوعته وستر عورته . PageV08P035 ولما كان التذكير بالإعدام ~~ربما أوجع , قال تعالى جابرا له وتطبيبا لقلبه نادبا إلى الإيمان بالغيب : ~~{ سيجعل الله } أي الملك الذي له الكمال كله فلا خلف لوعده , ونزع الجار ~~زيادة في الخبر فقال : { بعد عسر } أي من الأمور التي تعسرت لا أنه يجعل ~~ذلك بعد كل عسر { يسرا * } أي لا بد من ذلك ولا يوجد أحد يستمر التقتير ~~عليه طول عمره في جميع أحواله , قال القشيري : وانتظار اليسر من الله صفة ~~المتوسطين ms5426 في الأحوال الذين انحطوا عن درجة الرضى واستواء وجود السبب وفقده ~~وارتقوا عن حد اليأس والقنوط ويعيشون في أفناء الرجاء ويتعللون بحسن ~~المواعيد - انتهى . | ولقد صدق الله وعده فيمن كانوا موجودين حين نزول ~~الآية , ففتح عليهم جميع جزيرة العرب ثم فارس والروم وانتثلوا كنوزها حتى ~~صاروا أغنى الناس , وصدق الآية دائم غير أنه كان في الصحابة رضي الله تعالى ~~عنهم أبين لأن إيمانهم أتم . | < < # | الطلاق : ( 8 - 10 ) وكأين من قرية . . . . . # > > ^ ( وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا ~~وعذبناها عذابا نكرا * فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا * أعد الله ~~لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يأولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ~~ذكرا ) ^ } ) | ولما كان الأمر قد بلغ النهاية في الأحكام والمواعظ ~~والترغيب لمن أطاع , فلم يبق إلا التهديد لمن عصى بما شوهد من المثلات ~~وبالغ العقوبات , فإن من الناس البليد الذي لا يتعظ بما يرى , وكان التقدير ~~: فكأي من ناس كانوا في غاية الضيق فأطاعوا أوامرنا فجعلناهم في غاية السعة ~~بل جعلناهم ملوكا , عطف عليه تزهيدا في الرفاهية بأنها تطغى في الغلب , ~~وتهديدا لأهل المعاصي قوله مفيدا لكثرة القرى الخارجة عن الحد : { وكأين من ~~قرية } أي مدنية كبيرة جامعة , عبر عن أهلها مبالغة { عتت } أي استكبرت ~~وجاوزت الحد في عصيانها وطغيانها فأعرضت عنادا { عن أمر ربها } أي الذي ~~أحسن إليها ولا محسن إليها غيره بكثرة الرزق وطيب العيش واللطف في التربية ~~والرحمة بعد الإيجاد والملك { ورسله } فلم يقبل منهم ما جاؤوها به عن الله ~~, فإن طاعتهم من طاعة الله . | ولما كانت محاسبة مثل هؤلاء للإهلاك لأن ~~الحساب هو ذكر الأعمال والمجازاة عليها بما يحق لكل منها , قال ملتفا إلى ~~مقام التكلم في مظهر العظمة : { فحاسبناها } أي فتسبب عن عدم شكرهم للإحسان ~~أن أحصينا أعمالها . | ولما كان ذلك على وجه المناقشة على النقير والقطمير ~~بالمجازاة على كل فعل بما يليق به قال : { حسابا شديدا } بمعناه المطابقي ~~من ذكر الأعمال كلها والمجازاة عليها , وهذا هو المناقشة وهي ms5427 أن العامل إذا ~~أثر أثرا بعمله هو كالنقش في الجامد أثر المجازي له فيه أثرا بحسب عمله ~~PageV08P036 على سبيل الاستقصاء , وأما الحساب اليسير فهو عرض الأعمال فقط ~~من غير جزاء على قبيحها فهو دلالة تضمن , وإنما شدد على هذه القرية لأن ~~إعراضها كان كذلك بما نبه عليه تسميته عتوا { وعذبناها } أي في الدنيا جزاء ~~على ما أحصيناه من ذنوبها { عذابا نكرا * } أي شديد النكارة لأن العقل يحير ~~في أمره لأنه لم ير مثله ولا قريبا منه ليعتبره به , وأزال ذكر الكثرة شبهة ~~أن يكون الإهلاك وقع اتفاقا في وقت من الأوقات { فذاقت } بسبب ذلك بعد ما ~~كان لها من الكثرة والقوة { أمرها } أي في العتو وجميع ما كانت تأتمر فيه , ~~مثله بالمرعى الوخيم الذي يمرض ويهلك . | ولما كان كل مقهور إنما يسلي نفسه ~~بانتظار الرج ورجاء العاقبة , أيأس من ذلك مذكرا للفعل إشارة إلى الشدة ~~بقوله : { وكان عاقبة } أي آخر ومنتهى وعقيب { أمرها } أي في جميع عملها ~~الذي كانت فيه { خسرا * } أي نفس الخسر في الدارين , فكلما امتد الأمر ~~وجدوه أمامهم فإن من زرع الشوك كما قال القشيري لا يجني الورد , ومن أضاع ~~حق الله لا يطاع في حظ نفسه , ومن احترق بمخالفة أمر الله تعالى فليصبر على ~~مقاساة عقوبة الله تعالى , ثم فسر الخسر أو استأنف الجواب لمن يقول : هل ~~لها غير هذا في هذه الدار , بقوله : { أعد الله } أي الملك الأعظم { لهم } ~~بعد الموت وبعد البعث { عذابا شديدا } . | ولما تمت الأحكام ودلائلها , ~~وأحكمت الآيات وفواصلها , والتهديدات وغوائلها , كانت فذلكتها سياقها ~~وموعظتها ما تسبب عن ذلك من قوله تعالى تنبيها على ما يحيي الحياة الطيبة ~~وينجي في الدارين : { فاتقوا الله } أي لاذي له الأمر كله بامتثال أوامره ~~واجتناب نواهيه . | ولما كان في تخليص المواعظ من الأحكام واستثمارها من ~~فواصل هذا الكلام أمر عظيم هو من الرقة بمكان لا بصره إلا ذوو الأفهام إلى ~~ذوو الأفهام قال تعالى : { يا أولي الألباب * } أي العقول الصافية النافذة ~~من الظواهر إلى البواطن { الذين ms5428 آمنوا } أي خلصوا من دائرة الشرك وأوجدوا ~~الإيمان حقيقة , ثم علل هذا الأمر بما أزال العذر فقال تنبيهاص على ما من ~~علينا به من المراسلة فإن مراسلات فإن مراسلات الأكابر فخر فكيف بمراسلات ~~الملوك فكيف بمراسلة ملك الملوك حثا بذلك على شكره : { قد أنزل الله } أي ~~الذي له صفات الكمال { إليكم } خاصة { ذكرا * } أي كاملا مذكورا فيه غاية ~~الشرف لكل من يقبله بل تشرفت الأرض كلها بنزوله ورفع عنها العذاب وعمها ~~النور والصواب لأن فيه تبيان كل شيء , فمن استضاء بنوره اهتدى , ومن لجأ ~~إلى برد أفنائه وصل من داء الجهل إلى شفائه . | PageV08P037 < < # | الطلاق : ( 11 - 12 ) رسولا يتلو عليكم . . . . . # > > ^ ( رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا قد أحسن الله له رزقا * الله الذي خلق ~~سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء ~~قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ) ^ } ) | ولما كان الرسول صلى الله ~~عليه وسلم صورة سورة القرآن , فالقرآن باطنه وهو ظاهره لأنه خلقه لا قوله ~~له ولا فعل إلا به , فكان كأنه هو , أبدل منه قوله : { رسولا } على أن ~~الأمر فيه غي عن تأويل , فإن الذكر بكسر الذال في اللغة كما في القاموس من ~~الرجال القوي الشجاع الأبي , يمبين كونه ذكرا بقوله : { يتلوا } أي يتابع ~~أن يقص { عليكم آيات الله } أي دلائل الملك الأعظم ذي الجلال والإكرام ~~الظاهر جدا حال كونها { مبينات } أي لا لبس فيها بوجه . | ولما تبين أن ~~الذكر والرسول صارا شيئا واحدا , وعلم ما في هذه المراسلة من الشرف , أتبع ~~ذلك بيان شرف آخر ثمرة إنزاله فقال : { ليخرج الذين آمنوا } أي أقروا ~~بالشهادتين { وعملوا } تصيدقا لما قالوه بألسنتهم وتحقيقا لأنه من قلوبهم { ~~الصالحات } من الأعمال { من الظلمات } أي النفسانية والأخلاق الرذيلة ~~المؤدية إلى ظلمة الجوارح بعملها الظلم وانتشارها في السبل الشيطانية { إلى ~~النور } الروحاني العقيلي الخالص ms5429 الذي لا دنس فيه بسلوك صراط الله الذي هو ~~واحد لا شتات فيه وبين لا لبس فيه ^ ( { وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل } ) ^ [ الأنعام : 153 ] كما بادروا إلى إخراج أنفسهم من ~~ظلمات الكفر إلى نور الإيمان , ومن فساد الأعمال الصالحة إلى سداد الأعمال ~~الصالحة , وذلك بأن يصيرهم متخلقين بالقرآن ليكونوا مظهرا له في حركاتهم ~~وسكناتهم وأقوالهم وأفعالهم فيكونوا ذكرا . | ولما كان التقدير : فمن آمن ~~بالله وعمل صالحا شاهد بركات ذلك في نفسه عاجلا , عطف عليه بيانا لسعادة ~~الآجلة قوله تعالى : { ومن يؤمن بالله } أي يجدد في كل وقت على الدوام ~~الإيمان بالملك الأعلى بأن لا يزال في ترق في معارج معارفه { ويعمل } على ~~التجديد المستمر { صالحا } لله وفي الله فله دوام النعماء , وهو معنى ~~إدخاله الجنة , ولما كان قد تقدم قريبا في آية ا لتقوى أنه يكفر عنه سيئاته ~~, قال شارحا لقوله : ^ ( { ويعظم له أجرا } ) ^ [ الطلاق : 5 ] : { يدخله } ~~أي عاجلا مجازا بما يتيح له من لذات العرفان ويفتح له من الأنس آجلا حقيقة ~~{ جنات } أي بساتين هي في غاية ما يكون من جمع جميع الأشجار وحسن الدار , ~~وبين دوام ريها بقوله : { تجري } وبين انكشاف كثير من أرضها بقوله : { من ~~تحتها } أي تحت غرفها { الأنهار } أو هو كناية عن PageV08P038 أن أرضها في ~~غاية بحيث إن ساكنها يجري في أراد نهرا , وإلى زيادة عظمتها أشارت قراءة ~~نافع وابن عامر بنون العظمة . | ولما أفرد الشرط والجزاء إجراء على لفظ ( ~~من ) إشارة إلى أ , ه لا يشترط في الإيمان ولا في جزائه مشاركة أحد , وأنه ~~لا توقف للقبول على شيء غير الوصف المذكور , جمع الحال بشارة بأن الداخلين ~~كثير , وأن الداخل إلى دار الكرامة لا يحصل له هوان بعد ذلك أصلا فقال : { ~~خالدين فيها } وأكد معنى الخلود ليفهم الدوام بلا انقضاء فقال : { أبدا } ~~ولما أعلم أن الخلود لكل الداخلين إلى الجنة رجع إلى الأسلوب الأول تنصيصا ~~على كل فرد إبلاغا في عظمة هذا الجزاء بقوله هذا الجزاء بقوله نتيجة لذلك , ~~منبها على ms5430 أن هذه النتيجة من حقها أن يتوقع قولها من كل من سمع هذه البشارى ~~: { قد أحسن الله } أي الملك الأعلى ذو الجلال والإكرام { له } أي خاصة { ~~رزقا * } أي عظيما عجيبا , قال القشيرين : الرزق الحسن ما كان على حد ~~الكفاية لا نقصان فيه يتعطل عن أموره بسببه ولا زيادة تشغله عن الاستمتاع ~~بما رزق لحرصه , كذلك أرزاق القلوب أحسنها أن يكون له من الأحوال ما يستقل ~~بها عن غير نقصان ولا يتعذب بتعطشه ولا يكون زيادة فيكون على خطر من مغاليط ~~لا يخرج منها إلا بتأييد من الله سماوي . | ولم تقدم أن فائدة الذكر النقل ~~من خلق إلى خلق , وكان من المعلوم أن تحويل جبل من مكانه أيسر من تحيل شخص ~~عن خلقه وشأنه , وتقدم أن أجر المجاهد في ذلك الجنات الموصوفة , وكان ذلك ~~يحتاج إلى قدرة تامة , دل على قدرته سبحانه عليه بقوله : { الله } أي الذي ~~له جميع صفات الكمال التي القدرة الشاملة إحدها , ثم أخبر عنه بما يدل على ~~ذلك لأن الصنعة تدل على الصانع وعلى ما له من الصفات فقال : { الذي خلق } ~~أي أوجد وحده من العدم بقدرته على وفق ما دبر بعلمه على هذا المنوال البديع ~~القريب { سبع سماوات } أي وإنهم يشهاهدون عظمة ذلك ويشهدون أنه لا يقدر ~~عليه إلا تام العلم كامل القدرة , ثم زاد على ذلك ما أنتم أعرف به فقال : { ~~ومن الأرض مثلهن } أي سبعا كما دل عليه حديث سعيد بن زيد وعبد الله بن عمر ~~رضي الله عنهما في الصحيحين ( من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه من سبع ~~أرضين ) ولفظ ابن عمر رضي الله عنهما : خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين , ~~وقد تقدم في سورة السجدة ما ينفع في ذلك , وظاهره يدل على أنها كما هي ~~مثلها في العدد فهي مثلها في PageV08P039 الكرية وإحاطة كل منها بالتي ~~تحتها , وأن التي نحن عليها هي السابعة العليا كالسماء السابعة التي سقفها ~~الكرسي لأن ذلك أدل على ما السياق له من تمام العلم ms5431 وشمول القدرة في ~~الاستدلال عليه بقوله : { يتنزل } أي بالتدريج { الأمر } أي الذي يجود به ~~الرحمن من التدبير من أمر الدين والتكوين من العرش والكرسي { بينهن } ~~بالوحي من السماء السابعة العليا إلى الأرض السابعة السفلى وأنتم ترونهن ~~بلا فروج فأنفذ بينهن حتى نفذ فيهن , وذلك - والله أعلم - هو ما يريد من ~~عظيم تدبيره بإنزال الكتب وإرسال الرسل وإثبات شريعة ومحو أخرى وتوجيه ~~الأسباب إلى المسببات من المطر والنبات والليل والنهار والفصول وخلق ~~الحيوانات والمعادن وسائر النباتات , وترديد الملائكة بسائر المصنوعات , ~~هذا ما دل عليه ظواهر الكتاب والسنة , وأولها بعضها بأنها سبعة أقاليم , ~~وهو مردود بعد القاعدة في أن التأويل بغير دليل لعب بما يأتي من صريح ~~الحديث النبوي والكلام الضابط فيما يؤول وما لا يؤول أن النقليات أربعة ~~أقسام : قطعي السند والدلالة , ظنيهما , ظني السند قطعي الدلالة , عكسه : ~~قطعي السند ظني الدلالة , فالأول يجب اعتقاد ظاهره , ومن خالفه كفر , ~~والبقية يجب اعتقاد ظواهرها ما لم تعارض , فإن عورضت بقطعي وجب العدول عن ~~الظاهر إجماعا , فمن اعتقده كفر , ثم للناس بعد ذلك مذهبان : أما السلف ~~فيفوضون المراد إلى الله تعالى , وأما الخلف فإن كان لذلك محمل واحد عينوه ~~, وإن كان ثم محامل سردوها ولم يعينوا شيئا منها مع اعترافهم بأنهم ليسوا ~~على قطع من أن المراد شيء مما ذكروه , وإنما هو شيء يليق بالمقام والعلم ~~عند الله وبأن طريق السلف أقرب وأسلم وبأنه ما حملهم على التأويل إلا ~~انتشار المبتدعين وإشهارهم بدعتهم بين الناس , قال الإمام علاء الدين ~~القونوي رحمه الله تعالى في باب السير من سرحه الحاوي : قال الإمام - يعني ~~إمام الحرمين : ولو بقي الناس على ما كانوا عليه من صفوة الإسلام لما ~~أوجبنا التشاغل بعلم الكلام بل ربما نهينا عنه , وأما الآن وقد ثارت البدع ~~فلا سبيل إلى تركها تلتطم أمواجها فلا بد من إعداد ما يدعى به إلى المسلك ~~الحق وتحل به الشبهن فصار الاشتغال بأدلة المعقول وحل الشبه من فروض ~~الكفايات , ومن استراب في أصل من أصول الإعتقاد ms5432 فعليه السعي في إزاحتة إلى ~~أن يستقيم عقده - انتهى . | ثم إنك تجد العلماء يختلفون في بعض الأدلة ~~فبعضهم يجريها على الظاهر وبعضهم يؤول , وذلك للاختلاف في المعارض هي هو ~~قطعي الدلالة أم لا , وهذا الموضع منه , لإن ظواهر الكتاب والسنة تدل على ~~أن الأرضين مثل اسماوات في العدد في أن بينهما خلاء , وفي أن في كل واحدة ~~مخلوقات لا يعلمها إلا الله , بل بعض الأخبار يكاد يقطع به في ذلك , ولكنه ~~لم PageV08P040 يخرج عن أن يكون ظنيا فأكثر العلماء ومحققوهم على أن ~~المعارض - وهو ما قاله أهل علم الهيئة من الأدلة على كونها واحدة - ليس ~~بقطعي , فأولوا كونها سبعة بالأقاليم السبعة , وقد رأيت في التعدد حقيقة ~~حديثا صريحا لكن لا أدري حاله , ذكره ابن برجان في اسمه تعالى الملك من ~~شرحه للأسماء الحسنى قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أتدرون ما ~~تحت هذه الأرض , قالوا : الله ورسوله أعلم , قال : ماء , أتدرون ما تحت ذلك ~~, قالوا : الله ورسوله أعلم , قال هواء , أتدرون ما تحت ذلك : قالوا الله ~~ورسوله أعلم , قال : أرض , أتدرون ما تحت ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم - ~~حتى عد سبع أرضين ) ثم رأيته في الترمذي عن أبي رزين العقيلي ولفظه : ( هل ~~تدرون ما الذي تحتكم , قالوا : الله ورسوله أعلم , قال : إنها الأرض , ثم ~~قال : هل تدرون ما تحت ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم , قال : إن تحتها ~~أرضا أخرى بينهما خمسمائة سنة - حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة ~~خمسمائة سنة ) ثم رأيت في الفردوس عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ( ما بين السماء إلى السماء مسيرة خمسمائة عام , وعرض كل ~~سماء وثخانة كل سماء خمسمائة عام , وما بين السماء السابعة وبين الكرسي ~~والعرش مثل ذلك , وما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام , والأرضون ~~وعرضهن وثخانتهن مثل ذلك ) ولما ذكر سبحانه الصنعة تنبيها على التفكر فيها ~~والاعتبار بها , ذكر أن ثمرتها العلم بصفاته بعد العجز عن إحاطة العلم عقب ~~ذاته ms5433 تعالى فقال : { لتعلموا } أي بهذا العالم الذي أوجده بتسوية كل واحد ~~من القبيلين سبعا كل واحدة بينها وبين الاخرى مسافة بعيدة مع الكثافة ~~الزائدة وأنتم تعلمون أنه لا يفصل الجسم ولا سيما الكثيف عن آخر مثله إلا ~~فاصل قاهر بقوة باهرة وقدرة ظاهرة وعلم شامل لما يحتاج إليه ذلك , فكيف إذا ~~كان على هذا المنهاج البديع والوجه المنيع على مر الدهور والأحقاب وتعاقب ~~الشهور والأعوام على حساب معلوم ونظام منظوم , لا يدركه إلا أعلى الناس ~~حسابا PageV08P041 وأعظمهم صوابا , مع المنافع التي تفضل عن سكانها , ~~والمرافق التي تنزه الخالق بآثارها وأعيانها , وتوقظ الغافل وتنبه الجاهل ~~وتدمغ المعاند ببرهانها , فإنه لا يسع أحدا المنازعة في خلقه لها , ومن ~~خلقها قدر على تدبيرهاعلى الوجه المذكور , ومن كان كذلك كان منزها عن ~~الشريك قطعا , ومن كان كذلك قدر على كل شيء فلذا قال : { أن الله } أي ~~الملك الأعلى الذي له الإحاطة كلها { على كل شيء } أي من غير هذا العالم ~~ممكن أن يدخل تحت المشيئة فإنه بمعنى مفعول من عالم آخر مثل هذا العالم , ~~وأبدع منه وأبدع من ذلك الإبداع إلى ما لا نهاية له بالاستدلال بهذا العالم ~~, فإن من قدر على إيجاد ذرة من العدم قدر على إيجاد ما هو دونها ومثلها ~~وفوقها إلى ما لا نهاية له لأنه لا فرق في ذلك بين قليل ولا كثير جليل أو ~~حقير < # > 77 ( { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } ) 77 < # > [ الملك : 3 ] وإياك ان تلتفت إلى من قال : إنه ليس في الإمكان أبدع من ~~هذا العالم , فإنه مذهب فلسفي خبيث , والآية نص على إبطاله وإن نسبه بعض ~~الملحدين إلى الغزالي فإني لا أشك أنه مدسوس عليه فإنه مذهب فلسفي خبيث ~~بشهادة الغزالي كما بينت ذلك في كتابي ( تهديم الأركان على من قال ليس في ~~الإمكان أبدع مما كان ) وكتابي ( دلالة البرهان على أن في الإمكان أبدع مما ~~كان ) وكتابي ( إطباق الأغلال في أعناق الضلال ) ومع كونه مذهب الفلاسفة ~~أخذه أكفر المارقين ابن عربي وأودعه ms5434 فصوصه وغير ذلك من كتبه واستند فيه في ~~بعضها إلى الغزالي إتقانا لمكره - أعاذنا الله من شره , والغزالي بريء منه ~~بشهادة ما وجد من عقائده في الإحياء وغيره { قدير * } أي بالغ القدرة . | ~~ولما كانت إحاطة العلم دالة على تمام القدرة وإليهما يرجع جميع الأسماء ~~والصفات قال : { قد أحاط } لتمام قدرته { بكل شيء } مطلقا , ولما أسند ~~الإحاطة إليه سبحانه تعظيما لها , بين جهتها بتمييز محول عن الفاعل فقال : ~~{ علما * } فله الخبرة التامة بما يأمر به نم الأحكام في العلم بمصالحه ~~ومفاسده فعاملوه معاملة من يعلم إحاطة علمه فيعلم أنه رقيب عليه فإذا طلقتم ~~فافعلوا ما أمركم به لتسلموا في الدين وتسعدوا في الآخرة والأولى , ودبروا ~~في جميع أموركم مثل ما دبر به أمركم في تربيتكم ومسكنكم أرضه وسقفه فإنه ~~جعل فيه جميع ما تحتاجونه وبسطه نواله على من يرضيه ومن يسخطه ونشر حلمه ~~وفضله وأخر بأسه وعدله فقد عائق أخرها أولها وبين مجملها ومفصلها والله ~~يعلم بذات الصدور . | . . . . | PageV08P042 < # > سورة التحريم < # > مقصودها الحث على تقدير التدبير في الأدب مع الله ومع رسوله صلى الله ~~عليه وسلم ومع سائر العباد والندب إلى التخلق بالأدب الشرعي وحسن المباشرة ~~لا سيما للنساء اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في حسن عشرته وكريم صحبته ~~وبيان ان الأ > ب الشرعي تارة يكون باللين والأناة ، وأخرى بالسوط وما ~~داناه ومرة بالسيف وما والاه ، وكل من اسميها التحريم والنبي صلى الله عليه ~~وسلم موضح لذلك { بسم الله } الذي له الكمال كله على الدوام { الرحمن } ~~الذي عم عباده بعظيم الإنعام { الرحيم } الذي أتم خواصه نعمة الإسلام . < < # | التحريم : ( 1 - 3 ) يا أيها النبي . . . . . # > > ^ ( يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله ~~غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم ~~* وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف ~~بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم ~~الخبير ) ^ } ) | لما ختم سبحانه الطلاق ms5435 بإحاطة علمه وتنزل أمره بين ~~الخافقين في تدبيره , دل عليه أول هذه بإعلاء أمور الخلق بأمر إخفاء ما ~~تعلق به منه فأظهره سبحانه عتابا لأزواج نبيه صلى الله عليه وسلم في صورة ~~عقابه لأنه أبلغ رفقا به لأنه يكاد من شفقته أن يبخع نفسه الشريفة رحمة ~~لأمته تارة لطلب رضاهم وأخرى رغبة في هداهم , لأنه صلى الله عليه وسلم بالغ ~~في تهذيب أخلاقه مع ما طهره الله به من نزاهتها عن كل دنس حتى ضيق عليها ~~بالامتناع عن بعض ما أبيح له حفظا لخاطر الغير , فقال تعالى مناديا له ~~بأداة البعد وهو أقرب أهل الحرضة مع أنها معدة لما يكون ذا خطب جليل ومعنى ~~جسيم جليل , وفيها إيماء إلى تنبيه الغير وإسماعه إرادة لتأديبه وتزيكته ~~وتهذيبه : { يا أيها النبي } مخاطبة بالوصف الذي يعلم بالعصمة ويلائمه أشد ~~الملاءمة خلو البال وسرور القلب وانشراح الصدر لأنه للتلقي عن الله تعالى ~~فيحث كل PageV08P043 سامع على البعد عن كل ما يشوش عليه صلى الله عليه وسلم ~~أدنى تشويش { لم تحرم } أي تفعل فعل المحرم بمنع نفسك الشريفة { ما أحل ~~الله } أي الملك الذي لا أمر لأحد معه { لك } بالوعد لبعض أمهات المؤمنين ~~رضي الله عنهن بالامتناع من شرب العسل الذي كان عند حفصة أو زينب رضي الله ~~عنهما والامتناع من ملامسة سريتك مارية رضي الله تعالى عنها فتضيق على نفسك ~~لإحسان العشرة مع نسائك رضي الله عنهن أجمعين , فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يشرب عسلا عند حفصة بنت عمر أو زينت بنت جحش رضي الله عنهما على ~~اختلاف الروايتين في ذلك في الصحيح , وفي رواية ( أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا صلى الغداة دخل على نسائه رضي الله عنهن امرأة امرأة , وكانت قد ~~أهديت لحفصة بنت عمر رضي الله عنهما عكة من العسل , فكانت إذا دخل عليها ~~فسلم حبسته وسقته منها , وأن عائشة رضي الله عنها أنكرت احتباسه عندها ~~فقالت لجويرية عندها حبشية يقال لها خصرة : إذا دخل رسول الله صلى ms5436 الله ~~عليه وسلم على حفصة فادخلي عليها فانظري ماذا يصنع فأخبرتها الخبر فوصت ~~صواحباتها فنفرنه من شربه بإخباره بأنه يوجد منه ريح كريهة لأن نحلة جرست ~~العرفط , فقال : لن أعود له , ) وروى الطبري وابن مردوية ( أنه صلى الله ~~عليه وسلم خلا بمارية رضي الله عنها أم ولده إبراهيم عليه السلام في بيت ~~حفصة رضي الله عنها فتوجعت من ذلك بشارة , وهي أن أبا بكر يلي هذا الأمر من ~~بعدي وأباك يليه من بعد أبي بكر رضي الله عنهما , لا تخبري بذلك أحدا , ~~فأخبرت عائشة رضي الله عنها ) ويروى أن حفصة رضي الله عنها قالت في يومها ~~من النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن بي إلى أبي حاجة نفقة له عنده فأذن لي ~~أن أزوره وآتي بها , فأذن لها فلما خرجت أرسل إلى جاريته مارية القبطية رضي ~~الله عنها ) فوقع عليها فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقا فجلست عنده فخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي فقال لها : ما يبكيك ؟ ~~فقالت : إنما أذنت لي من أجل هذا وقعت عليها في يومي وعلى فراشي , أما رأيت ~~لي حرمة وحقا ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن , فقال صلى الله عليه وسلم : ~~أليس هي جارتي قد أحلها الله لي اسكتي فهي علي حرام أتمس بذاك رضاك فلا ~~تخبري بهذا أحدا , فلما خرج أخبرت عائشة رضي الله عنها فحلفته على ترك ~~مارية رضي الله عنهن ( ثم علل ذلك سبحانه بقوله : { تبتغي } أي تريد إرادة ~~عظيمة من مكارم PageV08P044 أخلاقك وحسن صحبتك { مرضات أزواجك } أي الأحوال ~~والمواضع والأمور التي يرضين بها ومن أولى بأن تبتغين رضاك وكذا جميع الخلق ~~لتفرغ لما يوحى إليك من ربك لكن ذلك للزوجات آكد . | ولما كان أعلى ما يقع ~~به المنع من الأشياء من جهة العباد الإيمان , وكان تعالى قد دعل من رحمته ~~لعباده لإيمانهم كفارة قال : { الله } أي تفعل ذلك لرضاهن والحال أن الله ~~الملك الأعلى { غفور رحيم * } أي محاء ستور لما يشق على خلص عباده مكرم ms5437 لهم ~~, ثم علل أو بين بقوله : { قد فرض الله } أي قدر ذو الجلال والإكرام الذي ~~لا شريك له ولا أمر لأحد معه , وعبر بالفرض حثا على قبول الرخصة إشارة إلى ~~ذلك لا يقدح في الورع ولا يخل بحرمة اسم الله لأن أهل الهمم العوالي لا ~~يحبون النقرة من عزيمة إلى رخصة بل من رخصة إلى عزيمة , أو عزيمة إلى مثلها ~~. | ولما كان التخفيف على هذه الأمة إنما هو كرما منه وتعظيما لهذا النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : { لكم } أي أيتها الأمة التي أنت رأسها , وعبر ~~بمصدر حلل المزيد مثل كرمه وتكرمه إظهارا لزيد الغاية فقال : { تحلة } أي ~~تحللة { أيمانكم } أي شيئا يحللكم مما أوثقتم به أنفسكم منها تارة ~~بالاستثناء وتارة بالكفار تحليلا عظيما بحيث يعيد الحال إلى ما كان عليه ~~قبل اليمين , وقد بين ذلك في سورة المائدة فحلل يمينك واخرج من تضييق على ~~نفسك واشرح من صدرك لتتلقى فا يأتيك من أنباء الله تعالى وأنت متفرغ له ~~بطيب النفس وقرة العين , وهذا يدل على أن قوله ( أنت علي حرام ) كالمين إذا ~~لم يقصد به طلاقا للزوجة ولا إعتاقا للأمة , وإذا كان الله قد فرض ذلك ~~لكافة الأمة تيسيرا عليهم رأسهم أولى بأن يجعل له ذلك , قال مقاتل : فأعتق ~~صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة رقبة , وقد قيل : إن تحريمه صلى الله ~~عليه وسلم هنا كان بيمين حلفها وحينئذ لا يكون فيه حجة لمن رأى أن ( أنت ~~على حرام ) يمين { والله } أي والحال أن المختص بأوصاف الكمال { مولاكم } ~~أي يفعل معكم فعل القريب الصديق { العليم } أي البالغ العلم بمصالحكم ~~وغيرها إلى ما لا نهاية له { الحكيم * } أي الذي يضع كل ما يصدر عنه لكم في ~~أتقن محالة بحيث لا ينسخه هو ولا يقدر غيره أن يغيره ولا شيئا منه , وقال ~~الإمام أبو جعفر ابن الزبير : لاخفاء بشدة اتصال هذه السورة بسورة الطلاق ~~لاتحاد مرماهما وتقارب معناهما , وقد ظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~طلق نساءه حين ms5438 اعتزل في المشربة حتى سأله عمر رضي الله عنه والقصة معروفة ~~وتخييره صل الله عليه وسلم إياهن أثر ذلك وبعد اعتزالهن شهرا كاملا وعتب ~~الله عليهن في قوله : < # > 77 ( { وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه } ) 77 < # > [ التحريم : 4 ] وقوله : < # > 77 ( { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن } ) 77 < # > [ التحريم : 5 ] فهذه السورة وسورة PageV08P045 الطلاق أقرب شيء وأشبه ~~بسورة الأنفال وبراءة لتقارب المعاني والتحام المقاصد - انتهى . | ولما ~~كانت العدة فيمن رأى حبيبه قد ضاق صدره أن يسعى أولا في شرح صدره وطيب نفسه ~~ثم يزيده بسطا بأن يقول للحاضرين : إن حبيبنا هذا الكريم علينا اتفق له كذا ~~, وقد كرهت هذا وضمنت زواله , وكان تعالى قد طيب نفسه صلى الله عليه وسلم ~~بأول السورة , ثم أتبعه الأمر الآخر , فكان التقدير : اذكروا هذا الذي ~~ذكرته من حسن عشرة نبيكم صلى الله عليه وسلم لنسائه رضي الله تعالى عنهن ~~وكريم صحبته وشريف أخلاقه وجميل أفضاله وجليل حلمه واذكروا ما خفف الله به ~~عنكم في الأيمان التي لا مثنوية فيها واذكروا فيها اسمه المقدس , عطف عليه ~~قوله تعالى تشريفا لنبيه صلى الله عليه وسلم بالمعاتبة عليه وبإظهار ما هو ~~حامل له نم ثقل هذا السر على أجمل وجه تخفيفا عنه وترويحا له : { أسر النبي ~~} أي الذي شأنه أن يرفعه الله دائما بأن يتلقى من فياض علمه ما يخبر به ~~الناس فإنه ما ينطق عن الهوى وأبهم الزوجة وهي حفصة رضي الله عنها , كنى ~~عنها صيانة لهن لأن حرمتهن رضي الله عنهن من حرمته صلى الله عليه وسلم { ~~حديثا } ليس هو من شأن الرسالة ولو كان من شأنها لهم به وأعلنه لم يخص ~~بهولا أسره وذلك هو تحريم مارية رضي الله عنها ووعده بأن يترك العسل ~~وبشارته بولاية أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ولم يبين الحديث ويفصله إكراما ~~له صلى الله عليه وسلم وحفظا لسره لأن العادة جارية بأن الإنسان لا يحب ~~تفصيل سره وإن كنا اطلعنا عليه بعد ذلك لنتأسى به ms5439 فيما فيه من الأحكام , ~~فإن أحواله صلى الله عليه وسلم كلها أحكام لنا إلا ما اختص به وأشار إلى ~~قرب زمن إفشائه من زمن التحديث بالفاء في قوله تعالى : { فلما نبأت } أي ~~أخبرت إخبارا عظيما جليلا لشرفه في نفسه ولأنه من عند الله وبالغت في ذلك ~~وأخبرت { به } كله من جميع وجوهه , وجعل ذلك في سياق حكاية لأنه أستر لحرمه ~~صلى الله عليه وسلم حيث لم يقل : فنبأت به ولا قال : أساءت بالإنباء به , ~~ونحو ذلك مما يفهم أنه مقصود بالذات { وأظهره الله } أي أطلعه الملك الذي ~~له الإحاطة بكل شيء { عليه } أي الحديث بأنه قد أفشى مناصحة له في إعلامه ~~بما يقع في غيبته ليحذره إن كان شرا ويثيب عليه إن كان خيرا { عرف } أي ~~النبي صلى الله عليه وسلم التي أسر إليها { بعضه } وهو أمر الخلافة عتابا ~~لها عليه لأنه كان أوصاها أن لا تظهره , والكف عن بعض العتب أبعث على حياء ~~المعتوب وأعون على توبته وعدم عدده إلى فعل مثله { وأعرض عن بعض } وهو أمر ~~السرية والعسل تكرما منه أن يستقصي في العتاب وحياء وحسن عشرة , قال الحسن ~~: ما استقصى كريم PageV08P046 قط , وقال سفيان الثوري : ما زال التغافل من ~~فعل الكبراء وإنما عاتب على أمر الخلافة خوفا من أن ينتشر في الناس ويذيع , ~~فربما أثار حسدا من بعض المنافقين وأورث الحسود للصديق والفاروق كيدا أو جر ~~غلى مفسدة لا نعلمها , وخفف الكسائي : عرف أي أقر به والمعرفة سبب التعريف ~~والتعريف عن المعرفة فإطلاق أحدهما على الآخر شائع وعلاقته ذلك وأشار إلى ~~مبادرته بتعريفها ذلك لئلا ينتشر ما يكرهه منه بقوله : { فلما نبأها } بما ~~فعلت من إفشاء ما عرفها منه على وجه لم يغادر من ذلك الذي عرفها { به } ~~شيئا منه ولا من عوارضه ليزداد بصيرة , روي أنها قالت : قلت لعائشة رضي ~~الله عنها سرا وأنا أعلم أنها لا تظهره , قاله الملوي وهو معنى قوله : { ~~قالت } أي ظنا منها أن عائشة رضي الله عنها أفشت عليها { من أنبأت ms5440 هذا } أي ~~مطلق إخبار , واستأنف قوله : { قال نبأني } وحذف المتعلق اختصارا للفظ ~~وتكثيرا للمعنى بالتعميم إشارة إلى أنه أخبره بجميع ما دار بينها وبين ~~عائشة رضي الله عنهما مما عرفها به ومن غيره على أتم ما كان { العليم } أي ~~المحيط بالعلم { الخبير * } أي المطلع على الضمائر والظواهر فهو أهل لأن ~~يحذر فلا يتكلم سرا ولا جهرا إلا بما يرضيه . | < < # | التحريم : ( 4 - 5 ) إن تتوبا إلى . . . . . # > > ^ ( إن تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو ~~مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير * عسى ربه إن طلقكن أن ~~يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات ~~وأبكارا ) ^ } ) | ولما عرف من هذا أن المعاتب المنبئة ومن نباته , وكان قد ~~يكون عددا أشار إلى أنه واحد فالمعاتب اثنتان , وكانتا قد اتسعت قلوبهما ~~لما يأتي من قبل الله من الرغائب بهذا العتاب على هذا الأمر الخفي جدا ~~والكرم عليهما فيه بعدم الاستقصاء فمالت قلوبهما إلى المعالي وغاصت على ~~جليل المعارف فصاغت من جواهر ذلك دقيق المعاني , لفت إليهما الخطاب بلطيف ~~العباد لشريف المتاب , فقال تشريفا آخر له صلى الله عليه وسلم بالإقبال على ~~نسائه رضي الله تعالى عنهن بالعتاب لأجله قياما عنه بما ربما أزعجه لو ~~باشره حفظا لخاطره الشريف مما قد يغره { إن تتوبا } أي يا عائشة ويا حفصة ~~مما صنعته حفصة بالإفشاء وعائشة بالاحتيال على المنع من شرب العسل والتحليف ~~على مارية { إلى الله } أي الملك الذي أحاط علمه فجلت قدرته ولطف بهما ~~لأجله صلى الله عليه وسلم غاية اللطف في قوله : { فقد صغت } أي مالت وغاضت ~~بما صاغت { قلوبكما } وفي جمع القلوب جمع كثرة تأكيد لما فهمته من ميل ~~القلب بكثرة المعارف بما أفادهما إظهار هذا السر والعتاب عليه من الحياء , ~~فصارتا جديرتين بالمبادرة إلى التوبة متأهلتين لذلك غاية التأهل . ~~PageV08P047 ولما أورد ما صارتا حقيقيتين به بأداة الشك إقامة للسامع بين ~~الخوف والرجاء من ذلك وهو أعلم مام يكون أكمل ذلك بذكر شق الخوف ms5441 , فقال ~~معلما بأن الملك وأوليائه أنصار له { وغن تظاهرا } بالتشديد للإدغام في ~~قراءة الجماعة لأن النظر هنا إن وقع كان على وجه الخفاء في أعمال الحيلة في ~~أمر مارية رضي الله عنها والعسل وما يأتي من مثل ذلك ما يبعث عليه الغيرة { ~~عليه } أي النبي صلى الله عليه وسلم المنبأ من قبل الله بما يرفع قدره ~~ويعلي ذكره , وقراءة الكوفيين بالتخفيف بإسقاط إحدى التاءين إشارة إلى ~~سهولة أمر هذه المظاهرة وقلة أذاها له صلى الله عليه وسلم . | ولما كان ~~المعنى كأنه لا يبالي بمظاهرة كما عبر عنه بعلته , فقال مؤكدا إعلاما بأن ~~حال المتظاهرين عليه حال المنكر لمضمون الكلام : { فإن الله } أي الملك ~~الأعظم الذي لا كفوء له { هو } أي بنفسه الأقدس وحضرة غيب غيبه التي لا ~~يقوم لما لها من العظمة شيء { مولاه } أي ناصره والمتولي من أمره ما يتولاه ~~القريب الصديق القادر وكل من له وعي يعلم كفايته سبحانه في ذلك فهو يعمل ~~أبلغ ما يعمله مولى مع من هو متول لأمره وفي معاونته لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم إظهار لشرفه ومراعاة لحفظ خاطره وشرح لصدره . | ولما كانت النفوس ~~لمبنى هذا الدار على حكمة الأسباب مؤكلة بها ناظرة أتم نظر إليها , وكان ~~نساء النبي صلى الله عليه وسلم لكثرة ما يتلى في بيوتهن من آيات الله ~~والحكمة على لسان جبريل عليه الصلاة والسلام وكثر تردده إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم في بيوتهن ويعلمهن قد صار عندهن بذلك من الأسباب الظاهرة ~~المألوفة , وكان هو أعظم أنصار النبي صلى الله عليه وسلم قال : { وجبريل } ~~لأنه من أعظم الأسباب التي يقيمها الله سبحانه . | ولما كان الحامل على ~~مظاهرته صلى الله عليه وسلم على كل ما يريده الإيمان فكل ما كان الإنسان ~~فيه أمكن كان له أشد مظاهرة وأعون قال : { وصالح المؤمنين } اي الراسخين في ~~رتبة الإيمان والصلاح من الإنس والجن وأبوهما رضي الله عنهما أعظم مراد ~~بهذا , وقد روي أن عمر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ms5442 : لو ~~أمرتني لأضربن عنقها , والصالح وإن كان لفظه مفردا فمعناه الجميع المستغرق ~~لأنه للجنس , ودل على ذلك مع دلالة السياق إضافته للجمع ولعله عبر بالإفراد ~~مع أن هذا المراد للإشارة إلى قلة المتصف بهذا جدا لقلة الراسخين في الصلاح ~~من الراسخين في الإيمان فهو قليل من قليل وقد جوز بعضهم أن يكون جمعا وأنه ~~حذفت واؤه في الرسم على خلاف القياس وهي محذوفة في الوصل للالتقاء الساكنين ~~, فظن لذلك مفردا ودخل في ذلك جبريل عليه السلام أيضا . | ولما كان الله ~~سبحانه وتعالى قد أعطى الملائكة من القوى والتصرف في الظواهر . | ~~PageV08P048 والبواطن ما يجل عن الوصف , قال تعظيما للمقام بعد تعظيمه بما ~~ذكر من رئيس الكروبيين عليهم الصلاة والسلام { والملائكة } أي كلهم ومنهم ~~جبريل عليهم الصلاة والسلام فهو مذكور خصوصا وعموما مرات إظهارا لشدة محبته ~~وموالاته للنبي صلى الله عليه وسلم . | ولما كان المراد التعميم في الزمان ~~والمكان بعد التعميم في الصالحين من الملائكة والإنس والجان , قال من غير ~~جار معظما لنصرة الملائكة لما لهم من العظمة في القلوب لما تقرر لمن باشر ~~منهم العذاب تارة بالرجفة وأخرى بالصعقة وتارة بالخسف وأخرى بغير ذلك , ~~فكيف إذا تصور الآدمي المقيد بالمحسوسات اجتماهم على ما لهم من الأشكال ~~المهولة { بعد ذلك } أي الأمر العظيم الذي تقدم ذكره وهو مظاهرة الله ومن ~~ذكر معه { ظهير * } أخبر عن الجمع باسم الجنس إشارة إلى أنهم على كلمة ~~واحدة في المظاهرة , فخوف بهذا كله لأجل المتاب لطفا به صلى الله عليه وسلم ~~وإظهارا لعظمته وفي قصة صاحب ياسين قال { وما أنزلنا على قومه } الآية , ~~تحقيرا لقومه وإهانة لهم , ويجوز أن يكون ( ظهير ) خبر جبريل عليه الصلاة ~~والسلام , وخبر ما بعده محذوف لدلالته عليه أي كذلك . | ولما حذر بما تقدم ~~, زاد في التحذير ما يقطع القلوب لأن أشد ما على المرأة أن تطلق ثم إذا ~~طلقت أن تستبدل بها ثم أن يكون البدل خيرا منها فقال مبينا لأدنى أنواع ~~المظاهرة سائقا الأمر مساق الرجاء إشارة إلى أنه يكفي ms5443 العاقل في الخوف ~~تجويز احتمال الضرر فكيف إذا كان الأمر حتما لأن من المعلوم أن ( عسى ) من ~~الله على طريق الكبراء لا سيماء الملوك في اكتفائهم بالإشارات والرموز فمن ~~هنا كانت واجبة لأنه ملك الملوك وهو ذو الكبرياء في الحقيقة لا غيره { عسى ~~ربه } أي المسحن إليه بجميع أنواع الإحسان التي عرفتموها وما لم تعرفوه ~~جدير وحقيق , ووسط بينها وبين خبرها اهتماما وتخويفا قوله : { إن طلقكن } ~~أي بنفسه من غير اعترض عليه جمع أو بعضكن بإيجاد الطلاق لمن لم يطلقها ~~وإدامته من طلقها { أن يبدله } منكن بمجرد طلاقه لكن من غير ان تحوجه إلى ~~التفتيش تبديلا مبالغا فيه بما أشارت إليه قراءة نافع وأبي جفعر وأبي عمرو ~~بالتشديد , فهي أبلغ من قراءة الباقين بالتخفيف الدال على مطلق الإبدال ~~الصالح للمبالغ فيه وغيره , ومن التشريف أيضا إضافة الطلاق إليه والإبدال ~~إلى الله مع التعبير بصفة الإحسان وتخصيص الإضافة ! بضميره . | ولما كان ~~الأوجع لقب الحرة حرة مثلها لا سرية قال : { أزواجا } ولما كان علوها عليها ~~في الرتبة هو النهاية في التأسيف قال : { خيرا } ودل على أنها للتفضيل ~~بقوله : { منكن } وهذا على سبيل الفرض وعام في الدنيا والآخرة فلا يتقضي ~~وجود من هو خير PageV08P049 منهن مطلقا وإن قيل بوجود في خديجة رضي الله ~~عنها لما جرب من تحاملها على نفسها في حقه صلى الله عليه وسلم وبلوغها في ~~حبه والأدب معه ظاهرا وباطنا النهاية القصوى ومريم عليها السلام التي أحصنت ~~فرجهاحتى كانت من القانتين , وذلك في الآخرة , والكلام خارج مخرج الشرط ~~بالطلاق وقد علم سبحانه أنه لا يقع لكنه سبحانه علم أنه لو وقع أبدله صلى ~~الله عليه وسلم من هو بالصفات المذكورة المقتضية للإخلاص في طاعته كما أشار ~~إليه ( قانتات ) ولا شك أن من لازم طاعته وقيد الاتصال به في الدارين كان ~~خيرا من غيره , وتعليق تطلق الكل لا يدل على أنه لم يطلق حفصة رضي الله ~~عنها فقد روي أنه طلقها ولم يزدها ذلك إلا فضلا من الله تعالى لأن الله ms5444 ~~تعالى أمره بأن يراجعها لأنها صوامة قوامه - والله الموفق . | ولما وعد بما ~~ذكر , وكان أول منظور إليه الظاهر , فصل ذلك الوعد وفسر الخيرية بادئا ~~بقوله : { مسلمات } أي ملقيات لجميع قيادهن ظاهرا وباطنا لله ولرسوله صلى ~~الله عليه وسلم على وجه الخضوع . | ولما كان المشاهد من الإسلام إنما هو ~~الظاهر قال : { مؤمنات } أي راسخات في القوة العلمية بتصديق الباطن . | ~~ولما كان ذلك قد يكون فيه نوع شوب قال : { قانتات } أي مخلصات في ذلك لا ~~شائبة في شيء منه فهن في غاية ما يكون من إدامة الطاعة له من الذل ~~والانكسار والمبادرة إلى امتثال أمره صلى الله عليه وسلم في المنشط والمكره ~~. | ولما كان الإنسان مجبولا على النقصان , وكان الإخلاص يدل صاحبه على ~~تقصيره فكان ربما فتره ذلك , قال تسهيلا لخدمته وتقريبا لدوام طاعته معلما ~~الأدب لمحتاجه { تائبات } أي راجعات من الهفوات أو الزلات سريعا إن وقع ~~منهن شيء من ذلك . | ولما كان هذا مصححا للعبادة لدوامها قال : { عابدات } ~~أي مديمات للعبادة بسبب إدامة تجديد التوبة . | ولما كان دوام العبادة ~~مسهلا للخروج عن الدنيا قال : { سائحات } أي متصفات بصفات الملائكة من ~~التخلي عن الدنيا والاستغراق في الآخرة بما أدناه الصيام ماضيات في ذلك ~~غاية المضاء ليتم الانقايد لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم , لأن من كان ~~هكذا لم يكن له مراد , فكان تابعا لربه في أمره دائم ويصير لطيف الذات حلو ~~الشمائل , قال الملوي : والمرأة إذا كانت كثيرة الصيام قليلة الأكل يقل ~~عرقها ويصغر كرشها وتطلف رائحتها وتخف حركتها لما يراد منها - انتهى . | ~~وسوق هذه الأوصاف هذا السياق في عتاب من هو متصف بها معرف أن المراد منها ~~التمام لا سيما وهي لا يوجد وصف منها على سبيل الرسوخ إلا كان مستلزما ~~لسائرها , فلذلك لم يحتج في تعدادها إلى العطف بالواو . | والتجريد عنه ~~أقعد في الدلالة على إرادة اجتماعها كلها . | PageV08P050 ولما أكمل الصفات ~~النافعة في أمر العشرة ولم يبق إلا الصفات الكونية وكان التنويع إلى عارفة ~~بالعشر وباقية على أصل الفطر , ألذ ms5445 وأشهى إلى النفس , قال مقسما للنساء ~~المتصفات بالصفات الست عاطفا ثاني الوصفين بالواو للتضاد { ثيبات } قدمهن ~~لأنهن أخبر بالعشرة التي هذا سياقها { وأبكارا } . | < < # | التحريم : ( 6 - 7 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس ~~والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ~~* يأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون ) ^ } ) | ~~ولما أبلغ سبحانه في عتاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مع صيانتهن عن ~~التسمية إكراما له صلى الله عليه وسلم وعلم اتصافهن بهذه الصفات العظيمة ~~على سبيل الرسوخ من دوام صحبته صلى الله عليه وسلم لهن ليكن من جملة أزواجه ~~في الجنة وكان اتصافهن بذلك الذي أداهن إلى السعادة العظمة إنما هو بحسن ~~تأديب أوليائهن لهن وإكمال ذلك الأدب بحسن عشرته صلى الله عليه وسلم ~~وتأدبهن بكريم أخلاقه أثمر ذلك أمر الأمة بالتأسي به في هذه الأخلاق ~~الكاملة والتأسي بأوليائهن في ذلك ليعرفن حق الله وحق الأزواج فيحصل بذلك ~~صلاح ذات البين المثمرات للخير كله فقال تعالى متبعا لهذه الموعظة الخاصة ~~بموعظة عامة دالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للأقرب فالأقرب ~~{ يا أيها } مخاطبة لأدنى الأسنان إشارة إلى أن من فوقهم تأسى من حين دخوله ~~في الإسلام فهو غني عن امر جديد { الذين آمنوا } أي أقروا بذلك { قوا ~~أنفسكم } أي اجعلوا لها وقاية بالتأسي به صلى الله عليه وسلم في أدبه مع ~~الخلق والخالق في لينه لمن يستحق اللين من الخلق تعظيما للخالق فعاملوه قبل ~~كل شيء بما يعاملكم به من الأدب , وكذا كونوا مع بقية الخلق . | ولما كان ~~الإنسان راعيا أله بيته مسؤولا عن رعيته قال تعالى : { وأهليكم } من النساء ~~والأولاد وكل من يدخل في هذا الاسم قوهم { نارا } بالنصح والتأديب ليكونوا ~~متخلقين بأخلاق أهل النبي صلى الله عليه وسلم كما روى أحمد والطبراني عن ~~سعيد بن العاص رضي الله عنه رفعه : ( ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن ) ~~ولما كانت الأشياء لا ms5446 تعظم في نفسها وعند المخبر بها إلا بإخباره بما يشتمل ~~عليه من الأوصاف قال : { وقودها } PageV08P051 أي الذي توقد به { الناس ~~والحجارة } أي ألين الأشياء وأصلبها , فما بين ذلك هو لها وقود بطريق ~~الأولى . | ولما وصفها بغاية الأدب في الائتمار أتبه وصف القوام فقال معبرا ~~بأداة لاستعلاء دلالة على تمكنهم من التصرف فيها : { عليها ملائكة } أي ~~يكون أمرها على سبيل الاستعلاء فلا تعصيهم شيئا لتأديب الله لها { غلاظ } ~~أي في الأبدان والقلوب فظاظة على أهلا لاستحقاقهم لذلك بعصيانهم الملك ~~الأعلى . | ولما كان الغلظ قد يكون مع الرخاوة قال : { شداد } أي في كل شيء ~~يحاولونه بالقول والفعل حتى روي أن الواحد منهم يلقي بالدفعة الواحدة في ~~النار من الكفار سبعين ألفا . | ولما كان المعنى أنهم يوقعون غلظتهم وشدتهم ~~بأهل المعاصي على مقادير استحاقهم . | يبن ذلك بما يخلع القلوب لكونه بأمر ~~الله تعالى فقال : { لا يعصون الله } أي الملك الاعلى في وقت من الأوقات { ~~ما أمرهم } أي أوقع الأمر لهم به في زمن ما . | ولما كان المطيع منا قد يخل ~~ببعض المأمور به في ذاته بنقص ركن أو شرط أو وقت لنسيان , أو نوم ونحوه أو ~~بترك مندوب ونحوه أو ما في معناه بوسوسة أو حديث نفس ونحوه يقصر عن إيقاعه ~~على أعلى الدرجات كما قال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه ابن ماجة عن عبد ~~الله بن عمرو رضي الله عنهما والطيالسي عن ثوبات رضي الله عنه : ( استقيموا ~~ولن تحصوا ) قال نافيا لذلك عنهم : { ويفعلون } أي مجددين مع كل أمر على ~~سبيل الاستمرار { ما يؤمرون * } أي ما يقع لهم الأمر به في أي وقت كان من ~~غير نقص ما , وبني الفعل لما لم يسم فاعله كناية عن سهولة انقايدهم وإشارة ~~إلى أن الذي أمرهم معلوم أنه الله سبحانه وتعالى . | PageV08P052 ولما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم أعظم من أريد بأمر الأمة بالتأدب معه فكان تعمد ~~الإخلال بالأدب معه كفرا , علم أن هذه النار لأولئك فعلم أن التقدير : ~~يقولون : { يا أيها الذين كفروا ms5447 } أي بالإخلال بالأدب في النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأداهم ذلك إلى الإخلال بالأدب مع الله وبالأدب مع سائر خلقه { ~~لا تعتذروا } أي تبالغوا في إظهار العذر وهو إيساع الحيلة في وجه يزيل ما ~~ظهر من التقصير { اليوم } فإنه يوم الجزاء لا يوم الاعتذار , وقد فات زمان ~~الاعتذار , وصار الأمر إلى ما صار , وإذا نهى عن المبالغة في الاعتذار لعدم ~~نفعها كان النهي عن مطلقه من باب الأولى , وهذا قطع لرجائهم وإيجاب لبساهم ~~ليعظم همهم وتنقطع قلوبهم لأن معناه أن الاعتذار لا ينفعكم وإن بالغتم فيه ~~, ولذلك اتسأنف قوله على سبيل الحصر : { إنما تجزون } أي في هذا اليوم { ما ~~كنتم } أي بما هو لكم كالجبلة والطبع { تعلمون * } أي على سبيل الإصرار ولا ~~بعد على الله في أن يصور لكل إنسان صورة عمله بحيث لا يشك أنها عمله , ثم ~~يجعل تلك الصورة عذابه الذي يج فيه من الألم ما علم سبحانه أنه بمقدار ~~استحقاقه . | < < # | التحريم : ( 8 - 9 ) يا أيها الذين . . . . . # > > ^ ( يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر ~~عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزى الله النبي ~~والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنآ أتمم لنا ~~نورنا واغفر لنآ إنك على كل شيء قدير * يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين ~~واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ) ^ } ) | ولما أفهم الأمر بالوقاية ~~والمدح للملائكة أن المأمورين بالوقاية مقصرون قال مرشدا إلى داوء التقصير ~~: { يا أيها الذين آمنوا } ناداهم بما هو أليق بهم من أداة البعد { توبوا } ~~أي ارجعوا رجوعا تاما { إلى الله } أي الملك الذي لا كفوء له . | ولما كان ~~كل فعول بمعنى فاعل يستوي فيه المذكر والمؤنث قال : { توبة نصوحا } أي ~~بالغة في كونها ناصحة عن الإسناد المجازي أي منصوحا فيها بالإخلاص في ~~الأزمان الثلاثة , الماضي بالندم , والحال بالإقلاع . | والمستقبل بالعزم ~~على عدم العود إلى الذنب , فلا يقع فيها رجوع كما لا يعود الحليب إلى الضرع ~~, فلا يؤذي أحد رسول الله صلى ms5448 الله عليه وسلم , فإن أذى رسوله من أذاه , ~~قال القرطبي : النصوح مجمعها أربعة أشياء : الاستغفار باللسان , والإقلاع ~~بالأبدان , وغضمار ترك العود بالجنان , ومهاجرة سيئ الإخوان , وقال رويم ~~الراعي : هي أن تكون لله وجها بلا قفا كما كانت له عند المعصية قفاء بلا ~~وجه . | PageV08P053 ولما أمر بالتوبة عللها بما يفيد الإطماع من الإقامة ~~بين الرجاء والخوف إعلاما بأن هذا المقام هو المنجي لأنه اعتقاد الكمال له ~~سبحانه وهو أن له أن يفعل ما يشاء في المطيع وغيره بقوله : { عسى ربكم } أي ~~افعلوا ذلك ليكون المحسن إليكم بهذا البيان جديرا أو حقيقا { أن يكفر } أي ~~يغطي تغطية عظيمة { عنكم } أي بالتوبة , وإذا كان التائب على خطر فما ظنك ~~بالمصر على ذنوبه { سيئاتكم } أي ما بدا منكم ما يسوءه . | ولما ذكر نفع ~~التوبة في دفع المضار , ذكر نفعها في جلب المسار فقال : { ويدخلكم } أي يوم ~~الفصل { جنات } أي بساتين كثيرة الأشجار تستر داخلها لأنها { تجري } . | ~~ولما كان ذلك الجري في بعض أرضها قال معبرا بأداة التبعيض : { من تحتها } ~~أي تحت غرقها وأشجارها { الأنهار } فهي لا تزال ريا . | ولما ذكر الغفران ~~والإكرام . | ذكر وقته فقال مبشرا لأهله معرضا لغيرهم مستحمدا لأهل وده ~~لكونه وفقهم ولم يخلذهم كأعدائه : { يوم لا يخزي الله } أي الملك الأعظم ~~الذي له الإحاطة بالكمال { النبي } أي الرجل الذي ينبئه الله بما يوجب له ~~الرفعة التامة من الإخبار التي هي في غاية العظمة { والذين } أي ولا يخزي ~~الذين { آمنوا معه } وهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم غن كان المراد المعية ~~في مطلق الزمان , وسابقوهم إن كان المراد بالوصف أو زمان مخصوص كبدر وبيعة ~~الرضوان لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدخل النار أحد بايع تحت ~~الشجرة ) كما رواه مسلم عن أم مبشر رضي الله عنها وأبو داود والترمذي عن ~~جابر رضي الله عنه : ( ولعل الله اطلع على أهل بدر فقال : ) اعملوا ما شئتم ~~فقد غفرت لكم ( وقال تعالى : < # > 77 ( { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك ms5449 أعظم درجة من ~~الذين أنفقوا } ) 77 < # > [ الحديد : 10 ] إلى قوله < # > 77 ( { وكلا وعد الله الحسنى } ) 77 < # > [ الحديد : 10 ] ونساءه رضي الله عنهن أحق بأن يكن أول راغب في الكون ~~معه في الإيمان ليبعدن عن النيران , وإذا استحضرت قصص الأنبياء من سورة هود ~~عليه الصلاة والسلام اتضح لك حسن هذا الوجه , ويجوز أن يكون ) الذين ( ~~مبتدأ خبره ) نورهم ( أو يكون الخبر ) معه ( إشارة إلى أن جميع الأنبيا ~~وصالحي أممهم من أمته وتحت لوائه , وذلك في غاية ما يكون من الشرف والرفعة ~~له صلى الله عليه وسلم والإيمان المقيد بمعيته , أي تأهله PageV08P054 ~~لمصاحبة إيمانه صلى الله عليه وسلم غير الإيمان المطلق , فلا مانع من أن ~~يدخل غيرهم من المؤمنين النار ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين فلا متمسك ~~للمعتزلة بها في أن مرتكب الكبائر مخلد في النار لأنه داخل النار فهو مخزي ~~, فهو غير موصوف بالإيمان لأن من اتصف بالإيمان لا يخزى بدليل هذه الآية , ~~قال أبو حيان : وفي الحديث : ) أنه صلى الله عليه وسلم تضرع في أمر أمته ~~فأوحى الله إليه : إن شئت جعلت حسابهم إليك , فقال : يا رب ! أنت أرحمن بهم ~~مني , فقال تعالى : إذا لا أخزيك فيهم ( ولما نفى عنهم الخزي , فسره بقوله ~~مقدما للنور لأن السياق لتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف ما مضى في ~~الحديد : { نورهم يسعى } أي سعيا مستمر التجدد , وعلى التفسير الآخرة تكون ~~هذه الجملة حالية , ويجوز أن تكون خبرا ل ) الذين ( إذا جعلناه مبتدأ { بين ~~أيديهم } وحذف الجار إشارة إلى أنه ملأ تلك الجهة { و } كذا { بأيمانهم } ~~وأما ما يلي شمائلهم فإنهم لا يلتفتون إليه لأنهم إما من السابقين وإما من ~~أهل اليمين , فهم يمشون فيما بين الجهتين ويؤتون صحائف أعمالهم منهما , ~~وأما أهل الشمال فيعطوها من وراء ظهورهم ومن شمائلهم وهم بما لهم من النر ~~إن قالوا سمع لهم وإن شفعوا شفعوا . | ولما كانت إدامة للملك هي أشرف صفات ~~العبد قال : { يقول } أي مجددين لذلك دائما لعلمهم أن الله تعالى له أن ~~يفعل ms5450 ما يشاء , لا حق لأحد عليه ولا سيما إذا رأوا انطفاء نور المنافقين , ~~قال سهل : لا يسقط الافتقار إلى الله تعالى عن المؤمنين في الدنيا ولا في ~~الآخرة بل هم في الآخرة أشد افتقارا إليه وإن كانوا في دار العز لشوقهم إلى ~~لقائه : { ربنا } أي أيها المتفضل علينا بهذا النور وبكل خير كنا أو نكون ~~فيه { أتمم } فأظهروا لأن المقام له . | ولما كان الإنسان ربما رزق شيئا ~~فانتفع به غيره دونه قالوا : { لنا نورنا } أي الذين مننت به علينا حتى ~~يكون في غاية التمام فتوصلنا به إلى المأمن في دار السلام , ولا تجعلنا ~~كالمنافقين الذين أطفأت أنوارهم فكانت عاقبتهم إلى الظلام . | ولما كان كل ~~من حسن أدبه لا بد أن يعتقد في نفسه النقص , قالوا على سبيل الذلة والمسكنة ~~والتواضع : { واغفر لنا } أي امح عنا كل نقص كان يميل بنا إلى أحوال ~~المنافقين عينه وأثره , وهذا النور هو صورة أعمالهم في الدنيا لأن الآخرة ~~تظهر فيها حقائق الأشياء وتتبع الصور معانيها , وهو شرع الله الذي شرعه وهو ~~الصراط الذي يضرب بين ظهراني جهنم لأن الفضائل في الدنيا متوسطة بين ~~الرذائل , فكل فضيلة PageV08P055 تكتنفها رذيلتان : إفراط وتفريط , ~~فالفضيلة هي الصراط المستقيم , والرذيلتان ما كان من جهنم عن يمينه وشماله ~~, فمن كان يمشي في الدنيا على ما أمر به سواء من غير إفراط ولا تفريط كان ~~نوره تاما , ومن أمالته الشهوات طفئ نوره - أعاذنا الله من ذلك ورزقنا حسن ~~الثبات , وكان ذلك الطفئ في بعض الأوقات واختطفته كلاليب هي صور الشهوات ~~فتميل به في النار بقدر ميله إليها , والمنافق يظهر له نور إقراره بكلمة ~~التوحيد , فإذا مشى طفئ لأن إقراره لا حقيقة له فنوره لا حقيقة له . | ولما ~~كان ما ذكر لا يقدر عليه إلا الله تعالى , علله بقوله مؤكدا لإنكار الكفار ~~البعث وما تفرع عنه : { إنك } أي وحدك { على كل شيء } أي يمكن دخول المشيئة ~~فيه { قدير * } أي بالغ القدرة . | ولما ذكر ما تقدم من لينه صلى الله عليه ~~وسلم لأضعف ms5451 الناس النساء وحسن أجبه وكريم عشرته لأنه مجبول على الشفقة على ~~عباد الله والرحمة لهم , وختم بما للمؤمنين من الشرف ولله من تمام القدرة , ~~أنتج ذلك القطع بإذلال أعدائهم وإخزائهم فقال مداريا لهم من خطر ذلك اليوم ~~بيد أنصح الخلق ليكون صلى الله عليه وسلم جامعا في طاعته سبحانه وتعالى بين ~~المتضادات من اللين والشدة والرضى والغضب والحلم والانتقام وغيرها , فيكون ~~ذلك أدل على التعبد لله بما أمر به سبحانه وتعالىوالتخلق بأوامره وكل ما ~~يرضيه : { يا أيها النبي } مناديا بأداة التوسط إسماعا للأمة الوسطى تنبيها ~~على أنهم المنادون في الحقيقة , ولأجل دلالتها على التوسط والله أعلم كان ~~لا يتعقبها إلا ما له شأن عظيم , معبرا بالوصف الدال على الرفعة بالإعلام ~~بالأخبار الإلهية المبني على الإحكام والعظمة المثممرة للغلبة , وأما وصف ~~الرسالة فيغلب فيه الرحمة فيكثر إقباله على اللين والمسايسة نظرا إلى وصف ~~الربوبية : { جاهد الكفار } أي المجاهرين بكل ما يجهدهم فيكفيهم من السيف ~~وما دونه ليعرف أن الأسود إنما اكتسبت من صولتك , فيعرف أن ذلك اللين لأهل ~~الله إنما هو من تمام عقلك وغزير علمك وفضلك , وكبير حلمك وخوفك من الله ~~ونبلك : { والمنافقين } أي المساترين بما يليق بهم من الحجة إن استمروا على ~~المساترة , والسيف إن احتيج إليه إن أبدوا نوع مظاهرة { وأغلظ } أي كن ~~غليظا بالفعل والقول بالتوبيخ والإبعاد والهجر { عليهم } فإن الغلظة عليهم ~~من اللين لله كما أن اللين لأهل الله من خشية الله , وقد أمره سبحانه ~~باللين لهم في أول الأمر لإزالة أعذارهم وبيان إصرارهم , فلما بلغ الرفق ~~أقصى مداه جازه إلى الغظة وتعداه , وقد بان بهذه الآية أن أفعل التفضيل في ~~قوله النسوة لعمر رضي الله عنه : ( أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على بابه ولا محذور . | PageV08P056 ولما كان انتقام الولي من ~~العدو إنما هو لله سبحانه وتعالى , لاحظ فيه , فكان موجبا لعدم اكتفاء الله ~~به في حق الولي , فكان التقدير : فإنهم ليس لهم عصمة ولا حرمة في الدنيا ~~ولا قوة وإن ms5452 لاح في أمرهم خلاف ذلك , عطف عليه قوله : { ومأواهم } أي في ~~الآخرة { جهنم } أي الدركة النارية التي تلقى داخلها بالعبوسة والكراهة . | ~~ولما كان التقدير : إليها مصيرهم لا محالة , عليه قوله : { وبئس المصير * } ~~أي هي , فذلك جزاء الله لهم عن الإساءة إلى أوليائه والانتقاص لأحبائه . | ~~< < # | التحريم : ( 10 ) ضرب الله مثلا . . . . . # > > ^ ( ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين ~~من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنينا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا ~~النار مع الداخلين ) ^ } ) | ولما كان أمر الاستئصال في الإنجاء والإهلاك ~~أشبه شيء بحال أهل الآخرة في الدينونة بالعدل والفضل , وكان المفتتح به ~~السورة عتاب النساء , ثم أتبع بالأمر بالتأديب لجميع الأمة إلى أن ختم ~~بهلاك المخالف في الدارين , وكان للكفار قرابات بالمسلمينت وكانوا يظنون ~~أنها ربما تنفعهم , وللمسلمين قرابات بالكفار وكانوا ربما توهموا أنها ~~تضرهم , قال مجيبا لما يتخيل من ذلك تأديبا لمن ينكر عليه صلى الله عليه ~~وسلم من النساء وغيرهن : { ضرب الله } أي الملك الذي أحاط بكل شيء قدرة ~~وعلما { مثلا } يعلم به من فيه قابلية العلم ويتعظ به من له أهلية الاتعاظ ~~{ للذين كفروا } أي غطوا الحق على أنفسهم وعلى غيرهم سواء كانوا مشاققين أو ~~منافقين في عدم انتفاعهم مع كفرهم بما بينهم وبين المؤمنين من الوصل ~~والعلائق فيغلظ عليهم في الدارين معاملة بما يستحقون من غير محاباة لأحد ~~وإن جل مقامه , وعلا منصبه ومرامه , لأن الكفر قاطع للعلائق بين الكافر ~~والمسلم : { امرأت نوح } الذي أهلك الله من كذبه بالغرق ونصره وآواه عليه ~~الصلاة والسلام وكان اسمها فيهما يقال واعلة { وامرأت لوط } الذي أهلك الله ~~أيضا من كذبه بالحصب والخسف والإغراق , واسمها فيما قيل واهلة , ودل على ~~وجه الشبه بقوله : { كانتا } أي مع كونهما كافرتين . | ولم يقل : تحتهما , ~~بل أظهر بالوصف العبودية المضافة إليه سبحانه وتعالى والوصف بالصلاح لأن ~~ذلك أفخم , فيكون أشد تأثيرا للمواعظ وأعظم , ودفعا لأن يتوهم أحد بشيء لا ~~يليق بمقامهما عليهما الصلاة والسلام فقال : { تحت عبدين } أي كل واحدة ~~منهما ms5453 تحت عبد , وعبر بذلك لأن أثر الناس عند الملك كما تقدم عبيده , ودل ~~على كثرة عبيده تنبيها على غناه بقوله : { من عبادنا } . | ولما كانت طبقات ~~القرب متفاوتة بحسب الصلاح قال : { صالحين } وهما نوح PageV08P057 ولوط ~~عليهما الصلاة والسلام { فخانتاهما } بعدم المتابعة في الدين نفاقا منهما ~~لا بالخيانة في الفرش , فقد صان الله جميع الأنبياء من ذلك فلم تقل واحدة ~~منهما لأجل كفرهما : رب اجعلن مع نبيك في الجنة , وآذن بعدم قبول الشفاعة ~~فيمن أساء إلى الحبيب وبعذابه حتما للتشفي بقوله : { فلم } أي فتسبب عن ذلك ~~أن العبدين الصالحين لم { يغنيا عنهما } أي المرأتين بحق الزواج { من الله ~~} أي من عذاب الملك الذي له الأمر كله فلا أمر لغيره { شيئا } أي من إغناء ~~لأجل خيانتهما بالمخالفة في الدين , ودل على كمال قدرته تعالى بالتعبير ~~بالمجهول فقال : { وقيل أي للمرأتين ممن أذن له في القول النافذ الذي لا ~~مرد له : { ادخلا النار } أي مقدماتها من الإصرار على الكفر ثم الإهلاك ~~بعذاب الانتقام في الدنيا وحقيقتها في الآخرة لأن الله أبغضهما لأنهما عدو ~~لأوليائه , وذلك كما قيل : عدو صديقي ليس لي بصديق . | ولما فعلتا فعل ~~الرجال في استقلالهما وعدم عدهما لأنفسهما تبعا , غلظ عذابهما بالكون مع ~~الرجال في عذابهم فقال دالا على نفوذ الحكم فيمن هو أقوى منهما بعد نفوذه ~~فيهما : { مع الداخلين * } أي الذين هم أعظم منهما ممن لهم وصلة بأهل الله ~~وممن لا وصلة لهم بهم , فليتأدب كل أحد مع النبي صلى الله عليه وسلم غاية ~~الأدب خوفا من مثل ذلك , وهذا خالع لقلوب من ابتدأ بتأديبهن - رضي الله ~~تعالى عنهن . | < < # | التحريم : ( 11 - 12 ) وضرب الله مثلا . . . . . # > > ^ ( وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك ~~بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين * ومريم ابنة ~~عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت ~~من القانتين ) ^ } ) | ولما أتم مثل النذارة بأن طاعة المطيع لا تنفع ~~العاصي وإن كان أقرب الناس ms5454 إلى المطيع إلا إن كان له أساس يصح البناء عليه ~~, ويجوز الاعتداد به والنظر إليه , أتبعه مثل البشارة بأن عصيان العاصي لا ~~يضر المطيع فقال : { وضر الله } أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال { ~~مثلا للذين آمنوا } ولو كان في أدنى درجات الإيمان مبينا لأن وصلة الكفار ~~إذا كانت على وجه الإكراه والإجبار لا تضر { امرأت فرعون } واسمها آسية بنت ~~مزاحم , آمنت وعملت صالحا فلم تضرها الوصلة بالكافر بالزوجية التي هي من ~~أعظم الوصل ولا نفعه إيمانها ^ ( { كل امرئ بما كسب رهين } ) ^ [ الطور : ~~21 ] وأثابها ربها سبحانه أن جعلها زوجة خير خلقه محمد صلى الله عليه وسلم ~~في دار كرامته بصبرها على عبادة PageV08P058 الله وهي في حبالة عدوه , ~~وأسقط وصفه بالعبودية دليلا على تحقيره وعدم رحمته لأنه أعدى أعدائه , ~~وأشار إلى وجه الشبه في المثل وهو التحيز إلى حزب الله بقدر الوسع فقال : { ~~إذ } أي مثلهم مثلها حين { قالت } تصديقا بالعبث منادية نداء الخواص بإسقاط ~~الأدة لأجل أنها مؤمنة وإن كانت تحت كافر بنا فلم تضر صحبته شيئا لأجل ~~إيمانها : { رب } أي أيها المحسن إلي بالهداية وأنا في حبالة هذا الكافر ~~الجبال ولم تغرني بعز الدنيا وسعتها { ابن لي } . | ولما كان الجار مطلوبا ~~- كما قالوا - قبل الدار , طلبت خير جار وقدمت الظرف اهتماما به لنصه على ~~المجاورة ولدلالته على الزلفى فقالت : { عندك بيتا } وعينت مرادها بالعندية ~~فقالت : { في الجنة } لأنها دار المقربين فظهر من أول كلامها وآخره أن ~~مطلوبها أخص داره , وقد أجابها سبحانه بأن جعلها زوجة لخاتم رسوله الذي هو ~~خير خلقه وأقربهم منه , فكانت معه في منزله الذي هو أعلى المنازل . | ولما ~~سألت ما حيزها إلى جناب الله سألت ما يباعدها في الدارين من أعدائه فقالت : ~~{ ونجني } أي تنجية عظيمة { من فرعون } أي فلا أكون عنده ولا تسلطه علي بما ~~يضرني عندك { وعمله } أي أن أعمل بشيء منه { ونجني } أعادت العامل تأكيدا { ~~من القوم الظالمين * } أي الناس الأقوياء العريقين في أن يضعوا أعمالهم في ~~غير مواضعها التي أمروا ms5455 بوضعها فيها فعل من يمشي في الظلام عامة , وهم ~~القبط , لا تخالطني بأحد منهم , فاستجاب الله تعالى دعاءها وأحسن إليها ~~لأجل محتبها للمحبوب وهو موسى عليه الصلاة والسلام كما يقال : صديق صديقي ~~داخل في صداقتي , وذلك أرها الله بيتها في الجنة ولم يضرها كونها تحت فرعون ~~شيئا لأنها كانت معذورة في ذلك , فالآية من الاحتباك : حذف أولا ( فلم ~~تسألا الجنة ) لدلالة ( رب ابن لي ) ثانيا عليه , وحذف ثانيا ( كانت تحت ~~كافر ) لدلالة الأول عليه . | ولما أتم المثل بمن أساءتا الأدب فلم تنفعهما ~~الوصلة بالأولياء بل زادتهما ضررا للإعراض عن الخير مع قربه وتيسره , وبمن ~~أحسنت الأجب فلم تضرها الوصلة بأعدى الأعداء بل زادتها خيرا لإحسانها مع ~~قيام المغتر بها عن الإحسان ضرب مثلا بقرينتها في PageV08P059 قوله صلى ~~الله عليه وسلم كما رواه الشيخان عن أبي موسى رضي الله عنه : ( كمل من ~~الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم , وفضل ~~عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام ) ومع مقارنتها لها في الكمال , ~~فبين حاليهما في الثيوبة والبكورة طباق , فلم يبتلها سبحانه بخلطة زوج جمعا ~~بين ما تقدم من صنفي الثيبات والأبكار اللاتي يعطيهما لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم فأحسنت الأدب في نفسها مع الله ومع سائر من لزمها الأدب معه من عباده ~~فأحسن إليها رعاية لها على ما وفقها إليه من الإحسان , وذلك رعاية لأسلافها ~~إذ كانوا من أعظم الأباب فقال : { ومريم } أي وضرب الله مثلا لأهل الانفراد ~~والعزلة من الذين آمنوا مريم { ابنة عمران } أي أحد الأحباب , وذكر وجه ~~الشبه فقال : { التي احصنت فرجها } أي عفت عن السوء وجميع مقدماته عفة كانت ~~كالحصن العظيم المانع من العدو فاستمرت على بكريتها إلى الممات فتزوجها في ~~الجنة جزاء لها بخير عبادنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء وإمام ~~المرسلين . | ولما اغتنت بأنسها بروح الله الذي بثه في قلبها من محبة الذكر ~~والعبادة عن الأنس بأرواح الناس , كان ذلك سببا لأن وهبها روحا منه جسده في ms5456 ~~أكمل الصور المقدرة في ذلك الحين فقال مخبرا عن ذلك : { فنفخنا } أي ~~بعظمتنا بواسطة ملكنا روح القدس . | ولما كانت هذه السورة لتشريف النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتكميل نسائه في الدنيا والآخرة , نص على المقصود بتذكير ~~الضمير ولم يؤنثه قطعا للسان من يقول تعنتا : إن المراد نفخ روحها في جسدها ~~: { فيه } أي فرجها الحقيقي وهو جيبها وكل جيب يسمى فرجا , ويدل على الأول ~~قراءة ( فيها ) شاذة { من روحنا } أي روح هو أهل لشرفه بما عظمنا من خلقه ~~ولطف تكوينه أن يضاف إلينا لكونه خارجا عن التسبيب المعتاد وهو جبريل عليه ~~الصلاة والسلام أو روح الحياة . | ولما كان التقدير : فكان ما أردنا , ~~فحملت من غير ذكر ولدت عيسى عليه الصلاة والسلام الذي كان من كلمتنا وهي ( ~~احملي ) ثم كلمتنا ( كن يا حمل من غير ذكر ) ثم كلمتنا ( لديه يا مريم من ~~غير مساعد ) ثم كلمتنا ( تكلم عيسى في المهد بالحكمة ) عطف عليه قوله : { ~~وصدقت } فاستحقت لذلك أن تسمى صديقة { بكلمات ربها } أي المحسن إليها بما ~~تقدم وغيره مما كان من كلام جبريل عليه الصلاة والسلام بسببه ومن عيسى عليه ~~الصلاة والسلام ومما تكلم به عن الله سبحانه وتعالى { وكتبه } أي وكتابه ~~PageV08P060 الضابط الجامع لكلامه أنزل على ولدها وغيره من كتب الله كما دل ~~على ذلك قراءة البصريين وحفص بالجمع . | ولما كان المصدق ربما كان تصديقه ~~في الظاهر أو مشوبا بشيء من الضمائر قال : { وكانت } أي جبلة وطبعا , ~~وشرفها بأن جعلها في رتبة الأكمل وهم الرجال فقال : { من القانتين * } أي ~~المخلصين الذي هم في غاية القوة والكمال لأنها كانت من بنات الأحباب ~~المصطفين على العالمين , فلم تكن عبادتها تقصر عن عبادة الأقوياء الكلمة , ~~وقد أتم سبحانه الأمثال في الآداب بالثيبات والأبكار والأخيار والأشرار , ~~فانعطف آخر السورة على أولها في المعاني بالآداب , وزاد ذلك حسنا كونها في ~~النساء وفي الذوات والأعيان بزواج النبي صلى الله عليه وسلم لآسية امرأة ~~فرعون ومريم ابنة عمران في الجنة دار القرار السالمة عن الأكدار الزواج ~~الأبدي فصار ms5457 أول السورة وآخرها في أزواجه صلى الله عليه وسلم وفي ختامها ~~السالمة عن الأكدار الزواج الأبدي فصار أول اسروة وآخرها في أزواجه صلى ~~الله عليه وسلم وفي ختامها بالقنوت الذي هو خلاصة الأوصاف الماضية في ~~البدال المذكورات أعظم مناسبة - والله الهادي . | . . . | PageV08P061 < # > سورة الملك < # > | وتسمى تبارك والمانعة والواقية والمنجية ، قال الولي الملوي : هذه ~~السورة كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها لكثرة علومها ، وقال : ' وددت ~~لو كانت في صدر كل مسلم ' . مقصودها الخضوع لله لاتصافه بكمال الملك الدال ~~عليه تمام القدرة الدال عليه قطعا أحكام المكونات الدال عليه تمام العلم ~~الدال عليه أحكام المصنوعات علم ما في الصدور لينتج ذلك العلم بتحتم البعث ~~لدينونة العباد على ما هم عليه من الصلاح والعناد كما هي عادة الملوك في ~~دينونة رعاياهم لتكمل الحكمة وتتم النعمة وتظهر سورة الملك ، واسمها الملك ~~واضح في ذلك لأن الملك محل الخضوع من كل من يرى الملك وكذا تبارك لأن من ~~كان كذلك كان له تمام الثبات والبقاء ، وكان له من كل شيء كمال الخضوع ~~ولالاتقاء ، وكذا اسمها المانعة والواقية والمنجية لأن الخضوع حامل على ~~لزوم طريق السعادة ، ومن لزمها نجا مما يخاف ومنع من كل هول ووقي كل مخلوق ~~، وترد السؤال عمن لازم عليها وهذا من أهم الأمور { بسم الله } الذي خضعت ~~لكمال عظمته الملوك { الرحمن } الذي عم بنعمة الإيجاد وتبيان محل السلوك { ~~الرحيم } الذي خص أولياءه الهعداية وزوال الشكوك . < < # | الملك : ( 1 - 3 ) تبارك الذي بيده . . . . . # > > ^ ( تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير * الذي خلق الموت ~~والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور * الذي خلق سبع سماوات ~~طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ) ^ } ) | ~~لما ختمت تلك بأن من أعرض عنه سبحانه أهلكته ولم يغن عنه أحد , ومن أقبل ~~PageV08P062 عليه رفعه واستخلصه ولم يضره أحد , وختم بأنه قوى مريم عليها ~~لاسلام حتى كانت في درجة الكملة ورزقها الرسوخ في الإخلاص , وكان مثل هذا ~~لا يقدر على فعله ms5458 إلا من لا كفوء له , وكان من لا كفوء له أهلا لأن يخلص له ~~الأعمال ولا يلتفت إلى سواه بحال , لأنه الملك الذي يملك الملك قال مثيرا ~~للهمم إلى الاستبصار المثير للإرادة إلى رياضة تثمر جميع أبوب السعادة : { ~~تبارك } أي تكبر وتقدس وتعالى وتاظم وثبت ثباتا لا مثل له مع اليمن ولابركة ~~وتواتر الإحسان والعلى . | ولما كان من له الملك قد لا يكون متمكنا من ~~إبقائه في يده أو إعطاء ما يريد منه لغيره ونزعه منه متى أراد قال : { الذي ~~بيده } أي بقدرته وتصرفه لا بقدرة غيره { الملك } أي أمر ظاهر العالم فإليه ~~كل تدبير فيه وبقدرته إظهار ما يريد , لا مانع له من شيء ولا كفوء له بوجه ~~, وهو كناية عن الإحاطة والقهر , وذكر اليد إنما هو تصوير للإحاطة ولتمام ~~القدرة لأنها محلها مع التنزه عن الجارحة وعن كل ما يفهم حاجة أو شبها ~~بالخلق . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ورود ما افتتحت به هذه السورة ~~من التنزيه وصفات التعالي إنما يكون عقيب تفصيل وإيراد عجائب من صنعه ~~سبحانه كورود قوله تعالى ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) عقيب تفصيل التقلب ~~الإنساني من لدن خلقه من سلالة من طين غلى إنشائه خلقا آخر وكذا كل ما ورد ~~من هذا ما لم يرد أثناء أي قد جردت للتنزيه والإعلام بصفات التعالي والجلال ~~. | ولما كان قد أوقع في آخر سورة التحريم ما فيه أعظم عبرة لمن تذكر , ~~وأعلى آية لمن استبصر , من ذكر امرأتين كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين ~~قد بعثهما الله تعالى رحمة لعباده واجتهدا في دعاء الخلق , فحرم الاستنارة ~~بنورهما والعياذ بهداهما من لم يكن أحد من جنسهما أقرب إليهما منه ولا أكثر ~~مشاهدة لما مدا به من اللآيات وعظيم المعجزات , ومع ذلك فلم يغنيا عنهما من ~~الله شيئا , ثم أعقبت هذه العظة بما جعل في طرف منها ونقيض من حالها , وهو ~~ذكر امرأة فرعون التي لم يغرها مرتكب صاحبها وعظيم جرأته مع شدة الوصلة ~~واستمرار الألفة لما سبق ms5459 لها في العلم القديم من السعادة وعظيم الرحمة ~~فقالت : < # > 77 ( { رب ابن لي عندك بيتا في الجنة } ) 77 < # > [ التحريم : 11 ] وحصل في هاتين القصتين تقديم سبب رحمة حرم التمسك به ~~أولى الناس في ظاهر الأمر وتقديم سبب امتحان عصم منه أقرب الناس إلى التورط ~~فيه , ثم أعقب ذلك بقصة عريت عن مثل هذين السببين وانفصلت في مقدماتها عن ~~تينك القصتين , وهو ذكر مريم ابنة عمران ليعلم العاقل حيث يضع الأسباب , ~~وأن القلوب بيد العزيز الوهاب , أعقب تعالى ذلك . | PageV08P063 بقوله الحق ~~{ تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير } [ الملك : 1 ] وإذا كان ~~الملك سبحانه وتعالى بيده الملك فهو الذي يؤتي الملك والفضل من يشاء وينزعه ~~ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء كما صرحت به الآية الأخرى في آل عمران ~~, فقد التضح اتصال سورة الملك بما قبلها ثم بنيت سورة الملك على التنبيه ~~والاعتبار ببسط الدلائل ونصب البراهين حسبما يبسطه التفسير - انتهى . | ~~ولما كان المتصرف في الملك قد لا يكون قدرته تامة ولا عامة قال تعالى : { ~~وهو } أي وحده له عظمتة تستولي على القلوب وسياسة تعم كل جلب نفع ودفع ضرر ~~لأنه { على كل شيء } أي يمكن يشاؤه من الملك وغيره من باطنه وهو الملكوت ~~وغيره مما وجد وما لم يوجد { قدير * } أي تام القدرة , ودل على ذلك بقوله : ~~{ الذي خلق } أي قدر وأوجد . | ولما كان الخوف نم إيقاع المؤلم ادعى إلى ~~الخضوع لأنه أدل على الملك مع أن الأصل في الأشياء العدم , قدم قوله : { ~~الموت } أي هذا الجنس وهو زوال الحياة عن الحي الذي هو في غاية الاقتدار ~~على التقلب بجعله جمادا كأن لم يكن به حركة أصلا . | أول ما يفعل في تلك ~~الدار بعد استقرار كل فريق في جاره وأن يعدم هذا الجنس فيذبح بعد أن يصور ~~في صورة كبش { والحياة } أي هذا الجنس وهو المعنى الذي يقدر الجماد به على ~~التقلب بنفسه وبالإرادة , وقال ابن عباس رضي الله عنهما : الموت خلقه الله ~~على صورة كبش ms5460 أملح لا يمر بشيء ولا يجد ريحه إلا مات , والحياة على صورة ~~فرس بلقاء وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها فلا يجد ريحها شيء إلا ~~حيي , وهي التي أخذ السامري قبضة من أثرها وألقاه على الحي الذي ألقاه بنو ~~إسرائيل ونوى أن يكون عجلا فصار عجلا . | ولما ذكر الدال على القدرة أتبعه ~~غايته , وهو الحكم الذي هو خاصة الملوك فقال تعالى : { ليبلوكم } أي ~~يعاملكم وهو أعلم بكم من أنفسكم معاملة المختبر لإظهار ما عندكم من العمل ~~بالاختيار { أيكم أحسن عملا } أي من جهة العمل أي عمله أحسن من عمل غيره , ~~وعبارة القرآن في إسناد الحسن إلى الإنسان تدل على أن من كان عمله أحسن كان ~~هو أحسن ولو أنه أبشع الناس منظرا , ومن كان عمله أسوأ كان بخلاف ذلك , ~~والحسن إنما يدرك بالشرع , فما حسنه الشرع فهو الحسن وما قبحه فهو القبيح , ~~وكان ذلك مفيدا للقيام بالطاعة لأن من تفكر في حاله علم أنه مباين لبقية ~~الحيوانات بعقلة وللنباتات بحياته , وللجمادات بنموه , وأن ذلك ليس له من ~~ذاته بدليل موته , فما كان له ذلك إلا بفاعل مختار , له الحياة من ذاته , ~~فيجتهد في رضاه باتباع رسله إن كان عاقلا , PageV08P064 فيشكره إذا أنعم , ~~ويصبر إن امتحن وانتقم , ويخدمه بما أمر وينزجر عما هنه زجره , فهذه الآية ~~مشتملة على وجود المقتضي للسعادة وانتفاء المانع منها ووجود المقتضي إعداد ~~وإرشاد , فالإعداد إعانته سبحانه للعبد بإعداده لقبول السعادة كالحداد يلين ~~الحديد بالنار ليقبل أن يكون سكينا , والإرشاد أخذه بالناصية إلى ما أعد له ~~كالضرب بالسكين وإصلاحها للقطع بها , وانتفاء المانع هو الموقف عن ذلك وهو ~~دفع المشوشات والمفسدات كتثلم السكين وهو يجري السبب وسبب السبب , وهو ما ~~اشتمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم ( اللهم أعني ولا تعن علي ) الحديث , ~~فذكره لتمام القدرة والعزة مع ذكر الأحسن دال على توفيقه بما ذكرن ومن تأمل ~~لآية عرف أنه ما خلق لا ليتميز جوهره من صدق غيره أو صدق غيره , وأن الدنيا ~~مزروعة , وأن الآخرة محصدة ms5461 , فيصير من نفسه على بصيرة , وثارت إرادته لما ~~خلق له تارة بالنظر إلى جمال ربه من حسن وإحسان , وأخرى إلى جلاله من قدرة ~~وإمكان , وتارة بالنظر لنفسه بالشفقة عليها من خزي الحرمان , فيجتهد في رضا ~~ربه وصلاح نفسه خوفا من عاقبة هذه البلوى . | ولما كان لا يغفل الابتلاء ~~منا إلا جاهل بالعواقب وعاجز عن رد المسيء عن إساءته وجعله محسنا من أول ~~نشأته , قال نافيا لذلك عن منيع جنابه بعد أن نفاه بلطيف تدبيره وعظيم أمره ~~في خلق الموت والحياة , ومزيلا بوصف العزة لما قد يقوله من يكون قوي الهمة ~~: أنا لا أحتاج إلى تعب كبير في الوصول إليه سبحانه بل أصل إليه أي وقت شئت ~~بأيسر سعي { العزيز } أي الذي يصعب الوصول إليه جدا , من العزاز وهو المكان ~~الوعر والذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء , فلو أراد جعل الكل محسنين , ولا ~~يكون كذلك إلا وهو تام القدرة فيلزم تمام العلم والوحدانية ووجوب الوجود ~~أزلا وأبدا . | ولما كان العزيز منا يهلك كل من خالفه غذا علم مخالفته , ~~قال مبينا إمهاله للعصاة مرغبا للمسيء في التوبة , بعد ترهيبه من الإصرار ~~على الحوبة , لأنه قد يكون مزدرئا لنفسه قائلا : إن مثلي لا يصلح للخدمة ~~لما لي من الذنوب القاطعة وأين التراب من رب الأرباب { الغفور * } أي أنه ~~مع ذلك يفعل في محو الذنوب عينا وأثرا فعل المبالغ في ذلك ويتلقى من أقبل ~~إليه أحسن تلق كما قال تعالى في الحديث القدسي ( ومن أتاني يمشي أتيته ~~هرولة ) PageV08P065 ولما أثبت له سبحانه صفتي العز والغفر على أبلغ ما ~~يكون , دل على ذلك بقوله دالا على كمال تفرده بعد آيات الأنفس بآيات الآفاق ~~إرشادا إلى معالي الأخلاق : { الذي خلق } أي أبدع على هذا التقدير من غير ~~مثال سبق { سبع سماوات } حال كونها يكون كل جزء منها مطابقا كل واحدة منها ~~كأنها لشدة مطابقتها للأأخرى طالبة مطابقتها بحيث يكون كل جزء منها مطابقا ~~لجزء من الأخرى , ولا يكون جزء منها خارجا عن ذلك وهي لا ms5462 تكرون كذلك إلا ~~بأن تكون الأرض كرة والسماء الدنيا محيطة بها إحاطة قشر البيضة بالبيضة من ~~جميع الجوانب والثانية محيطة بالدنيا وهكذا إلى أن يكون العرش محيطا بالكل ~~, والكرسي الذي هو أقربها إليه بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في فلاة , فما ظنك ~~بما تحته , وكل سماه في التي فوقها بهذه النسبة , وقد قرر أهل الهيئة أنها ~~كذلك , وليس في الشرع ما يخالفه بل ظواهره توافقه ولا سيما التشبيه بالحلقة ~~الملقاة في فلاة كما مضى بسط ذلك في ذلك سورة السجدة , وأحاط سبحانه بالأرض ~~منافعها من جميع الجوانب , وجعل المركز أن تكون رجلاه إلى الأرض ورأسه إلى ~~السماء لتكون السماء في رأيه دائما أعلى , والأرض أسفل في أي جانب كان هو ~~عليها , فسبحان اللطيف الخبير , ولا شك أن مت تفكر في هذه العظمة مع ما لطف ~~بنا فيما هيأه فيها لنا من المنافع , آثره سبحانه بالحب وأفرده عن كل ضد , ~~فانقطع باللجاء إليه ولم يعول إلا عليه في كل دفع ونفع , وسارع في مراضيه ~~ومحابه في كل خفض ورفع . | ولما كان ذلك في حد ذاته خارجا عن طوق المخلوق , ~~وكان سمك كل سماء مسيرة خمسمائة عام , ولما بين كل سماءين كذلك مع عدم ~~الفروج ولاعمد والأطناب , فكان ذلك النهاية في الخروج عن العادة في حد ذاته ~~ولأنه قيل : إن القبة إذا بنيت بلا فروج ولا شيء يدخل الهواء منه تفسد ~~وتسقط , دل على عزته بعظيم صنعه في ذلك بقوله واصفا لها : { ما ترى في } ~~وكان الأصل : خلقها , ولكنه دل على عزته وعموم عظمته بقوله : { خلق الرحمن ~~} أي لها ولغيرها ولولا رحمته وعموم عظمته التي اقتضت إكرامه لخلقه بعد ~~غفرانه لما لهم من النقائص ما أحسن إليهم بها في اتساعها وزينتها وما فيها ~~من المنافع , وأعرق في النفي بقوله : { من تفاوت } بين صغير ذلك الخلق ~~وكبيره بالنسبة إلى الخالق في إيجاده له على حد سواء , إنما قوله إذا أراد ~~شيئا أن يقول له كن فيكون , فلا فرق في ذلك بين الذرة مثلا والغرس ms5463 ولا ~~بالنسبة إلا الخالق من عجز صغيرهم وكبيرهم عن إيجاد شيء من العدم صغيرا كان ~~أو كبيرا جليلا كان أو حقيرا , ولا ترى تفاوتا في الخلق بأن يكون شيء منه ~~فائتا للآخر بالمخالفة والأضطراب والتناقض في الخلقة غير مناسب له بأن يكون ~~خارجا عنه أو منافرا له في مقتضى PageV08P066 الحكمة , وآثار الإحسان في ~~الصنعة , والنزول عن الإتقان والاتساق , والخروج عن الإحكام والاتفاق , ~~والدلالة للخالق على كمال القدرة وللمخلوق على الحدوث بنوع من ضعف البنية ~~بحيث يكون كل واحد كالطالب لأن يخالف الآخر , أو تعمد لأن يفوت الآخر ~~ويخالفه - على قراءة حذف الألف والتشديد بحيث يكون التفاضل في المزدوجات ~~وعدم المساواة مقصود بالذات وبالقصد الأول , بل لا توجد المخالفة إلا ناردا ~~بحيث يعلم أن المشاكلة هي المقصود بالذات وبالقصد الأول , فإذا وقع في شيء ~~منه مخالفة كان على وجه الندور ليعلم أنه ليس مقصودا بالذات , وإنما أريد ~~به الدلالة على الاختيار وأن الفاعل هو القادر المختار لا الطبيعة , قال ~~الرازي : كأن التفاوت الشيء المختلف لأعلى النظام , وقال البغوي : من ~~اعوجاج واختلاف وتناقض , وقال غيره : عدم التناسب كأن بعض الشيء يفوت بعضا ~~ولا يلائمه , وهو من الفوت وهو أن يفوت بعضها بعضا لقلة استوائها , وقال ~~أبو حيان : والتفاوت تجاوز الحد الذي يجب له زيادة أو نقصان - أنتهى . | ~~يظهر ذلك بأن أغلب الخلق أجوف , والأجوف يعمل مبسوطا ثم يضم ويوصل أحد ~~جانبيه بالآخر فيكون ثم نوع فطر يعرفه أهل الحذق وإن اجتهد صانعه في إخفائه ~~وغن كان فيه أشياء متقابلة كان يفها تفاوت ولو قل وإن اجتهد الصانع في ~~المساواة , وخلق الله لا تفاوت فيه بوجه , فالسماوات كرية ولا ترى في جانب ~~منها شقا ولا فطرا ظاهرا ولا خفيا , والحيوان أجوف ولا ترى في شيء من جسده ~~فصما يكون الضم والتجويف وقع به وكل من متقابليه مساو للأخر كالعينين ~~والأذنين والمنخرين والساقين ونحوها مما يقصد فيه التساوي لا تفاوت فيه ~~أصلا - إلى غير ذلك مما يطول شرحه , ولا يمكن ضبطه , فسبحانه من لا ms5464 تتناهى ~~قدرته فلا تتناهى مقدوراته , ولا تحصى بوجه معلوماته , وكل ذلك عليه هين , ~~والأمر في ذلك واضح بين , هذا مع الاتساع الذي لا يدرك مقداره بأكثر من أن ~~كل سماء بالنسبة إلى التي فوقها كحلقة ملقاة في فلاة غلى أن يوصل إلى ~~الكرسي ثم العرش العظيم , ومن سر كونها كذلك حصوله النفع بكل ما فيها من ~~كواكب مرطبة أو ميبسة أو منورة واتصالات ممطرة ومثبتة يجري كل ذلك منها على ~~ترتيب مطرد , ونظام غير منخرم مقدر جريه بالقسط مرتب على منافع الوجود ~~ومصالح الكائنات كلها مكفوفة على هواء لطيف بتدبير شريف : لا يتعدى شيء ~~منها طوره ولا يتخطى حده , ولا يرسب فيها تحته من الهواء فيهوي , ولا يرتفع ~~عن محله بمقدار ذرة فيطفو , قد أحاط بكلها الأمر , وضبطها صاغرة القهر . | ~~ولما كان العلم الناشىء عن الحسن أجل العلوم , دل على بديع ما ذكره بمشاهدة ~~الحسن له كذلك , فسبب عنه قوله منبها بالرجع الذي هو تكرير الرجوع على أن ~~كل أحد يشاهد ذلك كذلك من حين يعقل إلى أن يبلغ حد التكليف المقتضي ~~للمخاطبة بهذا PageV08P067 الكلام : { فارجع البصر } أي بعد ترديدك له قبل ~~ذلك , ودل بتوجيه الخطاب نحو أكمل الخلق صلى الله عليه وسلم في السمع ~~والبصر والبصيره وكل معنى إلى أن ذلك لا شبهة فيه . | ولما كان السؤال عن ~~الشيء يدل على شدة الاهتمام بالبحث عنه , نبه على أن هذا مما اشتدت عناية ~~الأولين به فقال : { هل ترى } أي في شيء منها . | ولما كان هذا الاستفهام ~~مفيدا للنفي , أعرق في النفي بقوله : { كم فطور * } أي خلل بشقوق وصدوع أو ~~غيرها لتغاير ما هي عليه لتغاير ما هي عليه وأخبرت به من تناسبها ~~واستجماعها واستقامتها ما يحق لها مما يدل على عزة ما فيها وبليغ غفرانه , ~~وهذا أيضا يدل على إحاطة كل منها بما دونه فإنه لو كان لها فروج لفاتت ~~المنافع التي رتبت لها النجوم المفرقة في طبقاتها أو بعضها أو كمالها , ~~فالهواء وجميع المنافع منحبسة فيها محوطة بها مضطربة ms5465 متصرفة فيها على حسب ~~التدبير والحيوان في الهواء كالسمك في الماء , أو انحبس الهواء عنه لمات ~~كما أنه لو انكشف الماء عن السمك لمات . | < < # | الملك : ( 4 - 7 ) ثم ارجع البصر . . . . . # > > ^ ( ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير * ولقد ~~زينا السمآء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب ~~السعير * وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير * إذآ ألقوا فيها سمعوا ~~لها شهيقا وهي تفور ) ^ } ) | ولما كان في سياق المجازاة بالأعمال الصالحة ~~والطالحة التي دل عدم الانتصاف من الظالمين في هذه الدار على أنها تكون بعد ~~البعث وكانت العزة مقتضية لذلك , وكان خلقه سبحانه وتعالى هذا الوجود على ~~هذا النظام مثبتا لها , واكنت أعمالهم أعمال المنكر لها , ولا سيما تصريحهم ~~بأنه لا بعث , دل على عظمة عزته بما أبدعه من هذا السقف الرفيه البديع , ثم ~~بجعله محفوظا هذا الحفظ المنيع , على تعاقب الأحقاب وتكرر السنين , فقال ~~معبرا بأداة التراخي دالا على جلاله بإدامة التكرير طول الزمان : { ثم ارجع ~~البصر } وأكد ماأفهمته الآية من طلب التكرير بقوله تعالى : { كرتين } أي ~~مرتين أخريين - هذا مدلولها لغة , وبالنظر إلى السياق علم أن المرد مرة بعد ~~مرة لا تزال تكرر ذلك لارتياد الخلل لا إلى نهاية , كما أن ( لبيك ) مراد ~~به به إجابة إلى غير غاية , وعلى ذلك دل قوله سبحانه وتعالى : { ينقلب إليك ~~} أي من غير اختيار بل غلبة وإعياء وانكسار { البصر خاسئا } أي صاغرا ~~مطرودا ذليلا بعيدا عن إصابة المطلوب { وهو } أي والحال أنه { حسير * } أي ~~كليل تعب معيى من طول المعاود وتدقيق النظر وبعد المسرح , وإذ كان هذا ~~الحال في بعض المصنوع فكيف يطلب العلم بالصانع في كماله من جلاله وجماله , ~~فكيف بمن يتفوه بالحلول أو الاتحاد حسبه جهنم وبئس المهاد . | PageV08P068 ~~ولما أخبر سبحانه وتعالى عن بديع هذا الخلق , ونبه على بعض دقائقه وأمر ~~بالإبصار وتكريره , وكان السامع أول ما يصوب نظره إلى السماء لشرفها وغريب ~~صنعها وبديع وضعها ومنيع رفعها , فكان بحيث يتوقع الإخبار عن هذه الزينة ~~التي ms5466 رصعت بها , قال في جواب من توقعه مؤكدا بالقسم إعلاما بأنه ينبغي أن ~~يبعد العاقل عن إنكار شيء مما ينسب غلى صاحب هذا الخلق من الكمال , عاطفا ~~على ما تقديره : لقد كفى هذا القدر في الدلالة على عظمة مبدع هذا الصنع ~~وتمام قدرته : { ولقد } واستجلب الشكر بجلب المسار فقال ناظرا إلى مقام ~~العظمة صرفا للعقول عما اقتضاه ( الرحمن ) من عموم الرحمة تذكيرا بما في ~~الآية الماضية , وتنبيهاص على ما في الزينة بالنجوم من مزجها بالرجوم الذي ~~هو عذاب ( الجن المتمردين الطاغين ) : { زينا } دلالة أخرى تدل على العظمة ~~بعد تلك الدلالة الأولى { السماء الدنيا } أي أدنى السماوات إلى الأرض وهي ~~التي تشهد وأنتم دائما تشاهدونها وهي سقف الدار التي اجتمعتم فيها في هذه ~~الحياة الدنيا { بمصابيح } أي نجوم متقدة عظيمة جدا , كثرتها تفوت الحصر , ~~ظاهرة سائرة مضيئة زاهرة . | وهي الكواكب التي تنور الأرض بالليل إنارة ~~السرج التي تزينون بها سقوف دوركم , فتفيد شعبة من ضوء الصباح , والتزيين ~~بها لا يمنع أن تكون مركوزة فيها فوقها من السماوات وهي تتراءى لنا بحسب ~~الشفوف بما للاجرام السماوية من الصفاء , ولتلك المصابيح من شدة الإضاءة . ~~| ولما أخبر - جلت قدرته - بعظيم قدرته فيها منبها على ما فيها من جلب ~~المسار بتلك الأنوار والهداية في الدين والدنيا التي لولا هي لما انتفع أحد ~~في ليل انتفاعا تاما , أخبر بما فيها مع الزينة من دفع المضار بعبارة عامة ~~وإن كان المراد بالعض الأغلب فإن ما للرجوم منها غير ما للاهتداء والرسوم ~~فقال : { وجعلناها } أي النجوم من حيث هي بعظمتنا مع كونها زينة وأعلاما ~~للهداية { رجوما } جمع رجم وهو مصدر واسم لما يرجم به { للشياطين } الذين ~~يستحقون الطرد والبعد والحرق من الجن لما لهم من الاحتراق , وذلك بيانا ~~لعظمتنا وحراسة للسماء الدنيا التي هي محل تنزل أمرنا بالقضاء والقدر , ~~وإنزال هذا الذكر الحكيم لئلا يفسدوا باستراق السمع منها على الناس دينهم ~~الحق , ويلبسوا عليهم أمرهم بخلط الحق الذي ختمنا به الأديان بالباطل , ~~فيخرجوهم - لأنهم أعداؤهم - من النور إلى ms5467 الظلمات كما كانوا في الجاهلية مع ~~ما فيها بما خلق سبحانه في أمزجتها من ترطيب وتجفيف وحر وبرد واعتدال ينشأ ~~عنه الفصول الأربعة وقهرها به من شروق وغروب وحركة وسكون يعرف بها ما إليه ~~المآل , مما أخبرت به الرسل من الزوال , مع ما يدل من الليل والنهار والعشي ~~والإبكار وأشياء يكل عنها الصوف في ذواتها وعن إحصاء منافعها حتى لو عدم ~~شيء مما في السماوات مما دبره الحكيم PageV08P069 لصلاح هذا العالم يهلك كل ~~حيوان ونبات على وجه الأرض , والشهاب المرجوم به منفصل من نار الكواكب وهو ~~قار في فلكه على حالة كقبس النار يؤخذ منها وهي باقية على حالها لا نقص , ~~وذلك مسوغ لتسميتها بالرجوم , فمن لحقه الشهاب منهم قتله أو ضعضع أمره ~~وخبله , ويحتمل مع ذلك أن يكون المراد : ظنونا لشياطين الإنس وهم المنجمون ~~يتكلمون بها رجما بالغيب في أشياء هي من عظيم الابتلاء ليتبين الموقن من ~~المزلزل والعالم من الجاهل ؛ وفي البخاري : قال قتادة : ( خلقت النجوم ~~لثلاث : زينة للسماء , ورجوما للشياطين , وعلامات يهتدى بها , فمن تأول ~~فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف بما لا علم له به ) ولما كان التقدير ~~: ورجمناهم بها بالفعل عند استراقهم للسمع إبعادا لهم عن مسكن المكرمين ~~ومحل النزاهة والأنس ومهبط القضاء والتقدير , ونكالا لغيرهم من أمثالهم ~~عذابا لهم في الدنيا , عطف عليه قوله ترهيبا من جلاله بعد ما رغب في عظيم ~~جماله : { وأعتدنا } أي هيأنا في الآخرة مع هذا الذي في الدنيا بما لنا من ~~العظمة { لهم } أي الشياطين الذين يسترقون السمع { عذاب السعير - } أي ~~النار التي هي في غاية الاتقاد , ففي الآية بشارة أهل السمع والبصرو العقل ~~وفيها من التنبيه ما لا يخفى . | ولما أخبر سبحانه عن تهيئته العذاب لهم ~~بالخصوص , أخبر أيضا عن تهيئته لكل عامل بأعمالهم على وجه اندرجوا هم فيه ~~فقال حاثا على التكفر في عظيم انتقامه الخارج عن العادة في عدم الانطفاء , ~~ولا للمعذب من الخلاص منها مسلك ولا رجاء بل كلما طال الزمان تلقته بالشدة ~~والامتداد ms5468 , بئس الجامعة للمذام في كل انتقام مع الإهانة والاحتقار { ~~وللذين كفروا } أي أوقعوا التغطية لما من حقه أن يظهر ويشهر من الإذعان ~~للإله , فقال صارفا القول عن مقام العظمة إلى صفة الإحسان الخاصة بالتربية ~~تنبيها على ما في إنكاره من عظيم الكفران : { بربهم } أي الذي تفرد ~~بإيجادهم والإحسان إليهم فأنكروا إيجاده لهم بعد الموت وذلك كفرا منهم بما ~~شاهدوا من اختراعه لهم من العدم { عذاب جهنم } أي الدركة النارية التي ~~تلقاهم بالتجهم والعبوسة والغضب . | ولما كان التقدير : هي مصيرهم , قال ~~دالا على عدم خلاصهم منها أصلا أزلا وأبدا : { وبئس المصير * } أي هي . | ~~ولما عبر عن ذمها بمجمع المذام , أتبعه الوصف لبعض تجهمها على وجه التعليل ~~, فقال دالا بالإلقاء على خساستهم وحقارتهم معبرا بأداة التحقيق دالالة على ~~أنه PageV08P070 أمر لا بد منه , وبالبناء للمفعول على أن إلقاءهم في غاية ~~السهورة على كل من يؤمر به : { إذا ألقوا } أي طرح الذين كفروا والأخساء من ~~أي طارح أمرناه بطرحهم { فيها } حين تعتلهم الملائكة فتطرحهم كما تطرح ~~الحطب في النار { سمعوا لها } أي جهنم نفسها { شهيقا } أي صوتا هائلا أشد ~~نكارة من أول صوت الحمال لشدة توقدها وغليانها , أو لأهلها - على حذف مضاف ~~{ وهي تفور * } أي تغلي بهم كغلي المرجل بما فيه من شدة التلهب والتسعر , ~~فهم لا يزالون فيها صاعدين هابطين كالحب إذا كان الماء - يغلي به , لا قرار ~~لهم أصلا . | < < # | الملك : ( 8 - 11 ) تكاد تميز من . . . . . # > > ^ ( تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم يأتكم ~~نذير * قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم ~~إلا في ضلال كبير * وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير * ~~فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير ) ^ } ) | ولما وصفها بالفوران , بين ~~سببه تمثيلا لشدة اشتعالها عليهم فقال : { تكاد تميز } أي تقرب من أن ينفصل ~~بعضها من بعض كما يقال : يكاد فلان ينشق من غيظه وفلان غضب فطارت شقة منه ~~في الأرض وشقة في السماء - كناية عن ms5469 شدة الغضب { من الغيظ } أي عليهم , ~~كأنه حذف إحدى التائين إشارة إلى أنه يحصل منها افتراق واتصال على وجه من ~~السرعة لا يكاد يدرك حق الإدراك , وذلك كله لغضب سيدها , وتأتي يوم القيامة ~~تقاد إلى المحشر بألف زمان لكل زمام سبعون ألف ملك يقودونها به , وهي شدة ~~الغيظ تقوى على الملائكة وتحمل على الناس فتقطع الأزمة جميعا وتحطم أهل ~~المحشر فلا يردها عنهم إلا النبي صلى الله عليه وسلم يقابلها بنوره فترجع ~~مع أن لكل ملك من القوة ما لو أمر به أن يقتلع الأرض وما عليها من الجبال ~~ويصعد بها في الجو فعل من غير كلفة , وهذا كما أطفأها في الدنيا بنفخة كما ~~رواه الجماعة إلا الترميذ وهذا لفظ أبي داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله ~~عنهما قال : ( انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - فذكر ~~صلاته إلى أن قال : ثم نفخ في آخر سجوده . | فقال : أف أف ألم تعدني أن لا ~~تعذبهم وأنا فيهم وهم يستغفرون ) وفي رواية النسائي أنه قال : قال صلى الله ~~عليه وسلم : ( لقد أدنيت مني النار حتى جعلت ألفتها خشية أن تغشاكم ) ~~PageV08P071 ولما ذكر سبحانه حالها , أتبعه حالهم في تعذيب القلب باعتقادهم ~~أنهم ظلمة على وجه , بين السبب في عذابهم زجرا عنه فقال : { كلما } ولما ~~كان المنكىئ مجرد الإلقاء بني للمفعول دلالة على ذلك وعلى حقارتهم بسهولة ~~إلقائهم قوله : { إلقي فيها } أي جهنم بدفع الزبانية بهم الذين هم أغيظ ~~عليهم من النار { فوج } أي جماعة هم في غاية الإسراع موجفين مضطربي الأجواف ~~من شدة السوق { سألهم } أي ذلك الفوج { خزنتها } أي النار سؤال توبيخ ~~وتقريع وإرجاف . | ولما كان كأنه قيل : ما كان سؤالهم ؟ قال : قالوا موبخين ~~لهم مبكتين محتجين عليهم في استحقاقهم العذاب زيادة في عذابهم بتعذيب ~~أرواحهم بعد تعذيب أشاحهم : { ألم يأتكم } أي في الدنيا { نذير * } أي ~~يخوفكم هذا العقار ويذكركم بما حل بكم وبما حل ممن قبلكم من المثلاث , ~~لتكذيبهم بالآيات , ويقرأ عليكم الكتب المنزلات { قالوا بلى ms5470 } ولما طابق ~~هذا الجواب فتوقع السامع إيضاحه . | افصحوا بما أفهمه وشرحوه تأسفا على ~~أنفسهم مما حل بهم وتحسرا فقالوا : { قد جاءنا } وأظهروا موضع الإضمار ~~تأكيدا وتنصيصا فقالوا : { نذير * } أي مخوف بليغ التحذير { فكذبنا } أي ~~فتسبب عن مجيئه أننا أوقعنا التكذيب بكل ما قاله النذير { وقلنا } أي زيادة ~~في التكذيب والنكاية له والعناد الذي حل شؤمه بنا : { ما نزل الله } أي ~~الذي له الكمال كله عليكم ولا على غيركم , ولعل التعبير بالتفعيل إشارة إلى ~~إنكارهم الفعل بالاختيار الملازم للتدريج - تعالى الله عن ذلك علوا كبيار , ~~وأرقنا في النفي فقلنا : { من شيء } لا وحيا ولا غيره , وما كفانا هذا ~~الفجور حتى قلنا مؤكدين : { إن } أي ما . | ولما كان تكذيبهم برسول واحد ~~تكذيبا لجميع الرسل قالوا عنادا : { أنتم } أي أيها النذر المذكورون في ( ~~نذير ) المراد به الجنس , وفي خطاب الجمع إشارة إيضا إلى أن جواب الكل للكل ~~كان متحدا مع افتراقهم في الزمان حتى كأنهم كانوا على ميعاد { إلا في ضلال ~~} أي بعد عن الطريق وخطأ وعمى محيط بكم { كبير * } فبالغنا في التكذيب ~~والسفه بالاستجهال والاستخفاف . | ولما حكى سبحانه ما قالوه للخزنة تحسرا ~~على أنفسهم حكى ما قالوه بعد ذلك فيما بينهم زيادة في التحزن ومقتا لأنفسهم ~~بأنفسهم فقال تعالى : { وقالوا } أي الكفرة في توبيخ أنفسهم : { لو كنا } ~~أي بما هو لنا كالغريزة . | ولما كان السمع أعظم مدارك العقل الذي هو مدار ~~التكليف قالوا : { نسمع } أي سماعا ينفع بالقبول للحق والرد للباطل { أو ~~نعقل } أي بما أدته إلينا حاسة السمع وغيرها عقلا ينجي وإن لم يكن سمع , ~~وإنما قصروا الفعلين إشارة إلى أن ما كان لهم PageV08P072 من السمع والعقل ~~عدم لكونه لميدفع عنهم هذا البلاء بالقبول من الرسل لما ذكروهم به من نصائح ~~ربهم وشهادة الشواهد من الآيات البينات { ما كنا } أي كونا دائما { في ~~أصحاب السعير * } أي في عداد من أعدت له النار التي هي في غاية الاتقاد ~~والحر والتلهب والتوقد حتى كأن بها جنونا , وحكم بخلودهم في صحبتها , وأعظم ~~ما في ms5471 هذا من العذاب بكونهم ألجئوا إلى أن يباشروا توبيخ أنفسهم ومقتها ~~بأنفسهم أنه لا يقبل منها خروجا عن العادة في الدنيا من أن الإنسان إذا ~~أظهر الخضوع باعترافه ولومه نفسه وإنصافهرحم وقبل , وفي الآية أعظم فضيلة ~~للعقل , روى ابن المحبر في كتاب العقل والحارث عن أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لكل شيء دعامة ودعامه المؤمن عقله ~~فبقدر عقله تكون عبادته , أما مسعتم قول الفجار لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا ~~في أصحاب السعير ) ولما كان هذا الإقرار زائدا في ضررهم , وإنما كان يكون ~~نافعا لهم لو قالوه في دار العمل وندموا عليه وأقلعوا عنه , سبب عنه قوله ~~ضاما - إلى ما تقدم من تعذيب أرواحهم بمقت الملائكة عليه وأقلعوا عنه , سبب ~~عنه قوله ضاما - إلى ما تقدم من تعذيب أرواحهم بمقت الملائكة لهم ثم مقتهم ~~لأنفسهم - مقت الله لهم : { فاعترفوا } أي بالغوا جامعين إلى مقت الله ~~وملائكته لهم مقتهم لأنفسهم في الاعتراف وهو الإقرار عن معرفة . | ولما كان ~~الذي أوردهم المهالك هو الكفر الذي تفرعت عنه جميع المعاصي , أفرد فقال : { ~~بذنبهم } أي في دار الجزاء كما كانوا يبالغون في التكذيب في دار العمل فلم ~~يكن ينفعهم لفوات محله , أو أنه لم يجمع الذنب إشارة إلى أنهم كانوا كلهم ~~في المبالغة في التكذيب على حد واحد , كما قال تعالى < # > 77 ( { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون ~~أتواصوا به بل هم قوم طاغون } ) 77 < # > [ الذاريات : 53 ] أو أن الإفراد أشد في التحذير من كثر الذنوب وقليلها ~~حقيرها وجليلها . | ولما كانوا قد أبلغوا في كلتي الدارين في إبعاد أنفسهم ~~عن مواطن الرحمة وتسفيلها إلى حال النقمة أنتج ذلك وسبب قوله : { فسحقا } ~~أي بعدا في جهة السفل وهو دعاء عليهم مستجاب { لاصحاب } وأظهر تنبيها على ~~عظيم توقدها وتغيظها وتهددها فقال : { السعير * } أي الذي قضت عليهم ~~أعمالهم بملازمتها . | PageV08P073 < < # | الملك : ( 12 - 15 ) إن الذين يخشون . . . . . # > > ^ ( إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم ms5472 مغفرة وأجر كبير * وأسروا قولكم ~~أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور * ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير * ~~هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور ~~) ^ } ) | ولما ذكر سبحانه أهل المعاملة بصفة العزة لما حصل لهم من العزة , ~~أتبعهم أضدادهم المطوعين أنفسهم لإشارة العقل المتأهلين لنعت المعرفة , ~~فقال مؤكدا لما للأضداد من التكذيب : { إن الذين يخشون } أي يخافون خوفا ~~أرق قلوبهم وأرق قلوبهم وأرق غيرهم بحيث كانوا كالحب على المقلي لا يقر لهم ~~قرار من توقعهم العقوبة , كلما ازدادوا طاعة ازدادوا خشية , يؤتون ما آتوا ~~وقلوبهم وجلة فوقوا أنفسهم فوران النار بهم , وعدل عن سياق الجلالة الجامع ~~إلى صفة الإحسان تنبيها على أنهم غلب عليهم النظر إلى الإحسان فقادهم إلى ~~الشكر مع ما نبهت عليه الخشية من اتصافهم بالفرق الذي أداهم إلى الذعر فقال ~~: { ربهم } الذي أحسن إليهم بتطويرهم بما جعل لهم من الأسباب في أطوار ~~الخير وإذا كانوا يخشونه مع نظرهم إلى صفة إحسانه فما ظنك بهم عند النظر ~~إلى صفات انتقامه { بالغيب } أي حال كونهم غائبين عنه سبحانه ووعيده غائبا ~~عنهم وهو غائبون عن أعين الناس وقد ملأ الخوف وتكلم بسيوف الهيبة , فيتركون ~~المعصية حيث لا يتكلمون وقلوبهم تتلظى بنيران الخوف وتكلم بسيوف الهيبة , ~~فيتركون المعصية حيث لا يراهم أحد من الناس ! ولا يكون لهم هذا إلا برياضة ~~عظيمة لما عند الناس من القوى الموجبة للطغيان , قال بعض العارفين : في ~~الإنسان خواص تستدعي العلم بما يشوبها من الحظوظ فتنشأ منها - المنازعة في ~~الكبرياء والعظمة والجلال والجمال , فالقلب يستدعي التفرد بالوجود والأمر ~~والنهي , فما من أحد إلا وهو مستطبن ما قال فرعون , ولكن لا يجد له مجالا ~~كما وجد فرعون , والعقل يستدعي في تدبيره وتأثيره اعتقاد أنه لو مكن من ~~الوجود لدبره , ويرى أن تدبيره هو التدبير وإن كان أفسد الفاسد , وكذلك لا ~~يزال يقول : لو كان كذا لكان كذا , والنفس لا تتخيل أنها من القوة ~~والاقتدار بحيث لو أرادت أن تخرب ms5473 مدنا وتبنيها فعلت , فليحذر الإنسان فإن ~~أعدى عدوه نفسه التي هي بين جنبيه , فمهما تركها انتشرت , قال تعالى ^ ( { ~~كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } ) ^ [ العلق : 6 و 7 ] وينسى ما ~~بعدها ^ ( { إن إلى ربك الرجعى } ) ^ [ العلق : 8 ] ولهذا كان بعض الأكاسرة ~~- وكانوا أعقل الملوك - يرتب واحدا يكون وراءه بالقرب منه يقول له إذا ~~اجتمعت جنوده بعد كل قليل : أنت عبد , لا يزال يكرر ذلك , والملك يقول له ~~كلما قاله : نعم : فعلى العاقل أن يطوع نفسه لأن ترجع مطمئنة بأن يرضى ~~بالله ربا ليدخل في رق العبودية , وبالإسلام دينا ليصير عريقا فيها , فلا ~~ينازع الملك في ردائه PageV08P074 الكبرياء وإزاره العظمة وتاجه الجلال ~~وحلته الجمال , ولا ينازعه فيما يدبره من الشرائع , ويظهره من المعارف , ~~ويحكم به على عبيده من قضائه وقدره . | ولما كانت الخشية مشيرة إلى الذنوب ~~, فكان أهم ما إليهم الإراحة منها قال تعالى : { لهم مغفرة } أي سترة عظيمة ~~تأتي على جميع ذنوبهم . | ولما كان السرور إنما يتم بالإعطاء قال : { وأجر ~~} أي من فضل الله { كبير * } يكون لهم به من الإكرام ما ينسيهم ما قاسوه في ~~الدنيا من شدائد الآلام , وتصغر في جنبه لذائذ الدنيا العظام . | ولما كانت ~~الخشية من الأفعال الباطنة , وكان كل أحد يدعي أنه يخشى الله , قال مخوفا ~~لهم بعلمه نادبا إلى مراقبته لئلا يغتروا بحمله , عاطفا على ما تقديره ~~لإيجاب المراقبة : فأبطنوا أفعالهم وأظهروها : { وأسروا } أي أيها الخلائق ~~. | ولما كان إفراد الجنس دالا على قليله وكثيره قال : { قولكم } أي خيرا ~~كان أو شرا { أو اجهروا به } فإنه يعلمه ويجازيكم به لأن علمه لا يحتاج إلى ~~سبب , وذلك أن المشركين كانوا يقولون : أسروا وإلا يسمع إله محمد : ثم علل ~~ذلك مؤكدا لأجل ما للناس من استبعاد ذلك بقوله : { إنه } أي ربكم { عليم } ~~أي بالغ العلم { بذات الصدور * } أي بحقيقتها وكنهها وحالها وجبلتها وما ~~يحدث عنها سواء كانت قد تخيلته ولم تعبر عنه , أو كان مما لم تتخيله بعد ~~بدليل ما يخبر به سبحانه وتعالى عنهم مما وقع ms5474 وهم يخفونه , أو لم يقع بعد ~~ثم يقع كما أخبر به سبحانه ؛ ثم دل على ذلك بقوله معجبا ممن يتوقف فيه أدنى ~~توقف ومنكرا عليهم بإثبات العلم ونفى ضده على أبلغ وجه : { ألا يعلم } أي ~~وكل ما يمكن أن يعلم , وحذف المفعول للتعميم , ثم ذكر الفاعل واصفا له بما ~~يقرب المخبر به للإفهام فقال : { من خلق } أي الذي أوجد الخلق من القلوب ~~الحاوية للأسرار والأبدان وغير ذلك , وطبع في كل شيء من ذلك ما طبع مما ~~قدره بعلمه وأتقنه بحمته , فإن كل صانع أدرى بما صنعه , ويجوز - وهو أحسن - ~~أن يكون ( من ) مفعولا والفاعل مستترا , أي ألا يعلم الله مخلوقه على ~~الإطلاق وله صفتا اللطف والخبر اللتان شأنهما إدراك البواطن إدراكا لا يكون ~~مثله لأن الغرض إثبات العلم لما أخفوه لظنهم أنهم إذا أسروا يخفى , لا ~~إثبات مطلق العلم فإنهم لم ينكروه { وهو } أي والحال أنه هو { اللطيف } أي ~~الذي يعلم ما بثه في القلوب لأنه يصل إلى الأشياء بأضدادها فكيف بغير ذلك { ~~الخبير * } أي بالغ العلم بالظواهر والبواطن فكيف يخفى عليه شيء من الأشياء ~~, وهو أعظم تهديد يكون ؛ فإن من علم أن من يعصيه عالما به وهو قادر عليه لا ~~يعصيه أبدا . | PageV08P075 ولما كان ذلك أمرا غامضا , دل عليه بأمر مشاهد ~~أبدعه بلطفه وأتقنه بخبرته لاستدعاء الشكر من عباده على ما أبدع لهم ومن ~~عليهم به من النعم الباهرة التي بها قوامهم , ولولاه لما كان لهم بقاء فقال ~~مستأنفا : { الأرض } على سعتها وعظمها وجزونة كثير منها { ذلولا } أي مسخرة ~~لا تمتنع , قابلة للانقياد لما تريدون منها من مشي وإنباط مياه وزرع حبوب ~~وغرس أشجار وغير ذلك غاية الانقياد , بما تفهمه صيغة المبالغة مع أن فيها ~~أماكن خوارة تسوخ فيها الأرجل ويغوص فيها ما خالطها , ومواضع مشتبكة ~~بالأشجار يتعذر أو يتعسر سلوكها , وأماكن ملأى سباعا وحيات وغير ذلك من ~~الموانع , وأماكن هي جبال شاهقة إما يتعذر سلوكها كجبل السد بيننا وبين ~~ياجوج وماجوج , ورد في الحديث أنه تزلق عليه الأرجل ms5475 ولا تثبت , أو يشق ~~سلوكها , ومواطن هي بحور عذبة أو ملحة فلو شاء لجعلها كلها كذلك ليكون بحيث ~~لا يمكن الانتفاع بها , فما قسمها إلى سهول وجبال وبرور وبحور وأنهار وعيون ~~وملح وعذب وزرع وشجر وتراب وحجر ورمال ومدر وغير ذلك إلا لحكمة بالغة وقدرة ~~باهرة , لتكون قابلة لجميع ما تريدون منها , صالحة لسائر ما ينفعكم فيها . ~~| ولما كان معنى التذليل ما تقدم , سبب عنه قوله تمثيلا لغرض التذليل لأن ~~منكبي البعير وملتقاهما من الغاربين أرق شيء وأنباه عن أن يطأه الراكب ~~بقدمه ويعتمد عليه : { فامشوا } أي الهوينا مكتسبين وغير مكتسبين إن شئتم ~~من غير صعوبة توجب لكم وثبا أو حبوا { في مناكبها } أي أماكنها التي هي ~~لولا تسهيلنا لمناكب الحيوانات لكانوا ينتكبون عن الوقوف عليها , فكيف ~~بالمشي , وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إنها الجبال - لأن تذليلها أدل ~~دليل على تذليل غيرها , وليكن مشيتكم فيها وتصرفكم بذل وإخبات وسكون ~~استصغارا لأنفسكم وشكرا لمن سخر لكم ذلك - والله الهادي . | ولما ذكر ~~سبحانه أنه يسرها للمشي , ذكرهم بأنه سهلها لإخراج الخيرات والبركات فقال : ~~{ وكلوا } ودل على أن الرزق فوق الكفاية بقوله : { من رزقه } أي الذي أودعه ~~لكم فيها وأمكنكم من إخراجه بضد ما تعرفون من أحوالكم فإن الدفن في الأرض ~~مما يفسد المدفون ويحيله غلى جوهرها كما يكون لمن قبرتموه فيها , ومع ذلك ~~فأنتم تدفنون الحب وغيره مما ينفعكم فيخرجه لكم سبحانه على أحسن ما تريدون ~~ويخرج لكم من الأقوات والفواكه والأدهان والملابس ما تعلمون , وكذل النفوس ~~هي صعبة كالجبال وإن قدتها للخير انقادت لك كما قيل ( هي النفس ما عودتها ~~تتعود ) . # ولما كان التقدير للبعث على الشكر والتحذير من الكفر : وابعدوه جزاء على ~~PageV08P076 إحسانه إليكم وتربيته لكم . | فمنه مبدأ جميع ذلك , عطف عليه ~~ما يدعو إلى الحياء من السيد والخجل من توبيخه عند لقائه فقال : { وإليه } ~~أي وحده { النشور * } وهو إخراج جميع الحيوانات التي أكلتها الأرض وأفسدتها ~~, يخرجها في الوقت الذي يريده على ما كان كل منها عيله عند الموت ms5476 كما أخرج ~~تلك الأرزاق , لا فرق بين هذا وذاك , غير أنكم لا تتأملون فيسألكم عما كنتم ~~تعملون , فيا فوز من شكر ويا هلاك من كفر , فإن هذا أبعث شيء على الشكر , ~~وأشد شيء إبعادا عن العصيان لا سيما الكفر , لما قرر من حاجة الإنسان , ~~والإحسان إليه بأنواع الإحسان . | < < # | الملك : ( 16 - 19 ) أأمنتم من في . . . . . # > > ^ ( أأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور * أم أمنتم ~~من في السمآء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير * ولقد كذب الذين من ~~قبلهم فكيف كان نكير * أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن ~~إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير ) ^ } ) | يكن بعد الاستعطاف إلا الإنذار على ~~الخلاف , قال مهددا للمكذبين بعذاب دون عذاب جهنم , منكرا عليهم الأمان بعد ~~إقامة الدليل على أن بيده الملك , وأنه قادر على ما يريد منه بأسباب جنوده ~~وبغير سبب , مقررا بعد تقرير حاجة الإنسان وعجزه أنه لا حصن له ولا مانع له ~~بوجه من عذاب الله , فهو دائم الافتقار ملازم للصغار : { أأمنتم } أي أيها ~~المكذبون , وخاطبهم بما كانوا يعتقدون مع أنه إذا حمل على الرتبة وأول ~~السماء بالعلو أو جعل كناية عن التصرف لأن العادة جرت غالبا أن من كان في ~~شيء كان متصرفا فيه صح من غير تأويل فقال : { من في السماء } أي على زعمكم ~~الالية قاهرة لكم , أو المعنى : من الملائكة الغلاظ الشداد الذي صرفهم في ~~مصالح العباد , أو المعنى : في غاية العلو رتبة , أو أن ذلك إشارة إلى أن ~~فغي السماء أعظم أمره لأنها ترفع إليها أعمال عباده وهي مهبط الوحي ومنزل ~~القطر ومحل القدس والسلطان والكبرياء وجهة العرش ومعدن المطهرين والمقربين ~~من الملائكة الذين أقامهم الله في تصريف أوامره ونواهيه , والذي دعا إلى ~~مثل هذا التأويل السائغ الماشي على لسان العرب قيام الدليل المقطعي على أنه ~~سبحانه ليس بمتحيز في جهة لأنه محيط فلا يحاط به , لأن ذلك لا يكون إلا ~~لمحتاج ؛ ثم أبدل من ( من ) بدل اشتمال فقال : { أن } . | ولما ms5477 كانت قدرته ~~على ما يريد بلا واسطة كقدرته بالواسطة , وقدرته إذا كان الواسطة جمعا ~~كقدرته إذا كان واحدا , لأن الفاعل على كل تقدير حقيقة هو لا غيره , وحد ~~بما يقتضيه لفظ ( من ) إشارة إلى هذا المعنى سواء أريد ب ( من ) هو سبحانه ~~أو ملائكته أو واحد منهم فقال : { يخسف } أي أأمنتم خسفه , ويجوز أن يراد ب ~~( من ) الله سبحانه وتعالى كما مضى خطابا على زعمهم وظنهم أنه في السماء ~~وإلزاما لهم بأنه كما PageV08P077 قدر على الإمطار والإنبات وغيرهما من ~~التصرفات في الأرض فهو يقدر على غيره { بكم الأرض } كما خسف بقارون وغيره . ~~| ولما كان الذي يخسف به من الأرض يصير كالساقط في الهواء وكان الساقط في ~~الهواء يصير يضطرب , سبب عن ذلك قوله : { فإذا هي } أي الأرض التي أنتم بها ~~{ تمور * } أي تضرب وهي تهوي بكم وتجري هابطة في الهواء وتتكفأ إلى حيث شاء ~~سبحانه , قال في القاموس : المور الاضطراب والجريان على وجه الأرض والتحرك ~~. | ولما كانوا ربما استبعدوا السخفة , وكانوا يعهدون ما ينزل من السماء من ~~الندى والأمطار والصواعق , عادل بذلك قوله : { أم أمنتم } أي أيها المكذبون ~~, وكرر لهم ذكر ما يخشونه زيادة في الترهيب فقال : { من في السماء } على ~~التقديرين { أن يرسل عليكم } أي من السماء { حاصبا * } أي حجارة يحصبكم - ~~أي يرميكم - بها مع ريح عاصف بقوتها كما وقع لقوم لوط وأصحاب الفيل . | ~~ولما كان هذا الكلام إنذارا عظيما ووعظا بليغا شديدا , وكان حالهم عنده ~~مترددا بين إقبال وإدبار , سبب عنه على تقدير إدبارهم بتماديهم بما للإنسان ~~من النقصان قوله متوعدا بما يقطع القلوب , ولفت القول إلى مقام التكلم ~~إيذانا بتشديد الغضب : { فستعملون } أي عن قريب بوعد لا خلف فيه في الدنيا ~~ثم في الآخرة . | ولما كان العلم بكيفية الشيء أعظم من العلم بمطلق ذلك ~~الشيء لأنه يلزم من العلم بها العلم بمطلق ذلك الشيء , وكان ما هو بحيث ~~يسأل عنه لا يكون إلا عظيما قال : { كيف نذير * } أي إنذاري البليغ إذا ~~شاهدتم العذاب وهو بحيث لا يستطاع ms5478 , ولا تتعلق الأطماع بكشف له ولا دفاع , ~~وحذف الياء منه ومن ( نكير ) إشارة إلى أنه وإن كان خارجا عن الطرق ليس ~~منتهى مقدوره بل لديه مزيد , لا غاية له بوجه ولا تحديد . | ولما كان من ~~المعلوم أن المأمور بإبلاغهم وإنذارهم هذا الإنذار صلى الله عليه وسلم في ~~غاية الرحمة لهم والشفقة عليهم فهو بحيث يشق عليه غاية الشمقة ما أفهمه هذا ~~الكلام من إهلاكهم أن يصدقوا , ويحب التأني بهم , لفت سبحانه الخطاب إليه ~~عاطفا على ما تقديره : فلقد طال إمهالنا لهم وحلمنا عنهم وتعريفنا لهم ~~بعظيم قدرتنا وهم لا يرجعون وكثر وعظنا لهم وتصريفنا القول بينهم على ألسنة ~~رسلنا عليهم الصلاة والسلام وهم يتمادون ولا ينتهون , قوله مصورا لهم ما ~~توعدهم به في أمر محسوس لأن الأمور المشاهدات أروع للإنسان لما له من ~~التقيد بالوهم مؤكدا للإشارة إلى أن التكذيب مع إقامة البراهين أمر يجب ~~إنكاره فلا يكاد يصدق : { ولقد كذب } وطغى وبغى وأعرض وتجبر وتمرد وولى ~~بوجهه وقلبه { الذين } . | PageV08P078 ولما كان هذا التكذيب لم يعم ~~الماضين بعض فقال : { من قبلهم } يعني كفار الأمم الماضية . | ولما كان ~~سبحانه قد أملى لهم ثم أخذهم بعد طول الحلم أخذا بقيت أخباره , ولم تندرس ~~إلى الآن على تمادي الزمان آثاره , فكان بحيث يسأل عنه لعظم أحواله , وشدة ~~زلازله وفظاعة أهواله , سبب عن ذلك قوله منبها على استحضار ذلك العذاب ولو ~~بالسؤال عنه : { فكيف كان نكير * } أي إنكاري عليهم بما أصبتهم به من ~~العذاب في تمكن كونه وهول أمره , فقد جمع غلى التسلية غاية التهديد . | ~~ولما ذكر بمصارع الأولين , وكان التذكير بالحاصب تذكيرا لقريش بما حصب به ~~على قرب الزمان عدوهم أصحاب الفيل بما أرسل عليهم من الطير الأبابيل تحذيرا ~~لهم من ذلك إن تمادوا على كفره , ولم ينقادوا إلى شكره , فكان التقدير ~~تقريرا رحمانيته أمر معاشها تقريرا لأن بيده الملك وترهيبا من أن ينازعه ~~أحد في تدبيره مع تبقية القول مصروفا عن خطابهم , إيذانا بشدة حسابهم وسوء ~~منقلبهم ومآبهم ؛ ألم يروا إلى قدرتنا ms5479 على مصارع الأولين وإهلاك المكذبين ~~وإنجاء المؤمنين , عطف قوله معرضا عنهم زيادة في الإنذار بالحصب من الطير ~~وغيرها : { أو لم يروا } وأجمع القراء على القراءة هنا بالغيب لأن السياق ~~للرد على المكذبين بخلاف ما في النحل . | وأشار إلى بعد الغاية بحرف ~~النهاية فقال : { إلى الطير } وهو جمع طائر . | ولما كان الجو كله مباحا ~~للطيران نزع الجار فقال : { فوقهم } وبين حال الطير في الفوقية بقوله واصفا ~~لها بالتأنيث إشارة إلى ضعفها في أنفسها لولا تقويته لها { صافات } أي ~~باسطات أجنحتها تمدها غاية المد بحيث تصير مستوية لا اعوداج فيها مع أنه ~~إذا كان جماعة منها كانت صفوفا أو صفا واحدا في غاية الانتظام تابعة لإمام ~~منها . | ولما عبر عن الصف بالاسم لأنه الأصل الثابت , عبر عن التحريك ~~بالفعل لأن الطيران في ساحة الهواء كالسباحة في باحة الماء , والأصل في ~~السباحة مد الأطراف وبسطها , والبقض طارئ على البسط فقال : { ويقبضن } أي ~~يوقعن قبض الأجنحة وبسطها وقتا بعد وقت للاستراحة والاستظهار به على السبح ~~في الهواء . | ولما تم هذا التقدير على هذا الوجه الرائع للقلوب ترجمه ~~بقوله : { ما يمسكهن } أي في الجو في حال القبض والبسط عن السقوط على خلاف ~~ما يقتضيه الطبع . | ولما كان هذا من التدبير المحكم الناظر إلى عموم ~~الرحمة قال : { إلا الرحمن } أي الملك الذي رحمته عامة لكل شيء بأن هيأهن - ~~بعد أن أفاض عليهن رحمة الإيجاد - PageV08P079 على أشكال مختلفة وخصائص ~~مفترقة للجري في الهواء بما أوجد لها من القوادم والحوافي وغير ذلك من ~~الهيئات المقابلة لذلك , وكذا جميع العالم لو أمسك عنه حفظه طرفة عين لفسد ~~بتهافت الأفلاك وتداعي الجبال وغيرها , وعبر في النحل بالاسم الأعظم لأن ~~سياقها للرد على أهل الطبائع وهم الفلاسفة الذين لا يقوم بالرد عليهم إلا ~~المتبحر في معرفة جميع أصول الدين بمعرفة جميع معاني الأسماء الحسنى ~~والصفات العلى التي جمعها اسم الذات . | ولما كان هذا أمرا رائعا للعقل , ~~ولكنه لشدة الإلف صار لا يتنبه له إلا بتنبيه , وكان الجاهل ربما ظن أن ~~التقدير ms5480 على الطيران خاص بالطير , نبه سبحانه على عظمة ما هيأ الطير له ~~وعلى أنه يقدر أن يجعل ذلك لغيره بقوله مؤكدا لأجل قصور بعض العقول عن ~~التصديق بذلك وتضمن الإشراك للطعن في تمام الاقتدار المتضمن للطعن في تمام ~~العلم : { إنه } أي الرحمن سبحانه { بكل شيء } قل أو كثر جليل وحقير ظاهر ~~وباطن { بصير * } بالغ البصر والعلم بظواهر الأشياء وبواطنها , فمهما أراد ~~كان وهو يخلق العجائب ويوجد الغرائب , فيهيئ من أراد من الآدميين وغيرهم ~~لمثل ذلك . | < < # | الملك : ( 20 - 23 ) أم من هذا . . . . . # > > ^ ( أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا ~~في غرور * أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور * أفمن ~~يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم * قل هو الذي ~~أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ) ^ } ) | ولما ~~كان التقدير تقريبا لذلك : فمن يدبر مصالحكم ظاهرا وباطنا , وفعل هذه ~~الأنواع من العذاب بالمكذبين من قبلكم , عطف عليه قوله عائدا إلى الخطاب ~~لأنه أقعد في التكبيث والتوبيخ , وأدل على أن المخاطب ليس بأهل لأن يهاب ~~مقررا لأنه مختص بالملك : { أمن } ونبه على أن المدبر للأشياء لا بد أن ~~يكون في غاية القرب والشهادة لها ليكون بصيرا برعيها , ويكون مع مزيد قربه ~~عالي الرتبة بحيث يشار إليه , فقال مقررا لعجز العباد : { هذا } بإشارة ~~الحاضر { هو جند } أي عسكر وعون , وصرف القول عن الغيبة إلى الخطاب لأنه ~~أبلغ في التقريع فقال : { لكم ينصركم } أي على من يقصدكم بالخسف والحصب ~~وغيرهما , ويجوز أن يكون التقدير : ألكم إله يدبر مصالحكم غيرنا أم كان ~~الذي عذب من كذب الرسل سوانا أم لكم جند يصار إليه ينصركم دوننا كما قال ~~تعالى ^ ( { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا } ) ^ [ الأنبياء : 43 ] ولكنه ~~أخرجه مخرج الاستفهام عن تعيين الجند تعريفا بأنهم لغاية جهلهم اعتقدوا أن ~~لهم من أجناد الأرض أو السماء من يصرهم وإلا لما كانوا آمنين . | ~~PageV08P080 ولما كانت المراتب متضائلة عن جنابه متكثرة جدا ms5481 , قال تعالى ~~مشيرا بالحرف والظرف إلى ذلك منبها على ظهوره سبحانه فوق كل شيء , لم يقدر ~~أحد ولا يقدر أن ينازعه في ذلك ولا في أنه مستغرق لكل ما دونه من المراتب : ~~{ من دون الرحمن } إن أرسل عليكم عذابه , وأظهر ولم يضمر بعثا على استحضار ~~ما له من شمول الرحمة , وتلويحا إلى التهديد بأنه لو قطعها عن أحد ممن ~~أوجده عمه الغضب كله , ولذلك قال مستنتجا عنه تنبيها على أن رفع المضار ~~وجمع المسار ليس إلا بيده لأنه المختص بالملك : { إن } أي ما , وأبرز ~~الضمير تعميما وتعليقا للحكم بالوصف ومواصفة بذلك لأنه أقعد في التوبيخ ~~فقال : { الكافرون } أي العريقون في الكفر وهم من يموت عليه { إلا في غرور ~~* } أي قد أحاط بهم فلا خلاص لهم منه وهو أنهم يعتمدون على غير معتمد . | ~~ولما قدم أعظم الرحمة بالحياطة والنصرة الموجبة للبقاء , أتبعه ما يتم به ~~البقاء فقال : { أمن } وأشار إلى القرب بالعلم والبعد بالعلو والعظمة بقوله ~~: { هذا } وأشار إلى معرفة كل أحد له بصفاته العلية التي تنشأ عنها أفعاله ~~المحكمة السنية , فقال : { الذي } وأسقط لتحمل الفعل له فقال : { يرزقكم } ~~أي على سبيل التجدد والاستمرار , لا ينقطع معروفه أبدا مع أنه قد وسع كل ~~شيء ولا غفلة له عن شيء { إن أمسك رزقه } بإمساك الأسباب التي تنشأ عنها ~~ويكون وصوله إليكم منها كالمطر , ولو كان الرزق موجودا أو كثيرا وسهل ~~التناول فوضع الأكلة في فمه فأمسك الله عنه قوة الازدراء عجز أهل السموات ~~والأرض عن أن يسوغوه تلك اللقمة . | ولما قامت بهذا دلائل قدرته وشمول علمه ~~على سبيل العموم فالخصوص , فكان ذلك مظنة أن يرجع الجاحد ويخجل المعاند , ~~ويعلم الجاهل ويتنبه الغافل , فكان موضع أن يقال : هل رجعوا عن تكذيبهم , ~~عطف عليه قوله لافتا الكلام إلى الغيبة إعراضا عنهم تنبيها على سقوط ~~منزلتهم وسوء أفهامهم وقوة غفلتهم : { بل لجوا } أي تمادوا سفاهة لا ~~احتياطا وشجاعة , قال الرازي في اللوامع : اواللجاج تقحم الأمر مع كثرة ~~الصوارف عنه { في عتو } أي مظروفين لعناد وتكبر ms5482 عن الحق وخروج غلى فاحش ~~الفساد { ونفور * } أي شراد عن حسن النظر والاستماع , دعا إليه الطباع , ~~واستولى ذلك عليهم حتى أحاط بهم مع أنه لا قوة لأحد منهم في جلب سار ولا ~~دفع ضار , والداعي إلى ذلك الشهوة والغضب . | ولما كان هذا فعل من لا بصر ~~له ولا بصيرة , سبب عنه قوله ممثلا للموحد والشمرك بسالكين ولدينيهما ~~بمسلكين : { أفمن يمشي } أي على وجه الاستمرار PageV08P081 { مكبا } أي ~~داخلا بنفسه في اكب وصارا إليه , وهو السقوط { على وجهه } وهو كناية عن ~~السير على رسم مجهول وأثر معوج معلول , على غيره عادة العقلاء لخلل في ~~أعضائه , واضطراب في عقله ورأيه , فهو كل حين يعثر فيخر على وجهه , لأنه ~~لعدم نظره يمشي في أصعب الأماكن لإمالة الهوى له عن المنهج المسلموك , ~~وغلبة الجهل عليه فهو بحيث لا يكون تكرار المشاق عليه زاجرا له عن السبب ~~الموقع له فيه , ولم يسم سبحانه وتعالى ممشاه طريقا لأنه لا يستحق ذلك . | ~~ولما كان ربما صادف السهل لا عن بصيرة بل اتفاقا قال : { أهدى } أي أشد ~~هداية { أمن يمشي } دائما مستمرا { سويا } قائما رافعا رأسه ناصبا وجه ~~سالما من العثار لأنه لانتصابه يبصر ما أمامه وما عن يمينه وما عن شماله { ~~على صراط } أي طريق موطأ واسع مسلوك سهل قويم { مستقيم * } أي هو في غاية ~~القوم , هذا مثل من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا فإنه يتبع الفطرة الأولى ~~السليمة عن شهوة أو غضب أو شائبة حظ , والأول مثل الكافر , حاله في سيره ~~إلى الله حال المكب أي كب نفسه بغاية الشهوة على وجهه , لا يرى ما حوله ولا ~~يشعر بما أحاط به , ولا ينظر في الآيات ولا يعتبر بالمسموعات , فهو اليوم ~~شيء باطن لظهر يوم القيامة فيحشر على وجهه إلى النار جزاء لرضاه بحالته هذه ~~في هذه الدار فيظهر له سبحانه ما أبطن له اليوم , والمؤمن بخلاف ذلك فيهما ~~, والآية من الاحتباك : ذكر الكب أولا دليلا على ضده ثانيا , والمستقيم ~~ثانيا دليلا على المعوج أولا , وسره أنه ذكر ms5483 أنكأ ما للمجرم وأسر ما للمسلم ~~. | ولما كان العرب الموعوظون بهذا الذكر يتغالون في التفاخر بالهداية في ~~الطرق المحسوسة وعدم الإخلال بشكر المعروف لمسديه ولو قل , فنفى عنهم الأول ~~بقيام الأدلة على خطئهم الفاحش في كل ما خالفوا فيه الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من طريقهم المعنوي الذي اتخذوه جينا , فهو أشرف من الطريق المحسوس , ~~أتبعه بيان انسلاخهم من الثاني مع التأكيد لانسلاخهم من الأول , قال آمرا ~~للرسول صلى الله عليه وسلم بتنبيههم لأن الإنسان على نوعه أقبل لأنه إليه ~~أميل , إسقاطا لهم من رتبة الفهم عن الله سبحانه وتعالى لسفول هممهم ولقصور ~~نظرهم مع أنه جعل لهم حظا ما من الحضور بتأهيلهم لخطاب الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لأقامتهم بالمذكور في الآية فيما يرجى معه العلم ويورث الفطنة ~~والفهم : { قل } أي يا أشرف الخلق وأشفقهم عليهم مذكرا لهم بما دفع عنهم ~~الملك من المفاسدات وجمع لهم من المصلحات والقوى والعقل ليرجعوا إليه , ولا ~~يعولوا في حال من أحوالهم إلا عليه , وينظروا في لطيف صنعه وحسن تربيته ~~فيمشي كل منهم سويا : { هو } أي الله سبحانه وتعالى { الذي } شرفكم بهذا ~~الذكر وبين لكم هذا البيان وحده الذي { أنشأكم } أي PageV08P082 أوجدكم ~~ودرجكم في مدارج التربية حيث طوركم في أطوار الخلقة في الرحم ويسر لكم بعد ~~خروجكم الخروج اللين حيث كانت المعدة ضعيفة عن اكثف منه . | ولما كان من ~~أعظم النعم الجليلة بعد الإيجاد العقل , أتبعه به , وبدأ بطريق تنبيهه فقال ~~: { وجعل لكم } أي خاصة مسببا عن الجسم الذي أنشأه { السمع } أي الكامل ~~لتسمعوا ما تعقله فلوبكم فيهديكم , ووحده لقلة التفاوت فيه ليظهر سر تصرفه ~~سبحانه في القلوب بغاية المافوتة مع أنه أعظم الطرق الموصلة للمعاني إليها ~~{ والأبصار } لتنظروا صنائعة فتعتبروا وتزدجروا عما يرديكم { والأفئدة } أي ~~القلوب التي جعلها سبحانه في غاية التوقد بالإدراك لما لا يدركه بقية ~~الحيوان لتتفكروا فتقبلوا على ما يعليكم , وجمعا لكثرة التفاوت في نور ~~الأبصار وإدراك الأفكار , وهذا تنبيه على إكمال هذه القوى في درك الحقائق ~~بتلطيف السر ms5484 لتدقيق الفكر , قال الشيخ وله الدين الملوي : انظر إلى الأفئدة ~~كيف تحكم بأن الاثنين أكثر من الواحد , وأن الجسم الواحد لا يكون في مكانين ~~في آن واحد , وأن الضدين لا يجتمعان - وغير ذلك مما لا يخفى . | ولما كان ~~التقدير : فمشيتم مشي المكب على وجهه فلم تستعملوا شيئا من هذه الأسرار ~~الشريفة فيما خلق له , كانت ترجمة ذلك : { قليلا } وأكد المعنى بما صورته ~~صورة النافي فقال : { ما } ولما زاد تشوف النفس إلى العامل في وصف المصدر ~~دل عليه سبحانه وتعالى بقوله : { تشكرون * } أي توقعون الشكر لمن أعطاكم ما ~~لا تقدرون قدره باستعماله فيما خلق لأجله تدعون أنكم أشكر النسا للإحسان ~~وأعلاهم في العرفان . | < < # | الملك : ( 24 - 27 ) قل هو الذي . . . . . # > > ^ ( قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون * ويقولون متى هذا الوعد ~~إن كنتم صادقين * قل إنما العلم عند الله وإنمآ أنا نذير مبين * فلما رأوه ~~زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون ) ^ } ) | ولما دل ~~سبحانه على بعدهم عن الهداية وعن الشكر اللذين يفخرون على الناس كافة بكل ~~منهما , واستعطفهم بما أودع فيهم من اللطائف الربانية الروحانية المقتضية ~~بنورانيتها للعروج إلى مواطن القدس ومعادن الأنس , دل على قدرته على حشرهم ~~تحذيرا لهم من التمادي في الإعراض بمعنى يجده كل منهم في نفسه على وجه دال ~~على كمال قدرته بما أودع فيهم مع تلك اللطائف مع كثائف طباع الأرض الموجبة ~~للسفول ليكون - إذا أعلته تلك اللطائف بالتوبة - مجتهدا في تنقية آثار تلك ~~الكثائف المسفلة كما يكون للزرع إذا حصد من بقايا تلك الجذر التي إن لم ~~تقلع من أصلها عادت بالنبات إلى PageV08P083 ما كان عليه الزرع أولا , فقال ~~مستأنفا بيانا لأنه دليل برأسه كاف فيما سبق له : { قل هو } أي وحده { الذي ~~ذرأكم } أي خلقكم وبثكم ونشركم وكثركم وأنشأكم بعد ما كنتم كالذر أطفالا ~~ضعفاء , ثم قواكم ثم جعلكم شيبا ضعفاء وأسكنكم الغضب والذعر واللجاج الحامل ~~لكم على الولوع بما يلجئ إيله الطباع المثيرة { في الأرض } التي تقدم أنه ms5485 ~~ذللها لكم ورزقكم منها النبات الذي تقدم أن إبداءه منها ثم رده إليها ~~وإفنائه فيها ثم إعادته كما كان بعد أن صار رفاتا وشيئا فانيا مماتا دليل ~~على القدرة على البعث , لا فرق في ذلك بينه وبينكم أصلا , فكان منه البدأ { ~~وإليه } وحده { تحشرون * } شيئا فشيئا إلى البرزخ ودفعة واحدة يوم البعث ~~على أيسر وجه بمن أراد من عباده كرها منكم كما كان أمركم في الدنيا , فإنه ~~لم يكن إلى الإنسان منكم أحب من العدة والسكون , فكأنه سبحانه يضطره بما ~~أودعه من الطبائع المتضادة وأثار له من الأسباب في طلب رزقه وغير ذلك من ~~أمره إلى السعي إلى حيث يكره , فكما أنه قدر على ذلك منكم في الابتداء فهو ~~يقدر على مثله في الانتهاء , ليحكم بينكم ويجازي كلا على عمله كما يفعل كل ~~ملك برعيته , وكل إنسان منكم بجماعته . | ولما كان التقدير : فلقد سبحانه ~~في وعظهم بنفسه وعلى لسانك يا أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم وذلك بما هدى ~~إيله السياق قطعا , ذكر حالهم عند ذلك فقال إعلاما بكثافة طباعهم حيث لم ~~تلطف أسرارهم لقبول محبة الله تعالى وإثارة الأحوال الحسنة من الصبر المثبت ~~واليقين وحسن الانطباع لقبول النصائح والخوف وعدم الاعتزاز بأحد غير الله ~~تعالى من وجه نفع أو ضر , وكذلك لفت القول إلى الإعراض إيذانا بشديد الغضب ~~منهم : { ويقولون } أي يجددون هذا القول تجديدا مستمرا استهزاء وتكذيبا , ~~ويجوز أن يكون حالا من الواو في ( بل لجوا ) : { متى هذا } وزادوا في ~~الاستهزاء بقولهم { إن كنتم } جبلة وطبعا { صادقين * } في أنه لا بد لنا ~~منه , وأنكم مقربون عند الله , فلو كان لهم ثبات الصبر واليقين لما طاشوا ~~هذا الطيش بإبراز هذا القول القبيح الذي ظاهره طلب الإخبار بوقت الأمر ~~المتوعد به , وباطنه الاستعجال به استهزاء وتكذيبا . | ولما كان قولهم هذا ~~مع أنه استعجال بأمر الساعة استهانة بها حتى أنه عندهم كأنها من قبل الوعد ~~الحسن وهو متضمن لإيهام أنها مما يطلع الخلق على تعيين وقته , فنى ذلك ~~بيانا لعظمتها بعظمة ms5486 من أمرها بيده فقال آمرا له بجوابهم مؤذنا ذلك الإعراض ~~لأنهم لا ينكرون علمه تعالى ذلك الإنكار : { قل } يا أكرم الخلق منبها لهم ~~على تحصيل اليقين بأن ما علموه وحكموا بعلمهم فيه وما لا ردوا علمه إلى ~~الله : { إنما PageV08P084 العلم } أي المحيط من جميع الوجوه بما سألتم عنه ~~من تعيين زمان هذا الوعد وغيره , ولأجل إظهار فضل العلم اللازم من كماله ~~تمام القدرة صرف القول عن عموم الرحمة إلى إفهام العموم المطلق بالاسم ~~الأعظم فقيل : { عند الله } أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال , فهو ~~الذي يكون عنده وبيده جميع ما يراد منه , لا يطلع عليه غيره , وهيبته تمنع ~~العالم بما له من العظمة أن يجترئ على سواله عما لم يأذن فيه , وعظمته ~~تقتضي الاستئثار بالأمرو العظام , وإلى ذلك يلوح قوله تعالى : { وإنما أنا ~~} ولما كان السياق للتهويل والتخويف , وكانت النذارة يكفي فيها تجويز وقوع ~~المنذور به فكيف إذا كان مظنونا فكيف إذ كان معلوم الوقوع في الجملة ليكون ~~العاقل متوقعا له في كل وقت قال : { نذير } أي كامل في أمر النذارة التي ~~يلزم منها ا لبشارة لمن أطاع النذر لا وظيفة لي عند هذا الملك الأعظم غير ~~ذلك , فلا وصول لي إلى سؤاله عما لا يأذن لي في السؤال فيه . | ولما كان ~~النذير قد لا يقدر على إقامة الدليل على ما ينذر به لأنه يكفي العاقل في ~~قبوله غلبة الظن بصدقه بل إمكان صدقه في التحرز عما ينذر به , بين أنه ليس ~~كذلك فقال : { مبين * } أي كاشف للنذري غاية الكشف بإقامة الأدلة عليها حتى ~~تصير كأنها مشاهدة لمن له قبول اللعلم . | ولما كان ما ينذر به لا بد من ~~وقوعه , وكان كل آت قريبا , عبر عن ذلك بالفاء والماضي فقال صارفا العقول ~~إلى الإعراض لأن الرؤية للعذاب في غاية المناسبة للإهانة : { فلما رأوه } ~~أي الوعد بانكشاف الموعود به عند كونه , وحقق معنى الماضي والفاء بقوله : { ~~زلفة } أي ذا قرب عظيم منهم , وذلك بالتعبير عن اسم الفاعل بالمصدر إبلاغا ~~في ms5487 المعنى المراد وأكد المبالغة بالتاء لأنها ترد للمباغلة إذا لم يرد منها ~~التأنيث , ولا سيما إن دلت قرية أخرى على ذلك . | ولما كان المخوف في ~~النذري الوقوع في السوء لا بقيد كونه من معين قال : { سيئت } ولما كان ~~السوء يظهر في الوجه قال : { وجوه } وأظهر في موضع الإضمار تعميما وتعليقا ~~للحكم بالوصف فقال : { الذين كفروا } أي ظهر السوء وغاية الكراهة في وجوه ~~من أوقع هذا الوصف ولو على أجنى الإيقاع وعلتها الكآبة . | ولما كان لا ~~أوجع من التبكيت عند إحاطة المكروه من غير حاجة إلى تعيين فاعله , بنى ~~للمفعول قوله : { وقيل } أي لهم تقريعا وتوبيخا : { هذا الذي } أي تقدم من ~~عنادكم ومكركم واستكباركم { كنتم } أي جبلة وطبعا { به } أي بسببه ومن أجله ~~, وصرف القول إلى الخطاب لأن التقريع به أنكأ في العذاب : { تدعون * } أي ~~تطلبون PageV08P085 وتوقعون الطلب له طلبا شديدا تبلغون فيه غاية الجهد على ~~وجه الاستعجال أن يستنزل بكم مكروهه فعل من لا يبالي به بوجه , وتكررون ذلك ~~الطلب وتعودون إليه في كل وقت معرضين عن السعي في الخلاص فيه من عدوان ~~العذاب ونيل الوعد الحسن بجزيل الثواب لبيان قوة طلبهم له وتداعيهم إليه ~~استهزاء به حتى كأنهم لا مطلوب لهم غيره , قدم الجار المفيد غالبا للاختصاص ~~فهو افتعال من دعا الشيء وبالشيء إذا طلبه , ودعاه الله بمكروه : أنزله به ~~. | < < # | الملك : ( 28 - 30 ) قل أرأيتم إن . . . . . # > > ^ ( قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من ~~عذاب أليم * قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال ~~مبين * قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم بمآء معين ) ^ } ) | ولما ~~كان من المعلوم أن من نهى آخر عن هواه وبالغ في ذلك أبغضه ذلك الناهي وتمنى ~~هلاكه , فكيف إذا والى عليه الإنذار والتخويف بما لا يصل إلى دركه عقله ولا ~~يرى له مقدمة بحققها , وكان الكفار يسعون في هلاك النبي صلى الله عليه وسلم ~~ومن تبعه كل سعي , وكان هلاك النذير إنما ينفع المنذر ms5488 على تقدير نجاته من ~~هول ما كان يحذره منه النذير , أمره سبحانه أن يذكرهم بهذا لنينظروا في ذلك ~~المتوعد به , فإن كان ممكنا سعوا في الخلاص مما قد يكون منه من العذاب , ~~وسلكوا في الهرب منه مسلكا سهلا بعيدا من سوء الانقلاب , ودخلوا إلى فسيح ~~المانع منه من أوسع باب , أو كفوا عن السعي في هلاك النذير وطووا ما مدوا ~~له من الأسباب , ليدلهم إذا كان صادقا على شيء يحميهم أو يخفف عنهم ذلك ~~المصاب , فقال منبها على شدة الحذر من مكر الله وعد الاغترار به للمؤمن ~~الطائع لعلمه , أنه لا يقدر أن يقدر الله حق قدره فكيف بالمعاصي فضلا عن ~~الكافر مكررا للأمر بالقول تنبيها على أن كل جملة صدرت به كافية في الدلالة ~~على مقصود السورة وعائدة إليه لما اشتملت عليه نم باهر القدرة ووافر العظمة ~~: { قل } أي يا أفضل الخلق كلهم وأشرفهم وأعظمهم وأتقاهم لهؤلاء الذين طال ~~تضجرهم منك وهم يتمنون هلاكك حسدا منهم وعمى في قلوبهم وبعدا وطردا , قد ~~استحكم واستدار بهم ذلك تقدير العزيز العليم { أرءيتم } أي أخبروني خبرا ~~أنتم في الوثوق به على ما هو كالرؤية . | ولما كاننا غير عالمين الأمر في ~~هلاكه ومن معه بما يقصدونهم به , حذرهم عاقبة ذلك بالتعبير بأداة الشك , ~~وإسناد الإهلاك إلى الله معبرا عن الاسم الدال على تناهي العظمة إلى حد لا ~~يدع لغيره منها شيئا إعلاما بأنه على القطع بأنه لا شيء في أيديهم فهو لا ~~يخافهم بوجه فقال : { إن أهلكني } أي أماتني بعذاب أو غيره { الله } أي ~~PageV08P086 الذي له من صفات الجلال والإكرام ما يعصم به وليه ويقصم به ~~عدوه { ومن معي } أي من المؤمنين والمناصرين بالأعمال الصالحة التي رتب ~~سبحانه عليها الفوز والنجاة حتى لا يبقى أحد ممن يكدر عليكم بالمنع من ~~الهوى القائد إلى القوى والحث على العقل الضامن للنجاة { أو رحمنا } ~~بالنصرة وإظهار الإسلام كما نرجوا فأنجانا بذلك من كل سوء ووقانا كل محذور ~~وأنالنا كل سرور , فالآية من الاحتباك : ذكر الإهلاك أولا ms5489 دليلا على النجاة ~~ثانيا , والرحمة ثانيا دليلا على الغضب أولا { فمن } وكان ظاهر الحال يقتضي ~~: يجيركم مع طلبكم المسببات من الفوز والنجاة بغير أسباب بل منافية للنجاة ~~جالبة للعذاب , فوضع الظاهر موضع الضمير تعميما وتعليقا للحكم بالوصف ~~واستعطافا لهم إلى إيقاع الإيمان والرجوع عن الكفران فقال : { يجير ~~الكافرين } أي العريقين في الكفر بأن يدفع عنهم ما يدفع الجار عن جاره { من ~~عذاب أليم * } يصيبهم به الذي هم عالمون بأنه لا شيء إلا بيده , وإلا لنجى ~~أحد من الموت الذي خلقه وقدره بين عباده جزاء على ما كانوا يؤلمون من ~~يدعوهم إليه وينصحهم فيه , فإذا كان لا ينجيهم من عذابه شيء سواء متنا أو ~~بقينا فالذي ينبغي لهم إن كانوا عقلاء السعي فيما ينجى من عذابه , لا السعي ~~في إهلاك من هو ساع في خلاصهم من العذاب , ولا يقدرون على إهلاكه أصلا إلا ~~بتقدير الذي أمره بإنذارهم . | ولما كان لا يقدر على التعميم بالنعمة إلا ~~من كان عام القدرة والنعمة والرحمة , وكان التذكير بالنعم أشد استعطافا , ~~صرف القول إلى التعبير بما هو صريح في ذلك , فقال مذكرا بذلك لعلمهم بأنه ~~لا نعمة عليهم إلا منه واعترافهم بذلك ليحذروه ويتذكروا عموم قدرته فيعلموا ~~قدرته على البعث فينفصل النزاع : { قل } يا خير الخلق : { هو } أي الله ~~وحده { الرحمن } أي الشامل الرحمة لكل ما تناولته الربوبية , فلا يليق بعقل ~~عاقل أن يدع أحدا من خلقه في ظلم ظالمه فلا يأخذ له بحقه , لأن ذلك لا ~~يرضاه أقل الناس لنفسه مع عجزه فكيف بمن هو كامل القدرة وإلا لما قدر على ~~عموم الرحمة { آمنا به } أي أنا ومن آمن بي لهذا البرهان القاطع بأنه لا ~~يكافئه شيء فهو كاف في الإيمان به { وعليه } أي وحده { توكلنا } لأنه لا ~~شيء في يد غيره وإلا لرحم من يريد عذابه أو عذاب من يريد رحمته , فكل ما ~~جرى على أيدي خلقه من رحمة أو نقمة فهو الذي أرجاه لأنه الفاعل بالذات , ~~المستجمع لما يليق به من الصفات , فنحن ms5490 نرجوا خيره ولا نخاف غيره , وقد ~~أقررنا له بهذه العبارة على وجه الحصر بالألوهية والربوبية فلا نحتج في ~~السلوك إليه إلى معوق عن ذكره والتفكر في آلائه ولو كان المعوق نفسيا في ~~PageV08P087 ظاهر الحياة الدنيا ولو كان مخوفا فإنه لا خوف معه سبحانه , ~~فالتوكل عليه منجاة من كل هلكة مجلبة لكل ملكة , ولم يفعل كما تفعلون أنتم ~~في توكلكم على رجالكم وجاهكم وأموالكم . | ولما أبان هذا طريق الصواب , ~~وجلى كل ارتياب , وكان لا بد من الرجوع إليه والإنقلاب , لإتمام , الرحمة ~~بالثواب والعقاب , سبب عنه قوله : { فستعلمون } أي عند التجلي عليكم بصفة ~~القهر عما قليل بوعد لا خلف فيه { من هو } أي منا ومنكم متداع بذاته ظاهرا ~~وباطنا { في ضلال } أي أخذ في غير مسلك موصل إلى مقصد محيط به الضلال بحيث ~~إنه لا قدرة له على الانفكاك منه إلا إن أطاع من يجره بيده فيخرجه منه , ~~ولما كان الشيء إذا كان فيه نوع لبس كان ربما اقتضى قبول العذر قال : { ~~مبين * } أي بين في نفسه موضع لكل أحد أنه لا خفاء به . | ولما افتتح ~~سبحانه السورة بعظيم بركته وتمام قدرته وتفرده في مملكته , ودل على ذلك ~~بتفرده بالإماتة والإحياء , ختم بمثل ذلك بالماء الذي وجوده هو سبب للحياة ~~وعدمه سبب للموت , فقال قارعا بالتنبيه مشيرا بتكرير الأمر إلى مزيد ~~التوبيخ والزجر والتبكيت دالا على تعيين ما أبهم من أهل الضلال , ومصرحا ~~بما لوح إليه من ذلك الإجمال . | { قل } أي يا أعظم خلقنا وأعلمهم بنا : { ~~أرءيتم } أي أخبروني إخبارا لا لبس فيه ولا خفاء , ولما كان شديد العناية ~~بهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم , سكن قلبه في وعيدهم بالإشارة إلى ~~الرفق بهم لأجله , فابتدأ الوعيد بحرف الشك فقال : { إن } ولما كانت النعمة ~~أشد ما يكون إذا كانت في الصباح الذي هو موضع ارتقاب الفلاح قال : { أصبح ~~مآؤكم } أي الذي تعدونه في أيديكم - بما نبهت عليه الإضافة . | ولما كان ~~المقصود المبالغة , جعله نفس المصدر فقال : { غورا } أي نازلا في الأرض ~~بحيث ms5491 لا يمكن لكم نيله بنوع حيلة - بما دل على ذلك الوصف بالمصدر { فمن ~~يأتيكم } على ضعفكم حينئذ وافتقاركم وانخلاع قلوبكم واضطراب أفكاركم { بماء ~~معين * } أي جار دائما لا ينقطع أو ظاهرا للأعين سهل المأخذ إلا الله رب ~~العالمين فإنه هو القادر على ذلك , فقد رجع ذلك الآخر كما ترى على ذلك ~~الأول , وعانقه على أحسن وجه وأكمل - والله أعلم . | . . . | PageV08P088 < # > سورة القلم < # > | مقصودها إظهار ما استتر ، وبيان ما أبهم في آية { فستعلمون من هو في ~~ضلال مبين } بتعيين النهتدي الذي برهن على هدايته حيازته العلم الذي هو ~~النور الأعظم الذي لا يضل بمصاحبته بتقبل القرآن والتخلق بالفرقان الذي هو ~~صفة الرحمن بقدر الإمكان الذي تصل إليه قوة الإنسان ، وأدل ما فيها على هذا ~~الغرض ' ن ' وكذا ' القم ' فلذا سميت بكل منهما ، وبالكلام على كل منهما ~~يعرف ذلك ، وحاصله أن النون مبين محيط يفيبيانه كما يحيط ضوء الشمس بما ~~يظهره وكما تحيط الدواة بمدادها بآية ما دل عليه بمخرجه وصفاته ، واستقر ~~الكلام الواقع فيها وفي المعهاني التي اشتركت في لفظه ، وأمات القلم ~~فإبانته للمعارف أمر لا ينكر { بسم الله } الذي له الإحاطة الكاملة فهو على ~~كل شيء قدير لأنه بكل شيء عليم { الرحمن } الذي عمت نعمة إيجاده لأهل معاده ~~البرئ منهم والسقيم { الرحيم } الذي أتم تلك النعمة على من وفقه لطاعته ~~فألزمه الصراط المستقيم . < < # | القلم : ( 1 - 5 ) ن والقلم وما . . . . . # > > ^ ( ن والقلم وما يسطرون * مآ أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا ~~غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم * فستبصر ويبصرون ) ^ } ) | لما أبهم الضال ~~والمهتدي في آخر ( الملك ) والمسيء والمحسن في العمل أولها , وختم بآية ~~الماء المعين الذي دلت حروفه بمجموعها على تمام معناه , ودل كل واحد منها ~~على شيء منه , فدلت ميمه على تمام شيء ظاهر , وعينه على آية هادية , وياؤه ~~على قائم ملطف متنزل مع كل مقام , ونوه على مظهر مبين محيط بما أظهره , ~~وردهم سبحانه إليه بعد شرادهم عنه بالاستفهام في هذه الآية بما نبههم عليه ~~من عجزهم وعجز كل ms5492 من يدعونه من دونه وأنه لا يقدر على الإتيان بذلك الماء ~~الذي هو حياة الأشباح بعد ذهابه إلا من تمت قدرته , فكان قادرا على كل ما ~~يريد , وكان لا يقدر على كل ما يريده إلا من كمل علمه الذي يحيي به ميت ~~الأرواح , دل على شمول قدرته بكمال علمه بما PageV08P089 أفاده على النبي ~~الكريم الأمي من العلوم التي زخرت بحارها , فأحيا مدراراها , وأغرق تيارها ~~, فافتتح هذه السورة بكلمة البيان وهو اسم الحرف الذي هو آخر حروف تلك , ~~ومن لوازم بعض مادل عليه الماء الذي هو الحياة المصححة , ونبه على نصبه له ~~سبحانه دليلا على العلم بمادل عليه من مخرج مسماه وصفاته ومواقعه في الكلم ~~في جميع تقلباته فقال : { ن } هذه الكلمة حرف من حروف المعجم وهي اسم لمسمى ~~به ظهور الأشياء وعلمها وإدراكها كما دل عليه موقعه في اسم النور والنار ~~والنيل والنمو والنباهة والنقاء والنصح والنبأ والنجابة والنجاة والنحت ~~والندم , وقد تقدم في البقرة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : لكل ~~كتاب سر وسر القرآن هذه الحروف , ولا يعلم ما هي إلا وضعها سبحانه . | ولما ~~كان هذا الحرف مشتركا في اللغة بين حرف المعجم والدواة والحوت وشفرة السيف ~~, سكن للدلالة بادئ بدء على أنه حرف , ولا يمنع إسكانه المتأصل في البناء ~~من إرادة بقية المعاني لأن العرب ربما سكنت الكلمة بنية الوقف تنبيها على ~~عظمة معناها , فلا يلزم من الإسكان عن غير عامل البناء , وقيل : النون ~~اللوح , والنونة الكلمة من الصواب , والسمكة , فهو صالح لحرف المعجم الكلي ~~الصالح لكل فرج , وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أخر حروف ~~الرحمن والدواة لما يتأثر عنها من العلوم , والحوت الذي على ظهره الكون ~~واسمه اليهموت لما في ذلك من عجائب القدر والأسرار , ويكون الإقسام وقع ~~بالنون والقلم علوا للإحاطة , والسيف لما يتأثر عنه من جليل الآثار , ~~وكيفما كان المراد فهو الإحاطة , وهو سر باطن لا يظهر , وإنما تظهر نتائجه ~~, فهو الحكم ونتائجه القضاء والقدر بالإشقاء أو ms5493 الإسعاد . | ولما كان هذا ~~الحرف آية الكشف للأشياء كان مخرجه أمكن المخارج وأيسرها وأخفها وأوسعها ~~وهو رأس المقول , فغنه يخرج مما بين طرف اللسان وفويق الثنايا من اللثة , ~~وهو أخرج من مخرج اللام ومن مخرج الراء أيضا , وتسمى هذه الحروف الثلاثة ~~الزلقية مع بقية حروف ( فر من لب ) لأن طرف كل شيء زلقة , والنون أمكنها في ~~هذا المخرج وأشدها انطباقا فيما بين اللسان واللثة , وهو مما كرر مسماه في ~~اسمه فانتهى إلى حيث ابتدأ , واختص بكون عماده وقوامه الحرف الأقوى الأظهر ~~ذا الرفعة والعلو وهو الواو الزلقية التي هو أحدها ضد المصمتة وهي أخف ~~الحروف على اللسان وأكثرها امتزاجا بغيرها , وأما المصمتة فمنعت أن تنفرد ~~بنفسها في لغة العرب في كلمة هي أكثر من ثلاثة أحرف , بل لا بد أن يكون ~~معها بعض الزلقية , والألف خارجة علن الصنفين لأنها مجرد إهواء لا مستقر ~~لها , فقد ناسبت بمخرجها لسعته وخفته ووصفها PageV08P090 بالزلاقة التي تقع ~~لما اتصف بها من الحروف الكمال غنية عن سواها ولا يقع لما لم يخالطها كمال ~~فيما ذكر ما ذكر من أن معناها البيان والإظهار ومن صفاتها الجهر وبين الشدة ~~والرخاوة والانفتاح والاستفال , والغنة الخارجة من الخيشوم إذا سكن , وكل ~~هذا واضح في العلم الذي له الاتساع والانتشار والتغلغل في الأشياء الباطنة ~~, ويشاركه الميم في الغنة كما أنه يشاركه في أن له حظا من الظهور والنون ~~وهو الأصل في الغنة كما أنه الأصل في الظهور لما له من العلو بالعماد , وهو ~~أيضا من حروف الذبذبة والزيادة التي لا تستقر على حال فتقع مرة زوائد وأخرى ~~أصولا كما أن العلم أيضا كذلك لا استقرار له بل مهما في الظهور لما له من ~~العلو بالعماد , وهو أيضا من حروف الذبذبة والزيادة التي لا تستقر على حال ~~فتقع مرة زوائد وأخرى أصولا كما أن العلم أيضا كذلك لا استقرار له بل مهما ~~وسعته استع , ومهما تركته اضمحل وانجمع , وهو من حروف الأبدال التي تبدل من ~~غيرها ولا يكون غيرها بدلا منها ms5494 فلازب ولازم الميم بدل من الباء بخلاف ~~العكس كما أن العلم أصل يتبعه غيره ولا يكون هو تابعا لغيره , وهو من ~~الحروف الصحيحة وليست معتلة , والعلم جدير بهذا الوصف وهو إذا كان مخفي من ~~الحروف المشربة ويقال لها المخالطة - بكسر اللام وفتحها , وهي التي اتسعت ~~فيها العرب فزادتها على التسعة والعشرين المستعملة وهي من الحروف الصم وهي ~~ما عدا الحلقية , سميت بذلك لتمكنها يف خروجها من الفم واستحكامها فيه , ~~يقال للمحكم المصتم والعلم أشد ما يكون مناسبة لهذا الوصف , فقد انطبقت ~~بمخرجها وجميع صفاتها على العلم الذي هو مقصود السورة فتبين حقا أنه ~~مقصودها , وأما رتبة القلم في بيان العلم وإظهاره وكشف خفاياه وأسراراه ~~وبثه وإشهاره فهي بحيث لا يجهلها أحد اتصف بالعقل , ومما يختص به هذا الحرف ~~أنه يصحب كل حرف لأن حده هو ما يعبر عنه التنوين الذي انتظامه بالحركات هو ~~ما آيته العلم المكمل به الحياة التي هي آية ما يعبر عنه هذه الحركات , ~~فملا كانت هذه الحركات ية على ما هو الحياة كان التنوين عقبها آية على ما ~~به كمال الحياة من العلم , وهو سبب لما به القيام من الظهور , ومن معناه ~~اسمه تعالى النور , ثم هو اسم لكل ما يظهر ما خفي باطنا كالعلم في الإدراك ~~الذي تظهر حقائق الأشياء به , وظاهرا كالنيرين للعيون , وسائر الأنوار ~~الظاهرة والباطنة , وما هو وسيلة الظهور كالعيون مما به تشاهد الأشياء ~~ويظهر به صورها , والدواة التي منها مداد ما كتب بالقلم في العوالم أعلاها ~~وأدناها وكل آلة يتوصل بها إلى إظهار صورة تكون تماما كماء حي ( ومنه معنى ~~النجم النباتي الذي هو للشجر بمنزلة الفول للبشر متلبسا بالنور - بالفتح - ~~الذي فيه حظ من النور - والذرء الذي هو ظاهر في نفسه مظهر لطرق الاهتداء , ~~وكذلك الأمر في النار المخلصة من رتبة ظلمتها التي هي غايتها بالرماد , ~~وابتداؤها بما يخرج منه من شجر وحديد وحجر . | PageV08P091 ولما كان هذا ~~الحرف اسما لما به ظهور أمر لم يختص بشيء من المظهرات دون آخر ms5495 بل شمل النور ~~والحاسة والمراد والمادة , ولذلك كان مع الكاف الذي هو علم التكوين سبب ~~ظهور كل شيء < # > 77 ( { إنما قلنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ) 77 < # > [ النحل : 40 ] ولصدقه على كل مظهر فسره ابن عباس رضي الله عنهما ~~بالدواة ففسر بما يستمد منه القلم , وليلحظ موقعه في نجد فإنه اسم لما ~~ارتفع من الأرض وظهر في نفسه وأظهر غيره , وفي نهود الجارية وهو ظهور نهدها ~~, وفي النهب وهو ما أخذ أخذا ظاهرا كما قال صلى الله عليه وسلم ( ولا ينتهب ~~نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم ) وفي النفخ والنفع والنصر ~~والنقر والنقب وما أشبهها فإنها كلها ظهور وإظهار كالنم والمن والنمؤ ولأجل ~~علوه واستطبانه وأنه استغراق المظهر المبين كانت إقامته يتعالى الألف وهو ~~الواو وانتهاؤه إلى مثل ما بدأ به , ولكون الميم تماما كان قوامه بمتنزل ~~كالألف التي هي الياء في قولك ميم , ولرجوع الواو إلى علو الألف كان عمادها ~~الألف في قولك ( واو ) وهذه الحروف الثلاثة ظاهرة في عالمين ظاهرهما ~~المبدوء به وباطنهما المختوم به , فالنون الأولى يعبر بها عن نور الأبصار , ~~والخاتمة يعبر بها عن نور القلب , ولما كان الهاء وتر الدال , وكان محيطا ~~باطنا غيبا وجب أن يكون مخحل تضعيفه بالياء محل محيط باطن نازل الرتبة في ~~الغيب عن الهاء لوقوعه في رتب العشرات وهو النون , فكان ظاهرا بالإضافة إلى ~~خفاء الهاء باطنا بالإضافة إلى ظهور الميم , فيكون بالنون ظهور الميم ~~المعبر عن ( الملك ) الذي سبق في السورة الماضية كما كان شهادة الدال ~~وثبوته بالهاء . | ولذلك انبنى تمام كل عمل على نور علم كما كان قوام ظاهر ~~كل دال غير هاء , وكان النون مدادا ملثل العلم الذي يظهر صورها بسطر القلم ~~حتى أن آية ما بطن منه فأظهره القلم هو ما بطن دون الأرض من النون الذي ~~عليه الأرض الذي أول ما يطعمه أهل الجنة زيادة كبده مع الثور الذي عليه ~~الأرض أيضا الذي يذبح لهم - على ما ورد في الخبر ms5496 , وقابل استبطان النون في ~~الأرض ظهور القاف على ظاهرها الذي هو جبل الزبرجد المحيط بالدنيا , وعن ذلك ~~الاستيلاء على القلوب في الدنيا إنما يكون بالعلم الذي هو حقيقة نون كما أن ~~الاستيلاء على الأجسام في ظاهر الدنيا إنما يكون بالقدرة التي هي حقيقة قاف ~~على ما يظهر من أجالتي العلماء في النون الأبطن والملوك في القاف الأظهر , ~~وهذان الصفنان من الخلق هما المستوليان على الناس بالآيالة ونفوذ ~~PageV08P092 الأمر , ولذلك أقيم المفصل من القرى بحرفي قاف ونون , واقترن ~~أيضا هذان الحرفان في كلمة القرآن ولفظ الفرقان اللذين هما في ظواهر أسمائه ~~, وإنما كان أول ما يطعمه أهل الجنة من الثور الذي عليه الدنيا الذي كان ~~يرعى في أطراف الجنة - على ما ورد عنه عليه أفضل الصلاة والسلام , لأن صورة ~~الثور هي معنى ما هو الكد والكدح وجهد العمل في الأرض الذي قام عليه أمر ~~الدنيا , ولما كان أهل الدنيا أول ما يراحون منه من أمر الدنيا تقديم أمر ~~الكد بين يدي معاشهم في الجنة , كان الذي يذبح لهم الثور الذي هو صور كدهم ~~فيأكلونه فهو جزاء ما عملو به في دنياهم من حيث كانوا يذوي دين , فاستحقوا ~~بذلك جزاء كدهم بما هو صورته , وأضيف لذلك زيادة كبد النون التي هي صورة ~~حظهم نم أصل العلم فأطعموها وجوزوا بها , وروعي في أعمالهم حسن نيتهم في ~~أصل دينهم , فلما أتوا عليهما استقبلوا الراحة والخروج عن الكلفة في معاشهم ~~في الجنة , والذي جرهم به سبحانه إلى سني هذه الرتبة ما أتقنه بحكمته من ~~ثناء المفصل القرآني على حرفي القاف الذي به القوة والقهر والقدرة , والنون ~~الذي به إظهار ذلك للعقل بنور العلم , وذلك أن القرآن نزله سبحانه مثاني , ~~ضمن ما عدا المفصل منه الذي هو من قاف إلى خاتمة الكتاب العزيز , وفاتحته ~~ما يختص بأولي العلم والفقه من مبسوطات الحكم ومحكمات الأحكام ومطولات ~~الأقاصيص ومتشابه الآيات , والسور المفتتحة بالحروف العلية الإحاطة الغيبية ~~المنحى المستندة إلى آحاد الأعداد مما يختص بعلم ظاهرها خاصة الأمة , ويختص ms5497 ~~بأمر باطنها آل محمد صلى الله عليه وسلم , فلعلو رتبة إيراد ما عدا المفصل ~~ثنى الحق تعالى الخطاب وانتظمه في سورة كثيرة العدد يسيرة عد الآي هي ~~المفصل , ذكر فيها من أطراف القصص والمواعظ والأحكام والأنباء وأمر الجزاء ~~ما يليق بسماع العامة ليسهل عليهم سماعه وليأخذوا بحظ مما أخذ الخاصة , ~~ويتكرر على أسماعهم في قراءة الأئمة له في الصلوات المفروضة التي لا مندوحة ~~لهم عنها ما يكون لهم خلقا مما يفوتهم من مضمون سائر السورة المطولات , ~~فكان أحق ما افتتح به مفصلهم حرف القاف الذي هو وتر الآحاد حتى صارت عشرة , ~~ثم إذا ضربت في نفسها صارت مائة , فافتتح به المفصل , ليكون مضمون ما يحتوي ~~عليه أظهر مما يحتوي عليه ما افتتح بآلم , ولذلك كان صلى الله عليه وسلم ~~يكثر أن يقرأ في خطبة الجمعة سورة ( ق ) فيفتتح للعامة المتوجه بخطبة يوم ~~الجمعة إليهم لأنها صلاة جامعة الظاهر بفاتحة المفصل الخاص , وفي مضمونها ~~من معنى القدرة والقهر المحتاج إليه في إقامة أمر العامة ما فيه كفاية , ~~وشفعت بسورة ( ن ) المظهرة ظاهر ( ق ) فخصوا بما فيه القهر الإبانة , ~~واختصت سورة ( ن ) من مقتضى العلم بما هو محيط بأمر العامة المنتهي إلى ~~غاية الذكر الشامل PageV08P093 للعالمين , لأن القوة المعربة عن العلم ربما ~~كان ضررها أكثر من نفعها , كما قال بعض السلف : كل عز لم يوطده علم فإلى ذل ~~يؤول , وكما كان جميع السورة التسع والعشرين المفتتحة بالحروف المتضمنة ~~للمراتب التسع في التسعة وللعاشر الجامع للمراتب التسع بإيتار آحادها ~~والعاشر الجامع يضرب العشر الموتر في نفسه قواما وإحاطة في جميع القرى , ~~كذلك كان سورة ( ق ) وسورة ( ن ) قواما خاصا وإحاطة خاصة بما يخص العامة من ~~القرآن الذي يجمعهم الأرض بما أحاط من ظاهرها من صورة جبل ( ق ) وما أحاط ~~بباطنها من صورة حيوان ( ن ) الذين تمام أمرهم بما بين مددي إقامتها , ~~وبهذه السورة المفتتحة بالحروف ظهر اختصاص القرآن وتميز عن سائر الكتب ~~لتضمنه الإحاطة التي لا تكون إلا للخاتم الجامع , واقترن من التفصيل ms5498 في ~~سورها ما يليق بإحاطتها , ولإحاطة معانيها وإبهامها كان كل ما فسرت به من ~~معنى يرجع إلى مقتضاها صحيحا في إحاطتها بمتنزلها من أسماء الله وترتبها في ~~جميع العوالم فلا يخطئ فيها مفسر لذلك لأنه كلما قصد وجها من التفسير لم ~~يخرج عن إحاطة ما يقتضيه , ومهما فسرت به من أسماء الله أو من أسماء ~~الملائكة أو من أسماء الأنبياء أو من مثل الأشياء أو صور الموجودات أو من ~~أنها أقسام أقسم بها أو فواتح عرفت بها السور أو أعداد تدل على حوادث وحظوظ ~~من ظاهر الأمر أو باطنه على اختلاف رتب وأحوال مما أعطيه المنزل عليه صلى ~~الله عليه وسلم من مقدار بأمد يومه إلى غير ذلك وكل داخل في إحاطتها , ~~ولذلك أيضا لا يختص بمحل مخصوص يلزمه علامة إعراب مخصوصة , فمهما قدر في ~~مواقعها من هذه السورة جرا أو رفعا أو نصبا فداخل في غحاطة رتبتها ولم ~~يلزمها معنى خاص لما لم يكن لها انتظام , لأنها مستقلات محيطات , وإنما ~~ينتظم ما يتم معنى كل واحد من المنتظمين بحصول الانتظام , وذلك يختص من ~~الكلم بما يقصر عن إحاطة مضمون الحروف حتى أنه متى وقع استقلال وإحاطة في ~~كلمة لم يقع فيها انتظام . | ولما كان قوام هذا الوجود بالسيف والقلم , ~~وكان ( نون ) مشتركا بين معان منها السيف والدواة التي هي آلة القلم , ~~واللوح الذي هو محل ما يثبت من العلم , وكان السيف قد تقدم في حيز القاف ~~الذي افتتحت به سورة ( ق ) كما هو أنسب لتضمنه القوة والقدرة والقهر في ~~سورة الحديد بعد الوعظ والتهديد والتذكير بالنعم في السورة الواقعة بينهما ~~, ذكر هنا ما هو لحيز النون من آية العلم فقال مقسما بعد حرف ( ن ) : { ~~والقلم } أي قلم القدرة الذي هو أول ما أبدعه الله , ثم قال له : اكتب , ~~فخط جميع الكائنات إلى يوم القيامة في اللوح المحفوظ حقيقة , وفي ألواح ~~صفحات الكائنات حالا ومجازا , PageV08P094 فأظهر جميع العلوم , ثم ختم على ~~فيه فلم ينطق ولا ينطق إلى يوم القيامة , والذي ms5499 يكتب فيه الخلق ما نولهم ~~الله من تلك المعارف والفهوم , وذلك هو قوام أمور الدنيا , والإشارة به إلى ~~القضاء الذي هو من نتائج ( ن ) لأنه من مصنوعات الله الظاهرة التي اقتضت ~~حكمته سبحانه إيجادها ووجهه إلى تفصيل ما جرى به الحكم . | ولما كان الحاصل ~~بالقلم من بث الأخبار ونشر العلوم على تشعبها والأسرار ما يفوق الحصر , ~~فصار كأنه العالم المطيق واللسن المنطيق , وكان المراد به الجنس أسند إليه ~~كما يسند إلى العقلاء فقال : { وما يسطرون * } أي قلم القدرة , وجمعه وأجره ~~مجرى أولي العلم للتعظيم لأنه فعل أفعالهم , أو الأقلام على إرادة الجنس , ~~ويجوز أن يكون الإسناد غلى الكاتبين به لما دل عليهم من ذكره , إما ~~الملائكة إن كان المراد ما كتب في الكتاب المبين واللوح المحفوظ وغيره مام ~~يتكبونه , وإما كل من يكتب منهم ومن غيرهم حتى أصحاب الصحيفة الظالمة التي ~~تقاسموا فيها على أن يقاطعوا بني هاشم ومن لافهم حتى يسلموا إليهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصنعون به ما شاؤوا , وكيف ما كان فهو إشارة إلى ~~المقدر لأنه إنما يسطر ما قضى به وحكم . | ولما كان المخاطب بهذا صلى الله ~~عليه وسلم قد عاشر المرسل إليهم دهرا طويلا وزمنا مديدا أربعين سنة وهو ~~أعلاهم قدرا وأطهرهم خلائق وأمتنهم عقلا وأحكمهم رأيا وأرأفهم وأرفعهم عن ~~شوائب الأدناس همة وأزكاهم نفسا بحيث إنه لا يدعى بينهم إلا بالأمين ولم ~~يتجدد له شيء يستحق به أن يصفوه بسببه بالجنون الذي ينشأ عنه الضلال عن ~~المقاصد المذكور آخر الملك في قوله < # > 77 ( { فستعلمون من هو في ضلال مبين } ) 77 < # > [ الملك : 29 ] إلا النعمة التي ما نال أحد قط مثلها في دهر من الدهور ~~ولا عصر من الأعصار , قال مجيبا هذا القسم العظيم رادا عليهم بأجلى ما يكون ~~وأدله على المراد تأنيسا له صلى الله عليه وسلم مما أوجب افتراؤهم عليه له ~~من الوحشة وشرحا لصدره وتهدئة لسره : { ما أنت } أي يا أعلى المتأهلين ~~لخطابنا { بنعمة } أي بسبب إنعام { ربك } المربي لك ms5500 بمثل تلك الهمم العالية ~~والسجايا الكاملة بأن خصك بالقرآن الذي هو جامع لكل علم وحكمة , وأكد النفي ~~زيادة في شرفه صل الله عليه وسلم فقال : { بمجنون * } أي بل الذي وصفك بهذا ~~هو الحقيق باسم الجنون ومعناه فضلا عن الضلال الذي ردد في آخر تلك بينك ~~وبينهم فيه سلوكا لسبيل الإنصاف لينظروا في تلك بالأدلة فيعلموا ضلالهم ~~وهدايتك بالدليل القطعي بالنظر في الآثار المظهرة لذلك غاية الإظهار , فنفى ~~عنه صلى الله عليه وسلم الشقاوة التي سببها فساد العقل فثبتت السعادة التي ~~سببها صلاح العقل ونعمة الرب له . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما ~~تضمنت سورة الملك من عظيم البراهين ما PageV08P095 يعجز العقول عن استيفاء ~~الاعتبار ببعضه كالاعتبار بخلق السماوات في قوله تعالى < # > 77 ( { الذي خلق سبع سماوات طباقا } ) 77 < # > [ الملك 3 ] أي يطابق بعضها بعضا من طابق النعل - إذا خصفها طبقا على ~~طبق , ويشعر هذا بتساويها في مساحة أقطارها ومقادير أجرامها - والله أعلم , ~~ووقع الوصف بالمصدر يشعر هذا بتساويها في مساحة أقطارها ومقادير أجرامها - ~~والله أعلم , ووقع الوصف بالمصدر يشعر باستحكام مطابقة بعضها لبعض إنباء ~~منه سبحانه وتعالى أنها من عظم أجرامها وتباعد أقطارها يطابق بعضها بعضا من ~~غير زيادة ولا نقص < # > 77 ( { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } ) 77 < # > [ الملك : 3 ] أي من اختلاف واضطراب في الخلقة أو تناقض , إنما هي ~~مستوية مستقيمة , وجيء بالظاهر في قوله تعالى < # > 77 ( { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت } ) 77 < # > [ الملك : 3 ] ولم يقل : ما ترى فيه من تفاوت - ليشعر أن جميع ~~المخلوقات جار على هذا , كل شكل يناسب شكله , لا تفاوت في شيء من ذلك ولا ~~اضطراب , فأعطى الظاهر من التعميم ما لم يكن يعطيه الإضمار كما أشعر خصوص ~~اسم الرحمن بما في هذ الأدلة المبسوطة من الرحمة للخلائق لمن رزق الاعتبار ~~, ثم نبه تعالى على ما يرفع الريب ويزيح الإشكال في ذلك فقال : < # > 77 ( { فارجع البصر } ) 77 < # > [ الملك : 3 ] أي عادوا الاعتبار وتأمل ما تشاهده من هذه المخلوقات حتى ms5501 ~~يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة ولا يبقى معك في ذلك شبهة < # > 77 ( { هل ترى من فطور } ) 77 < # > [ الملك : 3 ] أي من صدوع وشقوق , ثم أمر تعالى بتكرير البصر فيهن ~~متصفحا ومتمتعا هل تجد عيبا أو خللا < # > 77 ( { ينقلب إلأيك البصر خاسئا } ) 77 < # > [ الملك : 4 ] أي إنك إذا فعلت هذا رجع بصرك بعيدا عن إصابة الملتمس ~~كأنه يطرد عن ذلك طردا بالصغار وبالإعياء واستعداده حتى لا يقع بالرجعة ~~الأولى التي يمكن فيها الغفلة والذهول إلى أن يحسر بصره من طول المعاودة إذ ~~معنى التثنية في قوله ( كرتين ) التكرير كقولهم : لبيك وسعيك فيحسر البصر ~~من طول التكرار ولا يعصر على شيء من فطور , فلو لم تنطو السورة استبصر , إذ ~~هذا الاعتبار بما ذكر من عمومه جار في كل المخلوقات ولا يستقل بفهم مجاريه ~~إلا آحاد من العقلاء بعد التحريك والتنبيه , فشاهدته بنبوة الآتي به قائمة ~~واضحة , ثم قد تكررت في السورة دلالات كقوله < # > 77 ( { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح } ) 77 < # > [ الملك : 5 ] وقوله < # > 77 ( { ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير } ) 77 < # > [ الملك : 14 ] الآيات إلى آخر السورة , وأدناها كاف في الاعتبار فأنى ~~يصدر بعض عن متصف ببعض ما هزئوا به في قولهم : مجنون وساحر وشاعر وكذاب , < # > 77 ( { كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون } ) 77 < # > [ المطففين : 14 ] فلعظيم ما انطوت عليه سورة الملك من البراهين اتبعت ~~بتنزيه الآتي بها PageV08P096 محمد صلى الله عليه وسلم عما تقوله المبطلون ~~مقسما على ذلك زيادة في التعظيم , تأكيا في التعزير والتكرير فقال تعالى < # > 77 ( { ن والقلم وما يسطرون وما أنت بنعمة ربك بمجنون } ) 77 < # > [ القلم : 1 , 2 ] وأنى يصح من مجنون تصور بعض تلك البراهين قد انقطعت ~~دونها أنظار العقلاء فكيف ببسطها وإيضاحها في نسق موجز , ونظم معجز , ~~وتلاؤم يبهر العقول , وعبارة تفوق كل مقول , تعرف ولا تدرك , وتستوضح سبلها ~~فلا تسلك < # > 77 ( { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله } ) 77 < # > [ الإسراء : 88 ] فقوله سبحانه وتعالى ms5502 < # > 77 ( { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } ) 77 < # > [ القلم : 2 ] جوابا لقوله تعالى في آخر السورة إنه لمجنون , وتقدم ~~الجواب بنفي قولهم والتنزيه عنه على حكاية قولهم ليكون أبلغ في إجلاله صلى ~~الله عليه وسلم وأخف وقعا عليه وأبسط لحاله في تلقي ذلك منهم , ولهذا قدم ~~مدحه صلى الله عليه وسلم بما خص من الخلق العظيم , فكان هذا أوقع في ~~الإجلال من تقديم قولهم ثم رده إذ كسر سورة تلك المقالة الشنعاء بتقديم ~~التنزيه عنها أتم في الغرض وأكمل , ولا موضع أليق بذكر تنزيهه عليه الصلاة ~~والسلام , ووصفه من الخلق والمنح الكريمة بما وصف مما أعقب به ذلك إذ بعض ~~ما تضمنته سورة الملك بما تقدم الإيماء إليه شاهد قاطع لكل عاقل متصف بصحة ~~نبوته صلى الله عليه وسلم وجليل صدقه < # > 77 ( { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } ) 77 < # > [ النساء : 82 ] فقد تبين موقع هذه السورة هنا , وتلاؤم ما بعده من ~~آيها يذكر في التفسير - انتهى . | ولما نفى سبحانه عنه صلى الله عليه وسلم ~~ما قالوه مما تواقحوا به , فثبت له صلى الله عليه وسلم كمال العقل , وكان ~~المجنون من لا يكون له عمل ينتظم ولا قول يرتبط , فلا يستعمله أحد في شيء ~~ليكون له عليه أجر , أثبت له الأجر المستلزم للعقل فيتحقق إثباته من أحكم ~~الحكماء على وجه أبلغ مما لو صرح به , فقال على وجه التأكيد لإنكارهم له ~~بما ادعوا فيه من البهت : { وإن لك } أي على ما تحملت من اثقال النبوة وعلى ~~صبرك عليهم بما يرمونك به وهو تسلية له صلى الله عليه وسلم { لأجرا } ولما ~~أثبت له منا يلازم العقل ويصلح لأن يكون في الدنيا وأن يكون في الآخرة دالا ~~بتنوينه وما أفهمه السياق من مدحه صلى الله عليه وسلم على عظمته , وكان ~~الأجر لا يستلزم الدوام , وقد يكون منغصا بنوع منة قال : { غير ممنون * } ~~أي مقطوع ولا منقوص في دنياك ولا في آخرتك ولا لأحد من الناس عليك به صنيع ~~يمتن به ms5503 بأن يذكره على سبيل اللوم والتقريع , فهذا بيان السعادة , والأجر ~~لا يكون إلا على العمل الصالح , والعمل رشح الأخلاق , فصالحه نتيجة الأخلاق ~~الحسنة والعقل الراجح . | ولما ثبت بهذا العقل مع ما أفاده من الفضل , وكان ~~الذي يؤجر قد يكون في أدنى رتب العقل , بين أنه صلى الله عليه وسلم في ~~أعلاها بقوله مؤكدا لما مضى : { وإنك } وزاد في التأكيد PageV08P097 ~~لزيادتهم في المكابرة فقال : { لعلى خلق } ولما أفهم السياق التعظيم , صرح ~~به فقال : { عظيم * } وهو الإسلام الذي دعا إليه القرآن لا بالبلاء ينحرف , ~~ولا بالعطاء ينصرف , لأن خلقه - بشهادة أعرف الناس به زوجه أم المؤمنين ~~الصديقة عائشة بنت الصديق أبي بكر رضي الله عنهما - القرآن , فلا يتحرك ولا ~~يسكن إلا بأمره ونهيه , فهذا الخلق نتيجة الهدى والهدى نتيجة العقل , وهو ~~سبب السعادة , فأفهم ذلك عدم سعادتهم لعدم عقولهم , وقال الواسطي : أظهر ~~الله قدرته في عيسى عليه السلام ونفاذه في آصف , وسخطه وقهره في عصى موسى ~~عليه الصلاة والسلام وأطهر أخلاقه ونعوته في محمد صلى الله عليه وسلم فكان ~~متخلقا بأخلاق الله تعالى والتخلق بأخلاقه أن ينزه علمه عن الجهل وجوده عن ~~البخل وعدله عن الظلم وحلمه عن السفه , واعلم أن الخلق والخلق صورتان : ~~الخلق صور الظاهر , والخلق صورة الباطن يعبر به عن الخلق الحسن , ثم الخلق ~~السحن تارة مع الله , وتارة مع حكم الله , وتارة مع الخلق , فمع الله ~~بالتعظيم والإجلال ومع حكمه بالصبر في الضراء والبأساء والشكر في الرخاء ~~والامتثال للأوامر والانزجار عن النواهي عن طيب قلب مسارعة وسماحة , وحسن ~~الخلق مع الخلق بث النصفة في المعاملة وحسن المجاملة في العشرة , روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الخلق وعاء الدين , لأن من الخلق ~~يخرج الدين , وهو الخضوع والخشوع وبذل النفس لله واحتمال المكروه ) . | ~~ولما كان الإسلام أشرف الأديان , أعطاه الله تعالى أقوى الأخلاق وأشرفها ~~وهو الحياء كما روي أن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء , ومن الحياء حياة ~~القلب , فكان صلى الله عليه وسلم يأخذ العفو ms5504 ويأمر بالعرف ويعرض عن ~~الجاهلين ولا يجزي بالسيئة السيئة لكن يعفو ويصفح ويحسن مع ذلك ويجذب بردته ~~حتى يؤثر في عنقه فيلتفت وهو يضحك ويقضي حاجة الجاذب ويحسن إليه , فقد ~~اشتمل الكلام التدبيري المشار إليه بالنون والقضاء الكلي التأثيري المشار ~~إليه بالقلم والقدر المبرم التفصيلي الواقع على وقف القضاء المشار إليه ~~بالسطر , ومثال ذلك أن من أراد بناء دولاب احتاج أولا إلى مهندس يدبر له ~~بعلمه موضع البئر والمدار وموضع المحلة وموضع السهم وموضع الجداول , ونحو ~~ذلك وهو الحكم التدبيري , ثانيا إلى صانع يحفر البئر ويبني ونجار يركب ~~الأخشاب على وفق حكمة المهندس , وهو القضاء التأثيري , وثالثا إلى إقامة ~~الثور في PageV08P098 موضعه ودوران المحلة بما عليها من القواديس وجري ~~الماء في الجداول على وفق القضاء وهو القدر , ويحتاج رابعا وخامسا إلى بيان ~~انقسام المقدر له إلى شقي وسعيد , فالحكم باطن وهو سر من أسراره سبحانه ~~وتعالى - سبحان من لا يعلم قدره غيره . | ولما أقسم سبحانه على نفي ما ~~بهتوه به ودل على ما وهبه من كمال العقل وتمام الشرف والنبل تصريحا فثبت ~~غاية الثبات بأخراب العالم الحكيم , دل عليه بالمشاهدة على وجه من أعلى ~~الخل قوأشرفهم وأكملهم عن قريب بوعد لا خلف فيه علما أنت في تحققه كالمبصر ~~بالحسن الباصر { ويبصرون * } أي يعلم الذين رموك بالبهتان علما هو كذلك . | ~~< < # | القلم : ( 6 - 12 ) بأيكم المفتون # > > ^ ( بأيكم المفتون * إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين * فلا تطع المكذبين * ودوا لو تدهن فيدهنون * ولا تطع كل حلاف ~~مهين * هماز مشآء بنميم * مناع للخير معتد أثيم ) ^ } ) | ولما كان صلى ~~الله عليه وسلم هو ومن معه فريقا والأعداء فريقا , وقد أبهم آخر الملك ~~الضال في الفريقين قال : { بأبيكم } أي في أي فريقيكم { المفتنون * } أي ~~بالضلال والجنون حتى صد عن الهدى ودين الحق , أو بأيكم الفتنة بالجنون ~~وغيره على أن يكون مصدر فتن , قال الرازي : مصدر مثل المفتون وهو الجنون ~~بلغة قريش كما يقال : ما له معقول وليس له مجلود , أي عقل ms5505 وجلادة . | ولما ~~كان هذا إخبار بجنونهم لضلالهم على هذا الوجه المتصف , وكان مثل هذا يقد ~~يقع في محاورات الناس بضرب من الظن , استأنف تعالى ما هو كالتعليل لما ~~أفاده السياق من هذا الحكم عليهم إعلاما بأنه ناشئ عن علم قطعي لا مرية فيه ~~بوجه , فقال مؤكدا لأجل إنكارهم لأن يكون الأمر على ما أفاده ما تقدم : إن ~~ربك أي الذي رباك أحسن تربية وجبلك على أعظم الخلائق { هو } أي وحده { أعلم ~~} أي من كل أحد لا سيما من يتحرض { بمن ضل } أي حار وجار وذهب وزل وضاع ~~وغاب غيبة عظيمة لا يهتدي منها , وسلك غير سبيل القصد , واخطأ موضع الرشد , ~~معرضا { عن سبيله } فكان أجن المجانين لأنه سبحانه وتعالى خالقهم , وشارعه ~~( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) ولا سيما وهو الحي القيوم الذي لا ~~يغفل { وهو } أي خاصة { أعلم بالمهتدين * } أي الثابتين على الهدى وهم ~~أولوا الأحلام والنهى , وهذا سر القدر الذي يقال : إنه إنما يظهر يوم ~~الحاقة . | PageV08P099 ولما كان من طبع البشر أن الحليم منهم الرزين إذا ~~اشتد عليه الأذى ممن لم تجر العادة بأن مثله يطيق مثلهم قاربهم ولا يتهم ~~فيما الخلاف بسببه بعض المقاربة , وكان سبب تلك المقاربة إنما هو عدم علمه ~~بالعواقب , سبب سبحانه ما مضى من إعلامه بحقائق الأمور وكشفه لمستورها قوله ~~إلهابا وتهييجا على الثبات على معاصاتهم إعلاما للضال بأماراته ليعلم ~~المهتدي لأن الأمور تعلم بأضدادها . | وهو خطاب له صلى الله عليه وسلم ~~والمراد أمته ليكون ذلك أبلغ في سماعهم : { فلا تطع } أي أيها المأمور ~~بإنقاذهم من غوائل أهوائهم وأشراك أهلاكهم { المكذبين * } أي العريقين في ~~التكذيب , قال الملوي : ولا يخفى أن كل كفر ظهر وكل ضلالة ظهرت , وكل بدعة ~~وكل شر إنما كان سببه إفساد القوة العلمية والنطقية , وهو يكون بالتكذيب , ~~ثم علل ذلك بما يكون مجموعه على وقوعه منهم من مدة طويلة وهم مستمرون عليه ~~بقوله : { ودوا } أي أحبوا محبة عظيمة واسعة متجاوزة للحد قديما مع ~~الاستمرار على ذلك وأكد تهالكهم على ms5506 هذه الودادة بما يفهم التمني وإن ذلك ~~مستمر منهم لا أنه وقع ومضى , فقال مشيرا إلى إفسادهم القوة النطقية وخلق ~~الشجاعة الغريزية : { لو تدهن } أي تلاين فتوافق على بعض ما يريدون ~~فتهادنهم على ترك نهيهم عن الشرك وترك التعرض لسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم ~~وتضليل آبائهم ؛ قال ابن برجان : والأدهان ملاينة وانجرار بالباطل وإغماض ~~عن الحق مع المعرفة بذلك - انتهى . | وهو من الدهن لأنه يلين ما يدهن به . ~~| ولما كان طبعهم أنهم كانوا يلينون له صلى الله عليه وسلم بعض الأوقات ~~خداعا كما قيل في سبب نزول ( الكافرون ) من أنهم قالوا له صلى الله عليه ~~وسلم : تعالى فلنصطلح على أن تعبد إلهك سنه وتعبد آلهتنا سنة , ونحو هذا من ~~الأباطيل حتى أنهم سجدوا وراءه صلى الله عليه وسلم لما تلا عليهم سورة ~~النجم فسجد فيها فسجد وراءه الكفار والمؤمنون والجن والإنس حتى سمع ~~المهاجرون إلى الحبشة وهم بالحبشة فرجع بعضهم ظنا منهم أنهم قد أسلموا ~~فوجدوهم على أخبث ما كانوا عليه أولا , قال سبحانه معرفا بأن ذلك منهم خداع ~~: { فيدهنون * } أي فبسبب ودادتهم أنك تدهن هم يدهنون , فهو عطف على ( ودوا ~~) لا جواب ( لو ) لأجل تنبيه صلى الله عليه وسلم على أن لينهم إنما هوخداع ~~لم يرد به غير الفساد , وقد أخروا الإدهان وإن كانوا قديما في وداده طمعا ~~في أن تبدأ به فيظهروه حينئذ , قال القشيري : من أصبح عليلا تمنى أن يكون ~~الناس كلهم مرضى . | ولما نهاه عن طاعة المكذب وعلله , وكان من الناس من ~~يخفي تكذيبهن قال ناصبا علامات المكذب : { لو تطع } أي في وقت من الأوقات ~~منهم ولا من غيرهم { كل حلاف } أي مبالغ في الاجتراء على الأيمان وإن لم ~~يظهر لك تكذيبه , وليس المراد PageV08P100 النهي عن العموم بل عموم النهي , ~~أي انته عن كل حلاف فالنهي أصل والكل وارد عليه , كما تقدم تخريج مثله في ~~آخر البقرة في قوله تعالى < # > 77 ( { والله لايحب كل كفار أثيم } ) 77 < # > [ البقرة : 276 ] وهذه الأوصاف متفرخة من الكذب وخبث السجية , فهي ms5507 ~~كالتفصيل , فكثرة الحلف دالة على فساد القوة العلمية فنشأ عنها سقوط تعظيم ~~الحق , فصار صاحبها لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا , فلذلك يحلف صادقا ~~وكاذبا كيفما اتفق { مهين * } أي حقير ضعيف سافل الهمة والمروءة سافل الرأي ~~, لأن ا لإنسان لا يكثر الحلف إلا وهو يتصور في نفسه أنه لا يصدق إلا بذلك ~~, لأنه ليس له من المهابة عند من يحدثه والجلالة ما يصدقه بسببه , وهو مؤثر ~~للبطالة لما فيها من موافقة طبعه , وذلك هو الحقارة الكبرى . | ولما كان كل ~~من اتصف بصفة , أحب أن يشاركه الناس فيها أو يقاربوه لا سيما إن كانت تلك ~~الصفة دنية ليسلم من العيب أو الانفراد به ولأن الشيء لما دناه ألف قال : { ~~هماز } أي كثير العيب للناس في غيبتهم , وقال الحسن : هو الذي يغمز بأخيه ~~في المجلس , أي لأن الهمز العض والعصر والدفع - من المهماز الذي يطعن به في ~~بطون الدواب , وهو مخصوص بالغيبة كما أن اللمز مخصوص بالمواجهة . | ولما ~~كانت النميمة - وهي نقل الحديث على وجه السعاية - أشد الهمز أفاد أنه يفعله ~~ولا يقتصر على مجرد النقل بل يسعى به إلى غيره وإن بعد فقال تعالى : { مشاء ~~} أي كثير المشي { بنميم } أي ينقل ما قاله الإنسان في آخر وأذاعه سرا , لا ~~يريد صاحبه إظهاره على وجه الإفساد للبين مبالغ في ذلك بغاية جهده . | ولما ~~كان من كان هكذا يريد إعلاء نفسه بهضم الناس , وكان المنع لإرادة الاستئثار ~~بالممنوع ليكون الغير محتاجا إليه وعاكفا عليه لأن من طبعه أنه لا يرتبط ~~إلا طمعا لا شكرا بضد الجواد , فإنه يرفع نفسه عن المطامع , ولا يرتبط إلا ~~شكرا على الصنائع فيجود ظنا منه أن الناس كذلك , قال : { مناع } أي كثير ~~المنع شديده { للخير } أي كل خير من المال والإيمان وغيرهما من نفسه ومن ~~غيره من الدين والدنيا - إلى غير ذلك . | ولما كان نم يفعل هذه المخازي من ~~الناس ويقتصر في الهمز والنم على الواقع , وفي المنع على ما له منعه - ~~لئيما , بين أنه لا يقنع بذلك ms5508 , بل زاد عليه ببذل الجهد فيما يصير به ألأم ~~فقال : { معتد } أي ثابت التجاوز للحود في كل ذلك { أثيم * } أي مبالغ في ~~ارتكاب ما يوجب الإثم فيترك الطيبات ويأخذ الخبائث ويرغب في المعاصي ~~ويتطالبها , ويدع الطاعات ويزهد فيها . | PageV08P101 < < # | القلم : ( 13 - 20 ) عتل بعد ذلك . . . . . # > > ^ ( عتل بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا ~~قال أساطير الأولين * سنسمه على الخرطوم * إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب ~~الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين * ولا يستثنون * فطاف عليها طآئف من ربك ~~وهم نآئمون * فأصبحت كالصريم ) ^ } ) | ولما كان كل من يتصف بهذه الدنايا ~~التي من شأنها إبعاد الناس عنه ونفرتهم منه يسعى في سترها إن كان عاقلا ~~بلين وتواضع وخداع وسهولة انقياد , بين أن هذا على غير ذلك فقال منبها على ~~هذا بالعبدية : { عتل } أي أكول شديد الخصومة جاف غليظ في خلقه وخلقه ثقيل ~~مر , كأنه قطعة جبل قد انقطع عن سائره لا ينجر إلى خير إلا بعسر وصعوبة ~~وعنف , من عتله - إذا قاده بغلظة , فهو في غاية ما يكون من يبس الطباع وعدم ~~الطواعية في الخير والانطباع , قال الرازي : وسئل عنه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم - أي عن العتل - فقال : ( هو الشديد الخلق الرحيب الجوف الأكول ~~الشروب الظلوم ) ونبه سبحانه على ثباته في تلك المخازي الموجب لاستغراق ~~أوقاته وأحواله بها بنزع الخافض فقال : { بعد ذلك } الخلق الجدير بتكلف ~~الإبعاد عنه الذي تجمع من هذه الأوصاف التي بلغت نهاية القباحة حتى صارت ~~كأنه خلق واحد ثابت راسخ لا حيلة له في مداواته , وعلى ذلك نبه قوله : { ~~زنيم * } أي صارت له علامة سوء وشر وثنا قبيح ولأمة بينه ومعرفة يعرف بها ~~كما تعرف الشاة بزنمتها . | وهي الجلدة التي تكون تحت حلقها مدلاة تنوس , ~~والعبد بمعايبه وسفساف أخلاقه , وقيل : هو الذي يتشبه بقوم وليس منهم في ~~شيء , ولا يخلو التعبير به من إشارة إلى أنه دعي ليس ثابت النسب غلى من ~~ينتسب إليه , ليكون منقطعا عن كل خير وغن كان ينسب إلى آباء ms5509 كرام , أخذا من ~~زنمة البعير , وهي جلدة تقطع من أذنه فتترك معلقة , ولا يفعل ذلك إلا بكرام ~~الإبل , وهذه الأفعال كلها تنافي الشجاعة المقتضية لإحسان صابحها إلى كل ~~أحد وأن لا يحسب له حسابا ولا يوصل إليه أذى إلا بعد ظهور شره فيعامله ~~حينئذ بحسب العدل بما لا يرزئ بالمروءة والمشار إليه بهذا مع إرادة العموم ~~قيل : الوليد بن المغيرة , وقيل : الأخنس بن شريق , وقيل : الأسود بن عبد ~~يغوث , وقال ابن قتيبة : لا نعلم أن الله تعالى وصف أحدا ولا ذكر من عيوبه ~~ما ذكر من عيوب الوليد بن المغيرة . | ولما كان حطام هذه الدنيا كله عرضا ~~فانيا وظلا متقلصا زائلا , لا يفتخر به بل ولا يلتفت إليه إلا من كان بهذه ~~الأوصاف , فإذا كان أكبر همه ومبلغ علمه أثمر له الترفع PageV08P102 على ~~الحقوق والتكبر على العباد قال : { أن } أي لأجل أن { كان } هذا الموصوف { ~~ذا مال } أي مذكور بالكثرة { وبنين * } أنعمنا عليه بهما فصار يطاع لأجلهما ~~, فكان بحيث يجب عليه شكرنا بسببهما { إذا تتلى } أي تذكر على سبيل ~~المتابعة { عليه } ولو كان ذلك على سبيل الخصوص له { آياتنا } أي العلامات ~~الدالة دلالة في غاية الظهور على الملك الأعلى وعلى ما له من صفات العظمة { ~~قال } أي فاجأ هذا القول من غير تأمل ولا توقف عوضا عن الشكر , ف ( إن ) مع ~~جاره متعلق بما دل عليه الكلام نحو كذب لأجل كونه متمكنا , ولا يتعلق بقال ~~لأنه جزاء الشرط , ويجوز أن يتعلق بلا تطع أي لا توجد طاعته لأجل إن كان ~~كذا , وقرىء بالكسر على أنها شرطية , فيكون النهي عن طاعته لعلة الغنى ~~مفهما للنهي عن طاعته عند الوصف بغيره نم باب الأولى كالتعليل بإملاق في ~~الوأد : { أساطير } جمع سطور جمع سطر { الأولين * } أي أشياء سطروها ودونها ~~, وفرغوا فحمله دنيء طبعه على تكبره بالمال فورطه في التكذيب بأعظم ما يمكن ~~سماعه فجعل الكفر موضع الشكر ولم يستح من كونه يعرف كذبه كل من يسمعه , ~~فأعرض عن الشكر ووضع موضعه الكفر , فكان ms5510 هذا دليلا على جميع تلك الصفات ~~السابقة مع التعليل بالإسناد إلى ما هو عند العاقل أوهم وأوهى من بيت ~~العنكبوت , والاستناد إليه وحده كاف في الاتصاف بالرسوخ في الدناءة , ولا ~~يعمل في ( أن قال ) بل ما دل عليه لأن ما في حيز الشرط لا يعمل فيما قبله . ~~| ولما كان هذا المكذور قد أغرق في الشر فتوقع السامع جزاءه , قال معلما ~~أنه يجعل له من الخزي والفضائح ما يصير به شهرة بين الخلائق في الدنيا ~~والآخرة : { سنسمه } أي نجعل ما يلحق به من العار ف يالدارين كالوسم الذي ~~لا ينمحي أثره , تقول العرب : وسمه ميسم سوء . | ولما كان الوسم منكئا , ~~وكان جعله في موضع لا يستر أنكأ , وكان الوجه أشرف ما في الإنسان , وكان ~~أظهر ما فيه وأكرمه الأنف , ولذلك جعلوه مكان العز والحمية واشتقوا منه ~~الأنفة قال : { على الخرطوم * } أي الأنف الطويل جميعه وما قاربه من ~~الحنكين وسما مستعليا عليه بوضح جدا ليكون هتكة بين الناس وفضيحة لقومه ~~وذلا وعارا , وكذا كان لعمري له بهذا الذكر الشنيع والذنب القبيح من الكفر ~~وما معه , وسيكون له يوم الجمع الأعظم ما هو أشنع من هذا على أنه قد حقق في ~~الدنيا هذا الخطم حسا بأنه ضرب يوم بدر ضربة خطمت أنفه - قاله ابن عباس رضي ~~الله عنهما , والتعبير عن الأنف بهذا للاستهانة والاستخفاف . | ولما ذكر في ~~أول الملك أنه خلق الموت والحياة للابتلاء في الأعمال , وختم هنا ~~PageV08P103 بعيب من يغتر بالمال والبنين وهو يعلم أن الموت وراءه , أعاد ~~ذكر الابتلاء وأكده لأن أعمالهم مع العلم بأنه عرض زائل أعمال من ظن الملك ~~الثابت والتصرف التام , فقال : { إن بلوناهم } أي عاملنا - على ما لنا من ~~العظمة - الذين نسمهم على الخراطيم من قريش وسائر عبادنا بما وسعنا عليهم ~~به معاملة المختبر مع علمنا بالظاهر والباطن , فغرهم ذلك وظنوا أنهم أحباب ~~, ومن قترنا عليه من أوليائنا أعداء , فاستهانوا بهم , ونسبوهم لأجل تقللهم ~~في الدنيا إلى السفه والجنون والضلال والفتون , فيوشك أن تاخذهم بغتة كما ~~فعلنا ms5511 بأصحاب الجنة , فكل من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ابتلى ~~به , فإن آمن كان ممن أحسن عملا , وإلا كان ممن أساء . | ولما لم تعرف عامة ~~أهل مكة نعمة الله عليهم به صلى الله عليه وسلم , أخرجه الله عنهم وأكرمه ~~بأنصار جعله أكرم الكرامات لهم , وكل من سمع به ولم يؤمن فهو كذلك , تكون ~~أعماله كهذه الجنة يظنها شيئا فتخونه أحوج ما يكون إليها , أو كان ابتلاؤنا ~~لهم بالقحط الذي دعا عليهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكلوا ~~الجيف فما تابوا كما تاب { كما بلونا } أي اختبرنا بأن عاملنا معاملة ~~المختبر مع علمنا بالظاهر والباطن , وحاصله أنه استخرج ما في البواطن ~~ليعلمه العباد في عالم الشهادة كما يعلمه الخالق في عالم الغيب , أو أنه ~~كناية عن الجزاء { أصحاب الجنة } عرفها لأنها كانت شهيرة عندهم وهي سبتان ~~عظيم كان دون صنعاء بفرسخين , يقال له الضروان , يطؤه أهل الطريق , كان ~~صاحبه ينادي الفقراء وقت الصرام , ويترك لهم ما أخطأ المنجل أو ألقته الريح ~~أو بعد عن البساط الذي يبسط تحت النخلة , فلما مات شح بنوه بذلك فحلفوا على ~~أن يجذوها قبل الشمس حتى لا يأتي الفقراء إلا بعد فراغهم , وذلك معنى قوله ~~تعالى : { إذ } أي حين { أقسموا } ودل علىتأكيد القسم فقال : { ليصرمنها } ~~عبر به عن الجذاذ بدلالته على القطع البائن المعزوم عليه المستأثل المانع ~~للفقراء ليكون قطعا من كل وجه , من الصريم - لعود يرعض على فم الجدي لئلا ~~يرضع , ومن الصرماء : المفازة لا ماء بها , والناقة القليلة اللبن { مصبحين ~~* } أي داخلين في أو وقت الصباح { ولا } أي والحال أنهم لا { يستثنون * } ~~أي لا يطلبون ولا يوجدون ثنيا - أي عودا - إلى ما قبل المين بقولهم ( إن ~~شاء الله ) أو غير ذلك من الألفاظ الموجبة لأن يكون لشيء من جنتهم مطلقا ~~غير ممنوع , وسمي ذلك استثناء لأنه أخراج لشيء يكون حكمه غير المذكور أولا ~~, وكان الأصل فيه : إلا أن يشاء الله , وألحق به إن شاء الله لرجوعه إليه ~~في ms5512 اتحاد الحكم { فطاف } أي فتسبب عن عملهم هذا الطامع أن طاف { عليها } أي ~~جنتهم { طائف } أي عذاب مهلك محيط مع أنه أمر يسير جدا عند الله وإن كان ~~عظيما بالنسبة إليها لأنه لم يدع منها شيئا , PageV08P104 ولا يكون الطائف ~~بهذا المعنى إلا بالليل , كذا قيل , ويرده ^ ( { إذا مسهم طائف من الشيطان ~~تذكروا } ) ^ [ الأعراف : 201 ] . | ولما كان هذا مقتا في الصورة أخبر بأنه ~~لطف وتربية في المعنى بقوله : { من ربك } أي المعروف بالعظمة التي لا تحد ~~وبالإحسان إليك فهو جدير بأن يؤدب قومك ليقبلوا منك كما أدب أصحاب الجنة ~~بما أوجب توبتهم وهو الحقيق بتربية العباد يعقلوا عنك ويكونوا خليقين ~~بالتجنب للدنيا والإقبال على المعالي { فأصبحت } أي فتسبب عن هذا الطائف ~~الذي أرسله القادر الذي لا يغفل ولا ينام على مآل من لا يزال أسير العجز ~~والنوم فعلا أو قوة أن صارت جنتهم وقت اجتنائهم لها بالغد وسرورهم بها { ~~كالصريم * } أي كالأشجار التي صرم عنها ثمرها أو كالشيء الذي انقطع ما بينه ~~وبين قاصده فلا وصول غليه بوجه , وقيل : كالليل المظلم الأسود , وقيل : ~~كالرماد الأسود , ليس بها ثمرة , لأن ذلك الطائف أتلفها لم يدع فيها شيئا , ~~لأنهم طلبوا الكل فلم يزكوه بما يمنع عنه الطوارق بضد ما كان لأبيهم من ~~ثمرة عمله الصالح من الدفع عن ماله والبركة في جميع أحواله . | < < # | القلم : ( 21 - 30 ) فتنادوا مصبحين # > > ^ ( فتنادوا مصبحين * أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين * فانطلقوا ~~وهم يتخافتون * أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين * وغدوا على حرد قادرين * ~~فلما رأوها قالوا إنا لضآلون * بل نحن محرومون * قال أوسطهم ألم أقل لكم ~~لولا تسبحون * قالوا سبحان ربنآ إنا كنا ظالمين * فأقبل بعضهم على بعض ~~يتلاومون ) ^ } ) | ولما كانوا لقوة عزمهم على ما أقسموا عليه كأنهم كانوا ~~على ميعاد , سبب عنه قوله : { فتنادوا } أي كانوا كأنهم نادى كل منهم الآخر ~~{ مصبحين * } أي في حال أول دخولهم في الإصباح , وفسر التنادي بقوله : { أن ~~اغدوا } أي بكروا جدا مقبلين ومستولين وقادرين { على حرثكم } أي محل ~~فائدتكم ms5513 الذي أصلحتموه وتعبتم فيه فلا يستحقه غيركم , فكأنهم استبطؤوا ~~قيامهم وغدوهم فكفوا عنه بقوله : { إن كنتم } أي اليوم كونا هو لكم بغاية ~~الرغبة { صارمين * } أي جاذين جذاذا ليسلم لكم من غير مشاركة أحد لكم كما ~~تواثقتم عليه , أو جازمين بما عزمتم عليه , وعبر عن إسراعهم إلى الذهاب ~~بقوله : { فانطلقوا } أي بسبب هذا الحث وعقبه كأنهم كانوا متهيئين { وهم } ~~أي والحال أنهم { يتخافتون * } أي يقولون في حال انطلاقهم قولا هو في غاية ~~السر كأنهم ذاهبون إلى سرقة من دار هي في غاية الحراسة , من الخفوت وهو ~~الخمود , ثم فسر ما PageV08P105 يتخافتون به بقوله : { أن لا يدخلنها } ~~وأكدوه لأنه لا يصدق أن أحدا يصل إلى هذه الوقاحة وصلابة الوجه وأن جذابا ~~يخلو من سائل . | ولما كانت العادة قاضية بأنه لا بد أن ينسى الإنسان شيئا ~~أو يقفل بابا أو ثغرة يدخل منه وبسببه فقير قالوا : { اليوم } أي في جميع ~~النهار - بما دل عليه نزع الخافض - لتكروا عليه مرارا وتفتشوا فلا تدعوا ~~فيه ثمرة واحدة ولا موضعا يطمع بسببه أحد في قصدكم { عليكم } أي وأنتم بها ~~{ مسكين * } وهو نهي للمسكين في اللفظ للمبالغة في نهي أنفسهم أن لا يدعوه ~~يدخل عليهم , فقال لهم أوسطهم سنا وخيرهم نفسا وأعدلهم طبعا بما دل عليه ما ~~يأتي : لا تقولوا هكذا واصنعوا من الإحسان ما كان يصنع أبوكم , وكأنه طواه ~~سبحانه لأنه مع الدلالة عليه بما يأتي لم يؤثر شيئا , وأكد كون انطلاقهم ~~حال الإصباح بقوله : { وغدوا } أي ساروا إليها غدوة { على حرد } لا غيره ~~وهو القصد وشدة الغضب مع الجزم بالأمر واللجاج فيه والسرعة والنكد بالمنع ~~وقلة الخير , من حاردت السنة أي لم يكن فيها مطر , والإبل : منعت درها , ~~وحرد - إذا أسرع { قادرين * } عند أنفسهم وفي زعمهم بدليل عدم استثنائهم ~~فإن الجزم على الفعل في المستقبل فضلا عن أن يكون مع الخلف فعل من لا كفؤ ~~له , ودل على قربها من منزلهم بالفاء فقال : { فلما رأوها } أي بعد سير ~~يسير وليس للزرع ولا للثمر بها أثر ms5514 { قالوا } لأنها صارت لسوء حالها من ذلك ~~الطائف بعيد من حال ما كانت عليه عند تباعدهم وتغيير نياتهم فأدهشهم منظرها ~~وحيرهم خبرها , وأكدوا لأن ضلالهم لا يصدق مع قرب عهدهم بها وكثرة ملابستهم ~~لها وقوة معرفتهم بها فقالوا : { إنا لضالون * } أي عن طريق جنتان لأن هذه ~~لا تشبهها بوجه فيما كان فيه بالأمس من النضارة وشدة الحمل وحسن الهئة . | ~~ولما انجلى ما أدهشهم في الحال قالوا مضربين عن الضلال : { بل نحن محرومون ~~* } أي ثابت حرماننا مما كان فيها من الخير الذي لا نغيب عنها إلا سواد ~~الليل فحرمنا الله إياها بما عزمنا عليه نم حرمان المساكين لأن الله لا ~~يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . | وما كان القرع بالمصائب مظنة الرقة ~~والتوبة لمن أريد به الخير , وزيادة الكفر لغيره , استأنف قوله : { قال ~~أوسطهم } أي رأيا وعقلا وسنا ورئاسة وفضلا , منكرا عليهم : { ألم أقل لكم } ~~أن ما فعلتموه لا ينبغي , وأن الله سبحانه وتعالى بالمرصاد لمن غير ما في ~~نفسه وحاد . | ولما كان منع الخير ولا سيما في مثل هذا مستلزما لظن النقص ~~في الله تعالى إما بأنه سبحانه لا يخلف ما حصل التصديق به وإما أنه لا يقدر ~~على إهلاك ما شح الإنسان PageV08P106 به , قال مستأنفا : { لولا } أي هلا ~~ولم لا { تسبحون * } أي توقعون التنزيه لله سبحانه وتعالى عما أوهمه فعلكم ~~, وأقل التسبيح الاستثناء عند الإقسام شكا في قدرة الإنسان وإثباتا لقدرة ~~الملك الديان استحضارا لعظمته سبحانه وتعالى , ودل سياق الكلام على أنهم ~~كانوا متهيئين للتوبة بقوله : { قالوا } من غير تلعثم بما عاد عليهم من ~~بركة أبيهم فقال سبحانه حاكيا عن قولهم : { سبحان ربنا } أي تنزه المحسن ~~إلينا التنزيه الأعظم عن أن يكون وقع منه فيما فعل بنا ظلم , وأكدوا قباحة ~~فعلهم هضما لأنفسهم وخضوعا لربهم وتحقيقا لتوبتهم لأن ما كانوا عليه من ~~الحال يقتضي أن لا يصدق رجوعهم عنه بقولهم : { إنا كنا } أي بما في جبلاتنا ~~من الفساد { ظالمين * } أي راسخين في إيقاعنا الأشياء في غير مواضعها حيث ms5515 ~~لم نعزم عزما جازما على ما كان يفعل أبونا من البر , ثم حيت حلفنا على ترك ~~ذلك ثم حيث لم نرد الأمر إلى الله بالاستثناء حيث حلفنا فإن الاستثناء الله ~~عن أن يجري في ملكه مالا يريد , وأكد توبتهم بقوله مسببا عن اعترافهم ~~بالظلم : { فأقبل بعضهم } أي في حال مبادرتهم إلى الخضوع { على بعض } ودلت ~~التسوية بين فريقيهم في اللفظ على الاستواء في التوبة { يتلاومون * } أي ~~يفعل كل منهم مع الآخر في اللوم على ما قصده من المنع وترك ما تركوه من ~~الإعطاء والدفع ما يفعله الآخر معه , وينسب النقصان إليه كما هو دأب ~~المغلوبين العجزة . | < < # | القلم : ( 31 - 38 ) قالوا يا ويلنا . . . . . # > > ^ ( قالوا يويلنا إنا كنا طاغين * عسى ربنآ أن يبدلنا خيرا منهآ إنآ ~~إلى ربنا راغبون * كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون * إن ~~للمتقين عند ربهم جنات النعيم * أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف ~~تحكمون * أم لكم كتاب فيه تدرسون * إن لكم فيه لما تخيرون ) ^ } ) | ولما ~~تشوف السامع إلى معرفة بعض ذلك قال : { قالوا } منادين لما شغلهم قربه منهم ~~وملازمته عن كل شيء : { يا ويلنا } أي هذا وقت حضورك أيها الويل إيانا ~~ومنادتك لنا فإنه لا نديم لنا غلا أنت , والويل هو الهلاك والإشراف عليه . ~~| ولما كان أهل الرذالة ينكرون أن يكون من يمنع الفقراء طاغيا , أكدوا ~~قولهم : { إنا كنا } أي جبلة وطبعا { طاغين * } أي مجاوزين الحدود فيما ~~فعلنا من التقاسم على منع الفقراء وعلى جذها في الصباح من غير استثناء فعل ~~القادر , وكان ذلك إن كان لا بد لنا منه ممكنا بغير قسم ولا غخفاء من الغير ~~ولا مخافته حال السير بأن يقال للفقراء : يفتح الله , ونحو ذلك من الكلام . ~~| ولما قدموا ما هو أنفع لهم من اللوم المتقضي لإجماعهم على التوبة فعلم ~~بذلك الندم الذي هو أمارة التوبة , استأنفوا جوابا لمن سأل : هل اقتصروا ~~على التلاوم ؟ PageV08P107 قولهم : { عسى } أي يمكن أن يكون وهو جدير وخليق ~~بأن يكون { ربنا } أي الذي أحسن إلينا بتربية هذه الجنة ms5516 وبإهلاك ثمرها الآن ~~تأديبا لنا { أن يبدلنا } أي من جنتنا شيئا { خيرا منها } يقيم لنا أمر ~~معاشنا فتنقلب أحوالنا هذه التي نحن فيها من الهموم والبذاذة بسرور ولذاذة ~~بما أفاده إيقاع الفعل على ضميرهم , وقراءة أبي عمرو ونافع بالتشديد وقراءة ~~الباقين بالتخفيف وهما متقاربان غير أن التشديد يدل على التدريج , فالتخفيف ~~أبلغ معنى : وإنما تعلق رجاؤنا بسبب توبتنا وعلمنا بأن ربنا قادر على ما ~~يريد , ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون . | ولما دل هذا الدعاء ~~على إقبالهم على الله وحده صرحوا وأكدوا لأن حالهم الأول كان حال من ينكر ~~منه مثل ذلك فقالوا معللين : { إنا } ولما كان المقام للتوبة والرجوع عن ~~الحوبة , عبروا بأداة الانتهاء إشارة إلى بعدهم عن الحضرات الربانية تأدبا ~~منهم فقالوا : { إلى ربنا } أي المحسن إلينا والمربي لنا بالإيجاد ثم ~~الإبقاء خاصة لا إلى غيره سبحانه { راغبون * } أي ثابتة رغبتنا ورجاؤنا ~~الخير والإكرام بعد العفو , وقد قيل إن الله تعالى جلت قدرته قبل رجوعهم ~~وأخلف عليهم فأبدلهم جنة يقال لها الحيوان بحيث كان القطف الواحد منها ~~يحمله وحده من كبره البغل - رواه البغوي عن ابن مسعود , ولكن لما كان ~~المقام لترهيب من ركن إلى ماله واحتقر الضعفاء من عباد الله ولم يجلهم ~~بجلاله طواه , وذكر ما صور هذا الكلام وأنتجه من مساواة حال قريش وحال ~~هؤلاء في الإحسان وطول الحلم مع احتقار أوليائه والتقوى عليهم بأفضاله ~~ونعمائه , فقال مرهبا : { كذلك } أي مثل هذا الذي بلونا به أصحاب الجنة من ~~إهلاك ما كانوا عند أنفسهم في غاية ا لقدرة عليه والثقة به مع الاستحسان ~~منهم لفعلهم والاستصواب وهددنا به أهل مكة فلم يبادروا إلى المتاب : { ~~العذاب } الذي تحذرهم منه وتخوفهم به في الدنيا , فإذا تم الأجل الذي ~~قردنهاه له أخذناهم به غير مستعجلين ولا مفرطين لأنه لا يعجل إلا ناقص يخاف ~~الفوت . | ولما كانوا منكرين لأمور الآخرة أشد من إنكارهم لأمور الدنيا أكد ~~قوله : { ولعذاب الآخرة } أي الذي يكون فيها للعصاة والجبارين { أكبر } أي ~~في كل ms5517 ما يتوهمونه . | ولما كان هذا موجبا لمن له أدنى شعور للهروب منه قال ~~: { لو كانوا } أي الكفار { يعلمون * } أي لو كان لهم علم بشيء من غرائزهم ~~في وقت من الأوقات لرجعوا عما هم فيه مما عرفوا أنه يغضب الله فيكون سبب ~~العذاب في الدارين , وهم مع ذلك مما يرزئ بهم عند الله وعند الناس من تلك ~~الآثار الخبيثة التي منها الأيمان الكاذبة , ويدل PageV08P108 على عدم ~~شجاعتهم وقلة عقولهم , لكنهم ليس لهم نوع علم الآن , والمختوم بموته على ~~الكفر لا يتجدد له نوع علم , وغيره سيرجع في الوقت الذي قدره الله له . | ~~ولما ذكر ما لأهل الجمود الذين لا يجوزون الممكنات , ذكر أضدادهم فقال ~~مؤكدا لأجل إنكارهم : { إن للمتقين } أي العريقين في صفة التقوى خاصة دون ~~غيرهم ممن لا يتقي , والتقوى : الاحتراز بالوقاء الحامل عليه الخوف من ~~المؤذي , الحامل عليه تجويز الممكنات , قال الملوي : وأصلها أن الفرس ~~الواقي - وهو الموجوع الحافي - لا يضع حافره حتى يرى هل الموضع لين يناسب , ~~وكذا المتقي لا يتحرك ولا يسكن إلا على بصيرة من رضا الله بذلك , فلا يفعل ~~أحد منهم شيئا من تلك الآثار الخبيثة التي تقدمت للمكذبين , فحازوا الكمال ~~بصلاح القوة العملية الناشىء عن صلاح القوة العلمية , وزاد في الترغيب ~~إشارة إلى جنة القلب وبسط الروح بقوله : { عند ربهم } أي المحسن إليهم في ~~موضع ندم أولئك وخيبة آمالهم , فإن تقريبهم دل على رضاه سبحانه , ورضا صاحب ~~الدار مطلوب قبل نظر الدار , ولما أشار إلى جنة القلب أتبعها جنة القالب ~~فقال تعالى : { جنات } جمع جنة وهي لغة البستان الجامع , وفي عرف الشرع ~~مكان اجتمع فيه جميع السرور وانتفى منه جميع الشرور { النعيم * } وهو ~~الخالص من المكدر والمشوش والمنغص , لا شيء فيها غيره أصلا - بما أفادته ~~الإضافة . | ولما كان عدم إيراث كل من الفريقين الدار التي تقدم وصفها ~~تسوية بين المحسن والمسيء , وكان ذلك لا يليق بحكيم أن يفعله , وجب إنكاره ~~لتحقق أن ما أخبر به سبحانه لا يكون إلا يليق بحكيم أن يفعله , وجب ms5518 إنكاره ~~لتحقق أن ما أخبر به سبحانه لا يكون إلا كذلك لا سيما وقد كان الكفار ~~يقولون : إنهم كالمسلمين أو أحسن حالا منهم , وذلك أنه إن كان لا بعث , كما ~~كانوا يظنون , فقد استووا فيما بعده مع ما فضلوهم به في الدنيا من اتباع ~~الأهواء والظفر باللذائذ , وإن كان ثم بعث فقد كانوا يقولون لشبهة دعتهم ~~إليها شهوتهم : أما نكون على تقديره أحسن حالا منكم وآثر عند الله في حسن ~~العيش كما نحن في هذه الدار لأنه ما بسط لنا في هذه الدار إلا ونحن عنده ~~أفضل منكم , فقال تعالى منكرا ومكذبا لذلك غاية إنكار والتكذيب عائبا ~~التحكم بالجهل غاية العيب نافيا للمساواة ليكون انتقاما هو أعلى من باب ~~الأولى مسببا عما تقديره : ولا يكون لغير المتقين ذلك : { أفنجعل المسلمين ~~} أي الذي هم عريقون في الانقياد لأوامرنا والصلة لما أمرنا بوصله طلبا ~~لمرضاتنا فلا اختيار لهم معنا في نفس ولا غيرها لحسن جبلاتهم { كالمجرمين * ~~} أي الراسخين في قطع ما أمرنا به ان يوصل وأنتم لا تقرون مثل ذلك , بل من ~~عاندكم نوع معاندة قاطعتموه ولو وصل الأمر إلى القتل . | PageV08P109 ولما ~~كشف هذا الدليل الشبه ورفع الستار , فأوصل إلى أعظم من ضوء النهار , لفت ~~القول إليهم بالخطاب لفت المغضب عند العتاب , فقال معجبا منهم منبها على ما ~~هم فيه من اعوجاج الفطر وفساد الفكر منكرا عليهم غاية الإنكار : { ما لكم } ~~أي أي شيء يحصل لكم من هذه الأحكام الجائرة البعيدة عن الصواب . | ولما ~~نبههم على أنه ليس لهم في مثل هذه الأحكام شيء يمكن أن يكون نافعا , وكان ~~العاقل إذا علم أن شيئا من الأشياء لا نفع فيه بعد منه , أنكر عليهم ثالثا ~~حال أحكامهم هذه لأن نفي أحوالها أشد لنفيها كما تقدم في ^ ( { كيف تكفرون ~~} ) ^ في [ البقرة : 28 ] فقال : { كيف تحكمون * } أي أي عقل دعاكم إلى هذا ~~الحكم الذي يتضمن التسوية من السيد بين المحسن من عبيده والمسيء . | ولما ~~كان الحكم لا يمكن وجوده إلا مكيفا بكيفية , وكان سبحانه وتعالى ms5519 قد نفى ~~حكمهم هذا بإنكار جميع كيفياته التي يمكن أن يصح معها , وكان الحكم الصحيح ~~لا بد وأن يكون مستندا إلى عقل أو نقل , زاد بطلان حكمهم وضحا بنفي الأمرين ~~معا , فقال عاطفا على ما تقديره : ألكم دليل من العقل إليه تلجؤون : { أم ~~لكم كتاب } أي سماوي معروف أنه من عند الله خاص بكم { فيه } أي لا في غيره ~~من أساطير الأولين وبر الممحوقين { تدرسون * } أي تقرؤون قراءة أتقنتم ~~مخالطتها أو أنعمتم فهمه بسببها . | ولما ذكر المدروس فقال تعالى : { إن ~~لكم } أي خاصة على وجه التأكيد الذي لا رخصة في تركه { فيه } أي الكتاب ~~لتكونوا في غاية الوثوق به , لا في غيره مما لا وثوق لكم به { لما تخيرون * ~~} أي تبالغون في انتقائه وأخذ خياره , وكسر الهمزة وكان حقها الفتح لولا ~~اللام لأن ما بعدها هو المدروس , ويجوز أن تكون الجملة حكاية للمدروس وأن ~~تكون استئنافية . | < < # | القلم : ( 39 - 43 ) أم لكم أيمان . . . . . # > > ^ ( أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون * ~~سلهم أيهم بذلك زعيم * أم لهم شركآء فليأتوا بشركآئهم إن كانوا صادقين * ~~يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ~~ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ) ^ } ) | ولما نفى دليل العقل ~~والنقل مع التعجب منهم والتهكم بهم , وكان قد بقي أن الإنسان ربما عاهد ~~غيره على شيء فيلزمه الوفاء به وإن كان خارجاص عما يدعو إليه العقل والنقل ~~, نفى ذلك بقوله : { أم لكم أيمان } أي غليظة جدا { علينا } قد حملتمونا ~~إياها { بالغة } أي لأجل عظمها إلى نهاية رتب التأكيد بحيث يكون بلوغ غيرها ~~ما يقصد بالنسبة إلى بلوغها ذلك عدما أي أن بلوغها هو البلوغ لا غيره , أو ~~ثباتها منته { إلى يوم PageV08P110 القيامة } لا يمكن الخروج عن عهدتها إلى ~~في ذلك اليوم ليحتاج لأجلها إلى إكرامكم في الدارين . | ولما ذكر ذلك القسم ~~بالأيمان ذكر المقسم عليه فقال : { إن لكم } أي خاصة دون المسلمين { لما ~~تحكمون * } أي تفعلونه فعل الحاكم الذي يلزم ms5520 قوله لعلو أمره على وجه ~~التأكيد الذي لا مندوحة عنه فتحكمون لأنفسكم بما تريدون من الخير . | ولما ~~عجب منهم وتهكم بهم , ذيل ذلك بتهكم أعلى منه يكشف عوارهم غاية الكشف وينزل ~~بهم أشد الحتف , فقال مخوفا لهم بالإعراض : { سلهم } أي يا أيها الرسول ~~الذي محت دلائله بقوة أنوارها الأنوار . | ولما كان السؤال لحصول العلم ~~علقت , ( سل ) على مطلوبها الثاني وكان حقه أن يعدى بعن فقال : { أيهم بذلك ~~} أي الأمر العظيم من المعاهدة والدليل النقلي والعقلي { زعيم * } أي كفيل ~~وضامن أو سيد أو رئيس أو متكلم بحق أو باطل لتلزمه في ادعائه صحة ذلك ما ~~تدعه به ضحكة للعباد , وأعجوبة للحاضر منهم والباد , فلم يجسر لما تعلمون ~~من حقية هذا القرآن وما لأقوالهم كلها من العراقة في البطلان أحد منهم على ~~شدة عداوتهم ومحبتهم للمغالبة وشماختهم أن يبرز لادعاء ذلك , ولما نفى أن ~~يكون لهم منه سبحانه في تسويتهم بالمسلمين دليل عقلي أو نقلي أو عهد وثيق ~~على هذا الترتيب المحكم والمنهاج الأقوم , أتبعه ما يكون من عند غيره أو ~~نقلي أو عهد وثيق على هذا الترتيب المحكم والمنهاج الأقوام , أتبعه ما يكون ~~من عند غيره إن كان ثم غير على ما ادعوا فقال : { أم لهم شركاء } أي شرعوا ~~لهم من الدين أمرا ووعدوهم بشيء أقاموا عيله من الأدلة ما أقمنا لنبينا صلى ~~الله عليه وسلم { فليأتوا بشركائهم } أي بأقوالهم وأفعالهم كما أتينا نحن ~~في نصر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الأمرين مع بما لا شبهة فيه , ~~وسجل عليهم بالكتاب ملهبا مهيجا بما يحرق به أكبادهم ولا يقدرون على دفعه ~~بوجه , فيكون ذلك أعظم دليل على إبطالهم : فقال : { إن كانوا } أي جبلة ~~وطبعا { صادقين * } أي عريقين في هذا الوصف كما يدعونه , ولما نفى جميع ~~شبههم التي يمكن أن يتشبثوا بها مع البيان لقدرته على ما يريد من تفتيق ~~الأدلة وتشقيق البراهين الدال على تمام العلم اللازم منه كمال القدرة ~~فأوصلهم من وضوح الأمر إلى حد لم يبق معه إلا ms5521 العناد , أتبع ذلك تهديدهم ~~بما يثبت ذلك قدرته عليه من يوم الفصل ومعاملتهم فيه بالعدل فقال : { يوم } ~~يجوز أن يكون بيانا ليوم القيامة , وبنى لإضافته إلى الجملة وأن يكون ظرفا ~~ليأتوا , أو منصوبا بما أخذ من معنى الكلام من نحو : سيعلمون ما يلقون من ~~غب هذه المعاملات وإن نالوا في هذه الدار جميع اللذات في جميع اليوم الذي { ~~يكشف } أي يحصل الكشف فيه , وبني للمفعول لأن المخيف وقوع الكشف الذي هو ~~كناية عن تفاقم الأمور وخروجها PageV08P111 عن حد الطوق , لا كونه من معين ~~, مع أن من المعلوم أنه لا فاعل هناك غيره سبحانه { عن ساق } أي يشتد فيه ~~الأمر غاية الاشتداد لأن من اشتد عليه الأمر وجد في فصله شمر عن ساقه لأجله ~~وشمر حرمه عن سوقهن غير محتشمات هربا , فهو كناية عن هذا ولذلك نكره تهويلا ~~له وتعظيما , نقل هذا التأويل عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن جبير ~~رضي الله عنه وغيرهما , وعن انكشاف جميع الحقائق وظهور الجلائل فيه ~~والدقائق من الأهوال وغيرها كما كشفت هذه الآيات جميع الشبه وتركت السامع ~~لها في مثل ضوء النهار , وفي الجزء الخامس والثلاثين من مسند أبي يعلى ~~الموصلي عن أبي بردة عن أبيه رضي الله عنه تعالى عنهم عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في هذا قال : ( عن نور عظيم يخرون له سجدا ) وهو لا ينافي ما ذكر ~~من التأويلين : الشدة والكشف . | ولما كان هذا الكشف الذي كشف لهم المعاني ~~في هذا القرآن إنما هو لأجل العبادة التي هي الخضوع الذي يعبر عنه بالسجود ~~وهو آيتها وأمارة ما شاتمل عليه الباطن منها وعلامتها فيأتونها وهم قادرون ~~عليها ذكرهم يوما يريدونها فيه فلا يتأتى لهم تنديما لهم وزيادة تحسير ~~وإظهار تظليل وتخسير لأن لأن ظهورهم وأعضاءهم تكون طبقا واحدا لا تنثني , ~~فكلما أرادوا أن يسجدوا انقلبوا على أقفائهم , فقال بانيا للمفعول دلالة ~~على إرادتهم للانقياد ورغبتهم فيه من أي داع كان , وهو دال على أن التكليف ~~لا ينقطع إلا بدخول كل ms5522 من الفريقين داره و { يدعون } أي من داعي الملك ~~الديان { إلى السجود } توبيخا على تركه الآن وتنديما وتعنيفا لا تعبدا ~~وتكليفا فيريدونه ليضروا أنفسهم مما يرون من المخاوف { فلا } أي فيتسبب عن ~~ذلك أنهم لا { يستطيعون * } أي لأنهم غير سالمين لا أعضاء لهم تنقاد به مع ~~شدة معالجتهم لأنفسهم على أن تطوع لهم أعضاؤهم بما تفهمه هذه الصيغة من أن ~~الإنسان منهم إذا أراد الفعل وعالجة بقوة فلم يطقه فإن ظهورهم تكون على ~~حالة لا تنثني معها بل كان فيها السفافيد فيكون لهم في ذلك أشد ندم لتركهم ~~إياه في الدنيا وهم يقدرون عليه وهو إذ ذاك نافع لهم ومالجتهم فعله أشد ~~معالجة وهم غير قادرين عليه وهو غير نافع لهم وإذا عجزوا مع المعالجة كانوا ~~بدونها أعجز , وذلك أنه يبعث المرء على ما مات عليه ويحشر على ما بعث عليه ~~إن خيرا فخيرا وإن شرا فشر , ولما كان ربما ظن ظان أن المانع لهم الكبر كما ~~في هذه الدنيا , قال مبينا لنفي الكبر في PageV08P112 مثل هذا اليوم العظيم ~~{ خاشعة } أي مخبتة متواضعة { أبصارهم } لأن ما في القلب يعرف في العين , ~~وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم ووجوههم أضوأ من الشمس , ووجوه الكافرين ~~والمنافقين سود مظلمة . | ولما كان الخاشع لذلك قد يكون خشوعه لخير عنده ~~حمله على ذلك مع العز قال : { ترهقهم } أي تغشاهم وتقهرهم { ذلة } أي عظيمة ~~لأنهم استعملوا الأعضاء التي أعطاهموها سبحانه وتعالى ليتقربوا بها إليه في ~~دار العمل في التمتع بما يبعد منه . | ولما دلت هذه العبارة مطابقة لما ورد ~~في الحديث الصحيح على أن من كان في قلبه مرض في الدنيا يصير ظهره طبقا ~~واحدا فقارة واحدة فيعالج السجود فيصير كلما أراده انقلب لقفاه , عجب منهم ~~في ملازمة الظلم الذي هو إيقاع الشيء في غير موقعه فقال : { وقد } أي ~~والحال أنهم { كانوا } أي دائما بالخطاب الثابت { يدعون } في الدنيا من كل ~~داع يدعو إلينا { إلى السجود وهم } أي فيأبونه والحال أنهم { سالمون * } أي ~~فهم مستطيعون , ليس في ms5523 أعضاهم ما يمنع من ذلك , وإنما يمنعهم منه الشماخة ~~والكبر , فالآية من الاحتباك : ذكر عدم الاستطاعة أولا دال على حذف ~~الاستطاعة ثانيا , وذكر السلامة ثانيا دال على حذف عدم السلامة أولا . | < ~~< # | القلم : ( 44 - 48 ) فذرني ومن يكذب . . . . . # > > ^ ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون * وأملي ~~لهم إن كيدي متين * أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون * أم عندهم الغيب ~~فهم يكتبون * فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ) ^ } ~~) | ولما علم بهذا أنه سبحانه المتصرف وحده بما يشاء كيف يشاء من المنع ~~والتمكين , وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجد من تكذيبهم له - مع إتيانه ~~بما لا يحتمل التكذيب بوجه - من المشقة ما لا يعلم مقداره إلا الله سحبانه ~~وتعالى , وكان علم المغموم بأن له منقذا يخفف عنه , وكان علمه باقتداره على ~~ما يراد منه أقر لعينه سبب عن كمال اقتداره قوله مخففا عنه عليه أفضل ~~الصلاة والسلام , لافتا القول إلى التكلم بالإفراد تنصيصا على المراد زيادة ~~في تسكين القلب وشرح الصدر : { فذرني } أي اتركني على أي حالة اتفقت { ومن ~~يكذب } أي يوقع التكذيب لمن يتلو ما جددت إنزاله من كلامي القديم على أي ~~حالة كان إيقاعه , وأفرد الضمير نصا على تهديد كل واحد من المكذبين : { ~~بهذا الحديث } أي بسببه أي خل بيني وبينهم وكل أمرهم إلي ولا تكترث بشيء ~~منه أصلا فإني أكفيكهم لأنه لا مانع منهم فلا تهتم بهم أصلا . | ولما كان ~~كأنه قيل : وماذا تعمل فيه إذا خليت بينك وبينه ؟ أجابه بقوله جامعا ~~PageV08P113 الضمير ليكون الواحد مهددا من باب الأولى : { سنستدرجهم } أي ~~فنأخذهم بعظمتنا عما قليل على غرة بوعد لا خلف فيه وندنيهم إلى الهلاك درجة ~~بواسطة من شئنا من جنودنا وبغير واسطة بما نواتر عليهم من النعم التي توجب ~~عليهم الشكر فيجعلونها سببا لزيادة الكفر فنوجب لهم النقم . | ولما كان أخذ ~~الإنسان من مأمنه على حالة غفلة بتوريطه في أسباب الهلاك لا يحس بالهلاك ~~إلا وهو لا يقدر على التفصي ms5524 فيها بوجه قال تعالى : { من حيث } أي من جهات { ~~لا يعلمون * } أي لا يتجدد لهم علم ما في وقت من الأوقات بغوائلها , وذلك ~~أنه سبحانه يغرهم بالإمهال ولا يعاجلهم بالعقاب في وقت المخالفة كما يتفق ~~لمن يراد به الخير فيستيقظ بل يمهلهم ويمدهم بالنعم حتى يزول عنهم خاطر ~~التذكير فيكونوا منعمين في الظاهر مستدرجين في الحقيقة فيقولون : قد قلتم : ~~إن القدر فائض عن القضاء وأن الأعمال قضاء وجزاءها قدر , ويقولون : إن ~~أفعالنا في الدنيا قبيبحة ونحن لا نرى جزاءها إلا ما يسرنا لولا يعذبنا ~~الله بما نقول فأنتم كاذبون في توعدنا فإنا كلما أحدثنا ما تسمونه معصية ~~تجددت لنا نعمة , وذلك كما قادهم إلى تدريجهم وهم في غاية الرغبة , قال ~~القشيري : والاستدراج أن يريد السىء ويطوي عن صاحبه وجه القصد حتى يأخذه ~~بغتة فيدرج إليه شيئا بعد شيء . | ولما كان الاستدراج يكون بأسباب كثيرة من ~~بسط النعم وغيرها , فأبرزه بالنون المشتركة بين الاستتباع والعظمة , وكان ~~تأخير الأجل لا يكون إلا لله وحده بغير واسطة شيء قال سبحانه : { وأملي } ~~أي أوخر أنا وحدي في آجالهم وأوسع لهم في جميع تمتعهم ليزدادوا إثما { لهم ~~} لأنه لا يقدر على مد الأجل وترفيه العيش غيري . | ولما سلاه صلى الله ~~عليه وسلم بهذا غاية التسلية , علل أو استأنف في جواب من لعله يقول : لم ~~يكون أحدهم على هذا الوجه ؟ مسميا إنعامه كيدا : { إن كيدي } أي ستري ~~لأسباب الهلاك عمن أريد إهلاكه وإبدائي ذلك له في ملابس الإحسان وخلف العبر ~~والامتنان { متين * } أي في غاية القوة حيث كان حاملا للإنسان على غهلاك ~~نفسه باختياره وسيعلم عند الأخذ أني لما أمهلته ما أهملته وأن إمهالي إنما ~~كان استدراجا . | ولما كان هذا القرآن أعظم إحسان , ساقه سبحانه وتعالى ~~إليهم فكان موجبا للشكر عليهم للذي أنزله ولإكرام الآتي به , فكان سببا ~~لمباشرتهم من التكذيب به والأذى للآتي به إليهم ما يوجب أخذهم , قال دالا ~~على متانة كيده سبحانه ودقة استدراجه عاطفا على ما تقديره لبيان أنهم ~~يباشرون ما يهلكهم ms5525 باختيارهم من غير موجب : أكان تكذيبهم هذا الذكر لشيء ~~فيه يرتابون ؟ قوله منكرا عليهم , مبينا أن تكذيبهم إنما هو لأنه طبع وخبث ~~PageV08P114 سجية لا شهوة لهم فيه ولا شبهة : { أم تسئلهم } أنت يا أعف ~~الخلق وأعلاهم همما { أجرا } على إبلاغك إياهم { فهم } أي فتسبب عن ذلك ~~وتعقب أنهم { من مغرم } كلفتهم به فهم لشدته { مثقلون * } أي واقع إثقالهم ~~به حتى أوجب لهم ذلك الغرم الناقص لأموالهم التقاعد عن التصديق بما جئت به ~~إليهم من عندنا فصاروا يشتهون إقلاعك عنه . | ولما نفى أن يكون تكذيبهم ~~بشهوة دعتهم إلى ذلك نفى أن يكون لهم في ذلك شبهة من شك في الذكر أو حيف في ~~المذكر وأن يكونوا على ثقة أو ظن من سلامة العاقلة فقال : { أم عندهم } أي ~~خاصة { الغيب } أي علموه من اللوح المحفوظ أو غيره { فهم } بسبب ذلك { ~~يكتبون * } أي ما يريدون منه ليكونوا قد اطلعوا على أن هذا الذكر ليس من ~~عند الله أو على أنهم لا درك عليهم في التكذيب به , فقد علم بهذا أنه لا ~~شهوة لهم في ذلك عادية ولا شبهة , وإنما تكذيبهم مجرد خبث طباع , وظلمة ~~نفوس وأمالي فارغة وأطماع . | ولما انتفى جميع ذلك فثبت أنهم على خطر عظيم ~~, وأنه سبحانه المختص بعلم الغيب , وقد أخبر بإهلاكهم من أجله صلى الله ~~عليه وسلم , وأن كفر من كفر وإيمان من آمن بقضائه وتقديره , فكان لا بد ~~منهما , كان ذلك سببا حاملا له على الصبر إلى الوقت الذي ضربه سبحانه للفرج ~~, فقال مسببا عما تقديره : لم يكن له شيء مما ذكر , وإنما هو القضاء والقدر ~~: { فاصبر } أي أوفر الصبر وأوجده على كل ما يقولون فيك وعلى غير ذلك من كل ~~ما يقع منهم ومن غيره من مر القضاء والقدر { لحكم ربك } أي للقضاء الذي ~~قضاه وقدره المحسن إليك الذي أكرمك بما أكرمك به من الرسالة وألزمك بما ~~ألزمك من البلاغ وخذلهم بالتكذيب ومد لهم على ذلك في الآجال وأوسع عليهم ~~النعم وأخر ما وعدك به من النصر ms5526 . | ولما كان حاصل قصة يونس - على نبينا ~~وعليه أفضل الصلاة والسلام - أنه استثقل الكرامة بالرسالة لما فيها من ~~الأمور الشديدة من معالجة الخلق فامتحن , كان سببا لقبوله ذلك , ثم كان سبب ~~إسلامه قومه إدناء العذاب منهم وتقريب غشيانه لهم , أشار له بقصته إلى أنه ~~يراد إعلاؤه - صلى الله عليه وسلم وعلى سائر الأنبياء - وإعلاء أمته على ~~سائر الأمم بما يحتاج إلى صبر على ما يستثقل من ضرر أو أمر شديد مر فقال : ~~{ ولا تكن } أي ولا يكن حالك في الضجر والعجلة إلى غير ذلك . | ولما كان قد ~~افتتح السورة بالنون الذي من مدلولاته الحوت , عبر به هنا تحقيقا لإرادته ~~فقال : { كصاحب } أي حكال صاحب { الحوت } وهو يونس بن متى عليه الصلاة ~~والسلام { إذ } أي حين , والعامل في هذا الظرف PageV08P115 المضاف المحذوف ~~من الحال ونحوها , أو يكون التقدير : لا يكن حالك كحاله يحصل لك مثل ما حصل ~~له حين { نادى } أي ربه المربي له بإحاسنه في الظلمات من بطن الحوت وظلمة ~~ما يحيط به من الجثة وظلمة لحج البحار { وهو } أي والحال أنه عند ندائه { ~~مكظوم * } أي مملوء كربا وهما وشدة وغما محمول على السكوت ببطنه فهو لا ~~ينطق من شدة حزنه , ومحبوس عن جميع ما يريد من التصرف إلى أن ألجأه سبحانه ~~بذلك إلى الدعاء والتضرع , من الكظم , وهو السكوت عن امتلاء وتجرع للمرارات ~~, ومن هذا كظمت السقاء أي شددته وملأته فكان مكظوما , والمكظوم : المكروب - ~~كأنه قد أخذ بكظمه وهو مخرج نفسه . | < < # | القلم : ( 49 - 52 ) لولا أن تداركه . . . . . # > > ^ ( لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعرآء وهو مذموم * فاجتباه ~~ربه فجعله من الصالحين * وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا ~~الذكر ويقولون إنه لمجنون * وما هو إلا ذكر للعالمين ) ^ } ) | ولما تشوف ~~السامع إلى ما كان من أمره بعد هذا الأمر العجيب قال : { لولا أن } وعظم ~~الإحسان بالتذكير وصيغة التفاعل فقال : { تداركه } أي أدركه عظيما كان كلا ~~من النعمة والمنة يريد أن تدرك الآخر { نعمة } أي عظيمة جدا { من ربه ms5527 } أي ~~الذي أرسله وأحسن إليه بإرساله وتهذيبه للرسالة والتوبة عليه والرحمة له { ~~لنبذ } أي لولا هذه الحالة السنية التي أنعم الله عليه بها لطرح طرحا هينا ~~جدا { بالعراء } أي الأرض القفر التي لا بناء فيها ولا نبات , البعيدة من ~~الإنس حين طرح فيها كما حكم بذلك من الأزل { وهو } أي والحال أنه { مذموم * ~~} أي ملوم على الذنب , ولما كان التقدير : ولكنه تداركه بالنعمة فلم يكن في ~~نبذه ملوما , سبب عنه قوله : { فاجتباه } أي أختاره لرسالته { ربه } ثم سبب ~~عن اجتبائه قوله : { فجعله من الصالحين * } أي الذين رسخوا في رتبة الصلاح ~~فصلحوا في أنفسهم للنبوة والرسالة وصلح بهم غيرهم , فنبذ بالعراء وهو محمود ~~, ومن صبر أعظم من صبره كان أعظم أجرا من أجره , وأنت كذلك فأنت أشرف ~~العاملين والعالمين . | ولما نهاه صلى الله عليه وسلم عن طاعة المكذبين ~~وحذره إدهانهم وضرب لهم الأمثال , وتوعدهم إلى أن قال : { ذرني ومن يكذب ~~بهذا الحديث سنستدرجهم } وختم بقصة يونس عليه السلام للتدريب على الصبر ~~وعدم الضعف ولو بالصغو إلى المدهن , فكان التقدير تسبيبا عما فيها من النهي ~~: فإنهم إنما يبالغون في أذاك لتضجر فتترك ما أنت فيه , قال عاطفا على هذا ~~المقدر مخبرا له بما في صدورهم من الإحن عليه وفي قلوبهم من الضغائن له ~~ليشتد حذره من إدهانهم , مؤكدا لأن من يرى إدهانهم يظن إذعانهم وينكر ~~لمبالغتهم فيه طغيانهم : { وإن } أي وإنه { يكاد } وأظهر موضع الإضمار ~~تعميما وتعليقا للحكم PageV08P116 بالوصف فقال : { الذين كفروا } أي ستروا ~~ما قدروا عليه مما جئت به من الدلائل . | ولما كانت ( ن ) مخففة , أتى ~~باللام التي هي علمها فقال : { ليزلقونك } أي من شدة عداوتهم وحسدهم وغيظ ~~قلوبهم { بأبصارهم } أي يوجدون لك التنحية عما أنت فيه والزلل العظيم الذي ~~صاحبه في موضع دحض لا مستمسك فيه بالهلاك فما دونه من الأذى حتى يرموك من ~~قامتك إلى الأرض كما يزلق الإنسان فينطرح لما يتراءى في عيونهم حين تصويب ~~النظر للفطن من الحنق والسخط الدال على أن صدورهم تغلي , وهو من قولهم ms5528 : ~~نظر إلي نظرا كاد يصرعني , يعني لو أمكنه أن يصرعني به لصرعني كما قال ~~تعالى < # > 77 ( { يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا } ) 77 < # > [ الحج : 72 ] وقيل : يهلكونك بإصابة العين , قال القشيري : كانوا إذا ~~أرادوا أن يصيبوا شيئا بأعينهم جاعوا ثلاثة أيام ثم نظروا إلى ذلك الشيء ~~وقال : ما أحسنه من شيء , فيسقط المنظور إليه في الوقت , ففعلوا ذلك بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم وقالوا : ما أنصحه من رجل , فحفظه الله منهم , وللشيخين ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( العين حق ) ~~وفي رواية عند أحمد وابن رفعه : ( يحضر بها الشيطان وحسد ابن آدم ) ولأحمد ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه : ( العين حق ولو أن شيئا سابق القدر ~~سبقته العين , وإذا استغسلتم فاغسلوا ) ولأبي نعيم في الحلية من حديث جابر ~~رضي الله عنه رفعه : ( العين حق تدخل الجمل القدر والرجل القبر ) ولأبي ~~داود من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنهما : ( وإنها لتدرك الفارس ~~فتدعثره ) ولما ذكر هذا الإزلاق العظيم , ذكر ظرفه معبرا بالماضي تذكيرا ~~بالحال الماضية فقال : { لما سمعوا الذكر } أي القرآن الذي غلب عليه ~~التذكير بأمور يعليها كل أحد من PageV08P117 نفسه , ومن الآفاق كان هواياه ~~أول ما سمعوه حسدا على ما أوتيت من الشرف فكان سماعهم له باعثا لما عندهم ~~من البغض والحسد على أنه لم يزدهم تمادي الزمان إلا حنقا بدلالة { ويقولون ~~} أي قولا لا يزالون يجددونه . | ولما كان صلى الله عليه وسلم في غاية ~~البعد عما يشين , أكدوا قولهم : { إنه لمجنون * } حيرة في أمرك وتنفيرا عنك ~~لما يعلمون من أنه لا يسمعه أحد لا غرض له إلا كذبهم ومال بكليته إليك وكان ~~معك وارتبط بك واغتبط بما جئت به , وعن الحسن أن قراءة هذه الآية دواء ~~للإصابة بالعين . | ولما كان معنى قولهم هذا أن ما يقوله تخاليط من يصرع ~~بالجن , أكد بقصر القلب قوله معجبا منهم { وما } أي والحال أن هذا القرآن ~~أو الرسول صلى الله عليه وسلم ما { هو ms5529 إلا ذكر } أي موعظة وشرف { للعالمين ~~* } أي كلهم عاليهم ودانيهم ليس منهم أحد إلا وهو يعلم أنه لا شيء يشبهه في ~~جلالة معانيه وحلاوة ألفاظه وعظمة سبكه ودقة فهمه ورقة حواشيه وجزالة نظومه ~~, ويفهم منه على حسب ما هيأه الله له ليناسب عموم ذكريته عموم الرسالة ~~للمرسل به , وكل ما في من وعد ووعيد وأحكام ومواعظ شامل لهم كلهم , فوجبت ~~التفرقة بين مسلمهم ومجرمهم لتصدق أقوالهم فيكمل جلاله وجماله فقد رجعت ~~خاتمتها - كما ترى - على فاتحتها بالنون والقلم وما يسطرون من هذا الذكر , ~~وسلب ما قالوا فيه من الجنون والإقسام على الخلق العظيم الذي هو هذا الذكر ~~الحكيم , ونبه كونه ذكرا لجميع الخلق بما فيه من الوعد والوعيد على أنه لا ~~بد من الحاقة وهي القيامة ليظهر فيها تأويله وإجماله وتفصيله , ويتضح غاية ~~الاتضاح سبيله , وتحق فيها حقائقه وتظهر جلائله ودقائقه بما يقع من الحساب ~~, ويتبين غاية البيان ويظهر الخطأ من الصواب - والله الهادي . | . . . | ~~PageV08P118 < # > سورة الحاقة < # > | مقصودها تنزيه الخالق ببعث الخلائق لإحقاق الحق وإزهاق الباطل بالكشف ~~التام لشمول العلم للكليات والجزئيات وكمال القدرة على العلويات والسلفيات ~~، وإظهار العدل بين سائر المخلوقات ، ليميز المسلم من المجرم بالملذذ ~~والمؤلم ، وتسميتها بالحاقة في غاية الوضوح في ذلك وهو أدل ما فيها عليه { ~~بسم الله } الذي له الكمال كله ، نزاهة وحمدا { الرحمن } الذي عم جوده ~~بالعدل كبرا ومجدا { الرحيم } الذي خص أهل وده بالوقوف عند حدوده لينالوا ~~بطيب جواره علوا وجدا وفوزا بالأماني وسعدا . < < # | الحاقة : ( 1 - 7 ) الحاقة # > > ^ ( الحاقة * ما الحآقة * ومآ أدراك ما الحاقة * كذبت ثمود وعاد ~~بالقارعة * فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية * وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ~~* سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم ~~أعجاز نخل خاوية ) ^ } ) | لما قدم سبحانه في ( نون ) الإنكار الشديد لأن ~~يسوي المسيء بالمحسن , وذكر القايمة وبينها بيوم كشف الساق وزيادة المشاق , ~~وهدد التهديد العظيم بآية الاستدراج الذي لا يدفع بعلاج , وختم بأن القرآن ~~ذكر - أي شرف - وتذكير , ومواعظ للعالمين في شمولهم كلهم ms5530 برحمته , أما من ~~بعد إنزاله فبوعيده ووعده ووعظه وقصه وأمره ونهيه , وأما منقبل إنزاله ~~فبالشهادة لهم وعليهم , وكان تأويل ذلك وجميع آثاره إننما يظهر ظهورا تاما ~~يوم الجمع الأكبر , وكان ذلك اليوم أعظم مذكر للعالمين وواعظ لهم وزاجر , ~~تنبني جميع الخيرات على تذكره وتذكر العرض على الملك الديان , والسر في ~~إنزال القرآن هو الذتكير بذلك اليوم الذي هو نظام الوجود , قال واصفا ~~للقيامة واليوم الذي يكشف فيه عن ساق , واعظا بذكرها ومحذرا من أمرها : { ~~الحاقة * } أي الساعة التي يكذب بها هؤلاء وهي أثبت الأشياء وأجلاها فلا ~~كاذبة لها ولا لشيء عنها , فلا بد من حقوقها فهي ثابتة في نفسها , ومن ~~إحضار الأمور فيها بحقائقها , والمجازاة عليها PageV08P119 بالحق الذي لا ~~مرية فيه لأحد من الخلق , فهي فاعلة بمعنى مفعول فيها , وهي فالعة أيضا ~~لأنها غالبة لكل خصم , من فحققته أحقه أي غالبته في الحق فغلبته فيه , فهي ~~تحق الحق ولا بد فتعلو الباطل فتدمغه وتزهقه فتحق العذاب للمجرمين والثواب ~~للمسلمين , وكل ما فيها داثر على الثبات والبيان , لأن ذلك مقتضى الحكمة لا ~~يرضى لأحد من الحكام ترك رعيته بغير إنصاف بينهم على زعمه فكيف بالحكيم ~~العليم , وقصة صاحب الحوت عليه السلام أدل دليل على القدرة عليها . | ولما ~~كان ذلك كله أمرا رائعا للعقول , هازا للقلوب , مزعجا للنفوس , وكان ربما ~~توقف فيه الجلف الجافي , أكد أمره وزاد في تهويله , وأطنب في تفخيمه ~~وتبجيله , إشارة إلى أن هوله يفوت الوصف بقوله , معلما أنه مما يحق له أن ~~يستفهم عنه سائقا له بأداة الاستفهام مرادا بها التعظيم للشأن , وأن الخبر ~~ليس كالعيان : { ما الحاقة * } فأداة الاستفهام مبتدأ أخبر عنه بالحاقة ~~وهما خبر عن الأولى , والرابط تكرير المبتدأ بلفظه نحو زيد أي هو , وأكثر ~~ما يكون ذلك إذا أريد معنى التعظيم والتهويل . | ولما كان السياق لترجمة ~~المراد بكشف الساق , عظم التهويل بقوله : { وما أدراك } أي في الزمن الماضي ~~, وقصره لتذهب النفس فيه كل مذهب , أي وأي شيء أعلمك بشيء من الأشياء مع ~~تعاطيك للبحث والمداورة ms5531 , ثم زاد التحذير منها بقوله على النهج الأول ~~مستفهما والمراد به التفخيم ومزيد التعظيم : { ما الحاقة * } أي إنها بحيث ~~لا يعلم كنهها أحد ولا يدركها ولا يبلغها درايته وكيف ما قدرت حالها فهي ~~أعظم من ذلك , فلا تعلم حق العلم إلا بالعيان . | وقال الإمام أبو جعفر ابن ~~الزبير : لما بنيت سورة { ن والقلم } على تقريع مشركي قريش وسائر العرب ~~وتوبيخهم وتنزيه نبي الله صلى الله عليه وسلم عن شنيع قولهم وقبيح بهتهم , ~~وبين حسدهم وعداوتهم < # > 77 ( { وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم } ) 77 < # > [ القلم : 51 ] أتبعت بسورة الحاقة وعدا لهم وبيانا أن حالهم في سوء ~~ذلك المرتكب قد سبق إليه غيرهم < # > 77 ( { كذبت ثمود وعاد بالقارعة } ) 77 < # > الحاقة : 4 ] < # > 77 ( { فهل ترى لهم من باقية } ) 77 < # > [ الحاقة : 8 ] < # > 77 ( { ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من قرن } ) 77 < # > [ الأنعام : 6 ] < # > 77 ( { فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم } ) 77 < # > [ يونس : 102 ] , و < # > 77 ( { كم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } ~~) 77 < # > [ مريم : 98 ] فسورة الحاقة جارية مجرى هذه الآي المعقب بها ذكر عناد ~~مشركي العرب ليتعظ بها من رزق التوفيق لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية ~~. | ولما ذكر حال من هلك من الأمم السالفة بسوء تكذيبهم وقبيح عنادهم , ~~أتبع ذلك PageV08P120 بذكر الوعيد الأخراوي < # > 77 ( { يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية } ) 77 < # > [ الحاقة : 18 ] ثم عاد الكلام إلى ما بنيت عليه سورة { ن والقلم } من ~~تنزيهه صلى الله عليه وسلم وتكريمه مقسما على ذلك < # > 77 ( { إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر - ولا بقول كاهن قليلا ما ~~تذكرون } ) 77 < # > [ الحاقة : 41 , 42 ] وانتهى نفي ما تقوله منصوصا على نزاهته عن كل خلة ~~منها في السورتين < # > 77 ( { ما أنت بنعمة ربك بمجنون } ) 77 < # > [ القلم : 2 ] وما الذي جئت به بقول شاعر ولا بقول كاهن بل هو تنزيل من ~~رب العالمين , وأنه لتذكره للمتقين وإنه لحق اليقين , فنزه ربك وقدسه من ~~عظيم ما ارتكبوه ms5532 - انتهى . | فلما بلغ التهويل حده , وكان سبب الإنكار ~~للساعة ظن عدم القدرة عليها مطلقا أو لعدم العلم بالجزيئات , قال دالا على ~~تمام القدرة والعلم بالكليات والجزيئات , قال دالا على تمام القدرة والعلم ~~بالكليات والجزئيات محذرا من أنكرها بانه قادر على تعجيل الانتقام ولكنه ~~لإكرامه لهذه الأمة أخر عذابها إلى الآخرة إلى لمن كان منهم من الخواص فإنه ~~يظهرهم في الدنيا ليتم نعيمهم بعد الموت بادئا بأشد القبائل تكذيبا بالبعث ~~لكون ناقتهم أول دليل على القدرة عليه , وقالوا مع ذلك < # > 77 ( { أبشر منا واحدا نتبعه } ) 77 < # > [ القمر : 24 ] إلى أن قالوا : < # > 77 ( { بل هو كذاب أشر } ) 77 < # > [ القمر : 25 ] وقالوا في التكذيب بها < # > 77 ( { أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات ~~هيهات لما توعدون إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت } ) 77 < # > [ المؤمنون : 35 , 36 , 37 ] - الآية , فإن الامر فيهم دائر بين عاد ~~وثمود : { كذبت ثمود } وتقديمهم أيضا من حيث أن بلادهم أقرب إلى قريش , ~~وواعظ القرب أكبر وإهلاكهم بالصحية وهي أشبه بصيحة النفخ في الصور المبعثر ~~لما في القبور { وعاد } وكان الأصل أن يقال : بها , ولكنه أظهرها بوصف ~~زادها عظما وهولا فقال : { بالقارعة * } أي التي تقرع , أي تضرب ضربا قويا ~~وتدق دقا عنيفا شديدا للأسماع وجميع العالم بانفطار السماوات وتناثر ~~النيرات ونسف الجبال الراسيات , فلا يثبت لذلك الهول شيء . | ولما جمعهم في ~~التكذيب , فصلهم في التعذيب لأجل ذلك التكذيب فقال : { فأما ثمود } وهم قوم ~~صالح عليه السلام . | ولنما كان الهائل لهم لتقيدهم بالمحسوسات إنما هو ~~العذاب , لا كونه من معين , بنى للمجهول قوله : { فأهلكوا } أي بأيسر أمر ~~من أوامرنا { بالطاغية * } أي الصيحة التي جاوزت الحد في الشدة فرجفت منها ~~الأرض والقلوب . | ولما ذكر المهلكين بالصيحة لأجل التكذيب بالقراعة تحذيرا ~~لمن يكذب بها , أتبعه المهلكين بما هو سبب لإنفاذ الصيحة وتقويتها دلالة ~~على تمام القدرة على كل نوع من العذاب بالاختيار فقال تعالى : { وأما عاد } ~~وهم قوم هود عليه السلام { فأهلكوا } أي بأشق ما يكون عليهم وأيسر ما يكون ms5533 ~~في قدرتنا { بريح صرصر } أي هي في غاية ما PageV08P121 يكون من شدة البرد ~~والصوت كأنه كرر فيها البرد حتى صار يحرق بشدته والصوت حتى صار يصم بقوته , ~~وقال الملوي : أصله صر وهو البرد الشديد أو الحر الشديد { عاتية * } أي ~~مجاوز للحد من شدة عصفها وعظمة قصفها وعظمة قصفها تفعل أفعال المستكبر الذي ~~لا يبالي بشيء فلم يستطع خزانها ضبطها , ولم يملك المعذب بها ردها ولا ~~ربطها , بل كانت تنزعهم من مكامنهم التي احتفروها ومصانعهم التي أتقنوها ~~واختاروها فتهلكهم , قال الملوي : قال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله ~~عنهما : ( لم ينزل قط ماء ولا ريح إلا بمكيال على يد ملك إلا يوم الطوفان ~~فإن الله تعالى أذن للملاء فطغى على الخزان ويوم عاد أذن للريح فعتت على ~~خزانها ) انتهى . | ولما وصفها بالعتو على الخلق والغلبة لهم بحيث كانت ~~خارقة للعادة لم يأت مثلها قبل ولا بعد , دل على صغارها بالنسبة إلى عظمته ~~, وأنه هو الذي أوجها لا الطبيعة ولا غيرها , بل إنما كانت بقدرته واختياره ~~قهرا لمن طعن في ملكه وكذب رسله فيما أخبروا به من أمر الساعة التي هي موضع ~~الحكمة وإظهار جميع العظمة , فقال مستأنفا دلالة على ذلك : { سخرها } أي ~~قهرها على أن سلطها , والتسخير : استعمال الشيء بالاقتدار , ودل على أنه ~~تسخير تعذيب لا رحمة وتأديب بأداة الاستعلاء , فقال : { عليهم } وكلفها ذلك ~~وذللها له فلم يمكنها مع عنها إلا أن كانت طوع أمره وصنيعة عظمته وقهره . | ~~ولما كانت هذه السورة لتحقيق الأمور , وكشف المشكل وإيضاح الخفي , حقق فيها ~~زمن عذابهم تحقيقا لم يتقدم مثله , فذكر الأيام والليالي , وقدم الليالي ~~لأن المصايب فيها أفظع وأقبح وأشنع لقلة المغيث والجهل بالمأخذ والخفاء في ~~المقاصد والمنافذ , ولأن عددها مذكر في اللفظ , وتذكير اللفظ أدل على قوة ~~المعنى ولذلك جعل المميز جمع كثرة , ولأنها سبع , والسبع مبالغ فيه وهو ~~أجمع العدد كما يأتي تحقيقه قريبا في حملة العرش ولا يمكن أن يظن بتقديمها ~~أن ابتداء العذاب كان فيها لأنه يلزم حينئذ ms5534 أن يكون بعدد الأيام فلذلك قال ~~: { سبع ليال } أي لا تفتر فيها الريح لحظة لأنه بولغ في شدتها مبالغة لم ~~يكن مثلها قط ولا يكون بعدها أبدا { وثمانية أيام } كذلك حال كونها { حسوما ~~} جمع حاسم أي بحس مانع من التصرف دائم متتابع لا فترة له , من حسم الكي - ~~إذا تابع فيه بالمكواة , قاطع لكل خير , مستأصل له , فأتت عليهم من غير ~~فترة أصلا في جميع الوقت فاستأصلتهم لم تبق منهم أحد حتى أن عجزا منهم ~~PageV08P122 توارت في سرب فانتزعتها وأهلكتها , وبها سميت أيام العجوز , أو ~~لأنها عجز الشتاء وهي ذات برد ورياح شديدة وهي من صبيحة الأربعاء لثمان ~~بقين من شوال إلى غروب الأربعاء الآخر وهو آخر الشهر , وقد لزم من زيادة ~~عدد الأيام أن الابتداء كان بها قطعا ولا لم تكن الليالي سبعا - فتأمل ذلك ~~. | ولما كان الحاسم المهلك , سبب عنه قوله مصورا لحالهم الماضية : { فترى ~~القوم } أي الذين هم في غاية القدرة على ما يحاولونه : { فيها } أي في تلك ~~المدة من الأيام والليالي لم يتأخر أحد منهم عنها { صراعا } أي مجدلين على ~~الأرض موتى معصورين مجهزة على كل منهم من شدة ضغطها باد عليهم الذل والصغار ~~, جمع صريع { كأنهم أعجاز } أي أصول { نخل } قد شاخت وهرمت فهي في غاية ~~العجز والهرم { خاوية * } أي متآكلة الأجواف ساقطة , من خوي النجم - إذا ~~سقط للغروب , ومن خوي المنزل - إذا خلا من قطانه , قالوا : كانت تدخل من ~~أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من الحشو من أدبارهم , فالوصف بذلك لعظم ~~أجسامهم وتقطيع الريح لهم وقطعها لرؤوسهم من الحياة وتسويدها لهم . | < < # | الحاقة : ( 8 - 13 ) فهل ترى لهم . . . . . # > > ^ ( فهل ترى لهم من باقية * وجآء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة ~~* فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية * إنا لما طغا المآء حملناكم في ~~الجارية * لنجعلها لكم تذكرة وتعيهآ أذن واعية * فإذا نفخ في الصور نفخة ~~واحدة ) ^ } ) | ولما كان هذا أمرا رائعا لمن له أدنى معقول , وكان ~~الاستفهام ما يزيد الروعة , قال مسببا عن استئصالهم ليكون الإخبار به ms5535 ~~المستلزم لغاية العلم بالجزيئات كالدعوى بدليلها : { فهل ترى } أي إليها ~~المخاطب الخبير الناس في جميع الأقطار { لهم } أي خصوصا , وأعرق في النفي ~~وعبر بالمصدر المحلق بالهاء مبالغة فقال : { من باقية * } أي بقاء أو نفس ~~موصوفة بالبقاء , وأنجى الله سبحانه وتعالى صالحا عليه السلام ومن آمن به ~~من بين ثمود ولم تضرهم الطاغية وهودا عليه الرسلام ومن آمن به نم بين عاد ~~لم يهلك منهم أحد , فدل ذلك دلالة واضحة على أن له تعالى تمام العلم ~~بالجزيئات كما أن له كمال الإحاطة بالكليات وعلى قدرته واختياره وحكمته , ~~فلا يجعل المسلم أصلا كالمجرم ولا المسيء كالمحسن . | ولما أخبر تعالى عمن ~~أهلك بالريح ومن اهلك بما سببه الريح تسبيبا قريبا بغير واسطة , وكان ذلك ~~كله - لخروجه عن العادة - رادا على أهل الطبائع , أخبر بمن أهلك بما سببه ~~الريح تسبيبا قريبا بغير واسطة , وكان ذلك كله - لخروجه عن العادة - رادا ~~على أهل الطبائع , أخبر بمن أهل مما سببته الريح من الماء بواسطة السحاب , ~~وكانت سبب تطابقه عليهم مع أن كفرهم PageV08P123 بالتعطيل الذي هو أنحس ~~أنواع الكفر للقول بالطبيعة التي تتضمن الإنكار للبعث , وكان إغراقهم بما ~~يكذب معتقدهم لخروجه عن العادة , فقال منبها على قوة كفرهم بالمجيء : { ~~وجاء } أي أتى إتيانا عاليا شديدا { فرعون } أي الذي ملكناه على طائفة من ~~الأرض فعتى وتجبر وادعى الإلهية ناسيا هيبتنا وقدرتنا بنقمتنا وأنكر الصانع ~~وقال بالطبائع { ومن قبله } أي في جهته وفي حيزه وما يليه وفي السير بسيرته ~~من العلو في الأرض بغير الحق والعتو في الكفر , وهو ظرف مكان , هكذا على ~~قراءة البصريين والكسائي بكسر الكاف وفتح الموحدة , فعم ذلك كل من كان ~~كافرا عاتيا من قبله ومن بعده , وهو معنى قراءة الباقين بفتح القاف وإسكان ~~الباء الموحدة على أنه ظرف يقابل ( بعد ) بزيادة . | ولما كان قوم لوط عليه ~~السلام قد جمعوا أنواعا من الفسوق لم يشاركهم فيها أحد , فاشتمل عذابهم على ~~ما لم يكن مثله عذاب , فكان كل من فعلهم الذي لم يسبقهم به أحد من ms5536 العالمين ~~وعذابهم الذي ما كان مثله قبل ولا بعد , رادا على أهل الطبائع , نص عليه من ~~بين من دخل فيمن قبله على القراءتين فقال : { والمؤتفكات } أي أهل المدائن ~~المنقلبات بأهلها حتى صار عاليها سافلا لما حصل لأهلها من الانقلاب حتى ~~صاروا إياه واتبعت حجارة الكبريت وخسف بها وغمرت بما ليس في الأرض مثله وهي ~~قرى قوم لوط عليه السلام { بالخاطئة * } أي الخطأ أو الأفعال ذات الخطأ ~~التي تتخطى منها إلى نفس الفعل القبيح من اللواط والصفع والضراط مع الشرك ~~وغير ذلك من أنواع الفسق والعناد والطغيان . | ولما كان الرسل كلهم جميعا ~~كالفرد الواحد لاتفاق مقاصدهم في الدعاء إلى الله والحمل على طاعته , قال ~~مستأنفا مسببا عن مجيئهم بذلك موحدا في اللفظ ما هو صالح للكثير بإرادة ~~الجنس : { فعصوا } أي خالفوا ونابذوا { رسول ربهم } أي خالفت كل أمة من ~~أرسله المحسن إليها بإبداعها من العدم وإيداعها القوى وترزيقها وبعث رسولها ~~لإرشادهها اغترارا بإحسانه ولم يجوزوا أن المحسن يقدر على الضر كما قدر على ~~النفع , وسبب عن العصيان قوله : { فأخذهم } أي ربهم أخذ قهر وغضب { أخذة } ~~لم يبق من أمة منهم أحدا ممن كذب الرسول فلم يكن كمن ينصر على عدو من ~~الأدميين لا بد من أن يفوته كثير منهم وإن اجتهد في الطلب , وما ذاك إلا ~~لتمام علمه سبحانه وتعالى بالجزئيات والكليات , وشمول قدرته , وتلك الأخذة ~~- مع كونها بهذه العظمة من أنها أخذتهم كنفس واحدة - جعلها سبحانه { رابية ~~* } أي عالية عليهم علية القدر في قوة البطش وشدة الفتك زائدة على الحد ~~نامية بقدر زيادة أعمالهم في القبح , والربا : النمو , PageV08P124 وأصله ~~الزيادة , فأغرق فرعون وجنوده , وأغرق كل من كذب نوحا عليه السلام , وهم كل ~~أهل الأرض غير من ركب معه في السفينة , وحمل مدائن لوط عليه السلام بعد أن ~~نتقها من الأرض على متن الريح بواسطة من أمره بذلك من الملائكة ثم قلبها ~~وأتبعها الحجارة وخسف بها وغمرها بالماء المنتن الذي ليس في الأرض ما يشبهه ~~. | ولما كان ربما وقع في وهم ms5537 التعجب من وجود فرعون ومن بعده من الإخبار ~~بأخذ من قبله على قراءة الجماعة مع أن ( من ) من صيغ العموم , أشار إلى أنه ~~أهلك جميع المخالفين وأنجى جميع الموافقين , قال جوابا لذلك السؤال مؤكدا ~~لأجل من يتعنت ولأن ذلك كان مما يتعجب منه ويتلذذ بذكره : { إنا } أي على ~~قدرتنا وعظمتنا وإحاطتنا { لما طغا الماء } أي فزاد عن الحد حتى علا على ~~أعلى جبل في الأرض بقدر ما يغرق من كان عليه حين أغرقنا قوم نوح عليه ~~السلام به فلم يطيقوا ضبطه ولا قاووه بوجه من الوجوه , ولا وفقوا لركوب ~~السفينة , فكان خروجه عن العادة رادا على أهل الطبائع . | ولما كان الإيجاد ~~نعمة فكان إنجاء آبائهم من الغرق حتى كان ذلك سببا لوجودهم نقمة عليهم قال ~~تعالى : { حملناكم } أي في ظهور آبائكم بعظمتنا ومشيئتنا وقدرتنا { في ~~الجارية * } أي السفينة التي جعلناها بحكمتنا عريقة في الجريان حتى كأنه لا ~~جارية غيرها على وجه الماء الذي جعلنا من شأنه الإغراق , وهو تعبير بالصفة ~~عن الموصوف , ونوح عليه السلام أول من صنع السفينة , وإنما صنعها بوحي الله ~~تعالى وبحفظه له من أن ينزل في صنعتها , قال : اجعلها كهيئة صدر الطائر ~~ليكون ما يجري في الماء مقاربا لما يجري في الهواء , وأغرقنا سوى من في ~~السفينة من جميع أهل الأرض من أدمي وغيره . | ولما بدأ سبحانه وتعالى بثمود ~~الذين هم أقرب المهلكين إلى مكة المشرفة لأن التخويف بالأقرب أقعد , وختم ~~بقوم نوح عليه السلام لأنهم كانوا جميع أهل الأرض ولم يخف أمرهم على أحد ~~ممن بعدهم , علل اختيار إنجائهم بالسفينة دون غيرها فقال : { لنجعلها } أي ~~هذه الفعلات العظيمة من إنجاء المؤمنين بحيث لا يهلك منهم بذلك العذاب أاحد ~~وإهلاك الكافرين بحيث لا يشذ منهم أحد , وكذا السفينة التي حملنا فيها نوحا ~~عليه السلام ومن معه بإبقائها آية من آياته وأعجوبة من بدائع بيناته وغريبة ~~في الدهر من أعجوباته { لكم } أي أيها الأناسي { تذكرة } أي سببا عظيماص ~~لذكر أول إنشائه والموعظة به لتستدلا بذلك على كمال ms5538 قدرته تعلى وتمام علمه ~~وعظمة رحمته وقهره , فيقودكم ذلك إليه وتقبلوا بقلوبكم عليه { وتعيها } أي ~~ولتحفظ قصة السفينة وغيرها مما تقدم , حفظا ثابتا مستقرا كأنه محوى في وعاء ~~. | ولما كان المنتفع بما يسمع الحافظ له قليلا جدا , دل على ذلك يتوحيد ~~الأذن PageV08P125 فقال موحدا منكرا مع الدلالة على تعظيمها : { أذن } أي ~~عظيمة النفع { واعية * } أي من شأنها أن تحفظ ما ينبغي حفظه من الأقوال ~~والأفعال الإلهية والأسرار الربانية لنفع عباد الله كما نوح عليه السلام ~~ومن معه وهم قليل سببا لإدامة النسل والبركة فيه حتى امتلأت منه الأرض . | ~~والوعي : الحفظ في النفس , والإيعاء : الحفظ في الوعاء , وفي ذلك توبيخ ~~للناس بقلة الواعي منهم , ودلالة على أن الأذن الواحدة إلا غفلت عن الله ~~تعالى فهي السواد الأعظم , وما سواها لا يبالي بهم الله بالة - قاله ~~الأصبهاني والزمخشري وغيرهما . | ولما ذكر القيامة وهول أمرها بالتعبير ~~بالحاقة وغيرها , ودل على قدرته عليها وعلى حكمته بقصص من ذكر على الوجه ~~الذي مر إلى أن ختم بالذين كانت قصتهم أشبه تلك القصص بالقيامة من حيث أن ~~أمر الله فيها عم أهل الأرض وفي زمن يسير , وكان الناجون منها بالنسبة إلى ~~المهلكين كالشعرة البيطاء في جلد الثور الأسود , سبب عن جميع ما مضى قوله ~~شرحا لأمرها : { فإذا نفخ } وبنى الفعل للمجهول دلالة على هوان ذلك عليه ~~وأنه ما تأثر عنه لا يتوقف على نافخ معين بل من أقامه من جنده لذلك تأثر ~~عنه ما يريده وذكره وإن كان المسند إليه مؤنثا للفصل ولكونه غير حقيقي ~~التأنيث وللدلالة على قوة النفخ { في الصور } أي القرن الذي ينفخ فيه ~~إسرافيل عليه السلام كأنه عبر عنه به دون القرن مثلا لأنه يتأثر عنه تارة ~~إعدام الصورة وتارة إيجادها وردها إلى أشكالها سعة فمه كما بين السماء ~~والأرض , وأسند الفعل إلى المصدر ليفيده بادئ بدء لا ليؤكده وإن كان ~~التأكيد يفهم منه وهو غير مقصود بالذات فقال : { نفخة } ولما دل بالفعلة ~~على الواحدة , أكده دلالة على عظيم قدرته وحقارة الأشياء ms5539 عنده بقوله : { ~~واحدة * } أي فهلك الخلائق كلهم , هكذا قالوا إن هذه النفخة هي الأولى , ~~قالوا : وعندها خراب العالم , وظاهر السياق أنها الثانية التي بها البعث , ~~وخراب ما ذكر بعد قيامهم أنسب لأنه لهم أهيب , وكونها الثانية إحدى ~~الروايتين عن ابن عباس رضي الله عنهما . | < < # | الحاقة : ( 14 - 18 ) وحملت الأرض والجبال . . . . . # > > ^ ( وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة * فيومئذ وقعت الواقعة * ~~وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية * والملك على أرجآئهآ ويحمل عرش ربك فوقهم ~~يومئذ ثمانية * يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) ^ } ) | ولما ذكر ~~التأثير في الإحياء , أتبعه التأثير في الجمادات , وبدأ بالسفليات ~~لملابستها للإنسان فتكون عبرته بها أكثر فقال : { وحملت } أي بمجرد القدرة ~~{ الأرض } أي المنبسطة ورجت رجا { والجبال } أي التي بها ثباتها فرفعت من ~~أماكنها , وبستا بسا فكانت هباء منبثا , لم يبق فيهما حجر ولا كدية . | ~~PageV08P126 ولما أريد قوة الدك والإبلاغ في تأثيره , جعل الجبال شيئا ~~واحدا فقال : { فدكتا } أي مسحت الجملتان الأرض وأوتادها وبسطتا ودق بعضها ~~ببعض { دكة واحدة * } أي فصارتا كثيبا مهيلا وسويتا بأيسر أمر فلم يميز شيء ~~منهما من الآخر , بل صار صارا في غاية الاستواء , من قولهم : ناقة دكاء , ~~أي لا سنام لها . | وأرض دكاء , أي متسعة مستوية , قالوا : والدك والدق - ~~أخوان , والدك أبلغ , قال أبو حيان : والدك فيه تفرق الأجزاء , والدق فيه ~~اختلاط الأجزاء . | ولما ذكر نفخس الصور عنه قوله : { فيومئذ } أي إذا دكتا ~~وهي بدل من ( إذ ) كرر لطول الفصل وأفاد تهويلا لها وتعظيما , ونصب الظرف ~~بقوله : { وقعت الواقعة * } أي التي وقع الوعد والوعيد بها , فكانت كأنها ~~شيء ثقيل جدا ليس له ممسك . | فما له من ذاته غير السقوط , وهي القيامة ~~والحاقة والقارعة , نوع أسماءها تهويلا لها أي قامت القيامة , وكان المراد ~~بها النفخة الثانية . | ولما ذكر تأثير العالم السفلي ذكر العلوي فقال : { ~~وانشقت السماء } أي هذا الجنس لشدة ذلك اليوم , ولما كان الشيء لا ينشق إلا ~~لخلل فيه , سبب عنه قوله تحقيقا لذلك . | { فهي يومئذ } أي إذا وقعت ~~الواقعة { واهية * } أي ضعيفة متساقطة خفيفة ms5540 لا تتماسك . | ولما كانت ~~العادة جارية فيما يعرف أن الملك يظهر أنواعا من عظمته يوم عرض الجند , قال ~~معرفا لنا بنحو ما ألفناه : { والملك } أي هذا النوع الذي يصدق على الواحد ~~فما فوقه , والجمع لا يصدق على ما دون الجمع فهذا أشمل { على أرجائها } أي ~~نواحي السماء وأطرافها وحواشي ما لم يتشقق منها , قال الضحاك : يكونون بها ~~حتى يأمرهم الله فينزلون فيحطون بالأرض ومن عليها - انتهى . | وقيل : أرجاء ~~الأرض واحدها رجا , مقصور , والاثنان رجوان , فيحيطون بالجن رجوان , ~~فيحيطون بالجن والإنس فيحشرونهم حشر الصيد لإرادة أخذه . | ولما كان الملك ~~يظهر يوم العرض سرير ملكه ومحل عزه قال : { ويحمل عرش } ولما كان هذا أمرا ~~هائلا مقطعا للقلوب , قال مؤنسا للمنزل عليه هذا الذكر مؤمنا له من كل ما ~~يحذر : { ربك } أي المحسن إليك بكل ما يريده لا سيما في ذلك اليوم بما يظهر ~~من رفعتك . | ولما كان العرش عاما لجهة الفوق كلها , أسقط الجار فقال : { ~~فوقهم } أي فوق رؤوسهم { يومئذ } أي يوم إذ وقعت الواقعة بعدد ما كان تحته ~~من السماوات السبع PageV08P127 والكرسي { ثمانية * } أي من الملائكة أشخاص ~~أو صفوف يؤيد حملته الأربعة في الدنيا بأربعة أخرى لشدة ذلك اليوم وثقله , ~~وهو في حديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأبو يعلى والبغوي عن ~~العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه , فظاهره أنهم أشخاص ولفظه : ( ثمانية ~~أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ) وظاهر ذلك أنهم في ~~الدنيا , وكونهم في الدنيا أربعة فقط ذكره المفسرون وراه الطبراني من طريق ~~ابن إسحاق , قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( هم اليوم ~~أربعة فإذا كان يوم القيامة أيدهم بأربعة آخرين ) وهو مذكور في حديث الصور ~~الطويل الذي يرويه أبو يعلى وغيره من طريق إسماعيل بن رافع عن يزيد بن زياد ~~عن القرطبي عن رجل عن أبي هريرة رضي الله عنه وهذا العدد يحتمل أن يراد به ~~أهل السماوات السبع والكرسي فتلك ثمانية , وهم خلق لا يحصيهم إلا الله ~~سبحانه وتعالى ms5541 , وهو أوفق لإظهار العظمة , ويمكن أن يراد بهم ثمانية أفراد ~~ويكون حملهم له أظهر في العظمة ليعلم كل من يرى ذلك أن مثلهم لا يقدر على ~~حمل مثله في عظمته وإحاطته , وهذا هو أظهر المعاني من الأحاديث الواردة فيه ~~, واختيار هذا العدد أوفق للوجه الذي قبله لأنه يزيد على العدد الموضوع ~~للمبالعة - وهو السبع - بواحدة إشارة إلى أنه أبلغ من عدة المبالغة لأنه ~~إشارة إلى أنك كلما بالغت زاد الأمر على مبالغتك بما هو أول العدد , وذلك ~~إشارة إلى عدم الانتهاء والوقوف عند حد , وإلى ذلك يشير أيضا أن للثمانية ~~من الكسور الصنف والربع والثمن , وذلك سبعة , والسبعة عدد جامع لجميع أنواع ~~العدد الفرد والزوج وزوج الزوج وزوج الفرد , وكل ذلك إشارة إلى المبالغة في ~~أظهار العظمة والكبرياء والعزة وتمثيل لنا بما نعرف من احوال الملوك وإلا : ~~| ] فالأمر أعظم من مقالة قائل إن رقق البلغاء أو إن خفموا | إعلاما بعظمته ~~ذلك اليوم ليخشى العباد فيلزموا أسباب الإسعاد , وهذا الذي قلته من سر ~~السبعة قد ذكره الإمام بدر الدين بن الدماميني قريب شيوخنا في الكلام على ~~الواو من حاشيته على مغني ابن هشام عن فسير العماد الكندي قاضي الإسكندرية ~~المسمى الكفيل بمعاني التنزيل فقال : ونقل الأستاذ فقال : ونقل الأستاذ عبد ~~الله الكفيف المالقي أنها لغة فصيحة PageV08P128 لبعض العرب أن يقول : واحد ~~اثنين ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة ثمانية تسعة عشرة - هكذا لغتهم , ومتى جاء ~~في كلامهم لفظ الثمانية أدخلوا الواو وقد نظم بعض أصحابنا في كون السبعة ~~منتهى العدد أبياتا وهي : | يا سائلي عن سر كون العدد غايته في سبعة لم ~~تزدما سره إلا انحصار قسيمه في واحد فرد وشيء مسندوذلك الشيء الذي تسنده ~~منحصر في واحد وأزيدفالفرد والفرد إذا ما اجتمعا زوج مع الفرد الذي لم ~~يسندواثنان واثنان إذا ما اجتمعت أربعة تضم مع فيء اليدفتلك سبعة إذا ~~تكاملت أربعة واثنان مع منفردوما أتى من بعده هذا فهو تك رار له لا زائد في ~~العددثلاثة مع مثلها فرد وفر قد ms5542 مضى وما مضى لا يعددوهكذا أربعة مع مثلها ~~زوج وزوج قد مضى لا تزد | وقال الإمام محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في ~~مقدمة كتابه الملل والنحل : أكثر أصحاب العدد على أن الواحد لا يدخل في ~~العدد , فالعدد مصدره الأول الاثنان , وهو ينقسم إلى زوج وفرد , فالفرد ~~الأول ثلاثة , والزوج الأول أربعة , وما وراء الأربعة مكرر كالخمسة فإنها ~~مركبة من فرد وزوج , ويسمى العدد الدائر , والستة مركبة من فردين , ويسمى ~~العدد التام , والسبعة مركبة من فرد وزوج , وتسمى العدد الكامل , والثمانية ~~مركبة من زوجين وهي بداية الأخرى فصدر الحساب في مقابلة الواحد الذي هو علة ~~العدد وليس يدخل فيه , وذلك هو فرد لا أخ له . | ولما كان العدد مصدره من ~~اثنين صار منهما المحقق محصورا في قسمين , ولما كان العدد منقسما إلى فرد ~~وزوج , صار من ذلك الأصل محصورا في سبعة , فإن الفرد الأول ثلاثة , والزوج ~~الأول أربعة , وهي النهاية , وما عداها مركب منها , وكان البسائط عامة ~~الكلية في العدد واحد واثنان وثلاثة وأربعة وهي الكمال , وما زاد عليها من ~~المركب الكلي فمركبات كلها ولا حصل لها , وقال أبو الحكم ابن برجان في ~~تفسير سورة القدر : انتهاء العدد ستة والسابع وترها . | ولما بلغ النهاية ~~في تحذير العباد من يوم التناد , وكان لهم حالتان : خاصة وعامة , فالعامة ~~العرض , والخاصة التقسيم إلى محسن ومسيء , زاده عظما بقوله : { يومئذ } أي ~~إذا كان ما تقدم . | ولما كان المهول نفس العرض , بنى فعله للمفعول ولأنه ~~كلام القادرين فقال : PageV08P129 { تعرضون } أي على الله سبحانه للحساب ~~كما يعرض السلطان الجند لينظر في أمرهم ليختار منهم المصلح للإكرام ~~والتقريب والإثابة , والمفسد للإبعاد والتعذيب والإصابة , عبر عن الحساب ~~بالعرض الذي هو جزؤه , فالمحسن لا يكون له غير ذلك والمسيء يناقش { لا تخفى ~~منكم } أي في ذلك اليوم على أحد بوجه من الوجوه { لا تخفى منكم } أي في ذلك ~~اليوم على أحد بوجه من الوجوه الخفاء في الدنيا لا من الأعمال ولا من ~~الأنفس وإن كان في غاية الدقة والغموض لأن ms5543 ذلك يوم الظهور التام من القبور ~~ومن الصدور , وغير ذلك من الأمور , ليكون ذلك أجل لسعادة من سعد , وأقبح ~~لشقاوة من شقي فأبعد , قال أبو موسى رضي الله عنه : هي ثلاث عرضات فأما ~~عرضتان فجدال ومعاذير , وأما الثالثة فعندها تتطاير الصحف فأخذ بيمينه وأخذ ~~بشماله . | < < # | الحاقة : ( 19 - 24 ) فأما من أوتي . . . . . # > > ^ ( فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هآؤم اقرؤا كتابيه * إني ظننت ~~أني ملاق حسابيه * فهو في عيشة راضية * في جنة عالية * قطوفها دانية * كلوا ~~واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام الخالية ) ^ } ) | ولما كان من المعلوم ~~أنهم قسمان : محسن ومسيء , وكان التقدير : فنعطي كلا منكم صحيفة أعماله من ~~أفعاله وأقواله وجميع خلائقه وأحواله , فمنكم من تدفع إليه ف يمينه فتظهر ~~له حسناته وتستر عنه سيئاته , ومنكم من يعطاها في شمالها فتبدو له سيئاته ~~ويمحي ما كان من حسناته , لأنه اوتي ثوابه في الدنيا بما عجل له من طيباته ~~, عطف عليه مفصلا له قوله : { فأما من أوتي } بناه للمفعول لأن دلالة ~~السعادة الوقوع في اليمين لا من معط معين { كتابه } أي الذي أثبت فيه أعمال ~~{ بيمينه فيقول } لما رأى من سعادته تبجحا بحاله وإظهارا لنعمة ربه لأن ~~الإنسان مطبوع على أن يظهر ما آتاه من خير تكميلا للذته بكبت أعدائه وتفريح ~~أوليائه , قيل : إنه تكتب سيئاته في باطن صحيفته وحسناته في ظاهرها , فيقرأ ~~الباطن ويقرأ الناس الظاهر , فإذا أنهاه قيل له : قد غفرها الله , اقلب ~~الصحيفة , فحيئذ يكون قوله : { هاؤم } أي خذوا أيها الحاضرون من الخلائق ~~الملائكة وغيرهم , فيها صوت يفهم منه معنى : خذوا , ويوصل تارة بالكاف ~~وتارة بالهمزة , اسم فعل , وإنما اختارهم هنا ليعلم أن خطابها لجميع أهل ~~الموقف من كان منهم باطنا من الملائكة والجن وغيرهم , ومن كان منهم ظاهرا ~~لأن الألف عند الربانيين غيب وإحاطة كما دل عليها مخرجها , فهي عبارة عندهم ~~عن القائم الأعلى المحيط , وروي معنى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما , ~~والهمزة بدء غيبة ولذا كان مخرجها أقصى الحروف الحلقية دلالة على ذلك , ~~وبدء ms5544 غيب الله سبحانه وتعالى أفعاله وهي تشمل الظاهر PageV08P130 والخفي ~~أصلها الكاف فهي عندهم ظهور متكامل ذو استقلال , وهو من يكون من شأنه ~~الظهور , وأبناء الجنس أحق بهذا , وقد دل على ذلك مخرج الكاف الذي بعد ~~القاف من أصل اللسان الأقرب إلى وسطه , ومفعول ( ما ) محذوف عند البصريين ~~دل عليه ( كتابيه ) من قوله : { اقرءوا كتابيه * } وهاؤه للسكت , كأنها ~~إشارة إلى شدة الكرب في ذلك اليوم للدلالة على أنه إذا كان هذا السعيد بسكت ~~في كل جملة للاستراحة لا يقدر في الكلام على المضي فما الظن بغيره , وتشير ~~أيضا مع ذلك إلى فراغ الأمر ونجازة الجزم به والوثوق بأنه لا يغير . | ولما ~~كانت حقيقة الحساب ذكر الأعمال والمجازاة عليها , وكان الآدمي - لأنه مجبول ~~على النقص - لا يقدر أن يقدر الله حق قدره , وكلما كان الإنسان أعلى كان ~~الاستشعار والنقص من نفسه أكثر , وكان من نوقض الحساب - كما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم - عذب , قال مؤكدا لأن من يرى حاله وكتابه ينكر أن يكون له ~~ذنب أو منه تقصير : { إني ظننت } أي في هذا اليوم خوفا من من سوء أعمالي ~~التي أعرها من نفسي { أني ملاق } أي ثابت لي ثباتا لا ينفك أني ألقى بين ~~يدي الديان { حسابيه * } لأني كنت جامعا كما أمرت بين الخوف والرجاء , ~~فأخاف أن يقابل بين حسناتي وبين النعم فلا تقوم لي أصغر نعمة فأعذب على ~~سيئاتي وأرجوا غفرانه , فحقق سبحانه رجائي وأمن خوفي , فعلمت الآن أني لا ~~أناقش الحساب , وإنما حسابي العرض وهو الحساب اليسير بأن تعرض أعمالي فلا ~~أجازى على سيئها وأثاب على حسنها منا ورحمة وفضلا ونعمة , ويجوز أن يكون ~~الظن في الدنيا , عبر به عن اليقين إشارة إلى أنه يكفي العاقل في الخوف ~~الحامل له على العمل ظن الخطر , وفيه إشعار بهضم النفس لأن الإنسان لا ينفك ~~عن خطرات من الشبه تعرض له وتهجم عليه وإذان بأن مثل ذلك لا يقدح في الجزم ~~بالاعتقاد وتنبيه على أنه يكفي في إيجاب العمل الظن فيكون حينئذ ms5545 تعليلا ~~لإعطاء الكتاب باليمين , وفيه تبكيت للكفار ونداء عليهم بأنهم لم يصلوا في ~~هذا الأمر المحقق إلى مرتبة الظن , فكيف بالمحقق من العلم فأهملوا العمل له ~~فخالفوا . | ولما كان تقدير هذا واضحا , سبب عند ما تأثر عن الحساب اليسير ~~من إعطاء الثواب فقال : { فهو في عيشة } أي حالة من العيش . | ولما كان ~~الرضى بالشيء لا يكون إلا إذا بلغ نهاية السؤل وغاية المأمول , قال مسندا ~~الرضا إلى العيش كناية عن رضا صاحبها على الوجه الأبلغ : { راضية * } أي ~~ثابت له الرضا ودائم لها لأنها في غاية الحسن والكمال , والعرب لا تعبر عن ~~أكثر PageV08P131 السعادات بأكثر من العيشة الراضية بمعنى أن أهلها راضون ~~بها , والمعتبر في كمال اللذة الرضى أو أنه لو كان للعيشة عقل لرضيت لنفسها ~~بحالتها . | ولما شوق سبحانه إلى حال صاحب هذه العيشة , وكانت أمرا إجماليا ~~, فصلها وبينها بالإبدال منها زيادة في التشويق فقال : { في جنة } أي ~~بساتين جامعه لجميع ما يراد منها . | ولما كان شرف المسكن العلو قال : { ~~عالية * } أي في المكان والمكانة والأبنية والدرجات والأشجار وكل اعتبار . ~~| ولما كان من شأن المعالي عسر الوصلو إليه قال : { قطوفها } أي جمع كثرة ~~لقطف - بالكسر وهو ما يجنى من الثمرات المجتمعة في عرق من عروقه { دانية * ~~} أي قريبة المأخذ سهلة التناول جدا , لراكب والقائم والقاعد والمضطجع , كل ~~ذلك على حد سواء دائما من غير انقطاع ولا كلفة على أحد من أهلاه في تناول ~~شيء من ذلك . | ولما كان كون الثمار بهذه الصفة دالا على كثرة الري , وكثرة ~~الري دالة على المشرب , وكانت من مفردات اللفظ عامة المعنى , فكان قد أفرد ~~الضمائر باعتبار لفظها تنصيصا على كل فرد فرد جمع باعتبار المعنى إعلاما ~~باشتراك جميع أهلها في النعم حال الانفراد والاجتماع فقال : { كلوا واشربوا ~~} أي مولى لهم ذلك إشارة إلى أن ذلك لا مانع منه وإلى أنهم يؤمرون به صريحا ~~دلالة على رضا صاحب الجنة لئلا يتنغص عليهم عيشهم بنوع من الأنواع الموهمة ~~للخطر , وحذف المفعول إيذانا بالتعميم لئلا يظن أنه ms5546 يستثني منها شيء فيكون ~~سبب الفتنة كما وقع لآدم صلوات الله وسلامه عليه . | ولما كان المأكل ~~والمشارب في هذه الدار تورث التخم والأمراض وفيها ما لا يلذ , وكان ما وقع ~~لأبينا آدم وأمنا حواء عليهما الصلاة والسلام على أكلة واحدة من وخامة ~~العاقبة معروفا , قال مؤمنا من ذلك : { هنيئا } أي أكلا طيبا لذيذا شهيا مع ~~البعد عن كل أذى وسلامة العاقبة بكل اعتبار ولا فضلة هناك من بول ولا غائط ~~ولا بصاق ولا مخاط ولا قرف ولا وهن ولا صداع ولا ثقل ولا شيء مؤذ . | ولما ~~شوق إلى المسببات حملهم على أسبابهم وحضهم على المسابقة في تحصيلها ~~والمثابرة والمداومة على الاستكثار منها ؛ فقال زيادة في لذتهم بأن ذلك على ~~وجه العوض لا امتنان عليهم في شيء منه لأحد من الخلق , فإن أحب ما إلى ~~الإنسان أن يأكل مما أفادته يمينه وحصله بعمله مع ما في ذلك من الشرف : { ~~بما أسلفتم } أي أعطيتم من أنفسكم لآخرتكم طوعا من الأعمال الصالحة وبما ~~تركتم من الدنيا مما هو PageV08P132 سافل بالنسبة إلى ما عوضتم عنه من ~~أعمال القلب والبدن والمال { في الأيام } ولما كان سبحانه قد ضمن كل ما ~~يشتغل به الإنسان من مصالح دنياه فهو واصل إليه لا محالة وإن فرغ أوقاته ~~كلها لعباده ربه قال : { الخالية * } أي الماضية في الدنيا التي انقضت وذهب ~~واسترحتم من تعبها والتي لا شاغل فيها عن العبادة . | إما بترك الاشتغال ~~بالمعاش للواصل إلى درجة التوكل , وإما بالسعي على وجه الاقتصاد بقصد ~~المساعدة للعباد في أمور هذه الدار والإفضال عليهم وإن لا يكون كلا عليهم ~~من غير اعتماد على السعي بل امتثالا للأمر مع القناعة بالكفاف . | < < # | الحاقة : ( 25 - 33 ) وأما من أوتي . . . . . # > > ^ ( وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يليتني لم أوت كتابيه * ولم أدر ~~ما حسابيه * يليتها كانت القاضية * مآ أغنى عني ماليه * هلك عني سلطانيه * ~~خذوه فغلوه * ثم الجحيم صلوه * ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه * ~~إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ) ^ } ) | ولما كانت العادة جارية ms5547 بأن أهل ~~العرض ينقسمون إلى قسمين : مقبول ومردود , وذكر سبحانه وتعالى المقبول ~~بادئا به تشويقا إلى حاله وتغبيطا بعاقبته وحسن مآله , أتبعه المردود ~~تنفيرا عن أعماله بما ذكر أحواله فقال : { وأما من } ولما كان الدال على ~~المساءة الإيتاء على وجه قبيح , لا تعيين المؤتي , قال بانيا للمفعول لذلك ~~وللدلالة على ذل الأخذ وعدم قدرته على الامتناع عن شيء يسوءه : { أوتي ~~كتابه } أي صحيفة أعماله - أعاذنا الله من ذلك { بشماله فيقول } أي لما يرى ~~من سوء عاقبته التي كشف له عنها الغطاء حتى لم يشك فيها لما يرى من قبائحه ~~التي قدمها , وكل ما يأتي مما يوهم سكتة في ذلك اليوم فمن باب المكابرة ~~والمدافعة بالباطل على ما كان عليه في الدنيا { يا يلتني } تمنيا للمحال , ~~وجرى عن نسق ما مضى في البناء للمفعول الدال على ذله وعدم جبلته فقال : { ~~لم أوت } أي من مؤت ما { كتابيه * } أي هذا الذي ذكرني بخبائث أعمالي ~~جزاءها { ولم } أي ويا ليتني لم { أدر } ولو حاولت الدارية { ما } أي حقيقة ~~{ حسابيه * } من ذكر العمل وذكر جزائه , بل استمريت جاهلا لذلك كما كنت في ~~الدنيا . | ولما تمنى هذين الشيئين , استأنف مراده بهما فقال لأنه رأى أن ~~ما يستقبله شر مما كان فيه من البرزخ : { يا ليتها } أي الموتة التي منها { ~~كانت القاضية * } أي الباتة الجازمة الملزمة لدوام الموت الخاتمة عليها حتى ~~لا يكون بعدها بعث ولا شيء غير الموت كما اكنت أعتقد في الدنيا ؛ قال ~~الإمام الرازي : وفي الحديث ( تمنوا الموت ) أي إذ ذاك ولم يكن في الدنيا ~~شيء أكره منه عندهم . | PageV08P133 ولما كان التمني مفهما لأنه كان له ضد ~~ما تمناه من البعث على ما كانت تخبره به الرسل ومن الحساب الذي هو سر البعث ~~وخالصه , وقد كان يقول : إنه يتخلص منه , على تقدير كونه , بماله وجاهه قال ~~معللا لتمنيه : { ما أغنى } نافيا تأسفا على فوات ما كان يرجو من نفعه , ~~والمفعول على هذا التقدير محذوف للتعميم , أو مستفهما استفهام إنكار على ~~نفسه وتوبيخ حيث ms5548 سولت له ما أثمر له كل سوء وكل محال منازعة للفطرة الأولى ~~المؤيدة بما أخبرت به الرسل حتى أوقعه ذلك التسويل في الهلكة { عني ماليه * ~~} أي الذي منعت منه حق الله وتعظمت به على عباده . | وهذا النفي للأغناء ~~سائغ مفهوم على كل من تقريري النفي والاستفهام . | ولما كان المال سبب ~~الوصول إلى السلطان , قال نافيا لما أوصله إليه ماله شارحا لعدم إغنائه , { ~~هلك عني } أي مجاوزا لي حتى كأني لم أكن فيه ساعة قط { سلطانيه * } أي ~~تسلطي على الدعاة إلى الله بالشبه الباطلة التي كان يطلب اللسان بها ~~فأساعده عليها مع ظهور بطلانها الملك الذي أوصل إليه المال فعاد لأن ذلك ~~الملك الأعظم هلك والمساعد أبعد مباعد . | ولما كان كأنه قيل : فما يقال ؟ ~~أجيب بأنه يقال للزبانية تعذيبا لروحه بالتوبيخ والأمر بالتعذيب على رؤوس ~~الأشهاد : { خذوه } أي أيها الزبانية الذين كان يستهين بهم عند سماع ذكرهم ~~. | ولما كان الأخذ دالا على الإهانة الناشئة عن الغضب , سبب عنه قوله : { ~~فغلوه * } أي اجمعوا يديه غلى عنقه ورجليه من وراء قفاه إلى ناصيته . | ~~ولما كان الغل لما بعده من العقاب , قال معظما رتبة عقابه في الشدة والهول ~~بالتعبير بأداة التراخي : { ثم الجحيم } أي النار العظمى التي تجمح على من ~~يريد دفاعا وتحجم عنها من رآها لأنها في غاية الحمو والتوقد والتغظ والتشدد ~~{ صلوه * } أي بالغوا في تصليته إياها وكرروها لغمسه في النار كالشاة ~~المصلية مرة بعد أخرى ولا تصلوه في أول أمره غيرها لأنه كان لا يألو جهدا ~~أن يحرق قلوب النصحاء بأشد ما يقدر عليه من الكلام وغيره , وكان يتعظم على ~~الضعفاء , فناسب أن يصلي أعظم النيران , وعبر أيضا بأداة التراخي لعلو رتبة ~~مدخولها , فقال مؤذنا بعدم الخلاص : { ثم في سلسلة } أي عظيمة جدا لا ما هو ~~دونها . | ولما قدمها دلالة على الاهتمام بها وعلى تخصيصها لشدة مخافتها , ~~عرف بعظيم هولها وشدة فظاعتها ليجتمع المفهوم والمنطوق على تهويلها فقال : ~~{ ذرعها } أي في PageV08P134 أي شيء فرضت من طول أو عرض { سبعون ذراعا } ~~يحتمل ms5549 أن يكون هذا العدد حقيقة , وأن يكون مبالغة , والذي يدل على أنها ~~للمبالغة ما رواه الترمذي - وقال : إسناده حسن - عن عبد الله بن عمرو رضي ~~الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لو أن رصاصة مثل هذه ) ~~وأشار إلى مثل الجمجمة ( وأرسلت من السماء إلى الأرض - وهي مسيرة خمسمائة ~~سنة - لبلغت الأرض قبل الليل , ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين ~~خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها وقعرها ) وأشار سبحانه إلى ضيقها ~~على ما تحيط به من بدنه بتعبيره بالسلك فقال : { فاسلكوه * } أي أدخلوه بحث ~~يكون كأنه السلك - أي الحبل - الذي يدخل في ثقب الخرزة بعسر لضيق ذلك الثقب ~~إما بإحاطتها بعنقه أو بجميع بدنه بأن تلف عليه فيصير في غاية الضنك ~~والهوان لا يقدر على حركة أصلا , وهذا تعذيب القالب لأنه أفسد القلب بعدم ~~الإيمان والقالب بعدم الأعمال . | ولما ذكر على الإجمال عقابه أتبعه أسبابه ~~, فقال بادئا بأعظمها مؤكدا لأن كل كافر حتى المعطل يقر الله تعالى نوع ~~إقرار ويدعي الإيمان به نوع ادعاء , لأنه لا يقدر على غير ذلك لما له ~~سبحانه من غلبة الظهور وانتشار الضياء والنور : { إنه كان } أي جبلة وطبعا ~~وإن أظهر شيئا يلبس به على الضعفاء ويدلس على الأغنياء { لا يؤمن } أي الآن ~~ولا في مستقبل الزمان { بالله } أي الملك الأعلى الذي يعلم السر وأخفى . | ~~ولما كانت عظمة الملك موجبة لزيادة النكال لمن يعانده على قدر علوها , وكان ~~الذي أورث هذا الشقي هذا الخزي هو تعظيمه على أمر الله وعباده , أشار إلى ~~أنه لا يستحق العظمة غيره سبحانه فقال : { العظيم * } أي الكامل العظم . | ~~< < # | الحاقة : ( 34 - 40 ) ولا يحض على . . . . . # > > ^ ( ولا يحض على طعام المسكين * فليس له اليوم هاهنا حميم * ولا طعام ~~إلا من غسلين * لا يأكله إلا الخاطئون * فلا أقسم بما تبصرون * وما لا ~~تبصرون * إنه لقول رسول كريم ) ^ } ) | ولما بين عناده للملك الأعظم ~~بإفساده القوة العلمية بين ما يوجبه الكفر من احتقاره للضعفاء إفسادا للقوة ~~العملية إعلاما بأنه ms5550 مكلف بفروع الشريعة كما أنه مكلف بأصولها , وبيانا لأن ~~عناده لمن فوقه لرداءة طبعه لا لعلو همته , فقال معظما لهذا الذنب لجعله في ~~سياق الكفر وبالتعبير بالحض مشيرا به إلى أن فاعل ذلك شديد الاستغراق في ~~PageV08P135 حب الدنيا لأنه لا يمنعه من حث غيره على الخير إلا ادخاره ~~لنفسه : { ولا يحض } أي يحمل ويحث { على } بذل { طعام } أو إطعام { المسكين ~~* } أي تسهيله بإعانته عليه إن كان موجودا , والسؤال في بذله وما يقوم ~~مقامه إن كان مفقودا , فكيف بالبذل من عنده , فإن ذلك لا يحمل عليه إلا ~~الإيمان لخلوه عن حظ , والتقييد يفهم أنه يحث على خدمة الأكابر الجبابرة ~~ويحب العكوف على أبوابهم والإضافة مع التعبير بالطعام دون الإطعام تشعر بأن ~~الفقراء يملكون كفايتهم من أموال الأغنياء , فدل ذلك على أنه مع كفره هو ~~أشنع صفات الباطن في غاية الشح والقساوة وعدم المروءة للإعراض عن أسباب ~~التمدح وعن التنزه عن سوء القالة وقدم المروءة للإعراض عن أسباب التمدح وعن ~~التنزه عن سوء القالة وقبيح الذكر , وذلك أشنع الرذائل , فلذلك خصص هذين ~~الأمرين , وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يحض على طعامهم ويقول : خلعنا نصف ~~السلسة بالإيمان أفلا نخلع الآخر - يعني بالحث على الإطعام , وذمه على ~~الاستهان بالمساكين يفهم الذم على الاستهانة بمن هم دونهم ممن هو أسوأ حالا ~~منهم بطريق الأولى . | ولما وصف سبحانه وتعالى بأقبح العقائد وأشنع الرذائل ~~, سبب عنهما في مقابلة إفساد القوتين العلمية قوله : { فليس له اليوم } ~~ولما ذكر الزمان المتعقب للبعث , ذكر المكان الكائن فيه وهو الدار الآخرة ~~فقال : { ههنا } أي في مجمع القيامة كله { حميم * } أي صديق خالص يحترق له ~~ويحميه من العذاب لأنهم كلهم له أعداء كما أنه هو كان لا يرق على الضعفاء ~~فيما هم فيه من الإقلال من حطام الأموال . | ولما نفى عنه الجاه لانسلاخه ~~من حزب الملك الولي الودود , وتحيزه إلى حزب الشيطان العدو والجحود , أتبعه ~~المقصود بالمال الذي تنشأ عنه جميع الاستمتاعات لأجل ضعفهم الذي وهبه المال ~~وأمره بمواساتهم فيه فقال ms5551 : { ولا طعام } ولما كان الاستثناء معيارا للعموم ~~قال : { إلا من غسلين * } أي غسالة أهل النار من فيحهم وصديدهم , فعلين من ~~الغسل , ويلزم من هذا الطعام أن يكون تحت غيره ليسيل ماء غسالته إليه . | ~~ولما حصر طعامهم فيما لا يقربه أحد باختياره , حصر من يتناوله معبرا عنهم ~~بالوصف الذي أوجب لهم أكله فقال : { لا يأكله } وفرغ الاستثناء تنبيها على ~~أن المستثنى هو المقصود حتى كأنه لا مستنثى منه فقال : { إلا الخاطئون * } ~~أي يأكله المتعمدون للخطايا لا غيرهم , وهو من خطأ الرجل بوزن فرح مهموزا - ~~إذا تعمد الذنب , وأما المخطئ فهو من قصد الخير فلم يصبه بغير تعمد { فليس ~~عليكم جناح PageV08P136 فيما أخطأتم به } أي اردتم الصواب فلم تصيبوه , ~~وهذا الطعام يغسل ما في بطونهم من الأعيان والمعاني التي بها قوام صاحبها , ~~وهو بمنزلة ما كانوا يشحون به من أموالهم التي أبطنوها وادخروها في خزائنهم ~~واستأثروا بها على الضعفاء . | ولما ذكر سبحانه وتعالى الحاقة التي جعلها ~~دار الحساب للمحسن والمسيء اللذين قسمتها القدرة واقتضتهما الحكمة , وصوب ~~إليهما القرآن الذي هو ذكر للعالمين بالوعد والوعيد والبشارة والتهديد , ~~ومن المعلوم ببديهة العقل أنه لا يصح أصلا في حكمة أحد أن يترك من تحت يده ~~هملا لا سيما إن كان تقدم إليهم بالأمر والنهي , وأقام الدليل على قدرته ~~عليها بتعذيب من استأصلهم لأجل تكذيب رسله ليكون عذابهم وتنجية المحسنين ~~منهم مثلا محسوسا تشهد فيه الحاقة , لأن من قدر على ذلك كانت له القدرة ~~التامة على كل ممكن , وذكر ما دلت الحكمة عليه من تنعيم الطائع وتعذيب ~~العاصي بما هو أنسب الأشياء لعمل كل منهما في هذه الأساليب المعجزة مفردات ~~وتراكيب ومعاني , فدل ذلك على آخر سورة ( ن ) عاد إلى تقريره بوجه آخر , ~~وهو أنه لتمام علمه وكمال قدرته لا يقرر من كذب عليه على كذبه فضلا عن أن ~~يؤيده , فقال مسببا عن ذلك حين بلغ الأمر في الوضوح إلى النهاية , ذاكرا ما ~~هو أبلغ من القسم لأن بعض أهل الجدل إذا حجه خصمه يقول : إنما ms5552 غلبتني بأنك ~~أتقن مني في الجدل بالحق , فإن الحق معي , فيحلف له صاحبه أنه ما غالطه ولا ~~تعمد في جدله إلا الحق , { فلا أقسم } أي لا يقع مني إقسام { بما } أي ~~بمجموع ما { تبصرون * } أي لكم أهلية إبصاره من كل ما دخل في عالم الشهادة ~~{ وما لا تبصرون * } أي ما ليس لكم في هذا الدار أهلية إبصاره , وذلك جميع ~~الموجودات واجبها وجائزها معقولها ومحسوسها , لأن الأمر أوضح من أن يحتاج ~~إلى إقسام وإن كنت أقسم في غير هذا الموضع بما شئت من أفارد هذا المجموع . ~~| ولما أكد غاية التأكيد بما قال من أن الأمر وصل في الوضوح إلى حد لا ~~يحتمل التأكيد , فكان ذلك تأكيدا بعدم التأكيد , استأنف الخبر عما أخبر أنه ~~لا يحتاج إلى إقسام بإثبات أداة التأكيد لأجل إنكارهم ليكون الكلام جامعا ~~بين التأكيد بالنفي وبين التأكيد بالإثبات فقال : { إنه } أي هذا الذي ختمت ~~به سورة ( ن ) ودل على الساعة بما أتى به نم هذه الأساليب التي هي مع كونها ~~حكيمة معجزة { لقول } أي تلاوة { رسول } أي أنا أرسلته وعني أخذه , وليس ~~فيه شيء من تلقاء نفسه إنما هو كله رسالة واضحة جدا , أنا شاهد بها بما له ~~من الإعجاز الذي يشهد أنه كلامي . | ولما كان من شأن الرسول أن لا يبلغ إلا ~~ما أرسله به مرسله , وكان بعض الرسل PageV08P137 ربما زاد أو نقص تعمدا أو ~~سهوا , أخبر أن له صلى الله عليه وسلم من الوصف ما يحفظه فقال : { كريم * } ~~أي هو في غاية الكرم الذي هو البعد عن مساوئ الأخلاق بإظهار معاليها لشرف ~~النفس وشرف الآباء فهو لا يزيد ولا يزيد ولا ينقص , وكرم الشيء اجتماع ~~الكمالات اللائقة به فيه . | < < # | الحاقة : ( 41 - 46 ) وما هو بقول . . . . . # > > ^ ( وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون * ولا بقول كاهن قليلا ما ~~تذكرون * تنزيل من رب العالمين * ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه ~~باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين ) ^ } ) | ولما أثبت أنه قوله سبحانه ~~وتعالى لأنه قول رسوله صلى الله عليه ms5553 وسلم لنا وهولا ينطق عن الهوى , نفى ~~عنه ما يتقولنه عليه , فبدأ بالشعر وهو ما يقوله الإنسان من تلقاء نفسه على ~~وزن مقصود صدقا كان أو كذبا , ولا بد فيه للتقيد بالوزن والقافية من التكلف ~~الذي القرآن بعيد عنه , وهو مع مشاركته للسجع في التكلف الناقص للمعنى أعلى ~~منه بالوزن الذي يكسبه الرونق والحلاوة فقال : { وما هو } أي هذا الذكر في ~~باطن أمره ولا ظاهره , وأكد النفي فقال : { بقول شاعر } أي يأتي بكلام مقفى ~~موزون بقصد الوزن , وإنما قيل أنه ليس بقول من هو كذلك لأنه , لا يوافق ~~الوزن فيه إلا أماكن نادرة بالنسبة إلى مجموع القرآن , ومن المقطوع به أن ~~ذلك لا يرضى به شاعر وهو أنه ينصب نفسه منصب النظم والارتهان بعهدة الوزن , ~~ثم يأتي بكلام أكثره غير موزون , فعلم قطعا أن الذي وافق الوزن فيه غير ~~مقصود قليس بشعر . | ولما كانت مخالفة القرآن للشعر خفية من حيث أنه لا ~~يعرف ذلك إلا الشعراء وهم قليل في الناس , والأغلب لا يعرفون ذلك , ختم ~~الآية بالإيمان الذي هو التصديق بالغيب فقال تعالى : { قليلا ما تؤمنون * } ~~أي ما توجدون التصديق الذي هو الإيمان إلا إيجادا أو زمانا قليلا , وذلك ~~لأني قد أخبرتكم بذلك في غير موضع فلم تصدقوا وفيكم شعراء كثير يعرفون ~~معرفة تامة أنه مخالف للشعر , وقد أخبركم بعضهم بذلك كالوليد بن المغير ~~وعتبة ابن ربيعة وغيرهما ثم لا تتبعون ذلك ثمرته , وهو الإيمان بالله ~~ورسوله , وإيمانهم القليل إقرار من أقر من شعرائهم أنه ليس شعر , وإخلاصهم ~~بالوحدانية عند الاضطرار وإفرادهم بالخالق بالخلق والربوبية , وهو إيمان ~~لغوي لا شرعي , ولما كان من يعرف الشعر يعرف النثر فهو أعلى فقدمه , أتبه ~~النثر فقال : { ولا بقول كاهن } وهو المنجم الذي يخبر وهو المنجم الذي يخبر ~~عن أشياء يوهمها لرئي يخبره بذلك , وأغلبها ليس لها صحة , وعبارته عن ذلك ~~بالسجع المتكلف المقصود كونه سجعا الذي كون المعنى فيه تابعا للفظ للتحلية ~~بمشاكلة المقاطع . | ولما كانت مباينة القرىن للسجع خفية جداص لما فيه ms5554 من ~~الفواصل في الأغلب وتركها PageV08P138 في البعث فارق لأن الساجعين لا يرضون ~~أن يأتوا بقرينة لا أخت لها ويعدون ذلك وعيا عيبا رديئا , وكذا تطويل السجع ~~عن قرينتها وتضعيفها على عديلتها لا يرضى به ساجع ولو أنه هاجع , ومباينة ~~النبي صلى الله عليه وسلم للكهنة ظاهرة جدا , فإن الكاهن من ينصب نفسه ~~للدلال على الضوائع والإخبار بالمغيبات يصدق فيها تارة ويكذب كثيرا , ويأخذ ~~الجعل على ذلك , ويقتصر على من يسأله , فعبر لذلك ب ( كاهن ) دون ( ساجع ) ~~أدار أمره على التفكر فقال : { قليلا ما } وأكد أمر القلة والخفاء بإدغام ~~تاء التفعل فقال تعالى : { تذكرون * } فلذلك يلتبس عليكم الأمر أو على من ~~تلبسون عليه بذلك , فعلم أن الذي يفرق بينهما موجود فيهم لأنه يرى أن ~~الكتاب تابع للمعنى الصحيح الثابت , فإن صح غاية الصحة مع وجود القرائن ~~المتوافقة في الروي كان وإلا انتقل عن ذلك إلى قرائن غير متوافقة في روي ~~ولا ما يقاربه , أو قريبة مفردة مع إمكان جعلها كما قبلها لكن مع نقصان ~~المقصور وطول الكلام ونحو ذلك , وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع يوما ~~من الأيام علم الغيب ولا نصيب نفسه الشريفة لشيء مما الكهان فيه ولا نقل في ~~ساعة من الدهر عن الجن خبرا ذكرا أنه استفاده منهم ولا مدحهم لذلك كما تفعل ~~الكهان , بل ذم الفاسقين منهم غاية الذم وقال : إن أكثر ما يأتون به الكذب ~~, ولا سأل جعلا عما يدعو إليه ولا اقتصر على من يأتيه اللسؤال , بل هو صلى ~~الله عليه وسلم يتبع الناس في مجامعهم يدعوهم إلى الله بإنقاذهم نم الضلال ~~فمباينته للكهان لا يحتاج إلى غير تذكر قليل - كما أشار إليه إدغام تاء ~~التفعل - فثبت أن القول ليس بكهانة , وقائله والمؤدي له ليس بكاهن , ونسبة ~~القول إلى المبلغ لكونه مبلغا واضحة الصحة . | ولما أثبت أنه قول الرسول ~~الذي لا ينطق عن الهوى , ونفى عنه ما قد يلبس من الشعر والكهانة , ولم يذكر ~~ما كانوا يرمونه به من السحر والأضغاث لأنه عتاد ms5555 محض لا يرتاب أحد فيه , ~~وكانت السورة مقصودا فيه إثبات الحقائق التي قد تخفى , وصفة بما يحقق ما ~~أريد من نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال : { تنزيل } أي على وجه ~~التنجيم وأشار إلى إرساله إلى جميع الخلق من أهل السماوات والأرض بقوله : { ~~من رب العالمين * } أي موجدهم ومدبرهم بالإحسان إليهم بما يفهم كل منهم من ~~هذا الذكر الذي رباهم به , ورتب سبحانه نظمه على وجه سهله على كل منهم شيئا ~~يكفي في هدايته البيانية بخلاف الشعر والكهانة فإنه لا يفهمهما إلا قليل من ~~الناس لا جميع العالمين , بل كثير من أكابر العلماء وحذاقهم ربما قرىء على ~~أحد منهم الآن القصيدة من قصائد العرب فلا يفهم المراد منها ولا يتضح له ~~بوجه . | ولما كان قد بقي من الأقسام التي كانوا يتقولونها عليه الافتراء ~~في الرسالة بمعنى PageV08P139 أنه عثر على بعض كتب الله تعالى التي نزلت ~~على من قبله من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فانتحلها من غير أن يوحى ~~إليه , وكان الدليل على أن ذلك ليس كذلك أن العادة تحيل أن يطلع شخص من ~~الناس على شيء لم يطلع أحد منهم ولا سيما إن كان ذلك الشخص قليل المخالطة ~~للعلماء فكيف إذا كان أميا لا يكتب ولا يقرأ كما كان صلى الله عليه وسلم , ~~قال عاطفا على ما تقديره : فلو لم يكن تنزيل رب العالمين عليه لم يعجزوا ~~عنه : { ولو تقول } أي كلف نفسه أن يقول مرة من الدهر كذبا { علينا } على ~~ما لنا من صفات العظمة والجلال والبهاء والكمال والكبرياء { بعض الأقاويل * ~~} التي لم نقلها أو قلناها ولم نأذن له فيها , وهو جمع أفعولة من القول ~~كالأضاحيك جمع أضحوكة , لا جمع أقوال , ليكون جمع الجمع , لأنه يلزم عليه ~~أن لا يعاقب بما دون ثلاثة أقوال { لأخذنا } أي بعظمتنا أخذ قوة وغضب وقهر ~~وإهلاك , وأكده للإعلام بشدة الغضب من الكذب وشدة قبحه . | ولما كان أخذه ~~أخذا يتلاشى عنده كل أخذ لأن من افترى على الملوك لا يفعل به إلا ذلك ms5556 قال : ~~{ منه } أي خاصة { بالمين * } أي التي هي العضو الأقوى منه فيها يكون بطشه ~~فنذهبه بشدة بطشنا , أو اليمين منا , فيكون كناية عن أخذنا له بغاية القوة ~~, فإنه قوة كل شيء في ميامنه , وقيل : إذا أراد الملك إهانة شخص قال : خذه ~~يا فلان , فيأخذه بيمينه , فهو كناية عن الإذلال , وقيل : هذا تصوير قتل ~~الصبر بأشنع صورة , فإن الملك إذا أراد التخفيف على من يقتله امر السياف ~~فأخذ يساره بيساره , وضرب بالسيف من ورائه لأنالعنق منخلف أوسع فيكون أسرع ~~قطعا ولا يرى المقتول لمع السيف , وإن أراد التعذيب والمبالغة في الإهانة ~~أخذ يده المينى بيده اليسرى وضربه وهو مستقبل له يرى لمع السيف , وربما ~~وقعت الضربة لضيق المجال من قدام في حنكه فيحتاج إلى ثانية وثالثة فهو أفحش ~~. | ولما صور مبدأ الإهلاك بأفظع صورة , أتمه مشيرا إلى شدة بشاعته بحرف ~~التراخي فقال : { ثم لقطعنا } حتما بلا مثنوية بما لنا من العظمة قطعا ~~يتلاشى عنده كل قطع { منه الوتين } أي العرق الأعظم في العنق الثابت الدائم ~~المتين الذي يسمى الوريد , وهو بين العلباء والحلقوم , وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه نياط القلب , وفي القاموس : عرق في القلب إذا انقطع مات ~~صاحبه - انتهى . | واختير التعبير به لأن مادته بهذا الترتيب تدور على ~~المتانة والدوام , فلذا كان يفوت صاحبه بفواته , وقال ابن برجان : عرق متصل ~~بنياط القلب مستبطن للصلب يملأ الجسد كله تسقيه الكبد وهي بيت الدم وهو ~~يجري منها الدم في البدن يأخذ منه ستون عرقا هي أنهار الدم في الجسد كله , ~~من هذه PageV08P140 الأنهار تأخذ الجسد ثمانية عشر تسقي الصدر , وسبعة تسقي ~~العين , وأربعة تسقي الدماغ , والوتين من مجمع الوركين إلى مجمع الصدر بين ~~الترقوتين , ثم ينقسم عنه سائر العروق إلى سائر الجسد , ولا يمكن في العادة ~~الحياة بعد قطعه , وفي المائدة عند قوله ^ ( { والله يعصمك من الناس } ) ^ ~~[ المائدة : 67 ] ما ينفع هنا . | < < # | الحاقة : ( 47 - 52 ) فما منكم من . . . . . # > > ^ ( فما منكم من أحد عنه حاجزين * وإنه لتذكرة للمتقين * وإنا لنعلم ~~أن ms5557 منكم مكذبين * وإنه لحسرة على الكافرين * وإنه لحق اليقين * فسبح باسم ~~ربك العظيم ) ^ } ) | ولما أتم تصوير ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه من ~~أن يأخذ السيئات أو أعوانه بيمينه ويكبحه كالسيف فيضربه عنقه , سبب عنه ~~قوله إتماما لعظمته بقوله : { فما منكم } أي أيها الناس , وأعرق في النفي ~~فقال : { من أحد عنه } أي القتل أو المقتول المنقول , ولما كان ( أحد ) ~~عاما حقق عمومه واصفا له , وأخبر عن ( ما ) على لغة الحجاز بقوله : { ~~حاجزين * } أي يكون حاجزا جزما كثيفا مانعا من الوصول إليه فلا غرض يتعلق ~~من عاقل أن ينصح لأحد بنصيحة تعود إلى المنصوح وحده بالنفع ولاحظ للقائل ~~فيها بكذب يكلف نفسه تقوله على ملك لا يقدر ذلك المنضوح أن يحميه من عقوبته ~~على ذلك الكذب , واختار الإخبار بالجمع لأنه يدل على عدم حجز الفرد من باب ~~الأولى و ( منكم ) حال لتقدمه , وهذا كله كناية على أبلغ الوجوه عن أن هذا ~~الذكر كلام الله لا شبهة فيه بوجه , مضموما ذلك إلى وجوه إعجازه , فإن ( لو ~~) لامتناع الثاني لأجل امتناع الأول , فالتقدير كما يقال في القياس ~~الاستثنائي : لكنا لم نأخذه هذا الأخذ فثبت أنه ما تقول علينا شيئا , فثبت ~~أن ماقال كلامنا ثبوتا تاما بالبراهان على وجه لا يرام نقضه . | ولما كان ~~هذا كناية عن هذا من غير نظر إلى حقائق مفرداته ولا معنى شيء منها على ~~انفراده , فكان كأنه قيل : تنزيل من رب العالمين غير متخيل فيه الكذب بوجه ~~, عطف على ذلك قوله : { وإنه } أي القرآن بعد أن كان ذكرا لجميع العالمين { ~~لتذكرة } أي مذكر عظيم جدا { للمتقين * } أي من العالمين لأنهم المنتفعون ~~به لإقبالهم عليه إقبال مستفيد . | ولما علم من هذا أنه سبحانه عالم بقسمي ~~والحسن ظواهرهم وبواطنهم , صرح بالقسم الآخر , فقال مؤكدا لأجل إنكار ~~الضلال : { وإنا } أي بما لنا من العظمة { لنعلم } أي علما عظيما محيطا { ~~أن منكم } أيها الأرضيون السفليون الذين ليس لهم أهلية العلو إلى تجريد ~~الأرواح عن علائق الجسد الكثيفة { مكذبين * } أي عريقين في التكذيب فأنزلنا ms5558 ~~الكتب وأرسلنا الرسل ليظهر منكم إلى عالم الشهادة منها ما كنا نعمله ~~PageV08P141 في الأزل غيبا من تكذيب وإيمانه فتستحقون بذلك العقاب أو ~~الثواب , فلذلك وجب في الحكمة التي لا يكذب بها أحد ولا يشك في أنها خاصة ~~الملك المظهرة للكمال أن يعيد الخلق إلى ما كانوا عليه من أجاسمهم قبل ~~الموت لنحكم بينهم فنجازي كلا بما يليق به إظهارا للعدل . | ولما كان سبب ~~التكذيب ستر ما تجليه مرائي العقول من الدلائل , وكان التقدير : فإنه بشرى ~~للمؤمنين , ولكنه طواه لأن السيق للتهديد بالحاقة , عطف عليه قوله مؤكدا ~~لما لهم من التكذيب به , { وإنه } أي القرآن العظيم { لحسرة } أي بما يرى ~~من تأويله في الدنيا والآخرة { على الكافرين * } أي العريقين في الكفر ~~لكونهم كذبوا به لما يظهر لهم من جزائهم وجزاء المؤمنين . | ولما كان كل من ~~الفريقين يذوق جزاءه في الآخرة , وكان كل أحد سمع القرآن ذاق أنه لا يقدر ~~على الإتيان بشيء يماثله ولا يدانيه , قال مؤكدا تنزيلا لهم في عداد ~~الجاهلين : { وإنه } أي القرآن أو الجزاء في يوم الجزاء { لحق اليقين * } ~~أي الأمر الثابت الذي يضاق فيصير لا يقبل الشك فهو يقين مؤكد بالحق . | من ~~إضافة الصفة إلى الموصوف , وهو فوق علم اليقين , وفي ذلك إشارة إلى أن ~~العبد ينبغي له أن يتحقق لذلك معرفة الحق فيكون مشاهدا للغيوب كمشاهدة ~~المرئيات لما يشاهد من أمثالها , فأمر البعث يشاهد كل يوم في الليل والنهار ~~وفي العام في النبات وغير ذلك . | ولما كان البعث لهذا المقصد من أعظم ~~الكمال , وكان عدمه موجبا للنقص , سبب عن كلا الأمرين إشارة وعبارة قوله ~~آمرا بعد الإخبار في أول المسبحات : { فسبح } أي أوقع التنزيه الكامل عن كل ~~شائبة نقص { باسم } أي بسبب علمك بصفات { ربك } أي الموجد والمربي لك ~~والمحسن إليك بأنواع الإحسان { العظيم * } الذي ملأت الأقطار كلها عظمته , ~~وزادت على ذلك بما شاءه سبحانه مما لا يتسعه العقول لا سيما عن قولهم : لن ~~يعيدنا , فإنه سبحانه وتعالى قادر على ذلك لا يعجزه شيء , وقد وعد ms5559 بذلك وهو ~~صادق الوعد , وعدم البعث مخل بالحكمة لظلم أكثر الناس , وفيه إشارة إلى ~~المتاركة , وتعجيب من حالهم في تصميمهم على الكذب والعناد , والجلد على ~~الجدل والفساد , فقد رجع آخر السورة على أولها بإحقاق الحاقة لنفي ما وقع ~~الخيط فيه في دار الاحتجاب بالأسباب من مواقع النقص ومظنات اللبس , فيثبت ~~الحق وينفي الباطل فيفرق بين المحسن والمسيء والسعيد والشقي , فيحق السلام ~~لحزب الرحمن , ويثبت الهلاك لأصحاب الشيطان , ويظهر اسمه الظاهر لكل مؤمن ~~وكافر , إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب والله الهادي . | . . . | ~~PageV08P142 < # > 70 ( سورة المعارج ) 70 < # > | وتسمى سأل . | مقصودها إثبات القيامة وأنذار من كفر بها وتصوير ~~عظمتها بعظمة ملكها وطول يومهت وتسلية المنذر بها بما لمن كذبه بما له من ~~الصغار والذل والتبار ، ودل على وجوب وقوعها سابقا بما ختمه بتسميتها في ~~السورة الماضية بالحاقة تنبيها على أنه لا بد منها ولا محيد عنها ، ودل على ~~ذلك بالقدرة في أ , لها والعلم في اثنائها والتنزه عما في إهمالها من النقص ~~في آخرها ولا خفاء بما أخبر من أنه أرسل جميع رسله بالتحذير منها فأرسل ~~نوحا عليه السلام يفي الزمان الأقدم كما ذكر في سورته عند ما اختلف الناس ~~بعدما كانوا عليه يفي زمان أبيهم آدم عليه الصلاة والسلام من الاتفاق على ~~الدين الحق فافترقوا إلى مصدق ومكذب ، فعلم منه أ ، من بعده أولى بذلك ~~لقربهم منها وأتبع ذلك الإعلام أنه دعاإلى ذلك الجن الذين كان سبيلهم فيها ~~سبيل الآدميين ، وأتبع ذلك بعد إرسال أول الرسل بها زمانا - آخرهم زمانات ~~وأولهم نبوة حين كان نبيا وآدم بين الروح والجسد ، فبدا بسورة المزمل ~~بنبوته ومزيد ترزكيته وتقديسه ورفعته والإخبار عن رسالته والتحذي من ~~مخالفته ، وأتبع ذلك الإنذار بها بالصدع بالرسالة بمحو كل ضلالة ، فلما ~~تقررت نبوته وثبتت رسالته على أجمل الوجوه وأجلاها وأبينها وأعلاها , ~~اشرفها وأولاها ، جعل سبحانه سورة القيامة كلها لها إعلاما بأن الأمر عظيم ~~جدا يجب الاعتناء به والتأهب له والاجتهاد بغاية القوة وإفراغ الجهد ، ثم ~~اتبع ذلك الإنسان دلالة على ms5560 أنه المقصود بالذات من الأكوان ، فاليسوغ في ~~الحكمة أن يجعله سبحانه سدى وبين كثيرا من أحوالها ثم أقسم في المرسلات أن ~~أملاها حق لا بد منه ولا مندوحة عنه ، ثم عجب في ' عم ' منهم في تساؤلهم ~~عنها وتعجيبهم منها ثم أقسم على زقزعها في النازعات وصور من أمرها وهزاهزها ~~ما أراد ، ثم أولى ذلك الدلالة في سورة عبس على أن من الناس من طبع على ~~قلبه فلا حيله في تصديقه بها مع ما تبين بالسورة الماضية وغيرها من أمرها ، ~~ثم صورها في ' كورت ' تصوير صارت من رأي عين لو PageV08P143 كشف الغطاء ما ~~ازداد الموقنون بها يقينا ، ثم بين في الانفطار أن الأمور فيها ليست على ~~منهاج الأمور هنأ ، بل الأسباب كلها منقطعة والأنساب مرتفعة ، والكل خاضعون ~~مخبتون خاشعون ، أعظمهم في الدنيا تجبرا أشدهم هنالك صغارا وتحسرا ، ثم ~~أتبع ذلك من يستحق هنالك النكال والسلاسل والأغلال ، ثم أولاه رفعة أهل ~~الإيمان الذين طبعهم على الإقرار بها والعرفان ، واستمر على هذا إلى آخر ~~القرآن قل أن تأتي سورة إلا وهي معرفة بها غاية المعرفة إلى أن ختمك بالدين ~~إشارة بذلك إلى أن معرفتها هي الدين وأشار في ' تبت ' إليها وأتبعها ~~الإخلاص إشارة إلى أنه لا يسلم فيها إلا الموحدون المعاذون من الفتن ~~الظاهرة والباطنة ، المتصفون بالمحامد المتعاظمة المتكاثرة ، فآذن ذلك أن ~~أكثر غاية القرآن في أمرها العظيم الشأن لأنه لا كتاب بعد هذا الكتاب ينتظر ~~ولا أمة أشرف من هذه تخص ببيان أعظم من بيانها وهو أحد الأوجه التي فاق بها ~~القرآن على الكتب الماضية والصحف الكائنة في القرون الخالية ، وآذن ذلك بأن ~~الأمر قد قرب والهول قد دهم والخوف قد قدح ، ليشمر أهل الاختصاص في النجاة ~~من عذابها والخلاص حين لا مفر ولا ملجأ ولات حين مناص ، نسأل الله العافية ~~في يومها والعيشة الراضية ، وعلى هذا المقصد دل اسمها ' سأل ' وكذا المعارج ~~وهما أنسب ما فيها للدلالة على ذلك ، وقانا الله سبحانه وتعالى من آفاتها ~~والمهالك آمين { بسم الله } الملك الأعظم ms5561 الذي تنقطع الأعناق والآمال دون ~~عليائه { الرحيم } الذي أوضح نعمة البيان وعم بها وشهرها حتى صارت في ~~الوضوح إلى حد لا مطمع لأحد في ادعاء خفائه { الرحيم } الذي اصطفى من عباده ~~من وفقهم للفهم عنه والطاعة له ، فكان من أوليائه . < < # | المعارج : ( 1 - 5 ) سأل سائل بعذاب . . . . . # > > ^ ( سأل سآئل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع * من الله ذي ~~المعارج * تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة * ~~فاصبر صبرا جميلا ) ^ } ) | لما ختم أمر الطامة الكبرى في الحاقة حتى ثبت ~~أمره , وتساوى سره وجهره , ودل عليها حتى لم يبق هناك نوع لبس في وجوب ~~التفرقة في الحكمة بين المحسن والمسيء , وختم بأن ترك ذلك مناف للكمال فيما ~~نتعارقه من أمورالعمال بعد أن أخبر أنه يعلم أن منهم مكذبين , وكان السائل ~~عن شيء يدل على أن السائل ما فهمه حق فهمه , ولا اتصف بحقيقة علمه , عجب في ~~أول هذه ممن سأل عنها فقال : { سأل } ودل على أنه لو لم يسأل عنها إلا ~~واحدة من العباد لكان جديرا بالتعجب منه والإنكار عليه بالإفراد في قوله : ~~{ سائل } وهو من السؤال في قراءتي من خفف بإبدال الهمزة ألفا ومن همز . | ~~PageV08P144 ولما كان سؤالهم من وقت مجيء الساعة والعذاب الساعة والعذاب ~~وطلبهم تجيل ذلك إنما هو استهزاء , ضمن ( سأل ) استهزاء ثم حذفه ودل عليه ~~بحال انتزعها منه وحذفها ودل عليه بما تعدى به فقال , أو انه حذف مفعول ~~السؤال المتعدي ( بعن ) ليعم كل مسؤول عنه إشارة إلى أن من تأمل الفطرة ~~الأولى وما تدعو إليه من الكمال فأطاعها فكان مسلما فاضت عليه العلوم , ~~وبرقت له متجلية أشعة الفهوم , فبين المراد من دلالة النص بقوله : { بعذاب ~~} أي عن يوم القيامة بسبب عذاب أو مستهزئا بعذاب عظيم جدا { واقع * } وعبر ~~باللام تهكما منهم مثل { فبشرهم بعذاب } فقال : { للكافرين } أي الراسخين ~~في هذا الوصف بمعنى : إن كان لهم في الآخرة شيء فهو العذاب , وقراءة نافع ~~وابن عامر بتخفيف الهمزة أكثر تعجيبا أن اندفاع فمه بالكلام وتحركت به ms5562 ~~شفتاه لأنه مع كونه يقال : سال يسأل مثل خاف يخاف لغة في المهموز يحتمل أن ~~يكون من سأل يسأل , قال البغوي : وذلك أن أهل مكة لما خوفهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالعذاب قالوا : من أهل هذا العذاب ولمن هو ؟ سلوا عنه , فأنزلت ~~. | ولما أخبر بتحتم وقوعه علله بقوله : { ليس له } أي بوجه من الوجوه ولا ~~حيلة من الحيل { من الله } أي الملك الأعلى الذي لا كفؤ له فلا أمر لأحد ~~معه , وإذا لم يكن له دافع منه لم يكن دافع من غيره وقد تقدم الوعد به , ~~ودلت الحكمة عليه فتحتم وقوعه وامتنع رجوعه . | ولما كان القادر يوصف ~~بالعلو , والعاجز يوسف بالسفول والدنو , وكان ما يصعد فيه إلى العالي يسمى ~~درجا , وما يهبط فيه إلى السافل يسمى دركا , وكانت الأماكن كلها بالنسبة ~~إليه سبحانه على حد سواء , اختير التعبير بما يدل على العلو الذي يكنى به ~~عن القدرة والعظمة , فقال واصفا بما يصلح كونه مشيرا إلى العديل : { ذي ~~المعارج * } أي الدرج التي لا انتهاء لها أصلا - بما دلت عليه صيغة منتهى ~~الجموع وهي كناية عن العلو , وسيمت بذلك لأن الصاعد في الدرج يشبه مشية ~~الأعرج , وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها السماوات , ودل على ما دلت ~~عليه الكثرة مع الدلالة على عجيب القدرة في تخفيفها على الملائكة بقوله : { ~~تعرج الملائكة } أي وهم أشد الخلق وأقدره على اختراق الطباق , والإسراع في ~~النفوذ حتى يكونوا أعظم من لمح البرق الخفاق { والروح } أي جبريل عليه ~~السلام , خصه تعظيما له , أو هو خلق هو أعظم من الملائكة , وقيل : روح ~~العبد المؤمن إذا قبض { إليه } أي محل مناجاته ومنتهى ما يمكن من العلو ~~لمخلوقاته , وعلق بالعروج أو بواقع قوله : { في يوم } أي من أيامكم , ~~PageV08P145 فيه آدميا { خمسين ألف } وبين المشقة في صعوده أو الكون فيه إن ~~القيامة بأن قال : { سنة * } ولم يقل : عاما - مثلا , ويجوز أن يكون هذا ~~اليوم ظرفا للعذاب فيكون المراد به يوم القيامة , وأن يكون طوله على الكفر ~~باعتبار ما ms5563 يلحقه من الغم لشدة المخاوف عليه لأنه ورد أنه يخفف على المؤمن ~~حتى يكون بمقدار صالة واحدة - انتهى . | وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أن المعنى أنه لو ولي الحساب غير الله لم يفرغ منه إلا في هذا المقدار , ~~ويفرغ منه هو سبحانه في نصف يوم من أيام الدنيا , وقال مجاهد والحكم وعكرمة ~~: هو عمر الدنيا من أولها إلى آخرها خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم مضى وكم ~~بقي إلا الله , وقد مضى في سورة { ألم السجدة } ما ينفع ههنا . | ولما كان ~~هذا كله تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن استعجالهم إياه بالعذاب استهزاء ~~وتكذيبا سواء أريد تصوير العظمة أو العذاب , سبب عنه قوله : { فاصبر } أي ~~على أذاهم ولا ينفك ذلك عن تبليغهم فإنك شارفت وقت ا لانتقام منهم أيها ~~الفاتح الخاتم الذي لم أبين لأحد ما بينت على لسانه , والصبر : حبس النفس ~~على المكروه من الإقدام أو الإحجام , وجماله بسكون الظاهر بالتثبت والباطن ~~بالعرفان { صبرا جميلا * } أي لا يشوبه شيء من اضطراب ولا استثقال , ولا ~~شكوى ولا استعجال , فإن عذابهم ونصرك عليهم لعظمة من أرسلك , فلا بد من ~~وقوعه لأن القدح فيه والتكذيب به قدح فيها , وهذا قبل الأمر بالقتال . | < ~~< # | المعارج : ( 6 - 13 ) إنهم يرونه بعيدا # > > ^ ( إنهم يرونه بعيدا * ونراه قريبا * يوم تكون السمآء كالمهل * ~~وتكون الجبال كالعهن * ولا يسأل حميم حميما * يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي ~~من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته التي تؤويه ) ^ } ) | وقال ~~الإمام أبو جعفر ابن الزبير : لما انطوت سورة الحاقة على أشد وعيد وأعظمه ~~أتبعت بجواب من استبطأ ذلك واستبعده إذ هو مما يلجأ إليه المعاند الممتحن , ~~فقال تعالى : ^ ( { سأل سائل بعذاب واقع } ) ^ [ المعارج : 1 ] إلى قوله ^ ~~( { إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا } ) ^ [ المعارج : 6 و 7 ] ثم ذكر حالهم ~~إذ ذاك ^ ( { يوم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه } ) ^ [ المعارج ~~: 11 ] الآية , ثم أتبع بأن ذلك لا يغني عنه ولا يفيده ^ ( { إنها لظى } ) ~~^ [ المعارج : 15 ] ثم ختمت السورة بتأكيد الوعيد ms5564 وأشد التهديد ^ ( { فذرهم ~~يخوضوا PageV08P146 ويلعبوا } ) 77 < # > [ المعارج : 42 ] إلى قوله < # > 77 ( { ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون } ) 77 < # > [ المعارج : 44 ] ذلك يوم الحاقة ويوم القارعة - انتهى . | ولما كان ~~كونه تعالى , بما تقدم في العظمة , أمرا معلوما بما له من الآثار من هذا ~~الكون وما فيه , وكان استبعادهم لما أخبر به أمرا واهيا ضعيفا سفسافا لا ~~يكاد يصدق أن أحدا يحاول أن يرد به هذه الأمور التي هي في وضوحها كالشمس لا ~~خفاء بها أصلا ولا لبس قال مؤكدا : { إنهم } أي الكفار المكذبين المستعجلين ~~{ يرونه } أي ذلك اليوم الطويل أو عذابه { بعيدا * } أي زمن وقوعه , لأنهم ~~يرونه غير ممكن أو يفعلون أفعال من يستبعده { ونراه } لما لنا من العظمة ~~التي قضت بوجوده وهو عينا هين { قريبا * } سواء أريد بذلك قرب الزمان أو ~~قرب المكان , فهو هين على قدرتنا وهو آت لا محالة , وكل آت قريب والبعيد ~~والقريب عندنا على حد سواء . | ولما ذكر عن هذا اليوم ما يبعث على السؤال ~~عنه , استأنف بيانه مبينا عظمته فقال : { يوم } أي يقع حين { كالمهل * } أي ~~الشيء المذاب من المعادن في مهل أو دردي الزيت { وتكون الجبال } التي هي ~~أشد الأرض وأثقل ما فيها { كالعهن * } أي الصوف المصوبغ ألوانا المنقوش , ~~تطيره الريح كالهباء , وذلك لأن الجبال في أصلها متلونة كما قال تعالى < # > 77 ( { ومن الجبال جدد وبيض وحمر } ) 77 < # > [ فاطر : 27 ] الآية , قال البغوي : ولا يقال عهن إلا للمصبوغ , قال : ~~وأول ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا ثم عهنا منفوشا ثم هباء منثورا - ~~انتهى . | { ولا يسأل } من شدة الأهوال { حميم حميما } أي قريب في غاية ~~القرب والصداقة قريبا مثله عن شيء من الأشياء لفرط الشواغل ولأنه قد كشف ~~لهم أنه لا تغني نفس عن نفس شيئا , وأنه قد تقطعت الأسباب وتلاشت الأنساب ~~لما كشف الابتلاء عن أنه لا عز إلا بالتقوى - هذا على قراءة الجماعة بفتح ~~الياء وعلى قراءة ابن كثير بالبناء للمفعول المعنى أنه لا يطالب أحد بأحد ~~كما بعض الحكام في الدنيا من أنه ms5565 يلزم أقارب من قربه لأنه لا حاجة له بذلك ~~, لأن القدرة محيطة بالكل على حد سواء . | ولما كان عدم السؤال قد يكون ~~لعدم رؤية بعضهم بعضا لكثرة الجمع وشدة الزحام وتفرق الناس فيه على حسب ~~مراتب أعمالهم , استأنف الجواب لمن كأنه يقول : لعل ذلك يترك لعدم رؤيتهم ~~لهم ؟ فقال دالا بالمجهول والتفعيل على عظمة ذلك التبصير وخروجه عن العادة ~~جامعا لأن المقصود من الحميم الجنس والجمع أدل على عموم PageV08P147 ~~التبصير , قال البغوي : وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه من ~~الجن والإنس - انتهى , وكان حكمة ذلك أنه أدل على تقطع الأسباب فلا يسأل ~~أحد منهم الآخر عن شيء من أمره لاشتغال كل بنفسه , فعدم السؤال فعدم السؤال ~~لا للخفاء بل للاشتغال وهم كل إنسان بما عنده : { يبصرونهم } أي يبصرهم ~~مبصر فلا يخفى أحد على أحد وإن بعد مكانه ويفر كل من الآخر لشغله بنفسه , ~~ولما تناهى الإخبار بعظمة ذلك اليوم إلى حد لا تحتمله القلوب , ذكر نتيجة ~~ذلك فقال مستأنفا : { يود } أي يتمنى ويشتهي { المجرم } أي هذا النوع سواء ~~كان كافرا أو مسلما عاصيا علم أنه يعذب بعصيانه , وقيد به لأن المسلم ~~الطائع يشفع فيمن أذن له فيه ولا يهمه شيء من ذلك , ودل على أن هذه الودادة ~~مجرد تمن بقوله : { لو يفتدي } أي نفسه { من عذاب يومئذ } أي يوم إذ كانت ~~هذه المخاوف بأعلق الناس بقلبه وأقربهم منه فضلا عن أن يسأل عن أحواله . | ~~ولما كان السياق للافتداء , بدأ بأعزهم في ذلك بخلاف ما يأتي في عبس فقال : ~~{ ببنيه * } لشدة ما يرى . | ولما ذكر ألصق الناس بالفؤاد وأعز من يلزمه ~~لنصره والذب عنه , أتبعه ما يليه في الرتبة والمودة وما الافتداء به لا ~~سيما عند العرب من أقبح العار فقال : { وصاحبته } أي زوجته التي يلزمه الذب ~~عنها والكون دائما معها لكونها عديلة روحه في الدنيا . | ولما ذكر الصحابة ~~لما لها من تمام الوصلة , أتبعها الشقيق الذي لا يلزم من الذب عنه ما يلزم ~~من لاذب عن الحيم ms5566 وربما كان مباينا , فقال : { وأخيه * } . | ولما كان من ~~بقي من الأقارب بعد ذلك متقاربين في الرتبة ذكر أقربهم فقال : { وفصيلته } ~~أي عشيرته الذين هم أقرب من فصل عنه { التي تؤويه * } أي تضمه إليها عند ~~الشدائد وتحميه , لأنه أقرب الناس إليها وأعزهم عليها فهم أعظم الناس حقا ~~عليه وأعزهم لديه . | < < # | المعارج : ( 14 - 21 ) ومن في الأرض . . . . . # > > ^ ( ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه * كلا إنها لظى * نزاعة للشوى * ~~تدعو من أدبر وتولى * وجمع فأوعى * إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر ~~جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا ) ^ } ) | ولما كانت هذه الآية في الفدية , ~~قدم الأبعد عن ذلك فالأبعد من جهة النفع والمعرة . | ولما كانت آية عبس في ~~الفرار والنفرة , قدم الألصق فالألصق , والأعلق في الأنس فالأعلق . | ولما ~~خص هنا عم فقال : { ومن في الأرض } أي من الثقلين وغيرهم سواء كان فيهم ~~صديق لا صبر عنه ولا بد في كل حال منه أو لا . | ولما كان ربما خص ذلك ~~PageV08P148 بغيره , قال محققا لإرادة الحقيقة في معنى ( من ) : { جميعا } ~~. | ولما كان الإنسان تكشف له الأمور هناك أي كشف , وتظهر له أم ظهور , قال ~~تعالى { فبصرك اليوم حديد } فيعلم أنه لا ينجيه من الخطايا المحيطة المحبطة ~~شيء , دل على الاستبعاد بأداة البعد فقال عاطفا على ( يفتدي ) : { ثم ينجيه ~~* } أي ثم يود لو يكون له بذلك نجاة تتجدد له في وقت من الأوقات . | ولما ~~كان هذا مما قد يطمع في النجاة , فإن بعض الناس يطبع على قلبه فيستغويه ~~الأطماع حتى يعد المحال ممكنا , قال معبرا بمجمع الروادع والزواجر الصوادع ~~: { كلا } أي ليكن للمجرم ردع أي ردع عن وداده هذا وترتب أثره عليه , فإن ~~ذلك لا يكون أبدا بوجه من الوجوه . | ولما كان الإضمار قبل الذكر لتعظيم ~~ذلك المضمر في المهيع الذي هو فيه , لأن ذلك إشارة إلى أنه مستحضر في الذهي ~~لا يغيب أصلا لما للمقام عليه من عظيم الدلالة , قال بعد هذا الردع العظيم ~~عن النجاة بل عن ودادة تمنيا : { إنها } أي النار التي هي سوط ms5567 الملك المعد ~~لمن عصاه , المهدد في هذا السياق بعذابها , المستولية عليه لتكونه سجنه : { ~~لظى * } أي ذات اللهب الخالص المتناهي في الحر يتلظى أي يتوقد فيأكل بسببه ~~بعضها بعضا إن لم تجد ما تأكله وتأكل ما وجدته كائنا ما كان { نزاعة للشوى ~~* } أي هي شديدة النزع لجلود الرؤوس بلغيته فما الظن بغيره من الجلد , وقال ~~في القاموس : الشوى : اليدان والرجلان والأطراف وقحف الرأس وما كان غيره ~~مقتل - انتهى , وقيل : والجلد كله واللحم تنزع ذلك ثم يعود كماكان في الحال ~~يروا التعب الذي كانوا ينكرونه في أنفسهم في كل لحظة . | ولما كان الخلاص ~~غير ممكن من الداعي القادر على الإحضار كنى عن إحضارها إياهم وجذبها لهم ~~بقوله : { تدعوا } ويجوز أن يكون ذلك حقيقة فتقول في الدعاء في نفسها : إلي ~~يا مشرك إلي يا منافق , ونحو ذلك ثم تلتقطهم التقاط الطير للحب { من } أي ~~كل شخص { أدبر } أي من الجن والإنس أي من وقع منه إدبارهما من حقه الإقبال ~~عليه سواء كان ذلك الإدبار عنها أو عن الأعمال التي من شأنها التنجية منها ~~, ولما كان الإدبار قد يكون عن طبع غالب فيكون صاحبه في عداد من يعذر , بين ~~أن الأمر ليس كذلك فقال : { وتولى * } أي كلف فطرته الأولى المستقيمة ~~الإعراض عن أساب النجاة . | ولما كانت الدنيا والآخرة ضرتين , فكان الإقبال ~~على إحداهما دالا على PageV08P149 الإعراض عن الأخرى , قال دالا على إدباره ~~بقلبه : { وجمع } أي كل ما كان منسوبا إلى الدنيا . | ولما كانت العادة ~~جارية بأن من كانت الدنيا أكبر همه كان همه بجمعه الاكتناز لا الإنفاق , ~~سبب عن جمعه قوله : { فأوعى * } أي جعل ما جمعه في وعاء وكنزه حرصا وطول ~~أمل ولم يعط حق الله فيه , فكان همه الإيعاء لا إعطاء ما وجب من الحق ~~إقبالا على الدنيا وإعراضا عن الآخرة . | ولما كان من أعجب العجب أن يقبل ~~على الدنيا أحد يسمع هذا التهديد بالعرض بين يدي الله والعقاب لمن لم يقبل ~~على عبادته سبحانه , بين أن ذلك لما جبله عليه سبحانه وأن ms5568 الإنسان مقهور مع ~~جبلته إلا من حفظه الله , وذلك دال من كلا الطرفين على عظيم قدرته سبحانه , ~~قال مؤكدا لاقتضاء المقام للتأكيد لأن الإنسان لو خوف بالعرض على بعض ~~الأمراء ما لابس ما يغضبه فكيف بالعزيز الحكيم القدير العليم : { إن ~~الإنسان } أي هذا الجنس , عبر به لما له من الأنس بنفسه والرؤية لمحاسنها ~~والنسيان لربه ولذنبه . | ولما دعا الحال إلى بيان الجبلة الداعية إلى ما ~~يقتضيه باختيار صاحبها على وجه كأنه إلجاء بيانا لسهولة الأمور عليه سبحانه ~~بنى للمفعول قوله : { خلق هلوعا * } أي جبل جبلة هو فيها بليغ الهلع وهو ~~أفحش الجزع مع شدة الحرص وقلة الصبر والشح على المال والرغبة فيما لا ينبغي ~~, وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه الحريص على ما لا يحل له , وروي عنه أن ~~تفسيره ما بعده . | ولما كان الهلع شدة الحرص وقلة الصبر , نشر معناه فقال ~~مقدما المعمول الذي هو الظرف على العامل بيانا لإسراعه في ذلك : { إذا مسه ~~} أي أدنى مس { الشر } أي هذا الجنس وهو ما تطاير شروره من الضر { جزوعا * ~~} أي عظيم الجزع , وهو ضد الصبر بحث يكاد صاحبه ينقد نصفين ويتفتت { وإذا ~~مسه } أي كذلك { الخير } أي هذا الجنس وهو ما يلائمة فيعينه من السعة في ~~المال وغيره من أنواع الرزق { منوعا * } أي مبالغا في الغمساك عما يلزمه من ~~الحقوق للانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليه وقوفا مع المحسوس لغلبة ~~الجمود والبلادة , وهذا الوصف ضد الإيمان , لأنه نصفان : صبر وشكر . | < < # | المعارج : ( 22 - 29 ) إلا المصلين # > > ^ ( إلا المصلين * الذين هم على صلاتهم دآئمون * والذين في أموالهم ~~حق معلوم * للسآئل PageV08P150 والمحروم * والذين يصدقون بيوم الدين * ~~والذين هم من عذاب ربهم مشفقون * إن عذاب ربهم غير مأمون * والذين هم ~~لفروجهم حافظون ) 73 < # > } ) 71 < # > | التقدير : فهو يسارع في آصار ما جبل عليه ما يترتب على الجزع مما لا ~~يجوز في الشرع ومما يترتب على المنع من ذلك أيضا فيكون من أهل النار , وكان ~~من القدرة البالغة أن يحفظ سبحانه من أراد من ms5569 الخزي مع جبلته ويحمله على ~~كسر نفسه مرة بعد أخرى حتى يتلاشى ما عنده من جبلة الشر وتبقى الروح على ~~حالها عند الفطرة الأولى , فلا تزال تحثه على المبادرة إلى طاعته سبحانه ~~وتعالى وحفظ حدوده , فكان لا كرامة أعظم من حفظ المكلف لحدود الشرع مع ~~المنافاة لطبعه , فيكون جامعا للإيمان بنصفيه : الصبر والشكر , لما جمع من ~~هذه الأوصاف الثمان المعادة لأبواب الجنة الثمان , فكان أسبابا لها , ~~استثنى من هذا النوع الهلوع ولذلك جمع فقال : { إلا المصلين * } أي ~~المحافظين على الصلاة التي هي مواطن الافتقار , العريقين في هذا الوصف , ~~فإنه لا يشتد هلعهم فلا يشتد جزعهم ولا منعهم , فيكونوا في أحسن تقويم ~~معتدلين مسارعين فيما يرضي الرب , لأنه سبحانه قرن بما جبلهم عليه من الهلع ~~من طهارة الجسد لطهارة طينته وزكان روحه ما هيأه لتهذيب نفسه مما يسره له ~~من أصدقاء الخير وأولياء المعروف وسماع المواعظ الحسان والإبعاد عن معادن ~~الدنس من البقاع والأقران والكلام والأفعال وغير ذلك من سائر الأحوال , ~~والملابسة بكل ما يحمل على المعالي من صالح الخلال حتى كانوا من أهل الكمال ~~, ولذلك وصفهم بما يبين عراقتهم في الوصف لها فقال : { الذين هم } أي بكلية ~~ضمائرهم وظواهرهم { على صلاتهم } أي التي هي معظم دينهم وهي النافعة لهم لا ~~لغيرهم - بما أفادته الإضافة , والمراد الجنس الشامل لجميع الأنواع إلا أن ~~معظم المقصود الفرض , ولذلك عبر بالاسم الدال على الثبات في قوله : { ~~دائمون * } أي لا فتور لهم عنها ولا انفكاك لهم منها بل يلازمونها ملازمة ~~يحكم بسببها أنها في حال الفراغ منه نصب أعينهم بدوام الذكر لها والتهيؤ ~~لأدائها لأنها صلتهم بمعبودهم الذي لا خير عندهم إلا منه , فلم يكونوا ~~ناسين لمساؤئهم ولا آسين بمحاسنهم , وكفى بالصلاة بركة في دلالتها على ~~النجاة من هذا الوصف الموجب لأسباب النار , وهي عبادة ذات شروط وأركان ~~وأبعاض وهيئات وسنن وآداب مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم , وهي منقسمة ~~إلى ذات ركوع وسجود , وإلى ذات سجود بلا ركوع كسجدة الشكر والتلاوة , وإلى ~~ما لا ركوع فيها ms5570 ولا سجود كصلاة الجنازة . | ولما ذكر زكاة الروح , أتعبه ~~زكاة عديلها المال , فقال مبينا للرسوخ في الوصف PageV08P151 بالعطف بالواو ~~: { والذين في أموالهم } أي التي من سبحانه بها عليهم { حق } ولما كان ~~السياق هنا لأعم من المحسنين الذين تقدموا في الذاريات اقتصر على الفرض ~~فقال : { معلوم * } أي من الزكوات وجميع النفقات الواجبة . | ولما كان في ~~السؤال من بذل الوجه وكسر النفس ما يوجب الرقة مع وقاية النفس مع المذمة , ~~قدم قوله : { للسائل } أي المتكلف لسؤال الإنفاق المتكفف . | ولما كان في ~~الناس من شرفت همته وعلت رتبته على مهاوي الابتذال بذل السؤال من الإقلال ~~بذب المقبل على الله للتفطن والتوسم لأولئك فقال : { والمحروم * } أي ~~المتعفف الذي لا يسأل فيظن غنيا ولا مال له يغنيه فهو يتلظى بناره في ليله ~~ونهاره , ولا مفزع له بعد ربه المالك لعلانيته وإسراره إلا إلى إفاضة ~~مدامعه بذله وانكساره , وهذا من الله تعالى حث على تفقد أرباب الضرورات ممن ~~لا كسب له ومن افتقر بعد الغنى , وقد كان للسلف الصالح في هذا وأشباهه قصب ~~السبق , حكي عن زين العابدين أنه أنه لما مات وجد في ظهره آثار سود عن غسله ~~كأنها السيور , فعجبوا منها , فلما كان بعد أيام قال نسوة أرامل : كان شخص ~~يأتي إلينا ليلا بقرب الماء وأجربة الدقيق على ظهره ففقدناه واحتجنا , ~~فعلموا أنه هو وأن تلك السيور من ذلك , وحي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أن شخصا رآه ماشيا في زمن خلافته في الليل فتبعه حتى يعلم إلى أين يقصد , ~~فلم يزل رضي الله عنه حتى جاء إلى بيت نسوة أرامل فقال : أعندكن ماء وإلا ~~أملأ لكن , فأعطينه جرة فأخذها وذهب فملأها على كتفه وأتى بها إليهن , ~~والحكايات عنهم في هذا الباب كثيرة شهيرة جدا . | ولما كان المال قد يصرف ~~لإصلاح الدنيا , بين أن النافع منه إنما هو المصدق للإيمان فقال : { والذين ~~يصدقون } أي يوقعون التصديق لمن يخبرهم ويجددونه كل وقت { بيوم } ولما كان ~~المقصود الحث على العلم لأجل العرض على الملك ms5571 الأعلى عبر بقوله : { الدين * ~~} أي الجزاء الذي ما مثله وهو يوم القيامة الذي يقع الحساب فيه والدينونة ~~على النقير والقطمير والتصديق به حق التصديق الاستعداد له بالأعمال الصالحة ~~, فالذين يعملون لذلك اليوم هم العمال , وأما المصدقون بمجرد الأقوال فلهم ~~الوبال وإن أنفقوا أمثال الجبال . | ولما كان الدين معناه الجزاء من الثواب ~~والعقاب , وكان ربما صرفه صارف إلى الثواب فقط للعلم بعموم رحمته سبحانه , ~~وأن رحمته غلبت غضبه , صرح بالعقاب فقال : { والذين هم } أي بجميع ضمائرهم ~~{ من عذاب ربهم } أي المحسن إليهم , لا PageV08P152 من عذاب غيره , فإن ~~المحسن أولى بأن يخشى ولو من قطع إحسانه , وإذا خيف مع تجليه في مقام ~~الإحسان كان الخوف أولى عند اعتلائه في نعوت الجلال من الكبر والقهر ~~والانتقام { مشفقون * } أي خائفون في هذه الدار خوفا عظيما هو في غاية ~~الثبات من أن يعذبهم في الآخرة أو الدنيا أو فيهما , فهم لذلك لا يغفلون ~~ولا يفعلون إلا ما يرضيه سبحانه . | ولما كان المقام للترهيب , ولذلك عبر ~~عن الرجاء على فعل الطاعات بالدين , فصار العذاب مذكورا مرتين تلويحا ~~وتصريحا , زاده تأكيدا بقوله اعتراضا مؤكدا لما لهم من إنكاره : { إن عذاب ~~ربهم } أي الذي رباهم وهم مغمورون بإحسانه وهم عارفون بأنه قادر على ~~الانتقام ولو بقطع الإحسان { غير مأمون * } أي لا ينبغي لأحد أن يأمنه , بل ~~يجوز أن يحل به وإن بالغ في الطاعة لأن الملك مالك وهو تام الملك , له أن ~~يفعل ما يشاء - ومن جوز وقوع العذاب أبعد عن موجباته غاية الإبعاد ولم يزل ~~مترجحا بين الخوف والرجاء . | ولما ذكر التحلي بتطهير النفس بالصلاة وتزكية ~~المال بالصدقة , ندب إلى التخلي عن امر جامع بين تدنيس المال والنفس وهو ~~الزنا الحامل عليه شهة الفرج التي هي أعظم الشهوات حملا للنفس على المهلكات ~~, فقال بعد ذكر التخويف بالعذاب إعلاما بأنه أسرع إلى صاحب هذه القادورة ~~وقوعا من الذباب في أحلى الشراب فقال : { والذين هم } أي ببواطنهم الغالبة ~~على ظواهرهم { لفروجهم } أي سواء كانوا ذكورا أو إناثا { حافظون * } أي ms5572 ~~حفاظا ثابتا دائما عن كل ما نهى الله عنه . | < < # | المعارج : ( 30 - 32 ) إلا على أزواجهم . . . . . # > > ^ ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فأنهم غير ملومين * فمن ~~ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) ^ ~~} ) | ولما ذكر هذا الحفظ على هذا الوجه , ذكر ما أذن فيه في أسلوب ~~الاستثناء إشعارا بأنه كأنه لم يذكر فيخرج إلا بعد تقرير عموم الحفظ لا أنه ~~مقصود ابتداء بقصد الصفة فقال : { إلا على أزواجهم } أي بعقد النكاح . | ~~ولما قدمهن لشرفهن وشرف الولد بهن أتبعه قوله : { أو ما } عبر بما هو ~~الإغلب لغير العقلاء ندبا غلى إيساع البطان في احتمالهن { ملكت أيمانهم } ~~أي من السراري اللاتي هن محل الحرث والنسل اللاتي هن أقل عقلا من الرجال . ~~| ولما كان الناكح عبادة نادرا جدا , وكان الأصل في العبادة الخروج عن ~~العادة , PageV08P153 وإن لم يتجرد للعبادة كن ملوما , اكتفى في مدحه بنفي ~~اللوم عنه , وأكده لأن الأصل كان استحقاقه للملام لإقباله على تحصيل ما له ~~من المرام فقال مسببا عن المستثنى : { فإنهم } أي بسبب إقبالهم بالفروج ~~عليهن وإزالة الحجاب من أجل ذلك { غير ملومين * } أي في الاستمتاع بهن من ~~لائم ما - كما نبه عليه بالبناء للمفعول - فهم يصحبونهن قصدا للتعفف وصون ~~النفس وابتغاء الولد للتعاون على طاعة الله . | ولما أفهم ذلك تحريم غير ~~المستثنى ووجب الحفظ للفروج عنه , صرح به على وجه يشمل المقدمات فقال مسببا ~~عنه : { فمن ابتغى } أي طلب , وعبر بصيغة الافتعال لأن ذلك لا يقع إلا عن ~~إقبال عظيم من النفس واجتهاد في الطلب { وراء ذلك } أي شيئا من هذا خارجا ~~عن هذا الأمر الذي أحله الله تعالى , والذي هو أعلى المراتب في أمر النكاح ~~وقضاء اللذة أحنسها وأجملها . | ولما كان الوصول إلى ذلك لا يكون إلا بتسبب ~~من الفاعل ربط بالفاء قوله : { فأولئك } أي الذين هم في الحضيض من الدناءة ~~وغاية البعد عن مواطن الرحمة { هم } أي بضمائرهم وظواهرهم { العادون * } أي ~~المختصون بالخروج عن الحد المأذون فيه . | ولما ذكر العادي أتبعه الواقف ms5573 ~~عند الحدود فقال : { والذين هم } أي ببذل الجهد من توجيه الضمائر { ~~لأماناتهم } أي كل ما ائتمنهم الله عليه من حقه وحق غيره . | ولما كان ذلك ~~قد يكون من غير عهد , قال مخصصا : { وعهدهم } أي ما كان من الأمانات بربط ~~بالكلام وتوثيق { راعون * } أيحافظون لها معترفون بها على وجه نافع غير ضار ~~. | < < # | المعارج : ( 33 - 38 ) والذين هم بشهاداتهم . . . . . # > > ^ ( والذين هم بشهاداتهم قائمون * والذين هم على صلاتهم يحافظون * ~~أولئك في جنات مكرمون * فمال الذين كفروا قبلك مهطعين * عن اليمين وعن ~~الشمال عزين * أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم ) ^ } ) | ولما كان ~~أجل العهود والأمانات ما كان بإشهاد قال مبينا لفضل الشهادة : { والذين هم ~~} أي بغاية ما يكون من توجيه القلوب { بشهاداتهم } التي شهدوا بها أو ~~يستشهدون بها لطلب أو غيره , وتقديم المعمول إشارة إلى أنهم في فرط قيامهم ~~بها ومراعاتهم لها كأنهم لا شاغل لهم سواها { قائمون * } أي يتحملونها ~~ويؤدونها على غابة التمام والحسن أداء من هو متهيئ لها واقف في انتظارها ~~ولما كانت أضداد هذه المذكورات نقائص مهلكات , وكان الأنفس - لما لها من ~~النقص - نزاعة إلى النقائص ميالة إلى الدسائس , ذكر اسبحانه بالدواء المبرئ ~~من كل PageV08P154 داء , فقال مشيرا إلى حفظ أحوال الصلاة وأوصافها بعد ذكر ~~الحفظ لذواتها وأعيانها تنبيها على شدة الاهتمام بها : { والذين هم } ولما ~~وسط الضمير إشارة إلى الإقبال بجميع القلب قدم الصلة كا فعل بما قيل تأكيدا ~~وإبلاغا في المراد إلى أقصى ما يمكن كما لا يخفى على ذي ضوق فقال : { على ~~صلاتهم } من الفرض والنقل { يحافظون * } أي يبالغون في حفظها ويجددونه حتى ~~كأنهم يبادرونها الحفظ ويسابقونها فيه فيحفظونها لتحفظهم أو يسابقون غيرهم ~~في حفظها لأوقاتها وشروطها وأركانها ومتمماتها في ظواهرها وبواطنها من ~~الخضوع والمراقبة , وغير ذلك من خلال الإحسان التي إذا فعلوها كانت ولا بد ~~ناهية لفاعلها ( أن الصلاة ) الكاملة ( تنهى عن الفحشاء والمنكر ) فتحمل ~~على جميع هذه الأوامر وتبعد عن أضدادها , ولكون السياق هذا للتخلي عن ~~الأوصاف الجارة إلى الكفر وحد الصلاة إشارة إلى ms5574 أنه يكفي في ذلك الفرائض ~~وإن كان الجاس يشمل , وفي المؤمنون السياق لأهل الرسوخ في المحاسن , فلذلك ~~جمع بين النوعين : الإفراد في الأول لينصب بادئ بدئ إلى الفرائض , والجمع ~~في بعض القراءات ليفهم مع ذلك النوافل بأنواعها , وفي فتح الأوصاف بالصلاة ~~وختمها بها من بيان جلالتها وعظمتها أمر باهر . | ولما ذكر حلاهم أتبعه ما ~~أعطاهم فقال مستأنفا ومستنتجا من غير فاء إشارة إلى أن رحمته هي التي ~~أوصلتهم إلى ذلك من غير سبب منهم في الحقيقة : { أولئك } أي الذين هم في ~~غاية العلو لمان لهم من هذه الأوصاف العالية , وعبر بما يدل على أنه عجل ~~جزاءهم سبحانه فقال : { في جنات } أي في الدنيا والآخرة , أما في الآخرة ~~فواضح , وأما في الدنيا فلأنهم لما جاهدوا فيه بإتعاب أنفسهم في هذه ~~الأوصاف حتى تخلقوا بها أعطاهم بمباشرتها لذاذات من أنس القرب وحلاوة ~~المناجاة لا يساويها شيء أصلا , والجنة محل اجتمع فيه جميع الراحات ~~والمستلذات والسرور , وانتفى عنه جميع المكروهات والشرور , وضدها النار , ~~وزادهم على ذلك بقوله : { مكرمون * } معبرا باسم المفعول إشارة إلى عموم ~~الإكرام من الخالق والخلق الناطق وغيره لأنه سبحانه قضى بأن يعلو مقدارهم ~~حتى يكونوا أعظم مشخص ؟ لهم في الغيب مبالغا في إكرامهم عند المواجهة ليكون ~~لهم نصيب من خلق نبيهم صلى الله عليه وسلم , ( لقيه يوم بني قريظة علي رضي ~~الله عنه وكان قد سبقه إليهم فقال : يا رسول الله , ما عليك ألا تدنو من ~~هؤلاء الأخباث ؟ فقال : ولم , لعلك سمعت بي منهم أذى , لو قد دنوت منهم لم ~~يقولوا من ذلك شيئا , ثم دنا منهم فقال : هل أخزاكم الله يا إخوان القدرة ~~والخنازير , فقالوا : مه يا أبا القاسم ما PageV08P155 كنت جهولا ) وكلموه ~~بأحسن ما يمكنهم , وكذا كانت معه قريش قبل الهجرة في أكثر أحوالهم , هذا في ~~الدنيا وأما في الآخرة فيتلقاهم الملائكة بالبشرى حين الموت وفي قبورهم ومن ~~حين قيامهم من قبورهم إلى حين دخولهم إلى قصورهم . | ولما تحرر بهذا الكلام ~~الألهي الذي يشك عاقل في أن مخلوقا ms5575 لا يقدر عليه , وأنه لا يقدر عليه إلا ~~الله الواحد الذي لا شريك له , العالم بكل شيء , القدر على كل شيء , أنه لا ~~يتفصى عن نقائص الإنسان حتى يتخلص من ظلمات النقصان إلى نور الإحسان إلا من ~~لازم هذه الأوصاف وزكى نفسه بها ليصير كاملا مع العلم القطعي عند المسلم ~~والكافر أن الكمال سبب السعادة , وأن الإنسان مطبوع على ما صدر به سبحانه ~~من النقائص , علم أن المتصفين بهذه الأوصاف هم المختصون بالسعادة بالأخروية ~~, وكان الكفار يأتون النبي صلى الله عليه وسلم ويجلسون حوله بالقرب منه ~~ليسمعوا كلامه ويكذبوه ويهزؤوا به , وكان العقال لا ينبغي له أن يأتي شيئا ~~لا سيما إن كان إتيانه إليه على هيئة الإسراع إلا لتحصيل السعادة , سبب عن ~~ذلك قوله معبرا عن عظمة القرآن بما حاصله أنهم حين يسمعونه يصيرون لشدة ما ~~يفزعهم أمره لا يتمالكون فيفعلون أفعال من لا وعي له : { فمال الذين كفروا ~~} أي أي شيء من السعادة للذين ستروا مرائي عقولهم عن الإقرارا بمضمون هذا ~~الكلام الذي هو أوضح من الشمس , حال كونهم { قبلك } أي نحوك أيها الرسول ~~الكريم وفيما أقبل عليك { مهطعين * } أي مسرعين مع مد الأعناق وإدامة النظر ~~إليك في غاية العجب من مالك هيبة من يسعى إلى أمر لا حياة له بدونه . | ~~ولما كان الذي يتطير فيراعي الأيامن والأشائم على ما تقدم في الصافات , لا ~~يترك ذلك إلا في أمر أدهش عقله وأطار لبه , فلم يدعه يتأمل , قال مشيرا إلى ~~شدة اعتنائهم بهذا الإهطاع مع عدم التحفظ من شيء : { عن } أي متجاوزين إليك ~~كل مكان كان عن جهة { اليمين } أي منك حيث يتمنون به { وعن الشمال } أي منك ~~وإن كانوا يتشاءمون به { عزين * } أي حال كونهم جماعات وخلقا خلقا متفرقين ~~فرقا شتى أفواجا يتمهلون ليأتوا جميعا جمع عزة , وأصلها عزوة لأن كل فرقة ~~تعتزي إلى غير ما تعتزى إليه الأخرى , جمع سلامة شذوذا . | ولما كان هذا ~~الإسراع على هذا الوجه لا ينبغي أن يكون إلا فيما يتحقق أنه PageV08P156 ~~مسعد ms5576 , ومع تحقق أنه مسعد لا ينبغي أن يكون إلا فيما تحصل به السعادة ~~الأبدية ؛ قال منبها على ذلك منكرا أن يكون لهم ما كان ينبغي ألا يكون ~~فعلهم ذلك إلا له مع أنه كان من جملة استهزائهم إذا تحلقوا لسماع ما يقرأ ~~أن يقولوا : إن كان ما يقول حقا من أمر البعث والجنة لنكونن أسعد بها منهم ~~كما أنا أسعد منهم في هذه الدار كما قال تعالى حاكيا عنهم في قوله : ^ ( { ~~ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى } ) ^ [ فصلت : 50 ] وذلك أنه كثيرا ~~ما يأتي الغلط من أن الإنسان يكون في خير في الدنيا فيظن أن ذلك مانع له من ~~النار لانه خير في نفسه الأمر , أو يظن أن إمهاله وهو على الباطل رضي به , ~~ولا يدري أنه لا يضجر ويقلق ويعجل إلا من يخاف الفوت , أو يكون شيء بغير ~~إرادته : { أيطمع } أي بهذا الإتيان , وعبر بالطمع إشارة إلى أنهم بلغوا ~~الغاية في السفه لكونهم طلبوا أعز الأشياء من غير سبب تعاطوه له . | ولما ~~كان إيتانهم على هيئة التفرق من غير انتظار جماعة لجماعة قال : { كل امرئ ~~منهم } أي على انفرادنه , ولما كان المحبوب دخول الجنة لا كونه من مدخل ~~معين , قال بانيا للمفعول : { أن يدخل } أي بالإهطاع وهو كافر من غير إيمان ~~يزكيه كما يدخل المسلم فيستوي المسيء والمحسن { جنة نعيم * } أي لا شيء ~~فيها غير النعم في كل ما فيها على تقدير ضبطه . | < < # | المعارج : ( 39 - 44 ) كلا إنا خلقناهم . . . . . # > > ^ ( كلا إنا خلقناهم مما يعلمون * فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا ~~لقادرون * على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين * فذرهم يخوضوا ويلعبوا ~~حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون * يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب ~~يوفضون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ) ^ } ) | ~~ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري المفيد للنفي : لا يدخل , أكد ذلك مع ~~إفهام الضجر والاستصغار بالإتيان بأم الزواجر والروادع فقال : { كلا } أي ~~لا يكون ما طمعوا فيه أصلا لأن ذلك تمن فارغ ms5577 لا سبب له - بما دل عليه ~~التعبير بالطمع دون الرجاء . | ولما كان الإنسان إذا أكثر من شيء وجعله ~~ديدنه فساغ عندهم أن يقال : فلان خلق من كذا , علل ذلك بقوله مؤكدا , عدا ~~لهم منكرين لأنهم مع علمهم بنقصانهم يدعون الكمال : { إنا } على ما لنا من ~~العظمة { خلقناهم } بالعظمة التي لا يقدر أحد أن يقاويها فيصرف شيئا من ~~إرادته عن تلك الوجهة التي وجهته إليها إلى غيرها { مما يعلمون * } أي مما ~~يستحي من ذكره ذاتا ومعنى , أما الذات فهو نطفة مذرة أخرجت من مخرج أي مما ~~يستحي من ذكره ذاتا ومعنى , أما الذات فهو نطفة مذرة أخرجت من مخرج البول ~~وغذيناها بدم الحيض , فهي يتحلب منها البول والعذرة , وأما المعنى فالهلع ~~والجزع والمنع اللاتي هم موافقون على عدها نقائص , فلا يصلحون لدار الكمال ~~إلا PageV08P157 بتزكية أنفسهم بما تقدم من هذه الخلال التي حض عليها الملك ~~المتعال , روى البغوي بسنده عن بشر بن حاش رضي الله عنه قال : قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( وبصق يوما في كفه ووضع عليها أصبعه فقال : ) ~~يقول عز وجل : ابن آدم ! أنى تعجزني وقد خلتك من مثل هذه حتى إذا سويتك ~~وعدلتك مشيت بين بردين والأرض منك وئيد وجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي ~~قلت : أتصدق , وأنى أوان الصدقة ( انتهى . | ولما كان في ذكر هذا الخلق مع ~~ما تقدم إشار عظيمة إلى ما كانوا يقولون : إنه إن كان الأمر كما يقولون من ~~الحشر والجنة لنكونن آثر عند الله منكم ولندخلنها كما نحن على أن الكل ~~متساوون في أنهم من نطفة فما فضلهم في هذه الدنيا بهذه النعم الظاهرة إلا ~~هو سبحانه , وقد فضل المؤمنين بالنعم الباطنة التي زادتهم في التمكن فيها ~~التزكية بهذه الأوصاف العملية الناشئة عن الصفة العلمية , وهو قادر على أن ~~يضم إلى النعم الباطنة النعم الظاهرة , ولذلك سبب عنه قوله : وأكد بنفي ~~القسم المشير إلى عدم الحاجة إليه لكثرة الأدلة المغنية عنه لما لذلك ~~المقسم عليه من الغرابة في ذلك الوقت لكثرة ms5578 الكفار وقوة شوكتهم : { فلا } ~~أي فتسبب عن خلقنا لهم من ذلك المنبه على أنا نقدر على كل شيء نريده وأنه ~~لا يعجزنا شيء أي لا { أقسم } فلفت القول إلى أفراد الضمير معرى عن مظهر ~~العظمة لئلا يتعنت متعنت في أمر الواحدانية { برب } أي مربي وسيد ومبدع ~~ومدبر { المشارق } التي تشرق الشمس والقمر والكواكب السيارة كل يوم في موضع ~~منها على المنهاج الذي دبره , والقانون القويم الذي أتقنه وسخره , ستة أشهر ~~صاعدة وستة أشهر هابطة { والمغارب } كذلك على هذا الترتيب المحكم الذي لا ~~يعتريه اختلال , وهي التي ينشأ عنها الليل والنهار والفصول الأربعة , فكان ~~بها صلاح العالم بمعرفة الحساب وإصلاح المآكل والمشارب وغير ذلك من المآرب ~~, فيوجد كل من الملوين بعد أن لم يكن والنبات من النجم والشجر كذلك عادة ~~مستمرة دالة على أنه قادر على الإيجاد والإعدام لكل ما يريده كما يريده من ~~غير كلفة ما . | ولما كان المعنى : لا أقسم بذلك وإن كان عظيما لأن الأمر ~~في وضوحه لا يحتاج إلى قسم , كما لو قال خصم لخصمه : احلف , فيقول له : ~~الأمر غني عن حلفي إذ يحتاج إلى اليمين من لا بينة له , ثم يأتي من البينات ~~بما لا يكون معه شبهة , وكانوا في تفضيل أنفسهم - مع الاعتراف لله بالقدرة ~~- كالمنكرين للقدرة على قلب الأمر , أكد قوله عائدا على مظهر العظمة بعد ~~دفع اللبس بما هو في وضوحه أجلى من الشمس : { إنا } أي بما لنا من العظمة { ~~لقادرون * } بأنواع التأكيد بالأداة والأسمية والالتفات إلى مظهر ~~PageV08P158 العظمة في كل من الاسم والخبر , فكان في إخباره بعد الإقسام مع ~~التأكيد إشارة إلى أعلى مراتب التأكيد { على أن نبدل } أي تبديلا عظيما بما ~~لنا من الجلالة عوضا عنهم { خيرا منهم } أي بالخلق أو تحويل الوصف فيكونوا ~~أشد بسطة في الدنيا وأكثر أموالا وأولادا وأعلى قدرا وأكثر حشما ووجاهة ~~وحزما وخدما , فيكونوا عندك خلقا على قلب واحد في سماع قولك وتوقيرك ~~وتعظيمك والسعي في كل ما يشرح صدرك بدل ما يعمل هؤلاء من الهزء ms5579 والتصفيق ~~وكل ما يضيق به صدرك , وقد فعل ذلك سبحانه بالمهاجرين والأنصار والتابعين ~~لهم بإحسان بالسعة في الرزق بأخذ أموال الجبارين من كسرى وقيصر , والتمكن ~~في الأرض حتى كانوا ملوك الدنيا مع العمل بما يوجب لهم ملك الآخرة , فرجوا ~~الكرب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلوا في مرضاته الأنفس والأموال . ~~| ولما كان الإنسان قد يفعل شيئا ثم ينقض عليه , أخبر أنه سبانه على غير ~~ذلك فقال : { وما } وأكد الأمر بالأسمية الكائنة في مظهر العظمة فقال : { ~~نحن } وأعرق في النفي فقال : { بمسبوقين * } أي من سابق ما يغلب على شيء لم ~~نرده بوجه من الوجوه , ولذلك أتى باسم المفعول . | ولما ثبت أن له سبحانه ~~العظمة البالغة الباهرة من شمول العلم وتمام القدرة , فأنتج اعتماد أهل ~~حزبه عليه وإعراضهم عن كل ما سواه , سبب عن ذلك قوله تهديدا للمخالفين ~~وتسلية للمؤالفين : { فذرهم } أي اتركهم ولو على أسوأ أحوالهم { يخوضوا } ~~أي يفعلوا في مقالهم وفعالهم الذي لا شيء منه على إتقان بل هو كفعل الخائض ~~في الماء الذي لا يضع رجله في موضع يعلم أنه يرضيه , فهو بصدد أن يقع أو ~~يغرق { ويلعبوا } أي يفعل فعل اللاعب الذي لا فائدة لفعله إلا ضياع الزمان ~~والتعطل عما يهم من عظيم الشأن . | ولما كان ما توعد الله من أحوال الآخرة ~~لا بد من وقوعه كان كأنه قادم على الإنسان والإنسان ساع بجهده إليه , فلذلك ~~عبر بالمفاعلة فقال : { حتى يلاقوا } ولما كان ما يقع للكفار منه أعظم , ~~كان ذلك اليوم كأنه خاص بهم فقال : { يومهم الذي } ولما كان الوعيد - وهو ~~ما كان من الخبر تخويفا للمتوعد - صادعا للقلوب إذا كان من القادر من غير ~~حاجة إلى ذكر المتوعد , بني المفعول قوله : { يوعدون * } وهو يوم كشف ~~الغطاء الذي أول تجليته عند الغرغرة ونهايته النفخة الثانية إلى دخول كل من ~~الفريقين في داره ومحل استقراره , والآية منسوخة بآية السيف . | ولما كان ~~ما بعد النفخة الثانية أعظمه وأهوله , أبدل منه قوله : { يوم يخرجون } ~~PageV08P159 أي هؤلاء الذي يسألون عنه ms5580 سؤال استهزاء ويستبعدونه , وقراءة ~~أبي بكر عن عاصم بالبناء للمفعول على طريقة كلام القادرين تدل على أنه مما ~~هو في غاية السهولة { من الأجداث } أي القبور التي صاروا بتغيبهم فيها تحت ~~وقع الحافر الخف , فهم بحيث لا يدفعون شيئا يفعل بهم بل هم كلحم في فم ماضغ ~~, فإن الجدث القبر والجدثة صوت الحافر والخف ومضغ اللحم { سراعا } أي نحو ~~صوت الداعي . | ولما كانت عادة الإنسان الإسراع إلى ما يقصده من الأعلام ~~المنصوبة , وعادتهم - هم بالخصوص - المبادرة إلى الأنصاب التي يبعدونها ما ~~هي عليه من الخساسة خفة منهم في العلوم وطيشا في الحلوم قال : { كأنهم إلى ~~نصب } أي علم منصوب مصدر بمعنى المفعول كما تقول : هذا نصب عيني وضرب ~~الأمير - هذا على قراءة الجماعة بالفتح , وعلى قراءة ابن عامر وحفص بالضم : ~~إلى علم أو شيء يبعدونه من دون الله على ما فيه من الداء القاتل والبلاء , ~~أو الحجر يذبحون عليه , قال في الجمع بين العباب والمحكم : النصب والنصب ~~والنصب : الداء والبلاء : والنصب كل ما نصب فجعل علما , والنصب والنصب : ~~العلم المنصوب , والنصب والنصب : كل ما عبد من الله , والجمع أنصاب , ~~والأنصاب حجارة كانت حول الكعبة تنصب فيهل عليها ويذبح عليها لغير الله , ~~وانصاب الحرم : حدوده , وقال أبو حيان : والنصب ما نصب للإنسان فهو يقصده ~~مسرعا إليه نم علم أو بناء أو صنم , غلب في الأصنام حتى قيل : الأنصاب { ~~يوفضون * } أي يعجلون عجلة من هو ذاهب إلى ما يسره حتى كأنه يطرد إليه كما ~~كانوا يسرعون إلى أنصابهم . | ولما كان إيفاضهم إلى الأنصاب على حال السرور ~~, أخبر أن هذا على خلاف ذلك , وأن ذكر النصب وتصير حالة الإتيان إليه ما ~~كان إلا تهكما بهم فقال : { خاشعة } أي منكسرة متواضعة لما حل بها من الذل ~~والصغار , وأحلقها علامة التأنيث زيادة في هذا المعنى ومبالغة فيه بقوله : ~~{ أبصارهم } . | ولما كان خشوعها دائما فعبر بالاسم , وكان ذلهم يتزايد في ~~كل لحظة عبر بالفعل المضارع المفيد للتجدد والاستمرار فقال : { ترهقهم } أي ~~تغشاهم فتعمهم , وتحمل عليم فتكلفهم ms5581 كل عسر وضيق على وجه الإسراع إليهم { ~~ذلة } ضد ما كانوا عليه في الدنيا لأن من تعزز في الدنيا على الحق ذل في ~~الآخرة , ومن ذل للحق في الدنيا عز في الآخرة . | ولما صوره بهذه الصورة ~~أشار إلى أن هذا ما تدركه العقول من وصفه وأنه أعظم PageV08P160 من ذلك ~~فقال : { ذلك } أي الأمر الذي هو في غاية ما يكون من علو الرتبة في العظمة ~~{ اليوم الذي كانوا } أي في حال الدنيا على غاية ما يكون من المكنة في ~~الوعيد . | ولما كان الوعيد لا يتحقق إلا إذا كان من القادر , وإذا كان ~~كذلك كان مخفيا موجعا من غير ذكر من صدر عنه , بني للمفعول قوله : { يوعدون ~~* } أي يجدد لهم الإيعاد به في الدنيا في كل وقت لعلهم يتعظون فترق قلوبهم ~~فيرجعون عماهم فيه من الجبروت , وهذا هو زمان العذاب الذي سألوا عنه أول ~~السورة , فقد رجع كما ترى آخرها على أولها أي رجوع , وانضم مفصلها غلى ~~موصلها انضمام المفرد إلى الجموع - والله الهادي إلى الصواب . | . . . | ~~PageV08P161 < # > سورة نوح < # > | مقصودها الدلالة على تمام القدرة على ما أنذر به آخر ' سأل ' من ~~إهلاك المنذرين وتبديل خير منهم ، ومن القدرة على إيجاد يوم القيامة الذي ~~طال إنذارهم به وهم عنه معرضون وبه مكذبون وبه لا هون ، وتسميتها بنوح عليه ~~السلام أدل ما فيها على ذلك ، فإن أمره في إهلاك قومه بسبب تكذيبهم له في ~~قصته في هذه السورة مقرر ومسطور { بسم الله } الذي له الكمال كله من الجلال ~~والإكرام { الرحمن } الذي عم بما أفاضه من ظاهر الإنعام { الرحيم } الذي خص ~~أولياءه بلزوم الطاعة في الابتداء وإتمام النعمة في الختام . < < # | نوح : ( 1 - 4 ) إنا أرسلنا نوحا . . . . . # > > ^ ( إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب ~~أليم * قال يقوم إني لكم نذير مبين * أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون * يغفر ~~لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم ~~تعلمون ) ^ } ) | ولما ختمت ( سأل ) بالإنذار للكفار , وكانوا عباد ms5582 أوثان , ~~بعذاب الدنيا والآخرة , أتبعها أعظم عذاب كان في الدنيا في تكذيب الرسل ~~بقصة نوح عليه السلام , وكان قومه عباد أوثان , وكانوا يستهزئون به وكانوا ~~أشد تمردا من قريش وأجلف وأقوى وأكثر , فلم ينفعهم شيء من ذلك عند نزول ~~البلاء وبورك النقمة عليهم وإتيان العذاب إليهم , فلم ينفعهم شيء من ذلك ~~عند نزول البلاء وبروك النقمة عليهم وإتيان العذاب إليهم , وابتدأها ~~بالإنذار تخويفا منعواقب التكذيب به , فقال مؤكدا لأجل إنكاهرم أن يكون ~~الرسول بشرا أو لتنزيلهم منزلة المنكرين من حيث أقروا برسالته وطعنوا في ~~رسالة غيره مع المساواة في البشرية : { إنا } أي بما لنا من العظمة الباهرة ~~البالغة { أرسلنا نوحا } وهو أول رسول أتى بعد اختلاف أولاد آدم عليه ~~السلام في دين أبيهم الأقوم { إلى قومه } أي الذين كانوا في غاية لاقوة على ~~القيام بما يحاولونه وهم بصدد أن PageV08P162 يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ~~ويكرمونه لما بينهم من القرب بالنسب واللسان , وكانوا جميع أهل الأرض من ~~الآدميين . | ولما بان مضى المرسل والرسول والمرسل إليهم , وكان الإرسال ~~متضمنا معنى القول , أخذ في تفسيره بيانا للمرسل به فقال : { أن أنذر } أي ~~حذر تحذيرا بليغا عظيما { قومك } من الاستمرار على الكفر . | ولما كان ~~المقصود ( إعلامهم بذلك ) في بعض الأوقات لأن الإنسان لا بد له من أوقات ~~شغل بنفسه من نوم وأكل وغيره , أتى بالجار تخفيفا عليه ورفقا به عليه ~~السلام فقال : { من قبل أن يأتيهم } أي على ما هم من الأعمال الخبيثة { ~~عذاب أليم * } . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أمر الله تعالى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على قومه في قوله : < # > 77 ( { فاصبر صبرا جميلا } ) 77 < # > [ المعارج : 5 ] وجليل الإغضاء في قوله : < # > 77 ( { فذرهم يخوضوا ويلعبوا } ) 77 < # > [ المعارج : 42 ] أتبع ذلك بقصة نوح عليه السلام وتكرر دعائه قومه إلى ~~الإيمان , وخص من خبره حاله في طول مدة التذكار والدعاء لأنه المقصود في ~~الموضع تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم , وليتأسى به في الصبر والرفق ~~والدعاء كما قيل له صلى الله ms5583 عليه وسلم في غير هذا الموضع < # > 77 ( { فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم } ) 77 < # > [ الأحقاف : 35 ] < # > 77 ( { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } ) 77 < # > [ فاطر : 8 ] فقد دام دعاء نوح عليه السلام مع قومه أدوم من مدتك , ومع ~~ذلك فلم يزدهم إلا فرارا < # > 77 ( { قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ~~وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ~~وأصروا واستكبروا استكبارا } ) 77 < # > [ نوح : 4 - 7 ] ثم مضت آي السورة على هذا المنهج من تجديد الإخبار ~~بطول مكابدته عليه السلام وتكرير دعائه , فلم يزدهم ذلك إلا بعدا وتصميما ~~على كفرهم حتى أخذهم الله , وأجاب فيهم دعاء نبيه نوح عليه السلام < # > 77 ( { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } ) 77 < # > [ نوح : 26 ] وذلك ليأسه من فلاحهم , وانجر في هذا حض نبينا صلى الله ~~عليه وسلم على الصبر على قومه والتحمل منهم كما صرح به في قوله تعالى : < # > 77 ( { خذ العفو وأمر بالمعروف وأعرض عن الجاهلين } ) 77 < # > [ الأعراف : 199 ] وكما قيل له قبل < # > 77 ( { فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت } ) 77 < # > [ القلم : 48 ] < # > 77 ( { وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك } ) 77 < # > [ هود : 120 ] انتهى . | ولما أخبر عن رسالته ومضمونها بما أعلم من ان ~~الفساد كان غالبا عليهم , استأنف قوله بيانا لامتثاله : { قال } أي نوح ~~عليه السلام : { يا قوم } فاستعطفهم بتذكيرهم أنه أحدهم يهمه ما يهمهم . | ~~PageV08P163 ولما كان من طبع البشر إنكار ما لم يعلم إلا من عصم الله فجعله ~~منقادا للإيمان بالغيب , أكد قوله : { إني لكم نذير } أي مبالغ في النذارة ~~{ مبين * } أي أمري بين في نفسه بحيث أنه صار من ضدة وضوحه كأنه مظهر لما ~~يتضمنه , مناد بذلك للقريب والبعيد والفطن والغبي . | ولما كان ترك ما ~~أنذرهم بسببه من الكفر لا يغنيهم إلا أن آمنوا , وكان الإيمان مخلصا عن ~~عواقب الإنذار لأنه لا يصح إلا مع ترك جميع أنواع الكفر , فسر الإنذار ~~بقوله : { أن ms5584 اعبدوا الله } أي الملك الأعظم الذي له جميع الكمال , وذلك ~~بأن تخلصوا التوجه إليه فإن غناه يمنع من أن يقبل عبادة فيه شرك وهذا هو ~~الإيمان { واتقوه } أي اجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية تمنعكم من عذابه ~~بالانتهاء عن كل ما يكرهه , فلا تتحركوا حركة ولا تسكنوا سكنة إلا في طاعته ~~, وهذا هو العمل الواقي من كل سوء . | ولما كان لا سبيل إلى معرفة ما يرضي ~~الملك ليلزم وما يسخطه ليتكر إلا منه , ولا وصول إلى ذلك إلا من خاصته , ~~ولا خاصة مثل رسوله الذي ائتمنه على سره قال : { وأطيعوا * } أي لأعرافكم ~~ما تقصر عنه عقولكم من صفات معبودكم ودينكم ودنياكم ومعادكم , وأدلكم على ~~اجتلاب آدب تهديكم , واجتناب شبهة ترديكم , ففي طاعتي , فلا حكم يرضي الملك ~~عنكم , وهذا هو الإسلام , فقد جمع هذا الدعاء الإيمان والإسلام والعمل , ~~وهي الأثافي التي تدور عليها أسباب الفلاح . | ولما كان الإنسان محل ~~النقصان , فلا ينفك عن ذنب فلا ينفعه إلا فناء الكرم , أشار إلى ذلك مرغبا ~~متسعطفا لهم لئلا ييأسوا فيهلكوا بقوله جوابا للأمر : { يغفر لكم } أي كرما ~~منه وإحسانا ولطفا . | ولما كان من الذنوب ما لا يتحتم غفرانه وهو ما بعد ~~الإسلام قال : { من ذنوبكم } أي ما تقدم الإيمان من الشرك والعصيان وما ~~تأخر عن الإيمان من الصغائر التي تفضل الله بالوعد بتكفيرها باجتناب ~~الكبائر - هذا مما أوجبه سبحانه على نفسه المقدس بالوعد الذي لا يبدل , ~~وأما غيره مما عدا الشرك فإلى مشيئته سبحانه . | ولما كان الإنسان , لما ~~يغلب عليه من النسيان , والاشتغال بالآمال , يعرض عن الموت إعراض الشاك فيه ~~بل المكذب به ذكرهم ترهيبا لهم لطفا بهم ليستحضروا أنهم في القبضة فينزعوا ~~مما يغضبه سبحانه , فقال مشيرا إلى أن طول العمر في المعصية - وإن كان مع ~~رغد العيش - عدم , مهددا لأنه قادر على الإهلاك في كل حين : { ويؤخركم } أي ~~تأخيرا ينفعكم , واعلم أن الأمور كلها قد قدرت وفرغ من ضبطها لإحاطة العلم ~~والقدرة فلا يزاد فيها ولا ينقص , ليعلم أن الإرسال إنما هو ms5585 مظهر لما في ~~الكيان ولا PageV08P164 يظن أنه قالب للأعيان بتغيير ما سبق به القضاء من ~~الطاعة أو العصيان فقال : { إلى أجل مسمى } أي قد سماه الله وعلمه قبل ~~إيجادكم فلا يزاد فيه ولا ينقص منه , فيكون موتكم على العادة متفرقا وإلا ~~أخذكم جميعا بعذاب الاستئصال , فهذا من علم ما لا يكون لو كان كيف يكون , ~~وذلك أنه علم أنهم إن أطاعوا نوحا عليه السلام كان موتهم على العادة وإلا ~~هلكوا هلاك نفسه واحدة , وعلم أنهم لا يطيعونه , وأن موتهم إنما يكون بعذاب ~~الاستئصال . | ولما كان الإنسان مجبولا على الأطماع الفارغة , فكان ربما ~~قال للتعنت أو غيره : لم لا يخلدنا ؟ قال فطما عن ذلك مؤكدا لاقتضاء المقام ~~له : { إن أجل الله } أي الذي له الكمال كله فلا راد لأمره { إذا جاء لا ~~يؤخر } وأما قبل مجيئه فببما يقع الدعاء والطاعات والبر في البركة فيه يمنع ~~الشواغل وإطابة الحياة , فبادروا مجيء الأجل بالإيمان لأنه إذا جاء لم ~~يمكنكم التدارك , ولا ينفعكم بعد العيان الإيمان . | ولما كان من يعلم هذا ~~يقينا , ويعلم أنه إذا كشف له عند الغرغرة أحب أن يؤخر ليتوب حين لاتأخير , ~~أحسن العمل خوفا من فوات وقته وتحتم مقته , نبه على ذلك بقوله : { لو كنتم ~~تعلمون * } أي لو كان العلم أو تجدده وقتا ما في غرائزكم لعلمتهم تنبيه ~~رسولكم صلى الله عليه وسلم أن الله يفعل ما يشاء , وأن الأجل آت لا محالة ~~فعملتم للنجاة , ولكنكم تعملون في الانهماك في الشهوات عمل الشاك في الموت ~~. | < < # | نوح : ( 5 - 7 ) قال رب إني . . . . . # > > ^ ( قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا * ~~وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ~~وأصروا واستكبروا استكبارا ) ^ } ) | ولما كان صلى الله عليه وسلم أطول ~~الأنبياء عمرا , وكان قد طال نصحه لهم وبلاؤه بهم , نبه على ذلك بقوله ~~مستأنفا : { قال } مناديا لمن أرسله لأنه تحقق أن لا قريب منه غيره , وأسقط ~~أداة النداء كما هي عادة أهل القرب فقال : { رب } ولما ms5586 كانت العادة جارية ~~بأن التكرار لا بد أن يؤثر ولو قليلا , فكانت مخالفتهم لذلك مما هو أهل لأن ~~يشك فيه , قال مؤكدا إظهارا لتحسره وحرقته عليه الصلاة والسلام منهم في ~~تماديهم في إصرارهم على على التكذيب شكاية لحاله إلى الله تعالى واستنصارا ~~به واستمطارا للتنبيه على ما يفعل به بذله الجهد وتنبيها لمن يقص به عليهم ~~هذا وإن كان المخاطب سبحانه عالما بالسر وأخفى : { إني دعوت } أي أوقعت ~~الدعاء إلى الله سبحانه وتعالى بالحكمة والموعظة الحسنة { قومي } أي الذين ~~هم جديرون بإجابتي لمعرفتهم بي وقربهم من وفيهم قوة المحاولة لما يريدون . ~~PageV08P165 ولما كان قد عم جميع الأوقات بالدعاء قال : { ليلا ونهارا * } ~~فعبر بهذا عن المداومة . | ولما تسبب عن ذلك ضد المراد قال : { فلم يزدهم ~~دعاءي } أي شيئا من أحوالهم التي كانوا عليها { إلا فرارا * } أي بعدا عنك ~~ونفورا وبغضا وعراضا حتى كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة , وأسند الزيادة ~~إلى الدعاء لأنه سببها . | ولما كان الفرار مجازا عن رد كلامه , عطف عليه ~~ما يبينه , فقال مؤكدا لأن إعراضهم مع هذا الدعاء الطويل مما لا يكاد يصدق ~~: { وإني كلما } على تكرار الأوقات وتعاقب الساعات { دعوتهم } أي إلى ~~الإقبال عليك بالإيمان بك والإخلاص لك . | ولما كان إعراضهم عما ينفعهم ~~أقبح , ذكر ما يتسبب عن الإجابة بالإيمان فقال : { لتغفر لهم } أي ليؤمنوا ~~فتمحو ما فرطوا فيه في حقك فأفرطوا لأجله في التجاوز في الحدود محوا بالغا ~~فلا يبقى لشيء من ذلك عينا ولا أثرا حتى لا تعاقبهم عليه ولا تعاتبهم { ~~جعلوا } أي في كل دعاء , ودل على مبالغتهم في التصامم بالتعبير بالكل عن ~~البعض فقال : { أصابعهم } كراهة له واحتقارا للداعي { في آذانهم } حقيقة ~~لئلا يسمعون الدعاء إشارة إلى أنا لا نريد أن نسمع ذلك منك , فإن أبيت إلا ~~الدعاء فإنا لا نسمع لسد أسماعنا , ودلوا على الإفراط في كراهة الدعاء بما ~~ترجم عنه قوله : { واستغشوا ثيابهم } أي أوجدوا التغطية لرؤوسهم بثيابهم ~~إيجاد من هو طالب لذلك شديد الرغبة فيه حتى يجمعوا بين ما ms5587 يمنع السماع ~~لكلامه والنظر إليه إظهارا لكراهته وكراهة كلامه , وهكذا حال النصحاء مع من ~~ينصحونه دائما { وأصروا } أي داموا على سوء أعمالهم دواما هم في غاية ~~الإقبال عليه , من أصر الحمار على العانة - إذا صر أذنيه وأقبل عليها ~~يطردها ويكدمها , استعير للإقبال على المعاصي وملازمتها لأنه يكون بغاية ~~الرغبة كأن فاعله حمار وحش قد ثارت شهوته { واستكبروا } أي أوجدوا الكبر ~~طالبين له راغبين فيه , وأكد ذلك بقوله : { استكبارا * } تنبيها على أن ~~فعلهم منابذ للحكمة , فكان مما ينبغي أن لا يفعلوه فهو مما لا يكاد يصدق ~~لذلك , وقد نادت هذه الآيات بالتصريح في غير موضع بأنهم عصوا نوحا عليه ~~الصلاة والسلام وخالفوه مخالفة لا أقبح منها ظاهرا بتعطيل الأسماع والأبصار ~~, وباطنا بالإصرار والاستكبار ولم يوافقوه بقول ولا فعل , فلعنة الله عليهم ~~وعلى من يقول : إنهم وافقوه بالفعل , لأنه دعاهم للمغفرة وقد غطوا وجوههم , ~~والغطية هي الغفر ونخحو ذلك من الخرافات التي لو سمعها أسخف عباد الحجارة ~~الذين لا أسخف منهم لهزؤوا بقائلها , وما قال هذا القائل ذلك إلا تحريفا ~~لكتاب الله بنحو تحريف الباطنية الذين أجمعت الأمة على تكفيرهم لذلك ~~التحريف , PageV08P166 ولعنة الله على من يشك في كفر من يحرف هذا التحريف ~~أو يتوقف في لعنه , وهم الاتحادية الذين مرقوا من الدين في آخر الزمان , ~~ومن أكابرهم الحلاج وابن عربي وابن الفارض , وتبعهم على مثل الهذيان أسخف ~~الناس عقولا ^ ( { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } ) ^ [ الفرقان : ~~44 ] ولقد أخبرني الإمام العلامة برهان الدين إبراهيم بن أبي شريف القدسي ~~الشافعي الثبت النحرير عن بعض من يتعصب لهم في هذا الزمان , وهو من أعيان ~~المدرسين بالقاهرة , أنه قال له : ما حملني على انتقادي لابن الفارض إلا ~~أني رأيت كلام التائية له متناقضا , فتارة يفهم منها الحلول وتارة الاتحاد ~~, وهو عندي يحاشى عن ذلك , فعلمت أن لهؤلاء القوم اصطلاحا نسبتنا منه نسبة ~~التباين إذا سمعوا النحوي يقول : الفاعل مرفوع , فإنهم يضحكون منه , ولو ~~فهمنا اصطلاحهم لم نعترض - هذا مروج الذهب عن بعض ms5588 من اتهم بعقل وعلم من ~~النصارى في زمن أحمد بن طولون , فاختبره فوجده في العلم كما وصف , فسأله عن ~~سبب ثباته على النصارنية مع علمه فقال : السبب تناقضها مع أنه دانبها ملوك ~~متكبرون وعلماء متبحرون ورهبان عن الدنيا معرضون ومدبرون , فعلمت أنه ما ~~جمع هؤلاء الأصناف على الدينونة بها مع تناقضها إلا أمر عظيم اضطرهم لذلك , ~~فدنت بها , فقال له : اذهب في لعنة الله فلقد ضيعت كل عقل وصفت , ولقد ~~والله صدق في الأمر العظيم الذي حملهم على ذلك , وهو القضاء والقدرة الذي ~~حمل كل أحد منهم على إلقاء نفسه في نار جهنم باختياره بل برغبته في ذلك ~~ومقاتلة من يصده عن ذلك , وذلك أدل دليل على تمام علم الله وقدرته وأنه ~~واحد لا شريك له ولا معقب لحكمه , وفي هذا تصديق قوله النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ) وهم أهل الكتاب ~~, وقد أشبعت القول في هذافي كتابي ( القارض في تكفير ابن الفارض ) الذي ~~بينت فيه عوارهم , وأظهرت عارهم , وكذا كتابي ( صواب الجواب للسائل المرتاب ~~) و ( تدمير المعارض في تكفير ابن الفارض ) ولم أبق على شيء من ذلك شيئا من ~~لبس - ولله الحمد . | < < # | نوح : ( 8 - 13 ) ثم إني دعوتهم . . . . . # > > ^ ( ثم إني دعوتهم جهارا * ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا * ~~فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السمآء عليكم مدرارا * ويمددكم ~~بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا ~~) ^ } ) | PageV08P167 ولما ذكر دعاءه في جميع الأوقات مع إعراضهم , وكان ~~هذا مؤيسا وموجبا للإقلاع عن الدعاء , وإن وجد الدعاء بعده في غاية البعد ~~منه على إيجاده مع الاستغراق به لجميع الحلات كما استغرق جميع الأوقات , ~~فعبر بأداة التراخي للدلالة على تباعد الأحوال فقال : { ثم } وأكد لنحو ما ~~مضى من أن تجرد إقبالهم على دعائهم بعد ذلك لا يكاد يصدق فضلا عن الإكثار ~~منه فقال : { إني دعوتهم } أي إلى الإيمان ومنابذة الشيطان . | ولما كان ~~الجهر أحد نوعي الدعاء , نصبه ms5589 به نصب المصدر فقال : { جهارا * } أي مكاشفة ~~في فخامة الصوت والتعميم لجماعتهم جليلهم وحقيرهم والإخلاص في ذلك ~~والمداومة له حتى كاد بصري يكل من شدة التحديث إليهم والإقبال عليهم من غير ~~احتجاب عنهم ولا ارتقاب منهم بل مباغتة , وكررت ذلك عليهم حتى أخرجت ما ~~عندهم من الجواب , ولم أكف عند سد آذانهم واستغشائهم ثيابهم . | ولما كان ~~الجهر قد لا يشيع ولا ينشر في جماعاتهم , قال مشيرا إلى أنه أذاع ذلك , ~~وأكد للإشارة إلى ما فيه من الشدة فقال : { ثم إني أعلنت } أي أظهرت وأشعت ~~وشهرت ليعلموا أنه الحق من ربهم لكوني لست بوجه فإني كررت ذلك عليهم بعد أن ~~سقط الوجوب عني , ولما قدم الجهر لأنه أقرب إلى عدم الاتهام , وكان السر ~~أجدر بمعرفة الضمائر وأقرب إلى الاستمالة , أتبعه به فقال : { وأسررت لهم } ~~أي دعوت كل واحد منهم على انفراده ليكون أدعى له وأجدر بقبوله النصيحة , ~~وأدل على الإخلاص , وكل ذلك ما فعلته إلا لأجل نصيحتهم , لا حظ لي أنا في ~~ذلك , ولما كان تحين الإنسان ليكون وحده ليس عنده أحد ولا هو مشتغل بصارف ~~مما يعسر جدا فلا يكاد يصدق أكده فقال : { إسرارا * } وليدل بتأكيده على ~~تأكيد ما قبله من الأفعال , والظاهر من حاله ومن هذا الترتيب مما صرح به من ~~الاجتهاد أنه سار فيه على مقتضى الحكمة , فدعا أولا أقرب الناس إليه وأشدهم ~~به إلفا , ثم انتقل إلى من بعدهم حتى عمهم الدعاء , وكانت هذه الدعوة سرا ~~كل واحد منهم على حدته ليعلموا نصحه ولا يحمل الدعاء , وكانت هذه الدعوة ~~سرا كل واحد منهم على حدته ليعلموا نصحة ولا يحمل أحد منهم ذلك على تبكيت ~~ولا تقريع , جهر ليعلموا أنه ملجأ من الله إلى ذلك , وأنها عزمة إن قصروا ~~فيها عن الأجابة عوقبوا , فلما أصروا جمع بين السر والعلن , فلما تمادوا ~~وطال الأذى شكى , وعلى هذا فثم لبعد الرتب لا للترتيب في الزمان , ويمكن ~~كونها للترتيب لأن الجهر أبعد عن الاتهام ثم الإعلان بعده أزيد بعدا . | ~~PageV08P168 ولما أخبر ms5590 بأنه بالغ في الدعوة إلى حد لا مزيد عليه , فلم يدع ~~من الأوقات ولا من الأحوال شيئا , سبب عنه بيان ما قال في دعوته وهو التسبب ~~في السعادة كلها بدفع المضار وجلب المسار , فقال مقدما لطلب الغفران عن ~~الكفر ليظهروا فيكونوا قابلين للتحلية بالمحاسن الدينية بعد التخلية عن ~~الأخلاق الدنية : { فقلت } أي في دعائي لهم : { استغفروا ربكم } أي اطلبوا ~~من المحسن إليكم , المبدع لكم , المدبر لأموركم , أن يمحو ذنوبكم أعيانها ~~وأثارها , بالرجوع عن عبادة غيره إلى الإخلاص في عبادته . | ولما ذكر أنه ~~استعطفهم أولا ببيان أن رجوعهم ممكن , لئلا يقولوا : إنا قد بالغنا في ~~المعاصي فلا نقبل , وأعملهم أن الاستغفار باب الدخول إلى طاعة الجبار , أكد ~~ذلك الاستعطاف بقوله معللا للأمر ولجوابه بنحو : يغفر لكم , مؤكدا لأجل ~~توقفهم : { إنه كان } أي أزلا وأبدا ودائما سرمدا { غفارا * } أي متصفا ~~بصفة الستر على من رجع إليه على أبلغ الوجوه وأعلاها , وإذا وقع الغفران ~~دفع المضار كلها . | ولما قرر أمر التوبة وبين قبولها وقدمه اهتماما به ~~لأنه أصل ما يبتنى عليه , ولأن التخلي قبل التحلي , ودرء المفاسد قبل جلب ~~المصالح والفوائد , رغب فيها بما يكون عنها من الزيادة في الإحسان على أصل ~~القبول , وينشأ عن الاستغفار من الآثار الكبار من الأفضال بجلب المسار بما ~~هو مثال للجنة التي كان سبب الإخراج منها النسيان لأنهم أحب شيء في الأرباح ~~الحاضرة والفوائد العاجلة لا سيما بما يبهج النفوس ويشرح الصدور لإذهابه ~~البؤس , فقال مجيبا لفعل الأمر : { يرسل السماء } أي المظلة الخضراء أو ~~السحاب أو المطر { عليكم } أي بالمطر وأنواع البركات { مدرارا * } أي حال ~~كونها كثيرة الدورة متكررته , وهذا البناء يستوي فيه المذكر والمؤنث { ~~ويمددكم } أظهر لأن الموضع لإرادة المبالغة والبسط والسعة { بأموال وبنين } ~~وذلك يفهم أن من اكثر الاستغفار حباه الله ما يسره , وحماه ما يضره { ويجعل ~~لكم } أي في الدارين { جنات } أي بساتين عظيمة , وأعاد العامل للتأكيد ~~والبسط لأن المقام له فقال : { ويجعل لكم أنهارا * } يخصكم بذلك عمن لم ~~يفعل ذلك , فإن من لزم ms5591 الاستغفار استسقى فلم يزد على الاستغفار فلما نزل ~~قيل : يا أمير المؤمنين ! ما رأيناك استسقيت ؟ فقال : لقد طلبت الغيث ~~بمجاديح السماء التي بها يستنزل القطر , ثم قرأ هذه الآية , وقال القشيري : ~~من وقعت له إلى الله حاجة فلن يصل إلى مراده إلا تقديم الاستغفار , وقال : ~~إن عمل قوم نوح كان بضد ذلك , ازداد نوح في الضمان ووجوه الخير والإحسان ~~ازدادوا في الكفر والنسيان . | PageV08P169 ولما كان من رجا ملكا بما يرضيه ~~. | ومن خافة تجنب ما يسخطه , نبههم على ذلك بالإشارة إلى الجلال الموجب ~~للتوقير والجمال بالإحسان إلى الخلق , مصرحا لهم بالترغيب ملوحا إلى ~~الترهيب , فقال مستأنفا في جواب من يقول منهم : هل بقي شيء من قولك ؟ : { ~~ما } أي أي شيء يحصل { لكم } حال كونكم { لا ترجون } أي تكونون في وقت من ~~الأوقات على حال تؤملون بها , وبين فاعل الوقار ومبدعه بتقديمه , فإنه لو ~~أخره لكان ل ( وقارا ) فقال : { لله } أي الملك الذي له الأمر كله { وقارا ~~* } أي ثوابا يوقركم فيه ولو قل , فإن قليله أكثر من كثير غيره , ولا ~~تخافون له إهانة بالعقاب بأن تعلموا أنه لا بد من أن يحاسبكم بعد البعث ~~فيثيب الطائع ويعاقب العاصي , كما هي عادة كل أحد مع من تحت يده , فتوقروا ~~رسله بتصديقهم فتؤمنوا وتعملوا , فإن من أراد من أحد أنه يوقره وقره وعظمه ~~ليجازيه على ذلك , فإن الجزاء من جنس العمل , وذلك إنما يكون بمعرفة الله ~~بما له من الجلال والجمال , والخلق إنما تفاضلوا بالمعرفة بالله , لا ~~بالأعمال , إنما سبق أبو بكر رضي الله عنه الناس بشيء وقر في صدره , فإن ~~بالمعرفة تزكو الأعمال وتصلح الأقوال , وإنما يصح تعظيمه سبحانه بأن لا ترى ~~لك عليه حقا , ولا تنازع له اختيارا , وتعظم أمره ونهيه , بعدم العارضة ~~بترخيص جاف أو تشديد غال أو حمل على توهم الانقياد , وتعظم حكمه بأن لا ~~تبغي له عوجا ولا تدافعه بعلم , ولا ينبغي له غرض وعلة , ولأجل أن المطلوب ~~تحصيل الأعمال التي هي أسباب ظاهرية , عبر بالرجاء ليسرهم بأن أعمالهم ms5592 ~~مؤثرة , وعبر بالطمع في غير هذه الآية تنبيها على أنه لا سبب في الحقيقة ~~إلا رحمة الله لحال دعاء إلى ذلك . | < < # | نوح : ( 14 - 21 ) وقد خلقكم أطوارا # > > ^ ( وقد خلقكم أطوارا * ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا * ~~وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا * والله أنبتكم من الأرض نباتا * ثم ~~يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا * والله جعل لكم الأرض بساطا * لتسلكوا منها ~~سبلا فجاجا * قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا ~~خسارا ) ^ } ) | ولما كان هذا إشارة إلى الاستدلال على البعث بما يعلمونه ~~من أنفسهم صرح بعد ما لوح , فقال آتيا بحرف التوقع لأنه مقامه : { وقد } أي ~~والحال أنه قد أحسن إليكم مرة بعد مرة بما لا يقدر عليه غيره , فدل ذلك على ~~تمام قدرته , ثم لم يقطع إحسانه عنكم فاستحق ان تؤمنوا به لأنه { خلقكم } ~~أي أوجدكم من العدم مقدرين { أطوارا * } أي تارات عناصر أولا ثم مركبات ~~تغذي الحيوان ثم أخلاطا ثم نطفا ثم علقا ثم مضغا ثم عظاما ولحوما وأعصابا ~~ودماء , ثم خلقا آخر تاما ناطقا ذكرانا وإناثا PageV08P170 طوالا وقصارا ~~بيضا وسودا وبين ذلك - إلى غير ذلك من الأمور الدالة على قدرته على كل ~~مقدور , ومن قدر على هذا الابتداء كان على الإعادة أعظم قدرة , وقد ثبتت ~~حكمته وأنه لم يخلق الخلق الخلق سدى بما بان من هذا التطوير على هذه ~~الهيئات العجيبة التي لا قدرة لغيره عليها بوجه , وهم يتهارجون في هذه ~~الدار تهارج الحمر , ويموت المظلوم على حاله , والظالم يبلغ آماله , فلا بد ~~أن يعيدهم ليفصل بينهم فيظهر حكمته وعدله وإكرامه وفضله , ولو ترك ذلك لكان ~~نقصا في ملكه , ومن قدر على ذلك كان قادرا على الجزاء بالثواب والعقاب , ~~فهو أهل لأن يخشى ويرجى . | ولما كان هذا واضحا ولكنهم قوم لد , لا يردهم ~~إلا الشمس المنيرة في وقت الظهيرة , ذكرهم - بعد التذكير بما في أنفسهم - ~~بما هو أكقر من ذلك من آيات الآفاق وقسمها إلى علوي وسفلي , وبدأ بالأنفس ~~لأنها مع شرفها ms5593 أقرب منظور إليه لهم , وثنى بالعلوي لأنه يليها في الشرف ~~ووضوح الآيات , فقال : دالا على القدرة على البعث والجزاء بالثواب والعقاب ~~: { ألم تروا } أي أيها القوم . | ولما كان تأمل الكيفيات يحتاج إلى دقة ~~وتوقف على عجائب ولطائف تؤذن قطعا بأن فاعلها لا يعجزه شيء , وقال منكرا ~~عليهم عدم التأمل : { كيف خلق الله } أي الذي له العلم التام والقدرة ~~البالغة والعظمة الكاملة { سبع سماوات } هي في غاية العلو والسعة والإحكام ~~والزينة , يعرف كونها سبعا بما فيها من الزينة . | ولما كانت المطابقة بين ~~المتقابلات في غاية الصعوبة لا يكاد يقدر عليها من جميع الوجوه أحد , قال : ~~{ طباقا * } أي متطابقة بعضها فوق بعض وكل واحدة في التي تليها محيطة بها ( ~~ما لها من فروج ) لا يكون تمام المطابقة إلا كذلك بالإحاطة من كل جانب . | ~~ولما كان المحيط لا يتوصل إلى داخله إلى محيط العلم والقدرة , قال دالا على ~~كما قدرته وتصرفه معبرا بالجعل الذي يكون عن تصيير وتسبيب : { وجعل القمر } ~~أي الذي ترونه وهو في السماء الدنيا , وبدأ به لقربه وسرعة حركته وقطعه ~~جميع البروج في كل شهر مرة وغيبته في ليالي السرار ثم ظهوره , وذلك أعجب في ~~القدرة . | ولما كانت السماء شفافات قال : { فيهن } أي السماوات جميعهن { ~~نورا } أي لامعا منتشرا كاشفا للمرئيات , أحد وجهيه يضيء لأهل الأرض ~~والثاني لأهل السماوات , ولما كان نوره مستفادا من نور الشمس قال : { وجعل ~~} معظما لها بإعادة العامل { الشمس } أي في السماء الرابعة { سراجا * } أي ~~نورا عظيما كاشفا لظلمه الليل عن وجه الأرض وهي في السماء الرابعة , وروى ~~ابن مردويه وعبد الرزاق والطبري عن PageV08P171 ابن عباس وعبد الله بن عمرو ~~رضي الله عنهم : ( إن الشمس والقمر وجوههما مما يلي السماء , وأقفيتهما إلى ~~الأرض ) ؛ وروى الحاكم منه ذكر القمر وجعلهما سبحانه آية على رؤية عباده ~~المحسنين له في الجنة فإنه يرى كل أحد كلا من مكانه مخليا به , وكذلك يرونه ~~سبحانه عيانا جهارا كما رأوه في الدنيا بالإيمان نظرا واعتبارا , ولما دل ~~على كمال علمه وتمام قدرته ms5594 بخلق الإنسان ثم بخلق ما هو أكبر منه أعاد ~~الدلالة بخلق الإنسان لأنه أعظم المحدثات وأدلها على الله سبحانه وتعالى ~~على وجه آخر مبين لبعض ما أشار إليه الأول من التفصيل مصرحا بالبعث فقال ~~مستعيرا بالإنبات للإنشاء : { والله } أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله { ~~أنبتكم } أي بخلق أبيكم آدم عليه الصلاة والسلام { من الأرض } أي كما ينبت ~~الزرع , وعبر بذلك تذكيرا لنا لما كان من خلق أبينا آدم عليه الصلاة ~~والسلام لأنه أدل على الحدوث والتكون من الأرض , وأشار إلى أنه جعل غذءانا ~~من الأرض التي خلقنا منها , وبذلك الغذاء نمونا . | ولما كان إنكارهم للبعث ~~كأنه إنكار للابتداء أكده بالمدصر وأجراه على غير فعله بتجريده من الزيادة ~~, إشارة إلى هوانه عليه سبحانه وتعالى وسهولته مع أنه إبداع وابتداء ~~واختراع فقال : { نباتا * } ومع ذلك فالآية صالحة للاحتباك : ذكر ( أنبت ) ~~أولا دال على حذف مصدره ثانيا , دال على حذف فعله أولا , ليكون التقدير : ~~أنبتكم إنباتا فنبتم نباتا . | ولما كان في الموت دليل على تمام العلم ~~والقدرة غير أنه ليس كدلالة الابتداء بالابتداع , وكان مسلما ليس فيه نزاع ~~, ذكره من غير تأكيد بالمصدر فقال دالا على البعث والنشور : { ثم يعيدكم } ~~على التدريج { فيها } أي الأرض بالموت والإقبار وإن طالت الآجال { ويخرجكم ~~} أي فيها بالإعادة , وأكد بالمصدر الجاري على الفعل إشارة إلى شدة العناية ~~به وتحتيم وقوعه لإنكارهم له فقل : { إخراجا * } أي غريبا ليس هو كما ~~تعلمون بل تكونون به في غاية ما يكون من الحياة الباقية , تلابس أرواحكم ~~بها أجسامكم ملابسة لا انفكاك بعدها لأحدهما عن الآخر . | ولما كان النابت ~~من الشيء لا يتصرف في ذلك الشيء , دل على كمال قدرته بخرق تلك العادة لهم ~~على وجه الإنعام عليهم , فقال مظهرا للاسم الشريف مرة بعد أخرى تعظيما ~~للأدلة لئلا تقيد القدرة بما يقترن به الاسم دالا بالعالم السفلي بعد ~~الإرشاد بالعلوي وآخر السفلي لأن آياته على ظهورها خفيت بكثرة الإلف لها : ~~{ والله } أي المستجمع لجميع الجلال والإكرام { جعل لكم } أي نعمة عليكم ms5595 ~~اهتماما بأمركم { الأرض بساطا * } أي سهل عليكم الصترف فيها والتقلب عليها ~~سهولة التصرف في PageV08P172 البساط , ثم علل فقال : { لتسلكوا } أي منجدين ~~{ منها } أي الأرض مجددين لذلك { سبلا } أي طرقا واضحة مسلوكة بكثرة { ~~فجاجا * } أي ذوات اتساع لتتوصلوا إلى البلاد الشاسعة برا وبحرا , فيعم ~~الانتفاع بجميع البقاع , فالذي قدر على إحداثكم وأقدركم على التصرف في ~~أصلكم مع ضعفكم قادر على إخراجكم من أجداثكم التي لم تزل طوع أمره ومحل ~~عظمته وقهره . | ولما كانوا جادلوه عليه الصلاة والسلام بعد هذا البيان ~~الذي لا يشك في دلالته على المراد من تحقق لصفاء الإيقان , فأكثروا الجدال ~~ونسبوه إلى الضلال وعصوه أقبح العصيان وقابلوه بأشنع الأقوال والأفعال , ~~طوى ذلك مشيرا إليه بقوله مستأنفا : { قال نوح } أي بعد رفقه بهم ولينه لهم ~~شاكيا منهم : { رب } أي أيها المحسن إلي المدبر لي المتولي لجميع أموري . | ~~ولما كان الضعفاء أكثر الناس بحيث إذا اجتمعوا دل الرؤوس الأقوياء بالأموال ~~والأولاد وكانوا كأنهم الكل , فقال مؤكدا لأن عصيانهم له بعد ذلك مما يبعد ~~وقوعه : { إنهم } أي قومي الذين دعوتهم إليك مع صبري عليهم ألف سنة إلا ~~خمسين عاما { عصوني } أي فيما أمرتهم به ودعوتهم إليه فأبوا أن يجيبوا ~~دعوتي وشردوا عني أشد شراد وخالفوني أقبح مخالفة { واتبعوا } أي بغاية ~~جهدهم نظرا إلى المظنون العاجل بعد ترك المحقق عاجلا وآجلا { من } أي من ~~رؤسائهم البطرين بأموالهم المغترين بولدانهم , وفسرهم بقوله : { لم يزده } ~~أي شيئا من الأشياء . | ولما كان المال يكون للإنسان الولد , وكان ينبغي ان ~~يشكر الله الذي آتاه إياه ليكون له يرا في الدارين وكذا الولد قال : { ماله ~~} أي بكثرته { وولده } كذلك , وهو الجنس في قراءة التحريك - وكذا في قراءة ~~ابن كثير والبصريين وحمزة والكسائي بالضم والسكون على أنه لغة في المفرد ~~كالحزن والحزن والرشد والرشد , أو يكون على هذه جمعا كالأسد والأسد , ويكون ~~اختيار أبي عمرو لهذه القراءة في هذا الحرف وحده للإشارة بجمع الكثرة ~~المبني على الضمة الكثرة المبني على الضمة التي هي أشد الحركات إلى أنهم - ~~وإن ms5596 زادت كثرتهم وعظمت قوتهم - فإن البسط لهم في الدنيا بذلك كان سببا ~~لطغيانهم وبطرهم واتباعهم لأهوائهم حتى كفروا واستغووا غيرهم فغلبوا عليهم ~~فكانوا سببا في شقائهم وخسراتهم بخسارتهم , وكان عندهم أنها زادتهم رفعة , ~~وفي السياق دليل على أنهم ما حصلت لهم الوجاهة إلا بها . | PageV08P173 < < # | نوح : ( 22 - 24 ) ومكروا مكرا كبارا # > > ^ ( ومكروا مكرا كبارا * وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا ~~سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا * وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ~~) ^ } ) | ولما كانت كثرة الرؤساء قوة أخرى إلى قوتهم بمتاع الدنيا , وكان ~~التقدير : فأمرتهم بالإيمان فأبوا وأمروهم بالكفر فانقادوا لهم , عطف عليه ~~مبينا لكثرتهم بضمير الجمع العائد على ( من ) عاطفا على ( لم يزده ) ~~المفردة الضمير للفظ جامعا له للمعنى لتجمع العبارة الحكم على المفرد ~~والجمع , فيكون أدل شيء على المراد منها فقال : { ومكروا } أي هؤلاء ~~الرؤساء في تنفير الناس عني - وأكد الفعل بالمصدر دلالة على قوته فقال : { ~~مكرا } وزاده تأكيدا بصيغة هي النهاية في المبالغة فقال : { كبارا * } فإنه ~~أبلغ من كبار المخفف الأبلغ من كبير , فلم يدعوا أحد منهم بذلك المكر ~~يتبعني { وقالوا } أي لهم في أداني المكر الذي حصل منهم . | ولما كان دعاء ~~الرسل عليهم الصلاة والسلام جديرا بالقبول لما لهم من الجلالة والحلاوة ~~والبيان والرونق والظهور في الفلاح , أكدوا قولهم : { لا تذرن آلهتكم } أي ~~لا تتركنها على حالة من الحالات لا قبيحة ولا حسنة , وأضافوها إليهم تحسبا ~~فيها , ثم خصوا بالتسمية زيادة في الحث وتصريحا بالمقصود فقالوا مكررين ~~النهي والعامل تأكيدا : { ولا تذرن } ولعلهم كانوا يوافقون العرب في أن ~~الود هو الحب الكثير , فناسب التأكيد وأبلغوا فيه فقالوا : { ولا يغوث } ~~ولما بلغ التأكيد نهاية وعلم أن المقصود النهي عن التأكيد للعلم بإرادته , ~~وكان هؤلاء ناسا صالحين , فلما ماتوا حزن عليهم الناس ثم زين لهم إبليس ~~تصويرهم تشويقا إلى العمل بطرائقهم الحسنة فصوروهم , فلما تمادى الزمان زين ~~لهم عبادتهم لتحصيل المنافع الدنيوية ببركاتهم ثم نسي القوم الصالحون , ~~وجعلوا أصناما آلهة من دون الله , وكانت عابدة هؤلاء ms5597 أول عبادة الأوثان ~~فأرسل الله سبحانه وتعالى نوحا عليه الصلاة والسلام للنهي عن ذلك إلى أن ~~كان من أمره وأمر قومه ما هو معلوم , ثم أخرج إبليس هذه الأصنام بعد ~~الطوفان فوصل شرها إلى العرب , فكان ود لكلب بدومة الجندل وسواع لهذيل ~~ويغوث لمذحج ويعوق لمراد ونسر لحمير لآل ذي الكلاع , وقيل غير ذلك - والله ~~أعلم قال البغوي : سواع لهذيل ويغوث لمراد , ثم لبني غطيف بالجرف عن سبأ ~~ويعوق لهمذان . | قال أبو حيان : قال أبو عثمان النهدي : رأيت يغوث وكان من ~~رصاص يحمل على جمل أجرد , يسيرون معه لا يهيجونه حتى يكون هو الذي يبرك , ~~فإذا برك نزلوا وقالوا : قد رضي لكم المنزل , PageV08P174 فينزلون حوله ~~ويضربون عليه بناء , وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب وصول شر تلك ~~الأوثان إلى العرب أنها دفنها الطوفان ثم أخرجها الشيطان لمشركي العرب , ~~وكانت للعرب أصنام أخر فاللات لثقيف , والعزى لسليم وغطفان وجشيم , ومنات ~~بديد لهذيل , وإساف ونايلة وهبل لأهل مكة , وكان إساف حيال الحجر الأسود , ~~ونايلة حيال الركن اليماني , وكان هبل في جوف الكعبة - انتهى , وقال ~~الواقدي : ود على صورة رجل , وسواع على صورة امرأة , ويغوث على صورة أسد , ~~ويعوق على صورة فرس , ونسر على صورة نسر - انتهى . | ولا يعارض هذا أنهم ~~صور لناس صالحين لأن تصويرهم لهم يمكن أن يكون منتزعا من معانيهم , فكأن ~~ودا كان أكملهم في الرجولية , وكانت سواع امرأة كاملة في العبادة , وكان ~~يغوث شجاعا , ويعوق كان سباقا قويا , واكن نسر عظيما طويل العمر - والله ~~تعالى أعلم . | ولما ذكر مكرهم وما أظهروا من قولهم , عطف عليه ما توقع ~~السامع من أمره فقال : { وقد أضلوا } أي الأصنام وعابدوها بهذه العبادة { ~~كثيرا } من عبادك الذين خلقتهم على الفطرة السليمة من أهل زمانهم وممن أتى ~~بعدهم فإنهم أول من سن هذه السنة السيئة فعليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى ~~يوم القيامة . | ولما كان التقدير : فلا تزد الظالمين إلا خسارا , عطف عليه ~~قوله مظهرا في موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم ms5598 بالوصف : { ولا تزد ~~الظالمين } أي الراسخين في الوصف الموجب لأن تكون آثار المتصف به كآثار ~~الماشي في في الظلام في وقوعها مختلة , شيئا من الأشياء التي هي فيهم { إلا ~~ضلالا * } أي طبعا على عقولهم وقلوبهم حتى يعموا عن الحق وعن جميع مقاصدهم ~~الفاسدة الضالة الراسخة في الضلال فلا يكون منها شيء على وجه يكون فيه شيء ~~من سداد , وكان هذا بعد أن أعلمه الله سبحانه وتعالى أنه لن يؤمن منهم إلا ~~من قد آمن , والكلام عليه على كل حال كالكلام على دعاء موسى هارون عليهما ~~وعلى محمد أفضل الصلاة والسلام في الشد على قلوب فرعون وملئة لئلا يؤمنوا ~~في حال ينفعهم فيه كما مضى في سورة يونس عليه السلام , وقد بالغ ابن عربي ~~في المروق من الدين فقال في فصوصة : إن هذا الدعاء حسن في حقهم , وقال : إن ~~الضلال أهدى من الهدى , وإن الضال أحسن حالا من المهتدي , لأن الضال لا ~~يزال قريبا من القطب المقصود دائرا حوله , والمهتدي صاحب طريقة مستطيلة , ~~فهو PageV08P175 يبعد عن المقصود , فأبان أن الله تعالى لم يخلق خلقا أسفه ~~منه غلا من اتبعه عليه وعلى من ينحو نحوه من الضلال الذي لا يرضاه عاقل من ~~عباد الأصنام الذين لا أسفه منهم ولا غيره , فعليهم أشد الخزي واللعنة . | ~~< < # | نوح : ( 25 - 28 ) مما خطيئاتهم أغرقوا . . . . . # > > ^ ( مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله ~~أنصارا * وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم ~~يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا * رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي ~~مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا ) ^ } ) | ولما فرغ ~~من أمرهم في ضلالهم , ودعا رسولهم صلى الله عليه وسلم , فلم يبق إلا ~~إهلاكهم . | وكان من مفهومات الضلال المحق وإذهاب العين كما يضل الماء في ~~اللبن , قال مبينا , مضمون الكلام لاعتقاد الكفار أن الإنجاء والإهلاك عادة ~~الدهر : { مما } . | ولما كان الكافر قد أخطأ ثلاث مرات : يكفره في الإيمان ~~بالطاغوت , وتكذيب ربه , وتكذيب رسوله ms5599 صلى الله عليه وسلم , وكان ذلك كافيا ~~في استحقاقه للأخذ قال : { خطيئاتهم } جامعا له جمع السلامة - في قراءة ~~الجماعة , وأفهمت قراءة أبي عمرو بجمع التكسير أن لهم مع هذه الأمهات ~~الكافية في الأخذ من الذنوب ما يفوت الحصر يوجب تغليظ ذلك الأخذ , فهي ~~مشيرة إلى أنه ينبغي الاحتراز من كل الذنب . | ولما كان الموجع إغرافهم لا ~~كونه من معين , قال مخبرا عما فعل بهم في الدنيا : { أغرقوا } أي بالطوفان ~~بانيا له للمفعول لذلك وللإعلام بأنه في غاية السهولة على الفاعل المختار ~~الواحد القهار , فطاف الماء عليهم جميع الأرض السهل والجبل , فلم يبق منهم ~~أحدا , وكذا الكلام فيما تسبب عنه وتعقبه من قوله : { فأدخلوا } أي بقهر ~~القهار في الآخرة التي أولها البرزخ يعرضون فيه على النار بكرة وعشيا { ~~نارا * } أي عظيمة جدا أخفها ما يكون من مبادئها في البرزخ , قال الشيخ ولي ~~الدين الملوي : فعذبوا في الدنيا بالغرق , وفي الآخرة بالحرق , والإياس من ~~الرحمة , وأي عذاب أشد من ذلك , وقال الضحاك : في حالة واحدة كانوا يغرقون ~~في الماء من جانب ويحترقون في الماء من جانب آخر بقدرة الله سبحانه وتعالى ~~, وفيها دلالة على قول غيره على عذاب القبر . | ولما كانوا قد استندوا إلى ~~آلهتهم لتنصرهم من أخذ الله تعالى , قال مسببا عن هذا الإغراق والإدخال من ~~الرحمة ليكون ذلك أشد في العذاب , فإن الإنسان - كما PageV08P176 قال ~~الملوي : - إذا كان في العذاب ويرجوا الخلاص يهون عليه الأمر بخلاف ما إذا ~~يئس من الخلاص , معلما بأن آلهتهم عاجزة فإنهم لم تغن عنهم شيئا , توبيخا ~~لمن يعبد مثلها : { فلم يجدوا } وحقق الأمر فيهم بقوله : { لهم } أي عندما ~~أناخ الله بهم سطوته وأحل بهم نقمته . | ولما كانت الرتب كلها دون رتبته ~~تعالى , وكان ليس لأحد أن يستغرق جميع ما تحت رتبته سبحانه من المراتب , ~~قال مثبتا الجار : { من دون الله } أي الملك الأعظم الذي تتضاءل المراتب ~~تحت رتبة عظيمته وتذل لعزه وجليل سطوته { أنصارا * } ينصرونهم على من أراد ~~بهم ذلك ليمنعوه مما فعل بهم أو ms5600 يقتصوا منه لهم بما يشهد به شاهد الوجود ~~الذي هو أعدل الشهود من أنه تم ما أراد سبحانه وتعالى من إغراقهم من غير أن ~~يتخلف منهم أحد على كثرتهم وقوتهم لكونهم أعداءه وإنجاء نبيه نوح عليه ~~الصلاة والسلام ومن معه رضوان الله وسلامه عليهم أجمعين على ضعفهم وقتلهم ~~لم يعقد منهم أحد لكونهم أولياءه , فكما لم يهلك ممن أراد إنجاءه أحد فكذلك ~~لم يسلم منهم , فمن قال عن عوج ما يقوله القصاص فهو أيضا ضال أشد ضلال , ~~فلعنة الله على من يقول : إن الله تعالى كان غير ناصرهم , مع هذه الدلالات ~~التي هي نص في أنه عدوهم , وأن نصرهم إنما يكون على نبيه نوح عليه الصلاة ~~والسلام , واعتقاد ذلك أو شيء منه كفر ظاهر لا محيد عنه بوجه , وقائل ذلك ~~هو ابن عربي صاحب الفصوص الذي لم يرد بتصنيفه إلا هدم الشريعة المطهرة , ~~ونظمه أيا ابن الفارض في تأئيته التي سماها بنظم السلوك , فلعنة الله عليه ~~وعلى من تبعه أو شك في كفره أو توقف في لعنة بعد ما نثب من الضلال الذي سعر ~~به البلاد , وأردى كثيرا من العباد . | ولما أتم الخبر عن إغراقهم , وقدمه ~~للاهتمام بتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم في إجابة دعوته تحذيرا للعرب أن ~~يخرجوا رسولهم صلى الله عليه وسلم فيخرجوه إلى مثل ذلك , عطف على قول نوح ~~عليه السلام من أوله قوله عندما أخبره تعالى انهم مغرقون وأنه لا يؤمن منهم ~~إلا من قد آمن بعدما طال بلاؤه بهم حتى أن كان الرجل ليأتي بابنه إليه ~~فيقول له : احذر هذا أن يضلك , وإن أبي حذر به , وكانت صيغة العموم ليست ~~بنص في أفرادها أبدا , استنجازا لوعده وتصريحا بمراده : { وقال نوح } وأسقط ~~الأداة كما هي عادة أهل الحضرة فقال : { رب لا تذر } أي تترك بوجه من ~~الوجوه أصلا ولو على أدنى الوجوه { على الأرض } أي كلها من مشرقها إلى ~~مغربها وسهلها وجبلها ووهدها { من الكافرين } أي الراسخين العموم التي ~~تستعمل في النفي العام فيقال من ms5601 الدور أو الدار فعال , وإلا لكان دوارا , ~~PageV08P177 ويجوز - وهو أقرب - أن يكون هذا الدعاء عند ركوبه السفينة ~~وابتداء الإغراق فيهم , يريد به العموم كراهية أن يبقى أحد منهم على ذروة ~~جبل أو نحوه , لا أصل الإغراق , وأن يكون معنى ما قبله الحكم بإغراقهم ~~وتحتم القضاء به أو الشروع فيه . | ولما كان الرسل عليهم الصلاة والسلام لا ~~يقولون ولا يفعلون إلا ما فيه مصلحة الدين , علل دعاءه بقوله وأكده إظهارا ~~لجزمه باعتقاد ما أنزل عليه من مضمون قوله تعالى : < # > 77 ( { إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن } ) 77 < # > [ هود : 36 ] وإن كان ذلك خارجا عن العادة : { إنك } أي يا رب { إن ~~تذرهم } أي تتركهم على أي حالة كانت في إبقائهم سالمين على وجه الأرض على ~~ما هم عليه من الكفر والضلال والإضلال ولو كانت حالة دنية { يضلوا عبادك } ~~أي الذين آمنوا بي والذين يولدون على الفطرة السليمة . | ولما كان ربما كان ~~الإنسان ضارا ووجد له ولد نافع ؛ نفى ذلك بقوله : { ولا يلدوا } أي إن قدرت ~~بقاءهم في الدنيا { إلا فاجرا } أي مارقا من كل ما ينبغي الاعتصام به , ~~واكتفى فيه بأصل الفاعل إشارة إلى أن من جاوز الحد أو شرع في شيء بعده من ~~التمادي في الغي صار ذلك له ديدنا فبالغ , فلذلك قال : { كفارا * } أي بليغ ~~الستر لما يجب إظهاره من آيات الله لأن قولك يا رب لا يتخلف أصلا , والظاهر ~~أن هذا الكلام لا يقوله إلا عن وحي كما في سورة هود عليه السلام من قوله ~~تعالى : < # > 77 ( { إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن } ) 77 < # > [ هود : 36 ] فيكون على هذا حتى صغارهم معذبين بما يعلم الله منهم لو ~~بلغوا لا بما عملوه كما قال صلى الله عليه وسلم في أولاد الكفار ( الله ~~أعلم بما كانوا عاملين ) ولما دل هذا كله على أنه دعا على أعداء الله , دعا ~~أيضا لأوليائه وبدأ بنفسه لأنه رأس تلك الأمة , فقال مسقطا على عادة أهل ~~الخصوص : { رب } أي أيها ms5602 المحسن إلي باتباع من اتبعني وتجنب من تجنبي , فإن ~~من كانت طبيعته طبعت على شيء لا تحول عنه . | ولما كان المقام الأعلى أجل ~~من أن يقدره أحد حق قدره قال : { اغفر لي } أي فإنه لا يسعني وإن لا يسعني ~~وإن كنت معصوما إلا حلمك وعفوك ورحمتك . | ولما أظهر بتواضعه عظمة الله ~~سبحانه وتعالى رتب المدعو لهم على الأحق فالأحق فقال : { ولوالدي } وكانا ~~مؤمنين وهما لمك بن متوشلخ وشمخاء بنت أنوش , قال أبو حيان : وقال ابن عباس ~~PageV08P178 رضي الله عنهما : لم يكفر لنوح عليه السلام أب فيما بينه وبين ~~آدم عليهم الصلاة والسلام . | وأعاد الجار إظهارا للاهتمام فقال : { ولمن ~~دخل بيتي } لأن المتحرم بالإنسان له حق أكيد لا سيما إن كان مخلصا في حبه , ~~ولذا قال : { مؤمنا } ولما خص عم وأعاد الجار أيضا اهتماما فقال : { ~~وللمؤمنين والمؤمنات } أي العريقين في هذا الوصف في كل أمة غلى آخر الدهر ~~ولا تزدهم في حال من الأحوال شيئا من الأشياء إلا مفازا . | ولما كان ~~التقدير بما أرشد إليه الاحتباك : ولا تكرم المارقين , عطف عليه قوله : { ~~ولا تزد الظالمين } أي العريقين في الظلم في حال من الأحوال { إلا تبارا * ~~} أي إلا هلاكا مدمرا مفتتا لصورهم قاطعا لأعقابهم مخبرا لديارهم وكما ~~استجاب الله سبحانه وتعالى له في أهل الإيمان والكفران من أهل ذلك الزمان ~~فكذلك يستجيب له في أهل الإيمان وأهل الخسران بالسعادة والتبار في جميع ~~الأعصار إلى أن يقفوا بين يدي العزيز الجبار , والأية من الاحتباك : إثبات ~~الدعاء المقتضي لأصل إكرام المؤمنين أولا مرشد إلى حذف الدعاء المفهم لأصل ~~إهانة الكافرين ثانيا , وإثبات الدعاء بزيادة التبار ثانيا مفهم لحذف ~~الدعاء الموجب لزيادة المفاز أولا , وهذا الآخر المصح بالتبار هو ما أرشد ~~إليه الابتداء بالإنذار , فقد انطبق الآخر على الأول على أصرح وجه وأكمل , ~~وأحسن حال وأجمل منال , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والحمد لله ~~تعالى على كل حال . | . . . | PageV08P179 < # > سورة الجن < # > | وتسمى ' قل أوحى ' | مقصودها إظهار الشرف لهذا النبي الكريم الفاتح ~~صلى الله ms5603 عليه وسلم وعلى أنه وأصحابه وذريته , أهل بيته حيث لين له قلوب ~~الإنس والجن وغيرهما ، فصار مالكا لقلوب المجانس وغيره ، وذلك لعظمة هذا ~~القرآ ، ولطف ما له من غريب الشأن ، هذا والزمان في آخره وزمان لبثه في ~~قومه دون ربع العشر من زمن نوح عليه السلام أول نبي بعثه الله تعالى إلى ~~المخالفين وما آمن معه من قومه إلا قليل ، وعلى ذلك دلت تسميتها بالجن ويقل ~~أوحي ، وبتأمل الآية المشتملة على ذلك وما فيها من لطيف المسالك ، أعاذنا ~~الله بمنه وكرمه من الوقوع في المهالك ، { بسم الله } أي المحيط بالكمال ~~أرسل رسوله الخاتم بالهدى ليظهره على الدين كله بما له من الجلال والجمال { ~~الرحمن } الذي بعموم رحمته عم بهذا الإرسال ليعم بالبيان ما يلزم الخلق من ~~المقال والفعال { الرحيم } الذي خص من بيتن أهل الدعوة من شاء بمحاسن ~~الأعمال لما سبق لهم من الفوز في أزل الآزال . < < # | الجن : ( 1 - 4 ) قل أوحي إلي . . . . . # > > ^ ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ~~* يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا * وأنه تعالى جد ربنا ما ~~اتخذ صاحبة ولا ولدا * وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ) ^ } ) | ولما ~~كان نوح عليه الصلاة والسلام أول رسول أرسله الله تعالى إلى المخالفين من ~~أهل الأرض , وكان قومه عباد أوثان , وعصوه أشد العصيان مع أنه كان منهم ~~نسبا ولسانا , وختمت سورته بدعائه عليهم , وكان نبينا صلى الله عليه وسلم ~~خاتم النبيين , فهو آخر رسول بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض وغيرهم من جميع ~~الخلق , وكان قومه العرب قد وافقوا قوم نوح عليه السلام في أكثر أحوالهم ~~عبادة الأوثان حتى تلك الأوثان إما بأسميها أو بأعيانها على ما ورد في ~~الأخبار , وفي عصيان رسولهم واستضعاف أتباعه واستهزائهم PageV08P180 ابتدئت ~~, هذه بما كان من سهولة من سمع هذه الدعوة الخاتمة الجامعة من غير الجنس ~~فضلا عن الموافقين في الجنس مع قصر الزمان وضعف الأعوان لجلالة هذا القرآن ~~, فقال منبها له بالأمر على ms5604 ما في هذا من عظيم القدر , مع الإشارة إلى ~~تبكيت العرب على التباطؤ عن الإجابة إلى ما يعرفون من رشده بمعناه ونظمه , ~~لكونه بلسانهم وكونهم من نوع الداعي وقبيله وأقرب الناس إليه { قل } أي يا ~~محمد لقومك . | ولما كان المقصود تعظيم الموحى به , وأما الموحي إلى كل من ~~الرسولين فواحد , بنى للمفعول قوله مبينا لسيرة الجن في تلقيهم لهذا القرآن ~~بالأخذ إرثا من أشرف النبيين وإلقائهم له بالإبلاغ إلى غيرهم من وارث العلم ~~منهم ليكون لهم الشرفان : شرف العلم لكمال أنفسهم , والتعليم لتكميل غيرهم ~~, فيكون لهم مثل أجر من عمل بما ألقوه إليه وأملوه عليه : { أوحي إلي } أي ~~أخبرت على وجه الخفاء ممن لا يعلم الغيب غيره في هذا القرآن الذي اتقضى ~~إعجازه أن أكون أكثر الأنبياء تابعا على لسان جبريل عليه السلام الذي هو ~~أمينه والواسطة بينه وبين أنبيائه , ثم وضع موضع المفعول الذي لم يسم فاعله ~~قوله : { أنه } أي الشأن العظيم { استمع } أي بغاية الإصغاء والإقبال ~~والتقبل والإلف استماعا هو الاستماع في الحقيقة لأنه لقراءتي هذا القرآن { ~~نفر } هم في غاية النفرة جبلة وطبعا { من الجن } الذين هم في غاية الاستتار ~~, وهم أجسام حية عاقلة خفيفة تغلب عليها النارية أو الهوائية كما تغلب على ~~أجاسم الإنس الترابية , والنفر ما بين الثلاثة والعشرة , قال البغوي : ~~وكانوا تسعة من جن نصيبين , وقيل : كانوا سبعة , وفي هذه العبارة دليل على ~~أنه صلى الله عليه وسلم ما رآهم ولا قرأ عليهم , وإنما اتفق حضورهم عند ~~قراءته , وهل هذا الاستماع هو المذكور في الأحقاف أو غيره قال أبو حيان : ~~المشهور أنه هو , وقيل : هو غيره , والجن الذين أتوه بمكة جن نصيبين , ~~والذين أتوه بنخلة جن نينوى , والسورة التي استمعوها قال عكرمة : العلق , ~~وقيل : الرحمن , ولم يذكر هنا ولا في الأحقاف أنه رآهم , ويظهر من الحديث ~~تعدد الواقعة , فمنها ما كان في المبدأ ولم يكن معه أحد من الصحابة رضي ~~الله عنهم كما في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي في ms5605 الصحيح ( ~~أنهم فقدوه صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي فالتمسوه في الأودية ~~والشعاب , فلما أصبح إذا جاء من قبل حراء فقال : أتاني داعي الجن فذهبت معه ~~فقرأت عليهم القرآن , فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم , ومنها ما ~~كان معه عبد الله رضي الله عنه فذهب معه إلى الحجون عند الشعب فخط عليه خطا ~~, وقال : لا تجاوزه , فانحدر عليه أمثال الحجل يجرون الحجارة بأقدامهم حتى ~~غشوه فلا أراه , وأومأ إلي بيده أن اجلس , فتلا PageV08P181 القرآن , فلم ~~يزل صوته يرتفع واختفوا بالأرض حتى ما أراهم ) قال الأصبهاني : وقيل : ~~كانوا من بني الشيصبان وهم أكثر الجن عددا وهم عامة جنود إبليس , وقال ~~القشيري : لما رجمت الشياطين بالشهب فرق إبليس جنوده لعلم ذلك فأتى سبعة ~~منهم بطن نخلة فاستمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فآمنوا ثم أتوا ~~قومهم فقالوا : يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا , يعني ولم يرجعوا إلى إبليس ~~لما علموه من كذبه وسفاهته , وجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين ~~من قومهم فأسلموا , فذلك قوله تعالى : < # > 77 ( { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه } ) 77 ~~< # > [ الأحقاف : 29 ] الآيات { فقالوا } أي فتسبب عن استماعهم أن قال من ~~سمع منهم لمن لم يسمع , أو لمن كان يواخيهم من الإنس امتثالا لقوله النبي ~~صلى الله عليه وسلم ( رحم الله امرأ سمع منا مقالة فوعاها فأداها كما سمعها ~~) وكان قولهم سكونا إلى هذا ا لقرآن وأنسابه , مؤكدين لبعد حالهم عن سماع ~~الوحي وعلمهم بما زاد به من الإعجاز : { إنا } بالكسر لأنه مبتدأ محكي بعد ~~القول { سمعنا } حين تعمدنا الإصغاء وألقينا إليه فأهامنا { قرآنا } أي ~~كلاما هو في غاية الانتظام في نفسه والجمع لجميع ما نحتاج إليه , ثم وصفوه ~~بالمصدر مبالغة في أمره فقالوا : { عجبا * } أي بديعا خارجا عن عادة أمثاله ~~من جميع الكتب الإلهية فضلا عن كلام الناس في جلالة النظم وإعجاز التركيب ~~والوضع مع الموافقة لها في الدعوة إلى الله تعالى والبيان للمحاسن والمساؤئ ~~والدعاء إلى كل فلاح ms5606 حتى صار نفس العجب , والعجب ما خرج عن حد أشكاله ~~ونظائره فخفي سببه , وهذا يدل على قوتهم العلمية في فصاحتهم وكمالهم في علم ~~الرسوم , وصوغ الكلام على أبلغ جهات النظوم . | وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير : لما تقدم ذكر حال كفار قريش في تعاميهم عن النظر وجريهم في اللدد ~~والعناد حسبما انطوت عليه سورة ن والقلم , ثم أتبعت بوعيدهم في الحاقة ثم ~~بتحقيقة وقرب وقوعه في المعارج فم بتسليته عليه الصلاة والسلام وتأنيسه ~~بقصة نوح عليه الصلاة والسلام مع قومه , أعقب ذلك بما يتعظ به الموفق ويعلم ~~أن القلوب بيد الله : فقد كانت استجابة معاندي قريش والعرب أقرب في ظاهر ~~الأمر لنبي من جنسهم ومن أنفسهم فقد تقدمت لهم معرفة صدقه وأمانته , ثم ~~جاءهم بكتاب بلسانهم الذي به يتحاورون ولغتهم التي بها يتكلمون , فقد بهرت ~~العقول آياته , ووضحت لكل ذي قلب سليم براهينه ومعجزاته , وقد علموا أنهم ~~لا يقدرون على PageV08P182 معارضته إلى ما شاهدوه من عظيم البراهين , ومع ~~ذلك عموا وصموا - غذب الله عليهم ولعنهم - وسبق إلى الإيمان من ليس من ~~جنسهم ولا سبقت له مزية تكريمهم , وهم الجن ممن سبقت لهم من الله الحسنى ~~فآمنوا وصدقوا , وامرا صلى الله عليه وسلم بالإخبار بذلك , فأنزل الله ~~تعالى عليه < # > 77 ( { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن } ) 77 < # > [ الجن : 1 ] الآيات إلى قوله إخبارا عن تعريف الجن سائر أخوانهم بما ~~شاهدوه من عنااد كفار العرب ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون ~~عليه لبدا ) ثم استمرت الآي ملتحمة المعاني معتضدة المباني إلى آخر السورة ~~- انتهى . | ولما بينوا فضله من جهة الإعجاز وغيره , بينوا المقصود بالذات ~~الدال على غوصهم على المعاني بعد علمهم بحسن المباني فقالوا : { يهدي } أي ~~يبين غاية البيان مع الدعاء في لطف وهدى { إلى الرشد } أي الحق والصواب ~~الذي يكاد يشرد لثقله على النفوس الداعية إلى الهوى وخفة ضده الغي والسفه ~~الملائم لنقص النفوس . | ولما وصفوه بهذه الكمالات سببوا عن ذلك قولهم ~~إعمالا للقوة العملية في المبادرة ms5607 إلى الصواب من غير تخلف أصلا : { فآمنا } ~~أي كل من استمع منا لم يتخلف منا أحد ولا توقف بعد الاستماع { به } أي ~~أوقعنا الأمان لمبلغ القرآن أن نكذبه أو نخالفه أدنى مخالفة بسبب هذا ~~القرآن . | ولما أخبروا عن الماضي , وكان الإيمان لا يفيد إلا مع الاستمرار ~~, قالوا عاطفين على ما تقديره : فوجدنا الله في الحال لأن ذلك نتيجة ~~الإيمان بالقرآن وخلعنا الأنداد : { ولن } أي والحال أنا مع إيقاع الإيمان ~~في الحال لن { نشرك } بعد ذلك أصلا , أكدوا أنه أمر لا يكاد يصدق { بربنا } ~~أي الذي لا إحسان قائم بنا من الإيجاد ومابعده إلا منه { أحدا * } أي من ~~الخلق لأنه لم يشركه في شيء من مرنا أحد , وقد وضحت الدلائل على التوحيد ~~فيما سمعنا من هذا القرآن . | ولما أظهروا القوتين العلمية بفهمهم القرآن , ~~والعملية بما حصل لهم من الإذعان , أعملوا ما لهم في الدعاء إلى الله تعالى ~~من قوة البيان , فبعد أن نزهوه سبحانه عن الشرك عموما خصوا مؤكدين في قراءة ~~ابن كثير والبصريين وأبي جعفر بالكسر لما تقدم من أن مثل هذه السهولة لا ~~تكاد تصدق , فقالوا عطفا على < # > 77 ( { إنا سمعنا } ) 77 < # > [ الجن : 1 ] : { وأنه } أي الشأن العظيم قال الجن : { تعالى } أي ~~انتهى في العلو والارتفاع إلى حد لا يستطاع { جد } أي عظمة وسلطان وكمال ~~غنى { ربنا } أي الموجد لنا والمحسن إلينا , وإذا كان هذا التعالي لجده فما ~~بالك به , وكذا حكت هذه القراءة بقوله الجن ما بعد هذا إلا < # > 77 ( { وأن لو استقاموا } ) 77 < # > [ الجن : 16 ] و < # > 77 ( { أن المساجد لله } ) 77 < # > [ الجن : 18 ] و < # > 77 ( { أنه لما قام } ) 77 < # > PageV08P183 [ الجن : 19 ] فإنه مفتوح فيها عطفا على الموحى به فهو في ~~محل رفع إلا عند أبي جعفر فإنه فتح ^ ( { وأنه تعالى } ) ^ [ الجن : 3 ] و ~~^ ( { أنه كان يقول } ) ^ [ الجن : 4 ] ^ ( { وأنه كان رجال } ) ^ [ الجن : ~~6 ] ووافقهم نافع وأبو بكر عن عاصم في غير ^ ( { وأنه لما قام } ) ^ [ الجن ~~: 19 ] فإنهما كسراها وفتح الباقون وهم ابن عامر وحمزة والكسائر وحفص عن ms5608 ~~عاصم الكل إلا ما صدر بالفاء على أنه معطوف على محل الجار في ( به ) أي ~~صدقناه وصدقنا أنه - لا على لفظه وإلا لزم إعادة الجار عند نحاة البصرة , ~~وقيل : عطف على لفظ الضمير في ( به ) على المذهب الكوفي الذي نصره أبو حيان ~~وغير واحد من أهل اللسان . | ولما وصفوه بهذا التعالي الأعظم المستلزم ~~للغنى المطلق والتنزه عن كل شائبة نقص , بينوه بنفي ما ينافيه بقولهم ~~إبطالا للباطل : { ما اتخذ } عبر بصيغة الافتعال بيانا لموضع النقص لا ~~تقيدا { صاحبة } أي زوجة { ولا ولدا * } لأن العادة جارية بأنه لا يكون ذلك ~~إلا بمعالجة وتسبيب , ومثل ذلك لا يكون إلا لمحتاج لا يصح أصلا أن يكون ~~إلها وإن كان بغير تسبيب ومهلة , فهو عبث لأن مطلق الاختراع مغن عنه , فلم ~~يبق إلا العبث الذي ينزه الإله عنه والصاحبة لا بد وأن تكون من نوع صاحبها ~~, ومن له نوع فهو مركب تركيبا عقليا من صفة مشتركة وصفة مميزة , والولد لا ~~بد وأن يكون جزءا منفصالا عن والده , ومن له أجزاء فهو مركب تركيبا حسيا , ~~ومن المقطوع به أن ذلك لا يكون إلا لمحتاج , وأن الله تعالى متعال عن ذلك ~~من تركيب حسي أو عقلي . | ولما تبين لهم ما هو عليه سبحانه من النزاهة عن ~~كل شائبة نقص , وصفوا من قال بضده صيانة لدينهم وعرضهم بالترفع عن الخسائس ~~والرذائل بعدم التمادي في الباطل مقتا للخلق في ذات الخلق مؤكدين لما ~~للسامع في الغالب من تصديق ما يسمع والمحاجة عنه فقالوا : { وأنه } أي ~~وقالوا إلى الشأن - هذا على قراءة الكسر , وآمنا به - على قراءة الفتح { ~~كان يقول } أي قولا هو في عراقته في الكذب بمنزلة الجبلة والطبع { سفيهنا } ~~وهو الجنس فيتناول إبليس رأس الجنس تناولا أوليا , وكل من تبعه ممن لم يعرف ~~الله لأن ثمرة العلم معرفة الله , فمن لم يعرفه فهو الذي يلازم الطيش والغي ~~لأنه لا علم عنده أصلا يحمله على الرزانة , كاذبا متقولا { على الله } أي ~~الذي له صفات الكمال المنافية لقول هذا ms5609 السفيه في الولد { شططا * } أي قولا ~~هو في بعده عن الصواب نفس البعد ومجاوزة الحد . | < < # | الجن : ( 5 - 9 ) وأنا ظننا أن . . . . . # > > ^ ( وأنا ظننآ أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا * وأنه كان رجال ~~من الإنس يعوذون برجال من PageV08P184 الجن فزادوهم رهقا * وأنهم ظنوا كما ~~ظننتم أن لن يبعث الله أحدا * وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت حرسا شديدا ~~وشهبا * وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ~~) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما ذكروا ما هدوا إليه من الحق في الله وفيمن كان يحملهم على ~~الباطل , ذكروا عذرهم في اتباعهم للسفيه وفي وقوعهم في مواشع التهم , ~~فقالوا مؤكدين لأن ما كانوا عليه من الكفر جدير بأن يظن أنه لا يخفى على ~~أحد لشدة وضوح بطلانه : { وأنا } أي معشر المسلمين من الجن { ظننا } أي بما ~~لنا من سلامة الفطر المقتضية لتحسين الظن بشهادة حديث أبي هريرة رضي الله ~~تعالى عنه عند أحمد ( المؤمن غر كريم والفاجر خب لئيم ) { أن } أي أنه , ~~وزادوا في التأكيد لما مضى فقالوا : { لن تقول } وبدأوا بأفضل الجنسين ~~فقالوا : { الإنس } وأتبعوهم قرنائهم فقالوا : { والجن } أي متخرصين { على ~~الله } أي الملك الأعلى الذي بيده النفع والضر { كذبا * } أي قولا هو ~~لعراقته في مخالفة الواقع نفس الكذب , وهو في قراءة أبي جعفر بفتح القاف ~~والواو المشددة المفتوحة مصدر من غير اللفظ , وإنما ظننا ذلك لما طبع عليه ~~المطبوع على الشهوات من تصديق الأشكال لا سيما إذا كان قولهم جازما وعظيما ~~لا يقال مثله إلا بعد تثبت لا سيما إذا كان على ملك الملوك لا سيما إذا كان ~~القائل كثيرا لا سيما إذا تأيدوا بجنس آخر , فصاروا لا يحصون كثرة , ولا ~~تطيق العقول مخالفة جمع بهذه الصفة إلا بتأييد إلهي بقاطع نقلي , والآية ~~على قراءة أبي جعفر من الاحتباك : فعل التقول أولا دليل على فعل الكذب ~~ثانيا , ومصدر الكذب ثانيا دليل على مصدر التقول أولا , وسره أن التقول دال ~~على التعمد فهو أفحش معنى والكذب أفحش لفظا , وهذا ms5610 مرشد إلى أنه لا ينبغي ~~التقليد في شيء لأن الثقة بكل أحد عجز , وإنما ينكشف ذلك بالتجربة , ~~والتقليد قد يجر إلى الكفر المهلك هلاكا أبديا , وإليه أرشد النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما أخرجه الشيخان عن النعمان ابن بشير رضي الله عنه بأن ( من ~~اتقى الشبهات استبرأ لديه وعرضه ) وفي ذلك غاية الحث على أن الإنسان لا ~~يقدم ولا يحجم في أصول الدين إلا بقاطع . | PageV08P185 ولما علم من قولهم ~~أن مستند الضلال ظنون وشبه متى حكت على محك النظر بان فسادها , وأظهر زيفها ~~نقادها , أتبعه شبهة أخرى زادت الفريقين ضلالا بعضهم ببعض للتقيد ~~بالمحسوسات , والوقوف مع الخيلات الموهومات , فقال حاكيا عنهم تنبيها على ~~عدم الاغترار بالمدح والإطراء الموجبين للغلط في النفس وعلى أنه يجب التثبت ~~حتى لا يقع الغلط في الأسباب المسخرة فيظن أنها مؤثرة فيتجاوز بها الحد عن ~~رتبة الممكنات إلى رتبة الواجب , مؤكدين لأنه لا يكاد يصدق أن الجن يخاطبهم ~~الإنس فيكارمونهم : { وإنه } أي الشأن { كان رجال } أي ذوو قوة وبأس { من ~~الإنس } أي النوع الظاهر في عالم الجنس { يعوذون } أي يلجؤون ويعتصمون - ~~خوفا على أنفسهم وما معهم - إذا نزلوا واديا { برجال من الجن } أي القبيل ~~المستتر عن الأبصار فإنه كان القوم منهم إذا نزلوا واديا أو غيره من القفر ~~تعبث بهم الجن في بعض الأحيان لأنه لا مانع لهم منهم من ذكر الله تعالى ولا ~~دين صحيح , ولا كتاب من الله صريح , فحملهم ذلك على أن يستجيروا بعظمائهم ~~فكان الرجل يقول عند خوفه : إني أعوذ بعظيم هذا الوادي من شر سفهاء قومه أو ~~نحو هذا فلا يرى إلا خيرا , وربما هدوه إلى الطريق وردوا عليه ضالته , فكان ~~ذلك فتنة للإنس باعتقادهم في الجن غير ما هم عليه , فتبعوهم في الضلال , ~~وفتنة الجن بأن يغتروا بأنفسهم ويقولوا سدنا : الجن والإنس , فيضلوا ويضلوا ~~, ولذلك سبب عنه قوله : { فزادوهم } أي الإنس الجن باستعاذتهم هذه المرتب ~~عليها إعاذتهم , والجن الإنس بترئيس الإنس لهم وخوفهم منهم { رهقا * } أي ~~ضيفا وشدة وغشيانا لما ms5611 هم فيه من أحوال الضلال التي يلزم منهم الضيق والشدة ~~, وأصل وشدة وغشيانا لما هم فيه من أحوال الضلال التي يلزم منها لاضيق ~~والشدة , وأصل الرهق غشيان بقوة وشدة وقهر , وقال البغوي : والرهق في كلام ~~العرب الإثم وغشيان المحارم . | كما يتفق لمن يسلك من أهل التصوف على غير ~~أصل فيرى في أثناء السير أنوارا وأشياء تعجبه شيطانية فيظنها رحمانية , ~~فيقف عندها ويأنس بها لفساد في أصل جبلته نشأ عنه سوء مقصده , فربما كان ~~ذلك سببا لكفره فيزداد هو وأمثاله من الإنس ضلالا ويزداد من أضله من الجن ~~ضلالا وإضلالا وعتوا , ويزداد الفريقان بعدا عن اللجأ إلى الله وحده , ولقد ~~إغنانا الله سبحانه وتعالى بالقرآن والذكر المأخوذ عن خير خلقه بشرطه في ~~أوقاته عن كل شيء كما أخبر صلى الله عليه وسلم أن من قال عند إتيانه الخلاء ~~( بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث ) ستر عن الجن , وأن من ~~قال إذا أتى امرأته ( اللهم PageV08P186 جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما ~~رزقتني ) فأتاه ولد لم يقدر الشيطان أن يضره , ومن أذن أمن تغول الغيلان , ~~وروى الترمذي وأحمد - قال المنذري : ورواته رواة الصحيح - عن شداد بن أوس ~~رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ما من مسلم يأخذ مضجعة ~~فيقرأ سورة من كتاب الله تعالى إلا وكل الله تعالى به ملكا فلا يقربه شيء ~~يؤذيه حتى يهب متى هب ) وللطبراني في الكبير - قال المنذري : ورواته رواة ~~الصحيح إلا المسيب بن واضح , قال الهيثمي : وهو ضعيف وقد وثق - عن عبد الله ~~بن بسر رضي الله عنه قال : ( خرجت من حمص فآواني الليل إلى البقيعة بحضرني ~~من أهل الأرض فقرأت هذه الآية من الأعراف < # > 77 ( { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش } ) 77 < # > [ الأعراف : 54 ] إلى آخر الآية , فقال بعضهم لبعض : احرسوه الآن حتى ~~يصبح , فلما أصبحت ركبت دابتي ) والأحاديث في هذا كثيرة في آية الكرسي ~~وغيرها , وكذا حكايات من اعترضه بعض الجن ms5612 فلما قرأ ذهب عنه . | ولما كان ~~التقدير : فضل كل من الفريقين بالآخر ضلالا بعيدا حتى أبعدوا عن الشرائع ~~النبوية , واعتقدوا ما لا يجوز اعتقاده من التعطيل واعتقاد الطبيعة , فلا ~~يزال الأمر هكذا أرحام تدفع وأرض تبلع ولا رسول يهديهم ولا بعث للأرض على ~~بارئهم , عطف عليه قولهم مؤكدين في قراءة الكسر إشارة إلى ظهور دلائل البعث ~~, وأنه لا يكاد يصدق أن أحدا يكذب به منبها على أن الأهواء والأغاليط قد ~~يتطابق عليها الجم الغفير , حثا للمهتدي على أن لا يستوحش في طريق الهدى ~~لقلة السالكين , ولا يغر بطرق الردى لكثرة الهالكين : { وأنهم } أي الإنس ~~إن كانوا يخاطبون الجن , والجن إن كانوا يخاطبون الإنس { ظنوا } أي الجن أو ~~الإنس ظنا ليسوا فيه على ثلج والظن قد يصيب , وقد يخطىء وهو أكثر { كما ~~ظننتم } أي أيها الجن أو الإنس , والمعنى في قراءة الفتح : وأوحى إلي أن ~~الإنس أن الجن ظنوا , وسدوا عن مفعولي ( ظن ) بقوله : { أن } أي أن الشأن ~~العظيم { لن } أكد للدلالة على شدة إنكارهم لذلك { يبعث } وأشاروا إلى خطأ ~~هذا الظن بالتعبير بالجلالة فقالوا : { الله } أي الذي له الإحاطة الكاملة ~~علما وقدرة PageV08P187 { أحدا * } أي بعد موته لما لبس به عليهم إبليس حتى ~~رأوا حسنا ما ليس بالحسن , أو أحد من الرسل يزيل به عماية الجهل وما عليه ~~الإنس من استغواء الجن لهم وغير ذلك من الضلال , وقد ظهر بالقرآن أن هذا ~~الظن كاذب وأنه لا بد من البعث في الأمرين لأنه حكمة الملك وخاصة الملك . | ~~ولما كان عدم البعث من خلل في القدرة , شرعوا في إثبات تمام القدرة على وجه ~~دال على صحة القرآن وحراسته من الجان , لئلا يظن أنه من نحو ما للكهان , ~~فقالوا مؤكدين في قراءة الكسر لاستبعاد الوصول إلى السماء حثا على طلب ~~المهمات وإن بعد مكانها : { وإنا } ولما كان يعبر عن الإمعان في التفتيش ~~بالالتماس , وكان تجريد الفعل أعظم من ذل للدلالة على الخفة وعدم الكلفة ~~قال : { لمسنا السماء } أي الدنيا التمسنا أخبارها على ما كان ms5613 من عادتنا ~~لاستماع ما يغوى به الإنسان التماسا هو كالحس باللمس باليد { فوجدناها } من ~~جميع نواحيها وهو من الوجدان { ملئت } أي ملأ هو في غاية السهولة والخفة ~~على فاعله { حرسا } أي حراسا اسم جمع , فهو مفرد اللفظ , ولذلك وصف بقوله : ~~{ شديدا } أي بالملائكة { وشهبا * } جمع سهاب وهو المتوقد من النار , فعلت ~~هممهم حتى طلبوا المهمات الدين المحققة من مسيرة ساعة أو دونها , وأن يقعد ~~في مجلس العلم ساعة أو دونها , والتعبير بالملء يدل على أنها كانت قبل ذلك ~~تحرس لكن لا على هذا الوجه فقيل : إنها حرست لنزول التوراة ثم اشتد الحرس ~~للانجيل ثم ملئت لنزول القرآن فمنعوا من الاستماع أصلا إلا ما يصدق القرآن ~~إرهاصا للنبوة العظمى الخاتمة لئلا يحصل بهم نوع لبس . | ولما أخبروا عن ~~حالهم إذ ذاك لأنه الأهم عندهم , أخبروا عن حالها قبل , فقالوا مؤكدين لما ~~للإنس من التكذيب بوصول أحد إلى السماء : { وإنا كنا } أي فيما مضى { نقعد ~~منها } أي السماء { مقاعد } أي كثيرة قد علمناها لا حرس فيها فهي صالحة { ~~للسمع } أي لأن نسمع منها بعض ما تتكلم به الملائكة بما أمروا بتدبيره , ~~وقد جاء في الخبر أن صفة قعودهم هي أن يكون الواحد منهم فوق الآخر حتى ~~يصلوا إلى السماء , قال أبو حيان : فمتى احترق الأعلى كان الذي تحته مكانه ~~فكانوا يسترقون الكلمة فيلقونها إلى الكهان فيزيدون معها الكذب . | ولما ~~كان التقدير : فنستمع منها فنسمع ما يقدر لنا من غير مانع , عطف عليه قوله ~~: { فمن يستمع } أي يجتهد في الوصول إلى السمع { الآن } أي في هذا الوقت ~~فيما يستقبل أنهم قسموا الزمان إلى ما كان من إطلاق الاستماع لهم وإلى ما ~~صار إليه PageV08P188 الحال من الحراسة , وأطلقوا ( الآن ) على الثاني كله ~~, لأنهم أرادوا وقت قولهم فقط أو أراوه لأنهم يعلمون ما بعده فيجوزون أن ~~يكون الحال فيه على غير ذلك { يجد له } أي لأجله { شهبا } أي شعلة من نار ~~ساطعة محرقة . | ولما كان الشهاب في معنى الجمع لأن المراد أن كل موضع منها ms5614 ~~كذلك , وصفه باسم الجمع فقال : { رصدا * } أي يرصده الرامون به من غير غفلة ~~, ويجوز أن يكون مصدرا على المبالغة كرجل عدل , والرصد الترقب لأنه لما كان ~~لا تأخر عن رميه عند الدنو من السماء كان كأنه هو الراصد له , المراقب ~~لأمره , الملاحظ الذي لا فتور عنده ولا غفلة بوجه بل هو الرصد وهو المعنى ~~بنفسه , فمتى تسنم للاستماع رمي به فيمنعه من الاستماع وإن أدركه أحرقه , ~~وأما السمع فقد امتنع لقوله تعالى ^ ( { وإنهم عن السمع لمعزولون } ) ^ [ ~~الشعراء : 212 ] . | < < # | الجن : ( 10 - 13 ) وأنا لا ندري . . . . . # > > ^ ( وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا * ~~وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرآئق قددا * وأنا ظننآ أن لن نعجز ~~الله في الأرض ولن نعجزه هربا * وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن ~~بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ) ^ } ) | ولما أخبروا عن إيمانهم أنه كان عقب ~~سماعهم من غير توقف , ثم ذكروا منعهم من الاستراق , ذكروا أنه اشتبهعليهم ~~المنع فلم يعملوا سره دلالة على أن جهل بعض المسائل الفرعية لا يقدح , ~~وندبا إلى رفع الهمة عن الخوض في شيء بغير علم , وحثا على التفويض إلى علام ~~الغيوب , فبينوا الذي حملهم على ضرب مشارق الأرض ومغاربها حتى وجدوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن : فقالوا مؤكدين لأن العرب كانوا ينسبوهم ~~إلى علم المغيبات وحل المشكلات : { وإنا لا ندري } أي بوجه من الوجوه وإن ~~دافعنا واجتهدنا { أشر } ولما كان المحذور نفس الإرادة الماضية لا كونها من ~~معروف مع أن الفاعل معروف , وهو الفاعل المختار الذي له الإرادة الماضية ~~النافذة , بنوا للمفعول قولهم : { أريد } معلمين للأدب في أن الشر يتحاشى ~~من إسناده إليه سبحانه حيث لا إشكال في معرفة أنه لا يكون شيء إلا به { أم ~~أراد بهم ربهم } أي المحسن إليهم المدبر لهم , بنوه للفاعل في جانب الخير ~~إعلاما مع تعليم الأدب بأن رحمته سبقت غضبه , وإشارة إلى أنه قد يكون أراد ~~بهذا المنع الخير { رشدا * } أي سدادا فينشأ ms5615 عنه الخير , فالآية من الحتباك ~~: ذكر الشر أولا دليلا على الخير ثانيا , والرشد ثانيا دليلا على الغنى ~~أولا . | ولما أخبر سبحانه بسهولة إيمانهم , فكان ربما ظن أن ذلك ما كان ~~إلا لأن شأنهم PageV08P189 اللين , أتبعه ما يعلم أن ذلك خارقة لأجله صلى ~~الله عليه وسلم كانت , ولإعظامه وإكرامه وجدت , فقال حكاية عنهم مؤكدين لأن ~~الكلام السابق ظاهر في سلامة طباع الكل : { وإنا منا } أي أيها الجن { ~~الصالحون } أي العريقون في صفة الصلاح التي هي مهيئة لقبول كل خير . | ولما ~~كان غير الصالح قد يكون فاسدا بأن يكون مباشرا للفساد قاصدا له وقد يكون ~~غير مباشر له , قالوا متفطنين لمراتب العلوم والأعمال المقربة والمبعدة : { ~~ومنا } وبنى الظرف المبتدأ به لإضافته إلى مبني فقيل : { دون } أي قوم في ~~أدنى رتبة من { ذلك } أي هذا الوصف الشريف العالي . | ولما كان من دون ~~الصالح ذا أنواع كثيرة بحسب قابليته للفساد أو الصلاح وتهيؤه له أو بعده ~~عنه , حسن بيان ذلك بقولهم : { كنا } أو كونا هو كالجبلة { طرائق } أي ذوي ~~طرق أي مذاهب ووجوه كثيرة , وأطلقوا الطرق على أصحابها إشارة إلى شدة ~~تلبسهم بها . | ولما كان الانفصال قد يكون بأدنى شيء , بين أنه على أعلى ~~الوجوه فأطلق عليهم نفس المنقطع ووصفهم به فقال : { قددا * } أي فرقا ~~متفرقة أهواؤها , جمع قدرة وهي الفرقة من الناس هواها على غير هواهم , من ~~القد وهو القطع الموجب للتفرق العظيم مثل السيور التي تقطع من الجلد وقد ~~منه بحيث تصير كل فرقة على حدتها , قال الحسن والسدي : كافرين ومسلمين ~~ورافضة ومعتزلة ومرجئة وغير ذلك مثل فرق الإنس . | ولما دلوا على قهرهم عما ~~كانوا يقدرون عليه من أمر السماء بما ذكروا , وعلى قهر مفسديهم بهذا القرآن ~~عن كثير مما كانوا يفعلونه بأهل الأرض , فقهروا بهذا القرآن العظيم الشأن ~~في الحقيقة عن الخافقين فمنعنا منهم وحفظا به , ودلوا على أنهمم موضع القهر ~~بالتفرق , كان ذلك موجبا للعلم بشمول قدرته تعالى حتى لا يدركه طالب , ولا ~~ينجو منه هارب , لما بدى لهم من ms5616 شؤون عظمته وقهره في الحراسة وغيرها , فذكر ~~سبحانه ما أثر ذلك عندهم من الاعتراف والإذعان للواحد القهار , فقال حاكيا ~~عنهم ذلك ندبا إلى الاقتداء بهم في معرفة النفس بالعز والذل والضعف بالتفرق ~~والانقسام , ومعرفة الرب سبحانه بالقدرة الكاملة والسلطان والعظمة بالتفرد ~~التام الذي لا يقبل المماثلة ولا القسمة : { وإنا } أكدوا لظن الإنس في ~~قوتهم غير ما هو لها { ظننا } أطلقوا الظن على العلم إشارة إلى أن العاقل ~~ينبغي له ما يخيله ضارا ولو بأدنى أنواع الحيل فكيف إذا تيقن { أن } أي أن ~~الشأن العظيم , وزادوا في التأكيد لما تقدم فقالوا : { لن نعجز الله } أي ~~أن نقاومه إن أراد بنا سواءا لما له من الإحاطة بكل شيء علما وقدرة لأنه ~~واحد لا مثل له , ودلوا على وجه الضعف بقولهم : { في الأرض } أي كائنين ~~فيها PageV08P190 مقيمين وهي جهة السفل الملزومة للقهر , وذلك أقصى جهدنا ~~فأين نحن من سعة ملكه الذي هو في قبضته { ولن نعجزه } أي بوجه من الوجوه { ~~ولن نعجزه } أي بوجه من الوجوه { هربا * } أي ذوي هرب أو من جهة الهرب , أي ~~هربنا من الأرض إلى غيرها فإن السماء منعت منا وليس لنا مضطرب إلا في قبضته ~~, فأين أم إلى أين المهرب , وقد منعوا بذلك وجهي النجاة باللقاء والنصر ~~والهرب عند القهر . | ولما كان الظان قد يبادر على العمل بموجب وقد لا , ~~بينوا أن مرادهم به العلم , وأنهم بادروا إلى العمل بما دعا إليه , فقالوا ~~مؤكدين لما للجن من الإباء والعسر : { وإنا لما سمعنا } أي من النبي صلى ~~الله عليه وسلم { الهدى } أي القرآن الذي له من العراقة التامة في صفة ~~البيان والدعاء إلى الخير ما سوغ أن يطلق عليه نفس الهدى : { آمنا به } أي ~~من غير وقفة أصلا عملا بما له من هذا الوصف العظيم . | ولما كان التقدير : ~~فآمنا بسبب إيماننا الذي قادنا إليه حفظ السماء من الإيقاع به لتمام قدرته ~~علينا الذي هدانا إليه منعنا من الاستماع بالحراسة , سببوا عن ذلك قولهم ~~معترفين بالعجز عن مقاومة التهديد من ms5617 الملك طالبين التحصن بتحصينه ~~والاعتصام بحبله : { فمن يؤمن } أي يوجد حقيقة الإيمان ويستمر على تجديدها ~~كل لحظة . | ولما فهموا أن دعاءه إليه وبيانه للطريق مع قدرته التامة إنما ~~هو من عموم لطفه ورحمته , ذكروا وصف الإحسان لزيادة الترغيب فقالوا : { ~~بربه } أي المحسن إليه منا ومن غيرنا . | ولما كان المؤمن هو المختص من بين ~~الخلق بالنجاة , أدخل الفاء على الجواب ورفعه على تقدير مبتدأ دلالة على ~~ذلك وعلى أن نجاتهم ما لا بد منه فقال : { فلا } أي فهو خاصة لا { يخاف } ~~أصلا { بخسا } أي نقصا وقلة وخبثا ونكدا في الثواب والإكرام بوجه من الوجوه ~~{ ولا رهقا * } أي مكروها يلحقه فيقهره لأنه لم يفعل مع أحد شيئا من ذلك ~~ليجازى عليه , فهذا حث للمؤمن على اجتناب ذلك لئلا يجازى به , وقد ~~هدىالسياق إلى تقدير : ومن يشرك به فلا , يأمن محقا ولا صعقا . | < < # | الجن : ( 14 - 18 ) وأنا منا المسلمون . . . . . # > > ^ ( وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا * ~~وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا * وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ~~مآء غدقا * لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا * وأن ~~المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) ^ } ) | ولما كان هذا ظاهرا في أنهم ~~أسلموا كلهم , قالوا نافين لهذا الظاهر مؤكدين لأن إسلامهم مع شديد نفرتهم ~~لا يكاد يصدق : { وأنا منا } أي أيها الجن { المسلمون } أي المخلصون في صفة ~~الإسلام للهادي فأسلموه قيادهم فهم عريقون في ذلك مقسطون PageV08P191 ~~مستقيمون , فلا يفارقون الدليل فهم على الصراط السوي العدل الرضي , ومنا ~~الجافون الكافرون { ومنا القاسطون } وهم الجائرون عن المنهج الأقوم ~~الساقطون في المهامه المجاهل التي ليس بها معلم , فهم بربهم كافرون , ومنا ~~المقسطون , يقال : قسط - إذا جار جورا , أسقطه عن رتبة الإنسان إلى رتبة ~~أدنى الحيوان , وأقسط - إذا أزال الجور فعدل , فالآية من الاحتباك : ( ~~المسلمون ) يدل على الكافرين , و ( القاسطون ) يدل على المقسطين . | ولما ~~كانوا قد علموا مما سمعوا من القرآن أنه لا بد من البعث للجزاء , سببوا عن ~~هذه القسمة قولهم : { فمن أسلم ms5618 } أي أوقع الإسلام كله بأن أسلم ظاهره ~~وباطنه للدليل من الجن ومن غيرهم . | ولما كان في مقام الترغيب في الحق , ~~ربط بفعلهم ذلك تسبيبا عنه قوله مدحا لهم : { فأولئك } أي العالو الرتبة { ~~تحروا } أي توخوا وقصدوا مجتهدين { رشدا * } أي صوابا عظيما وسدادا , كان - ~~لما عندهم من النقائص - شاردا عنهم فعالجوا أنفسهم حتى ملكوه فجعلوه لهم ~~منزلا , من قوله : الحرا - بالقصر : أفحوص القطاة يأوي إليه الظبي , ~~والناحية والموضع , ومان أحراه بكذا : ما أوجبه له , وبالحرا أن يكون كذا ~~أي خليق كونه , وفلان حري بكذا أي خليق , وقد يجيء بالحر - من غير ياء , ~~يراد به بالجهد , وتحريت الشيء : قصدت ناحية , فكان لهم ذلك إلى الجنة سببا ~~, ومن قسط فأولئك ضنوا فنالوا غيا وشططا . | ولما عرفوا بالأمن الاعتصام ~~بطاعة الله , نبهوا على خطر التعرض لبطشه فقالوا : { وأما القاسطون } أي ~~العريقون في صف الجور عن الصواب من الجن وغيرهم فأولئك أهملوا أنفسهم فلم ~~يتحروا لها فضلوا فأبعدوا عن المنهج فوقعوا في المهالك التي لا منجى منها : ~~{ فكانوا } بجبلاتهم { لجهنم } أي النار البعيدة القعر التي تلقاهم بالتجهم ~~والكراهة والعبوسة { حطبا * } تقود بهم النار فهي في اتقاد ما داموا أحياء ~~, وهم أحياء ما دامت تتقد لا يموتون فيستريحون ولا يحيون فينتعشون , فالآية ~~من الاحتباك , وهو منطوف لما أوجبه من السياق لا مفهوم : ذكر التحري أولا ~~دليلا على تركه ثانيا وذكر جهنم ثانيا دليلا على حذف الجنة أولا , وسر ذلك ~~أنهم في مقام الترهيب فذكروا ما يحذر , وطووا ما يجب العلم به لأن الله ~~تعالى لا يضيع لأحد أجرا بل لا يقتصر على ما يقابل الحسنة في العرف بل لا ~~بد أن يزيد عليها تسعة أضعافها وعنده المزيد ولا حول ولا قوة لنا إلا به ~~سبحانه وتعالى . | ولما رغب ورهب سبحانه على ألسنة الجن بما هداهم له ونور ~~قلوبهم به , وكانت PageV08P192 الآية السالفة آخر ما حكى عنهم , كان ~~التقدير : أوحي إلي أن القاسطين من قومي وغيرهم لو آمنوا فعل بهم من الخير ~~ما فعل بمؤمني الجني حين ms5619 آمنوا , فأغناهم الله في الدنيا بحلاله عن حرامه ~~من غير كلفة فكسا لهم كل عظم لقوه لحما أوفر ما كان , وأعاد لهم كل روث ~~رأوه أحسن ما كان ببركة هذا النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم { ~~وأن } أي وأوحي إلي أن الشأن العظيم { لو استقاموا } أي طلب القاسطون من ~~الخلق كلهم الجن والإنس القوم وأوجدوه , كائنين { على الطريقة } أي التي لا ~~طريقة غيرها وهي التي فهمها الجن من القرآن من الإسلام والإقساط المؤدية ~~إلى الفلاح في الدارين . | ولما كان الماء أصل كل خير كما قال تعالى في قصة ~~نوح عليه الصلاة والسلام < # > 77 ( { يرسل السماء عليكم مدرارا } ) 77 < # > [ نوح : 11 ] وكان منه كل شيء حي وكان عزيزا عند العرب , قال معظما له ~~بالالتفات إلى مظهر العظمة : { لأسقيناهم } أي جعلنا لهم بما عندنا من ~~العظمة { ماء غدقا * } أي كثيرا عظيما عظيم النفع نكثر به الرزق ونزين به ~~الأرض ونرغد به العيش . | ولما كانت نعمه فضلا منه وليس مستحقة عليه بعبادة ~~ولا غيرها , قال تعالى معرفا غايتها استحقاق الثواب أو العقاب على ما كتبه ~~على نفسه سبحانه ولا يبدل القول لديه وأن جميع ما يعامل به عباده سبحانه ~~وتعالى من نفع وضر إنما هو فتنة لهم يستخرج ما جبلوا عليه من حسن أو قبيح : ~~{ لنفتنهم } أي نعاملهم معاملة المختبر بما لنا من العظمة { فيه } أي في ~~ذلك الماء الذي تكون عنه أنواع النعم لينكشف حال الشاكر والكافر , قال ~~الرازي : وهذا بعد ما حبس عنهم المطر سنين - انتهى . | وقال غيره : قال عمر ~~رضي الله تعالى عنه : أينما كان الماء كان المال , وأينما كان المال كانت ~~الفتنة . | وقال الحسن وغيره : كانوا سامعين مطيعين ففتحت عليهم كنوز كسرى ~~وقيصر ففتنوا بها فوثبوا بإمامهم فقتلوه - يعني عثمان رضي الله تعالى عنه ~~ويجوز أن يكون مستعارا للعلم وأنواع المارف الناشئة عن العبادات التي هي ~~للفنوس كالنفوس للأبدان وتكون الفتنة بمعنى التخليص من الهموم الرذائل في ~~الدنيا ولنقم في لآخرة , من فتنت الذهب - إذا خلصته من غشه ms5620 . | ولما كان ~~التقدير : فمن يقبل على ذكر ربه ننعمه في دار السلام أبدا , عطف عليه قوله ~~: { ومن يعرض } أي إعراضا مستمرا إلى الموت { عن ذكر ربه } أي مجاوزا عن ~~عبادة المحسن إليه المربي له الذي لا إحسان عنده من غيره { نسلكه } أي ~~ندخله { عذابا } يكون مطرفا له كالخيط يكون في ثقب الخرزة في غاية الضيق { ~~صعدا * } أي PageV08P193 شاقا شديدا يعلوه ويغلبه ويصعد عليه , ويكون كل ~~يوم أعلى مما قبله جزاء وفاقا , فإن الأعراض كلما تمادى زمانه كان أقوى مما ~~كان . | ولما كان التقدير : لأنه أوحى إلي أن الأمر على ما تتعارفونه بينكم ~~من أن من خدم غيره سيده عذابه أبدا , عطف عليه قوله مبينا لسيرة الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام وما يجب لهم من الكمال الذي يكون بقوتي العلم والعمل ~~, والتكميل الذي يكون بهما مع قوة البيان , ومن لم يكن كاملا لم يتصور منه ~~تكميل ليكون له قلب كما أن من لم يكن بالغاص لم يتحقق منه ولد صلب , ومبينا ~~لما يجوز عليهم وما يستحيل منهم وما لله تعالى من العناية بشأنهم : { وأن } ~~أي وأوحى إلي أن { المساجد } أي مواضع السجود من العالم الآفاقي من الأرض ~~ومن العالم النفسي من الجسد - كما قاله سعي بن جبير وطلق بن حبيب { لله } ~~أي مختصة بالملك الأعظم { فلا تدعوا } أي بسبب ذلك أيها المخلوقون على وجه ~~العادة { مع الله } أي الذي له جميع العظمة { أحدا * } لأن من تعبد لغير ~~سيده في ملك سيده الذي هو العالم الآفاقي وبآلة سيده الذي هو العالم النفسي ~~كان أشد الناس لوما وعقوبة فكيف يليق بكم أن يخلق لكم وجعها ويدين ورجلين ~~وأرضا تنتفعون بها وسماء تتم فنعها فتسجدون بالأعضاء التي أوجدها لكم في ~~الأرض التي أمكنكم من الانتفاع بها تحت السماء التي أتم منافعها بها لغيره ~~فتكونون قد صرفتم نعمة السيد التي يجب شكره عليها لغيره أيفعل هذا عاقل ؟ ~~قال البغوي : فإن جعلت المساجد مواضع الصلاة فواحدها بكسر الجيم , وإن ~~جعلتها الأعضاء فواحدها فتح الجيم . | < < # | الجن : ( 19 - 22 ms5621 ) وأنه لما قام . . . . . # > > ^ ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا * قل إنمآ ~~أدعو ربي ولا أشرك به أحدا * قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا * قل إني لن ~~يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ) ^ } ) | ولما كان من يدعو ~~سيده وينقطع إليه عاملا للواجب عليه اللائق بأمثاله لا ينكر عليه ولا يعجب ~~منه , إنما يعجب ممن دعا غير سيده أو مال إليه أدنى ميل فيسأل عن سببه , ~~قال معجبا من القاسطين من الجن والإنس : { وأنه } أي أوحي إلي أو قال الجن ~~لمن أطاعهم من قومهم حاكين ما رأوا من صلاته صلى الله عليه وسلم وازدحام ~~أصحابه عليه متعجبين من ذلك أن الشأن أو القصة العظيمة العجيبة { لما } قمت ~~كادوا يكونون علي - هكذا كان الأصل ولكنه عبر بالعبد كما تقدم من أن من دعا ~~سيده ولو كان ذلك السيد أحقر الموجودات لا يفعل به ذلك , فكيف إذا كان سيده ~~مالك الملك وملك الملوك { قام عبد الله } أي عبد الملك الأعلى الذي له ~~الجلال كله الجمال فلا موجود يدانيه بل كل موجود من فائض فضله { يدعوه } أي ~~يدعو سيده دعاء عبادة من حيث كونه عبدوه ومن حيث كون سيده يسمع من دعاه ~~ويجيبه . | PageV08P194 ولما كان القاسطون أكثر الناس بل الناس كلهم في ذلك ~~الزمان جنا وإنسا , قال مبينا لأنه يجوز على الأنبياء أن يؤذوا وينتقصوا ~~رفعا لدرجاتهم وتسلية لوراثهم وإن كانت رتبتهم تأبى ذلك , { كادوا } أي قرب ~~القاسطون من الفريقين الجن والإنس { يكونون عليه } أي على عبد الله { لبدا ~~* } أي متراكمين بعضهم على بعض من شدة ازدحامهم لا يعجب منه , وإنما العجب ~~ما فعلوا هم من عبادتهم لغيره سبحانه وتعالى ومن تعجبهم من عبادة عبده له ~~وغخلاصه في دعائه , وهو جمع لبد - بكسر اللام , وقرىء بضم اللام جمع لبدة ~~بضمها , وهي ما تلبد بعضه على بعض . | ولما استشرفت - على قراءة الكسر - ~~نفس السامع إلى قوله صلى الله عليه وسلم لمن تراكموا عليه من ذلك , استأنف ~~الجواب ms5622 بقوله مبينا لما يستحيل على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من دعاء ~~غير الله ومن ترك الدعاء إليه من مخالفة شيء من أمره قال , أو لماتاقت نفسه ~~صلى الله عليه وسلم على قراءة الفتح إلى ما يدفع به ما رأى منهم , قال ~~تعالى مرشدا له إلى ذلك : { قل } أي لمن ازدحم عليك عادا لهم عداد الجاهلين ~~بما تصنع لأنهم عملوا عمل الجاهل : { إنما أدعو } أي دعاء العبادة { ربي } ~~أي الذي أوجدني ورباني ولا نعمة عندي إلا منه وحده , لا أدعو غيره حتى ~~تعجبوا مني فتزدحموا علي والظاهر المتبادر إلى الفهم أن المعنى : وأوحي إلي ~~أي لما قمت في الصلاة أعبد الله في بطن نخلة ورآني الجن الذي وجههم إبليس ~~نحو تهامة وسمعوا القرآن ازدحموا علي حتى كادوا يغشونني ويكون بعضهم على ~~بعض فسمعوا توحيدي لله وتمجيدي له وإفراده بالقدرة والعلم وجميع صفات ~~الكمال آمنوا , وقيل : هو حكاية الجن لقومهم عن صلاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفعل أصحابه وراءه في تراصهم في صلاتهم وحفوفهم به ووعظه وتعليمه لهم ~~, ويحكى هذا القول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وسعيد بن جبير فإن ذلك ~~هيئة غريبة , يحكى أن ملك الفرس أرسل من دخل في المسلمين لما قصدوا بلادوه ~~فكان مما حكي له عنهم أن قال : إذا صلوا صفوا أنفسهم صفوفا ويقدمهم رجل ~~يقومون بقيامة ويسجدون بسجوده ويقعدون بقعوده ويفعلون كفعله , لا تخالف ~~بينهم , فلما سمع الملك ذلك راعه بسجوده ويقعدون بقعوده ويفعلون كفعله , لا ~~تخالف بينهم , فلما سمع الملك ذلك راعه وقال : ما لي ولهؤلاء , ما لي ولعمر ~~, ونقل أبو حيان عن مكحول أنه بلغ من تابع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ~~الجن سبعين ألفا وفرغوا عند انشقاق الفجر . | ولما كان الداعي لولي نعمته ~~يمكن أن يكون أشرك غيره في دعائه ولو بأدنى وجوه الإشراك , ويكون الحصر ~~باعتبار الأغلب فاستحق الإنكار عليه والازحام , نفى ذلك بقوله تأكيدا لمعنى ~~الحصر وتحقيقا له : { ولا أشرك به } أي الآن ولا في مستقبل الزمان ~~PageV08P195 بوجه ms5623 من الوجوه { أحدا * } من ود وسواع ويغوث وغيرها من الصامت ~~والناطق . | ولما كان السامع ربما قال : ما له هو لا يهلكهم أو يدعو ربه في ~~دفع المتبلدين عليه عنه بالإهلاك أو التوبة والمتابعة , أمره بما يبن عظمة ~~ربه وأنه لا يفعل إلا ما يريد بقوله مبينا أنه يستحيل عليه الصلاة والسلام ~~ما يستحيل على جميع الممكنات من أن يؤثر في شيء بنفسه أو يخالف ربه : { قل ~~} أي لهؤلاء الذي خالفوك , وأكد فطما لمن ربما اعتقد - لكثرة ما يرى من ~~الكرامات - أنه مهما أراده فعله الله له : { إني لا أملك } أي الآين ولا ~~بعد { لكم } بنفسي من غير إقدار الله لي لأنه لا مؤثر في شيء من الأشياء ~~إلا الله سبحانه وتعالى . | ولما كان المقام لدفع شرهم عنه , قال : { ضرا } ~~فأفهم ذلك ( ولا نفعا ولا غيا ) { ولا رشدا * } أي صوابا وسدادا . | فالآية ~~من الاحتباك وهو ظاهر على هذا التقدير , قال أبو حيان : فحذف من كل ما يدل ~~مقابله عليه - انتهى . | ويجوز أن يكون تقديره : لا أملك ضرا لأني لا أملك ~~لكم إضلالا ولا أملك لكم رشدا فلا أملك لكم نفعا , فإنه لا نفع في غير ~~الرشاد , ولا ضر في غير الضلال , فقبح الله ابن عربي الطائي الذي يقول في ~~فصوصه : إن الضلال أهدى من الهدى , فلا أسخف عقلا منه إلا من تبعه - عليهم ~~لعنى الله وخزيه , فإن قالوا : إنه أراد غير ما يفهم من ظاهر اللفظ فقل : ~~كذبتم فقد بين مراده إطباقكم على الفسق والفجور لا يكاد يجد منكم من يتهم ~~بمذهبه وهو يتقيد بشرع , ولم تخرج الآية بهذا عن الاحتباك , فإن ذكر الضر ~~أولا دل على حذف النفع ثانيا , وذكر الرشد ثانيا دل على حذف الضلال أولا . ~~| ولما أجاب من تشوف إلى علة صبره عن دفعهم عنه بما حاصله أنه لا شيء بيده ~~, لأن إلهه من العظمة في إحاطة العلم والقدرة وأنه لا يخرج شيء عن مراده ~~فلا يعجل في شيء بحيث لا فعل إلا ما يريد سواء سئل أو ms5624 لا , فكان ذلك ربما ~~أوجب أن يظن منه صلى الله عليه وسلم موافقته لهم لئلا يضروه لأنهم يستعجلون ~~في أذى من خالفهم , أجاب ما حاصله أنه بين ضررين أحدهما منهم إن خالفهم , ~~والآخر منه سبحانه وتعالى إن أعرض عنه وهو سبحانه وتعالى يرد أذاهم إن أراد ~~, وهم لا يقدرون على رد أذاه بوجه فقال : { قل } أي لمن يدعوك إلى موافقتهم ~~, وأكد لما في ظن كثير نم الناس من أن الأسباب لا تتخلف فقال : { إني } ~~وزاد في التأكيد لأن ذلك في غاية الاستقرار في النفوس فقال : { لن يجيرني } ~~أي فيدفع عني ما يدفع الجار عن جاره { من الله } أي الذي له الأمر كله ولا ~~أمر لأحد معه { أحد * } أي كائنا من كان إن أرادني سبحانه بسوء . | ولما ~~كان من هو بهذه المثابة ربما هرب منه المطلوب قال مؤكدا : { ولن أجد } أي ~~أصلا . | ولما كانت PageV08P196 كل رتبة دون رتبته , وكانت الرتب التي دون ~~رتبته كثيرة جدا لما له من العلو المطلق ولغيره من مراتب السفول التي لا ~~تحد , قال مشيرا لذلك بالجار : { من دونه } أي الله تعالى { ملتحدا * } أي ~~معدلا وموضع ميل وركون ومدخلا وملتجأ وحيلة , وإن اجتهدت كل الجهد لأن ~~اللحد أصله الميل ولا يقال إلا في ميل من حق إلى باطل , والحد : جادل ومارى ~~وركن . | < < # | الجن : ( 23 - 25 ) إلا بلاغا من . . . . . # > > ^ ( إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ~~خالدين فيهآ أبدا * حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل ~~عددا * قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا ) ^ } ) | ولما كان ~~من المعلوم أن هذا شيء لا مثنوية فيه , وكانت الرتب التي دون شريف رتبته ~~سبحانه كثيرة جدا لما له من العلو المطلق وكان ما يليها له حكم شرفها ~~وحقيقها , وكان أول ذلك البلاغ منه سبحانه بلا واسطة ثم البلاغ بواسطة ~~ملائكته الكرام منه , استثنى من ( ملتحدا ) على طريق لا ملجأ ولا منجى منك ~~إلى إليك ففروا إلى الله فقال ms5625 : { إلا بلاغا } أي يبلغني كائنا { من الله } ~~أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما , ولكنه لسعة رحمته يجري الأمور على ما ~~يتعارفونه في أنه لا يأخذ أحدا إلا بحجة يعترفون بأنها حجة . | ولما بين ~~الرتبة الأولى التي هي أعلى , أتبعها التي تليها فقال : { ورسالاته } التي ~~أوحي إلي بها بواسطة الملك فإني أتلقى ذلك حق تلقيه بحفظه والعمل به فيكون ~~, ذلك عاصما من كل سوء في الدنيا والآخرة . | ولما كان التقدير لبيان أن ~~الله شرف الرسل بأن أعطاهم عظمة من عظمته فجعل عصاينهم عصيانه , فيكون جزاء ~~من عصاهم هو جزاء من عصاه سبحانه وتعالى لأنهم إنما يتكلمون بأمره , فمن ~~يطع الله ورسوله فإن له جنة نعيم يكونون فيها مدى الدهر سعداء , عطف عليه ~~قوله : { ومن يعص الله } أي الذي له العظمة كلها { ورسوله } الذي ختم به ~~النبوة والرسالة فجعل رسالته محيطة بجميع خلقه في التوحيد أو غيره على سبيل ~~الجحد { فإن له } أي خاصة { نار جهنم } وأكد المعنى وحققه لقول من يدعي ~~الانقطاع فقال : { خالدين فيها } وأكد المعنى وحققه لقول من يدعي الانقطاع ~~فقال : { أبدا * } وأما من يدعي أنها تحرق وأن عذابها عذوبة فليس أحد أجن ~~منه إلا من يتابعه على ضلاله وغيه ومحاله , وليس لهم دراء إلا السيف في ~~الدنيا والعذب في الآخرة بما سموه عذوبة وهم صائرون إليه وموقوفون عليه . | ~~PageV08P197 ولما ذكر تلبدهم عليه وقدم ما هو الأهم من أمره من كشف غمومهم ~~بإعلامهم أن ذلك الذي أنكروه عليه هو الذي يحق له , ومن أنه مع ضعفه عن ~~مقاواتهم هو عن الإعراض عن الله أضعف لأن الله أقوى من كل شيء وأنه لا يسعه ~~إلا امتثال أمره , وأشار إلى أنهم عاجزون عن سطواته سبحانه بعدم القدرة على ~~الإجارة عليه , صرح بذلك مهدا لهم , فقال مغييا لتلبدهم عليه : { حتى إذا ~~رأوا } أي بأبصارهم فيه { ما } أي الشيء الذي . | ولما كان المنكي من ~~الوعيد بروكه على كل من كان لأجله الوعيد لا كونه من معين قال : { يوعدون } ~~أي ما حصل الإيعاد ms5626 في الدنيا أو في الآخرة أما في الآخرة فواضح , وأما في ~~الدنيا فمثل إخراج النبي صلى الله عليه وسلم مع اجتماع المشركين على المكر ~~به لقتله واجتهادهم في ذلك ثم سراياه وغزواته مثل غزوة بدر وغيرها من أيام ~~الله التي ملأت الأرض نورا وأهل الحق سرورا وحبورا , وأهل الباطل خسرا ~~وبورا ورعبا وهلاكا وقبورا { فسيعلمون } أي من ذلك اليوم الذي يكون فيه ~~تأويله بوعد لا خلف فيه ولا طولا لأمده { من أضعف ناصرا } أي من جهة الناصر ~~أنا وإن كنت في هذا الوقت وحيدا مستضعفا أو هم { وأقل عددا * } وإن كانوا ~~الآن بحيث لا يحصيهم عددا إلا الله سبحانه , فيا لله ما أعظم كلام الرسل ~~حيث يستضغفون أنفسهم من حيث هي , ويذكرون قوتهم من جهة مولاهم الذي بيده ~~الملك وله جنود السماوات والأرض بخلاف أهل الإلحاد فإنه لا كلام لهم إلا في ~~تعظيم أنفسهم وازدراء من سواهم , وإذا حاققت أحدا من أتباع أحد منهم قال ~~هذا على لسان النبوة - ونحو هذا من مخادعاتهم . | ولما كان من المعلوم أنهم ~~إذا سمعوا هذا الوعيد قالوا استهزاء وعمى عن طريق الصواب واستعلاء : متى ~~يكون عجل به , استأنف قوله جوابا لهم جواب من لا يستخفه عجلة ولا ضجر لأنه ~~لا يخاف الفوت ولا يلحقه ضرر ببقاء العدو واجتهاهم في أذى أوليائه ميبنا ما ~~يجوز على الرسل من أنه يخفى عليهم ما على البشر ويطلعهم الله تعالى ما يخفي ~~على غيرهم : { قل } أي في جوابهم إن كذبوا بإتيانهم العذاب وسألوا استهزاء ~~منه عن وقت وقوعه أما كونه فلا بد منه لأنه قد برز الوعيد به ممن لا يخلف ~~الميعاد , وأما تعيين وقته فقد أخفاه سبحانه لأنه أقعد في التهديد وهو معنى ~~قوله : { إن } أي ما { أدري } بوجه من الوجوه وإن عالجت ذلك وتسببت فيه , ~~وزاد في تقرير خفائه وأنه لا يزال في حيز ما يسأل عنه بصيغة الاستفهام فقال ~~مقدما ما يخفيهم : { أقريب ما توعدون } أي يكون الآن أو قريبا من هذا ~~الأوان بحيث يتوقع ms5627 عن قرب { أم } بعيد { يجعل له } أي لهذا الوعي . | ولما ~~كان التأخير . | ولما كان التأخير ربما أفهم تهاونا بالولي . | فقال دافعا ~~لذلك : { ربي } أي المحسن إلي إن قدمه أو أخره { أمدا * } أي أجلا مضروبا ~~عظيما PageV08P198 بكل اعتبار حتى في البعد لا يتأتى مع ذلك أن يكون الآن ~~ولا أن يتوقع دون ذلك الأمد , فهو في كل حال متوقع فكونوا على غاية الحذر ~~لأنه لا بد من وقوعه فوقوعه لا كلام فيه , وإنما الكلام في تعيين وقته . | ~~< < # | الجن : ( 26 - 28 ) عالم الغيب فلا . . . . . # > > ^ ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول فإنه ~~يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا * ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط ~~بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ) ^ } ) | ولما نفى صلى الله عليه وسلم علمه ~~عن نفسه الشريف , فنى ذلك عن غيره على وجه عام لجميع الغيب جال من عظمة ~~مرسله ما تنقطع دونه الأعناق فقال واصفا له : { عالم الغيب } أي كله وهو ما ~~لم يبرز إلى عالم الشهادة فهو مختص سبحانه بعلمه , فلذلك سبب عنه قوله : { ~~فلا يظهر } أي بوجه من الوجوه في وقت من الأوقات { على غيبه } أي الذي غيبه ~~عن غيره فهو مختص به { أحدا * } لعزة علم الغيب ولأنه خاصة الملك . | ولما ~~كان لا يعلم الغيب إلا ببروزه على عالم الشهادة , وكان لأول من يطلع عليه ~~شرف ينبغي أن يعرف له قال : { إلا من ارتضى } أي عمل الله تعالى في كونه ~~رضي عمل من يتعمد ذلك ويجتهد فيه , وبين ( من ) بقوله : { من رسول } أي من ~~الملائكة ومن الناس فإنه يظهر عليه ذلك المرتضى الموصوف لا كل مرتضى بأن ~~يظهره على ما شاء منه لأن الغيب جنس لا تحقق له إلا في ضمن أفارده , فإذا ~~ظهر فرد منه فقد ظهر فيه الجنس لظهور حصة منه , وتارة يكون ذلك الرسول ملكا ~~, وتارة يكون بشرا يكلمه الله بغير واسطة كموسى عليه الصلاة والسلام في ~~أيام المناجاة , ومحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ms5628 في العالم الأعلى ~~في حضرة قاب قوسين أو أدنى , وإذا ظهر عليه الرسول خرج عن كونه غيبا , ~~وأوصله الرسول إلى من أذن له في إيصاله له تارة بالوحي للأنبياء وتارة ~~بالنفث والإلهام للأولياء , وذلك عند تهييء نفوسهم بسكون قواها عن منازعة ~~العقل بالشهوات والحظوظ كما يكون للنفوس عامة حين سكون القوى عن المنازعة ~~بالنوم فتكون متهيئة للنفث فيها فمن أعرض عن جانب الحس وأقبل على جناب ~~القدس فقده هيأ نفسه لنفث الملك في ورعه بعلم ما لم يكن يعلم وليس أحد من ~~الناس إلا وقد علم من نفسه أنه إذا أقبل على شيء بكلتيه حدث له فيه أمور ~~حدسية إلهامية بغتة من غير سابقة فكر وطلب , وعلى قدر التهيئة يكون النفث ~~من قبل الله سبحانه وتعالى , وربما كان النفث شيطانيا بما تلقته الشياطين ~~من الاستراقات من الملائكة إما من الأرض بعد نزولهم أو من السماء بالاستراق ~~فيها - والله أعلم , ويجوز أن يكون للأولياء مشافهة من الملك كما كان لمريم ~~عليها السلام من الملائكة , وقال جبريل عليه الصلاة والسلام عن بعضهم إنه ~~لو سلم رد PageV08P199 عليه . | ولما دل هذا السياق على عزة علم الغيب ~~واكنت عزته سببا لحراسة من يطلع عليه ليؤديه إلى من أمر به كما أمر به , ~~أعلم سبحانه وتعالى بذلك بقوله مؤكدا تمييزا له من علم الكهان الذي أصله من ~~الجان دالا على إجلال الرسل وإعظامهم وتبجيلهم وإكرامهم : { فإنه } أي الله ~~سبحانه وتعالى يظهر ذلك الرسول على ما يريد من الغيب . | وذلك أنه إذا أراد ~~إظهاره عليه { يسلك } أي يدخل إدخال السلك في الجوهرة في تقومه ونفوذه من ~~غير أدنى تعريج إلى غير المراد . | ولما كان الغرض يحصل بمن يقيمه سبحانه ~~من جنوده للحراسة ولو أنه واحد من كل جهة بل وبغير ذلك , وإنما جعل هذا ~~الإخراج للأمر على ما يتعارفه العباد , عبر بالجار دليلا على عدم استغراق ~~الرصد للجهات إلى منقطع الأرض مثلا فقال : { من بين يديه } إلى الجهة التي ~~يعلمها ذلك الرسول { ومن خلفه } أي الجهة ms5629 التي تغيب عن علمه , فصار ذلك ~~كفاية عن كل جهة , ويمكن أن يكون ذكر الجهتين دلالة على الكل وخصهما لأن ~~العدو متى أعريت واحدة منهما أتى منها , ومتى حفظت لم يأت من غيرها , لأنه ~~يصير بين الأولين والآخرين { رصدا * } أي حرسا من جنوده يحرسونه ويحفظونه ~~بحفظ ما معه من الغيب من اختطاف الشياطين أو غيرهم لئلا يسترقوا شيئا من ~~خبره - قاله ابن عباس رضي الله عنهما , وقال مقاتل وغيره رضي الله عنهما : ~~يخبرونه بمن أنكره بأن يحذروه منه إن كان شيطانا أو بأمره بالسماع منه إن ~~كان ملكا , وذلك أن إبليس كان يأتي الأنبياء في صورة جبريل عليه السلام ~~ولكن الله عصمهم منه . | ولما كان هذا الدأب نم الحفظ في كل رسول بين ~~الغاية جامعا تعيينا لما اقتضاء الجنس , وبيانا لأن الأفراد أولا مراد به ~~الجمع , وأنه ما عبر به إلا لتشمل الحراسة كل فرد منهم فقال : { ليعلم } أي ~~الله علما كائنا واقعا على هذه الصفة التي تعلق بها علمه في الأزل قبل ~~وجودها بما لا يعلمه إلا هو سبحانه أنها ستكون { أن } أي إن الرسل عليهم ~~الصلاة والسلام { قد أبلغوا } أي غلى من أرسلوا إليه { رسالات ربهم } أي ~~الذي أوجدهم ودبر جميع أمورهم واختارهم لرسالاته على ما هي عليه لم يشبها ~~شائبة ولا لحقها غبر . | ولما كان هذا ربما أوهم أنه محتاج في الحفظ إلى ~~الرصد أزال ذلك بقوله : { وأحاط } أي فعل ذلك والحال أنه قد أحاط { بما ~~لديهم } أي الرسل والمرسل إليهم من الملائكة والبشر على أدق الوجوه وأعظمها ~~وأغربها بما أشار إليه التعبير بلدى , ولما كان هذا كافيا في المقصود , ~~لكنه قاصر على محل الحاجة عم تعريفا بالأمر على ما هو عليه , فقال حاملا ~~على شدة الوثوق بما تقوله الرسل عن ربهم وأنه لا لبس فيه ولا غائلة بوجه , ~~مبينا غاية البيان كذب حديث الغرانيق الذي ذكره بعض المفسرين وغيرهم في ~~PageV08P200 سورة والنجم : { وأحصى } أي الله سبحانه وتعالى { كل شيء } أي ~~على العموم من غير استثناء أصلا ms5630 { عددا * } أي من جهة العدد لكل ما يمكن ~~عده ولو على أقل مقادير الذر فيما لم يزل وفيما لا يزال , فهو دليل قاطع ~~على علمه تعالى بالجزئيات كعلمه بالكليات , وقد التقى أول السورة وآخرها ~~وباطنها الغيبي وظاهرها , فدل آخرها على الأول المجمل , وأولها على الآخر ~~المفصل , وذلك أن أول السورة بين عظمة الوحي بسبب الجن , ثم بين في أثنائها ~~حفظه من مسترقي السمع , وختم بتأكيد حفظه وحفظ جميع كلماته واستمر في تأكيد ~~أمره حتى ابنت عظمتة هذا القرآن , وظهرت عزة هذا الفرقان , على كل كتاب , ~~بكل اعتبار وحساب , فافتتح المزمل بمثل ذلك وختمها بالأمر بقاراءة ما تيسر ~~منه , وذكر في المدثر طعن الطاعن فيه وما ناله بسبب ذلك الطعن من الخزي ~~والعذاب في الدنيا والآخرة مع ضمان الحفظ منه , ثم نهى نبيه صلى الله عليه ~~وسلم في وسرة القايمة عن العجلة في أمره لئلا يختل حفظه , أو يزيغ أدنى زيغ ~~لفظه , وتشريعا لأمته في ترك الاستعجال , فإنه ليس من دأب الرجال , ثم أكد ~~أمر تنزيله في الإنسان , وبين أن علة الإعراض عنه حب العاجلة التي هي عين ~~النقصان , وختم المرسلات بنهاية ما تخيل الأوهام والظنون , فقال < # > 77 ( { فبأي حديث بعده يؤمنون } ) 77 < # > [ الأعراف : 185 ] فسبحان من نظمه هذا النظام , وجعله أقصى المراد ~~وغاية المرام , وصلى الله على من لا نبي بعده على الدوام . | . . . | ~~PageV08P201 < # > سورة المزمل < # > | مقصودها الإعلام بأن محاسن الأعمال تدفع الأخطار والأوجال ، وتخفف ~~الأحمال الثقال ، ولا سيما الوقوف بين يدي الملك المتعال ، والتجرد يفي ~~خدمته يفي ظلمات الليال ، فإنه نعم الإله لقبول الأفعال والأقوال ، ومحو ~~ظلل الضلال ، والمعين الأعظم على الصبر والاحتمال ، لما يرد من الكدورات في ~~دار الزوال ، والقلعة والارتحال ، واسمها المزمل أدل ما فيها على هذا ~~المقال { بسم الله } الكافي من توكل عليه في جميع الأحوال { الرحمن } الذي ~~عم بنعمة الإيجاد والبيان المهدي والضال عليه في جميع الأحوال { الرحيم } ~~الذي خص حزبه بالسداد يفي الأقوال والأفعال لإيصالهم إلى دار الكمال . < < # | المزمل : ( 1 - 5 ) يا أيها المزمل # > > ^ ( يأيها ms5631 المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * ~~أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا * إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا ) ^ } ) | في ~~آخر الجن من تعظيم الوحي وأن من تعظيمه حفظ المرسل به من جميع الآفات ~~المفترة عن إبلاغه بما له سبحانه من إحاطة العلم والقدرة وندب نبيه الذي ~~ارتقاه لرسالته والاطلاع على ما أراده من غيبه صلى الله عليه وسلم أول هذه ~~إلى القيامة بأعباء النبوة بالمناجاة بهذا الوحي في وقت الأنس والخلوة ~~بالأحباب , والبسط والجلوة لمن دق الباب , للاعتلاء والمتاب , المهيئ لحمل ~~أعباء الرسالة , والمقوي على أثقال المعالجة لأهل الضلالة , فقال معبرا ~~بالأداة الصالحة للقرب والبعد المختصة بأنه لا يقال بعدها إلا الأمور التي ~~هي في غاية العظمة , أشار إلى أنه صلى الله عليه وسلم يراد به غاية القرب ~~بالأمور البعيدة عن تناول الخلق بكونها خوارق للعادات ونواقص للمألوفات ~~المطردات , وأما التزمل فهو وإن كان من آلات ذلك إلا أنه من الأمور العادية ~~, فهو دون ما يراد من التهيئة لذلك الاستعداد , وبالتزمل لكونه منافقيا ~~للقيام في الصلاة : { يا أيها المزمل * } أي الذي أخفى شخصه وستر أمره وما ~~أمرناه به - بما أشار إليه التزمل الذي مدلوله التلفف في الثوب على جميع ~~البدن والاختفاء ولزوم مكان واحد , ولأنه يكون منطرحا على الأرض كما ~~PageV08P202 قال صلى الله عليه وسلم في قتلى أحد - ( زملوهم بثيابهم ~~ودمائهم ) مع الإشارة إلى الإخفاء أيضا بإدغام تاء التفعل , وربما أشار ~~الإدغام إلى أن الستر بالثوب لم يعم جميع البدن , كما يأتي في المدثر على ~~أن فيه مع ذلك إشارة إلى البشارة بالقوة على حمل أعباء ما يراد به , من ~~قولهم : زمل الشيء - إذا رفعه وحمله , والازدمال : احتمال الشيء , وزملت ~~الرجل على البعير وغيره - إذا حملته عليه , ومن زملت الدابة في عدوها - إذا ~~نشطت , والزامل من حمر الوحوش الذي كأنه يظلع من نشاطه , ورجل إزميل : شديد ~~, والزاملة : بعير يستظهر به الرجل لحمل طعامه ومتاعه عليه , ويقال للرجل ~~العالم بالأمر : هو ابن زوملتها , وقال ابن عطاء : يا أيها ms5632 المخفي ما تظهره ~~عليه من آثار الخصوصية ! هذا أوان كشفه , وقال عكرمة : يا أيها الذي حمل ~~هذا الأمر , وقال السدي : أراد يا ألها النائم , وقال غيره : كان هذا في ~~ابتداء الوحي بالنبوة , والمدثر في ابتداء الوحي بالرسالة , ثم خوطب بعد ~~ذلك بالنبي والرسول : { قم } أي في خدمتنا بحمل أعباء نبوتنا والزدمال ~~بالاجتهاد في الاحتمال , واترك التزمل فإنه مناف للقيام . | ولما كان ~~الاجتهاد في الخدمة دالا على غاية المحبة , وكانت النية خيرا من العمل , ~~وكان الإنسان مجبولا على الضعف , وكان سبحانه لطيفا بهذه الأمة تشرفيا ~~لإمامها صلى الله عليه وسلم , رضى منا سبحانه بصدق التوجه إلى العمل وجعل ~~أجورنا أكثر من أعمالنا , فجعل غحياء البعض إحياء للكل , فأطلق اسم الكل ~~وأراد البعض فقال : { الليل } أي الذي هو وقت الخلوة والخفية والستر , فصل ~~لنا في كل ليلة من هذا الجنس وقف بين يدينا بالمناجاة والأنس بما أنزلنا ~~عليك من كلامنا فإنا نريد إظهارك وإعلاء قدرك في البر والبحر والسر والجهر ~~, وقيام الليل في الشرع معناه الصلاة فلذا لم يقيده , وهي حامعة لأنواع ~~الأعمال الظاهرة والباطنة , وهي عمادها , فذكرها دال على ما عداها . | ولما ~~كان للبدن حظ في الراحة قال مستثنيا من الليل : { إلا قليلا * } أي من كل ~~ليلة , ونودي هذا النداء لأنه صلى الله عليه وسلم لما جاءه الوحي بغار حراء ~~رجع إلى خديجة زوجته رضي الله تعالى عنها يرجف فؤاده فقال : ( زملوني ~~زملوني ! لقد خشيت على نفسي ) فسألته رضي الله عنها عن حاله , فلما قص ~~عليها أمره - قال : ( خشيت على نفسي ) PageV08P203 يعني أن يكون هذا مبادئ ~~شعر أو كهانة , وكل ذلك من الشياطين وأن يكون الذي ظهر له بالوحي ليس بملك ~~, وكان صلى الله عليه وسلم يبغض الشعر والكهانة غاية البغضة , فقالت له ~~وكانت وزيرة صدق : ( كلا والله ! لا يخزيك الله أبدا , إنك لتصل ارحم وتقري ~~الضيف وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق ) ونحو هذا من المقال الذي يثبت , ~~وفائدة التزمل أن الشجاع الكامل إذا دهمه أمر هو فوق قواه ففرق ms5633 أمره فرجع ~~إلى نفسه , وقصر بصره وبصيرته على حسه , اجتمعت قواه إليه فقويت جبلته ~~الصالحة على تلك العوارض التخييلية فهزمتها فرجع إلى أمر الجبلة العلية , ~~وزال ما عرض من العلة البدنية . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما ~~كان ذكر إسلام الجن قد أحرز غاية انتهى إلى مرماها وتم مقصدها ومبناها , ~~وهي الإعلام باستجابة هؤلاء وحرمان من كان أولى بالاستجابة , وأقرب في ظاهر ~~الأمر إلى الإنابة , بعد تقدم وعيدهم وشديد تهديدهم , صرف الكلام إلى أمره ~~صلى الله عليه وسلم بما يلزمه من وظائف عبادته وما يلزمه في أذكاره من ليله ~~ونهاره , مفتتحا ذلك بأجمل مكالمة وألطف مخاطبة { يا أيها المزمل } [ ~~المزمل : 1 ] وكان ذلك تسلية له صل الله عليه وسلم وكان تسلية صلى الله ~~عليه وسلم كما ورد < # > 77 ( { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } ) 77 < # > [ فاطر : 8 ] إلى آخره , وليحصل منه الاكتراث بعناد من قدم عناده وكثرة ~~لججه , وأتبع ذلك بما يشهد لهذا الغرض ويعضده وهو قوله تعالى < # > 77 ( { فاصبر صبرا جميلا } ) 77 < # > [ المعارج : 5 ] < # > 77 ( { واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا وذرني والمكذبين أولي ~~النعمة ومهلهم قليلا } ) 77 < # > [ المزمل : 10 - 11 ] وهذا عين الوارد في قوله تعالى : < # > 77 ( { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } ) 77 < # > [ فاطر : 8 ] وفي قوله < # > 77 ( { نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار } ) 77 < # > [ ق : 45 ] ثم قال : < # > 77 ( { إن لدينا أنكالا } ) 77 < # > [ المزمل : 12 ] فذكر ما أعد لهم , وإذا تأملت هذه الآي وجدتها قاطعة ~~بما قدمناه , وبان لك التحام ما ذكره , ثم رجع الكلام إلى التلطف به عليه ~~الصلاة والسلام وبأصحابه - رضي الله عنه أجمعين - وأجزل جزاءهم مع قووع ~~التقصر ممن يصح منه تعظيم المعبود الحق جل جلاله < # > 77 ( { علم ان لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر من القرآن } ) 77 < # > [ المزمل : 20 ] ثم ختم السورة بالاستغفار من كل ما تقدم من عناد ~~الجاحدين المقدم ذكرهم فيما قبل من السور إلى ما لا يفي العباد المستجيبون ~~به مما أشار إليه قوله تعالى : < # > 77 ms5634 ( { علم أن لن تحصوه } ) 77 < # > [ المزمل : 20 ] انتهى . | ولما كان الليل اسما لما بين غروب الشمس ~~وطلوع الفجر , وكان قيامه في غاية المشقة , حمل سبحانه من ثقل ذلك , فقال ~~مبينا لمراده بما حاط عليه الكلام بعد PageV08P204 الاستثناء , ومبدلا من ~~جملة المستثنى والمستثنى منه : { نصفه } أي الليل , فعلم أن المراد بالقليل ~~المستثنى النصف , وسماه قليلا بالنسبة إلى جميع الليل , وبالنسبة إلى النصف ~~الذي وقع إحياؤه , لأن ما يلي بالعمل أكثر مما عمل فيه , ويجوز أن يكون ( ~~نصفه ) بدلا من الليل , فيكون كأنه قيل : قم نصف الليل إلا قليلا وهو السدس ~~أو انقص منه إلى الربع , وجاءت العبارة هكذا لتفيد أن من قام ثلث الليل بل ~~ربعه فما فوقه كان محييا لليل كله . | ولما كانت الهمم مختلفة بالنسبة إلى ~~الأشخاص وبالنسبة إلى الأوقات قال : { أو انقص منه } أي هذا النصف الذي ~~أمرت بقيامه , أو من الصنف المستثنى منه القليل على الوجه الثاني وهو الثلث ~~{ قليلا * } فلا تقمه حتى لو أحييت ثلث الليل على الوجه الأول أو ربعه على ~~الوجه الثاني كنت محييا قليلاص كالسدس مثلا , فيكون الذي تقومه الثلثين ~~مثلا , وعلى كل تقدير من هذه التقادير يصادف القيام - وهو لا يكون إلا بعد ~~النوم : الوقت الذي يباركه الله بالتجلي فيه فإنه صح أنه ينزي سبحانه عن أن ~~يشبه ذاته شيئا أو نزوله نزول غيره بل هو كناية عن فتح باب السماء الذي هو ~~كناية عن وقت استجابة الدعاء - حين يبقى ثلث الليل - وفي رواية : حين يبقى ~~شطر الليل الآخر - إلى سماء الدنيا فيقول : هل من سائر فأعطيه , هل من تائب ~~فأتوب عليه , هل من كذا هل من كذا حتى يطلع الفجر . | وكان هذا القيام في ~~أول الإسلام فرضا عليهم على التخيير بين هذه المقادير الثلاثة فكانوا يشقون ~~على أنفسهم , فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى يصبح مخافة أن لا ~~يحفظ القدر الواجب , وكذا بعض أصحابه رضي الله تعالى عنهم واشتد ذلك عليهم ~~حتى انتفخت أقدامهم , وكان هذا قبل فريضة الخمس ms5635 , فنزل آخرها بالتخفيف بعد ~~سنة < # > 77 ( { علم أن لن تحصوه } ) 77 < # > [ المزمل : 20 ] الآيات , فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضة . | ولما ~~أمر بالقيام وقدر وقته وعينه , أمر بهيئة التلاوة على وجه عام للنهار معلم ~~بأن القيام بالصلاة التي روحها القرآن فقال : { ورتل القرآن } أي اقرأه على ~~تؤدة وبين حروفه بحيث يتمكن السامع من عدها وحتى يكون المتلو شبيها بالثغر ~~المرتل وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان , فإن ذلك موجب لتدبره فتكشف له ~~مهماته وينجلي عليه أسراره وخفياته , قال ابن مسعود رضي الله عنه : ولا ~~تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هذ الشهر , ولكن قفوا عند عجائبه وحركوا به ~~القلوب ولا يكن هم أحدكم آخر السورة . | روى الترميذي عن عائشة رضي الله ~~عنها : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قام حتى أصبح بآية , والآية < # > 77 ( { إن PageV08P205 تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت ~~العزيز الحكيم } ) ^ [ المائدة : 118 ] ولما أعلم سحبانه بالترتيل أعلم ~~بشرفه بالتأكيد بالمصدر فقال : { ترتيلا * } . | ولما كان المراد منه صلى ~~الله عليه وسلم الثبات للنبوة ومن أمته الثبات في الاقتداء به في العمل ~~والأمر والنهي , وكان ذلك ي غاية الصعوبة , وكان الإنسان عاجزا إلا بإعانة ~~مولاه , وكان العون النافع غنما يكون لمن صفت نفسه عن الأكدار وأشرقت ~~بالأنوار , وكان ذلك إنما يكون بالاجتهاد في خدمته سبحانه , علل هذا الأمر ~~بقوله مبينا للقرآن الذي أمر بقراءته ما هو وما وصفه , معلما أن التهدد يعد ~~للنفس من القوى ما به يعالج المشقات , مؤكدا لأن الإتيان بما هو خارج عن ~~جميع أشكال الكلام لا يكاد يصدق : { إنا } أي بما لنا من العظمة { سنلقي } ~~أي قريبا بوعد لا خلف فيه فتهيأ لذلك بما يحق له . | ولما كان المقام لبيان ~~الصعوبة , عبر بأداة الاستعلاء فقال : { عليك } وأشار إلى اليسر مع ذلك ~~إشارة إلى ^ ( { ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر } ) ^ [ القمر : 17 ] ~~بالتعبير بما تدور مادته على اليسر والخفة فقال : { قولا } يعني القرآن { ~~ثقيلا * } أي لما فيه من التكاليف الشاقة من جهة حملها وتحميلها للمدعوين ms5636 ~~لأنها تضاد الطبع وتخالف النفس , ومن جهة رزانة لفظه لامتلائه بالمعاني مع ~~جلالة معناه وتصاعده في خفاء فلا يفهمه المتأمل ويستخرج ما فيه من الجواهر ~~إلا بمزيد فكر وتصفية سر وتجريد نظر , فهو ثقيل على الموافق من جميع هذه ~~الوجوه وغيرها , وعلى المخالف من جهة أنه لا يقدر على رده ولا يتمكن من طعن ~~فيه بوجه مع أنه ثقيل في الميزان وعند تلقيه وله وزن وخطر وقدر عظيم , روي ~~في الصحيح : ) إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه الوحي يفصم عنه ~~وإن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشاتي الشديد البرد ( وكان - إذا أنزل ~~عليه الوحي وهو راكب على ناقته وضعت جرانها فلا تكاد تتحرك حتى يسري عنه ) ~~قال القشيري : وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سورة الأنعام نزلت عليه ~~جملة واحدة وهو راكب فبركت ناقته من ثقل القرآن وهيبته , وهو مع ثقله على ~~الأركان خفيف على اللسان سهل التلاوة والحفظ على الإنسان . | < < # | المزمل : ( 6 - 9 ) إن ناشئة الليل . . . . . # > > ^ ( إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا * إن لك في النهار سبحا ~~طويلا * واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا * رب المشرق والمغرب لا إله إلا ~~هو فاتخذه وكيلا ) ^ } ) | PageV08P206 ولما أفهم هذا أن التهجد في غاية ~~العظمة , أكد ذلك حاثا على عدم الرضى بدون الأفضل الأجمل الأكمل بقوله : ~~مؤكدا ليخف أمر القيام على النفس : { إن ناشئة اليل } أي ساعاته التي كل ~~واحدة منها ناشئة والعبادة تنشأ فيه بغاية الخفة , من نشأ أي نهض من مضجعه ~~بغاية النشاط لقوة الهمة ومضاء العزيمة التي جعلتها كأنها نشأت بنفسها , ~~وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ما كان بعد العشاء فهو ناشئة , وما كان ~~قبله فليس بناشئة , وقالت عائشة رضي الله عنها : الناشئة القيام بعد النوم ~~, وقال الأزهري : الناشئة القيام , مصدر جاء على فاعلة كالعافية بمعنى ~~العفو . | ولما كان ذلك في غاية الصعوبة لشدة منافرته للطبع , زاد في ~~التأكيد ترغيبا فيه فقال : { هي } أي خاصة لما لها من المزايا { أشد } أي ~~أثقل ms5637 وأقوى وأمتن وأرصن { وطأ } أي كلفة ومشقة لما فيها نم ترك الراحة ~~وفراق الألف والمحبوب , وأشد ثبات قدم - على أنه مصرد وطئ في قراءة الجماعة ~~- بفتح ثم سكون , ومواطأة بين القلب واللسان في الحضور وفي التزام الدين ~~بالإذعان والخصوع على أنه مصدر واطأ مثل قاتل على قراءة أبي عمرو وابن عامر ~~بالكسر والمد وهي أبلغ لأن صيغة المفاعلة تكون بين انثين يغالبان فيكون ~~الفعل أقوى . | ولما كان التهجد يجمع القول والفعل , وبين ما في الفعل لأنه ~~أشق , فكان بتقديم الترغيب بالمدحة أحق , أتبعه القول فقال : { وأقوم قيلا ~~* } أي وأعظم سدادا من جهة القيل في فهمه ووقعه في القلوب بحضور القلب ~~ورياقة الليل بهدوء الأصواء وتجلي الرب سبحانه وتعالى بحصول البركات , ~~وأخلص من الرياء والقصود الدنيات . | ولما بين سبحانه من أول السورة إلى ~~هنا ما به صلاح الدين الذي عصمه الأمر وبه صلاح الدارين , وأظهر ما للتهجد ~~من الفضائل , فكان التقدير حتما : فواظب عليه لتناول هذه الثمرات , قال ~~معللا محققا له مبينا ما به صلاح الدنيا التي هي فيها المعاش , وصلاحها ~~وسيلة إلى صلاح المقصود , وهو الدين وهو الذي ينبغي له لئلا يكون كلا على ~~الناس ليحصل من الرزق ما يعينه على دينه ويوسع به على عيال الله من غير ملل ~~ولا ضجر ولا كسل ولا مبالغة , مؤكدا لما للنفس من الكسل عنه : { إن لك } أي ~~أيها المتهجد أو يا أكرم العباد غن كان الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~ليكون آكد في إلزام الأمة به { في النهار } الذي هو محل السعي في مصالح ~~الدنيا . | ولما كان الإنسان يهتم في سعيه لنفسه حتى يكون كأنه لشدة عزمه ~~وسرعة حركته كالسابح فيما لا عائق له فيه قال : { سبحا طويلا * } أي تقلبا ~~ممتد الزمان , قال البغوي : وأصل السبح سرعة الذهاب , وقال الرازي : سهولة ~~الحركة . | PageV08P207 ولما كان التقدير : فاجتهد في التهجد , عطف عليه ~~قوله حاثا على حضور الفكر : { واذكر اسم ربك } أي المحسن إليك والموجد ~~والمدبر لك بكل ما يكون ذكرا من اسم وصفة ms5638 وثناء وخضوع وتسبيح وتحميد وصلاة ~~وقراءة ودعاء وإقبال على علم شرعي وأدب مرعي ودم على ذلك , فإذا عظمت الاسم ~~بالذكر فقد عظمت المسمى بالتوحيد والإخلاص , وذلك عون لك على مصالح الدارين ~~, أما الآخرة فواضح , وأما الدنيا فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أعز ~~الخلق عليه فاطمة ابنته رضي الله عنها لما سأتله خادما يقيها التعب إلى ~~التسبيح والتحميد والتكبير عند النوم . | ولما كان الذكر قد يكون مع التعلق ~~بالغير , أعلم أن الذاكر في الحقيقة إنما هو المستغرق فيه سبحانه وبه يكون ~~تمام العون فقال : { وتبتل } أي اجتهد في قطع نفسك عن كل شاغل , والإخلاص ~~في جميع أعمالها بالتدريج قليلا قليلا , منتهيا : { إليه } ولا تزل على ذلك ~~حتى يصير لك ذلك خلقا فتكون نفسك كأنها منقطعة بغير قاطع ومقطعة تقطعيا ~~كثيرا بكل قاطع , فيكون التقدير - بما أرشد إليه المصدر ( تبتلا ) وبتلها { ~~تبتيلا * } فأعلم بالتأكيد بالمصدر المرشد إلى الجمع بين التفعل والتفعيل ~~بشدة الاهتمام وصعوبة المقام , وهو من البتل وهو القطع , صدقة بتلة أي ~~مقطوعة عن صاحبها , ولذلك قال زيد بن أسلم : التبتل رفض الدنيا وما فيها ~~والتماس ما عند الله تعالى , والبتول مريم عليها السلام لانقطاعها إلى الله ~~تعالى , عن جميع خلقه , وكذا فاطمة الزهراء البتول أيضا لانقطاعها عن قرين ~~ومثيل ونظير , فالمراد بهذا هو المراد بكلمة التوحيد المقتضية للإقبال عليه ~~والإعراض عن كل ما سواه , وذلك بملازمة الذكر وخلع الهوى , والآية من ~~الاحتباك وهو ظاهر : ذكر فعل التبتل دليلا على حذف مصدره , وذكر مصدر بتل ~~ديليلا على حذف فعله . | ولما كان الواجب على كل أحد شكر المنعم , بين أنه ~~سبحانه الذي أنعم يسكن الليل الذي أمر بالتهجد فيه ومنتشر النهار الذي أمر ~~بالسبح فيه , فقال واصفا الرب المأمور بذكره في قراءة ابن عامر ويعقوب ~~والكوفيين غير حفص معظما له بالقطع في قراءة الباقين بالرفع : { رب المشرف ~~} أي موجد محل الأنوار التي بها ينمحي هذا الليل الذي أنت قائم فيه ويضيء ~~بها الصباح وعند الصباح يحمد القوم السرى بما أنالهم ms5639 من الأنوار في مرائي ~~قلوبهم وما زينها به من شهب المعاني كما أوجد لهم في آفاق أفلاكهم ~~PageV08P208 من شموس المعاني المثمرة ليدور الأنس في مواطن القدس , فلا ~~يطلع كوكب في الموضع الذي هو ربه إلا بإذنه , وهو رب كل مكان , وما أحسن ما ~~قال الإمام الرباني تقي الدين بن دقيق العيد : | كم ليلة فيك وصلنا السرى ~~لا نعرف الغمض ولا نستريح واختلف الأصحاب ماذا الذي يزيح من شكواهم أو يريح ~~فقيل تعريسهم ساعة وقلت بل ذكراك وهو الصحيح | ولما ذكر مطالع الأنوار , ~~لأنها المقصود لما لها من جلي الإظهار , ووحد لأنه أوفق لمقصود السورة الذي ~~هو محطة لانجماح المدلول عليه بالتزمل , أتبعه مقابله فقال : { والمغرب } ~~أي الذي يكون عنه الليل والذي هو محل السكن وموضع الخلوات ولذيذ المناجاة , ~~فلا تغرب شمس ولا قمر ولا نجم إلا بتقديره سبحانه , وإذا كان رب ما فيه هذه ~~الصنائع التي هي أبدع ما يكون كان رب ما دون ذلك . | ولما علم بهذا أنه ~~المختص بتدبير الكائنات , المتفرد بإيجاد الموجودات , كان أهلا لأن يفرد ~~بالعبادة وجميع التوجه فقال مستأنفا : { لا إله } أي معبود بحق { إلا هو } ~~أي ربك الذي دلت تربيته لك على مجامع العظمة وأنهى صفات الكمال والتنزه عن ~~كل شائبة نقص . | ولما علم تفرده سبحانه كان الذي ينبغي لعباده أن لا يوجه ~~أحد منهم شيئا من رغبته لغيره فلذلك سبب عنه قوله : { فاتخذه } أي خذه ~~بجميع جهدك وذلك بإفرادك إياه بكونه تعالى { وكيلا * } أي على كل من خالفك ~~بأن تفوض جميع أمورك إليه فإنه يكفيكها كلها ويكلؤها غاية الكلاية فإنه ~~المتفرد بالقدرة عليها , ولا شيء أصلا في غيره , فلا تهتم بشيء أصلا , وليس ~~ذلك بأن يترك الإنسان كل عمل , فإن ذلك طمع فارغ بل بالإجمال في طلب كل ما ~~ندب الإنسان إلى طلبه , ليكون متوكلا في السبب لا من دون سبب , فإنه يكون ~~حينئذ كنم يطلب الولد من غير زوجة , وهو مخالف لحكمة هذا الدار المبنية على ~~الأسباب , ولو لم يكن في إفراده ms5640 بالوكالة إلا أنه يفارق الوكلاء بالعظمة ~~والشرف والرفق من جميع الوجوه فإن وكيلك من الناس دونك وأنت تتوقع أن يكلمك ~~كثيرا في مصالحك وربك أعظم العظماء وهو يأمرك أن تكلمه كثيرا في مصالحك ~~وتسأله طويلا ووكيلك من الناس - إذا حصل مالك سألك الأجرة وهو سبحانه يوفر ~~مالك ويعطيك الأجر , ووكيلك من الناس ينفق عليك من مالك وهو سبحانه ~~PageV08P209 يرزقك وينفق عليك من ماله , ومن تمسك بهذه الآية عاش حرا كريما ~~, ومات خالصا شريفا , ولقي الله تعالى عبدا صافيا مختارا تقيا , ومن شرط ~~الموحد أن يتوجه إلى الواحد ويقبل على الواحد ويبذل له نفسه عبودية ويأتمنه ~~على نفسه ويفوض إليه أموره ويترك التدبير ويثق به ويركن إليه ويتذلل ~~لربوبيته , ويتواضع لعظمته ببهائه ويتخذه عدة لكل نائبة دنيا وآخرة . | < < # | المزمل : ( 10 - 15 ) واصبر على ما . . . . . # > > ^ ( واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا * وذرني والمكذبين أولي ~~النعمة ومهلهم قليلا * إن لدينآ أنكالا وجحيما * وطعاما ذا غصة وعذابا ~~أليما * يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا * إنآ أرسلنآ ~~إليكم رسولا شاهدا عليكم كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا ) ^ } ) | ولما كانت ~~الوكالة لا تكون إلا فيما يعجز , وكان الأمر بها مشيرا إلى أنه لا بد أن ~~يكون عن هذا القول الثقيل خطوب طوال وزلازل وأهوال , قال : { واصبر } وأشار ~~إلى عظمة الصبر بتعديته بحرف الاستعلاء فقال : { على ما } وخفف الأمر ~~بالإشارة إلى أنهم لا يصلون إلى غير الأذى بالقول , وعظمه باسمرارهم عليه ~~فقال : { يقولون } أي المخالفون المفهومون من الوكالة من مدافعتهم الحق ~~بالباطل في حق الله وحقك . | ولما كانت مجانبة البغيض إلا عند الاضطرار مما ~~يخفف من أذاه قال : { واهجرهم } أي أعرض عنهم جهارا دافعا للهرج مهما أمكن ~~{ هجرا جميلا * } بأن تعاشرهم بظاهرك وتباينهم بسرك وخاطرك , فلا تخالطهم ~~إلا فيما أمرك الله به على ما حده لك من دعائهم إليه سبحانه ومن موافاتهم ~~في أرفاحهم وأحزانهم فتؤدي حقوقهم ولا تطالبهم بحقوقك لا تصريحا ولا تلويحا ~~. | ولما كان في امره هذا بما يفعل ما يشق جدا بما ms5641 فيه من احتمال علوهم , ~~أعلم بقرب فرجه بتهديهم بأخذهم سريعا فقال : { وذرني } أي اتركني على أي ~~حالة اتفقت مني في معاملتهم , وأظهر في موضع الإضمار تعليقا للحكم بالوصف ~~وتعميما فقال : { والمكذبين } أي العريقين في التكذيب فإني قادر على رحمتهم ~~وتعذيبهم . | ولما ذكر وصفهم الذي استحقوا به العذاب , ذكر الحامل عليه ~~تزهيدا فيه وصرفا عن معاشرة أهله لئسلا تكون المعاشرة فتنة فتكون حاملة على ~~الاتصاف به وجارة إلى حب الدنيا فقال : { أولي النعمة } أي أصحاب التنعم ~~بغضارة العيش والبهجة التي أفادتهموها النعمة - بالكسر وهي الإنعام وما ~~ينعم به من الأموال والأولاد , والجاه الذي أفادته النعمة - بالضم وهي ~~المسرة التي تقتضي الشكر وهم أكابر قريش وأغنياؤهم . | PageV08P210 ولما ~~كان العليم القدير إذا قال مثل هذا لولي من أوليائه عاجل عدوه , قال محققا ~~للمراد بما أمر به من الصبر من هذا في النعم الدنيوية بأن زمنها قصير : { ~~ومهلهم } أي اتركهم برفق وتأن وتدريج ولا تهتم بشانهم . | ولا سره بوعيدهم ~~الشديد بهذه العبارة التي مضمونها أن أخذهم بيده صلى الله عليه وسلم وهو ~~سبحانه يسأل يف تأخيره لهم , زاد في البشارة بقوله : { قليلا * } أي من ~~الزمان والإمهار إلى موتهم أو الإيقاع بهم قبله , وكان بين نزول هذه الآية ~~وبين وقعة بدر يسير - قاله المحب الطبري , وفيه بشارة له صلى الله عليه ~~وسلم بالبقاء بعد أخذهم كما كان , وأنه ليس محتاجا في أمرهم إلى غير وكلهم ~~سبحانه وتعالى بإلقائهم عن باله صلى الله عليه وسلم وتفريغ ظاهره وباطنه ~~لما هو مأمور به من الله سبحانه وتعالى من الإقبال على الله سبحانه , ففي ~~الآية أن من اشتغل بعدوه وكله الله إلى نفسه , فكان ذلك كالمانع من اخذ ~~الله له , فإذا توكل عليه فقد أزال ذلك المانع - . | ولما كان هذا مناديا ~~بعذابهم , وكان وصفهم بالنعمة مفهما لأنهم معتادون بالمآكل الطيبة , وكان ~~منع اللذيذ من المآكل لمن اعتاده لا يبلغ في نكاية النفس بحد نكاية البدن ~~إلا بعد تقدم إهانة , استأنف قوله بيانا لنوع ما أفهمه التهديد من مطلق ms5642 ~~العذاب , وأكد لأجل تكذيبهم : { إن } وأشار إلى شدة غرابته وجلالته وعظمته ~~وخصوصيته وتحقق حضوره بقوله : { لدينا } دون عندنا ولما كان أشد ما على ~~الإنسان منعه مما يريد من الانبساط به بالحركات , قال ذاكرا ما يضاد ما هم ~~فيه من النعمة والعز : { أنكالا } جمع نكل بالكسر وهو القيد الثقيل الذي ~~لايفك أبدا إهانة لهم لا خوفا من فرارهم , جزاء على تقييدهم أنفسهم ~~بالشهوات عن اتباع الداعي وإيساعهم في المشي في فضاء الأهوية . | ولما كان ~~ذلك - محرقا للباطن أتبعه حريق الظاهر فقال : { وجحيما * } أي نارا حامية ~~جدا شديدة الاتقاد بما كانوا يتقيدون به من تبريد الشراب , والتنعم برقيق ~~اللباس والثياب , وتكلف أنواع الراحة . | ولما أتم ما يقابل تكذيبهم , أتبه ~~ما يقابل النعمة فقال : { وطعاما ذا غصة } أي صاحب انتشاب في الحلق كالضريع ~~والزقوم يشتبك فيه فلا يسوغ : لا ينزل ولا يخرج بما كانوا يعانونه من تصفية ~~المآكل والمشارب , وإفراغ الجهد في الظفر بجميع المآرب . | ولما خص عم فقال ~~: { وعذابا أليما * } أي مؤلما شديد الإيلام لا يدع لهم عذوبة بشيء من ~~الأشياء أصلا بما كانوا يصفون به أوقاتهم ويكدرون على من يدعوهم إلى ما ~~ينفعهم بالخلاص من قيود المشاهدات والعروج من حضيض الشهوات إلى أوج ~~الباقيات الصالحات . | PageV08P211 ولما ذكر هذا العذاب ذكر ظرفه فقال : { ~~يوم ترجف } أي تضطرب وتتزلزل زلزالا شديدا { الأرض } أي كلها { والجبال } ~~التي هي أشدها . | ولما كان التقدير : فكانت الأرض قاعا صفصفا لا ترى فيها ~~عوجا ولا أمتا , عطف عليه قوله : { وكانت الجبال } أي التي هي مراسي الأرض ~~وأوتادها , وعبر عن شدة الاختلاط والتلاشي بالتوحيد فقال : { كثيبا } أي ~~رملا مجتمعا , فعيل بمعنى مفعول , من كثبه - إذا جمعه , ومادة كثب بتركيبها ~~كثب - وكبث تدور على الجمع مع القرب , وتلزمه القلة , فإن حقيقة القرب قلة ~~المسافة زمانا أو مكانا , والنعومة , من كثبت التراب : درسته , وكثب عليه - ~~بمعنى حمل أوكر , معناه قارب أن يخالطه , وكثيب الرمل : قطعه تنقاد محدودبة ~~- ناظر إلى القلة من معنى قطعا , وكل ما أنصب كذلك أيضا لأن الانصاب عادة ms5643 ~~يكون لما قل وأما نعم كثاب بتقديم الثاء وبتأخيرها أيضا أي كثير فجاءته ~~الكثرة من الصيغة , والكاثبة من الفرس هو أضيق موضع في عرضها , والكثبة من ~~الأرض : المطمئنة بين الجبال - لأنها تكون صغيرة غالبا , وكباث كسحاب : ~~النضيج من ثمر الأراك , وقيل : ما لم ينضج , وقيل : حمله إذا كان متفرقا , ~~فإن أريد النضيج منه فتسميته به لأنه مجتمع , وإن أريد ما لم ينضج فهو من ~~مقاربة النضج , وإن أريد المتفرق فلقرب بعضه من بعض لأن الأراك نفسه صغير ~~الشجر , وكبث اللحم - كفرح : بات مغموما فتغير أو أروح أي جمع على إنائه ~~الذي هو فيه إناء آخر , أو جمع ما هو فيه حتى تضايق فهو من الجمع لهذا , ~~وأما الكنبث كقنفذ والثاء مؤخرة : الصلب الشديد , فهو في الغالب من تجمع ~~أجزائه والقرب معا , وأما كثبت كنانته - بمعنى نكثها , فكان فعل استعمل هنا ~~للإزالة , أي أزال اجتماعها أو بمعنى أنه قربها نم رميه بتسييرها لسرعة ~~التناول . | ولما كان الكثيب ربما أطلق مجازا على ما ارتفع وإن لم يكن ~~ناعما قال : { مهيلا * } أي رملا سائراص رخويا لينا منثورا , من هاله إذا ~~نثره , وقال الكلبي : هو الذي إذا أخذت منه شيئا تبعك ما بعده , ولما ذكر ~~العذاب ووقته وقدمهما ليكون السامع أقبل لما يطلب منه , أتبعهما السبب فيه ~~مشيرا إلى ما به إصلاح أمر الآخرة التي فيها المعاد وإليها المنتهى والمآب ~~, فقال مؤكدا لأجل تكذيبهم : { إنا أرسلنا } أي بما لنا من العظمة { إليكم ~~} يا أهل مكة شرفا لكم خاصة , وإلى كل من بلغته الدعوة عامة { سولا } أي ~~جدا هو محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وإمامهم صلى الله عليه وسلم { ~~شاهدا عليكم } أي بما تصنعون ليؤدي الشهادة عند طلبها منه بما هو الحق يوم ~~ننزع من كل أمة شهيدا وهو يوم القيامة . | PageV08P212 ولما كانت هذه ~~السورة من أول ما نزل والدين ضعيف وأهله في غاية القلة والذلة ليعتبر بهم ~~من آل به أمره إلى أن كان في زمان صار فيه الدين غريبا كغربته إذ ms5644 ذاك , ~~وكان فرعون أعتى الناس في زمانه وأجبرهم , وأشدهم خداعا وأمكرهم وكان بنو ~~إسرائيل في غاية الذل له والطواعية لأمره , ومع ذلك فلما أرسل الله إليه ~~موسى عليه السلام الذي ذبح فرعون أبناء بني إسرائيل لأجل أن يكون في جملة ~~من ذبحه لأنه قيل له أنه يولد لبني إسرائيل مولود يكون هلاك القبط على يده ~~أظهره به وأهلكه على قوته وأنجى منه معه لا ينبغي أن يقاوي ولو أنه أضعف ~~الخلق , وتنبيها لهم على أن من كان الله معه لا ينبغي أن يقاوي ولو أنه ~~أضعف الخلق , وتنبيها لهم على الاعتبار بحال هذا الطاغية الذي يزيد عليهم ~~بالملك وكثرة الجنود والأموال : { كما أرسلنا } أي بما لنا من العظمة { إلى ~~فرعون } أي ملك مصر { رسولا * } ولعله نكره للتنبيه على أنه ليس من قوم ~~فرعون فلا مانع له منه من حميم ولا شفيع يطاع , ليعلم أنه من كانت له قبيلة ~~تحامي عنه أولى بالنصرة . | < < # | المزمل : ( 16 - 20 ) فعصى فرعون الرسول . . . . . # > > ^ ( فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا * فكيف تتقون إن كفرتم ~~يوما يجعل الولدان شيبا * السمآء منفطر به كان وعده مفعولا * إن هذه تذكرة ~~فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا * إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ~~ونصفه وثلثه وطآئفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه ~~فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ~~ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما ~~تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله ~~إن الله غفور رحيم ) ^ } ) | ولما كان الإرسال سببا للقبول أو الرد قال : { ~~فعصى فرعون } أي بما له من تعود الطباع { الرسول } أي الذي تقدم أنا ~~أرسلناه إليه فصار معهودا لكم بعد ما أراه من المعجزات البينات والآيات ~~الدامغات - بما أشار إليه مظهر العظمة , ولذلك سبب عن عصيانه قوله : { ~~فأخذناه ms5645 } أي بما لنا من العظمة , وبين أنه أخذ قهر وغضب بقوله : { أخذا ~~وبيلا * } أي ثقيلا شديدا متعبا مضيقا رديء العاقبة من قولهم : طعام وبيل - ~~إذا كان وخما لا يستمرأ أي لا ينزل في المري ولا يخف عليه , وذلك بأن ~~أهلكناه ومن معه أجمعين لم ندع منهم أحدا - وسيأتي إن شاء الله تعالى في ( ~~ألم نشرح ) قاعدة إعادة النكرة والمعرفة . | ولما علم بهذا أنه سبحانه شديد ~~الأخذ , وأنه لا يغني ذا الجد منه الجد , سبب عن ذلك قوله محذرا لهم ~~الاقتداء بفرعون : { فكيف تتقون } أي توجدون الوقاية التي تقي أنفسكم , ~~ولما كان التنفير من سبب التهديد أهم لأنه أدل على رحمة المحذر وأبعث على ~~اجتنابه , قال مشيرا بأداة الشك إلى أن كفرهم بالله مع ما نصب لهم من ~~الأدلة العقلية المؤيدة بالنقلية ينبغي أن لا يوجد بوجه , وإنما يذكر ينبغي ~~أن لا يوجد بوجه , وإنما يذكر على سبيل الفرض والتقدير : { إن كفرتم } أي ~~أوقعتم التسر لما غرس في فطركم من أنوار الدلائل القائدة إلى الإيمان ~~PageV08P213 فبقيتم على كفركم - على أن العبارة مشيرة إلى أنه عفا عنهم ~~الكفر الماضي فلا يعده عليهم رحمة منه وكرما ولا يعد عليهم إلا ما أوقعوه ~~بعد مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم { يوما } أي هو مثل في الشدة بحيث إنه ~~يقال فيه { يجعل } لشدة أهواله وزلزاله وأوجاله { الولدان } أي عند الولادة ~~أو بالقرب منها { شيبا } جمع أشيب وهو من ابيض شعره , وذلك كناية أن عن ~~كثرة الهموم فيه لأن العادة جارية بأنها إذا تفاقمت أسرعت بالشيب , والمعنى ~~إنكار أن يقدروا على أن يجعلوا لهم وقاية بغاية جهدهم تقيهم عذاب ذلك اليوم ~~الموصوف بهذا الهول الأعظم , وذلك حين يقول الله : ( يا آدم قم فابعث بعث ~~النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين ) وأسند الجعل إلى اليوم لكونه واقعا ~~فيه كما جعله المتقي , وإنما المتقي العذاب الواقع فيه . | ولما كان هذا ~~أمرا عظيما , صور أهواله زيادة في عظمه فقال : { السماء } أي على عظمها ~~وعلوها وشدة إحكامها . | ولما كان ms5646 المراد الجنس الشامل للكل ذكر فقال : { ~~منفطر } أي منشق متزايل من هيبة الرب تزايل المتفرط من السلك , ولو أنث لكل ~~ظاهرا في واحدة من السماوات , وفي اختيار التذكير أيضا لطيفة أخرى , وهي ~~إفهام الشدة الزائدة في الهول المؤدي إلى انفطاره ما هو في غاية الشدة لأن ~~الذكر في كل شيء اشد من الأنثى , وذلك كله تهويلا لليوم المذكور { به } أي ~~بشدة ذلك اليوم وباؤه للآله , ويجوز كونها بمعنى ( فيه ) أي يحصل فيه ~~التفطر والتشقق بالغمام ونزول الملائكة وغير ذلك من التساقط والهي على شدة ~~وثاقتها فما ظنك بغيرها . | ولما كان هذا عظيما , استأنف بيان هو انه ~~بالنسبة إلى عظمته سبحانه وتعالى فقال : { كان } أي على حال وبكل اعتبار { ~~وعده } أي وعد الله الذي تقدم ذكره في مظاهر العظمة , فالإضافة للمصدر على ~~الفاعل { مفعولا * } أي سهلا مفروغا منه في أي شيء كان , فكيف إذا كان بهذا ~~اليوم الذي هو محط الحكمة , أو الضمير لليوم فالإضافة إلى المفعول , إشارة ~~إلى أن الوعد الواقع به وفيه لا بد منه , ومعلوم أنه لا يكون إلا من الله . ~~| ولما كان ما مضى من هذه السورة من الأحكام والترغيب والترهيب مرشدا إلى ~~معالي الأخلاق منقذا من كل سوء , قال مستأنفا مؤكدا تنبيها على عظمها وأنها ~~مما ينبغي التنبيه عليه : { إن هذه } أي القطعة المتدقمة من هذه السورة { ~~تذكرة } أي تذكير عظيم PageV08P214 هو أهل لأن يتعظ به المتعظ ويعتبر به ~~المعتبر , ولا سيما ما ذكر فيها بأهل الكفر من أنواع العقاب . | ولما كان ~~سبحانه قد جعل للأإنسان عقلا يدرك به الحسن والقبيح , واختيارا يتمكن به من ~~اتباع ما يريد فلم يبق له مانع من جهة اختيار الأصلح والأحسن إلا قسر ~~المشيئة التي لا اطلاع له عليها ولا حيلة له فيها , سبب عن ذلك قوله : { ~~فمن شاء } أي التذكر للاتعاظ { اتخذ } أي أخذ بغاية جهده { إلى ربه } أي ~~خاصة , لا إلى غيره { سبيلا * } أي طريقا يسلبه حظوظه لكونه لا لبس فيه , ~~فيسلك على وفق ما جاءه من التذكرة ms5647 , وذلك الاعتصام حال السير بالكتاب ~~والسنة على وفق ما اجتمعت عليه الأمة , ومتى زاغ عن ذلك هلك . | < < # | المزمل : ( 16 - 20 ) فعصى فرعون الرسول . . . . . # > > ^ ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطآئفة من ~~الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما ~~تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من ~~فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند ~~الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) ^ } ) | ولما ~~كان ربما تغالى بعض الناس في العبادة وشق على نفسه ، وربما شق على غيره ، ~~أشار سبحانه وتعالى إلى الاقتصاد تخفيفا لما يلحق الإنسان من النصب ، مشيرا ~~إلى ما يعمل حالة اتصال الروح بالجسد وهي حالة الحياة ، لأن منفعتها التزود ~~من كل خير لما أدناه هو المقابر ، فإن الروح في غاية اللطافة ، والجسد في ~~غاية الكثافة ، لأنها من عالم الأمر ، وهو مايكون الإيجاد فيه بمرة واحدة ~~من غير تدريج وتطوير والجيد من عالم الأمر ، وهو ما يكون الإيجاد فيه بمرة ~~واحدة من غير تدريج وتطوير والجسد من عالم الخلق فهي غريبة فيه تحتاج إلى ~~التانيس وتأنيسها بكل ما يقربها إلى العالم الروحاني المجرد عن علائق ~~الأجسام ، وذلك بصرف القلب كله عن هذه الدنايا والتلبس بالأذكار والصلوات ~~وجميع الأعمال الصالحات ، فإن ذلك هو المعين على اتصالها بعالمها العالي ~~العزييز الغالي ، وأعون ما يكون على ذلك الحكمة ، وهي العدل في الأعمال ~~والاقتصاد في الأقوال والأفعال ، فقال مستأنفا الجواب عن تيسير السبيل ~~وبنائه على الحنيفية السمحة بحيث صار لا مانع منه إلا يد القدرة { إن ربك } ~~أي المدبر لأمرك على ما يكون إحسانا إليك ورفقا بك وبأمتك { يعلم أنك تقوم ~~} أي في الصلاة كما أمرت به أول السورة . | ولما كانت كثرة العمل ممدوحة ~~وقلته بخلاف ذلك ، استعار للأقل قوله : { أدنى } أي زمانا ms5648 أقل ، والآدنى ~~مشترك بين الأقرب ، والأدون للأنزل رتبة لأن كلا منهما يلزم منه ~~PageV08P215 قلة المسافة { من ثلثي الليل } في بعض الليالي { ونصفه وثلثه } ~~أي وأدنى من كل منهما في بعض الليالي - هذا على قراءة الجماعة ، والمعنى ~~على قراءة ابن كثير والكوفيين بالنصب تعيين النصف والثلث الداخل تحت الأدنى ~~من الثلثين ، وهو على القراءتين مطابق لما وقع التخيير فيه في أول السورة ~~بين قيام النصف بتمامه أو الناقص منه وهو الثلث أو الزائد عليه وه الثلثان ~~، أو الأقل من الأقل من النصف وهو الربع . | ولما ذكر سبحانه قيامه صلى ~~الله عليه وسلم ، أتبعه قيام أتباعه ، فقال عاطفا على الضمير المستكن يفي ~~تقوم وحسنه الفصل : { وطائفة } أي يقوم كذلك جماعة يفيها أهليبة التحلق ~~بإقبالهم عليك وإقبال بعضهم على بعض ، ولما كانت العادة أن الصاحب ربما ~~أطلق على من مع الإنسان بقوله دون قلبه عدل إلى قوله : { من الذين معك } أي ~~بأقوالهم وأفعالهم ، أي على الإسلام ، وكأنه اختار هذا دون أن يقول من ~~المسلمين لأنه يفهعم أن طائفة لم تقم فلم يرد أن يسميهم مسلمين ، والمعية ~~أعم . | ولما كان القيام - على هذا التفاوت مع الاجتهاد يفي السبق في ~~العبادة دالا على عدم العلم بالمقادير على ماهي عليه قال تعالى : { والله } ~~أي تقومون هكذا لعدم علمكم بالمقادير الساعات على التحرير والحال أن الملك ~~المحيط بكل شيء قدرة وعلمه وحده { يقدر } أي تقديرا عظيما ه فيغاية التحرير ~~{ الليل والنهار } فيعلم كل دقيقة منهما على ماه يعليه لأنه خالقهما ولا ~~يوجد شيء منهما إلا به { ألا يعلم من خلق } [ الملك : 14 ] | ولما علم من ~~هذا المشقة عليهم في قيام الليل على هذا الوجه علما وعملا ترجم ذلك بقوله : ~~{ علم } اي الله سبحانه { أ ، لن تحصوه } أي تطيقوا التقدير علما وعملا ، ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ' استقيموا ولن تحصوا ' { فتاب } أي فتسبب عن ~~هذا العمل أنه سبحانه رجع بالنسخ عما كان أوجب { عليكم } بالترخيص لكم في ~~ترك القيام المقدر أول السورة ، أي رفع التبعة عنكم في ms5649 ترك القيامن على ذلك ~~التقدير الذي قدره كما رفع عن النائب ، وكأنه سماه توبة وإن لم يكن ثم ~~معصية إشارة إلى أنه من شأنه لثقله أن يجر إلى المعصية . | ولما رفعه سبب ~~عنه أمرهم بما يسهل عليهم فقال معبرا عن الصلاة بالقراءة لأنها أعظم ~~أركانها إشارة إلى أن التهجد مستحب لا واجب : { فاقرءوا } أي يفي الصلاة ~~أمو غيرها في الليل والنهار { ما تيسر } أي سهل وهان إلى الغاية عليكم وزلا ~~انقاد لكم { من القرآن } في الكتاب الجامع لجميع ما ينفعكم ، قال القشيري : ~~من خمس آيات إلى ما زاد ، ويقال : من عشر آيات إلى ما يزيد ، قال البغوي : ~~قال قيس بن أبي PageV08P216 حازم : صليت خلف ابن عباس رضي الله عنهما ~~بالبصرة ، فقرأ في أول ركعة الحمد وأول آية من البقرة ، ثم قام في الثانية ~~فقرأ بالحمد والآية الثانية . وقيل : إنه أمر بالقراءة مجردة إقامة لها ~~مقام ما كان يجب عليهم من الصلاة بزيادة في التخفيف ، ولذلك روى أبو داود ~~وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله ~~عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' من قام بعشر آيات لم ~~يكتب من الغافلين ، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ، ومن قام بألف آية ~~كتا من المقنطرين ' قال المنذري : من سورة الملك إلى آخر القرآن ألف آية . ~~| ولما كان هذا نسخا لما كان واجبا من قيام الليل أول السورة لعلمه سبحانه ~~بعدم إحصائه ، فسر ذلك العلم المجمل بعلم مفصل بيانا لحكمة أخرى للنسخ ~~فثقال : { علم أن } أي أنه { سيكون } يعني بتقدير لا بد لكم منه { منكم ~~مرضى } جمع مريض ، وهذه السورة من أول ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم ، ~~ففي هذه البشارة بأ ، أهل الإسلام يكثرون جدا . | ولما ذكر عذر المريض وبه ~~| أنه لكونه أعم ولا قدرة للمريض على دفعه ، أتبعه السفر للتجارة لأنه يليه ~~في العموم ، فقال مبشرا مع كثرة أهل الإسلام باتساع الأرض لهم : { وآخرون } ~~أي غير المرضى { يضربون } أي ms5650 يوقعون الضرب { في الأرض } أي يسافرون لأن ~~الماشي بجد واجتهاد يضرب الأرض برجله ، ثم أستأنف بيان علة الضرب بقوله : { ~~يبتغون } أي يطلبون طلبا شديدا ، وأشار إلى سعة ما عند الله بكونه فوق ~~أمانيهم فقال : { من فضل الله } أي بعض ما أوجده الملك الأعظم لعباده ولا ~~حاجة به إليه بوجه من الربح في التجارة أو تعلم العلم { وآخرون } أي منكم ~~أيها المسلمون { يقاتلون } أي يطلبون ويوقعون قتل أعداء الله ، ولذلك بينه ~~بقوله : { في سبيل الله } أي ذلك القتل مظروف لطريق الملك الأعظم ، ليزول ~~عن سلوكه المانع لقتل قطاع الطريق المعنوي والحسي ، وأظهر ولم يضمر تعظيما ~~للجهاد ولئلا يلبس بالعود إلى المتجر ، وهو ندب لنا من الله إلى رحمة ~~العباد والنظر في أعذارهم ، فمن لا يرحم لا يرحم ، قال الغوي : روى إبراهيم ~~عن ابن مسعود رضي اله عنه قال : أيما رجل جلب شيئا من مدينة من مدائن ~~المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله بمنزلة الشهداء ، ثم ~~قرأ عبد الله { وآخرون يضربون في الأرض يبتغون } [ المزمل : 20 ] الآية . ~~وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال : ما خلق الله موتة أموتها بعد ~~القتل في سبيل الله أحب إلي من أن أموت بين شعبتي رجل أضرب في الأرض أبتغي ~~من فضل الله . PageV08P217 | ولما كانت هذه أعذارا أخرى مقتضية للترخيص أو ~~أسبابا لعدم الإحصاء ، رتب عليها الحكم السابق ، فقال مؤكدا القراءة بيانا ~~لمزيد عظمتها : { فاقرءوأ } أي كل زاحد منكم { ما تيسر } أي لمن { منه } أي ~~القرآن ، أضمره إعلاما بأنه عين السابق ، فصار الواجب قيام شيء من على وجه ~~التيسير ، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس ، ولما كان صالحا لأن يراد به الصلاة ~~لكونه أعظم أركانها ، وأن يراج به نفسه من غير صلاة زيادة في التخفيف ، قال ~~ترجيحا لإرادة هذا الثاني أو تنصيصا على إرادة الأول : { وأقيموا } أي ~~أوجدوا إقامة { الصلاة } الكتوبة بجيمع الأمور التي تقوم بها من أركانها ~~وشروطها ومقدماتها ومتممماتها وهيئاتها ومحسناتها ومكملاتها . | ولما ذكر ~~بصفة الخالق التي هي أحد ms5651 عمودي الإسلام البدني والمالي ، أتبعها العمود ~~الآخر وهو الوصلة بين الخلائق فقال : { وآتوا } من طيب أموالكم التي أنعمنا ~~بها عليكم { الزكاة } أي المفروضة ، ولما كان المراد الواجب المعروف ، ~~أتبعه سائر الإنفاقات المفروضة والمندوبة ، فقال : { وأقرضوا الله } أي ~~الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال التي منها الغنى المطلق ، من ~~أبدانكم وأموالكم في أوقات صحتكم ويساركم { قرضا حسنا } من نوافل الخيرات ~~كلها في جميع شرعه برغبة تامة وعلى هيئة جميلة في ابتدائه وانتهائه وجميع ~~أحواله ، فإنه محفوظ لكم عنده مبارك فيه ليرده عليكم مضاعفا أحوج ما تكونون ~~إليه . | ولما كان هذا الدين جامعا ، وكان القرآن حكيما لأن منزلة له صفات ~~الكمال فأمر في هذه الجمل بأمهات الأعمال اهتماما بها ، أتبع ذلك أمرا عاما ~~بجميع شرائع الدين فقال : { وما تقدموا } وحث على إخلاص النية بقوله : { ~~لأنفسكم } أي خاصة سلفا لأجل ما بعد الموت لا تقدرون على الأعمال { من خير ~~} أي أي خير كان من عبادات البدن والمال { تجدوه } محفوظا لكم { عند الله } ~~أي المحيط بكل سيء قدرة وعلما { هو } أي لا غيره { خيرا } أي لكم ، وجاز ~~وقوع الفصل بين غير معرفتين لأن ' أفعل من ' كالمعرفة ، ولذلك يمنع دخول ~~أداة التعريف عليها . | ولما كان كل من عمل خيرا جوزي عليه سواء كان عند ~~الموت أو في الحياة سواء كان كافرا أو مسلما مخلصا أو لا ، إن كان مخلصا ~~كان جزاؤه في الآخرة ، وإلا ففي الدنيا ، قال : { وأعظم أجرا } أي مما لمن ~~أوصى في مرض الموت ، وكان بحيث يجازي به الدنيا . | ولما كان الإنسان إذا ~~عمل ما يمدح عليه ولا سيما إذا كان المادح له ربه ربما أدركه الإعجاب ، بين ~~له أنه لا يقدر بوجه على أن يقدر الله حق قدره ، فلا يزال مقصرا ~~PageV08P218 فلا يسعه إلا العفو بل الغفر فقال حاثا على أن يكون ختام ~~الأعمال بالاستغفار والاعتراف بالتقصير في خدمة المتكبر الجبار مشيرا إلى ~~حالة انفصال روحه عن بدنه وأن صلاحها الراحة من كل شر : { واستغفروا الله } ~~أي اطلبوا وأوجدوا ستر الملك ms5652 الأعظم الذي لا تحيطون بمعرفته فكيف بأداء حق ~~خدمته لتقيركم عينا وأثرا بفعل ما يرضيه واجتناب ما يسخطه . | ولما علم من ~~السياق ومن التعبير بالاسم الأعظم أنه سبحانه بالغ العظمة إللى حد يؤيس من ~~إجابته ، علل الأمر بقوله مؤكدا تقريبا لما يستبعده من يستحضر عظمته سبحانه ~~وشدة انتقامه وقوة بطشه ' { إن الله } وأظهر إعلالما بأن صفاته لا تقصر ~~آثارها على المستغفرين ولا على مطلق السائلين { غفور } أي بالغ الستر ~~لأعيان الذنوب وآثارها حتى لا تكون عليها عتاب ولا عقاب { رحيم } أي بالغ ~~الإكرام بعد الستر إفضالا وإحسانا وتشريفا وامتنانا وقد اشتملت هذه السورة ~~على شرح قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما أوتي من جوامع الكلم ' اللهم ~~أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي وأصلح لي ~~آخرتي التي إليها منقلبي واجعل الحياة زيادة لي في كل خير واجعل الموت راحة ~~لي من كل شر ' كما أشير إلى كل جملة منها في محلهعنا ، ولقد رجع آخر السورة ~~- بالترغيب في العمل وذكر جزائه - على أولها الأمكر بالقيام بين ييديه ~~وبإشارة الاستغفار إلى عظمم المقام وإن جل العمل ودام وإن كان بالقيام في ~~ظلام الليالي والناس نيام ، فسبحان من له هذا الكلام المعجز لسائر الأنام ~~لأحاطته بالجلال والإكرام ، فسبحانه من إله جابر القلوب المنكسرة . | ~~PageV08P219 < # > سورة المدثر < # > | مقصودها الجد والاجتهاد في الإنذار بدار البوار لأهل الاستكبار ، ~~وإثبات البعث في أ ، فس المكذبين الفجار ، والإشارة بالبشارة لأهل الادكار ~~، بحلم العزيز الغفار ، واسمها المدثر أدل مافيها على ذلك ، وذلك واضح لمن ~~تأمل النداء والمنادى به والسبب { بسم الله } الملك الأعلى الواحد القهار { ~~الرحمن } الذي عم بنعمتي الإيجاد والبيان الأبرار والفجار { الرحيم } الذي ~~خص أهل أصفيائه بالاستبصار ، والتوفبق إلى ما يوصل إلى دار القرار . < < # | المدثر : ( 1 - 10 ) يا أيها المدثر # > > ^ ( يأيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز ~~فاهجر * ولا تمنن تستكثر * ولربك فاصبر * فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ ~~يوم عسير * على الكافرين غير يسير ) ^ } ) | ولما ختمت ( المزمل ) بالبشارة ms5653 ~~لأرباب البصارة بعدما بدئت بالاجتهاد في الخدمة المهيىء للقيام بأعباء ~~الدعوة , افتتحت هذه بمحط حكمة الرسالة وهي النذارة لأصحاب الخسارة , فقال ~~معبرا بما فيه بشارة بالسعة في المال والرجال والصلاح وحسن الحال في الحال ~~والمآل , ومعرفا بأن المخاطب في غاية اليقظة بالقلب وإن ستر القالب : { يا ~~أيها المدثر * } المشتمل بثوبه , من تدثر بالثوب : اشتمل به , والدثار - ~~بالكسر ما فوق الشعار من الثياب , والشعار ما لاصق البدن ( الأنصار شعار ~~والناس دثار ) والدثر : المار الكثير , ودثر الشجر : أورق , وتدثير الطائر ~~: إصلاحه عشه , والتعبير بالأداة الصالحة للقرب والبعد يراد به غاية القرب ~~بما عليه السياق وإن كان التعبير بالأداة فيه نوع ستر لذلك مناسبة للتدثر , ~~واختير التعبير بها لأنه لا يقال بعدها إلى ما جل وعظم من الأمور , وكان ~~الدثار لم يعم بدنه الشريف بما دل عليه التعبير بالإدغام دون الإظهار الدال ~~على المبالغة لأن المراد إنما كان ستر العين ليجتمع القلب , فيكفي في ذلك ~~ستر الرأس وما قاربه من البدن , والإدغام شديد المناسبة للدثار . | ~~PageV08P220 ولما كان في حال تدثره قد لزم موضعا واحدا فلزم من ذلك إخفاء ~~نفسه الشريفة , أمره صلى الله عليه وسلم بالقيام , وسبب عنه الإنذار إشارة ~~إلى أن ما يراد به من أنه يكون أشهر الخلق بالرسالة العامة مقتض لتشمير ~~الذيل والحمل على النفس بغاية الجد والاجتهاد اللازم عنه كثرة الانتشار , ~~فهو مناف للتدثر بكل اعتبار فقال : { قم } أي مطلق قيام , ولا سيما من محل ~~تدثرك بغاية العزم والجد . | ولما كان الأمر عند نزول هذه السورة في أوله ~~والناس قد عمهم الفساد , ذكر أحد وصفي الرسالة إيذانا بشدة إليه فقال مسببا ~~عن قيامه : { فأنذر } أي فافعل الإنذار لكل من يمكن إذناره فأنذر من كان ~~راقدا في غفلاته , متدثرا بأثواب سكراته , لاهيا عما أماه من أهوال يوم ~~القيامة , وكذا من كان مستيقظا ولكنه متدثر بأثواب تشويفاته وأغشيته فتراته ~~, فإنه يجب على كل مربوب أن يشكر ربه وإلا عاقبه بعناده له أو غفلته عنه ~~بما أقله الإعراض عنه , وحذف المفعول إشارة ms5654 إلى عموم الإنذار لكل من يمكن ~~منه المخالفة عقلا وهم جميع الخلق , وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان نزل ~~عليه جبريل عليه لاسلام ب < # > 77 ( { اقرأ باسم ربك } ) 77 < # > [ العلق : 1 ] ونحوها فكان بذلك نبيا ثم نزلت عليه هذه الآية فكان بها ~~رسولا , وذلك أنه نودي وهو في جبل حراء , فلما سمع الصوت نظر يمينا وشمالا ~~فلم ير شيئا , فرفع رأسه فإذا جبريل عليه الصلاة والسلام جالس على عرش بين ~~السماء والأرض , ففرق من ذلك أشد الفرق , فبادر المجيء إلى البيت ترجف ~~بوادره وقال : ( دثروني دثروني , لقد خشيت على نفس , صبوا علي ماء باردا ) ~~. | ولما كان الإنذار يتضمن مواجهة الناس بما يكرهون , وذلك عظيم على ~~الإنسان , وكان المفتر عن اتباع الداعي أحد أمرين : تركه مما يؤمر به , ~~وطلبه عليه الأجر , كما أن الموجب لاتباعه عمله بما دعا إليه , وبعده عن ~~أخذ الأجر عليه , أمره بتعظيم نم أرسله سبحانه فإنه إذا عظم حق تعظيمه صغر ~~كل شيء دونه , فهان عليه الدعاء وكان له معينا على القبول فقال : { وربك } ~~أي المربي لك خاصة { فكبر * } أي وقم فتسبب عن قيامك بغاية الجد والاجتهاد ~~أن تصفه وحده بالكبرياء قولا واعتقادا على كل حال , وذلك تنزيهه عن الشرك ~~أول كل شيء , وكذا عن كل ما لا يليق به من وصل وفصل , ومن سؤال غيره , ~~والاشتغال بسواه . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ملاءمتها لسورة ~~المزمل واضحة , واستفتاح PageV08P221 السورتين من نمط واحد , وما ابتدئت به ~~كل واحدة منهما من جليل خطابه عليه الصلاة والسلام وعظيم تكريمه < # > 77 ( { يا أيها المزمل } ) 77 < # > [ المزمل : 1 ] { يا أيها المدثر } [ المدثر : 1 ] والأمر فيهما بما ~~يخصه < # > 77 ( { قم اليل إلا قليلا نصفه } ) 77 < # > [ المزمل : 2 - 3 ] الآي , وفي الآخرى { قم فانذر وربك فكبر } [ المدثر ~~: 2 - 3 ] أتبعت في الأولى بقوله : < # > 77 ( { فاصبر على ما يقولون } ) 77 < # > [ المزمل : 10 ] وفي الثانية بقوله { ولربك فاصبر } [ المدثر : 7 ] وكل ~~ذلك قصد واحد , واتبع أمره بالصبر في الزمل بتهديد الكفار ووعيدهم < # > 77 ( { وذرني ms5655 والمكذبين } ) 77 < # > [ المزمل : 11 ] الآيات , وكذلك في الأخرى < # > 77 ( { ذرني ومن خلقت وحيدا } ) 77 < # > [ المدثر : 11 ] الآيات , فالسورتان واردتان في معرض واحد وقصد متحد - ~~انتهى . | ولما كان تنزيه العبد عن الأدناس لأجل تنزيه المعبود , قال آمرا ~~بتطهير الظاهر والباطن باستكمال القوة النظرية في تعظيمه سبحانه ليصلح أن ~~يكون من أهل حضرته وهو أول مأمور به من رفض العادات المذمومة : { وثابك ~~فطهر * } أي وقم فخص ثيابك الحسية بإبعادها عن النجاسات بمجانبة عوائد ~~المتكبرين من تطويلها , وبتطهيرها لتصلح للوقوف في الخدمة بالحضرة القدسية ~~, والمعنوية وهل كل ما اشتمل على العبد من الأخلاق المذمومة والعوائد ~~السقيمة من الفترة عن الخدمة والضجر والاسترسال مع شيء من عوائد النفس , ~~وذلك يهون باستكمال القوة النظرية . | ولما أمر بمجانبة الذر في الثياب ~~وأراد الحسية والمعنوية , وكان ذلك ظاهرا في الحسية , وجعل ذلك كناية عن ~~تجنب الأقذار كلها لأن من جنب ذلك ملبسه أبعده عن نفسه من باب الأولى , حقق ~~العموم وأكد فقال : { والرجز } أي كل قذر فإنه سبب الدنايا التي هي سبب ~~العذاب , قال في القاموس : الرجز بالكسر والضم : القذر وعبادة الأوثان ~~والعذاب والشرك . | { فاهجر * } أي جانب جهارا وعبادة , ليحصل لك الثواب ~~كما كنت تجانبها سرا وعادة , فحصل لك الثناء الحسن حتى أن قريشا إنما تسميك ~~الأمين ولا تناظر لك أحدا منها . | ولما بدأ بأحد سببي القبول , أتبعه ~~الثاني المبعد عن قاصمة العمل من الإعجاب والرياء والملل فقال : { ولا تمنن ~~} أي على أحد بدعائك له أو بشيء تعطيه له على جهة الهبة أو القرض بأن تقطع ~~لذة من أحسنت إليه بالتقيل عليه بذكرك على جهة الاستعلاء والاستكثار بما ~~فعلته معه , أو لا تعط شيئا حال كونك { تستكثر * } أي تطلب أن تعطي أجرا أو ~~أكثر مما أعطيت - قاله ابن عباس رضي الله عنهما , وهو من قولهم , من - إذا ~~اعطى , وذلك لأنه الأليق بالمعطي من الخلق أن يستقل ما أعطى , ويشكر الله ~~الذي وفقه له , وبالآخذ أن يستكثر ما أخذ , فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن لا يفعل ms5656 شيئا لعلة أصلا , بل لله PageV08P222 خالصا , فإنه إذا زال ~~الاستكثرا حصل الإخلاص , لأنه لا يتعلق همه بطلب الاستمثال , فكيف ~~بالاستقلال , فيكون العمل في غاية الخلوص لا يقصد به ثوابا أصلا , ولا يراد ~~لغير وجه الله تعالى , وهذا هو النهاية في الإخلاص . | ولما كان الإنذار ~~شديدا على النفوس يحصل به من المعالجات ما الموت دونه , لأن ترك المألوفات ~~أصعب شيء على النفوس , وكذا ترك الفوائد , قال أمرا بالتحلي بالعاصم بعد ~~التخلي عن القاصم , معلما بأن الأذى من المنذرين أمر لا بد منه فيدخل في ~~الطاعة على بصيرة , فاقتضى الحال لذلك أن الإنذار يهون بالغنى عن الفانين ~~والكون مع الباقي وحده , فأشار إلى ذلك بتقديم الإله معبرا عنه بوصف ~~الإحسان ترغيبا فقال : { ولربك } أي المحسن إليك , المربي لك , المدبر ~~لجميع مصالحك وحده { فاصبر * } أي على مشاق التكاليف أمرا ونهيا وأذى ~~المشركين وشظف العيش وجميع البلايا , فإنه يجزل عطاءك من خير الدارين بحيث ~~لا يحوجك إلى أحد , ويحوج الناس إليك , ويهون عليك حمل المشاق في الدارين ~~ولا سيما أمر يوم البعث , فإن من حمل العمل في الدنيا حمله العمل في الآخرة ~~. | ولما كان المقام للإنذار , وكان من رد الأوامر تكذيبا كفر , ومن تهاون ~~بها من أطاع ولا شكر , حذر من الفتور عنها بذكر ما للمكذب بها , فقال مسببا ~~عن ذلك باعثا على اكتساب الخيرات من غير كسل ولا توقف , مذكرا بن الملك ~~التقم القرن وأصغى بجبهته انتظارا للأمر بالنفخ , مشيرا بالبناء للمفعول ~~إلى هوانه لديه وخفته عليه مؤذنا بأداة التحقق أنه لا بد من وقوعه : { فإذا ~~نقر } أي نفخ وصوت بشدة وصلاة ونفوذ وإنكاء { في الناقور * } أي الصور وهو ~~القرن الذي إسرافيل عليه السلام ملتقمه الآن وهو مصغ لانتظار الأمر بالنفخ ~~فيه للقيامة , ويجوز أن يراد الأيام التي يقضي فيها بالذل على الكافرين ~~كيوم بدر والفتح وغيرهما كما جعلت الساعة والقيامة كناية عن الموت , فقال ~~صلى الله عليه وسلم : ( من مات فقد قامت قيامته ) عبر عنه بالنقر إشارة إلى ~~أنه في شدته كالنقر ms5657 في الصلب فيكون عنه صوت هائل , وأصل النقر القرع الذي ~~هو سبب الصوت فهو أشد من صدعك لهم بالإنذار للحذار من دار البوار , فهنالك ~~ترد الأرواح إلى أجسادها , فيبعث الناس فيقومون من قبورهم كنفس واحدة , ~~وترى عاقبة الصبر , ويرى أعداؤك عاقبة الكبر , والتعبير فيه بصيغة المبالغة ~~وجعله فاعلا كالجاسوس إشارة إلى زيادة العظمة حتى كأنه هو الفاعل على هيئة ~~هي في غاية الشدة والقوة , وحذر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله ~~عنهم من النفخ في الصور وقربه فقالوا : ( كيف نقول يا رسول الله ؟ قال : ~~قولوا حسبنا PageV08P223 الله ونعم الوكيل ) ويجوز أن يكون التسبب عن الأمر ~~بالصبر , أي اصبر فلنأخذن بثأرك في ذلك اليوم بما يقر عينك , فيكون تسلية ~~له صلى الله عليه وسلم وتهديدا لهم . | ولما ذكر هذا الشرط هل ( ؟ ) الذي ~~صوره بصوره هائلة , أجابه بقوله : { فذلك } أي الوقت الصعب الشديد العظيم ~~الشدة جدا البالغ في ذلك مبلغا يشار إليه إشارة ما هو أبعد بعيد , وهو وقت ~~النقر , ثم أبدل من هذا المبتدأ زيادة في تهويله قوله : { يومئذ } أي وقت ~~إذ يكون النقر الهائل { يوم عسير * } أي بالغ العسر { على الكافرين } أي ~~الذين كانوا يتسهينون بالإنذار ويعرضون عنه لأنهم راسحون في الكفر الذي هو ~~ستر ما يجب إظهاره نم دلائل الوحدانية , ولما كان العسر قد يطلق على الشيء ~~وفيه يسر من بعض الجهات أو يعالج فيرجع يسيرا , بين أنه ليس كذلك بقوله : { ~~غير يسير * } فجمع فيه بين إثابت الشيء ونفي ضده تحقيقا لأمره ودفعا للمجاز ~~عنه وتأييدا لكونه ولأنه غير منقطع بوجه , وتقييده بالكافرين يشعر بتيسره ~~على المؤمنين . | < < # | المدثر : ( 11 - 17 ) ذرني ومن خلقت . . . . . # > > ^ ( ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا * وبنين شهودا * ~~ومهدت له تمهيدا * ثم يطمع أن أزيد * كلا إنه كان لآياتنا عنيدا * سأرهقه ~~صعودا ) ^ } ) | ولما آذن هذا بأن أكثر الخلق يوافى يوم القيامة على كفره ~~وخبث طويته وسوء أمره وكان ذلك مما يهم لشفقته صلى الله عليه وسلم على ~~الخلق , ولما يعلم من نصبهم ms5658 للعداوة , هون أمرهم عليه وحقر شأنهم لديه ~~بوعده بالكفاية بقوله مستأنفا منبها على أسباب الهلاك التي أعظمها الغرور ~~وهو شبهة زوجتها شهوة : { ذرني } أي أتركني على أي حالة اتفقت { ومن } أي ~~مع كل من { خلقت } أي أوجدت من العدم وأنشأت في أطوار الخلقة , حال كونه { ~~وحيدا * } لا مال له ولا ولد ولا شيء , وحال كوني أنا واحدا شديد الثبات في ~~صفة الوحدانية لم يشاركني في صنعه أحد فلم يشكر هذه النعمة بل كفرهم بالشرك ~~بالله سبحانه القادر على إعدامه بعد إيجاده . | ولما كانالمطغى للإنسان ~~المكنة التي قطب دائرتها المال قال : { وجعلت له } أي بأسباب أوجدتها أنا ~~وحدي لا حول منه ولا قوة بدليل أن غيره أقوى منه بدنا وقلبا وأوسع فكرا ~~وعقلا وهو دونه في ذلك { مالا ممدودا * } أي مبسوطا واسعا ناميا كثيرا ~~PageV08P224 جدا عاما لجميع أوقات وجوده , والمراد به كما يأتي الوليد بن ~~المغيرة , قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان له بين مكة والطائف إبل وحجور ~~ونعم وجنان وعبيد وجوار . | ولما كان أول ما يمتد إليه النفس بعد كثرة ~~المال الولد , وكان أحب الولد الذكر , قال : { وبنين } ولما كان الاحتياج ~~إلى فراقهم ولو زمناا يسيرا شاقا , وكان ألزمهم له وأغناهم عن الضرب في ~~الأرض نعمة أخرى قال : { شهودا * } أي حضورا معه لغناه عن الأسفار بكثرة ~~المال وانتشار الخدم وقوة الأعوان , وهم مع حضورهم في الذروة من الحضور ~~بتمام العقل وقة الحذف , قهم في غاية المعرفة بما يزيدهم الاطلاع عليه ~~حيثما أرادهم وجدهم وتمتع بلقياهم , ومع ذلك فيهم أعيان المجالس وصدور ~~المحافل كأنه لا شاهد بها غيرهم , منهم خالد الذي من الله بإسلامه , فكان ~~سيف الله تعالى وسيف رسوله صلى الله عليه وسلم . | ولما كان هذا كناية عن ~~سعة الرزق وعظم الجاه , وكان من بسط له في المال والولد والجاه تتوق نفسه ~~إلى إتمام ذلك بالحفظ والتيسير , قال مستعطفا لما كان هكذا بالتذكير بنعمه ~~: { ومهدت } أي بالتدريج والمبالغة { له } أي وطأت وبسطت وهيأت في الرئاسة ~~بأن جمعت له إلى ms5659 ملك الأعيان ملك المعاني التي منها القلوب , وأطلت عمره , ~~وأزلت عنه موانع الرغد في العيش , ووفرت أسباب الوجاهة له حتى دان لذلك ~~الناس , وأقام ببلده مطمئنا يرجع إلى رأيه الأكابر , قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : وسعت له ما بين اليمين إلى الشام فأكملت له من سعادة الدنيا ما ~~أوجب التفرد في زمانه من أهل بيته وفخذه بحيث كان يسمى الوحيد وريحانة قريش ~~فلم يزع هذه النعمة العظيمة : وأكد ذلك بقوله : { تمهيدا * } . | ولما كان ~~قد فعل به ذلك سبحانه , فأورثته هذه النعمة من البطر والاستكبار على من ~~خلوه فيها ضد ما كان ينبغي فيها ضد ما كان ينبغي له من الشكر والازدجار , ~~قال محققا أنه سبحانه هو الذي وهبها له وهو الواحد القهار , مشيرا بأداة ~~التراخي إلى استبعاد الزيادة له على حالته هذه من عدم الشكر : { ثم } أي ~~بعد الأمر العظيم الذي ارتكبه من تكذيب رسولنا صلى الله عليه وسلم { يطمع } ~~أي بغير سبب يدلي به إلينا مما جعلنا سبب المزيد من الشكر : { أن أزيد * } ~~أي فيما آتيته من دنياه أو آخرته وهو يكذب رسولي صلى الله عليه وسلم . | ~~ولما كان التقدير : إنه ليطمع في ذلك لأن المال والجاه يجران الشرف والعظمة ~~بأيسر سعي , هذا هو المعروف المتداول المألوف , استأنف زجره عن ذلك بمجامع ~~الزجر : علما من أعلام النبوة , وبرهانا قاطعا على صحة الرسالة , فقال ما ~~لا يصح أن يقوله غيره سبحانه لأنه مع أنه لا تردد فيه ولا افتراء طابع ~~الواقع , فلم يزد بعد ذلك PageV08P225 شيئا , بل لم يزل في نقصان حتى هلك ~~وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا , لا مبدل لكلماته { كلا } أي وعزتنا وجلالنا لا ~~تكون له زيادة على ذلك أصلا , وأما النقصان فسيرى إن استمر على تكذيبه ~~فليرتدع عن هذا الطمع , وليزدجر وليرتجع , فإنه حمق محض وزخرف بحت , وغرور ~~صرف , ولما ردعه هذا الردع المقتضي ولا بد للإذعان وصادق الإيمان ممن لم ~~يستول عليه الحرمان , علله بقوله مؤكدا لإنكارهم العناد والمعاد : { إنه } ~~أي هذا الموصوف { كان } بخلق ms5660 كأنه جبلة له وطبع لا يقدر على الانفكاك عنه { ~~لآياتنا } على مالها من العظمة خاصة لكونها هادية إلى الوحدانية , لا ~~لغيرها من الشبه القائدة إلى الشرك { عنيدا * } أي بالغ العناد على وجه لا ~~يعد عناده لغيرها وبسبب مزيد قبحه عنادا , والعناد - كما قال الملوي : من ~~كبر في النفس أو يبس في الطبع أو شرائة في الأخلاق أو خبل في العقل , وقد ~~جمع ذلك كله إبليس , لأنه خلق من نار . | وهي من طبعها اليبوسة وعدم ~~الطواعية , وحقيقته ميل عن الجادة , ومجاوزة للحد مع الإصرار واللزوم , ~~ومنه مخالفة الحق مع المعرفة بأنه الحق . | ولما كان هذا محرا للتشوف إلى ~~بيان هذا الردع , وكان العناد غلظة في الطبع وشكاسة في الخلق يوجب النكد ~~والمشقة جعل جزاءه من جنسه فقال : { سأرهقه } أي ألحقه بعنف وغلظة وقهر ~~إلحاقا يغشاه ويحيط به بوعيد لا خلف فيه { صعودا * } أي شيئا من الدواهي ~~والأنكاد كأنه عقبة , فإن الصعود لغة العقبة شاق المصعد جدا , وروي الترمذي ~~عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جبل من نار ~~يتصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي , وفي رواية : أنه كلما وضع يده في معالجة ~~الصعود ذابت , فإذا رفها عادت وكذا رجله , وقال الكلبي : إنه صخرة ملساء في ~~النار يكلف أن يصعدها بجذب من أمامه بسلاسل الحديد , ويضرب من خلفه بمقامع ~~الحديد فيصعدها في أربعين عاما , فإذا بلغ ذروتها أسقط إلى أسفلها ثم يكلف ~~أن يصعدها , فذلك دأبه أبدا . | < < # | المدثر : ( 18 - 25 ) إنه فكر وقدر # > > ^ ( إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ثم عبس ~~وبسر * ثم أدبر واستكبر * فقال إن هذآ إلا سحر يؤثر * إن هذآ إلا قول البشر ~~) ^ } ) | ولما حصل التشوف إلى بعض ما عاند به الآيات , قال مبينا لذلك ~~مؤكدا لاستبعاد العقلاء لما صنع لبعده عن الصواب ومعرفة كل ذي لب أنه كذب : ~~{ إنه } أي هذا العنيد { فكر } أي ردد فكره وأداره تابعا لهواه لأجل الوقوع ~~على شيء يطعن به في ms5661 القرآن { وقدر * } أي أوقع تقديرا للأمور التي يطعن بها ~~فيه وقاتيها في نفسه ليعلم أيها أقرب إلى القولز ولما كان تفكيره وتقديره ~~قد أوقع غيره في الهلاك بمنعه من حياة الإيمان أصيب هو بما منعه من حياة ~~نافعة في الدارين , وذلك هو الهلاك الدائم . | ولما كان PageV08P226 الضار ~~إنما هو الهلاك لا كونه من معين , سبب عن ذلك بانيا للمفعول قوله مخبرا ~~وداعيا دعاء مجابا لا يمكن تخلفه : { فقتل } أي هلك ولعن وطرد في دنياه هذه ~~. | ولما كان التقدير غاية التفكير , وكان التفكير ينبغي أن يهديه إلى ~~الصواب فقاده إلى الغي , عجب منه فقال منكرا عليه معبرا بأداة الاستفهام ~~إشارة إلى أنه مما يتعجب منه ويسأل عنه : { كيف قدر * } أي على أي يفية ~~أوقع تقديره هذا , وإذا أنكر مطلق الكيفية لكونها لا تكاد لبطلانها تتحق , ~~كان إنكار الكيف أحق . | ولما كان وقوعه في هذا الطعن عظيما جدا لما فيه من ~~الكذب المفضوح ومن معاندة من هو القوي المتين المنتقم القهار العظيم ومن ~~غير ذلك من الوجوه المبعدة عن الوقوع فيه , أكد المعنى زجرا عن مثله وحثا ~~على التوبة منه , فقال معبرا بأداة البعد دلالة على عظمة هذا القتل ~~بالتعبير بها وبالتكرار : { ثم قتل } أي هلك ولعن هذا العنيد هلاكا ولعنا ~~هو في غاية العظمة فيما بعد الموت في البرزخ والقيامة { كيف قدر * } ولما ~~كان الماهر بالنظر إذا فكر وصحح فكره نظر في لوازمه قال مشيرا إلى طول ~~ترويه : { ثم نظر * } أي فيما يدعف به أمر القرآن مرة بعد أخرى , وفي ذلك ~~إشارة إلى قبح أفعاله , فظهور الحق له مع إصراره فإن تكرار النظر في الحق ~~لا يزيده على كل حال إلا ظهورا وفي الباطل لا يزيده إلا ضعفا وفتورا . | ~~ولما كان من فعل كذلك فظهر له فساد رأيه ووقف مع حظ نفسه يصير يعبس ويفعل ~~أشياء تتغير لها خلقته من غير اختياره قال : { ثم عبس } أي قطب وجهه وكلح ~~فتربد وجهه مع تقبض جلده ما بين العينين بكراهة شديدة كالمتهم المتفكر ms5662 في ~~شيء وهو لا يجد في فرجا لأنه ضاقت عليه الحيل لكونه لم يجد فيما جاء به ~~النبي صلى الله عليه وسلم مطعنا { وبسر * } اتباع لعبس تأكيدا لها , وربما ~~أفهمت أنه سبر ما قاله ووزنه بميزان الفكر وتتبعه تتبعا مفرطا حتى رسخت فيه ~~قدمه , كذا قالوا إنها اتباع إن أريد به التأكيد وإلا فقد وردت مفردة , قال ~~في القاموس : بسر - إذا عبس , وبسر الحاجة : طلبها في غير أوانها , وبسر ~~الدين : تقاضاه قبل محله , فكأنه لما طال عليه التفكير صار يستعجل حصوله ~~إلى مراده , ويقال : بسر - إذا ابتدأ الشيء , فكأنه لما عبس خطر له السحر ~~فابتدأ في إبداء ما سنح له من أمره , قال ابن برجان : البسور هيئة في الوجه ~~تدل على تحزن في القلب . | ولما كان هذا النظر على هذا الوجه أمدح شيء ~~للمنظور فيه إذا لم يوصل منه إلى طعن , وكان ظاهره إنه لتطلب الحق , فكان ~~الإصرار معه على الباطل في غاية البعد , قال دالا على ذلك من المدح وعدم ~~وجدان الطعن معبرا بأداة البعد : { ثم } أي بعد هذا التروي العظيم { أدبر } ~~أي عما أداه إليه فكره من الإيمان بسلامة المنظور فيه وعلوه عن PageV08P227 ~~المطاعن , فحاد عن وجوه الأفكار إلى أقفائها { واستكبر * } أي وأوجد الكبر ~~عن الاعتراف بالحق إيجاد من هو في غاية الرغبة فيه , وكان هذا غاية العناد ~~, فكان معنى العنيد { فقال } أي عقب ما جره إليه طبعه الخبيث من إيقاع ~~الكبر على هذا الوجه لكونه رآه نافعا لهم في الدنيا ولم يفكر في عاقبة ذلك ~~من جهة الله , وأنه سبحانه لا يهدي كيد الخائنين ولا ينجح مراد الكاذبين , ~~ونحو هذا مما جربوه في دنياهم فكيف رقى نظره إلى أمر الآخرة , وأكد الكلام ~~لما يعلم من إنكار من يسمعه فقال : { إن } أي ما { هذا } أي الذي أتى به ~~محمد صلى الله عليه وسلم { إلا سحر } أي أمور تخييلية لا حقائق لها , وهي ~~لدقتها بحيث تخفى أسبابها . | ولما كان من المعلوم لهم أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم ما ms5663 سحر قط ولا تعلم سحرا , فكان من ادعى ذلك علم كذبه بأدنى نظر ~~بعد الأمر بقدر استطاعته فقال : { يؤثر * } أي من شأنه أن ينقله السامع له ~~من غيره , فهو لقوة سحريته وإفراطها في بابها يفرق بمجرد الرواية بين المرء ~~وزوجه وبين المرء وأبيه وابنه إلى غير ذلك من العجائب التي تنشأ عنه . | ~~ولما كان السامع يجوز أن يكون مأثورا عن لاله فيوجب له ذلك الرغبة فيه , ~~قال من غير عاطف كالمبين للأول والمؤكد له , وساقه على وجه التأكيد بالحصر ~~لعلمه أن كل ذي بصيرة ينكر كلامه : { إن } أي ما { هذا } أي القرآن { إلا ~~قول البشر * } أي ليس فيه شيء عن الله فلا يغتر أحد به ولا يعرج عليه , وقد ~~مدحه بهذا الذم بعد هذا التفكير كله من حيث إنه أثبت أنه معجوز عنه لأغلب ~~الناس كما يعجزون عن السحر فسكت ألفا ونطق خلفا , فكان شبيها من بعض الوجوه ~~بما قاله بعضهم : | لو قيل ( كم خمس وخمس ) لاغتدى يوما وليلته يعد ويحسب ~~ويقول معضلة عجيب أمرها ولئن عجبت لها الأمري أعجب حتى إذا خدرت يداه وعورت ~~عيناه مما قد يخط ويكتب أوفى على شرف وقال ألا انظروا ويكاد من فرح يجن ~~ويسلب خمس وخمس ستة أو سبعة قولان قالهما الخليل وثعلب | وهكذا كل حق يجد ~~المبالغ في ذمه لا ينفك ذمه عن إفهام مدح له ينقض كلامه , ولكن أين النقاد ~~المعدود من الأفراد بين العباد , وهذا الكلام صالح لعموم كل من خلقه سبحانه ~~هكذا في الروغان من الحق لما تفضل الله به عليه من الرئاسة لأن أهل العظمة ~~في الدنيا هم في الغالب القائمون في رد الحق واتعاظم على أهله كما ذكر هنا ~~ولا ينافي ذلك ما قالوه : إنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي , بل ~~ذلك من إعجاز كلام الله تعالى أن تنزل الآية في شخص فتبين حاله غاية البيان ~~ويعم غيره ذلك البيان , قالوا : كان PageV08P228 للوليد هذا عشرة من البنين ~~, كل واحد منهم كبيرة قبيلة , ولهم عبيد يسافرون في ms5664 تجاراتهم ويعملون ~~احتياجاتهم , ولا يحوجونهم إلى الخروج من البلد لتجارة ولا غيرها , وأسلم ~~منهم ثلاثة : الوليد بن الوليد وخالد وهشام , وقيل : إنه لما نزل على النبي ~~صلى الله عليه وسلم أول سورة غافر إلى قوله : ^ ( { المصير } ) ^ [ غافر : ~~3 ] أو أول ( فصلت ) قرأها النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد والوليد ~~يسمعه , فأعاد القراءة فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم , والله ~~لقد سمعت من محمد صلى الله عليه وسلم آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا ~~من كلام الجن , إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة , وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله ~~لمعذق , وإنه ليعلو ولا يعلى , ثم انصرف فقالت قريش صبا والله الوليد , ~~والله لتصبون قريش كلها , وكان يقال للوليد ريحانة قريش , فقال ابن أخيه ~~أبو جهل : أنا أكفيكموه , فقعد إلى جنب الوليد حزينا , فقال الوليد : ما لي ~~أراك حزينا يا ابن أخي ؟ قال : وما يمنعني وهذه قريش تجمع لك نفقة تعينك ~~بها على كبر سنك وتزعم أنك صبوت , لتدخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحاف ~~لتنال من فضل طعامهم , فغضب الوليد وقال : ألم تعمل قريش أني من أكثرها ~~مالا وولدا , وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام فيكون لهم فضل ؟ ثم قام مع ~~أبي جهل حتى أتى مجلس قومه وأداروا الرأي فيما يقولونه في القرآن فقالوا له ~~: ما تقول في هذا الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ؟ قال : قولوا أسمع ~~لكم , قالوا : شعر , قال : ليس بشعر , قد علمنا الشعر كله , وفي رواية : هل ~~رأيتموه يتعاطى شعرا ؟ قالوا : كهانة , قال : ليس بكهانة , هل رأيتموه ~~يتكهن ؟ فعدوا أنواع البهت التي رموا بها القرآن فردها , وأقام الدليل على ~~ردها , وقال : لا تقولوا شيئا من ذلك إلا أعلم أنه كذب , قالوا : فقل أنت ~~وأقم لنا فيه رأيا نجتمع عليه , قال : أقرب ذلك إليه السحر , هو يفرق بين ~~المرء وأبيه وبين المرء وزوجه وعشيرته , فافترقوا على ذلك , وكان قوله هذا ~~سبب هلاكه فكان كما قال بعضهم : | احفظ لسانك أيها الإنسان لا ms5665 يلدغنك إنه ~~ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تخاف لقاءة الشجعان | < < # | المدثر : ( 26 - 30 ) سأصليه سقر # > > ^ ( سأصليه سقر * ومآ أدراك ما سقر * لا تبقي ولا تذر * لواحة للبشر ~~* عليها تسعة عشر ) ^ } ) | ولما انقضى بيان عناده فحصل التشوف لتفصيل ~~جزائه في معاده , قال مبينا لبعض ما أفهمه إرهاقه الصعود : { سأصليه } أي ~~بوعيد لا بد منه عن قرب { سقر * } أي الدركة النارية التي تفعل في الأدمغة ~~من شدة حموها ما يجل عن الوصف , فأدخله إياه وألوحه في الشدائد حرها وأذيب ~~دماغه بها , وأسيل ذهنه وكل عصارته بشديد PageV08P229 حرها جزاء على تفكيره ~~, هذا الذي قدره وتخيله وصوره بإدارته في طبقات دماغه ليحرق أكباد أولياء ~~الله وأصفيائه . | ولما أثبت له هذا العذاب عظمه وهوله بقوله : { وما أدراك ~~} أي أعلمك وإن اجتهدت في البحث { ما سقر * } يعني أن علم هذا خارج عن طوق ~~البشر لا يمكن أن يصل إليه أحد منهم بإعلام الله له لأنه أعظم من أن يطلع ~~عليه بشر . | ولما أثبت لها هذه العظمة , زادها عظما ببيان فعلها دون شرح ~~ماهيتها فقال : { لا تذر * } أي تترك على حالة من الحالات ولو كانت أقبح ~~الحالات فضلا عما دونها , بل هي دائمة الإهلاك لكل ما أذن فيه والتغيير ~~لأحوال ما أذن لها في عذابه , ولم يؤذن في محقه بالكلية , لكل شيء فترة ~~وملال دونها . | ولما كان تغير حال الإنسان إلى دون ما هو غليه غائطا له ~~موجعا إذا كان ذلك تغير لونه لأن الظاهر عنوان الباطن , قال الله تعالى ~~دالا على شدة فعلها في ذلك : { لواحة } أي شديدة التغيير بالسواد والزرقة ~~واللمع والاضطراب والتعطيش ونحوها من الإفساد من شدة حرها , تقول العرب : ~~لاحت النار الشيء - إذا أحرقته وسودته { للبشر * } أي للناس أو لجلودهم , ~~جمع بشرة وجمع البشر أبشار { عليها } أي مطلق النار بقرينة ما يأتي من ~~الخزنة { تسعة عشر * } أي ملكا , لطبقة المؤمنين وهي العليا ملك واحد , ~~وللست الباقية ثمانية عشر , لكل واحدة ثلاثة , لأن الواحد يؤازر بثان , ~~وهما يعززان بثالث , فلذا والله ms5666 أعلم كانوا ثلاثة , أو لأن الكفر يكون ~~بالله وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم , فكان لكل تكذيب في كل طبقة من ~~طبقاتها الست ملك أو صنف من الملائكة , وعلى الأول في كونهم أشخاطا ~~بأعيانهم أكثر المفسرين , وقد علم مام مضى أنهم غلاظ شداد كل واحد منهم ~~يكفي لأهله الأرض كلهم كما أن ملكا واحدا وكل بقبض جميع الأرواح , وجاء في ~~الآثار أن أعينهم كالبرق الخاطف , وأنيابهم كالصياصي , يخرج لهب النار من ~~أفواههم , ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة , نزعت منهم الرحمة , يدفع أحدهم ~~سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم , قال عمرو بن دينار : إن واحدا منهم ~~يدفع بالدفعة الواحدةأكثر من ربيعة ومضر . | وقيل : إن هذه العدة لمكافأة ~~ما في الإنسان من القوى التي بها ينتظم قوامه , وهي الحواس الخمس الظاهرة : ~~السمع والبصر والشم والذوق واللمس , والخمس الباطنة : المتخيلة والواهمة ~~والمفكرة والحافظة والذاكرة , وقوتا الشهة والغضب , والقوى الطبيعية السبع ~~: الماسكة والهاضمة والجاذبة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة , وقيل : ~~اختير هذا العدد لأن التسعة نهاية الآحاد , والعشر بداية PageV08P230 ~~العشرات , فصار مجموعهما جامعا لأكثر القليل وأقل الكثير , فكان أجمع ~~الأعداد , فكان إشارة إلى أن خزنتها أجمع الجموع , ويروى عن ابن مسعود رضي ~~الله عنه أن قراءة البسملة تنجي من خزنة النار لإإنها تسعة عشر حرفا , كل ~~حرف منها لملك منهم . | < < # | المدثر : ( 31 ) وما جعلنا أصحاب . . . . . # > > ^ ( وما جعلنآ أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا ~~يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ~~ماذآ أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشآء ويهدي من يشآء وما يعلم ~~جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر ) ^ } ) | ولما كان هذا غير مميز ~~للمعدود , وكانت الحكمة في تعيين هذا العد غير ظاهر , وكان هذا العدد مما ~~يستقله المتعنت فيزيده كفرا , قال تعالى مبينا لذلك : { وما جعلنا } أي بما ~~لنا من العظمة وإن خفي وجه العظمة فيه على من عمي ms5667 قلبه { أصحاب النار } أي ~~خزنتها { إلا ملائكتة } أي إنهم ليسوا من جنس المعذبين فيرقوا لهم ويطيق ~~المعذبون محاولتهم أو يستريحوا إليهم وهم أقوى الخلق , وقد تكرر عليكم ~~ذكرهم وعلمتم أوصافهم وأنهم ليسو كالبشر بل الواحد منم يصيح صيحة واحدة ~~فيهلك مدينة كاملة كما وقع لثمود , فكيف إذا كا كل واحد من هؤلاء الخزنة ~~رئيسا تحت يده من الجنود ما لا يحصيه إلا الله تعالى { وما جعلنا } على ما ~~لنا من العظمة { عدتهم } أي مذكورة ومحصورة فيما ذكرنا { إلا فتنة } أي ~~حالة مخالطة مميلة محيلة { للذين كفروا } أي أوجدوا هذا الوصف ولو على أدنى ~~الوجوه , فإنهم يستقلونه ويستهزئون به ويتعنتون أنواعا من التعنت بحيث إن ~~بعض أغبياء قريش وهو أبو جهل , قال : ثكلتكم أمهاتكم , أسمع ابن أبي كبشة ~~يقول كذا وأنتم أدلهم , أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم , فقال أبو ~~الأشد بن أسيد بن كلدة الجمحي - وكان شديد البطش : أنا أكفيكم سبعة عشر ~~فاكفوني أنتم اثنين , وهذا كله على سبيل الاستهزاء , فإنهم مكذبون بالبعث ~~الذي هذا من آثاره , وكان في علم أهل الكتاب أن هذه العدة عدتهم , وأن ~~العرب إذا سمعوا هذه العدة كانت سببا للشك أكثرهم وموضعا للتعنت , فلذلك ~~علق بالفتنة أو ب ( جعلنا ) قوله : { ليستقين } أي يوجد اليقين إيجادا تاما ~~كأنه بغاية الرغبة { الذين أوتوا الكتاب } بناه للمفعول لأن مطلق الإيتاء ~~كاف في ذلك من غير احتياج إلى تعيين المؤتي مع أنه معروف أنه هو الله , قال ~~البغوي : مكتوب في التوراة والإنجيل أنهم تسعة عشر . | { ويزداد الذين ~~آمنوا } أي أوجدوا هذه الحقيقة ولو على أدنى الوجوه إلى ماعندهم من الإيمان ~~{ إيمانا } بتصيدق ما لم يعلموا وجه حكمته لا سيما مع افتتان غيرهم به ~~وكثرة كلامهم فيه , فإن الإيمان بمثل ذلك يكون أعظم . | PageV08P231 ولما ~~أثبت لكل من الجاهل والعالم ما أثبت , أكده بنفي ضده مبينا للفتنة فقال : { ~~ولا يرتاب } أي يشك شكا يحصل بتعمد وتكسب { الذين أوتوا الكتاب } لما عندهم ~~من العلم المطابق لذلك , قال ابن برجان : وروى ms5668 جابر بن عبد الله رضي الله ~~عنهما ( إن قوما من أهل الكتاب جاؤوا إليه في قضية - فيها طول , وفيها أنهم ~~سالوه عن خزنة جهنم , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) بيده هكذا وهكذا ~~, في مرة عشرة وفي مرة تسعة ( , فقالوا : بارك الله فيك يا أبا القاسم , ثم ~~سألهم : ) ما خزنة الجنة ( ؟ فسكتوا هيبة ثم قالوا : خبزة يا أبا القاسم , ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) الخبزة من الدرمك ( { والمؤمنون } ~~أي لا يرتاب الذين رسخ الإيمان عندهم لما رأوا من الدلائل التي جعلتهم في ~~مثل ضوء النهار { وليقول الذين } استقر { في قلوبهم مرض } أي شك أو نفاق ~~وإن قل , ونزول هذه السورة قبل وجود المنافقين علم من أعلام النبوة , ولا ~~ينكر جعل الله تعالى بعض الأمور مقصودة لشيء بالقصد الأول , ثم يرتب عليها ~~شيء آخر يكون قصده بالقصد الثاني تقول : خرجت من البلد لمخالفة أكثر ومخافة ~~الشر لا يتعلق بها الغرض { والكافرون } أي ويقول الراسخون في الكفر ~~الجازمون بالتكذيب المجاهرون به الساترون لما دلت عليه الأدلة من الحق { ~~ماذا } أي أي شيء { أراد الله } أي الملك الذي له جميع العظمة { بهذا } : ~~أي العدد القليل في جنب عظمته { مثلا } أي من جهة أنه صار بذلك مستغربا ~~استغراب المثل , أو أن ذلك إشارة إلى أنه ليس المراد به ظاهره بل مثل لشيء ~~لم يفهموه وفهموا أن بين استجماعه للعظمة وهذا العدد عنادا , وما علموا أن ~~القليل من حيث العدد قد يكون أعظم بقوته من الكثير العدد , ويكون أدل على ~~استجماع العظمة . | ولما كان التقدير : أراد بهذا إضلال من ضل وهو لا يبالي ~~, وهداية من اهتدى وهو لا يبالي , كان كأنه قيل : هل يفعل مثل هذا في غير ~~هذا ؟ فقال جوابا : { كذلك } أي مثل هذا المذكور من الإضلال والهداية { يضل ~~الله } أي الذي له مجامع العظمة ومعاقد العز { من يشاء } بأي كلام شاء { ~~ويهدي } بقدرته التامة { من يشاء } بنفس ذلك الكلام أو بغيره , وذلك من حكم ~~جعل الخزنة تسعة عشر والإخبار عنهم ms5669 بتلك العدة فإن إبراز الأحكام على وجه ~~الغموض من أعظم المهلكات والمسعدات , لأن المنحرف الطباع يبحث عن عللها ~~بحثا متعنتا , فإذا عميت عليه قطع ببطلان تلك الأحكام أو شك , وربما أبى ~~الانقياد , وذلك هو سبب كفر غبليس والمستقيم المزاج يبحث مع التسليم فإن ~~ظهر له الأمر ازداد PageV08P232 تسليما وإلا قال : آمنت بذلك كل من عند ~~ربنا - فكان في غاية ما يكون من تمام الانقياد لما يعلم سره - رزقنا الله ~~التسليم لأمره وأعاننا على ذكره وشكره . | ولما كان هذا مما يوهم قلة جنوده ~~تعالى , أتبعه ما يزيل ذلك فقال : { وما } أي والحال أنه ما { يعلم جنود ~~ربك } أي المحسن إليك بأنواع الإحسان المدبر لأمرك بغاية الإتقان منجعل ~~النار وخزنتها وجعلهم على هذه العدة وغير ذلك , فلا تعلم عدتهم لأجل كثرتهم ~~وخروجهم عن طوق المخلوق وماهم عليه من الأوصاف في الاجساد والمعاني { إلا ~~هو } أي الملك الأعظم المحيط بصفات الكمال , فلو أراد لجعل الخزنة أكثر من ~~ذلك , فقد روي أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا ~~تعود إليهم نوبة أخرى , وقد ورد أن الأرض في السماء كحلقة ملقاة في فلاة ~~وكل سماء في التي فوقها كذلك , وبد ورد في الخبر : أطت السماء وحق لها أن ~~تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك قائم يصلي . | وإنما خص هذا العدد لحكم ~~لا يعلمها إلا هو , ومن أراد إطلاعه على ذلك من عباده مع أن الكفاية تقع ~~بدون ذلك , فقد كان في الملائكة من اقتلع مدائن قوم لوط وهي سبع ورفعها إلى ~~عنان السماء , وكل ما في الإنسان من الجواهر والإعراض من جنود الله لو سلط ~~عيله شيء من نفسه لأهلكه : لو تحرك عرق ساكن أو سكن متحرك أو انسد مجوف أو ~~تجوف منسد لهلك . | ولما ذكر شيئا من أسرار سوق الأخبار عنها غامضا , وكان ~~ذلك من رحمة العباد ليفتح لهم بابا إلى التسليم لما يغمض من تذكيرهم بأمر ~~مليكهم لأن العاجز لا يسعه في المشي على قانون الحكمة إلا ms5670 التسليم للقادر ~~وإلا أهلك نفسه وما ضر غيرها , خص أمرها في التذكير تأكيدا للإعلام تذكيرا ~~بالنعمة لأجل ما لأغلب المخاطبين من اعوجاج الطباع المقتضي للرد والإنكار , ~~المقتضي لسوق الكلام على وجه التأكيد فقال : { وما هي } أي النار التي هي ~~من أعظم جنوده سبحانه وتعالى : { إلا ذكرى للبشر } أي تذكرة عظيمة لكل من ~~هو ظاهر البشرة فبدنه أقبل شيء للتأثر بها لأجل ما يعرفون منها في دنياهم , ~~وإلا فهو سبحانه وتعالى قادر على إيجاد ما هو أشد منها وأعظم وأكثر إيلاما ~~مما لا يعلمه الخلائق . | < < # | المدثر : ( 32 - 41 ) كلا والقمر # > > ^ ( كلا والقمر * والليل إذ أدبر * والصبح إذآ أسفر * إنها لإحدى ~~الكبر * نذيرا للبشر * لمن شآء منكم أن يتقدم أو يتأخر * كل نفس بما كسبت ~~رهينة * إلا أصحاب اليمين * في جنات يتسآءلون * عن المجرمين ) ^ } ) | ولما ~~كان حصرها في الذكرى ربما أوهم نقصا في أمرها يوجب لبعض المعاندين ~~PageV08P233 ريبة في عظمه وأنه لا حقيقة لها ولا عذاب فيها , قال رادعا من ~~ذلك ومنبها على الاستعداد والحذر بكلمة لاردع والتنبيه : { كلا } أي إياك ~~أن ترتاب في أهوالها وعظيم أمرها وأحوالها وأوجالها لأن الأمر أطم وأعظم ~~مما يخطر بالبال , فليرتدع السامع ولينزجر . | ولما حصر أمرها في الذكرى ~~ونفى أن يظن بها نقص فيما جعلت له تأكيدا للكلام إشارة إلى ما لأغلب ~~المخاطبين من الشكاسة والعوج إيقاظا مام هم فيه من الغفلة وتلطيفا لما لهم ~~من اللوم والكثافة وتنبيها لهم على السعي في تقويم أنفسهم بما يستعملونه من ~~الأدوية التي يرشدهم سبحانه إلى علاج أمراض القلوب بها , زاد الأمر تأكديا ~~فأقسم على ذلك بما هو ذكرى للناس ولا يظهر معه ظلام الليل كما أن ضياء ~~القرآن لا يظهر معه ظلام الجهل من أعمل عين فكرته , وألقى حظوظ نفسه , فقال ~~: { والقمر * } أي الذي هو آية الليل الهادية لمن ضل بظلامه { واليل إذا ~~أدبر * } أي مضى فانقلب راجعا من حيث جاء فانكشف ظلامه فزال الجهل بانكشافه ~~, وانصرفت الريب والشكوك بانصراف { والصبح إذا إسفر * } أقبل ضياؤه بجل ~~العلم بحلوله ms5671 , وحصلت الهداية بحصوله , أو دبر بمعنى ( أقبل ) قال قطرب : ~~تقول العرب : دبرني فلان أي جاء خلفي . | ولما أقسم على ما أخبر به من ~~ذكراها , واكده لإنكارهم العظيم لبلاياهم استأنف تعظيمها والتخويف منها ~~تأكيدا للتخويف لما تقدم من الإنكار فقال : { إنها } أي النار التي سقر ~~دركة من دركاتها , وزاد في التأكيد على مقتضى زيادتهم في الاستهزاء فقال : ~~{ لإحدى الكبر * } أي من الدواهي والعظائم , جمع كبيرة وكبرى , وهو كناية ~~عن شدة هولها كما يقول : هو أحد الرجال أي لا مثل له , أو المراد بها واحد ~~سبع هي غاية في الكبر أي دركات النار , وهو جهنم فلظى فالحطمة فالسعير فسقر ~~فالجحيم فالهاوية , هي أحداها في عظيم أقطارها وشديد إيلامها وإضرارها , ~~حال كونها { نذيرا } عظيما أو من جهة نذارتها أو إنذارا بالغا : فعيل بمعنى ~~المصدر مثل < # > 77 ( { فكيف كان نكير } ) 77 < # > [ الملك : 18 ] أي إنكاري , وعبر بقوله : { للبشر * } لما تقدم من ~~الإشارة إلى إسراع الجسم العادي في قبول التأثر لا سيما بالنار . | ولما ~~كان التقدم عند الناس لا سيما العرب محبوبا والتأخر مكروها , وكان سبحانه ~~وتعالى قد خلق في الإنسان قوة واختيارا بها يفعل ما قدره الله له وغطى عنه ~~علم العاقبة حتى صار الفعل ينسب لأإيه وإن كان إنما هو بخلق الله , قال ~~تعالى باعثا لهم على الخير ومبعدا من الشر مستأنفا أو مبدلا جوابا لمن يقول ~~: وما عسى أن نفعل ؟ أو ينفع الإنذار PageV08P234 وقد قال إنه هو الهادي ~~المضل { يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء } { لمن شاء } أي بإرادته , وصرح ~~بالمقصود لئلا يتعنت متعنتهم فيقول : المراد غيرنا , فقال : { منكم } أي ~~أيها المعاندون { أن يتقدم } أي إلى الخيرات { أو يتأخر * } أي عنها فيصل ~~إلى غضب الله تعالى والنار التي هي أثر غضبه , التي جعل ما عندنا من مؤلم ~~الحر ومهلك البرد متأثرا عن نفسيها تذكيرا لنا ورحمة بنا , وحذف المفعول ~~لأن استعماله كثير حتى صار يعرف وإن لم يذكر , وترجمة ذلك : لمن شاء أن ~~يتقدم التقدم بما له من المكنة والاختيار في ms5672 ظاهر الأمر , ولمن شاء أن ~~يتأخر التأخر , و { أن يتقدم } مبتدأ , وهو مثل ( لمن يتوضأ أن يصلي ) ~~ويجوز أن تكون الجملة بدلا من ( للبشر ) على طريق الالتفات من الغائب إلى ~~الحاضر ليصير كل مخاطب به كأنه هو المقصود بذلك بالقصد الأول فيتأمل المعنى ~~في نفسه فيجده صادقا ثم يتأمل فلا يجد مانعا من تعديته إلى غيره من جميع ~~البشر , ويكون ( أن ) والفعل على هذا مفعولا ل ( شاء ) . | ولما كان التقدم ~~والتأخر بالأفعال , وكان أكثر أفعال الإنسان الشر لما جبل عليه من النقصان ~~, قال مبينا لما يقدم وما يؤخر { كل نفس } أي ذكر أو أنثى على العموم { بما ~~كسبت } أي خاصة لا بما كسب غيرها { رهينة * } أي مرتهنة بالفعل , اسم بمعنى ~~. | الرهن كما في قول الحماسي : | أبعد الذي بالعنف نعف كويكب رهينة رمس ذي ~~تراب وجندل | لا تأنيث ( رهين ) الذي هو وصف , لأن فعيلا بمعنى مفعول يستوي ~~مذكره ومؤنثه , ولو كانت الفواصل التي يعبرون بها عن السجع تأدبا تراعى في ~~القرآن بوجه لقيل : رهين - لأجل يمين , ولكن لا نظر فيه لغير المعنى , ~~ويجوز أن تكون الهاء للمبالغة بمعنى موثقة إيثاقا بليغا محبوسة حبسا عظيما ~~فهي في النار , فجعل الأصل في الكسب الموثق . | ولما كان الرهن تارة يفك ~~وتارة يغلق , وكان أكثر الخلق هالكا , جعل رهينة بمعنى هالكة , ثم استثنى ~~الممدوح فقال : { إلا أصحاب اليمين * } أي الذين تقدم وصفهم وهم الذين ~~تحيزوا إلى الله فائتمروا بأوامره وانتهوا بنواهيه , فإنهم لا يرتهنون ~~بأعمالهم , بل يرحمهم الله فيقبل حسناتهم ويتجاوز عن سيئاتهم . | ولما ~~أخرجهم عن حكم الارتهان الذي أطلق على الإهلاك لأنه سببه , استأنف بيان ~~حالهم فقال : { في جنات } أي بساتين في غاية العظم لأنهم أطلقوا أنفسهم ~~وفكوا رقابهم فلم يرتهنوا , فالآية من الاحتباك : أثبت أولا الارتهان دليلا ~~على حذف ضده ثانيا , وأثبت ثانيا الجنة دليلا على حذف ضدها أولا . | ~~PageV08P235 ولما كان السؤال عن حال الغير دالا دلالة واضحة على الراحة ~~والفراغ عن كل ما يهم النفس , عبر عن راحتهم في أجل عظ وألطف ms5673 تحذير بقوله : ~~{ يتساؤلون * } أي فيما بينهم يسأل بعضهم بعضا { عن المجرمين * } أي أحوال ~~العريقين في قطع ما أمر الله به أن يوصل . | < < # | المدثر : ( 42 - 50 ) ما سلككم في . . . . . # > > ^ ( ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين ~~* وكنا نخوض مع الخآئضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين * فما ~~تنفعهم شفاعة الشافعين * فما لهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حمر مستنفرة ) ~~^ } ) | ولما كان يوم القيامة في غاية الصعوبة وكان أحد مشغولا بنفسه , ~~فكان لا علم له بتفاصيل ما يتفق لغيره , وكان أولياء الله غذا دخلوا دار ~~كرامته أرادوا العلم بما فعل بأعدائهم فيه سبحانه , فتساءلوا عن حالهم فقال ~~بعضهم لبعض : لا علم لنا , فكشف الله - لهم عنهم حتى رأوهم في النار وهي ~~تسعر بهم ليقر الله أعينهم بعذابهم , زيادة في نعيمهم وثوابهم , كما تقدم ~~في الصافات عند قوله ^ ( { قال قائل منهم إني كان لي قرين } ) ^ [ الصافات ~~: 51 ] وكان بساط - الكلام دالا على هذا كله , أشار لنا سبحانه إليه بقوله ~~حكاية عما يقول لهم أولياؤهم توبيخا وتعنيفا وشماتة وتقريعا تصديقا لقوله ~~تعالى ^ ( { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } ) ^ [ المطففين : 34 ] ~~الآية , ولتكون حكاية ذلك موعظة للسامعين وذكرى للذاكرين : { ما } هي ~~محتملة للتوبيخ والتعجيب { سللكم } أي أدخلكم أيها المجرمون إدخالا هو في ~~غاية الضيق حتى كأنكم السلك في الثقب { في سقر * } فكان هذا الخطاب مفهما ~~لأنهم لما تساءلوا نفوا العلم عن أنفسهم , وكان من المعلوم أن نفي العلم ~~لأنه شغلوا عن ذلك بأنفسهم وأنهم ما شغلوا - مع كونهم من أهل السعادة - إلا ~~لأن ذلك اليوم عظيم الشواغل , وكان من المعلوم أنه إذا تعذر عليهم علم ~~أحوالهم من أهل الجنة وهو غير مريدين الشفاعة فيهم فلم يبق لهم طريق إلى ~~علم ذلك لا يظن به التعريض للشفاعة إلا السؤال منهم عن أنفسهم في أنهم ~~يخاطبونهم بذلك فيعلمون علمهم ليزدادوا بذلك غبطة وسرورا بما نجاهم الله من ~~مثل حالهم وكثروا من الثناء على الله تعالى بما وفقهم له وليكون ذلك عظة ms5674 ~~لنا بسماعنا إياه فحكى الله أنهم لما سألوهم { قالوا } ذاكرين علة دخولهم ~~النار بإفساد قوتهم العملية في التعظيم لأمر الله فذلكة لجميع ما تقدم من ~~مهمات السورة بما حاصله أنهم لم يتحلو بفضيلتين ولم يتخلوا عن رذيلتين ~~تعريفا بأنهم كانوا مخاطبين بفروع الشريعة , وفي البداءة بالعمل تنبيه على ~~أنه يجب على العاقل المبادرة إلى ما يأمره به الصادق لأنه المصدق لحسن ~~الإعتقاد , والمبادرة إلى التلبس بالعمل أسهل من المبادرة إلى التلبس ~~بالعلم , لأن العمل له صورة PageV08P236 وحقيقة , ومطلق التصوير أسهل من ~~التحقيق , ومن صور شيئا كان أقرب إلى تحقيقه ممن لم يصوره , فكان أجدر ~~بتحقيقه ممن لم يباشر تصويره , ففيه حث على المسابقة إلى الأعمال الصالحة ~~وإن لم تكن النية خالصة , وإيذان بأن من ادمن ترك الأعمال قاده إلى ~~الانسلاخ من حسن الإعتقاد , وورطه في الضلال , { لم نك } حذفوا النون دلالة ~~على ما هم فيه من الضيق عن النطق حتى بحرف يمكن الغتناء عنه , ودلالة على ~~أنه لم يكن لهم نوع طبع جيد يحثهم على الكون في عداد الصالحين , وكان ذلك ~~مشيرا غلى عظيم ما هم فيه من الدواهي الشاغلة بضد ما فيه أهل الجنة من ~~الفراغ الحامل لهم على السؤال عن أحوال غيرهم , وكان ذلك منبها على فضيلة ~~العلم : { من المصلين * } أي صلاة يعتد بها , فكان هذا تنبيها على أن رسوخ ~~القدم في الصلاة مانع من مثل حالهم , وعلى أنهم يعاقبون على فروع الشريعة ~~وإن كان لا تصح منهم , فلو فعلوها قبل الإيمان لم يعتد بها , وعلى أن ~~الصلاة أعظم الأعمال , وأن الحساب بها يقدم على غيرها . | ولما نفوا الوصلة ~~بالخالق , أتبعوه إفساد القوة العملية بعدم وصلة الخلائق بترك الشفقة على ~~خلق الله فقالوا : { ولم نك } بحذف النون أيضا لما هم فيه من النكد ونفيا ~~لأدنى شيء من الطبع الجيد { نطعمك المسكين * } أي لأجل مسكنته , نفوا هنا ~~وجود إطعامه لأنهم إن اتفق إطعامهم له فلعله أخرى غير المسكنة , وأما ~~الصلاة فهم يوجدونها لله بزعمهم , لكن لما كانت على غير ms5675 ما أمروا به لم تكن ~~مقبولة فلم يكونوا من الراسخين في وصفها . | ولما سلبهم التحلي بلباس ~~الأولياء أثبت لهم التحلي بلباس الأشقياء بإفساد القوة النطقية جامعا القول ~~إلى الفعل فقالوا : { مع الخائضين * } بحيث صار لنا هذا وصفا راسخا فنقول ~~في القرآن : إنه سحر , وإنه شعر , وإنه كهانة وغير هذا من الأباطيل , لا ~~نتورع عن شيء من ذلك , ولا نقف مع عقل , ولا نرجع إلى صحيح نقل , فليأخذ ~~الذين يبادرون إلى الكلام في كل ما يسألون عنه من أنواع العلم من غير تثبت ~~منزلتهم من هنا . | ولما كان الإدمان على الباطل يجر إلى غلبة الهزء ~~والسخرية , وغلبه ذلك ولا بد توجب إفساد القوة العلمية بتصديق الكذب وتكذيب ~~الصدق , قالوا بيانا لاستحبابهم الخلود : { وكنا نكذب } أي بحيث صار لنا ~~ذلك وصفا ثابتا { بيوم الدين * } ولما كان التقدير : واستمر تكذيبنا ~~لصيرورته لنا أوصافا ثابتة . | بنوا عليه قولهم : { حتى أتانا } أي قطعا { ~~اليقين * } أي بالموت أو مقدماته التي قطعتنا عن دار العمل فطاح الإيمان ~~بالغيب . | PageV08P237 ولما أقروا على أنفسهم بما أوجب العذاب الدائم , ~~فكانوا ممن فسد مزاجه فتعذر علاجه , سبب عنه قوله : { فما تنفعهم } أي في ~~حال اتصافهم بهذه الصفات وهي حالة لازمة لهم دائما { شفاعة الشافعين * } أي ~~لو شفعوا فيهم . | ولما كان هذا الإخباربنعيم المنعم وعذاب المعذب موجبا ~~للتذكر , سبب عنه الإنكار عليهم فقال : { فما } أي أي شيء يكون { لهم } حال ~~كونهم { عن التذكرة } أي التذكر العظيم خاصة بالقرآن خصوصا وبغيره عموما { ~~معرضين * } وعلى الباطل وحده مقبلين , وذلك من أعجب العجب , لأن طبع ~~الإنسان إذا حذر من شيء حذره أشد الحذر كما لو حذر المسافر من سبع في طريقه ~~فإنه يبذل جهده في الحيدة عنه والحذر منه وإن كان المخبر كاذبا , فكيف ~~يعرضون عن هذا المحذور الأعظم والمخبر أصدق الصادقي , فإعراضهم هذا دليل ~~على اختلال عقولهم واختبال فهومهم , وزاد ذلك عجبا شدة نفارهم حتى { كأنهم ~~} في إعراضهم عن التذكرة من شدة النفرة والإسراع في الفرة { حمر } أي من ~~حمر الوحش وهي أشد الأشياء ms5676 نفارا , ولذلك كان أكثر تشبيهات العرب في وصف ~~الإبل بسرعة السير بالحمر في عدوها إذا وردت ماء فأحست عليه ما يريبها , ~~وفي تشبيه الكفرة بالحمر ولا سيما في هذه الحالة مذمة ظاهرة وتهجين لحالهم ~~بين , وشهادة عليهم بالبله وقلة العقل وعدم التثبت { مستنفرة * } أي موجدة ~~للنفار بغاية الرغبة فيه حتى كأنها تطلبه من أنفسها لأنه من شأنها وطعبها - ~~هذا على قراءة الجماعة , وقرأ أهل المدينة والشام بالفتح بمعنى أنه نفرها ~~منفر . | < < # | المدثر : ( 51 - 56 ) فرت من قسورة # > > ^ ( فرت من قسورة * بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفا منشرة * كلا ~~بل لا يخافون الآخرة * كلا إنه تذكرة * فمن شآء ذكره * وما يذكرون إلا أن ~~يشآء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة ) ^ } ) | ولما كان ذلك لا يكون إلا ~~لسبب عظيم يتشوف إليه , استأنف قوله : { فرت من قسورة * } أي أسد شديد ~~القسر عظيم القهر فنشبت في حبائل سقر أو صيادين . | ولما كان الجواب قطعاك ~~لا شيء لهم في إعراضهم هذا , أضرب عنه بقوله : { بل يريد } أي على دعواهم ~~وبزعمهم { كل امرئ منهم } أي المعرضين , مع ادعائه الكمال في المروءة { أن ~~يؤتى } أي من السماء بناه للمفعول لأن مرادهم معروف { صحفا } أي قراطيس ~~مكتوبة { منشرة * } أي كثيرة جدا وكل واحد منها منشور لا مانع من قراءته ~~وأخذه , وذلك أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : لن نتبعك حتى تأتي كلا ~~منا بكتاب من السماء فيه : من الله إلى فلان اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم ~~. | PageV08P238 ولما كان ذلك إنما هو تعنت , لا أنه على حقيقته قال : { ~~كلا } أي ليس لهم غرض في الاتباع بوجه من الوجوه لا بهذا الشرط ولا بغيره : ~~{ بل } علتهم الحقيقية في هذا الإعراض أنهم { لا يخافون } أي في زمن من ~~الأزمان { الآخرة * } ولما كان فعلهم هذا فعل من يعتقد في القرآن أنه ليس ~~بوعظ صحيح يستحق أن يتبع , قال رادعا لهم عن هذا اللازم : { كلا } أي ليس ~~الأمر قطعا كما تزعمون من أن هذا القرآن لا يستحق الإقبال , ثم ms5677 أستأنف قوله ~~مؤكدا لأجل ما تضمن هذا الفعل من إنكارهم : { أنه } أي القرآن { تذكرة * } ~~أي موضع وعظ عظيم يوجب إيجابا عظيما اتباعه وعدم الانفكاك عنه بوجه فليس ~~لأحد أن يقول : أنامعذور لأني لم أجد مذكرا ولا معرفا فإن عنده أعظم مذكر ~~وأشرف مفرق . | ولما كان في غ آية السهولة والحلاوة لكل منعرفه بوجه من ~~الوجوه , وكان الله سبحانه قد خلق القوى والقدر , وجعل للعبد اختيارا , قال ~~مسببا عن كونه موضعا للتذكر : { فمن شاء } أي أن يذكره { ذكره * } فثبت في ~~صدره وعلم معناه وتخلق به , فليس أحد يقدر أن يقول : إنه صعب التركيب عظيم ~~التعقيد عسر الفهم , يحتاج في استخراج المعاني منه إلى علاج كبير وممارسة ~~طويلة فأنا معذور في الوقوف عنه , بل هو كالبحر الفرات , من شاء اغترف , ~~لأنه خوطب به أمة أمية لا ممارسة لها لشيء من العلوم , فسهل في لفظه ومعناه ~~غاية السهولة مع أنه لا يوصل غلى قراره ولا يطمع في مناظرة أثر من آثاره , ~~بل كلما زاد الإنسان فيه تأملا زاده معاني . | ولما كان هذا ربما أوهم أن ~~للعبد استقلالا بالتصرف , قال معلما بأن هذا إنما هو كناية عما له من ~~السهولة والحلاوة والعذوبة التي توجب عشقه لكل ذي لب منبها على ترك الإعجاب ~~وإظهار الذل والالتجاء والافتقار إلى العزيز الغفار في طلب التوفيق لأقوم ~~طريق : { وما يذكرون } أي ولا واحد منكم هذا القرآن ولا غيره في وقت من ~~الأوقات { إلا أن يشاء الله } أي الملك الأعظم الذي لا أمر لأحد معه , وهو ~~صريح في أن فعل العبد من المشيئة , وما ينشأ عنها إنما هو بمشيئة الله . | ~~ولما ثبت أنه سباحنه الفعال لما يريد وأنه لا فعل لغيره بدون مشيئته , وكان ~~من المعلوم أن أكثر أفعال العباد مما لا يرضيه , فلولا حلمه ما قدروا على ~~ذلك , وكان عفو القادر مستحسنا , قال مبينا لأنه أهل للرهبة والرغبة : { هو ~~} أي وحده { أهل التقوى } أي أن يتقوه عباده ويحذروا غضبه بكل ما تصل ~~قدرتهم إليه لما له من الجلال ms5678 والعظمة والقهر , ويجوز أن يكون الضمير ~~للمتقي { وأهل المغفرة * } أي لأن يطلب غفرانه للذنوب لا سيما إذا اتقاه ~~المذنب لأن له الجمال واللطف وهو قادر ولا قدرة لغيره ولا ينفعه شيء ولا ~~يضره شيء , فهو PageV08P239 الحقيق بأن يجعل موضع الإنذار الذي أمر به أول ~~السورة البشارة , ويوفق عباده لتكبيره وهجران الرجز , وكذا فعل سبحانه بقوم ~~هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم , روى أحمد والترمذي والنسائي وابن ~~ماجه والطبراني في الأوسط والحاكم وأبو يعلى والبغوي والبزار عن أنس رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه قرأ هذه الآية ثم قال : ) يقول ~~الله : أنا أهل أن أتقي , فمن اتقى أن يشرك بي غيري فأن أهل أن أغفر له ( ~~وقال الترمذي وابن عدي والطبراني : تفرد به سهل بن أبي حزم القطعي , فقد ~~رجع آخر السورة على أولها , وانطبق مفصلها على موصلها , بضم البشارة إلى ~~النذارة , وصار كأنه قيل : أنذر العاصي فإنه أهل لأن يرجع إلى طاعاته , ~~فيكون سبحانه أهلا لأن يعود عليه بستر زلاته . | . . . | PageV08P240 < # > 70 ( سورة القيامة ) 70 < # > | مقصودها الدلالة على عظمة المدثر المأمور بالإنذار صلى الله عليه ~~وسلم لعظمة مرسله سبحانه وتمام اقتداره بأنه كشف له العلوم حتى صار إلى ~~الأعيان بعد الرسوم بشرح آخر سورته من أن هذا القرآن تذكرة عظيمة لما أودعه ~~الله من وضوح المنعاني وعذوبة الألفاظ وجلالة النظوم ورونق السبك وعلو ~~المقاصد ، فهو لذلك معشوق لكل طبع ، معلوم ما خفي من أسراره وإشاراته بصدق ~~النية وقوة العزم بحيث يصير بعد كشفه إذا أثر كأنه كان منسيا بعد حفظه فذكر ~~{ فمن شاء ذكر ه } [ عبس : 12 ] فحفظه وعلم معانيه وتخلق بها ، وإنما ~~المانع عن ذلك مشيئة الله تعالى ، فمن شاء حجبه عنه أصلا رأسا ، ومن شاء شك ~~ولا ارتياب ، وجلى عليه أوانسه وعرائسه وحباه جواهره ونفائسه ، وحلاه به ، ~~فكان ملكه وسائسه ، كما كان المدثر صلى الله عليه وسلم حين كان خلقه القرآن ~~، واسمها القيامة واضح في ذلك جدا ، وليس فيها ما يقوم بالدلالة عليه غيره ms5679 ~~إذا تؤملت الآية مع ما أشارت إليه ' لا ' النافية للقسم أو المؤكدة مع أنها ~~في الوضوح في حد لا يحتاج إلى الأقسام عليه لأنه لا يوجد أحد يدع من تحت ~~يده يعدو بعضهم على بعض ، ويتصرفون فيما خولهم فيه منه غير حساب ، فكيف ~~بأحكم الحاكمين الذي وكل عبيده أضعافهم من الملائكة فهم يديرون كل لحظة ~~فيهم كؤوس المنايا ، ويأخذون من أمرهم به سبحانه إلى داره البرزخ للتهئية ~~للعرض ويسوقونهم زمرا بعد زمر إلى العود في الأرض حتى ينتهي الجمع في ~~القبور ، ويقيمهم بالنقر في الناقور ، والنفخ في الصور ، إلى ساحة الحساب ~~للثواب والعقاب ، ولم يحجب عن علم ذلك حتى ضل عنه أكثر الخلق إلا مشيئته ~~سبحانه بتغليب النفس الأمارة حتى صارت اللوامة منهمكة في الشر شديدة اللوم ~~عن الإقصار عن شيء منه كمت أن ما جلاه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم حتى ~~كان خلقه ، ولمن أراد من أتباعه إلا إرادته سبحانه بتغليب المطمئنة حتى صار ~~الكل روحا صرفا ونورا خالصا بحتا { بسم PageV08P241 الله } الذي شرف رسوله ~~صلى الله عليه وسلم فأعجز الخلق بكتابه بما له من الجلال { الرحمن } الذي ~~عم بنعمتي الإيجاد والبيان أهل الهدى والضلال { الرحيم } الذي خص أهل ~~العناية بالسداد في الأقوال والأفعال . < < # | القيامة : ( 1 - 7 ) لا أقسم بيوم . . . . . # > > ^ ( لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة * أيحسب الإنسان ~~ألن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوي بنانه * بل يريد الإنسان ليفجر ~~أمامه * يسأل أيان يوم القيامة * فإذا برق البصر ) ^ } ) | لما ذكر سبحانه ~~الآخرة أول سورة المدثر وخوف منها بالتعبير بالناقور وما تبعه , ثم أعاد ~~أمرها آخرها , وذكر التقوى التي هي أعظم أسباب النجاح فيها والمغفرة التي ~~هي الدواء الأعظم لها , وكان الكفار يكذبون بها , وكان سبحانه قد أقام ~~عليها من الأدلة من أول القرآن إلى هنا تارة مع الإقسام وأخرى مع الخلو عنه ~~ما صيرها في حد البديهيات , وكانت العادة قاضية بأن المخبر إذا كذبه السامع ~~حلف على ما أخبره به , وكان الإقسام مع تحقق العناد ms5680 لا يفيد , أشار سبحانه ~~وتعالى إلى أن الأمر قد صار غنيا عن الإقسام لما له من الظهور الذي لا ~~ينكره إلا معاند , فقال مشيرا إلى تعظيمها والتهويل في أمرها بذكرها وإثبات ~~أمرها بعدم الإقسام أو تأكيده : { لا أقسم } أي لا أوقع الإقسام أو أوقعه ~~مؤكدا { بيوم القيامة * } على وجود يوم القيامة أو بسبب وجوده لأن الأمر ~~غني فيه عن ذلك وعلى القول بأنه قسم هو مؤكد بالنفي , ودخوله في التأكيد ~~سائغ بل شائع في كلامهم جدا , وجاز القسم بالشيء على وجوده إشارة إلى أنه ~~في العظمة في الدرجة العليا كما يقول الإنسان : والله إن الله موجود , أي ~~لا شيء أحلف به على وجوده - يا أيها المنكر - أعظم منه حتى أحلف به ولا بد ~~لي من الحلف لأجل إنكارك فأنا أحلف به عليه , فالمعنى حينئذ أنه لا شيء أدل ~~على عظمة الله من هذين الشيئين فلذا أوقع القسم بهما , وسر التأكيد ب ( لا ~~) - كما قال الرازي في اللوامع , إن الإثبات من طريق النفي آكد كأنه رد على ~~المنكر أولا ثم أثبت القسم ثانيا , فإن الجمع بين النفي والإثبات دليل ~~الحصر . | ولما كان من المقرر المعلوم الذي هو في أقصى غايات الظهور أن من ~~طلبه الملك طلب عرض وحساب وثواب وعقاب يلوم نفسه في كونه لم يبالغ في العمل ~~بما يرضي الملك والإخلاص في موالاته , والتحيز إليه ومصافاته . | وكان أكثر ~~لوم النفس واقعا في ذلك اليوم , وكان إدراكها للوم المرتب على إدراك الأمور ~~الكلية والجزئية ومعرفة الخير والشر , والتمييز بينهما من أعظم الدلائل على ~~تمام قدرة الخالق وكمال عظمته الموجب لإيجاد ذلك اليوم لإظهار عظمته وحكمه ~~وحكمته قال { ولا أقسم PageV08P242 بالنفس } على حد ما مضى في أن الباء صلة ~~أو سبب { اللوامة * } أي التي تلوم صاحبها وهي خيرة وشريرة , فالخيرة تكون ~~سببا للنجاة فيه والأخرى تكون سببا للهلاك فيه , فإن لامت على الشر أو على ~~التهاون بالخير أنجت , وإن لامت على ضد ذلك أهلكت , وكيفما كانت لا بد أن ~~تلوم , وهي بين ms5681 الأمارة والمطمئنة , فما غلب عليها منهما كانت في حيزه , ~~قال الرازي في اللوامع : فالمطمئنة التي انقادت لأوامر الله , والأمارة ~~المخالفة لها المتعبة للهوى , واللوامة هي المجاهدة , فتارة لها اليد وتارة ~~عليها , وهي نفس الإنسان خاصة لأنها بين طوري الخير والشر والكمال والنقصان ~~والصعود والهبوط والطاعة والعصيان , قال الإمام السهروردي في الباب السادس ~~والخمسين من معارفه : وهي نفس واحدة لها صفات متغايرة , فالملائكة في درجة ~~الكمال , والحيوانات الأخر في دركة النقصان . | ولهذا جمع بين القيامة وبين ~~اللوامة , لأن الثواب والعقاب للآدمي دون الملائكة والحيوانات العجم , ~~واللوامة يشتد لومها في ذلك اليوم على عدم الخير أو عدم الزيادة منه , لا ~~أقسم على ذلك بهذا الذي هو من أدل الأمور على عظمته سبحانه فإن الأمر في ~~ذلك غني عن القسم . | ولما كان التقدير قطعا بما يرشد إليه جميع ما مضى ~~جوابا للقسم : إنك والله صادق في إنذارك فلا بد أن ينقر في الناقور بالنفخ ~~في الصور . | قال بانيا عليه بعد الإشارة إلى تعظيم أمر القيامة بما دل ~~عليه حذف الجواب من أنها في وضوح الأمر وتحتم الكون على حالة لا تخفى على ~~أحد منكرا على من يشك فيها بعد ذلك : { أيحسب الإنسان } أي هذا النوع الذي ~~يقبل على الأنس بنفسه والنظر في عطفه والسرور بحسبه , وأسند الفعل إلى ~~النوع كله لأن أكثرهم كذلك لغلبة الحظوظ على العقل إلا من عصم الله { أن } ~~أي أنا . | ولما كان فيهم من يبالغ في الإنكار , عبر أيضا بأداة التأكيد ~~فقال : { لن نجمع } أي على ما لنا من العظمة { عظامه * } أي التي هي قالب ~~بدنه وعماده من الأرض فيعيدها كما كانت بعد تمزقها وتفتتها وافتراقها ~~وبلاها وانمحاقها , وقد سدت المخففة مسد مفعولي ( يحسب ) المقدرين ب ( ~~يحسبنا ) غير جامعين . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تقدم قوله ~~مخبرا عن أهل الكفر < # > 77 ( { وكنا نكذب بيوم الدين } ) 77 < # > [ المدثر : 46 ] ثم تقدم في صدر السورة قوله تعالى : < # > 77 ( { فإذا نقر في الناقور } ) 77 < # > [ المدثر : 8 ] إلى قوله : < # > 77 ( { غير ms5682 يسير } ) 77 < # > [ المدثر : 9 ] والمراد به يوم القيامة , والوعيد به لمن ذكر بعد في ~~قوله < # > 77 ( { ذرني ومن خلقت وحيدا } ) 77 < # > [ المدثر : 11 ] الآيات ومن كان على حاله في تكذيب وقوع ذلك اليوم , ثم ~~تكرر ذكره عند جواب من سئل PageV08P243 بقوله < # > 77 ( { ما سلككم في سقر } ) 77 < # > [ المدثر : 42 ] فبسط القول في هذه السورة في بيان ذكر ذلك اليوم ~~وأهواله , وأشير إلى حال من كذب به في قوله تعالى { يسأل أيان يوم القيامة ~~} [ القيامة : 6 ] وفي قوله تعالى : { أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه } [ ~~القيامة : 3 ] ثم أتبع ذلك بذكر أحوال الخلائق في ذلك اليوم < # > 77 ( { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر } ) 77 < # > [ القيامة : 13 ] انتهى . | ولما أسند الحسبان إلى النوع لأن منهم من ~~يقول : لا نبعث لأننا نتفتت وننمحق , قال مجيبا له : { بلى } أي لنجمعن ~~عظامه وجمع أجزائه لأنا قدرنا على تفصيل عظامه وتفتيتها من بعد ارتتاقها ~~حال كونها نطفة واحدة لأن كل من قدر على التفصيل قدر على الجمع والتوصيل ~~حال كوننا { قادرين } أي لما لنا من العظمة { على أن } . | ولما كانت تسوية ~~الصغير أصعب , قال : { نسوي بنانه * } أي أصابعه أو سلامياته وهي عظامه ~~الصغار التي في يديه ورجليه كل منها طول إصبع أو أقل , خصها لأن أطرافه ~~وآخر ما يتم به خلقه بأن نجمع بعضها إلى بعض على ما كانت عليه قبل الموت ~~سواء , فالكبار بطريق الأولى لأنها أبين , ولا فرق بيبن تسويتنا ذلك من ~~النطفة وتسويتنا له من التراب , وهي لا تكون مسواة وهي قالب البدن إلا ~~بتسوية ما عليه من لباس اللحم والعصب والجلد كما يعهدها العاهد , فتسوية ~~البنان كناية عن تسوية جميع البنيان كما لو قيل لك : هل تقدر على تأليف هذا ~~الحنظل , فقلت : نعم , وعلى تأليف الخردل , مع ما يفهم من تخصيصها من ~~التنبيه على ما فيها من بديع الصنع المتأثر عنه ما لها من لطائف المنافع , ~~أو أن نسويها الآن فنجمعها على ما كانت عليه حال كونها نطفة من الاجتماع ~~قبل فتقها ms5683 وتفريقها حتى تكون كخف البعير , فإن القادر على تفصيل الأنامل ~~حتى تتهيأ للأعمال اللطيفة قادر على جمعها , فتزول عنها تلك المنفعة . | ~~ومن قدر على تفصيل الماء بعد اختلاطه وجمعه بعد انفصاله قادر على جمع ~~التراب بعد افتراقه , وكيفما كان فهو تنبيه على التأمل في لطف تفصيل ~~الأنامل وبديع صنعها الموجب للقطع بأن صانعها قادر على كل ما يريد , قال في ~~القاموس : البنان : الأصابع أو أطرافها . | والسلامى - وزن حبارى : عظام ~~صغار طول إصبع أو أقل في اليد أو الرجل . | ولما تقدم ما أشار إلى أن ~~القيامة في غاية الظهور , أضرب عن هذا الإنكار فقال بانيا على ما تقديره : ~~إنه لا يحسب عدم ذلك لأنه من الظهور في حد لا يحتاج إلى كبير تأمل فلو مشى ~~مع عقله عرف الحق : { بل يريد } أي يوقع الإرادة { الإنسان } أظهر في موضع ~~الإضمار للتصريح بالتعميم لمقتضى الطبع الموجب له عدم الفكر في الآخر مع ~~شدة ظهورها لأنه معني بشهواته فلا نجاة إلا بعصمة الله تعالى , وحذف مفعول ~~( يريد ) PageV08P244 إشارة إلى أن كل ما يريده بمقضتى طبعه وشهواته خارج ~~عن طوره فهو معاقب عليه لأنه عبد , والعبد يجب عليه أن يكون مراقبا للسيد , ~~لا يريد إلا مايأمره به , فإذا أراد ما أمره به لم تنسب إليه إرادة بل ~~الإرادة للسيد لا له . | ولما كان ذلك , وكانت إرادته الخارجة الخارجة عن ~~الأمر معصية , قال معللا : { ليفجر أمامه * } أي يقع منه الإرادة ليقع منه ~~الفجور في المستقبل من زمانه بأن يقضي شهواته ويمضي راكباص رأسه في هواه , ~~ونفسه الكاذبة تورد عليه الأماني وتوسع له في الأمل وتطمعه في العفو من دون ~~عمل , قال الحسن : المؤمن ما تراه إلا يلوم نفسه ويقول : ما أردت بكلامي ؟ ~~وما أردت بأكلي ؟ والفاجر يمضي قدما لا يحاسب نفسه ولا يعاتبها . | ويجوز ~~أن يعود الضمير على الله تعالى ليكون المعنى : ليعمل الفجور بين يدي الله ~~تعالى وبمرأى منه ومسمع ويطمع في أن لا يؤاخذه بذلك أو يجازيه بفجوره , قال ~~في القاموس : والفجر : الانبعاث في ms5684 المعاصي والزنا كالفجور . | ولما كان ~~عريقا في التلبس بهذا الوصف , أنتج له الاستهزاء بهذا الخطب الأعظم فترجم ~~ذلك بقوله : { يسئل } أي سؤال استهزاء واستبعاد , ويوضع موضع مفعول يسأل ~~جملة اسمية من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر فقال : { أيان } أي أي وقت يكون { يوم ~~القيامة * } ولما كان الجواب : يوم يكون كذا وكذا , عدل عنه إلى ما سبب عن ~~استبعاده لأنه أهول , فقال دالا على خراب العالم لتجرد الإنسان عن مسكنه ~~وما ألفه من أحواله فلا يطرف من هول ما يرى - هذا على قراءة نافع بالفتح , ~~وهي إشارة إلى مبدأ حاله , وقراءة الجماعة بالكسر مشيرة إلى مآله فإن ~~معناها : تحير ودهش وغلب , من برق الرجل - إذا نظر إلى البرق فحسر بصره ~~وتفرق تفرق الشيء في المايع إذا انفتح عنه وعاؤه بدليل قراءة بلق من بلق ~~الباب - إذا انفتح , وبلق الباب كنصر : فتحه كله , أو شديدا كأبلقه فانبلق ~~, وبلق كفرح : تحير - قاله في القاموس . | < < # | القيامة : ( 8 - 12 ) وخسف القمر # > > ^ ( وخسف القمر * وجمع الشمس والقمر * يقول الإنسان يومئذ أين المفر ~~* كلا لا وزر * إلى ربك يومئذ المستقر ) ^ } ) | ولما كانت آيات السماوات ~~أخوف , ذكرها بادئا بما طبعه البرد , إشارة إلى شدة الحر والتوهج والأخذ ~~بالأنفاس الموجب لشدة اليأس فقال : { وخسف القمر } أي وجد خسفه بأن خسفه ~~الله تعالى أذهب صورته كما تذهب صورة الأرض المخسوفة , وذلك بإذهاب ضوئه نم ~~غير سبب لزوال ربط المسببات في ذلك اليوم بالأسباب وظهور PageV08P245 ~~الخوارق بدليل قوله : { وجمع } أي جمعا هو في غاية الإحكام ولاشدة كما ~~أفهمه التذكير وعلى أيسر الوجوه وأسهلها { الشمس } أي آية النهار { والقمر ~~* } مع عدم إنارته وإن كان نوره الآن من نورها فذهب الانتفاع بهما وهما مع ~~ذهاب النور وتفرق البصر مدركان لوجود الكشف التام عن الخفيات كما قال تعالى ~~: ^ ( { فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد } ) ^ [ ق : 22 ] وبعد جمعها ~~يلقيان في النار كأنهما ثوران عقيران , وبني الفعل للمفعول لأن المهول مطلق ~~جمعها المخرج لهما عن العادة وللدلاة على السهولة . | ولما عظم أمر القيامة ~~بما تقدم , أكد ms5685 ذلك بأن الأمر فيه على غير ما نعهده في الدنيا من وجدان ~~مهرب أو حاكم غير الذي يخافه المطلوب أو شيء من تشعب الكلمة وتفرقها فقال : ~~{ يقول الإنسان } أي بشدة روعه جريا مع طبعه { يومئذ } أي إذا كان هذا ~~الخطب الأجل والقادح الأكبر , والموضع الذي إليه الفرار والزمان القابل ~~لذلك , قول آيس مدهوش قاده إليه الطبع , وذلك حين تقاد جهنم بسبعين ألف ~~سلسلة , كل سلسلة بأيد سبعين ألف ملك , لها زفير وشهيق . | ولما كان ذلك ~~اليوم يوم انقطاع الأسباب , قال نافيا بما سال عنه بأدة الردع : { كلا } أي ~~لا يقال هذا فإنه لا سبيل إلى وجود معناه وهو معنى { لا وزر * } أي ملجأ ~~ومعتصم ولا حصن ولا التجاء واعتصام , وكون هذا من كلام الإنسان رجوعا من ~~طبعه إلى عقله أقعد وأدل على الهول لأنه لا يفهم أنه بعد أن سأل من عظيم ~~الهول نظر في جملة الأمر فتحقق أن لا حيلة بوجه أصلا , فقال معبرا بالأداة ~~الجامعة لمجامع الردع . | ولما كان المعنى : لا مفر من الله إلا إليه , لأن ~~ملكه محيط وقدرته شاملة , قال مترجما عنه ذاكرا صفة الإحسان لوما لنفسه على ~~عدم الشكر : { إلى ربك } أي المحسن إليك بأنواع الإحسان وحده , لا إلى شيء ~~غيره { يومئذ } أي إذ كانت هذه الأشياء { المستقر * } أي استقرار الخلق ~~كلهم ناطقهم وصامتهم ومكان قرارهم وزمانه إلى حكمه سبحانه ومشيئته ظاهرا ~~وباطنا لا حكم لأحد غيره بوجه من الوجوه في ظاهر ولا باطن كما هو في الدنيا ~~. | < < # | القيامة : ( 13 - 17 ) ينبأ الإنسان يومئذ . . . . . # > > ^ ( ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر * بل الإنسان على نفسه بصيرة * ~~ولو ألقى معاذيره * لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه ) ^ ~~} ) | ولما كان موضع السؤال عن علة هذا الاستقرار , قال مستأنفا بانيا ~~للمفعول لأن PageV08P246 المنكئ إنما هو كشف الأسرار لا كونه من كاشف معين ~~, وللدلالة على يسر ذلك عليه سبحانه وتعالى بأن من ندبه إلى ذلك فعله كائنا ~~من كان : { ينبؤا } أي يخبر تخبيرا عظيما مستقصى { الإنسان يومئذ ms5686 } أي إذ ~~كان هذا الزلزال الأكبر { بما قدم } أي من عمله العظيم { وأخر * } أي في ~~أول عمره وآخره - كناية عن الاستقصاء أو بما قدمه فآثره على غيره هل هو ~~الشرع أو الهوى أو بماعمل في مدة عمره وبما أخر عمله لمعاجلة الموت له عنه ~~فيخبر بما كان يعمله منأمله لو مد في أجله , أو الذي قدمه هو ما عمله بنفسه ~~وما أخره هو ما سنه فعمل به الناس من بعده من خير أو شر - قاله ابن عباس ~~رضي الله عنهما , وعليه مشى الغزالي في الباب الثالث من كتاب البيع من ~~الإحياء . | ولما عظم القيامة بكشف الأسرار فيها والإنباء بها , وكان الشأن ~~أن الإنسان لا ينبأ إلا بما هو جاهل له أو غائب عنه , وكان مما يخف على ~~الإنسان في الدنيا النسيان , وكان ذلك اليوم يوم كشف الغطاء , زاده عظما ~~بالإعلام بأنه يجلو بصيرة الإنسان حتى يصير مستحضرا لجميع ما له من شأن , ~~فكان التقدير : وليس جاهلا بشيء من ذلك ولا محتاجا إلى الإنباء به , قال ~~بانيا عليه : { بل الإنسان } أي كل واحد من هذا النوع { على نفسه } خاصة { ~~بصيرة * } أي حجة بينة على أعماله , فالهاء للمبالغة - يعني أنه في غاية ~~المعرفة لأحوال نفسه فإنه إذا تأمل وأنعم النظر ولم يقف مع الحظوظ عرف جيد ~~فعله من رديئه , أما في الدنيا فلان الفطر الأولى شاهدة بالخير والشر - كما ~~أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله : ( البر أم سكنت إليه النفس واطمأن ~~إليه القلب , والإثم ما حاك في الصدر وترددت فيه النفس وإن أفتاك الناس ~~وأفتوك ) رواه الإمام أحمد عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه وقوله صلى ~~الله عليه وسلم : ( إنما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح ~~فاصنع ما شئت ) PageV08P247 - رواه البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه , ~~وأما في الآخرة فإن الله يعطيه في ذلك اليوم قوة الذكرى حتى تصير أعماله ~~كلها بين عينيه لأنه تعالى ينفي عنه الشوغل البدنية ويكشف عنه الحجب ~~النفسانية حتى تصير أعماله ms5687 ممثلة له كأنه يراها ولا تنفعه معذرته , لأن كل ~~شيء يعتذر به عن نفسه يعرف كذبه بنفس وجوده لا بشيء خارج عنه تارة يكون ~~خالقه أوجده على ما هو عليه من العلم وسلامة الأسباب المزيلة للعلل وتارة ~~بإنطاق جوارحه . | ولما كان الإنسان يعتذر في ذلك اليوم عن كل سوء عمله , ~~ويجادل أعظم مجادلة , وكان المجادل في الغالب يظن أنه لم يذنب أو لا يعلم ~~له ذنبا , قال : { ولو ألقى } أي ذكر بغاية السرعة ذلك الإنسان من غير ~~تلعثم دلالة على غاية الصدق والاهتمام والتملق { معاذيره * } أي كل كلام ~~يمكن أن يخلص به , جمع عذر أو معذرة وهو إيساع الحيلة في دفع الخلل : وقال ~~في القاموس : المعاذير : الستور والحجج جمع معذار , وذلك لاشتراكهما في ~~مطلق الستر بالفتح والستر بالكسر في ستر المذنب والحجة في ستر الذنب ~~فالمعنى أنه حجة على نفسه ولو احتج عنها واجتهد في ستر عيوبها , فلا تقبل ~~منها الأعذار , لأنه قد أعطى البصيرة فأعماها بهون النفس وشهواتها , وتلك ~~البصيرة هي نور المعرفة المركوز في الفطرة الأولى وهي كقوله تعالى : { لا ~~ينفع الظالمين معذرتهم } . | ولما كان معنى هذا كله أن الإنسان محجوب في ~~هذه الدار عن إدراك الحقائق بما فيه من الحظوظ والكسل والفتور , لما فيه من ~~النقائص , وكان النبي صلى الله عليه وسلم مبرءا من ذلك لخلق الله له كاملا ~~وترقيته بعد ميلاده كل يوم في مراقي الكمال حتى صار إلى حد لا يشغله عن ~~العلوم شيء فكان بحيث يرى مواقع الفتن خلال البيوت كمواقع القطر , ويرى من ~~ورائه كما يرى من أمامه , ويقول : ( والله لا يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم ~~أني أراكم من وراء ظهري ) وكان صلى الله عليه وسلم يرى في أشد الظلام وغير ~~ذلك مما له صلى الله عليه وسلم من رقة الجوهر الذي لم ينله أحد غيره , وذلك ~~مام يدل على الكشف التام ولكنه كان صلى الله عليه وسلم لتعظيمه لها فتستقصى ~~, ولأنه كلام الملك الأعظم , وبأمره نزل إليه صلى الله عليه وسلم مع ms5688 رسوله ~~جبريل عليه الصلاة والسلام , يعالج عند سماعه أول ما يأتيه شدة , فكان يحرك ~~به لسانه استعجالا PageV08P248 بتعهده ليحفظه ولا يشذ عنه منه شيء , وكان ~~قد ختم سبحانه ما قبلها بالمعاذير , وكانت العجلة مما يعتذر عنه , وكان ~~الحامل على جميع ما يوجب الملامة والاعتذار ما طبع عليه الإنسان من حب ~~العاجل , قال سبحانه نتيجة عن هذه المقدمات الموجبة لانكشاف الأشياء ~~للإنسان الموجب للإخبار بها والخوف من عواقبها لئلا يميل إلى العاجلة ولا ~~يقع في مخالفة لولا ما شغله به من الحجب إعلاما بأنه سبحانه وتعالى قد دفع ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم تلك الحجب وأوسله من رتبة ( لو كشف الغطاء ما ~~ازددت يقينا ) إلى أنهاها , وأنه قادر على ما يريد من كشف ما يريد لمن يريد ~~كما يكشف لكل إنسان عن أعماله في القيامة حتى يصير يعرف ما قدم منها وما ~~أخر , وتنبيها على أنه صلى الله عليه وسلم لا كسب له في هذا القرآن بغير ~~حسن التلقي إبعادا له عن قول البشر وتمهيدا بما يحرك من لسانه بالقرآن قبل ~~تمام الإلقاء لذم ما طبع عليه الإنسان : { لا تحرك به } أي القرآن الذي هو ~~تذكرة من شاء ذكره لولا حجاب المشيئة , وقد كشف سبحانه وتعالى حجاب المشيئة ~~لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وشاء أن يذكره حين قال < # > 77 ( { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله } ) 77 < # > [ الإنسان : 30 ] لأنه ما نزله إليه بغير اكتساب منه إلا وقد شاء ذلك { ~~لسانك } الذي ليست له حركة إلا في ذكر الله تعالى . | ولما لم يكن لهذا ~~التحريك فائدة مع حفظ الله له على كل حال إلا قصد الطاعة بالعجلة , وكانت ~~العجلة هي الإتيان بالشيء قبل أوانه الأليق به , وإن كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم مثابا على ذلك أعظم الثواب لأنه لا حامل له عليه إلا حب الله وحب ~~ما يأتي منه , وجعلها الله سبحانه وتعالى علة وإن لم تكن مقصودة فقال : { ~~لتعجل به } أي بحمله وأخذه قبل أن يفرغ من ms5689 إلقاءه إليك رسولنا جبريل عليه ~~الصلاة والسلام مخافة أن ينفلت منك , لأن هذه العجلة وإن كانت من الكمالات ~~بالنسبة إليك وغلى إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما قال موسى ~~عليه الصلاة والسلام : < # > 77 ( { وعجلت إليك رب لترضى } ) 77 < # > [ طه : 84 ] لأنها من النفس اللوامة التي تلوم على ترك المبادرة إلى ~~أفعال الخير فغيرها من أفعال المطمئنة أكمل منها , فنقل صلى الله عليه وسلم ~~من مقام كامل إلى أكمل منه , وكان هذا الكلام المتعلق بالقرآن والذي بعده ~~فرقانا بين صفتي اللوامة في الخير واللوامة في الشر , والآية ناظرة غلى ~~قوله تعالى في المدثر حكاية ( إن هذا إلا قول البشر ) وما بينهما اعتراض في ~~وصف حال القيامة جر إليه قوله تعالى : < # > 77 ( { سأصليه سقر } ) 77 < # > [ المدثر : 26 ] أي أن الذي خيل به المتقول في القرآن أمران : أحدهما ~~أنه سحر والآخر أنه قول البشر , والعلم اليقين حاصل بانتفاء الأول , وأما ~~الثاني فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخشى أن لا يتقن حفظه فتدخل عليه ~~كلمة مثلا فيكون من قول البشر فنهاه الله تعالى عن العجلة وضمن له الحفظ , ~~ثم PageV08P249 علل هذا النهي بقوله مؤكدا لأنه من معجزاته : { إن علينا } ~~أي بما لنا من العظمة , لا على أحد سوانا { جمعه } أي في صدرك حتى نثبته ~~ونحفظه { وقرآنه * } أي إطلاق لسانك به وإثباته في رتبته من الكتاب حال ~~كونه مجموعا أتم جمع ميسرا حسن تيسير فأرح نفسك مما تعالج في أمره من ~~المشقة وتكابده من العناء . | < < # | القيامة : ( 18 - 24 ) فإذا قرأناه فاتبع . . . . . # > > ^ ( فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه * كلا بل تحبون ~~العاجلة * وتذرون الآخرة * وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه ~~يومئذ باسرة ) ^ } ) | ولما نهاه أمره فقال : { فإذا قرأناه } أي أقدرنا ~~جبريل عليه الصلاة والسلام على تأديته إليك كما حملناه إياه بما لنا من ~~العظمة وعلى حسبها { فاتبع } أي بغاية جهدك بإلقاء سمعك وإحضار ذهنك { ~~قرآنه * } أي قراءته مجموعة على حسب ما أداه إليك رسولنا وجمعناه لك في ~~صدرك , وكرر تلاوته حتى ms5690 يصير لك به ملكة عظيمة واعمل به حتى يصير لك خلقا ~~فيكون قائدك إلى كل خير , فالضمير يجوز أن يكون للقرآن أي قراءة جبريل عليه ~~السلام له , ولو كان على بابه لم يكن محذورا , فإن المراد به خاص وبالضمير ~~عام , ويجوز أن يكون الضمير لجبريل عليه السلام أي اتبع قراءته ولا تراسله ~~. | ولما كان بيان كلماته ونظومه على أي وجه سمعه من مثل صلصلة الجرس ~~وغيرها وبيان معانيه وما فيه من خزائن العلم من العظمة بمكان يقصر عنه ~~الوصف , أشار إليه بأداة التراخي , فقال دالا على جواز تأخير البيان عن وقت ~~الخطاب إلى وقت الحاجة , مشعرا بأنه كان يعجل بالسؤال عن المعنى كما كان ~~يعجل بالقراءة : { ثم } وأكد ذلك إشارة إلى أنه لعظمه مما يتوقف فيه فقال : ~~{ إن علينا } أي بما لنا من العظمة { بيانه * } أي بيان ألفاظه ومعانيه لك ~~سواء سمعته من جبريل عليه الصلاة والسلام على مثل صلصلة الجرس أو بكلام ~~الناس المعتاد بالصوت والحرف , ولغيرك على لسانك وعلى ألسنة العلماء من ~~أمتك , والآية مشيرة إلى ترك مطلق العجلة لأنه إذا نهى عنها في أعظم وآخره ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يعالج من ~~التنزيل شدة , كان يحرك شفتيه , قال سعيد بن جبير : قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما : فأنا أحركهما لك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما ) ~~فأنزل الله عز وجل الآية حتى قال : جمعه في صدرك ثم تقرأه { فإذا قرأناه ~~فاتبع قرآنه } [ القيامة : 18 ] قال : فاستمع له وأنصت ثم إن PageV08P250 ~~علينا أن تقرأه , قال فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه جبريل ~~عليه الصلاة والسلام استمع مطرقا فإذا انطلق جبريل عليه الصلاة والسلام ~~قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما أقرأه جبريل عليه الصلاة والسلام كما ~~وعده الله بكفالة قوله تعالى : < # > 77 ( { فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ~~ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا } ) 77 ms5691 < # > [ الجن : 27 - 28 ] ولما كان سبحانه وتعالى قد ختم الكلام في المكذبين ~~بأن أعمالهم محفوظة , وأن كل أحد على نفسه شاهد , لأنه يعلم جميل ما يفعل ~~من قبيحه وإن اعتذر , ولولاه ما اشتد اتصاله به , وختم بضمان البيان للقرآن ~~, فكان شاهدا بينا على كل إنسان بما له من عظيم البيان . | قال نافيا لما ~~يظن من جهلهم بقبيح أفعالهم الذي اقتضاه اعتذارهم مشعرا بأن الآدمي مطبوع ~~على الاستعجال بعد النهي عن العجلة في أعز الأشياء وأعلاها وأهمها وأولاها ~~, لأنه أصل الدين ليكون ذلك مؤكدا للنهي عن العجلة بالقرآن ومؤكدا لذمهم ~~بحب العاجلة مغلظا لتوبيخهم على الميل مع الطبع وترك ما يقتضيه العلم ~~والعقل : { كلا } أي لا يجهل أحد منهم قبائح ما ارتكبه وإن اعتذر وما ارتكب ~~شيئا منها عن جهل { بل } هم { يحبون } أي محبة متجددة مستمرة على تجدد ~~الزمان { العاجلة * } بدليل أنهم يقبلون غاية الإقبال عليها فيأخذونها , ~~وحبها أوجب لهم ارتكاب ما يعلمون قبحه فإن الآخرة والأولى ضرتان من أحب ~~إحداهما فعل ولا بد ما يباعده عن الأخرى , فإن ( حبك للشيء يعمي ويصم ) ~~وهذا بخلاف نبينا صلى الله عليه وسلم في مطلق العجلة فكيف بالعاجلة إنما ~~طبعناه على الكمال , فكان يعالج من العجلة بالقراءة شدة فحين نهيناه عن ذلك ~~انتهى رجوعا إلى طبعه الكامل الذي لا يشوبه نقص , وكذا كان أمره تكوينا لا ~~إباء معه ولا كلفة , فإن نفسه المطمئنة هي الغالبة ولها السلطان الأكبر , ~~ولأجل تضارر الدارين وكونهم يحبون العاجلة قال : { وتذرون } أي يتركون على ~~أي وجه كان ولو أنه غير مستحسن { الآخرة * } لانهم يبغضونها لارتكابهم ما ~~يضربهم فيها , وجمع الضمير وإن كان مبنى الخطاب مع الإنسان نظرا نظرا ~~للمعنى إشارة إلى أنه لا يسلم من العجلة المذمومة إلا أفراد حفظهم الله ~~بقدرته الباهرة , والآية من الاحتباك : ذكر الحب أولا دليلا على البغض ~~ثانيا , والترك ثانيا دليلا على الإقبال والأخذ أولا , فأنفسهم اللوامة ~~تلومهم على التقصير في الشر كما أن نفسك تحثك على الازدياد من الخبر ~~والمبادرة إليه , فنعم ms5692 النفس هي ولتعلين مقامها , وأما أنفسهم فإنها تحثهم ~~لأجل اللوم على التقصير في الشر على الإخلاد إلى العاجل الفاني والإقلاع عن ~~الباقي لكونه غائبا فبئس الأنفس هي . | PageV08P251 ولما ذكر الآخرة التي ~~أعرضوا عنها , ذكر ما يكون فيها بيانا بجهلهم وسفههم وقلة علقهم , ترهيبا ~~لمن أدبر عنها وترغيبا لمن أقبل عليها لطفا بهم ورحمة لهم فقال : { وجوه } ~~أي من المحشورين وهم جميع الخلائق { يومئذ } أي إذ تقوم القيامة { ناضرة * ~~} من النضرة بالضاد , وهي النعمة والرفاهية أي هي بهية مشرقة ظاهر عليها ~~أثر النعمة بحيث يدل ذلك على نعمة أصحابها { إلى ربها } أي المحسن لها خاصة ~~باعتبار أن عد النظر إلى غيره كلا نظر { ناظرة * } أي دائما هم محدقون ~~أبصارهم نحو جوده بالتجلي لا غفلة لهم عن ذلك فإذا رفع الحجاب عنهم أبصروه ~~بأعينهم بدليل جوده بالتجلي لا غفلة لهم عن ذلك فإذا رفع الحجاب عنهم ~~أبصرره بأعينهم بدليل التعدية ب ( إلى ) وذلك , النظر جهرة من غير اكتتام ~~ولا تضام ولا زحام - كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين ~~وجميع أهل السنة , وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحاح من ~~وجوه كثيرة بحيث اشتهر غاية الشهرة , وتكون الرؤية كما مثلت في الأحاديث ( ~~كما يرى القمر ليلة البدر ) كل من يريد رؤيته من بيته مخليا به - هذا وجه ~~الشبه , لا أنه في جهة ولا في حالة لها شبيه - تعالى الله عن التشبيه , ~~وهكذا رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام من الأشخاص المستكثرة في ~~البلاد المتباينة في الوقت الواحد , وقدمالجار الدال على الاختصاص إشارة ~~إلى هذا النظر مباين للنظر إلى غيره فلا يعد ذلك نظرا بالنسبة إليه , وإلى ~~أن تلك الوجوه مستغرقة في مطالعة جماله بحيث لا تفتر عن ذلك , ولا يعد ~~نظرها إلى ما سواه شيئا , وهي آمنة من أن يفعل بها فاقرة , وعبر بالوجوه عن ~~أصحابه لأنها أدل ما يكون على السرور , وليكون ذكرها أصرح في أن المراد ~~بالنظر حقيقته , وزاده صراحة بالتعدية ب ( إلى ms5693 ) فإن الانتظار لا يعدى بها ~~, قال الإمام حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى في كتاب المحبة من ~~الإحياء بعد أن جوز أن يخلق الله النظر في الجهة وغيرها : والحق ما ظهر ~~لأهل السنة والجماعة من شواهد الشرع أن ذلك يخلق في العين ليكون لفظ الرؤية ~~والنظر وسائر الألفاظ الواردة في الشرع مجرى على ظاهره إذ لا يجوز إزالة ~~الظواهر إلا لضرورة - انتهى , وأهل الجنة متفاوتون في النظر : روي أن منهم ~~من ينظر إلى الله بكرة وعشية , وفي خبر آخر , وما بين القوم وبين أن ينظروا ~~إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن , ومتفاوتون في مقدار ~~الكشف في الجمال والأنس والبهجة التي يكون عنها اللذة بحسب أعمالهم . | ~~ولما ذكر أهل النعمة , أتبعه أضدادهم من أهل النقمة فقال : { ووجوه يومئذ } ~~أي في ذلك اليوم بعينه { باسرة * } أي شديدة العبوس والكلوح والتكره لما هي ~~فيه من PageV08P252 الغم كأنها قد غرقت فيه فرسبت بعد أن سبرت أحوالها , ~~فلم يظهر لها وجه خلاص , والباسل أبلغ من الباسر لكنه غلب في الشجاع ~~لاشتداد كلوحه عند العراك , وتلك الوجوه عن ربها محجوبة , وإلى أنواع ~~العذاب ناظرة . | < < # | القيامة : ( 25 - 32 ) تظن أن يفعل . . . . . # > > ^ ( تظن أن يفعل بها فاقرة * كلا إذا بلغت التراقي * وقيل من راق * ~~وظن أنه الفراق * والتفت الساق بالساق * إلى ربك يومئذ المساق * فلا صدق ~~ولا صلى * ولكن كذب وتولى ) ^ } ) | ولما كان ظن الشر كافيا في الحذر منه ~~والمبالغة في اتسعمال ما يحمي منه , قال دالا على أنه عبر بالوجه عن الجملة ~~: { تظن } أي تتوقع بما ترى من المخايل : { أن يفعل } بناه للمفعول لأن ~~المحذور وقوع الشر لا كونه من معين { بها } أي بهم فإنه إذا أصيب الوجه ~~الذي هو أشرف ما في الجملة كان ما عداه أولى { فاقرة * } أي داهية تكسر ~~الفقاره وهو عظم سلسلة الظهر الذي هو أصلب ما في العظام فتكون قاصمة الظهر ~~, فالآية من الاحتباك : ذكر النظر في الأولى دليلى على ضده في الثانية , ~~وذكر الفاقرة في الثانية دليل ms5694 على ضدها في الأولى . | ولما ذكر محبتهم ~~للعاجلة بالمضارع الدال على التجدد والاستمرار , فاقتضى ذلك أنه حب غيره ~~منفك التجدد أصلا , أخبر أنه ينقطع عن هول المطلع مع الدلالة على تمام ~~القدرة , وأنه لا يرد قضاؤه , فقال رادعا لمن يظن عدم انقطاعه : { كلا } أي ~~لا يدوم هذا الحب بل لا بد أن ينقطع انقطاعا قبيحا جدا . | ولما كان المحب ~~للدنيا هو النفس , أضمرها لذلك ولدلالة الكلام عليها فقال ذاكرا ظرف ما ~~أفهم حرف الردع تقديره من عدم المحبة : { إذا بلغت } أي النفس المقبلة على ~~العاجلة بأمر محقق - بما أفهمته أداة التحقق { التراقي * } أي عظام أعالي ~~الصدر , جمع ترقوة وهي العظام التي حول الحلقوم عن يمين ثغرة النحر وشمالها ~~بين الثغرة وبين العاتق , ولكل إنسان ترقوتان , وهو موضع الحشرجة , لعله ~~جمع المثنى إشارة إلى شدة انتشارها بغاية الجهد لما هي فيه من الكرب ~~لاجتماعها من أقاصي البدن إلى هناك وضيق المجال عليها كأنها تريد أن تخرج ~~من أدنى موضع يقرب منها , وهذا كناية عن الإشفاء على الموت وما أحسن قول ~~حاتم الطائي وأشد التئامه مع ما هنا من أمر الروح : | أماوي ما يغني الثراء ~~عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر | ولما كان أهل الميت يشتد ~~انزعاجهم إذ ذاك ويشتد تطلبهم لما ينجي المحتضر من غير أن يفيدهم ذلك شيئا ~~, فكان قولهم كأنه لا قائل له على التعيين , بني للمفعول قوله : ~~PageV08P253 { وقيل } أي من كل قائل يعز عليه الميت استفهام استبعاد : { من ~~راق * } أي من هو الذي يتصف برسوخ القدم في أمر الرقى الشافية ليرقيه ~~فيخلصه مما هو فيه فإنه صار إلى حالة لا يحتمل فيها دواء فلا رجاء إلا في ~~الرقى , وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذا القول من بعض الملائكة ~~للاستفهام عمن يرقى بروحه إلى السماء : أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟ ~~فالأول اسم فاعل من رقى يرقى بمعنى الرقية بالفتح في الماضي والكسر في ~~المضارع , والثاني الذي بمعنى الصعود بالكسر في الماضر والكسر في المضارع . ~~| ولما ms5695 كان الإنسان مطبوعا على الترجح بين الأمور الممكنة تتعلق لما يغلب ~~عليه من طبع الإلف وشدة الركون لما يألفه بأدنى شيء , عبر عما هو أهل ~~للتحقق بالظن فقال : { وظن } أي المحتضر لما لاح له من أمور الآخرة أو ~~القائل ( هل من راق ) من أهله { أنه } أي الشأن العظيم الذي هو فيه { ~~الفراق * } أي لما كان فيه من محبوب العاجلة الذي هو الفراق الأعظم الذي لا ~~فراق مثله , ففي الخبر أن العبد ليعالج كرب الموت وسكراته وأن مفاصله ليسلم ~~بعضها على بعض يقول : السلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة : { ~~والتفت الساق } أي هذا النوع { بالساق * } أي انضمت إليها واتصلت بها ودارت ~~إحادهما بالأخرى فكانتا كالشيء الواحد , وهو كناية عن الموت لأن المشي لا ~~يكون إلا مع انفصال إحدى الساقين في مثل هذا السياق إلا في أمر شديد مثل ( ~~شمر عن ساق ) وإذا اشتد حراب المتحاربين : ( دنت السوق بعضها في بعض ) فلا ~~افتراق إلى عن موت أحدهما أو أشد من موته من هزيمته , وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أنه كناية عن اختلاط شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة , وجواب إذ ~~محذوف تقديره : زال تعلقه الذي كان بالدنيا وحبه لها وإعراضه عن الآخرة . | ~~ولما صور وقت تأسفه على الدنيا وإعراضه عنها , ذكر غاية ذلك فقال مفردا ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم هذا حق فهمه غيره ~~: { إلى ربك } أي موعد وحكم المحسن إليك بإرسالك وتصديقك في جميع ما بلغته ~~عنه ونصرك على كل من ناواك , لا إلى غيره { يومئذ * } أي إذ وقع هذا الأمر ~~{ المساق * } أي السوق وموضع السوق وزمانه , كل ذلك داخل في حكمه , قد ~~انقطعت عنه أحكام أهل الدنيا , فإما أن تسوقه الملائكة إلى سعادة بينة وإما ~~إلى شقاوة بينة , أو هو كناية عن عرضه بعد الموت على الله تعالى فلا ينفعه ~~إذا حقق له الوعظ بالموت قوله : أموت فأستريح , فإنه يرجع بالموت إلى سيده ~~, فإن كان مطيعا لقيه بما يرضيه , وإن كان عاصيا ms5696 لقيه بما يلقى به العبد ~~الآبق على قدر إباقه . | PageV08P254 ولما ذكر كراهته للآخرة ذكر أن سببه ~~إفساده ما آتاه الله من قوى العلم والعمل بتعطيلها عن الخير واستعمالهما في ~~الشر فقال مبينا عمل العبد الموافق والآبق , عاطفا على ^ ( { يسأل أيان } ) ~~^ [ القيامة : 6 ] الذي معناه جحد البعث : { فلا صدق } - أي هذا الإنسان ~~الذي الكلام فيه - الرسول فيما أخبره بما كان يعمل من الأعمال الخبيثة , ~~ولا إيمانه بالإنفاق في وجوه الخير التي ندب إليها واجبة كانت أو مسنونة , ~~وحذف المفعول لأنه أبلغ في التعميم . | ولما ذكر أصل الدين , أتبعه فروعه ~~دلالة على أن الكافر مخاطب بها فقال : { ولا صلى * } أي ما أمر به من فرض ~~وغيره , فلا تمسك بحبل الخالق ولا وصل إلى حبل الخلائق على حد ما شرع ما . ~~| ولما نفى عنه أفعال الخير , أثبت له أفعال الشر فقال : { ولكن } أي فعل ~~ضد التصديق بأن { كذب } أي بما أتاه من الله { وتولى * } أي وفعل ضد الصلاة ~~التي هي صلة بين المخلوق والخالق , فاجتهد في خلاف ما تدعوه إليه فطرته ~~الأولى المستقيمة من الإعراض عن الطاعة من الصلاة وغيرها حتى صار له ذلك ~~ديدنا , فصارت الطاعة لا تخطر له بعد ذلك على بال لموت الفطرة الأولى وحياة ~~النفس الأمارة بالسوء , وليس هذا بتكرار لأنه لا يلزم من عدم التصديق ~~التكذيب . | < < # | القيامة : ( 33 - 40 ) ثم ذهب إلى . . . . . # > > ^ ( ثم ذهب إلى أهله يتمطى * أولى لك فأولى * ثم أولى لك فأولى * ~~أيحسب الإنسان أن يترك سدى * ألم يك نطفة من مني يمنى * ثم كان علقة فخلق ~~فسوى * فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى * أليس ذلك بقادر على أن يحيي ~~الموتى ) ^ } ) | ولما كان الإصرار على هذا عظيما يبعد كل البعد أن يعمله ~~أحد فكيف بالافتخار به والتكبر لأجله , أشار إليه بأداة البعد , فقال مؤذنا ~~بأن الحال على التكذيب الكبر , والحامل على الكبر الترف , وسبب ذلك ~~الانقياد أولا مع الطبع في إفساد القوتين : العملية والعلمية حتى نشأ عنهما ~~هذا الخلق السيىء , وهو عدم المبالاة , ولم يزل به ذلك ms5697 حتى صار ملكة يفتخر ~~به { ثم ذهب } أي هذا الإنسان بعد توليه عن الحق { إلى أهله } غير مفكر في ~~عاقبة ما فعل من التكذيب حال كونه { يتمطى * } أي يفتخر افتخارا بتكذيبه ~~وإعراضه وعدم مبالاته بذلك , من المط , أبدل الحرف الثاني ألفا تخفيفا فصار ~~من المطي وهو الظهر كأنه يساعده على مد الخطى , أو أن المتبختر إذا مشى لوى ~~ظهره , وإنما فعل هذا لمرونه على المعصية بدل الاستحياء والخجل والانكسار . ~~| ولما كان هذا غاية الفجور , وكان أهل الإنسان يحبونه إذا أقبل إليهم لا ~~سيما إذا PageV08P255 كان على هذه الحالة عند أغلب الناس , أخبر بما هو ~~حقيق أن يقال له في موضع ( تحية أهله ) من التهديد العظيم فقال : { أولى لك ~~} أي أولاك الله ما تكره , ودخلت اللام للتأكيد بقوله : { فأولى * } أي ~~ابتلاك الله بداهية عقب داهية , وأبلغ ذلك التأكيد إشارة إلى أنه يستحقه ~~على مدى الأعصار , فقال مشيرا بأداة التراخي إلى عظيم ما ارتكب وقوة ~~استحقاقه لهذا التأكيد : { ثم أولى لك } أي ألها الذي قد أحل نفسه بالغفلة ~~دون محل البهائم { فأولى * } أي وصلت إلى هذا الهلاك بداهية تعقبها تارة ~~متواليا وتارة متراخيا , وبعضها أعظم من بعض , لحقك ذلك لا محالة , فإن هذا ~~دعاء ممن بيده الأمر كله , ويجوز أن يكون المعنى : أولى لك أن تترك ما أنت ~~عليه وتقبل على ما ينفعك , وقال ابن جرير في تفسير المدثر : إن أبا جهل لما ~~استهزأ على جعل مزنة النار تسعة عشر أوحى الله إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يأتيه فيأخذ بيده في بطحاء مكة فيقول له : أولى لك - إلى آخرها , ~~فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو جهل : والله لا تفعل ~~أنت وربك شيئا , فأخزاه الله يوم بدر - انتهى . | ويمكن تنزيل الكلمات ~~الأربع على حالاته الأربع : الحياة ثم الموت ثم البعث ثم دخول النار , ~~فيكون المعنى : لك المكروه الآن في الموت والبعث ودخول النار . | قال ~~البغوي : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن لكل أمة فرعونا ms5698 , وإن ~~فرعو هذه الأمة أبو جهل ) وقد أفهمت الآية أن من أصلح قوتي علمه وعمله بأن ~~صدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأقبل وأقام الصلاة فتبعتها ~~جميع الأعمال التي هي عمادها , فنشأ عن ذلك خلق حسن وهو الوجل مع الطاعة , ~~فهنالك يقال له : بشرى لك فبشرى ثم بشرى لك فبشرى . | ولما كان هذ فعل من ~~أعرض عن الله أصلا فلم يخطر شيئا من عظمته على باله , فكان ظانا أنه مهمل ~~لا مالك له وأنه هو السيد لا عبودية عليه , فلا يؤمر ولا ينهى ولا يعمل إلا ~~بمقتضى شهواته , قال منكرا ليه معبرا بالحسبان الذي الحامل عليه نقص العقل ~~: { أيحسب } أي أيجوز لقلة علقه { الإنسان } أي الذي هو عبد مربوب ضعيف ~~عاجز محتاج بما يرى في نفسه وأبناء جنسه . | ولما كان الحامل على الجراءة ~~مطلق الترك هملا , لا كون الترك من معين , قال بانيا للمفعول : { أن يترك } ~~أي يكون تركه بالكلية { سدى * } أي مهملا لاعبا لاهيا لا يكلف ولا يجازى ~~ولا يعرض على الملك الأعظم الذي خلقه فيسأله عن شكره فيما PageV08P256 أسدى ~~إليه , فإن ذلك مناف للحكمة , فإنها تقتضي الأمر بالمحاسن والنهي عن ~~المساوئ والجزاء على كل منهما , وأكثر الظالمين والمظلومين يموتون من غير ~~جزاء , فاقتضت الحكمة ولا بد البعث للجزاء . | ولما كان الإنسان يجري على ~~ما في طبعه من النقائص فيغفل عما خلق له فتتراكم عليه ظلماته فيبعد عن علم ~~ذلك إما بجهل بالحكمة أو بجهل بالقدرة , رحمه سبحانه بإعادة البرهان على ~~المعاد بأمر يجمع القدرة والحكمة , وذلك أنه لا يجوز في عقل عاقل أن صانعا ~~يصنع شيئا ويتركه ضياعا وهو حكيم أو حاكم فكيف بأحكم الحكماء والحاكمين ~~فقال منكرا عليه ظنه أنه يهمله سبحانه مع علمه بصنائعه المحكمة فيه , مقررا ~~أحوال بدايته التي لا يسوغ معها إنكار إعادته لأنها أدل على أنه لا مانع ~~منها أصلا , حاذفا نون الكون إعلاما بأن الأمر في هذه النتيجة العظمى ضاق ~~عن أقل شيء يمكن الاستغناء عنه كراهية التمادي من الموعوظ على ms5699 ما وعظ لاجله ~~فيحصل له الهلاك , وإشارة إلى مهانة أصله وحقارته : { ألم يك } أي الإنسان ~~{ نطفة } أي شيئا يسيرا جدا { من مني } أي ماء من صلب الرجل وترائب المرأة ~~مقصود ومقدر من الله لابتلاء إخرادجها بما ركب فيه من الشهوة وجعل له من ~~الروح التي يسرها لقضاء وطره منها حتى أن وقت صبها في الرحم انصبت منه بغير ~~اختياره حتى كأنه لا فعل له فيها أصلا , ولذلك بنى الفعل لما لم يسم فاعله ~~, ولما كان تكثير تلك النطفة وتحويلها أمرا عظيما عجيبا , أشار إليه بأداة ~~البعد مع إفادتها للتراخي في الزمان أيضا فقال : { ثم كان } أي كونا محكما ~~{ علقة } أي دما أحمر عبيطا شديد الحمرة والغلظة { فخلق } أي قدر سبحانه ~~عقب ذلك لحمه وعظامه وعصبه وغير ذلك من جواهره وأعراضه { فسوى * } أي عدل ~~عن ذلك خلقا آخر غاية التعديل شخصا مستقلا . | ولما كان استعبادهم للقيام ~~إما لاستبعاد القدرة على إعادة الأجزاء بعد تفرقها أو لاستبعاد القدرة على ~~تمييز ترابها من تراب الأرض بعد الاختلاط , وكان تمييز النطفة إلى ذكر ~~وأنثى كافيا في رد الاستبعادين قال : { فجعل } أي بسب بالنطفة { منه } أي ~~هذا الماء الدافق أو المخلوق المسوى وهما شيء واحد { الزوجين } أي القرينين ~~اللذين لا يمكن الانتفاع بأحدهما إلا بالآخر , ثم بينهما بقوله : { الذكر ~~والأنثى * } وهما كما تعلمون متباينان في الطباع مختلفان في أوصاف الأعضاء ~~والآلات والمتاع , كما لم يترك النطفة حتى صيرها علقة ولا ترك العلقة حتى ~~صيرها مضغة ولا ترك المضغة حتى صيرها عظاما ولم يترك العظام حتى صيرها خلقا ~~آخر إلى تمام الخلقة لتمام الحكمة الظاهرة وفصلها PageV08P257 إلى ذكر ~~وأنثى وهي ماء , تمييز ما يصلح منه للذكر وما يصلح منه للأنثى أشد وأخفى من ~~تمييز تراب الميت من تراب الأرض , فكذلك لا يترك الجسم بعد موته حتى يعيده ~~ثم يبعثه إلى آخر ذلك لتمام الحكمة الباطنة وهي الجزاء والحكم الذي هو خاصة ~~الملك . | ولما تقرر من حيث إتقان الاصطناع أنه لا يجوز معه الإهمال ~~وانقطاع النزاع , وكان ms5700 ربما توقف من حيث ظن عدم القدرة على ذلك بعد الموت , ~~قال منبها على تمام القدرة مقررا عليه منكرا على من يتوقف فيه موبخا له ~~مرتبا على ما قام على القدرة على الإعادة من دليل القدرة الشهودي على ~~البداية : { أليس ذلك } أي الخالق المسوي الإله الأعظم الذي قدر على هذه ~~الإنشاءات وصنع هذه الصنائع المتقنة التي لا يقدر غيره على شيء منها وأعرق ~~في النفي فقال : { بقادر } أي عظيم القدرة { على أن يحيي } أي كيف أراد ~~دفعة أو في أوقات متعاقبة { الموتى * } فيقيم القيامة بل وعزته وجلاله ~~وعظمته وكماله إنه على كل ما يريد قدير , وقد رجع آخر السورة على أولها أتم ~~رجوع , والتأم به أتم التئام , فتمت معانيها أعظم تمام بجمع العظام وإيجاد ~~القيام ليوم التغابن والزحام - أعاننا الله فيه بحسب الختام , روى البغوي ~~بسنده من طريق أبي داود عن أعرابي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ منكم { والتين والزيتون } [ التين : 1 ~~] فانتهى إلى آخرها { ألين الله بأحكم الحاكمين } [ التين : 8 ] فليقل : ~~بلى وأنا على ذلك من الشاهدين , ومن قرأ { لا أقسم بيوم القيامة } [ ~~القيامة : 1 ] فانتهى إلى قوله { أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } [ ~~القيامة : 40 ] فيلقل بلى , ومن قرأ المرسلات فقرأ { فبأي حديث بعده يؤمنون ~~} [ المرسلات : 50 ] فيقل : ) آمنا بالله ( ورواه الترمذي وقال في آخر ~~القيامة أن يحيي الموتى . | ( بلى وعزة ربنا ) وقال الحافظ نور الدين ~~الهيثمي في مجمع الزوائد : وروى أحمد وفيه رجلان لم أعرفهما عن أبي هريرة ~~رضي الله تعالى عنه قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) من قرأ : ~~والمرسلات عرفا فبأي حديث بعده يؤمنون , ومن قرأ : والتين والزيتون , فيلقل ~~: وأنا على ذلك من الشاهدين , ومن قرأ : أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى ~~, فيقل بلى ( والله الهادي للصواب . | . . . | PageV08P258 < # > سورة الإنسان < # > | وتسمى هل أتى والأمشاج والدهر . | مقصودها ترهيب الإنسلنت بما دل ~~عليه آخر القيامة من العرض على الملك الديان بتعذيب العاصي في النيران ms5701 ~~وتنعيم المطيع في الجنان بعد جمع الخلائق كلها الإنس والجان والملائكة ~~والجان وغير ذلك من الحيوان ، ويكون لهم مواقف طوال وأهوال وزلزال ، لكل ~~منها أعظم شأن ، وأدل ما فيها على ذلك الإنسان بتأمل آيته وتدبر مبدئه ~~وغايته ، وكذا تسميتها بهل أتى وبالدهر وبالأمشاج من غير ميل ولا اعوجاج { ~~بسم الله } الملك الذي خلق الخلائق لمعرفة أسمائه الحسنى { الرحمن } الذي ~~عمهم بنعمة الظاهرة فرادى ومثنى { الرحيم } الذي خص منهم من اختاره لوداده ~~بالنعمة الباطنة والمقام الأسنى . < < # | الإنسان : ( 1 - 3 ) هل أتى على . . . . . # > > ^ ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا * إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل إما ~~شاكرا وإما كفورا ) ^ } ) | ولما تقدم في آخر القيامة التهديد على مطلق ~~التكذيب , وأن المرجع إلى الله وحده , والإنكار على من ظن أنه يترك سدى ~~والاستدلال على البعث وتمام القدرة عليه , تلاه أول هذه بالاستفهام الإنكار ~~على ما يقطع معه بأن لا يترك سدى , فقال مفصلا ما له سبحانه عليه من نعمة ~~الإيجاد والإعداد والإمداد والإسعاد : { هل أتى } أي بوجه من الوجوه { على ~~الإنسان } أي هذا النوع الذي شغله عما يراد به ويراد له لعظم مقداره في نفس ~~الأمر الأنس بنفسه والإعجاب بظاهر حسه والنسيان لما بعد حلول رمسه { حين من ~~الدهر } أي مقدار محدود وإن قل من الزمان الممتد الغير المحدود حال كونه { ~~لم يكن } أي في ذلك الحين كونا راسخا { شيئا مذكورا * } أي ذاكرا له اعتبار ~~ظاهر في الملأ الأعلى وغيره حتى أنه يكون متهاونا به غير منظور إليه ليجوز ~~أن يكون سدى بلا أمر ونهي , ثم يذهب عدما ليس الأمر كذلك , بل ما أتى عليه ~~شيء من ذلك بعد PageV08P259 خلقه إلا وهو فيه شيء مذكور , وذلك أن الدهر هو ~~الزمان , والزمان هو مقدار حركة الفلك - كما نقله الرازي في كتاب اللوامع ~~في سورة ( يس ) عند قوله تعالى ( ولا الليل سابق النهار ) فإنه قال : ~~الزمان ابتداؤه من حركات ا لسماء فإن الزمان مقدار ms5702 حركات الفلك - انتهى ~~وآدم عليه السلام تم الخلق بتمام خلقه في آخر يوم الجمعة أول جمعة كانت , ~~وكانت طينته - قبل ذلك بمدة مخمرة هو فيها بين الروح والجسد , قال ابن ~~مسعود رضي الله عنه : خلق الله آدم عليه السلام من تراب فأقام أربعين سنة ~~ثم من طين أربعين سنة ثم من صلصال أربعين سنة ثم من حمإ مسنون أربعين سنة ~~ثم خلقه بعد ستين ومائة سنة , وقال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~ثم خلقه بعد عشرين ومائة سنة : فحينئذ ما أتى عليه زمان إلا وهو شيء مذكور ~~إما بالتخمير وإما بتمام التصوير , فالاستفهام على بابه وهو إنكاري , وليست ~~( هل ) بمعنى ( قد ) إلا إن قدرت قبلها الهمزة , وكان الاستفهام إنكاريا ~~لينتفي مضمون الكلام , والمراد أنه هو المراد من العالم , فحينئذ ما خلق ~~الزمان إلا لأجله , فهو أشرف الخلائق , وهذا أدل دليل على بعثه للجزاء , ~~فهل يجوز مع ذلك أن يترك سدى فيفنى المظروف الذي هو المقصود بالذات , ويبقى ~~الظرف الي ما خلق إلا صوانا له , والذي يدل على ذلك من أقوال السلف أنه روي ~~أن رجلا قرأه لا عند ابن مسعود رضي الله عنه فقال : يا ليت ذلك لم يكن . | ~~وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : قوله تعالى : { هل أتى على الإنسان حين ~~من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } [ الإنسان : 1 ] تعريف الإنسان بحاله ~~وابتداء أمره ليعلم أن لا طريق له للكبر واعتقاد السيادة لنفسه , وأن لا ~~يغلطه ما اكتنفه من الألطاف الربانية والاعتناء الإلهي والتكرمة فيعتقد أنه ~~يستوجب ذلك ويستحقه < # > 77 ( { وما بكم من نعمة فمن الله } ) 77 < # > [ النحل : 53 ] ولما تقدم في القيامة إخباره تعالى عن حال منكري البعث ~~عنادا واستكبارا وتعاميا عن النظر والاعتبار < # > 77 ( { أيحسب الإنسان إن لن نجمع عظامه } ) 77 < # > [ القيامة : 3 ] وقوله بعد < # > 77 ( { فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى } ) 77 < # > [ القيامة : 31 - 33 ] أي يتخبتر عنوا واستكبارا ومرحا وتجبرا , ~~وتعريفه بحاله التي لو فكر فيها لما ms5703 كان منه ما وصف , وذلك قوله < # > 77 ( { ألم يكن نطفة من مني يمنى ثم كان علقة فخلق فسوى } ) 77 < # > [ القيامة : 37 - 38 ] أتبع ذلك بما هو أعرق في التوبيخ وأوغل في ~~التعريف وهو أنه قد كان لا شيء فلا نطفة ولا علقة , ثم أنعم الله عليه ~~بنعمة الإيجاد ونقله تعالى من طور إلى طور فجعله نطفة من ماء مهين في قرار ~~مكين ثم كان علقة ثم مضغة إلى إخراجه وتسويته خلقا آخر فتبارك الله أحسن ~~الخالقين , فمن اعتبر اتصافه بالعدم ثم تقلبه في هذه الأطوار المستنكف حاله ~~والواضح فناؤها واضمحلالها , وأمده PageV08P260 الله تعالى بتوفيقه عرف ~~حرمان من وصف في قوله : ( ثم ذهب إلى أهله يتمطى ) فسبحان الله ما أعظم ~~حلمه وكرمه ورفقه , ثم بين تعالى ما جعله للإنسان من السمع والبصر ابتلاء ~~له , ومن أدركه أدركه الغلط وارتكب الشطط - انتهى . | ولما ذكر مطلق خلقه , ~~وقرر أنه خلاصة الكون , شرع يذكر كيفية خلقه ويدل على ما لزم من ذلك من أنه ~~ما خلق الخلق إلا لأجله وأنه لا يجوز أن يهمل فقال معلما بالحال التي هي ~~قيد الجملة ومحط الفائدة أنه ما خلق إلا للآخرة , مفصلا أمر الإيجاد ~~بالفاعل والصورة والمادة والغاية وأكده لإنكارهم له : { إنا } أي على ما ~~لنا من العظمة { خلقنا } أي قدرنا وصورنا , وأظهر ولم يضمر لأن الثاني خاص ~~والأول عام لآدم عليه الصلاة والسلام وجميع ولده فقال : { الإنسان } أي بعد ~~خلق آدم عليه الصلاة والسلام { من نطفة } أي مادة هي ماء جدا من الرجل ~~والمرأة , وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة وهي المادة التي هي السبب الحامل ~~للقوة المولدة . | ولما كان خلقه على طبائع مختلفة وأمزجة متفاوتة أعظم ~~لأجره إن جاهد ما يتنازعه من المختلفات بأمر ربه الذي لا يختلف , وكانت ~~أفعاله تابعة لأخلاقه وأخلاقه تابعة لجبلته قال : { أمشاج } أي أخلاط - جمع ~~مشج أو مشيج مثل خدن وخدين وأخذان , وخلط وخليط وأخلاط , من مشجت الشيء - ~~إذا خلطته , لأنه من مني الرجل ومني المرأة , وكل منهما مختلف ms5704 الأجزاء ~~متباين الأوصاف في الرقة والثخن والقوام والخواص تجتمع مع الأخلاط وهي ~~العناصر الأربعة , ماء الرجل غليظ أبيض , وماء المرأة رقيق أصفر فيأهما علا ~~كان الشبه له , وما كان من عصب وعظم فمن نظفة الرجل , وما كان من دم ولحم ~~وشعر فمن ماء المرأة , وقال يمان : كل لونين اختلطا فهو أمشاج , وقال قتادة ~~: هي أطوار الخلق من النطفة وما بعدهما , وكما يشبه ما غلب عليه من باطن ~~الأمشاج من الطيب والخبث , وكيفية تمشيجه أن الماء إذا قرار الرحم اختلط ~~بماء المرأة ثم بدم الطمث وخثر حتى صار كالرائب ثم احمر وحينئذ يسمى علقة , ~~فاذا اشتد ذلك الامتزاج وقوي وتمتن حتى استعد لأن يقسم فيه الأعضاء سمي ~~مضغة , فإذا أفيضت عليه صورة الأعضاء صورة الأعضاء وتقسم كساه حينئذ مفيضه ~~عز وجل لحما , فأفاض عليه القوة العاقلة , ويسمى حينئذ جنينا , وذلك بعد ~~تقسم أجزائه إلى عظام وعروق وأعصاب وأوتار ولحم , فدور الرأس وشق في جانبيه ~~السمع وفي مقدمه المبصر والأنف والفم , وشق في البدن سائر المنافذ ثم مد ~~اليدين والرجلين وقسم رؤوسها بالأصابع , وركب الأعضاء الباطنة من القلب ~~والمعدة والكبد - والطحال والرئة والمثانة , فسبحان من خلق تلك الأشياء من ~~نطفة سخيفة مهينة كون منها العظام مع قوتها PageV08P261 وشدتها وجعلها عماد ~~البدن وقوامه وقدرها بمقادير وأشكال مختلفة , فمنها صغير وكبير , وطويل ~~وقصير , وعريض ومستدير , ومجوف ومصمت , ودقيق وثخين , ولم يجعلها عظما ~~واحدا لأن الإنسان محتاج إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه ثم جعل بين ~~تلك العظام مفاصل ثم وصلها بأوتار أنبتها من أحد طرفي العظم وألصقها بالطرف ~~الآخرة بالرباط له ثم خلق في أحد طرفي العظم زوائد خارجة , وفي الآخر حفرا ~~موافقة لشكر الزوائد لتدخل فيها , وخلق الرأس مع كريته من خمسة وخمسين عظما ~~مختلفة الأشكال وألف بعضها مع بعض , فجعل في القحف ستة وفي اللحى الأعلى ~~أربعة عشر , واثنان للأسفل , والباقي في الأسنان , وجعل الرقبة مركبا للرأس ~~وركبها من سبع خرزات فيها تجويفات وزيادات ونقصانات لينطبق بعضها على بعض , ~~وركب الظهر من ms5705 أربع وعشرين خرزة وعظم العجز من ثلاثة أجزاء , وجعل من أسفله ~~عظم العصعص أو اللفة من ثلاثة أجزاء مختلفة , ثم وصل عظام الظهر بعظام ~~الصدر وعظام الكتف وغيرها حتى بلغ مجموع عظام بدن الإنسان مائتي عظم ~~وثمانية وأربعين عظما سوى العظام التي حشا بها خلل المفاصل , وخلق سبحانه ~~آلات التحريك للعظام وهي العضلات وهي خمسمائة وسبع وعشرون عضلة كل منها على ~~قدر مخصوص ووضع مخصوص لو تغير عن ذلك أدنى تغير لاختلت مصالح البدن , وكذا ~~الأعصاب والأوردة والشرايين , ثم انظر كيف خلق الظهر أساسا للبدن , والبطن ~~حاويا لآلات الغذاء والرأس مجمعا للحواس , ففتح العين ورتب طبقاتها وأحسن ~~شكلها ولونها وأحكمها بحيث ينطبع في مقدار عدسة منها صورة السماوات على ~~عظمها , وحماها بالأجفان لتسترها وتحفظها , ثم أودع الأذنين ماء مرا يدفع ~~عنها الهوام وحاطهما بصدفين لجمع الصوت ورده إلى الصماخ وليحس بدبيب الهوام ~~وجعل فيها تعرجيا لتطويل الطريق فلا تصل الهوام إلى جرم الصماخ سريعا , ثم ~~رفع الأنف في الوجه وأودع فيه حاسة الشم للاستدلال بالروائح على الأطعمة ~~والأغذية ولاستنشاق الروائح الطيبة لتكون مروحة للقلب , وأودع الفم اللسان ~~وجعله على كونه لحمة واحدة معربا عما في النفس , ويزن القم بالأنسان فحدد ~~بعضها لتكون آلة للنقب وحدد بعضها لتصلح للقطع , وجعل بعضها عريضا مفلطحا ~~صالحا للطحن وبيض ألوانها ورتب صفوفها وسوى رؤوسها ونسق ترتيبها حتى صارت ~~كالدر المنظوم , ثم أطبق على الفم الشفتين وحسن لونهما لتحفظا منفذه وهيأ ~~الحنجرة لخروج الصوت , وخالف اأشكال الحناجر في الضيق والسعة والخشونة ~~والملاسة والصلابة والرخاوة والطول والقصر , فاختلفت الأصوات بسببها ليميز ~~السامع المصوتين بسبب تمييز أصواتهم فيعرفهم وإن لم يرهم , وسخر كل عضو ~~PageV08P262 من أعضاء الباطن لشيء مخصوص , فالمعدة لإنضاج الغذاء , والكبد ~~لإحالته إلى الدم , والطحال لجذب السواد , والمرارة لجذب الصفراء , والكلية ~~لجذب الفضلة المائية , والمثانة لخدمة الكلية بقبول الماء عنها ثم إخراجه ~~من طريقه , والعروق لخدمة الكبد في إيصال الدم إلى سائر أطراف البدن , وكان ~~مبدأ ذلك كله النطفة على صغرها في داخل الرحمن في ms5706 ظلمات ثلاثة ولو كشف ~~الغطاء وامتد البصر إليه لرأى التخطيط والتصوير يظهر عليه شيئا فشيئا ولا ~~يرى المصور ولا الإله , فسبحانه ما أعظم شأنه وأبهر برهانه , فيالله العجب ~~ممن يرى نقشا حسنا على جدار فيتعجب من حسنه وحذق صانعه ثم لا يزال يستعظمه ~~ثم ينظر إلى هذه العجائب في نفسه وفي غيره ثم يغفل عن صانعه ومصوره فلا ~~تدهشه عظمته ويحيره جلاله وحكمته . | ولما كان الإنسان مركبا من خفيف طاهر ~~وبدن هو مركب الحظوظ والشهوات واللوم والدنيات , فكان الروح بكماله والبدن ~~بنقصانه يتعالجان , كل منهما يريد أن يغلب صاحبه , قوى سبحانه الروح بالشرع ~~الداعي إلى معالي الأخلاق , الناهي عن مساويها , المبين لذلك غاية البيان ~~على يد إنسان طبعه سبحانه على الكمال ليقدر على التلقي من الملائكة , فيكمل ~~أبناء نوعه , فدل على ذلك بحال بناها من ضمير العظمة فقال مبينا للغاية : { ~~نبتليه } أي نعامله بما لنا من العظمة بالأمر والنهي والوعظ معاملة المختبر ~~ونحن أعلم به منه , ولكنا فعلنا ذلك لنقيم عليه الحجة على ما يتعارفه الناس ~~, فإن العاصي لا يعلم أنه أريد منه العصيان , وكذا الطائع , فصار التكليف ~~بحسب وهمه لما خلق الله له من القوة والقدرة الصالحة في الجملة . | ولما ~~ذكر الغاية , أتبعها الإعدادات المصححة لها فقال : { فجعلناه } أي بما لنا ~~من العظمة بسبب ذلك { سميعا } أي بالغ السمع { بصيرا * } أي عظيم البصر ~~والبصيرة ليتمكن من مشاهدة الدلائل ببصره وسماع الآيات بسمعه , ومعرفة ~~الحجج ببصيرته , فيصح تكليفه وابتلاؤه , فقدم العلة الغائية لأنها متقدمة ~~في الاستحضار على التابع لها من المصحح لورودها , وقدم السمع لأنه أنفع في ~~المخاطبات , ولأن الآيات المسموعة أبين من الآيات المرئية , قال الرازي في ~~اللوامع وإلى هنا انتهى الخبر الفطري ثم يبتدئ منه الاختبار الكسبي - انتهى ~~. | وذلك بنفخ الروح وهي حادثة بعد حدوث البدن بإحداث القادر المختار لها ~~بعد تهيئة البدن لقبولها , ثم أفاض سبحانه على الجملة العقل , وجعل السمع ~~والبصر اللتين له , ولعله خصهما لأنهما أنفع الحواس , ولأن البصر يفهم ~~البصيرة وهي تتضمن الجميع , وجعل ms5707 سبحانه له ذلك لاستقراء صور المحسوسات ~~وانتزاع العلوم الكلية منها , وبذلك يكمل علمه الذي منه الدفع عن نفسه التي ~~جعلها الله تعالى PageV08P263 محل التكليف ليكمل تكليفه , وذلك أنه سبحانه ~~ركبه من العناصر الأربعة , وجعل صلاحه بصلاحها , وفساده بفسادها لتعاليها , ~~فاضطر إلى قوى يدرك بها المنافي فيجتنبه والملائم فيطلبه , فرتب له سبحانه ~~الحواس الخمس الظاهرة , فجعل السمع في الأذن , والبصر في العين , والذوق في ~~اللسان , والشم في الأنف , وبث اللمس في سائر البدن , ليدفع به عم جميع ~~الأعضاء ما يؤذيها , وهذه الحواس الظاهر تنبعث عن قوة باطنة تمسى الحس ~~المشترك بحمل ما أدركته فيرتسم هناك وهو في مقدم البطن الأول من الدماغ ~~وينتقل ما ارتسم هنا إلى خزانة الخيال وهي في مؤخر هذا البطن منالدماغ ~~فتحفظ فيها صورته وإن غابت عن الحواس , وثم قوة أخرى من شأنها إدراك ~~المعاني الجزئية المتعلقة بالمحسوسات الشخصية كعداوة زيد وصداقته تسمى ~~الوهم ومحلها الدماغ كله والأخص بها التجويف الاوسط وخصوصا مؤخره , وقوة ~~أخرى أيضا شأنها خزن ما أدركته القوة الوهمية من المعاني الجزئية تسمى ~~الحافظة باعتبار , والذاكرة باعتبار , ومحلها التجويف المؤخر في الدماغ , ~~وقوة أخرى من شأنها تفتيش تلك الخزائين وتركيب بعض مودعاتها مع بعض وتفصيل ~~بعضها مع بعض ومحلها وسلطانها في أول التجويف الأوسط , وتلك القوة تسمى ~~مخيلة باعتبار تصريف الوهم لها ومفكرة باعتبار استعمال النفس لها , وقد ~~اقتضت الحكمة الربانية تقديم ما يدرك الصور الجرمية وتأخير ما يدرك المعاني ~~الروحانية , وتوسيط المتصرف فيهما بالحكم والاسترجاع للأمثال المنمحية من ~~الجانبين , ثم لا تزال هذه القوى تخدم ما فوقها كما خدمتها الحواس الخمس ~~إلى أن تصير عقلا مستفادا , وهو قوة للنفس بها يكون لها حضور المعقولات ~~بالفعل , وهذا العقل هو غاية السلوك الطلبي للإنسان وهو الرئيس المطلق ~~المخدوم للعقل بالفعل , وهو القوة التي تكون للنفس بها اقتدار على استحضار ~~المعقولات - الثانية وهو المخدوم للعقل الهيولاني المشبه بالهيولى الخالية ~~في نفسها عن جميع الصورة , وهو قة من شأنها الاستعداد المحض لدرك المعقولات ~~باستعمال الحواس في تصفيح ms5708 الجزئيات واستقرائها المخدومات كلها للعقل العملي ~~, وهو القوة النظرية المخدوم للهم والمخدوم لما بعده من الحافظة وما قبله ~~من المتخيلة المخدومتين للخيال المخدوم للحس المشترك المخدوم للحواس ~~الظاهرة . | ولما كان كأنه قيل : هبه خلق هكذا فكان ماذا ؟ قال شفاء لعي ~~هذا السؤال وبيانا لنعمة الإمداد : { إنا } أي بما لنا من العظمة { هديناه ~~} أي بينا له لأجل الاتبلاء { السبيل } أي الطريق الواضح الذي لا طيق في ~~الحقيقة غيره , وهو طريق الخير الذي من حاد عنه ضل , وذلك بما أنزل من ~~الكتب وأرسلنا من الرسل ونصبنا من الدلائل في PageV08P264 الأنفس والآفاق , ~~وجعلنا له من البصيرة التي يميز بها بين الصادق والكاذب وكلام الخلق وكلام ~~الخالق والحق والبطال وما أشبهه . | ولما كان الإنسان عند البيان قد كان ~~منه قسمان , وكان السياق لبيان تعظيمه بأنه خلاصة الكون والمقصود من الخلق ~~, قال بانيا حالا من ضميره في ( هديناه ) مقسما له مقدما القسم الذي أتم ~~عليه بالبيان نعمة الهداية بخلق الإيمان , لأن ذلك أنسب بذكر تشريفه ~~للإنسان , بجعله خلاصة الوجود وبقوله : ( إن رحمتي سبقت غضبي ) في سياق ~~ابتداء الخلق , معبرا باسم الفاعل الخالي من المبالغة , لأنه لا يقدر أحد ~~أن يشكر جميع النعم , فلا يسمى شكورا إلا بتفضل من ربه عليه : { إما شاكرا ~~} أي لإنعامه ربه عليه . | ولما كان الإنسان , لما له نم النقصان , لا ينفك ~~غالبا عن كفر ما , أتى بصيغة المبالغة تنبيها له على ذلك معرفا له أنه لا ~~يأخذه إلا بالتوغل فيه ليعرف نعمة الحلم عنه فيحمله الخجل على الإقبال على ~~من يرضى منه بقليل الشكر , ويحتمل أن يفهم ذلك أن من كفر نعمة واحدة فقد ~~كفر الجميع فصار بليغ الكفر فقال : { وأما كفورا } أي بليغ الكفر بالإعراض ~~والتكذيب وعبادة الغير والمعاندة فإحسانه غير موف إساءته مفرطة , وبدأ ~~بالشكر لأنه الأصل , روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال : ( كل مولود يولد على الفطرة بأبواه يهودانه أو ~~ينصرانه أو يمجسانه ) الحديث , ورواه أحمد بن منيع عن ms5709 ابن عباس رضي الله ~~عنهما , ورواه الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه ولفظه : ( كل مولود يولد ~~على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا ) رواه الإمام أحمد ~~أيضا وأبو يعلى عن الأسود بن سريع رضي الله عنه . | < < # | الإنسان : ( 4 - 9 ) إنا أعتدنا للكافرين . . . . . # > > ^ ( إنآ أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا * إن الأبرار يشربون ~~من كأس كان مزاجها كافورا * عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا * ~~يوفون بالنذر PageV08P265 ويخافون يوما كان شره مستطيرا * ويطعمون الطعام ~~على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ~~ولا شكورا ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما قسمهم إلى القسمين , ذكر جزاء كل قسم فقال مستأنفا جواب من يسأل ~~عن ذلك مبشرا لشاكر الذي اتعد بعروجه في مراقي العبادات إلى ملكوت العلويات ~~لروح وريحان وجنة نعيم , ومنذرا للكافر الذي استعد بالهبوط في دركات ~~المخالفات إلى التقيد بالسفليات لنزل من حميم وتصلية جحيم , مقدما للعاصي ~~لأن طريق النشر المشوش أفصح , وليعادل البداءة بالشاكر في أصل التقسيم ~~ليتعادل الخوف والرجاء , وليكون الشاكر أولا وآخرا , ولأن الانقياد بالوعيد ~~أتم لأنه أدل على القدرة لا سيما في حق أهل الجاهلية الذين بعدت عنهم معرفة ~~التكاليف الشرعية , وأكثر في القرآن العظيم من الدعاء بالترغيب والترهيب ~~لأنه الذي يفهمه الجهال الذين هم أغلب الناس دون الحجج والبراهين , فإنها ~~لا يفهمها إلا الخواص , وأكد لأجل تكذيب الكفار : { إنا } أي على ما لنا من ~~العظمة { أعتدنا } أي هيأنا وأحضرنا بشدة وغلظة { للكافرين } أي العريقين ~~في الكفر خاصة , وقدم الأسهل في العذاب فالأسهل ترقيا فقال : { سلاسلا } ~~يقادون ويرتقون بها , وقراءة من نون مشيرة إلى أنها عظيمة جدا , وكذا وقف ~~أبي عمرو عليه بالألف مع المنع من الصرف { وأغلالا } أي جوامع تجمع أيديهم ~~إلى أعناقهم فيها فيهانون بها { وسعيرا * } أي نهارا حامية جدا شديدة ~~الاتقاد . | ولما اوجز في جزاء الكافر , أتبعه جزاء الشاكر وأطنب فيه ~~تأكيدا للترغيب , فإن النفوس بعد كسر الوعيد لها تهتز لأدنى وعد وأقله فكيف ~~بأتمه وأجله , فقال مستنأفا مؤكدا ms5710 بتكذيب الكافر مبينا بذكر الخمر على هذه ~~الصفة أنهم في أنها ما يكون من رغد العيش لأنه يلزم من شربها جميع مقدماتها ~~ومتمماتها : { إن الأبرار } بخصوصهم من عموم الشاكرين جمع بر كأرباب جمع رب ~~, أو بار كأشهاد جمع شاهد , وهم الذين سمت هممهم عن المستحقرات فظهرت في ~~قلوبهم ينابيع الحكمة فأنفقوا من مساكنة الدنيا { يشربون } أي ما يريدون ~~شربه { من كأس } أي خمر - قاله الحسن وهو اسم لقدح تكون فيه { كان مزاجها } ~~أي الذي تمزج به { كافورا * } أي لبرده وعذوبته وطيب عرفه , وذكر فعل الكون ~~يدل على أن له شأنا في الزج عظيما يكون فيه كأنه من نفس الجبلة لا كما يعهد ~~. | ولما كان الكافور أعلى ما نعهده جامدا , بين أنه هناك ليس كذلك , فقال ~~مبدلا من ( كافور ) : { عينا يشرب بها } أي بمزاجها كما تقول : شربت الماء ~~بالعسل { عباد الله } أي خواص الملك الأعظم وأولياؤه أي شراب أرادوه . | ~~PageV08P266 ولما كان المزاج يتكلف لنقله قال : { يفجرونها تفجيرا * } أي ~~حال كونهم يشققونها ويجرونها بغاية الكثرة إجراء حيث أرادوا من مساكنهم وإن ~~علت وغيرها . | ولما ذكر جزاءهم على برهم المبين لشكرهم , أتبعه تفصيله ~~فقال مستأنفا بيانا لأن شكرهم بالعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ~~وعمارة الظاهر والباطن لأنهم جمعوا بين كرم الطبع ولطافة المزاج الحامل على ~~تجويز الممكن المقتضي للإيمان بالغيب : { يوفون } أي على سبيل الاستمرار { ~~بالنذر } وهذا كناية عن وفائهم بجميع أنحاء العبادة لأن من وفى بما أوفى , ~~ويجوز أن يكون النذر كل ما تقدم إليهم فيه سبحانه . | ولما دل وفاؤهم على ~~سلامة طباعهم , قال عاطفا دلالة على جمعهم للأمرين المتعاطفين فهم يفعلون ~~الوفاء لا لأجل الخوف بل لكرم الطبع : { ويخافون } أي مع فعلهم للواجبات { ~~يوما كان } أي كونا هو في جبلته { شره } أي ما فيه من الشدائد { مستطيرا * ~~} أي موجود الطيران وجودا كأنه بغاية الرغبة فيه فهو في غاية الانتشار , ~~والخوف أدل دليل على عمارة الباطن , قالوا : وما فارق الخوف قلبا إلا خرب , ~~من خاف أدلج , ومن ادلج المنزل , فالخوف ms5711 لاجتناب الشر ولاوفاء لاجتلاب ~~الخير . | ولما كان من خاف شيئا سعى في الأمن منه بكل ما عساه ينفع فيه , ~~وكان قد ذكر تذرعهم بالواجب , أتبعه المندوب دلالة على أنهم لا ركون لهم ~~إلى الدنيا ولا وثوق بها , فقد جمعوا إلى كرم الطبع بالوفاء ورقة القلب شرف ~~النفس بالانسلاخ من الفاني فقال : { ويطعمون الطعام } أي على حسب ما يتيسر ~~لهم نم عال ودون على الدوام . | ولما كان الإنسان قد يسمع بما لا يلذ له ~~قال : { على حبه } أي حبه إياه حبا هو في غاية المكنة منهم والاستعلاء على ~~قلوبهم لقلته وشهوتهم له وحاجتهم إليه كما قال تعالى : < # > 77 ( { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } ) 77 < # > [ آل عمران : 92 ] ليفهم أنهم للفضل أشد بذلا , ولهذا قال صلى الله ~~عليه وسلم : ( لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم أي الصحابة رضي ~~الله عنهم - ولا نصيفه ) لقلة الموجود إذ ذاك وكثرته بعد { مسكينا } أي ~~محتاجا احتياجا يسيرا , فصاحب الاحتياج الكثير أولى { ويتيما } أي صغيرا لا ~~أب له ذكرا كان أو أنثى { وأسيرا * } أي في أيدي الكفار أي أعم من ذلك , ~~فيدخل فيه المملوك والمسجون والكفار الذي في أيدي المسلمين , وقد نقل في ~~غزوة بد أن بعض PageV08P267 الصحابة رضي الله عنهم كان يؤثر أسيره على نفسه ~~بالخبز , وكان الخبز إذ ذاك عزيزا حتى كان ذلك الأسير يعجب من مكارهم حتى ~~كان ذلك مما دعاه إلى الإسلام , وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~دفعهم إليهم قال : ( استوصوا بهم خيرا ) ومن حكم الأسير الحقيقي كل مضرو ~~يفعلون ذلك والحال أنهم يقولون بلسان الحال أو القال إن احتيج إليه إزاحة ~~لتوهم المن أو توقع المكافأة مؤكدين إشارة إلى أن الإخلاص أمر عزيز لا يكاد ~~أحد يصدق أنه يتأتى لأحد : { إنما نطعمكم } أيها المحتاجون { لوجه الله } ~~أي لذات الملك الذي استجمع الجلال والإكرام لكونه أمرنا بذلك , وعبر به لأن ~~الوجه يتسحيى منه ويرجى ويخشى عند رؤيته . | ولما أثبتوا بهذا الإخلاص , ~~حققوه بنفي ما ms5712 يغير فيه , وفسروه لما لا يكون إلا به فقالوا : { لا نريد ~~منكم } أي لأجل ذلك { جزاء } أي لنا من أعراض الدنيا { ولا شكورا * } بشيء ~~من قول ولا فعل , وكأنه اختير هذا المصدر المزيد كالدخول والخروج والقعود ~~إيماء إلى أن ألمنفي ما يتكلف له , وأما مثل المحبة والدعاء فلا , ولو ~~أرادوا شيئا من ذلك لما كان لله , وروي في سبب نزول هذه الآية : ( إن عليا ~~وابنيه وأمهما فاطمة رضي الله عنهم أجمعين آثروا على أنفسهم ثلاثة أيام , ~~وأصبحوا الرابع يرتعشون , فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ساءه ذلك , ~~فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام بهذه السورة مهنئا له بها ) ولا يستبعد ~~الصبر على الجوع هذه المدة لأنه ربما كانت للنفس هيئة قوية من استغراق في ~~محبة الله تعالى أو غير ذلك , فهبطت إلى البدن فشغلت الطبيعة عن تحليل ~~الأجزاء فلا يحصل الجوع كما أنا نشاهد الإنسان يبقى في المرض الحاد مدة من ~~غير تناول شيء من غذاء ولا يتأثر بدنه لذلك , فلا بدع أن تقف الأفعال ~~الطبيعية في حق بعض السالكين وهو أحد القولين في قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم ( إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ) . | PageV08P268 < < # | الإنسان : ( 10 - 17 ) إنا نخاف من . . . . . # > > ^ ( إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ~~ولقاهم نضرة وسرورا * وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا * متكئين فيها على ~~الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا * ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها ~~تذليلا * ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا * قواريرا من فضة ~~قدروها تقديرا * ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا ) ^ } ) | ولما كانت ~~الأنفس مجبولة على حب الجزاء والثناء , فكان لا يكاد يصدق أحد أن أحدا يفعل ~~ما لا يقصد به شيئا من ذلك , وكان الله سبحانه وتعالى قد من علينا بأن جعل ~~العبادة لأجل خوفه ورجائه لا يقدح في الإخلاص , عللوا قولهم هذا على وجه ~~التأكيد بقولهم : { إنا نخاف } ولما كان الخوف من المحسن بالنظر إلى إحسانه ~~موجبا للخوف منه بالنظر إلى عزه ms5713 وجبروته وسلطانه من باب الأولى قالوا : { ~~من ربنا } أي الخالق لنا المحسن إلينا { يوما } أي أهوال يوم هو في غاية ~~العظمة , وبينوا عظمته بقولهم : { عبوسا } أي ضيقا قاله ابن عباس رضي الله ~~عنهما , نسبوا العبوس إليه لأنه في شدته كالأسد الغضوب , فهو موجب لعبوس ~~الوجوه فيه أو هو لعبوس أهله ك ( ليلة قائم ونهاره صائم وعيشة راضية ) { ~~قمطريرا * } أي طويلا قاله ابن عباس رضي الله عنهما , أو شديد العبوس مجتمع ~~الشر كالذي يجمع ما بين عينيه مأخوذ من الطقر لأن يومه يكون عابسا , وزيد ~~فيه الميم وبولغ فيه بالصيغة , وهو يوم القيامة , يقال : اقمطر اليوم فهو ~~مقمطر - إذا كان صعبا شديدا . | ولما كان فعلهم هذا خالصا لله , سبب عنه ~~جزاءهم فقال مخبرا أنه دفع عنهم المضار وجلب لهم المسار : { فوقاهم الله } ~~أي الملك الأعظم بسبب خوفهم { شر ذلك اليوم } أي العظيم , وأشار إلى نعيم ~~الظاهر بقوله : { ولقاهم } أي تلقية عظيمة فيه وفي غيره { نضرة } أي حسنا ~~ونعمة تظهر على وجوههم وعيشا هنيئا , وإلى نعيم الباطن بقوله : { وسورا * } ~~أي دائما في قلوبهم في مقابلة خوفهم في الدنيا على المبالغة في عبوس أهله , ~~وأشار إلى المسكن بقوله : { وجزاهم بما صبروا } أي بسبب ما أوجدوه من الصبر ~~على العبادة من لزوم الطاعة واجتناب المعصية ومنع أنفسهم الطيبات وبذل ~~المحبوبات { جنة } أي بستانا جامعا يأكلون منه ما يشتهون جزاء على ما كانوا ~~يطعمون . | ولما ذكر ما يكسو الباطن , ذكر ما يكسو الظاهر فقال : { وحريرا ~~* } أي هو في غاية العظمة . | ولما ذكر أنه كفاهم المخوف وحباهم الجنة , ~~أتبعه فيها وحالها فقال دالا على راحتهم الدائمة : { متكئين فيها } أي لأن ~~كل ما أرادوه حضر إليهم من غير حاجة PageV08P269 إلى حركة أصلا , ودل على ~~الملك بقوله { على الأرائك } أي الأسرة العالية التي في الحجال , لا تكون ~~أريكة إلا مع وجود الحجلة , وقال بعضهم : هي السرير المنجد في قبة عليه ~~شواره ونجده أي متاعه , وهي مشيرة إلى الزوجات لأن العادة جارية بأن الأرئك ~~لا تخلو عنهن بل هي ms5714 لهن لاستمتاع الأزواج بهن فيها . | ولما كانت بيوت ~~الدنيا وبساتينها تحتاج إلى الانتقال منها من موضع إلى موضع لأجل الحر أو ~~البرد , بين أن جميع أرض الجنة وغرفها سواء في لذة العيش وسبوغ الظل ~~واعتدال الأمر , فقال نافيا ضر الحر ثم البرد : { لا يرون فيها } أي ~~بأبصارهم ولا بصائرهم أصلا { شمسا } أي ولا قمرا { ولا } أي ولا يرون فيها ~~أيضا ببصائرهم أي لا يحسون بما يسمى { زمهريرا * } أي بردا شديدا مزعجا ولا ~~حرا , فالآية من الاحتباك : دل بنفي الشمس أولا على نفي القمر , لأن ظهوره ~~بها لأن نوره اكتساب سببه الشمس , فأفاد هذا أن الجنة غنية عن النيرين , ~~لأنها نيرة بذاتها وأهلها غير محتاجين على معرفة زمان لأنه لا تكليف فيها ~~بوجه , وأنها ظليلة ومعتدلة دائما لأن سبب الحر الآن قرب الشمس من مسامته ~~الرؤوس , وسبب البرد بعدها عن ذلك . | ولما كانت ترجمة هذا كما مضى : جنة ~~ظليلة ومعتدلة , عطف عليه بالواو دلالة على تمكن هذا الوصف وعلى اجتماعه مع ~~ما قبله قوله : { ودانية } أي قريبة من الارتفاع { عليهم ظلالها } من غير ~~أن يحصل منها ما يزيل الاعتدال { وذللت قطوفها } جمع قطف بالكسر وهو ~~العنقود واسم للثمار المقطوفة أي المجنية { تذليلا * } أي سهل تناولها ~~تسيهلا عظيما لا يرد اليد عنها بعد ولا شوك لكل من يريد أخذها على أي حالة ~~كان من اتكاء وغيره , فإن كانوا قعودا تدلت إليهم , وإن كانوا قياما وكانت ~~على الأرض ارتقت إليهم , وهذا جواء لهم على ما كانوا يذللون أنفسهم لأمر ~~الله . | ولما كان الدوران بالآنية متجددا , عبر فيه بالمضارع , وبناه ~~للمفعول أيضا لأنه المقصود مطلقا منغير تعيين طائفة فقال : { ويطاف } أي من ~~أي طائف كان لكثرة الخدم { عليهم بآنية } جمع إناء جزاء على طوافهم على ~~المحتاجين بما يصلحهم . | ولما كان مقصود هذه السورة ترهيب الإنسان الموبخ ~~في سورة القيامة من الكفر , وكان الإنسان أدنى أسنان المخاطبين في مراتب ~~الخطاب , اقتصر في الترغيب في شرف الآنية على الفضة دون الذهب المذكور في ~~فاطر والحد المعبر ms5715 فيهما بالناس , فلعل هذا لصنف وذاك لصنف أعلى منه مع ~~إمكان الجمع والمعاقبة , وأما من هو أعلى من هذين الصنفين من الذين آمنوا ~~ومن فوقهم فلهم فوق هذين الجوهرين من الجواهر ما لا عين PageV08P270 رأت ~~ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فقال : { من فضة } أي اسمه ذلك , وأما ~~الحقيقة فأين الثريا من يد المتناول . | ولما جمع الآنية خص فقال : { ~~وأكواب } جمع كوب وهو كوز لا عروة له , فيسهل الشهرب منه من كل موضع فلا ~~يحتاج عند التناول إلى إدارة { كانت } أي تلك الأكواب كونا هو من جبلتها { ~~قواريرا * } أي كانت بصفة القوارير من الصفاء والرقة والشفوف والإشراق ~~والزهارة , جمع قارورة وهي ما قر فيه الشراب ونحوه من كل إناء رقيق صاف , ~~وقيل : هو خاص بالزجاج . | ولما كان هذا رأس آية , وكان التعبير بالقارورة ~~ربما أفهم أو أوهم أنها من الزجاج , وكان في الزجاج من النقص سرعة الانكسار ~~لإفراط الصلابة , قال معيدا للفظ أول الآية الثانية , تأكيدا للاتصاف ~~بالصالح من أوصاف الزجاج وبيانا لنوعها : { قواريرا من فضة } أي فجمعت صفتي ~~الجوهرين المتباينين : صفاء الزجاج وشفوفه وبريقه وبياض الفضة وشرفها لينها ~~, وقراءة من نون الاثنين صارفا ما من حقه المنع مشيرة إلى عظمتها وامتداد ~~كثرتها وعلوها في الفضل والشرف , وقراءة ابن كثير في الاقتصار على تنوين ~~الأول للتنبيه على أنه رأس آية والثاني أول التي بعدها مع إفهام العظمة لأن ~~الثاني إعادة للأول لما تقدم من الإفادة , فكأنه منون , ووقف أبو عمرو على ~~الأول بالألف مع المنع من الصرف لأن ذلك كاف في الدلالة على أنه رأس آية . ~~| ولما كان الإنسان لا يجب أن يكون الإناء ولا ما فيه من مأكول أو مشروب ~~زائدا عن حاجته ولا ناقصا عنها قال : { قدروها } أي في الذات والصفات { ~~تقدرا * } أي على مقادير الاحتياج من غير زيادة ولا نقص لأن ما أراد كل ~~منها كان , لا كلفة ولا كدر ولا نقص . | ولما ذكر الأكواب , أتبعها غايتها ~~فقال تخصيصا بالعطف على ما تقديره : يسقون فيها ms5716 ما تشتهي أنفسهم وتلذ ~~أعينهم : { ويسقون } ممن أرادوه من خدمهم الذين لا يحصون كثرة { فيها } أي ~~الجنة أو تلك الأكواب { كأسا } أي خمرا في إناء { كان مزاجها } على غاية ~~الإحكام { زنجبيلا * } هو في غاية اللذة والنكهة . | < < # | الإنسان : ( 18 - 22 ) عينا فيها تسمى . . . . . # > > ^ ( عينا فيها تسمى سلسبيلا * ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم ~~حسبتهم لؤلؤا منثورا * وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا * عاليهم ثياب ~~سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا * إن هذا كان ~~لكم جزآء وكان سعيكم مشكورا ) ^ } ) | PageV08P271 ولما كان الزنجبيل عندنا ~~شجرا يحتاج في تناوله إلى علاج , أبان أنه هناك عين لا يحتاج في صيرورته ~~زنجبيلا إلى أن تحيله الأرض بتخميره فيها حتى يصير شجرا ليتحول عن طعم ~~الماء إلى طعم الزنجبيل خرقا للعوائد فقال : { عينا فيها } أي الجنة يمزج ~~فيها شرابهم كما يمزج بالماء . | ولما كان الزنجبيل يلذع الحق فتصعب إساغته ~~قال : { تسمى } أي لسهولة إساغتها ولذة طعمها وسمو وصفها { سلسبيلا } ~~والسلسبيل والسلسل والسلسال ما كان من الشراب غاية في السلاسة , زيدت فيه ~~الباء دلالة على المبالغة في هذا المعنى , قالوا : وشراب الجنة في برد ~~الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك من غير لذع . | ولما ذكر المطوف به لأنه ~~الغاية المقصودة , وصف الطائف لما في طوافه من العظمة المشهودة تصويرا لما ~~هم يفه من الملك بعد ما نجوا منه من الهلك : { ويطوف عليهم } أي بالشاراب ~~وغيره من الملاذ والمحاب { ولدان } أي غلمان هم في من هو دون البلوغ ( أقل ~~أهل الجنة من يخدمه ألف غلام ) { مخلدون } أي قد حكم من لا يرد حكمه بأن ~~يكونوا كذلك دائما من غير غلة ولا ارتفاع عن ذلك الحد مع أنهم مزينون ~~بالخلد وهو الحلق والأساور والقرطة والملابس الحسنة { إذ رأيتهم } أي يا ~~أعلى الخلق صلى الله عليه وسلم وأنت أثبت الناس نظرا أو أيها الرائي من كان ~~في أي حالة رأيتهم فيها { حسبتهم } من بياضهم وصفاء ألوانهم ولمع أنوارهم ~~وانعكاس شعاع بعضهم غلى بعض وانبثاثهم في المجالس ms5717 ذهابا وإيابا { لؤلؤا ~~منثورا * } وذلك كناية عن كثرتهم وانتشارهم في الخدمة وشرفهم وحسنهم ؛ وعن ~~بعضهم أن لؤلؤ الجنة في غاية الكبر والعظمة واختلاف الأشكال , وكأنه عبر ~~بالحسبان إشارة إلى أن ذلك مطلق تجويز لا مع ترجيح , قال بعض المفسرين : هم ~~غلمان ينشئهم الله لخدمة المؤمنين . | وقال بعضهم : هم أطفال المشركين ~~لأنهم ماتوا على الفطرة , وقال ابن برجان : وأرى والله أعلم أنهم من علم ~~الله سبحانه وتعالى إيمانه من أولاد الكفار يكونون خدما لأهل الجنة كما ~~كانوا لهم في الدنيا سبيا وخداما , وأما أولاد المؤمنين فيلحقون بآبائهم ~~سنا وملكا سرورا لهم , ويؤيد هذا قوله صلى الله عليه وسلم في ابنه إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام ( إن له لظئرا يتم رضاعه في الجنة ) فإنه يدل على ~~استقبال شأنه فيما هنالك وتنقله في الأحوال كالدنيا , ولا دليل على خصوصيته ~~بذلك . | PageV08P272 ولما ذكر المخدوم والخدم شرع في ذكر المكان فقال : { ~~وإذا رأيت } أي أجلت بصرك , وحذف مفعوله ليشيع ويعم { ثم } هناك في أي مكان ~~كان وأي شيء كان { رأيت نعيما } أي ليس فيه كدر بوجه من الوجوه , ولما كان ~~النعيم قد يكون في حالة وسطى قال : { وملكا كبيرا * } أي لم يخطر على بال ~~مما هو فيه من السعة وكثرة الموجود والعظمة أدناهم وما فيهم دني الذي ينظر ~~في ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى ومهما أراده كان . | ولما ذكر ~~الدار وساكنيها من مخدوم وخدم , ذكر لباسهم بانيا حالا من الفاعل والمفعول ~~: { عليهم } أي حال كون الخادم والمخدوم يعلو أجسامهم على سبيل الاستئناف { ~~ثياب سندس } وهو ما رق من الحرير { خضر } رفعه الجماعة صفة لثياب , وجره ~~ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم صفة لسندس حملا على المعنى فإنه ~~اسم جنس { وإستبرق } وهو ما غلظ من الديباج يعمل بالذهب , أو هو ثياب حرير ~~صفاق نحو الديباج قاله في القاموس , رفعه ابن كثير ونافع وعاصم ونسقا على ~~ثياب , وجره الباقون على سندس . | ولما كان المقصود لأرباب اللباس الفاخر ~~الحلية , أخبر عن تحليتهم , وبني الفعل ms5718 للمفعول دلالة على تيسر ذلك لهم ~~وسهولته عليهم فقال : { وحلوا } أي وجدت تحلية المخدومين والخدم { أساور من ~~فضة } وإن كانت تتفاوت بتفاوت الرتب , وقتدم سر تخصيص هذه السورة بالفظة ~~والأساور بجمع ما فيها من لذة الزينة لذة اتساع الملك فإنها كناية عنه فإنه ~~كما قال الملوي كان في الزمن القديم إذا ملك ملك أقاليم عظيمة كثيرة لبس ~~سوارا وسمي الملك المسور لاتساع مملكته وعظمتها وكثرة أقاليمها , وإن لم ~~تجمع أقاليم لم يسور فما ظنك بمن أعطى من ذلك جميع الكثرة , وهي بالغة في ~~الأعضاء ما يبلغ التحجيل في الوضوء كما قال صلى الله عليه وسلم : ( تبلغ ~~الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ) فلذا كان أبو هريرة رضي الله عنه يرفع ~~الماء إلى المنكبين وإلى الساقين . | ولما كان ربما ظن بما تقدم من ذلك ~~الممزوج شيء من نقص لأجله يمزج كما هو في الدنيا , وكان قد قال أولا { ~~يشربون } بالبناء للفاعل , وثانيا ( يسقون ) بالبناء للمفعول , قال بانيا ~~للفاعل بيانا لفضل ما يسقونه في نفسه وفي كونه من عند الإله PageV08P273 ~~الأعظم المتصف بغاية الإحسان على صفة من العظمة تليق بإحسانه سبحانه بما ~~أفاده إسناد الفعل إليه : { وسقاهم } وعبر بصفة الإحسان تأكيدا لذلك فقال : ~~{ ربهم } أي الموجد لهم المحسن إليهم المدبر لمصالحهم { شرابا طهورا * } أي ~~ليس هو كشراب الدنيا سواء كان من الخمر أو من الماء أو من غيرهما , بل هو ~~بالغ الطهارة والوصف بالشرابية من العذوبة واللذة واللطافة , وهو مع ذلك ~~آلة للتطهير البالغ للغير فلا يبقى في بواطنهم غش ولا وسواس , ولا يريدون ~~إلا ما يرضي مليكهم مما أسس على غاية الحكمة وفاق كامل وسجايا مطهرة وأخلاق ~~مصطفاة لا عوج فيها , ولا يستحيل شيء من شرابهم إلى نجاسة من بول ولا غيره ~~, بل يصير رشحا كرشح المسك ويعطي الرجل شهة مائة رجل في الأكل وغيره , فإذا ~~أكل شرب فطهر باطنه ورشح منه المسك فعادت الشهوة , بل الحديث يدل على أن ~~شهوتهم لا تنقضي أصلا فإنه قال : ( يجد لآخر قمة من اللذة ms5719 ما يجد لأولها ) ~~يفعل بهم هذا سبحانه قائلا لهم مؤكدا تسكينا لقلوبهم لئلا يظنون أن ما هم ~~فيه على وجه الضيافة ونحوها فيظنوا انقطاعه { إن هذا أي الذي تقدم من ~~الثواب كله { كان } أي كونا ثابتا { لكم } بتكويني إياه من قبل موتكم { ~~جزاء } أي على أعمالكم التي كنتم تجاهدون فيها أنفسكم عن هواها إلى ما يرضي ~~ربكم فكنتم كلما عملتم عملا كونت من هذا ما هو جزاء له { وكان } أي على وجه ~~الثبات { سعيكم } ولا كان المقصود القبول لأن القابل الشاكر هو المعمول له ~~, بني للمفعول قوله : { مشكورا * } أي لا يضيع شيئا منه ويجازى بأكثر منه ~~أضعافا مضاعفة . | < < # | الإنسان : ( 23 - 27 ) إنا نحن نزلنا . . . . . # > > ^ ( إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا * فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم ~~آثما أو كفورا * واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا * ومن الليل فاسجد له وسبحه ~~ليلا طويلا * إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورآءهم يوما ثقيلا ) ^ } ) | ~~ولما ذكر أنه بين للناس السبيل فانقسموا إلى مبصر شاكر وأعمى كافر , وأتبعه ~~جزاء الكافرين والشاكرين , وختمه بالشراب الطهور الذي من شأنه أن يحيي ميت ~~الأراضي كما أن العلم الذي منبعه القرآن يحيي ميت القلوب , وسكن القلوب ~~بتأييده الجزاء , وختم الكلام بالشكر كما بدأه به , وكان نصب ما يهدي جميع ~~الناس امرا لا يكاد يصدق قال ذاكرا لما شرف به النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الدنيا قبل الآخرة , وجعل الشراب الطهور جزاء له لما بينهما من المناسبة ~~على سبيل التأكيد , وأكده ثانيا بما أفاد التخصيص PageV08P274 لما لهم من ~~الإنكار ولتطمئن أنفس أتباعه بما حث عليهم من الصبر إلى وقت الإذن في ~~القتال : { إنا نحن } أي على ما لنا من العظمة التي لا نهاية لها , لا ~~غيرها { نزلنا عليك } وأنت أعظم الخلق إنزالا استعلى حتى صار المنزل خلقا ~~لك { القرآن } أي الجامع لكل هدى , الحافظ من الزيغ , كما يحفظ الطب للصحيح ~~صحة المزاج , الشافي لما عساه يحصل من الأدواء بما يهدي إليه من العلم ~~والعمل , وزاد في التأكيد لعظيم إنكارهم فقال ms5720 : { تنزيلا * } أي على ~~التدريج بالحكمة جوابا للسائل ورفقا بالعباد فدرجهم في وظائف الدين تدريجا ~~موافقا للحكمة , ولم يدع لهم شبهة إلا أجاب عنها , وعلمهم جميع الأحكام ~~التي فيها رضانا , وأتاهم من المواعظ والآداب والمعارف بما ملأ الخافقين ~~وخصصناك به شكرا على سيرتك الحسنى التي كانت قبل النبوة , وتجنبك كل ما ~~يدنس , فلما كان بتنزيلنا كان جامعا للهدى لما لنا من إحاطة العلم والقدرة ~~, فلا ناظرة إلى قوله في القيامة < # > 77 ( { لا تحرك به لسانك } ) 77 < # > [ القيامة : 16 ] الملتفتة إلى ما في المدثر من أن هذه تذكرة , الناظرة ~~إلى { أنا سنلقي عليك قولا ثقيلا } المشيرة إلى ما في سورة الجن من أمر ~~القرآن , فالحاصل أن أكثر القرآن في تقرير عظمة القرآن , فإنه المقصود ~~بالذات من أمر الآية الكبرى التي إذا ثبتت تبعها جميع المراد من الشريعة ~~وتفريق تقرير شأنه أتقن ما يكون في إحكام أمره , وذلك أن الحكيم إذا اهتم ~~بشيء افتتح الكلام به , فإذا رأى من ينكره انتقل إلى غيره على قانون الحكمة ~~, ثم يصير يرمي به في خلال ذلك , رميا كأنه غير قاصد له , ولا يزال يفعل ~~ذلك حتى يتقرر أمره غاية التقرير ويثبت في النفس من حيث لا يشعر . | ولما ~~تقرر أن من الناس من ترك الهدى الذي هو البيان , فعمي عنه لإعراضه عنه , ~~سبب عن هذا الإنزال وذاك الضلال قوله منبها على أمراض القلوب , ومرشدا إلى ~~دوائها : { فاصبر لحكم ربك } أي المحسن إليك بتخصيصه لك بهذه النعمة على ~~ضلال من حكم بضلاله , وعلى كل ما ينوبك وأطعه في التعبد له بجميع ما أمرك ~~به من الرفق إلى أن يأمرك بالسف , واستعن على مر الصبر باستحضار أن المربي ~~الشفيق يربي بما يشاء من المر والحلو على حسب علمه وحكمته , والصبر : حبس ~~النفس وضبطها على مقاومة الهوى لئلا تنقاد إلى شيء من قبائح اللذات . | ~~ولما أمره سبحانه بالصبر , وكان الأمر به مفهما وجوده للمخالف , وكان ~~المخالفون له صلى الله عليه وسلم هم القسم المضاد للشاكر وهم الكفرة , وكان ~~ما ms5721 يدعونه إليه تارة مطلق إثم , وأخرى كفرا وتارة غير ذلك , ذكر النتيجة ~~ناهيا عن القسمين الأولين ليعلم أن PageV08P275 المسكوت عنه لا نهي فيه ~~فقال : { ولا تطع منهم } أي الكفرة الذين هم ضد الشاكرين { آثما } أي داعيا ~~إلى إثم سواء كان مجردا عن مطلق الكفر أو مصاحبا له { أو كفورا * } أي ~~مبالغا في الكفر وداعيا إليه وإن كان كبيرا وعظيما في الدنيا فإن الحق أكبر ~~من كل كبير , وذلك أنهم كانوا مع شدة الأذى له صلى الله عليه وسلم يبذلون ~~له الرغائب من الأموال , والتمليك والتزويج لأعظم نسائهم على أن يتبعهم على ~~دينهم ويكف عما هو عليه والنهي عن الأحد المبهم نهي عن كل منهما , فإن كلا ~~منهما في أنه يجب اجتنابه في رتبة واحدة < # > 77 ( { وذروا ظاهر الإثم وباطنه } ) 77 < # > [ الأنعام : 120 ] وكذا الانتهاء عنه لا يتحقق إلا بالانتهاء عن كل ~~منهما , ولو عطف بالواو لم يفد ذلك لأن نفي الاثنين لا يستلزم نفي كل منهما ~~, وأفهم ترتيب النهي على الوصفين أنه إذا دعاه الكفار إلى ما لا يتعلق به ~~إثم ولا كفر جاز له قبوله . | ولما نهى عن طاعتهما القاطعة عن الله , أمر ~~بملازمة الموصل إلى الله وهو الذكر من غير عائق الذي هو دواء لما عساه يلحق ~~من الأدواء لمجرد رؤية الآثم أو الكفور لأرباب القلوب الصافية , والذكر ~~مقدم على كل عبادة وإن وضع العباد لما كان طلبا للتواصل إلى نيل معرفة الله ~~سبحانه , وكان التصور بحسب الاسم أول مراتب التصور طلبعا بدأ به وضعا , ~~وذلك لأن النفس تحب السفول لما لها من النقائص , فاحتاجت إلى سبب مشوق لها ~~إلى الأعلى فوضعت لها العبادات , وأجلها العبادة الشفوعة بالفكر , لأنه ~~السبب الموصل إلى المقصود ولا تفيد العبادة بدونه فقال : { واذكر } أي ~~بلسانك { اسم ربك } أي المحسن إيلك بكل جميل { بكرة } عند قيامك من منامك ~~الذي هو الموتة الصغرى وتذكر أنه يحيي الموتى ويحشرهم جيمعا { وأصيلا * } ~~عند انقراض نهارك وتذكرك انقراض دنياك وطي هذا العالم لأجل إيجاد يوم الفصل ~~, وفي ms5722 ذكر الوقتين أيضا إشارة إلى دوام الذكر , وذكر اسمه لازم لذكره , ~~ويجوز أن يكون أمرا بالصلاة لأنها أفضل الأعمال البدنية لأنها أعظم الذكر ~~لأنها ذكر اللسان والجنان والأركان فوظفت فيها أذكار لسانية وحركات وسكنات ~~على هيئة مخصوصة من عادتها ألا تفعل إلا بين أيدي الملوك , فكان تنبيهها ~~على وجود الصانع والاعتراف بإلهيته وتفرده اكثر إلا بين أيدي الملوك , فكان ~~تنبيهها على وجود الصانع والاعتراف بإلهيته وتفرده أكثر فكانت أفضل , فيكون ~~هذاعلى هذا أمراص بصلاتي الصبح والعصر , فإنه لم يكن أمر في اول الإسلام ~~بغيرهما وبهما أمر من كان قبلنا , وهما أفضل الصلوات وكانتا ركعيتن ركعتين ~~, ويجوز أن يكون أمرا بصلاتي الصبح والظهر والعصر فإن الأصيل يتناول ~~وقتيهما لأنه مطلق العشي , وأما المغرب والعشاء ونافلة الليل فدخلت في قوله ~~: { ومن اليل } أي بعضه والباقي للراحة بالنوم { فاسجد له } أي فصل له ~~صلاتي المغرب PageV08P276 والعشاء , وذكرهما بالسجود تنبيها على أنه أفضل ~~الصلاة , فهو إشارة إلى أن الليل موضع الخضوع , وتقديم الظرف لما في صلاة ~~الليل من مزيد الكلفة والخلوص ومزيد الفضيلة لأن الالتفات فيه إلى جانب ~~الحق أتم لزوال الشاغل للحواس من حركات الناس وأصواتهم وسائر الأحوال ~~الدنيوية , فكان أبعد عن الرياء فكان الخشوع فيه واللذة التامة بحلاوة ~~العبادة أوفى { وسبحه } أي بالتهجد { ليلا طويلا * } نصفه أو أكثر منه أو ~~أقل , ولعله سماه تسبيحا لأن مكابدة القيام فيه وغلبة النوم تذكر بما لله ~~من العظمة بالتنزه عن كل نقيصة , ولأنه لا يترك محبوبه من الراحة بالنوم ~~إلا من كان الله عنده في غاية النزاهة , وكان له في غاية المحبة . | ولما ~~أنهى أمره بلازم النهي , علل النهي بقوله محقرا بإشارة القريب مؤكدا لما ~~لهم من التعنت بالطعن في كل ما يذكره صلى الله عليه وسلم : { إن هؤلاء } أي ~~الذين يغفلون عن الله من الكفرة وغيرهم فاستحقوا المقت من الله { يحبون } ~~أي محبة تتجدد عندهم زيادتهم في كل وقت { العاجلة } أي ويأخذون منها ~~ويستخفون لما حفت به من الشهوات زمنا قليلا لقصور نظرهم وجمودهم ms5723 على ~~المحسوسات التي الإقبال لعيها منشأ البلادة والقصور , ومعدن الأمراض للقلوب ~~التي في الصدور , ومن تعاطى أسباب المرض مرض وسمي كفورا , ومن تعاطى ضد ذلك ~~شفي وسمي شاكرا , ويكرهون الآخرة الآجلة { ويذرون } أي يتركون منها على ~~حالة هي من أقبح ما يسوءهم إذا رأوه { وراءهم } أي أمامهم أي قدامهم على ~~وجه الإحاطة بهم وهم عنه معرضون كما يعرض الإنسان عما وراءه , أو خلفهم ~~لأنه يكون بعدهم لا بد أن يدركهم { يوما } أي منها . | ولما كان ما أعيا ~~الإنسان وشق عليه ثقيلا قال : { ثقيلا * } أي شديدا جدا لا يطيقون حمل ما ~~فيه من المصائب بسبب أنهم لا يعدون له عدته , فالآية من الاحتباك : ذكر ~~الحب والعاجلة أولا دلالة على ضدهما ثانيا , اولترك والثقل ثانيا دالالة ~~على ضدهما أولا , وسر ذلك أن ما ذكره أدل على سخافة العقل بعدم التأمل ~~للعواقب . | < < # | الإنسان : ( 28 - 31 ) نحن خلقناهم وشددنا . . . . . # > > ^ ( نحن خلقناهم وشددنآ أسرهم وإذا شئنا بدلنآ أمثالهم تبديلا * إن ~~هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا * وما تشآءون إلا أن يشآء الله إن ~~الله كان عليما حكيما * يدخل من يشآء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا ~~أليما ) ^ } ) | ولما كان تركهم لليوم الثقيل على وجه التكذيب الذي هو أقبح ~~الترك , وكان تكذيبهم لاعتقادهم عدم القدرة عليه قال دالا على الإعادة ~~بالابتداء من باب الأولى : { نحن خلقناهم } , بما لنا من العظمة لا غيرنا { ~~وشددنا أسرهم } أي قوينا وأتقنا ربط مفاصلهم الظاهرة والباطنة بالأعصاب على ~~وجه الإحكام بعد كونهم نطفة أمشاجا في PageV08P277 غاية الضعف , وأصل الأسر ~~, القد يشد به الأقتاب أو الربط والتوثيق , ولا شك أن من قدر على إنشاء شخص ~~من نطفة قادر على أن يعيده كما كان لأن جسده الذي أنشأه إن كان محفوظا ~~فالأمر فيه واضح , وإن كان قد صار ترابا فإبداعه منه مثل إبداعه من النطفة ~~, وأكثر ما فيه أن يكون كأبيه آدم عليه السلام بل هو أولى فإنه ترابه له ~~أصل في الحاية بما كان حيا , وتراب آدم عليه السلام لم ms5724 يكن له أصل قط في ~~الحاية والإعادة أهون في مجاري عادات الخلق من الابتداء , ولذلك قال معبرا ~~بأداة التحقق : { وإذا شئنا } أي بما لنا من العظمة أن نبدل ما نشاء من ~~صفاتهم أو ذواتهم { بدلنا أمثالهم } أي بعد الموت في الخلقة وشدة الأسر { ~~تبديلا * } أو المعنى : جئنا بأمثالهم بدلا منهم وخلائف لهم , أو يكون ~~المراد وهو أقعد بالمثل الشخص أي بدلنا أشخاصهم لتصير بعد القوة إلى ضعف ~~وبعد الطول إلى قصر وبعد البياض إلى سواد وغير ذلك من الصفات كما شوهد في ~~بعض الأوقات في المسخ وغيره , وكل ذلك دال على تمام قدرتنا وشمول علمنا . | ~~ولما كان هذا دليل عظيما على القدرة على البعث مخزيا لهم , قال مؤكدا ~~لإنكارهم عنادا : { إن هذه } أي الفعلة البدائية , أو المواعظ التي ذكرناها ~~في هذه السورة وفي جميع القرآن { تذكرة } أي موضع ذكر عظيم للقدرة على ~~البعث وتذكر عظيم لما فعلت في الإنشاء أولا , وموعظة عظيمة فإن في تصفحها ~~تنبيهات عظيمة للغافلين , وفي تدبرها وتذكرها فوائد جمة للطالبين السالكين ~~ممن ألقى سمعه وأحضر نفسه , وكانت نفسه مقبلة على ما ألقى إليه سمعه , فمن ~~أقل هذا الإقبال علم أنا آتيناه من الآلات والدلائل ما إن سلك معه مجتهدا ~~وصل دون ضلال ولذلك سبب عن كونها تذكرة قوله من خطاب البسط : { فمن شاء } ~~أي أن يجتهد في وصوله إلى الله سحبانه وتعالى { اتخذ } أي أخذ بجهده من ~~مجاهدة نفسه ومغالبة هواه { سبيلا * } أي طريقا واسعا واضحا سهلا بأفعال ~~الطاعة التي أمر بها لأنا بينا الأمور غاية البيان وكشفنا اللبس وأزلنا ~~جميع موانع أنفسهم عمن شئنا وركزنا ذلك في الطباع , ولم يبق مانع من ~~استطراق أصلا غير مشيئتنا , والفطرة الأولى أعدل شاهد بهذا . | ولما أثبت ~~لهم المشيئة التي هي مناط التكليف , وهي الكسب , وكان ربما ظن ظان أو ادعى ~~مدع في خلق الأفعال كما قال أهل الاعتزال , قال نافيا عنهم الاستقلال , ~~لافتا القول إلى خاطبهم , وهو مع كونه خطاب قبض استعطافا بهم إلى التذكر في ~~قراءة الجماعة ms5725 وبالغيب على الأسلوب الماضي في قراءة ابن كثير وابن عامر : { ~~وما تشاؤون } PageV08P278 أي في وقت من الأوقات مشيئة من المشيئات لهذا ~~وغيره على سبيل الاختراع والاستقلال { إلا } وقت { أن شاء الله } أي الملك ~~الأعلى الذي له الأمر كله , ولاأمر لأحد معه , فيوجد المعاني في أنفسكم على ~~حسب ما يريد ويقدر على ما يشاء من آثارها , وقد صح بهذا ما قال الأشعرية ~~وسائر أهل السنة من أن للعبد مشيئة تسمى كسبا لا تؤثر إلا بمشيئة الله ~~تعالى وتحريكها لقدرة العبد , وانتفى مذهب القدرية الذين يقولون : إنا نحن ~~نخلق أفعالنا , ومذهب الجبرية القائلين : لا فعل لنا أصلا , ومثل الملوي ~~ذلك بمن يريد قطع بطيخة فحدد سكينا وهيأها وأوجد فيها أسباب القطع وأزال ~~عنها موانعه ثم وضعها على البطيخة فهي لا تقطع دون أن يتحامل عليها التحامل ~~المعروف لذلك , ولو وضع عليها مالم يصلح للقطع كحطبة مثلا لم تقطع ولو ~~تحامل , فالعب كالسكين خلقه الله وهيأه بما أعطاه من القدرة للفعل , فمن ~~قال : أنا أخلق فعلي مستقلا به , فهو كمن قال : السكين تقطع بمجرد وضعها من ~~غير تحامل , ومن قال : الفاعل هو الله , من غير نظر إلى العبد أصلا كان كمن ~~قال : هو يقطع البطيخة بتحامل يده أو قصبة ملساء من غير سكين , والذي يقول ~~: إنه باشر بقدرته المهيأة للفعل بخلق الله لها وتحريكها في ذلك الفعل كان ~~كمن قال : إن السكين قطعت بالتحامل عليها , بهذا أجرى سبحانه عادته في ~~الناس , ولو شاء غير ذلك فعل , ولا يخفى أن هذا هو الحق الذي لا مرية فيه , ~~ثم علل ذلك بإحاطته بمشيئتهم قائلا : { إن الله } أي المحط علما وقدرة { ~~كان } أي أزلا وأبدا { عليما حكيما * } أي بالغ العلم والحكمة , فهو يمنع ~~منعا محكما من أن يشاء غيره ما لم يأذن فيه , فمن علم في جبلته خيرا أعانه ~~عليه , ومن علم منه الشر ساقة إليه وحمله عليه , وهو معنى { يدخل من يشاء } ~~أي من علمه أهلا للسعادة , ليس بظالم { في رحمته } بحكمته فييسير له اتخاذ ms5726 ~~السبيل الموصل إليه بأن يوفقه للعدل , ويعد له ثوابا جسيما . | ولما بشر ~~أهل العدل بالفعل المضارع المؤذن بالاستمرار , ولم يجعله ماضيا لئلا يتعنت ~~متعنت ممن هو متلبس بالضلال فيقول : أنا لا أصلح لأنه ما أدخلني , عطف عليه ~~ما لأضدادهم في جملة فعلية بناها على الماضي إعلاما بأن عذابهم موجود قد ~~فرغ منه فقال : { والظالمين } أي وأهان العريقين في وصف المشي على غير سنن ~~مرضى كالماشي في الظلام فهو يدخلهم في نقمته وقد { أعد لهم } أي إعدادا ~~أمضاه بعظمته , فلا يزاد فيه ولا ينقص أبدا { عذابا أليما * } فالآية من ~~الاحتاك : ذكر الإدخال والرحمة أولا دلالة على الضد ثانيا , والعذاب ثانيا ~~دلالة على الثواب أولا , وسر ذلك أن ما ذكره أولى بترغيب أهل العدل فيه وإن ~~ساءت حالهم في الدنيا , وبترهيب أهل الظلم منه وإن PageV08P279 حسنت حالهم ~~في الدنيا , فقد رجع هذا الآخر المفصل إلى السعادة والشاقوة على أولها ~~المؤذن بأن الإنسان معتنى به غاية الاعتناء , وأنه ما خلق إلا للابتلاء , ~~فهو إما كافر مغضوب عليه , وإما شاكر منظور بعين الرضى إليه فسبحان من ~~خلقنا ويميتنا ويحيينا بقدرته والله الهادي . | . . . | PageV08P280 < # > سورة المرسلات < # > | وتسمى العرف . | مقصودها الدلالة على آخر الإنسان من إثابة الشاكرين ~~بالنعيم ، وإصابة الكافرين بعذاب الجحيم ، في يوم الفصل بعد جمع الأجساد ~~وإحياء العباد بعد طي هذا الوجود وتغيير العالم المعهود بما له سبحانه من ~~القدرة على إنبات النبات وإنشاء الأقوات وإنزال العلوم وإيساع الفهوم ~~لأحياء الأرواح وإسعاد الأشباح بأسباب خفية وعلل مرئية وغير مرئية ، وتطوير ~~الإنسان في أطوار الأسنان ، وإيداع الإيمان فيما يرضى من الأبدان ، وإيجاد ~~الكفران في أهل الخيبة والخسران ، مع اشتراك الكل في أساليب هذا القرآن ، ~~الذي عجز الإنس والجان ، عن الإتيان بمثل آية منه على كثرتهم وتطاول الزمان ~~، واسمها المرسلات وكذا العرف واضح الدلالة على ذلك لمن تدبر الأقسام ، ~~وتذكر ما دلت عليه من معاني الكلام { بسم الله } الذي له القدرة التامة على ~~ما يريد { الرحمن } الذي له عموم الإنعام على سائر العبيد { الرحيم } الذي ~~خص أهل ms5727 رضوانه بإتمام ذلك الإنعام وعنده المزيد . < < # | المرسلات : ( 1 - 7 ) والمرسلات عرفا # > > ^ ( والمرسلات عرفا * فالعاصفات عصفا * والناشرات نشرا * فالفارقات ~~فرقا * فالملقيات ذكرا * عذرا أو نذرا * إنما توعدون لواقع ) ^ } ) | لما ~~ختمت سورة الإنسان بالوعد لأوليائه والوعيد لأعدائه , وكان الكفار يكذبون ~~بذلك , افتتح هذه بالإقسام على أن ذلك كائن فقال : { والمرسلات } أي من ~~الرياح والملائكة { عرفا * } أي لأجل إلقاء المعروف من القرآن والسنة وغير ~~ذلك من الإحسان , ومن إلقاء الروح والبركة وتيسير الأمور في الأقوات وغيرها ~~, أو حال كونها متتابعة متكاثرة بعضها في أثر بعض , من قول العرب : الناس ~~إلى فلان عرف واحد - إذا توجهوا إليه فأكثروا , ويقال : جاؤوا عرفا واحدا , ~~وهم عليه كعرف الضبع إذا تألبوا عليه . | PageV08P281 ولما كان العصوف ~~للعواصف يتعقب الهبوب , عطف بالفاء تعقيبا وتسبيبا فقال : { فالعاصفات } أي ~~الشديدات من الرياح عقب هبوبها ومن الملائكة عقب شقها للهواء بما لها من ~~كبر الأجسام والقوة على الإسراع التام { عصفا * } أي عظيما بما لها من ~~النتائج الصالحة . | ولما كان نشر الرياح للسحاب متراخيا عن هبوبها ~~ومتباطئا في الثوران وكذا نشر الملائكة لأجنحتها كما يفعل الطائر القوي في ~~طيرانه , عطف بالواو الصالحة للمعية والتعقب بمهلة وغيرها قوله : { ~~والناشرات } أي للساحب والأجنحة على وجه اللين في الجو وللشرائع التي تنشر ~~العدل بين الناس { نشرا * } وإذا راجعت أول الذاريات ازددت في هذا بصيرة . ~~| ولما كان السحاب يجتمع بعد الثوران من مجال البخارات ويتكاثف ثم يحمل ~~الماء , وكان ذلك مع كونه معروفا قد تقدم في الذاريات والروم وغيرهما ثم ~~بعد الحمل تضغط السحاب حتى يتحامل بعضه على بعض فتنفرق هناك فرج يخرج منها ~~, طوى ذلك وذكر هذا فقال بالفاء الفصيحة : { فالفارقات فرقا * } أي للسحاب ~~حتى يخرج الودق من خلاله وللأجنحة وبين لاحق والباطل والحب والنوى وغير ذلك ~~من الأشياء . | ولما كانت السحاب عقب الفرق ينزل منها ما في ذلك السحاب من ~~ماء أو ثلج أو برد أو صواعق أو غير ذلك مما يريده الله مما يبعث على ذلك ~~الله ولا بد والملائكة تلقي ما معها من ms5728 الروح المحيي للقلوب , قال معبرا ~~بفاء التعقيب والتسبيب : { فالملقيات ذكرا * } أطلق عليه الذكر لأنه سببه ~~إن كان محمول السحاب أو محمول الملائكة , وقد يكون محمول الملائكة ذكر الله ~~حقيقة , ولا يخفى أنهما سبب لإصلاح الدين والدنيا . | ولما ذكر هذه الأقسام ~~عللها بقوله : { عذرا أو نذرا * } وهما منصوبان على الحال جمعان لعذر بمعنى ~~المعذرة أو العاذر , والنذير بمعنى الإنذار أو المنذر , أي كانت هذه منقسمة ~~إلى عذر إن كانت ألقت مطرا نافعا مريئا مريعا غير ضار كان بعد قحط فإنه ~~يكون كأنه اعتذار عن تلك الشدة , وإن كانت الملائكة ألقت بشائر فهي واضحة ~~في العذر لا سيما إن كانت بعد إنذار , وإلى نذر إن كانت ألقت صواعق أو ما ~~هو في معناها من البرد الكبار ونحوها , وكذا الملائكة , والكل سبب لذكر ~~الله هو سبب لاعتذار ناس بالتوبة , وسبب لعذاب الذين يغفلون عن الشكر , ~~ويستقبلون ذلك بالمعاصي أو ينسبون ذلك إلى الأنواء . | ولما تمت هذه ~~الأقسام مشتملة على أمور عظام منبهة على أن أسبابها من الرياح PageV08P282 ~~والمياه كانت مع الناس وهم لا يشعرون بها كما أنه يجوز أن تكون القيامة ~~كذلك سواء بسواء , قال ذاكرا للمقسم عليه مؤكدا لأجل إنكارهم : { إنما } أي ~~الذي { توعدون } أي من العذاب في الدنيا والآخرة , ومن قيام الساعة ومن ~~البشائر لأهل الطاعة , وبناه للمفعول لأنه المرهوب لا كونه من معين مع أنه ~~معروف أنه مما توعد به الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم { لواقع * } ~~أي كائن لا بد من وقوعه وأسبابه عتيدة عندكم وإن كنتم لا ترونها كما في هذه ~~الأشياء التي أقسم بها وما تأثر عنها . | < < # | المرسلات : ( 8 - 19 ) فإذا النجوم طمست # > > ^ ( فإذا النجوم طمست * وإذا السمآء فرجت * وإذا الجبال نسفت * وإذا ~~الرسل أقتت * لأي يوم أجلت * ليوم الفصل * ومآ أدراك ما يوم الفصل * ويل ~~يومئذ للمكذبين * ألم نهلك الأولين * ثم نتبعهم الآخرين * كذلك نفعل ~~بالمجرمين * ويل يومئذ للمكذبين ) ^ } ) | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير ~~: أقسم تعالى بالملائكة المتتابعين في الإرسال , والرياح المسخرة , وولايته ms5729 ~~بالمطر والملائكة الفارقة بمائة بين الحق والباطل , والملقيات الذكر ~~بالمحوي إلى الأنبياء إعذارا من الله وإنذارا , أقسم تعالى بما ذكر من ~~مخلوقاته على صدق الموعود به في قوله : ^ ( { إنا أعتدنا للكافرين سلاسل ~~وأغلالا وسعيرا } ) ^ [ الإنسان : 4 ] الآيات وقوله : ^ ( { إنا نخاف من ~~ربنا يوما عبوسا فمطريرا } ) ^ [ الإنسان : 10 ] وقوله : ^ ( { وجزاهم بما ~~صبروا جنة وحريرا } ) ^ [ الإنسان : 12 ] الآيات إلى ^ ( { وكان سعيكم ~~مشكورا } ) ^ [ الإنسان : 22 ] وقوله : ^ ( { ويذرون وراءهم يوما ثقيلا } ) ~~^ [ الإنسان : 27 ] وقوله : ^ ( { يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم ~~عذابا أليما } ) ^ [ الإنسان : 31 ] ولو لم يتقدم إلا هذا الوعد والوعيد ~~المختتم به السورة لطابقه افتتاح الأخرى قسما عليه أشد المطابقة , فكيف ~~وسورة ^ ( { هل أتى على الإنسان } ) ^ [ الإنسان : 1 ] مواعد أخراوية ~~وإخبارات جزائية , فأقسم سبحانه وتلى على صحة الوقوع , وهو المتعالي الحق ~~وكلامه الصدق انتهى . | ولما كان من المعلوم أنهم يقولون استهزاء : متى هو ~~؟ وكان وقته مما استأنثر الله بعلمه لأن إخفاءه عن كل أحد أوقع في النفوس ~~وأهيب عند القعول , سبب عن ذلك قوله ذاكرا ما لا يتحتمله العقول لتزداد ~~الهيبة ويتعاظم الخوف معبرا بأدة التحقق : { فإذا النجوم } أي على كثرتها { ~~طمست * } أي أذهب ضوءها بأيسر أمر فاستوت مع بقية السماء , فدل طمسها على ~~أن لفاعله غاية القدرة , وأعاد الظرف تأكيدا للمعنى زيادة في التخويف فقال ~~: { وإذا السماء } أي على عظمتها { فرجت * } أي انشقت فخربت PageV08P283 ~~السقوف وما بها من القناديل بأسهل أمر { وإذا الجبال } أي على صلابتها { ~~نسفت * } أي ذهب بها كلها بسرعة ففرقتها الرياح , فكانت هباء منبثا فلم يبق ~~لها أثر , وذلك كما ينسف الحب , فزال ثبات الأرض بالأسباب التي هي الرواسي ~~, لأن تلك الدار ليست بدار أسباب . | ولما ذكر تغيير السماء والأرض , ذكر ~~ما فعل ذلك لأجله فقال : { وإذا الرسل } أي الذي أنذروا الناس ذلك اليوم ~~فكذبوهم { أقتت * } أي بلغها الذي لا قدير سواه بأيسر أمر ميقاتها الذي ~~كانت تنتظره , وهو وقت قطع الأسباب وإيقاع الرحمة والثواب للأحباب النقمة ~~والعقاب للأعداء بشهادتهم بعد جمعهم على الأمم بما كان منهم ms5730 من الجواب , ~~وحذف العامل في ( إذا ) تهويلا له لتذهب النفس فيه كل مذهب , فيمكن أن يكون ~~تقديره : وقع ما توعدون فرأيتم من هذا الوعيد ما لا يحتمل ولا يثبت لوصفه ~~العقول , وعلى ذلك دل قوله ملقنا لما ينبغي أن يقال : وهو { لأي يوم } أي ~~عظيم { أجلت * } أي وقع تأجيلها به , بناه للمفعول لأن المقصود تحقيق الأجل ~~لا كونه من معين , وتنبيهاص على أن الميعن له معلوم أنه الله الذي لا يقدر ~~عليه سواه , ثم أجبا عن هذا السؤال بقوله مبدلا من ( لأي يوم ) : { ليوم ~~الفصل * } أي الذيإذاأطلق ذلك لم ينصرف أليه لأنه لا يترك فيه شيئا إلا وقع ~~الفصل فيه بين جميع الخلق من كل جليل وحقير , ثم هوله وعظمه بقوله : { وما ~~أدراك } أي وأي شيء أعلمك وإن اجتهدت في التعرف , ثم زاده تهويلا بقوله : { ~~ما يوم الفصل * } أي إنه أمر يستحق أن يسأل عنه ويعظم , وكل ما عظم بشيء ~~فهو أعظم منه , ولا يقدر أحد من الخلق على الوصلو إلى علمه لأنه لا مثل له ~~يقال عليه . | ولما هول أمره ذكر ما يقع فيه من الشدة على وجه الإجمال فقال ~~: { ويل } أي هلاك عظيم جدا { يومئذ } أي إذ يكون يوم الفصل { للمكذبين * } ~~أي بالمرسلات التي أخبرت بذلك اليوم وغيره من أمر الله , والويل في الأصل ~~مصدر منصوب بإضمار فعله , عدل به إلى الرفع للدلالة على ثبات معناه , وقد ~~كررت هذه الجملة بعدة ألمقسم به وما ذكر هنا مما يكون في يوم الفصل من ~~الطمس وما بعده وهو تسعة أشياء , وزادت واحدة فتكون كل جملة بواحدة من ~~المذكورات , والعاشر للتأكيد دلالة على أن لهم من الويل ما لا ينتهي كما أن ~~الواحد لا ينتهي على أنها لو كانت كلها لتأكيد الأول لكان ذلك حسنا , فإن ~~من كذبك في أشياء كان من البلاغة أن تقرره بواحدة منها ثم تقول له عند قيام ~~الدليل ( ويل لك ) ثم تفعل فيما بعده كله كذلك وتيعد عليه ذلك القول بعينه ~~تأكيدا له وتحقيقا لوقوع معناه ms5731 دلالة على أن الغيظ قد بلغ منتهاه والفجور ~~وانقطاع العذر لم يدع PageV08P284 موضعا للتنصل منه والبعد عنه , وذلك في ~~كلام العرب شائع معروف سائغ . | ولما أقسم على وقوع الوعد والوعيد مطلقا ~~أعم من أن يكون في الدنيا أو في الآخرة لأنه قادر على كل ما يريد بأقسام ~~دلت على القدرة عليه دلالة جلية , أتبعه دلالة أجلى منها بما يشاهد من خراب ~~العالم النفسي فقال منكرا على من يكذب به تكذيبا مع ما كان منه سبحانه إلى ~~من كذب الرسل ومن آمن بهم : { ألم نهلك } أي بما لنا من العظمة { الأولين * ~~} أي إهلاك عذاب وغضب تكذيبهم الرسل عليهم الصلاة والسلام كقوم نوح ومن ~~بعدهم أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن , ولم ندع منهم أحدا . | ولما كان إهلاك ~~من في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إن لم ينقص عن إهلاك الأولين لم يزد , ~~وكان جواب هذا التقدير : بلى قد أههلكتهم , قال عاطفا على هذا الذي أرشد ~~السياق إليه إرشادا ظاهرا جعله كالمنطوق ما تقديره : نعم أهلكناهم { ثم } ~~أي بعد إهلاكنا لهم . | ولما كان الفعل مرفوعا , علمنا أنه ليس معطوفا على ~~( تهلك ) ليكون تقديرا , بل هو إخبار للتهديد تقديره : نحن إن شئنا { ~~نتبعهم الآخرين * } أي الذين في زمانك من كفار العرب وغيرهم لتكذيبهم لك أو ~~الذين قربوا من ذلك الزمان كأصحاب الرس وأصحاب الفيل . | ولما هدد من واجه ~~الرسل بالتكذيب تسلية لهم , سلى من قطعوه من أتباعهم مما يجب وصله بهم من ~~المعروف فقال مستأنفا منبها على الوصف الموجب لذلك الإهلاك : { كذلك } أي ~~مثل ذلك الإهلاك { نفعل بالمجرمين * } أي جميع الذين يفعلون فعل أولئك ~~الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل وهم عريقون في ذلك القطع , وذلك مثبت ~~لنا القدرة على جمعهم ليوم الفصل كما قدرنا على جمعهم لوقت الإجرام وعلى ~~فصلنا في الإهلاك والإنجاء بين مكذبي الأمم ومصدقيهم فلا بد من إيجادنا ~~ليوم الفصل : { ويل يومئذ } أي إذا يوجد { للمكذبين * } أي بالعاصفات التي ~~أهلكنا بها تلك الأمم تارة بواسطة القلب ms5732 وإمطار الحجارة وأخرى بواسطة الماء ~~وتارة بالرجفة وتارة بغير واسطة . | < < # | المرسلات : ( 20 - 31 ) ألم نخلقكم من . . . . . # > > ^ ( ألم نخلقكم من مآء مهين * فجعلناه في قرار مكين * إلى قدر معلوم ~~* فقدرنا فنعم القادرون * ويل يومئذ للمكذبين * ألم نجعل الأرض كفاتا * ~~أحيآء وأمواتا * وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم مآء فراتا * ويل يومئذ ~~للمكذبين * انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون * انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب * ~~لا ظليل ولا يغني من اللهب ) ^ } ) | ولما ذكر الإهلاك على ذلك الوجه الدال ~~على القدرة التامة على البعث وعلى ما PageV08P285 يوعد به بعد البعث , ~~أتبعه الدلالة بابتداء الخلق وهو أدل فقال مقررا ومنكرا على من يخالف علمه ~~بذلك عمله : { ألم نخلقكم } أي أيها المكذبون بما لنا من العظمة التي لا ~~تعشرها عظمة { من ماء مهين * } أي نطفة مذرة ذليلة , وهو من مهن بالفتح , ~~قال في القاموس : والمهين : الحقير الضعيف والقليل { فجعلناه } أي بما لنا ~~من العظمة بالإنزال لذلك الماء في الرحم { في قرار مكين * } أي محفوظ مما ~~يفسده من الهواء وغيره ومددنا ذلك لأجل التطوير في أطوار الخلقة والتدوير ~~في أدوار الصنعة { إلى قدر } أي مقدار من الزمان قدره الله تعالى للولادة { ~~معلوم * } أي عندنا من تسعة أشهر للولادة إلى ما فوقها أو دونها لا يعلمه ~~غيره . | ولما كان هذا عظيما ترجمه وبينه معظما له بقوله : { فقدرنا } أي ~~بعظمتنا على ذلك أو فجعلناه على مقدار معلوم من الأرزاق والآجال والأعمال { ~~فنعم القادرون * } نحن مطلقا على ذلك وغيره , أو المقدرون في تلك المقادير ~~لما لنا من كمال العظمة بحيث نجعل ذلك بمباشرة من أردناه منه بطوعه ~~واختياره . | ولعل التعبير بما قد يفيد مع العظمة الجمع لما أقام سبحانه في ~~ذلك من الأسباب بالملائكة وغيرها , وفيه مع ذلك ابتلاء للعباد الموحد منهم ~~والمشرك : { ويل يومئذ } أي إذ كان ذلك { للمكذبين * } أي بالناشرات التي ~~نشرت تلك النفوس وكل ما يراد نشره وهم يعلمون قدرتنا على ما ذكر وتقديره من ~~ابتدائنا لخلقهم وغيره مما يفيد كمال القدرة وهم يكذبون بالبعث ولا يقيسونه ms5733 ~~بمثله . | ولما دل بابتداء الخلق على تمام قدرته , أتبعه الدلالة بانتهاء ~~أمره وأثنائه وانما دبر فيهما من المصالح فقال : { ألم نجعل } أي نصير ما ~~سببنا بما لنا من العظمة { الأرض كفاتا * } أي وعاء قابلة لجمع ما يوضع فيه ~~وضمه جميعا فيه فتك وهدم , وهو اسم لما يكفت من الحديد مثلا أي يغلف بالفضة ~~ويضم ويجمع , كالضمام والجماع لما يضم ويجمع , أو هو مصدرنعت به أوجمع ~~كافتة , كصائمة وصيام أو جمع كفت وهو الوعاء , ولو شئنا لجعلناها ناشرة لكم ~~إذا وضعتم فيها كما تنشر النبات , وسنجعل ذلك إذا أردنا البعث , ولما كان ~~من المعلوم أنه حذف المفعول وهو لكم , أبدى حالة دالة أيضا عليه فقال : { ~~أحياء } أي على ظهرها في الدور وغيرها { وأمواتا * } أي في بطنها في القبور ~~وغيرها كما كنتم قبل خلق آدم عليه السلام . | ولما ذكر ما تغيبه من جبال ~~العلم والملك وغيرهما , أتبعه ما تبرزه من الشواهق إعلاما بأنه لو كان ~~للطبيعة ما كان الأمر هكذا , فإنه لا يخرج هذه الجبال العظيمة على ما لها ~~من الكبر والرسوخ والثقل والصلابة وغير ذلك من العظمة إلا الفاعل المختار , ~~هذا إلى ما يحفظ في أعاليها من المياه التي تنبت الأشجار وتخرج العيون ~~PageV08P286 والأنهار , بل أكثر ما يخرج من المياه هو منها , وكذا غالب ~~المنافع من المعادن وغيرها قال : { وجعلنا } أي بما لنا من العظمة { فيها } ~~أي الأرض { رواسي } لولاها لمادت بأهلها , ومن العجائب أن مراسيها من فوقها ~~خلافا لمراسي السفن { شامخات } أي هي مع كونها ثوابت في أنفسها مثبتة ~~لغيرها طوال جدا عظيمة الارتفاع كأنها قد تكبرت على بقية الأرض وعلى من ~~يريد صعودها , وتنكيره للتعظيم . | ولما كان من العجائب الخارقة للعوائد ~~فوران الماء الذي من طبعه أن يغور لا أن يفور لما له من الثقل واللطافة ~~التي أفادته قوة السريان في الأعماق وفي كون ذلك منه من موضع من الأرض دون ~~آخر , وكونه من الجبال التي هي أصل الأرض ومن صخورها غالبا دلالة ظاهرة على ~~أن الفعل للواحد المختار ms5734 الجبال القهار لا للطبائع قال : { وأسقيناكم } أي ~~جعلنا لكم بما لنا من العظمة شرابا لسقيكم وسقي ما تريدون سقيه من الأنعام ~~والحرث وغير ذلك { ماء } من لأنهار والغدران والعيون والآبار وغيرها { ~~فراتا * } أي عظيما عذابا سائغا وقد كان حقيقا بأن يكون ملحا أجاجا لما ~~للأراضي الممسكة له من ذلك . | ولما كان في هذا دلالة على ظاهرة على قدرته ~~على البعث وغيره قال : { ويل يومئذ } أي يوم إذ تقوم الساعة ليكون الفصل ~~بين العباد فساقها مساق ما هو ثابت لا نزاع فيه إشارة إلى أننه لا يكذب بها ~~بعد ظهور الأدلة إلا من لا مسكة له { للمكذبين * } أي الذين هم في غاية ~~الرسوخ في التكذيب حتى كذبوا بما لنا في هذا من الفرق الذي فرقنا به بين ~~أرض وأخرى حتى جعلنا بعضها صالحا لانفراق أرضه عن الماء , وبعضها غير صالح ~~وجعلنا بعضها قابلا للجبال وبعضها غير قابل إلى غير ذلك من الفروق البديعة ~~. | ولما وصلت أدلة الساعة في الظهور إلى حد لا مزيد عليه , وحكم على ~~المكذبين بالويل مرة , وأكد بثلاث , فكان من حق المخاطب أن يؤمن فلم يؤمن , ~~أمر بما يدل على الغضب فقال تعالى معلما لهم بما يقال يوم القيامة إذا يحل ~~بهم الويل : { انطلقوا } أي أيها المكذبون { إلى ما كنتم } أي بما هو لكم ~~كالجبلة { به تكذبون * } عدما , وتجددون ذلك التكذيب مستمرين عليه . | ولما ~~كان المراد زيادة تبكيتهم وتقريعهم والتهويل عليهم , كرر الأمر واصفا ما ~~أمروا بالانطلاق إليه فقال : { انطلقوا } هذا على قراءة الجماعة , وقراءة ~~رويس عن يعقوب بصيغة الماضي للدلالة على تمام انقيادهم هناك , وأنه لا شيء ~~من منعه عندهم PageV08P287 أصلا , وهي استئنافية لجواب من يقول : ما كان ~~حالهم عند هذا الأمر الفظيع ؟ { إلى ظل } أي من دخان جهنم الذي سمي ~~باليحموم لما ذكر في الواقعة { ذي ثلاث شعب * } ينشعب من عظمه كما ترى ~~الدخان العظيم يتفرق ذوائب , وخصوصية الثلاث لأن التكذيب بالله وكتبه ورسله ~~, فتعذبهم كل واحدة منها عذابا يعلمون هناك لأي تكذيبه منها هي , أو ms5735 لأن ~~الحاجب عن أنوار القدس الحس والخيال والوهم , أو لأن السبب فيه القوة ~~الوهمية الحالة في الدماغ , والغضبية التي في عين القلب , والشهوية التي في ~~يساره , وقيل : تخرج عنق من النار تكون ثلاث فرق : نار ونور ودخان , يقف ~~النورعلى المؤمنين , واللهب الصافي على الكافرين , والدخان على المنافقي , ~~تكون كذلك إلى حين الفراغ من الحساب , وقال الرازي : الشعب لهب وشرر ودخان ~~. | ولما كان المبتادر من الظل ما يستروح إليه فظنوا ذلك , أزال عنهم هذا ~~التوهم على طريق التهكم بهم ليكون أشد في النكال فقال واصفا ل ( ذي ) : { ~~لا ظليل } أي من الحر بوجه من الوجوه . | ولما كان ما انتفى عنه غزارة الظل ~~التي أفهمتها صيغة المبالغة قد يكون فيه نفع ما قال : { ولا يغني } أي شيئا ~~من إغناء { من اللهب * } أي هذا الجنس . | < < # | المرسلات : ( 32 - 42 ) إنها ترمي بشرر . . . . . # > > ^ ( إنها ترمي بشرر كالقصر * كأنه جمالة صفر * ويل يومئذ للمكذبين * ~~هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون * ويل يومئذ للمكذبين * هذا يوم ~~الفصل جمعناكم والأولين * فإن كان لكم كيد فكيدون * ويل يومئذ للمكذبين * ~~إن المتقين في ظلال وعيون * وفواكه مما يشتهون ) ^ } ) | ولما بين أن هذا ~~الظل في العذاب , وكان من المعلوم أنه لا يكون دخان إلا من نار , قال مبينا ~~أنه لو كان هناك ظل ما أغنى : { إنها } أي النار التي دل عليها السياق { ~~ترمي } أي من شدة الاستعار { بشرر } وهو ما تطاير من النار إذا التهبت , ~~واحدتها شرارة وهي صواعق تلك الدار { كالقصر * } أي كل شرارة منها كأنها ~~قصر مشيد من عظمها وقيل : هو الغليظ من الشجر , الواحدة قصر مثل جمر وجمرة ~~, وهي اسم جنس جمعي لم يستعمل إلى في جمع فهو شامل لكثير الجموع وقليلها , ~~وكذا كل ما فرق بين واحدة وجمعه التاء وليس بجمع لأنه ليس بجمع سلامة وهو ~~ظاهر ولا تكسير لأن أوزانه معروفة وليس منها فعل وليس بجنس , فإنه لا يشمل ~~ما دون الجمع ومن عظمة شرارها تعرف عظمة جمرها . | ولما شبهه في عظمه , ~~شبهه في ms5736 لونه فقال : { كأنه جملات } جمع جمالة جمع PageV08P288 جمل مثل ~~حجارة وحجر للدلالة مع كبره على كثرته وتتابعه واختلاطه وسرعة حركته , ومن ~~قرأ بضم الجيم فهو عنده جمع جمالة وهي الحبل الغليظ من حبال السفينة شبهه ~~به في امتداده والتفافه , ولا تنافي فإن الشرر منه ما هو كما تقدم { صفر * ~~} جمع أصفر للون المعروف , وقيل : المراد به سواد يضرب إلى صفرة كما هي ~~ألوان الجمال . | ولما كان هذا أمرا هائلا كانت ترجمته : { ويل يومئذ } أي ~~إذ يكون ذلك { للمكذبين * } أي العريقين في التكذيب بإلقاء الذكر على ~~الأنبياء للبشارة والندارة . | ولما دلت قراءة ( انطلقوا ) بالفتح على ~~امتثالهم للأمر من غير أن ينبسوا بكلمة , صرح به فقال دالا على ما هم فيه ~~من المقت والغضب : { هذا } أي الموقف الذي هو بعض مواقف ذلك اليوم , سمي ~~يوماص لتمام أحكامه , فلذا قال مخبرا عن المبتدأ : { يوم لا ينطقون * } أي ~~ببنت شفة من شدة الحيرة والدهشة في بعض المواقف , وينطقون في بعضها فإنه ~~يوم طويل ذو ألوان كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما , أو لا ينطقون بما ~~ينفعهم لأنهم كانوافي الدنيا لا ينطقون بالتوحيد الذي ينفعهم . | ولما ~~كانوا لا يقدروا على شيء ما إلا بإذن الله , وكان الموجع لهم عدم الإذن , ~~بني للمفعول قوله دلالة على عدم ناصر لهم أو فرج يأتيهم : { ولا يؤذن } أي ~~من آذن ما { لهم } أي في كلام أصلا , ولما كان المراد أنه لا يوجد لهم إذن ~~ولا يوجد منهم اعتذار من غير أن ينظر إلى تسببه عن عدم الإذن لئلا يفهم أن ~~لهم عذرا ولكنهم لم يبدوه لعدم الإذن , قال رافعا عطفا على ( يؤذن ) { ~~فيعتذرون * } فدل ذلك على نفي الإذن ونفي الاعتذار عقبه مطلقا , ولو نصبه ~~لدل على أن السبب في عدم اعتذارهم عدم الإذن فينقض المعنى . | ولما كان هذا ~~أمرا فظيعا ترجمه بقوله : { ويل يومئذ } أي إذ كان هذا الموقف { للمكذبين * ~~} أي العريقين في التكذيب الإخبار بطمس النجوم فجعلت عقوبتهم سكوتهم الذي ~~هو ذهاب نور الإنسان ليكون كالطمس كذبوا ms5737 به . | ولما ذكر حيرتهم ودهشتهم ~~التي هي أمارة قول الحكم , وكانت مواطن ذلك اليوم تسمى أياما لتمام الأحكام ~~في كل مواطن منها , وتميزه بذلك عما عداه , قال : { هذا } أي ذلك اليوم كله ~~{ يوم الفصل } أي بين ما اختلف فيه العباد من الحق والباطل العالي والسافل ~~؛ ثم استأنف قوله : { جمعناكم } أي يا مكذبي هذه الأمة لنا من العظمة { ~~والأولين * } أي الذين تقدم أنا أهلكناهم , وقد كانوا أكثر منكم عددا وأعظم ~~عددا لنفصل بين المتنازعين ونصلي العذاب ونجزي بالثواب , وقد كان منكم من ~~يقول : أنا PageV08P289 أكفي عشرة من ملائكة النار , ثم أشار إلى انقطاع ~~الأسباب فقال مسببا عن ذلك : { فإن كان لكم } أي أيها المكذبون على وجه هو ~~ثابت من ذواتكم { كيد } أي مقاواة بنوع حيلة أو شدة { فكيدون * } تقريع لهم ~~على كيدهم لأوليائنا المؤمنين في الدنيا بما مكنهم به من الأسباب وتنبيه ~~على أنه من آذى وليه فقد آذنه بالحرب على أنهم عاجزون . | ولما كانوا أقل ~~من أن يجيبوا عن هذا وأحقر من أن يمهلوا للكلام , قال مترجما لحالهم بعد ~~هذا الكلام منبها على أنهم لو عقلوا بكوا على أنفسهم الآن لأنه لا حيلة إذ ~~ذاك : { ويل يومئذ } أي إذ يقال لهم هذا الكلام فيكون زيادة في عذابه { ~~للمكذبين * } أي الراسخين في التكذيب بأن السماء تفرج كما كانوا يكذبون ~~بأنه يفصل بينهم بعد الموت . | ولما كان الواقع بعد الفصل قرار كل في داره ~~, وكان قد بدأ بالمكذبين لأن التحذير في السورة أعظم ففصلهم عن المصدقين ~~فقال : انطلقوا إلى آخره , ثنى بأضدادهم الفريق الناجي المشار إليه في آخر ~~الإنسان بقوله تعالى : ^ ( { يدخل من يشاء في رحمته } ) ^ [ الإنسان : 31 ] ~~فقال مؤكدا لأجل تكذيب الكفار بتلك الدار وبأن يكون المؤمنون أسعد منهم : { ~~إن المتقين } أي الذين كانوا يجعلون بينهم وبين كل ما يغضب الله وقاية مما ~~يرضيه لعراقتهم في هذا الوصف يوم القيامة { في ظلال } هي في الحقيقة الظلال ~~لا كما تقدم من ظل الدخان , ولا يشبهها أعلى ظل في الدنيا ولا أحسنه إلا ms5738 ~~بالاسم , ودل على أنها على حقيقتها بقوله : { وعيون * } لأنها تكون عنها ~~الرياضوالأشجار الكبار كما دل على أن ذلك الظل المتشعب للتهكم بما ذكر بعده ~~من أوصاف النار , فهذه العيون تبرد الباطن وتنبت الأشجار المظلة كما أن ~~اللهب يحر الظاهر والباطن ويهلك ما قرب منه من شجرة وغيره فلا يبقى ولا يذر ~~. | ولما ذكر العيون , أتبعها ما ينشأ عنها فقال دالا على أن عيشهم كله لذة ~~: { وفواكه } ولما كان يوجد في فواكه الدنيا الدون , قال دالا على أن عيشهم ~~كله لذة وأنه ليس هناك دون : { مما يشتهون * } أي الرغبة . | < < # | المرسلات : ( 43 - 50 ) كلوا واشربوا هنيئا . . . . . # > > ^ ( كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون * إنا كذلك نجزي المحسنين * ~~ويل يومئذ للمكذبين * كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون * ويل يومئذ للمكذبين ~~* وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون * ويل يومئذ للمكذبين * فبأي حديث بعده ~~يؤمنون ) ^ } ) | ولما فهم من التعبير ب ( في ) أنهم متمكنون من هذا جميعه ~~تمكن المظروف من PageV08P290 ظرفه , قال منبها على أنه أريد بالفاكهة جميع ~~المآكل , وإنما عبر بها إعلاما بأن كل أكل فيها تفكه ليس منه شيء لجلب نفع ~~غير اللذة ولا دفع ضر : { كلوا } أي مقولا لهم تناولوا جميع المآكل على وجه ~~التكفه التلذذ لا لحفظ الصحة فإنها حاصلة فإنها حاصلة بدونه { واشربوا } أي ~~من جميع المشارب كذلك فإن عيونها ليست من الماء خاصة بل من كل شراب أكلا ~~وشربا { هنيئا } ليس في شيء من ذلك توقع ضر , وزاد في نعيمهم بأن جعل ذلك ~~عوضا فقال : { بما كنتم } أي بجبلاتكم التي جبلتكم عليها { تعلمون * } أي ~~في الدنيا من الأعمال الصالحة المبنية على أساس العلم الذي أفاد التصديق ~~بالجنة فأوجب دخولها كما أوجب تكذيب المجرمين بالنار دخولهم إياها وعذابهم ~~بها , وتكذبيهم بالجنة طردهم عنها وحرمانهم جزاء وفاقا . | ولما كان ربما ~~توهم متوهم أن هذا الناس معينين في زمن مخصوص قال معلما بالعتميم مؤكدا ردا ~~على من ينكر : { إنا } أي بما لنا من العظمة { كذلك } أي مثل هذا الجزاء ~~العظيم { نجزي المحسنين * } أي كل من ms5739 كان عريقا في وصف الإحسان لسنا كملوك ~~الدنيا , يعوقهم عن الإحسان إلى بعض المحسنين عندهم بما يرونه جزاء لهم بعض ~~أهل مملكتهم لما لهم من الأهوية ولملوكهم من الضعف . | ولما كان هذا النعيم ~~عذابا عظيما على من لا يناله قال : { ويل يومئذ } أي أذ يكون هذا النعيم ~~للمتقين المحسنين { للمكذبين * } أي الذين يكذبون بأن الجبال تنسف فتكون ~~الأرض كلها سهلة دمثة مستوية لا عوج فيها أصلا صالح للعيون والاشجار ~~والتبسط في أرجائها كيفما يريد صاحبها ويختار . | ولما ذكر نعيم أهل الجنة ~~الذي لا ينقضي لأن لهم غاية المكنة فيه , وكان ذلك آجلا , وكان المكذبون في ~~اتساع في الدنيا , وتقدم قوله تعالى < # > 77 ( { إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع } ) 77 < # > [ الطور : 7 ] وكان الشقاء متى وقع بعد نعيم نسخه وعد النعيم ولو كان ~~كثيرا طويلا قليلا , قال نتيجة لجواب القسم ضد ما يقال للمتقين تسلية لهم ~~وتحزينا للمكذبين بناء على ما تقديره : إن المكذبين في هذه الدنيا في ~~استدراج وغرور , ويقول لهم لسان الحال المعرب عن أحوالهم في المآل توبيخا ~~وتهديدا : { كلوا } أي أيها المكذبون في هذه الدنيا { وتمتعوا } أي كذلك ~~بمثل اليجفة , فإن المتاع من أسمائها كما مر غير مرة عن أهل اللغة { قليلا ~~} أي وإن امتد زمنه فإنه زائل مع قصر مدته في مدة الآخرة , ولا يؤثر ذلك ~~على الباقي النفيس إلا خسيس الهمة , قال الرازي , وقال بعضهم : التمتع ~~بالدنيا من أفعال الكافرين , والسعي لها من افعال الظالمين , والاطمئنان ~~إليها من أفعال الكاذبين , والسكون فيها على حد الإذن والأخذ منها على قدر ~~الحاجة PageV08P291 من أفعال عوام المؤمنين , والإعراض عنها من أفعال ~~الزاهدين , وأهل الحقيقة أجل خطرا من أن يؤثر فيهم حب الدنيا وبغضها وجمعها ~~وتركها . | ولما أحلهم هذا المحل الخبيث , وكان التقدير : فإنه لا بد من ~~وقوع العذاب بكم يوم الفصل , علل ذلك بقوله مؤكدا لأنهم ينكرون وصفهم بذلك ~~: { إنكم مجرمون * } أي عريقون في قطع كل ما أراد الله به أن يوصل , فلا ~~جائز أن تعاملوا معاملة ms5740 المحسنين , فلذلك كانت نتيجة هذا { ويل يومئذ } أي ~~إذ تعذبون بأجرامكم { للمكذبين * } أي بوصول الرسل إلى وقتها المعلوم الذي ~~كانت تتوعد به المجرمين في الدنيا حيث كذبوهم لأجل تمتعهم هذا القليل الكدر ~~, وعرضوا أنفسهم للعذاب الدائم المستمر . | ولما كان التقدير : فإنهم كانوا ~~في دار العمل إذا قيل لهم آمنوا لا يؤمنوا , عطف عليه قوله : { وإذا قيل ~~لهم } أي لهؤلاء المجرمين من أي قائل كان { اركعوا } أي صلوا الصلاة التي ~~فيها الركوع , وأطلقه عليها تسمية لها باسم جزء منها , وخص هذا الجزء لأنه ~~يقال على الخضوع والطاعة , ولأنه خاص بصلاة المسلمين , ولأن بعض العرض نفر ~~عن الدين من أجله , وقال : لا أجبي لأن فيه زعم إبرازا للاست فيكون ذلك ~~مسبة , وكذلك السجود , قال في القاموس : جبى تجبئة : وضع يديه على ركبتيه ~~أو على الأرض أو انكب على وجهه , والتجبئة أن تقوم قيام الركوع { لا يركعون ~~* } أي لا يخضعون ولا يوجد الصلاة فلذلك كان وعيدهم , وفيه دلالة على أن ~~الأمر للوجوب ليستحق تاركه العذاب وعلى أن الكفار مخاطبون بالفروع { ويل ~~يومئذ } أي إذ يكون الفصل { للمكذبين * } أي بذلك الذي تقدم في هذه السورة ~~أو بشيء منه أو بغيره مما جاءت به الرسل , وقد كررت هذه الجملة بعدد أجزاء ~~طرف القسم أو أجزاء الجواب لتكون كل جملة منها وعيدا على التكذيب بواحد من ~~تلك الأجزاء , وتكون هذه الجملة العاشرة مؤكدة لتلك التسع , وتكملة لعدها ~~ومعناها , ومعلمة بأن الويل لهم دائما من غير انقضاء كما أن الواحد لا ~~انقضاء له . | ولما أعمل هذا أن لهم الويل دائما , ذكر أن سببه عدم الإيمان ~~بالقرآن وأن من لم يؤمن بالقرآن لم يؤمن بشيء أبدا , فقال مسببا عن معنى ~~الكلام : { فبأي حديث } أي ذكر يتجدد نزوله على المرسل به في كل وقت تدعو ~~إليه حاجة { بعده } أي بعد هذا القرآن الذي هو شاهد لنفسه عنه بصحة النسبة ~~إلى الله تعالى من جهة ما حاز من البلاغة في تراكيبه بالنسبة إلى كل جملة ~~وبالنسبة إلى نظم الجمل بعضها ms5741 مع بعض , وبالإخبار بالمغيبات والحمل على ~~المعالي والتنبيه على الحكم وغير ذلك من بحور العلم ورياض PageV08P292 ~~الفنون , فالله باعتبار ذلك هو الشاهد بأنه كلامه { يؤمنون * } أي يجددون ~~الإيمان بسببه بكل ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم إذا لم يؤمنوا بهذا ~~الحديث الذي الله شاهد بأنه كلامه بما اشتمل عليه بعد إعجازه من الدلائل ~~الواضحة , والمعاني الشريفة الصالحة , والنظوم الملائمة للطبع والرقائق ~~المرققة لكل قلب , والبشائر المشوقة لكل سمع , فمن لم يؤمن به لم يؤمن ~~بحديث غيره , فإنه لا شيء يقاربه ولا يدانيه , فكيف بأن يدعي شيء يباريه أو ~~يراقيه , ومثل هذا إنما يقال عند مقاربة اليأس من الموعوظ والعادة قاضية ~~بحلول العذاب إذ ذاك وإنزال البأس , فهو من أعظم أنواع التهديد , فقد رجع ~~آخرها على أولها في وعيد المكذبين , وانطبق أولها على آخرها في إخزاء ~~المجرمين والله الهادي للصواب . | . . . | PageV08P293 < # > سورة النبأ < # > < < # | النبأ : ( 1 - 9 ) عم يتساءلون # > > ^ ( عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم * الذي هم فيه مختلفون * كلا ~~سيعلمون * ثم كلا سيعلمون * ألم نجعل الأرض مهادا * والجبال أوتادا * ~~وخلقناكم أزواجا * وجعلنا نومكم سباتا ) ^ } ) | مقصودها الدلالة على أن ~~يوم القيامة الذي كانوا مجمعين على نفيه , وصاروا بعد بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم في خلاف فيه مع المؤمنين ثابت ثباتا لا يحتمل شكا ولا خلافا بوجه ~~, لأن خالق الخلق مع أنه حكيم قادر على ما يريد دبرهم أحسن تدبير , بنى لهم ~~مسكنا وأتقنه , وجعلهم على وجه يبقى به نوعهم من أنفسهم بحيث لا يحتاجون ~~إلى أمر خارج يرونه , فكان ذلك أشد لإلفتهم وأعظم لأنس بعضهم ببعض , وجعل ~~سقفهم وفراشهم كافلين لمنافعهم , والحكيم لا يترك عبيده وهو تام القدرة ~~كامل السلطان يمرحون يبغي بعضهم على بعض ويأكلون خيره ويعبدون غيره بلا ~~حساب , فكيف إذا كان حاكما فكيف إذا كان أحكم الحاكمين , هذا ما لا يجوز في ~~عقل ولا خطر ببال أصلا , فالعلم واقع به قطعا , وكل من اسميها واضح في ذلك ~~بتأمل آيته ومبدأ ذكره وغايته { بسم الله } الحكيم العليم الذي له ms5742 جميع ~~صفات الكمال { الرحمن } الذي ساوى بين عباده في أصول النعم الظاهرة : ~~الإيجاد والجاه والمال , وبيان الطريق الأقوام بالعقل الهادي والإنزال ~~والإرسال { الرحيم * } الذي خص من شاء بإتمام تلك النعم فوفقهم لمحاسن ~~الأعمال لما أخبر في المرسلات بتكذيبهم بيوم الفصل وحكم على أن لهم بذلك ~~الويل المضاعف المكرر , وختمها بأنهم إن كفروا بهذا القرآن لم يؤمنوا بعده ~~بشيء , افتتح هذه بأن ما خالفوا فيه وكذبوا الرسول في أمره لا يقبل النزاع ~~لما ظهر من بيان القرآن لحكمة الرحمن التي يختلف فيها اثنان مع الإعجاز في ~~البيان , فقال معجبا منهم غاية العجب زاجرا لهم ومنكرا عليهم ومتوعدا لهم ~~ومفخما للأمر بصيغة الاستفهام منبها على أنه ينبغي أن لا يعقل خلافهم , ولا ~~يعرف محل نزاعهم , فينبغي أن يسأل عنه كل أحد حتى PageV08P294 العالم به ~~إعلاما بأن ما يختلفون فيه لوضوحه لا يصدق أن عاقلا يخالف أمره فيه وأنه لا ~~ينبغي التساؤل إلا عما هو خفي فقال : { عم } أي عن أي شيء خفف لفظا وكناية ~~بالإدغام , وحذف ألفه لكثرة الدور والإشارة إلى أن هذا السؤال مما ينبغي ~~أان يحذف , فإن لم يكن فيخفى ويستحى من ذكره ويخفف { يتساءلون * } أي أهل ~~مكة لكل من يسأل عن شيء من القرآن سؤال شك وتوقف وتلدد فيما بينهم وبين ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين رضي الله عنهم , ولشدة العجب سمي ~~جدالهم وإنكارهم وعنادهم إذا تليت عليهم آياته وجليت بيناته مطلق سؤال . | ~~ولما فخم ما يتساءلون عنه معجبا منهم فيه , بينه بقوله إعلاما بأن ذلك ~~الإيهام ما كان إلا للإعظام : { عن النبأ } أي من رسالة الرسول وإتيانه ~~بالكتاب المبين , وإخباره عن يوم الفصل , والشاهد بكل شيء من ذلك الله ~~بإعجاز هذا الحديث , وبوعده الجاز الحثيث . | ولما كان في مقام التفخيم له ~~, وصفه تأكيدا بقوله : { العظيم * } مع أن النبأ لا يقال إلا لخبر عظيم ~~شأنه , ففي ذلك كله تنبيه على أنه من حقه أن يذعن له كل سامع ويهتم بأمره , ~~لا أن يشك فيه ويجعله موضعا للنزاع ؛ وعظم ms5743 توبيخهم بقوله : { الذي هم } أي ~~بضمائهرهم مع ادعائهم أنها أقوم الضمائر { فيه مختلفون * } أي شديد ~~اختلافهم وثباتهم فبعضهم صدق وبعضهم كذب , والمكذبون بعضهم شك وبعضهم جزم ~~وقال بعضهم : شاعر , وبعضهم : ساحر إلى غير ذلك من الأباطيل , وذلك الأمر ~~هو أمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي أهمه البعث بعد الموت اشتد التباسه ~~عليهم وكثرت مراجعتهم في ومساءلتهم عنه مع عظمه وعظم ظهوره , والعظيم لا ~~ينبغي الاختلاف فيه بوجه , فإن ذا المروءة لا ينبغي له أن يدخل في أمر إلا ~~وهو على بصيرة فكيف به إذا كان عظيما فكيف به إذا تناهى عظمه فكيف به إذا ~~كان أهم ما يهمه فإنه يتعين عليه أن يبحث عنه غاية البحث ويطلب فيه الأدلة ~~ويفحص عن البراهين ويستوضح الحجج حتى يصير من أمره بعد علم اليقين إلى عين ~~اليقين من حين يبلغ مبلغ الرجال إلى أن يموت فكيف إذا كان بحيث تتلى عليهم ~~الأدلة وتجلى لديه قواطع الحجج وتجلب إليه البينات وهو يكابر فيه ويماري , ~~ويعاند ويداري . | قال الإمام أبو جعفر بن الزبير : سورة النبأ أما مطلقها ~~فمرتب على تساؤل واستفهام وقع منهم وكأنه وارد هنا في معرض العدول ~~والالتفات , وأما قوله : { كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون } [ النبأ : 4 5 ] ~~فمناسب للوعيد المتكرر في قوله : < # > 77 ( { ويل يومئذ للمكذبين } ) 77 < # > [ المرسلات : 19 ] وكأن قد قيل : سيعلمون عاقبة تكذيبهم , ثم أورد ~~تعالى من جميل صنعه وما إذا اعتبره المعتبر علم أنه لم يخلق شيء منه عبثا ~~بل يعتبر به ويستوضح وجه PageV08P295 الحكمة فيه , فعلم أنه لا بد من وقت ~~ينكشف فيه الغطاء ويجازي الخلائق على نسبة من أحوالهم في الاعتبار والتدبر ~~والخضوع لمن نصب مجموع تلك الدلائل , ويستشغر من تكرار الفصول وتجدد ~~الحالات وإحياء الأرض بعد موتها , جرى ذلك في البعث واطراد الحكم , وإليه ~~الإشارة بقوله : < # > 77 ( { كذلك نخرج الموتى } ) 77 < # > [ الأعراف : 57 ] وقال تعالى منبها على ما ذكرناه { ألم نجعل الأرض ~~مهادا } [ النبأ : 6 ] إلى قوله : < # > 77 ( { وجنات ألفافا } ) 77 < # > [ النبأ : 16 ] فهذه المصنوعات ms5744 المقصود بها الاعتبار كما قدم , ثم قال ~~تعالى : < # > 77 ( { إن يوم الفصل كان ميقاتا } ) 77 < # > [ النبأ : 17 ] أي موعدا لجزائكم لو اعتبرتم بما ذكر لكم لعلمتم منه ~~وقوعه وكونه ليقع جزاؤكم على ما سلف منكم ( فويل يومئذ للمكذبين ) ويشهد ~~لهذا القصد ما بعد من الآيات قوله تعالى لما ذكر ما أعد للطاغين : < # > 77 ( { إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا وكل شيء ~~أحصيناه كتابا } ) 77 < # > [ النبأ : 27 29 ] ثم قال بعد : < # > 77 ( { إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا } ) 77 < # > [ النبأ : 31 32 ] وقوله بعد : { ذلك اليوم الحق } وأما الحياة الدنيا ~~فلعب ولو وإن الدار الآخرة لهي الحيوان , وقوله بعد : < # > 77 ( { يوم ينظر المرء ما قدمت ياده ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا } ~~) 77 < # > [ النبأ : 40 ] انتهى . | ولما كان الأمر من العظمة في هذا الحد قال ~~مؤكدا لأن ما اختلفوا فيه وسألوا عنه ليس موضعا للاختلاف والتساؤل بأداة ~~الردع , فقال تهديدا لهم وتوكيدا لوعيدهم : { كلا } أي ليس ما سألوا عنه ~~واختلفوا فيه بموضع اختلاف أصلا , ولا يصح أن يطرقه ريب بوجه من الوجوه ~~فلينزجروا عن ذلك وليرتدعوا قبل حلول ما لا قبل لهم به . | ولما كان كأنه ~~قيل : فهل ينطقع ما هم فيه ؟ أجاب بقوله مهددا حاذفا متعلق العلم للتهويل ~~لأجل ذهاب النفس كل مذهب : { سيعلمون * } أي يصلون إلى حد يكون حالهم فيه ~~في ترك العناد حال العالم بكل ما ينفعهم ويضرهم , وهذا عن قريب بوعد لا خلف ~~فيه , ويكون لهم حينئذ عين اليقين الذي لا يستطاع دفاعه بعد علم اليقين ~~الذي دافعوه , وعظم ربتة هذا الردع والتهديد والزجر والوعيد بقوله : { ثم ~~كلا } أي أن أمره في ظهوره رادع عن الاختلاف في أمره { سيعلمون * } أي بعد ~~الموت بعد علمهم قبله ما يكون من أمره بوعد صادق لا شك فيه , ويصير حالهم ~~إذا ذاك حال العالم في كفهم عن العناد , وهم بين ذلول وذليل وحقير وجليل , ~~فأما من اخترناه منه للإيمان فيكون ذلولا , ومن أردنا شقاءه بالكفران فتراه ~~ناكسا ذليلا , ويشترك الكل ms5745 بالذوق في حق اليقين , وقد كان هذا كما قال ~~الجليل بعد زمن قليل , عندما أوقعتهم أيام الله وأرغمت منهم الأنوف وأذلت ~~الجباه , وقراءة ابن عامر على ما قيل عنه بتاء الخطاب في الوعيد وأدل على ~~الاستعطاف للمتاب . | PageV08P296 ولما حقق لهم أمره تحقيق من هو على غاية ~~الوثوق بما يقول , دل على ذلك بما لا يحتمل شكا ولا وقفة أصلا , فقال مقررا ~~لهم ومنكرا عليهم التساؤل بما ندب إليه من التأمل وقرر به من النظر في باهر ~~آياته وغرائب مخلوقاته التي أبدعها من العدم دلالة تامة عظمية على كمال ~~القدرة مع تمام الحكمة الموجب للقطع بكل ما نبهت عليه الرسل من الشرائع ~~والبعث والجزاء بادئا بما هم له أشد ملابسة وهو الظرف : { ألم نجعل } أي ~~بما لنا من العظمة { الأرض مهادا * } أي فراشا لكم موطئا مذللا يمكن ~~الاستقرار عليه لتتصرفوا فيها كما شئتم { والجبال } أي تعرفون شدتها ~~وعظمتها وعجزكم عن أقل شيء من أمورها { أوتادا * } تثبتها كما أن البيت لا ~~يثبت إلا بأوتاده , قال الأفوه الأودي : | والبيت لا يبتنى إلا له عمد ولا ~~عماد إذا لم ترس أوتاد | وذلك لئلا تميد بكم فإنها معلقة على فضاء العلم ~~ممسكة بيد القدرة , فلولا الجبال لعظم ثقلها لأنها بمنزلة السفينة العالية ~~الفارغة على متن البحر فهي في غاية الحركة لا سيما إذا عظمت الريح فإنها ~~حينئذ لا يستقر عليها قائم ولا يثبت قاعد ولا نائم , فالجبال بمنزلة ~~الأمتعة الثقيلة التي تنزلها في الماء فتحفظ عن كثرة التقلب فكيف يصح بوجه ~~أن يتوقف في إخبار من هذه قدرته لا سيما إذا كان ذلك المختبر به مما ركز ~~سبحانه أمره في الفطرة الأولى وقرر صحته في العقول التقرير الأوضح الأجلى . ~~| ولما ذكر بما في الظرف الذي هو فرشهم من الدلالة على تمام القدرة , أتبعه ~~التذكير بما في المظروف وهو أنفسهم لتجتمع آيات الأنفس والآفاق فيتبين لهم ~~أنه الحق فقال : { وخلقناكم } أي بما دل على ذلك من مظاهر العظمة { أزواجا ~~* } طوالا وقصارا وحسانا ودماما وذكرانا وإناثا لجميع ms5746 أصنافكم على تباعد ~~أقطارهم وتنائي ديارهم لتدوم أنواعكم إلى الوقت الذي يكون فيه انقطاعكم . | ~~ولما ذكر ما هو سبب لبقاء النوع , ذكر ما هو سبب لحفظه من إسراع الفساد ~~فقال : { وجعلنا } أي بما لنا من العظمة { نومكم } الذي ركبنا البدن على ~~قبوله { سباتا * } أي قطعا عن الإحساس والحركة التي أتعبتكم في نهاركم مع ~~الامتداد والاسترسال إراحة للقوى الحيوانية والحواس الجثمانية وإزاحة ~~لكلالها مع أنه قاطع لكمال الحياة , فهو مذكر بالموتة الكبرى والاستيقاظ ~~مذكر بالعبث , قال الزجاج : السبات أن ينقطع عن الحركة والروح فيه . | < < # | النبأ : ( 10 - 16 ) وجعلنا الليل لباسا # > > ^ ( وجعلنا الليل لباسا * وجعلنا النهار معاشا * وبنينا فوقكم سبعا ~~شدادا * وجعلنا PageV08P297 سراجا وهاجا * وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا * ~~لنخرج به حبا ونباتا * وجنات ألفافا ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما ذكر النوم , اتبعه وقته الأليق به مذكرا بنعمة الظرف الزماني ~~بعد التذكير بالظرف المكاني , فقال دالا بمظهر العظمة على عظمه : { وجعلنا ~~اليل } أي بعد ذهاب الضياء حتى كأنه لم يكن { لباسا * } أي غطاء وغشاء ~~ساترا بظلمته ما أتى عليه عن العيون كما يستره اللباس لتسكنوا فيه عن ~~المعاش { وجعلنا النهار } أي الذي آيته الشمس { معاشا * } أي وقتا للتقلب ~~الذي هو من أسباب التحصيل الذي هو من أسباب المعاش , وهو العيش ووقته ~~وموضعه , مظهرا لما ستره الليل , فالآية من الاحتباك : ذكر اللباس أولا ~~دليلا على حذف ضده ثانيا والمعاش ثاينا دليلا على حذف ضده أولا . | ولما ~~ذكر المهاد وما فيه , أتبعه السقف الذي بدورانه يكون الوقت الزمان وما ~~يحويه من القناديل الزاهرة والمنافع الظاهرة لإحياء المهاد ومن فيه من ~~العباد فقال : { وبنينا } أي بناء عظيما { فوقكم } أي عاما لجميع جهة الفوق ~~, وهي عبارة تدل على الإحاطة { سبعا } أي من السماوات { شدادا * } أي هي في ~~غاية القوة والإحكام , لا صدع فيها ولا فتق , لا يؤثر فيها كر العصور ولا ~~مر الدهور , حتى يأتي أمر الله بإظهار عظائم المقدور . | ولما ذكر السقف : ~~ذكر بعض ما فيه من أمهات المنافع فقال دالا بمظهر العظمة على عظمها : { ~~وجعلنا } أي ms5747 مما لا يقدر عليه غيرنا { سراجا } أي نجما منيرا جدا { وهاجا * ~~} أي هو مع تلألئه وشدة ضيائه حار مضطرم الاتقاد وهو الشمس , من قولهم : ~~وهج الجوهر : تلألأ , والجمر : اتقد . | ولما ذكر ما يمحق الرطوبة بحرارته ~~, أتبعه ما يطفئ الحرارة برطوبته وبرودته فينشأ عنه المأكل والمشرب , التي ~~بها تمام الحياة ويكون تولدها من الظرف بالمهاد والسقف , وجعل ذلك أشبه شيء ~~بما يتولد بين الزوجين من الأولاد , فالسماء كالزوج والأرض كالمرأة , ~~والماء كالمني , والنبات من النجم والشجر كالأولاد فقال : { وأنزلنا } أي ~~مما يعجز غيرنا { من المعصرات } أي السحائب التي أثقلت بالماء فشارفت أن ~~يعرصها الرياح فتمطر كما حصد الزرع إذا حان له أن يحصد , قال الفراء : ~~المعصر , السحابة التي تتحلى بالمطر ولا تمطر كالمرأة المعصرة وهي التي دنا ~~حيضها ولم تحض , وقال الرازي : السحائب التي دنت أن تمطر كالمعصرة التي دنت ~~من الحيض { ماء ثجاجا * } أي منصبا بكثرة يتبع بعضه بعضا , يقال : ثجه وثج ~~بنفسه . | PageV08P298 ولما ذكر بدايته , أتبعها نهايته فقال : { لنخرج } ~~أي بعظمتنا التي ربطنا بها المسببات بالأسباب { به } أي الماء تسبيبا { حبا ~~} أي نجما ذا حب هو مقصوده لأنه يقتاته العباد , صرح به لأنه المقصود وبدأ ~~به لأنه القوت الذي به البقاء كالحنطة والشعير وغيرهما { ونباتا * } ~~يتفكهون ويتنزهون فيه وتعتلفه البهائم . | ولما كان من المشاهد الذي لا ~~يسوغ إنكاره أن في الأرض من البساتين ما يفوت الحصر , عبر بجمع القلة ~~تحقيرا له بالنسبة إلى باهر العظمة ونافذ الكلمة فقال : { وجنات } أي ~~بساتين تجمع أنواع الأشجار والنبات المقتات وغيره { ألفافا * } أي ملتفة ~~الأشجار مجتمعة بعضها إلى بعض من شدة الري , جمع لف كجذع , قال البغوي : ~~وقيل : هو جمع الجمع , يقال : جنة لفاء , وجمعها لف بضم اللام , وجمع الجمع ~~ألفاف . | وتضمن هذا الذي ذكره المياه النابعة الجارية والواقفة , فاكتفى ~~بذكره عن ذكرها , قال مقاتل : وكل من هذا الذي ذكر أعجب من البعث . | < < # | النبأ : ( 17 - 22 ) إن يوم الفصل . . . . . # > > ^ ( إن يوم الفصل كان ميقاتا * يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا * ~~وفتحت السمآء فكانت ms5748 أبوابا * وسيرت الجبال فكانت سرابا * إن جهنم كانت ~~مرصادا * للطاغين مآبا ) ^ } ) | ولما ذكر ما دل على غاية القدرة ونهاية ~~الحكمة فدل قطعا على الوحدانية لأنه لو كان التعدد لم تكن الحكمة ولم تتم ~~القدرة , فأثمر المحبة لمن اتصف بذلك , فأنتج للطائع الشوق إلى لقائه ~~والترامي إلى مطالعة كما نعمائه , وللعاصي ما هو حقيق به من الخوف من لقائه ~~ليرده ذلك عن إعراضه وإبائه , أتبع ما أعلم أنه ما ذكره إلا للدلالة على ~~النبأ العظيم في لقاء العزيز الرحيم , فقال منتجا عما مضى من الوعيد وما دل ~~على تمام القدرة مؤكدا لأجل إنكارهم : { إن يوم الفصل } أي الذي هو النبأ ~~العظيم , وتقدم الإنذار به في المرسلات وما خلق الخلق إلا لجمعهم فيه ~~وإظهار صفات الكمال ليفصل فيه بين كل ملبس فصلا لا شبهة فيه ويؤدخ للمظلوم ~~من الظالم { كان } أي في علم الله وحكمته كونا لا بد منه جعل فيه كالجبلة ~~في ذوي الأرواح { ميقاتا * } أي حدا يوقت به الدنيا وتنتيه عنده مع ما فيها ~~من الخلائق . | ولما ذكره , ذكر ما يه تعظيما له وحثا على الطاعة فقال ~~مبدلا منه أو مبينا له : { يوم } ولما كان الهائل المفزع النفخ , لا كونه ~~من معين , بنى للمفعول قوله { ينفخ } أي من نافخ أذن الله له { في الصور } ~~وهو قرن من نور على ما قيل سعته أعظم ما بين السماء والأرض وهي نفخة البعث ~~وهي الثانية من النفاخات الأرض كما مر في آخر الزمر , ولذلك قال : { فتأتون ~~} أي بعد القيام من القبور الموقف أحياء كما كنتم أول PageV08P299 مرة لا ~~تفقدون من أعضائكم وجلودكم وأشعاركم وأظفاركم وألوانكم الأصلية شيئا يجمعكم ~~من الأرض بعد أن تمزقتم فيها , واختلط تراب من بلي منكم بترابها وتراب ~~بعضكم ببعض , وتمييز ذلك وجمع وتركيبه كما كان وإعادة الروح فيه يسير عليه ~~سبحانه وتعالى كما فعل ذلك كله من نطفة بعد أن فعله في آدم عليه السلام من ~~تراب لا أصل له في الحياة , حال كونكم { أفواجا * } أي أمما وزمرا وجماعات ms5749 ~~مشاة مسرعين كل أمة بإمامها , روى الثعلبي وابن مدرويه عن البراء رضي الله ~~عنهم وقال شيخنا ابن حجر في ترجمة محمد بن زهير في لسان الميزان : إنه ظاهر ~~الوضع أن معاذا رضي الله عنه سأل عن هذه الأفواج فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ( إن أمتي تحشر على عشرة أصناف : على صور القردة , وعلى صور ~~الخنازير , وبعض منكسون يسحبون على وجوههم , وبعض عمي وبعض صم بكم , وبعض ~~يمضغون ألسنتهم , فهي مدلاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل ~~الجمع , وبعض منقطعة أيديهم وأرجلهم , وبعض مصلبون على جذوع من نار , وبعض ~~أشد نتنا من الجيف , وبعض ملبسون جبابا سابغة من قطرن لازقة بجلودهم , ~~فسرهم بالقتات وآكلي السحت وأكلة الربا والجائرين في الحكم والمعجبين ~~بأعمالهم والعلماء الذي يخالف قولهم فعلهم والمؤذين للجيران والساعين ~~بالناس للسطان , والتابعين للشهوات المانعين حق الله تعالى والتكبرين خيلاء ~~) . | ولما ذكر الآية في أنفسهم ذكر بعض آيات الآفاق , وبدأ بالعلوي لأنه ~~أشرف فقال بانيا للمفعول لأن المفزع مطلق التفتيح , ولأن ذلك أدل على قدرة ~~الفاعل وهوان الأمور عليه : { وفتحت السماء } أي شقق هذا الجنس تشقيقا ~~كبيرا , وقرأ الكوفيون بالتخفيف لأن التكثير يدل عليه ما سبب عن الفتح من ~~قوله : { فكانت } أي كلها كينونة كأنها جبلة لها { أبوابا } أي كثيرة جدا ~~لكثرة الشقوق الكبيرة بحيث صارت كأنها لا حقيقة لها إلا الأبواب . | ولما ~~ذكر السقف , ذكر أقرب الأرض إليه وأشدها , فقال على طريقة كلام القادرين ~~أيضا : { وسيرت } أي حملت بأيسر أمر على السير { الجبال } على ما تعلمون من ~~صلابتها وصعبوتها في الهواء كأنها الهباء المنثور , وعلى ذلك دل قوله : { ~~فكانت } أي كينونة راسخة { سرابا * } أي لا نرى فيها إلا خيالا يتراءى وهي ~~سائرة تمر مر السحاب ثم تخفى لتناثر أجزائها كالهباء يا لها من عظمة تجب ~~لها القلوب وتتعاظم الكروب . | PageV08P300 ولما بين أن يوم الفصل هو النبأ ~~العظيم بعد أن دل عليه وذكر ما فيه من المسير , ذكر ما إليه من الدارين ~~المصير , فقال بعد التذكير بما في ms5750 الجبال من العذاب بحزونتها وما فيها من ~~السباع والحشرات والأشجار الشائكة والقواطع المتسابكة وغير ذلك من عجائب ~~التقدير مؤكدا لتكذيبهم : { إن جهنم } أي النار التي تلقى أصحابها متجهمة ~~لهم بغاية ما يكرهون { كانت } أي جبلة وخلقا { مرصادا * } أي موضع رصد ~~لأعداء الله ترصدهم فيها خزنة النار , فإذا رأوهم كدرسوهم فيها , ولأولياء ~~الله ترصدهم فيها خزنة الجنة لإنجائهم من النار عند ورودها أوهي راصدة ~~بليغة الرصد للكفار حتى صارت مجسدة من الرصد لتجمع أصحابها فلا يفوت منهم ~~واحد كالمطعان لكثير الطعن , مجالس يسأل عند أولها عن شهادة أن لا إله إلا ~~الله , فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني فيسأل عن الصلاة , فإن جاء بها ~~تامة جاز إلى الثالث فيسأل عن لزكاة فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع فيسأل ~~عن الصوم , فإن جاء به تاما جاز إلى الخامس فيسأل عن الحج , فإن جاء به ~~تاما جاز إلى السادس فيسأل عن العمرة فإن جاء بها تامة جاز إلى السابع ~~فينسأل عن المظالم , فإن خرج منها وإلا قيل : انظروا فإن كان له تطوع تكمل ~~به أعماله . | فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة . | ولما كان درء المفاسد أولى ~~من جلب المصالح , قدم ذكر المخوف فقال : { للطاغين } أي المجاوزين لحدود ~~الله { مآبا * } أي مرجعا ومأوى بعد أن كان الله ذرأهم لها فكأنهم كانوا ~~فيها ثم هيأهم للخروج منها والبعد عنها بفطرهم الأولى , ثم بما أنزل الله ~~من الكتب وأرسل من الرسل فكأنه بذلك أخرجهم منها , ثم رجعوا إليها بما ~~أحدثوا من التكذيب . | < < # | النبأ : ( 23 - 28 ) لابثين فيها أحقابا # > > ^ ( لابثين فيهآ أحقابا * لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما ~~وغساقا * جزآء وفاقا * إنهم كانوا لا يرجون حسابا * وكذبوا بآياتنا كذابا ) ~~^ } ) | ولما ذكر مصيرهم إليها ذكر إقامتهم فيها فقال حالا من ضمير ( ~~الطاغين ) : { لابثين فيها } ولما كان جمع القلة يستعار للكثرة فكان الحقب ~~يطلق على الزمان من غير حد , ويطلق على زمان محدود , فقيل على ثمانين سنة , ~~وعلى سبيعن ألف سنة , فكان السياق من تصدير ms5751 السورة بالنبأ وبوصفه مع ~~التعبير بالنبأ العظيم وما بعد ذلك يفهم أن المراد الدوام إن أريد ما لا حد ~~له وأن المراد إن أريد المحدود جمع الكثرة , وأكثر ما فسر به الحقب , وأنه ~~للمبالغة لا التحديد , كان جمع القلة هنا غير مشكل , فمن حمله على ما دون ~~ذلك فكفاه زاجرا لم يضره التعبير به , من اجترأ عليه واستهان به كان فتنة ~~له كما PageV08P301 كان حصر عدد الخزنة للنار بتسعة عشر فلم يضر إلا نفسه , ~~فلذلك عبر عن ظرف اللبث بقوله : { أحقابا * } أي دهورا عظيمة متتابعة لا ~~انقضاء لها على أن التبعير به ولو حمل على الأقل وجعل منقضيا لا ينافي ما ~~صرح فيه بالخلود لأنه أثبت شيئا ولم ينف ما فوقه , وعن الحسن أنه قال : لا ~~يكاد يذكر الحقب إلا حيث يراد تتابع الأزمنة وتواليها من غير انقضاء . | ~~ولما كان المسكن لا يصلح إلا بالاعتدال والماء الذي هو حياة كل شيء , قال ~~ذاكرا حال هذا اللبث : { لا يذوقون } أي ساعة ما فكيف بما فوق الذوق { فيها ~~} أي النار خاصة , وكأنه أشار بتقديمه إلى أنهم يذوقون في دار أخرى ~~الزمهرير { بردا } أي روحا وراحة لنفعهم من الحر أو مطلق البرد { ولا شرابا ~~* } من ماء أو غيره بغنيهم من العطش على حال من الأحوال { إلا } حال كون ~~ذلك الشراب { حميما } أي ماء حارا يشوي الوجوه قد انتهى حره { و } حال كون ~~ذلك الشراب مع حرارته , أو البر د { غساقا * } أي عصارة أهل النار من القيح ~~والصديد البارد المنتن , فالاستثناء على هذا موزع الحميم من الشراب والغساق ~~من البرد , فالحميم شرابهم في دولة السعير , والغساق في دولة الزمهرير . | ~~ولما حكم عليهم بهذا العذاب الذي لا يطاق , ذكر حكمته فقال إنه جزاهم بذلك ~~{ جزاء وفاقا } أي ذا وفاق لأعمالهم لأنهم كانوا يأخذون أموال الناس ~~فيحرقون صدورهم عليها ويبردون بها الشراب ويصفونه ويبخرونه , فهم يحرقون ~~الآن بعصارة غيرهم المنتنة , ثم علل عذابهم بقوله , مؤكدا تنبيها على أن ~~الحساب من الوضوح بحالة يصدق به كل أحد ms5752 , فلا يكاد يصدق أن أحدا يكذب به ~~فلا يجوزه فقال : { إنهم كانوا } أي بما هو لهم كالجبلة التي لا تقبل غير ~~ذلك فهم يفسدون القوى العلمية بأنهم { لا يرجون } أي في لحال من الأحوال ~~ولو رأوا كل آية { حسابا * } فهم لا يعملون بغير الشهوات , فوافق هذا ~~خلودهم في النار , وعبر عن تكذيبهم بنفي الرجاء لأنه أبلغ , وذلك لأن ~~الإنسان يطمع في الخير بأدنى احتمال . | ولما دل انتفاء رجائهم على تكذيبهم ~~الفسد للقوة العلمية , صرح به على وجه أعم فقال : { وكذبوا بآياتنا } أي ~~على ما لها منالعظمة الدالة أنها من عندنا { كذابا * } بها , فكان تجريعهم ~~لما لا يصح أن يشربه أحد وإن جرع منه شيئا مات في الحال من غير موت لهم ~~جزاء على تكذيبهم بالحوارق التي يرجعون بها لاصادقين أنواع الحرق وقرئ ~~للدلالة على أنهم كذبوا في تكذيبهم . | PageV08P302 < < # | النبأ : ( 29 - 35 ) وكل شيء أحصيناه . . . . . # > > ^ ( وكل شيء أحصيناه كتابا * فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا * إن ~~للمتقين مفازا * حدآئق وأعنابا * وكواعب أترابا * وكأسا دهاقا * لا يسمعون ~~فيها لغوا ولا كذابا ) ^ } ) | ولما كان التقدير : فكل شيء جعلنا له وزانا ~~, عطف عليه قوله : { وكل شيء } أي مطلقا من أعمالهم وغيرها أو كل ما يقع ~~عليه الحساب { أحصيناه } ولما كان الإحصاء موافقا للكتابة في الضبط , أكد ~~فعله بها فقال : { كتابا * } فلا جائز أن نترك شيئا من الأشياء بغير جزاء , ~~ويمكن تنزيل الآية على الاحتباك وهو أحسن : دل فعل الإحصاء على حذف مصدره , ~~وإبات مصدر ( كتب ) عليه أي أحصيناه إحصاء وكتبناه كتابا , وذلك الإحصاء ~~والكتب لعدم الظلم . | ولما ذكر عذابه ووجه موافقته لجزائهم , سبب عن ~~تكذيبهم ما يقال لهم بلسان الحال أو المقال إهانة وزيادة في الجزاء على ~~طريق الالتفات المؤذن بشدة الخزي والغضب عليهم وكمال القدرة له سبحانه ~~وتعالى فقال : ويجوز أن يكون سببا عن مقدر بعد ( كتابا ) نحو : ليجازيهم ~~على كل شيء منه , قائلا لهم على لسان الملائكة أو لسان الحال : { فذوقوا } ~~أي من هذا العذاب في هذا الحال بسبب تكذيبكم بالحساب , وأكد ذوقهم ms5753 في ~~الاستقبال فقال : { فلن نزيدكم } أي شيئا من الأشياء في وقت من الأوقات { ~~إلا عذبا * } فإن دراكم ليس بها إلا الجحيم كما أن الجنة ليس بها إلا ~~النعيم , فأفهم هذا أن حصول شيء لهم غير العذاب محال . | ولما ذكر جزاء ~~الكافرين وأشعر آخره بكونه إخزاء , ذكر جزاء المؤمنين المخالفين لهم فقال ~~مستأنفا مؤكدا لتكذيب الكافرين به : { إن للمتقين } أي الراسخين في الخوف ~~المقتضي لاتخاذ الوقاية مما يخاف فوقوا أنفسهم من سخط الله بما يرضيه من ~~الأعمال والأقوال والأحوال { مفازا } أي فوزا وموضع فوز وزمان فوز بالراحة ~~الدائمة من جميع ما مضى ذكره لطاغين الذين هم أضدادهم , وقد كشفوا أنفسهم ~~للعذاب كل الكشف , ثم فسره أو أبدل منه على حذف مضاف أي فوز : { حدائق } أي ~~بساتين فيها أنواع الأشجار ذوات الثمار والرياحين لتجمع مع لذة المطعم لذة ~~البصرة والشم , قد أحدقت بها الجدران وحوطت بها , قال ابن جرير : فإن لم ~~تكن بحيطان محدقة بها لم يقل لها حديقة . | وخص أشجار العنب لطيبها وحسنها ~~وشرفها وما فيها من لذة الذوق وعبر عن أشجارها بثمرتها إعلاما بأنها لا ~~توجد إلا موقرة حملا وأن ثمرتها هي جل منفعتها فقال : { وأعنابا * } ~~PageV08P303 ولما ذكر المساكن النزهة المؤنقة المعجبة , ذكر ما يتمتع به ~~وهو جامع لألذاذ الحواس : البصر واللمس والذوق فقال : { وكواعب } أي نساء ~~كعبت ثديهن { أترابا * } أي على سن واحد من مس جلد واحد التراب قبل الأخرى ~~, بل لو كن مولودات لكانت ولادتهن في آن واحد . | ولما ذكر النساء ذكر ~~الملائم لعشرتهن فقال : { وكاسا } أي من الخبر التي لا مثل لها في لذة ~~الذوق ظاهرا وباطنا وكمال السرور وإنعاش القوى . | ولما كانت العادة جارية ~~بأن الشراب الجيد يكون قليلا , دل على كثرته دليلا على جودته بقوله : { ~~دهاقا * } أي ممتلئة . | ولما كانت مجالس الخمر في الدنيا ممتلئة بما ~~ينغصها من اللغو والكذب إلا عند من لا مروءة له فلا ينغصه القبيح , قال ~~نافيا عنها ما يكدر لذة السمع : { لا يسمعون فيها } أي الجنة في وقت ما { ~~لغوا ms5754 } أي لغطا يستحق أن يلغى لأنه ليس له معنى أعم من أن يكون مهملا ليس ~~له معنى أصلا , أو مستعملا ليس له معنى موجود في الخارج وإن قل , أو له ~~معنى ولكنه لا يترتب به كبير فائدة . | ولما انتفى الكذب بهذه الطريقة , ~~وكان التكذيب أذى للمكذب , نفاه بقوله : { ولا كذبا * } فإن هذه الصيغة ~~تقال على التكذيب ومطلق الكذب , فصار المعنى : ولا أدى بمعارضة في القول , ~~مع موافقة قراءة الكسائي بالتخفيف فإن معناها كذبا أو مكاذبة , وشدد في ~~قراءة الجماعة لرشاقة اللفظ وموازنة ( أعنابا وأترابا ) مع الإصابة لحلق ~~المعنى من غير أدنى جور عن القصد ولا تكلف بوجه ما . | < < # | النبأ : ( 36 - 40 ) جزاء من ربك . . . . . # > > ^ ( جزآء من ربك عطآء حسابا * رب السماوات والأرض وما بينهما الرحمن ~~لا يملكون منه خطابا * يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن ~~له الرحمن وقال صوابا * ذلك اليوم الحق فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا * إنآ ~~أنذرناكم عذابا قريبا يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يليتني كنت ~~ترابا ) ^ } ) | ولما كان العطاء إذا كان على المعاوضة كان أطيب لنفس الآخذ ~~قال : { جزاء } وبين أنه ما جعله جزاء لهم إلا إكراما للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فإنه سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء لأن أحدا لا يمكنه أن يوفي شكر نعمة ~~من نعمه فإن عمله من نعمه فقال : { من ربك } أي المحسن إليك بإكرام أمتك ~~بانواع الإكرام , وفي { عطاء } إشارة إلى ذلك وهو بذل من غير جزاء { حسابا ~~* } أي على قدر الكفاية وإن فعل الإنسان منهم ما فعل وحسب جميع أناوع ~~الحساب , ومن قولهم : أعطاه فأحسبه إذا تابع عليه العطاء وأكثره حتى ~~PageV08P304 جاوز العد وقال : حسبي , لا يمكن أن يحتاج مع هذا العطاء وإن ~~زاد في الإنفاق , واختير التعبير به دون ( كافيا ) مثلا لأنه أوقع في النفس ~~, فإنه يقال : إذا كان هذا الحساب فما الظن بالثواب . | ولما ذكر سبحانه ~~سعة فضله , وصف نفسه الأقدس بما يدل على عظمته زيادة في شرف المخاطب صلى ms5755 ~~الله عليه وسلم لأن عظمة العبد على حسب عظمة السيد , فقال مبدلا على قراءة ~~الجماعة وقاطعا بالرفع على المدح عند الحجازيين وأبي عمرو : { رب السماوات ~~والأرض } أي مبدعهما ومدبرهما ومالكهما { وما بينهما } ملكا وملكا . | ولما ~~شمل ذلك العرش وما دونه , علله بقوله : { الرحمن } أي الذي له الإنعام ~~العام الذي أدناه الإيجاد , وليس ذلك لأحد غيره , فإن الكل داخل في ملكه ~~وملكه , ولذلك قال دالا على الجبروت بعد صفة الرحمة : { لا يملكون } أي أهل ~~السماوات والأرض ومن بين ذلك أصلا دائما في وقت من الأوقات في الدنيا ولا ~~في الآخرة لا في يوم بعينه : { منه } أي العام النعمة خاصة { خطابا * } ~~أيأن يخاطبوه أو يخاطبوا غيره بكلمة فما فوقها في أمرهم في غاية الاهتمام ~~في غاية الاهتمام به بما أفاده التعبير بالخطاب , فكيف بما دونه وإذا لم ~~يملكوا ذلك منه فمن والكمل في ملكه وملكه ؟ وعدم ملكهم لأن خاطبهم مفهوم ~~موافقة , والحاصل أنهم لا يقدرون على خطاب ما من ذوات أنفسهم كما هو شأن ~~المالك . | وأما غيره فقد يملكون أن يكرهوه على خطابهم وأن يخاطبوه بغير ~~إذن من ذلك الغير ولا رضى وبغير تملك منه لهم لأنه لا ملك له , وإذا كان ~~هذا في الخطاب فما ظنك بمن يدعي الوصال بالاتحاد عليهم اللعنة ولهم سوء ~~المآب , ما أجرأهم على الاتحاد ! وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري : كيف ~~يكون للمكون المخلوق والفقير المسكين مكنة تملك منه خطابا أو تتنفس نفسا ~~كلا بل هو الله الواحد الجبار . | ولما كان هذا ربما أفهم سد باب الشفاعة ~~عنده سبحانه , وكان الكلام إنما ينشأ من الروح , وكان الملائكة أقرب شيء ~~إلى الروحية , أكد هذا المعنى مزيلا ما قد يوهمه في الشفاعة سواء قلنا : إن ~~الروح هنا جنس أم لا , فقال ذاكرا ظرف ( لا يتكلمون ) { يوم يقوم الروح } ~~أي هذا الجنس أو خلق من خلق الله عظيم الشأن جدا , قيل : هو الملك الموكل ~~بالأرواح أو جبرائيل عليه السلام , أو القرآن المشار إليه بمثل قوله تعالى ~~< # > 77 ( { تنزل الملائكة والروح ms5756 فيها بإذن ربهم من كل أمر } ) 77 < # > [ القدرة : 4 ] < # > 77 ( { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا } ) 77 < # > [ الشورى : 52 ] قاله ابن زيد { والملائكة } أي كلهم , ونبه بالاصطفاف ~~على شدة الأمر فقال : { صفا * } للقاء ما في ذلك اليوم من شدائد الأهوال ~~ولحفظ الثقلين وهم في وسط دائرة صفهم من الموج والاضطراب لعظيم ما هم فيه , ~~ثم زاد الأمر عظيما PageV08P305 بذكر العامل في لا يوم فقال : { لا يتكلمون ~~} أي من تقدم كلهم بأجمعهم فيه بكلمة واحدة مطلق كلام خطابا كان أي في أمر ~~عظيم أو لا , لا له سبحانه ولا لغيره أصلا ولا أحد منهم , ويجوز أن يكون ~~هذا حالا لهؤلاء الخواص فيكون الضمير لهم فغيرهم بطريق الأولى { إلا من أذن ~~له } أي في الكلام إذنا خاصا { الرحمن } أي الملك الذي لا تكون نعمه على ~~أحد من خلقه إلا منه { وقال صوابا * } فإن لم يحصل الأمر إن لم يقع الكلام ~~من أحد منهم أصلا , وهذا كالدليل على آية الخطاب بأنه إذا كان الروح ~~والقريب منه بهذه المثابة في حال كل من حضره كان أحوج ما يكون إلى الكلام ~~فما الظن بغيرهم ؟ وهم في غيره كذلك بطريق الأولى وغيرهم فيه وفي غيره من ~~باب الأولى , وأما في الدنيا فإنه وإن كان لا يتكلم أحد إلا بإذنه لكنه قد ~~يتكلم بالخطأ . | ولما عظم ذلك اليوم بالسكوت خوفا من ذي الجبروت < # > 77 ( { وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا } ) 77 < # > [ طه : 108 ] أشار إليه بما يستحقه زيادة في عظمته فقال : { ذلك } أي ~~المشار إليه لبعد مكانته وعظم رتبته وعلو منزلته { اليوم الحق } أي في ~~اليومية لكونه ثابتا في نفسه فلا بد من كونه ولا زوال له ثوبتا لا مرية فيه ~~لعاقل وثابتا كل ما أثبته وباطلا كل ما نفاه . | ولما قرر من عظمته ما يعجز ~~غيره عن أن يقرر مثله , وكان قد خلق القوى والقدر والفعل بالاختيار . | ~~فكان من حق كل عاقل تدرع ما ينجى منه , سبب عن ذلك تنبيها على الخلاص منه ~~وحثا عليه ms5757 قوله : { فمن شاء } أي الاتخاذ من المكلفين الذين أذن لهم { اتخذ ~~} أي بغاية جهده { إلى ربه } أي خالقه نفسه المحسن إليه أو رب ذلك اليوم ~~باستعمال قواه التي أعطاه الله إياها في الأعمال الصالحة { مآبا * } أي ~~مرجعا هو المرجع مما يحصل له فيه الثواب بالإيمان والطاعة , فإن الله جعل ~~لهم قوة واختيارا ولكن لا يقدر أحد منهم على مشيئة شيء إلا بمشيئة الله . | ~~ولما قدم في هذه السورة من شرح هذا النبأ العظيم ما قدم من الحكم والمواعظ ~~واللطائف والوعد والوعيد , لخصه في قوله مؤكدا لما لهم من التكذيب : { إنا ~~} على ما لنا من العظمة { أنذرناكم } أي أيها الأمة وخصوصا العرب بما مضى ~~من هذه السورة وغيرها { عذابا } ولما كان لا بد من إتيانه وكونه سواء كان ~~بالموت أو بالبعث , وكان كل ما تحقق إتيانه أقرب شيء قال : { قريبا } . | ~~ولما حذر منه . | عين وقته مشددا لتهويله فقال : { يوم ينظر المرء } أي ~~جنسه الصالح منه والطالح نظرا لا مرية فيه { ما } أي الذي { قدمت يداه } أي ~~كسبه في الدنيا من خير وشر , وعبر بهما لأنهما محل القدرة فكنى بهما عنها ~~مع أن أكثر ما يعمل كائن بهما مستقلين به أو مشاركتين فيه خيرا كان أو شرا ~~. | ولما كان التقدير : فيقول المؤمن : PageV08P306 يا ليتني قمت قبل هذا , ~~عطف عليه قوله : { ويقول الكافر } أي العريق في الكفر عندما يرى تلك ~~الأهوال متمنيا محالا : { يا ليتني كنت } أي كونا لا بد منه ولا يزول { ~~ترابا * } أي في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف , أو في هذا اليوم فلم أعذب , ~~والمراد به الجنس أو إبليس الذي تكبر عن السجود لآدم عليه السلام المخلوق ~~من التراب , وعظم نفسه بالحمد والاتفخار بكونه مخلوقا من نار , يقول ذلك ~~عندما يرى ما أعد الله لآدم عليه السلام ولخواص بنيه من الكرامة من النعيم ~~المقيم , ولهذا المتكبر على خالقه من العذاب الدائم الذي لا يزول , وعن أبي ~~هريرة وابن عمر رضي الله عنهم أن الله تعالى يقتص يوم البعث للبهائم بعضها ms5758 ~~من بعض ثم يقول لها : كوني ترابا , فتكون فيتمنى الكافر مثل ذلك . | فقد ~~علم أن ذلك اليوم في غاية العظمة وأنه لا بد من كونه , فعلم أن التساؤل عنه ~~للتعجب من كونه من أعظم الجهل , فرجع آخرها على أولها , وانعطف مفصلها أي ~~انعطاف على موصلها , واتصل مع ذلك بما بعدها أي اتصال , فإن المشرف بالنزع ~~على الموت يرى كثيرا من الأهوال والزلازل والأوجال التي يتمنى لأجلها أنه ~~كان منقطعا عن لدنيا ليس له بها وصال يوما من الأيام ولا ليلة من الليال ~~والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب . | . . . . | PageV08P307 < # > سورة النازعات < # > | ونسمة الساهرة والطامة . | مقصودها بيان أواخر أمر الإنسان بالإقسام ~~على بعث الأنام ، ووقوع القيام يوم الزحام وزلل الأقدام ، بعد البيان التام ~~فيما مضى من هذه السور العظام ، تنبيها على أنه وصل الأمر في الظهور إلى ~~مقام ليس بعده مقام ، وصور ذلك بنزع الأرواح بأيدي الملائكة الكرام ، ثم ~~أمر فرعون اللعين وموسى عليه السلام ، واسمها النازعات واضح في ذلك المرام ~~، إذا تؤمل القسم وجوابه المعلوم للأئمة الأعلام ، وكذا الساهرة والطامة ~~إذا تؤمل السياق ، وحصل التدبير في تقرير الوفاق { بسم الله } الظاهر ~~الباطن الملك العلام { الرحمن } الذيي عم بالإنعام { الرحيم } الذي خص أهل ~~ولايته بالتمام ، فاختصوا بالإكرام في دار السلام . < < # | النازعات : ( 1 - 11 ) والنازعات غرقا # > > ^ ( والنازعات غرقا * والناشطات نشطا * والسابحات سبحا * فالسابقات ~~سبقا * فالمدبرات أمرا * يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة * قلوب يومئذ ~~واجفة * أبصارها خاشعة * يقولون أإنا لمردودون في الحافرة * أإذا كنا عظاما ~~نخرة ) ^ } ) | لما ذكر سبحانه يوم يقوم الروح ويتمنى الكافر العدم , أقسم ~~أول هذه بنزع الأرواح على الوجه الذي ذكره بأيدي الملائكة عليهم السلام على ~~ما يتأثر عنه من البعث وساقه على وجه التأكيد بالقسم لأنهم به مكذبون فقال ~~تعالى : { والنازعات } أي من الملائكة كما قال علي وابن عباس رضي الله عنهم ~~للأرواح ولأنفسها من مراكزها في السماوات امتثالا للأوامر الإليهة { غرقا * ~~} أي إغراقا بقوة شديدة تغلغلا إلى أقصى المراد من كل شيء من البدن حتى ~~الشعر والظفر والعظم كما ms5759 يغرق النازع في القاموس فيبلغ أقصى المد , وكان ~~ذلك لنفوس الكفار والعصاة كما ينزع السفود وهو الحديدة المتشعبة المتعاكسة ~~الشعب من الصوف المبلول , وعم ابن جرير كما هي عادته في كل ما يحتمله اللفظ ~~فقال : والصواب أن يقال : إن الله تعالى لم يخصص , فكل نازعة داخلة ~~PageV08P308 في قسمه يعني الاعتبار بما آتاهم الله من القدرة على ذلك النزع ~~الدالة على تمام الحكمة والاقتدار على ما يريده سبحانه . | ولما ذكر الشد ~~مبتدئا به لأنه أهول , أتبعه الرفق فقال : { والناشطات } أي المخرجات برفق ~~للأرواح أو لأجنحتها من محالها { نشطا * } أي رفقا فلا تدع وإن كان رفيقا ~~بين الروح والسجد تعلقا كما ينشط الشيء من العقال أي يحل من عروة كانت عقدت ~~على هيئة الأنشوطة , قال الفراء إنه سمع العرب يقولون : نشطت العقال إذا ~~حللته , وأنشطت إذا عقدت بأنشوطة والنشط أيضا : الجذب والنزع , يقال : نشطت ~~الدلو نشطا إذا نزعتها . | انتهى , والنشط والإنشاط مدك الشيء إلى نفسك حتى ~~ينحل , وكان هذا الأرواح أهل الطاعة , وكذلك نزع النبات والإنساء والإنماء ~~لكل ما يراد نزعه أو نشطه , فالذي قدر بعض عبيده على هذا الذي فيه تمييز ~~الأرواح من غيرها على ما لها من اللطافة وشدة الممازجة قادر على تمييز جسد ~~كل ذي روح من جسد غيره بعد ان صار كل ترابا واختلط بتراب الآخر . | ولما ~~ذكر نوعي السل بالشد والرفق , ذكر فعلها في إقبالها إليه ورجوعها عنه فقال ~~: { والسابحات } أي من الملائكة أيضا في الجو بعد التهيؤ للطيران إلى ما ~~أمرهم الله به من أوامره من الروح أو غيرها { سبحا * } هو في غاية السرعة ~~لأنه لا عائق لها بل قد أقدرها الله علىالنفوذ في كل شيء كما أقدر السابح ~~في الماء والهواء , ولذلك نسق عليه بالفاء قوله : { فالسابقات } أي بعد ~~السبح في الطيران إلى ما أمروا به من غمس الأرواح في النعيم أو الجحيم أو ~~غير ذلك مما أمروا به في أسرع من اللمح مع القدرة والغلبة لجميع ما يقع ~~محاولته { سبقا * } . | ولما بان بذلك حسن ms5760 امثتالها للأوامر , بان به عظيم ~~نظرها في العواقب فدل على ذلك بالفاء في قوله : { فالمدبرات } أي الناظرات ~~في أدبار الأمور وعواقبها لإتقان ما أمروا به في الأرواح وغيرها { أمرا * } ~~أي عظيما , ويصح أن يكون للشمس والقمر والكواكب والرياح والخيل السابحة في ~~الأرض والجو لمنفعة العباد وتدبير أمورهم , وبعضها سابق لبعض , وبه قال بعض ~~المفسرين , والجواب بحذوف إشارة إلى أنه من ظهور العلم به بدلالة ما قبله ~~وما بعده عليه في حد لا مزيد عليه , فهو بحيث لا يحتاج إلى ذكره فحذفه ~~كإثباته بالبرهان فتقديره : لتذهبن بالدنيا التي أنتم بها مغترون لنزعنا ~~لها من حالها وتقطيع أوصالها , فإن كل ما تقدم من أعمال ملائكتنا هو من ~~مقدمات ذلك تكذيبا لقول الكفار < # > 77 ( { ما هي إلا حياتنا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } ) 77 < # > [ الجاثية : 24 ] المشار إليه بتساؤلهم عنها لأنه على وجه الاستهزاء ~~والتكذيب ولتقومن PageV08P309 الساعة ؟ أو أنكم لمبعوثون بعد الموت وانتهاء ~~هذه الدار ؟ ثم لمجازون بما عملتم بأسباب موجودة مهيأة بين أظهركم دبرناهم ~~وأوجدناهم حين أوجبنا هذه الحياة الدنيا وإن كنتم لا ترونها كما أن هذه ~~الأمور التي أخبرناكم بها في نزع الأرواح والنبات والمنافع موجودة بين ~~أظهركم والميت أقرب ما يكون منكم وهو تعمل أعمالها . | والمحتضر أشد ما ~~يكون صوتا وأعظمه حركة إذا هو قد خفت وهمد بعد ذلك الأمر وسكت وامتدت ~~أعضاؤه ومات , وذهب عنكم قهرا وفات الذي فات كأنه قط ما كان , ولا تغلب في ~~زمن من الأزمان , بتلك الأسباب التي تعمل أعمالها وتمد حبالها وترسي ~~أثقالها , وتلقي أهوالها وأوجالها , وأنتم لا ترونها , فيالله العجب أن لا ~~يردكم ذلك على كثرته عن أن تستبعدوا على قدرته تمييز تراب جسد من تراب جسد ~~آخر . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أوضحت سورة النبأ حال الكافر ~~في قوله < # > 77 ( { يا ليتني كنت ترابا } ) 77 < # > [ النبأ : 40 ] عند نظره ما قدمت يداه , ومعانيته من العذاب عظيم ما ~~يراه , وبعد ذكر تفصيل أحوال وأهوال , أتبع ذلك ما قد كان حاله ms5761 عليه في ~~دنياه من استبعاد عودته في أخراه , وذكر قرب ذلك عليه سبحانه كما قال في ~~الموضع الآخرة < # > 77 ( { وهو أهون عليه } ) 77 < # > [ الروم : 27 ] وذلك بالنظر إلينا ولما عهدناه , وإلا فليس عنده سبحانه ~~شيء أهون من شيء < # > 77 ( { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ) 77 < # > [ يس : 82 ] فقال تعالى : { والنازعات غرقا } [ النازعات : 1 } إلى ~~قوله : يقولون أئنا لمردودون في الحافرة أئذا كنا عظاما نخرة } [ النازعات ~~: 10 11 ] إذ يستبعدون ذلك ويستدفعونه < # > 77 ( { فإنما هي زجرة واحدة } ) 77 < # > [ النازعات : 13 ] أي صحية < # > 77 ( { فإذا هم بالساهرة } ) 77 < # > [ النازعات : 14 ] أي الأرض قياما ينظرون ما قدمت أيديهم ويتمنون أن لو ~~كانوا ترابا ولا ينفعهم ذلك , ثم ذكر تعالى من قصة فرعون وطغيانه ما يناسب ~~الحال في قصد الاتعاظ والاعتبار , ولهذا أتبع القصة بقوله سبحانه < # > 77 ( { إن في ذلك لعبرة لمن يخشي } ) 77 < # > [ النازعات : 26 ] انتهى . | ولما أقسم على القيام بتلك الأفعال العظام ~~التي ما أقدر أهلها عليها إلا الملك العلام . | ذكر ما يكون فيه من الأعلام ~~تهويلا لأمر الساعة لأن النفوس المحسوسات نزاعة , فالغائبات عندهامنسية ~~مضاعة فقال ناصبا الظرف بذلك المحذوف لأنه لشدة وضوحه كالملفوظ به : { يوم ~~ترجف } أي تضطرب اضطرابا كبيرا مزعجا { الراجفة * } اي الصيحة , وهي النفخة ~~الأولى التي هي بحيث يبلغ من شدة إرجافها للقلوب وجميع الأشياء الساكنة من ~~الأرض والجبال إلى نزع النفوس من جميع أهل الأرض مبلغا تستحق به أن توصف ~~بالعراقة في الرجف , قال البغوي : وأصل الرجفة الصوت والحركة . | ~~PageV08P310 ولما ذكر الصيحة الأولى , أتبعها الثانية حالا منها دلالة على ~~قربها قربا معنويا لتحقق الوقوع , ولأن ذلك كله في حكم يوم واحد , فصح مجيء ~~الحال وإن بعد زمنه من زمن صاحبه فقال : { تتبعها الرادفة * } أي الصيحة ~~التابعة لها التي يقوم بها جميع الأموات وتجتمع الرفات , وتضطرب من هولها ~~الأرض والسماوات , وتدك الجبال ويعظم الزلزال , ويكون عنها التسيير بعد ~~المصير إلى الكثيب المهيل , ونحو ذلك من الأمر الشديد الطويل , قال حمزة ~~الكرماني : روى السدي ms5762 عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الناس إذا ماتوا في ~~النفخة الأولى أمطر عليهم ماء من تحت العرش يدعى ماء الحياة فينبتون منه ~~كما ينبت الزرع من الماء , حتى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيها الروح ثم يلقى ~~عليهم نومة فبينما هم في قبورهم نفخ في الصور ثانية فجلسوا وهم يجدون طعم ~~النوم في رؤوسهم وأعينهم . | ولما ذكر البعث , ذكر حال المكذب به لأن ~~السياق له , فقال مبتدئا بنكرة موصوفة : { قلوب يومئذ } أي إذ قام الخلائق ~~بالصيحة التابعة للأولى { واجفة * } أي شديدة الاضطراب , وكان قد يخفى سببه ~~لكونه قد يكون عند السرور العظيم كما قد يكون عند الوجل الشديد , أخبر عنه ~~بما يحقق معناه فقال : { أبصارها } أي أبصار أصحابها فهو من الاستخدام { ~~خاشعة * } أي ذليلة ظاهر عليها الذل واضطراب القلوب من سوء الحال ولذلك ~~أضافها إليها . | ولما وصفها بالاضطراب الذل , علله ليعرف منه أن من يقول ~~ضد قولهم يكون له ضد وصفهم من الثبات والسكون والعز الظاهر فقال : { يقولون ~~} أي في الدنيا قولا يجددونه كل وقت من غير خوف ولا استحياء استهزاء ~~وإنكارا . | { إنا لمردودون } أي بعد الموت ممن يتصف بردنا كائنا من كان { ~~في الحافرة * } أي في الحياة التي كنا فيها قبل الموت هي حالتنا الأولى , ~~من قولهم : رجع فلان في حافرته , أي طريقته التي جاء بها فحفرها أي أثر ~~فيها بمشيه كما تؤثر الأقدام , والحوافر في الطرق , أطلق على المفعولة ~~فاعلة مبالغة وذلك حقيقته , ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم رجع إليه : ~~رجع إلى حافرته , وقيل : الحافرة الأرض التي هي محل الحوافر . | ولما وصف ~~قلوبهم بهذا الإنكار الذي ينبغي لصاحبه أن يذوب منه خجلا إذا فرط منه مرة ~~واحدة , وأشار إلى شدة وقاحتهم بتكريره , أتبعه التصريح بتكريرهم له على ~~وجه مشير إلى العلة الحاملة لهم على قوله وهو قولهم : { أإذا كنا } أي كونا ~~صار جبلة لنا { عظاما نخرة * } أي هي في غاية الانتخار حتى تفتتت , فكان ~~الانتخار وهو البلى PageV08P311 والتفتت والتمزق كأنه طبع لها طبعت ms5763 عليه , ~~وهي أصلب البدن فكيف بما عداها من الجسم , وعلى قراءة ( ناخرة ) المعنى ~~أنها خلا ما فيه فصار الهواء ينخر فيها أي يصوت . | < < # | النازعات : ( 12 - 19 ) قالوا تلك إذا . . . . . # > > ^ ( قالوا تلك إذا كرة خاسرة * فإنما هي زجرة واحدة * فإذا هم ~~بالساهرة * هل أتاك حديث موسى * إذ ناداه ربه بالوادي المقدس طوى * اذهب ~~إلى فرعون إنه طغى * فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى ) ^ } ) ~~| ولما كان العامل في ( إذا ) مقدرا بنحو أن يقال : نرد إذ ذاك إلى حالتنا ~~الأولى ونقوم كما كنا ؟ دل على هذا المحذوف قوله تعالى عنهم : { قالوا } أي ~~مرة من المرات : { تلك } أي الردة إلى الحالة الأولى العجيبة جدا البعيدة ~~من العقل في زعمهم { إذا } أي إذ نرد إلى حياتنا الأولى لا شيء لنا كما ~~ولدنا لا شيء لنا , ونفقد كل ما سعينا في تحصيله وجمعه وتأثيله { كرة } أي ~~رجعة وإعادة وعطفة { خاسرة * } أي هي لشدة خسارتنا فيها بما فقدنا مما ~~حصلناه من الحال والمآل وصالح الخلال , عريقة في الخسارة حتى كأنها هي ~~الخاسرة , ولعله عبر بالماضي لأنهم ما سمحوا بهذا القلو إلا مرة من الدهر , ~~وأما أغلب قولهم فكان أنهم يكونون على تقدير البعث أسعد من المؤمنين على ~~قياس ما هم عليه في الدنيا ونحو هذا من الكذب على الله . | ولما كان ~~التقدير : نعم والله لتردن يا هؤلاء , إنما هذا الذي تقولونه كله استبعاد ~~منكم كما أنكم مقرون بسهولته لو عقلتم , أما من جهة القدرة فلأن الابتداء ~~أصعب من الإعادة وأنتم مقرون بالابتداء ولأن الاستبعاد إن كان من جهة وقوع ~~الظن بأن من صار ترابا يصير عوده محالا من جهة تعذر تمييز ترابه من تراب ~~غيره , فتمييز النازع والناشط من الملائكة للروح من الجسد أصعب من ذلك ~~بكثير , وكذا غير هذا مما تدبره الملائكة من الأمور , فكيف يصعب على ربهم ~~سبحانه شيء يسهل مثله عليهم , وأما من جهة العوائد فإن أحدا لا يدع رعية له ~~بغير حساب أصلا , وأما من جهة الوعد فقد تقدم ms5764 به , وليس من شيم الكرام فضلا ~~عن الملوك إخلاف الوعد ولا إقرار الظلم فلا تكذبوا به , وليس من شيم الكرام ~~فضلا عن الملوك إخلاف الوعد ولا إقرار الظلم فلا تكذبوا بها ولا تستصعبوها ~~, قال مسببا عن هذا المدقر مهددا لأصحاب الشبهة المقلدين : { فإنما هي } أي ~~القيامة { زجرة * } أي صيحة بانتهار تتضمن الأمر بالقيام والسوق إلى المحشر ~~والمنع من التخلف { واحدة * } عبر بالزجر وهو أشد من النهي لأنه يكون للعرض ~~لأنها صيحة لا يتخلف عنها القيام أصلا , فكان كأن لسان الحال قال عن تلك ~~الصيحة : أيها الأجساد البالية ! انتهى عن الرقاد , وقومي إلى الميعاد , ~~بما حكمنا به من المعاد , فقد انتهى زمان الحصاد , وآن أوان الاجتناء لما ~~قدم من الزاد , فيا ويل من ليس له زاد ! PageV08P312 { فإذا هم } أي فتسبب ~~عن هذه النفخة وهي الثانية أنهم فاجؤوا بغاية السرعة كونهم أحياء قائمين { ~~بالساهرة * } أي على ظهر الأرض البيضاء المستوية الواسعة التي يجددها الله ~~للجزاء فتكون سعتها كأنها قد ابتلعتهم على كثرتهم التي تفوت العد , وتزيد ~~على الحد , سميت بذلك لأن الشراب يجري فيها من الساهرة وهي العين الجارية , ~~أو لأن سالكها يسهر خوفا كما أن النوم يكون آمنة , أو لأن هذه الأرض ~~بالخصوص لا نوم فيها مع طول الوقوف وتقلب الصروف الموجبة للحتوف . | ولما ~~كانت قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع القبط أشبه شيء بالقيامة لما حصل ~~فيها من التقلبات والتغيرات وإيجاد المعدومات من الجراد والقمل والضفادع ~~على تلك الهيئات الخارجة عن العادات في أسرع وقت . | وقهر الجبابرة والمن ~~على الضعفاء حتى كان آخر ذلك أن حشر بني إسرائيل فنشطهم من القبط نشطا ~~رقيقا كلهم وجميع ما لهم مع دوابهم إلى ربهم وحشر جميع القبط وراءهم فنزعهم ~~نزعا كلهم بحشر فرعون لهم بأصوات االمنادين عنه في أسرع وقت وأيسر أمر إلى ~~هلاكهم كما يحشر الأموات بعد إحيائهم بالصيحة إلى الساهرة , ثم كانت ~~العاقبة في الطائفتين بما للمدبرات أمرا أن نجا بنو إسرائيل بالبحر كما ~~ينجو يوم البعث المؤمنون بالصراط , وهلك فرعون ms5765 و آله به كما يتساقط ~~الكافرون بالصراط , وذلك أنه رأى فرعون وجنوجه البحر قد انفلق لبني إسرائيل ~~فلم يعتبروا بذلك ثم دخلوا فيه وراءهم , ولم يجوزوا أن الذي حسره عن مكانه ~~قادر على أن يعيده كما ابتدأه فيغرقهم واستمروا في عماهم حتى رده الله ~~فأغرقهم به كما أن من يكذب بالقيامة رأى بدء الله له ولغيره وإفناءه بعد ~~إبادائه ثم إنه لم يجز أن يعيده كما بدأه أول مرة , وصل بذلك قوله تعالى ~~جوابا لمن يقول : هل لذلك من دليل ؟ مخاطبا لأشرف الخلق إشارة إلى أنه لا ~~يعتبر هذا حق اعتباره إلا أنت , مستفهما عن التيان للتنبيه والحث على جمع ~~النفس على التأمل والتدبر والاعتبار مقررا ومسليا له صلى الله عليه وسلم ~~ومهددا للمكذبين أن يكون حالهم وهم أضعف أهل الأرض لأنه لا ملك لهم حكال ~~فرعون في هذا , وقد كان أقوى أهل الأرض , بما كان له من الملك وكثرة الجنود ~~وقوتهم وسحرهم ومرودهم في خداعهم ومكرهم ورأى من الآيات ما لم يره أحد قبله ~~, فلما أصر على التكذيب ولم يرجع ولا أفاده التأدجيب أغرقه الله وآله فلم ~~يبق منهم أحدا وقد كانوا لا يحصون عددا بحيث إنه قيل : إن طليعته كانت على ~~عدد بني إسرائيل ستمائة ألف : { هل أتاك } أي يا أعلم الخلق { حديث موسى * ~~} أي ما كان من أمره الذي جددناه له حين أردناه فيكون كافيا لك في التسلية ~~ولقومك في الحث على التصديق والتنبيه على الاعتبار والتهديد على الكذيب ~~والإصرار { إذ } أي حين { ناداه ربه } أى PageV08P313 المحسن إليه بإيجاده ~~وتقريبه وتدبيره أمر إرساله وتقديره { بالواد المقدس } أي المطهر غاية ~~التطهر بتشريف الله له بإنزال النبوة المفيضة للبركات , ثم بينه بقوله : { ~~طوى * } وهو الذي طوى فيه الشر عن بني إسرائيل ومن أراد الله من خلقه ونشر ~~بركات النبوة على جميع أهل الأرض المسلم بإسلامه , وغيره برفع عذاب ~~الاستئصال عنه , فإن العلماء قالوا : إن عذاب القبر أي عذاب الاستئصال ~~ارتفع حين أنزلت التوراة . | وهو واد بالطور بين أيلة ومصر ms5766 . | ولما ذكر ~~المناداة فسر ثمرتها بقوله مستأنفا منبها لأصحاب الشهوة المعجبين ~~المتكبيرين , وقد أرشد السياق إلى أن التقدير , نناداه قائلا : { اذهب إلى ~~فرعون } أي ملك مصر الذي كان استعبد بني إسرائيل ثم خوف من واحد منهم فصار ~~يذبح أبناءهم خوفا منه وهو أنت فربيناك في بتيه لهلاكه حتى يعلم أنه لا مفر ~~من قدرنا , فكنت أعز بني إسرائيل , وكان سبب هلاكه معه في بتيه بمرأى منه ~~ومسمع وهو لا يشعر بذلك ثم قتلت منهم نفسا وخرجت من بلدهم خائفا تترقب . | ~~ولما أمره بالذهاب إليه , علله بما يستلزم إهلاكه على يده عليه الصلاة ~~والسلام إشارة له بالبشارة بأنه لا سبيل له عليه , ولذلك أكده لأن مثل ذلك ~~أمر يقتضي طبع البشر التوقف فيه فقال : { إنه طغى * } أي الحد وتجاوز الحد ~~فاستحق المقابلة بالجد , ثم سبب عن الذهاب إليه قوله { فقل } أي له تفصيلا ~~لبعض ما تقدم في ( طه ) من لين القول ولطف الاستدعاء في الخطاب : { هل لك } ~~أي ميل وحاجة { إلى أن تزكى * } أي تتحلى بالفضائل , وتتطهر من الرذائل , ~~ولو بأدنى أنواع التزكي : الطهارة الظاهرة والباطنة الموجبة للنماء والكثرة ~~, وإفهام الأدنى بما يشير إليه إسقاط تاء التفعل المقتضي للتخفيف , وذلك ~~بالإذعان المقتضي للإيمان وإرسال بني إسرائيل , وقرأ الحجازيان ويعقوب ~~بالتشديد أي تزكية بليغة لأن من دخل في التزكي على يد كامل لا سيما بني من ~~أولي العزم أوشك أن يبلغ الغاية في الزكاء . | ولما أشار له الطهارة عن ~~الشرك , أتبعها الأعمال فقال : { وأهديك } أي أبين لك بعد التزكية بالإيمان ~~الذي هو الأساس : كيف المسير { إلى ربك } أي الموجد لك والمحسن إليك ~~والمربي لك بتعريفك ما يرضيه من الأعمال وما يغضبه من الخصال بعد أن بلغك ~~في الدنيا غاية الآمال { فتخسى * } أي فيتسبب عن ذلك أنك تصير تعمل أعمال ~~من يخاف من عذابه خوفا عظيما , فتؤدي الواجبات وتترك المحرمات وسائر ~~المنهيات , فتصير إلى أعلى رتب التزكية فتجمع ملك الآخرة إلى ملك الدنيا , ~~فإن الخشية هي الحاملة على كل خير , والآمن هو الحامل ms5767 على الشر . | ~~PageV08P314 < < # | النازعات : ( 20 - 28 ) فأراه الآية الكبرى # > > ^ ( فأراه الآية الكبرى * فكذب وعصى * ثم أدبر يسعى * فحشر فنادى * ~~فقال أنا ربكم الأعلى * فأخذه الله نكال الآخرة والأولى * إن في ذلك لعبرة ~~لمن يخشى * أأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها * رفع سمكها فسواها ) ^ } ) | ~~ولما كان التقدير : فذهب إليه كما أمره الله تعالى , فقال له ذلك فطلب ~~الدليل على صحة الرسالة واستبعد أن يختص عنه بهذه المنزلة العلية وقد رباه ~~وليدا { فأراه } أي فتسبب عن طلبه له أنه دل على صدقه بأنه أراه { الآية } ~~أي العلامة الدالة على ذلك { الكبرى * } وهي قلب العصا حية أو جميع معجزاته ~~{ فكذب } أي فتسبب عن رؤية ذلك أنه أوقع التكذيب بشيء إنما يقتضي عند رؤيته ~~التصديق { وعصى * } أي أوقع العصيان , وهو الإباء الكبير والتكبر عن امتثال ~~مادعي إليه مجموعا إلى التكذيب بعد إقامة الدليل على الصدق وتحقق الأمر . | ~~ولما كان التمادي على التكذيب ممن رأى وعرف الحق ولا سيما إذا كان كبيرا ~~مستبعدا جدا , أشار إليه بأداة التراخي مع دلالتها على حقيقة التراخي أيضا ~~فقال : { ثم أدبر } أي فرعون بعد المهلة والأناة إدبارا عظيما بالتمادي على ~~أعظم مما كان فيه من الطغيان بعد خطوب جليلة ومشاهد طويلة . | حال كونه { ~~يسعى * } أي يعمل بغاية جهد عمل من هو مسرع غاية الإسراع في إبطال الأمر ~~الرباني بقلة عقله وفسد رأيه وأبى أن يقبل الحق { فحشر } أي فتسبب عن ~~إدباره ساعيا وتعقبه أنه جمع السحرة طوعا وكرها وزاد عليهم أيضا جنوده { ~~فنادى * } أي في المجامع { فقال } أي مناديه الذي لا يشك أنه عنه , فكان ~~قوله كقوله : { أنا } وقال حمزة الكرماني : قال له موسى عليه السلام : إن ~~ربي أرسلني إليك , لئن آمنت بربك تكون أربعمائة سنة في السرور والنعيم , ثم ~~تموت فتدخل الجنة , فقال : حتى أستشير هامان , فاستشاره فقال : أتصير عبدا ~~بعد ما كنت ربا تعبد , فعند ذلك بعث الشرط وجمع السحرة والجنود , فلما ~~اجتمعوا قام عدو الله على سريره فقال : أنا { ربكم الأعلى * } فكان هذا ~~نداؤه يعني كلكم أرباب ms5768 بعضكم فوق بعض وأنا أعلاكم , ولا رب فوقي أصلا , ~~وذلك لأن الإله عنده الطبيعة , وهي مقسمة في الموجودات , فهم كلهم أرباب , ~~ومن كان أعلى كان أقعد في المراد , وهو كان أعلى منهم فقبحه الله ولعنه ~~ولعن من تمذهب بمذهبه كابن عربي وابن الفارض وأتباعهما حيث أنكروا المختار ~~الملك ثم الحلاج بعد فرعون هذا الذي لم يصرح الله بذم أحد ما صرح بذمه , ~~ولم يصرح بشاق أحد ما صرح بشقائه , كهذه الآية فإنها مصرحة بوقوع نكاله في ~~الآخرة كما وقع في الدنيا , وقوله تعالى : ^ ( { فأخذناه وجنوده فنبذناهم ~~في اليم فانظر كيف كان PageV08P315 عاقبة الظالمين وجعلناهم أئمة يدعون إلى ~~النار ويوم القيامة لا ينصرون واتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة ~~هم المقبوحين } ) 77 < # > [ القصص : 40 - 42 ] إلى غير ذلك من الآيات البينات والدلائل الواضحات ~~التي لا تحصى وهي كثيرة , وأعظمها القياس البديهي الإنتاج < # > 77 ( { وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين } ) 77 < # > [ يونس : 83 ] < # > 77 ( { وإن المسرفين هم أصحاب النار } ) 77 < # > [ غافر : 43 ] ويروى أن إبليس لما سمع منه قوله هذا قال : إني تجبرت ~~على آدم قلقيت ما لقيت , وهذا يقول هذا ؟ وهذا دعاه إليه الكبر الناشئ من ~~فتنة السراء التي الصبر فيها أعظم من الصبر في الضراء , قال الإمام الغزالي ~~في كتاب الصبر من الإحياء : فالصبر على الطاعة شديد لأن النفس بطبعها تنفر ~~عن العبودية وتشتهي الربوبية , ولذلك قال بعض العارفين : ما من نفس إلا وهي ~~مضمرة ما أظهره فرعون من قوله { أنا ربكم الأعلى } [ النازعات : 24 ] ولكن ~~فرعون وجد له مجالا وقوبولا فأظهره إذ استحف فأطاعوه وما من أحد إلا وهو ~~يدعي ذلك مع عبده وخادمه وأتباعه وكل من هو تحن قهره وطاعته وإن كان ممتنعا ~~من إظهاره , فإن امتعاضه وغيظه عند تقصيرهم في خدمته لا يصدر إلا عن إضمار ~~الكبر ومنازعة الربوبية في رداء الكبرياء انتهى . | ويؤيده أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما لام خادمه في شيء قط والله تعالى هو الموفق للصواب . | ~~ولما أخبر سبحانه ms5769 عنه بهذه الكلمة الشنعاء القادحة في الملك , وكان الملوك ~~لا يحتملون ذلك بوجه , سبب عنها وعقب قوله : { فأخذه الله } أي الملك الذي ~~لا كفوء له ولا أمر لأحد معه أخذ قهر وذل منكلا به مخذلا له : { نكال ~~الآخرة } فهو مصدر من المعنى , أي أخذ تنكيل فيها يكون مثلا يتقيد به ويتعظ ~~كل من سمعه عن مثل حال فرعون , وقدمها اهتماما بشأنها وإشارة إلى أن عظمة ~~عذابها أعظم ولا يذوقه الإنسان إلا بكشف غطاء الدنيا بلالموت , وتنبها على ~~أن المنع من مثل هذه الدعوى للصدق بها أمكن , وليس ذلك للفاصلة لأنه لو قيل ~~: ( الأخرى ) لوافقت { والأولى * } أي ونكال الدنيا الذي هو قبل الآخرة فإن ~~نم سمع قصة غرقه ومجموع ما اتفق له كان له ذلك نكالا مانعا من عمل مثله أو ~~أقل منه , قال الضحاك : أما في الدنيا فأغرقه الله تعالى وألقاء بنجوة من ~~الأرض , أما في العقبى فيدخله الله تعالى النار ويجعله ظاهرا على تل منها ~~مغلولا مقيدا ينادي عليه هذا الذي ادعى الربوبية دجون الله انتهى . | وأنا ~~لا أشك أن الحلاج وابن عربي وابن الفارض , وأتباعهم يكونون في النار تحتهم ~~وتحت آلهة يشربون عصارتهم , فإنهم ادعوا أنه ناج وصدقوه فيما ادعاه وادعوا ~~لأنفسهم وغيرهم مثل ما ادعاه تكذيبا للقرآن وإغراقا في العدوان , وزادوا ~~عليه بابتذال الاسم الأعظم الذي حماه PageV08P316 الله من أن يدعيه أحد قبل ~~إرسال النبي صلى الله عليه وسلم فادعوا أنه يطلق عليهم وعلى كل أحد بل كل ~~شيء , وأمارة هذه الطائفة الخبيثة التي لا تتخلف أن تقول لأحدهم : العن ~~فرعون الذي أجمع على لعنه جميع الطوائف . وهو مثل عندهم في الشرارة والخبث ~~فلا يلعنه , وإن لعنه فبعد توقف . | ولما لخص سبحانه وتعالى ما مضى من قصصه ~~في هذه الكلمات اليسير أحسن تلخيص وأقربه مع عدم المخالفة لشيء مما مضى لأن ~~المفصل موضع الاختصار أما باعتبار النزول فإنه نزل أولا فكان تقريب القصص ~~للناس بالاقتصار على ما لا بد منه أولى ليستأنسوا به , وأما من جهة الترتيب ms5770 ~~فلتذكيرهم بما مضى ليجتمع في المخيلة في أقرب وقت ويتذكر به ذلك المبسوط , ~~وختمه بأخذه هذها الأخذ الغريب أرشد إلى ما في القصة من العبرة , مشيرا إلى ~~استحضار ما مضى كله , فقال مؤكدا مقررا للمكذب ومنهبا للمصدق : { إن في ذلك ~~} أي الأمر العظيم الذي فعله والذي فعل به { لعبرة } أي أمرا عظيما يتعمد ~~الاعتبار به من معنى إلى معنى حتى يقع به الوصول إلى كثير من المعارف عظيما ~~يتعمد الاعتبار به من معنى إلى معنى حتى يقع به الوصول إلى كثير من المعارف ~~{ لمن يخشى * } أي من شأنه الخوف العظيم من الله لأن الخشية كما تقدم هي ~~أساس الخير , فأول العبور أن ينقل السامع حال غيره إليه فيتذكر بإنجاء بني ~~إسرائيل على ضعفهم منهم على قوتهم ثم بقوة ما حصل لهم من القهر من ذلك حتى ~~أوجب اتباعهم بالجنود ثم بفرق البحر ثم بإيرادهم إياه ثم بإغراقهم فيه كلمح ~~البصر لم يخرج منهم مخبر قدرة الله تعالى على إيراد الكفار النار وقهر كل ~~جبار وبجعل العصا حية وإخراج القمل والضفادع من الأرض وتحويل الماء دما ~~قدرته سبحانه وتعالى على ذلك السامع بالعذاب وغيره وعلى خصوص البعث إلى غير ~~ذلك من العبر وواضح الأثر . | ولما ختم قصة فرعون لعنه الله بالعبرة , وكان ~~أعظم عبرتها القدرة التامة لا سيما على البعث كما هي مشيرة إليه بأولها ~~وآخرها , والعقوبة على التكذيب به لأن التكذيب به يجمع مجامع الشر والتصديق ~~به يجمع مجامع الخير , وكانوا يستبعدونه لاستبعاد القدرة عليه , وصل به ما ~~هو كالنتيجة منه , فقال مقررا مخاطبا لأصحاب الشبهة الشاكين موقفا لهم على ~~القدرة منكرا عليهم استبعادهم وذلك ملتفتا بعد تخصيص الخطاب به صلى الله ~~عليه وسلم لما تقدم من دقة فهمه وجلالة علمه صلى الله عليه وسلم إلى عموم ~~الخطاب لوضوح هذا البرهان لكل إنسان استعطافا بهم في توبيخ : { أأنتم } أي ~~أيها الأحياء مع كونكم خلقا ضعيفا { أشد خلقا } أي أصعب وأثقل من جهة ~~التقدير والإيجاد { أم السماء } على ما فيها من ms5771 السعة والكبر ولعلو ~~والمنافع . | ولما كان الجواب قطعا : السماء لما يرى من أعظمها لأن العالم ~~الإنساني PageV08P317 مختصر العالم الآفاقي , ويزيد الآفاقي طول البقاء مع ~~عدم التأثر , وصل به قوله دليلا على قدرته على البعث لقدرته على ما هو أشد ~~منه لأن الذي قدر على ابتداء الأكبر هو على إعادة الأصغر أقدر , مبينا ~~لكيفية خلقه لها : { بناها * } أي جعلها سقفا للأرض على ما لها من العظمة , ~~ثم بين البناء بقوله : { رفع سمكها } أي جعل مقدار ارتفاها من الأرض أو ~~سمنها الذاهب في العلو رفيعا , قال في القاموس : السمك السقف , أو من أعلى ~~البيت إلى أسفله , أو القامة من كل شيء , وقال أبو حيان : السمك الارتفاع ~~الذي بين سطح السماء الذي يلينا وسطحها الذي يلي ما فوقها : { فسواها * } ~~أي عدلها عقب ذلك بأن جعلها مستوية لا شيء فيها أعلى من شيء ولا أخفض ولا ~~فطور فيها , وأصلحها بما تم به كمالها من الكواكب وغيرها , وجعل مقدار تخن ~~كل سماء وما بين كل سماءين وتخن كل أرض وما بين كل أرضين على السواء لا ~~يزيد شيء من ذلك على الآخر أصلا . | < < # | النازعات : ( 29 - 37 ) وأغطش ليلها وأخرج . . . . . # > > ^ ( وأغطش ليلها وأخرج ضحاها * والأرض بعد ذلك دحاها * أخرج منها ~~مآءها ومرعاها * والجبال أرساها * متاعا لكم ولأنعامكم * فإذا جآءت الطآمة ~~الكبرى * يوم يتذكر الإنسان ما سعى * وبرزت الجحيم لمن يرى * فأما من طغى ) ~~^ } ) | ولما كان كل من ذلك يدل على القدرة على البعث لأنه إيجاد ما هو أشد ~~من خلق الآدمي من عدم , أتبعه ما يتصور به البعث في كل يوم وليلة مرتين ~~فقال : { وأغطش } أي أظلم إظلاما لا يهتدي معه إلى ما كان في حال الضياء { ~~ليلها } أي بغياب شمسها فأخفى ضياءها بامتداد ظل الأرض على كل ما كانت ~~الشمس ظهرت عليه . | وأضافه إليها لأنه يحدث بحركتها , وبدأ به لأنه كان ~~أولا , والعدم قبل الوجود { وأخرج ضحاها * } بطلوع شمسها فأضاء نهارها , ~~فالآية من الاحتباك : دل ب ( أغطش ) على ( أضاء ) وبإخراج الضحى على إخفاء ~~الضياء , ولعله ms5772 عبر بالضحى عن النهار لأنه أزهر ما فيه وأقوى نورا . | ولما ~~بدأ بدلالة العالم العلوي لأنه أدل لما فيه من العجائب والمنافع مع كونه ~~أشرف , فذكر أنه أتقن السماء التي هي كالذكر , ثنى بأنه سوى ما هي لها ~~كالأنثى فقال : { والأرض } ولما كان المراد استغراق الزمان باستمرار الدحو ~~, حذف الخافض فقال : { بعد ذلك } أي المذكور كله { دحاها } أي بسطها ومدها ~~للسكنى وبقية المنافع بعد أن كان خلقها وأوجدها قبل إيجاد السماء غير مسواة ~~بالفعل ولا مدحوة . | ولما ذكر الدحو , أتبعه ما استلزمه من المناف لتوقف ~~السكنى المقصود بالدحو PageV08P318 عليه فقال كالمبين له من غير عاطف : { ~~أخرج منها } أي الأرض { ماءها } بتفجير العيون , وإضافته إليها دليل على ~~أنه فيها { ومرعاها * } الذي يخرج بالماء , والمراد ما يرعى منها ومكانه ~~وزمانه . | ولما ذكر الأرض ومنافعها , ذكر المراسي التي تم بها نفعها فقال ~~: { والجبال } أي خاصة { أرساها * } أي أثبتها وأقرها ومع كونها ثابتة لا ~~تتحول فإنه سبحانه جعلها مراسي للأرض تكون سببا لثباتها كما أن المراسي سبب ~~لثبات السفينة . | ولما كانت الإعادة واضحة من تناول الحيوان المأكل ~~والمشرب وغيرهما من المتاع فإنه كلما نقص منه شيء تناول ما قدر له ليعود ~~ذلك أوبعضه , قال منبها على أنه كل يوم في إعادة بانيا حالا مما تقدم ~~تقديره : حال كونها { متاعا } مقدرا { لكم } تتمتعون بما فيها من المنافع { ~~ولأنعامكم * } أي مواشكيم بالرعي وغيره . | ولما ذكر ما دل على البعث , ~~أتبعه ما يكون عن البعث مسببا عنه دلالة على أن الوجود ما خلق إلا لأجل ~~البعث لأنه محط الحكمة : { فإذا جاءت } أي بعد الموت { الطامة الكبرى * } ~~أي الداهية الدهياء التي تطم أي تعلو كما قاله ابن عباس رضي الله عنهما , ~~والعامل في ( إذا ) محذوف تقديره : فصل الناس إلى شقي وسعيد . | ولما كان ~~الشيء لا يعرف قدره إذا كان غائبا إلا بما يكون فيه , قال مبدلا منه : { ~~يوم يتذكر } أي تذكرا عظيما ظاهرا بما أشار إليه الإظهار { الإنسان } أي ~~الخلق الآنس بنفسه الغافل عما خلق له { ما سعى ms5773 * } أي عمل كله من خير وشر ~~لأنه يراه في صحيفة أعماله , والإخبار عن تذكره منبها على ما في ذلك اليوم ~~من الخطر لأن أحدا لا يعمل جهده في تذكره إلا لمحوج إلى ذلك وهو الحساب ~~وتدوينه في صحيفة أعماله . | ولما أشار إلى الحساب ذكر ما بعده فقال : { ~~وبرزت } أي أظهرت إظهارا عظيما , وبناه للمفعول لأن الهائل مطلق تبريزها لا ~~كونه من معين , مع الدلالة على الخفة والسهولة لكونه على طريقة كلام ~~القادرين { الجحيم } أي النار التي اشتد وقدها وحرها { لمن يرى * } أي ~~كائنا من كان لأنه لا حائل بين أحد وبين رؤيتها , لكن الناجل لا يصرف بصره ~~إليها فلا يراها كما قال تعالى : < # > 77 ( { ا يسمعون حسيسها } ) 77 < # > [ الأنبياء : 102 ] . | ولما كان جواب ( إذا ) كما مضى محذوفا , وكان ~~تقديره أن قسم الناس قسمين : قسم للجحيم وقسم للنعيم , قال تعالى مسببا عنه ~~مفصلا : { فأما من طغى * } أي تجاوز الحد في العدوان فلم يخش مقام ربه , ~~قال في القاموس : طغى : جاوز القدر PageV08P319 وارتفع وطغى : إلا في الكفر ~~وأسرف في المعاصي والظلم , والماء : ارتفع . | < < # | النازعات : ( 38 - 41 ) وآثر الحياة الدنيا # > > ^ ( وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى * وأما من خاف مقام ~~ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى ) ^ } ) | ولما كان الذي ~~بعد حدود الله هو الدنيا , صرح به فقال : { وآثر } أي أكرم وقدم واختار { ~~الحياة الدنيا * } بأن جعل أثر العاجلة الدنية لحضورها عنده أعظم من أثر ~~الآخرة العليا لغيابها , فكان كالبهائم لا إدراك له لغير الجزئيات الحاضرة ~~, فانهمك في جميع أعمالها وأعرض عن الاستعداد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس ~~فلم ينه نفسه عن الهوى . | ولما كان الإنسان مؤاخذا بما اكتسب , سبب عن ~~أعماله هذه قوله مؤكدا لتكذيبهم ذلك : { فإن الجحيم } أي النار الشديدة ~~التوقد العظيمة الجموع على من يدخلها { هي } أي لا غيرها { المأوى * } أي ~~المسكن له هذا مذهب البصريين أن الضمير محذوف , وعند الكوفيين أن ( أل ) ~~نائب عن الضمير قاله أبو حيان . | ولما ذكر الطاغي , أتبه المتقي فقال : { ~~وأما من خاف ms5774 } ولما كان ذلك الخوف مما يتعلق بالشيء لأجل ذلك الشيء أعظم من ~~ذكر الخوف من ذلك الشيء نفسه فقال : { مقام ربه } أي قيامه بين يدي المحسن ~~إليه عند تذكر إحسانه فلم يطغ فكيف عند تذكر جلاله وانتقامه , أو المكان ~~الذي يقوم فيه بين يديه والزمان , وإذا خاف ذلك المقام فما ظنك بالخوف من ~~صاحبه , وهذا لا يفعله إلا من تحقق المعاد . | ولما ذكر الخوف ذكر ما يتأثر ~~عنه ولم يجعله مسببا عنه ليفهم أن كلا منهما فاصل على حياله وإن انفصل عن ~~الآخرة فقال : { ونهى النفس } أي التي لها المنافسة { عن الهوى } أي كل ما ~~تهواه فإنه لا جر إلى خير لأن النار حفت بالشهوات , والشرع كله مبني على ما ~~يخالف الطبع وما تهوى الأنفس , وذلك هو المحارم التي حفت بها النار فإنها ~~بالشهوات , قال الرازي : والهوى هو الشهوة المذمومة المخالفة لأوامر الشرع ~~قال الجنيد : إذا خالفت النفس هواها صار داؤها دواءها , أي فأفاد ذلك أنه ~~لم يؤثر الحياة الدنيا , فالآية من الاحتباك : أتى بطغى دليلا على ضده ~~ثانيا , وبالنهي عن الهوى ثانيا دلالة على إيثار الدنيا أولا . | ولما كان ~~مقام ترغيب , ربط الجزاء بالعمل كما صنع في الترهيب فقال وأكد لأجل تكذيب ~~الكفار : { فإن الجنة } أي البستان الجامع لكل ما يشتهي { هي } أي خاصة { ~~المأموى * } أي له , لا يأوي إلى غيرها , وهذا حال المراقبين . | ~~PageV08P320 < < # | النازعات : ( 42 - 46 ) يسألونك عن الساعة . . . . . # > > ^ ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها * فيم أنت من ذكراها * إلى ربك ~~منتهاهآ * إنمآ أنت منذر من يخشاها * كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية ~~أو ضحاها ) ^ } ) | ولما قسمهم هذا التقسيم المفهم أن هذا شيء لا بد منه , ~~استأنف ذكر استهزائهم تعجيبا منهم فقال : { يسئلونك } أي قريش على سبيل ~~التجديد والاستمرار سؤال استهزاء وإنكار واستبعاد : { عن الساعة } أي البعث ~~الآخر لكثرة ما تتوعدهم بها عن أمرنا . | ولما كان السؤال عنها مبهما بينه ~~بقوله : { أيان مرساها * } أي في أي وقت إرساؤها أي وقوعها أو ثباتها ~~واستقرارها . | ولما كان إيراد هذا هكذا ms5775 مفهما للإنكار عليهم في هذا السؤال ~~, وكان من المعلوم أنه يقول : إنهم ليسألونني وربما تحركت نفسه الشريفة صلى ~~الله عليه وسلم إلى إجابتهم لحرصه على إسلامهم شفقة عليهم , فطمه عن ذلك ~~وصرح بالإنكار بقوله : { فيم } أي في أي شيء { أنت من ذكراها * } أي ذكرها ~~العظيم لتعرفها وتبين وقتها لهم حرصا على إسلامهم , وذلك لا يفيد علمها , ~~ثم عرفها بما لا يمكن المزيد عليه مما أفادته الجملة التي قبل من لأنه لا ~~يمكن علمها لغيره سبحانه وتعالى فقال : { إلى ربك } أي المحسن إليك وحده { ~~منتهاها * } أي منتهى علمها وجميع أمرها . | ولما كان غاية أمرهم أنهم ~~يقولون : إنه متقول من عند نفسه , قلب عليهم الأمر فقال : { إنما أنت } أي ~~يا أشرف المرسلين { منذر } أي مخوف على سبيل الحتم الذي لا بد منه مع علمك ~~بما تخوف به العلم الذي لا مرية فيه { من يخشاها * } أي فيه أهلية أن ~~يخافها خوفا عظيما فيعمل لها لعلمه بإتيانها لا محالة وعلمه بموته لا محالة ~~وعلمه بأن كل ما تحقق وقوعه فهو قريب , وذلك لا يناسب تعيين وقتها فإن من ~~فيه أهلية الخشية لا يزيده إبهامها إلا خشية , وغيره لا يزيده ذلك إلا ~~اجتراء وإجراما , فما أرسلناك إلا للإنذار بها لا للإعلام بوقتها , فإن ~~النافع الأول دون الثاني , ولست في شيء مما يصفونك به كذبا منهم لأنا ما ~~نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ولا أنت مبعوث لتحرير وقت الساعة وعلم ~~عينه , وإنما قصره على من يخشى لأن غيره لا ينتفع بإنذاره , فكان كأنه لم ~~يحصل له الإنذار , ولهذا المعنى أضاف إشارة إلى أنه عريق في إنذار من يخشى ~~, وأما غيره فهو منذر له في الجملة أي يحصل له صورة الإنذار لأنه منذره ~~بمعنى أنه لا يحصل له معنى الإنذار . | ولما أثبت أنه منذر , وكان أخوف ~~الإنذار الإسراع , قال مستأنفا محقرا لهم الدنيا مزهدا لهم فيها : { كأنهم ~~} أي هؤلاء المنكرين لصحة الإنذار بها { يوم يرونها } أي يعلمون قيامها ~~علما هو كالرؤية ويرون ما يحدث فيها بعد سماع ms5776 الصيحة وقيامهم من ~~PageV08P321 القبور من علمهم بما مر من زمانهم وما يأتي منه { لم يلبثوا } ~~أي في الدنيا وفي القبور { إلا عشية } أي من الزوال إلى غروب الشمس . | ~~ولما كانوا على غير ثقة من شيء مما يقولونه قال : { أو ضحاها * } أي ضحى ~~عشية من العشايا وهو البكرة إلى الزوال , والعشية ما بعد ذلك , أضيف إليها ~~لاضحى لأنه من النهار , ولإضافة تحصل بأدنى ملابسة , وهي هنا كونهما من ~~نهار واحد , فالمارد ساعة من نهار أوله أو آخره , لم يستكملوا نهارا تاما ~~ولم يجمعوا بين طرفيه , وهذا كما قال صلى الله عليه وسلم ( ما الدنيا في ~~الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبه في اليم فلينظر بما يرجع ) وهذا تعبير لنا ~~بما نحسه تقريبا لعقولنا وإن كانت القاعدة أنه لا نسبة لما يتناهى إلى ما ~~لا يتناهى على أن الكفار أيضا يستقصرون مدة لبثهم , فكأنهم أصناف : بعضهم ~~يقول : إن لبثتم إلا عشرا , وبعضهم يقول : إن لبثتم إلا يوما , وبعضهم ~~يتحير فيقول : اسأل العادين , أو أن تلك أقوالهم , والحق من ذلك هو ما أخبر ~~الله به غير مضاف إلى أقوالهم من أن ما مضى لهم في جنب ما يأتي كأنه ساعة ~~من نهار بالنسبة إلى النهار الكامل كما قال تعالى في سورة يونس عليه الصلاة ~~والسلام < # > 77 ( { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم } ~~) 77 < # > [ يونس : 45 ] على أن منهم من يقول ذلك أيضا كما قال تعالى في سورة ~~المؤمنين حين قال تعالى < # > 77 ( { كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم اسأل ~~العادين } ) 77 < # > [ المؤمنون : 112 113 ] وذلك بالنسبة إلى ما كشف لهم عن أنهم يستقبولنه ~~مما لا آخر له أو أنهم لما نزعتهم نفحة إسرافيل عليه الصلاة والسلام بيد ~~القدرة من قبورهم غرقا نزعا شديدا فقاموا ورأوا تلك الأهوال وعلموا ما ~~يستقبلونه من الأوجال استقصروا مدة لبثهم قبل ذلك لأن من استلذ شيئا استقصر ~~مدته وهم استلذوةا ذلك وإن كان من أمر المر في ms5777 جنب لهم عن أنهم لاقوه , فقد ~~رجع آخرها بالقيامة على أولها , والتف مفصلها بنزع الأنفس اللوامة على ~~موصلها , واتصلت بأول ما بعدها من جهة الخشية والتذكر فيا طيب متصلها , ~~فسبحان من جعله متعانق المقاطع والمطالع , وأنزله رياضا محكمة المذاهب ~~والمراجع , والله سبحانه وتعالى هو الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب . | ~~. . . | PageV08P322 < # > سورة عبس < # > | وتسمى الصاخة . | مقصودها شرح { إنما أنت منذر من يخشاها } [ ~~النازعات : 45 ] بأن المراد الأعظم تزكية القابل للخشية بالتخويف بالقيامة ~~التي قام الدليل على القدرة عليها بابتداء الخلق من الإنسان ، وبكل من ~~الابتداء والإعادة لطعامه والتعجيب ممن أعرض مع قيام الدليل والإشارة إلى ~~أن الاستغناء والترف أمارة الإعراض وعدم القابلية والتهيؤ للكفر والفجور ، ~~وإلى أن المصائب أمارة للطهارة والإقبال واستكانة القلوب وسمو النفوس لشريف ~~الأ ‘ مال ، فكل من كان فيها أرسخ كان قلبيه أرق وألطف فكان أخشى ، فكان ~~الإقبال عليه أحب وأولى ، واسمها عبس هو الدال على ذلك بتأمل آياته وتدبر ~~فواصله وغاياته ، وكذا الصاخة النافخة بشرها وشررها والباخة { بسم الله } ~~الذي له القدرة البالغة والحكمة الباهرة { الرحمن } الذي عم بنعمة الإيجاد ~~الظاهرة ثم بآيات البيان الزاهرة ، ا { الرحيم } الذي خص أولياءه بأن أتم ~~نعمته عليهم ، فكانت بهم إلى مرضاته سائرة . < < # | عبس : ( 1 - 6 ) عبس وتولى # > > ^ ( عبس وتولى * أن جآءه الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر ~~فتنفعه الذكرى * أما من استغنى * فأنت له تصدى ) ^ } ) | ولما قصره سبحانه ~~على إنذاره من يخشى , وكان قد جاءه صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أم ~~مكتوم الأعمى رضي الله تعالى عنه , وكان من السابقين , وكان النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين مجيئه مشتغلا بدعاء ناس من صناديد قريش إلى الله تعالى , وقد ~~وجد منهم نوع لين , فشرع عبد الله رضي الله عنه يسأله وهو لا يعلم ما هو ~~فيه من الشغل , يسأله أن يقرئه ويعلمه مما عمله الله فكره أن يقطع كلام مع ~~أولئك خوفا من أن يفوته منهم ما يرجوه من إسلامهم المستتبع لإسلام ناس كثير ~~من أتباعهم , ان يعرض عنه ms5778 ويقبل عليهم , وتظهر الكراهة في وجهه , لاطفه ~~سبحانه وتعالى بالعتاب عن التشاغل عن أهل ذلك بالتصدي لمن شأنه أن لا يشخى ~~لافتتانه بزينة الحياة الدنيا وإقباله بكليته على ما يفنى , فقال مبينا ~~لشرف الفقر وعلو مرتبته وفضل أهل الدين وإن هانوا , وخسة أهل الدنيا وإن ~~زانوا , معظما له PageV08P323 صلى الله عليه وسلم بسياق الغيبة كما قال سعد ~~بن معاذ رضي الله عنه لما حكم في بني قريظة : وعلى من ههنا يشير إلى ناحية ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو معرض عنها حياء منه صلى الله عليه وسلم ~~وإجلالا له : { عبس } أي فعل الذي هو أعظم خلقنا ونجله عن أن نواجهه بمثل ~~هذا العتاب بوجهه فعل الكاره للشيء من تقطيب الوجه بما له من الطبع البشري ~~حين يحال بينه وبين مراده , وآذن بمدحه صلى الله عليه وسلم بأن ذلك خلاف ما ~~طبعه عليه سبحانه من حرمة المساكين ومحبتهم والسرور بقرهم وصحبتهم بقوله { ~~وتولى * } أي كلف نفسه الإعراض عنه رجاء أن يسلم أولئك الأشراف الذين كان ~~يخاطبهم فيتأيد بهم الإسلام ويسلم بإسلامهم أتباعهم فتلعو كلمة الله لأجل { ~~أن جاءه الأعمى * } الذي ينبثي أن يبالغ في العطف عليه وفي إكرامه جبرا ~~لكسره واعترافا بحقه في مجيئه , وذكره بالوصف للإشعار بعذره في الإقدام على ~~قطع الكلام والبعث على الرأفة به والحرمة له , فكان النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم إذا رآه بعد ذلك قال : ( مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ) واستخلفه ~~على المدينة الشريفة عند غزوه مرتين , قال أنس بن مالك رضي الله عنه : ~~ورأيته يوم القادسية عليه درع ومعه راية سواداء رضي الله عنه . | ولما عرف ~~بسياق الغيبة ما أريد من الإجلال , وكان طول الإعراض موجبا للانقباض , أقبل ~~عليه صلى الله عليه وسلم فقال : { وما يدريك } أي وأي شيء يجعلك دارا بحاله ~~وإن اجتهدت في ذلك فإن ذوات الصدور لا يعلمها إلا الله تعالى { لعله } أي ~~الأعمى { يزكى } أي يكون بحيث يرجى تطهره ونمو أحواله الصالحة بما يسمع منك ~~ولوعلى أدنى الوجوه بما يشير ms5779 إليه إدغام تاء الافتعال , وكذا قوله : { أو ~~يذكر } أي أو يقع منه التذكر لشيء يكون سببا لزكائه وتذكره ولو كان ذلك منه ~~على أدنى الوجوه المخرجة من الكفر فإن الخير لا يحقر شيء منه , وسبب عن ~~تزكيه وتذكره قوله : { فتنفعه } أي عقب تذكره وسببه { الذكرى * } وفي ذلك ~~إيماء إلى أن الإعراض كان لتزكية غيره وتذكره , وقراءة النثب على أنه جواب ~~( لعل ) . | ولما ذكر العبوس والتولي عنه فأفهما ضدهما لمن كان مقبلا عليهم ~~, بين ذلك فقال : { أما من استغنى * } أي طلب الغنى وهو المال والثورة ~~فوجده وإن لم يخش ولم يجئ إليك { فأنت له } أي دون الأعمى { تصدى * } أي ~~تتعرض بالإقبال عليه والاجتهاد في وعظه رجاء إسلامه وإسلام أتباعه بإسلامه ~~وهم عتبة بن ربيعة وأبو جهل وأبي وأمية ابنا خلق , وأشار حذف تاء التفعل في ~~قراءة الجماعة وإدغامها في قراءة نافع وابن كثير إلى أن ذلك كان على وجه ~~خفيف كما هي عادة العقلاء . | PageV08P324 < < # | عبس : ( 7 - 16 ) وما عليك ألا . . . . . # > > ^ ( وما عليك ألا يزكى * وأما من جآءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه ~~تلهى * كلا إنها تذكرة * فمن شآء ذكره * في صحف مكرمة * مرفوعة مطهرة * ~~بأيدي سفرة * كرام بررة ) ^ } ) | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما ~~قال سبحانه ^ ( { إن في ذلك لعبرة لمن يخشى } ) ^ [ النازعات : 26 ] وقال ~~بعد ^ ( { إنما أنت منذر من يخشاها } ) ^ [ النازعات : 45 ] افتتحت هذه ~~السورة الأخرى بمثال يكشف عن المقصود من حال أهل التذكر والخشية وجميل ~~الاعتناء الرباني بهم وأنهم وإن كانوا في دنياهم ذوي خمول لا يؤبه لهم فهم ~~عنده سبحانه في عداد من اختاره لعبادته وأهله لطاعته وإجابة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم وأعلى منزلته لديه ( رب أشعث أغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله ~~لأبره ) ومنهم ابن مكتوب الأعمى مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~الذي بسببه نزلت السورة ووردت بطريق العتب وصاة لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~وتنبيها على أن يعمل نفسه الكريمة على مصابرة أمثال ابن مكتوم وأن لا يحتقر ~~حذر ms5780 , ومنه قوله سبحانه ^ ( { لئن أشركت ليحبطن عملك } ) ^ [ الزمر : 65 ] ~~و ^ ( { لا تدع مع الله إلها آخر } ) ^ [ ص : 88 ] و ^ ( { لا تمش في الأرض ~~مرحا } ) ^ [ لقمان : 18 ] وهو كثير , وبسط هذا الضرب لا يلائم مقصودنا في ~~هذا التعليق , لما دخل عليه صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتون سائلا ~~ومسترشدا وهو صلى الله عليه وسلم يكلم رجلا من أشراف قريش وقد طمع في ~~إسلامه ورجاء إنقاذه من النار وإنقاذ ذويه وأتباعه , فتمادى على طلبه هذا ~~الرجل لما كان يرجوه ووكل ابن أم مكتوم إلى إيمانه فأغفل فورية مجاوته وشق ~~عليه إلحاحه خوفا من تفلت الآخرة ومضيه على عقبه وهلاكه عتب سبحانه وتعالى ~~عليه فقال : ^ ( { عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر } ~~) ^ [ عبس : 1 4 ] وهي منه سبحانه واجبة , وقد تقدم في السورة قبل قول موسى ~~عليه الصلاة والسلام ^ ( { هل لك إلى أن تزكى } ) ^ [ النازعات : 18 ] فلم ~~يقدر له بذلك ولا انتفع ببعد صيته في دنياه ولا أغنى عنه ما نال منها وبارت ~~مواد تدبيره وعميت عليه الأنباء إلى أن قال ^ ( { ما علمت لكم من إله غيري ~~فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى } ) ^ [ ~~القصص : 38 ] ^ ( { وإني لأظنه كاذبا زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل } ~~) ^ [ غافر : 37 ] فأنى يزكى ؟ ولو سبقت له سبعادة لأبصر من حاله عين اللهو ~~وللعب حين مقالته الشنعاء ^ ( { أم أنا خير من هذا الذي هو مهين } ) ^ [ ~~الزخرف : 52 ] . | PageV08P325 ولما سبقت لابن أم مكتوم الحسنى لم يضره عدم ~~الصيت الدنياوي ولا أخل به عماه بل عظم ربه شأنه لما نزل في حقه < # > 77 ( { وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى } ) 77 < # > [ عبس : 2 4 ] فيا له صيتا ما أجله بخلاف من قدم ذكره ممن طرد فلم يتزك ~~ولم ينتفع بالذكرى حين قصد بها < # > 77 ( { إنما أنت منذر من يخشاها } ) 77 < # > [ النازعات : 45 ] كابن أم مكتوم , من نمط ما نزل في ابن أم مكتوم قوله ~~تعالى : < # > 77 ms5781 ( { واصبر نفسك مع الذي يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } ) ~~77 < # > [ الكهف : 28 ] وقوله : < # > 77 ( { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه } ) 77 < # > [ الأنعام : 52 ] فتبارك ربنا ما أعظم لطفه بعبيده اللهم لا تؤيسنا من ~~رحمتك ولا تقنطنا من لطفك ولا تقطع بنا عنك بمنك وإحسانك انتهى . | ولما ~~كان فعله ذلك فعل من يخشى أن يكون عليه في بقائهم على كفرهم ملامة , بين له ~~أنه سالم من ذلك فقال : { وما } أي فعلت ذلك والحال أنه ما { عليك } أي من ~~بأس في { ألا يزكى * } ورأسا ولو بأدنى تزك بما أشار إليه الإدغام إن عليك ~~إلا البلاغ , ويجوز أن يكون استفهاما أي وأي شيء يكون عليك في عدم تزكيه ~~وفيه إشارة إلى أنه يجب الاجتهاد في تزكية التابع الذي عرف منه القبول . | ~~ولما ذكر المستغني , ذكر مقابله فقال : { وأما من جاءك } حال كونه { يسعى * ~~} أي مسرعا رغبة فيما عندك من الخير المذكر بالله وهو فقير { وهو } أي ~~والحال أنه { يخشى } أي يوجد الخوف من الله تعالى ومن الكفار في أذاهم على ~~الإتيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معاثر الطريق لعماه { فأنت عنه } ~~أي خاصة في ذلك المجلس لكونه في الحاصل { تلهى * } أي تتشاغل لأجل أولئك ~~الأشراف الذين تريد إسلامهم لعلو بهم الدين تشاغلا حفيفا بما أشار إليه حذف ~~التاء , من لهى عنه كرضى إذا سلى وغفل وترك , وفي التعبير بذلك إشارة إلى ~~أن الاشتغال بأولئك لا فائدة فيه على ما تفهمه تصاريف المادة وإلى أن من ~~يقصد الانسان ويتخطى رقاب الناس إليه له عليك حق عظيم , والآية من الاحتباك ~~: ذكر الغنى أولا يدل على الفقر ثانيا , وذكر المجيء والخسية ثانيا يدل على ~~ضدهما أولا , وسر ذلك التحذير مما يدعو إليه الطبع البشري من الميل إلى ~~الأغنياء , ومن الاستهانة بحق الآتي إعظاما لمطلق إتيانه . | ولما كان ~~العتاب الذي هو من شأن الأحباب ملوحا بالنهي عن الإعراض عمن وقع العتاب ~~عليه , وكل من كان حاله كحاله والتشاغل عن راغب , صرح ms5782 به فقال : { كلا } أي ~~لا تفعل ذلك أصلا فإن الأمر في القضاء والقدر ليس على ما يظن العباد ولا هو ~~جار على الأسباب التي تعرفونها بل هو من وراء علومهم على حكم تدق عن ~~PageV08P326 أفكارهم وفهومهم : ثم علل ذلك فقال مؤكدا لإنكارهم ذلك , { ~~إنها } أي القرآن , ولعله أنث الضمير باعتبار ما تلي عليهم في ذلك المجلس ~~من الآيات أو السور { تذكرة } أي تذكرهم تذكيرا عظيما بما إن تأملوه شاهدوه ~~في أنفسهم وفي الآفاق , ليس فيه شيء إلا وهم يعرفونه لو أقبلوا بكليتهم ~~عليه , فما على المذكر بها غير البلاغ , فمن أقبل عليه فأهلا وسهلا , ومن ~~أعرض فبعدا له وسحقا . | ولما كان سبحانه قد خلق للإنسان عقلا واختيارا , ~~ويسر أمر القرآن في الحفظ والفهم لمن أقبل عليه , سبب عن ذلك قوله : { فمن ~~شاء } أي ذكره بعد مشيئة الله تعالى كما تقدم تقييده في القرآن غيره مرة { ~~ذكره * } أي حفظ القرآن كله وتذكر ما فيه من الوعظ من غير تكرير ولا معالجة ~~تحوج إلى الإعراض عن بعض المقبلين الراغبين , واللإشارة إلى حفظه كله ذكر ~~الضمير . | ولما كان التقدير : حال كون القرآن مثبتا أو حال كون الذاكر له ~~مثبتا , قال وصافا لتذكرة مبينا لشرفها بتشريف ظرفها وظرف ظرفها { في صحف } ~~أي أشياء يكتب فيها من الورق وغيره { مكرمة * } أي مكررة التكريم ومعظمة في ~~السماء والأرض في كل أمة وكل ملة { مرفوعة } أي عليه المقدار بإعلاء كل أحد ~~لا سيما من له الأمر كله { مطهرة * } أي منزهة عن أيدي أهل السفول وعن ~~قولهم إنها شعر أو سحر ونحو ذلك , وعلق أيضا بمثبت بالفتح أو الكسر على ~~اختلاف المعنيين قوله مبينا شرف ذلك الظرف لذلك الظرف إشارة إلى نهاية ~~الشرف للمظروف : { بأيدي سفرة * } أي كتبه يظهرون الكتابة بما فيها من ~~الأخبار الغريبة والأحكام العلية في كل حال , فإن كان ما تعلق به الجار ~~بالفتح فهو حقيقة في أنهم ملائكة يكتبونه من اللوح المحفوظ , أو يكون جمع ~~سافر إما بمعنى الكتاب أو المسافر أي القطع للمسافة ms5783 أو السفير الذي هو ~~المصلح لأنهم سفراء بين الله وأنبيائه , وبهم يصلح أمر الدين والدنيا , وإن ~~كان بالكسر فهو مجاز لأن من أقبل على كتابة الذكر يكون مهذبا في الحال أو ~~في المآل في الغالب , وتركيب سفر للكشف { كرام } أي ينطوون على معالي ~~الأخلاق مع أنهم أعزاء على الله { بررة * } أي أتقياء في أعلى مراتب التقوى ~~والكرم وأعزها وأوسعها | < < # | عبس : ( 17 - 27 ) قتل الإنسان ما . . . . . # > > ^ ( قتل الإنسان مآ أكفره * من أي شيء خلقه * من نطفة خلقه فقدره * ~~ثم السبيل يسره * ثم أماته فأقبره * ثم إذا شآء أنشره * كلا لما يقض مآ ~~أمره * فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا المآء صبا * ثم شققنا الأرض ~~شقا * فأنبتنا فيها حبا ) ^ } ) | ولما كان الوصف بهذه الأوصاف العالية ~~للكتبة الذين أيديهم ظرف للصحف التي PageV08P327 هي ظرف للتذكرة للتنبيه ~~على علو المكتوب وجلالة مقداره وعظمة آثاره وظهور ذلك لمن تدبره وتأمله حق ~~تأمله وأنعم نظره , عقبه بقوله ناعيا على من لم يقبل بكليته عليه داعيا ~~بأعظم شدائد الدنيا التي هي القتل في صيغة الخبر لأنه أبلغ : { قتل الإنسان ~~} أي هذا النوع الآنس بنفسه الناسي لربه المتكبر على غيره المعجب بشمائله ~~التي أبدعها له خالقه , حصل قتله بلعنه وطرده وفرغ منه بأيسر سعي وأسهله من ~~كل من يصح ذلك منه لأنه أسرع شيء إلى الفساد لأنه مبني على النقائص إلا من ~~عصم الله { ما أكفره * } أي ما أشد تغطيته للحق وجحده له وعناده فيه ~~لإنكاره البعث وإشراكه بربه وغير ذلك من أمره , فهو دعاء عليه بأشنع دعاء ~~وتعجيب من إفراطه في ستر محاسن القرآن التي لا تخفى على أحد ودلائله على ~~القيام وكل شيء لا يسمع أحدا التغبير في وجه شيء منها , وهذا الدعاء على ~~وجازته يدل على سخط عظيم وذم بليغ وهو وإن كان في مخصوص فالعبرة بعمومه في ~~كل من كفر نعمة الله , روي أنها نزلت في عتبة بن أبي لهب غاضب أباه فأسلم ~~ثم استصحله أبوه وأعطاء مالا وجهزه إلى الشام فبعث إلى النبي ms5784 صلى الله عليه ~~وسلم أنه كافر برب النجم إذا هوى , وأفحش في غير هذا , فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم ( اللهم أبعث عليه كلبا من كلابك ) فلما انتهى إلى مكان من ~~الطريق فيه الأسد ذكر الدعاء فجعل لمن معه ألف دينار إن إصبح حيا فجعلوه في ~~وسط الرفقة والمتاع والرحال فأقبل الأسد إلى الرحال ووثب فإذا هو فوقه ~~فمزقه فكان أبوه يندبه ويبكي عليه وقال : ما قال محمد شيئا إلا كان , ومع ~~ذلك فما نفعه ما عرف من ذلك , فسبحان من بيده القلوب يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء , وكل ذلك من هدايته وإضلاله شاهد بأن له الحمد . | ولما كان اكثر ~~انصاب التعجيب منه ناظرا إلى تكذيبه بالساعة لأجل ظهور أدلتها في القرآن ~~جدا ولأنه توالت في هذه السور إقامة الأدلة عليها مما لا مزيد عليه , شرع ~~في إقامة الديل عليها بآية الأنفس من ابتداء الخلق في أسلوب مبين لخسته ~~وحقارته وأن من ألبسه أثواب الشرف بعد تلك الخسة والحقارة جدير منه بالشكر ~~لا بالكفر , فقال منبها له بالسؤال : { من أي شيء } والاستفهام للتقرير مع ~~التحقير { خلقه * } ثم أجاب إشارة إلى الجواب واضح لا يحتاج فيه إلى وقفة ~~أصلا فقال مبينا حقارته : { من نطفة } أي ماء يسير جدا لا من غيره { خلقه } ~~أي أوجده مقدارا على ما هو عليه من التخطيط { فقدره } أي هيأه لما يصلح من ~~الأعضاء الظاهرة والباطنة والأشكال والأطوار إلى أن صلح لذلك ثم جعله في ~~ظلمات ثلاث : ظلمة البطن ثم الرحمن ثم المشيمة , أو هي PageV08P328 على ما ~~قال أهل التشريح ثلاثة أغشية : أحدها المشيمة تتصل بسرة الجنين تمده ~~بالغذاء , والثاني يقبل بوله , والثالث يقبل البخارات التي تصعد منه بمنزلة ~~العرق والوسخ في أبدان الكاملين , وأعطاه قدرة لما أراده منه { ثم } أي بعد ~~انتهاء المدة { السبيل } أي الأكمل في العموم والاتساع والوضوح لا غيره , ~~وهو مخرجه من بطن أمه وطريقه إلى الجنة أو النار { يسره * } أي سهل له أمره ~~في خروجه بأن فتح فم الرحم وألهمه أن ms5785 ينتكس , وذلل له سبيل الخير والشر , ~~وجعل له عقلا يقوده إلى ما يسر له منهما , وفيه إيماء إلى أن الدنيا دار ~~الممر , والمقصد غيرها وهو الأخرى التي تدل عليها الدنيا , ولذلك عقبه ~~بقوله عادا الموت من النعم لأنه لو دام الإنسان حيا مع ما يصل إليه من ~~الضغف والخوف لكان في غاية البشاعة والشماتة لأعدائه والمساءة لأوليائه على ~~أن الموت سبب الحياة الأبدية : { ثم } أي بعد أمور قدرها سبحانه من أجل ~~وتقلبات { أماته } وأشار إلى إيجاب المبادرة إلى التجهيز بالفاء المعقبة في ~~قوله { فأقبره * } أي جعل له قبرا فغيبه فيه وأمر بدفنه تكرمة له وصيانة عن ~~السباع , والإقبار جعلك للميت قبرا وإعطاؤك القتيل لأهله ليدفنوه , والمعنى ~~الامتنان بأنه جعل للأنسان موضعا يصلح لدفنه وجعله بعد الموت بحيث يتمكن من ~~دفه , ولو شاء لجعله يتفتت مع النتن ونحوه مما يمنع من قربانه , أو جعله ~~بحيث يتهاون به فلا يدفن كبقية الحيوانات , فقد عرف بهذا أن أول الإنسان ~~نطفة مذرة , وآخره جيفة قذرة , وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة , فما شرفه ~~بالعلم إلا الذي أبدعه وصوره , وذلك موجب لان يشكره لا أن يكفره . | ولما ~~كانت مدة البرزخ طويلة , وكان البعث أمرا محققا غير معلوم الوقت بالعين ~~بغيره تعالى , عبر عن المعاني الثلاثة بأداتي التراخي والتحقق فقال : { ثم ~~إذا شاء } أي إنشاره { أنشره } أي بعثه من قبره كما كان في دنياه بزيادة ~~أنه على تركيب قوي لا يتهيأ فيه فراق الروح الجسد . | ولما كان إخباره بأنه ~~مع الذي يسر له السبيل قد يفهم أنه لا يعمل إلا بما يرضيه , نفى ذلك على ~~سبيل الردع فقال : { كلا } أي ليرتدع هذا الإنسان الذي عرف أن هذا حالاته ~~أولا وآخرا واثناء ومخرجا تارة من مخرج البول وأخرى من مخرج الحيض ومقبرا , ~~ولينزجر وليعرف , نفسه بالذلة والخسة والحاجة والعجز , وليعرف ربه سبحانه ~~بالعزة والعظمة والكبرياء والفناء والقدرة على تشريف الحقير وتحقير الشريف ~~, وبأنه سبحانه لا يلزمه شيء فلا يلزم من تعريف هذا الإنسان السبيل وتمييزه ~~له لأنه ms5786 لا يفعل إلا ما لا يعاتب عليه , فإنه لا يكون من الإنسان وغيره إلا ~~ما يريده , وتارة يريد هداه , وتارة يريد ضلاله , فقد يأمر بما لا يريده ~~ويريد ما لا يأمر به ولا يرضاه , ولذلك قال مستأنفا PageV08P329 نفي ما ~~أفهمه بتيسيره للسبيل من أن الإنسان يفعل جميع ما أمره به الله الذي يسر له ~~السبيل : { لما يقض } أي يفعل الإنسان فعلا نافذا ماضيا { ما أمره * } أي ~~به الله كله من غير تقصير ما من حين تكليفه إلى حين إقباره بل من حين وجد ~~آدم عليه الصلاة والسلام إلى حين نزول هذه الآية آخر الدهر , لأن الإنسان ~~مبني على النقصان والإله منزه التنزه الكمل , وما قدروا الله حق قدره , ~~وأيضا الإنسان الذي هو النوع لم يعمل بأسره بحيث لم يشذ منه فرد جميع ما ~~أمره , بل إغلب الجنس عصاه وكذب بالساعة التي هي حكمة الوجود , وإن صدق بها ~~بعضهم كان تصديقه بها تكذيبا لأنه يعتقد أشياء منها على خلاف ما هي عليه . ~~| ولما ردعه بعد تفصيل ما له في نفسه من الآيات , وأشار إلى ما له من ~~النقائص , شرع يقيم الدليل على تقصيره لأنه لا يقدره على شكر نعمة المنعم ~~فيما له من المطعم الذي به قوامه فكيف بغيرها في أسلوب دال على الإنتشار ~~بآيات الآفاق منبه على سائر النعم في مدة بقائه المستلزم لدوام احتياجه إلى ~~ربه فقال مسببا عن ذلك : { فلينظر الإنسان } أي يوقع النظر التام على كل ~~شيء يقدر على النظر به من بصره وبصيرته ومد له المدى فقال : { إلى طعامه * ~~} يعني مطعومه وما يتصل به ملتفتا إليه بكليته بالاعتبار بما فيه من العبر ~~التي منها أنا لو لم نيسره له هلك . | ولما كان المقصود النظر إلى صنائع ~~الله تعالى فيه . | وكانت أفعال الإنسان وأقواله في تكذيبه بالعبث أفعال من ~~ينكر ذلك الصنع , قال سبحانه مفصلا لما يشترك في علمه الخاص والعام من ~~صنائعه في الطعام , مؤكدا تنبيهاعلى أن التكذيب بالعبث يستلزم التكذيب ~~بإبداع النبات وإعادته , وذلك في ms5787 أسلوب مبين أن الإنسان محتاج إلى جميع ما ~~في الوجود , ولو نقص منه شيء اختل أمره , وبدأ أولا بالسماوي لأنه أشرف , ~~وبالماء الذي هو حياة كل شيء , تنبيها له على ابتداء خلقه : { أنا } أي على ~~ما لنا من العظمة { صببنا الماء } أي الذي جعلنا منه كل شيء حي { صبا * } ~~وثنى بالأرض التي هي كالأنثى بالنسبة إلى السماء فقال : { ثم } أي بعد مهلة ~~من إنزال الماء , وفاوتنا بينها في البلاد والنبات { شققنا } أي بما لنا من ~~العظمة { الأرض } بالنبات الذي هو في غاية الضعف عن شق أصعب الأشياء فكيف ~~بالأرض اليابسة المتركزة جدا عند مخالطتة الماء , وحقق المعنى فقال : { شقا ~~* } ثم سبب عن الشق ما هو كالتفسير له مبينا الاحتياج إلى النبات بقوله { ~~فأنبتنا } أي أطلعنا على وجه الاتصال الموجب للتغذي والنمو { فيها } بسبب { ~~حبا * } أي لاقتيات الإنسان وغيره من الحيوان كالحنطة والشعير والزر وغيرها ~~. | PageV08P330 < < # | عبس : ( 28 - 32 ) وعنبا وقضبا # > > ^ ( وعنبا وقضبا * وزيتونا ونخلا * وحدآئق غلبا * وفاكهة وأبا * ~~متاعا لكم ولأنعامكم ) ^ } ) | ولما كان الحب قوتا فبدأ به لأنه الأصل في ~~القوام , عطف عليه ما هو فاكهة وقوت فقال : { وعنبا } هو فاكهة في حال ~~عنبيته وقوت باتخاذه زبيبا ودبسا وخلا . | ولما كان لذلك في بيان عجائب ~~الصنع ليدل على القدرة على كل شيء فيدل على القدرة على البعث فذكر ما إن ~~أخذ من منبته قبل بلوغه فسد , وإن أخذ وعولج صلح للادخار , أتبعه ما لا ~~يصلح للادخار بوجه فقال : { وقضبا * } وهو الرطب من البقل وغيره , وهو يزيد ~~على الماضيين بأنه فيه ما هو دواء نافع وسم ناقع , وبأنه يقطع مرة بعد أخرى ~~فيخلف , سمي بمصدر قضبه إذا قطعه بحصد أو قلع . | ولما ذكر ما لا يصلح أن ~~يؤكل إلا رطبا من غير تأخير , أتبعه ما لا يفسد بحال لا على أمه ولا بعد ~~القطاف ويصلح بعد القطاف فيؤكل أو يعصر , فيكون له دهن للاستصباح والإدهان ~~والائتدام , وفيه تقوية للعظام والأعظام والأعصاب ولا يفسده الماء بوجه كما ~~أن العنب يعصر فيكون منه دبس ms5788 وخل وغيرهما , ومتى خالطه الماء فسد , فقال : ~~{ وزيتونا } يكون فيه مع ما مضى حرافة وغضاضة فيها يأكل على أمة ويقطع ~~فيدخر , فهو جامع بين التحلي والتحمض بالخل التفكه والتقوي والتداوي للسم ~~الناقع والسحر الصارع من عجوة المدينة الشريفة وغير ذلك من ثمرة وشجرة , ~~ولا يصبر شجره على البرد فقال : { ونخلا * } وكل من هذه الأشجار مخالفة ~~للآخر في الشكل والحمل وغير ذلك مع الموافقة في الأرض والسقي . | ولما ذكر ~~هذه الأشياء من الأقوات والفواكه لكثرة منافعها , وكانت البساتين تجمعها ~~وغيرها مع ما لها من بهجة العين وسرور النفس وبسط الخاطر وشرح القلب قال : ~~{ وحدائق } جمع حديقة وهي الروضة ذات النخل والشجر , أو كل ما أحاط به ~~البناء وهي تجمع ذلك كله { غلبا * } جمع غلباء بفتح الغين والمد , وهي ~~الحديقة ذات أشجار كثيرة عظام غلاظ طوال ملتفة الأغصان متكاثرة , مستعار من ~~وصف الرقاب , يقال : غلب فلان كفرح أي غلظ عنقه , والغلباء أيضا من القبائل ~~العزيزة الممتنعة , ومن الهضاب المشرفة . | ولما ذكر ما يتفكه ويدخر جمع ~~فقال : { وفاكهة } أي ثمرة رطبة يتفكه بها كالخوخ والعنب والتين والتفاح ~~والكمثرى والبرقوق مما يمكن أن يصلح فيدخر ومما لا PageV08P331 يمكن . | ~~ولما ذكر فاكهة الناس , ذكر فاكهة بقية الحيوان فقال : { وأبا * } أي ومرعى ~~ونباتا وعشبا وكلأ ما دام رطبا يقصد , من أب الشيء إذا أمه . | لما جمع ما ~~يقتات وما يتفكه , فدل دلالة واضحة على تمام القدرة , ذكر بالنعمة فيه ~~قارعا بأسلوب الخطاب لتعميم الأفراد بعد سياق العتاب للتصريح بأن الكل ~~عاجزون عن الوفاء بالشكر فكيف إذا انضم إليه الكفر فقال : { متاعا } وهو ~~منصوب على الحال . | ولما ذكر ما يأكله الناس وما يعلف للدواب , وكان ~~السياق هنا لطعام الإنسان , قال مقدما ضميرهم : { لكم ولأنعامكم * } بخلاف ~~ما في السجدة وقد مضى , والأنعام بها يكون تمام الصلاح للإنسان بما له فيها ~~من النعم بالركوب والأكل والشرب والكسوة والجمال وسائر المنافع , وذكر هذا ~~ذكرا ظاهرا مشيرا إلى المعادن لأن منها ما لا يتم ما مضى إلا به وهي آلات ~~الزرع ms5789 والحصد والطبخ والعجن وغير ذلك , والملائكة المدبرة لما صرفها الله ~~فيه من ذلك , فدل ذلك على أن الوجود كله خلق لأجل منافع الإنسان ليشكر لا ~~ليكفر , ودلت القدرة على ذلك قطعا على القدرة على البعث . | < < # | عبس : ( 33 - 42 ) فإذا جاءت الصاخة # > > ^ ( فإذا جآءت الصآخة * يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * ~~وصاحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه * وجوه يومئذ مسفرة * ~~ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة ~~الفجرة ) ^ } ) | ولما ذكر عجائب الصنع في الطعام , وكان ذلك يقطع فيعود لا ~~سيما المرعى فإنه يأتي عليه الخريف فينشف ثم يتحطم من الرياح ويتفرق في ~~الأرض ثم يصير ترابا ثم يبعث الله المطر فيجمعه من الأرض بعد أن صار ترابا ~~ثم ينبته كما كان , وكان ذلك مثل إحياء الموتى سواء , فتحقق لذلك ما تقدم ~~من أمر الإنشار بعد الإقبار , وكان ذلك أيضا مذكرا بأمر أبينا آدم عليه ~~الصلاة والسلام لما أمره الله بالأكل من الجنة إلا من الشجرة التي نهاه ~~عنها , فلما أكل منها أخرجه من الجنة فسبجنه في دار ليست بجنة ولا نار ولا ~~غيرهما بل هي ممن ممتزج الدارين وكالبرزخ بينهما , فيها ما يذكر بهذه وما ~~يذكر بتلك وفيها أمثلة الموجدات كلها , قال مسببا عما ثبت به الإحياء للبعث ~~إلى المحشر معبرا بأداة التحقق لأن الساعة ممن لا بد منه ولا محيد عنه ~~لأنها سر الكون فإن فيها حساب الذين استخلفوا في هذا الوجود وأفيضت عليهم ~~النعم التي أودعها فيه , وأشار إلى أنهم عاجزون عن القيام بشكرها , وكثير ~~منهم بل أكثرهم زاد على ذلك بكفرها , فأوجب ذلك ولا بد حسابهم على ما فعلوا ~~فيما استخلفوا فيه واسترعوه كما هي عادة كل مسترع ومستخلف : { فإذا جاءت } ~~أي كانت ووجدت لأن كل ما هو كائن كأنه لاقبك وجاء إليك { الصآخة * } أي ~~الصرخة العظيمة التي يبالغ في إسماع الأسماع بها حتى PageV08P332 تكاد ~~تصمها لشدتها , وكأنها تطعن فيها لقوة وقعتها وعظيم وجبتها , وتضطر الآذان ~~إلى أن تصيخ إليها أي ms5790 تسمع , وهي من أسماء القيامة , وأصل الصخ : الضرب ~~بشيء صلب على مصمت . | ولما كان وصفها بما يقع فيها أهيب , قال مبدلا من ( ~~إذا ) ما يدل على جوابها من نحو : اشتغل كل بنفسه ولم يكن عنده فراغ ما ~~لغيره : { يوم يفر المرء } أي الذي هو أعظم الخلق مروءة : ولما كان السياق ~~للفرار , قدم أدناهم رتبة في الحب والذب فأدناهم على سبيل الترقي , وأخر ~~الأوجب في ذلك فالأوجب بخلاف ما في ( سأل ) كما مضى فقال : { من أخيه } ~~لأنه يألفه صغيرا وقد يركن إليه كبيرا مع طول الصحابة وشدة القرب في ~~القرابة فيكون عنده في غاية العزة . | ولما كانت الأم مشاركة له في الإلف , ~~ويلزم من حمايتها أكثر مما يلزم الأخ وهو لها آلف وإليها أحن وعليها أرق ~~وأعطف قال { وأمه } ولما كان الأب أعظم منها في الإلف لأنه أقرب في النوع ~~وللولد عليه من العاطفة لما له من مزيد النفع أكثر ممن قبله قال : { وأبيه ~~* } ولما كانت الزوجة التي هي أهل لأن تصحب ألصق بالفؤاد وأعرق في الوداد , ~~وكان الإنسان أذب عنها عند الاشتداد , قال : { وصاحبته } ولعله أفردها ~~إشارة إلى أنها عنده في الدرجة العليا من المودة بحيث لا يألف غيرها . | ~~ولما كان للوالد إلى الولد من المحبة والعاطفة والإباحة بالسر والمشاورة في ~~الأمر ما ليس لغيره , ولذلك يضيع عليه رزقه وعمره قال : { وبنيه * } وإن ~~اجتمع فيها الصغير الذي هو عليه أشفق والكبير الذي هو في قلبه أجل وفي عينه ~~أنبل ومن بينهما من الذكر والأنثى . | ولما ذكر فراره الذي منعه قراره , ~~علله فقال : { لكل امرئ } أي وإن كان أعظم الناس مروءة { منهم يومئذ } أي ~~إذ تكون هذه الدواهي العظام والشدائد والآلام { شأن } أي أمر بليغ عظيم { ~~يغنيه * } أي يكفيه وهو المنزل الذي يرضيه مع أنه يعلم أنه يتبعونه ويخاف ~~أن يطالبوه لما هم فيه من الكرب بما لعله قصر فيه من حقوقهم . | ولما ذكر ~~اليوم , قسم أهله إلى القسمين المقصودين بالتذكرة أول السورة , فقال دالا ~~على البواطن بأشرف الظواهر : { وجوه يومئذ ms5791 } أي إذ كان ما تقدم من الفرار ~~وغيره { مسفرة * } أي بيض مضيئة بالإشراق والاستنارة , ومن أسفر الصبح إذا ~~أشرق واستنار { ضاحكة } لما علمت من سعادتها { مستبشرة * } أي طالبة للبشر ~~وهو تغير البشرة من PageV08P333 السرور وموجدة لذلك , وهي بيضاء نيره بما ~~يرى من تبشير الملائكة , وذلك بما كانت فيه في الدنيا من عبوس الوجوه ~~وتغيرها وشحوبها من خشية الله تعالى وما يظهر من جلاله في الساعة كابن أم ~~مكتوم رضي الله عنه الذي كان يحمله خوف الساعة على حمل الراية في أشد ~~الحروب كيوم القادسية والثبات بها حتى يكون كالعمود , لا يزول عن مركزه ~~أصلا ليرضي المعبود . | ولما ذكر أهل السعادة الذين هم القبلون على الخير ~~المصابون في أنفسهم بما يكفر سيئاتهم ويعلي درجاتهم , ذكر أضدادهم فقال ~~تعالى : { ووجوه } وأكد بإعادة الظرف لإزالة الشبهة فقال : { يومئذ } أي إذ ~~وجد ما ذكر { عليها } أي ملاصقة لها مع الغلبة والعلو { غبرة * } أي اربداد ~~وكأنه بحيث يصير كأنه قد علاها غبار وهي عابسة حذرة وجلة منذعرة , وذلك مما ~~يلحقها من المشقات وكثرة الزحام مع رعب الفؤاد , وتذكر ما هي صائرة إليه من ~~الأنكاد الشداد { ترهقها } أي تغشاها وتقهرها وتعلوها { قترة * } أي كدورة ~~وسواد وظلمة ضد الإسفار فهي باكية عابسة مما كانت فيه في الدنيا من الفرح ~~واللعب والضحك والأمن من العذاب , فالآية من الاحتباك : ذكر الإسفار والبشر ~~أولا يدل على الخوف والذعر ثانيا , وذكر الغبرة ثانيا يدل عل البياص والنور ~~أولا , وسر ذلك أنه ذكر دليل الراحة ودليل التعب لظهورهما ترغيبا وترهيبا . ~~| ولما كان هذا الأمر هائلا , وكان الفاجر , لما علا قلبه من الرين وله من ~~القساوة , قليل الخوف من الأجل عديم الفكر فيما يأتي به غد لما غلب عليه من ~~الشهوتين : السبيعة والبهيمية بخلاف المتقي في كل ذلك , استأنف الإخبار ~~زيادة في التهويل فقال : { أولئك } أي البعداء البغضاء { هم } أي خاصة لا ~~غيرهم { الكفرة } أي الذين ستروا دلائل إلإيمان { الفجرة * } أي الذين ~~خرجوا عن دائرة الشرع خروجا فاحشا حتى كانوا عريقين في ذلك ms5792 الكفر والفجور , ~~وهم في الأغلب عن دائرة الشرع خروجا فاحشا حتى كانوا التكبر والأشر والبطر ~~, فلجمعهم بين الكفر والفجور جمع لهم بين الغبرة والقترة , كما يكون للزنوج ~~من البقاعة إذا علا وجوههم غبار ووسخ , فقد عاد آخرها على أولها فيمن يستحق ~~الإعراض عنه ومن يستحق الإقبال عليه والله الهادي . | . . . | PageV08P334 ~~< # > سورة التكوير < # > | مقصودها التهديد الشديد بيوم الوعيد الذي هو محط الرحال ، لكونه أعظم ~~مقام لظهور الجلال ، لمن طذب بأن هذا القرآن تذكرة لمن ذكره في صحف مكرمة ~~مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة ، والدلالة على حقية كونه كذلك بأن السفير به أمين ~~في الملأ الأعلى مكين المكانف فيما هنالك والموصل بعه إلينا منزه عن التهمة ~~برئ من النقص لما يعلمونه من حاله قبل النبوة وما كانوا يشهدون له به من ~~أمره ولم يأتهم بعدها إلا بما هو شرف له وتذكير بما في أنفسهم وفي الآفاق ~~ومن الآيات ، وذلك كاف لهم في الحكم بأنه صدق والعم اليقين بأنه حق ، ~~واسمها التكوير أدل ما فيها على ذلك بتأمل الظرف وجوابه وما فيه من بديع ~~القول وصوابه ، وما تسبب عنه من عظم الشأن لهذا القرآن { بسم الله } الواحد ~~القهار { الرحمن } الذي عمت نعمة إيجاده وبيانه الأبرار والفجار { الرحيم } ~~الذي خص أهل وداده بما أسعدهم في دار القرار . < < # | التكوير : ( 1 - 9 ) إذا الشمس كورت # > > ^ ( إذا الشمس كورت * وإذا النجوم انكدرت * وإذا الجبال سيرت * وإذا ~~العشار عطلت * وإذا الوحوش حشرت * وإذا البحار سجرت * وإذا النفوس زوجت * ~~وإذا الموءودة سئلت * بأى ذنب قتلت ) ^ } ) | ولما ختمت سورة عبس بوعيد ~~الكفرة الفجرة بيوم الصاخة لجحودهم بما لهذا القرآن من التذكرة , ابتدئت ~~هذه بإتمام ذلك , فصور ذلك اليوم بما يكون فيه من الأمور الهائلة من عالم ~~الملك والملكوت حتى كأنه رأى عين كما رواه الإمام أحمد والترمذي والطبراني ~~وغيرهم عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم برجال ثقات ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة رأي ~~العين فليقرأ { إذا الشمس ms5793 كورت } ) PageV08P335 [ التكوير : 1 ] فقال بادئا ~~بعالم الملك والشهادة لأنه أقرب تصورا لما يغلب على الإنسان من الوقوف مع ~~المحسوسات , معلما بأنه سيخرب تزهيدا في كل ما يجر إليه وحثا على عدم ~~المبالاة والابتعاد من التعلق بشيء من أسبابه : { إذا الشمس } أي التي هي ~~أعظم آيات السماء الظاهرة وأوضحها للحس . | ولما كان المهمول مطلق تكويرها ~~الدال على عظمة مكورها , بني للمفعول على طريقة كلام القادرين قوله : { ~~كورت * } أي لفت بأيسر أمر من غير كلفة ما أصلا , فأدخلت في العرش كما قاله ~~ابن عباس رضي الله عنهما فذهب ما كان ينبسط من نورها , من كورت العمامة إذا ~~لففتها فكان بعضها على بعض وانطمس بعضها ببعض , والثوب إذا جمعته فرفعته , ~~فالتكوير كناية عن رفعها أو إلقائها في جهنم زيادة في عذاب أهلها ولا سيما ~~عبدتها , أو ألقيت عن فلكها , من طعنه فكوره أي ألقاء مجتمعا , والتركيب ~~للإدارة والجمع والرف للشمس , فعل دل عليه ( كورت ) لأن ( إذا ) تطلب الفعل ~~لما فيها من معنى الشرط , ولما كان التأثير في الأعظم دالا على التأثير ~~فيما دونه بطريق الأولى , أتبع ذلك قوله معمما بعد التخصيص : { وإذا النجوم ~~} أي كلها صغارها وكبارها { انكدرت } أي انقضت فتاهوت وتساقطت وتناثرت حتى ~~كان ذلك كأنه بأنفسها من غير فعل فاعل في غاية الإسراع , أو أظلمت , من ~~كدرت الماء فانكدر , قال ابن عباس رضي الله عنهما : يكون الله الشمس والقمر ~~والنجوم يوم القيامة في البحر ثم يبعث عليها ريحا دبورا فتضرمها فتصير نارا ~~, وقال الكلبي وعطاء : تمطر السماء يومئذ نجوما , لا يبقى نجم إلا وقع . | ~~ولما بدأ بأعلام السماء لأنها أشهر وأعم تخويفا وإرهابا , وذكر منها اثنين ~~هما أشهر ما فيها وأعمها نفعا , أتبعها أعلام الأرض فقال مكررا للظرف لمزيد ~~الاعتناء بالتهويل : { وإذا الجبال } أي التي هي في العالم السفلي كالنجوم ~~في العالم العلوي , وهي أصلب ما في الأرض , ودل على عظمة القدرة بالبناء ~~للمفعول فقال : { سيرت * } أي وقع تسييرها بوجه الأرض فصارت كأنها السحاب ~~في السير ولاهباء في النثر لتستوي الأرض ms5794 فتكون قاعا صفصفا لا عوج فيها , ~~لأن ذلك اليوم لا يقبل العوج في شيء من الأشياء بوجه . | ولما ذكر أعلام ~~الجماد , أتبعه أعلام الحيوان النافع الذي هو أعز أموال العرب وأغلبها على ~~وجه دل على عظم الهول فقال : { وإذا العشار } أي النوق التي أتيى على ~~PageV08P336 حملها عشرة أشهر , جمع عشراء مثل نفساء , وهي أحب أموال العرب ~~إليهم وأنفسها عندهم لأنها تجمع اللحم والظهر واللبن الوبر , ( روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مر في أصحابه بعشار من النوق حفل , فأعرض عنها ~~وغض بصره فقيل له : يا رسول الله ! هذا أنفس أموالنا , لم لا تنظر إليها ؟ ~~فقال : ) قد نهاني الله عن ذلك , ثم تلا { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا } [ ~~طه : 131 ] الآية ( ولا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام السنة { عطلت * } أي ~~تركت مهملة كأنه لا صاحب لها مع أنها أنفس أموالهم , فكانت إذا بلغت ذلك ~~أحسنت إليها وأعزتها واشتد إقبالها عليها : وقالت : جاء خيرها من ولد ولبن ~~, لأن الأمر , لاشتغال كل أحد بنفسه , أهول من أن يلتفت أحد إلى شيء وإن عز ~~. | ولما ذكر المقرعات الدلالت على إرادة أمر عظيم , قرب ذلك الأمر بإفهام ~~أنه الحشر , ودل على عمومه بذكر ما يظن إهماله فقال : { وإذا الوحوش } أي ~~دواب البر التي لا تأنس بأحد التي يظن أنه لا عبرة بها ولا التفات إليها ~~فما ظنك بغيرها { حشرت } أي بعثت وجمعت من كل أوب قهرا لإرادة العرض على ~~الملك الأعظم والفصل فيما بينها في أنفسها حتى يقتص للجماء من القرناء ~~وبينها وبين غيرها أيضا حتى يسأل العصفور قاتله , لم قتله ؟ قال قتادة : ~~يحشر كل شيء للقصاص حتى الذباب انتهى . | ولا يستوحش الوحش من الناس ولا ~~الناس من الوحوش من شدة الأهوال , وذلك أهول وأفزع وأخوف وأفظع , قال ~~القشيري : ولا يبعد أن يكون ذلك بإيصال منافع إليها جوازا لا وجوبا كما ~~قاله أهل البدع انتهى . | وكل شيء في الدنيا يحضر في تلك الدار , فإذا وقع ~~الفصل جعل الخبيث في جهنم زيادة في ms5795 عذاب أهلها , والطيب في الجنة زيادة في ~~نعيم أهلها . | ولما أفهم هذا الحشر , ذكر ما يدل على ما ينال أهل الموقف ~~من الشدائد من شدة الحر فقال : { وإذا البحار } أي على كثرتها { سجرت * } ~~أي فجر بعضها إلى بعض حتى صارت بحراص واحدا وملئت حتى كان ما فيها أكثر ~~منها وأحمئت حتى كان كالتنور التهابا وتسعرا فكانت شرابا لأهل النار وعذابا ~~عليهم , ولا يكون هذا إلا وقد حصل من الحر ما يذيب الأكباد . | ولما ذكر من ~~الآيات العلوية من عالم الملك اثنين ومن السفلية أربعة , فأفهم جميع الخلق ~~أن الأمر في غاية الخطر فتشوفت النفوس إلى ما يفعل , قال ذاكرا لما أراد ~~PageV08P337 من عالم الغيب والملكوت , وهو أمور ستة على عدد ما مضى من عالم ~~الملك والشهادة ترغيبا في الأعمال الصالحة والقرناء الصالحين لئلا يزوج بما ~~يسوءه وابتدأ بما يناسب تكوير الشمس : { وإذا النفوس } أي من كل ذي نفس من ~~الناس وغيرهم { زوجت * } أي قرنت بأبدانها وجمع كل من الخلق إلى ما كانت ~~نفسه تألفه وتنزع إليه , فكانوا أصنافا كما قال تعالى ^ ( { احشروا الذين ~~ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله } ) ^ [ الصافات : 22 , 23 ] ~~والتفاف الأزواج كالتفاف الشمس حتى يذهب نورها . | ولما صرح الأمر فكانت ~~القلوب أحر من الجمر , ذكر ما هو المقصود الأعظم وهو السؤال على وجه يفهم ~~العموم فقال : { وإذا الموءودة } أي ما دفن من الأولاد لما يوضع عليها من ~~التراب فيثقلها فيقتلها ( وأدا ) مقلوب ( آدا ) إذا أثقل , وإلقاؤها في ~~البئر المحفور لها قرب من انكدار النجوم وتساقطها . | ولما كان هذا أهون ~~القتل عندهم وكانوا يظنون أنه مم لا عبرة به , بين أنه معتنى به وأنه لا بد ~~من بعصها وجعلها بحيث تعقل وتجيب وإن كان نفخ الروح فيها في زمن يسير فقال ~~: { سئلت * } أي وقع سؤالها عما يليق أن تسأل عنه , ثم قيل على طريق ~~الاستئناف تخويفا للوالدين : { بأي } أي بسبب أي { ذنب } يا أيها الجاهلون ~~{ قتلت * } أي استحقت به عندكم القتل وهي لم تباشر سوءا لكونها ms5796 لم تصل إلى ~~حد التكليف , فما ظنك بمن هو فوقها وبمن هو جان , وسؤالها هو على وجه ~~التبكيت لقاتلها , فإن العرب كانت تدفن النبات أحياء مخافة الإملاق أو لحوق ~~العار بهن , ويقولن : نردها إلى الله هو أولى بها , فلا يرضون البنات ~~لأنفسهم ويرضونها لخالقهم , وكان فيهم من يتكرم عن ذلك ومن يفدي الموءودات ~~ويربيهن , وليس في الآية دليل على تعذيب أطفال الكفرة ولا عدمه , فإن ~~الكافر الذي يستحق الخلود قد يكون مستأمنا فلا يحل قتله , والأطفال ما عملو ~~ما يستحقون به القتل , ويؤخذ من سؤال المؤدة تحريم الظلم لكل أحد وكف اليد ~~واللسان عن كل إنسان . | < < # | التكوير : ( 10 - 19 ) وإذا الصحف نشرت # > > ^ ( وإذا الصحف نشرت * وإذا السمآء كشطت * وإذا الجحيم سعرت * وإذا ~~الجنة أزلفت * علمت نفس مآ أحضرت * فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * ~~والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس * إنه لقول رسول كريم ) ^ } ) | ولما دل ~~هذا على عموم السؤال , ذكر ما ينشأ عنه مما يدل على النعيم أو النكال فقال ~~: { وإذا الصحف } أي الأوراق التي كتبت فيها أعمال العباد { نشرت * } أي ~~فرقت مفتحة تفتيحا عظيما على أربابها بأيسر أمر فتأتي السعيد في يمينه من ~~تلقاء وجهه على وجه يكون فيه بشارة له , وتأتي الشقي من وراء ظهره وفي ~~شماله بعد أن كانت طويت PageV08P338 عند موته , ونشرها مثل تسيير الجبال ~~وتطايرها , فمن اعتقد أن صحيفته ثابتة فترديه أو تنجيه لم يضع فيها إلا ~~حسنا من قول أو عمل أو اعتقاد . | ولما ذكر ما يطلق وينشر , أتبعه ما يطوى ~~ويحصر , ليبدو ما فوقه من العجائب وينظر , فقال : { وإذا السماء } أي هذا ~~الجنس كله , أفرده لأنه يعلم بالقدرة على بعضه القدرة على الباقي { كشطت * ~~} أي قلعت بقوة عظيمة وسرعة زائدة وأزيلت عن مكانها التي هي ساترة له محيطة ~~به , أو عن الهواء المحيط بسطحها الذي هو كالروح لها كما يكشط الإهاب عما ~~هو ساتر له ومحيط به مع شدة الالتزاق به لأن ذلك يوم الكشف والإظهار < # > 77 ( { فكشفنا عنك غطاءك } ) 77 < # > [ ق : 22 ms5797 ] وكشطها هو مثل انكشاف الناس عن العشار وتفرقهم عنها , فنم ~~اعتقد زوالها أعرض عن ربط همته بشيء منها وناط أموره كلها بربها . | ولما ~~زالت الموانع ظهرت عجائب الصنائع التي هي غايا المطالب , ونهايات الرغاب ~~والرهائب , فقال : { وإذا الجحيم } أي النار الشديدة التأجج والتي بعضها ~~فوق بعض والعظيمة في مهواة عميقة { سعرت * } أي أوقدت إيقادا شديدا بأيسر ~~أمر وقربت من الكافرين بغاية السرعة , فكان الأمر في غاية العسر , وذلك ~~قريب من نتيجة ما يحصل من الهول من حشر الوحوش . | ولما ذكر جار الأعداء ~~البعداء ترهيبا , أتبعه دار المقربين السعداء ترغيبا , فقال : { وإذا الجنة ~~} أي البستان ذو الأشجار الملتفة والرياض المعجبة { أزلفت * } أي قربت من ~~المؤمنين ونعمت ببرد العيش وطيب المستقر , ودرجت درجاتها وهيئت , وملئت ~~حياضها ومصنعها , وزينت صافها ونظفت أرضها وطهرت عن كل ما يشين , وحسنت ~~رياضها بكل ما يزين , من قول أهل اللغة , الزلف محركة : القربة والدرجة ~~والحياض الممتلئة والزلفة : المصنعة الممتلئة والصحف والأرض المنكوسة , ~~والزلف بالكسر . | الروضة , ومعنى هذا ضد سجر البحار , فالآية من الاحتباك ~~: ذكر التسعير أولا دال على ضده في الجنة ثانيا , وذكر التقريب ثانيا دال ~~على مثله أولا . | ولما كانت هذه الأشياء لهولها موجبة لاجتماع الهم وصرف ~~الفكر عما يشغله من زينة أو لهو أو لعب أو سهو , فكان موجبا للعلم بما يرجى ~~نعيما أو يوجب جحيما , وكان ذلك موجبا لتشوف السامع إلى ما يكون , قال ~~تعالى كاشفا تلك النعمة بالعامل في ( إذا ) وما عطف عليها : { علمت نفس } ~~أي كل واحدة من النفوس , فالتنكير فيه مثله في ( ثمرة خير من جرادة ) ~~ودلالة هذا السياق المهول على ذلك يوجب اليقين فيه { ما } أي كل شيء { ~~أحضرت * } أي عملت وأوجدت , فكان أهلا للحضور , وكان عمله لها PageV08P339 ~~سببا للإحضار إياه لها في ذلك اليوم محفوظا لم يغب عنه منها ذرة من خيره ~~وشره , فلأجل ذلك كان لكل امرئ شأن يعنيه , فإنه لا بد أن يكون في أعماله ~~ما لا يرضيه وما يستصغره عن حضرة العلي الكبير , فمن اعتقد ذلك ms5798 رغب في أن ~~لا يحضر إلا ما يسره , ورهب في إحضار ما يسوء فيضره , وجميع هذه الأشياء ~~الاثني عشر المعدودة المذكورة في حيز ( إذا ) في الآخرة بعد النفخة الثانية ~~على ما تقدم في الحاقة أنه الظاهر , وأنه رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~, لأن التهويل بعد القيام أنسب , وأدخل في الحكمة وأغرب . | وقال الإمام ~~أبو جعفر بن الزبير : لما قال سبحانه < # > 77 ( { فإذا جاءت الصاخة يوم يفر المرء من أخيه } ) 77 < # > [ عبس : 33 34 ] الآيات إلى آخر السورة , كان مظنة لاستفهام السائل عن ~~الوقوع متى يكون ؟ فقال تعالى : < # > 77 ( { إذا الشمس كورت } ) 77 < # > [ التكوير : 1 ] ووقوع تكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال ~~وتعطيل العشار كل ذلك متقدم على فرار المرء من أخيه وأمه وأبيه إلى ما ذكر ~~إلى آخر السورة لاتصال ما ذكر في مطلع سورة التكوير بقيام الساعة , فيصح أن ~~يكون أمارة للأول وعلما عليه انتهى . | ولما كان السياق للترهيب , وكان ~~الأليف بآخر عبس أن يكون للكفر , وكان أعظم ما يحضره الكفرة من أعمالهم بعد ~~الشرك التكذيب بالحق , وأعظمه التكذيب بالقرآن , وذلك التكذيب هو الذي جمع ~~الخزي كله للمكذب به في قوله < # > 77 ( { قتل الإنسان ما أكفره } ) 77 < # > [ عبس : 17 ] الذي السياق كله له , وإنما استحق المكذب به ذلك لأن ~~التكذيب به يوقع في كل حرج مع أنه لا شيء أظهر منه في أنه كلام الله لما له ~~من الرونق والجمع للحكم والأحكام والمعارف التي لا يقدر على جمعها على ذلك ~~الوجه وترتيبها ذلك الترتيب إلا الله , ثم وراء ذلك كله أنه معجز , سبب عن ~~هذا التهديد قوله مقسما بما دل على عظيم قدر المقسم عليه بترك الإقسام ~~بأشياء هي من الإجلال والإعظام في أسنى مقام : { فلا أقسم } أي لأجل حقية ~~القرآن لأن الأمر فيه غنى عن قسم لشدة ظهوره وانتشار نوره , ولذلك أشار إلى ~~عيوب تلحق هذه الأشياء التي ذكرها والقرآن منزه عن كل شائبة نقص , لأنه ~~كلام الملك الأعلى فقال : { بالخنس * } أي الكواكب التي يتأخر طلوعها ms5799 عن ~~طولع الشمس فتغيب في النهار لغلبة ضياء الشمس لها , وهي النجوم ذوات ~~الأنواء التي كانوا يعظمونها بنسبة الأمطار والرحمة التي ينزلها الله إليها ~~, قالوا : وهي القمر فعطارد فالزهرة فالشمس فالمريخ فالمشتري فزحل وقد ~~نظمها بعضهم متدليا فقال : | زحل اشترى مريخه من شمسه فتزهرت لعطارد ~~الأقمار | ثم أبدل منها أعظمها فقال : { الجوار الكنس * } أي السيارة التي ~~تختفي وتغيب PageV08P340 بالنهار تحت ضوء الشمس , من كنس الوحش إذا دخل ~~كناسه وهو بيته المتخذ من أغصان الأشجار , وقال الرازي : يكنس ويستتر ~~العلوي منها بالسفلي عند القرانات كما تستتر الظباء في الكناس , وقال قتادة ~~: تسير بالليل وتخنس بالنهار فتخفى ولا ترى , وروي ذلك أيضا عن علي رضي ~~الله تعالى عنه , قال البغوي : وأصل الخنوس الرجوع إلى وراء والكنوس أن ~~تأوي إلى مكانسها . | وقال القشيري : إن ذلك غروبها , وإنما نفى الإقسام ~~بها لأنها وإن كانت عظيمة في أنفسها بما ناط بها سبحانه من المصالح وأنتم ~~تعظمونها وتغلون فيها لأن فيها نقائص الغيبوبة وانبهار النور , والقرآن ~~المقسم لاجله منزه عن ذلك , بل هو الغالب على كل ما سواه من الكلام غلبة هي ~~أعظم من غلبة ضياء الشمس لنور ما سواها من الكواكب , فلذلك لا يليق أن يقسم ~~بها لأجله . | ولما ذكر غيابها ففهم منه محله وهو النهار , ذكر محل ظهورها ~~فأفهم الظهور فقال : { واليل } أي الذي هو محل ظهور النجوم وزوال خنوسها ~~وذهاب كنوسها { إذا عسعس * } أي أقبل ظلامه , واعتكر سواده وقتامه , فظهرت ~~الكواكب زهرا منثورا في بيداء تلك الغياهب , فإن فيه نقصانا بالظلام وغير ~~ذلك من الأحكام , وقيل : معناه أدبر , وقيل : أظلم , وقيل : انتصف , وقيل : ~~انقضى , وسعسع بمعناه فهو ما لا يستحيل بالانعكاس , والآية من الاحتباك : ~~ذكر خنوس الكواكب وكنوسها أولا يفهم ظهورها ثانيا , وذكر الليل ثانيا يفهم ~~حذف النهار أولا . | ولما كان ربما ظن ظان أن ما نقص بالظلام عن صلاحية ~~الإقسام يتأهل ذلك بزواله , قال نافيا لذلك : { والصبح } أي الذي هو أعدل ~~أوقات النهار { إذا تنفس * } أي أضاء وأقبل روحه ونسيمه , وأنسه ونعيمه ms5800 , ~~واتسع نوره , وانفرج به عن الليل ديجوره , وذلك بعد إقبال الليل ثم إدباره ~~أي لا أقسم به لأنه وإن كان ذا نور ونعمة وحبور وبهجة وسرور إذن ذلك يتضاءل ~~عن نور القرآن , وما فيه من النعيم والرضوان , ( وأين الثريا من يد ~~المتناول ) على أن تنفسه بالبرد واللطافة تنسخه الشمس بالحر والكثافة , ~~وتنفس القرآن بنفحات القدس ونعيم المواعظ والأنس لا ينسخه شيء . | ولما بين ~~أن هذه الأشياء التي لولاها لما طاب لهم عيش ولا تهنؤوا بحاية , وهي من ~~الفضل بحيث لا يعلمه إلا خالقها تصغر عن أن يقسم بها على شيء من فضائل ~~القرآن لما له من عظيم الشأن الذي لا يطيق التعبير عنه البيان , ويتضاءل ~~دونه اللسان , قال مجيبا لذلك إخبارا عما هو محقق في نفسه الأمر أعظم من ~~تحقق هذه الأشياء المقسم بها , هاد إلى مصالح الدارين أكثر من هدايتها , ~~مبينا للسفيرين به المليكي والبشري عليهما الصلاة والسلام والتحية والإكرام ~~مؤكدا لما يستحقه السياق كما يستحقه مع ما له من الإنكار تنبيها على ضعف ~~عقولهم وعظيم سفههم بعد أن أقسم بثلاثة PageV08P341 أقسام , فإن نفي ~~الإقسام بها بما ذكر من نقائصها كالإقسام بها مع بيان أن المقسم عليه أعظم ~~منها بما لا يقايس : { إنه } أي هذا الذكر الذي تقدم في عبس بعض ما يستحق ~~من الأوصال الجميلة والنعوت الجليلة { لقول رسول } وهو جبريل عليه الصلاة ~~والسلام نحن أرسلناه به إلى خير خلقنا وجعلناه بريدا بيننا وبينه لاقتضاء ~~الحكمة ذلك , وهي أن يكون خلاصة الخلق ذا جهتين : واحدة ملكية يتلقى بها من ~~الملائكة عليهم السلام لكون غيره من البشر لا يطيق ذلك , وأخرى بشرية يتلقى ~~بها من المبعوث إليهم , ومن المعلوم أن الرسول إنما وظيفته تبليغ ما أرسل ~~به فهو سفير محض , والذي أوحاه وإن كان قوله لكونه نطق به وبلغه من غير ~~مشاركة شيطان ولا غيره هو قول الله من غير شك لكونه معبرا عن السفة القديمة ~~النفسية , ولو كان قول الرسول مستقلا به لما كان لوصفه بالرسالة مدخل فيما ms5801 ~~كانت البلاغة تقتضي ذكره بالوصف . | ولما بين بوصف الرسالة أنه ليس بقوله ~~إلا لكونه مرسلا به ومبلغا له , وأنه في الحقيقة قول من أرسله , وصفه بما ~~أفهمه الوصف مما يوجب حفظه من غير تحريف ما ولا تغيير أصلا بوجه من الوجوه ~~, وذلك ببيان منزلته عند الله ووجاهته وبيان قدره ونفوذ كلمته فقال : { ~~كريم * } أي انتفت عنه وجوه المذام كلها وثبتت له وجوه المحامد كلها , فهو ~~جواد شريف النفس ظاهر عليه معالي الأخلاق بريء من أن يلم شيء من اللوم ~~بساحته , فلذلك هو يفيض الخيرات بإذن ربه على من أمر به العالمين , فيؤدي ~~ما أرسل به كما هو لقيامه بالرسالة قيام الكرام فلم يغير فيها شيئا أصلا ~~ولا فرط حتى يمكن غيره أن يحرف أو يغير , والكرم اجتماع كمالات الشيء ~~اللائقة به . | < < # | التكوير : ( 20 - 29 ) ذي قوة عند . . . . . # > > ^ ( ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * وما صاحبكم بمجنون * ~~ولقد رآه بالأفق المبين * وما هو على الغيب بضنين * وما هو بقول شيطان رجيم ~~* فأين تذهبون * إن هو إلا ذكر للعالمين * لمن شآء منكم أن يستقيم * وما ~~تشآءون إلا أن يشآء الله رب العالمين ) ^ } ) | ولما اقتضى هذا القوة , صرح ~~به تأكيدا فقال : { ذي قوة } أي على ضبط ما أرسل به بنفسه وعلى المدافعة ~~للغير عن أن يدخل فيه شيئا من نقص , وأكد القوة بقوله : { عند ذي العرش } ~~أي الملك الأعلى المحيط عرشه بجميع الأكوان الذي لا عندية في الحقيقة إلا ~~له { مكين * } أي بالغ المكنة عنده عظيم المنزلة جدا بليغ فيها فهو بحيث لا ~~يتأتى منه تفريظ ما في إبلاغ شيء مما أرسل به لأنه لا يغيره الأحوال ولا ~~يعمل فيه تضاد الشهوات , لأنه لا شهوة له إلا ما يأمر به مرسله سبحانه ~~وتعالى . | PageV08P342 ولما كان المتمكن في نفسه قد لا يكون له أعوان , ~~قال : { مطاع ثم } أي في الملأ الأعلى فهم عليه السلام أطوع شيء له , قال ~~الحسن : فرض الله على أهل السماوات طاعة جبريل عليه الصلاة والسلام كما فرض ms5802 ~~على أهل الأرض طاعة محمد صلى الله عليه وسلم . | ولما كان ذلك يقتضي ~~الأمانة , صرح بها فقال : { أمين * } أي بليغ الأمانة فهو مصدق القول مقبول ~~الأمر موثوق به في أمر الرسالة وإفاضة العلوم على القلوب روحاني مطهر جوهرا ~~وفعلا وحالا , ومن كان بهذه الصفات العظيمة كان بحيث لا يأتي إلا في أمر ~~مهم جدا لأن الملوك لا يرسلون خواصهم إلا في مثل ذلك , ولذلك ائتمنه الله ~~تعالى على رسالته . | ولما وصفه السفير الملكي وهو جبريل عليه الصلاة ~~والسلام بهذه الصفات الخمس التي أزالت عن القرآن كل لبس , وكان وصفه بها ~~إنما هو لأجل إثبات شرف الرسول البشري الذي هو بين الحق وعامة الخلق , وهو ~~النبي صلى الله عليه وسلم بأن ما يقوله كلام الله حقا , وكانوا يصفونه بما ~~هو في غاية النزاهة عنه وهم يعلمون ذلك , أبطله مبكتا لهم بالكذب وموبخا ~~بالبلادة بقوله زيادة في شرفه حيث كان هو المدافع عنه : { وما صاحبكم } أي ~~الذي طالت صحبته لكم وأنتم تعلمون أنه في غاية الكمال حتى أنه ليس له وصف ~~عندكم إلا الأمين , وأعرق في النفي فقال : { بمجنون * } أي كما تبتهونه به ~~من غير استحياء من الكذب الظاهر مع ظهور التناقض فعل ألأم اللئام , بل جاء ~~بالحق وصدق المرسلين , فما القرآن الذي يتلوه عليكم قول مجنون ولا قول ~~متوسط في العقل بل قول أعقل العقلاء وأكمل الكملاء , وهذا النفي المؤكد ~~ثابت له دائما على سبيل الاستغراق لكل زمان هذا ما دل عليه الكلام لا ما ~~قال الزمخشري أنه يدل على أفضلية جبريل عليه السلام على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعلى بقية الملائكة , فإنه ما سيق لذلك ولا هو الله مما يرضي ~~جبريل عليه السلام , قال الأصبهاني هنا : هذايدل على فضله وأما أنه يدل على ~~أنه أفضل من جميع الملائكة ومن محمد صلى الله عليه وسلم فلا يمكنه , وقال ~~في قوله تعالى في البقرة : < # > 77 ( { وملائكته ورسله } ) 77 < # > [ البقرة : 285 ] : ولم يلزم من تقديم الملائكة في الذكر تفضيلهم على ~~الرسل , وأما ms5803 تقديم جبريل على ميكائل فليس ببعيد أن يكون للشرف كما أن ~~تخصيصهما بالذكر لفضلما , وقال في النجم : ثم دنا جبريل من ربه عز وجل , ~~وهذا قول مجاهد يدل عليه ما روي في الحديث : ( إن أقرب الملائكة إلى الله ~~عز وجل جبريل عليه السلام ) انتهى . | ولو صح هذا الحديث لكان فيه كفاية ~~لكن لم أجده . | PageV08P343 أصلا , وقال الأصبهاني في عم في قوله : < # > 77 ( { يوم يقوم الروح } ) 77 < # > [ النبأ : 38 ] عن ابن عباس رضي الله عنهما : هو أعظم الملائكة خلقا ~~وأشرف منهم , وأقرب من رب العالمين انتهى . | فهذا كما ترى صريح في تفضيل ~~الروح , وقال السهيلي في غزوة بدر في كتابه الروض : ونزل جبريل عليه السلام ~~بألف من الملائكة فكان في خمسمائة في الميمنة , ومكائيل عليه السلام في ~~خمسمائة في الميسرة , ووراءهم مدد من الملائكة لم يقاتلوا وهم الآلاف ~~المذكورون في وسرة آل عمران , وكان إسرافيل عليه السلام وسط الصف لا يقتال ~~كما يقاتل غيره من الملائكة عليهم الصلاة والسلام انتهى . | وهذا يدل على ~~شرف إسرافيل عليه السلام لأن موقفه موقف رئيس القوم وفعله فعله والله أعلم ~~. | ولما كان المجنون لا يثبت ما يسمعه ولا ما يبصره حق الإثبات , فكان ~~التقدير بعد هذا النفي : فلقد سمع من رسولنا إليه ما أرسل به حق السمع , ما ~~التبس عليه فيه حق بباطل , عطف عليه الإخبار برفعه شأنه في رؤية ما لم يره ~~غيره وأمانته وجوده فقال : { ولقد رآه } أي المرسل إليه وهو جبريل عليه ~~الصلاة والسلام على صورته الحقيقية ليلة المعراج وبعرفات , جامعا إلى حس ~~السمع حس البصر { بالأفق المبين * } أي الأعلى الذي هو عند سدرة المنتهى , ~~حيث لا يكون لبس أصلا , ولا يكون لشيطان على ذلك المكان سبيل فعرفه حق ~~المعرفة , وقال البيضاوي : بمطلع الشمس الأعلى يعني وهو مشرق الأنوار , ~~والأفق : الناحية التي تفوق وتعلو . | ولما انتفى ما يظن من لبس السمع وزيغ ~~البصر , لم يبق إلا ما يتعلق بالتأدية فنفى ما يتوهم من ذلك بقوله : { وما ~~} أي سمعه ورآه والحال أنه ما ms5804 { هو على الغيب } أي الأمر الغائب عنكم في ~~النقل عنه ولا في غيره من باب الأولى { بضنين * } أي بمتهم , من الظنة وهي ~~التهمة , كما يتهم الكاهن لأنه يخطئ في بعض ما يقول , فهو حقيق بأن يوثق ~~بكل شيء يقوله يف كل أحواله , هذا في قراءة ابن كثير وأب عمرو والكسائي ~~ورويس عن يعقوب بالظاء , والمعنى في قراءة الباقين بالضاد : ببخيل كما يبخل ~~الكاهن رغبة في الحلوان , بل هو حريص على أن يكون كل من أمته عالما بكل ما ~~أمره الله تعالى بتبليغه . | ولما أثبت له الأمانة والجود بعد أن نفى عنه ~~ما بهتوه به , وكان الجنون أظهر من قول المجنون لأن بعض المجانين ربما تكلم ~~الكلام المنتظم في بعض الأوقات فنفاه لذلك , وكان قول الكاهن أظهر من ~~الكهانة , نفى القول فقال : { وما هو } أي القرآن الذي من جملة معجزاته ~~الإخبار بالمغيبات , وأعرق في النفي بالتأكيد بالباء فقال : { بقول شيطان } ~~. | ولما كان الشيطان لا ينفك عن الطرد لأن اشتقاقه من شطن وشاط , ~~PageV08P344 وذلك يقتضي البعد والاحتراق , وصفه بما هو لازم له فقال : { ~~رجيم * } أي مرجوم باللعن وغيره من الشهب لأجل استراق السمع مطرود عن ذلك , ~~لأن القائل له ليس بكاهن كما تعلمون , وبقي مما قالوه السحر وهو لا يحتاج ~~إلى نفيه لأنه ليس بقول , بل هو فعل صرف أو قول مقترن به , والأضغاث وهي ~~لذلك واضحة العوار فلم يعدها , فمن علم هذه الأوصاف للقرآن والرسولين ~~الآتيين به الملكي والبشري أحبه وأحبهما , وبالغ في التعظيم والإجلال , ~~وأقبل على تلاوته في كل أوقاته , وبالغ في السعي في كل ما يأمر به والهرب ~~مما ينهى عنه , ليحصل له الاستقامة رغبة في مرافقة من أتى به ورؤية من أتى ~~من عنده . | ولما لم يدع وجها به على من لا يعرف حاله صلى الله عليه وسلم , ~~سبب عنه قوله موبخا منكرا : { فأين تذهبون * } أي بقلوبكم عن هذا الحق ~~المبين يا أهل مكة المجعين لغاية الفطنة وقد علمتم هذا الحفظ العظيم في ~~الرسولين الملكي والبشري فمن أين ms5805 يأتي ما تدعون من التخليط في هذا الكتاب ~~العظيم الذي دل على حفظه ببرهان عجزكم عن معارضة شيء منه ؟ وهو استضلال لهم ~~واستجهال على أبلغ وجه في كل ما كانوا ينسبونه إليه بحيث صار ضلالهم معروفا ~~لا لبس فيه . | ولما كان الحال قد صار في الوضوح إلى أنه إذا نبه صاحبه ~~بمثل هذا القول نظر أدنى نظر , فقال من غير وقفة : لا أين , قال : { إن } ~~أي ما { هو } أي القرآن الذي أتاكم به { إلا ذكر للعالمين * } أي شرف للخق ~~كلهم من الجن والإنس والملائكة وموعظة بليغة عظيمة لهم . | ولما تشرف ~~الوجود كله بإظهاره فيه نوع تشرف , أطلق هذه العبارة . | ولما كان الذي ثم ~~شرفه المهتدي , فكان الوعظ والشرف إنما هو له في الحقيقة قال : { لمن شاء ~~منك } أي أيها المخاطبون { أن يستقيم * } أي يطلب القوم ويوجده . | ولما ~~كان ذلك ربما تعنت به المتعنت في خلق الأفعال , قال نافيا لاستقلالهم ~~ومثبتا للكسب : { وما تشاءون } أي أيها الخلائق الاستقامة { إلا أن يشاء ~~الله } أي الملك الأعلى الذي لا حكم لأحد سواه مشيئتكم , وإن لم يشأها لم ~~تقدروا على مشيئة , فادعوه مخلصين له الدين يشأ لكم ما يرضيه فيفقكم إليه , ~~وعن وهب بن منبه أنه قال : الكتب التي أنزلها الله على الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام بضع وتسعون كتابا قرأت منها بضعا وثمانين كتابا فوجدت فيها ~~: من جعل إلى نفسه شيئا من المشيئة فقد كفر انتهى . | ومن تأمل هذه الآية ~~أدنى تأمل علم أن كلام المعتزلة بعدها في القدر دليل على أن الإنسان إذا ~~كان له هوى لا يرده شيء أصلا < # > 77 ( { ومن يضلل الله فما له من هاد } ) 77 < # > [ الرعد : 33 ] . | PageV08P345 ولما وصف نفسه سبحانه بأنه لا يخرج شيء ~~عن أمره , أتبع ذلك الوصف بما هو كالعلة لذلك فقال : { رب العالمين * } أي ~~الموجد لهم والمالك والمحسن إليهم والمربي لهم وهو أعلم بهم منهم , فلأجل ~~ذلك لا يقدرون إلا على ما قدرهم عليه , ويجب على كل منهم طاعته والإقبال ~~بالكلية عليه سبحانه وتعالى وشكره ms5806 استمطارا للزيادة , فلهذه الربوبية صح ~~تصرفه في الشمس وما تبعها مما ذكر أول السورة لإقامة الساعة لأجل حساب ~~الخلائق , والإنصاف بينهم بقطع كل العلائق , كما يفعل كل رب مع من يربيه ~~فكيف بأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ! فقد التقى طرفاها على أشرف الوجوه ~~وأجلاها , وانتظم أول الانفطار بما له من بديع الأسرار , فالتكوير ~~كالانشقاق والتفطير , والانكدار مثل التساقط والانتشار , والله سبحانه هو ~~أعلم بالصواب . | . . . | PageV08P346 < # > سورة الانفطار < # > | مقصودها التحذير من الانهماك في الأعمال السيئة اغترارا بإحسان الرب ~~وكرمه ونسيانا ليوم الدين الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير ، ولا تغني ~~فيه نفس عن نفس شيئا ، واسمها الانفطار أدل ما فيها على ذلك { بسم الله } ~~الذي له الجلال كما أن له الجمال { الرحمن } الذي عم بالرحمة ليشكر فغر ذلك ~~أهل الضلال { الرحيم } الذي خص من أراد بالتوفيق لما يرضى من الخصال < < # | الإنفطار : ( 1 - 7 ) إذا السماء انفطرت # > > ^ ( إذا السمآء انفطرت * وإذا الكواكب انتثرت * وإذا البحار فجرت * ~~وإذا القبور بعثرت * علمت نفس ما قدمت وأخرت * يأيها الإنسان ما غرك بربك ~~الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك ) ^ } ) | ولما ختمت التكوير بأنه سبحانه ~~لا يخرج عن مشيئته وأنه موجد الخلق ومدبرهم , وكان من الناس من يعتقد أن ~~هذا العالم هكذا بهذا الوصف لا آخر له ( أرحام تدفع وأرض تبلع ومن مات فات ~~وصار إلى الرفات ولا عود بعد الفوات ) افتتح الله سبحانه هذه بما يكون ~~مقدمة لمقصود التي قبلها من أنه لا بد من نقضه لهذا العالم وإخرابه ليحاسب ~~الناس فيجزي كلا منهم من المحسن والمسيء بما عمل فقال : ^ ( { إذا السماء } ~~) ^ أي على شدة إحكامها واتساقها وانتظامها { إنفطرت * } أي انشقت شقوقا ~~أفهم سياق التهويل أنه صار لبابها أطراف كثيرة فزال ما كان لها من الكرية ~~الجامعة للهواء الذي الناس فيه كالسمك في الماء , فكما أن الماء إذا انكشف ~~عن الحيوانات البحرية هلكت , كذلك يكون الهواء مع الحيوانات البحرية هلكت , ~~كذلك يكون الهواء مع الحيوانات البرية , فلا تكون حياة إلا ببعث جديد ونقل ~~عن هذه الأسباب , ليكون الحساب بالثواب ms5807 والعقاب . | ولما كان يلزم من ~~انفطارها وهيها وعدم إمساكها لما أثبت بها ليكون ذلك أشد تخويفا لمن تحتها ~~بأنهم يترقبون كل وقت سقوطها أو سقوط طائفة منها فوقهم فيكونون PageV08P347 ~~بحيث لا يقر لهم قرار , قال : { وإذا الكواكب } أي النجوم الصغار والكبار ~~كلها الغراء الزاهرة المتوقدة توقد النار المرصعة ترصيع المسامير في ~~الأشياء المتماسكة التي دبر الله في دار الأسباب بها الفصول الأربعة والليل ~~والنهار , وغير ذلك من المقاصد الكبار , وكانت محفوظة بانتظام السماء { ~~انتثرت * } أي تساقطت متفرقة كما يتساقط الدر من السلك إذا انقطع تساقطا ~~كأنه لسرعته لا يحتاج إلى فعل فاعل لقوة تداعيه إلى التساقط . | ولما كان ~~إخباره بمادل على وهي السماء مشعرا بوهي الأرض لأنها أتقن منها وأشرف إذ هي ~~للأرض بمنزلة الذكر للأنثى , وكان الانفعال ربما أوهم أن ذلك يكون بغير ~~فاعل , صرح بوهي الأرض معبرا بالبناء للمفعول دلالة على أن الكل بفعله , ~~وأن ذلك عليه يسير , فقال مخبرا بانفطار الأراضي أيضا ليجمع بين التخويف ~~بالمطل والترويع بالمقل : { وإذا البحار } المتفرقة في الأرض وهي ضابطة ~~لنفع العباد على كثرتها { فجرت * } أي تفجيرا كثيرا بزوال ما بينها من ~~البرازخ الحائلة , وقال الربيع : بفيضها وخروج مائها عن حدوده فاختلط بعها ~~ببعض من ملحها وعذبها فصارت بحرا واحدا , فصارت الأرض كلها ماء ولا سماء ~~ولا أرض فأين المفر . | ولما كان ذلك مقتضيا لغمر القبور فأوهم أن أهلها لا ~~يقومون كما كان العرب يعتقدون أن من مات فات , قال دافعا لذلك على نمط كلام ~~القادرين إشارة إلى سهولة ذلك عليه : { وإذا القبور } أي مع ذلك كله { ~~بعثرت } أي نبش ترابها على أسهل وجه عن أهلها فقاموا أحياء كما كانوا , ~~فرأوا ما أفظعهم وهالهم وروعهم . | ولما كانت هذه الشروط كلها التي جعلت ~~أشراطا على الساعة موجبة لعلوم دقيقة , وتكشف كل واحدة منها عن أمور عجيبة ~~, وكانت كلها دالة على الانتقال من هذه الدار إلى دار أخرى لخراب هذه الدار ~~, ناسب أن يجب ( إذ ) بقوله : { علمت نفس } أي جميع النفوس بالإنباء ~~بالحساب وبما ms5808 يجعل لها سبحانه بقوة التركيب من ملكة للاستحضار كما قال ~~تعالى : { فكشفنا عنك غطاءك } والدال على إرادة العموم التعبير بالتنكير في ~~سياق التخويف والتحذير مع العلم بأن النفوس كلها في علم مثل هذا وجهله على ~~حد سواء , فمهما ثبت للبعث ثبت للكل , ولعله نكر إشارة إلى أنه ينبغي لمن ~~وهبه الله عقلا أن يجوز أنه هو المراد فيخاف : { ما قدمت } أي من عمل { ~~وأخرت * } أي جميع ما عملت من خير أو شر أو غيرهما , أو ما قدمت قبل الموت ~~وما أخرت من سنة تبقى بعده . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : هذه ~~السورة كأنها من تمام سورة التكوير لاتحاد القصد فاتصالها بها واضح وقد مضى ~~نظير هذا انتهى . | PageV08P348 ولما كان ذلك خالعا للقلوب , وكان الإنسان ~~إذا اعتقد البعث قد يقول تهاونا ببعض المعاصي : المرجع إلى كريم ولا يفعل ~~بن إلا خيرا , أنتج قوله مناديا بأداة البعد لأن أكثر الخلق مع ذلك معرض , ~~منكرا سبحانه وتعالى على من يقول هذا اغترارا بخدع الشيطان إنكارا يهد ~~الأركان : { يا أيها الإنسان } أي البشر الآنس بنفسه الناسي لما يعنيه { ما ~~غرك } أي أدخلك في الغرة , وهي أن ترى فعلك القبيح حسنا أو ترى أنه يعفى ~~عنك لا محالة , وذلك بمعنى قراءة سعيد بن جبير والأعمش : أغرك بهمزة ~~الإنكار , وتزيد المشهورة معنى التعجب { بربك } أي المحسن إليك الذي أنساك ~~إحسانه ما خلقت له من خلاص نفسك بعمل ما شرعه لك . | ولما كان التعبير ~~بالرب مع دلالته على الإحسان يدل على الانتقام عند الإمعان في الإجرام لأن ~~ذلك شأن المربي , فكان ذلك مانعا من الاغترار لمن تامل , أتبعه ما هو كذلك ~~أيضا ظاهره لطف وباطنه جبروت وقهر , فقال للمبالغة في المنع عن الاغترار , ~~{ الكريم * } أي الذي له الكمال كله المقتضي لئلا يهمل الظالم بل يمهله , ~~ولا يسوي بين المحسن والمسيء والموالي والمعادي والمطيع والعاصي , المقتضي ~~لأن يبالغفي التقرب إليه بالطاعة شكرا له , وأن لا يعرض أحد عنه لأن بيده ~~كل شيء ولا شيء بيد غيره , فجب ms5809 أن يخشى شدة بطشه لأنه كذلك يكون المتصف ~~بالكرم لا يكون إلا عزيزا , فإنه يكون شديد الحلم عظيم السطوة عند انتهاك ~~حرمته بعد ذلك الحلم فإنه يجد أعوانا كثيرة على مراده , ولا يجد المعاقب ~~عذرا في تقصيره بخلاف اللئيم فإنه لا يجد أعوانا فلا يشتد أخذه , فصار ~~الإنكار بواسطة هذين الوصفين أشد وأغلظ من هذه الجهة , ومن جهة أنه كان ~~ينبغي أن يستحيي من المحسن الذي لا تكدير في إحسانه بوجه , قال أبو بكر ~~الوراق : لو سألني لقلبت : غرني كرم الكريم وحلمه , وقال علي رضي الله عنه ~~: من كرم الرجل سوء أدب غلمانه , وقال الإمام الغزالي في شرحه للأسماء : هو ~~الذي إذا قدر عفا , وإذا وعد وفى , وإذا أعطى زاد على منتهى الرجال , ولا ~~يبالي لمن أعطى ولا كم أعطى , وإذا رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى , وإذا جفى ~~عاتب وما استقصى , ولا يضيع من لاذ به وإليه التجأ , ويغنيه عن الوسائل ~~وشفعاء . | ولما ذكر هذين الوصفين الدالين على الكمالين , بالجلال , دل ~~عليهما تقريرا لهما بإفاضة الجود في التربية بوصف الجمال بالإكرام لئلا ~~يعتقد الإنسان بما له من الطغيان أنه حر مالك لنفسه يفعل ما يشاء فقال : { ~~الذي خلقك } أي أوجدك من العدم مهيئا لتقدير الأعضاء { فسواك } عقب تلك ~~الأطوار بتصوير الأعضاء والمنافع بالفعل PageV08P349 { فعدلك * } أي جعل كل ~~شيء من ذلك سلما مودعا فيه قوة المنافع التي خلقه الله لها , وعدل المزاج ~~حتى قبل الصورة , والتعديل جعل البنية متناسبة الخلقة , وكذا العدل في ~~قراءة الكوفيين بالتخفيف أي فأمالك عن تشويه الخلقة وتقبيح الصورة , وجعلك ~~معتدلا في صورتك , وكل هذا يقتضي غاية الشكر والخوف منه إن عصى , لأنه كما ~~قدر على التسوية يقدر على التشويه وغيره من العذاب . | < < # | الإنفطار : ( 8 - 16 ) في أي صورة . . . . . # > > ^ ( في أى صورة ما شآء ركبك * كلا بل تكذبون بالدين * وإن عليكم ~~لحافظين * كراما كاتبين * يعلمون ما تفعلون * إن الأبرار لفي نعيم * وإن ~~الفجار لفي جحيم * يصلونها يوم الدين * وما هم عنها بغآئبين ) ^ } ) | ولما ~~أضاء بهذا إضاءة ms5810 الشمس أنه عظيم القدرة على كل ما يريد , أنتج قوله معلقا ب ~~( ركب ) : { في أي صورة } من الصور التي تعرفها والتي لا تعرفها من الدواب ~~والطيور وغير ذلك من الحيوان , ولما كان المراد تقرير المعنى غاية التقرير ~~, أثبت النافي في سياق الإثبات لينتفي ضد ما ثبات المعنى على غاية من القوة ~~التي لا مزيد عليها , فقال : { ما شاء ركبك * } أي ألف تركيب أعضائك وجمع ~~الروح إلى البدن , روى الطبراني في معاجمه الثلاثة برجال ثقات عن مالك بن ~~الحيرث رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أراد ~~الله جل اسمه أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة طار ماؤه في كل عرق وعصب ~~منها , فلما كان اليوم السابع أحضر الله له كل عرق بينه وبين آدم , ثم قرأ ~~{ في أي صورة ما شاء ركبك } [ الانفطار : 8 ] ) فتحرر بهذا الإنسان رقيق ~~رقا لازما , ومن خلع ربقة ذلك الرق اللازم وكل إلى نفسه فهلك . | ولما أوضح ~~سبحانه غاية الإيضاح الدليل على قدرته على الإعادة بالابتداء , وبين تعالى ~~أنه ما أوجب للإنسان , الخسار بنسيان هذا الدليل الدال على تلك الدار إلا ~~الاغترار , وكان الاغترار يطلق على أدنى المعنى , بين أنه ارتقى به الذروة ~~فقال : { كلا } أي ما أوقعكم أيها الناس في الإعراض عمن يجب الإقبال عليه ~~ويقبح غاية القباحة الإعراض بوجه عنه مطلق الغرور { بل } أعظمه وهو أنكم { ~~تكذبون } أي على سبيل التجديد بتحدد إقامة الأدلة القاطعة وقيام البراهين ~~الساطعة { بالدين * } أي الجزاء الذي وظفه الله في يوم البعث , فارجعوا عن ~~الغرور مطلقا خاصا وعاما , وارتدعوا غاية الارتداع { وإن } أي والحال أن { ~~عليكم } أي ممن أقمناهم من جندنا من الملائكة PageV08P350 { لحافظين * } ~~لهم على أعمالكم غاية العلو فهم بحيث لا يخفى عليهم منها جليل ولا حقير . | ~~ولما أثبت لهم الحفظ , نزههم عن الزيادة والنقص فقال : { كراما } أي فهم في ~~غاية ما يكونون من طهارة الأخلاق والعفة والأمانة . | ولما ثنبت الحفظ ~~والأمانة بغاية الإبانة , وكان الحافظ ربما ينسى قال : { كاتبين * } أي هم ms5811 ~~راسخون في وصف الكتابة يكتبونها في الصحف كما يكتب الشهود بينكم العهود ~~ليقع الجزاء على غاية التحرير . | ولما أفهم الاستعلاء والتعبير بالوصف ~~إحاطة الاطلاع على ما يبرز من الأعمال , صرح به فقال : { يعلمون } أي على ~~التجدد والاستمرار { ما تفعلون * } أي تجددون فعله من خير وشر بالعزم ~~الثابت والداعية الصادقة سواء كان مبينا على علم أو لا , فكيف يكون مع هذا ~~تكذيب بالجزاء على النقير والقطمير هل يكون إحصاء مثاقيل الذر من أعمالكم ~~عبثا وهل علمتم بملك يكون له رعية يتركهم هملا فلا يحاسبهم على ما في ~~أيديهم وما عملوه , ولأجل تكذيبهم بالدين أكد المعنى المستلزم له وهو أمر ~~الحفظة غاية التأكيد , والتعبير بالمستقبل يدل على أنهم يعلمون كل ما انقدح ~~في القلب وخطر في الخاطر قبل أن يفعل , وأما ما لم يجر في النفس له ذكر فلا ~~يعلمونه كما بينه حديث : ( ومن هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة ) ~~ولما كانت نتيجة حفظ الأعمال الجزاء عليها , أنتج ذلك بيان ما كانت الكتابة ~~لأجله تفريقا بين المحسن والمسيء الذي لا يصح في حكمة حكيم ولا كرم كريم ~~غيره بقوله على سبيل التأكيد , لأجل تكذيبهم : { إن الأبرار } أي العاملين ~~بما هو واسع لهم مما يرضي الله جلت قدرته { لفي نعيم * } أي محيط بهم لا ~~ينفك عنهم ولا ينفكون عنه أصلا في الدنيا في نعيم الشهود , وفي الآخرة في ~~نعيم الرؤية والوجود في هذه الدار معنى وفي الآخرة حسا , فكل نعيم في الجنة ~~لهم من المنح الآجلة فرقائقه في هذه الدنيا لهم عاجلة { وإن الفجار } أي ~~الذي شأنهم الخروج مما ينبغي الاستقرار فيه من رضا الله إلى سخطه { لفي ~~جحيم * } أي نار تتوقد غاية التوقد يصلون بها جحيم العقوبة الفظيعة كما ~~كانوا في الدنيا في جحيم البعد والقطيعة . | ولما كان السياق للترهيب , وصف ~~عذاب الفجار فقال : { يصلونها } أي يغمسون فيها كالشاة المصلية فيباشرون ~~حرها { يوم الدين * } أي الجزاء على الأعمال المضبوطة على مثاقيل الذر . | ~~ولما كان العذاب على ما نعهده لا بد أن ms5812 ينقضي , بين أن عذابه على ~~PageV08P351 غير ذلك فقال : { وما } أي والحال أنهم ما { هم عنها } أي ~~الجحيم { بغائبين * } أي بثابت لهم غيبة ما عنها في وقت ما , بل هم فيها ~~خالدون جزاء لأعمالهم وفاقا وعدلا طباقا حتى الآن في دار الدنيا وإن كانوا ~~لا يحسون بها إلا بعد الموت لأن الناس نيام , فإذا ماتوا انتبهوا . | < < # | الإنفطار : ( 17 - 19 ) وما أدراك ما . . . . . # > > ^ ( ومآ أدراك ما يوم الدين * ثم مآ أدراك ما يوم الدين * يوم لا ~~تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله ) ^ } ) | ولما علم أن الوعيد الأعظم ~~يوم الدين , هول أمره بالسؤال عنه إعلاما بأنه أهل لأن يصرف العمر إلى ~~الاعتناء بأمره والسؤال عن حقيقة حاله سؤال إيمان وإذعان لا سؤال كفران ~~وطغيان , ليكون أقعد في الوعيد به فقال : { وما أدراك } أي أعلمك وإن ~~اجتهدت في طلب الدراية به { ما يوم الدين * } أي أي شيء هو في طوله وأهواله ~~وفظاعته وزلزاله . | ولما كانت أهواله زائدة على الحد , كرر ذلك السؤال ~~لذلك الحال فقال معبرا بأداة التراخي زيادة في التهويل : { ثم ما أدراك } ~~أي كذلك { ما يوم الدين * } . | ولما بين أنه من العظمة بحيث لا تدركه ~~دراية دار وإن عظم وإن اجتهد , لخص أمره في شرح ما يحتمله العقول منه على ~~سبيل الإجمال دافعا ما قد يقوله بعض من لا عقل له : إن كان انضممت والتجأت ~~إلى بعض الأكابر وقصدت بعض الأماثل فأخلص قهرا أو بشفاعة ونحوها , فقال ~~مبدلا من ( يوم الدين ) في قراءة ابن كثير والبصريين بالرفع : { يوم } وهو ~~ظرف , قال الكسائي : العرب تؤثر الرفع إذا أضافوا الليل واليوم إلى مستقبل ~~, وإذا أضافوا إلى فعل ماض آثروا النصب { لا تملك } أي بوجه من الوجوه في ~~وقت ما { نفس } أي نفس كانت من غير استثناء , ونصبه الباقون على الظرف , ~~ويجوز أن تكون الفتحة للبناء لإضافته إلى غير متمكن { لنفس شيئا } أي قل أو ~~جل , وهذا وإن كان اليوم ثابتا لكنه في هذه الدار بطن سبحانه في الأسباب , ~~فتقرر في النفوس أن الموجودين ms5813 يضرون وينفعون لأنهم يتكلمون ويبطشون , وأما ~~هناك فالمقرر في النفوس خلاف ذلك من أنه لا يتكلم أحد إلا بإذنه إذنا ظاهرا ~~, ولا يكون لأحد فعل ما إذا بإذنه كذلك , فالأمر كله له دائما , لكن اسمه ~~الظاهر هناك ظاهر واسمه الباطن هذا مقرر لموجبات الغرور . | ولما كان ~~التقدير : فلا أمر لأحد من الخلق أصلا , لا ظاهرا ولا باطنا , عطف عليه ~~قوله : { والأمر } أي كله { يومئذ } أي إذ كان البعث للجزاء { لله * } أي ~~مختص PageV08P352 به لا يشاركه فيه مشارك ظاهرا كما أنه لا يشاركه فيه ~~باطنا , ويحصل هناك الكشف الكلي فلا يدعي أحد لأحد أمرا من الأمور بغير إذن ~~ظاهر خاص , وتصير المعارف بذلك ضرورية , فلذلك كان الانفطار والزلازل ~~الكبار , والإحصاء لجميع الأعمال الصغار والكبار , وقد رجع أخرها , وقد رجع ~~آخرها كما ترى إلى أولها , والتف مفصلها بموصلها والله الهادي للصواب . | . ~~. . | PageV08P353 < # > سورة المطففين < # > مقصودها شرح آخر الانفطار بأنه لا بد من دينونة العباد يوم التناد ~~بإسكان الأولياء أهل الرشاد دار النعيم ، والأشقياء أهل الضلال والعناد غار ~~الجحيم ، ودل على ذلك بانه مربيهم والمحسن إليهم بعموم النعمة ، ولا يتخيل ~~عاقل أن أحدا يربي أحدا من غير سؤال عما حمله إياه وكلفه به ولا أنه لا ~~ينصف بعض من يربيهم من بعض ، واسمها التطفيف أدل ما فيها على ذلك { بسم ~~الله } الذي له الحكمة البالغة والقدرة الكاملة { الرحمن } الذي عم بنعمة ~~الإيجاد والبيان الشاملة { الرحيم } الذي أكرم حزبه بالتوفيق لحسن المعاملة ~~. < < # | المطففين : ( 1 - 5 ) ويل للمطففين # > > ^ ( ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا ~~كالوهم أو وزنوهم يخسرون * ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم ) ^ } ) ~~| ولما ختم الانفطار بانقطاع الأسباب وانحسام الأنساب يوم الحساب , وأبلغ ~~في التهديد بيوم الدين وأنه لا أمر لأحد معه , وذكر الأشقياء والسعداء , ~~وكان أعظم ما يدور بين العباد المقادير , وكانت المعصية بالبخس فيها من أخس ~~المعاصي وأدناها , حذر من الخيانة فيها وذكر ما أعد لأهلها وجمع إليهم كل ~~من اتصف بوصفهم فحلمه وصفه على نوع من المعاصي , كل ms5814 ذلك تنبيها للأشقياء ~~الغافلين على ما هم فيه من السموم الممرضة المهلكة , ونبه على الشفاء لمن ~~أراد فقال : { ويل } أي هلاك ثابت عظيم في كل حال من أحوال الدنيا والآخرة ~~{ للمطففين } أي الذين ينقصون المكيال والمزيان ويبخسون حقوق الناس , وفي ~~ذلك تنبيه على أن أصل الآفات الخلق السيىء وهو حب الدنيا الموقع في جمع ~~الاموال من غير وجهها ولو بأخس الوجوه : التطفيف الذي لا يرضاه ذو مروءة ~~وهم من يقاربون ملء الكيل وعدل الوزن ولا يملؤون ولا يعدلون , وكأنه من ~~الإزالة أي أزال ما أشرف من أعلى الكيل , من الطف , وهو ما أشرف من أرض ~~العرب على ريف العراق , ومنه ما في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال ~~: كنت فارسا PageV08P354 فسبقت الناس حتى طفت لي الفرس مسجد بني زريق يعني ~~أن الفرس وثب حتى كاد يساوي المسجد , ويقال : طف الرجل الحائط إذا علاه , ~~أو من القرب , من قولهم : أخذت من متاعي ما خف وطف , أي قرب مني , وكل شيء ~~أدنيته من شيء فقد أطففته , والطفاف من الإناء وغيره : ما قارب أن يملأه , ~~ولا يتم ملأه , وفي الحديث : ( كلكم بنو آدم طف الصاع ) , أو من الطفف وهو ~~التقتير , يقال : طفف عليه تطفيفا إذا قتر عليه , أو من الطفيف وهو من ~~الأشياء الخسيس الدون والقليل , فكأن التضعيف للإزالة على المعنى الأول كما ~~مضى , وللمقاربة الكثيرة على المعنى الثاني أي أنه يقار ملء المكيال مقاربة ~~كبيرة مكرا وخداعا حتى يظن صاحب الحق أنه وفى ولا يوفي , يقال : أطف فلان ~~لفلان إذا أراد ختله , وإذا نهى عن هذا فقد نهى عما نقص أكثر بمفهوم ~~الموافقة , وعلى المعنى الثالث بمعنى التقتير والمشاححة في الكيل , وعلى ~~المعنى الرابع بمعنى التنقيص والتقليل فيه , وكأنه اختير هذا اللفظ لأنه لا ~~يكاد يسرق في الميزان والمكيال إلا الشيء اليسير جدا , هذا أصله في اللغة ~~وقد فسره الله سبحانه وتعالى فقال : { الذين إذا اكتالوا } أي عالجوا الكيل ~~أو الوزن فاتزنوا بما دل عليه ما يأتي , وعبر بأداة الاستعلاء ms5815 ليكون المعنى ~~: مستعلين أو متحاملين { على الناس } أي خاصة بمشاهدتهم كائنين من كانوا لا ~~يخافون شيئا ولا يراعون أحدا , بل صارت الخيانة والوقاحة لهم ديدنا , وهذا ~~الفعل يتعدى بمن وعلى , يقال : اكتال من الرجل وعليه , ويجوز أن يكون ~~اختيار التعبير بعلى هنا مع ما تقدم للإشارة إلى أنهم إذا كان لهم نوع علو ~~بأن كان المكتال منه ضعيفا خانوه فيكون أمرهم دائرا على الرذالة وسفول ~~الهمة التي لا أسفل منها { يستوفون * } أي يوجدون لأنفسهم الوفاء وهو تمام ~~الكيل بغاية الرغبة والمبالغة في الملء , فكأنه ذكر ( اكتالوا ) ولم يذكر ( ~~اتزنوا ) لأنه لا يتأتى في الوزن من المعالجة ما يتأتى في الكيل , ولأنهم ~~يتمكنون في الاكتيال من المبالغة في استيفاء المؤدي إلى الزيادة ما لا ~~يتمكنون من مثله في الاتزان , وهذا بخلاف الإخسار فإن التمكن بسببه حاصل في ~~الموضعين فلذلك ذكرهما فيه . | ولما أفهم تقديم الجار الاختصاص فأفهم أنهم ~~إذا فعلوا من أنفسهم لا يكون كذلك , صرح به فقال : { وإذا كالوهم } أي ~~كالوا الناس أي حقهم أي ما لهم من الحق { أو وزنوهم } أي وزنوا ما عليهم له ~~من الحق , يقال : اكتال من الرجل وعليه وكالة له الطعام وكاله الطعام , ~~ووزنت الرجل الشيء ووزنت له الشيء , ولعله سبحانه اختار PageV08P355 ( على ~~) في الأول والمعدى إلى اثنين في الثاني لأنه أدل على حضور صاحب الحق , فهو ~~في غيبته أولى , فهو أدل على المرون على الوقاحة , فهما كلمتان لا أربع ~~لأنه ليس بعد الواو ألف جمع , قال البغوي : وكان عيسى بن عمر يجعلهما حرفين ~~يقف على كالوا ووزنوا ويبتدئ هم , قال أبو عبيدة : والاختيار الأولى , قال ~~البغوي : يعني أن كل واحدة كلمة لأنهم كتبوهما بغير ألف باتفاق المصاحف , ~~وقال الزمخشري : ولا يصح أن يكون ضميرا للمطففين لأن الكلام يخرج به إلى ~~نظم فاسد , وذلك أن المعنى : إذا أخذوا من الناس اتوفوا وإذا أعطوهم أخسروا ~~, وإن جعلت الضمير للمطففين انقلب إلى قولك : إذا أخذوا من الناس استوفوا , ~~وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا ms5816 , وهو كلام متنافر لأن ~~الحديث واقع في الفعل لا في المباشر , والتعلق في إبطاله بخط المصحف لم ~~يراع في كثير منه حد المصطلح عليه في علم الخط انتهى . | ولا شك أن في خط ~~المصحف تقوية لهذا الوجه المعنوي وتأكيدا { يخسرون * } أي يوجدون الخسارة ~~بالنقص فيما يكيلون لغيرهم , والحاصل أنهم يأخذون وافيا أو زائدا ويعطون ~~ناقصا . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما قال سبحانه وتعالى في سورة ~~الانفطار < # > 77 ( { وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين } ) 77 < # > [ الانفطار : 10 ] الآية وكان مقتضى ذلك الإشعار بوقوع الجزاء على ~~جزيئات الأعمال وأنه لا يفوت عمل كما قال تعالى : < # > 77 ( { وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفا بنا حاسبين } ) 77 < # > [ الأنبيا : 47 ] أتبع الآية المتقدمة بجزاء عمل يتوهم فيه قرب المرتكب ~~وهو من أكبر الجرائم , وذلك التطفيف في المكيال والميزان والانحراف عن ~~إقامة القسط في ذلك , فقال تعالى : { ويل للمطففين } [ المطففين : 1 ] ثم ~~أردف تهديدهم وتشديد وعيدهم فقال : { ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ~~} [ المطففين : 4 5 ] ثم التحمت الآي مناسبة لما افتتحت به السورة إلى ~~ختامها انتهى . | ولما ذكر سبحانه وتعالى أنهم أدمنوا على هذه الرذائل حتى ~~صارت لهم خلقا مرنوا عليه وأنسوا به وسكنوا إليه , وكان ذلك لا يكون إلا ~~ممن أمن العقاب وأنكر الحساب , أنتج ذلك الإنكار عليهم على أبلغ الوجوه ~~لإفهامه أن حالهم أهل لأن يتعجب منه ويستفهم عنه وأن المستفهم عن حصوله ~~عندهم الظن , وأما اليقين فلا يتخيل فيهم لبعد أحوالهم الجافية وأفهامه ~~الجامدة عنه فقال تعالى : { ألا يظن أولئك } أي الأخساء البعداء الأرجاس ~~الأرذال يتجدد لهم وقتا من الأوقات ظن أن لم يتيقنوا بما مضى من البراهين ~~التي أفادت أعلى رتب اليقين , فإنهم لو ظنوا ذلك ظنا نهاهم إن كان لهم نظر ~~PageV08P356 لأنفسهم عن أمثال هذه القبائح , ومن لم تفده تلك الدلائل ~~القاطعة ظنا يحتاط به لنفسه فلا حس له أصلا { أنهم } وعبر باسم المفعول ~~فقال : { مبعوثون * } إشارة إلى القهر على أهون وجه بالبعث الذي قد ms5817 ألفوا ~~مثله من القهر باليقظة بعد القهر بالنوم { ليوم } أي لأجله وفيه , وزاد ~~التهويل بقوله : { عظيم * } أي لعظمة ما يكون فيه من الجمع والحساب الذي ~~يكون عنه الثواب والعقاب مما لا يعلمه على حقيقته إلا هو سبحانه وتعالى . | ~~< < # | المطففين : ( 6 - 12 ) يوم يقوم الناس . . . . . # > > ^ ( يوم يقوم الناس لرب العالمين * كلا إن كتاب الفجار لفي سجين * ~~ومآ أدراك ما سجين * كتاب مرقوم * ويل يومئذ للمكذبين * الذين يكذبون بيوم ~~الدين * وما يكذب به إلا كل معتد أثيم ) ^ } ) | ولما عظم ذلك اليوم تحذيرا ~~منه , وزاده تعظيما بأن أتبعه على سبيل القطع قوله ناصبا بتقدير ( أعني ) ~~إعلاما بأن الجحد فيه بأعين جميع الخلائق فهو فضيحة لا يشبهها فضيحة : { ~~يوم يقوم } أي على الأرجل { الناس } أي كل من فيه قابلية الحركة , وذلك يوم ~~القيامة خمسين ألف سنة لا ينظر إليهم سبحانه رواه الطبراني في الكبير عن ~~عبد الله بن عمرو رفعه ورجاله ثقات { لرب العالمين * } أي لأجل حكم موجد ~~الخلائق ومربيهم كلهم فلا ينسى أحدا من رزقه ولا يهمله من حكمه ولا يرضى ~~بظلم أحد ممن يربيه فهو يفيض لكل من كل بحكم التربية , كل ذلك من استفهام ~~الإنكار وكله الظن , ووصف اليوم بما وصف غير ذلك للإبلاغ في المنع عن ~~التطفيف وتعظيم إثمه , وروى الحاكم من رواية عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي ~~الله عنه رفعه : ( ما نقض قوم العهد إلى سلط عليهم عدوهم , وما حكموا بغير ~~ما أنزل الله تعالى إلا فشا فيهم الفقر , وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا ~~فيهم الموت , ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذو بالسنين , ولا منعوا ~~الزكاة إلا حبس عنهم القطر ) ومن طريق عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن ~~عمرو مرفوعا نحوه , وللطبراني من طريق الضحاك عن مجاهد وطاوس عن ابن عباس ~~رضي الله عنهما مرفوعا نحوه . | ولما أنهى سبحانه ما أراد من تعظيم ذلك ~~اليوم والتعجيب ممن لم يفده براهينه أن يجوزه والإنكار عليه , وكان مع ما ~~فيه من التقريع مفهما للتقرير , نفى ms5818 بأداة الرجع للمبالغة في النفي مضمون ~~ما وقع الاستفهام عنه فقال : { كلا } أي لا يظن أولئك ذلك PageV08P357 بوجه ~~من الوجوه لكثافة طباعهم ووقوفهم مع المحسوس دأب البهائم بل لا يجوزونه , ~~ولو جوزوه لما وقعوا في ظلم أحد من يسألون عنه في ذلك اليوم المهول , وما ~~أوجب لهم الوقوع في الجرائم إلا الإعراض عنه , وقال الحسن رحمه الله تعالى ~~: هي بمعنى حقا متصلة بما بعدها انتهى . | وهي مع ذلك مفهمة للردع الذي ليس ~~بعده ردع عن اعتقاد مثل ذلك والموافقة لشيء مما يوجب الخزي فيه . | ولما ~~أخبر عن إنكارهم , استأنف إثبات ما أنكروه على أبلغ وجه وأفظعه مهولا لما ~~يقع لهم من الشرور وفوات السرور , مؤكدا لأجل إنكارهم فقال : { إن كتاب } ~~وأظهر موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال : { الفجار } أي ~~صحيفة حساب هؤلاء الذين حملهم على كفرهم مروقهم وكذا كل من وافقهم في ~~صفاتهم فكان في غاية المروق مما حق ملابسته وملازمته , وأبلغ في التأكيد ~~فقال : { لفي سجين * } هو علم منقول في صيغة المبالغة عن وصف من السجن وهو ~~الحبس لأنه سبب الحبس في جهنم أي إنه ليس فيه أهلية الصعود غلى محل الأقداس ~~إشارة إلى أن كتابهم إذا كان في سجن عظيم أي ضيق شديد كانوا هم في أعظم , ~~قال ابن جرير : وهي الأرض السابعة انتهى وهو يفهم مع هذه الحقيقة أنهم في ~~غاية الخسارة لأنه يقال لكل من انحط : صار ترابا ولصق بالأرض ونحو ذلك , ثم ~~زاد في هوله بالإخبار بأنه أهل لأن يسأل عنه ويضرب إلى العالم به إن كان ~~يمكن آباط الإبل فقال : { وما أدراك } أي جعلك داريا وإن اجتهدت في ذلك { ~~ما سجين * } أي أنه بحيث لا تحتمل وسائر الظالمين , يصعد بالميت منهم إلى ~~السماء فتغلق أبوابها المبعدون من الشياطين وسائر الظالمين , يصعد بالميت ~~منهم إلى السماء فتغلق أبوابها دونه فيرد تهوي به الريح تشمت به الشياطين . ~~| وكل ما قاله فيه : ( وما أدراك ) فقد أدراه به بخلاف ( وما يدريك ) . | ~~ولما أتم ما أراد من وصفه ms5819 , أعرض عن بيانه إشارة إلى أنه من العظمة بحيث ~~إنه يكل عنه الوصف , واستأنف أمر الكتاب المسجون فيه فقال محذرا منه مهولا ~~لأمره : { كتاب } أي عظيم لحفظه النقير والقطمير { مرقوم * } أي مسطور بين ~~الكتابة كما تبين الرقمة البيضاء في جلد الثور الأسود , ويعلم كل من رآه ~~أنه غاية في الشر , وهو كالرقم في الثوب والنقش في الحجر لا يبلى ولا يحمى ~~. | ولما أعلم هذا بما للكتاب من الشر , استأنف الإخبار بما أنتجه مما ~~لأصحابه فقال : { ويل } أي أعظم الهلاك { يومئذ } أي إذ يقوم الناس لما ~~تقدم : ولما كان الأصل : لهم , أبدله بوصف ظاهر تعميما وتعليقا للحكم به ~~فقال : { للمكذبين * } الراسخين في التكذيب بكل ما ينبغي التصديق به . | ~~PageV08P358 ولما أخبر عن ويلهم , وصفهم بما يبين ما كذبوا به ويبلغ في ~~ذمهم فقال : { الذين يكذبون } أي يوقعون التكذيب لكل من ينبغي تصديقه , ~~مستهينين { بيوم } أي بسب الإخبار بيوم { الذين * } أي الجزاء الذي هو سر ~~الوجود { وما } أي والحال أنه ما { يكذب } أي وقع التكذيب { به إلا كل معتد ~~} أي متجاوز للحد في العناد أو الجمود والتقليد لأن محطة نسبة من ثبت ~~بالبراهين القاطعة أنه على كل شيء قدير إلى العجز عن إعادة ما ابتدأه { ~~أثيم * } أي مبالغ في الانهماك في الشهوات الموجبة للآثام , وهي الذنوب , ~~فاسود قلبه فعمي بنظر الشهوات التي حفت بها النار عما عداها . | < < # | المطففين : ( 13 - 17 ) إذا تتلى عليه . . . . . # > > ^ ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * كلا بل ران على ~~قلوبهم ما كانوا يكسبون * كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون * ثم إنهم لصالو ~~الجحيم * ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون ) ^ } ) | ولما أثبت له الإبلاغ ~~في الإثم , دل عليه بقوله بأداة التحقق : { إذا تتلى } أي من أي تال كان , ~~مستعلية بما لها من البراهين { عليه آياتنا } أي العلامات الدالة على ما ~~أريد بيانها له مع ما لها من العظمة بالنسبة إلينا { قال } أي من غير توقف ~~ولا تأمل بل بحظ نفس أوقعه في شهة المغالبة التي سببها الكبر : { أساطير ms5820 ~~الأولين * } أي من الأباطيل وليست كلام الله , فكان لفرظ جهله بحيث لا ~~ينتفع بشواهد النقل كما أنه لم ينظر في دلائل العقل . | ولما كان هذا قد ~~صار كالأنعام في عدم النظر بل هو أضل سبيلا لأنه قادر على النظر دونها , ~~قال رادعا له ومكذبا ومبينا لما أدى به إلى هذا القول وهو لا يعتقده : { ~~كلا } أي ليرتدع ارتداعا عظيما ولينزجر انزجارا شديدا , فليس الأمر كما قال ~~في المتلو وهو معتقد له اعتقادا جازما لأنه لم يقله عن بصيرة { بل ران } أي ~~غلب وأحاط وغطى تغطية الغيم للسماء والصدأ للمرآة , وجمع اعتبارا بمعنى ( ~~كل ) لئلا يتعنت متعنت , فقال معبرا بجمع الكثرة إشارة إلى كثرتهم : { على ~~قلوبهم } أي كل من قال هذا القول { ما كانوا } أي بجلاتهم الفاسدة { يكسبون ~~* } أي يجددون كسبه مستمرين عليه نم الأعمال الردية , فإن كثرة الأفعال سبب ~~لحصول الملكات إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا , فيتراكم الذنب على القلب فيسود ~~, فلذلك كانوا يقولون مثل هذا الإعتقاد , بل هو شيء يسدون به المجلس ~~ويقيمون لأنفسهم عند العامة المعاذير ويفترون به عزائم التاليين بما يحرقون ~~من قلوبهم أحرق الله قلوبهم وبيوتهم بالنار فإنهم لا ينقطعون في عصر من ~~الأعصار ولا يخشون من عار ولا شنار , روي أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبير ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا أذنب ~~العبد نكتت في قلبه نكتة PageV08P359 سوداء فإن تاب صقل منها , وإن زاد ~~زادت حتى تعلو قلبه , فذلك الران الذي قال الله سبحانه وتعالى ) وقال ~~الغزالي في كتاب التوبة من الإحياء : قد سبق أن الإنسان لا يخلو في مبدأ ~~خلقته عن اتباع الشهوات , وكل شهوة اتبعها الإنسان ارتفع منها ظلمة إلى ~~قلبه كما يرتفع عن نفس الإنسان ظلمة إلى وجه المرآه الصقيلة , فإن تراكمت ~~ظلمة الشهوات صار رينا كما يصير بخار النفس في وجه المرآة عند تراكمه خبثا ~~, فإذا تراكم الرين صار طبعا كالخبث على وجه المرآة إذا تراكم وطال زمانه ~~غاص في جرم الحديد ms5821 وأفسده وصار لا يقبل التصقيل بعده , وصار كالمطبوع من ~~الخبث ولا يكفي في تدارك اتباع الشهوات تركها في المستقبل بل لا بد من محو ~~تلك الآثار التي انطبعت في القلب كما لا يكفي في ظهور الصورة في المرآة قطع ~~الأنفاس والبخارات المسودة لوجهها في المستقبل ما لم يشتغل بمحو ما انطبع ~~فيها من الآثار , وكما يرتفع إلى القلب ظلمة من المعاصي والشهوات فيرتفع ~~إليه نور من الطاعات وترك الشهوات فتنمحي ظلمة المعصية بنور الطاعة , وإليه ~~الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : ( واتبع السيئة الحسنة تمحها ) ولما ~~كان ادعاؤهم إنما هو قول قالوه بأفواههم لا يتجاوزها عظيما جدا , أعاد ~~ردعهم عنه وتكذيبهم فيه فقال : { كلا } أي ليس الأمر كما قالوا من الأساطير ~~لا في الواقع ولا عندهم فليرتدعوا عنه أعظم ارتداع . | ولما كان قول ~~الإنسان لما لا يعتقده ولا هو في الواقع كما في غاية العجب لا يكاد يصدق , ~~علله مبينا أن الحامل لهم عليه إنما هو الحجاب الذي ختم به سبحانه على ~~قلوبهم , فقال مؤكدا لمن ينكر ذلك من المغرورين : { إنهم عن ربهم } أي عن ~~ذكر المحسن إليهم وخشيته ورجائه { يومئذ } أي إذ قالوا هذا القول الفارغ . ~~| ولما كان المانع إنما هو الحجاب , بني للمفعول قوله : { لمحجوبون * } ~~فلذلك استولت عيلهم الشياطين والأهوية , فصاروا يقولون ما لو عقلت البهائم ~~لاستحيت من أن توقوله , والأحسن أن تكون الآية بيانا وتعليلا لويلهم الذي ~~سبق الإخبار به , ويكون التقدير : يوم إذ كان يوم الدين , ويكون المراد ~~الحجاب عن الرؤية , ويكون في ذلك بشارة للمؤمنين بها . | وقال البغوي : قال ~~أكثر المفسرين : عن رؤيته , وقال : إن الإمامين الشافعي وشيخه مالكا استدلا ~~بهذه الآية على الرؤية , وأسند الحافظ أبو نعيم في الحلية في ترجمة الشافعي ~~أنه قال : في هذه الآية دلالة على أن أولياءه يرونه على صفته , وقال ابن ~~الفضل : كما PageV08P360 حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآرخرة عن ~~رؤيته , وقال الحسن : لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربهم في ~~المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا ms5822 . | وقال القشري : ودليل الخطاب يوجب أن ~~يكون المؤمنون يرونه كما يعرفونه اليوم انتهى . | وفيه تمثيل لإهانتهم ~~بإهانة من يمنع الدخول على الملك . | ولما بين ما لهم من العذاب بالحجاب ~~الذي هو عذاب القلب الذي لا عذاب أشد منه , لأنه يتفرع عنه جميع العذاب , ~~شرع يبين بعض ما تفرع عنه من عذاب القالب مؤكدا لأجل إنكارهم معبرا بأداة ~~التراخي إعلاما بعلو رتبته في أنواع العذاب فقال : { ثم إنهم } أي بعد ما ~~شاء الله من إمهالهم { لصلوا الجحيم * } أي لدخلو النار العظمى ويقيمون ~~فيها مقاسون لحرها ويغمسون فيها كما تغمس الشاة المصلية أي المشوية . | ~~ولما بين ما لهم من الفعل الذي هو للقلب والقالب , أتبعه القول بالتوبيخ ~~والتبكيت الذي هو عذاب النفس , وبناه للمفعول لأن المنكىء سماعه لا كونه من ~~معين , وإشارة إلى أنه يتمكن من قوله لهم كل من يصح منه القول من خزنة ~~النار ومن أهل الجنة وغيرهم لأنه لا منعة عندهم : { ثم يقال } أي لهم بعد ~~مدة تبكيتا وتقريعا وتنديما وتبشيعا : { هذا } أي العذاب الذي هو حال بكم { ~~الذي كنتم } أي بما لكم من الجبلات الخبيثة { به } أي خاصة لأن تكذيبكم ~~بغيره بالنسبة إليه لما له من القباحة ولكم من الرسوخ فيه والملازمة له ( ؟ ~~) { تكذبون * } أي توقعون التكذيب به وتجددونه مستمرين عليه . | < < # | المطففين : ( 18 - 23 ) كلا إن كتاب . . . . . # > > ^ ( كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين * ومآ أدراك ما عليون * كتاب ~~مرقوم * يشهده المقربون * إن الأبرار لفي نعيم * على الأرآئك ينظرون ) ^ } ~~) | ولما كان هذا ربما أفهم أنهم يرون جميع عذابهم إذ ذاك , نفاه بقوله : { ~~كلا } أي ليس هو المجموع بل هو فرد من الجنس فلهذا عمل عليه الجنس وهو ~~نزلهم والأمر أطم وأعظم من أن يحيط به الوصف . | ولما ذكر ما للمكذبين من ~~العذاب الذي جره إليهم إقبالهم على الدنيا بادئا به لأن المقام من أول ~~السورة للوعيد وصوادع التهديد , أتبعه ما للمصدقين الذين أقبل بهم إلى ~~السعادة ترك الحظوظ وإعراضهم عن عاجل شهوات الدنيا , فقال مؤكدا لأجل ~~تكذيبهم : { إن كتاب ms5823 الأبرار } أي صحيفة حسنات الذين هم في غاية الاتساع في ~~شرح صدورهم , واتساع عقولهم وكثرة أعمالهم وزكائها وغير ذلك من محاسن ~~أمورهم { لفي عليين * } أي أماكن منسوبة إلى العلو , وقع النسب أولا إلى ~~فعلي ثم جمع وإن كان لا واحد له من لفظه كعشرين وأخواته , قال PageV08P361 ~~الكسائي : إذا جمعت العرب ما لا يذهبون فيه إلى أنه له بناء من واحد واثنين ~~فإنهم يجمعون بالواو والنون في المذكر والمؤنث - انتهى , فهي درجات متصاعدة ~~تصعد إلى الله ولا تحجب عنه كما يحجب ما للأشقياء بعضها فوق بعض إلى ما لا ~~نهاية له بحسب رتب الأعمال , وكل من كان كتابه من الأبرار في مكان لحق به ~~كما أن من كان كتابه من الفجار في سجين لحق به , قال الرازي في اللوامع : ~~من ترقى علمه عن الحواس والأوهام وفعله عن مقتضى الشهوة والغضب فهو حقيق ~~بأن يكون عليا , ومن كان علمه وإدراكه مقصورا على الحواس والخيال والأوهام ~~وفعله على مقتضى الشهوات البهيمية فهو حقيق بأن يكون في سجين . | ولما كان ~~هذا أمرا عظيما , زاد في تعظيمه بقوله : { وما } أي وأي شيء { أدراك } أي ~~جعلك داريا وإن بالغت في الفحص { ما عليون * } فإن وصفه لا تسعه العقول ~~ويلزمه لعلوه فضاء مطلق واتساع مبين . | ولما عظم المكان فعلمت عظمة الكتاب ~~, ابتدأ الإخبار عنه على سبيل القطع زيادة في عظمته فقال : { كتاب } أي ~~عظيم { مرقوم * } أي فيه أن فلانا أمن من النار فيا له من رقم ما أحسنه وما ~~أبهاه وما أجمله . | ولما عظمه في نفسه وفي مكانه , عظمه في حضار فقال : { ~~يشهده المقربون * } أي يحضره حضورا تاما دائما لا غيبة فيه الجماعة الذين ~~يعرف كل أحد أنه ليس لهم عند كل من يعتبر تقريبه إلا التقريب إلا التقريب ~~من ابتدائه إلى انتهائه هم شهود هذا المسطور وهم الملائكة يشيعونه من سماء ~~إلى سماء ويحفون به سرورا وتعظيما لصاحبه ويشهده من في السماوات من الأنباء ~~عليهم الصلاة والسلام والصديقين والشهداء والصالحين , فالآية مع الأولى من ~~الاحتباك : ذكر ms5824 سجين أولا دال على الاتساع ثانيا , وذكر عليين والمقربين ~~ثانيا دال على أسفل سافلين والمبعدين أولا . | ولما عظم كتابهم بهذه ~~الفضائل , التفتت النفي إلى معرفة حالهم فقال شافيا لعي هذا الالتفات مؤكدا ~~لأجل من ينكر : { إن الأبرار } أي الذين هذا كتابهم { لفي نعيم * } أي محيط ~~بهم ضد ما فيه الفجار من الجحيم : ولما كان لا شيء أنعم للإنسان من شيء عال ~~يجلس عليه ويمد بصره إلى ما يشتهي مما ليده , قال مبينا لذلك النعيم : { ~~على الأرائك } أي الأسرة العالية مع هذا العلو المطلق في الحجار التي يعيي ~~الفكر وصفها لما لها من العلو من ترصيع اللؤلؤ والياقوت وغير ذلك مما لا ~~يدخل تحت الحصر { ينظرون * } أي إلى ما يشتهون من الجنان والأنهار والحور ~~والولدان , ليس لهم شغل غير ذلك وما شابهه من المستلذات . | وقال الإمام ~~القشيري : أثبت النظر ولم يبين المنظور إليه لاختلافهم : منهم من ينظر إلى ~~قصوره , ومنهم من ينظر إلى حوره , ومنهم PageV08P362 ومنهم , والخواص على ~~دوام الأوقات إلى الله تعالى ينظرون كما أن الفجار دائما عن ربهم محجوبون . ~~| < < # | المطففين : ( 24 - 30 ) تعرف في وجوههم . . . . . # > > ^ ( تعرف في وجوههم نضرة النعيم * يسقون من رحيق مختوم * ختامه مسك ~~وفي ذلك فليتنافس المتنافسون * ومزاجه من تسنيم * عينا يشرب بها المقربون * ~~إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون ) ^ ~~} ) | ولما وصف نعيمهم , أخبر أنهم من عراقتهم فيه يعرفهم به كل ناظر إليهم ~~فقال تعالى : { تعرف } أي أيها الناظر إليهم - هذا على قراءة الجماعة , ~~وقرأ أبو جعفر ويعقوب بالبناء للمفعول , وهو أدل على العموم { في وجوههم } ~~عند رؤيتهم { نضرة النعيم * } أي بهجته ورونقه وحسنه وبريقه وطراوته , من ~~نضر البنات - إذا أزهر ونور , وقال الحسن رحمه الله تعالى : النضرة في ~~الوجه والسرور في القلب . | ولما كانت مجالس الأنس لا سيما في الأماكن ~~النضرة لا تطيب إلا بالمآكل والمشارب , وكان الشراب يدل على الأكل , قال ~~مقتصرا عليه لأن هذه السور قصار يقصد فيها الجمع مع الاختصار قال : { يسقون ~~} بانيا له للمفعول دلالة ms5825 على أنهم مهدومون أبدا لا كلفة عليهم في شيء { من ~~رحيق } أي شراب خالص صاف عتيق أبيض مطيب في غاية اللذة , فإنهم قالوا : إن ~~الرحيق الخمر أو أكيبها أو أفضلها أو الخالص أو الصافي , وضرب من الطيب . | ~~ولا شك أن العاقل لا يشرب الخمر مطلقا فكيف بأعلاها إلا إذا كان مستكملا ~~لمقدماتها من مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح وغير ذلك , ولما كان الختم لا ~~يكون إلا لما عظمت رتبته وعزت نفاسته , قال مريدا الحقيقة , أو الكناية عن ~~نفاسته : { مختوم * } أي فهو مع نفاسته سالم من الغبار وجميع الأقذاء ~~والأقذار . | ولما كان الختم حين الفك لا بد أن ينزل من فتاته في الشراب ~~قال : { خاتمه مسك } وقال ابن مسعود رضي الله عنه : إن المراد بخاتمه آخر ~~طعمه , فيحصل أن ختامه في أول فتحه وفي آخر شربه المسك , وذلك يقتضي أن لا ~~يكون يفتحه إلا شاربه , وأنه يكون على قدر كفايته فيشربه كله , والعبارة ~~صالحة لأن يكون الختام أولا وآخرا , وهو يجري مجرى افتضاض البكر . | ولما ~~كان التقدير : فيه يبلغ نهاية اللذة الشاربون , عطف عليه قوله : { وفي ذلك ~~} أي الأمر العظيم البعيد المتناول وهو العيش والنعيم والشراب الذي هذا ~~وصفه { فليتنافس } أي فليرغب غاية الرغبة بجميع الجهد والاختيار { ~~المتنافسون * } أي الذين من شأنهم المنافسة وهو أن يطلب كل منهم أن يكون ~~ذلك PageV08P363 المتنافس فيه لنفسه خاصة دون غيره لأنه نفيس جدا , والنفيس ~~هو الذي تحرص عليه نفوس الناس وتتغالى فيه . | والمنافسة في مثل هذا بكثرة ~~الأعمال الصالحات والنيات الخالصة . | ولما ذكر الشراب , أتبعه مزاجه على ~~ما يتعارفه أهل الدنيا لكن بما هو أشرف منه , فقال مبينا لحال هذا المسقي : ~~{ ومزاجه } أي يسقون منه والحال أن مزاج هذا الرحيق { من تسنيم * } علم على ~~عين معينة وهو - مع كونه علما - دال على أنها عالية يجري على الهواء متنسما ~~ينصب في أواني أهل الجنة على مقدار الحاجة , فإذا امتلأت أمسك , وهو في ~~الشعر اسم جبل عال وكذا التنعيم وأصله ممن السنام , ولذلك قطعا مادحا فقال ~~: { عينا ms5826 يشرب بها } أي بسببها على طريقة المزاج منها { المقربون * } أي ~~الذين وقع تقريبهم من اجتذاب بها إلا الرحيق , وأما غيرهم فلا يصل إليها ~~أصلا , وقال بعضهم : إن المقربين يشربون من هذه العين صرفا , والأبرار يمزج ~~لهم منها والفرق ظاهر - هنيا لهم . | ولما ذكر سبحانه جزاء الكافر بالجحيم ~~وجزاء المؤمن بالنعيم , وكان من أجل النعيم الشماتة بالعدو , علل جواء ~~الكافر بما فيه شماتة المؤمن به لأنه اشتغل في الدنيا بما لا يغني , فلزم ~~من ذلك تفويته لما يغني , فقال مؤكدا لأن ذا المروءات والهمم العاليات ~~والطبع السليم والمزاج القويم لا يكاد يصدق مثل هذا , وأكده إشارة إلى أن ~~من حقه أن لا يكون : { إن الذين أجرموا } أيقطعوا ما أمر الله به أن يوصل { ~~كانوا } أي في الدنيا ديدنا وخلقا وطبعا وجبلة { من الذين آمنوا } أي ولو ~~كانوا في أدنى درجات الإيمان { يضحكون * } أي يجددون الضحك كلما رأوهم أو ~~ذكروهم استهزاء بهم وبحالاتهم التي هم عليها من علاما الإيمان في رثاثة ~~أحوالهم وقلة أموالهم واحتقارهم الناس لهم مع ادعائهم أن الله تعالى لا بد ~~أن ينصرهم ويعلي أمرهم { وإذا مروا } أي الذين آمنوا { بهم } أي بالذين ~~أجرموا في أي وقت من الأوقات يستهزئون و { يتغامزون } أي يغمز بعض الذين ~~أجرموا بعضا لأذى الذين آمنوا . | < < # | المطففين : ( 31 - 36 ) وإذا انقلبوا إلى . . . . . # > > ^ ( وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن ~~هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من الكفار ~~يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ) ^ } ) | ~~PageV08P364 ولما وصفهم في مواضع التردد والتقلب , وصفهم في المنازل فقال : ~~{ وإذا انقلبوا } أي رجع الذين أجرموا برغبتهم في الرجوع وإقبالهم عليه من ~~غير تكره { إلى أهلهم } أي منازلهم التي هي عامرة بجماعتهم { انقلبوا } حال ~~كونهم { فاكهين * } أي متلذذين غاية التلذذ بما كان من مكنتهم ورفعتهم التي ~~أوصلتهم إلى الاستسخار بغيرهم , قال : ابن برجان : وذكر عليه الصلاة ~~والسلام : ( إن الذين بدأ غريبا وسيعود غريبا - كما بدأ , يكون القابض على ~~دينه كالقابض على ms5827 الجمر ) وفي أخرى : يكون المؤمن فيهم أذل من الأمة . | ~~وفي أخرى : العالم فيهم أنتن من جيفة حمار - فالله المستعان . | ولما ذكر ~~مرورهم بهم , ذكر مطلق رؤيتهم لهم فقال : { وإذا رأوهم } أي رأى الذين ~~أجرموا الذين آمنوا { قالوا } أي عند رؤيتهم للذين آمنوا مؤكدين لأنهم ~~يستشعرون أن كل ذي عقل يكذبهم مشيرين إلى تحقيرهم بأداة القرب : { إن هؤلاء ~~} أي الذين آمنوا { لضالون * } أي عريقون في الضلال لأنهم تركوا الدنيا ~~لشيء أجل لا صحة له { وما } أي والحال أنهم ما { أرسلوا } أي من مرسل ما { ~~عليهم } أي على الذين آمنوا خاصة حتى يكون لهم بهم هذا الاعتناء في بيوتهم ~~وخارجها عند مرورهم وغيره { حافظين * } أي عريقين في حفظ أعمال الذين آمنوا ~~فما اشتغالهم بهم إلى هذا الحد أن كانوا عندهم في عداد الساقط المهمل كما ~~يزعمون فما هذه المراعاة المستقصية لأحوالهم وإن كانوا في عداد المنظور ~~إليه المعتنى به فليبينوا فساد حالهم بوجه تقبله العقول ويقوم عليه دليل أو ~~ليتبعوهم وإلا فهم غير عارفين بمواضع الإصلاح وتعاطي الأمور على وجهها فما ~~أحقهم بقول القائل : | أوردها سعد وسعد مستمل ما هكذا تورد يا سعد الإبل | ~~ولما كان لا نعيم أفضل من الشماتة بالعدو لا سيما إذا كانت على أعلى طبقات ~~الشماتة قال تعالى : { فاليوم } أي فتسبب عن هذا من فعلهم في دار العمل أنه ~~يكون في دار الجزاء { الذين آمنوا } ولو كانوا في أدنى درجات الإيمان { من ~~الكفار } خاصة , وهم الراسخون في اكفر من عموم الذين أجرموا , في الحشر ~~والجنة سخرية وهزؤا , فإن الذين آمنوا لا يضحكون من عصاة المؤمنين لو رأوهم ~~يعذبون بل يرحمونهم لاشتراكهم في الدين { يضحكون } قصاصا وجزاء حين يرون ما ~~هم فيه من الذل سرورا بحالهم شكرا لله على ما أعطاهم من النجاة من النار ~~والنقمة من أعدائهم , قال أبو PageV08P365 صالح : تفتح لهم الأبواب ويقال : ~~اخرجوا , فيسرعون فإذا وصلوا إلى الأبواب غلقت في وجوههم وردوا على أقبح ~~حال , فيضحك المؤمنون - انتهى . | ويا لها من خيبة وخجلة وسواد وجه وتعب ms5828 ~~قلب وتقريع نفس من العذاب بالنار وبالشماتة والعار , حال كون الذين آمنوا ~~ملوكا { على الأرئك } أي الأسرة العالية المزينة التي هي من حسنها أهل لأن ~~يقيم المتكئ بها { ينظرون * } أي يجددون تحديق العيون إليهم كلما أرادوا ~~فيرون ما هم فيه من الهوان والذل والعذاب بعد العزة والنعيم نظر المستفهم { ~~هل ثوب } بناه للمفعول لأن الملذذ مطلق مجازاتهم { الكفار } أي وقع تثويب ~~العريقين في الكفر أي إعطاؤهم الثواب والجزاء على أنهى ما يكون , فالجملة ~~في محل نصب ( ينظرون ) { ما كانوا } أي نفس فعلهم بما هو لهم كالجبلات { ~~يفعلون * } أي بدواعيهم الفاسدة ورغباتهم المعلولة , فالجملة في موضع ~~المفعول , وقد علم أن لهم الويل الذي افتتحت السورة بالتهديد به لمن يفعل ~~فعل من لا يظن أنه يجازى على فعله , وآخرها فيمن انتقص الأعرض في خفاء , ~~وأولها فيمن انتقص الأموال كذلك , وجفاء العدل والوفاء , والله الهادي ~~للصواب , وإليه المرجع والمآب وإليه المتاب . | . . . | PageV08P366 < # > سورة الانشقاق < # > | مقصودها الدلالة على آخر المطففين من أن الأولياء ينعمون والأعداء ~~يعذبون ، لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث ولا بالعرض على الملك الذي أوجدهم ~~ورباهم كما يعرض الملوك عبيدهم ويحكمون بينهم فينقسمون إلى أهل ثواب وأهل ~~عقاب واسمها الانشقاق أدل دليل على ذلك بتأمل الظرف وجوابه الدلال على ~~الناقد البصير وحسابه { بسم الله } ذي الجلال والإكرام { الرحمن } الذي ~~كملت نعمته فشملت الخاص والعام { الرحيم } الذي أتمها بعد العموم على ~~أوليائه فأسعدهم بإتمام الإنعام . < < # | الإنشقاق : ( 1 - 8 ) إذا السماء انشقت # > > ^ ( إذا السمآء انشقت * وأذنت لربها وحقت * وإذا الأرض مدت * وألقت ~~ما فيها وتخلت * وأذنت لربها وحقت * يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا ~~فملاقيه * فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حسابا يسيرا ) ^ } ) | ~~لما ختمت التطفيف بأن الأولياء في نعيم , وأن الأعداء في نعيم , وأن ~~الأعداء في جحيم ثوابا وعقابا , ابتدأ هذه بالإقسام على ذلك فقال : { إذا ~~السماء } أي على ما لها من الإحكام والعظمة والحكمة الذي لا يقدر على مثلها ~~غيره جلت قدرته { انشقت * } أي فصارت واهية وفتحت أبوابا فتخربت وتهدمت , ~~وذلك ms5829 بعد القيام من القبور كما مضى في الحاقة عن إحدى روايتي ابن عباس رضي ~~الله عنهما { وأذنت } أي كانت شديدة الاستماع والطواعية والانقياد على أتم ~~وجه كمن له أذن واعية ونفس مطمئنة راضية { لربها } أي الأمر المخترع لها ~~والمدبر لجميع أمرها , وهي الآن وإن كانت منقادة فانقيادها ظاهر لأكثر ~~الخلق وهم المثبتة , وأما المعطلة فربما نسبوا تأثيراتها إلى الطبائع ~~والكواكب وأما عند الانشقاق فيحصل الكشف التام فلا يبقى لأحد شبهة { وحقت * ~~} بالبناء للمفعول بمعنى أنها مجبولة على أن ذلك حق عليها ثابت لها , فهي ~~حقيقة به لأنها مربوبة له سبحانه , وكل مربوب فهو حقيق بالانقياد لربه , ~~وهي لم تزل مطيعة له في ابتدائها وانتهائها , لكن هناك يكون الكشف التام ~~لجميع الأنام . | PageV08P367 ولما بدأ بالعالم العلوي لكونه أشرف لأنه ~~أعلى مكانة ومكانا , ثنى بالسفلى فقال تعالى : { وإذا الأرض } أي على ما ~~لها من الصلابة والثخانة والكثافة , وأشار بالبناء للمفعول إلى سهولة الفعل ~~فيها عليه سبحانه وتعالى وسرعة انفعالها مع كونه أعجب من انشقاق السماء ~~فإنه ربما كان في الشيء لوهيه من تطاول مرور الزمان عليه بخلاف المد فقال : ~~{ مدت } أي بسطت بسط الأديم ومطت فامتطت فزيد في سعتها جدا بعد أن تمهدت ~~فصارت دكاء فزالت جبالها وآكامها وتلالها , فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا كما ~~أن الأديم إذا مد كان كذلك فزال تثنيه واتسع . | ولما كان الجلد جديرا بأنه ~~إذا مد أن يبين عن كل ما فيه من غيره قال : { وألقت ما فيها } أي أخرجت ما ~~في بطنها من الأموال والكنوز والأموات إخراجا سريعا كأنها تذفه قذفا , وذلك ~~أيضا بكالبساط إذا نقض { وتخلت * } أي تعمدت وتكلفت الخلو عن ذلك والترك له ~~بغاية جهدها , أي فعل ذلك سبحانه فعلا كانت الأرض كأنها فاعلة له على هذا ~~الوجه , فصارت خلية عن كل شيء كان في بطنها , وصار بارزا على ظهرها , ولما ~~كان هذا ربما أوهم أنه بغير أمره سبحانه وتعالى قال : { وأذنت لربها } أي ~~فعلت ذلك بإذن الخالق لها والمربي وتأثرت في ذلك ms5830 عن تأثيره لا بنفسها , ~~وفعلت فيه كله فعل السميع المجيب { وحقت * } أي وكانت حقيقة بذلك كما أن كل ~~مربوب كذلك وتكرير ( إذا ) للتنبيه على ما في كل من الجملتين من عظيم ~~القدرة , والجواب محذوف _ لأنه في غاية الانكشاف بما دل عليه المقام مع ما ~~تقدم من المطففين وما قبلها من السور وما يأتي في هذه السورة تقديره : ~~ليحاسبن كل أحد على كدحه كله فليثوبن الكفار ما كانوا يفعلون وليجازين أهل ~~الإسلام بما كانوا يعملون . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تقدم ~~في الانفطار التعريف بالحفظة وإحصائهم على العباد في كتبهم , وعاد الكلام ~~إلى ذكر ما يكتب على البر والفاجر واستقرار ذلك في قوله تعالى : < # > 77 ( { إن كتاب الأبرار لفي عليين } ) 77 < # > [ المطففين : 18 ] وقوله : < # > 77 ( { إن كتاب الفجار لفي سجين } ) 77 < # > [ المطففين : 7 ] أتبع ذلك بذكر التعريف بأخذ هذه الكتب في القيامة عند ~~العرض , وأن أخذها بالإيمان عنوان السعادة , وأخذها وراء الظهر عنوان ~~الشقاء إذا قد تقدم في السورتين قبل ذكر الكتب واستقرارها بحسب اختلاف ~~مضمناتها فمنها ما هو في عللين ومنها ما هو في سجين إلى يوم العرض , فيؤتى ~~كل كتابه فأخذ بيمينه وهو عنون سعادته , وآخذ من وراء ظهره وهو عنوان هلاكه ~~, فتحصل الإخبار بهذه الكتب ابتداء واستقرارا وتفريقا يوم العرض , وافتتحت ~~السورة بذكر انشقاق السماء ومد الأرض وإلقائها ما فيها وتحليها تعريفا بهذا ~~اليوم العظيم بما يتذكر به من سبقت سعادته والمناسبة بينة - انتهى . | ~~PageV08P368 ولما كان الجواب ما ذكرته , أتبعه شرحه فقال مناديا بأداة ~~صالحة للبعد لأن المنادى أدنى الأسنان بادئا بالأولياء لأن آخر التطفيف ~~الذي هذا شرح له إدخال السرور عليهم : { يا أيها الإنسان } أي الآنس بنفسه ~~الناسي لربه . | ولما كان أكثر الناس منكرا للبعث أكد فقال : { إنك كادح } ~~أي ساع وعامل مع الجهد لنفسك من خير أو شر , وأكثره مما يؤثر خدوشا وشينا ~~وفسادا وشتاتا , منتهيا { إلى ربك } الذي أوجدك ورباك بالعمل بما يريد معنى ~~وبالموت حسا , وأشار إلى اجتهاد كل فيما هو ms5831 فيه وخلق له بالتأكيد بالمصدر ~~فقال : { كدحا } أي عظيما { فملاقيه * } أي فمتعقب كدحك لقاؤك لربك , وأنه ~~ينكشف لك أنك كنت في سيرك إليه كالمجتهد في لقائه اجتهاد من يسابق في ذلك ~~آخر , ونكشف لك من عظيم أمره ما ينكشف للملاقي مع من يلقاه بسبب اللقاء ~~وهذا أمر أنت ساع فيه غاية السعي لأن من كان الليل والنهار مطيتيه أوصلاه ~~بلا شك إلى منتهى سفره شاء أو أبى , فذكر هذا على هذا النمط حث على ~~الاجتهاد في الإحسان في العمل لأن من أيقن بأنه لا بد له من العرض على ~~الملك أفرغ جهده في العمل بما يحمده عليه عند لقائه . | ولما كان من ~~المعلوم أن عبيد الملك إذا عرضوا عليه , كان فيهم المقبول والمردود , بسبب ~~أن كدحهم تارة يكون حسنا وتارة يكون سيئا , قال معرفا أن الأمر في لقائه ~~كذلك على ما نعهد , فمن كان مقبولا أعطي كتاب حسناته بيمينه لأنه كان في ~~الدنيا من أهل اليمين أي الدين المرضي , ومن كان مردودا أعطي كتابه بشماله ~~لأنه كان في الدنيا مع أهل الشمال وهو الدين الباطل الذي يعمل من غير إذن ~~المالك , فكأنه يفعل من ورائه , فترجم هذا الغرض بقوله سبحانه وتعالى مفصلا ~~للإنسان المراد المراد به الجنس من ورائه , فترجم هذا الغرض بقوله سبحانه ~~وتعالى مفصلا للإنسان المراد به الجنس جامعا للضمير بعد أن أفرده تنصيصا ~~على حشر كل فرد : { فأما من أوتي } بناه للمفعول إشارة إلى أن أمور الآخرة ~~كلها قهر وفي غاية السهولة عليه سبحانه وتعالى , وفي هذه الدار لأمر وإن ~~كان كذلك إلا أن الفرق في انكشاف ستر الأسباب هناك فلا دعوى لأحد { كتابه } ~~أي صحيفة حسابه التي كتبتها الملائكة وهو لا يدري ولا يشعر { بيمينه } من ~~أمامه وهو المؤمن المطيع { فسوف يحاسب } أي يقع حسابه بوعد لا خلف فيه وإن ~~طال الأمد لإظهار الجبروت والكبرياء والقهر { حسابا يسيرا } أي سهلا لا ~~يناقض فيه لأنه كان سحاب نفسه فلا يقع له المخالفة إلا ذهولا , فلأجل ذلك ~~تعرض ms5832 أعماله فيقبل حسنها ويعفو عن سيئها . | < < # | الإنشقاق : ( 9 - 15 ) وينقلب إلى أهله . . . . . # > > ^ ( وينقلب إلى أهله مسرورا * وأما من أوتي كتابه ورآء ظهره * فسوف ~~يدعو ثبورا * PageV08P369 ويصلى سعيرا * إنه كان في أهله مسرورا * إنه ظن ~~أن لن يحور * بلى إن ربه كان به بصيرا ) 73 < # > } ) 71 < # > | ولما كان هذا دالا على العفو , أتبعه ما يدل على الإكرام فقال : { ~~وينقلب } أي يرجع من نفسه من غير مزعج برغبة وقبول { إلى أهله } أي الذين ~~أهله الله بهم في الجنة فيكون أعرف بهم وبمنزلة الذي أعد له منه بمنزله في ~~الدنيا . | ولما كانت السعادة في حصور السرور من غير قيد , بنى للمفعول ~~قوله : { مسرورا * } أي قد أوتي جنة وحريرا , فإنه كان في الدنيا في أهله ~~مشفقا من العرض على الله مغموما مضرورا يحاسب نفسه بكرة وعشيا حسابا عسيرا ~~مع ما هو فيه من نكد الأهل وضيق العيش وشرور المخالفين , فذكر هنا الثمرة ~~والمسبب لأنها المقصودة بالذات , وفي الشق الآخرة السبب والأصل , وقد ~~استشكلت الصديقة أحدهما ( ليس أحد يحاسب إلا هلك ) والثاني ( من نوقش ~~الحساب عذب ) قالت عائشة رضي الله عنها : فقلت : يا رسول الله ! أليس الله ~~يقول < # > 77 ( { فأما من أوتي كتابه } ) 77 < # > [ الانشقاق : 8 ] فقال : صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذلك العرض ) فإن ~~كان اللفظ الأول هو الذي سمعته فالإشكال فيه واضح , وذلك أنه يرجع إلى كلية ~~موجبة هي ( كل من حوسب هلك ) والآية مرجع إلى جزئية سالبة وهي ( بعض من ~~يحاسب لا يهلك ) وهو نقيض , وحينئذ يكون اللفظ الثاني من تصرف الرواة , وإن ~~كان الثاني هو الذي سمعته فطريق تقدير الإشكار فيه أن يقال : المناقشة في ~~اللغة من الاستقصاء وهو بلوغ الغاية , وذلك في الحساب بذكر الجليل والحقير ~~والمجازاة عليه , فرجع الأمر أيضا إلى كلية موجبة هي ( كل من حوسب بجميع ~~أعماله عذب ) وذلك شامل لكل حساب سواء كان يسيرا أو لا , لأن الأعم يشمل ~~جميع أخصاته , والآية مثبتة أن من أعطي كتابه بيمينه يحاسب عليه ولا يهلك , ~~والصديقة رضي الله عنها ms5833 عالمة بأن الكتاب يثبت فيه جميع الأعمال من قوله ~~تعالى : < # > 77 ( { لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } ) 77 < # > [ الكهف : 49 ] ومن حديث الحافظين وغير ذلك , فرجع الأمر إلى أن بعض من ~~يحاسب بجميع أعماله لا يهلك , وحينئذ فالظاهر التعارض فسألت , فأقرها صلى ~~الله عليه وسلم على الإشكال وأجابها بما حاصله أن المراد بالحساب في الحديث ~~مدلوله المطابقي , وهو ذكر الأعمال كلها - والمقابلة على كل منها , وذلك هو ~~معنى المناقشة , فمعنى ( من نوقش الحساب ) من حوسب حسابا حقيقيا بذكر جمع ~~أعماله والمقابلة على كل منها , وأن المراد بالحساب PageV08P370 في الآية ~~جزء المعنى المطابقي وهو ذكر الأعمال فقط من غير مقابلة , وذلك بدلالة ~~التضمن مجازوا مرسلا لأنه إطلاق اسم الكل على الجزء , ولأجل هذا كانت ~~الصديقة رضي الله تعالى عنها تقول بعد هذا في تفسير الآية : يقرر بذنوبه ثم ~~يتجاوز عنها - كما نقله عنها أبو حيان , وعلى ذلك دل قوله صلى الله عليه ~~وسلم فيما رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما : ( إن الله تعالى يدنى ~~المؤمن يوم القيامة فيضع كنفه عليه ويستره ثم يقول له : أتعرف ذنب كذا - ~~حتى يذكره بذنوبه كلها ويرى في نفسه أنه قد هلك , قال الرب سبحانه : سترتها ~~عليك في الدنيا , وأنا إغفرها لك اليوم ) ولفظ ( كنفه ) يدل على ذلك فإن ~~كنفه الطائر جناحه , وهو إذا وقع فرخه في كنفه عامله بغاية اللطف , فالله ~~تعالى أرحم وألطف { وأما من أوتي } أي بغاية السهولة وإن أبى هو ذلك { ~~كتابه } أي صحيفة حسابه { وراء ظهره * } أي في شماله إيتاء مستغرقا لجميع ~~جهة الوراء التي هي علم السوء لأنه كان يعمل ما لم يأذن به الله , فكأنه ~~عمل من ورائه مما يظن أنه يخفى عليه سبحانه , فكان حقيقا بأن تعل يمينه إلى ~~عنقه , وتكون شماله إلى وراء ظهره , ويوضع على الأمام أولا , وسر ذلك أنه ~~ذكر دليل المودة والرفق بالمصافحة ونحوها في السعيد , ودليل الغدر ~~والاغتيال في الشقي { فسوف يدعوا } أي بوعد لا محالة في وقوعه أبدا { ثبورا ms5834 ~~* } أي حسرة وندما بنحو قوله : واثبوراه , وهو الهلاك الجامع لأنواع ~~المكاره كلها لأن أعماله في الدنيا كانت أعمال الهالكين . | ولما كان ذلك ~~لا يكون إلا لبلاء كبير , أتبعه ما يمكن أن يكون علة له فقال : { ويصلى ~~سعيرا * } أي ويغمس في النار التي هي في غاية الاتقاد ويقاسي حرها وهي ~~عاطفة عليه ومحطية به لأنه كان تابعا لشهواته التي هي محفوفة بها فأوصلته ~~إليها وأحاطت به . | ولما ذكر هذا العذاب الذي لا يطاق , أتبعه سببه ترهيبا ~~منه واستعطافا إلى التوبة وتحذيرا من السرور في دار الحزن , فقال مؤكدا ~~تنبيها على أنه لا ينبغي أن يصدق أن عاقلا يثبت له سرور في الدنيا : { إنه ~~كان } أي بما هو له كالجبلة والطبع { في أهله } أي في دار العمل { مسرورا * ~~} أي ثابتا له السرور بطرا بالمال والجاه فرحا به مخلدا إليه مترفا مع ~~الفراغ والفرار عن ذكر حساب الآخرة كما قال في التي قبلها < # > 77 ( { وإذا انقلبوا PageV08P371 إلى أهلهم انقلبوا فاكهين } ) ^ [ ~~المطففين : 31 ] , لا يحزن أحدهم لذنب عمله ولا لقبيح ارتكبه , بل يسر ~~بكونه يأتي له ذلك فهو يحاسب في الآخرة حسابا عسيرا , وينقلب إلى أعدائه ~~مغموما كسيرا , وقد بان أن الكلام من الاحتباك : ذكر الحساب اليسير الذي هو ~~الثمرة والمسبب أولا يدل على حذف ضده ثانيا , وذكر السرور في الأهل الذي هو ~~السبب الثاني يدل على حذف ضده وهو سبب السعادة وهو الغم ومحاسبة النفس في ~~الأول , فهو احتباك في احباك , ثم علل ثبات سروره فقال مؤكدا تنبيها أيضا ~~على أنه لا يصدق أن أحدا ينكر البعث مع ما له من الدلائل التي تفوت الحصر : ~~{ إنه ظن } لضعف نظره { أن } أي أنه { لن يحور * } أي يرجع إلى ربه أو ينقص ~~أو لهلك ^ ( { وقالوا ما هي إلا حياتنا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } ~~) ^ [ الجاثية : 24 ] فلهذا كان يعمل عمل من لا يخاف عاقبة { بلى } ليرجعن ~~صاغرا ناقصا هالكا , ثم علل ذلك بقوله مؤكدا لأجل من ينكر : { إن ربه } أي ~~الذي ابتدأه إنشاءه ورباه ms5835 { كان } أزلا وأبدا { به } أي هذا الشقي في ~~إعادته كما كان في ابتدائه وفي جميع أعماله وأحواله التي لا يجوز في عدل ~~عادل ترك الحساب عليها { بصيرا * } أي ناظرا له وعالما به أبلغ نظر وأكمل ~~علم , فتركه مهملا مع العلم بأعماله مناف للحكمة والعدل والملك , فهو شيء ~~لا يمكن في العقل بوجه . | < < # | الإنشقاق : ( 16 - 19 ) فلا أقسم بالشفق # > > ^ ( فلا أقسم بالشفق * والليل وما وسق * والقمر إذا اتسق * لتركبن ~~طبقا عن طبق ) ^ } ) | ولما أخبر سبحانه بإنكاره لما أتاه به الرسل من ~~الحشر على وجه موضح للدليل على بطلان إنكاره ولم يرجع , سبب عنه الإقسام ~~على صحة ذلك لأنه ليس عند النذير الناصح الشفوق بعد إقامة الأدلة إلا ~~بالإيمان على صحة ما قال نظرا منه للمنصوح وشفقة عليه , وترك الحلف على ما ~~هو ظاهر أبلغ من الحلف لما في ذلك الترك من تنبيه المخاطب على النظر ~~والتأمل فقال : { فلا أقسم } أي أحلف حلفا عظيما هو كقاموس البحر بهذه ~~الأمور التي سأذكرها لما لها من الدلالة على الإبداء والإعادة , لا أقسم ~~بها وإن كانت في غاية العظم بما لها من الدلالات الواضحة لأن المقسم عليه ~~أجل منها وأظهر فهو غني عن الإقسام { بالشفق * } أي الضياء الذي يكون في ~~المغرب عقب غروب الشمس أطباقا حمرة ثم صفرة ثم كدرة إلى بياض ثم سواد , ~~وكذلك الليل أوله بياض بغبرة ثم تتزايد غبرته قليلا إلى أن يسود مربادا ~~فيوسق كل شيء ظلاما , سمي شفقا لرقته ومنه الشفقة لرقة القلب { واليل } أي ~~الذي يغلبه فيذهبه { وما وسق * } أي جمع في بطنه وطرد وساق من ذلك الشفق ~~ومن النهار الذي كان قبله والنجوم التي PageV08P372 أظهرها وغير ذلك من ~~الغرائب التي تدل على أن موجده بعد أن لم يكن ومذهب ما كان به قادر على ~~الإبداء والإعادة وكل ما يريد { والقمر } أي الذي هو آيته { إذا اتسق * } ~~أي انتظم واستوى واجتمع كماله وتم أمره ليلة إبداره بعد أن كان قد غاب أصلا ~~ثم بدأ هلالا خفيا ضئيلا دقيقا ولم ms5836 يزل يزداد حتى يتم ثم ينقص إلى أن يخفى ~~ثم يعود إلى حاله دليلا أظهر من الشمس على قدرة موجده كذلك على كل أمر من ~~الإبداء والإعادة . | ولما كانت هذه الأمور عظيمة جدا لا يقدر عليها إلا ~~الله تعالى ولها من المنافع ما لا يعلمه حق علمه إلا هو سبحانه وتعالى , ~~وكل منها مع ذلك دال على تمام قدرته تعالى على الذي يراد تقريره في العقول ~~وإيضاحه من القدرة التامة على إعادة الشيء كما كان سواء , ونفي الإقسام بها ~~دليلا على أن ذلك في غاية الظهور , فالأمر فيه غني عن الإقسام , قال في ~~موضع جواب القسم مقرورنا باللام الدالة على القسم ذاكرا ما هو في الظهور ~~والبداهة بحيث لا يحتاج إلى تنبيه عليه بغيره ذكره : { لتركبن } أي أيها ~~المكلفون - هذا على قراءة الجماعة بضم الباء دلالة على حذف واو الجمع , ~~وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بفتحها على أن الخطاب للانسان باعتبار اللفظ ~~{ طبقا } مجاوزا { عن طبق * } أي حالا بعد حال من أطوار الحياة وأدوار ~~العيش وغمرات الموت ثم من أمور البرزخ وشؤون البعث ودواهي الحشر بدليل ما ~~كان لكم قبل ذلك سواء بتلك القدرة التي كونت تلك الكزائن وأوجدت تلك ~~العجائب سواء , فتكونون في تمكن الوجود في كل طبق بحال التمكن على الشيء ~~بالركوب , وكل حال منها مطابق للآخر في ذلك فإن الطبق ما يطابق غيره , ومنه ~~قيل للغطاء : طبق - لمطابقته المغطى , والطبق كل ما ساوى شيئا ووجه الأرض ~~والقرن من الزمان أو عشرون سنة , وكلها واضح الإرادة هنا وهو بديهي الكون , ~~فأول أطباق الإنسان جنين , ثم وليد , ثم رضيع ثم فطيم , ثم يافع , ثم رجل , ~~ثم شاب , ثم كهل , ثم شيخ , ثم ميت , وبعده نشر ثم حشر ثم حساب ثم وزن ثم ~~صراط ثم مقر , ومثل هذه الأطباق المحسوسة أطباق معنوية من الفضائل والرذائل ~~. | < < # | الإنشقاق : ( 20 - 25 ) فما لهم لا . . . . . # > > ^ ( فما لهم لا يؤمنون * وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون * بل ~~الذين كفروا يكذبون * والله أعلم بما يوعون * فبشرهم ms5837 بعذاب أليم * إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون ) ^ } ) | ولما ظهر المراد ~~ولم يبق إلا العناد , سبب عن ذلك الإنكار عليهم والتوبيخ والتقريع والتهديد ~~, فقال معرضا عن خطابهم إلى الغيبة إيذانا باستحقاقهم للأخذ إن لم يرجعوا : ~~{ فما لهم } أي وأي شيء لهؤلاء الذين أنزلنا عليهم هذا الكتاب المعجز في ~~أنهم { لا يؤمنون * } أي وأي شيء لهؤلاء الذين أنزلنا عليهم هذا الكتاب ~~المعجز في أنهم { لا يؤمنون * } أي يوقعون الإيمان ويجددونه كل وقت على ~~الاستمرار بكل ما PageV08P373 دعا إليه هذا الكتاب الذي خصهم بهم ملك ~~الملوك وقد وضحت الدلالة وقامت البراهين لا سيما دلائل القيامة هل هي إلا ~~واحدة من هذه الأطباق المنتقل إليها لأن من كان اليوم على حالة وغدا على ~~أخرى جدير بأن يعلم أن تدبيره إلى سواه , ومن لم يعلم ذلك فليس لجنونه دواء ~~, ومن علم أن تبديره إلى سواء علم أن المشيئة في التدبير - إليه لا إلى ~~نفسه , وقيل لأبي بكر الوراق : ما الدليل على الصانع ؟ قال : تحويل الحالات ~~وعجز القوة وضعف الأركان وقهر المشيئة , وفسخ العزيمة . | { وإذا قرئ } أي ~~من أي قارئ كان { عليهم القرآن } أي الجامع لكل ما ينفعهم في دنياهم ~~وأخراهم الفارق بين كل ملتبس من الحرام والحلال وغير ذلك { لا يسجدون * } ~~أي يخضعون بالقلب ويتذللون للحق بالسجود اللغوي فيسجدون بالقالب السجود ~~الشرعي لتلاوته لأنه ملك الكلام , قد أبان عم معارف لا تحصر , مع الشهادة ~~لنفسه بإعجازه أنه من عند الله , ليس لهم في ذلك عذر إلا الجهل أو العجز , ~~ولا جهل مع القرآن ولا عجز مع القوة والاختيار . | ولما كان هذا استفهاما ~~إنكاريا معناه النفي , فكان التقدير : إنهم لا يؤمنون ولا عذر لهم في ذلك ~~أصلا , أضرب عنه بقوله : { بل } ووضع الظاهر موضع المضمر تعميما وتنبيها ~~على الوصف الذي حملهم على التكذيب فقال : { الذين كفروا } أي ستروا مرائي ~~عقولهم الدالة على الحق { يكذبون * } أي بالقرآن وبما دل عليه من حقائق ~~العرفان المعلية إلى أوج الإيمان بالواحد الديان { والله } أي والحال أن ms5838 ~~الملك المحيط بكل شيء قدرة وعلما { أعلم } أي منهم أنفسهم { بما يوعودن * } ~~أي يضعون في أوعية صدورهم من الكفر والعداوة بسبب الشهوات الشاغلة لهم وهي ~~حب الرئاسة وادعاء الألوهية الشاغلة لهم عن التدبر لهذا القرآن وعن شواهد ~~الموجدات . | ولما كان هذا موجبا لشديد الإنذار , وضع موضعه تهكما بهم ~~وإعلاما بأن الغضب قد بلغ منتهاه قوله : { فبشرهم } أي أخبرهم يا أفضل ~~الخلق وأكملهم وأعدلهم خبر يغير إبشارهم { بعذاب أليم * } أي شديد الألم ~~لشدة إيلامه , إن كان لهم يوما من الأيام بشارة فهي هذه . | ولما أخبر عنهم ~~بهذا الهوان , وكان قد عبر عنهم بأدنى الأسنان إشارة إلى منهم من يقبل ~~الإيمان , استثنى منهم فقال : { إلا الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان { ~~وعملوا } دلالة على صدق إيمانهم { الصالحات } . | ولما تقدم أن من حوسب عذب ~~, وأن الناجي إنما يكون حسابه عرضا , علم أنه ليس للأعمال دخل في الحقيقة ~~في الأجر , وإنما المدار كما قال النبي صلى الله عليه وسلم على التغمد ~~PageV08P374 بالرحمة حتى في تسمية النعيم أجرا , أسقط الفاء المؤذنة بالسبب ~~تنبيها على ذلك بخلاف ما في سورة التين لما يأتي من اقتضاء سياقها للفاء ~~فقال : { لهم أجر } أي عظيم وثواب جزيل يعلمه الله تعالى وهو التجاوز عن ~~صغائرهم وسترها { غير ممنون * } أي مقطوع أو منقوص أو يمتن عليهم به في ~~الدنيا والآخرة يؤتون ذلك في يوم الدين يوم تنشق السماء وتمد الأرض ويثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون , فقد رجع آخرها على أولها , واعتلق مفصلها حق ~~الاعتلاق بموصلها . | . . . | PageV08P375 < # > سورة البروج < # > | مقصودها الدلالة على القدرة على مقصود الانشقاق الذي هو صريح آخرها ~~من تنعيم الولي وتعذيب الشقي بمن عذبه في الدنيا ممن لا يمكن في العادة أن ~~يكون عذابه ذلك إلا من الله وحده تسلية لقلوب المؤمنين وتثبيتا لهم على أذى ~~الكافرين ، وعلى ذلك الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلما { الرحمن } الذي عم ~~الخلائق عدلا وحلما { الرحيم } الذي خص أولياءه بإتمام النعمة عليهم عينا ~~كما أظهره رسما . < < # | البروج : ( 1 - 7 ) والسماء ذات البروج # > > ^ ( والسمآء ذات البروج ms5839 * واليوم الموعود * وشاهد ومشهود * قتل أصحاب ~~الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما يفعلون ~~بالمؤمنين شهود ) ^ } ) | لما ختم تلك بثواب المؤمن وعقاب الكافر ~~والاستهزاء به بعد أن ذكر أنه سبحانه أعلم بما يضمر الأعداء من المكر وما ~~يرومون من الأنكاد للأولياء وتوعدهم بما لا يطيقون , وكانوا قد عذبوا ~~المؤمنين بأنواع العذاب واجتهدوا في فتنة من قدروا عليه منهم , وبالغوا في ~~التضييق عليهم حتى ألجؤوهم إلى شعب أبي طالب وغيره من البروج في البلاد , ~~ومفارقة الأهل والأولاد , ابتدأ هذه بما أوقع بأهل الجبروت ممن تقدمهم على ~~وجه معلم أن ذلك الإيقاع منه سبحانه قطعا , ومعلم أن الماضين تجاوزوا ما ~~فعل على وجه معلم أن الماضين تجاوزوا ما فعل هؤلاء إلى القذف في النار , ~~وأن أهل الإيمان ثبتوا , وذلك لتسلية المؤمنين وتثبيتهم , وتوعيد الكافرين ~~وتوهيتهم وتفتيتهم , فقال مقسما لأجل إنكارهم وفعلهم في التمادي في عداوة ~~حزب الله فعل المنكر أن الله ينتقم لهم بما يدل على تمام القدرة على ~~القيامة : { والسماء } أي العالية غاية العلو المحكمة غاية الإحكام { ذات ~~البروج * } أي المنازل للكواكب السيارة التي ركبها الله تعالى على أوضاع ~~جعل في بعضها قوة التسبب للإبداء PageV08P376 والإعادة بالإنبات وفي بعضها ~~قوة التربية كذلك , وفي الأخرى قوة الاستحصاد بأسباب خفية أقامها سبحانه لا ~~ترونها , غير أنكم لكثرة إلفكم لذلك صرتم تدركون منه بالتجارب أمورا تدلكم ~~على تمام القدرة , فنسبها بعضكم إلى الطبيعة لقصور النظر في أسباب الأسباب ~~وكلال الفكر عن النفوذ إلى نهاية ما تصل إليه الألباب , فاستبدل بالشكر ~~الكفر , واستدل بالآيات على ضد ما تدل عليه لجمود الذهن وانعكاس الفكر , ~~والمراد بها المنازل الاثناء عشر : الحمل - والثور - والجوزاء - والسرطان - ~~والأسد - والسنبلة - والميزان - والعقرب - والقوس - والدلو - والحوت - هي ~~تقطعها الشمس في السنة , أو هي الثمانية والعشرون التي يقطعها القمر في ~~الشهر , وهي منازل الشمس هذه الاثنا عشر بسير القمر في كل واحد منها يومين ~~وثلثا , فذلك ثمانية وعشرون يوما ويستسر ليلتين , فذلك شهر , وهو إشارة إلى ~~أن الذي فصل ms5840 السماء هذا التفصيل وسخر فيها هذه الكواكب لمصالح الإنسان لا ~~يتركه سدى , بل لا بد من دينونته على ما يفعله منخير وشر شبهت بالقصور ~~لأنها تنزلها السيارة وتكون فيها الثوابت وعظام الكواكب , سميت بروجا ~~لظهورها , أو أبواب السماء فإن النزازل تخرج منها , وأصل التركيب للظهور . ~~| ولما كانت هذه الجملة من القسم دالة على بعث قال تصريحا : { واليوم ~~الموعود * } أي يوم القيامة الذي تحقق الوعد به وثبت ثبوتا لا بج منه بما ~~دل عليه من قدرتنا في مخلوقاتنا وأنا سببنا له أسبابا هي عتيدة ليدكم وأنتم ~~لا ترونها ولا تحسون شيئا منها ولم تبينها لكم الرسل لقصور عقولكم عنها ~~بأكثر من الدلالة بالأسباب التي ألفتموها على مثلها من غير فرق غير أنه وإن ~~كان العقل لا يستقل به ولا يفقه منه غير السماء للوعد به من الرسل فهو لا ~~يحيله بعد سماعه . | ولما كان الجمع لأجل العرض , وكان العرض لا بد فيه من ~~شهود ومشهود عليهم وجدال على عهود , قال منكرا للإبهام للتعظيم والتعميم ~~مثل { علمت نفس ما نفسه من الأعيان والآثار الهائلة , أو عليه فإنه يوم ~~تشهده جميع الخلائق , ويحضر فيه من العجائب أمور يكل عنها الوصف , ويحضره ~~الأنبياء الشاهدون وأممهم المشهود عليهم , ولا تبقى صغيرة من الأعمال ولا ~~كبيرة إلا أحصيت , وفي ذلك أشد وعيد لجميع العبيد . | ولما كان جواب القسم ~~على ما دل عليه مقصود السورة وسوابقها ولواحقها : لنثوين الفريقين الأولياء ~~والأعداء , ولندينن كلا بما عمل , دل عليه بأفعاله في الدنيا PageV08P377 ~~ببعض الجبابرة فيما مضى , وفيما يفعل بجبابرة من كذب النبي صلى الله عليه ~~وسلم , فقال بادئا بمن عذب بعذاب الله في القيامة للبداءة في آخر الانشقاق ~~بقسم المكذبين وهم المحدث عنهم , معبرا بما يصلح للدعاء والحقيقة تسلية ~~للمؤمنين وتثبيتا لهم بما وقع لأمثالهم , وتحذيرا مما كان لأشكالهم : { قتل ~~} أي لعن بأيسر أمر وأسهله من كل لاعن لعنا لا فلاح معه , ووقع في الدنيا ~~أنه قتل حقيقة { أصحاب الأخدود * } أي الخد العظيم , وهو الشق المستطيل في ~~الأرض كالنهر ms5841 , روي أن ملكا من الكفار - وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما ~~أنه كان من حمير - من ملوك اليمن , وكان قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بسبعين سنة , آمن في زمانه ناس كثير , فخد لهم أخدودا في الأرض وسجره نارا ~~وعرض من آمن عليه , فمن رجع عن دينه تركه , ومن ثبت - وهم الأغلب - قذفه في ~~ذلك الأخدود فأحرقه . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : وردت هذه السورة ~~في معرض الالتفات والعدول غلى إخبار نبي الله صلى الله عليه وسلم بما ~~تضمنته هذه السورة من قصة أصحاب الأخدود , وقد تقدم هذا الضرب في سورة ~~المجادلة وسورة النبأ , وبينا وقوعه في أنفس السور ومتونها وهو أقرب فيما ~~بين السورتين وأوضح - أنتهى . | ولما ذمهم سبحانه وتعالى , بين وجه ذمهم ~~ببدل اشتمال من أخدودهم فقال : { النار } أي العظيمة التي صنعوها لعذاب ~~أوليائنا , وزاد في تعظيمها بقوله : { ذات الوقود * } أي الشيء الذي نوقد ~~به من كل ما يصلح لذلك من الحطب وغيره , وعلق ب ( قتل ) قوله : { إذ هم } ~~أي بظواهرهم وضمائرهم { عليها } أي على جوانب أخدودها { قعود * } أي ~~يحفظونها ويفعلون ما يأمرهم ملكهم في أمرها من إلقاء الناس وغيره فعل ~~القاعد المطمئن الذي ليس له شغل غيرها { وهم على ما يفعلون } أي خاصة بقوة ~~دواعيهم إلى فعله ورغبتهم فيه منالفتنة بالعرض على النار وغيره مكررين ذلك ~~الفعل { بالمؤمنين } أي الراسخين في الإيمان الذي لم يثنهم العذاب عنه { ~~شهود * } أي يشهد بعضهم لبعض عند الملك أنه لم يقصر فيما أمره به ويشهدون ~~يوم القيامة بماتشهد به عليهم أيديهم وأرجلهم على أنفسهم بهذا الظلم , ~~ويشهد بعضهم على بعض ويعادي بعضهم بعضا , ويحيل كل على الآخر طمعا في ~~النجاة . | < < # | البروج : ( 8 - 11 ) وما نقموا منهم . . . . . # > > ^ ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد * الذي له ملك ~~السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد * إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق * إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من ms5842 تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير ) ^ } ) ~~| PageV08P378 ولما كان هذا الفعل العظيم لا يكون من عاقل إلا لسبب يليق به ~~, بين أنه إنما هو لسبب يبعد منه , فقال على طريق : | ولا عيب فيهم غير أن ~~سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب | { وما نقموا } أي أنكروا وكرهوا { منهم ~~} من الحالات وكان دينا لهم ونقصا فيهم { إلا أن يؤمنوا } أي يجددوا ~~الإيمان مستمرين عليه { بالله } أي الملك الأعلى الذي له جميع صفات الكمال ~~. | ولما كان ربما أوهم ترك معالجته سبحانه لهم لكونهم يعذبون من آمن به ~~لأجل الإيمان به ما لا يليق , فنى ذلك بقوله واصفا لهم بما يحقق وجوب ~~العبادة له وتفرده بها : { العزيز } أي الذي يغلب من أراد ولا يغلبه شيء , ~~فلا يظن إمكانه من أهل ولايته لعجز , بل هو يبتليهم ليعظم أجورهم ويعظم ~~عقاب أعدائهم ويعظم الانتقام منهم { الحميد * } أي المحيط بجميع صفات ~~الكمال , فهو يثيب من أصيب فيه أعظم ثواب , وينتقم ممن آذاه بأشد العذاب , ~~وقرر ذلك بقوله : { الذي له } أي خاصة { ملك السماوات والأرض } أي على جهة ~~العموم مطلقا فكل ما فيهما جدير بأن يعبده وحده ولا يشرك به شيئا . | ولما ~~قدم سبحانه التحذير بالشاهد والمشهود , وأن الكافرين شهود على أنفسهم , زاد ~~في التحذير بأنه سبحانه أعظم شهيد في ذلك اليوم وغيره فهو لا يحتاج إلى ~~غيره , ولكنه أجرى ذلك على ما نتعارفه فقال : { والله } أي الملك الأعظم ~~الي له الإحاطة الكاملة { على كل شيء } أي هذا الفعل وغيره { شهيد * } أي ~~أتم شهادة لا يغيب عنه شيء أصلا , ولا يكون شيء ولا يبقى إلا بتدبيره , ومن ~~هو بهذه الصفات العظيمة لا يهمل أولياءه أصلا , بل لا بد ان ينتقم لهم من ~~أعدائه ويعليهم بعلائه , ولذلك قال مستأنفا جوابا لمن يقول : فما فعل بهم ؟ ~~مؤكدا لإنكار الكفار ذلك : { إن الذين فتنوا } أي خالطوا من الأذى بما لا ~~تحتمله القوى فلا بد أن يميل أو يحيل في أي زمان كان ومن أي قوم كانوا { ~~المؤمنين والمؤمنات } أي ذوي الرسوخ في وصف ms5843 الإيمان . | ولما كانت التوبة ~~مقبولة قبل الغرغرة ولو طال الزمان , عبر بأداة التراخي فقال : { ثم لم ~~يتوبوا } أي عن ذنوبهم وكفرهم . | ولما كان سبحانه لا يعذب أحدا إلا بسبب , ~~سبب عن ذنبهم وعدم توبتهم قوله : { فلهم } أي خاصة لأجل كفرهم { ولهم } أي ~~مع ذلك في الدارين لأجل فتنتهم لأولياء الله { عذاب الحريق * } أي العذاب ~~الذي من شأنه المبالغة في الإحراق بما أحرقوا من قلوب الأولياء , وقد صدق ~~سبحانه قوله هذا فيمن PageV08P379 كذب النبي صلى الله عليه وسلم بإهلاكهم ~~شر إهلاك مغلوبين مقهورين مع أنهم كانوا قاطعين بأنهم غالبون كما فعل بمن ~~كان قبلهم , فدل ذلك على أنه على كل شيء قدير , فدل على أنه يبدئ ويعيد . | ~~ولما ذكر عقاب المعاندين بادئا به لأن المقام له , أتبعه ثواب العادبين , ~~فقال مؤكدا لما لأعدائهم من إنكار ذلك : { إن الذين آمنوا } أي أقروا ~~بالإيمان ولو على أدنى الوجوه من المقذوفين في النار وغيرهم من كل طائفة في ~~كل زمان { وعملوا الصالحات } تصديقا لإيمانهم وتحقيقا لهز ولما كان الله ~~سبحانه من رحمته قد تغمد أولياءه بعنايته ولم يكلهم إلى أعمالهم لم يجعلها ~~سبب سعادتهم فلم يقرن بالفاء قوله : { لهم } أي جزاء مقاساتهم لنيران ~~الدنيا من نار الأخدود الحسية التي ذكرت , ومن نيران الغموم والأحزان ~~المعنوية التي يكون المباشر لأسبابها غيره سبحانه فيكون المقاسي لها مع ~~حفظه للدين كالقابض على الجمر { جنات } أي فضلا منه { الأنهار } لتلذذون ~~ببردها في نظير ذلك الحر الذي صبروا عليه في الدنيا ويروقهم النظر غليها مع ~~خضرة الجنان والوجوه الحسان الجالبة للسرور الجالية للأحزان . | ولما ذكر ~~هذا الذي يسر النفوس ويذهب البؤس , فذلكه بقوله : { ذلك } أي الأمر العالي ~~الدرجة العظيم البركة { الفوز } أي الظفر بجميع المطالب لا غيره { الكبير * ~~} كبرا لا تفهمون منه أكثر من ذكره بهذا الوصف على سبيل الإجمال , وذلك أن ~~من كبره أن هذا الوجود كله يصغر عن أصغر شيء منه . | < < # | البروج : ( 12 - 22 ) إن بطش ربك . . . . . # > > ^ ( إن بطش ربك لشديد * إنه هو يبدىء ويعيد * وهو الغفور ms5844 الودود * ذو ~~العرش المجيد * فعال لما يريد * هل أتاك حديث الجنود * فرعون وثمود * بل ~~الذين كفروا في تكذيب * والله من ورآئهم محيط * بل هو قرآن مجيد * في لوح ~~محفوظ ) ^ } ) | ولما كان لا يثيب ويعذب على هذا الوجه إلا من كان في غاية ~~العظمة , قال معللا لفعله ذلك دالا بذلك التعلل على ما له من العظمة التي ~~تتقاصر الأفكار دون عليائها , مؤكدا لما للأعداء من الإنكار : { إن بطش ربك ~~} أي أخذ المحسن إليك المدبر لأمرك أعداء الدين بالعنف والسطوة وغاية الشدة ~~{ لشديد * } أي يشدة يزيد عنفها على ما في البطش من العنف المشورط في ~~تسميته , فهو عنف مضاعف . | ولما كان هذا البطش لا يتأتى إلا لكامل القدرة ~~, دل على كما قدرته واختصاصه بذلك بقوله مؤكدا لما لهم من الإنكار : { إنه ~~} وزاد التأكيد بمبتدأ آخر ليدل على PageV08P380 الاختصاص فقال : { هو } أي ~~وحده { يبدئ } أي يوجد ابتداء أي خلق أراد على أي هيئة أراد { ويعيد * } أي ~~ذلك المخلوق بعد إفنائه في أي وقت أراده , وغيره لا يقدر على شيء من ذلك , ~~وليس هذا الضمير بفصل لأنه لا يكون إلا والخبر لا يكون إلا معرفة , أو شبيه ~~بها في أنه لا يلحقه ( ألا ) المعرفة مثل خير منك , وأجاز المازني وقوعه ~~قبل المضارع لمشابهته الاسم وامتناع دخول ( أل ) عليه فأشبه المعرفة , وقال ~~: ولا يكون قبل الماضي لأن الماضي لا يشبه الاسم , قال الرضي : وما قاله ~~دعوى بلا حجة ومثل ( ومكر أولئك هو يبور ) ليس بنص في كونه فصلا لجواز كونه ~~مبتدأ بما بعده خبره , ونقض قوله في الماضي بقوله تعالى : < # > 77 ( { وإنه هو أضحك وأبكى } ) 77 < # > [ النجم : 43 ] . | ولما ذكر سبحانه بطشه , وكان القادر على العنف قد ~~لا يقدر على اللطف , وإن قدر فربما لم يقدر على الإبلاغ في ذلك , وكان لا ~~يقدر على محو الذنوب أعيانها وآثارها على كل أحد بحيث لا يحصل لصاحبها عقاب ~~ولا عتاب من أحد أصلا إلا من كان قادرا على كل شيء , قال مبينا لجميع ذلك ~~دليلا على أنه ms5845 الفاعل المختار , ومؤكدا لخروجه عن العوائد : { وهو } أي ~~وحده { الغفور } أي المحاء لأعيان الذنوب وآثارها إذا أراد بحيث لا يحصل ~~لمن محا ذنبه كدر من جهة ذلك الذنب أصلا { الودود * } أي الذي يفعل بمن ~~أراد فعل المحب الكثير المحبة فيجيبه إلى ما شاء ويلقي على صاحب الذنب الذي ~~محاه عنه ودا أي محبة كبيرة واسعة يجعل له في قلوب الخلق رحمة , ومادة ( ود ~~) تدور على الاتساع كما بينته في سورة الروم , وزاد الأمر تأكيدا بذكر ما ~~لا ينازع أصلا في اختصاصه به تشريفا له وتنبيها على أنه أعظم المخلوقات : { ~~ذو العرش } أي العز الأعظم أو السرير الدال على اختصاصه الملك بالملك ~~وانفراده بالتدبير والسيادة والسياسة , الذي به قوام الأمور { المجيد * } ~~أي الشريف الكريم العظيم في ذاته وصفاته الحسن الجميل الرفيع العالي الكثير ~~العطاء - هذا إذا رفع على أنه صفة ل ( ذو ) وكذا إن جر على أنه صفة للعرش ~~في قراءة حمزة والكسائي . | ولما كان الاختصاص يدل قطعا على كمال القدرة , ~~أنتج ذكر هذه الاختصاصات قوله : { فعال } أي على سبيل التكرار والمبالغة { ~~لما يريد * } لا يؤده شيء من الأفعال سواء كانت منسوبة إليه من غير واسطة ~~أو نسبت في الظاهر إلى غيره . | ولما تمت الدلالة على أن بطشه شديد , قرره ~~بما وجد من ذلك وذكره به تخويفا وتسلية له لأن النظر في المحسوسات أمكن في ~~النفوس فقال : { هل أتاك } أي يا أعظم خلقنا { حديث الجنود * } أي اذكر ما ~~أتاك مما حدث لهم من بطشنا وما وقع بهم من سطواتنا لتكذيبهم رسلنا عليهم ~~أفضل الصلاة والسلام بحيث صار حديثا يتلى , وذكرا بين الخلق PageV08P381 ~~لعظمته لا يبلى , والجنود جمع جند بالضم وهو العسكر المعد للقتال والأعزان ~~والمدينة , والكل ناظر إلى النجدة العظيمة والغلبة الزائدة . | ولما كان ~~المعلوم من السياق أن المراد من حديثهم ما حصل لهم من البطش لتكذيب الرسل ~~لا يسما في البعث الذي السياق له , وكان الواقع من بيانه بآيات موسى وصالح ~~عليهما الصلاة والسلام أبين مما وقع بآيات غيرهم ممن ms5846 تقدم من الخلق كثيرة , ~~حكي أن طليعته يوم تبع بني إسرائيل وغرق كانت ستمائة ألف , أبدل من ( ~~الجنود ) إعلاما بأنهم أعداء الله قوله : { فرعون } وكذا أتباعه الذين ~~كانوا أشد أهل زمانهم وأعتاهم وأكثرهم رعونة في دعوى الإلهية منه والتصديق ~~منهم وكان هذا من عمارة قلوبهم مع ظهور علامات الربوبية السماوية والأرضية ~~, والرسوخ في التكذيب والسفه والخفة والطيش مع رؤية تلك الآيات العظيمة على ~~كثرتها وطول زمنها حتى دخل الحبر على أمان من الغرق مع أن خطر الغرق به في ~~تلك الحالة لم يكن يخفى على من له أدنى مسكة من عقله فأغرقه وأتباعهم ~~الطائفة الاتحادية العربية الفارضية الذين يكفي في ظهور كفرهم تصويبهم ~~فرعون الذي أجمع على كفره جميع الفرق { وثمود * } الذين حملتهم الخفة على ~~أن عقروا الناقة بعد رؤيتهم إياها تتكون من الصخرة الصماء غير مجوزين أن ~~الذي خرق العادة بإخراجها ذلك يهلكهم في شأنها , وقد جمع سبحانه بهما ~~الساعة , وإنما كانت آياتهما أبين لأن آية ثمود ناقة خرجت من صخرة صماء , ~~ومن آيات موسى عليه الصلاة والسلام إبداع القمل الذي لا يحصى كثرة من ~~الكثبان , وإبداع الضفادع كذلك والجراد وإحياء العصا مرة أخرى , ولا شك عند ~~عاقل أن من قدر على ذلك ابتداء من شيء لا أصل في الحاية فهو على إعادة ما ~~كان قبل ذلك حيا أشد قدرة . | ولما كان التقدير : نعم قد أتاني ذلك وعلمت ~~من خبرهما وغيره أنك قادر على ما تريد , ولكن الكفار لا يصدقونني , عطف ~~عليه قوله : { بل الذين كفروا } أي جاهروا بالكفر من هؤلاء القوم وغيرهم ~~وإن كانوا في أدنى رتبة { في تكذيب * } أي لما رأوا من الآيات لا مستند لهم ~~فيه وهو شديد محيط بهم لاتباعهم أهواءهم وتقليدهم آباءهم , فهم لا يقدرون ~~على الخروج من ذلك التكذيب الذي صار ظرفا لهم بعد سماعهم لأخبار هؤلاء ~~المهلكين ورؤية بعض آثارهم , وبعد ما أقمت لهم من الأدلة على البعث ~~PageV08P382 في هذا القرآن المعجز , ولم يعتبروا بشيء من ذلك لما عندهم من ~~داء الحسد ms5847 , فحالهم أعجب من حالهم فحذرهم مثل مآلهم . | ولما كان هذا ربما ~~أوهم أن تكذيبهم على غير مراده سبحانه وتعالى , قال دافعا لذلك مؤكدا قدرته ~~على أخذهم تحذيرا لهم وتسلية لمن كذبوه : { والله } أي والحال أن الملك ~~الذي اختص بالجلال والإكرام { من ورائهم } أي من كل جهة يوارونها أو ~~تواريهم , وذلك كل جهة { محيط * } فهو محيط بهم نمكل جهة بعلمه وقدرته , ~~فهو كناية عن أنهم في قبضته لا يفوتونه بوجه كام أنه لا يفوت من صار في ~~القبضة بإحاطة العدو به من غير مانع , فهو سبحانه قادر على أن يحل بهم ما ~~أحل بأولئك , ولعله خص الوراء لأن الإنسان يحمي ما وراءه ولأنه جهة الفرار ~~من المصائب . | ولما كان من تكذيبهم , وهو أعظم تكذيبهم , طعنهم في أعظم ~~آيات القرآن بأن يقولوا : هو كذب مختلق , إنما هو أساطير الأولين , أي ~~أكذوباتهم لا حقائق لا يخبر به مع أنه قد أقام الدليل الأعظم لنفسه بنفسه ~~بما له من الإعجاز على أنه حق , قال معبرا بالضمير إيذانا بأنه لعظمه في كل ~~قلب لا غيبة له أصلا , ليس لأحد حديث إلا فيه , بانيا على ما تقديره : ليس ~~الأمر كما يزعم الكفار في القرآن : { بل هو } أي جامع لكل منقبة جليلة بالغ ~~الذروة العليا في كل شرف { مجيد * } أي شريف كريم ليس فيه شيء من شوائب ~~الذم عزيز عظيم شريف عال جواد حسن الخلال وحيد في نظمه معانيه المغيبة ~~والمشاهدة حاو لمجامع الحمد حسن الخلال وحيد في نظمه ومعانيه المغيبة ~~والمشاهدة حاو لمجامع الحمد ليس بقول مخلوق ولا هو مخلوق بل هو صفة الخالق ~~بل هو جواد بكل ما يراد منه من المحاسن لمن صدقت نيته وطهرت طويته , وعلت ~~همته وكرمت سجيته , فهو يأبي له مجده أن يلم بساحته طعن بوجه من الوجوه , ~~ومجده تجريب أحكامه من بين عاجل ما شهد وآخل ما علم بعالم ما شهد , فكان ~~معلوما بالتجربة المتيقنة بما تواتر من القصص الماضي وما شهد له من الأثر ~~الحاضر وما يتجدد مع الأوقات ms5848 من أمثاله وأشباهه وأشكاله , فكذب من قال إنه ~~شعر أو كهانة أو سحر - أو غير ذلك من الأباطيل . | ولما وصفه في نفسه مما ~~يأبي له لحاق شيء من شبهة , وصف محله في الملأ الأعلى إعلاما بأنه لا يطرأ ~~عليه ما يغيره فقال : { في لوح } وهو كل صفيحة عريضة من خشب أو عظم أو ~~غيرهما { محفوظ * } أي له الحفظ دائما على أتم الوجوه من كل خلل ومن أن يصل ~~إليه إلا الملائكة الكرام , قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى في ~~كتاب الموت من الأحياء : يعبر عنه تارة باللوح , وتارة بالكتاب المبين , ~~وتارة بإمام PageV08P383 مبين , فجمع ما جرى في العالم وما سيجري مكتوب فيه ~~كتابا لا يشاهد بهذه العين , وليس مما نعهده من الألواح , فلوحه تعالى لا ~~يشبه ألواح خلقه كما أن ذاته تعالى لا تشبه ذوات خلقه , ومثاله مثال قلب ~~الإنسان في حفظ القرآن مثلا كلماته وحروفه , ولو فتش قلبه لم يوجد فيه شيء ~~ولا ينظر ذلك إلا نبي أو ولي يقرب من درجته - هذا معنى كلام الإمام رحمه ~~الله تعالى , وقرأ نافع بالرفع صفة للقرآن فحفظه من التغيير والتبديل ~~والتحريف وكل شبهة وريب في نظمه أو معناه كما أن البروج محفوظ في لوح ~~السماء المحفوظ , بل القرآن بذلك أولى لأنه صفة الخالق في بيان وصفه لما ~~خلق على الوجه الأتم الأعدل لأنه ترجمة ما أوجده الله سبحانه في الوجود , ~~فصح قطعا أنه لا بد أن يصدق في كل ما أخبر به , ومن أعظمه أنه سبحانه يحشر ~~الناس للدينونة بالثواب والعقاب كما دان من كذب أولياءه في الدنيا بمثل ذلك ~~فأخذ أعداءه وأنجى أولياءه , فرجع الختام منها على المبتدأ , وتعانق ~~الافتتاح بالمنتهى , فاتقضى ذلك تنزيه المتكلم به عن أن يترك شيئا فضلا عن ~~الأنفس بغير حفظ وعن كل ما لا يليق , وإثبات الكمالات له والأكمليات بكل ~~طريق - والله أعلم بالصواب , وإليه المرجع والمآب , وإليه المهرب والمتاب . ~~| . . . . | PageV08P384 < # > سورة الطارق < # > | مقصودها بيان مجد القرآن فيب ضصدقه فيب الإخبار بتنعيم أهل الإيمان ، ~~وتعذيب ms5849 أهل الكفران ، في يوم القيامة حين تبلى السرائر وتكشف المخبات ~~الضمائر عن مثقال الذر وما دون المثقال ، مما دونته الحفطة الكرام في صحائف ~~الأ ‘ مال ، بعد استيفاء الآجال ، كما قدر في أزل الآزال ، من غير استعجال ~~، ولا تأخير عن الوقت المضروب ولا إهمال ، واسمها الطارق أدل ما فيها على ~~هذا الموعود الصادق بتأمل القسم والمقسم عليه حسب ما اتسق الكلام إليه { ~~بسم الله } الذي له الكمال كله { الرحمن } الذي وسع الخلائق فضله وعدله { ~~الرحيم } الذي خص أولياءه بتوفيقه فظهر عليهم جوده وإحسانه وكرمهع وفضله . ~~< < # | الطارق : ( 1 - 8 ) والسماء والطارق # > > ^ ( والسمآء والطارق * ومآ أدراك ما الطارق * النجم الثاقب * إن كل ~~نفس لما عليها حافظ * فلينظر الإنسان مم خلق * خلق من مآء دافق * يخرج من ~~بين الصلب والترآئب * إنه على رجعه لقادر ) ^ } ) | لما تقدم في آخر البروج ~~أن القرآن في لوح محفوظ لأن منزله محيط بالجنود من المعاندين وبكل شيء , ~~أخبر أن من إحاطته حفظ كل فرد من جميع الخلائق المخالفين والموافقين ~~والمؤالفين , ليجازى على أعماله يوم إحقاق الحقائق العلائق , فقال مقسما ~~على ذلك لإنكارهم له : { والسماء } أي ذات الأنجم الموضوعة لحفظها من ~~المردة لأجل حفظ القرآن المجيد الحافظ لطريق الحق , قال الملوي : والمراد ~~بها هنا ذت الأفلاك الدائرة لا السماوات العلى بما جعل فيها من ليل ونهار ~~ودورتهما ثلاثمائة وستين درجة لا تتغير أبدا في هذه الدار بنقص ولا زيادة ~~بنصف درجة ولا دقيقة ولا ثانية ولا ما دون ذلك , بل كلما زاد أحدهما شيئا ~~نقص من الآخر بحسابه عرف ذلك من العقل والنقل والتجربة فعرف أنه يحفظ حيفظ ~~حي لا يموت , قيوم لا يغفل ولا ينام - انتهى . | PageV08P385 ولما أقسم ~~بالسماء لما لها من الشرف والمجد تنبيهاص على ما فيها من بدائع الصنع ~~الدالة على القدرة الباهرة . | أقسم بأعجب ما فيها وهو جنس النجوم ثم ~~بأعربة وهو المعد للحراسة تنبيها على ما في ذلك من غرائب القدرة فقال : { ~~والطارق } أي جنس الكواكب الذي يبدو ليلا ويخفى نهارا , ويطرق مسترقي السمع ~~فيبدد ms5850 شملهم ويهلك من أراد الله منهم لأجل هداية الناس بالقرآن في الطرق ~~المعنوية وظهوره وإشراقه في السماء لهدايتهم في الطرق الحسية وهو في الأصل ~~لسالك الطريق , واختص عرفا بالآتي ليلا لأنه يجد الأبواب مغلقة فيحتاج إلى ~~طرقها , ثم استحمل للبادي فيه كالنجم . | ولما كان الطارق يطلق على غير ~~النجم أبهمه أولا ثم عظم المقسم به بقوله : { وما أدراك } أي عرفك يا أشرف ~~خلقنا عليه الصلاة والسلام وإن حاولت معرفة ذلك وبالغت في الفحص عنه { ما ~~الطارق * } ثم زاده تهويلا بتفسيره بعد إبهامه مرة أخرى بقوله تعالى : { ~~النجم الثاقب * } أي المتوهج العالي المضيء كأنه يثقب الظلام بنوره فينفذ ~~فيه , يقال : أثقب نارك للموقد , أو يثقب بضوئه الأفلاك فتشف عنه , أو يثقب ~~الشيطان بناره إذا استرق السمع , والمراد الجنس أو معهود بالثقب وهو زحل , ~~عبر عنه أولا بوصف عام ثم فسره بما يخصه تفخيما لشأنه لعلو مكانه . # ولما ذكر الذي دل به على حفظ القرآن عن التلبيس وعلى حفظ الإنسان , ذكر ~~جوابه في حفظ النفوس التي جعل فيها قابلية لحفظ القرآن في الصدور , ودل على ~~حفظ ما خلق لأجلها من هذه الأشياء المقسم بها على حفظ الإنسان لأنها إذا ~~كانت محفوظة عن أدنى زيغ وهي مخلوقة لتدبير مصالحه فما الظن به ؟ فقال ~~مؤكدا غاية التأكيد لما للكفرة من إنكار ذلك والطعن فيه { إن } بالتخفيف من ~~الثقيلة في قراءة الجمهور أي أن الشأن { كل نفس } أي من الأنفس مطلقا لا ~~سيما نفوس الناس { لما عليها } أي بخصوصها لا مشارك لها في ذاتها { حافظ * ~~} أي رقيب عتيد لا يفارقها , والمراد به الجنس من الملائكة , فبعضهم لحفظها ~~من الآفات , وبعضها من الوساوس , وبعضهم لحفظ أعمالها وإحصائها بالكتابة , ~~وبعضهم لحفظ ما كتب لها من رزق وأجل وشاقوة أو سعادة ومشي ؟ ونكاح وسفر ~~وإقامة , فلا يتعدى شيئا من ذلك نحن قسمنا نحن قدرنا , فإن قلت : إن الحافظ ~~الملائكة , صدقت , وإن قلت : إنه الله , صدقت , لأنه الآمر لهم والمقدر على ~~الحفظ , والحافظ لهم من الوهن والزيغ , فهو الحافظ ms5851 الحقيقين واللام في هذه ~~القراءة هي الفارقة بين المخففة والنافي ( وما ) مؤكداة بنفي صدر ما أثبتته ~~الجملة , ( وحافظ ) خبر ( إن ) ويجوز ان يكون الظرف الخبر , و ( حافظ ) ~~مرتفع به , وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد ( لما ) على أنها بمعنى و ( ~~إن ) نافية بمعنى PageV08P386 ( ما ) , والمستثنى منه ( كل نفس ) وخبر ~~النافية محذوف تقديره : كائنة أو موجودة أو نحوهما , والمستثنى ( نفس ) ~~موصوفة ب ( عليها حافظ ) ويحتمل أن يكون حالا فمحله يحتمل الرفع بأنه خبر ~~النافي في هذا الاسثناء المفرغ عند بني نميم , والنصب بأنه خبر عند غيرهم , ~~أو حال من ( نفس ) , لأنها عامة , والتقدير : ما كل نفس موجودة إلى نفس ~~كائنا أو كائن عليها حافظ , والنسبة بين مفهومي القراءتين أن المشدد أخص ~~لأنها دائمة مطلقة , والمخففة مطلقة عامة , ولا يظن أن المشددة غير مساوية ~~للمخففة , فضلا أن تكون أخص لأن حرف النفي دخل على ( كل ) وهو من أسوار ~~السلب الجزئي كما تقرر في موضعه فينحل إلى أن بعض النفوس ليس إلا عليها ~~حافظ وإنما كان لا يظن ذلك لأنها تنحل لما فيها من الحصر المتضمن للنفي ~~والإثبات إلى جملتين , إحداهما إثبات الحفظ للنفس الموصوفة والأخرى الجزئية ~~السالبة أي ليس كل نفس عليها حافظ والسالبة الجزئية أعم من السالبة الكلية ~~, فإذا نفيتها قلت : ليس ليس كل نفس عليها حافظ فهو سلب السلب الجزئي , ~~وإذا سلب السلب الجزئي سلب الكلي لما تبين أنه أخف . | وإذا انتفى الأعم ~~انتفى الأخص فلا شيء من الأنفس ليس عليها حافظ , فانحل الكلام إلى : لا نفس ~~كائنة إلا نفس عليها حافظ , وإن كان لفظ ( ليس كل ) من أسوار الجزئية لما ~~مضىن فصارت الآية على قراءة التشديد مركبة من مطلقة عامة هي ( كل نفس عليها ~~حافظ ) بالفعل . | ومن سلب نقيضها وهو الدائمة المطلقة الذي هو ( دائما ليس ~~كل نفس عليها حافظ ) أي ليس دائما كل نفس ليس عليها حافظ , وذلك على سبيل ~~الحصر وقصر الموصوف على الصفة , معناه أن الموصوف لا يتعدى صفته التي قصر ~~عليها , فأقل الأمور أن لا ms5852 يتجاوزها إلى عدم الحفظ , وذلك معنى الدائمة ~~المطلقة وهو الحكم بثبوت المحمول للموضوع ما دام ذات الموضوع موجودة , وهي ~~على قراءة التخفيف مطلقة عامة أي حكم فيها بثبوت المحمول للموضوع بالفعل ~~وهو الجزء الأول مما انحلت إليه قراءة التشديد , فمفهوم الآية في قراء ~~التشديد أخص منه في قراءة التخفيف , لأن كل دائم كائن بالفعل , ولا ينعكس - ~~هذا إذا نظرنا إلى نفس المفهوم من اللفظ مع قطع النظر عن الدلالة الخارجية ~~, وأما بالنظر إلى نفس الأمر فالجهة الدوام فلا فرق , غير أنه دل عليها ~~باللفظ في قراءة التشديد دون قراءة التخفيف والله تعالى أعلم . | وقال ~~الإمام أبو جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى : لما قال الله سبحانه وتعالى ~~في سورة البروج { والله على كل شيء شهيد } [ البروج : 9 ] { والله من ~~ورائهم محيط } PageV08P387 [ البروج : 20 ] وكان في ذلك تعريف العباد بأنه ~~سبحانه وتعالى لا يغيب عنه شيء ولا يفوته شيء ولا ينجو منه هارب , أردف ذلك ~~بتفصيل يزيد إيضاح ذلك التعريف الجملي من شهادته سبحانه وتالى على كل شيء ~~وإحاطته به فقال تعالى { إن كل نفس لما عليها حافظ } [ الطارق : 4 ] فأعلم ~~الله سبحانه وتعالى بخصوص كل نفس ممن يحفظ أنفسها ( ما يلفظ من قول الا ~~لديه رقيب عتيد ) ليعلم العبد أنه ليس بمهمل ولا مضيع , وهو سبحانه وتعالى ~~الغني عن كتب الحفظة وإحصائهم وشهادة الشهود من الأعضاء وغيرهم , وإنما كان ~~ذلك لإظهار عدله سبحانه وتعالى { إن الله لا يظلم مثقال ذرة } [ النساء : ~~40 ] ولا أقل من المثقال , ولكن هي سنته حتى لا يبقى لأحد حجة ولا تعلق , ~~وأقسم سبحانه وتعالى على ذلك تحقيقا وتأكيدا يناسب القصد المذكور - انتهى . ~~| ولما كان التقدير : لأنه لا بد له من العرض على الخالق سبحانه وتعالى لأن ~~التوكيل بالإنسان لا يكون إلا لعرضه على الملك الديان صاحب الأمر والبرهان ~~ومحاسبته له على ما كان , كان التقدير : يحفظ أعمالها ويكتبها ليحاسبها ~~الملك على ذلك , فتسبب عنه قوله تعالى : { فلينظر } أي بالصيرة { الإنسان } ~~أي الآنس بنفسه الناظر في ms5853 عطفه إن كان يسلك في ذلك { مم } أي من أي شيء , ~~وبنى للمفعول العامل في من أمر بالنظر وهو قوله : { خلق * } إعلاما بأن ~~الدال هو مطلق الخلق , وتنبيها على تعظيم الفاعل بأن العلم به غير محتاج ~~إلى ذكره باللفظ لأنه لا يقدر على صنعة من صنائعه غيره , وأمر الإنسان بهذا ~~النظر ليعلم بأمر مبدئه أمر معاده , فإن نم قدر على الابتداء قدر على ~~الإعادة قطعا , فإذا صح عنده ذلك اجتهد في أن لا يملي على حافظيه إلا ما ~~يرضي الله تعالى يوم عرضه على الملك الديان ليسره وقت حسابه . | ولما نبه ~~بالاستفهام على أن هذا أمر جدا ينبغي لكل أحد أن يترك جميع مهماته ويتفرغ ~~للنظر فيه فإنه يكسبه السعادة الأبدية الدائمة , وكان الإنسان - مع كونه ~~ضعيفا عاجزا - لا ينفك عن شاغل ومفتر , فلا يكاد يصح له نظر , تولى سبحانه ~~وتعالى شرح ذلك عنه فأجاب الاستفهام بقوله : { خلق } أي الإنسان على أيسر ~~وجه وأسهله بعد خلق أبيه آدم عليه الصلاة والسلام من تراب , وأمه حواء ~~عليها السلام من ضلعه { من ماء دافق * } أي هو - لقوة دفق الطبيعة له - ~~كأنه يدفق بنفسه فهو إسناد مجازي , والدفق لصاحبه , أو هو مثل ( لابن ) أي ~~ذي وفق , والدفق صب فيه دفع , ولم يقل : ماءين - إشارة إلى أنهما يجتمعان ~~في الرحم ويمتزجان أشد امتزاج بحيث يصيران ماء واحدا . | ولما كان المراد ~~به ماء الرجل وماء المرأة قال : { يخرج } وبعض بإثبات الجار PageV08P388 ~~فأفهم الخروج عن مقره بقوله : { من بين الصلب } أي صلب الرجل وهو عظم مجتمع ~~من عظام مفلكة أحكم ربطها غاية الإحكام من لدن الكاهل إلى عجب الذنب { ~~والترائب * } أي ترائب المرأة وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة , وصوبه ابن ~~جرير , أو ما ولي الترقوتين منه , أو مابين الثديين والترقوتين أو أربعة ~~أضلاع من يمنة الصدر , وأربعة من يسرته , أو اليدان والرجلان والعينان , ~~وعلى كل تقدير شهوتها من أمامها وشهوة الرجل فيما غاب عنه من ورائه , ولو ~~نزع الخاف لأفهم أن الماء يملأ البين المذكور ms5854 ولم يفهم أنه يخرج عن صاحبي ~~البين , قال البيضاوي : ولو صح أن النطفة تتولد من فضل الهضم الرابع وتنفصل ~~عن جميع الأعضاء حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء , ومقرها عروق ~~ملتف بعضها بالبعض عند الأنثيين , فلا شك أن الدماغ أعظم الأعضاء معونة في ~~توليدها , ولذلك تشبهه ويسرع الإفراط في الجماع بالضعف فيه ولو خليفة وهو ~~النخاع وهو في الصلب , وشعب كثيرة نازلة إلى الترائب وهما أقرب إلى أوعية ~~المني فلذلك خصا بالذكر . | وقال الملوي : فالذي أخرجه من ظروف عظام الصلب ~~والترائب إلى أن صيره في محله من الأنثيين إلى أن دفق واعتنى بعد ذلك بنقله ~~من خلق إلى خلق بعد كل أربعين يوما إلى أن صيره إنسانا يعقل ويتكلم ويبني ~~القصور , ويهدم الصخور , قادر على بعثه . | ولما علم بالحفظ والخلق في ~~الأطوار المشار إليها أنه خلق لأمر عظيم وهو الحساب , وثبت بالقدرة على ~~ابتدائه من هذا الماء وبتطويره في الحالات المشار إليها بذكر الماء , ~~المعلومة لكل أحد القدرة على الإعادة بلا فرق إلا كون الإعادة على ما نعرف ~~أسهل , وكان العرب ينكرونها , قال مؤكدا استئنافا لمن يقول : قد نظرت في ~~ذلك فمه : { إنه } أي خالقه القادر على ما ذكر من شؤونه المدلول على عظمه ~~ببناء ( خلق ) للمفعول { على رجعه } أي رجع الإنسان بالعبث ورده إلى حالته ~~الأولى وخلقه الأول كما كان قبل الموت وعلى رد هذا الماء الدافق إلى مجاريه ~~التي خرج منها وحله إلى المائية بعد انعقاده عظما ولحما ودما { لقادر * } ~~أي لثابتة قدرته على ذلك أتم ثبات , فمن أيسر ما يكون عنده سبحانه وتعالى ~~رده بعد شيخوخته على عقبه بأن يجعله كهلا ثم شابا ثم طفلا ثم مضغة ثم علقة ~~ثم نطفة ثم يدفعه إلى ذكر الرجل ورحم المرأة ثم غلى صلبه وترائبها وهو أهون ~~عليه , وذلك كقدرته على رده بالبعث , وعبر ب ( أنه ) ولم يقل : إن الله - ~~مثلا لأنه أقعد لأنه يقال لكل إنسان : من أخرجك على هذه الهيئة فصيرك على ~~هذه الصفة ؟ فإذا قال ms5855 : القادر على كل شيء بقدرته الكاملة , قيل له : وبتلك ~~القدرة بعينها يعيدك , ولو سمى له اسم غير الضمير لكان ربما قال : ليس هو ~~خالقي . | PageV08P389 < < # | الطارق : ( 9 - 17 ) يوم تبلى السرائر # > > ^ ( يوم تبلى السرآئر * فما له من قوة ولا ناصر * والسمآء ذات الرجع ~~* والأرض ذات الصدع * إنه لقول فصل * وما هو بالهزل * إنهم يكيدون كيدا * ~~وأكيد كيدا * فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ) ^ } ) | ولما كان هذا يحرك ~~السامع غاية التحريك لأن يقول : معتى تكون رجعه له ؟ قال مجيبا له : { يوم ~~تبلى } وبناه للمفعول إشارة مع التنبيه على السهولة إلى أن من الأمر البين ~~غاية البيان أن الذي يبلوها هو الذي يرجعها , وهو الله سبحانه وتعالى من ~~غير احتياج إلى ذكره { السرائر * } أي كل ما انطوت عليه الصدور من العقائد ~~والنيات , وأخفته الجوارح من الإخلال بالوضوء والغسل ونحو ذلك من جميع ~~الجنايات , بأن تخالط السرائر في ذلك اليوم , وهو يوم القيامة , من الأمور ~~الهائلة ما يميلها فيحيلها عما هي عليه فتعود جهرا بعد أن كانت سرا , فيميز ~~طيبها من خبيثها ويجازى عليه صاحبه . | ولما كان المانع من جزائه عند إظهار ~~سرائره إما هو نفسه أو أحد ينصره , قال مسببا عن إظهار ما يجتهد في إخفائه ~~: { فما له } أي الإنسان الذي أخرجت سرائره , وأعرق في التعميم والنفي فقال ~~: { من قوة } أي يمنع بها نفسه من الجزاء { ولا ناصر * } أي ينصره فيمنعه ~~من نفوذ الحكم فيه . | وليس الدفع إلا بهذين الأمرين : قوة قائمة به أو قوة ~~خارجة عنه . | ولما اشتملت هذه الجمل على وجازتها على الذروة العليا من ~~البلاغة في إثبات البعث والجزاء والوحدانية له سبحانه وتعالى إلى غير ذلك ~~من بحور العلوم , فثبت أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى , فثبت أن كل ما ~~فيه حق مع منازعتهم في ذلك كله , اقتضى الحال الإقسام على حقيته فقال : { ~~والسماء } أي التي كان المطلع الإقسام بها ووصفها بما يركد العلم بالعبث ~~الذي الذي هو منبع العلوم والتقوى فعليه مدار السعادة فقال : { ذات الرجع * ~~} التي ترجع بالدوران إلى الموضع ms5856 الذي ابتدأت الدوران منه فترجع الأحوال ~~التي كانت وتصرمت من الليل والنهار والشمس والقمر والكواكب والفصول من ~~الشتاء وما فيه من برد ومطر , والصيف وما فيه من حر وصفاء وسكون وغير ذلك ~~والنبات بعد تهشمه وصيرورته ترابا مختلطا بتراب الأرض وترجع الماء على قول ~~من يقول : إن السحاب يأخذه من البحر ويعلو به فيعصره في الهواء ثم يرده إلى ~~الأرض - وغير ذلك من الأمور الدال كل منها قطعا على أن فاعل ذلك قادر على ~~إعادة كل ما فني كما كان من غير فرق أصلا . | ولما ذكر الأمر العلوي بادئا ~~به لشرفه , أتبعه السفلي فقال تعالى : { والأرض } أي PageV08P390 مسكنكم ~~الذي أنتم ملابسوه ومعانوه كل وقت وملامسوه { ذات الصدع * } أي التي تتصدع ~~وتنشق فيخرج منها النبات والعيون بدءا وإعادة دلالة ظاهرة على البعث , فجمع ~~بالقسم العالم العلوي الذي هو كالرجل والسفلي الذي هو كالمرأة , فكما أن ~~الرجل يسقيها من مائه فتصدع عن الولد , فكذلك السماء تسقي الأرض فتتصدع عن ~~النبات وكما أنها تتصدع عن النبات بعد فنائه وصيرورته رفاتا فيعود كما كان ~~فكذلك تتصدع عن الناس بعد فنائهم فيعودون كما كانوا بإذن ربها من غير فرق ~~أصلا . | ولما كانت هذه كلها براهين قاطعة ودلائل باهرة ساطعة على حقية ~~القرآن إتيانه بأعلى البيان , فكان من المستبعد جدا طعنهم في القرآن بعد ~~هذا البيان , قال تعالى منبها على ذلك بالتأكيد معبرا بالضمير إشارة لما ~~مضى إلى أنه المحدث عنه الآن , فهو الثابت في جميع الأذهان لا غيبة له عن ~~شيء منها أصلا { إنه } أي القرآن الذي أخبر بهذه الإخبارات التي هي في غاية ~~الوضوح وتقدم أنه مجيد وفي لوح محفوظ , وأن الكفرة في تكذيب به ولا سيما ما ~~تضمن منه الإخبار بالبعث : { لقول فصل * } أي جدا يراد به فصل الأمور , وله ~~من العراقة في الفرق بين الحق والباطل ما صار به يطلق عليه نفس الفصل , ثم ~~أكد الأمر لشدة إنكارهم وجحدهم وتغطيتهم الحق بالباطل فقال : { وما هو } أي ~~القرآن في باطنه ولا ظاهره { بالهزل ms5857 * } أي بالضعيف المرذول الذي لا طائل ~~تحته , فمن حقه ما هو عليه الآن من كونه مهيبا في القلوب معظما في الصدور ~~يرتفع به قارئه وسامعه عن أن يلم بهزل ويعلم به في أعين العامة والخاصة . | ~~ولما كان ثبات هذا على هذا الوجه مقتضيا ولا بد رجوعهم عن العناد , فكان ~~ذلك محركا للسامع إلى تعرف ما كان من أمرهم , استأنف قوله دلالة على بقائهم ~~على الإنكار وأكده تنبيها على أن بقاءهم على العناد - مع هذا مستبعد جدا { ~~إنهم } أي الكفار { يكيدون } أي بما يعملون في أمره من الحيل { كيدا * } في ~~إبطاله وإطفاء نوره بإثباتك أو إخراجك أو قتلك أو تنفير الناس عنك والحال ~~أنه لا قوة لهم أصلا على ذلك ولا ناصر لهم بوجه من الوجوه وسمي جزاؤه لهم ~~سبحانه كيدا مشاكلة , ولأنه خفي عنهم ومكروه إليهم فهو على صورة الكيد فقال ~~: { وأكيد } أي أنا بإتمام اقتداري { كيدا * } باستدراجي لهم إلى توغلهم ~~فيما يغضبني ليكمل ما يوجب أخذي لهم من حيث لا يشعرون . | ولما كان هذا ~~معلما بأنهم عدم لا اعتبار بهم , قال مسببا عنه تهديدا لهم يا له من تهديد ~~ما أصعبه : { فمهل } أي تمهيلا عظيما بالتدريج . | ولما كان في المكذبين في ~~علم الله من يؤمن فليس مستحقا لإيقاع مثل هذا التهديد , عبر بالوصف المقتضي ~~للرسوخ فقال : PageV08P391 { الكافرين } أي فلا تدع عليهم ولا تستعجل لهم ~~بالإهلاك , فإنا لا نعجل لأنه لا يعجل بالعقوبة إلا من يخاف الفوت , حكي أن ~~الحجاج كان سجنه من رخام وأرضه من رصاص , فكان يتلون بتلون الأوقات , فوقت ~~الحر جهنم , ووقت البرد زمهرير , فمر به يوما فاستغاثوا فطأطأ رأسه لهم ~~وقال : اخسؤوا فيها ولا تكلمون , فأخذت الأرض قوائم جواده فرفع طرفه إلى ~~السماء وقال : سبحانك لا يعجل بالعقوبة إلا من يخاف الفوت , وانطلق من وقته ~~, فإن العجلة - وهي - إيقاع الشيء في غير وقته الأليق به - نقص فإنه لا ~~يعجل إلا من يكون ما يفعل المستعجل عليه خارجا عن قبضته . | ولما كانت صيغة ~~التفعيل ربما أفهمت التطويل ms5858 , أكد ذلك مجردا للفعل دلالة على أن المراد ~~بالأول إيقاع الإمهال مع ان زمنه قصير بالتدريج ليطمئن الممهل بذلك وتصر له ~~به قوة عظيمة ودرته ؟ وعزيمة صادقة لأن ما يقولونه مما تشتد كراهة النفوس ~~له , فلا يقدر أحد على الإعراض عنه إلا بمعونة عظيمة : { أمهلهم } أي ~~بالإعراض عنهم مرة واحدة بعد التدريج لما صار لك على حمله من القوة ~~بالتدريج - الذي أمرت به سابقا { رويدا * } أي إمهالا يسيرا فستكون عن قريب ~~لهم أمور , وأي أمور تشفي الصدور , وهو تصغير ( ارادوا ) تصغير ترخيم , قال ~~ابن برجان : وهي كلمة تعطي الرفق , وهذا الآخر هو المراد بما في أولها من ~~أن كلا منهم ومن غيرهم محفوظ بحفظه مضبوطة أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته ~~وأحواله , فإن ذلك مستلزم لأنه في القبضة , فقد التقي الطرفان على أعظم شأن ~~بأبين برهان , ووقع أول هذا الوعيد يوم بدر ثم تولى نكالهم وتحقيرهم ~~وإسفالهم إلى أن ذهب كثير منهم بالسيف وكثر منهم بالموت حتف الأنف إلى ~~النار , وبقي الباقون في الصغار إلى أن أعزهم الله بعز الإسلام , وصاروا من ~~الأكابر الأعلام , تشريفا وتكريما وتعظيما لهذا النبي الكريم عليه أفضل ~~الصلاة والسلام , والله تعالى هو أعلم بالصواب . | . . . | PageV08P392 < # > سورة الأعلى < # > | وتسمى سبح | قال الملوي : وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبها لكثرة ~~ما اشتملت عليه من العلوم والخيرات - مقصودهات إيجاب التنزيه للأعلى سبحانه ~~وتعالى عن أن يلحق ساحة عظمته شيء من شوائب النقص كاستعجال في أمر من إهلاك ~~اللكافرين أو غيره أو العجز عن البعث أو إهمال الخلق سدى يبغي بعضهم على ~~بعض بغير حساب ، أو أن يتكلم بما لا يطابق الواقع أو بما يقدر أحد أن يتكلم ~~بمثله كما أذنت بذلك الطارق مجملا وشرحته هذه مفصلا ، وعلى ذلك دل كل من ~~اسمها سبح والأعلى { بسم الله } الذي له العلي كله فلا نقص يلحقه { الرحمن ~~} الذي عم جوده ، فكل موجود هو الذي أوجده وكل حيوان هو الذي يربيه ويرزقه ~~{ الرحيم } الذي من كان من حزبه فإنه يلزمه الطاعة وييسرها له ويوفقه ms5859 . < < # | الأعلى : ( 1 - 6 ) سبح اسم ربك . . . . . # > > ^ ( سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي ~~أخرج المرعى * فجعله غثآء أحوى * سنقرئك فلا تنسى ) ^ } ) | لما تضمن أمره ~~سبحانه في آخر الطارق بالإمهال النهي عن الاستعجال الذي هو منزه عنه لكونه ~~نقصا , وأشار نفي الهزل عن القرآن - إلى أنهم وصموه بذلك وهو في غاية البعد ~~عنه إلى غير ذلك مما أشير إليه فيها ونزه نفسه الأقدس سبحانه عنه , أمر ~~أكمل خلقة رسوله المنزل عليه هذا القرآن صلى الله عليه وسلم بتنزيه اسمه ~~لأنه وحده العالم بذلك حق علمه , وإذا نزه اسمه عن أن يدعو به وثنا أو غيره ~~أو يضعه في غير ما يليق به , كان لذاته سبحانه أشد تنزيها , فقال مرغبا في ~~الذكر لا سيما بالتنزيه الذي هو نفي المستحيلات لأن التخلي قبل التحلي , ~~شارحا لأصول الدين مقدما للإلهيات التي هي النهايات من الذات ثم الصفات لا ~~سيما القيومية ثم الأفعال على النبوات , ثم أتبع ذلك النبوة ليعرف العبد ~~ربه على ما هو عليه من الجلا والجمال , فيزول عنه داء الجهل الموقع في ~~التقليد , وداء الكبر الموقع في إنكار الحقوق , فيعترف بالعبودية والربوبية ~~, لا PageV08P393 مثنيا عليه سبحانه بالجلال ثم الجمال فيعبده على ما يليق ~~به من امتثال أمره واجتناب نهيه تعظيما لقدره : { سبح } أي نزه وبرئ تنزيها ~~وتبرئة عظمتين جدا قويتين شديدتين { اسم ربك } أي المحسن إليك بعد إيجادك ~~على صفة الكمال بتربيتك على أحسن الخلال حتى كنت في غاية الجلال والجمال . ~~| ولما كان الإنسان محتاجا في أن تكون حياته طيبة ليتمكن مما يريد إلى ~~ثلاثة أشياء : كبير ينتمي إليه ليكون له به رفعة ينفعه بها عند مهماته , ~~ويدفع عنه عند ضروراته , ومقتدى يربط به نفسه عند ملماته , وطريقة مثلى ~~ترتكبها كما أشار إليه قوله صلى الله عليه وسلم ( رضيت بالله ربا وبمحمد ~~صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا وبالإسلام دينا ) أرشده صلى الله عليه وسلم ~~إلى أن الانقطاع إليه أعلى الجاه , فقال واصفا لمن أمره بتسبيحه بإثبات ما ms5860 ~~له من الواجبات بعد نفي المستحيلات كما أشار إليه ( سبحانك وبحمد ) : { ~~الأعلى * } أي الذي له وصف الأعلوية في المكانة لا المكان على الإطلاق عن ~~كل شائبة نقص وكل سوء من الإلحاد في شيء من أسمائه بالتأويلات الزائغة ~~وإطلاقه غلى غييره مع زعم أنهما فيه سواء , وذكره خاليا عن التعظيم وغير ~~ذلك ليكون راسخا في التنزيه فيكون من أهل العرفان الذين يضيئون على الناس ~~مع كونهم في الرسوخ كالأوتاد الشامخة التي هي مع علوها لا تتزحزح , وقد ذكر ~~سبحانه هذا المعنى معبرا عنه بجميع جهاته الأربع في ابتداء سور أربع ~~استيعابا لهذه الكلمة الحسنى الشريفة من جميع جهاتها . | فابتداء سورة ~~الإسراء التي هي سورة الإحسان ب ( سبحان ) المصدر الصالح لجميع معانيه ~~إعلاما بأن هذا المعنى ثابت له مطلقا غير مقيد بشيء من زمان أو غيره , ثم ~~ثنى بالماضي في أول الحديد والحشر والصف تصريحا بوقوع ما أفهمه المصدر في ~~الماضي الذي يشمل أزل الآزال إلى وقت الإنزال , ثم ثلث في أول الجمعة ~~والتغابن بالمضارع لأن يفهم مع ما أفهم المصدر والماضي دوام التجدد , فلما ~~تم ذلك من جميع وجوهه توجه الأمر فخصت به سورته , وقد مضى في أول الحديد ~~والجمعة ما يتمم هذا . | ولما كان الإبداع أدل ما يكون مع التنزه على ~~الكمال لا سيما النور الذي هو سبب الانكشاف والظهور , مع أنه تفصيل لقوله ( ~~مم خلق ) وهو أدل شيء على البعث المذكور ( في يوم تبلى السرائر ) قال مبينا ~~للفاعل الذي أبهمه لوضوحه في ( مم خلق ) مرغبا في الفكر في أفعاله سبحانه ~~وتعالى الذي هو السبب الأقرب للسعادة بالدلالة عليه بما له من الجائزات بعد ~~الترغيب في الذكر الذي هو المهيئ للفكر : { الذي خلق } أي أوجد من العدم أي ~~له صفة الإيجاد لكل ما أراده لا يعسر عليه شيء { فسوى } أي أوقع مع الإيجاد ~~وعقبه التسوية في كل خلق بأن جعل له ما يتأتى معه كماله ويتم معاشه , وعدل ~~بين PageV08P394 الأمزجة الأربعة الماء والهواء والنار بعد أن قهرها على ~~الجمع مع ms5861 التضاد لئلا تتفاسد , وذلك بالعلم التام والقدرة الكاملة دلالة ~~على تمام حكمته وفعله بالاختيار . | وقال الاستاذ أبو جعفر بن ألزبير : لما ~~قال سبحانه وتعالى مخبرا عن عمه الكفار في ظلام حيرتهم < # > 77 ( { إنهم يكيدون كيدا } ) 77 < # > [ الطارق : 15 ] وكان وقوع ذلك من العبيد المحاط بأعمالهم ودقائق ~~أنفاسهم وأحوالهم من أقبح مرتكب وأبعده عن المعرفة بشيء من عظيم أمر الخالق ~~جل جلاله وتعالى علاؤه وشأنه , أتبع سبحانه ذلك بأمر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بتنزيه ربه أي نزهه عن قبيح مقالهم , وقدم التنبيه على التنزيه في ~~أمثال هذا ونظائره ووقوع ذل أثناء السور فيما بين سورة وأخرى , وأتبع ~~سبحانه وتعالى من التعريف بعظيم قدرته وعلي حكمته بما يبين ضلالهم فقال < # > 77 ( { الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى } ) 77 < # > [ الأعلى : 2 - 3 ] فتبارك الله أحسن الخالقين , وتنزه عما يتقوله ~~المفترون - انتهى . | ولما كان جعل الأشياء على أقدار متفاوته مع الهداية ~~إلى ما وقع الخلق له على أوجه متفاضلة مع التساوي في العناصر مما يلي ~~التسوية , وهو من خواص الملك الذي لا يكون لا مع الكمال , أتبعه به بالواو ~~دلالة على تمكن الأوصاف فقال : { والذي قدر } أي أوقع تقديره في أجناس ~~الأشياء وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها , وغير ذلك ~~من أحوالها , فجعل البطش لليد والمشي للرجل والسمع للأذن والبصر للعين ونحو ~~ذلك { فهدى } أي أوقع بسبب تقديره وعقبه الهداية لذلك الذي وقع التقدير من ~~أجله من الشكل والجواهر والأعراض التي هيأه بها لما يليق به طبعا أو ~~اختيارا بخلق الميول والإلهامات , ونصب الدلائل والآيات لدفع الشرور وجلب ~~الخيور , فترى الطفل أول ما يقع من البطن يفتح فاه للرضاعة , وغيره من سائر ~~الحيوانات , يهتدي إلى ما ينفعه من سائر الانتفاعات , فالخالق لا بد له من ~~التسوية ليحصل الاعتدال , والتقدير لا بد له من الهداية ليحصل الكمال . | ~~ولما كانت دلائل التوحيد تارة بالنفس وتارة بالآفاق , ونبه بآيات النفس , ~~فلم يبق إلا آيات الآفاق , وكان النبات من آياتها أدل المخلوقات على البعث ~~قال : { والذي أخرج ms5862 } أي أوقع إخراج { المرعى * } بما أنزل من المعصرات ~~فأنبت ما ترعاه الدواب من النجم وغيره بدءا وإعادة , فدل ذلك على تمام ~~قدرته لا سيما على البعث لأنه سبحانه وتعالى أقدر على جمع الأموات من الأرض ~~بنفسه بعد أن تفتتوا من الماء على جمعه للنبات الذي كان تفتت في الأرض وصار ~~ترابا وإخراجه كما كان في العالم الماضي بإذنه سبحانه وتعالى وهو خلق من ~~مخلوقاته . | PageV08P395 ولما كان إيباسه وتسويده بعد اخضراره ونموه في ~~غاية الدلالة على تمام القدرة وكمال الاختيار بمعاقبة الأضداد على الذات ~~الواحدة قال تعالى : { فجعله } أي بعد أطوار من زمن إخراجه { غثاء } أي ~~كثيرا , ثم أنهاه فأيبسه وهشمه ومزقه فجمع السيب بعضه إلى بعض فجعله زبدا ~~وهالكا وباليا وفتاتا على وجه الأرض { أحوى * } أي في غاية الري حتى صار ~~أسود يضرب إلى خضرة , أو أحمر يضرب إلى سواد , أو اشتدت خضرته فصارت تضرب ~~إلى سواد , وقال القزاز رحمه الله في ديوانه : الحوة شية من شيات الخيل , ~~وهى بين الدهمة والكمتة , وكثر هذا حتى سموا كل أسود أحوى - انتهى . | ~~فيجوز أن يريد حينئذ أنه أسود من شدة يبسه فحوته الرياح وجمعته من كل أوب ~~حيت تفتت , فكل من الكلمتين فيها حياة وموت , وأخر الثانية لتحملها لأن ~~دلالتها على الخضرة أتم , فلو قدمت لم تصرف إلى غيرها , فدل جمعه بين ~~الأضداد على الذات الواحدة على كمال الاختيار , وأما الطبائع فليس لها من ~~التأثير لتحملهما لأن دلالتها على الخضرة أتم , فلو قدمت لم تصرف إلى غيرها ~~, فدل جمعه بين الأضداد على الذات الواحدة على كمال الاختيار , وأما ~~الطبائع فليس لها من التأثير الذي أقامها سبحانه فيه إلا الإيجابي كالنار ~~متى أصابت شيئا أحرقته , ولا تقدر بعد ذلك أن تنقله إلى صفة أخرى غير التي ~~أثرتها فيه , وأشار بالبداية والنهاية إلى تذكر ذلك , وأنه على سبيل ~~التكرار في كل عام الدال على بعث الخلائق , وخص المرعى لأنه أدل على البعث ~~لأنه مما ينبته الناس , وذا انتهى تهشم وتفتت وصار ترابا , ثم يعيده ms5863 سبحانه ~~بالماء على ما كان عليه سواء كما يفعل بالأموات سواء - من غير فرق أصلا . | ~~ولما استوفى سبحانه وتعالى وصف من أمره صلى الله عليه وسلم بتسبيحه بما دل ~~على أوصاف جماله ونعوت كبريائه وجلاله , وشرح ما له سبحانه من القدرة ~~التامة على الإبداع والهداية والتصرف في الأرواح الحسية والمعنوية بالنشر ~~والطي والقبض والبسط , فدل على تمام أصول الدين بالدلالة على وجوده سبحانه ~~على سبيل التنزل من ذاته إلى صفاته ثم إلى أفعاله فتم ما للخالق , أتبعه ما ~~للخلائق وبدأ بما لأشرف خلقه المنزل عليه هذا الذكر تقديرا للنوبة التي بها ~~تتم السعادة بالحاقئق الواصلة من الحق إلى عبده , التي بها يتم أمره من ~~القوتين العلمية ثم العملية بقبول الرسالة بعد التوحيد , لأن حياة الإنسان ~~لا يتم طيبها إلا بمقتدي يقتدى به من أقواله وأفعاله وسائر أحواله , ولا ~~مقتدي مثل المعصوم عن كل ميل الموجب ذلك الحب من كل ما يعرف حاله , والحب ~~في الله أعظم دعائم الدين , فقال معللا للأمر بالتسبيح للموصوف بالجلال ~~والجمال دالا على أنه يحيي ميت الأرواح بالعلم كما يحيي ميت الأشباح ~~بالأرواح { سنقرئك } أي نجعلك بعظمتنا بوعد لا خلف فيه على سبيل التكرار ~~بالتجديد والاستمرار قارئا , أي جامعا لهذا الذكر الذي هو حياة الأرواح ~~بمنزلة حياة الأشباح , الذي تقدم أنه قول فصل , عالما به PageV08P396 كل ~~علم , ناشرا له في كل حي , فارقا به بين كل ملتبس , وإن كانت أميا لا تحسن ~~الكتابة ولا القراءة , ولذلك سبب عنه قوله : { فلا تنسى * } أي شيئا منه ~~ولا من غيره ليكون في ذلك آيتان : كونك تقرأ وأنت أمي , وكونك تخبر عن ~~المستقبل فيكون كما قلت فلا تحرك به لسانك عند التنزيل بتعجل به ولا تتعب ~~نفسك فإن علينا حفظه في صدرك وإنطاق لسانك به . | < < # | الأعلى : ( 7 - 10 ) إلا ما شاء . . . . . # > > ^ ( إلا ما شآء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى * ونيسرك لليسرى * فذكر ~~إن نفعت الذكرى * سيذكر من يخشى ) ^ } ) | ولما كان سبحانه وتعالى ينسخ من ~~الشريعة ما يشاء بحسب المصالح ms5864 تخفيفا لما له بهذه الأمة من الرفق , قال ~~لافتا القول إلى سياق الغيبة إعلاما بأن ذكر الجلالة أعظم من التصريح بأداة ~~العظمة : { إلا ما شاء الله } أي الملك الأعظم الذي له الأمر كله , أن ~~تنساه لأنه نسخه , أو لتظهر عظمته في أن أعظم الخلق يغلبه القرآن لأنه صفة ~~الله فتنسى الآية أو الكلمة ثم تذكرهاتارة بتذكير أحد من آحاد أمتك وتارة ~~بغير ذلك . | ولما كان الفاعل لهذه الأمور كلها لا سيما الإقراء والحكم على ~~ما يقرأ بأنه لا ينسى إلا ما شياء منه إلا يكون لا محيط العلم , قال تعالى ~~مصرحا بذلك مؤكدا لأجل إنكار أهل القصور في النظر لمثله جاريا على أسلوب ~~الغيبة معبرا بالضمير إشارة إلى تعاليه في العظمة غلى حيث تنقطع أماني ~~الخلق عن إدراكه بما كثر من أفعاله : { أنه } أي الذي مهما شاء كان ^ ( { ~~إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون } ) ^ [ النحل : 40 ] . | ~~ولما كان المراد بيان إحاطة علمه سبحانه وتعالى , وأن نسبة الجلي والخفي من ~~جهره بالقرآن وترديده على قلبه سرا وغير ذلك إليه على حد سواء , وكان ~~السياق للجلي , ذكرهما مصرحا بكل منهما مقدما الجلي لأن هذا مقامه , وذكره ~~بوصفه معبرا عنه بالاسم الدال على إحاطة علمه به فقال : { يعلم الجهر } أي ~~ثابت له هذا الوصف على سبيل التجدد والاستمرار في الإقراء والقراءة وغيرهما ~~. | ولما ذكره باسمه ليدل على أنه يعلمه مطلقا لا بقيد كونه جهرا , قال ~~مصرحا بذلك : { وما يخفى * } أي يتجدد خفاؤه من القراءة وغيرها على أي حالة ~~كان الإخفاء , فيدل على علمه به إذا جهر به بطريق الأولى . | ولما ذكر ~~الإلهيات والنبوة وأشير إلى النسخ , أشار إلى أن الدين المشروع له هو ~~الحنيفية السمحة , وأنه سبحانه وتعالى لا يقيمه في شيء بنسخ أو غيره إلا ~~كان هو الأيسر له والأرفق , لأن الرفق والعنف يتغيران بحسب الزمان , فقال ~~مبينا للقوة العلمية PageV08P397 أثر بيانه للعلمية : { ونيسرك } أي نجعلك ~~أنت مهيأ مسهلا ملينا موفقا { لليسرى * } أي في حفظ الوحي وتدبره وغير ms5865 ذلك ~~من الطرائق والحالات كلها التي هي لينة سهلة خفيفة - كما أشار إليه قوله : ~~( كل ميسر لما خلق له ) ولهذا لم يقل : ونيسر لك , لأنه هو مطبوع على حبها ~~. | ولما كمله صلى الله عليه وسلم وهيأه سبحانه وتعالى للأيسر ويسره غاية ~~التيسير , سبب عنه وجوب التذكير لكل أحد في كل حالة تكميلا لغيره شفقة على ~~خلق الله بعد لما له في نفسه فإن لله ساعات له فيها نفحات تقضى فيها ~~الحاجات , وذلك لأنه قد صار كالطبيب الحاذق في علاج المرضى فيقوم بنفع ~~عباده لشكره بعد ذكره بإذن منه إشارة إلى التلميذ يحتاج إلى إذن المشايخ ~~وتزكيتهم , وإلى أن أعظم الأدواء أن يقتصر الإنسان على ما عنده ولا يطلب ~~الازياد مما ليس عنده من خير الزاد فقال تعالى : { فذكر } أي بهذا الذكر ~~الحكيم , وعبر بأداة الشك إفهاما للإطلاق الكلي فقال : { إن نفعت الذكرى * ~~} أي إن جوزت نفعها وترجيته ولو كان على وجه ضعيف - بما أشار إليه تأنيث ~~الفعل بعد ما أفادته أداة الشك , ولا شك أن الإنسان لعدم علمه الغيب لا ~~يقطع بعدم نفع أحد بل لا يزال على رجاء منه وإن استبعده , ولهذا كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم لا يزال يدعو غلى الله تعالى وإن اشتد الأمر , ولا يحقر ~~أحدا أن يدعوه ولا ييأس من أحد وإن اشتد عليه , والأمر بالإعراض عمن تولى ~~ونحو ذلك إنما هو بالإعراض عن الحزن عليه ومن تقطيع النفس لأجله حسرات ونحو ~~ذلك . | ولما أمره بالتذكير لكل أحد , قسم الناس له إلى قسمين : قسم يقبل ~~العلاج , وقسم لا يقبله , إعلاما بأنه سبحانه وتعالى عالم بكل من القسمين ~~جملة وأفرادا على التعيين ولم يزل عالما بذلك , ولكنه لم يعين ابتلاء منه ~~لعباده لتقوم له الحجة عليهم بما يتعارفونه بينهم وله الحجة البالغة , فقال ~~حاثا على شكر الجوائح من العقل ونحوه والجوارح من القلب واللسان وغيرهما : ~~{ سيذكر } أي بوعد لا خلف فيه ولو على أخفى وجوه التذكير - بما أشار إليه ~~الإدغام { من يخشى } أي في جبلته ms5866 نوع خشية , وهو السعيد لما قدر له في نفسه ~~من السعادة العظمة لقبول الحنيفية السمحة فيذكر ما يعلم منها في نفسه فيتعظ ~~, فإن الخشية حاملة على كل خير فيتنعم بقلبه وقالبه في الجنة العليا ويحيى ~~فيها حياة طيبة من غير سقم ولا توى , دائما بلا آخر وانتهاء . | ~~PageV08P398 < < # | الأعلى : ( 11 - 19 ) ويتجنبها الأشقى # > > ^ ( ويتجنبها الأشقى * الذى يصلى النار الكبرى * ثم لا يموت فيها ولا ~~يحيا * قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثرون الحياة الدنيا * ~~والآخرة خير وأبقى * إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى ) ^ } ) ~~| ولما ذكر من يحب حبه في الله ذكر من يبغض في الله , وعلامة الحب الاقتداء ~~, وعلامة البغض التجنب والانتهاء والابتداع والإباء , فقال : { يتجنبها } ~~أي يكلف نفسه وفطرته الأولى المستقيمة تجنب الذكرى التي نشاء تذكيره بها من ~~أشرف الخلائق وأعظمهم وصلة بالخالق . | ولما كان هذا الذي يعالج نفسه على ~~العوج شديد العتو قال : { الأشقى * } أي الذي له هذا الوصف على الإطلاق ~~لأنه خالف أشرف الرسل فهو لا يخشى فكان أشقى الناس , كما أن من آمن به أشرف ~~ممن آمن بمن قبله من الرسل عليهم الصلاة والسلام . | ولما ذكر وصفه الذي ~~أوجب له العمل السيىء , ذكر جزاءه فقال : { الذي يصلى } أي يباشر مباشرة ~~الغموس بقلبه وقالبه مقاسيا { النار الكبرى * } أي التي هي أعظم الطبقات ~~وهي السفلى لأنه ليس في طبعه أن يخشى , بل هو كالجلمود الاقسى لأنه جاهل ~~مقلد أو متكبر معاند , أو المراد نار الأخرى فإنها أعظم من نار الأخرى ~~فإنها أعظم من نار البرزخ وأعظم من نار الدنيا بسبعين جزءا , فلهذا استحقت ~~أن تتصف بأفعل التفضيل على الإطلاق , والآية من الاحتباك : ذكر الثمرة في ~~الأول وهي الخشية دليلا على حذف ضدها من الثاني , وهي القسوة الناشئة على ~~الحكم بالشقاوة , وذكر الأصل والسبب في الثاني وهو الشقاوة دليلا على حذف ~~ضده في الأول وهو السعادة , فالإسعاد سبب والخشية ثمرة , والإشقاء سبب ~~والقساوة ثمرة ومسبب , وكذا ما نبعه من النار وما نشأ عنه , وسر ذلك ms5867 أنه ~~ذكر مبدأ السعادة أولا حثا عليه , ومآل الشقاوة ثانيا تحذيرا منه , قال ~~الملوي : ولا شك أن القرآن العظيم على أحسن ما يكون من البراعة في التركيب ~~وبداعة الترتيب وكثرة العلوم مع الاختصار وعدم التكرار , فيكتفي في موضع ~~بالثمرة بلا سبب وفي آخر بالسبب بلا ثمرة لدلالة الأول على الثاني والثاني ~~على الأول , فيضم السبب إلى الثمرة والثمرة إلى السبب كما يطلق القضاء ~~ويكتفى به عن القدر , ويطلق القدر ويكتفى به عن القضاء , وكذبك يذكر الحكم ~~ويتركان فيدل عليهما فتذكر الثلاثة , ويظهر بمثال وهو أن من أراد إقامة ~~دولاب يهندس أولا موضع البئر بسهمه وترسه ومداره وحوضة الذي يصب فيه الماء ~~وجداوله التي ينساق منها , فهذا هندسة وتدبير وحكم وإرادة , فإذا صنع ذلك ~~وإتمه سمي قضاء وإيجادا وتأثيرا , فإذا ركب على الجبال قواديس تحمل مقدارا ~~من الماء معينا إذا نزلت إلى الماء أخذته , وإذا صعدت فانتهت وأرادات ~~الهبوط فرغته فتصرف PageV08P399 الماء من جداوله إلى ما صنع له كان ذلك ~~قدرا فهو النهاية , فمتى ذكر واحد من الثلاثة : الحكم والقضاء والقدر , دل ~~على الآخر . | ولما كان ما هذا شأنه يهلك على ما جرت به العادة في أسرع وقت ~~, فإذا كان من شأنه مع هذا العظم أنه لا يهلك كان ذلك دليلا واضحا على أنه ~~لا يعلم كنه عظمة مقدره إلى هو سبحانه وتعالى فأشار إلى ذلك بالتعبير بأداة ~~التراخي إعلاما بأن مراتب هذه الشدة في التردد بين الموت والحياة لا يعلم ~~علوها عن شدة الصلى إلا الله تعالى فقال : { ثم لا يموت فيها } أي لا يتجدد ~~له في هذه النار موت وإن طال المدى . | ولما كان من يدخل النار فلا تؤثر في ~~موته قد يكون ذلك إكراما له من باب خرق العوائد , احترز عنه بقوله : { ولا ~~يحيى * } أي حياة تنفعه لأنه ما تزكى فلا صدق ولا صلى . | ولما ثبت بهذا أن ~~لهذا هذا الشقاء الأعظم , فكان التقدير : لأنه لم يزك نفسه لأنه ما كان ~~مطبوعا على الخشية , أنتج ولا بد قوله ms5868 تعالى دالا على الدين التكليفي وهو ~~اجتناب واجتلاب , فجمع الاجتناب والاجتلاب بالتزكية بالتبتل بالأبواب ~~والملازمة للأعتاب بامتثال الأمر واجتناب النهي بالمجاهدات المقربات إليه ~~سبحانه وتعالى , المنجيات بعد ما حذر من المهلكات , للمسارعة في محابه ~~ومراضيه اجتماعا على العبادة الموصلة للخالق بعد حصول الكمال والتكميل فإنه ~~لا بد في الحياة الطيبة بعد الانتماء إلى ذي الجاه العريض والاقتداء بمن لا ~~يزلغ من الارتباط بطريقة مثلى يحصل بها الاغتباط ليصل بها إلى المقصود ~~ويعمر أوقاته بوظائفها لئلا يحصل له خلل ولا ضياع لنفائس الأوقات ولا غفلة ~~يستهويه بها قطاع الطريق : { قد أفلح } أي فاز بكل مراد { من تزكى * } أي ~~أعمل نفسه في تطهيرها من فاسد الاعتقادات والأخلاق والأقوال والأفعال ~~والأموال وتنمية أعمالها القلبية والقالبية وصدقة أموالها , وذلك هو ~~التسبيخ الذي أمر به أول السورة وما تأثر عنه , من عمل هذا فهو الأسعد . | ~~ولما كان أعظم الأعمال المزكية الذكر والصلاة قال تعالى : { وذكر } أي ~~بالقلب واللسان ذكر وذكر - بالكسر والضم { اسم ربه } أي صفات المحسن إليه ~~فإنه إذا ذكر الصفة سر بها فأفاض باطنه على ظاهره ذكر اللفظ الدال عليها , ~~وإذا ذكر اللفظ وهو الاسم الدال عليها انطبع في قلبه ذكر المسمى { فصلى * } ~~أي الصلاة الشرعية لأنها أعظم الذكر , فهي أعظم عبادات البدن كما أن الزكاة ~~أعظم عبادات المال , ومن فعل ذلك استراح من داء الإعجاب وما يتبعه من ~~النقائص الموجبة لسوء الانقلاب , وكان متخلقا بما ذكر من أخلاق الله في أول ~~السورة من التخلي عن النقائص بالتزيكة , والتحلي بالكمالات بالذكر والصلاة ~~لأنه لعظمته لا يتأهل لذكره إلا من واظب إلى ذكر PageV08P400 اسمه فلا يشقى ~~فلا يصلى النار الكبرى بوعد لا خلف فيه - فالآية من الاحتباك في الاحتباك : ~~ذكر أولا الصلى دليلا على حذف ضده ثانيا , التزكية دليلا على حذف ضدها أولا ~~, وقد تكفل ذكر التزكية والذكر , والصلاة من أسباب لاتداوي بالإنضاج ثم ~~الأشربة ثم الأغذية , والآية صالحة لإرادة زكاة الفطر وتكبيرات العيد ~~وصلاته وإن كانت السورة مكية وفرض الصيام بالمدينة , لأن العبرة ms5869 بعموم ~~اللفظ لإحاطة علمه سبحانه وتعالى بالماضي والحال والاستقبال على حد سواء ؛ ~~قال الرازي في اللوامع : وتقدم زكاة الفطر على صلاة العيد , وكان ابن مسعود ~~رضي الله تعالى عنه يقول : رحم الله أمرأ تصدق ثم صلى - ثم يقرأ هذه الآية ~~, وإن كانت السورة مكية , فإنه يجوز أن يكون النزول سابقا على الحكم كما ~~قال تعالى : < # > 77 ( { وأنت حل بهذا البلد } ) 77 < # > [ البلد : 2 ] والسورة مكية , وظهر أثر الحل يوم الفتح - انتهى , وأخذه ~~من البغوي , وزاد البغوي أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يأمر نافعا رضي ~~الله عنه بنحو ما قال ابن مسعود رضي الله عنه , ويقول : إنما نزلت هذه ~~الآية في هذا . | وروى البزار : ( عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى ~~عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي ~~صلاة العيد ويتلو هذه الآية ) وفي السند كثير بن عبد الله - حسن له الترمذي ~~وضعفه غيره - والله أعلم . | ولما كان التقدير : وأنتم لا تفعلون ذلك , أو ~~وهم لا يفعلونه - على القراءتين , عطف عليه قوله بالخطاب في قراءة الجماعة ~~على الالتفات الدال على تناهي الغضب , منبها على المعاملات بسبب التداوي ~~الرابع وهو الاستفراغ بنفي الرذائل والخبائث بالذم على ما ينبغي البراءة ~~منه والحث على ما يتعين تحصيله تحصيلا لحسن الرعاية : { بل تؤثرون } أي ~~تختارون وتخصون بذلك على وجه الاستبداد , أيها الأشقياء , وبالغيب على ~~الأصل عند أبي عمرو { الحياة الدنيا * } أي الدنية بالفناء الحاضرة , مع ~~أنها شر وفانية , اشتغالا بها لأجل حضورها كالحيوانات التي هي مقيدة ~~بالمحسوسات , فاستغرق اشتغالكم بها أوقاتكم ومنعكم عن ذكر اسم الله المنهي ~~إلى ذكر الله والمهيئ له , وعن تزيكة نفوسكم , فأوقعكم ذلك في داء القبقب ~~وهو البطن , والدبدب وهو الفرج , وحب المال المؤدي إلى شر الأعمال , ~~وتتركون الآخرة { والآخرة } أي والحال أن الدار التي هي غاية الخلق ومقصود ~~الأمر , العالية المبرئة عن العبث , المنزهة عن الخورج عن الحكمة { خير } ~~أي من الدنيا على تقدير التسليم لأن فيها خيرا لأن ms5870 نعيمها خالص لا ~~PageV08P401 كدر فيه بوجه { وأبقى * } أي منها على تقدير المحال في الدنيا ~~من أن تماديها إلى وقت زوالها تسمى بقاء , لأن نعيم الآخرة دائم لا انقطاع ~~له أصلا , وما كان باقيا لا يعادل بما يغني بوجه من الوجوه , فمن علم ذلك - ~~وهو أمر لا يجهل - اشتغل بما يحصل الآخرة وينفي الدنيا بقسميها من الأعيان ~~الحسية والشهوات المعنوية من الرعونات النفسانية والمستلذات الوهمية , ~~والآية من الاحتباك : ذكر الإيثار والدنو أولا يدل على الترك والعو ثانيا , ~~وذكر الخير والبقاء ثانيا يدل على ضدهما أولا , وسر ذلك أنه لا يؤثر الدنيء ~~إلا دنيء فذكره أولا لأنه لأشد في التنفير , وذكر الخير والبقاء ثانيا لأنه ~~أشد في الترغيب . | ولما كانت هذه النتيجة - التي هي الفلاح بالتزكية وما ~~تبعها - خالصة الكتب المنزلة التي بها تدبير البقاء الأول , وصفها ترغيبا ~~فيها بوصف جمع القدم المستلزم للصحة بتوارد الأفكار على تعاقب الأعصار , ~~لأن ما مضت عليه السنون ومرت على قبوله الدهور تكون النفس أقبل للإذعان له ~~وأدعى إلى إلزامه , وأفاد مع القدم أن المنزل عليه صلى الله عليه وسلم ليس ~~بدعا من الرسل عليهم الصلاة والسلام بل هو على منهاجهم , فرد رسالته من ~~بينهم لا يقول به منصف لا سيما وقد زاد عليهم في المعجزات وسائر الكرامات ~~بقوله مؤكدا لأجل من يكذب : { إن هذا } أي الوعظ العظيم بالتسبيح الذي ذكر ~~في هذه السور وما تأثر عنه من التزكية بالذكر الموجب للصلاة والإعراض عن ~~الدنيا والإقبال على الآخرة , لأنه جامع لكل خير , وهو ثابت في كل شريعة ~~لأنه المقصود بالحكم فهو لا يقبل النسخ { لفي الصحف الأولى * } فمن تبع هذا ~~القرآن الذي هو في هذه الصحف الربانية فقد تحلى من زينة اللسان بما ينقله ~~من البيان الذي هو في غاية التحرير وعظم الشأن وما يعلمه من المغيبات مما ~~يكون أو كان , ونسيه أهل هذه الأزمان , فاستراح من ضلال الشعراء والكهان , ~~الموقعين في الإثم والعدوان , فإن القرآن جمع المديح الفائق والنسيب الرقيق ~~في وصف الحور والرحيق والفخر ms5871 الحماسي والهجاء البليغ لأعداء الله , ~~والترغيب الجاذب للقلوب والترهيب والملح الخبرية والحدود الشرعية - إلى غير ~~ذلك من أمور لا تصل إليها الشعراء , ولا ينتهي إلى أدنى جنابها بلاغات ~~البلغاء . | ولما كان ذلك عاما خص من بينه تعظيما لقدر هذه الموعظة أعظم ~~الأنبياء الأقدمين , فقال مبدلا مشيرا إلى الاستدلال بالتجربة : { صحف ~~إبراهيم } قدمه لأن صحفه أقرب إلى الوعظ كما نطق به حديث أبي ذر رضي الله ~~تعالى عنه { وموسى * } ختم به لأن الغالب على كتابه الأحكام , والمواعظ فيه ~~قليلة , ومنها الزواجر البليغة PageV08P402 كاللعن لمن خالف أومر التوراة ~~التي أعظمها البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم , والإخبار بأنهم يخالفونها ~~كما هو مذكور في أواخرها مع أن ذكر النبيين عليهما الصلاة والسلام على ~~الأصل في ترتيب الوجود والأفضلية , وقد حث آخرها على التزكي وهوالتطهر من ~~الأدناس الذي هو معنى التنهزه والتخلق بأخلاق الله بحسب الطاقة , وكان في ~~إتيانه والتذكير به إعلام بأن الله تعالى لم يهمل الخلق من البيان بعد أن ~~خلقهم لأنه لم يخلقهم سدى , لأن ذلك من العبث الذي هو من أكبر النقائص وهو ~~سبحانه منزه عن جميع شوائب النقص - فقد رجع آخرها على أولها , وكان تنزيه ~~الرب سبحانه وتعالى وتنزيه النفس أيضا غاية معولها - والله الموفق للصواب , ~~وإليه المرجع والمآب . | . . . | PageV08P403 < # > سورة الغاشية < # > | مقصودها شرح ما في آخر ' سبح ' من تنزيه الله سبحانه وتعالى عن العبث ~~بإثبات الدار الآخرة التي الغاشية مبدؤها ، وذكر ما فيها للأتقى والأشقى ، ~~والدلالة على القدرة عليها ، وأدل ما فيها على هذا المقصود الغاشية - نعوذ ~~بالله من القلب الغاشي والبصيرة الغاشية ، بئلا تكون الغاشية علينا بسوء ~~الأعمال ناشية { بسم الله } الذي له العظمة البالغة والحكمة الباهرة { ~~الرحمن } الذي له الفيض الأعلى والنعم الظاهرة { الرحيم } الذي اصطفى ~~أولياء فأصلح بواطن نعمهم حتى عادت ظاهرة طاهرة . < < # | الغاشية : ( 1 - 6 ) هل أتاك حديث . . . . . # > > ^ ( هل أتاك حديث الغاشية * وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى ~~نارا حامية * تسقى من عين آنية * ليس لهم طعام إلا من ضريع ) ^ } ) | لما ~~ختمت ( سبح ) بالحث على ms5872 تطهير النفوس عن وضر الدنيا , ورغب في ذلك بخيرية ~~الآخرة تارة والاقتداء بأولي العزم من الأنبياء أخرى , رهب أول هذه من ~~الإعراض عن ذلك مرة , ومن التزكي بغير منهاج الرسل أخرى , فقال تعالى مذكرا ~~بالآخرة التي حث عليها آخر تلك مقررا لأشرف خلقه صلى الله عليه وسلم لأن ~~ذلك أعظم في تقدير اتباعه وأقعد في تحريك النفوس غلى تلقي الخبر بالقبول : ~~{ هل أتاك } أي جاءك وكان لك وواجهك على وجه الوضوح يا أعظم خلقنا { حديث ~~الغاشية * } أي القيامة التي تغشي الناس بدواهيها وشدائدها العظمى وزواجرها ~~ونواهيها , فإن الغشي لا يكون إلا فيما يكره . | وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير : لما تقدم تنزيهه سبحانه عما توهم الظالمون , واستمرت آي السورة ~~على ما يوضح تقدس الخالق جل جلاله عن عظيم مقالهم , أتبع ذلك بذكر الغاشية ~~بعد افتتاح السورة بصورة الاستفهام تعظيما لأمرها , فقال لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم : ( هل أتاك ) يا محمد ( حديث الغاشية ) وهي القيامة , فكأنه ~~سبحانه وتعالى يقول : في PageV08P404 ذلك اليوم يشاهدون جزاءهم ويشتد ~~تحسرهم حين لا يغني عنهم , ثم عرف بعظيم امتحانهم في قوله : { ليس لهم طعام ~~إلا من ضريع } مع ما بعد ذلك وما قبله , ثم عرف بذكر حال منكان في نقيض ~~حالهم إذ ذلك أزيد في الرح وأدهى , ثم أردف بذكر ما نصب من الدلائل وكيف لم ~~يغن فقال : { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت } - الآيات , أي أفلا يعتبرون ~~بكل ذلك ويستدلون بالصنعة على الصانع ثم أمره بالتذكار - انتهى . | ولما ~~هول أمرها بانبهامها وعمومها , زاد في التهويل بما ذكر من أحوالها في تفصيل ~~الناس إلى شقي وسعيد , وبدأ بالشقي لأن المقام لإنذار المؤثرين للحياة ~~الدنيا , وسوغ الابتداء بالنكرة التفصيل فقال : { وجوه } أي كثيرة جدا ~~كائنة { يومئذ } أي إذ تغشى الناس { خاشعة * } أي ذليلة مخبتة من الخجل ~~والفضيحة والخوف والحسرة التي لا تنفع في مثل هذا الوقت { عاملة } أي ~~مجتهدة في الأعمال التي تبتغي بها النجاة حيث لا نجاة بفوات دار العمل ~~فتراها جاهدة فيما كلفتها به الزبانية ms5873 من جر السلاسل والأغلال وخوص الغمرات ~~من النيران ونحو ذلك كأن يقال له : أد الأمانة ثم تمثل له أمانته في قعر ~~جهنم , فتكلف النزول إليها وهكذا , وهذا بما كان يهمل العمل في الدنيا { ~~ناصبة * } أي هي في ذلك في غاية التعب والدؤوب في العمل والاجتهاد - هذه ~~رواية العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما , وذلك لأنهم لم يخشوا الله في ~~الدنا فلم يعملوا له فلم ينصبوا في طاعته أجسادهم فاضطرهم في ذلك اليوم إلى ~~أعظم مما أبوه في الدنيا مع المضرة دون المنفعة , ويجوز أن يراد بها الذين ~~تعبوا ونصبوا في الدنيا أجسامهم وهم على غير دين الإسلام كالرهبان من ~~النصارى بعد النسخ وزنادقة المتصوفة من الفلاسفة وأتباعهم , بأن يكون ( ~~وجوه ) مبتدأ و ( يومئذ ) خبره أي كائنة يومئذ , ثم يقدر ما بعده في جواب ~~سؤال سائر يقول : ما شأنها ؟ فأجيب بقوله خاشعة , أي في الدنيا - إلى آخره ~~, وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء عنه . | ولما كان العذاب ~~لا يكون إلا على ما يكرهه المعذب , دل على ذلك وعلى أنه على أنهى مان يكون ~~ببناء الفعل للمفعول في قراءة أبي عمرو ويعقوب وأبي بكر عن عاصم فقال : { ~~تصلى } أي يصليها مصل على أيسر وجه وأسهله بأمر من له الأمر بأن يغمسها ~~قهرا على وجه الإحاطة بها , والمعنى على قراءة الجماعة بالبناء للفاعل : ~~تدخل وتباشر بأن يدسها فيها أصحابها فيحيط بها من كل جانب وهو يدل على غاية ~~الذل لأن من فعل بنفسه هذا لا يكون إلا كذلك { نارا حامية * } متناهية في ~~الحر لأنها عملت PageV08P405 بالجهل على خلاف ما حده لها نبيها فأخلت بركن ~~للعمل أو شرط لما استولى عليها من الغفلة التي أحاطت بها , فلم تدع لها ~~موضعا يصلح لدخول الرحمة منه . | ولما كان من في الحر أحوج شيء إلى ما يبرد ~~باطنه , قال بانيا عند الكل للمفعول جريا على قراءة أبي عمرو في الذي قبله ~~: { تسقى } أي يسقى كل من أذن له الملك في ذلك على ms5874 أهون وجه وأيسره { من ~~عين آنية * } أي بلغت غايتها في الحر فنضجت غاية النضج فصارت إذا قربوها ~~منهم سقط لحم وجوههم , وإذا شربوا قطعت أمعاءهم مما شربوا في الدنيا من ~~كاسات الهوى التي قطعوا باستلذاذهم لها قلوب الأولياء . | ولما ذكر ما ~~يسقونه على وجه علم منه أنه لا يلذذ ولا يروي من عطش , أتبعه ما يطعمونه ~~فقال حاصرا له : { ليس لهم } أي هؤلاء الذين أذابوا أنفسهم في عبادة لم ~~يأذن الله فيها { طعام } أصلا { إلا من ضريع * } أي يبيس الشبرق , وهو شوك ~~ترعاه الإبل ما دام رطبا , فإذا يبس تحامته , وهو سم , وقال في القاموس : ~~والضريع كأمير : الشبرق أو يبيسه أو نبات رطبه يسمى شبرقا , ويابسه يسمى ~~ضريعا , لا تقربه دابة لخبثه , أو شيء في جهنم أمر من الصبر وأنتن من ~~الجيفة وأحر من النار , ونبات منتن يرمى به البحر , وقال الهروي في ~~الغريبين وعبد الحق في الواعي : الضريع : الشبرق , وهو نبات معروف بالحجاز ~~ذو شوك , ويقال شبرق ما دام رطبا , فإذا جف فهو ضريع , وقال القزاز في ~~ديوانه : الضريع : يبيس من يبيس الشجر , وقيل : هو يبيس الشبرق خاصة , وقيل ~~: هو نبات أخضر يرمى به البحر وهو منتن . | أبو حنيفة رحمه الله تعالى : ~~وهو مرعى لا تعقد عليه السائمة شحما ولا لحما وإن لم تفارقه إلى غيره ساءت ~~حالها . | وقال ابن الأثير في النهاية : الضريع هو نبت بالحجاز له شوك كبار ~~, وقال : الشبرق نبات حجازي يؤكل وله شوك , وإذا يبس سمي الضريع . | وهذا ~~ثوب مشبرق وهو الذي أفسد , وفي نسجه سخافة , وشبرقت الثوب أيضا : حرقته , ~~وقال في القاموس : الشبرق كزبرج : رطب الضريع واحده بهاء , قال البغوي رحمه ~~الله تعالى : قال مجاهد وقتادة وعكرمة : هو نبت ذو شوك لاطئ بالأرض , تسميه ~~قريش الشبرق , فإذا هاج سموه الضريع , وهو أخبث طعام وأبشعه , وهو رواية ~~العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما . | ولا يمتنع في قدرة الله سبحانه ~~وتعالى أن يكون الغسلين إذا انفصل عن أبدان أهل النار صار على هيسة الشبرق ~~المسمى ms5875 ضريعا , فيكون طعامهم الغسلين الذي هو الضريع , ويمكن أن يكون ذلك ~~كناية عن أقبح العيش ولا يراد به شيء بعينه - والله تعالى أعلم , قال ~~الملوي : وسمي ضريعا لأن الإنسان يتضرع عند أكله من خشونته ومرارته ونتنه . ~~| PageV08P406 < < # | الغاشية : ( 7 - 13 ) لا يسمن ولا . . . . . # > > ^ ( لا يسمن ولا يغني من جوع * وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها راضية * في ~~جنة عالية * لا تسمع فيها لاغية * فيها عين جارية * فيها سرر مرفوعة ) ^ } ~~) | ولما حصر أكلهم في هذا , وكان الضريع المعروف عند العرب قد يتصور متصور ~~أنه لو أكره شيء على أكله أسمنه أو سد جوعته , وكان الضريع المأكول لهم في ~~القيامة شوكا من نار كما ورد تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم نفى عند فائدة الطعام , فقال واصصفا الضريع أو ~~الطعام المقدر بعد ( إلا ) بما يفهمه تحامي الإبل التي ترعى كل نابت وهي ~~أعظم الحيوانات إقبالا على أنواع الشوك له من أنه ضر بلا نفع { لا يسمن } ~~أي فلا يشبتع ولا يقوي لأنه يلزم ما يسمن , فعدمه يلازم عدمه . | ولما نفى ~~عنه ما هو مقصود أهل الرفاهية وبدأ به لأن المقام له نفي ما يقصد للكفاف ~~فقال تعالى : { ولا يغني } أي يكفي كفاية مبتدئة { من جوع * } فلا يحفظ ~~الصحة ولا يمنع الهزال , والمقصود من الطعام أحد الأمرين , وذلك لأنهم ~~كانوا يأكلون الحرام الذي تنبت عليه لحومهم فيفسدها بفساده وتنمو به نفوسهم ~~فيخبثها بخبثه ويتغذون بالشبه أيضا ويباشرونها في جميع أوقاتهم ويباشرون ~~العلوم التي تظلم القلوب كالفلسفة والشعر والسحر ونحو ذلك مما يجر إلى ~~البدع . | والآية من الاحتباك : نفي السمن أولا يدل على إثبات الهزال ثانيا ~~, ونفي الإغناء من الجزع ثانيا يدل على نفي الشبع أولا , ومن جعل ذلك سفة ~~الطعام أفسد المعنى لأنه يؤول إلى : ليس لهم طعام منفي عنه الإسمان ~~والإغناء , بل لهم طعام لا ينفي عنه ذلك . | ولما ذكر الأعداء وقدمهم لما ~~تقدم , أتبعه الأولياء فقال مستأنفا ذكر ما لهم من ضد ما ذكر للأعداء : { ~~وجوه ms5876 يومئذ } أي إذ كان ما ذكر { ناعمة * } أي ذات بهجة وسرور تظهر عليها ~~النعمة والنضرة والراحة والرفاهية بضد تلك الناصبة , لأن هؤلاء أتبعوا ~~أنفسهم في دار العمل الدنيا وصبروا على التقشف وشظف العيش { لسعيها } أي ~~عملها للآخرة الذي كأنه لا سعي غيره خاصة لعملمها أنه منج { راضية * } لما ~~رأت من ثوابه تود أن جميع سعيها في الدنيا كان لذلك بعد أن كان ذلك السعي ~~الذي هو للآخرة كريها إليها في الدنيا لا تباشره إلا بشق الأنفس . | ولما ~~ذكر السعي أتبعه ثوابه فقال : { في جنة عالية * } أي في المكان العالي ~~والمكانة العالية والأشجار والغرف وغير ذلك بما صرفوا أنفسهم عن الدنايا ~~ورفعوا هممهم إلى النفائس . | ولما كان ما كان من هذا لا يصفو , وفيه ما ~~يكره من الكلام قال منزها لها عن كل سوء : { لا تسمع } أي أيها الداخل ~~إليها - على قراءة الجماعة , وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب ~~بالبناء للمفعول وهو أبلغ في النفي { فيها لاغية * } أي لغو ما أو ~~PageV08P407 نفس تلغو أو كلمة ذات لغو على الإسناد المجازي , بل المسموع ~~فيها الذكر من التحميد والتمجيد والتنزيه لحمل ما يرى فيها من البدائع على ~~ذلك مع نزع الحظوظ الحاملة على غيره من القلوب بما كانوا يكرهون من لغو أهل ~~الدنيا المنافي للحكمة . | ولما وصف الجنة بأول ما يعتبر فيها وهو عدم ~~المنغص , أتبعه ما يطلب بعده وهو تناول الملتذات , وكان الأكل قد فهم من ~~ذكر لفظ الجنة , ذكر المشروب لذلك ولدلالته إذا كان جاريا على زيادة حسن ~~الجنة وكثر ما فيها من النباتات المقيتة والمفكهة من النجم والأشجار والري ~~الأطيار , فقال لأنه ليس كل جنة مما نعرفه فيه ماء جار بنفسه : { فيها } أي ~~الجنة . | ولما كان الماء الجاري صالحا لأن يقسم إلى أماكن كثيرة , وحد ~~قوله المراد به الجنس الشامل للكثير مقابلة لعين أهل النار في دار البوار : ~~{ عين جارية * } أي عظيمة الجري جدا , فهي بحيث لا تنقطع أصلا لما لأرضها ~~من الزكاء والكرم وما لمائها من الغزارة ms5877 وطيب العنصر , فهو صالح لأن يعم ~~جميع نواحيها أقاصيها وأدانيها وإن عظم اتساعها وتناءت أقطارها وبقاعها , ~~كما نراه يجري من ساق الشجرة الكبيرة جدا فيسقي جميع أغصانها وأوراقها ~~وثمارها , ويزيد على ذلك بأن جريه من أسفل إلى فوق , يجدبه جادب الشوق ~~ويسوقه أي سوق يقدره الخلاق العليم , والذي قدر على هذا كما هو مشاهد لنا ~~لا نشك فيه قادر على أن يجعل هذه العين - الصالحة للجنس ولو كانت واحدة ~~بالشخص - عامة لجميع مرافق الجنة تجري إلى خيامها ورياضها وبساتينها ~~ومصانعها ومجالسها ويصعدها إلى أعالي غرفها وإن علت , مقسمة بحسب المصالح , ~~موزعة على قدر المنافع , بغاية الإحكام بما كان لداخلها من الخضوع الذي ~~يجري منهم الدموع ويقل الهجوع ويكثير الظمأ والجوع . | ولما لم يبق بعد ~~الأكل والشرب إلا الاتكاء , قال مفهما أنهم ملوك : { فيها } معيدا الخبر ~~قطعا للكلام عن الأول تنبيها على شرف العين لأن الماء مما لا حياة بدونه { ~~سرر } أي زائدة الحد في العكثرة , جمع سرير وهو مقعد عال يجلس عليه الملك ~~ينقل إلى الموضع الذي يشتهيه , سمي بذلك لأنه يسر النفس , والمادة كلها ~~للسرور والطيب والكرم , ولذلك يطلق على الملك والنعمة وخفض العيش { مرفوعة ~~* } أي رفعها رافع عظيم في السمك وهو جهة العلو ليرى الجالس عليها جميع ~~ملكه وما نعم به وما شاء الله من غيره وفي القدر , لا كما تعهدونه في ~~الدنيا , بل ارتفاعها نمط جليل من مقدار عظمة رافعها الذي رفع السماء , ~~فالتنكير للتعظيم , وبنى الاسم للمفعول للدلالة على أنه ليس له من ذاتها ~~إلا الانخفاض , وأما ارتفاعها فبقسر القادر على كل شيء , وهذا يدل على أنها ~~كسماء لا عمد لها , قال البغوي : قال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~PageV08P408 ألواحها من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت مرتفعة ما لم ~~يجيء أهلها , فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها - ثم ترتفع ~~إلى مواضعها - انتهى . | وذلك بما كانوا يتواضعون ويباشرون من مشاق ~~العبادات على التراب ورث الأثواب . | < < # | الغاشية : ( 14 - 22 ) وأكواب موضوعة # > > ^ ( وأكواب موضوعة * ونمارق ms5878 مصفوفة * وزرابي مبثوثة * أفلا ينظرون ~~إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السمآء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى ~~الأرض كيف سطحت * فذكر إنمآ أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر ) ^ } ) | ولما ~~كان المستريح يحتاج إلى تكرار الشرب وما يشرب فيه قال : { وأكواب } جمع كوب ~~وهو إناء لا عروة له , فهو صالح للمناولة والشرب من كل جهة { موضوعة * } أي ~~ملآى وهي بحيث يسهل عليهم تناولها . | ولما كان من هو بهذه المثابة يحتاج ~~إلى المساند والفرش الزائدة قال تعالى : { ونمارق } أي مساند يستندون إليها ~~, جمع نمرقة بالفتح والضم وهي الوسادة { مصفوفة * } أي بعضها إلى بعض فهي ~~في غاية الكثرة كأنها الروابي المنضدة على بساط الأرض { وزرابي } أي بسط ~~عريضة كثيرة الوبر كأنها الرياض فاخرة ناضرة زائدة عن مواضع استراحاتهم , ~~وهي جمع زربية { مبثوية * } أي مبسوطة على وجه التفرق في المواضع التي لا ~~يراد التنزه بها من مواضع الرياحين النابتة والأشجار المتشابكة كما بسط ~~سبحانه وتعالى أديم الأرض ورصعه بأنواع النبات الفاخرة بما بسطوا أنفسهم في ~~الدنيا للحق وألانوها له . | ولما أنهى سبحانه ما أراد من تصوير تلك الدار ~~على ما يليق بهذه السور القصار , وكانوا ينكرون غاية الإنكار فوبخهم بما ~~يعصمهم من الزيغ عن العقائد الحقة في استفهام إنكاري مذكرا لهم بأمورهم في ~~غاية الوضوح في نفسها , لأن نزول هذه السور كان في أول الأمر قبل أن ~~يتمرنوا على المعارف تدل على قدرته على البعث وعلى قدرته على ما ذكر ما هذه ~~الأمور التي أودعها الجنان للذة الإنسان , وذلك لما في هذه الأمور التي ذكر ~~بها سبحانه من عجائب الصنع مع تفاوته في جعل بعضها ذا اختيار في الخفض ~~والرفع , وبعضها على كيفية واحدة لا قدرة له على الانفكاك عنها من علو أو ~~سفول مع التمهد أو التوعر , فقال مسببا عما مضى من الإخبار عن أحوال ~~الفريقين في الآخرة وعن قدرته على ما ذكر : { أفلا ينظرون } أي المنكرون من ~~هذه الأمة لقدرته سبحانه وتعالى على الجنة وما ذكر فيها والنار وما ذكر ~~فيها - نظر ms5879 اعتبار . | ولما كان لهم من ملابسة الإبل ما ليس لهم من ملابسة ~~غيرها , وكانت فردة في PageV08P409 المخلوقات لا شبيه لها مع ما لها من ~~كثرة المنافع كما قال الحسن رحمه الله تعالى - مع أكلها لكل مرعى واجتزائها ~~بأيسر شيء لا سيما في الماء وطول صبرها عنه مع عظم خلقها وكبر جرمها وشدة ~~قوتها , فكانت أدل على تمام القدرة والفعل بالاختيار , قال منبها بذكرها ~~على التدبر في الآيات المنبثة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها ~~صنعا بعد ما أشار إلى دلالتها على البعث في البروج بذكر ثمود بعد أن صرح به ~~في سورة سبحانه كما مضى بيانه في الموضعين ويأتي إن شاء الله تعالى في ~~الفجر والشمس , وأوضح التعبير عنها هنا بما يدل على الخطة المميلة المحيلة ~~المناسبة لمعنى الغاشية بخلاف التعبير في سورة النحل بالأنعام لأنها سورة ~~النعم { إلى الإبل } ونبه على أن عجيب خلقها مما ينبغي أن تتوفر الدواعي ~~على الاستفهام والسؤال عنه بأدة الاستفهام , فقال بانيا للمفعول إشارة إلى ~~أن الدال هو التأمل في مجرد خلقها الدال على إحاطة علم الله وعظيم إحسانه ~~وقدرته تعالى وفعله بالاختيار وحسن تدبيره حيث خلقها لجر الأثقال إلى ~~البلاد النائية فجعلها عظيمة باركة للحمل ناهضة به من غير معين , منقادة ~~لمن اقتادها طوال الأعناق لتنوء بالأوقار الثقال ترعى كل نبات وتحمتمل ~~العطش إلى عشر فصاعدا ليتأتى بها قطع المفاوز , فهي سفن البر مع ما لها من ~~منافع أخر , قال البيضاوي : ولذلك خصت بالذكر لبيان الآيات المنبثة في ~~الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعا ولأنها أعجب ما عند العرب - ~~انتهى , وتنفعل للبسط وتجد في سيرها فتتأثر بالصوت الحسن جدا , ومن عجائبها ~~أنها لا تكذب أصلا فإنها لا تبرك عجزا عن الحمل - إلا وليس فيها من القوى ~~شيء , وليس فيها ما تعم كراهته إلا كثرة رغائها فلعله سبحانه نفى عن الجنة ~~اللغو لذلك , ولعله مثل العين الجارية وقربها بدرها , والسرر المرفوعة التي ~~حكى أنها تنخفض حتى يتمكن المنتفع بها من ظهورها ثم ms5880 ترتفع به بالسماء في ~~علوها مع ما يعهدون من بروك الإبل للحمل والركوب ثم ارتفاعها لتمام ~~الانتفاع , وقرب نصب الاكواب بسنامها والنمارق ببقيتها حال بروكها , ثم فصل ~~ما دلت عليه الإبل من الاكواب بالجبال التي لا ترتقى مثل جبل السد , ~~والنمارق بالتي ترتقى , وبسط الزرابي بمهد الأرض , قال أبو حيان رحمه الله ~~تعالى : و { كيف } سؤال عن حال والعامل فيه { خلقت * } وإذا علق الفعل عما ~~فيه الاستفهام لم يبق الاستفهام على حقيقته . | ولما ذكر سبحانه وتعالى هذا ~~المخلوق المفرد الذي هو أدل ما يكون على هذا القول بالطبيعة , أتبعه ذكر ~~السماء ليتذكر السامع ذلك فيباعد من يقول به فقال : { وإلا السماء } أي ~~التي هي من جملة مخلوقاتنا { كيف رفعت * } أي حصل بأيسر أمر رفعها ~~PageV08P410 من الذي خلقها بلا عمد على ما لها من السعة والكبر والثقل ~~والإحكام وما فيها من جبال الكواكب والغرائب والعجائب , فذلك دال على ~~القدرة التامة التي لا يشارك تعالى فيها أحد قل ولا جل على إيجاد الجنة ~~العالية وعلى رفع السرر فيها لأنه دل على الفعل بالاختيار ونفي حكم الطبيعة ~~حكما وحتما , وذلك دال على كمال قدرته تعالى على كل شيء . | ولما ذكر ~~العالي من الحيوان الملابس للانسان والعالي من الأكوان , أتبعه أعلى الأعرض ~~فقال تعالى : { وإلى الجبال } أي الشامخة وهي أشد الأرض { كيف نصبت * } أي ~~كان نصبها من ناصبها عالية جدا على بقية الأرض بلا موجب فيها لذلك من طبيعة ~~ولا غيرها بل بفعل الفاعل المختار فهي راسخة لا تميل , فوضعها كذلك على ما ~~فيها من المنافع من المياه الجارية والأشجار المختلفة أعجب من وضع الأكواب ~~والنمارق المزينة , وبها مع ذلك ثبتت الأرض وحفظت من الميد , واعتدل أمر ~~الكواكب في تقدير الليل والنهار باعتدال البلاد بالطلق بإعلاء بعضها قبل ~~بعض حتى كانت المطالع والمغارب على ترتيب مطرد ونظام محكم غير منخرم تقدر ~~به الأزمان والفصول والسنون والأيام والشهور - إلى غير ذلك من الأمور , ولا ~~يكون ذلك لها إلا بقاهر قادر مختار لا شريك له . | ولما ms5881 كان الخفض لا يكون ~~إلا بخافض قاهر كما أن الرفع كذلك قال تعالى : { وإلا الأرض } أي مع سعتها ~~{ كيف سطحت * } أي اتفق بسطها من باسطها حتى صارت مهادا موضوعا يمشي عليه ~~بغاية السهولة , والقدرة على جعلها كذلك على ما هي فيه من الزينة بناصر ~~النبات وغير ذلك من الاختلافات دالة على الفعل بالاختيار , وليست بدون ~~القدرة على بث الزرابي في الجنة على اختلاف أشكالها وصورها وألوانها . | ~~ولما دل ما ذكر من عجائب صنعه في أنواع المخلوقات من البسائط والمركبات ~~العلويات ولاسفليات على كمال قدرته على كل شيء , فدل على كمال قدرته - على ~~البعث وعلى كل ما ذكر أنه يفعله في الجنة والنار , وكان الحث على النظر في ~~هذه الأشياء باستفهام إنكاري , وكان ذلك مفيدا لانتفاء النظر , قال سبحانه ~~مسببا عنه : { فذكر } كل من يرجى تذكره وانتفاعه بالتذكير يا أشرف خخلقنا ~~بما في غرائزهم وفطرهم من العلم الأولى بما في هذه الأشياء وأمثالها مما ~~يدل على صحة ما نزلنا عليك ليدلهم على كمال قدرة الذي بعثك فينقادوا لك أتم ~~انقياد لا سيما في اعتقاد حقية البعث , ولا يهمنك كونهم لا ينظرون ولا ~~يتطرفون , ولعل التذكير يوصل المتذكر إذا أقبل عليه بحسن رغبة إلى أن يعرف ~~أن الإبل تشبه الأنفس المطمئنة الذلولة المطيعة المناقدة , PageV08P411 ~~والسماء تشبه الأرواح القدسية النورانية , والجبال تشبه العقول والمعارف ~~الثابتة الراسخة , والأرض تشبه البدن المشتمل على الأعضاء والأركان . | ~~ولما كانت هذه السورة مكية من أوائل ما أنزل , وكان مأمورا إذ ذاك بالصفح ~~قال : { إنما أنت مذكر * } أي لا مقاتل قاهر قاسر لهم على التذكر والرجوع , ~~فلا عليك إن لم ينظروا ولم يتذكروا لأنه ما عليك إلا البلاغ , ولذلك قال { ~~لست } وأشار إلى القهر بأداة الاستعلاء فقال : { عليهم } أي خاصة { بمصيطر ~~* } أي بمتسلط , وأما غيرهم فسنسلطك عليهم عن قريب , وقرأها الكسائي بالسين ~~على الأصل . | < < # | الغاشية : ( 23 - 26 ) إلا من تولى . . . . . # > > ^ ( إلا من تولى وكفر * فيعذبه الله العذاب الأكبر * إن إلينآ إيابهم ~~* ثم إن علينا حسابهم ) ^ } ) | ولما نفى عنهم تسلط ms5882 الدنيا , وكان التقدير ~~: فمن أقبل وآمن فإن الله ينعمه النعيم الأكبر , قال مستدركا قسيمهم في ~~صورة الاستثناء : { إلا } أي لكن { من تولى } أي كلف نفسه المطمئنة وفطرته ~~الأولى المستقيمة للإعراض { وكفر * } أي وأصر على كفره , وأجاب الشرط بقوله ~~مسببا عنه : { فيعذبه } أشد العذاب الذي لا يطيقه أصلب لأمرك المطاع ومرادك ~~الذي كله الحسن الجميل , ولعله صوره وهو منقطع بصورة المتصل بالتعبير ~~بأداته إشارة إلى أن العذاب من الله عذاب منه صلى الله عليه وسلم , لأن ~~سببه تكذيبهم له , وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ( ألا ) بالفتح والتخفيف ~~على أنها استفتاحية { العذاب الأكبر * } يعني عذاب الآخرة , ويجوز أن يكون ~~الاستثناء متصلا فيكون المعنى : أن من أصر على الكفر يسلطه الله عليه ~~فيقتله فيعذبه الله في الدار الآخرة , ثم علل إخباره عنه عذابه في الآخرة ~~بقوله مؤكدا لما لهم من التكذيب : { إن إلينا } أي خاصة بما لنا من العظمة ~~والكبرياء { إيابهم * } أي رجوعهم وإن أبوا بالموت ثم بالبعث ثم بالحشر . | ~~ولما كان الحساب متأخرا عن ذلك كله , وعظيما كما وكيفا , عظمه بأداة ~~التراخي فقال : { ثم إن } أكده لإنكارهم , وأتى بأداة دالة على أنه كالواجب ~~في أنه لا بد منه فقال : { علينا } أي خاصة بما لنا من القدرة والتنزه عن ~~نقص العبث والجور وكل نقص , لا على غيرنا , لأن غيرنا لا قدرة له فقد ~~تقدمنا فيه بالوعود الصادقة , وأكدناها غاية التأكيد { حسابهم * } أي يوم ~~القيامة على النقير والقطمير , وغير ذلك من كل صغير وكبير , وذلك يكون في ~~الغاشية يوم ينقسم الناس قسمين : في دار هوان , ودار أمان , فقد ألتف آخرها ~~بأولها , وتعانق مفصلها بموصلها - والله الهادي للصواب وإليه المآب . | . . ~~. | PageV08P412 < # > سورة الفجر < # > | مقصودها الاستدلال على آخر الغاشية الإياب والحساب ، وأدل ما فيها ~~على هذا المقصود الفجر بانفجار الصبح عن النهار الماضي بالأمس من غير فرق ~~في شيء من الذات وانبعاث النيام من الموت الأصغر وهو النوم بالانتشار يفي ~~ضياء النهار لطلب المعايش للمجازاة في الحساب بالثواب والعقاب { بسم الله } ~~جامع العباد بعد تمزيقهم بما ms5883 له من العظمة { الرحمن } الذي عمهم بعد العموم ~~بالإيجاد بالبيان المهيئ من شاء للإيمان { الرحيم } الذي خص أولياءه ~~بالرضوان المبيح الجنان . < < # | الفجر : ( 1 - 8 ) والفجر # > > ^ ( والفجر * وليال عشر * والشفع والوتر * والليل إذا يسر * هل في ~~ذلك قسم لذى حجر * ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم ~~يخلق مثلها في البلاد ) ^ } ) | لما ختمت تلك بأنه لا بد من الإياب والحساب ~~, وكان تغيير الليل والنهار وتجديد كل منهما بعد إعدامه دالا على القدرة ~~على البعث , وكان الحج قد جعله الله في شررعه له على وجه التجرد عن المخيط ~~ولزوم التلبية والسير إلى الأماكن المخصوصة آية مذكرة بذلك قال : { والفجر ~~* } أي الكامل في هذا الوصف لما له من العظمة حتى كأنه لا فجر غيره , وهو ~~فجر يوم النحر الذي هو أول الأيام الآخذة في الإياب إلى بيت الله الحرام ~~بدخول حرمه والتحلل من محارمه وأكل ضيافته . | ولما ذكر هذا اليوم بما ~~العبارة به عنه أدل على البعث لأنه ينفجر عن صبح قد أضاء , ونهار قد انبرهم ~~وانقضى , لا فرق بينه وبين ما مضى , عم فقال معبرا بالمقابل : { وليال عشر ~~* } هي أعظم ليالي العام . | وهي آية الله على البعث بالقيام إلى إجابة ~~داعي الله تعالى على هيئة الأموات { والشفع } أي لمن تعجل في يومين { ~~والوتر * } أي لمن أتم - قاله ابن الزبير , وروى أحمد والبزار برجال الصحيح ~~عن عياش بن عقبة وهو ثقة PageV08P413 عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : ( العشر الأضحى , والشفع يوم الأضحى , والوتر يوم ~~عرفة ) . | ولما كان تعاقب الليل والنهار أدل على القدرة وأظهر في النعمة , ~~قال رادا لآخر القسم على أوله , ومذكرا بالنعمة وكمال القدرة , لأن الليل ~~أخفاهما سرى وسرا , فهو أعظمهما في ذلك أمرا , لأن سير النهار ظاهر لسرايته ~~بخلاف الليل فإنه محوى صرفه فكان أدل على القدرة { واليل } أي من ليلة ~~النفر { إذا يسر * } أي ينقضي كما ينقضي ليل الدنيا وظلام ظلمها فيخلفه ~~الفجر ويسرى فيه الذين آبوا إلى ms5884 الله راجعين إلى ديارهم بعد حط أوزارهم , ~~وقد رجع آخر القسم على أوله - وأثبت الياء في يسري ابن كثير ويعقوب وحذفها ~~الباقو , وعلة حذفها قد سأل عنها المؤرج الأخفش فقال : اخدمني سنة , فسأله ~~بعد سنة فقال : الليل يسرى فيه ولا يسري , فعدل به عن معناه فوجب أن يعدل ~~عن لفظه كقوله تعالى : < # > 77 ( { وما كانت أمك بغيا } ) 77 < # > [ مريم : 28 ] لما عدل عن ( باغية ) عدل لفظه فلم يقل : بغية - انتهى , ~~وهو يرجع إلى اللفظ مع أنه يلزم منه رد روايات الإثبات , والحكمة المعنوية ~~فيه - والله أعلم - من جهة الساري وما يقع السرى فيه , فأما من جهة الساري ~~فانقسامهم ليلة النفر إلى مجاور وراجع إلى بلاده , فأشير إلى المجاورين ~~بالحذف حثا على ذلك لما فيه من جلالة المسالك , فكان ليل وصالحهم ما انقضى ~~كله , فهم يغتنمون حلوله ويلتذون طوله من تلك المشاهد والمشاعر والمعاهد , ~~وإلى الراجعين بالإثبات لما سرى الليل بحذافيره عنهم آبوا راجعين إلى ~~ديارهم فيما انكشف من نهارهم , وأما من جهة ما وقع فيه السرى فللاشارة إلى ~~طوله تارة وقصره أخرى , فالحذف إشارة إلى القصير والإثبات إشارة إلى الطويل ~~بما وقع من تمام سراه وما وقع للسارين فيه من قيام وصف الأقدم بين يدي ~~الملك العلام كما قال الإمام تقي الدين بن دقيق العيد رحمه الله تعالى حيث ~~قال مشيرا لذلك : | كم ليلة فيك وصلنا السرى لا نعرف الغمض ولا نستريح | ~~الأبيات المذكورة عنه في المزمل , فقد انقسم الليل إلى ذي طول وقصر , ~~والساري فيه إلى ذي حضر وسفر , فدلت المفاوتة في ذلك وفي جميع أفراد القسم ~~على أن فاعلها قادر مختار واحد قهار , ولذلك أتبعه الدلالة بقهر القهارين ~~وإبارة الجبارين , وأما ( بغي ) فذكر حكمته في مريم . | PageV08P414 ولما ~~كان هذا قسما عظيما في ذكر تلك الليالي المتضمن لذكر المشاعر وما فيها من ~~الجموع والبكاء كما قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة : | وليلة جمع ~~والمنازل من منى وهل فوقها من حرمة ومنازل | وفي تذكيره بالبعث ودلالته ~~عليه عقلية واضحة ms5885 بالإيجاد بعد الإعدام مع ما لهذه الأشياء في أنفسها وفي ~~نفوس المخاطبين بها من الجلالة , نبه على ذلك سبحانه وتعالى بقوله : { هل ~~في ذلك } أي المذكور مع ما له من علي الأمر وواضح القدر { قسم } أي كاف ~~مقنع { حجر * } أي عقل فيحجره ويمنعه عن الهوى في درك الهوى , فيعليه إلى ~~أوج الهدى , في درج العلا , حتى يعلم أن الذي فعل ما تضمنه هذا القسم لا ~~يتركه سدى , وأنه قادر على أن يحيى الموتى , قال ابن جرير : يقال للرجل إذا ~~كان مالكا نفسه قاهرا لها ضابطا : إنه لذو حجر - انتهى , فمن بلغ أن يحجره ~~عقله عن المآثم ويحمله على المكارم فهو ذو حجر . | وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير : ابتدأ سبحانه لمن تقدم ذكره وجها آخر من الاعتبار , وهو أن ~~يتذكروا حال من تقدمهم من الأمم وما أعقبهم تكذيبهم واجترامهم فقال : { ألم ~~ترك كيف فعل ربك بعاد } إلى قوله : { إرم ذات العماد } إلى قوله : { إن ربك ~~لبالمرصاد } أي لا يخفى عليه شيء من مرتكبات الخلائق ولا يغيب عنه ما أكنوه ~~< # > 77 ( { سواء منكم من أسر القول ومن جهر به } ) 77 < # > [ الرعد : 10 ] فهلا اعتبر هؤلاء بما يعاينونه ويشاهدونه من خلق الإبل ~~ورفع السماء ونصب الجبال وسطح الأرض , وكل ذلك لمصالحهم ومنافعهم , فالإبل ~~لأثقالهم وانتقالهم , والسماء لسقيهم وإظلالهم , والجبال لاختزان مياههم ~~وأقلالهم , والأرض لحلهم وترحالهم , فلا بهذه الأمور كلها استبصروا , ~~لاختزان مياههم وأقلالهم , والأرض لحلهم وترحالهم , فلا بهذه الأمور كلها ~~استبصروا , ولا بمن خلا من القرون اعتبروا , { ألم تر كيف فعل ربك بعاد } ~~على عظيم طغيانها وصميم بهتانها { إن ربك لبالمرصاد } فيتذكرون حين لا ينفع ~~التذكر { إذا دكت الأرض دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم , ~~يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى } - انتهى . | ولما كان التقدير كما ~~هدى إليه السياق : ليبعثن كلهم صاغرين ثم ليحشرن ثم ليحاسبن فيجازى كل أحد ~~بما عمل , فإن آمنوا بذلك نجوا وإلا عذبهم الذي ثبتت قدرته على العذاب ~~الأكبر بعد العذاب الأدنى بسبب قدرته على ms5886 البعث بسبب قدرته على ما رأيتم من ~~خلق الإبل والسماء والجبال والأرض على ما في كل من العجائب بسبب قدرته على ~~كل شيء , وهذا هو المقصود بالذات , حذف زيادة في تعظيمه واعتمادا على ~~معرفته بما هدى إليه من السياق في جميع السورة وما قبلها . | ولما طوى جواب ~~القسم PageV08P415 لإرشاد السياق إليه وتعويل المعنى عليه , وتهويلا له مع ~~العلم بأنه لا يكون قسم بغير مقسم عليه , وكان علمت القدرة عليه مما أشير ~~إليه بالمقسم به , أوضح تلك القدرة بأمر العذاب الأدنى - للأمم الماضية , ~~فقال مخاطبا لمن قال له في آخر تلك < # > 77 ( { فذكر إنما أنت مذكر } ) 77 < # > [ الغاشية : 21 ] تسلية له صلى الله عليه وسلم وإشعارا بأنه لا يتدبره ~~حق تدبره غيره , وتهديدا لمن كذب من قومه : { ألم تر } أي تنظر بعين الفكر ~~يا أشرف رسلنا فتعلم علما هو في التيقن به كالمحسوس بالبصر , وعبر ~~بالاستفهام إشارة إلى أن ما ندبه إلى رؤيته مما يستحقأن يسأل عنه : { كيف ~~فعل ربك } أي المحسن إليك بإرسالك ختاما لجميع الأنبياء بالأمم الماضية بما ~~شاركوا به هؤلاء من تكذيب الرسل وجعل محط نظرهم الدنيا , وعملوا أعمال من ~~يظن الخلود , وبدأ بأشدهم في ذلك وأعتاهم الذين قالوا : من أشد منا قوة ؟ ~~فقال : { بعاد * } أي الذين بلغوا في الشدة أن قالوا : من أشد منا قوة ؟ ~~وقال لهم نبيهم هود صلى الله عليه وسلم : < # > 77 ( { وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون } ) 77 < # > [ الشعراء : 129 ] ودل على ذلك بناؤهم جنة في هذه الدنيا الفانية التي ~~هي دار الزوال , والقلعة والارتحال , والنكد والبلاء والكدر , والمرض ~~والبؤس والضرر , فقال مبينا لهم على حذف مضاف : { إرم } أي أهلها وعمدتها , ~~وأطلقها عليهم لشدة الملابسة لما لها من البناء العجيب والشأن الغريب , ثم ~~بينها بقوله : { ذات } أي صاحبة { العماد * } أي البناء العالي الثابت ~~بالأعمدة التي لم يكن في هذه الدار مثلها , ولذا قال : { التي لم يخلق } أي ~~يقدر ويصنع - بناه للمفعول إرادة للتعميم { مثلها } يصح أن يعود الضمير على ~~( عاد ) باعتبار القبيلة , على ( إرم ) باعتبار البلدة ms5887 , وأوضح هذا بقوله ~~معمما للأرض كلها : { في البلاد * } أي في بنائها ومرافقها وصمارها , ~~وتقسيم مياهها وأنهارها , وطيب أرضها وحسن أطيارها , وما اجتمع بها مما ~~يفوت الحصر ويعجز القوى , ولا مثل أهلها الذين بنوها في قوة أبدانهم وعظيم ~~شأنهم وغير ذلك من أمورهم , وكان صاحبها شداد قد ملك المعمورة كلها فتحيزها ~~فبناها في برية عدن في ثلاثمائة سنة يضاهي بها الجنة على ما زعم - قلوب ضلت ~~وأضلت وأضلها باريها - قال أبو حيان : على أوصاف بعيد أو مستحيل عادة أن ~~يكون في الأرض مثلها , فلما تمت على ما أراد قصدها للسكن وعمره إذ ذاك ~~تسعمائة سنة , فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من ~~السماء فأهلكهم فكانوا كأمس الذاهب , وأخفى مدينتهم فلم يرها أحد إلا عبد ~~الله بن قلابة , خرج في طلب إبل ضلت له على زمن معاوية رضي الله عنه فوقع ~~عليها , ولما خرج منها وانفصل عنها خفيت عنه , وكان قد حمل معه بعض ما رأى ~~فيها من اللؤلؤ والمسك والزعفران فباعه , وسمع به معاوية رضي الله عنه ~~فأرسل إليه فحدثه , فأرسل , PageV08P416 معاوية رضي الله عنه إلى كعب ~~الأحبار فسأله عن ذلك فقال : هي إرم ذات العماد , وسيدخلها رجل من المسلمين ~~في زمانك أشقر أحمر قصير , على حاجبيه خال , وعلى عقبه خال , يخرج في طلب ~~إبل له , ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال : هذا والله ذاك الرجل - ذكره ~~شيخنا في تخريج أحاديث الكشاف وقال : وآثار الوضع عليه لائحة , وقال جماعة ~~منهم ابن عباس رضي الله عنهما : الأوصاف كلها للقبيلة وهم عاد الأولى , ~~واسمها إرم باسم جدهم , وكانوا عربا سيارة يبنون بيوتهم على الأعمدة على ~~عادة العرب , ولم يخلق مثلهم أمة من الأمم في جميع البلاد . | < < # | الفجر : ( 9 - 16 ) وثمود الذين جابوا . . . . . # > > ^ ( وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * الذين ~~طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك ~~لبالمرصاد * فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن ~~* وأمآ إذا ms5888 ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ) ^ } ) | ولما بدأ ~~بهؤلاء لأن أمرهم كان أعجب , وقصتهم أنزه وأغرب , ثنى بأقرب الأمم إليهم ~~زمانا وأشبههم بهم شأنا لأنهم أترفوا بما حبوا به من جنات وعيون وزروع ونخل ~~طلعها هضيم , فجعلوا موضع ما لزمهم من الشكر الكفر , واستحبوا العمى على ~~الهدى , مع ما في آيتهم , وهي الناقة , من عظيم الدلالة على القدرة فقال : ~~{ وثمود الذين جابوا } أي نقبوا وقطعوا قطعا حقيقا كأنه عندهم كالواجب { ~~الصخر بالواد * } أي وادي الحجر أو وادي القرى , فجعلوا بيوتا منقورة في ~~الجبال فعل من يغتال الدهر ويفني الزمان , قال أبو حيان : قيل أول من نحت ~~الجبال والصخور والرخام ثمود , وبنوا ألفا وسبعمائة مدينة كلها بالحجارة . ~~| ولما ذكر القبيلتين من العرب , ذكر بعض من جاورهم من طغاة العجم لما في ~~قصتهم من العتو والجبروت مع ما حوته من الغرائب وخوارق العجائب لا سيما في ~~القدرة على البعث بقلب العصا حية وإعادتها جمادا مع التكرر , وبإيجاد ~~الضفادع والقمل من كثبان الأرض وغير ذلك فقال : { وفرعون } أي وفعل بفرعون ~~{ ذي الأوتاد * } أي الذي ثبت ملكه تثبيت من يظن أنه لا يزول بالعساكر ~~والجنود وغيرهم من كل ما يظن أنه يشد أمره من الجنات والعيون والزروع ~~والمقامات الكريمة , فصارت له اليد المبسوطة في الملك . | ولما كان المراد ~~بفرعون هو وجنوده لآن الرأس يكنى به عن البدن , لأنه جماعة وبه قوامه , ~~وصفه بوصف يجمع قومه وجميع من ذكر هنا فقال : { الذين } أي فرعون ~~PageV08P417 وجنوده وكل من ذكر هنا من الكفرة من عاد وثمود وأتباعهم { طغوا ~~} أي تجاوزوا الحدود { في البلاد * } أي التي ملكوها بالفعل وغيرها بالقوة ~~{ فأكثروا } عقب طغيانهم وبسببه { فيها الفساد * } بما فعلوا من الكفر ~~والظلم مما صار سنة لمن سمع به . | ولما كان ذلك موجبا للعذاب , سبب عنه ~~قوله : { فصب } أي أنزل إنزالا هو في غاية القوة { عليهم } أي في الدنيا { ~~ربك } أي المحسن إليك المدبر لأمرك الذي جعل ما مضى من أخبار الأمم وآثار ~~الفرق موطئا لهم { سوط عذاب ms5889 * } أي جعل عذابهم من الإغراق والرجف وغيرهما ~~في وقته وتمكنه وعلوه وإحاطته كالمصبوب في شدة ضربه ولصوقه بالمضروب ~~وإسراعه إليه والتفافه به كالسوط وفي كونه منوعا إلى أنواع متشابكة , وأصله ~~الخلط , وإنما سمي هذا الجلد المضفور الذي يضرب به لكونه مخلوط الطاقات ~~بعضها ببعض , ولأنه يخلط اللحم والدم , وقيل : شبه بالسوط ما أحل بهم في ~~الدنيا إشعارا بالترديد والتكرير إلى أن يهلك المعذب به وإيذانا بأنه ~~بالقياس إلى ما أعد لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى السيف , هذا سوط ~~الدنيا وسيف الآخرة أشد وأحد وأمضى , ثم علل أخذه لكل ظالم وانتقامه من كل ~~مفسد بأنه رقيب , فقال ممثلا أن العصاة لا يفوتونه مؤكدا تنبيها على أن ~~أعمال من ينكر ذلك أو لا يخطر بباله : { إن ربك } أي مولاك المدبر لأمر ~~نبوتك { لبالمرصاد * } أي لا يفوته شيء , بل هو قادر ومطلع على كل شيء ~~اطلاع من يريده بالإقامة في مكان الرصد وزمانه مع غاية الحفظ والرعي وهو ~~قادر على ما يريد . | ولما ذكر سبحانه أن عادة هؤلاء الفرق كانت الطغيان , ~~وذكر أن عادة الرب سبحانه فيمن تولى وكفر أنه يعذبه كما هدد به آخر تلك , ~~ودل على ذلك بما شوهد في الأمم , وعلل ذلك بأنه لا يغفل , ذكر عادة الإنسان ~~من حيث هو من غير تقييد بهؤلاء الفرق عن الابتلاء في حالي السراء والضراء , ~~فقال مشيرا إلى جواب ما كانت الكفار تقوله من أنهم آثر عند الله من ~~المسلمين لا يساعد عليهم في الدنيا وتقلل الصحابة رضي الله عنهم من الدنيا ~~مسببا عما مضى عطفا على ما تقديره : هذه كانت عادة هؤلاء الأمم وعادة الله ~~فيهم : { فأما الانسان } أي الذي أودع الحجر ليعقل هذه الأقسام وما يراد ~~منه من اعتقاد المقسم عليه بها وجبل على النسيان والأنس بنفسه والمحبة لها ~~والرضى عنها . | ولما كان المقصود التعريف بحاله عند الابتداء , قدم الظرف ~~الدال على ذلك على الخبر فقال : { إذا } وأكد الأمر بالنافي فقال { ما ~~ابتلاه } أي عامله معاملة المختبر بأن خالطه ms5890 بما أراد مخالطة تميله وتحيله ~~{ ربه } أي الذي أبدعه وأحسن إليه بما يحفظ وجوده ليظهر شكره أو كفره { ~~فأكرمه } أي بأن جعله عزيزا بين الناس وأعطاه ما PageV08P418 يكرمونه به نم ~~الجاه والمال { ونعمه * } أي بأن جعله متلذذا مترفا بما أعطاه غير تعبان - ~~بسببه { فيقول } سرورا بذلك وافتخارا : { ربي } أي الموجد لي والمدبر لأمري ~~{ أكرمن * } أي فيظن أن ذلك عن استحقاق فيرتفع به { وأما } هو { إذا } وأكد ~~على نمط الأول فقال : { ما ابتلاه } أي ربه ليظهر صبره أو جزعه . | ولما ~~كان قوله في الأول ( فأكرمه ونعمه ) كناية عن ( فوسع عليه ) قابله هنا ~~بقوله : { فقدر } أي ضيق تضييق من يعمل الأمر بحساب وتقدير { عليه رزقه } ~~فهو كناية عن الضيق كما أن العطاء بغير حساب كناية عن السعة , فجعله بمقدار ~~ضرورته الذي لا يعيش عادة بدونه , ولم يجعله فيه فضلا عن ذلك ولم يقل ( ~~فأهانه ) موضع ( قدر عليه ) تعليما للأدب معه سبحانه وتعالى وصونا لأهل ~~الله عن هذه العبارة لأن أكثرهم مضيق عليه في دنياه , ولأن ترك الإكرام لا ~~ينحصر في كونه إهانة { فيقول } أي الإنسان بسبب الضيق : { ربي } أي المربي ~~لي { أهانن * } فيهتم لذلك ويضيق به ذرعا , ويكون ذلك أكبره همه . | < < # | الفجر : ( 17 - 22 ) كلا بل لا . . . . . # > > ^ ( كلا بل لا تكرمون اليتيم * ولا تحاضون على طعام المسكين * ~~وتأكلون التراث أكلا لما * وتحبون المال حبا جما * كلا إذا دكت الأرض دكا ~~دكا * وجآء ربك والملك صفا صفا ) ^ } ) | ولما كان نسبة هذا إليه توبيخا ~~وتقريعا لقصور نظره فإن الإقتار قد يؤدي إلى سعادة الدارين , والتوسعة قد ~~تؤدي إلى شقاوتهما , وهذا أكثر ما يوجد , قال ردعا عن مثل هذا القول بأعظم ~~أدوزات الزجر معللا للتوسعة والإقتار : { كلا } أي إني لا أكرم بتكثير ~~الدنيا ولا أهين بتقليلها , لا التوسعة منحصرة في الإكرام ولا التضييق ~~منحصر في الإهانة والصغار , وإنما أتتهم الإهانة من حيث إنهم لا يطيعون ~~الله , وربما كان بالتوسعة , وربما كانت بالإقتار , فربما عصى فوسع عليه ~~إهانة له , وهذا لمن يريد بالتوسعة , وربما كانت بالإقتار ms5891 , فربما عصى فوسع ~~عليه إهانة له , وهذا لمن يريد سبحانه به الشقاء فيعجل له طيباته في الدنيا ~~استدراجا , وربما عصى فضيق عليه إكراما له لأن ذلك يكفر عنه , وفي الصحيح ~~في حديث أقرع وأبرص وأعمرى في بني إسرائيل شاهد عظيم لذلك . | ولما زجر عن ~~اعتقاد أن التوسعة للاكرام والتضييق للاهانة , ذكر أن معيار من جبل على حب ~~الطاعة ومن جبل على حب المعصية بغض الدنيا وحبها , فقال معربا عن كلام ~~الإنسان في الشقين وأفرد أولا لأنه أنص على التعميم وجمع ثانيا إعلاما بأن ~~المراد الجنس { بل } أي يستهينون بأمر الله بما عندهم من العصيان , فيوسع ~~على بعض من PageV08P419 جبل على الشقاء إهانة له بالاستدراج ويضيق على بعض ~~من لم يجبل على ذلك إكراما له وردعا عن اتباع الهوى وردا إلى الإحسان إلى ~~الضعفاء , وترجم هذا العصيان الذي هو سبب الخذلان بقوله : { لا يكرمون } أي ~~أكثر الناس { اليتيم * } بالإعطاء ونحوه شفقة عليه ورحمة له لأنه ضعيف لا ~~يرجى من قبله نفع بثناء ولا غيره . | ولما كان الإنسان لا يمنعه من حث غره ~~على الخير إلا حب الدنيا إن كان المحثوث أعظم منه فيدخره لحوائجه وإن كان ~~مثله فإنه يخشى أن يقارضه بذلك فيحثه على مسكين آخر , وكان الإحسان بالحث ~~على الإعطاء أعظم من الإعطاء لأنه يلزم منه الإعطاء بخلاف العكس , قال : { ~~ولا يحضون } أي يحثون حثا عظيما لأهلهم ولا لغيرهم { على طعام المسكين * } ~~أي بذله له سخاء وجودا , فكانت إضافته إليه إشارة إلى أنه شريك للغني ما له ~~بقدر الزكاة . | ولما دل على حب الدنيا بأمر خارجي , دل عليه بأمر في ~~الإنسان فقال تعالى : { ويأكلون } أي على سبيل التجديد والاستمرار { التراث ~~} أي الميراث , أصله وراث أبدلت الواو تار , وكأنه عبر عنه به دلالة على ~~أخذ الظاهر الذي تشير إليه الواو , والتفتيش عن الباطن المشار إليه بمخرج ~~التاء تفتيشا ربما أدى غلى أخذ بعض مال الغير : { أكلا لما * } أي ذا لم أي ~~جمع وخلط بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يؤرثون النساء ms5892 ولا الصبيان ~~ويأكلون ما جمعه المؤرث وإن كانوا يعلمون أنه حرام ويقولون : لا يستحق ~~المال إلا من يقاتل ويحمي الحوزة . | ولما كان ذلك قد يفعل عن ضرورة مع ~~الكراهة قال ما هو صريح في المقصود : { ويحبون } أي على سبيل الاستمرار { ~~المال } أي هذا النوع من أي شيء كان , وأكده بالمصدر والوصف فقال : { حبا ~~جما * } أي كثيرا مع حرص وشره , فصار قصارى أمرهم النظر الدنيوي , ولم ~~يصرفوا أنفسهم عن حبه إلى ما دعا إليه العقل الذي يعقل النفس عن الهوى , ~~والحجر الذي يحجرها عن الحظوظ , والنهية التي تنهاها عن الشهوات إلى ~~الإقبال على الله . | ولما كان السياق هاديا إلى أن التقدير : يحسبون أن ~~ذلك يوفر أموالهم ويحسن أحوالهم ويصلح بالهم , زجر عنه بمجامع الزجر فقال : ~~{ كلا } أي ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر , ثم استأنف ذكر ما يوجب ندمهم ~~وينبههم من رقدتهم ويعرفهم أن حب المال لا يقتضي نموه , ولو اقتضى نموه ما ~~اقتضى إيجابه للسعادة فقال : { إذ دكت الأرض } أي حصل دكها ورجها وزلزلتها ~~لتسويتها فتكون كالأديم الممدود بشدة المط لا عوج فيها بوجه , وأشار ~~بالبيناء للمفعول إلى سهولة ذلك لأن الأمر عظيم لعظمة PageV08P420 الفاعل ~~الحق , ولذلك قال : { دكا دكا * } أي مكررا بالتوزيع على كل موضع نات فيها ~~, فيكون لكل جبل وأكمه وثنية وعقبة دك يخصه على حدته ليفيد ذلك أنه دك ~~مبالغ فيه فتصير جبالها وأكمامها هباء منثورا ثم تستوي حتى لا يكون فيها ~~شيء من عوج , وهو كناية عن زلازل عظيمة لا تحملها الجبال الرواسي فيكف ~~بغيرها . | ولما دلت التسسوية على مجيء أمر عظيم , فإن العادة في الدنيا أن ~~الطرق لا تعم بالكنس أو الرش أو التسوية إلا لحضور عظيم كالسلطان , قال ~~متطلفا بالمخاطب من أواخر سورة البروج إلى هنا بذكر صفة الإحسان على وجه ~~يفتت أكباد أضداده , { وجاء ربك } أي أمر المحسن إليك بإظهار رفعتك العظمى ~~في ذلك اليوم الأعظم لفصل القضاء بين العباد بشفاعتك { والملك } أي هذا ~~النوع حال كون الملائكة مطفين { صفا صفا * } أي موزعا ms5893 اصطفافهم على أصنافهم ~~كل , صنف صف على حدة , ويحيط أهل السماء الدنيا بالجن والإنس , وأهل كل ~~سماء كذلك , وهم على الضعف ممن أحاطوا به حتى يحيطوا أهل السماء السابعة ~~بالكل وهم على الضعف من جميع من أحاطوا به من الخلائق , ومعنى مجيئه سبحانه ~~وتعالى بعد أن ننفي عنه أن يشبه مجيء شيء من الخلق لأنه سبحانه وتعالى ليس ~~كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله , فإذا صححنا العقد في ذلك ~~في كل ما كان من المتشابه قلنا في هذا إنه مثل أمره سبحانه وتعالى في ظهور ~~آيات اقتداره وتبيين آثار قدرته وقهره وسلطانه يحال الملك إذا حضر بنفسه ~~فظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بظهور عساكره كلها خالية ~~عنه , فمجيئه عبارة عن حكمه وإظهار عظمته وبطشه وكل ما يظهره الملوك إذا ~~جاؤوا إلى مكان , وهو سبحانه وتعالى شأنه حاضر مع المحكوم بينهم بعلمه ~~وقدرته , لم يوصف بغيبة أصلا أزلا ولا أبدا , فحضوره في ذلك الحال وبعده ~~كما كان قبل ذلك من غير فرق أصلا ولم يتجدد شيء غير تعليق قدرته على حسب ~~إرادته بالفصل بين الخلق , ولو غاب في وقت أو أمكنت غيبته بحيث يحتاج إلى ~~المجيء لكان محتاجا , ولو كان محتاجا لكان عاجزا , ولو عجز أو أمكن عجزه في ~~حال من الأحوال لم يصلح للالهية - تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون ~~علوا كبيرا , وفي تكرير ( صفا ) تنبيه على صرف المجيء عن حقيقته وإرشاد إلى ~~ما ذكرت من التمثيل . | < < # | الفجر : ( 23 - 30 ) وجيء يومئذ بجهنم . . . . . # > > ^ ( وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى * يقول ~~يليتني قدمت لحياتي * فيومئذ لا يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد * ~~يأيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * ~~وادخلي جنتي ) ^ } ) | ولما كانت جهنم لا تأتي بنفسها لأنها لو أتت بنفسها ~~لربما ظن أنها خارجة عن PageV08P421 القدرة بل تقودها الملائكة , فكلما ~~عالجوها ذهابا وإيابا حصل للناس من ذلك من الهول ما لا يعلمه إلا الله ms5894 ~~تعالى , وكان المهول نفس المجيء بها لا تعيين الفاعلين , لذلك بني للمفعول ~~قوله : { وجاء } أي بأسهل أمر { يؤمئذ } أي إذ وقع ما ذكر { بجهنم } أي ~~النار التي تتجهم من يصلاها , روي أنه يؤتى بها لها سبعون ألف زمان مع كل ~~زمام سبعون ألف ملك , وهو كقوله تعالى : < # > 77 ( { وبرزت الجحيم لمن يرى } ) 77 < # > [ النازعات : 36 ] وأبدل من ( إذا ) توضيحا لطول الفصل وتهويلا قوله : ~~{ يومئذ } أي إذ وقعت هذه الأمور فرأى الإنسان ما أعد للشاكرين وما أعد ~~للكافرين . | ولما قدم هذه الأمور الجليلة والقوارع المهمولة اهتماما بها ~~وتنبيها على أنها , لما لها من عظيم الموعظة , جديرة بأن يتعظ بها كل سامع ~~, ذكر العامل في ظرفها وبدله فقال : { يتذكر الإنسان } أي على سبيل التجديد ~~والاستمرار فيذكر كل ما كان ينفعه في الدنيا وما يضره فيعلم أن حبه للدنيا ~~لم يفده إلا خسارا , لا زاد بحبها شيئا لم يكتب له ولا كان ينقصه بذلها ~~شيئا كما كتب له أو بذلها , وإذا تذكر ذلك هان عليه الذل , وليست تلك الدار ~~دار العمل , فلذلك قال : { وأنى } أي كيف ومن أي وجه { له الذكرى * } أي ~~نفع التذكر العظيم فإنه في غير موضعه , فلا ينفعه أصلا بوجه من الوجوه ~~لفوات دار العمل , ولا يقع بذلك على شيء سوى الندم وتضاعف الغم والهم ~~والآلام . | ولما كان الندم يقتضي ان يعمل الإنسان ما ينافيه , بين أنه ليس ~~هناك عمل إلا إظهار الندم فاستأنف قوله : { يقول } أي متمنيا المحال على ~~سبيل التجديد والاستمرار : { يا ليتني } وهل ينفع شيئا ( ليت ) { قدمت } أي ~~أوقعت التقديم لما ينفعني من الجد والعمل به { لحياتي * } أي أيام حياتي في ~~الدنيا أو لأجل حياتي هذه الباقية التي لا موت بعدها , ويمكن أن يكون سبب ~~تمنيه هذا علمه بأنه كان في الدنيا مختارا , وأن الطاعات في نفسها كانت ~~ممكنة لا مانع له منها في الظاهر إلا صرف نفسه عنها وعدم تعليق ما أتاه ~~الله من القوى بها . | ولما كان هذا غير نافع له , سبب عنه قوله : { فيومئذ ms5895 ~~} أي إذ وقعت هذه الأمور كلها { لا يعذب } أي يوقع { عذابه } أي عذاب الله ~~, أي مثل عذابه المطلق المجرد فكيف بتعذيبه . | ولما اشتد التشوف إلى ~~الفاعل , أتى به على وجه لا أعم منه أصلا فقال : { أحد * } ولما جرت العادة ~~بأن المعذب يستوثق منه بسجن أو غيره , ويمنع من كل شيء يمكن أن يقتل به ~~نفسه , خوفا من أن يهرب أو يهلك نفسه قال : { ولا يوثق } أي يوجد { وثاقه } ~~أي مثل وثاقه فكيف بإيثاقه { أحد * } والمعنى أنه لا يقع في خيال أحد لأجل ~~PageV08P422 انقطاع الأنساب والأسباب أن أحدا يقدر على مثل ما يقدر عليه ~~سبحانه وتعالى من الضر ليخشى كما يقع في هذه الدنيا , بل يقع في الدنيا في ~~أوهام كثيرة أن عذاب من يخشونه أعظم من عذاب الله - وأن عذاب الدنيا بأسره ~~لو اجتمع على إنسان وحده لا يساوي رؤية جهنم بذلك المقام في ذلك المحفل ~~المهول دون دخولها - ولذلك تقدم خوفه على الخوف من الله , وبنى الكسائي ~~ويعقوب الفعلين للمفعول , والمعنى على قراءة الجماعة ببنائها للفاعل : لا ~~يعذب أحد عذابا مثل عذاب الله أي لا يعذب أحد غير الله أحدا من الخلق مثل ~~عذاب الله له , والحاصل أنه لا يخاف في القيامة من أحد غير الله , فإنه ثبت ~~بهذا الكلام أن عذابه لا مثل له , ولم يذكر المعذب من هو فيرجع الأمر إلى ~~أن المعنى : فيومئذ يخاف الإنسان من الله خوفا لا مثل له , أي لا يخاف من ~~أحد مثل خوفه منه سبحانه وتعالى , ويجوز أن يكون الضمير في ( عذابه ) ~~للإنسان , أي لا يعذب أحد من الزبانية أحدا غير الإنسان مثل عذابه , وفي ~~المبنيى للمفعول : لا يعذب عذاب الإنسان أحد لكن يبعده أنه يلزم عليه أن ~~يكون عذاب الإنسان أعظم من عذاب إبليس - ويجوز أن يكون المعنى : إنه لا ~~يحمل أحد ما يستحقه من العذاب كقوله تعالى : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } [ ~~الأنعام : 164 ] . | ولما علم أن هذا الجزاء المذكور لا يكون إلا للهلوع ~~الجزوع المضطرب النفس الطائش في ms5896 حال السراء والضراء , الذي لا يكرم اليتيم ~~ولا المسكين ويحب الدنيا , وكان من المعلوم أن من الناس من ليس هو كذلك , ~~تشوفت النفس إلى جزائه فشفى عي هذا التشوف بقوله , إعلاما بأنه يقال ~~لنفوسهم عند النفخ في الصور وبعثربة ما في القبول للبعث والنشور : { يا ~~أيتها النفس المطمئنة * } أي التي هي في غاية السكون لا خوف عليها ولا حزن ~~ولا نقص ولا غبون , لأنها كانت في الدنيا في غاية الثبات على كل ما أخبر به ~~عن الدار الآخرة وغيرها من وعد ووعيد وتحذير وتهديد , فهم راجون لوعده ~~خائفون من وعيده , وإذا كانت هذه حال النفس التي شأنها الميل إلى الدنيا ~~فما ظنك بالروح التي تربية الموفقين , أو إلى بدنك حال كونك { راضية } أي ~~بما تعطينه . | فلا كدر يلحقك بوجه من الوجوه أصلا كما كنت في دار القلق ~~والاضطراب مطمئنة ساكنة تحت القضاء والقدر سالكة سبيل الرضا إن حصل ابتلاء ~~بالتكريم والتنعيم أو التضييق والتغريم وثوقا بما عند الله { مرضية * } عند ~~الله وسائر خلقه , فلا شيء يكرهك بسبب ما كنت مطمئنة تعملين الأعمال ~~الصالحة تحت القضاء والقدر خيره وشره حلوه ومره , ثم بين ما أجمل من الرجوع ~~فقال سبحانه : { فادخلي } أي بسبب هذا الأمر { في عبادي * } أي PageV08P423 ~~في زمرة الصالحين الوافدين علي , الذين هم أهل للإضافة إلي , أو في أجساد ~~عبادي التي خرجت في الدنيا منها , وقراءة ( عبدي ) بالتوحيد للجنس الشامل ~~للقليل والكثير تدل على ذلك { وادخلي جنتي * } أي وهي جنة عدن وهي أعلى ~~الجنان , قال البغوي : قال سعيد بن بجير : مات ابن عباس رضي الله عنهما ~~بالطائف فشهدت جنازته فجاء طائر لم نر على صورة خلقه , فدخل نعشه فلم نر ~~خارجا منه , فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر فلم ندر من تلاها , ~~وهذا الآخر هو أولها على ما هو ظاهر المقسم عليه بالفجر من البعث المحتوم , ~~الذي لولا هو لكان خلق الخلق من العبث المذموم , المنزه عنه الحي القيوم , ~~فسبحان الملك الأعظم الذي هذا كلامه , علت معانيه عن ms5897 طعن عنه الحي القيوم , ~~فسبحان الملك الأعظم الذي هذا كلامه , علت معانيه عن طعن وشرفت أعلامه , ~~وغر في ذروة الإعجاز تركيبه ونظامه , ( وأين الثريا من يد المتنازل ) . | . ~~. . | PageV08P424 < # > سورة البلد < # > | مقصودها الدلالة على نفي القدرة عن الإنسان ، وإثباتها لخالقه الديان ~~ن بذكر المخلص منها ، الموصل إلى السعادة في الآخرة ، وهو ما هدى إليه ربه ~~سبحانه ، وذلك هو معنى اسمها ، فإن من تأمل أمان أهل الحرم وماهم فيه من ~~الرزق والخير على قلة الرزق ببلدهم - مع ما فيه غيرهم ممن هم أكثر منهم ~~وأقثوى - من الخوف والجوع علم ذلك { بسم الله } الملك الواحد القهار { ~~الرحمن } الذي أسبغ نعمته على سائر بريته ، وفاوت بينهم في عطيته ، فكان كل ~~ساخطا لحالته في كبد ما يهمه في خاصته وعامته لحكم تعجز الأفكار { الرحيم } ~~الذي خص أهل ولايته بما يرضيه عنهم من أقضيته فيوصلهم إلى جنته وينجيهم . < ~~< # | البلد : ( 1 - 5 ) لا أقسم بهذا . . . . . # > > ^ ( لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد * ووالد وما ولد * لقد ~~خلقنا الإنسان في كبد * أيحسب أن لن يقدر عليه أحد ) ^ } ) | لما ختم كلمات ~~الفجر بالجنة التي هي أفضل الأماكن التي يسكنها الخلق , لا سيما المضافة ~~إلى اسمه الأخص المؤذن بأنها أفضل الجنان , بعد ما ختم آياتها بالنفس ~~المطمئنة بعد ذكر الأمارة التي وقعت في كبد الندم الذي يتمنى لأجله العدم , ~~بعد ماتقدم من أنها لا تزال في كبد ابتلاء المعيشة في السراء والضراء , ~~افتتح هذه بالأمارة مقسما في أمرها بأعظم البلاد وأشرف أولي الانفس ~~المطمئنة , فقال مؤكدا بالنافي من حيث إنه ينفي ضد ما ثبت من مضمون الكلام ~~مع القطع بأنه لم يقصد به غير ذلك : { لا أقسم } أي أقسم قسما أثبت مضمونه ~~وأنفي ضده , ويمن أن يكون النفي على ظاهره , والمعنى أن الأمر في الظهور ~~غني عن الإقسام حتى بهذا القسم الذي أنتم عارفون بأنه في غاية العظمة , ~~فيكون كقوله ^ ( { فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم } ) ^ ~~[ الواقعة : 86 ] { بهذا البلد * } أي الحرام وهو مكة التي لا يصل ms5898 إليها ~~قاصدوها إلا PageV08P425 بشق الأنفس , ولا يزدادون لها مع ذلك إلا حبا , ~~الدال على أن الله تعالى جعلها خير البلاد , وقذف حبها في قلوب من اختارهم ~~نم كل حاضر وباد , لأنها تشرفت في أولها وآخرها وأثنائها بخير العباد , ولم ~~يصفه بالأمن لأنه لا يناسب سياق المشقة بخلاف ما في التين , فإن المراد ~~هناك الكمالات . | ولما عظم البلد بالإقسام به , زاده عظما بالحال به ~~إشعارا بأن شرف المكان بشرف السكان , وذلك في جملة حالية فقال : { وأنت } ~~يعني وأنت خير كل حاضر وباد { حال } أي مقيم أو حلال لك ما لم يحل لغيرك من ~~قتل من تريد ممن يدعي أنه لا قدرة لأحد عليه { بهذا البلد * } فتحل قتل ابن ~~خطل وغيره وإن كان متعلقا بأستار الكعبة , وتحرم قتل من دخل دار أبي سفيان ~~وغير ذلك ما فعله الله لك بعد الهجرة بعد نزول هذه السورة المكية بمدة ~~طويله علما من أعلام النبوة , أو معنى : يستحل أهله منك وأنت أشرف الخلق ما ~~لا يستحلونه من صيد ولا شجر , وكرر إظهاره ولم يضمره زيادة في تعظيمه ~~تقبيحا لما يستحلونه من أذى المؤمنين فيه , وإشارة إلى أنه يتلذذ بذكره , ~~فقد وقع القسم بسيد البلاد وسيد العباد , ولكل جنس سيد , وهو انتهاؤه في ~~الشرف , فأشرف الجماد الياقوت وهو سيده , ولو ارتفع عن هذا الشرف لصار ~~نباتا ينمو كما في الجنة , وأشرف جنس النبات النخل ولو ارتفع صار حيوانا ~~يتحرك بالإرادة , فالحيوان سيد الأكوان , وسيده الإنسان , لما له من النطق ~~والبيان , وسبد الإنسان الرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام , لما لهم من عظيم ~~الوصلة بالملك الديان , وسيدهم أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم الذي ختموا ~~به لما فاق به من الفضائل التي أعلاها هذا القرآن , فسيد الخلق محمدم بن ~~عبد الله رسول الله أشرف الممكنات وسيدها لأنه وصل إلى أعلى مقام يمكن أن ~~يكون لها , ولو بقي فوق ذلك مقام يمكن للممكن لنقل إليه , ولكونه أشرف كانت ~~مكابدته أعلى المكابدات , يصبر على أذى قومه بالكلام الذي هو أنفذ ms5899 من ~~السهام , ووضع السلاء من الجزور على ظهره الشريف - نفديه بحر وجوهنا ومصون ~~جباهنا وخدودنا - وهو ساجد , ووضع الشوك في طريقه , والإجماع على قصده ~~بجميع أنواع الأذى من الحبس والنفي والقتل بحيث قال صلى الله عليه وسلم ( ~~ما أوذي أحد في الله ما أوذيت ) . | ولما أفهمت هذه الحال أن القسم إنما هو ~~في الحقيقة به صلى الله عليه وسلم , كرر الإقسام به على وجه يشمل غيره فقال ~~: { ووالد } ولما كان المراد التعجيب من ابتداء الخلق بالتوليد من كل حيوان ~~في جميع أمر التوليد ومما عليه الإنسان من النطق والبيان وغريب الفهم وكان ~~السياق لذمأولي الأنفس الأمارة , وكانوا هم أكثر الناس , حسن التعبير بأداة ~~ما لا يعقل لأنها من أدوات التعجيب فقال : { وما ولد * } أي من ذكر أو أنثى ~~كائنا من PageV08P426 كان , فدخل كما مضى النبي صلى الله عليه وسلم فصار ~~مقسما به مرارا , وكذا دخل أبواه إبراهيم وولده إسماعيل عليهما الصلاة ~~والسلام وما صنعا وما صنع الله لهما بذلك البلد , ومعلوم أن ذكر الصنعة ~~تنبيه على صانعها , فالمقصود القسم بمن جعل البلد على ما هو عليه من الجلال ~~, وخص النبي صلى الله عليه وسلم بما خصه به من الإرسال , وفاوت بين ~~المتوالدين في الخصال , ومن النقص والكمال وسائر الأحوال , تنبيها على ما ~~له من الكمال بالجلال والجمال , ولعله خص هذه الأشياء بالإقسام تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم , وتثبيتا له على احتمال الاذى , إشارة إلى أن من كان ~~قد حكم عليه بأنه لا يزال في نكد , كان الذي ينبغي له أن يختار أن يكون ذلك ~~النكد فيما يرضي الله سبحانه وتعالى , وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان في مكة المشرفة في أعظم شدة مما يعانيه من أذى الكفار في نفسه وأصحابه ~~رضي الله عنهم لعلو مقامه , فإن شدة البلاء للأمثل فالأمثل كما مضى مع أمره ~~صلى الله عليه وسلم بالصبر والصفح , وكل والد ومولود في شدة بالوالدية ~~والمولودية , وغير ذلك مما لا يحصى من الأنكاد البشرية , من حين ms5900 هو نطفة في ~~ظلمات ثلاث في ضيق ممر ومقر ثم ولادة وربط في تابوت وفطام عن الإلف والأهل ~~؟ من المؤدب والمعلم وتوبيخ من المشايخ ومعاندة من الأقران , ومن يتسلط ~~عليه من النسوان , مع أنه عرضة للأمراض , وسائر ما يكره من الأعراض ~~والإغراض , والفاقات والنوائب والآفات , والمطالب والحاجات , لا يحظى بهواه ~~, ولا يبلغ مناه , ولا يدرك ما اجتباه , ولا ينجو غالبا مما يخشاه , ~~وتفاصيل هذا الإجمال لا تحصى , ولا حد لها فتستقصى , إلى الموت وما بعده , ~~فلذلك كان المقسم عليه قوله : { لقد خلقنا } أي بما لنا من القدرة التامة ~~والعظمة التي لا تضاهى { الإنسان } أي هذا النوع { في كبد * } أي شدة شديدة ~~ومشقة عظيمة محيطة به إحاطة الظرف بالمظروف , لو وكله سبحانه وتعالى في شيء ~~منها إلىنفسه هلك , ولوا هذه البلايا لا دعى ما لا يليق به من عظيم المزايا ~~, وقد ادعى بعضهم مع ذلك الإلهية وبعضهم الاتحاد برب العباد - تعالى الله ~~عن قولهم الواضح الفساد , بما قرنه به سبحانه وتعالى من الموت والمرض وسائر ~~الأنكاد , فعل سبحانه ذلك ليظهر بما للعبد من الضعف والعجز - مع ما منحه به ~~من القوى الظاهرة والباطنة في القول والفعل والبطش والعقل - مع ما منحه به ~~من القوى الظاهرة والباطنة في القول والفعل والبطش والعقل - ما له سبحانه ~~من تمام العلم وشمول القدرة , وليظهر من خلقه له على هذه الصفة , على جميع ~~ما في السورة , فعلم قطعا إنكار ظنه لتناهي قدرته وتعالي عظمته , وفساد هذا ~~الظن بشاهد العقل من حيث كونه مصنوعا , وبشاهد الوجود من أجل أنه يسلك طريق ~~الشر ولا يقدر على طريق الخير إلا بالتوفيق , فعلم قطعا إعجاز السورة لأنه ~~لا قدرة لمخلوق على أن يأتي بجملة واحدة تجمع جميع ما وراءها من الجمل - ~~هذا إلى PageV08P427 ما لها من فنون الإيجاز التي وصلت غلى حد الإعجاز , ~~هذا إلى ما لبقية الجمل من الإعجاز في حسن الرصف وإحكام التركيب والربط ~~والمراعاة بالألفاظ للمعاني إلى غير ذلك ما لا يبلغ كنهه إلى منزله سبحانه ~~وعز ms5901 شأنه , وعلم أن الإكرام والإهانة ليستا دائرتين على التنعيم في الدنيا ~~والتضييق كما تقدم شرحه في سورة الفجر , ولأجل ما علم من كون الإنسان لا ~~يزال في نكد وشدة ونصب من حث احتياجه أولا إلى مطلق الحركة والسكون , ~~وثانيا إلى المأكل والمشرب , وثالثا إلى ما يترتب عليها إلى غير ذلك مما ~~يعيي عده ويجهل حده , توجه الإنكار في قوله تعالى بيانا للأسباب الموقعة له ~~في النكد , وهي شهوتان : نفسية وحسية , والنفسية منحصرة في أربع : الأولى ~~أنه يشتهي أن يكون كل من في الوجود في قبضته فأشار إليها { أيحسب } أي هذا ~~الإنسان لضعف عقله مع ما هو فيه من أنواع الشدائد { أن لن يقدر } ولما أكد ~~بالفعلية وخصوص هذا النافي قدم الجار تأكيدا بما يفيد من الاهتمام بالإنسان ~~فقال : { عليه } أي خاصة { أحد * } أي من أهل الأرض أو السماء فيغلبه حتى ~~أنه يعاند خالقه مع ما ينظر من اقتداره على أمثاله بنفسه وبمن شاء من جنوده ~~فيعادي رسله عليهم الصلاة والسلام ويجحد آياته . | < < # | البلد : ( 6 - 16 ) يقول أهلكت مالا . . . . . # > > ^ ( يقول أهلكت مالا لبدا * أيحسب أن لم يره أحد * ألم نجعل له عينين ~~* ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين * فلا اقتحم العقبة * ومآ أدراك ما ~~العقبة * فك رقبة * أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيما ذا مقربة * أو مسكينا ~~ذا متربة ) ^ } ) | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أوضح سبحانه ~~وتعالى حال من تقدم ذكره في السورتين في عظيم حيرتهم وسوء غفلتهم وما ~~أعقبهم ذلك من التذكر تحسرا حين لا ينفع التندم , ولات حين مطمع , أتبع ذلك ~~بتعريف نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام بأن وقوع ذلك منهم إنما جرى على حكم ~~السابقة التي شاءها والحكمة التي قدرها كما جاء في الموضع الآخر ^ ( { ولو ~~شئنا لآتينا كل نفس هداها } ) ^ [ السجدة : 13 ] فأشار تعالى إلى هذا بقوله ~~{ لقد خلقنا الإنسان في كبد } أي أنا خلقناه لذلك ابتلاء ليكون ذلك قاطعا ~~لمن سبق له الشقاء عن التفكر والاعتبار ^ ( { وإن تدعهم إلى الهدى فلن ~~يهتدوا إذا أبدا } ) ^ [ الكهف ms5902 : 57 ] فأعماهم بما خلقهم فيه نم الكبد ~~وأغفل قلوبهم فحسبوا أنهم لا يقدر عليهم أحد , وقد بين سبحانه وتعالى فعله ~~هذا بهم في قوله لنبيه صلى الله عليه وسلم ^ ( { ولا تطع أغفلنا قلبه عن ~~ذكرنا واتبع هواه } ) ^ [ الكهف : 28 ] ^ ( { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض ~~كلهم جميعا } ) ^ [ يونس : 99 ] فأنت تشاهدهم يا محمد ذوي أبصار وآلات ~~يعتبر بها النظار { ألم يجعل له عينين ولسانا وشفتين } فهلا أخذ في خلاص ~~نفسه , واعتبر بحاله وأمسه , { فلا اقتحم العقبة } ولكن إذا أراد الله بقوم ~~سوءا فلا مرد له - انتهى . | PageV08P428 ولما كان الإنسان لا يفتخر ~~بالإنفاق إلا إذا أفضى إلى الإملاق , فعلم أن مراد الإشارة إلى أن معه ~~أضعاف ما أنفق من حيث إنه حقره بلفظ الإهلاك , إشارة إلى الثانية والثالثة ~~من شهواته النفسية وهما إرادته أن يكون له الفخار والامتنان على جميع ~~الموجودات , وإرادته أن يكون عنده من الأموال ما لا تحيط به الأفكار ولا ~~تحويه الأقطار - كما يشير إليه حديث ( لو أن لابن آدم واد من ذهب ) و ( لا ~~يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ) علل سبحانه وتعالى جهله في حسابه ذلك وما ~~تبعه بقوله : { يقول } أي مفتخرا بقدرته وشدته : { أهلكت مالا لبدا * } ~~ولقصد المبالغة في كثرته جاءت قراءة أبي جعفر بالتشديد على أنه جمع لا بد ~~كركع وراكع فأفهمت أنه بحيث لا يحصى , بل لو جمع لم تسعه الأرض إلا بأن ~~يكون بعضه على بعض فلا يعد ولا يحد , أي وذلك قليل من الكثير الذي معي , ~~قلدت به أعناق الرجال المنن , واستعبدت به الأحرار في كل زمن , فصرت بحيث ~~إذا دعوت كثير الملبي , وإذا ناديت كثير المجيب , وإذا أمرت عظم الممتثل , ~~وفاء لصنائعي الماضية ورغبة في نعمي الباقية , فمن يستعصي علي ومن يخالف ~~أمري , فضلا عن أن يريد إخمال ذكري أو نقص قدري . | ولما كان الشيء لا يعني ~~إلا إذا كان مجهولا ولو من بعض الجهات , أنكر عليه هذا الظن تقدير وقوعه ~~فإنه لا يوصل إلى ما ظنه إلا به ms5903 , بقوله مشيرا إلى النفسية الرابعة , وهي ~~أن تكون أموره مستورة فلا يظهر على غيه أحد أصلا : { أيحسب } أي هذا ~~الإنسان العنيد بقلة عقله { أن لم يره } أي بالبصر ولا بالبصيرة في الزمن ~~الماضي { أحد * } أي في عمله هذا سره وجهره وجميع أمره , فينقص جميع ما عمل ~~إذا أراد , وكل ما فاته من آثار هذه الشهوات الأربع , وهو لا يزال فائتا له ~~, كان من إرادة تحصيله في نكد ومعاناة وكبد بحيث يرمي نفسه من المساؤئ ~~أعمال من يظن أنه لا يطلع عليه , فلذلك نبهه الله تعالى بأنواع التنبيه ~~ليأخذ حذره ويحرز عمره . | ولما أنكر عليه سبحانه وتعالى هذه النقائص قرره ~~على ما أوجب شهوته الحسية المتفرعة إلى أنواع بما يستلزم أن يكون فاعله له ~~المان عليه به من بعض فيضه , عالما بجميع أمره قادرا على نفعه وضره بنفسه ~~وبمن أراد من جنده , فقال مشيرا إلى ما يترتب على نظر العين الباصرة ~~الجائلة في العالم الحسي ونظر عين البصيرة الجائلة في العالم PageV08P429 ~~المعنوي من شهوته أن يحصل على كل ما يراه بعين باصرته ويعلمه بعين بصيرته ~~من مليح , ويخلص من كل ما يراه من قبيح , ومذكرا له بما كان يجب عليه من ~~الشكر باستعمال هذه المشاعر فيما شرع له وكفها عما منع الله منه : { ألم ~~نجعل } أي بما لنا من العظمة التي لا يمكن أحدا أن يضاهيها ولا يقرب منها { ~~له عينين * } يبصر بهما وإلا لتعطل عليه أكثر ما يريد , شققناهما وهو في ~~الرحم في ظلمات ثلاثة على مقدار مناسب لا يزيد إحداهما على الأخرى شيئا ~~وقدرنا البياض والسواد أو الزرقة أو الشهلة أو غير ذلك على ما ترون , ~~وأودعناهما البصر على كيفية يعجز الخلق عن إدراكها . | ولما قدره سبحانه ~~على ما ينشأ عنه شهوتا تحصيل المليح ونفي القبيح , اتبع ذلك ما ينشأ شهوتا ~~الأمر والنهي وأنواع الكمالات الكمالية فقال : { ولسانا } أي يترجم به عما ~~في ضميره { وشفتين * } أي يستران فاه ويعينانه على الأكل والشرب وعلى النطق ~~بفصاحة وبلاغة على حد معلوم ms5904 لا يبلغه غيره , فيجتمع له أمره ويصل إلى مقاصد ~~جمة وأهوال مهمة , ولم يذكر السمع لأن الكلام يستلزمه , والمعنى : ألسنا ~~قادرين بالقدرة التي جعلنا له بها ما ذكر على أن نجعل لغيره مثل ما جعلنا ~~له وأكثر فيقاومه ويغلبه . | ولما كان لله تعالى على كل أحد في كل لمحة ~~جديدة في إبقاء هذه الآلات الثلاث , عبر فيها بالمضارع , ولما كانت النعمة ~~في العقل إنما هي بهبته أولا ثم بحمله به على الخير ثانيا , وكان أمره خفيا ~~, وكان من المعلوم أن كل أحد غير مهدي في كل حركاته وسكناته إلى ما يسعده , ~~بل كان هذا المنكر عليه لم يؤهل لطريق الخير , اختير له لفظ الماضي لذلك ~~تحقيقا لكونه وجعله غريزة لا تتحول وطبيعة لا تتبدل , بل هي غالبة على ~~صاحبها , قائدة إلى مضارة أو محابة ومسارة وإن كره , وهو السبب الذي يكون ~~به الخلاص من شر تلك الأنكاد في دار الإسعاد فقال تعالى : { وهديناه } أي ~~بما آتيناه من العقل { النجدين * } أي طريقي الخير والشر , وصار بما جعلناه ~~له من ذلك سميعا بصيرا عالما فصار موضعا للتكليف , روى الطبراني عن أبي ~~أمامة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا ~~أيها الناس ! هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى , يا أيها ~~الناس إنما هما نجدان : نجد خير ونجد شر , فما جعل نجد الشر أحب إليكم من ~~نجد الخير ) قال المنذري : النجد هنا الطريق - انتهى . | وهو طريق في ~~ارتفاع , عبر عن الخير والشر به لإعلائهما الإنسان عن رتبة باقي الحيوان , ~~ولأن الإنسان PageV08P430 لا يختار واحدة منهما إلا بمعاناة وتكلف كمعاناة ~~من يصعد في عقبة , والنجد لغة الموضع العالي , والله تعالى يعلي من أراد ما ~~شاء منهما بخلاف ما كان يقتضيه ظاهر حاله من أنه لا يحب تكلف شيء أصلا , ~~ولا يريد الأشياء تأتيه إلا عفوا , وذلك لأجل إظهار قدرته سبحانه وتعالى , ~~أما صعوبة طريق الخير فبما حفه به من المكاره حتى صار العمل به ms5905 , مع أن كل ~~أحد يعشق اسمه ومعناه , أشد شيء وأصعبه , وأشقه وأتعبه , وأما صعوبة طريق ~~الشر فواضحة جدا مع أن الله يلزمه لمن أراد بتسهيله وتحبيبه وتخفيفه ~~وتقريبه مع أن كل أحد يكره اسمه وينفر من معناه , وجعل الله تعالى الفطرة ~~الأولى السليمة التي فطر الناس عليها من الاستقامة بحيث تدرك الشر وتنهى ~~عنه , وتدرك الخير وتأمر به , غير أن الشهوات والحظوظ تعالجها , والغالب من ~~أعانه الله , وإلى ذلك يشير حديث ( إذا لم تستحي فاصنع ما شئت ) وحديث ( ~~البر ما اطمأنت إليه النفس وانشرح له الصدر , والإثم ما حاك في الصدر وتردد ~~في القلب وإن أفتاك الناس وأفتوك ) ولما كان معنى ما مضى أن هذا الإنسان ~~عاجز وإن تناهت قوته , وبلغت الذروة قدرته , لسبق قوله تعالى : < # > 77 ( { وخلق الإنسان ضعيفا } ) 77 < # > [ النساء : 28 ] وأنه معلوم جميع أمره مفضوح في سره كما هو مفضوح في ~~جهره , كما أشار إليه حديث جندب رضي الله تعالى عنه عند الطبراني ( ما أسر ~~عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها ) وحديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه عند ~~أحمد وأبي يعلى ( لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة يخرج ~~عمله للناس ) فهو موصول إليه مقدور عليه , وأنه كان يجب عليه الشكر على ما ~~جعل له سبحانه وتعالى من القوى التي جعلها لسوء كسبه آلات للكفر , سبب ~~سبحانه وتعالى عنه قوله تفصيلا للأشياء الموصلة إلى الراحة في العقبى نافيا ~~بفعلها عنه على سبيل الحقيقة دلالة على عجزه : { فلا اقتحم } أي وثب ورمى ~~بنفسه بسرعة وضغط وشدة حتى كان من شدة المحبة لما يراه فيما دخل فيه من ~~الخير . | PageV08P431 كأنه أتاه من غير فكر ولا روية بل هجما { العقبة * } ~~وهي طريق النجاة , والمقرر في اللغة أنها الطريق الصاعد في اجبل المستعار ~~اسمها لأفعال البر المقرر في النفوس مريحة لا متعب , مع كونها أعظم فخرا ~~وأعلى منقبة , لأنا حجبناه عنها بأيدينا وعظيم قوتنا وعجيب قدرتنا , وذلك ~~أن الخير لما كان محببا إلى القلوب معشوقا ms5906 للنفوس مرغوبا فيه لا يعدل عنه ~~أحد , جعلناه في بادئ الأمر كريها وعلى النفوس مستصعبا ثقيلا حتى صار ~~لمخالفته الهوى كأنه عقبة كؤود , لا ينال ما فيه من مشقة الصعود , إلا بعزم ~~شديد وهمة ماضية , ونية جازمة , ورياضة وتدريب , وتأديب وتهذيب , وشديد ~~مجاهدة وعظيم مكابدة للنفس والهوى والشيطان , بحيث يكون متعاطيه في فعله له ~~كالرامي بنفسه المتعدي لطوره لم يختر لنفسه الخير بما أوتي من البصر الذي ~~يبصر به صنائع الله , والبصيرة التي يعرف بها ما يضره وما ينفعه شكرا لربه ~~سبحانه وتعالى ويكون ذلك لإحسانه إليه , وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان , ~~وهل جزاء النعمة إلا الشكر , بل اختار الشر وارتكب الضر مع أنا هيأناه لكل ~~منهما فبانت لنا القدرة . | واتضحت في صفاتنا العظمة , وتحقق له الضعف وظهر ~~منه النقص والعجز , فوجب عليه لعزتنا الخضوع , وإجراء مصون الدموع وإظها ~~الافتقار والذل والصغار , لنقحمه سبيل الجنة وننجيه من طريق النار , ومن ~~اقتحم هذه العقبة التي هي للأعمال الصالحة اقتحم عقبة الصراط , فكانت ~~سهولتها عليه بقدر مكابدته لهذه , واستراح من تلك المكابدات والأحزان ~~والهموم وصار إلى حياة طيبة كما قال الله تعالى < # > 77 ( { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة } ) ~~77 < # > [ النحل : 97 ] الآية , وقتحامها بأن يرتحل من عالمه السافل إلى العالم ~~العالي الكامل الذي ليس فيه إلا اللذة , وذلك هو الاعتراف بحق العبودية , ~~وتلك هي الحرية لأن الحر من خرج من رق الشهوات إلى خدمة المولى , فصار طوع ~~أمره في سره وجهره لا حظ لشهوة فيه ولا وصول لحظ إليه , وذلك يكون بشيئين : ~~أحدهما جذب والآخر كسب , فالمجذوب محمول . | والكاسب في تعب المجاهدات بسيف ~~الهمة العالية مصول . | ولما بين أنه لا خلاص من النكد إلا بهذا الاقتحام , ~~شرع في تفسير العقبة بادئا بتهويل أمرها لعظيم قدرها , فقال معبرا بالماضي ~~الذي جرت عادة القرآن بأنه إذا عبر به شرح المستفهم عنه : { وما أدراك } أي ~~أيها السامع لكلامنا , الراغب فيما عندنا { ما العقبة * } أي إنك لم تعرف ~~كنه ms5907 صعوبتها وعظمة ثوابها , فلما تفرغ القلب بالاستفهام عما لا يعرفه , ~~وكان الإنسان أشهى ما إليه تعرف ما أشكل عليه , فتشوفت النفوس إلى ~~PageV08P432 علمها , قال مشيرا إلى الأولى التي هي العفة التي ثمرتها ~~السخاء وإصلاح قوة الشهوة معبرا بالفك الذي هو أدنى ما يكون من العتق لأنه ~~الإعانة فيه ولو بما قل كما ورد في حديث البراء رضي الله عنه ( أعتق النسمة ~~وفك الرقبة ) أن تفرد بها , وفكها أن تعين في ثمنها , وفسر المراد بهذه ~~العقبة بما دل على معادل لا كما يأتي تعيين تقديره فإنها لا تستعمل إلا ~~مكررة قال : { فك } أي الإنسان { رقبة * } أي من الأسر أو الظلم أو الغرم ~~أو السقم شكرا لمن أولاه الخير وتنفيسا للكربة حبا للمعالي والمكارم لا ~~رياء وسمعة كما فعل هذا الظان الضال ولا لطمع في جزاء ولا لخوف من عناء { ~~أو إطعام } أي أوقع الإطعام لشيء له قابلية ذلك { في يوم ذي مسغبة * } أي ~~جوع عام في مكان جوع وزمان جوع - بما أفهمه الوصف والصيغة , فكان لذلك يحمل ~~على الضنة بالموجود خوفا من مثل ما فيه المطعم فخالف النفس وآثر عليها ~~اعتمادا على الله { يتميا } أي إنسانا صغيرا لا أب له يرجى أو يخاف { ذا ~~مقربة * } أي حاجة مقعدة له على التراب , لا يقدر على سواه , فالآية ~~الاحتباك : ذكر القرب أولا يدل على ضده ثانيا , وذكر المتربة ثانيا يدل على ~~ضدها أولا , وسر ذلك أنه ذكر في اليتيم القرب المعطف , وفي المسكين الوصف ~~المرقق الملطف , فهو لا يقصد بإطعامه إلا سد فاقته , ودخل فيه اليتيم ~~البيعد والفقير من باب الأولى وإن كان أجنبيا . | < < # | البلد : ( 17 - 20 ) ثم كان من . . . . . # > > ^ ( ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة * أولئك ~~أصحاب الميمنة * والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة * عليهم نار مؤصدة ~~) ^ } ) | ولما كانت هذه الأفعال خيرا في نفسها تدل على جودة الطبع وعلو ~~الهمة وكرم العنصر وإباء النفس إشارة إلى شدة حسنها لأنه لا يوفق لها إلا ~~مخلص وإن كان غير مستند إلى ms5908 شرع وإلى ما يفيده من سلالة الطبع وسهولة ~~الانقياد وإلى عظمة الإيمان بالتعبير بأداة التراخي في قوله مشيرا إلى ~~العقبة الثانية وهي الحكمة المزكية للقوة النطقية : { ثم كان } أي بعد ~~التخلق بهذه الأخلاق الزاكية العالية النفسية الغالية في حال كفره أو مبادئ ~~إسلامه للدلالة على صفار جبلته وجودة عنصره من الراسخين في الإيمان المعبر ~~عنه بقوله : { من الذين آمنوا } أي عند ما دعاه إليه الهادي , ولم تحمله ~~حمية الأنف PageV08P433 وشماخة النفس على الإباء عن أن يكون تابعا بعد ما ~~كان متبوعا , وسافلا في زعمه إثر ما كان رفيعا , بل سدد النظر الفكر فأيقن ~~أنه يعلي نفسه من الحضيض إلى ما فوق السهى , يرقيها في درج المعالي إلى ما ~~ليس له انتهاء , < # > 77 ( { إن في ذلك لآيات لأولي النهى } ) 77 < # > [ طه : 54 , 128 ] فحينئذ يعلم استقامة طبعه وكرم غريزته وعلي همته ~~وحسن نيته وجميل طويته وغزارة عقله وجلالة نبله وفضله واستحقاقه التقدم على ~~الأعلام في الجاهلية والإسلام , ولذلك كان الصديق رضي الله تعالى عنه أعلى ~~الناس درجة بعد النبيين عليهم أفضل الصلاة والسلام والإكرام , لأن هذه كانت ~~أفعاله رضي الله تعالى عنه قبل الإسلام كما قال ابن الدغنة حين وجده قد خرج ~~من مكة المشرفة يريد الهجرة حين آذاه الكفار : إن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ~~ولا يخرج , إنك لتصل الرحم وتقري الضيف وتحمل الكل وتعين على نوائب الحق - ~~كما قالت خديجة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم حين رجع إليها ترجف ~~بوادره من تجلي جبريل عليه الصلاة والسلام له سواء , فلما سرب في رحيب ~~مسربه , وشرب من صافي مشربه توفيقا من الله تعالى لم يتعلثم حين دعاه إلى ~~الدين ولا كانت عنده كبوة ولا تردد , ثم ترقى في درجات الإسلام إلى أعلى ~~مرام بحيث قال يوم الحديبية لعمر رضي الله عنهما حين أظهر الكراهة للصلح ما ~~قال له النبي صلى الله عليه وسلم سواء حرفا بحرف من غير أن يكون حاضره أو ~~ينقل إليه كلامه , فسار حينئذ ms5909 حائزا قصب السبق , لا مطمع في مداناته , فكيف ~~بلحاقه ومساواته , ولكماله وعظمته وجلاله لم يشرب قط خمرا , وكان إذا ليم ~~على ذلك في الجاهلية قال لعشراء : والله لو وجدت شيئا يزيد في عقلي ~~لاشتريته بجميع مالي فكيف أشتري بمالي ما يزيل عقلي . | وتلك الأعمال لا ~~تصح وإن كانت ممدوحة في كل حال إلا بالإيمان , أما إن كانت بعده فواضح , ~~وأما إن كانت قبله فبانعطافه عليها كما قال صلى الله عليه وسلم : ( أسلمت ~~على ما سلف منك من خير ) ولما كان الإيمان معليا للإنسان عن درك الهوان إلى ~~عظم الشأن , حاملا له على محاسن الأعمال ومكارم الأفعال , وذلك أنه يقود ~~إلى جميع شرائع الدين العظيمة الشأن , وكانت موجبة للجهاد الأكبر من حيث ~~مخالفتها للطبع , وكان ذلك غير مقدور عليه إلا بالشجاعة وهي القوة الثالثة ~~التي إذا هدئت أراحت , وكانت لا تكون إلا بعظيم الصبر , وكان الصبر لمرارته ~~لا يدوم إلا بالتعاون قال تعالى : { وتواصوا } أي صبروا وأوصى بعضهم بعضا { ~~بالصبر } في اقتحام عقبات الأعمال التي لا يجوزها إلا أبطال الرجال من ~~الأمر بالمعروف إلى ما دونه وإن كان فيه الحتوف , فإن الشجاعة كما قيل صبر ~~ساعة . | PageV08P434 ولما كان الإنسان لا بد أن يعرض له من غيره من الخلاف ~~ما يوجب قسوته عليه , فكانت الرحمة من ثمرات الاصطبار المثمر للعدالة , وهي ~~التوسط بين مذمتي الإفراط والتفريط في الفسق والبله وهي العقبة الرابعة , ~~قال مؤكدا بإعادة العامل إشارة إلى قلة العاملين بها : { وتواصوا بالمرحمة ~~* } أي الرحمة العظيمة بحسب زمانها ومكانها بأن يوطنوا أنفسهم على كل ما ~~يحمل على الرحمة العظيمة التي توجب لهم الحب في الله والبغض فيه لأنهم ~~كانوا قبل الإيمان خالصين عن الرياء والإعجاب متهيئين للتزكية فزكاهم ~~الإيمان , فصاروا في غاية النورانية والعرفان . # ولما كان ذلك من معالي الأخلاق , وموجبات الفواق والفواق والوفاق , كانت ~~نتيجته لا محالة : { أولئك } أي العظماء الكبراء العالو المنزلة , ولم يأت ~~بضمير الفصل كما يأتي لأضدادهم ليخلص الفعل له سبحانه وتعالى من غير نظر ~~إلى ضمائرهم الدالة ms5910 على جبلاتهم لأنه هو الذي جبلها , وأغنى عنه بالإشارة ~~الدالة على علو مقامهم وبعد مرامهم { أصحاب الميمنة * } أي الجانب الذي فيه ~~اليمين الأبرار , كما مضى شرحه في سورة الواقعة . | وهذا تعريض بذلك الذي ~~أتلف ماله في المنافسة . | والمشاققة والمعاكسة . | ولما أرشد السياق ~~لمعادلة { فلا اقتحم العقبة } إلى أن التقدير : ولا أحجم عن المعطبة التي ~~هي الأفعال الموجبة للمعتبة مع كونها متعبة , بل قطع من يستحق الوصل ووصل ~~من يستأهل القطع , ثم كان من الذين كفروا وتواصوا بالملأمة واكتسبوا ~~السيئات واتبعوا الشهوات وعاملوا بالقسوة , عطف عليه قوله : { والذين كفروا ~~} أي ستروا ما تظهر لهم مرائي بصائرهم من العلم . | ولما كان الكفر بالآيات ~~من أسوأ أنواع الكفر لأنه كفر بما جعله الله علما على غيب عهده , وهي جميع ~~ما تدركه الحواس من الأقوال والأفعال الدالة على ذي الجلال لأنها دالة على ~~الصفات الدالة على الموصوف بها الذي ظهر بأفعاله وبطن بعظيم جلاله , قال : ~~{ بآياتنا } أي ما لها من العظمة بالإضافة إلينا والظهور الذي لا يمكن ~~خفاؤه { هم } أي خاصة لسوء ضمائرهم ولفساد جبلاتهم { أصحاب المشأمة * } أي ~~الخصلة المكسبة للشؤم والحرمان والهلكة فهؤلاء مشائيم على أنفسهم , وكفرهم ~~دال على فساد جبلاتهم فهو يشير إلى أن من كان كفره أخف لم يكن جبليا , ~~فيوشك أن يهدى فيكون من أصحاب الميمنة . | ولما كان معنى هذا أنهم في ~~الجانب الذي فيه الشؤم والهلكة , والبعد من كل بركة , أنتج قوله : { عليهم ~~} أي خاصة دون غيرهم { نار مؤصدة * } أي مطبقة الباب مع إحاطتها بهم من ~~جميع الجوانب - بما أفهمته أداة الاستعلاء ومع الضيق والوعورة , ~~PageV08P435 وهذا لعمري أشد الضيق والكبد , والنصب والنكد فالملجأ منه إلى ~~الله الأحد , الواحد الصمد , وقد علم أن أوله هو هذا الآخر , فكان التقاطر ~~فيها مما تشد به الأيدي وتعقد عليه الخناصر - والله تعالى هو المرجو ~~للهداية إلى خير السرائر , وهو الهادي للصواب وإليه المرجع والمآب . | . . ~~. | PageV08P436 < # > سورة الشمس < # > | مقصودها إثبات تصرفه سبحانه وتعالى في النفوس التي هي سرج الأبدان ، ~~تقودها إلى سعادة أو كيد وهوان ms5911 ونكد ، كما أن الشمس سراج الفلك ، يتصرف ~~سبحانه في النفوس بالاختيار إضلالا وهداية نعيما وشقاوة | تصرفه سبحانه في ~~الشمس بمثل ذلك من صحة واعتلال ، وانتظام واختلال ، وكذا في جميع الأكوان ، ~~بما له من عظيم الشأن ، واسمها الشمس واضح الدلالة على ذلك بتأمل القسم ~~والمقسم عليه بما أعلم به وأشار إليه { بسم الله } الذي هو الملك الأعظم ~~فله التصرف العام { الرحمن } الذي وسعت رحمته كل شيء فإليه الإنعام { ~~الرحيم } اللذي خص من شاء بالتوفيق فبنى إنعامه عليهمن على التمام . < < # | الشمس : ( 1 - 8 ) والشمس وضحاها # > > ^ ( والشمس وضحاها * والقمر إذا تلاها * والنهار إذا جلاها * والليل ~~إذا يغشاها * والسمآء وما بناها * والأرض وما طحاها * ونفس وما سواها * ~~فألهمها فجورها وتقواها ) ^ } ) | لما أثبت في سورة البلد أن الإنسان في ~~كبد , وختمها بأن من حاد عن سبيله كان في انكد النكد , وهو النار المؤصدة , ~~أقسم أول هذه على أن الفاعل لذلك أولا وآخرا هو الله سبحانه لأنه يحول بين ~~المرء وقلبه وبين القلب ولبه , فقال مقسما بما يدل على تمام علمه وشمول ~~قدرته في الآفاق علويها وسفليها , والأنفس سعيدها وشقيها وبدأ العالم ~~العلوي , فأفاد ذلك قطعا العلم بأنه الفاعل المختار , وعلى العلم بوجوب ~~ذاته وكما صفاته , وذلك أقصى درجات القوى النظرية , تذكيرا بعظائم آلائه , ~~ليحمل على الاستغراق في شكر نعمائه , الذي هو منتهى كمالات القوى العملية , ~~مع أن أول المقسم به مذكر بما ختم به آخر تلك من النار : { والشمس } أي ~~الجامعة بين النفع والضر بالنور والحر , كما أن العقول كذلك لا أنور منها ~~إذا نارت , ولا أظلم منها إذا بارت والحر , كما أن العقول كذلك لا أنور ~~منها إذا نارت , ولا أظلم منها إذا بارت { وضحاها * } أي وضوئها الناشىء عن ~~جرمها العظيم الشأن البديع التكوين المذكر بالنيران إذا أشرقت وقام سلطانها ~~كإشراق أنوار العقول , والضحى - بالضم والقصر : PageV08P437 صدر النهار حين ~~ارتفاعه , وبالفتح والمد : شدة الحر بعد امتداد النهار , وشيء ضاح - إذا ~~ظهر للشمس والحر . | ولما افتتح بذكر آية النهار , أتبعه ذكر آية الليل ~~فقال : { والقمر ms5912 } أي المكتسب من نورها كام أن أنوار النفوس من أنوار ~~العقول { إذا تلاها * } أي تبعها في الاستدارة والنور بما دل على أن نوره ~~من نورها من القرب الماحق لنوره والبعد المكتسب له في مقدار ما يقابلها من ~~جرمه , ولا يزال يكثر إلى أن تتم المقابلة فيتم النور ليلة الإبدار عند ~~تقابلهما في أفق الشرق والغرب , ومن ثم يأخذ في المقاربة فينقص بقدر ما ~~ينحرف عن المقابلة , ونسبةالتبع غليه مجازية أطلقت بالنسبة إلى ما ينظر منه ~~كذلك . | ولما ذكر الآيتين , ذكر ما هما آيتاه , وبدا بهما لأنه لا صلاح له ~~إلا بهما كما أنه لا صلاح للبدن إلا بالنفس والعقل فقال : { والنهار } أي ~~الذي هو محل الانتشار فيما جرت به الأقدار { إذا جلالها * } أي جلى الشمس ~~بحلية عظيمة بعضها أعظم من بعض باعتبار الطور والقصر والصحو والغيم والضباب ~~والصفاء والكدر كما أن الأبدان تارة تزكي القلوب والنفوس والعقول وتارة ~~تدنسها , لأن العقل يكون في غاية الصفاء والدعاء إلى الخير في حال الصغر ثم ~~لا يزال يزيد وينقص بحسب زكاء البدن في حسن الجبلة , أو نجاسته بسوء الجبلة ~~, حتى يصير الشخص نورا محضا ملكا ناطقا إذا طابق البدن العقل فتعاونا على ~~الخير , أو يصير ظلاما بحتا شيطانا رجيما إذ خالف البدن العقل بسوء الجبلة ~~وشرارة الطبع . | ولما ذكر معدن الضياء , ذكر محل الظلام فقال : { والليل } ~~أي الذي هو ضد النهار فهو محل السكون والانقباض والكمون { إذا يغشاها * } ~~أي يغطي الشمس فيذهب ضوءها حين تغيب فتمتد ظلال الأرض على وجهها المماس لنا ~~, فيأخذ الأفق الشرقي في الإظلام , ويمتد ذلك الظلام بحسب طول الليل وقصره ~~كما يغطي البدن نور العقل بواسطة طبعه بخبثه ورداءة عنصره , وذلك كله ~~مبقادير معلومة , وموازين قسط محتومة , ليس فيها اختلال , ولا يعتريها ~~انحلال , حتى يريد ذو الجلال , ولم يعبر بالماضي كما في النهار لأن الليل ~~لا يذهب الضياء بمرة بل شيئا فشيئان ولا ينفك عن نور بخلاف النهار , فإنه ~~إذا أبدى الشمس ولم يكن غيم ولا كدر جلى الشمس ms5913 في آن واحد , فلم يبق معه ~~ظلام بوجه . | ولما ذكر الآيتين ومحل أثرهما , ذكر محل الكل فقال تعالى : { ~~والسماء } أي التي هي محل ذلك كله ومجلاه كما أن الأبدان محل النفوس , ~~والنفوس مركب العقول , ولما رقى الأفكار من أعظم المحسوسات المماسة إلى ما ~~هو دونه في الحس وفوقه في PageV08P438 الاحتياج إلى إعمال فكر , رقي إلى ~~الباطن الأعلى المقصود بالذات وهو المبدع لذلك كله معبرا عنه بأداة ما لا ~~يعقل , مع الدلالة بنفس الإقسام , على أن له العلم التام , والإحاطة الكبرى ~~بالحكمة البالغة , تنبيها على أنهم وصفوه بالإشراك وإنكار الحشر بتلك ~~المنزلة السفلى والمساواة بالجمادات التي عبدوها مع ما له من صفات الكمال ~~التي ليس لغيره ما يداني شيئا منها , زجرا لهم بالإشارة والإيماء عن ذلك ~~ومشيرا إلى شدة التعجيب منهم لكونها أداة التعجب فقال : { وما بناها * } أي ~~هذا البناء المحكم الذي ركب فيه ما ذكره إشارة إلى ما وراءه مما يعجز الوصف ~~. | ولما ذكر البناء ذكر المهاد فقال : { والأرض } أي التي هي فراشكم ~~بمنزلة محال تصرفاتكم بالعقل في المعاني المقصودة { وما طحاها * } أي بسطها ~~على وجه هي فيه محيطة بالحيوان كله ومحاط بها في مقعر الأفلاك , وهي مع ~~كونها ممسكة بالقدرة كأنها طائحة في تيار بحارها , وهي موضع البعد والهلاك ~~ومحل الجمع - كل هذا بما يشير إليه التعبير بهذا اللفظ إشارة إلى ما في سعي ~~الإنسان من أمثال هذا , قال أهل البصائر : وليس في العالم الآفاقي شيء إلا ~~وفي العالم النفساني نظيره , والنشدوا في ذلك : | دواؤك فيك وما تشعر وداؤك ~~منك وتستنكر وتحسب أنك جزء صغير وفيك انطوى العالم الأكبر | فالسماوات سبع ~~كطباق الرأس التي تتعلق بالقوى المعنوية والحسية كالذاكرة والحافظة ~~والواهمة والمخيلة والمفكرة والحس المشترك وما هو لمقاسم البصر في العين , ~~ونظير الشمس الروح في إشارقه وحسنه , ونظير الليل الطبع فإن ما به من نور ~~فإنما هو من الروح كما أن الليل كذلك لا يكون نوره إلا من الشمس بواسطة ~~أفادتها للقمر المنير له والكواكب , ونظير النهار - الذي هو ms5914 نير في أصله ~~ومتكدر بما يخيل له من السحب ونحوه - القلب وسحبه الشكوك والأوهام النفسية ~~, ونظير القمر في ظلمته بأصله وإنارته بالشمس النفس , فإذا أكسبها القلب ~~المستفيد من الروح النور أنار جميع البدن , وإذا أظلمت أظلم كله , والأعضاء ~~الباطنة كالكواكب يقوم بها البدن فينير له الوجود بواسطة الروح والنفس , ~~والأمطار كالدمع , والحر كالحزن , والبرد كالسرور , والرعد كالنطق , والبرق ~~كالملح , والرياح كالنفس - إلى غير ذلك من البدائع لمن تأمل , والعالم ~~السفلي سبع طباق أيضا , قال الملوي : ( ونظيرها طبقة الجلد ) وهي ثلاث , ~~وطبقة اللحم وطبقة الشحم وطبقة العروق وطبقة العصب , والجبال كالعظام ~~والمعادن منها المياه وفيها العذب كالريق والملح كالدمع والمر كما في الأذن ~~والمنتن منه كما في الأنف , ومنه ما هو جار كالبول , ومنه ما هو كالعيون ~~وهو الدم , والسيل كالعرق , PageV08P439 والمعادن المنطبعة كالحديد والرصاص ~~هي وسخ الأرض وهي كالعذرة وما يخرج من الجلد من خبث , والنبات كالشعور تارة ~~تحلق كالحصاد وتارة تقلع كالنتف , والحيوانات التي فيها كالقمل , وطيورها ~~كالبراغيث , وعامر البدن ما أقبل منه , وخرابه ما أدبر . | ولما أتم ~~الإشارة إلى النفوس لأهل البصائر , صرح بالعبارة لمن دونهم فقال تعالى : { ~~ونفس } أي أي نفس جمع فيها سبحانه العالم بأسره . | ولما كانت النفوس أعجب ~~ما في الكون وأجمع , عبر فيها بالتسوية حثا على تدبر أمرها للاستلال على ~~مبدعها للسعي في إصلاح شأنها فقال تعالى : { وما سواها * } أي عدلها على ~~هذا القانون الأحكم في أعضائها وما فيها من الجواهر والأعراض والمعاني ~~وعجائب المزاج من الأخلاط في أعضائها وما فيها من الجواهر والأعراض ~~والمعاني وعجائب المزاج من الأخلاط المتنافرة التي لاءم بينها بالتسوية ~~والتعديل فجعلها متمازجة وقد أرشد السياق والسباق واللحاق إلى أن جواب ~~القسم مقدر تقديره : لقد طبع سبحانه وتعالى نفوسكم على طبائع متباينة هيأها ~~بها لما يريد من القلوب من تزكية وتدسية بما جعل لكم من القدرة والاختيار , ~~وأبلغ في التقدم إليكم في تزكية نفوسكم وتطهير قلوبكم لاعتقاد الحشر بما هو ~~أوضح من الشمس لا شبهة فيه ولا لبس لتنجو من ms5915 عذاب الدنيا والآخرة بالاتصاف ~~بالتقوى , والانخلاع من الفجور والطغوى . | وقال الاستاذ أبو جعفر بن ~~الزبير : لما تقدم في سورة البلد تعريفه تعالى بما خلق فيه الإنسان من ~~الكبد مع ما جعل له سبحانه من آلات النظر , وبسط له من الدلائل والعبر , ~~وأظهر في صورة من ملك قياده , وميز رشده وعناده < # > 77 ( { وهديناه النجدين } ) 77 < # > [ البلد : 10 ] < # > 77 ( { إنا هديناه السبيل } ) 77 < # > [ الإنسان : 3 ] وذلك بما جعل له من القدرة الكسبية التي حقيقتها ~~اهتمام أو لم ؟ وأنى بالاستبداد والاستقلال , ثم < # > 77 ( { والله خلقكم وما تعملون } ) 77 < # > [ الصافات : 96 ] أقسم سبحانه وتعالى في هذ هالسورة على فلاح من اختيار ~~رشده واستعمل جهده وأنفق وجده { قلد أفلح من زكاها } وخيبة من غاب هداه ~~فاتبع هواه { وقد خاب من دساها } فبين حال الفريقين وسلوك الطريقين - انتهى ~~. | ولما كان أعجب أمورها الفجور لما غلب سبحانه عليها من الحظوظ والشهوات ~~, وهي تعلم بما لها من زاجر العقل بصحيح النقل أن الفجورأقبح القبيح , ~~والتقوى لما أقام عليها من ملك العقل الملكي وغريزة العلم النوراني أحسن ~~الحسن , وتذوق أن الفجور أشهى شهي , وأن التقوى أمر شيء وأصعبه , وأثقله ~~وأتبعه , قال معلما أن هذا لا يقدر عليه سواه لأنه أعجب من جميع ما مضى لأن ~~البهيمة لا تقدم على ما يضرها وهي تبصر ولو قطعت , والآدمي يقدم على ما ~~يضره وهو يعلم ويقاتل من منعه منه , فقال مسببا عما حذف من جواب القسم : { ~~فألهمها } أي النفس إلهام الفطرة السابقة الأولى PageV08P440 قبل ^ ( { ~~ألست بربكم } ) ^ [ الأعراف : 172 ] { فجورها } أي انبعاثها في الميل مع ~~دواعي الشهوات وعدم الخوف الحامل على خرق سياج الشريعة بسبب ذلك الطبع الذي ~~عدل فيه ذاتها وصفاتها في قسر المتنافرات على التمازج غاية التعديل { ~~وتقواها * } أي خوفها الذي أوجب سكونها وتحرزها بوقايات الشريعة , فالآية ~~من الاحتباك : ذكر الفجور أولا دال على السكون الذي هو ضده ثانيا , وذكر ~~التقوى ثانيا دال على ضده , وهو عدم الخوف أولا , وإلهامها للأمرين هو جعله ~~لها عارفة بالخير والشر مستعدة ومتهيئة لكل منهما ms5916 ؛ ثم زاد ذلك بالبيان ~~التام بحيث لم يبق لبس , فزالت الشبه عقلا بالغريزة والإلهام ونقلا ~~بالرسالة والإعلام . | ودل بالإضافة على أن ذلك كله منسوب إليها ومكتوب ~~عليها وإن كان بخلقه وتقديره لأنه أودعها قوة وجعل لها اختيارا صالحا لكل ~~من النجدين , وأوضح أمر النجدين في الكتب وعلى ألسنة الرسل عليهم الصلاة ~~والسلام بعد ما وهبه لها من الفطرة القويمة وأخفى عنها سر القضاء والقدرة ~~وعلم العاقبة , فأقام بذلك عليها الحجة وأوضح المحجة . | < < # | الشمس : ( 9 - 15 ) قد أفلح من . . . . . # > > ^ ( قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها * كذبت ثمود بطغواهآ * إذ ~~انبعث أشقاها * فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقياها * فكذبوه فعقروها ~~فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها * ولا يخاف عقباها ) ^ } ) | ولما كان من ~~المعلوم أن من سمع هذا الكلام يعلم أن التقوى لا يكون إلا مأمورا بها , ~~الفجور لا يكون إلا منهيا عنه , فيتوقع ما يقال فيهما مما يتأثر عنهما , ~~قال تعالى : { قد أفلح } أي ظفر بجميع المرادات { من زكاها * } أي نماها ~~وأصلحها وصفاها تصفية عظيمة بما يسره الله له من العلوم النافعة والأعمال ~~الصالحة وطهرها على ما يسره لمجانبته من مذام الأخلاق لأن كلا ميسر لما خلق ~~له , والدين بني على التحلية والتخلية و ( زكى ) صالح للمعنيين { وقد خاب } ~~أي حرم مراده ما أعد لغيره في الدار الآخرة وخسر وكان سعيه باطلا { من ~~دساها * } أي إغواها إغواء عظيما وأفسدها ودنس محياها وقذرها وحقرها ~~وأهلكها بخبائث الإعتقاد ومساوئ الأعمال , وقبائح النيات والأحوال , ~~وأخفاها بالجهالة والفسوق , والجلافة والعقوق , وأصل ( دسى ) دسس , ~~فالتزكية أن يحرص الإنسان على شمسه أن لا تكسف , وقمره أن لا يخسف , ونهاره ~~أن لايتكدر , وليله ألا يطفى , والتدسيس أقله إهمال الأمر حتى تكسف شمسه , ~~ويخسف قمره , ويتكدر نهاره , ويدوم ليله , وطرق ذلك اعتبار نظائر المذكورات ~~من الروحانيات وإعطاء كل ذي حق حقه , فنظير الشمس هي النبوة لأنها كلها ~~ضياء باهر وصفاء قاهر , وضحاها الرسالة وقمرها الولاية , والنهار هو ~~العرفان , واليل عدم طمأنينة النفس بذكر الله وما PageV08P441 جاء من عنده ms5917 ~~, وإعراضها عن الانقياد لقبول ما جاء من النبوة أو الولاية , والعلماء ~~العاملون هم أولياء الله , قال الإمامان أبو حنيفة والشافعي رضي الله عنهما ~~: إن لم تكن العلماء أولياء الله فليس الله ولي - رواه عنهما الحافظ أبو ~~بكر الخطيب , وهو مذكور في التبيان وغيره من مصنفات النووي , ونظير السماء ~~العزة والترفع عن الشهوات وعن خطوات الشياطين من الإنس والجن , والأرض ~~نظيرها التواضع لحق الله ولرسوله خطوات الشياطين من الإنس والجن , والأرض ~~نظيرها التواضع لحق الله ولرسوله وللمؤمنين فيكون بإخراجه المنافع لهم ~~كالأرض المخرجة لنباتها , والتدسية خلاف ذلك , من عمل بالسوء من عمل بالسوء ~~فقد هضم نفسه وحقرها فأخفاها كما ان اللئام ينزلون بطون الأودية ومقاطعها ~~بحيث تخفى أماكنهم على الطارقين , والأجواد ينزلون الرابي , ويوقدون ~~النيران للطارقين , ويشهرون أماكنهم للمضيفين منازل الأشراف في الأطراف كما ~~قيل : | قوم على المحتاج سهل وصلهم ومقامهم وعر على الفرسان | ولما كان ~~السياق للترهيب بما دلت عليه سورة البلد وتقديم الفجور هنا , وكان الترهيب ~~أحث على الزكان , قال دالا على خيبه المدسي ليعتبر به من سمع خبره لا سيما ~~إن كان يعرف أثره : { كذبت ثمود } أنث فعلهم لضعف أثر تكذيبهم لأن كل سامع ~~له يعرف ظلمهم فيه لوضوح آيتهم وقبيح غايتهم , ومالهم بسفول الهمم وقباحة ~~الشيم , وخصهم لأن آياتهم مع أنها كانت أوضح الآيات في نفسها هي أدلها على ~~الساعة , وقريش وسائر العرب عارفون بهم لما يرون من آثارهم ويتناقلون من ~~أخبارهم { بطغواها * } أي أوقعت التكذيب لرسولها بكل ما أتى به عن الله ~~تعالى بسبب ما كان لنفوسهم نم وصف الطغيان , وهو مجاوزة القدر وارتفاعه ~~والغلو في الكفر والإسراف في المعاصي والظلم , أو بما توعدوا به من العذاب ~~العاجل وهي الطاغية التي أهلكوا بها , وطغى - واوي يائي يقال : طغى كدعا ~~يطغو طغوى وطغوانا - بضمها كطغى يطغى , وطغي كرضي طغيانا - بالكسر والضم , ~~فالطغوى - بالفتح اسم , وبالضم مصدر , فقلبت الياء - على تقدير كونه يائيا ~~- واوا للتفرقة بين الاسم والصفة , واختير التعبير به دون اليائي لقوة ~~الواو , فأفهم أنهم بلغوا ms5918 النهاية في تكذيبهم , فكانوا على الغاية من سوء ~~تعذبهم . | ولام ذكر تكذيبهم , دل عليه بقوله : { إذ } أي تحقق تكذيبهم أو ~~طغيانهم بالفعل حين { انبعث أشقاها * } أي أشد ثمود شقاء وهو عاقر الناقة ~~للمشاركة في الكفر والزيادة بمباشرة العقر , وهو قدار بن سالف , أو هو ومن ~~مالاه على عقرها , فإن أفعل التفضيل إذا أضيف صلح للواحد والجمع { فقال لهم ~~} أي بسبب الانبعاث أو التكذيب الذي دل PageV08P442 على قصدهم لها بالإذى , ~~وأظهر ولم يضمر وعين الإظهار بالجلالة إشارة إلى عظيم آيتهم وبديع بدايتهم ~~ونهايتهم فقال : { رسول الله } أي الملك الذي له الأمر كله , فتعظميه من ~~تعظيم مرسله وهو صالح عليه الصلاة والسلام وكذا الناقة , وعبر بالرسول لأن ~~وظيفته الإبلاغ والتحذير الذي ذكر هنا , ولذا قال مشيرا بحذف العامل إلى ~~ضيق الحال عن ذكره لعظيم الهول وسرعة التعذيب عند مسها بالأذى , وزاد في ~~التعظيم بإعادة الجلالة : { ناقة الله } أي الملك الأعظم الذي له الجبروت ~~كله فلا يقر من انتهك حرمته واجترأ على ما أضافه إليه , ولهذا أعاد الإظهار ~~دون الإضمار , والعامل : دعوا أو احذروا - أو نحو ذلك أي احذروا أذاها بكل ~~اعتبار { وسقياها * } أي الماء الذي جعله الله تعالى لها لسقيها وهو بئرها ~~, فلا تذودوها عن بئرها في اليوم الذي تكون فيه نوبتها في الشرب ولا تمسوها ~~بسوء , وكأنه صلى الله عليه وسلم فهم عنهم بعد مدة أنهم يريدون عقرها فكرر ~~عليهم التحذير { فكذبوه } أي أوقعوا تكذيبه بسبب طغيانهم وعقب أمره هذا ~~الأخير فيما حذر من حلول العذاب , أو تكون الفاء هي الفصيحة أي قال لهم ذلك ~~فكانت بعده بينه وبينهم في أمرها أمور , فأوقعوا تكذيبه فيها كلها { ~~فعقروها } أي بسبب ذلك التكذيب بعضهم بالفعل وبعضهم بالرضا به { فدمدم } أي ~~عذب عذابا تاما مجللا مغطيا مطبقا مستأصلا شدخ به رؤوسهم وأسرع في الإجهاد ~~وطحنهم طحنا مع الغضب الشديد ؛ قال الرازي : الدمدمة : تحريك البناء حتى ~~ينقلب , ودل بأداة الاستعلاء على شدته وإحاطته فقال : { عليهم } ودل على ~~شدة العذاب لشدة الغضب بلفت القول بذكر صفة ms5919 الإحسان التي كفروها لأنه لا ~~أشد غضبا ممن كفر إحسانه فقال : { ربهم } أي الذي أحسن إليهم فغرهم إسحانه ~~فقطعه عنهم فعادوا كأمس الدابر { بذنبهم } أي بسببه . | ولما استووا في ~~الظلم والكفر بسبب عقر الناقة بعضهم بالفعل وبعضهم بالرضا والحث , قال ~~مسببا عن ذلك ومعقبا : { فسواها * } أي الدمدمة عليهم فجعلها كأنها أرض ~~بولغ في تعديلها فلم يكن فيها شيء خارج عن شيء كما سوى الشمس المقسم بها ~~وسوى بين الناس فيها , وكذا ما أقسم به بعدها , فكانت الدمدمة على قويهم ~~كما كانت على ضعيفهم , فلم تدع منهم أحدا ولم يتقدم هلاك أحد منهم على أحد ~~, بل كانوا كلهم كنفس واحدة من قوة الصعقة وشدة الرجفة كما أنهم استووا في ~~الكفر والرضا بعقر الناقة وكل نفس هي عند صاحبها كالناقة قد أوصى الله ~~صاحبها أن يرعى نعمته سبحانه فيها فيزكيها ولا يدسيها , فإن الناقة عبارة ~~عن مطية يقطع عليها السير حسا أو معنى , وذلك صالح لأن يراد به النفس التي ~~تقطع بها عقبات الأعمال , والسقيات ما يعيش المسقي به , وهو صالح لأن يراد ~~به الذكر والعبادة , فمن لم يرع النعمة ويشكر PageV08P443 المنعم فقد عقرها ~~, فاستحق الدمدمة منه , وكما أنه سوى بينهم في الدمدمة سوى بين المهتدين في ~~النجاة { ولا } أي والحال أنه لا { يخاف } في وقت من الأوقات أي ربهم , روي ~~ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ويؤيده قراءة أهل المدينة والشام بالفاء ~~المسببة عن الدمدمة والتسوية وكذلك هي في مصاحفهم { عقباها * } أي عاقبة ~~هذه الدمددمة وتبعتها فإنه الملك الأعلى الذي كل شيء في قبضته لا كما يخاف ~~كل معاقب من الملوك فيبقى بعض الإبقاء فعلم أنه سبحانه وتعالى يعلي أولياءه ~~لأنهم على الحق , ويسفل أعداءه لأنهم على الباطل , فلا يضل بعد ذلك إلا ~~هالك , بصيرته أشد ظلاما من الليل الحالك , وقد رجع آخرها على أولها بالقسم ~~وجوابه المحذوف الذي هو طبع النفوس على طبائع مختلفة والتقدم إليهم ~~بالإنذار من الهلاك , ونفس القسم أيضا فإن من له هذه الأفعال الهائلة التي ms5920 ~~سوى بين خلقه فيها وهذا التدبير المحكم هو بحيث لا يعجزه أمر ولا يخشى ~~عاقبة - والله الموفق للصواب . | . . . . | PageV08P444 < # > سورة الليل < # > | مقصودها الدلالة على مقصود الشمس ، وهو التصرف التام في النفوس ~~بإثبات كمال القدرة بالاختيار باختلاف الناس في السعي مع اتحاد مقاصدهم ، ~~وزهي الوصول إلى الملاذ من شهوة البطن والفرج وما يتبع ذكلك من الراحة ، ~~واسمها الليل أوضح ما فيها على ذلك بتأمل القسم والجواب ، والوقوع من ذلك ~~على الصواب ، وأيضا ليل نفسه دال على ذلك لأنه على غير مراد النفس بما فيه ~~من الظلام والنوم الذي هو أخو الموت ، وذلك مانع عن أكثر المرادات ، ومقتضى ~~لأكثر المضادات { بسم الله } الذي له العظمة الظاهرة والحكمة الباهرة { ~~الرحمن } الذي شملت نعمته إيجاده وبيانه المتواترة { الرحيم } الذي خص من ~~أراده بما يرضيه ، فجعله حامده وشاكره . < < # | الليل : ( 1 - 10 ) والليل إذا يغشى # > > ^ ( والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى * ~~إن سعيكم لشتى * فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى * ~~وأما من بخل واستغنى * وكذب بالحسنى * فسنيسره للعسرى ) ^ } ) | لما بين في ~~الشمس حال من زكى نفسه وحال من دساها , وأوضح في آخرها من مخالفة ثمود ~~لرسولهم ما أهلكهم , فعلم أن الناس مختلفون في السعي في تحصيل نجد الخير ~~ونجد الشر , فمنهم من تغلب عليه ظلمة اللبس , ومنهم من يغلب عليه نهار ~~الهدى , فتباينوا في مقاصدهم , وفي مصادرهم ومواردهم , بعد أن أثبت أنه هو ~~الذي تصرف في النفوس بالفجور والتقوى , أقسم أول هذه بما يدل على عجائب ~~صنعه في ضره ونفعه على ذلك , تنبيها على تمام قدرته في أنه الفاعل ~~بالاختيار , يحول بين المرء وقلبه حتى يحمله على التوصل إلى مراده , بضد ما ~~يوصل إليه بل بما يوصل إلى مضاده , وعلى أنه لا يكاد يصدق الاتحاد في القصد ~~والاختلاف في السعي والتوصل , وشرح جزاء كل تحذيرا من نجد الشر ورغيبا في ~~نجد الخير , وبين ما به التزكية وما به PageV08P445 التدسية فقال : { واليل ~~} أي الذي هو آية الظلام الذي هو سبب الخبط والخلط ms5921 لما يحدث عنه من الإشكال ~~واللبس في الأحوال والإهلال الموصل إلى ظلمة العدم , وهو محل الأسرار بما ~~يصل الأخيار ويقطع الأشرار : { إذا يغشى * } أي يغطي ما كان من الوجود ~~مبصرا بضياء النهار على التدريج قليلا قليلا , وما يدل عليه من جليل مبدعه ~~, وعظيم ما حقه ومطلعه { والنهار } أي الذي هو سبب انكشاف الأمور كالموت ~~الذي يزيل عن الروح علائق البدن فينجلي لها ما كانت فيه من القبائح , ~~والجهر الذي يشرح النفس بإزالة اللبس { إذا تجلى * } أي ظهر ظهورا عظيما ~~بضياء الشمس , وأظهر ما كان خفيا فلم يدع لمبصر شيئا من لبس , فمن كان يريد ~~السر قصد الليل , ومن أراد الجهر قصد النهار سواء كان من الأبرار أو من ~~الفجار . | ولما ذكر المتخالطين معنى , أتبعهما المتخالطين حسا , فقال ~~مصرحا فيهما بما هو مراد في الأول , وخص هذا بالصريح تنبيها على أنه لكونه ~~عاقلا - عاقد يغلط في نفسه فيدعي الإلهية أو الاتحاد , أو غير ذلك من وجوه ~~الإلحاد { وما خلق } وحكم التعبير بما الأغلب فيه غير العقلاء ما تقدم في ~~سورة الشمس من تنبيههم على أنهم لما أشركوا به سبحانه وتعالى ما لا يعقل ~~نزلوه تلك المنزلة وقد أحاط بكل شيء , وهو الذي خلق العلماء , وهم لا ~~يحيطون به علما مع ما يفيده ( ما ) من التعجب منهم في ذلك لكونها صيغة ~~التعجب { الذكر } أي حسا بآلة الرجل ومعنى بالهمة والقوة { والأنثى } حسا ~~بآلة المرأة ومعنى بسفول الهمة وضعف القوة وما دلا عليه من عظيم الاصطناع , ~~وباهر الاختراع والابتداع , فإنه دل علمه وفعله بالاختيار , فالآية من ~~الاحتباك : ذكر أولا الصنعة دلالة على حذفها ثانيا , وثانيا الصانع دلالة ~~على حذفه أولا . | ولما ذكر ما هو محسوس التخالف من المعاني والأجرام , ~~أتبعه ما هو معقول التباين من الأعراض فقال : { إن سعيكم } أي عملكم أيها ~~المكلفون في التوصل إلى مقصد واحد , ولذلك أكده لأنه لا يكاد يصدق اختلاف ~~وجوه السعي مع اتحاد المراد , وعبر بالسعي ليبذل كل في عمله غاية جهده { ~~لشتى * } أي مختلف اختلافا شديدا ms5922 باختلاف ما تقدم , وهو جمع شتيت كقتلى ~~وقتيل , فيكون الإنسان رجلا وهو أنثى الهمة , ويكون أنثى وهو ذكر الفعل , ~~فتنافيتم في الاعتقادات , وتعاندتم في المقالات , وتباينتم غاية التباين ~~بأفعال طيبات وخبيثات , فساع في فكاك نفسه , وساع في إيثامها , فعلم قطعا ~~أنه لا بد من محق ومبطل ومرض ومغضب لأنه لا جائز أن يكون المتنافيان متحدين ~~في الوصف بالإرضاء أو الإغضاب , فبطل ما أراد المشركون من قولهم < # > 77 ( { لو PageV08P446 شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء } ) 77 < # > [ النحل : 35 ] الآية وما ضاهاها . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ~~لما بين قبل حالهم في الافتراق , أقسم سبحانه على ذلك الشأن في الخلائق ~~بحسب تقديره أزلا { ليبلوهم أيهم أحسن عملا } [ لا يوجد ليبلوهم بالياء في ~~لغتنا وإنما كما في الكهف آية 7 : لنبلوهم . . . | وفي الملك آية 2 : ~~لنبلوكم . . . | فقال تعالى : { إن سعيكم لشتى } فاتصل بقوله تعالى < # > 77 ( { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } ) 77 < # > [ الشمس : 10 ] إن قوله تعالى { فأما من أعطى واتقى - إلى - العسرى } ~~يلائمه تفسيرا وتذكيرا بما الأمر عليه من كون الخير والشر بإرادته وإلهامه ~~وبحسب السوابق قوله : < # > 77 ( { فألهمهما فجورها وتقواها } ) 77 < # > [ الشمس : 8 ] فهو سبحانه الملهم للإعطاء والاتقاء والتصدق , والمقدر ~~للبخل والاستغناء والتكذيب < # > 77 ( { والله خلقكم وما تعملون } ) 77 < # > [ الصافات : 96 ] < # > 77 ( { لا يسئل عما يفعل } ) 77 < # > [ الأنبياء : 23 ] ثم زاد ذلك إيضاحا بقوله تعالى ( إن علينا للهدى وإن ~~لنا للأآخرة والأولى } فتبا للقدرية والمعتزلة < # > 77 ( { وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } ~~) 77 < # > [ يوسف : 105 ] - انتهى . | ولما طابق بين القسم والمقسم عليه , ونبه ~~بالقسم والتأكيد مع ظهور المسقم عليه على أنهم في أمنهم مع التحذير كمن ~~يدعي أنه لا فرق وأن مآل الكل واحد كما يقوله أصحاب الواحدة - عليهم الخزي ~~واللعنة شرع في بيان تشتت المساعي وبيان الجزاء لها , فقال مسببا عن ~~اختلافهم ما هو مركوز في الطباع من أنه لا يجوز تسوية المحسن بالمسيء ناشرا ~~لمن زكى نفسه أو دساها ms5923 نشرا مستويا إيذانا بأن المطيع فيه هذه الأمة - ولله ~~الحمد - كثير بشارة لنبيها صلى الله عليه وسلم : { فأما من أعطى } أي وقع ~~منه إعطاء على ما حددنا له وأمرناه به { واتقى * } أي وقعت منه التقوى وهو ~~اتخاذ الوقايات من الطاعات واجتناب المعاصي خوفا من سطواتنا { وصدق } أي ~~أوقع التصديق للمخبر { بالحسنى * } أي وهي كلمة العدل التي هي أحسن الكلام ~~من التوحيد وما يتفرع عنه من الوعود الصادقة بالآخرة والإخلاف في النفقة في ~~الدنيا وإظهار الدين وإن قل أهله على الدين كله , وغير ذلك من كل ما وعد به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم سبحانه وتعالى , وعدل الكلام إلى مظهر العظمة ~~إشارة إلى صعوبة الطاعة على النفس وإن كانت في غاية اليسر في نفسها لأنها ~~في غاية الثقل على النفس فقال : { فسنيسره } أي نهيئه بما لنا من العظمة ~~بوعد لا خلف فيه { لليسرى * } أي الخصلة التي هي في غاية اليسر والراحة من ~~الرحمة المقتضية للعمل بما يرضيه سبحانه وتعالى ليصل إلى ما يرضى به من ~~الحياة الطيبة ودخول الجنة . | PageV08P447 ولما ذكر المزكي وثمرته , أتبعه ~~المدسي وشقوته فقال : { وأما من بخل } أي أوجد هذه الحقيقة الخبيثة فمنع ما ~~أمر به وندب إليه { واستغنى } أي طلب الغنى عن الناس وعما وعد به من الثواب ~~وأوجده بما زعمت له نفسه الخائبة وظنونه الكاذبة . | فلم يحسن إلى الناس ~~ولا عمل للعقبى : { وكذب } أي أوقع التكذيب أن يستحق التصديق { بالحسنى * } ~~أي فأنكرها , ولما كان جامدا مع المحسوسات كالبهائم قال : { فسنيسره } أي ~~نهيئه بما لنا من العظمة وعد لا خلف فيه { للعسرى * } أي للخصلة التي هي ~~اعسر الأشياء وأنكدها , وهي العمل بما يغضبه سبحانه الموجب لدخول النار وما ~~أدى إليه , وأشار بنون العظمة في كل من نجد الخير ونجد الشر إلى أن ارتكاب ~~الإنسان لكل منهما في غاية البعد , أما نجد الخير فلما حفه من المكاره , ~~وأام نجد الشر فلما في العقل والفطرة الأولى من الزواجر عنه , وذلك كله أمر ~~قد فرغ منه في الأزل بتعيين أهل ms5924 السعادة وأهل الشقاوة ( وكما قال صلى الله ~~عليه وسلم - ميسر لما خلق له ) . | < < # | الليل : ( 11 - 21 ) وما يغني عنه . . . . . # > > ^ ( وما يغني عنه ماله إذا تردى * إن علينا للهدى * وإن لنا للآخرة ~~والأولى * فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصلاهآ إلا الأشقى * الذي كذب وتولى * ~~وسيجنبها الأتقى * الذى يؤتي ماله يتزكى * وما لأحد عنده من نعمة تجزى * ~~إلا ابتغآء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى ) ^ } ) | ولما كان أهل الدنيا إذا ~~وقعوا في ورطة تخلصوا منها بأموالهم قال : { وما يغني } أي في تلك الحالة { ~~عنه } أي هذا الذي بخل وكذب { ماله } أي الذي بخل به رجاء نفعه , ويجوز أن ~~يكون استفهاما إنكاريا فيكون نافيا للإغناء على أبلغ وجه { إذا تردى * } أي ~~هلك بالسقوط في حفرة القبر والنار , تفعل من الردى وهو الهلاك والسقوط في ~~بئر . | ولما كان ربما قال المتعنت الجاهل بما له سبحانه وتعالى من العظمة ~~التي لا اعتراض لأحد عليها : ما له لا ييسر الكل للحسنى , استأنف جوابه ~~مبينا من ألزم به نفسه من المصالح تفضلا منه بما له من اللطف والكرم وما ~~يفعله مما هو له من غير نظل إلى ذلك بما له من الجبروت والكبر , فقال مؤكدا ~~تنبيها على أنه يحب العلم بأنه لا حق لأحد عليه أصلا : { إن علينا } أي على ~~ما لنا من العظمة { للهدى * } أي البيان للطريق الحق وإقامة الأدلة الواضحة ~~على ذلك . | ولما بين ما ألزمه نفسه المقدس فصار كأنه عليه لتحتم وقوعه ~~فكان ربما أوهم أنه PageV08P448 يلزمه شيء , أتبعه ما ينفيه ويفيد أن له ~~غاية التصرف فلا يعسر عليه شيء أراده فقال : { وإن لنا } أي يا أيها ~~المنكرون خاصا بنا , وقدم ما العناية به أشد لأجل إنكارهم لا للفاصلة , ~~فإنه يفيده مثلا أن يقال : للعاجلة والأخرى , فقال : { للآخرة والأولى * } ~~فمن ترك ما بينا له من طريق الهداية لم يخرج عن كونه لنا ولم يضر إلا نفسه ~~ولنا التصرف التام , بما نقيم من الأسباب المقربة للشيء جدا , ثم بما نقيم ~~من الموانع الموجبة لبعده غاية البعد , فنعطي ms5925 من نشاء وما نشاء ونمنع من ~~نشاء ما نشاء , ومن طلب منهما شيئا من غيرنا فال رأيه وخاب سعيه , وليس ~~التقديم لأجل الفاصلة , فقد ثبت بطلان هذا وأنه لا يحل اعتقاده في غير موضع ~~, منها آخر سورة براءة , وأنه لا فرق بين أن يعتقد أن فيه شيئا موزونا بقصد ~~الوزن فقط ليكون شعرا , وأن يعتقد أن فيه شيئا قدم أو أخر لأجل الفاصلة فقط ~~ليكون سجعا , على أنه لو كان هذا لأجل الفاصلة فقط لكان يمكن أن يقال : ~~للأولى - أو للأولة - والأخرى مثلا . | ولما أخبر سبحانه وتعالى أنه ألزم ~~نفسه المقدس البيان , وأن له كل شيء , المستلزم لإحاطة العلم وشمول القدرة ~~, شرح ذلك بما سبب عنه من قوله لافتا القول فقال : { فأنذرتكم } أي حذرتكم ~~أيها المخالفون للطريق الذي بينته { نارا تلظى * } أي تتقد وتتلهب تلهبا هو ~~في غاية الشدة من غير كلفة فيه على موقدها أصلا ولا أحد من خزنتها - بما ~~أشار إليه إسقاط التاء , وفي الإدغام أيضا إشارة إلى أن أدنى نار الآخرة ~~كذلك , فيصير إنذار ما يتلظى وما فوق ذلك من باب الأولى . | ولما كان قد ~~تقدم غير مرة تخصيص كل من المحسن والمسيء بداره بطريق الحصر إنكارا لأن ~~يسوى محسن بمسيء في شيء , وكان الحصر ب ( لا ) و ( إلا ) أصرح أنواعه قال : ~~{ لا يصلاها } أي يقاسي حرها وشدتها على طريق اللزوم والانغماس { إلا ~~الأشقى * } أي الذي هو في الذروة من الشقاوة وهو الكافر , فإن الفاسق وإن ~~دخلها لا يكون ذلك له على طريق اللزوم , ولذلك وصفه بقوله تعالى : { الذي ~~كذب } أي أفسد قوته العلمية بأن أعرض عن الحق تكبرا وعنادا فلم يؤت ماله ~~لزكاة نفسه { وسيجنبها } أي النار الموصوفة بوعد لا خلف فيه عن قرب - بما ~~أفهمته السين من التأكيد مع التنفيس , وتجنيبه له في غاية السهولة - بما ~~أفهمه البناء للمفعول { الأتقى * } أي الذي أسس قوته العلمية أمكن تأسيس , ~~فكان في الذروة من رتبة التقوى وهو الذي اتقى الشرك والمعاصي , وهو يفهم أن ~~من لم يكن في ms5926 الذروة لا يكون كذلك , فإن الفاسق يدخلها ثم يخرج منها , ولا ~~ينافي الحصر السابق . | PageV08P449 ولما ذكر ما يتعلق بالقوة العلمية , ~~أتبعه ما ينظر إلى القوة العملية فقال : { الذي يؤتي ماله } أي يصرفه في ~~مصارف الخير , ولذلك بينه بقوله تعالى : { يتزكى * } أي يتطهر من الأوضار ~~والأدناس بتطهيره لنفسه وتنميتها بذلك الإيتاء بالبعد عن مساوئ الأخلاق ~~ولزوم محاسنها لأنه ما كذب وما تولى , والآية من الاحتباك : ذكر التكذيب ~~أولا دليلا على حذف ضده ثانيا , وإيتاء المال ثانيا دليلا على حذف ضده أولا ~~. | ولما كان الإنسان قد يعطي ليزكي نفسه بدفع مانه ومكافأة نعمه قال : { ~~وما } أي والحال أنه ما { لأحد عنده } وأعرق في النفي فقال : { من نعمة ~~تجزى * } أي هي مما يحق جزاؤه لأجلها . | ولما نفى أن يكون بذلك قصد مكافأة ~~, قال مبينا قصده باستثناء منقطع : { إلا } أي لكن قصد بذلك { ابتغاء } أي ~~طلب وقصد , ولفت القول إلى صفة الإحسان إشارة إلى وصفه بالشكر فقال : { وجه ~~ربه } الذي أوجده ورباه وأحسن إليه بحيث إنه لم ير إحسانا إلا منه ولا عنده ~~شيء إلا وهو من فضله { الأعلى * } أي مطلقا فهو أعلى من كل شيء , فلا يمكن ~~أن يعطي أحد من نفسه شيئا يقع مكافأة له , وعبر عن المنقطع بأداة المتصل ~~للإشارة إلى أن الابتغاء المذكور كأنه نعمة ممن آتاه المال لأن الابتغاء - ~~وهو تطلب رضا الله - كان السبب في ذلك الإيتاء بغاية الترغيب , وقد آل ~~الأمر بهذه العبارة الرشيقة والإشارة الأنيقة مع ما أومأت إليه من الترغيب ~~, وأعطته من التحبيب إلى أن المعنى : إنه لا نعمى عليه لأحد في ذلك إلا ~~الله , وعبر بالوجه إشارة إلى أن قصده أعلى القصود فلا نظر له إلا إلى ذاته ~~سبحانه وتعالى التي عبر عنها بالوجه لأنه أشرف الذات , وبالنظر إليه تحصل ~~الحياة والرغبة والرهبة , لا إلى طلب شيء من دنيا ولا آخرة . | ولما كان ~~هذا مقاما ليس فوقه مقام , قال تعالى بعد وعده من الإنجاء من النار : { ~~ولسوف يرضى * } أي بإعطاء الجنة العليا والمزيد بوعد ms5927 لا خلف فيه بعد المذلة ~~في الحياة الطيبة - بما أشارت إليه أداة التنفيس ولا بدع أن يكون هذا الوعد ~~على هذا الوجه الأعلى لأن الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين ~~اشترى بلالا رضي الله عنه في جماعة من الضعفاء المسلمين يؤذيهم المشركون ~~فأعتقهم , فبين تعالى أنه مطبوع على تزكية نفسه فهو المفلح كما ذكر في سورة ~~الشمس , وأنه مخلص لإعطائه الضعفاء من الأيتام والمساكين وإعتاقه الضعفاء ~~في كل حال كما ذكر في سورة البلد , نقل البغوي رضي الله تعالى عنه عن ~~الزبير يعني ابن بكاري أنه قال : كان أبو بكر رضي الله عنه يبتاع الضعفاء ~~فيعتقهم فقال له أبوه : أي بني ! لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك , قال : منع ~~ظهري أريد . | وقال : إنه أعتق بلالا وأم عميس وزهرة فأصيب بصرها حين ~~أعتقها , فقالت قريش : ما أهذب بصرها إلا اللات والعزى , فقالت : كذبوا ~~وبيت الله , ما تضر PageV08P450 اللات والعزى ولا تنفعان , فرد الله عليها ~~بصرها , وأعتق النهدية وابنتها وجارية بني المؤمل . | وقال : إنه اشترى ~~بلالا من أمية بن خلف استنقاذا له مما كان فيه من العذاب حين كان يشد يديه ~~ورجليه وقت الهاجرة ويلقيه عريانا على الرمضاء ويضربه , وكلما ضربه صاح ~~ونادى : أحد أحد , فيزيده ضربا فاشتراه بعبد كان لأبي بكر رضي الله عنه , ~~كان ذلك العبد صاحب عشرة الآف دينار وغلمان وجواء ومواش وكان مشركا , فلما ~~اشتراه به وأعتقه قال المشركون : ما فعل هذا ببلال إلا ليد كانت لبلال عنده ~~, يعني فأنزل الله ذلك تكذيبا لهم . | ومن أبدع الأشياء تعقيبها بالضحى ~~التي هي في النبي صلى الله عليه وسلم وفيها < # > 77 ( { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ) 77 < # > [ الضحى : 5 ] إشارة إلى أنه أقرب أمته إلى مقامه لأنه مما وعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه يرضيه وأنه لا يرضيه غيره كما أنه أرضاه خلافته له ~~في الصلاة ولم يرضه غيره حين نهى عن ذلك بل زجر لما سمع قراءة غيره وقال : ~~( يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر ms5928 رضي الله عنه ) وقد رجع آخرها على أولها ~~بأن سعي هذا الصديق رضي الله عنه مباين أتم مباينة سعي ذلك الأشقى , وقال ~~بعضهم : إن المراد بالتجلي بالنور المعنوي من إنارة ظلام الليل بما يجليه ~~به من ضياء القيام وغير ذلك من أنواع الخير يرضى بالنور الحسي بعد الموت - ~~والله الموفق للصواب . | . . . | PageV08P451 < # > سورة الضحى < # > | مقصودها الدلالة على آخر الليل بأن أتقى الأتقياء الذي هو الأتقى على ~~الإطلاق في عين الرضا دائما ، لا ينفك عنهع في الدنيا والآخرة ، لما تحلى ~~به من صفات الكمال التي هي الإيصال للمقصود بما لها من النور المعنوي ~~كالضحى بما له من النور الحسي الذي هو أشرف ما في النهار وقد علم بهذا أن ~~اسمها أدل ما فيها على مقصودها { بسم الله } المعز لمن أراد ، الكريم البر ~~الودود ذي الجلال والإكرام { الرحمن } الذي عمن بنعمته الإيجاد الخاص ~~والعام { الرحيم } الذي أعلى أهل وده فخصهم بإتمام الإنعام . < < # | الضحى : ( 1 - 5 ) والضحى # > > ^ ( والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك ~~من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى ) ^ } ) | ولما حكم في آخر الليل بإسعاد ~~الأتقياء , وكان النبي صلى الله عليه وسلم أتقى الخلق مطلقا , وكان قد قطع ~~عنه الوحي حينا ابتلاء لمن شاء من عباده , وكان به صلى الله عليه وسلم صلاح ~~الدين والدنيا والآخرة , وكان الملوان سبب صلاح معاش الخلق وكثير من معادهم ~~, أقسم سبحانه وتعالى بهما على أنه أسعد الخلائق دنيا وأخرى , فقال مقدام ~~ما يناسب حال الأتقى الذي قصد به أبو بكر رضي الله عنه قصدا أوليا من النر ~~الذي يملأ الأقطار , ويمحو كل ظلام يرد عليه ويصل إليه , مفهما بما ذكر من ~~وقت الضياء الناصع حالة أول النهار وآخر الليل التي هي ظلمة ملتف بساقها ~~ساق النهار عند الإسفار : { والضحى * } فذكر ماهو أشرف النهار وألطفه وهو ~~زهرته , وأضوأه وهو صدره , وذلك وقت ارتفاع الشمس لأن المقسم لأجله أشرف ~~الخلائق , وذلك يدل على أنه يبلغ من الشرف ما لا يبلغه أحد من الخلق . | ~~ولما ms5929 ذكر النهار بأشراف ما فيه مناسبة لأجل المقسم لأجله , أتبعه الليل ~~مقيدا له PageV08P452 بما يفهم إخلاصه لأنه ليس لأشرف ما فيه اسم يخصه فقال ~~: { واليل } أي الذي به تمام الصلاة ؛ ولما كان أوله وآخر النهار وآخره ~~وأول النهار ضوءا ممتزجا لظلمة لالتفات ساق الليل بساق النهار , قيد ~~بالظلام الخالص فقال : { إذا سجى * } أي سكن أهله أو ركد ظلامه وإلباسه ~~وسواده واعتدل لخفلص فغطى بظلامه كل شيء , والمستجي : المتغطي , ومع تغطيته ~~سكنت ريحه , فكان في غاية الحسن , ويمكن أن يكون الأول مشيرا إلى ما يأتي ~~به هذا الرسول صلى الله عليه وسلم من المحكم , والثاني مشيرا إلى المتشابه ~~, وهذا الأربعة الأحوال للنور والظلمة - وهي ضوء ممتزج بظلمة , وظلمة ~~ممتزجة بضوء , وظلام خالص - الحاصلة في الآفاق في الإنسان مثلها , فروحه ~~نور بنور القلب , فإن قويت شهوة النفس على نورانية القلب أظلم جميعه , وإن ~~قويت نورانية القلب على ظلمة النفس صار نورانيا , وإن غلب الروح على الطبع ~~تروحن فارتفع عن رتبة الملائكة , وإن غلب الطبع على الروح أنزله عن رتبة ~~البهائم كما قال تعالى : < # > 77 ( { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } ) 77 < # > [ الأعراف : 179 ] . | ولما أقسم بهذا القسم المناسب لحاله صلى الله ~~عليه وسلم , أجابه بقوله تعالى : { ما ودعك } أي تركك تركا يحصل به فرقة ~~كفرقة المودع ولو على أحسن الوجوه الذي هو مراد المودع { ربك } أي الذي ~~أحسن إليك بإيجادك أولا , وجعلك أكمل الخلق ثانيا , ورباك أحسن تربية ثالثا ~~, كما أنه لا يمكن توديع الليل للنهار بل الضحى للنهار الذي هو أشد ضيائه , ~~ولا يمكن توديع الضحى للنهار ولا الليل وقت سجوه له . | ولما كان ربما تعنت ~~متعنت فقال : ما تركه ولكنه لا يحبه , فكم من مواصل وليس بواصل , قال نافيا ~~لكل ترك : { وما قلى * } أي وما أبغضك بغضا ما , وحذف الضمير اختصارا لفظيا ~~ليعم , فهو من تقليل اللفظ لتكثير المعنى , وذلك لأنه كان انقطاع عنه الوحي ~~مدة لأنهم سألوه عن الروح وقصة أهل الكهف وذي القرنين فقال : ( أخبركم بذلك ms5930 ~~غدا ) , ولم يستثن , فقالوا : قد ودعه ربه وقلاه , فنزلت لذلك , ولما نزلت ~~كبر صلى الله عليه وسلم فكان التكبير فيها وفيما بعدها سنة كما يأتي إيضاحه ~~وحكمته آخرها , وقد أفهمت PageV08P453 هذه العبارة أن المراتب التقريبية ~~أربع : تقريب بالطاعات ومحبة وهي للمؤمنين , وإبعاد بالمعاصي وبغض وهي ~~للكفار , وتقريب بالطاعات مخلوط بتبعيد للمعاصي وهي لعصاة المؤمنين , ~~وإعراط مخلوط بتقريب بصور طاعات لا قبول لها وهي لعباد الكفار . | وقال ~~الأستاذ أبو جعفر بن الزبير : لما قال تعالى : < # > 77 ( { فألهمها فجورها وتقواها } ) 77 < # > [ الشمس : 8 ] ثم أتبعه بقوله في الليل : < # > 77 ( { فسنيسره } ) 77 < # > [ الليل : 7 - 13 ] وبقوله : < # > 77 ( { إن علينا للهدى وإن لنا للآخرة والأولى } ) 77 < # > [ الليل : 7 - 13 ] , فلزم الخوف واشتد الفزع وتعين على الموحد الإذعان ~~للتسليم والتضرع في التخلص والتجؤه إلى السميع العليم , أنس تعالى أحب ~~عباده إليه وأعظمهم منزلة لديه , وذكر له ما منحه من تقريبه واجتبائه وجمع ~~خير الدارين له فقال تعالى : { والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى ~~وللآخرة خير لك من الأولى } ثم عدد تعالى عليه نعمة بعد وعده الكريم له ~~بقوله : { ولسوف يعطيك ربك فترضى } وأعقب ذلك بقوله : { فأما اليتيم فلا ~~تقهر وأما السائل فلا تنهر } سأل , وقد حاشها سبحانه عما نهاه عنه ولكنه ~~تذكير بالنعم وليستوضح الطريق من وفق من أمة محمد صلى الله عليه وسلم , أما ~~هو صلى الله عليه وسلم فحسبك من تعرف رحمته ورفقه < # > 77 ( { وكان بالمؤمنين رحيما } ) 77 < # > [ الأحزاب : 43 ] < # > 77 ( { عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم } ) 77 < # > [ التوبة : 128 ] ثم تأمل استفتاح هذه السورة ومناسبة ذلك المقصود ~~ولذلك السورة قبلها برفع القسم في الأولى بقوله : < # > 77 ( { والليل إذا يغشى } ) 77 < # > [ الليل : 1 ] تنيبها على إبهام الأمر في السلوك على المكلفين وغيبة ~~حكم العواقب , وليناسب هذا حال المتذكر بالآيات وما يلحقه من الخوف مما ~~أمره غائب عنه من تيسيره ومصيره واستعصامه به يحصل اليقين واستصغار درجات ~~المتقين , ثم لما لم يكن هذا غائبا بالجملة عن آحاد المكلفين ms5931 أعني ما يثمر ~~العلم اليقين ويعلي من أهل للترقي في درجات المتقين , بل قد يطلع سبحانه ~~خواص عباده - بملازمته التقوى والاعتبار - على واضحة السبيل ويريهم مشاهدة ~~وعيانا ما قد انتهجوا قبل سبيله بمشقة النظر في الدليل , قال صلى الله عليه ~~وسلم لحارثة : ( وجدت فالزم ) وقال مثله للصديق , وقال تعالى : < # > 77 ( { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } ) 77 < # > [ يونس : 64 ] < # > 77 ( { إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا ~~تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة ~~الدنيا وفي الآخرة } ) 77 < # > [ فصلت : 30 ] PageV08P454 فلم يبق في حق هؤلاء ذلك الإبهام , ولا كدر ~~خواطرهم بتكاثف ذلك الإظلام , بما منحهم سبحانه وتعالى من نعمة الإحسان بما ~~وعدهم في قوله : < # > 77 ( { يجعل لكم فرقانا } ) 77 < # > [ الأنفال : 29 ] و < # > 77 ( { يجعل لكم نورا تمشون به } ) 77 < # > [ الحديد : 28 ] < # > 77 ( { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن ~~مثله في الظلمات ليس بخارج منها } ) 77 < # > [ الأنعام : 122 ] فعمل هؤلاء على بصيرة , واستولوا اجتهادا بتوفيق ~~ربهم على أعمال جليلة خطيرة , فقطعوا عن الدنيا الآمال , وتأهبوا لآخرتهم ~~بأوضح الأعمال < # > 77 ( { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } ) 77 < # > [ السجدة : 16 ] < # > 77 ( { فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين } ) 77 < # > [ السجدة : 17 ] فلابتداء الأمر وشدة الإبهام والإظلام أشار قوله ~~سبحانه وتعالى : { والليل إذا يغشى } ولما يؤول إليه الحال في حق من كتب في ~~قلبه الإيمان وأيده بروح منه أشار قوله سبحانه وتعالى : { والنهار إذا تجلى ~~} ولانحصار السبل وإن تشعبت في طريقي < # > 77 ( { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } ) 77 < # > [ التغابن : 2 ] < # > 77 ( { فريق في الجنة وفريق في السعي } ) 77 < # > [ الشورى : 7 ] أشار قوله سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { وما خلق الذكر والأنثى } ) 77 < # > [ الليل : 3 ] < # > 77 ( { ومن كل شيء خلقنا زوجين } ) 77 < # > [ الذاريات : 49 ] < # > 77 ( { ففروا إلى الله } ) 77 < # > [ الذاريات : 50 ] الواحد مطلقا , فقد وضح لك إن شاء الله بعض ما يسر ~~من تخصيص هذا القسم - والله أعلم , أما سورة الضحى ms5932 فلا إشكال في مناسبة في ~~استفتاح القسم بالضحى لما يسره به سبحانه لا سيما إذا اعتبر ما ذكر من سبب ~~نزول السورة , وأنه صلى الله عليه وسلم كان قد فتر عنه الوحي حتى قال بعض ~~الكفار : قلى محمدا ربه , فنزلت السورة مشعرة عن هذه النعمة والبشارة - ~~انتهى . | ولما ذكر حاله في الدنيا بأنه لا يزال يواصله بالوحي والكرامة , ~~ومنه ما هو مفتوح على أمته من بعده روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال : سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أريت ما هو مفتوح على أمتي من بعدي كفرا ~~كفرا فسرني ذلك ) فلما كان ذلك وكان ذكره على وجه شمل الدارين صرح بالآخرة ~~التي هي أعلى وأجل , ولأدنى من يدخلها فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا ~~خطر على قلب بشر , فكيف بما له صلىالله عليه وسلم , فقال مؤكدا لذلك كما ~~أكد الأول بالقسم بما لهم فيه من الإنكار : { وللآخرة } أي التي هي المقصود ~~من الوجود بالذات لأنها باقية خالصة عن شوائب الكدر أو الحالة المتأخرة لك ~~PageV08P455 ليفهم منه أنه لا يزال في الترقي من علي إلى أعلى منه وكامل ~~إلى أكمل منه دائما أبدا لا إلى نهاية { خير } وقيد بقوله : { لك } لأنه ~~ليس كل أحد كذلك { من الأولى * } أي الدنيا الفانية التي لا سرور فيها خالص ~~كما أن النهار الذي هو بعد الليل خير منه وأشرف ولا سيما الضحى منه , وقد ~~أفهم ذلك أن الناس على أربعة أقسام : منهم من له الخير في الدارين وهم أهل ~~الطاعة الأغنياء , ومنهم من له الشر فيهما وهم الكفرة الفقراء , ومنهم من ~~له صورة خير في الدنيا وشر الآخرة وهم الكفرة الأغنياء , ومنهم من له صورة ~~شر في الدنيا وخير في الآخرة وهم المؤمنون الفقراء , قد قال : | الناس في ~~الدنيا على أربع والنفس في فكرتهم حائره فواحد دنياه مقبوضة إن له من بعدها ~~آخره وواحد دنياه مبسوطة ليس له من بعدها آخره وواحد قد حاز حظيهما سعيد في ~~الدنيا وفي ms5933 الآخره وواحد يسقط من بينهم فذلك لا دنيا ولا آخره | ولما ذكر ~~سبحانه الدنيا والآخرة , ذكر ما يشملهما مما زاده من فضله , فقال مصدرا ~~بحرف الابتداء تأكيدا للكلام لأنهم ينكرونه وليست للقسم لأنها إذا دخلت على ~~المضارع لزمته النون المؤكدة , وضم هذه اللام إلى كلمة التنفيس للدلالة على ~~أن العطاء وإن تأخر وقته لحكمة كائن لا محالة : { ولسوف يعطي } أي بوعد لا ~~خلف فيه وإن تأخر وقته بما أفهمته الأداة { ربك } أي الذي لم يزل يحسن إليك ~~بوعد الدنيا ووعيد الآخرة { فترضى * } أي فيتعقب على ذلك ويتسبب عنه رضاك . ~~| وهذا شامل لما منحه بعد كمال النفس من كمال العلم وظهور الأمر وإعلاء ~~الدين وفتح البلاد ودينونة العباد ونقص ممالك الجبابرة , وإنهاب كنوز ~~الأكاسرة والقياصرة , وإحلال الغنائم حتى كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر , ~~وشامل لما ادخره له سبحانه وتعالى في الآخرة من المقام المحمود والحوض ~~المورود , والشفاعة العظمىة إلى غير ذلك مما لا يدخل تحت الحدود , وقد ~~أفهمت العبارة أن الناس أربعة أقسام : معطى راض , وممنوع غير راض , ومعطى ~~غير راض , وممنوع راض , وعن علي رضي الله عنه أناه أرجى آية في القرآن لأنه ~~صلى الله عليه وسلم لا يرضى واحدا من أمته في النار . | < < # | الضحى : ( 6 - 11 ) ألم يجدك يتيما . . . . . # > > ^ ( ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضآلا فهدى * ووجدك عآئلا فأغنى * ~~فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السآئل فلا تنهر * وأما بنعمة ربك فحدث ) ^ } ~~) | ولما وعده بأنه لا يزال في كل لحظة يرقيه في مراقي العلا والشرف , ذكره ~~بما رقاه به قبل ذلك من حين توفي أبوه وهو حمل وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين ~~, فتم PageV08P456 يتمه من الأبوين قبل بلوغه لئلا يكون عليه - كما قال ~~جعفر الصادق - حق لمخلوق , فقال مقررا له : { ألم يجدك } أي يصادفك أي يفعل ~~بك فعل من صادف آخر حال كونه { يتيما فآوى * } ولما كان يلزم من اليتم في ~~الغالب عدم العلم لليتيم لتهاون الكافل , ومن عدم العلم الضلال , قالمبينا ~~أن يتمه وإهماله من الحمل ms5934 على دينهم كان نعمة عظيمة عليه لأنه لم يكن على ~~دين قومه في حين من الأحسان أصلا : { ووجدك } أي صادفك { ضالا } أي لا تعلم ~~الشرائع < # > 77 ( { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } ) 77 < # > [ الشورى : 52 ] فأطلق اللازم وهو الضلال على الملزوم , والمسبب على ~~السبب , وهو عدم العلمن فكنت لأجل ذلك لا تقدم على فعل من الأفعال لأنك لا ~~تعلم الحكم فيه إلا ما عملت بالعقل الصحيح والفطرة السليمة المستقيمة من ~~التوحيد وبعض توابعه , وهذا هو التقوى كما تقدم في الفاتحة , ولم يرد به ~~حقيقته وإنما أعراث من التعلق بشيء من الشرائع ونحوها بإعدام من يحمله على ~~ذلك ليفرغه ذلك التأمل بنفسه فيوصله بعقله السديد إلى الإعتقاد الحق في ~~الأصول والوقوف في الفروع { فهدى * } أي فهداك هدى محيطا بكل علم , فعلمك ~~بالوحي والإلهام والتوفيق للنظر ما لم تكن تعلم . | ولما كان العيال يمنعون ~~من التفرغ لعلم أو غيره قال : { ووجدك } أي حال كونك { عائلا } أي ذا عيال ~~لا تقدر على التوسعة عليهم أو فقيرا , قال ابن القطاع : عال الرجل : افتقر ~~, وأعال : كثر عياله . | { فأغنى * } بما جعل لك من ربح التجارة ثم من كسب ~~الغنائم وقد أفهم ذلك أن الناس أربعة أقسام : منهم من وجد الدين والدنيا , ~~ومنهم من عدمهما , ومنهم من وجد الدين لا وجد الدنيا , ومنهم من وجد الدنيا ~~لا الدين . | ولما ذكره بما أنعم عليه به من هذه النعم الثلاث أوصاه بما ~~يفعل في ثلاث مقابلة لها , فقال مسببا عنه مقدما معمول ما بعد الفاء عليها ~~اهتماما : { فأما اليتيم } أي هذا النوع { فلا تقهر * } أي تغلبه على شيء ~~فإنما أذقتك اليتم تأديبا بأحسن الآداب لتعرف ضعف اليتيم وذله , وفوق ذلك ~~كفالته وهي خلافة عن الله لأن اليتيم لا كافل له إلا الله , ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنا وكافل اليتيم كهاتين ) - وأشار بالسبابة ~~والوسطى . | ولما بدأ بما كان بداية له , ثنى بما هو نهاية له من حيث كاونه ~~يصير رأس الخلق فيصير محط الرجال في كل ms5935 سؤال من علم ومال , فقال مقدما له ~~اهتماما به إشارة إلى أنه جبر الخواطر والاستئلاف الخلق من أعظم المقصاد في ~~تمام الدين : { وأما السائل } أي الذي أحوجته العيلة أو غيرها إلى السؤال { ~~فلا تنهر * } أي تزجر زاجرا مهينا , فقد علمت مضاضة العيلة , بل أعطه ولو ~~قليلا , أو رده ردا جميلا , وكذا السائل في العلم . | ولما ذكر له تفصيل ما ~~يفعل في اليتيم والفقير والجاهل , أمره بما يفعل في العلم PageV08P457 الذي ~~آتاه إياه إعلاما بأنه الآلة التي يستعملها في الأمرين الماضيين وغيرها ~~لأنها أشرف أحوال الإنسان وهي أوفق الأمور لأن يكون مقطع السورة لتوافق ~~مطلعها فقال : { وأما بنعمة ربك } أي الذي أحسن إليك بإصلاح جميع ما يهمك ~~من العلم وغيره وبالهجرة ومبادئها عند تمام عدد آيها من السين وهي إحدى ~~عشرة { فحدث * } أي فاذكر النبوة وبلغ الرسالة فاذكر جميع نعمه عليك فإنها ~~نعم على الخلق كافة , ومنها إنقاذك بالهجرة من أيدي الكفرة وإعزازك ~~بالأنصار , وتحديثك بها شكرها , فإنك مرشد يحتاج الناس إلى الاقتداء بك , ~~ويجب عليهم أن يعرفوا لك ذلك ويتعرفوا مقدارك ليؤدوا حقك , فحدثهم أني ما ~~ودعتك ولا قليتك , ومن قال ذلك فقد خاب وافترى , واشرح لهم تفاصيل ذلك بما ~~وهبتك من العلم الذي هو أضوأ من ضياء الضحى وقد رجع آخرها على أولها ~~بالتحديث بهذا القسم والمقسم لأجله , وما للملك الأعلى في ذلك من عميم فضله ~~: ولقد امتثل صلى الله عليه وسلم وابتدأ هذا التحديث الذي يشرح الصدور , ~~ويملأ الأكوان من السرور , والنعمة والحبور , لأنه بأكبر النعم المزيلة لكل ~~النقم بالتكبير كما ورد في قراءة ابن كثير وفي رواية السوسي عن أبي عمرو , ~~واختلف القراء في ابتدائه وانتهائه ولفظه , فقال بعضهم : هو من أول الضحى , ~~وقال آخرون : من آخرها , وقال غيرهم من أول الشرح , فمن قال للأول لم يكبر ~~آخر الناس , ومن قال للآخر انتهى تكبيره بالتكبير في آخرها , وسببه أن ~~جبريل عليه الصلاة والسلام لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعد فترة ~~الوحي , فتلا السورة عليه كبر ms5936 مسرورا لما كان أحزنه من الفترة ومن قول ~~المشركين : قلاه ربه , وتحديثا بالنعم التي حباه الله بها في هذه السورة له ~~ولأمته امتثالا لما أمر به واختلف عنهم في لفظه , فمنهم من اتقصر على ( ~~الله أكبر ) ومنهم من زاد التهليل فقال : ( لا إله إلا الله والله أكبر ) ~~وهذا هو المستعمل , ومنهم من زاد ( ولله الحمد ) والراجح قول من قال : إنه ~~لآخر الضحى إسنادا ومعنى , لأنها وإن كانت هي السبب والعادة جارية بأن من ~~دهمه أمر عظيم يكبر مع أوله , لكن شغله صلى الله عليه وسلم بالإصغاء إلى ما ~~يوحى إليه منعه من ذلك , فلما ختمت السورة تفرغ له , فكان ذلك الوقت كأنه ~~ابتدأ مفاجأ ذلك الأمر العظيم له , وزاد ما في السورة من جلائل النعم ~~المقتضية للتحميد وما في ذلك من بدائع الصنع الموجب للتهليل , وقد علم بذلك ~~سبب من ظنه في أولها , وأما من ظنه لأول الأشياء بالأوائل هو الأمر المعتاد ~~, وحكمته مع ما مضى من سببه أن التهليل توحيده سبحانه وتعالى بالأمر , ~~وامتناع شريك يمنعه من شيء يريده من الوحي وغيره , والتكبير تفريده له ~~بالكبرياء تنزيها له عن شوب نقص يلم به من أن يتجدد له علم ما لم يكن ~~PageV08P458 ليكون ذلك سببا لقطع من وصله بوحي أو غيره , والتحميد إثبات ~~التفرد بالكمال له على إسباغ نعمه , وفي ذلك أن هذه السورة آذنت بأن القرآن ~~أشرف على الختام , لأن عادة الحكماء من المدبرين تخفيف المنازل في الأواخر ~~على السائرين كتخفيف أول مرحلة رفقا بالمقصرين , فناسب الذكر بهذا عند ~~الآخر لأن تذكر الانقضاء يهيج مثل ذلك عند السالك , ولأن تقصير السور ربما ~~أوهم شيئا مما لا يليق , فسن التنزيه بتكبيره سبحانه وتعالى عن كل ما يوهم ~~نقصا , وإثبات الكمال له بالتوحيد منبه على الحث على تدبر ما في هذه السورة ~~من الجمع للمعاني على وجازتها وقصر آياتها وحلاوتها مع ما في ذلك من تخفيف ~~التعليم , والتدريب على الحفظ في المبادئ والتحبيب فيه والتهييم , والتحميد ~~على إتمام النعمة على غاية ms5937 الإحكام من لدن حكيم عليم . | . . . | ~~PageV08P459 < # > سورة الشرح < # > | مقصودها تفصيل ما في آخر الضحى من النعمة ، وبيان ان المراد بالتحديث ~~ببها هو شكرها بالنصب في عبادة الله والرغبة إليه بتذكر إحسانه وعظيم رحمته ~~بوصف الربوبية وامتنانه ، وعلى ذلك دل اسمها الشرح { بسم الله } الذي جل ~~أمره وتعالى جده ولا إله غيره فعظم ما له من إنعام { الرحمن } الذي أفاض ~~جوده على سائر خلقه لأنه ذو الجلال والإكرام { الرحيم } الذي إلى أهل حضرته ~~بخاص رحمته في مقامات الاختصاص إلى أعلى مقام . < < # | الشرح : ( 1 - 8 ) ألم نشرح لك . . . . . # > > ^ ( ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا ~~لك ذكرك * فإن مع العسر يسرا * إن مع العسر يسرا * فإذا فرغت فانصب * وإلى ~~ربك فارغب ) ^ } ) | ولما أمره صلى الله عليه وسلم آخر الضحى بالتحديث ~~بنعمته التي أنعمها عليه فصلها في هذه السورة فقال مثبتا لها في استفهام ~~إنكاري مبالغة في إثباتها عند من ينكرها والتقرير بها مقدما المنة بالشرح ~~في صورته قبل الإعلام بالمغفرة كما فعل ذلك في سورة الفتح الذي هو نتيجة ~~الشرح , لتكون البشارة بالإكرام أولا لافتا القول إلى مظهر العظمة تعظيما ~~للشرح . | { ألم نشرح } أي شرحا يليق بعظمتنا { لك } أي خاصة . | ولما عين ~~المشروح له , فكان المشروح مبهما , فزاد تشوف النفس إليه ليكون أضخم له , ~~بينه ليكون بيانا بعد إبهام فيكون أعظم في التنويه به وأجل في التعريف ~~بأمره فقال : { صردك * } أي نسره ونفرحه بالهجرة , فإن هذه السورة مدنية ~~عند ابن عباس رضي الله عنهما , ونجله ونعظمه ونخرج منه قلبك ونشقه ونغسله ~~ونملأه إيمانا وحكمة ورأفة وعلما ورحمة , فانفسح جدا حتى وسع مناجاة الحق ~~ودعوة الخلق , فكان مع الحق بعظمته واترفاعه , ومع الخلق بفيض أنواره ~~وشعاعه , وقد كان هذا الشرع حقيقة PageV08P460 مرارا , وكان مجازا أيضا ~~بإحلال جميع معانيه , وكل ذلك على ما لا يدخل تحت الوصف لا يعبر لكم عنه ~~بأثر من أنه شق بعظمتنا , فالعلم الذي شق به معرفة الله والدار الآخرة ~~والدين والدنيا , والحمة التي درت فيه هي ms5938 وضع الشيء في محله , وإعطاء كل ذي ~~حق حقه , وقرأ أبو جعفر المنصور بفتح جاء ( نشرح ) وخرجها ابن عطية على ~~التأكيد بالنون الخفيفة ثم أبدل ألف من النون , ثم حذف النون تخفيفا , وقال ~~أبو حيان بأن اللحياني حكى في نوادره عن بعض العرب النصب بلم والجزم بلن , ~~وسره هنا أن الفتح في اللفظ مناسب غاية المناسب للشرح , ووجه قراءة الجمهور ~~أنه لما دل على الفتح بالشرح دل بالجزم على أنه مع ذلك رابط لما أودعه من ~~الحكم ضابط له , هاد بما فيه من رزانة العلم , ووقار التقى والحمل , قال ~~ابن برجان : ففرق ما بين النبي والولي في باطنا , والكافر ضيق ذلك منه ~~وأبقى بظلمته وحظوظ الشيطان منه فهو لا يستطيع قبول الهداية ولا الصعود في ~~معارج العبرة إلى على مقدار ما يستطيع الصعود في السماء < # > 77 ( { كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } ) 77 < # > [ الأنعام : 125 ] . | ولما كانت سعة الصدر بالعلم والحكمة هي الجمال ~~باجتماع المحاسن , وكان ذلك مع حمل ما يعني من أعظم النكد , وكان الجمال ~~بجمع المحاسن لا يكمل إلا إذا جمع إلى الجمال الجلال بانتفاء الرذائل , ~~وكان الاستفهام الإنكاري إذا اجتمع مع النفي صار إثباتا , لأنه نفي للنفي , ~~قال عاطفا عليه ما لا يعطف إلا مع الإثبات { ووضعنا } أي حططنا وأسقطنا ~~وأبطلنا حطا لا رجعة له ولا فيه بوجه بما لنا من العظمة , مجاوزا { عنك ~~وزرك * } أي حملك الثقيل الذي لا يستطاع حمله , ولذلك وصفه بقوله : { الذي ~~أنقض ظهرك * } أي جعله وهو عماد بدنك تصوت مفاصله من الثقل كما يصوت الرحل ~~الجديد إذا لز بالحمل الثقيل , وذلك هو ما دهمه عندما أمر بإنذار قومه ~~ومفاجأتهم بما يكرهون عن عيب دينهم وتضليل آبائهم وتسفيه حلومهم في التدين ~~بدين لا يرضاه أدنى العقلاء إذا تأمل شيئا من تأمل مع التجرد من حظ النفس ~~مع ما عندهم من الأنفة والحمية وإلقاء الأنفس في المهالك لأدنى غضب , فقال ~~: ( يا رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة ) فخفف سبحانه وتعالى عنه ذلك ms5939 بما ~~أظهر له من الكرامات وأيده به من المعجزات , وضمن له من الحماية إلى أمور ~~لا يحيط بها علما إلا الذي أيده بها < # > 77 ( { والله يعصمك من الناس } ) 77 < # > [ المائدة : 67 ] حتى خف ذلك عليه , فصار أشفق أهله عليه PageV08P461 ~~يمنعه من بعض الإبلاغ ويمسك بثوبه لئلا يخرج إلى النار فيقول لهم ذلك فيحصل ~~له ما يكره فيجذب نفسه منه ويخرج إليهم فيخبرهم كما وقع في أمر الإسراء ~~وغيره , وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هو أن جبريل عليه الصلاة والسلام ~~شق صدره فأخرج منه قلبه فشرحه وأخرج منه علقة سوداء فأنقاه وغسله ثم ملأه ~~علما وإيمانا وحكمة , يعني فصار يحتمل ما لا يحتمله غيره , وخف عليه ما ~~يثقل على غيره , ولا شك أن ذلك وزر لغوي , وهو واضح , وشعري بالمال على ~~تقدير ترك الامتثال اللازم للاستثقال , وقد أعاذه الله من ذلك . | وقال ~~الأستاذ أبو جعفر بن الزبير : معنى هذه السورة من معنى السورة قبلها , ~~وحاصل السورتين تعداد نعمه سبحانه وتعالى عليه , فإن قلت : فلم فصلت سورة ~~ألم نشرح ولم ينسق ذكر هذه النعم في سور واحدة , قلت : من المعهود في البشر ~~فيمن عدد على ولده أو عبده نعما أن يذكر له أولا ما شاهد الحصور عليه منها ~~بسببه مما يمكن أن يتعلق في بعضها بأن ذلك وقع جزاء لا ابتداء , فإذا ~~استوفى له ما قصده من هذا , أتبعه بذكر نعم ابتدائيه قد كان ابتداؤه بها ~~قبل وجوده كقول الأب مثلا لابنه : ألم أختر لأجلك الأم والنفقة حيث ~~استولدتك وأعددت من مصالحك كذا وكذا , ونظير ما أشرنا إليه بقوله سبحانه ~~لزكريا عليه الصلاة والسلام < # > 77 ( { ولم تك شيئا } ) 77 < # > [ مريم : 9 ] وقد قدم له < # > 77 ( { إنا نبشرك بيحيى } ) 77 < # > [ مريم : 7 ] والية { إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى } وتوهم استبداد ~~الكسبية في وجود الولد غير خافية في حق من قصر نظره ولم يوفق فابتدئ بذكرها ~~ثم أعقب بما لا يمكن أن يتوهم فيه ذلك , وهو قوله : < # > 77 ( { وقد خلقتك من قبل ولم ms5940 تك شيئا } ) 77 < # > [ مريم : 9 ] وله نظائر من الكتب وعليه جاء ما ورد في هاتين السورتين - ~~والله أعلم - انتهى . | ولما شرفه في نفسه بالكمال الجامع للجلال إلى ~~الجلال , وكان ذلك لا يصفو إلا مع الشرف عند الناس قال : { ورفعنا } أي بما ~~لنا من العظمة والقدرة الباهرة { لك } أي خاصة رفعة تتلاشى عندها رفعة غيرك ~~من الخلق كلهم { ذكرك * } عند جميع العالمين العقلاء وغيرهم بالصدق ~~والأمانة والحلم والرزانة ومكارم الأخلاق وطهارة الشيم وانتفاء شوائب النقص ~~حتى ما كانت شهرتك عند قومك قبل النبوة إلا الأمين , وكانوا يضربون المثل ~~بشمائلك الطاهرة , وأوصافك الزاهرة الباهرة , ثم بالنبوة ثم بالرسالة ثم ~~بالهجرة , وبأن جعلنا اسمك مقرونا باسمنا في كلمة التوحيد والإيمان والإذان ~~والإقامة والتشهد والخطبة , فلا أذكر إلا وذكرت معي , ومن الكرامة الظفر ~~على أعدائك والكرامة لأوليائك , وجعل رضاك رضاي وطاعتك طاعتي , وأمر ~~ملائكتي بالصلاة عليك , PageV08P462 ومخاطبتي لك بالألقاب العلية والسمات ~~المعزة المعلية من الرسول والنبي , ونحو ذلك على حسب الأساليب ومناسبات ~~التراكيب إلى غير ذلك من فضائل ومناقب وشمائل لا تضبط بالوصف , قال الرازي ~~: ثم جعل لأمته من ذلك أوفر الحظ , قيل : يا رسول الله , من أولياء الله ؟ ~~قال : ( الذين إذا ذكروا ذكر الله ) وفي حديث : ( الذين إذا رؤوا ذكر الله ~~) وقال : ( خياركم من تذكر الله رؤيته , ويزيد في علمكم منطقه , ويزهدكم في ~~الدنيا عمله ) فمنتهى قسمة الثناء أن خلط ذكره بذكره . | ولما ذكر هذه ~~المآثر الشريفة التي هي الكمال , وكان الكمال لا يصفو إلا مع مساعدة ~~الأقدار , فإن الهمم إذا عظمت استعت مجالاتها , فإذا حصل فيها تعطيل حصل ~~فيها نكد حسبه , بين أنه أزال عنه العوائق في عبارة دالة على أن سبب المنحة ~~بهذه الكمالات هو ما كان صلى الله عليه وسلم فيه نم الصبر على الأكدار , ~~وتجرع مرارات الأقدار , فقال مؤكدا ترغيبا في حمل مثل ذلك رجاء في الإثابة ~~بما يليق من هذه المعالي مبالغا في الحث على تحمله بذكر المعية إشارة إلى ~~تقارب الزمنين بحيث إنهما كانا كالمتلازمين مسببا عما ms5941 مضى ذكره من حاله من ~~الضحى : { فإن } أي فعل بك سبحانه هذه الكمالات الكبار بسبب أنه قضى في ~~الأزل قضاء لا مرد له ولا معقب لشيء منه أن { مع العسر } أي هذا النوع خاصة ~~{ يسرا * } أي عظيما جدا يجلب به المصالح ويشرح به ما كان قيده من القرائح ~~, فإن أهل البلاء ما زالوا ينتظرون الرخاء علما منهم بالفطرة الأولى التي ~~فطر الناس عليها أنه المتفرد بالكمال , وأنه الفعال بالاختيار لنسمه ~~الكوائن بأضدادها , وقد أجرى سنته القديمة سبحانه وتعالى بأن الفرج مع ~~الكرب , فلما قاسى صلى الله عليه وسلم مما ذكر في الضحى من اليتم الشديد ~~وضلال قومه العرب خاصة كلهم الذين ألهمه الله تعالى مخالفتهم في أصل الدين ~~بتجنب الأوثان , وفي فرعه بالوقوف مع الناس في الحج في عرفة موقف إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام , ومن العلية ما لم يحمله أحد حتى كان بحيث يمتن ~~سبحانه وتعالى عليه بإنقاذه منه في كتابه القديم وذكره الحكيم , وكان مع ~~تحمل ذلك قائما بما يحق له من الصبر ويعلو إلى معالي الشكر ( فيحمل ) - كما ~~قالت الصديقة الكبرى خديجة رضي الله تعالى عنها - ( الكل , ويقري الضيف , ~~ويصل الرحمن , ويعين على نوائب الحق ) . | ثم حمل أعباء النبوة فكان يلقى ~~من قومه من الأذى والكرب والبلاء ما لم يحمله غيره , بشره الله تعالى بأنه ~~ييسر له جميع ذلك ويلين قلوبهم فيظهر دينه على PageV08P463 الدين كله , ~~ويغني أصحابه رضي الله عنهم بعد عيلتهم , ويكثرهم بعد قلتهم , ويعزهم بعد ~~ذلتهم , ويصير هؤلاء المخالفون له أعظم الأعضاد , وينقاد له المخالف أتم ~~انقياد , ويفتح له أكثر البلاد , ليكون هذا العطاء في اليسر بحسب ما كان ~~وقع من العسر , فإنه قضى سبحانه وتعالى قضاء لا يرتد أنه يخالف بين الأحوال ~~, دليلا قاطعا على أنه تعالى وحده الفعال , وأن فعله بالاختيار , لا بالذات ~~والإجبار . | ولما كان العسر مكروها إلى النفوس , وكان لله سبحانه وتعالى ~~فيه حكما عظيمة , وكانت الحكم لا تتراءى إلا للأفراد من العباد , كرره ~~سبحانه وتعالى على طريق الاستئناف لجواب من ms5942 يقول : وهب بعده من عسر ؟ مؤكدا ~~له ترغيبا في أمره ترقبا لما يتسبب عنه مبشرا بتكريره مع وحدة العسر وإن ~~كان حمل كل واحد منهما على شيء غير ما قصد به الآخر ممكنا فقال : { إن مع ~~العسر } أي المذكور فإنه معرفة , والمعرفة إذا أعيدت معرفة كانت غير الأولى ~~سواء أريد العهد أو الجنس { يسرا * } أي آخر لدفع النبي صلى الله عليه وسلم ~~: ( إنها غيرها ) فقال الحسن البصري : إن الآية لما نزلت قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ( أتاكم اليسر لن يغلب عسر يسرين ) وقد روى هذا من أوجه ~~كثيرة , وروى عبد الرزاق عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ( لو كان العسر ~~في جحر ضب لتبعه اليسر حتى يخرجه ) وللطبراني عنه رضي الله عنه قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لو كان العسر في جحر لدخل عليه اليسر حتى ~~يخرجه ) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية , قال الحافظ نور الدين ~~الهيثمي : وفيه أبو مالك النخعي وهو ضعيف , ورواه الطبراني أيضا في الأوسط ~~والبزار عن أنس رضي الله عنه بنحوه , قال الهيثمي : وفيه عائذ بن شريح وهو ~~ضعيف , وروى الفراء عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول : ( لن يغلب عسر ~~يسرين ) وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن الحسن به مرسلا , ومن طريقه ~~أخرجه الحاكم والبيهقي PageV08P464 في الشعب ورواه الطبري من طريق ابن ثور ~~عن معمر , ورواه ابن مردويه من طريق أخرى موصلا وإسناده ضعيف , وفي الباب ~~عن عمر ذكره مالك في الموطإ عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر رضي الله عنه ~~أنه بلغه أن أبا عبيدة رضي الله عنه حضر بالشام فكتب إليه كتابا فيه ( ولن ~~يغلب عسر يسرين ) ومن طريقه رواه الحاكم , قال ذلك شيخنا ابن حجر في تخريج ~~أحاديث الكشاف , وقال : وهذا أصح طرقه - انتهى , وهذا من جهة أن اليسر نكرة ~~والعسر معرفة , وقد ms5943 اشتهر أن النكرة إذا أعيدت نكرة فالثاني غير الأول , ~~والمعرفة بالعكس , قال الشيخ سعد الدين التفتازاني في أول تلويحه في الكلام ~~على المعرفة والنكرة : الكلام فيما إذا أعيد اللفظ الأول إما مع كيفيته من ~~التنكير والتعريف أو بدونها , وحينئذ يكون طريق التعريف هو اللام أو ~~الإضافة ليصح إعادة المعرفة نكرة وبالعكس , وتفصيل ذلك أن المذكور أولا إما ~~أن يكون نكرة أو معرفة , وعلى التقديرين إما أن يعاد نكرة أو معرفة فيصير ~~أربعة أقسام , وحكمها أن ينظر إلى الثاني , فإن كان نكرة فهو مغاير للأول , ~~وإلا لكان المناسب هو التعريف بناء على كونه معهودا سابقا بالذكر , إن كان ~~معرفة فهو الأول حملا له على المعهود الذي هو الأصل في اللام والإضافة , ~~وذكر في الكشف أنه إذا أعيدت النكرة نكرة فالثاني مغاير للأول وإلا فعينه ~~فإن المعرفة تستغرق الجنس , والنكرة تتناول البعض , فيكون داخلا في الكل ~~سواء قدم أو أخر , وفيه نظر , أما أولا فلان التعريف لا يلزم أن تكون ~~للاستغراق بل العهد هو الأصل , وعند تقدم المعهود لا يلزم أن تكون النكرة ~~عينه , وأما ثانيا فلان معنى كون الثاني عين الأول أن يكون المراد به هو ~~المراد بالأول , والجزاء بالنسبة إلى الكل ليس كذلك , وأما ثالثا فإن إعادة ~~المعرفة نكرة مع مغايرة الثاني للأول كثير في الكلام , قال الله تعالى : < # > 77 ( { ثم آتينا موسى الكتاب تماما } ) 77 < # > [ الأنعام : 154 ] إلى قوله : < # > 77 ( { وهذا كتاب أنزلناه } ) 77 < # > [ الأنعام : 155 ] وقال تعالى : ( اهبطا بعضكم لبعض عدو ) [ البقرة : ~~36 ] وقال تعالى : < # > 77 ( { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } ) 77 < # > [ الأنعام : 165 ] إلى غير ذلك , وقال غيره : < # > 77 ( { أيسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء } ) 77 < # > [ النساء : 153 ] ومنه قول الشاعر : | إذا الناس ناس والزمان زمان | ~~فإن الثاني لو كان عين الأول لم يكن في الإخبار به فائدة - انتهى . | قال : ~~واعلم أن المراد أن هذا هو الأصل عند الإطلاق وخلو المقام عن القرائن وإلا ~~فقد تعاد النكرة مع PageV08P465 عدم المغايرة كقوله تعالى : < # > 77 ( { وهو ms5944 الذي في السماء إله وفي الأرض إله } ) 77 < # > [ الزخرف : 84 ] < # > 77 ( { وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل ~~آية } [ الأنعام : 37 ] { ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا ~~وشيبة } ) 77 < # > [ الروم : 54 ] يعني قوة الشباب , ومنه باب التأكيد اللفظي , وقد تعاد ~~النكرة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى : { وهذا كتاب أنزلناه مبارك } إلى ~~قوله : < # > 77 ( { أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } ) 77 < # > [ الأنعام : 156 ] وقال غيره : < # > 77 ( { فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير } ) 77 < # > [ النساء : 128 ] المراد بالنكرة خاص وهو الصلح بين الزوجين , ~~وبالمعرفة عام في كل صلح جائز < # > 77 ( { زدناهم عذابا فوق العذاب } ) 77 < # > [ النحل : 88 ] فإن الشيء لا يكون فوق نفسه - انتهى . | قال : وقد تعاد ~~المعرفة معرفة مع المغايرة كقوله تعالى : < # > 77 ( { وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب } ) 77 ~~< # > [ المائدة : 48 ] وقال غيره : < # > 77 ( { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء } ) 77 < # > [ آل عمران : 26 ] الأول عام والثاني خاص , < # > 77 ( { هل جزاء الإحسان إلا الإحسان } ) 77 < # > [ الرحمن : 60 ] الأول العمل والثاني الثواب < # > 77 ( { وكتنبا عليهم فيها أن النفس بالنفس } ) 77 < # > [ المائدة : 45 ] الاولى القاتلة والثانية المقتولة - انتهى , قال : ~~وقد تعاد المعرفة نكرة مع عدم المغايرة كقوله تعالى : < # > 77 ( { أنما إلهكم إله واحد } ) 77 < # > [ الكهف : 110 ] ومثله كثير , والمعرفة مثل النكرة في حالتي الإعادة ~~معرفة والإعادة نكرة في أنها إن أعيدت معرفة كان الثاني هو الأول , وإن ~~أعيدت نكرة كان غيره , ثم مثل بالآية التي هنا , وقال : وهذا مبني على أن ~~تنكير { يسرا } للتخفيم وتعريف العسر للعهد , أي العسر الذي أنتم عليه أو ~~الجنس أي الذي يعرفه كل أحد , فيكون اليسر الثاني مغايرا للأول بخلاف العسر ~~- انتهى . | وقال في الكشاف : وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس , فإذا ~~كان الكلام الثاني مستأنفا عن منكر تناول بعضا غير البعض الأول بغير ~~الإشكال . | ولما علم من هذا أن المواد تكون ms5945 بحسب الأوراد الشداد لما على ~~الممدود من الشكر , ولما علم للشاكر من الوعد بالمزيد , قال مسببا عما ~~أعطاه من اليسر بعد ذلك العسر ندبا له إلى الشكر وإعلاما بأنه لا ينفك عن ~~تحمل أمر في الله : { فإذا فرغت } أي بما آتاك من اليسر يسر من جهادك الذي ~~أنت فيه في وقت المخاطبة بهذا الكلام ما يوجب عسرا في المآل أو الحال , ~~وعقبه العسر في أي موضع كان لا سيما عند دخول الناس في الدين أفواجا , أو ~~من العبادة الثقيلة العظيمة بسماع الوحي وتحمله , أو من الغرض بالتيسير ~~الذي بشرناك به { فانصب * } أي بالغ في التعب بعبادة أخرى من التسبيح ~~والاستغفار , أو النفل لمن أولاد هذا المعروف { وإلى ربك } PageV08P466 بما ~~ذكر في هاتين السورتين خاصة { فارغب * } أي بالسؤال لأنه القادر وحده كما ~~قدر على تربيتك فيما مضى وحده , لأنه المختص بالعظمة , فلا قدرة أصلا إلا ~~لمن يعطيه ما يريده منها , والرغب شعار العبد دائما في كل حال أي افعل ذلك ~~{ ألم نشرح لك صدرك ؟ } فقد اتصل هذا الآخر بالأول اتصال المعلول بالعلة , ~~ولاءم ما بعدها بذلك أيضا بعينه ملاءمة الشمس بالأهلة , وآخر هذه السورة ~~مشيرة إلى الاجتهاد في العبادة عند الفراغ من جهاد الكفار في جزيرة العرب ~~بعد انقضاء ما يوازي عدد آي هذه السورة من السنين بعد الهجرة , وهي ثمان , ~~رغبة في الأخرى التي هي خير من الأولى , إشارة إلى قرب الأجل بما أشارت ~~إليه سورة النصر - كما سأتي إن شاء الله تعالى . | . . . . | PageV08P467 < # > 70 ( سورة التين ) 70 < # > | مقصودها سر مقصود { ألم نشرح } وذلك هو إثبات القدرة الكاملة وهو ~~المشار إليه باسمها ، فإن في خلق التين والزيتون من الغرائب ما يدل على ذلك ~~، وكذا فيما أشير إليه بذلك من النبوات ، وضم القسم إلى المقسم عليه وهو ~~الإنسان ، الذي هو أعجب ما في الأكوان ، واضح في ذلك { بسم الله } الملك ~~الأعظم الذي لا نعبد إلا إياه { الرحمن } الذي عم بنعمته إيجاده وبيانه ~~جميع خلقه أسفله وأعلاه وأدناه وأقصاه { الرحيم } الذي خص من ms5946 بينهم أهل وده ~~بما يرضاه ، وأردى من عداهم وأشقاعه . | لما ذكر سبحانه وتعالى في تلك ~~السورة أكمل خلقه وما كمله به ، وختمها بالأمر بتخصيصه سيحانه وتعالالى ~~بالرغبة إليه ، فكان صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تورم قدماه ويبذل الجهد ~~لمولاه في كل ما يرضاه ، ذكر في هذه أنه سبحانه وتعالى كما جعل ذاته أكمل ~~ذوات المخلوقات خصه بأن جعل نوعه صلى الله عليه وسلم أكمل الأنواع وهو ~~الإنسان ، وأصله أعظم الأصول هو إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، وبلده أفضل ~~البلاد وهي مكة ، وأن من عاداه بمنابذة شرعه أسفل الخلق ، وأن له سبحانه ~~وتعالى تمام القدرة ، وهو فاعل بالاختيار ، يعلي من يشاء ويسفل من يشاء ، ~~فمنزلتها من آخر تلك منزلة العلة من المعلول ، وأقسم فيها بأشياء أشار بها ~~إلى شرفها في أنفسها وفي عجيب صنعها وشرف البقاع التي يكون بها إيماء إلى ~~ما شرفها به مما أظهر بها من الخير والبركاات بسكنى الأنبياء صلوات الله ~~وسلامه عليهم أجمعين والصالحين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين فكانت مهاجر ~~إبراهيم ومولد عيسى وأكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسام ومنشأهم ، وكان ~~منها مظهر نبوة موسى ، ومظهر نبوة اسماعيل عليهما الصلاة والسلام وولده ~~خاتم الأنبياء الكرام ، عليه أفضل الصلاة والسلام ، ومكان البيت الذي هو ~~قواتم للناس ، وهدى للعالمين ، إلى غير ذلك من الإشارات الظاهرات والدلالات ~~الواضحات على تمام قدرته وفعله بالاختيار ، لأنه يعلي من يشاء من العقلاء ~~وغيرهم من البقاع وغيرها على أحسن تقويم ، ويسفل من يشاء من ذلك كله إلى ~~أسفل سافلين . PageV08P468 | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : هذه سورة ~~موضحة ومتممة للمقصود في السورتين قبلها ، فبان لك أن الصورة الإنسانية ~~بظاهر الأمر - مما هي عليه من الترتيب والإتقان - قد كانت تقتضي الاتفاق ~~بظاهر ارتباط الكمال بها من حيث إلها في أحسن تقويم ، والافتراق يبعد في ~~الظاهر ، فكيف افترق الحكم واختلف السلوك ، فمن صاعد بالاستيضاح والإمتثال ~~، ونازل أسفل سافلين فضلا عن ترقي بعض درجات الكمال ، فإذا ليس يرقى من خص ~~بمزية التقريب إلا لأنه نودي من ms5947 قريب فأسرع في إجابة مناديه وأصاخ ، وما ~~اعتل بحاديه فسل من واضحات السبيل ما رسم له ، وبنى على ما كتب له من ذلك ~~عمله { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } [ السجدة : 13 ] فعلى العاقل المنصف ~~في نفسه أن يعلم أن كلا ميسر لما خلق له فيضرع إلى خالقه في طلب الإخلاص ' ~~من وجد خيرا فليحمد الله ' فأوضحت هذه السورة ان ما أعطى الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم وخصه به من ضروب الكرانمات وابتدأه من عظيم الآلاء مما ~~تضمنته السورتان إلى ما منحه من خير الدارين وما تضمنه . قسمه له سبحانه ~~وتعالى أنه ما ودعه ولا قلاه من الملاطفة والتأنيس ودلائل الحب والتقريب - ~~كل ذلك فضلا منه سبحانه وتعالى وإحسانا لا لعمل تقدم يستوجب ذلك أو بعضه ، ~~ولو تقدم عمل لم يقع إلا بمشيئته ، وتوفيقه وإرادته ، ولا يستوجب أحد عليه ~~شيئا ، وإنما هو فضله يؤتيه من يشاء ، فقال سبحانه وتعالى منبها على ما وقع ~~الإيماء إلى بعضه { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم } ومع ذلك لا ينفعه ~~وقوع صورته الظاهرة في عالم الشهادة على أكمل خلق ولأتم وضع بل إذا لم ~~يصحبه توفيق وسبقته سعادة من خالقه ولم يجعل له نور يمشي به لم ير غير نفسه ~~ولا عرف إلا أبناء جنسه ، فقصر نظره على أول ما شاهد ، ووقف عند ما عاين من ~~غير اعتياد يحده إلى تحقق مآله وتبين جحاله أنه لم يكن شيئا مذكورا ، فلما ~~قصر وما أبصر اعتقد لنفسه الكمال ، وعمي عن المبتدأ والمآل ، فصار أسفل ~~سافلين حيث لم ينتفع بالآيات نظره ، ولا عرف حقيقة خبره { أولم ير الإنسان ~~أنا خلقناه من نظفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه } [ يس : 87 ~~- 87 ] ثم قال تعالى : { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فهم الذين ~~هداهم ربهم { بإيمانهم } فجروا بسببه من خلقه في أحسن تقويم ن واستوضحوا ~~الصراط المستقيم ، واستبصروا فأبصروا ، ونظروات فاعتبروا . وقالوا : ربنا ~~الله ثم استقاموا ، فلهم أجر غير ممنون - انتهى . PageV08P469 < < # | التين : ( 1 - 8 ) والتين ms5948 والزيتون # > > ^ ( والتين والزيتون * وطور سينين * وهذا البلد الأمين * لقد خلقنا ~~الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم أجر غير ممنون * فما يكذبك بعد بالدين * أليس الله بأحكم ~~الحاكمين ) ^ } ) | ولماكان التين أحسن الفواكه تقويما فما فيما ذكروا من ~~فضيلته , وهو مع كونه فاكهة شهية حلوة جدا - غذاء يقيم الصلب وقوت كالبر ~~وسريع الهضم , ودواء كثير النفع يولد دما صالحا وينفع الرئة والكلى ويلين ~~الطبع ويحلل البلغم ويزل رمل المثانة ويفتح سدد الكبد والطحال , فكان جامعا ~~لجميع منافع المتناولات من الغذاء والتفكه والتحلي والتداوي , فهو كامل في ~~مجموع ما هو فيه من لذة طعمه وكثرة نفعه , وكونه كفاكهة الجنة بلا شائبة ~~تعوق عن أكله من صنوان يتعب أو نوى يرمى , مع أنه ينتفع به رطبا ويابسا , ~~وهو مع ذلك في سرعة فساده وسوء تغيره أسفلها رتبة وأردؤها مغبة , فهو ~~كالفطرة الأولى في مبدئه سهولة وحسنا وقبولا لكل من الإصلاح والتغير , كآخر ~~الهرم عند نهايته في عظيم تغيره بحيث إنه لا ينتفع بشيء منه إذا تغير , ~~وغيره من الفواكه إذا فسد جانب منه بقي آخر فكان في هذا كالقسم للسافل من ~~الإنسان أقسم الله تعالى به فقال : { والتين } بادئا به لأن القسم المشار ~~به إليه أكثر , فالأهتمام به أكبر . | ولما كان الزيتون في عدم فساد يطرقه ~~أو تغير يلحقه , وفيه الدسومة والحرافة والمرارة , وهو إدام ودواء مع تهيئه ~~للنفع بكل حال في أكله بعد تزييته والتنوير بدهنه والادهان به لإزالة الشعث ~~وتنعيم البشرة وتقوية العظم وشد العصب وغير ذلك من المنافع مع لدنه وما ~~يتبع ذلك من فضائله الجمة كالمؤمن تلاه به فقال : { والزيتون * } ولما كان ~~مع ذلك مشارا بهما إلى مواضع نباتها وهي الأرض المقدسة من جميع بلاد الشام ~~إيماء إلى من كان بها من الأنبياء والتابعين لهم بإحسان لا سيما إبراهيم ~~عليه الصلاة والسلام الذي كانت مهاجره فأحياها الله تعالى بعباده وتردد ~~الملائكة إليه بالوحي ومن بعده أولاده الذين طهرها الله بهم من الشرك ms5949 ~~وأنارها بهم بالتوحيد , وختمهم بعيسى عليه الصلاة والسلام أحد أولي العزم ~~المشرف بكونه من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى نبينا أفضل الصلاة ~~والسلام , وكانت الكناية بالشجرتين عن البلد المراد به سكانه أبلغ من ~~التصريح أشرافهم إلا موسى وهارون وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام , ~~فأشار إلى الأولين بقوله معبرا بما يدل على أحسن التقويم لأن الطور الجبل ~~ذو النبت من النجم والشجر المثمر وغيره : { وطور } أي جبل المكان المسمى ~~بهذا الاسم . | ولما كان الكلام في التقويم , كان المناسب له صورة جمع ~~السلامة فقال تعالى : PageV08P470 { سينين * } أي وما كان بالجبل ذي النبت ~~الحسن الذي كلم الله فيه موسى عليه الصلاة والسلام من لذيذ المناجاة وعجائب ~~المواعدة وحكم الكلام مع أنه فيه من الأشجار والأماكن ما يكن من الحر ~~والبرد , وفيه لخلوه وحسنه وعلوه جمع الخاطر للمتفرد وطمأنينة النفس للتخلي ~~للعبادة والتحصن مما يخشى لعلوه وصعوبته , وفيه ما يصلح للزرع من غير كلفة ~~, وفيه ما يأكله الناس والدواب مع الماء العذب والفناء الرحب والمنظر ~~الأنيق , وسنين وسيناء - اسم للموضع الذي هذا الجبل به , وأشار سبحانه ~~وتعالى إلى الأخيرين من أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ختاما للقسم ~~بأكمل المقسم به كما جعل المنزل عليه ذلك الذي هو ختام الرسل أكمل النوع ~~المقسم لأجله ليكون في البدء بكا يرد بعد حسن التقويم إلى الفساد والختم ~~بما هو أشرف المذكورين بكل اعتبار طباق حاز أعلى الأسرار : { وهذا البلد } ~~أي مكة , صرح هنا بهذين المكانين ترشيحا لأن المراد بالأولين مواضع نبتهما ~~مع تلك الإشارة اللطيفة بذكر اسميهما إلى مناسبتهما للمقسم من أجله { ~~الأمين * } أي الذي يأتمنه آخر على نفسه وما يعز عليه فيؤديه إليه ويوقره ~~عليه , وأمانته شاملة لكل ما يخشى حتى الفقر والعيلة والجوع وتغير الدين ~~بعد تقرره مع أنه به البيت الذي جعله الله هدى للعالمين وقياما للناس فهو ~~مدار الدين والدنيا , وكان به من الأسرار بالوحي وآثاره ما لم يكن في بلد ~~من البلاد , وذلك إشارة إلى أنه تعالى كما جعل النبي ms5950 المبعوث منه في آخر ~~الزمان في أحسن تقويم جعله في أحسن تقويم البلدان إذ كان آمنا من غير ملك ~~مرهوب - والناس يتخطفون من حوله , وهو محل الأنس بالناس كما أن الذي قبله ~~محل الأنس بالانفراد , وهو مجمع المرافق ومعدن المنافع ومحل ذوي الوجاهة ~~دينا ودنيا , ومحل الرفعة والمناصب مع ما حازه المكانان من تنزل الكتب ~~السماوية وإشراق الأنوار الإلهية الدينية فيهما , وفي ذلك تخويف لهم بأنهم ~~إن لم يرجعوا عن غيهم أخافه إخافة لم يخفها بلدا من بلاد العرب فيكونون ~~بذلك قد ردوا أسفل سافلين في البلد , كما ردوا في الأخلاق بالشقاق واللداد ~~. | ولما كان هذا القسم مع كونه جامعا لبدائع المصنوعات التي هي لما ذكر من ~~حكمها دالة على كمال علم خالقها وتمام قدرته جامعا لأكثر الذين آمنوا , ~~وكان إبراهيم عليه الصلاة والسلام لكونه أباهم مذكرا مرتين بالأرض المقدسة ~~من القدس ومكة , فتوقع أكل الخلق وأفطنهم المخاطب بهذا الذكر المقسم عليه ~~علما منه ببلوغ القسم إلى غايته واستوائه على نهايته , أجيب بقوله تعالى ~~محققا : { لقد خلقنا } أي قدرنا وأوجدنا بما لنا من العظمة الباهرة والعزة ~~الغالبة القاهرة { الإنسان } أي هذا النوع الذي جمع فيه PageV08P471 الشهوة ~~والعقل وفيه الأنس بنفسه ما ينسيه أكثر مهمه , ولهذا قالت الملائكة عليهم ~~الصلاة والسلام < # > 77 ( { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } ) 77 < # > [ البقرة : 30 ] لأنهم علموا أنه إذا جمع الغضب والشهوة إلى العقل جاءت ~~المنازعة فيتولد الفساد من الشهوة والسفك من الغضب { في أحسن تقويم * } أي ~~كائن منا روحا وعقلا أو أعم من ذلك بما جعلنا له من حسن الخلق والخلق بما ~~خص به من انتصاب القامة وحسن الصورة واجتماع خواص الكائنات ونظائر سائر ~~الممكنات بعد ما شارك فيه غيره من السمع والبصرة والذوق واللمس والشم ~~الجوارح التي هيأته لما خلق له حتى قيل إنه العالم الأصغر كما مضى بسط ذلك ~~في سورة الشمس ثم ميزناه بما أودعناه فيه بما جعلناه عليه من الفطرة الأولى ~~التي لا تبديل لها من الطبع الأول السليم ms5951 الذي هيأناه به وقويناه بقدرتنا ~~لقبول الحق , وبمثل ما قلته في حمل الآية على الفطرة الأولى قال الأصفهاني ~~في تفسير < # > 77 ( { كان الناس أمة واحدة } ) 77 < # > [ البقرة : 213 ] في البقرة , وقال ابن برجان هنا : مفطور على فطرة ~~الإسلام الدين القيم , ثم لما منحناه به من العقل المدرك القويم , فكما ~~جعلنا له شكلا يميزه عن سائر الحيوان منحناه عقلا يهديه إلى العروج عن درك ~~النيران إلى درج الجنان بالإيمان والأعمال الصالحة البالغة نهاية الإحسان , ~~بدليل من فيه من الأنبياء الذين أكملهم محمد على جميعهم أفضل الصلاة ~~والسلام والتحية والإكرام والتابعين له بإحسان الذين ملؤوا الأرض علما وحمة ~~ونورا , قال البغوي : خلقه سبحانه وتعالى مديد القامة يتناول مأكوله بيده ~~مزينا بالعقل والتمييز - انتهى , والعقل هو المقصود في الحقيقة من الإنسان ~~لأن من أسمائه اللب , ومن المعلوم أن المقصود كل شيء لبه وهو الشرع كما مضى ~~في آخر النساء , والظاهر أن عقول الناس بحسب الخلق متقاربة وأنها إنما ~~تفاوتت بحسب الجبلة فعبضهم جعل سبحانه وتعالى عنصره وجبلته في غاية الفساد ~~فلا تزال جبلته تردي على عقله فيتناقص إلى أن يصير إلى أسوأ الأحوال , فكل ~~ميسر لما خلق له , وبعضهم يصرف عقله بحسب ما هيأه الله له إلى ما ينجيه , ~~وبعضهم يصرفه لذلك إلى ما يريده , لأنك تجد أعقل الناس في شيء وأعرفهم به ~~أشدهم بلادة في شيء آخر , وأغباهم في شيء أذكاهم في شيء آخر - فاعتبر ذلك , ~~وبذلك انتظم أمر الخلق في أمر معاشهم بالعلوم والصنائع والأحوال - والله ~~الهادي , وهذه الآية تدل على أن الله سبحانه وتعالى منزه عن التركيب ~~والصورة لأنه لو كان في شيء منهما لكان هو الأحسن لأن كل صفة يشترك فيها ~~الخلق والحق فالمبالغة للحق كالعالم والأعلم والكريم والأكرم - قاله ~~الأستاذ أبو القاسم القشيري في تفسيره , وصيغة ( أفعل ) لا تدل على ما قاله ~~الزنادقة , وإن عزي ذلك إلى بعض الأكابر من قولهم : ليس في الإمكان أبدع ~~مما كان , PageV08P472 لأن الدرجة الواحدة تتفاوت غلى ما لا يدخل تحت حصر ~~كتفاوت ms5952 أفارد الإنسان في صورة وألوانه , وغير ذلك من أكوانه وبديع شأنه , ~~وقد بينت ذلك في تصنيف مفرد لهذه الكلمة سميته : تهديم الأركان من ( ليس في ~~الإمكان أبدع مما كان ) , وأوضحته غاية الإيضاح والبيان , وجرت فيه فتن تصم ~~الآذان , ونصر الله الحق بموافقة الأعيان , وقهر أهل الطغيان , ثم أردفته ~~بكتاب ( دلالة البرهان على أن في الإمكان أبدع مما كان ثم شفيت الأسقام , ~~ودمغت الأخصام , وخسأت الأوهام , بالقول الفارق بين الصادق والمنافق , وهو ~~نحو ورقتين في غاية الإبداع في قطع النزاع , ويمكن أن تكون صيغة أفعل مفيدة ~~بالنسبة إلى شيء أراده الله بحيث إن نتفطن له نحن لأن من المجمع عليه عند ~~أهل السنة وصرح به الأشعري وغيره في غير موضع من كتبهم أن الله تعالى لا ~~تتناهى مقدوراته , وممن صرح بما صرح به الأشعري وأكثر في الإمام حجة ~~الإسلام الغزالي في كتبه الإحياء وغيره ولا سيما كتابه ) تهافت الفلاسفة ( ~~وبين أن هذا من قواعدهم لنفيهم صفة الإرادة وقولهم بأن فعله بالذات , وبين ~~فساد ذلك , وأنه سبحانه وتعالى قادر على اختراع عالم آخر وثالث متفاوته ~~بالصغر والكبر , وعلى كل ممكن , وعرف أن الممكن هو المقدور عليه وأنه يرجع ~~إلى المقدور عليه أيضا ممكن , وعرف الممتنع بانه إثبات الشيء مع نفيه , ~~وإثبات الأخص مع نفي الأعم , وإثبات الاثنين مع نفي الواحد , وقال : وما لا ~~يرجع إلى ذلك فهو ممكن , فدخل فيه عالم أبدع من هذا العالم - والله الموفق ~~لما يريد . | ولما كان الإنسان مع هذه المحاسن قد سلط الله سبحانه وتعالى ~~عليه شهوات وهيأ طبعه لرذائل وأخلاق دنيئات , وأهوية وحظوظ للأنفس مميلات , ~~وكان أكثر الخلق بها هالكا لتتبين قدرة الله سبحانه وتعالى , لم يستثن بل ~~حكم على الجنس كله بها كما حكم عليه بالتقويم , فقال تعالى دالا بأداة ~~التراخي على أن اعوجاجه بعد ذلك العقل الرصين والذهن الصافي المستنير في ~~غاية البعد لولا القدرة الباهرة والقوة القاسرة القاهرة : { ثم رددناه } أي ~~بما لنا من القدرة الكاملة والعلم الشامل , فعطل منافع ما خلقناه له ms5953 فضيع ~~نفسه وفوت أساب سعادته ونكسناه نحن في خلقه , فصار بالأمرين في خلقه وخلقه ~~نفسا وهوى أو أعم من ذلك بالنكس { أسفل سافلين * } أي إلى ما تحت رتبة ~~الجمادات المستقذرات , فصار يعمل الأعمال السيئات المقتضية بعد حسن الجمع ~~لغاية الشتات , أما رده في خلقه فبأن سلطنا عليه الشهوات التي ركبناها في ~~النفوس , وجعلناها داعية إلى كل بؤس , فغلبت على عقله فأعمته حتى أوردته ~~الموارد , وأوقعته في المهاوي والمعاطب , حتى أنه ليركب كثير من أموره وهو ~~قاطع بأنه باطل شنيع , لا PageV08P473 يقدم على مثله عاقل , فصار يعبد من ~~دون الله ما هو دون البشر بل ومطلق الحيوان مما لا ضر فيه ولا نفع , وصار ~~يركب الظلم والعدوان والإفك والبهتان , وما لا يحصبى بالعد من أنواع ~~الفواحش والعصيان , ويظلم أبناء حنسه وغيرهم , ويجتهد في الفجور , ويتصرف ~~بما لا يشك هو في أنه لا يقره عليه من له أدنى نظر ممن يلزمه أمره ويعنيه ~~شأنه , فصار بذلك أحط رتبة من البهائم بل من أدنى الحشرات المستقذرات لأنها ~~وإن كانت لها شهوات إلا أنها ليس لها عقل تغطيه بها وتطمس نوره بظلامها , ~~فلا تنسب إلى أنها فوتت شيئا لعدم تكليفها لعدم العقل الموجب للشرف , وأما ~~هو فاستعمل ما خلقناه له من الآلات , وما فضلناه به من الكمالات , في غير ~~ما خلقناه له فاستحق العذاب المهين , ثم يموت من غير مجازاة على شيء من ذلك ~~أو على كثير منه , فلا بد في الحكمة حينئذ من بعثه , وله بعد البعث عند ربه ~~على ذلك عذاب مقيم , وأما في خلقه فبالهرم حتى صار بعد تلك القوى ضعيفا , ~~وبعد ذلك العز ذليلا مهينا , وبعد ذلك العلم الغزير والفكر المنير لا يعلم ~~شيئا , وصار يستقذره وينكره من كان يألفه ويستعطره , وقال ابن برجان : أما ~~رده في طريق الديانة فبالكفر والتكذيب , وأما فيما سبيله الجزاء فبالمسخ في ~~دار البرزخ وتحويل صورته إلى ما غلب عليه خلقته وعمله في الدنيا من الدواب ~~والهوام والبهائم , وفي الآخرة تزرق عيناه ويشوه خلقه , وقال ms5954 الإمام أبو ~~العباس الأقليشي في شرح ( المقدم المؤخر ) من شرحه للاسماء الحسنى : إن ~~الله تعالى خلقه . | أي الإنسان - أولا في أحسن تقويم , ثم ركبه في هذا ~~لاجسم الذي يجذبه إلى أسفل سافلين , فإن قدم عقله على هواه صعد إلى أعلى ~~عليين , وكان من المقربين المقدمين , وإن قدم هواه هبط إلى إدراك الجحيم , ~~وكان من المبعدين المؤخرين . | ولما حكم بهذا الرد على جميع النوع إشارة ~~إلى كثرة المتصف به منهم , وكان الصالح قليلا جدا , جعله محط الاستثناء ~~فقال : { إلا الذين آمنوا } أي بالله ورسله فكانوا من ذوي البصائر والمعارف ~~, فغلبنا بلطفنا عقولهم بما دعت إليه وأعانت عليه الفطرة الأولى على ~~شهواتهم , وحميناهم من أرذل العمر , فكانوا كلما زدناهم سنا زدنا أنوار ~~عقولهم ونقصانا نار شهواتهم بما أضعفنا من إحكام طبائعهم وتعلقهم بهذا ~~العالم , وأحكمنا من مدارك أنوار الحق وإشارقاتهم منهم , وأعظمنا من قوى ~~أرواحهم . | ولما كان الإنسان قد يدعي الإيمان كاذبا قال : { وعملوا } أي ~~تصديقا لدعواهم الإيمان { الصالحات } أي من محاسن الأعمال من الأقوال ~~والأفعال ثابتة الأركان على أساس الإيمان , محمة بما آتيناهم من العلم غاية ~~الإحكام , متقنة غاية الإتقان فإنا حفظناهم - وقليل ما هم - بما كملناهم به ~~وشرفناهم على جميع الحيوانات وسائر من PageV08P474 سواهم فلم نمكن منهم ~~الشهوات ولا غيرها , وأقمناهم على ما اقتضاه منهاج العقل , فتبعوا لارسل ~~بسبب إبقائنا لهم على الفطرة الأولى في أحسن تقويم , لم يدنس محياها بشهوة ~~ولا حظ ولا هوى , فسهل انقيادهم , فأداهم ذلك إلى العدل والنصف والإحسان , ~~وجميع مكارم الأخلاق ومعالي الأمور , ولم يزيغوا عن منهاج الرسل في قول ولا ~~عمل , فالآية كما ترى من الاحتباك : حذف أولا بما أفهمته الآية عمل السيئات ~~, وثانيا الإبقاء على أصل الخلق في أحسن تقويم على الفطرة الأولى , ليكون ~~نظمها في الأصل { ثم رددناه أسفل سافلين } بعمل السيئات فله على ذلك عذاب ~~مهين { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } فإنا أبقيناهم على الفطرة الأولى ~~في أحسن تقويم . | ولما كان السياق لمدح المؤمنين , حسن أن يعد أعمالهم ~~التي تفضل عليهم ms5955 بها سببا كما من عليهم به من الثواب فقال : { فلهم } أي ~~فتسبب عن ذلك أن كان لهم في الدارين على ما وفقوا له مما يرضيه سبحانه ~~وتعالى { أجر } أي عظيم جدا وهو مع ذلك { غير ممنون * } أي مقطوع أو يمن ~~عليهم به حتى في حالة المرض والهرم لكونهم سعوا في مرضاة الله سبحانه ~~وتعالى وعزموا عزما صادقا أنهم لا ينقصون من أعمال البر ذرة ولو عاشوا مدى ~~الدهر , وذلك الأجر جزاء لأعمالهم فضلا منهبالأصل والفرع حتى أنهم إذا ~~عجزوا بالهرم كتب لهم أجر ما كانوا يعملون في حال الصحة , ولمن تابع هواه ~~في السفول عذاب عظيم لأنه رد أسفل سافلين . | ولما ثبت بهذا أنه لا يجوز في ~~الحكمة تركهم بغير جزاء مع ما يشاهد من ظلم بعضهم لبعض معاندة لما يقتضيه ~~قويم العقل الذي لا شك فيه , فكان ذلك بحيث لا يرضاه أحد منهم ولا يقر ~~مخلوق عبيدا في ملكه على مثله بأن يبغي بعضهم على بعض فيهملهم بل لا بد أن ~~يحجز بينهم أو يأخذ للمظلوم من الظالم , ولو كان ذلك المالك أقل الناس ~~وأجهلهم فكيف إن كان عاقلا فكيف إن كان حاكما فكيف إن كان لا يخاف أحدا ~~فكيف إن كان عدلا مقسطا قد ثبتت إحاطة علمه وقدرته سبحانه وتعالى , حسن كل ~~الحسن أن يكون ذلك سببا للإنكار على من يظن أن الله يهمل عباده من الحكم ~~بينهم لمجازاة كل من المطيع والعاصي بما عمل مع ما ترى من ظلم بعضهم لبعض , ~~وأن الظالم قد يموت قبل القصاص , فقال مسببا عن الوعد بما أفصح به الكتاب ~~من إثابة المؤمنين الذي طالما بغى عليهم الظلمة , وانتقصهم حقوقهم الفسقة , ~~والوعيد بما أفهمه الخطاب لعتاب المجرمين الذي طالما بغوا على غيرهم : { ~~فما } أي فتسبب عن إقامة الدليل على تمام القدرة وعلى بغي العبيد بعضهم على ~~بعض أنه يقال لك تصديقا لك فيما أخبرت به من أن الله سبحانه وتعالى يبعث ~~الخلائق بعد موتهم ليجازي كلا بما PageV08P475 عمل وإنكارا من كذبك : { ~~يكذبك ms5956 } أي أي شيء ينسبك إلى الكذب يا أشرف الخلق وأكملهم نفسا وأتقاهم ~~عرضا وأطهرهم خلقا وخلقا , وعبر ب ( ما ) إشارة إلى أن الكذب بهذا مع هذا ~~الدليل القطعي الذي تضمنته هذه السورة في عداد ما لا يعقل بل دونه { بعد } ~~أي بعد مشاهدة بغي بعض الناس على بعض استعمالا لحال النكس , وأعراه من ~~الجار إشارة إلى أن من آمن قبل الغرغرة واتصل إيمانه ذلك بموته كان ممن له ~~أجر غير ممنون { بالدين * } أي الجزاء لكل أحد بما يستحقه على سبيل العدل ~~والإنصاف لأجل تلك الأعمال التي غلبت فيها الحظوظ على العقول , فوقع بها من ~~الظلم والأذى ما لا يسع عاقلا من العباد أن يحسن عنده ترك فاعلها من غير ~~جزاء حتى كان أكثر أفعال العباد ظلما , ومنشأن الملوك الإنصاف بين عبيدهم ~~ورعاياهم , فكيف بالله سبحانه وتعالى الذي شرع لعباده ذلك , وقد ثبت بما له ~~من هذا الخلق العظيم , على هذا النظام المحكم والمنهاج الأقوم أنه الحكيم , ~~الذي لا حكيم غيره , العليم الذي لا عليم سواه . | ولما صح أن تارك الظالم ~~بغير انتقام والمحسن بلا إكرام ليس على منهاج العدل الذي شرعه الله تعالى , ~~حسن جدا تكرير الإنكار بقوله سبحانه وتعالى : { أليس الله } أي على ما له ~~من صفات الكمال , وأكده بالجار في قوله : { بأحكم الحاكمين * } أي حتى يدع ~~الخلق يهلك بعضهم بعضا من غير جزاء , فيكون خلقهم عبثا , بل هو أحكم ~~الحاكمين علما وقدرة وعدلا وحكمة بما شوهد من إبداعه الخلق ومفاوتته بينهم ~~, وجعل الإنسان من بينهم على أحسن تقويم , فلا بد أن يقيم الجواء ويضع ~~الموازين القسط ليوم القيامة فيظهر عدله وحكمته , ومقسما عليه من حيث إن ~~الخلق في أحسن تقويم يقتضي العدل لا محالة , والرد أسفل سافلين يتقاضى ~~الحكم حتما لأجل ما يقع من الظلم والتشاجر بين من استمر على الفطرة القويمة ~~ومن رد لأسفل سافلين , وقد اشتملت هذه السورة على وجازتها على جميع مقاصد ~~التوراة إجمالا , وزادت الدلالة على الآخرة , وذلك أن قسمها هو قوله في ~~التوراة ms5957 ( أتانا ربنا من سيناء وشرق بنا من جبل ساعر , وظهر لنا من جبال ~~فاران ) والخلق في أحسن تقويم هو خلق آدم عليه الصلاة والسلام المذكور في ~~أولها وخلق زوجه وما يحتاجان إليه من السماء والأرض , وخلق الأصفياء من ~~أولادهما وما جاؤوا به من الخير , والذين آمنوا وعملوا الصالحات وهو ما ~~فيها من الشرائع والأحكام , وقوله بعد ما تقدم من المعبر بالقسم عنه ( معه ~~ربوات الأطهار عن يمينه أعطاهم وحببهم إلى شعوب , وبارك على جميع أطهاره ) ~~والرد أسفل سافلين هو PageV08P476 ما ذكر أولها من العصاة من قابيل ومن ~~بعده إلى آخرها , على ما أشار إليه من عصيان بني إسرائيل الموجب للعنهم , ~~فقد اكتنفت بأول التوراة وآخرها وأوسطها , وابتدأ بآخرها لأنه في النبوات , ~~وهي أهم المهم لأنها المنجية من شر قطاع الطريق , وآخرها أدل ما فيها على ~~النبوات لا سيما الثلاث العظام - المشار إليه بقسم هذه السورة - والله ~~سبحانه وتعالى أعلم بالغيب . | . . . . | PageV08P477 < # > سورة العلق < # > | وتسمى إقرأ . | مقصودها الأمر لا سيما للمقصود بالتفضيل في سورة ~~التين بعبادة من له الخلق والأمر ، شكرا لأحسانه واجتنابا لكفرانه ن طمعا ~~في جنانه وخوفا من نيرانه ، لما ثبت أنه يدين العباد يوم المعاد ، وكل من ~~اسميها دال على ذلك لأن المربي يجب شكره ، ويحرم غاية التحريم كفره ، على ~~أن ' اقرأ ' يشير إلى الأمر ، ' والعلق ' يشير غلى الخلق ، و ' اقرأ ' يدل ~~على البداية وهي العبادة بالمطابقة ، وعلى النهاية وهي النمجاة يوم الدين ~~باللازم ، والعلق يدل على كل من النهاية ثم البداية بالالتزام ، لأن من عرف ~~أنه مخلوق من دم عرف أن خالقه قادر على إعادته من تراب ، فإن التراب أقبل ~~للحياة من الدم ، ومن صدق بالإعادة عمل لها ، وخص العلق لأنه مركب الحياة ، ~~ولذلك سمي نفسا { بسم الله } الذي له صفات الكمال فاستحق التفرد بالإلهية { ~~الرحمن } الذي عمت نعمته فاستوج بالشكر من سائر البرية { الرحيم } الذي وفق ~~من شاء من خواصه لما أنالهم به المواهب السنية والعطايا الوفية . < < # | العلق : ( 1 - 10 ) اقرأ باسم ربك . . . . . # > > ^ ( اقرأ باسم ربك الذي ms5958 خلق * خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم ~~* الذى علم بالقلم * علم الإنسان ما لم يعلم * كلا إن الإنسان ليطغى * أن ~~رآه استغنى * إن إلى ربك الرجعى * أرأيت الذي ينهى * عبدا إذا صلى ) ^ } ) ~~| لما أمره سبحانه وتعالى في الضحى بالتحديث بنعمته , وذكره بمجامعها في { ~~ألم نشرح } فأنتج ذلك إفراده بما أمره به في ختمها من تخصيصه بالرغبة إليه ~~, فدل في الزيتون على أنه أهل لذلك لتمام قدرته الذي يلزم منه أنه لا قدرة ~~لغيره إلا به , فأنتج ذلك تمام الحكمة فأثمر قطعا البعث للجزاء فتشوف ~~السامع غلى ما يوجب حسن الجزاء في ذلك اليوم وبأي وسيلة يقف بين يدي الملك ~~الأعلى في يوم السورة , فقال بادئا خصال الذي آمنوا وعملوا الصالحات , ~~فأرشد إلى ذلك في هذه السورة , فقال بادئا بالتعريف بالعلم الأصل ذاكرا أصل ~~منخلقه سبحانه وتعالى في أحسن تقويم وبعض PageV08P478 أطواره الحسنة ~~والقبيحة تعجيبا من تمام قدرته سبحانه وتعالى على تعرفها وإنعام فيها , ~~وقدم الفعل العامل في الجار والمجرور هنا لأنه أوقع في النفس لكونها أول ما ~~نزل فكان الأمر بالقراءة أهم : { اقرأ } وحذف مفعوله إشارة إلى انه لا ~~قراءة إلا بما أمره به , وهي الجمع الأعظم , فالمعنى : أوجد القراءة لما لا ~~مقروء غيره , وهو القرآن الجامع لكل خير , وأفصح له بأنه لا يقدر على ذلك ~~إلا مبعونة الله الذي أدبه فأحسن تأديبه , ورباه فأحسن تربيته , فقال ما ~~أرشد المعنى إلى أن تقديره : حال كونك مفتتحا القراءة { باسم ربك } أي بأن ~~تبسمل , أو مستعينا بالمحسن إليك لما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى ~~بما خصط به في { ألم نشرح } أو بذكر اسمه , والمراد على هذا بالاسم الصفات ~~العلى , وعبر به لأنه يلزم من حسن الاسم حسن مدلوله , ومن تعظيم الاسم ~~تعظيم المسمى وجميع ما يتصف به وينسب إليه , قالوا : وهذا يدل على أن ~~القراءة لا تكون تامة غلا بالتسمية , ولكونه في سياق الأمر بالطاعة الداعي ~~إليها تذكر النعيم لم يذكر الاسم الأعظم الجامع , وذكر صفة الإحسان ~~بالتربية الجامع لما ms5959 عداه وتأنيسا له صلى الله عليه وسلم لكونه أول ما نزل ~~حين حبب إليه الخلاء , فكان يخلو بنفسه يتعبد بربه في غار حراء , وفجاءه ~~جبرائيل عليه الصلاة والسلام بخمس آيات من أول هذه السورة إلى قوله ( ما لم ~~يعلم ) ولهذا السر ساقه مساق البسملة بعبارة هي أكثر تأنيسا في أول الأمر ~~وأبسط منها , فأشار إلى الاسم الأعظم بما في مجموع الكلام من صفات الكمال , ~~وأشار إلى عموم منة الرحمن بصفة الخلق المشار إلى تعميمها بحذف المفعول , ~~وإلى خصوص صفة الرحيم بالأكرمية التي من شأنها بلوغ النهاية , وذلك لا يكون ~~بدون إفاضة خصوص صفة الرحيم بالأكرمية التي من شأنها بلوغ النهاية , وذلك ~~لا يكون بدون إفاضة العمل بما يرضي , فيكون سببا للكرامة الدائمة , ~~وبالتعليم الذي من شأنه أن يهدي إلى الرضوان , وأشار إلى الاستعاذة بالأمر ~~بالقرآن لما أفهمه قوله سبحانه وتعالى : < # > 77 ( { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة } ) ~~77 < # > - أي الشياطين الإنس والجن < # > 77 ( { حجابا مستورا } ) 77 < # > [ الإسراء : 45 ] وقوله تعالى : < # > 77 ( { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } ) 77 < # > [ النحل : 98 ] . | ولما خصه تشريفا بإضافة هذا الوصف الشريف إليه , ~~وصفه على جهة العموم بالخلق والأمر إعلاما بأن له التدبير والتأثير , وبدأ ~~بالخلق لأنه محسوس بالعين , فهو أعلق بالفهم , وأقرب إلى التصور , وأدل على ~~الوجود وعظيم القدرة وكمال الحكمة , فكانت البداءة به في هذه السورة التي ~~هي أول ما نزل أنسب الأمور لأن أول الواجبات معرفة الله , وهي بالنظر إلى ~~أفعاله في غاية الوضوح فقال : { الذي خلق * } وحذف مفعوله إشارة إلى أنه له ~~هذا الوصف وهو التقدير والإيجاد على وفق التقدير الآن وفيما مفعوله إشارة ~~إلى أنه له هذا الوصف وهو التقدير والإيجاد على وفق التقديره الآن وفيما ~~كان وفيما يكون , فكل شيء يدخل في الوجود فهو من صنعه ومتردد بين إذنه ~~ومنعه PageV08P479 وضره ونفعه . | ولما كان الحيوان أكمل المخلوقات , وكان ~~الإنسان أكمل الحيوان وزبدة مخضه , ولباب حقيقته وسر محضه , وأدل على تمام ~~القدرة لكونه جامعا ms5960 لجميع ما في الأكوان , فكان خلقه أبدع من خلق غيره , ~~فكان لذلك أدل على كمال الصانع وعلى وجوب إفراده بالعبادة , خصه فقال : { ~~خلق الإنسان } أي هذا الجنس الذي من شأنه الأنس بنفسه وما رأى ما أخلاقه ~~وحسه , وما ألفه من أبناء جنسه . | ولما كانت العرب تأكل الدم , وكان الله ~~تعالى قد حرمه لأنه أصل الإنسان وغيره من الحيوان وهو مركب الحياة , فإذا ~~أكل تطبع آكله بخلق ما هو دمه , قال معرفا بأنه سبحانه وتعالى بنى هذه ~~الدار على حكمة الأسباب مع قدرته على الإيجاد من غير تطوير في تسبيب : { من ~~علق * } أي خلق هذا النوع من هذا الشيء وهو دم شديد الحمرة جامد غليظ , جمع ~~علقة , وكذا الطين الي يعلق باليد يسمى علقا , وهم مقرون بخلق الآدمي من ~~الأمرين كليهما , فالآية من أدلة إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه على ~~استعمال المشترك في معنييه , ولعله عبر به ليعم الطين فيكون - مع ما فيه من ~~الإشارة إلى بديع الصنعة - إشارة إلى حرمة أكل ما هو أصلنا من الدم والتراب ~~قبل أن يستحيل , فإذا استحال وصف بالحلال لأن الاستحالات لها مدخل في ~~الإحلالات في النكاح وغيره , واحمرار النطفة ليس استحالة لأنها كانت حمراء ~~قبل قصر الشهوة لها , وربما ضعفت الشهوة عن قصرها فنزلت حمراء , فإذا تحول ~~الدم لحما صار إلى جنس ما يحل , وكذا إذا تحول التراب بمخالطة الماء تمرا ~~أو حبا حل . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما قال الله سبحانه ~~وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم < # > 77 ( { فما يكذبك بعد بالدين أليس الله بأحكم الحاكمين } ) 77 < # > [ التين : 7 - 8 ] وكان معنى ذلك : أي شيء حمل عل هذا بعد وضوح الأمر ~~لك وبيانه وقد نزهه سبحانه وتعالى عن التكذيب بالحساب وأعلى قدره عن ذلك , ~~ولكن سبيل مثل هذا إذا ورد كسبيل قوله تعالى : < # > 77 ( { لئن أشركت ليحبطن عملك } ) 77 < # > [ الزمر : 65 ] وبابه , وحكم هذا القبيل واضح في حق من تعدىة إليه ~~الخطاب وقصد بالحقيقة به من أمته صلى الله عليه ms5961 وسلم من حيث عدم عصمتهم ~~وإمكان تطرق الشكوك والشبهة إليهم , فتقدير الكلام : أي شيء يمكن فيه أن ~~يحملكم على التوقف أو التكذيب بأمر الحساب , وقد وضح لكم ما يرفع الريب ~~ويزيل الإشكال , ألم تعلموا أن ربكم أحكم الحاكمين ؟ أفيليق به وهو العليم ~~الخبير أن يجعل اختلاف أحوالكم في الشكوك بعد خلقكم في أحسن تقويم ؟ أفيحسن ~~أن يفعل ذلك عبثا ؟ وقد قال تعالى : < # > 77 ( { وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا } ) 77 < # > [ ص : 27 - ولكن قراءتنا - وما خلقنا السماء - لا بالجمع } فلما قرر ~~سبحانه العبيد على أنه أحكم الحاكمين مع ما PageV08P480 تقدم ذلك من موجب ~~نفي الاسترابة في نوع الحق إذا اعتبر ونظر , ووقعت في الترتيب سورة العلق ~~مشيرة إلى ما به يقع الشفاء , ومنه يعلم الابتداء والانتهاء , وهو كتابه ~~المبين , الذي جعله الله تعالى تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمحسنين , ~~فأمر بقراءته ليتدبروا آياته فقال { اقرأ باسم ربك } مستعنيا به فسوف يتضح ~~سبيلك وينتهج دليلك < # > 77 ( { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا } ) 77 < # > [ الفرقان : 1 ] وأيضا فإنه تعالى أعلم عباده بخلقه الإنسان في أحسن ~~تقويم < # > 77 ( { ثم رددناه أسفل سافلين } ) 77 < # > [ التين : 5 ] وحصل منه على ما قدم بيانه افتراق الطرفين وتباين ~~القائلين , كل ذلك بسابق حكمته وإرادته { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } ~~وقد بين سبحانه لنا أقصى غاية ينالها أكرم خلقه وأجل عباده لديه من الصنف ~~الإنساني , وذلك فيما أوضحت السورتان قبل من حال نبينا المصطفى صلى الله ~~عليه وسلم وجليل وعده الكريم له في قوله < # > 77 ( { ولسوف يعطيك ربك فترضى } ) 77 < # > [ الضحى : 5 ] وفضل حال ابتداء { ألم نشرح } على تقدم سؤال < # > 77 ( { رب اشرح } ) 77 < # > [ طه : 25 ] إلى ما أشارت إليه آي السورتين من خصائصه الجليلة , وذلك ~~أعلى مقام يناله أحد ممن ذكر , فوقع تعقيب - ذلك بسورة تضمنت الإشارة إلى ~~حال من جعل في الظرف الآخر من الجنس الإنساني , وذلك حال من أشير إليه من ~~لدن قوله تعالى : { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا ms5962 صلى } إلى قوله : { كلا لا ~~تطعه } ليظهر تفاوت المنزلتين وتباين ما بين الحالتين , وهي العادة المطردة ~~في الكتب , ولم يقع صريح التعريف هنا كما وقع في الظرف الآخرة ليطابق ~~المقصود , ولعل بعض من لم يتفطن بعترض هنا بأن هذه السورة من أول ما أنزل ~~فكيف يستقيم مرادك من ادعاء ترتيبها على ما تأخر عنها نزولا , فنقول له : ~~وأين غاب اعتراضك في عدة سور مما تقدم بل في معظم ذلك , وإلا فليست سورة ~~البقرة من المدني , ومقتضى تأليفنا هذا بناء ما بعدها من السور على الترتيب ~~الحاصل في مصحف الجماعة إنما هو عليها وفيها بعد من المكي ما لا يحضى , ~~فإنما غاب عنك نسيان ما قدمناه في الخطبة من أن ترتيب السور ما هي عليه ~~راجع إلى فعله عليه الصلاة والسلام أكان ذلك بتوقيف منه أو باجتهاد الصحابة ~~رضي الله عنهم على ما قدمناه , فارجع بصرك , وأعد في الخطبة نظرك , والله ~~يوفقنا إلى اعتبار بيناته وتدبر آياته , ويحملنا في ذلك على ما يقربنا إليه ~~بمنه وفضله - انتهى . | ولما أتم سبحانه ما أراد من أمر الخلق وهو الإيجاد ~~بالأسباب بالتدريج , أخذ في التنبيه على عالم الأمر وهو الإبداع من غير ~~أسباب , فقال مكررا للأمر بالقراءة تنبيها على عظم شأنها وتأنيسا له صلى ~~الله عليه وسلم ومسكنا لروعة ومعلما أن من جاءه الأمر من قبله ليس كأربابهم ~~: { اقرأ } ولما كان قد قال صلى الله عليه وسلم عند هذا الأمر إخبارا ~~بالواقع كما يقول لسان الحال لو لم ينطق بلسان المقال : ما أنا بقارئ , ~~فكان التقدير : فربك الذي ربما فأحسن PageV08P481 تربيتك وأدبك فأحسن ~~تأديبك أمرك بالقراءة وهو قادر على جعلك قارئا , عطف عليه قوله : { وربك } ~~أي يكون التقدير : والحال أن الذي خصك بالإحسان الجم { الأكرم * } أي الذي ~~له الكمال الأعظم مطلقا من جهة الذات ومن جهة الصفات ومن جهة الأفعال , فلا ~~يلحقه نقص في شيء من الأشياء أصلا لأن حقيقته البعيد عن اللوم الجامع ~~لمساوئ الأخلاق , فهو الجامع لمعالي الأخلاق , وليس غيره يتصف بذلك ms5963 , فهو ~~يعطيك ما لا يدخل تحت الحصر , وأشارإلى أن من ذلك أنه يفيض على أمته الأمية ~~من العلم والحظ ما لم يفضه على أمة قبلها على قصر أعمارهم , فقال مشيرا إلى ~~العلم التعليم , مشرعا بوصفه سبحانه بالمنح بالعلم إلى ترتيب الحكم ~~بالأكرمية على هذا الوصف الناقل للإنسان من الحال العقلي السافل إلى هذا ~~الحال العالي الكامل { الذي علم } أي بعد الحلم عن معاجلتهم بالعذاب ~~والعقاب جودا منه من غير مانع من خوف عاقبة ولا رجاء منفعة { بالقلم * } أي ~~الكتابة به . | ولما نبه بذلك على ما في الكتابة من المنافع التي لا يحيط ~~بها غيره سبحانه وتعالى , لأنها انبنت عليها استقامة أمور الدنيا والدين في ~~الدنيا والآخرة , وهي كافية في الدلالة على دقيق حكمته تعالى ولطيف تدبيره ~~, زاد ذلك عظيمة على وجه يعم غيره فقال : { علم } أي العلم الضرور والنظري ~~{ الإنسان } أي الذي من شأنه الأنس بما هو فيه لا ينتقل إلى غيره بل ينساه ~~إن لم يلهمه ربه إياه { ما لم يعلم * } أي بلطفه وحكمته لينتظم به حاله في ~~دينه من الكتاب والسنة ودنياه من المعاملات والصنائع , فيفيض عليه من علمه ~~اللدني الذي لا سبب له ظاهر ما يعرف به ترتيب المقدمات بالحدود والوسطى , ~~فيعلم النتائج , وما يعرف به الحدسيات , وذلك بعد خلق القوى ونصب الدلائل ~~وإنزال الآيات , ولو كان ذلك بالأسباب فقط لتساوى الناس في مدة التعليم وفي ~~أصل المعلوم كما تساووا في مدة الحمل وأصل الإنسانية , وقد ذكر سبحانه مبدأ ~~الإنسان ومنتهاه بنقله من أخس الحالات إلى أعلاها تقريرا لربوبيته وتحقيقا ~~لأكرميته , قال الملوي : ولو كان شيء من العطاء والنعم أشرف من العلم لذكره ~~عقب صفة الأكرمية - انتهى , وفي ذلك إشارة إلى مزيد كرم العلماء بالتعليم , ~~وفي الآية الإشارة إلى مطالعة عالمي الخلق والأمر , قال الرازي , وفي كل من ~~العالمين خصوص وعموم - انتهى , فالمعنى أنه يعلمك أيها النبي الكريم وإن ~~كنت أميا لا تعلم الآن شيئا كما علم بالقلم من لم يكن يعلم , فتكون أنت - ~~بما أشارت إليه ms5964 صفة الأكرمية على ما أنت فيه من الأمية - أعلم من أهل ~~الأقلام - وأعلى من كل مقام سام . | ولما كان الدم أكثر الأخلاط وأشدها ~~هيجانا , فإن مرضه لا يشبهه شيء من أمراض بقية الأخلاط , وكان مع ذلك سريع ~~البرء إن أصيب علاجه وعولج بأمر قاهر أقوى منه , وكان العلم قرين الغنى في ~~الأغلب , وكان زلة العالم تفوق زلة غيره , قال PageV08P482 معرفا بعد ~~التعريف بالإلهيات بأمر النفس مبينا لقسم الإنسان المردود أسفل سافلين ~~مقررا لحاله , ورادعا له عن ضلاله : { كلا } أي ارتدع أيها العالم عن ~~الطغيان إن نلت الغنى حقا { إن الإنسان } أي هذا النوع الذي هو نوعك ومن ~~شأنه الأنس بنفسه والنظر في عطفه { ليطغى * } أي من شأنه - إلا من عصمه ~~الله سبحانه - أن يزيد على الحد الذي لا ينبغي له مجاوزته كما يزيد الخلط ~~الدموي , وأكده لما لأكثر الخلق من التكذيب به فإنه لا طاغي يقر بأنه طغى { ~~أن } أي لأجل أن { رآه } أي علم الإنسان نفسه علما وجدانيا { استغنى * } أي ~~وجد له الغنى , هذا هو الطبع الغالب في الإنسان متى استغنى عن شيء عمي عن ~~مواضع افتقاره , فتغيرت أحواله معه , وتجاوز فيه ما ينبغي له الوقوف عنده ( ~~ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ) ومن كان مفتقرا إلى شيء كان منطاعا له ~~كما في حديث آخر أهل النار خروجا منها يقسم لربه أنه لا يسأل غير ما طلبه , ~~فإذا أعطيته واستغنى به سأل غيره حتى يدخل دار القرار , ولعله نبه بهذا على ~~أن هذه الأمة المحتاجة ستفتح لها خزائن الأرض فيطغيها الغنى كما أطغى من ~~قبلها وإن كانوا هم ينكرون ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم حين بشرهم ~~بالفتوحات وقال : ( إنه يغدى على أحدكم بصفحة ويراح عليه بأخرى ثم قال لهم ~~: أنتم اليوم خير من يومئذ , فقالوا : بل يومئذ , نتفرغ لعبادة ربنا , فقال ~~: بل أنتم اليوم خير منكم يومئذ , قال صلى الله عليه وسلم : والله ما الفقر ~~أخشى عليكم , ولكن أخسى أن يبسط عليكم الدنيا كما بسطت على ms5965 من كان قبلكم ~~فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ) أو كما قال صلى الله عليه ~~وسلم . | ولما كان لا دواء لذلك مثل تذكر الجزاء , قال معرفا أن الإنسان لا ~~يزال مفتقرا إلى مولاه في حايته ومماته وغناه وفقره , محذرا له سوء حالاته ~~مؤكدا لأجل إنكارهم ذلك : { إن إلى ربك } أي المحسن إليك بالرسالة التي رفع ~~بها ذكرك , لا إلى غيره من التراب ونحوه { الرجعى * } أي الرجوع الأعظم ~~الثابت الذي لا محيد عنه , أما في الدنيا فلا محيد عن الإقرار به , فإنه لا ~~يقدر أحد على شيء إلا بتقديره , وأما في الآخر فبما أثبت في برهانه في سورة ~~التين , فيحاسب الناس بأعمالهم , ويجازي كل أحد بما يستحق من ثواب أو عقاب ~~, ففيه وعيد للطاغي وتحقير - لغنى ينقطع . | ولما أخبر بطغيانه وعجل بذكر ~~دوائه لأن المبادرة بالدواء لئلا يتحكم الداء واجبة , PageV08P483 دل على ~~طغيانه مخوفا من عواقب الرجعى في أسلوب التقرير لأنه أوقع في النفس وأروع ~~للب لأن أبا جهل قال : ( لئن رأيت محمدا يعفر وجهه لأفضخن رأسه بصخرة , ~~فجاء ليفعل ما زعم فنكص على عقبيه ويبست يداه على حجره فسئل عما دهاه , ~~فقال : إن بيني وبينه لهولا وأجنحة , وفي رواية : لخندقا من النار , وفي ~~رواية : لفحلا من الإبل , فما رأيت مثله , ولو دنوت منه لأكلني ) وأصل ~~الحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه , فقال : { أرءيت } تقدم في ~~الأنعام أن هذا الفعل إذا لم يكن بصريا كان بمعنى اخبر , فالمعنى : أخبرني ~~هل علمت بقلبك علما هو في الجلاء كرؤية بصرك { الذي ينهى * } أي على سبيل ~~التجديد والاستمرار . | ولما كان أفحش ما يكون صد العبد عن خدمة سيده , قال ~~معبرا بالعبودية منكرا للمبالغة في تقبيح النهي والدلالة على كمال العبودية ~~: { عبدا } أي من العبيد { إذا صلى * } أي خدم سيده الذي لا يقدر أحد أن ~~ينكر سيادته بإيقاع الصلاة التي هي وصلته به , وهي أعظم أنواع العبادة ~~لأنها مع كونها أقرب وصلة إلى الحق انقطاع وتجرد بالكلية عن الخلق , فكان ~~نهيه ms5966 له عن ذلك نهيا عن أداء الحق لأهله حسدا أو بغيا , فكان دالا على أن ~~من طبع أهل كل زمان عداوة أهل الفضل وصدهم عن الخير لئلا يختصون بالكمال . ~~| < < # | العلق : ( 11 - 19 ) أرأيت إن كان . . . . . # > > ^ ( أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى * أرأيت إن كذب وتولى * ~~ألم يعلم بأن الله يرى * كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية * ناصية كاذبة ~~خاطئة * فليدع ناديه * سندعو الزبانية * كلا لا تطعه واسجد واقترب ) ^ } ) ~~| ولما كان هذا أمرا خارجا عن الحد في الطغيان , وكان السؤال إنما هو عن ~~رؤية حاله في نهيه العبد عن الصلاة , لا عن رؤية ذاته , فتشوف السامع إلى ~~معرفة ذلك الحال , كرر التقرير بزيادة التعجيب منحاله والتحذير , فقال ~~مكررا العامل زيادة في التأكيد وبيانا لأن هذا في الحقيقة أول السؤال عن ~~الحال : { أرءيت } أي أخبرني عن حاله { إن كان } أي هذا الناهي , وعبر ~~بأداة الاستعلاء إشارة إلى أنه في غاية الثبات والتمكن فقال : { على الهدى ~~* } أي الكامل في الهداية فكف عن نهي هذا المصلي عن خدمة مولاه الذي هو ~~معترف بسيادته وإن ادعى كذبا أن له شريكا كما أنه لا ينهى عن السجود ~~للأصنام . | ولما ذكر ما لعله يكون عليه في تكميل نفسه , ذكر ما لعله ~~يعانيه من إنجاء غيره فقال : { أو أمر } أي ذلك الناهي { بالتقوى * } أي ~~التي هي عماد الدين , وهي عمارة PageV08P484 الباطن بالنور الناشئة عن ~~الهدى , وعمارة الظاهرة لذلك , المترشحة من عمارة الباطن , الموجب لذلك , ~~فأمر هذا المصلي بملازمة خدمة سيده المجمع على سيادته , ولا شك في توحيده ~~بالربوبية بالإقبال على ما يرضيه من أفعال العبادة , ليكون ذلك وقاية لفاعل ~~من سخطه فيأمن الهلاك , والجواب محذوف تقديره : ألم يكن خيراص له فليتدبر ~~كل أمر من أموره فلا يقدم عليه حتى يعلم بالدليل أنه هدى وتقوى . | ولما ~~كان التقدير حتما كما هدى إليه السياق ما قدرته من جواب السؤالين , بنى ~~عليه قوله زيادة في التوبيخ والتعجيب والتقريع استفهاما عن حال لهذا الناهي ~~مناف للحال الأول معيدا الفعل إيضاحا ms5967 لذلك : { أرءيت } أي أخبرني أيها ~~السامع ولا تستعجل { إن كذب } أي أوقع هذا الناهي التكذيب بأن المصلي على ~~الهدى بخدمة سيده المتفق على سيادته , فكان بذلك مرتكبا للضلال الذي لا شك ~~في كونه ضلالا , ولا يدعو إليه إلا الهدى . | ولما كان المكذب قد لا يترك ~~من كذبه , أشار إلى أن حال هذا على غير ذلك فقال : { وتولى * } أي وكلف ~~فطرته الأولى بعد معالجتها الإعراض عن قبول الأمر بالتقوى , وذلك التولي ~~إخراب الباطن بالأخلاق السيئة الناشئة عن التكذيب وإخراب الظاهر بالأعمال ~~القبيحة الناشئة عن التكذيب , والجواب محذوف تقديره : ألم يكن ذلك التولي ~~والتكذيب شرا له لأن التكذيب والتولي من غير دليل شر محض , فكيف إذا كان ~~الدليل قائما على ضدهما . | ولما عجب من حالته البعيدة عن العقل مع نفسه ~~ومع نفسه ومع أبناء جنسه , أنكر عليه معجبا من كونه يعلم أنه ليس بيده شيء ~~, المنتج لأنه مراقب وحاله مضبوط غاية الضبط وينسى ذلك , فقال ذاكرا مفعول ~~( أرءيت ) الثاني وهو لا يكون إلا جملة استفهامية : { ألم يعلم } أي يقع له ~~عمل يوما من الأيام { بأن الله } أي وهو الملك الأعلى { يرى * } أي له صفتا ~~البصر والعلم على الإطلاق , فهو يعلم كل معلوم ويبصر كل مبصر , ومن كان له ~~ذلك كان جديرا بأن يهلك من يراه على الضلال والإضلال وينصر من يطيع أمره ~~على كل من يعاديه , وإنما جاء هذا الاستفهام الإنكاري على هذا الوجه لأنهم ~~يعترفون بكل ما أنكر عليهم فيه ويلزمهم بما يفعلون من عداوة النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يكونوا منكرين له , وذلك هو عين التناقض الذي لا أشنع عندهم ~~منه , هذا ويمكن , وهو أحسن , أن تنزل الآية على الاحتباك فيقال : لما كان ~~السؤال عن حال الناهي لأن الرؤية علميه لا بصرية , فتشوف السامع إلى ~~معرفتها , وكان للناهي حالان : طاعة ومعصية , بدأ بالأولى لشرفها على ~~الأسلوب الماضي في التقرير على سبيل التعجيب فقال : ( أرءيت ) أي أخبرني ( ~~إن PageV08P485 كان ) الناهي ثابتا في نهيه هذا متمكنا ( على الهدى ) أي ~~الكامل ( أو ms5968 ) كان قد ( أمر ) في ذلك الأمر أو في أمر ما من عبادة الأوثان ~~وغيرها ( بالتقوى ) وحذف جواب السؤال عن هذا الحال لدلالة جواب الحال ~~الثاني عليه , وهو ألم يعلم بأن الله يرى كل ما يصح أن يرى , فينهى عنه إن ~~كان مكروها ولا يقر عليه ويحاسب به ليزن هذا لناهي أفعاله بما شرعه سبحانه ~~من الدليل العقلي والسمعي فيعلم أهي مما يرضيه ليقره عليه كما يقر سائر ما ~~يرضيه أو يسخطه فيمنعه منه . | ولما ذكر ما يمكن أن يكون عليه حال الناهي ~~من السداد , ذكر ما يمكن أن يكون عليه من الفساد , فقال مقررا معجبا معيدا ~~العامل لزيادة التعجيب على النمط الأول : ( أرأيت إن كذب ) أي هذا الناهي ~~بالحق في وقت النهي - ولما كان لا يلزم من التكذيب التولي قال : ( وتولى ) ~~أي عن الدين بنهيه هذا , فكان على الضلال والهوى متمكنا في ذلك بحيث إنه لا ~~يصدر عنه فعل إلا فاسدا ( ألم يعلم بأن الله يرى ) فيحسب نفسه بما أرشد ~~إليه سبحانه من البراهين فيعلم أن ما هو عليه من الرشد إن كان الله يقره ~~عليه ويمكنه منه أو الغواية إن كان ينهاه عن ولا يقره عليه , كما فعل بهذا ~~الذي أقسم : ليرضخن رأس هذا المصلي , وأقدم عليه بصخرته وهو عند نفسه في ~~غاية القدرة على ذلك بزعمه فمنعه الله منه ورده عن فرجع على عقبيه خاسئا ~~ظاهرا عليه الجبن والرعب وغيرها مما يتحاماه الرجال , ويأنف منه الضارغمة ~~الأبطال , والاحتباك هنا بطلب ( أرءيت ) جملة ليس هو من التنازع لأنه ~~يستدعي إضمارا والجملة لا تضمر , إنما هو من باب الحذف لدليل , فحذف الكون ~~على الضلال ثانيا لدلالة الكون على الهدى عليه أولا , وحذف ( ألم يعلم بأن ~~الله يرى ) أولا لدلالة ذكره آخرا عليه . | ولما كان هذا الخبيث معرضا عن ~~هذا العلم الذي هو معترف به كله , وإنما كان إعراضه لما عنده من الحظوظ ~~والشهوات الموقعة له - بحكم الرد أسفل سافلين - إلى رتبة البهائم , أتى ~~بأعظم أدواث الردع فقال : { كلا } أي ليس ms5969 عنده علم بشيء من ذلك لسفول رتبته ~~عن رتبة البهائم ولا في يده شيء من الأشياء , فهو لا يقدر على شيء مما رامه ~~من الأذى , فليرتدع عن تعاطي ذلك لأنه لا يضر إلا نفسه . | ولما كان نفي ~~العلم عنه يوهم أنه في عداد الغافلين الذي لا ملامة عليهم , بين أن انتفاء ~~العلم عنه ليس عن غفلة يعذبر صاحبها , إنما هو عن تهاون بالخير ورضى بالعمى ~~والتقليد , فهو من قسم الضال الذي فرط في استعمال القوة العلمية المذكور في ~~الفاتحة , ولغيره في محل الرجاء لانتهائه إبقاء للتكليف ومؤكدا لأنهم ~~منكرون : { لئن لم ينته } أي يفتعل هذا الناهي لهذا العبد المطيع فيقف ويكف ~~عما هو فيه من نهيه وتكذيبه وتوليه . PageV08P486 ولما كان الحال غير محتاج ~~إلى أكثر من التأكذ لإيقاع الفعل , عبر بالحقيقة ولم ينقلها إشارة إلى أن ~~هذا الناهي أقل منأن يحتاج فيه غلى فعل شديد , بل أقل نفحة من العذاب تكفي ~~في إهلاكه , وما كان أصل التأكيد إلا تطيببا لقلوب الأولياء وتكذيبا ~~للأعداء فقال : { لنسفعا } أي والله لنأخذن ونقبضن قبضا وأخذا بشدة وعنف مع ~~الجر والاجتذاب واللطم والدفع والغيظ أخذ من يعض مأخوذه ويذله ويسود وجهه ~~ويقذره { بالناصية * } أي بالشعر الذي في مقدم رأسه وهو أشرف ما فيه , ~~والعرب لا تأنفس من شيء أنفتهم من أخذ الناصية , وإذا انتهكت حرمة الأشرف ~~فما بالك بغيره , واستغنى بتعريف العهد عن الإضافة . | ولما كان من المعلوم ~~أن من صار في القبضة على هذه الهيئة المهينة المزرية فهو هالك , اغتنى به ~~عن أن يقول : ولنسحبنه بها على وجهه إلى النار , ووصفها بما يدل على ذلك ~~فقال مبدلا لأن البدل وصف بما قربه من المعرفة : { ناصية } أي عظيمة القبح ~~{ كاذبة } أي متعمدة للكذب { خاطئة * } فهي صادر عنها الذنب من الكذب وغيره ~~من غير تعمد , فأغلب أحوالها على غير صواب تارة عن عمد وتارة عن غير عمد , ~~وما ذاك إلا لسوء جبلة صابحها حتى كاد لا يصدر عنه فعل سديد , ووصفها بما ~~هو لصاحبها على الإسناد ms5970 المجازي مبالغة في تكذيبه في أنه لا يقدر على منع ~~المهتدي أو إذلاله أو شيء من أذاه إلا إن أذن له صاحب الأمر كله فيما يكون ~~سببا لزيادة رفعته , وفي العدول عن الحقيقة , كأن يقال : ناصية كاذب خاطئ , ~~بالإضافة إلى هذا المجاز , من الجزالة والفخامة والجلالة ما لا يخفى . | ~~ولما كان هذا هو غاية الإهانة , وكان الكفار إنما يقصدون بأعراضهم الشماخة ~~والأنفة والعز عن أن يكونوا أتباعا أذنابا , وإنما عزهم بقومهم , وأقرب من ~~يعتز به الإنسان أهل ناديه , وهم القوم الذين يجتمعون نهارا ليحدث بعضهم ~~بعضا ويستروح بعضهم إلى بعضهم لما عندهم من التصافي لأنهم لا يتركون ~~أشغالهم نهارا ويجتمعون لذلك إلا عن ذلك , قال تعالى مسببا عن أخذه على هذا ~~الوجه المزري : { فليدع } أي دعاء استغاثة { ناديه * } أي القوم الذي كانوا ~~يجتمعون معه نهارا يتحدثون في مكان ينادي فيه بعضهم بعضا من أنصاره وعشيرته ~~ليخلصوه مما هو فيه , والذي نزلت فيه هو أبو جهل , قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي ناديا . | ولما كان كأنه قيل : فلو ~~دعا ناديه يكون ماذا ؟ قال : { سندع } أي بوعد لا خلف فيه { الزبانية * } ~~أي الأعوان الموكلين بالنار ليجروه إليها , وهم في الأصل الشرط , الواحد ~~زبنية كهبرية , من الزبن وهو الدفع أو زبني على النسبة , أصلها زباني ~~والتاء PageV08P487 عوض عن الياء , وهم كل من عظم خلقه , واشتد بطشه , وقد ~~اجتمعت المصاحف العثمانية على حذف الواو من هذا الفعل خطأ , ولا موجب لحذفه ~~من العربية لفظا , وكأن المعنى في ذلك - والله أعلم - أن لا يظن أنهم دعوا ~~لرفعة لهم في ذواتهم يستعان بهم بسببها لأن معنى الواو عند الربانيين العلو ~~والرفعة , إشارة إلى أنهم لا قوة لهم إلا بالقوي العزيز , أو يقال : إن ~~الحذف دال على تشبيه الفعل بالأمر ليدل على أن هذا الدعاء أمر لا بد من ~~إيقاع مضمونه , ومن إجابة المدعوين إلى ما دعوا إليه , وأن ذلك كله يكون ~~على غاية الإحكام , والاتساق بين خطه ومعناه والانتظام , لا سيما ms5971 مع ~~التأكيد بالسين , الدال على تحتم الاتحاد والتمكين , أو يكون المعنى : إنا ~~ندعوهم بأيسر دعاء وأسهل أمر , فيكون منهم ما لا يطاق ولا يستطاع دفاعه ~~بوجه , فكيف لو أكدنا دعوتهم وقوينا عزمتهم . | ولما كان الذي تقدم نهي ~~الناهي للمصلي والسفع بناصيته إن لم ينته وأمره بدعاء ناديه , وكان الحكم ~~في الأول أنه لا يجيبه إلى ترك الصلاة , وفي الثاني أن الناهي لا ينتهي عن ~~عصيانه بالتهديد وأنه لا يفيده دعاء ناديه , فالكل منفي , حسن كل الحسن ~~الإتيان بأداة الردع فقال : { كلا } أي لا يقدر على دعاء ناديه ولا ينتهي ~~عن أذاه للمطيع بالتهديد فليرتدع عن كل من ذلك . | ولما كان كأنه قيل : فما ~~أفعل ؟ قال معرفا أن من علم أن طبع الزمان وأهله الفساد , وجب عليه الإقبال ~~على شأنه والإعراض عن سائر العباد { لا تطعه } أي في نهيه لك عن الطاعة ~~بالصلاة أو غيرها . | ولما كان نهيه عن الصلاة التي هي عماد الدين , وكانت ~~الصلاة يعبر عنها بالسجود لأنه - مع أنه جزؤها - هو أشرفها , وهو أيضا يطلق ~~على مطلق العبادة , قال تعالى مشيرا إلى النصر له صلى الله عليه وسلم ~~ولأتباعه على كل من يمنعهم عبادته : { واسجد } أي دم على صلاتك وخضوعك ~~بنفسك وجدد ذلك في كل وقت . | ولما كان السجود أقرب مقرب للعبد إلى الله ~~قال : { واقترب * } أي اجتهد بسرك في بلوغ درجة القرب إلى ربك والتحبب إليه ~~بكل عبادة لا سيما الصلاة فإنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد , وقد ~~شرح هذا المقام كما تقدم في الفاتحة قوله صلى الله عليه وسلم ( أعوذ بعفوك ~~من عقوبتك ) فإن هذا الجملة أفادت - كما قال الإمام الغزالي في كتاب الشكر ~~- مشاهدة أفعاله الله فقط , فكأنه لم ير إلا الله وأفعاله , فاستعاذ بفعله ~~من فعله , قال : ثم اقترب ففني في مشاهدة الأحوال , وترقى إلى مصادر ~~الأفعال , وهي الصفات , فقال : ( أعوذ برضاك من سخطك ) وهما صفتان , ثم رأى ~~ذلك نقصانا في التويحد فاقترب وترقى من مقام مشاهدة الصفات إلى مشاهدة ~~PageV08P488 الذات ms5972 فقال ( وأعوذ بك منك ) فرارا منه إليه من غير رؤية فعل ~~وصفة , ولكنه رأى نفسه فارا منه إليه ومستعيذا ومثنيا ففني عن مشاهدة نفسه ~~إذا رأى ذلك نقصانا فاقترب فقال ( أنت كما أثنيت على نفسك لا أحصي ثناء ~~عليك ) فقوله : ( لا أحصي ) خبر عن - فناء نفسه وخروجه عن مشاهدتها , وقوله ~~: ( أنت كما أثنيت ) بيان أنه المثني والمثنى عليه , وأن الكلم منه بدأ ~~وإليه يعود , وأن كل شيء هالك إلا وجهه , فكان أول مقامه نهاية مقامات ~~الموحدين وهو أن لا يرى إلا الله وأفعاله فيستعيذ بفعل من فعل , فانظر إلى ~~ماذا انتهت نهايته إذا انتهى إلى الواحد الحق حتى ارتفع من نظره ومشاهدته ~~سوى الذات الحق , ولقد كان صلى الله عليه وسلم لا يرقى من مرتبة إلى أخرى ~~إلا ويرى الأولى بعدا بالإضافة إلى الثانية , فكان يستغفر الله من الله من ~~الأولى , ويرى ذلك نقصا في سلوكه وتقصيرا في مقامه , وإليه الإشارة بقوله ~~صلى الله عليه وسلم : ( إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم ~~والليلة سبعين مرة ) فكان ذلك لترقيه إلى سبيعن مقاما بعضها يعد نقصا لنقص ~~أوائلها وإن كان مجاوزا أقصى غايات مقامات الخلق , ولكن كان نقصانا ~~بالإضافة إلى أواخرها , فكان استغفاره لذلك . | ولما قالت عائشة رضي الله ~~عنها : قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر , فما هذا البكاء في ~~السجود وما هذا الجهد الشديد ؟ قال : ( أفلا أكون عبدا شكورا ) معناه : ~~أفلا أكون طالبا للمزيد في المقامات , فإن الشكر سبب الزيادة حيث قال تعالى ~~< # > 77 ( { ولئن شكرتم لأزيدنكم } ) 77 < # > [ إبراهيم : 7 ] انتهى . | وهو على ما ترى من النفاسة فمن أكثر من ~~الدعاء في سجوده فقمن أن يستجاب له , والصلاة لا تكون إلا بالقراءة فإذا ~~فعلت ذلك احتجبت عن الأغيار بحجاب منيع , فازددت صفاء وصنت حالك عن الغير - ~~كما يرشد إليه ما في صحف إبراهيم عليه الصلاة والسلام ( ينبغي للعاقل أن ~~يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه - والله أعلم ) فقد رجع ~~لآخرها إلى الأول ms5973 , على أحسن وجه وأجمل وأكمل - والله الهادي . | . . . | ~~PageV08P489 < # > سورة القدر < # > | مقصودها تفصيل الأمر الذي هو أحد قسمي ما ضمنه مقصود ' اقرأ ' وعلى ~~ذلك دل اسمها لأن الليلة فضلت به ، فهو من إطلاق المسبب على السبب ، وهو ~~دليل لمن يقول باعتبار تفضيل الأوقات لأجل ما كان فيها ، كما قال ذلك ~~اليهودي في اليوم الذي نزل فيه قوله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم } [ ~~المائدة : 3 ] وأفرده الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على ذلك ~~وأعلمه أنه صار لنا عيدين : عيدا من جهة كونه يوم عرفة ، وعيدا من جهة كونه ~~يوم جمعة { بسم الله } الذي جل أمره وتنزه ذاته { الرحمن } الذي عمت رحمته ~~فبدعت صفاته { الرحيم } الذي خص أهل التوحيد بإتمام النعمة فاختصت بهم ~~جناته . < < # | القدر : ( 1 - 5 ) إنا أنزلناه في . . . . . # > > ^ ( إنا أنزلناه في ليلة القدر * ومآ أدراك ما ليلة القدر * ليلة ~~القدر خير من ألف شهر * تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر * ~~سلام هي حتى مطلع الفجر ) ^ } ) | لما ذكر الله سبحانه وتعالى كتابه في هذا ~~الذكر العربي المعجز , ذكر إنزاله مستحضرا في كل قلب , كان ذلك مغنيا عن ~~إعادته بصريح اسمه , فكان متى أضمره علمه المخاطب بما في السياق من القرائن ~~الدالة عليه , بما له في القلب من العظمة وفي اذهن من الحضور لا سيما في ~~هذه السورة لافتتاح العلق بالأمر بقراءته , وختمها بالصلاة التي هي أعظم ~~أركانها , فكانت دلالتها عليه دلالة هي في غاية الوضوح , فكان كانه قال : ~~واقترب بقراءة القرآن في الصلاة , فكان إضماره أدل على العظمة الباهرة من ~~إظهاره , لدلالة الإضمار على أنه ما تم شيء ينزل غيره فهو بحيث لا يحتاج ~~إلى التصريح به , قال مفخما له بأمور : إضماره , وإسناد إنزاله إليه , وجعل ~~ذلك في مظهر العظمة , وتعظيم وقت إنزاله المتضمن لعظمة البلد الذي أنزل فيه ~~- على قول الأكثر , PageV08P490 والنبي الذي أنزل عليه , مؤكدا لأجل ما لهم ~~من الإنكار , { إنا } أي لما لنا من العظمة { أنزلناه } أي هذا الذكر كله ~~من اللوح المحفوظ إلى ms5974 بيت العزة من السماء الدنيا مرتبا هذا الترتيب الذي ~~جمع الله الأمة المعصومة عليه , وهو الموجود الآن , وكذا كان إنزال أول نجم ~~منه , وهو أول السورة الماضية إنزالا مصدقا لأن عظمته من عظمتنا بما له من ~~الإعجاز في نظمه , ومن تضاؤل القوى عن الإحاطة بعلمه , وأول ما أنزل منه ~~صدرها إلى خمس آيات منها آخرها ( ما لم يعلم ) على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهو مجاور في هذا الشهر الشريف بجبل حراء من جبال مكة المشرفة , ثم ~~صار ينزل مفرقا بحسب الوقائع حتى تم في ثلاث وعشرين سنة , وكلما نزل منه ~~نجم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بترتيبه في سورته عن أمر الله تعالى حتى ~~تم في السور على ما هو عليه الآن ما هو عليه في بيت العزة . | ولما عظمه ~~بما ذكر , زاده عظما بالوقت الذي اختار إنزاله فيه ليكون طالعه سعيدا لما ~~كان أثره حميدا فقال : { في ليلة القدر * } أي الليلة التي لها قدر عظيم ~~وشرف كبير , والأعمال فيها ذات قدر وشرف , فكانت بذلك كأنها مختصة بالقدر ~~فلا قدر لغيرها . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : ورد تعريفا بإنزال ~~ماتقدم الأمر بقراءته لما قدمت الإشارة إلى عظيم أمر الكتب , وأن السلوك ~~إليه سبحانه إنما هو من ذلك الباب , أعلم سبحانه وتعالى بليلة وعرفنا ~~بقدرها لنعتمدها في مظان دعائنا وتعلق رجائنا ونبحث في الاجتهاد في العمل ~~لعلنا نوافقها وهي كالساعة في يوم الجمعة في إبهام أمرها مع جليل قدرها ومن ~~قبيل الصلاة الوسطى , ولله سبحانه في إخفاء ذلك أعظم رحمة , وكان في ~~التعريف بعظيم قدر هذه الليلة التعريف بجلالة المنزل فيها , فصارت سورة ~~القدر من تمام ما تقدم ووضح اتصالها - انتهى . | ولما علم من السياق ~~تعظيمها بعظمة ما انزل فيها وبالتعبير عنها بهذا , قال مؤكدا لذلك التعظيم ~~حثا على الاجتهاد في إحيائها لأن للإنسان من الكس والتداعي إلى البطالة ما ~~يزهده في ذلك : { وما أدراك } أي وأي شيء أعلمك وأنت شديد التفحص { ما ليلة ~~القدر * } أي لم تبلغ ms5975 درايتك وأنت أعلم الناس غاية فضلها ومنتهى علي قدرها ~~على ما لك من سعة العلم وإحاطة الفكر وعظيم المواهب . | ولما ثبتت عظمتها ~~بالتنبيه على أنها أهل لأن يسأل عن خصائصها , قال مستأنفا : { ليلة القدر * ~~} أي التي خصصناها بإنزالنا له فيها { خير من ألف شهر * } أي خالية عنها أو ~~العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر , وذلك ثلاث ~~وثمانون سنة وأربعة أشهر , قالوا : وهي مدة ملك بني أمية سواء , وتسميتها ~~بذلك PageV08P491 لشرفها ولعظيم قدرها , أو أنه يفصل فيها من أم الكتاب ~~مقادير الأمور , فيكتب فيها عن الله حكم ما يكون من تلك الليلة إلى مثلها ~~من العام المقبل , من قولهم : قدر الله على هذا الأمر يقدره قدرا , أي قضاه ~~, وهي الليلة المرادة في سورة الدخان بقوله تعالى : { فيهايفرق كل أمر حكيم ~~} [ الدخان : 4 ] وذكر الألف إما للمبالغة بنهاية مراتب العدد ليكون أبلغ ~~من السبعين في تعظيمها أو لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر شخصا من مؤمني ~~بني إسرائيل لبس السلاح مجاهدا في سبيل الله ألف شهر , فعجب المؤمنون منه ~~فتقاصرت إليهم أعمالهم , فأعطاهم الله سبحانه وتعالى ليلة من قامها كان ~~خيرا من ذلك , وأبهمها في العشر الأخير من شهر رمضان في قول الجمهور على ما ~~صح من الأحاديث ليجتهدوا في إدراكها كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة ~~والصلاة الوسطى في الخمس , واسمه الأعظم في الأسماء , ورضاه في سائر ~~الطاعات ليرغبوا في جميعها , وسخطه في المعاصي لينتهوا عن جميعها , وقيام ~~الساعة في الأوقات ليجتهدوا في كل لحظة حذرا من قيامها , والسر في ذلك أن ~~النفيس لا يوصل إليه إلا باجتهاد عظيم إظهارا لنفاسته وإعظاما للرغبة فيه ~~وإيذانا بالسرور به , لكن جعل السورة ثلاثين كلمة سواء يرجح أنهم السابعة ~~والعشرون التي وازاها قوله هي - كما نقل عن أبي بكر الوراق . | ولما عظمها ~~, ذكر وجه العظم ليكون إعلاما بعد إبهام وهو أوقع في النفس فقال مستأنفا : ~~{ تنزل } أي تنزلا متدرجا هو أصلا على غاية ما يكون من ms5976 الخفة والسرعة بما ~~أشار إليه حذف التاء { الملائكة } أي هذ النوع العظيم الذي هو خير كله { ~~والروح } أي جبريل عليه الصلاة والسلام , خصه بيانا لفضله أو هو مع أشراف ~~الملائكة أو هو خلق أكبر من الملائكة أو هو أمر تسكن إليه نفوس العارفين ~~ويحصل به اليمن والبركة { فيها } وأشار إلى خفاء ذلك ذلك التنزل بإسقاط تاء ~~التنزل مع ما تقدم من الإشارات , ودل على زيادة البركة في ذلك التنزل وعظيم ~~طاعة الملائكة بقوله : { بإذن ربهم } أي بعلم المحسن إليهم المربي لهم ~~وتمكينه , وتنزلهم إلى الأرض أو السماء الدنيا أو تقربهم من المؤمنين , ~~متبدئ تنزلهم { من كل أمر * } أي الأمور الكلية التي يفرقون فيها بإذن الله ~~تفاصيل الأمور التي يريدها سبحانه في ذلك العام في أوقاتها من تلك الليلة ~~إلى مثلها من العام المقبل , أو من أجل تقدير كل شيء يكون في تلك السنة , ~~وعبر عن الشيء بالأمر إعلاما بأنهم لا يفعلون شيئا إلا بأمره . | ولما ذكر ~~سبحانه هذه الفضائل , كانت النتيجة أنها متصفة بالسلامة التامة كاتصاف ~~الجنة - التي هي سببها - بها , فكان ذلك أدل على عظمتها فقال تعالى : { ~~سلام } أي عظيم جدا { هي } أي ما هي إلا سلامة وخير ليس فيها شر , ولا يزال ~~ذلك السلام PageV08P492 والبركة فيها { حتى } أي إلى { مطلع الفجر * } أي ~~طلوعه ووقت طلوعه وموضع طلوعه , لا يكون فيه شر كما في غير ليلتها , فلا ~~تطلع الشمس في صبيحتها بين قرني الشيطان إن شاء الله تعالى , وذلك سر قراءة ~~الكسائي بالكسر - والله أعلم , واخير التعبير ب ( حتى ) دون ( إلى ) ليفهم ~~أن لما بعدها حكم ما قبلها , فيكون المطلع في حكم الليلة , وعن ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن جبريل عليه الصلاة والسلام ينزل ليلة القدر في كوكبة من ~~الملائكة ومعه لواء أخضر يركزه فوق الكعبة , ثم يفرق الملائكة في الناس حتى ~~سلموا على كل قائم وقاعد وذاكر وراكع وساجد إلى أن يطلع الفجر , فمن تأمل ~~هذه السورة علم منه ما للقرآن من العظمة فأقبل عليه بكليته يتلوه ms5977 حق تلاوته ~~كما أمر في سورة ( اقرأ ) فأمن من غير شك من هول يوم الدين المذكور في ~~التين , ومن تلاوته بحقه تعظيم ليلة القدر لما ذكر من شرفها , وذلك جاز إلى ~~الحرص عليها في كل السنة , فإن لم يكن ففي كل رمضان , فإن لم يكن ففي جميع ~~ليالي العشر الأخيرة منه , ليكون له من الأعمال بسبب فضلها ومضاعفة العمل ~~فيها ما لا يحصيه إلى الله تعالى بحيث إنه ربما يكون خيرا من عمل من اجتهد ~~فيما قبلنا ألف سنة , ورجوع آخرها بكون هذا التنزل في ليلة القدر على أولها ~~في غاية الوضوح لأن أعظم السلام فيها نزول القرآن , ولعلع كونها ثلاثين ~~كلمة إشارة إلى إن خلافة النبوة التي هي ثلاثون سنة بعد موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم التي آخرها يوم نزل أمير المؤمنين الحسن بن علي رضي الله عنهما ~~فيه عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ~~هي كليلة القدر في الزمان , وما بعدها كليالي العام فيه الفاضل وغيره , ~~وتلك المدة كانت لخمسة خلفاء أشارت إليهم حروف الكلمة الأخير منها , فالألف ~~لأبي بكر رضي الله عنه وهي في غاية المناسبة له , فإن الربانيين قالوا : هو ~~اسم للقائم المحيط الأعلى الغائب عن مقامه لكنها الحاضر معه وجودا كالروح , ~~وكذا كان رضي الله عنه حاضرا مع الأمة بوجوده وهو غائب عنهم بتوجهه , وجميع ~~قلبه إنما هو مع الله عز وجل , واللام لعمر رضي الله عنه وهي شديدة ~~المناسبة له فإنها صلة بين باطن الألف وظاهر الميم الذي هو لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم لأنه للتمام , وكذلك فعل - وصل بين السيريتن وصلا تاما بحيث وصل ~~ضعف الصديق في بدنه وقوته في أمر الله بقوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى انتظم به الأمر انتظاما لا مزيد عليه , والفاء لعثمان رضي الله تعالى ~~عنه وهو إشارة لبدء خلوص منته لتنقل بمزيد أو نقص , وآيته الفطرة الأولى , ~~وآيتها المحسوسة اللبن أول خروجه إذا أصابه أقل شيء من ms5978 الهواء الممدود غيره ~~, وكذلك الفطرة إذا أصابها أقل شيء من الهوى المقصود غيرها , وكذا كان حاله ~~رضي الله تعالى عنه , حصلت له آفات الإحسان إلى أقاربه الذي قاده إليه قويم ~~PageV08P493 فطرته حتى حصلت له الآفات الكبار رضي الله عنه , والجيم لعلي ~~رضي الله عنه وهو إشارة إلى الجمع , والإجمال الذي يحصل عنده عنا وهو أنسب ~~الأمور له رضي الله تعالى عنه فإنه حصل به الجمع بعد الافتراق العظيم بقتل ~~أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه شهيدا مظلوما , وحصل به الإجمال ~~لكن لم يتم التفصيل بسبب ما حصل من العناد , والراء إشارة إلى الحسن رضي ~~الله تعالى عنه وهو تطوير وتصيير وتربية , وهي لكل مرب مثل زوج المرأة وسيد ~~العبد , ولذلك فعل رضي الله عنه لما رأى الملك يهلك بقتل المسلمين رباه ~~بنزوله عن الأمر لمعاوية , فكان كالسيد أذن لعبده وربي أمره به , وقد سماه ~~النبي صلى الله عليه وسلم سيدا - رضي الله عنهم أجمعين , والله أعلم ~~بالصواب . | . . . | PageV08P494 < # > سورة البينة < # > | سورة الإعلام بأن هذا الكتاب القيم من علو مقداره وجليل آثاره أنه ~~كما أنه لقوم نور وهدى فهو لآخرين وقر وعمى ، فيقود إلى الجنة دار الأبرار ~~، ويسوق إلا النار دار الأشقياء الفجار ، وعلى ذلك دل كل من اسمائها ' ~~الذين كفروا ' ' والمنفكين ' بتأمل الآية في انقسام الناس إلى أهل الشقاوة ~~وأهل السعادة { بسم الله } الذي له العلو المطلق فلا يخرج شيء عن مراده { ~~الرحيم } الذي عم بنعمة إيجاده وبيانه جميع عباده { الرحيم } الذي خص أهل ~~وداده بالأعمال الصالحةى المتكلفة بإنجاء العامل بها وإسعاده . < < # | البينة : ( 1 - 4 ) لم يكن الذين . . . . . # > > ^ ( لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم ~~البينة * رسول من الله يتلو صحفا مطهرة * فيها كتب قيمة * وما تفرق الذين ~~أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جآءتهم البينة ) ^ } ) | لما أخبر سبحانه ~~وتعالى أن الليلة الشريفة التي صانها بنوع خفاء في تنزل من يتنزل فيها وفي ~~تعيينها لا تزال قائمة على ما لها من تلك الصفة حتى يأتي الفجر ms5979 الذي يحصل ~~به غاية البيان , أخبر أن أهل الأديان سواء كان لها أصل من الحق أم لا لم ~~يصح في العادة الجارية على حكمة الأسباب في دار الأسباب أن يتحولوا عما هم ~~فيه إلا بسبب عظيم يكون بيانه أعظم من بيان الفجر , وهو القرآن المذكور في ~~القدر والرسول المنزل عليه ذلك فقال : { لم يكن } أي في مطلق الزمان الماضي ~~والحال والاستقبال كونا هو كالجبلة والطبع , وهذا يدل على ما كانوا عليه ~~قبل ذلك من أنهم يبدلون ما هم عليه من الكفر أو الإيمان بكفر أو بدعة ثم لا ~~يثبتون لعيه لأن ذلك ليس في جبلاتهم , وإنما هو خاطر عارض كما هو محكي عن ~~سيرتهم من بعد موسى عليه الصلاة والسلام لما كانت PageV08P495 تسوسهم ~~الأنبياء عليهم السلام كما دل على بعض ذلك قوله تعالى : < # > 77 ( { فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا } ) 77 < # > [ المائدة : 71 ] وكذا المشركون كانوا يبدلون دين إسماعيل عليه الصلاة ~~والسلام ولا ينفصلون عنه بالكلية , وتارة يبعدون الأصنام , وتارة الملائكة ~~, وأخرى الجن , ولم يكونوا يثبتون على حالة واحدة ثباتا كليا مثل ثباتهم ~~على الإسلام بعد مجيء البينة ونسيانهم أمور الجاهلية بالكلية حتى نسوا ~~الميسر , فلم يكن أحد من أولادهم يعرف كيفيته وكذا السائبة وما معها وغيرها ~~ذلك من خرافاتهم { الذين كفروا } أي سواء كانوا عريقين في الكفر أم لا . | ~~ولما كان العالم أولى باتباع الحق وأشد جرما عند فعل ما يقتضي اللوم , بدأ ~~بقوله : { من أهل الكتاب } أي من اليهود والنصارى الذين كان أصل دينهم حقا ~~, فألحدوا فيه بالتبديل والتحريف والاعوجاج في صفات الله تعالى , ثم نسخه ~~الله تعالى بما شرع من مخالفته في الفروع وموافقته في الأصول فكذبوا { ~~والمشركين } أي بعبادة الأصنام والنار والشمس ونحو ذلك ممن هم منفصلين ~~زائلين عما كانوا عليه من دينهم انفكاكا يزيلهم عنه بالكلية بحيث لا يبقى ~~لهم به علقة , ويثبتون على ذلك الانفكاك , وأصل الفك الفتح والانفصال لما ~~كان ملتحما , من فك الكتاب والختم والعظم - إذا زايل ما كان ms5980 ملتصقا ومتصلا ~~به , أو عما في أنفسهم من ظن اتباع الحق إذا جاءهم الرسول المبشر به بما ~~كان أهل الكتاب يستفتحون به والمشركون يقسمون بالله جهد أيمانهم < # > 77 ( { لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم } ) 77 < # > [ فاطر : 42 ] فيصيروا بذلك أحزابا وفرقا { حتى } أي إلى أن { تأتيهم } ~~عبر بالمضارع لتجدد البيان في كل وقت بتجدد الرسال والتلاوة { البينة * } ~~أي الآية التي هي في البيان كالفجر المنير الذي لا يزداد بالتمادي غلا ~~ظهورا وضياء ونورا , وذلك هو الرسول وما معه من الآيات التي أعظمها الكتاب ~~سواء كان التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو الفرقان , ولذلك أبدل منها قوله ~~: { رسول } أي عظيم جدا , وزاد عظمته بقوله واصفا له : { من الله } أي الذي ~~له الجلال والإكرام { يتلوا } أي يقرأ قراءة متواترة ذلك الرسول بعد ~~تعليمنا له { صحفا } جمع صحيفة وهي القرطاس والمراد ما فيها , عبر بها عنه ~~لشدة المواصلة { مطهرة * } أي هي في غاية الطهارة والنظافة والنزاهة من كل ~~قذر بما جعلنا لها من البعد من الأدناس بأن الباطل من الشرك بألأوثان ~~وغيرها من كل زيغ لا يأتيها من بين يديها ولا من خلفها وأنها لا يمسها إلا ~~المطهرون , وقراءته وإن كان أميا لمثل ما فيها قراءة لها . | ولما عظمه بأن ~~وصف صحفه التي هي محل المكتوب بالطهارة , بين سبب ذلك فقال : { فيها } أي ~~PageV08P496 تلك الصحف { كتب } جمع كتاب أي علوم هي لنفاستها حقيقة بأن ~~تكتب { قيمة * } أي هي في غاية الاستقامة لنطقها بالحق الذي لا مرية فيه ~~ليس فيها شرك ولا عوج بنوع من الأنواع , فإذا أتتهم هذه البينة انفكوا ~~وانفكاكهم أنهم كانوا مجتمعين قبل هذا , أهل الكتاب يؤمنون بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم لما عندهم من البشائر الصريحة به , والمشركون يقولون : لئن جاءنا ~~نذير لنكونن أهدى من إحدى الأمم , ويقولون : نحن نعرف الحق لأله ولا ندفعه ~~بوجه , فلما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بما لا شبهة فيه تفرقوا , ~~فبعضهم آمن وبعضهم كفر . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : هي ms5981 من كمال ما ~~تقدمها لأنه لما أمره عليه الصلاة والسلام بقراءة كتابه الذي به اتضحت ~~سبيله وقامت حجته , وأتبع ذلك بالتعريف بليلة إنزاله وتعظيمها ما أهلت له ~~مما أنزل فيها , أتبع ذلك بتعريفه صلى الله عليه وسلم بأن هذا الكتاب هو ~~الذي كانت اليهود تستفتح به على مشركي العرب وتعظم أمره وأمر الآتي به , ~~حتى إذا حصل ذلك مشاهدا لهم كانوا هم أول كافر به , فقال تعالى : { لم يكن ~~الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة - إلى قوله ~~: وذلك دين القيمة } وفي التعريف بهذا تأكيد ما تقدم بيانه مما يثمر الخوف ~~وينهج بإذن الله التسليم والتبرؤ من ادعاء حول أو قوة , فإن هؤلاء قد كانوا ~~قدم إليهم في أمر الكتاب والآتي به يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل , وقد كانوا إليهم في أمر الكتاب والآتي به يجدونه مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل , وقد كانوا يؤملون الانتصار به عليه الصلاة والسلام ~~من أعدائهم ويستفتحون بكتابه , فرحم الله من لم يكن عنده علم منه كأبي بكر ~~وعمر وأنظارهما رضي الله عنهم أجمعين , وحرم هؤلاء الذي قد كانوا على بصيرة ~~من أمره وجعله بكفرهم شر البرية , ورضي عن الآخرين ورضوا عنه , وأسكنهم في ~~جواره ومنحهم الفوز الأكبر والحياة الأبدية وإن كانوا قبل بعثه عليه الصلاة ~~والسلام على جهالة وعمى , فلم يضرهم إذا قد سبق لهم في الأزل ( أولئك هم ~~خير البرية ) انتهى . | ولما كان التقدير : فإذا أتتهم انفكوا , فلقد تفرق ~~المشركون بعد إتيانك وأنت البينة العظمى إليهم إلى مهتد وضال , والضال إلى ~~مجاهر ومساتر , وكذا أهل الكتاب , ثم ما اجتمع العرب على الهدى إلا من بعد ~~ما جاءتهم البينة , عطف على هذا الذي أفهمه السياق قوله معلما بزيادة القبح ~~في وقوع الذنب من العالم بإفرادهم بالتصريح عن المشركين : { وما تفرق } أي ~~الآن وفيما مضى من الزمان تفرقا عظيما { الذين } ولما كانوا في حال هي أليق ~~بالإعراض , بنى للمفعول قوله : { أوتوا الكتاب } أي عما كانوا عليه من ~~الإطباق على الضلال أو ms5982 الوعد باتباع الحق المنتظر في محمد صلى الله عليه ~~وسلم , وكذا كان فعلهم في عيسى صلى الله عليه وسلم من قبل , فاستمر بعضهم ~~على الضلال وبالغ في نقض العهد والعناد , ووفى بعض بالوعد فاهتدى , وكان ~~تفرقهم لم يعد تفرقا إلا زمنا يسيرا , ثم PageV08P497 اجتمعوا فلم يؤمن ~~منهم من يعد خلافته لباقيتهم تفرقا لكونه قليلا من كثير , فلذلك أدخل الجار ~~فقال : { إلا من بعد } وكان ذلك الزمن اليسير هو بإسلام من أسلم من قبائل ~~العرب الذين كانوا قد أطبقوا على النصرانية من تنوخ وغسان وعاملة وبكر بن ~~وائل وعبد القيس ونحوهم وكذا من كان تهود من قبائل اليمن وأسلم , ثم أطبق ~~اليهود والنصارى على الضلال فلم يسلم منه إلى من لا يعد لقلته مفرقا لهم { ~~ما } أي الزمن الذي { جاءتهم } فيه أو مجيء { البينة * } فكان حالهم كما ~~قال سبحانه ^ ( { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما ~~عرفوا كفروا به } ) ^ [ البقرة : 89 ] وقد كان مجيء البينة يقتضي اجتماعهم ~~على الحق , لا تفرقهم فيه , وكأنه أشار إلى المشركين بالعاطف ولم يصرح ~~بذكرهم لأنهم كانوا عكس أهل الكتاب لم يتفرقوا إلا زمنا يسيرا في أول الأمر ~~, فكان الضال منهم أكثر , ثم أطبقوا على الهدى لما لهم من قويم الطبع ~~ومعتدل المزاج , فدل ذلك على غاية العوج لأهل الكتاب على أن وقوع اللدد من ~~العلم أولى من المشركين بالاجتماع على الهدى , ودل ذلك على أن وقوع اللدد ~~والعناد من العالم أكثر , وحصوله الآفة لهم من قوة ما لطباعهم من كدر النقص ~~بتربيته وتنميته بالمعاصي من أمل السحت من الربا وغيره من الكبائر والتسويف ~~بالتوبة , فألفت ذلك أبدانهم فأشربته قلوبهم حتى تراكم ظلامها , وتكاثف ~~رينها وغمامها , فلما دعوا لم يكن عندهم شيء من نور تكون لهم به قابلية ~~الانقياد للدعاء . | < < # | البينة : ( 5 - 8 ) وما أمروا إلا . . . . . # > > ^ ( ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفآء ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة * إن الذين كفروا من أهل الكتاب ~~والمشركين في نار جهنم خالدين ms5983 فيهآ أولئك هم شر البرية * إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية * جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من ~~تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه ) ~~^ } ) | ولما كان حال من ضل على علم أشنع , زاد في فضيحتهم فقال : { وما } ~~أي فعلوا ذلك والحال أنهم ما . | ولما كان المقصود بروز الأمر المطاع , لا ~~تعيين الآمر , قال بعد وصف الصحف بأنه ثبت أنها قيمة بانيا للمفعول : { ~~أمروا } أي وقع أمرهم بما أمروا به ممن إذا أطلق الأمر لم يستحق أن ينصرف ~~إلا إليه , في تلك الكتب التي وجب ثبوت اتباعها وأذعنوا له { إلا ليعبدوا } ~~أي لأجل أن يعبدوا { الله } أي الإله الذي له الأمر كله ولا أمر لأحد غيره ~~بأن يوجدوا عبادته ويجددوها في كل وقت , والعبادة والامتثال أمر الله تعالى ~~كما أمر على الوجه المأمور به من أجل أنه آمر , مع المبادر بغاية الحب ~~PageV08P498 والخضوع والتعظيم , وذلك مع الاقتصاد لئلا يمل الإنسان فيخل أو ~~يحصل له الإعجاب فتفسد عبادته , حال كونهم { مخلصين } أي ثابتا غاية الثبات ~~إخلاصهم { له الدين } بحيث لا يكون فيه شوب شيء مما يكدره من شرك جلي ولا ~~خفي بأن يكون الامتثال لكونه أمر لرضاه لا لشي من نفع ولا دفع , ويكون ذلك ~~على الصواب , فإن كثيرا من العاملين يكون خلصا , ويكون بناؤه بغير أساس ~~صالح , فلا ينفعه بل يكون وبالا عليه , فإنه ضيع الأصل كالرهبان وكذا كثير ~~ممن يعتقد ولاية شخص وهو لا يعرف أن يميز بين الولي والعدو والمكرم ~~والمستدرج , وحقيقة الإخلاص بأنه إفراد الحق في الطاعة بالقصد مع نسيان ~~الخلق في الأعمال والتوصل إليه بالتوقي من ملاحظتهم مع التنقي عن مطالعة ~~النفس برؤية العبد نفسه عبدا مأمورا لا يريد ثوابا , جاعلا كل شيء وسيلة ~~إلى الله , وعلامته عدم رؤية العمل , ويعرف ذلك بالخوف وعدم الالتفات إلى ~~طلب الثواب , وبالحياء منه لكونه يرى أنه ما قام بحق السيد على ما ينبغي ~~كما قال تعالى : < # > 77 ( { يؤتون ما ms5984 آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون } ) 77 < # > [ المؤمنون : 60 ] قال القشيري : ويقال : الإخلاص تصفية العمل من الخلل ~~, وقال الرازي : الإخلاص النية الصافية لأن النية دائمة , والعمل ينقطع , ~~والعمل يحتاج إلى النية , والنية لا تحتاج إلى العمل , ولأجل ما أفهمه ~~التعبير بالاسم من التمكن والثبات أكده بقوله : { حنفاء } أي في غاية الميل ~~مع الدليل إلى القوم بحيث لا يكون عندهم اعوجاج أصلا , بل مهما حصل أدنى ~~زيغ عرضوه على الدليل فمالوا معه بما لهم من الحنف فقادهم إلى الصلاح ~~فصاروا في غاية الاستقامة , وتلك هي العبادة الإحسانية , وأصل الحنف في ~~اللغة : الميل , قال الملوي : وخصه العرف بالميل إلى الخير , ولذا سمي ~~الأحنف بن قيس لميل في رجليه إلى داخل من جهة القدام إلى الوراء , وسموا ~~الميل إلى الشر إلحادا , فالحنيف المطلق الذي يكون متبرئا عن أصول الملل ~~الخمس : اليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين , وعن فروعها من جميع ~~النحل إلى الاعتقادات الحقة , وعن توابعها من الخطايا والسيئات إلى العمل ~~الصالح وهو مقام التقى , وعن المكروهات إلى المستحبات وهو المقام الأول من ~~الورع , وعن الفضول شفقة على خلق الله وهو المقام الثاني من الورع , وعما ~~يجر إلى الفضول وهو مقام الزهد , فالآية جامعة لمقامي الإخلاص الناظر ~~أحدهما إلى الحق , والثاني إلى الخلق , فالإخلاص لمقام المشتغل بالمصفى له ~~لأنه إفراد الحق بالقصد في الطاعة , والخوف لمقام المشتغل بالمصفى منه لأنه ~~الميل عن سائر المخلوقات إلى الله تعالى وإلى ما يرضه . | ولما ذكر أصل ~~الدين , أتبعه الفروع , فبدأ بأعظمها الذي هو مجمع الدين وموضع PageV08P499 ~~التجرد عن العوائق فقال : { ويقيموا } أي يعدلوا من غير اعوجاج ما , بجميع ~~الشرائط والأركان والحدود { الصلاة } لتصيرة بذلك أهلا لأن تقوم بنفسها , ~~وهي التعظيم لأمر الله تعالى . | ولما ذكر صلة الخالق , أتبعها وصلة ~~الخلائق فقال : { ويؤتوا الزكاة } أي بأن يحضروها لمستحقيها على خلق الله ~~إعانة على الدين , ولكنهم حرفوا ذلك وبدلوه بطباعهم المعوجة , وتدخل الزكاة ~~عند أهل الله في كل ما رزق الله من عقل وسمع وبصر ولسان ويد ورجل ms5985 ووجاهة ~~وغير ذلك - كما هو واضح من قوله تعالى : < # > 77 ( { ومما رزقناهم ينفقون } ) 77 < # > [ البقرة : 3 - والأنفال : - 3 ] . | ولما كان هذا دينا حسنا بينا ~~فضلوا عنه على ما عندهم من الأدلة , زاد في توبيخهم بمدحه فقال : { وذلك } ~~أي والحال أن هذا الموصوف من العبادة على الوجه المذكور الذي هو في غاية ~~العلو والخير { دين القيمة * } أي الملة أو النفوس أو الكتب التي لا عوج ~~فيها , وهو على الأول من إضافة الموصوف إلى الصفة , وعن الخليل أنه قال : ~~هو جمع قيم , والقيم والقائم واحد , والمعنى دين القائمين لله تعالى ~~بالتوحيد , ودل على ما قدرته في أمر المشركين بذكرهم في نتيجة ما مضى في ~~قوله مؤكدا لاجل إنكارهم : { إن الذين كفروا } أي وقع منهم الستر لمرائي ~~عقولهم بعد صرفها للنظر الصحيح فضلوا واستمروا على ذلك وإن لم يكونوا ~~عريقين فيه { من أهل الكتاب } أي اليهود والنصارى { والمشركين } أي ~~العريقين في الشرك , ودل بالإتيان بالوصف هنا والفعل في أولئك - والله أعلم ~~- على أن المشرك يرجع عن شركه ويؤمن إن لم يكن عريقا في الشرك بخلاف أهل ~~الكتاب متى تلبس أحد منهم بكفر لا يرجع عنه وإن كان تلبسه به على أضعف ~~الوجوه , وكذا كل من ينسب إلى علم ولا سيما إن كان بليدا متى عرضت له شبهة ~~بعد رجوعه عنها , فلذلك جميع بينهم في قوله : { خالدين فيها } أي يوم ~~القيامة أو في الحال لسعيهم في موجباتها , واشتراك الفريقين في جنس العذاب ~~لا يوجب التساوي في النوع بل يختلف بحسب اشتداد الكفر وخفته . | ولما كان ~~معظم السياق للعبادة والترغيب فيها من القراءة والسجود والانفكاك عن الكفر ~~, لم يذكر التأبيد بلفظه , بل اكتفى بما دل عليه وقال في نتيجة ما مضى : { ~~أولئك } أي البعداء البغضاء { هم } أي خاصة بما لضمائرهم من الخبث { شر ~~البرية * } أي الخليقة الذين أهملوا إصلاح أنفسهم , وفرطوا في حوائجهم ~~ومآربهم , وهذا نار لأرواحهم حين ينادى عليهم به . | PageV08P500 ولما ذكر ~~الأعداء وبدأ بهم , لأن السياق لذم من جمد من المألوف وترك المعروف ms5986 , أتبعه ~~الأولياء فقال مؤكدا لما للكفار من الإنكار : { إن الذين آمنوا } أي أقروا ~~بالإيمان من الخلق كلهم الملائكة وغيرهم { وعملوا } أي تصديقا لإيمانهم { ~~الصالحات } أي هذا النوع , ولما كان نعيم القلب أعظم , قدمه على نعيم البدن ~~إبلاغا في مدحهم فقال : { أولئك } أي العالو الدرجات { هم } أي خاصة { خير ~~البرية * } . | ولما خصصهم بالخيرية , ذكر ثوابهم , فقال ذاكرا جنة أبدانهم ~~معظما لهم بالتعبير عن إنعامه عليهم بلفظ الجزاء المؤذين بأنه مقابلة ما ~~وصفوا به : { جزاؤهم } أي على طاعاتهم , وعظمه بقوله : { عند ربهم } إليهم ~~المربي لهم وأي المحسن { جنات عدن } أي إقامة لا تحول عنها { تجري } أي ~~جريا دائما لا انقطاع له . | ولما كان عموم الماء مانعا من تمام اللذة , ~~قرب وبعض بقوله : { من تحتها } أي تحت أرضها وغرفها وأشجارها { الأنهار } . ~~| ولما كانت اللذة لا تكمل إلا بالدوام قال : { خالدين فيها } ولما كان ~~النظر إلى الترغيب في هذا السياق أتم حثا على اتباع الدليل المعروف , ~~والمفارقة للحال المألوف , أكد معنى الخلود تعظيما لجزائهم بقوله : { أبدا ~~} . | ولما كان هذا كله ثمرة الرضا , وكان التصريح به أقر للعينه لأنه جنة ~~الروح , قال مستأنفا أو معللا : { رضي الله } أي لما له مننعوت الجلال ~~والجمال { عنهم } أي بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق . | ولما كان ~~الرضا إذا كان من الجانبين , كان أتم وأعلى لهم قال : { ورضوا عنه } لأنهم ~~لم يبق لهم أمنية إلا أعطوهموها مع علمهم أنه متفضل في جميع ذلك , لا يجب ~~عليه لأحد شيء ولا يقدر أحد حق قدره , فلو أخذ الخلق بما يستحقونه أهلكهم , ~~وأعظم نعمه عليهم ما من عليهم به من متابعتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~, فإن ذلك كان سببا لكل خير . | ولما كان ذلك ربما ادعى أنه لناس مخصوصين ~~في زمان مخصوص , قال معمما له ومنبها على الوصف الذي كان سبب أعمالهم التي ~~كانت سبب جزائهم : { ذلك } أي الأمر العالي الذي جوزوا به { لمن خشي ربه * ~~} أي خاف المحسن إليه خوفا يليق به , فلم يركن إلى التسويف والتكاسل , ولم ms5987 ~~يطبع نفسه بالشر بالجري مع الهوى في التطعم بالمحرامات بل كان ممن يطلب ~~معالي الأخلاق فيستفتي قلبه فيما يرضي ربه , فكان تواتر إحسانه يزيده خوفا ~~فيزيده شكرا , فإن الخشية ملاك الأمر , والباعث على كل خير , PageV08P501 ~~وهي للعارفين , قال الملوي ما معناه : إن الإنسان إذا استشعر عقابا يأتيه ~~أو خسرا , لحقته حالة يقال لها الخوف وهي انخلاع القلب عن طمأنينة الأمن ~~وقلقه واضطرابه لتوقع مكروه , فإن اشتد سمي وجلا لجولانه في نفسه , فإذا ~~اشتد سمي رهبا لأدائه إلى الهرب , وهي حالة المؤمنين الفارين إلى الله ومن ~~غلب عليه الحب لاستغراق في شهود الجماليات لحقته حالة تسمى مهابة إذ لا ~~ينفك عن خوف إبعاد أو صد لغفلة أو ذلة , ومن غلب عليه التعظيم لاستغراق في ~~شهود الجلاليات صار في الإجلال , ووراء هذا الخشية < # > 77 ( { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ) 77 < # > [ فاطر : 28 ] فمن خاف ربه هذا الخوف انفك من جميع ما عنده مما لا يليق ~~بجنابه سبحانه , ولم يقدح في البينة ولا توقف فيها وما فارق الخوف قلبا إلا ~~خرب , فكان جديرا بأن يقدح في كل ما أدى إلى العمارة , وقد رجع آخر السورة ~~على أولها بذلك , وبتصنيف الناس صنفي , ك صنف انفك عن هوى نفسه فأنجاها , ~~وصنف استمر في أسرها فأرداها , وقد ذكرت في ( مصاعد النظر للاشراف على ~~مقاصد السور ) سر تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم لأبي رضي الله عنه بقراءة ~~هذه السورة عليه بخصوصها , وحاصله أن سبب تخصيصه بذلك أنه وجد اثنين من ~~الصحابة رضي الله عنهم قد خالفاه في القراءة فرفعهما إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأرمهما فعرضها عليه فحسن لهما , قال : فسقط في نفسي من التكذيب ~~أشد مما كان في الجاهلية , فضرب صلى الله عليه وسلم في صدري ففضت عرقا , ~~وكأنهما أنظر إلى الله فرقا , ثم قص لعي خبر التخفيف بالسبعة الأحرف , ~~وكانت السورة التي وقع فيها الخلاف النحل وفيها أن الله يبعث رسوله صلى ~~الله عليه وسلم يوم البعث شهيدا , وأنه نزل عليه الكتاب ms5988 تبيانا لكل شيء ~~وهدى ورحمة , وأنه نزل عليه روح القدس بالحق ليثبت الذين آمنوا , وأن ~~اليهود اختلفوا في السبت , وسورة { لم يكن } على قصرها حاوية إجمالا لكل ما ~~في النحل على طولها بزيادة , وفيها التحذير من الشك بعد البيان , وتقبيح ~~حال من فعل ذلك , وأن حاله يكون كحال الكفرة من أهل الكتاب في العناد , ~~فيكون شر البرية , فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم عليه رضي الله عنه ~~تذكيرا له بذلك كله على وجه أبلغ وأخصر ليكون أسرع له تصورا فيكون أرسخ في ~~النفس وأثبت في القلب وأعشق للطبع , فاختصه الله بالتثبيت وأراد له الثبات ~~, فكان من المريدين المرادين لما وصل إليه قلبه ببركة ضرب النبي صلى الله ~~عليه وسلم بما يتذكر من الأمر الشريف يكون أصفى الصحابة رضي الله عنهم ~~مراقبة لتلاوة النبي صلى الله عليه وسلم بما يتذكر من الأمر الشريف بتخصيصه ~~بذلك , فيصير كلما قرأها هذه السورة الجامعة غائبا عن تلاوة نفسه مصغيا ~~بأذني قلبه إلى روح النبوة يتلو عليه ذلك فيدوم له حال الشهود الذي وصل ~~إليه بسر تلك PageV08P502 الضربة . | ولثبوته في هذا المقام قال صلى الله ~~عليه وسلم : ( أقرؤكم أبي ) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس رضي الله ~~تعالى عنه وهو صحيح ورواه بعضهم مرسلا , ومما فيه ولم أذكره في المصاعد سنة ~~التواضع حتى لا يمنع أحدا ما يراه من علوه من القراءة على من هو دونه فإنه ~~ما منع أكثر أهل الكتاب من الإسلام إلا رؤية ما كانوا عليه من العلم بكتب ~~الله وسنن الرسل عليهم الصلاة والسلام وجهل العرب بذلك , فنظروا إلى ما كان ~~ولم ينظروا إلى الحالة الراهنة الآن , فحلق السحد أديانهم وسلبهم إيمانهم , ~~وصاروا أشقى الناس - كما نبه عليه أول السورة - نسأل الله العفو والعافية ~~في الدين والدنيا والآخرة - آمين . | . . . | PageV08P503 < # > سورة الزلزلة < # > | مقصودها انكشاف الأمور ، وظهور المقدور أتم ظهور ، وانقسام الناس في ~~الجزاء في دار البقاء إلى سعادة وشقاء ، وعلى ذلك دل اسمها بتامل الظرف ~~ومظروفه ، وما أفاد من بديع القدر ms5989 وصروفه { بسم الله } المحيط بكل شيء ~~قدؤرة وعلما { الرحمن } الذي عم الخلق بنعمته الظاهرة قسما { الرحيم } الذي ~~أتم النعمة على خواصه حقيقة واسما ، عينا ورسما . < < # | الزلزلة : ( 1 - 8 ) إذا زلزلت الأرض . . . . . # > > ^ ( إذا زلزلت الأرض زلزالها * وأخرجت الأرض أثقالها * وقال الإنسان ~~ما لها * يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها * يومئذ يصدر الناس أشتاتا ~~ليروا أعمالهم * فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ~~) ^ } ) | لما ختم تلك بجزاء الصالح والطالح في دار البقاء على ما أسلفوه ~~في مواطن الفناء , ذكر في هذه الأول مبادئ تلك الدار وأوائل غاياتها , وذكر ~~في القارعة ثواني مبادئها وآخر غاياتها , وأبلغ في التحذير بالإخبار بإظهار ~~ما يكون عليه الجزاء , فقال معبرا بأداة التحقق لأن الأمر حتم لا بد من ~~كونه : { إذا } . | ولما كان المخوف الزلزلة ولو لم يعلم فاعلها , وكان ~~البناء للمفعول يدل على سهولة الفعل ويسره جدا , بنى للمفعول قوله : { ~~زلزلت الأرض } أي حركت واضطربت زلزلة البعث بعد النفخة الثانية بحيث يعمها ~~ذلك لا كما كان يتفق قبل ذلك من زلزلة بعضها دون بعض وعلى وجه دون ذلك , ~~وعظم هذا الزلزال وهوله بإبهامه لتذهب النفس فيه كفل مذهب , فقال كاسرا ~~الزاء لأنه مصدر , ولو فتحها لكان اسما للحركة , قال البيضاوي : وليس إلا ~~في المضاعف . | { زلزالها * } أي تحرها واضطرابها الذي يحق لها في مناسبته ~~لعظمة جرم الأرض وعظمة ذلك اليوم , ولو شرح بما يليق به لطال PageV08P504 ~~الشرح , وذلك كما تقول : أكرم التقي إكرامة وأهن الفاسق الشقي إهانة , أي ~~على حسب ما يليق به . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : وردت عقب سورة ~~البرية ليبين بها حصول جزاء الفريقين ومآل الصنفين المذكورين في قوله : { ~~إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين } - إلى قوله : { أولئك شر البرية ~~} وقوله : { إن الذين آمنوا } - إلى آخر السورة . | ولما كان حاصل ذلك ~~افتراقهم على صنفين ولم يقع تعريف بتباين أحوالهم , أعقب ذلك بمآل الصنفين ~~واستيفاء جزاء الفريقين المجمل ذكرهم فقال تعالى : { يومئذ يصدر الناس ~~أشتاتا ليروا أعمالهم } إلى ms5990 آخر السورة - انتهى . | ولما كان الاضطراب ~~العظيم يكشف عن الخفي في المضطرب قال : { وأخرجت } وأظهر ولم يضمر تحقيقا ~~للعموم فقال : { الأرض } أي كلها { أثقالها } أي مما هو مدفون فيها كاأموات ~~والكنوز التي كان أمرها ثقيلا على الناس , وهو جمع ثقل بالكسر , وذلك حين ~~يكون البعث والقيام متأثرا ذلك الإخراج عن ذلك الزلزال , كما يتأثر عن ~~زلزال البساط بالنفض إخراج ما في بطنه وطيه وغضونه من وسخ وتراب وغيره , ~~وما كان على ظهرها فهو ثقل لعيها لأنها يعطيها الله قوة إخراج ذلك كله كما ~~كان يعطيها قوة أن تخرج النبت الصغير اللطيف الطري الذي هو أنعم من الحرير ~~فيشق الأرض الصلبة التي تكل عنها المعاول والحديد , ويشق النواة مع ما لها ~~من الصلابة التي تستعصي بها على الحديد فينفلق نصفين وينبت منها منا يريده ~~سبحانه وتعالى , ويفلق قشر الجوز واللوز ونوى الخوخ وغيره ما هو في غاية ~~الصلابة كما نشاهده , ويخرج منه الشجرة بشق الأرض على ضعفه ولينه وصلابتها ~~وبكونه على ظهرها حتى يصير أغلظ شيء واشده , وكذا الحب سواء , فالذي قدر ~~على ذلك هو سبحانه وتعالى قادر على تكوين الموتى في بطن الأرض وإعادتهم على ~~ما كانوا عليه كما يكون الجنين في البطن ويشق جميع منافذه على التحذير من ~~السمع والبصر والفم وغير ذلك من غير أن يدخل إلى هناك بيكار ولا منشار , ثم ~~يخرج من البطن , فكذا إخراج الموتى من غير فرق , كل عليه هين - سبحانه ما ~~أعظم شأنه وأعز سلطانه . | ولما كان الإنسان إذا رأى هذا عجب له ولم يدرك ~~سببه لأنه أمر عظيم فظيع يبهر عقله ويضيق عنه ذرعه , عبر عنه بقوله : { ~~وقال الإنسان } أي هذا النوع الصادق بالقليل والكثير لما له من النسيان لما ~~تأكد عنده من أمر البعث بما له من الأنس بنفسه والنظر في عطفه , على سبيل ~~التعجب والدهش أو الحيرة , ويجوز أن يكون القائل الكافر كما يقول : < # > 77 ( { من بعثنا من مرقدنا } ) 77 < # > [ يس : 52 ] فيقول له المؤمن : < # > 77 ( { هذا ما وعد الرحمن ms5991 وصدق المرسلون } ) 77 < # > [ يس : 52 ] { ما لها * } أي أي شيء للأرض في هذا الأمر الذي لم يعهد ~~مثله . | PageV08P505 ولما طال الكلام وأريد التهويل , أبدل من ( إذا ) ~~قوله معرفا للإنسان ما سأل عنه : { يومئذ } أي إذ كان ما ذكر من الزلزال ~~وما لزم عنه ونصبه وكذا ما أبدل منه بقوله : { تحدث } أي الأرض بلسان الحال ~~بإخراج ما في بطنها من الموتى والكنوز وغيرها على وجه يعلم الإنسان به لم ~~زلزلت ولم أخرجت , وأن الإنذار بذلك كان حقا , وقال ابن مسعود رضي الله عنه ~~: تحدث بلسان المقال . | { أخبارها * } أي التي زلزلت وأخرجت ما أخرجت ~~لأجلها , وكل شيء عمل عليها شهادة منها على العاملين فتقول : عمل فلان كذا ~~وكذا - تعدد حتى يود المجرم أنه يساق إلى النار لينقطع عنه تعداد ذلك الذي ~~يلزم منه العار , وتشهد للمؤمن بما عمل حتى يسره ذلك , فيشهد للمؤذن كل ما ~~امتد إليه صوته من رطب ويابس . | ولما كان من المقرر أنه لا يكون شيء إلا ~~بإذنه تعالى , وكان قد بنى الأفعال لما لم يسم فاعله , فكان الجاهل ربما ~~خفي عليه فاعل ذلك قال : { بأن } أي تحدث بسبب أن { ربك } اي المحسن إليك ~~بإحقاق الحق وإزهاق الباطل لإعلاء شأنك { أوحى } وعدل عن حرف النهاية ~~إيذانا بالإسراع في الإيحاد فقال : { لها * } أي بالإذن في التحديث المذكور ~~بالحال أو المقال . | ولما أخبر تعالى بإخراج الأئقال التي منها الأموات , ~~اشتد التشوف إلى هيئة ذلك الإخراج وما يتأثر عنه , فقال مكررا ذكر اليوم ~~زيادة في التهويل : { يومئذ } أي إذ كان ما تقدم وهو حين يقوم الناس من ~~القبور { يصدر } أي يرجع رجوعا هو في غاية السرعة والاهتداء إلى الموضع ~~الذي ينادون منه لا يغلط منهم فيه ولا يضل عنه { الناس } من قبورهم إلى ~~ربهم الذي كان لهم بالمرصاد ليفصل بينهم { أشتاتا * } أي متفرقين بحسب ~~مراتبهم في الذوات والأحوال من مؤمن وكافر , وآمن وخائف , ومطيع وعاص . | ~~ولما ذكر ذلك , أتبعه علته فقال بانيا للمفعول على طريقة كلام القادرين : { ~~ليروا } أي يرى الله المحسن ms5992 منهم والمسيء بواسطة من يشاء من جنوده أو بغير ~~واسطة حين يكلم سبحانه وتعالى كل أحد من غير ترجمان ولا واسطة كما أخبر ~~بذلك رسوله صلى الله عليه وسلم { أعمالهم * } فيعلموا جزاءها أو صادرين عن ~~الموقف كل إلى داره ليرى جزاء عمله , ثم سبب عن ذلك قوله مفصلا التي قبله : ~~{ فمن يعمل } من محسن أو مسيء مسلم أو كافر { مثقال } أي مقدار وزن { ذرة ~~خيرا } أي من جهة الخير { يره * } أي حاضرا لا يغيب عنه شيء منه لأن ~~المحاسب له الإحاطة علما وقدرة , فالكافر يوقف على أنه جوزي به في الدنيا ~~أو أنه أحبط لبنائه على غير أساس الإيمان , فهو صورة بلا معنى ليشتد ندمه ~~ويقوى حزنه وأسفه , والمؤمن يراه ليشتد سروره به . | ولما ذكر الخير , ~~أتبعه ضده فقال : { ومن يعمل } أي كائنا من كان { مثقال ذرة PageV08P506 ~~شرا } أي من جهة الشر { يره } فما فوقه , فالمؤمن يراه ويعلم أنه قد غفر له ~~ليشتد فرحه , والكافر يراه فيشتد حزنه وترحه , والذرة النملة الصغيرة أو ~~الهباءة التي ترى طائرة في الشعاع الداخل من الكوة , وقد رجع آخرها على ~~أولها بتحديث الأخبار وإظهار الأسرار , وقد ورد في حديث الأعرابي أن هذه ~~السورة جامعة لهذه الآية الأخيرة , وقال ابن مسعود رضي الله عنه : إنها ~~أحكم آية في القرآن , وكان رسول الله عليه صلى الله عليه وسلم يسميها ~~الفاذة الجامعة , ومن فقه ذلك لم يحقر ذنبا وإن دق لأنه يجتمع إلى أمثاله ~~فيصير كبيرا كما قال صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها : ( إياك ~~ومحقرات الذنوب , فإن لها من الله طالبا ) وروي كما ذكرته في كتابي ( مصاعد ~~النظر في الإشراف على مقاصد السور ) في حديث ( إنها تعدل نصف القرآن ) وفي ~~حديث آخر أنها تعدل ربع القرآن , ولا تعارض , فالأول نظر إليها من جهة أن ~~الأحكام تنقسم إلى أحكام الدنيا وأحكام الآخرة , وهذه السورة اشتملت على ~~أحكام الآخرة إجمالا , وزادت على القارعة بإخراج الأثقال وأن كل أحد يرى كل ~~ما عمل , والثاني نظر إليه باعتبار ms5993 ما تضمنه الحديث الذي رواه الترمذي عن ~~علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يؤمن عبد حتى ~~يؤمن بأربع : يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله بعثني بالحق , ويؤمن ~~بالموت , ويؤمن بالبعث بعد الموت , ويؤمن بالقدر ) فاقتضى هذا الحديث أن ~~الإيمان بالبعث الذي قررته هذه السورة ربع الإيمان الكامل الذي دل عليه ~~القرآن , وأيضا فأمر الدين أربع أجزاء : أمر المعبود , وأمر العبيد , وأمر ~~العبادة على وجه الخصوص والخفاء وإن اكنت على وجه التمام والوفاء , وسورة ~~النصر ربع لأنها لأمر العبادة على وجه العموم والجلاء والظهور والعلاء - ~~والله الهادي للصواب وإليه المآب . | . . . | PageV08P507 < # > سورة العاديات < # > | مقصودها اإعلام بأن أكثر الخلق يوم الزلزلة هالك لإيثار الفاني من ~~العز والمال على الباقي عند ذي الجلال ، المدلول عليه بالقسم وه والعاديلت ~~والمقسم عليه وما عطف عليه ، وقد علم أن اسمها أدل شيء على ذلك لما هدى ~~إليه القسم والمقسم عليه : { بسم الله } الذي له الأمر كله فلا يسأل عما ~~يفعل { الرحمن } الذي عم بنعمة إيجاده وبيانه فنعمته أتم نعمة وأشمل { ~~الرحيم } الذي خص خلص عباده بتوفيقه فأتم نعمته عليهم وأكمل . < < # | العاديات : ( 1 - 11 ) والعاديات ضبحا # > > ^ ( والعاديات ضبحا * فالموريات قدحا * فالمغيرات صبحا * فأثرن به ~~نقعا * فوسطن به جمعا * إن الإنسان لربه لكنود * وإنه على ذلك لشهيد * وإنه ~~لحب الخير لشديد * أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور * ~~إن ربهم بهم يومئذ لخبير ) ^ } ) | لما ختم الزلزلة بالجزاء لأعمال الشر ~~يوم الفصل , افتتح هذه ببيان ما يجر إلى تلك الأعمال من الطبع , وما ينجر ~~غليه ذلك الطبع مما يتخيله من النفتع , موبخا من لا يستعد لذلك اليوم ~~بالاحتراز التام من تلك الأعمال , معنفا من أثر دنياه على أخراه , مقسما ~~بما لا يكون إلا عند أهل النعم الكبار الموجبة للشكر , فمن غلب عليه الروح ~~شكر , ومن غلب عليه الطبع - وهم الأكثر - كفر فقال : { والعاديات } أي ~~الداوب التي من شأنها أن تجري بغاية السرعة , وهي الخيل التي ظهورها عز ms5994 ~~وبطونها كنز , وهي لرجل وزر ولرجل أجر , فمن فاخر بها ونادى بها أهل ~~الإسلام وأبطره عزها حتى قطع الطريق وأخاف الرفيق كانت له شرا , ومن جعلها ~~في سبيل الله كانت له أجرا , ومن حمل عليها ولم ينس حق الله في رقابها ~~وظهورها وكانت له سترا , وإنما أقسم بها ليتأمل ما فيها من الأسرار الكبار ~~التي باينت به أمثالها من الدواب كالثور مثلا والحملال ليعلم أن الذي خصها ~~بذلك فاعل مختار واحد قهار , فالقسم في الحقيقة به سبحانه . | PageV08P508 ~~ولما كانت دالة على الضابحات بالالتزام , قال ناصبا ب ( تضبح ) مقدارا : { ~~ضبحا * } والضبح صوت جهير من أفواهها عند العدو الشديد , ليس بصهيل ولا ~~حمحمة ولا رغاء وهو النفس , وليس من الدواب يضبح غير الفرس والكلب والثعلب ~~, وأصله للثعلب واستيعر للخيل , وحكاه ابن عباس رضي الله عنهما فقال : أح ~~أح , أو الضبح عدو دون التقريب . | ولما ذكر عدوها , أتبعه ما ينشأ عنه , ~~فقال عاطفا بأداة التعقيب لأن العدو بحيث يتسبب عنه ويتعقبه الإيراء : { ~~فالموريات } أي المخرجات للنار بما يصطك من نعلها بالأحجار , لا سيما عند ~~سلوك الأوعار . | ولما كان الإيراء أثر القدح قال : { قدحا * } أي تقدح ~~ضربا بعنف كضرب الزند ليوري النار , ونسب الإيراء إليها لإيجادها صورته وإن ~~لم يكن لها قصد إليه . | ولما ذكر العدو وما يتأثر عنه , ذكر نتيجته وغايته ~~فقال : { فالمغيرات } أي بإغارة أهلها عليها على العدو والإغارة والركض ~~الشديد لإرادة القتل والنهب . | ولما كانت الإغارة الكائن عنها الثبور ~~والويل أروع ما تكون في أعقاب الليل قال : { صبحا * } أي ذات دخول في ~~الصباح . | ولما كان الأعداء حال الإغارة يكون مختلفا تارة يمينا وتارة ~~شمالا وتارة أماما وتارة وراء بحسب الكر والفر في المصاولة والمحاولة تارة ~~أثر الهارب , وأخرى في مصاولة المقبل المحارب , فينشأ عنها الغبار الكثير ~~لإثارة الهواء له واصطدام بعضه ببعض لتعاكسه بقوة الدفع من قوائمها وما ~~تحركه منه , وكان المقسم به منظورا فيه إلى ذاته ونتيجة القسم منظورا فيها ~~إلى الفعل بادئ بدء مع قطع النظر بالأصالة عن الذات ms5995 , عطف على اسم الفاعل ~~بعد حله إلى أن وصلتها فقال : { فأثرن به } أي بفعل الإغارة ومكانها ~~وزمانها من شدة العدو { نقعا * } أي غبارا مع الاعناق والصياح والزجر ~~بالعنق حتى صار ذلك الغبار منحبكا ومنعقدا عليها . | ولما كان المغير يتوسط ~~الجمع عند اختلال حالهم فيفرق شملهم لأنهم متى افترقوا حصل فيهم الخلل , ~~ومتى اختلفوا تخللهم العدو ففرق شملهم قال : { فوسطن به } أي بذلك النقع أو ~~الفعل والوقت والموضع { جمعا } أي وهو المقصود بالإغارة , فدخلت في وسط ذلك ~~الجمع لشجاعتها وقوتها وطواعيتها وشجاعة فرسانها . | ولما أقسم بالخيل التي ~~هي أشرف الحيوان كما أن الإنسان المقسم لأجله أشرف ما اتصف منه بالبيان , ~~وتجري به أفكاره كخيل الرهان , وتقدح المعاني تارة مقترنة PageV08P509 ~~بأشرف اللمعان , وأخرى بأخس ما يقع به الاقتران , من الزور والبهتان , ~~والإلحاد والطغيان , وتغير منه ثواقب الأذهان , تارة على شبه الخصوم ~~بالبرهان , وأخرى بما يغير به الشبه الملتبسة في وجوه المعاني الحسان , ~~وينثر تارة المعاني الصحيحة على أهل الطغيان , من ذوي البدع والكفران , ~~وأخرى الفاسدة على حزب الملك الديان , وتتوسط تارة جمع أولي الطغيان , ~~وأخرى جمع أولي الإيمان , وكانت الإغارة في الغالب لأجل قهر المغار عليهم ~~على أموالهم عدوانا إن كان ذلك في غير الجهاد , وإن كانت في الجهاد فقل من ~~يخلص في ذلك الحال , فيكون عمله ليس إلا لله كما أشار إليه الحديث القدسي : ~~( إن عبدي كل عبدي للذين يذكرني عند لقاء قرنه ) قال مجيبا للقسم بذكر ~~المقسم عليه حاكما على النوع باعتبار عد المخلص لقلته عدما , مؤكدا لما لهم ~~من تكذيب ذلك فإن كل أحد يتبرأ من مثل هذا الحال : { إن الإنسان } أي هذا ~~النوع بما له من الأنس بنفسه والنسيان لما ينفعه { لربه } أي المحسن إليه ~~بإبداعه ثم إبقائه وتدبيره وتربيته { لكنود * } أي كفور نكد لسوء المعاملة ~~حيث يقدم بما أحسن به إليه من الصافنات الجياد وبما آتاه من قوة الجنان ~~والأركان على ما نهاه عنه , ومصدره الكنود بالضم وهو كفران النعمة , ~~فالمراد هنا - بالتعبير عنه بهذه الصيغة التي ms5996 هي للمبالغة - من يزدري ~~القليل ولا يشكر الكثير , وينسى كثير النعمة بقليل المحنة , ويلوم ربه في ~~أيسر نقمة , وقال الفضيل بن عياض : هو من أنسته الخصلة الواحدة من الإساءةة ~~الخصال الكثيرة من الإحسان , والشكور ضده . | وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير : أقسم سبحانه على حال الإنسان بما هو فقال : ( إن الإنسان لربه ~~لكنود ) أي لكفور , يبخل بما ليده من المال كأنه لا يجازي ولا يحاسب على ~~قليل ذلك وكثيره من أين اكتسبه وفيما أنفقه , وكأنه ما سمع بقوله تعالى : { ~~فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } { وأنه لحب ~~الخير } أي المال { لشديد } لبخيل , روإنه على ذلك لشهيد } فإن الله على ~~ذلك لمطلع فلا نظر في أمره واقبة مآله { إذا بعثر ما في القبور وحصل ما في ~~الصدور } أي ميز ما فيها من الخير والشر ليقع الجزاء عليه { إن ربهم بهم ~~يومئذ لخبير } لا يخفى عليه شيء من أمرهم { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } - انتهى . | ولما كان إقدام الإنسان على ~~الظلم عجبا , فإذا كان يشهد على نفسه بالظلم كان أعجب , قال مؤكدا لما ~~لأكثر الخلق قبل البعث والمحاقفة من إنكار كفرانه : { وإنه } أي ~~PageV08P510 الإنسان { على ذلك } أي الكنود العظيم حيث اقدم على مخالفة ~~الملك الأعظم المحسن مع الكفر لإحسانه { لشهيد * } لأنه مقر إذا حوقق بأن ~~جميع ما هو فيه من إحسان ربه وبأن ربه نهاه عن المخالفة , أو أنه لا أمر ~~عنده منه بما فعل , وأنه لا ينبغي لعاقل أن يتحرك بحركة يمكن أن يكرهها ~~الملك الذي هو في خدمته ولا شيء له إلا منه بغير إذنه , وأنه إن تحرك بغير ~~ذلك كان كافرا لإحسانه مستحقا لعقابه , لا يقدر على إنكار شيء منه . | ولما ~~كان من العجائب أن يكفر أحد إحسان المنعم , وهو شاهد على نفسه , ذكر الحامل ~~له على ذلك حتى هان عليه فقال : { وإنه } أي الإنسان من حيث هو مع شهادته ~~على نفسه بالكفر الذي يقتضي سلب ms5997 النعم { لحب } أي لأجل حب { الخير } أي ~~المال الذي لا يعد غيره لجهله خيرا { لشديد * } أي بخيل بالمال ضابط له ~~ممسك عليه , أو بليغ القوة في حبه لأن منفعته في الدنيا وهو متقيد بالعاجل ~~الحاضر المحسوس مع علمه بأن أقل ما فيه أنه يشغله عن حسن الخدمة لربه وهو ~~معرض عن الدين حيث كانت منفعته آجلة غائبة مع علمه بأن المعرف بما يرضى من ~~خدمة ربه الحاث عليها الداعي إليها فهو لحب عبادة الله ضعيف متقاعس , وكان ~~حبه الخير يقتضي عنه الشكر الذي يتقاضى الزيادة , ولا يتخيل أن شديدا عامل ~~في الحب لأن ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها , وإنما ذلك المتقدم دليل على ~~المعمول المحذوف . | ولما كان المال فانيا لا ينبغي لعاقل أن يعلق أمله به ~~فضلا عن أن يؤثرة الباقي , نبهه على ذلك بتهديد بليغ , فقال مسببا عن ذلك ~~معجبا , موقفا له على ما يؤول إليه أمره : { أفلا يعلم } أي هذا الإنسان ~~الذي أنساه أنسه بنفسه . | ولما كان الحب أمرا قلبيا , لا يطلع عليه إلا ~~عالم الغيب , وكان البعث من عالم الغيب , وكان أمرا لا بد منه , وكان ~~المخوف مطلق كونه , لم يحتج إلى تعيين الفاعل , فبنى للمفعول قوله مهددا ~~مؤذنا بأنه شديد القدرة على إثارة الخافايا , معلقا بما يقدره ما يؤول إليه ~~أمره من أن الله يحاسبه ويجازيه على أعماله , وأنه لا ينفعه مال ولا غيره , ~~ولا ينجيه إلا ما كان من أعماله موافقا لأمر ربه مبنيا على أساس الإيمان ~~واقعا بالإخلاص : { إذا بعثر } أي أثير بغاية السهورة وأخرج وفرق ونظر وفتش ~~بغاية السهولة . | ولما كان الميت قبل البعث جمادا , عبر عنه بأداة ما لا ~~يعقل فقال : { ما في القبور * } أي أخرج ما فيها من الموتى الذين تنكر ~~العرب بعثهم فنشروا للحساب , أو من عظامهم ولحومهم وأعصابهم وجلودهم وجميع ~~أجسامهم , وقلب بعضه على بعض حتى أعيد كل شيء منه على ما كان عليه , ثم ~~أيعدت إليه الروح , فكان كل أحد على ما مات عليه . | PageV08P511 ولما كان ms5998 ~~المخوف إنما هو ما يتأثر عن البعث من الجزاء على الأعمال الفاسدة قال : { ~~وحصل } أي أخرج وميز وجمع فعرف أنه معلوم كله بغاية السهولة كما أشار ~~البناء للمفعول { ما في الصدور * } أي من خير أو شر مما يظن مضمره أنه لا ~~يعلمه أحد أصلا , وظهر مكتوبا في صحائف الأعمال , وهذا يدل على أن النيات ~~يحاسب بها كما يحاسب على ما يظهر من آثارها . | ولما كان علم ما في الصدور ~~أمرا باهرا للعقل , قال جامعا نظرا إلى المعنى لما عبر عنه بالإفراد بالنظر ~~إلى اللفظ , لأن العلم بالكل يلازمه العلم بالبعض بخلاف العكس مؤكدا إشارة ~~إلى أنه مما لا يكاد يصدق , معللا للجملة المحذوفة الدالة على الحاسب : { ~~إن ربهم } أي المحسن إليهم بخلقهم وزرقهم وتربيتهم وجعلهم أقوياء سويين { ~~بهم } قدم هذا الجار والمجرور لا للاختصاص , بل للاشارة إلى نهاية الخبر . ~~| ولما كانت الخبرة للإحاطة بالشيء ظاهرا وباطنا , وكان يلزم من الخبرة ~~بالشيء بعد كونه بمدد طوال الخبرة به حال كونه من باب الأولى قال : { يومئذ ~~} أي إذ كانت هذه الأمور وهو يوم القيامة { لخبير * } أي محيط بهم من جميع ~~الجهات عالم غاية العلم ببواطن أمورهم , فكيف بظواهرها جواهر وأعراضا , ~~أقوالا وأفعالا , خفية كانت أو ظاهرة , سرا كانت أو علانية , خيرا كانت أو ~~شرا , ومن المعلوم أن فيها الظلم وغيره , ومنهم المحسن وغيره , فلأجل علمه ~~سبحانه بذلك غاية العلم يحاسبهم لئلا يقع ما ينافي الحكمة وهو أن تستوي ~~الحسنة والسيئة , فالقصد بالقيد وتقديم الظرف الإبلاغ في التعريف بأنه ~~سبحانه وتعالى محيط العلم بذلك كما إذا قيل لك : تعرف فلانا ؟ فقلت : ولا ~~أعرف إلا هو , فإن قصدك بذلك أن معرفتك به في غاية الإتقان , لا نفي معرفة ~~غيره , وفيه إشعار بأن كل أحد يعرف غاية المعرفة في ذلك اليوم أنه سبحانه ~~وتعالى عالم بأحواله لا ذهول له عن شيء من ذلك كما يقع في هذه الدار من أن ~~الإنسان يعمل أشياء كثيرة وهو غافل عن أن ربه سبحانه مطلع عليه فيها , ولو ~~نبه ms5999 لعلم , فلإحاطته سبحانه وتعالى بجميع أحوالهم كان عالما بأن الإنسان ~~لربه لكنود , وقد رجع آخرها إلى أولها , وتكفل مفصلها بشرح مجملها - والله ~~الهادي للصواب . | . . . | PageV08P512 < # > سورة القارعة < # > | مقصودها إيضاح يوم الدين بتصوير ثواني أحواله في مبدئه ومآله ، ~~وتقسيم الناس فيه إلى ناج وهالك ، واسمها القارعة واضح في ذلك { بسم الله } ~~الملك الأعلى { الرحم ، } الذي عمت نعمة إيجاده وبيانه جميع الورى { الرحيم ~~} الذي خص أهل حزبه بالتوفيق لما يجب ويرضى . < < # | القارعة : ( 1 - 11 ) القارعة # > > ^ ( القارعة * ما القارعة * ومآ أدراك ما القارعة * يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث * وتكون الجبال كالعهن المنفوش * فأما من ثقلت موازينه * ~~فهو في عيشة راضية * وأما من خفت موازينه * فأمه هاوية * ومآ أدراك ما هيه ~~* نار حامية ) ^ } ) | لما ختم العاديات بالبعث ذكر صيحته فقال : { القارعة ~~* } أي الصيحة أو القيامة , سميت بها لأنها تقرع أسماع الناس وتدقعها دقا ~~شديدا عظيما مزعجا بلأفزع , والأجرام الكثيفة بالتشقق والانفطار , والأشياء ~~الثابتة بالانتثار . | ولما كانت تفوق الوصف في عظم شأنها وجليل سلطانها , ~~عبر عن ذلك وزاده عظما بالإلهام والإظهار في موضع الإضمار مشيرا بالاستفهام ~~إلى أنها مما يستحق السؤال عنه على وجه التعجيب والاستعظام فقال : { ما ~~القارعة } وأكد تعظيمها إعلاما - بأنه مهما خطر ببالك من عظمها فهي أعظم ~~منه فقال : { وما أدراك } أي وأي شيء أعلمك وإن بالغت في التعرف , وأظهر ~~موضع الإضمار لذلك فقال : { ما القارعة * } أي أنك لا تعرفها لأنك لم تعهد ~~مثله . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما قال الله سبحانه وتعالى : ( ~~أفلا يعلم إذا بعثر في القبور وحصل ما في الصدور ) كان ذلك مظنة لأن يسأل : ~~متى ذلك ؟ فقيل : يوم القيامة الهائل الأمر , الفظيع الحال , الشديد البأس ~~, والقيامة هي القارعة , وكررت PageV08P513 تعظيما لأمرها كما ورد في قوله ~~تعالى < # > 77 ( { الحاقة ما الحاقة } ) 77 < # > [ الحاقة : 1 - 2 ] وفي قوله سبحانه : < # > 77 ( { فغشيهم مناليم ما غشيهم } ) 77 < # > [ طه : 78 ] ثم زاد عظيم هوله إيضاحا بقوله تعالى { يوم يكون الناس ~~كالفراش المبثوث } والفراش ما تهافت في النار من البعوض , والمبثوث : ~~المنتشر { وتكون ms6000 الجبال كالعهن المنفوش } والعهن : الصوف المصبوغ , وخص ~~لإعداده للغزل إذ لا يصبغ لغيره بخلاف الأبيض فإنه - لا يلزم فيه ذلك , ثم ~~ذكر حال الخلق في الأعمال وصيرورة كل فريق إلى ما كتب له وقدر - انتهى . | ~~ولما ألقى السامع جميع فكره إلى تعرف أحواله , قال ما تقديره : تكون { يوم ~~تكون } أي كونا كأنه جبلة { الناس } أي الذين حالهم النوس على كثرتهم ~~واختلاف ذواتهم وأحوالهم ومراتبهم ومقاديرهم وانتشارهم بعد بعثرة القبور ~~وتحصيل ما في الصدور { كالفراش } أي صغار الجراد لأنها تتفرش وتتهافت على ~~النار , أو هو طير غير ذلك لا دم له , يتساقط في النار وليس ببعوض ولا ذباب ~~, وقال حمزة الكرماني : شبههم بالفراش التي تطير من هنا ومن هنا ولا تجري ~~على سمت واحد وهي همج يجتلبها السراج , وقال غيره : وجه الشبه الكثرة ~~والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما تتطاير الفراش ~~, وكثرة التهافت في النار وركوب بعضهم بعضا - وموج بعضهم في بعض من شدة ~~الهول كما قال تعالى < # > 77 ( { كأنهم جراد منتشر } ) 77 < # > [ القمر : 7 ] { المبثوث * } أي المنتشر المتفرق . | ولما كانت الجبال ~~أشد ما تكون , عظم الرهبة بالإخبار بما يفعل بها فقال تعالى : { وتكون ~~الجبال } على ما هي عليه من الشدة والصلابة وأنها صخور راسخة { كالعهن } أي ~~الصوف المصبغ لأنها ملونة كما قال تعالى : < # > 77 ( { ومن الجبال جدد بيض وحمر } ) 77 < # > [ فاطر : 27 ] أي وغير ذلك { المنفوش * } أي المندوف المفرق الأجزاء ~~الذي ليس هو بمتلبد شيء منه على غيره , فتراها لذلك متطايرة في الجو ~~كالهباء المنثور حتى تعود الأرض كلها لا عوج فيها ولا أمتا . | ولما كان ~~اليوم إنما يوصف لأجل ما يقع فيه , سبب عن ذلك قوله مفصلا لهم : { فأما من ~~ثقلت } أي بالرجحان . | ولما كانت الموزونات كثيرة الأنواع جدا , جمع ~~الميزان باعتبارها فقال : { موازينه * } أي مقادير أنواع حسناته باتباع ~~الحق لأنه ثقيل في الدنيا واجتناب الباطل , والموزون الأعمال أنفسها تجسدا ~~وصحائفها { فهو } بسبب رجحان حسناته { في عيشة } أي حياة تتقلب فيها , ~~ولعله ألحقها الهاء الدالة ms6001 على الوحد - والمراد العيش - ليفهم أنها على ~~حالة واحدة - في الصفاء واللذة وليست ذات ألوان كحياة الدنيا { راضية * } ~~أي ذات رضى أو مرضية لأن أمه - جنة عالية { وأما من PageV08P514 خفت } أي ~~طاشت { موازينه * } أي بأن غلبت سيئاته أو لم تكن له حسنة لاتباعه الباطل ~~وخفته عليه في الدنيا { فأمه } أي التي تؤويه وتضمه إليها كما يقال للأرض : ~~أم - لأنها تقصد لذلك , ويسكن إليها كما يسكن إلى الأم , وكذا المسكن , وهو ~~يفهم أنه مخلوق منها غلب عليه طبع الشيطان لكون العنصر الناري أكثر أجزائه ~~, وعظمها بالتنكير والتعبير بالوصف المعلم بأنه لا قرار لها فقال : { هاوية ~~* } أي نار نازلة سافلة جدا فهو بحيث لا يزال يهوي فيها نازلا وهو في عيشة ~~ساخطة , فالآية من الاحتباك , ذكر العيشة أولا دليلا على حذفها ثانيا , ~~وذكر الأم دليلا على حذفها أولا . | ولما كانت مما يفوت الوصف بعظيم ~~أهوالها وشديد زلزالها , جمع الامر فيها فقال منكرا أن يكون مخلوق يعرف ~~وصفها : { وما أدراك } أي وأي شيء أعلمك إن اشتد تكلفك { ما هيه * } أي ~~الهاوية لأنه لم يعهد أحد مثلها ليقيسها عليه , وهاء السكت إشارة إلى إن ~~ذكرها مما يكرب القلب حتى لا يقدر على الاسترسال في الكلام أو إلى - أنها ~~مما ينبغي للسامع أن يقرع بهذا الاستفهام عنها سمعه فيسكت لسماع الجواب ~~وفهمه غاية السكوت ويصغي غاية الإصغاء . | ولما هولها بما ذكر , أتبعها ما ~~يمكن البشر معرفته من وصفها فقال { نار حامية * } أي قد انتهى حرها , هذا ~~ما تتعارفونه بينكم , وأما التفاصيل فأمر لا يعلمه إلا الله تعالى وهذا ~~نهاية القارعة , فتلاؤم الأول للآخر واضح جدا وظاهر - والله أعلم . | . . . ~~. | PageV08P515 < # > سورة التكاثر < # > مقصودها التصريح بما أشارت إليه العاديات من أن سبب الهلاك يوم الجمع . ~~الذي صورته القارعة . الجمع للمال ، والإخلاد إلى دار الزوال ، واسمها واضح ~~الدلالة على ذلك { بسم الله } ذي الجلال والإكرام { الرحمن } الذي عم ~~بالإنعام ، بالبيان - بعد الاتهام ، والإيجاد بعد الإعدام { الرحيم } الذي ~~خص أهل وده بدوةام نعمتهم بالإتمام . < < # | التكاثر : ( 1 - 8 ) ألهاكم التكاثر # > > ^ ( ألهاكم ms6002 التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا سوف تعلمون * ثم كلا ~~سوف تعلمون * كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين ~~اليقين * ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) ^ } ) | ولما أثبت في القارعة أمر ~~الساعة , وقسم الناس فيها إلى شقي وسعيد , وختم بالشقي , افتتح هذه بعلة ~~الشقاوة ومبدأ الحشر لينزجر السامع عن هذا السبب ليكون من القسم الأول , ~~فقال ما حاصله : انقسمتم فكان قسم منكم هالكا لأنه { ألهكم } أي أغفلكم إلا ~~النادر منكم غفلة عظيمة عن الموت الذي هو وحده كاف في البعث على الزهد فكيف ~~بما بعده { التكاثر * } وهو المباهاة والمفاخرة بكثرة الأعراض الفانية من ~~متاع الدنيا : المال والجاه والبنين ونحوها مما هو شاغل عن الله , فكان ذلك ~~موجبا لصرف الهمة كلها إلى الجمع , فصرفكم ذلك إلى اللهو , فأغفلكم عما ~~أمامكم من الآخرة والدين الحق وعن ذكر ربكم وعن كل ما ينجيكم من سخطه , أو ~~عن المنافسة في الأعمال الموصلة إلى أعلى الدرجات بكثرة الطاعات , وذلك كله ~~لأنكم لا تسلمون بما غلب عليكم من الجهل الذي سببه شهوة النفس وحب اراحة ~~فخفت موازينكم , وحذف هذا الشيء الملهو عنه لتعظيمه والدلالة على أنه ليس ~~غيره مما يؤسف على اللهو عنه . PageV08P516 ولما كانوا ينكرون البعث , ~~ويعتقدون دوام - الإقامة في القبور , عبر بالزيارة إشارة إلى أن البعث لا ~~بد منه ولا مرية فيه , وأن اللبث في البرزخ وإن طال فإنما هو كلبث الزائر ~~عند مزوره في جنب الإقامة بعد البعث في دار النعيم أو غار الجحيم , وأن ~~الإقامة فيه محبوبة للعلم بما بعده من الأهوال والشدائد والأوجال , فقال : ~~{ حتى } أي استمرت مباهتكم ومفاخرتكم إلى أن { زرتم المقابر * } أي بالموت ~~والدفن , فكنتم فيها عرضة للبعث لا تتمكنون من عمل ما ينجيكم لأن دار العمل ~~فاتت كما أن الزائر ليس بصدد العلم عند المزور , لا يمكثون بها إلا ريثما ~~يتكمل المجموعون بالمت كما أن الزائر معرض للرجوع إلى داره وحل قراره , فلو ~~لم يكن لكم وازع عن الإقبال على الدنيا إلا الموت لكان كافيا فكيف والأمر ms6003 ~~أعظم من ذلك ؟ فإن المخوت مقدمة من مقدمات العرض , قال أبو حيان : سمع بعض ~~الأعراب الآية فقال : بعث القوم للقيامة ورب الكعبة , فإن الزائر منصرف لا ~~مقيم , وروى ابن أبي الدنيا عن عمر بن عبد العزيز أنه قرأها ثم قال : ما ~~أرى المقابر إلا زيارة , ولا بد لمن زار أن يرجع إلى بيته , إما إلى الجنة ~~أو إلى النار . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تقدم ذكر القارعة ~~وعظيم أهوالها , أعقب بذكر ما شغل وصد عن الاستعداد لها وألها عن ذكرها , ~~وهو التكاثر بالعدد والقرابات والأهلين فقال : { ألهاكم التكاثر } وهو في ~~معرض التهديد والتقريع وقد أعقب بما بعضد ذلك وهو قوله { كلا سوف تعلمون ثم ~~كلا سوف تعلمون } ثم قال : { كلا لو تعلمون علم اليقين } وحذف جواب ( لو ) ~~والتقدير : لو تعلمون علم اليقين لما شغلكم التكاثر , قال صلى الله عليه ~~وسلم : ( لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ) الحديث , وقوله ~~تعالى ( لترون الجحيم ) جواب لقسم مقدر أي والله لترون الجحيم , وتأكد بها ~~التهديد وكذا ما بعد إلى آخر السورة - انتهى . | ولما كان الاشتغال ~~بالتكاثر في غاية الدلالة على السفل أن من المعلوم قطعا أن هذا الكون على ~~هذا النظام لا يكون إلا بصانع حكيم , وكان العقلاء المنفعون بالكون في غاية ~~التظالم , وكان الحكيم لا يرضى أصلا أن يكون عبيده يظلم بعضهم بعضا ثم لا ~~يحكم بينهم ولا ينظر في مصالحهم علم قطعا أنه يبعثه ليحكم بينهم لأنه كما ~~قدر على إبدائهم يقدر على إعادتهم , وقد وعد بذلك وأرسل به رسله وأنزل به ~~كتبه , فثبت ذلك PageV08P517 ثبوتا لا مرية فيه ولا مزيد عليه , وكان الحال ~~مقتضيا لأن يردع غاية الردع من أعرض عما يعنيه وأقبل على ما لا يعنيه , ~~فقال سبحانه معبرا بأم الروادع , وجامعة الزواجر والصوادع : { كلا } أي ~~ارتدعوا أتم ردع وانزجروا أعظم زجر عن الاشتغال بما لا يجدي , فإنه ليس ~~الأمر كما تظنون من أن الفخر في المكاثرة بالأعراض الدنيوية ولم تخلقوا ~~لذلك , إنما خلقتم لأمر عظيم ms6004 , فهو الذي يهمكم فاشتغلتم عنه بما لا يهمكم - ~~فكنتم لاهين كما يكفيه كل يوم درهم فاشتغل بتحصيل أكثر , وكذا من ترك المهم ~~من التفسير واشتغل بالأقوال الشاذة أو ترك المهم من الفقه واشتغل بنوادر ~~الفروغ وعلل النحو وغيرها وترك ما هو أهم منه مما لا عيش لا إلا به . | ~~ولما كان الردع لا يكون إلا عن ذار يجر وبالا وحسرة , دل على ذلك بقوله ~~استئنافا : { سوف } أي بعد مهلة طويلة يتذكر فيها من تذكر { تعلمون * } أي ~~يتجدد لكم العلم بوعد لا خلف فيه بما أنتم عليه من الخطإ عند معاينة ما ~~يكشفه الموت وجير حزنه الفوت من عاقبة ذلك ووباله . | ولما كان من الأمور ~~ما لو شرح شأنه على ما هو عليه لطال وأدى إلى الملال , دل على أن شرح هذا ~~الوعيد مهول بقوله مؤكدا مع التعبير بأداة التراخي الدالة على علو الرتبة : ~~{ ثم كلا } أي ارتدعوا ارتداعا أكبر من ذلك لأنه { سوف تعلمون * } أي ~~يأتيكم العلم من غير شك وإن تأخر زمنه يسيرا بالبعث . | ولما كان هذا أمرا ~~صادعا , أشار إلى أنه يكفي هذه الأمة المرحومة التأكيد بمرة , فقال مرددا ~~للأمر بين تأكيد الردع ثالثا بالأداة الصالحة له ولأن تكون لمعنى - حقا كما ~~يقوله ائمة القراءة : { كلا } أي - ليشتد ارتداعهم عن التكاثر فإنه أساس كل ~~بلاء فإنكم { لو تعلمون } أيها المتكاثرون . | ولما كان العلم قد يطلق على ~~الظن رفع مجازه بقوله : { علم اليقين * } أي لو يقع لكم علم على - وجه ~~اليقين مرة من الدهر لعلمتم ما بين أيديكم , فلم يلهكم التكاثر ولضحكتم ~~قليلا ولبكيتم كثيرا , ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون - فحذف هذا الجواب بعد ~~حذف المفعول للتخفيم فهو إشارة إلى أنه لا يقين غيره , والمعنى أن أعمالكم ~~أعمال من لا يتيقنه , قال الرازي : واليقين مركب الأخذ في هذا الطريق , وهو ~~غاية درجات العامة , وأول خطوة الخاصة , قال عليه الصلاة والسلام : ( خير ~~ما ألقي في القلب اليقين ) وعلم قبول ما ظهر من الحق وقبول ما PageV08P518 ~~غاب للحق والوقوف على ما قام ms6005 بالحق , والآية من الاحتباك : ذكر الإلهاء ~~أولا وحذف سببه وهو الجهل لدلالة الثاني عليه , وذكر ثانيا العلم الذي هو ~~الثمرة وحذف ما يتسبب عنه من عدم اللهو الذي هو ضد الأول , وزاد في التفخيم ~~لهذا الوعيد بإيضاح المتوعد به بعد إبهامه مع قسم دل عليه بلامه , فقال : { ~~لترون } أي بالمكاشفة وعزتنا , ولا يصح أن يكون هذا جوابا لما قبله لأنه ~~محقق { الجحيم * } أي النار التي تلقى المعذبين بها بكراهة وتغيظ وعتو ~~وشديد توقد , فالمؤمن يراها وينجو منها سواء خالطها لا والكافر يخلد فيها . ~~| ولما كان هذا توعدا على التكاثر لأنه يقتضي الإعراض عن الآخرة فيوقع في ~~غمرات البلايا الكبار , أكد فقال مفخما له بحرف التراخي : { ثم لترونها } ~~وعزة الله , ورقي العلم عن رتبة الأول فقط فقال تعالى : { عين اليقين * } ~~أي الرؤية التي هي نفس اليقين , وذلك هو المعاينة بغاية ما يكون من صفاء ~~العلم لكونه لا ريبة فيه فإن المشاهدة أعلى أنواع العلم , قال الرازي : وهو ~~المغني بالاستدراك عن الاستدلال , وعن الخبر بالعيان , وخرق الشهود حجاب - ~~العلم - انتهى . | ويجوز أن يكون هذا الثاني بالملامسة والدخول , فالمؤمن ~~وارد والكافر خالد . | ولما كان من أهول الخطاب التهديد برؤية العذاب , زاد ~~في التخويف بأنه لأجل أن يكون ما يعذب به العاصي عتيدا , فإذا أوجب السؤال ~~النكال كان حاضرا لا مانع من إيقاعه في الحال , ولو لم يكن حاضرا كان لمن ~~استحقه في مدة إحضاره محال , فقال مفخما بأداة التراخي : { ثم } أي بعد ~~أمور طويله عظيمة مهولة جدا { لتسئلن } وعزتنا { يومئذ } أي إذ ترون الجحيم ~~{ عن النعيم * } أي الذي أداكم التكاثر إليه حتى عن الماء البارد في الصيف ~~والحار في الشتاء هل كان استمتاعكم به على وجه السرف لإرادة الترف أو كان ~~لإرادة القوة للنشأة إلى الخير فلم يخرج عن السرف , فالمؤمن المطيع يسأل ~~سؤال تشريف , والعاصي يسأل سؤال توبيخ وتأفيف , ولام النعيم قد تكون لمطلق ~~الجنس وإليه يشير حديث أبي هرير رضي الله عنه عند الترمذي وغيره أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ms6006 ضاف أبا الهيم بن التيهان مع أبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما فأطعمهم بسرا ورطبا وسقاهم ماء باردا وبسط لهم بساطا في ظل , فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن هذا من النعيم الذي تسألون عنه : ظل بارد ~~ورطب طيب وماء بارد ) وقد يكون للكمال فيكون من أعلام النبوة كما في حديث ~~محمود بن لبيد رضي الله عنه عند أحمد من وجه حسن إن شاء الله PageV08P519 ~~إنهم قالوا عند نزولها : أي نعيم وإنما هما الأسودان : التمر والماء , ~~وسيوفنا على رقابنا والعدو حاضر , قال : ( إن ذلك سيكون ) له شاهد عند ~~الطبراني عن ابن الزبير رضي الله عنهما , وعند الطبراني أيضا عن الحسن ~~البصري مرسلا , فقد التحم آخرها بأولها على وجه هو من أطلف الخطاب , وأدق ~~المسالك في النهي عما يجر إلى العذاب , لان العاقل إذا علم أن بين يديه ~~سؤالا عن كل ما يتلذذ به علم أنه يعوقه ذلك في زمن السؤال عن لذاذات الجنة ~~العوال الغوال , فكان خوفه من مطلق السؤال مانعا له عن التنعم بالمباح فكيف ~~بالمكروه ثم كيف بالمحرم ؟ فكيف إذا كان السؤال من ملك تذوب لهيبته الجبال ~~؟ فكيف إذا كان السؤال على وجه العتاب ؟ فكيف إذا جر إلى العذاب ؟ فتأمل ~~كلام خالقك ما ألطف إشاراته وأجل عباراته , في نذاراته وبشاراته - والله ~~أرحم . | . . . | PageV08P520 < # > 70 ( سورة العصر ) 70 < # > | قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه : إنها سورة لو لم ينزل إلى ~~الناس إلا هي لكفتهم ، وهو معنى قول غيره : ' إنها شملت جميع علوم القرآن ، ~~مقصودها تفضيل نوع الإنسان المخلوق من علق ، وبيان خلاصته وعصارته وهم ~~الحزب الناجي يوم السؤال عن زكاء الأعمال بعد الإشارة إلى أضدادهم ، ~~والإعلام بما ينجي من الأعمال والأحوال بترك الفاني والإقبال على الباقي ~~لأنه خلاصة اتلكون ولباب الوجود ، واسمها العصر واضح في ذلك فإن العصر يخلص ~~روح المعصور ويميز صفاوته ، ولذلك كان وقت هذا النبي الخاتم الذي هو خلاصة ~~الخلق وقت العصر ، وكانت صلاة العصر أفضل الصلوات ، وبيان اشتمالها على ~~علوم القرآن تنزيل جملتها على ms6007 ما قال الغزالي : إن القرآن كالبحر الذي فيه ~~جزائر بها معادن ستة ، منها أربعة مهمة : مهمان منها هما ياقوت أفخر فأحمره ~~للعلم بالله ، وأخضره لصفاته ، وأزرقه لأفعاله ، وزمرد أخضر هو العلم ~~باليوم الآخر وما فيه ، ومهمان أولهما در أنضر وهو العلم بالعبادات المقربة ~~إليه سبحانه وتعالى ، وثانيهما مسك أذفر ، وهو العلم بالعبادات التي بها ~~تهيأ العبادات ، ومتمان وهما درياق أكبر وهو العلم بإزاحة الشكوك ، والشبه ~~والأوهام لأنها سموم ومهلكة للدين ، وعنبر أشهب وهو الاعتبار بمن هلك ~~باجتناب ما كان سبب هلاكه ، والاقتفاء بمن نجا باتباع ما كان سبب نجاته ، ~~فالجملة الأولى للعنبر لأن فيها شم روائح الهالك وضده الناجي ، وبدئ بها ~~لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، والجملة الثانية للياقوت بصفاته ~~الثلاث والزمرد ، والثالثة للدر والمسك ، وهخما عبادات مقصودة ، وعادات ~~وسيلة إليها ممدودة ، والرابعة للدرياق لأن الشبه والشكوك إنما هي من أوهام ~~عاطلة وخيالات باطلة ، والخامسة وسيلة إليها ومتمة لها لأن معرفة ذلك ~~واجتنابه لا يكون إلا ببذل الجهد في الصبر { بسم الله } الذي كل شيء هالك ~~إلا وجهه { الرحمن } الذي عم بالنعمة البر والفاجر فليس شيء شبهه { الرحيم ~~} الذي خص بإتمام النعمة أولياءه ، فكانوا للدهر غرة ولأهله جبهة . ~~PageV08P521 < < # | العصر : ( 1 - 3 ) والعصر # > > ^ ( والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) ^ } ) | لما كانت لذة هذه الدنيا الظاهرة ~~التنعم بما فيها من المتاع , وكان الإنسان مسؤولا بما شهد به , ختم التكاثر ~~عن ذلك النعيم متوعدا برؤية الجحيم , فكان ساكن هذه الدار على غاية الخطر , ~~فكان نعيمه في غاية الكدر , قال دالا على ذلك بأن أكثر الناس هالك , مؤكدا ~~بالقسم والأداة لما للأغلب من التكذيب لذلك إما بالمقال أو بالحال : { ~~والعصر * } أي الزمان الذي خلق فيه أصله آدم عليه الصلاة والسلام وهو في ~~عصر يوم الجمعة كما ورد في الحديث الصحيح في مسلم , أو الصلاة الوسطى أو ~~وقتها الذي هو زمان صاحب هذا الشرع الذي مقداره فيما مضى من الزمان بمقدار ~~وقت العصر من النهار ms6008 أو بعضه , أو زمان كل أحد الذي هو الخلاصة بالنسبة ~~إليه تنبيها له على نفاسته إشارة إلى اغتنام إنفاقه في الخير إشفاقا من ~~الحشر , أو وقت الأصيل لأنه أفضله بما يحويه من الفراغ من الأشغال واستقبال ~~الراحة والحصول على فائدة ما أنفق فيه ذلك النهار , وبما دل عليه من طول ~~الساعة وربح من كان له فيها بضاعة باختتام الأعمال وتقوض النهار , والدال ~~على البعث , أو جميع الدهر الذي أوجد فيه سبحانه وتعالى المخلوقات وقدر فيه ~~المقدورات بما ظهر فيه من العجائب الدالة على ما لله تعالى من العز والعظمة ~~الداعي إلى صرف الهمة إليه وقصرها عليه : { إن الإنسان } أي هذا النوع الذي ~~هو أشرف الأنواع لكونه في أحسن تقويم كما أن العصر خلاصة الزمان , والعصر ~~يكون لاستخراج خلاصات الأشياء { لفي خسر * } أي نقص بحسب مساعيهم في ~~أهوائهم وصرف أعصارهم في أغراضهم لما لهم بالطبع من الميل إلى الحاضر ~~والإعراض عن الغائب والاغترار بالفاني أعم من أن يكون الخسر قليلا أو جليلا ~~بحسب تنوع الناس إلى أكياس وأرجاس , فمن كان كافرا كان في كفران , ومن كان ~~مؤمنا عاصيا كان في خسران إن كان بالغا في المعصية وإلا كان في مطلق الخسر ~~, وهو مدلول المصدر المجرد , وفي هذا إشارة إلى العلم بالاحتياج إلى إرسال ~~الرسل لبيان المرضى لله من الاعتقادات والعادات إيمانا وإسلاما وإدامة لذلك ~~ليكون فاعله من قبضة اليمين وتاركه من أصحاب الشمال . | وقال الأستاذ أبو ~~جعفر بن الزبير : لما قال تعالى : { ألهاكم التكاثر } وتضمن ذلك ~~PageV08P522 الإشارة إلى قصور نظر الإنسان وحصر إدراكه في العاجل دون الآجل ~~الذي فيه فوزه وفلاحه , وذلك لبعده عن العلم بموجب الطبع < # > 77 ( { إنه كان ظلوما جهولا } ) 77 < # > [ الأحزاب : 72 ] أخبر سبحانه أن ذلك شأن الإنسان بما هو إنسان فقال { ~~والعصر إن الإنسان لفي خسر } فالقصور شأنه , والظلم طبعه , والجهل جبلته , ~~فيحق أن يلهيه التكاثر , ولا يدخل الله عليه روح الإيمان { إلا الذين آمنوا ~~وعملو الصالحات } إلى آخرها , فهؤلاء الذين < # > 77 ( { لا تلهيهم تجارة ولا بيع ms6009 عن ذكر الله } ) 77 < # > [ النور : 37 ] انتهى . | ولما كان الحكم على الجنس حكما على الكل ~~لأنهم ليس لهم من ذواتهم إلا ذلك , وكان فيهم من خلصه الله سبحانه وتعالى ~~مما طبع عليه الإنسان بجعله في أحسن تقويم , وحفظه عن الميل مع ما فيه من ~~النقائص , استثناهم سبحانه وتعالى لأنهم قليل جدا بالنسبة غلى أهل الخسر ~~فقال دالا بالاستثناء على أن النفوس داعية إلى الشر مخلدة إلى البطالة ~~واللهو , فالمخلص واحد من ألف كما في الحديث الصحيح { إلا الذين آمنوا } أي ~~أوجدوا الإيمان وهو التصديق بما علم بالضرورة مجيء النبي صلى الله عليه ~~وسلم به من توحيده سبحانه وتعالى والتصديق بملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر , ولعل حكمة التعبير بالماضي الحث على الدخول في الدين ولو على أدنى ~~الدرجات , والبشارة لمن فعل بشرطه بالنجاة من الخسر . | ولما كان الإنسان ~~حيوانا ناطقا , وكان كمال حيوانيته في القوة العملية للحركة بالإرادة لا ~~بمقتضى الشهوة القاسرة البهيمية قال تعالى : { وعملوا } أي تصديقا بما ~~أقروا به من الإيمان { الصالحات } أي هذا الجنس , وهو اتبع الأوامر واجتناب ~~النواهي في العبادات كالصلاة والعادات كالبيع فكانوا بهذا مسلمين بعد أن ~~كانوا مؤمنين فاشتروا الآخرة بالدنيا فلم يلههم التكاثر , ففازوا بالحياة ~~الأبجية والسعادة السرمدية فلم يلقهم شيء من الخسر . | ولما كان الإنسان ~~بعد كماله في نفسه بالأعمال لا ينتفي عنه مطلق الخسر - إلا بتكميل غيره , ~~وحينئذ يكون وارثا لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بعثوا للتكميل , وكان ~~الدين لا يقوم , وإذا قام لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~الناشئ عن نور القلب , ولا يتأتى ذلك إلا بالجتماع , قال مخصصا لما دخل في ~~الأعمال الصالحة تنبيها على عظمه : { وتواصوا } أي أوصى بعضهم بعضا بلسان ~~الحال أو المقال : { بالحق } أي الأمر الثابت , وهو كل ما حكم الشرع بصحته ~~فلا يصح بوجه نفيه من قول أو عمل أو اعتقاد أو غيره من فعل أو ترك , فكانوا ~~محسنين , والتكميل في القوة العملية باجتلاب الخيور . | ولما كان الإنسان ~~ميالا إلى النقصان , فكان فاعل ذلك ms6010 الإحسان معرضا للشنآن من PageV08P523 ~~أهل العدوان , وهم الأغلب في كل زمان , قال تعالى : { وتواصوا } لأن ~~الإنسان ينشط بالوعظ وينفعه اللحظ واللفظ { بالصبر } أي الناشئ عن زكاة ~~النفس على العمل بطاعة الله من إحقاق الحق وإبطال الباطل والنفي له والمحق ~~وعلى ما يحصل بسبب ذلك من الأذى باجتناب الشرور إلى الممات الذي هو سبب ~~موصل إلى دار السلام , فكانوا مكملين للقوة العملية حافظين لما قبلها من ~~العلمية , وذلك هو حكمة العبادات فإن حكمة الشيء هي الغاية والفائدة ~~المقصودة منه , وهي هنا أمران : خارج عن العامل وهو الجنة , وداخل قائم به ~~وهو النور المقرب من الحق سبحانه وتعالى , واختير التعبير بالوصية إشارة ~~إلى الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , واستعمال اللين بغاية ~~الجهد , والصبر هو خلاصة الإنسان وسره وصفاوته وزبدته وعصارته , الذي لا ~~يوصل إليه إلا بضغط الإنسان لنفسه وقسرها على أفعال الطاعة وقهرها على لزوم ~~السنة والجماعة حتى يصير الصبر لها بالتدريب عادة وصناعة , فقد عانق آخرها ~~أولها , وواصل مفصلها موصلها , وهي أربع عشرة كلمة تشير إلى أن في اسنة ~~الرابعة عشر من النبوة يكون الإذن في الجهاد الذي هو رأس الأمر بالمعروف ~~بالفعل لإظهار الحق وهي سنة الهجرة التي تم فيه بدره , وعم نوره وقدره , ~~وجم عزهونصره , فإذا ضممت إليها أربع كلمات البسملة كانت موازية في العدد ~~لسنة خمس من الهجرة , وكان فيها غزوة بدر الموعد وغزوة الأحزاب , وقد وقع ~~فيهما أتم الصبر من النبي صلى الله عليه وسلم ثم ممن وافقه نم الصحابة رضي ~~الله تعالى عنهم لإظهار الحق والصواب , فإنهم في بدر خذلوا من ركب عبد ~~القيس أو من نعيم بن مسعود وموافقة المنافقين وخوفوا حتى كاد يعمهم الرعب ~~والفشل , فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( والله لأخرجن ولو لم يخرج معي ~~أحد ) وأنزل الله فيها < # > 77 ( { الذي قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ~~إيمانا وقالوا } ) 77 < # > [ آل عمران : 173 ] الآيات , وفي الأحزاب زاغت الأبصار وبلغت القلوب ~~الحناجر وأسفرت عاقبة الصبر فيها عما ms6011 قال النبي صلى الله عليه وسلم عند ~~ذهابهم : ( الآن نغزوهم ولا يغزوننا ) فإذا ضممت إليها الضمائر الأربعة ~~أشارت إلى سنة تسع , وقد كانت فيها غزوة تبوك وهي غزوة العسرة لما كان فيها ~~من الشدة التي أسفرت عاقبة الصبر فيها من إقبال الوفود , بفخامة العز ~~والجدود وتواتر السعود , بلطف الرحيم الودود , وبذلك كان نور الوجود , ~~وتواتر الفضل والجود , وتواتر الفضل والجود من الإله المعبود - وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله وصحبه خيار الوجود . | . . | PageV08P524 < # > سورة الهمزة < # > | مقصودها بيان الحزب الأكبر الخاسر الذي أهاه التكاثر ، فبانت خسارته ~~يوم القارعة الخافضة الرافعة ، واسمها الهمزة ظاهر الدلالة على ذلك { بسم ~~الله } الذي له تمام العز وهو الحكم العدل { الرحمن } الذي عم ظاهر نعمته ~~أهل البخل وأولي البذل { الرحيم } الذي أتم نعمته على من شاء من عباده ~~فخصهم بالفضل . < < # | الهمزة : ( 1 - 9 ) ويل لكل همزة . . . . . # > > ^ ( ويل لكل همزة لمزة * الذى جمع مالا وعدده * يحسب أن ماله أخلده * ~~كلا لينبذن في الحطمة * ومآ أدراك ما الحطمة * نار الله الموقدة * التي ~~تطلع على الأفئدة * إنها عليهم مؤصدة * في عمد ممددة ) ^ } ) | لما بين ~~الناجين من قسمي الإنسان في العصر , وختم بالصبر , حصل تمام التشوف إلى ~~أوصاف الهالكين , فقال مبينا لأضلهم وأشقاهم الذي الصبر على أذاه في غاية ~~الشدة ليكون ما أعد له من العذاب مسلاة للصابر : { ويل } أي هلاك عظيم جدا ~~{ لكل همزة } أي الذي صار له الهمز عادة لأنه خلق ثابت في جبلته وكذا { ~~لمزة * } والهمز الكسر كالهزم , واللمز الطعن - هذا أصلهما , ثم خصا بالكسر ~~من أعراض الناس والطعن فيهم , وقال ابن هشام في تهذيب السيرة : الهمزة الذي ~~يشتم الرجل علانية , ويكسر عينيه عليه ويهمز به , واللمزة الذي يعيب الناس ~~سرا - انتهى . | وقال البغوي : وأصل الهمز الكسر والعض على الشيء بالعنف , ~~والذي دل على الاعتياد صيغة فعل بضم وفتح كما يقال ضحكة للذي يفعل الضحك ~~كثيرا حتى صار عادة له وضرى به , والفعلة بالسكون للمفعول وهو الذي يهمزه ~~الناس ويلمزونه , وقرئ بها وكأنه إشارة إلى من يتعمد أن ms6012 يأتي بما يهمز به ~~ويلمز به فيصير مسخرة يضحك منه - والله أعلم . | وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير : لما قال سبحانه وتعالى رإن الإنسان لفي خسر } أتبعه بمثال من ذكر ~~نقصه وقصوره واغتراره , وظنه الكمال لنفسه حتى يعيب غيره , PageV08P525 ~~واعتماده على ما جمعه من المال ظنا أنه يخلده وينجيه , وهذا كله هو عين ~~النقص , الذي هو شأن الإنسان , وهو المذكور في السورة قبل , فقال تعالى { ~~ويل لكل همزة لمزة } فافتتحت السورة بذكر ما أعد له من العذاب جزاء له على ~~همزه ولمزه الذي أتم حسده , والهمزة العياب الطعان واللمزة مثله , ثم ذكر ~~تعالى ماله ومستقرة بقوله : { لينبذن في الحطمة } أي ليطرحن في النار جزاء ~~له على غتراره وطعنه - انتهى . | ولما كان الذي يفعل النقيصة من غير حاجة ~~تحوجه إليها أقبح حالا وكان المتمول عندهم هو الرابح , وهم يتفاخرون بالربح ~~ويعدون الفائز به من ذوي المعالي , قال مقيدا ل ( كل ) بالوصف مبينا لاخاسر ~~كل الخسارة : { الذي جمع } ولما كان مطلق الجمع يدل على الكثرة جاء التشديد ~~في فعله لأبي جعفر وابن عامر وحمزة والكسائي , وخلت تصريحا بما علم تلويحا ~~ودلالة على أن المقصود به من جعل الدنيا أكبر همه , والتخفيف لمن عداهم ~~اكتفاء بأصل مدلوله بخلاف عدد , فإن مجرده يكون لما قل , ولهذا أجمعوا على ~~التضعيف فيه : { مالا } أي عظيما , وأكد مراد الكثرة بقوله : { وعدده } أي ~~جعله بحيث إذا أريد عدده طال الزمان فيه وكثر التعداد , أو ادخره وأمسكه ~~إعدادا لما ينوبه في هذه الدنيا المنقضية , وزاده قيدا آخر في بيان حاله ~~فقال : { يحسب } لقلة عقله { أن ماله } أي ذلك الذي عدده { أخلده * } أي ~~أوصله إلى رتبة الخلد في الدنيا , فأحب ذلك المال كما يحب الخلود , ويجوز ~~أن يكون ذلك كناية عن أنه عمل - بانهماكه في المعاصي والإعراض عن الله عز ~~وجل والإقبال على التوسع في الشهوات والأعراض الزائلات - عمل من يظن أنه لا ~~يموت , ويجوز أن يكون استئنافا , وفيه تعريض بأنه لا يفيد الخلد إلا ~~الأعمال الصالحة المسعدة في الدار ms6013 الآخرة . | ولما كان هذا الحسبان لشدة ~~وهيه وبيان ضعفه لا يحتاج إلى إقامة دليل على فساده , اكتفى فيه بأداة ~~الردع الجامعة لكل زجر فقال : { كلا } أي لا يكون ما حسبه لأنه لا يكون له ~~ما لا يكون لغيره من أمثاله بل يموت كما مات كل حي مخلوق . | ولما كان كأنه ~~قيل : فما الذي يفعل به بعد الموت ؟ قال مقسما دالا باللام الداخلة على ~~الفعل على القسم : { لينبذن } أي ليطرحن بعد موته طرح ما هو خفيف هين جدا ~~على كل طارح كما دل عليه التعبير بالنبذ وبالبناء للمفعول { في الحطمة * } ~~أي الطبقة من النار التي من شأنها أن تحطم أي تكسر وتشهم بشدة وعنف كل ما ~~طرح فيها فيكون أخسر الخاسرين , وعبر بها في مقابلة الاستعداد بالمال ~~الحامل على الاستهانة بالخلق , قال الأستاد أبو الحسن الحرالي : فلمعنى ما ~~يختص بالحكم يسمى تعالى باسم من أسمائها من نحو جهنم فيما يكون مواجهة ومن ~~نحو الحطمة فيما يكون جزاء لقوة قهر PageV08P526 واستعداد بعدد , ونحو ذلك ~~في سائر أسمائها , وعظم شأنها سبحانه وتعالى بقوله : { وما أدراك } أي وأي ~~شيء أعلمك ولو بمحاولة منك للعلم واجتهاد في التعرف مع كونك أعلم الخلق { ~~ما الحطمة } أي ما الدركة النارية التي سميت هذا الاسم لهذه الخاصية فإنه ~~ليس في الوجود الذي شاهدتموه ما يقاربها ليكون مثالا لها , ثم فسرها بقوله ~~: { نار الله } أي الملك الأعظم الذي عدل المشركون عنه إلى شركائهم , فعظمة ~~هذه النار من عظمته , وانتقامه من نقمته { الموقدة * } أي التي وجد وتحتم ~~إيقادها بإيقاده , ومن الذي يطيق محاولة ما أوقده ؟ فهي لا يزال لها هذا ~~الاسم ثابتا . | ولما وصف الهامز الهازم , وصف الحاطم فقال تعالى : { التي ~~} ولما كان لا يطلع على أحوال الشيء إلا من قبله علما قال : { تطلع } ~~اطلاعا شديدا { على الأفئدة * } جمع فؤاد وهو القلب الذي يكاد يحترق من شدة ~~ذكائه , فكان ينبغي ان يجعل ذكاءه في أسباب الخلاص , واطلاعها عليه بأن ~~تعلو وسطه وتشتمل عليه اشتمالا بالغا , بأدنى شيء من الأذى , ولأنه ms6014 منشأ ~~العقائد الفاسدة ومعدن حب المال الذي هو منشأ الفساد والضلال , وعنه تصدر ~~الأفعال القبيحة . | ولما كان الاطلاع على الفؤاد مظنة الموت , وفي الموت ~~راحة من العذاب , أشار إلى خلودهم فيها وأنهم لا يموتون ولا ينقطع عنهم ~~العذاب , فقال مؤكدا لأنهم يكذبون بها : { إنها } وأشار إلى قهرهم وغلبتهم ~~فقال : { عليهم } وآذن بسهولة التصرف في تذيبهم وانقطاع الرجاء من خلاصهم ~~بقوله معبرا باسم المفعول : { مؤصدة * } أي مطبقة بغاية الضيق , من أوصدت ~~الباب - إذا أطبقته . | ولما كانت عادتهم في المنع من التصرف أن يضعوا خشبة ~~عظيمة تسمى المقطرة فيها حلق توثق فيها الرجل , فلا يقدر صاحبها بعد ذلك ~~على حراك , قال مصورا لعذابهم بحال من ضمير ( عليهم ) : { في } أي حال ~~كونهم موثقين في { عمد } بفتحتين وبضمتين جمع عمود { ممددة * } أي معترضة ~~كأناه موضوعه على الأرض , فهي في غاية المكنة فلا يستطيع الموثق بها على ~~نوع حيلة في أمرها فهو تأكيد ليأسهم من الخروج بالإيثاق بعد الإيصاد , وهذا ~~أعظم الويل وأشد النكال , فقد رجع آخرها إلى أولها , وكان لمفصلها أشد ~~التحام بموصلها - والله الموفق للصواب , وإليه المرجع والمآب . | . . . | ~~PageV08P527 < # > سورة الفيل < # > | مقصودها الدلالة على آخر الهمزة من إهلاك المكاثرين في دار التعاضد ~~والتناصر بالأسباب ، فعند انقطاعها أولى لأختصاصه سبحانه وتعالى بتمام ~~القدرة دون التمكن بالمال والرجال ، واسمها الفيل ظاهر الدلالة على ذلك ~~بتأمل سورته ، وما حصل في سيرة جيشه وصورته { بسم الله } الذي له الإحاطة ~~فقدرته في كل شيء عاملة { الرحمن } الذي له النعمة الشاملة { الرحيم } الذي ~~يختص أهل الاصطفاء بالنعمة الكاملة . < < # | الفيل : ( 1 - 5 ) ألم تر كيف . . . . . # > > ^ ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * ~~وأرسل عليهم طيرا أبابيل * ترميهم بحجارة من سجيل * فجعلهم كعصف مأكول ) ^ ~~} ) | لما قدم في الهمزة أن كثرة الأموال المسببة بالقوة بالرجال ربما ~~أعقبت الوبال , دل عليه في هذه بدليل شهودي وصل في تحريقه وتغلغله في ~~الأجسام وتجريفه إلى القلوب في العذاب الأدنى كما ذكر فيما قبلها للعذاب ~~الأكبر الأخفى , محذرا من الوجاهة في الدنيا ms6015 وعلو الرتبة , مشيرا إلى أنها ~~كلما عظمت زاد ضررها بما يكسبه من الطغيان حتى ينازع صاحبها الملك الأعلى , ~~ومع كونه شهوديا فللعرب ولا سيما قريش به الخبرة التامة , فقال مقررا منكرا ~~على من يخطر له خلاف ذلك : { ألم تر } أي تعلم علما هو في تحققه كالحاضر ~~المحسوس بالبصر , وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم وإن لم يشهد تلك الوقعة ~~فإنه شاهد آثارها , وسمع بالتواتر مع إعلام الله له أخبارها , وخصه صلى ~~الله عليه وسلم إعلاما بأن ذلك لا يعلمه ويعمل به إلا هو صلى الله عليه ~~وسلم ومن وفقه الله الحسن اتباعه , لما للإنسان مع علائق النقصان , وعلائق ~~الحظوظ والنسيان , وقرئ ( تر ) باسكان الراء , قالوا جدا في إظهار أثر ~~الجازم , وكان السر في هذه القراءة الإشارة إلى الحث في الإسراع بالرؤية ~~إيماء إلى أن أمرهم على كثرتهم كان كلمح البصر , ومن لم يعتن به ويسارع إلى ~~تعمد لا يدركه حق إدراكه . | PageV08P528 ولما كان للناظر في الكيفية من ~~التدقيق والوقوف على التحقيق في وجوه الدلالات على كمال علم الله وقدرته ~~وإعزاز نبيه بالإرهاص لنبوته والتمكين لرسالته لتعظيم بلده وتشريف قومه ما ~~ليس للناظر إلى مطلق الفعل قال : { كيف } دون أن يقول : ما { فعل } أي فعل ~~من له أتم داعية إلى ذلك الفعل , وفعل الرؤية معلق عن ( كيف ) لما فيه من ~~معنى الاستفهام فلا يتقدم عامله عليه , بل ناصبه فعل , وجملة الاستفهام في ~~موضع نصب بالفعل المعلق { ربك * } أي المحسن إليك ومن إحسانه إحسانه إلى ~~قومك بك وبهذه الواقعة الخارقة للعادة إرهاصا لنبوتك كما - هو معلوم من ~~أخبار الأنبياء المتقدمين فيما يقع بين أيدي نبواتهم من مثل ذلك ليكون ~~مؤيدا لادعائهم النبوة بعد ذلك , وفي تخصيصه صلى الله عليه وسلم بالخطاب ~~والتعبير بالرب مع التشريف له والإشارة بذكره التعريض بحقارة الأصنام التي ~~سموها أربابا لهم , يعلم ذلك منهم علم اليقين من آمن , ومن استمر على كفره ~~فسيعلم ذلك حق اليقين عندما يسلط الله عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم ~~بالبلد الحرام , ويحلها ms6016 له على أعلى حال ومرام { بأصحاب الفيل * } أي الذين ~~قصدوا انتهاك حرمات الله سبحانه وتعلاى بها , فحسبوا أنها تخلدهم فبان أنها ~~توردهم المهالك ضد ما حسبوه , وهم الحبشة الذين كانوا غلبوا على بلاد اليمن ~~, بنى أميرهم وهو أبو يكسوم أبرهة بن الصباح الأشرم بيعة بصنعاء وسماها ~~القليس وزن قبيط , وأراد أن يصرف إليها - فأغضب ذلك الأشرم فسأل فقيل له : ~~نرى الفاعل من أهل البيت الذي بمكة - فحلف : فيهدمن الكعبة , ومن عجائب صنع ~~الله أنه ألهمه سبحانه وتعالى تسميتها هذا الاسم الذي هو مشتق من القلس ~~الذي أحد معانيه أنه ماء خرج من الحلق ملء الفم , فهو مبدأ القيء الذي هو ~~أخو الغائط الذي آل أمرها إليه , فكان سبب هلاكها بهلاك بانيها , وذلك أنه ~~غضب من ذلك فخرج بجيشه لهدم بيت الله الكعبة ومعه أفيال كثيرة منه فيل عظيم ~~اسمه محمود , فقاتله بعض العرب فهزمهم وقتل منهم , فملا دوخهم دانوا له , ~~فلما وصل إلى المغمس خرج إليه بعد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم , ~~فعرض عليه ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم , وقيل : بل كانت طلائعه أخذت ~~له مائتي بعير فطلبها منه فقال : قد كنت أعجبتني حين رأيتك , فزهدت فيك حين ~~تكلمني في مائتي بعير , وتترك كلامي في بيت هو دينكم وفي عزكم ؟ فقال : أنت ~~وذاك , فرد عليه إبله فساقها ومضى , وأمر قريشا أن يتفرقوا في الشعاب ~~ويتحرزوا في الجبال , وأتى عبد المطلب الكعبة فأخذ بحلقة | PageV08P529 يا ~~رب لا أرجو لهم سواكا فامنعهم أن يقربوا قراكا | - وقال : | لا هم إن المرء ~~يم نع رحله فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدوا محالك جروا جميع ~~تلادهم في الفيل كي يسبوا عيالك عمدوا حماك بكيدهم جهلا وما رقبوا جلالك إن ~~كنت تاركهم وكع بيتنا فأمر ما بدا لك | ثم ترك الحلقة وتوجه في بعد تلك ~~الوجوه فلما أصبح أبرهة تهيأ للدخول إلى الحرم وعبأ جيشه وقدم الفيل فبرك ~~فعالجوه فلم تفد فيه حيلة , فوجهوه إلى غير الحرم فقام يهرول فوجهوه إلى ms6017 ~~الحرم فبرك , وكان هذا دأبه في ذلك اليوم فبينما هم كذلك إذا أرسل الله ~~تعالى عليهم طيرا أبابيل , كل طائر منها في منقاره حجر , وفي رجليه حجران , ~~الحجر منها أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة , فرمتهم بها , فكان الحجر منها ~~يقع في رأس الرجل فيخرج من دبره فهلكوا جميعا , وأهل مكة ومن حضر من العرب ~~في رؤوس الجبال - ينظرون إلى صنع الله تعالى بهم وإحسانه إليهم - أي أهل ~~مكة - وكان ذلك إرهاصا لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم , فإن ذلك كان عام ~~مولده , وقال حمزة الكراماني : وفي رواية : يوم مولده , وكأنه كان سببا ~~لضعهم حتى ذهب سيف بن ذي يزن إلى كسرى وأتى منه بجيش فاستأصل بقيتهم - كما ~~هو مشهور في السير , ومأثور في في الخبر , ووفدت قريش لتهنئته بالنصرة ~~عليهم , وكان رئيسهم عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم , وبشره سيف ~~بأنه يولد له ولد اسمه محمد فأعلمه بأن ولد وأن أباه توفي , فأخبره سيف ~~بأنه النبي المبعوث في آخر الزمان , وأن يثرب مهاجره , وأنه لو علم أنه ~~يعيش إلى زمن بعثته لأتى يثرب وجعلها قراره حتى ينصر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بها - ويظهر نبوته . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت ~~سورة الهمزة ذكر اغترار من فتن بماله حتى ظن أنه يخلده وما أعقبه ذلك , ~~أتبع هذا أصحاب الفيل الذين غرهم تكاثرهم , وخدعهم امتدادهم في البلاد ~~واستيلاؤهم حتى هموا بهدم البيت المكرم , فتعجلوا النقمة , وجعل ا لله ~~كيدهم في تضليل , وأرسل عليهم طيرا أبابيل , أي جماعات متفرقة , ترميهم ~~بحجارة من سيجل حتى استأصلتهم وقطعت دابرهم فجعلهم كعصف مأكول , وأثمر لهم ~~ذلك اغترارهم بتوفر حظهم من الخسر المتقدم - انتهى . | ولما قرره بالكيفيفة ~~تنبيها على ما فيها من وجوه الدلالة على مقدمات الرسالة , أشار إلى تلك ~~الوجوه مقدما عليها تقريرا آخر جامعا لقصتهم ومعلما بغصتهم فقال : ~~PageV08P530 { ألم يجعل } أي بما له من الإحسان إلى العرب لا سيما قريش { ~~كيدهم } أي في تعطيل الكعبة بتخريبها وبصرف الحج إلى ms6018 كنيستهم على زعمهم وقد ~~كان كيدهم عظيما غلبوا به من ناوأهم من العرب { في تضليل * } أي مظروفا ~~لتضييع قصدوا له من نسخ الحج إلى الكعبة أولا ومن هدمها ثانيا وإبطال وبعد ~~عن السداد وإهمال بحيث صار بكونه مظروفا لذلك معمورا به لا مخلص له منه , ~~وهذا مشير إلى أن كل من تعرض لشيء من حرمات الله كبيت من بيوته أو ولي من ~~أوليائه أو عالم من علماء الدين وإن كان مقصرا نوع تقصير وقع في مكره , ~~وعاد عليه وبال شره ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ) وإلى أن من جاهر ~~بالمعصية أسرع إليه الهلاك بخلاف من تستر , وإلى أن الله تعالى يأتي من ~~يريد عذابه من حيث لا يحتسب ليدوم الحذر منه ولا يؤمن مكره ولو كان الخصم ~~أقل عباده , لم يخطر للحبشة ما وقع لهم أصلا ولا خطر لأأحد سواهم أن طيورا ~~تقتل جيشا دوخ الأبطال ودانت له غلب الرجال , يقوده ملك جبار كتيبته في ~~السهل تمشي ورجله على القاذفات في رؤوس المناقب . | ولما كان التقدير : ~~فمنعهم من الدخول إلى حرم إبراهيم عليه الصلاة والسلام فضلا عن الوصول غلى ~~بلده الرسول صلى الله عليه وسلم , عطف عليه أو على ( يجعل ) معبرا بالماضي ~~لأنه بمعناه وهو أصرح والعبير به أقعد قوله ؛ { وأرسل } وبين أنه إرسال إلى ~~تحقيرهم وتخسيسهم عن أن يعذبهم بشيء عظيم لكونهم عظموا أنفسهم وتجبروا على ~~خالقهم بالقصد القبيح لبيته فقال تعالى معلما بأنه سلط عليهم ما لا يقتل ~~مثله في العادة : { طيرا } وهو اسم جمع يذكر على اللفظ , ويؤنث على المعنى ~~, وقد يقع على الواحد , ولذلك قال مبينا الكثرة { أبابيل * } أي جماعات ~~كثيرة جدا متفرقة يتبع بعضها بعضا من نواحي شتى فوجا فوجا وزمرة زمرة , ~~أمام كل فرقة منها طير يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق , قال ~~أبو عبيدة : يقال : جاءت الخيل أبابيل من هاهنا و هاهنا , وهو جمع إبالة ~~بالكسر والتشديد وهي الحزمة الكبيرة - شبهت بها الجماعة من الطير في تضامها ~~, وفي أمثالها : ضغث ms6019 على إبالة , أي بلية على أخرى . | ولما تشوف السامع ~~إلى فعل الطير بهم , قال مستأنفا : { ترميهم } أي الطير { بحجارة } أي ~~عظيمة في الكثرة والفعل , صغيرة في المقدار والحجم , كان كل واحد - منها في ~~نحو مقدار العدسة , في منقار كل طائر منها واحد وفي كل رجل واحد . | ~~PageV08P531 ولما كان الشيء إذا كان مصنوعا للعذاب كان أشد فعلا فيه قال : ~~{ من سجيل * } أي طين متحجر مصنوع للعذاب في موضع هو في غاية العلو كما بين ~~في سورة هود عليه الصلاة والسلام , قال حمزة الكرماني : قال أبو صالح : ~~رأيت تلك الحجارة مخططة بالحمرة . | ولما تسبب عن هذا المرمى هلاكهم , وكان ~~ذلك بفعل الله سبحانه وتعالى القادر على ما أراد لأنه الذي خلق الأثر قطعا ~~لأن مثله لا ينشأ عنه ما نشأ من الهلاك , قال : { فجعل } أي ربك المحسن ~~إليك بإحسانه إلى قومك لأجلك بذلك { كعصف مأكول * } أي ورق زرع وقع فيه ~~الأكال وهو أن يأكله الدود ويجوفه لأن الحجر كان يأتي في الرأس فيخرق بما ~~له من الحرارة وشدة الوقع كل ما مر به حتى يخرج من الدبر ويصير موضع تجويفه ~~أسود لما له من النارية , أو أكل حبة فبقي صفرا منه أو كتبن أكلته الدواب ~~وراثته , ولكنه جاء على ما عليه آداب القرآن كقوله تعالى : < # > 77 ( { كانا يأكلان الطعام } ) 77 < # > [ المائدة : 75 ] وهذا الإهلاك في إعجابه هو من معاني الاستفهام ~~التقريري في أولها , فقد تعانق طرفاها , والتف أخراها بأولاها - والله أعلم ~~بمراده . | . . . | PageV08P532 < # > سورة قريش < # > | مقصودها الدلالة على ضد ما دلت عليه الفيل بأن إهلاك الجاحدين ~~المعاندين لإصلاح المقربين العابدين ، وهو بشارة عظيمة لقريش خاصة بإظهار ~~شرفهم في الدارين ، واسمها قريش ظاهر الدلالة على ذلك ، والتعبير بقريش دون ~~قومك أو الحمس مثلا ونحوه دال على أنهم يغلبون الناس أجمع بقوة كما يدل ~~عليه الاسم ، وبغير قوة كما دل عليه ما فعل لأجلهم من قصة الفيل : { بسم ~~الله } ذي السبحات والحمد فله جميع الكمال { الرحمن } ذي النعم العامة ~~بالإيجاد والبيان فهو ذو الأفضال { الرحيم ms6020 } ذي الانتقام بالإبعاد ~~والاختصاص بمن يشاء بالإسعاد بالتقريب والإجلال . < < # | قريش : ( 1 - 4 ) لإيلاف قريش # > > ^ ( لإيلاف قريش * إيلافهم رحلة الشتآء والصيف * فليعبدوا رب هذا ~~البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف ) ^ } ) | لما كان ما فعله ~~سبحانه - من منع هذا الجيش العظيم - الي من قوته طاعة أكبر ما خلق الله من ~~الحيوان البري فيما نعلمه له - من دخول الحرم الذي هو مظهر قدرته ومحل ~~عظمته الباهرة وعزته والمذكر بخليله عليه الصلاة والسلام وما كان من الوفاء ~~بعظيم خلته - كرامة لقريش عظيمة ظاهره عاجلة حماية لهم عن أن تستباح ديارهم ~~وتسبى ذراريهم لكونهم أولاد خليله وخدام بيته وقطان حرمه ومتعززين به ~~ومنقطعين إليه , وعن أن يخرب موطن عزهم ومحل أمنهم وعيشهم وحرزقهم , ذكرهم ~~سبحانه وتعالى ما فيه من النعمة الآجلة إكراما ثانيا بالنظر في العاقبة , ~~فقال مشيرا إلى أن من تعاظم عليه قصمه , ومن ذلك له وخدمه أكرمه وعظمه : { ~~لإيلاف قريش * } أي لهذا الأمر لا غيره فعلنا ذلك وهو إيقاعهم الإيلاف وهو ~~ألفهم الذي ينشأ عنه طمأنينتهم وهيبة الناس لهم , وذلك ملزوم لألفهم أولا ~~في أنفسهم , فإذا كان لهم الألف بحرمه بما حصل لهم من العز والمكنة به بما ~~دافع عنهم فيه مع ما له من بعد الآفات عنه , وكان لهم الألف بينهم , فكان ~~بعضهم يألف بعضا , قوي أمرهم فألفوا غيرهم أي جعلوه يألف ما ألفوه ~~PageV08P533 إياه أي سنوه له وأمروه به , أو يكون اللام متعلقا بفعل ~~العبادة بدلالة { فليعبدوا } أي ليعبدونا لأجل ما أوقعنا من ألفهم وإيلافهم ~~, وعلى التقديرين الألف علة للعبادة أو لما يوجب الشكر بالعبادة , وفي هذا ~~إشارة إلى تمام قدرته سبحانه وتعالى وأنه إذا أراد شيئا يسر سبببه لأن ~~التدبير كله له يخفض من يشاء وإن عز , ويرفع من يشاء وإن ذل , ليثمر اعتقاد ~~ذلك حبه والانقطاع لعبادته والاعتماد عليه في كل نفع ودفع , وقريش ولد ~~النضر ابن كنانة واسمهم واسم قبيلتهم مشتق من القرش والتقرش وهو التكسب ~~والجمع , يقال : فلان يقرش لعياله ويقترش أي يكتسب , وقال البغوي ms6021 : وقال ~~أبو ريحانة : سأل معاوية ابن عباس رضي الله عنهما : لم سموا بهذا ؟ فقال : ~~لدابة تكون في البحر هي أعظم دوابه , يقال لها القرش , لا تمر بشيء من الغث ~~والسمين إلا أكلته , وهي تأكل ولا تؤكل وتعلو ولا تعلى , قال : وهي تعرف ~~العرب ذلك في أشعارها ؟ قال : نعم , وأنشد للجمحي : | وقريش هي التي تسكن ~~البحر بها سميت قريش قريشا سلطت بالعلو في لجة البحر على سائر الجيوش جيوشا ~~| وقال الزمخشري : هي دابة عظيمة تعبث بالسفن ولا تطاف إلا بالنار , ~~والتصغير للتعظيم - انتهى . | وقيل : مسوا بذلك لتجمعهم إلى الحرم بعد ~~تفرقهم , فإن القرش - كما تقدم - الجمع , وكان المجمع لهم قصيا , والقرش ~~أيضا الشديد , وقيل : هو من تقرش الرجل - إذا تنزه عن مدانيس الأمور , ومن ~~تقارشت الرماح في الحرب - إذا دخل بعضها في بعض . | والمادة كلها للشدة ~~والاختلاط , والتعبير بهذا الاسم لمدحهم . | وكما أجرى سبحانه وتعلى مدحهم ~~على الألسنة جعلهم موضعا للمدح , قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ~~اصطفى كنانة من بني إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى بني هاشم من قريش ~~واصطفاني من بني هاشم ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( الأئمة من قريش ) قال ~~العلماء : وذلك ان طيب العنصر يؤدي إلى محاسن الأخلاق , ومحاسن الأخلاق ~~تؤدي إلى صفاء القلب , PageV08P534 وصفاء القلب عون على إدراك العلوم , ~~وبإدراك العلوم تنال الدرجات العلا في الدنيا والآخرة , وصرف الاسم هنا على ~~معنى الحي ليكون الاسم بمادته دالا على الجمع , وبصرفه دالا على الحياة ~~إشارة إلى كمال حياتهم ظاهرا وباطنا , قال سيبويه في معد وقريش وثقيف : صرف ~~هذه الأحياء أكثر , وإن جعلتها اسما للقبائل - يعني فمنعتها - فجائز حسن , ~~والذي يدل على تعلق اللام بفعل دلت عليه الفيل أن السورتين في مصحف أبي رضي ~~الله عنه سورة واحدة من غير فصل , وأن عبد الرزاق وابن أبي شيبة رويا عن ~~أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال : صلى بنا عمر رضي الله عنه المغرب فقرأ في ~~الأولى بالتين والزيتون , وفي الثانية ألم تر كيف ولئيلاف قريش ms6022 . | وقال ~~الإمام أبو جعفر بن الزبير : لاخفاء في اتصالهما أي أنه سبحانه وتعالى فعل ~~ذلك بأصحاب الفيل ومنعهم عن بيته وحرمه لانتظام شمل قريش , وهم سكان الحرم ~~وقطان بيت الله الحرام , وليؤلفهم بهاتين الرحلتين فيقيموا بمكة وتأمن ~~ساحتهم - انتهى . | ولما علل بالإيلاف وكان لازما ومتعديا , تقول : آلفت ~~المكان أولفه إيلافا فأنا مؤلف وآلفت فلانا هذا شيئا أي جعلته آلفا له , ~~وكان الإتيان بالشيء محتملا لشيئين ثم إبدال أحدهما منه أضخم لشأنه وأعلى ~~لأمره , أبدل منه قوله : { إلافهم } أي إيلافنا إياهم { رحلة الشتاء * } ~~التي يرحلونها إلى الشام في زمنه لأنها بلاد باردة ينالون فيها منافع ~~الشمال , وهم آمنون من سائر العرب لأجل عزهم بالحرم المكرم المعظم ببيت ~~الله والناس يتخطفون من حولهم , ففعل الله تعالى بأصحاب الفيل ما فعل ~~ليزداد العرب لهم هيبة وتعظيما فتزيد في إكرامهم لما رأت من إكرام الله ~~تعالى لهم فيكون لهم غاية التمكن في رحلتهم , والرحلة بالكسر هيئة الرحيل , ~~وقرئ بالضم وهي الجهة التي يرحل إليها , وكانوا معذورين لذلك لأن بلدهم لا ~~زرع به ولا ضرع , فكانوا إذا ضربوا في الأرض قالوا : نحن سكان حرم الله ~~وولاة بيته , فلا يعرض أحد بسوء , فلولا الرحلتان لم يكن لهم مقام بمكة , ~~ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرف , وأول من سن لهم الرحلة ~~هاشم بن عبد مناف , وكان يقسم ربحهم بين الغني والفقير حتى كان فقيرهم ~~كغنيهم , وفي ذلك يقول الشاعر : | قل للذي طلب السماحة والندى هلا مررت بآل ~~عبد مناف الرائشين وليس يوجد رائش والقائلين هلم للإضياف والخالطين فقيرهم ~~بغنيهم حتى يكون فقيرهم كالكاف PageV08P535 القائلين بكل وعد صادق ~~والراحلين برحلة الإيلاف عمرو العلا هشم الثريد لقومه ورجال مكة مسنتون ~~عجاف سفرين سنهما له ولقومه سفر الشتاء ورحلة الأصياف | وتبع هاشما على ذلك ~~إخوته , فكان هاشم يؤلف إلى الشام وعبد شمس إلى الحبشة , والمطلب إلى اليمن ~~, ونوفل إلى فارس , وكان تجار قريش يختلفون إلى هذه الأمصار بحبال هذه ~~الإخوة - أي عهودهم - التي أخذوها بالأمان لهم من ملك ms6023 كل ناحية من هذه ~~النواحي , وأفرد الرحلة في موضع التثنية لتشمل كل رحلة - كما هو شأن ~~المصادر وأسماء الأجناس , إشارة لهم بالبشارة بأنهم يتمكنون من قريب من ~~الرحلة إلأى أي بلد أرادوا لشمول الأمن لهم وبهم جميع الأرض بما نشره الله ~~سبحانه وتعالى من الخير في قلوب عباده في سائر الأرض بواسطة هذا النبي ~~الكريم الذي هو أشرفهم وأعظمهم وأجلهم وأكرمهم . | ولما كان هذا التدبير ~~لهم من الله كافيا لهمومهم الظاهرة بالغنى والباطنة بالأمن , وكان شكر ~~المنعم واجبا , فإذا أنعم بما يفرغ المنعم عليه للشكر كان وجوبه عليه أعظم ~~, سبب عن الإنعام عليهم بذلك قوله : { فليعبدوا } أي قريش على سبيل الوجوب ~~شكرا على هذه النعمة خاصة إن لم يشكرون على جميع نعمه التي لا تحصى لأنهم ~~يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأبعدهم عن الكفران { رب هذا البيت * } أي ~~الموجد شكرا على هذه النعمة خاصة إن لم يشكروه على جميع نعمه التي لا تحصى ~~لأنهم يدعون والمحسن إلى أهله بتربيتهم به وبحفظه من كل طاغ , وتأثيره لأجل ~~حرمته في كل باغ , وبإذلال الجبابرة له ليكمل إحسانه إليهم وعطفه عليهم ~~بإكمال إعزازه لهم في الدنيا والآخرة وجعل ما داموا عابدين له موصلا بعز ~~الآخرة , فتتم النعمة وتكمل الرحمة , والمراد به الكعبة , عبر عنها ~~بالإشارة تعظيما إشارة إلى أن ما تقدم في السورة الماضية من المدافعة عنهم ~~معروف أنه بسببه لا يحتاج إلى تصريح , وأن ذلك جعله متصورا في كل ذهن حاضرا ~~مشاهدا لكل مخاطب , وفي هذا التلويح من التعظيم ما ليس للصريح , ثم وصف ~~نفسه الأقدس بما هو ثمرة الرحلتين ومظهر لزيادة شرف البيت فقال تعالى : { ~~الذي أطعمهم } أي قريشا بحمل الميرة إلى مكة بالرحلتين آمنين من أن يهاجوا ~~, وبإهلاك الذين أرادوا إخراب البيت الذي به نظامهم , إطعاما مبتدئا { من ~~جوع * } أي عظيم فيه غيرهم من العرب , أو كانوا هم فيه قبل ذلك لأن بلدهم ~~مهيأ لذلك لأنه ليس بذي زرع , فهم عرضة للفقر الذي ينشأ عنه الجوع , فكفاهم ~~ذلك وحده ولم ms6024 يشركه أحد في كفايتهم , فليس من الشكر إشراكهم في عبادته ولا ~~من البر بأبيهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي دعا لهم بالرزق ونهى أشد ~~النهي عن عبادة الأصنام , ولم يقل : أشبعهم PageV08P536 لأنه ليس كلهم كان ~~يشبع , ولأن من كان يشبع منهم طالب لأكثر مما هو عنده ( لا يملأ جوف ابن ~~آدم إلى التراب ) . | ولما ذكر السبب في إقامة الظاهر , ذكر السبب في إقامة ~~العيش بنعمة الباطن فقال : { وآمنهم } أي تخصصا لهم { من خوف * } أي شديد ~~جدا من أصحاب الفيل ومما ينال من حولهم من التخطف بالقتل والنهب والغارات ~~وبالأمن من الجذام بدعوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام , ومن الطاعون ~~والدجال بتأمين النبي صلى الله عليه وسلم , وعن ذلك تسبب الاتحاف بما خصهم ~~به من الإيلاف , فعلم أن آخرها علة لأولها , ويجوز أن يكون إلفهم للبلد وقع ~~أولا فحماه الله لهم مما ذكر , فيكون ذلك مسببا عن الإلف فيكون أولها علة ~~لآخرها , فقد التقى الطرفان , والتأم البحران المغترفان , وكما التقى آخر ~~كل سورة مع أولها فكذلك التقى آخر القرآن العظيم بأوله بالنسبة إلى تسع سور ~~هذه أولها إذا عددت من الآخر إليها , فإن حاصلها المن على قريش بالإعانة ~~على المتجر إيلافا لهم بالرحلة فيه والضرب في الأرض بسببه واختصاصهم بالأمر ~~بعبادة الذي من عليهم بالبيت الحرام وجلب لهم به الأرزاق والأمان , ومن ~~أعظم مقاصد التوبة - المناظرة لهذه بكونها التاسعة من الأول - البراءة من ~~كل مارق , وأن فعل ذلك يكون سببا للألفة بعد ما ظن أنه سبب الفرقة , وذكر ~~مناقب البيت ومن يصلح لخدمته , والفوز بأمانه ونعمته , والبشارة بالغنى على ~~وجه أعظم من تحصيله بالمتجر وأبهى وأبهر , وأوفى وأوفر , وأزهى وأزهر , ~~وأجل وأفخر , بقوله تعالى : < # > 77 ( { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم } ) 77 ~~< # > الآيات , [ التوبة : 17 ] وقوله تعالى : < # > 77 ( { وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } ) 77 < # > [ التوبة : 28 ] فعلم بهذا علما جليا أنه شرع سبحانه في رد المقطع على ~~المطلع من سورة قريش الذين أكرمهم الله بإنزال ms6025 القرآن بلسانهم وأرسل به ~~النبي صلى الله عليه وسلم إليهم كما أكرمهم ببناء البيت في شأنهم , وتعظيمه ~~لغناهم وأمانهم , ومن أعظم المناسبات في ذلك كون أول السورة التي أخذ فيها ~~في رد المقطع على الواحدة فإن براءة مع الأنفال كذلك حتى قال عثمان رضي ~~الله عنه إن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ولم يبين أمرها , فلم يتحرر له ~~أنها مستقلة عنها , ولذلك لم يكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم , ~~وكانت هذه التي من الآخر مقطوعا بأنها مستقلة مع ما ورد من كونها مع التي ~~قبلها سورة واحدة في مصحف أبي رضي الله تعالى عنه , وقراءة عمر PageV08P537 ~~رضي الله عنه لهما على وجه يشعر بذلك كما مضى إشارة إلى أن الآخر يكون أوضح ~~من الأول , ومن غرب ذلك أن السورتين اللتين قبل سورتي المناظرة بين أمريهما ~~طباق , فالأولى في الآخرة وهي الفيل أكرم الله فيها قريشا بإهلاك أهل ~~الإنجيل , والأولى في الأول وهي الأنفال أكرمهم الله فيها بنصر أهل القرآن ~~عليهم بإهلاك جبابرتهم , فكان ذلك سببا لكسر شوكتهم وسقوط نختهم المفضي إلى ~~سعادتهم , وعلم أن البراءة وغيرها إنما عمل لإكرامهم لأنهم المقصودون ~~بالذات وبالقصد الأول بالإرسال والناس لهم تبع كما أن جميع الرسل تبع ~~للرسول الفاتح الخاتم الذي شرفوا بإرساله إليه صلى الله عليه وسلم , وكان ~~عدد التسع مشيرا إلى أن قريشا أهل لأن يتصلوا بعروج الأسرار في الملوكت إلى ~~الفلك التاسع , وهو العرش الذي هو مقلوب الشرع , فهم يصعدون بأسرار الشرع - ~~التي من أعظمها الصلاة - من الأسفل إلى الأعلى من الطرفين معا كما أنه ~~يتنزل عليهم بالبركات من الجانبين , وإذا ضممت التسع الأولى إلى الأخرى ~~كانت ثمان عشرة , فكانت مشيرة إلى ركعات الصلوات مضموما إليها الوتر , وإلى ~~ظهور الدين ظهورا كاملا على غالب أقطار الأرض كما كان في سنة ثمان وعشرين , ~~وهي الثامنة عشر من موت النبي صلى الله عليه وسلم , وذلك في أثناء خلافة ~~عثمان رضي الله عنه فإنه كان فيها قد تمزق ملك كسرى وضعف جدا ms6026 , وكذا ملك ~~الروم مع ما كان من زوال أمر القبط بالكلية , ومن بديع الإشارات أيضا أنك ~~إذا نظرت إلى نزول براءة وجدته سنة تسع من الهجرة في غزوة تبوك وعقب الرجوع ~~منها , فكان كونها تاسعة ونزولها في السنة التاسعة مشيرا إلى كون الدين ~~يظهر على كل مخالف بعد تسع سنين , وهي السنة الثامنة من موت النبي صلى الله ~~عليه وسلم في وسط خلافة الفاروق حين ظهر المسلمون على الفرس والروم , ~~فقتلوا رجالهم , وانتثلوا أموالهم , كما كان قد ظهر عند نزولها على عباد ~~الأوثان من العرب , ومن الغريب أن قصة الفيل كانت سنة مولد النبي صلى الله ~~عليه وسلم , فهي قبل النبة بأربعين سنة بعدد كلمات السورتين : الفيل وقريش ~~, فإن الفيل ثلاث وعشرون وقريش سبع عشرة , وذلك - والله أعلم - إشارة إلى ~~أن ابتداء الأمن - بإهلاكهم والإشباع بنهب ما كان معهم من أموالهم ومتاعهم ~~- كان لمولده صلى الله عليه وسلم وتشريف الوجود بوجوده , ويكون ذلك ظاهرا ~~كما كان السبب - الذي هو وجوده صلى الله عليه وسلم - ظاهرا , وإلى أن وسطه ~~يكون بنبوته صلى الله عليه وسلم , ويكون ذلك باطانا كما أن السبب - وهو ~~الوحي باطن , ثم كان أمن الصحابة رضي الله تعالى عنهم في السنة الثامنة ~~الموازية لعدد كلمات البسملتين على يد النجاشي ملك الحبشة الذي كان الأمن ~~أولا بإهلاكهم , وإذا ضممت إليها أحد عشر ضميرا - سبعة في الفيل وأربعة في ~~قريش - كانت تسعا وخمسين توازيها إذا حسبت من المولد سنة ست من PageV08P538 ~~الهجرة , وفيها كانت عمرة الحديبية وهي الفتح السببي الخفي , وإلى ذلك أشار ~~صلى الله عليه وسلم بقوله في بروك ناقته الشريفة حين بركت فقالت الصحابة ~~رضي الله تعالى عنهم : خلأت القصوى - أي حرنت : ( ما خلأت ولكن حبسها حابس ~~الفيل ) وفيها نزلت سورة الفتح , فكان سبب الأمن العظيم والغنى , وعقبها في ~~سنتها كان البعث إلى ملوك الأمصار , وفتح خيبر وانبساط ذكر الإسلام في جميع ~~الأقطار , وكذا كان عقبها قبل عمرة القشية إسلام عمرو بن العاص على يد ~~النجاشي لما سأله ms6027 أن يعطيه عمرو بن أميه الضمري رضي الله عنه ليقتله , وذلك ~~حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي رضي الله عنهما يدعوه إلى ~~الإسلام فأنكر النجاشي ذلك على ابن العاص وشهد للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بالرسالة وأمره بأن يؤمن به , ففعل فكان ملك الحبشة بدعاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم ناجيا هاديا , وإلى النبي صلى الله عليه وسلم داعيا , عكس ما كان ~~لملك الحبشة بمولده صلى الله عليه وسلم من أنه كان هالكا , وإلى الجحيم ~~هاويا , وإن حسبت من سنة بنيان الكعبة في الخامسة والعشرين من مولده صلى ~~الله عليه وسلم كانت السنة التاسعة والخمسون هي الحادية والثلاثون بعد ~~الهجرة , وهي سنة استئصال ملك الفرس بقتل آخر ملوكهم يزدجرد , والفرس هم ~~الذين أزالوا الحبشة عن بلاد اليمن وطهورا هذا المولد الشريف الذي حرست ~~الكعبة بمولده صلى الله عليه وسلم وحصل الأمن والعز ببركته تبنى الكعبة ~~وتجدد بعد بضع وعشرين سنة من مولده , قالوا : كان بنيانها ونسه خمس سنة من ~~حين الولادة , وبه حين البنيان ألف الله بين قريش بعد أن كانوا تنافروا أشد ~~المنافرة وتعاقدوا على الحرب في أمر الحجر الأسود من يضعه في موضعه الله ~~بينهم به صلى الله عليه وسلم فوضعه بيده الشريفة في ثوب , وأمرهم فأمسكت ~~جميع القبائل بأطرافه , ثم رفعوه حتى وازوا به موضعه فأخذه هو صلى الله ~~عليه وسلم فوضعه في مكانه , فكان الشرف له خاصة في الإصلاح والبنيان , ~~وتشير مع ذلك إلى أنه يبقى في النبوة ثلاثا وعشرين سنة , ثم يتوفاه الله ~~سبحانه وتعالى بعد أن جعل الله كيد جميع الكفرة في تضليل من عباد الأوثان ~~والفرس والروم وغيرهم بما فتح الله عليه من جزيرة العرب التي ألف الله بها ~~من كلمتهم حتى انسابوا على غيرهم فما وافقهم أحد ناوشه القتال وساوموه ~~النضال والنزال , ولعل الإشارة بكون قريش سبع عشرة كلمة إلى أنه صلى الله ~~عليه وسلم بعد سبع عشرة سنة من بنيان البيت يبعه الله سبحانه وتعالى لأمر ~~قريش بالعبادة ms6028 التي أجلها الصلاة التي أعظمها الفرائض PageV08P539 التي هي ~~سبع عشرة ركعة شكرا لنعمة من آمنهم من خوف وأطعمهم من جوع بأعظم العبادة , ~~وإلى أن ابتداء ألفة قريش بالقوة القريبة من الفعل بعد الشتات العظيم ~~الظاهر وجعل كيد الكفار في تضليل يكون في السنة السابعة عشرة من النبوة , ~~وذلك سنة أربع من الهجرة فإن فيها كان إجلاء بني النضير من اليهود من ~~المدينة الشريفة وإخلاف قريش الموعد في بدل الموعد وهنا منهم عن لقاء جيش ~~النبي صلى الله عليه وسلم , وكانت بعد بيسير غزوة الأحزاب , ولذلك قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد انصرافهم : ( الآن نغزوهم ولا يغزونا ) يعني ~~أن نخوة الشيطان منهم وحمية الجاهلية أخذت في الاضمحلال لانتهاء قوتهم في ~~الباطل الذي كان سبب عزهم الظاهري الذي هو الذل في الباطن , وكان ذلك ~~ابتداء عزهم في الباطن الذي هو ذلهم لأهل الإسلام في الظاهر , وفي أثر ~~الأحزاب كانت غزوة بني قريظة , فإذا ضممت إلى الكلمات الضمائر الأربعة كانت ~~إحدى وعشرين توازيها سنة ثمان من الهجرة وهي سنة الفتح الأعظم الذي وقعت به ~~الألفة العظمة بين قريش وأمنهم وغناهم الذي وعدهم الله به في السورة ~~المناظرة لها - وهي براءة - باتئلاف جميع العرب وانبعاثهم لاجتماع كلمتهم ~~إلى جهاد الفرس والروح والقبط وأخذهم لبلادهم , وانتثالهم لكنوزهم وتحكمهم ~~في نسائهم وأولادهم , فسبحان من هذا كلامه , وتعالى شأنه وعز مرامه . | . . ~~. | PageV08P540 < # > سورة الماعون < # > | وتسمى الدين وتسمى أرأيت والتكذيب . | مقصودها التنبيه على أن ~~التكذيب بالبعث لأجل الجزاء أبو الخبائث ، فإنه يجزئ المكذب على مساوئ ~~الأخلاق ومنكرات الأ ‘ مال حتى تكون الاستهانة بالعظام خلقا له فيصير ممن ~~ليس له خلاق ، وكل من اسمائها الأربعة في غاية الظهور في الدلالة على ذلك ~~بتأمل السورة لتعرف هذه الأشياء المذكورة ، فهي ناهية عن المنكرات بتصريحها ~~، داعية إلى المعالي بإفهامها وتلويحها { بسم الله } الذي تعالت عظمته عن ~~كل شائبة نقص فكان له كل كمال { الرحمن } الذي عمت نعمته المحسن والمسئ ~~فغمر الكل بالنوال { الرحيم } الذي خص أولياءه بإتمام النعمة فحباهم بنعيم ~~الاتصال ms6029 . < < # | الماعون : ( 1 - 7 ) أرأيت الذي يكذب . . . . . # > > ^ ( أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدع اليتيم * ولا يحض على ~~طعام المسكين * فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يرآءون ~~* ويمنعون الماعون ) ^ } ) | لما أخبر سبحانه وتعالى عن فعله معهم من ~~الانتقام ممن تعدى حدوده فيهم , ومن الرفق بهم بما هو غاية في الحكمة , ~~فكان معرفا بأن فاعله لا يترك الناس سدى من غير جزاء , وأمرهم آخر قريش ~~بشكر نعمته فإفرلاده بالعبادة , عرفهم أول هذه أن ذلك لا يتهيأ إلا ~~بالتصديق بالجزاء الحامل على معالي الأخلاق الناهي عن مساوئها , وعجب ممن ~~يكذب بالجزاء مع وضوح الدلالة عليه بحمة الحكيم , ووصف المكذب به بأوصاف هم ~~منها في غاية النفرة , وصوره بأشنع صورة بعثا لهم على التصديق وزجرا عن ~~التكذيب , فقال خاصا بالخطاب رأس الأمة إشارة إلى أنه لا يفهم هذا الأمر حق ~~فهمه غيره : { أرأيت } أي أخبرني يا أكمل الخلق { الذي يكذب } أي يوقع ~~التكذيب لمن يخبره كائنا من كان { بالدين * } أي الجزائي الذي يكون يوم ~~البعث الذي هو محط الحكمة وهو غاية الدين التكليفي الآمر بمعالي الأخلاق ~~الناهي عن سيئها , ومن كذب PageV08P541 بأحدهما كذب بالآخر : ولما كان فعل ~~الرؤية بمعنى أخبرني , المتعدي إلى مفعولين , كان تقدير المفعول الثاني : ~~أليس جديرا بالانتقام منه . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما تضمنت ~~السور المتقدمة من الوعيد لمن انطوى على ما ذكر فيها مما هو جار على حكم ~~الجهل والظلم الكائنين في جبلة الإنسان ما تضمنت كقوله : { إن الإنسان لربه ~~لكنود } { إن الإنسان لفي خسر } { يحسب أن ماله أخلده } وانجر أثناء ذلك ~~مما تثيره هذه الصفات الأولية ما ذكر فيها أيضا كالشغل بالتكاثر , والطعن ~~على الناس ولمزهم والاغترار أصحاب الفيل أتبع ذلك بذكر صفات قد توجد في ~~المنتمين إلى الإسلام أو يوجد بعضها أو أعمال منيتصف بها وإن لم يكن من ~~أهلها كدع اليتيم , وهو دفعه عن حقه وعدم الرفق به , وعدم الحض على طعام ~~المسكين , والتغافل عن الصلاة والسهو عنها , والرياء بالأعمال والزكاة ~~والحاجات ms6030 التي يضطر فيها الناس بعضهم إلى بعض , ويمكن أن يتضمن إبهام ~~الماعون هذا كله , ولا شك أن هذه الصفات توجد في المتسمين بالإسلام , فأخبر ~~سبحانه وتعالى أنه من صفات من يكذب بيوم الدين ولا ينتظر الجزاء والحساب , ~~أي إن هؤلاء هم أهلها , ومن هذا القبيل قوله عليه الصلاة والسلم ( أربع من ~~كن فيه كان منافقا خالصا ) وقوله عليه الصلاة والسلام ( لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن ) وهذا الباب كثير في الكتاب والسنة , وقد بسطته في كتاب ( ~~إيضاح السبيل من حديث سؤال جبيريل ) فمن هذا القبيل عندي - والله أعلم - ~~قوله تعالى : { أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم } أي أن هذه ~~الصفات من دفع اليتيم وبعد الشفقة لعيه , وعدم الحض على إطعامه والسهو عن ~~الصلاة والمراءاة بالأعمال ومنع الحاجات إن هذه كلها من شأن المكذب بالحساب ~~والجزاء لأن نفع البعد عنها إنما يكون إذ ذاك , فمن صدق به جرى في هذه ~~الخصال على السنن المشكور والسعي المبرور , ومن كذب به لم يبال بها وتأبط ~~جميعها , فتنزهوا أيها المؤمنون عنها , فليست من صفاتكم في أصل إيمانكم ~~الذي بايعتم عليه , فمن تشبه بقوم فهو منهم , فاحذروا هذه الرذائل فإن دع ~~اليتيم من الكبر الذي أهلك أصحاب الفيل , وعدم الحض على إطعامه فإنما هو ~~فعل البخيل الذي سحب أن ماله أخلده , والسهو عن الصلوات من ثمرات إلهاء ~~التكاثر , والشغل بالأموال والأولاد , فنهى عباده عن هذه الرسائل التي ~~يثمرها ما تقدم والتحمت السور - انتهى . | PageV08P542 ولما كان المراد ~~بهذا الجنس , وكان من المكذبين من يخفي تكذيبه , عرفهم بأمارات تنشأ من ~~عمود الكفر الذي صدر به ويتفرع منه تفضحهم , وتدل عليهم وإن اجتهدوا في ~~الإخفاء وتوضحهم , فقال مسببا عن التكذيب ما هو دال عليه : { فذلك } أي ~~البغيض البعيد من كل خير { الذي يدع } أي يدفع دفعا عنيفا بغاية القسوة { ~~اليتيم * } ويظلمه ولا يحث على إكرامه لأن الله تعالى نزع الرحمة من قلبه , ~~ولا ينزعها إلا من شقي لأنه لا حامل على الإحسان إليه إلا الخوف ms6031 نم الله ~~سبحانه وتعالى , فكان التكذيب بجزائه سببا للغلظة عليه . | ولما كانت رحمة ~~الضعفاء علامة على الخير , ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ( اللهم إني ~~أسألك فعل الخيرات , وترك المنكرات , وحب المساكين ) كانت القسوة عليهم ~~علامة على الشر , وكان من بخل باللين في قاله أشد بخلا بالبذل من ماله , ~~قال معرفا لأن المكذب ينزله تكذيبه إلى أسفل الدركات , وأسوإ الصفات الحامل ~~على شر الحركات : { ولا يحض } أي يحث نفسه وأهله ولا غيرهم حثا عظيما يحمى ~~فيبعث على المراد { على طعام المسكين * } أي بذله له وإطعامه إياه بل يمقته ~~ولا يكرمه ولا يرحمه , وتعبيره عن الإطعام - الذي هو المقصود - بالطعام ~~الذي هو الأصل وإضافته المسكين للدلالة على أنه يشارك الغني في ماله بقدر ~~ما فرض الله من كفايته , وقد تضمن هذا أن علامة التكذيب بالبعث - إيذاء ~~الضعيف والتهاون بالمعروف , والآية من الاحتباك : الدع في الأول يدل على ~~المقت في الثاني : والحض في الثاني يدل على مثله في الأول . | ولما كان هذا ~~حاله مع خلائق , أتبعه حاله مع الخالق إعلاما بأن كلا منهما دال على خراب ~~القلب وموجب لمقت الرب , وأعظم الإهانة والكرب , وأن المعاصي شؤم مهلك , ~~تنفيرا عنها وتحذيرا منها , فسبب عنه قوله معبرا بأعظم ما يدل على الإهانة ~~: { فويل } ولما كان الأصل : له - بالإضمار والإفراد , وكان المراد ب ( ~~الذي ) الجنس الصالح للواحد وما فوقه . | وكان من يستهين بالضعيف لضعفه ~~يعرض عما لا يراه ولا يحسه لغيبته , وكان من أضاع الصلاة كان لما سواها ~~أضيع , وكان من باشرها ربما ظن النجاة ولو كانت مباشرته لها على وجه الرياء ~~أو غيره من الأمور المحيطة للعمل , عبر بالوصف تعميما وتعليقا للحكم به ~~وشقه من الصلاة تحذيرا من الغرور , وإشارة إلى أن الذي أثمر له تلك الخساسة ~~هو ما تقدم من الجري مع الطبع الرديء , وأتى بصيغة الجميع تنبيها على أن ~~الكثرة ليست لها عنده عزة لأن إهانة الجمع مستلزم لإهانة الأفراد ~~PageV08P543 من غير عكس فقال : { للمصلين * } ولما كان الحكم إنما هو على ms6032 ~~ذات الموضع من غير اعتبار لوصفه بالفعل علم أن المقصود إنما هو من كان ~~مكلفا بالصلاة لأن من كان متلبسا بها مثل قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا ~~يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ) فلذلك وصفهم بقوله : { الذين هم } أي ~~بضمائرهم وخالص سرائرهم . | ولما كان المراد تضييعهم قال : { عن } دون في { ~~صلاتهم } أي هي جديره بأن تضاف إليهم لوجوبها عليهم وإيجابها لأجل مصالحهم ~~ومنافعهم بالتزكية وغيرها { ساهون * } أي عريقون في الغفلة عنها وتضييعها ~~وعدم المبالاة بها وقلة الالتفات إليها , ويوضح ذلك أن ابن مسعود رضي الله ~~عنه قرأ ( لاهون ) وفائدة التعبير بالوصف الدلالة على ثبوته لهم ثبوتا يوجب ~~أن لا يذكروها من ذات أنفسهم أصلا , ولذلك كشفه بما بعده , روى البغوي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الآية فقال : ( هو إضاعة الوقت ) وعن ابن ~~عباس رضي الله عنهما أنه قال : هم المنافقون يتركون الصلاة إذا غابوا ~~ويصلونها إذا حضروا مع الناس . | ولما كان من كان بهذه الصفة لا نظر له ~~لغير الحاضر كالبهائم , قال دالا على أن المراد بالسهو ههنا تضييعها عند ~~الانفراد بالترك حسا ومعنى وعند الاجتماع بالإفساد في المعنى : { الذين هم ~~} أي بجملة سرائرهم { يرآؤن * } أي بصلاتهم وغيرها يرون الناس أنهم يفعلون ~~الخير ليراهم الناس فيروهم الثناء عليهم والإحسان إليهم ولو بكف ما هم ~~يستحقونه من السيف عنهم , لا لرجاء الثواب ولا لمخوف العقاب من الله سبحانه ~~وتعالى , ولذلك يتركون الصلاة إذا غابوا عن الناس . | ولما كان من كان بهذه ~~الصفة ربما فعل قليل الخير دون جليله رياء , بين أنهم غلب عليهم الشح حتى ~~أنهم مع كثرة الرياء منهم لم يقدروا على أن يراؤوا بهذا الشيء التافه , ~~فانسلخوا من جميع خلال المكارم , فقال إبلاغا في ذمهم إشعارا بأن أحب الخلق ~~إلى الله أنفعهم لعياله : { ويمنعون } أي على تجدد الأوقات , وحذف المفعول ~~الأول تعمما حتى يشمل كل أحد وإن جل وعظمت منزلته ولطف محله من قلوبهم ~~PageV08P544 تعريفا بأنهم بلغوا من الرذالة دركة ليس وراءها للحسد موضع { ~~الماعون ms6033 } أي حقوق الأموال والشيء اليسير من المنافع مثل إعارة التافه من ~~متاع البيت التي جرت عادة الناس أن يتعاوروه بينهم , ويمنعون أهل الحاجة ما ~~أوجب الله لهم في أموالهم من الحقوق , والحاصل أنه ينبغي حمل ذلك على منع ~~ما يجب بذله مثل فضل الكلأ والماء والزكاة ونحوه ليكون موجبا للويل , وعلى ~~الزكاة حمله علي وابن عمر رضي الله عنهما والحسن وقتادة , قال العلماء : هو ~~مأخوذ من المعن , وهو في اللغة الشيء اليسير , ولذلك فسره بعضهم بالماء ~~وبعضهم بما يعار على وجه الزكاة إلا شيء يسير جدا بالنسبة إليه , وقيل : هو ~~كل عطية أو منفعة , وقال قطرب : هو فاعول من المعن , والمعن : المعروف , ~~وقال أبو عبيدة : الماعون في الجاهلية العطاء والمنفعة وفي الإسلام الزكاة ~~, وقال الهروي : قال ابن عباس رضي الله عنما : هو العارية - ذكر هذا ~~الأستاذ عبد الحق الإشبيلي في كتابه الواعي , وقال ابن جرير : وأصل الماعون ~~من كل شيء منفعته . | فدل ذلك على أنهم بلغوا نهاية التكذيب باستهانتهم ~~بأعظم دعائم الدين واستعظامهم لأدنى أمور الدنيا , وهذا الآخر كما ترى هو ~~الأول لأن الذي جر إليه هو التكذيب , ومن منع هذه الأشياء التافهه كان ~~جديرا بأن يمنع ورود الكوثر في يوم المحشر , وكما التقى آخرها بأولها التقت ~~السورة كلها مع مناظرتها في العدد من أول القرآن , وذلك أنه قد علم أن حاصل ~~هذه السورة الإبعاد عن سفساف الأخلاق ورديها ودنيها من التكذيب بالجزاء ~~الذي هو حكمة الوجود المثمر للإعراض عن الوفاء بحق الخلائق وطاعة الخالق , ~~والانجذاب مع النقائص إلى الاستهانة بالضعيف الذي لا يستهين به إلا أنذل ~~الناس وأرذلهم , والرياء الذي لا يلم به إلا من كان في غاية الدناءة , فكان ~~ذلك موجبا للميل إلى أعظم الويل , وفي ذلك أعظم مرغب في معالي الأخلاق التي ~~هي أضداد ما ذكر في السورة وكلا الأمرين موجود في الأنفال المناظرة لها في ~~رد المقطع على المطلع على أتم وجه , ليكون ذلك إشارة إلى أنها شارحة لهذا ~~ففيه الإيماء إلى ملاحظتها عند قراءتها , انظر ms6034 إلى قوله تعالى : < # > 77 ( { الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا ~~} ) 77 < # > [ الأنفال : 4 ] الآية < # > 77 ( { وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك } ) 77 < # > [ الأنفال : 35 ] < # > 77 ( { والذين كفروا إلى جهنم يحشرون } ) 77 < # > [ الأنفال : 36 ] الآية < # > 77 ( { فإن الله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل } ) 77 < # > [ الأنفال : 41 ] الآية ولقد انطبقت السورة بمعانيها وتراكيبها العظيمة ~~ونظومها ومبانيها على الأراذل الأدنياء الأسافل , وأحاطت برؤوسهم ~~PageV08P545 بعد كلماتها مفردة قبل حروفها , وأدارت عليهم كؤوس حتوفها من ~~نوافذ الرماح بأيدي جنودها ومواضي سيوفها , وذلك أن عدة كلماته خمس وعشرون ~~كلمة فإذا اعتبرتها من أول سني النبوة وزات السنة الثانية عشرة من الهجرة , ~~وذلك أواخر خلافة الصديق رضي الله عنه , وفيها لم يبق على يده أحد من ~~المصلين الذين ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~منعوا الزكاة , فتبين أنهم ما كانوا يصلون في حياته صلى الله عليه وسلم ~~ويزكون إلا رياء الناس فعل الأدنياء الأنجاس حتى حل بهم الويل بأدي جنود ~~الصديق الذين جاؤوهم بالرجل والخيل فمزقوهم عن آخرهم , ولم تمض تلك السنة ~~إلا وقد فرغ منهم بالفراغ من بني حنيفة باليمامة وأطراف بلاد اليمن من أهل ~~النجير ببلاد كندة والأسود العنسي من صنعاء , وما مضت سنة ست عشرة الموازية ~~لعدد الكلمات بالبسملة - وذلك في أوائل خلافة الفاروق - حتى زالاو من جميع ~~جزيرة العرب وهم مشركوا العرب ومتنصروهم ومتمجسوهم الذين كانوا بنواحي ~~العراق والشام والبحرين فأسلم أكثرهم , وذهب الباقون إلى بلاد الروم , فحل ~~الويل بالمرائين من أهل الصلاة فإنهم الذين أتى إليهم نبيهم صلى الله عليه ~~وسلم بالصلاة فأعرضوا عنها والناس لهم تبع , ولم يصح في هذه السورة اعتبار ~~الضمائر لأن الدين في هذا الحد كان قد ظهر على كل ظاهر , إلى حد لا إضمار ~~فيه بوجه ولا عائق له ولا ساتر , وكما أنه لا حاجة إلى الرمز بالضمائر , ~~لما دقت له في الخافقين من البشائر , على رؤوس المنابر والمنائر , فكذلك لم ms6035 ~~يناسب بعد الوصول إلى هذا الحال المكشوف , للإيماء بالدلالة بإعداد الحروف ~~- والله أعلم بالصواب , وإليه المرجع والمآب . | . . . | PageV08P546 < # > سورة الكوثر < # > | وتسمى النحر . | مقصودها المنحة بكل خير يمكن أن يكون ، واسمها ~~الكوثر واضح في ذلك وكذا النحر لأنه معروف في نحر الإبل ، وذلك غاية الكرم ~~عند العرب { بسم الله } الملك الأعظم الجواد الأكرم الذي لا لفائض فضله { ~~الرحمن } الذي شمل الخلائق بجوده وفاوت بينهم في صوب وبله { الرحيم } الذي ~~خص حزبه بالاهتداء بهديه والاعتصام بحبله . < < # | الكوثر : ( 1 - 3 ) إنا أعطيناك الكوثر # > > ^ ( إنآ أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * إن شانئك هو الأبتر ) ^ } ~~) | لما كانت سورة الدين بإفضاحها ناهية عن مساوئ الأخلاق , كانت بإفهامها ~~داعية إلى معالي الشمين , فجاءت الكوثر لذلك , وكانت الدين قد ختمت بأبخل ~~البخلاء وأدنى الخلائق : المنع تنفيرا من البخل ومما جره من التكذيب , ~~فابتدئت الكوثر بأجود الجود . | العطاء لأشرف الخلائق ترغيبا فيه وندبا ~~إليه , فكان كأنه قيل : أنت يا خير الخلق غير متلبس بشيء مما نهت عنه تلك ~~المختتمة بمنع الماعون : { إنا } بما لنا من العظمة وأكد لأجل تكذيبهم : { ~~أعطيناك } أي خولناك مع التمكين العظيم , ولم يقل : آتيناك , لأن الإيتاء ~~أصله الإحاضر وإن اشتهر في معنى الإعطاء { الكوثر * } الذي هو من جملة ~~الجود على المصدقين بيوم الدين . | ولما كان كثير الرئيس أكثر من كثير غيره ~~, فكيف بالملك فكيف بملك الملوك , فكيف إذا أخرجه في صيغة مبالغة فكيف إذا ~~كان في مظهر العظمه , فكيف إذا بنيت الصيغة على الواو الذي له العلو ~~والغلبة فكيف إذا أتت إثر الفتحة التي لها من ذلك مثل ذلك بل أعظم , كان ~~المعنى : أفضنا عليك وأبحناك من كل شيء من الأعيان والمعاني من العلم ~~والعمل وغيرهما من معادن الدارين ومعاونهما الخير الذي لا غاية له , فلا ~~PageV08P547 يدخل تحت الوصف , فأغنيناك عن أن تؤثر بذلك أو توفر مالك بجلي ~~نفع أو دفع ضر , ومنه النهر الذي في الجنة ويسقي المؤمنين من الحوض الممدود ~~منه في المحشر الذي مثاله في الدنيا شريعته صلى الله عليه وسلم التي عراها ms6036 ~~وأسبابها عدد النجوم الذين هم علماء أمته المقتدى بهم , فقد اجتمع لك ~~الغبطتان : أشرف العطاء من أكرم المعطين وأعظمهم . | وقال الإمام أبو جعفر ~~بن الزبير : لما نهى عباده عما يلتذ به من أراد الدنيا وزينتها من الإكثار ~~والكبر والتعزز بالمال والجاه وطلب الدنيا , أتبع ذلك بما منح نبيه مام هو ~~خير مما يجمعون , وهو الكوثر وهو الخير الكثير , ومنه الحوض الذي ترده أمته ~~في القيامة , لا يظمأ من شراب منه , ومنه مقامه المحمود الذي يحمده فيه ~~الأولون والآخرون عند شفاعته العامة للخلق وإراحتهم من هول الموقف , ومن ~~هذا الخير ما قدم له في دنياه من تحليل الغنائم والنصر بالرعب والخلق ~~العظيم إلى ما لا يحصى من خير الدنيا والآخرة مما بعض ذلك خير من الدنيا ~~وما فيها إذ لا تعدل الدنيا وما فيها واحدة من هذه العطايا < # > 77 ( { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير ما يجمعون } ) 77 < # > [ يونس : 58 ] ومن الكوثر والخير الذي أعطاه الله كتابه المبين , ~~الجامع لعقل الأولين والآخرين , والشفاء لما في الصدور . | ولما كمل له ~~سبحانه من النعم ما لا يأتي عليه حصر مما لا يناسب أدناه نعيم الدنيا ~~بجملتها , قال مبينا له منبها على عظيم ما أعطاه < # > 77 ( { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا } ) 77 < # > [ الحجر : 88 ] إلى قوله { ورزق ربك خير وأبقى } فقد اضمحل في جانب ~~نعمة الكوثر الذي أوتي كل ما ذكره الله تعالى في الكتاب من نعيم أهل الدنيا ~~وتمكن من تمكن منهم , وهذا أحد موجبات تأخثر هذه السورة , فلم يقع بعدها ~~ذكر شيء من نعيم الدنيا ولا ذكر أحد من المتنعمين بها لانقضاء هذا الغرض ~~وتمامه , وسورة الدين آخر ما تضمن الإشارة إلى شيء من ذلك كما تقدم من ~~تمهيد إشاراتها , وتبين بهذا وجه تعقيبها بها - والله تعالى أعلم - انتهى . ~~| ولما أعطاه ما فرغه به للعبادة وأكسبه غنى لا حاجة معه , سبب عنه قوله ~~آمرا بما هو جامع لمجامع الشكر : { فصل } أي بقطع العلائق من الخلائق ~~بالوقوف بين يدي الله ms6037 في حضر المراقبة شكرا لإحسان المنعم خلافا للساهي ~~عنها والمرائي فيها . | ولما أتى بمظهر العظمة لتكثير العطاء فتسبب عنه ~~الأمر بما للملك من العلو , وكان أمره صلى الله عليه وسلم تكوينا لا إباء ~~معه , وقع الالتفات إلى صفة الإحسان المقتضي للترغيب والإقبال لما يفيد من ~~التحبيب , مع التصريح بالتوحيد , وإفادة أن العبادة لا تقع إلا شكر فقال ~~تعالى : { لربك } أي المحسن إليك بذلك سرا وعلنا مراغما من شئت فلا سبيل ~~PageV08P548 لأحد عليك { وانحر * } أي أنفق له الكوثر من المال على ~~المحاويج خلافا لم يدعهم ويمنعهم الماعون لأن النحر أفضل نفقات العرب لأن ~~الجزور الواحد يغني مائة مسكين , وإذا أطلق العرب المال انصرف إلا الإبل , ~~ولذا عبر عن هذا المراد بالنحر ليفهم الزجر عما كانوا يفعلونه من الذبح ~~للأوثان , ومن معناه أيضا أظهر الذل والمسكنة والخشوع في الصلاة بوضع ~~اليمنى على اليسرى تحت النحر هيئة الذليل الخاضع , وقد قابل في هذا أربعا ~~من سورة الدين بأربع , وهي البخل بالإعطاء , وإضاعة الصلاة بالأمر بها , ~~والرياء بالتخصيص بالرب , ومنع الزكاة بالنحر . | ولما أمره باستغراق ~~الزمان في عبادة الخالق , والإحسان إلى الخلائق بأعلى الخلائق , علله بما ~~حاصله أنه لا شاغل له ولا حاجة أصلا تلم به فقال : { إن شانئك } أي مبغضك ~~والمتبرئ منك والمستهين بك مع ما أوتيت من الجمال , والخصال الفاضلة ~~والكمال { هو } أي خاصة { الأبتر * } أي المقطوع من أصله والمقطوع النسل ~~والمعدوم والمنقطع الخير والبركة والذكر , لا يعقبه من يقوم بأمره ويذكر به ~~وإن جمع المال , وفرغ بدنه لكل جمال , وأنت الموصول الأمر , النابه الذكر , ~~المرفوع القدر , فلا تلتفت إليهم بوجه من الوجوه , فإنهم أقل من أن يبالي ~~بهم من يفرغ نفسه للفوز بالمثول في حضراتنا الشريفة , والافتخار بالعكوف في ~~أبوابنا العالية المنيفة , لك ما أنت عليه , ولهم ما هم فيه , فالآية ~~الأخيرة النتيجة لأن من الكوثر علو أمره وأمر محبيه وأتباعه في ملكوت ~~السماء والأرض ونهر الجنة وسفول شأن عدوه فيهما , فقد التف كما ترى مفصلها ~~بموصلها , وعرف آخرها من أولها ms6038 , وعرف أن وسطاها كالحدود الوسطى معانقة ~~للأولى بكونها من ثمارها , ومتصلة بالأخرى لأنها من غايات مضمارها , وقد ~~صدر الله ومن أصدق من الله قيلا , لم يبق لأحد من مبغضيه ذكر بولد ولا تابع ~~, ولا يوجد لهم شاكر ولا مادح ولا رافع , وأما هو صلى الله عليه وسلم فقد ~~ملأت ذريته من فاطمة الزهراء الأرض , وهم الأشرف مع مبالغة الملوك في قتلهم ~~, وإخلاء الأرض من نسلهم , خوفا من شرفهم العالي عرى شرفهم , ورفعتهم ~~بالتواضع الغالب لصلفهم , وإذا راجعت آية < # > 77 ( { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله } ) 77 < # > [ الأحزاب : 40 ] ومن الأحزاب علمت أن توفي بنيه عليهم السلام قبله من ~~إعلاء قدره ومزيد تشريفه بتوحيد ذكره , وأما اتباعه فقد استولوا على أكثر ~~الأرض وهم أولو الفرقان , والعلم الباهر والعرفان , ويؤخذ منها أن من فرغ ~~نفسه لربه أهلك عدوه وكفاه كل واحد منهم , وقد علمأن حاصل هذه السورة المن ~~عليه صلى الله عليه وسلم بالخير العظيم الذي من جملته النهر الماد من الجنة ~~في المحشر المورود لمن اتبعه , الممنوع ممن تأبى عنه وقطعه , وأمره بالصلاة ~~والنحر للتوسعة على PageV08P549 المحاويج , والبشارة بقطع دابر أعدائه ونصر ~~جماعة أوليائه , كما أن من مقاصد الأعراف المناظرة لها في رد المقطع على ~~المطلع تهديد الظالمين بالإهلاك في قوله < # > 77 ( { وكم من قرية أهلكناها } ) 77 < # > [ الأعراف : 4 ] , وتصير ذلك بذكر مصارع الماضين لمخالفتهم الرسل عليهم ~~الصلاة والسلام والأمر بالصلاة وستر العورة وما يقصد بالنحر بقوله : < # > 77 ( { خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا } ) 77 < # > الآيات { الأعراف : 31 ] , وذكر من يمنح ماء الجنة ومن يمنعه بقوله ~~تعالى : < # > 77 ( { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أو أفيضوا علينا من الماء أو مما ~~رزقكم الله } ) 77 < # > الآيات { الأعراف : 50 ] , وقوله تعالى : < # > 77 ( { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين ~~هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا ~~عندهم } ) 77 < # > [ الأعراف : 157 ] هذا ما يتعلق بتفسير تراكبيها وجملها , وتأويل ~~تفاصيلها ومجملها , وكذا نظيرتها في ms6039 مبادئ أمرها ومكملها , ثم إن هذه ~~السورة عشر كلمات في الكتابة إشارة إلى أن تمام بتر شأنئه يكون مع تمام ~~السنة العاشرة من الهجرة , وكذا كان , لم تمض النسة الحادية عشر من الهجرة ~~وفي جزيرة العرب إلا من يرى أشرف أحواله بذل نفسه وماله في حبه , وإذا ~~أضفنا إليها الضميرين المستترين كانت أثنتنا عشرة , وفي السنة الثانية عشرة ~~من النبوة بايعه صلى الله عليه وسلم الأنصار على منابذة الكفار , وإذا أضيف ~~إلى العشرة الضمائر البارزة الخمسة كانت خمس عشرة , فتكون إشارة إنه صلى ~~الله عليه وسلم عند تمام السنة الخامسة عشر من نبوته يبسط يده العالية لبتر ~~أعدائه وكذا كان في وقعه بدر الرفيعة القدر , ففي ضمائر الاستتار كانت ~~البيعة وهي مستترة كانت سبع عشرة , وفي السنة السابعة عشرة من نبوته كانت ~~غزوة بدر الموعد , وفى فيها النبي صلى الله عليه وسلم بالوعد في الإتيان ~~إلى بدر للقاء قريش للقتال ومقارعة الأبطال , فآذنهم الله فلم يأتوا , ~~وإنما اعتبر أم بعد الهجرة من أحوال النبوة عندما عدت الكلات الخطية العشر ~~لكونها أقوى أحوال النبوة كما أن الكلمات الخطية أقوى من الضمائر وإن اشترك ~~الكل في اسم الكلمات , فلذلك أخذ تمام البتر لشانئ وهو ما كان في السنة ~~الحادية عشرة من هلاك أهل الردة وثبات العرب في صفة الإسلام , ولما ضمت ~~الضمائر البارزة الخمسة - التي هي أقرب من المستترة - إلى الكلمات الخطية ~~وأضعف من الكلمات الخطية اعتبر من أول السورة لمناسبة ما كان من ضعف الحال ~~فيما كان قبل الهجرة , فوازى ذلك السنة الثانية من الهجرة التي كانت فيها ~~غزوة بدر الكبرى , وهي وإن كانت من العظم على مر بالغ جدا لكنها كانت على ~~وجه مخالف للقياس , فإن حال الصحابة رضي الله عنهم كان فيها في غاية الضعف ~~, ولكونها أول ما PageV08P550 وقع فيها النصر من الغزوات لم تكن نفوس ~~المخالفين مذعنة لأن ما بعدها يكون مثلها , فإذا ضم إلى ذلك الضميران ~~المستتران - وهما أضعف من البارز - انطبق العدد على سنة غزوة بدر ms6040 الموعد في ~~سنة أربع , وهي وإن كانت قوية لكون قريش ضعفوا عن اللقاء لكن كان حالها ~~أضعف من بدر التي وقع فيها القتال وأسرت , وكون كلماتها الخطية والاصطلاحية ~~التي هي أبعاض الكلمات الخطية سبع عشرة مؤذن بأن الأمر في { فصل } مصوب ~~بالذات بالقصد الأول إلى الصلوات الخمس التي هي سبع عشرة ركعة , وأن من ~~ثابر عليها كان مصليا خارجا من عهدة الأمر , فإذا قصدت في السفر بما اقتضته ~~صفة التربية بالإحسان نقصت بقدر عدة الضمائر سوى الذي وفى الأمر بها لأن ~~الأمر الناشئ عن مظهر العظمة لا يليق فيه التخفيف بنفسه كلمة الأمر , وإذا ~~أضفنا إليها كلمات أربع عشرة إشارة إلى أن ابتداء البتر للأضداد يكون ~~بالقوة القريبة من الفعل بالتهييء له في السنة الرابعة عشرة من النبوة , ~~وذلك عام الهجرة , فإذا أضفنا إليها الضمائر البارزة التي هي أقرب إلى ~~الكلمات الخطية وهي خمسة كانت تسع عشرة , وفي السنة التاسعة عشرة من النبوة ~~وهي السادسة من الهجرة كان الفتح المبين على الشانئين الذي أنزل الله فيه ~~سورة الفتح , فإذا أضفنا غليها الضميرين المستترين كانت إحدى وعشرين وهي ~~سنة ثمان من الهجرة سنة الفتح الأكبر الذي عم العلم فيه بأن الشانئ هو ~~الأبتر , وإذا اعتبرت حروفها المتلفظ بها كانت أربعة وأربعين حرفا , فإذا ~~ناظرتها بالسنين من أول حين النبوة كان آخرها سنة إحدى وثلاثين من الهجرة , ~~وهي سنة البتر الأعظم لشانئه الأكبر الذي مزق كتابه , وكان مالكا لبلاد ~~اليمن , وهو قدر كبير من بلاد العرب وكذا لغيرهم مما قارب بلاده , وكانت ~~قريش تجعله من عدادهم كما مضى بيانه في سورة الروم وهو كسرى ملك الفرس , ~~ففيها كان انقراض ملكهم بقتل آخر ملوكهم يزدجرد , كما أنك إذا اتعبر ~~كلماتها الخطية مع الضمائر البارزة التي هي كلمات الصطلاحية دون ما استتر - ~~فإن وجوب استتاره منع من عده - كانت تسع عشرة كلمة , فإن اعتبرت بها ما بعد ~~الهجرة وازت وقت موت قيصر طاغية الروم في سنة تسع عشرة من الهجرة أهلكه ~~الله , وقد تجهزت ms6041 إلى قتال العرب بالإسكندرية بنفسه , وأمر ألا يتخلف عنه ~~أحد من الروم فكسر الله بموته شوكة الروم , واستأسدت العرب عند ذلك , فكانت ~~الأحرف مشيرة إلى بتر الشانئ من الفرس , والكلمات مشيرة إلى بتر الشانئ من ~~الروم والرفس أولى بإشارة الأحرف لأنهم ليسوا بذوي علم , والروم بالكلمات ~~لأنهم أهل علم والكلمات أقرب إلى العلم , وإذا اعتبرت أحرف البسملة اللفظية ~~كانت ثمانية عشر حرفا , فإذا PageV08P551 جعلتها سنين من أول النبوة كان ~~آخرها سنة خمس من الهجرة , وفيها كانت غزوة الأحزاب , قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم بعد انصرافهم منها ( الآن نغزوهم ولا يغزنا ) فهو أول أخذ الشانئ ~~في الانبتار , وإذا اعتبرت الأحرف بحسب الرسم كانت تسعة عشر آخرها سنة ست , ~~وهي عمرة الحديبية سنة الفتح السببي وهو الصلح الذي نزلت فيه سورة الفتح ~~وسماه الله فتحا , وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنه أعظم الفتح ) ~~فكان سبب الفتح الأعظم بخلطة الكفار لأهل الإسلام بالصلح , فأسرعوا إلى ~~الإسلام بالدخول فيه لما رأوا من محاسن الدين وإعجاز القرآن , فكانوا يوم ~~الفتح عشر آلاف بعد أن كانوا قبل ذلك بسنتين يوم الحديبية ألفا وأربعمائة - ~~والله الموفق , هذا يسير من أسرار هذه السورة وقد علم منه من إعجازهم ما ~~يشرح الخواطر ويبهج النواظر , لأنه يفوق حسنا على الرياض النواضر , وعلم ~~أيضا جنون الخبيث المسخرة مسيلمة الكذاب - عليه اللعنة والتباب , وله سوء ~~المنقلب والمآب , حيث قال في معارضتها : إنا أعطيناك الجماهر , فصل لربك ~~وهاجر , إنا كفيناك المكابر أو المجاهر , لأنه كلام , مع أنه قصير المدى , ~~ركيك اللحمة والسدى , غريق الساحة والفنا في الهلك والفنا , ليس فيه غنى , ~~بل كله نصب وعنا , هلهل النسج رث القوى , منفصم العرى , مخلخل الأرجا , ~~فاسد المعنى والبنا , سافل الألفاظ مر الجنى , لأن العلل منافية للمعلولات ~~, والشوامل منافرة للمشمولات , ثم رأيت في دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر ~~الجرجاني أن الوسطى من قال : العاهر وجاهر فإن كان بالدين لم يمنع الصدح ~~بالباطل , وذلك لا يرضى به عاقل , وإن كان طلب مع نقص الجود على ms6042 كل تقدير , ~~الذي هو المقصود للغني والفقير , والمأمور والأمير , هذا مع الإغارة على ~~الأسلوب والحذو على المعهود غير محاذ < # > 77 ( { في القصاص حياة } ) 77 < # > [ البقرة : 179 ] في إسقاط ( القتل أنفى للقتل ) بالرشاقة مع الوجازة , ~~والعذوبة مع البلاغة , في إصابة حاق المعنى بما يقود إلى السماح بالنفس , ~~ويحمل على المبادرة إلى امتثال الأمر , والأولى من سخيف عقل الخسيف , وأكله ~~؟ إلى الخلق مع نقصان المعنى السار للإسرار والأخرى مهملة لذوي الشبه ~~والستر مع ما فاتها من قصر الخاسر وخصوص التبار إلى ماحوت من بيان الكذب ~~البتار للأعمال المخرب للديار تصديقا للنبي صلى الله عليه وسلم البار بأيدي ~~صحابته الأخيرا , إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار - فسبحان من علا فعلا ~~كلامه كل كلام والسلام والحمد لله على كل حال . | . . . | PageV08P552 < # > سورة الكافرون < # > | وتسمى الإخلاص والمقشقشة . | مقصودها إثبات مقصود الكوثر بالدليل ~~الشهودي على منزلها كامل العلم شامل القدرة لأنه المنفرد بالوحدانية ، ~~فلذلك لا يقاوي من كان معه ، ولذلك لما نزلت قرأها صلى الله عليه وسلم ~~عليهم في المسجد أجمع ما كانوا ، وهذا المراد بكل من أسمائها . أما ~~الكافرون فمن وجهين ، ناظر إلى إثبات ، وناظر إلى نفي ، أما المثبت فمن حيث ~~أنه إشارة إلى تأمل جميع السورة من إطلاق البعض على الكل ، وأما النافي فمن ~~جهة أنهم إنما كفروا بإنكار ما هو مقصودها إما صريحا كالوحدانية وتمام ~~القدرة ، وإما لزوما وهو العم فإنه يلزم من نقص القدرة نقصه ، وأما الإخلاص ~~فلأن من اعتقد ذلك كان مؤمنا مخلصا برئيا من كل شرك وكل كفر ، وأما القشقشة ~~فلأنها أبرأت من كل نفاق وكفر ، من قولهم : تقشقشت قروحه - إذا تقشرت للبرء ~~، وعندي أنه من الجمع أخذا من القش الذي هو تطلب المأكول من ههنا وههنا ~~فإنها جمعت جميع أصول الدين ، فأثبتتهعا على أتم وجه ، فلزم من ذلك أنها ~~جمعت جميع أنواع الكفر فحذفتها ونفتها ، وقد تقدم تمام توجيه ذلك في براءة ~~فأمرهما دائر على الإخلاص ، ومن المعلوم أن من أخلص لله كان من أهل ولايته ~~حقا ، فحق له ما ms6043 يفعل الولي مع وليه ، ولذلك - والله أعلم - سنت قراءتها مع ~~{ قل هو الله أحد } في ركعتي الفجر ليجوز فاعل ذلك بالبراءة من الشرك ~~والاتصاف بالتوحيد أول النهار ثمرة ما ورد أن من صلى الصبح كان في ذمة الله ~~، ومن كان كذلك كان جديرا بأن ينال ما أشارت إليه السورتان اللتان بين ~~سورتي الإخلاص من الفتح له والنصر والخيبة لعدوه والخسر والحسرة : { بسم ~~الله } المحيط علما وقدرة ، فهو الواحد الذي لا يستطيع أحد أن يقدر قدره { ~~الرحمن } الذي عم برحمة البيان من أوجب عليهم شكره { الرحيم } الذي خص أهل ~~وده فالتزموا نهيه وأمره . < < # | الكافرون : ( 1 - 6 ) قل يا أيها . . . . . # > > ^ ( قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ ~~PageV08P553 أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * لكم ~~دينكم ولي دين ) 73 < # > } ) 71 < # > | لما أخبره في الكوثر أن العريق في شنآنه عدم , وجب أن يعرض عنه ويقبل ~~بكليته على من أنعم عليه بذلك , فقال معلما له ما يقول ويفعل : { قل } ولما ~~كان شائنه أعرق الخلق في الضلال والبعد من الخير , قال مناديا له بأداة ~~البعد وإن كان حاضرا معبرا بالوصف المؤذن بالرسوخ : { يا أيها الكافرون } ~~أي الذين قد حكم بثباتهم على الكفر فلا انفكاك لهم عنه فستروا ما تدل عليه ~~عقولهم من الإعتقاد الحق لو جردوها من أدناس الحظ , وهم كفرة مخصوصون وهم ~~من حكم بموته على الكفر بما طابقه من الواقع , وبما دل عليه التبعير بالوصف ~~دون الفعل , واستغرقت اللام كل من كان على هذا الوصف في كل مكان وكل زمان , ~~وإنما عبر بالجمع الذي هو أصل في القلة وقد يستعار للكثرة إشارة إلى ~~البشارة إلى البشارة بقلة المطبوع على قلبه من العرب المخاطبين بهذا في ~~حياته صلى الله عليه وسلم وإشارة إلى حقارة الكافر وذلته وإن كان كثيرا - ~~كما يشير إليه جعل كل كلمة منها بحرف من الكوثر كا سيأتي , وفي مناداتهم ~~بهذا الوصف الذي يسترذلونه في بلدتهم ومحل عزهم وحميتهم إيذان بأنه محروس ~~منهم ms6044 علما من أعلام النبوة . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما انقضى ~~ذكر الفريقين المتردد ذكرهما في الكتاب العزيز من أوله إلى آخره على اختلاف ~~أحوال كل فريق وشتى درجاتهم , وأعني بالفريقين من أشير إليه في قوله سبحانه ~~وتعالى : { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم } فهذا طريق أحد ~~الفريقين , وفي قوله : { غير المغضوب عليهم ولا الضالين } إشارة إلى طريق ~~من كان في الطرف الآخر من حال أولئك الفريق إذ ليس إلا طريق السلامة أو ~~طريق الهلاك < # > 77 ( { فريق في الجنة وفريق في السعير } ) 77 < # > [ الشورى : 7 ] < # > 77 ( { فمنكم كافر ومنكم مؤمن } ) 77 < # > [ التغابن : 2 ] والسالكون طريف السلامة فأعلى درجاتهم مقامات الرسل ~~والأنبياء عليهم الصلاة والسلام , ثم يليهم أتباعهم من صالحي العباد ~~وعلمائهم العاملين وعبادهم وأهل الخصوص منهم والقرب من أحوال من تنسك منهم ~~, ورتبتهم مختلفة وإن جمعهم جامع وهو قوله : { فريق في الجنة } وأما أهل ~~التنكب عن هذا الطريق وهم الهالكون فعلى طبقات أيضا , ويضم جميعهم طريق ~~واحد فكيفما تشعبت الطرف فإلى ما ذكر من الطريقين مرجعهما , وباختلاف سبل ~~الجميع عرفت آي الكتاب وفصلت , ذكر كله تفصيلا لا يبقى معه ارتياب لمن وفق ~~, فلما انتهى ذلك كله بما يتعلق به , وتداولت بيانه الآي من لدن قوله بعد ~~أم القرآن < # > 77 ( { هدى للمتقين } ) 77 < # > [ البقرة : 2 ] إلى قوله : { إن شانئك هو الأبتر } أتبع ذلك بالتفاصيل ~~والتسجيل فقال تعالى : { قل PageV08P554 يا أيها الكافرون } فبين سبحانه أن ~~من قضي عليه بالكفر والوفاة عليه لا سبيل له إلى خروجه عن ذلك , ولا يقع ~~منه الإيمان أبدا < # > 77 ( { ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وشحرنا عليهم كل ~~شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله } ) 77 < # > [ الأنعام : 11 ] ولو أنهم بعد عذاب الآخرة ومعاينة العذاب والبعث ~~وعظيم تلك الأهوال وسؤالهم الرجوع إلى الدنيا وقولهم : < # > 77 ( { ربنا فارجعنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل } ) 77 < # > [ السجدة : 12 ] فلو أجيبوا إلى هذا ورجعوا لعادوا إلى حالهم الأول < # > 77 ( { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ms6045 } ) 77 < # > [ الأنعام : 128 ] تصديقا لكلمة الله وإحكاما لسابق قدره { أفمن حق ~~عليه كلمة عابدون ما أعبد } إلى آخرها , فبان أمر الفريقين وارتفع الإشكال ~~, واستمر كل على طريقه < # > 77 ( { فلا تذهب نفسك عليم حسرات } ) 77 < # > [ فاطر : 8 ] < # > 77 ( { إن عليك إلا البلاغ } ) 77 < # > [ الشورى : 48 ] فتأمل موقع هذه السورة وأنها الخاتمة لما قصد في ~~الكتاب يلح لك وجه تأخيرها - والله أعلم - انتهى . | ولما كان القصد ~~إعلامهم بالبراءة منهم من كل وجه , وأنه لا يبالي بهم بوجه لأنه محفوظ منهم ~~, قال مؤذنا بصدق خبره تعالى آخر الكوثر من حيث إنه مع الجزم بالمنابذة لا ~~يستطيعون له نوع مكابدة نافذة , بادئا بالبراءة من جهته لأنها الأهم : { لا ~~أعبد } أي الآن ولا في مستقبل الزمان لأن { لا } للمستقبل و { ما } للحال , ~~كذا قالوا , وظاهر عبارة سيبويه في قوله : { لن } نفي لقوه { سيفعل } { ولا ~~} لقوله : { يفعل } , ولم يقع : أنها تقع للمضارع الذي لم يقع سواء كان في ~~غاية القرب من الحال أم لا , كما نقلته عنه في أول البقرة عند < # > 77 ( { ولن تفعلوا } ) 77 < # > [ البقرة : 24 ] على أن نطقنا بهذا الكلام لا يكاد يتحقق حتى يمضي زمن ~~فيصير مستقبلا , فلذا عبر ب ( لا ) دون ( ما ) بشارة بأنه سبحانه يثبته على ~~الصراط المستقيم , ولا يظفرهم به - علما من أعلام النبوة . | ولما كان في ~~معبوداتهم ما لا يعقل , وكان المقصود تحقير كل ما عبدوه سوى الله , عبر ب ( ~~ما ) فقال : { ما تعبدون * } أي الآن وفي آتي الزمان من دون الله من ~~المعبودات الظاهرة والباطنة بوجه من وجوه العبادة في سر ولا علن لأنه لا ~~يصلح للعبادة بوجه . | ولما بدأ بما هو الأحق بالبداءة وهو البراءة من ~~الشرك , والطهارة من وضر الإفك , لأنه لمن درء المفاسد , فأبلغ في ذلك بما ~~هو الحقيق بحاله صلى الله عليه وسلم , وكانوا هم يعبدون الله تعالى على وجه ~~الإشراك , وكانت العبادة مع الشرك غير معتد بها بوجه , نفى عبادتهم له في ~~الجملة الاسمية الدالة على الثبات لا في الفعلية الدالة على نفي ms6046 كل قليل ~~PageV08P555 وكثير من حيث إن الفعل نكرة في سياق النفي فقال : { ولا أنتم ~~عابدون } أي عبادة معتدا بها بحيث يكون أهلا لأن تكون وصفا ثابتا . | ولما ~~كانوا لانوزاع لهم في أن معبوده عالم , وكانت ( ما ) صالحة للإطلاق عليه ~~سبحانه وتعالى , عبر فيه أيضا بها لأن ذلك - مع أنه لا ضرر فيه - أقرب إلى ~~الإنصاف , فهو أدعى إلى عدم المراء أو الخلاف - فقال : { ما أعبد * } أي ~~الآين وما بعده لأن معبودي - وله العلم التام والقدرة الشاملة - أبعدكم عنه ~~فلا مطمع في الوفاق بيننا . | ولما كان ما نفى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لا يدخل فيه الماضي , وكان عدم المشاركة بوجه من الوجوه في زمن من الأزمان ~~أدل على البراءة وأقعد في دوام الاستهانة , وكانوا يعدون سكوته صلى الله ~~عليه وسلم عنهم فيما قبل النبوة عبادة , وكانوا غير مقتصرين على عبادة ~~أصنامهم التي اتخذوها , بل إذا خرجوا من الحرم فنزلوا منزلا نظروا لهم حجرا ~~ليستحسنوه فيعبدونه , فإن لم يروا حجرا جمعوا شيئا من تراب وحلبوا عليه ~~شيئا من لبن وعبدوه ما داموا في ذلك المنزل , وكان ذلك من أشد ما يعاب به ~~من جهة عدم الشباب وأنه لا معبود لهم معين , قال منبها على ذلك كله : { ولا ~~أنا عابد } أي متصف بعبادة { ما عبدتم * } أي فيما سلف , لم يصح وصفي قط ~~بعبادة ذلك من أول زمانكم إلى ساعاتنا هذه , فكيف ترجون ذلك مني وأنا لم ~~أفعله ولا قبل النبوة ولا كان من شأني قط . | ولما كان هو صلى الله عليه ~~وسلم ثابتا على إله واحد لم يعبد غيره ولم يلتفت يوما لفت سواه , وكان قد ~~انتفى عنه بالجملتين هذه الماضية التي أول السورة أن يعبد باطلهم حالا أو ~~مآلا , وأن يكون عبده قبل ذلك , وكان ربما ظن ظان أن النفي عنهم إنما هو ~~لعبادة معبوده في الحال , نفى ذلك في الاستقبال أيضا علما من أعلام النبوة ~~مع تأكيد ما أفادته الجملة الماضية جريا على مناهيج العرب في التأكيد قطعا ~~لآمالهم ms6047 منه على أتم وجه وآكده لأنه على وجه لا يقدرون عليه لما تفيده كل ~~جملة مع التأكيد من فائدة جديدة مهمة , فقال : { ولا أنتم عابدون } أي ~~عبادة هي لكم وصف معتد به في الحال أو الاستقبال . | ولما لم يكن قبل البعث ~~مشهورا عندهم بعبادة الله سبحانه وتعالى , عبر بما لا يتوجه لهم إليه إنكار ~~, وهو المضارع الذي ظاهره الحال أو الاستقبال مرادا به ما يشمل الماضي لما ~~ذكر أبو حيان وغيره في سورة الحج عند < # > 77 ( { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله } ) 77 < # > [ الحج : 25 ] من أنه يطلق المضارع مرادا به مجرد إيقاع الفعل منغير ~~نظر إلى زمان معين , قال : { ما أعبد * } أي وجدت مني عبادته واتصفت بها ~~الآن وفي ماضي الزمان ومستقبله اتصافا يعتد به . | PageV08P556 ولما كان ~~ذلك كله , وبدأ النفي في الجمل السابقة بالمنسوب إليه صلى الله عليه وسلم ~~إيذانا بالاهتمام ببراءته منهم , أنتج قطعا مقدما لما يتعلق بهم على وجه ~~اختصاصهم به تأكيدا لما صرح به ما مضى من براءته منهم : { لكم } أي خاصة { ~~دينكم } أي الذي تعلمون أنه لا أصل له يثبت عليه , ولا دليل يرجع بوجه إليه ~~, لا أشارككم فيه بوجه ولا ترجعون عنه بوجه بل تموتون عليه موتا لبعظكم حتف ~~الأنف والآخرين قتلا على يدي بالسيف { ولي } أي خاصة { دين * } من واصع ~~روضة الإسلام إلى أعلى مقام : مقام اليقان والإحسان , وأنتم تعلمون - لو ~~جردتم عقولكم عن الهوى وأخلصتم أفكاركم من الحمية والإبا - أنه كله دليل ~~وفرقان ونور وحجة وبرهان , لا تشاركونني فيه بوجه , ولا تقدرون على ردي عنه ~~أصلا , فكانت هذه علما من أعلام النبوة نم حيث إنه مات منهم ناس كثير بعد ~~ذلك على الكفر وأتم الله له هذا الدين , فصدق سبحانه فيما قال , وثبت مضمون ~~الكوثر بأكمل استدلال , وأما من آمن بعد ذلك فليس مرادا لأنه لم يكن عريقا ~~في وصف الكفران , ولا رساخا في الضلال والطغيان , فأسعده وصف الإسلام ~~والإيمان , وساق الجمل كلها غير مؤكد إشارة إلى أنها من الوضوح ms6048 في حد لا ~~خفاء به أصلا , ولا شك أن آخرها الذي هو اختصاص كل بدينه هو أولها الذي ~~أفاد أنه لا يعبد معبوده فصار آخرها أولها , ومفصلها موصلها - هذا هو الذي ~~دل عليه السياق , وليس فيه إذن في الكفر ولا منع عن الجهاد ليحتاج إلى نسخ ~~, ومن أعظم الدلائل إعجازها وجمعها للمعاني في إشارتها وإيجازها أن حاصلها ~~قطع رجاء أهل الكفران من أن يقاربهم النبي صلى الله عليه وسلم في أن يعدل ~~بربه أحدا في زمن من الازمان , وذلك من أعظم مقاصد المناظرة لها في رد ~~الآخرة على أول الأنعام لأنها السادسة في العد من الأول , كما أن هذه ~~السادسة في العد من الآخر < # > 77 ( { أغير الله اتخذ وليا } ) 77 < # > [ الأنعام : 14 ] < # > 77 ( { أفغير الله ابتغي حكما } ) 77 < # > [ الأنعام : 114 ] < # > 77 ( { أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء } ) 77 < # > [ الأنعام : 164 ] إلى غير ذلك من الآيات , والفواصل والغايات , هذا ما ~~يتعلق بمعاني تراكيبها ونظومها على ما هي عليه وتراتيبها وسياقاتها ~~وأساليبها , وكلماتها الخطية سبع وعشرون إلى أربع كلمات البسملة إحد ~~وثلاثون إلى أربعة ضمائر مستترة خمس وثلاثون إلى تسعة بارزة , فتلك أربع ~~وأربعون كلمة الضمائر منها ثلاثة عشر هي مدة الإقامة بمكة المشرفة قبل ~~الهجرة لأنها في الخفاء كالضمائر في خزائن السرائر , ولا سيما الأربعة ~~الأول منها الموازية لضمائر الاستتار وغير الضمائر إحدى وثلاثون المناظر ~~لها من السنين سنة إحدى وثلاثين , وهي سنة قتل يزدجرد ملك الفرس أكفر ~~الكفرة من أهل ذلك الزمان وأعتاهم , وموافقة كلماتها في العدة لأحرف الكوثر ~~مشرة إلى أن PageV08P557 اليسير من أتباعه صلى الله عليه وسلم أكثروا وأكبر ~~من كثير شانئيه وأضداده وحاسديه , وقد دل على ذلك شاهد الوجوه في ويم الفتح ~~والمسلمون عشرة آلاف , والكفار من قريش ومن حولهم لا يحصون كثرة , وقد كان ~~فعلهم في ذلك اليوم ما شهد به اعتذار حماس الذي كان يعد امرأته أن يخدمها ~~بعض المسلمين في قوله وقد فر هاربا ولم يستطع أن يغلق وراءه , بل قال لها ms6049 : ~~أغلقي بابي , فقالت له : أين ما كانت تعدني به ؟ فقال : | إنك لو شهدت يوم ~~الخندمه إذ فر صفوان وفر عكرمه واستقبلتهم بالسيوف المسلمه يقطعن كل ساعد ~~وجمجمه ضربا فلا يسمع إلا غمغمه بهم تهيب خلفنا وهمهمهلم تنطقي باللوم أدنى ~~كلمه | هذا مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أوصاهم ألا يقاتلوا إلا من ~~بدأهم بالقتال . | وهذا مع ما كان من أهل الإسلام حين قصدهم الكفار يوم ~~الخندق والمشركون في عشرة آلاف وهم لا يبلغون ربعهم ولا مدد لهم ممن حولهم ~~ولا ناصر إلا الله , بل جاءتهم الأعداء - كما قال الله تعالى : < # > 77 ( { من فوقهم ومن أسفل منهم } ) 77 < # > { الأحزاب : 10 ] < # > 77 ( { وما زادهم إلا إيمانا وتسليما } ) 77 < # > [ الأحزاب : 22 ] وإلى هذا أيضا أشار بلوغ عدد كلمات النصر خطيها ~~واصطلاحيها ظاهرها ومستترها إلى عدد كلمات الكافرون الخطية , فلك رمز إلى ~~أن أضعف أهل الإسلام لا يضعف عن مقاومة أهل الكفر وأرسخهم في كل صفة يريدها ~~- والله هو الموفق . | . . . . | PageV08P558 < # > سورة النصر < # > | وتسمى التوديع . | مقصودها الإعلام بتمام الدين اللازم عن مدلول ~~اسمها النصر ، اللازم عنه موت النبي صلى الله عليه وسلم ، اللازم عنه العلم ~~بأنه ما برز إلى عالم الكون والفساد إلا لإعلاء كلمة الله تعالى وإدحاض ~~كلمة الشيطان - لعنة الله تعالى عليه - اللازم عنه أنه صلى الله عليه وسلم ~~خلاصة الوجود ، وأعظم عبد للولي الودود ، وعلى ذلك أيضا دل اسمها التوديع ~~وحال نزولها وهو أيام التشريق من سنة حجة الوداعه { بسم الله } الذي له ~~الأمر كله ، فهو العليم الحكيم { الرحمن } الذي أرسلك رحمة للعالمين ، ~~فعمهم بعد نعمة الإيجاد بأن بين لهم إقامة لمعاشهم ومعادهم بك طريق النجاة ~~غاية البيان ، بما أنزل عليك من معجز القرآن الذي من سمعه فكأنما سمعه من ~~العلي العظيم { الرحيم } الذي خص من أراده بالإقبال به إلى حزبه وجعله من ~~أهل قربه بلزوم الصراط المستقيم . < < # | النصر : ( 1 - 3 ) إذا جاء نصر . . . . . # > > ^ ( إذا جآء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله ~~أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره ms6050 إنه كان توابا ) ^ } ) | التي قبلها على ~~أن الكفار قد صاروا إلى حال لا عبرة بهم فيه ولا التفات ولا خوف بوجه منهم ~~ما دام الحال على المتاركة , كان كأنه قيل : فهل يحصل نصر عليهم وظفر بهم ~~بالمعاركة , فأجاب بهذه السورة بشارة للمؤمنين ونذارة للكافرين , ولكنه لما ~~لم يكن هذا بالفعل إلا عام حجة الوداع بعد فتح مكة بسنتين كان كأنه لم ~~يستقر الفتح إلا حينئذ , فلم ينزل سبحانه وتعالى هذه السورة إلا في ذلك ~~الوقت وقبل منصرفه من غزوة حنين , فقال تعالى تحقيقا لأنه ينصر المظلوم ~~ويعلي دينه ويمهل ولا يهمل , فإنه لا يعجزه شيء , حثا على التفويض له ~~والاكتفاء به , مقدما معمول ( سبح ) تعجيلا للبشارة : { إذا } . | ولما ~~كانت المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها , يسوقها إليها ~~PageV08P559 سائق القدرة , فتقرب منها شيئا فشيئا , كانت كأنها آتية إليها ~~, فلذلك حصل التجوز بالمجيء عن الحصول فقال : { جاء } أي استقر وثبت في ~~المستقبل بمجيء وقته المضروب له الأزل , وزاد في تعظيمه بالإضافة ثم بكونها ~~اسم الذات فقال : { نصر الله } أي الملك الأعظم الذي لا مثل له ولا أمر ~~لأحد معه على جميع الناس في كل أمر يريده . | ولما كان للنصر درجات , وكان ~~قد أشار سبحانه بمطلق الإضافة إليه ثم بكونها إلى الاسم الأعظم إلى أن ~~المراد أعلاها , صرح به فقال : { والفتح * } أي المطلق الصالح لكل فتح الذي ~~نزلت فيه سورته بالحديبية مبشرة له بغلبة حزبه الذين أنت قائدهم وهاديهم ~~ومرشدهم , لا سيما على مكة التي بها بيته ومنها ظهر دينه , وبها كان أصله , ~~وفيها استقر عموده , وعز جنوده , فذل بذلك جميع العرب , وقالوا : لا طاقة ~~لنا بمن أظفره الله بأهل الحرم , فعزوا بهذا الذل حتى كان ببعضهم تمام هذا ~~الفتح , ويكون بهم كلهم فتح جميع البلاد , وللإشارة إلى الغلبة على جميع ~~الأمم ساقه تعالى في أسلوب الشرط , ولتحققها عبر عنه ب { إذا } إعلاما بأنه ~~لايخلف الوعد ولا ينقص ما قدره وإن توهمت العقول أنه فات وقته , وإيذانا ~~بأن القلوب بيده يقلبها ms6051 كيف يشاء ليحصل لمن علم ذلك الإخلاص والخوف والرجاء ~~, فأشعرت العبارة بأن الوقت قد قرب , فكان المعنى : فكن مترقبا لوروده ~~ومستعدا لشكره . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما كمل دينه واتضحت ~~شريعته واستقر أمره صلى الله عليه وسلم وأدى أمانة رسالته حق أدائها عرف ~~عليه صلى الله عليه الصلاة والسلام نفاد عمره وانقضاء أجله , وجعلت له على ~~ذلك علامة دخول الناس في دين الله جماعات بعد التوقف والتثبط < # > 77 ( { حكمة بالغة فما تغني النذر } ) 77 < # > [ القمر : 5 ] < # > 77 ( { لو شاء الله لجمعهم على الهدى } ) 77 < # > [ الأنعام : 35 ] وأمر بالإكثار من الاستغفار المشروع في أعقاب المجالس ~~وفي أطراف النهار وخواتم المآخذ مما عسى أن يتخلل من لغو أو فتور , فشرع ~~سبحانه وتعالى الاستغفار ليحرز لعباده من حفظ أحوالهم ورعي أوقاتهم ما يفي ~~بعلي أجورهم كما وعدهم < # > 77 ( { وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته } ) 77 < # > [ الأنعام : 115 ] وقد بسطت ما أشارت إليه هذه السورة العظيمة - وكل ~~كلام ربنا عظيم - فيما قيدته في غيره هذا , وأن أبا بكر رضي الله عنه عرف ~~منها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعيت إليه نفسه الكريمة على ربه وعرف ~~بدنو أجله , وقد أشار إلى هذا الغرض أيضا بأبعد من الواقع في هذه السورة ~~قوله تعالى : < # > 77 ( { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا } ) 77 < # > [ المائدة : 3 ] وسورة براءة وأفعاله عليه الصلاة والسلام في حجة ~~الوداع PageV08P560 لكن لم يبلغنا استشعار أحد من الصحابة رضي الله عنهم ~~تعيين الأمر إلا من هذه السورة . | وقد عرفت بإشارة براءة وآية المائدة ~~تعريفا شافيا , واستشعر الناس عام حجة الوداع وعند نزول براءة ذلك لكن لم ~~يستيقنوه وغلبوا رجاءهم في حايته صلى الله عليه وسلم , ومنهم من توفي , ~~فلما نزلت { إذا جاء نصر الله والفتح } استيقن أبو بكر رضي الله عنه ذلك ~~استيقانا حمله على البكاء لما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم - انتهى ~~. | ولما عبرعن المعنى بالمجيء , عبر عن المرئي بالرؤية فقال ms6052 : { ورأيت } ~~أي بعينيك { الناس } أي العرب الذين كانوا حقيرين عند جميع الأمم , فصاروا ~~بك هم الناس - كما دلت عليه لام الكمال , وصار سائر أهل الأرض لهم أتباعا , ~~وبالنسبة إليهم رعايا , حال كونهم { يدخلون } شيئا فشيئا متجددا دخولهم ~~مستمرا { في دين الله } أي شرع من لم تزل كلمته هي العليا في حال إباء ~~الخلق - بقهره لهم على الكفر الذي لا يرضاه لنفسه عاقل - ترك الحظوظ , وفي ~~حال طواعيتهم بقسره لهم على الطاعة , وعبر عنه بالدين الذين معناه الجزاء ~~لأن العرب كانوا لا يعتقدون القيامة التي لا يتم ظهور الجزاء إلا بها { ~~أفواجا * } أي قبائل قبائل وزمرا زمرا وجماعات كثيفة كالقبيلة بأسرها أمة ~~بعد أمة كأهل مكة والطائف وهوازن وهمدان وسائر القبائل من غير قتال في خفة ~~وسرعة ومفاجأة ولين بعد دخولهم واحدا واحدا نحو ذلك لأنهم قالوا : أما إذا ~~ظفر بأهل الحرم وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل الذين لم يقدر أحد على ~~ردهم فليس لنا بهم يدان . | فتبين أن هذا القياس المنتج هذه النتيجة ~~البديهية بقصة أصحاب الفيل ما رتبه الله إلا إرهاصا لنبوته وتأسيسا لدعوته ~~فألقوا بأيديهم , وأسلموا قيادهم حاضرهم وباديهم . | ولما كان التقدير : ~~فقد سبح الله نفسه بالحمد بإبعاد نجس الشرك عن جزيرة العرب بالفعل , قال ~~إيذانا بأنه منزه عن النقائص التي منها إخلاف الوعد , وأن له مع ذلك الجلال ~~والجمال , معبرا بما يفيد التعجب لزيادة التعظيم للمتعجب منه ليثمر ذلك ~~الإلجال والتعظيم والتذلل والتقبل لجميع الأوامر , ويفهم أمره تعالى للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بالاشتغال بخاصة نفسه بدنو أجله , وأن اشتغاله بالناس ~~قد انتهى , لأن الدين قد كمل فلم يبق له صلى الله عليه وسلم شغل في دار ~~الكدر : { فسبح } أي نزه أنت بقولك وفعلك بالصلاة وغيرها موافقة لمولاك ~~فيما فعل , وزد يف جميع أنواع العبادة , تسبيحا متلبسا { بحمد } المعتدين , ~~المحسن إليك بجميع ذلك , لأنه كله لكرامتك , وإلا فهو عزيز حميد على كل حال ~~, تعجبا لتيسير الله من هذا الفتح مما لم يخطر بالبال , وشكرا لما ms6053 أنعم به ~~PageV08P561 سبحانه وتعالى عليه من أنه أراه تمام ما أرسل لأجله , ولأن كل ~~حسنة يعملها أتباعه له مثلها . | ولما أمره صلى الله عليه وسلم بتنزيهه عن ~~كل نقص , ووصفه تنزلا عن غير الغيب إلى الغيب بكل كمال مضافا إلى الرب ~~تدليا إلى مشاهدة الأفعال , وصل إلى نهاية التنزل من الخالق إلى المخلوق ~~مخاطبا لأعلى الخلائق كلها فأمره بما يفهم العجز عن الوفاء بحقه لما له من ~~العظمة المشار إليه بذكره مرتين بالاسم الأعظم الذي له من الدلائل على ~~العظم والعلو إلى محل الغيب الذي لا مطمع في دركه ما تنقطع الأعناق دونه ~~ليفهم عجز غيره من باب الأولى , فقال معلما بأن من كماله أن يأخذ بالذنب إن ~~شاء ويغفر إن شاء وإن عظم الذنب , ليحث ليحث ذلك على المبادرة إلى التوبة ~~وتكثير الحسنات وحسن الرجاء : { واستغفره } أي اطلب غفرانه إنه كان غفارا ~~إيذانا بأنه لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره كما أشار إلى ذلك الاستغفار عقب ~~الصلاة التي هي أعظم العبادات لتقتدي بك أمتك في المواظبة على الأمان ~~الثاني لهم , فإن الأمان الأول - الذي هو وجودك بين أظهرهم قد دنا رجوعه ~~إلى معدنه في الرفيق الأعلى والمحل الأقدس الأولى , وكذا فعل صلى الله عليه ~~وسلم - كان يقول : ( سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) ~~ودخل يوم الفتح مكة مطأطئا رأسه حتى إنه ليكاد يمس واسطة الرحل تواضعا لله ~~سبحانه وتعالى إعلاما لأصحابه رضوان الله تعالى عليهم أجمعين أن ما وقع ~~إنما هو بحول الله , لا بكثرة مع معه من الجمع , وإنما جعلهم سببا لطفا منه ~~بهم , ولذلك نبه نم ظن منهم أو هجس في خاطره أن للجمع مدخلا بما وقع من ~~الهزيمة في حنين أولا , وما وقع بعد من النصرة بمن ثبت مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهم لا يبلغون ثلاثين نفسا ثانيا , فالتسبيح الذي هو تنزيه عن ~~النقص إشارة إلى إكماله الدين تحقيقا لما كان تقدم به وعده الشريف . | ~~والاستغفار إشارة إلى أن ms6054 عبادته صلى الله عليه وسلم التي هي أعظم العبادات ~~قد شارفت الانقضاء , ولا يكون ذلك إلا بالموت , فلذلك أمر بالاستغفار لأنه ~~يكون في خاتمة المجالس والأعمال جبرا لما لعله وقع فيها على نوع من الوهن ~~واعترافا بذل العبودية والعجز . | ولما أمر بذلك فأرشد السياق إلى أن ~~التقدير : وتب إليه , علله مؤكدا لأجل استبعاد من يستبعد مضمون ذلك من رجوع ~~الناس في الردة ومن غيره بقوله : { إنه } أي المحسن إليك غاية الإحسان ~~بخلافته لك في أمتك , ويجوز أن يكون التأكيد لأجل دلالة ما تقدم من ذكر ~~الجلالة مرتين على غاية العظمة والفوت عن الإدراك بالاحتجاب بإرادته ~~الكبرياء والعز والتجبر والقهر مع أن المألوف أن من كان على شيء من ذلك كان ~~بحيث PageV08P562 لا يقبل عذرا ولا يقبل نادما { كان } أي لم يزل على ~~التجدد والاستمرار { توبا * } أي رجاعا بمن هذب به الشيطان من أهل رحمته ~~فهو , الذي رجع بأنصارك عما كانوا عليه من الاجتماع على الكفر والاختلاف ~~والعداوات فأيدك بدخولهم في الدين شيئا فشيئا حتى أسرع بهم بعد سورة الفتح ~~إلى أن دخلت مكة في عشرة آلاف , وهو أيضا يرجع بك إلى الحال التي يزداد بها ~~ظهور رفعتك في الرفيق الأعلى ويرجع عن تخلخل من أمتك في دينه بردة أو معصية ~~دون ذلك إلى ما كان عليه من الخير , ويسير بهم أحسن سير , فقد رجع آخر ~~السورة إلى أولها لأنه لولا تحقق وصفه بالتوبة لما وجد الناصر الذي وجد به ~~الفتح والتحم مقطعها أي التحام بمطلعها , وعلم أن كل جملة منها مسببة علما ~~قبلها , فتوبة الله على عبده نتيجة توبته باستغفاره الذي هو طلب المغفرة ~~بشروطه , وذلك ثمرة اعتقاده الكمال في ربه , وذلك ما دل عليه إعلاؤه لدينه ~~, وقسره للداخلين فيه على الدخول مع أنهم أشد الناس شكائم وأعلاهم همما ~~وعزائم , وقد كانوا في غاية الأخيرة من الاحتباك : دل بالأمر بالاستغفار ~~وعلم أن السورة أشارة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم بالحث على الاستغفار ~~الذي هو الأمان الثاني , ومن شأنه أن ms6055 تختم به الأعمال والمجالس بعد ما أشار ~~إليه إعلامها بظهور الدين على الدين كله ونزولها في أوسط أيام التشريق من ~~حجته عليه أفضل الصلاة والسلام سنة عشر كما ذكرته في كتابي ( مصاعد النظر ~~للإشراف على مقاصد السورة ) وكتابي ( الاطلاع على حجة الوداع ) وذلك بعد ~~نزول آية المائدة - التي هي نظيرتها في رد المقطع على المطلبع - في يوم ~~عرفة < # > 77 ( { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ~~دينا } ) 77 < # > [ المائدة : 3 ] ومن المعلوم أنه لا يكون في هذه الدار كمال إلا بعده ~~نقصان , ولذلك سماها النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع وخطب الناس فيها ~~, فعلمهم أمور دينهم وأشهدهم على أنفسهم وأشهد الله عيلهم بأنه بلغهم , ~~وودعهم وقال : لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا , وأشار إلى ذلك أيضا ~~بالتوبة وإلى وقوع الردة بعده صلى الله عليه وسلم ورجوع من ارتد إلى أحسن ~~ما كانوا عليه من اعتقادهم في الدين وثباتهم عليه بقتل من كان مطبوعا على ~~الكفر المشار إليهم بقوله تعالى : < # > 77 ( { ولو أسمعهم - أي إسماع قهر وغلبة وقسر - لتولوا وهم معرضون } ) ~~77 < # > [ الأنفال : 23 ] فكان وجودهم ضررا صرفا من غير منفعة وقتلهم نفعا لا ~~شرر فيه بوجه , ولأجل إفهامها حلول الأجل للإيذان بالتمام بكى العباس رضي ~~الله تعالى عنه - وفي رواية : ولده عبد الله - عند نزولها فسأله النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال : ( نعيت إليك نفسك ) فقال : إنه لكما تقول . | كما ~~بكى PageV08P563 عمر رضي الله عنه عند نزول آية المائدة , وعلل بهذا - ~~والله الهادي , وقد ظهر بهذا أن حاصلها الإيذان بكمال الدين ودنو الوفاة ~~لخاتم النبيين , والنصر على جميع الظالمين الطاغين البالغين , وذلك من أعظم ~~مقاصد المائدة , المناظرة لهذه في التطبيق بين البادئة والعائدة , كما أشار ~~إليه قوله تعالى : < # > 77 ( { اليوم أكملت لكم دينكم } ) 77 < # > [ الأنعام : 3 ] وقوله تعالى : < # > 77 ( { ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون } ~~) 77 < # > [ المائدة : 56 ] وقوله تعالى : < # > 77 ( { لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على ms6056 كل شيء قدير } ) 77 < # > [ المائدة : 120 ] ومن أعظم لطائف هذه السورة ودقيق بدائعها ولطيف ~~منازعها أن كلماتها تدل بأعدادها على أمور جليلة وأسرار جميلة , فإنها تسع ~~عشرة كلمة , وقد كان في سنة تسع عشرة من الهجرة موت قيصر طاغية الروم , ~~وذلك أن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه لما فتح الإسكندرية قال قيصر : ~~لئن غلبونا على الإسكندرية لقد هلكت الروم , فتجهز ليباشر قتالهم بنفسه , ~~فعندما فرغ من جهازه صرعه الله فمات فكفى الله المسلمين شره , وذلك الروم ~~بذلك ذلا كبيرا , واستأسدت العرب , وفي هذه السنة أيضا فتح الله قيسارية من ~~بلاد الشام فلم يبق بالشام أقصاها وأدناها عدو , وفرح المسلمون بذلك فرحا ~~شديدا , وكان فيها أيضا فتح جلولاء , من بلاد فارس , وكان فتحها يسمى فتح ~~الفوح , لأن الفرس لم ينجبروا بعده , هذا إن عددنا ما يوازي كلماتها من سنة ~~الهجرة - وهي التاسعة عشرة من نزولها - مدينة اصطخر , واشتد ضعف الفرس , ~~وأمر ملكهم يزدجرد واجتهاده في الهرب من العرب حتى قتل سنة إحدى وثلاثين من ~~الهجرة بعد ذلك بسنتين , وذلك هو العد الموازي لعد كلماتها ظواهر وضمائر مع ~~كلمات البسملة , وإذا نظرت إلى ما هنا من هذا وطبقت بينه وبين ما ذكر في ~~سورة الفتح من مثله زاد عجبك من باهر هذه الآيات - والله الموفق , ثم إنك ~~إذا اعتبرت اعتبارا آخر وجدت هذه السورة كا دلت بجملتها على انقضاء زمن ~~النبوة بموت النبي صلى الله عليه وسلم دلت بمفردات كلماتها على انقضاء ~~خلافة النبوة لتمام ثلاثين سنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ~~أبو داود والترمذي ولانسائي وابن حبان في صحيحه عن سفينة مولى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ورضى عنه ( خلافة النبوة ثلاثون , ثم يؤتي الله الملك من ~~يشاء ) وذلك أنك إذا عددت PageV08P564 كلماتها مع البسملة كانت باعتبار ~~الرسم ثلاثا وعشرين كلمة , وذلك مشيرا إلى انقضاء الخلافة التي لم تكن قط ~~خلافة مثلها , وهي خلافة الفاروق وهي خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه باستشهاده ms6057 في ذي الحجة سنة ثلاثة وعشرين من الهجرة , فإذا ضممت إلى ذلك ~~الضمائر البارزة وهي خمسة , والمستترة وهي ثلاثة , فكانت أحدا وثلاثين , ~~وحسبت من حين نزول السورة على النبي صلى الله عليه وسلم في ذي الحجة سنة ~~عشر كان ذلك مشيرا إلى انقضاء خلافة النبوة كلها بإصلاح أمير المؤمنين ~~الحسن بن علي رضي الله عنهما في شهر ربيع الأول سنة إحدة وأربعين , وذلك ~~عند مضي ثلاثين سنة من موت النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة ~~عشر من الهجرة لا تزيد شهرا ولا تنقصه , وإن أخذت الضمائر وحدها بارزها ~~ومستترها دلت على فتح مكة المشرفة بعينه , فإنها - كما مضى - ثمانية وقد ~~كان الفتح سنة ثمان من الهجرة , ومن لطائف الأسرار وبدائع الأنظار أنها تدل ~~على السنين بحسب التفصيل , فالبارز يدل على سنة النصر والظهور على قريش ~~لأنهم القصودون بالذات لأن العرب لهم تبع , والمستتر يدل على ذلك , وشرح ~~هذا أنه لما كانت قد خففت في السنة الأولة من الهجرة رايات الإسلام في كل ~~وجه , وانتشرت أسده في كل صوب , وانبثت سراياه في كل قطر , أشار إليها ~~التاء في { ورأيت } التي هي ضميره صلى الله عليه وسلم إشارة إلى ما يختص ~~بفهمه من البشارة . | ولما كان في السنة الثانية بغزوة بدر من واضح الظفر ~~وعظيم النصر ما هد قلوب الكفار , وشد قلوب الأنصار في سائر الأمصار , وأعلى ~~لهم القدر , أشار إلى ذلك واو { يدخلون } , ولما حصل في السنة الثالثة ما ~~لم يخف من المصيبة في غزيوة أحد التي ربما أوهمت بعض من لم يرسخ نقصا , ~~أشار إلى ذلك الضمير المستتر في { فسبح } , ولما كان الخبر في الرابعة ~~بأجلاء بني النضير وإلاف قريش للوعد في بدر جبنا وعجزا حيث وفى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم شجاعة وقوة بحول الله وانقلبوا ~~, منها بنعمة من الله وفضل لم يمسهم سوء , أشار إلى ذلك الكاف في { ربك } ~~ولما كان في الخامسة غزوة الأحزاب أشار إليها المستتر في ms6058 { واستغفره } ولما ~~كان في السادسة عمرة الحديبية التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم فتحا , ~~أنزل الله فيها سورة الفتح لكونها كانت سببا للفتح , فكان ذلك علما من ~~أعلام النبوة , ولبعث النبي صلى الله عليه وسلم فيها إلى الملوك يدعوهم إلى ~~الله تعالى أشار إلى ذلك الضمير البازر في { واستغفره } وأكد قوته كونه ~~للرب تعالى , ولما كان في السابعة غزوة خيبر وعمرة القضاء أشار إليها ~~الضمير الظاهر في { إنه } ولما كان ضمير { كان } لله , وكان له سبحانه ~~حضرتان : حضرة غير وبطون , وحضرة شهادة وظهور , وكانت حضرة الغيب هي حضرة ~~الجلال والكبرياء والعظيمة والتعالي , وحضرة الشهادة حضرة التنزل بالأفعال ~~PageV08P565 والاستعطاف بالأقوال , كانت الحضرتان للنصر , وكانت حضرة الغيب ~~أعظمهما نصرا وأشدهما أزرا , فلذلك كان ضمير الاستتار دالا على الفتح ~~الأكبر بالانتصار على السكان والديار بسطوة الواحد القهار , على أنا إذا ~~نظرنا إليه من حيث كونه جائز البروز كان البارز فله حكمه - فسبحان من شمل ~~علمه , ودقت حكمته فنفذ حكمه . | . . . | PageV08P566 < # > سورة المسد < # > | مقصودها البت والقطع الحتم بخسران الكافر ولو كان أقرب الخلق إلى ~~أعظم الفائزين ، اللازم عنه أن شارع الدين له من العظمة ما يقصر عنه الوصف ~~، فهو يفعل ما يشاء لأنه لا كفو - له أصلا ، حثا على التوحيد من سائر ~~العبيد ولذلك بين سورة الإخلاص المقرون بضمان النصر وكثرة الأنصار ، واسمها ~~تبت واضح الدلالة على ذلك بتأمل السورة على هذه الصورة { بسم الله } الجبار ~~المتكبر المضل الهاد { الرحمن } الذي عم الولي والعدو بنعمة البيان بعد ~~الإكرام بالإيجاد { الرحيم } الذي خص بالتوفيق أهل الوداد . < < # | المسد : ( 1 - 5 ) تبت يدا أبي . . . . . # > > ^ ( تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ~~ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد ) ^ } ) | لما قدم ~~سبحانه وتعالى في سورة النصر القطع بتحقيق النصر لأهل هذا الدين بعد ما ~~كانوا فيه من الذلة , والأمر الحتم بتكثيرهم بعد الذي مر عليهم مع الذلة من ~~القلة , وختمها بأنه التواب , وكان أبو لهب - من ضدة العناد لهذا ms6059 الدين ~~والأذى لإمامة النبي صلى الله عليه وسلم سيد العالمين مع قربه منه - بالمحل ~~الذي لا يجهل , بل شاع واشتهر , وأحرق الأكباد وصهر , كان بحيث يسأل عن ~~حاله إذ ذاك هل يثبت عليه أو يذلك , فشفى غل هذا السؤال , وأزيل بما يكون ~~له من النكال , وليكون ذلك بعد وقوع الفتح ونزول الظفر والنصر , والإظهار ~~على الأعداء بالعز والقهر , مذكرا له صلى الله عليه وسلم بما كان أول الأمر ~~من جبروتهم وأذاهم وقوتهم بالعد والعدد , وأنه لم عنهم شيء من ذلك , بل صدق ~~الله وعده في قوله سبحانه وتعالى ^ ( { قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى ~~جنهم وبئس المهاد } ) ^ [ آل عمران : 12 ] وكذبوا فيما كانوا فيه من ~~التعاضد والتناصر والتحالف والتعاقد , فذكر تعالى أعداهم له وأقربهم إليه ~~في النسب إشارة إلى أنه لا فرق في تكذيبه لهم بين القريب والبعيد . | ولإى ~~أنه لم ينفعه قربه له ليكون ذلك حاملا لأهل الدين على PageV08P567 الاجتهاد ~~في العمل من غير ركون إلى سبب أو نسب غير ما شرعه سبحانه , فقال تعالى ~~معبرا بالماضي دلالة على أن الأمر قد قضى بذلك وفرغ منه , فلا بد من كونه ~~ولا محيص : { تبت } أي حصل القطع الأعظم والحتم الأكمل , فإنها خابت وخسرت ~~غاية الخسارة , وهي المؤدية إلى الهلاك لأنه لا نجاة إلا نجاة الآخرة , ~~وجعل خطاب هذه السورة عن الله ولم يفتتحها ب ( قل ) كأخواتها لأن هذا أكثر ~~أدبا وأدخل في باب العذر وأولى في مراعاة ذوي الرحم , ولذلك لم يكرر ذكرها ~~في القرآن , وأشد في انتصار الله سبحانه وتعالى له صلى الله عليه وسلم ~~وأقرب إلى التخويف وتجويف وتجويز سرعة الوقوع . | ولما كانت اليد محل قدرة ~~الإنسان , فإذا اختلت اختل أمره , فكيف إذا حصل الخلل في يديه جميعا , قال ~~مشيرا بالتثنية إلى عموم هلاكه بأن قوته لم تغن عنه شيئا , ولأن التثنية ~~يعبر بها عن النفس , ومشيرا بالكنية وإن كان يؤتى بها غالبا للتشريف إلى ~~مطابقة اسمه لحاله , ومجانسته الموجبة لعظيم نكاله : { يدا أبي لهب } فلا ~~قدرة له ms6060 على إعطاء ولا منع , ولا على جلب ولا دفع , وإشارة إلى أن حسن ~~صورته لم تغن عنه شيئا من قيبح سيرته لقوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله ~~لا ينظر إلى صوركم ولا أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) لأنه إنما ~~كني بهذا لشراق وجهه وتوقد وجنتيه , ولأنها أشهر , فالبيان بها أقوى وأظهر ~~, والتعبير بها - مع كونه أوضح - أقعد في قول التي هي أحسن . | لأن اسمه ~~عبد العزى وهو قبيح موجب للعدول عنه غيرة على العبودية أن تضاف إلى غير ~~مستحقها . | وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : هذه السورة وإن نزلت على سبب ~~خاص وفي قصة معلومة فهي مع ما تقدمها واتصل بها في قوة أن لو قيل : قد ~~انقضى عمرك يا محمد , وانتهى ما قلدته من عظيم أمانة الرسالة أمرك , وأديت ~~ما تحملته وحان أجلك , وأمارة ذلك دخول الناس في دين الله أفواجا , ~~واستجابتهم بعد تلكؤهم , والويل لمن عاندك وعدل عن متابعتك وإن كان أقرب ~~الناس إليك . | فقد فصلت سورة { قل يا أيها الكافرون } بين أوليائك وأعدائك ~~, وبان بها حكم من اتبعك من عاداك , ولهذا سماها عليه الصلاة والسلام ~~المبرئة من النفاق , وليعلم كفار قريش وغيرهم أنه لا اعتصام لأحد من النار ~~إلا بالإيمان , وأن القرابات غير نافعه ولا مجدية شيئا إلا مع الإيمان { ~~لكم دينك ولي دين } < # > 77 ( { أنتم بريئون ما أعمل وأنا برئ مما تعملون } ) 77 < # > [ يونس : 41 ] , PageV08P568 < # > 77 ( { والمؤمنون والمؤمنات أولياء بعض } ) 77 < # > [ التوبة : 71 ] وههنا انتهى الكتاب بجملته - انتهى . | ولما كان ربما ~~خص التباب بالهلاك , وحمل على هلاك اليدين حقيقة , وكان الإنسان لا يزول ~~جميع منفعته بفوات يديه وإن كان قد يعبر بهما عن النفس , قال مصرحا ~~بالمقصود : { وتب } أي هو بجملته بتمام الهلاك والخسران , فحقق بهذا ما ~~أريد من الإسناد إلى اليدين من الكناية عن الهلاك الذي لا بقاء بعده , ~~والظاهر أن الأول دعاء والثاني خبر , وعرف بهذا أن الانتماء إلى الصالحين ~~لا يغني إلا إن وقع الاقتداء بهم في أفعالهم لأنه عم النبي ms6061 صلى الله عليه ~~وسلم . | ومادة ( تب ) و ( بت ) - الجامعة بجمع التاء والباء للسببين ~~الأدنى الباطني والأعلى الظاهري - تدور على القطع المؤدي في أغلب أحواله ~~إلى الهلاك , لأن من انقطع إلى الأسباب معرضا عن مسببها كان في أعظم تباب , ~~وربما كان القطع باستجماع الأسباب , فحصل العوز بالمقاصد والمحاب , قال ابن ~~مكتوم في الجمع بين المحكم والعباب : التب والتباب : الخسار , وتبا له - ~~على الدعاء , وتبا تبيبا - على المبالغة , قال الإمام أبو عبد الله القزاز ~~: كأنك قلت : خسرانا له , وهو المصدر , نصب نصب سقيا له , قال ابن دريد : ~~وكأن التب المصدر والتباب الاسم , والتبب والتباب والتبيب : الهلاك , ~~والتتبيب النقص والخسار , وكل هذ واضح في القطع عن الخير والفوز , قال : ~~والتاب : الكبير من الرجال , والأنثى تابة , وقال القزاز : إذا سألت الرجل ~~عن المرأة قلت : أشابة هي أن تابة , أي أم عجوز فانية , ومعلوم أن كبر السن ~~مقرب من القطع والهلاك , والتاب : الضعيف , والجمع أتباب - هذلية , وحمار ~~تاب الظهر - إذا دبر , وجمل تاب كذلك نادرة , ولا شك أن الدبر والضعيف هلاك ~~في المعنى . | وتب : قطع مثل بت , أي بتقديم الموحدة ووقعوا في تبوب منكرة ~~, وهو بتبة أي بحالة شديدة , والتبي - بالفتح والكسر : ضرب من تمر البحرين ~~, قيل : هو رديء يأكله سقاط الناس , وأتب الله قوته : أضعفها , وتببوهم ~~تتبيبا : أهلكوهم , وتبتب : شاخ , وكل ذلك واضح في القطع بالهلاك والخسار , ~~والتبوب يعني بالضم : ما انطوت عليه الأضلاع كالصدر والقلب , وهذا يحتمل ~~الخير والشر , فإن القلب إذا فسد فسد الجسد كله , وإذا صلح صلح الجسد كله , ~~فيكون حينئذ القطع , بالفوز والنجاة , أو لأن انطواء الأضلاع عليه قطعة عن ~~الخارج , واستتب الأمر : تهيأ واستوى . | وقال القزاز : ويقال : هذه العلة ~~لا تستتب في نظار هذا القول , أي لا تجري في نظائره , كأنه من باب الإزالة ~~إذ إن السين لما جامعت حرف السببين آذنت بالنجاة والفوز والفلاح , فإنها ~~حرف تدل على الاستيفاء في الإنباء PageV08P569 عن الشيء والتتمة والألفة , ~~وأحسن من هذا أنها إذا جرت في النظائر أوضحتها وكشفت معانيها ففصلتها ~~وأبانتها ms6062 وقطعتها عن غير النظائر بما أزالت من الإلباس بها , والذي يحقق ~~معاني التب ويظهر أنه يؤول إلى القطع مقلوبه , وهو البت - بتقديم الموحد ~~التي هي السبب الظاهر الذي هو أقوى من حيث إنه لا يتحقق إلا بكمال السبب ~~الباطني , يقال : بت الشيء يبته بتا , وأبته : قطعه قطعا مستأصلا , وبت هو ~~يبت وبيت بتا وانبت , ولعله استوى فيه المجرد والمزيد في التعدية دلالة على ~~أن ما حصل بالمجرد من القطع هو من الكمال بحيث لا مزيد عليه , وكذا استوى ~~القاصر مجردا ومطاوعا مع المتعدي في أصل المعنى . | وصدقه بتة : بتلة باينة ~~من صاحبها , وطلقها ثلاثا بتة وإبتاتا , أي قطعا لا عود فيه , ولا أفعله ~~البتة - كأنه قطع فعله , قال سيبويه : وقالوا : قعد البتة - مصدر مؤكد , ~~ولا يستعمل إلا بالألف واللام , وبت عليه القضاء بتا وأبته : قطعه , وسكران ~~ما يبت كلاما وما يبت أي ما يقطعه , قال القزاز : يبت من أبت , ويبت من بت ~~, وسكران بات : منقطع عن العمل بالسكر , وأبت يمينه : أمضاها , أي قطعها عن ~~الحنث , وبتت هي : وجبت وحلت بتا وبتة وبتاتا , وكل ذلك من القطع , وأبت ~~بعيره , أي قطعه بالسير , والمنبت في الحديث : الذي أتعب دابته حتى عطب ~~ظهره فبقي منقطعا به , وقال القزاز : هو الذي أتعب دابته حتى قطع ظهرها ~~فبقي منبتا به , أي منقطعا به , وبت عليه الشهادة وأبتها : قطع عليه بها ~~وألزمه إياها , وبت عليه القضاء وأبته , قطعه , والبات : المهزول الذي لا ~~يقدر أن يقوم - كأنه قد انقطعت قوته , وفي الحديث ( لا صيام لمن لم يبت ~~الصيام من الليل ) فمعناه : يوجبه , أي يقطعه على نفسه قبل الفجر , من أبت ~~عليه الحكم - إذا قطعه , وروي : يبت , من بت - إذا قطع , وكلاهما بمعنى , ~~وهما لغتان فصيحان . | وروي في حديث ( من لم يبت ) من البيات , وأحمق بات : ~~شديد الحمق - كذا قاله الليث , وقال الأزهري : هو تاب - بتأخير الموحدة , ~~والبت : كساء غليظ مهلهل مربع أخضر , وقيل : هو من وبر وصوف , والجمع بتوت ~~, والبتات أي بالتخفيف : متاع البيت والزاد , كأن ذلك ms6063 يقطع صاحبه عن الحاجة ~~, وبتتوه : زودوه , أو أن ذلك من الإزالة لأنه صلة لصاحبه ورفد لأن ~~الاستقراء حاصل بأن كل مادة لها معنى غالب تدور عليه وفيها شيء لإزالة ذلك ~~المعنى , وفلان على بتات أمر - إذا أشرف على فراغه فإنه PageV08P570 ينقطع ~~حينئذ , وتقول : طحنت بالرحى بتا - إذا ابتدأ الإدارة عن يسارك , كأنه دال ~~على القطع بتمام العزيمة لأن ذلك أقوى للطاحن وأمكن , وانبت الرجل : انقطع ~~ماء ظهره , ويقال : هذا حبل بت : إذا كان طاقا واحدا , كأنه لما كان كذلك ~~فكان سهل القطع أطلق عليه القطع مبالغة مثل عدل , وقد انبت فلان عن فلان - ~~إذا انقطع وانقبض . | ولما أوقع سبحانه الإخبار بهلاكه على هذا الوجه ~~المؤكد لما كان لصاحب القصة وغيره نم الكفار من التكذيب بلسان حاله وقاله ~~لما له من المال والولد , وما هو فيه من القوة بالعدد والعدد , زاد الأمر ~~تحققا إعلاما بأن الأحوال الدنيوية لا غناء لها فقال مخبرا , أو مستفهما ~~منكرا { ما أغنى } أي أجزى وناب وسد { عنه } أي عن أبي لهب الشقي الطريد ~~المبعود عن الرحمة مع العذاب { ماله } أي الكثير الذي جرت العادة بأنه ينجي ~~من الهلاك . | ولما كان الكسب أعم من المال , وكان المال قد تكسب منافع هي ~~أعظم منه من الجاه وغيره , وكان الإنسان قد يكون فائزا ولا مال له بأمور ~~أثلها بسعيه خارجة عن المال , وقال مفيدا لذلك مبينا أنه لا ينفع إلا ما ~~أمر الله به { وما كسب * } أي وإن كان ذلك على وجه هائل من الولد والأصحاب ~~والعز بعشيرته التي كان يرضيها باتباع النبي صلى الله عليه وسلم في المحافل ~~يؤذيه ويكذبه وينهى الناس عن تصديقه مع أنه كان قبل ذلك يناديه بالصادق ~~الأمين , وكان ابنه عتبة شديد الأذى للنبي صلى الله عليه وسلم حتى قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ( اللهم سلط عيله كلبا من كلابك ) فكان أبو لهب ~~يعرف أن هذه الدعوة لا بد أن تدركه , فلما حان الأمر وكان قد آن ما أراد ~~صاحب العز الشامخ , سبب ms6064 له أن سافر إلى الشام فأوصى به أبوه الرفاق لينجوه ~~رغم من هذه الدعوة , فكانوا يحدقون به إذا نام ليكون وسطهم والحمول محيطة ~~به وهم محيطون بها والركاب محيطة بهم , فلم ينفعه ذلك بل جاء الأسد فتشمم ~~الناس حتى وصل إليه فاقتلع رأسه ولم ينفع أباه ذلك , بل استمر على ضلاله ~~لما سبق في علم الله تعالى حتى كانت وقعة بدر فلم يخرج فيها فلما جاء ~~الفلال كان منهم ابن أخيه أبو سفيان بن الحارث فقال : هلم يا ابن أخي فعندك ~~الخبر : فقال نعم ! فوالله ما هو إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يفتلوننا ~~كيف شاؤوا ويأسروننا كيف شاؤوا , ومع ذلك والله مللت الناس لقينا رجالا ~~بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض ما تليق شيئا - أي ما تبقيه - ولا يقوم ~~لها شيء , قال أبو رافع غلام العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه وكان جالسا ~~في حجرة في المسجد يبري نبلا , وكان الإسلام قد PageV08P571 دخلنا أهل ~~البيت وكنا نكتم إسلامنا , فما ملكت نفس أن قلت : تلك والله الملائكة , قال ~~: فرفع أبو لهب يده فضرب يده فضرب وجهي ضربة شديدة , قال : وثاورته ~~فاحتملني فضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني وكنت رجلا ضعيفا , فاقمت أم ~~الفضل - يعني سيدته - زوجة العباس رضي الله عنها إلى عمود الحجرة - أي ~~الخيمة - فضربته به ضربة فلقت في رأسه شجة منكرة وقالت : استضعفته أيعدو ~~الله إن غاب عند سيده , فقام وليا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال أو ستا ~~حتى رماه الله بالعدسة فقتله وما نفعه إبعاده عن الخطر بتخلفه عن بدر , ~~والعدسة بثرة تشبه العدسة تخرج في مواضع من الجسد من جنس الطاعون تقتل ~~غالبا , قال القزاز : كانت تعدي في الجاهلية قلما يسلم منها أحد , تقول : ~~عدس الرجل فهو معدوس , كما تقول : طعن فهو مطعون - إذا أصابه الطاعون - ~~انتهى . | ولأجل تشاؤم العرب بها ترك أبو لهب من غير دفن ثلاثا حتى أنتن ثم ~~استأجروا بعض السودان حتى دفنوه , ويقال : إنهم حفروا له حفرة بعيدة ms6065 عنه من ~~شدة نتنه ثم دفعوه بخشب طوال حتى رموه فيها ورجموه بالحاجرة والتراب من ~~بعيد حتى طموه , فكان ذلك سنة في رجمه فهو يرجم إلى الآن , وذلك من أول ~~إعجاز هذه الآيات أن كان سبة في العرب دون أن يغني عنه شيء مما يظن أنه ~~يغني عنه . | ولما أخبر سبحانه وتعالى بوقوع هذا التبار الأعظم به , وكان ~~لا عذاب يداني عذاب الآخرة , بينه بقوله : { سيصلى } أي عن قرب بوعد لا خلف ~~فيه { نارا } أي فيدس فيها وتنعطف عليه وتحيط به . | ولما كان المقصود شدة ~~نكايته بأشد ما يكون من الحرارة كما أحرق أكباد الأولياء , وكاتن النار قد ~~تكون جمرا ثم تنطفئ عن قرب قال : { ذات لهب * } أي لا تسكن ولا تخمد أبدا ~~لأن ذلك مدلول الصحبة المعبر عنها ب ( ذات ) , وذلك بعد موته وليس في ~~السورة دليل قاطع على أنه لا يؤمن لجواز أن يكون الصلي على الفسق , فلا ~~دليل فيها لمن يقول : إن فيها التكليف بما علم أنه محال ليكون قد كلف بأن ~~يؤمن وقد علم أنه حكم لأنه لا يؤمن , وإن كان الله قد حقق هذا الخبر بموته ~~كافرا في الثانية من الهجرة عقب غزوة بدر وهي الخامسة عشرة من النبوة , لكن ~~ما عرف تحتم كفره إلا بموته كافرا لا بشيء في هذه السورة ولا غيرها , ومن ~~الغرائب أن الكلمات المتعلقة به في هذه السورة خمس عشرة كلمة , فكانت مشيرة ~~إلى سنة موته بعد أن رأى تبابه في وقعه بدر وغيرها بعينه , فإذا ضممنا ~~إليها كلمات البسملة الأربع وازت سنة ست من الهجرة , وهي سنة عمرة الحديبية ~~سنة الفتح السببي التي تحقق فيها تبابه وخساره عند كل من عنده إيمان بالغيب ~~ودفع للريب , فإذا ضممت إليها الضميرين البارزين اللذين PageV08P572 هما ~~أقرب إلى الكلمات الاصطلاحية من المستترة وازت سنة ثمان من الهجرة التي كان ~~فيها الفتح الحقيقي , فتحقق عند قريش كافة ما أنزل فيه في هذه السورة , ~~فإذا ضممت إليها الضمائر الثلاثة المستترة وازت سنة إحدى عشرة على ms6066 أنك إذا ~~بدأت بالضمائر المستترة حصلت المناسبة أيضا , وذلك أنها توازي سنة تسع وهي ~~سنة الوفود التي دخل الناس فيها في الدين أفواجا وحج فيها بالناس أبو بكر ~~الصديق رضي الله تعالى عنه أميرا , ونودي في الموسم ببراءة , وأن لا يحج ~~بعد العام مشرك , فتحققت خيبة أبي لهب عند كل من حضر الموسم لا سيما من كان ~~يعلم دورانه وراء النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبه له من مسلم وغيره , ~~فإذا ضمننا إلى ذلك الضميرين البارزين وازت سنة أحدى عشرة أول سني خلافة ~~الصديق رضي الله عنه التي فتحت فيها جميع جزيرة العرب بعد أن لعب الشيطان ~~بكثير من أهلها . | فرجعوا بعد أن قتل الله منهم من علم أنه مخلوق لجهنم , ~~وتحقق حينئذ ما لأبي لهب من التباب والنار ذات الالتهاب عند العرب كافة ~~بإيمانهم عامة في السنة الحادية عشرة من الهجرة بعد مضي ثلاث وعشرين سنة من ~~النبوة , واستقر الأمر حينئذ , وعلم أن الدين قد رسخت أوتاده وثبت عماده , ~~وأن الذي كان يحميه في حاية النبي صلى الله عليه وسلم قد حماه بعده وهو ~~سبحانه حي لا يموت وقادر لا يعجزه شيء , وعدد كلمات السورة ثلاث وعشرون وهي ~~توازي سنة حجة الوداع سنة عشر , فإنها السنة الثالثة والعشرون من بعث وفيها ~~كمل الدين ونزلت آية المائدة . | وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~الشيطان قد أيس أن يعبد بأرض العرب , فتحقق كل الناس لا سيما من حضر الموسم ~~تباب أبي لهب الذي كان يدور في تلك المشاهد وراء النبي صلى الله عليه وسلم ~~يكذبه ويؤذيه < # > 77 ( { إن في ذلك لعبرة } ) 77 < # > [ آل عمران : 13 - والنور : 44 ] . | ولما أخبر سبحانه وتعالى عنه ~~بكمال التباب الذي هو نهاية الخسار , وكان أشق ما على الإنسان هتك ما يصونه ~~من حريمه حتى أنه يبذل نفسه دون ذلك لا سيما العرب , فإنه لا يدانيهم في ~~ذلك أحد , زاده تحقيرا بذكر من يصونها معبرا عنها بما صدرها بازرا صورة ~~وأشنعها , فقال مشيرا إلى أن خلطة ms6067 الأشرار غاية الخسار , فإن الطبع وإن كان ~~جيدا يسرق من الردىء , فكيف إذا كان رديئا وإن أرضى الناس بما يسخط الله ~~أعظم الهلاك { وامرأته } أي أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب أمية بن عبد شمس ~~بن عبد مناف بن قصي مثل زوجها في التباب والصلي من غير أن يغني عنها شيء من ~~مال ولا حسب ولا نسب , وعدل عن ذكرها بكنيتها لأن صفتها القباحة وهي ضد ~~كنيتها , ومن هنا تؤخذ كراهة التلقيب بناصر الدين ونحوها لمن ليس متصفا بما ~~دل عليه لقبه , ثم وصفها بما أشار إليه ذنبها وأكمل قبيح صورتها فقال : { ~~حمالة الحطب } أي الحاملة PageV08P573 أقصى ما يمكن حمله من حطب جهنم بما ~~كانت تمشي به وتبالغ فيه من حمل حطب البهت والنميمة الذي تحمل به على ~~معاداة النبي صلى الله عليه وسلم وشدة أذاه وإيقاد نار الحرب والخصومة عليه ~~صلى الله عليه وسلم , من قول الشاعر : | ] من البيض لم تصطد على ظهر لأمه ~~ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب | أراد النميمة , وعبر بالرطب للدلالة على ~~زيادة الشر بما فيه من التدخين وشبهت النميمة بالحطب لأنها توقد الشر فتفرق ~~بين الناس كما أن الحطب يكون وقودا للنار فتفرقه , وكذا بما كانت تحمل من ~~الشوك وتنثره ليلا في طريق النبي صلى الله عليه وسلم لتؤذيه , وكانت تفعله ~~بنفسها من شدة عداوتها وتباشره ليلا لتستخفي به لأنها كانت شريفة , فلما ~~نزلت سورة صورتها بأقبح صورة فكان ذلك - أعظم فاضح لها , وقراءة عاصم ~~بالنصب للقطع على الشتم تؤدي أن امرأته وأن الخبر { في جيدها } أي عنقها ~~وأجود ما فيها - هو حال على التقدير الأول { حبل } كالحاطبين تخسيسا لأمرها ~~وتحقيرا لحالها { من مسد } أي ليف أو ليف المقل أو من شيء قد فتل وأحكم ~~فتله , من قولهم : رجل ممسود الخلق , أي مجدوله - وقد رجع آخرها على أولها ~~, فإن من كانت امرأته مصورة بصورة حطابة على ظهرها حزمة حطب معلق حبلها في ~~جيدها فهو في غاية الحقارة , والتباب والخساسة والخسارة وحاصل هذه السورة ms6068 ~~أن أبا لهب قطع رحمه وجار عن قصد السبيل واجتهد بعد ضلاله في إضلال غيره , ~~وظلم الناصح له الرؤوف به الذي لم يأل جهدا في نصحه على ما تراه من أنه لم ~~يأل هو - جهدا في أذاه واعتمد على ماله وأكسابه فهلك وأهلك امرأته معه ومن ~~تبعه من أولاده , ومن أعظم مقاصد سورة النساء المناظرة لها في رد المقطع ~~على المطلع التواصل والتقارب والإحسان لا سيما لذوي الأرحام , والعدل في ~~جميع الأقوال والأفعال , فكان شرح حال الناصح الذي لا ينطق عن الهوى , وحال ~~الضال الذي إنما ينطق عن الهوى - قوله تعالى : < # > 77 ( { يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم } ) 77 < # > [ النساء : 26 ] وختمها إشارة إلى التحذير من مثل حاله , فكأنه قيل : ~~يبين الله لكم أن تضلوا فكونوا كأبي لهب في البوار , وصلي النار - كما تبين ~~لكم , فكونوا على حذر من كل ما يشابه حاله وإن ظهر لكم خلاف ذلك , فأنا ~~أعلم منكم , والله بكل شيء عليم ( والحمد لله رب العالمين ) . | . . . | ~~PageV08P574 < # > 70 ( سورة الاخلاص ) 70 < # > | وتسمى الأساس والمقشقشة وقل هو الله أحد . | مقصودها بيان الحقيقة ~~الذات الأقدس ببيان اختصاصه بالاتصاف بأقصى الكمال للدلالة على صحيح ~~الإعتقاد للإخلاص في التوحيد بإثبات الكمال ، ونفي الشوائب النقص والاختلال ~~، المثمر لحسن الأقوال والأفعال ، وثبات اللجاء والاعتماد في جميع الأحوال ~~، وعلى ذلك دل اسمها الإخلاص الموجب للخلاص ، وكذا الأساس والمقشقشة ، قال ~~في القاموس : المقشقشتان الكافرون والإخلاص أي المبرئتان من النفاق والشرك ~~كما يقشقش الهناء الجرب ، الهناء : القطران ، وقال الإمام عبد الحق في ~~كتابه الواعي : كما يبرئ المريض من علته إذا برئ منها - انتهى . وهو مأخوذ ~~من القش بمعنى الجمع ، فسميتا بذلك لأنها تتبعنا النفاق بجميع أنواعه ، ~~وكذا الشرك والكفر فجمعتاله ونفتاه بذلك لأنها تتبعنا النفاق بجميع أنواعه ~~، وكذا الشرك والكفر فجمعناه ونفتاه عن قارئهما حق القراءة ، وقد تقدم ~~الكلام على هذا الاسم مبسوطا في براءة وكذا اسمها ' قل هو الله أحد ' دال ~~على مقصوزدها بتأمل جميع السورة وما دعت إليه من معاني التبرئة اليسيرة ms6069 ~~الكثيرة ، وهذه السورة أعظم مفيد للتوحيد في القرآن ، قال الرازي : ~~والتوحيد مقام يضيق عنه نطاق النطق لأنك إذا أخبرت عن الحق فهنالك مخبر عنه ~~ومخبر به مجموعهما ، وذلك ثلاث ، فالعقل يعرفه ولكن النطق لا يصل إليه سئل ~~الجنيد عن التوحيد ققال : معنى تضمحل فيه الرسوم وتتشوش فيه العلوم ويكون ~~الله كما لم يزل وقال الجنيد أيضا : أشرف كلمة في التوحيد ما قاله الصديق ~~رضي الله عنه : سبحانه من لم يجعل لخلقه سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن ~~معرفته { بسم الله } الذي له جميع الكمال بالجلال والجمال { الرحمن } الذي ~~أفاض منت طوله على جميع الموجودات عموم الأفضال { الرحيم } الذي خص أهل ~~وداده من نور الإنعام بالإتمام والإكمال . | لما كانت الكوثر علة للنهي عما ~~تضمنه التكذيب من مساوئ الأفعال ، PageV08P575 وعلم بها أنه صلى الله عليه ~~وسلم مختص بالخير المستلزم لأن شائنه هو الأبتر ، فكان موضع السؤال عما ~~يفعل مع الشانئين من معاركه أو متاركة ، جاءت الكافرون للمتاركة لقلة أهل ~~الدين إذ ذاك ، إشارة إلى أن هذه الدار مبنية على الأسباب ، فعلم بالكافرون ~~أن الشانئ مما لا يعبأ به ، فتحركت النفس إلى سؤال عن وقت الصلاحية ~~للمعاركة بعد هذه التاركة ، وما يترتب على المعاركة من قهر الشانئ بالفعل ، ~~فجاءت سورة النصر لذلك الإشارة إلى أنه مما لا يسأل عنه بمتى ، لتغبير ذلك ~~في وجه الإحسان في التسليم ، وإنما يسأل عما يفعل عندوعه من الإحسان في ~~التعبد ، معبرا بأداة التحقق إعلاما بأنه آت لا محالة ، فالسؤال عن وقته ~~ليس من دأب السائرين ، ولما ظهرت ذخائر هذه الكنوز بدقائق تلك الرموز ، وما ~~انضم إليها من القرائن الظاهرة ، استحضرت حال أبي لهب لما كان فيه مع ~~قرابته القريبة من شدة العناد ، والاجتهادج العظيم في كل ما يضاد أشرف ~~العباد واشتد التشوف إلى اتقلاب حاله إذا ذاك هل يكون بما ختمت به النصر من ~~التوبة أو بخذلانه وانقلابه بأعظم الخيبة والحوبة ؟ فجاءت سورته لذلك بينا ~~لأنه غلب عليه الشقاء فنزل به في دركاته مانعا من معالي درج ms6070 الارتقاء ، ~~فلما بين سبحان بذلك إهلاكه عدوه صلى الله عليه وسلم ، وختم بأعدى أعدائه ~~فحكم بهلاكه ، وهلاك زوجه هلاكا لا جبر له على وجه مبين أنه في أدنى دركات ~~الحقارة ، وأعظم أنواع الخسارة ، فرقص الفكر طربا من هذه الأمور ، وسكر ~~اللب من عجائب المقدور ، واهتز السامع غاية الاهتزاز إلى وصف الفاعل لذلك ~~الذي هو خارج عن طوق البشر ، وخارق للعوائد ، وهو إظهار شخص واحد على الناس ~~كافة مع شدة عداوتهم له ، جاءت الإخلاص كاشفة لما ثبت من العظمة لولي النبي ~~صلى الله عليه وسلم سبحانه وتعالى الذي أمره بهذا الدين وفعل له هذه الأمور ~~- العظيمة الموجبة لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، لئلا يستبعد عليه ~~سبحانه وتعالى شيئا من ذلك ولا غيره ، وإن تمثيل جميع ما يأم ربه كلائنا ما ~~كان وكائنا فيه ما كان على أن يوجه كان موافقة لأمره وطاعة له ومنبئة ~~للاعتقاد الحق الذي أوجب هذه النصرة ، واردة على جميع فرق الضلال ، هذا في ~~انعطاف الآخر على الأول بالنسبة إلى السور - من أعظم المناسبات في ذلك ~~بالنظر إلى الآيات أنه سبحانه شرح بالفيل وما بعدها من السور آيات الفاتحة ~~كلها ثم - من أول البقرة إلى آية التوحيد ، فأشار بالفيل إلى استجماعه ~~لصفات الكمال بأن له الحمد بما حرس من بيته من الملوك ووحماه من كيد ~~الجبابرة وأحسن التربية لقريش الذين هم أشرف العالمين وبصلاحهعم صلاح ~~بلدتهم أم القرى ، وبصلاحها صلاحها فدل ذلك ‘ لى أنه يدين العباد يوم ~~التناد ، ولذلك أعطى رأس الهداة الدين الذي أفرده العبادة ولاستعانة ~~بالكوثر ، وهداه إلى الصراط المستقيم وأعاذه من طريق الكافرين المعاندين ~~PageV08P576 والضالين ، وأشار أول البقرة إلى دخول المتقين - الذين الكتاب ~~هدى لهم - في الدين أفواجا وإن أغنى أهل الكفر وأعتاهم سواء عليهم الإنذار ~~وعدمه في لانه لا يؤمن وهو أبو لهب ومن سار بسيره من 0 مجاهر ومساتر ويعمهم ~~الخسار ، ويشملهم الهلاك والتبار ، بحكم الواحد القهار المأمور بعبادته ~~وتوحيده في الآية الجامعة لدعوات التوحيد { يا أيها الناس اعبدوا ربكم ms6071 } [ ~~البقرة : 21 ] المتصف بما في سورة الصمد التي لم ينزل في وصفه مثلها ، فتم ~~الدين عند ذلك بما له سبحانه من كمال الأوصاف ، وجلال النعوت بالجبروت ~~والألطاف فلم يبق إلا تعويذ أهل الدين من أن يدخل عليهم خلل ، أو يلحقهم ~~نزع أو زلل ، فختم بالمعوذتين لذلك ، والله المسؤول في الإنعام بعائد السؤل ~~لكل سالك . < < # | الإخلاص : ( 1 - 4 ) قل هو الله . . . . . # > > ^ ( قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له ~~كفوا أحد ) ^ } ) | ولما كان المقصود من القرآن دعوة العباد إلى المعبود , ~~وكان المدعو إلى شيء أحوج ما يكون إلى معرفته , وكان التعريف تارة للذات ~~وتارة للصفات وتارة للأفعال , وكانت هذه الأمة - أشرف الأمم لأن نبيها أعلى ~~الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , وكان هي الختام , أشبع الكلام في تعريفه ~~سبحانه في القرآن , وأنهى البيان في ذلك إلى حد لا مزيد عليه ولم يقاربه في ~~ذلك كتابه من الكتب السالفة , ولكنه لما كان الكبير إذا تناهى كبره عزت ~~معرفة ذاته , وكان الله تعالى هو الأكبر مطلقا , وكانت معرفة ذاته - كما ~~أشار إليه الغزالي في الجواهر , والفخر الرازي في كتبه - أشيق ما يكون ~~مجالا وأعسره مقالا , وأعصاه على الفكر منالا , وأبعده عن قبول الذكر ~~استرسالا لأن القرآن لا يشتمل من ذلك إلا على تلويحات وإشارات أكثرها رجع ~~إلى ذكر التقديس المطلق كقوله تعالى ^ ( { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ~~} ) ^ [ الشورى : 112 ] وإلى التعظيم المطلق كقوله { سبحانه وتعالى عما ~~يصفون } فكام القياس أن يقتصر على ذلك مع العريف بالصفات والأفعال , لكن ~~لما كانت هذه الأمة في الذروة من حسن الأفهام مع ما نالته من الشرف , حباها ~~سبحانه وتعالى بسورة الإخلاص كاملة ببيان لا يمكن أن تحتمل عقول البشر ~~زيادة عليه , وذلك ببيان أنه ثابت ثباتا لا يشبهه ثبات على وجه لا يكون ~~لغيره أصلا , وأنه سبحانه وتعالى منزه عن الشبيه والنظير والمكافئ والمثيل ~~, فلا زوجة له ولا ولد , ولا حاجة بوجه إلى أحد , بل له الخق والأمر , فهو ~~يهلك من أراد ويسعد ms6072 من شاء , فقال آمرا لنبيه صلى الله عليه وسلم ليكون أول ~~كلمة فيها دالة على رسالته ردا على من كذبه في خاصة نفسه وعلى البراهمة ~~القائلين : إن في العقل غنى عن الرسل . | ويكون البيان جاريا على لسانه ~~PageV08P577 صلى الله عليه وسلم ليكون إلى فهم عنه لتلك الصفات العلى أقرب ~~لما لهم به من المجانسة : { قل } أي يا أكرم الخلائق ومن لا يفهم عن مرسله ~~حق الفهم سواه , وإطلاق الأمر بعدم التقييد بمقول له يفهم عموم الرسالة , ~~وأن المراد كل من يمكن القول له سواء كان سائلا عن ذلك بالفعل أو بالقوة ~~حثا على استحضار - ما لرب هذا الدين - الذي حاطه هذه الحياطة ورباه هذه ~~التربية - من العظمة والجلال , والكبرياء والكمال , ففي الإطلاق المشير إلى ~~التعميم رد على من أقر بإرساله صلى الله عليه وسلم إلى العرب خاصة , ويدل ~~على ان مقول القول لا ضرر فيه على أحد فإن ظواهره مفهومة لكل أحد لا فتنة ~~فيها بوجه , وإنما تأتي الفتنة عند تعمق الضال إلى ما لا - يتحمله عقله . | ~~ولما كان أهم المقاصد الرد على المعطلة الذين هم ضرب ممن يقول < # > 77 ( { نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } ) 77 < # > [ الجاثية : 24 ] أثبت وجوده سبحانه على أتم الوجوه وأعلاها وأوفاها ~~وأجلاها بما معناه أن حقيقته ثابتة ثباتا لا يتوجه نحوه شك بوجه من الوجوه ~~, فقال مكاشفا للأسرار - فإنه لا يمكن غيبته عنها أصلا - وللوالهين : { هو ~~} فابتدأ بهذا الاسم الشريف الذي هو أبطن الأسماء إشارة إلى أنه واجب ~~الوجود لذاته - وأن هويته ليست مستفادة من شيء سواها , فإن كل ما كانت ~~هويته مستفادة من غيره أو موقوفة عليه فمتى لم يتعبر غيره فلم يكن هو هو , ~~وما كانت هويته لذاته فهو هو سواء اعتبر غير أو لم يعتبر , فإذا لا يستحق ~~هذا الاسم غيره أصلا على أن الهاء بمفردها مشيرة - بكونها من أبطن - الحلق ~~إلى أنه هو الأول والباطن المبدع لما سواه , والواو - بكونها من أظهر حروف ~~الشفة - إلى أنه الآخر والظاهر , وأن إليه ms6073 المنتهى , وليس وراءه مرمى , ~~وأنه المبدئ المعيد - كما يشير إلى ذلك تكرير الواو في اسمها , وإلا أنه ~~محيط بكل شيء لما فيها من الإحاطة . | ولما كان وجوده سبحانه لذاته , ولم ~~يكن مستفادا من غيره , فإن ما استفيد وجوده من غيره كان ممكنا , كان لا ~~يمكن شرح اسمه الذي هو هو , لا اسم حقيقة غيره يقوم من جنس ولا نوع ولا فصل ~~لأنه لا جنس لا ولا نوع له ولا سبب يعرف به , والذي لا سبب له لا يمكن ~~معرفته إلا بلوازمه , واللوازم منها سلبية ومنها إضافية ومنها قريبة ومنها ~~بعيدة , والتعريف بالإضافية وبالقريبة أتم من التعريف بالسلبية وبالبعيدة , ~~لأن البعيد كالضحاك الذي هو بعد المتعجب بالنسبة إلى الإنسان لا يكون ~~معلولا لشيء بل معلولا لمعلوه , وبالجمع بين السلبية والإضافية أتم من ~~الاقتصار على أحدهما , فلذلك اختير اسم جامع للنوعين ليكون التعريف أتم , ~~وذلك هو كون تلك الهوية إلها , فاختير لذلك PageV08P578 اسم دال عليها وهو ~~مختص غير مشترك , وهو أول مظاهر الضمير كام أن الهمزة أول مظاهر الألف , ~~ولهذا قال بعضهم : الاسم الأعظم آخر الظواهر من الأسماء , ولهذا كانت كلها ~~صفات له وهو أول البواطن , فقال مكاشفا للأرواح وللموحدين : { الله } أي ~~الموجود الذي لا موجود في الحقيقة سواه ! هو المسمى بهذا الاسم , واختير ~~هذا الاسم للإخبار عنه لدلالته على جميع صفات الكمال : الجلال والجمال ~~ولأنه اسم جامع لجميع معاني الأسماء الحسنى , وهو أقرب اللوازم إلى الهوية ~~الهوية لأنه لا لازم لها أقرب من وجوب الوجود الذي هو مقتضى الذات على ما ~~هي عليه من الصفات , لا بواسطة شيء آخر , وبواسطة وجوب وجوده كان مفيضا ~~باختياره الإيجاد على كل شيء أراده , ومجموع الوجوب الذي هو سلب وحده ~~الإيجاد الذي هو اختيار للجود بإضافة الوجود وإضافة للإلهية التي جمعتها ~~الجلالة , وهي أقرب اللوازم إلى الذات الأقدس , ودل التعبير به على أنه لا ~~مقوم للهوية من جنس ولا غيره ولا سبب , وإلا لكان العدول عنه إلى التعريف ~~باللازم قاصرا , وعلى أن إلهيته على الإطلاق ms6074 لجميع الموجدات , فكان شرح تلك ~~الهوية باللازم أبلغ البلاغة وأحكم الحكمة , لأنه - مع كونه هو الحق - ~~مشيرا إلى ما ذكر من الدقائق . | ولما ذكرت الذات التي لا سبب لها ولا مقوم ~~من جنس ونوع وغيره أصلا بل هي مجرد وحدة وتنزه عن تركب لا كثرة لها ولا ~~اثنينية بوجه , وعرفها باسم جامع الأنواع السلوب والإضافات اللازمة له هو ~~أقرب اللوازم إليها , فانشرح وجودها المخصوص على ما هو عليه , فكان ذلك ~~تعريفا كاملا لأن تعريف ما لا تركب فيه باللوازم القريبة في الكمال كتعريف ~~المركبات بمقوماتها , وفإن التعريف البالغ هو أن يحصل في النفس صورة مطابقة ~~للمعقول , وكانت الزيادة في الشرح مطلوبة لأنها أكمل لا سيما في الأمور ~~الباطنة الخفية , أتبع ذلك باسم سلبي إشارة إلى أن النظر في هذه الدار إلى ~~جانب الجلال ينبغي كونه أعظم , وذلك الاسم قربه من الجلالة كقربتها من ~~الهوية , فإنه دال على الوحدة الكاملة المجردة وهو متنزل الجلالة كما أنها ~~متنزل الهوية , وهو كما أن الجلالة لم يقع فيها شركة أصلا قد ضاهاها في أنه ~~لا شركة لغيره تعالى فيه عند استعماله مفردا بمعناه الحقيقي إلا أن في ~~النفي إشارة إلى أن كل ما عداه سبحانه عدم , فقال مكاشفا للقلوب وللعارفين ~~مكذبا للنصارى القائلين بالأب والابن وروح القدس , ولليهود القائلين بأنه ~~جسم , وللمجوس الذين يقولون بأنه اثنان : نور يخلق الخير , وظلام يخلق الشر ~~, وللصابئة الذين يعبدون النجوم , وللمشركين القائلين بإلهية الأصنام , ~~مخبرا خبرا آخر , أو مبدلا من الجلالة , أو مخبرا عن مبتدأ محذوف : { أحد } ~~وهو لأجل كونه خاصة في PageV08P579 الإثبات حال الانفراد به تعالى معرفة ~~غني عن ( آل ) المعرفة , وهو أعرق في الدلالة على صفات الجلال كما أن ~~الجلالة أعرق في الدلالة على صفات الكمال لأن الواحد الحقيقي ما يكون منزه ~~لاذات عن أنحاء التركيب والتعدد وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز ~~والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الكاملة والحكمة التامة ~~المقتضية للألوهية من غير لزوم دور ولا تسلسل من جهة تركب أو غيره , وقرئ ms6075 ~~بإسقاط ( قل ) هنا وفي المعوذتين مع الاتفاق على إثباتها في الكافرون ~~ونفيها في تبت , ولعل الحكمة أن الكافرون مخاطبة للكفار بما بين مشاققة ~~ومتاركة , فناسب الحال أن يكون ذلك منه صلى الله عليه وسلم , وتبت معاتبة ~~عم الرسول صلى الله عليه وسلم وتوبيخه فلا يناسب أن يكون ذلك من النبي صلى ~~الله عليه وسلم , والباقيات ما بين توحيد وتعوذ , فناسب أن يؤمر بتبليغه ~~وأن يدعو به , ورتب الأحدية على الإلهية دون العكس , لأن الإلهية عبارة عن ~~استغنائه عن الكل , واحتياج الكل إليه , وكل ما كان كذلك كان واحدا مطلقا , ~~وإلا لكان محتاجا إلى أجزائه , فالألهية من حيث هي تقتضي الواحدة , والوحدة ~~لا تقتضي الإلية , وعبر به دون ( واحد ) لأن المراد الإبلاغ في الوصف ~~بالوحدة إلى حد لا يكون شيء أشد منه , والواحد - قال ابن سينا - مقول على ~~ما تحته بالتكشيك , والذي لا ينقسم بوجه أصلا أولى بالواحدية مما ينقسم من ~~بعض الوجوه , والذي ينقسم انقساما عقليا ألوى مام ينقسم بالحس والذي ينقسم ~~بالحس وهو بالقوة أولى من المنقسم بالحس بالفعل , وإذا ثبت أن الوحدة قابلة ~~للأشد والأضعف . | وأن الواحد أقوى منه فيها , وإلا لم يكن بالغا أقصى ~~المرام , والأحد جامع لذلك دال على الواحدية من جميع الوجوه , وأنه لا كثرة ~~هناك أصلا , لا معنوية من المقومات من الأجناس والفصول ولا بالأجزاء ~~العقلية كالمادة واصورة , ولا حسية بقوة ولا فعل كما في الأجسام , وذلك ~~لكونه سبحانه منزها عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض ~~والأعضاء والأشكال والألوان وسائر وجوه التثنية التي تثلم الوحدة الكاملة ~~الحقة اللائقة بكرم وجهه وعز جلاله أن يشبهه شيء أو يساويه لأن كل ما كانت ~~هويته إنما تحصل من اجتماع أجزاء كانت هويته موقوفة على حصول تلك الأجزاء , ~~فلا يكون هو هو لذاته بل لغيره , فلذا كان منزها عن الكثرة بكل اعتبار , ~~ومتصفا بالوحدة من كل الوجوه , فقد بلغ هذا النظم من البيان أعظم شأن , ~~فسبحان من أنزل هذا الكلام ما أعظم شأنه وأقهر سلطانه , فهو منتهى ms6076 الحاجات ~~ومن عنده نيل الطلبات , ولا يبلغ أدنى ما استأثره من الجلال والعظم والبهج ~~أقصى نعوت الناعتين وأعظم وصف الواصفين , بل القدر الممكن منه الممتنع أزيد ~~منه هو PageV08P580 الذي ذكره في كتابه العزيز , وأودعه وحيه المقدس الحكيم ~~, وبالكلام على معناه ومعنى الواحد تحقق ما تقدم , قال الإمام أبو العبا ~~الإقليشي في شرح شرح الأسماء : فمن أهل اللسان من ساوى بينهما جعلهما ~~مترادفين , فمنهم من قال : أصل أحد واحد سقطت منه الألف ثم أبدلت الهمزة من ~~الواو مفتوحة , ومنهم من قال : ليس أصله واحد وإن كانا بمعنى واحد , بل ~~أصله وحد - من الوحدة - يحد فهو وحد - مثل حسن يحسن فهو حسن - من الحسن , ~~أبدلت الواو همزة , وأما من فرق بينهما فمنهم من قال : أحد اسم على حياله ~~لا إبدال فيه ولا تغيير , ومنهم من قال : أصله وحد , أبدلت الواو همزة - ~~انتهى , وقد استخلصت الكلام على الأسمين الشريفين من عدة شروح للأسماء ~~الحسنى وغيرها منها شرح الفخر الرازي والفخر الحرالي وغيرهما , قالوا : ~~الواحد الذي لا كثرة فيه بوجه لا بقسمة ولا بغيرها مع اتصافه بالعظمة ليخرج ~~الجوهر الفرد وهو أيضا الذي لا يثنى , أي لا ضد له ولا شبيه , فهو سبحانه ~~واحد بالمعنيين على الإطلاق لا بالنظر على حال ولا شيء , قال الإمام أبو ~~العباس الاقليشي في شرح الأسماء : هذه حقيقة الوحدة عند المحققين , فلا يصح ~~أن يوصف شيء مركب بها إلا مجازا , كما تقول : رجل واحد , ودرهم واحد , ~~وإنما يوصف بها حقيقة ما لا جزء له كالجوهر الفرد عند الأشعرية غير أنك إذا ~~نظرت فوجدت وجوده من غيره علمت أن استحقاقه لهذا الوصف ليس كاستحقاق موجده ~~له , وهو أيضا إنما يوسف به لحقارته , وموجده سبحانه موصوف به مع الاتصاف ~~بالعظمة , فاتصافه بالوحدة على الإطلاق , واتصاف الجوهر بالنظر إلى عدم ~~التركب من الجسم مع أن صحة اتصافه بأنه جزء يزيل عنه حقيقة ذلك , والوحدة ~~أيضا بالنظر إلى المعنى الثاني وهو ما نظير له لا تصح بالحقيقة إلا له ~~سبحانه , وكل ما نوعيته ms6077 في شخصيته كالعرش والكرسي والشمس والقمر يصح أن ~~يقدر لها نظائر , وله معنى ثالث وهو التوحد بالفعل والإيجاد , فيفعل كل ما ~~يريد من غير توقف على شيء , والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الأول ناظر ~~إلى نفي إله ثان , وهذا ناف لمعين ووزير , وكلاهما وصف ذاتي سلبي , والحاصل ~~أن النظر الصحيح دل على أن لنا موجدا واحدا بمعنى أنه لا يصح أن يلحقه نقص ~~القسمة بوجه من الوجوه وبمعنى أنه معدوم النظير بكل اعتبار , وبمعنى أنه ~~مستبد بالفعل مستقل بالإيجاد ومتوحد بالنصع متفرد بالتدبير , قضى بهذا شاهد ~~العقل المعصوم من ظلمة الهوى وكثافة الطبع , وورد به قواطع النقل ونواطق ~~السمع , ولهذا كان من أعظم الحق دعاؤه سبحانه لجميع الخلق , وكانت دعوة ~~رسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم للخلق كافة , وقال الإمام حجة الإسلام أبو ~~حامد الغزالي في آخر شرحه للأسماء في بيان رد الأسماء الكثيرة إلى ذات ~~واحدة وسبع PageV08P581 صفات : الأحد المسلوب عنه النظير , وقال في الشرح ~~المذكور : الواحد هو الذي لا يتجرى ولا يتثنى , أما الذي لا يتجزى فكالجوهر ~~الواحد الذي لا نقسم فقال : إنه واحد - بمعنى أنه لا جزء له , ولذلك النقطة ~~لا جزء لها , والله تعالى واحد - بمعنى أنه يستحيل تقدير الانقسام في ذاته ~~, وأما الذي لا يتثنى فهو الذي لا نظير له كالشمس مثلا فإنها وإن كانت ~~قابلة للانقسام بالوهم متحيزة في ذاتها لأنها من قبيل الأجسام فهي لا نظير ~~لها إلا أنه يمكان أن يكون لها نظير , وليس في الوجود موجود يتفرد بخصوص ~~وجوده تفردا لا يتصور أن يشاركه فيه غيره أصلا إلا الواحد المطلق أزلا ~~وأبدا , والعبد إنما يكون واحدا إذا لم يكن له في أبناء جنسه نظير في خصلة ~~من خصال الخير , وذلك بالإضافة إلى أبناء جنسه وبالإضافة إلى الوقت إذ يمكن ~~أن يكون في وقت آخر مثله , وبالإضافة إلى بعض الخصال دون الجميع , فلا وحدة ~~على الإطلاق إلا لله تعالى , وقال الإمام محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في ~~مقدمة كتابه الملل ms6078 والنحل : واختلفوا في الواحد أهو من العدد أم هو مبدأ ~~العدد وليس داخلا في العدد , وهذا الاختلاف إنما ينشأ من اشتراك لفظ الواحد ~~, فالواحد يطلق ويراد به ما يتركب منه العدد , فإن الاثنين لا معنى له إلا ~~واحد , تكرر أول تكرير , وكذا الثلاثة والأربعة , ويطلق ويراد به ما يحصل ~~منه العدد , أي هو علته ولا يدخل في العد أي لا يتركب منه العدد , وقد ~~تلازم الواحدية جميع الأعداد لا على أن العدد تركب منها بل وكل موجود فهو ~~جنسه أو نوعه أو شخصه واحد يقال : إنسان واحد , وشخص واحد , وفي العدد كذلك ~~فإن الثلاثة في أنها ثلاثة واحدة , فالواحدة بالمعنى الأول داخلة في العدد ~~, وبالمعنى الثاني علة العدد , وبالمعنى الثالث ملازمة للعدد , وليس من ~~الأقسام الثلاثة قسم يطلق على البارئ تعالى معناه : فهو واحد لا كالأحاد أي ~~هذه الوحدات والكثرة منه وجدت ويتسحيل عليه الانقسام بوجه من وجوه القسمة - ~~انتهى , وهو واحد أيضا بنفسه لا بالنسبة إلى ثان بوجه من الوجوه , وقال ~~بعضهم : الواحد يدل على الأزلية والأولية , لأن الواحد في الأعداد ركنها ~~وإظهار مبدئها , والأحد يدل على بينونته من خلقه في جميع صفاته ونفي أبواب ~~الشرك عنه , فالأحد بني لنفي ما ذكر معه من العدد , والواحد اسم لمفتتح ~~العدد , وقال الإمام بأو حاتم محمد بن مهران الرازي في كتابه الزينة , قال ~~بعض الحكماء : إنما قيل له سبحانه ( واحد ) لأنه عز وجل لم يزل قبل الخلائق ~~متوحدا بالأزل لا ثاني معه ولا خلق , ثم أبدع الخق , فكان الخلق كله مع ~~احتياجه إليه سبحانه محتاجا بعضه إلى بعض ممسكا بعضه بعضا متعاديا ومتضادا ~~ومتشاكلا ومزدوجا ومتصلا ومنفصلا , واستغنى عز وجل عن الخلائق فلم يحتج إلى ~~PageV08P582 شيء فيكون ذلك الشيء مقرونا به لحاجته إليه ولا ناواه شيء ~~فيكون ذلك الشيء ضدا له نصرا به , فيكون ذلك الضد والقرين له ثانيا , بل ~~توحد بالغنى عن جميع خلقه لأنه كان قبل كل شيء , والأولية دلت على ~~الوحدانية , فالواحد اسم يدل على نظام واحد يعلم ms6079 باسمه أنه واحد ليس قبله ~~شيء : | وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد | والواحد من العدد في الحساب ~~ليس قبله شيء , بل هو قبل كل عدد وهو خارج عن العدد , والواحد كيفما أدرته ~~لم يزد فيه شيء ولم ينقص منه شيء , تقول : واحد في واحد بواحد - فلم يزد ~~على الواحد شيء , فإذا دل على أنه محدث الشيء دل على أنه مغني الشيء , وإذا ~~كان مغني الشيء دل على أنه لا شيء بعده , فإذا لم يكن قبله شيء ولا بعده ~~شيء فهو المتوحد بالأزل , يعني فهو الواحد الذي لا نظير له فهو الأحد , قال ~~: فلذلك قيل : هو واحد وأحد , وقلنا : إن الأحد هو اسم أكمل - أي أعم - من ~~الواحد , ألا ترى أنك إذا قلت : فلان لا يقوم له واحد , جاز في المعنى أن ~~يقوم له اثنان أو ثلاثة فما فوقها , وإذا قلت : فلا لا يقوم له أحد , فقد ~~جزمت بأنه لا يقوم له واحد ولا اثنان ولا ما فوقهما , فصار الأحد أكمل من ~~الواحد , وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد , تقول : ليس في الدار واحد , ~~يجوز أن يكون واحدا من الدواب أو الطير أو الوحش أو الإنس , فكان الواحد ~~يعم الناس وغير الناس , وإذا قلت : ليس في الدار أحد , فهو مخصوص للآدميين ~~دون سائرهم , والأحد ممتنع من الدخول في الضرب وفي العدد وفي القسمة وفي ~~شيء من الحساب , وهو منفرد بالأحدية , والواحد منقاد للعدد والقسمة وغيرها ~~داخل في الحساب , تقول : واحد واثنان وثلاثة , فهذا وإن لم يكن من العدد ~~فهو علة العدد , وداخل في العدد , لأنك إذا ضربت واحدا في واحد لم يزد , ~~واثنان هو جذر الحساب , وتقول في القسمة , واحد بين اثنين أو ثلاثة , لكل ~~واحد من الاثنين نصف , ومن الثلاثة ثلث , فهذه القسمة , والأحد ممتنع من ~~هذا , لا يقال : أحد واثنان ولا أحد في أحد ولا أحد في واحد ولا في اثنين ~~أو ثلاثة , والواحد وإن لم يتجزأ من الواحد فهو يتجزأ من الاثنين والثلاثة ~~فما فوقهما ms6080 , تقول : جزء واحد من جزأين أو ثلاث فما فوقها , ولا يجوز : جزء ~~أحد من جزأين فمنا فوقهما , وقد سمى الله نفسه واحدا أحدا ووصف نفسه ~~بالوحدانية والأحدية , فالواحد نعت يلزمه على الحقيقة لأنه كان قبل ولا ~~ثاني معه , والثاني خلال الواحدن فهو واحد لاتحاده في القدم , والخلق اثنان ~~لاقترانه بالحدث لأن الحدث ثان للقدم , وبه ظهرت التثنية , فالواحد هو ~~الأحد في ذاته فهو لا شيء قبله ولا من شيء ولا في شيء ولا على شيء ولا لشيء ~~ولا PageV08P583 مع شيء , فيكون ذاك الشيء ثانيا معه بل هو الواحد منشئ ~~والأشياء كلها له , وهو المتحد بذاته ممتنع من أن يكون له شيء ثانيا بوجه ~~من الوجوه والخلق كله له , وإن كان يسمى بالواحد , أو كانت هذه الصفة قد ~~لزمت جميع الأشياء في وجه فإنها تزول عنها في وجه . | كما قيل : إنسان واحد ~~وفرس واحد وبعير واحد , وكذلك يقال لسائر الأشياء , وهذه صفة تلزمها في ~~اللفظ , والمسمى لا يخلو من معان كثيرة مجتمعة فيه كالجسم والعرض , وهو ~~واحد مجموع من أشياء متفرقة , وكل شيء لا يخلو من ازدواد وتضاد وتشاكل وحد ~~وعد , وهذه الصفات كلها تنفي عنه معنى الأحدية والواحدية , وفي الواحد عن ~~العرب لغات كثيرة , يقال : واحد وأحد ووحد ووحيد وحاد وأحاد وموحد وأوحد - ~~وهذا كله راجع إلى معنى الواحد , وإن كان في ذلك معان لطيفة ولم يجئ في صفة ~~الله عز وجل إلا الواحد والأحد , قلت : والوحيد على بعض الإعرابات في ~~المدثر , قال : وكلها مشتقة من الواحد , وكأن ذلك مأخوذ من الحد . | كأن ~~الأشياء كلها إليه انتهاؤها وهي محدودة كلها غيره عز وجل وهو محدود , بل هو ~~غاية المحدودين وغاية الغايات لا غاية له , والأحد يجئ في الكلام بمعنى ~~الأول وبمعنى الواحد , فإذا جاء بمعنى الأول وبمعنى الواحد جاز أن يتكلم به ~~في الخبر كقولك : هذا واحد أحد , والعرب كانت تسمى يوم الأحد في الجاهلية ~~أولا , وقولك ( يوم الأحد ) دليل على أنه اليوم الأول من الأسبوع , والثنين ~~دليل على أنه ms6081 اليوم الثاني , وفي التوراة أن الله عز وجل أول ما خلق من ~~الأيام ( يوم الأحد ) قلت : يمكن أن يكون معنى يوم الأحد يوم الله , أضيف ~~إليه لكونه أول مخلوقاته من الأيام , فلما أوجد الثاني سمي يوم الاثنين , ~~لأنه ثاني يوم الأحد , قال : وضد الواحد اثنان , وضد الأحد الآخر , قال ~~الله تعالى : < # > 77 ( { قال أحدهما أراني أعصر خمرا } ) 77 < # > [ يوسف : 36 ] ثم قال في ضده ( وقال الآخر ) فهذا دليل على أن معنى ~~قولهم ( يوم الأحد ) اليوم الأول : لأنهم قالوا لما بعده اثنان , ولم ~~يقولوا : الآخر , لأن الأحد إذا لم يكن بمعنى الأول فضده الآخر , وإذا كان ~~الأحد بمعنى الأول جاز الخبر والجحد , وإذا لم يكون بمعنى الأول وكان بمعنى ~~الواحد جاز في الخبر في الجحد , قال الله تعالى : < # > 77 ( { فابعثوا أحدكم بورقكم هذه } ) 77 < # > [ الكهف : 19 ] فهذه من الخبر , فإذا لم يكن أحد بمعنى الأول وبمعنى ~~الواحد لم يجز أن يتكلم به إلا في الجحد , تقول : ما جاءني أحد , ولا يجوز ~~: جاءني أحد , وكلمني أحد , قال الله تعلاى في معنى الجحد < # > 77 ( { أيحسب أن لن يقدر عليه أحد } ) 77 < # > [ البلد : 5 ] وأحد يستوي فيه المذكر والمؤنث , قال الله تعالى : < # > 77 ( { يا نساء النبي لستن كأحد من النساء } ) 77 < # > [ الأحزاب : 32 ] وواحد لا يستوي فيه المذكر والمؤمنت حتى يدخل فيه ~~الهاء فيقال ( واحدة ) لا يجوز PageV08P584 ( كواحد من النساء ) وأحد يكون ~~بمعنى الجمع , تقول العرب : يظل أحدنا الأيام لا يأكل , بمعنى كلنا لا يأكل ~~, فاحتمل معنى الواحد والجماعة - انتهى , فالواحد من الأسماء الثبوتية ~~الإضافية , يكون في أصل اللغة بالنسبة إلى ثان هو نصفه , وثالث هو ثلثه , ~~وهكذا هو صفة الله تعالى بمعنى المتوحد في الاتصاف بالألوهية حتى لا يقبلها ~~غيره بوجه , فلا شريك له , والأحد من النعوت السلبية , بل هو مجمعها , هو ~~أحد في نفسه لا يقبل العدد ولا التركيب بوجه لا بالقسمة ولا بغيرها سواء ~~نظر إليه بالنسبة إلى الغير أو لا , فهو متحمض للسلب , فهو وصف راجع إلى ~~نفس الذات بمعنى ms6082 أنه كامل في ذاته لا يؤثر في مفهومه النظر إلى شيء أصلا , ~~والفرد ناظر إلى نفي العدد , فافترقت الأوصاف الثلاثة وإن كانت متقاربة في ~~المعنى . | وقال الإمام أبو الخير الزويني الشافعي في كتابه ( العروة ~~الوثقى في أصول الدين ) ناقلا عن بعض من فرق بينه وبين الواحد : إن الأحد ~~اسم لنفي مايذكر معه , وعن بعضهم أنه الذي لايجوز له التبعيض لا فعلا ولا ~~وهما , فهو أحد بذاته وأحد بصفاته , وتوحيد الله تعالى لنفسه علمه بأنه ~~واحد , وإخباره بذلك وتوحيد العبد له علمه بذلك مع إقراره به , وقال الإمام ~~فخر الدين الرازي في شرح الأسماء الحسنى : فالله سبحانه وتعالى أحد في ذاته ~~, أحد في صفاته , أحد في أفعاله , أحد لا عن أحد غير متجزئ ولا متبعض , أحد ~~غير مركب ولا مؤلف , أحد لا يشبهه شيء ولا يشبه شيئا , أحد غني عن كل أحد - ~~انتهى , وهذا معنى ما نقله المعربون عن ثعلب أنه فرق بينهما بأن واحدا ~~يدخله العدد , وأحد لا يدخله ذلك , يقال : الله أحد , ولا يقال : زيد أحد , ~~لأن الأحد خصوصية الله تعالى , زيد يكون منه حالات , ونقض عليه بالعدد ~~المعدد المعطوف , يقال : أحد وعشرون واثنان وعشرون , ورد بأن أدا فيه بمعنى ~~واحد , وقال الإمام فخر الدين في شرح الأسماء : إنه اختص به البارئ سبحانه ~~, أما الواحد فيحصل فيه المشاركة , ولهذا السبب أرعي من لام التعريف لأنه ~~صار نعتا لله عز وجل على الخصوص , فصار معرفة , وقال الأزهري : سئل أحمد بن ~~يحيى عن الأحاد هل هي جمع أحد , فقال : معاذ الله ليس للأحد جمع , ولا يبعد ~~أن يقال إنه جمع واحد جمع أحد , فقال : معاذ الله ليس للأحد جمع , ولا يبعد ~~أن يقال إنه جمع واحد كالأشهاد جمع شاهد - انتهى , وقال الإقليشي في شرح ~~الأسماء : الأحد هو الذي ليس بمنقسم ولا متجزئ , فهو على هذا اسم لعين ~~الذات , فيه سلب الكثرة عن ذاته , فتقدس بهذا الوصف عن صفات الأجسام ~~القابلة للتجزي والانقسام , والنقطة والجوهر الفرد عن مثبته - يعني من ~~المتكلمين , والجوهر ms6083 البسيط عند مدعيه - يعني من الفلاسفة , وإن كانت هذه ~~لا تتجزى ولا تنقسم وإنها مخالفة للبارئ تعالى في أحديته , أما النقطة ~~PageV08P585 فعرض عند بعضهم إذ هي عبارة عن طرف الخط , وإذا كان الخط عرضا ~~فالنقطة اولى بالعرضية , وأما الجوهر الفرد فإنه وإن كان لا ينقسم فهو مقدر ~~بجزء , وكل ما قدر بجزء فلا يخلو من الأكوان وهو كيفما كان على رأي من ~~أثبته من المتكلمين وإن كانوا في أوصافه متنازعين فلا يخلو من الأعراض , ~~وأما الجوهر الببسيط عند من أثبته فوجوده عندهم ليس عينه إذا اثنينيته غير ~~ماهيته , وما هو بهذا الوصف عندهم ففيه اثنينية , ففارق البارئ سبحانه ~~وتعالى بأحديته هذه الموجودات كما فارق بذاته الأجسام , فوجوده عن ذاته ~~وليست صفاته تعالى مغايرة لذاته , وأما الواحد فهو وصف لذاته , فيه سلب ~~الشريك والنظير عنه , فافترقا - يعني بأن الأحد ناظر إلى نفس الذات , ~~والواحد إلى أمر خارج عنها , وقال البهقي في كتاب الأسماء والصفات : الأحد ~~فيما يدعوه المشركون إلها من دونه لا يجوز أن يكون إلها إذ كانت إمارات ~~الحدث من التجزي والتناهي قائمة فيه لازمة له , والبارئ سبحانه وتعالى لا ~~يتجزئ ولا يتناهى , فقد مر أن الأحد خاص بالله سبحانه وتعالى : إنه لا فرق ~~في إطلاقه عليه سبحانه وتعالى بين تعريفه وتنكيره لأنه معرفة في نفسة , ~~فطاع اعتراض من قال من الملحدين : الجلالة معرفة وأحد نكرة لا ينعت به . | ~~وعلى تقدير التسليم يجوز جعله بدلا كما تقدم ولا مانع من إبدال النكرة من ~~المعرفة مثل لنسفعا بالناصية كاذبة , قال صاحب كتاب الزينة : وعلى هذه ~~القراءة - أي قراءة التنكير - أجمعت الأمة , وروى قوم عن أبي عبد الله بن ~~جعفر بن محمد الصادق أنه قرأ قل هو الله أحد الله الواحد الأحد الصمد , ~~وقال الإمام أبو الحسن الحرالي في شرح الأسماء الحسنى : الأحد اسم أعجز ~~الله العقول عن إدراك آيته في الخلق إثباتا فلم تستعمله العر بمفردا قط أي ~~وهو بمعناه الحقيقي لا بمعنى واحد ولا بمعنى أول مثلا إلا في النفي ms6084 لما ~~علموا أنه مفصح عن إحاطة جامعة لا يشذ عنها شيء , وذلك مما تدركه العقول ~~والحواس في النفي ولا تدركه في الإثبات فيقولون : ما في الدار أحد - نفيا ~~لكل ولا يسوغ في عقولهم أن يقولوا : في الدار أو في الوجود أحد - , إذ لا ~~يعقل عندهم ذات إنسان هي جامعة لكل إنسان , فلما ورد عن الله اسمه في ~~القرآن تلقاه المؤمنون بالإيمان وأحبت قلوبهم سورة ذكره لجمعها لما لا يحصى ~~من ثناء الرحمن وهي أحد الأنوار الثلاثة في القرآن , القرآن - نور < # > 77 ( { ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } ) 77 < # > [ الشورى : 52 ] ونور نوره سورة ذكر الأحد في ختمه وآية الكرسي في ~~ابتدائه وسورة يس التي هي قبله في محلها منه واحد مبين عن اسم الله الذي هو ~~بكل شيء محيط , لا يتطرق إليه شرك في حق ولا باطل , وهو واحد مبين عن اسم ~~الإله الذي لا يصح فيه الشرك حقا , وقد يتطرق إليه باطلا < # > 77 ( { واتخذوا من دون الله آلهة } ) 77 < # > PageV08P586 [ يس : 74 ] وذلك لأن الواحد يضائف الثاني , وأحد جامع ~~محيط لم يبق خارج عنه فيضايفه يعني أن مفهومه ناظر إلى كونه سبحانه وتعالى ~~الآن كما كان في الأزل وحده , فإن الخلق فان فهو في الحقيقة عدم , وكأنه ما ~~كان لإحاطته به وكونه في قبضته وطوع مشيئته , فلا خارج يكون مضايفا له لأنه ~~لا يضايف الشيء إلا مناظر لمساواة أو مباراة بمعاندة أو غيرها , فالكل ~~بالنسبة إليه عدم < # > 77 ( { إنك ميت وإنهم ميتون } ) 77 < # > [ الزمر : 30 ] < # > 77 ( { كل من عليها فان } ) 77 < # > [ الرحمن : 26 ] { كل شيء هالك إلا وجهه } [ القصص : 88 ] هذا مراده ~~بدليل سابقه ولاحقه فلا شبهة فيه لأهل الوحدة عليهم كالخزي واللعنة , قال : ~~والواحدة من الواحد هي حد النهاية , والغاية مما هي وحدته , وما دون الوحدة ~~التي هي الغاية ثانية ودونه وجماع إحاطات كل ذلك أعلى وأدنى هي الأحدية ~~التي لا يشذ عنها شاذ ولا يخرج عنها خارج , فمن الأسماء معلوم لخليفة من ~~خليقته بما أتاهم ms6085 منه كالرحيم والعليم , ومنها ما يعجز عنه خلافتهم ~~كالأسماء المتقدمة من اسمه المحصي , ولكن ينال مثلا من قولهم , ومنها ما لم ~~ينله العلم ولا أدركت مثله العقول وهو اسمه الأحد , فالله الأسماء الحسنى : ~~وهو - أي الأحد - أصل لباب الوحدة , يدل على محض الوحدة , ألا ترى أنه ناف ~~يأتي معه , إذا قلت : لم يأتني أحد , انتفى الاثنان , ولا تقول : جاءني أحد ~~كما تقول ! جاءني واحد , لأن واحدا تزول عنه الواحدية بضم ثان إليه بخلاف ~~الأحدية فإنها لازمة الواحد لا يفارقه حكمها بعد ضم الثاني بل لها من جهة ~~محفوظة عليها يظهر ذاك بالأشفاع والأوتار , فإنك تقول ما جاءني أحد , ~~فتنتفي الأشفاع كما تنتفي الأوتار , وهذا دليل على زيادة شرفه فإن الاسم ~~كلما غمضت دلالته وتعذرت معرفته عن الأفهام وعزب عن العقول علمه كان ذلك ~~دليلا على قربه من الاسم الأعظم - انتهى , وقال بعض العارفين في كشف معنى ~~الأحد ورتبته : إن الذات الأعظم غيب محض الوحدة , ألا الأسماء الحسنى : وهو ~~- أي الأحد - أصل لباب الوحدة , يدل على محض الوحدة , ألا ترى أنه ناف يأتي ~~معه , إذا قلت : لم يأتين أحد , انتفى الاثنان , ولا تقول : جاءني أحد كما ~~تقول ! جاءني واحد , لأن واحدا تزول عنه الواحدية بضم ثان إليه بخلاف ~~الأحدية فإناه لازمة الواحد لا يفارقه حكمها بعد ضم الثاني بل لها منه جهة ~~محفوظة عليها يظهر ذاك بالاشفاع والأوتار , فإنك تقول : ماجاءني أحد , ~~فتنتفي الأشفاع كما تنتفي الأوتار , وهذا دليل على زيادة شرفه فإن الاسم ~~كلما غمضت دلالته وتعذرت معرفته عن الأفهام وعزب عن العقول علمه كان ذلك ~~دليلا على قربه من الاسم الأعظم - انتهى , وقال بعض العارفين في كشف معنى ~~الأحد ورتبته : إن الذات الأعظم غيب محض والأحد أول تعيناتها , ولذلك بدئ ~~بالهمزة التي هي أول تعيناتها , والهمزة لكونها مرقى إلى غيب الألف كان أول ~~اسمها أيضا غير دال على مسماها . | ثم بعد التعيين بالأحدية الشاملة ~~المستغرقة يتنزل إلى الإلهية ثم منها إلى الواحدية , ولذلك ابتدئ الواحد ~~بالواو التي هي وصلة ms6086 إلى ما فيه من الألف الذي هو غيب , فإن الواحد مرقى ~~إلى فهم الإله , والإله مرقى إلى تعقل الأحد , والأحد مرقى إلى التعبد ~~للذات الأقدس الأنزه , ومن اعتقد أحديته سبحانه وتعالى , أنتج له ذلك حبه ~~وتعظيمه , وهو توحيد الألوهية لأن التفرد بذلك يقتضي الكمال والجمال - ~~والله الموفق . | PageV08P587 قال الإمام جعفر بن الزبير : لما انقضى مقصود ~~الكتاب العزيز بجملته عاد الأمر إلى ما كان , وأشعر العالم بحالهم من ~~ترددهم بين عدمين < # > 77 ( { ثم الله ينشئ النشأة الآخرة } ) 77 < # > [ العنكبوت : 20 ] فوجودهم منه سبحانه وبقاؤهم به وهم وجميع ما يصدر ~~عنهم من أقوالهم وأفعالهم كل ذلك خلقه واختراعه , وقد كان سبحانه وتعالى ~~ولا عالم ولا زمان ولا مكان , وهو الأآن على ما عليه كان , لا يفتقر إلى ~~أحد ولا يحتاج إلى معين , ولا يتقيد بالزمان , ولا يتحيز بالمكان , فالحمد ~~لله رب العالمين , أهل الحمد ومستحقه مطلقا , له الحمد في الأولى والآخرة , ~~وله الحكم وإليه المصير { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم ~~يكن له كفوا أحد } هو الموجود الحق , وكلامه الصدق , < # > 77 ( { وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب والدار الآخرة خير للذين ~~يتقون } ) 77 < # > [ العنكبوت : 64 ] فطوبى لمن استوضح آي كتاب الله , وأتى الأمر من بابه ~~وعرف نفسه ودنياه , وأجاب داعي الله ولم ير فاعلا في الوجود حقيقة إلا هو ~~سبحانه وتعالى والحمد لله رب العالمين , ولما كمل مقصود الكتاب , واتضح ~~عظيم رحمة الله به لمن تدبر واعتبر وأناب , كان مظنة الاستعاذة واللجأ من ~~شر الحاسد وكيد الأعداء فختم بالمعوذتين من شر ما خلق وذرأ وشر الثقلين - ~~انتهى . | ولما تم البيان لهويته سبحانه وتعالى على هذا الوجه الذي أنهاه ~~بالأحدية المعلمة بالتنزه عن القسمة والنظير , وكان بيان القرآن بالغا أقصى ~~نهايات البيان , وكان الأحد من النعوت المتوغلة في السلب , وكانت الشركة ~~تقع في التعبير به في النفي وهو بمعناه الحقيقي وتقع فيه بالإثبات والسلب ~~على حد سواء , أو دلالته على الكمال والإضافة أكمل , وبناه على الاسم ~~الأعظم ms6087 الذي هو آخر الأسماء الظاهرة وأول الأسماء الباطنة , ولم يقع فيه ~~شركة بوجه دفعا لكل تعنت , وإشعارا بأن لم يسم به لم يستحق الألوهية , ~~وأخلى الجملة عن عاطف لأنها كالنتيجة للأولى والدليل عليها , فقال مكاشفا ~~لنفوس المؤمنين وللعلماء معيدا الاسم ولم يضمر لئلا يظن تقيد بحيثية غيب أو ~~غيرها : { الله } أي الذي ثبتت إلهيته وأحديته , لا غيره { الصمد } الذي ~~تناهى سؤدده المطلق في كل شيء إلى حد تنقطع دونه الآمال , فكان بحيث لا ~~يحتاج إلى شيء وكل شيء إليه محتاج , وتنزه عن الجوفية فلم تدن من جنابه ~~بفعل ولا قوة لأنه تنزه عن القسمة بكل اعتبار مع العظمة التي لا يشببها ~~عظمة , فكان واحدا بكل اعتبار , وذلك هو مفهوم الأحدية عبارة وإشارة , فكان ~~مصمودا إليه في الحوائج أي مقصودا لأجلها , فهو الموصوف بهذا الاسم على ~~الإطلاق , وبكل اعتبار , فكان موجدا للعالم لأن العالم مركب بدليل المشاهدة ~~فكان ممكنا فكان محدثه واجبا قديما , نفيا للدور والتسلسل PageV08P588 ~~المحالين , وخلقه له بالقدرة والاختيار لأنه لو كان بالطبع والإيجاب لكان ~~وجوده مع وجوده لأن العلة لا تنفك عن المعلول , فيلزم من قدم البارئ عز وجل ~~قدم العالم , ومن حدوث العالم حدوث البارئ جل وعز , وذلك جمع بين النقيضين ~~وهو محال , وقصر الصمدية عليه لأن اشتداد الألف لحاجة الشيء إلى غيره ربما ~~كان موجبا لخفاء اختصاصه به , ولم يقصر الأحدية إما للتنبيه على أن ذلك ~~لشدة ظهوره غني عن التأكيد , وإما استئلافا لهم لئلا ينفروا قبل سماع تمام ~~السورة على أنه بظهور قصر الصمدية التي أحد معنييها لازم الأحدية ظهر ~~الاختصاص بالأحدية , قال العلماء رحمهم الله تعالى : والصمد من صمد إليه - ~~إذا قصده , وهو كالأحد , بني على هذا الوزن لأنه لا تلحقه المضارعة ولا تدن ~~منه المشابهة لأنه اسم خاص فهو السيد المصمود إليه , وهو أيضا الذي لا جوف ~~له ولا رخاوة بوجه فيه , لأن الأجواف وعاء , وكل وعاء محتاج إلى موعيه , ~~يقال : شيء مصمد , أي صلب , وحجر صمد : أملس لا يقبل الغبار ولا يدخل ms6088 فيه ~~شيء ولا يخرج منه شيء , قال ابن قتيبة : وهو على هذا الدال فيه مبدله من ~~التاء وهو المصمت , وهو أيضا العالي الذي تناهى علوه , تقول العرب لام أشرف ~~من الأرض : صمد - بإسكان الميم , وبناء صمد أي معلى , فهو على التفسير ~~الأولى من الصافات الإضافية بمعنى أنه سيد لكل موجود , والكل محتاجون إليه ~~في ابتداء إيجادهم وفي تربيتهم , فهم يصمدون إليه في الحوائج ويقصدون إليه ~~في جميع الرغائب , وهو غني على الإطلاق , وذلك هو اتصافه بصفات الإلهية , ~~قال الإقليشي فعلى هذا أي أنه الذي يلجأ إليه ويعتمد عليه لتناهي سؤدده - ~~يتشعب من صفة الصمد صفات السؤدد كلها من الجود , والحلم وغير ذلك وإذا قلنا ~~: إن الصمد العالي تشعبت منه صفات التعالي كلها من العزة والقهر والعلو ~~ونحوها - انتهى , وقد روى البيهقي رحمة الله تعالى بسنده عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما في قوله ( الصمد ) قال : هو السيد الذي كمل في سؤدده , والشريف ~~الذي كمل في شرفه , والعظيم الذي كمل في عظمته , والحليم الذي قد كمل في ~~حلمه , والغني الذي كمل في غناه , والجبار الذي كمل يف جبروته , والعالم ~~الذي قد كمل في علمه , والحكم الذي قد كمل في حكمه , وهو الذي كمل في أنواع ~~الشرف والسؤدد وهو الله عز وجل , هذه صفته لا تنبغي إلا له , ليس له كفوء , ~~وليس كمثله شيء , فسبحان الله الواحد القهار وقال أبو العباس بن تيمية ~~الحنبلي في كتابه ( الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ) : أجمع ~~سلف الأمة وأئمتها أن الرب سبحانه وتعالى بائن منمخلوقاته , يوصف بما وصف ~~به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل , ~~ومن غير تكييف ولا تمثيل بوصف من صفات الكمال دون صفات PageV08P589 النقص , ~~ونعلم أنه ليس كمثله شيء ولا كفوء له في شيء من صفات الكمال كما قال الله ~~تعالى : { قل هو الله أحد الله الصمد } - إلى آخرها , قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما : الصمد إلى آخر ما مضى عنه , وقال ابن مسعود ms6089 رضي الله عنه ~~وغيره : هو الذي لا جوف له , والأحد الذي لا نظير له . | فاسمه الصمد يتضمن ~~اتصافه بصفات الكمال ونفي النقائص عنه , واسمه الأحد يتضمن أنه لا مثل له , ~~وقال الحرالي : الصمد - يعني بالسكون : - التوجه بالحاجات إلى ملي بقضائها ~~لا يحتاد إلى سواه , فلذلك يكون الصمد سيدا لا يساد , السيد الله - انتهى , ~~وعلى التفسير الثاني : هو من النعوت السلبية , فهو دال على نفي الماهية ~~التي نعنت بها فرعون لاقتضائها المقومات المستلزمة للحاجة إلى ما به ~~التقويم , وعلى إثبات الهوية المنزهة عن كل شائبة نقص , فإن كل ما له ماهية ~~كان له جوف وباطن , وهو تلك الماهية , وهو ما لا باطن له , وهو موجود فلا ~~جهة ولا اعتبار في ذاته إلا الوجود , فهو واجب الوجود غير قابل للعدم , وقد ~~علم بهذا أنه جامع لما ذكر فيما قبله , فإن هذا التفسير الثاني يتشعب منه ~~من الأسماء ما ينظر إلى نفي التركيب كالأحد ونحوه وهذان التفسيران الأول ~~والثاني جامعان لجميع ما فسر به ولما عسى أن يقال فيه سبحانه من صفات ~~الكمال , ونعوت العظمة والجلال , فمن كان مصمودا إليه في جميع الحاجات ~~ومتعاليا عن كل سمت حدث وشائبة نقص كان موجدا لكل ما يريد من نفع وضر ونافع ~~وضار قادرا على حفظ ما يريد , وكان معلوما كالشمس أنه لا شريك له , وأنه هو ~~وحده المستحق للعبادة لاحتياج الكل إليه الاحتياج المطلق وغناه عنهم الغنى ~~المطلق , وتفرده بصفات الكمال والانقطاع عن قرين وإلى الصمدانية ينتهي ~~التوجه وهو الإقبال بالكلية , وهي ترد على الفلاسفة القائلين بتدبير القول ~~, والصابية القائلين بتدبير النجوم , وعلى غيرهم من كل من ادعى تدبيرا لغير ~~الله سبحانه وتعالى , ومن اعتقد صمديته المقتضية لكمال الذات والصفات وشمول ~~التدبير , أنتج له كمال التفويض والتوكل وهو توحيد الربوبية , وهذه الأسماء ~~الأربعة مشيرة إلى مقامات السائرين ومرامات الحائرين والجائرين , فالمقربون ~~نظروا إلى الأشياء فوجدوا كل ما سواه سبحانه وتعالى معدوما بالذات , فكان ~~ذكرهم ( هو ) وأصحاب اليمين نظروا إلى وجود الممكنات فعينوا مرادهم وميزوا ~~مذكورهم ms6090 بالجلالة , وأصحاب الشمال جوزوا الكثرة في الإله فاحتاجوا في ~~تذكيرهم إلى الوصف بالأحدية والصمدية وهي رادة على أهل الاتحاد أعظم رد , ~~فإنهم يقولون : إن الإله هو هذا العالم , وهو منقسم بالحسن فضلا عما عداه ~~ومحتاج أشد احتياج . | ولما انتهى بيان حقيقته سبحانه وتعالى , وأنه غير ~~مركب أصلا , وبين سبحانه PageV08P590 بصمديته المستلزمة لوحدانيته أن الكل ~~مستند إليه ومحتاج إليه , وأنه المعطي لوجود جميع الموجودات , والمفيض ~~للجود على كل الماهيات فلا يجانس شيئا ولا يجانسه شيء , ولا يكون له نظير ~~في شيء من ذلك . | وكان ربما تعلق بوهم واهم أن تولد غيره عنه يكون من تمام ~~سؤدده المعبر به عن قدرته , بين أن ذلك محال لاقتضائه الحاجة مما لا تعلق ~~له بالقدرة لأن القدرة من شأنها أنها لا تتعلق بالمحال , وهذا محال , لأنه ~~سبحانه صمد , فكان ذاك بيانا للصمدية في كلا معنييها , فقال من غير عاطف ~~دالا على انتفاء الجوف الذي هو أحد مدلولي ( صمد ) مكاشفا للعقلاء شارحا ~~لأنه لا يساويه شيء من نوع يتولد عنه ولا جنس يولد هو عنه , ولا غير ذلك ~~يوازيه في وجود ولا غيره { لم يلد } أي يصح ولم ينبغ بوجه من الوجوه أن يقع ~~تولد الغير عنه مرة من المرات , فكيف بما فوقها لأن ذلك مستلزم للجوف وهو ~~صمد لا جوف له , لأن الجوف من صفات النفس المستلزم للحاجة وهو مستغن بدوامه ~~في أبديته عمن يخلفه أو يعينه لامتناع الحاجة والفناء عليه , فهو رد على من ~~قال : الملائكة بنات الله أو عزير أو المسيح أو غيره . | ولما بين أنه لا ~~فصل له , ظهر أنه لا جنس له , فدل عليه بقوله : { ولم يولد } لأنه لو تولد ~~عنه غيره تولد هو عن غيره كما هو المعهود والمعقول , فهو قديم لا أول له بل ~~هو الأول الذي لم يسبقه عدم , أن الولادة لا تكون ولا تتشخص إلا بواسطة ~~المادة وعلاقتها , وكل ما كان ماديا أو كان له علاقة بالمادة , كان متولدا ~~عن غيره فكان لا يصح أن يتولد عنه ms6091 شيء لأنه لا يصح أن يكون هو متولدا عن ~~غيره لأنه لا ماهية له ولا اعتبار لوجوده سوى أنه هو , فهويته لذاته , ومن ~~كانت هويته لذاته لم يصح بوجه أن يتولد عن غيره لأنه لو تولد عن غيره لم ~~يكن هو هو لذاته , ولا يكون أحدا حقيقا ولا صمدا , فينتفي من أصله , ولا ~~يكون له من ذاته إلا العدم , فلا يصح أن يتولد عنه غيره , لأنه لم يصح أن ~~يتولد هو عن غيره , ومن كان كذلك لم يكن له مثل , فلا يصح بوجه أن يساويه ~~شيء ليصح أن يقوم مقامه فيما بين ما انتفى في الأول والآخر , فدل على ذلك ~~إتماما لشرح حقيقته المعبر عنها بهو بقوله : { ولم يكن } أي لم يتحقق ولم ~~يوجد بوجه من الوجوه ولا بتقدير من التقادير { له } أي خاصة { كفوا } أي ~~مثلا ومساويا { أحد } على الإطلاق , أي لا يساويه في قوة الوجود لأنه لو ~~ساواه في ذلك لكانت مساواته باعتبار الجنس والفصل , فيكون وجوده متولدا عن ~~الازدواج الحاصل من الجنس الذي يكون كالأم , والفصل الذي يكون كالأب , وقد ~~ثبت أنه لا يصح بوجه أن يكون في PageV08P591 شيء من الولادة , لأن وجوب ~~وجوده لذاته , فانتفى أن يساويه شيء في قوة وجوده , فانتفى قطعا أن يساويه ~~أحد في شيء من قوة أفعاله , فعطف هاتين الجملتين على الجملة التي قبلها لأن ~~الثلاث شرح الصمدية النافية لأقسم الأمثال , فهي كالجملة الواحدة , وقدم ~~الظرف في الثالثة لأن المقصود الأعظم نفي المكافأة عن الذات الأعظم , فكان ~~أهم ( وكفوا ) حال من أحد . | ويجوز أن يكون ( كان ) ناقصة ويكون ( كفوا ) ~~خبرها , وسوغ خبريته تخصيصه ب ( له ) كما قالوا في ( إن كانت لكم الدار ~~الآخرة عند الله ) وقد وصح أن هذه السورة أعظم مبين للذات الأقسد بترتيب لا ~~يتصور في العقل أن يكون شيء يساويه , ولكما لا تقع في الوهم أن يكون شيء ~~يساويها أو يساوي شيئا منها , فأثبت أولا حقيقته المحضة وهويته بأنه هو , ~~لا اسم لتلك الحقيقة من حيث هي إلا ذلك ms6092 , فعلم أنه واجب الوجود لذاته لا ~~لشيء آخر أصلا , ثم عقب ذلك بيانا له بذكر الإلهية التي هي اقرب اللوازم ~~لتلك الحقيقة وأشدها تعريفا . | ولما اقتضت الإلهية الوحدة لأنها عبارة عن ~~الاستغناء المطلق واحتياج الغير إليه الاحتياج المطلق , دل عليها بالأحد , ~~ودل على تحقيق معنى الإلهية والواحدة معا بالصمدية لما لها من المعنيين : ~~وجوب الوجود بعدم الجوف وجودا أو تقديرا والسيادة المفيضة لكل وجود على كل ~~موجود وجودا لا يشبه وجوده سبحانه : | ( وأين الثريا من يد المتناول ) ( ~~الأمر أعظم من مقالة قائل ) | وبين المعنيين كليهما بعدم صحة التوليد منه ~~وله وعدم المساوي , فمن أول السورة إلى آخر الأسماء في بيان حقيقته سبحانه ~~وتعالى ولوازمها الأقرب فالأقرب ووحدتها بكل اعتبار , ومن ثم إلى آخرها في ~~بيان أن لا مساوي له لأنه لا جنس له ولا نوع حتى يكون هو متولدا عن شيء أو ~~يكون متولدا عنه شيء , أو يكون شيء موازيا له في الوجود , وبهذا القدر حصل ~~تمام معرفة ذاته , وأنه لا يساويه شيء في قوة وجوده فلا يساويه في تمام ~~أفعاله بدلالة شاهد الوجود الذي كشف عنه والشهود بنصر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم الذي كان يدعو أبا لهب وجميع الكافرين الشانئين وحده وهم ملء الأرض ~~ويخبرهم مع تحاملهم كلهم عليه أنهم مغلبون , وأنه اتاهم بالذبح لأن لمن ~~أرسله الإحاطة الكاملة بجميع الكمال , وقد كان الأمر كما قال صلى الله عليه ~~وسلم , فقد صدقت مقالاته , فثبتت إلى الخلق كافة رسالاته , وثبت مضمون جميع ~~السورة بما ثبت من هذه الأدلة المشهورة , والبراهين القاطعة المنصورة , وقد ~~ثبت أنه صمد بما دل على أحد معنييه الذي هو انتفاء الجوفية بعدم التولد , ~~وعلى المعنى الآخر الذي هو بلوغ المنتهى من السيادة بعدم المكافئ فبان أنه ~~هو لذاته فلا إله غيره , فانطبق آخرها على أولها , والتحم أي التحام مفصلها ~~PageV08P592 بموصلها , فعلم أنه هو هو لا غيره بزيادة أنه الأحد ولا أحد ~~حقا غيره , ومن تحقق آخرها أقبل بكليته إليه سبحانه , فلم يلتفت إلى غيره ~~لأن ms6093 الكل في قبضته , وقد نقلت في كتابي مصاعد النظر عن الإحياء للإمام ~~الغزالي رحمة الله تعالى عليه في شيء من أسرار هذه السورة كلاما هو في غاية ~~النفاسة . | وروى الترمذي عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن المشركين ~~قالوا : يا محد انسب لنا ربك , فأنزل الله تعالى : قل هو الله أحد إلى ~~آخرها , قال : لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت , وليس شيء يموت إلا سيورث , ~~وأن الله تعالى لا يموت ولا يورث , ولم يكن له كفوا أحد - انتهى . | ومن ~~كان كذلك فهو الجامع للأسماء الحسنى والصفات العلى كلها , وعلم أن حاصلها ~~تنزيه المعبود عن أن يكون له مجانس , أو يكون له مكافئ , والرد على كل من ~~يخالف في شيء من ذلك , وأعظم مقاصد آل عمران المناظرة لها في رد المقطع على ~~المطلع , لا سيما من ادعى أن عيسى عليه الصلاة والسلام إله أو أنه ولد له ~~سبحانه وتعالى وكذا غيره الدلالة على بطلان مذهب من ادعاه إلها وعلى أن ~~عيسى عليه الصلاة والسلام عبد من عبيده أوجده على ما أراد كما أوجد من هو ~~أغرب حالا منه وإبطال قول من ادعى فيه غير ذلك . | ولما عرفت هذه السورة ~~حقيقة الذات أتم تعريف , وكان الغرض الأقصى من طلب العلوم بأسرها معرفة ~~ذاته سبحانه وتعالى وصفاته وكيفية صدور الأفعال عنه وكان القرآن العظيم ~~كفيلا بجميع هذه العلوم , وكانت هذه السورة منه قد تكفلت بجميع ما يتعلق ~~بالبحث عن الذات على سبيل التعريض والإيماء , وكانت معادلة لثلث القرآن وهي ~~ثلث أيضا باعتبار آخر وهو أن الدين اعتقاد , وفعل لساني يترجم عن الإعتقاد ~~, وفعل يصحح ذلك , وهي وافية بأمر الإعتقاد بالوحدانية الذي هو رأس ~~الإعتقاد , وباعتبار أن مقاصده كلها محصورة في بيان العقائد والأحكام ~~والقصص , وهذه السورة على وجازتها قد استملت على جميع المعارف الإلهية ~~والرد على من ألحد فيها , ولأجل أن هذا هو المقصود بالذات الذي يتبعه جميع ~~المقاصد عدلت في بعض الأقوال بجميع القرآن , وحاصل شرح هذه السورة العظمة ~~أنه ms6094 سبحانه وتعالى دل على الذات الأقدس بالهوية , وعبر عنها بالضمير إشارة ~~إلى نفي الماهية التي غلظ أو غالط فيها الكفور الأعظم فرعون - لعنة الله ~~عليه وعلى أتباعه أهل الإلحاد , وأنصاره وأشياعه من أهل الاتحاد , ودل على ~~ذلك بالاسم الأعظم المجمع عليه ودل عليه بالوحدة الجامعة للغنى , النافية ~~للكثرة الموجبة لحاجة , ودل عليه بالصمدية النافية للجوفية المثبتة للسيادة ~~الخفية , ودل عل أول معنييها بانتفاء الولادة منه وله , الدالان على نفي ~~الجنس للقوم PageV08P593 والفصل المقسم , ودل على الثاني بعدم المكافئ , ~~ودل على هذا العدم بأفعاله العظيمة المشاهدة التي أشار قطعاص ترتيب السور ~~بما انتهى إليه وضع هذه السورة في هذا الموضع إلى استحضارها . | وتأمل ما ~~كان منها من تربية هذا الدين بنصر نبيه الذي أرسله صلى الله عليه وسلم ~~لإقامته , وسلط الكافرين - على أذاه , وجعل أعظمهم له أذى أقربهم إليه نسبا ~~عمه أبا لهب الذي كان يتبعه في تلك المشاهد والقبائل , ويلزمه في تلك ~~المواسم والمعاهد والمحافل , يصرح بتكذيبه كلما دعى الناس إلى الحق , ~~ويواجه بما هو أشد الأشياء على النفس كراهة وأشق , فكانت تلك الشهرة عين ~~الرفة والنصرة , لأن الشيء , إذا خرج عن حده انقلب غلى ضده , فإنه إذا ~~تناهت شهرته ثم بان بطلانه أو صحته رجعت شهرته بكونه باطلا أو صحيحا أعظم ~~منها لو لم يتقدمها شهرة بغير ذلك , فانقلبت النصرة , وعظمت الكثرة , فجلت ~~المعاونة , وزالت المباينة , وحصل الوفاق , وزال الشقاق , فدل هذا الفعل ~~الأعظم من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وهو وحده , وكذب المعاندين وهم من ~~لا يحصيهم إلا الله في كل ما قال , وجميع ما قالوا على عزته سبحانه وتعالى ~~بكونه نصر عبده على ذلك الوجه الخارق للعادة وعلى حكمته بما سلطهم به عليه ~~حتى أسرعت الشهرة وعمت النصرة , فعلم بتلك المشاهدة أنه العزيز الحكيم كما ~~دلت عليه سورة التوحيد المناظرة لهذه في رد المقطع على المطلع , وهي آل ~~عمران المناظرة لهذه في الدلالة على التوحيد والمحاججة لمن ادعى ان له ~~صاحبة وولد , فعلم قطعا أنه لا ms6095 كفوء له , فعلم أنه لا يصح أصلاص أن يلد ولا ~~أن يولد , فبطلت قطعا دعوى إلهية عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره ممن ادعى ~~فيه الولدية بالأحدية لما تقتضيه الولادة من المادة المقتضية للكثرة , ~~الموجبة للحاجة , وعظم البيان بما دل عليه الاسم الأعظم من الإجماع بما ~~تقتضي الإلهية , ولا إجماع على غيره , وجل الأمر وانقطع النزاع بما دل عليه ~~الضمير من وجوب الوجود النافي لما سواه من كل موجود - والله الهادي , فلقد ~~أبانت السورة على أعظم الوجوه أن مرسله صلى الله عليه وسلم أجل موجود وأشرف ~~حقيقة وأنفس معلوم , وأعظمذات , وذلك يستلزم نفي كل ما لا ينبغي , وحصول كل ~~ما ينبغي استلزاما لا يقبل الانفكاك , كالفردية في الوتر , والزوجية في ~~الشفع , وتفصيل ذلك بعشرة أشياء تبسط على كلمات السورة على الترتيب : الأول ~~أنه تعالى له الوجود الذي ما مثله فليس هو كالممكنات المسبوقة بالعدم ~~والمنقطعة بالانعدام , والمنصرمة في الدوام , بل هو أزلي لا أول له أبدي لا ~~آخر له , قيوم لا انصرام له , الثاني أن له السبوحية الآبية على نفع كل نقص ~~وعيب , الثالث أن له القدوسية المشتملة على الاتصاف بكل كمال , من جلال ~~وجمال وتعال , الرابع أن له العظمة والجلالة عن أن PageV08P594 يكون عرضا ~~أو كالأعراض , أو جوهرا أو كالجواهر , أو جمسا أو كالأجسام , الخامس أن له ~~العلو عن أن يحل في شيء أو يحل فيه شيء أو يتحد بشيء أو يتحد به شيء , ~~السادس أنه تعالى له الغنى عن الموجد كالرب والموجب كالأب والمفيد أي لشيء ~~من الكمالات , , السابع أنه تعالى له الوحدانية التي ليس فيها شبيه أي في ~~صفاته , ولا مثيل أي في نوع ولا نسب أي كالقرابة , الثامن أنه تعالى له ~~الفردانية التي لا يصح فيها شرك , لا في الملك - بكسر الميم , ولا في الملك ~~- بضمها , ولا في التدبير , ولا في التأثير , التاسع أنه تعالى له الكبرياء ~~المنافية لفوت كمال أو كمال كمال , العاشر أنه تعالى له العزة المنافية لأن ~~يكون له ضد - وهو المفسد لما يفعله ms6096 , أو ند - وهو الموجد لمثل ما يوجده , ~~وتنزل هذه العشرة على السورة واضح لمن تأمل الكلام وتدبره , وابتدأ سبحانه ~~السورة بالضمير قبل الظاهر بعد التصريح بالنصر والفتح وخسارة أهل الكفر ~~بخسارة أبي لهب الذي هو أعلاهم واعزهم إشارة إلى أن من صحح باطنه باسم الله ~~تعالى نصر وفتح له - كما يشير إليه تعقيب الأمر في آخر سورة البقرة بالرغبة ~~إليه في النصر على الكافرين بقوله < # > 77 ( { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ) 77 < # > [ البقرة : 255 ] فإنه ترجمة أول هذه السورة التالية للنصر والكافرون ~~سواء بالضمير والاسم الأعظم والتوحيد الأعظم المقرون بدليل وهو القيومية , ~~فقد بين آخر السورة الذي هو نتيجتها ورد مقطعها على مطلعها أنه أحد حاضر في ~~كل زمن لا يغيب أصلا , ولا أحد يكافئه أو يشابهه , لأنه لم يتولد عنه شيء ~~ولا تولد هو عن شيء , لأنه صمد لا جوف له مطلقا لا في ذاته بالفعل , ولا ~~بيحث يجوزه الوهم لأنه أحد محيط بكل شيء لأنه هو الله المحيط بجميع صفات ~~الكمال والجمال , وهو غيب محض لأنه لا يقوى غيره على معرفته إلا باللوازم ~~من الصفات المعقولة تقريبا , والأفعال المشاهدة آثارها , وهو هو الذي هو - ~~مع كونه غيب الغيب - مستحضر في كل لب , لا يظهر بغيب عن أحد بما له من ~~الآثار , التي ملأت الأقطار , ولذلك استحق التسمية ب ( هو ) ولم يستحقها ~~غيره لحضوره لكل قلب وغيبة غيره بكل اعتبار , لأنه ليس للغير من ذاته إلا ~~الغيبة بالعدم , وأما هو فهو الواجب وجوده , وهو الذي أوجد غيره , وركز في ~~كل قطرة ذكره , لما له سبحانه من الكمال , ولغيره من شدة الحاجة إليه ~~والاحتلال , فكان سبوحا قدوسا جامعا بين الوصفين لأنه ممدوح بالفضائل ~~والمحاسن , التقديس مضمر في صريح التسبيح , والتسبيح مضمر في صريح التقديس ~~, ومن ثم إلى آخرها صريح التسبيه والامران راجعان إلى إفراده وتوحيده ونفي ~~التشيك والتشبيه عنه , وذلك هو الجمع بين الإثبات والنفي على تهييج ~~PageV08P595 ما وقع في كلمة الإخلاص ليعلم أن الإثبات لا يكمل إلا ms6097 بصيانته ~~عن كل ما يتضمن مخالفته , لكن كلمة الإخلاص تركبت من نفي ثم إثبات , وسورة ~~الإخلاص من إثبات ثم نفي , وآخر الإثبات الصمد , فهو جامع بين الأمرين فإنه ~~جمع كل صفة لا يتم الخلق إلا بها ( لأن أحد مدلوليه ) في اللغة : السيد ~~الذي يرجع إليه , فاقتضى ذلك إثبات صفات الكال التي بها يتم اتساق الأفعال ~~ونفي كل صفة ينزه عنها , لأن ثاني مدلوليه في اللغة : الذي لا جوف له , ~~وذلك يتضمن نفي النهاية ونفي الحد والجهة والجسم والجوهر , لأن من اتصف ~~بشيء من ذلك لم يستحل اتصافه بالتركيب ووجود الجوف , فقررت هذه الكلمة وجوب ~~المعرفة بالنفي والثبات ليميز بين الحق وبالطل , لأن من لم يتحقق صفاء ~~الباطل لم يتقرر له المعرفة بالحق , ولذلك كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم ~~وأرضاهم أجمعين يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الحق لصحة الإعتقاد ~~والمعرفة , وعن الباطل والشر للتمكن من مجانبته حتى قال حذيفة رضي الله ~~تعالى عنه ( وكان الناس سألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الخير , وكنت ~~أسأله عن الشر ) وذلك لأن من لم يعرف الشر يوشك أن يقع فيه , وأن ما خالفت ~~كلمة الشهادة في الترتيب لأن تلك أتت للإدخال في الدين , والأليق بمن كان ~~خارجا أو ضعيفا - وهم الأكثر - نفي الباطل أولا ومحوه من لوح القلب ليأتي ~~إثبات الحق فيه وهو فرغ فيقر فيه , فلما نفت أولا كل غير كان سببا للمجانبة ~~والبعد عن حضرات القدس , ثم أثبتت الذات الأقدس والمسمى الأشرف الأنفس , ~~أكدت سورة الإخلاص لأنها للكمل الذين تخلقوا بما قبلها من السور , هذا ~~الإثبات عند استحضاره , وشهود الجميل من آثاره , ثم ختمت بنفي الأغيار , ~~ليكون بذلك تجلى ختام الأعمار , عند الرجوع إلى الآثار , بالعرض على الواحد ~~القهار , وقد بين بهذه السورة أنه طريق بين الخلق والأمر , فلما فتح الخلق ~~بمتشابه خلق آدم عليه الصلاة والسلام لأن المتشابه ما خرج عن أشكاله , ~~وختمت أقسامه الأربعة بمتشابه خلق عيسى عليه الصلاة والسلام - كما تقدم عند ~~< # > 77 ( { إن الله اصطفى ms6098 } ) 77 < # > [ آل عمران : 33 ] في آل عمران المناظرة لهذه السورة , لذلك فتح الأمر ~~بعد أم الكتاب بمتشابها من جميع وجوهه , لا يمكن أحدا أن يقول فيه قولا ~~مقطوعا به أو مظنونا ظنا راجحا , ومتشابه آخره لا يقنع فيه بدون القطع في ~~أوله فيما كلفنا أمره في هذه الدار وهو أوصل الدين , ووراء ذلك ما لا يدركه ~~أحد من الأبرار ولا المقربين , PageV08P596 وهو الذات الأقدس , فمن رجع ~~متشابه الخلق فوق منزلته كفر , ومن وضع متشابه الأمر عن رتبته العلية كفر , ~~وجعل آخره أجلى من أوله من بعض الوجوه إشارة إلى ترقية الموفق في أمره , ~~وأنه في الآخرة يكون أجلى انكشافا وأوضح معرفة , وتلاه بالتعوذ إشارة إلى ~~سؤال الاعتصام في شأنه , والحفظ التام في مضمار عرفانه , وكرر بالتثنية ~~لأجل الإحاطة بأمري الظاهر والباطن , والتأكيد تنبيها على صعوبة المرام , ~~وخطر المقام . | ولما افتتح القرآن بسورة مشتملة على جميع معانيه , ختم ~~بسورتين يدخل معناهما , وهو التعوذ , ويندب ذكره ي جميع أجزائه ومبانيه , ~~وفي ذلك لطيفة أخرى عظيمة جدا , وهي أنه لما علم بالإخلاص تمام العلم وظهور ~~الدين على هذا الوجه الأعظم , فحصل بذلك غاية السرور , وكان التمام في هذه ~~الدار مؤذنا بالنقصان , جاءت المعوذتان لدفع شر ذلك , وقد انقضى الكلام على ~~ما يسره الله تعالى من كنوز معاني سورة الإخلاص بحسب التركيب والنظم ~~والترتيب , وبيقي الكلام على ما فتح الله به من أسرارها في الدلالة على ~~مقصود السورة بالنظر إلى كلماتها مفردة ظواهر وضمائر ثم حروفها , ففيها من ~~الأسماء الحسنى والصفات العلى , التي أسس عليها بنيانها , وانبنت عليها ~~أركانها , خمسة هي العشر من كلمات آية الكرسي كما ان الصلوات المكتوبات خمس ~~وهي خمسون في أم الكتاب ( الحسنة بعشر أمثالها ) فمن لطائف إشاراتها أنها ~~كدعائم الدين الخمس , فالضمير مشير إلى تصحيح ضمير القلب بالإيمان , وصحة ~~القصد والإذعان , حتى يقوم بناء العبادة , والاسم الأعظم إشارة إلى أن ذلك ~~التصحيح لأجل التأله بالخضوع للإله الحق باستحضار اسمه الأعظم كما أن ~~الصلاة أعمظم عبادات البدن , هذا للتهيئة في ms6099 الدخول في العبادة , ثم إن ~~الدخول فيها شرطه أحدية التوجه تحقيقا للصدق في صحة العزم عليها كما أن ~~الزكاة تكون مصدقة للإيمان , وذلك التوحيد في التوحيد يكون لأجل الصدق في ~~التأليه بما يشير إليه إعادة الاسم الأعظم كما هو شأن الحاج الأشعث الأغبر ~~المتجرد , ويكون ذلك التأله باستحضار افتقار العابد إلى المعبود وتداعيه ~~إلى الهلاك بكل اعتبار لأنه أجوف , وغنى المعبود على الإطلاق بما يشير إليه ~~الاسم الإضافي الصمد كما هو شأن الصائم في عبادته , واستحضاره لحقارته وشدة ~~حاجته , ولجلالة مولاه , وتعاليه في غناه , فمن صحت له هذه الدعائم الخمس ~~كانت عبادته في الذروة العليا من القبول , وإلا كان لها اسم الحصول من غير ~~كثير محصول - والله الموفق , وكونها خمسة عشرة كلمة إشارة إلى أنهم في ~~السنة الخامسة عشرة من النبوة يعلمون - بغلبة قهره وسطوة سلطانه وتأييده ~~للمستضعفين من حزبه , PageV08P597 وتقويته لهم في وقعة بدر في السنة ~~الثانية من الهجرة - أن مرسله لا كفوء له بعلم شهودي لا يقدر أحد على ~~تكذيبه ودفعه , فيقوم به دليل الإخلاص , ولات حين مناص , وإذا ضممت إليها ~~الضمير الواجب الاستتار في { قل } كانت ست عشرة إشارة إلى أنه في السنة ~~السادسة عشرة من النبوة وهي الثالثة من الهجرة في غزوة أحد يكون الظاهر ~~فيها اسمه تعالى الباطن , فإنه كان فيها من المصيبة ما هو مذكرو في السير ~~تفصيله من قتل سبعين من الصحابه رضي الله تعالى عنهم منهم حمزة بن عبد ~~المطلب رضي الله تعالى عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسد رسوله صلى ~~الله عليه وسلم , وذلك بعد أن ظهر فيها النبي صلى الله عليه وسلم في أول ~~النهار , ظهورا بينا حتى كانت هزيمة الكفار , لا شك فيها - كما قال الله ~~تعالى < # > 77 ( { ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم ~~} ) 77 < # > [ آل عمران : 152 ] - الآيات , ثم أخفى الله ذلك في إزالة الكفار في ~~أثناء النهار , فهزم الصحابة رضي الله تعالى عنهم حتى لم يبق مع النبي صلى ms6100 ~~الله عليه وسلم منهم إلا نفر يسير جدا أكثر ما ورد في عددهم أنهم يقاربون ~~الأربعين وهو ثابت بهم - صلى الله عليه وسلم - في نحر العدو وهم نحو من ~~ثلاثة آلاف فيهم مائتا فارس يحاولهم ويصاولهم يشتملون عليه مرة ويفترقون ~~عنه أخرى ليعلم أن الناصر إنما هو الله سبحانه وتعالى وحده , وقد قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما : ما نصر النبي صلى الله عليه وسلم في موطن من المواطن ~~ما نصر في غزوة أحد , وقال أبو سفيان ابن حرب يوم إسلامه في عام الفتح ~~للنبي صلى الله عليه وسلم : ما قاتلتك من مرة إلا ظهرت علي , أظن لو كان مع ~~الله غيره لقد أغنى شيئا . | ولكن الذي ظهر منها ما كان في آخر النهار من ~~ظهور الكفار , فأخلى الله تعالى نصره لنبيه صلى الله عليه وسلم فيها باسمه ~~الباطن إلا على أرباب البصائر , فما علم ذلك إلا بوجه خفي جدا مناسبة ~~للضمير الباطن الواجب الاستتار , وإذا ضممت إلى ذلك الضميرين المستترين ~~الجائزي الظهور , فكانت الكلمات بذلك ثماني عشرة , كان إشارة إلى أن في ~~السنة الثامنة عشرة من النبوة - وهي الخامسة من الهجرة دلالة عظيمة على أنه ~~لا كفوء له يوجب الإخلاص على وجه هو أجلى مما كان في غزوة أحد وإن كان فيه ~~نوع خفاء , وذلك في غزوة الأحزاب وبني قريظة حين رد الله الكفار بغيظهم لم ~~ينالوا خيرا بعد أن كانوا في عشرة آلاف مقاتل غير بني قريظة , يقولون : إنه ~~لا غالب لهم , وكفى الله المؤمنين القتال , وكان الله قويا عزيزا قاهرا لهم ~~بريح وجنود لم يروها , وأمكن من بني قريظة , وكان الله قويا عزيزا , وذلك ~~في شوال وذي القعدة سنة خمسة من الهجرة , فإذا ضممت إليها الضمير الآخر ~~البارز بالفعل في ( له ) فكانت تسع عشرة , كانت إشارة إلى مثل ذلك على وجه ~~أجلى في عمرة الحديبية في ذي القعدة سنة ست من الهجرة , فإنه كان فيها ~~الفتح السببي الذي أنزل الله سبحانه PageV08P598 وتعالى فيه سورة الفتح , ~~وكان فيها ms6101 من لدلائل الوحدانية أمور كثيرة توجب الإخلاص , وإن كان في ذلك ~~نوع خفاء مناسب للضمير وإن كان بارزا بالفعل , فقد خفي على كثير من الصحابة ~~رضي الله تعالى عنهم أجمعين حتى نبههم النبي صلى الله عليه وسلم , فإذا ~~ضممت إليها كلمات البسملة الأربع كانت ثلاثا وعشرين توازي السنة العاشرة من ~~الهجرة , وهي الثالثة والعشرون من النبوة , وفيها كان استقرار الفتح الأكبر ~~والإخلاص الأعظم بنفي الشرك وأهله من جزيرة العرب لحجة الوداع التي قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيها : ( إن الشيطان - قد أيس أن يعبد في أرض ~~العرب ) ولذلك توفى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عقبها بعد إظهار ~~الدين وإذلال الكافرين وإتمام النعمة , وقام سبحانه بنصر الأمة وحده بعد أن ~~مهد أسباب النصر بنبيه صلى الله عليه وسلم حتى علم قطعا في الردة وأحوالها ~~, أنه الإله وحده الذي لا كفوء له لحفظ الدين في حياة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وبعده , وكذا فيما بعد ذلك من فتوح البلاد , وإذلال الملوك العتاة ~~الشداد , مع ما لهم من الكثرة والقوة بالأموال والأجناد , والتمكن العظيم ~~في البلاد , وجعل النصر عليهم بأهل الضعف والقلة آية في آية , ودلالة بالغة ~~في ظهروها الغاية , وإذا سلكت طريقا آخر في الترتيب في الكلمات الخطية ~~والاصطلاحية دلك على مثل ذلك بطريق آخر , وذلك أن تضم إلى الكمات الخمس ~~عشرة كلمات البسملة الأربع لتكون تسع عشرة فنوازي سنة ست من الهجرة , وذلك ~~سنة عمرة الحديبية التي سماها الله تعالى فتحا , وأنزل فيها سورة الفتح ~~لكونها كانت سبب الفتح الذي هو عمود الإخلاص , فإذا ضممت إليها الضمير ~~المستتر كانت عشرين , فوازت سنه سبع التي كانت فيها عمرة القضاء , فأظهر ~~الله فيها الإخلاص على عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم بين أظهر المشركين ~~في البلد الذي كان بعثه منه وفيه على وجه ظهر فيه أنه لا كفوء له , ولكن ~~كان ذلك بوجه خفي , فإذا ضممت إليها الضميرين المستترين الجائزي البروز كات ~~اثنتين وعشرين موازية لسنة تسع سنة الوفود ودخول ms6102 الناس في دين الله أفواجا ~~, فالإلهية من حيث هي تقتضي الوحدة , والوحدة لا تقتضي الإلهية , وعبر به ~~دون الواحد لأن المراد الإبلاغ في الوصف بالوحدة إلى حد لا يكون شيء أشد ~~منه , والواحد - قال ابن سينا - مقول على ما تحته من التشكيك , والذي لا ~~ينقسم بوجه أصلا أولى بالوحدانية مما ينقسم من بعض الوجوه , والذي ينقسم ~~انقساما عقليا أولى مما ينقسم بالحسن , والذي PageV08P599 ينقسم بالحس وهو ~~بالقوة أولى من المنقسم بالحس بالفعل , وإذا ثبت أن الوحدة قابلة للأشد ~~والأضعف وأن الواحد مقول على ما تحته بالتشكيك كان الأكمل في الفعل الذي لا ~~يمكن أن يكون شيء آخر أقوى منه فيها وإلا لم يكن بالغا أقصى المرام , ~~والأحد جامع لذلك دال عل الواحدية من جميع الوجوه , وأنه لا كثرة هناك أصلا ~~, لا معنية من المقولات من الأجناس والفصول ولا بالأجزاء العقلية كالمادة ~~والصورة , ولا حسية بقوة ولا فعل كما في الأجسام , وذلك لكونه سبحانه ~~وتعالى منزها عن الجنس والفصل والمادة والصورة والأعراض والأبعاض والأعضاء ~~والأشكار والألوان وسائر الوجوه وجوه التشبيه التي تثلم الوحدة الكاملة ~~الحقة اللائقة بكرم وجهه وعز جلاله أن يشبه شيء أو يساويه شيء لأن كل ما ~~كانت هويته أن تحصل من اجتماع آخر كانت هويته موقوفة على تلك الأجزاء فلا ~~يكون هو هو لذاته بل لغيره , فلذا كان منزها عن الكثرة بكل اعتبار ومتصفا ~~بالوحد من كل الوجوه , فقد بلغ هذا النظم من البيان أعظم شأن , فسبحان من ~~أنزل هذا الكلام ما أعظم شأنه وأقهر سلطانه ! فهو منتهى الحاجات , ومن عنده ~~نيل الطلبات , ولا يبلغ أدنى ما استأثره من الجلال والعظمة والبهجة أقصى ~~نعوت الناعتين , وأعظم وصف الواصفين , بل القدر الممكن منه الممتنع أزيد ~~منه هو الذي ذكره في كتابه العزيز , وأودعه وحيه المقدس الحكيم , وبالكلام ~~على معناه والمعنى الوااحد تحقق ما تقدم , قال الإمام أبو العباس الاقليشي ~~في شرح الأسماء الحسنى , فمن أهل اللسان من ساوى بينهما جعلها مترادفين , ~~ومنهم من قال : أصل ( أحد ) واحد , أسقطت منه ms6103 الألف , ثم أبدلت الهمة من ~~الواو المفتوحة مثل حسن يحسن فهو حسن - من الحسن , أبدلت الواو همزة , وأما ~~من فرق بينهما فمنهم من قال : ( أحد ) على حياله , لا إبدال فيه ولا تغيير ~~, ومنهم من قال : أصله وحد - أبدلت الواو همزة - انتهى . | وقد استخلصت ~~الكلام على الاسمين الشريفين من عدة شروع للأسماء الحسنى وغيرها , منها شرح ~~الفخر الرازي والفخر الحرالي وغيرهما - قالوا : الواحد الذي لا كثرة فيه ~~بوجه لا بقسمة ولا بغيرها مع اتصافه بالعظمة ليخرج الجوهر الفرج وهو الذي ~~لا يتثنى , أي لا ضد له ولا شبيه , فهو سبحانه وتعالى واحد بالمعنيين على ~~الإطلاق لا بالنظر إلى حال ولا شيء , قال الإمام أبو العباس الاقليشي في ~~شرح الأسماء الحسنى : هذه حقيقة الوحدة عند المحققين فلا يصح أن يوصف شيء ~~مركب بها إلا مجازا كما تقول : رجل واحد ودرهم واحد , وإنما يوصف بها حقيقة ~~ما حراك له كالجوهر عند الأشعرية غير أنك إذا نظرت فوجدت وجوده من غيره ~~علمت أن استحقاقه لهذا الوصف ليس كاستحقاق موجده له , وهو أيضا إنما يوصف ~~به لحقارته , وموجده سبحانه وتعالى PageV08P600 موصوف به مع اتصافه بالعظمة ~~, فاتصافه بالوحدة على الإطلاق , والاتصاف بالجوهر بالنظر إلى عدم التركيب ~~من الجسم مع صحة اتصافه بأنه جزء يزل عنه حقيقة ذلك , والوحدة أيضا بالنظر ~~غلى المعنى الثاني - وهو ما نظر له - لا تصح بالحقيقة إلا له سبحانه وتعالى ~~, وكل ما نوعيته في شخصيته كالعرش والكرسي والشمس والقمر يصح أن يقدر لها ~~نظائر , ولها معنى ثالث وهو التوحيد بالفعل والإيجاد , فيفعل كل ما يريد من ~~غير توقف على شيء , والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الأول ناظر إلى نفي ~~إله ثان , وهذا ناف لمعين ووزير , وكلاهما وصف ذاتي سلبي , والحاصل أن ~~النظر الصحيح دل على أن لنا موجدا واحدا بمعنى أنه لا يصح أن يلحقه نقص ~~لقسمته بوجه من الوجوه , وبمعنى أنه معدوم النظير بكل اعتبار , ومعنى أنه ~~مستبد بالفعل مستقل بالإيجاد ومتوحد بالصنع منفرد بالتدبير , قضى بهذا شاهد ~~القعل ms6104 المعصوم من ظلمة الهوى وكثافة الطبع , وورد به قواطع النقل ونواطق ~~السمع , ولهذا كان من أعظم الخلق دعاؤه سبحانه وتعالى لجميع الخلق , وكانت ~~دعوة رسوله الخاتم صلى الله عليه وسلم للخلق كافة , وقال حجة الإسلام أبو ~~حامد الغزالي في ىخر شرحه للأسماء الحسنى في شرحه في بيان رد الأسماء ~~الكثيرة إلى ذات الواحد وسبع صفات الأحد المسلوب عنه النظير , وقال في ~~الشرح المذكور : الواحد هو الذي لا يتجزى ولا يتثنى , أما الذي لا يتجزى ~~فكالجوهر الذي لا ينقسم فيقال عنه : إنه واحد - بمعنى أنه لا جزء له , ~~وكذلك النقطة لا جزء لها , والله تعالى واحد بمعنى لأنه يستحيل تقدير ~~الانقسام في ذاته , وأما الذي لا يتثنى فهو الذي لا نظير له كالشمس مثلا ~~فإنها - وإن كانت قابلة للانقسام بالوهم - متحيزة في ذاتها لأنها من قبيل ~~الأجسام فهي لا نظير لها إلا أنه يمكن لها نظير , وليس في الوجود موجود ~~يتفرد بخصوص وجوده تفردا لا يتصور أن يشاركه فيه غيره أصلا إلا الواحد ~~المطلق أزلا وأبدا , والعبد إنما يكون واحدا إذا لم يكن له في أبناء جنسه ~~نظير في خصلة من خصال الخير , وذلك بالإضافة إلى بعض الخصال دون الجميع , ~~فلا وحدة على الإطلاق إلا لله سبحانه وتعالى , وقال محمد بن عبد الكريم ~~الشهرستاني في مقدمة كتاب الملل والنحل : واختلفوا في الواحد أهو من العدم ~~أم مبدأ العدد وليس داخلا في العدد , وهذا الاختلاف إنما ينشأ من اشتراط ~~لفظ الواحد أيضا , فالواحد يطلق به ويراد به ما يتركب منه العدد , فإن ~~الاثنين لا معنى له إلا واحد تكرر أول تكرير وكذا الثلاثة والأربعة , ويطلق ~~ويراد به ما يحصل منه العدد الذي هو علة , ولا يدخل في العدد الذي لا يتركب ~~منه العدد , وقد يلازم الواحدية جميع الأعداد لا على أن العدد يتركب بها بل ~~وكل موجود فهو جنسه أو نوعه أو شخصه واحد , يقال : إنسان واحد , وفي العدد ~~أنه لا PageV08P601 كفوء له ولكن كان ذلك بوجه خفي , فإذا ضممت إليها ~~الضميرين ms6105 المستترين الجائزي البروز كانت اثنين وعشرين موازية لسنة تسع سنة ~~الوفود ودخول الناس في الدين أفواجا , وحجة أبي بكر رضي الله عنه وتطهير ~~المسجد الحرام من نجس الإشراك بالبراءة من المشركين وزجرهم عن أن يحج بعد ~~ذلك العام مشرك , ونهيهم عن قربانهم المسجد الحرام لأنهم نجس , وانتشار ~~الإخلاص في أغلب بلاد العرب , وذلك أجلى مما مضى مناسب لما دل عليه , وفيه ~~نوع خفاء عند من كان بقي من المشركين , وإذا ضممت إليها الضمير الآخر ~~البارز بالفعل كانت ثلاثا وعشرين توازي سنة حجة الوداع سنة عشر , وهي التي ~~تم فيها الإخلاص ولم يحج بها مشرك , وأيس الشيطان فيها أن يعبد في جزيرة ~~العرب , وفي ذلك - لكون الكلمة ضميرا - نوع يسير في الخفاء بما دل عليه بعد ~~ذلك من الردة , وكان ذلك أنسب الأشياء بالكلمة المتحملة لذلك الضمير وهي له ~~, هذا ما يسره الله من أسرار كلماتها بحسب الأعداد , وأما حروفها فمن ~~الأسرار العظيمة أنه صفة الله , وأن حروفها مع البسملة النظر إليها من حيث ~~اللفظ وكذا من حيث الرسم ستة وستون حرفا , وكذا عدة حروف الجلالة الملفوظة ~~وكذا المرسومة بحساب الجمل , فكل ما دعت إليه هو مدلول هذا الاسم الأعظم , ~~وهذه العدة إذا أخذت من أول مولد النبي صلى الله عليه وسلم كان آخرها ~~منطبقا على سنة موت صديقه الأكبر الذي سبق غيره بما وقر في صدره وهو أبو ~~بكر رضي الله تعالى عنه , وذلك دلالة على أنه لا يوازيهما أحد في الإخلاص , ~~وأنهما وصلا فيه إلى الرتبة العليا , وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعلى الخلق فيه , وفي ذلك أيضا دلالة على أنه لا كفوء له لأنه نفى الإشراك ~~بحذافيره من جميع جزيرة العرب بعد أن كانوا مطبقين عليه , وأطلقهم سبحانه ~~وتعالى على منيليهم من مولك الأمم حتى أظهر الله بهم الدين - وقد كانوا أذل ~~الأمم - على الدين كله , ونفوا جبابرة الملوك صغرة بعد أن كان عندهم أنه لا ~~غالب لهم , وحروفها الملفوظة هي بعدد كلمات - آيات التوحيد , وهي ms6106 آية ~~الكرسي أعظم آية في القرآن , وذلك خمسون حرفا إلا واحدا هو ألف { كفوا } ~~الذي هو مرسوم غير ملفوظ , وهو الدال على الضمير الذي هو غيب الغيب , فهو ~~غيب - من جهة عدم اللفظ به , ووجود وظهور من جهة شاهد الرسم ومسموع الاسم , ~~كما أن الذات غيب محض من جهة الحقيقة يدرك بمشاهدة الأفعال , ومسموع ~~الأسماء العوال - والله الهادي من الضلال . | . . . | PageV08P602 < # > سورة الفلق < # > | مقصودها الاعتصام من شركل ما انفلق عنه الخلق الظاهر والباطن ، ~~واسمها ظاهر الدلالة على ذلك { بسم الله } الذي له جميع الحول { الرحمن } ~~الذي استجمع كمال الطول { الرحيم } الذي أتم على أهل وداده جميع النول ~~بالسلام من علي القول . | لما افتتح سبحانه وتعالى هذا الذكر الحكيم ~~بالهداية في قوله تعالة { اهدنا الصراط المستقيم } وبالهداية والتقوى التي ~~هي شعار التائب في قوله تعالى : { هدى للمتقين } [ البقرة : 2 ] وذلك أول ~~منازل الساترين ، وختم بتقرير أمر التوحيد على وجه لا يتصور أن يكون أكمل ~~منه وتقرير الإخلاص فيه كما يشعر به الأمر ب { قل } وذلك هو نهاية المقامات ~~عند العارفين ، فتم بذلك الدين ، وانتهى سير السالكين ، وختم الإخلاص ~~المقررة لذلك بأنه تعالى لا كفوء له ، فتوفرت الدواعي على الانقطاع إليه ~~والعكوف عليه # % وألقت عصاها واطمأن بها النوى % % كما قر عينا بلإياب المسافر % < < # | الفلق : ( 1 - 5 ) قل أعوذ برب . . . . . # > > ^ ( قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق * ومن شر غاسق إذا وقب * ومن ~~شر النفاثات في العقد * ومن شر حاسد إذا حسد ) ^ } ) | أمر بالتعوذ برب هذا ~~الدين , موافقة لإياك نعبد وإياك نستعين , من شر ما يقدح فيه بضرر في ~~الظاهر أو في الباطن وهم الخلائق حتى على الفنا في الغنا , وبدأ بما يعم ~~شياطين الإنس والجن في الظاهر والباطن , ثم اتبع بما يعم القبيلين ويخص ~~الباطن الذي يستلزم صلاحه صلاح الظاهر , إعلاما بشرف الباطن على وجه لا يخل ~~بالظاهر , وفي ذلك إشارة إلى الحث على معاودة القراءة من أول القرآن كما ~~يشير إليه قوله تعالى : ^ ( { فإذا قرأت القرآن } ) ^ - أي أردت قراءته - ^ ~~( { فاستعذ بالله ms6107 من الشيطان الرجيم } ) ^ [ النحل : 98 ] فقال تعالى : { ~~قل } أي لكل من يبلغه القول من جميع الخلائق تعليما لهم وأمرا , فإنهم ~~PageV08P603 كلهم مربوبون مقهورون لا نجاة لهم في شيء من الضرر إلا بعصمته ~~سبحانه وتعالى , فعلى كل منهم أن يفزع أول ما تصيبه المصيبة إلى مولاه ~~القادر على كشفها تصحيحا لتوكله فإنه يرتقي بذلك إلى حال الرضا بمر القضاء ~~, ولا يأخذ في الاعتماد على جلادته وتدبيره بحوله وقوته فإنه يشتد أسفه ولا ~~يرد ذلك عنه شيئا : { أعوذ } أي أستجير وألتجئ وأعتصم وأحترز . | ولما كان ~~هذا المعنى أليق شيء بصفة الربوبية لأن الإعاذة من المضار أعظم تربية قال : ~~{ برب الفلق * } أي الذي يربيه وينشئ منه ما يريد , وهو الشيء المفلق ~~بإيجاده ظلمة العدم كالعيون التي فلقت بها ظلمة الأرض والجبال , وكالأمطار ~~التي فلقت بها ظلمة الجو والسحاب , وكالنبات الذي فلقت به ظلمة الصعيد , ~~وكالأولاد التي فلقت بها ظلمة الأحشاء , وكالصبح الذي فلقت به ظلمة الليل , ~~وما كان من الوحشة إلى ما حصل من ذلك من الطمأنينة والسكون والأنس والسرور ~~إلى غير ذلك من سائر المخلوقات , قال الملوي : والفلق - بالسكون والأنس ~~والسرور إلى غير ذلك من سائر المخلوقات , الكائنات جميعها - انتهى . | وخص ~~في العرف بالصبح فقيل : فلق الصبح , ومنه قوله تعالى : < # > 77 ( { فالق الاصباح } ) 77 < # > [ الأنعام : 96 ] لأنه ظاهر في تغير الحال ومحاطاة يوم القيامة الذي هو ~~أعظم فلق يشق ظلمة الفنا والهلاك بالبعث والإحياء , فإن القادر على ما قبله ~~بما نشاهده قادر عليه , لأنه لا فرق , بل البعث أهون في عوائد الناس لأنه ~~إعادة , كذا سائر الممكنات , ومن قدر على ذلك قدر على إعاذة المستعيذ من كل ~~ما يخافه ويخشاه . | ولما كانت الأشياء قسمين : عالم الخلق , وعالم الأمر , ~~وكان عالم الأمر خيرا كله , فكان الشر منحصرا في عالم الخلق خاصة ~~بالاستعاذة فقال تعالى معمما فيها : { من شر ما خلق * } أي منكل شيء سوى ~~الله تعالى عز وجل وصفاته , والشر تارة يكون اختياريا من العاقل الداخل تحت ~~مدلول ( لا ) وغيره من سائر الحيوان ms6108 كالكفر والظلم ونهش السباع ولدغ ذوات ~~السموم , وتارة طبيعيا كإحراق النار وإهلاك السموم . | وقال الإمام أبو ~~جعفر بن الزبير : قد أشير , أي في الكلام على ارتباط الإخلاص - إلى وجه ~~ارتباطها آنفا , وذلك واضح إن شاء الله تعالى - انتهى . | ولما كان عطف ~~الخاص على العام يعرف بأن ذلك الخاص أولى أفراد العام بما ذكر له من الحكم ~~, وكان شر الأشياء الظلام , لإإنه أصل كل فساد , وكانت شرارته مع ذلك ~~وشرارة السحر والحسد خفية , خصها بالذكر من بين ما عمه الخلق لأن الخفي ~~يأتي من حيث لا يحتسب الإنسان فيكون أضر . | ولذا قيل : شر العداة المداجي ~~, وكانت PageV08P604 مادة ( غسق ) تدور على الظلام والانصباب , فالغسق - ~~محركة : ظلمة أول الليل , وغسقت العين : أظلمت أو دمعت , واللبن : انصب من ~~الضرع , والليل : اشتدت ظلمته , والغسقان - محركة : الانصباب , والغاسق : ~~القمر , وكأنه سمي به لسرعة سيره وانصبابه في البروج ولأنه ليس له من نفسه ~~إلا الإظلام , والثريا - إذا سقطت - والله أعلم , قال في القاموس : لكثرة ~~الطواعين والأسقام عند سقوطها , والذكر - إذا قام , كما قاله جماعة وروي عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما , وهو سبب للجهل الذي هو ظلام كله , فقال تعالى : ~~{ ومن شر غاسق } أي مظلم بارد منصب ظلامه وبرده سواء كان أصلا في الظلام ~~حسيا أو معنويا أو كان حاملا عليه مثل الذكر إذا قام لما يجر إليه من ~~الوساوس الرديئة لغلبة الشهوة واستحكام سلطان الهوى , ومثل القمر لما يحدث ~~منه من الرطوبات المفسدة للأبدان وغير ذلك انصبابا له غاية القوة كانصباب ~~ما يفيض عن امتلاء في انحدار , ونكره إشارة إلى أنه ليس كل غاسق مذموما - ~~والله أعلم . | ولما كان الشيء الذي اتصف بالظلام يكثف فيشتد انصبابه وأخذه ~~في السفول إلى أن يستقر ويستحكم فيما صوب إليه مجتمعا جدا كاجتماع الشيء في ~~الوقبة وهي النقرة في الصخرة , وكان الظلام لا يشتد أذاه إلا إذا استقر ~~وثبت , قال معبرا بأدة التحقق : { إذا وقب * } أي اعتكر ظلامه ودخل في ~~الأشيءا بغاية القوة كمدخول الثقيل الكثيف المنصب في النقرة التي ms6109 تكون ~~كالبئر في الصخرة الصماء الملساء , وهذا إشارة إلى أنه يسهل علاجه وزواله ~~قبل تمكنه , وفي الحديث ( لما رأى الشمس قد وقبت قال : هذا حين حلها ) يعني ~~صلاة المغرب , وفيه عند أبي يعلى أنه قال لعائشة رضي الله تعالى عنها عن ~~القمر : ( تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب ) وأكثر الأقوال أنه الليل ~~, خص بالاستعاذة لأن المضار فيه تكثر ويعسر دفعها , وأصل الغسق الظلام , ~~ويلزم منه الامتلاء , وقيل : إن الامتلاء هو الأصل , وأصل الوقوب الدخول في ~~وقة أو ما هو كالوقبة وهي النقرة . | ولما كان السحر أعظم ما يكون من ظلام ~~الشر المستحكم في العروق الداخل في وقوبها . | لما فيه من تفريق المرء من ~~زوجه وأبيه وابنه , ونحو ذلك , وما فيه من ضنى الأجسام وقتل النفوس , عقب ~~ذلك بقوله تعالى : { ومن شر } . | ولما كان كل ساحر شريرا بخلاف الغاسق ~~والحاسد , وكان السحر أضر من الغسق PageV08P605 والحسد من جهة أنه شر كله , ~~ومن جهة أنه أخفى من غيره , وكان ما هو منه من النساء أعظم لأن مبنى صحته ~~وقوة تأثيره قلة العقل والدين ورداءة الطبع وضعف اليقين وسرعة الاستحالة , ~~وهن أعرف في كل من هذه الصفات وأرسخ , وكان ما وجد منه من جمع وعلى وجه ~~المبالغة أعظم من غيره عرف وبالغ وجمع وأنث ليدخل فيه ما دونه من باب ~~الأولى فقال تعالى : { النفاثات } أي النفوس الساحرة سواء كانت نوفس الرجال ~~أو نفوس النساء أي التي تبالغ في النفث وهو التفل وهو النفخ مع بعض الريق - ~~هكذا في الكشاف , وقال صاحب القاموس : وهو كانفخ وأقل من التفل , وقال : ~~تفل : بزق , وفي التفسير عن الزجاج أنه التفل بلا ريق , { في العقد * } أي ~~تعقدها للسحر في الخيوط وما أشبهها , وسبب نزول ذلك أن يهوديا سحر النبي ~~صلى الله عليه وسلم فمرض كما ياتي تخريجه , فإن السحر يؤثر بإذن الله تعالى ~~المرض ويصل إلى أن يقتل , فإذا أقر الساحر أنه قتل بسحره وهو مما يقتل ~~غالبا قتل بذلك عند الشافعي , ولا ينافي قوله تعالى ms6110 : < # > 77 ( { والله يعصمك من الناس } ) 77 < # > [ المائدة : 67 ] كما مضى بيانه في المائدة , ولا يوجب ذلك صدق الكفرة ~~في وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه مسحور , فإنهم ما أرادوا إلا الجنون أو ما ~~يشبهه من فساد العقل واختلاله , والمبالغة في أن كل ما يقوله لا حقيقه له ~~كما أن ما ينشأ عن المسحور يكون مختلطا لا تعرف حقيقته . | ولما كان أعظم ~~حامل على السحر وغيره من أذى الناس الحسد , وهو تمني زوال نعمة المحسود : | ~~وداريت كل الناس إلا لحاسد مداراته عزت وشق نوالها وكيف يداري المرء حاسد ~~نعمة إذا كان لا يرضيه إلا زوالها | قال تعالى : { ومن شر حاسد } أي ثابت ~~الاتصاف بالحسد معرق فيه , ونكره لأنه ليس كل حاسد مذموما , وأعظم الحسدة ~~الشيطان الذي ليس له دأب إلا السعي في إزالة نعم العبادات عن الإنسان ~~بالغفلات . | ولما كان الضار من الحسد إنما هو ما أظهر وعمل بمقتضاه ~~بالإصابة بالعين أو غيرها قال مقيدا له : { إذا حسد * } أي حسد بالفعل ~~بعينه الحاسدة , وأما - إذا لم يظهر الحسد فإنه لا يتأذى به إلا الحاسد ~~لاغتمامه بنعمة غيره , وفي إشعار الآية الدعاء بما يحسد عليه من نعم ~~الدارين لأن خير الناس من عاش محسودا ومات محسودا , ولمن لم يلق بالا ~~للدعاء بذلك ويهتم بتحصيل ما يحسد عليه ضحك منه إبليس إذا تلا هذه الآية ~~لكونه ليس له فضيلة يحسد عليها , ولعله عبر بأداة التحقيق إشعارا بأن من ~~كلان ثابت الحسد متمكنا من الاتصاف به بما أشعر به التعبير بالوصف تحقق منه ~~إظهاره , ولم يقدر PageV08P606 على مدافعته في الأغلب إلا من عصم الله ~~تعالى , وقد علم بكون الحسد علة السحر - الموقع في القتل الذي هو أعظم ~~المعاصي بعد الشرك وفي الشرك , لأنه لا يصح غاية الصحة إلا مع الشرك - أن ~~الحسد شر ما انفق عنه ظلام العدم , والشاهد لذلك غلبته على الأمم السالفة ~~وتحذير الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس منه بشهادة هاديها صلى الله عليه ~~وسلم , أخرج الإمام أحمد وأبو داود ms6111 الطيالسي عن الزبير بن العوام رضي الله ~~عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم : ( دب إليكم داء الأمم قبلكم : الحسد ~~والبغضاء ألا والبغضاء هي الحالقة , لا أقول : إنها تحلق الشعر ولكن تحلق ~~الدين ) وفي الباب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن مسعود رضي الله ~~عنه , وأعظم أسبباب الحالقة أو كلها الحسد , فعلم بهذا رجوع آخر السورة على ~~أولها , وانعطاف مفصلها على موصلها , ومن أعيذ من هذه المذكورات انفلق سماء ~~قلبه عن شمس المعرفة بعد ظلام ليل الجهل , فأشرقت أرجاؤه بأنوار الحكم , ~~إلى أن يضيق الوصف له عن بدائع الكشف : | هناك ترى ما يملأ العين قرة ويسلي ~~عن الأوطان كل غريب | فينقطع التعلق عما سوى الله بمحض الاتباع والبعد عن ~~الابتداع بمقتضى < # > 77 ( { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } ) 77 < # > [ آل عمران : 31 ] وقد بطل بالأمر بالاستعاذة قول الجبرية : إنا كالآلة ~~لا فعل لنا أصلا , وإنما نحن كالحجر لا يتحرك إلا بمحرك , لأنه لو كان هو ~~المحرك لنا بغير اختيار لم يكن للأمر فائدة , وقول القدرية : إنا نخلق ~~أفعالنا , وقول الفلاسفة : إنه - إذا وجد السبب والمسبب حصل التأثير من غير ~~احتياج إلى ربط إلهي كالنار والحطب , لأنه لو كان ذلك لكانت هذه الأفعال ~~المسببات إذا وجدت من فاعليها الذين هم الأسباب , أو الأفعال التي هي ~~الأسباب , والمسببات التي هي الأبدان المراد تأثيرها أثرت ولم تنفع ~~الاستعاذة , والشاهد خلافه , وثبت قول الأشاعرة أهل السنة والجماعة أنه إذا ~~وجد السبب والمسبب توقف وجود الأثر على إيجاد الله تعالى , فإن أنفذ السبب ~~وجد الأثر , وإن لم ينفذه لم يوجد , والسورتان معلمتان بأن البلايا كثيرة ~~وهو قادر على دفعها , فهما حاملتان على الخوف والرجاء , وذلك هو لباب ~~العبودية , وسبب نزول المعوذتين على ما نقل الواحدي عن المفسرين رحمة الله ~~عليهم أجميعن والبغوي عن ابن عباس وعائشة رضي الله عنهم أن غلاما من اليهود ~~كان يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فدبت إليه اليهود فلم يزالوا به حتى ~~أخذه مشاطة رأس النبي ms6112 صلى الله عليه وسلم وعدة أسنان من مشطه فأعطاها ~~اليهود فسحروه فيها , وتولى ذلك لبيد بن الأعصم اليهودي , فمرض رسول الله ~~PageV08P607 صلى الله عليه وسلم وانتشر شعر رأسه , ويرى أنه يأتي النساء ~~ولا يأتيهن , يذوب ولا يدري ما عراه , فبينا هو نائم ذات يوم أتاه ملكان ~~فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه , فقال الذي عند رجليه للذي عند أسه ~~: ما بال الرجل ؟ قال : طب , قال : وما طب ؟ قال : سحر , قال : ومن سحره ؟ ~~قال : لبيد بن الأعصم اليهودي , قال : وبما طبه ؟ قال : بمشط ومشاطة , قال ~~: وأين هو ؟ قال : في جف طلعة ذكر تحت راغوفة في بئر ذروان - بئر في بني ~~زريق , والجف : قشر الطلع , والراغوفة : حجر في أسفل البئر يقوم عليه ~~المائح , فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم وقال لعائشة رضي الله عنها : ( ~~يا عائشة ! أما شعرت أن الله أخبرني بدائي ! ثم بعث عليا والزبير وعمار بن ~~ياسر رضي الله عنهم فنزحوا البئر كأنه نقاعة الحناء , ثم نزعوا الصخرة ~~وأخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان مشطه , وإذا وتر معقد فيه إحدى ~~عشرة عقدة مغروزة بالإبر ) فأنزل الله سبحانه وتعالى سورتي المعوذتين , ~~وهما إحدى عشرة آية : الفلق خمس والناس ست , فجعل كلما قرأ آية انحلت عقدة ~~, ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة حتى انحلت العقدة الأخيرة فقام ~~كأنما نشط من عقال , وجعل جبرائيل عليه الصلاة والسلام يقول : ( بسم الله ~~أرقيك من كل شيء يؤذيك ومن حاسد وعين والله يشفيك ) فقالوا : يا رسول الله ~~! هلا أخرجته ؟ فقال : ( أما أنا فقد شفاني الله , وأكره أن أثير على الناس ~~شرا ) ويجمع بأنه أتاها صلى الله عليه وسلم بنفسه الشريفة فلم يخرجه ثم إنه ~~وجد بعض الألم فأرسل إليه , فأخرجه فزال الألم كله , وروى البخاري ومسلم عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت : سحر النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنه ليخيل ~~إليه أنه فعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه ~~, ثم قال : ( أشعرت يا عائشة ms6113 أن الله تعالى قد أفتاني فيما استفتيته فيه ) ~~, قلت : وما ذاك يا رسول الله , قال : ( أتاني ملكان ) فذكره , وروى ~~النسائي في المحاربة من سننه وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع وعبد بن ~~حميد وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم والبغوي في تفسيره كلهم عن زيد بن أرقم ~~رضي الله عنه قال : كان رجل يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ له ~~فسحر النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود فاشتكى لذلك أياما فأتاه ~~جبريل عليه الصلاة والسلام فقال : ( إن رجلا من PageV08P608 اليهود سحرك , ~~عقد لك عقدا في بئر كذا وكذا , أو قال : فطرحه في بئر رجل من الأنصار ) ~~فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستخرجوها فجيء بها فحلها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم , فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة , فقام رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم كأنما نشط من عقال ( فما ذكر ذلك لذلك اليهودي ولا رآه في ~~وجهه قط , وفي رواية : فأتاه ملكان يعوذانه فقعد أحدهما عند رأسه والآخر ~~عند رجله فقال أحدهما : ) أتدري ما وجعه ؟ قال : كأن الذي يدخل عليه عقد له ~~وألقاه في بئر ( , فأرسل إليه رجلا , وفي رواية : عليا رضي الله عنه , فأخذ ~~العقد فوجد الماء قد اصفر , قال : فأخذ العقد فحلها فبرأ , فكان الرجل بعد ~~ذلك يدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر له شيئا ولم يعاتبه فيه , ~~وهذا الفضل لمنفعة المعوذيتن كما منح الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ~~فكذا تفضل به على سائر أمته , وروى أبو داود والترمذي وقال : حسن صحيح - ~~والنسائي مسندا أو مرسلا - قال النووي : بالأسانيد الصحيحة - عن عبد الله ~~بن خبيب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ) اقرأ قل ~~هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاثة مرات - يكفيك كل شيء ( ~~والأحاديث في فضل هذه السور الثلاث كثيرة جدا , وجعل التعويذ في سورتين ~~إشارة إلى استحباب تكريره , وجعلتا إحدى عشرة آية ندبا إلى تكثيره في ms6114 ~~تكريره , وقدمت الفلق التي خمس آيات مع ما مضى المناسبات لأن اقترانها ~~بسورة التوحيد أنسب , وشفها بسورة الناس التي هي ست آيات أنسب , ليكون ~~الشفع بالشفع , والابتداء بالوتر بعد سورة الوتر , وحاصل هذه السورة العظمة ~~في معناها الأبدع الأسمى الاستعاذة بالله بذكر اسمه { الرب } المقتضي ~~للإحسان والتربية بجلبي النعم ودفع النقم منشر ما خلق ومن السحر والحسد , ~~كما كان أكثر البقرة المناظرة لها في رد المقطع على المطلع لكونها ثانية من ~~الأول كما أن هذه ثانية من الآخر في ذكر أعداء النبي صلى الله عليه وسلم ~~الحاسدين له على ما أوتي من النعم , وفي تذكيرهم بما منحهم من النعم التي ~~كفروها , وأكثر ذلك في بني إسرائيل الذين كانوا أشد الناس حسدا له صلى الله ~~عليه وسلم , وكان من أعظم ما ضلوا به السحر المشار إليه بقوله تعالى : < # > 77 ( { واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان } ) 77 < # > [ البقرة : 102 ] حتى قال : { فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه } إلى أن قال : < # > 77 ( { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفرا حسدا من ~~عند أنفسهم } ) 77 < # > [ البقرة : 109 ] وكان PageV08P609 السحر من أعظم ما أثر في النبي صلى ~~الله عليه وسلم من كيدهم حتى أنزل فيه المعوذتان , وكان الساحر له منهم , ~~وقد انقضى ما يسر الله من الكلام على انتظام معانيها بحسب تركيب كلماتها , ~~وبقي الكلام على كلماتها من حيث العدد , فيما تشير إليه من البركات والمدد ~~, هي ثلاث وعشرون كلمة إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم في السنة الثالثة ~~والعشرين من النبوة يأمر من أذى حاسديه , وذلك بالوفاة عند تمام الدين ويأس ~~الحاسدين من كل شيء من الأذى في الدين والدنيا , وخلاص النبي صلى الله عليه ~~وسلم من كل كدر , فإذا ضممت إليها لاضمائر وهي خمسة كانت ثماني وعشرين , ~~وهي توازي سنة خمس عشرة من الهجرة , وذلك عند استحكام أمر عمر رضي الله عنه ~~في السنة الثانية من خلافته ببث العساكر وإنفاذه إلى ملك الفرس والروم ~~وتغلغل ms6115 بغلبهم على ماهان أعظم رؤسائهم , فاضحمل أمر المنافقين والحاسدين , ~~وأيسوا من تأثير أدنى كيد من أحد من الكائدين , فإذا ضم إليها أربع كلمات ~~البسملة كانت اثنتين وثلاثين , إذا حسبت من أول النبوة وازتها السنة ~~التاسعة عشرة من الهجرة , وفيها كان فتح قيسارية الروم من بلاد الشام , ~~وبفتحها كان فتح جميع بلاد الشام , لم يبق بها بلد إلا وهي في أيدي ~~المسلمين , فزالت عنها دولة الروم , وفيها أيضا كان فتح جولاء من بلاد ~~فاررس وكان فتحا عظيما جدا هد أجنادهم وملوكهم , ولذلك سمي فتح الفتوح , ~~وحصل حينئذ أعظم الخزي للفرس والروم الذين هم أحسد الحسدة , لما كان لهم من ~~العزة والقوة بالأموال والرجال , وإن حسبت من الهجرة وازتها سنة انقراض ملك ~~أعظم الحسدة الأكسارة الذي شقق ملكهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم , ~~وأرسل إلى عامله باذان - الذي كان استخلفه على بلاد اليمن - يأمره أن يغزو ~~النبي صلى الله عليه وسلم , فأخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه يقتله ~~سبحانه في ليلة سماها , فلما أتت تلك الليلة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~رسل باذان بذلك , فرجعوا إلى باذآن فأخبره فقال : إن كان صادقا فسيأتي ~~الخبر في يوم كذا , فأتى الخبر في ذلك اليوم بصدقه صلى الله عليه وسلم ~~فأسلم باذان ومن معه من الأبناء الذين كانوا في بلاد اليمن لم يتخلف منهم ~~أحد , وأوفد منهم وفدا على النبي صلى الله عليه وسلم بذلك , وتولى الله ~~ورسوله صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنهم والله أعلم . | . . . | ~~PageV08P610 < # > سورة الناس < # > | مقصودها الاعتصام بالإله الحق من شر الخلق الباطن ، واسمها دال على ~~ذلك لأن الإنسان مطبوع على الشر ، وأكثر شره بالمكر والخداع ، وأحسن من هذا ~~أنها للاستعاذة من الشر الباطن المأنوس به المستروح إليه ، فإن الوسسة لا ~~تكون إلا بما يشتهي ، والناس مشتق من الأنس ، فإن أصله أناس ، وهو أيضا ~~اضطراب الباطن المشير إليه الاشتقاق من النوس ، فطابق حينئذ الاسم المسمى ، ~~ومقصود هذه السورة معلول لمقصود الفقاتحة الذي هو المراقبة ، وهي شاملة ~~لجميع ms6116 علوم القرآن التي هي مصادقة الله ومعاداة الشيطان ببراعة الختام ~~وفذلكة النظام ، كما أن الفاتحة شاملة لذلك لأنها براعة الاستهلال ، ورعاية ~~الجلال والجمال ، فقد اتصل الآخر بالأول اتصال العلة بالمعلول ، والدليل ~~بالمدلول ، والمثل بالممثول ، والله المسؤول في تيسير السؤل ، ت وتحقيق ~~المأمول ، فإنه الجواد ذو الطول ، وبه يستعان وعليه التكلان : { بسم الله } ~~المحيط علما بكل باطن كإحاطته بكل ظاهر { الرحمن } الذي عمت نعمته كل باد ~~وحاضر { الرحيم } الذي خص أولياءه بإتمام النعمة عليهم في جميع أمورهم ~~الأول منها والأثناء والآخر . < < # | الناس : ( 1 - 6 ) قل أعوذ برب . . . . . # > > ^ ( قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس * من شر الوسواس ~~الخناس * الذى يوسوس في صدور الناس * من الجنة والناس ) ^ } ) | لما جاءت ~~سورة الفلق للاستعاذة من شر ما خلق من جميع المضار البدنية وغيرها العامة ~~للإنسان وغيره , وذلك هو جملة الشر الموجود في جميع الأكوان والأزمان , ثم ~~وقع فيها التخصيص بشرور بأعيانها من الفاسق والساحر والحاسد , فكانت ~~الاستعاذة فيها عامة للمصائب الخارجة التي ترجع إلى ظلم الغير , والمعايب ~~الداخلة التي ترجع PageV08P611 إلى ظلم النفس ولكنها في المصائب أظهر , ~~وختمت بالحسد فعلم أنه أضر المصائب , وكان أصل ما بين الجن والإنس من ~~العداوة الحسد , جاءت سورة الناس متضمنة للاستعاذة من شر خاص , وهو الوسواس ~~, وهو أخص من مطلق الحاسد , ويرجع إلى المعايب الداخلة اللاحقة للنفوس ~~البشرية التي أصلها كلها الوسوسة , وهي سبب الذنوب والمعاصي كلها , وهي من ~~الجن أمكن وأضر , والشر كله يرجع إلى المصائب والمعايب , فقد تضمنت السورة ~~كالفلق استعاذة ومستعاذا به ومستعاذا منه وأمرا بإيجاد ذلك , فالأمر : { قل ~~} والاسعتاذة { أعوذ } والمستعاذ به هو الله سبحانه وتعالى , لكن لما كانت ~~صفة الربوبية من صفات كماله سبحان أليق بالحماية والإعانة والرعاية والخلق ~~والتدبير والتربية والإصلاح , المتضمن للقدرة التامة والرحمة الواسعة , ~~والإحسان الشامل والتدبير والتربية والإصلاح , والمتضمن للقدرة التامة ~~والرحمة الواسعة , والإحسان الشامل والعلم الكامل , قال تعالى : { برب ~~الناس * } أي أعتصم به أي أسأله أن يكون عاصما لي من العدو أن يوقعني في ~~المهالك , قال الملوي ms6117 : والرب من له ملك الرق وجلب الخيرات من السماء ~~والأرض وإبقاؤها , ودفع الشرور ورفعها , والنقل من النقص إلى الكمال , ~~والتدبير العام العائد بالحفظ والتتميم على المربوب , وخص الإضافة ~~بالمزلزلين المضطربين في الأبدان والأديان من الإنس والجان لخصوص المستعاذ ~~منه , وهو الأضرار التي تعرض للنفوس العاقلة وتخصها , بخلاف ما في الفلق ~~فإنه المضار البدنية التي تعم الإنسان وغيره . | وقال الإمام أبو جعفر بن ~~الزبير : وجه تأخرها عن شقيقتها عموم الأولى وخصوص الثانية , ألا ترى عموم ~~قوله { من شر ما خلق } وإبهام { ما } وتنكير { غاسق } و { حاسد } والعهد ~~فيها استعيذ من شره في سورة الناس وتعريفه ونعته , فبدأ بالمعموم ثم أتبع ~~بالخصوص ليكون أبلغ في تحصيل ما قصدت الاستعاذة منه , وأوفى بالمقصود , ~~ونظير هذا في تقديم المعنى الأعم ثم إتباعه بالأخص بتناول الدقائق والجلائل ~~قوله سبحانه وتعالى { بسم الله الرحمن الرحيم } في معنى الرحمن ومعنى ~~الرحيم واحد لا في عموم الصفة الأولى وكونها للمبالغة , وقد تعرض لبيان ذلك ~~المفسرون ولذلك نظائر - انتهى . | ولما كان الرب الملك متقاربين في المفهوم ~~, وكان الرب أقرب في المفهوم إلى اللطف والتربية , وكان الملك للقهر ~~والاستيلاء وإظهار العدل ألزم , وكان الرب قد لا يكون ملكا فلا يكون كامل ~~التصرف , اقتضت البلاغة تقديم الأول وإتباعه الثاني , فقال تعالى : { ملك ~~الناس * } إشارة إلى أن له كمال التصرف ونفوذ القدرة وتمام السلطان , وإليه ~~المفزع وهو المستعان , والمستغاث والملجأ والمعاد . | PageV08P612 ولما كان ~~الملك قد لا يكون إلها , وكانت الإلهية خاصة لا تقبل شركا أصلا بخلاف غيرها ~~, أنهي الأمر إليها وجعلت غاية البيان فقال : { إله الناس * } إشارة إلى ~~أنه كما انفرد بربوبيتهم وملكهم لم يشركه في ذلك أحد , فكذلك هو واحده ~~إلههم لا يشركه في إلهيته أحد , وهذه دائما طريقة القرآن يحتج عليهم ~~بإقرارهم بتوحيدهم له في الربوبية والملك على ما أنكروه من توحيد الإلهية ~~والعبادة , فمن كان ربهم وملكهم فهم جديرون بأن لا يتألهوا سواه ولا ~~يستعيذوا بغيره كما أن أحدهم إذا دهمه أمر استعاذ بوليه من أبناء جنسه ~~واستغاث به ms6118 , والإله من ظهر بلطيف صنائعه التي أفادها مفهوم الرب والملك في ~~قلوب العباد فأحبوه واستأنسوا به ولجؤوا إليه في جميع أمورهم , وبطن ~~احتجابا بكبريائه عن أن يحاط به أو بصفة من صفاته أو شيء من أمره , فهابته ~~العباد ودعاهم الحب إلى الوله شوقا إلى لقائه , وزجرتهم الهيبة فجزعوا خوفا ~~من طرده لهم عن فنائه , وكرر الاسم الظاهر دون أن يضمر فيقول مثلا : { ~~ملكهم } { إلههم } تحقيقا لهذا المعنى وتقوية له بإعادة اسمهم الدال على ~~شدة الاضطراب المقتضي للحاجة عند كل اسم من أسمائه الدال على الكامل ~~المقتضي للغنى المطلق , ودلالة على أنه حقيق بالإعادة قادر عليها لبيان أنه ~~المتصرف فيهم من جميع الجهات وبيانا لشرف الإنسان ومزيد الاعتماد بمزيد ~~البيان , ولئلا يظن أن شيئا من هذه الأسماء يتقيد بما أضيف غليه الذي قبله ~~من ذلك الوجه , لأن الضمير إذا أعيد كان المراد به عين ما عاد إليه , فأشير ~~بالإظهار إلى أن كل صفة منها عامة غير مقيدة بشيء أصلا , واندرج في هذه ~~الاستعاذة جميع وجوه الاستعاذات من جميع وجوه التربية وجميع الوجوه ~~المنسوبة إلى المستعيذ من جهة أنه في قهر الملك بالضم , وجيمع الوجوه ~~المنسوبة إلى الإلهية لئلا يقع خلل في وجه من تلك الوجوه تنزيلا لاختلاف ~~الصفات منزلة اختلاف الذات إشعارا بعظم الآفة المستعاذ منها , ولم يعطف ~~بالواو لما فيها من الإيذان بالمغايرة , والمقصود الاستعاذة بمجموع هذه ~~الصفات الواقعة على ذات واحدة حتى كأنها صفة واحدة , وقدم الربوبية لعمومها ~~وشمولها لكل مربوب على حد سواء , فلا فعل لأحد إلا وهو خلقه سبحانه وتعالى ~~وهو الباعث عليه , وأخر الإلهية لخصوصها لأن من لم يتقيد بأوامره ونواهيه ~~فقد أخرج نفسه من أن يجعله إلهه وإن كان في الحقيقة لا إله سواه , ووسط صفة ~~الملك لأن الملك هو المتصرف بالأمر والنهي , وملكه لهم تابع لخلقه إياهم ~~فملكه من كمال ربوبيته , وكونه إلههم الحق من كمال ملكه , فربوبيته تستلزم ~~ملكه وتقتضيه , وملكه يستلزم إلهيته وتقتضيها , وقد اشتملت هذه الإضافات ~~الثلاث على جميع قواعد الإيمان ms6119 , وتضمنت معاني أسمائه الحسنى , فإن الرب هو ~~القادر الخالق إلى غير ذلك مما يتوقف الإصلاح والرحمة والقدرة التي هي معنى ~~الربوبية عليه من أوصاف الجمال , PageV08P613 والملك هو الآمر الناهي المعز ~~المذل - إلى غير ذلك من الأسماء العائدة إلى العظمة والجلال , وأما الإله ~~فهو الجامع لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال , فيدخل فيه جميع الأسماء ~~الحسنى , فلتضمنها جميع معاني الأسماء كان المستعيذ جديرا بأن يعوذ , وقد ~~وقع ترتيبها على الوجه الأكل الدال على الواحدانية , لأن من رأى ما عليه من ~~النعم الظاهرة والباطنة , علم أن له مربيا , فإذا تغلغل في العروج في درج ~~معارفه سبحانه وتعالى علم أنه غني عن الكل , والكل إليه محتاج , وعن أمره ~~تجري أمورهم , فيعلم أنه ملكهم , ثم يعلم بانفراد بتدبيرهم بعد إبداعهم أنه ~~المستحق للإلهية بلا مشارك له فيها , فقد أجمع القراء في هذه السورة على ~~إسقاط الألف من { ملك } بخلاف الفاتحة كما مضى لأن الملك إذا أضيف إلى { ~~اليوم } أفهم اختصاصه بجميع ما فيه من جوهر وعرض , وأنه لا أمر لأحد معه ~~ولا مشاركة في شيء من ذلك , وهو معنى الملك - بالضم , وأما إضافة المالك ~~إلى الناس فإنها تستلزم أن يكون ملكهم , فلو قرائ به هنا لنقص المعنى , ~~وأطبقوا في آل عمران على إثبات الألف في المضاف وحذفها من المضاف إليه لأن ~~المقصود بالسياق أنه سبحانه وتعالى يعطي الملك من يشاء ويمنعه من يشاء , ~~والملك - بكسر الميم - أليق بهذا المعنى , وأسرار كلام الله سبحانه وتعالى ~~أعظم من أن تحيط بها العقول , وإنما غاية أولي العلم الاستدلال بما ظهر ~~منها على ما وراءه , وأن بادية إلى الخافي يشير . | ولما أكمل الاستعاذة من ~~جميع وجوهها التي مدارها الإحسان أو العظمة أو القهر أو الإذعان والتذلل , ~~ذكر المستعاذ منه فقال : { من شر الوسواس * } هو اسم بمعنى الوسوسة ~~كالزلزال بمعنى الزلزلة , والمراد بالموسوس , سمي بفعله مبالغة لأنه صفته ~~التي هو غاية الضراوة عليها كما بولغ في العادلة بتسميته بالعدل , والوسوسة ~~الكلام الخفي : إلقاء المعاني إلى القلب في خفاء وتكرير , كما ms6120 أن الكلمة ~~الدالة عليها ( وس ) مكررة , وأصلها صوت الحلي , وحديث النفس , وهمس الكلاب ~~, ضوعف لفظه مناسبة لمعناه لأن الموسوس يكرر ما ينفثه في القلب ويؤكده في ~~خفاء ليقبل , ومصدره بالكسر كالزلزال كما قال تعالى : < # > 77 ( { وزلزلوا زلزالا شديدا } ) 77 < # > [ الأحزاب : 11 ] وكل مضاعف من الزلزلة والرضرضة معناه متكرر , ~~والموسوس من الجن يجري من ابن آدم مجرى الدم - كما في الصحيح , فهو يوسوس ~~بالذنب سرا ليكون اجلى , ولا يزال يزينه ويثير الشهوة الداعية إليه حتى ~~يواقعه الإنسان , فإذا واقعه وسوس لغيره أن فلانا فعل كذا حتى يفضحه بذلك , ~~فإذا افتضح ازداد جرأة على أمثال ذلك لأنه يقول : قد وضع ما كنت أحذره من ~~القالة , فلا يكون شيء غير الذي كان , وشره التحبيب إلى الإنسان بما يميل ~~إليه طبعه PageV08P614 حتى يشاكله في رذيلة الطبع وظلمة النفس , فينشأ من ~~ذلك شرور لازمة ومتعدية أضرها الكبر والإعجاب اللذان أهلكا الشيطان , فيوقع ~~الإنسان بها فيما أوقع نفسه فيه , وينشأ من الكبر الحقد والحسد يترشح منه ~~بطر الحق - وهو عدم قبوله , ومنه الكفر والفسوق والعصيان , وغمص الناس - ~~وهو احتقارهم المعلوم من قول الشيطان < # > 77 ( { أنا خير منه } ) 77 < # > [ الأعراف : 12 ] ومنه تنشأ الاستهانة بأولياء الله تعالى بترك ~~احترامهم ومنع حقوقهم والاعتداء عليهم والظلم لهم , وترشح من الحقد الذي هو ~~العداوة العظيمة إمساك الخير والإحسان وبسط اللسان واليد بكل سوء وإيذاء , ~~ويترشح من الحسد إفساد ذات البين كما يشير إليه < # > 77 ( { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة } ) 77 < # > [ الأعراف : 20 ] الآية والكذب والمخادعة كما عرف به < # > 77 ( { وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور } ) 77 < # > [ الأعراف : 21 ] ويترشح عن الإعجاب التسخط للقضاء والقدر كما آذن به < # > 77 ( { قال أأسجد لمن خلقت طينا } ) 77 < # > [ الإسراء : 61 ] ومقابلة الأمر بالعلم بما أشعر به < # > 77 ( { لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال } ) 77 < # > [ الحجر : 33 ] , واستعمال القياس في مقابلة النص بما هدى إليه < # > 77 ( { أنا خير منه } ) 77 < # > [ الأعراف : 12 ] الآية , واستعمال التحسين والتقبيح بما أفهمه { لم ~~أكن لأسجد لبشر ms6121 خلقته من صلصال من حمإ مسنون } والإذلال وهو الجرأة على ~~المخالفات فينشأ عن ذلك شرور متعدية , وهي السعي في إفساد العقائد والأخلاق ~~والأعمال والأبدان والأرزاق , ثم لا يزال يتحبب إلى الإنسان بما يميل إليه ~~طبعه من هذه الخبائث وهو يوافقه فيها حتى يصير له أخلاقا راسخة , فيصير ~~رديء الطبع فلا ينفع فيه العلاج , بل لا يزيده إلا خبثا كإبليس , ومن كان ~~أصله طيبا واكتسب ما يخالفه بسبب عارض كان ممكن الإزالة كالعلاج كما وقع ~~لآدم عليه الصلاة والسلام . | ولما كان الملك الأعظم سبحانه لم ينزل داء ~~إلا أنزل له دواء , وكان قد جعل دواء الوسوسة ذكره سبحانه وتعالى , فإنه ~~يطرد الشيطان وينير القلب ويصفيه , وصف سبحانه وتعالى فعل الموسوس عند ~~استعمال الدواء إعلاما بأنه شديد العداوة للإنسان ليشتد حذره منه وبعده عنه ~~فقال : { الخناس * } أي الذي عادته أن يخنس أي يتوارى ويتأخر ويختفي بعد ~~ظهوره مرة بعد مرة , كلما كان الذكر خنس , وكلما بطل عاد إلى وسواسه , ~~فالذكر له كالمقامع التي تقمع المفسد , فهو شديد النفور منه , ولهذا يكون ~~شيطان المؤمن هزيلا كما ورد عن بعض السلف أن المؤمن ينفي شيطانه كما ينفي ~~الرجل بعيره في السقر , قال البغوي : له خرطوم كخرطوم الكلب في صدر الإنسان ~~, ويقال : رأسه كرأس الحية واضع رأسه على يمين القلب يحدثه , فإذا ذكر الله ~~خنس , وإذا لم يذكر الله رجع ووضع رأسه - خزاه الله تعالى . | PageV08P615 ~~ولما ذكر صفة المستعاذ منه , ذكر إبرازه لصفته بالفعل فقال : { الذي يوسوس ~~} أي يلقي المعاني الضارة على وجه الخفاء والتكرير بحيث تصل مفاهيمها من ~~غير سماع , وأشار إلى كثرة وسوسته بذكر الصدر الذي هو ساحة القلب ومسكنه ~~فقال : { في صدور الناس * } أي المضطربين إذا غفلوا عن ذكر ربهم , فإنها ~~دهاليز القلوب منها تدخل الواردات إليها , وذلك كالقوة الوهمية فإن العقل ~~يساعد في المقدمات الحقة المنتجة للأمر المقطوع به , فإذا وصل الأمر إلى ~~ذلك خنست الواهمة ريثما يفتر العقل عن النتيجة فترة ما , فتأخذ الواهمة في ~~الوسوسة وتقبل منها الطبيعة بما ms6122 لها بها من مجانسة الظلمة الوهمية , والناس ~~- قال في القاموس : يكون من الإنس ومن الجن , جميع إنس أصله أناس جمع عزيز ~~أدخل عليه أل - انتهى , ولعل إطلاقه على هذين المتقابلين بالنظرإلى النوس ~~الذي أصله الاضطراب والتذبذب فيكون منحوتا من الأصلين : الانس والنوس , ومن ~~ثالث وهو النسيان . | ولما كان الذي يعلم الإنسان الشرة تارة من الجن وأخرى ~~من الإنس , قال مبينا للوسواس تحذيرا من شياطين الإنس كالتحذير من شياطين ~~الجن , مقدما الأهم الأضر , ويجوز أن يكون بيانا ل ( الناس ) ولا تعسف فيه ~~لما علم من نقل القاموس : { من الجنة } أي الجن الذين في غاية الشر والتمرد ~~والخفاء { والناس * } أي أهل الاضطراب والذبذبة سواء كانوا من الإنس أو ~~الجن , فيكون المعنى أن الجن مسلط بعضهم على بعض كما هم مسلطون على الإنس ~~أو الجن , فيكون المعنى أن الجن مسلط بعضهم على بعض كما هم مسلطون على ~~الإنس , فيدخل شيطان الجن في الجني كما يدخل في الإنسي ويوسوس له - قاله ~~الغوي عن الكلبي , وقال : ذكر عن بعض العرب أنه قال : جاء قوم من الجن ~~فوقفوا فقيل : من أنتم ؟ قالوا : أناس من الجن , قال : وهذا معنى قول ~~الفراء . | وقد ختمت السورة بما بدئت به , والمعنى الثاني أوفق برد آخرها ~~على أولها فإنه يكون شرحا للناس الذين أضيفت لهم الصفات العلى , والخواطر ~~الواردة على الإنسان قد تكون وسوسة , وقد تكون إلهاما , والإلهام تارة يكون ~~من الله بلا واسطة , وتارة يكون بواسطة الملك , ويكون كل منها في القلب , ~~والوسوسة تارة من الشيطان , وأخرى من النفس , وكلاهما يكون في الصدر , فإن ~~كان الإنسان مراقبا دفع عن نفسه الضار , وإلا هجمت الواردات عليه وتمكنت ~~منه ويتميز خير الخواطر من شرها بقانون الشرع على أن الأمر مشكل , فإن ~~الشيطان يجتهد في التلبيس , فإن وافق الشرع فلينظر , فإن كان فعله ذلك ~~الحين أولى من غير تفويت لفضيلة أخرى هي أولى منه بادر إليه وإن كان الخاطر ~~دنيويا وأدى الفكر إلى أنه نافع من غير مخالفة للشرع زاد على شدة تأمله ms6123 ~~PageV08P616 الاستشارة لمن يثق بدينه وعقله , ثم الاستخارة لاحتمال أن ~~تتوافق عليه العقول , ويكون فيه خلل لتقصير وقع في النظر , وقد جعل بعضهم ~~قانون الخاطر الرحماني أن ينشرح له الصدر ويطمئن إليه النفس , والشيطاني ~~والنفسي ان ينقبض عنده الصدر وتقلق النسف بشهادة الحديث النبوي في البر ~~والإثم , ويعرف الشيطاني بالحمل على مطلق المخالفة , فإن الشيطان لا غرض له ~~في مخالفة بعينها , فإن حصل اذكر زال ذلك , والنفساني ملزوم شيء بعينه سواء ~~كان نفعا أو ضرا , ولا ينصرف عنه بالذكر , وقد يكون الشيطان إنسيا من أزواج ~~وأولاد ومعارف , وربما كان أضر من شيطان الجن , فدواؤه المقاطعة والمجانبة ~~بحسب القدرة , ومن أراد قانونا عظيما لمن يصاحب ومن يجانب فعليه بآية الكهف ~~< # > 77 ( { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا ~~تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من إفلنا قلبه عن ذكرنا ~~واتبع هواه وكان أمره فرطا } ) 77 < # > [ الكهف : 28 ] وكما رجع مقطعها على مطلعها كذلك كان من المناسبات ~~العظيمة مناسبة معناها للفاتحة ليرجع مقطع القرآن على مطلعه , ويلتحم مبدؤه ~~بمرجعه على أحسن وجه , كما تقدم بيان ذلك من سورة قريش إلى هنا سورة سورة , ~~فنظر هذه السورة إلى الفاتحة والتحامها بها من جهة أن الفاتحة اشتملت على ~~ثلاثة أسماء : الله والرب والملك , وزادت بكونها أم القرآن بالرحمن الرحمي ~~, لاشتمالهما على جميع النعم الظاهرة والباطنة التي تضمنتها صفة الربوبية , ~~وسورة الناس على الرب والملك والإله الذي هو الأصل في اسم الجلالة , واختصت ~~الفاتحة بالاسم الذي لم يقع فيه شركة أصلا , فلما تقرر في جميع القرآن أنه ~~الإله الحق , وأنه لا شركة لغيره في الإلهية يحق بوجه من الوجوه كما أنه لا ~~شركة في الاسم الأعظم الذي افتتح به القرآن أصلا بحق ولا بباطل , ختم ~~القرآن الكريم به معبرا عنه بالغله لوضوح الأمر وانتفاء اللبس بالكلية , ~~وصار الاختتام مما كان به الافتتاح على الوجه الأجلى والترتيب الأولي , ~~وبقي الاسمان الآخران على نظمهما , فيصير النظم إذا ألصفت آخر الناس بأول ms6124 ~~الفاتحة ( إله ملك رب الله رب - رحمن رحيم ملك ) إعلاما بأن مسمى الأسم ~~الأعظم هو الإله الحق , وهو الملك الأعظم لأنه له الإبداع وحسن التربية ~~والرحمة والعامة والخاصة , وحاصل سورة الناس الاستعاذة بهذا الرب الموصوف ~~من وسوسة الصدر المثمرة للمقرابة كما أن حاصل سورة الفاتحة فراغ السر من ~~الشواغل المتقضي لقصر الهمم عليه سبحانه وتعالى والبقاء في حضرته الشماء ~~بقصر البقاء عليه والحكم بالفناء على ما سواه , وذلك هو أعلى درجات ~~المراقبة , فإذا أراد الحق إعانة عبد حمله على الاستعانة بالاستعاذة فيسر ~~عليه صدق التوكل , فحينئذ يصير عابدا صادقا في العبودية فيكون إله ~~PageV08P617 سمعه الذي يسمع , وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها , ~~ورجله التي يمشي بها , وينبغي أنه كلما زاده سبحانه وتعالى تقريبا ازداد له ~~عبادة حتى ينفك من مكر الشيطان بالموت كما قال تعالى لأقرب خلقه إليه محمد ~~صلى الله عليه وسلم < # > 77 ( { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } ) 77 < # > [ الحجر : 99 ] ومن نقص من الأعمال شيئا اعتمادا على أنه وصل فقد تزندق ~~, وكان مثله مثل شخص في بيت مظلم أسرج فيه سراجا فأضاء , فقال : ما أوقدت ~~السراج إلا ليضيء البيت فقد أضاء , فلا حاجة لي الآن إلى السراج , فأطفأه ~~فعاد الظلام كما كان , وقد ندب النبي صلى الله عليه وسلم إلى افتتاح القرآن ~~بعد ختمه كما أشار إليه اتصال المعنى بما بينته , وسمي ذلك الحال المرتحل , ~~وكأن القارئ ذكر بالأمر بالاستعاذة إرادة افتتاح قراءته , فكأنه قيل : ~~استعذ يا من ختم القرآن العظيم لتفتتحه , وكأنه لما استعاذ بما أمر به في ~~هذه السورة قيل له : ثم ماذا تفعل ؟ فقال : أفتتح بسم الله الرحمن الرحيم ~~الذي تجب مراقبته عند خواتم الأمور وفواتحها , لأنه لا يكون أمر إلا به , ~~أو أن البسملة مقول في { قل } على سبيل من { أعوذ } أو من { برب الناس } ~~وكأنه أمر بالتعوذ , والتسمية أمر بالدفع والجلب , وذلك لأنه لما أمر بهذا ~~التعوذ - وكان قد قال سبحانه < # > 77 ( { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم } ) 77 ms6125 < # > [ النحل : 98 ] علم أن المراد ابتداؤه بالقرآن فنسبتها إلى الفاتحة ~~نسبة المعلول إلى علته , فكأنه يل : استعذ بهذا الرب الأعظم الذي لا ملك ~~ولا إليه غيره لأن له الحمد , وهو الإحاطة بكل شيء , فهو القادر على كل شيء ~~, فهو القاهر لكل شيء في المعاد وهو الملجأ والمفزغ لا إله إلا هو , فإن ~~الاسم هو الوصف والمراد به الجنس , فمعنى بسم الله أي بوصفه أو بأوصافه ~~الحسنى , والحمد هو الثناء بالوصف الجميل , فكأنه قيل : أعوذ برب الناس ~~بأوصافه الحسنى لأن له الحمد وهو جميع الأوصاف الحسنى فإن البدءل فيه يحتاج ~~إلى قدرة , فله القدرة التامة , أو إلى علم فالعلم صفته , أو كرم فكذلك , ~~والحاصل أنه كأنه قيل : تعوذ به من الشيطان بما له من الاسم الذي لم يسامه ~~فيه أحد لكونه جامعا لجميع الأسماء الحسنى أي الصفات التي لا يشوبها نقص ~~خصوصا صفة الرحمة العامة التي شملتني أكنافها , وأقامني إسعافها , ثم ~~الرحمة الخاصة التي أنا أجدر الناس باستمطارها لما عندي من النقص المانع لي ~~منها والمبعد لمن اتبع الحظوظ عنها , فأسأله أن يجعلني من أهلها , ويحملني ~~في الدارين بوصلها , لأكون من أهل رضاه , فلا أعبد إلا إياه , ولك أن تقرر ~~الاتصال والالتحام بوجه آخر ظاهر الكمال بديع النظام فتقول : لما قرب ~~التقاء نهاية الدائرة السورية آخرها بأولها ومفصلها بموصلها اشتد تشاكل ~~الرأسين , فكانت هذه السور الثلاثة الأخيرة PageV08P618 مشاكلة للثلاث ~~الأول في المقاصد , وكثرة الفضائل والفوائد : الإخلاص بسورة التوحيد آل ~~عمران , وهو واحد , والفلق للبقرة طباقا ووفاقا , فإن الكتاب الذي هو مقصود ~~سورة البقرة خير الأمر , فهي للعون بخير الأمر , والفلق للعوذ من شر الخلق ~~المحصي لكل خير , وفي البقرة < # > 77 ( { أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } ) 77 < # > [ البقرة : 67 ] < # > 77 ( { يعلمون الناس السحر } ) 77 < # > [ البقرة : 102 ] - الآيات , < # > 77 ( { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من ~~عند أنفسهم } ) 77 < # > [ البقرة : 109 ] الآية , والناس للفاتحة , فإنه إذا فرغ الصدر الذي هو ~~مسكن القلب الذي هو مركب الروح ms6126 الذي هو معدن العقل كانت شر ظاهر ومن كل سوء ~~باطن للتأهل لتلاوة سورة المراقبة بما دعا إليه الحال المرتحل وما بعدها من ~~الكتاب , على غاية من السداد والصواب , وكأنه اكتفى أولا بالاستعاذة ~~المعروفة كما يكتفي في أوائل الأمور بأيسر مأمور , فلما ختم الختمة جوزي ~~بتعوذ من كل اتحاد - إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب , هذا ما يسره الله من ~~مدلولات نظومها وجملها , بالنسبة إلى مفهوماتها وعللها , وبقي النظر إلى ما ~~يشير إليه أعداد كلماتها , بلطائف رموزها وإشارتها , فهي عشرون كلمة ~~توازيها إذا حسبت من أول النبوة سنة عمرة القضاء وهي السابعة من الهجرة , ~~بها تبين الأمن مام وسوس به الشيطان سنة عمرة الحديبية من أجل رؤيا النبي ~~صلى الله عليه وسلم لدخول البيت والطواف به , فإذا ضممت إليها الضمائر ~~الثلاث كانت ثلاثا وعشرين فوازت السنة العاشرة من الهجرة وهي سنة حجة ~~الوداع وهي القاطعة لتأثير وسواس الشيطان الذي كان يف أول السنة الحادية ~~عشرة عند موت النبي صلى الله عليه وسلم إلى العرب بأمر الردة , فأعاذ الله ~~من شره بهمة الصديق رضي الله تعالى عنه حتى رد الناس إلى الدين وأنزل به ~~وسواس الشياطين المفسدين , فانتظمت كلمة المسلمين تصديقا لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم في حجة الوداع ( إن الشيطان قد أيس أن يعبد في جزيرة العرب ~~بعد اليوم ) فإذا ضممت إليها كلمات البسملة صارت سبعا وعشرين توازي سنة ~~استحكام أمر عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه الذي ما سلك فجا إلا سلك ~~الشيطان فجا غيره , وذلك سنة أربع عشرة من الهجرة , هذا بالنظر إلى كلماتها ~~, فإن نظرت إليها من جهة الحروف كانت لها أسرار كبرى من جهة أخرى , منها أن ~~كلماتها مع كلمات الفاتحة انتظمت من ستة وعشرين حرفا وهي ما عدا الثاء ~~المثلثة والزاء الظاء المعجة من حروف المعجم التسعة والعشرين كل واحدة ~~منهما من اثنين وعشرين حرفا PageV08P619 اشتركتا في ثمانية عشر منها , ~~واختصت كل واحدة منهما بأربعة : الفاتحة بالحاء والطاء المهملتين , والضاد ~~والغين المعجمتين , والناس ms6127 بالجيم والخاء والشين المعجمتين والفاء , وقال ~~ابن ميلق : سقط من الفاتحة سبعة أحرف ( ثج خز شظف ) , انتهى , فلعل في ذلك ~~- والله أعلم - إشارة إلى أن - تكامل نزول القرآن من أوله إلى آخره في عدد ~~الحروف التي اشتمل عليها كل من سورتي أوله وآخره من السنين وذلك اثنان ~~وعشرون , والثالثة والعشرون سنة القدوم على منزله الحي القيوم سبحانه ~~وتعالى ما أعظم شأنه , وأعز سلطانه , وأقوم برهانه . | وقال مؤلفه رحمه ~~الله تعالى : وهذا تمام ما أردته من نظم الدرر من تناسب الآي والسور , ~~ترجمان القرآن مبدي مناسبات الفرقان , التفسير الذي لم تسمع الأعصار بمثله ~~, ولا فاض عليها من التفاسير على كثرة أعدادها كصيب وبله , فرغته في ~~المسودة يوم الثلاثاء سابع شعبان سنة خمس وسبعين وثمانمائة , بمسجدي من ~~رحبة باب العيد بالقاهرة المغرية , وكان ابتدائي في في شعبان سنة إحدة ~~وستين , فتلك أربع عشرة سنة كاملة , وفرغته في هذه المبيضة عصر يوم الأحد ~~عاشر شعبان سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة , بمنزلي الملاصق للمدرسة ~~البادرائية من دمشق , فتلك اثنتان وعشرون سنة بعدد سني النبوة الزاهرة ~~الأنيسة العلية الطاهرة المباركة الزكية , ولولا معونة الله اضحى معدوما , ~~أو ناقصا مخروما , فغني بعد ما توغلت فيه واستقامت لي مبانيه , فوصلت إلى ~~قريب من نصفه , فبالغ الفضلاء في وصفه بحسن سبكه وغزارة معانيه وإحكام رصفه ~~, دب داء الحسد في جماعة أولي النكد , والمكر واللدد , يريدون الرائاسة ~~بالباطل , وكل منهم من جوهر العلم عاطل , مد ليل الجهل فيهم ظلامه , وأثار ~~نقع السفه على رؤوسهم سواده وقتامه , صوبوا سهام الشرور , والأباطيل وأنواع ~~الزور , فأكثروا التشييع بالتشنيع , والتقبيح والتبشيع , والتخطئة والتضليل ~~, بالنقل من التوراة والإنجيل , فصنفت في ذلك الأقوال القويمة , في حكم ~~النقل من الكتب القديمة , بينت فيه أن ذلك سنة مستقيمة , لتأييد الملة ~~الحنيفية العظيمة , وأخرجت بذلك نص الشافعي , وكلام النووي والرافعي , ~~واستكتبت على الكتاب : العلماء الأنجاب , فكتبوا ما أودعته ( مصاعد النظر ~~للاشراف على مقاصد السور ) فأطفأ الله نارهم , وأظهر عوارهم , وشهر خزيهم ~~وعارهم , ثم قاموا في بدعة دائم المعروف , فصنفت ms6128 فيها القول المعروف , ~~وبينت مخالفتهم للكتاب والسنة , ووقوعهم في عين الفتنة , وخرقهم لأعظم ~~الجنة , وصريح نص الشافعي ونقول العلماء , فكانوا كمن ألقم الحجر أو ملئ ~~فمه بالماء , ثم قاموا في فتنة ابن الفارض , وكلهم معاند معارض , وألبوا ~~علي رعاع الناس , فاشتد شعاع البأس , PageV08P620 فكادوا أن يطبقوا على ~~الانعكاس , وصوبوا طريق الإلحاد , وبالغوا في الرفع من أهل الاتحاد , ولجوا ~~بالخصام في العناد , وأفتوا بمحض الباطل , وبثوا السم القاتل , إلا ناسا ~~قليلا كان الله بنصرهم على ضعفهم كفيلا , فسألتهم سؤالا , جعلهم ضلالا ~~جهالا , فتداولوه فيما بينهم وتناقلوه وعجزوا عن جوابه بعد أن راموه أشد ~~الروم , وحاولوه فظهر لاكثر الناس حالهم , واشتهر بينهم ضلالهم , وغيهم ~~الواضح ومحالهم , وصنفت في ذلك عدة مصنفات , بانت فيها مخازيهم وظهرت ~~المخبآت , منها ( صواب الجواب للسائل المرتاب ) ومنها ( القارض لتكفير ابن ~~الفارض ) ومنها ( تدمير المعارض في تكفير ابن الفارض ) ومنها ( تنيه الغبي ~~على تكفير ابن عربي ) ومنها ( تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد ) ~~أنفقت فيها عمرا مديدا , وبددوا فيها أوقاتي - بددهم الله تبديدا , وهدد ~~أركانهم وأعضادهم تهديدا , وقرعتهم بالعجز عن الجواب , الكاشف للارتياب , ~~صباحا ومساء , وإعادة وإبداء , فحملهم التقريع , والتوبيخ والتبخيع , على ~~كتابه جواب , لم يخل من ارتجاج واضطراب , وشك وارتياب , بينت أن جامعه أخطأ ~~في جميعه الصواب , وكفر في أربعة مواضع كفرا صريحا , وكذب في ثمانية فصار ~~بذلك جريحا , بل هالكا طريحا , فأطلت بذلك التقريع , والتوبيخ والتبشيع , ~~فذلت أعناقهم , وضعف شقاقهم , وخفي نفاقهم , غير أنه حصل في كل واحدة من ~~هذه الوقائع , من الشرور وعجائب المقدور , ما غطى ظلامه الشموس الطوالع . | ~~وطال الأمر في ذلك سنين , وعم الكرب حتى كثر الأنين , والتضرع في الدعاء ~~والحنين , وثبت الله ورزق الصبر والأناة حتى أكمل هذا الكتاب , على ماتراه ~~من الحسن والصواب . | وقد قلت مادحا للكتاب المذكور , بماابان عنه من عجائب ~~المقدور , وغرائب الأمور , شارحا لحالي , وحالهم وظفر آمالي , وخيبة آمالهم ~~من مجزوء الرجز , وضربه مقطوع , والقافية متواتر مطلق مجرد , مسميا له ب ( ~~كتاب لما ) لأن جل مقصوده بيان ms6129 ارتباط الجمل بعضها ببعض حتى أن كل جملة ~~تكون آخذة بحجزة ما أمامها متصلة بها , وذلك هو المظهر المقصود من الكلام ~~وسره ولبابه , الذي هو للكلام بمنزلة الروح وبيان معاني المفردات , وكل ~~جملة على حيالها بمنزلة الجسد , فالوح هو المقصود الأعظم يدرك ذلك من يذوق ~~ويفهم , ويسري ذهنه في ميادين التراكيب ويعلم , و ( لما ) طرف يراد بها ~~ثبوت الثاني مما دخل عليه بثوبت الأول على غاية المكنة بمعنى أنها كالشروط ~~تطلب جملتين يلزم لذلك الملزوم , فتم الكتاب في هذا النظم ب ( لما ) لأني ~~أكثرت من استعمالها فيه لهذا الغرض : | هذا كتاب لما لم المعاني لما ~~PageV08P621 غدت بحور علمه تمد مدا جما بشرت من يحسده بأن يموت غما فإن ~~قصدي صالح جاهدت فيه الهما فربنا يقبله كيفية وكما فبالذي أردته لقد أحاط ~~علما كابدت فيه زمنا من حاسدي ما غما عدوا سنين عددا يسقون قلبي السما وكم ~~دهوني مرة وكم رموني سهما وأوسقوا قلبي أذى وأوسعوني ذما وكم بغوني عثرة ~~فما رأوا لي جرما وفتروا من قاصدي همهمة وعزما وأوعدوهم بالأذى وأوهنوهم ~~رجما ألقى إذا اشتد لظى أذى إذا هم رجما ألقى إذا الليل دجا وبالبلا ادلهما ~~أذاهم وظلمهم بدعوة في الظلما أستصرخ الله بهم أقول يا اللهما يا رب إني ~~جاهد فارفرج إلهي الغما لا ذنب لي عندهم إلا الكتاب لما جرت ينابيع الهدى ~~منه فصارت يما صنعته وفي بحو رعلمه ما طما وقد علا تركيبه وعاد يحلو نظما ~~عملته نصيحة لمن يحب العلما أودعته فرائدا يرقص منه الفهما تجلو العمى من ~~لطفها وتسمع الأصما PageV08P622 خص نفيس علمها وللأناسي عما تنطق من تغنى ~~بها وإن يكونوا بكما أفعالها جليلة أعيذها بالأسما سهل ربي أمره علي حتى ~~تما في أربع وعشرة من السنين صما قال لسان عدها دونك بدرا تما وليس يلغي ~~ناقصا يا صاحبي يوما أعيذه بالمصطفى من شر وغد ذما ومن حسود قد غدا من أجله ~~مهتما فليس يبغي ذمه إلا بغيضا أعما كفاه ربي شرهم وزان منه الأسما ms6130 ورد في ~~تدبيرهم تدميرهم والغرما وردهم بغيظهم لما ينالوا غلما وزاده سعادة ولازمته ~~النعما | قال ذلك منشبه أحوج الخلائق إلى عفو الخالق أبو الحسن إبراهيم بن ~~عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي الشافعي رحمه الله تعالى ~~قائلا : الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم ~~تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين , وحسبنا الله ونعم الوكيل . | وكان ~~الفراغ من هذا الجزء على يد أقل عبيد الله وأحوجهم إلى لطف الله وعفوه عبد ~~الكريم بن علي بن محمد المحولي الشافعي نزيل بلد الله الحرام - غفر الله له ~~ولوالديه ولمشايخه وللمسلمين - . . . | بمكة المشرفة في يوم السبت المبارك ~~الساجس والعشرين من شهر صفر الخير سنة أربع وأربعين وتسعمائة , وقد تجاوز ~~سني الآن خمسة وسبعين عاما - أسأل الله حسن الخاتمة والثبات على دين ~~الإسلام والوفاة بأحد حرميه بمنه , وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه ~~وسلم تسليما كثيرا دائما أبدا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله العي العظيم . | PageV08P623 وقال بعض تلامذة المصنف ~~وهو العرس خليل بن موسى المقرئ مادحا للكتاب المذكور المسمى ب ( لما ) : | ~~برهان دين الله أضحى موضحا أسرار قول الله في القرآن وأتى بما ترك الورى من ~~بعده تمشي الورا أبدا مدى الأزمان فمن ادعى نسجا على منواله فقد ادعى ما ~~ليس في الإمكان وإذا المفسر رام يوما أنه بمثاله يأتي بلا إذعان قلنا له ~~فسر وقايس بعد ذا ولنا الدليل عليك بالبرهان | وكان الفراغ من نسخ هذا ~~النصف الأخير من الكتبا المسمى ب ( لما ) مناسبات القرآن العظيم على من ~~أنزل عليه أفضل الصلاة والسلام في الليلة الثالثة عشرة من شهر جمادى الأولى ~~من شهور سنة سبع وتسعين وألف على يد أحقر العباد , وأحوجهم إلى مغفرة ربه ~~الجواد , محمد بن أحمد البدرشيني بلدا , الشافعي مذهبا , مصليا ومسملما على ~~أفضل وأكمل وأجمل الخلق الله محمدم بن عبد الله بن عبد المطلب وعلى آله ~~وأصحابه وأزواجه وذريته وأهل بيته ms6131 الطيبين الطاهرين صلاة وسلاما دائمين ~~متلازمين بدوام ملك الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم , وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل آمين آمين . # PageV08P624 ms6132